فقه الصادق علیه السلام جلد 26

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:روحانی، سیدمحمدصادق، 1303 -

عنوان قراردادی:تبصره‌المتعلمین .شرح

عنوان و نام پديدآور:فقه الصادق [کتاب]/ تالیف محمدصادق الحسینی‌الروحانی؛ باشراف قاسم‌محمد مصری‌العاملی.

مشخصات نشر:قم : آیین دانش، 1392.

مشخصات ظاهری:41ج.

شابک:4200000ریال: دوره: 978-600-6384-26-9 ؛ 100000ریال: ج.1: 978-600-6384-28-3 ؛ 100000ریال: ج.2: 978-600-6384-30-6 ؛ 100000ریال: ج.3: 978-600-6384-31-3 ؛ 100000ریال: ج.4:978-600-6384-30-6 ؛ 100000ریال: ج.5: 978-600-6384-33-7 ؛ 100000ریال: ج.6: 978-600-6384-34-4 ؛ 100000ریال: ج.7: 978-600-6384-35-1 ؛ 100000 ریال: ج.8: 978-600-6384-36-8 ؛ 100000ریال: ج.9: 978-600-6384-37-5 ؛ 100000 ریال: ج.10: 978-600-6384-38-2 ؛ ج.11: 978-600-6384-37-5 ؛ ج.12: 978-600-6384-38-2 ؛ ج.13: 978-600-6384-39-9 ؛ ج.14: 978-600-6384-40-5 ؛ ج.15: 978-600-6384-41-2 ؛ ج.16: 978-600-6384-42-9 ؛ 100000 ریال: ج.17: 978-600-6384-50-4 ؛ 100000 ریال: ج.18: 978-600-6384-51-1 ؛ 100000 ریال: ج.19: 978-600-6384-52-8 ؛ ج.20: 978-600-6384-46-7 ؛ 100000ریال: ج.21:978-600-6384-54-2 ؛ 100000ریال: ج.22: 978-600-6384-55-9 ؛ 100000ریال: ج.23: 978-600-6384-56-6 ؛ 100000ریال: ج.24: 978-600-6384-57-3 ؛ 100000ریال: ج.25: 978-600-6384-58-0 ؛ 100000ریال: ج.26: 978-600-6384-59-7 ؛ 100000 ریال: ج.27: 978-600-6384-60-3 ؛ 100000 ریال: ج.28: 978-600-6384-61-0 ؛ 100000 ریال: ج.29: 978-600-6384-62-7 ؛ 100000 ریال: ج.30: 978-600-6384-63-4 ؛ 100000 ریال: ج.31: 978-600-6384-64-1 ؛ 100000 ریال: ج.32:978-600-6384-65-8 ؛ 100000 ریال: ج.33:978-600-6384-66-5 ؛ 100000 ریال: ج.34: 978-600-6384-67-2 ؛ 100000 ریال: ج.35: 978-600-6384-41-2 ؛ 100000 ریال: ج.36: 978-600-6384-42-9 ؛ 100000 ریال: ج.37: 978-600-6384-43-6 ؛ 100000ریال: ج.38: 978-600-6384-44-3 ؛ 100000 ریال: ج.39: 978-600-6384-45-0 ؛ 100000 ریال: ج.40: 978-600-6384-29-0 ؛ 100000 ریال: ج.41: 978-600-6384-26-9

وضعیت فهرست نویسی:فیپا

يادداشت:عربی.

يادداشت:چاپ قبلی: قم: اجتهاد، 1386 -

يادداشت:جلد 4 تا 41 این کتاب در سال 1393 تجدید چاپ شده است.

يادداشت:کتاب حاضر شرح و تعلیقی بر کتاب " تبصره‌المتعلمین" اثر علامه حلی است.

یادداشت:کتابنامه .

یادداشت:نمایه.

مندرجات:ج.17- 18و 19.الحج.-ج.22 و 23 المکاسب.-ج.28. الاجاره.-ج.32،31و33.النکاح.-ج.34.الفراق.-ج.35. الفراق.-ج.41. الفهارس.

موضوع:علامه حلی، حسن‌بن یوسف، 648 - 726ق. . تبصره‌المتعلمین -- نقد و تفسیر

موضوع:فقه جعفری -- قرن 8ق.

شناسه افزوده:عاملی، قاسم محمد مصری، گردآورنده

شناسه افزوده:علامه حلی، حسن‌بن یوسف، 648 - 726ق. . تبصره‌المتعلمین . شرح

رده بندی کنگره:BP182/3/ع8ت20214 1392

رده بندی دیویی:297/342

شماره کتابشناسی ملی:3334286

اشارة

فقه الصادق

تأليف سماحة آية الله العظمى السيّد محمدصادق الحسينى الروحانى

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمدُ للّه على ما أولانا من التفقّه في الدِّين، والهداية إلى الحقّ‌، والصراط المستقيم، والصّلاة والسّلام على أشرف النفوس القدسيّة، وأزكى الذّوات المطهرة الملكيّة، محمّد المصطفى وعترته المرضيّة، هُداة الخلق وأعلام الحقّ‌.

وبعدُ: فهذا هو الجزء السادس والعشرون من كتابنا (فقه الصادق)، وقد وفّقنا إلى طبعه، وأرجو من اللّه تعالى التوفيق لنشر بقيّة المجلّدات، إنّه وليّ التوفيق.

والمبيع إذا تلف قبل القبض كان من مال البائع.

[تتمة فصل الرابع]

حكم تلف المبيع قبل القبض

المسألة الثانية: لا كلام (و) لا إشكال في أنّ (المبيع إذا تلف قبل القبض، كان من مال البائع) فلا ينتقل الضمان من البائع إلى المشتري، إلّابعد القبض، ويشهد له:

1 - النبويّ المشهور: «كلّ مبيعٍ تلف قَبل قبضه فهو من مال بائعه»(1).

2 - وخبر عقبة بن خالد، عن مولانا الصادق عليه السلام: «في رجلٍ اشترى متاعاً من رجل وأوجبه، غير أنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، قال: آتيك غداً إن شاء اللّه تعالى‌، فسُرِق المتاع، من مال من يكون‌؟

قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته، حتّى يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته، فالمبتاع ضامنٌ لحقّه حتّى يرد إليه ماله»(2).

أقول: يقع الكلام في مواضع:

الموضع الأوّل: إنّ الضمان الثابت في المقام، هل هو ضمان المعاوضة بحيث يتلف المبيع من مال البائع حقيقة، أو ضمان الغرامة، بحيث يتلف في ملك المشتري، ويكون تلفه عليه لا تلفه منه حقيقةً كما عن بعضٍ‌(3)تبعاً للمسالك(4)؟


1) عوالي اللآلئ: ج 3/212 ح 69، مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/303 ح 15430.

2) الكافي: ج 5/171 ح 12، وسائل الشيعة: ج 18/23 ح 23056.

3) حاشية المكاسب للاصفهاني: ج 5/385.

4) مسالك الأفهام: ج 4/200-201.

وجهان، أظهرهما الأوّل، وذلك لأنّ مدرك هذا الضمان هو النبويّ وخبر عقبة، وهما ظاهران في ذلك.

أمّا النبويّ‌: فلأنّ (من): إمّا نشوية، أو للتبعيض، أو للابتداء.

فإنْ كانت نشوية: كان معنى الخبر أنّ المبيع التالف بهذا الوصف ينشأ من مال البائع، ولازم ذلك كون التالف قبل التلف مالاً له، وإلّا لم يكن التلف ناشئاً من ملكه.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ ظاهره عليهذا وقوع التلف على مال البائع، وحيث إنّه ليس المراد رجوعه إليه مجّاناً، بل المراد رجوعه إليه ببدله، فلازم ذلك انفساخ المعاملة.

وإنْ كانت للتبعيض، فظاهره وكان صيرورة المبيع مِلْكاً للبائع بالتلف، إلّاأنّ ذلك لمّا كان غير معقول، فلابدّ وأن يراد به كون مِلْكاً له قبل التلف آناً مّا، ويكون إطلاق المال عليه بعد التلف باعتبار كونه مالاً له قبله.

وإنْ كانت للابتداء: بأن يكون ضمير (هو) عائداً إلى التلف المستفاد من الماضي المشتقّ منه، كما في مثل قوله تعالى‌: (اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‌) (1)فيكون مفاده أنّ التلف من البائع، ولازم ذلك الانفساخ، إذ فرق بين كون التلف منه وكونه عليه، ولازم الأوّل دخوله في ملكه.

وعليه، فما أفاده المحقّق الايرواني رحمه الله(2)من أنّه على هذا لا يدلّ على الانفساخ، لصدق كون التلف منه، مع ثبوت عوضه في أمواله، غير تامّ‌، لأنّه يصدق كون التلف عليه لا منه.2.


1) سورة المائدة: الآية 8.

2) حاشية المكاسب للايرواني: ج 2/82.

وأمّا خبر عُقبة: فلأنّ قوله: «فسُرق المتاع من مال من يكون‌؟ قال: من مال صاحب المتاع» ظاهرٌ في أنّ السرقة وقعت على مال البائع، ولا يكون ذلك إلّا بالانفساخ حتّى تكون سرقته منه.

الموضع الثاني: إنّ هذا الضمان هل هو حقّيٌ قابلٌ للإسقاط، أم حكمٌ شرعي غير قابل له‌؟

وجهان، أقواهما الثاني، لأنّ الضمان المعاوضي معناه كون المبيع بعد البيع، بحيث إذا تلف قبل قبضه ينفسخ العقد شرعاً، وهذه الحيثيّة بالإضافة إلى الانفساخ والملكيّة، من قبيل القوّة بالإضافة إلى الفعليّة، وليس شيءٌ منهما حقّاً قابلاً للإسقاط، لا الانفساخ والملكيّة الفعليّة، ولا هذه الحيثيّة، وعليه فلا يصحّ إسقاطه.

الموضع الثالث: إنّه على الانفساخ، هل يبطل البيع عند التلف أو من أصله‌؟ وجهان

استدلّ الشيخ رحمه الله(1)للأوّل: بأنّ تقدير ماليّة البائع قبل التلف مخالفٌ لأصالة بقاء العقد.

وحاصله: إنّ الأصل بقاء العقد إلى حين وقوع التلف، رفعنا اليد عن ذلك بالنسبة إلى ما قبل التلف، فيبقى الباقي عملاً بالاستصحاب إلى حين العلم بالزوال.

وأورد عليه المحقّق التقي رحمه الله(2): بأنّ القول بالبطلان من رأس وإنْ يعدّ مخالفاً لما دلَّ على صحّة البيع ونفوذه وحرمة نقضه، ولكن هذا لازمٌ على تقدير القول بالانفساخ قبل التلف آناً مّا، فإنّ مقتضى إطلاق تلك الأدلّة ثبوت الملك، ووجوب الوفاء في جميع الأزمنة، لا مجرّد ثبوت الملك آناً مّا، مضافاً إلى لزوم مخالفة قاعدة0.


1) المكاسب: ج 6/272.

2) حاشية المكاسب للميرزا الشيرازي: ج 2/100.

سلطنة الناس على أموالهم وأنفسهم(1)، فإنّ مقتضى الأوّل عدم خروج مال أحدٍ عن ملكه بدون رضاه، ومقتضى الثاني عدم دخول شيء في ملكه بدون رضاه، والإنفساخ القهري موجبٌ لخرم كلٍّ من القاعدتين، بل يلزم من ذلك خرم قاعدة:

(الخراج بالضمان)، حيث أنّ الخراج على هذا التقدير للمشتري، والضمان للبائع، بخلاف ما لو قلنا بالانفساخ من رأس، فإنّ الضمان والخراج يثبتان على البائع.

وبالجملة: فالقول بالانفساخ من رأس مخالفٌ لقاعدة واحدة، والقول بالانفساخ حين التلف مخالفٌ لقواعد أربع، فيقدّم الأوّل ترجيحاً لحفظ القواعد الأربع على حفظ دليلٍ واحد.

ولو فرض التكافؤ والتساقط فالمرجع أصالة فساد العقد، وعدم انتقال كلّ من العوضين عن صاحبه الأصلي إلى غيره.

وفيه: أمّا مخالفة القول بالانفساخ من حيث التلف لدليل صحّة البيع ونفوذه.

فيردّها: أنّ العقد الصحيح هو ما يؤثّر في الملكيّة المرسلة، والفسخ أو الانفساخ لا يوجبُ عدم التأثير كي ينافيه، بل يوجبُ رفع هذه الملكيّة المرسلة.

وأمّا مخالفته لقاعدة السلطنة على النفس والمال:

فيردّها: أنّ دليل السلطنة إنّما ينفي تصرّف غيره من الناس، والانفساخ حكمٌ شرعي لا معنى لكون دليل السلطنة نافياً له.

وأمّا مخالفته لقاعدة الخراج بالضمان:

فيردّها: ما تقدّم من عدم التلازم بينهما، وإنّما مفاد الحديث على فرض وجوده3.


1) بحار الأنوار: ج 2/272، عوالي اللآلئ: ج 2/138 ح 383.

هو أنّ الضمان المعاوضي - أي ملكيّة العين بإزاء شيء - يتبعها ملكيّة المنافع.

وعليه، فالأظهر هو الانفساخ من حين التلف.

أقول: السؤال المطروح حينئذٍ هو أنّ الانفساخ حقيقي أو حكمي‌؟

وقد استدلّ للثاني بوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ المال في الآن المتّصل بقائه بانعدامه يخرج عن الماليّة والملكيّة، إذ الشيء الذي يتلف في آن وجوده لا قيمة له في العرف، ولا يبذل العقلاء بإزائه مالاً.

وفيه أوّلاً: إنّه لا يوجب سلب الماليّة ما لم يكن معلوماً لعامّة الناس.

وثانياً: إنّ تقديره مِلْكاً إنّما هو لرجوع ما جُعل عوضاً عنه إلى مالكه، ولا فرق في ذلك بين كونه مالاً وعدمه.

الوجه الثاني: ما استند إليه المحقّق التقي رحمه الله(1)، من أنّ الجزء غير المتجزئ من الزمان غير موجود، فالملك الحقيقي إنْ وجد لا في زمانٍ فهو محال، وإنْ وجد في زمانٍ‌، ليكون هذا الزمان لا محالة قابلاً للتجزئة، فيمكن فرض الملك في الأقلّ من ذلك، فلو حكم بالملك في هذا المقدار مع إمكان الأقلّ منه، فلِمَ لا يحكم في أكثر من ذلك‌؟ ولو التزم بكون الملك في أقلّ من الزمان المفروض، ينتقل الكلام في ذلك المقدار الأقلّ‌، ونقول فيه ما قلناه في الفرض الأوّل.

وفيه: إنّه نلتزم بالملك في الجزء الآخر من الزمان عرفاً، وكون ذلك الجزء قابلاً للتجزءة عقلاً غير منافٍ بعد كونه غير قابل له عرفاً.

وبالجملة: فالأظهر هو الانفساخ الحقيقي على ما تقتضيه ظواهر الأدلّة، فإنّ ما2.


1) حاشية المكاسب للميرزا الشيرازي: ج 2/102.

دلَّ على كون التلف من البائع، يدلّ بالالتزام على الانفساخ الحقيقي.

الموضع الرابع: إنّ التلف الحقيقي مساوقٌ للانعدام، إلّاأنّ التلف عرفاً أعمٌّ منه ومن كلّ ما لا يرجى معه عود المبيع كما هو ظاهر خبر عقبة بن خالد(1)، حيث حكم فيه بأنّه من البائع بسبب السرقة.

لا يقال: إنّ تعذّر التسليم عُدّ من أسباب الخيار، مع أنّ لازم هذا الوجه الانفساخ بسببه.

فإنّه يقال: تعذّر التسليم ربما يكون مع العلم بالتمكن بعد حينٍ أو مع الشكّ‌، وربما يكون مع العلم أو الاطمئنان بعدم الإمكان إلى الأبد، والملحق بالتلف هو الثاني، والموجب للخيار هو الأوّل، فتأمّل، فإنّ ذلك قابلٌ للمنع.

الموضع الخامس: إذا وقع القبض غير واجدٍ لشرائط صحّته، فهل ينتقل الضمان أم لا؟

وملخّص القول: إنّه مع فقد بعض ما يعتبر في أنّ صدق عليه القبض الذي حقيقته الاستيلاء على المقبوض مع التصرّف الخارجي على ما تقدّم، انتقل الضمان، إذ لم يؤخذ في موضوع الانتقال سوى عنوان القبض، وعليه فلو تحقّق القبض من دون إذن ذي اليد كفى‌، وإن جاز استرداده.

وأمّا الكيل والوزن: فإنْ كان المبيع شخصيّاً، فهما غير معتبرين في القبض، وعلى فرض الاعتبار تعبّداً لا وجه لاعتبارهما في رفع الضمان، وإنْ كان كليّاً، فالوفاء لا يكون إلّابالكيل والوزن، فالقبض بلا إذنٍ من البائع لا يُحقّق الوفاء، ولا6.


1) الكافي: ج 5/171 ح 12، وسائل الشيعة: ج 18/23 ح 23056.

يشخّص مِلك المشتري كي يرتفع الضمان.

وأمّا النقل: بناءً على اعتباره فإنْ كان معتبراً في صدق القبض، فهو يعتبر في رفع الضمان، وإنْ كان غير معتبر فيه، وإنْ اعتبر تعبّداً، فلا يكون معتبراً في رفع الضمان.

وبالجملة: ممّا ذكرناه ظهر عدم الاكتفاء بالتخلية على القول بعدم كونها قبضاً، كما ظهر ما في كلمات الشيخ(1)من الإشكال.

انتقال الضمان بالإتلاف

الموضع السادس: في الإتلاف، وهو:

1 - قد يكون من المشتري.

2 - وقد يكون من البائع.

3 - وقد يكون من الأجنبي.

أمّا الأوّل: فإنْ كان الإتلاف من المشتري: فحيث إنّه مساوق للقبض، لأنّه استيلاءٌ مع التصرّف الخارجي، فبالإتلاف يتحقّق القبض، فلا يكون من التلف قبل القبض، ولا فرق في ذلك بين العلم والجهل.

وإنْ أبيت عن ذلك، فإنْ قلنا بشمول التلف للمساوي والاختياري، فينفسخ العقد، من غير فرقٍ بين الصورتين، وإلّا فلابدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة، وهو كون التلف من المشتري لا من البائع.


1) المكاسب: ج 6/272.

وأمّا الثاني: وهو فيما إذا كان الإتلاف من البائع، ففيه وجوه:

الوجه الأوّل: ما عن «المبسوط»(1)، و «الشرائع»(2)، و «التحرير»(3)، من أنّه كالتلف موجباً للانفساخ.

الوجه الثاني: كونه موجباً لضمان الغرامة.

الوجه الثالث: تخيير المشتري بين الرجوع بالمسمّى‌، والرجوع ببدل التالف، اختاره جمعٌ من الأساطين منهم الشيخ رحمه الله(4).

واستدلّ للأوّل: بأنّ الانفساخ في النَّص عُلّق على التلف، وهو قد يكون قهريّاً، وقد يكون اختياريّاً، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين أسبابه، بل ظاهر خبر عُقبة ابن خالد شموله للاختياري، لأنّ السرقة المنزّلة منزلة التلف لا تكون إلّا بالاختيار، ولا فرق في هذا المعنى بين إتلاف الأجنبي والبائع.

وفيه: إنّ التلف منصرفٌ إلى القهري، وبعبارة أُخرى إنّه بحسب المتفاهم العرفي مقابلٌ للإتلاف، وخبر عقبة قد تقدّم أنّه ضعيف السند لمحمّد بن عبد اللّه بن هلال.

أقول: وبما ذكرناه يظهر مدرك القول الثاني، فإنّه إذا لم يشمله النبويّ يشمله دليل: «من أتلف مال الغير»، بل لو أُشكل فيما ذكرناه، واحتمل شمول التلف لمورد الإتلاف، جرى استصحاب بقاء المبيع على ملك المشتري، وينقّح بذلك موضوع «من أتلف».6.


1) المبسوط: ج 2/117.

2) شرائع الإسلام: ج 2/53.

3) التحرير: ج 1/175.

4) المكاسب: ج 6/276.

واستدلّ للثالث: بوجهين:

الوجه الأوّل: إنّه يجتمع فيه سبب ضمان المسمّى وسبب الانفساخ، وهو كالمبيع في أنّ تلفه قبل قبضه، يكون من مال بائعه، أمّا سبب ضمان الغرامة، فهو دليل: «من أتلف مال الغير»، وحيث لا مرجّح لأحدهما على الآخر فيحكم بالتخيير.

وفيه أوّلاً: ما تقدّم من عدم شمول التلف لما إذا كان السبب اختياريّاً.

وثانياً: إنّه لا تنافي بين الدليلين في المقام، فإنّ دليل التلف قبل القبض يوجبُ انفساخ المعاملة، وصيرورة المال للبائع، ويرتفع بذلك موضوع دليل «من أتلف مال الغير».

وبعبارة أُخرى‌: إنّ دليل «من أتلف» يدلّ على تأثير الإتلاف على تقدير وجود موضوعه، وليس هو كسائر الأدلّة حافظاً لموضوعه، ودليل التلف يوجبُ ارتفاع موضوعه، فلا تعارض بين الدليلين ولا تزاحم.

الوجه الثاني: إنّ الإتلاف يوجبُ تعذّر التسليم، فيوجب الخيار للمشتري، وحيث إنّه متعلّقٌ بمال المشتري، فيشمله دليل «من أتلف مال الغير»، فله الخيار والتضمين بالبدل، وحيث إنّه مع إعمال أحدهما لا مورد للآخر يتخيّر بينهما.

وأورد عليه: بأنّ دليل الخيار مع تعذّر التسليم مختصٌّ بما إذا بقي المال على قابليّة التسليم، غاية الأمر تعذّر لعارض.

وفيه: إنّه تخصيصٌ بلا وجه، وعليه فيتخيّر المشتري بين الفسخ وأخذ الثمن، والإبقاء وأخذ القيمة.

وأمّا الثالث: وهو فيما لو كان الإتلاف من الأجنبي، جاء فيه الوجوه الثلاثة

المتقدّمة، ووجه الانفساخ فيه أظهر، لما في خبر عقبة من الدلالة على الانفساخ بما هو بمنزلة إتلاف الأجنبي، فالأظهر فيه أيضاً التخيير بين الفسخ وأخذ الثمن، والإبقاء وأخذ البدل من الأجنبي.

وقد يُقال: إنّه لو قبض المشتري بغير إذن البائع، حيث يكون له الاسترداد فأتلفه البائع، كان كإتلافه قبل القبض، واستدلّ له بوجهين:

أحدهما: إنّ‌القبض بلاإذن كالعدم، وقدتقدّم عدم توقّف صدق القبض على الإذن.

ثانيهما: إنّ إتلاف البائع إيّاه استردادٌ، فكما أنّه لو استردّه فأتلفه يكون من الإتلاف قبل القبض، كذلك لو تلف باسترداده أو أتلفه فإنّه استردادٌ بالإتلاف.

وفيه أوّلاً: إنّه لو استردّه فأتلفه، لا نُسلّم كونه من الإتلاف قبل القبض.

وثانياً: إنّ الإتلاف ليس استرداداً - الذي هو عبارة عن إعادة الاستيلاء السابق، لعدم كونه استيلاء - بل إتلافٌ لما هو تحت استيلاء الغير.

وعليه، فالأظهر أنّه من الإتلاف بعد القبض.

تلف الثمن كتلف المثمن

الموضع السابع: المشهور بين الأصحاب أنّ تلف الثمن المعيّن قبل القبض كتلف المبيع المعيّن، وقد استدلّ له بوجوه:

أحدها: الإجماع.

وفيه: إنّه لمعلوميّة مدرك المُجمِعين، أو احتمال كونه أحد المذكورات، لا يُعبأ به لعدم كونه تعبّديّاً.

ثانيها: قوله عليه السلام في خبر عُقبة المتقدّم: «فإذا أخرجه من بيته، فالمبتاعُ ضامنٌ لحقّه حتّى يردّ ماله إليه»، بتقريب أنّ مرجع الضمير في (لحقّه) إلى البائع، فيكون المراد ضمانه للثمن قبل القبض.

وفيه: إنّ كونه ضامناً للثمن أعمٌّ من الانفساخ، وإرادة الضمان المعاوضي لا ضمان الغرامة غير ثابتة.

وما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله(1): من صراحة الرواية أو ظهورها في إرادة الضمان المعاوضي، وسراية هذا الحكم إلى الثمن.

يرد عليه: أنّه مع اختلاف التعبير كيف يدّعي ذلك، بل ترتّب ضمانه على قبض المبيع يؤيّد إرادة ضمان الغرامة لا المعاوضي، كما لا يخفى‌، هذا فضلاً عن أنّ الخبر ضعيف السند كما تقدّم.

ثالثها: صدق المبيع على الثمن، فيعمّه النبويّ‌: «كلّ مبيعٍ تَلِف قبل قبضه» ووجه توهّم الصدق ما اشتهر من صدق البيع على الاشتراء، لكونه من الأضداد.

وفيه: إنّه لا يصدق ذلك، وليس البيع من الأضداد كما تقدّم.

رابعها: كونه على القاعدة من جهة الالتزام الضمني المتحقّق في ضمن البيع بتسليم الثمن إلى البائع، فإذا لم يمكنه التسليم بطلت العوضيّة.

وفيه: إنّه إن قيّدت العوضيّة الاعتباريّة ببقاء العوضين بطل البيع، وإلّا فلا يوجب اشتراط التسليم إلّاالخيار.

وبالجملة: فالحقّ أنّه لا دليل على الانفساخ بتلف الثمن.9.


1) منية الطالب: ج 2/189.

وإنْ تعيَّب، تخيّر المشترى بين الرَّد والإمساك بالأرش.

وبما ذكرناه يظهر الحال في سائر المعاوضات، فإنّ الانفساخ بتلف أحد العوضين فيها لا مدرك له سوى بعض ما تقدّم.

نعم، في خصوص الإجارة تنفسخ الإجارة بتلف العين، لأنّ المملوك فيها هي المنفعة، ومع عدم العين لا منفعة، فلا شيء حتّى يملك.

تلف بعض المبيع قبل قبضه

الموضع الثامن: إنّه لو تلف بعض المبيع قبل قبضه، فالكلام فيه في موردين:

الأوّل: في تلف الجزء الذي يقسط عليه الثمن.

الثاني: في تلف الوصف والجزء الذي لا يُقسّط عليه الثمن.

أمّا المورد الأوّل: فمقتضى عموم النبويّ‌: «كلّ مبيعٍ تلف...»(1)هو انفساخ البيع بالإضافة إليه، لصدق المبيع على كلّ جزءٍ من الأجزاء. وعدم صدق البيوع على بيع الدار مثلاً لا ينافي ذلك، فإنّ وحدة البيع فيه وحدة إنشائيّة ووحدة عموميّة لا شخصيّة.

وأمّا المورد الثاني: فقد تحدّث عنه المصنّف بقوله: (وإنْ تعيّب تخيّر المشتري بين الرَّد والإمساك بالأرش).

أقول: ولكن الظاهر أنّه لا يوجبُ الانفساخ ولا الأرش.


1) عوالي اللآلئ: ج 3/212 ح 69، مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/303 ح 15430-1.

أمّا الأوّل: فلأنّه لا مقابل له من الثمن ليعود بالانفساخ.

وأمّا الثاني: فلأنّ ثبوت الأرش إنّما يكون بالتعبّد، ودليله مختصٌّ بالعيب الموجود قبل العقد، ولا يشمل الحادث بعده، والشيخ رحمه الله(1)ذهب إلى أنّ النبويّ الدالّ على الانفساخ في تلف الكلّ والجزء الذي يقسّط عليه الثمن، يدلّ على التخيير بين الرَّد والإمساك بالأرش في المقام.

بتقريب أنّ معنى كونه من مال البائع، هو وقوع التلف في ملكه، ولازم تقديره في ملك البائع فرض العقد كأن لم يقع، ومقتضاه لو كان التالف تمام المبيع انفساخ العقد، ولو كان التالف جزئه انفساخه بالنسبة إلى ذلك الجزء، ولو كان هو الوصف أو الجزء الذي لا يقسّط عليه الثمن، وفقده موجب للتعيّب جرى فيه أحكام العيب، فإنّ المنفيّ على الأخير حيثيّة الوصف، لفرض وقوع العقد، ومعنى عدم وقوع العقد على الموصوف، مع فرض وقوعه، وقوعه على المعيب.

وفيه أوّلاً: إنّ الموضوع في النبويّ عنوان (تلف المبيع) ووصف الصحّة وكذا ما بمنزلته ليس مبيعاً ولا جزءً منه، وحمله على كون ذكر التلف من باب كونه أظهر الأفراد يحتاج إلى قرينة.

وثانياً: إنّ الوصف لم يقع عليه العقد، ففرض العقد كأن لم يكن غير مؤثّر في ضمان الوصف، وترتّب حكم الخيار.

وقد يُقال: في تقريب ما أفاده الشيخ رحمه الله(2): بأنّ المستفاد من النبويّ تنزيل (التلف) و (النقص) قبل القبض، منزلة النقص قبل العقد، ولازم ورود العقد على الناقص ترتّب أحكام خيار العيب.

وفيه: - مضافاً إلى الإيراد الأوّل الذي أوردناه على ما أفاده الشيخ رحمه الله - إنّ غاية8.


1) المكاسب: ج 6/278.

2) المكاسب: ج 6/278.

ما يستفاد من كون التلف من البائع دخوله في ملك البائع، بحيث يضاف إليه التلف وهو مِلْكه، وليس لازم ذلك فرض دخوله في ملك البائع قبلاً، أو فرض وقوع التلف قبل العقد، كي يكون لازمه ورود العقد على الناقص.

أقول: وربما يستدلّ لجواز الرَّد، بل لأخذ الأرش بحديث(1)لا ضرر، بدعوى أنّ المبيع إذا تعيّب قبل القبض، يكون الصبر عليه ضرراً على المشتري، فوجوب البيع الذي حَدَث فيه العيب من جهة الضرر، يكون مرفوعاً بالحديث، وحيث إنّه ربما تكون الحاجة ماسّة إلى المعاوضة، فيكون فسخها أيضاً ضرراً عليه، فله الإمساك وأخذ الأرش، فتكون النتيجة التخيير بين الأمرين.

وفيه أوّلاً: ما تقدّم من أنّ حديث لا ضرر لا يصلح لإثبات الخيار.

وثانياً: إنّ الصبر على المعيب في نفسه لو كان ضرريّاً، لا يقتضي كون العقد خياريّاً، والبيع لا يصير ضرريّاً بذلك، بل هو بالقياس إلى التعيّب قبل القبض وبعده على حَدٍّ سواء.

وبالجملة: بما أنّ العقد لم يقع على المعيب، فلا يكون لزومه إبقاءً للضرر، وموجباً لاستقرار الضرر على المشتري، ومجرّد ارتفاع الضرر بذلك لا يصلح رافعاً له.

وثالثاً: إنّ أخذ الأرش ممّا لا وجه له أصلاً، لأنّ الإمساك بلا أرش وإنْ يستلزم ورود الضرر على المشتري، إلّاإنّه مع الأرش ضرر على البائع، ولا أولويّة لأحد الضررين على الآخر.5.


1) الكافي: ج 5/294 ح 8، وسائل الشيعة: ج 18/32 ح 23075.

وعليه، فالأظهر عدم جواز الرَّد لولا الإجماع.

هذا فيما لو تعيّب بآفةٍ سماويّة.

وأمّا لو تعيّب بفعل أحدٍ، فإذا قلنا بأنّ التعيّب بآفة سماويّة يوجب الخيار بل الأرش، يقع الكلام في التعيّب بفعل أحدٍ:

فإنْ كان ذلك بفعل المشتري، لا كلام في أنّه لا يوجب شيئاً.

وإنْ كان بفعل الأجنبي أو البائع فقد يقال - كما عن ظاهر «الجواهر»(1)- إنّه لا خلاف في الخيار، وإنّما البحث في الأرش، وظاهر «المكاسب»(2)ثبوت الأرش خاصّة، ثم احتمل التخيير بين الرَّد والإمساك، وأخذ الأرش من المتلف.

وفيه: إنّ الخيار لا وجه له، لأنّ الضرر وإنْ أوجب ذلك، فإنّما هو إذا لم يكن بفعل أحدٍ، وإلّا فيتدارك بدليل الإتلاف بضمانه، وأمّا أخذ الأرش فهو وجيه لعموم دليل: «من أتلف...».

وبالجملة: فالأظهر هو أخذ الأرش من المتلف خاصّة.

***1.


1) جواهر الكلام: ج 23/83.

2) المكاسب: ج 6/281.

الفصل الخامس: في العيوب.

وهو كلّ ما زاد أو نَقَص عن المجرى الطبيعي.

الفصل الخامس: في العيوب

اشارة

أقول: وتمام الكلام في هذا الفصل في طيّ مسائل:

بيان حقيقة العيب

المسألة الأُولى‌: في بيان ماهيّة العيب، واستقصاء القول فيها بالبحث في جهات:

الجهة الأُولى‌: إنّه طفحت كلماتهم تبعاً لمرسل السيّاري(1)بما في المتن، حيث قال:

(وهو كلّ ما زاد أو نقص عن المجرى الطبيعي) أي الخلقة الأصليّة.

أقول: وظاهر ذلك هو أنّ كلّ ما ثبت في أصل الخلقة من الأجزاءوالأوصاف، فزاد ذلك الشيء أو نقص فهو عيبٌ‌، فينحصر العيب في الزيادة والنقيصة الخلقيّة.

وعبّر جماعةٌ‌(2)عن ذلك بالخروج عن المجري الطبيعي، ولكن المفهوم العرفي من العيب أعمّ من ذلك، فإنّ ثبوت الخراج الثقيل الخارج عمّا جرت العادة عليه في الأراضي عيبٌ عند العرف، مع أنّ الخراج أجنبي عن الخلقة الأصليّة للأرض، وهو في الشرع أيضاً كذلك، فإنّ عدم حيض الجارية المُدرِكة قد اعتبره النَّص عيباً،


1) الكافي: ج 5/215 ح 12، وسائل الشيعة: ج 18/97 ح 23230.

2) إرشاد الأذهان: ج 1/376، إيضاح الفوائد: ج 1/491، جامع المقاصد: ج 4/322.

مع أنّه ربما يكون احتباس الدم لعارضٍ مزاجي لا لنقصٍ في الخلقة الأصليّة، كما أنّ حمل الجارية جُعل عيباً موجباً للخيار، مع أنّه ليس زيادة أو نقصاًفي خلقتها الأصليّة، وكذلك إباق العبد، فيُعلم من ذلك أنّ العيب الشرعي أعمٌّ من الكليّة المذكورة.

وبالجملة: فالمتعيّن إمّا البناء على أنّ الخبر ورد لبيان العيب لا لتحديده، أو التصرّف في الكليّة بحملها على خلاف ظاهرها، وهو كون الخِلْقة إسماً لمعنى مصدري يُراد به ما عليه الشيء من الهيئة، فيعمّ كلّ نقصٍ أو زيادة وإنْ لم يكن من أجزائه الأصليّة، بل وإنْ كان الوصف الزائد اعتباريّاً ككون المزرعة ثقيلة الخراج ونحو تلك من الأوصاف الاعتباريّة.

الجهة الثانية: بعدما عرفت التوسعة في العيب:

فقد يكون شيءٌ واحدٌ معيباً بملاحظة الخِلقة الأصليّة.

وغير معيبٍ بالإضافة إلى الحقيقة العاديّة الثانويّة.

وقد ينعكس الأمر.

وعلى التقديرين:

إنْ كان ذلك بالإضافة إلى جهتين، فلا إشكال في أنّ لكلّ منهما حكمها، مثلاً لو كانت لأرض غير قابلة للزرع، لكنّها خفيفة الخراج، فهي معيوبة باعتبار الخلقة الأصليّة، وصحيحة باعتبار العادة الثانويّة.

ولو كانت قابلة للزرع، لكنّها ثقيلة الخراج، فهي صحيحة بالاعتبار الأوّل ومعيوبة بالثاني.

وفي الفرضين يجري حكم العيب، إذ لا يجبُ أنْ يكون الشيء معيوباً من جميع

الجهات في ترتّب أحكام العيب، بل يكفي التعيّب ولو من جهةٍ واحدة.

أقول: يقع الكلام فيما إذا كان الاختلاف من جهةٍ واحدة، كما إذا كان العبد الكبير أغلف، فإنّه تامٌّ من حيث الخلقة، ومعيوبٌ باعتبار العادة الثانويّة، إذ جرت العادة على الختان، ويجبُ ذلك، والعبد موردٌ للخطر عند الختان، وكما إذا كانت الأمَة ثيّبة، فإنّ فيها نقصاً خَلْقيّاً واعتدالاً واستقامة عادية.

وهذا هو مورد بحث الشيخ رحمه الله(1)حيث قال: (ثمّ لو تعارض مقتضى الحقيقة الأصليّة وحال أغلب الأفراد الّتي يستدلّ بها على حال الحقيقة عرفاً، رُجّح الثاني) انتهى‌.

والمفروض في كلامه، المفروغيّة عن عدم الخيار، فيما إذا كان بحسب الحقيقة الثانويّة غير معيوبٍ‌، وإنّما جُعل مورد البحث أنّ ما هو كذلك - أي نقص أو زيادة بحسب الحقيقة الأوّليّة، ولا يكون كذلك بحسب الحقيقة الثانويّة - هل يعدّ عيباً موضوعاً، وإنّما لا يلحقه حكم العيب، أو أنّه ليس بعيبٍ موضوعاً؟

ووجه الأوّل: أنّ العيب هو النقص أو الزيادة بحسب الخلقة الأصليّة، وإنّما يعتنى بوجود الصفة في أغلب أفراد الطبيعة من جهة كشفه عن الخلقة الأصليّة، وهذا إنّما يكون مع الجهل بها، وأمّا مع العلم بالخلقة الأصليّة، فلا يُعتنى بالكاشف.

نعم، لا يلحقه حكمُ العيب من جهة أنّ حكم العيب إنّما يثبتُ من جهة اقتضاء الإطلاق للالتزام بالسّلامة، فيكون كما لو التزمه صريحاً في العقد. فمع فرض الأغلب على خلاف مقتضى الحقيقة، لا يقتضي الإطلاق ذلك، بل يقتضي الالتزام بالبراءة من ذلك العيب، فلا يثبتُ الخيار من هذه الجهة.6.


1) المكاسب: ج 5/356.

ووجه الثاني: إنّ الغلبة بمنزلة الحقيقة الأصليّة، وإنّ لها الموضوعيّة كما تقدّم، مع أنّ مقتضى ما ورد في خبر سماعة:

«في الرَّجل يشترى جارية على أنّها بِكر، ولم يجدها كذلك‌؟

قال عليه السلام: لا تُردّ عليه، ولا يجبُ عليه شيء، إنّه قد يكون يذهب في حال مرض أو أمرٌ يصيبها»(1)

(2و3) المكاسب: ج 5/357.

.

أقول: بالرغم من أنّ الشيخ رحمه الله(2) قوّى الوجه الأوّل، ولكن الأظهر هو التفصيل:

إذ قد يكون شيوع النقص أو الزيادة لمصلحةٍشخصيّة أو نوعيّة، كالختان، فإنّه نقصٌ أمر به الشارع لمصلحةٍ شخصيّة، وكالخراج، فإنّه لغرض نوعي عقلائي، وفي مثل ذلك لا يعدّ عيباً، لما عرفت من أنّه ليس المدار على خصوص الخلقة الأصليّة.

وقد يكون لا لمصلحةٍ‌، بل لجهةٍ أُخرى كثيبوبة الأمَة، وفي مثل ذلك يكون عيباً ولا عبرة بالغلبة، وهي من حيث هي ليست بمنزلة الخلقة الأصليّة، كما أفاده الشيخ رحمه الله(3)، والخبر لا يدلّ على أزيد من نفي الخيار.

الجهة الثالثة: ويدور البحث فيها عن أنّه هل يعتبر في صدق العيب أنْ يكون موجباً لنقص خصوص الماليّة، لأنّ النقص أو الزيادة خلقةً وعادةً غير النقص في الماليّة لا يعدّ عيباً، أم لا يعتبر ذلك‌؟ وجهان:

والتحقيق: لا إشكال في أنّ مطلق الزيادة أو النقيصة، الخَلْقيّة أو العادية، لا يعدّ عيباً كحِدّة بصر العبد، وزيادة شعر رأس الجارية وما شابه ذلك.

كما لا إشكال في أنّه ليس المدار على الزيادة والنقص من حيث الماليّة فقط، وإلّا لكانت الأشياء المختلفة من حيث الماليّة بعضها صحيحاً وبعضها الآخر معيباً،7.


1) الكافي: ج 5/215 ح 11، وسائل الشيعة: ج 18/108 ح 23258.

وإنْ لم يختلفا من حيث الأجزاء الأصليّة.

إنّما الكلام في أنّه إذا كانت الزيادة أو النقيصة الموجبة للنقص في الشيء من حيث الآثار والخواص المترتّبة عليه، غير موجبةٍ للنقص في الماليّة من جهة تلازم النقص من هذه الجهة، لأثرٍ آخر وخاصيّة أُخرى مترتّبة عليه، هل تكون عيباً أم لا؟

والظاهر صدق العيب عليها، إذ المدار ليس على الماليّة.

وأمّا خبر السيّاري: المتضمّن لقضيّة ابن أبي ليلى، ولقوله عليه السلام: «كلّ ما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيبٌ‌»(1)

(2و3) المكاسب: ج 5/357 و 358.

.

فهو ضعيف السند، لاتّفاق الرجاليّين على أنّ أحمد بن محمّدالسياري راوي الخبر ضعيفٌ فاسد المذهب.

هذا وقد أجاب عنه الشيخ رحمه الله(2) بأجوبة أُخرى سيمرّ عليك ما فيها.

أقول: ثمّ إنّه على المختار من صدق العيب، ليس له إلّاالرَّد، لما تقدّم من عدم معقوليّة الأرش، كما أنّه على القول الآخر أيضاً لا إشكال في ثبوت حقّ الرَّد، من جهة الالتزام الضمني بعدم النقص، ولذا قد توهّم عدم ترتّب ثمرةٍ على هذا النزاع، والشيخ رحمه الله(3) دفعاً لذلك ذكر ثمرتين:

أحدهما: ما إذا طرأ أحد موانع الرَّد بالعيب، بناءً على عدم منعها عن الرَّد بخيار تخلّف الشرط، فإنّه على المسلك المنصور يسقط حقّ الرَّد دون المسلك الآخر، وأمر رحمه الله بالتأمّل، ووجهه ما ذكره سابقاً من اختصاص أدلّة تلك الموانع بصورة ثبوت الأرش، وقد تقدّم في تلك المسألة أنّ مرسل جميل يعمّ صورة عدم ثبوت الأرش، فهذه الثمرة موجودة.8.


1) الكافي: ج 5/215 ح 12، وسائل الشيعة: ج 18/97 ح 23230.

فإنْ أطلق المتبايعان البيع أو اشترطا الصحّة، اقتضى الصحّة.

ثانيتهما: إنّه إذا حصل هذا النقص قبل القبض، أو في مدّة الخيار، فإنّه على فرض كونه عيباً يكون مضموناً على البائع، وعلى فرض عدمه لا يكون كذلك، إذ لا دليل على أنّ فقد الصفة المشترطة قبل القبض أو في مدّة الخيار مضمون على البائع.

وقد تنظّر فيها الشيخ رحمه الله(1)، وهو في محلّه، لأنّ تلف وصف المبيع إذا كان مشمولاً لقاعدة: (كون التلف قبل القبض من البائع)(2)، وقاعدة: (كون التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له)(3)كان تلف الوصف الملتزم به أيضاً كذلك، ولا يقاس ذلك بتلف ما التزم به البائع بما هو أجنبيٌ عن تلف المبيع.

وبالجملة: لا فرق في تلف الوصف بين كونه مأخوذاً في المبيع بعنوان التوصيف، أو بعنوان الشرط، وعليه فالعمدة هي الثمرة الأُولى‌.

إطلاق العقد يقتضي الصحّة

المسألة الثانية: إطلاق العقد يقتضي وقوعه مبنيّاً على سلامة العين من العيب، وعلى هذا (فإنْ أطلق المتبايعان البيعَ أو اشترطا الصحّة، اقتضى الصحّة)، ولولا ذلك لم يصحّ العقد من جهة الجهل بصفة العين الغائبة، وهي صحّتها التي تعدّ أهمّ ما


1) المكاسب: ج 5/360.

2) الكافي: ج 5/171 ح 12، وسائل الشيعة: ج 18/23 باب 10 (إنّ المبيع إذا تلف قبل القبض تلف من مال البائع).

3) الكافي: ج 5/171 ح 10، وسائل الشيعة: ج 18/19 باب 8 (إنّ المبيع إذا حصل له نماء في مدّة الخيار فللمشتري).

يتعلّق به الأغراض الموجب للغرر.

أقول: وللقوم في تقريب أصالة السلامة الرافعة للغرر، الموجبة لصحّة العقد، وجوه:

الوجه الأوّل: إنّ الغالب في الأعيان الخارجيّة بقائها على خلقتها الأصليّة، والظنّ يُلحق الشيء بالأعمّ الأغلب.

وفيه: إنّ الظنّ لا يُغني من الحقّ شيئاً.

الوجه الثاني: إنّ بناء العرف والعقلاء على الصحّة والسلامة، ما لم يثبت العيب.

وفيه: إنّ مثل هذا البناء من العرف غير ثابت.

الوجه الثالث: ما أفاده الشيخ رحمه الله(1)، من أنّ الغالب في الأعيان ملاحظة السلامة فيها، كما أنّ بناء العرف والعقلاء في معاملاتهم على التصريح بالعيب لو كان المتعلّق معيوباً، وعليه فالإطلاق وعدم التقييد، يقتضي وقوعه مبنيّاً على سلامة العين.

أقول: هذا الوجه تامٌّ‌، غاية الأمر إن كفى الاشتراط في رفع الغَرر نقول إنّ السلامة شرطٌ ضمني، وإلّا كانت قيداً ووصفاً.

الوجه الرابع: البيع إنّما يصحّ لأجل إخبار البائع بالصحّة، وهذا الإخبار ليس بالتصريح بل ما نقف عليه من خلال القرينة، وهي علمنا بأنّ الناس لا يبذلون المال في مقابل المعيوب إذا لم يصرّحوا بالعيب، فلو بذل مالٌ بإزاء شيء، عُلم أنّه يريدُ ذلك الشيء بوصف الصحّة.

وهناك تقاريب أُخر تُقرّب ما تقدّم.1.


1) المكاسب: ج 5/271.

وبالجملة: يترتّب على ما ذكرناه في تقريب المراد، من الالتزام الضمني، وأنّه ليس هو الالتزام القلبي، بل إنشاءٌ لورود العقد على الصحيح وربط العقد به، إنّه يتمّ ما صرّح به جماعة من أنّ اشتراط الصحّة يفيد التأكيد، وعلى ما ذكرناه، فثبوت الخيار لو ظهر أنّ به عيباً واضح، مضافاً إلى أنّه من المسلّمات نصّاً وفتوى، وستمرّ عليك تلكم النصوص.


وإنْ تبرّأ من العيوب فلا ضمان.

التبرّي من العيوب

المسألة الثالثة: لو وقع العقد صحيحاً، ثمّ ظهر به عيبٌ سابق على العقد:

فتارةً‌: يتبرّأ البائع حين العقد من العيوب، بأن يقول: (بعتُك هذا بكلّ عيب)، أو: (أنا بريءٌ من كلّ عيب)، أو نحو ذلك ممّا لا يفرّق فيه بين العيوب ظاهرة أو باطنة، معلومة أو غير معلومة.

(و) أُخرى‌: لا يتبرّآ من العيوب، بل يتعاملان على الصحّة والسلامة.

أمّا الأوّل: ف‍ (إنْ تبرّأ من العيوب، فلا ضمان)، ويسقط به الأرش والرَّد بلا خلاف.

وفي «الجواهر»(1): (إجماعاً محكيّاً صريحاً عن «الغُنية»(1)، و «الخلاف»(2)، و «التذكرة»(3)، وظاهرٌ في غيرها إنْ لم يكن محصّلاً).

ويشهد به:

1 - مضافاً إلى ذلك، وإلى ما ذكره في «الجواهر»(5) من (ضرورة كون المراد البراءة ممّا رتّب الشارع عليه من الحكم وهو الرَّد أو الأرش، فهو حينئذٍ شرطٌ مندرجٌ فيما دلَّ على الشرائط، حتّى لو ذكراه قبل العقد وبنيا عليه، بناءً على أنّه حينئذٍ كالمصرّح به فيه، ولأنّ المشتري حينئذٍ راضٍ به على ذلك، كما لو علم به


1) الغنية: ص 221-222.

2) الخلاف: ج 3/127-128.

3) تذكرة الفقهاء: ج 1/525.

وأقدم عليه، بل يشمله دليل ذلك.

بل قد يقال: (إنّ في شمول أدلّة الخيار المزبور لمحلّ‌الفرض محلُّ شكٍّ‌، بل ظاهرها خلافه، فتبقى أصالة اللّزوم، وأصالة براءة الذمّة من الأرض بلا معارض) انتهى‌.

2 - مفهوم صحيح زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام: «أيّما رجل اشترى شيئاً به عيبٌ وعوارٌ لم يتبرّأ إليه، ولم يتبيّن له، فأحدث فيه بعدما قبضه شيئاً، ثمّ علم بذلك العوار وبذلك الداء، أنّه يمضي عليه البيع، ويردّ عليه بقدر ما نقص من ذلك والداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به»(1). بالتقريب الآتي.

3 - ومصحّح جعفر بن عيسى‌، قال: «كتبتُ إلى أبي الحسن عليه السلام: جُعِلتُفداك، المتاع يُباع فيمن يزيد، فينادي عليه المُنادي، فإذا نادى عليه برئ من كلّ عيبٍ فيه، فإذا اشتراه المشتري ورضيه، ولم يبق إلّانقد الثمن، فربما زهد، فإذا زهد فيه، ادّعى فيه عيوباً، وإنّه لم يعلم بها، فيقول المنادي: قد برئتُ منها، فيقول المشتري: لم أسمع البراءة منها، أيصدّق فلا يجب عليه الثمن، أم لا يصدّق فيجب عليه الثمن‌؟

فكتب: عليه الثمن»(2).

