ghaemiyeh.com
شماره بازيابي : ۶-۲۱۸۴۲
سرشناسه : صاحب جواهر، محمدحسن بن باقر۱۲۰۰؟ - ۱۲۶۶ق.
عنوان و نام پديدآور : جوااهرالكلام[چاپ سنگي]/محمدحسن نجفي [صاحب جواهر]؛نويسنده متن:علامه حلي؛كاتب:ابوالقاسم خوانساري؛مصحح:موسي طهراني
وضعيت نشر : [بيجا: بينا]:، ۱۲۷۴ق.
مشخصات ظاهري : [۵۱۸ص.]،ج۱؛قطع:۲۳×۳۷سم
يادداشت : زبان:عربي
آغاز، انجام، انجامه : آغاز:بسمله... الحمدلله الذي ختم الشرايع باسمهما طريقة و اوضحها حقيقة و اظهرها برهانا ... و بعد فيقول العبد القاصر العاثر محمد حسن بن المرحوم باقر احسن الله اليهما ...
انجام:... الاصحاب الثاني و الله اعلم الحمدلله اولا و آخرا و ظاهرا و باطنا علي ما انعم و وفق لاتمام مباحث الطهارة.
انجامه:المكرم من سنة۱۲۷۴ق.و انا الفقير الي الله الغني ابن اسدالله ابوالقاسم خوانساري.
يادداشت استنساخ : تاريخ كتابت:۱۲۷۴ق.
مشخصات ظاهري اثر : نوع و درجه خط:نسخ
نوع و تز ئينات جلد:جلد مقوايي،روكش تيماج قهوه اي،عطف و لچكي ها گالينگور مشكي الحاقي.
خصوصيات نسخه موجود : حواشي اوراق:تصحيحاتي اندك با نشان«صح» و توضيحاتي اندك با نشان«منه»
يادداشت تملك و سجع مهر : يادداشت هاي تملك:يادداشتي با خط تحريري و با مركب مشكي " بسم الله الرحمن الرحيم و قد انتقل ذلك الكتاب مع مجلداته الاخر التي كانت عباره عن ست المجلدات مطبوعه بطبع حاجي موسي ره الي ملكي و هو مالك الملك و الرقاب من البايع المحترم الحاج شمس صاحب المكتبه في شارع ناصر خسرو و قرينا من شمس العملاره من العاصمه تهران صانها ... من الحدثان علي المبلغ الف و خمس مائه تومانا المقابل ۱۵۰۰ريالا و وقع هذا الانتقال في يوم الخامس المطباق با يوم الثاني من شهر جماديا لاولي من سنه اربع مائه بعد الالف من الهجره النبويه المصادف ۲۹/۱۲/۱۳۵۸ و انا الاحقر حسين الصالحي ... النجفي و التهراني المسكن" ( ظهريه صفحه اول)
توضيحات نسخه : نسخه بررسي شد.
نمايه ها، چكيده ها و منابع اثر : منابع ديده شده: ريحانة الادب (۳: ۳۵۸) ، ملي (۲: ۲۷۷) ، ذريعه (۵۹: ۲۴)
معرفي چاپ سنگي : جواهر الكلام كتابي مشروح و استدلالي در فقه شيعه قرن سيزدهم هجري و به زبان عربي است اين كتاب شرح مبسوط كتاب شرايع الاسلام (علامه حلي) است و جامعترين كتاب در موضوع فقه و استنباط و احكام است و همه ابواب فقه را در بر ميگيرد.نسخه حاضر مشتمل بر كتاب الطهاة است،و عناوين مطالب در حاشيه آمده است.
عنوانهاي گونه گون ديگر : جواهر الكلام في شرح شرايع الاسلام.
موضوع : محقق حلي،جعفر بن حسن۶۰۲-۶۷۶ق.-شرايع الاسلام في مسائل الحلال و الحرام--نقد وتفسير
فقه جعفري -- قرن ۷ق.
شناسه افزوده : محقق حلي،جعفر بن حسن،۶۰۲-۶۷۶ق.شرايع الاسلام في مسائل الحلال و الحرام.شرح
خوانساري،ابوالقاسم،قرن ۱۳ق.كاتب
طهراني،موسي،قرن ۱۳ق.مصحح
حسيني،فروشنده
ج3،
ج3،
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين و إذ قد فرغ من الوضوء شرع في البحث عن الغسل فقال:
و أما الغسل فهو بالضم في الأصل اسم مصدر ثم نقل في العرف الشرعي على الأقوى فيه و في نظائره إلى أفعال خاصة تقف عليها ان شاء الله للصحيح منها، أو للأعم منها و من الفاسد فسادا لا ينتفي الاسم عرفا بانتفائه من غير فرق بين الشرائط و الأجزاء، أو مع اختصاص الفساد من جهة الأول خاصة، و قد فرغنا من تحرير ذلك كله في غير هذا المقام و كيف كان ففيه الواجب و المندوب،
فالواجب ستة أغسال، غسل الجنابة و الحيض و الاستحاضة التي تثقب الكرسف و النفاس و مس الأموات من الناس قبل تغسيلهم و بعد بردهم و غسل الأموات بلا خلاف أجده في شيء منها سوى غسل المس، فعن المرتضى القول باستحبابه، و ستعرف ضعفه مما يأتي إن شاء الله و ان لم يذكره المصنف في فصل مستقل، و ممن نص على وجوبه هنا من القدماء الشيخان و القاضي و ابن زهرة و سلار و أبو الصلاح و ابنا إدريس و سعيد، و قد نفى الخلاف عنه بعضهم إلا من المرتضى، بل في الغنية الإجماع عليه، و أما الخمسة فلا إشكال في وجوبها، و يدل عليها- مضافا الى الكتاب في غسل الجنابة و الحيض على بعض الوجوه- الإجماع محصلا و منقولا، و الأخبار التي كادت تكون متواترة، بل هي كذلك في كثير منها، بل لعل وجوبها
ج3،
يعد من الضروريات في غير غسل الاستحاضة، و يظهر من المتن انه لا واجب غيرها، و هو كذلك على الأصح، خلافا لسلار في المراسم، فزاد غسل من تعمد ترك صلاة الكسوف و قد انكسف القرص كله، و ستعرف ضعفه فيما يأتي، كضعف غيره من إيجاب غسل من سعى إلى مصلوب عامدا بعد ثلاثة أيام و غيره، كما يظهر لك ذلك كله ان شاء الله في الأغسال المندوبة.
و بيان ذلك أي الأغسال الواجبة في خمسة فصول بترك ذكر فصل مستقل لغسل مس الميت.
الأول في الجنابة و هي في اللغة كما قيل البعد، و شرعا ما يوجب البعد عن أحكام الطاهرين من الإنزال أو الجماع الموجب للغسل، و لعل الأقوى ثبوت النقل الشرعي فيها للحالة المترتبة على السببين المتقدمين، و ينحصر النظر في البحث فيها في أمور ثلاثة:
في السبب و الحكم و الغسل،
أما سبب الجنابة فأمران لا ثالث لهما
الإنزال إذا علم ان الخارج مني بلا خلاف أجده فيه، بل حكى الإجماع عليه جماعة حكاية تقرب الى التواتر كالسنة من غير فرق بين مقارنته الشهوة و الدفق و الفتور و عدمها، و لا بين الرجل و الامرأة كما صرح بهذا الإطلاق جماعة حاكين عليه الإجماع، بل قد يظهر من بعضهم دعوى الإجماع عليه من المسلمين، سوى ما ينقل عن أبي حنيفة من اعتبار مقارنة الشهوة و التلذذ في وجوب الغسل، و هو ضعيف جدا، كالمنقول عن ظاهر الصدوق في المقنع، حيث قال: و إذا احتلمت المرأة فأنزلت فليس عليها غسل، و روي ان عليها الغسل إذا أنزلت، و لعله لما تسمعه من بعض الأخبار(1)مع احتمال أن يريد إذا احتلمت من دون إنزال أو من دون علم بكون الخارج منيا أو نحو ذلك.
1) 1 الوسائل- الباب- 7- من أبواب الجنابة- حديث 21.
ج3،
و من هنا ظهر لك ان ما يوجد في بعض كتب أصحابنا من تقييد سبب الجنابة بإنزال الماء الدافق كما في المقنعة و المبسوط و كافي أبي الصلاح و المراسم و الوسيلة و عن جمل السيد محمول على الغالب، فلا يعتبر المفهوم فيها، بل الظاهر منها جميعا، إرادة المني، أو يراد منها حيث لا يقطع بكونه منيا بدون ذلك، لما قد عرفت من كون الحكم مجمعا عليه عندنا، و أخبارنا به كادت تكون متواترة، كما انه يجب حمل بعض الأخبار الدالة على اشتراط جنابة المرأة بخروج المني عن شهوة على ما تقدم أو غيره من الوجوه، ك
خبر إسماعيل بن سعد الأشعري(1)عن الرضا (عليه السلام) قال: «إذا أنزلت من شهوة فعليها الغسل»
و
خبر محمد بن الفضيل(2)عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «إذا جاءتها الشهوة فأنزلت الماء وجب عليها الغسل»
و نحوهما غيرهما، خصوصا مع ظهور جميعها في إرادة التميز بذلك، كما يشعر به وقوعه عقيب السؤال من الراوي في أكثرها عن وقوع الماء منها بعد الملاعبة و نحوها مما يقتضي في الغالب خروج المذي، فكان الشرط حينئذ لتمييز الخارج منها انه مني أو لا، فتأمل.
نعم في جملة من الأخبار التي هي صحيحة السند ما يدل على عدم وجوب الغسل مع خروج المني (منها)
خبر عمر بن يزيد(3)قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «الذي يضع ذكره على فرج المرأة فيمني عليها غسل؟ فقال: ان أصابها من الماء شيء فلتغسله، و ليس عليها شيء إلا أن يدخله، قلت: فإن أمنت هي و لم يدخله قال ليس عليها الغسل»
و (منها)
خبره الآخر(4)قال: «اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة، و لبست ثيابي، و تطيبت، فمرت بي وصيفة، ففخذت لها، فأمذيت أنا و أمنت هي، فدخلني من ذلك ضيق، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن
ج3،
ذلك، فقال: ليس عليك وضوء و لا عليها غسل»
و (منها)
خبر ابن أذينة(1)قال:
قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «المرأة تحتلم في المنام فتهريق الماء الأعظم، قال:
ليس عليها غسل»
و مثله غيره، بل في بعض الروايات ما يدل على كون الحكم بذلك أي عدم وجوب الغسل بخروج المني منها يقظة معروف مشهور، كما يشعر به السؤال عن وجه ذلك في
صحيح ابن مسلم(2)قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):
«كيف جعل على المرأة إذا رأت في النوم ان الرجل يجامعها في فرجها الغسل، و لم يجعل عليها الغسل إذا جامعها دون الفرج في اليقظة و أمنت؟ قال: لأنها رأت في منامها ان الرجل يجامعها في فرجها، فوجب عليها الغسل، و الآخر انما جامعها دون الفرج فلم يجب عليها الغسل، لأنه لم يدخله، و لو كان أدخله في اليقظة وجب عليها الغسل أمنت أو لم تمن»
مع ما في
خبر عبيد بن زرارة(3)من بيان العلة في عدم وجوب الغسل على المرأة قال: قلت له: «هل على المرأة غسل من جنابتها إذا لم يأتها الرجل؟
قال: لا، و أيكم يرضى ان يرى أو يصبر على ذلك أن يرى ابنته أو أخته أو زوجته أو أحدا من قرابته قائمة تغتسل، فيقول مالك، فتقول احتلمت و ليس لها بعل، ثم قال: لا ليس عليهن ذلك، و قد وضع ذلك عليكم، قال الله تعالى (وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) و لم يقل ذلك لهن».
و حيث كانت هذه الأخبار مخالفة المجمع عليه بين الأصحاب، بل قيل بين المسلمين، و معارضة للأخبار الأخر التي كادت تكون متواترة وجب طرحها أو تأويلها أما باشتباه كون الخارج منيا، أو الحمل على أنها رأت في النوم أنها أنزلت فلما انتبهت لم تجد شيئا كما هو ممكن في بعضها، أو انها أحست بانتقال المني عن محله الى موضع
ج3،
آخر و لم يخرج منه شيء، فان مني المرأة قل ما يخرج من فرجها، لأنه يستقر في رحمها، أو يراد بالمني المذي، أو غير ذلك، و احتمل في الوسائل حملها على التقية لموافقتها لبعض مذاهب العامة، و فيه أنه مناف لما نقله المصنف في المعتبر و العلامة في المنتهى و غيرهما من كون الحكم مجمعا عليه بين المسلمين، لكن يؤيده اشتمال متنها على ما يشعر به كالتعليل المجازي في حديث ابن مسلم، و الاستدلال الظاهري الإقناعي في خبر عبيد ابن زرارة و غيره.
نعم قد يتجه حملها على التقية بناء على ما ذهب اليه بعض المتأخرين من أصحابنا من عدم اشتراط وجود المخالف في ذلك، أو يكفي احتمال وجوده، و قد كانت مذاهبهم في زمن الأئمة (عليهم السلام) منتشرة جدا لا انضباط لها، و حصر مذاهبهم في الأربعة انما كان حادثا في سنة الستمائة كما قيل، و لعل الوجه في هذه الأخبار إرادة إخفاء هذا الحكم عن النساء كي لا يتخذنه علة، كما أشارت إليه بعض الأخبار الدالة على وجوب الغسل عليهن، كما في
صحيح أديم بن الحر(1)قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) «عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل عليها غسل؟ قال: نعم، و لا تحدثوهن بذلك فيتخذنه علة»
و لعل هذه الرواية التي أشار إليها الكليني في الكافي حيث قال بعد ذكر رواية عبد الله بن سنان الدالة على وجوب الغسل عند الإنزال في النوم:
«و في رواية أخرى قال: عليها غسل و لكن لا تحدثوهن بذلك فيتخذنه علة»
انتهى.
و من المحتمل العمل بهذه الرواية لمكان صحتها و موافقتها للاعتبار، فيحرم حينئذ تحديثهن بذلك، و يخص بها ما دل على تعليم الجاهل بالحكم، لكنه بعيد جدا. نعم يحتمل تنزيلها على كراهة التحديث بذلك لهن قبل أن يسألن و يبتلين به خوفا من المحذور المتقدم، و لم أعثر على من تعرض لما دل عليه هذا الخبر من هذا الحكم في كلام أحد
1) 1 الوسائل- الباب- 7- من أبواب الجنابة- حديث 12.
ج3،
من أصحابنا المتقدمين، فتأمل.
ثم انه لا ريب و لا إشكال كما هو ظاهر النص و الفتوى في أن وجوب الغسل معلق على خروج المني إلى خارج الجسد لا مجرد الانتقال من محله و ان لم يخرج، لكن هل المدار على الخروج من الموضع المعتاد على ما هو المشهور في الحدث الأصغر، و هو خيرة العلامة في القواعد و ولده في الإيضاح و الشهيد في الذكرى و المحقق الثاني و غيرهم من متأخري المتأخرين للأصل، مع تنزيل المطلقات على المتعارف المعتاد، أو على مطلق الخروج من غير فرق بين الاعتياد و انسداد الطبيعي و عدمهما؟ و لعله الظاهر من المصنف و غيره ممن أطلق كإطلاقه، و تنزيله على ما في الحدث الأصغر بعيد، و هو المنقول عن المنتهى و التذكرة و نهاية الأحكام، و الموجود في الأول لو خرج المني من ثقبة في الإحليل غير المعتاد أو في خصيته أو في صلبه فالأقرب الوجوب، و نحوه عن نهاية الأحكام، و في التذكرة «لو خرج المني من ثقبة الذكر أو الأنثيين وجب الغسل» انتهى. و هي كما ترى لا إطلاق فيها يقتضي شمول ما فوق الصلب، و لعله من هنا قال المحقق الثاني:
انه لو خرج من غير الثلاثة المذكورة في المنتهى فاعتبار الاعتياد حقيق بان يكون مقطوعا به، قلت: و لعل الوجه خلافه، و ذلك لاشتراك الدليل بالنسبة للمجموع، و هو الإطلاقات، ك
قوله (صلى الله عليه و آله)(1): «انما الماء من الماء»
و نحوه، إذ لا تفاوت في شمولها لما تحت الصلب و ما فوقه، و كيف يكون حقيقا بالقطع مع انك قد عرفت قوة القول بنقض الخارج مطلقا في الحدث الأصغر من غير فرق بين الخارج من تحت المعدة و فوقها، مع كثرة الأخبار(2)الدالة هناك على تقييد الناقض بكونه الخارج من الذكر و الدبر و طرفيك الذين أنعم الله بهما عليك و نحو ذلك، و قلتها هنا،
ج3،
فيكون المقام أولى حينئذ.
و من التأمل فيما تقدم هناك يظهر لك قوة القول الثاني هنا، و ضعف ما تمسكوا به للأول من انصراف المطلقات الى المتعارف المعهود، بل لعل التأمل يقضي بأن المسألة في المقام كمسألة الحدث الأصغر، فيجري فيها حينئذ من الاحتمالات ما يجري هناك لاتحاد المدرك فيهما، فيحتمل القول بالنقض مطلقا، و العدم مطلقا، و التفصيل بالاعتياد و عدمه، و التفصيل بما دون الصلب و فوقه، كالتفصيل بما تحت المعدة و فوقها، لكنه قد يظهر من كلام جملة من الأصحاب في المقامين حصول الفرق بينهما، و
الظاهر خلافه، و طريق الاحتياط غير خفي، و حكم الخنثى المشكل يظهر مما تقدم، فلا يحكم بجنابتها إلا بالخروج من الفرجين، أو من أحدهما مع الاعتياد على القول الأول، بخلاف الثاني، فإنه يحكم بجنابتها بمجرد الخروج من أحدهما و ان لم يحصل الاعتياد، و حكم الممسوح كذلك على الظاهر، و فيه تأمل.
فإن حصل ما يشتبه به المني فإن كان صحيحا و كان الخارج دافقا يقارنه الشهوة و اللذة و فتور الجسد أي انكساره جرى عليه حكم الجنب، فيحرم حينئذ عليه قراءة العزائم و دخول المساجد و وجب عليه الغسل و غير ذلك من الأحكام و إن لم يحصل له القطع من ملاحظتها بكونه منيا، لما ستعرفه من الأدلة، و بها يحكم على ما دل(1)على عدم نقض يقين الطهارة إلا بيقين الحدث، و ظاهر المصنف اشتراط وجود الثلاثة، فلا يكفي الاعتبار بواحد، كما هو صريح بعض متأخري المتأخرين و ظاهر المعتبر و التحرير و المنتهى و الإرشاد و نهاية الأحكام، و ربما ظهر من بعضهم اعتبار كون رائحته كرائحة الطلع و العجين رطبا و بياض البيض جافا مع الأوصاف السابقة، و يظهر من العلامة في القواعد الاكتفاء بالدفق و الشهوة، و من النافع الاكتفاء
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب نواقض الوضوء حديث 7.
ج3،
بالدفق و فتور البدن، و ظاهر الوسيلة و عن النهاية اعتبار الدفق خاصة، و في كشف اللثام انه قد يظهر ذلك من المبسوط و الاقتصاد و المصباح و مختصره و جمل العلم و العمل و العقود و المقنعة و التبيان و المراسم و الكافي و الإصباح و مجمع البيان و روض الجنان و أحكام الراوندي.
قلت: و كأنه فهم ذلك من قولهم في سبب الجنابة إنزال الماء الدافق، و إلا فلم يتعرض في بعض ما حضرني ممن نقل عنهم كالمبسوط و المراسم و غيرها لمسألة التمييز بذلك عند الاشتباه، لكن لعل التأمل يقضي بأنه لا ظهور لتلك العبارة فيما ذكر، و صريح المحقق الثاني في جامع المقاصد و الشهيد الثاني في الروض و المسالك الاكتفاء بحصول واحد من الأوصاف الثلاثة، بل في الأولين الاكتفاء بالرائحة فقط مع نفي الخلاف عنها في جامع المقاصد، فصار الحاصل من جميع ما تقدم هو إما اعتبار الثلاثة معا، أو الأربعة، أو الدفق و الشهوة، أو الدفق و فتور البدن، أو الدفق خاصة، أو يكتفي بواحد من الثلاثة أو الأربعة، فتنتهي حينئذ إلى سبعة أقوال، نعم يمكن إرجاع القول بالاكتفاء بالاثنين من الدفق و الشهوة أو الدفق و الفتور إلى شيء واحد، لتلازم الشهوة و الفتور، و كذا العكس، فحينئذ يرجعان الى اعتبار الثلاثة، فتكون الأقوال خمسة حينئذ، و لعل ما في الجامع لابن سعيد يكون سادسا، لأنه قال: و علامة مني الرجل بياضه و ثخانته و ريحه ريح الطلع و البيض جافا، و قد يخرج رقيقا أصفر كمني المرأة.
ثم انه لا خلاف على الظاهر كما قيل في الرجوع الى هذه العلامات عند الاشتباه و ان لم نفده يقينا بكونه منيا، بل ربما يظهر من بعض المتأخرين استظهار الاتفاق عليه من الأصحاب، و لعله لأنه لم يستظهر الخلاف من بعض قدماء الأصحاب حيث انهم علقوا الحكم على خروج المني مع عدم ذكرهم الرجوع الى هذه العلامات عند الاشتباه، كما انه لم أعثر على من استظهر ذلك من أحد منهم و لا من نقل خلافا فيه، لكن قد يظهر للمتأمل في عبارة السرائر عدم اعتبار هذه، بل المدار على العلم بكونه منيا حيث
ج3،
انه أنكر على الشيخ اكتفاءه بالشهوة بالنسبة للمريض قائلا ما حاصله ان المدار على المني فلا فرق بين الصحيح و المريض في ذلك، إلا اني لم أعرف أحدا نقل خلافه في المقام.
و كيف كان فيدل عليه مضافا إلى ذلك
صحيحة علي بن جعفر(1)عن أخيه (عليهما السلام) قال: سألته «عن الرجل يلعب مع المرأة و يقبلها فيخرج المني فما عليه؟
قال: إذا جاءت الشهوة و دفع و فتر لخروجه فعليه الغسل، و ان كان انما هو شيء لم يجد له فترة و لا شهوة فلا بأس»
و هي كما انها دلت على أصل الاعتبار بهذه العلامات دلت على ما استظهرناه من المصنف و ما تقدم من كون المعتبر اجتماع الثلاثة، لا يقال:
ان ظاهر هذه الرواية غير معمول به بين الأصحاب، و ذلك لدلالتها على اشتراط هذه الأمور مع كون الخارج منيا، و قد عرفت انه ممن لا يقول به أحد من الشيعة، لأنا نقول: أما أولا فالمنقول عن كتاب علي بن جعفر روايته بدل المني الشيء، فالظاهر حينئذ انه اشتباه من النساخ، و ثانيا لعل السائل بنى ذلك أي كونه منيا على الظن، فجاء الجواب مفصلا للحكم رافعا للوهم، أو يراد انه إذا اشتبه على الإنسان فاعتقد انه مني فإنه يعتبره بوجود الصفات، و على كل حال فصرفه عن هذا الظاهر لمكان الإجماع لا يقدح في أصل الاستدلال بها على اعتبار الصفات للمشتبه كما هو واضح، لا يقال: ان
قوله (عليه السلام) في آخر الحديث: «و ان كان انما هو شيء»
الى آخره ينافي ما ذكرته من الاستدلال بها، على أن نفي الواحدة تكفي في نفي الحكم بالجنابة، لظهورها في اشتراط نفي الجنابة بنفي الفترة و الشهوة معا، بل لعل مقتضى مفهومها حينئذ ثبوت الجنابة بحصول أحد الوصفين، فتكون معارضة لمدلول صدرها، لأنا نقول: قد يدعى التلازم بين الشهوة و الفترة، فلا يكون عطف قوله و لا شهوة مفيدا فائدة جديدة، إذ انتفاء الفترة يستلزم انتفاء الشهوة، و أيضا فالمنساق الى الذهن من الروايات ان المذكور أخيرا انما هو بعض
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الجنابة حديث 1.
ج3،
ما يقتضيه مفهوم الشرط الأول، و ليس بشرط مستقل يلحظ مفهومه و منطوقه كما هو واضح، كل ذا مع موافقة مقتضى الصدر للأصل، و هو حجة ثانية لهذا المذهب إذ هو يقتضي ان الشك في الحدث ليس حدثا، فيقتصر في الخروج عن هذا الأصل على محل اليقين، و هو مع اجتماع الثلاثة بل و الأربعة إلا انه لما لم نعثر على اعتبار الوصف الرابع و هو الرائحة المذكورة في شيء من الأخبار بل ظاهر هذه الرواية و غيرها عدمه قوي الظن بعدم مدخليته.
و منه تعرف ضعف القول به منضما و منفردا، و من العجيب ما سمعته من جامع المقاصد من نفي الخلاف في الاعتماد عليها لو حصلت منفردة، و بما ذكرناه مع ما تسمع يظهر لك قوة القول بكون الثلاثة خاصة مركبة بالنسبة إلى صحيح المزاج، و أما ما ذكره في جامع المقاصد و غيره من الاكتفاء بأحد الثلاثة أو الأربعة فلا أعرف
له مستندا، و أقصى ما ذكر هو في توجيهه انها صفات متلازمة إلا لعارض كمرض و نحوه، فوجود بعضها حينئذ كاف، و كذلك غيره ممن وافقه، فإنه قال: انها متلازمة غالبا، و إلا فلو فرض انفكاكها فالواحد منها كاف في ذلك، و فيه انه مصادرة مع فرض تجويز الانفكاك، و خال عن الدليل مع فرض عدمه، بل ظاهر الصحيحة المتقدمة و غيرها خلافه، منها الأخبار التي فصلت بين المريض و الصحيح ك
صحيحة ابن أبي يعفور(1)عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: «الرجل يرى في المنام و يجد الشهوة فيستيقظ فينظر فلا يجد شيئا، ثم يمكث الهوين بعد فيخرج، قال: إن كان مريضا فليغتسل، و ان لم يكن مريضا فلا شيء عليه، قلت فما الفرق بينهما؟ قال: لأن الرجل إذا كان صحيحا جاء الماء بدفقة قوية و ان كان مريضا لم يجئ إلا بعد»
و يقرب منه غيره، و هو كما أنه دال على انفكاكها بالنسبة للصحيح كذلك دال على نفي الحكم
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الجنابة حديث 3.
ج3،
بالجنابة مع نفي الدفق خاصة، و هو أيضا مما يؤيد ما ذكرنا.
فظهر لك بذلك كله ضعف القول بالاكتفاء بواحد منها، كما ان الظاهر ضعف القول باعتبار الدفق خاصة، إذ ليس في الأدلة ما يدل على انه يحكم بالجنابة بمجرده، بل قد عرفت أن فيها ما يخالفه، و أما الاستدلال عليه بقوله تعالى(1)(خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ) فضعيف، إذ لا دلالة فيه، على أن لا دافق غيره مما يخرج من الذكر حتى يكون وجوده دليلا على كونه منيا، و أما ما سمعته من العلامة في القواعد و المصنف في النافع فقد عرفت أن الظاهر رجوعهما الى اعتبار الثلاث، لمكان تلازم الشهوة للفتور و بالعكس، و مع فرض العدم فهما محجوجان بما سمعت. لا يقال: ان المني من الموضوعات التي يكتفي فيها بالظن، و لا ريب في حصوله بواحد من الصفات الثلاثة، بل و بالرائحة أيضا، و نحو ذلك. لأنا نقول فرق واضح بين تحقق الموضوع و بين معنى الموضوع، و أقصى ما يكتفى بالظن انما هو في الثاني دون الأول.
و مما تقدم ظهر لك وجه قول المصنف و لو كان مريضا كفت الشهوة و فتور الجسد في وجوبه مع عدم الخلاف فيه فيما أجد، و لعله لما سمعته من صحيح ابن أبي يعفور مضافا الى
الحسن كالصحيح عن زرارة(2)عن أبي جعفر (عليه السلام) على ما رواه الصدوق في العلل حكاه في الوسائل قال: «إذا كنت مريضا فأصابتك شهوة فإنه ربما كان هو الدافق، لكنه يجيء مجيئا ضعيفا ليس له قوة، لمكان مرضك ساعة بعد ساعة قليلا قليلا، فاغتسل منه»
و
صحيحة معاوية بن عمار(3)قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الرجل احتلم فلما انتبه وجد بللا قليلا، قال: ليس بشيء إلا أن يكون مريضا، فإنه يضعف، فعليه الغسل»
بل في
خبر محمد بن مسلم(4)
ج3،
وجوب الغسل على المريض بالجنابة بمجرد الشهوة و اللذة في حال النوم و ان لم يجد شيئا، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): «رجل رأى في منامه فوجد اللذة و الشهوة، ثم قام فلم ير في ثوبه شيئا، فقال: ان كان مريضا فعليه الغسل، و ان كان صحيحا فلا شيء عليه»
لكنه قال في الحدائق: انه لم يذهب الى ذلك ذاهب من الأصحاب و لم يرد به خبر آخر في الباب، بل ربما دلت الأخبار على خلافه، قلت: و هو كما قال، فوجب حمل الرواية على ضرب من التأويل إما بأنه لم يجد على ثوبه و ان رأى في رأس ذكره شيئا أو غير ذلك، أو طرحها.
و لو تجرد عن الشهوة و الدفق مع اشتباهه لم يجب و هل المرأة كالرجل فيما ذكرنا من الأوصاف كما يقتضيه إطلاق العبارة و غيرها أو لا؟ الأقوى الثاني، لظهور ما سمعته من الصحيحة المتقدمة في الرجل، و حينئذ و على الثاني فهل يكفي الشهوة من غير اعتبار غيرها أو انها لا تلتفت إلى شيء من الأوصاف حتى تعلم انه مني؟ اختار بعض متأخري المتأخرين الأول، و لعله لما
في بعض المعتبرة(1)«إذا جاءت الشهوة فأنزلت الماء وجب عليها الغسل»
و نحوه غيره، و قد يتأمل في الدلالة على ذلك مع الأصل، و منه يظهر وجه الثاني حينئذ، فتأمل.
و ان وجد المكلف على ثوبه أو جسده منيا لا بللا لا يعلم كونه منيا وجب الغسل إذا لم يشركه في الثوب غيره أي بان لا يكون مختصا به، فيكون عين ما عبر به في المعتبر و القواعد و الإرشاد و التحرير و الذكرى و الدروس، إلا انه لم يذكر الجسد في المعتبر و التحرير، و لعله لا خلاف من هذه الجهة بل المقصود التمثيل، و لذا زاد بعضهم الفراش و نحوه، نعم يحتمل ذلك بالنسبة إلى غيرها من العبارات، فوجب التعرض لجملة منها، قال الشيخ في النهاية: «إذا انتبه فرأى على فراشه أو ثوبه منيا و لم يذكر
1) 1 الوسائل- الباب- 7- من أبواب الجنابة- حديث 13.
ج3،
الاحتلام وجب عليه الغسل، فان قام من موضعه ثم رأى بعد ذلك فان كان ذلك الثوب أو الفراش مما يستعمله غيره لم يجب عليه غسل، و ان كان مما لا يستعمله غيره وجب عليه الغسل» انتهى. و ظاهره اعتبار التفصيل بالاشتراك و الاختصاص بعد القيام من موضعه، و من هنا اعترض عليه ابن إدريس و تبعه عليه جملة ممن تأخر عنه بأنه لا مدخلية للقيام في ذلك و في المختلف «التحقيق انه لا تنافي لأن قصد الشيخ وجوب الغسل مع انتفاء الشركة و عدمه مع ثبوتها، و انما اعتبر هذا التفصيل مع القيام لأنه الغالب و لم يعتبره مع عدم القيام لندوره» انتهى.
قلت و كيف كان فالأمر سهل، إذ على تقدير إرادته ذلك فمرحبا بالوفاق، و إلا كان محجوجا بما تسمع إن شاء الله. نعم ظاهر عبارته اختصاص الحكم في صورة الانتباه من النوم، كما هو ظاهر المصنف في النافع و صريح الفاضل في الرياض و قضية إطلاق كثير من الأصحاب خلافه، و في المنتهى و التحرير ذكر مسألتين، الأولى لو استيقظ الرائي فوجد المني وجب الغسل، قال: لأنه منه، و لا اعتبار بالعلم بالخروج في وقته، ثم استدل عليه في الأول برواية عامية(1)و موثقة سماعة الآتية، ثم قال: ان سماعة فيه قول إلا أن روايته متقبلة عند الأصحاب، و النظر يؤيدها.
الثانية لو رأى منيا في ثوبه قال: فان اختص به وجب عليه الغسل، ثم استدل برواية عامية(2)غير الأولى و رواية سماعة أيضا، و علله بأنه لا يحتمل ان يكون من غيره، و في التذكرة قال: «و لو رأى المني على جسده أو ثوبه وجب الغسل إجماعا لأنه منه و ان لم يذكر الاحتلام، الى أن قال: و لو رأى في ثوبه المختص منيا وجب عليه الغسل و إن كان قد نزعه ما لم يشك انه مني آدمي» انتهى. فلعل مقصوده في الكتب الثلاثة
ج3،
من المسألة الأولى انه حيث يعلم المكلف ان المني خرج منه بهذه النومة مثلا إلا أنه لم يذكر وقت الاحتلام، فإنه لا إشكال في وجوب الغسل حينئذ، و لذا نقل الإجماع عليه في التذكرة، بخلاف ما نحن فيه من الوجدان في الثوب المختص، فإنه قد يقال:
بالاكتفاء فيه إما للعمل بظاهر الحال كما يقتضيه المنقول من ظاهر نهاية الأحكام، أو غير ذلك، و الذي عثرت عليه في الروايات مما يتضمن هذا الحكم ما رواه
الشيخ في الموثق عن سماعة(1)قال: سألته «عن الرجل يرى في ثوبه المني بعد ما يصبح و لم يكن رأى في منامه انه قد احتلم، قال: فليغتسل و ليغسل ثوبه و يعيد صلاته»
و ما رواه
الكليني في الموثق أيضا عن سماعة(2)قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الرجل ينام و لم ير في نومه انه قد احتلم فوجد في ثوبه و على فخذه الماء هل عليه غسل؟ قال: نعم»
و أما ما في
خبر أبي بصير(3)مما يعارض ذلك قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الرجل يصيب في ثوبه منيا و لم يعلم انه احتلم قال: ليغسل ما وجد بثوبه و ليتوضأ»
فقد حمله الشيخ على الثوب المشترك، و غيره على غيره كما ستسمع، و كلام الأصحاب في المقام لا يخلو من اضطراب.
و كشف الحال ان نقول ان ما ذكروه من وجوب الاغتسال عند الوجدان في الثوب المختص و نحوه محتمل لوجوه ثلاثة، بل أربعة، (الأول) ان يكون قد جروا به على وفق القاعدة، و لا خروج فيه بشيء عنها، فلا بد من تقييد الروايات كما لعله الظاهر من سياقها و كلام الأصحاب بالعلم بخروج المني منه خروجا لم يغتسل منه بمعنى علم الجنابة و ان لم يذكر وقت خروجه منه، فلا يكون فيه مخالفة لقاعدة نقض الطهارة بشك و لا غيره، و ما يقال: من انه يبعد حمل كلام الأصحاب عليه، إذ هو بيان للبديهيات، و كان يمكنهم الاكتفاء بما ذكروه قريبا منه متسالمين فيه ان الجنابة
ج3،
تحقق بخروج المني من المكلف من غير اعتبار لشيء آخر أبدا، و أنه حينئذ لا معنى للفرق بين الثوب المختص و المشترك، إذ المدار على العلم، و لا بين الاشتراك بين كونه دفعة أو على سبيل التناوب كما وقع من المحقق الثاني و الشهيد الثاني يمكن الجواب عنه بأنه لعل ذلك لمكان تعرض الروايات له، كما هي عادتهم في ذكر أحكام كثيرة مستغنى عنها، لمكان وجودها في الأخبار، أو لمكان الفروع التي تسمعها في مسألة الثوب المشترك، أو لما وقع فيها من الخلاف بين العامة، فتعرض ممن عادته التعرض لذلك، كما يقتضيه عبارة المرتضى المنقولة عنه في السرائر و كلام العلامة في المنتهى و غيره، و تبعهم غيرهم غفلة عن حقيقة الحال، و لعل فرقهم بين المختص و غيره انه غالبا يحصل العلم بسببه بخروج المني منه أو لنحو ذلك، و لعل ذلك وجه الفرق بين الاشتراك النوبي أو الدفعي كما سمعته من المحقق الثاني، إلا أن الانصاف ان ذلك بعيد في كلامه.
(الثاني) ان يكون مقصودهم خروج هذه المسألة عن القاعدة المعلومة، و هي عدم نقض اليقين إلا باليقين، فتكون مسألة تعبدية صرفة، فيجب على الواجد الاغتسال حتى فيما لو احتمل انه من غيره، كما عساه يظهر من الموجز الحاوي، بل كاد يكون صريحه، كالمنقول عن نهاية الأحكام من التعليل، و لعله ظاهر جامع المقاصد و الروض و صريح الفاضل في الرياض فإنه قال في شرح عبارة النافع: «و يجب ان يغتسل المستيقظ إذا وجد منيا على جسده أو ثوبه الذي ينفرد به مع إمكان كونه منه و عدم احتماله مني غيره، للموثق و مثله في آخر و ظاهر إطلاقهما جواز الاكتفاء بالظاهر هنا عملا بشهادة الحال، و نقل القطع به هنا عن الشيخ و الفاضلين و الشهيد و غيرهم، و عن التذكرة الإجماع عليه، و ينبغي الاقتصار فيه على ظاهر موردهما من وجدانه عليهما بعد الانتباه، كظاهر المتن اقتصارا فيما خالف الأصل المتيقن من عدم نقض اليقين إلا بمثله الوارد في الصحاح و غيرها المعتضد بالاعتبار و غيره على القدر المتيقن من الروايتين، فلا يجب
ج3،
الغسل بوجدانه مطلقا، بل في الصورة المزبورة دون غيرها، و عليه يحمل الخبر أي خبر أبي بصير عن الرجل الى آخره، و حمله على ما سيأتي من الثوب المشترك كما عن الشيخ بعيد» انتهى.
قلت: و ربما يؤيده إطلاق بعض العبارات و ما سمعته في الوجه السابق، إلا ان التأمل في كلام الأصحاب يرشد الى خلافه كالشيخ في المبسوط، لأنه علل وجوب الاغتسال بتحقق خروجه منه، و ابن إدريس في السرائر، فإنه نقل عن المرتضى انه قال: عندنا ان من وجد ذلك في ثوب أو فراش مما لا يستعمله سواه و لا يجوز فيما وجده من غيره يلزمه الغسل و ان لم يذكر الاحتلام، و جعل ذلك مدار الفرق بين الثوب المشترك أو المختص، ثم نقل عنه كلاما طويلا يتضمن التعرض لنقل كلام العامة و رده، و حاصل ما يتحصل من جميع كلامه ان المدار على العلم، لعدم جواز نقض يقين الطهارة بغيره، الى أن قال ابن إدريس بعده: و هو واضح سديد في موضعه، و قد سمعت عبارة المنتهى و تعليله بكونه لا يحتمل من غيره، و قد صرح باعتبار العلم في كشف اللثام و المدارك و الذخيرة و شرح الدروس و غيرها، و يؤيده أيضا تعليلهم في مسألة الثوب المشترك بعدم نقض اليقين إلا بمثله، مع عدم إشارة منهم الى خروج المسألة الأولى عن القواعد، و انها تعبدية محضة عدا من عرفت، على انه لا صراحة فيما سمعته من الروايات بإخراجها، بل و لا ظهور، بل المتبادر من سياقها حصول العلم كما يتفق لنا في كثير من الأوقات بعد الاستيقاظ من النوم سيما رواية رؤيته على الجسد، و لعل السؤال عنها للرد على بعض العامة الذي لا يوجب الغسل حتى يذكر الاحتلام، أو لحصول الاشتباه للراوي من عبارة سمعها منهم (عليهم السلام) انه لا يجب الاغتسال حتى يحصل الشهوة و الدفق و الفتور، فتخيل ان ذلك شرط، أو نحو ذلك، فلا ينبغي قطع تلك القاعدة المعلومة بمثل هذين الخبرين، على انهما معارضان بخبر أبي بصير المتقدم، و ما وقع في
ج3،
عبارة الرياض من انه نقل القطع به عن الشيخ و الفاضلين و الشهيد و غيرهم و عن التذكرة الإجماع عليه لعله سهو منه، و كأنه عول في ذلك على عبارة كشف اللثام كما هي عادته قال في كشف اللثام بعد ان اعتبر العلم بكونه منه و ذكر رواية سماعة و قال بعدها بلا فاصل: و في نهاية الأحكام عملا بالظاهر، و هو الاستناد اليه، و هو مما قطع به الشيخ و ابن إدريس و الفاضل و الشهيد و غيرهم، و في التذكرة الإجماع عليه انتهى.
قلت: و الظاهر ان مراده بالضمير أصل الحكم لا ما نقله عن نهاية الأحكام كما يرشد اليه استقراء كلمات من نقل عنهم، فإن أكثرها كالصريح في اعتبار العلم سيما إجماع التذكرة، فإنك قد عرفت انه لم ينقله على ما نحن فيه في أحد الوجهين، على أنه علله بما تقدم، و من العجيب ما وقع في الرياض أيضا من تقييده أولا بإمكان كون المني و عدم احتماله من غيره، ثم اكتفائه بظاهر الحال، و كأنه تبع في ذلك كاشف اللثام في مزجه لعبارة القواعد، لكنك قد عرفت انه لم يكتف بظاهر الحال، بل اعتبر العلم فصح له ذلك، بخلافه هو، ثم ان اختياره اختصاص ذلك في صورة الانتباه كأنه في غير محله، بناء على المنقول اليه من إجماع التذكرة و غيره الذي يكون قرينة على التعدي عن محل سؤال الروايتين، و الحاصل ان التعرض لما في كلامه يحتاج الى تطويل.
(الثالث) ان يراد بكلام الأصحاب ما هو المتعارف الوقوع الكثير الدوران في غالب أفراد الناس، و هو انهم يجدون المني في الثوب المختص و يعلمون انه منهم لكن لم يعلموه انه من جنابة سابقه قد اغتسل عنها أو لاحقة متجددة، فإنه حينئذ بمجرد ذلك أوجبوا الاغتسال، و يكون المدار على نفي احتمال كونه من غيره، كما لعله تشعر به بعض كلمات بعضهم، لا يقال: ان ذكر ذلك أيضا قليل الفائدة كالوجه الأول، لأنه من المعلوم انه إذا علم كون المني منه يجب عليه الاغتسال، لأنا نقول: انه اشتباه، لأن العلم بكون المني منه أعم من وجوب الاغتسال، إذ قد يكون من جنابة قد اغتسل
ج3،
عنها و لا ينقض اليقين إلا بيقين مثله، لا يقال: انه يكون من قبيل من تيقن الطهارة و الحدث و لم يعلم السابق منهما، فإنه يجب عليه الاغتسال حينئذ، و قد ذكروا ذلك في محله، فأي فائدة لهم في ذكره هنا، لأنا نقول: انه فرق واضح بين ما نحن فيه و بين تلك المسألة لأنه في المقام لا يعلم حدوث جنابة غير الأولى، فكان الأصل عدمها كما هو كذلك في كل ما شك في تعدده و اتحاده، بخلاف تلك، فإنه من المعلوم وقوع الحدث و الطهارة، لكنه جهل صفة السبق و اللحوق، و هنا لم يعلم أصل الوجود فضلا عن السبق و اللحوق، فحينئذ يكون كلام الأصحاب لبيان مسألة مخالفة للقواعد لمكان الروايات و لا ينافيه ذكر العلم في كلام جملة منهم، إذ هو أعم من إيجاب الغسل، و كان هذا الوجه ليس ببعيد بل هو أقرب من سابقه، إلا أن الأقوى في النظر الوجه الأول، فلا يجب الاغتسال إلا بالعلم بكونه منه و انه من جنابة جديدة لم يغتسل منها و ان لم يعرف وقتها، و عليه تنزل الروايات، و يحمل خبر أبي بصير المتقدم الذي ظاهره عدم وجوب الاغتسال على صورة عدم العلم بكونه من جنابة سابقه أو لاحقة و ان علم بكونه منه، فإن رؤيته له بثوبه لا يقضي بأزيد من ذلك.
(الرابع) احتمال كون المدار على مجرد احتمال كونه منه تعبدا محضا، و يكون الفرق بين هذا و الوجه الثاني اعتبار المظنة في المتقدم دونه، و إذ قد عرفت ضعفه فهذا بالطريق الأولى، فكان أصح الوجوه الأول، و حينئذ لا فرق بين كون الثوب مختصا أو مشتركا تعاقبا أو دفعة، و احتمال كون التعرض لذلك كما هو قضية عبارة المصنف و غيره من حيث كونه يفيد العلم أو لا يفيده فيه انه ليس من وظائف الفقيه، إذ هو مختلف باختلاف الأشخاص و الأزمان، نعم يتجه البحث عن ذلك بناء على خروج المسألة عن القواعد سيما على الوجه الثاني و الرابع، فنقول: انك قد عرفت ان الموجود من الروايات (ثوبه)، و من المعلوم ان المتبادر كون الثوب ثوبه حال الوجدان فلا عبرة
ج3،
بما وجده على ما كان ثوبه و ان علم أنه لم يحدث من الشريك، لكنه لم يعلم كونه منه، كما انه من المعلوم شمول اللفظ للمملوك العيني و المنفعتي مع الانتفاع فيه فعلا و عدم المشارك فيه، و هل يدخل فيه المستأجر أو المستعار؟ إشكال، سيما مع قصر الزمان، لصحة السلب عنه، كالإشكال في المشترك فيه على التعاقب في الحكم بالجنابة على صاحب النوبة أو لا، و ان كان ظاهر إطلاق الأصحاب و تعليلهم بعدم نقض اليقين إلا باليقين الثاني، و اختار بعضهم الأول، و ربما علل بأصالة التأخر، و فيه انها غير جارية في المقام، لمعارضتها بأصالة عدم وقوع الحدث منه لاحتمال كونه من الشريك كما هو واضح.
لا يقال: انه يصدق عليه في هذا الحال انه ثوبه، لأنا نقول: و ان صدق الإضافة بأدنى ملابسة لكن حقيقتها خلاف ذلك، و إلا لوجب الحكم بجنابتهما معا حيث يجدان المني فيه دفعة و ان كان في نوبة أحدهما، لصدق الثوبية على كل واحد منهما، و من العجيب ما عن الدروس فإنه استوجه أولا إلحاق ذي النوبة بالمختص، ثم قال:
و لو لم يعلم صاحب النوبة فكالمعية، و لا يخفى ما فيه، لأنه إن كان المدار على العلم كما هو قضية العبارة سقط ما قاله أولا و إلا فما قاله ثانيا، فتأمل جيدا.
و فروع المسألة بناء على ذلك غير متناهية تخرج بالتأمل، لكن ينبغي ان يقتصر منها على المتيقن، لمخالفتها للأصول و القواعد، فلا يجري الحكم على الثوب المشترك فيه دفعة قطعا، و على أحد الوجهين في التعاقب و ان قطعا بكونه من أحدهما، لأصالة البراءة بالنسبة الى كل واحد منهما، و عدم جواز نقض اليقين إلا بيقين مثله، و احتمال القول بوجوب غسلهما لصدق إضافة الثوب الى كل واحد منهما مما لا ينبغي ان يصغى اليه، للقطع بعدم تناول الروايات لمثله، مع انك قد عرفت ان صدق الإضافة أعم من حقيقتها كالقول بالوجوب من باب المقدمة، إذ من المعلوم انه لا يجب الفعل من مكلف مقدمة لفعل مكلف آخر، و من هنا لم أعثر فيه على خلاف بين أصحابنا، بل لعله إجماعي كما
ج3،
عساه يظهر من المنقول في السرائر من خلاف المرتضى (رحمه الله)، و به صرح بعض متأخري المتأخرين كصاحب المدارك و غيره، نعم يمكن القول بالاستحباب تخلصا من شبهة الجنابة كما صرح به في المبسوط و المعتبر و المنتهى و التذكرة و الذكرى و الدروس و النفلية و الروض و غيرها و عن الإصباح و نهاية الأحكام، بل نسبه في شرح الدروس و الذخيرة إلى الأصحاب مشعرين بدعوى الإجماع عليه و لعل وجهه حسن الاحتياط، و صرح بعض الأصحاب انه ينوي الوجوب في غسله، و استغربه آخر من حيث الحكم بالاستحباب مع نية الوجوب، و فيه انه لا تنافي بين نية الوجوب الاحتياطية و استحباب هذا الاحتياط.
و هل يكتفي بهذا الغسل حتى لو علم بعد ذلك بأن الجنابة منه أو ما دام مجهول الأمر؟ استوجه المحقق الثاني وجوب الإعادة لو علم بعد ذلك، و كأنه لعدم الجزم بالنية في السابق، و ساغ لعدم إمكان غيره، أما مع الإمكان فلا، و فيه انه خلاف ما يظهر من الأدلة و كلام الأصحاب و ما يقتضيه أصل مشروعية الاحتياط، على انه يبعد تحقق ما قاله في مثل المقام أي في نحو ارتفاع الحدث، فإنه إما ان يكون ذلك الغسل رافعا له أو لا، فان كان الأول ثبت المطلوب، و إلا فلا معنى للحكم باستحبابه مع نية الرفع فيه، و أما القول بأنه يرتفع الى ان يعلم بالجنابة فيعود فلا تخفى بشاعته، و إذ قد عرفت عدم وجوب الغسل على كل واحد منهما لتمسكه بأصالة الطهارة و غيرها إلا انه هل يقضي ذلك بسقوط حكم الجنابة عنهما بالنسبة الى كل فعل، فيكون حالهما كحال الطاهر من سائر الوجوه، أو إنه يسقط بعض أحكامها بالنسبة الى كل واحد منهما، و تظهر الثمرة بائتمام كل منهما بالآخر، و بانعقاد الجمعة بهما؟ ظاهر التذكرة و المنتهى و صريح المدارك و الذخيرة و شرح الدروس و الرياض الأول، و خيرة المعتبر و الإيضاح و الدروس و البيان و جامع المقاصد و الروض الثاني، و لعله الأقوى، لحصول العلم حينئذ بالجنب قطعا، ففي مثل الائتمام يعلم أنها
ج3،
إما صلاة جنب أو مع جنب، و كل منهما يفسد، و كذا يعلم فساد صلاة واحد من العدد، و من هنا جعل الضابط في الإيضاح و جامع المقاصد أن كل فعل توقفت صحته على صحة فعل الآخر بطل المتوقف خاصة كما في الائتمام، و بطلا معا ان كان التوقف من الجانبين كما في عدد الجمعة، و أما إذا لم يتوقف صحة صلاة أحدهما على صلاة الآخر مثلا و لو توقف المعية صحت الصلاتان، و منع حصول حدث الجنابة إلا مع تحقق الانزال من شخص بعينه يدفعه انه مناف لما دل على تسبيب الانزال الجنابة من غير اشتراط بشرط كما هو واضح، كوضوح فساد الاستدلال عليه بسقوط الغسل عن كل واحد منهما، إذ ذلك لمكان التمسك بالاستصحاب السالم عن معارضة باب المقدمة، و هو حجة ظاهرية لا يمنع العلم بحصول الواقع و مانعيته لغير المستمسك، على ان تمسك المأموم هنا بالاستصحاب بالنسبة اليه و الى إمامه يذهب المعلوم واقعا، كتمسكه بطهارة ثوبه بعد إصابة كل من الإناءين له، و كذا ما يقال: ان هذه الجنابة أسقط اعتبارها الشارع، و لذا أجاز لهما قراءة العزائم و اللبث في المساجد و نحو ذلك، إذ فيه انه مصادرة ان أريد سقوط اعتبارها حتى في مثل المقام، و ما ذكر من الأمثلة خارج عما نحن فيه قطعا، لما عرفت من جواز تمسكهما بالنسبة إلى أفعالهما الغير الموقوف بعضها على بعض بالاستصحاب.
نعم قد يقال: ان أقصى ما ثبت من الأدلة اشتراطه بالنسبة الى الائتمام هو عدم علم المأموم بفساد صلاة الإمام لا العلم بصحتها، فوجود الجنابة حينئذ واقعا لا يؤثر فسادا في صلاة المأموم، كما ان عدم العلم بها من خصوص الامام يصحح الائتمام، و هو أي عدم العلم لا ينافي احتمال كونها منه، و هو كاف في رفع الجنابة عن المأموم، و من هنا لم يظهر خلاف بين الأصحاب في جواز ائتمام الخارج عنهما بكل واحد منهما بفرضين، كأن يأتم بواحد منهما في الظهر، و في الآخر بالعصر، مع انه يعلم حينئذ
ج3،
وقوع الائتمام بالجنب في أحد الفرضين، فإنه لو كانت الجنابة في الواقع مؤثرة في فساد الائتمام لوجب عليه إعادة أحد الفرضين أو قضاؤه، و بطلان اللازم يظهر من التأمل في كلمات الأصحاب، كحصر الضابط فيما تقدم من الفخر و المحقق الثاني، لكن قد يقال: انه بعد تسليم كون أقصى ما تفيده الأدلة ذلك خروج عن المتنازع فيه، لأن الفرض توقف صحة فعل المأموم على صحة فعل الامام واقعا لا ظاهرا، على انه من المستبعد جدا إمكان جريان هذه الدعوى في مثل انعقاد الجمعة بهما، لفساد صلاة واحد منهما قطعا.
و الحاصل انا ندعي الفساد في مورد الضابط المتقدم مع تقييد الصحة بالواقعية، و بذلك يخرج الائتمام، لأن شرطه الصحة الظاهرية في حق الامام مع عدم العلم بخلافها، بل يمكن دعوى جوازه حتى لو علم المأموم بخلافها بعد فرض دخول الامام بوجه شرعي، لكنه لا يخلو من تأمل و نظر، و لتفصيله مقام آخر، و مما ذكرنا ينقدح عدم جواز استئجارهما عن مشغول الذمة بعبادة واجبة و نحوه، للعلم بفساد صلاة أحدهما، و ما يقال-: ان تمسك كل واحد منهما بالاستصحاب الذي هو حجة شرعية يقضي بصحة فعل كل منهما واقعا ما دام الواقع غير منكشف، فلا ينافيه وجوب الإعادة بعد الانكشاف، و لا كون الطهارة شرطا واقعيا- يدفعه ظهور ما دل على شرطية الصلاة مثلا بالطهارة، و ان الاستصحاب حجة ظاهرية لا يفيد سوى المعذورية، فلا يجوز استئجار مستصحب الطهارة مع علم المستأجر بمخالفة استصحابه للواقع، فكذلك ما نحن فيه، و لا يصلح الفرق بالعلم الإجمالي و التفصيلي كما هو واضح عند التأمل، و ينقدح أيضا مما ذكرنا وجوب إخراجهما من المسجد إن قلنا: بوجوب إخراج الجنب على سائر المكلفين للتعظيم، و كذا قراءة العزائم، فتأمل جيدا.
و لم يتعرض المصنف لما يعيده من الصلاة واجد المني في الثوب المختص، و الظاهر انه يجب عليه ان يعيد كل صلاة لا يحتمل سبقها على الجنابة، كما صرح به في السرائر
ج3،
و المعتبر و المنتهى و التذكرة و التحرير و القواعد و الذكرى و الدروس و البيان و جامع المقاصد و الروض و المدارك و الذخيرة و شرح الدروس و الحدائق و الرياض، و وجهه أما بالنسبة للمعاد فواضح بناء على ما ذكرنا، لحصول العلم حينئذ بوقوعه بعد جنابة، مع ان الطهارة شرط واقعي، و أما بناء على ان الجنابة من باب التعبد فلعل وجهه الاتفاق ظاهرا على وجوب إعادة ذلك، و من هنا جعله بعضهم القدر المتيقن، و لقوله (عليه السلام) في موثق سماعة المتقدم: «فليغتسل و ليغسل ثوبه و يعيد صلاته» و لظهور تنزيله حينئذ منزلة يقين الجنابة التي لم يغتسل منها إلا انه لم يعلم الوقت بخصوصه، فأصالة التأخر حينئذ تقضي بأنه في آخر أوقات إمكانه، و في الكل نظر، و كان كلامهم هنا مما يرشد الى بناء المسألة على ما ذكرنا من العلم بكون المني منه و انه لم يغتسل منه إلا انه لم يعلم الوقت بخصوصه، فيتجه حينئذ وجوب إعادة ما يعلم تأخره عنه، و أما الوجه في عدم وجوب غيره فلأصالة الصحة، و أصالة عدم تقدم الغسل، و أصالة البراءة في بعض أفراد المسألة كالقضاء و نحوه، بل يمكن ان يندرج تحت موضوع الشك بعد الفراغ، و لعله لذا لم يقع فيه خلاف بين الأصحاب عدا الشيخ في المبسوط، فقال: ينبغي ان نقول: يجب ان يقضي كل صلاة صلاها من آخر غسل اغتسل من جنابة، أو من غسل يرفع حدث الغسل، و لا أرى له وجها سوى الاحتياط، و فيه انه لا يقضي بالوجوب أولا و لا بإعادة جميع ما ذكر ثانيا، للعلم بعدم الجنابة في الصلاة المتخللة بين آخر الأغسال و أول نومة، مع ان مقتضاه وجوب إعادة ما صلاة قبل الاغتسال، لاحتمال سبق الجنابة عليه، فيقع ما صلاة حينئذ في الجنابة، اللهم إلا ان يدفع هذا و سابقه بأنه مراده وجوب قضاء كل ما احتمل تقدم الجنابة عليه، و يكون ذكره لآخر الأغسال من باب المثال.
و ربما استدل له بما في موثقة سماعة من الأمر بإعادة صلاته، و هو كما ترى كالقول بوجوب الاحتياط في المقام للشغل اليقيني، و فيه انه لا يتأتى بالنسبة للقضاء
ج3،
أولا، مع ان الفراغ اليقيني بأصالة الصحة و نحوها، حاصل ثانيا، و لذا حمل بعضهم كلام الشيخ على إرادة اتصال النوم بآخر الأغسال، و هو بعيد كما لا يخفى على من لاحظ كلامه، و أبعد منه حمله على إرادة أنه لبس ثوبا و نام فيه ثم نزعه و صلى في غيره أياما ثم وجد المني فيه على وجه لا يحكم بكونه من غيره، مع ان الأخير لا يوجب إعادة ما صلاة من آخر الأغسال، بل يوجب إعادة ما صلاة بعد النومة في الثوب المنزوع، و لعل كلامه يحتمل وجوها غير ذلك لا فائدة في ذكرها، هذا. و عن التلخيص انه يعيد ما صلاة من آخر غسل و نوم، فيحتمل ان يكون مراده موافقة الشيخ، أو يريد المتأخر منهما إذا جوز حدوث الجنابة بعد الغسل الأخير من غير شعور بها، أو يريد انه من آخر نومة ان لم ينزع الثوب، و آخر غسل ان نزعه، هذا كله فيما يتعلق بالحدث، و أما الخبث فسيأتي ان شاء الله انه لا يجب على الجاهل إعادة الصلاة لا في الوقت و لا في خارجه، و بناء على عدم المعذورية في الوقت يجب عليه ان يعيد ما صلاة في الوقت، و انفكاك حكم الخبث عن الحدث هنا يتصور بحصول الغسل مثلا مع الصلاة في الثوب.
و الأمر الثاني من الأمرين المسببين للجنابة الجماع فان جامع امرأة في قبلها و التقى الختانان وجب الغسل بوجوب غايته من صلاة أو صوم أو نحو ذلك بلا إشكال، و لا خلاف فيه في الواطئ و الموطوء مع اجتماع شرائط التكليف، بل عليه الإجماع محصلا و منقولا نقلا مستفيضا كاد يكون متواترا، بل هو كذلك كالسنة، (منها) ما رواه
الشيخ في صحيح زرارة(1)عن الباقر (عليه السلام) قال: «جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله) و قال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها و لا ينزل، فقالت الأنصار: الماء من الماء، و قال المهاجرون إذا التقى
1) 1 الوسائل- الباب- 6- من أبواب الجنابة- حديث 5.
ج3،
الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر لعلي (عليه السلام): ما تقول يا أبا الحسن؟
فقال علي (عليه السلام): أ توجبون عليه الحد و الرجم و لا توجبون عليه صاعا من ماء، إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر: القول ما قال المهاجرون، و دعوا ما قالت الأنصار»
و نحوه غيره، و عليه يحمل ما في بعضها(1)من إيجاب الغسل بايلاجه، و كذا ما في آخر(2)بإدخاله، كما انه يجب ان يقيد بها مفهوم ما دل على حصر موجب الغسل في الإنزال، ك
قوله (صلى الله عليه و آله)(3): (انما الماء من الماء)
و نحوه، و ليس في الروايات على كثرتها ما ينافي ما تقدم سوى
خبر محمد بن عذافر عن محمد بن عمر بن يزيد المروي في مستطرفات السرائر من نوادر محمد بن علي بن محبوب(4)قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) «متى يجب على الرجل و المرأة الغسل، فقال: يجب عليهما الغسل حين يدخله، و إذا التقى الختانان فيغسلان فرجيهما»
و هو- مع الغض عما في السند و عدم صلاحيته لمعارضة غيره- محتمل لأن يراد من قوله (عليه السلام): (و إذا) تفسيرا لما قبله، أو يراد بالأول إدخاله تماما، و الثاني إلى التقاء الختانين، كل ذلك مع حمل قوله (عليه السلام): (فيغسلان فرجيهما) على إرادة فيغسلان فرجيهما و يغتسلان، و يحتمل ان يراد بالتقاء الختانين انما هو وضع الختان على الختان من غير إدخال، الى غير ذلك.
ثم انه لا فرق بعد التأمل في كثير من الروايات الدالة على حصول الجنابة بالالتقاء المذكور بين كون الواطئ مكلفا أو غير مكلف، كما انه بالنسبة للموطوءة كذلك، فيجب الغسل حينئذ و ان كانت الموطوءة مجنونة أو صبية أو ميتة مع اجتماع شرائط الوجوب، نعم هو لا يوجب الغسل شرعا فعلا على غير المكلف، بل معناه
ج3،
انه مقتض للوجوب ما لم يفقد شرط أو يمنع مانع، و لذا صرح بوجوب الغسل بوطء الميتة في المبسوط و الخلاف و الوسيلة و الجامع و المعتبر و المنتهى و المختلف و الذكرى و الدروس و جامع المقاصد و الروض و غيرها، بل هو قضية إطلاق الأصحاب و كذا إجماعاتهم، و من هنا ادعى عليه الإجماع في الرياض كما عساه يظهر من غيره حيث لم ينقل الخلاف فيه إلا من أبي حنيفة.
و يدل عليه- مضافا الى إطلاق النص و الفتوى و الإجماع المنقول- الاستصحاب و غيره من فحوى قوله (عليه السلام): (أ توجبون عليه الحد و لا توجبون عليه صاعا من ماء) فلا معنى للمناقشة في الحكم كما وقع من بعض متأخري المتأخرين كشارح الدروس و تبعه صاحب الحدائق، مع ان في بعض الأخبار إشعارا به، كالخبر
المروي عن عبد الرحمن بن التميم الدوسي(1)في تفسير قوله تعالى(2)(وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً) الى آخره و الحديث طويل، ملخصه «ان نباشا كان ينبش القبور و يسرق الأكفان ثم تاب و قبلت توبته، و من جملة ما فعل انه نبش قبرا من قبور بنات الأنصار، و سلبها أكفانها، قال: و لم أملك نفسي حتى جامعتها و تركتها مكانها، فإذا بصوت من ورائي يقول: يا شاب ويل لك من ديان يوم الدين يوم يقفني و إياك كما تركتني عريانة في عساكر الموتى، و نزعتني من حفرتي، و سلبتني أكفاني، و تركتني أقوم جنبة الى حسابي، فويل لشبابك من النار» الحديث.
فان مقتضى صيرورتها جنبة بذلك انه هو أيضا كذلك، فيجب عليه الغسل حينئذ، نعم الظاهر كما صرح به غير واحد انه لا يجب الغسل للميت لا على الولي و لا على سائر المكلفين، لأصالة البراءة و غيرها، لكن لا يبعد جريان أحكام الجنب الراجعة لغيرها عليها كالمجنونة و الطفلة، فلا يجوز وضعها
ج3،
في المساجد مثلا، و لا مس الكتاب ببعض أجزاء بدنها و نحو ذلك على إشكال ينشأ مما سمعته من الرواية و ظهور الأدلة في تسبيب ذلك وصف الجنابة، و ليس من شرائطه التكليف، و لذا جرى في الطفل و المجنون و غيرهما، و من أنا و ان قلنا ان وصف الجنابة من باب الأسباب إلا ان المنساق من الأدلة كونه على الأحياء دون الأموات، و المراد بالتقاء الختانين الموجود في النص و الفتوى تحاذي محل القطع من الرجل و الامرأة، كما صرح به في المبسوط و المعتبر و المنتهى و الذكرى و الروض و شرح الدروس و الذخيرة و غيرها، لتعذر إرادة الالتقاء بمعنى مماسة أحدهما للآخر، لأن مدخل الذكر أسفل فرج المرأة، و هو موضع خروج دم الحيض و المني، و أعلى منه على ما قيل ثقبة مثل الإحليل للذكر، و فوق ذلك لحم نابت كعرف الديك، و هو محل الختان في الامرأة، فإذا أدخل الذكر في الفرج لم يمكن ان يلاصق ختانه ختانها لما بينهما من الفاصل، و ما في
صحيح الحلبي(1)عن الصادق (عليه السلام) «إذا مس الختان الختان»
ك
صحيح علي بن يقطين(2)عن أبي الحسن (عليه السلام) «إذا وقع الختان على الختان»
يراد به حينئذ ما ذكرنا من انه يدخل الذكر الى حد يكون محل الختان منها مقابلا لمحل الختان منه بحيث لولا المانع لتماسا و لوقع أحدهما على الآخر، أو لمكان شدة تقاربهما أطلق عليه اسم المماسة و نحوها، بل قد يتفق حصولها في بعض النساء التي لم يختتن.
و على ذلك كله ينبه ما في
صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع(3)عن الرضا (عليه السلام) بعد قوله: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم»
فيكون المدار حينئذ على غيبوبة الحشفة، و به صرح في المبسوط و الغنية و السرائر و المعتبر و المنتهى و الإرشاد و الذكرى و اللمعة و غيرها من كتب المتقدمين و المتأخرين بلا خلاف فيه بين الأصحاب على الظاهر، و لعله لإطلاق
ج3،
الصحيح المتقدم المؤيد بفتوى من سمعت يحكم بحصول الجنابة بغيبوبة الحشفة في الفرج و ان لم يكن في مدخله المعتاد، بل قد يدعى أولويته، لاتفاق حصول المماسة فيه حقيقة، كما إذا أدخلت المرأة الكبيرة حشفة الطفل الصغير فيما يقابل محل الختان منها، فان الظاهر تحقق الغيبوبة بذلك، إلا ان يدعى انصرافه الى المتعارف، سيما بعد أن سمعت التصريح بان المراد بالالتقاء المعنى المجازي، فارادة المعنى الحقيقي حينئذ مع ذلك مستلزم لاستعمال اللفظ في حقيقته و مجازه، و حمله على عموم المجاز مجاز مرجوح بالنسبة إلى المجاز الأول.
ثم الظاهر- كما صرح به غير واحد من الأصحاب بل نسبه بعضهم إليهم مشعرا بدعوى الإجماع، بل في شرح الدروس الظاهر الاتفاق عليه كما قد يظهر من آخر نفي الخلاف فيه- ان من لا ختان له كمقطوع الحشفة يتحقق جنابته بدخول ذلك المقدار، لكون المنساق من الأدلة المشتملة على التقاء الختانين إرادة التقدير بذلك لا الاشتراط، سيما بعد خروجها مخرج الغالب، و أما احتمال تحقق جنابة نحو ذلك بمطلق الإدخال لما سمعت من الأدلة المحققة للجنابة به مع الاقتصار على المقيد فيمن يكون له ختان فهو- مع منافاته لما تقدم من الانسياق المذكور المؤيد بفهم الأصحاب و استصحاب الطهارة- ضعيف جدا، مع عدم صراحة تلك الأدلة بذلك، لاحتمال إرادة إدخال تمام الذكر، لقوله (عليه السلام) فيها: «إذا أدخله» و في آخر (إذا أولجه) المتوقف صدقه على إيلاجه جميعه، و لعد الجزم بإرادة ذلك منهما، لمكان احتمال إرادة الأول يظهر ضعف احتمال القول بتوقف جنابة المقطوع على إدخال تمام الباقي كاحتمال القول بعدم تحقق الجنابة فيه أصلا، أخذا بمفهوم قوله (عليه السلام) (إذا التقى الختانان) الصادق بسلب الموضوع، و بما سمعت من احتمال ان يراد بأخبار الإدخال و الإيلاج اشتراط إدخال التمام المتعذر في المقام، و خروج ذي الختان لا يقضي بخروج غيره، و في الكل من الضعف
ج3،
ما لا يخفى، مع إمكان الاستدلال بأخبار الإدخال و الإيلاج على المطلوب بتقرير عدم إرادة التمام قطعا كما في جامع المقاصد، لمكان تحقق الجنابة بغيبوبة الحشفة، فتعين إرادة البعض، و المتيقن منه إرادة الحشفة أو مقدارها لفهم الأصحاب.
و مما تقدم يعلم تحقق الجنابة بإدخال الذكر في المرأة التي ليس لها محل ختان، لما عرفت من عدم اشتراط ذلك، بل قد يظهر من المرتضى دعوى الإجماع عليه على ما نقل عنه، و يؤيده ما تسمعه ان شاء الله تعالى من تحقق الجنابة بالوطء في الدبر. و أما مقطوع البعض فيزيد على الاحتمالات المتقدمة احتمال تحقق الجنابة بغيبوبة الباقي منها مطلقا كما عن التذكرة و الموجز الحاوي و جامع المقاصد، و الموجود في الأخير اشتراط ما يبقى معه مسمى الإدخال، و اختاره في كشف اللثام، و لعله لمكان ما سمعت من التقييد يرجع الى القول الثاني من اشتراط عدم ذهاب المعظم كما في الذكرى و الروض، و الأقوى خلاف الجميع، بل لا بد من إدخال ما يتم به مقدار الحشفة، إلا ان يكون الذاهب شيئا لا يعتد به، كما هو قضية إطلاق الأصحاب من اشتراط غيبوبة الحشفة أو مقدارها، و ما يقال: من صدق التقاء الختانين فيه انك قد عرفت كون المنساق منها إرادة التقدير كما يشعر به موافقتهم على ذلك حيث يكون الذاهب تمام الحشفة، و به يعرف ضعف التمسك بإطلاق قوله (عليه السلام): (إذا أدخله) مع ما عرفت سابقا كضعف التمسك بصدق غيبوبة الحشفة، إذ هو ممنوع إلا مجازا، فالأصل و الاستصحاب و ما عرفت من انسياق إرادة التقدير و غيرها يدل على ما اخترناه، و الظاهر ترتب الحكم على إيلاج الملفوف كما صرح به في المنتهى و التذكرة و الإيضاح و الذكرى و الدروس و جامع المقاصد و الذخيرة و شرح المفاتيح، بل في الأخير نسبته الى الفقهاء مشعرا بدعوى الإجماع عليه، و به مع ظهور تناول الأدلة له من الالتقاء لكون المرأة منها المحاذاة كما عرفت و صدق اسم الغيبوبة و الدخول و الوطء و الجماع ينقطع الأصل، فلا يلتفت لما في القواعد
ج3،
من التنظر بذلك لما تقدم، و لاحتمال بقاء الالتقاء على حقيقته مع تسمية مدخل الذكر بالختان، مضافا الى كون المنساق من الأدلة خلافه، و نحوه ما في نهاية الأحكام من احتمال عدم حصول الجنابة، لأن استكمال اللذة يحصل برفع الحجاب، و فيها احتمال التفصيل بين كون الخرقة لينة لا تمنع وصول بلل الفرج الى الذكر و حصول الحرارة من أحدهما إلى الآخر و ما ليست كذلك، فتحصل الجنابة بالأولى دون الثانية، و هما كما ترى.
و ان جامع بأن أدخل من ذكره ما تحقق به الجنابة في الدبر أي دبر المرأة و لم ينزل وجب الغسل على الأصح لوجوه، (منها) صدق اسم الفرج عليه كما في المصباح المنير و مجمع البحرين و كذا القاموس، و قد نسبه الى اللغة غير واحد من الأصحاب، بل عن المرتضى كما في السرائر انه لا خلاف فيه بين أهل اللغة، فيدخل حينئذ تحت ما دل على ان الإدخال و الإيلاج و الغيبوبة في الفرج موجب للغسل، و احتمال انه و ان كان كذلك عند أهل اللغة لكن العرف على اختصاصه بقبل المرأة، و هو مقدم عليها يدفعه بعد تسليم كون العرف الآن كذلك انه معلوم الحدوث أو مظنونه فلا يكون حجة، و يشعر به معلومية إطلاقه في الكتاب و السنة على ذكر الرجل، كقوله تعالى(1)(وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ)* و غيرها من الأخبار مع عدم إطلاقه الآن عليه، و مما يشعر به أيضا ما عن المرتضى (رحمه الله) من انه لا خلاف في شمول اسم الفرج له عند أهل الشرع، و كذا ما نقله غيره من ان الفرج لما يشمل الدبر لغة و عرفا كالعلامة (رحمه الله)، و به يظهر حدوث هذا العرف، و (منها) إطلاق قولهم إذا أدخله و أولجه أو غيب الحشفة فقد وجب الغسل الشامل للدبر، و ما يقال: ان المطلق ينصرف الى المتعارف يدفعه- بعد تسليم كون ذلك من المتعارف الذي يكون سببا لحمل اللفظ عليه- انه كذلك ما لم يعارضه فهم الأصحاب، لانقلاب الظن حينئذ
1) 1 سورة المؤمنون- الآية- 5.
ج3،
بخلافه. و (منها) قوله تعالى(1)(أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ)* لصدق اسم الملامسة على الجماع في الدبر قطعا، فيحتاج الإخراج إلى دليل، و لا ينافيه ما
ورد(2)في تفسيره عن الباقر (عليه السلام) انه «ما يريد بذلك إلا المواقعة في الفرج»
بل يؤيده، لما عرفت من صدق اسم الفرج عليها. و (منها)
قوله (عليه السلام): «أ توجبون عليه الحد و لا توجبون عليه صاعا من ماء»
و نحوه غيره مما دل على التلازم بينهما، لا يقال: ان من المعلوم بديهة ترتب الحد على ما لا يوجب الغسل، لأنا نقول ان المراد ما أوجبه مما يدخل تحت مسمى الوطء و الجماع و نحو ذلك، لا ما أوجبه من القذف و نحوه كما هو واضح.
و (منها)
مرسل حفص بن سوقة(3)قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الرجل يأتي أهله من خلفها، قال: هو أحد المأتيين فيه الغسل»
و هو منجبر بما تسمع، فلا يقدح الإرسال.
و (منها) الإجماع المنقول على لسان ابن إدريس و المرتضى، قال الأول:
انه إجماع بين المسلمين، و قال الثاني على ما نقل عنه: «لا أعلم خلافا بين المسلمين في ان الوطء في الموضع المكروه من ذكر و أنثى يجري مجرى الوطء في القبل مع الإيقاب و غيبوبة الحشفة في وجوب الغسل على الفاعل و المفعول به و ان لم يكن إنزال، و لا وجدت في الكتب المصنفة لأصحابنا الإمامية إلا ذلك، و لا سمعت ممن عاصرني منهم من الشيوخ نحوا من ستين سنة يفتي إلا بذلك، فهذه مسألة إجماع من الكل، و لو شئت ان أقول معلوم ضرورة من دين الرسول (ص) انه لا خلاف بين الفرجين في هذا الحكم فان داود و ان خالف في ان الإيلاج في القبل إذا لم يكن معه إنزال لا يوجب الغسل، فإنه لا يفرق بين الفرجين كما لا يفرق باقي الأمة بينهما في وجوب الغسل بالإيلاج
ج3،
في كل واحد منهما، و اتصل لي في هذه الأزمان عن بعض الشيعة الإمامية ان الوطء في الدبر لا يوجب الغسل تعويلا على ان الأصل عدم الوجوب، أو على خبر يذكر انه في منتخبات سعد أو غيرها. فهذا مما لا يلتفت اليه، أما الأول فباطل لأن الإجماع و القرآن و هو قوله (تعالى) (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ)* يزيل حكمه، و أما الخبر فلا يعتمد عليه في معارضة الإجماع و القرآن، مع انه لم يفت به ففيه، و لا اعتمده عالم، مع ان الأخبار تدل على ما أردناه، لأن كل خبر تضمن تعليق الغسل بالجماع و الإيلاج في الفرج فإنه يدل على ما ادعيناه، لأن الفرج يتناول القبل و الدبر، إذ لا خلاف بين أهل اللغة و أهل الشرع بذلك» انتهى.
قلت: و يمكن للفقيه تحصيل الإجماع أيضا في هذا الوقت لندرة المخالف، إذ هو فتوى المبسوط في كتاب النكاح، كظاهر صومه و صوم التهذيب و طهارة الوسيلة و إشارة السبق و السرائر و الجامع و المعتبر و النافع و المنتهى و التحرير و المختلف و الإرشاد و القواعد و الشهيد في الذكرى و الدروس كما عن سائر كتبه، و المحقق الثاني في جامع المقاصد بل عن سائر تعليقاته، و الشهيد الثاني في الروض و الروضة، كما عن المسالك و كشف اللثام و غيرها، و هو المنقول عن ابن الجنيد، و هو ظاهر الإيضاح و التنقيح و كشف الرموز، و يقرب منهما في الظهور اللمعة، بل عساه الظاهر من المقنعة و الجمل و العقود و الغنية و المراسم و المهذب لقوله فيها: الجماع في الفرج بناء على شموله للقبل و الدبر، و زاد في المراسم الفرج إذا غيب الحشفة و التقى الختانان، و لعله لذلك نسب بعضهم اليه الخلاف، و فيه انه إلى العدم أقرب، إذ قد يكون قصد بالأول التقدير للدبر، و بالثاني لغيره، و ظاهر طهارة المبسوط و الخلاف التردد كبعض متأخري المتأخرين، و لم أعرف فيه مخالفا على البت، نعم نسبه بعضهم الى ظاهر الفقيه، و لعله لأنه لم يذكر سوى رواية الحلبي الآتية، مع انه لا ظهور فيها أيضا كما ستعرف، و نسبه آخر الى الشيخ في النهاية،
ج3،
و الموجود فيها لا غسل في الجماع في غير الفرج مع عدم الانزال، فيحتمل ان يريد بالفرج ما يشملهما، و ربما قيل انه ظاهر الكليني، لاقتصاره على مرفوعة البرقي الآتية الصريحة في عدم الغسل، نعم قد يكون هو ظاهر الشيخ في الاستبصار و التهذيب لطعنه في مرسلة حفص السابقة و حملها على التقية، و عمله على ما ينافيها من الروايات، لكن قد عرفت ان غرضه في الاستبصار مجرد الجمع.
و كيف كان فأقصى ما يقال في الاستدلال عليه بعد الأصل
صحيحة الحلبي(1)قال: سئل الصادق (عليه السلام) «عن الرجل يصيب المرأة فيما دون الفرج أ عليها غسل إذا أنزل هو و لم تنزل هي؟ قال: ليس عليها غسل، و ان لم ينزل هو فليس عليه غسل»
و
مرفوعة البرقي(2)عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم تنزل فلا غسل عليها، و ان أنزل فعليه الغسل، و لا غسل عليها»
و
مرفوعة بعض الكوفيين(3)عنه (عليه السلام) أيضا «في الرجل يأتي المرأة في دبرها و هي صائمة لم ينقض صومها، و لا غسل عليها»
و نحوه مرسل علي بن الحكم(4)و مفهوم
قوله (عليه السلام)(5): «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل»
و
قوله (صلى الله عليه و آله):
«انما الماء من الماء»
خرج ما خرج، و بقي الباقي.
و في الجميع ما لا يخفى، إذ الأصل لا يعارض ما سبق، و صحيح الحلبي مبني على اختصاص الفرج في قبل المرأة، و قد عرفت ما فيه، على انها تكون حينئذ عامة و ما ذكرنا من قبيل الخاص، و لعل حملها على التفخيذ هو المتجه، و مرفوعة البرقي لا جابر لها، مع احتمالها لعدم إدخال مقدار الحشفة، و كذلك المرسلتان الآخرتان،
ج3،
و أما المفهوم فبعد تسليم حجيته في المقام لمكان خروجه مخرج الغالب و ظهوره في إرادة مقدار ما يوجب الغسل في القبل فهو من قبيل العام، و كذا المفهوم الثاني، و الحاصل لا ينبغي لمن له أدنى ممارسة في الفقه التشكيك في المقام بعد ما تقدم، فلا حاجة للإطناب، فتأمل جيدا.
و كذا الكلام في دبر الغلام، فإنه لم يعرف فيه خلاف بين القائلين بوجوبه في دبر المرأة سوى ما يظهر من المصنف هنا حيث قال و لو وطأ غلاما فأوقبه و لم ينزل قال المرتضى (رحمه الله): يجب الغسل معولا على الإجماع المركب و لم يثبت من القول بالعدم، كصريح المعتبر، و تردد في النافع، و الحق خلافه وفاقا للمشهور نقلا و تحصيلا، بل قد عرفت انه لم يعرف القائل بالفصل بين المسألتين، و لذا قال في المختلف: ان كل من أوجبه في دبر المرأة أوجبه في دبر الغلام، و نحوه ما نقله المصنف عن المرتضى (رحمه الله) و قوله: (لم يثبت) كقوله في المعتبر: (لم أتحققه) لا يصلح لأن يكون ردا بعد فرض حجية مثل ذلك، مع كون الناقل مثل المرتضى، على ان ما نقله عن المرتضى (رحمه الله) من التعويل على الإجماع المركب غير ثابت، بل المنقول عن المرتضى كما سمعت من عبارته الإجماع المحصل بالنسبة إليهما، بل لو سلم انه قال: كما نقله عنه فهو إجماع بسيط أيضا، لما عرفت انه في المرأة ادعى ذلك قطعا، فبعد فرض ان كل من قال به بالنسبة إليها قال به هنا فهو إجماع بسيط أيضا، نعم يتحقق الإجماع المركب لو كان هناك مخالف في المرأة.
و كيف كان فيدل عليه- بعد الإجماع المنقول بسيطا كما في السرائر و عن المرتضى، و مركبا كما في المختلف الذي يشهد لهما التتبع لكلمات الأصحاب- فحوى إنكار علي (عليه السلام)(1)و إطلاق
قوله «إذا أدخله و أولجه و غيب الحشفة،»
مع انجبارها
1) 1 الوسائل- الباب- 6- من أبواب الجنابة- حديث 5.
ج3،
بما سمعت، و إطلاق
حسنة الحضرمي(1)المروية في الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «من جامع غلاما جاء جنبا يوم القيامة لا ينقيه ماء الدنيا»
مع عدم صلاحية مستند الخصم للمعارضة، إذ هو الأصل، و بعض المفاهيم التي قد عرفت ما فيها، و ليعلم انه بناء على المختار من تحقق الجنابة في الدبرين فهو على حسب تحققه بالنسبة الى قبل المرأة، فيجزي غيبوبة الحشفة كما هو نص إجماع المرتضى و ابن إدريس، و يجري الكلام في مقطوعها مثلا على حسبه هناك.
ثم انه لا إشكال في تحقق الجنابة بإيلاج الواضح في دبر الخنثى المشكل بالنسبة للواطي و الموطوء، أما لو أولجت الخنثى في دبر الخنثى فلا تتحقق الجنابة، لأصالة براءة الذمة لاحتمال الزيادة، و كذلك لو أولجت في قبلها، نعم لو تحقق إنزال مع القول بعدم اشتراط خصوصية المجرى حصلت الجنابة حينئذ، و كذلك لا تتحقق الجنابة لو أولج الواضح في قبل الخنثى، لاحتمال كونه ثقبا كما صرح به جماعة من الأصحاب، و احتمله العلامة في التذكرة، أخذا بظاهر قوله (عليه السلام): (إذا التقى الختانان) و هو جار في سابقه أيضا، لكنه ضعيف، لظهور العهدية فيهما، و إلا لزم القول به مع تحقق الرجولية، نعم تتحقق الجنابة لو أولجت في امرأة مع إيلاج الرجل فيها لأنها ان كانت امرأة فقد أولج فيها، و ان كانت رجلا فقد أولجت، و الرجل و الامرأة كواجدي المني في الثوب المشترك، هذا ان قلنا انه ليس هناك قسم ثالث، و إلا فيحتمل عدم تحقق الجنابة بذلك أيضا، لكنه لا يخلو من تأمل، و لو توالج الخنثيان فلا جنابة على أحدهما، لمكان الاحتمال كما هو واضح.
و لا يجب الغسل و لا الوضوء بوطء البهيمة في القبل أو الدبر إذا لم ينزل و ان أدخل تمام ذكره على المشهور، كما هو خيرة طهارة المبسوط و المعتبر و المنتهى
1) 1 الوسائل- الباب- 17- من أبواب نكاح المحرم- حديث 1 من كتاب النكاح.
ج3،
و الإرشاد و القواعد و جامع المقاصد و المسالك و الروض، و كاد يكون صريح الوسيلة و الجامع و السرائر، لتقييدهم غيبوبة الحشفة في فرج آدمي، و هو المنقول عن الخلاف قال: «ان الذي يقتضيه مذهبنا عدم الوجوب» انتهى. لكني لم أجده فيما حضرني من النسخة، و لعله سقط منها، بل الذي وجدته في باب الصوم منه ما يقضي بظاهره وجوب الغسل، قال فيه: «إذا أولج في بهيمة و لم ينزل فليس لأصحابنا فيه نص، لكن مقتضى المذهب ان عليه القضاء، لأنه لا خلاف فيه، و أما الكفارة فلا تلزمه للأصل، و كذا الحد، بل يجب عليه التعزير» انتهى. فان مقتضى إيجابه القضاء تحقق الفساد في ذلك، و منه يظهر حينئذ وجوب الغسل، و يشعر به استظهارهم من صوم المبسوط القول بوجوب الغسل، لحكمه بالقضاء كما ستعرف.
و كيف كان فالحجة على عدم الوجوب أصالة البراءة السالمة عن المعارض، و استصحاب يقين الطهارة، و قضاء مفهوم
قوله (عليه السلام)(1): (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)
و مفهوم ما دل(2)على قصر الغسل على الانزال من شرط و غيره، كالحصر في
قوله (صلى الله عليه و آله): (انما الماء من الماء)
و نحوه على الأصح من العموم في المفهوم، و خروج البعض غير قادح في الحجة خلافا لظاهر الشيخ في صوم المبسوط لإبطاله الصوم بوطء البهيمة، و صريح العلامة في المختلف و الشهيد الثاني في الروضة، و الأستاذ المعظم الآغا في شرحه، و شيخنا الفاضل في الرياض، و قواه الشهيد في الذكرى، و هو المنقول عن المرتضى (رحمه الله) بل يظهر منه دعوى الإجماع عليه و كونه من المسلمات، قال على ما حكاه عنه في المختلف عند الكلام على وجوبه في دبر المرأة و ادعائه الإجماع على ذلك: «و أما الأخبار المتضمنة لإيجابه عند
ج3،
التقاء الختانين فليست مانعة من إيجابه في موضع آخر لا التقاء فيه لختانين، على انهم يوجبون الغسل بالإيلاج في فرج البهيمة، و في قبل المرأة و إن لم يكن هناك ختان، فقد عملوا بخلاف ظاهر الخبر، فإذا قالوا البهيمة و ان لم يكن في فرجها ختان فذلك موضع الختان من غيرها فكذلك من ليس بمختون من الناس» انتهى. و هو ظاهر في دعوى الإجماع، و يؤيده مضافا الى ذلك مفهوم الأولوية في
قوله (عليه السلام): (أ توجبون عليه الحد و الرجم و لا توجبون عليه صاعا من ماء)
بل في المرسل المروي في بعض كتب الأصحاب «ما أوجب الحد أوجب الغسل» و ما يقال في المناقشة في الأول بأنه ظاهر في ان إيجاب الصاع من الماء أولى من إيجاب الحد مع الرجم لا الحد فقط ضعيف، بل المتبادر خلافه، و ذكر الرجم لكونه كذلك في المقام، و إلا فالرجم ليس في جميع أفراد الزنا، فالمقصود منه بحسب الظاهر ان سبب الحد و الغسل متحد، إذ هو مسمى الوطء، فيتحد في الدلالة مع المرسل، و به يظهر ضعف ما يقال في دلالة المرسل من ان كثيرا من أسباب الحد لا توجب غسلا، على انه لو سلم ذلك فأقصاه يكون من باب العام المخصوص، فلا يقدح في حجيته، نعم قد يناقش في الدلالة لو قلنا ان الثابت على وطء البهيمة انما هو تعزير لا حد، و يأتي التحقيق فيه ان شاء الله تعالى، كما في الثاني بأنه لا جابر له في المقام، و فيه ان ما عرفته من إجماع المرتضى كاف في الجبر، و كان العمدة في إثبات المطلوب الإجماع، لكنه في استفادته من عبارة المرتضى تأمل و تردد، و إلا فبعد تسليم الدلالة في بعضها لا تصلح للمعارضة، إذ هي ما بين أصل أو عموم مفهوم، لكن الظاهر انه يقتصر في الحكم حينئذ على وطء البهيمة على معنى كون البهيمة موطوءة كما هو المتبادر من إضافة المصدر الواقع في الفتوى، أما لو كانت فاعلة فلم أعرف أحدا من الأصحاب نص عليه عدا الشهيد الأول في الذكرى، و الثاني في الروضة، فإنه يظهر منهما تساوي الحكم في المقامين، و لعل التمسك بالأصل و استصحاب
ج3،
الطهارة و غيرها لا يخلو من قوة، فتأمل جيدا.
تفريع الغسل من الجنابة أو غيرها يجب على الكافر عند حصول سببه على نحو المسلم كسائر الفروع، لعموم ما دل على التكليف بها، و لا يمنع من ذلك عدم التمكن من الصحيح حال الكفر، لأن ما بالاختيار لا ينافي الاختيار، على ان الأيمان من شرائط الوجود التي يجب على المكلف تحصيلها، فلا مانع من التكليف حال عدمها مع التمكن منها، و خلاف أبي حنيفة ضعيف كما بين في محله، على ان ما نحن فيه من الأغسال من قبيل خطابات الوضع التي يجب مسببها حيث يصل الإنسان إلى قابلية التكليف، فلا ينبغي الإشكال حينئذ في وجوبه عليه بعد الإسلام، و عدم صحة الصلاة بدونه، و ان سلمنا عدم وجوبه عليه حال الكفر، فيكون من قبيل وطء الصبي و المجنون و نحوهما، و لعله لما سمعته لم أجد خلافا فيما نحن فيه، بل يظهر من بعضهم دعوى الإجماع عليه، بل الظاهر تحصيله على الوجوب حال الكفر فضلا عن حال الإسلام.
لكن لا يصح منه في حال كفره لعدم التمكن من نية القربة، و نجاسة محل الغسل، و للإجماع المنقول على شرطية الايمان في صحة العبادات، و من الأخير يعلم بطلان عبادة المخالف أيضا و ان كانت موافقة لما عند الشيعة، إذ الظاهر ان المراد بالايمان هو المعنى الأخص، و هل يسقط عنه إعادته لو استبصر إذا لم يخل بشيء منه على ما هو عليه من المذهب كغيره من العبادات عدا الزكاة؟ وجهان، من عموم ما دل(1)على عدم وجوب إعادة شيء من عباداته لو استبصر عدا الزكاة، و احتمال كون الأيمان المتأخر شرطا و لو متأخرا، فيكون حينئذ كاشفا عن صحة ما وقع، سيما إذا كان ما جاء به على مقتضى مذهبه موافقا لما عند الشيعة، و من ان المخالف ليس بأولى من الكافر الأصلي في التحقيق حتى ورد في حقه ان الإسلام يجب ما قبله، و مع ذلك
1) 1 الوسائل- الباب- 31- من أبواب مقدمة العبادات.
ج3،
فإذا أسلم وجب عليه الغسل عندنا بلا خلاف أجده فيه و يصح منه لموافقته للشرائط جميعها، إذ الظاهر ان المراد بكونه يجب ما قبله انما هو بالنسبة للخطابات التكليفية البحتة، لا فيما كان الخطاب فيها وضعيا كما فيما نحن فيه، فان كونه جنبا يحصل بأسبابه، فيلحقه الوصف و ان أسلم، فكذا المخالف، و لعل الأول أقوى.
و لو اغتسل ثم ارتد الكافر بعد إسلامه و اغتساله ثم عاد لم يبطل غسله لعدم الدليل على كون الردة ناقضة للغسل كما هو واضح، و لو حذف قوله: (ثم عاد) لكان أخصر و أوضح، و لو كان الارتداد عن فطرة فإن قلنا بعدم قبول توبته مطلقا في الظاهر و الباطن فلا إشكال في عدم صحة الغسل منه و ان كان مكلفا به، و لا قبح لأن ما بالاختيار لا ينافي الاختيار، مع احتمال ان يقال: انه لا تتوجه اليه الخطابات، لكنه يعاقب عقاب التارك المختار، و ان قلنا بقبول توبته في الباطن دون الظاهر احتمل القول بصحة الغسل منه كسائر العبادات و ان جرى عليه حكم الكفر بالنسبة إلى غيرها من الأحكام كالقتل و عدمه، و احتمل القول بصحته بالنسبة اليه و ان جرت عليه أحكام الجنب بالنسبة إلينا، و كذلك طهارة بدنه و نجاسته، فتأمل جيدا، و يأتيك التحقيق ان شاء الله في محله.
و إذ قد تقدم منا الإشارة إلى كون غسل الجنابة من قبيل خطابات الوضع وجب التعرض لبعض الكلام في المسألة، فنقول يظهر من جماعة من الأصحاب بل لا أجد فيه مخالفا على القطع كونه كذلك، فيجب على الصبي الغسل بعد بلوغه لو أولج في صبية، أو أولج فيه من صبي أو بالغ، و تجري عليه أحكام الجنب الراجعة لغيره كمنعه من المساجد مثلا، و قراءة العزائم، و مس كتابة القرآن ان قلنا بوجوب مثل ذلك على الولي أو عليه و على غيره، و كذا يجري عليه حكم كراهة سؤره مثلا، و نحو ذلك من فوائد النذر و اليمين، و به صرح في المعتبر و المنتهى و الدروس و الروض، و توقف فيه في التذكرة و التحرير و الذكرى و الذخيرة، و كأن وجه الاشكال هو ان خطابات الجنابة
ج3،
من قبيل الأسباب أو الأحكام.
و منه ينقدح الإشكال حينئذ في وطء المجنون و المجنونة و إنزالهما، و لعل التأمل في الأدلة يشرف الفقيه على القطع بكونه من قبيل الأسباب، سيما في مثل الانزال من المجنون، و كيف مع ورود
قوله (صلى الله عليه و آله)(1): (انما الماء من الماء)
و
قوله (عليه السلام)(2): (فأما المني فهو الذي يسترخي له العظام، و يفتر منه الجسد، و فيه الغسل)
و
قوله (عليه السلام)(3)بالنسبة إلى الوطء في دبر المرأة: (هو أحد المأتيين، فيه الغسل)
و
قوله (عليه السلام)(4): «إذا وقع الختان على الختان فقد وجب الغسل»
و نحو ذلك، و ما يقال: ان ظاهر الأدلة انها من التكاليف لمكان اشتمالها على الأمر و لفظ الوجوب و نحوهما التي هي من أحكام المكلف مع ظهور كون حصولها عند حصول السبب، و لا يتم ذلك كله إلا في المكلف يدفعه انا نقول بمقتضى ظاهرها من الوجوب و نحوه، أقصى ما هنالك انه غير مخاطب به في ذلك الوقت، و تخلف مقتضى السبب لفقد شرط أو وجود مانع لا ينافي السببية شرعا، فيكون من قبيل وطء الحائض و نحوه، على انه لا ينبغي التأمل في شمول الخطابات المذكورة له حال البلوغ، فيدخل تحت
قوله (عليه السلام): «إذا التقى الختانان وجب الغسل)
و دعوى ان المراد من المكلفين تقييد للأدلة من غير مقيد، كدعوى ان المراد وجوب الغسل في وقت الالتقاء، فحيث لا يحصل وجوب في ذلك الوقت لم يكن الخطاب شاملا، و هو بديهي البطلان، و الحاصل ان معنى قوله (عليه السلام): (إذا التقى) الى آخره التقاء الختانين موجب للغسل، و لا ريب في شمول ذلك لما نحن فيه.
ج3،
لا يقال: انه لا إشكال و لا نزاع في جريان أحكام الجنب عليه بعد البلوغ مثلا، إنما الإشكال قبله، لأنا نقول انه لا وجه لذلك، إذ جريان الأحكام عليه بعد البلوغ انما هو لحصول وصف الجنابة، و الاتصاف بالجنابة غير موقوف على تحقق البلوغ، و إلا لم يكن سبب الجنابة الانزال و الجماع، بل هو مع البلوغ، و هو خلاف ظاهر النص و الفتوى، و بذلك كله تعرف انه لا وجه لما يقال: انه لا أقل من الشك في ان الانزال و الجماع سبب للجنابة مطلقا، أو هو بشرط البلوغ، أو انه ليس من باب الأسباب أصلا، بل من قبيل الأحكام، و الأصل براءة الذمة مما عرفته من انقطاع ذلك بظاهر النص و الفتوى، ثم انه قال في الذكرى: «و في استباحة ما ذكر من الأحكام بغسله الآن وجهان، و كذا في اكتفائه به لو بلغ، و الأقرب تجديده» انتهى. قلت: لا ينبغي الإشكال في صحة غسله و اكتفائه بعد البلوغ به بناء على ان عبادة الصبي شرعية، نعم يتجه الوجهان بناء على كونها تمرينية، فإنه يحتمل جريان أحكام البالغ على غسله مثلا، و يحتمل العدم، و لعله الأقوى، كما انه لا ينبغي الإشكال في وجوب تجديده لو بلغ، لعدم رفع الحدث بالغسل الأول بعد كونه تمرينيا، فلا يكون قوله الأقرب في محله، و لعله بناه على الشرعية، فإن له وجها بناء على كون المراد بالشرعية انه يستحب تشبهه بالبالغ لا انه تجري عليه الأحكام، و لذا يجب عليه إعادة الصلاة لو بلغ في الوقت، و لعل الأقوى خلافه، و فرق بين المثال و ما نحن فيه، هذا كله في السبب.
و أما الحكم فيحرم عليه قراءة كل واحد من سور العزائم كما في المعتبر و المراسم و غيرهما، و كثير من الأصحاب عبر بلفظ العزائم من دون ذكر لفظ السورة كما في الهداية و جمل الشيخ و مبسوطة و الوسيلة و السرائر و النافع و المنتهى و التذكرة و القواعد و الإرشاد و الذكرى و الدروس و غيرها، و الظاهر ان مراد الجميع سور العزائم كما يشعر به قوله جملة منهم، و أبعاضها لظهور إرادة أبعاض السورة لا آيات العزائم، بل في
ج3،
الهداية و هي الم السجدة و حم السجدة إلى آخرها، و في التذكرة و هي أربع، سورة سجدة لقمان و حم السجدة إلى آخرها و في مجمع البحرين: «و عزائم السجود فرائضه التي فرض سبحانه و تعالى السجود فيها، و هي الم تنزيل و حم السجدة و النجم و اقرأ كذا في المغرب نقلا عنه، و هو المروي أيضا» انتهى. و لعله بما سمعته منه يظهر ان مراد المرتضى في الانتصار ذلك أيضا لتعبيره بعزائم السجود، على ان في آخر كلامه ما يشعر بإرادة السور أيضا، و أما ما في الغنية و يحرم عليه قراءة العزائم الأربع سجدة لقمان و حم السجدة و النجم و اقرأ الى ان قال: كل ذلك بدليل الإجماع المشار اليه فلعل مراده السور أيضا، و مثله العلامة في المنتهى، مع انه قال فيه: يتناول التحريم السورة و أبعاضها، فيكون كاشفا عن إرادته بالأول السورة، و كذلك الشيخ في الخلاف سور العزائم التي هي سجدة لقمان و حم السجدة و النجم و اقرأ، فإن ذكره أولا السورة قرينة على المطلوب، و كذا الجامع لابن سعيد، فإنه قال: و عزائم القرآن و هن أربع، سجدة لقمان و حم السجدة و النجم و اقرأ، و كيف كان فلا ريب ان الذي
يظهر للمتأمل من كلمات الأصحاب ان مراد الجميع انما هو السور لا نفس الآيات، و من هنا نقل الإجماع على السور في المعتبر و التذكرة و الروض، و في المدارك ان الأصحاب قاطعون بتحريم السور كلها، و نقلوا عليه الإجماع، انتهى.
و نسب بعضهم نقل الإجماع على ذلك الى جماعة.
و كذا يحرم قراءة بعضها كما في المنتهى و القواعد و الإرشاد و الذكرى و الدروس و الروض و غيرها، بل في الذكرى و الروض الإجماع عليه، بل قد يستظهر الإجماع من كل من حكاه على حرمة قراءة السورة، إذ الظاهر عدم إرادة شرطية الإتمام للسورة، و لا فرق في الحرمة بين سائر الأبعاض حتى البسملة إذا نوى بها إحداها كما في القواعد و غيرها، بل في الروض الإجماع عليه، بل على لفظة (بسم) أيضا، و لعله أخذه من الإجماع المتقدم على حرمة البعض، لأن البسملة بعد
ج3،
القصد تكون جزء من السورة عندنا، و جزؤها جزء أيضا، فلا إشكال في الحكم هنا بالنظر الى كلمات الأصحاب و إجماعاتهم، نعم قد استشكله بعض متأخري المتأخرين بالنظر الى الأخبار، إذ الوارد فيه
موثق زرارة و محمد بن مسلم(1)عن الباقر (عليه السلام) «الحائض و الجنب يقرءان شيئا؟ قال: نعم ما شاءا إلا السجدة»
و نحوه حسنته أو صحيحته أيضا قال: و هما مع قصور سندهما لا دلالة فيهما على تحريم ما عدا نفس السجدة، فتكون الحرمة مختصة بها، و في كشف اللثام «ان ذلك محتمل الانتصار و الإصباح و الفقيه و المقنع و الهداية و الغنية و جمل الشيخ و مبسوطة و مصباحه و مختصره و الوسيلة» انتهى. قلت: قد عرفت منشأ الاحتمال من التعبير بلفظ العزائم و نحوه، لكن قد ظهر لك ان المراد خلافه بقرينة الإجماعات المتقدمة، و أما ما ذكره في الروايات من الطعن في السند فالظاهر خلافه كما هو واضح لمن لاحظ أسانيدها، مع انه نقل عن
الصدوق في علل الشرائع انه روى في الصحيح(2)عن زرارة قال: قلت: «فهل يقرءان من القرآن شيئا»
الى آخره، و بعد التسليم فهو منجبر بما سمعت، كما ان ما ذكروه بالنسبة للمتن كذلك، مع ان الظاهر خلافه أيضا، و ذلك لأنه لا بد من تقدير مضاف، إذ لا يراد السجدة التي هي وضع الجبهة قطعا، و هو إما أن يكون لفظ السورة أو الآية، و لعل الأول أولى، لاشتهار التعبير عن السور بنحو ذلك من الألفاظ المشهورة كالبقرة و آل عمران و الأنعام و الرحمن، مع انه الموافق لفهم الأصحاب و الإجماعات المتقدمة، و يشهد له أيضا ما في المعتبر، حيث قال:
«يجوز للحائض و الجنب ان يقرءا ما شاءا من القرآن إلا سور العزائم الأربع، و هي اقرأ و النجم و تنزيل السجدة و حم السجدة»، روى ذلك البزنطي في جامعه عن المثنى عن الحسن الصيقل(3)عن أبي
ج3،
عبد الله (عليه السلام)،
و هو مذهب فقهائنا أجمع» انتهى. و ما عن الفقه الرضوي(1)إلا سور العزائم و عددها، فلا ينبغي الإشكال في الحكم المذكور من هذه، نعم لولا الإجماع المتقدم على حرمة البعض لأمكن تخصيص التحريم بقراءة السورة خاصة لا البعض، لكون السورة اسما للمجموع، و بقراءة البعض لا يتحقق الصدق، سيما إذا كان المقصود من أول الأمر البعض، و الظاهر صدق قراءة البعض على الكلمات، و أما الحروف فوجهان، سيما إذا كان المقصد من أول الأمر ذكر بعض الحروف لإتمام الكلمة، و لعل التفصيل بذلك- فيقتصر في الحرمة على ما إذا ذكر بعض الحروف بنية الإتمام ثم قطع، دون ما إذا كان قصده من أول الأمر البعض من الكلمة الخاصة- لا يخلو من قرب، لعدم صدق اسم القراءة عرفا، و يستفاد من تقييد المصنف حرمة البسملة بما إذا نواها منها عدم الحرمة إذا نوى خلاف ذلك، أو لم ينو كسائر الألفاظ المشتركة بين العزائم و غيرها، و هو كذلك، و به يظهر الفرق بين المختص و المشترك، و لو قرأ لفظة زاعما انها من المشترك ثم في أثنائها علم انها من المختص فهل له إتمامها لأن الباقي يكون حينئذ من البعض الذي ذكرنا جوازه أو لا؟ وجهان، أقواهما الثاني.
و من جملة أحكامه انه يحرم عليه المس بما يتحقق فيه صدق اسم مس كتابة القرآن بلا خلاف أجده فيه، سوى ما نقل عن ابن الجنيد من الحكم بالكراهة، مع احتمال إرادته منها الحرمة، و لذا أو لعدم الاعتناء بخلافه نقل الإجماع عليه جماعة منهم الشيخ في خلافه، و السيد ابن زهرة في الغنية، و المصنف في المعتبر، و العلامة في المنتهى و التذكرة، و الشهيد في الروض، بل في المعتبر و المنتهى نسبته الى علماء الإسلام، و مع استثناء داود في التذكرة، و ما في المدارك من نسبة الكراهة إلى الشيخ في المبسوط لعله سهو، إذ الموجود فيما حضرني من نسخته الحكم بالحرمة، و كذا ما نقله المقداد عن القاضي، إذ المنقول لنا من عبارة المهذب صريح في الحرمة، اللهم إلا ان يكون
1) 1 المستدرك- الباب- 11- من أبواب الجنابة- حديث 1.
ج3،
في غيره، لكنه لم ينقل عنه أحد غيره ذلك، و يدل عليه مضافا الى ما سمعت جميع ما تقدم في حرمة المس مع الحدث الأصغر من الكتاب و السنة، فلاحظ و تأمل، لتعرف ذلك و تعرف كثيرا من الأبحاث السابقة مما يتعلق بالمس و بكتابة القرآن و غيرهما، و كذا ما تقدم بالنسبة إلى وجوب منع الصبي و نحوه عن المس مع الجنابة، فإن فيه قولين أيضا كما هناك، و الدليل الدليل، و الترجيح الترجيح، فتأمل جيدا.
أو شيء عليه اسم الله سبحانه كما في المبسوط و الغنية و المراسم و الوسيلة و المهذب و السرائر و الجامع و المعتبر و المنتهى و الإرشاد و القواعد و التذكرة و التحرير و الذكرى و الدروس و غيرها، بل لا أجد فيه خلافا سوى ما يظهر من بعض متأخري المتأخرين ممن لا يقدح خلافه في تحصيل الإجماع، و لذا حكاه عليه في الغنية، و نسبه في المنتهى و غيره إلى الأصحاب مشعرا بدعواه أيضا، و عن نهاية الأحكام نفي الخلاف فيه، و يدل عليه مضافا الى ذلك
موثقة عمار بن موسى(1)عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا يمس الجنب درهما و لا دينارا عليه اسم الله»
و يؤيده مع ذلك انه المناسب للتعظيم، و ما يقال-: من الطعن في الرواية و معارضتها بما رواه المحقق نقلا عن كتاب
الحسن بن محبوب عن أبي الربيع(2)عن الصادق (عليه السلام) «في الجنب يمس الدراهم و فيها اسم الله و اسم رسوله (ص) قال: لا بأس به، ربما فعلت ذلك»
و ب
موثقة إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (عليه السلام)(3)قال: سألته «عن الجنب و الطامث يمسان بأيديهما الدراهم البيض، قال: لا بأس»
و بما في المعتبر نقلا من
جامع البزنطي عن محمد بن مسلم(4)عن الباقر (عليه السلام) قال: سألته «هل يمس الرجل الدرهم الأبيض و هو جنب؟ فقال: و الله اني لأوتى بالدرهم و آخذه و إني جنب،
ج3،
و ما سمعت أحدا يكره من ذلك شيئا إلا ان عبد الله بن محمد كان يعيبهم عيبا شديدا، يقول: جعلوا سورة من القرآن في الدرهم، فيعطي الزانية و في الخمر و يوضع على لحم الخنزير»
و من انه لا دليل على وجوب التعظيم فلذا كان الحكم بالكراهة متجها عند بعض المتأخرين- مما لا ينبغي ان يصغى اليه، أما الطعن فهو على تقدير تسليمه منجبر بما عرفت من الإجماع المنقول الذي يشهد له التتبع لفتاوى الأصحاب، و به يتضح عدم مقاومة الرواية الأولى لها، على انها غير صريحة في الدلالة على مس الاسم، و كونه فيها أعم من ذلك، مع عدم الجابر لدلالتها، و أما ما سمعته من المنقول عن جامع البزنطي فهو مع ابتنائه على معروفية نقش الدرهم الأبيض بلفظ الجلالة لا صراحة فيه في المطلوب، إذ أخذه أعم من ذلك، و أما ما في ذيله فهو- مع دلالته على جواز مس كتابة القرآن المنقوشة على الدرهم، و قد عرفت في السابق ما يدل على فساده- محتمل لكونه من غير الامام (عليه السلام) و لأمور أخر، بل ينبغي القطع بذلك عند التأمل، و أما ما ذكره من عدم وجوب التعظيم فهو مسلم ان أريد به زيادة التعظيم، و كذا يمكن تسليمه في التعظيم الذي لا يكون تركه تحقيرا، و أما التعظيم الذي يكون تركه تحقيرا فلا ينبغي الإشكال في وجوبه، بل لعله من ضروريات المذهب بل الدين، و لعل ما نحن فيه فمن هذا القبيل، و ان كان ليس لأهل العرف نصيب في معرفة التحقير بالنسبة للجنابة و نحوها، إلا انهم يحكمون بذلك من جهة مؤانسة الشرع، كمنعه من دخول المساجد و مس كتابة القرآن و نحوهما، على انه يمكن دعوى وجوب التعظيم الذي لا يكون تركه تحقيرا من قوله تعالى(1)«وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» نعم أقصى ما يسلم من عدم وجوبه انما هو زيادة التعظيم كوضع القرآن مثلا في أعلى الأماكن و أرفعها و نحو ذلك، لأصالة البراءة و قضاء السيرة به، مع عدم تناهي أفراد زيادة التعظيم فتأمل،
1) 1 سورة الحج- الآية 33.
ج3،
و هل يختص الحكم بلفظ (الله) خاصة كما في الموجز الحاوي، و محتمل بل ظاهر عبارة المصنف و كل من عبر بتعبيره، سيما إذا قلنا ان المتبادر الإضافة البيانية و كذلك الرواية، أو يجري الحكم في كل اسم من أسمائه، كما لعله الظاهر من الغنية و الوسيلة و الجامع، لقوله في الأول أو اسم من أسماء الله تعالى، و في الثاني كل كتابة معظمة من أسماء الله، و الثالث كل كتابة فيها من أسماء الله، و محتمل عبارة المصنف و نحوها على جعل الإضافة لامية، أو يختص الحكم بلفظ الجلالة و ما يجري مجراه بالاختصاص به تعالى كالرحمان؟ وجوه، و لعل التعظيم و إجماع الغنية و الاحتياط تؤيد الأوسط.
و الأولى حينئذ إلحاق سائر الأعلام في سائر اللغات، كما قيل ان الأولى تعميم المنع لما جعل جزء اسم كما في عبد الله للاحتياط، و قصد الواضع اسمه تعالى عند الوضع، و احتمال عموم النص و الفتوى، و خصوصا مع بيانية الإضافة، مع احتمال العدم، بل لعله الأقوى للأصل و الخروج عن اسمه بالجزئية.
ثم ان ظاهر عبارة المصنف و ما ماثلها بل الرواية أيضا يعطي تحريم مس الشيء الذي عليه الإسلام و ان لم يمس نفس النقش، لكن ينبغي القطع بعدم إرادته، إذ لا يحرم مس اللوح العظيم مثلا إذا كان مكتوبا في أحد نواحيه لفظ الجلالة، كما يشعر به بل يدل عليه إطلاق جواز مس أوراق القرآن من دون مس الكتابة، و لذا صرح جماعة بأن المراد بما عليه في النص و الفتوى نفس النقش، و ظاهر المصنف و غيره و صريح بعض الأصحاب اختصاص الحكم باسم الله دون أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) للأصل السالم عن المعارض، و لعل الأولى الإلحاق، كما في المبسوط و الغنية و الوسيلة و المهذب و السرائر و الجامع و الإرشاد و الذكرى و الدروس و اللمعة و جامع
المقاصد و الروضة، مع التقييد في الأخير بمقصودية الكاتب، و حكاه في كشف اللثام عن المقنع و جمل الشيخ و مصباحه و مختصره و الإصباح و أحكام الراوندي و التبصرة، و نسبه في جامع المقاصد
ج3،
إلى الأكثر و كبراء الأصحاب، و في الغنية الإجماع عليه، و هو الحجة، مضافا الى ما سمعته من دعوى تعارف نقش اسم الرسول (صلى الله عليه و آله) على الدرهم، فيدل عليه حينئذ الموثقة، و يتم بعدم القول بالفصل، و ان كان في ذلك ما فيه، ضرورة عدم اقتضاء تعارف نقشه حرمة مسه بعد اقتصار الموثق على لفظ الجلالة، و الى انه المناسب للتعظيم، لكن الأولى قصر الحكم بما قيده به في الروضة، فلا يجري الحكم بالنسبة للأسماء المتعارفة الآن عند الناس و ان كان المقصود التشرف بها، مع احتمال التعميم كما يقتضيه إطلاق الباقين و جعله كاسم الله.
و يحرم على الجنب أيضا الجلوس في المساجد كما في السرائر و القواعد، و لعل مرادهم بالجلوس اللبث و المكث فيها، فيكون عين ما في الخلاف و المنتهى و الإرشاد و الذكرى و الدروس، بل عن سائر كتبه و جامع المقاصد، بل عن سائر تعليقاته، و في المنتهى انه لا نعرف فيه خلافا إلا من سلار، و في غيره انه أطبق عليه الأصحاب عدا سلار، و لعل ذلك يكون قرينة على كون المراد باللبث و المكث مطلق الدخول عدا الاجتياز حتى يكون موافقا لما في الفقيه و المقنع و الهداية و لما في المبسوط و الغنية و الوسيلة و الجامع و المعتبر و النافع، لقولهم فيها: انه يحرم دخول المساجد إلا اجتيازا، و ان أبيت تنزيل الكلمة على ذلك كان الأقوى الأخير، فيحرم الدخول مطلقا إلا ما استثني للإجماع في الغنية، بل لعله ظاهر الخلاف أيضا، و قوله تعالى(1)(لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) لظهور ان المراد بالنسبة للجنب مواضع الصلاة بقرينة قوله تعالى (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ).
و ما يقال: من احتمال ان يراد بعبور السبيل السفر فيكون المعنى لا تقربوا الصلاة حال كونكم جنبا إلا في السفر، فان لكم ذلك مع التيمم ففي غاية الضعف، لمخالفة الظاهر
1) 1 سورة النساء- الآية- 46.
ج3،
من الآية، خصوصا و التيمم سيأتي ذكره بقوله تعالى(1)بعد هذه الآية (وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ) الى آخره. على ان ذلك غير خاص بالسفر أيضا، بل الحضر كذلك مع عدم التمكن من الاستعمال، و مع ذلك كله مخالف لما جاء عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) في تفسيرها، ف
في مجمع البيان ان المروي(2)عن أبي جعفر (عليه السلام) (ان المراد لا تقربوا مواضع الصلاة)
و يقرب منه المرسل(3)عن علي بن إبراهيم في تفسيره، لا يقال: انه لا يحرم على السكران القرب الى المساجد من حيث كونها مساجد، لأنا نقول قد يكون المراد من الصلاة نفسها بالنسبة إلى السكران و الى الجنب مواضعها على طريق الاستخدام أو غيره، على ان ذلك اجتهاد في مقابلة النص.
و مما يدل على أصل الدعوى و على المراد في الآية
قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة و ابن مسلم(4)قالا: قلنا له (عليه السلام): «الحائض و الجنب يدخلان المسجد أم لا؟ قال: الحائض و الجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين، ان الله تبارك و تعالى يقول وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا»
و
للمروي(5)عن النبي (صلى الله عليه و آله) في عدة من الأخبار «ان الله كره لي ست خصال، و كرهتهن للأوصياء من ولدي و أتباعهم من بعدي،- وعد منها- إتيان المساجد جنبا»
فان الظاهر ان المراد بالكراهة الحرمة بقرينة غيره من الأخبار، و يمكن الاستدلال عليه بما ورد(6)
في عدة من الروايات «عن الجنب يجلس في المساجد، قال: لا، و لكن يمر فيها»
فان الاستدراك ظاهر في حرمة ما عدا المستدرك، و الحاصل ان الظاهر من
ج3،
ملاحظة الأدلة حرمة الدخول مطلقا إلا للاجتياز و غيره مما دل عليه الدليل، فيحرم حينئذ الدخول لا بعنوان الاجتياز و لا المكث، و احتمال القول ان المحرم انما هو المكث و اللبث، فيحل غيره قد عرفت فساده، و ان الظاهر من الأدلة ان المحلل الاجتياز خاصة و الأخذ منها كما ستعرف، و كيف كان فما في المراسم من انه يندب للجنب ان لا يقرب المساجد إلا عابري سبيل ضعيف جدا مخالف للكتاب و السنة و الإجماع المنقول، بل قد يدعى تحصيله، لعدم قدح خلافه في ذلك، و لعل مستنده
خبر محمد بن القاسم(1)قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) «عن الجنب ينام في المسجد، فقال: يتوضأ و لا بأس ان ينام في المسجد و يمر فيه»
و هو مع موافقته للتقية و مخالفته للكتاب قاصر عن مقاومة غيره من الأدلة من وجوه عديدة، على انه لا دلالة فيه، نعم قد يظهر من الصدوق العمل به، قال بعد ان ذكر ان الجنب و الحائض لا يجوز أن يدخلا المسجد إلا مجتازين: «و لا بأس ان يختضب الجنب، و يجنب و هو مختضب- الى ان قال-: و ينام في المسجد و يمر فيه، و يجنب أول الليلة و ينام الى آخره» انتهى. و هو مع عدم انطباقه على تمام مدلول الرواية لعدم ذكر الوضوء ضعيف، كسابقه لما سمعت، مع احتمال تأويل عبارته بما يرجع الى الأصحاب و إن بعد.
و إذ قد عرفت ان المحلل الاجتياز خاصة فلا ريب في الرجوع الى تحقيق معناه الى العرف كما هو الشأن في غيره من الألفاظ، قيل و هل يدخل فيه التردد في جوانبها و المشي من غير مكث و لا جلوس؟ ربما ظهر من بعضهم ذلك، قلت:
لا ينبغي الإشكال في عدم صدق اسم الاجتياز عليه، و لعل القائل بجوازه منشأه ان المحرم اللبث و المكث لا غير الاجتياز، و هذا ليس لبثا، و فيه ما عرفت سابقا من ظهور الأدلة في حرمة ما عدا الاجتياز، على انا نمنع عدم صدق اسم اللبث و المكث
1) 1 الوسائل- الباب- 15- من أبواب الجنابة- حديث 18.
ج3،
عليه، إذ لا يراد منه السكون و عدم الحركة كما هو واضح، و ما يقال: من التمسك على جوازه ب
خبر جميل(1)عن الصادق (عليه السلام) قال: «الجنب ان يمشي في المساجد كلها، و لا يجلس فيها إلا المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله)»
ضعيف، لما فيه من الطعن في السند أولا، و عدم صلاحيته لمعارضة ما سمعت من الأدلة ثانيا، فلا بأس بحمل المشي فيها على المشي الاجتيازي، على انه من قبيل المطلق.
و هل يشترط في الاجتياز الدخول من باب و الخروج من أخرى، فلا يشمل الدخول و الخروج من باب واحدة أو لا يشترط؟ وجهان، أقواهما الأول، و لا أقل من الشك، و قد عرفت عموم الأدلة لمنع ما عدا الاجتياز، فيدخل المشكوك تحت العموم، فتأمل. و ليعلم انه نقل عن جماعة إلحاق الضرائح المقدسة و المشاهد المشرفة بالمساجد، و نقله الشهيد في الذكرى عن المفيد في العزية، و ابن الجنيد و استحسنه، و ربما نقله بعضهم عن الشهيد الثاني، و مال اليه بعض المتأخرين من أصحابنا، و لا يخلو من قوة، لتحقق معنى المسجدية فيها و زيادة، و للتعظيم، و لما يظهر من عدة روايات(2)من النهي عن دخول الجنب بيوتهم في حال الحياة، و حرمتهم أمواتا كحرمتهم أحياء، بل قد يظهر من ملاحظتها المنع من الدخول فضلا عن المكث، و احتمال حملها على الكراهة مناف للأمر في بعضها بالقيام و الاغتسال، و للنهي في آخر، بل في المنقول
عن الكشي(3)عن بكير قال: «لقيت أبا بصير المرادي فقال أين تريد قلت: أريد مولاك، قال أنا أتبعك، فمضى فدخلنا عليه (عليه السلام) و أحد النظر اليه، و قال:
هكذا تدخل بيوت الأنبياء و أنت جنب، فقال: أعوذ بالله من غضب الله و غضبك، و قال: أستغفر الله و لا أعود»
ما هو كالصريح في الحرمة، و اشتمال بعضها على لفظ
ج3،
(لا ينبغي) ليس صريحا في الكراهة، على انه قد يكون قال له الامام (عليه السلام) لا ينبغي لأن دخوله كان لتعلم العلم و نحوه من غير مكث.
لكن هل يلحق بالجنب الحائض و النفساء؟ إشكال. و لعل التعظيم و اشتمالها على ما في المسجد يؤيد الأول، سيما مع اشتراك الحائض مع الجنب في كثير من الأحكام، و يحتمل العدم لحرمة القياس، بل لعله مع الفارق، بل قيل ان الظاهر ان الحائض و النفساء ربما كن يدخلن بيوتهم للسؤال عن المشكلات التي ترد عليهن، و الله أعلم.
و هل يقتصر في الحكم حينئذ على نفس الروضة المقدسة أو يلحق بها الرواق و نحوه؟
وجهان، أقواهما الأول.
و يحرم على الجنب أيضا وضع شيء فيها أي المساجد كما في الفقيه و المبسوط و الجمل و العقود و الغنية و الوسيلة و المهذب و السرائر و الجامع و المعتبر و النافع و المنتهى و الإرشاد و القواعد و المختلف و الذكرى و الدروس و اللمعة و الروضة و غيرها من كتب المتأخرين، بل عليه الإجماع في الغنية كما عن جماعة الإجماع عليه مما عدا سلار، بل في المنتهى انه مذهب علماء الإسلام عدا سلار، و ظاهر الجميع كون الوضع محرما لنفسه، بل صرح بعضهم انه يحرم عليه حتى لو طرح فيه من خارج المسجد، و لعل المستند في ذلك مضافا الى ما تقدم ما عن العلل من
صحيح زرارة و محمد بن مسلم(1)من قوله (عليه السلام) «في الجنب و الحائض: يأخذان من المسجد و لا يضعان فيه شيئا، قال زرارة: قلت: فما بالهما يأخذان منه و لا يضعان فيه، قال: لأنهما لا يقدران على أخذ ما فيه إلا منه، و يقدران على وضع ما بيديهما في غيره»
و
صحيح عبد الله بن سنان(2)قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الجنب و الحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه، قال: نعم، و لكن لا يضعان في المسجد شيئا»
فما في المراسم من أنه
ج3،
يندب أن لا يضع ضعيف، و ظاهر الصحيحين جواز الأخذ منها كما هو ظاهر الأصحاب بلا خلاف أعرفه فيه، بل في المنتهى انه مذهب علماء الإسلام، و في غيره انه المجمع عليه، بل ظاهر إطلاق النص و الفتوى انه يجوز له ذلك و ان استلزم لبثا طويلا، و ما عساه يظهر- من بعضهم ان المراد بجواز الأخذ من حيث كونه أخذا في مقابلة الوضع، و إلا فلا يحل لأجله ما كان محرما سابقا كاللبث فيما عدا المسجدين و الجواز فيهما، بل هما باقيان على حرمتهما و ان حل الأخذ- مخالف لظاهر النص و الفتوى، فتأمل.
و الذي يقوى في ذهن القاصر أن حرمة الوضع ليست لكونه وضعا، بل المراد حرمة الدخول للوضع كما يشعر به ذكره في مقابلة جواز الأخذ منها، إذ من المعلوم ان المراد الدخول إليه للأخذ منه، و يشعر به أيضا التعليل المتقدم في الرواية، و ربما يشير اليه استدلال المصنف في المعتبر، و نحوه العلامة في بعض كتبه على حرمة الوضع بقوله تعالى (وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) و ليس له وجه يحمل عليه سوى ان يكون المراد منه أن المفهوم من الآية انه لا يجوز الدخول للمساجد لغرض من الأغراض إلا لغرض الاجتياز، فيبقى حرمة الدخول للوضع مشمولا للآية، و من هنا قال ابن فهد في المقتصر: «انه لو وضع فيه شيئا من خارج المسجد حل له قطعا، و قال قبل ذلك: ان المراد بالوضع الوضع المستلزم للدخول و اللبث لا أن الرخصة في الاجتياز خاصة، فلا يباح الدخول لغير غرض الاجتياز» انتهى. و هو عين ما ذكرنا، و ما أورد عليه بعض المتأخرين من انه قول بعدم حرمة الوضع، لكون اللبث محرما في نفسه وضع أو لم يضع ففيه ان ذلك لا يصح للإيراد به عليه، بل هو بيان لكلامه، فان مراده من حرمة الوضع حرمة الدخول للوضع، و إلا فلو لم يدخل أو دخل بعنوان الاجتياز أو الأخذ فلا يحرم عليه الوضع، و هو متجه مؤيد بالأصول السالمة عن المعارض سوى ما عرفت، و هو لا ظهور فيه، و بكثير من الوجوه الاعتبارية، نعم الإنصاف ان عبارات كثير من الأصحاب تأبى
ج3،
التنزيل على هذا، فتأمل، و طريق الاحتياط غير خفي
و يحرم على الجنب أيضا الجواز في المسجد الحرام و مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) خاصة كما هو خيرة الغنية و الوسيلة و المهذب و السرائر و الجامع و المعتبر و المنتهى و القواعد و الإرشاد و التذكرة و الذكرى و غيرها، بل لا أجد فيه خلافا صريحا بل عليه الإجماع في الغنية و المدارك، و نسبه في التذكرة إلى علمائنا، و لعل ذلك يكون قرينة على عدم ظهور الخلاف من المفيد و سلار و الشيخ في الجمل، كما عن الاقتصاد و المصباح و مختصره و الكيدري و ان أطلقوا جواز الاجتياز في المساجد، فيكون مرادهم في غير المسجدين، و ما نقله في كشف اللثام عن ظاهر المبسوط بالكراهة لم نتحققه، بل لعل الظاهر منه القول بالحرمة فيه، قال: «و المكروهات الأكل و الشرب- الى ان قال-:
و المسجد الحرام و مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) لا يدخلهما على حال، فان كان في واحد منهما فأصابه احتلام خرج منهما بعد ان تيمم من موضعه، و يكره مس المصحف» فان مقتضى عدم عطفه له على المكروهات بل ذكر النهي عنه بالخصوص الحرمة كما هو واضح.
و كيف كان فيدل عليه مضافا الى ذلك المعتبرة المستفيضة المشتملة على الرخصة في الاجتياز فيما عدا المسجدين المعتضدة بإطلاق النهي عن المرور في غيرها، و بذلك كله يقيد إطلاق الآية و غيرها الدالة على جواز الاجتياز في سائر المساجد، ثم ان ظاهر بعض الأدلة المتقدمة و غيرها ك
قول الباقر (عليه السلام)(1)في خبر أبي حمزة الثمالي في حديث: «ان الله أوحى الى نبيه ان طهر مسجدك- الى ان قال-: و لا يمر فيه جنب»
و
قول الصادق(2)(عليه السلام) في الحسن: «للجنب ان يمشي في المساجد كلها و لا يجلس فيها إلا المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله)»
عدم جواز مطلق الدخول للمسجدين سواء كان للاجتياز أو لأخذ المتاع، و من هنا قال في الغنية:
ج3،
انه ليس له دخولهما على حال الى ان قال: كل ذلك بدليل الإجماع، فما يقال-: ان إطلاق الأصحاب بجواز الأخذ من المساجد شامل للمسجدين، و تنصيصهم على حرمة الاجتياز لا يقضي بحرمته- ضعيف، لظهور ان تنصيص الأصحاب على ذلك إنما هو لمكان كون الاجتياز مما لا إشكال في حليته بالنسبة إلى سائر المساجد، و الأخذ و ان كان كذلك لكنه ليس بتلك المكانة من الوضوح، فأرادوا التنصيص على حرمة واضح الحلية بالنسبة إلى غيرهما، ليستفاد غيره بالأولى، سيما بعد اشتمال الروايات عليه، و أيضا قد عرفت ان ابن زهرة قال: لا يجوز دخولهما على حال كابن إدريس في السرائر و كذا ابن فهد في موجزه، و أصرح منه عبارة ابن البراج في المهذب، فإنها كالصريحة في عدم جواز الدخول للأخذ، و نحوها عبارة المصنف في المعتبر، و ما عساه يقال-:
ان ما دل على جواز الأخذ شامل بإطلاقه المسجدين، كما ان النهي عن المرور في المسجدين و المشي و نحوهما أيضا شامل للدخول للأخذ و غيره، فيكون التعارض بينهما تعارض العموم من وجه، مع ترجيح الأول بأصالة براءة الذمة و نحوها- مدفوع بأنه لو سلم ذلك لكان الترجيح للثانية، لصراحتها و كثرتها، مع اعتضادها بإجماع الغنية و مناسبة التعظيم، بل قد يشعر حرمة الاجتياز فيهما بحرمة غيره بطريق أولى، على انه ما دل على الأخذ إنما سبق لبيان مطلق جواز الأخذ، لا انه مساق لبيان جواز الأخذ من سائر المساجد، كما لا يخفى على من لاحظها.
و لو أجنب فيهما كما في الجامع و القواعد لم يقطعهما إلا بالتيمم و ظاهر الثلاثة عدم الفرق بين ان تكون الجنابة فيه بالاحتلام أو غيره، بل قد يظهر من الإرشاد و الدروس و البيان و عن موضع من التذكرة تعميم الحكم للمجنب خارج المسجد إذا دخل اليه عمدا أو سهوا، كما هو نص الشهيد في الذكرى، لكن ظاهر الهداية و الفقيه و المبسوط و السرائر و المعتبر و النافع و المنتهى و التحرير الاقتصار على الاحتلام خاصة،
ج3،
و اختاره بعض المتأخرين من أصحابنا، و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في وجوب التيمم بالنسبة للمحتلم في المسجد، لما تسمعه من الصحيح المعتضد بالعمل، بل في ظاهر المعتبر و المنتهى الإجماع عليه، خلافا لابن حمزة من القول بالاستحباب، و هو مع خلوه عن المستند عدا الأصل الذي لا يصلح لمعارضة ما ذكرنا ضعيف، و من هنا نسبه في المعتبر و المنتهى الى علمائنا من غير إشارة إلى خلاف.
نعم وقع ما سمعت من الاختلاف في عبارات الأصحاب، فمنها في الجنب في المسجد احتلاما أو غيره، و منها مطلق الجنب و لو في خارج المسجد، و منها خصوص الاحتلام، و لعل مستند (الأول)- بعد الفاء الفارق بين الاحتلام في المسجد و الجنابة فيه-
صحيح أبي حمزة(1)على ما رواه المحقق في المعتبر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام):
«إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) فاحتلم أو أصابته جنابة فليتيمم، و لا يمر في المسجد إلا متيمما»
و المعروف من روايته في كتب الأخبار و غيرها (فأصابته جنابة) فيخرج حينئذ عن الاستدلال به لذلك، على انه أيضا لا يشمل جميع صور الدعوى بناء على ما هو الظاهر منه من عطفه على قوله (فاحتلم) إذ لا يشمل حينئذ الجنابة في حال اليقظة، إلا ان روايته بأو أوفق بصحة المعنى من الفاء، فتأمل. و لعل مستند (الثاني)- بعد عدم تعقل الفرق بين الأفراد كلها أي الاحتلام و غيره في المسجد أو خارجه، بل قد يكون الضمير في قوله: (و لا يمر) راجعا الى الجنب المستفاد من قوله (عليه السلام): (فأصابته جنابة) لا إلى المحتلم- ان التيمم للخروج على وفق القاعدة، فلا فرق حينئذ، و ذلك لمكان الإجماع على الظاهر، و الاخبار على حرمة المرور و المشي للجنب في المسجدين، و قد علم من خارج عموم بدلية التراب عن الماء، فيجب عليه حينئذ التيمم بدلا عنه للخروج، كما إذا اضطر الى دخولهما،
1) 1 الوسائل- الباب- 15- من أبواب الجنابة- حديث 3.
ج3،
و لعل مستند (الثالث) الجمود على ظاهر النص، بناء على المعروف من روايته، و ما يقال: من عدم تعقل الفرق فيه انه لو سلم فعدمه بالنسبة إلينا لا يدل على نفيه في الواقع، و دعوى الوصول الى حد القطع ممنوعة كل المنع، و كذا ما قيل من الموافقة للقاعدة المتقدمة، إذ نمنع كون مقتضاها ذلك، لمكان تعارض حرمة اللبث مع حرمة المرور، و ترجيح الثانية على الأولى ترجيح من غير مرجح، سيما مع زيادة زمان اللبث على زمن الخروج، بل الظاهر إبقاء الحرمتين في الداخل عمدا، فيكون كالداخل في الدار المغصوبة، نعم إذا أمكن التيمم من غير لبث اتجه القول بوجوبه، لما تقدم.
و مما يرشد الى عدم كونه موافقا للقاعدة أيضا انه لو كان كذلك لوجب القول بوجوب التيمم على الجنب في سائر المساجد، بناء على ان الخروج منه أو الدخول ثم الخروج من باب واحد لا يدخل تحت مسمى الاجتياز، فيكون قطعه حينئذ محرما على الجنب، فيجب التيمم حينئذ له، فلو دخل فيه مثلا جنب عمدا أو سهوا ثم أراد الخروج منه كان الواجب عليه حينئذ التيمم، مع ان المصرح به في كلام بعضهم بل هو قضية كلام الجميع بل كاد يكون مقطوعا به عدم الوجوب، بل عدم المشروعية عدا الشهيد (رحمه الله) فإنه ذكر استحباب التيمم للمحتلم في غير المسجدين للخروج معللا ذلك بكونه أقرب حينئذ إلى الطاهر، و أنكر عليه بعض من تأخر عنه مشروعيته فضلا عن استحبابه، و هو كذلك، اللهم إلا ان يقال: ان عدم ذكرهم لإيجاب التيمم لعله من جهة البناء منهم على ان المحرم في سائر المساجد اللبث و المكث، لا ان المحلل الاجتياز خاصة، فيكون الخروج ليس بمحرم، فلا يجب التيمم له، نعم لو احتاج الجنب إلى المكث في المسجد وجب عليه التيمم من غير إشكال، فيكون المكث في سائر المساجد كالاجتياز بالنسبة للمسجدين، لكن قد عرفت فيما تقدم ان الذي تقتضيه الأدلة من الآية و غيرها حرمة ما عدا الاجتياز، فيتعين عدم ذكرهم الإيجاب للوجه الأول، و هو عدم الوجوب.
ج3،
و مما يرشد أيضا الى عدم كون التيمم موافقا للقاعدة إطلاق النص و الفتوى بوجوبه من غير تقييد بما إذا لم يتمكن من الاغتسال، مع انه لا إشكال في اشتراط التيمم الذي هو على وفق القاعدة بعدم التمكن من الطهارة المائية، بل صرح بعضهم هنا بوجوب التيمم سواء تمكن من الاغتسال أو لا بزمان مساو للتيمم أو أقصر أو لا، كما انه صرح بعضهم ان هذا الموضع أي الخروج من المسجدين مما يختص به وجوب التيمم عن الاغتسال، نعم ربما ظهر من الشهيد (رحمه الله) فقط القول بوجوب الاغتسال بشرط مساواة زمانه لزمن التيمم أو أقصر، و ربما تبعه عليه بعض من تأخر عنه معللا ذلك بأن فيه جمعا بين ما دل على وجوب التيمم هنا و بين ما دل على اشتراطه بعدم الماء، مع ان إطلاق الحكم بوجوب التيمم في الرواية مبني على الغالب من عدم التمكن من الاغتسال بدون تلويث للمسجد في النجاسة، سيما مع كون مورد الخبر المحتلم، أو على الغالب من زيادة زمان الغسل على زمن التيمم، و ربما يؤيده معروفية كون التيمم طهارة اضطرارية لا ترتكب إلا مع فقد الماء حتى صار ذلك أصلا بالنسبة للتيمم، فيكون الإطلاق حينئذ منزلا على القيد المعلوم، و أيضا لا يتصور مانع من جواز الغسل سوى استلزامه للمكث المحرم، و هو إذا جاز للتيمم مع عدم إذهابه لحدث الجنابة فليجز بالنسبة للغسل بطريق أولى، بل هو الموافق لقوله (عليه السلام): (و لا يمر فيه جنب).
و فيه- بعد تسليم عموم الأدلة الدالة على اشتراط كل تيمم بعدم الماء- انه ينبغي القول حينئذ بوجوب الغسل طال زمانه على زمن التيمم أو قصر، و الاعتذار عن ذلك بعدم وجود القائل به ضعيف، إذ كما انه لم يقل أحد قبل هذا القائل بوجوب الاغتسال مع طوله على زمان التيمم كذلك لم يقل أحد به مع قصره، لإطلاق الأصحاب وجوب التيمم، و تنزيله كالرواية على الغالب يقضي بوجوب الاغتسال و ان طال، بل المتجه
ج3،
حينئذ وجوبه و ان توقف على مقدمات بعيدة، كاستيجار شخص مثلا للإتيان بالماء من خارج المسجد و إتيان الماء لإزالة النجاسة حيث يكون محتاجا لذلك على قياس غيره من التيممات، و فورية الخروج لا ينافي الاشتغال بمقدمات ما توقف الخروج عليه، كما لو فرض احتياج التيمم الى مقدمات من إتيان التراب و نحوه و ان بلغ في زيادة المكث على زمن الخروج، و الظاهر انه لا يقول بذلك أحد، بل كان الاحتياج الى التيمم حينئذ من النادر الذي لا ينبغي ان يؤمر به على الإطلاق، و أيضا إيجاب التيمم مع طول زمان الغسل قاض بتحكيم الرواية على ما دل على اشتراط التيمم بفقدان الماء، و حيث تحكم فلتحكم بإطلاقها الشامل لطول الزمان و قصره، لكونها من قبيل الخاص بالنسبة إلى ذلك العام، و إلا فتحكيمها بالنسبة الى بعض مدلولاتها من دون دلالة دليل على ذلك لا وجه له، على انه بعد التسليم المتقدم يكون التعارض بينها و بين غيرها من العمومات تعارض العموم من وجه، و لا ريب في الترجيح لها، لمكان اعتضادها بفتوى الأصحاب و أقلية أفرادها، بل قد يدعى ان الفهم العرفي قاض بتحكيمها على العمومات كالخاص بالنسبة للعام، كما يظهر لك من ملاحظة قولنا مثلا يجب التيمم عند فقد الماء و قولنا المحتلم في المسجد يتيمم و يخرج، فإنه لا ريب في ان الفهم العرفي يحكم الثاني على الأول، فيكون المعنى إلا الجنب في المسجد، سيما و اشتراط فقدان الماء في التيمم صار من قبيل الأصول و القواعد التي يكفي في الخروج عنها رائحة الدليل، كما في التيمم للنوم و نحوه، و أيضا فإن أقصى ما يسلم من الاشتراط المذكور انما هو في التيمم الذي يكون بدلا عن الماء، و الكلام فيما نحن فيه انه منه أولا، و دعوى ان الأصل في التيمم ذلك لو سلم يجب الخروج عنه بإطلاق الدليل.
بل في
مقطوعة أبي حمزة(1)المروية في الكافي بالمتن المتقدم في الصحيحة الأولى
1) 1 الوسائل- الباب- 15- من أبواب الجنابة- حديث 3.
ج3،
لكن مع زيادة «و كذلك الحائض إذا أصابها الحيض تفعل ذلك»
ما يعين كونه ليس بدلا عن الماء، و ذلك لأن التيمم بالنسبة للحائض لا يفيدها شيئا، لمكان استمرار حدثها، و هي و إن كانت مقطوعة إلا انه عمل بها الخصم و بعض الأصحاب كالعلامة و غيره، بل يقوى الظن ان سندها هو سند الرواية الأولى كما لا يخفى على من لاحظها، على انها مروية في الكافي الذي هو أضبط كتب الأخبار، و في المنتهى انها مناسبة للمذهب، فما في المعتبر- من القول بالاستحباب استضعافا للرواية مع كون التيمم لا يفيدها طهارة- ضعيف، بل في الذكرى انه اجتهاد في مقابلة النص، و كأنه أراد به قوله:
لا يفيدها طهارة، إذ لعل وجوبه من باب التعبد أو يفيدها إباحة بالنسبة للخروج فقط، و ربما يلحق بها النفساء أيضا دون باقي الأحداث الكبر، و على كل حال فهو وارد بالنسبة للخصم في المسألة الأولى، لمكان عمله بهذه الرواية أي رواية الحائض، فالاستشعار منها بكون هذا التيمم ليس بدلا عن ماء فيصح و ان تمكن من الماء متجه بالنسبة إليه، هذا كله مع انا نقول في أصل المسألة ان إيجاب الغسل مع فرض تساوي زمانه لزمان التيمم أو قصره لا يقضي بكون التيمم على القاعدة حتى يجب تسريته لغير المحتلم، إذ قد يكون منشأ وجوب الاغتسال استفادته بطريق أولى، بمعنى انه إذا جاز المكث للتيمم مع كونه غير رافع لصدق اسم الجنب فليجز ذلك المقدار بالنسبة للرافع بطريق أولى، فلا يكون منشأه قيام التيمم مقام الماء حتى يثبت للخصم مطلوبا من التسرية لغير المحتلم، و لعل هذا هو السبب في اشتراط الشهيد (رحمه الله) عدم طول زمانه على زمن التيمم، هذا أقصى ما يقال في ترجيح الثالث.
و الأقوى في النظر ان يقال: وجوب التيمم لسائر أفراد الجنب عدا المحتلم مع تعذر الاغتسال إذا قصر زمان التيمم عن زمن الخروج، لأنه و ان كان تعارض فيه حرمة المكث للتيمم و حرمة المشي فيه بدونه لكنه مع فرض زيادة الزمان ترجح حينئذ
ج3،
حرمة الخروج بدونه على تلك الحرمة، بل يمكن ان يقال: انه لما دلت الأدلة على حرمة الكون في المسجدين للجنب الصادق في الكون الخروجي و لكون للتيمم فمع تعارضهما و ملاحظة تقديرهما بالزمان وجب التيمم حينئذ للزائد من الكون الخروجي، و أما مع تساويهما فيمكن القول بالخروج بدون التيمم، لأنه مع تعارض الحرمتين و فقد الترجيح يتمسك حينئذ بأصالة البراءة من وجوب التيمم السالمة عن المعارض، كما انه يمكن القول بالتخيير بينه و بين الخروج، و يمكن القول بترجيح الحرمة الخروجية على الكون للتيمم، لظهور الأدلة في النهي عن المرور جنبا، و لرواية المحتلم، فإنه مع كونه أولى من غيره بالعذر و مع هذا أمره بالبقاء للتيمم و عدم الخروج إلا متيمما فلعلها تصلح حينئذ لترجيح إحدى الحرمتين على الأخرى، و منه ينقدح ترجيحها و ان قصر زمان الخروج على زمن التيمم كالمحتلم، بل لعله لا يخلو من قوة، و كيف لا و قد عرفت فيما مضى من مقطوعة أبي حمزة أمر الحائض بالتيمم و عدم الخروج إلا متيممة مع فرض عدم افادة التيمم لها طهارة، فيعلم من جميع ذلك ان حرمة المرور جنبا أولى بالمراعاة من حرمت المكث للتيمم، و بالتأمل في ذلك كله يظهر لك انه يتجه القول بوجوب الاغتسال على غير مورد الرواية من الجنب مع قصر زمان الغسل على زمن الخروج، سيما إذا كان مع ذلك أقصر زمانا من التيمم أو مساويا له، لما سمعته من مراعاة القاعدة في البعض و من الترجيح في آخر، بل قد يتعدى الفقيه الماهر الى مورد الرواية و هو المحتلم، و يجعل حكمه كذلك أيضا، لكن ان أبيت عن ذلك وجب الجمود على ظاهر الرواية في خصوص المحتلم و عدم مراعاة شيء مما تقدم فيه، قصر زمانه على زمن الخروج أو لا، تمكن من الاغتسال أو لا، و الرجوع في غيره الى مقتضى القواعد كما تقدم.
بقي بحث في انه هل يفيد هذا التيمم إباحة لغير الخروج من المشروط بالطهارة
ج3،
لو صادف عدم الماء في الخارج أو عدم التمكن من الاغتسال؟ ربما يظهر من بعضهم العدم، إما لكون هذا التيمم تيمما تعبديا ليس بدلا عن الماء، فلا يجري عليه هذه الأحكام، أو لأن استباحة الأمور الأخر به مبنية على التداخل، و الفرض عدم نية غير الخروج، اللهم إلا أن نقول به من دون نية، قلت: و كل منهما لا يخلو من نظر، أما أولا فلما عرفت سابقا من كون هذا التيمم انما هو على حسب سائر التيممات حيث يفقد الماء للمشروط سيما بالنسبة الى غير مورد الرواية من أفراد الجنب، نعم مع الشرط المتقدم من قصر الزمان و نحوه للطهارة، فما يقال: انه ليس ببدل عن الماء لا وجه له، و أما ثانيا فلأنه مع فرض كونه صوريا و لكن صادف المحل واقعا يكون من قبيل وضوء الجنب و الحائض ثم بان عدم الجنابة و الحيض فإن الأقوى فيهما صحة الوضوء، لعدم اشتراط نية الرفع و الاستباحة، بل و لا يقدح نية عدمهما، و أما ثالثا فلأن مسألة التداخل خارجة عما نحن فيه، إذ تلك مسببات لأسباب متعددة، بخلاف ما هنا، فإنه من باب تداخل الغايات، فيكون كالوضوء المنوي به استباحة الصلاة مثلا، فإنه
يستبيح به غيرها من الأمور الأخر و ان لم ينوها، فتأمل جيدا. فإنه قد أطال بعض المتأخرين زعما منه بناؤها على ذلك، هذا كله فيمن تيمم و خرج و لم يكن عالما بعدم التمكن من الاغتسال، أما إذا كان عالما بعدم التمكن لمرض أو غيره فهل يتعين عليه التيمم للخروج ثم انه يتيمم للدخول أو انه يكتفي بتيمم واحد و لا يحتاج الى الخروج بل يستبيح المكث و الصلاة و غيرهما بذلك؟ الأقوى الثاني، و ما يقال: ان أقصى ما يستفاد من الأدلة جواز المكث بالتيمم الخروجي دون غيره فيه من الضعف ما لا يخفى، سيما بعد البناء على ان الخروج من جملة الغايات المشروطة بالطهارة و ان التيمم له لذلك، و لو اتفق انحصار التمكن من الغسل في المسجد فالظاهر جواز استباحة المكث بالتيمم، لكن قد يقال: انه مما يقتضي وجوده عدمه، فلا يجوز، فإنه متى استبيح بالتيمم المكث للغسل
ج3،
انتقض التيمم للتمكن من الماء، و متى انتقض التيمم حرم الكون للغسل حينئذ، فتأمل.
و إذ قد فرغ المصنف من المحرمات على الجنب شرع في المكروهات فقال:
و يكره مسمى الأكل و الشرب عرفا بلا خلاف أجده بين الطائفة، بل في الغنية الإجماع عليه، و نسبه في التذكرة إلى علمائنا، و ما في الفقيه و الهداية من التعبير عن ذلك بلفظ (لا يجوز) محمول على الكراهة كما يشعر به تعليلهما بمخالفة البرص، و كذا ما في المقنع من النهي عن الأكل و الشرب للتعليل المذكور. و نحوه في النهي ما في المهذب، و يدل عليه مضافا الى ذلك
خبر السكوني(1)عن الصادق (عليه السلام) فان فيه «لا يذوق شيئا حتى يغسل يده و يتمضمض، فإنه يخاف عليه من الوضح»
و
صحيح الحلبي(2)قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «إذا كان الرجل جنبا لم يأكل و لم يشرب حتى يتوضأ»
و ما عن
الفقيه(3)في باب ذكر جملة من مناهي النبي (صلى الله عليه و آله) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن الأكل على الجنابة»
و هي و ان كان مقتضاها الحرمة إلا انه لما سمعته من الإجماع على الكراهة مع إشعار التعليل في الصحيح الأول بها مع ما
في الموثق(4)قال: سألت الصادق (عليه السلام) «عن الجنب يأكل و يشرب و يقرأ القرآن، قال: نعم يأكل و يشرب و يقرأ و يذكر الله عز و جل ما شاء»
وجب حملها على الكراهة، و من العجيب ما في المدارك من انه لم يقف على ما يدل على ذلك من الأخبار سوى
صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله(5)فان فيه قلت: «أ يأكل الجنب قبل ان يتوضأ قال (عليه السلام): انا لنكسل و لكن ليغسل يده، و الوضوء أفضل»
و
صحيح زرارة(6)
1) 1 الوسائل- الباب- 20- من أبواب الجنابة- حديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 20- من أبواب الجنابة- حديث 4.
3) 3 الوسائل- الباب- 20- من أبواب الجنابة- حديث 5.
4) 4 الوسائل- الباب- 19- من أبواب الجنابة- حديث 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 20- من أبواب الجنابة- حديث 7.
6) 6 الوسائل- الباب- 20- من أبواب الجنابة- حديث 1.
ج3،
عن الباقر (عليه السلام) قال: «الجنب إذا أراد أن يأكل و يشرب غسل يده و تمضمض و غسل وجهه و أكل و شرب»
و هما يقتضيان استحباب الوضوء لمريد الأكل و الشرب، أو غسل اليد خاصة، أو مع غسل الوجه و المضمضة، لا على كراهة الأكل و الشرب بدون ذلك، انتهى و أنت خبير بما فيه بعد ما سمعت من الأخبار المنجبرة بفتوى الأصحاب، مع انه لا منافاة بينها و بين الروايتين، بل قد يدعى إشعارهما بالكراهة أيضا.
نعم وقع هناك اختلاف في عبارات الأصحاب بالنسبة إلى رافع الكراهة و ما يحصل به خفتها، فقال المصنف و تخف الكراهة بالمضمضة و الاستنشاق و لم أجد من وافقه على ذلك صريحا، لكن عبارة السرائر قد تشعر به كالمنقول عن الاقتصاد و المصباح و مختصره و النهاية، بل المعروف عندهم رفع الكراهة بالأمرين، كما هو ظاهر المبسوط و الغنية و المهذب و الوسيلة و الجامع و النافع و التذكرة و المنتهى و الإرشاد و القواعد، و نسبه جماعة إلى المشهور، و في ظاهر الغنية الإجماع عليه، و كذا
التذكرة، و لعل ذلك كاف في المستند، و إلا فلم أعثر في الروايات على ما يدل عليه، بل ليس فيها تعرض لذكر الاستنشاق، سوى ما عن الفقه الرضوي(1)من ذكرهما مع غسل اليدين كما هو فتوى الفقيه و الهداية و عن الأمالي، و لعله لذا قال في المعتبر بعد ذكر ذلك و نسبته إلى الخمسة و أتباعهم: «و الذي أقوله أنه يكفيه غسل يده و المضمضة، لما رواه زرارة عن الباقر (عليه السلام)» الى آخره، و كان عليه زيادة غسل الوجه، لاشتمال مستنده عليه، كما في النفلية لكن مع زيادة الاستنشاق مع خلو الخبر عنه، و لعله أخذه من جهة تلازم المضمضة و الاستنشاق غالبا، فكان ذكر أحدهما يكفي عن الآخر، و كان الأولى في المستند للمحقق خبر السكوني المتقدم، و خير في المنتهى و الدروس في رفع الكراهة بين الأمرين و الوضوء، و لا أعرف له مستندا واضحا عدا ما ستسمع،
1) 1 المستدرك- الباب- 12- من أبواب الجنابة- حديث 2.
ج3،
و ما ذكره من الأخبار دليلا لا يمكن حملها عليه، فتأمل. و عن المقنع «لا تأكل و لا تشرب و أنت جنب حتى تغسل فرجك و تتوضأ» و في كشف اللثام «انه موافق لقول أحمد، و لم أظفر له بمستند» انتهى. و كان جميع ذلك منهم لاختلاف ما سمعت من الأخبار، و يظهر من بعض المتأخرين العمل بها جميعا، و انها تزول الكراهة بها كلها لكنها مترتبة بالفضل، فأكمل الجميع الوضوء، ثم غسل اليد و المضمضة و الاستنشاق و غسل الوجه، ثم الثلاثة الأول، ثم الأولان خاصة، ثم الأول خاصة، و هو أدنى المراتب، و كان المستند للأول ما دل على ان الوضوء أفضل كما في صحيح عبد الرحمن، و للثاني صحيح زرارة عن الباقر (عليه السلام) مع زيادة الاستنشاق، و للثالث الرضوي، و للرابع خبر السكوني، و للخامس ما في صحيح عبد الرحمن أيضا، و لعل التأمل في الروايات بعد حمل مطلقها على مقيدها و حذف المكرر فيها يقضي بأن رفع الكراهة يحصل بالوضوء الكامل أي الذي معه المضمضة و الاستنشاق، فيدخل حينئذ غسل اليد و الوجه في الوضوء، إلا أنه يستفاد حصول الخفة بغسل اليد، و لعل المراد بها من الزند كما يظهر منها حيث تطلق، بل يمكن دعوى حصول الخفة بغيرها أيضا بحمل الروايات المشتملة على ذكر البعض على حصول التخفيف، هذا ان لاحظنا مجموع الأخبار حتى الرضوي من غير نظر الى كلام الأصحاب، و أما معه فلعل ما ذكره في المنتهى من التخيير في الرفع بين الوضوء و المضمضة و الاستنشاق لا يخلو من قوة، فيكون دليل الأول الأخبار، و دليل الثاني الإجماع المدعى، فتأمل جيدا.
ثم انه صرح جماعة من متأخري الأصحاب بأنه ينبغي ان يراعى في الاعتداد بهما عدم تراخي الأكل و الشرب عنهما كثيرا في العادة بحيث لا يبقى بينهما ارتباط عادة، و تعدد الأكل و الشرب و اختلاف المأكول و المشروب لا يقتضي التعدد إلا مع تراخي الزمان، قلت: و يحتمل قويا انه حيث ترفع الكراهة بالوضوء لا يحتاج الى التعدد بتعدد
ج3،
الأكل و الشرب و ان تراخى الزمان، كما هو قضية المفهوم في
قوله (عليه السلام): (لم يأكل و لم يشرب حتى يتوضأ)
نعم متى أحدث بعده احتاج الى تجديده، و احتمال القول بعدم ناقضية الحدث له لكونه ليس رافعا له ضعيف جدا، لعموم ما دل على ناقضية الحدث له، و صحة كل وضوء بحسبه، و نحو ما ذكرنا من احتمال عدم التعدد في الوضوء يجري أيضا في نحو المضمضة مما يرفع الكراهة أيضا، إلا انه أضعف من الأول، لظهو
ر قوله (عليه السلام): (إذا أراد ان يأكل و يشرب غسل يده و تمضمض)
الى آخره في التعدد عند تعدد الإرادة.
و يكره للجنب أيضا قراءة ما زاد على سبع آيات من غير العزائم كما في المعتبر و النافع و المنتهى و التذكرة و الإرشاد و القواعد و التحرير و الدروس و جامع المقاصد و غيرها، و ربما نسب الى المشهور، و يستفاد من المتن و غيره أمور ثلاثة، الأول جواز قراءة الجنب ما شاء، و الثاني عدم الكراهة في السبع، و الثالث الكراهة فيما زاد.
(أما الأول) فلم أقف فيه على مخالف سوى ما ينقل عن سلار من تحريم القراءة مطلقا، و لعله في غير المراسم كما حكاه عنه في الذكرى في الأبواب، و هو مع ضعفه- و مخالفته للأصول و العمومات و الأخبار التي كادت تكون متواترة، بل هي كذلك الدالة على جواز قراءة الجنب و الحائض ما شاءا من القرآن إلا السجدة، و الإجماع المحصل فضلا عن المنقول في الانتصار و الغنية و المنتهى و عن أحكام الراوندي، و ربما نقل عن الخلاف أيضا إلا أن عبارته قاصرة عن ذلك، بل ظاهره الإجماع على أصالة الإباحة، نعم قد تشعر به عبارة المعتبر- لم أعثر له على مستند صالح لذلك، و أما المروي عن
الخصال عن السكوني عن الصادق عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: «سبعة لا يقرؤون من القرآن الراكع و الساجد و في الكنيف و في الحمام و الجنب و النفساء و الحائض»
و المنقول عن
الصدوق عن أبي سعيد الخدري في وصية النبي (صلى الله عليه و آله)
ج3،
لعلي (عليه السلام)(1)انه قال: «يا علي من كان جنبا في الفراش مع امرأته فلا يقرأ القرآن، فإني أخشى ان تنزل عليهما نار من السماء فتحرقهما»
فإنهما مع قصورهما عن إفادة ذلك من وجوه عديدة مع عدم المعارض فكيف مع معارضتهما لما سمعت من الأدلة، و موافقتهما للعامة كما يشعر به سند الثانية، و كذا ما يقال: من معروفية ترك الجنب قراءة القرآن في ذلك الزمان كما يقضي به المنقول عن عبد الله بن رواحة، حيث رأته امرأته مع جاريته، فمضت لتأخذ سكينا، فأنكر عليها ذلك، و احتج عليها بأنه أ ليس نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان يقرأ أحدنا و هو جنب، فقالت له: اقرأ فقال:
شهدت بأن وعد الله حقو ان النار مثوى الكافرينا
و ان العرش من فوق طباقو فوق العرش رب العالمينا
و تحمله ملائكة شدادملائكة الإله مسومينا
فقالت: صدق الله و كذب بصري، فجاء و أخبر النبي (صلى الله عليه و آله) بذلك، فضحك حتى بدت نواجده، فإن إثبات الحرمة بمثل هذه الأمور مخالف لأصول المذهب، سيما مع المعارضة لما سمعت، و لذا كان هذا القول غير معروف النقل بين أصحابنا، و لم أقف على من نقله غير الشهيد في الذكرى، نعم المعروف نقله في لسان الأصحاب تحريم ما زاد على سبع، إذ نقله الشيخ في الخلاف عن بعض أصحابنا و مثله ابن إدريس في السرائر، و كذا غيرهما، لكنا لم نعرف القائل به من المتقدمين على الشيخ، نعم هو ظاهر ابن البراج في المهذب، حيث قال: و لا يجوز أن يقرأ منه أزيد من سبع آيات، و قيل انه قد يظهر أيضا من الشيخ في كتابي الأخبار، و فيه ان الشيخ في الاستبصار ذكره احتمالا في مقام الجمع بين الأخبار كما ذكره غيره، نعم قد يظهر منه في التهذيب كما يظهر منه في النهاية، حيث قال فيها: و يقرأ القرآن من أي موضع شاء ما بينه و بين سبع إلا أربع سور، مع احتمال إرادته ثبوت الكراهة فيما
1) 1 الوسائل- الباب- 19- من أبواب الجنابة- حديث 3.
ج3،
عدا ذلك، كعبارة المقنعة أيضا، فإنه قال: لا بأس ان يقرأ من سور القرآن ما شاء ما بينه و بين سبع آيات إلا أربع سور، فان ثبوت البأس أعم منه، إلا ان الظاهر ان الشيخ فهم من عبارة المقنعة ثبوت الحرمة في الزائد.
و كيف كان فهو ضعيف كسابقه مخالف للأصول و العمومات و ما سمعته من الإجماعات المنقولة، مع انه خال عن المستند سوى
الموثق عن سماعة(1)قال: سألته «عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ قال ما بينه و بين سبع آيات»
قال الشيخ: و في رواية زرعة عنه سبعين آية، و بذلك عدهما بعضهم روايتين، مع احتمال ان تكون رواية واحدة مضطربة، و هو مع معارضته لما سمعت لا يصلح لأن يكون مقيدا أو مخصصا للأخبار الكثيرة التي فيها الصحيح و غيره الدالة على جواز قراءته ما شاء إلا السجدة، مع انه بعد فرض كونهما روايتين يحتمل قويا في الثانية إرادة بيان جواز قراءته ما شاء، و ذلك طريق متعارف في إفادة هذا المعنى كما ذكر ذلك في قوله تعالى(2)(إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) بل يحتمل إرادة ذلك أيضا في الأولى، لكنه ضعيف كما ذكر في بيان
قوله (صلى الله عليه و آله)(3): «نزل القرآن على سبعة أحرف»
و مع ذلك فهما متعارضتان، إذ مفهوم الأولى حرمة ما عدا السبع، و مفهوم الثانية حليته الى السبعين، و مقتضى الجمع بينهما بتحكيم الثانية على الأولى حرمة الزائد على السبعين، مع ان المنقول من القول انما هو حرمة ما زاد على السبع، بل لم أعرف أحدا قال بحرمة ما زاد على السبعين، و لا نقله أحد عدا العلامة في المنتهى، فإنه حكاه عن بعض الأصحاب، نعم في السرائر عن بعض أصحابنا انه قال بحرمة السبع أو السبعين، و كذا قال الشهيد
ج3،
في الذكرى: انه يشعر كلام الشيخ في التهذيب بحرمة السبع أو السبعين، و من المعلوم ان هذا الترديد غير ملتئم بحسب الظاهر، اللهم إلا أن يكون القائل بالحرمة مترددا غير جازم بأحدهما، و أما احتمال كون الحرمة مقصورة على السبع أو السبعين، أي فلا يحرم ما دون السبع حتى يبلغ السبع، و لا ما فوقها حتى يبلغ السبعين فضعيف جدا لا يخفى استبشاعه، و أيضا هما لا ظهور فيهما بالحرمة، لمكان حمل الجملة الخبرية فيهما على الأمر الذي أقصى مراتبه الندب، فيكون المفهوم حينئذ انتفاء الندب، و هو أعم من الحرمة بل و من الكراهة، اللهم إلا ان يقال: إن السؤال فيهما عن مطلق الاذن في القراءة، فتحمل الجملة الخبرية حينئذ على إرادة ثبوت الإذن بالنسبة الى هذا المقدار، فيكون المفهوم انتفاء الاذن، بل لو كان أمر صريح لكان المتجه حمله على الإباحة، لكونه في مقام توهم الحظر، فتأمل. و الحاصل لا ينبغي الإشكال في عدم صلاحيتهما لإثبات الحرمة، و كيف و ستسمع المناقشة من بعض المتأخرين في إثبات الكراهة فضلا عن الحرمة.
(المقام الثاني) عدم كراهة السبع، و لا أعرف فيه خلافا إلا من ابن سعيد في الجامع، حيث أطلق كراهة قراءة الجنب القرآن، و سلار في المراسم، حيث قال: انه يندب له ان لا يقرأ القرآن، بل قد يظهر من الغنية دعوى الإجماع عليه، و هو الذي يقضي به الأدلة المشتملة على الأمر بقراءة الجنب، فضلا عن عموم ما دل على أصل الأمر بقراءة القرآن، كقوله تعالى(1)(فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) و غيره كتابا و سنة مع عدم المعارض سوى الروايتين الأولتين اللتين ذكرناهما سندا للقول بالحرمة، و هما قاصرتان عن إفادة الكراهة و ان كانت مما يتسامح بها، لمكان ظهورهما في موافقة العامة، و معارضتهما لفتوى أكثر الأصحاب بعدم الكراهة، بل ظاهرهم البناء على الندبية كما هو مقتضى بعض أدلتهم، مع ان الاستحباب مما يتسامح في دليله أيضا،
1) 1 سورة المزمل- الآية 20.
ج3،
فلا يصلحان لقطع الأصل و تقييد الأوامر بقراءة القرآن، على انهما معارضتان بمفهوم موثقتي سماعة، إذ ظاهرهما نفي الكراهة في هذا المقدار، فكان القول بالكراهة حينئذ ضعيفا.
(و أما المقام الثالث) و هو الكراهة فيما زاد فهو المشهور، بل لا أعرف فيه خلافا سوى ما يظهر من صاحبي المدارك و الحدائق من القول بعدمها، و ربما تشعر به عبارة الفقيه و الهداية و كذا عن المقنع، لمكان إطلاق نفي البأس فيها عن قراءة القرآن كله خلا العزائم، و قد يراد منه الجواز، فلا خلاف كما يشعر به استثناء العزائم، و قد يشعر بعدم الكراهة أيضا عبارة العلامة في المختلف و غيرها من عبارات القدماء كالانتصار و الخلاف و السرائر، و خص ابن حمزة الكراهة بما فوق السبعين، و ظاهره نفيها فيما دون، و كيف كان فيدل على الكراهة مضافا الى كونه فتوى المشهور ظاهر إجماع الغنية، و موثقة سماعة المتقدمة بحمل المفهوم فيها على نفي الاذن المحمول على الكراهة بعد عدم صلاحيته للحرمة كما عرفت، و ما يقال: ان سماعة واقفي و الخبر مقطوع فيه انه لا يمنع من ثبوت الكراهة بعد انجباره بفتوى الأصحاب و بإجماع الغنية، و كذا ما في الحدائق من احتمال حمله على التقية و ان لم ينقل عن العامة القول بمضمونه، لعدم اشتراط ذلك في الحمل عليها، و قد يستدل عليها أيضا بالروايتين السابقتين بعد تقييد النهي فيهما بذلك، و حمله على الكراهة بمعونة ما سمعت من امتناع حمله على ظاهره.
و أشد من ذلك قراءة سبعين كما في القواعد و الإرشاد و شرح الدروس و الرياض، للجمع بين موثقة سماعة المتقدمة و بين موثقته الأخرى بحمل الأولى على الكراهة و الثانية على شدتها، و لعل الجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد يقضي بتخصيص الكراهة فيما زاد على السبعين كما هو الظاهر من ابن حمزة، لكنك قد عرفت انه مخالف لفتوى المشهور بل ظاهر إجماع الغنية، فتعين الجمع الأول حينئذ، إلا ان الذي يظهر من كثير من الأصحاب ان ما زاد على السبع في مرتبة واحدة من الكراهة إلا من حيث
ج3،
كثرة فعل المكروه، لا انه كراهة مخصوصة، و لعل ذلك منهم لعدم العمل برواية زرعة عن سماعة، أو انهم فهموا انها رواية واحدة، و رجحوا الأولى، أو لغير ذلك.
بقي شيء و هو انهم ذكروا كراهة ما زاد على السبع، و ظاهره عدم الكراهة فيها، و قد عرفت ان الرواية قد دلت على الإذن بقراءة ما بينه و بين سبع، و في تنقيح دلالتها على ذلك تأمل، لكن لا بأس به لمكان الفتوى به، و هل المراد بالكراهة هنا كراهة العبادة بمعنى أقلية الثواب أو المرجوحية الصرفة؟ لا يبعد الثاني، فإن الأول لا يرتكب إلا في الشيء الذي لا يمكن ان يقع إلا عبادة، فنلتزم حينئذ بذلك، و دعوى أن قراءة القرآن من هذا القبيل ممنوعة، إلا انه يظهر من الاستدلال الواقع من جملة من الأصحاب على الجواز بقوله تعالى(1)(فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ) و نحو ذلك قاض بالأول، و الظاهر ان المراد بالسبع آيات المتمايزات، فلا يصدق بتكرير الآية الواحدة، بل الظاهر عدم الكراهة في تكرير السبع أيضا، لعدم صدق الزيادة حينئذ، و لا فرق في الآيات بين طويلها و قصيرها. ثم ان الظاهر ان مراد المصنف بقوله: (و أشد من ذلك قراءة سبعين) كغيره ممن عرفت حصول الشدة ببلوغ السبعين، فلو قرأ سبعين إلا آية بقي على المرتبة الأولى، و تفرد المصنف بثبوت مرتبة ثالثة للكراهة، فقال:
و ما زاد أغلظ كراهية و لم أعثر على ذلك لغيره، كما ان مدركه لا يخلو من نظر و تأمل.
و يكره للجنب أيضا مس المصحف عدا الكتابة منه بما يتحقق به مسمى المس، أما الجواز فينبغي ان يكون مقطوعا به للأصل و الاستصحاب، مع عدم الخلاف فيه بين أصحابنا، بل كاد ان يكون مجمعا عليه سوى ما ينقل عن المرتضى (رحمه الله)
1) 1 سورة المزمل- الآية 20.
ج3،
من القول بالمنع، لقوله تعالى(1)(لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) و
قول أبي الحسن (عليه السلام)(2)في خبر إبراهيم بن عبد الحميد: «المصحف لا تمسه على غير طهر و لا جنبا و لا تمس خيطه و لا تعلقه، ان الله يقول (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)»
و ضعفه واضح كاستدلاله، أما بالآية فلما عرفت من رجوع الضمير فيها الى القرآن، و هو غير المصحف، لأنه عبارة عن المقرو، و هو نفس الكتابة، و لعله بذلك يظهر أن المراد بالمصحف في الرواية أيضا ذلك، كما يشعر به الاستدلال عليه بالآية سيما على نسخة (و لا خطه) أي كتابته، فيكون عطفا تفسيريا، و من هنا تعجب صاحب الحدائق من ذكر بعض الأصحاب لهذه الرواية سندا للكراهة مع خروجها عن المطلوب، سيما مع ذكرهم لها هناك سندا للمنع عن مس المحدث بالحدث الأصغر. نعم يمكن استفادة الكراهة منها بفحوى النهي عن التعليق و عن مس الخيط على النسخة الأخرى، و لعل وجه استدلال الأصحاب بها هو شمول لفظ المصحف للكتابة و غيرها، إلا انه لما انجبر النهي بفتوى الأصحاب بالنسبة للكتابة وجب القول بالحرمة، و لم ينجبر بالنسبة إلى غيرها، فوجب القول بالكراهة، لعدم صلاحية الرواية لإثبات الحرمة لما فيها من الضعف. لا يقال:
ان ذلك استعمال للنهي في حقيقته و مجازه، لأنا نقول لو سلم لا بأس بارتكاب حمله على عموم المجاز، إذ أقصاه انه مجاز قرينته ما سمعت، هذا على نسخة و لا خيطه بالياء، و أما على نسخة الخط فيحتمل ان يقال حينئذ المراد بالمصحف في الأول ما عدا الكتابة فيحمل النهي الأول على الكراهة، و الثاني على الحرمة.
و الأولى الاستدلال للمرتضى (رحمه الله) ب
صحيح ابن مسلم(3)قال: قال
ج3،
أبو جعفر (عليه السلام): «الجنب و الحائض يفتحان المصحف من وراء الثياب و يقرءان من القرآن ما شاءا إلا السجدة»
إلا انه لما أعرض الأصحاب عن القول بموجبه قوي الظن بحمل الأمر فيه على الاستحباب، سيما مع معارضة
الرضوي(1)المعتضد بالأصل و فتوى المشهور، قال على ما نقل عنه: «و لا تمس القرآن إذا كنت جنبا أو على غير وضوء، و مس الأوراق»
إذ ليس الصحيح مع الإعراض أقوى من الرضوي مع الاعتضاد، و بما سمعته مما تقدم ظهر لك وجه القول بالكراهة مع مناسبة التعظيم و فتوى المشهور و مقتضى الاحتياط، فلا معنى للمناقشة فيها من بعض متأخري المتأخرين، و لعل المراد بالمصحف مجموع ما بين الدفتين، فلا تتحقق الكراهة بمس ما كتب فيه من الآية و الآيتين، لكن لا يبعد شمول الحكم لأوراق المصحف و ان كانت مفردة عنه، لمناسبة التعظيم، فتأمل.
و كذا يكره للجنب النوم حتى يغتسل أو يتوضأ كما صرح به في المبسوط و الغنية و الوسيلة و الجامع و النافع و المعتبر و المنتهى و التذكرة و القواعد و الإرشاد و الدروس و غيرها، و عليه الإجماع في الغنية و المنتهى، و علماؤنا كما في المعتبر و التذكرة، فلا ينبغي الإشكال حينئذ في أصل الجواز، بل الظاهر انه مقطوع به، فما في المهذب من النهي للجنب عن النوم حتى يتمضمض و يستنشق يراد منه الكراهة قطعا، و يدل عليه مضافا الى ذلك
صحيح الأعرج(2)قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: «ينام الرجل و هو جنب و تنام المرأة و هي جنب»
و مثله غيره في الدلالة عليه، كما انه لا ينبغي الإشكال أيضا في الكراهة، و يدل عليه مضافا الى ما سمعت
صحيح عبد الله الحلبي(3)قال:
سئل الصادق (عليه السلام) «عن الرجل ينبغي له ان ينام و هو جنب؟ قال: يكره
ج3،
ذلك حتى يتوضأ»
كما انه لا ينبغي الإشكال في ارتفاع الكراهة بالوضوء على ما هو ظاهر من عرفت ممن ادعى الإجماع و غيره كالصحيح المتقدم، إلا انه قال في كشف اللثام: «الظاهر الخفة، ل
قول الصادق (عليه السلام)(1)في صحيح عبد الرحمن «عن الرجل يواقع أهله أ ينام على ذلك؟ قال: ان الله يتوفى الأنفس في منامها و لا يدري ما يطرقه من البلية، إذا فرغ فليغتسل»
و يعطيه كلام النهاية و السرائر» انتهى، و استحسنه الفاضل في الرياض، قال: و يشعر به
الموثق(2)عن سماعة «سألته عن الجنب يجنب ثم يريد النوم، قال: من أراد ان يتوضأ فليفعل، و الغسل أفضل من ذلك، فان نام و لم يتوضأ و لم يغتسل فليس عليه شيء إن شاء الله».
قلت: و لعل الأقوى خلافه، لما عرفت من ظاهر الصحيح المتقدم المعتضد بفتوى الأصحاب، و فيهم من ادعى الإجماع، و لا ينافيه ما ذكر من قول الصادق (عليه السلام)، إذ أقصاه استحباب تعجيل الاغتسال، و هو لا ينافي ارتفاع الكراهة بالوضوء و ان تضمن ترك مستحب، و ما استشعره الفاضل الثاني من الموثق مما أيد به ذلك لا يخلو من نظر و تأمل، نعم قد يؤيد بالمروي في العلل كما عن
الصدوق عن أبي بصير(3)عن الصادق عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال: «لا ينام المسلم و هو جنب، و لا ينام إلا على طهور، فان لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد»
لعدم إخراج الوضوء له من وصف الجنابة، لكن فيه انه يجب تقييده بما عرفت، و أيضا قد يدخل الوضوء بما قد ذكره من الطهور، و لذا قال الفاضل في الرياض: انه ان لم يتمكن الجنب من الطهارتين أي الغسل و الوضوء أمكن استحباب التيمم، للعموم و خصوص
ج3،
الخبر المتقدم، فيعلم منه حينئذ فهم شمول الطهور للوضوء، لكنه لا يخلو من إشكال، إذ الظاهر إرادة التيمم بدل الاغتسال تمكن من الوضوء أو لا، فلا مانع من القول بارتفاع الكراهة بأحد أمرين إما بالوضوء أو بالتيمم بدل الاغتسال.
ثم انه حيث يكون فاقدا لماء الطهارتين يتخير في نية التيمم بين كونه بدل الاغتسال أو الوضوء، و الأول أفضل، لكون مبدله كذلك، و ربما يفهم من بعضهم تقييد الكراهة بما إذا لم يرد الجنب معاودة الجماع، و لعله لما ذكره الصدوق (رحمه الله) بعد رواية الحلبي المتقدمة، قال و
في حديث آخر(1): «أنا أنام على ذلك حتى أصبح و ذلك اني أريد أن أعود»
و تكلف له في الحدائق ان المراد بالعود انما هو العود في الانتباه، و انه لا يموت في تلك الليلة، فلا كراهة بالنسبة إليه، لأن منشأ الكراهة كما هو مقتضى صحيحة عبد الرحمن احتمال الموت، و هو كما ترى، بل الأولى إما حمله على الأول إلا انه يبعده إطلاق كلام الأصحاب، أو يقال: انه لا دلالة فيه على عدم الوضوء، فقد يكون (عليه السلام) كان يتوضأ و ينام، و لعله الأقرب، فتأمل جيدا.
و كذا يكره للجنب الخضاب و هو ما يتلون به من حناء و غيره كما في جامع المقاصد و المدارك و الرياض، و قد يناقش في أخذ التلون في حقيقته، نعم لا فرق في ذلك بين الكف و غيره، و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في الجواز و عدم الحرمة، بل عليه الإجماع في الرياض، و يشعر به أيضا إجماع الغنية على الكراهة، بل قد يدعي إمكان تحصيله، فما في المهذب من النهي عنه يراد منه الكراهة قطعا، كما يرشد اليه تعبيره عن سائر المكروهات بذلك، و من هنا لم ينقل عنه القول بالحرمة، و ما في عبارة المفيد في المقنعة من التعليل للحكم بالكراهة بمنع الخضاب وصول الماء الى الجسد قيل قد يشعر بالمنع أيضا، لكن قال في المعتبر: لعله (رحمه الله) نظر الى ان اللون عرض
1) 1 الوسائل- الباب- 25- من أبواب الجنابة- حديث 2.
ج3،
(لا ينتقل)(1)فيلزم حصول أجزاء من الخضاب في محل اللون ليكون وجود اللون بوجودها، إلا انها خفيفة لا تمنع الماء منعا تاما، فكرهت لذلك، على انه لا يلتئم على ظاهره قطعا لأنه يقتضي المنع من الجنابة بعد الخضاب، مع تصريحه انه لا حرج في ذلك مع الأخبار(2)الدالة على نفي البأس عن الاغتسال مع بقاء صفرة الطيب و الزعفران.
و على كل حال فيدل على ذلك- مضافا الى الأصل و ما سمعت- الأخبار المتضمنة نفي البأس عن الخضاب حال الجنابة، ك
قول الصادق (عليه السلام) في خبر الحلبي(3):
«لا بأس أن يختضب الرجل و هو جنب»
لكن قيل انه في بعض نسخ الكافي (يحتجم) (بدل يختضب) فيسقط الاستدلال به حينئذ، و
خبر ابن جميلة(4)عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) «لا بأس بأن يختضب الجنب، و يجنب المختضب، و يطلي بالنورة»
و نحوه غيره في الدلالة على ذلك، و أما الكراهة فقد صرح بها في المقنعة و المبسوط و الغنية و الوسيلة و الجامع و المعتبر و النافع و المنتهى و القواعد و الإرشاد و الدروس و الذكرى و غيرها، بل في الغنية الإجماع عليه، و لعله كذلك، إذ لم أعثر على مخالف في ذلك و لا من نسب اليه سوى الصدوق (رحمه الله)، فإنه قال: لا بأس كالروايات المتقدمة مع عدم صراحته، لاحتمال إرادته الجواز في مقابلة احتمال المنع، و يدل عليها- مضافا الى ما سمعت- الأخبار المشتملة على النهي عن ذلك، ك
قول الصادق (عليه السلام)(5)في خبر كردين «لا يختضب الرجل و هو جنب، و لا يغتسل و هو مختضب»
و نحوه غيره في النهي عنه، إلا انه يجب حمله فيها على الكراهة، لقصورها عن إفادته سندا،
ج3،
مع معارضتها بما سمعت، مع ان في بعضها الجواب عن ذلك بلفظ (لا أحب) المشعر بالكراهة، بل روى الحر في الوسائل عن الحسن بن الفضل الطبرسي في مكارم الأخلاق نقلا من
كتاب اللباس للعياشي(1)عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال:
«يكره ان يختضب الرجل و هو جنب، و قال: من اختضب و هو جنب أو أجنب في خضابه لم يؤمن عليه ان يصيبه الشيطان بسوء»
و هي مصرحة بلفظ الكراهة حاكمة على غيرها من الروايات بمعونة ما تقدم، و كما دلت على كراهة الخضاب للمجنب كذلك دلت على كراهة الجنابة للمختضب، كما اشتمل غيرها على النهي عنه أيضا، و صرح به غير واحد من الأصحاب، فلا مانع من القول به أيضا، لكن في بعض الأخبار ما يدل على ارتفاع الكراهة بما إذا صبر حتى أخذ الحناء مأخذه كما في
خبر أبي سعيد(2)قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): «أ يختضب الرجل و هو جنب؟ قال: لا، قلت: فيجنب و هو مختضب؟ قال: لا، ثم سكت قليلا، ثم قال: يا أبا سعيد ألا أدلك على شيء تفعله، قلت: بلى، قال: إذا اختضبت بالحناء و أخذ الحناء مأخذه و بلغ فحينئذ فجامع»
و قد تحمل عبارة المقنعة على ذلك، فإنه قال بعد ان ذكر كراهة الاختضاب بعد الجنابة:
«فإن أجنب بعد الخضاب لم يحرج ذلك» و حملها في المعتبر على وقوع الجنابة اتفاقا لا اختيارا، و كان ما ذكرناه أولى.
و حيث فرغ المصنف من البحث في سبب الجنابة و أحكامها شرع في الغسل، فقال:
و أما الغسل
فواجباته المتوقف صحته عليها خمس
الأول النية إجماعا كما في كل عبادة سيما ما كان منها مثل الغسل، و لا يعتبر فيها سوى القربة و التعيين مع الاشتراك على الأقوى،
ج3،
و ان كان الأحوط التعرض فيها لنية الوجه مع رفع الحدث أو الاستباحة، بل الأحوط التعرض لهما حتى في مستدام الحدث كالمستحاضة، و ان ذكر بعض المتأخرين الاقتصار فيه على نية الاستباحة دون الرفع، زاعما الفرق بينهما بأن الأول رفع المنع و هو ممكن، دون الثاني فإنه رفع المانع، و لكن نوقش فيه بأنا لا نعقل معنى للحدث سوى الحالة التي لا يسوغ معها للمكلف الدخول في العبادة، فمتى ساغ علم الزوال و هو معنى الرفع، غاية الأمر أن زوالها قد يكون إلى غاية كما في المتيمم و دائم الحدث، و قد يكون مطلقا، و فيه ان الحدث هو عبارة عن طبيعة المنع المسببة عن ذات الخارج، فلا يتصور حينئذ تبعض رفعها في الأوقات، إذ مع فرض وجودها في وقت آخر لم تكن الطبيعة مرفوعة، و لا إشكال في كون المنع المتأخر مسببا عن الأول، و إلا لزم تحقق الحدث من دون سببه، و تخلف بعض آثار المحدث في بعض الأوقات لا ينافي تحقق طبيعة الحدث، فتأمل جيدا. و كالمستحاضة المسلوس و المبطون بناء على فساد الغسل بتخلل الحدث الأصغر، و انه لا فرق بينهما و بين غيرهما في ذلك، فيجب تجديد الغسل عليهما بالنسبة الى كل صلاة.
و الثاني استدامة حكمها الى آخر الغسل على ما تقدم في الوضوء من تفسيرها و دليل وجوبها و غير ذلك، و قضية إطلاق المصنف و غيره انه يكفيه ذلك حتى لو أخل بالموالاة، لعدم وجوبها فيه، فلا يجب عليه تجديد نية حينئذ، و لعله هو الأقوى، فما عن نهاية الأحكام من إيجاب التجديد مع التأخير بما يعتد به، و ما في الذكرى من إيجاب ذلك مع طول الزمان لا يخلو من نظر و تأمل، لعدم الدليل على وجوب الزائد على النية أو استدامتها، و لعل مرادهما انه يجب عليه استحضار الإتمام، فلا يكفي وقوعه منه مع الذهول عن أصل الغسل كما كان يكفي ذلك في الصلاة مثلا، و هو كذلك فتأمل جيدا. و المراد بوجوب الاستدامة فيه انه متى وقع بعض الغسل مع عدمها يفسد
ج3،
ذلك لا أصل الغسل، فيجب عليه تجديد النية حينئذ، ثم إعادة ذلك البعض لا الاستيناف إلا ان يحصل مفسد خارجي، و قد تقدم تحقيق كثير من هذه المباحث في الوضوء.
و الثالث غسل البشرة فلا يجزي غسل غيرها عنها في غير ما استثني من الجبيرة و نحوها بما يسمى غسلا عرفا، و ان كان من الأفراد الخفية كما إذا كان مثل الدهن، و عليه يحمل
خبر إسحاق بن عمار(1)عن أبي جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أن عليا (عليه السلام) قال: «الغسل من الجنابة و الوضوء يجزي منه ما أجزأه من الدهن الذي يبلّ الجسد»
جمعا بينه و بين غيره، ك
خبر زرارة(2)عن الباقر (عليه السلام) قال: «الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله و كثيره فقد أجزأه»
و
صحيح ابن مسلم(3)في اغتسال الجنب «فما جرى عليه الماء فقد طهر»
و غير ذلك، على انه إن أريد بهذه الرواية و شبهها إثبات الاجتزاء بذلك و ان لم يتحقق مسمى الغسل ففيه انه مناف للكتاب و السنة و الإجماع محصلا و منقولا، بل يمكن دعوى ضرورية اعتبار الغسل في الغسل، و ان أريد إثبات كون مثل هذا الفرد من الغسل فهو- مع انه مما لا ينبغي ان يقع النزاع فيه- مناف للوجدان، فتعين الحمل المذكور، و قد تقدم تحقيق ذلك في الوضوء.
و الرابع تخليل ما لا يصل اليه الماء إلا بتخليله مقدمة لحصول غسل البشرة المدلول على وجوب غسلها نفسها في الغسل بالسنة و الإجماع المحصل و المنقول مستفيضا، بل كاد يكون متواترا، فلا يجتزى بغسل الشعر مثلا عنها كما في الوضوء، من غير فرق بين الكثيف و الخفيف، و المراد جميع أجزاء البشرة على التحقيق لا التسامح العرفي،
ج3،
كما يشعر به- مضافا الى الإجماعات المنقولة-
قول الصادق (عليه السلام)(1)في صحيح حجر بن زائدة: «من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار»
على ما هو المتبادر منه من إرادة مقدار شعرة من الجسد، و
قول النبي (صلى الله عليه و آله)(2):
«تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر و أنقوا البشرة»
و
الرضوي(3)«و ميز الشعر بأناملك عند غسل الجنابة فإنه يروي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان تحت كل شعرة جنابة، فبلغ الماء تحتها في أصول الشعر كلها، و خلل أذنيك بإصبعيك. و انظر الى ان لا تبقى شعرة من رأسك و لحيتك إلا و تدخل تحتها الماء»
و
صحيح علي بن جعفر(4)عن أخيه (عليهما السلام) قال: «سألته عن المرأة عليها السوار و الدملج في بعض ذراعها لا تدري يجري الماء تحتها أم لا كيف تصنع إذا توضأت أو اغتسلت؟ قال:
تحركه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه»
الى آخره. فما في
صحيح إبراهيم بن أبي محمود(5)قال: «قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يجنب فيصيب رأسه و جسده الخلوق و الطيب و الشيء اللزق مثل علك الروم و الطراز و ما أشبهه فيغتسل، فإذا فرغ وجد شيئا قد بقي في جسده من أثر الخلوق و الطيب و غيره، فقال: لا بأس»
محمول على إرادة الصبغ، أو أثر غير مانع، أو حصل له الشك بعد الفراغ، أو نحو ذلك، ك
خبر إسماعيل بن أبي زياد(6)عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: «كن نساء النبي (صلى الله عليه و آله) إذا اغتسلن من الجنابة يبقين صفرة الطيب على أجسادهن، و ذلك
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الجنابة- حديث 5.
2) 2 كنز العمال- ج 5- ص 135- الرقم 2756.
3) 3 المستدرك- الباب- 17- من أبواب الجنابة- حديث 3.
4) 4 الوسائل- الباب- 41- من أبواب الوضوء- حديث 1.
5) 5 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الجنابة- حديث 1 مع اختلاف يسير.
6) 6 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الجنابة- حديث 2.
ج3،
لأن النبي (صلى الله عليه و آله) أمرهن أن يصببن الماء صبا على أجسادهن»
و إلا فمطرح.
و ما في شرح الدروس- من انه لا يبعد القول بعدم الاعتداد ببقاء شيء يسير لا يخل عرفا بغسل جميع البدن إما مطلقا أو مع النسيان، و يجعل صحيح إبراهيم دليلا عليه لو لم يكن الإجماع على خلافه، لكن الأولى ان لا يجتزى عليه- ضعيف جدا، لما عرفت، كتشكيك المقدس الأردبيلي في الحكم مما تقدم و مما دل على إجزاء غرفتين للرأس أو الثلاثة، لاستبعاد وصول هذا المقدار من الماء الى تحت كل شعرة سيما إذا كان كثيرا كثيفا كما في النساء و الأعراب و بعض اللحى، فيمكن العفو عما تحت هذه الشعور و الاكتفاء بالظاهر، كما يدل عليه عدم وجوب حل الشعر على النساء، و ما رواه في
الكافي عن محمد بن مسلم(1)عن الباقر (عليه السلام) قال: «الحائض ما بلغ بلل الماء من شعرها أجزأها»
قال: إلا ان يقيد بعلم الوصول الى ما تحت الشعور بالإجماع و نحوه من الأخبار، فلولا الإجماع كان القول به ممكنا، فالسكوت عنه أولى، إلا ان النفس غير مطمئنة فيرشح عنها مثله، مع عدم توجه أحد إلى مثله من المتقدمين و المتأخرين من فحول العلماء، فليس لمثلي النظر في مثله، لكن النفس توسوس ما لم تر دليلا تنتفع به فتأمل، انتهى. قلت و أي دليل أعظم من الإجماع و الأخبار سيما مع ما ورد من الأمر للنساء بالمبالغة في غسل رؤوسهن، كما في خبر جميل و صحيح ابن مسلم، و بذلك كله يخص عموم
قوله (عليه السلام)(2): «كل ما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه و لا ان يبحثوا عنه، و لكن يجري عليه الماء»
ان قلنا بشموله لنحو المقام.
ثم إن الظاهر من المصنف كصريح غيره عدم وجوب غسل الشعر مع وصول الماء إلى البشرة، ففي المعتبر «لا تنقض المرأة شعرها إذا بل الماء أصوله و هذا مذهب
ج3،
الأصحاب» و مثله الشهيد في الذكرى، و لا نعرف فيه خلافا كما في المنتهى، و كان مرادهم بوصول الماء إلى أصول الشعر مقدمة إلى نفس البشرة، و كذا عبارة التهذيب و الغنية و موضع آخر من المعتبر، قال في الأخير: «ان الواجب غسل البشرة و إيصال الماء إلى أصل كل شعرة» انتهى. و إلا فاحتمال إيجابهم غسل الأصول مع البشرة بعيد جدا، مع انه لم يحتمله أحد ممن تأخر عنهم في كلامهم، بل الظاهر من صاحب المدارك و كشف اللثام و غيرهما انهم فهموا من هذه العبارات عدم إيجاب غسل الشعر، و كيف كان فيدل عليه- مضافا الى ذلك و الى الأصل و ما دل على الاجتزاء بغسل الجسد و البدن و الجلد و لا يدخل الشعر في شيء منها-
خبر غياث(1)عن الصادق عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: «لا تنقض المرأة شعرها إذا اغتسلت»
و نحوه رواه الحلبي(2)مرسلا عن الصادق عن أبيه عن علي (عليهم السلام) و قد عرفت حمل الصحيح المتقدم المشتمل على التوعد بترك غسل شعرة من الجنابة على إرادة المقدار من الجسد، كما يشعر به قوله (من الجنابة)، و أما النبوي الآمر ببل الشعر و إنقاء البشرة فهو- مع قصوره سيما مع مخالفته لما عليه الأصحاب- محتمل للاستحباب، أو إرادة المقدمة لغسل البشرة، أو نحو ذلك، و أما ما في
حسن جميل(3)قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما تصنع النساء في الشعر و القرون، قال: لم تكن هذه المشطة، إنما كن يجمعنه، ثم وصف أربعة أمكنة، ثم قال يبالغن في الغسل»
و
صحيح ابن مسلم(4)عن الباقر (عليه السلام) قال: «حدثني سلمى خادم رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: كان أشعار نساء رسول الله (صلى الله عليه و آله) قرون رؤوسهن مقدم رؤوسهن، فكان يكفيهن من الماء شيء قليل، فأما النساء الآن فقد ينبغي لهن ان يبالغن في الماء»
فمع عدم صراحتهما
ج3،
في خلاف ذلك، بل و لا ظهورهما، بل لعل الثاني في المطلوب أظهر يراد منهما المبالغة لإيصال الماء إلى البشرة، و مع التسليم فيجب طرحهما أو تأويلهما، سيما مع مخالفتهما للأصحاب و موافقتهما للمنقول عن الشافعي، فما وقع من بعض متأخري المتأخرين من الاحتياط في غسل الشعر كأنه في غير محله، و لعله لظاهر عبارة المقنعة حيث أمر فيها الامرأة بحل الشعر ان كان مشدودا، و فيه ان الظاهر إرادته مع توقف الإيصال عليه كما يقتضيه سياقها و فهمه في التهذيب و غيره منها، أو لما قيل من انه
ورد(1)في علة الغسل من الجنابة «ان آدم (عليه السلام) لما أكل الشجرة دب ذلك في عروقه و شعره و بشره، فإذا جامع الرجل خرج الماء من كل عرق و شعرة في الجسد، فأوجب الله تعالى على ذريته الاغتسال من الجنابة»
و لعل مراده موضع كل شعرة، و إلا فالمني لا يخرج من الشعر قطعا.
و هو ان الظاهر من بعض متأخري المتأخرين انه لا فرق في ذلك بين شعر الرأس و اللحية و الجسد المستطيل و غيره، و الحاصل انه لا يجب غسل مسمى الشعر مطلقا، و هو لا يخلو من تأمل بالنسبة الى ما يدخل منه في الأمر بغسل الجسد عرفا، و يشهد له ما ذكروه في باب الوضوء من إيجاب غسل الشعر النابت في اليدين معللين ذلك بدخوله تحت مسمى اليد عرفا و كونه في محل الفرض، بل صرح بعضهم بوجوب غسله حتى لو كان مستطيلا جدا، و إبداء الفرق بين المقامين لا يخلو من إشكال، اللهم إلا ان يكون إجماعا كما عساه يظهر من جماعة من المتأخرين كالشهيد و كشف اللثام و غيرهما، إلا انه للتأمل فيه مجال.
ثم انه لا يخفى عليك ان المراد بوجوب غسل البشرة انما هو غسل الظاهر منها دون الباطن، كما صرح به غير واحد من الأصحاب، بل نفى الخلاف عنه في المنتهى
1) 1 الوسائل- الباب- 2- من أبواب الجنابة- حديث 2.
ج3،
و الحدائق، و يدل عليه مضافا الى ذلك
قول الصادق (عليه السلام)(1)في مرسل أبي يحيى الواسطي إذ سأله عن الجنب يتمضمض فقال له: «لا إنما يجنب الظاهر»
و عن الصدوق روايته في العلل مع زيادة «و لا يجنب الباطن، و الفم من الباطن»، و انه قال: و
روي في حديث آخر(2)ان الصادق (عليه السلام) قال في غسل الجنابة:
«ان شئت ان تتمضمض و تستنشق فافعل، و ليس بواجب، لأن الغسل على ما ظهر دون ما بطن»
انتهى. و في
خبر زرارة(3)«إنما عليك ان تغسل ما ظهر»
و لعل ما في المقنعة و التذكرة من الأمر بغسل باطن الأذنين يراد به هو ما يظهر للرائي من سطح باطنهما عند تعمد الرؤية لدخوله في الظاهر و ان توقف على التخليل، و قضية الشغل اليقيني و نحوه وجوب غسل ما شك في كونه من الظاهر أو الباطن على إشكال، فيجب حينئذ غسل الثقب الذي يكون في الأذن كما عن المحقق الثاني، و في المدارك كما عن شيخه الجزم بأنه من البواطن إذا كان بحيث لا يرى باطنه، و لعل الأمر كذلك فيما فرضه.
و الخامس من واجبات الغسل الذي يبطل بتركها عمدا و سهوا الترتيب بأن يبدأ بالرأس مقدما على سائر بدنه بلا خلاف أجده، و ما نسب الى الصدوقين من الخلاف في ذلك كما نسب الى ابن الجنيد لعله وهم، كما يشعر بالأول عبارة والد الصدوق المنقولة في الفقيه، و بالثاني عبارته المنقولة في الذكرى، و هي و ان كان أولها لا يخلو من إشعار إلا ان التدبر فيها جميعها يقضي بخلافه، و لذا أمكن دعوى الإجماع عليه محصلا، كالمنقول من السيد في الانتصار، و عن الشيخ في الخلاف و ابن زهرة في الغنية و العلامة في التذكرة و الشهيد في الذكرى كما هو ظاهر المنتهى و الروض و غيرهما،
ج3،
و يدل عليه- مضافا الى ذلك و الى ما تسمعه من الترتيب بين الجانبين- المعتبرة المستفيضة منها
الحسن كالصحيح(1)عن الصادق (عليه السلام) «من اغتسل من جنابة فلم يغسل رأسه ثم بدا له ان يغسل رأسه لم يجد بدا من إعادة الغسل»
و هو و ان لم يكن فيه دلالة على فساد ما ينافي الترتيب من غسل الرأس مع البدن إلا انه بضميمة عدم القول بالفصل- سوى ما عساه يظهر من المنقول عن علي بن بابويه، و هو مع تسليم ظهوره غير قادح، و بالإجماع المتقدم على الترتيب المقتضي لفساد كل ما ينافيه من تقديم غيره عليه، أو غسله معه- يتم المطلوب، مضافا إلى غيره من الأخبار(2)الدالة على ذلك، لعطفها ما عداه عليه بلفظ ثم، و هي للترتيب بالمعنى المتقدم، ك
قول أحدهما (عليهما السلام) في صحيح ابن مسلم(3)قال: «سألته عن غسل الجنابة فقال تبدأ بكفيك فتغسلهما ثم تغسل فرجك، ثم تصب على رأسك ثلاثا ثم تصب على سائر جسدك مرتين، فما جرى عليه الماء فقد طهر»
و مثله في ذلك غيره، فما في بعض الأخبار مما يشعر بخلافه يجب طرحه أو تأويله، ك
قول الصادق (عليه السلام)(4)في صحيح زرارة بعد ان سأله عن غسل الجنابة فقال بعد ان ذكر جملة من المندوبات: «ثم تغسل جسدك من لدن قرنك الى قدمك»
و نحوه غيره مما تضمن الأمر بإفاضة الماء على الرأس و الجسد، على انها مطلقة و يجب تنزيلها على المقيد، و تحتمل أيضا الغسل الارتماسي بناء على صحته في مثل ذلك كما هو مذهب البعض على ما ستسمعه هناك ان شاء الله تعالى، أو الحمل على التقية.
و أما
صحيح هشام بن سالم-(5)قال: «كان أبو عبد الله (عليه السلام) فيما
ج3،
بين مكة و المدينة، و معه أم إسماعيل فأصاب من جارية له فأمرها فغسلت جسدها و تركت رأسها، و قال لها: إذا أردت أن تركبي فاغسلي رأسك، ففعلت ذلك»
الى آخره- فلعل أقرب الوجوه فيه ما قاله الشيخ: من وهم الراوي و اشتباهه، قلت:
و ذلك لأن
هشام بن سالم راوي هذا الحديث قد روى عن محمد بن مسلم(1)خلافه، قال عنه: «دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) في فسطاطه و هو يكلم امرأة فأبطأت عليه فقال: ادنه هذه أم إسماعيل جاءت، و أنا أزعم ان هذا المكان الذي أحبط الله فيه حجها عام أول كنت أردت الإحرام فقلت: ضعوا لي الماء في الخباء، فذهبت الجارية فوضعته، فاستحففتها فأصبت منها، فقلت: اغسلي رأسك و امسحيه مسحا شديدا لا تعلم به مولاتك، فإذا أردت الإحرام فاغسلي جسدك و لا تغسلي رأسك فتستريب مولاتك، فدخلت فسطاط مولاتها، فذهبت تتناول شيئا، فمست مولاتها رأسها، فإذا لزوجة الماء، فحلقت رأسها و ضربتها، فقلت لها: هذا المكان الذي أحبط الله فيه حجك»
و ربما حمل بعضهم الأولى على التقية، أو على إرادة غسل الإحرام، و فيهما نظر.
و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في وجوب تقديم الرأس على البدن، و المراد به في المقام ما يشمل الرقبة كما هو صريح المقنعة و كافي أبي الصلاح و غنية ابن زهرة و الذكرى و الدروس و اللمعة و جامع المقاصد و الروض و الروضة و التحرير و كشف اللثام و الحدائق و شرح المفاتيح للأستاذ الأكبر و الرياض، بل قد يظهر من الغنية دعوى الإجماع عليه، و في الحدائق انه كذلك من غير خلاف يعرف بين الأصحاب و لا إشكال، و في شرح المفاتيح ان الظاهر اتفاق الفقهاء عليه، و عن غيره مما يقرب الى عصرنا دعوى الاتفاق عليه، قلت: و لعله استنبطه من عبارات الأصحاب كعبارة المصنف و غيرها، لظهور دخول الرقبة في الرأس دون أحد الجانبين، و بذلك يدخل حينئذ
1) 1 الوسائل- الباب- 29- من أبواب الجنابة- حديث 1.
ج3،
تحت معقد الإجماعات المتقدمة، و يشعر به مضافا الى ذلك
صحيح زرارة(1)في حديث كيفية غسل الجنابة الى أن قال: «ثم صب على رأسه ثلاث مرات ثم صب على منكبه الأيمن ثلاث مرات و على منكبه الأيسر ثلاث مرات»
فإنه ظاهر في إلحاق الرقبة بالرأس، و نحوه غيره في الدلالة على ذلك، فما وقع في إشارة السبق للحلبي من غسل كل من الجانبين من رأس العنق ليس في محله، مع احتمال إرادة أصله، و كذا ما وقع من بعض متأخري المتأخرين- من التشكيك في ذلك، لعدم كون الرأس حقيقة فيما يشمل الرقبة، و ل
قول الصادق (عليه السلام)(2)في خبر أبي بصير: «ثم تصب الماء على رأسك ثلاث مرات، و تغسل وجهك، و تفيض الماء على جسدك»
لإشعاره بعدم دخول الوجه في مسمى الرأس، و لذا نص عليه- فإنه في غاية الضعف بعد ما سمعت، و كون الرأس ليس حقيقة في ذلك غير قادح بعد ما عرفت المراد منه هنا، و كذلك الرواية، فإنها في الدلالة على المطلوب أولى، فتأمل جيدا.
ثم يبدأ بغسل تمام الجانب الأيمن ثم من بعده الأيسر كما في الانتصار و الخلاف و الغنية و التذكرة و المقنعة و المهذب و المراسم و الوسيلة و الكافي و السرائر و الجامع و المعتبر و المنتهى و القواعد و الإرشاد و التحرير و الذكرى و الدروس و غيرها، بل في الأربعة الأول الإجماع عليه، و في المعتبر انه انفراد الأصحاب، فإنه أفتى به الثلاثة و أتباعهم و فقهاؤنا الآن بأجمعهم عليه، و في المنتهى انه مذهب علمائنا خاصة، و في الذكرى انه من متفرداتنا، و حكى عليه بعضهم الإجماع المركب بعدم قائل بوجوب الترتيب في الطهارة الصغرى دون الكبرى، و آخر بعدم القائل بوجوب الترتيب في الرأس دون الجانبين، قلت: و يمكن دعوى تحصيل الإجماع، إذ لم أعثر على مخالف
ج3،
و لا من نقل عنه ذلك سوى ما عساه يظهر من الصدوقين و من المنقول عن ابني الجنيد و أبي عقيل، و هو- مع عدم صراحة كلامهم في الخلاف- غير قادح فيه، و لعل ما في إشارة السبق- بعد ذكره الترتيب فان لم يعم الماء صدره و ظهره غسلهما و كذا ما في الغنية و كافي أبي الصلاح بعد إيجاب الترتيب أيضا فإن ظن بقاء شيء من صدره و ظهره لم يصل الماء اليه غسله، مع قوله في الكافي: «و يختم بغسل الرجلين»- يراد به إرادة الغسل مع مراعاة الترتيب. فلا يكونون مخالفين فيه، و يحمل قوله في الكافي على إرادة الختم بالرجلين بالنسبة الى كل من الجانبين، و كذا ما عن جمل السيد بعد ترتيب غسل الأعضاء الثلاثة قال: ثم جميع البدن، و في المراسم بعد ذلك ثم يفيض الماء على جسده فلا يترك منه شعرة أو يراد به الاستحباب كما صرح به في الوسيلة، فإنه قال بعد ان ذكر الترتيب:
و ان أفاض الماء بعد الفراغ على جميع البدن كان أفضل، أو يقال: انهم و ان أوجبوا الترتيب في الأعضاء الثلاثة لكنهم لم يحصروا البدن فيها، فجوزوا غسل شيء من الصدر و الظهر مما لا يدخل في مسمى أحدهما بعد الفراغ.
و يدل عليه- مضافا الى ذلك و الى استصحاب بقاء الحدث و ان الشغل اليقيني محتاج إلى البراءة اليقينية- ما دل على وجوب الترتيب في غسل الميت من الأخبار(1)و الإجماع منضما الى بعض المعتبرة(2)الدالة على انه كغسل الجنابة، بل يظهر من بعضها(3)معروفية كونه كذلك حتى سئل الأئمة (عليهم السلام) عن سبب ذلك أي انه لم يغسل الميت غسل الجنابة، بل في بعضها(4)الجواب عنه ان علة ذلك خروج النطفة التي خلق منها، و أيضا كما أن الوضوء كيفيته واحدة ففي أي مقام أطلق لفظ الوضوء انصرف الى هذه الكيفية الخاصة فكذلك الغسل، فلو كان غسل الميت كيفيته
ج3،
مخالفة لغسل الجنابة لوجب في كل مقام أمر فيه بالغسل كالحيض و غيره من الواجب و المندوب الاستفصال عنه انه كغسل الميت أو غسل الجنابة، بل يظهر منهم في بحث تداخل الأغسال بداهة اتحاد الهيئة في جميع الأغسال، على انه من المستبعد جدا بل قد يقطع بعدمه انه لا ترتيب بين الجانبين، و مع ذلك قد خفي على الشيعة علمائهم و أعوامهم في جميع الأعصار و الأمصار مع تكرر الغسل منهم في كل آن، و قد يشعر به أيضا
حسنة زرارة(1)قال: «قلت له كيف يغتسل الجنب؟ قال: ان لم يكن أصاب كفه شيء غمسها في الماء، ثم بدأ بفرجه فأنقاه، ثم صب على رأسه ثلاث أكف، ثم صب على منكبه الأيمن مرتين، و على منكبه الأيسر مرتين، فما جرى عليه الماء فقد أجزأه»
و لعل إضمارها غير قادح كما عرفت غير مرة، على انه رواها في المعتبر عنه عن أبي عبد الله (عليه السلام)، و وجه دلالتها على المطلوب انه يستفاد منها كون الجسد في الغسل ثلاثة أجزاء، الرأس و المنكب الأيمن و المنكب الأيسر، و لا أحد ممن يقول بذلك إلا و هو قائل بالترتيب، إذ القائل بعدمه يدعي انه جزءان، الرأس و الجسد، أو يقال: ان المنساق الى الذهن من هذه العبارة مع قطع النظر عن قاعدة الواو الترتيب كما لا يخفى، هذا كله ان لم نقل ان الواو للترتيب، و إلا فلا إشكال كما هو المنقول عن جماعة من اللغويين، و لئن سلمنا كونها حقيقة في مطلق الجمع فما سمعت من الإجماعات و غيرها قرينة على إرادة الترتيب منها هنا و لو مجازا، بل يمكن الاستدلال عليه ب
بعض الروايات العامية(2)«كان النبي (صلى الله عليه و آله) إذا اغتسل بدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر»
ان قلنا بحجية مثل ذلك بعد الانجبار بالشهرة بين الأصحاب.
و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في وجوب الترتيب، فما وقع من بعض
ج3،
متأخري المتأخرين من الاستشكال في ذلك بل الفتوى بعدمه تبعا لذلك الشاذ من ظاهر بعض القدماء ليس في محله، و ان كان هو ظاهر جملة من الروايات(1)فيها الصحيح و غيره، إلا انه- مع إعراض الأصحاب عنها و اشتمال جملة منها على عدم الترتيب بين الرأس و الجانبين، مع انه لا يقول به الخصم، و موافقتها للعامة- لا ينبغي الركون إليها، على ان كثيرا منها من المطلق الذي يجب تنزيله على المقيد من الإجماعات المتقدمة و غيرها، لا أقل من الشك بعد تعارض الأدلة، فيجب الترتيب تحصيلا لليقين.
ثم لا يخفى ان ظاهر التثليث في حسنة زرارة(2)و أكثر عبارات الأصحاب مع عدم التعرض فيها للعورة و السرة يقضي بأن العورتين و السرة داخلة فيهما، بل الظاهر منهما ان دخولهما على حسب التنصيف كما صرح به بعضهم، فاحتمال كون العورة عضوا مستقلا لا مدخلية له في أحدهما ضعيف، إلا انه قد يظهر من ملاحظة أخبار(3)غسل الميت، لكن ما ذكرناه أحوط، و لعل الأحوط غسلهما مع الجانبين تخلصا من الاحتمالات الأربعة، إذ هي إما ان تكون من الجانب الأيمن أو الأيسر أو على التوزيع أو خارجة عنهما، و لا يأتي عليها كلها إلا ذلك، أو غسلها تماما بعد الفراغ من الجانب الأيمن مع غسل نصفها مع الجانب الأيسر، فتأمل جيدا. و الظاهر من عبارة المصنف و غيرها من عبارات الأصحاب التي حكوا الإجماع عليها عدم وجوب الترتيب في نفس أجزاء الأعضاء، فلا يجب الابتداء بالأعلى في شيء منها، و يؤيده مضافا إلى الأصل
قول الصادق (عليه السلام)(4)في صحيح ابن سنان: «اغتسل أبي من الجنابة، فقيل
ج3،
له: قد بقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء، فقال (عليه السلام): ما كان ضرك لو سكت، ثم مسح تلك اللمعة بيده»
قيل و نحوه روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) و لا ينافي العصمة، إذ ليس فيه انه نسيه، أو ان القائل أصاب، نعم يمكن القول باستحباب الابتداء بالأعلى فالأعلى كما استظهره الشهيد (رحمه الله) في الذكرى و ربما يشعر به
حسنة زرارة المتقدمة «ثم صب على منكبه الأيمن مرتين، و على منكبه الأيسر مرتين»
بل هو المنساق الى الذهن من ملاحظة الأدلة المتعارف في الغسل، لكن لا يبعد عدم استحباب التدقيق في ذلك، و ليعلم أيضا ان مقتضى إيجاب الأصحاب الترتيب بين الأعضاء الثلاثة انه متى بقيت لمعة أغفلها المغتسل وجب الإعادة عليها و على ما بعدها إلا إذا كانت في الجانب الأيسر، فالواجب غسلها حينئذ فقط، لعدم إيجاب الترتيب في نفس أجزائه، و بذلك كله صرح جماعة، بل قد يظهر من بعضهم دعوى الإجماع عليه، و عليه يحمل
قول الصادق (عليه السلام)(1)في صحيح أبي بصير:
«اغتسل أبي من الجنابة، فقيل له: قد بقيت لمعة من ظهرك لم يصبها الماء، فقال له: ما كان عليك لو سكت، ثم مسح تلك اللمعة بيده»
فإنه يحتمل ان تكون اللمعة في الجانب الأيسر أو في الجانب الأيمن و لما يشرع في الجانب الأيسر، فيراد من قوله:
(اغتسل) أي في حال الغسل، و نحوه
الخبر المروي عن نوادر الراوندي(2)مسندا عن الكاظم عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال علي (عليه السلام): «اغتسل رسول الله (صلى الله عليه و آله) من جنابة، فإذا لمعة من جسده لم يصبها ماء، فأخذ من بلل شعره فمسح ذلك الموضع ثم صلى بالناس».
و أما ما رواه في
الصحيح(3)عن الباقر (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل
ج3،
ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة، فقال: إذا شك و كان به بلة و هو في صلاته مسح بها عليه، و ان كان استيقن رجع فأعاد عليهما الماء ما لم يصب بلة، فإن دخله الشك و قد دخل في صلاته فليمض في صلاته و لا شيء عليه، فأما إذا استيقن رجع فأعاد عليه الماء، و إن رآه و به بلة مسح عليه و أعاد الصلاة باستيقان، و ان كان شاكا فليس عليه في شكه شيء فليمض في صلاته»
فهو مع ما تراه في متنه قابل للحمل على أدلة الترتيب أيضا، إذ أقصى ما فيه ترك الاستفصال، و هو و ان كان عقيب السؤال يفيد العموم إلا انه غير صالح لمعارضة تلك الأدلة كما هو واضح، و ما عساه يقال:
انه يمكن استثناء ذلك من الترتيب سيما مع عدم صراحة أدلته في شمول مثل هذه الصورة فيه ما لا يخفى، و مثله ما احتمله بعضهم من الاكتفاء بالمسح لمثل اللمعة أخذا بظاهر ما تقدم من قوله: (و مسح) و نحوه، و فيه انه لا وجه للخروج عن أخبار الباب و فتاوى الأصحاب بمجرد ذلك، و قد عرفت صحة إطلاق لفظ المسح مع تحقق أقل مسمى الغسل الحاصل بإمرار اليد الذي هو كالدهن.
و يسقط ما تقدم من الترتيب بارتماسة واحدة للإجماع المحصل و المنقول، و
قول الصادق (عليه السلام)(1)في صحيحة زرارة: «و لو ان رجلا جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و ان لم يدلك جسده»
و ل
قوله (عليه السلام) في حسن الحلبي(2): «إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله»
و نحوه
مرسله(3)قال: حدثني من سمعه يقول (عليه السلام): «إذا اغتمس الجنب في الماء اغتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله»
و بذلك كله يقيد ما دل على وجوب الترتيب في غسل الجنابة ان سلم الشمول فيها لنحو المقام، و إلا فلا معارضة حينئذ أصلا، و من العجيب ما في الاستبصار من احتمال الجمع بينها بأن المرتمس يترتب حكما و ان لم
ج3،
يترتب فعلا، قال: لأنه إذا خرج من الماء حكم له أولا بطهارة رأسه ثم جانبه الأيمن ثم جانبه الأيسر، و كان مراده بالتعليل التفسير لنفس الدعوى، و لعل تخصيصه ذلك بالخروج انما هو لمكان ظهور ثمرة الطهارة حينئذ دون ما إذا كان تحت الماء، فلا يراد التخصيص على سبيل الحقيقة، بل المراد انه متى حصل الارتماس حكم له أولا بطهارة رأسه ثم الأيمن ثم الأيسر، و ما يقال: انه يحتمل ان يكون مراده انه لا يحكم له بالطهارة حتى يخرج، فإذا خرج حكم له بالترتيب المذكور، لمكان خروج رأسه مقدما على سائر بدنه فبعيد جدا بل لا معنى له، فإنه- مع انه لا يسمى مرتمسا بعد الخروج و عدم تعليقه الحكم على خروج الرأس مقدما بل على مطلق الخروج- لا يتم في الجانبين، لمكان خروجهما دفعة، و لعل هذا الاحتمال بناء على ما ذكرنا من التفسير هو القول الذي نقله الشيخ في المبسوط و ابن إدريس في السرائر و غيرهما عن بعض أصحابنا ان الارتماس يترتب حكما، و المراد به على ما فسره بعض أصحابنا انه تجري عليه جميع أحكام الترتيب، فيكون حينئذ بمنزلة المترتب، حتى انه فرع عليه مسألة النذر و اليمين و ما لو بقي من بدنه لمعة، فإنه يغسلها فقط ان كانت في الأيسر، و هي مع الأيسر ان كانت في الأيمن على حسب ما ذكرنا في الترتيب، و لا يخفى عليك مخالفة ذلك كله للأصل مع عدم الدليل، بل ظاهر أدلة الارتماس عدمه، و من هنا نقل الإجماع على بطلان الترتيب الحكمي، و ما يقال: انه جمع بين الأدلة فيه انه بعد تسليم تعارضها لا يصلح ذلك جمعا لها من غير شاهد، و كذا ما يقال: انه أقرب الى الترتيب الحقيقي أي بمعنى ان الترتيب هو الأصل في الغسل، فيقتصر على مقدار الضرورة في مخالفته، كما انه لا يخفى عليك ما في التفريع المذكور، أما في النذر و اليمين فلأنه يتبع القصد، و مع فقده لا ينصرف الإطلاق إلى مثل ذلك قطعا، و أما مسألة اللمعة فلأن الترتيب الحكمي بعد القول به متفرع على صدق الارتماس، و لا ريب في عدم صدقه مع بقائها فكيف يجعل
ج3،
كالترتيب حكما، فلعل الأقوى حينئذ انه لا ثمرة في ذلك، و انما ارتكبوه لتخيل المنافاة بين الأدلة، فذكروا ذلك لرفعها بتقريب ان المرتمس في الماء لمكان اختلاف سطوح الماء عليه و تعدد جريانها عليه كان بمنزلة الغسل المتعدد، فيجعل الأول للرأس، و الثاني للأيمن، و الثالث للأيسر، فسموا ذلك ترتيبا حكميا.
و أما ما وقع لبعضهم و ربما أشعرت به عبارة المصنف في المعتبر من أن المراد بالترتيب الحكمي نية المرتمس و اعتقاده الترتيب فهو مما لا ينبغي ان يصغى إليه، فإنه- مع فساده في نفسه من وجوه غير خفية و مخالفته للأصل و غيره- يأباه ظاهر المنقول في المبسوط و غيره انه يترتب حكما بصيغة الفعل اللازم لا المتعدي، و ليعلم ان أدلة الارتماس و ان كان موردها الجنابة إلا ان الظاهر جريانه في جميع الأغسال واجبها و مندوبها كما صرح به جماعة من الأصحاب، بل نسبه في الحدائق إلى ظاهر الأصحاب، و في الذكرى انه لم يفرق أحد بين غسل الجنابة و غيره في ذلك، قلت: و يؤيده ما دل(1)على ان غسل الحيض و الجنابة واحد و تتبع كلمات الأصحاب، فإنه يظهر منها ان الغسل هيئة واحدة كالوضوء و ان تعددت أسبابه و غاياته، و لذا تراهم لا يستشكلون في جريان كثير من أحكام غسل الجنابة في غيره مع ثبوتها فيه من عدم اشتراط الموالاة و غيره، و لو لا ذلك لأمكن المناقشة في ثبوت وجوب الترتيب في كثير من الأغسال، لعدم الدليل عليه إلا في غسل الجنابة، و عند التأمل ترى الصوم و الصلاة و الحج و غيرها من هذا القبيل، فلم يفرقوا فيما يرجع فيها إلى الكيفية بين المندوب و الواجب منها كما هو واضح، فقد يدعى حينئذ ان الأصل ذلك حتى يثبت خلافه، و ربما ظهر من بعضهم إلحاق غسل الميت أيضا لما ذكرنا، و لما ورد(2)انه كغسل الجنابة، و هو لا يخلو
ج3،
من قرب و ان كان الجزم به لا يخلو من إشكال سيما بعد انصراف التشبيه الى الترتيب في غسل الجنابة لكونه المتعارف، فتأمل.
و هل المراد بالارتماس هو استيلاء الماء على جميع أجزاء البدن أسافله و أعاليه المحتاج الى التخليل و غيره في آن واحد حقيقة، فتجب النية حينئذ بناء على انها الصورة المخطرة بالبال، و انه يجب مقارنتها حقيقة لأول العمل عند حصول الانغماس التام، أو يراد به توالي غمس الأعضاء بحيث يتحد عرفا كما عن المشهور، بل يظهر من بعضهم نسبته إلى الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه، فتكون النية حينئذ عند أول جزء لاقى الماء لأنه من أجزاء الغسل، أو انه لا يعتبر فيه شيء من ذلك، حتى إذا نوى فوضع رجله مثلا ثم صبر ساعة بحيث نافى الدفعة العرفية فوضع عضوا آخر هكذا الى ان ارتمس أجزاؤه كما اختاره بعض متأخري المتأخرين، فتكون النية كسابقه أيضا؟ أوجه بل أقوال، و ربما كان هناك وجه رابع، و هو ان الارتماس مأخوذ من الرمس، و هو التغطية و الكتمان، و منه رمست الميت إذا كتمته و دفنته، فيراد به تغطية البدن بالماء، فأوله أول آنات التغطية، و آخره آخر جزء انغسل في تلك التغطية، فلا عبرة بما يغسل قبلها، كما لا عبرة بما يغسل بعدها، فلا مانع حينئذ من التخليل و نحوه في أثنائها، بل يمكن القول بصدق الارتماس عرفا و ان لم يحصل التخليل، و انما أوجبناه لما يظهر من إيجاب استيعاب البشرة في تلك الغطة.
و قد وقع للأستاذ في شرح المفاتيح كلام ظاهر التدافع إلا على وجه بعيد جدا، فإنه قال فيه: «ان الارتماس هو إدخال مجموع الجسد من حيث المجموع تحت الماء دفعة واحدة عرفية، فأول الغسل هو شمول الجميع بالدفعة العرفية، فالأجزاء التي تلاقي الماء أولا ليست من الغسل في شيء، الى ان قال: فالارتماس شيء واحد عرفي ليس له ابتداء و انتهاء، و لا يتصور وقوع الحدث في أثنائه، ثم أورد على من ادعى
ج3،
ان أوله الأجزاء التي تلاقي الماء بأن ذلك يستلزم ان يكون ترتيبا على خلاف المعهود من الترتيب، لأنه غالبا يكون الابتداء بالرجل بل بباطن الرجل، و يتصور وقوع الحدث حينئذ في أثنائه و غير ذلك من ثمرات الترتيب الحقيقي، و الفقهاء يتحاشون عن مثل ذلك» انتهى. و قال في مقام آخر: «انه يشكل حينئذ أمر النية بناء على كونها الصورة المخطرة بالبال، و انه يجب مقارنتها لأول العمل إذ الارتماس ليس له أول، بل هو شمول الجميع و لا زمان له معين، و التزم حينئذ جواز وقوع النية سابقه عند أول جزء لاقى الماء و ان لم نقل بأنه من الأجزاء، لكنه من المقدمات الواجبة شرعا أو عقلا، فهي أولى من المستحبات التي جوزوا وقوع النية عندها كغسل اليدين مثلا في الوضوء و الغسل» انتهى. و فيه انه لا يلتئم دعوى اعتبار الدفعة العرفية مع دعوى انه ليس له بداية و لا نهاية، و انه لا يتصور وقوع الحدث في أثنائه، و أيضا ما ذكره من أمر النية فيه ان تجويزهم لها عند تلك المستحبات باعتبار أنها أجزاء مستحبة، فليست المقدمات الخارجة عن العمل بأولى منها حينئذ، و كيف كان فلعل أقوى الوجوه و أحوطها الرابع، ثم الثاني، أما الأول فينبغي القطع بفساده من وجوه كثيرة، و ما أحسن ما قاله المحقق الثاني فيه: «انه مخالف لإجماع المسلمين، و انه لا يوافقه شيء من أصول المذهب، و لكن لا داء أعيى من الجهل» انتهى. و أما الثالث فقد يدعى انصراف الأدلة إلى غيره لا أقل من الشك، و استصحاب الحدث محكم، ثم انه هل يشترط بناء على المختار توالي الأعضاء بالدفعة العرفية أو يكفي و لو مع التراخي ما دام الغمر في الماء؟ وجهان.
و كيف كان فعليه متى بقيت لمعة لم تغسل حتى خرج وجب استيناف الغسل كما هو المنقول عن والد العلامة، و اختاره جماعة من متأخري المتأخرين، و قيل يكتفي بغسلها، و جعله في القواعد أقوى الاحتمالات، و ظاهره عدم الفرق بين طول الزمان
ج3،
و قصره، و ربما احتمل جريان حكم الترتيب عليها، فان كانت في الأيمن غسلها و أعاد الأيسر و ان كانت في الأيسر اكتفى بغسلها، و يظهر من المحقق الثاني و غيره التفصيل بين طول الزمان و قصره، فيجب الإعادة في الأول دون الثاني، و لعل الأقوى الأول، أما مع عدم صدق الارتماسة الواحدة كما إذا كانت اللمعة واسعة و طال الزمان فواضح، و أما مع صدق مسمى الارتماسة ان سلم تصور الصدق مع إغفالها كما لو كانت قليلة جدا كتخليل ما بين بعض الأصابع مثلا. فلأن المفهوم من أدلة الارتماس انه متى غسل جميع جسده أي ما كان يغسله في حال الترتيب بارتماسة واحدة أجزاؤه، و في الفرض و ان صدق عليه انه ارتمس ارتماسة واحدة لكن لا يصدق عليه انه غسل جميع بدنه بارتماسة واحدة كما هو واضح، و يشعر به ترتب الاجزاء على الارتماسة.
و ما يقال في الاستدلال للوجه الثاني: انه بعد سقوط الترتيب في حقه و قد غسل أكثر بدنه أجزأه حينئذ ما غسله عنه، ل
قول أبي عبد الله (عليه السلام)(1): «فما جرى عليه الماء قليله و كثيره فقد أجزأه»
يدفعه ظهوره في الترتيب كما هو صريح غيره مما ورد بهذه العبارة، لكونه الفرد الشائع المتعارف من الغسل، و نحوه
قوله (عليه السلام)(2): «و كل شيء قد أمسسته الماء فقد أنقيته»
و يشعر به قوله (عليه السلام): (جرى) و كذا (قليله و كثيره) على ان الظاهر إرادة الاجزاء عن الدلك، و هو انما يكون في الترتيب، و أيضا لو أريد به إطلاقه لنافى اشتراط الوحدة العرفية الثابت اشتراطها بالنص و الإجماع، فتأمل. مع ما فيه من المنافاة لمفهوم
قوله (عليه السلام)(3): «إذا ارتمس»
الى آخره. و من انه يكون حينئذ كالترتيبي بل هو
ج3،
ترتيب بالعكس، على ان ما يظهر- من أدلة الارتماس من اشتراط صحة غسل كل جزء غسل الجميع بارتماسة واحدة- كاف في تقييدها، فتأمل جيدا. و أما الوجه الثالث فقد عرفت ان مبناه الترتيب الحكمي، و فيه ما تقدم، و أما الوجه الرابع فصدق مسمى الارتماس، و فيه انه مبني على التفسير الثالث للارتماس، و هو مع إمكان منعه كما
عرفت محتمل لإرادة توالي الأعضاء بالهيئة العرفية للارتماس، كأن تتوالى للانغماس في الماء أو فيه لعدم صدقه بدون ذلك، و قد وقع في كشف اللثام في المقام في تفسير القول الذي اخترناه ما هو محل للبحث و النظر، من أراده فليراجعه.