أقول: ودلالته على ذلك من وجهين واضحة، ومع ذلك كلّه فلا يصغى إلى ما قيل من إنّ شرط التبرّي من العيب موجبٌ للجهل بالمبيع والغَرر، الموجبين للبطلان.

أضف إليه ما تقدّم في مبحث خيار الرؤية في مسألة شرط عدم الخيار(3)، دفع ذينك، وسائر ما أُورد عليه.8.


1) الكافي: ج 5/207 ح 3، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23068.

2) تهذيب الأحكام: ج 7/66 ح 29، وسائل الشيعة: ج 18/111 ح 23262.

3) فقه الصادق: ج 25/358.

هذا كلّه في العيب الموجود قبل العقد.

وأمّا العيب المتجدّد بعد العقد: الموجب للخيار، فهل حكمه حكم الحادث بعد العقد قبل القبض، أو في زمان خيار المشتري، ويصحّ التبرّي منه كما هو المشهور، وعن ظاهر «التذكرة»(1)الإجماع عليه، أم لا يصحّ؟ وجهان:

استدلّ‌الشيخ في «المكاسب»(2)للأوّل: بعموم قوله صلى الله عليه و آله: «المسلمون عندشروطهم».

ثمّ أُورد عليه إيرادين:

الإيراد الأوّل: إنّه من قبيل البراءة ممّا لا ثبوت له، فيكون كإسقاط ما لا يجب.

ونُقل عن المصنّف(3)الجواب عنه: بأنّ البراءة ليست من العيب، بل من الخيار الذي هو مقتضى العقد.

وأجاب عنه: بأنّ العقد ليس سبباً لهذا الخيار، بل سببه حدوث العيب، فهو غير ثابتٍ ولو بثبوت مقتضيه، فيكون كالعيب غير الحادث من حيث تعلّق البراءة بما لا ثبوت له.

وفيه: إنّ التبرّي من العيب مرجعه إلى شرط عدم الخيار وسقوطه، وقد مرّ مراراً أنّه لا مانع من إسقاط ما لم يجب معلّقاً على ثبوته.

الإيراد الثاني: إنّه موجبٌ للغرر، بتقريب أنّ ارتفاع الغَرر إنّما كان بالالتزام بالصحّة، وشرط عدم الخيار والتبرّئ من العيب مرجعه إلى عدم الالتزام بالصحّة، فيعود الغَرر.0.


1) تذكرة الفقهاء: ج 1/525.

2) المكاسب: ج 5/322.

3) حاشية المكاسب للاصفهاني: ج 4/510.

وبدونه إذا ظَهَر عيبٌ‌، تخيّر المشتري بين الرَّد والإمساك بالأرش

ويردّه: - مضافاً إلى ما أفاده من أنّ ارتفاع الغَرر إنّما يكون بغلبة السّلامة المحفوظة مع التزام البائع وعدمه، ومضافاً إلى ما في آخر كلامه من أنّ العيب الحادث لعدم وجوده حال العقد، لا يلزم من عدم اشتراط عدمه الغَرر - ما مرّ في خيار الرؤية في الجواب عن وجوه المنافاة بين شرط عدم الخيار وما يرتفع به الغَرر.

وبالتالي فالأظهر صحّة هذا الشرط.

هذا كلّه مع التبرّي من العيب.

التخيير بين الرَّد وأخذ الأرش

(و) أمّا إذا أطلق المتبايعان صيغتهما (بدونه) أي بدون التبرّي من العيب، ف‍ (إذا ظهر) به (عيبٌ‌) سابقٌ على العقد، (تخيّر المشتري بين الرَّد والإمساك بالأرش) بلا خلافٍ‌.

وفي «الجواهر»(1): (إجماعاً محصّلاً ومحكيّاً مستفيضاً، صريحاً وظاهراً).

ويشهد بالرّد: - مضافاً إلى ذلك، وإلى عموم أدلّة الشروط كما مرّ - النصوص المستفيضة الآتية.

وأمّا الأرش: فلم يوجد في الأخبار ما يدلّ على التخيير بينه و بين الرَّد، بل ما دلَّ عليه يختصّ بما إذا لم يمكن الرَّد.


1) جواهر الكلام: ج 23/236.

أقول: قد استدلّ للتخيير بينه وبين الرَّد بوجوه:

الوجه الأوّل: إنّ هناك طوائف من النصوص:

الطائفة الاُولى: ما دلَّ على الرَّد مع السكوت عن الأرش(1)، وهي كثيرة.

الطائفة الثانية: ما أطلق الأرش من غير ذكر للرَّد:

منها: رواية يونس المتقدّمة(2)، بناءً على عدم ظهورها في صورة التصرّف.

ومنها: خبر السكوني، عن جعفر، عن أبيه عليهم السلام «أنّ عليّاً عليه السلام قضى في رجلٍ اشترى من رجلٍ عُكة سَمنٍ‌احتكرها حُكرة، فوجدفيهارُبّاً، فخاصمه إلى‌عليّ عليه السلام.

فقال له عليٌّ عليه السلام: لك بكيل الرُّب سَمناً.

فقال له الرجل: إنّما بعته منك حُكرةً‌!

فقال له عليه السلام: إنّما اشترى منك سَمناً ولم يشتر مِنك رُبّاً»(3).

بناءً على أنْ يكون الرُّب مخلوطاً بالسَّمن، بحيث يعدّ عيباً فيه، وكون أخذ السَّمن بكليّه من باب الأرش.

الطائفة الثالثة: ما تضمّن تعيّن الأرش بعد التصرّف(4).

أقول: الثالثة أخصّ من الأولتين فتخصّصان بها، وإنّما التعارض بين الأولتين، لأنّ مقتضى الأُولى تعيّن الرَّد، ومقتضى الثانية تعيّن الأرش، ومقتضى الجمع بينهما البناء على التخيير بأن يُحمل كلّ منهما على بيان أحد فردي التخيير، أو يقال إنّهما2.


1) الكافي: ج 5/207 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23069.

2) الكافي: ج 5/216 ح 14، وسائل الشيعة: ج 18/10823257.

3) تهذيب الأحكام: ج 7/66 ح 30، وسائل الشيعة: ج 18/110 ح 23261.

4) تهذيب الأحكام: ج 7/66 ح 29، وسائل الشيعة: ج 18/111 ح 23262.

متعارضتان فيحكم بالتخيير.

وفيه أوّلاً: إنّه ليس في شيء من النصوص ما يكون ظاهراً في تعيّن الأرش مع إمكان الرَّد، والخبران كما ترى‌.

وثانياً: إنّ الجمع بالنحو المذكور لا شاهد له، ولا يكون عرفيّاً، بل هما متعارضتان عند العرف، والرجوع إلى التخيير في المتعارضين إنّما يكون بعد فقد المرجّحات، والترجيح مع نصوص الرَّد كما لا يخفى‌.

الوجه الثاني: ما أشار إليه الشيخ رحمه الله(1)بقوله: (وقد يُتكلَّف لاستنباط هذا الحكم من سائر الأخبار، وهو صعبٌ جدّاً).

أقول: ووجوه التكلّف متعدّدة:

منها: ما في تعليقة السيّد الفقيه(2)، من أن يُدّعى أنّ المراد بالرّد في نصوصه، رَدّ البيع في الجملة أعمٌّ من أنْ يكون بالرجوع بتمام الثمن بأن يفسخ، أو بالرجوع بالأرش، لأنّه أيضاً رَدّ للبيع في الجملة، حيث لم يبقه على حاله من مقابلة المبيع بتمام الثمن.

وفيه: إنّ الأرش ليس جزءً من الثمن، فأخذه ليس ردّاً للبيع في بعض مقتضاه، مع أنّ الظاهر من النصوص أنّ متعلّق الرَّد فيها كون رَدّ المبيع أو البيع هو رَدّ البيع بتمامه، كما هو واضح.

ومنها: أنّ التقييد بعدم إمكان الرَّد في نصوص الأرش واردٌ مورد الغالب، لأنّ العادة قاضية بعدم إمساك المعيب.7.


1) المكاسب: ج 5/276.

2) حاشية المكاسب لليزدي: ج 2/67.

وفيه: إنّ هذا لو تمّ فإنّما هو فيما إذا كان لدليل الأرش إطلاقٌ‌، فيجمع بينهما بذلك، وإلّا فمجرّد عدم المانع إثباتاً لا يُجدي.

الوجه الثالث: ما ورد في «فقه الرّضا»(1)بقوله: (فإنْ خرج السَّلعة معيباً، وعلم المشتري فالخيار إليه، إنْ شاء ردّه، وإنْ شاء أخذه، أو رَدّ عليه بالقيمة أرش العيب»(2).

وفيه: ما تقدّم في هذا الشرح(3)من أنّ كتاب «فقه الرّضا» لم يثبت اعتباره، بل لم يثبت كونه كتاب خبرٍ، وضعفه غير منجبرٍ بالعمل.

الوجه الرابع: كون ذلك مقتضى القاعدة، بتقريب إنّ وصف الصحّة الفائت بمنزلة الجزء، فالمعقود عليه منحلٌّ إلى أجزاء ثمناً ومثمناً، فكما أنّه في فوات الجزء يَسترجع مقداراً من الثمن يقابل ذلك الجزء، فكذلك في وصف الصحّة، فثبوت الأرش يكون على القاعدة.

وأمّا ثبوت جواز الرَّد، فمن جهة أنّ فوات الوصف يوجبُ تبعّض الصّفقة، فله الرَّد لذلك.

وفيه أوّلاً: ما في «المكاسب»(4)من أنّ لازم ذلك بطلان البيع بالنسبة إلى الوصف الفائت، ورجوع مقدارٍ من الثمن إلى المشتري، مع إنّهم لا يقولون بذلك، بل باستحقاق المطالبة، بحيث لو لم يُطالب لا يرجع شيء من الثمن، بل مع المطالبة أيضاً7.


1) فقه الرّضا: ص 253.

2) مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/206 ح 15444-3، فقه الرّضا: ص 253.

3) راجع: فقه الصادق: ج 20/19، تحت عنوان: (فقه الرّضا عليه السلام).

4) المكاسب: ج 5/277.

لا يرجع مقدارٌ من الثمن، بل ما يرجع إليه يوازيه في الماليّة.

وثانياً: إنّ الأرش قابلٌ للإسقاط، ولو كان ذلك عبارة عن رجوع مقدارٍ من الثمن لم يكن قابلاً للإسقاط.

أقول: وأمّا ما أفاده الشيخ رحمه الله(1)في مقام الجواب ثانياً، وحاصله إنّ الجزء الخارجي أيضاً إذا أُخذ على وجه الشرطيّة لا يقابل بالمال، ولا يقع شيءٌ من الثمن بإزائه.

ففيه: إنّ الجزء يقابَل بالمال مطلقاً، حتّى وإن أُخذ على نحو الشطريّة، لأنّ الثمن يجعل في مقابل المجموع عند أهل العرف، وهو المدار في الباب، وأمّا الأوصاف فهي وإنْ أوجبت زيادة الماليّة، إلّاأنّها ليست بمالٍ‌، ولا يُجعل شيء من الثمن بإزائها.

وتمام الكلام في محلّه.

الوجه الخامس: الإجماع.

ولا بأس بالاستدلال به، لأنّ هذا الحكم على خلاف القاعدة، ومن المستبعد جدّاً استناد الفقهاء والأساطين إلى ما تقدّم من الوجوه، ومع ذلك طريق الاحتياط واضح.

في دلالة ظهور العيب

ثمّ إنّ في كون ظهور العيب مُثبتاً للخيار أو كاشفاً عنه وجهين.

وملخّص القول: إنّه إنْ كان مدرك هذا الخيار الشرط الضمني، كان الخيار ثابتاً من حين العقد، فإنّ الشرط صحّة المبيع واقعاً، لا عدم ظهور العيب، فالتخلّف من حينه، وكذلك الخيار.


1) المكاسب: ج 5/278.

كما أنّه لو كان مستنداً إلى حديث لا ضرر، كان لازمه ثبوته من حيث العقد، فإنّ لزوم العقد على المعيب ضررٌ، وإنْ لم يلتفت المشتري إلى العيب.

وإنْ كان المدرك الأخبار، فقد يتوهّم أنّ مقتضاها ثبوت الخيار من حين ظهور العيب، فإنّ نصوص الباب المتقدّمة اشتملت على لفظ (ظهور العيب) و (وجدانه) و (رؤيته) و (العلم به)، والظاهر من كلّ عنوانٍ أُخذ في الموضوع موضوعيّته، وحمله على الطريقيّة يتوقّف على القرينة.

ولكن يمكن دفعه: بأنّ هذه الكليّة تامّة في غير العناوين المحمولة على الطريقيّة والمرآتيّة، ولذا في جميع الموارد التي يؤخذ العلم في الموضوع، يُحمل على إرادة الطريقيّة دون الموضوعيّة، ومن تلك المورد مقامنا هذا، مع أنّه في بعض الصحاح جُعل السبب نفس العيب لا ظهوره، وعلى سبيل المثال لاحظ قول أبي جعفر عليه السلام في الصحيح:

«أيّما رجلٍ اشترى شيئاً وبه عيبٌ أو عوار، ولم يتبرّأ إليه ولم يبيّن له...»(1).

والجمع يقتضي البناء على إرادة الطريقيّة من الطائفة الأُولى‌.

وربما يقال: إنّ المتّفق عليه نصّاً وفتوى جواز التبرّي، وإسقاط خيار العيب، وذلك دليلٌ على أنّ الخيار يَثبتُ قبل ظهور العيب، وإلّا لم يصحّ إسقاطه.

ولكن بناءً على عدم صحّة الإسقاط، لم يثبت، وإنْ كان سببه موجوداً، كما هو الحقّ في الإسقاط المنجّز.

والاستدلال بهذه النصوص والفتاوى متينٌ‌، فإنّه يستكشف من جواز8.


1) الكافي: ج 5/207 ح 3، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23068.

إسقاطه قبل ظهور العيب، ثبوت الخيار قبله، وأمّا بناءً على مختار الشيخ رحمه الله من صحّة الإسقاط مع وجود السبب، فلا يتمّ‌، كما هو واضح.

وأمّا ما أيّد به ثبوت الخيار بنفس العيب، من أنّ الأرش تداركٌ للفائت، وهذا لا ربط له بظهور فوات الوصف، لأنّه تدارك نفسه لا تدارك ظهوره.

ففيه: إنّ هذا استبعادٌ محض، لا مانع من الالتزام به - أي بثبوت الأرش - بعد ظهور العيب.

وبعبارة أُخرى‌: يكون السبب هو العقد، ولكن شرط تأثيره ظهور العيب.

فرع: هل يثبت خيار العيب في الثمن أيضاً، أم يختصّ بالمثمن‌؟ وجهان:

استدلّ الشيخ الأعظم(1)للثبوت: - مع الاعتراف باختصاص النصوص بالبيع - بأنّ التقييد في الأخبار بالمبيع محمولٌ على الغالب من كون الثمن نقداً غالباً، والمثمن متاعاً، فيكثر فيه العيب بخلاف النقد.

وفيه: إنّ حمل القيد على الغالب يفيد فيما إذا كان هناك إطلاقٌ‌، وفي المقام لا إطلاق يعمّ الثمن والمثمن، وبالتالي يعدّ الاستدلال به عقيماً.

فالحقّ أنْ يقال: إنّ مدرك هذا الخيار:

إنْ كان هو الشرط الضمني، أو حديث لا ضرر، أو الإجماع، ثبت ذلك بالإضافة إلى الثمن أيضاً.

وإنْ كان المدرك هو الأخبار فهي وإنْ اختصّت بالمبيع، إلّاأنّه يمكن التعدّي بضميمة دعوى القطع بعدم الخصوصيّة للمبيع في ذلك. واللّه العالم.

***8.


1) المكاسب: ج 5/278.

مسقطات الرَّد

المسألة الرابعة: يسقط الرَّد خاصّة بأُمورٍ:

المسقط الأوّل: التصريح بالتزام العقد وإسقاطه واختيار الأرش، فإنّ هذا لازم التخيير بين الرَّد والإمساك بالأرش، لكونه من الحقوق، ولو أطلق الالتزام، فالظاهر أيضاً عدم سقوط الأرش.

وأمّا لو أسقط الخيار، فسقوط الرَّد به لا إشكال فيه ولا كلام، لأنّه من الحقوق التي تَسقط بالإسقاط، كما عرفته في الخيارات السابقة، وإنّما الكلام في الأرش، وفي «المكاسب»(1): (لا يبعد سقوطه).

ووجهه السيّد(2): (بأنّ الأرش ليس أمراً خارجاً عن الخيار، وزائداً عليه، بل نحو وجود خيار العيب، هو التخيير بين أُمورٍ ثلاثة: الالتزام بالعيب، والرَّد، والأرش) انتهى‌.

وفيه: إنّ للخيار معنى واحداً في جميع الموارد، وهو مِلْك حَلّ العقد وإقراره، وهذا من أحكام العقد، وأمّا الأرش فهو غرامة شرعيّة لتدارك الفائت، وأجنبيٌ عن أحكام العقد، فإسقاط الخيار لا يوجبُ إسقاط حقّ الأرش بالضرورة.

التصرّف في المعيب

المسقط الثاني: التصرّف في المعيب عند علمائنا كما عن «التذكرة»(3).


1) المكاسب: ج 5/279.

2) حاشية المكاسب: ج 2/71.

3) تذكرة الفقهاء: ج 1/525 (ط. ق).

ما لم يتصرّف، فإنْ كان قد تصرّف

وعن «السرائر»(1)، و «المسالك»(2): (الإجماع عليه في الجملة).

فثبوت الخيار بين الرَّد والإمساك، إنّما هو (ما لم يتصرّف، فإنْ كان قد تصرّف) سَقَط الرَّد.

أقول: كلمات القوم في المقام مضطربة، ولا يمكن تحصيل الاتّفاق على شيء، والوجوه المحتملة كثيرة:

منها: مسقطيّة التصرّف مطلقاً.

ومنها: مسقطيّته إذا كان دالّاً نوعاً على الرّضا.

ومنها: مسقطيّة التصرّف الكاشف عن الرّضا، وتغيّر المبيع.

ومنها: مسقطيّة التصرّف المغير للعين خاصّة.

ومنها: تغيّرها ولو من تصرّف.

ومنها: غير ذلك.

هذا، والمهمّ ملاحظة الأدلّة، فنقول:

الظاهر إنّ التصرّف إذا كان بقصد الالتزام بالعقد، وكاشفاً عنه، كان مسقطاً على القاعدة، من جهة أنّ الإسقاط كسائر الإنشائيّات لا يعتبر فيه اللّفظ، ويمكن إنشائه بالفعل، وإنْ لم يكن بقصد الإسقاط، وعليه فقد استدلّ لمسقطيّته بوجوه:3.


1) السرائر: ج 2/302.

2) المسالك: ج 3/283.

الوجه الأوّل: صحيح زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام: «أيّما رجلٍ اشترى شيئاً وبه عيبٌ أو عوارٌ ولم يتبرّأ إليه، ولم يبيّن له، فأحدث فيه بعدما قبضه شيئاً. ثمّ علم بذلك العوار وبذلك الداء، إنّه يمضي عليه البيع، ويردّ عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به»(1).

بضميمة ماتقدّم في خيار الحيوان من التمثيل للحَدث بالنظر والتقبيل واللّمس.

وفيه أوّلاً: ما تقدّم في ذلك الباب، من أنّ المراد من (إحداث الحَدَث) ليس كلّ تصرّفٍ‌، بل كلّ تصرّفٍ مالكي لم يكن له قبل البيع.

وثانياً: إنّ (إحداث الحدث) غير إحداثُ شيءٍ في المبيع، والظاهر من الثاني إيجاد شيء في المبيع يكون باقياً بخلاف الأوّل، فهو عبارة أُخرى عن تغيّر العين.

الوجه الثاني: إطلاق معقد الإجماع المُدّعى في كثيرٍ من العبائر.

وفيه أوّلاً: ما تقدّم من منع الإجماع المحصّل، والمنقول منه ليس بحجّة.

وثانياً: إنّه ليس إجماعاً تعبّديّاً كاشفاً عن رأي المعصوم عليه السلام.

الوجه الثالث: قيام النَّص(2)والإجماع على سقوط رَدّ الجارية بوطئها قبل العلم، مع عدم دلالته على الالتزام بالبيع، وعدم تغييره للعين.

وفيه: إنّه لا وجه للتعدّي عنه إلى سائر التصرّفات، فلا دليل على مسقطيّة التصرّف مطلقاً، بل المستفاد من الصحيح مسقطيّة خصوص التصرّف المغيّر للعين، فيوافق مضمونه مع مفاد الخبر المرسل الذي رواه جميل عن أحدهما عليه السلام:).


1) الكافي: ج 5/207 ح 3، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23068.

2) الكافي: ج 5/214 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/102 باب 4 (من اشترى جارية فوطئها ثم ظهر بها عيب غير الحبل).

«في الرجل يشتري الثواب أو المتاع، فيجد فيه عيباً؟

فقال: إنْ كان الشيء قائماً بعينه ردّه على صاحبه وأخذ الثمن، وإنْ كان قد قُطع أو خِيط أو صُبغ، يرجع بنقصان العيب»(1).

فإنْ قلت: إنّ المستفاد من المرسل مسقطيّة التغيّر، ولو كان عن غير اختيار، والمستفاد من الصحيح مسقطيّة التصرّف المغيّر، فكيف التوفّق‌؟!

قلت: إنّه لا مفهوم للصحيح كي يدلّ على عدم مسقطيّة غير ما تضمّنه، فلا مقيّد لإطلاق المرسل.

فالمتحصّل: إنّ المسقط تغيّر العين، وعدم قيامها بعينها، سواءٌ أكان بالتصرّف أو بغيره، وعموم التعليل في أخبار الحيوان(2)- الذي استدلّ به على مسقطيّة التصرّف الكاشف عن الرّضا نوعاً، وإنْ لم يكن بقصد الإسقاط - ستعرف حاله عند بيان ما يرد على الشيخ رحمه الله.

ويعضد ما اخترناه من عدم مسقطيّة التصرّف بقول مطلق، ما ورد في رَدّ الجارية بعدما لم تحض ستة أشهر عند المشتري(3)، ورَدّ المملوك في أحداث السنة(4)، ونحو ذلك ممّا يبعد التزام التقييد فيه بصورة عدم التصرّف.

أقول: وجعل هذه الأخبار مخصّصة لما دلَّ على مسقطيّة التصرّف، كما عن صاحب «الحدائق»، وإنْ كان متيناً - لو كان دليلٌ على مسقطيّة التصرّف مطلقاً - إلّا2.


1) الكافي: ج 5/207 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23069.

2) الكافي: ج 5/169 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/13 ح 23032.

3) الكافي: ج 5/213 ح 1، وسائل الشيعة: ج 18/101 ح 23239.

4) الكافي: ج 5/217 ح 17، وسائل الشيعة: ج 18/98 ح 23232.

أنّه مع عدم الدليل عليها تكون هي معتضدة لما اخترناه.

وأفاد الشيخ رحمه الله(1)بما حاصله: إنّ التصرّف الكاشف عن الرّضا والالتزام بالعقد مسقطٌ، إذا كان مع قصد الالتزام به، فنعم الوفاق، وإنْ كان مراده مسقطيّة التصرّف الكاشف، وإنْ لم يكن بقصد الالتزام به وإسقاط الخيار - كما يظهر من استدلاله بما تقدّم في خيار الحيوان، من تعليل السقوط بالحدث بكونه رضاً بالبيع - فيرد عليه ما عرفت هناك من أنّ المراد به تنزيل الحدث منزلة الرّضا بالعقد تعبّداً. فراجع(2).

تلف العين

المسقط الثالث: تلف العين أو صيرورته كالتالف، فإنّه من موجبات سقوط هذا الخيار.

أقول: هنا فروع يقتضي المقام البحث عنها:

الفرع الأوّل: لو تلفت العين حقيقةً سقط الخيار، والوجه فيه أمران:

أحدهما: إنّ الرَّد عُلّق في المرسل على قيام العين بعينها، وعدم ذلك تارةً بتغيّر هيئتها أو تغيّر خصوصيّةٍ من خصوصيّاتها، وأُخرى بتلف العين، ويكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.

ثانيهما: إنّ الحقّ في هذا الخيار في نصوص الباب عُلّق على الرَّد، فإمّا أنْ يكون حقيقة هذا الخيار بخلاف سائر الخيارات حقّ رَدّ العين، أو تكون مثلها حقّ فسخ العقد، غاية الأمر مقيّداً بفسخه بردّ العين. وعلى أيّ تقديرٍ مع انتفاء الموضوع


1) المكاسب: ج 5/280.

2) فقه الصادق: ج 25/141.

لا يُعقل الرَّد، فلا يكون الحقّ باقياً.

الفرع الثاني: إنّه إذا خرجت العين عن ملكه بانتقالها إلى الغير، أو بانعتاقها، يسقط هذا الخيار.

والوجه فيه: إنّ مقتضى إطلاق ما ورد في الصحيح من قوله عليه السلام: «فأحدث فيه بعدما قبضه شيئاً» أنّ إخراجه عن مِلْكه، وسلب هذا الأمر الاعتباري منه، موجبٌ لسقوط حقّ الرَّد.

أقول: بهذا البيان يمكن تصحيح استدلال الشيخ رحمه الله(1)بالمرسل، باعتبار أنّه لا تكون العين قائمة بعينها.

أضف إلى ذلك ما تقدّم من كون هذا الحقّ متعلّقاً بالرَّد، فمع خروجه عن مِلكه، لا يكون الموضوع باقياً، إذا المراد بالرَّد ليس هو الرَّد الخارجي، بل رَدّ الربط الملكي، ومع زوال الملك لا ربط ملكي كي يرجع إلى البائع.

الفرع الثالث: إنّه لو عاد الملك إلى المشتري، فهل يجوز ردّه كما عن الشيخ(2)والمفيد(3)، أم لا كما في «المكاسب»(4)، أم هناك تفصيلٌ؟ وجوه:

استدلّ السيّد الفقيه للأوّل(5): - وتبعه المحقّق الايرواني رحمه الله(6)- بأنّه يصدق أنّ العين قائمة بعينها، فإنّ ظاهر ذلك عدم وجود وصف التغيّر فيها فعلاً، لا عدم حدوث التغيّر وإنْ كان قد زال.4.


1) المكاسب: ج 5/289 و 290.

2) المبسوط: ج 2/131.

3) حكي عنه في المكاسب: ج 5/290.

4) المكاسب: ج 5/289 و 290.

5) حاشية المكاسب لليزدي: ج 2/71.

6) حاشية المكاسب للايرواني: ج 2/54.

أو حَدَث فيه عيبٌ عنده، ثبت الأرش خاصّة.

وزاد المحقّق الايرواني رحمه الله(1): بأنّ منصرف (إحداثُ شيء) هو استمرار ذلك الحَدَث.

وفيه: إنّ هذا يتمّ فيما لو عاد المِلْك بالفسخ، وأمّا لو عاد بإرثٍ أو اشتراءٍ ونحوهما فلا يتمّ‌، فإنّ هذا الحقّ متعلّقٌ بردّ العين - أي رَدّ ربطها الملكي - ومقتضى حقيقة الرَّد ومفهومه كون المردود جائياً من قبل البائع، والملك الجديد لم يجيء من قبله. فتدبّر.

وبالجملة: فالحقّ هو التفصيل.

حدوث عيب عند المشتري

المسقط الرابع: حدوث عيبٍ عند المشتري.

ففي المتن: (أو حَدَث فيه عيبٌ عنده، ثبتَ الأرش خاصّة).

أقول: وتفصيل القول في ذلك يتحقّق بالبحث في موارد:

المورد الأوّل: فيما إذا حدث العيب عند العقد قبل القبض، والكلام فيه:

تارةً‌: في أنّه هل يكون سبباً لثبوت الخيار للمشتري أم لا؟

وأُخرى‌: في أنّه هل يمنع عن الرَّد بالخيار، المسبّب عن العيب السابق أم لا؟

أمّا الجهة الأُولى‌: فقد استدلّ لثبوت الخيار به:


1) حاشية المكاسب للايرواني: ج 2/54.

1 - بقاعدة الضرر.

2 - وبالإرفاق بالمشتري.

3 - وبالنصوص الدالّة على أنّ تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه(1)، بتقريب أنّ معنى كونه (من مال بائعه) وقوع التلف في ملك البائع، ولازم تقديره في ملك البائع، أنّ العقد كأنّه لم يقع، ومقتضاه أنّه لو كان التالف تمام المبيع انفساخ العقد، ولو كان التالف جزئه انفساخه بالنسبة إلى ذلك الجزء، ولو كان وصف الصحّة جرى فيه أحكام العيب، لأنّ المنفيّ على الأخير حيثيّة الوصف، لفرض وقوع العقد، ومعنى عدم وقوع العقد على الموصوف، مع فرض وقوع العقد، وقوعه على المعيب، بتقريب أنّ المستفاد من الأخبار تنزيل التلف أو النقص قبل القبض، منزلة التلف والنقص قبل العقد، ولازم ورود العقد على الناقص جريان أحكام خيار العيب.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا قاعدة نفي الضرر: فلما مر من أنّها لا تصلحُ لإثبات الخيار.

وأمّا الارفاق: فهو بنفسه لا يصلح لذلك.

وأمّا النصوص: فالموضوع فيها تلف المبيع، وهو لايشمل تلف وصف الصحّة، لأنّه ليس مبيعاً ولا جزء منه، وحملها على كون ذكر التلف من باب كونه أظهر الأفراد يحتاج إلى قرينة.

مع أنّه يرد على التقريب الأوّل: إنّ الوصف لم يقع عليها العقد، ففرض العقد كأن لم يكن غير مؤثّرٍ في ضمان الوصف، وترتّب حكم الخيار.).


1) الكافي: ج 5/171 ح 12، وسائل الشيعة: ج 18/23 باب 10 (إنّ المبيع إذا تلف قبل القبض تلف من مال البائع).

ويرد على التقريب الثاني: إنّ غاية ما يستفاد من (كون التلف من البائع) دخوله في ملك البائع، بحيث يضاف إليه التلف وهو ملكه، وليس لازم ذلك فرض دخوله في ملك البائع قبلاً، أو فرض وقوع التلف قبل العقد، حتّى يكون لازمه ورود العقد على الناقص. وتمام الكلام في محلّه.

وأمّا الجهة الثانية: فملخّص القول فيها إنّ مقتضى إطلاق مفهوم الخبرالمرسل:

«إنْ كان الثوب قائماً بعينه ردّه على صاحبه»(1)، فهو أنّ العيب الحادث بعد العقد ولو كان قبل القبض، يمنع عن الرَّد بالعيب السابق، وهذا لا يفرّق فيه بين أنْ يكون هذا العيب موجباً لحدوث الخيار أم لا.

حدوث العيب بعد القبض

المورد الثاني: ما إذا كان حدُوث العيب بعد القبض، وفي زمان خيار المشتري.

أقول: والكلام فيه من حيث إنّه يوجبُ سقوط الرَّد بالعيب السابق، هو الكلام فيما إذا حدث العيب قبل القبض، وأمّا من جهة أنّه هل يوجب الخيار أم لا؟ فالنصوص متضمّنة بأنّ ضمان المال، وضمان الحَدَث الحادث الشامل ذلك للعيب، وزوال وصف الصحّة، على من لا خيار له.

والمراد بالضمان: إنْ كان هو العهدة، فظاهره ثبوت الغرامة عليه، لا الخيار ولا الانفساخ.

وإنْ كان هو التلف من البائع، واستقرار الخسارة عليه إمّا انفساخاً في التلف أو


1) الكافي: ج 5/207 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23069.

فسخاً كما في العيب، فالمتحصّل منها أنّ الخسارة تستقرُّ على البائع، فيسترجع المشتري تمام الثمن من البائع، إمّا لانفساخ العقد قهراً كما في التلف، أو للأخذ بالخيار.

وعلى أيّ تقدير لا يوجب حدوث الخيار.

العيب الحادث بعد القبض والخيار

المورد الثالث: ما إذا كان حدوثُ العيب في يد المشتري، بعد القبض والخيار، والكلام فيه في جهات:

الجهة الأُولى‌: في بيان الأدلّة التي اُقيمت للدلالة على مانعيّة العيب الحادث بعد انقضاء الخيار للرَّد بالعيب التقديم، وهي أُمور:

الأمر الأوّل: ما عن المصنّف رحمه الله في «التذكرة»(1)، وعبارته لا تخلو عن تشابه.

وتوضيح ما أفاده: إنّ العيب الحاصل تحت يد البائع يكون البائع متحمّلاً له، وتداركه إنّما يكون بجواز رَدّ المشتري المبيع على البائع، والعيب الحاصل تحت يد المشتري يكون المشتري متحمّلاً له، وتداركه إنّما يكون بجواز امتناع البائع من استرداده، فأحدهما مقتضٍ والآخر مانع، فلا يؤثّر المقتضي في جواز الرَّد، فيتعيّن الإمساك.

وفيه: إنّ مقتضى إطلاق أدلّة خيار العيب، جواز الرَّد في صورة حدوث العيب عند المشتري، ولا معارض لها في مقام الإثبات، سوى قاعدة نفي الضرر من جانب البائع، وهي مع معارضتها بقاعدة نفي الضرر من جانب المشتري، وتساقطهما معاً،


1) تذكرة الفقهاء: ج 1/530 (ط. ق).

لا تصلح لمعارضة أخبار خيار العيب.

الأمر الثاني: ما عن «مفتاح الكرامة»(1)من أنّ العيب الحادث من جهة كونه مضموناً على المشتري، يعدّ بمنزلة إحداثه في المبيع حدثاً، المنصوص على مانعيّته من الرَّد.

وفيه: إنّه لم يدلّ دليلٌ على هذا التنزيل، ومشاركتهما في كون العيب مضموناً على المشتري مع افتراقهما من جهة كون الإحداث فعلاً من أفعال المشتري، لا تصلح دليلاً للتنزيل.

الأمر الثالث: ما عن «الجواهر»(2)، من عدم صدق الرَّد حينئذٍ، واقتضاء الرَّد عدم تعيّب المبيع وجَبره بالأرش لا يجعله ردّاً حقيقةً‌.

وفيه: إنّ صدق الرَّد يتوقّف على بقاء ذات المبيع، لا عليبقاء جميع خصوصيّاته.

الأمر الرابع: مرسل جميل(3)المتضمّن لكون المردود قائماً بعينه، ولا يصدق على المعيب إنّه قائمٌ بعينه.

الجهة الثانية: في أنّ المدار على كون الحادث عيباً اصطلاحيّاً، وهو ما يوجب الأرش، أو على مايوجب نقصاًفي ماليّته، أو على التغيّر الحسّي، أو على التغيّر مطلقاً؟

أقول: لا ينبغي التوقّف في أنّه ليس المراد به العيب اصطلاحي، لعدم أخذه في الموضوع، مع أنّ خياطة الثوب الواقعة في المرسل ليست عيباً، كما أنّه لا ينبغي التوقّف في عدم كون المراد خصوص التغيّر المنقص للماليّة، لعدم كون الخياطة9.


1) مفتاح الكرامة: ج 4/627 (ط. ق).

2) جواهر الكلام: ج 23/241.

3) الكافي: ج 5/207 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23069.

كذلك، فيدور الأمر بين الأخيرين.

والتحقيق: الظاهر من المرسل هو الأخير، لأنّ عدم قيام العين:

قد يكون لورود النقص على ذاتها.

وقد يكون لوروده على صفتها القائمة بجِرْم المبيع.

وقد يكون لورود النقص على وصفها القائم بنفسها، كنسيان العبد للكتابة.

وقد يكون لورود النقص الاعتباري كالشركة.

ومقتضى إطلاق المرسل هو السقوط بكلّ ما يصدق عليه عنوان التغيّر، الملازم لعدم قيام العين.

الجهة الثالثة: إذا تغيّرت العين بالزيادة:

فهل يكون ذلك مانعاً عن الرَّد لإطلاق المرسل‌؟

أم لا، لما أفاده الشيخ رحمه الله(1)بأنّ الظاهر من قيام العين بقائها، بمعنى أنْ لا ينقص ماليّتها، لا بمعنى أنْ لا تزيد ولا تنقص‌؟

أم هناك تفصيلٌ؟

وجوهٌ‌، أقواها الأخير، لأنّ الزيادة إذا كانت ممّا يكون للمشتري، بحيث لو فَسَخ البيع كان له الرجوع على البائع بقيمتها، أو كان شريكاً له في العين بالنسبة، فهي تمنع عن الرَّد، لأنّ صبغ الثوب بل وخياطته من هذا القبيل، وأمّا إذا لم تكن كذلك - كسمن الدابّة، وتعلّم الصنعة - لا تكون مانعة، لأنّ المنع من الرَّد لما كان رعايةً لحال البائع، فلا محالة يكون الخبر المُرسَل منصرفاً عن ذلك. فتأمّل.4.


1) المكاسب: ج 5/304.

الجهة الرابعة: إذا زال العيب الحادث، هل يجوز رَدّ المبيع أم لا؟

استدلّ للأوّل بوجوه:

الوجه الأوّل: ما في «المكاسب»(1)وحاصله: أنّ الممنوع هو رَدّ المبيع معيوباً من جهة اقتضاء دليل نفي الضرر ذلك، وكون العيب الحادث مضموناً على المشتري، فإذا انتفى الأمران - كما في المقام - ارتفع المانع عن التمسّك بإطلاق دليل الخيار المقتضي لثبوته.

وفيه: إنّ المقيّد للإطلاق هو مرسل جميل، المتضمّن لتقييده بقيام المبيع بعينه، فالمتعيّن ملاحظة حاله.

الوجه الثاني: ما في «الحاشية»(2)من أنّ كون المبيع معيباً مقتضٍ للرَّد، والعيب الحادث مانعٌ‌، فإذا زال المانع أثّر المقتضي أثره.

وفيه: إنّه في الشرعيّات لا يتميّز المقتضي عن المانع، ولابدّ من ملاحظة المقتضي في مقام الإثبات.

الوجه الثالث: ما في حاشية السيّد(3)أيضاً، من أنّ صدق قيام العين حينئذٍ، بدعوى أنّظاهره اعتبار قيامهاعليحال الرَّد، وحين إرادته، وهذا يصدق في الفرض.

وفيه: إنّ الحادث غير الزائل، بناءً على امتناع إعادة المعدوم، وعليه فلا تكون العين قائمة.

وبالتالي فالأظهربحسب النَّص، عدم جواز الرَّد، بلاحاجةٍ إلى التمسّك بالاستصحاب.6.


1) المكاسب: ج 5/306-307.

2) حاشية المكاسب للاصفهاني: ج 4/486.

3) حاشية المكاسب لليزدي: ج 2/46.

الجهة الخامسة: إذا رضى البائع بردّ المعيب بالعيب الحادث مجبوراً بالأرش أو غير مجبورٍ، فهل للمشتري الرَّد بحقّ الخيار، أو لا يجوز إلّابالإقالة والتفاسخ‌؟ وجهان:

قد استدلّ للأوّل بوجهين:

الوجه الأوّل: ما في «المكاسب»(1)وحاصله: إنّ عدم جواز الرَّد على البائع، إنّما هو من باب رعاية حال البائع، وإلّا فالتغيّر لا يمنع من الفسخ، وحقّه يسقط برضاه، فيبقى حقّ المشتري بلا مزاحم.

وفيه: إنّ مقتضى إطلاق دليل الخيار، ثبوت حقّ الرَّد حتّى مع التغيّر، والمرسل قيده بما إذا كانت العين قائمة بعينها، دون أن يكون متكفّلاً لإثبات حقّ للبائع.

وجواز امتناع البائع من قبول الرَّد إنّما هو لعدم الخيار للمشتري، لا لثبوت حقٍّ شرعي له، وما أفاده رحمه الله من أنّ ذلك لرعاية حال البائع، لا يثبت به كون ذلك حقّاً قابلاً للإسقاط.

الوجه الثاني: قصور دليل مانعيّة العيب الحادث، عن الشمول لما إذا رضي البائع، فلا مانع عن الخيار الثابت بدليله في ذلك الفرض.

وفيه: إنّ منطوق المرسل هو: (إنْ كان الثوب قائماً بعينه) غير مقيّدٍ برضا البائع، فكيف يقيّد مفهومه به، مع أنّ المفهوم تابعٌ للمنطوق في العموم والخصوص‌؟

وعليه، فالأظهر أنّه ليس له الرَّد إلّابعنوان الإقالة.

***7.


1) المكاسب: ج 5/307.

ولو عَلم بالعيب ثمّ اشتراه، فلا أرش أيضاً.

فيما يسقط الرَّد والأرش

المسألة الخامسة: يسقط الرَّد (و) الأرش معاً بأُمور:

الأمر الأوّل: ما (لو علم بالعيب، ثمّ اشتراه ف‍) إنّه لا خلاف ولا إشكال في أنّه (لا أرش أيضاً) كما لا ردّ، وقد تكرّر في كلماتهم دعوى الإجماع عليه، والوجه فيه أصالة اللّزوم، بعد أنّه لا مقتضي للخيار.

أقول: يبتني الحكم في المقام على ملاحظة المدرك:

فإذا كان المدرك لهذا الخيار الأخبار، فالحكم يختصّ بصورة الجهل، لما فيها من التعبير ب‍ (ظهور العيب) و (وجدانه) و (رؤيته)، وجميع هذه الاُمور تقع بعد البيع.

وإنْ كان المدرك قاعدة لا ضرر، فالحكم يختصّ بصورة الجهل، إذ لا منَّة في رفع حكمه مع العلم.

والظاهر إلى هذا نظر الشيخ رحمه الله(1)في قوله: (لأنّ الخيار ثبت مع الجهل)، فلا يكون ما أفاده مصادرة كما توهم.

قال في «المكاسب»(2): (وقد يستدلّ بمفهوم صحيحة زرارة المتقدّمة)، وفيه نظر.


1) المكاسب: ج 5/320.

2) المكاسب: ج 5/320.

أقول: مورد الاستدلال صدر صحيح زرارة(1)المشار إليه: «أيّما رجلٍ اشترى شيئاً وبه عيبٌ وعوار ولم يتبرّأ إليه، ولم يبيّن له فأحدث... الخ»، والمستدلّ هو صاحب «الجواهر» رحمه الله(2).

وتقريب الاستدلال به: أنّه وإنْ كان في مقام بيان مانعيّة إحداث الحدث عن الخيار، إلّاأنّه من تقييد موضوع الخيار بعدم التنبيه، المأخوذ طريقاً إلى الجهل، يستكشف اختصاص الخيار بصورة الجهل.

وتنظّر الشيخ رحمه الله(3)، وجملة من المحشين فيه، منهم السيّد(4)، والمحقّق الايرواني رحمه الله(5)، وذكروا أنّ منشأ نظر الشيخ رحمه الله إنّه لا مفهوم له، فأوردوا عليه بإيرادات:

أحدها: إنّه سيستدلّ به عن قريبٍ في مسألة السقوط بالتبرّي، مع أنّ دلالته على السقوط به أو بالعلم على نسقٍ واحد.

ثانيها: إنّ الشرط فيه وإنْ كان مسوقاً لبيان تحقّق الموضوع، إلّاأنّه من جهة تقيّده بقيد يكون له مفهوم الشرط بالنسبة إلى ذلك القيد، فيكون نظير ما لو يقال:

(إنْ رُزِقت ولداً ذكراً سويّاً فاختنه).

ثالثها: إنّ المهفوم الذي يؤخذ منه، هو مهفوم القيد، وهذا المفهوم إنْ لم نقل به في غير مقام، فلا يبعد القول فيه في المقام، لمكان ورود الرواية في مقام ضبط مورد8.


1) الكافي: ج 5/207 ح 3، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23068.

2) جواهر الكلام: ج 23/238.

3) المكاسب: ج 5/320.

4) حاشية المكاسب: ج 2/87.

5) حاشية المكاسب للايرواني: ج 2/58.

الخيار مقدّمةً لبيان سقوطه بإحداث الحَدَث.

أقول: ولكن الظاهر أنّ وجه نظر الشيخ رحمه الله أنّه يحتمل أنْ يكون المراد من قوله عليه السلام: «لم يبيّن له» اعتبار عدم رفع الالتزام بالصحّة، أي لم يصدر من البائع تنبيه على العيب، حتّى يخرج عن عهدة البيع، فيجامع عدم التنبيه مع علم المشتري بالعيب، لا اعتبار عدم التنبيه، وعليه فتوقّف الشيخ رحمه الله في محلّه ولا يرد عليه شيء ممّا تقدّم.

فرع: لو اشترط العالمُ ثبوت خيار العيب مريداً به الخيار الخاص، فالأقوال فيه ثلاثة:

1 - صحّة العقد والشرط، اختاره صاحب «الجواهر» رحمه الله(1)

(2و3) المكاسب: ج 5/320.

.

2 - فساد الشرط والعقد، اختاره الشيخ رحمه الله(2).

3 - صحّة العقد وفساد الشرط.

فالكلام يقع في موردين:

الأوّل: في حكم الشرط.

الثاني: في حكم العقد.

أمّا المورد الأوّل: فقد استدلّ الشيخ رحمه الله(3) للفساد: بأنّه خلاف المشروع.

توضيحه: إنّ مدرك الخيار هو النَّص الخاص، فهو كما عرفت مختصٌّ بصورة الجهل، فلا مقتضي للخيار مع العلم، والشرط لا يُحقّق المقتضي لذلك الخيار الخاص المنحصر في سبب خاص.0.


1) جواهر الكلام: ج 23/238.

وفي «الجواهر»(1): الاستدلال للصحّة بما توضيحه: إنّ الضرر مقتض للخيار، والإقدام مع العلم مانعٌ من حيث كشفه عن الرّضا، ومع الشرط ترتفع الكاشفيّة، فلا مانعيّة.

وفيه أوّلاً: إنّ المقتضي في مقام الإثبات هي الأخبار، وهي كما عرفت مختصّة بصورة الجهل.

وثانياً: لو سُلّم كون المقتضي في مقام الإثبات هي قاعدة لا ضرر، لكن كونها مقتضية حتّى مع العلم غير ثابت، بل المقتضي هو الضرر المستند إلى الشارع، فمع العلم لا مقتضي، حيث أنّ الضرر لا يستندُ إلى الشارع، كما لا يخفى‌.

وبالتالي، فالأظهر فساد الشرط.

وأمّا المورد الثاني: فإنْ قلنا إنّ الشرط الفاسد مفسدٌ، فَسَد العقد أيضاً، وإلّا فلا.

وبذلك يظهر أنّ الشيخ رحمه الله الباني على عَدم مُفسديّة الشرط الفاسد، ليس له الحكم بفساد العقد في المقام.

التبرّي عن العيوب

الأمر الثاني: تبرّيء البائع عن العيوب، وقبول المشتري البيع معه، فإنّه يسقط الرَّد معاً، والأرش لو ظهر أنّ بالمبيع عيباً، وقد مرّ الكلام فيه مفصّلاً عند تعرّض المصنّف رحمه الله، والكلام إنّما يقع في المقام في أمرين:


1) جواهر الكلام: ج 23/238.

1 - قال الشيخ الأعظم(1): (إنّ البراءة في هذا المقام يحتمل إضافتها إلى أُمورٍ:

عهدة العيوب، ضمان العيب، حكم العيب).

أقول: لمّا كانت دعوى أنّ (البراءة ممّا لا ربط لها بالمتبرّئ) غير صحيحة، والعيب بنفسه من مصاديق ذلك، التجأ إلى إبداء احتمالات في التبرّي الموضوع للحكم في المقام، وهي:

أحدها: إرادة البراءة عن تعهّد البائع له، وأثره حينئذٍ سقوط الرَّد والأرش.

ثانيها: إرادة البراءة عن ضمانه لما به التفاوت، وأثره سقوط الأرش.

ثالثها: إرادة البراءة عن الحكم المترتّب عليه وهو الخيار.

وبرغم اعتراف الشيخ بأنّ الأظهر في العرف هو المعنى الأوّل، لكنّه يقول(2):

(وأنسب بمعنى البراءة هو الثاني).

وفيه: إنّ البراءة في الجميع بمعنى واحد، سواء كانت أمراً وجوديّاً يساوق التنجنّب عنه ونحوه، أم معناً سلبيّاً، وإنّما الفرق فيما أُضيف إليه، فالمتعيّن هو الأوّل.

2 - قال الشهيد في محكيّ «الدورس»(1): (لو تبرّأ من عيبٍ‌، فتلف به في زمان خيار المشتري، فالأقرب عدم ضمان البائع).

وأفاد الشيخ(2): (إنّ التبرّي لا يُسقط سائر الأحكام غير الخيار، فلو تلف بهذا العيب في أيّام خيار المشتري، لم يزل ضمان البائع، لعموم النَّص).

أقول: الظاهر أنّ مورد كلام العلَمَين المذكورين تلف المبيع في أيّام خيارٍ آخر مختصّ بالمشتري، غير خيار العيب الساقط بالتبرّي، لا التلف في أيّام خيار العيب،4.


1) الدروس: ج 3/283.

2) المكاسب: ج 5/324.

إذ التلف في تلك الأيّام غير مشمولٍ لقاعدة (التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له)، لما عرفت من أنّه يوجبُ سقوط حقّ الرَّد بمقتضى النصوص، دون الانفساخ.

وعليه، فما في حاشية السيّد رحمه الله(1)من الإيراد على الشيخ رحمه الله بأنّ ظاهر العبارة خلاف المقصود، فإنّها ظاهرة في إرادة الفرع الأوّل، مع أنّ المقصود الفرع الثاني، في غير محلّه.

أقول: ثمّ إنّ الكلام في الفرع المقصود:

ليس في أنّ ظاهر التبرّي من العيب، هو التبرّي عن هذه العهدة أيضاً أم لا، لأنّ هذا البحث لا يلائم التعليل بعموم النَّص، مع أنّه هيّن وتابعٌ لقصد البائع وظاهر كلامه.

ولا في أنّ هذه العهدة هل تكون من الحقوق وقابلة للإسقاط، بأنْ يكون مفاد قاعدة (التلف في زمان الخيار) كون دَرَكه وخسارته عليه، فيكون الضمان هنا كسائر الموارد قابلاً للإسقاط، أو تكون من الأحكام، وغير قابلة للإسقاط، بأنْ يكون مفاد القاعدة انفساخ العقد، كما هو المعروف، فإنّه لا يلائم التعليل، مع أنّه سيأتي في أحكام الخيار تنقيح القول فيه.

بل في أنّه بناءً على كون ذلك من قبيل الحكم، هل النَّص المتضمّن له مختصٌّ بصورة عدم التبرّي من العيب، أم يشمل صورة التبرّي‌؟

اختار الشيخ رحمه الله الثاني، وعلّله بعموم النَّص، وهو متينٌ‌.

ما قيل بكونه مسقطاً للرَّد والأرش

أقول: ثمّ‌إنّ هنا أُموراً يظهر من بعض الأصحاب سقوطالرَّد والأرش بها، وهي:


1) حاشية المكاسب: ج 2/88.

منها: زوال العيب قبل العلم به، صرّح به في محكي «التذكرة»(1)و «المسالك»(2)

(3و4) المكاسب: ج 5/325.

، وفيه أقوال ووجوه ثلاثة، ثالثها كونه مسقطاً للرَّد دون الأرش، وهو الذي قوّاه الشيخ رحمه الله(3)، فالكلام يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في أنّه هل يسقط الرَّد أم لا؟

قد استدلّ للمسقطيّة في «المكاسب»(4) وغيرها(3)بأنّه الظاهر من الأدلّة المتضمّنة لإثبات حقّ الرَّد على المعيوب، الظاهر في المتلبس بالعيب فعلاً.

وفيه: إنّ ما عُلّق عليه الرَّد في النَّص، ليس هو المعيوب، بل الموضوع هو الاشتراء الخاص، وهو اشتراء شيءٍ وبه عيبٌ‌.

وبعبارة أُخرى‌: عنوان موضوع الخيار، وقوع العقد على المعيوب، وهذا العنوان لا انقضاء له، بل هو يكون باقياً ولو بعد ارتفاع العيب، فمقتضى إطلاق النَّص بقائه.

فرع: ولو أُغمض عن ذلك، وشُكّ في بقائه، فهل يجري الاستصحاب أم لا؟

قد يقال: بالعدم وذلك من جهاتٍ عديدة:

1 - من جهة الشكّ في بقاء الموضوع، إنْ تيقّن ارتفاعه.

2 - ومن جهة أنّه من الشكّ في المقتضي.

3 - ومن جهة أنّه لو كان زوال العيب قبل العلم به، فليس له حالة سابقة، بناءً على كون الخيار حادثاً بعد العلم، وكذا إذا كان الزوال بعده، لاحتمال كون9.


1) تذكرة الفقهاء: ج 1/527 و 541 (ط. ق).

2) مسالك الأفهام: ج 3/293.

3) حاشية المكاسب للايرواني: ج 2/59.

الزوال قبل الرَّد كاشفاً عن عدم ثبوته من الأوّل.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأوّل: فلما عرفت من أنّ الموضوع متيقّن الثبوت، لأنّه (من اشترى شيئاً وبه عيبٌ‌)، وهذا الموضوع باق قطعاً.

وأمّا الثاني: فلأنّ الشكّ في المقتضى بهذا المعنى موردٌ لجريان الاستصحاب.

وأمّا الثالث: فلما تقدّم من ظهور الدليل في ثبوت الخيار قبل العلم، نعم بناءً على المختار من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام لا يجري هذا لأصل.

المقام الثاني: في أنّه هل يسقط الأرش أم لا؟

فإنْ قلنا: بعدم سقوط الرَّد، فالحكم واضحٌ‌.

وإنْ قلنا: بسقوطه، فربما يُقال - كما في «المكاسب»(1)- بعدم سقوطه، واستدلّ له بما توضيحه:

إنّ استحقاق مطالبة الأرش فرع اشتغال الذمّة بما به التفاوت، وبراءة الذمّة بعد اشتغالها تحتاج إلى دليل، وإلّا فالأصل يقتضي بقائه، وليس الأرش من قبيل الرَّد، الذي موضوعه العين الخارجيّة، كي يتبدّل الحكم بتبدّل العين من المعيب إلى الصحّة.

وفيه: إنّ الذمّة لا تكون أحد طرفي التخيير، فمعنى استحقاق الأرش، هو استحقاق التغريم، فإذا كان الموضوع هو المعيب، سقط ذلك بارتفاعه.

فتحصّل: أنّ الأظهر بقاء الرَّد والأرش.5.


1) المكاسب: ج 5/325.

التصرّف بعد العلم بالعيب

ومنها: التصرّف بعد العلم بالعيب.

ذهب جماعة منهم ابن حمزة رحمه الله في محكيّ «الوسيلة»(1)إلى أنّه يسقط الرَّد والأرش معاً.

أقول: وتنقيح القول فيه يتحقّق بالبحث في موردين:

الأوّل: فيما تقتضيه القواعد.

الثاني: فيما تقتضيه النصوص.

أمّا المورد الأوّل: فإنّ التصرّف يعدّ كاشفاً عن الإجازة وإسقاط الخيار، فإذا قصد به ذلك كان مسقطاً للخيار، إذ لا فرق في الإسقاط بين كون المظهر فعلاً أو قولاً، وإلّا فلا يكون مسقطاً.

وأمّا النَّص العام الدالّ على مسقطيّة التصرّف لخيار الحيوان، معلّلاً بأنّه «رضاً بالبيع»(2)، فقد عرفت حاله، وأنّه لا يدلّ على مسقطيّة التصرّف لكلّ خيار.

هذا بالنسبة إلى الرَّد

وأمّا الأرش: فإنْ قلنا بعدم كون التصرّف مسقطاً للرَّد، وعدم الأخذ بعموم العلّة، فالأمر واضح.

وإنْ قلنا بمسقطيّته له لعموم العلّة أو غيره، فقد استدلّ لمسقطيّته له بأنّه علامة الرّضا بالمعيب.


1) الوسيلة: ص 257.

2) الكافي: ج 5/169 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/13 ح 23032.

ورُدّ بأنّه علامة الرّضا بالمبيع لا بالعيب.

وفيه: إنّ الالتزام بالبيع الشخصي المتعلّق بالمعيب، لا محالة يكون التزاماً بالعيب، لعدم معقوليّة الانفكاك.

وبالجملة: فالأولى ردّه بأنّ الرّضا بالعيب يتصوّر على وجهين:

أحدهما: الرّضا به مجّاناً وبلا عوض، ومرجع ذلك إلى الإبراء، وإسقاط حقّ التغريم.

ثانيهما: الرّضا به مع العوض، وحيث لا كاشفيّة له على عدم أخذ العوض، فلا يكون مسقطاً له.

وأمّا المورد الثاني: فالنصوص الخاصّة تدلّ على مسقطيّة التصرّف المغيّر للعين، بل مسقطيّة تغيّر العين - كما مرّ - للرَّد، وهي إمّا مطلقة من حيث العلم والجهل، أو مختصّة بصورة الجهل بالعيب، فتدلّ على المسقطيّة في صورة العلم بالأولويّة، ولا تدلّ على سقوط الأرش، ولا على عدم سقوطه في صورة العلم، والشاهد على ذلك أنّ ظاهر صحيح زرارة:

«أيّما رجلٍ اشترى شيئاً وبه عيبٌ وعوار، فأحدث فيه بعدما قبضه شيئاً، ثمّ علم بذلك العوار»(1)هو حدوث العلم بعد التصرّف، فلا تعرّض له لصورة العلم.

وأمّا مرسل(2)جميل، فظاهره كون مقسم الشرطتين: وجدان العيب بعد الاشتراء، والتغيّر.

مع أنّه لو سُلّم عدم تقييده بصورة وجدانه بعد التغيّر، لا إطلاق له من هذه الجهة، فإنّه واردٌ لبيان حكم الرَّد والأرش من حيث التغيّر وعدمه، لا من حيث9.


1) الكافي: ج 5/207 ح 3، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23068.

2) الكافي: ج 5/207 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23069.

العلم والجهل.

وأمّا أخبار وطء الجارية، فجملةٌ منها(1)مختصّة بالتصرّف قبل العلم، وما يتوهّم إطلاقه خبران:

أحدهما: خبر عبد الملك، عن مولانا الصادق عليه السلام: «لا تُردّ التي ليست بحُبلى إذا وطئها صاحبها، وله أرش العيب»(2).

ثانيها: خبر محمّد بن ميسر، عنه عليه السلام: «كان عليٌّ عليه السلام لا يردُّ الجارية بعيبٍ إذا وُطئت، ولكن يرجع بقيمة العيب»(3).

أقول: وفيهما نظر:

أمّا الأوّل: فهو في مقام بيان الفرق بين الحُبلى وغيرها، لا في مقام بيان حال الوطء علماً وجهلاً.

وأمّا الثاني: فهو بين إجماله في خبر ثالثٍ مرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام، قال:

«قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجلٍ اشترى جارية فوطأها، ثمّ وجد فيها عيباً، قال:

تقوّم و هي صحيحة وتقوّم وبها الدّاء، ثمّ يردّ البائع على المبتاع فضل ما بين الصحّة والدّاء»(4).

وعليه، فما أفاده الشيخ رحمه الله(5)من أنّ اختصاص النَّص بصورة التصرّف قبل العلم ممنوعٌ‌، في غير محلّه.6.


1) الكافي: ج 5/214 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/102 باب 4 (من اشترى جارية فوطئها ثم ظهر بها عيب غير الحبل).

2) الكافي: ج 5/214 ح 3، وسائل الشيعة: ج 18/105 ح 23250.

3) من لا يحضره الفقيه: ج 3/221 ح 3822، وسائل الشيعة: ج 18/104 ح 23247.

4) الكافي: ج 5/214 ح 4، وسائل الشيعة: ج 18/102 ح 23241.

5) المكاسب: ج 5/326.

التصرّف في المعيب الذي لم تنقص قيمته بالعيب

ومنها: التصرّف في المعيب الذي لم تنقص بالعيب قيمته.

أقول: قد يتوهّم أنّ التعرّض لهذا المبحث في غير محلّه، إذ سقوط الرَّد والأرش مع اجتماع مسقط هذا ومسقط ذاك من القضايا التي قياساتها معها، ولكن يردّه أنّ التعرّض له لجهتين:

إحداهما: من جهة توهّم عدم المقتضي للمسقطيّة في صورة الاجتماع.

ثانيتهما: من جهة توهّم وجود المانع.

أمّا الجهة الأُولى‌: فتقريب عدم المقتضى، هو إنّ النصوص المتضمّنة لسقوط الرَّد بالتصرّف المغيّر، مختصّة بموردٍ فيه الأرش، ولا تعرّض لها بما لا أرش فيه.

وفيه: إنّ مرسل جميل متضمّنٌ لشرطيّتين:

الاُولى‌: ثبوت الرَّد مع قيام المبيع بعينه.

والثانية: سقوطه مع التغيّر.

والثانية وإنْ اختصّت بمورد ثبوت الأرش، إلّاأنّ الأولى بما أنّ منطوقها مطلق، فإنّ مفهومها أيضاً كذلك. فتدبّر فإنّه لا يخلو عن التأمّل والنظر.

وأمّا الجهة الثانية: فتقريب وجود المانع، هو أنّ في بقاء مسقطيّة المجتمعين ضررٌ على المشتري، فينتفي ذلك بحديث لا ضرر.

وفيه: إنّ التصرّف مع العلم بمسقطيّته، يعدّ إقداماً على الضرر، وبدونه لا يوجبُ الضرر المالي لفرض انتفاؤه، والضرر من حيث الغرض المعاملي حيث

إنّه موجود في جميع موارد التصرّف المسقط قبل العلم، فيخصّص دليل نفي الضرر بما دلَّ على مسقطيّته.

ومنها: حدوث العيب في المعيب المذكور.

أقول: لا كلام في سقوط الأرش، إنّما الكلام في سقوط الرَّد أيضاً.

وأورد عليه تارةً‌: بأنّ مدرك مانعيّة العيب الحادث عن الرَّد، هو الإجماع، وهو مختصٌّ بغير الفرض.

وأُخرى‌: بأنّ مدركه النَّص الخاص، ومورده صورة ثبوت الأرش.

وثالثة: بأنّ لزوم صبر المشتري ضررٌ عليه، فينتفي بحديث لا ضرر.

ولكن يرد على الأوّل: إنّ المدرك ليس هو الإجماع، بل النَّص الخاص.

ويرد على الثاني: إنّ المرسل عامٌ شاملٌ لصورة عدم ثبوت الأرش.

ويرد على الثالث: إنّ هذا الضرر يلزمُ في جميع موارد العيب الحادث.

وبالجملة: فالنص(1)الدالّ على مسقطيّته للرَّد، يقيّد إطلاق حديث لا ضرر(2).

لو ثبت أحد مانعي الرَّد فيما لا يؤخذ الأرش فيه

ومنها: ثبوت أحد مانعي الرَّد في المعيب الذي لا يجورُ أخذ الأرش فيه لأجل الرّبا.

أقول: ممّا ذكرناه في الفرعين السابقين، يظهر حال هذين الفرعين المذكورين في المقام، فإنّ الأقوال متّحدة، وإنّما نتعرّض لهما لبيان أمرين:


1) الكافي: ج 5/207 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23069.

2) الكافي: ج 5/294 ح 8، وسائل الشيعة: ج 18/32 ح 23075.

أحدهما: فيما أفاده المصنّف رحمه الله(1) في وجه امتناع الرَّد.

ثانيهما: في بيان ما به يُتدارك ضرر المشتري.

أمّا الأمر الأوّل: فقد أفاد المصنّف(2) في وجهه: أنّه لو رَدّ بدون أرش العيب الجديد لزم ورود الضرر على البائع، ولو رَدّ معه لزم منه الرّبا، لأنّ المردود يزيد حينئذٍ على عوضه.

أمّا الشيخ رحمه الله(3): فقد احتمل في مراده وجهين:

الوجه الأوّل: أنْ يكون مراده لزوم الرّبا في الفسخ، فإنّه يضمّ إلى المثمن المردود شيءٌ آخر وهو الأرش.

الوجه الثاني: أنْ يكون مراده لزوم الرّبا في المعاملة.

وأورد عليه السيّد الفقيه رحمه الله(1): بأنّ مراد العلّامة هو الوجه الأوّل قطعاً، وليس الثاني مراده، لأنّ أخذ الأرش لا يعقل أنْ يكون مؤثّراً في مقابل وصف الصحّة وعدمه في المعاملة، بأنْ يكون أخذ الأرش بعد ذلك مؤثّراً في كون الوصف مقابلاً بالعوض، بل حين المعاملة إمّا أن يكون مقابلاً به فيلزم البطلان، وإمّا لا يكون كذلك، فأخذ الأرش لا يبطله.

أقول: لكن من خلال بيان مراد الشيخ رحمه الله(5) يظهر اندفاع هذا الإيراد.

توضيحه: إنّ حقيقة الفسخ، هي حَلّ المعاوضة، ورجوع كلٍّ من العوضين إلى محلّه السابق، من دون أن يقتضي شيئاً آخر، وعليه فإنْ اقتضى الفسخ ثبوت أرش العيب الجديد، وكون وصف الصحّة في مقابل جزءٍ من العوض رباً، كان لازم9.


1) حاشية المكاسب لليزدي: ج 2/89.

مقابليّته له رباً في المعاملة، والمفروض أنّ الشارع الأقدس حكم بأنّ الصحيح والمعيب في غير المتجانسين واحدٌ، لا يقابَل وصف الصحّة في نظره بشيءٍ ولو رباً، الذي هو مفروضٌ في غير المتجانسين، وحيث أنّ المفروض إقدام المتبايعين على معاملة صحيحة، فحين المعاملة لا يلزم الرّبا، وإنّما يلزم ذلك من حيث الفسخ لو أخذ الأرش.

ولكن يرد على الوجه الأوّل: - مضافاً إلى أنّ الأرش غرامة شرعيّة لا يكون بجعل المتعاملين -: أنّه لا يكون الفسخ معاوضة، والرّبا إنّما تجري في المعاوضات مع أنّه من طرفٍ واحد لا الطرفين.

ويرد على الوجه الثاني أوّلاً: ما تقدّم من أنّ أخذ الأرش حتّى من العيب القديم، لا يوجبُ الرّبا، لكونه غرامة شرعيّة تعبديّة.

وثانياً: إنّ المحرّم وغير النافذ هي المعاملة التي وجدت ربويّة، وأمّا إحداث الرّبا فيها بعد الوجود، فلا دليل على حرمته ومبطليّته لها.

وأمّا الثاني: فعلى المختار من أنّ أخذ الأرش للعيب القديم لا محذور فيه كماتقدّم، يتعيّن أخذ الأرش بلا رَدٍّ، لكون العيب الحادث مانعاً عن الرَّد ومعيّناً للأرش.

وعلى القول بعدم جواز الأرش بلا رَدٍّ، لكون العيب الحادث مانعاً عن الرَّد ومعيناً للأرش، وعلى القول بعدم جواز أخذ الأرش يدور الأمر بين أُمور:

الأمر الأوّل: لزوم المعاملة، وعدم جواز الرَّد وأخذ الأرش.

الأمر الثاني: جواز رَدّ المعيب مع غرامة العيب الحادث.

الأمر الثالث: فسخ المعاملة وإعطاء مثل المبيع في العيب القديم سليماً عن العيب

الجديد، من جهة تعذّر رَدّ المبيع، وهو في حكم التلف، أي التعذّر العقلي الموجب للانتقال إلى البدل.

والثاني: يردّه ما دلَّ على مانعيّة العيب الحادث عن الرَّد.

والثالث: يردّه ما دلَّ على أنّ التلف في هذا الخيار مسقطٌ له، ولا يوجب الانتقال إلى البدل، فيتعيّن الأوّل، وحديث لا ضرر قد مرّ مراراً أنّه لا يصلح لإثبات الجواز للمعاملة اللّازمة.

تأخير الأخذ بمقتضى الخيار

ومنها: تأخير الأخذ بمقتضى الخيار.

فإنّ ظاهر «الغُنية»(1)

(2و3) المكاسب: ج 5/333.

إسقاطه لهما، وقد ادّعى الشهرة وعدم الخلاف على كلّ من القول بسقوطها به وعدمه.

وهناك قولٌ ثالثٌ‌، ظاهر الشيخ رحمه الله(2) الميل إليه وتقويته، وهو سقوط الرَّد دون الأرش.

أقول: والمهمّ ملاحظة الأدلّة، وتحقيق الكلام يتحقّق بالبحث في موردين:

الأوّل: في الرَّد.

الثاني: في الأرش.

أمّا المورد الأوّل: فمقتضى إطلاق النصوص، عدم السقوط، ما لم يتحقّق أحد المسقطات، وما أفاده الشيخ رحمه الله(3) من أنّ الإطلاق في مقام بيان أصل الخيار، فيه منعٌ يظهر لمن راجع الأخبار.


1) غنية النزوع: ص 221-222.

واستدلّ للسقوط:

1 - بما دلَّ على الفوريّة في كلّ خيارٍ ثبت أو لم يثبت كونه على الفور أو التراخي.

2 - وبأنّ التأخير دليل الرّضا بسقوط الحقّ‌.

ولكن يرد على الأوّل: إنّه لا يرجع إليه مع الدليل على التراخي.

ويرد على الثاني: عدم كاشفيّته عن ذلك.

وبالتالي، فالأظهر عدم السقوط.

وأمّا الأمر الثاني: فعدم سقوطه أوضح، إذ مضافاً إلى أنّ مقتضى إطلاق الأخبار ذلك، فإنّ ما استدلّ به على سقوط الرَّد - على فرض تماميّته - لا يدلّ على سقوط الأرش.

أمّا الوجه الأوّل: فلأنّ لزوم العقد وعدم انحلاله أجنبيّان عن سقوط الأرش وعدمه.

وأمّا الوجه الثاني: فلأنّ الرّضا والالتزام بالعقد أعمٌّ من كونه مجّانيّاً أو مع العوض. وبذلك ظهر اندفاع إيراد السيّد الفقيه(1)على الشيخ رحمهما الله بأنّ ما ذكر في وجه سقوط الرَّد يدلّ على سقوط الأرش أيضاً.

***0.


1) حاشية المكاسب: ج 2/90.

ولو باع شيئين صفقةً‌، وظهر العيبُ في أحدهما، كان للمشتري الأرش أو رَدّ الجميع لا المعيب وحده.

تبعّض الصَّفقة لا يمنع الرَّد

المسألة السادسة: قال المصنّف رحمه الله: (ولو باع شيئين صفقةً‌، وظهر العيب في أحدهما، كان للمشتري الأرش أو رَدّ الجميع، لا المَعيب وحده).

وعن «التذكرة»(1)و «الدروس»(2): إنّ من العيب المانع من الرَّد بالعيب القديم تبعّض الصفقة.

أقول: لا إشكال ولا كلام فيما إذا اشترى شيئاً واحداً، بعضه بثمنٍ وبعضه بثمنٍ آخر، وأنّه لو ظهر أحدهما معيوباً كان له الخيار بالنسبة إليه خاصّة.

كما لا إشكال في عدم جواز التفريق بينهما، لو كان المبيع واحداً خارجيّاً ولو عرفاً كالجارية، مع وحدة البائع والمشتري.

إنّما الكلام فيما إذا كان البيع واحداً، والمبيع متعدّداً خارجاً، كما لو جعل الاثنين منضمّاً مبيعاً واحداً، فظهر أحدهما معيوباً، أو تعدّد البائعُ أو المشتري، وعليه يقع الكلام في مقامات:

المقام الأوّل: ما إذا كان التعدّد المتصوّر فيه التبعّض في أحد العوضين، فقد ادّعى الإجماع على أنّه لا يجوز التبعيض فيه من حيث الرَّد، وقد استدلّ له بوجوه:


1) تذكرة الفقهاء: ج 1/536 (ط. ق).

2) الدروس: ج 2/284.

الوجه الأوّل: ما عن «الجواهر»(1)، وحاصله أنّ الخيار حقّ واحدٌ متعلّق بمجموع المبيع، لا كلّ جزءٍ منه، لا أقلّ من الشكّ‌، والأصل اللّزوم.

توضيحه: إنّ الخيار عبارة عن حقّ حَلّ العقد، وهو واحدٌ متعلّقٌ بمجموع المبيع لا كلّ جزءٍ منه.

وفيه: إنّ ظاهر أدلّة الخيارات المجعولة لا لخصوصيّةٍ في المبيع، هو التسلّط على حَلّ العقد برد تمام المبيع، فحَلّ بعض العقد بردّ بعض المبيع في المجلس لا دليل عليه.

وأمّا الخيار المجعول لخصوصيّةٍ في المبيع، كخيار الحيوان، فظاهر الدليل كون متعلّق الخيار هو ما فيه الخصوصيّة دون غيره، فلو ضمّ الحيوان إلى شيء وباعهما صفقةً واحدة، ثبت خيار الحيوان في خصوص الحيوان دون المجموع، ومجرّد وحدة العقد إنشاءً لا تقتضي ذلك التوهّم المشار إليه، وإلّا لانسدّ باب خيار تبعّض الصفقة، والمقام من قبيل الثاني، فإنّ المجعول خيارٌ واحد متعلّق بما فيه عيبٌ وعوار لا في المجموع، وعليه فمقتضى إطلاق الدليل جواز ردّه خاصّة.

الوجه الثاني: ما أشار إليه الشيخ رحمه الله(2)، من أنّه مقتضى المرسل(3)، لأنّه لا يصدق قيام المبيع بعينه لو رَدّ البعض.

وفيه أوّلاً: إنّ الظاهر من المرسل اعتبار كون المبيع قائماً بعينه قبل الفسخ، وهذا موجودٌ في المقام.

وثانياً: إنّ المراد كون المعيب قائماً بعينه، وهو كذلك حتّى بعد الفسخ.9.


1) جواهر الكلام: ج 23/248.

2) المكاسب: ج 5/308.

3) الكافي: ج 5/207 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23069.

الوجه الثالث: ما استند إليه الشيخ رحمه الله(1)، من أنّ فسخ البعض يوجبُ الضرر على البائع، لأنّه في الجزء المشاع موجبٌ للشركة، وفي الجزء المعيّن موجبٌ للتفريق، وكلاهما ضررٌ ونقصٌ يوجب الخيار لو حَدَث في المبيع الصحيح، وعليه فهو أولى بالمنع عن الرَّد من نسيان الدابّة طريقة الطحن، وجبره بخيار البائع، وتسلّطه على استرداد المجموع ضررٌ على المشتري، لتعلّق غرضه بإمساك الصحيح، فيتعارضان، فلا يشمل الحديث شيئاً منهما.

وفيه أوّلاً: منع كون مجرّد التفريق ضرراً في جميع الموارد، نعم هو ضررٌ في مثل بيع مصراعي الباب.

وثانياً: إنّ جواز فسخ البائع ليس ضرراً على المشتري، إذ لا يجب عليه الفسخ بالنسبة إلى المعيب، كي يجوزُ للبائع استرداد الصحيح، فهو باختياره يُقْدِم على ذلك، ومثله لا يكون مشمولاً للحديث.

وثالثاً: إنّه في بادئ الأمر ليس إلّاضرر المشتري من الصبر على المعيب، فحديث لا ضرر يشمله لوجود المقتضى وعدم المانع، ومن شموله لذلك يتولّد ضررٌ آخر على البائع، ولا يعقل أن يشمله الحديث، وإلّا لزم من شموله لضرر المشتري عدم شموله له، وما يلزم من وجوده عدمه محال.

ورابعاً: إنّ غاية ما يثبت بما أفاده، كون التبعيض ضرراً على البائع، ولكن مانعيّة ذلك عن إعمال المشتري خياره تتوقّف على دليلٍ مفقود، وما ذكره من أولويّته بالمنع عن الرَّد من نسيان الدابّة الطحن، يرد عليه منع الأولويّة، لأنّ نسيان الدابّة حَدَثٌ مانع عن الرَّد، وفي المقام يكون المبيع قائماً بعينه.9.


1) المكاسب: ج 5/309.

ولو اشترى اثنان صفقةً‌، لم يكن لأحدهما رَدّ حصّته بالعيب، إلّا إذا وافقه الآخر.

الوجه الرابع: النَّص(1)المانع عن الرَّد بالخياطة والصَّبغ، إذ المانع فيهما ليس إلّا حصول الشركة في الثوب بالنسبة الصبغ والخياطة.

وفيه: إنّ المانع هو تغيّر الهيئة، وإنّما لا يمنع ذلك إذا كان بما يوجب الزيادة لإنصراف النَّص عنه كما تقدّم.

الوجه الخامس: ما في «المكاسب»(2)أيضاً، من أنّ مرجع جواز الرَّد منفرداً إلى إثبات سلطنة المشتري على إمساك الجزءالصحيح، ثمّ سلب سلطنته عنه بخيار البائع، ومنع سلطنته على الرَّد أوّلاً أولى‌، ولا أقلّ من التساوي، فيرجع إلى أصالة اللّزوم.

وفيه: إنّ مدرك خيار العيب ليس قاعدة لا ضَرر بل النَّص، فلابدّ من الرجوع إليه، وهو يقتضي خيار المشتري، وبعد ذلك إنْ قام دليلٌ على خيار البائع أُخذ به أيضاً، وإلّا فلا.

الوجه السادس: الإجماع.

وفيه: إنّه لمعلوميّة مدرك المُجمِعين لا يُعتمد عليه.

فتحصّل: أنّ الأظهر أنّ التبعّض لا يمنع من الرَّد، غاية الأمر أنّ لكلٍّ من البائع والمشتري خيار تبعّض الصّفقة بالنسبة إلى الجزء الصحيح.

حكم ما إذا كان المشتري متعدّداً

المقام الثاني: ما إذا كان المشتري متعدّداً.

قال المصنّف رحمه الله: (ولو اشترى اثنان صفقةً‌، لم يكن لأحدهما رَدّ حصّته بالعيب، إلّا إذا وافقه الآخر).


1) الكافي: ج 5/207 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23069.

2) المكاسب: ج 5/311-312.

أقول: قبل بيان الدليل ينبغي تقديم مقدّميتن.

المقدّمة الاُولى: إنّ موضوع البحث في هذا المقام والمقام الثالث، إنّه هل يتعدّد الخيار بتعدّد المشتري أو البائع، مع وحدة العقد الانشائي والمبيع عرفاً، أم أنّ وحدة الخيار وتعدّده تدوران مدار وحدة العقد أو المبيع أو تعدّده‌؟

وموضوع البحث في المقام الأوّل كان على العكس من ذلك، وهو أنّه مع وحدة البائع والمشتري والعقد، وتعدّد المبيع، هل يتعدّد الخيار أم لا؟

المقدّمة الثانية: في الأقوال في المسألة، وهي أربعة:

الأوّل: الجواز.

الثاني: عدمه.

الثالث: التفصيل بين علم البائع بالتعدّد فالأوّل، وعدمه فالثاني.

الرابع: التفصيل المنسوب إلى ظاهر «المبسوط»(1)، وهو الجواز مع تحقّق القبول من المشترين، والوجهان مع اتّحاد القبول.

أقول: إذا عرفت هاتين المقدّميتن، فاعلم إنّه قد استدلّ لعدم الجواز بوجوه:

الوجه الأوّل: إنّ العقد واحد، فالخيار الذي هو حَلّ العقد واحدٌ، ومتعلّقه المجموع، فلا يجوز رَدّ البعض.

وفيه: إنّ المراد من العقد الذي حُكم عليه بالوحدة، إنْ كان هو العقد الإنشائي:

فيرد عليه أوّلاً: إنّه يمكن القول بتعدّده إذا قبل المشتريان، لأنّه لا يمكن القول بوحدة الإيجاب وتعدّد القبول لتضائفهما.1.


1) المبسوط: ج 2/351.

وثانياً: إنّه لا عبرة إلّابالبيع الحقيقي والعقد المعنوي اللُّبي.

وإنْ كان هو العقد المعنوي:

فيرد عليه: إنّه مع تعدّد الملكيّة لا محالة يتعدّد التمليك، لوحدة الايجاد والوجود، وهو البيع الحقيقي.

الوجه الثاني: إنّ الثابت بالدليل هنا خيارٌ واحدٌ قائمٌ باثنين، فليس لكلّ منهما الاستقلال.

وفيه: إنّ الدليل يُثبت الخيار لكلّ مَنْ اشترى شيئاً وبه عيبٌ على نحو القضيّة الحقيقيّة، وفعليّة ذلك إنّما تكون بفعليّة موضوعه، وتعدّده تابعٌ لتعدّد موضوعه خارجاً، ومن المعلوم أنّه يصدق على كلّ من المشتريين أنّه (اشترى شيئاً وبه عيبٌ‌)، فمقتضى إطلاق النَّص ثبوت الخيار له مستقلّاً.

الوجه الثالث: إنّ النَّص منصرفٌ إلى غير المقام - أي إلى ما إذا اتّحد المشتري - وقد استند الشيخ رحمه الله(1) إليه في المنع.

وفيه: إنّه لو تمّ ذلك، لزم أن لا يُحكم بالخيار لمجموع المشتريين أيضاً، مع أنّه لا يتمّ‌، إذ لا وجه للانصراف سوى الغلبة.

الوجه الرابع: ما استدلّبه في محكيّ «التذكرة»(1)وغيرها(2)، وسلّمه الشيخ رحمه الله(4)من أنّ لازمه التبعيض على البائع، وهو عيبٌ يَمنع من الرّد كسائر العيوب الحادثة عند المشتري.

وفيه أوّلاً: ما تقدّم من أنّ المبيع قائمٌ بعينه قبل الفسخ، ولو سُلّم تغيّره بعد6.


1) تذكرة الفقهاء: ج 1/536 (ط. ق).

2) مسالك الأفهام: ج 3/286.

الفسخ فهو لا يكون مانعاً.

وثانياً: إنّه بعد الفسخ أيضاً قائمٌ بعينه، لأنّ ما أخذه كلّ من المشتريين قائمٌ على ما كان عليه عند أخذه، فإنّه لم يأخذ إلّاحصّة نفسه، فافتراق حصّته عن حصّة صاحبه ليس نقصاً فيما أخده.

أقول: والظاهر أنّ هذا مراد المصنّف رحمه الله من قوله: (إنّ التشقيص حَصَل بإيجاب البائع).

ولا يرد عليه: ما ذكره الشيخ رحمه الله(1)

(2و3) المكاسب: ج 5/316.

بقوله: (إنّه تبعّضٌ بالإخراج، والمقصود حصول المبيع في يد البائع، كما كان قبل الخروج).

لأنّه يرد عليه: أنّ المقصود إرجاع ما تلقّاه من البائع وتملّكه منه، وهو حاصلٌ‌.

الوجه الخامس: ما ذكره الشيخ رحمه الله(2) أيضاً بقوله: (إنّ خلاف ذلك ضررٌ على البائع، وعلم البائع بذلك ليس فيه إقدامٌ على الضرر إلّاعلى تقدير كون حكم المسألة جواز التبعيض، وهو محلّ الكلام).

وقد تقدّم الجواب عن ذلك في المقام الأوّل.

فتحصّل: أنّ الأظهر جواز الرَّد، كما ظهر مدرك القولين الآخرين والجواب عنه.

المقام الثالث: ما إذا كان البائع متعدّداً.

ففي «المكاسب»(3): (والظاهر عدم الخلاف في جواز التفريق، إذ لا ضرر على البائع بالتفريق).6.


1) المكاسب: ج 5/315.

ولكن يردّه: أنّ مجرّد عدم المانع لا يكفي في الحكم بثبوت الخيار.

وبالجملة: إنّ الكلام في هذا المقام بعينه هو الكلام في المسألة المتقدّمة دليلاً ومختاراً.

وعليه، فالأظهر هو الجواز في المقامات الثلاثة.


مسقطات الأرش خاصّة

المسألة السابعة: يسقط الأرش دون الرَّد في موضعين:

أحدهما: ما لو لم يوجبُ العيب نقصاً في القيمة، فإنّه لا يتصوّر هنا أرشٌ حتّى يُحكم بثبوته.

الثاني: ما إذا اشترى ربويّاً بجنسه، فظهر عيبٌ في أحدهما، فلا أرش حذراً من الرِّبا، هكذا أفاد جماعة(1)، ونفى المصنّف في محكيّ «التذكرة»(2)البأس عن جواز أخذ الأرش.

أقول: لا كلام ولا إشكال في صحّة العقد وجواز الرَّد، وإنّما الكلام في أنّه هل يستحقّ الأرش أم لا، أم يفصّل بين أخذه من الجنس فلا يجوز، ومن غيره فيجوز؟

وتنقيح القول في المقام يقتضي البحث في موردين:

الأوّل: في أنّه هل يوجبُ أخذ الأرش الرّبا أم لا يوجب ذلك‌؟

الثاني: في حكمه على فرض صيرورته ربويّاً.

أمّا الأمر الأوّل: فقد استدلّ على صيرورته ربويّاً بأخذ الأرش بوجوه:

الوجه الأوّل: ما يظهر من آخر كلام الشيخ رحمه الله(3)، من أنّ الأرش عوض وصف الصحّة، فمع كون الصحيح والمعيب جنساً واحداً، وأنّ وصف الصحّة في أحد الجنسين كالمعدوم لا يترتّب على فقده استحقاق عوضٍ - على ما هو المستفاد من


1) الجامع للشرائع: ص 268.

2) تذكرة الفقهاء: ج 1/531 (ط. ق).

3) المكاسب: ج 5/318.

الأدلّة - فلا محالة يكون زائداً على ما يساوي الجنس الآخر، فتشمله أدلّة حرمة الرّبا، إذ لا فرق فيها بين سببيّة العقد للزيادة بلا واسطة، أو بواسطة سببيّته لاستحقاق الأرش.

وفيه: إنّ الأرش غرامة شرعيّة مجعولة لا أنّ العقد سببٌ له.

وبعبارة أُخرى‌: ما يتكفّله دليل الرّبا إنّما هو عدم جواز التمليك على وجه التفاضل، لا إيجاد موضوعٍ له حكمٌ شرعي قهري يوجب الزيادة.

الوجه الثاني: إنّ الأرش وإنْ كان مجعولاً شرعيّاً، إلّاأنّه لا فرق في حرمة الرّبا بين كون الزيادة بجعلٍ من المتعاقدين، أو بحكم الشارع، فإنّه من باب تتميم الناقص، مع أنّهما متماثلان من حيث المقدار.

وفيه: إنّ جعل الأرش من الشارع ليس بعنوان تتميم الناقص، بل هو غرامة محضة.

الوجه الثالث: إنّ الأرش وإنْ لم يوجب زيادة أحد العوضين، إلّاأنّه يوجب نقص الآخر، وهو ما يؤخذ منه الأرش.

وفيه: إنّه سيجيء في محلّه من أنّ الأرش ليس جزءً من العوض كي يكون تنقيصاً موجباً لتعادل العوضين، بل لو سُلّم حكم الشارع بردّ بعض الثمن، لا يكون ذلك بعنوان انفساخ بعض العقد، بل بعنوان تملّك جديد.

الوجه الرابع: إنّ الأرش إنّما يكون بالتزام البائع بالتدارك عند نقص وصف الصحّة، فهو من قبيل شرط الزيادة، وداخلٌ في الرّبا.

وفيه أوّلاً: إنّ لازم ذلك بطلان البيع.

وثانياً: إنّ اشتراط وصف الصحّة كاشتراط سائر الصفات، ليس التزاماً بالأرش بل بالخيار، والأرش أمرٌ موضوعٌ بحكم الشارع.

الوجه الخامس: ما عن المحقّق الخراساني رحمه الله(1)، من أنّ الأرش وإنْ لم يوجب انعقاد العقد على المتفاضلين، إلّاأنّه يوجب استقراره عليهما، ولا فرق في الرّبا بين أنْ يكون انعقاد العقد على المتفاضلين أو استقراره عليهما.

وفيه: إنّ اللّزوم خارجٌ عن العقد، فصيرورة العقد لازماً بأخذ الأرش، غير كون استقرار العقد متوقّفاً عليه.

فتحصّل: أنّه لا يكون داخلاً في الرّبا، فالأظهر صحّة العقد وجواز أخذ الأرش.

وأمّا المورد الثاني: فإنْ قلنا بدخوله تحت دليل حرمة الرّبا، لا محالة يقع التعارض بين ذلك الدليل، ودليل استحقاق الأرش، وحيث أنّ النسبة عمومٌ من وجه، ودلالة كلّ منهما على حكم المَجمع بالإطلاق:

فإمّا أنْ يقال إنّهما يتساقطان، والمرجع إلى أصالة عدم استحقاق الأرش.

أو أنّه لابدَّ من الرجوع إلى المرجّحات، والترجيح مع دليل حرمة الرّبا.

وعلى التقديرين يسقط الأرش.

***2.


1) حاشية المكاسب للآخوند الخراساني: ص 222.

والتصرّف يُبطل رَدّ المعيب، إلّافي الوطء في الحامل، فيردّها مع نصف عُشر القيمة، والحلب في الشاة المصراة فيردّها مع قيمة اللّبن إنْ تعذّر المثل.

البحث عن حكم التصريّة

المسألة الثامنة: التصريّة - والمراد بها جمع اللَّبن في الضَّرع أيّاماً ليظنّ الجاهل بذلك أنّها حلوبٌ - حرامٌ إجماعاً محصّلاً ومحكيّاً في «المسالك»(1)- كذا في «الجواهر»(2)- ويثبت به الخيار بين الرَّد والإمساك إجماعاً.

وعن «الخلاف»(3): (إنّ أخبار الفرقة عليه)، ولا أرش فيه، إلّاإذا كان المدلّس عيباً، اتّجه الأرش فيه من حيث العيب.

أقول: (و) حيث عرفت أنّ (التصرّف يبطل رَدّ المعيب)، فيتوهّم سقوط هذا الخيار هنا، (و) لذا استثناه المصنّف رحمه الله هنا بقوله: (إلّا... والحلب في الشاة المصراة، فيردّها مع قيمة اللّبن إنْ تعذّر المثل).

وتفصيل ذلك: إنّه لا إشكال في أنّه إذا رَدّ الشاة، يردّ معها لبنها الموجود حال العقد، وهو مقتضى القاعدة، لكونه بعض المبيع، ولذا نفى الخلاف عنه في المحكيّ عن «كشف الرموز»(4)، بل عن فخر الإسلام الإجماع عليه(5).

أمّا لو تلف، فالمشهور بين الأصحاب ما في المتن، وهو أنّه يرد معها مِثْل


1) مسالك الأفهام: ج 3/292.

2) جواهر الكلام: ج 23/264.

3) حكاه عنه صاحب الجواهر: ج 23/264.

4) كشف الرموز في شرح المختصر: ج 1/479.

5) حكى الإجماع عنه صاحب الجواهر: ج 23/264.

لبنها، أو قيمته مع التعذّر، بل عن ظاهر «مجمع البرهان»(1)الإجماع عليه، لأنّ اللّبن مثليٌ‌، فمع تلفه ووجوب ردّه يضمن بمثله، ومع تعذّر المثل ينتقل إلى القيمة.

وعن الإسكافي(2)، والشيخ(3)، والقاضي(4)، وأبي المكارم(5)، وأبي سعيد(6):

فيردّ صاعاً من تمرٍ أو بُرّ.

وعن «الخلاف»(7): عليه إجماع الفرقة وأخبارهم.

وعن «الغُنية»(8): الإجماع عليه.

وقيل: يُردّ ثلاثة أمداد من طعام.

وقال المصنّف في محكيّ «التحرير»(9): (إنّه وإنْ نَسب الشيخ هذا القول إلى جماعةٍ‌، ولكن لم نجد واحداً منهم، ولعلّه من العامّة).

***4.


1) مجمع الفائدة والبرهان: ج 8/438.

2) حكاه عنه العلّامة في مختلف الشيعة: ج 5/176.

3) المبسوط: ج 2/125.

4) المهذّب: ج 1/391-392.

5) حكاه عنه في الجواهر: ج 23/265.

6) الجامع للشرايع: ص 267.

7) الخلاف: ج 3/104-105 المسالة 169.

8) غنية النزوع: ص 223.

9) تحرير الأحكام: ج 1/184.

وجوب إعلام العيب

المسألة التاسعة: قال في «المبسوط»(1): (من باع شيئاً فيه عيبٌ لم يبيّنه، فَعَل محظوراً، وكان المشتري بالخيار) انتهى‌.

أقول: الأقوال في المسالة خمسة:

1 - وجوب الإعلام مطلقاً.

2 - عدمه كذلك.

3 - استحباب الإعلام.

4 - التفصيل بين العيب الخفَيّ والجَليّ‌، فيجبُ في الأوّل دون الثاني.

5 - التفصيل بين الجَلي والخَفيّ‌، فيجبُ في الأوّل مع عدم التبرّي.

وتحقيق الكلام يتحقّق بالبحث في موارد:

المورد الأوّل: في أنّه هل يصدق على ترك الإعلام عنوان الغِشّ أم لا؟

الأظهر أنّه بمعنى الخديعة والتلبيس، ولا يصدق ذلك على ترك الإعلام بالعيب، ولا على كتمان العيب الخفي، وإنّما يصدق على إظهار أنّه صحيحٌ‌، وحيث أنّ البيع إنّما يكون من البائع بعنوان أنّ المبيع صحيحٌ‌، وأنّه ملتزمٌ بصحّته، فهو إظهار لخلاف الواقع، ولا يفرّق في ذلك بين العيب الخَفي والجَلي، إلّاإذا كان من الوضوح بحدٍّ لا موجب للالتزام بالصحّة، وإلى هذا المورد النظر في صحيح(2)ابن مسلم


1) المبسوط: ج 2/138.

2) الكافي: ج 5/183 ح 1، وسائل الشيعة: ج 18/112 ح 23263.

المتضمّن لخلط الجيّد بالرديء، حيث قال عليه السلام: «إذا رؤيا جميعاً فلا بأس».

أقول: وبذلك يظهر ضعف ما قيل من عدم صدق الغِشّ على ترك إظهار العيب الجَلي في المعاملة، وأضعف منه دعوى عدم صدقه على مجرّد المعاملة على المعيب بالعيب الخَفي، ما لم ينضمّ إليه شيءٌ آخر، كما في «حاشية السيّد»(1)

(2و3) فقه الصادق: ج 21 مبحث (حكم المعاملة وضعاً).

.

المورد الثاني: في حكمه التكليفي.

الأظهر أنّه حرامٌ مطلقاً، كما تقدّم الكلام فيه مفصّلاً في هذا الشرح(2)، وما أفاده السيّد رحمه الله من عدم حرمة المعاملة على المعيب بالعيب الجَليّ‌، وإنْ صدق عليها الغِشّ‌، لصحيح محمّد بن مسلم، يندفع بما عرفت.

المورد الثالث: في حكمه الوضعي.

والحقّ عدم الفساد، لأنّ حرمة المعاملة أعمٌّ من فسادها، ولا دليل آخر على الفساد في جميع الموارد، كما تقدّم الكلام فيه في هذا الكتاب(3).

الموردالرابع: أنّه لو تبرّأ البائع من العيب، هل يسقط وجوب الإعلام أم لا؟ وجهان:

أظهرهما الأوّل، لأنّ الغِشّ كما عرفت إنّما يصدق على فعل البائع من جهة أنّ البيع وقع بعنوان أنّ المبيع صحيحٌ‌، وأنّه ملتزمٌ بصحّته، فإذا تبرّأ عن العيب، ولم يلتزم بالصحّة، لا يصدق الغشّ‌، مع أنّ صدق الغِشّ يتوقّف على إيقاع الطرف فيما يَكره وغير راضٍ به، فمع رضاه بذلك وشرائه بعد تبرّي البائع، وعدم الفحص عن صحّته وعيبه، لا يكون الغِشّ صادقاً.).


1) حاشية المكاسب لليزدي: ج 2/90.

ولو ادّعى البائع التبرّي من العيوب، ولا بيّنة، فالقول قول المشتري مع يمينه.

اختلاف المتبايعين

بقي في المقام مسائل في اختلاف المتبايعين:

المسألة الأُولى‌: (ولو) اختلفا في البراءة و (ادّعى البائع التبرّي من العيوب) وأنكره المشتري (ولا بيّنة):

قال المصنّف رحمه الله: (فالقول قول المشتري مع يمينه).

أقول: يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: فيما تقتضيه القواعد.

الثاني: فيما يقتضيه النَّص الخاص.

أمّا المقام الأوّل: فمقتضى أصالة البراءة تقديم قول المشتري، لأنّ موضوع الخيار مركّبٌ من العيب وعدم البراءة، وأحد الجزئين محرزٌ بالوجدان، والآخر بالأصل، فيثبت الموضوع، ويترتّب عليه الخيار، وهو حاكمٌ على أصالة اللّزوم.

وأمّا المقام الثاني: فربما يُترائى من مكاتبة جعفر بن عيسى المتقدّمة، أنّه يُقدّم قول البائع.

وأورد عليها المحقّق الأردبيلي رحمه الله(1): بضعف السند، ومخالفتها للقاعدة.

أمّا دعوى ضعف السند: فيدفعها أنّ الشيخ رحمه الله(2)يرويها بسنده عن الصفّار، عن


1) مجمع الفائدة والبرهان: ج 8/437.

2) المكاسب: ج 5/349.

محمّد بن عيسى‌، عن جعفر بن عيسى‌، وسند الشيخ رحمه الله إلى الصفّار صحيحٌ‌، ومحمّد ابن عيسى بن عبيد وإنْ ضعّفه جمعٌ إلّاأنّ منشأ تضعيف الجميع كلام الصدوق(1)

(2و4) المكاسب: ج 5/351 و 350.

الذي قال في حقّه: (لا أروي ما يختصّ بروايته عن يونس)، ومنشأ ذلك كلام شيخه ابن الوليد ولا يُعبأ به، فإنّ اعتقاده أنّه يعتبر في الإجازة أن يقرأ الراوي على الشيخ أو يقرأ الشيخ عليه، ويكون السّامع مدركاً لما يرويه، وكان لا يعتبر الإجازة المشهورة، وكان محمّد بن عيسى صغير السن في زمان يونس، ولا يعتمدون على فهمه حين القراءة، ولا على إجازة يونس له، وهذا كما ترى لا يصلح منشئاً للضعف، لاسيّما وقد صرّح جمعٌ من الأساطين بوثاقته، وأخوه جعفر أيضاً ثقة أو حَسَنٌ‌. مع أنّ الأصحاب اعتمدوا على هذه المكاتبة في غير المقام، وهو جابرٌ للضعف لو كان.

وأمّا مخالفتها للقاعدة: فلا تصلح مانعةً عن العمل بها لو كانت، والحقّ أنّها لا تنافي القاعدة من جهة التوجيه الذي أفاده الشيخ رحمه الله(2)، وحاصله إنّ قول البائع في مفروض الخبر موافقٌ للظاهر، لجريان العادة بنداء الدلّال عند البيع بالبراءة من العيوب على وجهٍ يسمعه كلّ من حَضَر للشراء، فيقدّم قوله مع يمينه المعلوم من الخارج، حينما يقال إنّ القول قولُ البائع والمشتري.

وأمّا ما أفاده في «الحدائق»(2)، فيرد عليه ما في «المكاسب»(4).

المسألة الثانية: لو اختلفا في حدوث العيب في ضمان البائع أو تأخّره عنه،1.


1) الفهرست للطوسي: ص 141 رقم 601.

2) الحدائق الناضرة: ج 19/91.

ولو ادّعى المشتري تقدّم العيب على العقد، فالقولُ قول البائع مع يمينه.

(و) صور هذه المسألة ثلاثة.

الصورة الاُولى: (لو ادّعى المشتري تقدّم العيب على العقد)، وأنكره البائع.

قال المصنّف رحمه الله: (فالقولُ قولُ البائع مع يمينه) ووافقه الشيخ رحمه الله(1).

واستدلّ له: بأصالة عدم حدوث العيب قبل العقد.