ثم ان الظاهر من النص و الفتوى عدم توقف صدق الارتماس على خروج البدن خارج الماء، بل يمكن الاكتفاء باستمرار مغموريته في الماء لو نوى الغسل هناك ما لم يكن قد قصد بابتدائها غسلا آخر لعدم صدق التعدد عرفا، مع احتمال الاكتفاء به أيضا، كل ذلك للصدق العرفي سيما في الأول، فما وقع في كلام بعض متأخري المتأخرين من الاشكال فيه في غير محله، سيما مع مكث القليل من بدنه في الماء، بل عن ابن فهد في المقتصر ما نصه انه لو انغمس في ماء قليل كحوض صغير أو إجانة و نوى بعد تمام انغماسه فيه و إيصال الماء الى جميع البدن ارتفع حدثه إجماعا، و منه يعلم عدم اشتراط الكثرة في الارتماس كما هو قضية إطلاق النصوص و الفتاوى، فما وقع للمفيد في المقنعة انه لا ينبغي له ان يرتمس في الماء الراكد، فإنه ان كان قليلا أفسده، و ان كان كثيرا خالف السنة فيه انها دعوى عارية عن الدليل، كتعليله في التهذيب ذلك بأن الجنب حكمه حكم النجس الى ان يغتسل، فمتى لاقى الماء الذي يصح فيه قبول النجاسة فسد، و لعل حمل كلامهما على إرادة الإفساد لغير المستعمل بمعنى سلب طهوريته كما هو المنقول عنهما فيما يرفع الحدث الأكبر أولى من ذلك، لما فيه من المخالفة لما عليه الإمامية، و قد يشعر به قوله: (و لا ينبغي) أو يراد بالإفساد في عبارة المقنعة مع تلوث الجنب
ج3،
بالنجاسة، أو يراد حصول النفرة، أو غير ذلك، و احتمال التمسك لهما بما في الذكرى من الرواية له الارتماس في الجاري أو فيما زاد على الكر من الواقف لا فيما قل كالمروي
عن النبي (صلى الله عليه و آله)(1)انه قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، و لا يغتسل فيه عن جنابة»
يدفعه مع فقدهما لشرائط الحجية انه لا دلالة فيهما على الإفساد المتقدم، و لعل ذلك دليلهما على سلب الطهورية، و فيه ما تقدم سابقا، و لو لا التسامح في دليل الكراهة كان للنظر في إثباتها بهما مجال سيما الثاني.
و ظاهر المصنف هنا و المعتبر كظاهر كثير من القدماء عدم سقوط الترتيب بغير الارتماس من الجلوس تحت المطر و نحوه، و هو المنقول عن ابن إدريس، و اختاره جماعة ممن تأخر عنه، خلافا للشيخ في المبسوط فألحق بالارتماس الجلوس تحت المجرى و المطر، و تعدى في التذكرة فألحق الميزاب و شبهه، و عن بعضهم إلحاق الصب بالإناء، و لعل مستند الأول بعد الأصل و استصحاب حكم الحدث عموم أو إطلاق ما دل(2)على وجوب الترتيب في الغسل، و مفهوم
قوله (عليه السلام)(3): «إذا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه»
و لعل مستند الثاني- بعد دعوى صدق اسم الارتماس عليه لكونه شمول الماء للبدن دفعة عرفية- إطلاق الأمر بالاغتسال كإطلاق
قوله (عليه السلام)(4): «ما جرى عليه الماء فقد أجزأه»
و نحوه
صحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام)(5)قال: «سألته عن الرجل يجنب هل يجزيه غسل الجنابة أن يقوم في المطر حتى يغسل رأسه و جسده و هو يقدر على ما سوى ذلك؟ قال: ان كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ذلك»
و
مرسلة محمد بن أبي حمزة(6)عن الصادق (عليه السلام) «في رجل أصابته جنابة.
ج3،
فقام في المطر حتى سال من جسده أ يجزيه ذلك من الغسل؟ قال: نعم»
بل ربما يتمسك بالأخبار التي أشرنا إليها سابقا في الترتيب، ك
قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة(1): «ثم تغسل جسدك من لدن قرنك الى قدميك»
و
في آخر(2)«ثم أفض على رأسك و جسدك»
و نحوه غيره، قلت: و لعل الأقوى الأول كما انه أحوط لما تقدم، مع ضعف مستند الثاني، بل ينبغي القطع بفساد الأول منه أي صدق الارتماس، و يقرب منه في ذلك الثاني بعد ثبوت الحقيقة الشرعية، و قد عرفت ان قوله (عليه السلام):
(ما جرى) الى آخره وارد في الترتيبي، و أما الصحيح فلعله في خلاف المطلوب أظهر، لاشتراط الاجزاء بمشابهة الاغتسال بالماء، و هو غير ممكن إلا في الترتيبي، على انه يجب تنزيله على ما دل على وجوب الترتيب، بل الظاهر انصرافه إلى الترتيبي لكونه المتبادر و الفرد الشائع، و الارتماس رخصة يجزي عنه، و منه يعرف الجواب عن المرسلة مع الغض عن إرسالها، و كذا الأخبار الأخيرة، بل قد عرفت سابقا دعوى ظهور الإجماع على خلاف ظاهرهما، و لذا لم أجد أحدا استند إليها في المقام، مع معارضتها ب
قوله (عليه السلام)(3): «ثم تصب على رأسك ثم تصب على جسدك»
و غيره مما دل على الترتيب، فتأمل جيدا.
ثم انه هل يشترط في صحة الغسل بنوعيه إزالة النجاسة عن محل الغسل عينية أو حكمية قبل الشروع في أصل الغسل، أو يعتبر جريان ماء الغسل على محل طاهر فيكفي إزالتها قبل غسل المحل التي هي فيه بآن ما أو يعتبر عدم بقائه نجسا بعد الغسل فيكتفى بغسل واحد لهما، أو يفرق في ذلك بين الاغتسال بالماء الكثير كالارتماس فيه و ما إذا كانت في آخر العضو و بين ما لم يكن كذلك فيكتفى بالغسل الواحد في الأولين
ج3،
دون الثاني، أو انه لا يشترط شيء من ذلك، نعم يعتبر ان لا تمنع عين النجاسة وصول الماء إلى البشرة، و إلا فيكتفى و ان بقي المحل نجسا؟ وجوه بل أقوال، إلا أن الأول و ان كان يظهر من عبارة بعض الفقهاء كالحلبي في إشارة السبق و العلامة و غيرهما، و يؤيده مضافا الى الاحتياط الأخبار(1)المستفيضة جدا الآمرة بانقاء الفرج قبل الشروع في الغسل و غسل ما أصاب من البول ثم الغسل، مع عدم قائل بالفصل بين الفرج و غيره، بل في
صحيح حكم بن حكيم(2)«ثم اغسل ما أصاب جسدك من أذى، ثم اغسل فرجك و أفض على رأسك و جسدك فاغتسل»
و في
خبر يعقوب بن يقطين(3)عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن غسل الجنابة فيه وضوء أم لا فيما نزل به جبرئيل (عليه السلام)؟ قال: الجنب يغتسل يبدأ بغسل يديه الى المرفقين قبل ان يغمسهما في الماء، ثم يغسل ما أصابه من أذى، ثم يصب على رأسه و على وجهه»
الى آخره. و ربما يظهر من الغنية الإجماع عليه. حيث قال: «و أما الغسل من الجنابة فالمفروض على من أراده الاستبراء بالبول- الى أن قال-: و غسل ما في بدنه من نجاسة ثم النية- الى أن قال-: كل ذلك بدليل الإجماع». و عن الصدوق في الأمالي انه من دين الإمامية، و في شرح المفاتيح «انه هو الظاهر من فتاوى الأصحاب، لأنهم حين يبينون الغسل يذكرون كذلك، و اتفقوا في ذكر غسل الفرج مقدما على الغسل» انتهى. إلا ان الذي يظهر من ملاحظة جملة من عبارات الأصحاب ان ذلك ليس محل خلاف، نعم الإشكال في وجوب إزالة النجاسة قبل محلها، و من هنا قال في جامع المقاصد: انه ربما أوهم قول المصنف وجوب إزالة النجاسة قبل غسل الاغتسال، و ليس كذلك قطعا، و في كشف اللثام ان تقديم غسل الفرج من باب
ج3،
الأولى قطعا، و في الحدائق انه لا يعقل لوجوب التقديم على أصل الغسل وجه.
قلت: و ربما يؤيده مضافا الى الإطلاقات ما في
صحيح حكم بن حكيم(1)عن الصادق (عليه السلام) في حديث كيفية غسل الجنابة، قال: «فان كنت في مكان نظيف فلا يضرك ان لا تغسل رجليك، و ان كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك»
فإنه لا يخلو من دلالة على عدم وجوب إزالة النجاسة مقدما على أصل الغسل، لكن مع ذلك فالإنصاف ان القول به لا يخلو من قوة لما سمعت، و إلا فمع الاعراض عن ذلك يشكل إثبات إيجاب الجريان على محل طاهر و ان قال في جامع المقاصد: انه الشائع على ألسنة الفقهاء إذ أقصى ما استدلوا به لذلك انهما سببان، فوجب تعدد حكمهما، فان التداخل خلاف الأصل، و بأن ماء الغسل لا بد أن يقع على محل طاهر، و إلا لأجزأ الغسل مع بقاء عين النجاسة، و بانفعال القليل، و ماء الطهارة يشترط ان يكون طاهرا إجماعا.
و الكل لا يخلو من نظر، أما (الأول)- فبعد تسليم ان الأصل عدم التداخل- قد يقال: انه في المقام مما علم ذلك من الأدلة، لما يظهر منها ان المدار في إزالة النجاسات على تحقق ماهية الغسل بماء طاهر من غير اشتراط لشيء آخر، على ان ذلك لا يقضي إيجاب سبق الإزالة، و ما عساه يقال-: ان السبق لا بد أن يتحقق هنا شرعا، و ذلك لأنه يستفاد من الشارع ان جريان الماء على المحل النجس سبب تام في تطهيره، فحيث يوجد لا بد من وجود مسببه، و إذا وجد مسببه امتنع حصول التطهير به من الحدث لأصالة عدم التداخل، و لا فرق في ذلك بين النسيان و غيره- مدفوع بأن فيه مع إمكان القلب تقييد لأدلة الغسل، ك
قوله (عليه السلام)(2): «الجنب ما جرى
ج3،
عليه الماء فقد أجزأه»
و نحوه بما إذا لم يكن ما جرى عليه نجسا من غير دليل، بل ظاهر الأدلة خلافه، إذ
(لكل امرئ ما نوى)(1)
و نحوه ينافي صرف الغسل الذي نوى به المكلف انه لرفع الحدث إلى إزالة النجاسة دون ما نواه من غير مقتض له، على انه لا معنى لأصالة عدم التداخل سوى ما يظهر من الخطابات من التعدد، و لا شك في ان الظاهر من ملاحظتها في خصوص المقام خلاف ذلك، فإنه ان ارتمس حينئذ في ماء كثير و كان في بدنه نجاسة لا تمنع وصول الماء إلى البشرة حصلت الطهارتان معا حينئذ فتأمل.
و أما (الثاني) فهو مصادرة واضحة، و ما ذكره من اللازم تمنع بطلانه، فلو فرض انه كان على بدنه نجاسة لا تمنع وصول الماء إلى البشرة ثم ارتمس في ماء كثير و لم تزل عين تلك النجاسة حصلت الطهارة من الحدث دون الخبث، و كذا لو فرض ان بدنه نجس نجاسة تحتاج الى غسلتين، فيرتفع الحدث بالغسلة الأولى و يبقى الخبث موقوفا على الثانية.
و أما (الثالث) فهو- مع عدم جريانه في الاغتسال بالماء الكثير و نحوه و ابتنائه على نجاسة ماء الغسالة قبل الانفصال- انا نمنع الإجماع على اشتراط الطهارة بحيث يشمل المقام، إذ أقصى ما يمكن تسليمه اشتراط الطهارة قبل تحقق الغسل به، و لعله لذلك كله قال الشيخ في المبسوط: «و ان كان على بدنه نجاسة أزالها ثم اغتسل، فان خالف و اغتسل أولا فقد ارتفع حدث الجنابة، و عليه ان يزيل النجاسة ان كانت لم تزل بالغسل، و ان زالت بالاغتسال فقد أجزأه عن غسلها» انتهى، فان ظاهره عدم اشتراط الجريان على محل طاهر مع القول بالتداخل، لكن يظهر منه إيجاب الإزالة أولا، و كأنه لما سمعت من الأخبار السابقة، و لعله فهم منها الوجوب التعبدي لا الشرطي، و لذا لم يحكم بفساد الغسل عند المخالفة، و فيه انه بعد العمل بتلك الأخبار لا ريب في ظهورها في الوجوب الشرطي، و بالتأمل في جميع ما ذكرنا يظهر لك وجه كل واحد
1) 1 الوسائل- الباب- 5- من أبواب مقدمة العبادات- حديث 10.
ج3،
من الأقوال المتقدمة عدا القول بالتفصيل المتقدم، فإنه ليس له وجه ظاهر سالم عن التأمل و النظر، و الاحتياط لا ينبغي ان يترك بحال سيما في مثل المقام، لمكان توقيفية العبادة، و استصحاب الحدث، و اشتهار اشتراط طهارة ماء الغسل و الجريان على محل طاهر، حتى انه يمكن ادعاء تنزيل إجماع الغنية و نحوه عليه، فينبغي ان يغسل النجاسة أولا ثم يجري الماء لرفع الحدث، و أحوط منه إزالة النجاسة سابقا على الشروع في الغسل.
و ظاهر المصنف عدم وجوب الموالاة في الغسل بمعنييها كما هو المصرح به في عبارات الأصحاب من غير خلاف يعرف، بل ادعى عليه الإجماع جماعة، كما هو ظاهر آخرين، و يدل عليه- مضافا الى ذلك و الى الأصل و الإطلاقات و ما تقدم من قصة أم إسماعيل-
خبر إبراهيم بن عمر اليماني(1)عن الصادق (عليه السلام) قال:
«ان عليا (عليه السلام) لم ير بأسا ان يغسل الجنب رأسه غدوة، و يغسل سائر جسده عند الصلاة»
و
صحيحة حريز(2)السابقة في باب الوضوء قال: قلت: «و كذلك غسل الجنابة، قال: هو بتلك المنزلة، و ابدأ بالرأس ثم أفض على سائر جسدك، قلت: و ان كان بعض يوم قال: نعم»
و ما عن
الفقه الرضوي(3)«و لا بأس بتبعيض الغسل تغسل يديك و فرجك و رأسك، و تؤخر غسل جسدك الى وقت الصلاة، ثم تغسل إن أردت ذلك»
و قضية الإجماعات المتقدمة على نفي وجوبها كما هو قضية الأصل و الإطلاق انه لا فرق في ذلك بين الأعضاء و العضو الواحد، و لعل أخبار اللمعة تشعر به أيضا، و المراد بعدم وجوبها انما هو في أصل الغسل، أما إذا عرض لوجوبها بمعنى المتابعة عارض خارجي فلا إشكال في الوجوب، كما لو نذرها بناء على استحبابها على ما صرح به بعضهم، أو ضاق الوقت أو غير ذلك، و قيل انه منه ما لو خيف فجأة
ج3،
الحدث كالسلس و المبطون و المستحاضة، و هو مبني على فساد الغسل بعروضه في أثنائه و يأتي التحقيق فيه، مع احتمال عدم الوجوب أيضا كما انه لا يجب عليهم مراعاة زمان القلة، أما إذا خاف عروض الحدث الأكبر فربما احتمل الوجوب محافظة على سلامة العمل من الابطال، و فيه بعد تسليم حرمة الإبطال في مثله انه بطلان لا إبطال، نعم يجب الاستيناف، أما إذا كان مستمرا فقيل انه يجب فيه الموالاة، لعدم العفو عن القدر الضروري كما تقدم مثله في الوضوء، و فيه تأمل يعرف مما سبق.
و سنن الغسل
تقديم النية بناء على انها الاخطار، و قد يتأتى ذلك على الداعي في وجه عند غسل اليدين كما في المبسوط و السرائر و التذكرة و عن الإصباح و نهاية الأحكام، و المراد بغسل اليدين المستحب في الغسل على ما سيأتي التعرض له، و لعل وجه استحباب التقديم كونه أول أجزاء الغسل المندوبة، و في المعتبر و القواعد و غيرها انه يجوز تقديم النية عند ذلك، و قد يظهر من بعضهم التردد في الجواز فضلا عن الاستحباب لعدم ثبوت الجزئية، و فيه نظر لما يظهر من ملاحظة الأخبار من إدخاله في كيفية الغسل حتى ان في بعضها كالخبر المنقول عن
مجالس الصدوق(1)التصريح بذلك، حيث روى عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «لا بأس بتبعيض الغسل، تغسل يدك و فرجك و رأسك، و تؤخر غسل جسدك الى وقت الصلاة»
الى آخره، اللهم إلا ان يقرأ بفتح الغين، فيخرج عن الاستدلال حينئذ، نعم ربما يناقش في اقتضاء ذلك استحباب التقديم، لكن يمكن ان يقال: انه متى أريد الإتيان باستحباب غسل اليدين يتعين إتيان النية، إذ تأخيرها عند غسل الرأس يستلزم حصولهما بغير نية، أو إفرادهما بنية مستقلة، و في الأول ما لا يخفى، كما ان الثاني لا يخلو من إشكال، و إلا لجاز إفراد أول الأجزاء الواجبة بذلك، و أيضا الغسل ماهية شاملة للكامل و غيره، فمتى
1) 1 الوسائل- الباب- 29- من أبواب الجنابة- حديث 4.
ج3،
أريد التقرب بالأول مثلا كان ابتداؤه غسل اليدين، فهو أحد أفراد الواجب المخير و أفضلها، و لعله لذلك قال في المنتهى: «ان وقتها عند غسل اليدين، لأنه بدء أفعال الطهارة» انتهى. فيراد بمقابل المستحب حينئذ انه يترك غسل يديه و يجعل النية عند غسل الرأس، لا انه يغسل يديه مؤخرا لنيته، لكنه خلاف الظاهر جدا، و على كل حال فتتضيق عند غسل الرأس و لعل الأحوط فعلها عند غسل اليدين ثم تجديدها عند غسل الرأس.
و من سننه إمرار اليد على الجسد إذا لم يتوقف عليه إيصال الماء إلى البشرة و لم يختر المكلف الغسل به، و إلا كان واجبا معينا على الأول و مخيرا على الثاني، و بدون ذلك لا إشكال في عدم وجوبه، بل حكى عليه الإجماع جماعة، و هو الحجة، مضافا الى الأصل و صدق الغسل بدونه، و خلو كثير من الأخبار المبينة لكيفية الغسل عنه، و لما دل على الاجتزاء بجريان الماء كما في صحيح زرارة و غيره(1)و في
خبر إسماعيل بن زياد(2)«كن نساء النبي (صلى الله عليه و آله) إذا اغتسلن من الجنابة يبقين صفرة الطيب على أجسادهن، و ذلك لأن النبي (صلى الله عليه و آله) أمرهن أن يصببن الماء صبا على أجسادهن»
و في أخبار الارتماس التصريح بالاجتزاء بارتماسة واحدة و ان لم يدلك جسده، بل لعل ثبوت الاستحباب بالنسبة إلى الغسل الارتماسي محل نظر، سيما إذا أريد استمرار اليد على سائر الجسد، للأصل مع عدم المعارض، مع تعسره في غالب الأوقات، و إطلاق الأصحاب منزل على الترتيبي، لأنه هو الشائع من الغسل، و كان مستنده في الترتيبي مضافا الى الإجماع في المعتبر و غيره عليه ما في المروي
عن كتاب علي بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام)(3)في السؤال
ج3،
عن الاغتسال بالمطر قال: «ان كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه إلا انه ينبغي له أن يتمضمض و يستنشق و يمر يده على ما نالت من جسده»
و ما عن
الفقه الرضوي(1)بعد ذكر صفة الغسل ترتيبا. ثم قال: «تمسح سائر بدنك بيديك»
و التعليل بالاستظهار في وصول الماء إلى البشرة كما وقع من جماعة، لكن قد يناقش بأنه لا معنى له بعد حصول العلم، و قبله يكون واجبا لعدم الاكتفاء بالظن.
و من هنا ظهر من بعض متأخري المتأخرين القول فيه بالاستحباب التعبدي للإجماع المنقول من غير مدخلية للاستظهار، قلت: قد يدفع بأنه معقول و لو مع حصول العلم، لتفاوت مراتب العلم كالظن، نعم قد يتجه ذلك بالنسبة الى بعض الجسد، لوصول العلم بتحقق الغسل فيه الى حد غير قابل للزيادة، أو يقال: ان المستحب له اختيار الغسل بإمرار اليد، فيكون أفضل أفراد الواجب المخير لما فيه من الاستظهار، نعم لو لا سهولة أمر الاستحباب لأمكن المناقشة في ثبوته بالنسبة إلى سائر البدن سيما إذا كان المنشأ الاستظهار، لكن ربما يؤيد التعبد
خبر عمار بن موسى الساباطي(2)سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن المرأة تغسل و قد امتشطت بقرامل و لم تنقض شعرها كم يجزيها من الماء؟ قال: مثل الذي يشرب شعرها، و هو ثلاث حفنات على رأسها، و حفنتان على اليمين، و حفنتان على اليسار، ثم تمر يدها على جسدها كله»
فإنه لو أريد الاستظهار لكان ينبغي فعله بعد كل عضو لا بعد تمام الغسل، إذ لو كان في الجانب الأيمن مثلا شيء لم يكن غسل الأيسر صحيحا، و على كل حال فالأمر سهل.
و منه يظهر لك انه يستحب تخليل ما يصل اليه الماء استظهارا.
و من سننه البول أمام الغسل و الاستبراء و ظاهره استحبابهما معا من غير
ج3،
فرق بين تقديم كل منهما على الآخر، و لم أعرف له دليلا كما اني لم أعرف من عبر به غيره من القائلين بالاستحباب إلا ابن فهد في الموجز، بل و لا هو في غير هذا الكتاب، نعم يقرب منه ما في البيان، و يستحب تقديم الاجتهاد على الأصح بالبول ثم الاجتهاد، و نحوه ما في الروضة، مع انه لا دليل عليه أيضا، إذ استحباب الاجتهاد بعد البول انما هو من آداب التخلي لا من آداب الغسل، و لعل وجه ما في المتن هو التخلص من شبهة خلاف الجعفي على ما نقل عنه من إيجابهما معا ان قلنا بصحة مثل ذلك منشئا لمثله، و في السرائر و القواعد تقييد الثاني بما إذا لم يتيسر الأول، كما انه اقتصر على الثاني أعني الاستبراء بالخرطات في النافع و التحرير، و أطلق الاستبراء في الإرشاد و اللمعة.
و كيف كان فالظاهر ان المشهور بين المتأخرين كما حكى ذلك بعضهم عدم وجوب شيء منهما في صحة الغسل، و هو المنقول عن المرتضى (رحمه الله) للأصل و خلو كثير من الأغسال البيانية عنه. و مفهوم
قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم(1): «من اغتسل و هو جنب قبل ان يبول ثم وجد بللا فقد انتقض غسله»
و ما يستفاد من فحوى غيره من الأخبار(2)من تعليق إعادة الغسل لمن لم يبل على خروج البلل المشتبه مع إشعارها بتركه قبل الغسل، خلافا لظاهر الهداية و المهذب و الاستبصار و إشارة السبق من إيجاب البول، و للمقنعة و الوسيلة و الجامع من إيجاب البول، فان لم يتيسر فالاجتهاد، و للمراسم و عن الجعفي من إيجابهما معا مع التصريح في الأول بالاكتفاء بالاجتهاد مع تعذر البول، و للمبسوط و الغنية من التخيير بينهما مع زيادة الثاني إيجاب الاستبراء من البول، و للكافي من إلزام مريد الغسل الاستبراء بحيث يتيقن الاستنجاء على كل حال، و ما عن الكامل و المصباح و مختصره و الإصباح و الجمل و العقود و الكيدري من الوجوب، لكن لم تنقل لنا عباراتهم لنعرف كيفيته، و في الذكرى انه لا بأس بالوجوب محافظة من
ج3،
طريان مزيله، و مصيرا الى قول معظم الأصحاب و ربما مال إليه في جامع المقاصد كالدروس.
و كيف كان فقد احتج عليه بما دل(1)على إعادة الغسل مع الإخلال به لو خرج منه بلل مشتبه، و هو خلاف المدعى، بل قد عرفت ان تلك الأخبار في الدلالة على المطلوب أظهر من وجوده. و الأولى الاستدلال عليه- مضافا الى الشغل اليقيني في وجه و إجماع الغنية ب
صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر(2)قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة، قال: تغسل يدك من المرفقين إلى أصابعك، و تبول ان قدرت على البول، ثم تدخل يدك الإناء»
إلى آخرها. و
ضعيفة أحمد بن هلال(3)قال: «سألته عن رجل اغتسل قبل ان يبول، فكتب ان الغسل بعد البول إلا ان يكون ناسيا فلا يعيد منه الغسل»
و ما فيها من الضعف منجبر بإجماع الغنية و بذهاب معظم الأصحاب كما في الذكرى و جامع المقاصد، قلت: و لا ريب ان الأول أقوى، بل يمكن ادعاء الإجماع على الصحة لما في المختلف بعد نقل القولين «انهم اتفقوا على انه لو أخل به حتى وجد بللا بعد الغسل فان علم انه مني أو اشتبه عليه وجب الغسل، و ان علم انه غير مني فلا غسل» انتهى. و نحوه غيره في استظهار ذلك، و منه يعلم حينئذ إرادة الوجوب التعبدي في كلامهم، فيسقط الاستدلال بالشغل و بالضعيفة الأخيرة، مضافا الى اشتمالها على التفصيل الذي لم يعلم به قائل، بل يمكن دعوى ان النزاع لفظي، و ان مراد الموجبين انما هو اشتراط عدم إعادة الغسل مع خروج المشتبه بذلك، كما
1) 1 الوسائل- الباب- 36- من أبواب الجنابة- حديث 0.
2) 2 الوسائل- الباب- 34- من أبواب الجنابة- حديث 3 لكن رواه عن الرضا عليه السلام و في تنقيح المقال للمامقانى عن النجاشي« ان أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي لقي الرضا و الجواد عليهما السلام» و عن الشيخ« انه كان من أصحاب الكاظم و الرضا عليهما السلام» و عن الفهرست« أنه لقي الرضا عليه السلام» و عن الخلاصة« ان له اختصاص بأبي الحسن الرضا و أبي جعفر الجواد عليهما السلام».
3) 3 الوسائل- الباب- 36- من أبواب الجنابة- حديث 12.
ج3،
يشعر به استدلاله عليه في الاستبصار بالأخبار المتضمنة لهذا الحكم، و تفريع هذا الحكم عليه في المبسوط و المراسم و المهذب و الجامع، فتحمل باقي العبارات عليه، و لذا قال في كشف اللثام: «و يمكن انتفاء النزاع لاتفاق الكل على ان الخارج من غير المستبرئ إذا كان منيا أو اشتبه به لزم إعادة الغسل، و لا شبهة في بقاء أجزائه في المجرى إذا لم يستبرئ، فإذا بال و ظهر منه بلل تيقن خروج المني أو ظنه فوجب إعادة الغسل، و لعله الذي أراده الموجبون» انتهى. و هو جيد سوى ما يظهر منه من إيجاب الغسل بالبول لما فيه من خروج المني أو مظنونه، فإنه- مع إمكان منع لزوم خروج شيء مع البول إذ قد يكون بولا محضا أو يعلم أنه مذي أو وذي أو غير ذلك- فرق بين الاشتباه في البلل بعد القطع بخروجه و بين الاشتباه في أصل الخروج، فقوله: إذا بال يتيقن أو يظن خروج المني فيه ما لا يخفى، فإنه مع تسليم حصول الظن غير مجد، فتأمل جيدا.
و أما الصحيحة المتقدمة فهي مع كون الأمر فيها بالجملة الخبرية غير صريحة، لو رودها في سياق الأمر المستحب، مضافا الى عدم صلاحيتها للاستدلال لما يظهر من بعض العبارات المتقدمة، إذ لم تقيد بالقدرة على البول، و قد يشعر بالاستحباب
النبوي(1)أيضا «من ترك البول على أثر الجنابة أو شك تردد بقية الماء في بدنه، فيورثه الداء الذي لا دواء له»
و مما عرفت يظهر لك ضعف الظن بإجماع الغنية، على انه منقول على وجوب البول و الاجتهاد فيه ثم الاستبراء من البول، مع ان ما سمعت من عبارات الأصحاب تشهد بخلافه.
ثم ان المتبادر من النص و الفتوى اختصاص استحباب الاستبراء بالمجنب بالإنزال، و به صرح جماعة، و نسب الى المشهور، لظهور ان الحكمة في الاستبراء المشار إليها في الروايات(2)من إخراج أجزاء المني هي في المنزل خاصة، و ما في الذخيرة- من الإيراد
ج3،
على ذلك بمنافاته لعموم الروايات، و منع انتفاء الفائدة، إذ عسى ان ينزل و لم يطلع عليه أو احتبس شيء في المجاري لكون الجماع مظنة لنزول الماء- ضعيف، لعدم الانصراف لمثل ذلك بعد تسليم إمكان وقوعه سيما مع ملاحظة علامات المني، نعم احتمل في الذكرى استحباب الاستبراء مع احتمال خروج المني أخذا بالاحتياط، و لا بأس به، لكن لا يجب عليه الغسل بخروج البلل منه قطعا، كما انه لا يجب على المرأة بذلك و ان كانت مجنبة بالإنزال استصحابا ليقين الطهارة، مع ظهور اختصاص أدلته بالرجل خاصة، مضافا الى ما في صحيح سليمان بن خالد(1)من انها لا تعيد الغسل له معللا بأن ما يخرج منها انما هو من ماء الرجل، و منه مع الأصل يعلم انه لا استبراء عليها كما هو المشهور بين الأصحاب. لظهور أن فائدته ذلك، و هي منتفية، و كأنه لاختلاف المخرجين، و لعل ما في نهاية الشيخ- من ثبوت الاستبراء لها بالبول، فان لم يتيسر فالاجتهاد، و المقنعة من انه ينبغي لها ان تستبرئ بالبول، فان لم يتيسر فلا شيء عليها- لا يلزم منه إثبات حكم البلل المشتبه على الخارج منها، بل هو نزاع في أصل ثبوت الاستبراء لها بالبول أو الاجتهاد، فما احتمله بعضهم من احتمال جريان حكم البلل على الخارج منها مطلقا أو إذا لم تستبرئ ضعيف لا يلتفت اليه، و لعل الحكم بالاستحباب للاستظهار- و لأن المخرجين و ان تغايرا يؤثر خروج البول في خروج ما تخلف ان كان و خصوصا مع الاجتهاد- لا يخلو من وجه، أما الوجوب فينبغي القطع بعدمه، و قد يأتي للمسألة تتمة ان شاء الله تعالى. و أما الخنثى المشكل فلا يبعد إلحاقه بالرجل في الاستبراء و البلل حيث يحصل الانزال منه بآلة الذكر مع حصول الجنابة بذلك على تأمل و نظر، و من التأمل فيما تقدم يعلم الحكم في الرجل المعتاد إنزال المني من غير المعتاد، فان الظاهر عدم جريان الحكم على بلله كعدم ثبوت الاستبراء بالنسبة إليه.
1) 1 الوسائل- الباب- 36- من أبواب الجنابة- حديث 10.
ج3،
و كيفيته أي الاستبراء من البول و المني أن يمسح من المقعد إلى أصل القضيب ثلاثا، و منه الى رأس الحشفة ثلاثا، و ينتره ثلاثا فيكون المجموع تسعا على الترتيب الظاهر من العبارة، كما هو صريح الصدوق فيه و في التسع أيضا، و كذا المنتهى و القواعد و التحرير و التذكرة و الذكرى و الدروس و الروض و الروضة، و ربما كان هو أي اعتبارها ظاهر المبسوط و النهاية و غيرهما خلافا للمفيد، فاكتفى بمسح ما تحت الأنثيين إلى أصل القضيب مرتين أو ثلاثا، و يمر المسبحة و الإبهام باعتماد قوي من أصله الى رأس الحشفة مرتين أو ثلاثا، و لأبي الصلاح في الكافي لاكتفائه بحلب القضيب من أصله الى رأس الحشفة دفعتين أو ثلاثا و يعصرها، و للصدوق في الفقيه لاكتفائه بالمسح من عند المقعدة إلى الأنثيين ثلاث مرات ثم ينتر ذكره ثلاث مرات، و هو ظاهر الوسيلة و المراسم و النافع و كذا الغنية و السرائر و غيرها، و محتمل المبسوط و النهاية و إشارة السبق، و للمنقول من علم الهدى لاكتفائه بنتر الذكر من أصله إلى طرفه ثلاث مرات.
و كيف كان فقد عرفت انا لم نقف على ما يدل صريحا على استحباب هذا القسم من الاستبراء في خصوص ما نحن فيه أي الجنابة، فضلا عما يدل على كيفيته، و لعله لأنه لا فرق بينه و بين المذكور في البول كما يظهر من كلمات الأصحاب، فنقول حينئذ لعل مستند الأول- بعد كونه أبلغ في الاستظهار و أقرب الى العلم بحصول البراءة الذي هو معنى الاستبراء- الجمع بين الأخبار من الأمر بنتره ثلاثا، ثم ان سال حتى بلغ الساق فلا يبالي في خبر حفص بن البختري(1)و من الأمر بعصر الذكر من أصله الى رأسه ثلاث عصرات و بنتر طرفه كما في حسن ابن مسلم(2)و عن مستطرفات السرائر
ج3،
انه رواه عن كتاب حريز، و من
قول الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الملك بن عمرو(1): «إذا بال فخرط ما بين المقعدة و الأنثيين ثلاث مرات و غمز ما بينهما ثم استنجى فان سال حتى يبلغ الساق فلا يبالي»
على ان يكون ضمير بينهما راجعا إلى الأنثيين للقرب و نحوه. و أما احتمال رجوعه إليهما مع المقعدة- على إرادة غمز ما انتهى اليه خرط المقعدة فإن ذلك بينهما حقيقة و لغمزة زيادة مدخلية في إخراج المتخلف كما هو مشاهد- يبعده انه لم يقل أحد بوجوبه، و
قول النبي (صلى الله عليه و آله) في خبر الكاظم مسندا له عن آبائه (عليهم السلام) كما عن نوادر الراوندي(2): «من بال فليضع إصبعه الوسطى في أصل العجان ثم يسلها ثلاثا»
و
بهذا الاسناد قال: «كان النبي (صلى الله عليه و آله) إذا بال نتر ذكره ثلاث مرات»(3)
فإن ملاحظة جميع هذه الأخبار بعد تحكيم منطوق بعضها على مفهوم الآخر و مقيدها على مطلقها يفيد إثبات التسع، هذا.
مع ان احتمال ان يكون ذلك أيضا مقتضى الأصل، لإجمال لفظ الاستبراء المعلق عليه عدم الالتفات الى البلل الخارج بعده.
نعم لا يستفاد من الأخبار إيجاب الثلاثة المتوسطة أن تكون مسحا كما هو ظاهر المصنف و غيره، بل يكتفي بالعصر و الغمز و نحوهما، و لعل ذكره في كلامهم غير مقصود به التعيين، و احتمال الجمع بين هذه الأخبار- بان المستحب الاستظهار بحيث لا يتخلف شيء من أجزاء البول و ذلك قابل للشدة و الضعف و يتفاوت بقوة المثانة و ضعفها- ضعيف لا محصل له، كالجمع بان مدارها حصول العلم و الاطمئنان ببراءة المجرى من المقعدة الى رأس الذكر من أجزاء البول، فيدور مداره وجودا و عدما من غير فرق في العدد زيادة و نقيصة، فإنه لا شاهد له، بل ظاهر الأخبار يقضي بخلافه، و كيف لا
ج3،
و ظاهرها حصول الاكتفاء بالمسحات المذكورة بالنسبة الى عدم اعتبار البلل المشتبه حصل الاطمئنان ببراءة المجرى أو لا، على انه متى يحصل العلم و قد يكون هذه الكيفية لها مدخلية في قطع دريرة البول مع براءة المجرى، و كذا ما يقال: من الجمع بالتخيير في مضامين تلك الروايات، و هو كأنه خرق للإجماع المركب، و لم نعثر على ما يدل على ما سمعته من المفيد و أبي الصلاح، بل فيما سمعت من الروايات ما يدل على خلافه.
و أما مختار الصدوق و من تابعه فقد يستدل له مع الأصل في وجه بصحيح حفص المتقدم منضما الى حسن عبد الملك بن عمرو مع حمل الغمز فيه على التثليث الذي في الصحيح مع عدم القول بالفصل و إعادة ضمير التثنية فيه الى الأنثيين، و فيه انه طرح لحسن ابن مسلم المتقدم عند التأمل، لكن قال في الرياض تبعا لكشف اللثام: انه لا فرق بين هذا القول و القول بالتسع، و كأنهما فهما منه إرادة الجمع بين مسح القضيب من أصله الى رأسه مع نتره كذلك بأن يضع مسبحته تحت القضيب و إبهامه فوقه مثلا، و يمسح باعتماد قوي من الأصل إلى الرأس ناترا له في هذا الحال من أصله الى رأسه، و لا يخفى ما فيه من التكلف، مع ان التأمل في عباراتهم يأباه أيضا سيما ما اشتمل منها على لفظة (ثم) المفيدة للترتيب، على ان حسن ابن مسلم المتقدم (و ينتر طرفه) يشعر بخلافه أيضا، كما ان ظاهر كلام أهل التسع العمل به، لتعبيرهم بنتر الذكر الصادق بنتر طرفه، و لا يشترطون نتر الذكر من أصله، نعم لا يبعد في النظر الاكتفاء بالطريق المذكور و ان كان الأحوط مراعاة التسع منفصلة غير مفصول بين آحادها، و الظاهر عدم إيجاب ما وقع في عبارات بعضهم من مسح ما بين المقعدة بالوسطى و كذا وضع المسبحة و الإبهام في الثلاثة المتوسطة، للأصل مع إطلاق الأدلة السالمة عما يصلح للحكم عليها، و ما في خبر الراوندي محمول على الاستحباب، و كأن هذا التقدير في كلام الأصحاب انما هو لكونه أمكن في حصول الاستظهار، و مما سمعت تعرف ضعف مستند المرتضى من
ج3،
الصحيح المتقدم لمعارضته بغيره من الأخبار، مع ان كلامه محتمل للتنزيل على المختار، فتأمل. و كذا ما نقل عن علي بن بابويه من الاكتفاء بمسح ما تحت الأنثيين ثلاثا لحسن عبد الملك بن عمرو، و قد عرفت ان الأولى فيه إرجاع الغمز إلى الأنثيين، فيخرج عن الاستدلال به له، و ربما زاد بعضهم في الاستبراء التنحنح ثلاثا، و لا دليل عليه.
و فائدة الاستبراء بالنسبة للبول الحكم بعدم ناقضية الخارج من البلل المشتبه بعده، بخلاف ما إذا كان قبله بلا خلاف أجده فيهما، كما نفاه عنه فيهما ابن إدريس، و ما عساه يظهر من الاستبصار من الخلاف في الثاني ضعيف جدا، و يظهر من بعضهم دعوى الإجماع على خلافه، و يدل عليه مضافا الى ذلك السنة(1)و يستفاد منها أيضا خبثيته كحدثيته للأمر فيها بالاستنجاء منه و غير ذلك، و بها ينقطع أصالة الطهارة و قاعدة اليقين، و ما في بعضها مما ينافي ذلك محمول على ضرب من التأويل، و حكم المرأة في استحبابه لها و أمر البلل الخارج منها ما تقدم سابقا في الخارج منها بعد الانزال، و ربما ألحق بعض مشايخنا بالاستبراء طول المدة و كثرة الحركة بحيث لا يخاف بقاء شيء في المجرى، و هو لا يخلو من وجه بعد حصول القطع بذلك، و إلا فإطلاق الأدلة ينافيه، بل يمكن المناقشة حتى في صورة القطع، لاحتمال مدخلية الكيفية الخاصة في قطع دريرة البول، لكنها ضعيفة، و لعل الظاهر عدم سقوطه بقطع الحشفة، بل و لا ثلاثة النتر، نعم لو كان الذكر مقطوعا من أصله أمكن الاجتزاء بثلاثة المقعدة، و الظاهر عدم اشتراط المباشرة في الاستبراء، فيجزي التوكيل، بل و التبرع، و هل يدور الحكم في البلل مدار اشتباهه عند من خرج منه البول، فحيث لا يعلم منه ذلك لم يحكم بنجاسته مثلا، كما لو خرج بلل من غير المستبرئ و كان مجنونا أو كان نائما لا يعلم به و علم به الغير و نحو ذلك، أو لا؟ الأقرب الثاني، لما عساه يظهر من الأدلة ان الأصل في البلل
1) 1 الوسائل- الباب- 36- من أبواب الجنابة.
ج3،
الخارج قبل الاستبراء إلحاقه بالبول، و عليه حينئذ فلو خرج من غير المستبرئ بلل و كان بحيث لا يمكن اختباره إما لظلمة أو غير ذلك وجب عليه إجراء حكم البول من حدثية و خبثية، بل يمكن إلحاق الأخير بالمشتبه، إذ هو أعم من الاشتباه بعد الاختبار.
و من سنن الغسل أيضا من غير خلاف يعرف فيه بل حكى عليه الإجماع بعضهم غسل اليدين ثلاثا قبل إدخالهما الإناء لكن هل هو من الزندين كما عساه يظهر من إطلاق لفظ اليدين في النص(1)و الفتوى، و صريح كثير من الأخبار(2)بالكفين، و صريح الرضوي(3)و قضية جمعه مع الغسل من حدث النوم و الغائط(4)كما تقدم في الوضوء، أو من نصف الذراع كما لعله يظهر من مرسل يونس(5)و ربما يرجع إليه في وجه
موثقة سماعة(6)«فليفرغ على كفيه فليغسلهما دون المرفق»
أو من المرفق كما في صحيحة يعقوب بن يقطين و غيرها(7)و جمع بينها بعض المتأخرين بتفاوت مراتب الفضيلة، فأفضلها من المرفق، ثم من نصف الذراع، ثم من الزندين، و هو بعيد جدا، بل كاد يكون كلام الأصحاب صريحا بخلافه، كموثقة سماعة المتقدمة في احتمال ان يراد بقوله (عليه السلام): (دون المرفق) غسل المرفق لا التحديد للمسافة، و لذا لم ينقل الفتوى باستحباب الغسل من المرفق و النصف إلا عن الجعفي، لكن أمر الاستحباب هين، و لو لا مخافة الخروج عن كلام الأصحاب لأمكن دعوى انه يتحصل من الأخبار ان استحباب غسل الكفين انما هو من حيث مباشرة ماء الغسل لمكان توهم
1) 1 المستدرك- الباب- 17- من أبواب الجنابة- حديث 1.
2) 2 الوسائل- الباب- 26- من أبواب الجنابة.
3) 3 المستدرك- الباب- 17- من أبواب الجنابة- حديث 2.
4) 4 الوسائل- الباب- 27- من أبواب الوضوء- حديث 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 44- من أبواب الجنابة- حديث 1.
6) 6 الوسائل- الباب- 26- من أبواب الجنابة- حديث 8.
7) 7 الوسائل- الباب- 34- من أبواب الجنابة- حديث 1 و 3.
ج3،
النجاسة، و لذا كان
في بعضها(1)«انه ان لم يكن أصاب كفه شيء غمسها في الماء»
الى آخره. و أما الغسل من المرفق فهو مستحب من حيث الغسل فيكون كالمضمضة مثلا.
و كيف كان فظاهر المصنف كظاهر غيره من الأصحاب اشتراط التثليث في ذلك، بل في المعتبر و عن الغنية الإجماع مع التعبير بعبارة المصنف كالرضوي، و خبر حريز(2)و
مرسل الفقيه(3)«اغسل اليد من حدث الجنابة ثلاثا»
و في الصحيح المتقدم(4)سابقا في باب الوضوء
عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «واحدة من حدث البول، و اثنتان من الغائط، و ثلاث من الجنابة»
و به يقيد الإطلاقات، فلا يجتزى بالمرة و المرتين حينئذ إلا ان القول بالاجتزاء لا يخلو من قوة، و ان التثليث مستحب في مستحب، لضعف نحو هذا المفهوم بحيث يصلح للتقييد المذكور.
ثم ان ظاهر عبارة المصنف اختصاص الاستحباب المذكور فيما إذا كان الاغتسال بالاعتراف من إناء لا ما إذا كان من الماء الكثير، أو كان الغسل ارتماسيا أو تحت المطر، خلافا للمنقول عن العلامة فأثبته مطلقا، و قد يشهد له ما يظهر من بعض الأخبار(5)من استحباب ذلك للغسل مطلقا، و لعله لا يخلو من قوة، و تقدم في الوضوء ما له نفع في المقام، فلاحظ و تأمل.
و كذا يستحب المضمضة و الاستنشاق بلا خلاف أجده فيهما هنا، بل حكى عليه الإجماع جماعة، و يدل عليه مضافا الى ذلك الأخبار الكثيرة(6)و ما في بعضها(7)مما يعارض ذلك لتضمنها كونهما ليسا من الغسل محمول على انه ليس من واجباته
1) 1 الوسائل- الباب- 26- من أبواب الجنابة- حديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 27- من أبواب الوضوء- حديث 3.
3) 3 الوسائل- الباب- 27- من أبواب الوضوء- حديث 4.
4) 4 الوسائل- الباب- 27- من أبواب الوضوء- حديث 1.
5) 5 الوسائل- الباب- 26- من أبواب الجنابة- حديث 1.
6) 6 الوسائل- الباب- 24- من أبواب الجنابة.
7) 7 الوسائل- الباب- 24- من أبواب الجنابة- حديث 6.
ج3،
كما هو المنقول عن كثير من العامة، و كذا ما في بعضها(1)ليستا من السنة أي مما وجب بالسنة، و في الوسيلة و السرائر و التحرير و الذكرى كما عن غيرها استحباب ذلك ثلاثا ثلاثا، و لم نقف لهم على ما يدل عليه سوى ما ينقل من عبارة
الفقه الرضوي(2)«و قد نروى أن يتمضمض و يستنشق ثلاثا و روي مرة مرة تجزيه و قال: الفضل الثلاث و ان لم يفعل فغسله تام»
الى آخرها. و تقدم في الوضوء ما له نفع في المقام. فلاحظ و تأمل.
ثم ان الظاهر من بعض الأخبار(3)هنا ترتيب المضمضة و الاستنشاق على غسل اليدين و ان كان لا ترتيب بينهما، و مقتضاه عدم حصول الاستحباب ان خالف ذلك، لكنه لا يخلو من إشكال.
و يستحب ان يكون الغسل بصاع إجماعا محصلا و منقولا خلافا للمنقول عن أبي حنيفة فأوجبه، و لذا وجب حمل
قول أبي جعفر (عليه السلام)(4)في صحيح زرارة ان «من انفرد بالغسل وحده فلا بد له من صاع»
على ضرب من التأويل كالحمل على الاستحباب، و اشتراط تحصيل هذه الوظيفة بالصاع أو غير ذلك، لما عرفت من الإجماع، و لما دل من الاجتزاء بحصول مسمى الغسل و لو كالدهن و غيره، و أما ما يقضي به مفهومه حينئذ- من عدم الاستحباب مع الاشتراك كما هو ظاهر
صحيح معاوية بن عمار(5)قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يغتسل بصاع، و إذا كان معه بعض نسائه يغتسل بصاع و مد»
و
صحيح محمد بن مسلم(6)عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله)
1) 1 الوسائل- الباب- 29- من أبواب الوضوء- حديث 6.
2) 2 المستدرك- الباب- 15- من أبواب الجنابة.
3) 3 الوسائل- الباب- 24- من أبواب الجنابة- حديث 1 و 2.
4) 4 الوسائل- الباب- 32- من أبواب الجنابة- حديث 4.
5) 5 الوسائل- الباب- 32- من أبواب الجنابة- حديث 3.
6) 6 الوسائل- الباب- 32- من أبواب الجنابة- حديث 1.
ج3،
يغتسل بخمسة أمداد بينه و بين صاحبته»
و
صحيح زرارة(1)قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «اغتسل رسول الله (صلى الله عليه و آله) هو و زوجته من خمسة أمداد من إناء واحد، فقال زرارة كيف صنع، فقال: بدأ هو فضرب بيده الماء قبلها، فأنقى فرجه- الى ان قال-: و كان الذي اغتسل به رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثلاثة أمداد و الذي اغتسلت به مدين، و انما أجزأ عنهما لأنهما اشتركا فيه جميعا، و من انفرد بالغسل»
الى آخره. و نحوها غيرها- فهو و ان كان معارضا لظاهر كلام الأصحاب بل الإجماع على الظاهر كما في المعتبر و المنتهى و غيرهما لكن يمكن تقييده بغير صورة الاشتراك لمكان هذه الأخبار، و لذا قال في الجامع: انه يستحب الغسل بصاع، و الرجل و المرأة معا يغتسلان بخمسة أمداد، إلا ان ظاهره الاقتصار على الرجل و المرأة، و لعل الأولى خلافه، لعدم ظهور الخصوصية، بل التعليل بالشركة و مفهوم قوله (عليه السلام): (من انفرد) يدلان على خلافه، هذا. و يمكن ان يقال:
انه لا صراحة فيها بعدم الاستحباب عند الاشتراك، و فعل النبي (صلى الله عليه و آله) أعم من ذلك، سيما مع ما ستعرف ان الصاع منتهى غاية الاستحباب في الإسباغ لا انه أول مراتبه. و التعليل في الرواية الأخيرة يراد بها انه مع الاشتراك اجتزيا لأنهما يتحفظان على الماء غير حالة الانفراد، فتأمل جيدا.
و قد يظهر مما سمعت من الأخبار ان الصاع منتهى الغاية في الاستحباب كما استظهر من المقنعة و النهاية و المبسوط و السرائر و الخلاف، بل في الأخير الإجماع، و يقضي مع ذلك به
المرسل عن الفقيه(2)قال (ص): «الوضوء بمد و الغسل بصاع، و سيأتي أقوام من بعدي يستقلون ذلك، أولئك على خلاف سنتي، و الثابت على سنتي معي في حظيرة
ج3،
القدس»
إلا انه في الوسيلة و المهذب و المعتبر و المنتهى و عن غيرها انه يستحب الغسل بالصاع فما زاد، بل في الأخير الإجماع عليه كما في سابقه نفي الخلاف فيه عندنا، و لعل ذلك يكفي في إثبات استحباب مثله، و لا صراحة فيما نسب إليها الخلاف في ذلك كالمقنعة و غيرها، لأن الإسباغ لا يقضي بان الزائد ليس إسباغا، فكان الأقوى حينئذ حصول الاستحباب بالزائد، نعم ينبغي تقييده بما قيده في الذكرى بعدم حصول السرف، و لعل المرسل يحمل على أهل الوسواس، و الظاهر مما تقدم من الأخبار دخول ماء غسل الفرج بالصاع، و ربما يلحق به مستحبات الغسل من المضمضة و الاستنشاق و تثليث غسل الأعضاء، و المراد بالصاع على المشهور بل كاد يكون لا خلاف فيه و ربما حكي الإجماع عليه و هو الأصح أربعة أمداد، و المد رطلان و ربع بالعراقي، و رطل و نصف بالمدني، فهو تسعة بالأول، و ستة بالثاني، و الرطل العراقي على المشهور كما قيل أحد و تسعون مثقالا، و هو نصف المكي ثلثا المدني، و المثقال الشرعي هو الدينار، و هو عبارة عن درهم و ثلاثة أسباع، فيكون كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعية، و هو على ما قيل ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي، و الدرهم ستة دوانيق، و الدانق على المشهور كما قيل وزن ثمان حبات من أوسط حب الشعير، و قد ضبطه الأستاد الأكبر في كشف الغطاء بالعيار العطاري النجفي، فبلغ حقتين و أربعة عشر مثقالا و ربعا، و ذلك لأنك بعد ان عرفت ان الرطل أحد و تسعون مثقالا شرعيا، و هي ثمانية و ستون مثقالا صيرفيا و ربع، لما تقدم ان الشرعي ثلاثة أرباع الصيرفي فينقص حينئذ عن الأوقية العطارية النجفية سبعة مثاقيل إلا ربعا، لأنها خمسة و سبعون مثقالا صيرفيا، فيكون الصاع عبارة عن ستمائة مثقال صيرفي و أربعة عشر مثقالا و ربع و عن حقتين بالعطاري و أربعة عشر مثقالا و ربع، فتأمل.
ثم ليعلم انه قد زاد بعض الأصحاب على ما ذكر المصنف من السنن، فذكر الموالاة
ج3،
بمعنى المتابعة، و الدعاء حال الاغتسال و بعد الفراغ منه، و التسمية عند الغسل، و تكرار الغسل ثلاثا في كل عضو كما في الميت، و تخليل ما يصل اليه الماء بدون التخليل كالشعر الخفيف استظهارا، بل ذكر الأستاد في كشف الغطاء أضعاف ذلك من المستحبات، من أراد فليراجعها، و الأمر سهل، و لعل الظاهر عدم خصوصية فيما ذكرنا من المستحبات لغسل الجنابة إلا ما ظهر من الدليل اختصاصه، كغسل اليدين من حدث الجنابة، لما عرفت سابقا ان ما يرجع الى نفس الغسل و ان كان مورده الجنابة مثلا فالظاهر شموله لجميع أفراد الغسل.
مسائل ثلاث:
الأولى إذا رأى المغتسل عن الجنابة بالإنزال بللا بعد الغسل فان علم انه مني فلا إشكال في وجوب الغسل، بل عليه الإجماع محصلا فضلا عن المنقول، خلافا لبعض العامة، و ان علم انه بول خالص فلا إشكال أيضا كذلك في وجوب الوضوء خاصة، و كذا لو علم انه غيرهما فلا إشكال في عدم وجوب شيء عليه، و أما إذا لم يعلم شيئا من ذلك فان كان المغتسل قد بال ثم استبرأ بعد البول فلا إشكال أيضا في عدم وجوب شيء عليه من الغسل و الوضوء، بل حكى عليه الإجماع جماعة نصا و ظاهرا، و يؤيده التتبع لكلمات الأصحاب، و يرشد اليه- مضافا الى ذلك و الى ما دل على عدم نقض اليقين بالشك- ما تسمع من الصحاح(1)المستفيضة حد الاستفاضة الدالة على سقوط الغسل عن من استبرأ بالبول، و للأخبار(2)المعتبرة الدالة على عدم الالتفات لما يخرج من الذكر بعد الاستبراء بالاجتهاد و ان بلغ الساق، فما في
صحيح ابن عيسى(3)من انه «كتب اليه رجل هل يجب الوضوء عما يخرج
ج3،
من الذكر بعد الاستبراء؟ فكتب نعم»
فهو مع إضماره و كونه مكاتبة محمول على العلم بكونه بولا أو على الاستحباب أو التقية أو غير ذلك، كإطلاق الأخبار(1)الدالة على الأمر بالوضوء من البلل الخارج بعد البول للاستبراء من المني كما ستسمعها، فإنه يجب تنزيلها على عدم حصول الاستبراء من البول بالاجتهاد، كما لعله الظاهر منها جمعا بينها و بين ما دل(2)على عدم المبالاة مع ذلك و ان بلغ الساق من غير فرق بين ان يكون البول للاستبراء من المني و عدمه، و ما يقال: ان بينهما تعارض العموم من وجه يدفعه انه بعد التسليم فالترجيح للأخيرة، للأصل و الإجماع محصلا و منقولا و غيرها.
و مما سمعت تعرف انه يتجه وجوب الوضوء خاصة لو ترك الاستبراء بالاجتهاد بعد البول و هي الصورة الثانية من صور المسألة، أما عدم وجوب إعادة الغسل فللأصل و للإجماع المحصل و المنقول، و ما تسمعه من الصحاح(3)المستفيضة الدالة على سقوط الإعادة مع البول، و أما وجوب الوضوء فهو المعروف بين الأصحاب، بل يظهر من بعضهم دعوى الإجماع عليه كما هو صريح بعضهم، و يظهر من السرائر و عن غيرها نفي الخلاف فيه في باب الاستنجاء، و لعله كذلك، إذ لم أقف على من يظهر منه ذلك أو نقل عنه سوى الشيخ في الاستبصار و التهذيب، و عساه يظهر أيضا من الصدوق أيضا بالأولى لما تسمع من خلافه. و كيف كان فهو ضعيف جدا لا يلتفت اليه، و يدل عليه مضافا الى ما سمعت
صحيح الحلبي(4)قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يغتسل ثم يجد بعد ذلك بللا و قد كان بال قبل ان يغتسل قال: يتوضأ، و ان لم يكن بال قبل ان يغتسل فليعد الغسل»
و نحوه في ذلك صحيح محمد بن مسلم(5)
ج3،
و موثقة سماعة(1)و خبر معاوية بن ميسر(2)كل ذلك مضافا الى ما يفهم من الروايات(3)المستفيضة المذكورة في باب الاستنجاء، و من ذلك كله تعرف انه يجب تنزيل
صحيح ابن أبي يعفور(4)قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل بال ثم توضأ و قام إلى الصلاة فوجد بللا قال: لا يتوضأ انما ذلك من الحبائل»
و نحوه إطلاق الصحيح الآخر(5)على ان ذلك قبل الاستبراء(6)لما عرفت.
و أما إذا استبرأ بالاجتهاد و لم يبل فظاهر المصنف انه لا غسل عليه كالبول، لقوله أو استبرأ لم يعد كظاهر المبسوط و النافع، و قيد ذلك في المقنعة بما إذا تعذر البول كما في المراسم و السرائر و الجامع و التذكرة و الدروس و البيان و الذكرى و جامع المقاصد و غيرها، بل نسبه في الأخيرين إلى الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه، و ربما ظهر من التهذيب كما عن النهاية عدم الإعادة مع تعذر البول مطلقا أي مع الاستبراء و عدمه، خلافا لما يظهر من بعضهم كالشيخ في الخلاف و غيره، لإطلاقهم وجوب إعادة الغسل مع خروج البلل ان لم يبل، بل في الأول الإجماع، و اختاره جماعة من متأخري المتأخرين، و لعله الأقوى في النظر، لإطلاق المعتبرة(7)المستفيضة حد الاستفاضة المتقدم بعضها على وجوب الإعادة على من لم يبل المعتضدة بما سمعته من إجماع الخلاف و بالاعتبار، فإنه من المستبعد كون الاستبراء بالاجتهاد مع إمكان البول لا يصلح لازالة أجزاء المني بخلافه مع التعذر، و بذلك كله ينقطع مستند ما تقدم من الأصل، و كذا ما يقال: انها أي الأقوال المتقدمة قضية الجمع بين هذه الأخبار
1) 1 الوسائل- الباب- 36- من أبواب الجنابة- حديث 8.
2) 2 الوسائل- الباب- 36- من أبواب الجنابة- حديث 9.
3) 3 الوسائل- الباب- 13- من أبواب نواقض الوضوء.
4) 4 الوسائل- الباب- 13- من أبواب نواقض الوضوء- حديث 1.
5) 5 الوسائل- الباب- 13- من أبواب نواقض الوضوء- حديث 10.
6) 6 في نسخة الأصل« قبل الاستبراء» و الصحيح« بعد الاستبراء».
7) 7 الوسائل- الباب- 36- من أبواب الجنابة- حديث 5.
ج3،
و بين ما دل على عدم وجوب إعادة شيء بخروج البلل الشاملة بإطلاقها ما قبل البول، منها
خبر عبد الله بن هلال(1)قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجامع أهله ثم يغتسل قبل ان يبول ثم يخرج منه شيء بعد الغسل، قال: لا شيء عليه ان ذلك مما وضعه الله عنه»
و
خبر زيد الشحام(2)عن الصادق (عليه السلام) قال:
«سألته عن رجل أجنب ثم اغتسل قبل ان يبول ثم رأى شيئا، قال: لا يعيد الغسل ليس ذلك الذي رأى شيئا»
بحمل الأولى على عدم الاستبراء بالاجتهاد، و الثانية عليه كما هو مقتضى القول الأول، و عليه مع قيد التعذر و عدمه كما هو مقتضى القول الثاني، و على التعذر و عدمه كما هو مقتضى الثالث، و ذلك لأنهما- مع الطعن في سنديهما بعبد الله ابن هلال في الأولى، و أبي جميلة في الثانية، و احتياج مثل هذا الجمع الى شاهد لعدم إشارة في اللفظ اليه- غير صريحة في المخالفة، لكون الجماع و الجنابة أعم من الانزال، و الشيء أعم من البلل، و لعلهما محمولان على نفي الوسوسة، كما لعله يشعر به الخبر الثاني.
و ما عساه يقال في تأييد القول الثاني: ان الضعف سندا و دلالة منجبر بالشهرة العظيمة بين الأصحاب التي كادت ان تكون إجماعا يدفعه انه لا يحصل للفقيه بملاحظة ذلك الظن بالمراد بهما، و إذ يكون الأمر كذلك نمنع الاعتماد عليها، و كذا ما يقال في التأييد للقول الأول بروايات الاستبراء من البول، لشمولها تخلل الجنابة بين البول و الاستبراء، فيدخل نحو ذلك تحت مدلولها، و فيها انه لا يلتفت و ان بلغ الساق، و ذلك لأن الظاهر من ملاحظتها الاختصاص أي ان ذلك ينفي احتمال البولية خاصة، و كذا ما يقال من التأييد الثالث بما نقل من
الفقه الرضوي(3)«إذا أردت الغسل من الجنابة فاجتهد ان تبول حتى يخرج فضلة المني من إحليلك، و إن جهدت و لم تقدر فلا
ج3،
شيء عليك»
لعدم ثبوت حجيته، مع احتماله ان المراد نفي الإثم.
ثم انه لا فرق فيما ذكرنا من المختار بين الناسي و غيره، لكون ذلك من باب الأسباب التي لا يفرق فيها بين الناسي و غيره، و لذا لم أجد أحدا من الأصحاب فرق في ذلك سوى ما عساه يظهر من الشيخ في الاستبصار، مع انه ذكره احتمالا في
خبر أحمد بن هلال(1)قال: «سألته عن رجل اغتسل قبل ان يبول، فكتب ان الغسل بعد البول إلا ان يكون ناسيا»
فهو مع إضماره و ضعفه جدا لا دلالة فيه على شيء مما نحن فيه، نعم هو دال على اشتراط صحة الغسل بتقديم البول عليه، و قد عرفت الكلام عليه سابقا، و أما
خبر جميل بن دراج(2)قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الجنابة فينسى أن يبول حتى يغتسل، ثم يرى بعد الغسل شيئا أ يغتسل أيضا؟ قال: لا قد تعصرت و نزل من الحبائل»
فهو- مع ان في السند علي بن السندي و عموم الجنابة فيه للمنزل و غيره، و الشيء للبلل و غيره- لا يصلح لمعارضة غيره من الأدلة، على انه ليس في الجواب إشعار بتقييد ذلك بالنسيان، بل قد يظهر منه خلافه، فيكون حينئذ مخالفا لما ستعرف من الإجماع المحكي و غيره، هذا كله فيما إذا خرج البلل و كان قد استبرأ و لم يبل أو بالعكس.
أما إذا تركهما معا و هو الذي أشار إليه المصنف بقوله و إلا كان عليه الإعادة بلا خلاف أجده إلا من الفقيه فالوضوء خاصة، و ربما مال اليه بعض متأخري المتأخرين كالأردبيلي و الكاشاني، و هو ضعيف، بل عن العلامة الإجماع على بطلانه كما هو الظاهر من الشيخ و غيره، و في السرائر نفي الخلاف فيه، و يدل عليه مضافا الى ذلك ما سمعته من المعتبرة(3)السالفة الدالة منطوقا و مفهوما على وجوب الإعادة لمن لم يبل،
ج3،
و بذلك كله ينقطع الأصل، و يظهر عدم صلاحية مرسل الفقيه للمعارضة، قال في الفقيه بعد رواية الحلبي الدالة على وجوب الإعادة: ما هذا لفظه، و روي في
حديث آخر(1)«ان كان قد رأى بللا و لم يكن بال فليتوضأ و لا يغتسل انما ذلك من الحبائل»
قال مصنف هذا الكتاب: «إعادة الغسل أصل، و الخبر الثاني رخصة» انتهى.
و لا يخفى عليك ما فيه، مع ان قضية التعليل بكونه من الحبائل عدم الوضوء، فتأمل جيدا.
ثم انه هل يحكم بجنابة من هذا حاله بمجرد البول أو انه يوقف على خروج بلل مشتبه؟ ربما يظهر من بعض الأصحاب و كذا الأخبار(2)الأول، معللين ذلك بأنه لا بد من بقية أجزاء المني في المخرج، فبخروج البول تخرج فيجب عليه الغسل، و لعل الأقوى في النظر الثاني، ترجيحا للأصل على الظاهر، و قد يشعر به تصفح كلماتهم سيما فرضهم في أول المسألة الخارج خالصا مما يدل على الانفكاك، و هل يتوقف وجوب الغسل في المقام و غيره من مقامات البلل على خروج بلل اختبر فاشتبه، أو على مجرد خروج البلل، و تظهر الثمرة في الخارج في الظلمة و غيرها؟ لا يبعد الثاني، لتعليق الحكم في الروايات على خروج البلل، و تعليق الحكم في بعض كلمات الأصحاب على البلل المشتبه ان لم تنزل على المختار لا يلتفت اليه بعد معارضة الأدلة، نعم لو شك في الخارج انه بلل أو غيره من ريح أو غيرها فالظاهر عدم الإعادة للأصل من غير معارض، و ما في بعض الأخبار(3)من التعليق على الشيء فهو مع معارضته بغيره لا يلتفت اليه سيما بعد تعليق الأصحاب الحكم على البلل.
ثم ليعلم انا حيث نوجب الإعادة في المقام و غيره من مقامات خروج البلل مرادنا إعادة الغسل خاصة، فلا يعيد ما وقع منه من صلاة و غيرها قبل خروج البلل، و ذلك
ج3،
لأن الحدث عبارة عن الخروج لا التحرك عن محله من غير فرق في ذلك بين الأصغر و الأكبر، و كذلك الكلام لو حبسه حتى صلى مثلا بلا خلاف أجده في ذلك بين أصحابنا، بل قد يظهر من بعضهم الإجماع عليه، و به صرح الحلبي و المصنف و العلامة و الشهيد و المحقق الثاني و غيرهم، نعم نقل في المنتهى قولا عن بعض علمائنا بالإعادة و لم نعرفه، و لعل مستنده ما في
صحيح ابن مسلم(1)المشار اليه سابقا «عن الرجل يخرج من إحليله بعد ما اغتسل شيء، قال: يعيد الغسل و يعيد الصلاة»
و لا دلالة فيها على كون الصلاة قبل الخروج حتى ترك الاستفصال لعدمه في السؤال، فوجب تنزيلها على ما يوافق المختار، فتأمل جيدا.
و هو انه لا إشكال عندهم بحسب الظاهر في كون هذا الغسل الذي أعيد للبلل المشتبه غسل جنابة، و يجري عليه حكم غسل الجنابة من الاجتزاء عن الوضوء و غيره كما انه يجري على المكلف أحكام الجنابة قبل فعله، و عساه الظاهر من الأخبار(2)لأمرها بإعادة الغسل الأول، و لم يتضمن شيء منها أمرا بالوضوء لاحتمال البولية. لكن هل ذلك مخصوص بما كان مشتبها من كل وجه كما هو الغالب، أو انه شامل لكل ما احتمل فيه انه مني و ان قطع بدورانه بينه و بين البول؟ يحتمل الأول، فيبقى غيره على مقتضى القواعد، و هي تقتضي في نحو ما ذكرنا من المقطوع بكونه إما منيا أو بولا إيجاب الغسل و الوضوء، لأن الشغل اليقيني محتاج الى الفراغ اليقيني، لكن يشكل ان مقتضى ذلك الحكم بالدائر بين المني و المذي عدم الالتفات، للأصل و قاعدة اليقين و نحو ذلك. و منه ينقدح قوة القول بان المستفاد من الأدلة كون الأصل في الخارج قبل الاستبراء بعد الجنابة منيا حتى يعلم الخلاف، من غير فرق بين ان يكون مجهولا من كل وجه أو من بعضها، كما انه ينقدح ان الأصل يقضي بكون
ج3،
الخارج بعد الاستبراء بالبول مثلا ان لا يكون منيا حتى يعلم الخلاف من غير فرق كذلك، فيكون الحاصل ان المقطوع بكونه إما منيا أو بولا إما ان يكون خارجا قبل الاستبراء أو بعده، فان كان الأول حكم بالجنابة و اكتفي بالغسل، و ان كان الثاني وجب الوضوء خاصة، و هو لا يخلو من وجه بل من قوة، و منه يعرف ما في كلام الشهيد في التمهيد من إيجاب الغسل و الوضوء مما قطع بكونه إما منيا أو بولا على إطلاقه، نعم يتجه ذلك في المستبرئ من الجنابة بالبول، و من البول بالخرطات، ثم خرج منه ما يقطع بكونه أحدهما، فإنه لا مرجح لأحدهما فيجبان معا، و مما ذكرنا تعرف حال الخارج بعد الاستبراء من البول و قبله.
المسألة الثانية إذا غسل بعض أعضائه لرفع الجنابة ترتيبا أو ارتماسا ان قلنا بإمكان تخلل الحدث فيه ثم أحدث فإن كان بجنابة أيضا أعاد اتفاقا كما في كشف اللثام، و لعله لا ريب فيه أيضا بالنسبة الى كل حدث تخلل في أثناء رافعه، إذ لا إشكال في إيجاب المتخلل مقتضاه، لعموم ما دل عليه، و لا وجه للإتمام و التكرير، لعدم تصور التبعيض في المتجانس على ما هو الظاهر، و بذلك ينقطع استصحاب الصحة فيما غسل، نعم يستثنى من ذلك المستحاضة و غيرها، فإنه لا يقدح حدوث كل قسم في أثناء رافعه لأنه كالمسلوس، بخلاف حدوث الوسطى أو الكبرى في أثناء رافع الصغرى، لتضمن الأكبر الأصغر فيكون كحدوث الأصغر في أثناء رافعه فلا يكتفي حينئذ بالوضوء الأول، و كذا كل أكبر عرض في حدوث رافع الأصغر كالمس في أثناء الوضوء مثلا، و كذا لو حدثت الكبرى في أثناء رافع الوسطى فإن الأقوى نقض الغسل أيضا، إذ ليس هما من قبيل الحدثين المتمايزين ليجري فيهما ما تسمع، و أما إذا كان العارض في أثناء رافع الأكبر غير المرفوع و كان غير حيض كحدوث المس في أثناء غسل الحيض مثلا فلعل الأقوى عدم النقض في غير غسل الجنابة، لما عرفت سابقا انها أحداث متمايزة
ج3،
لا تداخل قهري فيها، فيكون من قبيل المحدث بالحدثين و قصد رفع أحدهما، و أما فيه فالظاهر جريان الوجوه الثلاثة التي ستسمعها في تخلل الأصغر في أثنائه ان قلنا بكفاية غسل الجنابة عن الوضوء مع اجتماعه مع أحدها، و ذلك لجريان ما تسمعه من الوجوه فيه، نعم لو قلنا بعدم الاكتفاء اتجه عدم النقض، أما لو عرضت الجنابة في أثناء رافع غيرها فالظاهر عدم النقض للاستصحاب من غير معارض، و ما وقع من بعضهم من دعوى الإجماع على فساد غسل الجنابة لو تخلل في أثنائه حدث أكبر قد يراد به في المجانس منه دون غيره، لاستبعاد دعوى الإجماع فيه، و أما إذا كان العارض الحيض فالظاهر من كثير من الأصحاب النقض، بل صرح به بعضهم بالنسبة إلى غسل الجنابة، و لعله ل
قوله (عليه السلام)(1): «قد جاءها ما يفسد الصلاة»
و نحوه، إلا انه قد يقال:
لا دلالة فيه عليه، بل الظاهر منه إرادة الإرشاد لمكان عدم الفائدة في الغسل حينئذ، لاشتراك الحائض مع الجنب في كثير من الأحكام ان لم نقل بكلها، و إلا فلا فرق بين جواز الغسل للجنابة مع بقاء حدث الحيض بعد انقطاع الدم و جوازه كذلك قبل الانقطاع، لكنه لا يخلو من تأمل و نظر، لتوقفه على ثبوت الخطاب من الشارع و لو ندبا برفع حدث الجنابة مثلا، و هو مشكل، و لا يدخل تحت ما دل على الكون من طهارة لعدم تيسرها، و لعله بذلك يفرق بين حال انقطاع الدم و عدمه، فتأمل جيدا، و يأتي تمام الكلام فيه في باب الحيض، هذا كله إذا كان المعروض فيه غير غسل الاستحاضة المبيح و أما فيه فقد يقال: انه ينتقض بمجرد عروض المس فيه مثلا، و ذلك لوجوب تقديم غسله عليه و تأخير غسل الاستحاضة عنه، لمكان وجوب المبادرة بعد غسل الاستحاضة إلى الصلاة، فتأمل جيدا.
و أما إذا كان حدثه بالأصغر في أثناء الأكبر فإن كان في غير غسل الجنابة
1) 1 الوسائل- الباب- 22- من أبواب الحيض- حديث 1.
ج3،
فالظاهر عدم النقض، بناء على عدم الاكتفاء بشيء منها عن الوضوء من غير فرق في ذلك بين تقدم الوضوء و تأخره عنها، و تخيل إمكان جريان ما تسمعه من الوجوه الثلاثة في غسل الجنابة لكون الوضوء جزءا رافعا ضعيف جدا كما هو واضح و ان كان غسل جنابة، فقيل يعيد الغسل من رأس كما في الهداية و الفقيه و المبسوط، و اختاره العلامة و الشهيد و غيرهما، بل عن المحقق الثاني في حاشية الألفية نسبته إلى الأكثر، و اختاره جماعة من متأخري المتأخرين استصحابا للحدث و للشغل مع توقيفية العبادة، و لأنه لو تأخر عن تمام الطهارة لأبطل إباحتها الصلاة، فللبعض بطريق أولى، و لضعف القول بالإتمام مع الاجتزاء لما فيه من منافاة ما دل على إيجاب
الأصغر الطهارة، و القول بالإتمام ثم الوضوء لمنافاته لما دل على ان غسل الجنابة يجزي عن الوضوء، لظهور انه متى تحقق غسل الجنابة أجزأ عن الوضوء، فتعين الثالث، لعدم القول بالفصل، و لاستبعاد الاجتزاء بالغسل مع وقوع الأحداث الكثيرة في أثنائه و لو ببقاء جزء يسير من البدن، و لما روي عن
الفقه الرضوي(1)«فإن أحدثت حدثا من بول أو غائط أو ريح بعد ما غسلت رأسك من قبل ان تغسل جسدك فأعد الغسل من أوله»
و هو عين عبارة الصدوق في الهداية كما نقله في الفقيه عن رسالة والده، فتكون هي مع ما نقل من فتوى الشيخ في النهاية مؤيدة له لأنهما على ما قيل متون أخبار حتى كانوا إذا أعوزتهم النصوص رجعوا إليهما و أمثالهما، مضافا الى ما في الذكرى و المدارك، ففي الأول قيل انه مروي عن الصادق (عليه السلام) في كتاب عرض المجالس للصدوق، و في الثاني أنه
روى الصدوق في كتاب عرض المجالس(2)عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا بأس بتبعيض الغسل، تغسل يدك و فرجك و رأسك، و تأخر غسل جسدك الى وقت الصلاة،
ج3،
ثم تغسل جسدك إذا أردت ذلك، فإن أحدثت حدثا»
الى آخر ما تقدم عن الفقه الرضوي، و في الوسائل انه رواه الشهيدان و غيرهما من الأصحاب.
و قيل: يقتصر على إتمام الغسل كما هو خيرة ابن إدريس، و وافقه المحقق الثاني و غيره من متأخري المتأخرين، و ربما مال إليه في الذخيرة، و هو المنقول عن ابن البراج استصحابا لصحة الغسل و عدم قابلية تأثير الحدث، و للإجماع على ان ناقض الصغرى لا يوجب الكبرى، و لقوله تعالى(1)(وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً) الى آخره.
و لإطلاق ما دل على الغسل ك
قوله (عليه السلام)(2): «كل شيء أمسسته الماء فقد أنقيته»
و نحوه، بل كاد ما دل على جواز تفريق الغسل كخبر أم إسماعيل(3)و الخبر الوارد عن أمير المؤمنين (عليه السلام)(4)في جواز التفريق و لو الى الظهر أو بعده يكون كالصريح في عدم البأس بالحدث، لاستبعاد عدم التخلل في مثل ذلك، فلاحظ.
و حيث ثبت ان مثل ذا داخل تحت مسمى الغسل لم يكن للوضوء عقبه وجه، لما علم من السنة و غيرها انه مجز عن ذلك(5)و انه بنفسه طهارة، بل في بعضها(6)ان الوضوء معه بدعة.
و قيل: يتمه و يتوضأ للصلاة و هو الأشبه كما هو خيرته في المعتبر و النافع، و وافقه عليه الشهيد الثاني في المسالك و الروضة، و سبطه في المدارك، و الفاضل الهندي و المقدس الأردبيلي و الكاشاني في مفاتيحه، و البهائي و والده على ما نقل هو عنه، و اختاره العلامة الطباطبائي في منظومته، و قواه في كشف الرموز، و هو المنقول
ج3،
عن علم الهدى، و لعله الأقوى جمعا بين ما دل على صحة مثل هذا الغسل من الاستصحاب و الإطلاقات و غيرها و بين ما دل على إيجاب الأصغر الوضوء، و لم يثبت أخذ الاجزاء في طبيعة الصحيح منه، كما لم يثبت إجزاؤه حتى عن المتخلل في أثنائه، و ملاحظة الأخبار لا
يستفاد منها ذلك، و لا هي مسافة في بيان ما هنالك، على انه ليس من الأفراد المتعارفة حتى يكون مشمولا لإطلاقها، كما ان ما نقل من رواية المجالس- مع عدم ثبوتها كما نقل عن جماعة من المتأخرين عدم العثور عليها في هذا الكتاب، و يشعر به نسبة الشهيد له الى القيل- فاقدة لشرائط الحجية، و لا شهرة محققة حتى تجبرها، مع ظهور عدم كونها منشئا لفتوى كثير منهم، و لذا لم تقع الإشارة إليها قبل الشهيد، مع مخالفتها الاحتياط في نفي الوضوء، فتكون كالقولين الأخيرين من نفي الإعادة، فلا يقين فراغ بواحد من الأقوال، و به يظهر فساد دعوى حصول الفراغ اليقيني بالأول، اللهم إلا ان يقال: انه بنية الابطال للغسل يبطل، فيكون غسلا جديدا مستأنفا فيجزي و هو لا يخلو من إشكال و تأمل، لأن أقصى ما في نية القطع انما هو فوات الاستدامة و هي ليست شرطا في صحة ما سبق فلا يقدح، نعم هي شرط في صحة اللاحق خاصة، على ان الاستصحاب و حصول الامتثال للتكليف بغسل الجزء مثلا يقضي بذلك أيضا.
ثم انه بناء على عدم الإفساد فهل يصح له غسل إذا أعاد و لو بالتلفيق في الأجزاء من الفعل الأول و الثاني، أو يلتزم بالإعادة على النية الأولى حتى يصدق انه جاء بالعمل بنية واحدة؟ وجهان، أقواهما الاجتزاء، إذ لا دليل على شرطية ما زاد على تعقب غسل الأجزاء اللاحقة بنية في صحة السابقة، فتأمل جيدا فإنه دقيق، و لعلك في التأمل في جميع ما ذكرنا تستغني عن التعرض لفساد جميع ما ذكرنا من المرجحات للقولين السابقين.
نعم بقي شيء لم نذكره سابقا و هو انه لا إشكال في رافعية غسل الجنابة لما تقدمه
ج3،
من الأحداث الصغر و لما تضمنه حدث الجنابة من ذلك، فحينئذ يتوجه ان يقال:
انه حيث يتخلل في أثنائه فهل يبقى على الحال الأول أو لا؟ فان كان الأول اتجه كلام ابن إدريس، إذ لا يتصور التبعيض في رفع الأصغر، و ان كان الثاني خالفت ما سلمته أولا، و لعل التحقيق في الجواب عنه اختيار الثاني و عدم تسليم ذلك على إطلاقه، لا يقال: انه بعد تسليم رافعية الغسل للأصغر فتخلل الحدث في أثنائه ينقضه لكونه من قبيل تخلل الحدث في أثناء رافعه، لأنا نقول: أما أولا فبمنع الرافعية، بل هو من باب الاسقاط، و أما ثانيا فبعد التسليم نخص البطلان في رافعية الأصغر، و دعوى تلازمهما ممنوعة، فتأمل جيدا.
بقي الكلام في مقارنة الحدث لحصول الغسل تماما كما يتصور في الارتماس بالدفعة الحكمية، أو الجزء الأخير كما يتصور في الترتيبي عند غسل آخر أجزائه، و لعله لا إشكال فيه بناء على المختار من الصحة مع إيجاب الوضوء، نعم قد يكون فيه تأمل و نظر بالنسبة للقولين الأخيرين، و لعل الأحوط إعادة الغسل ثم الحدث بعده و الوضوء، و أحوط منه إيجاد مفسد قهري لما تقدم من الغسل بجنابة جديدة أو غيرها، و ذلك لما في الاجتزاء بالإعادة من دون ما ذكرنا من الاشكال بعدم تأثير نية القطع في إفساد ما تقدم، مع عدم قابلية إتمامه بالمتجدد، لكون نيته غير النية الأولى، لا يقال: انه يتم الاحتياط بإتمام الغسل الأول ثم استقباله من رأس ثم الوضوء، لأنا نقول: ان فيه احتمال عدم الاجتزاء من جهة عدم وجود الجزم بالنية، كما تخيله بعض متأخري المتأخرين و ان كان في غاية الضعف، فتأمل جيدا.
الثالثة لا يجوز ان يغسله غيره مع الإمكان على ما قدمناه في الوضوء، إذ لا فرق على الظاهر بينهما كما يستفاد مما تقدم، و نحوه انه يكره ان يستعين فيه فلاحظ و تأمل.
ج3،
الفصل الثاني من الفصول الخمس:
في الحيض و هو يشتمل على بيانه و ما يتعلق به، أما الأول
فالحيض لغة على ما صرح به كثير من الأصحاب هو السيل من قولهم حاض الوادي إذا سال، و ربما اعتبر فيه السيل بقوة، و في القاموس حاضت المرأة تحيض حيضا و محيضا و محاضا سال دمها، كما هو الظاهر من الجوهري أيضا، و في المغرب و مجمع البحرين إذا سال دمها في أوقات معلومة، و إذا سال في غير أيام معلومة من غير عرق المحيض، قلت: استحيضت فهي مستحاضة، و كيف كان فالذي يظهر بعد إمعان النظر و التأمل في كلمات أهل اللغة و غيرها أن الحيض اسم لدم مخصوص مخلوق في النساء لحكم أشارت إلى بعضها الأخبار(1)منها تغذية الولد و غيره يعتاد النساء في أوقات مخصوصة، فهو حينئذ كلفظ المني و البول و الغائط من موضوعات الأحكام الشرعية التي يرجع فيها الى غيره، و كان معروفا بهذا الاسم في السابق قبل زمان الشرع على ما قيل، و يشير اليه قوله تعالى(2)(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) و بغيره كالطمث و القرء و غيرهما، و كان لخروجه أحكام أيضا مترتبة عليه عند بعض الأمم السابقة حتى ان منهم من كان يهاجر الحائض مهاجرة تامة، نعم قد يحصل الاشتباه في بعض أفراده، فميزه الشارع بأشياء تعرفها ان شاء الله تعالى، و ليس له نقل شرعي إلى معنى جديد، و احتماله كاحتمال ان الحيض في اللغة اسم من أسماء المعاني هو السيل، أو سيل دم مخصوص، و هو الذي رتب الشارع على خروجه الأحكام ضعيفان، و ان كان الثاني أقوى من الأول، و ما في بعض العبارات مما
ج3،
يوهم الأول لا بد من تأويله كما يشهد به ملاحظة ما ذكروه له من التعاريف، أو الاعراض عنه (منها) ما ذكره المصنف من انه هو الدم الذي له تعلق بانقضاء العدة، و لقليله حد و ان كان ليس بجار على قياس التعاريف التي تذكر لكشف المعرف بقرينة ذكر الأحكام الموقوفة على معرفة كونه حيضا فيه، و لكن لفظ الدم فيه بمنزلة الجنس، لشموله لسائر الدماء الخارجة من الفرج، و ما بعده بمنزلة الفصل، لخروج ما عدا النفاس به، فإنه لا تعلق لشيء منها لا لظهوره و لا
لانقطاعه بالعدة، و بالأخير يخرج النفاس، فان له تعلقا بانقضاء العدة في الحامل من زنا لاحتسابه بحيضة إلا انه ليس لقليله حد، و منه يعرف ما في تعريف التذكرة و أحد تعريفي المبسوط و المنتهى حيث اقتصرا على ما عداه، و كان ما ترك أولى في الاقتصار عليه لسلامته طردا و عكسا. و (منها) ما في الوسيلة من انه الدم الأسود الغليظ الخارج عن المرأة بحرارة و حرقة على وجه له دفع، و فيه انه قد لا يكون كذلك، اللهم إلا ان يريد الغالب كما في السرائر. و (منها) ما في الكافي من انه الدم الحادث في أزمان عادية، أو الأحمر الغليظ في زمان الالتباس، و ما في المهذب من انه دم أسود حار يخرج من المرأة بحرارة على وجه يتعلق بظهوره أو انقطاعه على الخلاف في ذلك انقضاء عدة المطلقات، و ما في المراسم من انه دم غليظ يضرب الى السواد بحرقة و حرارة، و ما في التحرير من انه الدم الأسود الغليظ الذي يخرج بحرقة و حرارة غالبا، و لقليله حد يقذفه الرحم مع بلوغ المرأة، ثم يصير لها عادة في أوقات متداولة بحسب مزاجها لحكمة تربيته الولد، فإذا حملت صرفه الله تعالى إلى غذائه، فإذا وضعت أزال الله عنه صورة الدم، و كساه صورة اللبن ليغتذي به الطفل مدة رضاعه، فإذا خلت من الحمل و الرضاع بقي الدم لا مصرف له فيستقر في مكان، ثم يخرج غالبا في كل شهر ستة أيام أو سبعة أو أقل بحسب قرب مزاجها من الحرارة و بعده، الى غير ذلك مما يظهر ان مرادهم به كشف المعنى بعبارة
ج3،
أوضح، و الإشارة إلى الدم المخصوص المعروف عند سائر النساء، و ليس المقصود التعريف الحقيقي الكاشف عن الحقيقة، فلا حاجة الى التطويل بالتعرض لانتقاضها طردا و عكسا و عدمه، فتأمل جيدا.
و إذ قد عرفت ان دم الحيض دم معروف فيما بين النساء إلا انه قد يقع الاشتباه في بعض أفراده فاحتيج الى التمييز ببعض صفاته الغالبة، لحصول المظنة به عندها، و اكتفى الشارع بها كما في غير ذلك من المقامات، و من هنا قال المصنف انه في الأغلب يكون أسودا غليظا حارا يخرج بحرقة كما صرح به جماعة، بل لا أجد فيه خلافا، بل قد عرفت ان منهم من أخذه في تعريف الحيض، و يدل عليه أيضا
الصحيح أو الحسن عن حفص البختري(1)قال: «دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم، فلا تدري أ حيض هو أو غيره؟ قال: فقال لها:
ان دم الحيض حار عبيط أسود له دفع و حرارة، و دم الاستحاضة أصفر بارد، فإذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة، قال: فخرجت و هي تقول: و الله لو كان امرأة ما زاد على هذا»
و
صحيح معاوية(2)عن الصادق (عليه السلام) «ان دم الاستحاضة و الحيض ليس يخرجان من مكان واحد، ان دم الاستحاضة بارد، و ان دم الحيض حار»
و
موثق إسحاق بن جرير(3)قال: «سألتني امرأة منا ان أدخلها على أبي عبد الله (عليه السلام)، فاستأذنت لها فأذن لها، فدخلت- الى أن قال-:
فقالت له: ما تقول في المرأة تحيض فتجوز أيام حيضها؟ فقال: ان كان أيام حيضها
ج3،
دون عشرة أيام استظهرت بيوم واحد ثم هي مستحاضة، قالت: فان الدم يستمر بها الشهر و الشهرين و الثلاثة كيف تصنع بالصلاة؟ قال: تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين، قالت له: ان أيام حيضها تختلف عليها، و كان يتقدم الحيض اليوم و اليومين و الثلاثة و يتأخر مثل ذلك، فما علمها به، قال: دم الحيض ليس به خفاء، هو دم حار له حرقة، و دم الاستحاضة دم فاسد بارد، قال: فالتفتت الى مولاتها فقالت:
أ تراه كان امرأة» و في الوسائل «و رواه في السرائر من كتاب محمد بن علي بن محبوب إلا انه قال أ ترينه كان امرأة»
انتهى. و
خبر يونس بن عبد الرحمن(1)عن غير واحد سألوا أبا عبد الله (عليه السلام)، و الحديث طويل، و فيه «ان الحيض أسود يعرف»
و
في آخر(2)«إذا رأيت الدم البحراني فدعي الصلاة، ثم قال: و انما سماه أبي بحرانيا لكثرته و لونه»
و في السرائر كما عن المعتبر و التذكرة انه الشديد الحمرة و السواد، و في كشف اللثام «ان البحراني كما في كتب اللغة الخالص الحمرة شديدها منسوب الى بحر الرحم أي قعره» انتهى. و منه- مع ما في بعض الأخبار المرسلة ك
قوله (عليه السلام)(3)في الحبلى: «ان كان دما أحمر كثيرا فلا تصل، و ان كان أصفر فليس عليها إلا الوضوء»
و
قوله (عليه السلام) في آخر(4): «إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة»
الخبر- يظهر أغلبية كونه أحمر أيضا، فكان على المصنف ان يقول: أسود أو أحمر كما في النافع، و لعل مراد المصنف بالأسود ما يشمل الأحمر كما قد يدعى ظهور ذلك من الأخبار المتقدمة، و يشعر به مقابلته بالأصفر، لكنه بعيد، و لعل
ج3،
الظاهر ان الغالب فيه ان يكون أحمر شديد الحمرة جدا بحيث يميل الى السواد، فصح وصفه بهما.
و كيف كان فقد قال في المدارك تبعا لجده في الروض: انه يستفاد من هذه الروايات ان هذه الأوصاف خاصة مركبة، فمتى وجدت حكم بكون الدم حيضا، و متى انتفت انتفى إلا بدليل من خارج، و إثبات هذا الأصل ينفع في مسائل متعددة من هذا الباب، و تبعهما على ذلك بعض من تأخر عنهما كصاحبي الذخيرة و الحدائق، و اعترضه في الرياض تبعا لشرح المفاتيح بما حاصله انه لا دلالة في هذه الأخبار على ذلك، بل المستفاد الرجوع إليها عند الاشتباه بينه و بين الاستحاضة خاصة، و من هنا تراهم عند الاشتباه بينه و بين العذرة أو القرحة مثلا لم يذكروا شيئا من ذلك، على انك قد عرفت ان منشأ هذه الأوصاف انما هو مجرد الغلبة، و إلا فقد تتخلف، فكيف تكون خاصة، و ستعرف ان الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض، و من هنا قيد بالأغلب، كما انك قد عرفت ان دم الحيض من الموضوعات التي لا مدخلية للشرع فيها، و انه دم معروف كالمني و البول و غيرهما، فلو قطع بكون مسلوب الصفات حيضا ما كان لنفيه معنى و الحكم له بغيره.
قلت: هو متجه، لكنه لا ريب في كون المستفاد منها تمييزه عن الاستحاضة بذلك و ان كانت أغلبية، و هو مناف لما ستعرفه من الأصحاب من ان كل ما أمكن كونه حيضا فهو حيض، و تظهر الثمرة بينهما في عدة مقامات، منها ما لو رأت المبتدأة دما ليس في صفات الحيض، فإنه بناء على الاعتداد بها لا يحكم بحيضيته ابتداء بخلافه على الثانية، و كذا لو رأت ذات العادة الوقتية دما كذلك قبل العادة، و لعل الأقوى في النظر البناء عليها بالنسبة الى هذه المقامات و ما أشبهها، و قد يكون ذلك مرادهم و ان قصرت عبارتهم عنه، و تعرف فيما يأتي إن شاء الله زيادة تحقيق له، و أما دعوى اختصاص
ج3،
التمييز بهذه الصفات في صورة استمرار الدم خاصة فهو في غاية البعد مناف للظاهر المتبادر منها، و ما في أسؤلة بعضها لا يصلح للحكم على ما في أجوبتها كما هو مقرر في محله.
ثم انه حينئذ هل يشترط اجتماع ما سمعته من الصفات أو يكفي وجود الواحدة منها ان قلنا بانفكاكها؟ لا يبعد اعتبار المظنة، فيدور الحكم مدارها وجودا و عدما، و هو مختلف بالنظر الى الصفات لا ضابطة له، فتأمل جيدا.
و على كل حال فالصفات المذكورة انما هي للتمييز بينه و بين الاستحاضة، أما غيرها فإنه قد يشتبه بدم العذرة أي البكارة كما لو افتضت البكارة فسال الدم ثم طرأ الاشتباه إما لكثرته أو استمراره أو نحوهما ان ذلك لحدوث دم الحيض و انقطاع دم العذرة، أو انهما اختلطا، أو انه دم عذرة فقط، و كذا فيما إذا وقع الشك ابتداء، و احتمال التمسك في الأول بالاستصحاب و سقوط وجوب الاختبار ضعيف بعد ظهور الرواية فيه، فيعتبر ب إدخال القطنة و نحوها فان خرجت مطوقة فهو العذرة و ان خرجت منغمسة فهو الحيض كما في المبسوط و المهذب و الوسيلة و السرائر و الجامع و المنتهى و الذكرى و غيرها، بل لا أجد فيه خلافا في الأول، بل لعله متفق عليه كالثاني، سوى ما يظهر من المصنف هنا و النافع و المعتبر كظاهر القواعد من عدم الحكم بالحيض إذا خرجت مستنقعة لاحتمال غيره، و هو ضعيف جدا لما تسمعه من الأخبار(1)المعتبرة المعمول بها بين الطائفة، على ان مفروض المسألة فيما كان الاشتباه في العذرة خاصة، فحيث تنتفي، يتعين الثاني، و لو سلم فرض المسألة فيما هو أعم فلا يتجه بناء على ما عندهم من ان كل ما أمكن كونه حيضا فهو حيض، سيما و قد نقل عن المصنف دعوى الإجماع عليها، اللهم إلا ان يكون المراد من هذه القاعدة غير ما هو المتبادر منها كما ستعرف إن شاء الله.
1) 1 الوسائل- الباب- 2- من أبواب الحيض.
ج3،
و كيف كان ففرض المسألة ان الاشتباه في خصوص دم العذرة، و هو مما لا ينبغي الإشكال فيه، ل
صحيح خلف بن حماد(1)عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) فإنه بعد ان سأله عن ذلك و ذكر له اختلاف القوابل فيه قال: «فالتفت يمينا و شمالا في الفسطاط مخافة ان يسمع كلامه أحد، ثم نهد إلى، فقال: يا خلف سر الله فلا تذيعوه، و لا تعلموا هذا الخلق أصول دين الله، بل ارضوا لهم ما رضي الله لهم من ضلال، قال: ثم عقد بيده اليسرى تسعين، ثم قال: تستدخل القطنة ثم تدعها مليا ثم تخرجها إخراجا رفيقا، فان كان الدم مطوقا في القطنة فهو من العذرة، و ان كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض»
الحديث. و مثله في ذلك صحيح زياد بن سوقة(2)و ما نقل عن الفقه الرضوي(3)و قضية الحكم بكونه دم العذرة مع التطويق و ان كان بصفات الحيض كالعكس مع الانغماس و ان لم يكن بالصفات بعد فرض انحصار الاشتباه، فما عساه يظهر من الأردبيلي من الخلاف في ذلك و ان العمدة الصفات لا ينبغي ان يصغى اليه.
هذا كله فيما افتضت البكارة ثم بقي الدم سائلا فلم يعلم على حسب ما ذكرنا، أما لو كانت حائضا سابقا ثم افتضت البكارة و بقي الدم سائلا ثم شك فقد يظهر من بعض مشايخنا الحكم بأصالة الحيض و استصحابه و لا يرجع للاختبار المذكور، و فيه منع ظاهر، لظهور الأدلة في اعتبار هذا الوصف في نفسه بامتياز الحيض عن العذرة، و منه يظهر قوة اعتباره أيضا حتى فيما لو شكت في أصل افتضاض البكارة، و ان كان الأقوى عدم الوجوب لكون المعلوم من النص و الفتوى وجوب ذلك في صورة العلم بالافتضاض.
ثم اعلم انه قد ذكر الشهيد الثاني في كيفية إدخال القطنة انها تستلقي على ظهرها و ترفع رجليها ثم تستدخل القطنة و تصبر هنيئة، و ليس فيما عثرنا عليه من الروايات
ج3،
التعرض لغير الاستدخال و الصبر كما اعترف بذلك جماعة أيضا، و لعله (رحمه الله) لم يرد بذلك على سبيل الوجوب، أو ان منشأه ما تسمعه من الأخبار في المسألة الثانية فتأمل جيدا، و ليعلم ان ظاهر الأصحاب و الأخبار وجوب الاختبار المذكور، فلو فعلت بدونه لم يكن عملها صحيحا إلا ان يقع على وجه معذورة فيه، أما إذا لم تتمكن من الاختبار المذكور لكثرة الدم أو غيره فيحتمل البناء على الحيضية لأصالتها عندهم و عدمها، و الأقوى الفرق بين الصور بسبق الحيض أو العذرة، و حيث لا سبق فالظاهر وجوب العمل عليها ثم الاختبار بعد ذلك، فتأمل جيدا.
و كل ما تراه الصبية من الدم و ان كان في صفات الحيض قبل بلوغها تسعا من حين الولادة فليس بحيض للأصل و الإجماع بقسميه و الأخبار، منها
موثقة عبد الرحمن بن الحجاج(1)عن الصادق (عليه السلام) قال: «ثلاث يتزوجن على كل حال- الى ان قال-: و التي لم تحض و مثلها لا تحيض، قلت: و متى يكون كذلك؟ قال: ما لم تبلغ تسع سنين، فإنها لا تحيض و مثلها لا تحيض»
و نحوها صحيحة عبد الرحمن(2)و غيرها(3)و
في بعضها(4)«إذا كمل لها تسع سنين أمكن حيضها»
و الظاهر ان المراد بما قبل التسع تحقيقا لا تقريبا كما صرح به بعضهم لأصالة الحقيقة، كما ان الظاهر ان المراد بالسنة حصول الدور الى ذلك الوقت من اليوم التي ولدت فيه من الشهر المعين، كأن ولدت مثلا عند الظهر من اليوم الخامس من رجب، فإذا دار الدور الى خصوص ذلك الوقت من ذلك اليوم فتلك سنة، و هكذا، و لا يقدح في ذلك التلفيق كما لا يقدح نقيصة الأشهر و زيادتها، و المحكم في ذلك العرف، فتكون
ج3،
حينئذ كلها هلالية، لأن ذلك هو الأصل في الشهر و السنة، لقوله تعالى(1)(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) و غيره، و أما احتمال جعل هذا المنكسر شهرا عدديا دون باقي الأشهر كاحتمال جعل السنة كلها عددية بسبب ذلك فضعيفان، و مثله في ذلك احتمال عدم جريان التلفيق في اليوم، فلا يحتسب أو يحتسب أو يفرق بين القليل و الكثير في الاحتساب أو التلفيق، و التحقيق ما ذكرناه، نعم قد يقال في المقام و نحوه ان المراد الحكم بعدم بلوغها حتى تتحقق صدق تسع سنين حقيقة، و حينئذ يكون المنكسر كله خارجا عن التسع، فلا يحكم بالبلوغ إلا بالتسع بعد المنكسر، نحو ما يقال في ثلاثة الخيار و عشرة الإقامة بل و ثلاثة الحيض و عشرته و عشرة الطهر و أجل المتوفى عنها زوجها، بل يكون ذلك ضابطا في نحو ذلك في الخطابات الشرعية، إلا اني لم أجده لأحد من الأصحاب، فتأمل. هذا كله في مظبوطة تاريخ الولادة، أما مجهولة ذلك فلعل الظاهر كما عن جماعة من الأصحاب الحكم بحيضتها مع خروج الدم في الصفات، أو مطلقا بناء على قاعدة الإمكان، و به يظهر ثمرة جعلهم الحيض من علامات البلوغ، و ينقطع أصالة عدم البلوغ تسعا، فلا منافاة حينئذ و لا دور، و بشهادة أغلب النساء، فإنه يعرفنه كما يعرفن البول و الغائط و ان لم يعرفن مبدأ الولادة، و إلا لو اشترط في الحكم بالحيضية العلم بإكمال التسع لم يكن لذلك وجه و ثمرة للاكتفاء بالتسع حينئذ، و ما يقال: انه يحكم بالحيضية بالخروج بعد التسع و ان قلنا ان البلوغ العددي عشر سنين فيه انه لا يلتئم على ما هو المعروف من انه بلوغ تسع، مع ما فيه من الاشكال من الحكم بالحيضية قبل البلوغ مع التصريح من بعضهم انه شرط في الحيض، هذا. و ربما ظهر من بعضهم ان حاصل البحث ان الأدلة دلت على ان الخارج قبل التسع ليس بحيض، فيكفي في إثبات ذلك قاعدة الإمكان أو جامعية صفات الحيض، و فيه
1) 1 سورة البقرة- الآية 185.
ج3،
ما لا يخفى، بل التحقيق انه لا يحكم بالحيضية مع الجهل لقاعدة الإمكان و نحوها، لعدم ظهور ما تسمعه من أدلتها في نحو ذلك، و كيف لا مع جعل بعض الأصحاب البلوغ أحد شرائط التمسك بها مضافا الى ما سمعته من الخبر في اشتراط الإمكان بالإكمال، فالأولى حينئذ ان يقال: ان جعلهم الحيض من علامات البلوغ لا ينافي ما ذكروه هنا من عدمه فيما تراه الصبية، إذ هو مبني على العلم بالحيضية، و دعوى توقفه على العلم بإحراز التسع ممنوعة و ان كانت هي لازمة لتحققه لا العلم به، فيتوقف على العلم بحصولها كما هو واضح.
و كذا أي و كالدم الخارج قبل التسع في عدم الحيضية قيل و هو المشهور نقلا و تحصيلا فيما يخرج من الجانب الأيمن عند اشتباهه بدم القرحة بعد العلم بأصل وجودها و الجهل بمكانها، كما هو الظاهر لما تسمعه من الخبر فإنه يختبر بأن تستلقي على قفاها، ثم تستدخل إصبعها فإن كان من الأيمن فهو ليس بحيض، و ان كان من الأيسر فهو حيض، كما هو خيرة الفقيه و المقنع و
المبسوط و النهاية و المهذب و السرائر و الوسيلة و الجامع و القواعد و الإرشاد و جامع المقاصد و غيرها، عملا بما رواه
الشيخ في التهذيب عن محمد بن يحيى رفعه عن أبان(1)قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
فتاة منا بها قرحة في جوفها و الدم سائل لا تدري من دم الحيض أم من دم القرحة، فقال: مرها تستلق على ظهرها و تستدخل إصبعها الوسطى، فان خرج الدم من الجانب الأيمن فهو ليس من الحيض، و ان خرج من الأيسر فهو من الحيض»
و يؤيده بعد انجبار سنده و غيرها بالشهرة المحصلة و المنقولة، بل نسبه في جامع المقاصد إلى الأصحاب، و بفتوى مثل الصدوق ناقلا له عن رسالة والده اليه، و فتوى الشيخ في النهاية التي قيل انها متون أخبار كرسالة علي بن بابويه، فإنه على ما قيل انهم كانوا إذا أعوزتهم
1) 1 الوسائل- الباب- 16- من أبواب الحيض- حديث 2.
ج3،
النصوص رجعوا إليها و أمثالها، و المنقول عن الفقه الرضوي(1)فإنه كالخبر المتقدم في ذلك، قيل و بما
روي(2)«ان الحائض إذا أرادت أن تستبرئ ألصقت بطنها الى جدار و رفعت رجلها اليسرى»
فإنه يشعر بان الحيض في الأيسر، و فيه ان الموجود في مرسلة يونس(3)في كيفيته انها ترفع رجلها اليمنى، و من هنا كان المتجه تخيرها في ذلك كما يأتي في محله، و بما ينقل من شهادة النسوة بذلك، و بذلك كله يظهر ان الرواية المتقدمة أضبط مما
في الكافي(4)«ان كان من الأيمن فهو من الحيض، و ان كان من الأيسر فليس بحيض»
كما عن ابن الجنيد الفتوى به.
و ربما توقف بذلك جماعة كظاهر المصنف، بل قد يظهر من بعضهم الميل اليه مرجحا له بقدم الكليني و حسن ضبطه على ما يشاهد من كتابه الذي لم يوجد مثله، عكس الشيخ فإنه قد عثر له على كثير من الخلل، كل ذا مع نقل الشهيد في الذكرى ان كثيرا من نسخ التهذيب موافقة لرواية الكليني، بل فيها ان ابن طاوس نسب كون الحيض من الأيسر الى بعض نسخ التهذيب الجديدة، و قطع بأنه تدليس، و من هنا قال المصنف في المعتبر: ان الرواية مقطوعة مضطربة لا أعمل بها، و يؤيده الاعتبار فإن القرحة تكون في كل من الجانبين، و يدفع ذلك كله انه لو سلم أضبطية الكليني إلا ان الظاهر ان الشيخ في خصوص المقام أضبط لما عرفت، و به يندفع الاضطراب، إذ لا وجه له مع وجود المرجح بل المرجحات، و ما نقله الشهيد عن كثير من نسخ التهذيب
كالظاهر من ابن طاوس من نسبته إلى القديمة لم نتحققه، و ينافيه فتوى الشيخ في المبسوط و النهاية بما سمعت، و عدم ذكر أحد من المحشين على التهذيب لها على ما نقل،
ج3،
مع ان ديدنهم التعرض لمثل ذلك و ان كانت نادرة، و من هنا نقل عن بعض المحققين انه قال: اتفقت نسخ التهذيب على المشهور، و لعل خلقة النساء إذا استلقين على القفا يميل الرحم على وجه لا يخرج دم القرحة إلا من الأيمن، كما لا يخرج الحيض إلا من الأيسر، و الله هو العالم بذلك، بل المحكي عن كثير من النساء العارفات ان الحيض مخرجه من ذلك، و بذلك كله يندفع ما سمعت من الاعتبار، و ما عساه يحتمل من الرجوع الى الصفات أو قاعدة الإمكان ضرورة كون الخارج من الأيمن حينئذ كالدم قبل التسع لا يمكن ان يكون حيضا و ان جمع الصفات، و لكن مع ذلك طريق الاحتياط غير خفي.
ثم انه بناء على اعتبار الجانب فهل يعتبر ذلك في الحيض مطلقا أو في خصوص الاشتباه بالقرحة؟ و تظهر الثمرة على المختار في الخارج من الأيمن حال عدم وجودها، فإنه لا يحكم بالحيضية على الأول بخلاف الثاني، و لعل الأولى كما هو الظاهر من المصنف و صريح غيره الأول أخذا بظاهر الرواية المتقدمة، و احتمال اختصاصها بذات القرحة بعيد، و كون السؤال فيها عن ذلك لا يقضي بالاختصاص، لمكان ظهورها في كون ذلك من لوازم الحيض في نفسه، و بما سمعت ينقطع الرجوع الى الصفات أو قاعدة الإمكان كما عرفت، و ما يقال:- لعل هذه الصفة كغيرها من الصفات منشأها الغلبة بل هي أولى منها، لوضوح ما تقدم سابقا من أدلتها دونها، و مع ذلك لا يقدح تخلفها في الحكم بالحيضية لقاعدة الإمكان- يدفعه- بعد تسليم تحكيم قاعدة الإمكان في مسلوب الصفات في غير ما دل الدليل عليه- انه ثبت تخلفها لما ورد من الحكم بكون الصفرة و الكدرة حيضا في أيام الحيض، بخلاف ما نحن فيه، نعم الظاهر انه لا يجعل ذلك مميزا لغير دم القرحة، فإنه ليس في الأدلة ما يدل على عدم خروج غير الحيض من الجانب الأيسر، فيكون الحاصل انه لا يقطع على الخارج من الأيسر من حيث كونه
ج3،
كذلك بحيضيته، نعم لو كان الاشتباه منحصرا في القرحة خاصة كان التمييز بذلك متجها، و بالتأمل فيما ذكرناه في المسألة المتقدمة يظهر لك جريان جملة مما ذكرناه هناك في المقام، منها إمكان جريان اعتبار هذا التمييز مع الشك في أصل وجود القرحة كما ذكرناه في العذرة، خلافا لما يظهر من بعض مشايخنا فتأمل، و الظاهر ان المدار في مخرج الحيض هو ما تقدم في مخرج سائر الأحداث، و يجري فيه الكلام من التفصيل بالاعتياد و عدمه، و يشهد له في الجملة أخبار السلفعية(1)و هي التي تحيض من دبرها.
و أقل الحيض ثلاثة أيام فلا يحكم بحيضية الناقص عنها و أكثره عشرة فلا عبرة بالزائد إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا كاد يكون متواترا كالسنة(2)و ما في بعض الأخبار(3)ان أكثر ما يكون الحيض ثمان لا يلتفت اليه، سيما مع نقل الشيخ في التهذيب و الاستبصار إجماع الطائفة على خلافه معتضدا بنقل غيره أيضا ذلك ممن تقدمه و تأخر عنه، و بالأخبار الكثيرة المعتبرة التي فيها الصحيح و غيره، (منها)
صحيح يعقوب بن يقطين(4)عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «أدنى الحيض ثلاثة، و أقصاه عشرة»
و نحوه غيره، فوجب حمل الأكثرية فيه حينئذ على العادة و الغالب لا في الشرع، أو على من استمر بها الدم و كانت عادتها الثمان، أو يطرح. و كذا أقل الطهر إجماعا كما في الانتصار و الخلاف و المنتهى و التذكرة و الذكرى و الروض و غيرها، و يدل عليه مضافا الى ذلك الأخبار المعتبرة، (منها)
صحيح محمد بن مسلم(5)عن الباقر (عليه السلام) قال: «لا يكون القرء في أقل من العشر فما زاد، و أقل
ج3،
ما يكون عشرة من حين تطهر»
و نحوه غيره في إفادة ذلك.
فما في
صحيح يونس بن يعقوب(1)قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة أيام، قال: تدع الصلاة، قلت: فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة أيام، قال: تصلي، قلت: فإنها ترى الدم ثلاثة أو أربعة، قال:
تدع الصلاة، قلت: فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة، قال: تصلي، قلت: فإنها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة، قال: تدع الصلاة، تصنع ما بينها و بين شهر، فان انقطع عنها، و إلا فهي بمنزلة المستحاضة»
و
خبر أبي بصير(2)قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الدم خمسة أيام، و الطهر خمسة أيام، و ترى الدم أربعة أيام و الطهر ستة أيام، فقال: ان رأت الدم لم تصل، و ان رأت الطهر صلت ما بينها و بين ثلاثين يوما، و إذا تمت ثلاثون يوما فرأت دما صبيبا اغتسلت و استثفرت و احتشت بالكرسف في وقت كل صلاة، فإذا رأت صفرة توضأت»
فهما- مع قصورهما عن مقاومة ما ذكرنا لوجوه غير خفية- قد حملها الشيخ في الاستبصار على امرأة اختلطت عادتها في الحيض، و تغيرت عن أوقاتها، و كذلك أيام أقرائها، و اشتبهت عليها صفة الدم و لا يتميز لها دم الحيض عن غيره، فإنه إذا كان كذلك ففرضها ان تترك الصلاة عند رؤية الدم، و تصلي عند النقاء الى ان تعرف عادتها، و كأن مراده ان مثل هذه المرأة المتحيرة التي لا طريق لها إلى معرفة دم الحيض من غيره، فتحتمل في كل دم تراه ان يكون حيضا فرضها ذلك، فليس ذا طهر يقينا، و لذا استجوده المصنف في المعتبر، و عليه يحمل ما في الفقيه و المبسوط و عن المقنع و النهاية من الفتوى بذلك، و لعله لم يفهم العلامة من الاستبصار ما ذكرنا، بل تخيل انه استثناء من الحكم بأن أقل الطهر عشرة، و لذا توقف فيه في المنتهى، أو لأن القاعدة تقتضي في مثل
ج3،
ذلك التحيض بالدم الأول و كل ما أمكن من غيره إلى العشرة، و ما عداه استحاضة.