توضحيه: إنّ موضوع الخيار هو وقوع العقد على المعيب، على ما هو ظاهرُ الأخبار، فتجري أصالة عدم حدوث العيب إلى ما بعد حدوث العقد، وحيث إنّ وقوع العقد على العين محرزٌ بالوجدان، وعدم العيب محرزٌ بالأصل، فينفي موضوع الخيار. ولا تعارضها أصالة عدم العقد حين حدوث العيب، لأنّه لا يثبت بها وقوع العقد على المعيب الذي هو موضوع الخيار، إلّاعلى القول بالأصل المثبت.

وبذلك يظهر الحال في الصورتين الأخيرتين، وهما:

الصورة الثانية: لو اختلفا في حدوث العيب بعد العقد قبل القبض أو بعده.

الصورة الثالثة: لو اختلفا في أنّه حدث العيب في زمان خيار المشتري ليكون مضموناً على البائع، أو فيما بعد مضيّ ذلك الزمان.

فإنّ الأثر مترتّبٌ على تلف وصف الصحّة قبل القبض، أو في زمان الخيار، فأصالة عدم التلف إلى ما بعد القبض أو انقضاء زمان الخيار تجري، ويترتّب عليها عدم الضمان، ولا تعارضها أصالة عدم القبض، وعدم الانقضاء إلى ما بعد التلف، لعدم الأثر.2.


1) المكاسب: ج 5/352.

وعن المصنّف رحمه الله(1): إنّ القول قولُ مدّعي التقدّم وهو المشتري، واستدلّ له:

1 - بأصالة عدم تسليم المبيع إلى المشتري على الوجه المقصود.

2 - وأصالة عدم استحقاق البائع الثمن كلّاً، وأصالة عدم لزوم العقد.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّ عدم التسليم لا أثر له، وموضوع الأثر تلف الوصف قبل العقد، أو قبل القبض، أو قبل انقضاء الخيار، والأصل عدمه.

وأمّا الثاني: فلأنّ الأرش ليس جزءً من الثمن، فالبائع مستحقٌّ للثمن كلّاً على التقديرين.

وأمّا الثالث: فلأنّ موضوع اللّزوم ليس وقوع العقد على الصحيح كي تجري أصالة عدمه، ويحكم بعدم لزومه، بل الموضوع له عدم العيب حين العقد، وقد عرفت أنّ الأصل ذلك.

أقول: وتمام الكلام يتحقّق ببيان أُمور:

الأمر الأوّل: المشهور بين الأصحاب أنّه بالرغم من أنّ إقامة البيّنة من المنكر في حكم العدم لأنّ وظيفته اليمين، بل عن «المستند»(2)دعوى الإجماع عليه، إلّاأنّ جماعة منهم العلّامة(3)والشهيد(4)ذهبوا إلى سماع بيّنة المنكر، وأنّ ما دلَّ على أنّ (اليمين على من أنكر) إنّما هو في مقام الإرفاق لا التعيّن، وعليه فكلّ واحدٍ منهما لو3.


1) تبصرة المتعلِّمين: ص 98.

2) يظهر ذلك من غير مورد من مستند الشيعة كما في: ج 17/422.

3) تذكرة الفقهاء: ج 1/541 (ط. ق).

4) كما يظهر من الدروس: ج 2/102-103.

أقام بيّنةً عَمل بها.

الأمر الثاني: ولو أقاما بيّنةً عُمل ببيّنة المشتري، بمعنى أنّ بيّنة المشتري تقدّم عند التعارض، لأنّ البيّنة وظيفته، وإنّما تُسمع بيّنة البائع المُنكر لو لم يقم المشتري البيّنة.

أقول: وهو متينٌ لما حُقّق في محلّه من تقديم بيّنة الخارج عند التعارض.

وللكلام محلٌّ آخر.

الأمر الثالث: قال الشيخ قدس سره(1): (وإذا حَلِف البائع، فلابدّ مِنْ حَلفه على عدم تقدّم العيب... الخ).

محصّله: إنّه في صورة إمكان الاختيار والعلم بالحال، لا كلام في أنّه يعتبر في الحلف القاطع للخصومة أنْ يكون على الواقع وعلى البتّ‌.

وأمّا في صورة الجهل بالحال:

فإنْ كان مصبّ الدّعوى هو العلم، لا كلام أيضاً في أنّ القاطع هو الحلف على نفي العلم.

وإنْ كان هو الواقع:

فإنْ كان ذلك فعل الغير، كما في الدّعوى على الميّت، كفي الحلف على نفي العلم أيضاً للدليل.

وإنْ كان فِعل نفسه، ففيه وجوه:

الأوّل: الحلف على الواقع عن البتّ استناداً إلى الأصل.1.


1) المكاسب: ج 5/341.

الثاني: الحلف على نفي العلم، وإنْ لم يدّع المدّعي عليه العلم.

الثالث: رَدّ اليمين على المدّعي، إمّا مع ثبوت الحقّ بدون الرَّد كما عن بعض، أو مع عدمه ثبوته كما عن آخر.

الرابع: إيقاف الدعوى.

أقول: الظاهر - كما دلّت(1)النصوص عليه - اعتبار كون الحالف قاطعاً، إلّاأنّه إذا كان العلم مأخوذاً في موضوعه على وجه الطريقيّة، قامت الأمارات مقامه، وإنْ كان مأخوذاً فيه بما أنّه مقتضٍ للجَري العملي على وفق ما تعلّق القطع به، قامت الاُصول المُحرِزة أيضاً مقامه، فيجوز الحلف على الواقع استناداً إلى الأمارة أو الأصل، وقد دلّت الرواية على جواز الحلف استناداً إلى اليد، وهي موثّقة حَفص(2)، ودلّت النصوص(3)على جواز الشهادة مستندة إلى الاستصحاب، ومن المعلوم أنّ الحلفُ لا يزيدُ على الشهادة، بل المستفاد من ذيل الموثّق التلازم بينهما.

أضف إلى ذلك كلّه أنّ الدعاوى والشهادات والأيمان تتوقّف بحسب الغالب على امارة أو أصل، لأنّ ما انتقل إلى زيدٍ من أبيه وإنْ كان جزميّاً إلّاأنّ كونه إبناً لأبيه ثابتٌ بقاعدة الفراش، وكون المال مال أبيه إنّما هو ثابتٌ بقاعدة اليد أو أصالة الصحّة، وعليه فلو نقل بجواز الحلف إلّامع العلم الوجداني، انسدّ باب الحلف وغيره من ما هو فاصل للخصومات، وتمام الكلام في محلّه.2.


1) الكافي: ج 7/445 ح 1، وسائل الشيعة: ج 23/246 ح 29491.

2) الكافي: ج 7/387 ح 1، وسائل الشيعة: ج 27/292 ح 33780.

3) الكافي: ج 7/387 ح 2، وسائل الشيعة: ج 27/336 ح 33872.

اختلاف المتبايعين في تعيّب المبيع

المسألة الثالثة: لو اختلفا في تعيّب المبيع:

1 - فقد يكون البائع منكراً للعيب والمشتري مدّعياً، وهو الغالب.

2 - وقد يكون البائع مدّعياً، كما لو فرضنا فسخ المشتري ثمّ ندامته منه، وادّعى أنّه لم يكن له ذلك، فلا يكون البيع منفسخاً، وادّعى البائع أنّه كان معيوباً، فالبيع منفسخ.

وعلى التقديرين:

1 - إمّا أنْ تكون الحالة السابقة هي العيب.

2 - وإمّا أنْ تكون هي الصحّة.

3 - وإمّا أنْ تكون مجهولة.

أمّا في الصورة الأُولى‌: فالقول قول مدّعي العيب مع يمينه للاستصحاب.

وأمّا في الصورتين الأخيرتين: فالقول قول منكره:

أمّا في الأُولى منهما: فللاستصحاب.

وأمّا في الثانية: فبناءً على كون أصل السّلامة من الاُصول العقلائيّة، فلذلك وبناءً على عدم كونه منها فلأصالة اللّزوم، والمراد بها في المقام استصحاب بقاء العقد بعد الفسخ، وأصالة البراءة عن الأرش.

المسألة الرابعة: لو اختلفا في كون الشيء عيباً، وتعذّر تبيّن الحال:

1 - فإنْ أُحرز كونه نقصاً، ولكن تردّد الأمر بين كونه منقصاً للقيمة وعدمه، كان الأصل مع البائع، لأصالة البراءة من الأرش، فهل يثبت له الرَّد كما عن

الشيخ رحمه الله(1)أم لا كما في «الحاشية»(2)؟ وجهان:

قد استدلّ للثاني: بأنّ النقص غير الموجب لنقص الماليّة، لا يكون عيباً، فلا تشمله أدلّة خيار العيب.

وفيه أوّلاً: إنّ الالتزام الضمني بالصحّة، موجبٌ لثبوت حقّ الرَّد، لفرض تخلّف الشرط.

وثانياً: إنّ من يرى دلالة حديث نفي الضرر على نفي اللّزوم، لابدّ له من النباء على دلالته على جواز الرَّد في المقام، لعدم انحصار الضّرر بالمالي، بل هو شاملٌ لنقص الغرض المعاملي أيضاً، فالأظهر أنّ له ذلك.

2 - وإنْ تردّد بين كونه نقصاً وعدمه، كان القول قول منكره مع اليمين، لأصالة عدم كونه نقصاً منذ الأزل، ولأصالة اللّزوم بالمعنى المتقدّم.

اختلاف الموكّل والمشتري

المسألة الخامسة: لو اختلف الموكّل والمشتري في قِدَم العيب وحدوثه، فللمسألة فروض:

الفرض الأوّل: ما إذا كان المشتري عالماً بالوكالة، فإنّه لا كلام في أنّه يقدّم قول الموكّل مع يمينه على عدم التقدّم، كما أنّه تُسمع دعوى المشتري مع البيّنة، ولا يُقبل إقرار الوكيل بالقِدم؛ لأنّه أجنبي.

أقول: وقد استدلّ لقبول إقراره بوجهين:


1) المكاسب: ج 5/339.

2) حاشية المكاسب للاصفهاني: ج 5/9.

أحدهما: الوكيل حيثُ يكون مالكاً للتصرّف، فيكون إقراره نافذاً، لأنّ مَنْ مَلِك شيئاً ملك الإقرار به.

ولا يصحّ الجواب عنه: بأنّ زوال وكالته يوجبُ زوال حكم إقراره، لأنّ إقراره بما يكون مالكاً له حين التصرّف نافذٌ، ألا ترى أنّه لو أقرَّ الوكيل بالبيع، كان إقراره نافذاً.

بل الحقّ في الجواب: - بعد تسليم عموم القاعدة، وبعبارة أُخرى بعد تسليم الدليل عليها بهذا التعميم - إنّ كون المبيع معيباً أم صحيحاً غير قابلٍ للوكالة والاستنابة، فلا ينفذ إقراره بالنسبة إلى ذلك.

ثانيهما: ما دلَّ من النصوص(1)على أنّ الأمين لا يُتَّهم، والوكيل أمينٌ‌، فيصدّق في دعواه.

وفيه: إنّ ذلك مختصٌّ بما إذا لزم من عدم تأمينه تغريمه، لا في مثل المقام ممّا لا شيء عليه على التقديرين، كما لا يخفى‌.

وبالجملة: فالأظهر عدم نفوذ إقراره.

الفرض الثاني: ما إذا كان المشتري جاهلاً بالوكالة، ولم يتمكّن الوكيل من إقامة البيّنة، واعترف بالتقدّم ورَدّه المشتري على الوكيل، فهل للوكيل رَدّه على الموكّل، أم لا إلّامع إقامة البيّنة‌؟

أقول: الظاهر هو الثاني، لأنّ إقراره بالسَّبق دعوى بالنسبة إلى الموكّل، وغير مشمولة لقاعدة (مَنْ مَلِك لا تُسمع إلّامع البيّنة).6.


1) الكافي: ج 5/238 ح 6، وسائل الشيعة: ج 19/79 ح 24196.

وهل له إحلاف الموكّل على عدم السبق، لكونه منكراً أم لا، من جهة أنّ كلّ منكرٍ ليس عليه اليمين، بل إذا كان عليه غرامة للمدّعي فبإقراره، والغرامة هنا ليست للوكيل بل للمشتري‌؟

وجهان أوجههما الأوّل، من جهة أنّ هذه الغرامة توجّهت بحسب الظاهر إلى الوكيل، فحَلف الموكّل يوجبُ ثبوت قرار الغرامة المتوجّهة إلى الوكيل على الموكّل، فعليه اليمين، ولو رَدّ الموكّل اليمين على الوكيل فحلف على السبق الزوم الموكّل.

الفرض الثالث: ما إذا كان المشتري جاهلاً بالوكالة، وكان الوكيل غير متمكّن من إقامة البيّنة، ومنكراً للتقدّم، حَلف لدفع الغرامة المتوجّهة ظاهراً نحوه، لو اعترف عن نفسه، وإنْ لم تكن الغرامة عليها واقعاً، وحينئذٍ هل للمشتري تحليف الموكّل أم لا؟ وجهان:

استدلّ الشيخ رحمه الله(1)للثاني: بأنّ دعواه على الوكيل تستلزم إنكار وكالته، وعلى الموكّل تسلتزم الاعتراف بها.

وفيه: إنّ هذا يتمّ لو ادّعى المشتري القطع بكذب الوكيل في دعواه الوكالة، ولا يتمّ فيما إذا كانت دعواه من جهة كون العين تحت يده.

مع أنّه يمكن أنْ يقال في صورة القطع أيضاً، بأنّ له ذلك مؤأخذةً له بإقراره، كما عن «جامع المقاصد»(2).

فرع: لو نكل الوكيل الحلفَ‌، فحلف المشتري اليمين المردودة، وردّ العين على الوكيل، فهل يجوز للوكيل أن يردّها على الموكّل أم لا؟9.


1) المكاسب: ج 5/343.

2) جامع المقاصد: ج 4/359.

وجهان؛ بناهما في «القواعد»(1)على أنّ اليمين المردودة:

هل هي كالبيّنة الحاكية عن الواقع، التي تكون حجّة مثبتة للمدّعى به، وما يستخرج بها الحقّ‌، فله ذلك‌؟

أم هي كالإقرار الذي لا يملك به الوكيل الرَّد على الموكّل كما تقدّم‌؟

وفي «حاشية السيّد» رحمه الله(2): (التحقيق عدم جريان حكم شيءٍ من البيّنة والإقرار عليه، فيرجع فيه إلى مقتضى الاُصول).

أقول: مسألة أنّ اليمين المردودة هل هي بمنزلة إقرار المنكر، أو بمنزلة بيّنة المدّعي، معنونة في كتاب القضاء(3)، وهي ذات قولين عند أصحابنا.

وخالفهم السيّد في «ملحقات العروة»(4)، وتبعه بعضهم وفرّعوا على القولين فروعاً ليس المقام مقام التعرّض لها، وإنّما نشير إلى وجه الترديد، وهو:

إنّ النصوص قد حصرت ميزان القضاء الشرعي بالبيّنة واليمين، وحيث إنّ المدَّعي لا يمين له، فلابدَّ وأنْ يكون يمينه بمنزلة بيّنته أو بمنزلة إقرار المنكر الذي لا يبقى معه خصومة، فيكون الحصر محفوظاً.

ووجه كونه كالإقرار: أنّ المنكر برده اليمين كأنّه ملتزمٌ بالمُدّعى به على تقدير حَلف المُدّعي، وليس معنى الإقرار إلّاالالتزام بالمُدّعى به.

ووجه كونه كالبيّنة: أنّ جانب المُدّعي يطلبُ منه البيّنة لقوله صلى الله عليه و آله: «البيّنة على المدّعي» ولولا أنّ اليمين المردودة كالبيّنة لما ثبت بها دعواه. وتمام الكلام في محلّه.4.


1) القواعد: ج 2/78 و 79.

2) حاشية المكاسب لليزدي: ج 2/93.

3) فقه الصادق: ج 38/183.

4) تكملة العروة الوثقى: ج 2/153-154.

اختلاف المتبايعين في أنّ المردود سلعة البائع

المسألة السادسة: لو رَدّ سلعة بالعيب فأنكر البائع أنّه سلعته، فالكلام فيها يقع في فرعين:

الفرع الأوّل: ما لو اختلفا في أنّ السلعة المعيّنة المعيوبة هل هي سلعة البائع أم لا، وادّعى المشتري أنّها له، وأنكر البائع ذلك، وادّعى أنّ سلعته كانت سالمة وصحيحة، ومقتضى ذلك الاختلاف في ثبوت الخيار وعدمه، والأظهر فيه تقديم قول البائع لأصلين: موضوعي، وحكمي.

أمّا الأصل الموضوعي: فهوأصالة عدم وقوع العقدعلى السَّلعة المعيّنة الخارجيّة.

وبعبارة أُخرى‌: عدم كون هذه السلعة واقعة موقع البيع، لسبق اليقين بعدمها، وهذا هو المراد من أصالة عدم كونها سلعته.

وأمّا الأصل الحكمي: فهو إنّ الخيار حقٌّحادث مسبوقٌ بالعدم، والأصل عدمه.

الفرع الثاني: ما لو اتّفقا على الخيار، واختلفا في كون العين المردودة سلعة البائع وعدمه، وفيه قولان:

أحدهما: إنّه يقدّم قول البائع، والوجه في ذلك دلالة الأصل الموضوعي المشار إليه في الفرع الأوّل.

ثانيهما: تقديم قول المشتري، واستدلّ له:

1 - بأنّ مرجع الاختلاف حينئذٍ إلى أنّ البائع يدّعي خيانة المشتري بتغيير السلعة، وإبراز سلعة أُخرى مكانها، والأصل عدمها.

2 - وبأنّ البائع يدّعي سقوط الخيار المتّفق عليه، والأصل بقائه.

أورد الشيخ رحمه الله(1)على الأوّل: بأنّ هذا الوجه يجري في الفرع الأوّل أيضاً، وحيث أنّ مدركه ظهور حال المسلم، فيكون هو وارداً على جميع الاُصول العمليّة التي تكون مع البائع، فلابدَّ من القول بتقديم قول المشتري فيه أيضاً.

وفيه: إنّ مدرك هذا الأصل ليس ظهور حال المسلم، إذ لا دليل على حجيّة هذا الظهور، فإنّ هذا الظهور كظهور حاله في عدم الكذب الذي لا يترتّب عليه وجوب تصديقه، بل الوجه فيه أنّ المشتري لثبوت الخيار له، تكون له الولاية على العين، فيصدق فيما له تلك لكونه أميناً من قبل الشارع، فلا يُتّهم بالخيانة للنصوص.

وهذا لا يجري في الفرع السابق لعدم ثبوت الخيار، فالولاية غير ثابتة.

وأمّا الوجه الثاني: فأورد عليه الشيخ رحمه الله(2):

بأنّه يُجدي إذا كان الخيار المتّفق عليه لأجل العيب، مع أنّه لا يثبت به وجوب قبول هذه السّلعة إلّامن جهة التلازم الواقع بينهما، ولا يثبت أحد المتلازمين بالأصل الجاري في الآخر، وهو متين.

ويمكن أنْ يقال: إنّه لا يُجدي في العيب أيضاً مطلقاً، إذا ربما يتّفقان على بقاء العين ويختلفان في تعيينها.

الاختلاف في المُسقِط

المسألة السابعة: لو اختلفا في علم المشتري بالعيب وعدمه، قُدِّم قول منكر العلم فيثبت الخيار، لأنّ موضوع هذا الخيار مركّبٌ من: العيب، وجهل المشتري،


1) المكاسب: ج 5/346.

2) المكاسب: ج 5/346.

لما عرفت من اختصاص النصوص بصورة الجهل، وأحد الجزئين محرزٌ بالوجدان، ويجري الأصل في الجزء الآخر وهو الجهل، إذ العلم حادثٌ مسبوقٌ بالعدم، وبضمّ الوجدان إلى الأصل يثبتُ موضوع الخيار، ومعه لا تصل النوبة إلى أصالة اللّزوم، ممّا يقتضي أن يصبح قول المشتري موافقاً للأصل.

المسألة الثامنة: لو اختلفا في زوال العيب قبل علم المشتري أو بعده، على القول بأنّ زواله بعد العلم لا يسقط الأرش، بل ولا الرَّد:

فإنْ قلنا: بأنّه لا فرق في الحكم بين كون الزوال قبل العلم أو بعده، فإنّه لا مجال لهذه المسألة، وإنّما الكلام فيها لو قلنا بالفرق، وحينئذٍ إنْ قلنا بأنّ الخيار لا يثبت إلّا بعد ظهور العيب، قُدّم قول مدّعي عدم ثبوت الخيار لأصالة عدمه، ولا تجري أصالة عدم زوال العيب وبقائه لمعارضتها مع أصالة عدم ظهور العيب إلى حين زوال العيب وتساقطهما معاً.

وإنْ قلنا: بأنّه يثبت من حين العقد وأنّ زوال العيب يوجبُ رفعه، فأصالة عدم زوال العيب قبل العلم يترتّب عليها عدم سقوط الخيار وبقائه، ولا تُعارِضها أصالة عدم العلم قبل الزوال، لعدم ترتّب الأثر عليها.

فرع: ولو اختلفا بعد حدوث عيبٍ جديد، وزوال أحد العيبين، في أنّ الزائل هو القديم حتّى لا يكون خيارٌ، أو أنّه الحادث حتّى يثبت‌؟

فإنْ قلنا: بأنّ العيب الجديد بنفسه مانعٌ شرعاً عن الخيار، فأصالة بقاء العيب الجديد يترتّب عليها الأثر وتجري، وحينئذٍ إنْ بنينا على زوال القديم، لا يوجب سقوط الخيار، ولا تكون لأصالة بقائه أثرٌ فلا تجري، وإنْ انعكس انعكس.

وإنْ بنينا على أنّ زوال القديم مسقطٌ للخيار، وبقاء العيب الجديد مانعٌ عن الخيار، وادّعى المشتري زوال الجديد، وادّعى البائع زوال القديم، ففي الحقيقة البائع يدّعي عدم المقتضى للخيار، والمشتري يدّعي عدم المانع عنه، وكلّ منهما يدّعي بقاء ما يدّعي الآخر زواله، أمّا المشتري فهو يدّعي بقاء القديم تحقيقاً للمقتضى، والبائع يدّعي بقاء الجديد إسقاطاً لدعوى المشتري من الحلف على عدم زواله، فيتحالفان، ولعلّ نظر الشافعي إلى هذه الصورة، فلا إيراد عليه.

اختلاف المتبايعين في الفسخ

المسألة التاسعة: لو اختلفا في الفسخ، وادّعاه المشتري، وأنكره البائع.

أقول: الكلام فيه يقع في موردين:

الأوّل: فيما إذا كان الخيار باقياً.

الثاني: فيما إذا كان منقضياً.

أمّا المورد الأوّل: فلا إشكال في أنّ له إنشائه، إنّما الكلام فيما أفاده الشهيد رحمه الله(1)من أنّه يمكن جعل إقراره إنشاءً‌، فإنّ ظاهر هذه العبارة كون إقراره نافذٌ لكن لا من جهة أنّه إخبارٌ بالفسخ، بل من جهة كونه إنشاءً له، وعليه فما استدلّ به الشيخ رحمه الله(2)له من قاعدة (مَنْ مَلِك) أجنبيٌ عن مراده.

أقول: وكيف كان، فإنْ كان مراده جعل الإقرار نافذاً من حيث أنّه إنشاءٌ له.

فيرد عليه: أنّ الإخبار والإنشاء متقابلان، فعلى القول بأنّه يعتبر في الفسخ الذي هو حَلّ العقد ما يعتبر في العقد من الإنشاء، لا يكفي ذلك، نعم لو قلنا بأنّه لا


1) الدروس: ج 3/286.

2) المكاسب: ج 5/352-353.

يعتبر فيه سوى عدم الالتزام بالعقد، كفى ذلك، لكن المبنى بمراحل من الواقع.

وإنْ كان مراده جعل الإقرار نافذاً، من جهة أنّه إقرارٌ بفعل له السلطنة عليه، تمّ ما أفاده لقاعدة (مَنْ مَلِك) ولقاعدة (إقرار العقلاء على أنفسهم) من جهة أنّه إقرارٌ بعدم ثبوت حقّ الخيار له، وإنْ كان لازمه استحقاق استرداد الثمن.

وأمّا المورد الثاني: فلا إشكال في أنّه ليس له إنشائه، كما وأنّه لا كلام في عدم العبرة بإقراره من جهة أنّه إنشاء، إنّما الكلام في أنّه هل ينفذ إقراره من جهة كونه اختباراً عن الفسخ أم لا؟

الظاهر أنّ له ذلك لما تقرّر في محلّه وأشرنا إليه سابقاً من أنّ مقتضى قاعدة (مَنْ مَلِك) نفوذ إقرار من هو مسلّط على تصرّف بذلك التصرّف، وإنْ كان زمانه ماضياً، ولذا لا شبهة في نفوذ إقرار الوكيل بالبيع إذا أنكر الموكّل وقوعه.

وفي المقام بما أنّه إقرار بما يكون له ذلك، تشمله القاعدة، وعليه فما قيل من افتقار مدعيه إلى البيّنة في غير محلّه.

المسألة العاشرة: لو اختلفا في تأخّر الفسخ عن أوّل الوقت بناءً على فوريّة الخيار وعدمه، ففي تقديم مدّعي التأخير، أو مدّعي عدمه وجهان.

والكلام يقع في موردين:

الأوّل: فيما إذا اختلفا في زمان الفسخ.

الثاني: فيما إذا اتّفقا عليه، واختلفا في زمان وقوع العقد.

أمّا المورد الأوّل: فقد ذكر الشيخ رحمه الله(1)لتقديم قول مدّعي التأخير أصلين:

أصالة بقاء العقد، وأصالة عدم حدوث الفسخ في أوّل الزمان.4.


1) المكاسب: ج 5/354.

أمّا أصالة بقاء العقد: فهي لا تجرى لكونها محكومة لأصالة بقاء زمان الخيار إلى حال تحقّق الفسخ.

وأمّا أصالة عدم حدوث الفسخ في أوّل الزمان: فهي أيضاً لا تجري لعدم كونه الفسخ في أوّل الزمان بهذا العنوان موضوعاً للأثر، بل الموضوع هو الفسخ في حالٍ له الخيار، وعليه فيجري استصحاب بقاء زمان الخيار خاصّة، ويترتّب عليه تأثير الفسخ.

وقد استند قدس سره لتقديم قول مدّعي عدم التأخير، بأصالة صحّة الفسخ.

وفيه: إنّ المختار عنده - على ما صرّح به في آخر كتاب البيع(1)- وعندنا - على ما حقّقناه في رسالة (القواعد الثلاث) المطبوعة - إنّه يعتبر في جريان أصالة الصحّة في شيء، إحراز قابليّة المحلّ عقلاً، ومن الواضح أنّ الفسخ بعد انقضاء زمان الخيار غير مؤثّر عقلاً، إذ لا فسخ لمن لا حقّ له عقلاً.

فتحصّل: أنّه يقدّم قول مدّعي عدم التأخير، لأصالة بقاء زمان الخيار إلى حال تحقّق الفسخ، لا لأصالة الصحّة.

وأمّا المورد الثاني: فالحقّ فيه أيضاً تقديم قول مدّعي العدم من جهه أصالة بقاء زمان الخيار إلى زمان الفسخ المعلوم، وأمّا أصالة تأخّر العقد فكما لا يثبت بها وقوع الفسخ في الزمان الأوّل، كذلك لا يثبت بها وقوع التقدّم في آخر الوقت.

بعض أفراد العيب

مسألة: المشهور بين الأصحاب أنّ الثفل الخارج عن العادة في الزيت والبذر


1) راجع حاشية المكاسب للاصفهاني: ج 5/33 (ط. ج).

ونحوهما عيبٌ‌، يثبت به الرَّد والأرش.

أقول: محلّ الكلام ها هنا وفي المسألة هو الخيار، وأمّا صحّة البيع فهي مفروغٌ عنها، ومع ذلك نشير إليها تبعاً للشيخ رحمه الله(1)، وعليه فالكلام يقع في جهات:

الأُولى‌: في صحّة المعاملة وفسادها.

الثانية: في الخيار.

الثالثة: في تحقيق حال الخبرين المذكورين في المقام.

أمّا الجهة الأُولى‌: فمحصّل القول فيها هو إنّ الثفل:

تارةً‌: يوجبُ نقصاً في الزيت من حيث الوصف خاصّة، وإنْ أفضى بعد التخليص إلى نقص الكمّ‌، ويكون المجموع عند العرف زيتاً وثفلاً.

فإنّه لا إشكال في صحّة البيع في هذه الصورة بعد تعيين وزن المظروف من غير فرقٍ بين زيادة الثفل وقلّته، ومن غير فرقٍ بين صورة العلم والجهل، إذ اللّازم معرفة المبيع وزناً، وإنْ لم يعرف وزن الخالص بعد تخليص المبيع.

وأُخرى‌: يوجبُ نقصاً فيه من حيث الكمّ‌، ويكون بنظر العرف زيتاً وثفلاً لا زيتا معيوباً.

وفي هذه الصورة يصحّ البيع في صورة الجهل لو عيّن وزن المظروف، لأنّ وزن المبيع معلومٌ‌، غاية الأمر أنّه بعد الظهور يكون من قبل تبعّض الصفقة.

وأمّا في صورة العلم، فإنْ أمكن تعيين وزن الزيت صح البيع، وإلّا بطل للغرر، ولا يكفي تعيين وزن المجموع.5.


1) المكاسب: ج 5/365.

وأمّا الجهة الثانية: ففي مورد صحّة البيع عند العرف مركّباً من الزيت والثفل، يثبت خيار تبعّض الصفقة:

فإنْ كان المبيع هو الزيت المعيوب، وكان الثفل يسيراً جدّاً بحيث لا يعدّ في نفسه عيباً، فإنّه لا خيار.

وإنْ كان كثيراً بمقدارٍ خارج عن العادة، ثبت خيار العيب.

وإنْ كان بمقدار جرت به العادة:

فتارةً‌: يعلم المشتري بجريان العادة، فإنّه لا خيار له، لأنّ الإقدام على هذه المعاملة التزامٌ بالبراءة من ذلك العيب والنقص، فلا خيار معه.

واُخرى‌: لا يعلم بذلك، ثبت له الخيار، لأنّ الغلبة والعادة الثانويّة إنْ لم تكن عن غرض لا تكون بمنزلة الحقيقيّة الأصليّة كما تقدّم.

وأمّا الجهة الثالثة: فهى البحث عن الخبرين الواردين في هذا المقام، وهما:

الخبر الأوّل: ما رواه ميسر بن عبد العزيز، قال:

«قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: رجلٌ اشترى زق زيت فوجد فيه دُردياً؟

قال: إنْ كان يعلم أنّ الدُّردي يكون في الزيت لم يرده، وإنْ لم يكن يعلم ردّه على صاحبه»(1).

الخبر الثاني: خبر السكوني، عن جعفر، عن أبيه عليهم السلام: «أنّ عليّاً عليه السلام قضى في رجل اشترى من رجل عُكّة فيها سَمن احتكرها حُكرةً‌، فوجد فيها رباً، فخاصمه إلى عليّ عليه السلام، فقال له عليّ عليه السلام: لك بكيل الرُّب سَمناً، فقال له الرجل: إنّما بعته9.


1) الكافي: ج 5/229 ح 1، وسائل الشيعة: ج 18/109 ح 23259.

منه حُكرةً؟!

فقال له عليّ عليه السلام: إنّما اشترى منك سَمناً ولم يشتر منك رُبّاً»(1).

قال صاحب «الجواهر» عن الخبر الأوّل: (كون الخيار لتبعّض الصّفقة، بدعوى اشتمال المبيع على الزيت وغيره، مع أنّ المقصود هو الزيت)(2).

وفيه: إنّ ظاهر قوله عليه السلام: «فليس عليه أنْ يردّه»، وقوله: «فله أنْ يردّه» صحّة البيع بالنسبة إلى تمام ما في الزق، إذ لا رَدّ بدون الملك، فالقول بتبعّض الصفقة خلاف الظاهر، بل الظاهر منه كون الخيار للعيب.

ثمّ إنّ ظاهر الخبر هو التفصيل بين العلم بجريان العادة على انضمام الدُّردي إلى الزيت وعدمه، لا العلم التفصيلي بوجود الدُّردي، وهذا ينطبق على ما ذكرناه من مقتضى القاعدة.

وأمّا الخبر الثاني: فظاهره كون الخيار لتبعّض الصّفقة، وكون الرُّب متميّزاً عن السَّمن، لاحظ قوله: «فوجد فيها رُبّاً» أي وجد في العُكّة رُبّاً، وقول البائع: «إنّما بعته منه حُكرة» أي جملةً‌، فإنّ ظاهر ذلك كون ما في العُكة سَمناً ورباً لا سَمناً معيباً بما فيه من الرُّب.

أقول: وعلى أيّ حال فإنّ توجيهه بما يطابق القواعد مشكلٌ‌، حيث أنّه حكم عليه السلام بأداء السَّمن بكيل الرُّب، مع أنّ الخيار إنْ كان للعيب فلا يستحقّ إلّاالرَّد أو الأرش، وإنْ كان لتبعّض الصفقة بطل البيع بالنسبة إلى الرّب، وله الرَّد بالإضافة إلى السَّمن، وعلى التقديرين لا يستحقّ السَّمن بدل الرّب، وحمله على كون المبيع3.


1) تهذيب الأحكام: ج 7/66 ح 30، وسائل الشيعة: ج 18/110 ح 23261.

2) جواهر الكلام: ج 23/283.

كليّاً وأداء العُكّة الخاصّة وفاءً خلاف الظاهر، لاحظ قوله: «إنّما بعته منك حكرة» فإنّه كالصريح في كون المعاملة واقعة على العُكّة الشخصيّة، إذ لا معنى لكون كلّي السَّمن المبيع حُكرة.

وبالجملة: فالمتعيّن في توجيهه بناء على أنّ الخيار للتبعّض هو أنْ يقال إنّ المراد من قوله عليه السلام: «لك بكيل الرّب سَمناً» استحقاق ثمن ذلك المقدار من السَّمن، بتقريب أنّ قوله: «سمناً» تمييز لكيل الرُّب لا أنّه مبتدأٌ لقوله: «لك» وقوله: «بكيل الرُّب» أيضاً لا يكون مبتدأ لمكان الباء، بل المبتدأ محذوف، وهو الثمن فالمعنى: لك الثمن بمقدار السَّمن الموازي للرُّب.


خاتمة

بحثٌ حول معنى الأرش

وهو بحسب المتفاهم العرفي له معنى متعارف فيما نحن فيه، وهو ما به التفاوت بين قيمة الصحيح والمعيب، ولا يهمّنا البحث في أنّه في اللّغة له معنى واحد أو معانٍ متعدّدة، وكونه من قبيل الاشتراك اللّفظي أو المعنوي، أو الحقيقة والمجاز، وأنّه في اصطلاح الفقهاء الذي يطلق على معانٍ‌، هو لتلك المعاني جامعٌ أم غير جامع لعدم ترتّب أثر عليه، وإنّما الكلام في المقام يقع في أُمور:

الأمر الأوّل: أنّ ضمان الأرش المتعارف، هل هو من ضمان اليد، أو من ضمان المعاوضة، أم يكون خارجاً عن الضمانين‌؟

أقول: والأوجه هو الأخير، فإنّ ضمان اليد إنّما يكون فيما إذا تلف وهو في يده، لا في ما إذا كان تالفاً قبل أن يقع في يده كما في المقام، وضمان المعاوضة إنّما يكون فيما إذا كان ذلك الشيء مضموناً في المعاملة كالأجزاء والأوصاف، ومنها وصف الصحّة، لكنّها ليست كذلك، لأنّها لا تقابل بالمال، ولا تكون مأخوذة في المعاملة بعنوان العوضيّة، ولو ضمناً، بل هي توجب زيادة قيمة الذّات، ففي المعاملات تكون بمنزلة الداعي لبذل مقدارٍ من الثمن بإزاء الذّات زائداً عمّا يُبذل بإزائه لولاها، والضمان الثابت بمقتضى قاعدة التلف في زمان الخيار، أو قبل القبض على فرض شمول القاعدتين لتلفِ الوصف، إنّما هو فيما إذا كان التلف وارداً على المعقود عليه، ولا تشملان ما إذا كان العقد وارداً على التالف.

الملحوظ هو التفاوت بالنسبة

الأمر الثاني: ويدور البحث فيه عن أنّ الأرش المضمون على البائع:

هل هو ما به يتفاوت الصحيح والمعيب بحسب القيمة الواقعيّة‌؟

أو يكون ملحوظاً بالنسبة إلى الثمن المسمّى‌؟

وبعبارة أُخرى‌: اللّازم هو تدارك الوصف بقيمته الواقعيّة، أم بقيمته التي أقدما عليها، وجعلاها في المعاملة قيمةً له بملاحظة منشأيته لزيادة قيمة الذات‌؟

وهذا معنى أنّ المراد بالتفاوت هل هو التفاوت الواقعي، أم التفاوت بالنسبة‌؟، والكلام فيه:

تارةً‌: فيما تقتضيه القواعد.

وأُخرى‌: فيما يقتضيه النَّص الخاص.

أمّا الأوّل: فقد ذكر في تقريب أنّ القاعدة تقتضي كون الأرش بالنسبة إلى المسمّى وجوهٌ‌:

الوجه الأوّل: ما عن جماعةٍ منهم الشيخ رحمه الله(1)من أنّ البائع قد تعهّد بدفع وصف الصحّة الذي له مدخلٌ في وجود مقدارٍ من الثمن، والتزم به بإزاء المسمّى المبذول في مقابل الصحيح بما هو صحيح، ومقتضى ذلك تعيّن الخروج عن عهدة الوصف بالمقدار الذي له دخلٌ في المسمّى لا بأزيد من ذلك.

وفيه: إنّ الأوصاف الاُخر غير وصف الصحّة دخيلة في الماليّة أيضاً، ومع ذلك التزموا بأنّه لو التزم في العقد بوجود وصفٍ صريحاً، وتخلّف عنه، ثبت حقّ الرَّد


1) المكاسب: ج 5/394.

خاصّة، وليس ذلك إلّامن جهة أنّ الوصف غير مقابلٍ بشيء من الثمن المسمّى‌، فلا وجه لثبوت أزيد من حقّ الرَّد من قِبل الالتزام الضمني.

وبالجملة: الالتزام بالوصف، سواءٌ أكان الوصف وصف الصحّة أو غيره، ليس التزاماً بتداركه حتّى يتوهّم كون عهدته عليه بمقدار دخله في المسمّى.

الوجه الثاني: ما في «حاشية السيّد» الفقيه رحمه الله(1)، وحاصله:

إنّ وصف الصحّة كسائر الأوصاف وإنْ لم يكن مقابلاً بالمال في عالم الإنشاء إلّا أنّه مقابلٌ به في عالم اللُّب، بمعنى أنّ زيادة بعض الثمن إنّما هي بلحاظ الوصف، فإذا فرض تخلّفه وجبَ على البائع أن يغرم ما فات من المشتري، وما اغترم بملاحظة ذلك الوصف.

وبالجملة: إنّ ضمان الأرش هي المعاوضة اللُّبية، ولازمه انفساخ تلك المعاملة لا المعاوضة الحسيّة الإنشائيّة، ومقتضاه جواز تغريمه بما أعطاه من غير مقابل في عالم اللُّب.

وفيه: إنّ المعاوضة التي لم يُجعل في عالم الإنشاء لها مُبرزٌ لا يترتّب عليها أثرٌ من الانفساخ أو التغريم أو غيرهما.

الوجه الثالث: وهو الحقّ‌، إنّ مقتضى الارتكاز العقلائي، وبناء العقلاء بعد ورود الدليل على ثبوت الأرش ذلك، إذ أصل ثبوت الأرش وإنْ كان بتعبّدٍ من الشارع، إلّاأنّه بعد ورود الدليل عليه من الارتكاز العرفي وبناء العقلاء، على أنّ الملحوظ ليس هو تفاوت الصحيح والمعيب بحسب القيمة الواقعيّة، الذي ربما يزيدُ على تمام الثمن، كما لو اشترى ما يسوى صحيحه مائتي دينار ومعيبه مائة بعشرة1.


1) حاشية المكاسب لليزدي: ج 2/101.

دنانير، بل الملحوظ هو التفاوت بالنسبة إلى الثمن المُسمّى، ولعلّ السرّ فيه أنّ ثبوت الأرش في المقام ليس تعبّداً صرفاً، فلابدّ له من منشأ عقلائي، ولا وجه عقلائي له سوى إقدام المتبايعين على بذل مقدارٍ من الثمن لأجل وجوده، فعند التخلّف يكون منافياً لذلك المقدار.

وأمّا الثاني: أي ما تقتضيه الأخبار، فمحصّل القول فيه:

إنّ نصوص الباب على طوائف، وقد ادّعى الشيخ رحمه الله(1)ظهور أغلبها في إرادة قيمة العيب كلّها، وفي «حاشية السيّد»(2): (بل هو ظاهر جميعها).

ولكن الحقّ أنّ جملة منها مجملة، قابلة للحمل على كلّ واحدٍ من المعنيين وجملةٌ منها ظاهرة في إرادة ملاحظة التفاوت بالنسبة إلى المسمّى.

أمّا الأُولى‌: فهي طائفتان:

الطائفة الأُولى‌: ما اشتمل على أخذ أرش العيب، كقوله عليه السلام في خبر عبدالملك ابن عمير: «وله أرش العيب»(3).

الطائفة الثانية: ما اشتمل على أخذ قيمة العيب، كقوله عليه السلام في خبر محمّد بن ميسر: «ولكن يرجع بقيمة العيب»(4). لأنّ للقيمة فردين جعليّة وواقعيّة.

وأمّا الثانية: فهي طوائف:

الطائفة الأُولى‌: ما تضمّن كلمة (الرَّد)، كقوله عليه السلام في خبر منصور بن حازم:

«ولكن يردّ عليه بقيمةٍ أو بقدر ما نقصها العيب»(5).2.


1) المكاسب: ج 5/393.

2) حاشية المكاسب لليزدي: ج 2/101.

3) الكافي: ج 5/214 ح 3، وسائل الشيعة: ج 18/105 ح 23250.

4) من لا يحضره الفقيه: ج 3/221 ح 3822، وسائل الشيعة: ج 18/104 ح 23247.

5) الكافي: ج 5/214 ح 5، وسائل الشيعة: ج 18/102 ح 23242.

فإنّ الظاهر من الرَّد عدم زيادة المردود من الثمن، بل نقصانه منه، ولو كان اللّازم رَدّ تمام قيمة العيب لزاد على الثمن في بعض الأوقات كالمثال المتقدّم.

الطائفة الثانية: ما اشتمل على كلمة (الفضل) كخبر طلحة بن زيد:

«ثمّ يردّ البائع على المبتاع فضل ما بين الصحّة والداء»(1). إذ لا يناسب مثل هذا التعبير إلّابلحاظ ما وصل إلى البائع من الزيادة.

الطائفة الثالثة: ما تضمّن أنّه يردّ بقدر العيب من الثمن، الظاهر في كون المردود بعضاً من الثمن:

1 - كقوله عليه السلام في صحيح زرارة: «ويردّ عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به»(2).

2 - وقوله صلى الله عليه و آله: في صحيح ابن سنان: «ويوضع عنه من ثمنها بقدر عيبٍ إنْ كان فيها»(3).

فتحصّل ممّا ذكرناه: أنّ مقتضى القواعد والنصوص هو ما لا خلاف فيه بين الأصحاب من أنّه يلاحظ التفاوت بالنسبة إلى المسمّى.

هذا الضمان إنّما هو بمقدار بعض الثمن لا بعينه

الأمر الثالث: إنّ هذا الضمان هل هو بعين بعض الثمن، كما عن ظاهر الأكثر، أو بمقداره كما عن جمع من الأساطين(4)؟


1) الكافي: ج 5/214 ح 4، وسائل الشيعة: ج 18/102 ح 23241.

2) الكافي: ج 5/207 ح 3، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23068.

3) الكافي: ج 5/214 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/102 ح 23240.

4) تذكرة الفقهاء: ج 1/529 (ط. ق)، الدروس: ج 3/287، مسالك الأفهام: ج 3/299، شرح اللّمعة: ج 474/3.

وجهان، وتنقيح القول فيه يتحقّق بالبحث في موردين:

أحدهما: فيما يقتضيه الأصل والقاعدة.

ثانيهما: فيما يستفاد من النصوص الخاصّة.

أمّا المورد الأوّل: فالأرش ليس تكليفاً محضاً، لكونه قابلاً للإسقاط، ولا كليّاً ذميّاً إذا لا يتصوّر التخيير بين الرَّد واشتغال الذمّة، ولا مِلْكاً مشاعاً إذ الملك لا يقبل الإسقاط، بل هو تغريم البائع بما به التفاوت، وعليه فالشكّ في المقام إنّما هو في أنّ البائع هل يستحقّ التغريم من الثمن المسمّى، أو بما به التفاوت مطلقاً؟

وعلى الأوّل للبائع الامتناع من قبول ما دفع من غير المسمّى، وعلى الثاني ليس له ذلك، فليس المقام من قبيل الدوران بين المتباينين، بل بين المطلق والمقيّد، ووجوب دفع العوض عن وصف الصحّة معلومٌ‌، وخصوصيّة كونه من المسمّى مشكوكٌ فيها، والأصل عدم اعتبارها.

وأمّا المورد الثاني: فالنصوص على طوائف:

الطائفة الأُولى‌: ما تضمّن أخذ أرش العيب(1).

الطائفة الثانية: ما تضمّن أخذ قيمة العيب(2).

وهاتان الطائفتان مطلقتان، ومقتضى إطلاقهما كفاية التدارك من غير الثمن.

الطائفة الثالثة: ما عبّر فيه عن تدارك العيب بردّ التفاوت إلى المشتري(3)، وقد يتوهّم دلالتها على تعيّن كونه من الثمن، إذ ظاهر (الرَّد) كون المردود ما كان عنده1.


1) الكافي: ج 5/214 ح 3، وسائل الشيعة: ج 18/105 ح 23250.

2) من لا يحضره الفقيه: ج 3/221 ح 3822، وسائل الشيعة: ج 18/104 ح 23247.

3) الكافي: ج 5/214 ح 4، وسائل الشيعة: ج 18/102 ح 23241.

أوّلاً وهو بعض الثمن.

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله(1): بأنّ هذا التعبير وقع بملاحظة أنّ الغالب وصول الثمن إلى البائع، وكونه من النقدين، فالرّد باعتبار النوع لا الشخص.

أقول: ما أفاده يتمّ على فرض حمله على الغالب؛ لأنّ خصوصيّة النقدين ملغاة عند العقلاء، بحيث يعدّونها ماليّة محضة، فإن رَدّ فردٍ غير ما أخذ يصدق عرفاً أنّه رَدُّ نفس ما أخذ، إلّاأنّ الكلام في وجه هذا الحمل، فإنّه خلاف الظاهر يحتاج إلى قرينة، وعليه فبعد الأخذ بإطلاقه لا مناص عن البناء على تعيّن كونه من الثمن.

نعم، يمكن أنْ يقال: إنّ المردود غير مذكور في النصوص المشار إليها، إلّافي بعضها الذي سيمرّ عليك، وعليه فمن الجائز كون المردود هو ماليّة مقدارٍ من الثمن، وعليه فيلائم ذلك مع الرَّد من غير الثمن بالتقريب المتقدّم.

الطائفة الرابعة: ما تضمّن أنّه يردّ بقدر العيب من الثمن:

1 - كقوله عليه السلام في خبر ابن سنان: «ويوضع عنه من ثمنها بقدر عيبٍ إنْ كان فيها»(2).

2 - وقوله عليه السلام في صحيح زرارة: «ويردّ عليه بقدر ما ينقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به»(3).

وأجاب عن ذلك في «المكاسب»(4): بأنّهما يُحملان على الغالب من كون الثمن7.


1) المكاسب: ج 5/396-397.

2) الكافي: ج 5/214 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/102 ح 23240.

3) الكافي: ج 5/207 ح 3، وسائل الشيعة: ج 18/30 ح 23068.

4) المكاسب: ج 5/397.

كليّاً في ذمّة المشتري، فإذا اشتغلت ذمّة البائع بالأرش حسب المشتري عند أداء الثمن ما في ذمّته عليه.

ويرد عليه: ما تقدّم من أنّه لا وجه للحمل على الغالب.

والحقّ ان يورد عليه: بأنّه من المحتمل كون ذكر الثمن لبيان كون التفاوت ملحوظاً بالإضافة إلى الثمن المسمّى، لا لبيان مخرجيّة الثمن، فيكون مفادهما ملاحظة التفاوت بالنسبة إلى المسمّى.

فتحصّل: أنّ الأظهر كون هذا الضمان بمقدار بعض الثمن لا بعينه.

اعتبار كون الأرش من النقدين

الأمر الرابع: إنّه على المختار من عدم تعيّن الأرش من عين الثمن، فهل يتعيّن أنْ يكون من النقدين أم لا؟ والكلام فيه في موردين:

الأوّل: في بيان مراد الشيخ رحمه الله.

الثاني: في بيان ما هو الحقّ‌.

أمّا المورد الأوّل: فمحصّل ما في «المكاسب»(1)هو أنّ الظاهر تعيّن كونه من النقدين، لأنّ المضمون ليس إلّاالماليّة المحضة، وليس في الأعيان الخارجيّة ما هو كذلك إلّاالنقد.

أمّا المحقّق الثاني(2)، فقد استظهر من كلام العلّامة(3)عدم تعيّن ذلك، حيث إنّه


1) المكاسب: ج 5/397.

2) جامع المقاصد: ج 4/192-194.

3) قواعد الأحكام: ج 2/39، تحرير الأحكام: ج 1/172.

ذكر أنّ أحد العوضين المتخالفين في الصرف إذا كان معيباً، وظهر العيب بعد التفرّق، جاز أخذ الأرش من غير النقدين، ولم يجز منهما.