لكن لا يخفى عليك انه لا وجه للاعتماد عليها بعد معارضتها لما سمعته من صريح الصحيح المعمول به عندهم، فتأمل جيدا. و بذلك كله يظهر لك ما في الحدائق من اختيار جواز أقل الطهر أقل من عشرة في مثل مفروض سؤال الخبرين و نحوه، نعم هو لا يجوز أن يكون أقل في نحو الحيضتين المستقلتين إلا بعد إكمال العدد، و كأن الذي دعاه الى ذلك ما تسمعه ان شاء الله في المسألة الآتية من اشتراط التوالي في الأيام التي هي أقل الحيض، فإنه اختار عدم الاشتراط و اكتفى بكونها في جملة العشرة، وفاقا للشيخ في النهاية، و ظن ان القائل بذلك يلتزم بكون أيام النقاء المتخللة فيما بينها أيام الدم طهر، و هو أقل من عشرة، و هو اشتباه في اشتباه تبع به غيره كما ستعرفه ان شاء الله، على انه لا يخفى عليك ما في قوله: انه يشترط ذلك في الحيضيتين المستقلتين دون الواحدة، و عليه نزل الروايات، لأن صحيح يونس مما لا يمكن فيه جعل سائر الدم حيضة واحدة، لزيادته على أكثر الحيض، و كذلك قضية الجواب في خبر أبي بصير، فتأمل.
و كيف كان فلا ينبغي الالتفات اليه بعد ما سمعت من الإجماعات و غيرها. ثم انه مما تقدم في صحيح ابن مسلم المتقدم من قوله (عليه السلام): (فما زاد) يظهر لك انه لا حد لأكثر الطهر كما هو المشهور بين الأصحاب، بل حكم العلامة عليه الإجماع، كما نفى عنه الخلاف ابن زهرة، و لعل الأمر فيه كما ذكر، و ما ينقل عن أبي الصلاح من تحديده بثلاثة أشهر فلعل ذلك بناء منه على غالب العادة كما استظهره منه في المختلف و جزم به في التذكرة، و الأمر سهل و ان كان فيه ما فيه.
و حيث عرفت ان أقل الحيض ثلاثة فلا يحكم بحيضية الناقص عنها، لكن هل يشترط التوالي لرؤية الدم في الثلاثة فلا يحكم بحيضية ما تراه من اليوم الأول ثم الرابع و السابع مثلا، فضلا عن قدر الثلاثة في الساعات مثلا كما هو المشهور
ج3،
نقلا و تحصيلا، بل قد يظهر من إطلاق الجامع نفي الخلاف عنه، قال فيه: «و لو رأت يومين و نصفا و انقطع لم يكن حيضا بلا خلاف بين أصحابنا، و خيرة الهداية و الفقيه ناقلا له عن رسالة والده، و المبسوط و الجمل و العقود و إشارة السبق و السرائر و الجامع و المعتبر و النافع و المنتهى و القواعد و المختلف و التحرير و الإرشاد و الذكرى و الدروس و اللمعة و البيان و جامع المقاصد، بل عن سائر تعليقاته، و الروضة و المدارك و الذخيرة و شرح المفاتيح و الرياض و غيرها، بل عساه يظهر من الوسيلة كالغنية و كافي أبي الصلاح، و هو المنقول عن علم الهدى و ابن الجنيد، لأصالة عدم الحدث، و قاعدة اليقين، و عموم ما دل على التكليف بالصلاة و الصوم و نحوهما من الكتاب و السنة، و استصحاب أحكام الطاهرة من المكث في المساجد و جواز المس و قراءة العزائم و نحوها، و استصحاب بقاء قابليتها للتكليف بالصلاة مثلا، و ربما استدل أيضا بما في
الفقه الرضوي(1)«فإن رأت الدم يوما أو يومين فليس ذلك من الحيض ما لم تر الدم ثلاثة أيام متواليات»
الى آخره بعد انجباره بالشهرة العظيمة، بل في الرياض انه لا دليل سواه، قال: و ما زعم- من ثبوت الصلاة في الذمة بيقين فلا يسقط التكليف إلا مع تيقن السبب، و لا يقين مع عدم التوالي، و أصالة عدم تعلق أحكام الحائض- ضعيفان، أما الأول فبمنع ثبوتها في الذمة في المقام، كيف لا و هو أول الكلام، مع ان مقتضى الأصل عدمه، و التمسك بدليل الاستصحاب- في صورة رؤيتها الدم المزبور بعد دخول الوقت و مضي مقدار الطهارة و الصلاة و إلحاق ما قبله به لعدم القائل بالفرق- معارض بالتمسك به في صورة رؤيتها إياه قبل الدخول، و يلحق به ما بعده بالإجماع المزبور، هذا. مع ضعف هذا الأصل من وجوه أخر لا تخفى على من تدبر. و أما الثاني فبمعارضته بأصالة عدم التكليف بالعبادات المشروطة بالطهارة» انتهى.
1) 1 المستدرك- الباب- 10- من أبواب الحيض- حديث 1.
ج3،
و لا يخفى عليك انه لا يرد شيء مما ذكره على ما ذكرناه من الأصول و القواعد و العمومات، مضافا الى ما في منعه الأول و دعوى ان الأصل عدم الشغل، و معارضة ما ذكره من الاستصحاب أولا بالاستصحاب في صورة رؤيتها الدم قبل الوقت، و ثانيا بأصالة عدم التكليف بالعبادة المشروطة بالطهارة، و ذلك لأن المراد من ثبوتها في الذمة انما هو بالخطاب التعليقي المتحقق التكليف به قبل دخول الوقت، إذ ليس قوله: (صل ان دخل الوقت) مجرد إخبار كما عساه يتخيل، بل هو خطاب و تكليف بالفعل عند دخول الوقت، و من هنا يصدق على العبد الذي أمره سيده بفعل معلق انه مكلف و مخاطب، و لذا يجب على المكلف في بعض الصور حفظ ما يتوقف عليه الفعل قبل دخول الوقت إذا علم عدم وجوده بعده، على ان التمسك باستصحاب البراءة قبل دخول الوقت في نفي الشغل بعده لا يخلو من تأمل و نظر، كيف لا مع انا نعلم ان براءتها قبل الوقت انما هو لعدم دخول الوقت الذي ينقطع بمجرد دخول الوقت، نعم لو كان الشك
في كون الآن الثاني من الوقت مشغلا لها بنفسه و كانت بريئة قبله أمكن جريان هذا الاستصحاب، و منه يعلم فساد ما ذكره أخيرا من التمسك بأصالة العدم، على انه كيف يتصور جريانه مع استصحاب الطهارة، فتأمل جيدا.
فان قلت: كيف لا يتجه الاستدلال بما ذكرت أولا مع دوران الأمر بين الحيض و الاستحاضة، إذ كما ان الأصل عدم الحيض فالأصل عدم الاستحاضة أيضا.
قلت: أما أولا نمنع الحكم بالاستحاضة بمجرد انتفاء الحيض، بل نقول: ان الأصل عدمهما كما يشعر به
مرسل يونس الآتي(1)حيث قال (عليه السلام) فيه: «انما كان من علة إما قرحة في جوفها و إما من الجوف»
و أما ثانيا فبدعوى ان الاستحاضة من الأمور المرتبة على عدم الحيض، فيكون حينئذ شرطها عدميا، فلا مانع حينئذ من
1) 1 الوسائل- الباب- 12- من أبواب الحيض- حديث 2.
ج3،
التمسك بأصالة عدم الحيض مع الحكم بالاستحاضة، و لعله الظاهر من تصفح كلماتهم و أخبار الباب للحكم بالاستحاضة بمجرد انتفاء الحيض، و لم نعهد أحدا منهم عارض أصالة عدم الحيض بأصالة عدم الاستحاضة لا في المقام و لا في غيره، و من هنا تعرف ان الاستحاضة أصل بعد انتفاء الحيض حتى يعلم انه من قرحة أو نحوها، و أما ثالثا فبعد التسليم فلا ينقطع جملة مما ذكرنا كاستصحاب بقاء قابليتها للتكليف و العمومات و نحوها، إذ الاستحاضة لا ترفع ذلك بخلاف الحيض، على انه يمكن التمسك بأصالة البراءة من الزائد عند اختبار الدم و رؤيته قليلا بحيث لو كان استحاضة لكان صغرى، لكون الغسل تكليفا زائدا، و أما رابعا فالمتعين عليها حينئذ الاحتياط بترك المكث في المساجد و نحو ذلك من أفعال الطاهرة، بل الظاهر انه حينئذ يجب عليها الاغتسال و الصلاة و الصوم ثم الصوم بدله.
لا يقال: ان الاحتياط غير ممكن بالنسبة للصلاة و الصوم لكون تركها عزيمة على الحائض، لأنا نقول: أولا نمنع الحرمة الذاتية. و انما هي تشريعية ترتفع بالاحتياط، و ثانيا ان الظاهر من الأصحاب ترجيح الفعل هنا على الترك كما في نظائر المقام، و لعله لأن مراعاة الوجوب في نحو الصلاة أهم من مراعاة الحرمة أو لغير ذلك، و مع التنزل عن ذلك كله فالقاعدة تقتضي التخيير، مع انه لا يلتزم أحد من الأصحاب بشيء من ذلك لا القائلين بالتوالي و لا بعدمه، و كيف كان فلا ريب في صحة ما ذكرنا من الأصول و القواعد، نعم لا يتجه الاستدلال على ما نحن فيه بتبادر التوالي من
قوله (عليه السلام)(1): (أدنى الحيض ثلاثة أيام)
كما وقع من صاحب المدارك و غيره، أما أولا فلمنع ذلك كما يوضحه تعلق النذر و اليمين. و أما ثانيا فلأنه إنما يتجه ان لو قلنا بكون المتخلل من النقاء بناء على عدم اشتراط التوالي طهرا، و هو غير معلوم بل المعلوم
1) 1 الوسائل- الباب- 10- من أبواب الحيض- حديث 10.
ج3،
عدمه كما سيجيء، لما عرفت من الإجماعات على ان أقل الطهر عشر، فتعين ان الجميع حيض، فليس الاستدلال في محله، إذ الكلام حينئذ يرجع الى اشتراط التوالي في الثلاثة الأول من أكثر الحيض مثلا أم لا، و إلا فالأقل لا بد فيه منه إجماعا، لا يقال:
ان
قوله (عليه السلام): (أدنى الحيض ثلاثة أيام)
ظاهر في إرادة وجود الدم، فلا عبرة بالمحكوم بكونه حيضا كالبياض المتخلل، لأنا نقول: بعد التسليم انه مخصوص بالأقل و لا كلام لنا فيه، إذ نحن نشترط في الأقل ذلك، فتأمل. على ان قوله بعده:
(و أكثره عشرة) يشعر بخلافه، لعدم اشتراط توالي الدم فيها قطعا.
و كيف كان فهل يشترط في الحيض ذلك لما ذكرنا أم يكفي كونها في جملة العشرة كما في النهاية و الاستبصار و المهذب و ظاهر مجمع البرهان و صريح كشف اللثام و الحدائق ناقلا له عن بعض علماء البحرين و الحر في رسالته، لأصالة عدم الاشتراط، و إطلاق النصوص، و أصل البراءة من العبادات، و قاعدة الإمكان سيما مع جمعه الصفات، و الاحتياط، و
قول الصادق (عليه السلام) في مرسل يونس بن يعقوب(1):
«و إذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها تركت الصلاة، فإذا استمر بها الدم ثلاثة أيام فهي حائض، و ان انقطع الدم بعد ما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت و انتظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة أيام، فإن رأت في تلك العشرة من يوم رأت الدم يوما أو يومين حتى يتم له ثلاثة أيام فذلك الذي رأته مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة فهو من الحيض، و ان مر بها من يوم رأت عشرة أيام و لم تر الدم فذلك اليوم و اليومان الذي رأته لم يكن من الحيض، انما كان من علة إما قرحة في جوفها و إما من الجوف فعليها ان تعيد الصلاة تلك اليومين التي تركتها، لأنها لم تكن حائضا، فيجب ان تقضي ما تركت من الصلاة في اليوم و اليومين، و ان تم لها ثلاثة أيام فهو من الحيض،
1) 1 الوسائل- الباب- 12- من أبواب الحيض- حديث 2.
ج3،
و هو أدنى الحيض، و لم يجب عليها القضاء، و لا يكون الطهر أقل من عشرة أيام، و إذا حاضت المرأة و كان حيضها خمسة أيام ثم انقطع الدم اغتسلت و صلت، فإن رأت بعد ذلك الدم و لم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض تدع الصلاة، و ان رأت الدم من أول ما رأت الثاني الذي رأته تمام العشرة أيام و دام عليها عدت من أول ما رأت الدم الأول و الثاني عشرة أيام، ثم هي مستحاضة تعمل ما تعمله المستحاضة، و قال: كل ما رأت المرأة في أيام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض، و كل ما رأته بعد أيام حيضها فليس من الحيض»
و إطلاق
الصحيح أو الحسن(1)عن الباقر (عليه السلام) «إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الأولى، و ان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة»
و نحوه غيره.
و في الكل نظر، لرجوع الأول الى الثاني، و الثاني قد عرفت ما فيه ان أريد بها نصوص الثلاثة، و ان أريد بها إطلاق أخبار الحيض و الصفات فقد عرفت سابقا ان المراد بالحيض انما هو دم معروف لا كل دم سائل، فمع الشك فيه فالأصل عدمه، و أخبار الصفات- مع معارضتها بفاقدها و بناء الاحتجاج بها على الرجوع إليها مطلقا لا في خصوص الاستمرار- قد عرفت ان منشأ الاستناد إليها انما هو حصول الظن لمكان الغلبة، و هو مفقود في المقام سيما بعد كون الشهرة العظيمة المنجبرة بما سمعت على ان التوالي من جملة الأوصاف اللازمة له التي لا تفارقه، فكان الظن بالعكس، و عرفت أيضا ما في التمسك بأصل البراءة و كذا قاعدة الإمكان، مع ان الظاهر عدم جريانها في نحو المقام مما شك في أصل إمكان حيضيته، لعدم الدليل عليها في نحو ذلك، و الاحتياط معارض بمثله، و أما الخبر- فمع إرساله و جهالة حال بعض رجاله كما قيل و هو إسماعيل ابن مرار، و عدم الجابر له، و رجوع الشيخ عنه في غير النهاية، و هو أبصر به من
1) 1 الوسائل- الباب- 11- من أبواب الحيض- حديث 3.
ج3،
ابن البراج، مع ان النهاية لم يعلم كونها كتاب فتوى، و اشتماله على ما لا يقول به الأصحاب من الحكم بحيضية العشرة لذات العادة إذا تجاوزها الدم، و عدم سلامته من التناقض، للتصريح فيه بأن الطهر لا يكون أقل من عشرة مع ظهور بعضه فيه، الى غير ذلك- لا ينبغي ان يقطع به ما سمعت، و يجترئ به على مخالفة هذه الشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا، مع اعتضادها بفتوى مثل الصدوقين و ابن الجنيد و علم الهدى على ما نقل عنهما، و أما الصحيح المتقدم فلا دلالة فيه على شيء من المدعى، إذ كون اليوم أو اليومين حيضا حتى يلحق به ما تراه قبل مضي العشرة أول الكلام.
و لذلك كله قال المصنف الأظهر الأول و ان كان الاحتياط لا ينبغي ان يترك بحال، سيما مع ملاحظة قوة المرسلة من جهة كون المرسل يونس، و هو على ما قيل ممن أجمعت العصابة على
تصحيح ما يصح عنه، و لعل إسماعيل بن مرار الذي رمي بالجهالة يقرب إلى الوثاقة، لعدم استثناء القميين ممن يروي عن يونس غير محمد بن عيسى العبيدي على ما حكي، لكن الأقوى الأول، لما تقدم، هذا كله ان لم نقل ان القائلين بعدم الاشتراط يجعلون النقاء المتخلل بين الأيام الثلاثة طهرا، و إلا فإن كان كذلك كما زعمه في الروض و عن شرح الإرشاد للفخر و الهادي و صرح به في الحدائق بعد ان اختار عدم الاشتراط فهو من الفساد حينئذ بمكانة، لمخالفته مع ذلك ما دل على ان أقل الطهر عشرة من الإجماع و السنة حتى المرسل السابق، و ان أشعر صدره بخلافه مع عدم صراحته، لاحتمال إرادة أدنى الدم لا مع المحكوم بحيضيته، و غير ذلك، و ما في الحدائق- من الجمع بين صدره و ذيله و الأخبار الدالة على ان أقل الطهر عشرة بحمل الطهر فيها على ما كان بين حيضتين مستقلتين لا الحيضة الواحدة، فإن النقاء فيها طهر، مستشهدا لذلك بصحيح ابن مسلم(1)و غيره(2)مما دل على إلحاق ما رأته قبل
ج3،
العشرة بالحيضة الأولى، و إن كان بعدها فهو من الحيضة الثانية، إذ المراد بالعشرة انما هو من حين انقطاع الدم لا أول رؤيته، و إلا لزم ان يراد بالعشرة الثانية كذلك، لظهور اتحاد مبدئهما، و هو فاسد كما هو واضح، فتعين الأول، و هو يقضي بكون النقاء المتخلل طهرا، و إلا لزم ان يكون أكثر الحيض أزيد من عشرة- في غاية الضعف، لما فيه من تقييد إطلاق الأخبار(1)الصحيحة التي كادت تكون كالنص المعتضدة بإطلاقات الإجماعات التي هي كذلك، بل بصريح كلام الأصحاب فيما يأتي ان شاء الله تعالى، لحكمهم فيمن رأت ثلاثة أيام دما فانقطع ثم رأت العاشر أو قبله يوما و نظائره بحيضية الجميع، بل حكى الشيخ في الخلاف الإجماع فيما لو رأت دما ثلاثة أيام و بعد ذلك يوما و ليلة نقاء، و يوما دما الى تمام العشرة على حيضية الجميع النقاء و الدم، مع التصريح في المرسل بكون مبدأ العد من أول رؤية الدم في بعض الصور مع عدم الشاهد المعتبر له على هذا التصرف.
و ما في مرسل أبي المعزى العجلي(2)من ظهور ذلك لا يلتفت اليه، لفقده شرائط الحجية، ثم انه كيف ساغ له الاقدام على تخصيص هذه القاعدة و لم يسغ له الاقدام على نقض قاعدة أكثرية الحيض حتى جعل لزوم بطلانها شاهدا له على ما ادعاه، مع ان منشأهما واحد، فالأولى ارتكاب التصرف في هذه الأخبار إما باختلاف مبدأ العشرتين أو يكون المبدأ فيها أول الدم و الحكم بحيضية ما أمكن منها لا الزائد على العشرة، كما يظهر من المرسل أو نحو ذلك، و قد تقدم لك جملة من الكلام سابقا في صحيح يونس المتقدم في مسألة أقل الطهر، فظهر لك من ذلك كله ان الأقوى ما ذكرنا من اشتراط التوالي و ان القول بالعدم ضعيف، كالقول المحكي عن الراوندي بالتفصيل بين الحامل فالثاني،
ج3،
و غيرها فالأول، و لعله للجمع بين خبر يونس و الأدلة بحمل المتقدم على الحامل، ل
خبر إسحاق بن عمار(1)انه «سأل الصادق (عليه السلام) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم و اليومين، قال: ان كان دما عبيطا فلا تصل ذينك اليومين، و ان كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين»
و هو كما ترى.
ثم انه بناء على المختار فهل يراد بالتوالي استمرار الدم و لو في باطن الرحم بحيث كل ما وضعت الكرسف تلوث كما هو ظاهر الكافي و الغنية و السرائر و صريح جامع المقاصد و عن المحرر لابن فهد، و قواه في الرياض، و قد يظهر من الجامع نفي الخلاف فيه، قال: لو رأت يومين و نصفا و انقطع لم يكن حيضا لأنه لم يستمر بلا خلاف من أصحابنا، كما يظهر من المبسوط و المنتهى انه لا إشكال فيه بناء على الاشتراط، و لعل الأمر فيه كما ذكرا، لظهور عباراتهم فيه، كالنصوص الدالة على ان أقل الحيض ثلاثة أيام، إذ هو المتبادر من ذكر الظرف مجردا عن حروف الجر، أو يكفي وجوده في كل يوم آنا ما كما نسب الى ظاهر الأكثر، و مال اليه بعض متأخري المتأخرين متمسكا بصدق رؤيته ثلاثة أيام لأنها ظرف له، و لا يجب المطابقة بين الظرف و المظروف، و لعله بهذا الاعتبار نسبه الى ظاهر الأكثر، و يؤيده ما عن التذكرة و النهاية من ان لخروج الدم فترات معهودة لا تخل بالاستمرار، مع نقل الإجماع في الأول عليه، أو انه يشترط رؤيته في أول الأول و آخر الثالث و أي وقت من الثاني، كما عن السيد حسن ابن السيد جعفر معاصر الشهيد الثاني، و ربما مال إليه البهائي في حبله؟ و لا ريب ان الأقوى الأول، لكثير من الأصول و القواعد و العمومات المتقدمة سابقا، مضافا الى ما سمعته هنا، و منه تعرف ما في نسبة الثاني إلى الأكثر و الاستدلال عليه بظاهر النصوص، و لذا قال في جامع المقاصد: «ان المتبادر إلى الأفهام من كون الدم ثلاثة
1) 1 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الحيض- حديث 6.
ج3،
أيام حصوله فيها على الاتصال بحيث متى وضعت الكرسف تلوث به، و قد يوجد في بعض الحواشي الاكتفاء بحصوله فيها في الجملة، و هو رجوع الى ما ليس له مرجع» انتهى. و هو جيد جدا، و يؤيده- مضافا الى ما تقدم و إلى ما قد يدعى انه الغالب في النساء- انه لو اكتفي بذلك لم يصدق ان أقل الحيض ثلاثة بل يوم و ساعتين مثلا، و لعل هذا منشأ القول الثالث، فإنه به تكون جميع الثلاثة حيضا و ان لم يحصل الاستمرار، لكنه في غاية الضعف، بل قد يدعى الإجماع على خلافه، و لا ينافي المختار ما سمعته عن التذكرة و النهاية من فترات الدم، إذ لعل الظاهر بقرينة الإجماع عدم الخروج خارجا لا عدم بقاء شيء حتى في باطن الرحم، و يمكن دعوى اشتراط ما ذكرنا حتى على القول بعدم اشتراط التوالي، إذ الاكتفاء بكونها في جملة العشرة لا ينافي ذلك، كما ان ما فرعه في المبسوط و غيره- من جريان التلفيق عندهم فيما لو رأت ساعة طهرا و ساعة دما و هكذا الى تمام العشرة- لا ينافيه أيضا، بل يؤكده، إذ حاصله تلفيق ثلاثة أيام كاملة من المجموع، و ان كان المتبادر من ثلاثة أيام في ضمن العشرة خلاف هذا التلفيق، فكان الأقوى عدمه بناء عليه، نعم لا يبعد جريان التلفيق الذي يعده أهل العرف كالحقيقي
حتى على المختار، كأن يكون قد جاءها الدم عند الظهر و انقطع في الثالث عنده و نحو ذلك، و منه تعرف انه لا وجه للتلفيق بالمخالف كتلفيق النهار بالليل لعدم مساعدة العرف له، بل قد عرفت سابقا الاشكال فيما ذكرناه من التلفيق، فلاحظ و تأمل.
ثم الظاهر انه لا عبرة بالليلة الأولى و الثالثة في صدق الثلاثة، كما في سائر مقامات التحديد بنحو ذلك في أكثر الحيض و أقل الطهر و الاعتكاف و الإقامة و نحوها، و اختاره جماعة من متأخري المتأخرين، و لعل ما في المنتهى و التذكرة من ان الأقل ثلاثة أيام بلياليها، بل في الثاني انه لا خلاف فيه بين فقهاء أهل البيت (ع) ليس خلافا فيما
ج3،
نحن فيه و ان حكاه بعضهم عنهما هنا، و إلا للزم ان يكون أقل الحيض أربعة أيام و ثلاثة ليالي لو فرض رؤيتها الدم صبح يوم الخميس، لعدم صدق الأيام بلياليها بدون ذلك، لأن المفروض كون ليلة الخميس بياضا، أو يجعل يوم الخميس ليلته ليلة الجمعة، و يوم الجمعة ليلته ليلة السبت، و يوم السبت ليلته ليلة الأحد، و هما معا كما ترى، بل مراده ان الأقل ثلاثة أيام مبدؤها صبح يوم الخميس مثلا، و لياليها ليس إلا الليلتين المتوسطتين في مقابلة ما نقله من خلاف العامة العمياء، كأحد قولي الشافعي ان أقله يوم و ليلة، و على ذلك يحمل نفي الخلاف في كلامه، و كذا يحمل ما في جامع المقاصد و الروض من ان الليالي معتبرة في الأيام إما لكونها داخلة في مسمى اليوم، أو للتغليب على إرادة المتوسطتين كالمنقول عن ابن الجنيد، و لا يلزم من ذلك نفي حقيقة اليوم الذي هو لغة و عرفا من الصبح الى الغروب، و يشهد له قوله تعالى(1)(سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ) فلو سلم إرادة ما شمل الليل منه في المتوسطات في الإقامة و الاعتكاف و أقل الحيض و الطهر و غير ذلك للقرينة و نحوها لا يقتضي تغير حقيقته في غيرها، ضرورة معلومية عدم اطراد المجاز، كما هو واضح. فيرتفع الخلاف من البين، و من ملاحظة ما ذكرنا سيما نفي الخلاف الذي في التذكرة مع العرف يظهر انه لا ينبغي التوقف في دخول الليلتين المتوسطتين كما في نظائره، فما عساه يظهر من بعض مشايخنا من التوقف في ذلك في غير محله، و كأنه لصدق حقيقة اللفظ إلا انه كما ترى.
ثم الذي يظهر من تتبع كلمات الأصحاب و فحاويهم و ان لم ينصوا عليه بالخصوص مع جملة من الأصول السابقة ان المراد بالثلاثة المتوالية في كلامهم انما هي أول الحيض، فلا يكفي وجودها في ضمن العشرة في تحيض ما تقدمها من الدم و ان قل، كأن يكون رأت ساعة دما من اليوم الأول ثم رأت السابع و الثامن و التاسع فيحكم بحيضية الجميع
1) 1 سورة الحاقة- الآية 7.
ج3،
لذلك، كلا و ان تخيله بعض المحصلين من المعاصرين، و أعجب منه التمسك له بقاعدة الإمكان، و هي ان سلمت لا تجري في غير معلوم الإمكانية سيما بعد ملاحظة كلام الأصحاب، بل كاد يكون كالصريح من بعضهم، فإنه لا إشكال عندهم بناء على اشتراط التوالي في انه متى انقطع
الدم لأقل من ثلاثة قطعت انه ليس بحيض كما نص عليه في المبسوط و غيره، و لعله نشأ الاشتباه مما في كشف اللثام من الإجماع على ان أقل الحيض ثلاثة أيام متواليات، و من المعلوم ان ذلك منه مبني على حيضية الأيام المتخللة عند القائلين بعدم اعتبار التوالي، ضرورة كون الفرض عندهم من أكثر الحيض لا من أقله الذي هو بمعنى ان الامرأة لم تر غيره أصلا، فإنه لا بد ان يكون ثلاثة قطعا، ضرورة عدم حيضية الأقل منه، و من ذلك تعرف ما في استدلال سيد المدارك على اعتبار التوالي بدعوى التبادر من
قوله (عليه السلام)(1): (أدنى الحيض ثلاثة)
ضرورة عدم الخلاف في اعتباره في الأقل بالمعنى المزبور، بل هو عندهم من المستحيل لا انه من المتبادر، نعم بناء على ان الأيام المتخللة بين الثلاثة في ضمن العشرة طهر عند القائلين بعدم اعتبار التوالي كما سمعت ترجيحه من بعضهم، بل لعله ظاهر المرسل الذي هو مستندهم يتجه الاستدلال بتبادر التوالي من الإطلاقات في غيره، فيقع التعارض بينه حينئذ و بينها، على انه مناف لقاعدة أقل الطهر عشرة المصرح بها في المرسل، بل و للإجماع على حيضية النقاء المتخلل بين الثلاثة و ما بقي من العشرة لو انقطع عليها، اللهم إلا ان يلتزموا اختصاص أقلية الطهر بين الحيضتين لا الحيضة الواحدة التي هي مجموع الثلاثة، و اختصاص حيضية النقاء المتخلل بين الثلاثة و ما بقي من العشرة لا الثلاثة نفسها، إلا ان الجميع كما ترى مناف لظاهر الأدلة فتأمل.
و ما تراه المرأة من الدم بأي لون كان بعد يأسها و انقطاع رجائها
1) 1 الوسائل- الباب- 10- من أبواب الحيض- حديث 10.
ج3،
من الحيض و لو بالقرائن المفيدة لذلك عند جهل مبدأ ولادتها لا يكون حيضا إجماعا محصلا و منقولا و تيأس المرأة أمة كانت أو حرة ببلوغ ستين سنة من مبدأ ولادتها كما عن العلامة في بعض كتبه، استصحابا لبقاء قابليتها فيما دونها، و لقاعدة الإمكان، و لأخبار الصفات، و ل
خبر عبد الرحمن بن الحجاج(1)عن الصادق (عليه السلام) قال: «قلت: التي يئست من المحيض و مثلها لا تحيض، قال: إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض و مثلها لا تحيض»
و
مرسل الكافي(2)انه «روي ستون سنة»
و قيل ببلوغ خمسين مطلقا أيضا، كما هو خيرة السرائر و طلاق الكتاب و المدارك و عن الجمل و النهاية و ابن البراج، و ربما مال إليه في النافع و المنتهى، للأصل بل للأصول و العمومات التي تقدمت الإشارة إليها في مسألة التوالي، و
قول الصادق (عليه السلام) في الصحيح(3): «حد التي يئست من المحيض خمسون سنة»
و نحوه صحيحه الآخر على كلام في سهل(4)و مرسل أحمد بن محمد بن أبي نصر(5)المروي في الكافي و التهذيب بطريق فيه سهل أيضا، لكن رواه المحقق في المعتبر من كتاب أحمد.
و قيل كما في الفقيه و المبسوط و المعتبر و الوسيلة و الجامع و التذكرة و القواعد و الإرشاد و الذكرى و البيان و الدروس و غيرها، بل هو المشهور نقلا و تحصيلا في غير القرشية أي المنتسبة الى النضر بن كنانة بالأبوين أو بالأب وحده لا الأم وحدها و ان احتمل بل مال اليه بعضهم، لكون المعتبر في الحيض تقارب الأمزجة، و من ثم اعتبر العمات و الخالات و بناتهن فيما يأتي، لكن الأوجه خلافه لعدم الدليل، نعم لا فرق في ذلك بحسب الظاهر بين النسب الشرعي و غيره و لا بين ما يثبت به الأول
ج3،
من الإقرار و الشياع و القرعة و غيرها على إشكال في البعض، كما انه لا فرق في القرشية بين الهاشمية و غيرها و ان كان لا يعرف في هذا الزمان سوى الأول، بل خصوص من انتسب الى أبي طالب و العباس، نعم لا يبعد إلحاق الحكم على القبيلة المعروفة الآن بقريش. و ألحق في الوسيلة و ما بعدها بل نسبه في جامع المقاصد إلى الأصحاب تارة و الى الشهرة أخرى النبطية بل ستسمع ما في المقنعة من نسبتها إلى الرواية، و المراد منها المنتسبة الى النبط، و هم كما عن مروج الذهب ولد نبطة بن ماس بن آدم ابن سام بن نوح، و قيل هم قوم كانوا ينزلون سواد العراق كما عن العين و المحيط و الديوان و المغرب و التهذيب للأزهري، و في الصحاح و القاموس و عن النهاية قوم ينزلون البطائح بين العراقين، و في جامع المقاصد ان الذي كثر في كلام أهل اللغة أنهم جيل كانوا ينزلون البطائح بين الكوفة و البصرة، و في كشف اللثام قال السبعاني: انهم قوم من العجم، و قيل من كان أحد أبويه عربيا و الآخر عجميا، و قيل عرب استعجموا أو عجم استعربوا، و عن ابن عباس نحن معاشر قريش حي من النبط، و قال الشعبي في رجل قال لآخر: يا نبطي: لا حد عليه، كلنا نبط، و عن المصباح المنير انه: «قيل انهم قوم من العرب دخلوا في العجم و الروم، و اختلطت أنسابهم و فسدت ألسنتهم، و ذلك لمعرفتهم بانباط الماء أي استخراجه لكثرة فلاحتهم» انتهى. و في الصحاح في كلام أيوب بن القرية أهل عمان عرب استنبطوا، و أهل البحرين نبط استعربوا، و لعل الأقوى في النظر الثاني، و قد يشعر به بعض الأخبار المنقولة في المصباح المنير، و كيف كان فقد صرح بعض الأصحاب انهم لا يعرفون في هذا الزمان، و فيه تأمل بناء على ما ذكرنا، ثم المدار على تحقق النسبة و ان لم يكونوا في ذلك المكان مع احتمال الاقتصار عليه، بل كون السكنى فيه هي المدار حتى ان الخارج عنه الذي قد أعرض و سكن بنية التوطن غيره لا يجري عليه الحكم، و الداخل فيه بنية التوطن يجري عليه ذلك ببلوغ خمسين سنة.
ج3،
و أما فيهما فبلوغ ستين، و لعله الأقوى للجمع بين ما سمعته من الأخبار بشهادة
مرسل ابن أبي عمير(1)عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا بلغت المرأة خمسين لم تر حمرة إلا ان تكون امرأة من قريش»
و هو يجري عندهم مجرى الصحيح سيما في المقام، لانجباره بما سمعت من الشهرة المحصلة و المنقولة، بل عن التبيان و المجمع نسبته في القريشية إلى الأصحاب مؤذنين بدعوى الإجماع عليه كما سمعته من جامع المقاصد في النبطية، و مع ذلك كله فهو قضية ما فهمه البعض من قاعدة الإمكان. لا يقال:
لا صراحة في المرسل بالستين كما لا صراحة فيه بالحيضية، على انه خاص بالقريشية، لأنا نقول: أما الأول فيدفعه عدم القائل بغيرها، مع انه قال
في المقنعة(2)«و قد روي ان القرشية و النبطية من النساء تريان الدم الى الستين».
و بذلك مع انجباره بما تقدم يندفع ذلك كالثالث أيضا مع التأيد بقاعدة الإمكان، و بما دل على التحيض للمرأة بمجرد رؤية الدم و نحوه، و ان كان الاحتياط فيها لا ينبغي ان يترك بحال، و أما الثاني فلا ريب في ظهور الرواية بذلك، و هو كاف في المطلوب، و عساك بالتأمل فيما ذكرنا تستغني عن التعرض لإبطال القولين المتقدمين سيما الأول منهما، فإنه في غاية الضعف لضعف دليله مع قلة القائل به، و كذا احتمال الجمع بين النصوص بالتفصيل بين العدة و العبادة، فالستون للأولى مطلقا، و الخمسون للثانية كذلك، إذ هو كما ترى لا يرجع الى حاصل، و الله العالم.
و كل دم تراه المرأة جامعا للصفات أو لا و كان دون ثلاثة أيام فليس بحيض إجماعا ان لم يحصل به ما يتمها في ضمن العشرة، و على الأقوى فيه أيضا كما عرفت مبتدأة كانت أو ذات عادة أو غيرهما، و مما تقدم تعرف التفصيل. و أما ما تراه المرأة من الدم من الثلاثة إلى العشرة مما يمكن ان يكون حيضا فهو
ج3،
حيض تجانس أو اختلف إجماعا كما في المعتبر و المنتهى مع التعليل فيهما بعد الإجماع بأنه زمان يمكن ان يكون حيضا فيكون حيضا، و يستفاد منه قاعدة، و هي ان كل دم تراه المرأة و كان يمكن ان يكون حيضا فهو حيض كما صرح بها في القواعد و البيان و غيرهما، و كادت
تكون صريح المبسوط و السرائر و غيرهما، بل قد يظهر من بعضهم دعوى الإجماع عليها، كما انها عند المعاصرين و من قاربهم من القطعيات التي لا تقبل الشك و التشكيك، حتى انهم أجروها في كثير من المقامات التي يشك في شمولها لها ككون حد اليأس مثلا ستين سنة، و عدم اشتراط التوالي في الثلاثة و نحو ذلك من المقامات التي وقع النزاع في إمكان كونه حيضا عند الشارع و عدمه، و هو لا يخلو من تأمل، إذ الظاهر على ما هو المستفاد من بعضهم كالشهيد في الروضة و غيره انه بعد تسليمها تختص بما علم إمكان حيضيته عند الشارع، كأن تكون المرأة مثلا بالغة غير آيسة و رأت الدم ثلاثة أيام متواليات، و لم يكن مسبوقا بما يمنع من الحكم بحيضيته، و لم تكن حبلى عند من اختار ان الحبلى لا تحيض، فإنها تحكم حينئذ بالحيضية، لأنه زمان يعلم صلاحيته للحيض شرعا، أما ما وقع الشك في أصل صلاحيته كاشتراط التوالي و حد اليأس و الحبلى و نحو ذلك فليس للمثبت التمسك بها في مقابلة النافي، كما انه يشكل التمسك بها أيضا في حال عدم إحراز ما علم شرطيته في الحيض واقعا، و مانعيته منه كذلك، كبلوغ التسع مثلا، و عدم بلوغ ما ثبت من حد اليأس كالخمسين و الستين، و ان كان الثاني لا يخلو من وجه، و نحوه التمسك بها قبل استقرار الإمكان، كما إذا رأت المبتدأة دما و لم تعلم انه يستمر إلى ثلاثة فيكون ممكن الحيضية، أو ينقطع فلا يمكن، و من هنا قام النزاع بينهم في تحيض المبتدأة برؤية الدم حتى ان من نقل الإجماع على تلك القاعدة كالمصنف في المعتبر اختار عدم التحيض، و نحوه ابن إدريس، و لعله لذلك قيد بعض متأخري المتأخرين الإمكان بكونه إمكانا مستقرا غير معارض بإمكان حيض آخر،
ج3،
و كيف كان فأقصى ما يمكن من الاستدلال عليها- بعد أصالة الحيض في دم النساء بمعنى الغالب إذ هو الدم الطبيعي المخلوق فيهن التغذية الولد و تربيته، بخلاف الاستحاضة و غيرها فإنه لآفة، و إجماعي المعتبر و المنتهى المتقدمين مع اعتضادهما بالشهرة المدعاة في المقام، و الأخبار(1)المستفيضة الدالة على جعل الدم المتقدم على العادة حيضا معللة ذلك بأنه ربما تعجل بها الوقت، مع التصريح في بعضها بكونه بصفة الاستحاضة، و الأخبار(2)الدالة على ترتب أحكام الحائض بمجرد رؤية الدم منها- ما
في الخبر(3)«أي ساعة رأت الصائمة الدم تفطر»
و
في آخر(4)«و انما فطرها من الدم»
و إطلاق أخبار الاستظهار لذات العادة(5)إذا رأت ما زاد عليها الشامل لغيرها بطريق أولى، و الأخبار(6)الدالة على إلحاق ما تراه قبل العشرة بالحيضة الأولى، منها
الموثق «إذا رأت الدم قبل العشرة فهو من الحيضة الأولى»
و مثله الحسن، و الأخبار(7)المتقدمة سابقا في الاشتباه بالعذرة و القرحة من الحكم بالحيضية مع الاستنقاع و خروجه من الأيمن أو الأيسر على الخلاف، إذ لو لم يعتبر الإمكان لم يحكم بكونه حيضا، لعدم اليقين، و الأخبار(8)الدالة على حيضية ما تراه الحبلى معللة ذلك بان الحبلى ربما قذفت الدم، و الأخبار(9)الدالة على ان الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض سيما على ما فسره
1) 1 الوسائل- الباب- 12- من أبواب الحيض و الباب 13- حديث 1.
2) 2 الوسائل- الباب- 14- من أبواب الحيض.
3) 3 الوسائل- الباب- 50- من أبواب الحيض- حديث 3.
4) 4 الوسائل- الباب- 50- من أبواب الحيض- حديث 7.
5) 5 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض.
6) 6 الوسائل- الباب- 10- من أبواب الحيض- حديث 11 و الباب- 11- حديث 3 و الباب- 13- حديث 1.
7) 7 الوسائل- الباب- 2 و 16- من أبواب الحيض.
8) 8 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الحيض- حديث 1 و 10 و 17.
9) 9 الوسائل- الباب- 4- من أبواب الحيض.
ج3،
في المبسوط من ان المراد بأيام الحيض الأيام التي يمكن فيها ذلك، من غير فرق بين أيام العادة و غيرها، مع نقله الإجماع على ذلك في الخلاف، و منه يظهر ان التمييز بالصفات مبني على هذه القاعدة أيضا، لما عرفت من جواز انتفائها، و لأنه لو لم يعتبر الإمكان لما حكم بحيض لعدم اليقين، و الصفات انما تعتبر عند الحاجة لا مطلقا، للنص و الإجماع على جواز انتفائها.
و في الكل نظر، أما الأول فبعد تسليمه و تسليم اعتباره شرعا مداره حصول الظن بذلك للغلبة، و تحققه في جميع صور هذه القاعدة ممنوع، كما في المبتدأة مثلا إذا رأت الدم بصفات الاستحاضة و كذلك المعتادة إذا رأته متقدما على عادتها بكثير، كيف و قد عرفت ما دل(1)على الصفات من الأخبار المعتبرة المشتملة على الاعجاز، لا أقل من ان يكون منشأها الغلبة التي تعارض تلك و ترجح عليها، و أما الإجماعان فأقصى مفادهما حيضية ما تراه من الثلاثة إلى العشرة، و لعلنا نسلمه بعد معرفة كون الثلاثة الأول حيضا، لدلالة بعض الروايات(2)عليه كما ستسمع، فيكون ذلك حينئذ مورد الإجماعين كما يشعر به استدلاله في المعتبر و المنتهى على هذا الحكم بعد دعوى الإجماع بما دل على إلحاق ما تراه قبل العشرة بالحيضة الأولى، و يشعر به أيضا ما في الذكرى فإنه قال: «و ما بين الأقل و الأكثر حيض مع إمكانه لاستصحابه، و ل
خبر سماعة(3)عن الصادق (عليه السلام) «تستدخل الكرسف، فان خرج الدم لم تطهر»
و كذا لو لم تر هذه العاشر أو رأته متفرقا بعد الثلاثة، ل
خبر محمد بن مسلم(4)عن الصادق
ج3،
(عليه السلام) (إذا رأته قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الأولى)»
انتهى. فإنه كالصريح في ان محل هذه القاعدة بعد إحراز الحيضية في الثلاثة و نحوها، و أين هذا من التعميم المدعى سابقا، و أما أخبار تقدم الدم العادة- فمع عدم اشتمال الكثير منها على التعليل المتقدم، بل لم أعثر عليه إلا في خبر سماعة(1)و لا صراحة فيه بكون الدم في غير صفات الحيض، بل ظاهر لفظ الدم فيه يقتضي خلافه لتعارف إطلاقه في الروايات في مقابلة الصفرة و الكدرة، مع اشتماله أيضا على ما عساه ينافي هذه القاعدة، للحكم فيه «إذا رأته أكثر من أيامها التي كانت تحيض فيهن فلتتربص ثلاثة أيام بعد ما تمضي أيامها ثم هي مستحاضة» إذ قد يفرض ذلك في غير المتجاوز للعشرة كاشتمال غيره(2)من هذه الأخبار من اشتراط الحيضية بتقدمه على العادة بقليل أو في العادة، و الحكم
في بعضها(3)بأن «ما تراه من الصفرة و الكدرة بعد أيام حيضها ليس من الحيض»
على ما استفاضت به الأخبار، بل كادت تكون متواترة، و
في بعضها(4)انها «لا غسل عليها من صفرة تراها إلا في أيام طمثها، فإن رأت صفرة في أيام طمثها تركت الصلاة كتركها للدم»
الخبر. ان أقصى ما يستفاد منها حيضية الدم أو الصفرة مع تقدمه على العادة بقليل كاليوم و اليومين أو فيها، و هو لا يصلح مستندا لتلك القاعدة العظمى، كالأخبار الدالة على التحيض بمجرد رؤية الدم، نحو ما
في الخبر المتقدم «أي ساعة رأت الصائمة الدم تفطر»
فإنها- مع عدم صراحتها في شمول الفاقد بل يظهر منها خلافه لما عرفت- ظاهرة في إرادة الحيض من لفظ الدم، كما عساه يشعر به تعريفه باللام مع كونه مساقا لبيان ناقضية الحيض في كل وقت لا لبيان ان كل دم تراه فهو حيض، كما هو ظاهر لكل
ج3،
من أعطى النظر حقه، و من هنا رد في المعتبر من استدل بها على تحيض المبتدأة بمجرد رؤية الدم قائلا ان الظاهر منها إرادة الدم المعهود.
و أما أخبار الاستظهار لذات العادة فهي بالدلالة على خلاف المطلوب أولى، لما في بعضها(1)من الرجوع الى التحيض بأيام العادة عند التجاوز، مع ان قضية القاعدة العشرة حينئذ، و في بعضها(2)الحكم بأنها تعمل عمل المستحاضة بمجرد التجاوز، و في آخر(3)الأمر بانتظار يوم، الى غير ذلك مما يقضي بخلافها، بل في
مرسل يونس(4)«ان كل ما رأته بعد أيام حيضها فليس من الحيض»
و أما ما دل(5)على إلحاق ما تراه قبل مضي العشرة بالحيضة الأولى كما في الموثق و الحسن- فمع احتماله أو ظهوره في الجامع للصفات التي علمت انه حيض، إلا انه لا يحكم بكونه حيضا مستقلا لعدم مضي أقل الطهر، و لذا حكمت به كذلك بعد مضيه، و يشعر به كونه مساقا لبيانه- انه يمكن ان يسلم مقتضاها كما هو قضية إجماعي المعتبر و المنتهى، و لا يستفاد منه تلك القاعدة، و من العجيب الاستدلال عليها بأخبار العذرة و القرحة، مع ما فيه أولا من فرض انحصار الاشتباه فيهما، فعند نفي العذرة مثلا يتعين الثاني من غير نظر الى القاعدة، و ثانيا انه لو كان البناء على قاعدة الإمكان المقررة عندهم لكان المتجه الرجوع إليها من غير اختبار بالتطوق و نحوه، و أيضا فقد عرفت ان المحقق (رحمه الله) ناقل الإجماع على هذه القاعدة قد توقف في الحكم بالحيضية مع الاستنقاع، و هو ينافي ذلك و يقضي ان
ج3،
ليس مقصوده منها ما عند المتأخرين من أصحابنا، و أما أخبار الحامل(1)فملاحظة كثير منها يقضي بخلاف هذه القاعدة كما لا يخفى على من أعطاها حق النظر، فلا نطيل بذكرها مع ابتناء الاستدلال بها على مجامعة الحيض للحمل، و أما ما دل(2)على ان الصفرة في أيام الحيض حيض فلا تقضي بتلك إلا على تفسير الشيخ الذي تقدم سابقا، و لعل ذلك منشأ اشتهار هذه القاعدة عند من تأخر عنه، و هو ممنوع، بل الظاهر منها إرادة أيام عادتها، كما كاد يكون صريح ما في
مرسل يونس(3)حيث قال (عليه السلام) في المضطربة: «انها لو كانت تعرف أيامها ما احتاجت إلى معرفة لون الدم، لأن السنة في الحيض ان تكون الصفرة و الكدرة فما فوقها في أيام الحيض إذا عرفت حيضا»
الى آخره. و كذلك غيره كما لا يخفى على من لاحظها.
و يشير إليه أيضا استدلالهم فيما يأتي على حيضية الصفرة المتقدمة على أيام الحيض بمثل هذه الروايات(4)على ان
في بعضها «ان الصفرة قبل أيام الحيض و في أيام الحيض حيض، و بعد أيام الحيض ليست بحيض»
و هي لا تنطبق على تفسيره، و لذلك كله اعترف في الذكرى بظهور إرادة أيام العادة في
خبر محمد بن مسلم(5)«عن المرأة ترى الصفرة في أيام حيضها»
و من هنا يضعف الظن بإجماعه الذي ادعاه في الخلاف، لأن الظاهر انه حصله من الروايات بعد ان فهم منها ذلك، و إلا فما وصل إلينا من كلام المتقدمين عليه من أهل الفتاوى خال عن ذلك، و لا نقله أحد ممن يتعاطى نقله، و لجميع ما ذكرنا توقف جماعة من متأخري المتأخرين كالمحقق الثاني و صاحب المدارك و غيرهما في هذه القاعدة، و استوجه بعضهم الرجوع الى الصفات في غير ما دل الدليل
ج3،
عليه كالصفرة و الكدرة في أيام الحيض، و هو لا يخلو من وجه، لما عرفت من ظهورها و اشتمالها على الاعجاز، مع موافقتها للأصول القاضية بعدم الحيضية، و كثرة الشواهد في الأخبار على ما ينافي عموم تلك القاعدة على الوجه الذي فهموه، بل قد يقطع بعدمه.
لكن ينبغي استثناء ما تراه قبل ان يمضي أقل الطهر بعد الحيض مما أمكن ان يكون حيضا، فإنه ملحق بالحيض الأول للموثق و الحسن المتقدم(1)و إجماعي المعتبر و المنتهى، و قد ينزل عليه إجماع الشيخ في الخلاف، و ان أمكنت المناقشة فيما تراه من الصفرة و الكدرة بعد أيامها بل في سائر الدم الذي تراه بعد العادة و أيام الاستظهار، للأخبار(2)الدالة على نفي الحيض في ذلك، لكن الأقوى ما ذكرنا و استثناء ما تراه قبل العادة بيوم أو يومين من الصفرة و الكدرة للأخبار(3)أيضا، و أين هذا من تلك القاعدة المجملة أي إجمال، لكن الجرأة على خلاف ما عليه الأصحاب سيما بعد نقلهم الإجماع نقلا مستفيضا معتضدا بتتبع كثير من كلمات الأصحاب لا يخلو من إشكال، و خصوصا بعد ما سمعت من الإشارات المتقدمة في الروايات، إلا انه ينبغي القطع بعدم إرادة العموم منها على الوجه الذي فهمه بعض متأخري المتأخرين حتى تمسك بها في نفي الشرائط حيث تدعى كالتوالي و نحوه و فيما يرى من الدم قبل إحراز ما علم شرطيته و نحو ذلك، لعدم الدليل حتى الإجماع المدعى، فالأولى حملها حينئذ على إرادة ما علم إمكانية حيضه، كأن تراه البالغة غير الآئسة مثلا ثلاثة أيام و لم يكن معارضا بإمكان حيض آخر فإنه حيض، و أما ما لم يعلم حاله انه ممكن أو مستحيل لعدم العلم بإحراز الشرط فلا يحكم بحيضيته، و قد يدعى ان هذا هو معنى القاعدة، إذ ليس المراد ان الإمكان مجرد الاحتمال الناشئ من جهل الشخص مثلا، بل المراد انه بعد العلم باتصاف
ج3،
الدم بصفة الإمكان، و في مثل الفرض المذكور لم يكن كذلك، فتأمل جيدا.
و تصير المرأة ذات عادة بتكرر الحيض منها على الوجه الذي تسمعه مرتين فصاعدا لا بالمرة الواحدة إجماعا محصلا و منقولا كما عن أكثر العامة، خلافا لبعضهم فاجتزى بها، و ربما نقل عن بعض أصحابنا أيضا، و هو مع منافاته لمبدإ اشتقاق العادة باطل عندنا لما سمعت، و للأخبار(1)المعتبرة، كاشتراط الثلاثة، فإنه لا يشترط باتفاقنا كما في الذكرى، و منه يظهر انه لا وجه لاحالة ذلك على العرف كما في غير عادة الحيض، مضافا الى الروايات، (منها) ما في
مرسل يونس(2)عن الصادق (عليه السلام) حيث قال في المبتدأة: «فإن انقطع في أقل من سبع أو أكثر فإنها تغتسل ساعة ترى الطهر و تصلي، فلا تزال كذلك حتى تنتظر ما يكون في الشهر الثاني، فإن انقطع الدم لوقته في الشهر الأول سواء حتى توالى عليها حيضتان أو ثلاث فقد علم الآن ان ذلك قد صار لها وقتا و خلقا معروفا تعمل عليه و تدع ما سواه- الى ان قال-: و انما جعل الوقت ان توالى عليها حيضتان أو ثلاث لقول رسول الله (صلى الله عليه و آله) للتي تعرف أيامها: دعي الصلاة أيام أقرائك، فعلمنا انه لم يجعل القرء الواحد سنة، فيقول لها:
دعي الصلاة أيام قرئك، و لكن سن لها الأقراء، و أدناه حيضتان فصاعدا»
الى آخره.
(و منها)
موثق سماعة بن مهران(3)«إذا اتفق شهران عدة أيام سواء فتلك أيامها».
فتحصل منهما مع الإجماع السابق ان المرأة تكون ذات عادة بالمرتين، و ذلك بان ترى الدم دفعة ثم ينقطع على أقل الطهر فصاعدا ثم تراه ثانيا بمثل تلك العدة فإن كان ذلك مع اتحاد الوقت كأن يكون في أول الشهر مثلا كانت وقتية عددية، و إلا كانت عددية فقط، و قد تكون وقتية كذلك فيما إذا رأته مع اتحاد الوقت و اختلاف العدد، لكن لا تدخل هذه في عبارة المصنف إلا ان الأقوى ثبوتها و جريان حكم التحيض
ج3،
بمجرد رؤية الدم فيه عليها، نعم لا يجري عليها حكم الرجوع الى أيام العادة مع تجاوز الدم العشرة كما كان يجري ذلك في العددية، نعم هما معا يجريان على الوقتية العددية، و لذا كانت أنفع الأقسام الثلاثة.
و ما عساه يظهر من بعضهم بل كاد يكون صريح السرائر من حصر العادة فيها ضعيف جدا، لمنافاته إطلاق اسم العادة و أخبارها الواردة فيها و خصوص الخبرين المتقدمين و كلام
الأصحاب، كاحتمال قصر ذات العادة على العددية فقط من غير نظر الى الوقت، و انه يدور عليه حكم التحيض بمجرد الرؤية و نحوه من أحكامها، كما عساه يظهر من المصنف و غيره، و يشهد له إطلاق الرواية السابقة، و عدم انضباط وقت خاص للعادة، إذ هي قد تتقدم و تتأخر، و ذلك لأنه يؤول إلى التزام أحد أمرين، إما ثبوت عادة في الوقت من غير تكرير، و هو كما ترى مخالف لصدق اسم العادة، و لصريح كلام الأصحاب، و لما عساه يظهر من الأخبار، سيما مرسل يونس الطويل كما لا يخفى على من لاحظه بتمامه، و إما عدم ثمرة لذلك بأن يقال إن أقصاها التحيض برؤية الدم في ذلك الوقت، و نحن نقول به و ان لم يتكرر الوقت، كما إذا جاءها الدم في أول الشهر مثلا عددا معينا، ثم في وسط الشهر الثاني كذلك، فانا نحكم بتحيضها في الثالث بمجرد الرؤية و ان كان في الآخر، لصيرورة الشهر لها مثلا أو مضي أقل الطهر فصاعدا كالوقت، و لأنها ليست من المبتدأة قطعا و لا من المضطربة.
و فيه انه مع التسليم لا تنحصر الفائدة في ذلك و ان ذكرها بعضهم ثمرة هنا، بل لها فوائد أخر لا تقوم عادة العدد مقامها، (منها) انه لو تجاوز الدم في المرأة و رجعناها الى مقدار من العدد فإنه حيث لا تكون لها عادة في الوقت كانت مخيرة في وضعها أين ما شاءت من أيام الدم، بخلاف ما إذا كانت لها عادة في الوقت، فانا نوجب عليها مراعاة الوقت، و (منها) تعارض العادة مع التمييز، كما لو فرض كون الجامع
ج3،
للصفات متقدما مثلا على معتادها من الوقت، فإنه يجيء الخلاف في تقديم التمييز عليها و عدمه، الى غير ذلك، فظهر أن الأقوى ثبوت الأقسام الثلاثة كما صرح به جماعة من المتأخرين، و يظهر من مطاوي كلمات غيرهم كما انه يظهر ذلك من فحاوي كثير من أخبار الباب، و ان مدارها على التكرر مرتين، ان وقتا فوقتا و ان عددا فعددا، مضافا الى صدق اسم العادة و أيام أقرائها، و نحو ذلك من إطلاق الأدلة.
و منه ينقدح إمكان إثبات عادات أخر كتكرر آخر الحيض مثلا مرتين، كأن ينقطع في السابع من الشهر، ثم ينقطع في الشهر الثاني كذلك و ان اختلف العدد، إذ لا فرق بين انضباط أول الحيض و انضباط آخر الحيض، و كذلك بالنسبة إلى وسط الحيض إلا أني لم أعثر على أحد من الأصحاب أثبت ذلك أو رتب حكما عليه مع تصور بعض الثمرات له، فتأمل جيدا. نعم لا يثبت الوقتية عددية كانت أيضا أو لا إلا بحصول التكرر مرتين في الشهرين فصاعدا هلاليين، إذ لا يمكن اتحاد الوقت في الشهر الواحد بخلاف العددية، فإنها تثبت بالشهر الواحد، كما لو رأت في أوله خمسة مثلا ثم مضى أقل الطهر و رأت خمسة و انقطع، فإنها تثبت بذلك، و ما ذكر في الروايتين من الشهرين فخارج مخرج الغالب في النساء، و كل ما كان كذلك من قيد أو صفة أو غيرهما لا عبرة بمفهومه، و لذا يحكم بحصول العادة برؤية الدمين المتساويين فيما يزيد على شهرين، فما ينقل عن بعضهم من اشتراط الشهرين الهلاليين فصاعدا في تحقق العادة لظاهر الخبرين المتقدمين ضعيف، لصدق اسم العادة و تصريح كثير من الأصحاب به، و مثله في ذلك ما عساه يظهر من آخر من الاجتزاء بالشهر الواحد في مطلق أقسام العادة، لما عرفت من عدم إمكان تماثل زماني الدم إلا بالشهرين الهلاليين فصاعدا، و ما يقال: ان المراد بالشهر في النص و الفتوى انما هو الشهر الحيضي أي ثلاثة عشر يوما لا الهلالي يدفعه انه ارتكاب للتجوز من غير قرينة، بل مع ظهور خلافها، لما عرفت
ج3،
من ان الغالب في النساء انما هو في كل شهر حيضة كما هو المعروف، و أشارت إليه بعض الأخبار(1)و يشهد له الحكم بتحيض المتحيرة في كل هلالي مرة، و غير ذلك، على انه ينبغي انحصار الوقتية مثلا في من رأت أول الشهر الحيضي مرتين، أما لو رأت في أول هلالين أو غير ذلك فلا، و هو كما ترى يمكن تحصيل الإجماع على خلافه، و احتمال القول ان المراد بالشهر الأعم من الهلالي و الحيضي يدفعه انه لو جاز مثل ذلك على عموم المجاز لكنه موقوف على القرينة، و هي مفقودة.
و لعل الأقوى في النظر ارتفاع النزاع في المقامين على ان يكون مراد المانع من حصول العادة بالشهر الواحد انما هو الوقتية، و مراد المثبت انما هو العددية كما لا يخفى على من أعطى النظر حقه في كلماتهم، و منه يظهر لك كثير خبط و خلط في كلام جملة من متأخري المتأخرين، نعم قد يظهر من الشيخ في المبسوط ثبوت العادة الوقتية بتساوي الحيض و الطهر مرتين من دون النظر إلى الهلالي، فإنه قال: «إذا رأت المبتدأة دم الحيض خمسة أيام و عشرة أيام طهرا بعد ذلك، ثم رأت خمسة أيام دم الحيض، ثم رأت عشرة أيام طهرا، ثم استحيضت فقد حصل لها عادة في الحيض و الطهر، تجعل أيام حيضها خمسة أيام و أيام طهرها عشرة أيام، و كذلك إن رأت دم الحيض خمسة أيام و خمسة و خمسين يوما طهرا، ثم رأت خمسة أيام حيضا و خمسة و خمسين يوما طهرا، ثم استحيضت تجعل حيضها في كل شهرين خمسة أيام، لأن ذلك صار عادتها» انتهى.
و فيه مع إمكان تأويله ان المستفاد من الأدلة كالخبرين السابقين و غيرهما ان تكرر الحيض مرتين مثبت عادة فيه، و أما ان ذلك يثبت عادة في الطهر أيضا لو فرض تساويهما كالحيض فممنوع لا دليل عليه، و كيف مع أن أقصى عادة وقت الحيض انما هو إثبات حيضية ما فيها، و انها مقدمة على غيرها عند التعارض، و إلا فهي لا تنفي حيضية ما أمكن
1) 1 الوسائل- الباب- 9- من أبواب الحيض.
ج3،
من غيرها، فحينئذ ترجع من استمر بها الدم فيما فرضه من المثال الثاني بعد أن تحكم بحيضية خمسة و مضي أقل الطهر الى ما يقتضيه الأدلة من الأوصاف أو غيرها، فتأمل جيدا.
لكن الإنصاف انه مع تكرر ذلك أي الطهر المتساوي و الحيض لها زمانا كثيرا.
يحصل به الاعتياد العرفي لا أرى مانعا من الالتزام به، إذ يصدق عليها حينئذ انها تعرف أيامها و وقتها و أقرائها، بل قد تكون هذه أقوى من غيرها في معرفة ذلك، كما إذا مضى عليها السنون المتعددة في هذا الحال، و حينئذ يحمل ما في الروايات على إرادة الاعتياد الشرعي، و هو التكرر مرتين، و ذلك مخصوص بالحيض، و إلا فالاعتياد العرفي لا ينضبط، فلا يكون حينئذ فيها دلالة على نفي ذلك، فتأمل فإنه نافع جدا.
و كيف كان فهل يشترط في تحقق الوقتية تكرر الطهرين متساويين وقتا كما عساه يظهر من الشهيد في الذكرى، و مقتضاه عدم ثبوتها إلا بالدور الثالث، فان انتهى الطهر الثاني بانتهاء الطهر الأول ثبتت، و إلا فلا؟ الأقوى عدمه، لصدق معرفة الوقت و انضباطه بدونه، و هو الظاهر من ملاحظة الأخبار(1)أيضا، و قال في الذكرى بعد ان نقل عن العلامة ما اخترناه من عدم الاشتراط: «و تظهر فائدته لو تغاير الوقت في الثالث، فان لم يعتبر استقرار الطهر جلست لرؤية الدم، و ان اعتبرناه فبعد الثلاثة أو حضور الوقت، هذا إن تقدم، و لو تأخر أمكن ذلك استظهارا، و يمكن القطع بالحيض، لأن تأخر وقته يزيده انبعاثا» انتهى. و تبعه في ذلك شيخنا في الرياض، و فيه ان إثبات الوقتية بما ذكرناه لا يستلزم تحيضها برؤية الدم و لو في غير الوقت، بل أقصاه ثبوت ذلك فيه، و أما في غيره فهي كالمبتدأة أو المضطربة كما يقتضيه ظاهر بعض كلمات الأصحاب، و صرح به في جامع المقاصد و غيره، كما انه هو أي الشهيد لا يحيضها بالرؤية في غير الوقت في الدور الرابع مثلا و ان تكرر الطهر متساويا و صارت به وقتية.
1) 1 الوسائل- الباب- 7 و 15- من أبواب الحيض.
ج3،
نعم تظهر الثمرة بين القولين بالنسبة للتحيض في الرؤية بما إذا رأت بعد الدور الثالث الذي فرض فيه الاختلاف دما في وقت الحيضتين الأولتين، فانا نحيضها بمجرد الرؤية و ان لم يستقر الطهر بخلافه هو، و هناك ثمرات أخر لا تخفى على المتأمل، هذا.
مع احتمال ان يكون مراد الشهيد باشتراط تساوي الطهرين وقتا انما هو بالنسبة للتحيض بمجرد الرؤية في الدور الثالث، فإنه بدون ذلك كما لو انتهى الطهر الثاني قبل انتهاء الأول بأن رأت الحيض قبل وقته مثلا لا يحكم بالتحيض، بل يجب عليها الصبر إلى ثلاثة إن أوجبناه في المبتدأة، فحينئذ يرتفع الخلاف، بل لعله الظاهر من كلامه كما لا يخفى على من تأمل عبارة الذكرى حق التأمل، فإنها في المقام في غاية الإشكال تركنا التعرض لها خوف الإطالة، و كأن الذي حداه على ذلك مع انه لا محصل له هو ما ظنه من العلامة من انه لا يشترط في الوقتية تساوي الطهرين وقتا بحيث يحيضها بمجرد رؤية الدم الثالث و ان لم يكن في الوقت، و هو و ان كان اشتباها في كلام العلامة لكنه يرتفع به خلافه حينئذ، و ليتأمل جيدا فان كلامهم في المقام لا يخلو من اضطراب، و التحقيق ما ذكرنا.
ثم ان الظاهر من الخبرين(1)المتقدمين سيما مرسل يونس انه يشترط في العادة وقتية كانت أو عددية توالي الحيضتين المتحدتين بحيث لا يفصل بينهما حيضة تنافي ذلك، و به صرح غير واحد من الأصحاب، فحينئذ لا يتم ما ذكره في المنتهى و غيره من ثبوت العادة بتكرر المختلف، كأن ترى الدم مثلا في شهر ثلاثة و في آخر خمسة و في الثالث سبعة، ثم ترى ثلاثة أشهر على هذا الترتيب، لعدم تحقق التوالي في حيضتين منها، و تحققه بالنسبة للمجموع غير مجد، نعم لو تكرر ذلك منها مرارا متعددة بحيث يثبت بها الاعتياد العرفي أمكن ان يدعى ذلك كما ذكرناه سابقا في كلام الشيخ المتقدم،
1) 1 الوسائل- الباب- 7- من أبواب الحيض.
ج3،
إذ يصدق عليها انها تعرف وقتها و أيام أقرائها، و يحمل حينئذ ما في الروايات على إرادة ضبط الاعتياد شرعا، و إلا فالعرفي موكول الى العرف، و لا يكون المقصود منها نفي هذا الضبط العرفي، فتأمله جيدا فإنه نافع جدا في مثل هذه المقامات.
و هل يثبت أقل العدد المتكرر كما في كل ما كان من هذا القبيل من تكرر العدد المختلف كأن رأت مثلا خمسة أيام ثم رأت سبعة؟ وجهان، أقواهما العدم، لعدم صدق الاستواء و الانقطاع لوقته الموجود في الروايتين المتقدمتين المؤيد بما يظهر من غيرهما من الروايات، خلافا لما عساه يظهر من بعضهم من الاكتفاء بذلك، للتكرر و عموم خبر الأقراء(1)و هما كما ترى، و كذلك لا يثمر في أقوى الوجهين تكرر بعض الوقت في ثبوت الوقتية إذا لم يحصل الاتحاد في الأول، بأن يكون رأت مثلا في أول شهر ستة ثم رأته في آخر سابقا على أوله بثلاثة، فإنه لا يجدي في صيرورة الثلاثة التي اتفقن فيهما عادة في أول الشهر، نعم لا عبرة في ثبوت كل من أقسام العادة باختلاف لون الدم بعد فرض انقطاعه عن العشرة و الحكم بحيضيته، كما لا عبرة بالكسور زيادة و نقيصة في وجه، بل و لا بالنقاء المتخلل بعد الحكم بحيضيته و ان كان الأقوى عدم احتسابه في أيام العادة، لظهور نصوص العادة في الدم الحيضي لا في التحيض الشرعي.
ثم هل تثبت العادة في مستمرة الدم التي يدور تحيضها على الأوصاف برؤيتها للجامع مثلا في أول الشهرين عدة أيام سواء؟ وجهان، يظهر من بعضهم الأول، فيكون المدار حينئذ على تكرر ما تثبت حيضيته من المستمر باعتبار الأوصاف، إما لجامعيته مع سلب غيره أو لأكثريته أو لاشتماله على الأشد أو نحو ذلك، بل يكفي وجوده في أول هذا الشهر أسود و في الآخر أحمر أو أشقر أو نحو ذلك مع فرض عدم معارضته
1) 1 الوسائل- الباب- 5- من أبواب الحيض.
ج3،
بغيره، و فيه من الاشكال ما لا يخفى، لعدم تناول الخبرين السابقين له، مع ظهور غيرهما في عدمه، كالأخبار(1)الآمرة بالرجوع إلى الأوصاف، إذ هي متناولة بإطلاقها ما لو تكرر الجامع مثلا مرتين ثم اختلف محله أو عدده في الدور الثالث، فإنه يجب اتباع الأوصاف أين ما كانت تكررت أولا، و منه تعرف ضعف التفصيل بين الجامع و غيره، فتثبت العادة بالأول دون غيره، لمكان حصول الظن بالحيضية من جهته بخلاف غيره، و فيه- مع منع انحصار الظن به فقط لحصوله في الأشد و الأكثر أيضا و ان كان في الأول أقوى- انا نمنع ابتناء أمر العادة على الظنون بالموضوع، بل انما هي حكم تعبدي يدور مدار الدليل، و هو في المقام مفقود، بل الظاهر انه على عدمه موجود، لكن نقل عن العلامة في المنتهى نفي الخلاف عن ثبوت العادة بالتمييز، فان تم إجماعا و إلا فللنظر فيه مجال، مع انه لو ثبت العادة بمثل ذلك لوجب ثبوتها أيضا بالرجوع إلى عادة نسائها مرتين، بحيث لو حصل لها التمييز بعد ذلك لا تلتفت إليه، و فيه ما لا يخفى. اللهم إلا ان يقال: ان ذلك من التحيض الشرعي لا الحيض الحقيقي و أخبار العادة في الثاني لا الأول، و هو شامل بإطلاقه و لو بضميمة نفي الخلاف المزبور الحيض الحاصل بالتمييز، و الله العالم.
مسائل خمس:
(الأولى) ذات العادة وقتا و عددا تترك الصلاة و الصوم برؤية الدم في وقت العادة إجماعا كما في المعتبر و المنتهى و التذكرة و غيرها، و ل
صحيح ابن مسلم(2)قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة في أيامها فقال: لا تصلي حتى تنقضي أيامها»
و
مرسل يونس(3)عنه (عليه السلام) أيضا «كل ما رأت المرأة في أيام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض»
و نحوهما
ج3،
غيرهما، حتى انه قال
في جامع المقاصد: «قد تواترت الأخبار(1)عن النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) بوجوب الجلوس برؤية الدم أيام الأقراء»
قلت: و يؤيده أن المعتاد كالمتيقن، و منه يظهر ان مثلها في هذا الحكم معتادة الوقت دون العدد كما صرح به بعضهم. و يستفاد من إطلاق بعض الأخبار(2)بل قد يدعى دخولها في معقد إجماع المنتهى و غيره، حيث قال: و تترك ذات العادة الصلاة و الصوم برؤية الدم في وقت عادتها، و هو قول كل من يحفظ عنه العلم، على انه من المعلوم انه لا مدخلية لانضباط العدد في تحيض المتقدمة، بل ليس إلا انضباط الوقت كما هو واضح.
نعم يقع الإشكال في معتادة العدد، فان ظاهر المصنف دخولها في هذا الحكم، بل قد عرفت ان عبارته الأولى سابقا كالصريحة في كون مدار العادة على انضباط العدد، مع ان المتجه فيها كما هو ظاهر بعض و صريح آخر ان تكون كالمبتدأة و المضطربة، بل هي قسم من الثانية بالنسبة للوقت على بعض التفاسير لها، كما انها بالنسبة للأولى كذلك أيضا، اللهم إلا ان يستأنس له بعد الإجماع المدعى في العبارة، و صدق اسم ذات العادة عليها بما دل على التحيض بمجرد الرؤية في معتادة الوقت لو رأت ذلك قبل وقتها، ك
خبر علي بن أبي حمزة(3)قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) و أنا حاضر عن المرأة ترى الصفرة، فقال: ما كان قبل الحيض فهو من الحيض، و ما كان بعد الحيض فليس منه»
و
مضمرة معاوية بن حكيم(4)قال: «قال: الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من الحيض، و بعد أيام الحيض ليس من الحيض، و هي في أيام الحيض حيض»
و
موثقة أبي بصير(5)عن الصادق (عليه السلام) «في المرأة ترى
ج3،
الصفرة فقال: ان كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض، و ان كان بعد الحيض بيومين فليس من الحيض»
و
خبر سماعة(1)قال: «سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها، قال: فلتدع الصلاة، فإنه ربما تعجل بها الوقت»
بتقريب ان يقال:
انه لو كان مدار التحيض بالرؤية على الوقت لما حكم في هذه بذلك و ان لم تره فيه.
ثم انه يستفاد منها أيضا التحيض لذات العادة الوقتية بمجرد الرؤية و ان تقدم على العادة، قيل و مثله لو تأخر، بل هو أولى لأن تأخره يزيده انبعاثا، فيكون الحاصل حينئذ تحيض ذات العادة العددية بمجرد الرؤية، و كذا الوقتية عددية كانت أو لا لو رأته متقدما على وقتها أو متأخرا من غير فرق بين جامعية الدم للصفات و عدمها، و سواء قلنا بتحيض المبتدأة و المضطربة بمجرد الرؤية أو لم نقل، و هو لا يخلو من نظر بالنسبة للقسم الأول ان لم يثبت إجماع كالثالث أيضا. و ما يقال: ان تأخره يزيده انبعاثا فيه انه لا يصلح لأن يكون مدركا لحكم شرعي مناف للأصول و القواعد القاضية بعدم الحيضية سيما بعد ما ورد ان الصفرة و الكدرة في غير أيام الحيض ليست بحيض، ك
قول الصادق (عليه السلام)(2): «ان رأت المرأة صفرة في غير أيامها توضأت و صلّت»
و نحوه غيره في إفادة ذلك، و يشهد له مفهوم
مرسل يونس(3)«إذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها تركت الصلاة، فإن استمر بها الدم ثلاثة أيام فهي حائض»
و منه يظهر ان الاشكال في إطلاق القسم الثاني فيما لم يكن مشمولا للأدلة السابقة من المتقدم على العادة بكثير، فإنه و ان كان بعضها مطلقا لكن منها ما يشك في شموله للصفرة كالخبر الأخير، و منها ما ليس كذلك كبعض أخبار الصفرة(4)إلا ان الظاهر منه بقرينة غيره إرادة
ج3،
ما كان قبل الحيض بقليل، لا أقل من أن يكون من المطلق و المقيد، بل احتمل في جامع المقاصد حمل هذا المطلق على إرادة ما إذا رأت قبل وقتها و علمته حيضا أو مضى ثلاثة أيام، و حمل المقيد على الإخبار عن الغالب، أي ان كان قبل الحيض بيومين ففي الغالب هو من الحيض، فلا دلالة حينئذ فيهما على ترك العبادة، على انه يحتمل في كثير منها إرادة قبل انقضاء الحيض، نعم يتم ذلك كله ان قلنا في المبتدأة بالتحيض عند رؤية الدم، إما لقاعدة الإمكان أو لإطلاق بعض الأخبار أو غير ذلك، و الكلام هنا الآن في الحكم بالتحيض و ان لم نقل بالتحيض هناك كما هو المفروض في كلمات بعض الأصحاب، فما وقع من بعضهم من الاستدلال عليه بأدلة المبتدأة ليس في محله.
و كيف كان فلم نجد دليلا تختص به المعتادة العددية فقط أو الوقتية إذا تقدم رؤية الدم بما لا يدخل تحت مضمون الأخبار المتقدمة مما يتسامح فيه ذوات العادة كاليوم و اليومين و نحوهما، أو تأخر كذلك عن المبتدأة بحيث يثبت الحكم فيها و ان لم نقل بالثانية، نعم هما يشتركان فيما ستسمعه من الأدلة، فلا يتجه حينئذ الحكم بالتحيض في الأولى و التردد في الثانية، بل المتجه إحالتها عليها كما صرح به بعضهم لكن كان عليه استثناء اليوم و اليومين و نحوهما في التقدم و التأخر مما يتعارف في ذوات العادات، بل لعل مثله يدخل فيما دل على العادة إذ المراد بأيام حيضها و بوقته أوانه و حينه.
و في تحيض المبتدأة بمجرد رؤية الدم مطلقا أو حتى يمضي ثلاثة أيام كذلك أو يفصل بين الجامع و غيره أو بين الأفعال و التروك أقوال، منها و من أدلتها يكون الفقيه في تردد كما في النافع، و يظهر الأول من الهداية و المبسوط و الجامع و عن الإصباح كما هو صريح غيرها، بل نسبه في الرياض إلى الشهرة تبعا للمولى الأعظم شارح المفاتيح، كما ان الثاني صريح الكافي و السرائر و المعتبر و التذكرة و جامع المقاصد، و هو المنقول عن ابن الجنيد و علم الهدى و سلار، و قد يظهر الثالث من بعض عبارات
ج3،
المقنعة و من المختلف و المنتهى و صريح المدارك و الكفاية و عن الذخيرة و المفاتيح، بل في المدارك ان محل النزاع في الجامع دون غيره، و قد يظهر من المختلف ذلك، فإنه بعد ان ذكر محل النزاع فيما تراه المبتدأة و لم يقيده و اختار التحيض استدل عليه بأخبار الصفات لكن يحتمل ذلك منه انما هو لإرادة إثبات بعض المطلوب، و تتميمه بعدم القول بالفصل.
و كان الرابع يظهر من الشهيد في البيان و الدروس و غيره، و لعل الأقوى في النظر التحيض بالرؤية في الجامع للصفات أخذا بأخبارها، فإنها كالصريحة في ذلك، و ما يقال:
انها ظاهرة في مستمرة الدم يدفعه ان ذلك انما وقع في أسؤلة بعضها، فلا يصلح لأن يحكم على ما في الجواب عنه فضلا عن غيره، و لذا استدل بها العلامة و غيره، و كذا ما يقال: انها محمولة على ذات العادة أو مستمرة الثلاثة، فإن ملاحظتها ينفي ذلك و أما الفاقد فالظاهر فيه وجوب الانتظار إلى ثلاثة، للأصول و القواعد القاضية بنفي الحيضية، و مفهوم
قول الصادق (عليه السلام) في صحيح حفص(1): «ان دم الحيض حار عبيط أسود، له دفع و حرارة، و دم الاستحاضة أصفر بارد، فإذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة»
و نحوه غيره، و مفهوم
قوله (عليه السلام) في مرسل يونس في وجه: «فإذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها تركت الصلاة، فإن استمر بها الدم ثلاثة أيام فهي حائض»
الى آخره. و لظهور كثير من الروايات في عدم جريان أحكام الحيض على ما تراه المرأة من الصفرة ك
قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم(2):
«ان رأت الصفرة في غير أيامها توضأت و صلّت»
و
خبر إسحاق بن عمار(3)قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحبلى ترى الدم اليوم و اليومين، قال: ان
ج3،
كان الدم عبيطا فلا تصلي ذينك اليومين، و ان كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين»
الى غير ذلك من الأخبار(1)بل يظهر من بعضها(2)عدم دخول الصفرة تحت إطلاقات الدم، لمقابلته بها في بعضها.
و منه تعرف ما في استدلال كثير منهم للقول الأول بما دل على الإفطار و نحوه برؤية الدم، ك
قول الباقر (عليه السلام)(3)في الموثق و قد سئل عن المرأة التي ترى الدم في النهار في شهر رمضان غدوة أو ارتفاع النهار أو الزوال قال: (تفطر)
و نحوه ما
في آخر(4)عنه (عليه السلام) أيضا و فيه «انما فطرها من الدم»
الى غير ذلك من الأخبار ك
قوله (عليه السلام)(5)«أي ساعة ترى المرأة الدم فهي تفطر الصائمة إذا طمثت»
و ربما استدل أيضا ب
موثقة سماعة(6)قال: «سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض تقعد في الشهر يومين، و في الشهر ثلاثة، يختلط عليها لا يكون طمثها في الشهر عدة أيام سواء، قال: فلها ان تجلس و تدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم تجز العشرة، فإذا اتفق شهران عدة أيام سواء فتلك أيامها»
و
موثقة ابن بكير(7)عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا رأت المرأة الدم في أول حيضها و استمر الدم تركت الصلاة عشرة أيام»
إلى آخرها. و
موثقته الأخرى(8)قال: «في الجارية أول ما تحيض يدفع عليها الدم، فتكون مستحاضة، إنها تنتظر بالصلاة، فلا تصلي حتى يمضي أكثر ما يكون من الحيض، فإذا مضى ذلك و هو عشرة أيام فعلت ما تفعله المستحاضة»
إلى آخرها و بقاعدة الإمكان، و بأخبار التمييز(9)مع التتميم بعدم القول بالفصل.
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب الحيض.
2) 2 الوسائل- الباب- 4- من أبواب الحيض- حديث 8.
3) 3 الوسائل- الباب- 50- من أبواب الحيض- حديث 4.
4) 4 الوسائل- الباب- 50- من أبواب الحيض- حديث 7.
5) 5 الوسائل- الباب- 50- من أبواب الحيض- حديث 3.
6) 6 الوسائل- الباب- 14- من أبواب الحيض- حديث 1.
7) 7 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحيض- حديث 6.
8) 8 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحيض- حديث 5.
9) 9 الوسائل- الباب- 3- من أبواب الحيض.
ج3،
و في الكل نظر، أما الأولى فمع الإشكال في دخول الصفرة تحت إطلاق الدم ان المساق منها إرادة الحيض كما يقضي به تعريف الدم، بل لعله المنساق و المتبادر كما يشهد له ملاحظة العرف في هذا الزمان، كقولهم جاء المرأة الدم و انقطع الدم عنها و نحو ذلك، و يشعر به أيضا انها مساقة لبيان ان الحيض يفطر الصائمة في سائر أوقات النهار، على ان الاستدلال في جملة منها انما هو بترك الاستفصال عن كون الدم جامعا أو لا، و كونها ذات عادة أو لا، و لا يخفى على من لاحظ السؤال ظهور كون المراد ان الحيض يفطر الصائمة في أي وقت رأته من النهار، بل كاد يكون ذلك مقطوعا به، فمن العجيب ما وقع لبعضهم من الاستدلال بها سيما بالرواية الأخيرة مع قوله (عليه السلام) فيها: (إذا طمثت) الى آخره. و أما موثقة سماعة فهي مع جريان ما قدمنا فيها ظاهرة في ان الجارية عارفة بكونه طمثا، لكنها لما لم ينضبط عدد أيامها لم تعرف مقدار ما تقعد و تترك الصلاة، فأجاب (عليه السلام) (أنها تجلس) الى آخره، على انها محتملة لأن تكون ذات عادة وقتية و ان لم تضبط عددها، كما لعله يشير إليه السؤال. و أما موثقة ابن بكير فهي بالدلالة على خلاف المطلوب أولى، لما فيها من اشتراط الترك بالاستمرار، و قوله (ع): (أول حيضها) و كذلك الموثقة الأخرى، على انه ليس فيها بيان ابتداء ترك الصلاة، و الحاصل انه لا ينبغي الإشكال في عدم دلالة شيء من هذه الروايات على ما نحن فيه سيما الروايات الأخيرة كما لا يخفى على من لاحظ ذيولها، فانا لم ننقله خوف الإطالة. مضافا الى معارضتها بما سمعت من الأخبار و غيرها، لا أقل من ان يكون لفظ (الدم) و (الحيض) فيها منصرفا الى الغالب، و هو الجامع دون غيره، و أما التمسك بقاعدة الإمكان فقد عرفت سابقا ان أقصى ما يمكن تسليمها انما هو بعد استقرار الإمكان و معرفة كونه متصفا به لا مع احتمال كونه مستحيلا.
لا يقال: ان قضية ذلك عدم الحكم بالحيضية حتى لو تمت الثلاثة، لاحتمال تجاوزه
ج3،
عن العشرة، و رؤيتها للجامع للصفات بعد ذلك فتحيض به، بل مقتضاه أيضا عدم الحكم حتى في المنقطع قبل العشرة، لاحتمال رؤيتها أيضا قبل ذلك ما تتحيض به. لأنا نقول: أما أولا فبإمكان التزام ذلك لو لم يكن الإجماع على خلافه. و أما ثانيا فبما أجاب به المصنف في المعتبر، و حاصله ان المقتضي لصلاحية كونه حيضا من توالي الثلاثة قد تحقق، و احتمال وجود ما ينافيه من التجاوز منفي بأصالة عدمه سيما بعد حصول الانقطاع.
و ما يقال: انه حسن لكنه لا يفيد اليقين بالحيضية الذي هو مدار استدلاله على عدم التحيض باستصحاب شغلها بالعبادة، و لا يسقط إلا بيقين المسقط ضعيف، للاكتفاء باليقين الشرعي، و الحاصل ان التوالي شرط فلا يحكم بالحيضية بدونه، و التجاوز مانع يمكن نفيه بالأصل. و أما ثالثا فبالفرق، و ذلك لأن النقصان عن الثلاثة كاشف عن استحالة كونه حيضا، بخلاف التجاوز و ان حكم شرعا بكون الزائد على العادة مثلا ليس بحيض من جهته، لكن ذلك لا ينافي إمكانه، إذ هو حكم شرعي ظاهري، و إلا ففي الواقع ممكن ان يكون حيضا إلى العشرة ثم امتزج به دم الاستحاضة بخلاف النقصان، فتأمل. و أما الاستدلال بأخبار الصفات مع التتميم المذكور فقد عرفت انه لا يرد على المختار، للالتزام بالقول بمضمونها، و ما يقال: من عدم القول بالفصل ممنوع، و كيف يدعى مثل ذلك في مثل هذه المسألة و هي مما يقطع بعدم حصول رأي المعصوم (ع) فيها بشيء، مع انه يمكن حمل كلام العلامة في المختلف و المنتهى عليه، لاستدلاله على المطلوب بأخبار الصفات، و احتمال إرادته إثبات بعض المطلوب معارض باحتمال عدمه، مع انك قد عرفت ان صاحب المدارك صرح ان محل النزاع بينهم انما هو في الجامع ناسبا له الى صريح المختلف و غيره، و انا و ان لم نقف على ذلك لكن كاد يكون صريحه في آخر كلامه، و كذلك العلامة في المنتهى، بل يمكن حمل عبارات الأصحاب عليه، لانصراف لفظ الدم اليه، و بعد ذلك كيف يمكن دعوى القطع بشيء من ذلك،
ج3،
فظهر لك حينئذ من جميع ما ذكرناه انه لا وجه لإطلاق الثاني، أي الحكم بعدم التحيض حتى في الجامع، لما عرفت من ظهور الروايات فيه، بل كادت تكون صريحة بحيث لا تقبل التأويل بإرادة تركها الصلاة و نحوها بعد الثلاثة أيام، و ان احتمله فيها بعض متأخري المتأخرين، لكنه بعيد جدا، و كذلك تعرف ما في القول الرابع من الفرق بين الأفعال و التروك، و مرجعه الى الاحتياط، و لا يخفى عليك ما فيه ان أريد به الوجوب في كل منهما، لعدم الدليل عليه في غير ما ذكرناه من المختار.
و إذ قد عرفت ذلك كله كان الأظهر انها يجب عليها ان تحتاط للعبادة في غير الجامع حتى تمضي لها ثلاثة أيام بخلاف الجامع و إن أمكن القول بأولوية الاحتياط فيه خروجا من شبهة الخلاف على إشكال ينشأ من كون الترك عزيمة على الحائض، و من انه لم يعلم كونها حائضا قبل حصول التوالي أيضا و ان ألزمناها بأحكام الحائض عند الرؤية، و من ظهور ان النزاع هنا في الوجوب و عدمه، و الأقوى في النظر انه لا يتجه لها الاحتياط بعد حصول الظن للفقيه بكونها حائضا برؤية الجامع، و سيما بعد اشتمال أخبار الصفات على الأمر بالترك عند وجودها الذي هو حقيقة في الوجوب، فما يظهر من الفاضل المعاصر في الرياض من مشروعية ذلك لها على هذا التقدير لا يخلو من نظر، ثم ان الظاهر إلحاق المضطربة بالمبتدأة فيما ذكرناه من المختار، لتناول ما عرفته من الأدلة في كل من قسمي المختار، و يأتي التنبيه عليه من المصنف، و ربما فرق في البيان و الدروس بينها و بين المبتدأة، فجعل تحيضها بما ظنته انه حيض و ان قلنا بالتربص للمبتدأة، و هو ضعيف.
و عرفت من ذلك كله حكم من لم يعرف لها عادة في الوقت، بل قد تدخل هذه في اسم المضطربة في بعض التفاسير أو عرفت و لم تره فيها بل كان متقدما عليها بما لم يتسامح فيه أو متأخرا عنه كذلك، لما ظهر لك انه لا دليل على شيء منها يختص به
ج3،
عنها، بل قد يظهر من بعض الأخبار خلافه، (منها) ما تقدم، و (منها) مفهوم
قول الصادق (عليه السلام) في خبر الحسن بن نعيم الصحاف(1): «إذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنه من الحيضة»
فكان المتجه فيها ما تقدم من المختار، و لا ينافي ذلك ما ذكره الأصحاب فيما يأتي، بل ادعى بعضهم عليه الإجماع من انها لو رأت ذات العادة المستقرة وقتا و عددا ذلك العدد متقدما على ذلك الوقت تحيضت بالعدد و ألغت الوقت، لأن العادة قد تتقدم و تتأخر، إذ لسنا نخالف في ذلك، انما الكلام في تحيضها بمجرد الرؤية أو الانتظار إلى الثلاثة حيث تراه متقدما أو متأخرا بما لا تسامح في مثله، و فرق واضح بين المسألتين فتأمل جيدا، فان كلام الأصحاب في المقام لا يخلو من تشويش و اضطراب.
المسألة الثانية لو رأت المرأة معادة كانت أو غيرها ثلاثة ثم انقطع فلا إشكال في كونه حيضا، و قد قطع به في التذكرة، و يدل عليه
صحيح يونس بن يعقوب (2)قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة، قال: تدع الصلاة»
الحديث. و لا فرق بين كونه جامعا أو لا بناء على الكلية السابقة. و كذا لو رأت بعد ذلك قبل العاشر أو العاشر نفسه من أول يوم ما رأت الدم ثم انقطع كان الكل من الدمين و النقاء حيضا بلا خلاف أجده بين الأصحاب، بل يظهر من بعضهم دعوى الإجماع عليه، كما هو صريح آخر من غير فرق بين الجامع و غيره، و لا بين ذات العادة و غيرها، ففي التذكرة «إذا رأت
ج3،
ثلاثة أيام متواليات فهو حيض قطعا، فإذا انقطع و عاد قبل العاشر و انقطع فالدمان و ما بينهما حيض» و في الخلاف «الإجماع على حيضية الجميع من الدم و النقاء فيما لو رأت دما ثلاثة أيام، و بعد ذلك يوما و ليلة نقاءا، و يوما دما الى تمام العشرة» و ربما استدل عليه مضافا الى ذلك بالكلية المدعاة سابقا القاضية بكون الدمين حيضا، فيتعين حينئذ حمل ما بينهما من النقاء عليه، لما دل(1)على ان الطهر لا يكون أقل من عشرة، و هو لا يخلو من تأمل، و الأولى الاستدلال عليه بما في
الصحيح أو الحسن(2)عن الباقر (عليه السلام) قال: «إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الأولى، و ان كان بعد العشرة فهو من الحيضية المستقبلة»
و نحوه غيره(3)في إفادة ذلك، و قد عرفت سابقا ضعف ما في الحدائق مما ينافي بعض ما نحن فيه، كدعوى كون مثل هذا النقاء طهرا، و كذا ما عساه يقال أيضا من الاشكال فيما إذا كان الدم الثاني أصفر و كان بعد أيام العادة، لما دل(4)على ان الصفرة بعد أيام الحيض ليست بحيض، بل و فيما تراه من الدم و ان لم يكن صفرة بعد الاستظهار لذات العادة بيوم أو يومين أو قبله، كل ذلك لما عرفت من انه لا مجال للشك عند الأصحاب في جريان الكلية المذكورة في مثل المقام، و قد سمعت دعوى الإجماع عليها من جماعة، مضافا الى ما سمعته من الصحيح المتقدم، و نحوه غيره مما يدل على بعض ذلك، لكن ذلك كله إذا لم يستمر الدم مجاوزا للعشرة، أما لو تجاوز العشرة رجعت الى التفصيل الذي نذكره إن شاء الله.
و لو انقطع للعشرة أو ما دونها و لما يفصل أقل الطهر ثم رأت بعد انقضاء العشرة
ج3،
دما فالظاهر من إطلاق الأصحاب هنا بل إجماعهم المدعى انه يحكم باستحاضته، و لا ينتقض ما حكمنا بحيضيته من الدم الأول و ان كانت الامرأة مبتدأة أو مضطربة و الدم الأول غير جامع و الثاني جامعا، و يدل عليه مضافا الى ذلك
قول أبي الحسن (عليه السلام) في خبر صفوان بن يحيى(1)قال: «قلت: إذا مكثت المرأة عشرة أيام ترى الدم ثم طهرت فمكثت ثلاثة أيام طاهرا ثم رأت الدم بعد ذلك أ تمسك عن الصلاة؟ قال: لا، هذه مستحاضة»
الى آخره. و لولاه لأمكن التأمل في مثل المبتدأة مع فرض كون الثاني جامعا و الأول غير جامع، إذ قاعدة الإمكان معارضة بمثلها، فلا ترجيح للأول على الثاني.
و أما لو تأخر بمقدار عشرة أيام التي هي أقل الطهر ثم رأت كان الأول حيضا منفردا و الثاني يمكن ان يكون حيضا مستأنفا إذا توالى ثلاثة أيام على المختار من محل القاعدة المتقدمة، و في تحيضها حينئذ بمجرد رؤياه و عدمه التفصيل الذي قد تقدم، فتأمل جيدا.
المسألة (الثالثة) إذا انقطع ظهور دم الحيض في المعتادة و غيرها لدون عشرة لا بعد تمامها، فإنه لا تجب عليها الاستبراء لكونها أكثر الحيض، و كانت مع ذلك تحتمل بقاءه في داخل الرحم ف الواجب عليها حينئذ بلا خلاف أجده سوى ما عساه يظهر من المنقول عن الاقتصاد للتعبير بلفظ (ينبغي) المشعر بالاستحباب الاستبراء أي طلب براءة الرحم ب إدخال القطنة و نحوها كما في الفقيه و الهداية و المقنعة و المبسوط و الوسيلة و الجامع و المعتبر و القواعد و المنتهى و جامع المقاصد و غيرها، بل نسبه في الذخيرة إلى الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه، و في الحدائق الظاهر انه لا خلاف فيه، ل
صحيح ابن مسلم(2)عن الباقر (عليه السلام) قال: «إذا أرادت
ج3،
الحائض ان تغتسل فلتستدخل قطنة، فان خرج فيها شيء من الدم فلا تغتسل، و ان لم تر شيئا فلتغتسل، و ان رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضأ و لتصل»
و نحوه غيره(1)في الأمر لها بذلك، و منه مع اعتضاده بفتوى الأصحاب يعرف ضعف ما سمعته عن الاقتصاد، إلا ان الظاهر قصره كغيره على احتمال وجود الدم، إذ احتمال التعبد المحض بعيد جدا، بل المستفاد منها خلافه، نعم قد يشكل الاعتماد على عادتها من الانقطاع ان لم يفدها ذلك قطعا.
ثم ان الظاهر من الصحيح المتقدم كالعبارة و غيرها من عبارات الأصحاب بل صرح به جماعة عدم إيجاب كيفية خاصة لوضع القطنة، و يؤيده مع ذلك الأصل مع اختلاف ما في ذلك من الأخبار و قصور بعضها عن الحجية، ف
في مرسل يونس(2)عن الصادق (عليه السلام) «انها تقوم قائما، و تلزق بطنها بحائط، و تستدخل قطنة بيضاء، و ترفع رجلها اليمنى، فان خرج على رأس القطنة مثل رأس الذباب دم عبيط لم تطهر، و ان لم يخرج فقد طهرت تغتسل و تصلي»
و في
خبر شرجيل الكندي(3)عنه (عليه السلام) أيضا «انها تعمد برجلها اليسرى على الحائط، و تستدخل الكرسف بيدها اليمنى»
و نحوه في رفع اليسرى ما عن الفقه الرضوي(4)و في
خبر سماعة(5)عنه (عليه السلام) أيضا ان «المرأة ترى الطهر و ترى الصفرة أو الشيء فلا تدري أطهرت أم لا؟ قال: فإذا كان كذلك فلتقم فلتلصق بطنها إلى الحائط، و ترفع رجلها كما رأيت الكلب يصنع إذا أراد ان يبول، ثم تستدخل الكرسف»
فكان الأخذ بإطلاق الصحيح المتقدم هو المتجه، و ما عساه يظهر من المنقول عن المقنع من الفتوى
ج3،
بمضمون خبر سماعة مع زيادة تقييد الرجل باليسرى ضعيف، و كذا ما يظهر من الفقيه من الجمع بين الأخبار بحمل الصحيح الأول على ما إذا لم تر صفرة، و ما في خبر سماعة من الكيفية المخصوصة على ما إذا رأت الصفرة، و الأولى حمل هذه الأخبار على الاستحباب و زيادة الاستظهار مع تأكده إذا رأت الصفرة و نحوها مما تحصل به الريبة.
و كيف كان فهل هذا الاستبراء شرط في صحة الغسل فلا يقع بدونه حتى لو استبرأت بعد ذلك و رأت النقاء ما لم تعلم تقدمه بل و لو علمت، لاحتمال كونه شرطا تعبديا أو لا؟ لم أعثر على كلام صريح للأصحاب في ذلك، إلا انه قد يظهر الأول من ملاحظة عباراتهم، و يؤيده استصحاب أحكام الحائض، و ما يظهر من النص و الفتوى، و لعله الأقوى، كما أنه يؤيد الثاني إطلاق ما ورد في كيفية الغسل، لكن ينبغي القطع بصحة الغسل مع فرض وقوعه على وجه تعذر فيه، كنسيان الاستبراء و نحوه ثم استبرأت بعد ذلك فوجدت النقاء و علمت مع ذلك تقدمه، إذ احتمال الشرطية التعبدية حتى بالنسبة الى ذلك بعيدة جدا، ثم انه على تقدير توقف صحة الغسل عليه فهل يسقط مع التعذر كعمى مع فقد المرشد و نحوه؟ وجهان أيضا، و يحتمل إيجاب الغسل عليها ثم العبادة احتياطا حتى تقطع بحصول النقاء فتعيد الغسل، فتأمل جيدا.
فان خرجت القطنة نقية من الدم و الصفرة اغتسلت وجوبا لما يجب فيه ذلك إجماعا في صريح المدارك و ظاهر غيره، و هو الحجة، مضافا الى ما تقدم من الصحيح و غيره، و الى ما دل على وجوب المشروط به، فلا استظهار هنا قطعا، و ما يظهر من السرائر من وجود القائل بذلك بل عن الشهيدين توهمه من عبارة المختلف لا يلتفت اليه، نعم يمكن القول به مع ظن العود كما في الدروس، مع ان الأقوى خلافه، إلا ان يكون لها اعتياد في هذا النقاء المتخلل بحيث تطمئن نفسها بعود الحيض فان تكليفها بالغسل حينئذ مع ذلك لا يخلو من تأمل بل منع، للشك في شمول الأدلة لمثلها.
ج3،
و إن كانت القطنة متلطخة و لو بمثل رأس الذباب بالدم أو الصفرة قطعا في الأول و على الأظهر في الثانية كما صرح به في الروض و غيره، و هو المنقول عن صريح سلار، و قد يكون مراد من عبر بالدم أيضا، لاستصحاب أحكام الحائض و غيره، و احتمال اقتصار الاستظهار الآتي على خروج الصفرة و الكدرة مثلا ظاهرا فلا يدخل فيه نحو ما يخرج على رأس القطنة، للشك في شمول أدلته له، كاحتمال اقتصاره على الدم العبيط، فلا يلتفت للصفرة مثلا مطلقا حتى لو خرجت بنفسها ظاهرا سيما إذا كان بعد انقضاء أيام العادة ضعيفان، لما عرفته من الاستصحاب، و إطلاق الأدلة مع الحكم بحيضية ما تراه من الصفرة في هذا الحال لقاعدة الإمكان، و ل
قول الصادق (عليه السلام) في صحيح سعيد بن يسار(1)قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تحيض ثم تطهر و ربما رأت بعد ذلك الشيء من الدم الرقيق بعد اغتسالها من طهرها، فقال: تستظهر بعد أيامها بيوم أو يومين، أو ثلاثة، ثم تصلي»
و لتعليق الاغتسال في
صحيح ابن مسلم(2)المتقدم على عدم رؤية شيء، و لا ينافيه قوله (عليه السلام) فيه بعده «و ان رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضأ و لتصل»
لإمكان تنزيله على معلومية عدم الحيض و غير ذلك، كما انه لا ينافيه أيضا ما في مرسل يونس(3)المتقدم سابقا من تعليق وجوب الغسل على (خروج شيء)(4)من الدم العبيط على القطنة، إذ قد تدخل الصفرة فيه و لو مجازا، أو ينزل على الغالب، أو غير ذلك، مع كونه غير جامع
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 8- و لا يخفى ان لفظة بيوم ليس في الوسائل و لكنه موجود في الاستبصار في باب الاستظهار للمستحاضة حديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 17- من أبواب الحيض- حديث 1.
3) 3 الوسائل- الباب- 17- من أبواب الحيض- حديث 2.
4) 4 كذا في نسخة الأصل و الصحيح عدم خروج شيء لأن وجوب الغسل في المرسل معلق على عدم الخروج.
ج3،
لشرائط الحجية، نعم قد ينافيه ما في جملة من الأخبار(1)التي مر بعضها ان الصفرة التي بعد الحيض ليست بحيض، لكن يحتمل تنزيلها على إرادة مضي أيام الحيض مع أيام الاستظهار، و لذا قال في الرياض: انها مخالفة للإجماع بسيطا أو مركبا، و لأخبار الاستظهار، فكان المتجه حينئذ حملها على ما ذكرنا.
و كيف كان فإنه متى خرجت القطنة متلطخة صبرت المبتدأة عن الاغتسال و فعل العبادة حتى تنقى أو تمضي عشرة أيام كما في القواعد و التحرير و الإرشاد و المدارك و كشف اللثام و الرياض، و هو الظاهر من السرائر و المعتبر و غيرهما، بل في المدارك انه إجماع، و في الدروس انه ظاهر الأصحاب في الدور الأول، و يدل عليه- مضافا الى ذلك و الى قاعدة الإمكان ان أجريناها في مثل هذا المقام لأصالة عدم التجاوز، و الى أخبار الصفات(2)في الجامع مع عدم القول بالفصل هنا- خصوص
قول الصادق (عليه السلام) في موثق ابن بكير(3): «إذا رأت المرأة الدم في أول حيضها و استمر الدم تركت الصلاة عشرة أيام»
و في
موثقة الآخر(4)قال في الجارية أول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة: «إنها تنتظر بالصلاة فلا تصلي حتى يمضي أكثر ما يكون من الحيض، فإذا مضى ذلك و هو عشرة أيام فعلت ما تفعله المستحاضة»
و قد يلحق بالمبتدأة من لم يستقر لها عادة في العدد، و ربما فسرت بما يشملها، و قد يشير الى الحكم فيها مضافا الى بعض ما تقدم
موثق سماعة (5)قال:
«سألته (عليه السلام) عن الجارية البكر أول ما تحيض تقعد في الشهر يومين و في الشهر
ج3،
ثلاثة يختلط عليها لا يكون طمثها في الشهر عدة أيام سواء، قال: فلها أن تجلس و تدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم تجز العشرة»
الى آخره. ثم انه هل يختص الحكم المذكور بالمبتدأة مثلا بالدور الأول أو يشمله و الدور الثاني، فيجب عليها الصبر حتى تنقى أو تمضي عشرة؟ وجهان، يؤيد الأول ما سمعته من الدروس ان ظاهر الأصحاب الدور الأول، مضافا الى ما عساه يظهر من أخبار المستحاضة(1)أي المستمر بها الدم، كما أنه يؤيد الثاني قاعدة الإمكان و غيرها.
و أما ذات العادة عددا وقتية كانت أو لا فل تغتسل عند النقاء أو مضي العشرة ان كانت عادتها بلا خلاف أجده، بل الظاهر انه إجماع، و هو المستفاد من
قول الصادق (عليه السلام) في مرسل عبد الله بن المغيرة(2): «إذا كانت أيام المرأة عشرة لم تستظهر، فإذا كانت أقل استظهرت»
و نحوه غيره(3)و منه يستفاد كغيره من الأخبار بل كاد يكون متواترا مضافا الى الإجماع محصلا و منقولا ثبوت الاستظهار لها بترك العبادة، و تأخير الغسل ان كانت أيامها أقل من عشرة، لكن هل تغتسل حينئذ بعد مضي يوم واحد، ل
قول الصادق (عليه السلام) في موثق إسحاق بن جرير(4): «إن كان أيام حيضها دون عشرة أيام استظهرت بيوم واحد»
و نحوه مرسل داود(5)مولى أبي المعزى، أو بيومين كما رواه زرارة في الحسن كالصحيح(6)مضمرا في الكافي و مسندا الى الباقر (عليه السلام) عن التهذيب، أو بثلاثة كما عن الصدوق، و رواه سماعة(7)في الموثق مضمرا، و محمد بن عمرو بن سعيد عن الرضا (عليه السلام)(8)، أو بعد مضي يوم أو يومين من عادتها
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض.
2) 2 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 2.
3) 3 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض.
4) 4 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 3.
5) 5 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 4.
6) 6 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 13.
7) 7 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 1.
8) 8 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 10.
ج3،
كما في النهاية و النافع و القواعد و التحرير و المختلف و ظاهر الوسيلة و عن الصدوق و المفيد، بل قيل انه المشهور ل
قول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة(1): «و المستحاضة تستظهر بيوم أو يومين»
و في
خبره الآخر(2)قال: «سألته عن الطامث تقعد بعدد أيامها كيف تصنع؟ قال: تستظهر بيوم أو يومين ثم هي مستحاضة»
و
قوله (عليه السلام) أيضا في صحيح محمد بن مسلم(3)المروي في المعتبر من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب في الحائض إذا رأت دما بعد أيامها التي كانت ترى الدم فيها: (فلتقعد عن الصلاة يوما أو يومين)
و
قوله (عليه السلام) أيضا في خبر إسماعيل الجعفي(4): «المستحاضة تقعد أيام قرئها، ثم تحتاط بيوم أو يومين»
أو مع زيادة الثلاثة كما في السرائر و عن التذكرة و غيرها، و رواه سعيد بن يسار في الصحيح(5)عن الصادق (عليه السلام) و أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح(6)عن الرضا (عليه السلام)، أو انها تنتظر العشرة كما هو ظاهر المقنعة و عن المرتضى و أبي علي و ظاهر الجمل، و رواه عبد الله ابن المغيرة(7)مرسلا عن الصادق (عليه السلام)، و
يونس بن يعقوب في الصحيح(8)قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «امرأة رأت الدم في حيضها حتى تجاوز وقتها متى ينبغي لها أن تصلي؟ قال: تنتظر عدتها التي كانت تجلس، ثم تستظهر بعشرة أيام»
و كذا رواه يونس عنه (عليه السلام) أيضا في الصحيح(9)في النفساء، و المراد إلى عشرة كما فهمه الشيخ منها وجوه، بل ما عدا الأول منها أقوال.
و لعل الأقوى في النظر في الجمع بين الأخبار المتقدمة بعد تحكيم بعضها على بعض
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 14.
2) 2 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 13.
3) 3 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 15.
4) 4 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 7.
5) 5 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 8.
6) 6 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 9.
7) 7 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 11.
8) 8 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 12.
9) 9 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 3.
ج3،
ثبوت الاستظهار إلى عشرة أيام لصلاحية كل من الأخبار المتقدمة لإثبات ما اشتملت عليه، إذ هي بين موثق معتضد بغيره و صحيح كذلك، و قد يؤيد باستصحاب أحكام الحائض، و بقاعدة الإمكان التي قد عرفت نقل الإجماع عليها بما يشمل المقام، و بما دل عليه
الموثق و الحسن(1)من ان (كل ما تراه قبل العشرة فهو من الحيضة السابقة)
و بأصالة الحيض في دم النساء، و بإطلاق الاستظهار في جملة من الأخبار، فإن المراد به بحسب الظاهر طلب ظهور الحال من الحيض و عدمه، و ذلك لا يحصل إلا بالانتظار إلى العشرة، و ربما في
مرسل يونس(2)عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا حاضت المرأة و كان حيضها خمسة أيام ثم انقطع الدم اغتسلت و صلّت، فإن رأت بعد ذلك و لم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض، فلتدع الصلاة»
الى آخره.
الى غير ذلك من المؤيدات الكثيرة كأخبار الصفات(3)مع التتميم بعدم القول بالفصل و غيرها، و بذلك كله يظهر لك ما في الرياض من التنظر فيه بقصور سند أدلته و قلة عدده و العامل به، مع احتمالها الورود مورد الغالب، و هو كون العادة سبعة أو ثمانية، فتتحد مع غيرها من الأخبار، و ذلك لما عرفت من عدم القصور في غير المرسل المتقدم، و هو مع اعتضاده بغيره من الصحيحين السابقين غير قادح كدعوى قلة العدد، و كيف و المتحد حجة فضلا عن المتعدد المعتضد بما سمعت، و أما قلة العامل فقد عرفت انه ظاهر المفيد (رحمه الله)، و قد يظهر من الصدوقين و غيرهما، و هو المنقول عن المرتضى و أبي علي و الشيخ، و قد أجازه المصنف في المعتبر، و الشهيد في الدروس و الذكرى و البيان و ان احتاط بقول المشهور في الأول، و اشترط ظن الحيض في الأخيرين،
ج3،
و قد يظهر أيضا من المحقق الثاني في جامع المقاصد، و الشهيد في الروض، و المقدس الأردبيلي و الفاضل المحدث البحراني في الحدائق و غيرهم، و قواه في الذخيرة، و أما احتمال ورودها مورد الغالب فهو معارض بمثله بالنسبة إلى تلك الأخبار، و ما عساه يقال:- انه يخلو ما عدا الغالب حينئذ عن النص بالاستظهار إلا ان إلحاقه بالإجماع المركب كاف في ثبوته فيه، و الإجماع لا يتم إلا في الناقض عن الثلاثة، فتبقى هي كالزائد عليها إلى العشرة خالية عن الدليل، فيرجع حينئذ إلى مقتضى الأصل، و هو عدم مشروعية الاستظهار، فتعين القول بالأول- ففيه ان المراد بالحمل على الغالب إبقاء ما دل على العشرة على إطلاقه، و حمل أخبار الثلاثة مثلا على الغالب في أيام العادة فلا تنفي غير الغالب، فتبقى حينئذ داخلة فيما دل على الأول، على انه يكفي في ثبوت الاستظهار في غير الغالب الأخبار المطلقة الآمرة به، و ما عرفته سابقا من الاستصحاب و الأصل و قاعدة الإمكان و نحو ذلك مما تقدم، و به يظهر لك ما في دعوى ان الأصل عدم مشروعية الاستظهار، فتأمل جيدا، فكان الأظهر حينئذ ثبوت الاستظهار للعشرة.
و كيف كان فهل الاستظهار على أي تقدير واجب كما صرح به في السرائر، و نقل عن ظاهر الأكثر، و يشهد له التتبع، أو مندوب كما صرح به بعض المتأخرين، بل نقله في المدارك عن عامتهم و ان لم نتحققه، أو انه مباح كما يظهر من المصنف في المعتبر، و اختاره في الذخيرة؟ و يشهد للأول- مضافا الى كثير مما تقدم سابقا و الاحتياط في ترك العبادة لكونه عزيمة على الحائض- ظاهر الأمر به في المعتبرة المستفيضة حد الاستفاضة، و لا يقدح فيه كونه في بعضها بالجملة الخبرية بعد ظهورها في ذلك، كما يشهد للثاني انه قضية الجمع بين أخبار الاستظهار و بين ما دل على حيضية أيام العادة فقط ك
قوله (صلى الله عليه و آله)(1): (تحيضي أيام أقرائك)
و
قول الصادق(2)(عليه السلام):
ج3،
«المستحاضة تنظر أيامها فلا تصلي فيها و لا يقربها بعلها، فإذا جازت أيامها و رأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر- الى ان قال-: و ان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت و دخلت المسجد و صلّت كل صلاة بوضوء، و هذه يأتيها بعلها إلا في أيام حيضها»
الى غير ذلك من المعتبرة المستفيضة(1)الدالة على تحيضها بها دون غيرها، مضافا الى ما في أخبار الاستظهار من الترديد الذي ينافي الوجوب، مع ان اختلافها ذلك الاختلاف الذي لا يرجى جمعه، و اشتمال بعضها على لفظ الاحتياط أقوى شاهد على إرادة الاستحباب، لا أقل من تعارض الأخبار من الجانبين، فتبقى أصالة البراءة سالمة عن المعارض في البين، و يشهد للثالث أن أوامر الاستظهار و ارادة في مقام توهم الحظر في ترك الصلاة مثلا التي هي عماد الدين و من ضروريات شريعة سيد المرسلين (ص)، فلا تفيد إلا الإباحة، على انها معارضة بما سمعت من الأوامر بتحيضها أيام العادة، فينتفي بذلك و بالأصل الوجوب كالاستحباب، مع انه لا وجه له في ترك العبادة لكون الرجحان من مقوماتها.
و لعل الأقوى في النظر الأول، فيتحصل حينئذ من المختار هنا و في المسألة السابقة وجوب الاستظهار للعشرة، و اختاره الفاضل الطباطبائي في منظومته، كما هو قضية الاستصحاب و أصالة الحيض، و لكثير مما تقدم من أدلة قاعدة الإمكان من الإجماعات و غيرها و لنفس القاعدة أيضا، و لما في الموثق و الحسن و مرسل يونس التي تقدمت الإشارة إليها، و غيرها مما دل على حيضية ما قبل العشرة، و للأمر بالاستظهار من غير تقييد، إذ المراد به ظهور الحال، و هو لا يكون إلا بالعشرة، و ما يقال:
ان الاستظهار لا ينافي فعل العبادة مثلا في أيامه مدفوع بأنه غير خفي على من لاحظ أخبار الباب و كلام الأصحاب كون المراد بالاستظهار ترك العبادة لظهور الحال لا فعلها.
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب الحيض.
ج3،
لا يقال: انه بناء على ذلك لم يظهر وجه لما وقع في بعض المعتبرة(1)من التفصيل بين من كانت عادتها عشرة و بين ما كانت أقل، فخصت الاستظهار بالثانية دون الأولى.
لأنا نقول: انه لا فرق في ذلك بناء على المختار، بل الفرق ان الأولى لا استظهار لها باعتبار ان عادتها عشرة، فلا يظهر باستمراره انها ليست بحائض، بخلاف الثانية التي تستظهر بانقطاعه و باستمراره، و من هنا أمرها بالاستظهار، و إلا فهي مشتركة معها في سائر أحكام الحائض، و مما يؤيده أيضا غاية التأييد ما ستسمعه من ظهور أخبار الاستظهار(2)بالحكم باستحاضة ما بعدها، و هو لا يتجه إلا على ذلك على ما ستعرف، بل يؤيده أيضا اختلاف الأخبار بالأمر باليوم في بعض(3)و باليومين في آخر(4)و بالثلاثة في ثالث(5)و بالعشرة في رابع(6)إذ المراد منها- بعد تأليفها و جعلها كالكلام الواحد فإنهم (عليهم السلام) بمنزلة ذلك و ان تعددوا- استظهار حالها باليوم الواحد، و إلا فباليومين، و إلا فبالثلاثة، و إلا فبالعشرة، ثم هي مستحاضة، و هو أولى من حملها على إرادة الواجب التخييري كما عساه يشهد له الترديد بين اليوم و اليومين في بعض(7)و الثلاثة في آخر(8)لما فيه من المجاز في الأمر فيها، مع انه لا يتجه في
قول الصادق (عليه السلام)(9)في صحيح الحسين بن نعيم الصحاف: «و ان لم ينقطع الدم عنها إلا بعد ما تمضي الأيام التي كانت ترى الدم فيها بيوم أو يومين فلتغتسل ثم تحتشي»
الى آخره. لظهور كون الترديد فيه على حسب الترديد في غيره، و هو لا يقبل الحمل على التخيير، بل لعله ظاهر فيما قلنا، فكان الأولى حينئذ حمل الترديد في تلك الأخبار
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 2 و 3 و 4.
3) 3 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 3.
4) 4 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 7.
5) 5 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 1.
6) 6 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 12.
7) 7 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 7.
8) 8 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 9.
9) 9 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 7.
ج3،
على إرادة ما ذكرنا، و لعله الذي أراده العلامة في المنتهى، قال بعد ان استوجه عدم إرادة التخيير: «بل المراد التفصيل اعتمادا على اجتهاد المرأة في قوة المزاج و ضعفه الموجبين لزيادة الحيض و قلته».
قلت: لم أعثر على أحد ممن قال بالوجوب صرح بدعوى الوجوب التخييري، بل هو شيء تخيله المتأخرون من الترديد في كلام القائلين بالوجوب كالأخبار، و من المحتمل بل لعله الظاهر إرادة المردد منهم ما ذكرناه في الأخبار، على ان الحمل على الوجوب التخييري لا يصلح إلا على إرادة التخيير في الحيض و الاستحاضة، و يتبعهما حينئذ ما يترتب عليهما، و إلا فلا معنى للتخيير بين الواجب و عدمه، و لا يخفى ما فيه من البعد عن مدلول الأخبار، بل يمكن دعوى القطع بعدمه، لعدم الإشارة إليه في شيء منها، بل قد يظهر منها خلافه، إذ قضيتها جواز الترك لها في اليوم و اليومين مثلا، و قضية هذا التخيير تحقق الوجوب عليها، و الإثم بمجرد اختيارها الطهارة، كحرمة العبادة بمجرد اختيارها الحيض، على انه لم يعلم حينئذ انها هل تجري عليها جميع أحكام الطاهرة من المواقعة و الطلاق و دخول المساجد و قراءة العزائم و نحو ذلك بمجرد الاختيار المذكور، أو انه في خصوص العبادة الى غير ذلك من الأحكام الكثيرة اللازمة لهذا الوجه مع عدم الإشارة في شيء من الأدلة إليها، على انه كيف يتجه الترديد على إرادة التخيير فيما يظهر به حالها الذي هو مفاد الأمر بالاستظهار مع كون المظهر هو تجاوز العشرة و عدمه عندهم كما يشير اليه تفصيلهم الآتي فيه.
و من ذلك كله تعرف ما في حملها على الاستحباب التخييري، لاشتراكه مع القول بالوجوب في جميع ما ذكرناه مما يرد عليه، و عرفت ما في تأييده بما تقدم من اشتمال الأخبار على الترديد الذي لا يجامع الوجوب، لما ظهر لك ان المراد به على المختار
ج3،
بالنسبة إلى ظهور الحال لا بالنسبة للوجوب، مع انه وارد بالنسبة للاستحباب، إذ لا يرتفع الإشكال بالنسبة للصلاة و عدمها بدعواه، نعم انما يرتفع بدعوى التخيير المذكورة، و هي مشتركة بينهما، و كذلك تأييده باختلاف الأخبار، و هو غير صالح لذلك، سيما بعد ما عرفت انه المنقول عن ظاهر الأكثر، و باشتمال بعض أخبار الاستظهار على لفظ الاحتياط الظاهر فيه، لمنع ظهوره في ذلك بعد ان كان واقعا بصيغة الأمر التي هي مقتضى الوجوب، و أما ما يقال: من ان القول بالاستحباب هو
مقتضى الجمع بين أخبار الاستظهار(1)و الأخبار(2)الآمرة بالرجوع لأيام العادة الدالة على حيضية ما فيها و استحاضة الزائد عليها، ففيه مع انها موافقة للعامة عدا ما حكاه في المنتهى ان ظاهر جملة منها(3)بل كاد يكون صريحها إرادة المستمرة الدم التي تجاوز دمها العشرة كما اعترف بها المولى الأعظم في حاشية المدارك و شرح المفاتيح، و تسمى بالدمية و المستحاضة، بل لعل الناظر في الأخبار يقطع بأن المراد بالمستحاضة إذا أطلقت الدمية، نعم قد يأبى تنزيل بعض هذه الأخبار على ذلك بالنسبة للدور الأول، لكن لا تأباه بالنسبة للدور الثاني، فحينئذ لا تعارض في شيء من الروايات، على انه قد يقال:
انها مخصصة بغير أيام الاستظهار قطعا، لكونه لازما للقائلين بالوجوب و الاستحباب.
و من العجيب ما في الرياض من ان الأقوى الاستحباب لا لما ذكر (بل)(4)لتصادم الأخبار من الطرفين مع عدم المرجح في البين، بل للأصل السليم عن المعارض حينئذ، و فيه مع ما عرفت من ان الأصل و القاعدة و الاستصحاب و غيرها تقتضي الاستظهار،
ج3،
فظهر لك من ذلك كله قوة القول بالوجوب، و ضعف القول بالندب كالإباحة أيضا، فإنها- مع قلة القائل بها و عدم وجود ما يدل عليها سوى ما عرفته من توهم الحظر، و انه لا وجه لاستحباب العبادة و للوجوب بعد المعارضة بما تقدم من الأخبار، و في الأول مع إمكان المنع، و قيام مثله بالنسبة للأخبار المعارضة- ان مقتضاه كون العبادة مباحة، فيقع فيما فر منه من القول بالاستحباب، اللهم إلا ان يدعى مرجوحية الاستظهار، فيراد حينئذ بالأمر بالاستظهار المرجوحية أي الكراهة، و هو كما ترى، و قد عرفت ان الثاني لا نقول به، كما انه لا تعارض بين الأخبار، هذا. و ربما تسمع ما يؤيد المختار أيضا فيما يأتي.
و كيف كان فان استمر الدم الى العاشر و انقطع ظهر بذلك ان كله كان حيضا و قضت ما فعلته من صوم بعد اليوم أو اليومين للاستظهار ان لم يكونا تمام العشرة، لتبين فساده بلا خلاف أجده عندهم في ذلك، و به صرح المصنف و العلامة و الشهيدان و المحقق الثاني و غيرهم، بل قد يظهر من بعضهم دعوى الإجماع عليه كما عن صريح آخر، و يدل عليه مضافا الى ذلك قاعدة الإمكان، و ما دل عليها مما تقدم من الإجماع و
الموثق و الحسن «إذا رأت المرأة قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الأولى»
و المرسل السابق، و استصحاب أحكام الحائض الى غير ذلك مما مرت إليه الإشارة عن قريب، و مع ذلك كله فقد توقف فيه في المدارك، و تبعه بعض من تأخر عنه كصاحب المفاتيح و الحدائق قائلا انه لا دليل عليه، بل ظاهر أخبار الاستظهار الحكم باستحاضة ما بعدها حتى لو انقطع على العشرة، و اعترف به في الرياض، بل ادعى وضوحها في ذلك، لكن قال: ان قوة احتمال ورودها مورد الغالب يوجب
ج3،
ظهورها في انتهاء أيام الاستظهار إلى العشرة و انقطاعها عليها، و على هذا يحمل لفظ (أو) على التنويع و بيان ما هو الغالب من الأفراد كما فعله في المنتهى، لا التخيير كما هو المشهور، فلا تشمل حينئذ المقام، و لا يخفى عليك ان هذا المقام مما يؤيد ما اخترناه سابقا، فإنه لا إشكال بناء على ان نهاية أيام الاستظهار العشرة، إذ يتجه حينئذ الحكم فيها بان ما بعدها استحاضة، فيخرج حينئذ هذا الظهور الذي في أخبار الاستظهار كما اعترفا به و هو كذلك أيضا شاهدا على ما ادعيناه، و ان المراد بأو التنويع لا التخيير كما تقدم الكلام فيه مفصلا، بل هو من أقوى الشواهد عليه. فان اتفاق هذه الأخبار على الأمر بالاستظهار مع عدم التعرض في شيء منها لذكر الانقطاع على العشرة و انها يجب عليها إعادة ما فعلته بعده كالصريح في كون المراد بأيام الاستظهار إلى العشرة، فتأمل جيدا.
و كأن الذي أوقعهم في الاشكال ما اختاروه في أيام الاستظهار، و لذا صدر من صاحب الرياض ما سمعت مما يوافق المختار، و كيف كان فلا ينبغي التوقف في الحكم المذكور بعد ما عرفت مع عدم ما يصلح للمعارضة سوى ما يظهر من الأخبار الآمرة بالرجوع للعادة، و ان الزائد عليها استحاضة، و قد عرفت فيما مضى ظهورها في المستحاضة الدمية التي قد استمر دمها و تجاوز العشرة، و بعد التسليم فهي محمولة على ما عدا أيام الاستظهار، لما عرفت من الإجماع و غيره على ثبوته، على انه لا تقاوم ما ذكرناه من الأدلة، سيما بعد ظهور الإجماع المعتضد بصريح المحكي منه في المقام، و يشهد له ما تقدم عند قول المصنف: (لو رأت ثلاثة ثم انقطع) الى آخره.
هذا كله فيما إذا انقطع الدم على العشرة فما دون و أما إن تجاوز و لو قليلا كان ما أتت به بعد الاستظهار ان قلنا بانتهائه قبل العشرة من الصوم و الصلاة مجزئا لتبين كونها طاهرة، و على المختار لا تأتي بشيء حتى يكون مجزئا، و على كل
ج3،
حال فالظاهر انه يجب عليها قضاء ما تركته في أيام الاستظهار من الصلاة كما في المنتهى و الذكرى و الدروس و البيان و جامع المقاصد و الروض و غيرهم، و هو المشهور نقلا و تحصيلا بل لعله لا خلاف فيه سوى ما عساه يظهر من المنقول عن العلامة في النهاية، حيث استشكل في وجوب القضاء لمكان عدم وجوب الأداء، بل حرمته بناء على وجوب الاستظهار، و من صاحب المدارك حيث توقف بل استظهر عدمه، و تبعه بعض من تأخر عنه، لظهور أدلة الاستظهار في عدم وجوب قضاء ما فاتها فيه و انها كالحيض، و إليه مال الفاضل في الرياض، لكن قد يستدل للمشهور بلفظ الاستظهار الوارد في الأخبار فإن المراد منه طلب ظهور الحال و انكشافه في كون هذا الدم الزائد حيضا أو استحاضة، فيلحقه حكم كل منهما، و لا مظهر و لا كاشف سوى ما ذكره الأصحاب، على ان الأخبار كادت تكون صريحة في كون الكشف بأيام الاستظهار انما هو بحالتي القطع و الاستمرار مع الحكم بكونها مستحاضة في الحالة الثانية و الحاصل بناء على ما ذكروه من إلحاق أيام الاستظهار بالحيض لم يكن له معنى محصلا سيما على المختار من الوجوب إلى العشرة أو الجواز، على انه قد اعترف في الرياض بكون أخباره محمولة على ذلك لمكان الغلبة، فكيف يتجه له معنى الاستظهار، و أيضا قد يدعى ان لفظ الاستظهار من موضوعات الأحكام الشرعية التي يرجع في مثلها الى الفقهاء كالاقعاء و نحوه، هذا، مع إمكان أن يستدل عليه أيضا
بما دل على الرجوع الى العادة عند التجاوز و التحيض بالاقراء و جعل ما عداه استحاضة، كمرسلة يونس(1)الطويلة و غيرها(2)كما انه يمكن الاستدلال عليه أيضا بما دل(3)على ان ما بعد أيام العادة ليست بحيض، أقصى ما خرج منها ما قام الإجماع على خلافه، و هو الزائد إذا انقطع على العشرة، و يبقى غيره، و بما دل(4)على ان المستحاضة تجلس أيام حيضها
ج3،
فحسب بضميمة ما دل(1)على ان المستظهرة و لما ينقطع الدم مستحاضة، و بذلك كله يظهر لك ما في المستند السابق لهم، إذ عدم وجوب الأداء أو حرمته لا يقتضي سقوط القضاء لكونه بفرض جديد، و كذا ما في دعوى ظهور أدلة الاستظهار في ذلك، فإن أقصاها عدم التعرض، و لا دلالة فيه، كما انه لم يتعرض فيها لقضاء ما فات من الصوم فيها، مع انه من المقطوع بوجوب قضائه، و كأن ترك ذلك اعتمادا على الأدلة الخارجية. فبان لك حينئذ صحة ما عليه الأصحاب من التفصيل، و يؤيده الاعتبار، فإنه بانقطاعه على العشرة يظن كونه حيضا لكونها أكثره، بخلاف ما إذا تجاوز، فإنه يقطع بعدم الحيضية في الزائد، و منه ينقدح الظن بعدم حيضية ما قبله، لمكان اتصاله و كونه دما واحدا، فإنه يستبعد انه عند تمام العشرة حدث سبب الاستحاضة.
بقي شيء و هو ان الظاهر من النص و الفتوى اختصاص الاستظهار المتقدم بالدور الأول دون الدور الثاني، كما إذا فرض استمرار الدم فيها اليه، و لعله كذلك لما دل(2)على التحيض للمستحاضة بأقرائها و بأيام حيضها، لكن لا يبعد استحباب ذلك لها باليوم و اليومين، لما عساه يظهر من بعض الأخبار(3)كما انه يمكن دعوى استحباب الاستظهار بيوم للمبتدأة عند الرجوع الى عادة نسائها مع القول بعدم انتظارها العشرة في الدور الثاني، ل
قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم و زرارة(4):
«يجب للمستحاضة تنظر بعض نسائها فتقتدي بأقرائها، ثم تستظهر بيوم»
و ظاهر الشهيد في الذكرى العمل به، فتأمل جيدا، و الله أعلم.
المسألة (الرابعة) إذا طهرت المرأة أو الأمة من حيضها طهرا كاملا جاز لزوجها و سيدها وطؤها قبل الغسل بلا خلاف متحقق أجده، بل عليه الإجماع
ج3،
في الخلاف و الانتصار و الغنية و ظاهر السرائر و عن التبيان و مجمع البيان و أحكام الراوندي، و يشهد له التتبع لكلمات الأصحاب عدا ما عساه يظهر من الصدوق في أول كلامه، و لذا نسب اليه ذلك، لكنه قال بعده: «ان كان الزوج شبقا و أراد وطؤها قبل الغسل أمرها ان تغسل فرجها ثم يجامعها» قيل و هو يعطي إرادة شدة الكراهة، كما انه يحتمل قصره الجواز على ذلك، و كيف كان فيدل عليه- مضافا الى ما تقدم و الى الأصل و عموم أو إطلاق ما دل على إباحة الوطء من الكتاب(1)و السنة(2)و ما يشعر به (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ)(3)-
قول الصادق (عليه السلام) في موثق ابن بكير(4):
«إذ انقطع الدم و لم تغتسل فليأتها زوجها إن شاء»
و نحوه رواه علي بن يقطين(5)عنه (عليه السلام) أيضا، كما انه
روى عن الكاظم (عليه السلام) أيضا في الموثق(6)«سألته عن الحائض ترى الطهر أ يقع عليها زوجها قبل ان تغتسل؟ قال: لا بأس، و بعد الغسل أحب إلى»
و
مرسل عبد الله بن المغيرة(7)عن العبد الصالح (عليه السلام) «في المرأة إذا طهرت من الحيض و لم تمس الماء فلا يقع عليها زوجها حتى تغتسل، و ان فعل فلا بأس به، و قال: تمس الماء أحب إلى»
و قد يدل عليه في الجملة
قول الباقر (عليه السلام) في صحيح محمد بن مسلم(8): «إذا أصاب زوجها شبق فليأمرها فلتغسل فرجها ثم يمسها إن شاء قبل ان تغتسل»
و لعله مستند الصدوق فيما تقدم من التقييد إلا انه لا يخفى عليك قصوره عن مقاومة ما ذكرنا من وجوه متعددة سيما بعد كون الغالب عدم الشبق، فيبعد حمل تلك المطلقات على تقييد هذا الخبر، فاتجه حمل مفهومه على
1) 1 سورة البقرة- الآية 223.
2) 2 الوسائل- الباب- 79- من أبواب مقدمات النكاح و آدابه من كتاب النكاح.
3) 3 سورة البقرة- الآية 222.
4) 4 الوسائل- الباب- 27- من أبواب الحيض- حديث 3.
5) 5 الوسائل- الباب- 27- من أبواب الحيض- حديث 3.
6) 6 الوسائل- الباب- 27- من أبواب الحيض- حديث 5.
7) 7 الوسائل- الباب- 27- من أبواب الحيض- حديث 4.
8) 8 الوسائل- الباب- 27- من أبواب الحيض- حديث 1.
ج3،
الكراهة أو شدتها بدون ذلك، كالنهي في موثق أبي بصير(1)و سعيد بن يسار(2)عن الصادق (عليه السلام)، مع احتمالهما النفي للإباحة بالمعنى الأخص، و التقية، و استفادة الكراهة من غيرهما، مع ظهور الاتفاق عليها كما في كشف اللثام، و لذا قيد المصنف الجواز بقوله على كراهية.
و بذلك كله يظهر لك دلالة قوله تعالى(3)(حَتَّى يَطْهُرْنَ) في قراءة التخفيف على الجواز أيضا المؤيدة بما يشعر به لفظ (الْمَحِيضِ) في السابق، و عدم ثبوت الحقيقة في لفظ الطهر بالنسبة للكتاب، و بما ورد ان غسل الحيض سنة في مقابلة الواجب من الكتاب، و هي و ان كانت معارضة بقراءة التشديد المؤيدة بقوله تعالى(4)(فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) و بإمكان إرجاع قراءة التخفيف إليها بإرادة الطهارة الشرعية سيما على القول بثبوت الحقيقة الشرعية، لكن ارتكاب التأويل في الثانية أرجح لما عرفت، فتحمل عليه، لمجيء (تفعل) بمعنى (فعل)، نحو تطعمت بمعنى طعمت، قيل و منه المتكبر في أسماء الله بمعنى الكبير، و ربما أولت بحمل النهي فيها على الكراهة على ان يراد النهي عن المباشرة بعد انقطاع الدم لسبق العلم بتحريمها حالة الحيض من صدر الآية، أو يراد مطلق المرجوحية التي هي أعم منها و من الحرمة على عموم المجاز، بل لعله أولى لما فيه من المحافظة على توافق القراءتين، و يراد بالمعلق في قوله تعالى (فَإِذا تَطَهَّرْنَ) الإباحة بالمعنى الأخص، و ان أبيت عن ذلك كان المتجه التخيير، لكونها بمنزلة الخبرين و هو موافق للمطلوب، و ربما حملت قراءة التشديد على إرادة غسل الفرج، و هو مبني على اشتراط حلية الوطء بذلك، كما هو صريح الغنية و ظاهر الخلاف و المبسوط و غيرهما، بل نقل في كشف اللثام عن ظاهر الأكثر، و ربما استظهر من الأول الإجماع
ج3،
عليه، لكن الذي صرح به في المعتبر و المنتهى و التحرير و الذكرى و البيان و الروض الندب، بل في الأخير انه مذهب أكثر المجوزين، و لعله الأقوى، للأصل و خلو أكثر الأخبار عنه، مع إشعار مرسل ابن المغيرة و موثق إسحاق المتقدمين بعدم الوجوب، فيحمل الصحيح المتقدم الذي هو مستند الأول على الاستحباب، و ظاهر السرائر حمله على رفع الكراهية، و هو غير بعيد، و طريق الاحتياط غير خفي، و عن ظاهر مجمع البيان و التبيان و أحكام الراوندي توقف حلية الوطء على غسل الفرج أو الوضوء، بل في الأول انه مذهبنا، و لم نعثر له على دليل.
ثم ان المتجه بناء على وجوب الاغتسال للوطء إيجاب التيمم عند فقد الماء لعموم البدلية، و
قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي عبيدة(1)في فاقدة الماء: «إذا غسلت فرجها و تيممت فلا بأس»
كقوله (عليه السلام) أيضا في خبر عمار الساباطي(2)«عن المرأة إذا تيممت من الحيض هل تحل لزوجها؟ قال: نعم»
و فيهما شهادة سيما الأول على وجوب الاغتسال للوطء، كما انه في الأول شهادة على غسل الفرج، بل قد يشهد أيضا على ما نقلناه عن مجمع البيان، إلا انهما لا ينبغي الالتفات إليهما في شيء من ذلك بعد ما سمعت، سيما بعد الطعن في السند و الدلالة و الموافقة للمنقول عن أبي حنيفة في الجملة، نعم يمكن تنزيلهما على رفع الكراهة بذلك، حيث يقع لغير الوطء مع احتماله فيه ان قلنا بتوقف رفعها على الاغتسال، و عن العلامة أنه استقرب عدم وجوب التيمم للوطء عند فقد الماء و ان قلنا بوجوب الاغتسال له، و هو بعيد، نعم يمكن القول بجواز الوطء على كل حال مع فقد الطهورين على إشكال أيضا، بل الأقوى عدمه، و الله أعلم.
المسألة الخامسة إذا دخل وقت الصلاة فحاضت و قد مضى من الوقت مقدار أداء ما يجب عليها فيه من الصلاة بحسب حالها من القصر و الإتمام و السرعة
ج3،
في الأفعال و البطء و الصحة و المرض و نحو ذلك و مقدار فعل ما يجب عليها من فعل الطهارة كذلك من الوضوء و الغسل أو التيمم بحسب ما هي مكلفة به في ذلك الوقت و لم تفعل وجب عليها القضاء بعد ذلك إذا طهرت بلا خلاف محقق أجده فيه، بل في كشف اللثام انه إجماع على الظاهر، و في المدارك انه مذهب الأصحاب، لصدق اسم الفوات، و
قول الصادق (عليه السلام) في موثق يونس بن يعقوب(1)«في امرأة دخل عليها وقت الصلاة و هي طاهر فأخرت الصلاة حتى حاضت قال: تقضي إذا طهرت»
و
خبر عبد الرحمن بن الحجاج(2)«سألته عن المرأة تطمث بعد ما تزول الشمس و لم تصل الظهر هل عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال: نعم»
و يستفاد من سؤال الأول كما يشعر به الثاني اعتبار إحراز سائر ما يتوقف عليه فعل الصلاة من الطهارة و غيرها كإزالة النجاسة و تحصيل الساتر و نحو ذلك، كما نص عليه في جامع المقاصد و الروضة و بعض من تأخر عنها، و هو ظاهر المبسوط و المعتبر و النافع و المنتهى و الذكرى و البيان و غيرها، لاعتبارهم التمكن كما عن ظاهر الأكثر، خلافا لكشف اللثام في باب الصلاة، فاعتبر الطهارة خاصة وفاقا لظاهر ما في المتن و القواعد و الدروس من الاقتصار على ذكر الطهارة، لكن لعله منزل على الغالب من فعلية إحرازها لغير الطهارة دونها، و إلا فلا فرق بحسب الظاهر بين الجميع في توقف صدق اسم الفوات، و لا أمر غيره و غير ما سمعته من الخبرين و نحوهما مما ظاهره التضييع و التفريط، و هو غير صادق كالأول إلا بعد مضي زمان يمكن وقوع الفعل المكلف به فلم تفعل، و احتمال الفرق بين الطهارة و غيرها بأنه لا يصح الفعل بدونها بخلاف غيرها غير مجد مع توقف التكليف هنا على الجميع، لمعلومية امتناع قصور الوقت عن ما كلف به فيه.
و ما يقال: من منع توقفه عليه في الواقع هنا أيضا فإنه لو علمت انها تحيض بعد
ج3،
مضي الزوال بمقدار لا يسعها إزالة النجاسة مثلا و فعل الصلاة لا تجب عليها الإزالة، و صح الفعل منها معها كتضيق الوقت ضعيف بل ممنوع، للفرق الظاهر بين تضييق الوقت و غيره، فلا يقاس عليه بعد دلالة الدليل على الأول دون الثاني، و كيف مع انه لو كان كذلك لوجب تحقق القضاء عليها إذا مضى مقدار الصلاة و فعل الطهارة الترابية فحسب، و هو مخالف للإجماع بحسب الظاهر و لظاهر بعض الأخبار اللهم إلا ان يدعى الفرق، و هو ممنوع أيضا، نعم لا إشكال في عدم اعتبار اتساع الوقت لو كانت محرزة كالطهارة أيضا كما صرح به غير واحد من الأصحاب، خلافا لما يوهمه المحكي في كشف اللثام عن نهاية الأحكام من احتمال العدم، و لا ريب في ضعفه، و ما أبعد ما بينه و بين ما عنه في موضع آخر أيضا من الإشكال في اعتبار مضي زمن الطهارة في وجوب القضاء عليه لإمكان تقدمها على الوقت إلا المستحاضة و المتيمم، و فيه ان الطهارة لكل صلاة موقتة بوقتها، و لا يعارضه إمكان كونه قد تطهر لغيرها، نعم في كشف اللثام انه ان أوجبنا التيمم لضيق الوقت أمكن اعتبار مقدار التيمم و الصلاة، و فيه ما عرفت من انه مخالف للإجماع بحسب الظاهر.
فظهر لك حينئذ انه ان كان الحيض بعد مضي وقت كانت تتمكن فيه من فعل الصلاة و الطهارة و سائر ما تتوقف عليه بحسب حالها في ذلك الوقت من القصر و الإتمام و الجبيرة و التيمم و غيرها وجب عليها القضاء. و ان كان قبل ذلك أي قبل مضي وقت يسع الطهارة و الصلاة أو هي و سائر الشرائط لم يجب كما هو المشهور نقلا و تحصيلا للأصل مع عدم الدليل، و استتباع القضاء عدم النهي الذاتي عن الأداء لتوقف اسم الفوات عليه من غير فرق بين سعة الوقت لأكثر الصلاة و عدمه، فما ينقل عن المرتضى و أبي علي من الاجتزاء بما يسع أكثر الصلاة ضعيف، كالذي سمعته عن العلامة في نهاية الأحكام من عدم اعتبار وقت يسع الطهارة، بل لم أعثر لهما على مستند سوى
خبر
ج3،
أبي الورد(1)للأول «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرأة التي تكون في صلاة الظهر و قد صلت ركعتين ثم ترى الدم، قال: تقوم من مسجدها و لا تقضي الركعتين، و ان كانت رأت الدم و هي في صلاة المغرب و قد صلت ركعتين فلتقم من مسجدها، فإذا تطهرت فلتقض الركعة التي فاتتها»
و هو- مع الطعن في سنده و اختصاصه بالمغرب و مخالفة ظاهره لدعواهما- محتمل لإرادة المفرطة في المغرب مع إرادة قضاء المغرب بقضاء الركعة، و سوى ما يقال للثاني: من صدق اسم الفوات لإمكان فعل الطهارة قبل الوقت، و هو ممنوع لعدم الوجوب عليها قبله، و مثلهما في الضعف ما عساه يظهر من المنقول عن النهاية من الاكتفاء بالقضاء بمجرد طمثها بعد الزوال، و لعله لإطلاق خبر عبد الرحمن ابن الحجاج(2)المتقدم و غيره(3)و هو- مع شهادة خبر أبي الورد المتقدم على عدمه، ك
موثق سماعة(4)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة صلت الظهر ركعتين ثم انها طمثت و هي جالسة، فقال: تقوم من مقامها و لا تقضي الركعتين»
و غيرهما(5)من الأخبار- ظاهر في إرادة المتمكنة، و عكسه ما عساه يظهر من المنقول عن المقنع من عدم القضاء إذا طمثت بعد الزوال.
و كيف كان فقد استقر المذهب الآن على خلاف هذه الأقوال، بل حكى الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة على ان من لم يدرك من أول الوقت مقدار ما يؤدي الفرض لم يلزمه إعادته في الحائض و النفساء و غيرهما، كما انه يظهر منه الإجماع على وجوب القضاء على من أدرك ذلك، نعم نص بعضهم على كون المعتبر في المختار سعة مقدار الواجب من الصلاة و الطهارة مخففا، فلا عبرة بالمندوبات، و لا بأس به لصدق
ج3،
اسم الفوات بذلك، و هل يعتبر أقل الواجب المخير كما في التخيير بين القصر و الإتمام و التسبيحة الواحدة مع الفاتحة؟ لا يبعد ذلك، بل جزم به في الذكرى و كشف اللثام، كما انه لا يبعد إيجاب القضاء بمضي ما تقدم و ان كانت ممنوعة عن الأداء بحسب الظاهر كما لو كان فرضها التيمم مثلا لعدم الماء و قلنا بعدم الصحة إلا عند ضيق الوقت فأخرت بانتظار ذلك فصادفها الحيض، لصدق اسم الفوات عليه بسبب التكليف في الواقع، و عدم العلم انما يرفع الإثم، و احتمال تعليق القضاء على التضييع و التفريط كما عساه يظهر من بعض الأخبار(1)ضعيف، لعدم صلاحيتها لإثبات ذلك.
هذا كله بالنسبة إلى حكم حصول الحيض و أما حكم ارتفاعه فهو ان طهرت قبل آخر الوقت بمقدار الطهارة و سائر الشرائط المفقودة و أداء أقل الواجب من ركعة فضلا عن الأكثر وجب عليها الأداء بلا خلاف أجده فيه بالنسبة إلى العصر و العشاء و الصبح، بل في الخلاف و المدارك الإجماع عليه، و في المنتهى نفي الخلاف فيه بين أهل العلم، بل لم يفرقا في الأخيرين فيما حكياه بين الثلاثة المتقدمة و غيرها من الظهر و المغرب، فيجب حينئذ الظهران و العشاءان بإدراك الخمس ركعات من آخر الوقت كما هو المشهور نقلا و تحصيلا، بل في الخلاف نفي الخلاف عنه، لكنه نقل عن طهارة المبسوط الحكم بالاستحباب كما عن المهذب و عن الإصباح استحباب فعل الظهرين بإدراك خمس قبل الغروب، و العشاءين بإدراك أربع قبل الفجر، و عن الفقيه انه ان بقي من النهار مقدار ما يصلى ست ركعات بدأ بالظهر، و كيف كان فالذي عثرنا عليه من الأخبار مما يدل على ما نحن فيه
قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر الأصبغ بن نباتة(2): «من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك
ج3،
الغداة تامة»
و
قوله (عليه السلام)(1)أيضا: «من أدرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس فقد أدرك العصر»
إلا اني لم أعثر على الأخير في طرقنا،
كالنبوي(2)«من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»
بل في المنتهى نسبة الأخير إلى رواية الجمهور كما هو الظاهر منه أيضا في سابقه، لكن الشيخ في الخلاف بعد ان ذكر روايتي أمير المؤمنين (عليه السلام) السابقتين مسندا لهما الى النبي (صلى الله عليه و آله) قال:
و كذلك روي عن أئمتنا (عليهم السلام)(3)و في كتاب الصلاة من المدارك بعد أن روى النبوي المتقدم و المرتضوي و غيرهما قال: و هذه الأخبار و ان ضعف سندها إلا ان عمل الطائفة عليها، و لا معارض لها، فتعين العمل بها، و على كل حال فلا يبعد جواز العمل بهذه الأخبار بعد ذكر أصحابنا لها و انجبارها بما سمعت، و منها
قول الصادق (عليه السلام) في خبر منصور بن حازم(4): «إذا طهرت الحائض قبل العصر صلت الظهر و العصر، فان طهرت في آخر وقت العصر صلت العصر»
و
قوله (عليه السلام) أيضا في خبر أبي الصباح الكناني(5): «إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب و العشاء، و ان طهرت قبل ان تغيب الشمس صلت الظهر و العصر»
و
قوله (عليه السلام) أيضا في خبر عبد الله بن سنان(6): «إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر و العصر، و ان تطهرت من آخر الليل فلتصل المغرب و العشاء»
و
قول الباقر (عليه السلام) في خبر داود الدجاجي(7): «إذا كانت المرأة حائضا فطهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر و العصر، و ان طهرت من آخر
1) 1 الوسائل- الباب- 30- من أبواب المواقيت- حديث 5- 4 من كتاب الصلاة.
2) 2 الوسائل- الباب- 30- من أبواب المواقيت- حديث 5- 4 من كتاب الصلاة.
3) 3 الوسائل- الباب- 30- من أبواب المواقيت- حديث 1 و 3 من كتاب الصلاة.
4) 4 الوسائل- الباب- 49- من أبواب الحيض- حديث 6.
5) 5 الوسائل- الباب- 49- من أبواب الحيض- حديث 7.
6) 6 الوسائل- الباب- 49- من أبواب الحيض- حديث 10.
7) 7 الوسائل- الباب- 49- من أبواب الحيض- حديث 11.
ج3،
الليل صلت المغرب و العشاء»
الى غير ذلك من الأخبار.
و هي بإطلاقها حجة على ما سمعته من المبسوط و المهذب و الإصباح و الفقيه إن أراد الاشتراط بالست، سيما بعد انجبارها بما سمعت من الإجماع و نفي الخلاف و غيرهما، على ان في دعوى الاستحباب ما لا يخفى بعد فرض إمكان إدراكها الفرضين كما هو مسلم عند الخصم، و بالإجماع من الجميع مع الأخبار يسقط ما عساه يقال: انه بناء على اختصاص آخر الوقت بمقدار أربع ركعات بالعصر و العشاء لا يصح وقوع بعض الفرض في غير وقته، إذ هي أقوى مما دل(1)على الاختصاص بمراتب لو سلم شمول تلك لنحو المقام، نعم الظاهر انه لا يجب العشاءان بمجرد إدراك أربع من آخر الوقت كما عن بعض العامة مخرجا له انه يبقى للعشاء ركعة يدرك بها تمام وقته، لما دل على اختصاص العشاء بذلك مع عدم بقاء ركعة من وقت المغرب الذي يفيد في دخوله تحت العموم المتقدم فتأمل.
و إذ قد ظهر لك وجوب الأداء بما ذكرنا فلا إشكال حينئذ في انه يجب عليها حينئذ مع الإخلال القضاء لصدق اسم الفوات، بل هو مجمع عليه نقلا و تحصيلا، و يشير اليه
قول الصادق (عليه السلام) في خبر عبيد بن زرارة(2): «أيما امرأة رأت الطهر و هي قادرة على ان تغتسل في وقت صلاة ففرطت فيها حتى يدخل وقت صلاة أخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت في وقتها، و ان رأت الطهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك فجاز وقت صلاة و دخل وقت صلاة أخرى فليس عليها قضاء و تصلي الصلاة التي دخل وقتها»
و نحوه خبر أبي عبيدة(3)عنه (عليه السلام)، و في
خبر محمد بن مسلم(4)عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «قلت: المرأة ترى الطهر عند الظهر فتشتغل في شأنها حتى يدخل وقت العصر قال: تصلي العصر وحدها، فإن
ج3،
ضيعت فعليها صلاتان»
و يستفاد منها جميعا اشتراط سعة الوقت للطهارة المائية كما هو مجمع عليه هنا بحسب الظاهر حتى ان خلاف العلامة سابقا لا يتأتى هنا، لعدم تمكنها منها هنا، انما الكلام في اعتبار سعة الوقت لغيرها من الشرائط، كما نص عليه في جامع المقاصد و الروضة و عن الموجز الحاوي و الروضة، و هو ظاهر الدروس، و عدمه كما عساه يظهر من المصنف هنا و النافع و العلامة في القواعد، و اختاره في الرياض مؤيدا له بأنه لا دليل على اعتبار سائر الشروط الملحقة به فيه، مع اقتضاء عمومات الأوامر بالصلاة، و إطلاقاتها العدم، فلا يتوقف وجوب الصلاة حينئذ عليها، و قد يؤيد الأول بأن الأصل في كل شرط انتفاء المشروط بانتفائه، مع الشك في شمول ما دل على سقوطه عند الاضطرار لمثل المقام الذي هو ابتداء تكليف، إذ هو متوقف على سعة الوقت للفعل مع شرائطه، بل أقصاه في المكلف الذي ضاق عليه الوقت مثلا، و من هنا لا يجب القضاء و لا الأداء على مثل الحائض و الصبي و نحوهما عند ارتفاع عذرهما قبل مضي الوقت بما يتمكنون فيه من الطهارة الترابية دون المائية.
و كيف كان فلا إشكال في عدم وجوب شيء عليها لو أدركت أقل من ركعة بل عن الخلاف و المختلف نفي الخلاف فيه، لمفهوم قوله (عليه السلام): (من أدرك) و غيره مما تشعر به بعض الأخبار السالفة، و به يقيد ما عساه يظهر من غيرها مما تقدم أيضا من إيجاب الصلاة عليها بمجرد تمكنها من الطهارة و الشروع فيها، حتى ان المصنف في المعتبر قال بعد ذكر جملة منها: انه لو قيل بذلك لكان مطابقا لمدلولها، إذ قد عرفت انه لو سلم ذلك لم يكن للركون اليه بعد استقرار كلمة الأصحاب وجه وجيه، بل لا يخلو الحكم باستحباب القضاء لأجلها من إشكال و ان نقل الفتوى به عن كتابي الحديث و التذكرة و نهاية الأحكام و غيرها، لاستلزامه استعمال ما تضمنه من الأمر في الرجحان الشامل للوجوب و الاستحباب بالنسبة للقضاء و الأداء على عموم المجاز، و مع إمكان
ج3،
القطع بعدمه فيها موقوف على قرينة و ليست، نعم لا بأس به لفتوى من سمعت مع التسامح فيه، فظهر لك ضعف القول بالوجوب، كضعف المنقول عن النهاية من لزوم قضاء الصبح إذا طهرت قبل طلوع الشمس على كل حال، و ان كان ربما يشعر به
خبر عمار(1)عن الصادق (عليه السلام) «فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم الصلاة و قد جازت صلاته، و ان طلعت قبل ان يصلي ركعة فليقطع الصلاة و لا يصل حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها»
لوجوب تنزيله على المفرط و نحوه، و الله أعلم.
و حيث فرغ من الكلام على الأول شرع في الثاني فقال و أما ما يتعلق به أي الحيض فثمانية أشياء:
(الأول) يحرم عليها حال الحيض كل ما يشترط فيه الطهارة كالصلاة و الطواف إجماعا محصلا و منقولا، بل كاد يكون من ضروريات الدين في الأول منهما من غير فرق بين التطوع و الفريضة و التحمل و الأصالة، بل و كذا يحرم بعد الانقطاع قبل الطهارة المائية أو ما يقوم مقامها و ان أمكن الفرق بين الحرمتين بالذاتية و التشريعية، و ما يقال: من عدم تصور الذاتية في الأولى أيضا لرجوعها الى التشريع مع النية، و لا حرمة مع عدمها مدفوع بعد التسليم بأنه لا مانع من اجتماع الحرمتين مع النية أخذا بظاهر النهي و كلام الأصحاب في المقام، بل صرح به بعضهم، و عليه بني رد ما يذكر في بعض المقامات من الاحتياط لها بفعل العبادة بأنه معارض بمثله، لكون الترك بالنسبة إليها عزيمة.
و مثلهما مس كتابة القرآن على المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك كما حكاه جماعة، لعدم قدح خلاف ابن الجنيد فيه، أو إمكان إرادته بالكراهة الحرمة، و يدل عليه مضافا الى ذلك ما تقدم في الوضوء و الجنابة، فلاحظ
1) 1 الوسائل- الباب- 30- من أبواب المواقيت- حديث 3 من كتاب الصلاة.
ج3،
كي تعرف ذلك مع جملة مما تقدم من الأبحاث هناك التي منها حرمة مس اسم الله بل أسمائه بل أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) بناء على اشتراط الحل بالطهارة لمناسبة التعظيم، و لأن الحيض أعظم من حدث الجنابة كما صرح به خبر سعيد بن يسار(1)و ظهور اتفاق الأصحاب على اشتراك الحائض مع الجنب في أحكامه، بل عن الفقيه الإجماع على حرمة مس الحائض اسم الله و أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) كما انه نقل التصريح بأصل الحكم عن المقنعة و النهاية و الكافي و المهذب و الوسيلة و الغنية و الإشارة و الجامع و المنتهى و نهاية الأحكام و الذكرى و البيان و الدروس و جامع المقاصد و الروض و معالم الدين و شارع النجاة و عيون المسائل، قلت: و ربما يشعر به ما دل(2)على نهي الحائض عن مس التعويذ بيدها، لاشتمال التعويذ غالبا على غير القرآن من أسماء الله و أنبيائه و الأئمة (عليهم السلام) فظهر لك بذلك ان ما ينقل عن سلار من ندبية ترك مس ما فيها اسم الله ضعيف جدا سيما بعد قوله بالحرمة في الجنب، و أعجب منه انه قال على ما نقل عنه قبيل ذلك: و كان ما يجب تركه على الجنب يجب تركه على الحائض، و تقدم في الجنابة ما له نفع تام في المقام، فلاحظ كي يظهر لك ذلك.
و كذلك يظهر لك أيضا انها يكره لها حمل المصحف و لمس هامشه و ما بين سطوره كما هو المشهور شهرة كادت تكون إجماعا أيضا، بل في المعتبر الإجماع على كراهية حمله بغلافه، فما يظهر من المنقول عن علم الهدى من حرمة مس المصحف و لمس هامشه ضعيف كما مر بيانه في الجنابة مستوفى، فلاحظ و تأمل.
و لو تطهرت الحائض عن الحدث الأصغر أو عن حدث الحيض حال الحيض و لو في الفترة المحكوم عليها به لم يرتفع حدثها إجماعا و قولا واحدا، و لا ينافيه
ج3،
ما دل(1)على جواز الوضوء لها أو التيمم(2)إذا حاضت في أحد المسجدين مثلا لكونه ليس طهارة، و يشير الى ذلك
خبر محمد بن مسلم(3)قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تطهر يوم الجمعة و تذكر الله تعالى فقال: أما الطهر فلا، و لكنها توضأ وقت الصلاة»
الخبر. و كذا لو كان الحدث غير الحيض كالجنابة و المس على ما قد يظهر من المصنف و غيره من الأصحاب كالمبسوط و السرائر و الجامع و المنتهى و القواعد و الذكرى و المدارك و كشف اللثام و النافع و المعتبر و غيرها ظهورا كاد يكون كالصريح في أكثرها سيما في الأخير، فإنه قال: و لا يرتفع لها حدث، و عليه الإجماع، و لأن الطهارة ضد الحيض، لكن يجوز أن تتوضأ لذكر الله، و أن تغتسل لا لرفع الحدث كغسل الإحرام و الجمعة، بل نص عليه في التحرير و المنتهى و غيرهما بالنسبة للجنابة، بل يظهر من المدارك دخوله تحت دعوى الإجماع في المقام، و يؤيده مضافا الى ظاهر الخبر المتقدم
صحيح الكاهلي(4)عن الصادق (عليه السلام) قال:
«سألته عن المرأة يجامعها زوجها فتحيض و هي في المغتسل تغتسل أو لا تغتسل؟ قال:
قد جاءها ما يفسد الصلاة، فلا تغتسل»
و
موثق أبي بصير(5)عنه (عليه السلام) أيضا قال: «سئل عن رجل أصاب من امرأة ثم حاضت قبل ان تغتسل، قال:
تجعله غسلا واحدا»
و
خبر سعيد بن يسار(6)قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
«المرأة ترى الدم و هي جنب، أ تغتسل من الجنابة أو غسل الجنابة و الحيض واحد؟
فقال: قد أتاها ما هو أعظم من ذلك».
ج3،
لكن لو لا ظهور اتفاق كلمة الأصحاب عليه لكان للنظر فيه مجال، فلظهور هذه الأخبار في غسل الجنابة خاصة، و أما ثانيا فلاحتمال كون النهي فيها لرفع الوجوب، لكون المقام مقام توهمه كما يشعر بذلك التعليل المتقدم، و أما
قوله (عليه السلام): (تجعله غسلا واحدا)
فلا بد من تأويله بإرادة الرخصة و نحوها، لمنافاته ما دل(1)على كون التداخل رخصة لا عزيمة، و أما ثالثا فلما رواه
سماعة بن مهران(2)عن الصادق و أبي الحسن (عليهما السلام) قالا: «في الرجل يجامع امرأته فتحيض قبل ان تغتسل من الجنابة، قال: غسل الجنابة عليها واجب»
و لما رواه
عمار(3)في الموثق عن الصادق (عليه السلام) أيضا انه سأل «عن المرأة يواقعها زوجها ثم تحيض قبل ان تغتسل، قال: ان شاءت ان تغتسل فعلت، و ان لم تفعل فليس عليها شيء، فإذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للحيض و الجنابة»
و من هنا نقل عن الشيخ في كتابي الأخبار جوازه بالنسبة للجنابة، و يؤيده عموم أو إطلاق ما دل(4)على الأمر بالغسل، و لا ينافي ذلك ما اخترناه من كون الغسل واجبا لغيره، إذ لا مانع من كونه مع ذلك مستحبا لنفسه، اللهم إلا ان يمنع ذلك في حال الحيض، نعم قد يشكل بالنسبة إلى غسل الجنابة خاصة بأنه متى صح أجزأ عن الوضوء، و هو غير ممكن هنا، لكن تقدم لك سابقا منع ذلك، و ان المختار عدم توقف صحة الغسل على ذلك كما بيناه فيما لو تخلل الأصغر في أثناء الغسل، و تقدم هناك ما له نفع تام في المقام، و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في صحة الأغسال المستحبة لها كما نص عليه في السرائر و المعتبر سواء كان استحبابها لنفسها أو لغيرها مع عدم سقوط الخطاب به حال الحيض.
ج3،
(الثاني) لا يصح منها حال الحيض الصوم إجماعا محصلا و منقولا و سنة من غير فرق بين الواجب منه و المندوب، و أما بعد الانقطاع قبل الطهارة فهو المشهور لما رواه
أبو بصير(1)عن الصادق (عليه السلام) قال: «ان طهرت بليل من حيضها ثم توانت ان تغتسل في رمضان حتى أصبحت كان عليها قضاء ذلك اليوم»
خلافا للمنقول عن العلامة في النهاية، و مال اليه بعض متأخري المتأخرين، و تردد فيه المصنف في المعتبر، و يأتي الكلام فيه في باب الصوم ان شاء الله تعالى.
(الثالث) لا يجوز لها الجلوس في المسجد كما في القواعد، و المراد اللبث كما في الإرشاد و المعتبر و المنتهى مع الإجماع عليه في الأخيرين، و هو الحجة، مضافا الى ما
في الصحيح(2)«الحائض و الجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين»
و يفهم منه حرمة مطلق الدخول عدا الاجتياز كما ذكرناه في الجنب، فما في المدارك من جواز التردد في جوانب المسجد ضعيف، لعدم دخوله تحت مسماه، بل قد يدخل تحت مسمى اللبث و المكث الذي حكي الإجماع على حرمته، كضعف ما ينقل عن سلار من ندبية اعتزالها المسجد، مع عدم صراحته في الخلاف، كما يرشد اليه نفي الخلاف عن الحرمة في التذكرة غير مستثنى لسلار كالاجماعين السابقين.
نعم يجوز و لكن يكره الجواز أي الاجتياز فيه عدا المسجدين فإنه محرم، أما الجواز فللصحيح المتقدم، و نحوه غيره(3)بل عليه الإجماع في المعتبر و المنتهى، و هو الحجة على ما ينقل عن الفقيه و المقنع و الجمل و العقود و الوسيلة من إطلاق حرمة الدخول، مع إمكان تنزيله على غيره، أو عليه مع التلويث للمسجد بالنجاسة، و أما الكراهة فمع تصريح جماعة من الأصحاب ممن لا يتهم في الفتوى بها من غير دليل
ج3،
كالشيخ و المصنف و العلامة و الشهيد و غيرهم، و مناسبتها للتعظيم قد ادعى الشيخ في الخلاف الإجماع عليها، و كفى بذلك مستندا لمثلها، مضافا الى ما رواه في كشف اللثام
مرسلا(1)عن الباقر (عليه السلام) «انا نأمر نساءنا الحيّض أن يتوضأن عند وقت كل صلاة- إلى قوله (عليه السلام)-: و لا يقربن مسجدا»
الى آخره. فما وقع من بعضهم من التردد فيها أو تعليلها بما يصلح لذلك في غير محله، و أما حرمته فيهما فمع أني لم أجد فيها خلافا محققا، بل في المدارك نسبته إلى الأصحاب مشعرا به بدعوى الإجماع عليه يدل عليه
قول الباقر (عليه السلام) في صحيح محمد بن مسلم أو حسنه(2):
«الجنب و الحائض يدخلان المسجد مجتازين، و لا يقعدان فيه، و لا يقربان المسجدين الحرمين»
و هو المناسب لزيادة شرفهما و تعظيمهما، فإطلاق المصنف كما عن جماعة الكراهة من غير استثنائهما كإطلاق آخرين الجواز بدونه قد نزل على إرادة غيرهما، و كان ذلك من المصنف للإحالة على ما ذكره في الجنب، لظهور كونها أسوء حالا منه، و اشتراكهما في كثير من الأحكام، كما انه لم يتعرض هنا لحرمة الوضع في المساجد كما نص عليه هنا غيره من الأصحاب، بل هو أيضا في غير الكتاب، للنهي عن ذلك في جملة من المعتبرة(3)و قد تقدم الكلام فيه في باب الجنابة، كما انه تقدم أيضا الكلام في جواز الدخول لأخذ شيء من المسجد على ما هو المستفاد من بعض الأدلة(4)فلاحظ و تأمل كي تعرف ذلك، و تعرف أيضا إلحاق المشاهد المشرفة بالمساجد، فيحرم غير الاجتياز، أو غيره و غير الدخول لأخذ شيء منها، بل يمكن دعوى إلحاقها بالمسجدين المحرمين في الحرمة مطلقا حتى الاجتياز بعد فهم كون مدارها على الشرف و التعظيم، و هي
ج3،
أولى من غيرها في ذلك، فلاحظ و تأمل، و لاحظ أيضا ما مر لنا سابقا من إيجاب التيمم للجنب في أحد المسجدين للخروج، فانا قد ذكرنا ذلك بالنسبة للحائض إذا حاضت فيه كما هو نص الرواية(1)المعمول عليها هناك، كما انا ذكرنا هناك انه مجرد تعبد شرعي، و إلا فالتيمم لا يفيدها شيئا، و لذا لو اضطرت الى دخول غيرهما من المساجد لا نوجب عليها التيمم، إذ هو لا يفيدها شيئا، فيبقى الأصل لا معارض له، و الله أعلم، و بالجملة فقد تقدم هناك ما يغني تأمله عن إطالة الكلام في المقام.
(الرابع) لا يجوز لها حال الحيض قراءة شيء من العزائم الأربع، إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا كالنصوص(2)على حسب ما مر في الجنب و يجوز للأصل و العمومات و النصوص(3)المعتبرة المستفيضة المعتضدة بنفي الخلاف، بل بالإجماع المدعى صريحا و ظاهرا، لكن يكره لها ما عدا ذلك من القرآن على المشهور، بل ظاهر المصنف دعوى الإجماع عليها من غير فرق بين السبع و السبعين و غيرهما، لما
روي(4)عنه (صلى الله عليه و آله) «لا يقرأ الجنب و لا الحائض شيئا من القرآن»
و ل
قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر السكوني(5)المروي عن الخصال: «سبعة لا يقرؤون القرآن- و عدّ منها- الجنب و النفساء و الحائض»
و في كشف اللثام انه أرسل
عنه (عليه السلام)(6)في بعض الكتب «لا تقرأ الحائض قرآنا»
و
عن أبي جعفر (عليه السلام)(7)«انا نأمر نساءنا الحيض ان يتوضأن عند وقت كل صلاة- إلى قوله
1) 1 الوسائل- الباب- 15- من أبواب الجنابة- حديث 3.
2) 2 الوسائل- الباب- 19- من أبواب الجنابة- حديث 4 و 7 و 11.
3) 3 الوسائل- الباب- 19- من أبواب الجنابة.
4) 4 كنز العمال- ج 5- ص 97- الرقم 2091.
5) 5 الوسائل- الباب- 47- من أبواب قراءة القرآن من كتاب الصلاة.
6) 6 المستدرك- الباب- 27- من أبواب الحيض- حديث 1.
7) 7 المستدرك- الباب- 27- من أبواب الحيض- حديث 3.
ج3،
(عليه السلام)-: و لا يقربن مسجدا و لا يقرأن قرآنا»
و هي كما ترى قاصرة عن إفادة الحرمة سيما بعد معارضتها بما عرفت غير قاصرة عن إثبات الكراهة سيما بعد انجبارها بالشهرة، بل بظاهر الإجماع من المصنف، لكن مقتضاها عدم الفرق بين السبع و السبعين و غيرهما كما هو قضية إطلاق الأكثر، فما عن سلار في الأبواب من القول بالحرمة كالمنقول عن ابن البراج من تقييدها بالزائد على السبع ضعيفان سيما الثاني، كضعف القول بعدم الكراهة مطلقا، أو بتقييدها بالسبع أو السبعين لما عرفت، و كأن مستند الأخير ما ورد في الجنب(1)لكنه فيه- مع انه قياس لا نقول به- انها أسوء حالا منه، لكن قد يقال: انه وجه الجمع بين ما تقدم و بين ما
ورد(2)في بعض الأخبار الآتية في ذكر الحائض من الأمر لها «ان تتوضأ وقت كل صلاة- الى ان قال-:
و تلت القرآن و ذكرت الله عز و جل»
فليتأمل.
ثم ان الظاهر من ملاحظة كلام الأصحاب عدم الفرق فيما سمعت من الحرمة في قراءة العزائم و دخول المساجد بين حال الدم و بين انقطاعه قبل الغسل، استصحابا للمنع، و لأنها أحكام لحدث الحيض المتحقق في الفرض، لكن في المدارك عن بعض المتأخرين الفرق بينهما، فجوز لها الأمرين بعد الانقطاع قبل الغسل معللا ذلك بتعليق الحكم فيهما على الحائض، و هو غير صادق في هذا الحال، لانتفاء التسمية عرفا و ان قلنا بعدم اشتراط صدق المشتق ببقاء مبدئه كالمؤمن و الكافر و الحلو و الحامض، و هو ضعيف.
و لا يحرم عليها ان تسجد لو تلت السجدة و ان حرم ذلك و كذا لو استمعت على الأظهر الأشهر، بل يجب عليها كما هو صريح بعضهم و ظاهر آخرين
ج3،
لإطلاق الأمر بالسجود و الاستصحاب، و
صحيح أبي عبيدة الحذاء(1)«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الطامث تسمع السجدة، فقال: ان كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها»
و
قول الصادق (عليه السلام) في موثق أبي بصير(2)أيضا في حديث: «و الحائض تسجد إذا سمعت السجدة»
و
مضمره الآخر(3)على ما في الكافي و التهذيب مسندا الى الصادق (عليه السلام) على ما في كتب جملة من الأصحاب «إذا قرئ شيء من العزائم الأربع و سمعتها فاسجد و ان كنت على غير وضوء و ان كنت جنبا و ان كانت المرأة لا تصلي، و سائر القرآن أنت فيه بالخيار، ان شئت سجدت و ان شئت لم تسجد»
خلافا للمفيد و الشيخ في التهذيب و الاستبصار و النهاية و الوسيلة و عن المهذب، بل في الثاني كما عن بعض نسخ المقنعة لا يجوز السجود إلا لطاهر من النجاسات بلا خلاف، و يؤيده
صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله(4)عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن الحائض هل تقرأ القرآن و تسجد سجدة إذا سمعت السجدة؟ قال: تقرأ و لا تسجد»
و
خبر غياث(5)المنقول عن مستطرفات السرائر من كتاب محمد بن علي بن محبوب عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «لا تقضي الحائض الصلاة، و لا تسجد إذا سمعت السجدة»
و هما- مع موافقتهما للتقية و قصور سند الثانية، و احتمال الأولى الإنكار، أو النهي عن سبب السجود أي قراءة العزائم كاحتمالها التخصيص بغير العزائم، أو بالسماع دون الاستماع ان قلنا به على ان يراد بالنهي رفع الوجوب- قاصران عن مقاومة ما ذكرنا سيما بعد الاعتضاد بالشهرة المحكية في المقام، و بها يوهن ما سمعته من نفي الخلاف، مع انه نقل عنه في المبسوط موافقة
ج3،
المشهور، بل قال في التهذيب و الاستبصار بعد ان ذكر الرواية الدالة على الوجوب: انها محمولة على الاستحباب، و هو مناف لما حكاه من نفي الخلاف عن عدم الجواز، اللهم إلا أن يريد بالاستحباب استحباب سجود آخر غير سجود التلاوة، و هو كما ترى، نعم يحتمل قويا سيما في الاستبصار إرادته من عدم الجواز نفي الوجوب جمعا بين الخبرين، و ربما يوهمه ظاهر جملة من كلمات الأصحاب، لتعبيرهم عن ذلك بالجواز، و ان كان الظاهر أن المراد به الوجوب كما تقضي به أدلتهم، و هل السماع كالاستماع؟ وجهان بل قولان، ينشئان من إطلاق بعض الأخبار المتقدمة و من الأصل، و ما رواه
عبد الله ابن سنان(1)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سمع السجدة، قال: لا يجب إلا أن يكون منصتا لقراءته مستمعا أو يصلي بصلاته، فأما أن يكون في ناحية و أنت في أخرى فلا تسجد إذا سمعت»
و لعل الثاني أقوى، و به يجمع بين الأخبار المتقدمة، و يأتي تمام الكلام فيه في باب الصلاة إن شاء الله، إذ الظاهر عدم اختصاص المقام بذلك.
(الخامس) يحرم على زوجها و نحوه مع علمه بالحيض و حكمه و تعمده وطؤها في القبل، كما انها يحرم عليها تمكينه من ذلك أيضا حتى تطهر إجماعا بل ضرورة من الدين، فيحكم بكفر مستحله منهما على حسب غيره من الضروريات، كما انه لا إشكال بدونه في الفسق و العصيان، و قد صرح جماعة ثبوت التعزير بنظر الحاكم معللا له بعضهم بأنه لا تقدير له في الأدلة، فيناط بنظره كما في كل ما كان كذلك، و حكي عن أبي علي ولد الشيخ تقديره باثني عشر سوطا و نصف ثمن حد الزاني، و اعترف في المدارك و غيرها تبعا لجامع المقاصد بعدم الوقوف له على مأخذ، و لعل الأولى للحاكم اختيار التعزير بربع حد الزاني سيما إذا كان في أول الحيض، لما في
خبر الفضل
1) 1 الوسائل- الباب- 43- من أبواب قراءة القرآن- حديث 1 من كتاب الصلاة.
ج3،
الهاشمي(1)«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل أتى أهله و هي حائض، قال: يستغفر الله و لا يعود، قلت: فعليه أدب، قال: نعم خمسة و عشرون سوطا ربع حد الزاني و هو صاغر، لأنه أتى سفاحا»
و في
خبر محمد بن مسلم(2)عن الباقر (عليه السلام) «سألته عن الرجل أتى المرأة و هي حائض، قال: يجب عليه في استقبال الحيض دينار، و في وسطه نصف دينار. قلت: جعلت فداك يجب عليه شيء؟
قال: نعم خمسة و عشرون سوطا ربع حد الزاني، لأنه أتى سفاحا»
و في
المرسل(3)عن الصادق (عليه السلام) المروي عن تفسير علي بن إبراهيم «من أتى امرأته في الفرج في أول أيام حيضها فعليه ان يتصدق بدينار، و عليه ربع حد الزاني خمسة و عشرون جلدة، و ان أتاها في آخر أيام حيضها فعليه ان يتصدق بنصف دينار، و يضرب اثنى عشر جلدة و نصفا»
و به يقيد إطلاق الخبر الأول، و في الأخير شهادة على بعض ما نقل عن أبي علي، و يأتي ان شاء الله تمام الكلام فيه في باب الحدود.
و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في عدم الإثم عليه مع جهل الحيض أو نسيانه، و أما مع جهل الحكم فقد صرح غير واحد من الأصحاب بأنه كذلك أيضا، و لعله لا يخلو من تأمل مع تنبهه و تقصيره في السؤال ان جاز خفاء مثل هذا الحكم عليه مع كونه من الضروريات، و لعل مرادهم نفي حرمة الوطء في الحيض عنه لا حرمة التقصير في السؤال، إلا انه مبني على عدم العقاب للجاهل المتنبه على خصوص ما يقع فيه من المحرمات، لعدم تحقق العصيان فيه و ان استحق العقاب على تركه الحث في السؤال.
ج3،
ثم انه لا ينبغي الإشكال أيضا في إلحاق المحكوم بحيضيته شرعا بمعلومها كالمبتدأة و نحوها ان قلنا بتحيضها بمجرد الرؤية، و كذا أيام الاستظهار بناء على المختار من الوجوب إلى العشرة، و كذا بناء على القول بالوجوب التخييري بين اليوم و اليومين مثلا، لكن يتبع اختيارها في الزائد على اليوم، فان اختارت الجلوس وجب عليه الاجتناب و إلا فلا، لكن هل له الوطء قبل العلم باختيارها أو مع خروجها عن قابلية بجنون و نحوه؟
إشكال، أقواه الجواز، و أما بناء على استحباب الاستظهار فربما ظهر من بعض استحباب الاجتناب له أيضا، و فيه تأمل سيما ان قلنا ان المراد بالاستحباب بالنسبة إلى اختيارها أي يستحب لها اختيار الحيض، ثم يلحقها أحكامه حينئذ ان اختارت كما هو أحد الاحتمالين في التخلص من شبهة استحباب ترك العبادات الواجبة، و حينئذ يشكل إطلاق الاستحباب زيادة على إشكال أصل ثبوته أيضا و ان لم نقل بذلك، لعدم التلازم بين حكمها و حكمه، اللهم إلا ان يدعى استفادته من أدلة الاستظهار، أو يستند الى بعض الأخبار(1)المعلقة نفي البأس بالنسبة للوطء على الاستظهار و نحو ذلك، و من جميع ما تقدم يظهر لك ما في إطلاق جملة من المتأخرين جواز الوطء فيها من دون تفصيل بما ذكرنا، و لعله للبناء منهم على عدم لحوقها بأيام الحيض إما مطلقا أو في خصوص الوطء و نحوه، فيتجه لهم حينئذ ذلك، و أما احتمال القول بحرمة الوطء حتى بعد البناء المتقدم تمسكا بباب المقدمة لامتثال التكليف باجتناب الحائض من جهة احتمال انقطاعه على العشرة أو ما دون فضعيف، لعدم الإشكال في جريان أصل البراءة في نحو ذلك من سائر ما اشتبه فيه الموضوع ما لم يكن شبهة محصورة، نعم لا بأس برجحان الاجتناب لذلك.
ثم انه لا إشكال عندهم بل لا خلاف في قبول قول المرأة في الحيض ان لم تكن متهمة، بل أطلق بعضهم وجوب القبول من غير تقييد، كما انه صرح آخر بذلك حتى
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 8 و 12 و 14.
ج3،
مع ظن الزوج الكذب، و لعله لقوله تعالى(1)(وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ) إذ لولا وجوب القبول لما حرم الكتمان، لكن لا يخلو الاستدلال بها على المطلوب من نظر و تأمل، فالأولى الاستدلال ب
قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة(2)أو حسنه: «العدة و الحيض إلى النساء، إذا ادعت صدقت»
و لأنه شيء يعسر إقامة البنية عليه، إذ مشاهدة الدم أعم من كونه حيضا، و لعل وجه التقييد بالتهمة بعد الأصل و عدم تبادر المتهمة مما ذكرنا ما يشعر به
قول أمير المؤمنين (عليه السلام)(3)«في امرأة ادعت انها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض، فقال: كلفوا نسوة من بطانتها ان حيضها كان فيما مضى على ما ادعت، فان شهدت صدقت، و إلا فهي كاذبة»
و من هنا كان التقييد لا يخلو من وجه، لكن ينبغي قصره على نحو مضمون الخبر، كالاستناد الى ما هو محل الريبة و نحوه، لا الاكتفاء بمجرد ظن الزوج الكذب و ان لم تستند إلى شيء من ذلك.
و يجوز للزوج و السيد الاستمتاع بما عدا القبل مما فوق السرة و تحت الركبة إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا غاية الاستفاضة كالسنة(4)فما في
خبر عبد الرحمن «سألت الصادق (عليه السلام) عن الرجل ما يحل له من الطامث؟ قال: لا شيء له حتى تطهر»
محمول على إرادة لا شيء له من الوطء في الفرج أو غير ذلك، و كذا فيما بينهما حتى الوطء في الدبر على المشهور في الجملة شهرة كادت تكون إجماعا، بل عن ظاهر التبيان و مجمع البيان الإجماع على الدبر، كما في صريح الخلاف الإجماع أيضا على جواز الاستمتاع بما بينهما في غير الفرج، و لعله يريد به القبل كالمنقول عن الاقتصاد
ج3،
و النهاية و المبسوط أيضا، بل كادت تكون عبارة الخلاف كالصريحة فيما ذكرنا على ما يشعر به استدلاله، خلافا للمنقول عن المرتضى في شرح الرسالة من تحريم الوطء في الدبر، بل مطلق الاستمتاع بما بين السرة و الركبة، و لم أعثر على موافق له في ذلك سوى ما عساه يظهر من الأردبيلي من الميل اليه، و لا ريب ان الأقوى الأول، و يدل عليه- مضافا الى ما تقدم و الى الأصل بل الأصول و عموم أو إطلاق ما دل على جواز الاستمتاع بالمرأة و على جواز الوطء في الدبر الشامل للمقام من الكتاب و السنة- خصوص المعتبرة المستفيضة غاية الاستفاضة، منها
قول الصادق (عليه السلام)(1)بعد أن سئل عن الحائض ما يحل لزوجها منها؟: (ما دون الفرج)
و نحوه غيره(2)و الظاهر ان المراد به القبل كما يكشف عنه قوله (عليه السلام) أيضا في
مرسل ابن بكير(3): «إذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتقى موضوع الدم»
و في
خبر عبد الملك بن عمرو (4)بعد أن سأله أيضا «ما لصاحب المرأة الحائض منها فقال (عليه السلام): كل شيء عدا القبل منها بعينه».
و بذلك كله يظهر لك ضعف ما يستدل به للمرتضى من النهي عن القرب في الكتاب العزيز(5)كالأمر بالاعتزال في المحيض على انه يراد به وقت الحيض، و
قول الصادق (عليه السلام) في موثق أبي بصير(6)بعد ان سئل عن الحائض ما يحل لزوجها منها؟: «تتزر بإزار إلى الركبتين و تخرج ساقيها و له ما فوق الإزار»
و نحوه
صحيحة الحلبي(7)عنه (عليه السلام) أيضا «تتزر بإزار إلى الركبتين و تخرج سرتها ثم له
1) 1 الوسائل- الباب- 25- من أبواب الحيض- حديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 25- من أبواب الحيض- حديث 3.
3) 3 الوسائل- الباب- 25- من أبواب الحيض- حديث 5.
4) 4 الوسائل- الباب- 25- من أبواب الحيض- حديث 1.
5) 5 سورة البقرة- الآية 222.
6) 6 الوسائل- الباب- 26- من أبواب الحيض- حديث 2.
7) 7 الوسائل- الباب- 26- من أبواب الحيض- حديث 1.
ج3،
ما فوق الإزار، قال: و ذكر عن أبيه (عليه السلام) ان ميمونة كانت تقول: ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يأمرني إذا كنت حائضا أن أتزر بثوب ثم أضطجع معه في الفراش»
و هي مع قصورها عن مقاومة ما ذكرنا من وجوه محتملة للحمل على التقية، لأنه كما قيل مذهب كثير من العامة أو الاستحباب أو نحو ذلك، و لا دلالة في الآيتين بل هما في خلاف المطلوب أظهر، ك
خبر عمر بن حنظلة(1)قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
«ما للرجل من الحائض؟ قال: ما بين إليتيها، و لا يوقب»
إذ هو بعد ضميمة ما ادعي هنا من الإجماع المركب على عدم الفصل بين الدبر و غيره متعين في إرادة النهي عن الإيقاب في القبل سيما بعد كونه الغالب المعهود، فتأمل.
و كيف كان فإن وطأ الزوج زوجته في محل الحيض عامدا عالما على ما هو الظاهر المتيقن من النص و الفتوى مع التصريح به من بعضهم، بل في الخلاف انه لا شيء على الجاهل بالحيض أو بتحريم ذلك، ثم ذكر ان العالم يأثم و يستحق العقاب و يجب عليه التوبة، و قال: بلا خلاف في جميع ذلك وجبت عليه خاصة دونها و ان كانت مطاوعة الكفارة كما هو خيرة كبراء الأصحاب من الصدوقين و الشيخين و علم الهدى و بني حمزة و زهرة و إدريس و سعيد و غيرهم، و نسبه الشهيدان إلى الشهرة، و غيرهما إلى الأكثر، بل عليه الإجماع في الانتصار و الخلاف و الغنية، بل أرسله في الرياض عن الحلي أيضا و ان لم أجده، و يدل عليه مضافا الى ذلك
صحيح محمد بن مسلم(2)«سألته عمن أتى امرأته و هي طامث، قال: يتصدق بدينار و يستغفر الله تعالى»
و نحوه المروي عن تفسير علي بن إبراهيم(3)عن أبي عبد الله (عليه السلام)
ج3،
و
موثق أبي بصير(1)عن الصادق (عليه السلام) أيضا «من أتى حائضا فعليه نصف دينار»
و
خبر محمد بن مسلم(2)«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل أتى المرأة و هي حائض، قال: يجب عليه في استقبال الحيض دينار، و في وسطه نصف دينار»
و به مع الإجماعات السابقة يقيد إطلاق الدينار و نصفه فيما تقدم، مضافا الى
رواية داود ابن فرقد(3)عن الصادق (عليه السلام) أيضا في كفارة الطمث انه «يتصدق إذا كان في أوله بدينار، و في وسطه نصف دينار، و في آخره ربع دينار»
و نحوها المنقول عن الفقه الرضوي(4).
و قيل لا تجب كما هو خيرة المعتبر و المختلف و المنتهى و الروض و جامع المقاصد و المدارك و المحكي عن نهاية الشيخ، للأصل، و
صحيح العيص بن القاسم(5)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل واقع امرأته و هي طامث، قال: لا يلتمس فعل ذلك قد نهى الله ان يقربها، قلت: فان فعل أ عليه كفارة؟ قال: لا أعلم فيه شيئا، يستغفر الله و لا يعود»
و
موثق زرارة(6)عن أحدهما (عليهما السلام) قال:
«سألته عن الحائض يأتيها زوجها، قال: ليس عليه شيء يستغفر الله و لا يعود»
و
خبر ليث المرادي(7)عن الصادق (عليه السلام) في وقوع الرجل على امرأته و هي طامث خطأ قال: (ليس عليه شيء و قد عصى ربه)
و لاختلاف أخبار الوجوب اختلافا
1) 1 الوسائل- الباب- 28- من أبواب الحيض- حديث 4.
2) 2 الوسائل- الباب- 13- من أبواب بقية الحدود و التعزيرات- حديث 1 من كتاب الحدود لكن في الوسائل و في استدباره بدل و في وسطه.
3) 3 الوسائل- الباب- 28- من أبواب الحيض- حديث 1.
4) 4 المستدرك- الباب- 23- من أبواب الحيض- حديث 1.
5) 5 الوسائل- الباب- 29- من أبواب الحيض- حديث 1.
6) 6 الوسائل- الباب- 29- من أبواب الحيض- حديث 2.
7) 7 الوسائل- الباب- 29- من أبواب الحيض- حديث 3.
ج3،
لا يلائمه، منه ما تقدم، و منه
قول الصادق (عليه السلام) في خبر الحلبي(1): «يتصدق على مسكين بقدر شبعه»
و منه
خبر عبد الملك بن عمرو(2)«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أتى جاريته و هي طامث، قال: يستغفر الله ربه، قال عبد الملك: فان الناس يقولون: عليه نصف دينار أو دينار، فقال أبو عبد الله (عليه السلام):
فليتصدق على عشرة مساكين»
و منه يستفاد حمل تلك الأخبار على التقية كما ارتكبه بعضهم، كل ذا مع قصورها في السند سيما الرواية التي اشتملت على تمام التفصيل، مع ان آخرها معارض
بالمرسل(3)أيضا عن الصادق (عليه السلام) المروي عن تفسير علي ابن إبراهيم «ان في الوطء آخر الحيض نصف دينار».
و الأول أحوط بل أظهر، لقوة ما سمعته من أدلة الوجوب، و قصور غيرها عن مقاومتها لانقطاع الأصل، و خروج الخبر الثالث مع الطعن في سنده و عدم الجابر له عن محل النزاع، لتقييده المواقعة بالخطاء، و الكلام في العالم العامد، و احتمال إرادة ذلك منه لنسبة العصيان إليه فيه بعيد، إذ لعله لمكان جهله بالحكم و تقصيره في السؤال أو نحو ذلك، و القول بكون الكفارة دائرة مدار الحرمة مطلقا كالقول بها بمطلق الوطء في الحيض و ان لم يقع على وجه محرم ضعيف، بل لعل الإجماع على بطلان الثاني كما أرسله بعضهم على بطلان الأول، و قد سمعت نفي الخلاف المتقدم، و أما الخبران الآخران فهما و ان اعتبر سندهما لكنهما لا يقاومان ما تقدم من الإجماعات التي هي بمنزلة الأخبار الصحيحة و الروايات المتقدمة المعتبرة في نفسها أو بالانجبار بها، سيما مع موافقتهما لفتوى الشافعي في الجديد و مالك و أبي حنيفة و أصحابه و ربيعة و الليث ابن سعد على ما نقله عنهم في الانتصار، مع اشتهار فتوى أبي حنيفة في زمن الصادق (ع)
ج3،
و منه تعرف فساد نسبة أخبار الوجوب للتقية، كل ذا مع إعراض من سمعت من الأصحاب عنهما، و فيهم من لا يعمل إلا بالقطعيات، مضافا الى أنهم البصيرون الناقدون للروايات، لكونها خرجت من أيديهم، و هم أعرف بها من غيرهم.
و أما ما ذكر أخيرا ففيه ان الاختلاف في الدينار و نصفه بالإطلاق و التقييد، و مثله لا يكون قرينة على الاستحباب، و أما غيره كالتصدق على العشرة و على مسكين و نحوهما فهو مع كونه في بعض الأخبار الغير المعتمدة قد حصل الاعراض عنه من الأصحاب القائلين بالوجوب أو الاستحباب، عدا ما عساه يظهر من المنقول عن الصدوق في المقنع كما ستسمع، و معه لا يصلح لأن يكون قرينة على ذلك، إذ لو كان هو منشأ الاستحباب لكان الحكم باستحباب الجميع متجها، و أيضا فأقصى ما يفيده
مثل هذا الاختلاف إشعار لا يقاوم ما سمعت من الإجماعات و غيرها، مع ان رواية العشرة إنما اشتملت على حكم من وطأ جاريته، و لم يقل أحد بمضمونها فيها، بل المعروف بين الأصحاب التصدق بثلاثة أمداد سواء كان في أوله أو وسطه أو آخره، اللهم إلا ان تنزل على ذلك، و هو كما ترى، و المشهور هنا أيضا القول بالوجوب، بل في الانتصار الإجماع عليه، و في السرائر نفي الخلاف فيه، و هما مع التأييد بالمنقول عن الفقه الرضوي(1)الحجة على ذلك، و لعله مما يؤيد القول بالوجوب في المسألة السابقة لعدم الفصل بينهما و لذا بنى الوجوب و الاستحباب هنا في جامع المقاصد على تلك و ان كان لا يخلو من تأمل، لأن المنقول عن النهاية في المقام الوجوب، لكن لعل عبارته غير صريحة، أو أنه لا يخل بالإجماع المركب، فيتجه حينئذ تأييد تلك بأدلة هذه و بالعكس، فتأمل، إلا ان الظاهر قصر الثلاثة أمداد على ما إذا كانت الموطوءة أمته، لاختصاصها بما سمعت من الدليل، دون ما إذا كانت أمة غيره خلافا لما يظهر من الأستاد في كشف الغطاء،
1) 1 المستدرك- الباب- 23- من أبواب الحيض- حديث 1.
ج3،
نعم لا فرق في أمته بين ان تكون قنة أو مدبرة أو أم ولد، بل و مكاتبة مشروطة أو مطلقة ما لم يتحرر منها شيء، فتدخل حينئذ في الأولى أيضا كما في كل مبعضة لعدم صدق الإضافة، و به يعرف حكم المشتركة أيضا و ان كان الحكم فيهما معا لا يخلو من إشكال.
و كيف كان فقد ظهر لك ان الأقوى الوجوب فيهما، كما انه ظهر لك أيضا كون الكفارة بالنسبة للأولى في أوله دينار، و في وسطه نصف دينار، و في آخره ربع دينار للمرسلة المنجبرة بإجماعي المرتضى و ابن زهرة المؤيدين بالتتبع لكلمات الأصحاب، فلم نعثر على مخالف في هذا التقدير سوى ما عساه يظهر من المنقول عن المقنع من جعل الكفارة ما يشبع مسكينا، و نسبة الأول للرواية عكس ما في الفقيه، و هو غير قادح، ثم ان المتبادر من ذلك في النص و الفتوى تقسيم أيام الحيض مع لياليه أثلاثا متساوية و لو مع الكسور، فالثلث الأول من الأربعة مثلا أول يوم مع الثلث الأول من اليوم الثاني، و الثلث الثاني هو بقية اليوم الثاني مع الثلثين الأولين من الذي بعده، و الباقي هو الثالث الثالث، و هكذا، فما عن سلار من تحديد الوسط بما بين الخمسة إلى السبعة فقد يخلو حينئذ بعض الحيض عن الوسط، و الأخير ضعيف لا دليل عليه، كالمنقول عن الراوندي ان اعتبار ذلك بالنسبة الى أكثر الحيض خاصة، فقد يخلو عنهما أيضا كالأول، ثم المدار على ما تحقق في الخارج انه حيض زاد على العادة أو نقص، كما انه يتبع اختيارها بالنسبة إلى التحيض في الروايات ان اختارت قبل الوطء، و إلا فيشكل وجوب الكفارة لو اختارت بعده، لعدم صدق الوطء في الحيض عالما عامدا، بل قد يشكل هذا الصدق في سابقه فضلا عنه، لعدم ثبوت كونه حيضا، كما يشعر به
قول الصادق (عليه السلام) في تفسير قول النبي (صلى الله عليه و آله):
«تحيضي في علم الله بستة أو سبعة»
في مرسل يونس الطويل(1)فتأمل.
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحيض- حديث 3.
ج3،
و كيف كان فالمدار بالنسبة الى ذلك على الواقع بعد الاستقرار، فلا مدخلية لظن أو لقطع انه الثلث الأول مثلا بعد انكشاف خطائه، و هل يلحق بالزوج وطء الأجنبي؟ وجهان بل قولان، أقواهما في النظر العدم، و كونه أشد حرمة لا يقضي بالكفارة، إذ لعله بشدته لا كفارة له أو له كفارة غير تلك. نعم قد يستند إلى إطلاق بعض الروايات ك
قوله (عليه السلام)(1): (من أتى حائضا)
لكن يشك في شمولها لنحو المقام، كالشك أيضا في شمولها لمن حصل لها حيض في غير الفرج، كأن يكون لها مخرج معتاد غيره ثم وطأها في الفرج، و مثله الشك في شمول الأدلة للخنثى المشكل، و كذلك للوطء في حال الحياة و الموت، بل المتجه في جميع ذلك التمسك بأصالة البراءة السالمة عن المعارض، خلافا لما يظهر من الأستاد في كشف الغطاء، نعم يمكن تعميم الحكم للوطء مع الانزال و عدمه، و إدخال تمام الذكر و عدمه بعد إدخال الحشفة، بل قد يظهر من الأستاد المتقدم تعميمه حتى لإدخال بعض الحشفة، و فيه إشكال، و لا فرق بحسب الظاهر بين كون الزوجة دائمة أو منقطعة، و المراد بالدينار على ما صرح به بعض الأصحاب هو المثقال من الذهب الخالص المضروب، كما انه صرح بعضهم ان قيمته عشرة دراهم جياد، بل في جامع المقاصد انه المعروف بين الأصحاب هنا و في باب الدية، و ظاهر هؤلاء كصريح بعض الاجتزاء بالقيمة، و أولى منها الاجتزاء بالمثقال من الذهب و ان لم يكن مضروبا، و ربما يؤيده ذكر النصف و الربع لظهور كونهما ليسا بمضروبين، كما أنه يؤيد العدم ما قيل ان قيمة الدينار لا تدخل تحت اسم الدينار، مضافا الى ان حال الكفارات الاقتصار على مورد النص، و لعل الأقوى في النظر الأول خلافا لجماعة من الأصحاب، لكن هل يعتبر القيمة في ذلك الوقت فلا عبرة بالزيادة و النقصان في غيره؟
لا يبعد في النظر ذلك، نعم يجتزى بالدينار نفسه زادت قيمته أو نقصت، فتأمل
1) 1 الوسائل- الباب- 28- من أبواب الحيض- حديث 4.
ج3،
جيدا. ثم ان مصرف هذه الكفارة مصرف غيرها من الكفارات، و لا يشترط التعدد بلا خلاف أجده فيها، نعم يمكن اشتراط المساكين الثلاثة في كفارة وطء الأمة، لما عرفت أن العمدة إجماع الانتصار المعتضد بنفي الخلاف، و معقدهما ما ذكرنا.
و لو تكرر منه الوطء بحيث يعد في العرف انه وطئان في وقت واحد كالثلث الأول و نحوه مما لا تختلف و فيه الكفارة لم تتكرر كما هو خيرة السرائر، و قواه في المبسوط للأصل، و تعليق الكفارة على مسمى الوطء مثلا الصادق في الواحد و المتعدد، و لذا لم تتعدد الكفارة بتعدد الأكل مثلا في شهر رمضان، و قيل بل تتكرر لأصالة عدم التداخل بعد الفهم العرفي من مثل هذه الخطابات تكرر المأمور به عند تكرر الشرط، و لأن الوطء الثاني بعد تحققه إما أن يكون سببا أو لا، و الثاني باطل قطعا لشمول ما دل على السببية لمثله، و إذا كان سببا فلا بد من ترتب المسبب عليه، و إلا لم يكن سببا، و لا معنى لأن يكون مسببه ذلك الذي تعلق بذمة المكلف أولا للزوم تحصيل الحاصل و تقدم المسبب على السبب، مع ان ظاهر الأدلة هنا كقوله (عليه السلام)(1): (فعليه) و نحوه مقارنته له لا حصوله قبله، فلم يبق إلا المطلوب، و الأول أقوى ان لم يسبق التكفير، كما ان الثاني أقوى مع السبق وفاقا للعلامة و الشهيد و المقداد و غيرهم، أما الأول فللشك في السببية حينئذ، فلا يجري أصالة عدم التداخل مع منع الفهم العرفي من مثله التكرر، بل الظاهر من هذه الخطابات حكم قضية مهملة، و هي ان الوطء في الجملة في أول الحيض مثلا يوجب ذلك، لا ان المراد كل وطء، و
لا مانع من التزام انه مع سبقه بالسبب الأول لا يؤثر أثرا كالحدث بعد الحدث و النجاسة بعد النجاسة و نحوهما، فيراد بسببيته حينئذ انه قابل للتأثير لو استقل، و منه يظهر وجه الثاني، و ذلك لوجود المقتضي و ارتفاع المانع، فيكون كالحدث
1) 1 الوسائل- الباب- 28- من أبواب الحيض- حديث 4.
ج3،
بعد ارتفاع الأول و النجاسة بعد ارتفاع السابقة.
هذا كله مع اتحاد الكفارة لاتحاد الوقت و أما ان اختلفت لاختلافه تكررت من غير فرق بين سبق التكفير و عدمه، بل ظاهر العبارة انه لا خلاف فيه و لعله كذلك و ان أطلق بعضهم عدم التكرير، لكن لعله يريد مع عدم اختلاف الوقت، و إلا فلا وجه للنزاع، لتغير الموجب و الموجب هنا، فلا ينبغي الإشكال فيه كما هو واضح، و اعلم انه ألحق بعضهم النفساء بالحائض، قيل و عليه يمكن اجتماع زمانين بل ثلاثة في وطء واحد، نظرا إلى إمكان قلة زمان النفاس، فيلتزم حينئذ بالكفارات الثلاثة، و هو لا يخلو من إشكال، لعدم صدق الأول و الوسط و الآخر، و لا الوطء فيهما بمجرد الاستدامة الحاصلة، فالمتجه حينئذ مراعاة أول آنات مسمى الوطء بإدخال الحشفة أو الأقل ان قلنا به، و منه يعرف الاشكال فيما عساه يقال من احتمال إيجاب الكفارتين معا بالنسبة للحائض إذا اتفق الوطء في آخر زمان الثلث الأول مثلا و في أول زمان الثلث الثاني، لما عرفت من عدم تعدد الوطء، بل هو وطء واحد، فينبغي مراعاة أول آنات تحقق مسماه، نعم قد يشكل الحال مع فرض اشتراك زمان التحقق، و لعل المتجه فيه إيجاب الكفارتين، تحصيلا للبراءة اليقينية للقطع بشغل ذمته، إذ احتمال سقوط الكفارة مقطوع بعدمه، فتأمل جيدا. ثم ان الظاهر من ذيل مرسلة داود(1)سقوط الكفارة مع العجز، و الرجوع الى الاستغفار، بل جعله السبيل الى كل كفارة عجز عنها، و هو لا يخلو من قوة بناء على الاستحباب، كما انه لا يخلو من إشكال بناء على الوجوب، لعدم الجابر لها في خصوص ذلك، بل ينبغي انتظار اليسار كما في غيره من الكفارات، و بناء عليه ينبغي ملاحظة العجز عن التعلق دون المتجدد، لمكان شغل الذمة به سابقا، و الله أعلم.
1) 1 الوسائل- الباب- 28- من أبواب الحيض- حديث 1.
ج3،
السادس يحرم بل لا يصح طلاقها إجماعا من المسلمين في الأول كما حكاه في المعتبر و المنتهى و غيرهما، و من الفرقة المحقة في الثاني إذا كانت مدخولا بها و زوجها حاضر معها أو في حكمه لا غائبا أو في حكمه، و كانت حائلا لا حاملا إجماعا محصلا و منقولا صريحا في الذكرى و جامع المقاصد و كشف اللثام و غيرها، و ظاهرا في المنتهى و المعتبر و المدارك و غيرها، خلافا للمنقول عن الشافعي و أبي حنيفة و مالك و أحمد من الصحة و ان حرم، نعم وقع خلاف بيننا في تحديد الغيبة بشهر أو ثلاثة أو العلم بانتقالها من طهر المواقعة إلى طهر آخر بحسب عادتها، و لتحرير ذلك مقام آخر كتحرير توقف تحقق الغيبة على السفر الشرعي أو انها تحصل بدونه، فتأمل.
(السابع) إذا استبرأت نفسها فعلمت انها طهرت وجب عليها الغسل عند وجوب المشروط به إجماعا محصلا و منقولا دون عدمه و ان قلنا بوجوب غسل الجنابة لنفسه، و لذا نفى عنه الخلاف هنا في جامع المقاصد، و حكى في الروض عليه الإجماع، لكن جعل في المنتهى للنظر فيه مجالا لإطلاق الأمر، و نحوه القاضي بوجوبه لنفس، و في المدارك ان قوته ظاهرة، و قد تشعر عبارة الذكرى في باب الجنابة بوجود المخالف كما انه يشعر بعضها أيضا بعدمه، و الأقوى خلافه في الجنابة فضلا عن المقام، و كيف كان ف كيفيته مثل غسل الجنابة واجباته و مندوباته، بلا خلاف أجده إلا فيما ستسمع، بل في المدارك انه مذهب العلماء كافة، و هو الحجة مع قول الصادق (عليه السلام) في الموثق(1)و
المرسل(2)عن الفقيه و المقنع و المجالس: «غسل الجنابة و الحيض واحد»
و نحوه غيره(3)و
خبر أبي بصير(4)عنه (عليه السلام) أيضا قال: «سألته أ عليها غسل مثل غسل الجنابة، قال: نعم يعني الحائض»
و نحوه غيره(5)أيضا مضافا الى
ج3،
ما دل(1)على التداخل سابقا، و قضية ذلك كله التساوي في جميع الواجبات و المندوبات في الترتيب و الارتماس و غيرهما، و هو كذلك، لكن قال في النهاية: «و تستعمل في غسل الحيض تسعة أرطال من ماء، و ان زاد على ذلك كان أفضل، و في الجنابة و إن استعمل أكثر من ذلك جاز» إلا انه يحتمل إرادته الأول من الثاني، كما انه يحتمل تخصيصها بذلك الإسباغ لمكان شعرها و جلوسها في الحيض أياما، و في الرياض أو انه لاحظ
مكاتبة الصفار(2)«كم حد الماء الذي يغسل به الميت كما رووا ان الجنب يغتسل بستة أرطال و الحائض بتسعة»
أو
الخبر(3)«عن الحائض كم يكفيها من الماء؟ قال: فرق»
و هو كما قاله أبو عبيدة بلا اختلاف بين الناس ثلاثة أصوع، و فيه ان الأول لا يوافق ما تقدم عن النهاية.
ثم انك قد عرفت ان قضية الأدلة السابقة جواز الارتماس أيضا كما صرح به بعضهم في المقام و الجنابة، و قد أوضحناه هناك بما لا مزيد عليه، و لا ينافيه قول العلامة في المنتهى هنا: يجب فيه الترتيب، و حكى عليه الإجماع، لأنه قال بعد ذلك:
«و اعلم ان جميع الأحكام المذكورة في غسل الجنابة آتية هنا ليتحقق الوحدة إلا شيئا واحدا و هو الاكتفاء به عن الوضوء، فان فيه اختلافا» قلت: و ينبغي ان يستثنى مسألة تخلل الحدث الأصغر في أثنائه، لأنه ينبغي القطع كما عن العلامة في التذكرة و النهاية بعدم قدحه في المقام بناء على عدم الاستغناء عن الوضوء مع عدم مدخليته في رفع الأكبر، نعم قد يتجه البحث فيه بناء على أحدهما، كما انه يمكن القول بالفساد هنا بناء على الأول أيضا ان قلنا به في غسل الجنابة مستندين إلى الرواية المرسلة المتقدمة هناك بضميمة
ج3،
ما دل على اتحادهما مما سمعته الآن لا الى غيرها من التعليلات المتقدمة هناك، فتأمل جيدا فإنه دقيق، لكن أطلق في جامع المقاصد ان في تخلل الأصغر في أثنائه قولين مبنيين على الخلاف في غسل الجنابة، ثم نقل فيه عن الذكرى تعليل عدم القادحية بأن الطهارتين في غسل الحيض أي الصغرى و الكبرى يشتركان في رفع الحدثين، و هو كما ترى مع ضعف الاشتراك في نفسه كما ستسمع ان شاء الله ان اقتضاء ذلك الفساد أقرب من اقتضائه الصحة، اللهم إلا ان يريد بالاشتراك من جانب الصغرى بمعنى ان الوضوء له مدخلية في رفع الأكبر مع استقلاله في رفعه الأصغر، فحينئذ يتجه له عدم قدح تخلله في أثناء الغسل بعد تعقيبه بالوضوء.
و كيف كان فلا إشكال في انفراد غسل الحيض عن غسل الجنابة بالنسبة للوضوء للإجماع محصلا و منقولا مستفيضا غاية الاستفاضة كالنصوص(1)على إجزاء الثاني عنه، بل الظاهر عدم استحبابه فيه وفاقا للمحكي عن المشهور، بل في الذكرى نسبته إلى الأصحاب، و في المنتهى عندنا، و خلافا للشيخ في التهذيب لظاهر خبرين(2)و حملهما على التقية أولى، و أما الأول ففيه خلاف، و قد اختار المصنف العدم، و لذا قال لكن لا بد له من وضوء كغيره من الأغسال وفاقا للمحكي عن الأكثر على لسان جماعة، بل في الذكرى انه المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، كما عن الصدوق في الأمالي نسبته الإقرار في كل غسل وضوء الى دين الإمامية، قلت: و الأمر فيه كما ذكرا إذ هو خيرة الفقيه و الهداية(3)و المقنعة و التهذيب و المبسوط و النهاية و الغنية و المراسم و الوسيلة
ج3،
و السرائر و كافي أبي الصلاح و إشارة السبق و الجامع و المعتبر و النافع و المنتهى و التحرير و الإرشاد و المختلف و الموجز الحاوي و الذكرى و الدروس و البيان و التنقيح و جامع المقاصد و كشف اللثام و منظومة الطباطبائي و شرح الآغا للمفاتيح و الرياض و كشف الغطاء و غيرها، بل لا أجد فيه خلافا سوى ما ينقل عن أبي علي و علم الهدى مع اختلاف في النقل عن الثاني، فبين ناقل الاجتزاء عن الوضوء بكل غسل واجب أو مندوب كما في المعتبر و غيره، و في المختلف عنه و عن أبي علي ذلك، و نقل عنه في كشف اللثام انه خص في الجمل الاجزاء بالواجب، قلت: مع انه نقل هو عنه أيضا في الاستحاضة انه أوجب في الجمل الوضوء مع الغسل لكل صلاتين.
و كيف كان فلم أعثر لهما على موافق سوى جماعة من متأخري المتأخرين كالأردبيلي و تلميذه صاحب المدارك، و تبعهما في الذخيرة و المفاتيح و الحدائق، و الأقوى الأول، و يدل عليه- مضافا الى ما سمعته من الأمالي المؤيد بتلك الشهرة العظيمة، و فيها من لا يعمل إلا بالقطعيات، و ما هو كمتون الأخبار كالنهاية و الفقيه و الهداية، و هو المنقول عن والد الصدوق أيضا، مع انه علله في الفقيه و الهداية مما ينبئ عن ذلك، حيث قال في الأول: «يجزئ غسل الجنابة عن الوضوء، لأنهما فرضان اجتمعا، فأكبرهما يجزئ عن أصغرهما، و من اغتسل لغير جنابة فليبدأ بالوضوء ثم يغتسل، و لا يجزؤه الغسل عن الوضوء، لأن الغسل سنة و الوضوء فرض، و لا تجزئ سنة عن فرض» و نحوه في الهداية، كالمنقول عن فقه مولانا الرضا (عليه السلام)(1)مع زيادة تأكيد لعدم الاجزاء- الاستصحاب في بعض الأحوال، و عموم و إطلاق ما دل(2)على إيجاب البول و نحوه من أسباب الوضوء مع التيمم بعدم القول بالفصل
ج3،
حيث لا يحصل إلا الأكبر مثلا، و قوله تعالى(1)(إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) الى آخره مع التتميم المذكور أيضا، فلا ينافيه حينئذ ما يقال: ان المراد به إذا قمتم من النوم كما فسرت به محكيا عن بعضهم عليه الإجماع، كالقول بأن (إذا) من أدوات الإهمال فلا عموم فيها، فإنه مع شهادة العرف على عدمه فيه إخراج لكلام الحكيم عن الفائدة التامة، و يدل عليه أيضا
الصحيح الى ابن أبي عمير عن رجل(2)عن الصادق (عليه السلام) قال: «كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة»
و هو- مع قبول مراسيله عند الأصحاب و انه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و انه لا يروي إلا عن ثقة كما عن العدة- منجبر بما عرفت، فلا يلتفت للمناقشة في سنده و كذا في متنه من عدم الصراحة في الوجوب، هذا. مع انه قد
روى الشيخ بطريق صحيح إليه أيضا عن حماد بن عثمان أو غيره(3)عن الصادق (عليه السلام) «في كل غسل وضوء إلا الجنابة»
و لعلهما بذلك يكونان روايتين كما هو الظاهر من المختلف، و يؤيده اختلاف متنيهما، و ما عساه يظهر من التهذيب من جعلهما كذلك أيضا، بل في المختلف و الذكرى حذف لفظ (أو غيره)، و وصفه بالحسن، و لعلهما وقفا على ما لم نقف عليه، و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في حجية مثل هذه الرواية سيما مع الانجبار المتقدم، و التأييد بالمروي عن
غوالي اللئالي(4)عن النبي (صلى الله عليه و آله) «كل غسل لا بد فيه من الوضوء إلا الجنابة»
و ب
خبر علي بن يقطين(5)عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: «إذا أردت أن تغتسل للجمعة فتوضأ و اغتسل»
مع تتميمه بعدم القول بالفصل بناء على المشهور من النقل عن المرتضى و أبي علي من الاجتزاء بكل غسل
ج3،
عن الوضوء، و ربما يؤيد المختار مضافا الى ذلك ببعض ما سيأتي في باب الاستحاضة مما دل(1)
«في كل غسل وضوء»
و أولوية الكثيرة من القليلة و المتوسطة في إيجاب الوضوء، و أصالة عدم إغناء هذه الأغسال عن الوضوء.
على وجوب الوضوء مع الأغسال الثلاثة، بل في الروض هناك ان فيه أخبارا صحيحة.و بذلك كله يظهر لك ما في مستند الثاني من أصالة البراءة عن الوضوء سيما مع عدم وجود سبب غير الأكبر، و هو مقطوع بما تقدم، و من
صحيح ابن مسلم(2)عن الباقر (عليه السلام) «الغسل يجزئ عن الوضوء، و أي وضوء أطهر من الغسل»
و
مرسل حماد بن عثمان(3)عن الصادق (عليه السلام) «في الرجل يغتسل للجمعة أو غير ذلك أ يجزؤه من الوضوء؟ فقال (عليه السلام): و أي وضوء أطهر من الغسل»
و
صحيح حكم بن حكيم(4)عن الصادق (عليه السلام) بعد أن سأله عن كيفية غسل الجنابة قال: «قلت: ان الناس يقولون: يتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل، فضحك، و قال: أي وضوء أنقى من الغسل و أبلغ»
على إرادة الماهية في لفظ الغسل دون العهدية، و
مكاتبة عبد الرحمن الهمداني(5)الى أبي الحسن الثالث (ع) سأله «عن الوضوء للصلاة في غسل الجمعة، فكتب لا وضوء للصلاة في غسل الجمعة و غيره»
و
موثق الساباطي(6)عن
1) 1 و هو قوله تعالى في سورة المائدة- الآية 8 «إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ» الى آخره و قوله عليه السلام المروي في الوسائل في الباب- 35- من أبواب الجنابة- حديث 2:
2) 2 الوسائل- الباب- 33- من أبواب الجنابة- حديث 1.
3) 3 الوسائل- الباب- 33- من أبواب الجنابة- حديث 4.
4) 4 الوسائل- الباب- 34- من أبواب الجنابة- حديث 4.
5) 5 الوسائل- الباب- 33- من أبواب الجنابة- حديث 2 لكن رواه عن محمد ابن عبد الرحمن الهمداني.
6) 6 الوسائل- الباب- 33- من أبواب الجنابة- حديث 3.
ج3،
الصادق (عليه السلام) «في الرجل إذا اغتسل من جنابة أو يوم جمعة أو يوم عيد هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده؟ فقال: ليس عليه قبل و لا بعد، قد أجزأ عنه الغسل و المرأة مثل ذلك، إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل و لا بعد قد أجزأها الغسل»
و بما
ورد(1)مستفيضا ان «الوضوء بعد الغسل بدعة»
و بما تشعر به أخبار الباب(2)و الاستحاضة(3)و النفاس(4)لاشتمالها على الغسل خاصة من غير تعرض للوضوء معه، مع انها في مقام البيان و الحاجة، و بما يشعر به أيضا أخبار التداخل(5)و ما دل(6)على مماثلة غسل الحيض لغسل الجنابة و وحدته معه.
و فيه مع الطعن في سند بعضها و لا جابر ان الاخبار كل ما كثرت و صحت و صرحت و كانت من الأصحاب بمرأى و مسمع و مع ذلك فقد أعرض عنها الأصحاب و أفتوا بخلافها قوي الظن بعدم الاعتماد عليها و الركون إليها، و كيف مع نسبة الصدوق دين الإمامية إلى خلافها، فالمتجه حينئذ طرح ما لا يقبل التأويل منها ان كان، و تأويل القابل لذلك إما بحمل الغسل على غسل الجنابة، كما عساه يشير اليه بعض أخبار المتقدمة كبعض آخر يفيد انه هو المبحوث عنه بيننا و بين العامة، و انه الذي نسب العامة الى علي (عليه السلام) فيه الوضوء، و
قال الامام (عليه السلام)(7): «انهم كذبوا على علي (عليه السلام) ما وجدوا ذلك في كتابه، قال الله تعالى:
1) 1 الوسائل- الباب- 33- من أبواب الجنابة- حديث 6 و 9 و 10.
2) 2 الوسائل- الباب- 33- من أبواب الجنابة.
3) 3 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة.
4) 4 الوسائل- الباب- 1- من أبواب النفاس.
5) 5 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الحيض- حديث 1 و 3 و 7.
6) 6 الوسائل- الباب- 23- من أبواب الحيض- حديث 4.
7) 7 الوسائل- الباب- 34- من أبواب الجنابة- حديث 5.
ج3،
(وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا)(1)»
أو بأن يراد نفي مدخلية الوضوء في رافعية الغسل للأكبر و ان الإتيان به على هذا الوجه بدعة، كما ستعرف انه بناء على المختار لا مدخلية للوضوء في رافعية الغسل للأكبر، و مما يؤيده ان الخصم على ما نقل عنه في الرياض إنما ينفي الوجوب، و إلا فالرجحان و المشروعية مجمع عليها في الجملة، فوجب حينئذ حمل البدعية على ما ذكرنا، و أما ما ذكر أخيرا من عدم التعرض للوضوء في أخبار الباب و الاستحاضة و نحوها ففيه- مع ممنوعيته كما ستعرف- انه لعله في بيان الرافع لخصوص هذه الأحداث دون باقي الشرائط، و بذلك أيضا تتم المماثلة لغسل الجنابة و يحصل التداخل، فيسقط ما ذكر أخيرا، فتأمل.
نعم تتخير في وضع الوضوء قبله أي الغسل أو بعده كما في المبسوط و النهاية و الوسيلة و السرائر و المعتبر و القواعد و غيرها، كما أنه هو قضية إطلاق آخرين و هو المشهور نقلا و تحصيلا، بل في السرائر نفى عنه الخلاف بعد ان حكى القول باحتياج غير غسل الجنابة إلى الوضوء إما قبله أو بعده عن المحققين المحصلين الأكثرين من أصحابنا، قال: «و قد يوجد في كتب أصحابنا في كيفية غسل الحيض مثل كيفية غسل الجنابة، و يزيد بوجوب تقديم الوضوء على الغسل، و هذا غير واضح من قائله، بل الزيادة على غسل الجنابة أن لا تستبيح الحائض إذا طهرت بغسل حيضها و بمجرده الصلاة كما يستبيح الجنب، سواء قدمت الوضوء أو أخرت، فإن أراد يجب تقديم الوضوء على الغسل فغير صحيح بغير خلاف» انتهى. و كأنه أشار بذلك الى ما في الفقيه و الغنية و الكافي و موضع من المبسوط لظهورها في إيجاب التقديم، بل في الذكرى أنه الأشهر و لم نتحققه، و قال في الأخير: «يلزمها تقديم الوضوء ليسوغ لها استباحة الصلاة على الأظهر من الروايات، فان لم تتوضأ قبله فلا بد منه بعده» انتهى، و هو
1) 1 سورة المائدة- الآية 9.
ج3،
يفيد انه ليس التقديم شرطا في الصحة و ان قلنا بوجوبه، بل في الرياض عن بعض المشايخ نفي الخلاف في ذلك، قلت: و لعله يظهر أيضا من التأمل في عبارة السرائر، و يؤيده إطلاق كثير من الأخبار(1)الآمرة بالغسل من غير تعرض فيها لتقديم الوضوء مع انها في مقام البيان، لكن قد يلتزمه القائلون بوجوب التقديم، لإشعار مرسلة ابن أبي عمير المتقدمة به، و مثله خبر حماد بن عثمان، بل هو أصرح منه كالنبوي المتقدم أيضا عن غوالي اللئالي، فإنهما و ان كانا مطلقين بالنسبة للقبلية لكنهما مشعرين بالشرطية، مع وجوب حملها بالنسبة للأول على المقيد، بل عن الأمالي نسبة كل غسل فيه وضوء في أوله إلا غسل الجنابة إلى دين الإمامية، إلا ان المشهور بين الأصحاب بل قد عرفت نفي الخلاف عنه في السرائر عدم الوجوب فضلا عن الشرطية، و سمعت ما عن بعض المشايخ المنقول عنهم في الرياض من نفي الخلاف في الثاني.
و يؤيده أيضا ما عن
الفقه الرضوي(2)فإنه و ان اشتمل أوله على الأمر بالبدأة بالوضوء قبل الغسل لكن قال (عليه السلام) في آخره: «فان اغتسلت و نسيت الوضوء توضأت فيما بعد عند الصلاة»
و هو كالصريح في إرادة وجوب الوضوء انما هو لتحقق غاياته، و لا تعلق له بالغسل، و دعوى اختصاصه بصورة النسيان مقطوع بعدمها، فلا إشكال في ضعف احتمال شرطية التقديم، كالقول بوجوبه مع عدم الشرطية، و ان اختاره شيخنا الآغا في شرح المفاتيح، لكونه قضية الجمع بين الإطلاق و التقييد بين الأخبار المتقدمة، مع ما سمعته من الأمالي، مضافا الى ما ورد(3)من كونه بعد الغسل بدعة، لكن قطع الأصل و تقييد المطلق منها بذلك مع إعراض المشهور بل نفي
ج3،
الخلاف المتقدم في السرائر مشكل، بل الأقوى عدمه، فلا يبعد ان يكون المراد بتلك الأخبار عدم إغناء غير الجنابة عن الوضوء، بل لا بد منه إما قبله أو بعده أو انها تحمل على الاستحباب كما صرح به جمع من الأصحاب على إرادة أفضل فردي الواجب المخير، فلا ينافي حينئذ الاستدلال بها فيما تقدم على وجوب أصل الوضوء في الغسل، مع ان دليل الوجوب غير محصور بذلك، بل يكفي فيه ما دل على تسبب البول و نحوه كما تقدمت الإشارة إليه سابقا. لا يقال: انه لا يعم جميع أفراد النزاع كما لو فرض عدم وقوع غير الأكبر، لأنا نقول: أما أولا فيتم بعدم القول بالفصل، و أما ثانيا فبالاكتفاء بقوله تعالى (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) في أحد الوجهين، و بإطلاق
قوله (عليه السلام) في الخبر الأخير: (في كل غسل وضوء)
المؤيد بالنبوي المتقدم و نحوه، فظهر لك حينئذ من جميع ذلك ان المتجه عدم وجوب التقديم، و انه لا مدخلية له في صحة الغسل.
يبقى الكلام في شيء لا ارتباط له فيما تقدم، و هو ان الغسل و الوضوء تقدم أو تأخر مشتركان في رفع الحدثين أو انهما على التوزيع، فالغسل للأكبر و الوضوء للأصغر، و تظهر الثمرة في ترتب أحكام كل منهما بمجرد فعله قبل فعل الآخر لم أجد نصا في كلام أحد من الأصحاب على شيء من ذلك سوى ما في المدارك، قال:
«حدث الحيض و غيره من الأحداث الموجبة للوضوء و الغسل عند القائلين به هل هو حدث واحد أكبر لا يرتفع إلا بالوضوء و الغسل أو حدثان أصغر و أكبر؟ ثم ان قلنا بالتعدد فهل الوضوء ينصرف إلى الأصغر و الغسل إلى الأكبر أم هما معا يرفعان الحدثين على سبيل الاشتراك؟ احتمالات ثلاثة، و ليس في النصوص دلالة على شيء من ذلك» انتهى. و سوى ما في الذكرى من احتمال مدخلية الوضوء في تحقق غايات الأغسال، بل ظاهره احتمال ذلك حتى في الأغسال المندوبة فضلا عن غيرها، و احتمل أيضا العدم
ج3،
و انه شرط بالنسبة إلى غاياته كالصلاة و الطواف دونها، و نقل عنها في جامع المقاصد استبعاد القول بالتوزيع أي توزيع الغسل للأكبر و الوضوء للأصغر، و قال بعد نقل ذلك: «انه لا ريب في ضعف القول بالتشريك- كما أنه نقل عن ابن إدريس أيضا- انه لا يجوز نية الرفع في الوضوء إذا تقدم، نظرا الى ان الرفع انما يتحقق برفع الحدث الأكبر، فإن تقدم الوضوء فهو باق، و ان تأخر فقد زال- ثم قال-: و ظهور ضعفه يغني عن رده» انتهى. و في البيان بعد ما نقل عن ابن إدريس ذلك أيضا قال:
«و هو يعطي توزيع الوضوء و الغسل على الأصغر و الأكبر، و ليس كذلك» انتهى.
قلت: و الموجود في السرائر في باب الحيض ان الحائض تنوي بالغسل الرفع تقدم أو تأخر، و بالوضوء الاستباحة تقدم أو تأخر، و علله بالنسبة إلى الوضوء انه قبل الغسل لا رفع لمكان بقاء الحدث الأكبر، و بعده بأن الحدث ارتفع، و هو الذي نقله عنه في التحرير، قال فيه بعد ان حكم بلزوم الوضوء في غسل الحيض قبله أو بعده: «و تنوي بالمتقدم استباحة الصلاة، و هل تنوي رفع الحدث أو بالتأخر لا غير؟ فيه نظر، و ابن إدريس قال: ينوي بالغسل رفع الحدث تقدم أو تأخر، و بالوضوء الاستباحة تقدم أو تأخر» انتهى. و في المنتهى بعد ان ذكر النظر المتقدم علله بأن «الحدث لا يرتفع إلا بهما، فكان الأول غير رافع، فلا ينوي به الرفع أو انه مع التأخر كالجزء فجازت نية رفع الحدث، و كان أبي يذهب إلى الأول، و عندي فيه توقف» انتهى. هذا ما وقفت عليه من كلماتهم في هذا المقام، و لهم كلام آخر في باب الاستحاضة يأتي التنبيه عليه ان شاء الله تعالى في محله.
و الذي يختلج في النظر القاصر هنا هو ان المستفاد من ملاحظة النصوص و الفتاوى ان الحدث الأكبر حالة تحصل للمكلف يمتنع بها عن فعل سائر ما ثبت توقفه على فعل الطهارة الصغرى و زيادة كاللبث في المساجد للجنب و الحائض و قراءة العزائم و نحوهما،
ج3،
و هو معنى استلزام الأكبر للأصغر، نعم قد يشكل استفادة هذا التعميم بالنسبة إلى مس الأموات خاصة، و قد ذكرناه في أول الكتاب، و لا إشكال بحسب الظاهر في استباحة ذلك الزائد بمجرد الغسل من غير حاجة الى الوضوء، فلا يتوقف جواز اللبث في المساجد مثلا للحائض لو اغتسلت على الوضوء، و كذا الوطء ان قلنا بتوقفه على الغسل، و قراءة العزائم و نحوهما لظهور الأدلة في استباحة ذلك كله بمجرد الغسل، فهي به حينئذ تكون كغير الحائض الغير المتوضأة، و أما ما اشتركا فيه كالصلاة و الطواف و نحوهما فلا إشكال في توقف استباحته على الوضوء و الغسل، فلا الوضوء وحده رافع له بتمامه و لا الغسل، بل هما مسببان لسبب واحد، فلا معنى لنية الرفع في كل منهما ان أريد بها التمام، كما انه لا مانع منه ان أريد بها ملاحظة الجهة الخاصة، و احتمال القول ان الحدث سبب للغسل خاصة- و أما الوضوء فيوجبه قوله تعالى (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) و نحوه، و لا مدخلية للحدث فيه كما تشعر به عبارة ابن إدريس السابقة، و لذا جوز نية الرفع في الغسل تقدم أو تأخر دون الوضوء تقدم أو تأخر أيضا- ضعيف بل باطل، سيما مع الانضمام إلى الأكبر بعض الأحداث الصغر.
نعم يحتمل الفرق بين الوضوء و الغسل بنحو آخر، و هو ان يقال: ان إيجاب هذا السبب لهذين المسببين ينحل إلى أصغر و أكبر، لكن لما لم يتصور رفع الأصغر مع بقاء الحدث الأكبر إذ ليس لنا موضوع في الخارج متطهر من الأصغر غير متطهر من الأكبر بخلاف العكس كان المتجه حينئذ في غير الواجدة إلا لماء الوضوء مثلا التيمم و سقوط حكم الماء، لما عرفت من عدم إمكان الأصغر مع بقاء الأكبر، بخلاف ما لو وجدت ماء الغسل، فإنه يجب عليها الاغتسال و التيمم بدل الوضوء، هذا. مع انه للتأمل و النظر فيه مجال، بل المتجه بناء على ما ذكرنا فعل ما تمكنت منه و قيام التراب مقام المتعذر، لإطلاق
ما دل(1)على وجوب الوضوء، و لأنه «لا يسقط الميسور
1) 1 سورة المائدة- الآية 8.