توضيح ما أفاده: إنّ الأرش حيث إنّه يكون عنده تتميماً للمعيب ليساوي الصحيح، وتتميماً للمعاوضة، فلا يجوز عنده أداء النقد أرشاً بعد التفرّق عن مجلس الصَّرف، لأنّ تتميم المعاملة الصرفيّة بعد التفرّق ينافي اعتبار التقابض في المجلس، وهذا بخلاف أداء غير النقد، فإنّه حينئذٍ تنحلّ المعاملة إلى صرفيّة وغير صرفيّة، ولا منع عن التفرّق في الثانية.

وأورد عليه المحقّق الثاني رحمه الله(1)بما توضيحه: إنّ الغرامات تتعيّن في النقدين في سائر الموارد، وغرامة أحد النقدين أولى بأنْ يكون منهما، ولازم ذلك عدم إمكان الأداء من غير النقدين في الفرض، لأنّ ما يستحقّه المشتري هو النقد.

وأجاب الشيخ رحمه الله(2)عن ذلك: بأنّه فرقٌ بين الغرامة الأرشيّة وغيرها، وإنْ في غيرها يتعيّن النقد، ولو تراضيا على غيره يكون هو بدلاً عمّا يستحقّه، وفي الغرامة الأرشيّة وإنْ كان يتعيّن النقد، إلّاأنّه لو تراضيا على غيره كان هو عين ما يستحقّه أرشاً لابدّ له.

أقول: ويتضح ما أفاده رحمه الله ببيان أمرين:

أحدهما: إنّه في سائر الغرامات حيث تكون الذمّة مشغولة، فلابدّ وأنْ يكون لما في الذمّة تعيّن:

إمّا بكونه هي الماليّة بشرط عدم الخصوصيّة ولا مطابق لها إلّاالنقد.7.


1) جامع المقاصد: ج 4/192.

2) المكاسب: ج 5/397.

أو كونه هي الماليّة بشرط الخصوصيّة.

أو كونه هي الماليّة لا بشرط وجود خصوصيّة، ولا بشرط عدمها.

ولازم الاعتبار الأوّل، عدم كفاية غير النقد إلّابدلاً، لعدم مطابقة بشرط شيء لما هو بشرط لا، وأمّا الغرامة الأرشيّة فقد مرّ أنّه لا تشتغل بها الذمّة، فلا يلزم أنْ يكون لها تعيّن، بل لا معنى له، وحيث إنّه لا تعيّن له فيمكن أنْ يكون ما يتعلّق به حقّ التغريم بشرط، وهو النقد عند النزاع في الخصوصيّات، وبشرط شيء عند التراضي على خصوصيّةٍ خاصّة.

ثانيهما: إنّه لا كلام في صحّة التراضي على غير النقدين في الغرامات، وعليه:

ففي غير الغرامة الأرشيّة، يكون ماتراضياعليه بدلاً عمّايستحقّه الثابت في الذمّة.

وأمّا في الغرامة الأرشيّة، فحيث أنّها غير ثابتة في الذمّة، فلا معنى لكون ما تراضيا بدلاً، بل هو أداء عين ما يستحقّه.

وبهذا البيان يظهر اندفاع ما أورده السيّد الفقيه(1)في «الحاشية» عليه، فراجع وتدبّر. كما أنّه ظهر ما هو الحقّ في المقام، وهو تعيّن كونه من النقدين إلّا مع التراضي.

حكم الأرش المستوعب لتمام القيمة

الأمر الخامس: ويدور البحث فيه عن كيفيّة تصوّر الأرش المستوعب لتمام القيمة، والكلام فيه يقع في موردين:

الأوّل: فيما إذا ورد البيع على المعيب.


1) حاشية المكاسب لليزدي: ج 2/102.

الثاني: فيما إذا كان البيع قبل حدوث العيب، وكان ذلك قبل القبض أو في زمان الخيار.

أمّا المورد الأوّل: فالكلام فيه:

تارةً‌: في ما إذا كان النقص الوارد على العين خارجيّاً موجباً لسلب الماليّة، مع بقاء ذات المبيع، كذهاب رائحة ماء الورد.

وأُخرى‌: فيما إذا كان نقصاً اعتباريّاً من حيث تعلّق حقّ الجناية به، الموجب للاستغراق أو النقصان، أو دية كاملة مستوعبة لقيمة العبد.

أمّا في الصورة الأُولى‌: فالظاهر بطلان البيع، سواءٌ أكان ذلك النقص موجباً لسلب الماليّة خاصّة أو ذلك مع سلبه الملكيّة، كصيرورة الخَلّ خمراً، إذ يعتبر في صحّة البيع الماليّة على ما حُقّق في محلّه.

وأمّا في الصورة الثانية: فالظاهر صحّة البيع وعدم البطلان، وإنْ كان الأرش مستوعباً للقيمة، وذلك لأنّ فساد العقد إمّا أنْ يكون لنقصٍ في المالك، أو يكون لنقصٍ في المال، وشيءٌ منهما ليس.

أمّا النقص في المالك: فلأنّ ما ذكر وجهاً له أمران:

أحدهما: خروج العبد عن ملك مولاه بمجرّد الجناية، كما عن المحقّق التستري(1).

ثانيهما: إنّ الجناية توجبُ عدم مالكيّة المولى للتصرّف فيه، لتعلّق حقّ المجني عليه به.

أقول: وفيهما نظر:2.


1) مقابس الأنوار: ص 182.

أمّا الأوّل: فلأنّ ظاهر بعض(1) النصوص وإنْ كان كذلك، إلّاأنّه معارض بظاهر غيره من الأخبار(2) ومخالفٌ للقاعدة.

وأمّا الثاني: فلأنّ حقّ الجناية يتبع العين أيّاً ما كانت، ولا يزول بالبيع، فلا يكون مانعاً عنه.

وأمّا النقص في المال: فقد ذُكر له وجوه:

الوجه الأوّل: خروجه عن الماليّة.

وفيه: إنّ استحقاق الاسترقاق لا يوجبُ سلب الماليّة، فإنّ استحقاق التملّك من مقتضيات الماليّة، فكيف يوجبُ سلبها، وهل هو إلّاكاستحقاق الشريك لتملّك حصّة شريكه من المشتري، وجواز القصاص جوازٌ لاعدام الماليّة لا أنّه هدرٌ لها.

وأمّا الحكم بدية كاملة، فهو ليس بعنوان استحقاق ماليّة الجاني، بل باستحقاق ما يوازي ماليّته، فلا يوجب خروجه عن الماليّة.

الوجه الثاني: خروجه عن الملكيّة.

وفيه: إنّ النَّص قد مرّ حاله، والحكم بالقصاص تجويزٌ لإخراجه عن ملكه لا أنّه مخرجٌ‌، ولا يتوقّف القصاص على تملّك المجني عليه فضلاً عن حكمه، وجواز الاسترقاق لا يعقل كونه مخرجاً للملك، لأنّه بنفسه مخرجٌ ومزيلٌ لها، وأمّا الحكم بالدية فهو أوضح.

الوجه الثالث: إنّ بذل المال بإزاء العبد الجاني عملٌ سفهيٌ‌.

وفيه أوّلاً: إنّه لا دليل على بطلان البيع السفهي، بل الدليل(1)دلَّ على بطلان بيع).


1) الكافي: ج 7/68 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/409 باب 1 (ثبوت الحجر عن التصرّف في المال).

السفيه لا البيع السفهي.

وثانياً: إنّه مع احتمال العفو أو التفدية بشيء يسير، لا يكون الإقدام على بيعه سفهيّاً.

الوجه الرابع: كون المال متعلّقاً لحقّ الجناية، وهو مانعٌ عن صحّة البيع.

وفيه: إنّ هذا الحقّ‌، حيث إنّه لا ينافي نفوذ البيع كما تقدّم، فلا يكون مانعاً عنه.

فتحصّل: أنّ الأظهر صحّة البيع مع كون النقص اعتباريّاً، وإنْ كان الأرش مستوعباًللقيمة، وأنّ ماأفاده العلّامة(1)متينٌ‌، ولايرد عليه ماأورده الشيخ رحمه الله(2)عليه.

وأمّا المورد الثاني: وهو حصول النقص بعد البيع قبل القبض، فعدم كونه من قبيل تلف المبيع الموجب لانفساخ العقد، إذا كان النقص اعتباريّاً، وإنْ كان الأرش مستوعباً للقيمة واضحٌ ممّا قدّمناه.

وأمّا إنْ كان النقص خارجيّاً: فقد يقال إنّه إنْ أوجب سلب الماليّة، كان ذلك بحكم التلف الموجب للانفساخ، فلا يتصوّر الأرش المستوعب للقيمة.

ولكن يمكن أنْ يردّ: بأنّ الموجب للانفساخ تلف ذات المبيع لا ماليّته. فتدبّر.

نعم، إنْ أوجب ذلك سلب الملكيّة أيضاً، أمكن القول بالانفساخ من جهة أنّه ليس هناك شيءٌ له إقباض كي يترقّب قبضه، فتأمّل، فإنّ هذا لو تمّ فإنّما هو في ما أوجب سلب الحقّ‌، أي حقّ الاختصاص أيضاً.

وممّا ذكرناه ظهر ما في كلمات الشيخ رحمه الله.

***7.


1) تحرير الأحكام: ج 1/172، قواعد الأحكام: ج 2/39.

2) المكاسب: ج 5/397.

كيفيّة التقويم

أقول: يعرف الأرش بمعرفة قيمتي الصحيح والمعيب، فيؤخذ من البائع بنسبة ذلك التفاوت، وإذا لم تكن القيمة معلومة، فلابدّ من الرجوع إلى العارف بها، وقد وقع الكلام في أنّ قول العارف هل هو من باب الشهادة أو الخبر؟

والوجوه التي ذكروها في الفرق بينهما كثيرة، لا يهمّنا التعرّض لها، إذ الشهادة لها معنيان:

أحدهما: عامٌ‌، وهويشمل جميع موارد الخبر، وهي بهذاالمعنى ليست موردالحكم.

ثانيهما: خاص، وهو الإخبار الجازم عن حقٍّ لازم للغير من غير الحاكم، وهي بهذا المعنى لا يتصوّر في مورد الشكّ في صدقها.

وبغير هذين المعنيين لم تؤخذ الشهادة موضوعاً لحكمٍ حتّى نتصدّى لبيانه، وعليه فالصَّفح عن ذلك أولى‌.

أقول: ثمّ إنّ المختار على ما حقّقناه في «حاشيتنا على الكفاية» حجيّة الخبر الواحد في الموضوعات إلّاما خرج بالدليل، غاية الأمر فيما إذا كان المُخبَر عنه حسيّاً، وأمّا إنْ كان حدسيّاً، فإنْ كان المُخبِر من أهل ذلك الفنّ‌، كان قوله حجّة من باب حجيّة قول أهل الخِبرة.

والتحقيق: إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العارف بالقيمة:

تارةً‌: يخبر عن نظره وحدسه من جهة كثرة ممارسة أشباه هذا الشيء، وإنْ لم يتّفق اطّلاعه على مقدار رغبة الناس في أمثاله.

وأُخرى‌: يخبر عن قيمته باعتبار خصوصيّات في المبيع يعرفها هذا المخبر، مع كون قيمته على تقدير العلم بالخصوصيّات واضحة.

وثالثة: يخبر عن القيمة المتعارفة المعلومة المضبوطة عند أهل البلد أو أهل الخبرة.

فإن أخبر عن نظره وحدسه، كان قوله حجّة من باب أنّه من أهل الخِبرة ويعدّ مقوّماً.

تعارض المقومين

ولو تعارض المقومون ففيه وجوه، وبعضها أقوال:

1 - ما اختاره الشيخ رحمه الله(1)ونسبه إلى المعظم، من وجوب الجمع بينهما بقدر الإمكان، فإذا قوّم أحد المقومين بعشرة مثلاً فقد قوّم كلّاً من نصفيه بخمسة، وإذا قوّم الآخر بثمانية مثلاً، فقد قوّم كلّاً من نصفيه بأربعة، فيعمل بكلّ منهما بنصف المبيع.

2 - تقديم بيّنة الأكثر.

3 - الرجوع إلى القرعة.

4 - الرجوع إلى الصلح.

5 - تخيير الحاكم.

6 - الرجوع إلى المرجّحات، لتعارض البينتين من الأعدليّة و الأكثريّة ونحوهما.


1) المكاسب: ج 5/405.

7 - تقديم بيّنة الأقلّ‌.

8 - التساقط والرجوع إلى الأصل.

أمّا القول الأوّل: فقد استدلّ له بوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ كلّاً من الدليلين حجّة شرعيّة يلزم العمل به، فإذا تعذّر العمل به في تمام مضمونه، وجب العمل به في بعضه، وكلّ منهما وإنْ تعارض الآخر في بعض مضمونه أيضاً، إلّاأنّ طرح قول كلّ منهما في النصف مع العمل به في النصف الآخر أولى في مقام امتثال أدلّة العمل بكلّ بيّنة من طرح كلتيهما أو إحداهما رأساً، إذ الجمع بين الدليلين والعمل بكلّ منهما ولو من وجه، أولى من طرح أحدهما رأساً.

وفيه: إنّ الشيخ رحمه الله قد حقّق في الاُصول(1)أنّ قاعدة الجمع لا أساس لها، وإنّما يُجمع بين الدليل لو كان الجمع عرفيّاً، وإلّا فمقتضى القاعدة هو التساقط، وعليه فلا وجه لما أفاده في المقام، ولا حجّة في البين حتّى يُصدق في نصف مدلولها.

فإنْ قلت: إنّ ما حقّقه في الاُصول إنّما هو في الأحكام التكليفيّة على المسلك الطريقيّة، وأمّا في باب الحقوق والوضعيّات التي تحدث المصلحة بسبب قيام الحجّة على الأمر الاعتباري كالملكيّة فلا يجري، بل حيث إنّه عند التزاحم لا يُعقل اعتبار ملكيّة عين واحدةٍ لشخصين بالاستقلال، وتقديم أحدهما ترجيحٌ بلا مرجّح، وأمّا اعتبار ملكيّة نصفها لشخصٍ ونصفها الآخر لشخصٍ‌آخر فهو معقول، ولا تزاحم بينهما من هذه الجهة، فلابدّ من الأخذ به بداهة استحالة عدم تأثير السببين في ما لا تزاحم بينهما.6.


1) فرائد الاُصول: ج 2/476.

قلت: إنّه حيث يكون ما هو ملكٌ بالاستقلال لشخصٍ‌، كلُّ جزءٍ منه ملكاً له من جهة الانحلال، لا أنّه ملكٌ إشاعي له مع فرض عدم الشريك له في الملك، فالبيّنتان متعارضتان حتّى بالنسبة إلى كلّ جزء، فإنّ كلّاً منها بدلٌ‌، على أنّ العين بتمامها وبأجزائها ملكُ استقلالٍ لمن تثبت الملكيّة له، وأمّا النصفان على الإشاعة، وإنْ لم تكن البيّنتان متعارضتين بالإضافة إليهما، إلّاإنّهما ليسا مدلولي البيّنتين كي يقال إنّهما غير متزاحمين فيهما.

الوجه الثاني: إنّ التنصيف جمعٌ بين الحقّين، فيجب رعايةً لهما.

وفيه: لا كلام في صحّة التنصيف فيما إذا كان حقّ ثابتٌ مردّداً بين الشخصين، كالمال المردّد بين أنْ يكون لزيدٍ أو عمرو، وعليه بناء العقلاء، كما ويستفاد من بعض(1)النصوص، ويعبّر عنه بقاعدة العدل والإنصاف، وهذا لا ربط له بالمقام لأنّ الزائد عمّا اتّفق عليه المقومان يدوره أمره بين الاستحقاق وعدمه، لا استحقاق البائع واستحقاق المشتري، فلا مورد للتنصيف من باب الجميع بين الحقّين لعدم الموضوع.

وأمّا القول الثاني: فقد استدلّ له: بأنّه لا تعارض بين البيّنتين، لأنّ مرجع بيّنة النفي إلى عدم وصول نظرها وحدسها إلى الزيادة، فبيّنة الإثبات المدّعية للزيادة تبقى سليمة عن المعارضة.

وفيه: إنّ بيّنة الأقلّ تشهد بالقطع على عدم الزيادة واقعاً.

أمّا القول الثالث: فقد استدلّ له:

1 - بعموم أدلّة القرعة(2)، إمّا لتشخيص الواقع، أو لتشخيص الدليل.0.


1) تهذيب الأحكام: ج 6/208 ح 14، وسائل الشيعة: ج 18/452 ح 24025.

2) تهذيب الأحكام: ج 6/240 ح 26، وسائل الشيعة: ج 27/257 ح 33710.

2 - وبخصوص بعض ما ورد من النصوص في تعارض البيّنات، من الأمر بالرجوع إلى القرعة الشامل بإطلاقه للمقام، كصحيح الحلبي، عن أبي عبداللّه عليه السلام:

«في شاهدين شهدا على أمرٍ وجاء آخران فشهدا على غير الذي شهدا، واختلفوا؟

قال عليه السلام: يُقرع بينهم فأيّهم قرع فعليه اليمين وهو أولى بالحقّ‌»(1). ونحوه غيره.

ولكن يرد على الأوّل منهما: أنّ القرعة مختصّة بموارد عدم تشخيص الحكم ولو مع الأصل، إمّا لاختصاص موضوع الأدلّة بذلك، أو لتخصيصها بأدلّة الاُصول والأمارات، وعليه ففي المقام بما أنّ مقتضى أصالة البراءة عدم استحقاق الزائد، فلا وجه للرجوع إلى القرعة، مع أنّ دليل القرعة مختصٌّ بما إذا كان هناك حقٌّ ثابت، وفي المقام ثبوته غير معلوم كما تقدّم.

ويرد على الثاني: أنّه مختصٌّ بمورد الحكومة كما هو واضح، فلا وجه للتعدّي.

واستدلّ للرابع: بأنّ كلّاً من المتبايعين متشبّثٌ بحجّة ظاهريّة، والمورد غير قابل للحلف، لجهل كلٍّ منهما بالواقع.

وفيه: إنّ مجرّد عدم إمكان الحلف - مع أنّ مقتضى الأصل عدم الاشتغال بالزائد - لا دليل على كونه سبباً لوجوب الصلح.

واستدلّ للخامس: بامتناع الجمع، وفقد المرجّح.

وفيه أوّلاً: إنّه لا ينحصر الكلام بمورد التنازع والخصومة.

وثانياً: إنّه لا وجه لتخيير الحاكم بعد عدم كون الواقع كذلك قطعاً.

واستدلّ للسادس: بالنصوص(2).).


1) من لا يحضره الفقيه: ج 3/93 ح 3394، وسائل الشيعة: ج 27/254 ح 33705.

2) الكافي: ج 7/418 باب (الرجلين يدّعيان فيقيم كلّ واحد منهما البيّنة)، وسائل الشيعة: ج 27/249 باب 12 (حكم تعارض البيّنتين وما ترجح به أحدهما).

وفيه: إنّها مختصّة بصورة النزاع والترافع إلى الحاكم، ولا دليل على التعدّي.

واستدلّ للسابع: بأنّ أصالة البراءة مرجّحة للبيّنة الحاكمة بالأقلّ‌.

وفيه: إنّ الأصل لا يصلح مرجّحاً للدليل لكونه في طوله.

فتحصّل: أنّ الأظهر هو القول الثامن، وهو التساقط والرجوع إلى الأصل، وهو يقتضي عدم الاشتغال بالزائد.

فإنْ قلت: إنّك بيّنت في الاُصول على أنّ الأصل في تعارض الأمارات هو التخيير لا التساقط، فكيف لا تلتزم به في المقام‌؟

قلت: إنّ ذلك فيما يمكن فيه التخيير، وفي المقام لا يصحّ‌، إذ لا معنى لتخيير البائع والمشتري معاً كما لا يخفى‌، وترجيح أحدهما بلا مرجّح.

طريق تحصيل التفاوت بين القيمتين

أقول: المعروف في الجمع بين البيّنات، هو الجمع بينهما في قيمتي الصحيح، فيؤخذ من القيمتين للصحيح نصفهما، ومن الثلاث ثلثهما، ومن الأربع ربعهما، وهكذا في المعيب، ثم يلاحظ النسبة بين المأخوذ للصحيح، وبين المأخوذ للمعيب، ويؤخذ بتلك النسبة.

وتنقيح القول في المقام بالبحث في موارد:

الأوّل: في بيان مورد الكلام.

الثاني: في بيان الطر يقين المذكورين للجمع.

الثالث: في بيان أنّ الطريقين هل يختلفان أم لا؟

الرابع: في بيان الصحيح منهما.

أمّا المورد الأوّل: فمحلّ الكلام صورة التعارض، وإلّا فلو كان ما به التفاوت على كلّ من القولين هو النصف مثلاً، فهو خارجٌ عن محلّ الكلام، لعدم التعارض، لمكان اتّحاد النتيجة بالنسبة إلى المسمّى.

وبذلك يظهر أنّ المثال الأوّل الذي ذكره الشيخ رحمه الله(1) وهو ما إذا كان إحدى قيمتي الصحيح اثني عشر والاُخرى ستّة، وإحدى قيمتي المعيب أربعة والأُخرى اثنتين، خارجٌ عن محلّ الكلام، فإنّ التفاوت على التقديرين بالثلثين.

وكذا المثال الذي ذكره تحت عنوان قوله(2): (وإنْ اختلفا في الصحيح والمعيب، فإنْ اتّحدت النسبة... الخ)، وهو ما إذا قوّم أحدهما الصحيح باثني عشر والمعيب بستّة، وقوّم الآخر الصحيح بستّة والمعيب بثلاثة، فإنّ التفاوت على التقديرين بالنصف كما صرّح به.

أقول: الظاهر أنّ منشأ اشتباه الشيخ رحمه الله عبارة «الجواهر»(1)حيث ذكر المثالين في آخر الصورة الأُولى من الصور الثلاث التي ذكرها لبيان اتّحاد الطريقين.

وأمّا المورد الثاني: فمحصّل طريقة المشهور ملاحظة مجموع قيمتي الصحيح، ومجموع قيمتي المعيب، وملاحظة نسبة المجموع إلى المجموع، والأخذ من الثمن بتلك النسبة. فإذا قوّم أحدهما الصحيح بستّة، والآخر بأربعة، وقوّم الأوّل المعيب باثنين، والآخر بثلاثة، يلاحظ نسبة الخمسة إلى العشرة، ويؤخذ من الثمن بتلك النسبة وهي النصف.2.


1) جواهر الكلام: ج 23/292.

طريقة الشهيد رحمه الله: فقد نُسب(1)إليه طريقٌ آخر، وهو الرجوع إلى البيّنة في مقدار التفاوت، والجمع بين البيّنات فيه، من غير ملاحظة القيم، وعليه فالشهيد رحمه الله على نصف مجموع الكسرين، والمشهور على الكسر بين القيمتين المنتزعتين.

وأمّا المورد الثالث: ففيه ثلاثة صور:

تارةً‌: تتّحد قيمة الصحيح، وتختلف قيمة المعيب.

وأُخرى‌: تتّحد قيمة المعيب وتختلف قيمه الصحيح.

وثالثة: يختلف كلّ من القيمتين.

أمّا في الصورة الأُولى‌: فالظاهر هي المطابقة الدائميّة بين الطريقين، إذ قيمة الصحيح إذا كانت واحدة، والكسر وإنْ كان يختلف باختلاف قيمه المعيب، لكن الكسرين متساويان بالنسبة إلى كلّ نصفٍ من الصحيح، لفرض تساوي النصفين في القيمة، فمجموع الكسرين قهراً هو كسر مجموع النصفين، فلا فرق بين أنْ يلاحظ الكسر الواحد.

وأمّا في الصورة الثانية: فالظاهر هو عدم المطابقة دائماً، نفرض توافقهما على أنّ قيمة المعيب ستّة، وأحدهما يقول إنّ قيمة الصحيح عشرة، والآخر يقول إنّها ثمانية، فإنّ لازم ما أفاده المشهور من ملاحظة مجموع قيمتي الصحيح وهي ثمانية عشر، وملاحظة مجموع قيمتي المعيب وهي اثنتا عشر، وملاحظة نسبة المجموع إلى المجموع، هو كان التفاوت بالثلث، ولازم ما أفاده الشهيد رحمه الله(2)- وهو الرجوع إلى البيّنة في مقدار التفاوت، والجمع بين البيّنات فيه - هو كون التفاوت بنصف الخمسين، الّذي هما ما به التفاوت لإحداهما، وهي ما تعيّن قيمته الصحيح عشرة، ونصف الربع الذي هو ما به التفاوت للاُخرى‌، وهي ما تعيّن قيمته ثمانية، فيؤخذ8.


1) شرح اللّمعة: ج 3/278.

2) شرح اللّمعة: ج 3/278.

من الثمن خُمسٌ وثُمنٌ‌، وهذا أقلّ من الثّلث، فلو كان الثمن إثنى عشر، فإنّ لازم ما أفاده المشهور ضرورة أن يقتطع من الثمن أربعة، ولازم ما أفاده الشهيد رحمه الله أن يقتطع منه ثلاثة ونصف. فتدبّر.

وأمّا في الصورة الثالثة: فيظهر الحال فيها ممّا تقدّم، وهو عدم المطابقة دائماً.

وأمّا المورد الرابع: فالأظهر أنّه بناءً على الالتزام بالجمع، يتعيّن اختيار طريقة الشهيد رحمه الله، إذ مدرك الجمع: إمّا لزوم الجمع بين الحقّين، أو لزوم العمل بالبيّنتين، وعلى التقديرين يتعيّن ما ذهب إليه الشهيد رحمه الله:

أمّا على الأوّل: فلأنّ الحقّ يدوره أمره بين كلّ من التفاوتين: أي الربع والنصف مثلاً، فلا وجه لملاحظة قيمتي الصحيح والمعيب، وانتزاع قيمةٍ متوسّطة، ثمّملاحظة كسر تلك القيمة.

وأمّا على الثاني: فلأنّ الرجوع إلى البيّنتين إنّما هو لتعيين ما به التفاوت، وإنّما التعارض بينهما في ذلك وهو مورد الأثر، فلابدَّ من الجمع بينهما في ذلك، ولا فرق في ذلك بين كون البيّنة قائمة ابتداءً على ما به التفاوت من دون تعرّض لقيمتي الصحيح والمعيب، أو كونها قائمة على القيمتين، ويكون ما به التفاوت مدلولها الالتزامي.


الفصل السادس: في النقد والنسيئة والمرابحة

اشارة

قال المصنّف رحمه الله: في محكيّ «التذكرة»(1)

(2و4) المكاسب: ج 6/197.

: (ينقسم البيع باعتبار التأخّر والتقديم في أحد العوضين إلى أربعة أقسام:

بيع الحاضر، وهو النقد.

بيع المؤجّل بالمؤجّل، وهو بيع الكالي بالكالي.

بيع الحاضر بالثمن المؤجّل، وهي النسيئة.

وبيع المؤجّل بالحاضر، وهو السَّلم) انتهى‌.

وقال الشيخ رحمه الله(2): (والمراد بالحاضر أعمّ من الكلّي، وبالمؤجّل خصوص الكلّي).

أقول: ولكن الظاهر أنّ المؤجّل ليس عبارة عن تعليق التمليك على مضيّ الأجل، إذ لا تعليق في البيع إجماعاً، ولا عبارة عن تعليق المملوك والثمن عليه، إذ الأعيان لا تتقدّر بالزمان، بل المراد شرط تأخير الأداء إلى رأس المدّة المعلومة.

وعليه، فما عن المحقّق الخراساني رحمه الله(2)من أنّه من قبيل الثاني ضعيف.

وعلى ما ذكرناه لا اختصاص للمؤجّل بالكلّي، بل يتصوّر ذلك في العين الشخصيّة أيضاً، فيشترط أنْ تكون العين إلى مدّة كذا في يد المشتري أمانة أو عارية. وبه يظهر ما في كلام الشيخ رحمه الله(4).


1) تذكرة الفقهاء: ج 1/451 (ط. ق)، تذكرة الفقهاء: ج 11/215 (ط. ج).

2) حاشية المكاسب للآخوند: ص 266، (القول في النقد و النسيئة).

إطلاق العقد يقتضي حلول الثمن.

إطلاق العقد يقتضي النقد

واستقصاء القول في هذا الفصل في طيّ مسائل:

المسألة الأُولى‌: فيما قاله المصنّف من أنّ (إطلاق العقد يقتضي حلول الثمن).

وعلّله في محكيّ «التذكرة»(1): (بأنّ قضيّة العقد انتقال كلّ من العوضين إلى الآخر، فيجب الخروج عن العهدة متى طولب صاحبها).

أقول: على ضوء ما ذكرناه في معنى التأجيل، يتّضح أنّ ما أفاده رحمه الله متين، لأنّ لزوم الأداء بعد العقد إنّما يكون بمقتضى ما دلَّ على تسلّط الناس على أموالهم(2)، فمع عدم اشتراط التأجيل، ومطالبة المالك يجب ردّه إليه.

ويمكن أنْ يقال: إنّ لزوم التسليم ممّا يقتضيه الشرط الضمني أيضاً، ويشهد بالحكم - مضافاً إلى ذلك -: موثّق عمّار بن موسى‌، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «في رجل اشترى من رجل جارية بثمن مسمّى، ثمّ افترقا؟

فقال عليه السلام: وجب البيع والثمن، إذا لم يكونا اشترطا فهو نقد»(3).

وصريح غير واحدٍ بأنّه لو اشترطا تعجيل الثمن كان تأكيداً لمقتضى الإطلاق.

والتحقيق: اشتراط التعجيل يتصوّر على وجوه:

أحدها: أن يشترط ثبوت حقّ التعجيل بنحو النتيجة، ومثل هذا الشرط


1) تذكرة الفقهاء: ج 1/546 (ط. ق).

2) بحار الأنوار: ج 2/272، عوالي اللآلئ: ج 2/138 ح 383.

3) الكافي: ج 5/474 ح 10، وسائل الشيعة: ج 18/36 ح 23080.

لايكون نافذاً، لأنّه لم يثبت كونه من قبيل الحقّ الاعتباري، ومع ذلك فهو ليس مؤكّداً لمقتضى العقد لعين هذا الوجه.

ثانيها: أن يشترط التعجيل والإسراع حتّى مع عدم المطالبة، وهذا يعدّ تأكيداً لما يقتضيه العقد بمدلوله الالتزامي، وبما في ضمنه من شرط الأداء، فإنّ مقتضاه الأداء حتّى مع عدم المطالبة خارجاً.

وعليه فما في «المكاسب»(1)من أنّه لا يكون تأكيداً على هذا غيرُ تامّ‌.

ثالثها: أن يشترط التعجيل مع المطالبة، وهو أيضاً تأكيدٌ لمقتضى العقد.

رابعها: أن يشترط عدم حقٍّ للمشتري في التأخير.

وقد يُقال: إنّه صحيحٌ ومؤكّدٌ لمقتضى العقد، لأنّه لو شرط التأجيل كان مقتضاه حقّ التأخير، ومقتضى عدمه الذي هو معنى الإطلاق عدم حقّ له في التأخير، فهذا الشرط مؤكّدٌ لمقتضى العقد.

وفيه: إنّ المشتري لا حقّ له في التأخير لعدم العلّة، فلا معنى لاشتراطه.

وكيف كان، فما هو المتعارف من شرط التعجيل مؤكّدٌ لمقتضى العقد، وعليه فما عن «الجواهر»(2)من إنكاره في غير محلّه.

قال الشهيد رحمه الله(3)في «الدروس»:

(إنّ فائدة الشرط ثبوت الخيار إذا عيّن زمان النقد فأخلّ المشتري به).

أقول: وظاهر ذلك في بادي النظر اختصاص الخيار بما إذا عيّن زمان النقد فأخلّ المشتري به.2.


1) المكاسب: ج 6/198-199.

2) جواهر الكلام: ج 23/98.

3) الدروس: ج 3/202.

وعن الشهيد الثاني(1): ثبوت الخيار عند التخلّف، وإنْ أطلق التعجيل، ولم يقيّد بزمانٍ معيّن.

واستحسنه الشيخ رحمه الله، لأنّ التعجيل المطلق معناه الدفع في أوّل أوقات الإمكان عرفاً.

أقول: ما أفاده العلمان متين، ولكن الظاهر أنّ الشهيد رحمه الله لم يقصد من كلامه هذا اختصاص الخيار بما إذا عيّن زمان النقد، بل مراده أنّه في صورة الإطلاق، وبعد مضيّ أوّل أوقات الإمكان العرفي، يثبت للبائع الخيار، بخلاف ما إذا عيّن زمان النقد، فإنّه بمضيّ هذا المقدار لا يثبتُ له الخيار، بل يتوقّف على مضيّ ذلك الزمان، مثلاً لو أوقع البيع في أوّل الصبح واشترط التعجيل بلا تعيين زمان، فإنّه لو أخّر الأداء ساعةً مثلاً يثبت الخيار، وأمّا لو اشترط التعجيل إلى الغروب، فقبل الغروب لا خيار له، وإنّما يثبت الخيار لو أخّر الأداء عن الغروب، وفي الحقيقة تكون فائدة هذا الشرط التضييق في زمان الخيار.

أورد صاحب «الجواهر» رحمه الله(2)على الفقهاء: بأنّهم حكموا بالخيار من دون تقييدٍ بعدم إمكان الإجبار، مع أنّه لابدَّ من ذلك.

ومحصّل ما أورده الشيخ رحمه الله(3)عليه أمران:

الأمر الأوّل: إنّ الخيار معلّقٌ على فوات التعجيل لا نفسه، فالموضوع غير قابل للإجبار.9.


1) مسالك الأفهام: ج 3/223.

2) جواهر الكلام: ج 23/98.

3) المكاسب: ج 6/199.

فإنْ شرطاً تأجيله مدّة معيّنة صحّ‌، ويبطل في المجهولة.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ الخيار لم يُعلّق على التعجيل الذي يمكن فيه الإجبار، بل عُلّق على فواته غير الممكن فيه ذلك.

والظاهر أنّ هذا مراده لا ما أفاده السيّد المحشي رحمه الله(1)من أنّ الكلام في أصل ثبوت الخيار لا في بيان جميع ما يعتبر فيه، حتّى يجب التعرّض لهذه الجهة أيضاً.

الأمر الثاني: إنّ الإجبار قبل أوّل أزمنة الإمكان عرفاً، حيث لا حقّ للبائع غير جائز، وبعد مضيّه لا معنى للإجبار، فإنّه ليس إجباراً على التعجيل المشترط لفوات موضوعه، وأوّل أزمنة الإمكان هو زمان الأداء، وهو غير قابلٌ للإجبار.

ولكن يرد على الوجه الثاني أوّلاً: النقض بالإجبار على الواجبات، فإنّ لازم هذا البيان عدم امكانه:

أمّا في الواجبات المضيّقة فلأنّه قبل انقضاء زمانه لا يجوز الإجبار، وبعده لا مورد له.

وأمّا في الموسّعة، فلأنّه قبل أن يصير وقته مضيّقاً لا يجوز الإجبار، وبعده حكمها حكم المضيّقة.

وثانياً: بالحَلّ‌، وهو أنّه يجوز الإجبار في أوّل وقت الأداء ولو قلنا بعدم توسعة وقته، وفي آخر الوقت لو قلنا بتوسعته.

اشتراط تأجيل الثمن

المسألة الثانية: بعدما لا كلام في جواز اشتراط تأجيل الثمن في الجملة، (ف‍) اعلم أنّه (إن شرطاً تأجيله) مدّة معيّنة صحّ‌، وهو واضح، (ويبطل في المجهولة)،


1) كما هو ظاهر حاشية المكاسب للسيّد اليزدي: ج 2/175.

والظاهر أنّ ذلك أيضاً لا خلاف فيه للغرر.

وأمّا الاستدلال له بما دلَّ في السَّلم، على وجوب تعيين الأجل، وعدم جواز السَّلم إلى دياسٍ أو حصاد(1)، فغير صحيح، إذا بعد عدم العلم بالمناط يكون ذلك من قبيل القياس.

وهل يجوز الافراط في التأخير إذا لم يصل إلى حَدٍّ يكون البيع معه سفهاً؟ فيه وجهان.

الظاهر أنّ التأجيل بمقدارٍ لا يعدّ الثمن المؤجّل مالاً عند العقلاء، لا إشكال في فساده، فإنّه من قبيل البيع بلا ثمن.

ولا يصحّ أنْ يقال إنّ الدَّين حيث يصير معجّلاً بالموت، فأيّ زمان جُعل أجلاً ولو كان في نفسه، لا يعتبره العقلاء مالاً، إلّاأنّه بعد هذا الحكم من الشارع تكون له الماليّة، وبهذا القيد يكون مالاً، فإنّ هذا الحكم مترتّبٌ على الدين المؤجّل، فلابدَّ من ملاحظة الدين قبل هذا الحكم، والمفروض أنّه لا دين قبله لعدم الماليّة له، وفي مقابل هذا القسم ما لو جعل المدّة قصيرة جدّاً.

أقول: إنّما الكلام فيما لو أجّل الثمن إلى ما لا يطمئن ببقاء المتعاقدين إلى ذلك الحين، بل يطمئن بعدم البقاء كمائة سنة مثلاً، وفي هذا المورد لا إشكال في ذلك من حيث أنّه مال، والإشكال إنّما هو من جهات أُخر:

إحداها: لزوم اللّغوية، فإنّه إذا فرض حلول الأجل شرعاً بموت المشتري كان اشتراط ما زاد على ما يحتمل بقاء المشتري إليه لغواً.0.


1) الكافي: ج 5/184 ح 1، وسائل الشيعة: ج 18/288 ح 23690.

وفيه: إنّ مجرّد اللّغوية لا يوجبُ البطلان.

ثانيها: لزوم الغَرَر من ذلك بعد ملاحظة حكم الشارع بحلول الأجل، فإنّه حينئذٍ لا يدري مدّة تأجيل الثمن.

وفيه: إنّ الموضوع المنهي عنه الأخبار(1)هو الغَرر العرفي، مع قطع النظر عن الحكم الشرعي، وفي المقام مع قطع النظر عن الحكم الشرعي لا غرر هناك.

ثالثها: إنّ هذا الشرط مخالفٌ للكتاب، إذ الشارع أسقط الأجل بالموت، والاشتراط المذكور تصريحٌ ببقائه بعده، فيكون فاسداً.

وفيه: إنّ الشرط في نفسه ليس مخالفاً للشرع، إذ الشارع حكم تعبّداً بحلول الأجل بالموت بعد صحّة هذا الدين، والشرط ليس هو عدم حلول الأجل كي يخالف الكتاب، بل هو تأجيلُ الثمن إلى مدّة معيّنة، وحكم الشارع بالحلول إنّما هو في مرتبة متأخّرة عن هذا الشرط، فإنّه لو صَحّ الشرط وتحقّق الدين، ترتّب عليه هذا الحكم، فلا يعقل أنْ يكون منافياً له، ولولا ذلك لما بقي لهذا الحكم موضوع، إذ الدين المؤجّل لابدَّ وأنْ يكون شرط تأجيله في ضمن عقدٍ من العقود، والمفروض بطلان شرط التأجيل إلى مدّة بعد الموت.

فرع: هل المعتبر في تعيين المدّة، تعيينها في نفسها وإنْ لم يعرفها المتعاقدان، أم لابدّ من معرفة المتعاقدين بها؟ وجهان.

الجواب: بعدما عرفت من أنّ وجه بطلان شرط التأجيل إلى مدّة مجهولة، إنّما هو لزوم الغَرر، وعرفت سابقاً أنّ الغرر عبارة عمّا لا يؤمَن خطره، تعرف أنّ المعيار5.


1) عيون أخبار الرّضا عليه السلام: ج 2/45 ح 168، وسائل الشيعة: ج 17/448 ح 22965.

وكذا لو باعه بثمنٍ حالّاً وبأزيد مؤجّلاً.

هو المعلوميّة عند المتعاقدين، ولا تكفي المعلوميّة عند الناس لو كانت المدّة مجهولة عندهما، لأنّ المعلوميّة عند الناس كالمعلوميّة عند اللّه تعالى‌، فكما أنّ علمه تعالى بذلك لا يوجب رفع الغَرر، كذلك علم النّاس به.

البيع بثمنين حالّاً ومؤجّلاً

المسألة الثالثة: قال المصنّف رحمه الله: (وكذا لو باعه بثمن حالّاً وبأزيد مؤجّلاً)، وبما أنّ كلمات الأصحاب في هذه المسألة مضطربة، فالأولى صرف عنان الكلام إلى ما تقتضيه الأدلّة، وتنقيح القول بالبحث في مقامين:

الأوّل: فيما تقتضيه القواعد.

الثاني: في مقتضى النصوص الخاصّة.

أمّا المقام الأوّل: فصور البيع الموضوع في هذه المسألة ثلاث:

الأُولى‌: أنْ يكون هناك بيعٌ واحد بثمنين.

الثانية: أنْ يكون بيعان.

الثالثة: أنْ يكون بيع وشرط.

أمّا الصورة الأُولى‌: فإنْ كان المجعول في البيع ثمناً مردّداً بين الثمنين واقعاً، كان ذلك باطلاً لعدم المعقوليّة، إذ المردّد لا وجود له في الخارج، من غير فرقٍ في ذلك بين كون تمليك كلّ منهما بنحو الترديد فعليّاً، أم كان أحدهما فعليّاً والآخر المؤجّل

معلّقاً على مجيء وقته، وأمّا إنْ كان المجعول هو ما يختاره المشتري بعد ذلك الذي هو معيّن واقعاً، بطل البيع للغَرر.

وما عن المحقّق الأردبيلي رحمه الله(1)من عدم الغَرر، لأنّ الثمن معلومٌ على كلٍّ من التقديرين، والاختيار إلى المشتري.

غير تامّ‌، لأنّه لا غرر على المشتري، ولكنّه غررٌ بالنسبة إلى البائع، لأنّه لا يدري ما يختاره المشتري.

وأمّا الصورة الثانية: وهي أنْ يكون هناك بيعان معلّقان، بأن يقول: (إنْ كان الثمن نقداً فبعتك بدرهم، وإنْ كان مؤجّلاً فبدرهمين)، فمقتضى القاعدة هو البطلان فيها، إذا التعليق مبطل للبيع.

وأمّا الصورة الثالثة: وهي أن يبيع بالأقلّ حالّاً، ويشترط زيادة مقدار إلى الأجل المسمّى، فلا كلام في بطلان الشرط، لأنّه من أفراد الرّبا، إنّما الكلام في البيع، والأظهر صحّته، ولا مانع من صحّته سوى وقوع الشرط الفاسد في ضمنه، وهو لايكون مفسداً كما تقدّم، فالثمن هو الأقلّ أخّر أم لم يؤخّر، ولكن ليس له التأخير لأنّ الرّضا به مقيّدٌ بالشرط وقد فسد، فمقتضى ما دلَّ على وجوب رَدّ المال إلى صاحبه لزوم التعجيل.

ودعوى الشيخ رحمه الله(2): في تصحيح التأخير، من أنّ الزيادة تكون في قبال إسقاط حقّ مطالبة البائع إلى الأجل المعيّن، لا في قبال التأخير كي لا يستحقّ المشتري التأخير إذا لم يستحقّ البائع الزيادة.6.


1) مجمع الفائدة والبرهان: ج 8/329.

2) المكاسب: ج 6/206.

ممنوعة: لأنّ حقّ المطالبة ليس من الحقوق القابلة للإسقاط، بل هو حكم بالسلطنة على المطالبة، مع أنّ المجعول في قبال الزيادة إمّا سقوط هذا الحقّ أو إسقاطه، ولازم الأوّل عدم السقوط مع عدم نفوذ الشرط، ولازم الثاني عدم استحقاق المشتري إسقاط البائع حقّ المطالبة.

فتحصّل: أنّ مقتضى القاعدة عدم جواز التأخير في هذه الصورة، ولكن لو أخّر لا يستحقّ أزيد من الأقلّ‌.

المقام الثاني: النصوص الواردة في هذا الباب متعدّدة:

منها: ما ورد من النهي عن شرطين في بيعٍ وعن بيعين في بيع(1)، فإنّهما قد فُسّرا بذلك، ولكنّه مجملٌ لا يمكن الاستناد إليه في حكمٍ‌، وهو واضح.

ومنها: النبويّ الوارد من أنّه صلى الله عليه و آله قال: «لا يحلّ صفقتان في واحدة»(2).

قال السيّد ابن زُهرة(3)بعد نقله الخبر: (وذلك بأنْ يقول: إنْ كان بالنقد فبكذا، وإنْ كان بالنسيئة فبكذا، وهو ضعيفُ السند للإرسال).

ومنها: خبر محمّد بن قيس، عن أمير المؤمنين عليه السلام بسندٍ معتبر:

«من باع سلعةً فقال: (إنّ ثمنها كذا وكذا يداً بيد، وثمنها كذا وكذا نظرةً‌، فخذها بأيّ ثمنٍ شئت) وجعل صفقتها واحدة، فليس له إلّاأقلّهما، وإنْ كانت نظرة.

قال: وقال عليه السلام: من ساوم بثمنين أحدهما عاجلاً والآخر نظرة، فليسمّ أحدهما قبل الصفقة»(4).2.


1) تهذيب الأحكام: ج 7/231 ح 26، وسائل الشيعة: ج 18/37 ح 23084، 23085.

2) مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/313 ح 15455-1، ورواه في الغنية أيضاً: ص 213.

3) غنية النزوع: ص 213.

4) الكافي: ج 5/206 ح 1، وسائل الشيعة: ج 18/36 ح 23082.

وقد حمله بعض على إرادة البطلان، وكون المشتري ضامناً للمبيع التالف في يده بالثمن الأقلّ‌، بعد دعوى كون القيمة بحسب الغالب بمقدار الثمن المعيّن على تقدير النقد.

وفيه: إنّه لم يذكر في الخبر ما يشهد لكونه في مقام بيان حكم صورة التلف خاصّة، وقد حمله بعضهم على صورة كون الزيادة من باب الشرط، وكون الثمن هو الأقلّ‌، أي الصورة الثالثة المتقدّمة، وأصرّ على ذلك المحقّق الاصفهاني رحمه الله(1)، وهو وإنْ كان خلاف الظاهر جدّاً، لأنّ قوله في الخبر: «وكذا نظرة» هو جعل الثمن زائداً على تقدير النظرة، ويؤكّده قوله: «فخدها بأيّ ثمنٍ شئت» الصريح في تعدّد الثمن، إلّا أنّ الحمل على الصورة الأُولى أو الثانية مستلزمٌ للتعبّد بملكيّة الأقلّ مؤجّلاً من دون سبب معاملي، إذا البيع متقوّم بالقصد المنتفي هنا على الفرض، وهو لا يمكن، فيتعيّن الحمل المزبور من جهة أنّه لا يلزم منه التعبّد بأمر غير ممكن، غايته كونه خلاف الظاهر.

أقول: ثمّ إنّ الخبر لم يتعرّض لاستحقاق المشتري التأخير إلى أبعد الأجلين، ويكون ذلك لازماً على البائع، بل غاية ما يستفاد منه جواز التأخير.

وممّا ذكرناه ظهر الحال في الخبر الذي رواه السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام: «أنّ عليّاً عليه السلام قضى في رجلٍ باع بيعاً واشترط شرطين بالنقد كذا وبالنسيئة كذا، فأخذ المتاع على ذلك الشرط؟

فقال: هو بأقلّ الثمنين وأبعد الأجلين»(2).

بل حمله على الصورة المزبورة لا يكون منافياً لما هو الظاهر منه.3.


1) حاشية المكاسب للاصفهاني: ج 5/339 (ط. ج).

2) تهذيب الأحكام: ج 7/53 ح 30، وسائل الشيعة: ج 18/37 ح 23083.

وإذا باع نسيئةً ثمّ اشتراه قبل الأجل بزيادةٍ أو نقصانٍ‌، من جنس الثمن وغيره، حالّاً ومؤجّلاً، صحّ مع عدم الشرط.

بيع العين الشخصيّة نسيئةً ثمّ شرائها

المسألة الرابعة: (و) يدور البحث فيها عمّا (إذا باع نسيئةً ثمّ اشتراه قبل الأجل بزيادة أو نقصان، من جنس الثمن وغيره، حالّاً ومؤجّلاً، صَحّ مع عدم الشرط) بلا خلافٍ‌، وعليه فالبحث في موردين:

الأوّل: في المنطوق.

الثاني: في المفهوم.

أمّا المورد الأوّل: فالكلام فيه في فرعين:

أحدهما: في البيع المؤجّل، وقد جوّزه القوم مطلقاً، وخالفهم الشيخ قدس سره في محكي «النهاية»(1)، حيث منع عن بيعه بعد حلول الأجل بنقصانٍ من الثمن.

ثانيهما: نُسب إلى الشيخ قدس سره(2)قده في خصوص الطعام أنّه بعد الحلول لا يجوز للبائع أخذ الطعام بدلاً عن الثمن إلّابما يساويه بلا زيادة.

أمّا الفرع الأوّل: فتشهد للمشهور - مضافاً إلى العمومات والإطلاقات - جملة من النصوص:

منها: صحيح بشار بن يسار، عن مولانا الصادق عليه السلام:


1) نكت النهاية: ج 2/147.

2) حاشية المكاسب للاصفهاني: ج 5/356 (ط. ج).

«عن الرجل يبيع المتاع بنساء، فيشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه‌؟ قال:

نعم، لا بأس به.

فقلت له: أشتري متاعي‌؟ قال: عليه السلام ليسَ هو متاعك ولا غنمك ولا بقرك»(1).

ومورده بيع النسيئة، وشراء ذاك المتاع بعينه، من دون أن يفصّل بين حلول الأجل وعدمه، وأيضاً من غير فرق بين كون الثمن في الثاني مساوياً للثمن في الأوّل أو أقلّ أو أكثر.

ومنها: صحيح ابن حازم، عنه عليه السلام: «عن رجلٍ كان له على رجلٍ دراهم من ثمن غَنَمٍ اشتراها منه، فأتى الطالب المطلوب يتقاضاه، فقال له المطلوب: أبيعُك هذا الغنم بدراهمك التي عندي، فرضي‌؟

قال عليه السلام: لا بأس بذلك»(2).

وهو صريحٌ في البيع بعد حلول الأجل، وعامٌ للمبيع الشخصي ومثله، لأنّ قوله: (هذا الغنم) كما يمكن أنْ يكون إشارة إلى ما اشتراه، يمكن أنْ يكون إشارة إلى مثله.