ج3،
بالمعسور»(1)
و
«ما لا يدرك كله لا يترك كله»(2)
و
«إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»(3)
و نحوها(4)إذ لا ارتباط لأحدهما بالآخر، و لعدم تناول أدلة التيمم لمثله، و ما ذكر من تضمن الأكبر للأصغر و انه (ليس) الى آخره لا حقيقة له عند التأمل إلا إرادة إيجاب السبب لهما معا. و غيره لا يصلح لأن يكون مدركا لحكم شرعي، على انه لو روعي ما ذكر لكان اللازم حينئذ تأخير الوضوء عن الغسل حال وجدان الماء لها، لعدم تصور تأثيره مع بقاء الأكبر، و هو مخالف للإجماع بحسب الظاهر، و دعوى انه لا يؤثر أثرا حال التقديم إلا بعد إيقاع الغسل فيكون حينئذ من قبيل وجود المقتضي مع حصول المانع منه ممنوعة، لمخالفتها لظاهر الأدلة الدالة على سببية الوضوء المقتضية لمقارنة حصول مسببه بحصوله، و على تقدير التسليم فلم لا يقوم حينئذ التيمم مقام الغسل في ذلك، و من هنا نص جماعة من الأصحاب في نحو الفرض السابق في باب التيمم على وجوب الوضوء ثم التيمم بدل الغسل، منهم الشهيد في الذكرى، و أبو العباس في الموجز، و العلامة الطباطبائي في المنظومة، بل هو قضية المحكي من عبارة نهاية الأحكام أيضا، بل لا أجد فيه خلافا و لا ترددا مما عدا الأستاد في كشف الغطاء فلم يجوز الوضوء، بل يمكن دعوى تحصيل الإجماع عليه بملاحظة كلامهم في باب التيمم.
قال في الذكرى و جامع المقاصد: «ان الأقرب كون ماء الغسل على الزوج، لأنه من جملة النفقة فيجب نقله إليها، و بذل العوض لو احتاج كما في الحمام و نحوه مع تعذر الغير دفعا للضرر» و في المنتهى ان الأقوى التفصيل بين غنائها و فقرها فلا يجب في الأول، و يجب النقل أو التخلية بينها و بينه في الثاني، قلت: و ظاهر
ج3،
الأولين عدم الفرق بين الحيض و غيره، و للنظر في أصل الوجوب سيما في غير الجنابة مجال، للأصل مع الشك في دخولها تحت النفقات، و توجه الخطاب إليها بالغسل، و على تقديره فلا نعرف وجها لما ذكره في المنتهى من التفصيل، لكونه إما من النفقات أو لا، و الأول لا يتفاوت فيه الغنى و الفقر، و الثاني لا دليل على وجوبه بالتفصيل المذكور، و أما الأمة فقد قيل إنها كالزوجة بل أولى، لأنه مؤنة محضة، مع استبعاد انتقالها الى التيمم و الماء موجود، و لأنه كما تجب فطرتها يجب ماء طهارتها، و يحتمل العدم أيضا. و تنتقل الى التيمم حينئذ كالانتقال الى الصوم في دم المتعة، و ليست الطهارة كالفطرة لاختلاف الأمر فيهما، فتأمل جيدا.
و يجب على الحائض إذا طهرت قضاء الصوم دون الصلاة إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا من الفرقة المحقة، بل في السرائر و المعتبر و المنتهى من المسلمين إلا الخوارج في الأخير، بل كاد يكون ضروريا، و النصوص به(1)كادت تكون متواترة، و قد اشتملت على إلزام أبي حنيفة بإبطال القياس، لكن المتبادر من النص و الفتوى كون المراد بالصوم انما هو شهر رمضان، و بالصلاة اليومية، فيشكل حينئذ دخول غيره في ذلك من الصوم الواجب الموقت غيره الذي صادف وجوبه وقت الحيض، كالمنذور مثلا ان قلنا باختصاص دليل القضاء في ذلك، كما انه يشكل دخول الواجب من الصلاة الموقتة غير اليومية كالكسوف و الخسوف، و كذا الواجبة المنذورة في وقت خاص في ذلك ان قلنا بشمول دليل القضاء له لولاه، نعم لا إشكال في غير الموقت، بل هو ليس من القضاء في شيء لأن وقته العمر، لكن قد يقال: انا و ان قلنا ان القضاء يحتاج إلى أمر جديد لكن لا نخصه ب
قوله (عليه السلام)(2): (الحائض تقضي الصوم)
و نحوه مما يدعى تبادرها فيما ذكر، بل الدليل عليه هو ما دل على قضاء
ج3،
مثل ذلك، كعموم(1)(من فاتته) و نحوه، فاتجه حينئذ القول بصحة قضاء الصوم المتقدم و ان لم يشمله الدليل الذي هنا، كما انه اتجه الحكم بصحة قضاء الصلاة المذكورة بعد فرض تبادر اليومية خاصة من
قوله (عليه السلام)(2)(لا تقضي الصلاة)
و فيه إمكان منع شمول ذلك الدليل ما نحن فيه، لظهور اسم الفوات و نحوه فيمن فاته مع بقاء قابلية المكلف على صفة التكليف، و ان سلم الشمول فلا يشمل المكلف بالعدم كالحائض، فإنها بعد ان حرم الصوم و الصلاة عليها لم يفتها شيء، و لعله لذا صرح في البيان و جامع المقاصد و الروض و المدارك بأنه لا فرق في الصلاة الموقتة بين اليومية و غيرها في عدم وجوب القضاء، بل قد تشعر عبارة جامع المقاصد بالإجماع عليه، إلا انه استقرب في المنذورة في وقت معين و قد صادفها الحيض فيه وجوب القضاء، و لعله يفرق بين الموقت بالأصل أو بالعارض، و هو كما ترى، إذ الظاهر حينئذ انكشاف فساد النذر، و منه تعرف ان المتجه عدم القضاء في الصوم الموقت بالنذر و شبهه، لكن صرح الشهيد في البيان بوجوب القضاء فيه، و لعله لإطلاق
قوله (عليه السلام): (تقضي الصوم)
و قد عرفت ما فيه، كالاستناد الى غيره من عمومات القضاء(3)، اللهم إلا ان يكون فيها ما يشمله، و لم يسعني الآن ملاحظتها، فتأمل جيدا. و بذلك كله يظهر لك الحال في المستحب المشروع قضاؤه من الصوم و الصلاة، فتأمل.
(الثامن) يستحب الوضوء للحائض وقت كل صلاة على المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل في الخلاف الإجماع كما عساه يظهر من غيره، للأصل مع عموم البلوى به، منضما الى
خبر زيد الشحام(4)قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ينبغي للحائض ان
ج3،
تتوضأ عند وقت كل صلاة، ثم لتستقبل القبلة و تذكر الله تعالى»
و عليه يحمل ما يظهر منه الوجوب بقرينة ما تقدم، ك
قول الباقر (عليه السلام) في الحسن كالصحيح(1):
«و عليها ان تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة ثم تقعد في موضع طاهر، فتذكر الله عز و جل و تسبحه و تهلله و تحمده كمقدار صلاتها، ثم تفرغ لحاجتها»
و
قول الصادق (عليه السلام)(2)في خبر عمار: «تتوضأ المرأة الحائض إذا أرادت أن تأكل، و إذا كانت وقت الصلاة توضأت و استقبلت القبلة و هللت و كبرت و تلت القرآن و ذكرت الله عز و جل»
و كذا غيرهما(3)فما نقله الصدوق عن والده من وجوب ذلك لظاهر ما تقدم ضعيف، بل لعل مراده من لفظ الوجوب تأكد الاستحباب أو الثبوت، كالمرسل(4)في الهداية عن الصادق (عليه السلام)، و المنقول عن الفقه الرضوي(5)و كذا ما عساه يظهر من عنوان الكليني ذلك بقوله: «باب ما يجب على الحائض» الى آخره. و من العجيب ميل بعض متأخري المتأخرين كصاحب الحدائق اليه مع ما عرفت.
فلا ريب ان الأقوى انه يستحب لها ان تتوضأ في وقت كل صلاة كما في الخبرين السابقين، و قد يستفاد منهما عدم الاكتفاء بوضوء واحد للظهر و العصر، و كذا المغرب و العشاء و ان لم يقع منها ما ينقضه، اللهم إلا أن يقال باندراج مثل ذلك تحتهما سيما مع إطلاق غيرهما الوضوء وقت الصلاة، لكن ينبغي القطع بعدم الاكتفاء به مع اختلاف الوقت كالصبح و الظهر مثلا، و هل ينتقض مثل هذا الوضوء بالنواقض المعهودة غير الحيض الى الفراغ؟ وجهان ينشئان من إطلاق أو عموم ما دل على ناقضيتها، و من
ج3،
ظهورها في الوضوء الرافع دون غيره، و لعل الأقوى الأول سيما ان قلنا ان فيه نوعا من الرفع، إذ رفع كل وضوء بحسب حاله، فهو رافع لحكم الحدث بالنسبة الى هذا الذكر، بل حدث الحيض فضلا عن غيره، و لا ينافيه دوامه كما في المسلوس، فتأمل.
و تجلس في مصلاها أو غيره كما في المعتبر و المنتهى و ظاهر غيرهما، و ان قيد بالأول في المبسوط و الخلاف و الوسيلة و الجامع و النافع و غيرها، و نحوه ما في السرائر، و عن المراسم من الجلوس في محرابها، و قيد بالثاني في المقنعة، حيث قال: تجلس ناحية من مصلاها، لإطلاق الأخبار(1)المتقدمة و غيرها، بل لم نقف على ما يدل على الأول سوى دعوى التسامح في السنن، و هو يقتضي الإطلاق، اللهم إلا أن يحمل على الآكدية و الأشدية، لكنه لم يفهم من أحد الفتوى به، و سوى ما في الخلاف حيث قال: «يستحب للحائض وضوء الصلاة عند كل صلاة، و تقعد في مصلاها و تذكر الله تعالى بمقدار زمانها، و لم يوافقنا على هذا أحد من الفقهاء- الى ان قال-: دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم» و لعله يريد بالنسبة إلى أصل مشروعية الوضوء، نعم قد يشعر بالثاني ما في
خبر الحلبي(2)عن الصادق (عليه السلام) «كن نساء النبي (صلى الله عليه و آله) لا يقضين الصلاة إذا حضن، و لكن يتحشين حين يدخل وقت الصلاة و يتوضأن، ثم يجلسن قريبا من المسجد فيذكرن الله تعالى»
و فيه انه لعله من جهة عدم جواز المكث في المساجد أو يراد بالمسجد فيها محل السجود، فيكون القريب انما هو المصلى أي محل الجلوس للصلاة، فتأمل. فالأقوى حينئذ الإطلاق، و يؤيده غلبة عدم المكان المخصوص للصلاة بالنسبة إلى أغلب النساء.
بمقدار زمان صلاتها بلا خلاف أجده فيه للخبرين السابقين، لكن هل المعتبر زمان الصلاة السابقة على الحيض أو المقدرة حاله؟ و تظهر الثمرة في الاختلاف
ج3،
بالقصر و الإتمام، و لعل الأقوى ملاحظة التمام على كل حال، لانصراف الإطلاق بالنسبة إليه سيما بالنسبة للنساء ذاكرة لله تعالى بالتكبير و التهليل و التحميد و نحوها مما يسمى ذكرا كما هو قضية إطلاق جملة من العبارات، كإطلاق خبري الحلبي(1)و زيد الشحام(2)المتقدمين و كذا
الحسن كالصحيح عن محمد بن مسلم(3)قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تطهر يوم الجمعة و تذكر الله، قال: أما الطهر فلا و لكن تتوضأ في وقت الصلاة، ثم تستقبل القبلة و تذكر الله تعالى»
و عليه يحمل خبرا زرارة(4)و عمار(5)المتقدمان، و ان ذكر في الأول مع الذكر التسبيح و التهليل و التحميد، و في الثاني التهليل و التكبير و تلاوة القرآن، فما عن المراسم من الاقتصار على التسبيح كما في المقنعة أنها تحمد الله و تكبره و تهلله و تسبحه، و في النفلية التسبيح بالأربع مستغفرة مصلية على النبي (صلى الله عليه و آله) يراد به التمثيل، و ان كان الأولى لها اختيار خصوص ما عرفت من الذكر الوارد في الأخبار، و لذا قال في البيان:
و ليكن الذكر تسبيحا و تهليلا و تحميدا و شبهه، إلا ان ما ذكره في النفلية من الصلاة على النبي (ص) و الاستغفار لم نقف على ما يدل عليه بالخصوص، و لعله فهم من الأخبار إرادة مطلق المشغولية بنحو ذلك من العبادة، كما عساه يشعر به ملاحظتها في بعض الأخبار المتقدمة، و هو غير بعيد، كما انه لا يبعد إرادة التسبيح بالكيفية المخصوصة الواردة في جبر الصلاة(6)المقصورة من الذكر لمكان قيام ذلك مقام البعض فيها فليقم مقام الكل، و لعله وجه حسن فيما سمعت من الأخبار، بل لعل في عبارة البيان المتقدمة إشارة الى ذلك، و الأمر سهل.
1) 1 الوسائل- الباب- 40- من أبواب الحيض- حديث 1.
2) 2 الوسائل- الباب- 40- من أبواب الحيض- حديث 3.
3) 3 الوسائل- الباب- 40- من أبواب الحيض- حديث 4.
4) 4 الوسائل- الباب- 40- من أبواب الحيض- حديث 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 40- من أبواب الحيض- حديث 5 عن معاوية بن عمار.
6) 6 الوسائل- الباب- 24- من أبواب صلاة المسافر من كتاب الصلاة.
ج3،
ثم انه كان على المصنف ان يقيد الجلوس باستقبال القبلة كما قيده بعضهم، لدلالة بعض الأخبار المتقدمة كما انه دل أيضا على استحباب التحشي لكن لعل حملهما على المستحب في المستحب لا الشرطية لا يخلو من قرب، سيما بالنسبة للثاني و الله أعلم.
ثم من المعلوم انه لا يقوم مقام هذا الوضوء الغسل و ان قلنا باجزاء المندوب منه عن الوضوء، لظهور ان مراد القائل به هنا الاجتزاء عن الرافع منه للحدث لا مثل هذا الوضوء، إذ ليس هو كذلك، و لذا لا يصح فيه نية رفع الحدث بل و لا استباحة الصلاة، نعم ينوي فيه القربة المحضة كما صرح به في المنتهى و غيره لكن قال في كشف اللثام:
«انه لا يرفع حدثا و لا يبيح ما شرطه الطهارة بالنسبة الى غير هذا الذكر، و أما بالنسبة إليه فوجهان، و ان لم يشترط فيه ارتفاع الحدث لكن يجوز اشتراط فضله به، و لا ينافي دوام حدث ارتفاع حكمه أو حكم غيره» انتهى. و هو كما ترى مخالف لظاهر
قوله (عليه السلام): (أما الطهر فلا)
و لما هو المصطلح في معنى رفع الحدث، لكن الأمر سهل، و لعل ذلك اختلاف لفظي، فتأمل. و هل يقوم التيمم مقام هذا الوضوء عند فقد الماء مثلا؟ وجهان بل قيل قولان، إلا انه لم نعثر على قائل بالأول هنا، و نص في التحرير و المنتهى و جامع المقاصد و المدارك على الثاني، لأن التيمم طهارة اضطرارية، و لا اضطرار هنا، نعم نقل عن نهاية الأحكام انه استشكل، قلت: و لعله مما تقدم و من عموم ما دل(1)على تنزيل التراب منزلة الماء، و هو لا يخلو من قوة، بل ظاهر جامع المقاصد أو صريحه اختياره في مبحث الغايات، و منه ينقدح جواز التيمم بدل الأغسال المندوبة و نحوها، فتأمل جيدا.
و يكره لها الخضاب و هو مذهب علمائنا أجمع كما في المعتبر و المنتهى، جمعا
1) 1 الوسائل- الباب- 20- من أبواب التيمم- حديث 3.
ج3،
بين ما دل على الجواز من الأصل و خبر علي بن أبي حمزة(1)عن أبي إبراهيم (عليه السلام) و أبي المعزى(2)و سماعة(3)عن العبد الصالح (عليه السلام) و بين ما دل على المنع من خبر عامر بن جذاعة(4)و أبي جميلة(5)عن الصادق و الكاظم (عليهما السلام) و نحوها غيرها(6)مع التعليل في بعضها(7)بالخوف عليها من الشيطان، فما في الفقيه من التعبير عن ذلك بعدم الجواز ضعيف. و لعله يريد الكراهة أيضا كما عساه يشعر به عدم استثنائه في المعتبر و المنتهى، و علل المفيد الكراهة بمنع وصول الماء، و أشكله في الذكرى باقتضائه المنع، و لعله لا يريد المنع التام، ثم انه قد يستظهر من إطلاق النص و الفتوى عدم الفرق بين الخضاب بالحناء و غيرها و لا بين اليد و الرجل و غيرهما، لكن ينقل عن المراسم التخصيص بالحناء، كما في المقنعة التخصيص في اليد و الرجل لا بشعورهن، قلت: و قد يؤيدهما أنه المتيقن المتبادر من النص و الفتوى لكن التسامح فيها ينافيه، فتأمل جيدا.
الفصل الثالث في الاستحاضة و هي في الأصل استفعال من الحيض، يقال: استحيضت المرأة أي استمر بها الدم بعد أيامها، فهي مستحاضة كما في الصحاح، قيل و هو ظاهر في عدم وجود البناء للمعلوم منه، و المستحاضة من يسيل دمها لا من المحيض بل من عرق العاذل كما في القاموس و هو أي الفصل يشتمل على بيان أقسامها و أحكامها،
أما الأول فدم الاستحاضة أو الاستحاضة نفسها لتعارف إطلاقها على نفس الدم مجازا أو حقيقة
1) 1 الوسائل- الباب- 42- من أبواب الحيض- حديث 2.
2) 2 الوسائل- الباب- 42- من أبواب الحيض- حديث 5.
3) 3 الوسائل- الباب- 42- من أبواب الحيض- حديث 6.
4) 4 الوسائل- الباب- 42- من أبواب الحيض- حديث 7.
5) 5 الوسائل- الباب- 42- من أبواب الحيض- حديث 8.
6) 6 الوسائل- الباب- 42- من أبواب الحيض- حديث 4.
7) 7 الوسائل- الباب- 42- من أبواب الحيض- حديث 3.
ج3،
اصطلاحية في الأغلب كما في النافع و التحرير و المنتهى و القواعد و اللمعة و الروضة و البيان و الدروس و غيرها، بل هو مراد من تركه، لما ستعرف من انه قد تكون الاستحاضة بأوصاف الحيض كالعكس أصفر بارد رقيق يخرج بفتور على ما يستفاد من مجموع النصوص(1)و الفتاوى في المقام و في ذكر أوصاف الحيض لظهور المقابلة في إرادة التميز عنه، و ان اقتصر على الأولين في المصباح و الذكرى و ظاهر المعتبر و عن غيرها، ك
خبر حفص(2)عن الصادق (عليه السلام) «دم الاستحاضة أصفر بارد»
و على الثاني فقط في
الصحيح أو الحسن(3)عنه (عليه السلام) أيضا «ان دم الاستحاضة بارد»
و عليه مع زيادة الفساد في
خبر إسحاق بن جرير(4)«دم الاستحاضة فاسد بارد»
و على الأول و الثالث في
صحيح ابن يقطين(5)عن الكاظم (عليه السلام) في النفساء «فإذا رق و كان صفرة اغتسلت»
و على الثلاثة الأول في الوسيلة و النافع و المنتهى و عن التبيان و روض الجنان و المراسم و الغنية و المهذب و الكافي و الإصباح، و على الأربعة في القواعد و التحرير و البيان و اللمعة و الروضة و غيرها، و على الأولين مع الرابع في المبسوط و ان عبر عنه فيه بأنه لا تحس المرأة بخروجه، و على الثاني و الرابع في الهداية و الفقيه ناقلا له عن رسالة والده، كما عن المقنع مع التعبير عن الرابع فيها بنحو ما في المبسوط أيضا، و على الثاني و الثالث مع زيادة الصفاء في المقنعة، لكن ينافيه جعل الأكدر غالبا أيضا كالأصفر في الدروس و غيرها، اللهم إلا ان يريد به الملازم للرقة غالبا.
و كيف كان فلا إشكال في غلبة هذه الأوصاف و ان ظهر من المعتبر و الذكرى التردد في الثالث، لنسبته فيهما الى الشيخين، لكن يدل عليه- مضافا الى ما تقدم و الى
ج3،
ما عساه يشعر به
خبر سعيد بن يسار(1)عن الصادق (عليه السلام) «في المرأة تحيض ثم تطهر و ربما رأت الشيء من الدم الرقيق بعد اغتسالها، فقال: تستظهر بعد أيامها بيوم أو يومين أو ثلاثة، ثم تصلي»
و انما قيد المصنف بالأغلب لأنه قد يتفق دم الاستحاضة بأوصاف الحيض كما أنه قد يتفق بمثل هذا الوصف حيضا إذ الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض إجماعا محصلا و منقولا، و نصوصا(3)في أيام العادة، بل و في غيرها مما حكم بكون ما فيها حيضا كالمتخلل بين العادة و العشرة مثلا مع الانقطاع، لما عرفت من قاعدة الإمكان و غيرها، بل في الخلاف الإجماع عليه كما تقدم، و من هنا احتمل إرادة المصنف بأيام الحيض ما يشملهما و لو تغليبا، فما في المدارك من أولوية التفسير الأول
ج3،
لاعتبار الأوصاف في غير العادة ضعيف لا يصغى اليه على إطلاقه، كالذي فيها من جعل هذه الأوصاف خاصة مركبة، و قد مر نظيره في الحيض و هما بل السواد و الحمرة أيضا في أيام الطهر طهر قطعا و إجماعا عن الناصريات و الخلاف، و ما في إطلاق بعض الأخبار(1)مما ينافي الأول أو الثاني مطروح أو مؤل كما مر بيان ذلك كله مستقصى في المباحث المتقدمة، و كأن المصنف كغيره من الأصحاب اقتصر على ذكر الصفرة و الكدرة فقط تنبيها بها على أولوية غيرهما من الأوصاف في هذا الحكم، و ان كان الحكم بحيضية الجامع لجميع أوصاف المستحاضة في غير أيام العادة أو بعد معلوم الحيضية مع الانقطاع على العاشر أو قبله لا يخلو من إشكال و نظر كما تقدمت الإشارة إليه في قاعدة الإمكان، نعم لا ينبغي الإشكال باستحاضة ما ثبت انه ليس بحيض و ان كان جامعا لجميع صفات الحيض كما في كل دم تراه المرأة أقل من ثلاثة و لم يأت ما يتمها في ضمن العشرة، بل و فيه أيضا على الأقوى لاشتراط التوالي.
و لكن هل يشترط في الحكم باستحاضته العلم بأنه لم يكن دم قرح و لا جرح أو يكفي فيه بعد انتفاء الحيضية عدم العلم بكونه منهما، فيكون الضابط ان كل دم ليس بحيض و لا نفاس فهو استحاضة حتى يعلم أنه من قرح أو جرح، أو يفرق بين الواجد لوصف الاستحاضة فالثاني، و عدمه فالأول، أو بين العلم بوجود القرح و الجرح و عدمه فعكس سابقه؟ وجوه، يظهر من القواعد و البيان و جامع المقاصد و كشف اللثام و كذا التحرير و الإرشاد و المتن الأول، و يؤيده بعد الأصل و قاعدة اليقين ما في
مرسل يونس(2)المتقدم في اشتراط التوالي في من رأت يوما أو يومين و انقطع ليس من الحيض «انما كان من علة إما قرحة في جوفها و إما من الجوف،
ج3،
فعليها ان تعيد الصلاة تلك اليومين»
و الأقوى في النظر الثاني سيما في الجامع لأوصافها كما هو المستفاد من استقراء أخبار الباب على كثرتها، للحكم فيها بالاستحاضة بمجرد انتفاء الحيضية، منها أخبار الاستظهار(1)و منها أخبار المستمر دمها(2)الى غير ذلك(3)مضافا الى أصالة عدم وجوب سبب غيرها، و أغلبيته في النساء بعد الحيض، بل لعله كالطبيعي لهن، و بذلك ينقطع الأصل و القاعدة، و يسقط المرسل، مع انه غير جامع لشرائط الحجية، و يشتمل على ما لا نقول به كما تقدم بيانه، و محتمل لإرادة نفي الحيضية خاصة،
فاحتمال التفصيل- بين أقسام المستحاضة ففي الناقص عن الثلاثة يشترط العلم بكونه لا من قرح و لا جرح، دون غيره من المتجاوز للعشرة و نحوه، جمعا بين المرسل و غيره كما عساه يحتمل من الإرشاد، و كذا التحرير- ضعيف جدا، كضعف ما في المدارك من عدم الحكم باستحاضة غير المتصف بصفاتها و لو علم انتفاء الدماء الأربعة إلا فيما دل الدليل، و قضيته وجود دم غير الخمسة يمنع من الحكم بها، و هو كما ترى، بل يظهر من الأستاد الأعظم في شرح المفاتيح و غيره الإجماع على خلافه، و يشهد له التتبع لكلمات الأصحاب، للحكم بها عند انتفاء الأربعة من غير إشكال و لا خلاف يعرف، كما انه المستفاد من الأخبار أيضا.
و كذا الكلام فيما تراه م ما يزيد عن أيام العادة و لكن بشرط ان يتجاوز عن العشرة من غير فرق بين أيام الاستظهار و غيرها على ما تقدم تحقيقه سابقا أو ما يزيد عن أيام النفاس لما ستعرفه ان شاء الله تعالى.
أو يكون الدم مع الحمل مطلقا على الأظهر من عدم اجتماع الحيض معه كما عن الإسكافي و التلخيص، و في النافع انه أشهر الروايات، و نقله في المنتهى
ج3،
عن المفيد و ابن إدريس للأصل و قاعدة اليقين، و
خبر السكوني(1)عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه و آله): «ما كان الله تعالى ليجعل حيضا مع حبل، يعني انه إذا رأت الدم و هي حامل لا تدع الصلاة إلا ان ترى الدم على رأس الولد، و ضربها الطلق و رأت الدم تركت الصلاة»
و
قول أبي الحسن الأول (عليه السلام) في صحيح حميد بن المثنى(2)«عن الحبلى ترى الدفعة و الدفعتين من الدم في الأيام و في الشهر و الشهرين، فقال: تلك الهراقة ليس تمسك هذه عن الصلاة»
و للأخبار الكثيرة(3)بل قيل انها متواترة الواردة في الاستبراء بالحيض و العدة به، و لما عساه يشعر به ما دل(4)على ان الحيض غذاء الولد في الرحم، و لتعارف عدم حصوله في هذا الحال فيحصل الظن بعدمه، و لعل مراد المصنف بالحمل استبانته كما لعله المتبادر من نحو العبارة، و يشعر به نسبته له في النافع إلى أشهر الروايات، بل كاد يكون صريحه في المعتبر، فيوافق ما في الخلاف و السرائر و عن الإصباح، و يستدل حينئذ بالإجماع المحكي في الأول على عدم الحيضية مع الاستبانة، و بما في الثاني بعد نسبته إلى الأكثرين المحصلين من الإجماع على بطلان طلاق الحائض، و صحة طلاق الحامل و لو في حال الدم.
و في الكل نظر فالأقوى مجامعة الحمل للحيض من غير فرق بين الاستبانة و عدمها، كما هو خيرة الناصريات و الفقيه و المنتهى و المختلف و القواعد و الدروس و التنقيح و جامع المقاصد و غيرها، و هو المشهور نقلا في الأخير و غيره و تحصيلا، بل في الأول الإجماع عليه، و هو الحجة، مضافا الى أصالة بقاء قابليتها لذلك و الى أخبار الصفات(5)
ج3،
و الى أخبار العادة(1)و قاعدة الإمكان في وجه، كأخبار التحيض(2)بالرؤية في آخر و الى المعتبرة المستفيضة حد الاستفاضة، (منها)
صحيح عبد الله بن سنان(3)عن الصادق (عليه السلام) انه سئل «عن الحبلى ترى الدم أ تترك الصلاة؟ فقال:
نعم، ان الحبلى ربما قذفت بالدم»
و (منها)
صحيح عبد الرحمن بن الحجاج(4)قال:
«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحبلى ترى الدم و هي حامل كما كانت ترى قبل ذلك، هل تترك الصلاة؟ قال: تترك الصلاة إذا دام»
و (منها)
حسن سليمان بن خالد(5)عن الصادق (عليه السلام) قال: «قلت: جعلت فداك الحبلى ربما طمثت قال: نعم، و ذلك ان الولد في بطن أمه غذاؤه الدم، فربما كثر ففضل عنه، فإذا فضل دفعته، فإذا دفعته حرمت عليها الصلاة»
و (منها)
خبر محمد بن مسلم(6)في خصوص المستبين حملها قال: «سألته عن الحبلى قد استبان حملها ترى ما ترى الحائض من الدم، قال: تلك الهراقة من الدم، ان كان دما أحمر كثيرا فلا تصلي و ان كان قليلا أصفر فليس عليها إلا الوضوء»
و
صحيح أبي المعزى(7)قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحبلى قد استبان منها ترى كما ترى الحائض من الدم، قال: تلك الهراقة ان كان دما كثيرا فلا تصلين، و ان كان قليلا فلتغتسل عند كل صلاتين»
الى غير ذلك(8)من الأخبار.
و هي- مع اعتبارها و اعتضادها بما سمعت و مخالفتها للمشهور بين العامة من عدم الحيضية المنقول عن سعيد بن المسيب و عطاء و الحسن و جابر بن يزيد و عكرمة و محمد بن
1) 1 الوسائل- الباب- 5- من أبواب الحيض.
2) 2 الوسائل- الباب- 14- من أبواب الحيض.
3) 3 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الحيض- حديث 1.
4) 4 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الحيض- حديث 2.
5) 5 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الحيض- حديث 14.
6) 6 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الحيض- حديث 16.
7) 7 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الحيض- حديث 5.
8) 8 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الحيض.
ج3،
المنكدر و الشعبي و مكحول و حماد و الثوري و الأوزاعي و أبي حنيفة و ابن المنذر و أبي عبيد و أبي ثور و الشافعي في القديم- لا يصلح معارضتها بما تقدم من الأصل المنقطع، و خبر السكوني الذي لا جابر له، مع ما فيه من أمارات الموافقة لأولئك، و الصحيح الآخر المعارض بما عرفت مع ظهوره في عدم حصول أقل الحيض، و أخبار الاستبراء و العدة المتعارضة في نفسها، لاشتمال بعضها على الاستبراء بثلاثة قروء القاضية بجواز اجتماع الواحدة و الثنتين معه المحتملة لأولوية الاستدلال بها على المختار، مع الذب عن المشتمل منها على الواحدة المنافي لذلك باحتمال اعتبار الشارع المظنة في المقام الحاصلة بها من غلبة عدم الاجتماع، و الاشعار من كونه غذاء للولد الغير الصالح لمعارضة شيء مما ذكرنا، سيما بعد قوله (عليه السلام) في بعضها: انه ربما يزيد على الولد فتقذفه، و الظن الناشئ من الغلبة المعارض بمثله في الجامع للأوصاف و نحوه، مع عدم الدليل على اعتباره، و الإجماع الذي لم نتحققه بل المتحقق خلافه، كالنسبة في السرائر إلى الأكثرين المحصلين، و كالإجماع الثاني الممنوع في المقام، بل المسلم منه ممنوعية الطلاق في الحائل دون الحامل، فكان الأقوى حينئذ ما تقدم.
نعم قد يخص المختار بما إذا رأته في العادة أو مع التقدم قليلا لا ما إذا تأخر عنها عشرين يوما مثلا، ل
صحيح الحسين بن نعيم الصحاف(1)قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان أم ولدي ترى الدم و هي حامل كيف تصنع بالصلاة؟ قال: فقال:
إذا رأت الحامل الدم بعد ما يمضي عشرون يوما من الوقت الذي كانت ترى فيه الدم من الشهر الذي كانت تقعد فيه فان ذلك ليس من الرحم و لا من الطمث، فلتتوضأ و تحتشي و تصلي، و إذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم أو في الوقت من ذلك الشهر فإنه من الحيضة
1) 1 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الحيض- حديث 3.
ج3،
فلتمسك عن الصلاة عدد أيامها»
و ربما يشهد له بعض الإشارات في الأخبار المتقدمة، ك
قوله : (كما كانت ترى)
و نحوه، و عن النهاية الفتوى بمضمونه، و ربما مال اليه المصنف في المعتبر، و في المدارك انه لا يخلو من قوة، و في الجامع «أنه رأته الحامل في أيام عادتها و استمر ثلاثة أيام كان حيضا» انتهى. و في الاستبصار عند الجمع بين الأخبار «انما يكون الحيض ما لم يستبن الحمل، فإذا استبان فقد ارتفع الحيض، و لأجل هذا اعتبرنا انه متى تأخر عن عادتها بعشرين يوما فليس ذلك دم حيض» ثم استدل بالصحيح، و هو كما ترى مخالف لظاهر الخبر، لكن اختصاص تلك الأدلة الكثيرة بمجرد هذا الصحيح المعرض عنه بين أكثر الأصحاب الذي بينه و بين ما دل على اعتبار الصفات في المقام و غيره تعارض العموم من وجه لا يخلو من تأمل و نظر، سيما بالنسبة لغير ذات العادة أيضا، فتأمل، مع ما فيه من إجمال لفظ قبل العادة الممكن التحقق بعد مضي المقدار المذكور الذي نفي فيه الحيضة، فيحصل حينئذ مقتضاها و مقتضى عدمها.
نعم قد يجمع بين الأخبار بحمل ما دل على التحيض على الرؤيا في العادة، أو فيما تقدمها بقليل مثلا، و على الجامع للصفات، و حمل ما دل على العدم على خلافهما، كالمتأخر عن العادة كثيرا أو الفاقد لها، و له شواهد فيما تقدم من الأخبار ك
قوله (عليه السلام): (إن كان دما أحمر كثيرا)
و ك
قوله(1): (كما كانت ترى)
و نحو ذلك، اللهم إلا ان يرد بأنه إحداث قول جديد، لكنه ممنوع، بل لا دلالة في كلام الأصحاب، فإنهم و ان أطلق أكثرهم من غير تقييد بذلك إلا ان الظاهر إرادتهم إثبات إمكان أصل الاجتماع في مقابلة من نفاه، و ربما يؤيده بالنسبة إلى اعتبار الصفات ما عن
الفقه الرضوي(2)«و الحامل إذا رأت الدم كما كانت تراه
ج3،
تركت الصلاة أيام الدم، فإن رأت صفرة لم تدع الصلاة»
و ربما يؤيده أيضا ما تقدم سابقا في قاعدة الإمكان، مع انه قد يقال هنا لا ظن من جهتها في الفاقد في خصوص الحامل، إذ هو نادر في نادر، بل ربما يظهر في الفقيه ان المدار على الصفات من غير نظر الى العادة و غيرها، قال فيه: «و الحبلى إذا رأت الدم تركت الصلاة، فإن الحبلى ربما قذفت الدم، و ذلك إذا رأت الدم كثيرا أحمر فان كان قليلا أصفر فلتصل، فليس عليها إلا الوضوء» انتهى، فتأمل جيدا.
أو ما تراه المرأة مع اليأس كما في القواعد و الإرشاد و النافع و التحرير و جامع المقاصد و كشف اللثام و الرياض أو قبل البلوغ كما في الخمسة الأخيرة، إلا اني لم أعثر على ما يدل على استحاضتهما بالخصوص في النصوص، بل قد يظهر من الإرشاد و كذا القواعد نفيه في الثانية، للاقتصار على الأول، كما انه قد يتوهم أيضا مما قيل من إطلاق الأصحاب تقسيم المستحاضة إلى المبتدأة و المعتادة و المضطربة، بل قد يتوهم نفيهما معا من إطلاق الأخبار و الأصحاب تحيضها بأيامها أو بالتميز أو نحوهما، لكن قد يرشد اليه فيهما ما عرفته من الأصل على إشكال في جريانه في الصغيرة، للشك في أصل قابليتها للاستحاضة، و انحصار الدماء عند الأصحاب في الخمسة، و التوهم السابق من الإطلاق يرفعه ما عن نهاية الأحكام «الاستحاضة قد يعبر بها عن كل دم تراه المرأة غير دمي الحيض و النفاس خارج من الفرج مما ليس بعذرة و لا قرح سواء اتصل بالحيض كالمجاوز لأكثر الحيض، أو لم يكن كالذي تراه المرأة قبل التسع، فإنه و ان لم نوجب الأحكام عليها في الحال لكن فيما بعد يجب الغسل أو الوضوء، و نوجب الأحكام على الغير، فيجب النزح و غسل الثوب من قليله، و قد يعبر بها عن الدم المتصل بدم الحيض وحده، و بهذا المعنى تنقسم المستحاضة إلى معتادة و مبتدأة، و أيضا الى المميزة و غيرها، و يسمى ما عدا ذلك دم فساد، و لكن الأحكام المذكورة في جميع ذلك لا تختلف» انتهى.
ج3،
و إذا تجاوز الدم أكثر الحيض الذي هو عشرة أيام و هي ممن تحيض فقد امتزج حيضها ظاهرا و واقعا بطهره كذلك، و حينئذ فهي إما مبتدأة بالكسر أي ابتدأت بالدم، أو بالفتح أي ابتدأها الدم، و هي من لم تسبق بحيض كما في المعتبر و يعطيه ظاهر اللفظ، و ذيل مرسل يونس الطويل(1)فتكون المضطربة حينئذ أعم من الناسية أو من لم تستقر لها عادة، لكن الذي يظهر من المصنف هنا حيث خص المضطربة في القسم الأول ان المراد بالمبتدأة من لم تستقر لها عادة سواء كان ذلك لابتداء الدم أو لعدم انضباط العادة كما نص عليه بعضهم، بل في الروضة انه أشهر، و في المسالك انه المشهور، و لعل الاختلاف في ذلك لفظي، لعدم تعليق حكم في الأخبار على لفظ المبتدأة، و ما في الروضة و الرياض ان فائدته رجوع القسم الثاني من المبتدأة إلى أهلها و عدمه ضعيف، لتبعية الحكم للدليل لا لمجرد الاصطلاح، نعم ستسمع فيما يأتي ان الظاهر من كثير من الأصحاب إرادة الثاني من المبتدأة. أو ذات عادة مستقرة وقتا و عددا أو أحدهما أو مضطربة القلب لنسيانها العادة وقتا أو عددا أو معا، و تسمى حينئذ المتحيرة، و ربما تطلق المضطربة على ما يشملها و مختلفة الدم، فلم تستقر لها عادة كما عرفت ذلك مما تقدم في المبتدأة.
و كيف كان فالمبتدأة بالمعنى الأعم ترجع أولا إلى اعتبار الدم، فما شابه دم الحيض في صفاته الثابتة له فهو حيض، و ما شابه دم الاستحاضة في صفاتها كذلك فهو استحاضة (11) كما في المبسوط و الوسيلة و السرائر و الجامع و المعتبر و النافع و القواعد و المنتهى و التحرير و الدروس و البيان و جامع المقاصد و غيرها، بل لا أجد فيه خلافا بين المتأخرين، بل في المعتبر نسبته الى فقهاء أهل البيت (ع) و المنتهى و التذكرة إلى علمائنا مع زيادة (أجمع) في الأخير، لكن معقده فيها المبتدأة، و المتيقن
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحيض- حديث 3.
ج3،
منها المعنى الأخص كالمتيقن من إجماع الفرقة المحكي في الخلاف أيضا، و يدل عليهما مضافا الى ذلك المعتبرة المستفيضة الدالة على اعتبار الصفات، (منها)
الحسن كالصحيح عن حفص بن البختري(1)قال: «دخلت على الصادق (عليه السلام) امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم، فلا تدري أ حيض هو أو غيره؟ قال: فقال: ان دم الحيض حار عبيط أسود، له دفع و حرارة، و دم الاستحاضة أصفر بارد، فإذا كان الدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة، فخرجت و هي تقول: و الله ان لو كان امرأة ما زاد على هذا»
و (منها)
خبر معاوية بن عمار(2)قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):
ان دم الاستحاضة و الحيض ليس يخرجان من مكان واحد، ان دم الاستحاضة بارد، و ان دم الحيض حار»
و (منها)
خبر إسحاق بن جرير(3)قال: «سألتني امرأة منا ان أدخلها على أبي عبد الله (عليه السلام)- الى ان قال-: قالت: ان أيام حيضها تختلف عليها، و كان يتقدم الحيض اليوم و اليومين و الثلاثة و يتأخر مثل ذلك، فما علمها به، قال: دم الحيض ليس به خفاء، هو دم حار تجد له حرقة، و دم الاستحاضة دم فاسد بارد، قال: فالتفت الى مولاتها، فقالت: أ تراه كان امرأة مرة»
الى غير ذلك.
و خصوص سؤال الأخير لا يصلح للحكم على جوابه فضلا عن غيره، فهذه الأخبار- مع اعتبارها في نفسها و اشتمالها على ما هو كالمعجز، و اعتضادها بما سمعت من الإجماعات التي يشهد لها التتبع لكثير من كلمات الأصحاب- تحسم مادة التوقف في هذا الحكم بالنسبة إليهما معا، سيما مع عدم معارض لها سوى ما عساه يظهر من ذيل مرسل يونس الطويل(4)من اختصاص الرجوع للتمييز بالمضطربة التي كانت لها أيام
ج3،
متقدمة، ثم اختلط عليها من طول الدم، فزادت و نقصت حتى أغفلت عددها و موضعها من الشهر، و ان المبتدأة التي لم تسبق بدم تكلف أبدا بالتحيض في علم الله بستة أو سبعة، و هو- مع إعراض الأصحاب عنه في خصوص ذلك فلا جابر له بالنسبة اليه، و التشوش في متنه الذي يظن معه ان فيه تصرفا من الراوي كما لا يخفى على من لاحظ ذيله بتمامه و معارضته بغيره- لا يقاوم ما تقدم، و من هنا كان المتجه تنزيلها على ما إذا كان الدم بلون واحد كما عساه يشعر به التشبيه في ذيله بقصة حميئة بنت جحش، بل قد يفهم من
قوله (عليه السلام) في آخره: (و ان اختلط)
الى آخره الدلالة على المطلوب، ك
قوله (عليه السلام): (و ان لم يكن الأمر كذلك)
في أحد الاحتمالات، و ان كان الأظهر فيه إرادة بيان المضطربة(1)
قول رسول الله صلى الله عليه و آله: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، و إذا أدبرت فاغتسلي»
و ل
قوله صلى الله عليه و آله: «إن دم الحيض أسود يعرف»
ك
قول أبي عليه السلام: «إذا رأيت الدم البحراني»
فان لم يكن الأمر كذلك و لكن الدم أطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارة و كان الدم على لون واحد و حالة واحدة فسنتها السبع و الثلاث و العشرون، لأن قصتها كقصة حميئة حين قالت: إني أثجه ثجا» فتأمل جيدا. «منه رحمه الله».
.1) 1 قال فيه: «و هذه السنن الثلاثة لا تكاد ابدا تخلو من واحدة منهن إن كانت لها أيام معلومة من قليل أو كثير فهي على أيامها و خلقها الذي جرت عليه ليس فيه عدد معلوم موقت غير أيامها، و إن كان اختلطت الأيام عليها و تقدمت و تأخرت و تغير عليها الدم ألوانا فسنتها إقبال الدم و إدباره و تغير حالاته، و ان لم يكن لها أيام قبل ذلك و استحاضت أول ما رأت فوقتها سبع، و طهرها ثلاث و عشرون، و إن استمر بها الدم أشهرا فعلت في كل شهر كما قال ص لها، فان انقطع الدم في أقل من سبع أو أكثر فإنها تغتسل ساعة ترى الطهر و تصلي، فلا تزال كذلك حتى تنظر ما يكون في الشهر الثاني، فإن انقطع الدم لوقته في الشهر الأول سواء حتى توالى عليها حيضتان أو ثلاث فقد علم ان ذلك قد صار لها وقتا و خلقا معروفا تعمل عليه و تدع ما سواه- الى أن قال-: و إن اختلط عليها أيامها و زادت و نقصت حتى لا تقف على حد و لا من الدم على لون عملت بإقبال الدم و إدباره، و ليس لها سنة غير هذا، ل
ج3،
و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في الحكم لذلك بعد ما عرفت، فما وقع لصاحب الحدائق- من الاشكال فيه بالنسبة إلى المبتدأة لهذا المرسل و للأخبار(1)الواردة فيها إذا استمر بها الدم الآمرة لها بالرجوع للعشرة في الدور الأول، و الثلاثة في الدور الثاني، و يقرب منها غيرها مع عدم ذكر الرجوع للصفات في شيء، و تخصيصها بأخبارها ليس بأولى من العكس- لا ينبغي ان يلتفت إليه، إذ لا أقل من ان يكون كلام الأصحاب و إجماعاتهم سببا للأولوية، مضافا الى قوة أخبار الصفات من جهات، و
كذا ما يظهر من ابن زهرة في غنيته من عدم ذكر التمييز للمبتدأة، بل جعل مدارها على أكثر الحيض و أقل الطهر، و ما يظهر من أبي الصلاح في الكافي من جعل مدار المبتدأة على عادة نسائها، و كذا المضطربة التي لا تعرف زمان حيضها من طهرها، لكن ذكر في الثانية انها ان لم يكن لها نساء تعرف عادتهن اعتبرت صفة الدم، كل ذلك لما عرفت.
نعم بشرط في رجوعها الى التمييز ان يكون ما شابه دم الحيض لا ينقص عن ثلاثة و لا يزيد عن عشرة كما في المبسوط و المعتبر و المنتهى و القواعد و التحرير و الدروس و البيان و التذكرة و جامع المقاصد و غيرها، بل في أول الأخيرين الإجماع، كما عساه يظهر من المعتبر، و في الآخر نفي الخلاف فيه، و قضية ذلك انها لا تتحيض بالناقص و لو بإكماله، و لا بالزائد و لو بتنقيصه، و هو مما ينبغي القطع به مع عدم الإكمال أو التنقيص، لما دل على ان أقل الحيض ثلاثة و أكثره عشرة من النصوص(2)و الإجماعات، و بها مضافا الى ما سمعت هنا بل في كشف اللثام الاتفاق
ج3،
عليه أيضا يقيد إطلاق أخبار الصفات، فما في الحدائق- من الإشكال في ذلك لإطلاق أخبار الصفات سيما مرسل يونس الطويل للتصريح فيه بالرجوع إليها قلت أو كثرت- لا ينبغي ان يصغى اليه، لورود أكثرها في بيان الوصف لا بيان المقدار، و عدم الصراحة في المرسل، لاحتمال إرادة أقل الحيض و أكثره، و مع التسليم يجب طرحه في مقابلة ما ذكرنا، و الأمر واضح.
نعم قد يقال: ان مقتضى الجمع بين ما دل على التميز و بين ما دل على أقلية الحيض و أكثريته هو تكميل الناقص بما يبلغ الأقل، و تنقيص الزائد بما يمكن حيضيته، و فيه انه ليس بأولى من الجمع بين ما دل على الأقلية و ما دل على أن الفاقد استحاضة باستكشاف عدم حيضية الناقص، و لا بأولى من ان يقال في صورة الزيادة: انه قد امتزج الحيض بالطهر فلم يعلم، و ترجيح أحدهما على الآخر ترجيح من غير مرجح، لكن قال في كشف اللثام: «انه هل يفيد أي الناقص و الزائد التحيض ببعض الثاني، و بالأول مع إكماله بما في الأخبار(1)أو بعادة النساء؟ قطع الشيخ في المبسوط بالأول، فقال: إذا رأت أولا دم الاستحاضة خمسة أيام ثم رأت ما هو بصفة الحيض باقي الشهر تحكم في أول يوم ترى ما هو بصفة الحيض الى تمام العشرة بأنه حيض، و ما بعد ذلك استحاضة، و ان استمر على هيئته جعلت بين الحيضة و الحيضة الثانية عشرة أيام طهرا، و ما بعد ذلك من الحيضة الثانية، ثم على هذا التقدير- الى ان قال-: و لا يبعد عندي ما ذكره الشيخ، و لا التحيض بالناقص مع إكماله، لعموم أدلة التميز، و تبعه في الرياض معللا لهما بذلك» و فيه- مع منافاته للأصل و للشرطية التي قد عرفت دعوى الإجماع عليها المعتضد بنفي الخلاف، إذ قضيتها انها تكون حينئذ بمنزلة الفاقدة للتمييز- انه مناف في الصورة الأولى لما دل على عادة النساء، إذ قد تكون أقل من عشرة،
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحيض.
ج3،
و قد تكون في أول الشهر مثلا، بل و لما دل على التحيض بالروايات، لما ستسمع ان مقتضى الجمع بينها الثلاثة في شهر و عشرة في آخر، أو سبعة في كل شهر، لا الإلزام بالعشر بعد مضي أقل الطهر دائما، على انك قد عرفت ان أدلة التمييز لا بد من تقييدها بما ذكرنا، فلا تصلح مدركا لذلك، و كيف و قد تقدم ان دلالة الواجد على التحيض ليس بأولى من دلالة الفاقد على عدمه، و أيضا فقضية كلام الشيخ إلزامها بالعشر فيما إذا لم تر إلا الجامع و قد استمر، مع انه مورد الرجوع الى عادة النساء و التحيض بالروايات، كما ان قضية كلام كاشف اللثام إلزامها بوضع عادة النساء أو الروايات بمجرد رؤياها الساعة و الساعتين من السابع مثلا. و كل ذلك مخالف لما تقتضيه الأدلة، و دعوى انه قضية الجمع بين ما دل على التمييز و بين ما دل على عادة النساء أو الروايات ممنوعة، لعدم الشاهد عليه، بل تعليق الرجوع الى عادة النساء مثلا في كلام الأصحاب على فقد التمييز يقتضي عدمه، و مجرد الاعتبار لا يصلح لذلك في الجمع بين الأخبار كالاحتياط مع انه غير تام في جميع الصور، فالأقوى حينئذ انها فاقدة التمييز كما في المعتبر و المنتهى و التحرير و عن التذكرة، و يعطيه كلام غيرهم، فتأمل.
ثم ان قضية اقتصار المصنف كبعض الأصحاب على الشرطين عدم اشتراط غيرهما لكن صرح بعضهم مضافا الى ذلك باشتراط عدم قصور الضعيف عن أقل الطهر، و في كشف اللثام الشرط الرابع عدم قصور الضعيف المحكوم بكونه طهرا عن أقله، و هو العشرة، و هو مما لا خلاف فيه، و في الرياض انه حكي عليه الإجماع، قلت: ينبغي القطع ان أريد بذلك عدم الحكم بحيضية الأسودين مثلا المتخلل بينهما أصفر ناقص عن أقل الطهر مع الحكم بكونه طهرا، لما فيه من منافاة ما تقدم من الأدلة السابقة على ان أقله عشرة، و احتمال استثناء خصوص المقام من ذلك لأدلة التمييز ضعيف، و ان كان
ج3،
ربما يظهر من بعض قدماء الأصحاب كالشيخ و غيره، للفتوى بمضمون
خبر يونس ابن يعقوب(1)قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة، قال: تدع الصلاة، قلت: فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة، قال:
تصلي، قلت: فإنها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة، قال: تدع الصلاة، قلت:
فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة، قال: تدع الصلاة تصنع ما بينها و بين شهر، فان انقطع الدم عنها، و إلا فهي مستحاضة»
و
خبر أبي بصير(2)قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الدم خمسة أيام، و الطهر خمسة أيام، و ترى الدم أربعة أيام، و ترى الطهر ستة، فقال: ان رأت الدم لم تصل، و ان رأت الطهر صلت ما بينها و بين ثلاثين يوما، فإذا تمت لها ثلاثون يوما فرأت دما صبيبا اغتسلت»
الخبر.
لكن قد عرفت سابقا انه و ان نزلهما الشيخ على امرأة اختلطت عادتها في الحيض و تغيرت عن أوقاتها و لم يتميز لها دم الحيض من غيره، أو ترى ما يشبه دم الحيض أربعة أيام و ترى ما يشبه دم الاستحاضة مثل ذلك، فان فرضها ترك الصلاة كل ما رأت ما يشبه دم الحيض، و تصلي كل ما رأت ما يشبه دم الاستحاضة إلى شهر إلا ان مراده كما يظهر من المصنف في المعتبر انه ليس طهرا يقينا و لا حيضا يقينا، بل هو دم مشتبه تعمل فيه بالاحتياط، فلا منافاة فيه حينئذ لما دل على أقلية الطهر، فظهر لك حينئذ انه لا وجه للإنكار على الأصحاب بالنسبة الى هذا الشرط ان أريد به ما ذكرنا، و كيف مع ان ما دل على أقل الطهر و أكثر الحيض أقوى بمراتب.
نعم ربما يناقش فيه ان أريد باشتراطه إخراج نحو ذات الضعيف المتخلل بين أسودين يمكن حيضية كل منهما عن التميز كما لو رأت ثلاثة أسود، و ثلاثة أصفر، و ثلاثة أسود، ثم انقلب أصفر و استمر، فان الحكم يكون مثلها فاقدة التمييز لا يخلو
ج3،
من إشكال كالحكم بكون حيضها الأسود الثاني فقط، إذ يمكن القول بل لعله الأقرب بحيضية الأسودين مع المتخلل بينهما، قضاء لأدلة التمييز المستلزمة لحيضية المتخلل، لعدم قصور أقل الطهر عن عشر، و احتمال القول انه ليس بأولى من الحكم بطهارة المتخلل قضاء لأدلته المستلزم للحكم بكون أحد الأسودين طهرا، و من تعارضهما يتجه حينئذ كون مثلها فاقدة التمييز مدفوع بأن احتمال الحيضية مقدم على غيره، كما يوضحه ما تقدم سابقا من الحكم بحيضية النقاء الذي هو أولى من الصفرة في الطهر المتخلل بين الدمين الممكني الحيضية في العشرة إذا انقطع، و لعله لأن الحيض يثبت بمجرد إمكانه دون الطهر، اللهم إلا ان يفرق بالإجماع و نحوه، كظهور النص بل صريحه بكون الجامع دم حيض، و الفاقد دم استحاضة، و غير ذلك، و حينئذ يتجه كون مثلها فاقدة التمييز و أولى منها في فقده ما لو رأت ثلاثة دم الحيض و ثلاثة دم الاستحاضة، ثم رأت الأسود و استمر إلى الستة عشر، فإنه لا يمكن الحكم بحيضيتهما معا، لتجاوز أكثر الحيض، و لا بالأول فحسب، للزوم الترجيح بلا مرجح كالثاني فقط أيضا، و لم يثبت الترجيح بالأسبقية كما لم يثبت بالأكثرية، فما في المبسوط من أن حيضها في المفروض العشرة و ان الستة السابقة استحاضة ضعيف، و ان وجهه المصنف بأنه لما حكم بأن الثلاثة استحاضة خرج ما قبله، فإنه لا ترجيح لإخراج السابق على إخراج اللاحق، فتأمل. و لذا كان الأقرب في مثل ذلك كما في كشف اللثام و عن التذكرة و استحسنه المصنف أنها فاقدة التمييز، فترجع إلى عادة النساء أو الروايات.
نعم يشكل مثل ذلك فيما ذكرناه أولا، و أشد منه إشكالا ما لو كان الأسود مستمرا تمام العشرة مثلا إلا ساعة أو ساعتين تخللتا في الرابع أو الخامس أو نحوهما، و كذا فيما لو رأت ثلاثة أسود مثلا، ثم أصفر الى التاسع، فرأته أسود يوما أو يومين ثم عاد إلى الأصفر، فإن الحكم بجميع ذلك أنها فاقدة التمييز لقصور الضعيف عن أقل
ج3،
الطهر لا يخلو من إشكال و نظر كما عرفت، و لعل مراد من اشترط ذلك انه لا يحكم بحيضية الأسودين و ان ما بينهما طهر إلا ان يكون الضعيف أقل الطهر، فتأمل جيدا، فإني لم أعثر على تنقيح لذلك في كلامهم، و الله أعلم، و لعله لذلك ترك اشتراطه بعضهم كالمصنف و غيره لبداهة بعض ما يخرج به و استغنائه باشتراط عدم تجاوز أكثر الحيض عن بعض آخر، و إمكان منع غيرهما، فتأمل، و ربما اشترط بعضهم زيادة على ما تقدم عدم المعارضة بالعادة، و كأن المصنف استغنى عنه لفرضه المسألة في المبتدأة، كما انه استغنى بفرضه الاشتباه بالاستحاضة عن اشتراط عدم الخروج من الأيسر، بناء على عدم خروج الحيض منه، و كاستغنائه أيضا بفرضه المسألة في المتجاوز عن العشرة عن اشتراطه التجاوز في الرجوع للتمييز، و كذا ما اشترط بعدم المعارضة بصفة أقوى، فإنه ليس في الحقيقة شرطا للتميز أو الرجوع اليه، لتحققهما مع المعارضة المذكورة، لكنها ترجع إلى الأقوى على القول به كما ستسمع.
فنقول ان بعضهم اشترط في التمييز اختلاف الدم، و كأنه مستغنى عنه، لعدم تحقق التمييز بدونه، و لا إشكال في التمييز بالنسبة إلى الصفات المستفادة من الأدلة المتقدمة سابقا في الحيض و الاستحاضة، لكن اعتبر بعضهم هنا التمييز مضافا الى ذلك بالرائحة، فذو الكريهة حيض، و فاقدها استحاضة، و لم أعثر على ما يدل على ذلك، نعم قيل انه تشهد به التجربة و بعض الأخبار العامية(1)و في الاعتماد عليهما نظر، اللهم إلا ان يفهم من الأدلة ان المدار على ظن الحيض، و لعله لذلك اعتبر بعضهم القوة و الضعف بالنسبة إلى الصفات المنصوصة، فجعل الأسود قويا بالنسبة للأحمر، و الأحمر قويا بالنسبة للأشقر، و الأشقر قويا بالنسبة إلى الأصفر و الأكدر، و الأصفر قويا بالنسبة للأكدر أيضا، بل ربما اعتبر القوي بالنسبة الى غير اللون من
1) 1 كنز العمال- ج 5- ص 97- الرقم 2098.
ج3،
الصفات كالحرارة و نحوها، فجعل الأقوى حرارة مثلا مقدما على ضعيفها، و منه ينقدح اعتبار القوة أيضا في اللون الواحد كالأشد سوادا بالنسبة إلى الأسود، كما انه صرح بأن ذا الثلاثة قوي بالنسبة لذي الاثنين، و هو قوي بالنسبة لذي الواحدة، و هو قوي بالنسبة للفاقد، أما لو اتصف بعض بصفة و آخر بأخرى احتمل الترجيح بالتقدم و عدمه، أو الترجيح بالنسبة إلى الصفتين إن أمكن، كما انه ينبغي مراعاة الميزان أيضا عند تعارض القوة و الأجمعية، و في اعتبار شيء من ذلك مما لا يرجع الى النصوص نظر و تأمل، و دعوى استفادة اعتبار مطلق الظن منها لاختلاف أخبار الصفات، و ما عساه يشعر به ذيل مرسل يونس الطويل و غيره ممنوعة، مع المناقشة في حصولها في بعضها، كدعوى ابتنائه على حجية كل ظن حصل للمجتهد، إذ أقصى ما يسلم منه فيما كان منصب المجتهد كالأحكام الشرعية و الوضعية التي هي كذلك، لا الشيء الذي هو و غيره فيه على حد سواء فتأمل جيدا. فكان الأصل حينئذ يقتضي عدم الالتزام بشيء من ذلك مما كان مبناه المظنة المتقدمة، بل لعل ظاهر
قوله (عليه السلام)(1): (إذا رأيت الدم البحراني)
و
قوله (عليه السلام)(2): (إذا كان للدم سواد و دفع)
و نحوهما يقتضي خلافها، لكن مهما أمكن الاحتياط كان أولى، نعم قد يحصل اطمئنان في الحيضية من ملاحظة لوازمه العرفية في بعض الأوقات، و لا بأس بالاعتماد عليه و ان لم ينص عليها بالخصوص، و الله أعلم.
ثم انه بناء على ما تقدم إذا اختلف مراتب الدم فاجتمع الأقوى مع الأضعف منه بمرتبة مثلا أو بمراتب ثم الأضعف منهما، كما لو رأت الأسود ثلاثة أيام، و الأحمر ثلاثة، ثم الأصفر فاستمر، فهل الحيض الأسود فقط، أو هو مع الأحمر؟ وجهان ينشئان من الأصل و ان الأحمر مع الأسود لو انفردا طهر فكذا إذا انضم مع الأصفر،
ج3،
و من قوتهما بالنسبة إلى الأصفر و إمكان حيضيتهما و أصالة عدم الاستحاضة، و لذلك اختلف كلام الأصحاب، فاختار الأول في المعتبر و المنتهى و موضع من التذكرة، و الثاني في الرياض مرسلا له عن نهاية الأحكام و موضع آخر من التذكرة، قلت: و لا يخلو من قوة في خصوص المثال، لكون السواد و الحمرة معا من صفات الحيض، أما لو فرض المثال بتبديل الأحمر فيه بالأصفر، و الأصفر بالأكدر مستمرا فان الظاهر خلافه، و ان كان قضية كلامه التزامه، لكونهما معا قويين بالنسبة إلى الأكدر بناء على ما تقدم من قوة الأصفر عليه، لكنه كما ترى يكاد يكون مخالفا لصريح النص و الفتوى، كما ان إطلاق الأول لا يخلو من إشكال في بعض صوره فلاحظ و تأمل.
بقي شيء ينبغي التنبيه عليه، و هو هل يشترط في الرجوع الى التمييز كون كله أو بعضه في ضمن العشرة، أو يكفي و لو كان خارجها؟ كما لو رأت مثلا أحد عشر أصفر، ثم ثلاثة أسود، ثم انقلب أصفر، فهل تتحيض بالثلاثة فحسب، أو تكون فاقدة التمييز؟ لم أر تنقيحا لذلك في كلامهم، إلا انه قد يظهر من تعليقهم الرجوع للتمييز أو عادة النساء أو الروايات بمجرد تجاوز العشرة الثاني، و كذا مما يفهم من مطاوي كلماتهم في الاستظهار للمبتدأة و غيرها ان الزائد على العشرة استحاضة، و انه من أيام الطهر التي يحكم بكون الدم فيها طهرا و ان كان أسود، بل لعله المنساق من نحو عبارة المصنف قد امتزج حيضها بطهرها، و قال في الوسيلة في المقام: «إذا رأت المبتدأة ثلاثة أيام متواليات عرفت يقينا انه دم حيض، فإذا استمر إلى تمام عشرة أيام وجب عليها أن تعمل عمل الحائض، فإذا زاد على عشرة ثلاثة عرفت يقينا انه استحاضة، فإذا لم ينقطع جوزت ان ذلك دم حيض، لانقضاء أقل الطهر و الحيض، فيلزمها تعرف الحال بالتمييز، فان لم يتميز فعادة نسائها» الى آخره. و تأمله مع التدبر يشعر ببعض ما ذكرنا، كما انه ربما يشير الى ذلك ما في المبسوط قال: «إذا رأت
ج3،
المبتدأة ما هو بصفة الاستحاضة ثلاثة عشر يوما ثم رأت ما بصفة الحيض بعد ذلك و استمر كان ثلاثة أيام من أول الدم حيضا، و العشرة طهرا، و ما رأته بعد ذلك من الحيضة الثانية» انتهى. و قال المصنف بعد ذكر ذلك عن المبسوط: «فيه إشكال لأنه لم يتحقق لها تمييز، لكنه ان قصد انه لا تمييز لها و انه يقتصر على الثلاثة لأنه اليقين كان وجها» انتهى. و نحوه عن التذكرة، و أصرح من هذه العبارات عبارة الشهيد في الدروس، حيث قال في المقام: «أما المبتدأة فظاهر الأصحاب انها تمكث في الدور الأول إلى العشرة، فإذا تجاوزت اعتبرت التمييز فيما مضى، ثم ذكر شروطه- الى ان قال-: فان فقدته جعلت عادة نسائها، فإن فقدت رجعت الى الروايات، فإذا جاء الدور الثاني اعتبرت التمييز و عادة النساء و الروايات في نفس العشرة» انتهى. فان قوله فيما مضى و نحوه كاد يكون كالصريح في اعتبار الأمور الثلاثة في نفس العشرة، فتأمل. لكن قد يظهر من الذكرى و جامع المقاصد خلاف ذلك، حيث قالا: انه قد تترك ذات التمييز العبادة عشرين يوما، كما لو رأت عشرة أيام أحمر، ثم انقلب أسود تمام العشرة الثانية، إذ فرضها حينئذ الرجوع الى الأقوى، بل في الأخير إمكان الزائد على ذلك أيضا فيما لو فرض مجيء الأقوى من الثاني، و ربما يؤيده إطلاق ما دل على التمييز المتحقق في ضمن العشرة و غيرها، و المسألة لا تخلو من إشكال، نعم الظاهر من كلمات الأصحاب و غيرها الاكتفاء في تحقق التمييز بمضي أقل الطهر، فلا يحتاج مضي شهر أو أكثر، و عليه حينئذ يمكن ان تتحيض المرأة به في الشهر الواحد ثلاث مرات، كما لو رأت أسود ثلاثة أيام، ثم أصفر عشرة، ثم أسود ثلاثة أيام، ثم عشرة أصفر، ثم جاءها الأسود إلا انه قد يشكل بما دل(1)على ان الحيض في الشهر مرة، و يشعر به أيضا أخبار التحيض(2)
ج3،
بالروايات المتضمنة لأخذ مقدار مخصوص في كل شهر، لكن قد يرجح عموم أدلة التمييز عليه بفهم الأصحاب.
و كيف كان فان فقدتاه بان كان الدم لونا واحدا و لم يحصل فيه شريطتا التمييز أو أحدهما رجعت المبتدأة إلى عادة نسائها كما في المبسوط و الخلاف و الجامع و السرائر و النافع و القواعد و الدروس و اللمعة و الروضة و التنقيح و شرح المفاتيح و غيرها، بل في الأخير الإجماع، و في سابقه نفي الخلاف فيه، كما عساه تشعر به أيضا عبارة السرائر كاشعار نسبته إلى علمائنا في التذكرة، و نسبة مضمرة سماعة الآتية إلى الأصحاب في المنتهى و غيره بالإجماع، و في المعتبر ان عليه اتفاق الأعيان من فضلائنا، بل حكي عن الخلاف الإجماع عليه في موضعين، و ان كان الظاهر انه وهم، نعم قد تحتمله عبارته، فتدبر. و يدل عليه- مضافا الى ذلك و الى حصول الظن به من تقارب الأمزجة المحتمل اعتباره في خصوص المقام-
مضمر سماعة(1)قال: «سألته عن جارية حاضت أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر و هي لا تعرف أيام أقرائها، فقال:
أقراؤها مثل أقراء نسائها، فإن كن نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيام، و أقله ثلاثة»
و
قول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة و محمد بن مسلم(2): «يجب للمستحاضة أن تنظر بعض نسائها، فتقتدي بأقرائها، ثم تستظهر بيوم على ذلك»
مؤيدا ب
قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير(3): «النفساء إن كانت لا تعرف أيام نفاسها فابتليت جلست مثل أيام أمها أو أختها أو خالتها، و استظهرت بثلثي ذلك»
و المناقشة في هذه الأخبار- بقصور السند، و الإضمار في الأول، و شمول الأخيرين للمضطربة و لا قائل به، كاكتفائهما ببعض النسوة بل كاد يكون صريح الثاني- لا يصغى إليها
ج3،
بعد الانجبار بما عرفت، مع ان الأخيرين من قسم الموثق، و هو حجة عندنا، و عدم قدح الإضمار في نفسه كما تقدم غير مرة، بل في الرياض «انه يمكن إرجاعهما الى ما عليه الأصحاب بدفع الأول بتقييده بالمبتدأة، و الثاني بانحصار النسوة بالبعض أو عدم التمكن من استعلام حال الباقيات للتشتت» انتهى.
قلت: و ظاهره تخصيص هذا الحكم عند الأصحاب بالمبتدأة بالمعنى الأخص كما صرح به في أول كلامه، و هو لا يخلو من نظر و تأمل، إذ قد عرفت سابقا ان المبتدأة تطلق في عبارات الأصحاب في مقابلة المتحيرة، فتشمل حينئذ من لم تستقر لها عادة، بل قد عرفت انه نسبه الى المشهور في المسالك، و الى الأشهر في الروضة، و الى العلامة و من تأخر عنه في الحدائق، و انه الظاهر من المصنف بل من المبسوط و الوسيلة و السرائر و الجامع و الموجز الحاوي و القواعد و المنتهى و التذكرة و غيرها كما لا يخفى على من لاحظ عبارات هؤلاء، مع ما فيها من الشواهد على ذلك من حصر أقسام المستحاضة بالمبتدأة و ذات العادة و نحو ذلك، بل كاد يكون كالصريح من بعضهم، و لذا قال في جامع المقاصد: «ان ظاهر العبارة ان المبتدأة من لم يسبق لها عادة في الحيض، لأنها مقابل المعتادة، و ان المضطربة من سبق لها عادة في الحيض و نسيتها- ثم ذكر تفسير المعتبر لها بأنها التي تبتدئ الدم، و للمضطربة بالتي لم تستقر لها عادة، قال-: و هذا التفسير صحيح إلا أن الأول تجري عليه أحكام الباب، فان من لم تستقر لها عادة ترجع الى النساء مع فقد التمييز كالتي ابتدأت الدم، و المضطربة لا ترجع الى النساء لسبق عادتها» انتهى. كل ذا مع شمول الموثقين المتقدمين له، و عدم صلاحية المرسل المتقدم لتقييدهما به، إذ لا منافاة بينهما، بل لعل قول السائل فيه: (فلا تعرف أقرائها) يشعر بأن علة الرجوع الى عادة النساء ذلك لا كونها مبتدأة، مع انه الموافق للاعتبار المتقدم أيضا.
ج3،
على ان في تقييد خبر النفساء بالمبتدأة ما لا يخفى، بل و سابقه أيضا، لما في قصر المطلق على الفرد النادر، و ما أدري ما الذي دعاه الى تخصيص المبتدأة بالمعنى الأول، و كأنه لتصريح جملة من الأصحاب في خصوص المقام بخروج المضطربة عن هذا الحكم و تخصيصه بالمبتدأة، أو لأن ثبوت اختلافها مع نسائها يمنع من الرجوع إليها عند الاشتباه لكن عرفت أن مرادهم بالمضطربة المتحيرة، كما يشعر به تعليله في الذكرى و غيرها ذلك بأنها قد سبقت لها عادة و نسيتها، و هو لا يشمل ما نحن فيه، و الثاني مجرد اعتبار لا يصلح مدركا للأحكام الشرعية، مع عدم تماميته في جميع الصور، كما لو لم يجئها الدم إلا مرة واحدة وافقت به نساءها ثم استمر بالمرة الثانية، و أيضا فمثله وارد بالمبتدأة بالمعنى الأخص إذا اتفق تمييزها بالدورين الأولين مخالفا لنسائها و لم يثبت لها عادة، فإنها إذا فقدته في الدور الثالث ترجع إلى نسائها و ان ثبت اختلافها معهن، و دعوى الفرق بين الاختلاف التمييزي و غيره ممنوعة، لكون التمييز عندهم يجري مجرى الحيض المعلوم، و لهذا تثبت العادة به لو اتفق تكريره جامعا لشرائطها.
فظهر لك من ذلك كله ان الأقوى ثبوت هذا الحكم للمبتدأة بالمعنى الأعم فضلا عن المعنى الأخص، و ما في رواية السنة(1)من ظهور رجوع المبتدأة بالمعنى الأخير فضلا عن الأول إلى التحيض في علم الله في كل شهر بستة أو سبعة لا بد من تقييده، لعدم مكافأته لما تقدم، كغيره من الأخبار التي ستسمعها ان شاء الله في المرتبة الثالثة، و هو التحيض بالروايات، بل احتمل في الذكرى ان المراد بعلم الله أي فيما علمك من عادة النساء، فإنه الغالب عليهن، و هو و ان كان بعيدا في نفسه لكن لا بأس به في المقام، فما يظهر من المصنف في المعتبر من التردد في الحكم و تبعه بعض متأخري المتأخرين ضعيف، كالمنقول من الخلاف فيه كما تقدم من الغنية، فتأمل.
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحيض- حديث 3.
ج3،
ثم ان ظاهر النص و الفتوى إطلاق الرجوع الى عادة النساء أو الأهل من غير تقييد بالوقت أو العدد خاصة، سوى ما عن المسالك من التقييد بالثاني، لكنه لا يخلو من نظر، لما عرفت من الإطلاق القاضي بالزامها بالرجوع إلى عادة نسائها فيهما معا، و كأنه أخذه من تبادر العدد في خصوص المقام، على انه لو اعتبر الاتفاق فيهما لكفى في صدق الاختلاف الذي علق عليه زوال هذا الحكم بالوقت فقط و ان انضبط العدد، و إلا لوجب الرجوع الى الوقت عند انضباطه و ان اختلف العدد، و هما معا بعيدان، إلا انه قد يدفع ذلك بأنه لا تلازم بين وجوب الرجوع الى الوقت و العدد عند الاتفاق، قضاء للتشبيه و عدم صدق الاختلاف إلا بالعدد خاصة و ان اتفقن في الوقت، فتأمل فإنه دقيق.
ثم انه هل يعتبر في هذا الحكم اتفاق جميع نسائها من الأبوين أو أحدهما كما عساه يشعر به قول المصنف ان اتفقن و هو ظاهر المعتبر و اختاره بعض متأخري المتأخرين و يعطيه بعض عبارات الأصحاب كظاهر المنقول عن نهاية الأحكام من انه لو كن نساؤها عشرا فاتفق تسع رجعت الى الأقران، أو يكفي اتفاق الأغلب منهن كما هو صريح الذكرى، أو يكفي البعض و لو واحدة كما يقتضيه الموثقان المتقدمان، أو بشرط عدم التمكن من استعلام الباقي؟ احتمالات، لكن ينبغي القطع بفساد الأول منها لتعذره أو تعسره سيما ان أريد الأحياء و الأموات و القريب و البعيد، كما انه ينبغي القطع بفساد الاكتفاء بالواحدة و لو علم الاختلاف، لعدم القائل به مع عدم العلم بالاختلاف فضلا عن أن يكون معه، مع ظهور لفظ النساء و تعليق الحكم على الاختلاف في خلافه، نعم لا يبعد في النظر الاكتفاء بالأغلب مع عدم العلم بالخلاف، بل و بالبعض المعتد به سيما إذا كان الطبقة القريبة و ان لم تكن أغلبا، لظهور الموثقين(1)السابقين فيه، و شمولهما
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحيض- حديث 1 و الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 20.
ج3،
لما لا نقول به لا يخرجهما عن الحجية، مع عدم صراحة قوله لفظ النساء بإرادة شرطية الاستغراق، بل قد عرفت انه ينبغي القطع بعدمه، نعم يستفاد من قوله: (فان كن مختلفات) ان الاختلاف مانع لا ان الاتفاق شرط، بل لم يثبت كونه مانعا مع اتفاق الأغلب لإلحاق المشكوك فيه بالأعم الأغلب، بل الظاهر تناول لفظ النساء لذلك، فكان الأظهر حينئذ الاكتفاء بالأغلب مطلقا و بالبعض المعتد به مع عدم العلم بالاختلاف سيما مع قرب الطبقة أو عدم التمكن من استعلام حال الباقي، فتأمل. كما ان الأقوى أيضا عدم اعتبار اتحاد البلد في ذلك و ان ظهر من الشهيد في الذكرى اختياره، لإطلاق ما سمعته من الأدلة السابقة، و دعوى تبادره من لفظ نسائها كدعوى ظهور مدخليته بالنسبة إلى الأمزجة ممنوعتان، و ان الأقوى أيضا أنه مع تحقق صدق الاختلاف المعتد به لا يثمر اتفاقهن على القدر المشترك بينهن من العدد، فلا يرجع اليه و ان كان محتملا إلا ان الظاهر ذلك لصدق اسم الاختلاف الذي علق الانتقال الى الروايات عليه، و كذا لا يثمر اتفاقهن في الوقت كما أشرنا إليه سابقا لذلك أيضا و نحوه.
و قيل كما هو خيرة النافع و البيان و الدروس من دون تقييد في الأول بالبلد و عن التلخيص و ظاهر المنقول عن المهذب أو عادة ذوات أسنانها من بلدها بل هو المشهور نقلا و تحصيلا، إلا انه بالترتيب على فقد النساء أو اختلافهن، و ان اختلفت عباراتهم بالنسبة الى ذلك، فما بين معلق له عليهما معا بدلا كالمبسوط و القواعد و الإرشاد و عن الإصباح و نهاية الأحكام، و آخر على الأول خاصة كالوسيلة و السرائر و التحرير و المختلف و عن جمل الشيخ و اقتصاده و غيرها، لكن مع التقييد باتحاد البلد في
الأولين كالكتب المتقدمة عليهما، و ثالث على الأخير خاصة كاللمعة، و لعله أجود من غيره، اللهم إلا ان يراد بفقد النساء فقد العلم بعادتهن بموت أو نحوه، و كيف كان فلا دليل على أصل الحكم سوى ما يقال: من حصول الظن بالمساواة معه، و احتمال شمول
ج3،
لفظ نسائها لصدق الإضافة بأدنى ملابسة، و
قول الصادق (عليه السلام) في مرسل يونس(1): «ان المرأة أول ما تحيض ربما كانت كثيرة الدم فيكون حيضها عشرة أيام، فلا تزال كل ما كبرت نقصت حتى ترجع إلى ثلاثة»
لظهوره في توزيع الأيام على الأعمار، و ما عن بعض النسخ من تبديل الهمزة في أقرائها في مقطوعة سماعة(2)و موثقة ابن مسلم(3)بالنون، و به حينئذ يظهر قوة الدخول تحت نسائها، كل ذا مع الانجبار بالشهرة.
و في الكل نظر لعدم ثبوت اعتبار مثل هذا الظن في خصوص المقام، بل ثبوته هنا يقضي بسقوط الرجوع الى الروايات، لندرة اختلاف غالب أقرانها إن اعتبرناه فضلا عن مطلق البعض ان قلنا بالاكتفاء، و صدق الإضافة بأدنى ملابسة لا يقتضي تبادرها، على أن ذلك يقضي بالاكتفاء بالاتحاد بالسن أو البلد كما أنه يقتضي عدم الترتيب، و هو خلاف المشهور كما عرفت، و منع إشعار المرسل بحيث يصلح للحجية، كما انه ينبغي القطع بفساد ما ينقل عن بعض النسخ في نحو مقطوعة سماعة(4)كما لا يخفى على من تأملها على تقدير ذلك، نعم لعل له وجها في مثل الموثقة المتقدمة(5)مع شهادة لفظ نسائها للهمزة، بل هو المناسب للتفريع كما لا يخفى على المتأمل فيها، و أيضا فلا يصلح شيء مما ذكر للترتيب، بل قضيتها التخيير، و هو خلاف المشهور، كما انه لا شيء يقتضي اشتراط اتحاد البلد سوى دعوى انه المتيقن و ان له تأثيرا في اختلاف الأمزجة، و دعوى استفادة الترتيب من تبادر الأهل من لفظ نسائها، و من اتفاق الأعيان على الأهل دونه، و التصريح به في خبر أبي بصير كما ترى، نعم قد يقال: إن جانب
ج3،
الظن بالأهل أقوى، و بأنه طريق الجمع بين الأخبار على تقدير قراءة النون، و غير ذلك من التعليلات له و لأصل الحكم التي يشكل الاعتماد عليها سيما على المختار من عدم حجية كل ظن حصل للمجتهد، و من هنا أنكره في المعتبر و المنتهى، و تبعهما جماعة ممن تأخر عنهما، بل في المنتهى ان الصدوق و السيد لم يذكرا الأقران، قلت: و كذا الخلاف و الجامع كما عن الكافي لأبي الصلاح، و هو الذي تقتضيه مقطوعة سماعة المتقدمة و غيرها من الروايات التي ستسمعها، بل عن الشيخ في الخلاف الإجماع على مضمون مقطوعة سماعة، فتأمل جيدا، فالأولى إسقاط هذه المرتبة، و الاقتصار على التمييز و عادة النساء.
فان فقد العلم بعادتهن أو كن مختلفات اختلافا يمتنع الرجوع معه جعلت المبتدأة بالمعنى الأعم بل و المتحيرة عند المصنف في جميع أدوارهما حيضها في كل شهر سبعة أيام أو عشرة من شهر و ثلاثة من آخر مخيرة فيهما لكنه خير في المتحيرة في القسم الأول بين الستة و السبعة كما ستسمع، و اقتصر على الثاني هنا، و كان الأولى له العكس لما ستعرف و قيل عشرة من كل شهر، و لم نعرف قائله، و قد يريد به المنسوب الى ابن زهرة من جعل العشرة حيضا و الأخرى طهرا و قيل ثلاثة ثلاثة و هو المنقول عن أبي علي، و مال إليه في المعتبر و بعض متأخري المتأخرين و الأول أظهر لأنه بعد كون الفرد الأول من فردي التخيير الغالب في عادات النساء وجه الجمع بين ما ورد من الأخبار في المقام من قوله (عليه السلام) في مرسل(1)يونس الطويل- الذي هو كالصحيح، لكون الإرسال فيه عن غير واحد، و كون المرسل يونس الذي أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، بل نقل الشيخ في الخلاف
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحيض- حديث 3 مع الاختلاف و في الوسائل حمية بدل حميئة.
ج3،
الإجماع على روايته في خصوص ما نحن فيه، مضافا الى ما يظهر من ملاحظته من كثرة الشواهد الدالة على صحته- للمبتدأة:
«تحيضي في كل شهر في علم الله ستة أو سبعة أيام، ثم اغتسلي و صومي ثلاثة و عشرين يوما أو أربعة و عشرين يوما- ثم قال الصادق (عليه السلام) فيه بعد ذلك-: و هذه سنة التي استمر بها الدم أول ما تراه أقصى وقتها سبع، و أقصى طهرها ثلاث و عشرون- و قال (عليه السلام) أيضا-: و ان لم يكن لها أيام قبل ذلك و استحاضت أول ما رأت فوقتها سبع و طهرها ثلاثة و عشرون- و قال (عليه السلام) فيه أيضا- في التي اختلط عليها أيامها و زادت و نقصت حتى لم تقف منها على حد و لا من الدم على لون: إنها ان أطبق الدم عليها فلم تزل الاستحاضة دارة و كان الدم على لون واحد و حالة واحدة فسنتها السبع و الثلاث و العشرون، لأن قصتها كقصة حميئة حين قالت: إني أثجه ثجا»
و بين
موثق عبد الله بن بكير(1)قال «في الجارية أول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة: إنها تنتظر بالصلاة، فلا تصلي حتى يمضي أكثر ما يكون من الحيض، فإذا مضى ذلك و هو عشرة أيام فعلت ما تفعله المستحاضة، ثم صلت فمكثت تصلي بقية شهرها، ثم تترك الصلاة في المرة الثانية أقل ما تترك امرأة الصلاة، و تجلس أقل ما يكون من الطمث، و هو ثلاثة أيام، فإن دام عليها الحيض صلت في وقت الصلاة التي صلت، و جعلت وقت طهرها أكثر ما يكون من الطهر، و تركها الصلاة أقل ما يكون من الحيض».
و
موثقه الآخر(2)عن الصادق (عليه السلام) قال: «المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها فاستمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة عشرة أيام، ثم تصلي عشرين يوما، فان استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيام، و صلت سبعة و عشرين يوما»
و في الخلاف الإجماع على روايته، و
مضمر سماعة(3)قال: «سألته عن جارية
ج3،
حاضت أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر و هي لا تعرف أيام أقرائها، فقال: أقراؤها مثل أقراء نسائها، فإن كانت نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة، و أقله ثلاثة أيام»
و
قول أبي الحسن (عليه السلام) في خبر الحسن بن علي بن زياد الخزاز(1)قال:
«سألته عن المستحاضة كيف تصنع إذا رأت الدم و إذا رأت الصفرة؟ و كم تدع الصلاة؟
فقال: أقل الحيض ثلاثة و أكثره عشرة، و تجمع بين الصلاتين».
و ما في المعتبر من المناقشة بكون الروايتين ضعيفتين يعني بذلك مرسلة يونس و رواية ابن بكير الأخيرة معللا ذلك بما ذكره ابن بابويه عن ابن الوليد انه لا يعمل بما تفرد به محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس، و بأن ابن بكير فطحي لا يلتفت اليه، لما عرفته من قوة تلك المرسلة من وجوه متعددة، بل في الذكرى انها مشهورة النقل مفتى بمضمونها حتى عد إجماعا، و في الخلاف دعوى الإجماع على مضمونها بالنسبة للمبتدأة كرواية ابن بكير، مع ان الفطحية لا تمنع من العمل عندنا، بل عنده أيضا كما لا يخفى على من لاحظ كتابه، مع ان ما نقله عن ابن الوليد معارض بما نقل عن النجاشي انه جليل في أصحابنا ثقة عين كثير الرواية حسن التصانيف، مع ما يظهر من الأصحاب قولا و فعلا من إنكار ما قاله ابن وليد، بل في حاشية المدارك للأستاد الأعظم أنه «اتفق علماء الرجال و الحديث و الفقهاء على عدم قدح ذلك» انتهى.
فمن العجيب طرحه لهذين الروايتين و رجوعه إلى الثلاثة مطلقا، حيث قال:
و الوجه عندي ان تتحيض المبتدأة بالمعنى الأعم ثلاثة أيام، لأنه اليقين في الحيض، و تصلي و تصوم بقية الشهر استظهارا، و عملا بالأصل في لزوم العبادة كالمنقول عن أبي علي، مع ما فيه من إمكان منع اقتضاء القواعد ما ذكر بعد طرح الروايتين، لعدم اطراد أصالة لزوم العبادة، بل قد يكون الأصل البراءة منها، سيما بعد ملاحظة استصحاب
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحيض- حديث 4.
ج3،
الحيض و قاعدة الإمكان و نحوهما، و معارضة الاحتياط في العبادة بمثله، بل لعل المنقول حينئذ عن ابن زهرة و غيره من جعل الحيض عشرا و الطهر كذلك أولى، و ان كان فيه أيضا طرح لما عرفته من الأخبار(1)المعمول بها بين الأصحاب، و منافاة لما دل(2)من الأخبار على ان الحيض في كل شهر مرة التي يشهد لها الوجدان، على انه لم أعرف لهما مستندا حينئذ بالنسبة إلى تعيين الثلاثة أو العشرة في أول الشهر أو غيره.
و قضية القواعد فيه حينئذ ترك جميع ما كان في تركه الاحتياط في سائر زمان الدم كما في غير الصلاة من دخول المساجد و الوطء و قراءة العزائم و نحوها، و أما الصلاة و نحوها مما تعارض فيه الوجوب و الحرمة فيحتمل تغليب جانب الحرمة، كاحتمال العكس في خصوص الصلاة لشدة أمرها و انها عماد دينكم، و دعوى احتمال الرجوع الى اختيارها في التعيين لا دليل عليه، لكون الفرض طرح العمل بالأخبار، كدعوى احتمال التعيين في أول الحيض لمكان أسبقيته، و كدعوى احتمال التمسك بما يقتضيه الأصل بالنسبة الى جميع ما مر، لرجوعه إلى الشبهة الغير المحصورة، فيجوز دخولها المساجد و نحوه، و أما بالنسبة للصلاة و الصوم فبأصالة براءة ذمتها من حرمة ذلك فيما أرادت تعيينه فإنه كما ترى.
و من ذلك كله يظهر لك زيادة ضعف ما قالاه، لما فيه من العسر و الحرج في بعض الأحوال، و منافاته لسهولة الملة و سماحتها، مع ان الباري (عز و جل) أجل من أن يجعل مثل هذا الحكم العام البلوى مخفيا، و لم يبينه على لسان صاحب الشريعة، كضعف المنقول عن الجامع من تحيض كل منهما بسبعة أو ثلاثة عملا بالرواية و اليقين، فإنه لا يكاد يفهم لهذا الجمع وجه يعتد به، مع استلزامه لطرح ما سمعته من خبري ابن بكير و غيرهما، و منه يظهر ضعف ما اختاره في الرياض تبعا لبعض متأخري المتأخرين
ج3،
من التحيض لهما بسبعة سبعة للمرسل المتقدم، و طرح ما سواه قائلا بعد ذكره روايتي ابن بكير: «و ليس فيهما مع اختصاصهما بالمبتدأة دلالة على التحيض بذلك في جميع الأدوار، بل ظاهرهما الاختصاص بالدور الأول، و مع ذلك تضمنا تقديم العشرة و لم أر عاملا بهما سوى الإسكافي على ما حكاه بعض، و ربما حكي عنه القول
بتعين الثلاثة مطلقا فالرواية حينئذ شاذة، فالاستدلال بها لذلك و القول بالتخيير بينهما و بين ما تقدم للجمع بينهما و بين ما مر ضعيف، مضافا إلى عدم تكافؤهما للأول، و على تقدير التكافؤ فهو فرع وجود شاهد عليه، و ليس فيبطل، فالقول الأول متعين و لا تخيير» انتهى.
و فيه أما أولا ما عرفت من ان المرسل قد اشتمل على الترديد بين الست و السبع مكررا صريحا و ضمنا، و هو يقتضي التخيير كما عن جماعة الفتوى به، بل عن الذكرى نسبته الى المشهور، و في الخلاف دعوى الإجماع على روايته، و به مع شهادة ملاحظته له يندفع احتمال كونه من الراوي، كما انه يندفع الاشكال فيه من جهة استلزامه للتخيير بين الواجب و تركه بأنه تخيير في سبب الوجوب، و لا مانع منه كما تقدمت الإشارة إليه سابقا، و كذا يندفع ما عساه يقال أيضا من التأييد للسبع ب
قول الصادق (عليه السلام)(1)بعد ذلك في المبتدأة: «أقصى وقتها سبع و أقصى طهرها ثلاث و عشرون»
إذ لو جاز الاقتصار على الست لما كان ذلك أقصى، بل الأربع و العشرون، و ب
قوله (عليه السلام)(2)أيضا في المضطربة: «فسنتها السبع و الثلاث و العشرون»
بناء على اشتراكهما في ذلك كما عساه يشعر به أيضا التشبيه بقصة حميئة، إذ بملاحظة ما سمعت يقوى كون مراد الصادق (عليه السلام) ذكر أحد الفردين اتكالا على ما سبق، و انه أقصى إذا كان الحيض سبعا كما يشعر به مقارنته له فيه، أو يراد به أقصى بالنظر الى ما دون، بل لعل إرادة التفضيل منه يعين ذلك، كما ان إرادته من
قوله (عليه السلام):
ج3،
(أقصى وقتها سبع)
يشعر بوجود مرتبة أخرى دونها، فيقوى حينئذ إرادة العهد بما ذكره في المضطربة الى ما تقدم في المبتدأة من كون السبعة أحد الفردين، و يجعل التشبيه مؤكدا لذلك، فتأمل. نعم قد يقال ان الأحوط اختيار السبع للاتفاق على جوازها عند القائلين بذلك، كما انه يمكن القول بأن الأولى للمبتدأة اختيار الستة في شهر، و السبعة في آخر بناء على التخيير لها بذلك، و بالثلاثة في شهر و عشرة في آخر حتى يتوافق عدة أيام حيضها في الشهرين بالنسبة إلى مجموع الروايات، فتأمل جيدا.
و أما ثانيا فلأنك قد عرفت ان رواية ابن بكير مما لا يسوغ للفقيه طرحها، و كيف مع اشتمالها على شرائط الحجية، و نقل الشيخ في الخلاف الإجماع على مضمونها، بل لعلها أولى من المرسل لمخالفتها للعامة بخلافه، و لذا قال ابن بكير بعدها: (هذا مما لا يجدون منه بدا) مريدا به التعريض لهم في ذلك، و قد أفتى بمضمونها في الجملة جماعة من رؤساء الأصحاب، بل لعل مشهورهم ذلك ان لم يكن إجماعهم سوى ممن لا يعتد بخلافه في ذلك و ان اختلفوا في فهم المستفاد منها، و أما ما ذكره من انه لا شاهد لهذا الجمع المقتضي للتخيير فهو مع ابتنائه على ان المراد به التخيير الحكمي لا العملي يمكن القول بعدم الاحتياج إليه في خصوص المقام، لانتقال الذهن الى التخيير عند الأمر بشيئين متضادين في وقت واحد من آمر واحد أو ما هو بمنزلته، كما انه يندفع ما عساه يقال أيضا ان ظاهرهما الاختصاص بالدور الأول، لظهور إرادة المثال، مع إمكان استفادته من مضمرة سماعة(1)و خبر الخزاز(2)بعد صرفهما عن ظاهرهما من إرادة التخيير من الثلاثة إلى العشرة في كل الأدوار و ان نقل الفتوى به عن المرتضى و ظاهر الصدوق، لكنه لمعارضته ما سمعت يقوى تنزيله على ما ذكرنا، كل ذا مع عدم القول بالفرق بين الدور الأول و غيره من الأدوار في ذلك سوى ما ينقل عن أبي علي من
ج3،
الفتوى بمضمون مقطوعة ابن بكير أي التحيض بعشر في الدور الأول ثم ثلاثة ثلاثة لكنه مع انه نقل عنه خلاف ذلك من التحيض بثلاثة ثلاثة فقط معرض عن دليله بين الأصحاب، مع عدم صراحته فيما ادعاه، لاحتمال إرادته التحيض بالعشر في الشهر الرابع، فلاحظ و تأمل.
و مما ذكرنا يظهر لك اندفاع المناقشة أيضا بتضمنهما تقديم العشرة مع عدم ظهورهما في إرادة الإلزام، بل لعله من جهة جلوسها في أول الدور عشرة من جهة انتظارها انقطاع الدم و استمراره، نعم قد يشكل الحكم المذكور باختصاص روايتي ابن بكير في المبتدأة بالمعنى الأخص دون المتحيرة و القسم الثاني من المبتدأة، و من هنا قد يقال:
باختصاص التخيير بها دونهما، و قصرهما على المرسل، لكن قد تستفاد المساواة بينهما بعد نسبتها للمشهور من بعضهم، بل أرسل آخر عن الخلاف الإجماع على تحيض المتحيرة بالستة أو السبعة أو عشرة من شهر و ثلاثة من آخر إلا أني لم أجده فيه، بل الموجود فيه الإجماع على السبعة خاصة من التشبيه بقصة حميئة في المرسل لإفادته انها كالمبتدأة، و من خبر الخزاز بعد التنزيل المذكور، مع ما عرفت من قرب مدلول المرسل للروايتين بالنسبة الى أيام الحيض في الشهرين، إذ هي ثلاثة عشر يوما أو أربعة عشر، فيقوى في الظن حينئذ ان المراد قيام الثلاثة و العشرة في الشهرين مع موافقتها للاعتبار في الجملة بالجمع بين الأقل و الأكثر الموافقين لقاعدة الإمكان و اليقين مقام السبعة في كل شهر شهر، فتأمل جيدا، الى غير ذلك من المؤيدات الكثيرة، و لعله الأقوى و ان كان سابقه أحوط منه وفاقا للمصنف في الكتاب و النافع، و للعلامة في القواعد، و الشهيدين في الدروس و اللمعة و البيان و الروضة، و المحقق الثاني في جامع المقاصد و غيرهم، بل لعله المشهور نقلا و تحصيلا بين المتأخرين على اختلاف في عباراتهم بالنسبة إلى الفرد الأول من فردي المخير في الاقتصار على السبعة أو التخيير بينه و بين الستة، و قد عرفت ان الأقوى الثاني.
ج3،
و بقي في المقام مضافا الى ما عرفته في مطاوي البحث أقوال متشتتة لا دليل يعتد به في مقابلة ما ذكرنا على شيء منها، كالمنقول عن الاقتصاد من تحيض المضطربة بسبعة في كل شهر، أو بثلاثة في الشهر الأول و عشرة في الثاني، و المبتدأة بسبعة خاصة، و هو كالمستغرب بالنسبة إلى المبتدأة و الى تخصيص الأول بالثلاثة و الثاني
بالعشرة، و كالمنقول عن الجمل و العقود و المهذب و الإصباح من العكس، و هو و ان خلا عن الاستغراب الأول لكنه غير خال عن الثاني، اللهم إلا ان يريدوا المثال، فيقرب حينئذ الى ما عساه يظهر من المنقول عن الخلاف من تحيض المضطربة بسبعة خاصة، و المبتدأة بستة أو سبعة أو بثلاثة و عشرة، و يظهر لك وجهه مما تقدم مع ما فيه، و كالمنقول عن موضع من المبسوط من القطع بتخير المبتدأة بين السبعة أو الثلاثة و العشرة مع إلزامه المتحيرة العمل بالاحتياط و الجمع بين عملي الحيض و الاستحاضة، كما عن النهاية و الاستبصار في المتحيرة انها تدع الصلاة كل ما رأت الدم، و تصلي كل ما رأت الطهر الى ان ترجع الى حال الصحة، و نقله عن موضع آخر من المبسوط في المبتدأة الى ان تستقر لها عادة و لعله لخبري أبي بصير(1)و يونس بن يعقوب(2)المتضمنين لذلك، و قد تقدم البحث فيهما سابقا غير مرة، مع ان فيهما
(انها تصنع ذلك ما بينها و بين ثلاثين يوما ثم هي مستحاضة)
و لا مقاومة فيهما لما ذكرنا من وجوه متعددة كما لا يخفى، مع قصورهما عن إفادة تمام ما ذكر، بل عن الشهيد في البيان ان العمل بالاحتياط ليس مذهبا لنا، الى غير ذلك من الأقوال التي لا فائدة مهمة في التعرض لها، و ربما أنهاها بعضهم إلى ثمانية و عشرين قولا، أربعة عشرة في المبتدأة، و مثلها في المضطربة.
و كيف كان فقد عرفت فيما مضى انه لا إشكال في التخيير بين الست و السبع كما هو ظاهر المرسل، إذ هو تخيير في سبب الوجوب و الحرمة من التحيض و عدمه،
ج3،
فما وقع للعلامة في المنتهى و النهاية- من الإشكال في ذلك حتى انه حمل لفظ (أو) في المرسل على التفصيل في الرد الى اجتهادها و رأيها مما يغلب على ظنها انه أقرب الى الحيض إما من عادتها أو عادة نسائها أو ما يكون أشبه بلونه- ضعيف جدا مع عدم اطراده، إذ قد تفقد ذلك كله، و منه يرتفع الإشكال في التخيير في غيره من الأعداد، نعم هل تلتزم ذلك بمجرد اختيارها قبل العمل بمقتضاه أو لا؟ وجهان، أقواهما العدم، للإطلاق و الاستصحاب، كما انها لا تلتزم برواية السبع مثلا بمجرد اختيارها في سائر الأدوار، بل لها ان تعدل إلى رواية الثلاث و العشر، نعم يحتمل قويا القول بالزامها بذلك بالنسبة إلى الشهر الثاني ان اختارت السبع في الأول، كما انها إذا اختارت الثلاث في الأول تلتزم العشرة في الثاني، فيكون تمام دورها الشهران، و بعد تمامهما ترجع الى التخيير حينئذ بين رواية السبع أو الثلاث و العشر، للإطلاق و الاستصحاب، فما وقع في جامع المقاصد من ان تخييرها في ذلك منحصر في الدور الأول دون غيره ضعيف كدليله، و مثله احتمال جواز تلفيق الدورين من الروايتين كأن تجلس في شهر عشرة و في آخر سبعة، فتأمل.
ثم ان الظاهر ثبوت التخيير لها و ان لم يستمر الدم شهرا فضلا عن أشهر و ان كان ظاهر الروايات ذلك، لكنه موردا لا شرطا كما لو انقطع على الحادي عشر مثلا فتحيض حينئذ إما بسبع أو بثلاث أو بعشر على إشكال في الأخيرين، فتأمل. و كيف كان فهل يتعين عليها وضع ما تختاره من العدد في أول الدم كما عن التذكرة و اختاره كاشف اللثام، أو هي مخيرة في سائر الشهر كما هو المنقول عن جماعة؟ قولان، أحوطهما بل أقواهما الأول، لاقتضاء الجبلة، و لما عساه يظهر من روايتي ابن بكير و من
مرسل يونس (عدت من أول ما رأت الدم الأول و الثاني عشرة أيام، ثم هي مستحاضة)
و لأن عليها أول ما ترى الدم و يجوز كونه حيضا ان تتحيض به، على انه قد يشكل
ج3،
الحكم بجواز جعلها خارج العشرة، و بما عرفته سابقا انها ترجع إلى معرفة حالها بمجرد تجاوز الدم العشرة من التمييز أو عادة النساء مثلا أو الروايات، و إلا فلا تبقى منتظرة إلى تمام الشهر، فتأمل جيدا.
و من هذا الأخير ينقدح الكلام في مسألة غير محررة في كلام الأصحاب ربما أشرنا إليها فيما سبق، و هي ان رجوع ذات الروايات إليها هل هو بمجرد تجاوز الدم لعشر أو بعد تمام الثلاثين؟ و على الأول فهل يتعين عليها وضع ما تختاره من العدد في ضمن العشرة أو لها جعلها في خارجها و ان لم تعلم باستمرار الدم؟ و على الثاني فهل تعمل في هذه المدة عمل المستحاضة و نحوه مما يقتضيه الاحتياط أو لا يجب عليها شيء منه؟
كل ذلك غير منقح في كلماتهم، و ان كان الأقوى الأول، كما انها بالدور الثاني كذلك ما لم تصادف تمييزا فيه أو علما بعادة نساء كما صرح به بعضهم، و ان أطلق آخرون، فتأمل جيدا. ثم ان الظاهر ان ليس لها ان تعدل عن وضعها العدد في العشر الأول ان أرادت وضعه في العشر الثاني على إشكال.
هذا كله في المبتدأة و المتحيرة
و أما ذات العادة وقتا و عددا فل تجعل عادتها حيضا إذا استمر بها الدم مجاوزا للعشرة و لم يعارضها تمييز إجماعا محصلا و منقولا في المعتبر و المنتهى و غيرهما و نصوصا(1)و حينئذ يكون ما سواه استحاضة حتى أيام الاستظهار كما تقدم تحقيقه سابقا، و يأتي تحقيق الكلام ان شاء الله في المستقرة أحدهما، لكن ينبغي ان يعلم ان الظاهر ان رجوعها الى عادتها انما هو في ضمن كل شهر لا بمجرد فصل أقل الطهر، عملا بما دل(2)على انه في كل شهر مرة، نعم لو قلنا بإمكان استقرار العادة في الطهر كما مر سابقا أمكن مراعاته هنا، فقد يكون لها حينئذ
ج3،
في ضمن كل شهرين حيضة فتأمل. فإن اجتمع لها مع العادة تمييز و كان معارضا بحيث يستلزم حيضية كل منهما نفي الآخر قيل كما هو المشهور نقلا و تحصيلا تعمل على العادة، و قيل على التمييز و نسب للشيخ في النهاية و لم يثبت، نعم هو الظاهر منه في الخلاف و المبسوط و قيل بالتخيير كما هو ظاهر الوسيلة و الأول أظهر لعموم ما دل(1)على الرجوع إليها المؤيد بما سمعته من الشهرة العظيمة، و بأن الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض، و بأن العادة أفيد للظن، لكونها من الأمور الجبلية، و لاطرادها في غير المقام إجماعا دون التمييز إجماعا أيضا، و لما عساه يشعر به موثق إسحاق بن جرير(2)الوارد في التمييز من اشتراط الرجوع اليه بفقد العادة، كما هو ظاهر مرسلة يونس الطويلة، بل كاد يكون صريحها، و بذلك كله يقيد إطلاق ما دل(3)على التمييز و ان كان بينه و بين أخبار الرجوع الى العادة عموم من وجه، لما عرفته من الرجحان من وجوه، سيما الشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا، لرجوع الشيخ عن المخالفة في باقي كتبه كما قيل، بل قال في المبسوط و الخلاف بعد ذلك انه لو قيل بتقديم العادة مطلقا لكان قويا، و بهما يوهن ما ادعاه من الإجماع في الثاني على تقديم التمييز، لعدم إمكان مجامعته لقوة الثاني، كما انه بجميع ما تقدم يوهن ما عساه يقال للقول بالتخيير من الجمع بين الأمارتين و العمومين به.
ثم ان قضية ما ذكرناه كما هو قضية إطلاق الفتاوى و صريح بعضها انه لا فرق في العادة الحاصلة من الأخذ و الانقطاع أو التمييز، لكنه صرح في جامع المقاصد بتقديم التمييز على الثانية، و لعله لعدم زيادة الفرع على الأصل مع الشك في تناول الأدلة السابقة، و هو لا يخلو من وجه، و ان كان الأوجه خلافه، نعم قد يشكل الحال في
ج3،
تقديم العادة على التمييز إذا كانت وقتية خاصة، لظهور الأدلة في غيرها، هذا كله مع فرض التعارض بحيث كان الحكم بحيضية أحدهما يستلزم نفي الآخر كما سمعت من تقييدنا لعبارة المصنف، أما مع عدمه كأن فصل أقل الطهر بينهما أو كان مجموع العادة و الجامع للتمييز لم يتجاوز العشرة فقد صرح جماعة بحيضيتهما معا، بل أرسل في الرياض الإجماع على الثانية، كما في ظاهر التنقيح نفي الخلاف فيه، و قد تشعر به عبارة المنتهى أيضا، كما انه نقل عن ظاهره الاتفاق في الصورة الأولى. و قد تشعر به عبارة المدارك، و كأنه لقاعدة الإمكان و لعدم التنافي بين عمومي العادة و التمييز، فيعمل بهما معا، و ظهور أدلة الاقتصار على العادة أو التمييز في غير ذلك، و لأن أقصى ما يمكن إثباته ان العادة مثبتة لحيضية ما فيها لا انها تنفي ما عداه، و لأنه كما إذا لم يستمر الدم مجاوزا للعادة و فصل أقل الطهر ثم رأت، لكنه قد يشكل بعموم أخبار العادة، و بما عرفت من اشتراط الرجوع للتمييز بفقدها في المرسل، و الشك في شمول الإمكان لمثل ذلك، و يؤيده إطلاق الأصحاب الرجوع إليها خاصة مع التجاوز، و استحاضة ما عداها الشامل لبعض صور المقام، و لعل الأول لا يخلو من قوة في كلا الصورتين.
و إذا تبين ذلك فنقول
ها هنا مسائل:
(الأولى) إذا كانت عادتها مستقرة عددا و وقتا فرأت ذلك العدد متقدما على ذلك الوقت أو متأخرا عنه تحيضت بالعدد تقدم العدد على الوقت و بالعكس لمستقرتهما و ألغت الوقت، لأن العادة تتقدم و تتأخر اتفاقا كما هو الظاهر على ما في كشف اللثام، و يشهد به الوجوه و الاعتبار، و قاعدة الإمكان و النصوص(1)منها
مضمرة سماعة(2)قال: «سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها قال فلتدع الصلاة، فإنه ربما يعجل بها الوقت»
إلا انه عن الشيخ
ج3،
في المبسوط «متى استقر لها عادة ثم تقدمها الحيض بيوم أو يومين أو تأخر بيوم أو يومين حكمت بأنه من الحيض، و ان تقدم بأكثر من ذلك أو تأخر بمثل ذلك الى تمام العشرة أيام حكم أيضا انه من الحيض، فان زاد على العشرة لم يحكم بذلك» و لعله أراد انها إذا رأت العادة مع ما قبلها أو ما بعدها كان الجميع حيضا ان لم يتجاوز الجميع، و إلا فالعادة.
و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في الحكم بناء على ما تقدم من قاعدة الإمكان سواء كان ما رأته بصفة دم الحيض أو لم تكن نعم قد يستشكل بالنسبة إلى تحيضها به بمجرد الرؤية أو التربص إلى ثلاثة، و قد تقدم في المبتدأة ان التحقيق التفصيل بين الجامع و عدمه، و انه لا فرق بينها و بين ذات العادة إذا رأته متقدما أو متأخرا و ان ظهر من بعضهم ذلك، لكن قد عرفت ضعفه، كضعف الفرق بين التقدم و التأخر بكون الثاني يزيده انبعاثا، فتتحيض به بخلاف التقدم، إلا انه قد تقدم لك سابقا اشتراط كون التقدم و التأخر معتدا به لا ما يتسامح بمثله بالنسبة للعادات كاليوم و اليومين و نحوهما، و لصدق الرؤية في وقت الحيض بنحوه، و بما يشير اليه
خبر إسحاق بن عمار(1)عن الصادق (عليه السلام) «في المرأة ترى الصفرة ان كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض»
و ما في الروض- من ان ذلك يستلزم جوازه مطلقا، لانحصار الخلاف في المنع مطلقا و عدمه كذلك، فالتقييد باليومين إحداث قول ثالث- ضعيف، إذ المدار في حجية ذلك على القطع برأي المعصوم، و هو مما يقطع بعدم حصوله في مثل هذه المسائل، و لذا قال في جامع المقاصد بعد ذكره الخبر السابق: «انه يمكن الفرق بين ذات العادة و غيرها إذا تقدم دمها العادة اليوم و اليومين، عملا بهذه الرواية لتقييدها
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب الحيض- حديث 2 و هو خبر إسحاق بن عمار عن أبي بصير عن الصادق عليه السلام كما نقله« قدس سره» عن أبي بصير في التعليقة« 5» من الصحيفة 179.
ج3،
و إطلاق غيرها. و لا يحضرني قائل بذلك» انتهى.
(الثانية) إذا رأت دما قبل العادة و استمر في تمام العادة فان لم يتجاوز العشرة فالكل حيض بلا خلاف معتد به أجده لكن بشرط الاتصال بل و كذا إذا كان مفصولا ببياض مع كون السابق أقل حيض، أما مع عدمه كما إذا رأت قبل العادة بيوم أو يومين ثم فصل ببياض فيشكل الحكم بحيضية الجميع، لما تقدم سابقا من اشتراط تقدم أقل الحيض، فإطلاق المصنف كغيره منزل على ذلك، فتأمل.
و أما ان تجاوز جعلت العادة خاصة مراعية للوقت و العدد مع فرضهما، و إلا كان المضبوط منهما حيضا، و كان ما تقدمها استحاضة لما عرفته سابقا من الإجماع و النصوص(1)إذا لم يعرضها تمييز، بل و إن عارض على الأقوى، كما انك قد عرفت الكلام في صورتي عدم المعارضة، فتأمل جيدا. و كذا الكلام لو رأت في وقت العادة و بعدها من غير فرق بينهما أصلا و نحوه لو رأت قبل العادة و في العادة و بعدها ف (11) انه ان لم يتجاوز العشرة فالجميع حيض (12) لقاعدة الإمكان و غيرها خلافا للمنقول عن أبي حنيفة، فقصره على العادة، و هو ضعيف. و ان زاد على العشرة فالحيض وقت العادة، و الطرفان استحاضة (13) خلافا للمنقول عن الشافعي بناء على قوله بأن أكثر الحيض خمسة عشر، فاعتبر مجاوزتها، و لأبي حنيفة، فجعل العادة و ما بعدها حيضا ان لم يتجاوز مجموعهما العشرة، و لعل وجهه استصحاب الحيضية، و به حينئذ يفرق بين المتقدم و المتأخر عنها، لكنه ينافي ما سبق له آنفا، و لا ريب في ضعفه عندنا لإطلاق الأدلة في الرجوع للعادة.
(الثالثة) لو كانت عادتها في كل شهر مرة واحدة عددا معينا (14) تعين الوقت مع ذلك أم لا فرأت في شهر مرتين بعدد أيام العادة (15) و فصل أقل الطهر كان ذلك
1) 1 الوسائل- الباب- 5- من أبواب الحيض.
ج3،
حيضا من غير ريب، لقاعدة الإمكان، و لقوله (عليه السلام) في
رواية محمد بن مسلم(1): «و ان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة»
و غيرهما، بل و كذا لو جاء في كل مرة أزيد من العادة لكان حيضا لما تقدم إذا لم يتجاوز العشرة، فإن تجاوز تحيضت بقدر عادتها و كان الباقي استحاضة بلا إشكال في جميع ذلك، كما هو المستفاد من كلمات الأصحاب.
و المضطربة العادة الناسية لها وقتا و عددا فلم تحفظ شيئا منهما ترجع الى التمييز بشرائطه المتقدمة فتعمل عليه بلا خلاف أجده لإطلاق أدلته، و لرواية السنن (2)الصريحة في ذلك، سوى ما ينقل عن أبي الصلاح من رجوع المضطربة الى النساء، ثم التمييز، ثم سبعة سبعة، و هو ضعيف، كضعف المنقول عن ابن زهرة من عدم الالتفات إلى شيء من ذلك، بل تتحيض بعشرة بعد الفصل بأقل الطهر، لكن قد يشكل على ظاهر عبارة المصنف و نحوها ممن أطلق بأن المضطربة هي التي اختلف عليها الدم و نسيت عادتها إما عددا أو وقتا أو عددا و وقتا كما نص عليه بعضهم، و يشعر به كلامه الآتي بأن الحكم برجوع الجميع للتمييز لا يستقيم، لأن ذاكرة العدد الناسية للوقت لو عارض تمييزها عدد أيام العادة لم يرجع الى التمييز بناء على ترجيح العادة، و كذا القول في ذاكرة الوقت الناسية للعدد، و ربما اعتذر عن ذلك بأن المراد برجوعها ما إذا طابق تمييزها العادة بدليل ما ذكره من ترجيح العادة، و اعترضه في المدارك بأنه لا يظهر لاعتبار التمييز حينئذ فائدة، قال: و يمكن ان يقال:
باعتبار التمييز في طرف المنسي خاصة أو تخصيص المضطربة بالناسية للوقت و العدد، و لعل هذا أولى، قلت: لكن ينافيه تقسيم المصنف بعد ذلك المضطربة عند فقد التمييز إلى الأقسام الثلاثة.