وقد استدلّ له بجملةٍ أُخرى من النصوص، وهي وإنْ دلّت على الحكم في بعض الفروض، إلّاأنّها لا تصلح للرَّد على الشيخ رحمه الله:

منها: خبر الحسين بن منذر، قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: الرّجل يجيئني فيطلب العينة، فأشتري له المتاع مرابحةً‌، ثمّ أبيعه إيّاه، ثمّ أشتريه منه مكاني‌؟

قال: إذا كان بالخيار إنْ شاء باع وإنْ شاء لم يبع، وكنتَ أنتَ بالخيار إنْ شئتَ1.


1) الكافي: ج 5/208 ح 4، وسائل الشيعة: ج 18/41 ح 23093.

2) من لا يحضره الفقيه: ج 3/260 ح 3937، وسائل الشيعة: ج 18/40 ح 23091.

اشتريتَ وإنْ شئتَ لم تشتر فلا بأس»(1).

وهذا الخبر إمّا صريحٌ في ما إذا كان البيع الأوّل مؤجّلاً من جهة اختصاص العينة بذلك، أو عامٌ له وللحال لو منعنا عن اختصاصها به، ولو فرض كون الأوّل مؤجّلاً كان البيع الثاني قبل حلول الأجل، لصراحته في الاشتراء، وهو في مكانه، فعلى أيّ تقديرٍ لا يكون دليلاً على الشيخ رحمه الله.

ومنها: الخبر الذي رواه علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام:

«عن رجلٍ باع ثوباً بعشرة دراهم، ثمّ اشتراة بخمسة دراهم أيحلّ؟ قال: إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس»(2).

وعن كتاب علي بن جعفر(3)روايته، إلّاأنّ فيه: (بعشرة دراهم إلى أجل ثم اشتراه بخمسة دراهم نقداً)، والأوّل منهما ظاهر في المؤجّل، والثاني صريحٌ فيه، وكلاهما ظاهران في الاشتراء قبل حلول الأجل، بل الثاني نصٌّ فيه، كما أنّهما صريحان في ورود البيعين على المبيع الشخصي، والاشتراء بنقصان من الثمن.

ومنها: خبر يعقوب بن شعيب، وعُبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه عليه السلام:

«عن رجلٍ باع طعاماً بدراهم إلى أجل، فلمّا بلغ ذلك الأجل تقاضاه، فقال:

ليس عندي دراهم خُذ منّي طعاماً؟

قال: لا بأس، إنّما له دراهمه يأخذ بها ما شاء»(4).0.


1) الكافي: ج 5/202 ح 1، وسائل الشيعة: ج 18/41 ح 23094.

2) وسائل الشيعة: ج 18/42 ح 23096، مسائل علي بن جعفر: 127.

3) مسائل علي بن جعفر: ص 127.

4) تهذيب الأحكام: ج 7/33 ح 24، وسائل الشيعة: ج 18/307 ح 23730.

وهو ظاهرٌ في الشراء بذلك الثمن بلا زيادة ولا نقيصة، وهذا لا ينكره الشيخ رحمه الله، بل لا يبعّد ظهوره في الوفاء بغير الجنس لا في الاشتراء، مع أنّه من جهة تكرار الاسم المنكر وهو قوله: (خُذ منّي طعاماً) بعد قوله: (عن رجلٍ باع طعاماً) يدلّ على تعدّد الطعام في الموردين.

أقول: وقد استدلّ للشيخ بروايتين:

الرواية الأُولى‌: رواية خالد بن الحجّاج، عن الإمام الصادق عليه السلام:

«عن رجلٍ بعته طعاماً بتأخير إلى أجل مسمّى، فلمّا حَلّ الأجل أخذته بدراهمي، فقال: ليس عندي دراهم، ولكن عندي فاشتره منّي‌؟

قال عليه السلام: لا تشتره منه فإنّه لا خير فيه»(1).

وصريحها الاشتراء بعد حلول الأجل، ولكن لاظهور لها في كون المبيع واحداً في البيعين، لو لم تكن - بقرينة تكرار الاسم المنكر - ظاهرة في الاختلاف، مع أنّه لاظهور لها في الاختلاف بمقدار الثمن، فهذه الرواية لا تنفع الشيخ رحمه الله.

الرواية الثانية: رواية عبد الصّمد بن بشير، المرويّة في «الفقيه» قال:

«سأله محمّد بن قاسم الحنّاط، فقال: أصلحك اللّه أبيعُ الطعام من الرجل إلى أجل فأجيء وقد تغيّر الطعام من سعره، فيقول: ليس عندي دراهم، قال: خُذ منه بسعر يومه.

قال: أفهم أصلحك للّه! إنّه طعامي الذي اشتراه منّي‌؟! قال: لا تأخذ منه حتّى يبيعه ويعطيك.0.


1) تهذيب الأحكام: ج 7/33 ح 25، وسائل الشيعة: ج 18/311 ح 23740.

قال: أرغم اللّه أنفي رَخّص لي فرددتُ عليه فشدّد عَليَّ‌»(1).

صريحها كون المورد شخص المبيع، و ظاهرها بعد الحلول، وظاهرها أيضاً الاختصاص بما إذا كان الثمن في البيع الثاني أقلّ‌، وهذه تدلّ على ما ذهب إليه الشيخ رحمه الله، وهي أخصّ من الخبر الأوّل من وجهين:

لأنّه أعمٌّ من البيع قبل الحلول وبعده.

وأعمّ من البيع بالمساوي أو الأقلّ‌.

وهذه أخصّ من هاتين الجهتين، فيتعيّن تخصيصه بها.

وأمّا الخبر الثاني: فهو صريحٌ في البيع بالمساوي، فلا ينافي هذه الرواية ولا ينكره الشيخ رحمه الله.

وأمّا الخبر الثالث: فقد مرّ عدم دلالته على ما يُخالفه الشيخ رحمه الله.

وأمّا خبرا عليّ بن جعفر: فقد عرفت أنّ ظاهر أحدهما وصريح الآخر البيع قبل حلول الأجل.

فتحصّل: أنّه ليس في مقابل خبر عبد الصمد ما يعارضه، فما أفتى به الشيخ رحمه الله بحسب الروايات لا إشكال فيه.

لا يقال: إنّه ضعيف السند، لأنّ الراوي عن عبد الصّمد، هو قاسم بن محمّد الجوهري، وهو ضعيفٌ أو مجهول.

فإنّه يقال: إنّ الخبر رواه الصدوق بسنده إلى عبد الصّمد، وطريقه إليه حسن.

وأمّا الفرع الثاني: فالمنسوب إلى الشيخ رحمه الله(2)عدم جواز أخذ الطعام عوضاً).


1) من لا يحضره الفقيه: ج 3/207 ح 3777، وسائل الشيعة: ج 18/312 ح 23742.

2) حكى النسبة الاصفهاني في حاشيته على المكاسب: ج 5/356 (ط. ج).

عن عوض الطعام إلّابنحو التساوي، بل الظاهر المصرّح به في محكيّ «التهذيب»(1)سريان ذلك في جميع المعاوضات الربويّة، فلا يجوز في إسلاف الطعام أخذ الدراهم بدلاً عن الطعام.

وقد استدلّ له: بالقاعدة الكليّة المستفادة من بعض الأخبار، من أنّ عوض الشيء الربوي لا يجوزُ أن يعوّض بذلك الشيء بزيادة، وأنّ عوض العوض بمنزلة العوض، وهو خبر عليّ بن جعفر، قال:

«سألته عن رجلٍ له على آخر تمر أو شعير أو حنطة، أيأخذ بقيمته دراهم‌؟

قال: إذا قوّمه دراهم فسد، لأنّ الأصل الذي يشتري به دراهم، فلا يصلح دراهم بدراهم»(2).

وفيه أوّلاً: إنّه معارض في مورده بما يدلّ على الجواز(3).

وثانياً: إنّه يدلّ على عدم الجواز حتّى مع التساوي، وهذا ما لا يقول به الشيخ رحمه الله، ولعلّ وجهه عدم حصول التقابض في المجلس.

وأمّا المورد الثاني: وهو البحث عن المفهوم، وهو البطلان فيما إذا اشترطا في البيع الأوّل نقله إلى من انتقل عنه، فالمشهور بين الأصحاب ذلك، وملخّص القول فيه بالبحث في جهتين:

الأُولى‌: في أصل الحكم بحسب النَّص والفتوى.

الثاني: في تطبيقه على القواعد.

أمّا الجهة الثانية: فقد أشبعنا الكلام فيها في مبحث الشروط في الشرط السابع1.


1) تهذيب الأحكام: ج 7/30 ذيل الحديث 17.

2) تهذيب الأحكام: ج 7/30 ح 17، وسائل الشيعة: ج 18/308 ح 23732.

3) الكافي: ج 5/221 ح 8، وسائل الشيعة: ج 18/303 ح 23721.

لصحّة الشرط فانتظر(1).

وأمّا الجهه الأُولى‌: فالمشهور بين الأصحاب بطلان البيع المشروط بهذا الشرط، وصرّح الشيخ رحمه الله(2)في الشرط الفاسد بأنّ بطلان هذا البيع ممّا لا خلاف فيه، ولكنّه مع ذلك في المقام لم يُسلّم ذلك.

أقول: وكيف كان، فقد استدلّ للبطلان بخبرين:

أحدهما: خبر الحسين بن المنذر، عن مولانا الصادق عليه السلام:

«عن الرجل يجيئني فيطلب منّي العينة، فأشتري المتاع له مرابحةً‌، ثمّ أبيعه إيّاه، ثمّ أشتريه منه مكاني‌؟

قال: إذا كان بالخيار إنْ شاء باع وإنْ شاء لم يبع، وكنتَ بالخيار إنْ شئتَ اشتريتَ‌، وإنْ شئتَ لم تشتر، فلا بأس» الخبر(3).

ثانيهما: خبر عليّ بن جعفر، عن أخيه عليه السلام:

«عن رجلٍ باع ثوباً بعشرة دراهم إلى أجل، ثمّ اشتراه بخمسة دراهم أيحلّ؟

قال عليه السلام: إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس»(4).

بتقريب: أنّهما يدلّان على ثبوت البأس إذا لم يكونا مختارين، واشترطا البيع بالشرط الملزم، وهو ما في ضمن العقد، وعليه فإمّا يدلّ على فساد البيع الأوّل فهو المطلوب، أو يدلّ على فساد الثاني، وحيث لا منشأ لفساده سوى فساد الأوّل، فيثبت المطلوب.7.


1) صفحة 264 من هذا المجلّد، تحت العنوان: (اعتبار أنْ يكون فيه غرض عقلائي).

2) المكاسب: ج 6/89.

3) الكافي: ج 5/202 ح 1، وسائل الشيعة: ج 18/41 ح 23094.

4) وسائل الشيعة: ج 18/42 ح 23096، مسائل علي بن جعفر: 127.

ولو اشتراه بعد حلوله، جاز بغير الجنس مطلقاً وبه، قيل: لا يجوز مع التفاوت، والأقرب خلافه،

واُجيب عن هذا الوجه بوجوه:

منها: ما أفاده الشيخ رحمه الله، وقد تعرّضنا له ولجوابه في مسألة الشرط الفاسد(1).

ومنها: أنّ ثبوت البأس أعمٌّ من الحرمة، وهو كما ترى‌.

ومنها: أنّهما يدلّان على ثبوت البأس والحرمة للاشتراط أو البيع معه، وهذا يستلزم نفوذ الشرط.

وفيه: إنّ النهي في باب المعاملات وكذا ما شابهه ظاهرٌ في الإرشاد إلى الفساد لا الحرمة التكليفيّة.

ومنها: إنّهما متضمّنان لما لا يقول به أحدٌ، وهو اعتبار عدم اشتراط المشتري ذلك على البائع.

وفيه: إنّ القوم ملتزمون بذلك، بل الشهيد رحمه الله(2)عنون المسألة في «غاية المراد» بالاشتراط بشرط الاشتراء.

وعليه، فالحقّ أنّهما يدلّان على ذلك، فالحكم من حيث النَّص والفتوى لا إشكال فيه، واللّه العالم.

(ولو اشتراه بعد حلوله، جاز بغير الجنس مطلقاً) وسيأتي الكلام فيه، (وبه) كذلك. و (قيل: لا يجوزُ مع التفاوت، والأقرب خلافه) ويظهر ذلك كله ممّا نذكره في باب السلف(3).).


1) راجع ج 22: (المورد الثاني: الشرط الفاسد).

2) غاية المراد: ج 2/78.

3) فقه الصادق: ج 27/172، (الفصل الثاني عشر: في السلف).

ولا يجبُ دفع الثمن قبل الأجل، ولا قبضه قبله.

القبول والإسقاط قبل حلول الأجل

المسألة الخامسة: (ولا يجبُ‌) على المشتري (دفعُ الَّثمن قبل الأجل، و) لو تبرّع بدفعه (لا) يجبُ (قبضه قبله) بلا خلاف.

أقول: وتمام الكلام في هذه المسألة في طيّ فرعين.

الأوّل: إنّه هل يجب القبول على البائع لو تبرّع المشتري بدفع الثمن أم لا؟.

الثاني: إنّه إذا أسقط المشتري الأجل الذي يستحقّه، هل يسقط ويكون للبائع مطالبته في الحال أم لا؟

أمّا الفرع الأوّل: فالمشهور بين الأصحاب عدم وجوب القبول، والمراد بالوجوب ما سيأتي في المسألة اللّاحقة من وجوب القبول لو كان الدين حالّاً.

واستدلّ له بوجوه:

الوجه الأوّل: ما عن «التذكره»(1)، من أنّ التعجيل كالتبرّع بالزيادة، فلا يكلّف تقلّد المنّة.

وفيه: إنّ الزائد لا يكون ملكاً، وصيرورته كذلك تتوقّف على القبول، وهذا بخلاف التعجيل الذي هو خصوصيّة في أداء ما هو ملك له.

الوجه الثاني: ما عن المحقّق الخراساني رحمه الله(2)، من أنّ المملوك شيء مؤجّل، وهو


1) تذكرة الفقهاء: ج 1/559 (ط. ق).

2) حكاه الاصفهاني في حاشيته على المكاسب: ج 5/342 (ط. ج) بقوله: (ما ذكره شيخنا الاستاذ قدس سره في الأمرالآتي من أنّ المملوك شيء...).

لا ينطبق على المدفوع بالحال.

وفيه: ما عرفت في أوّل مبحث النقد والنسيئة(1)من أنّ المؤجّل ليس إلّاالدين الحالي مع جواز التأخير في الأداء.

الوجه الثالث: ما استدلّ به الشيخ رحمه الله في «المكاسب»(2)بقوله: (ويمكن تعليل الحكم بأنّ التأجيل كما يكون حقّ للمشتري، يتضمّن حقّاً للبائع، من حيث التزام المشتري لحفظ ماله في ذمّته، وجعله إيّاه كالودعي، فإنّ ذلك حقّ عرفاً).

وبعبارة اُخرى: كما أنّ التأجيل يكون حقّاً للمشتري يكون حقّاً للبائع، من جهة أنّ المشتري التزم بحفظ ماله في ذمّته، والمشتري إنّما يكون مسلّطاً على حقّه دون حقّ البائع.

أقول: لا كلام ولا إشكال في أنّ إلزام الشخص والتزامه بحفظه مال غيره مشروعٌ‌، وإذا وقع في ضمن العقد أصبح لازماً، وما لم يرفع المالك يده عن ذلك، يجب على المشروط عليه الحفظ، إنّما الكلام في الشروط الخارجيّة المتعارفة بين الناس، المتعلّقة بتأجيل الثمن، فإنّ الظاهر منهم اعتبار الأجل حقّاً للمشتري فقط، وعليه فيجبُ على البائع القبول.

نعم، إذا اعتبر حقّاً للبائع أو لكلّ منهما على الآخر، لم يجب القبول.

أمّا الفرع الثاني: فقد استدلّ لعدم سقوط حقّ التأجيل بالإسقاط بوجوه:

الوجه الأوّل: ما عن «جامع المقاصد»(3)من أنّه قد ثبت التأجيل في العقد اللّازم، فلا يسقط بمجرّد الإسقاط.1.


1) صفحة 129 من هذا المجلّد.

2) المكاسب: ج 6/212.

3) جامع المقاصد: ج 5/41.

وفيه: أنّه إنْ أُريد بذلك أنّه من قبيل الحكم لا الحقّ‌، فلا يسقط بالإسقاط.

فيرد عليه: أنّ التأجيل إنّما يكون بجعلٍ من الدائن، وإمضاءٍ من الشارع الأقدس، ومن المعلوم أنّ المجعول ليس حكماً شرعيّاً، بل يكون حقّاً أمضاه الشارع، فله إسقاطه.

وإنْ أُريد به أنّه حقٌّ في العقد اللّازم، فلا يجوز إسقاطه للزوم العقد.

ففيه: إنّ الشرط في ضمن العقد صار سبباً لثبوت الحقّ‌، ولانظر له إلى بقائه، والمرجع فيه إلى ما تقتضيه القاعدة، من أنّ لكلّ ذي حقٍّ إسقاط حقّه.

الوجه الثاني: ما عنه أيضاً(1)من أنّ في الأجل يعدّ حقّاً لصاحب الدين.

وفيه: المراد إنْ كان أنّه للبائع حقّ كما يكون للمشتري.

فيرد عليه: أنّ ثبوت حقّ لشخص لايمنع عن إسقاط الآخر حقّه.

وإنْ كان المراد أنّ هناك حقّاً واحداً، قائماً بالطرفين، فما لم يجتمعا على إسقاطه لا يسقط.

فيرد عليه: أنّ الحقّ إنْ كان ثابتاً لهما، فبما أنّ طرف الحقّ بالنسبة إلى كلّ منهما غير ما هو طرفه بالنسبة إلى الآخر، لأنّ معنى ثبوت حقّ التأخير، أنّ له حقّ تأخير الاستيفاء على المشتري، ومعنى حقّ التأخير للمشتري أنّ له حقّ تأخير الوفاء على البائع، ومع تعدّد الطرفين كيف يمكن فرض ثبوت حقّ واحد؟!

الوجه الثالث: ما عن «التذكرة»(2)من أنّ الأجل صفة تابعة، فلا يستقلّ بالسقوط، كما هو الشان في جميع الصفات كالجودة والصحّة.).


1) جامع المقاصد: ج 5/41.

2) تذكرة الفقهاء: ج 1/491 (ط. ق).

وفيه: إنّ الأجل المجعول بالشرط هو التأخير، وهو من الأفعال دون الصفات، مع أنّ الصفة وإنْ لم تكن مستقلّة في الثبوت، إلّاأنّه لا مانع من استقلالها في الاستحقاق، وهو المناط لجواز الإسقاط مستقلّاً.

الوجه الرابع: ما أفاده الشيخ رحمه الله(1)، من أنّ التأجيل عبارة عن إسقاطه حقّ المطالبة، والساقط لا يعود بإسقاط الأجل.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ هذا الشرط لا يوجبُ ثبوت حقٍّ كي يجوز إسقاطه، بل هو إسقاط للحقّ فلا يعقل إسقاطه.

وفيه أوّلاً: إنّ جواز المطالبة من قبيل الحكم لا الحقّ‌، ولا أقلّ من الشكّ‌، فلا يجوز إسقاطه.

وثانياً: إنّ الظاهر من أهل العرف إحداث حقٍّ للمشتري في تأخير الأداء.

الوجه الخامس: ما أفاده المحقّق الخراساني رحمه الله(2)، من أنّ الثابت في البيع المؤجّل ملكيّة الثمن المؤجّل لا الملكيّة، وحقّ للمشتري في التأخير، وعليه فلاحقّ كي يسقط.

وفيه: ما تقدّم في أوّل مبحث النقد والنسيئة من أنّ المؤجّل عبارة عن الملكيّة الفعليّة مع جواز التأخير، لا الملكيّة المؤجّلة، فراجع(3).

الوجه السادس: ما نفى عنه المحقّق الاصفهاني رحمه الله(4)البُعد باعتبار أنّ غاية ما يقتضيه التأجيل، هي تضييق دائرة السلطنة على المطالبة، وتأخيرها إلى شهرٍ مثلاً، فلا حقّ حتّى يقبل الإسقاط.

أقول: ظهر جوابه ممّا أوردناه على الشيخ رحمه الله.).


1) المكاسب: ج 6/214.

2) حكاه الاصفهاني في حاشيته على المكاسب: ج 5/343 (ط. ج).

3) صفحة 129 من هذا المجلّد.

4) حاشية المكاسب للاصفهاني: ج 5/343 (ط. ج).

ولو حَلَّ ودَفَع وجبَ القبض.

وبالجملة: فالحقّ أنّه يسقط بالإسقاط، وعليه ففي موارد الشروط المتعارفة يصير الدين حالّاً، ويلحقه حكمه، وفي ما إذا اشترط ثبوت حقّ للبائع أيضاً لا يصير حالّاً من ناحية البائع.

دفع الثمن عند حلول الأجل

المسألة السادسة: (ولو حَلّ‌) أجل الثمن، بل كلّ دينٍ (ودَفَع، وجبَ القبض).

أقول: تنقيح القول في هذه المسألة يتحقّق بالبحث في فروع:

الفرع الأوّل: يجبُ الدفع على المديون بعد الحلول، طالب الدائن أم لا، ما لم يكن عدم المطالبة كاشفاً عن رضاه بالتأخير، لأنّه يجبُ دفع مال الغير إليه بحكم النَّص(1)

(2و4) جواهر الكلام: ج 23/116.

والإجماع.

الفرع الثاني: إذا كان الدين حالّاً أو حَلّ ودفع المديون:

1 - هل يجبُ على الدائن القبول كما عن المشهور، بل في «الجواهر»(2) (بلا خلافٍ أجده أيضاً، بل في «الرياض»(2): (الإجماع عليه)، أم لا؟ وجهان:

قد استدلّ للأوّل بوجوه:

الوجه الأوّل: امتناع الدائن عن الدفع يعدّ إضراراً بالمديون.(4)


1) الكافي: ج 5/94 ح 6، وسائل الشيعة: ج 18/324 باب 4 وجوب قضاء الدين.

2) رياض المسائل: ج 8/338 (ط. ج).

وفيه: إنّ بقاء المال في ذمّته الذي هو أمرٌ اعتباري ليس ضرراً عليه، نعم ربما يكون لزوم الأداء بعد ذلك ضرراً عليه، فلو ثبت أمكن رفعه بالحديث، لا هذا.

الوجه الثاني: أنّ الامتناع يعدّ ظلماً على المديون، لأنّه لا يستحقّ إبقاء ماله في ذمّته، بل هو مستحقٌّ لتفريغ ذمّته، حيث إنّ النّاس مسلّطون على أنفسهم(1)، فلا يجوز.

وفيه: إنّ سلطنة المديون على تفريغ ذمّته لا تُنكر، إلّاأنّها لا تقضي رفع سلطنة الدائن على نفسه التي مقتضاها أنّ له عدم القبول ما لم يثبت وجوبه الشرعي، وإبقاء المال في ذمّة المديون ليس إيذاءً وظلماً، فلو كان فإنّما هو رفعٌ للإيذاء، ولا دليل على وجوب دفع الأذيّة عن الغير.

الوجه الثالث: ما في «الجواهر»(2)من أنّ مقتضى آية الوفاء بالعقد(3)ذلك، فإنّ وجوب الوفاء يتبع وجوب الدفع والقبول.

وفيه: ماتقدّم مكرّراً من أنّ العقد هو ارتباط اعتبار كلّ من المتعاقدين بالآخر، والوفاء عبارة عن التمام أو ما يقاربه، فمفاد الآية الشريفة عدم رفع اليد عن العقد بحَلّه ونقضه، وأمّا وجوب التسليم ووجوب القبول، فلا تدلّ الآية الشريفة عليهما.

فتحصّل: أنّه لولا الإجماع، لا دليل على وجوب القبول، ولكن الظاهر التسالم عليه.

الفرع الثالث: لو دفع المديون الدين.1.


1) بحار الأنوار: ج 2/272، عوالي اللآلئ: ج 2/138 ح 383.

2) .

3) سورة المائدة: الآية 1.

فلو امتنعَ وهَلَك كان هلاكه من صاحب الحقّ‌.

(فإنْ امتنعَ‌) الدائن من القبض، فإنْ رَضي المديون بالصبر فلا كلام، وإنْ لم يرض به، ففيه وجوه وأقوال:

1 - ما عن الشيخين(1)، والمحقّق(2)، وابن حمزة(3)، وغيرهم(4)، من تعيّن العزل فيما ل‍ (و هَلَك)، و (كان هلاكه من صاحب الحقّ‌)، وإنْ أمكن دَفَعه إلى الحاكم.

2 - ما عن المشهور، من تعيّن الدفع إلى الحاكم.

3 - ما اختاره الشيخ رحمه الله(5)، من تعيّن الإخبار أوّلاً، فإنْ لم يمكن فالدفع إلى الحاكم، ومع تعذّره فالعزل.

4 - تعيّن الإخبار أوّلاً، ومع عدم إمكانه فالتخيير بين العزل والدفع إلى الحاكم.

5 - التخيير بين الوجوه.

أقول: الظاهر أنّه إنْ قلنا بأنّ أداء الدين إنّما يكون بالتخلية بين المال والدائن، وأنّه لا يعتبر في تعيين الكلّي في الفرد قبض الدائن، لا كلام في كفاية التخلية في المقام، ولكن الظاهر اعتبار قبضه، وعدم كفاية التخلية فيه، وبذلك يظهر وجه القول الأوّل وضعفه.6.


1) المفيد في المقنعة: ص 595، والطوسي في النهاية: ص 388.

2) المختصر النافع: ج 1/123.

3) الوسيلة: ص 257.

4) المراسم العلويّة: ص 174، وحكاه صاحب الجواهر عنهم في: ج 23/116 بقوله: (بل قد يظهر من إطلاق الشيخين وابن حمزة في المقنعة والنهاية والوسيلة والمتن والنافع.. الخ).

5) المكاسب: ج 6/216.

واستدلّ للثاني:

1 - بأنّ السلطان وليُّ الممتنع، فالحاكم يتولّى القبض عنه.

وفيه: إنّ ذلك مختصّ بالممتنع عن دفع حقّ مالي، كما هو مورده، وفي المقام امتناع الدائن ليس امتناعاً عن الحقّ‌، إذا المديون لا يستحقّ على الدائن قبضه منه.

2 - وبأنّ فراغ ذمّة المديون من الأُمور الحِسبيّة، فيتصدّاه الحاكم.

واستدلّ لتعين الإجبار: بأنّ اعتبار رضا الدائن بالقبض يسقط لحديث نفي الضرر(1)، فيجبره الحاكم على القبض.

وفيه أوّلاً: إنّه لا دليل على اعتبار الرّضا وطيب النفس في القبض.

وثانياً: إنّ الضرر إنّما ياتي من ناحية انحصار تعيّن الحقّ شرعاً بقبض الدائن، فيرفع ذلك بالحديث، وإذا ثبت به تعيّنه بقبض غيره، فالمتعيّن هو الحاكم. وبذلك يظهر تعيّن الدفع إلى الحاكم الذي هو المشهور.

ويمكن أنْ يقال: إنّ الضرر ينشأ من اناطة تفريغ ذمّته بقبول الدائن، فيرتفع ذلك، ونتيجة ذلك أنّه بالعزل يتعيّن ملك الدائن، ولا يبعد أظهريّة الثاني، وعليه يصبح القول الأوّل هو الأرجح.

أقول: ثمّ إنّ الشيخ رحمه الله(2)ذهب إلى أنّه مع عدم إمكان الإخبار والدفع إلى الحاكم، يتعيّن العزل، ولكن لا يصير المعزول مِلْكاً للدائن.

تقريب ما أفاده: إنّ الالتزام ببقاء ذمّة المديون مشغولة ضررٌ عليه، والالتزام6.


1) من لا يحضره الفقيه: ج 3/217 ح 3806، وسائل الشيعة: ج 18/71 ح 23177، 23178.

2) المكاسب: ج 6/216.

بذهاب مال الدائن هدراً ضررٌ على الدائن، والجمع بينهما يتحقّق بالالتزام بتفريغ الذمّة على وجهٍ لا يتضرّر به الدائن، وهو إنّما يكون بالعزل بنحوٍ يوجبُ تعلّق حقّ الدائن به، بحيث له متى شاء استيفاء حقّه منه، فالمعزول ملكٌ للمديون، لكنّه متعلّق حقّ الدائن، ولازم ذلك عدم الضمان لو تلف مع كونه ملكاً للمديون.

وفيه: إنّ لازم ذلك، الالتزام بعدم مالكيّته لشيء، إذا المفروض سقوط الدين عن الذمّة، وعدم ثبوته في الخارج، وهو بلا وجه.

وأضعفُ منه الالتزام بتبدّل الملك إلى الحقّ‌، ومثله الالتزام بتبدّل الملك التحقيقي إلى التقديري آناً مّا.

الفرع الرابع: إنّه بناءً على المختار من تعيّنه بالعزل مِلْكاً للدائن، لا يجوز للمديون التصرّف فيه، ولا إتلافه ولا تبديله، وأمّا بناءً على بقائه عليملك المديون، فهل تعلّق حق الدائن به يمنع عن الأُمور المذكورة أم لا؟

الظاهر أنّ التصرّف لا إشكال فيه على أي تقدير، وإنْ كان ناقلاً لعدم كونه مفوّتاً للحقّ‌، إذ لا مانع من الالتزام بأنّ لذي الحقّ استيفاء حقّه من المعزول متى شاء، وإنْ كان منتقلاً إلى غير من عليه الحقّ‌، كما التزمنا بذلك في حقّ الرهانة.

وأمّا الإتلاف: فقد يقال إنّه لا يجوز، لأنّه اعدامٌ لموضوع الحقّ وابطال له، وعود المال إلى الذمّة، مضافاً إلى احتياجه إلى دليلٍ وموجبٍ وليس، إذا لا دليل على أنّ إتلاف الحقّ موجبٌ لاشتغال ذمّته، لا يقتضي جواز الإتلاف.

ولكن يمكن أنْ يقال: إنّ متعلّق الحقّ ليس هو الموجود الخارجي بما هو، كما هو كذلك في ما إذا كان تعلّقه به بتعيين من الشارع، كتعيين الجاني للاسترقاق، أو

بجعلٍ من المتعاقدين كجعل حقّ الخيار في عقد مخصوص، بل المتعلّق هو ما عيّنه المديون بهذا العنوان، من جهة أنّ بقاء المال في ذمّته ضررٌ عليه، فله إبقائه في ذمّته وتحمّل الضرر، وله تفريغ ذمّته بعزل ما يتمكّن الدائن من استيفاء ماله منه، فيكون فراغ ذمّته موقوفاً على بقاء المعزول على حاله.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ هذا العنوان له حدوثٌ وبقاء، وبما له من البقاء موضوعٌ لهذا الحقّ‌، فللمديون اعدام الموضوع، وبارتفاعه يرتفع الحقّ‌، ولا مانع من ذلك. وبه يظهر حال التبديل، واللّه العالم.

كما أنّه ممّا ذكرناه ظهر عدم وجوب حفظه من التلف، لأنّه إذا صار بالعزل مِلْكاً للدائن، فحاله حال سائر أمواله التي لا يجبُ على المديون حفظه من التلف، لعدم كونه أمانةً عنده، وإذا كان باقياً على ملك المديون، ومتعلّقاً لحقّ الدائن، فمن حيث إنّه ماله يكون سبيله كسبيل سائر أمواله، ومن حيث إنّه متعلّق الحقّ‌، قد عرفت أنّه يجوز إتلافه، وبالتالي فلا يجب التحفّظ عليه.

الفرع الخامس: كما يتعيّن الكلّي في المعزول، هل يتعيّن المشاع فيما أخذه الغاصب إمّا بالجبر على القسمة، أو بأخذه بعنوان مال الشريك، أم لا؟

أم أنّ هناك فرقٌ بين الصورتين‌؟ وجوه:

وجه الأوّل: أنّ الحكم بعدم تعيّن حصّة الشريك بتعيين الغاصب أو الشريك ضرريٌ مرفوعٌ بالحديث.

ووجه الثاني: إنّ حديث لاضرر لا يشمل المقام:

إمّا لأنّ الحديث يفيد عدم الحكم لا الحكم.

أو لعدم كون رفعه منّة على الاُمّة، وإنْ كان منّة على المأخوذ منه.

أو لأنّ الضرر إنّما يكون بأخذ المال المشاع، فهو متوجّه إليهما، ولا وجه لصرفه إلى غيره.

ووجه الثالث: أنّه إذا أجبر الغاصب أحد الشريكين على تعيين حصّة شريكه وإفرازها، وتقسيم المال المشترك، فكما أنّه مع امتناع الشريك عن القسمة اختياراً تسقط ولاية الممتنع، كذلك في المقام، وإنْ كان امتناعه بالاضطرار، بمعنى أنّه كما تسقط ولايته عند امتناعه عن إعمال ولايته، كذلك تسقط مع تعذّر إعمال ولايته لغيبةٍ أو لسببٍ آخر، والمسألة تحتاج إلى مزيد تأمّل.

لا يجوز تأجيل الثمن الحال بأزيد منه

المسألة السابعة: لا خلاف على الظاهر من «الحدائق»(1)المصرّح به في غيره(2)في عدم جواز تأجيل الثمن الحالّ‌، والكلام في هذه المسألة يقع في مقامين:

الأوّل: فيما تقتضيه القواعد.

الثاني: في مقتضى النصوص الخاصّة.

أمّا المقام الأوّل: فلا إشكال في صحّة المعاملة الأُولى‌، وأنّها لا تبطل بذلك، وإنْ أوجب صيرورتها ربويّة.

أمّا التأجيل بالأزيد نفسه:

1 - فإمّا أن يجعل الأجل في مقابل الزيادة باشتراطه ابتداءً أو في ضمن عقدٍ أو المصالحة عليه أو بيعه به.


1) الحدائق الناضرة: ج 19/134.

2) السرائر: ج 2/289، جواهر الكلام: ج 23/120.

2 - أو يجعل المجموع المؤجّل في مقابل المجموع الحالّ‌، بحيث تكون المعارضة بين الثمن ومجموع ما جُعل مؤجّلاً.

3 - أو يوقع الصلح على إبراء الحال ممّا في ذمّته بإزاء منه مؤجّلاً، فالمعوّض هو الإبراء:

أمّا القسم الأوّل: فهو بجميع فروضه من الرّبا في القرض، لأنّ حقيقة الرّبا فيه راجعة إلى جعل الزيادة في مقابل إمهال المُقرِض، وتأخيره المطالبة، من غير فرق بين أنْ يكون الإمهال له في أوّل القرض أو بعد مضيّ زمان، ومن غير فرق بين أنْ يكون ذلك بنحو الشرط أو غيره، وقد ورد الرّبا من ناحية الشروط(1).

وأمّا القسم الثاني: فإنْ كان ما في ذمّته من العروض الرّبوي كالحنطة، فباعها بأزيد منها مؤجّلة بَطَل، لأنّ المشهور بطلان بيع الحالّ بمثله مؤجّلاً في الربويين.

وإنْ كان من الأثمان كالدينار، فباعه بأزيد منه مؤجّلاً، بطلَ أيضاً من جهة أنّ الصرف لا يجوز إلّايداً بيد.

وإنْ كان من العروض أو الأثمان، ولكن باعه بغير جنسه بأزيد منه، فإنّه يصحّ على القاعدة من جهة عدم الرّبا فيه، من حيث المعاملة، ولا من حيث القرض.

وأمّا القسم الثالث: فهو صحيح أيضاً.

وأمّا المقام الثاني: فقد استدلّ الشيخ رحمه الله(2)على عدم الجواز بوجوه:

الوجه الأوّل: ما نقله في «مجمع البيان»(3)عن ابن عبّاس، من بيان مورد نزول9.


1) الكافي: ج 5/244 ح 1، وسائل الشيعة: ج 18/190 ح 23463.

2) المكاسب: ج 6/222.

3) مجمع البيان: ج 1/389.

الآية الكريمة (أَحَلَّ اَللّهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبا)(1)من أنّه كان في الجاهليّة الرّجل منهم إذا حَلّ دينه على غريمه فطالبه به، قال المطلوب منه له: زدني في الأجل، وأزيدك في المال، فيتراضيان عليه ويعملان به، فإذا قيل لهم: هذا ربا، قالوا:

هما سواء، يعنون بذلك أنّ الزيادة في الثمن حال البيع، والزيادة فيه بسبب الأجل عند محلّ الدين سواء، فذمّهم اللّه تعالى به، وألحق الوعيد بهم، وخطّأهم في ذلك بقوله: (وَ أَحَلَّ‌...) (2)الخ، وظاهره القسم الأوّل ولا يشمل القسمين الأخيرين.

الوجه الثاني: الخبر الصحيح الذي رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، كما رواه ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، أنّهما قالا:

«في الرجل يكون عليه الدَّين إلى أجلٍ مسمّى، فيأتيه غريمه فيقول: انقدني من الذي لي كذا وكذا، وأضعُ لك بقيّته، أو يقول: انقذ لي بعضا وأمدّ لك في الأجل فيما بقي عليك‌؟

قال عليه السلام: لا أرى به بأساً ما لم يزدد على رأس ماله شيئاً، يقول اللّه: (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ‌(3)) »(4).

بدعوى أنّه عليه السلام علّل جواز التراضي على تأخير أجل البعض بنقد البعض بعدم الازدياد على رأس ماله، فيدلّ على أنّه لو ازداد على رأس ماله لم يجز التراضي على التأخير.

وفيه: الظاهر من الصحيح هو المعاملة على التأجيل نفسه، ولا يكون له نظرٌ إلى بيع الحالّ بالمؤجّل.9.


1) سورة البقرة: الآية 275.

2) سورة البقرة: الآية 275.

3) سورة البقرة: الآية 279.

4) من لا يحضره الفقيه: ج 3/33 ح 3270، وسائل الشيعة: ج 18/448 ح 24019.

الوجه الثالث: النصوص الكثيرة الآتي بعضها، الدالّة على كيفيّة الاسترباح بزيادة محلّلة، فإنّها تشهد بأنّ بذل الزيادة في قبال الأجل لو كان صحيحاً لما توقّفت حليّة الزيادة على هذه الحليّة، ودلالة هذه النصوص على البطلان في القسم الثاني تتوقّف على تأمّل زائد.

قال الشيخ قدس سره(1): (ويدلّ عليه بعض الأخبار الواردة في تعليم... الخ):

منها: موثّق ابن عمّار، قال: «قلتُ لأبي الحسن عليه السلام: يكون لي على الرجل دراهم، فيقول: أخّرني بها وأنا اُربحك، فأبيعه جُبّة تقوّم عليَّ بألف درهم بعشرة آلاف درهم - أو قال بعشرين ألفاً - واُؤخره بالمال‌؟ قال عليه السلام: لا بأس»(2).

ومنها: موثّق محمّد بن إسحاق، عن الإمام الرّضا عليه السلام، قال:

«قلت له: الرجل يكون له المال، فيدخل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تسوى مائة درهم بألف درهم، ويؤخّر عنه المال إلى وقت‌؟

قال عليه السلام: لا بأس، قد أمرني أبي ففعلت ذلك.

وزعم أنّه سأل أبا الحسن عنها فقال عليه السلام مثل ذلك»(3).

ونحوهما غيرهما.

ومنها: خبر إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن عليه السلام: «سألته عن الرّجل يكون له مع رجل مال قرضاً، فيعطيه الشيء من ربحه مخافة أن يقطع ذلك عنه، فيأخذ ماله من غير أنْ يكون شَرَط عليه‌؟0.


1) المكاسب: ج 6/223.

2) الكافي: ج 5/205 ح 11، وسائل الشيعة: ج 18/55 ح 23128.

3) من لا يحضره الفقيه: ج 3/287 ح 4033، وسائل الشيعة: ج 18/55 ح 23130.

ولو اشترى نسيئةً وجبَ أن يخبر بالأجل إذا باعه مرابحةً‌، فإن أخفى تخيّر المشتري بين الرّد و الإمساك بالثمن حالّاً، و إذا باع مرابحةً نسب الربح إلى السِّلعة لا إلى الثمن.

ولو اشترى أمتعةً صفقةً بثمنٍ لم يجز له بيعُ أفرادها مرابحةًبالتقويم إلّابعد الإعلام.

قال: لا بأس بذلك ما لم يكن شرطاً»(1).

المسألة الثامنة: (ولو اشترى نسيئةً‌...) إلى آخر ما ورد في المتن.

وتمام الكلام في ذلك في الجزء القادم في خاتمة الفصل الثاني عشر في السَّلف. فانتظر(2).

***).


1) الكافي: ج 5/103 ح 3، وسائل الشيعة: ج 18/354 ح 23832.

2) فقه الصادق: ج 27/172، (الفصل الثاني عشر: في السّلف).

الفصل السابع: فيما يدخلُ في المبيع.

من باع أرضاً دخل فيها النخل والشجر مع الشَرط، وإلّا فلا، ويدخلُ لو قال:

(بعتكها وما أغلق عليه بابها).

الفصل السابع: (فيما يدخل في المبيع)

أقول: المعروف بينهم أنّ الضابط الاقتصار على ما يتناوله اللّفظ لغةً أو عرفاً.

قال الشهيد الثاني رحمه الله(1): (المراد بالعُرف ما يشمل الخاص الذي منه الشرعي، بل هو مقدّم عليهما إذا لم تتّفق، ثمّ العرفي، ثمّ اللّغوي).

وتبعه صاحب «الحدائق»(2).

وكيف كان، ف‍ (من باع أرضاً، دخَل فيها النخل والشَجر مع الشرط) بلا كلامٍ ولا إشكال، (وإلّا فلا)، بلا خلافٍ كما عن «التنقيح»(3)، وعن «التذكرة»(4): (لو كان وسطها أشجار لم يدخل عندنا).

(ويدخل لو قال بعتكها وما أغلق عليه بابها) بلا إشكالٍ‌، وتشهد به مكاتبة الصفّار في الصحيح إلى أبي محمّدٍ عليه السلام:

«في رجل اشترى من رجل أرضاً بحدودها الأربعة، وفيها زرع ونخل وغيرهما من الشجر، ولم يذكر النخل ولا الزرع ولا الشجر في كتابه، وذكر فيه أنّه


1) شرح اللّمعة: ج 3/530.

2) الحدائق الناضرة: ج 19/143.

3) التنقيح الرائع: ج 2/62.

4) تذكرة الفقهاء: ج 12/57 (ط. ج).

ويدخلُ في الدار الأعلى والأسفل، إلّاأن يستقلّ بالسُّكنى عادةً‌. ولو باع نخلاً مؤبراً فالثمرة للبائع،

قد اشتراها بجميع حقوقها الداخلة فيها والخارجة منها، أيدخُل النخلُ والأشجارُ في حقوق الأرض أم لا؟

فوقّع عليه السلام: إذا ابتاع الأرض بحدودها، وما أغلق عليه بابها، فله جميع ما فيها إنْ شاء اللّه تعالى‌»(1).

(و) كذا (يدخلُ في الدار) إذا باعها (الأعلى والأسفل) بلا خلاف ولا إشكال، (إلّا أن يستقلّ‌) الأعلى (بالسُّكنى عادةً‌) أو يكون لها طريقٌ مخصوص ونحوه.

وفي «الجواهر»(2): (اشترك السقف حينئذٍ بينهما، وعليه يُحمل إطلاق المكاتبة الصحيحة:

«في رجلٍ اشترى من رجلٍ بيتاً في دارٍ له بجميع حقوقه، وفوقه بيتٌ آخر، هل يدخل البيت الأعلى في حقوق البيت الأسفل أم لا؟

فوقّع عليه السلام: ليس له إلّاما اشتراه باسمه وموضعه إنْ شاء اللّه»(3). مع أنّها في البيت لا في الدار) انتهى‌.

(ولو باع نخلاً مؤبراً) ثمرها، أي التي لُقّح بَذر طَلْع الفَحل من النخل في طَلع الإناث بعد تشقيقه، (فالثمرة للبائع) بلا خلافٍ‌. وحكى عليه الإجماع. وتشهد به نصوص كثيرة:0.


1) تهذيب الأحكام: ج 7/138 ح 84، وسائل الشيعة: ج 18/90 ح 23217.

2) جواهر الكلام: ج 23/130.

3) من لا يحضره الفقيه: ج 3/242 ح 3884، وسائل الشيعة: ج 18/91 ح 23220.

ولو لم يؤبّر فالثمرة للمشتري. ولا يدخلُ الحَمل في الابتياع من غير شرطٍ، فلو استثنى نخلةً كان له المدخل إليها والمخرج منها، ومدى جرائدها في الأرض.

منها: خبر غياث بن إبراهيم، عن مولانا الصادق عليه السلام: «من باع نخلاً قد أبّر فثمرته للبائع، إلّاأن يشترط المتاع، ثمّ قال: قضى به رسول اللّه صلى الله عليه و آله»(1).

ومنها: خبر يحيى بن أبي العلاء، عنه عليه السلام: «من باع نخلاً قد لقّح، فالثمرة للبائع، إلّا أن يشترط المبتاع. قضى رسول اللّه صلى الله عليه و آله بذلك»(2).

ونحوهما خبر عقبة بن خالد.

(ولو لم يؤبّر فالثمرة للمشتري) على المشهور، بل عن «المختلف»(3)و «التذكرة»(4)و «الخلاف»(5)الإجماع عليه.

(ولا يدخلُ الحَمل في الابتياع من غير شرطٍ) إلّاأنْ يكون هناك عادة على خلاف ذلك.

وسيأتي الكلام فيه مفصّلاً في بيع الحيوان(6).

(فلو استثنى نخلةً‌، كان له المدخل إليها والمَخرجُ منها، ومدى جرائدها) وعروقها (في الأرض)، وليس للمشتري شيءٌ منه، وقد قال سيّدنا الصادق عليه السلام في).


1) الكافي: ج 5/177 ح 14، وسائل الشيعة: ج 18/93 ح 23224.

2) الكافي: ج 5/177 ح 12، وسائل الشيعة: ج 18/93 ح 23223.

3) مختلف الشيعة: ج 5/200-201.

4) تذكرة الفقهاء: ج 12/64 (ط. ج)، قوله: (ولا ثمرة شيء من الأشجار إلّاالنخل إذا لم يؤبّر. ولو شرط خلاف ذلك، جاز).

5) الخلاف: ج 3/79.

6) فقه الصادق: ج 27/145، (الفصل الحادي عشر: في بيع الحيوان).

خبر السكوني: «قضى النبيّ صلى الله عليه و آله في رجلٍ باع نخلاً واستثنى غلّة نخلات، فقضى له رسول اللّه صلى الله عليه و آله بالمدخل إليها والمخرج منها، ومدى جرائدها»(1). ونحوه غيره(2).

***ن.


1) من لا يحضره الفقيه: ج 3/101 ح 3416، وسائل الشيعة: ج 18/91 ح 23219.

2) وسائل الشيعة: ج 18/91 باب 30 من أبواب أحكام العقود (باب إنّ من باع واستثنى نخلة أو نخلات فله المدخل إليها والمخرج منها ومدى جرائدها إلّامع الشرط) وفيه روايتين.

الفصل الثامن: في التسليم، وهو التخلية فيما لا يُنقل ويحوّل، والكيل والوزن فيما يُكال أو يُوزن، والقبض باليد في الأمتعة، والنقل في الحيوان.

الفصل الثامن: (في التسليم)

اشارة

أقول: وقد عبّر عنه في جملةٍ من الكلمات بالقبض، والمراد واحدٌ.

(و) النظر في ماهيّته ووجوبه وأحكامه في طيّ مسائل:

المسألة الأُولى‌: اختلفوا في ماهيّة القبض الذي (هو) المراد من التسليم هنا، بعد اتّفاقهم على أنّه (التخلية فيما لا يُنقل ويُحوّل) على أقوال:

القول الأوّل: ما في المتن وعن «المختلف»(1)(و) هو (الكيل والوزن فيما يُكال أو يُوزن، والقَبض باليد في الأمتعة، والنقل في الحيوان).

وقريبٌ منه ما عن «الدروس»(2).

القول الثاني: إنّه التخلية مطلقاً، صرّح به المحقّق(3)، وحكي عن تلميذة صاحب «كاشف الرموز»(4)، ونَسبه فخر المحقّقين(5)إلى بعض متقدّمي أصحابنا.


1) مختلف الشيعة: ج 5/279.

2) الدروس: ج 3/213.

3) شرائع الإسلام: ج 2/29.

4) كشف الرموز: ج 1/471.

5) إيضاح الفوائد: ج 1/506.

القول الثالث: ما عن «جامع المقاصد»(1)و «المسالك»(2)وصاحب «الكفاية»(3)والمحقّق الأردبيلي(4)، وهو: الاستقلال والاستيلاء عليه باليد.

وهنا أقوالٌ أُخر نعرض عن ذكرها.

أقول: وتنقيح الكلام يتحقّق بالبحث في جهات:

الجهة الأُولى‌: إنّ تحديد مفهوم القبض إنّما هو لترتيب الآثار والأحكام المترتّبة على هذا العنوان في الشرع، وأمّا ما لم يؤخذ القبض في موضوعه - كما في رَدّ المغصوب، وأداء ما في اليد، ونحو ذلك - فلا ملزم في تصوير الجامع بين ما يعتبر فيه، وبين القبض، ولا محذور في الالتزام بتعدّد المعنى.

الجهة الثانية: إنّ القبض الذي هو المبدأ لهذه المادّة، له معنى واحد، وباعتبار قيامه بالبائع مثلاً يعبَّر عنه بالإقباض، وباعتبار قيامه بالمشتري قيام حلول يعبّر عنه بالقبض، ولايكون معناه متعدّداً، من غير فرق بين تفسيره بالتخلية أو الاستيلاء، ولكلٍّ من اعتباري هذا المعنى الواحد آثار وأحكام.

وعليه فما في «المكاسب» من بطلان تفسير القبض بالتخلية قطعاً، من جهة أنّ القبض فعل المشتري والتخلية فعل البائع، في غير محلّه.

الجهة الثالثة: إنّ القبض في اللّغة له معنى واحد في جميع موارد استعماله، والظاهر أنّه الاستيلاء على الشيء والتصرّف فيه، كان ذلك بالقبض باليد أو بسائر2.