ج3،
و كيف كان ففذلكة الكلام في جميع صور المستحاضة أن يقال: إنها إما مبتدأة بالمعنى الأعم أي من لم تستقر لها عادة وقتا و لا عددا سواء سبقت بالدم أم لا، و إما ذات عادة فيهما أو في أحدهما، و إما مضطربة ناسية لهما أو لأحدهما، أما الأولى فقد عرفت انها ترجع الى التمييز، و إلا فعادة النساء، و إلا فمخيرة في كل شهر بين سبعة سبعة أو عشرة من شهر و ثلاثة من آخر، و الأحوط لها تقديم العشرة في الدور الأول و أحوط منه الاقتصار على الأول سيما القسم الأول، و أما الثانية و هي ذات العادة فتأخذ عددها في وقتها، و تجعله حيضا إذا لم يعارضها تمييز، بل و إذا عارضها كما تقدم الكلام فيه و في صورتي عدم المعارضة، و ما سواه استحاضة بالنسبة الى كل شهر فما دون ما لم تستقر لها عادة في الطهر إن قلنا به، و إلا اتبعته، هذا مع مطابقة الوقت للعدد، أما إذا لم تر تمام العدد في الوقت كأن تكون عادتها في أول الشهر
عشرة و قد رأت قبله الدم مثلا بعشرة إلى اليوم الخامس و انقطع أخذت ما كان في الوقت، و أكملته بالمتقدم، و كذا إذا كان ابتداء رؤيتها في اليوم الخامس من الشهر ثم استمر فإنه تكمله ببعض المتأخر، و نحوهما ما لو كان رؤيتها جميع الدم خارج الوقت أخذت العدد و ألغت الوقت، فيكون الحاصل انها تراعي الوقت مهما أمكن، و إلا اقتصرت على العدد، أما لو تعارض أخذ تمام العدد و ملاحظة الوقت بمعنى عدم إمكان التلفيق كما لو تخلل بياض فهل تقتصر على حيضية ما في الوقت مع إمكانه و تلغي غيره و ان لم يبلغ تمام العدد، أو أنها تأخذ تمام العدد من غيره و تلغي اعتبار الوقت؟ احتمالان، و منه يعلم اشتراط ما قدمناه من الصور السابقة في التلفيق من السابق أو اللاحق بما أمكن فيه ذلك، فتأمل جيدا فان في المقام صورا متشتتة لا تخفى على من له خبرة بأصول الباب.
هذا كله في الوقتية العددية أما إذا كانت وقتية خاصة فقد ظهر لك انه يجب عليها مراعاة ذلك الوقت مهما أمكن، و قد عرفت سابقا الإشكال في تقديمها على التمييز
ج3،
مع فرض المعارضة، لكن هل تتحيض بالنسبة إلى العدد بالروايات بادئ بدء أو انه بعد فقد عادة النساء؟ لا يبعد الثاني، و هل تتخير في الروايات أو تقتصر على رواية السبع؟ إشكال، بل لعل أصل رجوعها الى الروايات لا يخلو من إشكال، لعدم ظهورها في شمولها، فينبغي فيها حينئذ ملاحظة القواعد، و لعلها تقتضي التحيض بالعشر هنا لقاعدة الإمكان و للاستصحاب، لمكان تيقن حيضيتها بالنسبة إلى أول الوقت و ربما تلحق هذه بمن نسيت العدد و حفظت الوقت، و ستسمع الكلام فيها، هذا كله إذا رأته في الوقت، أما إذا رأته خارج الوقت فيحتمل قويا رجوعها للمبتدأة في المراتب كلها، فليتأمل.
و أما إذا كانت العادة عددية خاصة فلا إشكال في تبعيتها عددها، لتناول أخبار ذات العادة لها، و هل تلتزم وضعه في الجامع للتمييز مع موافقته لتمام العدد، بل و مع عدمها فتكمل من غيره مع النقصان، أو تنقص مع الزيادة و ان لم يتجاوز العشر بناء على ترجيح العادة عليه في مثل ذلك أيضا كما تقدم، أو لا؟ لا يبعد الأول للجمع بين الأدلة، و لعله الظاهر من رواية إسحاق بن جرير(1)الواردة في التمييز، كما انه لا يبعد وضعه في أول الدم مع عدم التمييز على ما تقدم منا سابقا في التحيض بعدد الروايات.
و أما المضطربة فهي التي ذكرها المصنف هنا، و قد عرفت ما في إطلاقه الرجوع الى التمييز في جميع صورها، كإطلاقه التربص ثلاثة أيام، فقال و لا تترك الصلاة إلا بعد مضي ثلاثة أيام على الأظهر لعدم تماميته في الضابطة للوقت الناسية للعدد إذ هي تتحيض برؤية الدم فيه قطعا، نعم هو متجه بالنسبة لناسيتهما معا أو ناسية الوقت خاصة، بل قد عرفت ان الأقوى مساواتها للمبتدأة في التفصيل بين الجامع للصفات و عدمه، و ربما فرق بعضهم بينهما فاحتاط في المبتدأة بالثلاثة، و جعل المدار هنا على الظن،
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب الحيض- حديث 3.
ج3،
مستدلا برواية
إسحاق بن عمار(1)عن الصادق (عليه السلام) «في المرأة ترى الصفرة ان كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض»
بتقرير ان الحكم بذلك انما هو لمكان الظن من جهة التقدم باليومين، و فيه ان قوله (عليه السلام): (قبل الحيض) ينافي ما نحن فيه من المضطربة، نعم هو دال على حكم المعتادة مع التقدم باليومين، فتأمل.
و كيف كان فان فقدت التمييز فلا رجوع إلى عادة نساء أو أقران لعدم الدليل، بل هو على العدم موجود، و لذا قال
فهنا مسائل ثلاث:
(الأولى) لو ذكرت العدد تاما و نسيت الوقت فلم تذكر شيئا منه و كان العدد المذكور ضالا في جملة عدد لا يزيد ذلك المذكور على نصف ما وقع الضلال فيه، بل هو إما يساويه أو يقصر عنه كالخمسة أو الأربعة في ضمن العشرة قيل كما في المبسوط و الإرشاد و الحدائق بالاحتياط، و هو بأن تعمل في الزمان كله ما تعمله المستحاضة، و تغتسل للحيض في كل وقت يحتمل انقطاع دم الحيض فيه، و تقضي بعد ذلك صوم عادتها لعدم تشخيصها الحيض في وقت خاص مع أدلة الاحتياط، و قيل و هو المشهور كما في الحدائق، و مذهب الأكثر كما في المدارك انها تتخير في وضع عددها في أي وقت شاءت من الشهر، و اختاره في المختلف و القواعد و المسالك و غيرها و في الذكرى و البيان اشتراط ذلك بعدم الامارة المفيدة للظن بموضع خاص، و في الذخيرة انه لو قيل بجلوسها في الشهر الأول من أول الدم مقدار حيضها ثم انها تجري الأحكام في باقي الشهور لم يكن بعيدا من الصواب، و من العجيب ما في الخلاف «من ان ناسية الوقت أو العدد تترك الصلاة و الصوم في كل شهر سبعة أيام، و تغتسل و تصلي الباقي و تصوم فيما بعد
1) 1 الوسائل- الباب- 4- من أبواب الحيض- حديث 2 و هو خبر إسحاق ابن عمار عن أبي بصير عن الصادق عليه السلام كما تقدم تفصيله في الصحيفة 297.
ج3،
و لا قضاء عليها- الى ان قال-: دليلنا إجماع الفرقة» قلت: لا ينبغي التوقف في رجوعها الى عددها في كل شهر، لما في التكليف بالاحتياط من العسر و الحرج المنفيين بالآية(1)و الرواية (2)بل قد يقطع بعدمه إذا لوحظ خلو الأخبار عنه، مع اشتمالها على خلاف ذلك في التي هي أسوء حالا منها كالناسية للوقت و العدد على ما صرح به في مرسلة يونس الطويلة، بل قد يدعى شمول بعض ما فيها ك
قوله (عليه السلام)(3):
«تجلس قدر أقرائها و أيامها»
و نحو ذلك لمثلها كالأخبار المستفيضة(4)الآمرة بالجلوس أيام الحيض و قدر الأقراء، و دعوى كون المراد منها معلومة الوقت ممنوعة، و ان كان ربما يظهر من ملاحظة مرسلة يونس الطويلة، فإنه لا إشكال عندهم في الحكم لمستقرة العادة عددا فقط، بل في الرياض دعوى الإجماع عليه، و احتمال الفرق بينهما بالنسيان فيما نحن فيه و عدم الاستقرار في تلك ضعيف، مع أنا لو أعرضنا عن ذلك كله كان في اقتضاء القواعد العمل بالاحتياط- بأن تكلف أحكام الحائض من ترك اللبث و نحوه سيما الأحكام المتعلقة بالزوج كالوطء و نحوه- نظر و تأمل. نعم قد يقال: بوجوب أغسال المستحاضة عليها حينئذ خاصة حتى يمضي الشهر، فإذا مضى قضت صوم عادتها خاصة، فتأمل جيدا.
و كيف كان فلا ريب ان الأقوى ما ذكرنا، نعم لا يبعد إيجاب وضع العدد عليها في أول الدم مع عدم التمييز كما قلناه في السابقة وفاقا لكاشف اللثام، و لعله المنساق من التدبر في الأخبار بعد فرض شمولها لها، و لاستلزام التخيير لها في ذلك أحكاما
ج3،
كثيرة لم يدل على شيء منها الأخبار، بل لعلها تدل على عدم بعضها، منها نقض ما تحيضت به في نفس العشرة و غيره، نعم لو جاءها في الأثناء تمييز انكشف فساد حكمها الأول مع احتمال عدمه إذا كان بعد مضي العشرة كما ذكرناه في المبتدأة سابقا، فليتأمل جيدا فان كلام الأصحاب غير منقح كما أشرنا إلى بعضه فيما تقدم، هذا كله مع فرض كون العدد المحفوظ ناقصا عن نصف ما وقع الضلال فيه أو مساويا، أما إذا كان زائدا فهو مثل الأول أيضا بالنسبة إلى الاحتياط و عدمه في كل ما لم يتيقن فيه الحيضية أو عدمها، نعم يفرق بينهما بأنه لا بد و أن يحصل اليقين بشيء من الحيض، و هو ما زاد به على النصف و ضعفه و لو كسرا دون الأولى، و هي قاعدة مطردة، فلو أضلت أربعة أو خمسة في ضمن عشرة فلا يقين، أما لو أضلت ستة في ضمن عشرة فالخامس و السادس يقين حيض، أو سبعة في ضمنها فالرابع و الخامس و السادس و السابع يقين حيض، و هكذا من غير فرق بينما كان الزائد يوما أو كسرا، فلو أضلت خمسة في ضمن تسعة كان الخامس يقين حيض، و نحو ذلك ما لو قالت حيضي عشرة و الثاني عشر حيض بيقين، فما وقع الضلال فيه حينئذ تسعة عشر يوما من الشهر، للقطع بطهرية اليومين الأولين و التسعة الأخيرة، فالعشرة زائدة على النصف بنصف يوم، فيوم كامل حينئذ حيض، و هو الثاني عشر.
و من هنا يعلم مسائل الامتزاج المسماة بالخلط عند العامة، منها لو قالت حيضي ستة و كنت أمزج أحد نصفي الشهر بالآخر بيوم فهذه أضلت ستة في العشرة الأواسط فلها يومان يقين حيض، و هما الخامس عشر و السادس عشر، و العشرة الأولى طهر بيقين، و لو قالت لي في كل شهر حيضتان كل واحدة ثمانية فلا بد بينهما من الطهر، فالمضلة ما عدا ستة أيام من الثالث الى الثامن، لأنه لا يمكن تأخير الحيض الأول
ج3،
عن أول اليوم الخامس، و لا تأخير مبتدأ الحيض الثاني عن الثالث و العشرين، و المتيقن في الحيضة الأولى من أول الخامس الى آخر الثامن و في الثانية من الثالث و العشرين الى السادس و العشرين، و المتيقن من الطهر من أول الثالث عشر الى آخر الثامن عشر، و الضال من الحيض ثمانية من كل واحدة أربعة، و قد ترجع هذه إلى القاعدة المتقدمة أيضا عند التأمل، و ذلك لأنها تؤول إلى أنها أضلت ثمانية في اثني عشر، فيزيد على النصف بيومين، فهما و ضعفهما حيض، و هو من أول الخامس الى آخر الثامن، فتأمل جيدا. و لو قالت كان حيضي عشرة و كنت أمزج شهرا بشهر أي كنت آخر الشهر و أول ما بعده حائضا فالمتيقن من الحيض لحظة من آخر كل شهر و لحظة من أوله، و المتيقن من الطهر، اللحظة الأخيرة من اليوم العاشر إلى أول لحظة من اليوم الحادي و العشرين، فتضل العشرة في عشرين يوما تنقص لحظتين، و هي ما بين اللحظة من أول الشهر و اللحظة من آخر العاشر و ما بين اللحظة من أول ليلة الحادي و العشرين و اللحظة من آخر شهر، فتزيد عن نصفها بلحظة، فلحظتان باقيتان، الى غير ذلك من مسائل الامتزاج، و لقد أكثر منها الأصحاب (رضوان الله عليهم) سيما الشيخ في المبسوط من أرادها فليراجعها، و من المعلوم انه في جميع ما ذكرنا يختلف الحال بالنسبة إلى الاحتياط و عدمه، فإنه قد يبلغ في اليوم الواحد ثمانية أغسال مع عدم التداخل، لاحتمال انقطاع الحيض ما لم تكن عالمة بوقت مخصوص لانقطاعه كالطهر مثلا و بناء على التخيير تكون مخيرة بين إكمال ما علمته من السابق أو اللاحق أو مع التلفيق مع الإمكان، كما انه بناء على المختار يتعين عليها الإكمال من السابق مع الإمكان أيضا.
المسألة (الثانية) لو ذكرت الوقت و نسيت العدد ف فيها صور أربع:
(الأولى) ان ذكرت أول حيضها أكملته ثلاثة لتيقن كونها حيضا و يبقى الزائد إلى تمام العشرة مشكوكا فيه ما لم تعلم انتفاء بعضها، فيحتمل حينئذ اقتصارها على الثلاثة فقط، و تعمل
ج3،
فيما عداها عمل الاستحاضة لأصالة شغل ذمتها بالعبادة، و اختاره في البيان و عن المعتبر، و استحسنه في المدارك كما انه احتمله في الذكرى، و لعله الظاهر من موضع من المبسوط و ابن حمزة في الوسيلة، و يحتمل رجوعها الى الروايات إما بأخذ السبعة تعيينا كما هو ظاهر الشيخ في الخلاف مدعيا عليه الإجماع، أو التخيير بين السبعة و
الستة أو ثلاثة من شهر و عشرة من آخر، و اختاره الشهيد الثاني و غيره من بعض متأخري المتأخرين، لصدق النسيان الموجب للحكم في حديث السنن(1)و يحتمل القول بالاحتياط بأن تجمع بين عمل الاستحاضة و انقطاع الحيض، فقد يجتمع حينئذ عليها مع كثرة الدم و عدم التداخل ثمانية أغسال، و هو ظاهر ابن سعيد في الجامع و العلامة في التذكرة، بل نقل عنه في جملة من كتبه، كما انه نقل عن الشيخ في المبسوط و في الذكرى ان الاحتياط في هذه و نظائرها مشهور، قلت: لكن ينبغي لها حينئذ تقديم غسل الحيض لوجوب المبادرة إلى الصلاة بعد غسل الاستحاضة، و يحتمل تحيضها بالعشرة في كل شهر ما لم تعلم انتفاء بعضها، و إلا فبالممكن منها، لاستصحاب الحيض و قاعدة الإمكان و غيرها مع عدم اطراد العمل بالروايات لها في كل وقت كما ستسمع، و هو لا يخلو من قوة.
(الثانية) ان تذكر اليوم الذي هو آخره، و هي التي أشار إليها المصنف بقوله:
فان ذكرت آخره جعلته نهاية الثلاثة إذ هي حيض قطعا و عملت في بقية الزمان السابق و اللاحق ما تعمله المستحاضة أما اللاحق فلأنه طهر قطعا، و أما السابق فكذلك عدا المكمل للعشرة منه، و أما فيها فللاحتياط أو للحكم باستحاضة ما عدا الثلاثة، و لم تظهر ثمرة هنا بين هذين القولين بالنسبة إلى الأغسال، لعدم احتمال انقطاع الحيض فيما مضى لمكان حفظ الآخر، فقول المصنف و تغتسل للحيض في كل زمان يفرض فيه الانقطاع انما يتجه بالنسبة لليوم الآخر ان لم تعلم وقت الانقطاع فيه
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب الحيض- حديث 4.
ج3،
بالخصوص، نعم تظهر الثمرة بالنسبة إلى باقي الأمور ان قلنا بدخولها على القول بالاحتياط كترك اللبث في المساجد و نحوها. و في انها تقضي صوم عشرة أيام احتياطا ما لم يقصر الوقت الذي عرفته عن العشرة على القول بالاحتياط، و أما بناء على التحيض بالثلاث فلا، و كذا على القول بأن تحيضها بإكمال ما علمته من الحيض بالروايات على الاختلاف المتقدم، إلا إذا اختارت التحيض بالعشر، فإنها يجب حينئذ عليها قضاء ذلك في وقت الطهر، لكن تظهر الثمرة حينئذ بينه و بين السابق بأمور أخر كثيرة جدا.
و يظهر لك وجه الجميع مما تقدم كما انه يظهر أيضا وجه التحيض بالعشر أيضا، و قد عرفت سابقا أن الأقوى الرجوع الى الروايات، لكن قد يشكل بما لو علمت انتفاء مضامينهن من السبع أو العشر، و احتمال قصرها حينئذ على رواية الثلاثة فيه أنها أي الثلاثة انما تصح إذا صح التحيض بالعشر في الشهر الآخر، نعم يتجه حينئذ إما القول بالاحتياط أو بحيضية الثلاثة فقط لا من جهة الأخبار أو الحكم بحيضية ما أمكن فقط.
الصورة (الثالثة) ان تعلم اليوم الذي هو وسط الحيض، فان علمته انه وسط بمعنى انه محفوف بمثليه كما تقدم في الوسط في الكفارة فهي معلومة الحيض حينئذ من غير فرق بين أن يكون المذكور يوما أو أزيد، و ان علمت بأنه وسط بمعنى كونه محفوفا بمتساويين فهو مع سابقه و لاحقه يقين حيض، و ما عداها مشكوك فيه يجري فيها ما تقدم، منها الإكمال بالروايات، قيل لكن ينبغي هنا حينئذ اختيار السبعة أو الثلاثة ليوافق الوسطية المحفوظة، و فيه ان اختيارها الثلاثة في شهر يوجب عليها العشرة في آخر، مع أنه قد يكون المحفوظ وسطا لا يوافق شيئا من الروايات، كما إذا انضم الى اليوم بعض الكسور، فلعل ذلك مما يؤيد ما تقدم سابقا من ان المتجه لها هنا و فيما تقدم التحيض بما أمكن، بناء على قاعدة الإمكان مراعية لحفظ الوسطية المتقدمة و ان استلزم تكسيرا، و يؤيده زيادة على ما تقدم انه قد يكون المحفوظ من عادتها مما لا يطابق شيئا
ج3،
من الروايات، كما لو علمت انها لا تزيد على التسعة و لا تنقص عن الثمانية، أو لا تزيد عن الخمسة و لا تنقص عن الأربعة، أو مع انضمام بعض الكسور في العادة و نحو ذلك، و في الرياض «انها ان علمت وسطه المحفوف بمتساويين و انه يوم حفته بيومين و اختارت السبع لتطابق الوسطية، و يومان حفتهما بمثلهما، فتيقنت أربعة و اختارت هنا الستة، مع احتمال الثمانية بل و العشرة بناء على تعين السبعة و إمكان كون الثامن و العاشر حيضا، فتجعل قبل المتيقن يوما أو يومين أو ثلاثة و بعده كذلك» انتهى. و كأنه لا يرجع الى محصل إلا أن يريد ما ذكرنا، و أما إن علمت أنه وسط بمعنى أنه في أثناء الحيض تحيضت به و بما علمته من سابقه و لاحقه، و جرى في الزائد ما تقدم، هذا إن لم تكن حافظة معه شيئا يحصل به العلم بتمام حيضها، كما إذا قالت اني كنت ثاني الشهر حائضا و رابعه طاهرة، فإن ذلك يعلم به ان حيضها الثلاثة فقط.
كالأولية و الآخرية و الوسطية جعلته حيضا و جرى ما تقدم من الوجوه في غيره فتأمل جيدا.
المسألة (الثالثة) لو نسيتهما جميعا أي الوقت و العدد فلم تحفظ شيئا منهما فهذه تتحيض في كل شهر مع عدم ثبوت عادة لها في طهرها ان قلنا بذلك بسبعة أيام أو ستة أو عشرة في شهر و ثلاثة من آخر ما دام الاشتباه باقيا على الأصح كما تقدم البحث فيه سابقا في المبتدأة، و في المدارك و المسالك ان رجوعها الى الروايات هو المعروف من المذهب، بل في الأول انه ادعى في الخلاف الإجماع عليه، و في الذكرى ان ظاهر الأصحاب العمل بالروايات، قلت: و فيها أقوال أخر قد أشرنا إلى بعضها فيما سبق، لكن أكثرها مشتركة في الضعف سيما القول بالرد الى أسوء الاحتمالات، و هو فرض الحيض بالنسبة الى ما يحرم في حاله أو يجب عدا الصوم و الصلاة و فرض الاستحاضة بالنسبة الى كل ما يجب عليها عند انقطاعه، إذ هو- مع ما فيه من
ج3،
العسر و الحرج و منافاته لما تقتضيه حكمة الباري تعالى و ندرة القائل بل في البيان انه ليس قولا لنا، و يؤيده ما عن المنتهى من نسبته إلى الشافعي- ان فيه طرحا للمرسل المعمول به بين الأصحاب مع كثرة الشواهد منه و من غيره على صحة مضمونه، و قد تقدم الكلام فيه سابقا، و ما في الذخيرة من عدم دلالته على المضطربة غفلة عن ملاحظة آخره، نعم لا يبعد الاقتصار في العمل عليه خاصة بالنسبة إلى المضطربة، فتختص حينئذ بالفرد الأول من فردي التخيير، بل بالسبعة منه، لما عرفت سابقا من عدم وضوح دليل على ثبوت الفرد الآخر أي العشرة من شهر و ثلاثة من آخر في غير المبتدأة إلا انه قد تقدم منا سابقا ما يحصل منه الظن بالمساواة سيما مع ملاحظة ما سمعته الآن من الشهيدين و صاحب المدارك ان أرادوا بالروايات في كلامهم ما يشمل الروايتين لا جنس الرواية في مقابلة القول بالرد الى أسوء الاحتمالات و ان كان هذا أظهر في كلامهم، لعدم عثورنا على الإجماع الذي نقله في المدارك عن الخلاف على غير مضمون المرسل، و ظاهر الشهيد الأول العمل عليه خاصة، فتأمل لكن لا بأس بالعمل بالاحتياط مع إمكانه، و هو يحصل بثمانية أمور أو باثني عشر تستخرج بالتأمل و ان كان بعضها متعلقا بالزوج، فتأمل هذا.
و ليعلم ان المهم في جميع هذه الصور المتقدمة تنقيح ما تقتضيه القواعد العامة حتى يرجع إليها عند الشك في كثير من الصور في شمول الأدلة لها، قد أشرنا إلى جملة منها سابقا، و لعل المتجه في كل ما لا يتأتى فيه استصحاب الحيضية أو قاعدة الإمكان بعد البناء عليها بشرط عدم معارضتها بجريان مثلها في باقي الدم البناء على الطهارة في نفس الشهر، ثم قضاء متيقن الحيض بعده في متيقن الطهر، لا الاحتياط، لعدم الدليل على وجوبه هنا، و باب المقدمة يشكل جريانه في مثل الزمان الذي ينقضي تدريجا، و الرجوع الى متيقن الحيض خاصة في نفس الشهر يحتاج الى دليل بالنسبة إلى تعيينه في
ج3،
خصوص أيام ذلك الشهر، فتأمل جيدا جدا.
و إذ قد فرغ المصنف من بيان أقسام المستحاضة شرع في بيان أحكامها، فقال:
و أما أحكامها فنقول ان لدم الاستحاضة مراتب ثلاثة على المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا شهرة كادت تكون إجماعا، و المستفاد من ملاحظة مجموع الأخبار كما ستسمعها في مطاوي المبحث صغرى و وسطى و كبرى، فما عن ابن أبي عقيل من إنكار القسم الأول فلم يوجب له وضوءا و لا غسلا ضعيف نادر، بل في جامع المقاصد ان إجماع الأصحاب بعده على خلافه، كضعف ما ينقل عنه أيضا و عن ابن الجنيد و عن الفاضلين في المعتبر و المنتهى من إدخال الثانية في الثالثة، فأوجبوا تعدد الأغسال فيها كما سيظهر لك ذلك كله إن شاء الله، نعم في كثير من الأخبار قصور عن إفادتها تماما، لكنه صريح المنقول عن الفقه الرضوي(1)و يقرب منه
خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله(2)المنقول عن حج التهذيب، قال فيه: «و لتستدخل كرسفا، فإذا ظهر على الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلي، فإن كان دما سائلا فلتؤخر الصلاة الى الصلاة، ثم تصلي صلاتين بغسل واحد» الخبر،
و لا فرق فيما ذكرنا من المراتب الثلاثة بين الدم و الصفرة، فما يظهر من جملة من الأخبار(3)ان ليس للصفرة إلا الوضوء، بل كاد يكون صريح موثقة سماعة(4)محمول على القليلة، إذا الغالب كما قيل انه متى كانت صفرة تكون قليلة بخلاف الدم، و إلا كانت مطرحة للإجماع بحسب الظاهر على عدم الفرق، فتأمل.
ثم انه صرح جماعة من الأصحاب بوجوب اعتبار الدم عليها و معرفته على أي
ج3،
حال، و كأنه لمكان العلم بالحدث إجمالا و إمكان تعرفه من أي الأحداث مع اختلاف الأحكام، و للأمر بالاعتبار في بعض الأخبار(1)لكن ينبغي القطع بعدم إرادتهم انها ان لم تعتبر حالها بطلت صلاتها، و لو كان ما فعلته موافقا للواقع مشتملا على نية التقرب، لعدم وضوح دليل عليه، كما انه يشكل دعوى وجوب التعرف عليها حتى لو أرادت العمل بأسوء الاحتمالات، و يشكل أيضا دعوى الوجوب عليها لو كان معها استصحاب يشخص حالها، كما لو اختبرت حالها قبل الوقت فكانت صغيرة كل ذلك مع إمكانها التعرف و الاعتبار، أما مع تعذره إما لعمى مع فقد المرشد و لو بالاستيجار و نحوه فلا إشكال في سقوط ذلك عنها مع عدم سقوط الصلاة، لكن هل لها الأخذ بالمتيقن من وجوب الوضوء و نفي الزائد بالأصل أو انها يتعين عليها الأخذ بأسوء الاحتمالات تحقيقا للفراغ اليقيني؟ وجهان، أقواهما الثاني.
و كيف كان فلا إشكال في ثبوت ما ذكرناه من المراتب الثلاثة، لأن دم الاستحاضة إما ان لا يثقب الكرسف أو يثقبه و لا يسيل أو يسيل كما في الفقيه و الخلاف و السرائر و الدروس و غيرها، و لعله يرجع الى ذلك ما في عبارات البعض من التعبير عن الأولى بعدم الظهور أو الرشيح، و الثانية بالظهور عليه من الجانب الآخر أو الرشح، مع عدم السيلان على إشكال بالنسبة إلى الرشح، نعم قد تظهر المخالفة في مثل التعبير عن الأول بعدم الغمس، و عن الثانية بالغمس مع عدم السيلان كما في القواعد و اللمعة و عن غيرها، لكون الثقب أعم من الانغماس، فنقيضه أخص من نقيضه، فيدخل حينئذ في الصغرى بعض أفراد الوسطى، لكنه قطع في جامع المقاصد ان مراد الجميع واحد، و ان المراد بالثقب و الظهور استيعاب ظاهر القطنة و باطنها، فيكون معنى الانغماس حينئذ و نحوه ما في المسالك و قد يؤيده تعبير بعضهم عن الصغرى بعدم
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة.
ج3،
الثقب، و عن الوسطى بالغمس مع عدم السيلان، و لعل التعبير بما في الكتاب أولى، لأنه الموافق ل
خبر عمار(1)عن الصادق (عليه السلام) «و ان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت و دخلت المسجد»
و
خبر زرارة(2)«و تصلي كل صلاة بوضوء ما لم ينفذ الدم فإذا نفذ اغتسلت»
و غيرهما(3)و دعوى اقتضاء النفوذ الاستيعاب لكونه مأخوذا من نفذ السهم من الرمية إذا خرقها ممنوع، مع عدم دلالة ما ذكر من التعليل عليه، نعم لو أمكن دعوى إرادة الجميع معنى واحدا بحمل الغمس على ما يشمل الثقب و ان لم يستوعب تمام الكرسف لكان متجها إلا أنه بعيد، و المراد بالكرسف القطن كما نص عليه في القاموس و غيره من الأصحاب، فهو حينئذ ك قول أبي الحسن (عليه السلام)(4)و
أبي عبد الله (عليه السلام)(5): (و تستدخل قطنة)
إلا انه قد يلحق به ما كان مثله مما لا يمنع صلابته أو صلابة جزء منه نفوذ الدم، و من هنا قيد بعضهم القطنة بكونها مندوفة، و ان كان في استفادة مثل هذا القيد من النصوص تأمل.
ثم انه من المعلوم ان ذلك انما هو عند الاختبار لحالها، و إلا فهي حيث ينكشف حالها لا إشكال في جواز احتشائها بغير القطن، كما انه لا ينبغي الإشكال في الاجتزاء بالتقدير مع عدم القطنة، بمعنى تقدير انه لو كان المحتشى به قطنا لثقبه الدم مثلا، و لم نقف في شيء من الفتاوى على تقدير زمان إبقاء القطنة أو مقدارها، و لعل الثاني مستغنى عنه لاحالته على المتعارف، و أما الأول فالذي يظهر من ملاحظة أخبار الباب أنها لا تقدير له، بل تبقى محتشية به حتى تنتقل من حالة الى أخرى ان كانت،
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 1 و هو خبر معاوية ابن عمار كما ينقله قدس سره عنه قريبا.
2) 2 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 9.
3) 3 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 7.
4) 4 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 3.
5) 5 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الحيض- حديث 2.
ج3،
أو تغيرها عند كل صلاة كما ستسمع.
و كيف كان ف في الأول و هي المسماة بالصغرى عندهم يلزمها تغيير القطنة و تجديد الوضوء عند كل صلاة أما الأول فقد نص عليه في الناصريات و الغنية و المنتهى و التذكرة و الإرشاد و المعتبر و النافع و الجامع و السرائر و التحرير و الذكرى و اللمعة و الدروس و جامع المقاصد و الروض و غيرها، و هو المشهور نقلا و تحصيلا، بل في صدر عبارة الأول ظاهر الإجماع، بل قد يدخل تحت صريح الإجماع في عجزها كالثاني أيضا، و في الثالث نفي الخلاف عنه، و في الرابع يجب تغيير القطنة و الوضوء لكل صلاة ذهب إليه علماؤنا، و في مجمع البرهان كأنه إجماعي، و يدل عليه- مضافا الى ذلك و الى عدم ثبوت العفو عن قليل هذا الدم و كثيره، بل عن الغنية دعوى الإجماع على إلحاق دم الاستحاضة و النفاس بالحيض في عدم العفو كما عن السرائر نفي الخلاف عن ذلك- بعض الأخبار المعتبرة(1)الدالة على وجوب التغيير في الوسطى و الكبرى مع عدم تعقل الفرق، بل قال بعضهم: انه لا قائل بالفرق، و في الرياض انه يتم بالإجماع المركب، منها
قول أبي الحسن (عليه السلام) في خبر صفوان بن يحيى(2): «هذه مستحاضة تغتسل و تستدخل قطنة بعد قطنة، و تجمع بين صلاتين بغسل، و يأتيها زوجها».
فما وقع من بعض متأخري المتأخرين من الإشكال في هذا الحكم لعدم الدليل على بطلان الصلاة بحمل النجاسة مطلقا، مع أنها مما لا تتم الصلاة بها منفردة و كون النجاسة ملحقة بالبواطن لا يلفت إليه في مقابلة ما تقدم، نعم قد يناقش فيه ب
قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر الجعفي(3): «و ان هي لم تر طهرا اغتسلت و احتشت
ج3،
فلتصل بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف، فإذا ظهر أعادت الغسل و أعادت الكرسف»
و ب
خبر الحلبي(1)عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): سئل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن المرأة تستحاض فأمرها أن تمكث أيام حيضها لا تصلي فيها، ثم تغتسل و تستدخل قطنة و تستثفر بثوب ثم تصلي حتى يخرج الدم من وراء الثوب»
و ب
قول أبي عبد الله (عليه السلام) في صحيح الصحاف(2)في حديث حيض الحامل الى أن قال: «فلتغتسل ثم تحتشي و تستذفر و تصلي الظهر و العصر ثم لتنظر، فان كان الدم فيما بينها و بين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ و لتصل عند وقت كل صلاة ما لم تطرح الكرسف، فان طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليه الغسل، و ان طرحت الكرسف و لم يسل الدم فلتوضأ و لتصل و لا غسل عليها، قال: و ان كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقى فان عليها ان تغتسل في كل يوم و ليلة ثلاث مرات، و تحتشي و تصلي و تغتسل للفجر و تغتسل للظهر و العصر و تغتسل للمغرب و العشاء الآخرة»
الحديث. و ب
قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن أبي يعقوب(3): «المستحاضة إذا مضت أيام أقرائها اغتسلت و احتشت كرسفا و تنظر، فان ظهر على الكرسف زادت كرسفا و توضأت»
و بمفهوم
قوله (عليه السلام) أيضا في خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله(4)المروي عن حج التهذيب: «فإذا ظهر على الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلي»
الى غير ذلك مما يشعر به إطلاق بعضها أيضا، كل ذا مع ما في
ج3،
وجوب الإبدال في نحوها من المشقة مع عدم ظهور فائدة لذلك، إذ بوضع الجديدة تتنجس كنجاستها، فمن ذلك كان القول بعدم الوجوب لا يخلو من قوة، و لعله لذا لم يذكره الصدوقان و القاضي على ما قيل، فتأمل.
و منه يظهر انه ينبغي القطع بعدم وجوب تغيير الخرقة كما هو ظاهر المصنف و غيره و صريح جماعة خلافا للمقنعة و المبسوط و السرائر و الجامع و غيرها، بل نسبه في كشف اللثام إلى الأكثر لما عرفته من عدم وصول الدم في القليلة إليها، مع أصالة البراءة و خلو الأخبار عنه، لكن قد يقطع بعدم إرادة الوجوب التعبدي حتى لو لم تتنجس الخرقة، فينزل حينئذ على اتفاق وصول النجاسة إليها و لو على بعض ما تقدم من التفسير للقليلة مما لا ينافي وصول الدم إلى الخرقة، فحينئذ يتجه وجوب الإبدال أو الغسل ان لم نقل بالعفو عن مثل ذلك، فتأمل جيدا. كما انه يتجه القول بوجوب غسل ما تنجس من ظاهر الفرج و ان كان قليلا، بناء على عدم العفو عنه، و لعل عدم تعرض المصنف له للإحالة على وجوب إزالة النجاسة عن البدن، لكنه نص عليه هنا المفيد في المقنعة و الشهيدان في البيان و المسالك و الروضة و المحقق الثاني في جامع المقاصد و الأردبيلي في مجمع البرهان، بل في الأخير انه كأنه إجماعي، و لعل مقصود الجميع ما ذكرنا، و المراد بظاهر الفرج هو ما يبدو منه عند الجلوس على القدمين كما في المسالك و شرح المفاتيح.
و أما تجديد الوضوء لكل صلاة أو فريضة فهو المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا بل في الناصريات و الخلاف و الغنية الإجماع عليه، و في المعتبر نسبته إلى الخمسة و أتباعهم، و في جامع المقاصد ان الإجماع بعد ابني أبي عقيل و الجنيد على خلافهما، و في التذكرة نسبته إلى علمائنا، قلت: و لعله كذلك، إذ لم أجد فيه خلافا سوى ما ينقل عن العماني من عدم إيجابه وضوءا و لا غسلا، مع ان المنقول من عبارته محتمل لإرادة عدم الإيجاب عند عدم رؤية شيء، و ما عن ابن الجنيد من إيجابه الغسل في كل يوم بليلته،
ج3،
و أما ما نقله في المسالك عن المفيد من الاجتزاء بالوضوء الواحد للفرضين فالظاهر انه اشتباه كما لا يخفى على من لاحظ المقنعة، فانحصر الخلاف في القولين، و هما نادران ضعيفان محجوجان بما تقدم، و ب
قول الباقر (عليه السلام) في موثق زرارة(1): «عن الطامث تقعد بعدد أيامها كيف تصنع، قال: تستظهر بيوم أو يومين ثم هي مستحاضة، فلتغتسل و تستوثق من نفسها، و تصلي كل صلاة بوضوء ما لم ينفذ الدم، فإذا نفذ اغتسلت و صلّت»
و ب
قول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمار(2)«المستحاضة تنظر أيامها- الى ان قال-: و ان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت و دخلت المسجد و صلّت كل صلاة بوضوء»
الخبر. الى غير ذلك من الأخبار(3)التي قد تقدم بعضها كصحيح الصحاف على أحد الوجهين فيه و غيره، و الأخبار(4)الكثيرة الآمرة بالوضوء في الصفرة الشاملة لنحو المقام، بل قد عرفت سابقا ان الغالب كما قيل فيها ان تكون قليلة، بل كاد بعضها يكون صريحا في ذلك هنا لاشتمالها على نفي الغسل.
و بذلك كله يسقط ما عساه يستدل به للأول من الأصل و من حصر موجبات الوضوء و نواقضه في بعض الأخبار في غيرها، و من مفهوم
قوله (عليه السلام) في خبر ابن أبي يعفور(5): «المستحاضة إذا مضت أيام أقرائها اغتسلت و احتشت كرسفا و تنظر، فان ظهر على الكرسف زادت كرسفها و توضأت و صلّت»
مع احتمال أن يراد بالظهور على باطن القطنة، فيكون نصا فيما نحن فيه، و إلا فهو لا يوافق ما نقل عنه من إيجابه الأغسال الثلاثة عند ظهور الدم على الكرسف.
ج3،
و قد يستدل له أيضا ب
قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان(1): «المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر و تصلي الظهر و العصر، ثم تغتسل عند المغرب فتصلي المغرب و العشاء، ثم تغتسل عند الصبح»
من حيث ترك التعرض لما يوجب الوضوء منها مع انه في مقام البيان، فدل على عدمه، و فيه ان ذلك لا ينافي الثبوت بغيره من الأخبار، و لو قرر الاستدلال به له بغير ذلك بل بتعليق الحكم بالاغتسال على طبيعة المستحاضة لكان الجواب عنه انه محمول على غيره من الأخبار، إذ هو لا يوافق بظاهره المنقول عنه من عدم إيجابه في تلك الحالة شيئا، فيجب حينئذ تقييده بغير القليلة قطعا، نعم هو موافق لما احتمله من عبارته في كشف اللثام من إيجابه الأغسال الثلاثة في جميع الأحوال، و كيف كان فلا إشكال في ضعفه و إن أمكن الاستشهاد له بإطلاق بعض الأخبار(2)لكنها منزلة على المختار قطعا، كضعف ما سمعته عن ابن الجنيد، و ان أمكن الاستشهاد له أيضا ب
مضمرة سماعة(3)«المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين و للفجر غسلا، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة و الوضوء لكل صلاة»
مع عدم صراحته فيه، بل هو ممكن التنزيل على المتوسطة كما ستسمعه فيما يأتي ان شاء الله.
ثم ان ظاهر المصنف بل كاد يكون صريحه لقوله و لا تجمع بين صلاتين بوضوء واحد مؤكدا لما سبق من عبارته عدم الفرق في ذلك بين الفرض و النفل، فكما لا يجوز جمع فرضين بوضوء كذلك الفريضة و النفل، بل هو ظاهر معقد الشهرات و الإجماعات المتقدمة عدا الخلاف، لتقييده عدم جواز الجمع بالوضوء الواحد للفرضين، بخلاف غيره فأوجب الوضوء لكل صلاة من غير تقييد، و به صرح في المعتبر و المنتهى
ج3،
و جامع المقاصد و التذكرة، بل في الأخير لا تجمع المستحاضة بين صلاتين في وضوء واحد عند علمائنا، سواء كانا فرضين أو نفلين، و يدل عليه- مضافا الى ذلك و الى أنها مستمرة الحدث، فيقتصر على مقدار الضرورة المتيقن استباحتها له، و هو الفرض الواحد- الموثق(1)و الصحيح(2)المتقدمان
(تصلي كل صلاة بوضوء)
لكن قال في المبسوط: انه إذا توضأت المستحاضة للفرض جاز أن تصلي معه ما شاءت من النوافل و تبعه في المهذب، و ربما كان قضية من لم يوجب معاقبة الصلاة للوضوء كالعلامة في المختلف و تبعه العلامة الطباطبائي في مصابيحه، و هو- مع مخالفته لما سمعت- لا دليل عليه سوى بعض إطلاقات في الأمر بالوضوء لا تصلح لمعارضة ما تقدم، مع انه لا يقول بمقتضاها بالنسبة للفرضين، اللهم إلا أن يفرق فيدعي دخول نوافل كل فرض في اسمه، فلا ينافيه حينئذ
قوله (عليه السلام): (كل صلاة بوضوء)
سيما بعد احتمال إرادة وقت كل صلاة، بل قد يدعى ظهوره، لكنه ينبغي حينئذ اختصاص ارادته النوافل لكل فرض لا مطلق النوافل، و يؤيده سهولة الملة و سماحتها، إذ في التجديد لكل ركعتين كما يقتضيه التعميم المتقدم من المشقة ما لا يخفى، و احتمال عدم مشروعية النوافل بالنسبة إليها باعتبار ان طهارتها اضطرارية و لا ضرورة بالنسبة إليها ضعيف بل مقطوع بعدمه، و قد يستأنس له مضافا الى ذلك ببعض ما دل(3)في غير هذه الحالة على جواز صلاتها الفريضة و النافلة بغسل واحد، و بما ستسمعه من ان المستحاضة متى فعلت ما هو واجب عليها كانت بحكم الطاهر، فتأمل.
و من ذلك كله ينقدح الكلام في شيء قد أشرنا إلى نظيره في المسلوس، و هو انه هل يستباح بمثل هذا الوضوء باقي ما اشترط بالطهارة كمس كتابة القرآن؟ و كذا
ج3،
الكلام بالنسبة إلى غاياته المستحبة كقراءة القرآن و غيرها، و ما مقدار ما يستباح منه؟
و لو أمكن القول بعدم نقض حكم هذا الوضوء بعد حصوله بمثل هذا الاستمرار للحدث لكان متجها كما ادعاه بعضهم في المسلوس، و ربما يومي اليه من جوز الفصل بين الوضوء و الصلاة بغير ما يتعلق بالصلاة كالعلامة في المختلف و يأتي له تتمة ان شاء الله و ان قلنا بوجوب تجديده هنا للفرض الثاني للدليل، فتأمل جيدا.
و في الثاني أي ثقب الدم للكرسف أو غمسه أو الظهور عليه على الاختلاف المتقدم في التعبير عن الوسطى و هي الحالة الثانية يلزمها مع ذلك أي ما تقدم في الصغرى من تغيير القطنة بلا خلاف صريح أجده فيه هنا سوى ما سمعته من المناقشة السابقة لبعض متأخري المتأخرين من جهة كونه مما لا تتم به الصلاة، بل عن شرح الإرشاد لفخر الإسلام إجماع المسلمين عليه، و هو الحجة مضافا الى ما تقدم سابقا في القليلة من نفي الخلاف و غيره، لدلالته عليه هنا بطريق أولى قطعا، كل ذا مع سلامته هنا مما سمعته منا من المناقشة في الأولى من جهة الأخبار، لظهور بعضها في المقام بوجوب الابدال ظهورا كاد يكون صريحا في
خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله(1)عن الصادق (عليه السلام) قال فيه: «فلتحتط بيوم أو بيومين، و لتغتسل و لتستدخل كرسفا، فان ظهر عن الكرسف فلتغتسل، ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلي، فإذا كان دما سائلا فلتؤخر الصلاة، ثم تصلي صلاتين بغسل واحد»
و في
خبر الجعفي(2)«فإن هي رأت طهرا اغتسلت، و ان هي لم تر طهرا اغتسلت و احتشت، فلا تزال تصلي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف، فإذا ظهر أعادت الغسل و أعادت الكرسف»
مضافا الى ما دل(3)عليه في الكبرى لعدم القائل بالفرق، كما أنه لم يقل أحد به أيضا بالنسبة إلى الصلوات، فلا يضر حينئذ عدم دلالة الخبرين المتقدمين عليه سيما بعد انجبارهما
ج3،
بالفتوى بالنسبة الى ذلك و بما دل عليه بالنسبة الى كل صلاة من خبر أبي بصير(1)في الكثيرة كما عرفت من عدم قائل بالفرق، كما لا يضر إشعار بعض الأخبار(2)بعدم وجوب الابدال، منها ما تقدم سابقا في الأولى، لوجوب عدم الركون إليه في مقابلة ما سمعت.
و بذلك كله يتضح الدليل على ما ذكره المصنف و جماعة بل نسبه في كشف اللثام إلى الأكثر من وجوب تغيير الخرقة إذ هو أولى من القطنة قطعا لصغرها، و لكونها كالملحقة بالبواطن بخلافها، من غير فرق بين تنجسها بكثير الدم أو قليله، بناء على عدم العفو عنه خصوصا في المقام، و لا دلالة في عدم ذكر السيدين له كما عن القاضي على عدم الوجوب، و مع فرضها فهم محجوجون بما تقدم، كما انه لا دلالة في خلو الأخبار عنها على ذلك أيضا فتدبر، و من الوضوء لكل صلاة كما في المقنعة و السرائر و الجامع و الوسيلة و القواعد و التحرير و الإرشاد و اللمعة و الروضة و غيرها، و هو المشهور، بل لعله لا خلاف فيه بالنسبة الى غير الغداة، كما يرشد اليه دعوى الإجماع في الناصريات و الخلاف و الغنية على ما يتناولها، بل و لا فيها و ان أوهمته هذه الكتب الثلاثة و المبسوط كالمنقول عن الصدوقين و القاضي و أبي الصلاح و غيرها، لمكان اقتصارهم على الأمر بالوضوء لغيرها، لكنها تحتمل جميعا إرادة انما يجب عليها الغسل لصلاة الغداة، و انما يجب عليها لغيرها الوضوء، فلا ينافي حينئذ وجوب الوضوء لها كما ذكره المحقق في نكت النهاية على ما نقل عنه في تفسير عبارتها، و إن أبيت فهم محجوجون ب
قول الصادق (عليه السلام) في موثقة سماعة(3)الآتية: «و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل
ج3،
كل يوم مرة، و الوضوء لكل صلاة»
و نحوه مضمره الآخر(1)و بكثير مما ذكرناه سابقا من وجوب الوضوء مع غير غسل الجنابة، منها
قوله (عليه السلام)(2): «في كل غسل وضوء إلا غسل الجنابة»
و ما في كشف اللثام من انه لا يدل على إيجابه في كل صلاة مدفوع أولا بما في الرياض من الإجماع المركب، فتأمل. و ثانيا بأنه قد دل الخبر على ان كل موجب للأكبر موجب للأصغر لا يجتزى عنه بالغسل فيجب الوضوء حينئذ لصلاة الغداة، و قد عرفت انه لا إشكال في غيرها، مع إمكان تقرير الدليل فيها أيضا، كل ذا مع ضعف ما عساه يتمسك به للخصم لو كان من الأصل، و يمكن معارضته بمثله و حصر النواقض في الأخبار في غيرها، و فيه مع عدم صلاحيته لمعارضة ما سبق أن الحصر فيها إضافي سيما بالنسبة إلى موجبات الكبير مع الصغير، و من إغناء كل غسل واجب عنه على ما ذهب اليه السيد، و فيه مع ما عرفته في محله انك قد عرفت ان السيد هنا صرح بالوضوء لغير الغداة، بل و لها في الجمل كما حكاه في كشف اللثام، و لعل ترك بعضهم التعرض له هنا انما هو لإيكاله على ما تقدم سابقا من إيجابه مع كل غسل، فتأمل جيدا.
و كيف كان فيجب عليها مع ذلك الغسل لصلاة الغداة كما في الفقيه و الهداية لكنه مع ضم صلاة الليل معها فيهما و المقنعة و الناصريات و الغنية و الخلاف و المبسوط و الوسيلة و السرائر و الجامع و النافع و القواعد و التحرير و المختلف و الإرشاد و الدروس و البيان و الذكرى و اللمعة و الروضة و جامع المقاصد و غيرها، و ظاهر الجميع بل صريحهم عدم وجوب غيره من الأغسال، فيكون حينئذ ما في الناصريات و الخلاف و الغنية من الإجماع حجة على ما ينقل عن ابني أبي عقيل و الجنيد من وجوب الأغسال
ج3،
الثلاثة، فأدخلوا هذا القسم في الثالث، و ان اختاره المصنف في المعتبر و العلامة في المنتهى، و تبعهما بعض متأخري المتأخرين كصاحب المدارك ناقلا له عن شيخه المعاصر أي الأردبيلي، و يدل على المختار مضافا الى ما تقدم و الى الأصل
مضمر زرارة(1)في الصحيح «فان جاز الدم الكرسف تعصبت و اغتسلت ثم صلت الغداة بغسل، و الظهر و العصر بغسل، و المغرب و العشاء بغسل، و ان لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد»
و المناقشة فيه بإضماره مع ان مثله غير قادح عندنا سيما من مثل زرارة مدفوعة بأن الشيخ قد أسنده الى أبي جعفر (عليه السلام) في أثناء الاستدلال، كالمناقشة في الدلالة بشموله للاستحاضة القليلة، إذ خروجها بالأدلة السابقة غير قادح في الحجية في غيرها، و كذا المناقشة فيه أيضا بعدم صراحته بكون الغسل للغداة، بل و لا للاستحاضة، بل لعله للنفاس، لاندفاع الأول بعدم القول بعد ثبوت الغسل الواحد لغيرها، و يكفي فيه الإجماعات السابقة، و الثاني بظهوره ظهورا كاد يكون كالصريح في كون الغسل للاستحاضة، كما يقتضيه ذكر الفاء و غيرها، على ان اشتراطه الأغسال الثلاثة بجواز الدم الكرسف الذي هو ظاهر في التعدي كاف في إثبات المطلوب.
و
مضمر سماعة(2)في الموثق قال: «قال: المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين، و للفجر غسلا، و ان لم يجز الدم فعليها الغسل كل يوم مرة، و الوضوء لكل صلاة- الى ان قال-: هذا إن كان دما عبيطا، و ان كان صفرة فعليها الوضوء»
و هو ظاهر في المدعى، لأن المراد بالجواز انما هو التعدي، و نفيه و ان كان أعم من الوسطى لكن لا يقدح في المطلوب، على انه لا بد من تنزيله على الوسطى لعدم قائل بوجوب غسل في الصغرى سوى ما سمعته عن ابن الجنيد، و هو ضعيف جدا لا ينبغي حمله عليه، فيثبت المطلوب حينئذ، و يراد بالثقب في صدره انما هو
ج3،
التعدي، و لذا أوجب الأغسال الثلاثة، و لعل الأمر بالوضوء في الصفرة في ذيله كناية عن الصغرى، لما عرفت سابقا من غلبة العلة فيها، فيكون الخبر حينئذ مشتملا على بيان الأقسام الثلاثة للمستحاضة، فتأمل جيدا.
و صحيح الصحاف (1)المتقدم سابقا، و فيه مواضع للدلالة على المطلوب، (منها) ما في آخره من اشتراط الأغسال الثلاثة بما إذا كان الدم يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقى. و (منها) ما في أوله فإن كان الدم فيما بينها و بين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ و لتصل عند وقت كل صلاة، إذ هو متناول للوسطى لعدم تحقق السيلان فيها، و لا ينطبق ذلك إلا على مذهب المشهور من عدم إيجاب الغسل عليها للمغرب و العشاء كالقليلة، فما في المدارك- ان محل الدلالة فيه (و ان طرحت الكرسف فسال الدم فعليها الغسل) و هو غير محل النزاع، إذ هو فيما لم يحصل السيلان، مع انه لا إشعار فيه بكون الغسل للفجر، و يمكن حمله على الجنس و يكون تتمة الخبر كالمبين- ليس على ما ينبغي، لما عرفت، على انه قد يقال بالدلالة فيما ذكره أيضا من جهة الاشتراط بالسيلان، بل قد يدعى إرادة المتوسطة منه لإشعاره بكونه سيلانا قليلا، و لذا تحقق مع طرح الكرسف، و يشعر به أيضا مقابلته لما بعده، فيكون حينئذ مساويا للمتوسطة، لأنها هي التي يظهر دمها من الكرسف مع احتشائها به و لو طرحته لتحقق مثل هذا السيلان، لظهور الفرق بين حالتي الاحتشاء و عدمه، و يدفع حينئذ عدم التعرض فيه لكون الغسل للفجر بما سمعته سابقا فتأمل.
و
خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله (2)الذي هو كالصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: «و ان كان قرؤها فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين، و لتغتسل
ج3،
و تستدخل كرسفا، فان ظهر على الكرسف فلتغتسل، ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلي، فإذا كان دما سائلا فلتؤخر الصلاة، ثم تصلي صلاتين بغسل واحد»
الخبر. و هو كالصريح في إرادة الوسطى من قوله (عليه السلام): (فان ظهر) سيما بعد مقابلته بالدم السائل، مع ان فيه دلالة أخرى من جهة الشرطية بالنسبة للصلاتين بغسل.
و
موثق زرارة(1)عن الباقر (عليه السلام) و فيه «تستظهر بيوم أو يومين، ثم هي مستحاضة فلتغتسل و تستوثق من نفسها و تصلي كل صلاة بوضوء ما لم ينفذ الدم، فإذا نفذ اغتسلت و صلّت»
لظهور صدقه بالغسل الواحد للغداة، ك
خبر الجعفي(2)عنه (عليه السلام) أيضا «و ان هي لم تر طهرا اغتسلت و احتشت و لا تزال تصلي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف، فإذا ظهر أعادت الغسل و الكرسف»
و مفهوم
قول الصادق (عليه السلام) في خبر يونس بن يعقوب(3): «فإن رأت الدم دما صبيبا فلتغتسل في وقت كل صلاة»
ك
خبر محمد بن مسلم(4)المروي في المعتبر عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن الباقر (عليه السلام) «فان صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع بين كل صلاتين بغسل»
و
موثق سماعة(5)عن الصادق (عليه السلام) قال: «غسل الجنابة واجب، و غسل الحيض إذا طهرت واجب، و غسل الاستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف فجاز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين، و للفجر غسل، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة، و الوضوء لكل صلاة»
الحديث.
و التقريب كما سبق، و يؤيد الجميع ما في
الفقه الرضوي(6)«فان لم يثقب الدم القطن
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 9.
2) 2 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 10.
3) 3 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 11.
4) 4 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 14.
5) 5 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الجنابة- حديث 3.
6) 6 المستدرك- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 1.
ج3،
صلت صلاتها كل صلاة بوضوء، و ان ثقب الدم الكرسف و لم يصلّ صلّت الليل و الغداة بغسل واحد، و سائر الصلوات بوضوء، و ان ثقب و سال صلت الليل و الغداة بغسل، و الظهر و العصر بغسل، و تصلي المغرب و العشاء الآخرة بغسل»
و هو مع الإجماعات السابقة و الإجماع المركب دال على ان المراد بالغسل انما هو غسل الغداة.
كل ذا مع ضعف متمسك الخصم، إذ هو ليس إلا إطلاقات جملة من الصحاح(1)في ان المستحاضة تغتسل ثلاثة أغسال، و هي كما انها عند الخصم مقيدة بالقليلة، كذلك عندنا بالمتوسطة، لما سمعت ان لم نقل انها من الأفراد النادرة التي لا ينصرف إليها الإطلاق، و سوى ما في بعضها من إيجاب الأغسال الثلاثة عند ثقب الدم الكرسف (منها) ما تقدم في صدر مضمرة سماعة(2)السابقة و (منها)
صحيحة معاوية بن عمار(3)عن الصادق (عليه السلام) «فإذا جازت و رأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر و العصر تؤخر هذه و تعجل هذه، و للمغرب و العشاء غسلا تؤخر هذه و تعجل هذه، و تغتسل للصبح، و تحتشي و تستثفر و لا تجبي و تضم فخذيها في المسجد، و سائر جسدها خارج، و ان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت و دخلت المسجد و صلّت كل صلاة بوضوء»
الخبر. و لعل الظاهر ان المراد بالثقب فيه انما هو الجواز و التعدي، كما عرفته سابقا في مضمرة سماعة، و ان كان مقتضى المقابلة خلافه، لكن قد يشعر به هنا الأمر بالاحتشاء المفسر بوضع قطنة محشوة للتحفظ من تعدي الدم و الاستثفار و النهي عن الانحناء أو الإجباء و ضم الفخذين في حال السجود و سائر جسدها خارج، و إشعار جواز الدخول للمسجد في مقابلتها عدمه فيها، و كأنه لكثرة الدم و عدم الأمن من التلويث، هذا.
و أجاب عنها و عن سائر أدلتهم من المطلقات في شرح المفاتيح، و تبعه في الرياض
ج3،
«ان المتوسطة من الأفراد النادرة التي لا ينصرف إليها الإطلاق، إذ قل ما يكون الدم ثاقبا للكرسف و لم يتعده، و لذا خلا كثير من الأخبار عن التعرض لها، بل و كذا لقليلة» انتهى. قلت: و فيه ان ذلك يقضي بفساد كثير من الأدلة السابقة على المطلوب من المفاهيم و غيرها، و هما ممن استدلا بها أيضا، لكن لعل في غيرها من الإجماعات و غيرها مما لا يتأتى فيه ذلك كفاية في ثبوت المختار، فتأمل جيدا.
ثم ان الظاهر عدم إلزامها في هذا القسم بتقديم الغسل على الوضوء أو العكس، للأصل و إطلاق الأدلة، فما عساه يظهر من المقنعة من إيجاب التقديم ضعيف، كما تقدم سابقا في البحث عن الوضوء مع غير غسل الجنابة، و كذا احتمال إلزامها بالتأخير حذرا عن الفصل بينه و بين الصلاة بالغسل، لعدم الدليل على قدح مثل ذلك، بل قد عرفت ان الإطلاق يقضي بخلافه.
و كيف كان ف في الحال الثالث و به تسمى الكبرى يلزمها مع ذلك أي ما تقدم من تغيير القطنة و الخرقة أو تطهيرهما من غير خلاف أجده فيها هنا لما تقدم سابقا مع الأولوية في المقام، مضافا الى ما تدل عليه هنا بعض الأخبار(1)و من الوضوء لكل صلاة وفاقا للسرائر و الجامع و النافع و القواعد و الإرشاد و الذكرى و الروضة و جامع المقاصد و غيرها، بل في المدارك ان عليه عامة المتأخرين، و عن الروض ان به أخبارا صحيحة(2)و خلافا لما عساه يظهر من ترك التعرض له، و الاقتصار على الأغسال من عدم وجوبه لشيء من الصلوات من الصدوقين و الشيخ في بعض كتبه و السيد في الناصرية و الحلبي و بني حمزة و البراج و زهرة على ما نقل من بعضهم، بل لعله
ج3،
يكون حينئذ داخلا تحت دعوى الإجماع من بعضها كالناصريات و الخلاف و الغنية، و مال اليه بعض متأخري المتأخرين، و للمفيد و المصنف في المعتبر و عن السيد في الجمل و أحمد بن طاوس من تعدده بتعدد الأغسال دون الصلوات، و اختاره في شرح المفاتيح و الرياض، و بالغ المحقق في المعتبر في إنكار القول الأول، فقال: «و ظن غالط من المتأخرين انه يجب على هذه مع هذه الأغسال الوضوء لكل صلاة، و لم يذهب الى ذلك أحد من طائفتنا، و يمكن ان يكون غلطه لما ذكره الشيخ في المبسوط و الخلاف ان المستحاضة لا تجمع بين فرضين بوضوء، فظن انسحابه على مواضعها، و ليس على ما ظن، بل ذلك مختص بالوضع الذي يقتصر فيه على الوضوء» انتهى. و هو منه عجيب بعد ما سمعت، مع انه هو مختاره هنا و النافع و ظاهر المختلف نسبته الى المشهور، بل قد يظهر منه في المنتهى انه لا خلاف فيه.
و كيف كان فقد يحتج للأول بقوله تعالى(1)(إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) و بما تقدم سابقا من إيجاب الوضوء مع سائر الأغسال، منها
قوله (عليه السلام)(2)(في كل غسل وضوء)
و بأولوية هذا القسم من السابقين في إيجاب ذلك، و بأصالة عدم إغناء هذا الغسل عن الوضوء، لكن قد يناقش في الأول بعدم العموم في الآية، بل أقصاه الإطلاق المنصرف الى غير محل البحث، أعني الحدث الأصغر، بل ورد في المعتبرة(3)تفسيرها بالقيام من النوم، بل نقل عن المفسرين ذلك أيضا، و لو سلم فلا عموم فيها بالنظر الى الأشخاص، لكون المستفاد منها الحكم بالنسبة إلى الرجال، فإلحاق النسوة بهم انما هو بالإجماع، و هو مفقود في المقام، و في الثاني بأن أقصاه بعد
ج3،
القول فيه إيجاب الوضوء في كل غسل لا كل صلاة، و في الثالث بمنع الأولوية بعد إيجاب الغسل في المقام، و في الرابع بأنه انما يتجه بعد ثبوت الدليل على الإلزام بالوضوء، أما مع عدمه فلا أصل، و قد يدفع الأول بعد تسليم إرادة الحدث الأصغر بأن استمرار حدث الاستحاضة بعد الغسل منه، لظهور الاتفاق على حدثيته في هذا الحال، مع عدم إيجاب الغسل له، فيتعين كونه أصغر بالنسبة الى ذلك، و إلحاق النسوة انما هو بالإجماع على أصالة الاشتراك في التكاليف، فلا يقدح وقوع الخلاف في المقام كالحضور و الغيبة، و الثاني بظهور ما قدمناه سابقا في محله ان الغسل لا يغني عن الوضوء، كظهور
قوله: (في كل غسل وضوء)
ان كل موجب للأكبر موجب للأصغر، و ربما يظهر من ملاحظة الأدلة ان دم الاستحاضة حدث، بل في المختلف دعوى الإجماع عليه، و يرشد اليه مضافا الى ذلك إيجاب الغسل و الوضوء لهذا الدم المستمر كالمغرب مثلا، على أنه لا معنى لدعوى حدثية الابتداء دون الاستدامة، فيتحصل حينئذ من مجموع ذلك إيجاب الوضوء و الغسل عند كل صلاة، و سقوط الثاني بالإجماع و نحوه لا يقضي بسقوط الأول، على ان إسقاطه الوضوء إما لإغناء الغسل عنه، أو لإغناء الوضوء الأول عنه، أو لأنه لم يثبت حدثية هذا الدم في هذا الحال، و الكل كما ترى قد ظهر لك بطلانه، كما انه ظهر لك منه أيضا بطلان باقي ما تقدم من المناقشات الأخر، و بطلان ما عساه يستند به للثاني من الأصل و البناء على الاجتزاء بالغسل عنه، كما ذهب اليه علم الهدى من خلو النصوص عن التعرض للوضوء، و اقتصارها على الأغسال الثلاثة في مقام البيان، كما انه قد يشعر التفصيل في بعضها بذلك، لكنك خبير ان ذلك لا يعارض ما دل على وجوب الوضوء مع كل غسل، بل لعل الترك فيها كترك التعرض له هنا من بعض قدماء الأصحاب انما هو للايكال على ما ذكروه من إيجاب الوضوء مع
ج3،
كل غسل عدا الجنابة، و من جميع ذلك ظهر لك مستند القول الثالث، و هو الاكتفاء بالغسل و الوضوء للصلاتين، لما دل على ان في كل غسل وضوء مع عدم الدليل على الزيادة، و ربما يؤيده تعليق الأمر بالوضوء لكل صلاة على عدم ثقب الدم الكرسف في صحيحة معاوية بن عمار و غيرها، و هو لا يخلو من قوة و ان كان الأول أقوى لما عرفت.
و كيف كان فيجب عليها مع ذلك غسلان، غسل للظهر و العصر تجمع بينهما، و غسل للمغرب و العشاء تجمع بينهما بلا خلاف أجده كما نفاه عنه غير واحد، بل حكي عليه الإجماع مستفيضا كالسنة(1)و قد تقدم سابقا جملة منها، و فيها الصحيح و غيره، و هل يعتبر في إيجاب الأغسال الثلاثة استمرار الدم الموجب لذلك الى العشاءين مثلا، فان استمر الى الظهرين فاثنان، و إلا فواحد كما عساه تشعر به عبارة العلامة في القواعد، و أصرح منها عبارة جامع المقاصد، كالمنقول عن الروض، و في الحدائق انه الظاهر من الأخبار، أو يكفي فيها الاستمرار أو الحدوث قبل فعل الصلاة و لو لحظة كما في الرياض، حيث قال: «و تجب الثلاثة مع استمرار الكثرة من الفجر الى الليل أو حدوثها قبل فعل الصلاة و لو لحظة، و مع عدم استمرارها أو حدوثها كذلك فاثنان ان استمر أو حدث الى الظهر، أو واحد ان لم يستمر و لم يحدث كذلك» انتهى.
أو أنه يكفي في إيجاب الثلاثة استمرار الدم و لو لحظة بعد كل من غسلي الصبح و الظهرين مثلا ما لم يكن الانقطاع للبرء، كما انه يكفي في إيجاب الغسلين استمرار الدم و لو لحظة بعد غسل الصبح، و مع عدمها فغسل واحد كما في كشف اللثام ناقلا له عن التذكرة قال: قال فيها: لو كان الدم كثيرا فاغتسلت أول النهار و صامت ثم انقطع قبل الزوال لم يجب غسل آخر عند الزوال لا للصوم و لا للصلاة ان كان للبرء، و ان كان لا له وجب لتحقق السيلان الموجب للغسل بإطلاق النصوص و الفتاوى، كما انها إذا انتفت
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة.
ج3،
عند أحد الأغسال من غير عود لم يجب غسل آخر لانتفاء موجبه؟
قلت: الأخير لا يخلو من قوة، بل لعله مراد الجميع سيما سابقه و ان قصرت العبارة عن ذلك، لما سمعته من إطلاق النصوص و الفتاوى، و ما يقال: إن ظاهر الأخبار الاستمرار قد يمنع إن أراد به الاشتراط، نعم قد تشعر به ما في بعضها(1)من الأمر بالاحتشاء و الاستذفار و إطلاق الدمية و نحو ذلك، لكن لا ظهور فيها بالاشتراط أي اشتراط وجوب الأغسال بالاستمرار المتقدم حتى تصلح مقيدة لغيرها، سيما مفهوم
قوله (عليه السلام) في خبر الصحاف(2): «فان كان الدم فيما بينها و بين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ و لتصل عند وقت كل صلاة»
و في كشف اللثام «و لا يدفعه
قوله (عليه السلام)(3): «فان كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقى فان عليها ان تغتسل في كل يوم و ليلة ثلاث مرات»
فإن (إذا) لا تفيد الاستمرار و الكلية» انتهى، فتأمل. بل لولا مخافة خرق ما عساه يظهر من الإجماع و تشعر به بعض الأخبار(4)لأمكن القول بإيجابه الأغسال الثلاثة و ان لم يستمر لحظة بعد الغسل للإطلاق المتقدم، فيكون حينئذ هذا الدم حدثا يوجب أغسالا ثلاثة و ان لم يستمر، نعم قد يتجه بناء على المختار عدم الفرق بين كون الانقطاع للبرء و عدمه إذا لم يتعقبه غسل بعد انقطاعه، كما إذا انقطع للبرء بعد فعل الصلاة مثلا و لم نقل بوجوب إعادة الطهارة و الصلاة أو كان في خارج الوقت بالنسبة للصبح مثلا، سيما بعد ثبوت كون هذا الاستمرار من دم الاستحاضة حدثا و عدم ثبوت إجزاء الغسل المتقدم عليه عنه، اللهم إلا ان يثبت إجماع على عدمه، و الظاهر عدمه، كما تأتي
ج3،
الإشارة اليه ان شاء الله في البحث عن الغسل للانقطاع للبرء، على انه لم يعقل الفرق بين الانقطاع للبرء و عدمه، لأنه ان كان الموجب للغسل انما هو ما وقع من الحدث قبل انقطاعه فهو موجود في الحالتين، و إلا فلا يفيده ما تجوز مجيئه من الحدث، اللهم إلا أن يقال ببقاء وصف المستحاضة كبرى مثلا في الثاني دون الأولى، و للنظر فيه مجال سيما مع عدم اطمئنانها بالعود، فتأمل جيدا.
ثم لا يخفى ان ما ذكرناه من إيجاب الغسل بذلك مبني على الاجتزاء بوجود الدم الموجب لذلك قبل فعل الصلاة التي يقع الغسل لها سواء كان في الوقت أو لا كما في سائر مراتب الاستحاضة، فيجب الغسل للظهرين بمجرد حصول الكثرة قبل الوقت و ان طرأت القلة فيه، وفاقا لجماعة من متأخري المتأخرين منهم الشهيد الثاني، و ربما مال إليه في جامع المقاصد هنا للإطلاق المتقدم من النصوص و الفتاوى، و لأنه كغيره من الأحداث التي لا يشترط في تأثيرها دخول الوقت، و لعله الظاهر من خبر الصحاف المتقدم، و خلافا لما عساه يظهر من الشهيد في الدروس، و ربما مال إليه في جامع المقاصد في مبحث الغايات، و قال: إنه الذي يلوح من الأخبار، قال في الأول: و الاعتبار بكمية الدم بأوقات الصلاة في ظاهر خبر الصحاف و في الذكرى بعد ان ذكر خبر الصحاف: هذا مشعر بأن الاعتبار بوقت الصلاة، فلا أثر لما قبله، و اعترضه سائر من تأخر عنه بأنه لا ظهور فيه بذلك، بل ظاهره العكس كما عرفت، قلت: و هو كذلك إلا أن يكون مقصوده أمرا آخر يصعب استقامته أو يكون أخذه مما في آخره من اشتراط كونه دما صبيبا لا يرقى أو نحو ذلك من الامارات التي يشكل الاعتماد عليها، و لذا كان ظاهره في البيان ما قلناه، قال فيه: لو اختلفت دفعات الدم عمل على أكثرها ما لم يكن لبرء، لكن لا يخلو ما فيه من التقييد من النظر، سيما إذا كان الاختلاف في الدفعات التي تعقبها البرء بعد الوقت، بل قد يظهر منه فيه أيضا خلافه، فلاحظ و تأمل.
ج3،
و قال في الذكرى في المقام: «قيل الاعتبار في الكثرة و القلة بأوقات الصلاة، فلو سبقت القلة و طرأت الكثرة انتقل الحكم، فلو كانت الكثرة بعد الصبح اغتسلت للظهرين- الى ان قال-: أما بالنسبة إلى الظهرين فلا يجب إن كثر بعدهما غسل لهما، بل إذا استمر الى العشاءين اغتسلت لهما قطعا، و كذا ان انقطع مظنونا عوده أو مشكوكا فيه لأصالة البقاء، و ان شفيت منه بني على ما مر، و لو سبقت الكثرة في الصبح اغتسلت له، فلو قل عند الظهرين توضأت، و لو جوزت عود الكثرة فالأجود الغسل لأنه كالحاصل، فان علمت الشفاء كفاها الوضوء» انتهى. و فيه مواضع للتأمل يظهر بعضها مما تقدم و بعضها مما يأتي.
و حيث انجر بنا الكلام الى البحث في ان انقطاع دم الاستحاضة يوجب شيئا أو لا فنقول: قد أطلق الشيخ في مبسوطة و خلافه كما عن الإصباح و المهذب إيجاب الوضوء للانقطاع قبل الشروع في الصلاة، و ظاهره عدم الفرق بين مراتب الاستحاضة و بين كون الانقطاع للبرء و الشفاء و عدمه و ان كان في كلامه ما عساه يشعر بالثاني، و قيده العلامة في القواعد و غيره بالبرء كما ان الشهيد في البيان قيده بما إذا كان قبل الانقطاع موجبا للوضوء، و إلا فالغسل، و قد اعترف الشهيد في الذكرى بعدم الوقوف على نص في المسألة، و هو كذلك، و تفصيل الحال و بالله التوفيق ان يقال: إنه لا إشكال في حكم انقطاع دم الاستحاضة قبل ان تفعل موجبه من وضوء أو غسل سواء كان الانقطاع انقطاع فترة أو برء، و ذلك لأنه يجب فعل ما خوطبت به من الوضوء أو الغسل حينئذ من غير زيادة للانقطاع، سواء كان ذلك في الوقت أو قبله بناء على ما تقدم من المختار، و أما إذا كان الانقطاع بعد فعل الصلاة فإن كان برء احتمل وجوب الإعادة لانكشاف فساد الأول، و احتمل العدم لحصول الامتثال و اقتضاء الأمر الاجزاء و إطلاق الأدلة، و لعله الأقوى، و ان كان لفترة فلا إشكال حيث لا تسع الطهارة
ج3،
و الصلاة، و أما إذا كانت كذلك فهي كالأول، بل عدم الإعادة فيها أولى.
ثم انه بناء على عدم الوجوب بالنسبة إلى الصلاة السابقة فهل يجب للصوم أم لا؟
وجهان، اختار أولهما في الذكرى، و فيه نظر لتبعية الصوم للصلاة، فلا يجب له مستقلا فتأمل. و أما إذا حصل الانقطاع بعد فعل الطهارة قبل فعل الصلاة فهو إما أن يكون انقطاع برء أو فترة أو لم تعلم، فان كان الأول فقد عرفت ان قضية كلام الشيخ و غيره وجوب تجديد الوضوء عليها، و علله في المبسوط بان دم الاستحاضة حدث، فإذا انقطع وجب منه الوضوء، و مراده انه يظهر بانقطاعه حكم حدثية استمراره المتخلل بين الانقطاع و الطهارة، لا ان الانقطاع نفسه حدث كما ظن، و ثبوت العفو عن مثله في حال الاستمرار كما هو المنساق من الأخبار(1)لا يستلزم ثبوت العفو عنه في حال الانقطاع و لا أولية، و في الذكرى في الرد على المحقق «لا أظن أحدا قال: بالعفو عن هذا الدم الخارج بعد الطهارة مع تعقب الانقطاع» انتهى. قلت: لكن قضية ذلك كله إيجاب موجبه سابقا من غسل أو وضوء لا الوضوء خاصة، و من هنا كان الأقوى كما اختاره في الذكرى و البيان و تبعه المحقق الثاني و غيره عدم الاقتصار على الوضوء إلا إذا كان موجبه سابقا كذلك، و إلا فالغسل، بل قد يظهر من الأول كونه مجمعا عليه، حيث قال:
«و هذه المسألة لم نظفر فيها بنص خاص من قبل أهل البيت (عليهم السلام)، و لكن ما أفتى به الشيخ هو قول العامة بناء منهم على ان حدث الاستحاضة يوجب الوضوء لا غير، فإذا انقطع بقي على ما كان عليه، و لما كان الأصحاب يوجبون به الغسل فليكن مستمرا» انتهى.
قلت: و يمكن تنزيل كلام الشيخ على إرادة القليلة كما عساه يظهر من ملاحظة كلامه، لكن قال في كشف اللثام بعد نقله كلام الشيخ و ابن إدريس و غيرهما: «و لم
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 6.
ج3،
يوجب أحد منهم الغسل للانقطاع، و نص المصنف في النهاية على العدم» قلت: و لعله للأصل، و الفرق بينه و بين الوضوء، لأن هذا الدم يوجب الوضوء مطلقا و لا يوجب الغسل إلا مع الاستمرار الخاص فعلا أو قوة، و يظهر لك ضعفه مما تقدم، كضعف ما في المعتبر من انه يمكن القول بأن خروج دمها بعد الطهارة معفو عنه، فلم يكن مؤثرا في نقض الطهارة، و الانقطاع ليس بحدث، و ربما يظهر من الجامع موافقته لما تقدم لك سابقا من انه لم يثبت العفو في هذا الحال مع عدم شمول الإطلاقات لمثله ان لم تكن ظاهرة في عدمه، و لا أولوية و لا استصحاب لا للطهارة و لا للعفو عن هذا الدم، لانقطاع الأول بحدثية هذا الدم التي هي مجمع عليها بحسب الظاهر، ففي المختلف ان دم الاستحاضة حدث إجماعا، و أوضح منه في ذلك ما في شرح المفاتيح، و عدم إمكان جريان الثاني، هذا.
لكن الإنصاف انه لا يخلو من قوة لولا ظهور اتفاق الأصحاب على عدمه، كما سمعته من الشهيد في الذكرى، إذ يمكن تأييده مع عدم إشارة في شيء من النصوص اليه بما سيأتي من قولهم: إذا فعلت المستحاضة ما يجب عليها كانت بحكم الطاهر، و إمكان تصحيح الاستصحابين المتقدمين، على انه قضية كون الأمر يقتضي الاجزاء، مع انه لم يتصور الفرق بين انقطاعه بعد الصلاة و بينه بعد الطهارة، فتأمل جيدا.
و أما إذا كان الانقطاع للفترة فهي ان لم تكن تسع الطهارة و الصلاة فلا يلتفت اليه قطعا، و كأن إطلاق الشيخ و من تابعه منزل على غيرها، و أما إذا كان بحيث تسع الطهارة و الصلاة فالأقوى وجوب الإعادة وفاقا للشهيد و المحقق الثاني و عن العلامة في نهاية الأحكام، و ربما يظهر من بعضهم العدم، و هو ضعيف، و مما ذكرنا ينقدح انه يجب على المستحاضة انتظار الفترة حيث تكون لها إلا مع حصول المشقة لارتفاع عذرها و إمكان فعلها الصلاة مرفوعة الحدث، مع الشك في تناول الأخبار لمثلها ان لم يكن ظاهر العدم.
ج3،
و أما إذا لم تعلم انه انقطاع برء أو فترة فيحتمل القول بوجوب الطهارة، كما عساه يظهر من المنقول عن نهاية الأحكام تمسكا بأصالة عدم عوده و الاحتياط، لعدم العلم بصحة ما وقع من الطهارة الأولى، و يحتمل العدم تمسكا باستصحاب صحة ما وقع، و أصالة عدم الشفاء، و استصحاب العفو عما وقع من الدم، و لعله الأقوى، و مثل هذا الحكم ما لو علمت انه لفترة لكن لم تعلم انها تسع الطهارة و الصلاة أو لا، بل لعل عدم وجوب الإعادة هنا أولى، لما في التكليف بمجرد هذا الاحتمال من المشقة و الحرج الذي لا يتحمل عادة، مع أن أصل مشروعية هذا الحكم للتخفيف، بل لعل الأخبار المكتفية بأفعال المستحاضة ظاهرة فيما قلنا، لتحقق الفترات غالبا، مع انها لم تعتبر فيما وصل إلينا من الأخبار.
ثم انه هل يجب عليها إذا انكشف بعد ذلك انه انقطاع برء إعادة ما فعلته من الصلاة بالطهارة الأولى أو لا؟ وجهان أيضا، ينشئان من اقتضاء الأمر الاجزاء، و من انه تكليف ظاهر عذري، و إلا فقد انكشف فساد طهارتها بذلك المتخلل الذي تعقبه هذا الانقطاع، و لعله الأقوى، و لا ينافي ذلك ما تقدم منا سابقا من الحكم بعدم الإعادة لو حصل الانقطاع بعد الصلاة، لظهور الفرق بينهما بشمول الإطلاقات القاضية بالاجتزاء للأول دون ما نحن فيه فتأمل جيدا. و مما ذكرنا من المختار هنا يظهر الحال فيما تقدم أيضا، و هي ما لو علمته انه انقطاع فترة لكنها لم تعلم أنها فترة تسع الطهارة و الصلاة أو لا ثم انكشف بعد ذلك انها كذلك، مع احتمال الفرق بينهما بأن الفترة انما تعتبر لو علمت بها، أما مع عدم العلم و تجويزها مجيء الدم في كل آن فلا، مع أصالة براءة الذمة من القضاء و غيره، و لعله الأقوى أيضا، و يشعر به ما عن العلامة في نهاية الأحكام، حيث قال: «و لو انقطع لا للبرء بل كان من عادتها العود أو أخبرها به العارف فان قصر الزمان عن الطهارة و الصلاة لم يجب إعادة الطهارة، بل تشرع في الصلاة
ج3،
و لا عبرة بهذا الانقطاع، لأن الظاهر عدم دوامه، فان صلت فطال زمانه فالوجه الإجزاء لأنها دخلت في الصلاة بأمر شرعي فكان مجزئا» انتهى. و يقرب منه ما في الذكرى أيضا.
هذا كله إذا انقطع الدم بعد الطهارة قبل فعل الصلاة أما لو انقطع في أثنائها فقد أطلق الشيخ في المبسوط و الخلاف صحة الصلاة و عدم إيجاب الطهارة مع حكمه بفساد الطهارة لو حصل قبل فعل الصلاة، و وافقه العلامة في المنتهى و المختلف و الشهيد في البيان، و أنكر عليه ابن إدريس ذلك معللا بأنه إذا كان انقطاع دم الاستحاضة حدثا فهو مفسد للصلاة مع تخلله فيجب الاستيناف، قلت: و هو في محله، إذ لا نعرف وجها يختص به الانقطاع في أثنائها عن الانقطاع قبلها، إذ هو إن كان إطلاق ما دل على العفو عن هذا الدم فهو- مع عدم شموله بحسب الظاهر لمثل هذا الفرد النادر الذي قل ما يتحقق الاطلاع عليه في أثناء الصلاة- جار في الحالين، فلا ينبغي الفرق من جهته، و إن كان لمكان الاستصحاب فهو- مع إمكان المناقشة في جريانه في مثل تخلل الحدث في أثناء الصلاة لانقطاعه بما دل على بطلانها بذلك، و به يظهر الفرق بعد الإجماع المحكي و غيره بين ما نحن فيه و بين وجدان الماء للمتيمم في أثناء الصلاة، لعدم الحدث فيه بخلافه هنا، مع استصحابها للنجاسة المغلظة هنا دونه، بناء على بطلان الصلاة للمتيمم لو كان على ثوبه أو بدنه نجاسة كذلك- جار أيضا فيهما من غير فرق بين حالتي الانقطاع في الأثناء أو قبله، على انه بعد ما كانت الأدلة الدالة على العفو عن هذا الدم ظاهرة في غير هذا الفرد، فلم تثبت صحة لتلك الطهارة حتى تستصحب، فليس حينئذ إلا الرجوع لغيرها، و هي تقتضي فسادها لأن دم الاستحاضة حدث، و التمسك باستصحاب صحة الصلاة غير متجه حينئذ، على انه لا يستلزم الصحة مطلقا، بل أقصاه عدم البطلان، و قد يكون حينئذ تكليفها الطهارة ثم البناء أو غير ذلك فتأمل جيدا. و ان كان لأنه قد دخل
ج3،
في صلاته دخولا مشروعا فوجب عليه الإكمال لقوله تعالى(1)(وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ) فهو- مع عدم صلاحيته لمعارضة ما دل على بطلانها بحصول الحدث في أثنائها و عدم شمول الآية للبطلان القهري بعد الغض عن صحة التمسك في أصل ذلك، لظهور سياقها في إرادة النهي عن إحباط العمل بالارتداد و نحوه- انها لا تستلزم الصحة على الإطلاق، فلم لا يجوز حينئذ الطهارة و البناء مثلا.
و لقد أجاد المصنف في المعتبر فساوى بين الانقطاع في أثنائها و بين السابق عليها لكنه في عدم الناقضية و العفو عنه، و مال إليه في المدارك مستدلا عليه بعموم الاذن لها في الصلاة بعد الوضوء المقتضي للعفو عما يخرج من الدم بعد ذلك، و قد عرفت فيما تقدم ما فيه، بل في الذكرى أني لا أظن أحدا قال: بالعفو عن هذا الدم الخارج بعد الطهارة مع تعقب الانقطاع، انما العفو عنه مع قيد الاستمرار، قلت: و ما سمعته من المدارك من دعوى العموم يدفعه أنا لم نجد في الأدلة عموما يتناول مثل ما نحن فيه، و لذا كان المتجه حينئذ التساوي بينهما، لكن في الناقضية كما هو صريح جماعة منهم الشهيد في الدروس و المحقق الثاني في جامع المقاصد و عن العلامة في نهاية الأحكام و ظاهره في القواعد و التحرير، و صرح بعضهم ببطلان الصلاة، بل لم أعثر على من احتمل الصحة ثم التجديد و البناء هنا كما ذكر في المبطون، و لعله لأن الانقطاع ليس حدثا حتى يكون من قبيل الحدث المتخلل في أثناء الصلاة ليجيء فيه ذلك على أحد الوجهين، بل هو مظهر لحكم حدثية الدم السابق المتخلل بين الطهارة و الانقطاع، فيفسد المتقدم حينئذ، فما عساه يظهر من شيخنا الأكبر في شرح المفاتيح من جعله كالحدث المتخلل في أثناء الصلاة لم يتضح لنا وجهه، فتأمل جيدا. هذا بالنسبة إلى البحث في أصل الفرق بين الأثناء و السبق. بقي الكلام في البحث عن نفس الانقطاع انه لبرء أو غيره، و لا أظنه يخفى
1) 1 سورة محمد صلى الله عليه و آله- الآية 35.
ج3،
عليك شيء منه بعد ملاحظة ما سبق لنا من التفصيل، كما انه لا يخفى عليك حال الانقطاع في أثناء الطهارة، فتأمل.
كما انه
انك قد عرفت ان حدث الاستحاضة إنما يوجب أفعالها بالنسبة الى ما تعقبه من الصلوات دون ما تقدمه، فلو رأت الكبرى بعد صلاة الصبح مثلا لم يجب الغسل لها قطعا. نعم يجب بالنسبة إلى الظهرين استمر إليهما أو لم يستمر، بناء على عدم اشتراط حدثيته بما بعد الوقت، و لو رأت الوسطى بعد صلاة الصبح فلا غسل لها قطعا كالسابقة، و لكن هل يجب لها غسل للظهرين إذا استمر إليهما أو لم يستمر على الوجهين، و كذا العشاءين مع استمراره إليهما أو حصوله بعد الظهرين؟ ظاهر كلام الأصحاب عدمه، كما صرح به في جامع المقاصد في مبحث الغايات، و الشهيد في الروضة هنا بل لعل المتأمل في كلماتهم يمكنه تحصيل الإجماع على ذلك، لتخصيصهم الغسل بكونه للغداة مع عدم تعرض أحد منهم لذكر تعدد الأغسال فيها بالنسبة إلى شيء من صورها، و قد سمعت فيما تقدم سابقا ان جماعة من الأصحاب نقلوا الإجماع على ذلك، كما انهم حيث استدلوا بالأخبار على إيجاب الغسل الواحد فيها تمموا دلالتها على كون المراد الغسل للغداة بالإجماع، منهم الأستاد الأكبر في شرح المفاتيح لما ذكر موثقة سماعة(1)الدالة على الغسل في كل يوم مرة ان لم يجز الدم الكرسف قال: «و أما كون الغسل لصلاة الغداة فلعدم قائل بالفصل، إذ لم يقل أحد بأن المتوسطة عليها غسل واحد و ليس لخصوص صلاة الصبح، فكل من قال بالمتوسطة و هم المعظم قال كذلك، و الشاذ الذي جعلها من الكثيرة أوجب الأغسال الثلاثة، بل ربما كان بديهي المذهب انه لو كان غسل واحد فموضعه صلاة الصبح» انتهى. و هو كالصريح فيما قلناه، و قال العلامة الطباطبائي في مصابيحه: «المعروف
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الجنابة- حديث 3.
ج3،
في الاستحاضة الوسطى وجوب غسل واحد لصلاة الغداة، و ظاهر عبائرهم في المقام ان هذا الغسل غايته خصوص صلاة الغداة، فلا يتوقف صحة باقي الصلوات، و ربما احتمل ان يكون ذلك لجميع الخمس، فيتوقف عليه صحة الجميع، و على هذا التقدير فلو رأته في غير وقت الفجر احتمل وجوب الغسل، و الأصل و العمومات تنفي ذلك، و قد صرح بعضهم بنفيه، و هو ظاهر كلام الباقين» انتهى. و هو كالصريح أيضا فيما ذكرنا، و كان الحكم من الواضح الذي لا يعتريه الشك، نعم قد يستشكل في إيجابه الغسل لصلاة الغداة المستقبلة فيما ذكرنا من الفرض مع عدم استمراره أو حدوثه قبلها من دون تخلل صلاة فرض، و الظاهر خلافه، لإطلاق ما دل على إيجابه الغسل المنزل على إرادة الغداة سواء تخلل الفصل بصلاة غيرها بينه و بينها أو لا، بناء على عدم اعتبار وقت الصلاة في حدثيته، اللهم إلا ان يدعى انسياق غداة ذلك اليوم، و الفرض حصول الحدث بعدها، فلا غسل له حينئذ فتأمل.
و من العجب ما وقع للمولى في الرياض من الحكم بوجوب الغسل للظهرين و العشاءين في الفرض المتقدم. قال فيه في المتوسطة بعد ان اختار عدم دخولها تحت الكثيرة في الحكم، خلافا لابن الجنيد و من وافقه: «ثم ان وجوب الغسل للصبح مشروط بالثقب قبله و مع عدمه له حكمه. نعم بعده يجب الغسل للظهرين أو العشاءين إذا استمر
إليهما أو حدث قبلهما، كالصبح من اليوم الآخر إذا استمر اليه، و استدل على ذلك بكونه حدثا بالنظر الى جميع الصلوات اليومية، و يرتفع بالغسل الواحد، غاية الأمر لزومه وقت الصبح، و ذلك لا يدل على اختصاص حدثيته بالنظر إليه خاصة» قلت:
و هو كما ترى، مع مخالفته لما سمعت و للأصل و ظاهر الأخبار(1)الموجبة غسلا واحدا
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الجنابة- حديث 3- و الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 5 و 6.
ج3،
و تنزيلها على غير ما نحن فيه لا دليل عليه، و دعوى ظهورها في المستمر دمها- مع انه لا يقضي بكون ابتداء رؤيتها له سابقا على الصبح، و هو الذي يثمر في تضمنها الاكتفاء بالغسل الواحد لها- مصادرة محضة، على انه لو سلم مدخلية هذا الحدث في باقي الصلوات فهو لا يقضي بأزيد من اشتراط صحة باقي الصلوات بالغسل للصبح لو حصل قبله، فلو أخلت به لم تصح حينئذ صلواتها، فيجب ان تغتسل حينئذ للظهرين، لبقاء الحدث بالنسبة إليهما على إشكال فيه أيضا، لعدم ثبوت مشروعيته بعد فوات المحل الموظف شرعا، لا أنه يوجب غسلا لو حدث بعد انقضاء الصبح كما هو المفروض، لعدم ثبوت الاحتياج الى الغسل في هذا الحال حتى يحتاج إلى إيجاده، فتأمل.
و بذلك يظهر لك ما في تأييده لما ادعاه من كونه حدثا بالنسبة الى جميع الصلوات بالأمر بالجمع بين الصبح و بين صلاة الليل بالغسل في الرضوي(1)فلولا عموم حدثيته لأخر فيه، للاكتفاء في صلاة الليل بالوضوء، و فيه- مضافا الى ما تقدم و بعد الغض عما في الاعتماد عليه خصوصا في المقام- ان ملاحظته تقضي بكونه أظهر فيما قلنا، لإطلاقه الحكم بغسل واحد لصلاة الليل و الغداة من غير تعدد في الأغسال لباقي الصلوات في مقابل الكثيرة التي فيها ثلاثة أغسال، و لا تعيين لابتداء حدوث الدم قبل العشاءين أو قبل الظهرين أو غير ذلك، فهو بإطلاقه حجة عليه، إذ المتجه على مختاره تعدد الأغسال حينئذ، اللهم إلا ان ينزله على رؤيتها ذلك بعد العشاءين، و هو تحكم، على ان ظاهره يقضي بكون الحكم بذلك أي الغسل لصلاة الليل و الغداة في جميع الليالي، و كأنه مقطوع بعدمه، لما ستعرفه فيما يأتي ان شاء الله ان المستحاضة متى فعلت ما يجب عليها من الأفعال كانت بحكم الطاهر، فلا إشكال حينئذ في استباحتها صلاة الليل في الليلة الثانية بالوضوء مجردا، و تنزيله على أول ليلة خاصة واضح الفساد، فتعين حملها حينئذ
1) 1 المستدرك- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 1.
ج3،
على إرادة الرخصة من الأمر لها في تقديم الغسل على الفجر بمقدار صلاة الليل، لكونه في مقام توهم الحظر، و يؤيده ما يأتي من ظهور كلام من تعرض لجواز تقديمها الغسل في الرخصة دون الشرطية في صحة الليل، أو أنه يحمل على الندب أو غير ذلك.
فظهر لك ما في تأييده لمختاره به كالذي ذكره بعده أيضا من انه «يومي اليه إطلاق الأمر بالغسل هنا فيما تقدم في مقابلة الأمر بالاغتسال مع التجاوز، فكما ان موجبها حدث بالنظر الى الصلاة مع الاستمرار فكذا موجبه بدونه حدث بالنسبة إليها، و الفارق بينهما الاكتفاء بالغسل الواحد في جميعها في الثاني مع الاستمرار و عدمه، و لزوم الثلاثة معه في الأول، نعم لا فرق بينهما حينئذ مع رؤية الدم مطلقا في وقت الصلاتين ظهرين أو عشاءين، كما انه لا فرق بينهما مع رؤيته كذلك في وقت صلاة الصبح» انتهى. و فيه ما عرفت، و لا أظنك تصغي إلى شيء من ذلك بعد ما تقدم، إذ مرجعه الى تقييد النصوص(1)و الفتاوى الدالة على إيجاب الغسل الواحد بما إذا كان سابقا على الصبح من غير دليل صالح لذلك، و كيف يتصور إغفال الأصحاب و الأخبار لمثله و إطلاق الحكم بالغسل الواحد من غير إشارة أحد منهم اليه، و ان هو إلا تدليس، و من العجيب ذكره دام ظله هذا الحكم مسلما، و لا يبعد أن يكون ذلك من بعض تلامذته، و اشتبه النساخ فيها لا منه لخلو بعض نسخ الرياض عن ذلك كله، و الله أعلم.
انه قد يستظهر من عبارة المصنف و ما ماثلها كظاهر الأخبار(2)إيجاب الجمع للكثيرة بين الصلاتين بغسل، فليس لها حينئذ فعل كل من الصلاتين بغسل مستقل، و ربما كان صريح المفيد في المقنعة و مال إليه في الرياض لظاهر الأخبار، لكن
ج3،
صرح جماعة من الأصحاب منهم العلامة في المنتهى و المحقق الثاني في جامع المقاصد و صاحب المدارك و الذخيرة و شيخنا الأكبر في شرح المفاتيح بجواز ذلك، بل في جامع المقاصد و المدارك انه جائز قطعا، و قد قيل انها ممن لا يعمل إلا بالظنيات تجري مجرى الإجماع، و قد يؤيد بما
في بعض الروايات(1)الموثقة (تغتسل عند كل صلاة)
و في
مرسلة يونس الطويلة(2)«ان فاطمة بنت أبي جيش كانت تغتسل في كل صلاة»
و ب
قوله (عليه السلام) في خبر الحلبي(3): «تغتسل المرأة الدمية بين كل صلاتين»
مع انه قد يقال: ان المنساق من أخبار الجمع (4)كونه رخصة للإرفاق بحالها لا عزيمة، و إلا فتعدد الغسل أولى لكونه أبلغ في التطهير، و من هنا جعله في المنتهى و غيره مستحبا مستدلا عليه ب
قوله (عليه السلام)(5): «الطهر على الطهر عشر حسنات»
و مما ذكرنا يظهر لك الحال فيما لو اتفق حدوث الكثيرة بعد الظهر أو المغرب، فيجب الغسل حينئذ لخصوص العصر أو العشاء، و كأنه لا خلاف فيه و ان قلنا بعدم جواز التفريق في السابق، فتأمل.
انه صرح جماعة من الأصحاب بوجوب معاقبة الصلاة للغسل، بل لم أعرف مخالفا فيه كما عساه يشعر بنفيه ما في المدارك من نقله في القليلة بالنسبة للوضوء دونه، كالمحكي عن الحدائق و غيرها، كما انه يشعر بالحكم ما في النص(6)و الفتوى بالجمع بين الصلاتين بتأخير الظهر و تعجيل العصر، إذ لو كان ذلك جائزا لم يكن في تأخير
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 11.
2) 2 الوسائل- الباب- 3- من أبواب الحيض- حديث 4.
3) 3 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 2.
4) 4 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 1 و 4 و 5.
5) 5 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الوضوء- حديث 3.
6) 6 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 1.
ج3،
العصر عن الظهر بأس، و لا ينافي ذلك ما تقدم منا سابقا من ظهور إرادة الرخصة في أخبار الجمع دون العزيمة، إذ ذاك بالنسبة إلى اتحاد الغسل و تعدده، و إلا فلا ريب في ظهورها في إرادة الوجوب الشرطي بمعنى إن أريد فعل الصلاتين بغسل واحد كان هذا الجمع واجبا، فليتأمل. و قد يؤيده أيضا ما في أخبار الجمع من الباء ك
قوله (ع)(1): (تجمع بين صلاتين بغسل)
لاشعارها بمقارنة الغسل لها، و ما في خبري أبي المعزى(2)و
إسحاق بن عمار(3)«انها تغتسل عند كل صلاتين»
و نحوه غيره(4)و في
خبر عبد الله بن سنان(5)عن الصادق (عليه السلام) «المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر و تصلي الظهر و العصر، ثم تغتسل عند المغرب فتصلي المغرب و العشاء، ثم تغتسل عند الفجر فتصلي الفجر»
و هو- مع اشتماله على لفظ (عند) التي ستسمع فيما يأتي ان ابن إدريس ادعى صراحتها في ذلك عند الكلام في وضوء القليلة، حتى أن من تأخر عنه ممن خالفه في ذلك لم ينكر عليه ذلك، بل أنكر وجود رواية مشتملة عليها- قد اشتمل على لفظ الفاء التي هي للتعقيب من غير مهلة، و يؤيده مع ذلك كله انه الموافق لمقتضى الحكم بحدثية دم الاستحاضة، فيقتصر فيه حينئذ بالنسبة للعفو عنه على محل اليقين.
هذا مع ما عرفته سابقا من ظهور عدم الخلاف فيه سوى ما في كشف اللثام، و تبعه العلامة الطباطبائي من جواز الفصل بينه و بين الصلاة، و لعله للأصل و إطلاق بعض الأخبار(6)و
قول الصادق (عليه السلام) في خبر إسماعيل بن عبد الخالق(7)المروي عن الحميري في قرب الاسناد «فإذا كان صلاة الفجر فلتغتسل بعد طلوع الفجر
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 3.
2) 2 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الحيض- حديث 5.
3) 3 الوسائل- الباب- 30- من أبواب الحيض- حديث 6.
4) 4 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 3.
5) 5 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 4.
6) 6 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 5.
7) 7 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 15.
ج3،
ثم تصلي ركعتين قبل الغداة، ثم تصلي الغداة»
و
خبر ابن بكير(1)«فإذا مضى عشرة أيام فعلت ما تفعله المستحاضة ثم صلت»
و هي للتراخي، و لإباحة دخول المسجد و الطواف قبل الصلاة، و لأن سائر الغايات كالطواف و قراءة العزائم و الوطء على القول بتوقفه على الغسل يجوز فيها الفصل، و لأن أكثر الغايات مما لا تجتمع في وقت واحد، فإذا اغتسلت لها و للصلاة فلا بد من تحقق الفصل في البعض، و القول بتعدد الغسل و إفراد كل عبادة بغسل خلاف الإجماع كما قيل.
و فيه ان الأولين لا يعارضان ما ذكرنا، و كذا الثالث، إذ هو مع الغض عن سنده لا دلالة فيه على أزيد من جواز الفصل بركعتي النافلة، و قد نلتزمه إما في سائر النوافل لكونها من توابع الصلاة و مقدماتها، و قد صرح جمع من الأصحاب بعدم القدح في الفصل بشيء من مقدمات الصلاة كالستر و الاجتهاد في القبلة و الأذان و الإقامة، بل في الدروس و انتظار الجماعة، نعم قد يظهر من الخلاف منع ما عدا الأذان و الإقامة من مقدماتها، أو في خصوص المقام لمكان قلّتها، و فحوى ما تسمعه من جواز تقديم الغسل في خصوص الغداة لصلاة الليل، و كذا الرابع- مع إضماره بل في المنتهى و ضعفه- قد يراد به نفس الترتيب من غير ملاحظة التراخي، و لعله المنساق هنا، و يظهر لك الحال فيما يأتي ان شاء الله عند البحث في ان المستحاضة متى فعلت ما أوجب عليها من الأغسال و الوضوء للصلاة كانت بحكم الطاهر، فتستبيح حينئذ غيرها من الغايات من غير تجديد غسل مثلا، و تعرف حينئذ منع ما ينبغي ان يمنع مما ادعى هنا من الخامس و ما بعده و ما لا ينبغي منعه، مع عدم منافاته لما نحن فيه، فتأمل جيدا.
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحيض- حديث 5.
ج3،
فظهر من ذلك أن الأقوى الأول، و منه تعرف عدم جواز تقديم الأغسال على الوقت مع استمرار الدم، إلا ان يدخل عند الفراغ، فان الظاهر حينئذ ما عن نهاية الأحكام من الاجزاء، لكن ينبغي ان يستثنى من ذلك التقديم لصلاة الليل كما ذكره جماعة من الأصحاب، و نسبه في كشف اللثام الى الصدوقين و السيد و الشيخين و الأكثر، بل في الذخيرة أني لا أعلم فيه خلافا، و نسبه غيره إلى الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه، لكن قد استشكله بعض متأخري المتأخرين بعدم الدليل عليه، و ربما استدل له بإطلاق ما دل على الجمع بين كل صلاتين بغسل، و هو كما ترى. نعم قد يستند له بما في الفقه الرضوي(1)لكنه مع اختصاصه بالمتوسطة يشكل الاعتماد عليه لعدم ثبوت حجيته، إلا أنه قد عرفت كون الحكم مسلما عندهم، بل لعله يدخل تحت معقد إجماع الخلاف، فإنه لما ذكر أحكام المستحاضة التي من أقسامها الكبرى قال:
«انها تجمع بين صلاة الظهر و العصر بغسل، و المغرب و العشاء بغسل، و الفجر و صلاة الليل بغسل، قال: و تؤخر صلاة الليل الى قرب الفجر و تصلي الفجر بها- الى ان قال-: دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم» انتهى. و مما ذكره أخيرا يعلم انها ليس لها ان تقدمه زائدا على الغرض من صلاة الليل، و يؤيده الاقتصار فيما خالف الأصل على المتيقن، لكن ذكر في الروض انها لو زادت على ذلك فهل يجب إعادته؟ يحتمل، لما مر في الجمع بين الصلاتين، و عدمه للإذن في التقديم، و فيه انه لم نجد إطلاقا في ذلك حتى يستند اليه سوى الفقه الرضوي، مع انه ليس فيه إلا (انها تغتسل لصلاة الليل و الغداة بغسل) و لعل المنساق منه ما سمعته من الخلاف.
ثم ان الظاهر قصر جواز التقديم المذكور على الغاية المتقدمة أعني صلاة الليل، فليس لها حينئذ ان تقدمه بدون ذلك، بل لو فعلته بهذه النية إلا أنه عرض لها ما منعها
1) 1 المستدرك- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 1.
ج3،
من فعلها مثلا لم تكتف به و احتاجت إلى إعادته على إشكال فيه، بل و في سابقه أيضا إذ يمكن ان يقال: ان هذا الحكم مما يكشف عن جواز تقديم الغسل بهذا المقدار من الزمان، و إلا فلا وجه للحكم بكونها محدثة ان لم تصل، و ليست بمحدثة ان صلت فتأمل.
هذا كله بالنسبة إلى الغسل، أما ما أوجب منها الوضوء كالاستحاضة القليلة بل و الوسطى بالنسبة إلى الظهرين و العشاءين فالأقوى أنه كالغسل، فمتى توضأت في أول الوقت ثم صلت في آخره مثلا لم يصح، كما صرح به في المبسوط و الخلاف و السرائر و الجامع و البيان و غيرها، و عن الوسيلة و الإصباح، بل لا أجد فيه خلافا صريحا إلا من العلامة في المختلف، و تبعه العلامة الطباطبائي في مصابيحه مدعيا فيها انه ظاهر الأكثر حيث لم ينصوا على وجوب المعاقبة بين الطهارة و غاياتها المتعددة، مع اكتفائهم بالطهارة الواحدة في الجميع، و يرشد إلى الأول- مضافا الى الاحتياط اللازم مراعاته في خصوص المقام في وجه تحصيلا للبراءة اليقينية، و إلى عدم ظهور الفرق بينه و بين الغسل في ذلك، و قد تقدم ما يدل عليه هناك، و الى عدم ثبوت العفو عن هذا الدم في الزائد على هذا المقدار، و الى احتمال وجوب تخفيف الحدث بالنسبة إلى الصلاة كالخبث، و الى دعوى انه المنساق الى الذهن من الأمر بالوضوء لكل صلاة، سيما ما كان منها مقرونا بالباء، ك
قوله (عليه السلام)(1): «تصلي كل صلاة بوضوء»
فتأمل- إيجاب تجديد الوضوء لكل صلاة، إذ لو لم تقدح الفاصلة لم تجب إعادته، و التزام صيرورة استمراره حدثا بمجرد فعل الصلاة لا مع عدمها كما ترى، و
قوله (عليه السلام) في خبر الصحاف(2):
«فلتتوضأ و لتصل عند وقت كل صلاة»
بناء على تعليق الظرف بالأول، و لم نجد غيرها من الأخبار قد اشتملت على لفظ عند، لكن في السرائر بعد ان ذكر وجوب المعاقبة قال: لأن
قولهم (عليهم السلام): (يجب الوضوء عند كل صلاة)
يقتضي المقارنة،
ج3،
لأن (عندا) في لسان العرب لا تصغر فهي للمقارنة كما ان قبيلا و بعيدا للمقارنة فكذلك (عند). لأنها مع ترك التصغير بمنزلة بعيد و قبيل في التصغير، و لعله عثر على ما لم نعثر عليه من الأخبار، فلا وجه للإنكار عليه بعدم الوجدان كما وقع من بعضهم، و يؤيده زيادة على ذلك ما عساه يظهر من الخلاف من دعوى الإجماع عليه، حيث قال:
«المستحاضة و من به سلس البول يجب عليه تجديد الوضوء عند كل صلاة، ثم ذكر أحكام المستحاضة- الى ان قال-: دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم» قلت: و قد يعين ان مراده دخول ذلك تحت الإجماع قوله حيث تعرض لخصوص ما نحن فيه من المسألة، ثم قال: «دليلنا ما قدمناه من انه يجب عليها تجديد الوضوء عند كل صلاة، و ذلك يقتضي أن تعقبه الصلاة» انتهى. فان استدلاله بما تقدم من العبارة الأولى كالصريح في كونها مدلولة للإجماع و الأخبار، فتأمل.
و بذلك كله يظهر لك الحال فيما عساه يستند به للثاني من الأصل، و العمومات و ورود الأخبار بالوضوء للصلاة أو عند وقتها، و
خبر ابن بكير المتقدم(1)«فعلت ما تفعله المستحاضة، ثم صلت»
و (ثم) للتراخي، و في المصابيح «انه قد تقرر في محله ما يدل عليه في الجمع بين الفريضة و النافلة بوضوء واحد، و كذا ما دل على جواز الطواف و صلاته بوضوء واحد» انتهى. لعدم صلاحية الأولين لمعارضة ما ذكرنا كالثالث ان لم ندع ان المنساق منها ما قلناه، و تقدم الكلام في الرابع، و في المنتهى بعد ذكره هذا الخبر على جواز الفصل قال: إلا ان الرواية ضعيفة السند، و ابن بكير لم يسندها الى إمام (ع) فنحن في هذا من المتوقفين، و نحوه عن المعتبر، و فيه انه ليس المانع من العمل بها ذلك انما هو ظهورها في إرادة الترتيب خاصة من غير تعرض لغيره كما ذكرنا، و إلا فغيرها من الروايات مثلها موجود، ك
قول الصادق (عليه السلام)
1) 1 الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحيض- حديث 5.
ج3،
في خبر يونس(1)في النفساء: «و ان رأت صفرة فلتتوضأ ثم لتصل»
فتأمل جيدا.
و ستعرف فيما يأتي حال ما ذكره في المصابيح، على انه لا يستفاد منه مطلق جواز الفصل.
ثم انه قد صرح جماعة من الأصحاب بأنه لا يقدح الاشتغال ببعض مقدمات الصلاة كالستر و الاجتهاد في تعرف القبلة، و هو حسن ما لم يستلزم طول زمان، لكن ظاهر كلام الخلاف منعه، و يظهر من الشهيد في الذكرى انه لا إشكال في جواز الفصل بالأذان و الإقامة، و هو كذلك، و أما انتظار الجماعة فقد استثناها أيضا بعض الأصحاب، و هو لا يخلو من نظر، و الأولى عدم الفصل بما يعتد به عرفا و ينافي المقارنة العرفية مطلقا حتى فيما يتعلق بالصلاة عدا ما يكون التلبس بها تلبسا في الصلاة كالأذان و الإقامة و نحوهما، ثم ليعلم ان ما ذكرناه هنا و المسألة السابقة من عدم جواز الفصل انما هو مع استمرار الدم لا مع انقطاعه قبل الوضوء و لو لغير برء، فلو توضأت و لم تصل و مع ذلك لم يخرج شيء من الدم فلا إشكال في صحة صلاتها بذلك الوضوء، و لعل إطلاق بعض كلمات الأصحاب مما ينافي ذلك منزل عليه أو على بعض الوجوه التي لا تنافيه، فتأمل جيدا.
بحسب الإمكان كما إذا لم تتضرر بحسبه بحشو الفرج بقطن أو غيره بعد غسله، فان انحبس و إلا فبالتلجم و الاستثفار بأن تشد وسطها بتكة مثلا و تأخذ خرقة أخرى مشقوقة الرأسين تجعل أحدهما قدامها و الآخر خلفها و تشدهما بالتكة، كما هو صريح جماعة و ظاهر آخرين، بل لم أجد فيه خلافا، بل لعله تقضي به بعض الإجماعات السابقة في تغيير الخرقة و نحوها، و يدل عليه- مضافا الى ما دل(2)على اشتراط طهارة ظاهر البدن في الصلاة و وجوب
ج3،
تقليل النجاسة في أقوى الوجهين- المعتبرة المستفيضة(1)حد الاستفاضة، و قد تقدم أكثرها في مطاوي الباب، و عن بعضهم تعليله زيادة على ذلك بحدثية هذا الدم، فيجب عليها الاستظهار في منعه، و قضيته بطلان الطهارة بخروجه إذا كان لتقصير في الشد كما صرح به في الذكرى، قال: «و لو خرج دم الاستحاضة بعد الطهارة أعيدت بعد الغسل و الاستظهار ان كان لتقصير فيه، و ان كان لغلبة الدم فلا للحرج» انتهى. و في استفادة ذلك من الأدلة نظر، بل مقتضاها العفو عن حدثيته بعد الطهارة نعم يستفاد منها شرطيته بالنسبة للصلاة خاصة، فلعل الأقوى حينئذ عدمه، كما ان الأقوى أيضا عدم إيجاب كون الاستظهار قبل الوضوء في القليلة و المتوسطة بالنسبة الى غير الغداة، و ان ذكره بعضهم قائلا انه قضية الأخبار.
نعم قد يستفاد من صحيح الصحاف(2)و خبر عبد الرحمن(3)المروي عن حج التهذيب كونه بعد الغسل، لعطفه عليه بثم، و مع ذلك فإيجابه فيه أيضا محل نظر لأولوية فعله في أثناء الغسل عليه بعده، و لانصراف الذهن الى عدم إرادة الإيجاب من ذلك، بل هو لغلبة حصول مشقة الفعل في الأثناء، و للعطف في كثير(4)من الأخبار بالواو و ان قدم فيها ذكر الغسل عليه مرتبا بثم على غيره، و لعله وقع الوهم من بعض حتى قال: ان قضية الأخبار و كلام الأخيار كون الاستظهار بعد الغسل، و علله مع ذلك
بعدم إمكان الغسل مسبوقا بالاستظهار، و فيه منع واضح كمنع ما وقع في الذكرى أيضا ناسبا له الى قطع الفاضل من وجوب هذا الاستظهار تمام النهار على الصائمة، نظرا إلى إشعار توقف صحته على الغسل بتأثره بالدم، إذ لا دليل عليه، بل قد تشعر الأدلة بخلافه، نعم هو واجب الى تمام الصلاة، فمتى ظهر الدم في الأثناء لتقصير في
ج3،
الشد اتجه البطلان، أما إذا كان لغلبة الدم فهو ان لم يكن لانتقال الاستحاضة إلى أعلى منه فلا بأس به على الأظهر، و أما إذا كان له كحدوث الوسطى مثلا على الصغرى أو الكبرى عليها أو على الوسطى اتجه إعادة الطهارة و الصلاة حتى إذا اتفقا في الأثر، لكونها حدثا آخر لا يجزئ عنه الأول، فيجب حينئذ الغسل بمجرد حدوث الكثيرة مثلا في أثناء الصلاة أو قبلها و ان كان قد اغتسلت للوسطى سابقا، و كذا الوضوء بالنسبة إلى عروض الوسطى على القليلة بالنسبة إلى صلاة الظهر مثلا، و ربما احتمل الاجتزاء مع اتفاق الأثر غسلا أو وضوءا لعدم وجوب نية كون الغسل مثلا منه، و هو ضعيف، فتأمل جيدا.