1) جامع المقاصد: ج 4/391-392.

2) مسالك الأفهام: ج 3/239.

3) كفاية الأحكام: ص 96.

4) مجمع الفائدة والبرهان: ج 8/512.

الجوارح، أو بإجراء المعاملة عليه، أو إغلاق الباب، أو نحو ذلك في المنقول وغيره، والمكيل والموزون وغيرهما، في الحيوان وغيره، فإنّ هذا المعنى هو المناسب لما يُقابل البسط المساوق للإمساك، والظاهر أنّه في الشرع أيضاً استعمل في هذا المعنى الوحداني، وسيمرّ عليك ما توهم دخله فيه بالتعبّد شرعاً.

الجهة الرابعة: إنّ ما اعتبر فيه القبض بعنوانه، وتوهّم أنّه في نصوصه وأدلّته اعتبر في القبض زائداً على ما ذكرناه شيءٌ آخر، أو فُسّر بغير ما اخترناه أُمور:

الأمر الأوّل: الخروج عن ضمان المبيع، فإنّه منوطٌ بالقبض بعنوانه، كما في النبويّ المعروف: «كلّ مبيعٍ تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه»(1).

وفي رواية عقبة بن خالد، عن مولانا الصادق عليه السلام: «في رجلٍ اشترى متاعاً من رجلٍ وأوجبه، غير أنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، فسُرِق المتاع، من مال يكون‌؟

قال عليه السلام: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته، حتّى يقبض المتاع، ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته، فالمبتاعُ ضامنٌ لحقّه حتّى يرد ماله إليه»(2)، الشارحة لحقيقة القبض بما يوهم خلاف ذلك.

فقد قيل: إنّ الإخراج من البيت كناية عن إخراجه عن تحت استيلائه، وتمكين المشتري منه، فتدلّ على كفاية الاستيلاء في صدق القبض.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ الإخراج إلى المشتري مساوقٌ لاستيلائه، وهذا هو مراد الشيخ رحمه الله(3)ممّا أفاده في المقام.4.


1) عوالي اللآلئ: ج 3/212 ح 69، مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/303 ح 15430-1.

2) الكافي: ج 5/171 ح 12، وسائل الشيعة: ج 18/23 ح 23056.

3) المكاسب: ج 6/243-244.

وفيه أوّلاً: إنّ الخبر ضعيف السند لمحمّد بن عبد اللّه بن هلال المهمل.

وثانياً: إنّه يمكن أن يُقرأ (يَقبض) بالفتح من القبض، ويكون الفاعل هو المشتري، وعليه فالإخراج المعطوف عليه فعله وتصرّفه في المبيع، فهو يؤكّد ما ذكرناه من عدم كفاية التخلية والاستيلاء في صدقه.

أقول: والظاهر إلى هذا نظر العلّامة(1)، والشهيد رحمهما الله(2)، حيث استندا إليه في اعتبار النقل في صدق القبض، وما أفاداه يتمّ إنْ كان مرادهما من النقل مطلق التصرّف الخارجي كما لعلّه الظاهر، واللّه العالم.

الأمر الثاني: الرهن، وظاهر الآية والرواية اعتبار القبض فيه بعنوانه، مع أنّ مجرّد الاستيلاء يكفي، فإنّ الاستيثاق المقوّم له يحصل بمجرّد الاستيلاء، ولم يعتبر القبض إلّالأجل الاستيثاق.

وفيه: إنّ الاستيثاق مقوّم حقيقة الرهن، والقبض شرطٌ فيه شرعاً، فاعتبار القبض ليس لأجل الاستيثاق.

الأمر الثالث: بيع المكيل والموزون، وقد اشتهر أنّ القبض في المكيل والموزون يتحقّق بالكيل والوزن، وقد استدلّ له بجملةٍ من النصوص:

منها: صحيح معاوية، عن مولانا الصادق عليه السلام: «عن الرجل يبيع قبل أن يقبضه‌؟ فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلاتبعه حتّى تكيله أو تزنه، إلّاأن توليه الذي قام عليه»(3).3.


1) مختلف الشيعة: ج 5/279.

2) الدروس: ج 3/213.

3) وسائل الشيعة: ج 18/68 ح 23163.

ومنها: صحيح منصور بن حازم، عنه عليه السلام: «إذا اشتريت متاعاً فيه كيلٌ أو وزن فلا تبعه حتّى تقبضه، إلّاأن توليه»(1).

ومنها: صحيح علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام: «سأله عن الرجل يشتري الطعام، أيحلّ له أن يولّى منه قبل أن يقبضه‌؟

قال: إذا لم يربح عليه شيئاً فلا بأس، فإنْ ربح فلا بيع حتّى يقبضه»(2).

ومنها: خبر أبي بصير، عن سيّدنا الصادق عليه السلام: «عن رجلٍ اشترى طعاماً ثمّ باعه قبل أن يكيله‌؟

قال: لا يعجبني أن يبيع كيلاً أو أو وزناً قبل أن يكليه أو يزنه إلّاأن يوليه كما اشتراه»(3).

ونحوها غيرها.

أقول: وتقريب الاستدلال بها من وجهين:

الوجه الأوّل: إنّها تدلّ على اعتبار الكيل والوزن، وحيث أنّه ليس لأجل اشتراط صحّة المعاملة بهما، وإلّا لم يكن فرقٌ بين التولية وغيرها، فلا محالة يكون لأمرٍ آخر، وحيث إنّه قام الإجماع على جواز بيع الطعام بعد قبضه، فيعلم من ذلك أنّه يكون من جهة كونه قبضاً.

الوجه الثاني: إنّ جملةً من النصوص - كصحيحي منصور وعليّ بن جعفر - متضمّنة للنهي عن بيع المكيل والموزون قبل القبض، وجملةٌ منها - كصيحّح معاوية،68


1) تهذيب الأحكام: ج 7/35 ح 35، وسائل الشيعة: ج 18/68 ح 23164.

2) وسائل الشيعة: ج 18/67 ح 23161، مسائل علي بن جعفر: ص 123.

3) تهذيب الأحكام: ج 7/37 ح 42، وسائل الشيعة: ج 18/69 ح 23168

وخبر أبي بصير - متضمّنة للنهي عن بيعهما قبل الكيل والوزن، ومقتضى الجمع بين الطائفتين كون قبضهما هو الكيل والوزن، وفي صحيح معاوية شهادة على ذلك.

ثمّ إنّ مورد النصوص وكلمات الأصحاب البيع الثاني قبل القبض، بعد الفراغ عن صحّة البيع الأوّل الذي هو حرامٌ أو مكروه، ومحلّ الكلام أنّ القبض الرافع للحرمة أو الكراهة:

هل يكون منحصراً في الكيل والوزن المتجدّد بينهما؟

أم هما أحد أفراده‌؟

أم لا يكفيان عن القبض‌؟

أم يعتبر فيه شرعاً زائداً على ما هو حقيقة القبض تعبّداً؟

أقول: المستفاد من جملة من الأخبار والنصوص على ما يقتضيه الجمود على ظواهرها، أنّ البيع الثاني لا يجوز تحريماً أو تنزيهاً في المكيل والموزون، قبل الكيل والوزن، وقبل القبض، أي الرافع للحرمة أو الكراهة هما معاً، وما ادّعي من الإجماع على الجواز بعد القبض وإنْ لم يكل أو يوزن غير ثابت، كيف وقد صرّح صاحب «الجواهر» بأنّ ظاهر النصوص اعتبار الكيل والوزن حتّى مع القبض، وحينئذٍ يبقى سؤال وهو أنّه في صحيح معاوية سُئل عن البيع قبل القبض، وأجاب عليه السلام بأنّه في المكيل والموزون لا بيع قبل الكيل والوزن، ولو لم يكن القبض خصوص الكيل والوزن لما صحّ ذلك.

ويمكن أنْ يقال: إنّه إذا كان المبيع كليّاً لا يعتبر في صحّته فعليّة الكيل والوزن، وإنّما يُكتفى بتقديره بمقدارٍ معيّن كيلاً أو وزناً، ولكن يعتبر فعليّتهما في مقام الوفاء

وتطبيق الكلّي على الفرد، وتعيينه في الفرد، وحيث أنّ تطبيق الكلّي على الفرد وتعيينه فيه متوقّفٌ على قبول المشتري وقبضه، فمجرّد الكيل أو الوزن الفعلي من دون قبض من صاحب الحقّ لا يوجبُ التعيين، بل هو كيلُ مالِ البائع لا كيلُ مالِ المشتري، ففعليّة الكيل والوزن مساوقةٌ لقبض المشتري وقبوله، وعلى هذا تنزّل كلمات من نُسب إليه كون قبض المكيل والموزون بكيله أو وزنه، واستثناء التولية إنّما يكون مناسباً لهذا المقام، كما أفاده بعض الأكابر، فإنّه يولّيه البيع الصحيح، ويكون هو المباشر لما يكون وفاء، فكأنّ اعتبار بيع التولية اعتبارُ قيام المشتري الثاني مقام المشتري الأوّل في الظرفيّة للبيع، لا أنّه بيعٌ جديدٌ حتّى يعتبر فيه قبض البائع في البيع الثاني، هكذا أُفيد، واللّه العالم.


وهو واجبٌ على البائع في المبيع، وعلى المشتري في الثمن.

القول في وجوب القبض

المسألة الثانية: (وهو) أي التسليم (واجبٌ على البائع في المبيع، وعلى المشتري في الثمن) بلا خلافٍ‌.

أقول: وتنقيح الكلام يتحقّق بالبحث في مقامين:

الأوّل: في دليل وجوب التسليم، وأنّه هل يُجبر عليه لو امتنع مَن وجَب عليه أم لا؟

الثاني: في الفروع المتفرّعة عليه.

أمّا المقام الأوّل: فيدلّ عليه أمران:

الأمر الأوّل: إنّ مقتضى العقد مالكيّة كلٍّ من المتبايعين لمال الآخر، ومن لوازم المِلك وآثاره سلطنة المالك على ماله بالتصرّف فيه بأيّ نحوٍ شاء، وبدفع مزاحمة الغير ومطالبته عمن بيده المال ووجوب الدفع عليه، وحيث إنّ هذا من لوازم المِلْك والملك مقتضى العقد، فيصحّ أنْ يقال:

إنّ العقد يقتضي وجوب التسليم من حيث مدلوله الالتزامي، ولازم هذا الوجه وجوب التسليم وإنْ امتنع الآخر عنه، لأنّ ظلم أحدٍ لا يسوّغ ظلم الآخر.

والسؤال المطروح: لو امتنع عن التسليم، هل يُجبر عيله من غير ناحية الأمر بالمعروف أم لا؟

ويُجبران معاً لو امتنعا.

ربما يقال: إنّه لا يُجبر، لأنّه ليس له إلّاالمِلك، ولا أثر للملك إلّاالسلطنة التكليفيّة، ولا وجوبَ على من بيده المال إلّابعنوان أداء مال الغير، والإجبار إنّما يكون لو امتنع عن حقّ كي يرفع أمره إلى الذي هو وليّ الممتنع.

أقول: لكن الأظهر أنّه يُجبر عليه، لأنّ الحاكم وليّ من امتنع عن حقّ الغير أو ماله، ولذا لو كان المال الموروث عند شخصٍ‌، وامتنع عن أدائه، يتولّاه الحاكم، أو يُجبره على الدفع من باب ولايته على الممتنع.

وبعبارة أُخرى‌: إنّه وإنْ لم يُجبر عليه من ناحية وجوب التسليم الذي هو على هذا المسلك تكليف محض، ولكن يُجبر عليه من ناحية موضوعه وهو مال الغير.

الأمر الثاني: إنّ بناء العقلاء في باب المعاوضات على التسليم والتسلّم، فيصير القبض والإقباض من الشروط الضمنيّة التي التزم بها المتعاقدان في متن العقد، ويكون الخيار لأجل تخلّف هذا الشرط الضمني، فكلّ منها يستحقّ على صاحبه تسليم ما في يده، ولازم هذا الوجه هو الإجبار لو امتنع عن التسليم بلا كلامٍ‌.

الفروع المتفرّعة على وجوب التسليم

(و) أمّا المقام الثاني: فالفروع المذكورة أربعة:

الفرع الأوّل: ويدور البحث فيه عمّا لو امتنعا معاً عن التسليم:

فالمشهور بين الأصحاب أنّهما (يُجبران معاً لو امتنعا).

وعن «التنقيح»(1)الإجماع عليه.

وعن «الخلاف»(2)، و «المبسوط»(3)، و «الغنية»(4)وغيرها: أنّه يُجبر البائع أوّلاً على تسليم المبيع، ثمّ يُجبر المشتري على تسليم الثمن.

وهناك قولان آخران للعامّة:

الأوّل: أنّه يُجبر المشتري أوّلاً على تسليم الثمن.

الثاني: أنّه لا يُجبران معاً.

واستدلّ للأوّل: بأنّ كلّاً منهما امتنع عمّا وجبَ عليه، فيُجبر عليه.

واستدلّ للثاني: بأنّ الثمن تابعٌ للمبيع، ويستحقّ عليه، فيجب أوّلاً تسليم المبيع ليستحقّ الثمن، ووجّهه الشيخ رحمه الله(5):

1 - بانصراف إطلاق العقد إلى ذلك، ولذا استقرّ العرف على تسمية الثمن عوضاً وقيمةً‌، ويقبحون مطالبة الثمن قبل دفع المبيع.

2 - وبأنّه بتسليمه يستقرّ البيع ويتمّ‌، إذا لو تلف القبض كان من مال البائع.

ويرد على الأوّل: إنّ الثمن عوض لا تابعٌ‌، وإنّما يتّصف كلّ من المبيع والثمن بالعوضيّة في مرتبةٍ واحدة وآنٍ واحد، وهو عند تماميّة العقد من دون سبقٍ ولحوق أصلاً، وكذا في مرتبة استحقاق التسليم المعاوضي. وكون انصراف إطلاق العقد ذلك ممنوعٌ‌، وتقبيح مطالبة الثمن قبل دفع المبيع كتقبيح العكس.2.


1) التنقيح الرائع: ج 2/64-65.

2) الخلاف: ج 3/151.

3) المبسوط: ج 2/148.

4) غنية النزوع: ص 229.

5) المكاسب: ج 6/262.

ويرد على الثاني: إنّ البيع يتمّ بالقبض، وقد حكم الشارع تعبّداً بالانفساخ لو تلف المبيع قبل القبض.

واستدلّ للثالث: بأنّ حقّ المشتري متعيّنٌ في المبيع، فيؤمر بدفع الثمن ليتعين حق البائع، فإنّ للبائع حقّاً آخر وهو التسلّط على الخيار بعد الثلاثة، وقد يفوته ذلك بالقبض. كذا في «الجواهر»(1).

أقول: وما ذكره رحمه الله أوّلاً إلى قوله: (فإنّ للبائع) موجودٌ في محكي «التذكرة»(2)، وأمّا ما ورد في ذيله فهو إضافة منه رحمه الله، والظاهر كونهما وجهين:

فإنّ مآل ما في «التذكرة» إلى أنّه إنّما يجبُ التسليم بعد تعيين حقّ كلّ منها، وقبل تسليم الثمن بما أنّه لا يكون حقّ البائع متعيّناً، فيجب الابتداء به كي يتعيّن حقّه.

ومرجع ما في «الجواهر» إلى أنّ تكليف البائع بالابتداء بالدفع يفوّت حقّاً يختصّ به، وهو خيار التأخير.

والجواب عن الوجه الأوّل: - مضافاً إلى اختصاصه بالثمن الكلّي الذي نبّه عليه في آخر كلامه - أنّ وجوب التسليم، سواءٌ أكان من باب وجوب رَدّ المال إلى صاحبه، أم من باب الشرط الضمني، فإنّه لا فرق فيه بين المتعيّن والكلّي، ونسبته إليهما على حَدٍّ سَواء، من دون تقدّم وتأخّر بينهما.

ويرد على الوجه الثاني: إنّ وجوب التسليم إنّما يكون من باب الشرط الضمني، ونسبة ذلك إليهما على حَدٍّ سَواء، على حَدٍّ سَواء، وتفويت حقّ أحدهما على تقديرٍ،).


1) جواهر الكلام: ج 23/145.

2) تذكرة الفقهاء: ج 1/564 (ط. ق).

لا يصلح مانعاً عن العمل بما التزم على نفسه.

واستدلّ للرابع: بأنّ الوجوب على كلّ منهما مشروطٌ بعدم امتناع الآخر، فإذا امتنعا معاً ارتفع الوجوب عنهما.

وفيه: إنّ دليل الوجوب:

إنْ كان ما دلّ على وجوب رَدّ المال إلى صاحبه، فهو مطلقٌ غير مشروط.

وإنْ كان هو الشرط الضمني، وهو إنْ كان مقيّدا بتسليم الآخر - على ما ستعرف - إلّاأنّه ليس مقيّداً بعدم امتناع الآخر مطلقاً، حتّى فيما إذا كان امتناعه لأجل امتناع هذا عن التسليم. فتدبّر فإنّه دقيق.

وعليه، فالأظهر هو القول الأوّل.

الفرع الثاني: لو امتنع أحدهماعن التسليم، مع تمكين الآخر من التسليم، فإنّه يُجبر عليه، وهل يجب التسليم على صاحبه ما لم يُجبر عليه، كما عن المحقّق الأردبيلي(1)؟

أم يجوز له عدم التسليم كما عن المشهور؟ وجهان:

استدلّ للأوّل: بأنّ الانتقال بالعقد يقتضي وجوب الدفع على كلّ واحد منهما، ومنع أحدهما حقّ الآخر وظلمه لا يجوز الظلم للآخر ومنعه حقّه، واستجوده المحدّث البحراني رحمه الله(2).

أقول: ولكن الأظهر هو الثاني، لأنّه التزم كلّ منهما في ضمن العقد أن يسلّم بإزاء التسليم، ولازم ذلك عدم بالمطالبة مع عدم التسليم، ومعه فليس للممتنع مطالبة صاحبه، ومن المعلوم أنّه لا يجبُ دفع ما لا يستحقّ صاحبه مطالبته.2.


1) مجمع الفائدة والبرهان: ج 8/503-504.

2) الحدائق الناضرة: ج 19/152.

وإنْ شئت قلت: إنّ الالتزام بالتسليم المعاوضيّ ينحلّ إلى التزامين:

1 - الالتزام بالتسليم عند تسليم الآخر.

2 - والالتزام بعدم التسليم عند امتناع الآخر.

الفرع الثالث: لو كان تسليم أحد العوضين مؤجّلاً، فإنّه لا إشكال في أنّه لا يجب على مشترط التأخير التسليم، ويجب على غيره، إنّما الكلام فيما إذا لم يُسلّم غير مشترط التأخير حتّى حَلّ الأجل، ففي هذه الصورة:

هل لكلٍّ تسليم حكم نفسه، فلو امتنع أحدهما عنه ليس للآخر الامتناع عنه، كما عن الأكثر؟

أم يعود حكم التقابض‌؟

وجهان مبنيّان على أنّه:

كما لا التزام بالتسليم المعاوضي قبل حلول الأجل، هل لا يكون التزامٌ به بعده أيضاً؟

أم أنّ هناك التزامٌ بالتسليم المطلق قبل حلول الأجل، وبالتسليم المعاوضي بعده إذا فرض عدم تسليم غير المؤجّل‌؟

صريح «الجواهر»(1)والمتن وغيرهما هو الأوّل، ولكن المتتبّع طريقة العرف يطمئن بالثاني، اُفرض أنّه بعد العقد المذكور اطمئن غير مشترط التأخير بأنّ صاحبه لا يُسلّم بعد حلول الأجل، فهل يُلزمه أهل العرف بالتسليم، كلّا، وليس ذلك إلّالأجل الالتزام الضمني.7.


1) جواهر الكلام: ج 23/147.

وعليه، فالأظهر هو الثاني.

الفرع الرابع: إنّه بناءً على الالتزام بالتسليم المعاوضي، لو قبض الممتنع ماله بغير إذن صاحبه، فلا كلام في أنّ لصاحبه استرداده، لأنّه وإنْ يعدّ ماله، إلّاأنّ المفروض أنّ لصاحبه حقّ الامتناع عن تسليمه، وتسلّطه على حبسه مع امتناع القابض عن التسليم، إنّما الكلام حينئذٍ عن تصرّفاته وأنّها هل تجوز أم لا؟

اختار صاحب «الجواهر»(1)الثاني، واستدلّ له: بأنّه المناسب للإرفاق، وحديث الضرار.

وفيه: إنّ المناسب للإرفاق وحديث الضرار هو الأوّل، فإنّه ماله، ولايكون متعلّقاً لحقّ الغير، إذ لم يثبت بالالتزام إلّاجواز الامتناع لا حدوث حقٍّ في العين يمنع عن التصرّف فيها، ومنع المالك عن التصرّف في ماله ضررٌ عليه، وعليه فالأظهر هو الأوّل.

***7.


1) جواهر الكلام: ج 23/147.

ويجبُ التسليم مفرّغاً.

لزوم التفريغ

المسألة الثانية: لا خلاف (و) لا إشكال في أنّه (يجب التسليم مفرّغاً) من أمواله مطلقاً، ومن غيرها في الجملة.

أقول: وتنقيح القول في المقام يتحقّق بالبحث في فروع:

الفرع الأوّل: يجبُ على البائع تفريغ المبيع من أمواله ومن غيرها، إلّامع علم المشتري باشتغاله به ورضاه بذلك، والدليل عليه ما دلَّ على وجوب التسليم من الوجهين.

الفرع الثاني: ويدور البحث فيه عن إنّ وجوب التفريغ هل هو نفسي كوجوب التسليم، أو شرطي‌؟

ظاهر كلمات القوم هو الثاني، حيث قالوا: يجبُ التسليم مفرّغاً.

واستدلّ الشيخ رحمه الله(1)للأوّل بوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ إطلاق العقد كما يقتضي أصل التسليم، كذلك يقتضي التسليم مفرّغاً، والمراد بالإطلاق إمّا هو الشرط المُضمَر، أو أنّ مقتضى العقد هو مالكيّة كلّ من المتعاقدين لما في يد الآخر، وتترتّب على كلّ منهما آثار الملكيّة، ومنها سلطنة مالكه عليه، ودفع مزاحمة الغير عنه، وترك التفريغ يعدّ مزاحمة له في سلطانه


1) المكاسب: ج 6/266.

على الانتفاع بماله، فيجبُ عليه التفريغ دفعاً للمزاحمة.

أقول: الظاهر أنّ مقتضى كلا الوجهين ما أفاده من الوجوب النفسي:

أمّا الثاني: فواضحٌ‌.

وأمّا الأوّل: فلأنّ الشرط ليس واحداً وهو التسليم التامّ‌، بل هو اثنان لتعدّد الغرض، من كون المبيع تحت سلطانه، والانتفاع به بجميع الانتفاعات.

الوجه الثاني: إنّ التسليم بدونه كالعدم بالنسبة إلى غَرض المتعاقدين.

وفيه: إنّه لو تمّ لدلّ على الوجوب الشرطي لا النفسي، كما لا يخفى‌.

الفرع الثالث: لو تراخى زمان الإمكان، ومضت مدّة، ولم يتمكّن البائع من التفريغ، أو لم يفرّغ، فقد حكم الشيخ رحمه الله(1)بالخيار مع شرطين، هما:

كون المشتري جاهلاً، وتضرّره بفوات بعض المنافع.

أقول: الظاهر أنّ نظره إلى حديث لا ضرر المختصّ بصورة التضرّر والجهل، ولكن بما أنّ هذا الخيار يمكن إثباته من باب تخلّف الشرط، فلا يكون مقيّداً بصورة التضرّر وفوات بعض المنافع.

الفرع الرابع: لو مضت مدّة وفات فيها بعض المنافع:

فإنْ كان بتقصيرٍ منه، كان تفويتاً للمنفعة، فتشمله قاعدة (من أتلف مال الغير...)(2)ويثبت ضمانه.

وإنْ لم يكن بتقصيرٍ منه:

فإنْ كان الفوات - أي فوات المنفعة - مستنداً إليه، ولو كان من غير اختيارٍع.


1) المكاسب: ج 6/267.

2) قاعدة مستفادة من مضامين الأخبار وعليها الإجماع.

منه، كان ضامناً لقاعدة (من أتلف) وإلّا فلا، اذ لا إتلاف، ولا يد(1)عليها لفرض كونها تحت يد المشتري، فلا موجب للضمان.

وأمّا قاعدة احترام مال التسليم(2)، وقاعدة نفي الضرر(3)، فقد تقدّم في هذا الشرح(4)أنّه لا يمكن إثبات الضمان بهما.

حكم ما لو كانت الأرض مشغولة بالزّرع

الفرع الخامس: لو كانت الأرض مشغولة بزرعٍ للبائع لم يبلغ أوان حصاده، ففيه جهات من البحث:

الجهة الأُولى‌: إنّه هل يجبُ على المشتري الصبر إلى بلوغ أوانه‌؟ أم له السلطنة على المنع من إبقاء الزرع‌؟ أم له القلع أو الإلزام بقلعه‌؟

استدلّ للأوّل: بلزوم تضرّر البائع بالمنع من الإبقاء ولزوم القلع، فسلطنة المشتري على المنع من الإبقاء مرفوعة بقاعدة نفي الضرر.

وأُورد عليه تارةً‌: بأنّ البائع أقدم على هذا الضرر ببيعه الذي هو نقلٌ للمنافع إلى ملك الغير تبعاً للأرض.

وأُخرى‌: بأنّه معارضٌ بتضرّر المشتري من عدم سلطنته على المنع، وكون ذلك تحت استيلاء البائع.


1) سنن البيهقي: ج 6/90، كنز العمّال: ج 5/257.

2) الكافي: ج 2/359 ح 2، وسائل الشيعة: ج 29/20 ح 35048.

3) الكافي: ج 5/294 ح 8، وسائل الشيعة: ج 18/32 ح 23075.

4) راجع: فقه الصادق: ج 24/316.

ودفع ذلك بانجبار ضرره بالخيار كما في «المكاسب»(1)، غريبٌ‌، لأنّ لزوم البيع ليس ضرريّاً كي يثبت الخيار، بل الموجب للضرر هو سلطنة البائع على الإبقاء، وعدم سلطنة المشتري على المنع، ومعلومٌ أنّ القاعدة إنّما ترفع كلّ حكمٍ كان ضرريّاً، ولا تدلّ على رفع حكمٍ آخر، وإنْ لزم منه عدم الضرر من هذا الحكم.

أقول: وفيهما نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّ صدق الإقدام على الضرر، يتوقّف على ثبوت السلطنة للمشتري على المنع عن الإبقاء، وهي مرفوعة بالحديث، وعليه فلا إقدام على الضرر.

وإنْ شئت قلت: إنّ صدق الإقدام متوقّفٌ على ثبوت السلطنة، وهو يتوقّف على صدق الإقدام، وإلّا فهي ترتفع بالحديث، وهذا دور.

وأمّا الثاني: فلأنّ عدم السلطنة لا يكون مشمولاً لحديث لا ضرر، لأنّه مختصٌّ بالأحكام الوجوديّة، والبائع لاسلطنة له على الإبقاء، إذ الإنسان مسلّطٌ على مال نفسه دون مال غيره، والسلطنة على الإبقاء تعدّ سلطنةٌ على مال الغير، فعدم هذه السلطنة إنّما هو لعدم المقتضى لا لوجود المانع.

وبالتالي، فالأظهر أنّه لا سلطنة له على المنع من الإبقاء أو القلع أو الإلزام بقلعه.

الجهة الثانية: هل للمشتري الخيار مع الجهل أم لا؟

الظاهر ذلك لتخلّف الشرط المضمر، فإنّ بناء المتعاقدين ارتكازاً على ما مرّ تسليم المبيع مفرّغاً.7.


1) المكاسب: ج 6/267.

الجهة الثالثة: هل للمشتري مطالبة الاُجرة مع اختيار البائع الإبقاء، وعدم إعمال المشتري للخيار، أم لا؟

الأظهر هو الأوّل، فإنّ العين بما لها من المنافع تنتقل بالبيع إلى المشتري، والبائع يستوفي منفعتها المملوكة له بإبقاء الزرع، فلابدَّ من دفع الاُجرة لاحترام مال المسلم.

ودعوى: أنّ احترام المال سقط بمقتضى حديث لا ضرر، الدالّ على أنّه لا سلطنة للمشتري على المنع من إبقاء الزرع، ومعه لا وجه للبناء على بقاء احترامه وعدم ذهابه هدراً.

مندفعة: بأنّ لكلّ مالٍ مضافٍ إلى مسلم حيثيّتين: الحيثيّة الماليّة، والحيثيّة الملكيّة، ولكلّ منهما احترامٌ‌، ومقتضى الاحترام من جهة الحيثيّة الأُولى‌، هو عدم ذهابه بلا تدارك، ومقتضى الاحترام من ناحية الحيثيّة الثانية عدم مزاحمة المالك في سلطانه بالتصرّف فيه من غير إذنه ورضاه.

وحديث لا ضرر إنّما أسقط الاحترام من الحيثيّة الثانية، ولا وجه لسقوط الاحترام من الحيثيّة الأُولى‌.

وعليه، فالأظهر ثبوت الاُجرة.

لو احتاج تفريغ الأرض إلى هدم شيء

الفرع السادس: لو احتاج تفريغ الأرض إلى هَدم شيء هُدم.

أقول: والكلام في هذا الفرع أيضاً في جهات:

الجهة الأُولى‌: هل يتوقّف الهدم على إذن المشتري أم لا؟

ربما يقال: بعدم التوقّف نظراً إلى أنّ شرط التفريغ شرطٌ لذلك كلّه، وبناءً عليه قيل لا يجبُ بعد الهدم إصلاح ما أفسد.

وفيه: إنّ شرط التفريغ ليس إلّاشرط كون الدار فارغة، لا شرط فعل البائع، مع أنّه شرطٌ له لا عليه، وعليه فلو سُلّم كون الشرط هو التفريغ، المتوقّف على الهدم، فإنّه لا وجه للقول بعدم وجوب الإصلاح، إذ قد عرفت أنّ للمال المضاف إلى المسلم بالإضافة الملكيّة حيثيّتين، ولكلّ منهما احترامٌ‌، وسقوط احترامه من إحدى الحيثيّتين لا يوجبُ سقوطه من الحيثيّة الأُخرى‌.

الجهة الثانية: إنّه بعد الهدم هل يجب إعادته أو الأرش، أم هناك فرقٌ بين ما كان مثليّاً كحائط البساتين فالإعادة، وبين ما لم يكن كذلك فالأرش‌؟ وجوه:

الأظهر هو الأخير، ولا يخفى وجهه.

الجهة الثالثة: إنّ الأرش الذي يؤخذ، هل هو قيمة الهدم، أو أرش العيب‌؟

صرّح الشيخ(1)بالأوّل، وهو الأظهر، لأنّ هذا العيب إنّما طرأ بإذن المشتري، وإنّما يحكم بضمان القيمة لأجل الاحترام بالتقريب المتقدّم.

حكم امتناع البائع عن التسليم

الجهة الرابعة: في امتناع البائع عن التسليم، وفيها فروع:

الفرع الأوّل: لو كان الامتناع لا عن حقّ‌، فإنّه لا كلام في ضمان المنافع، لأنّه يعدّ كغيره من الغاصبين.


1) المكاسب: ج 6/267.

الفرع الثاني: إذا كان امتناعه عن حقّ‌:

فإن استوفى البائع المنفعة، ضمن بلا كلام، لاستيفائه منافع مال الغير.

وإنْ لم يستوفها، ففيه وجهان بل قولان:

استدلّ للضمان: بأنّ جواز الحبس غير سقوط حقّ المنفعة.

توضيحه: إنّ مقتضى اليد والإتلاف هو الضمان، ولا مانع سوى جواز الحبس، وهو لا يصلح للمانعيّة.

استدلّ الشيخ رحمه الله(1)لعدم الضمان بقوله: (إلّا أنّ منافع الأموال الفائتة بحقّلا دليل على ضمانها).

توضيحه: إنّ مال الغير إذا جاز حبسه، إمّا أنْ يكون من جهة كونه أمانة مالكيّة، أو يكون من جهة كونه أمانة شرعيّة، ولكلّ منهما وجه في المقام، فإنّ الالتزام بالتقابض المعاوضي مقتضاه استحقاق الحبس، وهو أقوى من التأمين المالكي، والمفروض أنّ الشارع الأقدس أيضاً رخّص في الحبس، وعلى التقديرين لا ضمان، إذ لا سبيل على الأمين.

الفرع الثالث: هل على المشتري نفقة المبيع أم لا؟ أم هناك تفصيل بين كونه عن حقّ فعليه النفقة، وبين كونه لا عن حقّ فعلى البائع‌؟

وجوهٌ أظهرها الأخير، لأنّ الحبس عن حقّ لا يوجبُ سقوط نفقة المملوك عن مالكه، فضلاً عن ثبوتها للبائع، وأمّا في الحبس لا عن حقّ‌، فمقتضى صحيح أبي ولّاد(2)كون النفقة على الغاصب.2.


1) المكاسب: ج 6/269.

2) الكافي: ج 5/290 ح 6، وسائل الشيعة: ج 19/119 ح 24272.

ويجوزُ بيع ما لم يَقبض قبله، إلّاأنْ يكون طعاماً، فلا يبيعه إلّاتوليةً‌

الفرع الرابع: لا إشكال في عدم وجوب نفقة الزوجة مع عدم التمكين، إذا كان الامتناع لا عن حقّ‌، لاشتراط وجوبها بالتمكين التامّ‌، إنّما الإشكال فيما إذا كان الامتناع عن حق، كما إذا امتنعت حتّى تقبض المهر.

ومنشأ الإشكال: أنّ الشرط هو التمكين الواجب عليها، وحيثُ لا وجوب مع جواز الامتناع، فهل يجب دفع النفقة، أو يجب التمكين المطلق، ولا تجب النفقة‌؟

ولعلّ الظاهر هو الأوّل، وعليه فالفرق بين النفقة في المقامين واضح، فإنّ نفقة المملوك غير مشروطة بخلاف نفقة الزوجة.

الفرع الخامس: لو طلب المشتري من البائع الانتفاع به في يده، فهل تجب إجابته أم لا؟

وجهان مبنيّان على أنّ الملتزم به هو التقابض المعاوضي خاصّة، فلا دليل في مقابل قاعدة السلطنة المقتضية للسلطنة على جميع التصرّفات ومنها ذلك، فإنّ الشرط هو عدم التسليم مع امتناع صاحبه عنه، أو هو المنع من التصرّفات، ولا يبعد أظهريّة الثاني.

حكم بيع ما لم يقبض

الجهة الخامسة: (ويجوزُ بيع ما لم يقبض قبله) إنْ لم يكن مكيلاً أو موزوناً، إجماعاً بقسميه كما في «الجواهر»(1)(إلّا أنْ يكون طعاماً، فلا يبيعه إلّاتولية) كما


1) جواهر الكلام: ج 23/164.

صرّح به غير واحدٍ من الأساطين، بل عن «المبسوط»(1)و «الخلاف»(2)«الغُنية»(3):

الإجماع عليه.

أقول: وحقّ القول في المقام أنّ نصوص الباب طوائف:

الطائفة الأُولى‌: ما دلَّ على المنع عن بيع ما لم يقبض مطلقاً:

منها: صحيح الحلبي، عن مولانا الصادق عليه السلام: «في الرجل يبتاع الطعام ثمّ يبيعه قبل أن يُكال‌؟ قال: لا يصلح له ذلك»(4).

ومنها: صحيح منصور، عنه عليه السلام: «عن رجلٍ اشترى بيعاً ليس فيه كيلٌ ولاوزن، ألهُ أن يبيعه مرابحةً قبل أن يقبضه ويأخذ ربحه‌؟

فقال عليه السلام: لا بأس بذلك، ما لم يكن كيل ولا وزن»(5).

ونحوهما غيرهما.

الطائفة الثانية: ما دلَّ على الجواز مطلقاً:

منها: الخبر الذي رواه الكرخي، قال: «قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: أشتري الطعام من الرجل ثمّ أبيعه من رجلٍ آخر قبل أن أكتاله، فأقول: ابعث وكيلك حتّى يشهد كيله إذا قبضته‌؟ قال عليه السلام: لا بأس»(6).

ومنها: خبر جميل، عن مولانا الصادق عليه السلام: «في الرّجل يشتري الطعام ثمّ يبيعه5.


1) المبسوط: ج 2/119-120.

2) كما هو ظاهر الخلاف: ج 3/140 مسألة 230.

3) غنية النزوع: ص 209.

4) الكافي: ج 5/178 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/66 ح 23157.

5) من لا يحضره الفقيه: ج 3/217 ح 3804، وسائل الشيعة: ج 18/69 ح 23170.

6) من لا يحضره الفقيه: ج 3/209 ح 3780، وسائل الشيعة: ج 18/65 ح 23155.

قبل أن يقبضه‌؟ قال: لا بأس»(1).

ونحوهما غيرهما.

الطائفة الثالثة: ما دلَّ على التفصيل بين التولية وغيره، بالجواز في الأوّل خاصّة، كصحيح ابن حازم، عنه عليه السلام:

«إذا اشتريت متاعاً فيه كيلٌ أو وزن، فلا تبعه حتّى تقبضه، إلّاأن توليه، فإنْ لم يكن فيه كيلٌ ولا وزن فبعه»(2).

ونحوه غيره.

أقول: وللقوم في الجمع بين هذه النصوص مسلكان:

أحدهما: ما اختاره الشيخ رحمه الله(3)وجمع من الأساطين(4)، من تقييد الطائفتين الأولتين بالثالثة، لكونها أخصّ منهما، وهذا جمعٌ عرفي.

والشيخ رحمه الله(5)أيّده بأنّ حمل النواهي على الكراهة مع استناد التولية، يقتضي أن لا يكون بيع التولية مكروهاً، مع أنّه لا خلاف في كراهته.

ولكن يرد على هذا التأييد: أنّ ما دلَّ على كراهته - على فرض النواهي على المنع - يدلّ على الكراهة الخفيفة، على فرض حملها على الكراهة والاستثناء، إنّما يدلّ على عدم ثبوت ما ثبت لغيره له، فإنْ كان هو المنع فهو المنفيّ عنه، وإنْ كان شدّة الكراهة فهي.9.


1) الكافي: ج 5/179 ح 3، وسائل الشيعة: ج 18/66 ح 23158.

2) من لا يحضره الفقيه: ج 3/206 ح 3772، وسائل الشيعة: ج 18/68 ح 23164.

3) المكاسب: ج 6/289-290.

4) حاشية المكاسب للايرواني: ج 2/81.

5) المكاسب: ج 6/289.

ثانيهما: ما ذهب إليه أكثر المحقّقين(1)من حمل الأخبار المتضمّنة للنهي على الكراهة.

أقول: قد ذكروا في وجهه: إنّ حمل المطلق على المقيّد، إنّما يكون جمعاً عرفيّاً لولا العوارض، وهي في المقام تقتضي أولويّة الحمل على الكراهة، وهي اُمور:

الأمر الأوّل: إنّ النصوص المانعة المطلقة حملها على بيع التولية، حملٌ على الفرد النادر، لوضوح أنّ التجار غالباً لا يعجّلون بالبيع قبل القبض مع عدم الربح أصلاً.

الأمر الثاني: إنّه لو بنى على التقييد لزم حمل ما تضمّن من النصوص جواز بيع الثمرة قبل قبضها، على خصوص الباقية منها على الشجرة.

الأمر الثالث: إنّه يجبُ على التقييد تقييدها أيضاً بما إذا لم يكن البيع قبل القبض من نفس البائع فإنّه جائز.

الأمر الرابع: إنّه يجب على فرض التقييد تقييدها أيضاً بما إذا لم يكن البيع من أحد الشركاء لشريكه، لأنّه جائزٌ على ما دلَّ عليه الخبر.

أقول: وبعض هذه الوجوه وإنْ لم يخل عن المناقشة، إلّاأنّ في بعضها الآخر المؤيّد بغيره كفاية، وعليه فالأظهر هو الحمل على الكراهة.

فرع: مقتضى إطلاق النصوص، عدم الفرق بين كون المبيع شخصيّاً أم كليّاً، لكن السؤال عن أنّه هل المنع تكليفي أو وضعي‌؟

ربما يقال بالأوّل نظراً إلى ظهور النهي في كونه مولويّاً لا إرشاديّاً.

وفيه: إنّ هذا الظهور إنّما هو في غير باب المعاملات والموانع، وأمّا فيهما فله).


1) حاشية المكاسب للميرزا الشيرازي: ج 2/105، حاشية المكاسب للاصفهاني: ج 5/407 (ط. ج).

ظهورٌ ثانوي في الإرشاد، فيكون ظاهراً في الحكم الوضعي.

وأمّا ما عن «الجواهر»(1)من استفادة البطلان من النصوص، وإنْ كان النهي مولويّاً نفسيّاً.

فيرده: ماتقدّم في هذا الشرح(2)من أنّ النهي عن المعاملة لا يستلزمُ فسادها، ما لم يكن إرشاداً إلى الفساد.

أقول: وينبغي التنبيه على أُمور:

***1.


1) جواهر الكلام: ج 23/169.

2) راجع: فقه الصادق: ج 20/31.

الثمن لا يكون ملحقاً بالمبيع

التنبيه الأوّل: هل يلحق الثمن بالمبيع في هذا الحكم، كما هو ظاهر جماعةٍ‌(1)، أم لا كما عن «التذكرة»(2)و «جامع المقاصد»(3)؟ وجهان.

قد استدلّ للّحوق بوجهين:

أحدهما: إنّ ما ذكروه من التعليل للمنع في المبيع، وهو قصور ولاية المشتري لانفساخ العقد بتلفه، جارٍ في الثمن.

وفيه: إنّ هذا وجهٌ اعتباري استحساني، لا يصلُح لأن يعتمد عليه في الحكم الشرعي.

ثانيهما: ما ورد في ذيل خبر الحلبي من قوله عليه السلام: «إنّ هذا ليس بمنزلة الطعام إنّ الطعام يُكال»(4)يدلّ عليه، لأنّ المفهوم من التعليل الوارد من أنّ (كلّ ما يُكال لا يجوز بيعه قبل قبضه).

وفيه أوّلاً: إنّه أخصّ من المدّعى لاختصاصه بالمكيل.

وثانياً: إنّ المعلّل هو بيع ما اشتراه من البرّ، فالتعليل لا يقتضي إلّاأنّ كلّ ما اشتراه ممّا يُكال لا يباع قبل قبضه، لا أنّ كلّ ما يُكال لا يجوز بيعه قبل قبضه.

وثالثاً: إنّه من الجائز أنْ يكون مورده البيع قبل أن يقبض حصّته من الشركاء،


1) المبسوط: ج 2/120.

2) تذكرة الفقهاء: ج 1/474 (ط. ق).

3) جامع المقاصد: ج 4/399.

4) من لا يحضره الفقيه: ج 3/217 ح 3805، وسائل الشيعة: ج 18/67 ح 23162.

بل هو الظاهر منه، فهو أجنبيٌ عن المقام.

وقد استدلّ لعدم اللّحوق: بقول الإمام الصادق عليه السلام - وقد سُئل عن الرجل باع طعاماً بدراهم إلى أجل، فلمّا بلغ الأجل تقاضاه، فقال: ليس عندي دراهم خُذ منّي طعاماً - «لا بأس، إنّما له دراهمه يأخذ بها ما شاء»(1).

ومورده وإنْ كان هو البيع ممّن هو عليه، إلّاأنّه يتمّ في غيره بعدم الفصل، كما أنّ مورده جعل الثمن ثمناً أيضاً، ولكن يتعدّى إلى جعله مبيعاً.

وفيه أوّلاً: إنّ إلغاء خصوصيّة المورد من الجهتين غير ثابت.

وثانياً: إنّه مختصّ بغير المكيل.

وثالثاً: إنّه إمّا ظاهرٌ في المعاوضة غير البيع أو مطلق.

وعلى الأوّل: لا كلام.

وعلى الثاني: إنْ كانت نصوص الباب شاملة للثمن تخصّصه، وإلّا فيكفى العمومات للحكم بالصحّة.

وعليه، فالأظهر عدم اللّحوق لاختصاص النصوص بالمبيع.

التنبيه الثاني: هل يختصّ الحكم بالبيع، أم يعمّ مطلق الاستبدال، ويكون البيع في النصوص كنايةً عنه‌؟ وجهان.

الجمود على ظواهر النصوص، يقتضي الاختصاص بالبيع، ولا يثبت هذا الحكم فيما إذا كان النقل بغير البيع، لما انتقل إليه، أو لما ينتقل عنه.

وحمل البيع على إرادة مطلق الاستبدال، يحتاجُ إلى دليلٍ مفقود، وإلغاء0.


1) تهذيب الأحكام: ج 7/33 ح 24، وسائل الشيعة: ج 18/307 ح 23730.

الخصوصيّة مع ما يُرى من تفاوت البيع مع غيره حكماً، وإن اتّحد نتيجةً لا وجه له.

وبعض الوجوه الاعتباريّة، مثل قصور ولاية المشتري في التصرّف، لانفساخ العقد بالتلف، وإنْ كان جارياً في غير البيع إذا كان النقل إليه بالبيع، إلّاأنّه لا يُعتمد عليه في الحكم.

إقرار البيع على ما لم يقبض

التنبيه الثالث: هل المراد من البيع المنهيّ عنه إيقاع عقد البيع على ما لم يُقبض، أو ما يعمّ تشخيص الكلّي المبيع به‌؟ وجهان.

أقول: وتنقيح القول في المقام يتحقّق بالبحث في جهات:

الجهة الأُولى‌: إنّ محلّ الكلام ليس جواز إبقاء الكلّي غير المقبوض، لأنّه داخلٌ في التنبيه السابق، بل محلّ الكلام جَعل البيع السابق مستقرّاً على فردٍ غير مقبوضٍ للبائع، كما إذا كان عليه سَلمٌ لصاحبه فدفع إليه دارهم وقال: اشتر بها طعاماً واقبضه لنفسك، فإنّ من عليه السَّلم هو مشتري الطعام، ولم يقبض ما اشتراه، وجَعَل البيع السابق مستقرّاً على ما اشتراه.

وجه توهم المنع عنه أمران:

الأمر الأوّل: إنّ النصوص مطلقة شاملة لإحداث البيع على ما لم يقبض وإقراره عليه(1)، والشيخ رحمه الله(2)استظهر منها الاختصاص بالأوّل، ثمّ قال: (بل هو المتعيّن في الأخبار المفصّلة بين التولية وغيرها). ثمّ نفى البُعد عن الشمول للثاني عن سياق مجموع الأخبار.


1) من لا يحضره الفقيه: ج 3/206 باب البيوع، وسائل الشيعة: ج 18/65 باب 16 (جواز بيع المبيع قبل قبضه).

2) المكاسب: ج 6/300.

أقول: أمّا استظهاره الاختصاص من النصوص فمتينٌ‌، فإنّظاهرها كون الممنوع عنه إحداث البيع على ما اشتراه قبل قبضه.

كما أنّ دعواه تعيّنه في الأخبار المفصّلة متينة، لأنّ جعل المشتري مصداقاً للكلّي الثابت في ذمّته بالاستسلاف، ليس من بيع التولية مع التساوي، ولا من بيع مرابحةً أو مواضعةً‌، مع الاختلاف في القيمة.

وأمّا ما نفى عنه البُعد، فغيرُ تامٍّ‌، لما عرفت من ظهور النصوص.

الأمر الثاني: صحيح الحلبي المروي عن مولانا الصادق عليه السلام:

«عن رجلٍ أسلفته دراهم في طعامٍ‌، فلمّا حَلّ طعامي عليه، بعث الىَّ بدارهم، فقال: اشتر لنفسك طعاماً واستوف حقّك‌؟

قال: أرى أن يولّي ذلك غيرك، وتقوم معه حتّى يقبض الذي لك، ولا تتولّى أنتَ شرائه»(1).

ونحوه غيره.

وفيه: إنّ هذه النصوص تدلّ على عدم مباشرة الشراء من جهة كونه في معرض التهمة، والمطلوب عدم جواز الاستيفاء.

وقد يستدلّ للجواز: بصحيح ابن شعيب المروي عن مولانا الصادق عليه السلام:

«عن الرجل يكون له على الآخر أحمالٌ من رُطبٍ أو تَمر، فيبعث إليه بدنانير فيقول: اشتر بهذه، واستوف الذي لك‌؟ قال: لا بأس إذا ائتمنه»(2).

وفيه أوّلاً: إنّ الاستدلال به يتوقّف على كون احمال الرطب عليه بعنوان بيع8.


1) الكافي: ج 5/185 ح 5، وسائل الشيعة: ج 18/310 ح 23738.

2) تهذيب الأحكام: ج 7/42 ح 68، وسائل الشيعة: ج 18/310 ح 23738.

السّلم لا بعنوانٍ آخر، وإلّا فهو غير مربوطٍ بالمقام، بل هو داخلٌ تحت عنوان الوفاء المحض.

وثانياً: إنّه ظاهرٌ في التوكيل في الشرط والقبض من قبل البايع، ثمّ استيفاء الحقّ منه، وهذا لا إشكال في جوازه.

الجهة الثانية: أنّ ما يُشترى لإقرار البيع السابق عليه، ربما يكون شخصيّاً، وربما يكون كليّاً، فإنْ كان شخصيّاً، فالكلام فيه من وجهين:

الوجه الأوّل: ما تقدّم من أنّه هل يشمل البيع الممنوع عنه قبل القبض، لإقرار البيع على ما لم يقبض، أم لا، وقد تقدّم ما هو الحقّ عندنا.

الوجه الثاني: فيما أفاده الشهيد الثاني رحمه الله(1)الذي ذكره الشيخ رحمه الله(2)بعد أسطر بعنوان الإيراد على الشهيد الأوّل(3)، وحاصله:

إنّ ما يتعيّن مصداقاً للكلّي المبيع من الأعيان الشخصيّة بالحوالة وغيرها، ليس هو نفس المبيع، وإنْ كان الأمر الكلّي إنّما يتحقّق في ضمن الأفراد الخاصّة، فإنّها ليست عينه، ولذا لو ظهر المدفوع مستحقّاً أو معيباً يرجع الحقّ إلى الذمّة، ففي الحقيقة هذا إشكالٌصغروي لشمول النصوص لإقرار البيع السابق على ما لم يقبض.