ثم انه نص جماعة هنا منهم الشيخ و العلامة و الشهيد على وجوب الاستظهار أيضا في المبطون و المسلوس للنص(1)في الثاني و فحواه و بعض ما تقدم سابقا في الأول، و نحو المسلوس بولا ما يقطر منه الدم للنص(2)أيضا لكن صرح جماعة بالفرق بينهما و بين الاستحاضة في وجوب تغيير الشداد فيها دونهما، معللين ذلك بالنص فيها، و التعدي قياس، و تقدم سابقا ما يرشد إليه في تغيير الخرقة، لكن ينبغي تقييده بما إذا تنجس كما عرفت فيما مضى، و الأحوط التغيير أيضا فيهما كالمستحاضة، كما ان الأولى أيضا حشو الإحليل بقطن مع إمكانه، ثم ان الأقوى في النظر عدم وجوب خصوص الاستثفار مع إمكان التوقي بغيره مما يساويه في المنع، لإطلاق الأمر بالاستيثاق في بعض المعتبرة(3)و انصراف الذهن من الأمر بالتلجم و الاستثفار إلى إرادة منع خروج الدم، كما ان الأقوى أيضا عدم وجوب الاستذفار بالذال المعجمة ان فسر بغير الاستثفار، بل ينبغي القطع به، فلعل ما في
رواية الحلبي(4)من (انها تستذفر بثوب)
ج3،
يراد بها الاستثفار أو يحمل على الاستحباب، لكن في آخرها «ان الاستذفار ان تتطيب و تستجمر بالدخنة و غير ذلك، و الاستثفار ان تجعل مثل ثفر الدابة» و ظاهره ان ذلك من الامام (عليه السلام). لكن يحتمل قويا ان ذلك من الكليني كما احتمله في الوافي، و قال فيه أيضا: «و ربما يقال باتحاد معنييهما، و انه قلب الثناء ذالا» انتهى.
و الأمر سهل بعد إمكان القطع بعدم وجوبه من خلو الفتاوى و أكثر النصوص عنه، اللهم إلا ان يتوقف عليه التوقي من خروج الدم، كما ان الظاهر أيضا عدم وجوب التحشي المفسر بربط خرقة محشوة بالقطن، يقال لها المحشي على عجيزتها، للأصل و خلو الفتاوى و النصوص عنه عدا
خبر ابن عمار(1)عن الصادق (عليه السلام) «من انها تغتسل للصبح و تحتشي و تستثفر و تحني و تضم فخذيها في المسجد و سائر جسدها خارج»
إلا ان يتوقف عليه أيضا التوقي كما تقدم، و عن بعض النسخ تحتبي بالتاء المثناة من فوق، و الباء الموحدة من الاحتباء، و هو جمع الساقين و الفخذين الى الظهر بعمامة و نحوها، ليكون ذلك موجبا لزيادة تحفظها من تعدي الدم، و عن بعض النسخ و لا تحني بزيادة لا و بالنون و حذف حرف المضارعة أي لا تختضب بالحناء، و أرسل عن العلامة انها بالياءين التحتانيتين، أولهما مشددة أي لا تصلي تحية المسجد، فهي مع هذا الاضطراب و خلو غيرها من النصوص ككلام الأصحاب غير صالحة للحكم من جهتها بالإيجاب إلا مع التقييد المذكور، و الأولى حملها على الاستحباب كضم الفخذين، فليتأمل.
و (منها) ان المستحاضة إذا فعلت جميع ذلك مما تقدم من الواجبات عليها بحسب حالها من قلة الدم و كثرته كانت بحكم الطاهرة لها ما لها و عليها ما عليها من غير خلاف أجده سوى ما ستسمعه من ابن حمزة و عن الشيخ خاصة بالنسبة إلى دخول الكعبة، بل حكى عليه الإجماع جماعة، و الذي يظهر بعد إمعان النظر في عبارة المصنف
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 1.
ج3،
و ما ماثلها من عبارات الأصحاب المحكي عليها الإجماع من بعضهم، و فيما تقتضيه الضوابط الشرعية في الباب و غيرها ان المراد ان المستحاضة مطلقا صغرى كانت أو غيرها إذا فعلت ما يجب عليها كانت بحكم الطاهر مما كانت متلبسة به من حدث الاستحاضة، و ارتفع به ما ثبت مانعيته منه على حسب حاله من القلة و الكثرة، فلا دلالة في هذه العبارة و نحوها على انها مع الإخلال بشيء من أفعالها و لو كانت صغرى مثلا تكون بحكم الحائض مثلا، أو انه يتوقف جواز وطئها على فعل الوضوء حيث تكون كذلك، أو ان المراد بحسب الظاهر أنها مع فعلها لما وجب عليها حتى تغيير الخرقة و القطنة تكون بحكم الطاهر من كل وجه مثل التي لم تتلبس بشيء من هذا الدم، و مع الإخلال بشيء من ذلك لا تكون كذلك و ان جاز لها مس كتابة القرآن و قراءة العزائم مثلا بدون التغيير المذكور، لعدم الدليل على اشتراط غير الصلاة به، فيكون المراد رفع الإيجاب الكلي الذي يكفي في صدقه حينئذ عدم صحة الصلاة مثلا، أو ان المراد كونها بحكم الطاهر بالنسبة إلى الصلاة التي وجبت هذه الأفعال لها على معنى انه لا يقدح استمرار الدم فيها، و حينئذ فالمفهوم بطلان الصلاة ان أخلت بشيء من ذلك من دون تعرض لغيره، و هذا هو المناسب كما حكي من الإجماع و نفي الخلاف، ضرورة كونه بهذا المعنى مفروغا منه منطوقا و مفهوما، بل لعله متيقن في عبارة المصنف و القواعد و ما شابههما، للنص فيه على الصلاة الدال على إرادته في المنطوق.
هذا كله ان لم نقل ان المراد بالشرطية في عبارات الأصحاب انما هو منطوقها خاصة، لكونه معقد إجماع و أمر متيقن بالنسبة إلى صيرورتها كالطاهر من غير نظر الى المفهوم، و هو كثيرا ما يستعمل في عبارات الفقهاء، إلا ان عبارات الأصحاب في المقام لا تخلو عن إجمال، لكنها لا تأبى الانطباق على بعض ما ذكرنا، فجماعة عبروا
ج3،
بنحو عبارة المصنف، و في المدارك في شرحها ان المشار اليه بذلك فيها جميع ما تقدم من الغسل و الوضوء و تغيير القطنة و الخرقة بحسب اختلاف حال الدم، و المراد من كونها بحكم الطاهر ان جميع ما يصح من الطاهر من الأمور المشروطة بالطهارة يصح منها، فتصح صلاتها و صومها و دخولها المساجد مطلقا و يأتيها زوجها ان شاء، و هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء، ثم ذكر الاختلاف في جواز وطئها قبل ذلك، و أشار إليه بالنسبة إلى دخول المساجد، و في الغنية و لا يحرم على المستحاضة و لا منها شيء مما يحرم على الحائض و منها، بل حكمها حكم الطاهر إذا فعلت ما ذكرناه، بدليل الإجماع المشار اليه، و في المعتبر «إذا فعلت ذلك صارت طاهرا، مذهب علمائنا أجمع إن الاستحاضة حدث تبطل الطهارة بوجوده، فمع الإتيان بما ذكره من الوضوء إن كان قليلا و الأغسال ان كان كثيرا يخرج عن حكم الحدث لا محالة، و يجوز لها استباحة كل ما تستبيحه الطاهر من الصلاة و الطواف و دخول المساجد و حل وطئها، و ان لم تفعل ذلك كان حدثها باقيا و لم يجز ان تستبيح شيئا مما يشترط فيه الطهارة» و نحوه عبارة المنتهى، و في التذكرة «إذا فعلت المستحاضة ما يجب عليها من الأغسال و الوضوءات و التغيير للقطنة و الخرقة صارت بحكم الطاهر، ذهب إليه علماؤنا أجمع» الى غير ذلك من عبارات الأصحاب التي يقرب بعضها من بعض، و الوجه فيها جميعا بحسب الظاهر ما تقدم، و إلا فقد يسبق الى بعض الأذهان من ملاحظة بعضها ان المستحاضة و لو كانت صغرى لا يجوز لها دخول المساجد مثلا و لا الصوم و لا قراءة العزائم متى أخلت ببعض ما وجب عليها و لو تغيير قطنة مثلا، نظرا الى مفهوم الشرط في بعضها انها متى أخلت بشيء من ذلك كانت كالحائض، و هو مما لا ينبغي الالتفات اليه كما يرشد إليه زيادة على خلو الأدلة عن الإشارة إلى شيء من ذلك مع الأصول حصرهم غايات الوضوء في غير ذلك من دون إشارة أحد منهم إلى شيء من هذه الأمور، سيما مع نص بعضهم عليها بالنسبة إلى أغسال المستحاضة
ج3،
الى غير ذلك من القرائن الكثيرة التي تدل على ما ذكرنا، اللهم إلا ان يقال: انما لم يذكر ذلك في الغايات لكونه في الحقيقة ليس غاية، إذ هو أمر تابع للمحافظة على أفعال الصلاة، و إلا فلا تشرع هذه الأفعال ابتداء لغيرها، فتأمل و انظر فإنك ستسمع له مزيد تحقيق.
و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في صيرورتها بحكم الطاهر مع إتيانها بالأفعال، فيصح لها ما يصح لها و عليها ما عليها بلا خلاف أجده من أحد سوى من ابن حمزة في الوسيلة، و ربما نقل عن الشيخ حيث حرم عليها دخول الكعبة و ان جاءت بالأفعال، و لعله لما في
مرسل يونس(1)عن الصادق (عليه السلام) «المستحاضة تطوف بالبيت و تصلي و لا تدخل الكعبة»
و هو مع مخالفته لما سمعت من الإجماعات المتقدمة و الأصول الشرعية قاصر عن إثبات ذلك، لمكان إرساله و عدم الجابر، فلذا كان المتجه حمله على الكراهة وفاقا لابني إدريس و سعيد و غيرهما، لشدة الاعتناء في التحفظ عليها من التلوث أو غير ذلك، كما انه لا ينبغي الإشكال في عدم جواز وقوع ما كان مشروطا بالطهارة منها مع إخلالها بما تحصل به صغرى كانت أو غيرها كالصلاة و الطواف و مس كتابة القرآن و نحوها، إنما الإشكال في توقف بعض الأمور على ذلك، للإشكال في مانعية حدث الاستحاضة منه حتى يتوقف على رفعه لها، (منها) اللبث في المساجد و الجواز في المسجدين، فالمشهور بين الأصحاب كما في موضع من المصابيح توقف جواز دخوله على الغسل، و في آخر قد تحقق ان مذهب الأصحاب تحريم دخول المساجد و قراءة العزائم على المستحاضة قبل الغسل الى ان نقل بعض الأقوال المنافية لذلك منها جواز دخولها ذلك من دون توقف كقراءة العزائم أيضا، ثم قال: و لا ريب في شذوذ هذه الأقوال، و حكى هو عن حواشي التحرير انه قال: و أما حدث الاستحاضة
1) 1 الوسائل- الباب- 90- من أبواب الطواف- حديث 2 من كتاب الحج.
ج3،
الموجب للغسل فظاهر الأصحاب انه كالحيض، و عن شارع النجاة الإجماع على تحريم الغايات الخمس على المحدث بالأكبر مطلقا عدا المس، ثم قال: و ظاهرهما الإجماع على وجوب غسل الاستحاضة لدخول المساجد و قراءة العزائم، و يستفاد ذلك أيضا من الغنية و المعتبر و التذكرة فيما تقدم من عباراتهم، انتهى.
قلت: و يؤيده أيضا إطلاق جملة من الأصحاب كالمصنف و العلامة و غيرهما وجوب الغسل للغايات الخمس في مبحث الغايات من غير فرق بين الأسباب الموجبة له، كما عن آخرين أيضا حيث استثنوا مس الميت خاصة، و مع ذلك كله فقد اختار في الرياض جواز الدخول لها بدون الأفعال تبعا للمدارك و الذخيرة و شرح المفاتيح لشيخنا الأعظم و مجمع البرهان و عن روض الجنان ناسبا له في الأخير إلى الدروس انه أطلق الجواز، و ربما استدل ب
خبر زرارة(1)عن أبي جعفر (عليه السلام) «ان أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر فأمرها رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين أرادت الإحرام من ذي الحليفة أن تغتسل و تحتشي بالكرسف و تهل بالحج، فلما قدموا و نسكوا المناسك سألت النبي (صلى الله عليه و آله) عن الطواف بالبيت و الصلاة، فقال لها:
منذ كم ولدت؟ فقال: منذ ثماني عشرة، فأمرها رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان تغتسل و تطوف بالبيت و تصلي و لم ينقطع عنها الدم ففعلت ذلك»
و لكنه كما ترى لا دلالة فيها على ذلك، نعم هي دالة على جواز إدخال النجاسة المسجد إذا لم تتعد، فالعمدة حينئذ الأصل مع عدم دليل معتد به مخرج عنه، و ما سمعته من النسبة إلى الأصحاب انها مع عدم الغسل كالحائض قد يناقش فيه بأنه مع ابتنائه على المفهوم الذي قد تقدم الكلام فيه ان جملة من العبارات كعبارة المصنف لا دليل فيها سوى أنها ان لم تفعل لم تكن بحكم الطاهر، و الأخرى لا صراحة فيها، بل و لا ظهور في أنها مع
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 19.
ج3،
عدم الأفعال يحرم عليها سائر ما يحرم على الحائض.
و من العجيب نسبة العلامة الطباطبائي استفادة الإجماع على ذلك مما سمعته من عبارة الغنية و المعتبر و التذكرة، على ان اعتبار مثل هذا المفهوم يقضي بعدم الاقتصار على حدث الاستحاضة الموجب للغسل خاصة، لشمول المفهوم لحدث الاستحاضة الموجب للوضوء أيضا خاصة، و لم أعرف أحدا قال بوجوبه بالنسبة إلى دخول المساجد و قراءة العزائم و نحو ذلك، و كيف كان فلا ريب في ضعف الظن الحاصل من النسبة المذكورة كالذي نقله عن حواشي التحرير بعد ان علم ان مأخذها من نحو هذه العبارات، بل و كذا ما حكاه عن شارع النجاة مع إمكان إرادة غير غسل الاستحاضة، نعم لا تخلو بعض عبارات الأصحاب من نوع إشعار به إلا انه بحيث يكون مدركا شرعيا يقطع به الأصل الشرعي لا يخلو من إشكال سيما ممن لم يقل بحجية كل ظن حصل للمجتهد، و لكن الاحتياط لا ينبغي ان يترك، و من ذلك يظهر لك الحال في قراءة العزائم و نحوها، فتأمل جيدا.
و في توقفه على أفعالها مطلقا قليلة كانت أو كثيرة أغسالا كانت أو غيرها، أو على الغسل خاصة، أو مع تجديد الوضوء، و عدمه فلا يتوقف على شيء من ذلك؟ أقوال، نسب أولها في الرياض إلى الشهرة العظيمة بعد ان اختاره، و حكاه في كشف اللثام عن ظاهر الاقتصاد و المقنعة و الجمل و العقود و الكافي و الإصباح و السرائر بل ظاهر المعتبر و التذكرة و الذكرى نسبته الى ظاهر الأصحاب معللين ذلك بأنهم قالوا يجوز لزوجها وطؤها إذا فعلت ما تفعله المستحاضة، كما عساه يظهر أيضا من المنتهى في أحد موضعيه أو نسختيه، و الثاني إلى ظاهر الصدوقين في الرسالة و الهداية، و ربما احتمل تنزيل غيره عليه، لاستبعاد مدخلية غير الغسل من الوضوء و غيره في حلية الوطء، و الثالث الى الشيخ في المبسوط، و الرابع إلى جماعة
ج3،
من الأصحاب منهم الفاضلان و الشهيد و غيرهم، و لعله الأقوى لكن على كراهة مع ترك الأغسال كما صرح بها بعضهم، أما الجواز فللأصل و إطلاق ما دل على إباحة وطء النساء و خصوصا بعد نقائهن من الحيض قبل الغسل منه أو بعده من الكتاب(1)و السنة(2)و خصوص
قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن عمار(3): «و هذه يأتيها بعلها إلا في أيام حيضها»
و
صحيح ابن سنان(4)«و لا بأس ان يأتيها بعلها إذا شاء إلا أيام حيضها»
قيل و مثلها موثقته(5)و
قول أبي الحسن (ع) في صحيح صفوان (6):
«لا هذه مستحاضة تغتسل و تستدخل قطنة بعد قطنة، و تجمع بين صلاتين بغسل، و يأتيها زوجها إن أراد»
و نحوها غيرها(7).
و قد يقال: إن المراد من هذه الأخبار انما هو بعد فعلها الأفعال كما عساه يشعر به تقديم ذكر ذلك على ذكر إباحة الوطء فيها، و لما سمعته من دعوى الشهرة العظيمة حتى نسب إلى الأصحاب من جهتها، و ل
قول الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الرحمن (8)حيث سأله «عن المستحاضة أ يطأها زوجها؟ و هل تطوف بالبيت؟: تقعد قرئها التي كانت تحيض فيه، فان كان قرؤها مستقيما فلتأخذ به، و ان كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين، و لتغتسل و تستدخل كرسفا- الى ان قال بعد ذكره عمل المستحاضة-:
و كل شيء استحلت به الصلاة فليأتها زوجها، و لتطف بالبيت»
و
قول أحدهما (عليهما السلام) في خبر زرارة و فضيل(9): «المستحاضة تكف عن الصلاة أيام أقرائها، و تحتاط
1) 1 سورة البقرة- الآية 222.
2) 2 الوسائل- الباب- 27- من أبواب الحيض.
3) 3 الوسائل- الباب- 24- من أبواب الحيض- حديث 1.
4) 4 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 4.
5) 5 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 4.
6) 6 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 3.
7) 7 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 8.
8) 8 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 8.
9) 9 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 12.
ج3،
بيوم أو يومين- ثم قال بعد ان ذكر عمل المستحاضة-: فإذا حلت لها الصلاة حل لزوجها أن يغشاها»
و
قول الباقر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم(1)المروي في المعتبر عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب «في الحائض إذا رأت دما بعد أيامها» الى ان قال بعد ذكر أيام الاستظهار: «فان صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع بين كل صلاتين بغسل، و يأتيها زوجها إذا أحب و حلت لها الصلاة»
و
قول الصادق (عليه السلام) في خبر إسماعيل بن عبد الخالق(2)المروي عن قرب الاسناد، و فيه قلت: «يواقعها زوجها، قال: إذا طال بها ذلك فلتغتسل و لتتوضأ ثم يواقعها إن أراد»
و
المضمر في موثق سماعة(3)«و إن أراد زوجها أن يأتيها فحين تغتسل»
و ما عن
الفقه الرضوي(4)حيث قال بعد ذكر المستحاضة: «و الوقت الذي يجوز فيه نكاح المستحاضة وقت الغسل و بعد ان تغتسل و تتنظف، لأن غسلها يقوم مقام الغسل للحائض»
و
قول الباقر (عليه السلام) في خبر مالك بن أعين(5)عن النفساء: «ثم تستظهر بيوم فلا بأس بعد ان يغشاها زوجها يأمرها فتغتسل ثم يغشاها إن أحب»
و
خبره الآخر(6)قال:
«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المستحاضة كيف يغشاها زوجها؟ قال: تنظر الأيام التي كانت تحيض فيها و حيضتها مستقيمة فلا يقربها في عدة تلك الأيام من ذلك الشهر، و يغشاها فيما سوى ذلك من الأيام، و لا يغشاها حتى يأمرها فتغتسل ثم يغشاها إن أراد».
و ما فيها من القصور في السند أو الدلالة مجبور بما سمعت من دعوى الشهرة المتقدمة
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 14.
2) 2 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 15.
3) 3 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 6.
4) 4 المستدرك- الباب- 3- من أبواب الاستحاضة- حديث 1.
5) 5 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 4.
6) 6 الوسائل- الباب- 3- من أبواب الاستحاضة- حديث 1.
ج3،
لكن قد يناقش في ذلك كله بمنع ظهور التقييد المزبور فيما ذكرنا من الأخبار، إذ قوله (عليه السلام): (و يأتيها زوجها) فيها هي إما جملة مستأنفة لبيان حكم المستحاضة أو معطوفة على الجملة السابقة، و هي على كلا التقديرين ظاهرة فيما قلنا، و الواو ليست للترتيب على الأصح، و خبر عبد الرحمن مع الطعن في سنده لا دلالة فيه على الاشتراط المذكور إلا بالمفهوم الضعيف في نفسه فضلا عن المقام، كما هو واضح، مع احتمال إرادة تعليق الإباحة السالمة عن الكراهة أو غير ذلك، و كذا خبر زرارة الذي بعده، مع انه قد يقال فيه زيادة على ذلك بأن المراد إذا حلت لها الصلاة أي صارت مستحاضة بعد ان كانت حائضا، لصدق حلية الصلاة عليها حينئذ لسبب ارتفاع مانع الحيض، و ان لم تكن متطهرة فعلا كالمرأة المحدثة بالأصغر مثلا، بل لعله الظاهر منها، فتكون للمختار حينئذ لا عليه، كصحيح ابن مسلم الذي بعده، بأن يجعل قوله (عليه السلام): (و يأتيها زوجها) فيه بيان حكم المستحاضة في نفسه، و هو قريب جدا، مع إمكان تأيده أيضا بأنه لو أريد منه حلية الصلاة فعلا لكان لا يجوز ان توطأ المستحاضة مع فعلها الأفعال و صلّت بها ثم انه دخل وقت الصلاة الثانية، و ذلك لعدم حلية الصلاة لها فعلا، لوجوب تجديد الأفعال لها، و هو مناف لقولهم: إنها إذا فعلت ذلك كانت بحكم الطاهر، و دعوى تقييد ذلك بما لم يدخل وقت الثانية مثلا لا وجه لها و لا شاهد عليها، إذ أقصى ما يستفاد من كلمات الأصحاب انها متى أخلت بالأفعال لم تكن بحكم الطاهر، و هذا غير صادق عليها في هذا الحال، إذ الفرض اتساع الوقت، فلا يقدح عدم مبادرتها لذلك، و لا تكون بمجرد ذلك بحكم الحائض، فلا ينتقض حكم طهارتها الأولى حينئذ بالنسبة للوطء و نحوه إلا إذا خرج الوقت و لم تفعل ما وجب عليها، فتأمل.
فلعل الأظهر حينئذ ان تكون الرواية لنا لا علينا، مع انه لا دلالة فيها على توقف إباحة الوطء على غير الغسل.
ج3،
و نحوه خبر إسماعيل بن عبد الخالق مع الطعن في سنده، و التعليق على ما لا يقول به الخصم من طول الزمان، بل كان حمله على الاستحباب لازم حتى منه، و ذلك لظهوره في كون المراد غسلا و وضوءا للوطء، فلا يكتفى بما عملته سابقا، و هو مجمع على بطلانه بحسب الظاهر، و حمله على إخلالها بأفعال المستحاضة بعيد ان لم يكن ممنوعا. و مثلها موثقة سماعة، إذ قوله: (فحين تغتسل) لا دلالة فيه على المنع بدون ذلك، لاحتمال كون المراد الجواز الذي لا كراهة فيه، أو غير ذلك، و الرضوي كاد يكون تعليله كالصريح في المختار، لما عرفت سابقا من جواز وطء الحائض قبل الغسل، و منه ينقدح زيادة تأييد لما قلنا، إذ من المعلوم ان حدث الحيض أعظم من الاستحاضة سيما الصغرى، و مع ذلك لم يمنع من جواز الوطء فالاستحاضة أولى، و احتمال إبداء الفرق بانقطاع الدم فيها دونها ضعيف، لأن الغسل و الوضوء لا يزيل نفس الدم في المستحاضة، انما يزيل حكمه، و هو الحدث الحاصل منه، فيكون المنع حينئذ مستندا اليه، فيتم ما ذكرنا، و منه يظهر فساد الاستدلال أيضا بكون دم الاستحاضة أذى، فيمتنع الوطء معه، إذ الأفعال لا ترفع الدم انما ترفع حكمه.
و قد أجاد في الذكرى فقال: و ما أقرب الخلاف هنا من الخلاف في وطء الحائض قبل الغسل، و خبر مالك مع أنه بالجملة الخبرية ظاهر في كون الغسل عن حدث الحيض، فيتجه حينئذ حمله على الاستحباب، لما تقدم في محله كخبره الآخر، و لا دلالة فيه على كون الغسل غسل الاستحاضة، الى غير ذلك من الأمور الكثيرة التي تقدح في الدلالة فيها بالنسبة الى ذلك، و كأن المستدل بها لاحظ في استدلاله إشعارا ما ينقدح عند تلاوتها، بل هو في كثير منها مبني على كون الواو للترتيب و نحوه من الأمور المعلومة الفساد من غير نظر الى ما يقتضيه التأمل فيها، و إلا فبعده يظهر عدم دلالتها على ذلك،
ج3،
بل في بعضها الدلالة على المختار، و أما ما ذكر أخيرا من دعوى إصلاح جميع ذلك مما في السند و الدلالة بالشهرة العظيمة ففيه أما أولا فبإمكان معارضته بالشهرة المتأخرة من زمن المصنف الى زماننا هذا، و أما ثانيا فبمنع الشهرة المذكورة، إذ كثير من الأصحاب عبر كعبارة المصنف إذا فعلت المستحاضة كانت بحكم الطاهر، و هي مع تسليم إرادة المفهوم منها على الوجه الذي يزيده الخصم فلا يقتضي إلا أنها مع الإخلال لا تكون بحكم الطاهر، و هذا لا يستلزم حرمة الوطء، لعدم اشتراط الطهارة فيه، و جملة منها (إنما لا يحرم عليها شيء مما يحرم على الحائض إذا فعلت ما وجب عليها) و هو أيضا مع تسليم ان المفهوم فيها انها ان لم تفعل حرم عليها سائر ما يحرم على الحائض لا يقضي بحرمة الوطء إلا مع تقييد الحائض في المفهوم بوجود الدم، نعم وقعت بعض عبارات من بعضهم ظاهرها ذلك، لكنه ينبغي القطع بعدم إرادتهم شرطية وضوءات الصغرى و تغيير القطنة أو الخرقة أو الاستثفار أو نحو ذلك، اللهم إلا أن يريدوا ما ستسمعه قريبا من ان أفعال المستحاضة إنما غايتها الصلاة و يباح الوطء حينئذ تبعا، و إلا فلا يراد فعل هذه الأمور ابتداء للوطء، فتأمل جيدا. و لو سلم فدعوى وصول هؤلاء إلى الشهرة العظيمة في ذلك لم نتحققها، بل لعل المتحقق عندنا عدمها، و كيف كان فمن أعطى النظر حقه في المقام علم أن القول بمدخلية سائر أفعال المستحاضة صغرى كانت أو غيرها في جواز الوطء في غاية البعد. نعم قد يقال ذلك بالنسبة إلى خصوص الأغسال، لكن الأقوى ما تقدم، و الاحتياط لا ينبغي تركه، بل لعل الأحوط أيضا غسل جديد لخصوص الوطء، و أما الكراهة فيعرف وجهها مما سمعت من الأخبار، كاستحباب الغسل المستقل للوطء، بل مع الوضوء، و قد يؤيد ان شاء الله فيما يأتي من الزمان في كتابة رسالة مستقلة في المسألة تشتمل على عبارات الأصحاب و بيان ما يفهم من كل واحدة منها مع الإحاطة بجميع أطراف المسألة، و فيها فوائد مهمة ربما تسمع الإشارة إلى بعضها، نسأل الله التوفيق.
ج3،
ثم ان العلامة الطباطبائي بعد ان ذكر نص العلامة و غيره من الأصحاب على نحو عبارة المصنف من ان المستحاضة إذا أتت بالأفعال كانت بحكم الطاهر قال: «و قضية ذلك عدم وجوب تجديد الوضوء و الغسل لغير الصلاة من الغايات كالطواف و المس و دخول المساجد و قراءة العزائم و نحوها، و يظهر ما قلناه من كلامهم في الصوم و الوطء، و ينبغي القطع به على القول بجواز فصل العمل عن الوضوء و الغسل، و من البعيد وجوب إعادة الغسل عليها لصلاة الطواف بعد الغسل للطواف، و من المعلوم عدم وجوب استقلال دخول المساجد بغسل غير غسل الطواف، و كلام الأصحاب غير محرر في هذا المقام فتدبر» انتهى. قلت: لا ينبغي الإشكال في ظهور عبارات الأصحاب بعدم وجوب تجديد شيء من ذلك عليها بعد فرض محافظتها على ما وجب عليها من الأفعال للصلاة، لأنها تكون حينئذ بحكم الطاهر من هذا الدم، فلا يؤثر استمراره أثرا، نعم تحتاج الى الوضوء أو الغسل مع عروض أسباب أخر موجبة لهما من الجنابة و البول و نحوهما، إنما الإشكال في أن صيرورتها بمنزلة الطاهر من حدث هذا الدم موقوفة على تلك الأفعال للصلاة خاصة، فلا يشرع حينئذ فعلها تلك الأفعال مستقلة لغير الصلاة، و لا تفيدها طهارة بالنسبة اليه و لا الى غيره قد يشعر تصفح عباراتهم في المقام و في توقف الصوم على ذلك بأن طهارتها و استباحتها لتلك الغايات تابع للأفعال الصلاتية، نعم قد يلحق بالصلاة الطواف لكونه صلاة، و للأخبار(1)الواردة به في نفاس أسماء بنت عميس.
و على هذا فلو استحاضت المرأة في غير وقت الصلاة لم يكن لها استباحة شيء من الغايات التي تتوقف على رفعه قبل أن يدخل وقت الصلاة، فتعمل ما عليها من الأعمال ثم تستبيح بذلك غيرها، و لا يجزئها الاغتسال أو الوضوء قبل ذلك لتلك الغاية مثلا، و قد يرشد إليه زيادة على ما يظهر من مطاوي كلماتهم خصوصا في توقف
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 6 و 11 و 19.
ج3،
الصوم و الوطء عدم ذكر جملة منهم ما يتوقف على أغسال المستحاضة و وضوءاتها في غايات الوضوء و الغسل، و لعله لما ذكرنا، إذ ليست حينئذ هي غايات مستقلة تشرع الأفعال لها ابتداء، بل هي أمور تابعة لتكليفها الصلاتي، فتكون حينئذ من قبيل الأحكام لها، لكن الجرأة على الجزم بذلك اعتمادا على مثل هذه الاشعارات لا يخلو من إشكال و نظر إلا انه يرتفع الاشكال بناء عليه في منافاة حكمهم بكون المستحاضة بحكم الطاهر مع الأفعال لما تقدم من أن المشهور عندهم عدم جواز الفصل بين الوضوء أو الغسل عن الصلاة، معللين ذلك بما يظهر منه انه مع التأخير ينقض الوضوء و الغسل، مع إمكان رفعه أيضا بوجه آخر، و هو أن صيرورتها بحكم الطاهر مع الأفعال لا ينافي إيجاب معاقبة الصلاة للفعلين تمسكا بما يظهر من الأخبار(1)من الاغتسال مثلا عند الصلاة، فحينئذ يتجه وجوب إعادة الأفعال للصلاة مع الفصل و ان جوزنا استباحة غيرها من الغايات بذلك الغسل مثلا، و لا بعد في كون هذه الطهارة كالمنقوضة بالنسبة إلى الصلاة دون غيرها، و يتجه بناء على هذا الأخير انه يجوز فعل هذه الأفعال ابتدءا لغير الصلاة من الغايات، فتستباح حينئذ بها و إن أخلت بها للصلاة، لكن هل تكون بمنزلة الطاهر بالنسبة إلى سائر الغايات غير الصلاة، أو يقتصر على خصوص تلك الغاية التي فعلت الأفعال لها اقتصارا على المتيقن؟ لا يبعد الأول، كل ذلك في كلمات الأصحاب غير محرر، و عباراتهم كتعليلاتهم في مقامات متعددة مضطربة، إلا أن الذي يمكن تحصيله من مجموعها ما تقدم سابقا من أن المراد أن فعلها للأفعال المذكورة انما هو للصلاة، و يباح الوطء حينئذ و غيره تبعا لها، بناء على اشتراطها بها فلا يستبعد حينئذ دعوى توقف جواز الوطء مثلا على تغيير القطنة أو الخرقة أو نحو ذلك، لكون المراد به بالنسبة للصلاة لا له، فتأمل جيدا كي يظهر لك الحال في ذلك و في حكمها بالنسبة إلى صلاة النوافل
1) 1 الوسائل- الباب- 1- من أبواب الاستحاضة- حديث 5 و 9 و 11.
ج3،
و القضاء و التحمل و نحو ذلك من الصلوات، و لعل قضية قولهم: إنها مع الأفعال تكون بحكم الطاهر جواز ذلك كله من دون تجديد لغسل أو وضوء، اللهم إلا أن يفرق بين الصلاة و غيرها من الغايات لما تقدم من الأخبار(1)الآمرة بالوضوء مثلا عند كل صلاة، و في شمولها لمثل المقام نظر.
و كيف كان فلا إشكال في أنها ان أخلت ب شيء من ذلك الذي قد أثبتنا سابقا وجوبه عليها لم تصح صلاتها فيجب عليها الإعادة أو القضاء للأدلة المتقدمة الظاهرة في الوجوب الشرطي، و ما في
مكاتبة ابن مهزيار(2)الآتية من أنها «تقضي الصوم و لا تقضي الصلاة»
شاذ معرض عنه بين الأصحاب أو محمول على ما لا ينافي ذلك و كذا لا إشكال في الجملة في أنها ان أخلت بالأغسال اللازمة عليها لم يصح صومها من غير خلاف أجده فيه، بل في جامع المقاصد و عن حواشي التحرير و منهج السداد و الطالبية و الروض الإجماع عليه، مع التصريح في الأول بعدم الفرق بين حالتي الوسطى و العليا كالمحكي عن غيره، فما في البيان و عن الجعفرية و الجامع من التقييد بالكثيرة شاذ أو محمول على ما يقابل القلة، مع ان الموجود في الأخير في المقام على ما حضرني من نسخته لا تقييد فيه، و يدل على أصل الحكم- مضافا الى ما تقدم و الى الشغل في وجه-
صحيح ابن مهزيار قال: «كتبت إليه امرأة طهرت من حيضها أو نفاسها من أول شهر رمضان، ثم استحاضت و صلت و صامت شهر رمضان من غير ان تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، فهل يجوز صومها و صلاتها أم لا؟ فكتب تقضي صومها و لا تقضي صلاتها، لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يأمر فاطمة (عليها السلام) و المؤمنات من نسائه بذلك».
ج3،
و المناقشة فيها- بالإضمار أولا، و باشتمالها على ما لا يقول به الأصحاب من عدم قضاء الصلاة ثانيا، و بمخالفتها للأخبار(1)المعتبرة الدالة على أن فاطمة (عليها السلام) لم تكن تر من ذلك شيئا ثالثا- مدفوعة بما مر غير مرة من عدم قدح الأول في الأخبار سيما في المقام، و من أن خروج بعض الخبر عن الحجية لا يخرجها تماما عنها، إذ هو بمنزلة أخبار متعددة، فلا يبعد وهم الراوي في بعض دون بعض، سيما في مثل الكتابة التي هي مظنة ذلك، فلا حاجة حينئذ إلى ارتكاب التكليفات البعيدة و التمحلات التي ليست بسديدة في علاج ذلك، كما وقع من بعضهم مع عدم صحة بعضها، فتأمل.
و باحتمال أن المراد بفاطمة انما هي فاطمة بنت أبي جيش، لأنها التي كانت كثيرة الاستحاضة فتسأل عنها، أو أن المراد انه (صلى الله عليه و آله) يأمر فاطمة (عليها السلام) ان تأمر المؤمنات، كما عساه يظهر من صحيح زرارة(2)الوارد في قضاء الحائض للصوم دون الصلاة، هذا مع ان المروي(3)عن الفقيه و العلل خال عن ذكر فاطمة، بل فيه (لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يأمر المؤمنات من نسائه بذلك) فلا وجه للتوقف في هذا الحكم من نحو هذه المناقشات في الرواية، كما وقع لسيد المدارك قائلا انه قد يظهر التوقف من الشيخ في المبسوط في هذا الحكم حيث أسنده إلى رواية الأصحاب، و هو في محله، إذ قد عرفت انه في غير محله بعد ما سمعت من اتفاق الأصحاب على ان ما استظهر من الشيخ لتلك العبارة محل منع، سيما بعد ملاحظة طريقته و طريقة مشاركيه من العاملين بأخبار الآحاد حيث يسندون الحكم إلى رواية الأصحاب مع عدم التعرض لطعن أو قدح انه في غاية الاعتماد عندهم، بل ذلك من الشيخ مؤيد للمختار لكونه أما رواية مستقلة أو إشارة إلى الصحيحة المتقدمة، و على
ج3،
كل حال فالتأييد به متجه.
ثم ان ظاهر المصنف بل كاد يكون صريحه كظاهر غيره انما هو توقف الصوم على خصوص الأغسال، لكن قد يظهر من السرائر كما عن صوم النهاية و المبسوط توقفه على غيره أيضا من أفعالها، لتعليق الفساد فيها على الإخلال بما عليها، فيشمل حينئذ الوضوء و تغيير القطنة و الخرقة، و كذا يظهر من طهارة المبسوط توقفه على الأغسال و تجديد الوضوء ناسبا للقضاء مع الإخلال بذلك إلى رواية أصحابنا، و لعله للإشعار في سؤال الرواية السابقة بأن المدار على أفعال المستحاضة و ان اقتصر على ذكر جمع الصلاتين بغسل واحد، و الأقوى الأول. و على كل حال فهل تتوقف صحة الصوم على الأغسال النهارية خاصة، أو هي مع الليلة السابقة خاصة، أو اللاحقة خاصة، أو الليلتين، أو الفجر خاصة؟ أوجه، أجودها الأول، و أضعفها الأخير، بل لم أعرف به قائلا على البت، نعم نقل عن العلامة في نهاية الأحكام أنه احتمله، ثم دونه في الضعف ما قبله من الوجهين، لمكان اعتبار غسل الليلة المستقبلة، و قد قطع جماعة بعدم اعتباره لمكان سبق انعقاد الصوم، و هو كذلك، و ان أمكن تجشم توجيهه مع تأييده بإطلاقهم فساد الصوم باخلالها بالغسل، نعم قد يتجه ثانيهما كالسابق على أولهما باعتبار الليلة الماضية، إلا انه لا دليل عليه أيضا مع الاجتزاء بما في النهار عنه، و عن الروض انه فصل بتقديم غسل الفجر ليلا و عدمه، فاجتزى بالأول عن غسل العشاءين دون الثاني، فيبطل الصوم حينئذ لو أخرته الى الفجر هنا، و ان لم يبطل لو لم يكن غيره، و الأقوى عدم التوقف على غير الأغسال النهارية، كما ان الأقوى أيضا عدم وجوب تقديم غسل الفجر عليه وفاقا لظاهر المعظم و صريح البعض، لتبعية حصوله للصوم لحصوله للصلاة، إذ لم يثبت اشتراط الزيادة على ذلك، كما تشعر به الصحيحة السابقة ككلمات الأصحاب، و خلافا لما عن الذكرى و معالم الدين من إيجاب التقديم، لكونه حدثا
ج3،
له مدخلية في صحة الصوم، فيجب تقدمه كالحائض المنقطع دمها قبل الفجر، و يدفعه منع التلازم بين المدخلية المذكورة و وجوب التقديم إذ لا إشكال في توقفه على غسل الظهرين مع عدم تصور تقديمه، و بذلك يمتاز حكم هذا الحدث عن حدث الحيض، و قد تقدم في مبحث الغايات ما له نفع تام في المقام، و يأتي إن شاء الله في باب الصوم ما هو كذلك.
الفصل الرابع من الفصول الخمسة.
في النفاس النفاس بالكسر لغة ولادة المرأة إذا وضعت، فهي نفساء على ما في الصحاح و القاموس و مجمع البحرين، و عن الغريبين يقال: نفست المرأة بضم النون و فتحها و في الحيض بالفتح لا غير كما قيل، فهي نفساء، و الجمع نفاس بكسر النون مثل عشراء و عشار، و لا ثالث لهما كما في الصحاح و القاموس، و يجمع أيضا على نفساوات من تنفس الرحم أو من النفس بمعنى الولد أو بمعنى الدم، لمكان استلزام خروج الدم غالبا، و لعله أولى من سابقيه، بل عن المطرزي ان اشتقاقه من تنفس الرحم
أو خروج النفس بمعنى الولد ليس بذاك، و لذا كان في عرف الفقهاء على ما نص عليه غير واحد من الأصحاب و ان كان في إثبات كونه كذلك شرعا نظر، يقال ل دم يقذفه الرحم بسبب الولادة في أيام مخصوصة، و من هنا كانت الولادة من غير دم و ان خرج الولد تاما ليست بنفاس إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا حد الاستفاضة، بل لعله متواتر، و به يخرج عن الأخبار بناء على شمولها لمثله، لمكان بقائه على اللغوي، مع إمكان المناقشة فيه و لو قلنا بذلك، لكونها منصرفة إلى غيره من الأفراد الغالبة المتبادرة كما عساه يلوح من تصفحها، خصوصا صحيح ابن يقطين(1)الآتي أيضا لا أقل من الشك، فيقتصر فيما خرج عن الأصل على اليقين، فما عن الشافعي في أحد قوليه و أحمد في إحدى الروايتين عنه مما يخالف ذلك ليس في محله.
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 16.
ج3،
و ليس لقليله حد إجماعا محصلا و منقولا في الغنية و الخلاف و المعتبر و المنتهى و الذكرى و الروض و غيرها، مضافا الى الأصل فيجوز ان يكون لحظة واحدة ففي
الخبر(1)«عن النفساء كم حد نفاسها حتى يجب عليها الصلاة؟ و كيف تصنع؟ فقال:
ليس لها حد»
و المراد في جانب القلة للإجماع و النصوص(2)في ثبوت التحديد في طرف الكثرة و في
صحيح ابن يقطين(3)عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) في النفساء «كم يجب عليها الصلاة؟ قال: تدع ما دامت ترى الدم العبيط»
فيدخل فيه ما لو لم تر إلا لحظة، كما انه قد يشعر بما تقدم آنفا من انه لو ولدت و لم تر دما في الأيام التي يحكم به لو وجد فيها لم يكن لها نفاس بلا خلاف و ان كان الولد تاما كما مر بيانه و دليله. و كذا لو رأت دما قبل تحقق الولادة بأن لم يبرز شيء من الولد فإنه ليس بنفاس بلا خلاف كما في الخلاف، و إجماعا كما في المدارك و الرياض، و هو الحجة بعد الأصل و النصوص، ففي
موثق عمار(4)المروي في الكافي عن الصادق (عليه السلام) «في المرأة يصيبها الطلق أياما أو يوما أو يومين فترى الصفرة أو دما، قال: تصلي ما لم تلد»
و كذا رواه الصدوق بإسناده إلى عمار(5)مع تغيير يسير، و
خبر زريق بن الزبير الخرقاني(6)المروي عن مجالس الشيخ قال:
«سأل رجل الصادق (عليه السلام) عن امرأة حامل رأت الدم، فقال: تدع الصلاة، قال: فإنها رأت الدم و قد أصابها الطلق فرأته و هي تمخض، قال: تصلي حتى يخرج رأس الصبي، فإذا خرج رأسه لم يجب عليها الصلاة، و كل ما تركته من الصلاة
ج3،
في تلك الحال لوجع أو لما هي فيه من الشدة و الجهد قضته إذا خرجت من نفاسها، قال:
جعلت فداك ما الفرق بين دم الحامل و دم المخاض؟ قال: ان الحامل قذفت بدم الحيض و هذه قذفت بدم المخاض الى أن يخرج بعض الولد، فعند ذلك يصير دم النفاس، فيجب ان تدع في النفاس و الحيض، فأما ما لم يكن حيضا و نفاسا فإنما ذلك من فتق الرحم»
فلا إشكال حينئذ في كونه ليس بنفاس.
لكنه هل هو استحاضة أو حيض مع إمكانه؟ أطلق المصنف فقال كان طهرا و هو متجه بناء على مختاره من عدم مجامعة الحيض الحمل، كالذي في الخلاف الدم الذي يخرج قبل الولادة ليس بحيض عندنا، الى ان قال: دليلنا إجماع الفرقة على ان الحامل المستبين حملها لا تحيض، و كذا يتجه بناء على المختار أيضا من جواز الاجتماع إذا لم يمكن الحكم بحيضيته كما إذا فقد التوالي ثلاثة أيام أو لم يتخلل بينه و بين النفاس أقل الطهر بناء على اشتراط ذلك فيهما كما بين الحيضتين، لكون النفاس دم حيض احتبس للحمل، و لما دل(1)على مساواة حكم النفاس للحيض، و لخبري زريق و عمار المتقدمين، و لما دل(2)على ان أدنى الطهر عشرة، و لإطلاق الأخبار(3)و الفتاوى بأن دمها إذا جاوز أكثر النفاس حكم بالاستحاضة، و لو جازت معاقبة الحيض النفاس من غير تخلل أقل الطهر حكم بالحيضية إذا أمكنت خصوصا إذا صادف العادة، و عن الخلاف نفي الخلاف عن اشتراط تخلل أقل الطهر بين الحيض و النفاس، فما عساه يظهر من المنتهى- كالمنقول عن النهاية و ظاهر التذكرة و اختاره في المدارك من عدم اشتراط ذلك، فيحكم بحيضية ما قبل الولادة و ان لم يتخلل نقاء أقل الطهر، لأن
ج3،
نقصان الطهر انما يؤثر فيما بعده لا فيما قبله، و هنا لم يؤثر فيما بعده، لأن ما بعد الولد نفاس إجماعا، فأولى ان لا يؤثر فيما قبله، فيمنع حينئذ اشتراط طهر كامل بين الدمين مطلقا، بل بين الحيضتين- ضعيف لما عرفت، و لا فرق فيما ذكرنا من الحكم بالاستحاضة بين ما كان الحكم بالحيضية مستلزما لأقلية الطهر من عشرة و بين ما لا يكون كذلك، كما لو كان الدم المرئي قبل الولادة متصلا بها، مع عدم المنافاة بين حيضيته و نفاسية ما بعده، كما لو رأت ثلاثة أيام متوالية قبل الولادة ثم ولدت و رأت دم النفاس و انقطع في اليوم الخامس، و احتمال الحكم هنا بالحيضية لعدم استلزامه صيرورة الطهر أقل من عشرة و لا غير ذلك مما ينافيها ممكن، إذ ليس في الأدلة ما يدل على وجوب تخلل أقل الطهر بين الحيض و النفاس، بل أقصاها كون الطهر لا يقصر عن عشرة، نعم حيث كان النفاس حيضا احتبس اعتبر فيه ان لا يتجاوز هو مع سابقه العشرة، أما مع التجاوز فلا بد من الحكم باستحاضة السابق، لكون ما بعد الولادة نفاسا إجماعا حتى تنتهي الأيام التي يمكن فيها النفاسية، و قد تحمل بعض عبارات من لم يشترط تخلل النقاء على هذا، لا الحكم بطهرية النقاء المتخلل و ان قصر عن العشرة، بل المراد انه لا مانع من تعقب النفاس للحيض من دون تخلل نقاء، لكن الظاهر من ملاحظة كلام من تعرض لذلك عدم الفرق بين الصورتين أي صورة الاتصال و عدمه، كما لعله الأقوى، و لذا نقل عن العلامة انه قال: «و لو رأت الحامل الدم على عادتها و ولدت على الاتصال من غير تخلل نقاء أصلا فالوجهان» انتهى.
قلت: و لعله لكون النفاس عندهم بمنزلة حيضة مستقلة لا مدخلية لها بالحيضة الأولى، ابتداؤها من حين رؤية الدم بعد الولادة، فيجب حينئذ ان يتخلل بين الحيضة الأولى و بين النفاس أقل طهر، و إلا لزم جواز تعاقب الحيضتين من دون تخلل الطهر، مضافا الى ما سمعته من الأخبار المتقدمة، لظهورها في استحاضة الدم المتصل بدم النفاس،
ج3،
و لو أمكن القول باستحاضة دم الطلق على كل حال لكان وجها لما تقدم، خصوصا خبر زريق، إلا أنه لم أره لأحد، و لعله لندرة تحقق الطلق مع اجتماع شرائط الحيض من التوالي و تخلل النقاء، إذ الغالب وجود الطلق قبل الولادة بيوم أو يومين و نحوهما، فمن هنا حكم باستحاضته، هذا كله في المرئي قبل الولادة، أما ما كان بعدها فلا إشكال في نفاسيته إجماعا و نصوصا(1)و أما المصاحب لها فالمشهور نقلا و تحصيلا انه كذلك، بل لعله لا خلاف كما يشعر به قوله في الخلاف (عندنا) لاحتمال تنزيل ما في الوسيلة و الجامع كالمنقول عن كافي أبي الصلاح و مصباح المرتضى من أن الدم الذي تراه المرأة عقيب الولادة على إرادة خروج جزء من الولد أو على الغالب أو غيره كبعض الأخبار المعلقة للنفاس على الولادة، منها ما تقدم في موثق عمار (انها تصلي ما لم تلد) و ذلك لضعفها عن مقاومة خبر زريق المتقدم المعتضد بالشهرة العظيمة بل بظاهر إجماع الخلاف ك
خبر السكوني(2)عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله): ما كان الله ليجعل حيضا مع حبل، يعني إذا رأت المرأة الدم و هي حامل لا تترك الصلاة إلا أن ترى على رأس الولد إذا أخذها الطلق و رأت الدم تركت الصلاة»
بناء على أن (يعني) من كلام المعصوم (ع) كما هو الظاهر، و بدونه فهو مؤيد لما قلنا و ان لم يكن حجة، هذا. و استدل جماعة من الأصحاب على المختار مضافا الى ذلك بتناول اسم النفاس له، إذ هو دم خرج بسبب الولادة، فيشمله إطلاق النصوص، و فيه نظر واضح يعرف مما تقدم سابقا في معنى النفاس، إلا أن الأمر سهل.
ثم انه لا إشكال في تحقق النفاس مع صدق اسم الولادة سواء كان المولود تاما أو ناقصا و لو سقطا، أما ما كان مثل المضغة فالمعروف بين الأصحاب بل لم أجد فيه خلافا انها كذلك، بل في التذكرة الإجماع عليه، قال فيها: «فلو ولدت مضغة أو علقة
ج3،
بعد ان شهد القوابل انه لحمة ولد و يتخلق منه الولد كان الدم نفاسا بالإجماع، لأنه دم جاء عقيب حمل» انتهى. و أرسل عن شرح الجعفرية الإجماع أيضا عليها لكن مع التقييد بما قيدها به في الذكرى و الروضة من اليقين، قلت: و كأنه مستغنى عنه بعد تعليق الحكم على المضغة كالمتقدم في التذكرة ان قلنا انه قيد فيها للمضغة، و لعله للعلقة كما عساه يشعر به كلامه في العلقة المشتبهة.
و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في إلحاق المضغة بعد ما عرفت و ان لم يصدق اسم الولادة معها، مع إمكان منع ذلك أيضا، و ربما يظهر من الكلام في المضغة الكلام في العلقة، لما فيه من الاشعار بعدم دوران النفاس على اسم الولادة بل على مبدأ نشو آدمي، و هو متحقق في العلقة، و من هنا صرح بتحقق النفاس معها جماعة منهم العلامة و الشهيدان، بل قد عرفت دعوى الإجماع عليه في التذكرة كما عن شرح الجعفرية لكن مع التقييد في الجميع بالعلم بكونها كذلك بشهادة القوابل أو غيرها، و لعله به يرتفع الخلاف فيها، لتعليل من منع النفاس معها كما في المعتبر و المنتهى و غيرهما بعدم اليقين للحمل بذلك، فهو يشعر بتحققه مع اليقين، فلا خلاف حينئذ، و من هنا أنكر في الروض على المحقق الثاني توقفه في العلقة بعد العلم و اليقين، حيث قال بعد ان نقل عن الذكرى انه لو فرض العلم بأنه مبدأ نشو انسان بقول أربع من القوابل كان نفاسا:
«قال: و توقف فيه بعض المحققين لانتفاء التسمية، و لا وجه له بعد فرض العلم، و لأنا ان اعتبرنا مبدأ النشو فلا فرق بينها و بين المضغة» انتهى. فما في المدارك من الإنكار على جده بأن التوقف لعدم صدق اسم الولادة ليس في محله، بل قد يظهر من الذكرى احتمال ثبوت النفاس مع النطفة أيضا بعد العلم بكونها كذلك، و لا بأس به إلا ان فرض العلم به متعسر ان لم يكن متعذرا، فظهر لك من ذلك كله ان الأقوى تحقق النفاس مع المضغة و العلقة، و به ينقطع الأصل لو لم نقل ان الأصل يقضي بما قلنا، فتأمل جيدا.
ج3،
و لا ريب أن لأكثر النفاس حدا إجماعا و نصوصا(1)فما في بعض الأخبار(2)من انه لا حد للنفاس مطرح أو يراد الأقل، و كذا ما في آخر مروي عن
المقنع(3)عن الصادق (عليه السلام) «ان نساءكم لسن كالنساء الأول، ان نساءكم أكثر لحما و أكثر دما فلتقعد حتى تطهر»
نعم وقع الخلاف بين الأصحاب في تحديده لاختلاف الروايات، فقيل عشرة أيام كالحيض، و اختاره المصنف بقوله على الأظهر كما هو خيرته في المعتبر و ظاهر النافع حيث نسبه الى أشهر الروايات وفاقا للمقنعة على ما حضرني من نسختها و التهذيب و الخلاف و المهذب و الغنية و الوسيلة و إشارة السبق و السرائر و الجامع و غيرها، و حكاه في المختلف عن علي بن بابويه، و ربما مال إليه في المبسوط كما انه عساه يظهر من المنقول عن المقنع، بل هو المشهور على ما حكاه جماعة، و في ظاهر الخلاف أو صريحه كالغنية الإجماع عليه، و لعله يرجع اليه ما في كتب العلامة عدا المختلف و الشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم من متأخري المتأخرين من أن أكثره عشرة للمبتدأة و المضطربة دون ذات العادة، فتتبع عادتها ان لم ينقطع الدم على العشرة، و إلا كان الكل نفاسا كما صرح به في القواعد، إذ الظاهر أن مراد الأولين بكون العشرة أكثره انما هو تحديد لأقصى ما يمكن فيه النفاس، لا إرادة العشرة الفعلية في كل ما تجاوز الدم، فلا ينافيه حينئذ رجوع ذات العادة إلى عادتها عند تجاوز الدم، كما يرشد الى ذلك تشبيههم له بالحيض، و ظاهر استدلالهم عليه بالروايات(4)الكثيرة المتضمنة لرجوع ذات العادة إلى عادتها، و بأنه حيض احتبس لتغذية الولد، و نسبته في المقنعة إلى الأخبار المعتمدة و الى أشهر الروايات في النافع
ج3،
و ليس إلا أخبار العادة، كحكاية الشهرة على ما سمعت من التفصيل من المحقق الثاني و غيره، و هي لا تتم إلا بإرادة المتقدمين ذلك، فيكون حينئذ قولهم: إن أكثر النفاس نحو قولهم: أكثر الحيض عشرة، أي أقصى إمكان الحيض لا أنها بتمامها دائما حيض، و لذا حكموا برجوع ذات العادة إلى عادتها، و المبتدأة و المضطربة إلى التمييز و النساء و الروايات، فإذا كان المراد بأكثر الحيض ذلك كان ما نحن فيه أيضا كذلك لتشبيههم له به.
لكن الذي يظهر من العلامة في المختلف و الشهيد في الذكرى و تبعهما بعض متأخري المتأخرين ان مراد الأصحاب بقولهم: أكثر النفاس عشرة أن العشرة بتمامها نفاس مع استمرار الدم و ان كانت ذات عادة، و من هنا قال الشهيد في الذكرى:
«الأخبار(1)الصحيحة المشهورة تشهد برجوعها الى عادتها في الحيض، و الأصحاب يفتون بالعشرة، و بينهما تناف ظاهر» انتهى. و قد يؤيده ما عساه يظهر من التهذيب حيث قال: «انه لا خلاف بين المسلمين أن عشرة أيام إذا رأت المرأة من النفاس، و ما زاد على ذلك مختلف فيه» ثم قال: «و يدل على ما ذكرنا من أن أقصى أيام النفاس عشرة ما أخبرني به الشيخ أيده الله» و ساق الأخبار المستفيضة التي تضمنت الرجوع الى العادة، و كذا يؤيده إطلاق بعضهم أن أكثر النفاس عشرة من دون بيان القدر الذي تتنفس فيه من العشر لو استمر، و كذا ذكرهم لذلك في سياق سائر الأقوال التي ذكروها في تحديد الأكثر لكون النفاس تمام المدة على تلك الأقوال، و أصرح من ذلك كله ما في المعتبر، فإنه بعد أن نقل الأقوال في المسألة و اختار العشرة مستدلا عليها بلزوم العبادة ترك العمل به في العشرة إجماعا، و بأن النفاس حيض حبس للاحتياج الى الغذاء، و أيده بالنقل المستفيض عن أهل البيت (عليهم السلام) و ذكر بعض أخبار
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس.
ج3،
الرجوع الى العادة، ثم قال بعد ذلك: «و يعتبر حالها عند انقطاعه قبل العشرة، فإن خرجت القطنة نقية اغتسلت، و إلا توقعت النقاء أو انقضاء العشرة» و استدل عليه بما
روي(1)أن النفساء تقعد بأيام قرئها، ثم تستظهر بعشرة أيام،
ثم قال في جملة فروع أوردها: «لا ترجع النفساء مع تجاوز الدم الى عادتها في النفاس و لا الى عادتها في الحيض و لا إلى عادة نسائها، بل تجعل عشرة نفاسا، و ما زاد استحاضة حتى تستوفي عشرة، و هي أقل الطهر» انتهى.
لكنك خبير بأن الذي يقتضيه التدبر في كلام الأصحاب بعد تحكيم محكمه على متشابهه هو ما ذكرناه أولا و أن ما ذكره في المعتبر اختيار منه، لا أن كلام الأصحاب كذلك على انه ممكن التأويل بما لا ينافيه من إرادته وجوب الاستظهار إلى العشرة، مع إلحاق أيامه بالنفاس ككلام الشيخ في التهذيب على أن يكون مراده أيضا من نفي الخلاف عن كون العشرة أكثر إمكانه.
و كيف كان فالمشهور في أكثر النفاس ذلك مطلقا، و قيل ثمانية عشرة مطلقا كما في الفقيه و الانتصار ناسبا له الى انفراد الإمامية و المراسم و ظاهر الهداية، و حكاه في المختلف عن المفيد و ابن الجنيد، و قيل بالتفصيل بين ذات العادة و غيرها كما هو خيرة العلامة في المختلف قال فيه بعد نقله الأقوال: «و الذي اخترناه نحن في أكثر كتبنا أن المرأة إن كانت مبتدأة في الحيض تنفست بعشرة أيام، فإن تجاوز الدم فعلت ما تفعله المستحاضة بعد العشرة، و ان لم تكن مبتدأة و كانت ذات عادة مستقرة تنفست بأيام الحيض، و ان كانت عادتها غير مستقرة فكالمبتدأة، و الذي نختاره هنا أنها ترجع الى عادتها في الحيض ان كانت ذات عادة في الحيض، و إن كانت مبتدأة صبرت ثمانية عشر يوما» انتهى. و استحسنه المقداد في التنقيح كما ربما مال اليه بعض متأخري المتأخرين، و قيل بأن أكثره أحد و عشرون، و هو المنسوب
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 3.
ج3،
الى ابن أبي عقيل، لكن عبارته المحكية عنه لا تخلو من تناف ظاهر قال: «و أيامها عند آل الرسول (صلوات الله عليهم) أيام حيضها، و أكثره أحد و عشرون يوما، فان انقطع دمها في أيام حيضها صلت و صامت، و ان لم ينقطع صبرت ثمانية عشر يوما ثم استظهرت بيوم أو يومين، فان كانت كثيرة الدم صبرت ثلاثة أيام ثم احتشت و استثفرت و صلت» إذ قوله: (أيام حيضها) مناف لقوله: (أحد و عشرون) و لا يخفى ما في قوله أيضا: (صبرت ثمانية عشر) مع أنها ليست بأكثره عنده، و إلا فلا وجه لقوله: (صبرت ثلاثة) فتأمل.
و كيف كان فلا ريب ان الأقوى عدم إمكان زيادته على العشر، كما ان الأقوى رجوع ذات العادة إليها مع التجاوز لا مع عدمه، و غيرها إلى العشرة، أما الأول فللأصل في وجه كالاحتياط، و لاجماعي الخلاف و الغنية المعتضدين بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا كما عرفت و تعرف، و لما تشعر به الأخبار المستفيضة حد الاستفاضة الآمرة بالرجوع إلى العادة، خصوصا ما اشتمل منها(1)على الأمر بالاستظهار باليوم أو اليومين أو الثلاثة أو بعشرة، على ان يراد بالباء معنى (الى) كما
صرح به الشيخ، إذ لا ريب في ظهورها و كون المنساق منها مساواة النفاس للحيض في ذلك، و قد ورد(2)نظيرها فيه مع إمكان تتميمها أيضا بالإجماع المركب، إذ لم يقل أحد ممن قال بأن أكثر النفاس ثمانية عشر مطلقا بالرجوع إلى العادة، و بأن يقال:
إنها أمرت بالرجوع إلى العادة، و أقصاها عشرة فأقصاه عشرة، فتأمل، أو بأن يراد بأيامها الأيام التي يمكن أن يكون الدم فيها حيضا، كما لعله يكشف عنه
الرضوي(3)قال: «النفساء
ج3،
تدع الصلاة، أكثره مثل أيام حيضها، و هي عشرة»
لكنه بعيد بالنسبة إلى جميعها، إلا أن الرضوي مؤيد آخر للمطلوب، و أيضا فقد عرفت فيما مضى أن الذي يقتضيه التدبر في أخبار الاستظهار ثبوته للعشرة، كما أنه هنا كذلك، و من المعلوم أن المراد بالاستظهار طلب ظهور الحال، فلو لم يكن أكثره عشرة لما كان في انتظارها ظهور للحال، و ذلك واضح، و لما في المقنعة انه جاءت أخبار معتمدة في أن أقصى مدة النفاس هو عشرة أيام، و هو يرشد الى ما قلناه في أخبار العادة إن أراد الإشارة إليها كما هو الظاهر، إذ لم نجد في كتب الأخبار غيرها، و يؤيده استدلال بعض أساطين الأصحاب بها على ذلك، و إن أراد غيرها كان حجة مستقلة، إذ ليس ما يحكيه إلا كما يرويه، كالمروي(1)في
التهذيب عن ابن سنان «ان أيام النفساء مثل أيام الحيض»
و لما يشعر به
صحيح زرارة(2)زيادة على الرجوع الى العادة قال: «قلت له النفساء متى تصلي فقال: تقعد بقدر حيضها، و تستظهر بيومين، فان انقطع الدم و إلا اغتسلت و احتشت و استثفرت- الى أن قال-: قلت: و الحائض، قال: مثل ذلك سواء فان انقطع عنها الدم و إلا فهي مستحاضة تصنع مثل النفساء سواء، ثم تصلي و لا تدع الصلاة على حال، فإن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: الصلاة عماد دينكم»
و هو و ان كان مضمرا في الكافي لكنه مسند الى أبي جعفر (عليه السلام) في رواية الشيخ كما في الوسائل، و لما يشعر به مساواة النفساء للحائض في جل الأحكام كما ستعرف، و لأن النفاس حيض احتبس لغذاء الولد كما ذكره غير واحد من الأصحاب. و لعله يستفاد من الأخبار(3)و للمرسل عن الصادق (عليه السلام) على ما حكاه في كشف اللثام
ج3،
عن السرائر عن المفيد، و ان كان لم أجده فيها، قال: سئل المفيد كم قدر ما تقعد النفساء عن الصلاة؟ و كم تبلغ أيام ذلك؟ فقد رأيت في كتاب أحكام النساء أحد عشر يوما، و في المقنعة ثمانية عشر يوما، و في كتاب الإعلام أحد و عشرين يوما، فعلى أيها العمل دون صاحبه؟ فأجابه بأن قال: الواجب على النفساء ان تقعد عشرة أيام، و انما ذكرت في كتبي ما روي(1)من قعودها ثمانية عشرة يوما، و ما روي في النوادر استظهارا بأحد و عشرين يوما، و عملي في ذلك على عشرة أيام ل
قول الصادق (عليه السلام) «لا يكون دم نفاس زمانه أكثر من زمان حيض»
و ستعرف فيما يأتي ما يدل عليه من أخبار أسماء(2)أيضا.
هذا كله مع أنا لم نعثر للخصم على ما يصلح لمعارضة شيء مما ذكرنا، إذ الأخبار- (منها)(3)و هو الكثير حتى انه روى ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب و الاستبصار نحوا من عشرة أحاديث- صريحة في رجوع النفساء إلى أيامها في الحيض، و الأكثر منها متكرر في الأصول، و (منها)(4)ما دل على جلوسها ثلاثين، و لم يقل به أحد من الأصحاب، بل الإجماع محصل و منقول على خلافه، و كذا ما دل منها(5)على الأربعين، و مثلهما(6)المتضمن لما بين الأربعين إلى الخمسين، و نحوه آخر(7)ثلاثين أو أربعين إلى الخمسين، و لذا قال في الفقيه: و الأخبار التي رويت في قعودها أربعين يوما و ما زاد الى أن تطهر معلولة كلها، وردت للتقية لا يفتي بها إلا أهل الخلاف، و قال في التذكرة على ما حكي عنها: «قال الشافعي: أكثره ستون يوما،
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 26.
2) 2 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 6 و 7 و 11.
3) 3 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس.
4) 4 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 16.
5) 5 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 17.
6) 6 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 18.
7) 7 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 13.
ج3،
و هو رواية لنا، و به قال عطاء و الشعبي و أبو ثور، و حكي عن عبد الله بن الحسن العنبري و الحجاج بن أرطأة- إلى أن قال-: و قال أبو حنيفة و الثوري و أحمد و إسحاق و أبو عبيدة أكثره أربعون يوما، و هو رواية(1)لنا أيضا، و حكى ابن المنذر عن الحسن البصري انه قال: خمسون يوما، و هو رواية(2)لنا، و حكى الطحاوي عن الليث انه قال: من الناس من يقول: انه سبعون يوما» انتهى.
و (منها) ما دل(3)على سبع عشر ليلة، و لم أعرف أحدا عاملا به، و نحوه
المروي(4)عن الصادق (عليه السلام) «كم تقعد النفساء حتى تصلي؟ قال: ثمان عشرة سبع عشرة ثم تغتسل و تحتشي و تصلي»
إن أريد التخيير، و ليس بحجة في خصوص الثمان عشر ان كان شكا من الراوي، و (منها) ما دل(5)على الثمان عشر، و لم نعثر على غيرها مما يدل على مذهب ابن عقيل من الواحد و العشرين، و لذا كان ساقطا، بل في المبسوط انه لا خلاف في ان ما زاد على الثمانية عشر حكمه حكم الاستحاضة، كما هو قضية إجماع الانتصار و غيره، مع ما عرفت من تساقط عبارة القائل، و احتمال الاستدلال له بما في
صحيح ابن مسلم(6)قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن النفساء كم تقعد؟ فقال: إن أسماء بنت عميس أمرها رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان تغتسل لثمان عشرة، و لا بأس بأن تستظهر بيوم أو يومين»
كما ترى لا ينطبق على تمام ما تقدم من دعواه، بل لم أعثر على عامل به جميعه عدا ما ينقل عن الصدوق في الأمالي، نعم قد يستدل له بمرسل البزنطي المروي في المعتبر، قال بعد نقله عبارة القائل: قد روى ذلك البزنطي في كتابه عن جميل عن زرارة و محمد بن مسلم عن
ج3،
الباقر (عليه السلام)، و عن التذكرة بعد إيراد تلك العبارة كما رواه البزنطي في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) و هو على تقدير تسليمه لا يصلح لمعارضة ما تقدم من وجوه غير خفية، و بذلك كله يظهر لك انحصار البحث في الثمانية عشر و غيرها من أخبار العادة، و لا ريب في ترجيح الثانية لوجوه (منها) قلة المفتي بالأولى حتى ان عمدة القائلين بذلك كالمفيد و المرتضى قد نقل عنهما في السرائر الفتوى بالمختار في كتاب أحكام النساء من شرح كتاب الأعلام و الخلاف للمرتضى، و قد عرفت ما عن الصدوق في المقنع، كما أنك قد عرفت فيما مضى ان ما حضرني من نسخة المقنعة و متن التهذيب على الظاهر موافقة المشهور، حيث قال فيها: «و قد وردت أخبار معتمدة تدل على أن أكثر النفاس عشرة، و عليها أعمل لوضوحها عندي» لكنه يظهر من الذكرى أن هذه العبارة للشيخ في التهذيب، و الله أعلم، و قد سمعت فيما مضى ما حكاه كاشف اللثام عن السرائر في نقله عن المفيد، كما انه قد يشعر ما نقله في السرائر عن خلاف الثاني بدعوى الإجماع عليه، حيث قال فيه: «عندنا أن الحد في نفاس المرأة أيام حيضها التي تعهدها، و قد روي انها تستظهر بيوم و يومين، و روي في أكثره خمسة عشر يوما، و روي أكثر من هذا، و الأول أثبت» انتهى.
و به مع ما سمعت سابقا من نسبة المختار لمن عرفت حتى ادعي الإجماع عليه يوهن ما في الانتصار من دعوى الإجماع على الثمانية عشر، فإنه نسبه أولا فيه الى انفراد الإمامية معللا ذلك بأن باقي الفقهاء يخالفون فيه و يجعلونه أزيد، ثم قال: «و الذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه الإجماع المتردد ذكره، و أيضا فإن النساء يدخلن في عموم الأمر بالصلاة و الصوم، و انما يخرج النفساء من الأيام التي راعتها الإمامية بإجماع الأمة على خروجها دون ما زاد عليه- الى ان قال-: و أيضا فإن الأيام التي ذكرناها مجمع على انها نفاس، و ما زاد عليها لا يجوز إثباته لنا بأخبار الآحاد و القياس- ثم قال-: و قد تكلمنا في هذه
ج3،
المسألة في جملة ما خرج لنا في مسائل الخلاف» انتهى و هو بعد ما سمعته منه في الخلاف عجيب، اللهم إلا أن يكون مقصوده القطع بعدم نفاسية الزائد عليها في مقابلة الرد على العامة، فتأمل. و كيف كان فلا يخفى عليك ما في دعوى الإجماع في المقام، بل يمكن دعوى الإجماع على خلافه كما سمعته من الخلاف و الغنية على الظاهر.
و (منها) قلة العدد، فإنك قد عرفت أن أخبار الرجوع الى العادة تقرب من نحو عشرة أخبار معتبرة، و كثير منها متكرر في الأصول، و أخبار الثمانية عشر لم نقف منها على ما يدل على المطلوب في الكتب الأربعة إلا على صحيحتي العلاء عن محمد بن مسلم(1)و مرسل الفقيه(2)و لعل الأولين رواية واحدة و ان اختلف الطريق الى العلاء كما يشعر به اتحادهما في المتن، قال فيها:
«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن النفساء كم تقعد؟ فقال: ان أسماء بنت عميس أمرها رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن تغتسل لثمان عشرة، فلا بأس بأن تستظهر بيوم أو يومين»
نعم له صحيحة ثانية تقدمت آنفا مشتملة على الترديد بين السبع عشر و الثمان عشر، و قد بينا انه لم يعمل بها أحد إن أريد التخيير، و غير دالة على المطلوب إن كان شكا من الراوي، مع انه يحتمل اتحادها مع روايتيه و أن النقل بالمعنى دون اللفظ كما هو شائع في الأخبار، و
في الفقيه(3)«ان أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر في حجة الوداع، فأمرها رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن تقعد ثمانية عشر يوما- ثم قال-: و قد روي(4)انه صار حد قعود النفساء عن الصلاة ثمانية عشر يوما، لأن أقل أيام الحيض ثلاثة، و أكثرها عشرة، و أوسطها خمسة، فجعل الله عز و جل للنفساء أقل الحيض و أوسطه
ج3،
و أكثره»
و نحوه(1)ما رواه في
الوسائل عن العلل مسندا الى حنان بن سدير، قال:
«قلت: لأي علة أعطيت النفساء ثمانية عشر يوما»
و ذكر نحوه، و عن عيون الأخبار بإسناده
عن الفضل بن شاذان(2)عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال:
«و النفساء لا تقعد عن الصلاة أكثر من ثمانية عشر يوما»
الحديث. و عن
المقنع(3)انه قال: «و روي أنها تقعد ثمانية عشر يوما».
و أنت خبير ان العمدة انما هو صحيح ابن مسلم، و إلا فالاستصحاب لا يتم في جميع صور المقام، كما لو لم تر دما إلا بعد العاشر، و هو- مع تضمنه للاستظهار باليومين المنافي لكون الثمانية عشر أكثره، إذ لا وجه للاستظهار بعد استيفاء الأكثر- غير صالح لمعارضة ما تقدم من أخبار العادة و غيرها، سيما بعد معارضته بغيره مما دل على قصة أسماء بنت عميس مما ينافيه، ك
مرفوعة إبراهيم بن هاشم(4)قال: «سألت امرأة أبا عبد الله (عليه السلام) فقالت: إني كنت أقعد في نفاسي عشرين يوما حتى أفتوني بثمانية عشر يوما، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): و لم أفتوك بثمانية عشر يوما؟ فقال رجل: للحديث الذي روي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: لأسماء بنت عميس حين نفست بمحمد بن أبي بكر، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن أسماء سألت رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قد أتى لها ثمانية عشر يوما، و لو سألته قبل ذلك لأمرها أن تغتسل و تفعل ما تفعله المستحاضة»
و ما رواه المحقق الشيخ حسن في منتقى الجمان على ما نقله عنه غير واحد عن كتاب الأغسال لأحمد ابن محمد بن عياش الجوهري في
الموثق كالصحيح عن حمران بن أعين(5)قال:
ج3،
«قالت امرأة محمد بن مسلم و كانت ولودا: اقرأ أبا جعفر (عليه السلام) السلام و قل له إني كنت أقعد في نفاسي أربعين يوما و إن أصحابنا ضيقوا علي فجعلوها ثمانية عشر يوما، فقال أبو جعفر (عليه السلام): من أفتاها بثمانية عشر يوما؟ قال: قلت: للرواية التي رووها في أسماء بنت عميس انها نفست بمحمد بن أبي بكر بذي الحليفة، فقالت:
يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) كيف أصنع؟ فقال لها: اغتسلي و احتشي و أهلي بالحج، فاغتسلت و احتشت و دخلت مكة و لم تطف و لم تسع حتى تقضى الحج، فرجعت الى مكة فأتت رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالت: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أحرمت و لم أطف و لم أسع، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله):
و كم لك اليوم؟ فقالت: ثمانية عشر يوما، فقال: أما الآن فاخرجي الساعة فاغتسلي و احتشي و طوفي و اسعي، فاغتسلت و طافت و سعت و أحلت، فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنها لو سألت رسول الله (صلى الله عليه و آله) قبل ذلك و أخبرته لأمرها بما أمرها به، قلت: فما حد النفساء؟ قال: تقعد أيامها التي كانت تطمث فيهن، فإن هي طهرت، و إلا استظهرت بيومين أو ثلاثة ثم اغتسلت و احتشت، فان كان انقطع الدم فقد طهرت، و ان لم ينقطع الدم فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل لكل صلاتين و تصلي».
قلت: و بهذه الروايتين يظهر لك عدم صحة الاستدلال ببعض الأخبار المشتملة على قصة أسماء غير صحيح ابن مسلم المتقدم، إذ ليس فيها سوى أنه سألته بعد ان مضى لها ثمانية عشر، فأمرها رسول الله (صلى الله عليه و آله) بذلك، بل في بعضها ما يظهر منه أنه أمرها قبل الثمانية عشر.
و (منها) ان أخبار العادة أبعد عن مذاهب العامة بخلاف الثمانية عشر، فإنه لم يذهب إلى الأولى أحد منهم بخلاف الثانية، فإنه و ان لم يكن القول به معروفا بينهم
ج3،
إلا أنه يظهر من الشيخ و غيره كما في المصابيح وجود القائل بها منهم، و ربما كان في الأخبار إشعار بذلك، على انه قد يقال: لما كانت قصة أسماء و ولادتها من الأمور المقررة الثابتة في أخبار القوم و رواياتهم بحيث لا سبيل لهم إلى إنكارها أمكن تأدي التقية بذلك من حيث كون الحكم بما اقتضته مخالفا لما هو المعروف بين الخاصة موافقا لما هو مروي من طرق المخالفين، بحيث لا يضعف التعلق به في مقام الاحتياج و ان لم يوجد قائل به من العامة، و قد يشعر به تكرير حكايتها في الأخبار، بل ربما أجابوا عن سؤال من سألهم بنفس الحكاية من دون تصريح بالحكم، كما في صحيحة ابن مسلم، و أيضا فعدولهم عن التصريح بالجواب الى نقل رواية أو ذكر حكاية مما يفوح منه رائحة التقية كما لا يخفى على المتتبع العارف بأساليب الكلام، الى غير ذلك من المرجحات الكثيرة لأخبار العادة على هذه مما يظهر لك بالتأمل فيما ذكرنا سابقا.
كما انه يظهر لك بالتأمل فيه أيضا ضعف ما ذكره العلامة من التفصيل إن لم نقل إنه خرق للإجماع المركب، مضافا الى عدم الشاهد عليه، و اقتضائه حمل أخبار الثمانية عشر على الفرد النادر من المبتدأة المتنفسة و المضطربة من دون إشعار في شيء من ذلك في السؤال و الجواب، بل مع التصريح في بعضها كما سمعت بأن ذلك حد جعله الله للنفساء يجمع مراتب الحيض، و أيضا فإن أسماء بنت عميس تزوجت بأبي بكر بعد موت جعفر بن أبي طالب كما قيل، و كانت قد ولدت منه عدة أولاد، و من المستبعد أن لا يكون لها في تلك المدة كلها عادة في الحيض، و مع ذلك فقد حكم (صلى الله عليه و آله) بالقعود ثمانية عشر يوما من دون استفصال عن حالها مع شدة ظهور قيام الاحتمال، و مثل ذلك لا يقصر عن التصريح بالحكم كما لا يخفى، كل ذا مع إشعار ما تضمن
ج3،
الاستظهار من أخبار العادة بكون أكثر الحيض عشرة مطلقا زيادة على إشعار جميع أخبارها بكون النفاس كالحيض، كما هو الأصل عندهم بالنسبة إلى مشاركة الحائض لها في جميع أحكامها حتى انهم نقلوا الإجماع على ذلك، فلا ينبغي الإشكال في سقوط ما ذكره العلامة سيما بعد ما عرفت من خروج أخبار الثمانية عشر عن الحجية للتعارض الواقع فيها، فتأمل جيدا.
بقي الكلام في الأمر الثاني و هو رجوع ذات العادة إليها مع تجاوز الدم العشرة و الى العشرة مع الانقطاع عليها كالحائض فيهما، بخلاف غير ذات العادة من المبتدأة و المضطربة، فإن لهما العشرة مع التجاوز، و إلا فما انقطع الدم عليه من الأيام، فنقول أما ما ذكرناه من حكم الأولى فهو المصرح به على لسان جملة من الأعيان، و يرشد إليه- زيادة على ما تكرر ذكره من كون النفاس حيضا احتبس لغذاء الولد، كما هو قضية أصالة مشاركة النفاس للحيض في الأحكام إلا ما خرج و المنساق من سبر ما جاء من الأخبار مما يتعلق بذات العادة من الحائض و النفساء، فان الجميع على نسق واحد من إطلاق بعضها الرجوع الى عادتها، و بعضها مع الاستظهار بيوم أو يومين أو ثلاثة أو بعشرة على جعل الباء بمعنى (إلى) على نحو ما جاء في الحائض من غير فرق أصلا- انه وجه الجمع في هذه الأخبار بحمل ما دل منها على الرجوع الى العادة من غير ذكر الاستظهار على ما تضمنه منها، و حمل أخبار الاستظهار المتضمنة لليوم أو اليومين أو الثلاثة على إرادة الاستظهار إلى العشرة، ل
قول الصادق (عليه السلام)(1)ليونس:
«تنتظر عدتها التي كانت تجلس، ثم تستظهر بعشرة»
بناء على كون الباء بمعنى (الى) كما ذكره الشيخ، فيكون الترديد فيها باليوم أو اليومين أو الثلاثة باعتبار اختلاف عادات النساء بالسبعة و الثمانية و التسعة و نحو ذلك لا للتخيير كما تقدم الكلام فيه في الحائض،
1) 1 الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحيض- حديث 12.
ج3،
و اعترف به بعضهم هنا، فحيث كان الأمر كذلك ظهر انه لا إشكال في نفاسية الجميع مع الانقطاع للعشرة، تحقيقا لمعنى الاستظهار، إذ المراد به على الظاهر انها تطلب ظهور حالها في هذه المدة، فلو لم يكن الانقطاع مظهرا لحالها بما قلنا لم يكن له معنى محصل مع ما يشير اليه
موثق حمران بن أعين عن الباقر (عليه السلام) المروي عن منتقى الجمان عن كتاب الأغسال للعياشي، و قد ذكرناه فيما مضى، و فيه «ما حد النفساء؟
قال (عليه السلام): تقعد أيامها التي كانت تطمث فيهن أيام قرئها، فإن هي طهرت و إلا استظهرت بيومين أو ثلاثة أيام ثم اغتسلت و احتشت، فان كان انقطع الدم فقد طهرت، و ان لم ينقطع فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل لكل صلاتين»
الى آخره. فان قوله (عليه السلام): (فان كان انقطع الدم) كالصريح في إلحاق أيام الاستظهار بأيام النفاس مع الانقطاع.
هذا كله مع ما يقتضيه إلحاقها بالحائض من الحكم بنفاسية جميع ما يمكن كونه كذلك كالحيض، مضافا الى استصحاب حكم النفاس، و يرشد إليه زيادة على ذلك كله ما ستسمعه عند الكلام على قوله: «و لو لم تر دما إلا العاشر» فظهر لك حينئذ انه لا ينبغي الإشكال في الحكم بنفاسية الجميع مع الانقطاع على العشرة فما دون و ان زاد على العادة، فما عساه يظهر من بعضهم من التوقف في ذلك لمكان إطلاق بعض أخبار الرجوع الى العادة ضعيف، لما عرفت من انها محمولة على ما اشتمل منها على الاستظهار، و المراد منها بعد ما سمعت من الجميع المتقدم إلى العشرة، كما مر نظير ذلك كله في الحيض، و منه يظهر وجه ما في النافع و المعتبر من أن النفساء إذا انقطع عنها الدم ظاهرا اعتبرت ذلك بإدخال قطنة، فان خرجت نقية اغتسلت، و إلا صبرت للنقاء أو مضي العشرة من غير فرق بين المعتادة و غيرها، بل في الثاني ما هو كالصريح في تناول الحكم للمعتادة حيث استدل على الحكم المذكور بأن هذه المدة هي أكثر الحيض فتكون أكثر النفاس،
ج3،
لأن النفاس حيض، و أيده بما رواه
يونس بن يعقوب(1)عن الصادق (عليه السلام) «ثم تستظهر بعشرة أيام، فإن رأت دما صبيبا فلتغتسل عند وقت كل صلاة، و ان رأت صفرة فلتتوضأ»
الى آخره. قال: «و لو قيل: قد رويتم انها تستظهر بيوم أو يومين قلنا: هذا يختلف بحسب عوائد النساء، فمن عادتها تسع تستظهر في النفاس بيوم، و من عادتها ثمان تستظهر بيومين، و ضابطه البقاء على حكم النفاس ما دام الدم مستمرا حتى يمضي لها عشرة ثم تصير مستحاضة» انتهى.
قلت: و هو نص فيما ذكرناه هنا و في باب الحيض، لكن قد يرد عليه انه قد ذكر الخبر في استظهار الحائض دليلا لمن قال باستظهارها إلى عشرة، و رده برجحان أخبار الاستظهار بيوم أو يومين قوة و كثرة و شبها بالأصل و تمسكا بالعبادة، و قد يدفعه ما في كشف اللثام «من افتراق الحائض و النفساء بالإجماع على رجوع الحائض إلى عادتها، و عدم الدليل عند المحقق على رجوع النفساء إليها» انتهى. و الأمر سهل، لكن في المنتهى بعد ان ذكر الاعتبار بإدخال القطنة قال: «إنها إن خرجت ملوثة صبرت الى النقاء أو تمضي مدة الأكثر و هي عشرة أيام ان كانت عادتها، و إلا صبرت عادتها خاصة و استظهرت بيوم أو يومين، و كذا البحث لو استمر بها الدم، و بعض المتأخرين غلط ها هنا فتوهم ان مع الاستمرار تصبر عشرة، و لا نعرف فيه دليلا سوى ما رواه يونس- و ذكر الخبر ثم قال-: و هو غير دال على محل النزاع، إذ من المحتمل ان يكون عادتها ثمانية أو تسعة، و يدل على ما اخترناه من الأحاديث التي قدمناها، فإنها دالة على حوالة النفساء على الحائض في الأيام و الاستظهار بيوم أو يومين» انتهى.
قلت: كأنه عرض بذلك الى المحقق (رحمه الله)، لكنك قد عرفت في الحيض قوة القول بجواز الاستظهار إلى العشرة و كثرة الشواهد عليه، على انه لا معنى
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 3.
ج3،
للاقتصار على اليوم و اليومين بعد دلالة الدليل على الأزيد كالثلاثة، كما انه لا يقدح ما ذكر من الاحتمال في ظهور الخبر بما قلنا، و أيضا فليس ما ذكره بأولى من أن يقال:
إن أخبار اليوم و اليومين محمولة على ما إذا كانت العادة تسعة أو ثمانية كما ذكره المحقق، بل هذا أولى من وجوه قد أشرنا إليها سابقا، فظهر لك من ذلك كله سقوط ما اعترض به على المحقق من هذه الجهة، نعم يتجه عليه أن ظاهر قوله: (و ضابطه) الى آخره الحكم بنفاسية العشرة و ان تجاوز الدم كما صرح به بعد في جملة فروع ذكرها، حيث قال: «لا ترجع النفساء مع تجاوز الدم الى عادتها في النفاس، و لا إلى عادتها في الحيض و لا إلى عادة نسائها، بل تجعل عشرة نفاسا، و ما زاد استحاضة حتى تستوفي عشرة، و هو أقل الطهر، و
في رواية(1)«تجلس مثل أيام أمها و أختها و خالتها، و تستظهر بثلثي ذلك»
و الرواية ضعيفة السند شاذة» انتهى.
قلت: و لم أعرف أحدا صرح بذلك ممن تقدمه أو تأخر عنه، بل صرح بعضهم برجوعها الى عادتها حينئذ، كما هو قضية مساواتها للحائض في ذلك على ما يستفاد من ملاحظة أخبار الطرفين، و يشعر به زيادة على ذلك ذكر الاستظهار، إذ لو لا انه يظهر حالها من عدم الانقطاع على العشرة بحيث ترجع الى عادتها لم يكن لإطلاق الاستظهار عليها معنى محصل، على أن الرجوع الى العادة هو قضية الأخبار المطلقة الآمرة بالرجوع إليها، و خروج صورة الانقطاع على العشرة فما دون عنها لا يقدح في ذلك، و قد مر في باب الحيض عند الكلام على نحو ذلك ما له نفع تام في المقام، و لعل ما ذكره المحقق انما كان لخلو كلام الأصحاب عن الرجوع الى عادتها، و إطلاقهم أن الأكثر عشرة و ثمانية عشر، و نقل الشيخ في الخلاف الإجماع على كون العشرة نفاسا، و للاستصحاب و مخالفة الحيض في الاسم و في بعض الأحكام و ان كان هو دم الحيض حقيقة و احتباسه،
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 20.
ج3،
و احتمال أخبار الرجوع الى أيام أقرائها أن أكثره العشرة كالحيض، و لا يخفى ضعف الجميع، نعم قد يستدل له بما عساه يظهر من الأخبار من إلحاق أيام الاستظهار بما قبلها تجاوز الدم أو انقطع، و قد سبق ان الاستظهار عنده إلى العشرة، لكنك قد عرفت هنا و في باب الحيض ما يدفع ذلك و ان أعيى على بعض المعاصرين، فتأمل.
و من العجيب ما في الذكرى حيث قال: «الأخبار الصحيحة المشهورة تشهد برجوعها الى عادتها في الحيض، و الأصحاب يفتون بالعشرة، و بينهما تناف ظاهر، و لعلهم ظفروا بأخبار غيرها، و في التهذيب قال: جاءت أخبار معتمدة في أن أقصى النفاس عشرة، و عليها أعمل لوضوحها عندي، ثم ذكر الأخبار الأول و نحوها، حتى أن في بعضها(1)
عن الصادق (عليه السلام) «فلتقعد أيام قرئها التي كانت تجلس ثم تستظهر بعشرة أيام»
قال الشيخ: يعني إلى عشرة، إقامة لبعض الحروف مقام بعض، و هذا تصريح بأن أيامها أيام عادتها لا إلى العشرة، و حينئذ فالرجوع الى عادتها كقول الجعفي في الفاخر و ابن طاوس و الفاضل أولى، و كذا الاستظهار كما هو هناك، نعم قال الشيخ: لا خلاف بين المسلمين أن عشرة أيام إذا رأت المرأة الدم من النفاس، و الذمة مرتهنة بالعبادة قبل نفاسها فلا يخرج عنها إلا بدلالة، و الزائد على العشرة مختلف فيه، فان صح الإجماع فهو الحجة، و لكن فيه طرح للأخبار الصحيحة أو تأويلها بالتقييد» انتهى.
و فيه مواضع للنظر تظهر مما تقدم لنا سابقا، (منها) قوله: «إن الأصحاب يفتون بالعشرة» مستظهرا ذلك من قولهم: إن أكثر النفاس عشرة، و إلا فلم نعرف أحدا نص على ذلك قبل المحقق كما اعترف به في كشف اللثام، و قد عرفت فيما مضى انه لا تنافي بين الرجوع الى العادة و الفتوى بالعشرة، فإنهم إنما يفتون بأنها أكثره
1) 1 الوسائل- الباب- 3- من أبواب النفاس- حديث 3.
ج3،
لا بكونها كلها نفاسا إذا تعداها الدم و ان كانت ذات عادة، و يحتمل قريبا بل لعله الظاهر من أمارات كثيرة أنهم فهموا من تلك الأخبار مجموع الأمرين أعني الرجوع الى العادة و كون الأكثر عشرة، و لم يصرحوا بالأول هنا، بل اكتفوا بتشبيه النفساء بالحائض في الأحكام غير ما استثنوه، و بحكمهم برجوع المستحاضة إلى عادتها، و (منها) ما ادعاه من تصريح ما ذكره من الخبر بأن أيامها أيام عادتها ممنوع، إذ لا معنى لاستظهارها إلى عشرة إلا أنها تستكشف حالها بعد أيام العادة إلى العشرة، و هو- مع ظهوره فيما إذا تعدى الدم، و نحن نعترف بالرجوع إليها خاصة في هذا الحال- كما يحتمل خروج ما بعدها عن النفاس مع التعدي يحتمل الدخول احتمالا متساويا. و (منها) انه لا جهة لاستدراكه بنفي الشيخ الخلاف في كون العشرة نفاسا، فإنه في مقام الاحتجاج على أقوال العامة من كون أكثره أربعين أو خمسين أو ستين أو سبعين الى غير ذلك.
هذا كله في ذات العادة، و أما غيرها من المبتدأة و المضطربة فالأقوى تحيضهما بالعشرة للاستصحاب و غيره، وفاقا لظاهر القواعد و الإرشاد و عن صريح التذكرة و نهاية الأحكام، بل في الذكرى أن المشهور هنا عود المبتدأة و المضطربة إلى العشرة، و خلافا للبيان، حيث انه جعل الأقرب رجوع المبتدأة إلى التمييز ثم النساء ثم العشرة، و المضطربة إلى العشرة مع فقد التمييز، و هو ضعيف و ان كان ربما يشعر به مساواتها للحائض في الحكم، بل في كشف اللثام «أنه يجوز تعميم أيام الأقراء المحكوم بالرجوع إليها لجميع ذلك» انتهى. لكن قد يفرق بينهما بأن النفاس متيقن الابتداء، إذ الدم المتعقب للولد نفاس قطعا بخلاف الحيض، و يؤيده خلو النصوص و الفتاوى عن الإشارة إلى شيء من ذلك مع تعرضهم لنظيره، على أنك قد عرفت سابقا أن التحيض بالروايات انما هو بملاحظة تعادل الأدوار، فهو إما ستة أو سبعة من كل شهر، أو ثلاثة من شهر و عشرة من آخر، و كان المتجه بناء على ما ذكره الجلوس بستة أو سبعة كالحائض،
ج3،
و من هنا قال في المنتهى في المقام: «انه يمكن أن يقال: إنها تجلس ستة أيام أو سبعة، لأن الحائض تفعل ذلك فكذلك النفساء، لأنه حيض في الحقيقة، و لأن
قوله (عليه السلام)(1): «تجلس أيام حيضها التي كانت تحيض»
كما يتناول الماضي يتناول المستقبل» و لا يخفى ضعفه، نعم يحتمل في خصوص المبتدأة الرجوع الى نسائها ل
قول الصادق (عليه السلام)(2)في الموثق: «و ان كانت لا تعرف أيام نفاسها فابتليت جلست مثل أيام أمها أو أختها أو خالتها، و استظهرت بثلثي ذلك، ثم صنعت كما تصنع المستحاضة»
الحديث. و اشتماله على ما لا نقول به من الاستظهار مع إمكان فرضه بما لا ينافي المختار غير قادح في الحجية، و الظاهر ان مراده (عليه السلام) بقوله أيام نفاسها أيام حيضها كما يشعر به أوله، و إلا فلا رجوع لها الى أيام النفاس كما صرح به غير واحد و ان أشعر بذلك خبر محمد بن يحيى الخثعمي(3)لكنه شاذ، بل لعل الأول أيضا كذلك كما سمعته سابقا من المصنف في المعتبر، و لعله لظهوره في غير المبتدأة، و هي لا ترجع الى ذلك في الحيض فضلا عن النفاس، و الأقوى ما تقدم.
ثم انه إذا استمر الدم في النفساء و جلست الأيام الموظفة لها فهل يعتبر بالنسبة الى ما عليها من أحكام مستمرة الدم فصل أقل الطهر فحسب، ثم ينتقل الى تعرف حال دمها أو مضي شهر؟ يظهر من بعض الأصحاب كالمصنف في المعتبر الأول، و يحتمل الثاني، و يظهر وجهه مما تقدم لنا في المباحث السابقة في الحيض، كما أنه تقدم أيضا البحث عن استحباب الاستظهار و وجوبه، فتأمل جيدا.
و لو كانت حاملا باثنين مثلا و تراخت ولادة أحدهما كان ابتداء نفاسها من الأول عند علمائنا كما في المنتهى و عن التذكرة، و استيفاء عدد أيامها من وضع الأخير فيدخل فيه ما بقي من عدد أيام النفاس الأول ان لم يتخلل بينهما عشرة
ج3،
أيام، و إلا كان عدد كل مستوفى تاما مستقلا من غير تداخل، فقد يكون حينئذ جلوسها عشرين يوما، كما إذا وضعت الثاني بعد عشرة أيام، و لا ينافيه كون أكثر النفاس عشرة، لأنهما نفاسان، لصدق النفاس مع كل منهما، و هو مع عدم العثور على مخالف من الأصحاب فيه مدرك الحكم في المقام، و به صرح في المبسوط و الانتصار و السرائر و الجامع و المنتهى و القواعد و الإرشاد و جامع المقاصد و غيرها كما عن الناصرية و الخلاف و الوسيلة و المهذب و الجواهر و الإصباح، فما في المعتبر من التردد في نفاسية الأول لأنها حامل و لا حيض و لا نفاس مع حمل ضعيف، لما تقدم من المختار في مجامعة الحيض للحمل أولا، و إمكان منع انتفاء النفاس خاصة ثانيا، نعم قد يتردد في أصل الحكم بالنفاسين مع عدم تخلل أقل الطهر بينهما بأن النفاس كالحيض عندهم في الأحكام، و خصوصا في ذلك كما يشعر به حكمهم بعدم حيضية الدم السابق على الولادة بدون تخلل أقل الطهر حتى في المتصل منه الممكن الحكم بالحيضية كما أشرنا إليه سابقا، و كذا اللاحق بعد انتهاء مدة النفاس و ان صادف العادة في كل منهما، و ما ذكره في كشف اللثام من انه لا دليل على امتناع تعاقب النفاسين بلا تخلل يدفعه ان التعاقب محتاج الى الدليل، لا امتناعه بعد المساواة المذكورة التي هي المستند لهم في كثير من أحكام الباب، مضافا الى ما دل على عدم قصور أقل الطهر عن عشرة، كما لو فرض وضع الثاني بعد مضي زمان بعد العشرة يقصر عن أقل الطهر، اللهم إلا أن يستند في دفع ذلك كله إلى الإجماع، و هو جيد لو تم، كما هو ظاهر نسبته له في المصابيح الى المعروف من مذهب الأصحاب ناقلا عن ظاهر التذكرة إجماع علمائنا عليه، و مع ذلك كله فتماميته أي الإجماع لا يخلو من إشكال، بل قد يشعر ما في الانتصار بعدمه، حيث قال:
لست أعرف لأصحابنا نصا صريحا في هذه المسألة، و ما في السرائر حيث قال بعد
ج3،
أن ذكر المسألة: فليلحظ ذلك و يحقق، فقد شاهدت جماعة ممن عاصرت من أصحابنا لا يحقق القول في ذلك، و ما في المعتبر من التردد المتقدم بل ربما توهم من عبارة المصنف و نحوها مما يقرب منها أن المراد ابتداء عدد أيام النفاس من الأول مع تكميلها من أيام وضع الثاني، فلا يكون حينئذ للثاني نفاس إلا مقدار ما يكمل به الأول فقط، و على هذا فلو فرض وضع الثاني بعد العشرة مثلا لم يكن له نفاس كما هو المنقول عن بعض العامة و عن آخر منهم ان ابتداء النفاس من الثاني، لكن ذلك كله مما ينبغي القطع بعدم إرادته لأحد من الأصحاب و أن المراد بالعبارة كما هو المصرح به في كلام جملة من الأصحاب استيفاء تمام عدة النفساء من وضع الثاني و ان كان ما عدته
بعد الأول نفاسا أيضا، و ليس المراد أن مجموع أيام نفاس هذه المرأة أي الحامل باثنين من وضع الأخير كما عساه يتوهم من ظاهر العبارة أيضا حتى تتوجه المنافاة بين هذا الحكم و الحكم بأن ابتداء نفاسها من وضع الأول و ان كان هذا الوهم أقرب من الوهم السابق بالنسبة إلى العبارة.
و كيف كان فالعمدة في المقام الإجماع لو تم، و إلا فلم نعرف لهم دليلا هنا سوى صدق اسم النفاس، و هو لا يرفع ما سمعت من الاشكال، و أشكل منه ما فرعه في الذكرى و الدروس فاحتمل فيه ذلك أيضا، قال: «و لو سقط عضو من الولد و تخلف فالدم نفاس على الأقرب، و لو وضعت الباقي بعد العشرة أمكن جعله نفاسا آخر كالتوأمين، و على هذا لو تقطع بفترات تعدد النفاس، و لم أقف فيه على كلام سابق» انتهى.
و شمول النصوص لمثل ذلك لا يخلو من تأمل، و يحتمل هنا توقف النفاس على خروج المجموع و ان اكتفينا ببروز الجزء مع الاتصال، للفرق بينه و بين الانفصال فتأمل جيدا.
ثم اعلم انه بعد ما عرفت من الحكم السابق و هو أن ذات التوأم يحكم لها بنفاسين إلا أن استيفاء تمام العدد من وضع الثاني فهل المراد ان نفاسية الأول تنتهي بتحقق الثاني أو أن الأول يشارك الثاني فيما بقي من عدده و ينفرد الثاني بالزائد؟ احتمالان، أقواهما
ج3،
الثاني كما هو الظاهر من بعضهم، لصدق اسم النفاس عليه بالنسبة للأول، و اجتماع سبب آخر معه لا ينافيه، أقصاه انه يكون حينئذ من باب التداخل، نعم قد يتم ذلك فيما لو علم ان الدم الثاني بسبب الولادة الثانية من غير مدخلية للأولى، أما مع عدمه فالمتجه ما ذكرنا، و تترتب على ذلك ثمرات، منها ما لو رأت بياضا بعد الولادة الثانية ثم رأت دما بعد ذلك في أيام يمكن ان تكون من نفاسية الأول، فبناء على المختار يحكم بنفاسية البياض لكونه مكتنفا بين دمي نفاس واحد بخلافه على الثاني، إذ هو ابتداء نفاس واحد، و احتمال القول بأنا نحكم بنفاسية مثل ذلك على كل حال، و إلا لزم صيرورة الطهر أقل من عشرة يدفعه ان ذلك غير ممنوع بالنسبة إليهما كما أشرنا إليه سابقا، فهو كما لو وضعت الثاني بعد انتهاء عدد الأول ثم انها رأت بياضا بعد ولادة الثاني، و كما لو ولدت الثاني بعد يوم أو يومين من انتهاء عدة الأول، فتأمل جيدا حتى تظهر لك ثمرات أخر في المقام.
و لو لم تر دما ثم رأت في العاشر كان ذلك نفاسا خاصة دون ما قبله من النقاء كما في السرائر و الجامع و المعتبر و المنتهى و التحرير و الإرشاد و غيرها، بل في المدارك ان هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، قلت: و لعله لكونه دما بعد الولادة في أيام النفاس مع عدم ثبوت اشتراط معاقبته بلا فصل، بل لعل الثابت عدمه كما يرشد اليه نص الأصحاب في المسألة الآتية، و لأن النفاس أمر طبيعي عادي، فيجب الحكم به مع الاشتباه كما في الحيض، و منه ينقدح إمكان جريان قاعدة الإمكان فيه، نعم يتجه عدم نفاسية الأيام السابقة، لعدم الدم فيها، و هو موقوف عليه، و لا يقدح قصورها عن العشرة بعد اتصالها بالطهر السابق على الولادة، و في المدارك أن هذا الحكم مشكل لعدم العلم باستناد هذا الدم إلى الولادة، و عدم ثبوت الإضافة عرفا» انتهى.
و هو كما ترى بعد ما عرفت و تعرف في المسألة الآتية.
ج3،
ثم ان ظاهر إطلاق المصنف و غيره عدم الفرق في هذا بين المعتادة و غيرها تجاوز الدم العاشر أو انقطع عليه، و هو متجه بناء على ما اختاره في المعتبر من التحيض بالعشرة مطلقا، و أما بناء على ما اخترناه من الرجوع الى العادة فينبغي تقييد الحكم المذكور بما إذا انقطع على العاشر أو كانت مبتدأة أو مضطربة أو ذات عادة هي عشرة، أما إذا لم يكن كذلك كما لو كانت عادتها دون العشرة و رأت الدم في العاشر ثم استمر الدم متجاوزا فلا يتجه الحكم بالنفاسية حينئذ للأمر بالرجوع إلى العادة مع التجاوز، و الفرض عدم الدم فيها، لكن قد يشك في شمولها لمثل المقام، لظهور أخبارها فيمن رأت الدم في العادة و خارجها و استمر، فتبقى قاعدة الإمكان و غيرها سالمة عن المعارض، سيما بعد إطلاق الأصحاب الحكم، فيسقط حينئذ ما في الذكرى و ان تبعه عليه بعض من تأخر عنه، حيث قال بعد ان ذكر الحكم كما ذكره الأصحاب: «و على اعتبار العادة ينبغي أن يكون ما صار فيها نفاسا دون ما زاد عليها، و يحتمل اعتبار العشرة إذا لم يتجاوز، كما لو انقطع دم المعتادة على العشرة، أما مع التجاوز فالرجوع إلى العادة قوي» انتهى. بل ظاهر أول كلامه عدم الحكم بالنفاسية حتى لو انقطع على العاشر مع فرض خروجه عن العادة، و لا يخفى ضعفه، كضعف ما في الرياض، حيث أنه استشكل أيضا في المعتادة دون العشرة مع رؤيتها الدم في العاشر خاصة و انقطع قائلا للشك في صدق دم الولادة عليه مع كون وظيفتها الرجوع الى أيام العادة التي لم تر فيها شيئا بالمرة، إذ هو- مع ظهور مخالفته لما هو المجمع عليه بين الأصحاب أو كالمجمع عليه- يرد عليه مثله بالنسبة الى أولى جهتي شكه فيما لو كانت العادة عشرة أو دونها و رأت الدم في آخرها خاصة، و يشكل بالنسبة إلى ثاني الجهتين بعدم الأمر لها بالرجوع إلى العادة في هذا الحال.
ثم ان ظاهر الأصحاب الاقتصار على نفاسية العاشر خاصة دون ما اتصل به مما
ج3،
بعده حتى لو كانت معتادة، فليس لها استيفاء تمام عادتها مما بعد العشرة و ان قلنا به بالنسبة للحائض، و لعله لعدم وجود النفاس عندهم فيما زاد عليها، إذ مبدأ حساب أكثره انما هو من حين الولادة كما عن نهاية الأحكام و معطي كلام السرائر، و لذا لو لم تر إلا بعد العاشر لم يكن نفاسا كما نص عليه غير واحد من الأصحاب، و يدل على ابتداء الحساب من الولادة
قول أبي جعفر (عليه السلام) لمالك بن أعين(1):
«إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيام عدة حيضها ثم تستظهر بيوم»
و في
خبر الفضلاء(2)«ان أسماء سألت النبي (صلى الله عليه و آله) عن الطواف بالبيت و الصلاة فقال لها: منذ كم ولدت؟»
و أيضا لو لم تبتدئ منها لم تتحدد مدة التأخر عنها، لكن مع ذلك كله و المسألة لا تخلو من إشكال، لظهور الروايتين في واجدة الدم لا فيما كان من نحو المقام، و إمكان الفرق بين ما لو رأته بعد العشرة و بينه فيها إما بالإجماع إن تم أو بغيره، فيحكم بتكملة العادة مثلا في الثاني كما هو قضية مساواتها للحائض دون الأول، و لعله لتحقق النفاس فيه و لو بجزء من العشرة فيستصحب دونه، على انه لا دليل على عدم وقوع النفاس خارج العشرة في مثل المفروض، و قولهم: إن أكثره عشرة لا يقضي به، إذ المفروض عدم نفاسية السابق من النقاء، اللهم إلا أن يدعى انسياق الذهن من قولهم: إن أكثر النفاس عشرة أن مبدأ الحساب من حين الولادة و ان لم تر دما، كما عساه يظهر من إطلاق بعض الأخبار(3)ان قلنا بشمولها لمثله على ندرته، فتأمل جيدا.
و أشكل من هذا ما لو أمكنها تكميل العادة ببعض العشرة و ان تجاوز الدم، كما لو رأت رابع الولادة مثلا و سابعها لمعتادتها و استمر الى ان تجاوز العشرة، فلعل الأقوى حينئذ تكميل العادة بالثلاثة الأخيرة لقاعدة الإمكان و الاستصحاب و مساواة الحائض،
ج3،
فما في الرياض تبعا للروضة من اختصاص النفاس بأربعة العادة لا يخلو من نظر، كما انه لا يخلو ما فيهما أيضا من أنها لو رأته في السابع خاصة و تجاوز فهو النفاس، إذ يمكن القول بتتميمه ببعض العشرة و ان لم يف بتمام العادة بناء على عدم عبور النفاس العشرة لما عرفت، نعم لو رأته من أول السبعة و السابع و تجاوز العشرة اتجه الاقتصار على العادة خاصة، إذ هي كما لو رأت تمام العادة دما لكون هذا النقاء المتخلل نفاسا، و لو رأته أولا و بعد العادة و تجاوز فلعل الأقوى الاقتصار على نفاسية الأول خاصة كما في الروضة، لعدم تمامية ما يتصور من احتمال غيره بناء على عدم نفاسية المتعقب للعادة بعد تجاوزها.
و أما لو رأت عقيب الولادة ثم طهرت ثم رأت في العاشر أو قبله كان الدمان و ما بينهما نفاسا مع عدم تجاوز الدم للعشرة، بل و معه إذا كانت غير ذات عادة، بل و إذا كانت كذلك مع كونها عشرة، أما إذا كانت ذات عادة دون العشرة ثم تجاوز الدم في محل الفرض فالنفاس الأول خاصة كما سمعته آنفا، للأمر بالرجوع إليها مع التجاوز، و ليس إلا الأول خاصة، و قد تقدم الاشكال فيه سابقا بالنسبة إلى شمول الأدلة لمثله، و كيف كان فلم نعرف خلافا بين الأصحاب فيما ذكرناه من الحكم الأول، بل قد يظهر من الأردبيلي دعوى الإجماع، و لعل الأمر فيه كما ذكر، فما في الحدائق من الإشكال في نفاسية النقاء كما انه استشكل فيه أيضا بالنسبة إلى الحيض بناء منه على عدم اشتراط العشرة في نحوه من الطهر المتخلل بين الحيضة الواحدة أو نحوها ضعيف، نعم قد يقال هنا: إن عدم اشتراط تخلل الطهر بين النفاسين عندهم يقضي بعدمه في نحو المقام، بل لعله أولى، و يدفع بالفرق بين النفاس الواحد و النفاسين، و نحوه ما عن الذخيرة حيث قال بعد الحكم المذكور: و ان لم يثبت إجماع على الكلية المذكورة كان للتأمل في الحكم المذكور مجال، و كأنه أشار بالكلية إلى قاعدة الإمكان، و قد تقدم الكلام فيها، كما أنه قد يقال: إن الحكم بنفاسية الدم الثاني ليس لقاعدة الإمكان،
ج3،
بل انما هو إما للإجماع على الظاهر أو لتحقق مسماه معه، إذ هو متعقب للولادة في ضمن العشرة، فيلزم الحكم بنفاسية النقاء بناء على عدم قصور الطهر عن عشرة مطلقا إلا في التوأم، و هو غير قادح في أصل القاعدة. و يحرم على النفساء ما يحرم على الحائض من اللبث في المساجد و قراءة العزائم و غيرهما و كذا ما يندب لها من الوضوء للذكر و نحوه و يكره و يباح لها مما تقدم ذكره سابقا بلا خلاف أجده فيه كما في التذكرة بل بين أهل العلم كما في المنتهى، و في المعتبر انه مذهب أهل العلم لا أعلم فيه خلافا، فحكم النفساء حكم الحائض في جميع الأحكام اللازمة للحائض بغير خلاف كما في السرائر و في الغنية «و النفساء و الحائض سواء في جميع الأحكام إلا في حكم واحد، و هو ان النفاس ليس لأقله حد، و ذلك بدليل الإجماع السالف» انتهى. قلت: و لعله لم يستثن المصنف هنا و كذا من عبر بنحو عبارته مثل الأقل و غيره مما اختلف فيه النفاس مع الحيض، لعدم تناول العبارة لمثل ذلك، إذ هي ظاهرة في إرادة المساواة بالنسبة للأحكام الشرعية من الحرمة و الإباحة و نحوهما لا ما يتعلق في الأقل و الأكثر و الرجوع الى العادة و نحو ذلك، فلا حاجة حينئذ إلى ذكر ما يفترق به الحيض عن النفاس من التحديد لأقل الأول بالثلاثة دون الثاني، و كالخلاف في أكثره دون الأول، و عدم الرجوع الى عادة النفاس و لا عادة النساء فيه و لا في الحيض و لا الروايات بالنسبة للمبتدأة و المضطربة، و عدم الدلالة به على البلوغ بخلاف الحيض، و بانقضاء العدة فيه دون النفاس إلا نادرا كما في الحامل من زنا، و عدم اشتراط تخلل أقل الطهر بين النفاسين و ان كان بعضها محلا للنظر و التأمل، إلا ان الأمر سهل حيث لا إشكال عندهم في مساواة النفساء للحائض في الأحكام، و في أصل التساوي أيضا بالنسبة إلى باقي الأمور و ان خرج ما مرت الإشارة إليه في مطاوي البحث، و لعله لذلك لم يستثن شيئا من ذلك بعض الأصحاب هنا، و إذ قد عرفت ذلك كله كنت في غنية عن قول المصنف و لا يصح
ج3،
طلاقها إذ هو من الأحكام التي ساوت الحائض فيها، فيعتبر حينئذ ما تقدم سابقا في الحيض من الشرائط المتقدمة، بل و عن قوله و غسلها كغسل الحائض سواء وجوبا و كيفية، و كذا البحث في الاستغناء به عن الوضوء و عدمه، و الله سبحانه و رسوله و الأئمة الطاهرون (صلوات الله عليهم) أعلم بحقائق الأحكام.
الى هنا تم الجزء الثالث من كتاب جواهر الكلام و قد بذلنا غاية الجهد في تصحيحه و مقابلته بالنسخة الأصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف (قدس روحه الشريف) و يتلوه الجزء الرابع في أحكام الأموات بحول الله خالق البريات.
عباس القوچاني