وفيه: إنّ الكلّي يوجد بوجود فرده، فإذا انطبق الكلّي على فردٍ، يصير ذلك الفرد مبيعاً بالحمل الشائع، ويصدق عليه أنّه انتقل إلى المشتري بعقد البيع.

وإنْ كان كليّاً، فيدخل تحت عنوان المسألة المعنونة في الفقه، وهي أنّه لو كان1.


1) مسالك الأفهام: ج 3/251.

2) المكاسب: ج 6/303.

3) الدروس: ج 3/211.

له على غيره طعام من سَلَمٍ‌، وعليه مثل ذلك، فأمر غريمه أن يكتال لنفسه من الآخر، فإنّه يكره أو يحرم على الخلاف.

وقد علّل ذلك في «الشرائع»(1)وغيرها(2)بأنّه قبضه عِوضاً عن ماله قبل أن يقبضه صاحبه.

وتنقيح القول فيها: إنّ محلّ الكلام ليس بيع ماله على غيره بما هو عليه، فإنّه من أفراد بيع ما لم يقبض، بل محلّ الكلام تعيين ما عليه فيما له على غيره، بحيث يكون وفاء، وتصوير ذلك إنّما هو بقبض ماله على غيره، ثمّ تعيين ما عليه فيه، وإلّا فلا يعقل انطباق الكلّي المتخصّص بكونه في ذمّة أحدٍ على ما هو المتخصّص بكونه في ذمّة الآخر، وعليه فتعيين ذلك:

1 - إمّا أنْ يكون بالتوكيل في القبض.

2 - وإمّا بمجرّد الإذن في قبض من له في ذمّته الكلّي.

3 - وإمّا بحوالة من له عليه على من عليه له.

أمّا التوكيل: فلا إشكال فيه، ولا يكون حينئذٍ من بيع ما لم يقبض.

وأمّا الإذن: فالظاهر كفايته في تعيين ماله على غيره، ولكن يصير سبباً لاستقرار المبيع بالسَّلم على ما لم يقبض.

وأمّا الحوالة:

فإنْ قلنا: بأنّ ظاهرها - بناءً على كونها معاوضة - كون المحيل مملّكاً ماله في ذمّة غريمه بإزاء ما لغريمه عليه، فماله معوّضٌ ومال غريمه عوض، كما أفاده الشيخ(3)،5.


1) شرائع الإسلام: ج 2/25.

2) القواعد: ج 2/87.

3) المكاسب: ج 6/305.

والقولُ قول البائع في عدم النقصان مع حضور المشتري الكيل والوزن مع يمينه وعدم البيّنة.

فهي بيعٌ حقيقة بصورة الحوالة، فتدخل في بيع ما لم يُقبض، من دون حاجةٍ إلى عنوان إقرار البيع السابق على ما لم يقبض.

وإنْ قلنا: بأنّها عبارة عن نقل ما ذمّة المُحال عليه إلى المحتاج عوضاً عمّا في ذمّته لا تبديلاً، فهي تكون نقلاً لما لم يقبض، فيدخل تحت العنوان المتقدّم في التنبيه السابق، ولا ربط له بإقرار البيع السابق، لأنّه يملك بهذا النقل لا بالبيع السابق.

وإنْ قلنا: بأنّها إيفاءٌ محض، فهي لا تصح، لأنّ ما ذمّة المُحال عليه كلّي لاناقل له على الفرض، ولا يكون فرداً كي ينطبق عليه ما في ذمّة المُحيل، فلا وجه لانطباق عقد السّلم على موردها.

التنبيه الرابع: إذا قبض المشتري المبيع ثمّ ادّعى نقصانه:

فتارةً‌: يحضر ويشاهد الكيل والوزن.

وأُخرى‌: لا يحضره ولا يكون شاهداً لهما.

قال المصنّف رحمه الله: (و) لا خلاف ظاهراً في أنّ (القول قول البائع في عدم النقصان مع حضور المشتري الكيل والوزن، مع يمينه وعدم البيّنة).

بل عن «الرياض»(1): قولاً واحداً، وهو الحجّة فيه خصوصاً مع اعتضاد قول البائع، لظهور الحضور في تماميّة المقبوض، أضف إليه أصالة براءة ذمّة البائع.).


1) رياض المسائل: ج 8/367 (ط. ج).

وقولُ المشتري مع عدم حضوره.

(و) القولُ (قول المشتري مع عدم حضوره).

وعن «الرياض»(1): قولاً واحداً، لأصالة عدم وصول حقّه إليه.

ولتمام الكلام محلّ آخر.

التنبيه الخامس: ذكر جماعة(2)أنّه لو دفع إلى مَنْ له عليه طعامٌ دراهمَ وقال (اشتر بها لنفسك طعاماً) لم يصحّ‌.

وفيه: إنّ صحّة ذلك وعدمه مبنيّتان على ما نوقش في أوّل مبحث البيع(3)من أنّ حقيقته:

هل هي المعاوضة المقتضية لدخول العوض في كيس من خرج المعوّض عن كيسه‌؟

أم حقيقته الإعطاء لا مجّاناً غير المقتضى لذلك‌؟

فعلى الأوّل لا يصحّ‌، وعلى الثاني يصحّ‌، وحيث أنّ المختار هو الثاني كما تقدّم، فالأظهر هي الصحّة.

وعليه، فهل يصير المبيع حينئذٍ عوضاً عمّا في ذمّته من الطعام أم لا؟ الظاهر ذلك، فإنّ في وفاء الدين لا يعتبر كون ما يوفى به مِلْكاً للمديون، ويصحّ أداء الغير من ماله.6.


1) رياض المسائل: ج 8/367 (ط. ج).

2) جواهر الكلام: ج 23/174، المكاسب: ج 3/85.

3) فقه الصادق: ج 22/236.

وأمّا مسألة المعاطاة والمقبوض بالعقد الفاسد ولو من جهة الغصبيّة، مع العلم بذلك، فقد تقدّم الكلام فيهما مفصّلاً في الأجزاء السابقة من هذا الشرح(1).

مطالبة الطعام في غير مكان حدوثه في ذمّته

الجهة السادسة: لو كان له طعامٌ على غيره فطالبه به في غير مكان حدوثه في ذمّته، فهنا فروع ثلاثة:

الفرع الأوّل: ما لو كان المال سَلَماً، فلو طالبة في غير مكان المعاملة، مع عدم اشتراط التسليم فيه، لا يجبُ أدائه كما هو مقتضى الشرط الضمني بالتسليم في بلد المعاملة، وأولى بعدم الوجوب ما لو طالبه بقيمة ذلك البلد.

ولو طالبة في ذلك البلد بقيمة بلد وجوب التسليم:

فتارةً‌: يتراضيان على ذلك.

وأُخرى‌: لا يرضى المُسلّم إليه.

وفيه أوّلاً: إنّه قد تقدّم جوازه.

وثانياً: على فرض العدم يكون البيع من البائع مستثنى منه.

وثالثاً: إنّ الممنوع على فرضه هو جعل الطعام مثمناً، ولا تشمل النصوص ما لو جُعل ثمناً.

ورابعاً: إنّه يختصّ بما لو اُريد بيع ما في ذمّته بالقيمة، ولا يعمّ غيره من أفراد الاستبدال.


1) فقه الصادق: ج 22/285 و ج 24/278 في (بيع المعاطاة).

وإنْ لم يرض المُسلّم إليه بذلك، فهل يجوز إجباره على ذلك أم لا؟ وجهان:

استدلّ للأوّل بوجهين:

أحدهما: ما هو ظاهر الكلام المحكيّ عن «التذكرة»(1)من أنّ التسليم في البلد من قبيل القيود المشخّصة للكلّي المبيع، التي بتعذّرها يصدق تعذّر وجود المبيع في الخارج، ومع تعذّره للمشتري مطالبة قيمته.

وفيه: إنّ التسليم في البلد - الذي يقتضيه إطلاق العقد بحسب الشرط الضمني الارتكازي - ليس من قبيل القيود المشخّصة، بل هو من قبيل الشروط الخارجيّة التي لا يصدق تعذّر المبيع بتعذّرها، بل غايته ثبوت الخيار للمشتري.

الثاني: ما أفاده الشيخ رحمه الله(2)وحاصلة إنّ شرط الأداء في بلد المعاملة - الذي هو شرطٌ لكلٍّ من المتبايعين على الآخر - قد تعذّر تحقّقه في الخارج بسوء اختيار البائع، فليس له عند مطالبة المشتري منه حقّ الامتناع عن الأداء.

وفيه: إنّ اشتراط التسليم في البلد ينحلّ إلى شرطين:

الأوّل: اشتراط القبض في البلد.

الثاني: عدم التسليم في غير ذلك، أي عدم ثبوت حقّ في التسليم في غيره.

وسوء الاختيار إنّما يُسقط حقّ البائع من ناحية الشرط الأوّل، ولا وجه لإبطاله حقّه من ناحية الشرط الثاني.

وبالجملة: فالأظهر عدم جواز الإجبار كما عن المشهور، لأنّ الواجب في ذمّته هو الطعام لا القيمة.1.


1) راجع تذكرة الفقهاء: ج 1/561 (ط. ق)، وحكاه عنه الميزرا الشيرازي في حاشيته على المكاسب: ج 110/2.

2) المكاسب: ج 6/311.

الفرع الثاني: أنْ يكون ما عليه قرضاً، ولا يخفى أنّه لا خلاف في جواز أخذ القيمة بسعر بلد القرض، وعليه فهل يجوز له المطالبة بالمثل في غير بلد القرض مع اختلاف القيمة أم لا؟

وجهان، أقواهما الثاني، لأنّ مقتضى إطلاق عقد القرض، التسليم في بلد القرض، وعليه فلو طالب لا يجبُ دفع المثل، فما عن «المختلف» من وجوبه ضعيفٌ‌.

وهل له المطالبة بقيمة بلد الاستحقاق - كما عن الشيخ(1)والقاضي(2)والفاضلين(3)وغيرهم، بل عن «غاية المرام»(4)نفي الخلاف فيه، أم لا كما في «الجواهر»(5)؟

قولان، أظهرهما الثاني، إذ لا وجه لجواز المطالبة، سوى ما تقدّم في المسألة الأُولى الذي عرفت ضعفه.

وعليه فما عن الشهيد رحمه الله(6)وفي «الجواهر»(7)من عدم جواز المطالبة بالمثل ولا بالقيمة هو الأظهر.

أقول: وأمّا الخبر الذي رواه سماعة أنّه: «سأل أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجلٍ له عليه مالٌ فغاب عنه، فرآه يطوف حول الكعبة، أيتقاضاه‌؟1.


1) المبسوط: ج 2/123.

2) المهذّب: ج 1/390.

3) الشرائع: ج 2/32، القواعد: ج 2/88.

4) حكاه عنه في مفتاح الكرامة: ج 4/725، وفي غاية المرام (مخطوط): ج 1/303.

5) جواهر الكلام: ج 23/181.

6) هو ما حكاه في جامع المقاصد: ج 5/34 بقوله: (وذهب شيخنا الشهيد في حواشيه إلى اعتبار موضع الشرطوالإطلاق في وجوب الدفع والقبول سواء كان للممتنع مصلحة أم لا).

7) جواهر الكلام: ج 23/181.

قال عليه السلام: لا تُسلّم عليه ولا تروّعه حتّى يخرج من الحرم».

فلا يُعلم كونه قرضاً، مع أنّه مساقٌ لبيان حرمة بيت اللّه الحرام، وأنّ له المطالبة في غير ذلك المكان بالتأدية في القرض، وربما كان هارباً منه.

الفرع الثالث: أنْ يكون الاستقرار من جهة الغصب، وقد أشبعنا الكلام في هذا النوع في هذا الشرح(1)في المقبوض بالعقد الفاسد.

انتقال الضمان إلى القابض

الجهة السابعة: من أحكام القبض، انتقال الضمان ممّن نقله إلى القابض، فقبله يكون مضموناً عليه بعوضه إجماعاً.

وملخّص القول فيه: إنّه لا كلام ولا إشكال في ذلك، وأنّه لو تلف قبل القبض يكون ضمانه على البائع، ويشهد له:

1 - النبويّ المشهور: «كلّ مبيعٍ تَلف قبل قبضه، فهو من مال بائعه»(2).

2 - وخبر عُقبة بن خالد، عن مولانا الصادق عليه السلام: «في رجلٍ اشترى متاعاً من رجل وأوجبه، غير أنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، قال: آتيك غداً إنْ شاء اللّه تعالى‌، فسُرق المتاع، من مال من يكون‌؟

قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته، حتّى يقبض المتاع، ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامنٌ لحقّه حتّى يرد إليه ماله»(3).


1) فقه الصادق: ج 24/278.

2) عوالي اللآلي: ج 3/212 ح 69، مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/303 ح 15430-1.

3) الكافي: ج 5/171 ح 12، وسائل الشيعة: ج 18/23 ح 23056.

أقول: إنّما الكلام في مواضع:

الموضع الأوّل: إنّ الضمان الثابت في المقام، هل هو ضمان المعاوضة، بحيث يتلف المبيع من البائع حقيقةً؟ أو ضمان الغرامة، بحيث يتلف في مِلْك المشتري، بحيث يكون تلفه عليه، ويكون منه حقيقةً كما عن «المسالك»(1)؟

وجهان، الأظهر هو الأوّل، وذلك لأنّ مدرك الضمان هو النبويّ وخبر عُقبة، وهما ظاهران في ذلك:

أمّا النبويّ‌: فلأنّ حرف (من) إمّا نشوية، أو للتبعيض، أو للابتداء:

فإنْ كانت نشوية: كان معنى الخبر: إنّ المبيع التالف بهذا الوصف ينشأ من مال البائع، ولازم ذلك كون التالف قبل التلف مالاً له، وإلّا لم يكن التلف ناشئاً من ملكه.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ ظاهره على هذا وقوع التلف على مال البائع، وحيث إنّه ليس المراد رجوعه إليه مجّاناً، بل المراد رجوعه إليه ببدله، فلازم ذلك انفساخ المعاملة.

وإنْ كانت للتبعيض: فظاهره وإنْ كان صيرورة المبيع مِلْكاً للبائع بالتلف، إلّاان ذلك لما كان غير معقول، فلابدَّ وأنْ يُراد به كونه ملكاً له قبل التلف آناً مّا، ويكون إطلاق المال عليه بعد التلف باعتبار كونه مالاً له قبله.

وإنْ كانت للابتداء: بأنْ يكون ضمير (هو) عائداً إلى التلف المستفاد من الماضي المشتقّ منه، كما في مثل قوله تعالى‌: (اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‌) (2)فيكون مفاده: إنّ التلف من البائع، ولازم ذلك الانفساخ، إذ فرقٌ بين كون التلف منه وكونه عليه،8.


1) مسالك الأفهام: ج 3/216.

2) سورة المائدة: الآية 8.

ولازم الأوّل دخوله في ملكه.

وعليه، فما أفاده المحقّق الايرواني رحمه الله(1)من أنّه على هذا لا يدلّ على الانفساخ، لصدق كون التلف منه مع ثبوت عوضه في أمواله غير تامّ‌، فإنّه يصدق كون التلف عليه لا منه.

وأمّا خبر عُقبة: فلأنّ قوله: «فسُرق المتاع من مال من يكون‌؟ قال: من مال صاحب المتاع» ظاهرٌ في أنّ السرقة واقعة على مال البائع، ولا يكون ذلك إلّا بالانفساخ حتّى تكون سرقته منه.

الموضع الثاني: إنّ هذا الضمان هل هو حقّيٌ قابلٌ للإسقاط؟ أم حكمٌ شرعي غير قابل له‌؟ وجهان:

أقواهما الثاني، لأنّ الضمان المعاوضي معناه كون المبيع بعد البيع، بحيث إذا تلف قبل قبضه ينفسخ العقد شرعاً، وهذه الحيثيّة بالإضافة إلى الانفساخ والملكيّة من قبيل القوّة بالإضافة إلى الفعليّة، وليس شيءٌ منهما حقّاً قابلاً للإسقاط، لا الانفساخ والملكيّة الفعليّة، ولا هذه الحيثيّة، وعليه فلا يصحّ إسقاطه.

الموضع الثالث: إنّه على الانفساخ هل يبطل البيع عندالتلف، أومن أصله‌؟ وجهان:

واستدلّ الشيخ(2)للأوّل: بأنّ تقدير كونه مِلْكٌ للبائع قبل التلف مخالفٌ لأصالة بقاء العقد.

وحاصله: إنّ الأصل بقاء العقد إلى حين التلف، رفعنا اليد عن ذلك بالنسبة إلى ما قبل التلف، فيبقى الباقي عملاً بالاستصحاب إلى حين العِلم بالزوال.2.


1) حاشية المكاسب للايرواني: ج 2/82.

2) المكاسب: ج 6/272.

وأورد عليه المحقّق التقي رحمه الله(1): بأنّ القول بالبطلان من رأس وإنْ كان مخالفاً لما دلَّ على صحّة البيع ونفوذه وحرمة نقضه، ولكن هذا لازمٌ على تقدير القول بالانفساخ قبل التلف آناً مّا، فإنّ مقتضى إطلاق تلك الأدلّة، ثبوت الملك، ووجوب الوفاء في جميع الأزمنة، لا مجرّد ثبوت الملك آناً مّا، مضافاً إلى لزوم مخالفة قاعدة سلطان الناس على أموالهم وأنفسهم. فإنّ مقتضى الأوّل عدم خروج مال أحدٍ عن ملكه بدون رضاه، ومقتضى الثاني عدم دخول شيءٍ في ملكه بدون رضاه، والانفساخ القهري موجبٌ لخرم كلّ من القاعدتين، بل يلزم من ذلك خرم قاعدة (الخراجُ بالضمان)(2)، حيث أنّ الخراج على هذا التقدير للمشتري، والضمان للبائع، بخلاف ما لو قلنا بالانفساخ من رأس، فإنّ الضمان والخراج للبائع.

وعليه، فالقول بالانفساخ من رأس مخالف لقاعدة واحدة، والقول بالانفساخ حين التلف مخالفٌ لقواعد أربع، فيقدّم الأوّل ترجيحاً لحفظ القواعد الأربع على حفظ دليل واحد.

ولو فرض التكافؤ والتساقط، فالمرجع أصالة فساد العقد، وعدم انتقال كلّ من العوضين عن صاحبه الأصلي إلى غيره.

وفيه: أمّا مخالفة القول بالانفساخ من حين التلف، لدليل صحّة البيع ونفوذه:

فيردّها: أنّ العقد الصحيح هو ما يؤثّر في الملكيّة المرسلة، والفسخ أو الانفساخ لا يوجبُ عدم التأثير كي ينافيه، بل موجبٌ لرفع هذه الملكيّة المرسلة.5.


1) حاشية المكاسب للميرزا الشيرازي: ج 2/100.

2) صحيح الترمذي: ج 5/285.

وأمّا مخالفته لقاعدة السلطنة على النفس والمال:

فيردّها: أنّ دليل السلطنة إنّما ينفي تصرّف غيره من الناس، والانفساخ حكمٌ شرعي لا معنى لكون دليل السلطنة نافياً له.

وأمّا مخالفته لقاعدة الخراج بالضمان:

فيردّها: ما تقدّم من عدم التلازم بينهما، وإنّما مفاد الحديث - على فرض وجوده - أنّ الضمان المعاوضي، أي ملكيّة العين بإزاء شيء، تتبعها ملكيّة المنافع.

وعليه، فالأظهر هو الانفساخ من حين التلف.

أقول: وعلى هذا فهل الانفساخ حقيقيٌ أو حكمي‌؟

قد استدلّ للثاني بوجهين:

أحدهما: إنّ المال في الآن المتّصل بقائه بانعدامه، يخرجُ عن الماليّة والملكيّة، إذ الشيء الذي يتلف في آخر وجوده لا قيمة له في العرف، ولا يبذل العقلاء بإزائه مالاً.

وفيه أوّلاً: إنّه لا يوجب الماليّة ما لم يكن معلوماً لعامّة الناس.

وثانياً: إنّ تقديره مِلْكاً إنّما هو لرجوع ما جُعل عوضاً عنه إلى مالكه، ولا فرق في ذلك بين كونه مالاً وعدمه.

الثاني: ما استند إليه المحقّق التقي رحمه الله(1)، من أنّ الجزء غير المتجزيء من الزمان غير موجود، فالمِلْك الحقيقي إنْ وجد لا في زمانٍ فهو محال، وإنْ وجد في زمانٍ‌، فيكون هذا الزمان لا محالة قابلاً للتجزئة، فيمكن فرض الملك في الأقلّ من ذلك،2.


1) حاشية المكاسب للميرزا الشيرازي: ج 2/102.

فلو حكم بالملك في هذا المقدار، مع إمكان الأقلّ منه، فلم لا يحكم في أكثر من ذلك‌؟! ولو التزم بكون المِلْك في أقلّ من الزمان المفروض، ينقل الكلام في ذلك المقدار من الأجل ونقول فيه ما قلناه في الفرض الأوّل.

وفيه: إنّه يلتزم بالملك في الجزء الأخير من الزمان عرفاً، وكون ذلك الجزء قابلاً للتجزئة عقلاً غير منافٍ بعد كونه غير قابل لها عرفاً.

وعليه، فالأظهر هو الانفساخ الحقيقي، على ما تقتضيه ظواهر الأدلّة، لأنّ ما دلَّ على كون التلف من البائع، يدلّ بالالتزام على الانفساخ الحقيقي.

الموضع الرابع: إنّ التلف الحقيقي مساوقٌ للانعدام، إلّاأنّ التلف عرفاً أعمٌّ منه، ومن كلّ ما لا يُرجى معه عود المبيع، كما هو ظاهر خبر عقبة بن خالد(1)، حيث حكم فيه بأنّه من البائع بسبب السرقة.

لا يقال: إنّ تعذّر التسليم عُدّ من أسباب الخيار، مع أنّ لازم هذا الوجه الانفساخ بسببه.

فإنّه يقال: تعذّر التسليم ربما يكون مع العلم بالتمكين بعد حينٍ أو مع الشكّ‌، وربما يكون مع العلم أو الاطمئنان بعدم الإمكان إلى الأبد، والمُلحق بالتلف هو الثاني، والموجبُ للخيار هو الأوّل. فتأمّل فإنّ ذلك قابل للمنع.

الموضع الخامس: إذا وقع القبض غير واجدٍ لشرائط صحّته، فهل ينتقل الضمان أم لا؟

ملخَّص القول: إنّه مع فقد بعض ما يعتبر فيه، إنْ صدق عليه القبض الذي6.


1) الكافي: ج 5/171 ح 12، وسائل الشيعة: ج 18/23 ح 23056.

حقيقته الاستيلاء على المقبوض، مع التصرّف الخارجي، على ما تقدّم، انتقل الضمان، إذ لم يؤخذ في موضوع الانتقال سوى عنوان القبض، وعليه فلو تحقّق القبض من دون إذن ذي اليد كفى، وإنْ جاز استرداده.

وأمّا الكيل والوزن:

فإنْ كان البيع شخصيّاً: فهما غير معتبرين في القبض، وعلى فرض الاعتبار تعبّداً لا وجه لاعتبارهما في رفع الضمان.

وإنْ كان كليّاً: فالوفاء لا يكون إلّابالكيل والوزن.

وعليه فالقبض بلا إذنٍ من البائع لا يُحقّق الوفاء، ولا يشخّص ملك المشتري كي يرتفع الضمان.

وأمّا النقل: بناء على اعتباره:

فإنْ كان معتبراً في صدق القبض، فهو يعتبر في رفع الضمان.

وإنْ كان غير معتبرٍ فيه، وإن اعتبر تعبّداً، فلا يكون معتبراً في رفع الضمان.

وبالجملة: ممّا ذكرناه ظهر عدم الاكتفاء بالتخلية على القول بعدم كونها قبضاً، كما ظهر ما في كلمات الشيخ رحمه الله من الإشكال.

انتقال الضمان بالإتلاف

الموضع السادس: في الإتلاف، وهو:

1 - قد يكون من المشتري.

2 - وقد يكون من البائع.

3 - وقد يكون من الأجنبي.

الصورة الاُولى: فإنْ كان الإتلاف من المشتري، فحيث أنّه مساوقٌ للقبض، لأنّه استيلاءٌ مع التصرّف الخارجي، فبالإتلاف يتحقّق القبض، فلا يكون من التلف قبل القبض، ولا فرق في ذلك بين العلم والجهل.

وإنْ أبيتَ عن ذلك، فإنْ قلنا بشمول التلف للسماوي والاختياري، فينفسخ العقد من غير فرقٍ بين الصورتين، وإلّا فلابدَّ من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة، وهو كون التلف من المشتري لا من البائع.

الصورة الثانية: وإنْ كان الإتلاف من البائع، ففيه وجوه:

الوجه الأوّل: ما عن «المبسوط»(1)، و «الشرائع»(2)، و «التحرير»(3)، من كونه كالتلف موجباً للانفساخ.

الوجه الثاني: كونه موجباً لضمان الغرامة.

الوجه الثالث: تخيير المشتري بين الرجوع بالمسمّى، والرجوع ببدل التالف، اختاره جمعٌ من الأساطين(4)منهم الشيخ رحمه الله(5).

واستدلّ للأوّل: بأنّ الانفساخ في النَّص عُلّق على التلف، وهو قد يكون قهريّاً، وقد يكون اختياريّاً، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين أسبابه، بل ظاهر خبر عُقبة ابن خالد شموله للاختياري، فإنّ السرقة المنزّلة منزلة التلف لا تكون إلّا6.


1) المبسوط: ج 2/117.

2) شرائع الإسلام: ج 2/53.

3) التحرير: ج 1/175.

4) تذكرة الفقهاء: ج 1/508 (ط. ق)، الدروس: ج 3/212، جامع المقاصد: ج 4/404.

5) المكاسب: ج 6/276.

بالاختيار، ولا فرق في هذا المعنى بين إتلاف الأجنبي والبائع.

وفيه: إنّ التلف منصرفٌ إلى القهري.

وبعبارة أُخرى‌: إنّه بحسب المتفاهم العرفي مقابلٌ للإتلاف، وخبر عقبة قد مرّ أنّه ضعيف السند لمحمّد بن عبد اللّه بن هلال.

وبما ذكرناه يظهر مدرك القول الثاني، فإنّه إذا لم يشمله النبويّ يشمله (من أتلف مال الغير)، بل لو شكّ فيما ذكرناه واحتمل شمول التلف لمورد الإتلاف، يجري استصحاب بقاء المبيع على ملك المشتري، وينقّح بذلك موضوع (من أتلف...).

واستدلّ للثالث بوجهين:

الوجه الأوّل: إنّه يجتمع فيه سبب ضمان المسمّى والانفساخ، وهو (كلّ مبيعٍ تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه)، وسبب ضمان الغرامة، وهو (من أتلف مال الغير)، وحيث لا مرجّح لأحدهما فيحكم بالتخيير.

وفيه أوّلاً: ما تقدّم من عدم شمول التلف لما إذا كان السبب اختياريّاً.

وثانياً: إنّه لا تنافي بين الدليلين في المقام، فإنّ دليل (التلف قبل القبض) يوجبُ انفساخ المعاملة، وصيرورة المال للبائع، ويرتفع بذلك موضوع (من أتلف مال الغير...).

وبعبارة أُخرى‌: إنّ دليل (من أتلف) يدلّ على تأثير الإتلاف على تقدير وجود موضوعه، وليس هو كسائر الأدلّة حافظاً لموضوعه، ودليل (التلف قبل القبض) يوجبُ ارتفاع موضوعه، فلا تعارض بين الدليلين ولا تزاحم.

الوجه الثاني: إنّ الإتلاف يوجبُ تعذّر التسليم، فيوجب الخيار للمشتري،

وحيث إنّه متعلّق بمال المشتري، فيشمله دليل (من أتلف مال الغير)، فله الخيار والتضمين بالبدل، وحيث إنّه مع إعمال أحدهما لا مورد للآخر يتخيّر بينهما.

وأُورد عليه: بأنّ دليل الخيار مع تعذّر التسليم مختصٌّ بما إذا بقي المال على قابليّة التسليم، غاية الأمر تعذّر لعارضٍ‌.

وفيه: إنّه تخصيصٌ بلا وجه، وعليه فيتخيّر المشتري بين الفسخ وأخذ الثمن، والإبقاء وأخذ القيمة.

الصورة الثالثة: وإنْ كان الإتلاف من الأجنبي، جاء فيه الوجوه الثلاثة المتقدّمة، ووجه الانفساخ فيه أظهر، لما في خبر عقبة من الانفساخ بما هو بمنزلة إتلاف الأجنبي، فالأظهر فيه أيضاً التخيير بين الفسخ وأخذ الثمن، والإبقاء وأخذ البدل من الأجنبي.

فرع: ولو قبض المشتري بغير إذن البائع، حيث يكون له الاسترداد، فأتلفه البائع، ففي كونه كإتلافه قبل القبض‌؟ أو كونه إتلافاً له بعد القبض‌؟ وجهان:

اختار أوّلهما في محكيّ «التذكرة»(1)، واستدلّ لكونه كإتلافه قبل القبض بوجهين:

أحدهما: إنّ القبض بلا إذن كالعدم، وقد تقدّم عدم توقّف صدق القبض على الإذن.

ثانيهما: إنّ إتلاف البائع إيّاه استردادٌ، فكما أنّه لو استردّه فأتلفه يكون من الإتلاف قبل القبض، وكذا لو تلف باسترداده، كذلك لو أتلفه فإنّه).


1) تذكرة الفقهاء: ج 1/562 (ط. ق).

استرداد بالإتلاف.

وفيه أوّلاً: إنّه لو استردّه فأتلفه لا نُسلّم كونه من الإتلاف قبل القبض.

وثانياً: إنّ الإتلاف ليس استرداداً - الذي هو عبارة عن إعادة الاستيلاء السابق، لعدم كونه استيلاء - بل إتلافٌ لما هو تحت استيلاء الغير.

وبالجملة: فالأظهر أنّه من الإتلاف بعد القبض.

تلف الثمن كتلف المثمن

الموضع السابع: صرّح غير واحدٍ(1)بأنّ تلف الثمن المعيّن قبل القبض، يكون كتلف المبيع المعيّن، وقد استدلّ له بوجوه:

الوجه الأوّل: الإجماع.

وفيه: إنّه لمعلوميّة مدرك المُجمِعين، أو احتمال كونه أحد المذكورات لا يُعبأ به لعدم كونه تعبّديّاً.

الوجه الثاني: قوله عليه السلام في خبر عقبة المتقدّم: «فإذا أخرجه من بيته، فالمبتاع ضامنٌ لحقّه حتّى يردّ ماله إليه».

بتقريب: إنّ الضمير في كلمة (لحقّه) يعود إلى البائع، فيكون المراد ضمانه للثمن قبل القبض.

وفيه: إنّ كونه ضامناً للثمن أعمٌّ من الانفساخ، وإرادة الضمان المعاوضي لا ضمان الغرامة غير ثابتة.


1) تذكرة الفقهاء: ج 1/474 (ط. ق)، الدروس: ج 3/210-211.

وما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله(1): من صراحة الرواية أو ظهورها في إرادة الضمان المعاوضي، وسراية هذا الحكم إلى الثمن.

يرد عليه: أنّه مع اختلاف التعبير، كيف يُدّعي ذلك، بل ترتّب ضمانه على قبض المبيع يؤيّد إرادة ضمان الغرامة لا المعاوضي، كما لا يخفى‌، هذا فضلاً عن أنّ الخبر ضعيفُ السند كما تقدّم.

الوجه الثالث: صدق المبيع على الثمن، فيعمّه النبويّ‌: «كلّ مبيعٍ تَلف قبل قبضه».

وجه توهّم الصدق هو ما اشتهر من صدق (البيع) على (الاشتراء) لكونه من الأضداد.

وفيه: إنّه لا يصدق ذلك، وليس البيع من الأضداد كما تقدّم.

الوجه الرابع: كونه على القاعدة من جهة الالتزام الضمني في ضمن البيع تسليم الثمن إلى البائع، فإذا لم يمكنه التسليم بطلت العوضيّة.

وفيه: إنّه إن قُيّد العوضيّة الاعتباريّة ببقاء العوضين، بطل البيع، وإلّا فلا يوجب اشتراط التسليم إلّاالخيار.

وعليه، فالحقّ أنّه لا دليل على الانفساخ بتلف الثمن.

أقول: وبما ذكرناه يظهر الحال في سائر المعاوضات، فإنّ الانفساخ بتلف أحد العوضين فيها لا مدرك له سوى بعض ما تقدّم.

نعم، في خصوص الإجارة تنفسخ الإجارة بتلف العين، لأنّ المملوك فيها هي المنفعة، ومع عدم العين لا منفعة، فلا شيء حتّى يُملك.0.


1) منية الطالب: ج 2/189-190.

تلف بعض المبيع قبل قبضه

الموضع الثامن: لو تلف بعض المبيع:

فتارةً‌: يكون التالف هو الجزء الذي يقسّط عليه الثمن.

وأُخرى‌: هو الوصف أو الجزء الذي لا يُقسّط عليه الثمن.

أقول: تنقيح القول فيه يتحقّق بالبحث في موردين:

أمّا المورد الأوّل: فمقتضى عموم النبويّ‌: «كلّ مبيعٍ تَلف»(1)، هو انفساخ البيع بالإضافة إليه، لصدق (المبيع) على كلّ جزءٍ من الأجزاء.

وعدم صدق البيوع على بيع الدار مثلاً لا ينافي ذلك، فإنّ وحدة البيع فيه وحدة إنشائيّة، ووحدة عموميّة لا شخصيّة.

وأمّا المورد الثاني: فالحقّ أنّ تلف الوصف لا يوجبُ الانفساخ، ولا أخذ الأرش.

أمّا الأوّل: فلأنّه لا مقابل له من الثمن ليعود بالانفساخ.

وأمّا الثاني: فلأنّ ثبوت الأرش إنّما يكون من خلال الدليل التعبّدي، ودليله مختصٌّ بالعيب الموجود قبل العقد، ولا يشمل الحادث بعده، والشيخ رحمه الله(2)ذهب إلى أنّ النبويّ الدالّ على الانفساخ في تلف الكلّ والجزء الذي يقسّط عليه الثمن، يدلّ على التخيير بين الرَّد والإمساك بالأرش في المقام.

بتقريب: أنّ معنى كونه من مال البائع وقوع التلف في ملكه، ولازم تقديره في


1) عوالي اللآلئ: ج 3/212 ح 69، مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/303 ح 15430-1.

2) كتاب المكاسب: ج 6/281.

ملك البائع، هو أنّ العقد كأن لم يقع، ومقتضاه لو كان التالف تمام المبيع انفساخ العقد، ولو كان التالف جزئه انفساخه بالنسبة إلى ذلك الجزء، ولو كان هو الوصف أو الجزء الذي لا يقسّط عليه الثمن وفقده موجبٌ للتعيّب، جريان أحكام العيب، فإنّ المنفيّ على الأخير حيثيّة الوصف لفرض وقوع العقد، ومعنى عدم وقوع العقد على الموصوف مع فرض وقوعه، وقوعه على المعيب.

وفيه أوّلاً: الموضوع في النبويّ (تلف المبيع)، ووصف الصحّة، وكذا ما بمنزلته ليس مبيعاً ولا جزءً منه، وحمله على كون ذكر التلف من باب كونه أظهر الأفراد، يحتاج إلى قرينة.

وثانياً: إنّ الوصف لم يقع عليه العقد، ففرض العقد كأن لم يكن غير مؤثّرٍ في ضمان الوصف، وترتّب حكم الخيار.

أقول: وقد يقال في تقريب ما أفاده الشيخ رحمه الله(1): بأنّ المستفاد من النبويّ تنزيل التلف والنقص قبل القبض منزلة التلف والنقص قبل العقد، ولازم ورود العقد على الناقص، إجراء أحكام خيار العيب.

وفيه: - مضافاً إلى الإيراد الأوّل الذي أوردناه على ما أفاده الشيخ رحمه الله - إنّ غاية ما يستفاد من كون التلف من البائع، دخوله في ملك البائع، بحيث يضاف إليه التلف وهو ملكه، وليس لازم ذلك فرض دخوله في ملك البائع قبلاً، أو فرض وقوع التلف قبل العقد، كي يكون لازمه ورود العقد على الناقص.

أقول: وربما يستدلّ لجواز الرَّد، بل على أخذ الأرش، بحديث لا ضررٍ(2)،5.


1) كتاب المكاسب: ج 6/281.

2) الكافي: ج 5/294 ح 8، وسائل الشيعة: ج 18/32 ح 23075.

بدعوى أنّ المبيع إذا تعيّب قبل القبض، يكون الصبر عليه ضرراً على المشتري، فوجوب البيع الذي حَدَث فيه العيب من جهة الضرر، يكون مرفوعاً بالحديث، وحيث إنّه ربما تكون الحاجة ماسّة إلى المعاوضة، فيكون فسخها أيضاً ضرراً عليه، فله الإمساك وأخذ الأرش، لتكون النتيجة هو التخيير بين الأمرين.

وفيه أوّلاً: ما تقدّم من أنّ حديث لا ضرر لا يصلح لإثبات الخيار.

وثانياً: إنّ الصبر على المعيب في نفسه لو كان ضرريّاً، لا يقتضي كون العقد خياريّاً، والبيع لا يصيرُ ضرريّاً بذلك، بل هو بالقياس إلى التعيّب قبل القبض وبعده على حَدٍّ سَواء.

وبالجملة: بما أنّ العقد لم يقع على المعيب، فلا يكون لزومه إبقاءً للضرر، وموجباً لاستقرار الضرر على المشتري، ومجرّد ارتفاع الضرر بذلك لايصلحُرافعاًله.

وثالثاً: إنّ أخذ الأرش ممّا لا وجه له أصلاً، لأنّ الإمساك بلا أرش وإنْ يعدّ ضرراً على المشتري، إلّاأنّه مع الأرش ضررٌ على البائع، ولا أولويّة لأحد الضررين على الآخر.

وبالجملة: فالأظهر عدم جواز الرَّد لولا الإجماع.


فصلٌ في الشروط المذكورة في متن العقد

أقول: يدور البحث في هذا الفصل عن الشروط المذكورة في متن العقد، والتي بناء العقد عليها، إذ لا إشكال في أنّ عقد البيع قابلٌ لتحمّل الشروط ولو لم يقبل التعليق، وستعرف الفرق بينهما.

وكيف كان، فالشرط جائزٌ إجماعاً كما عن «التذكرة»(1)و «القواعد»(2)وغيرهما، وعن «الغُنية» نفي الخلاف فيه بين المسلمين(3)، والنصوص المتواترة شاهدة به، ونذكر في المقام جملةً منها تيمناً:

منها: النبويّ‌: «الشرط جائزٌ بين المسلمين»(4).

ومنها: صحيح عبد اللّه بن سنان، عن الإمام الصادق عليه السلام:

«من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب اللّه، فلا يجوز له، ولا على الذي اشتُرِط عليه، والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب اللّه عزّ وجلّ‌»(5).

ومنها: صحيحه الآخر، عنه عليه السلام: «المسلمون عند شروطهم إلّاكلّ شرطٍ خالف كتاب اللّه عزّ وجلّ فلا يجوز»(6).


1) التذكرة: ج 13/101.

2) القواعد: ج 1/65.

3) غنية النزوع: ص 215.

4) عوالي اللألي: ج 3/225.

5) الكافي: ج 5/169 ح 1، وسائل الشيعة: ج 18/16 ح 23040.

6) تهذيب الأحكام: ج 7/22 ح 10، وسائل الشيعة: ج 18/16 ح 23041.

ومنها: خبر إسحاق، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام: «أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان يقول: من شرط لإمرأته شرطاً فليف لها به، فإنّ المسلمين عند شروطهم إلّاشرطاً حرّم حلالاً أو أحَلَّ حراماً»(1).

ومنها: صحيح الحلبي، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن الشرط في الإماء لا تُباع ولا تُورث ولا توهب‌؟

فقال عليه السلام: يجوز ذلك غير الميراث، فإنّها تُورث، وكلّ شرطٍ خالف كتاب اللّه فهو رَدّ»(2).

ومنها: مرسل جميل، عن أحدهما عليه السلام: «في رجلٍ اشترى جاريةً وشَرَط لأهلها أن لا يبيعَ ولا يهب‌؟ قال عليه السلام: يفي بذلك إذا شرط لهم»(3).

إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة(4)، وسيمرّ عليك الاستدلال بالكتاب أيضاً له.

حقيقة الشرط

أقول: وتنقيح القول فيها يتحقّق بالبحث في مقامات:

المقام الأوّل: في بيان معنى الشرط وحقيقته.

وتظهر ثمرة هذا النزاع - أي النزاع في معنى الشرط وحقيقته - في الشروط


1) تهذيب الأحكام: ج 7/467 ح 80، وسائل الشيعة: ج 18/17 ح 23044.

2) الكافي: ج 5/212 ح 17، وسائل الشيعة: ج 18/267 ح 23646.

3) تهذيب الأحكام: ج 7/25 ح 23، وسائل الشيعة: ج 18/268 ح 23647.

4) الكافي: ج 5/171، وسائل الشيعة: ج 18/19 ح 23047، تهذيب الأحكام: ج 7/176، وسائل الشيعة: ج 18 ص 20 ح 23049، تهذيب الأحكام: ج 7/161، وسائل الشيعة: ج 17/422 ح 22898.

الابتدائيّة، فانّه لو شملها الشرط بما له من المعنى، كانت لازم الوفاء، لإطلاق الدليل، وإلّا فلا.

لا يقال: إنّه لا يجبُ الوفاء بها إجماعاً(1)وإنْ صدق عليها الشرط، فلا فائدة في هذا النزاع.

فإنّه يقال: إنّ هذا الإجماع بما أنّه ليس تعبّديّاً، ولعلّ مدرك المُجمِعين عدم صدق الشرط عليها، فلا يصلح لتقييد إطلاق الدليل.

أقول: قد ذكروا في مقام بيان معنى الشرط عرفاً ولغة أُموراً، وهي:

الإلزام والالتزام إما في البيع ونحوه كما عن «القاموس»(2)، أو مطلقاً، وإليه يرجع ما في «حاشية السيّد»(3)من أنّه جعلٌ إلزامي أي الجعل المستلزم للإلزام والعهدة والعَلَامة ومطلق الربط والتعليق.

والشيخ رحمه الله ذهب إلى أنّ له معنيين عُرفيين:

أحدهما: الإلزام والالتزام.

و الثاني: ما يلزم من عدمه العدم.

وأنّ له معنيين اصطلاحيين:

أحدهما: ما يُستعمل على ألسنة النحاة، وهي الجملة الواقعة تلو أداة الشرط.

ثانيهما: ما يُستعمل على ألسنة أهل المعقول(4).3.


1) ادّعى هذا الإجماع كلّ من والسيّد الخوئي في مصباح الفقاهة: ج 4/159، السيّد الخوانساري في جامع المدارك: ج 3/147، والسيّد البجنوردي في القواعد الفقهية: ج 2/256.

2) قاموس المحيط: ج 2/368 مادّة (شرط).

3) حاشية المكاسب: ج 2/106.

4) كتاب المكاسب: ج 6/13.

أقول: والحقّ أنّ له معنى واحداً، وهو الربط والتعليق، واستعماله في جميع الموارد إنَّما يكون في ذلك المعنى.

توضيح ذلك: إنّ كلمة شَرَطَ - بالتحريك - بمعنى العَلامة، والدني والرذل، والشريف، وجمعه أشراط، ومن ذلك (أشراط الساعة) أي علاماتها، و (أشراط الغنم) أي رذالها، و (أشراط الناس) أي أشرافهم.

وأمّا الشَّرْط عليه السلام - بالسكون - وجمعه شروط، فهو بحسب المتفاهم العرفي ليس مطلق الإلزام، ولذا لا يصدق على إيجاب عملٍ على شخص، ولا على مطلق الجعل والإثبات، بل المنساق إلى الذهن منه هو تقيّد أمرٍ بآخر إمّا وا قعاً أو بجعل جاعل، وما في «القاموس» وغيره، من مصاديق هذا المعنى العام.

كما أنّ إطلاقه في ألسنة النحاة على الجملة الواقعة عقيب أداة الشرط(1)، إنَّما يكون من هذا الباب، فإنّ المقدم إمّا أنْ يكون شرطاً واقعيّاً أو جعليّاً للجزاء، كما أنّ إطلاقه في ألسنة أهل المعقول على جزء من أجزاء العلّة(2)من هذا الباب.

وبالجملة: للشرط معنى واحد، وإطلاقه في جميع الموارد من ذلك الباب، وهو:

تقيّد أمرٍ بآخر، غاية الأمر أنّ هذا التقيّد والربط:

1 - قد يكون تكوينياً، كربط إحراق النار بالمحاذاة.

2 - وقد يكون مجعولاً بجعل تشريعي، كجعل الطهارة شرطاً للصلاة.

3 - وقد يكون مجعولاً بجعل المتعاملين.1.


1) شرح ابن عقيل: ج 2/370.

2) كشف المراد: ص 121.

وليس له معنى آخر.

وبذلك ظهر أنّ الشرط بهذا المعنى لايصدق على الشروط الابتدائيّة، وهو واضح.

وقد استند الشيخ رحمه الله في شموله لها إلى إطلاقه عليها في موارد(1):

منها: قوله صلى الله عليه و آله في حكاية بيع بُريرة: «إنّ قضاء اللّه أحقّ‌، وشرطه أوثق، والولاء لمن أعتق».

فإنّه أطلق كلمة (الشرط) على ما جعله اللّه تعالى ابتداءً من أنّ الولاء للمُعتِق خاصّة.

وفيه أولاً: إنّ إطلاق الشرط عليه إنَّما هو من جهة أنّ الولاء مقيّد بحسب الجعل الإلهي بالعتق.

وثانياً: إنّه يمكن أن يكون الاستعمال مجازياً للمشاكلة، نظير قوله تعالى‌:

(فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ‌) (2)مع أنّ المجازاة ليست من الإعتداء.

ومنها: قول أمير المؤمنين عليه السلام في الرَّد على مشترط عدم التزوّج بأمرأة أُخرى في النكاح: «شَرْط اللّه قبل شرطكم»(3).

والجواب عنه ما تقدّم في سابقه.

ومنها: قوله عليه السلام في جواب من سأله: «ما الشرط في الحيوان‌؟ قال: ثلاثة3.


1) كتاب المكاسب: ج 6/13.

2) سورة البقرة: الآية 194.

3) رواها الشيخ في تهذيب الأحكام بسندين في موضعين الأوّل: ج 7/370، والثاني: ج 8/51، وسائل الشيعة: ج 21/277 ح 27083.

أيّام للمشتري»(1).

وفيه: أنّ الإطلاق فيه إنَّما هو باعتبار ارتباط العقد بالخيار، غاية الأمر الخيار مجعولٌ من الشارع للمتعاقدين.

ومنها: أنّه قد أُطلق عنوان الشرط على النذر أو العهد أو الوعد في بعض أخبار النكاح.

أقول: والظاهر أنّ نظره إلى خبر منصور بن يونس بزرجٍ‌، عن العبدالصالح عليه السلام، قال: «قلت له: إنّ رجلاً من مواليك تزوّج امرأةً ثمّ طلّقها فبانت منه، فأراد أن يُراجعها فأبتْ عليه إلّاأن يجعل للّه عليه أن لا يُطلّقها، ولا يتزوّج عليها، فأعطاها ذلك، ثمّ بدا له في التزويج بعد ذلك، فيكف يصنع‌؟

فقال: بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه باللّيل والنهار، قل له:

فليفِ للمرأة بشرطها، فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: المؤمنون عند شروطهم، فإنّه لا شرط إلّاما جعله للّه عليه وهو إما نذرٌ أو عهد»(2).

لا إلى خبر ابن سنان(3)المرويّ في «الحاشية»، فأنّه ليس فيه ما يتوهّم كونه نذراً أو عهداً، ولا يكون مذيّلاً بقول رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «المؤمنون عند شروطهم».

وفيه: إنّ إطلاق الشرط ليس باعتبار أنّه نذرٌ أو عهد، بل باعتبار إناطة التزويج عليها بذلك الالتزام المؤكّد.

ومنها: إطلاق الشرط على البيع في كثيرٍ من الأخبار.1.


1) الكافي: ج 5/169 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/6 ح 23015.

2) تهذيب الأحكام: ج 7/371 ح 66، وسائل الشيعة: ج 21/276 ح 27081.

3) تهذيب الأحكام: ج 7/371 ح 71، وسائل الشيعة: ج 21/297 ح 27121.

وفيه: إنّه لم يُستعمل الشرط في البيع في شيءٍ من الأخبار، فإنّ الأخبار التي ادّعى صاحب «الحدائق» إطلاق الشرط فيها على البيع، إنَّما أطلق فيها ذلك باعتبار أنّه قد التزم كون المبيع موصوفاً بوصف خاص الذي هو التزامٌ في ضمن البيع، لاحظ صحيح الحلبي:

«سُئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرّجل يُسلّم في وصف أسنان معلومة، ولون معلوم، ثمّ يعطى دون شرطه أو فوقه‌؟

فقال عليه السلام: إذا كان عن طيبة نفس منك ومنه فلا بأس»(1).

ونحوه غيره(2).

قال الشيخ رحمه الله - بعدما ذكر المعنى الثاني للشرط، وهو ما يلزم من عدمه العدم، من دون ملاحظة أنّه يلزم من وجوده الوجود -:

أوّلاً: (وهو بهذا المعنى اسمٌ جامدٌ لا مصدر، فليس فعلاً ولا حدثاً)(3).

وفيه: إنّ ضابط كون المعنى اشتقاقياً، كون المبدأ صالحاً وقابلاً للقيام بشيء بأحد أنحاء القيام، وعنوان ما يلزم من عدمه العدم، وإن لم يكن صالحاً لذلك، إلّاأنّ المبدأ فيه وهو استلزام شيء لشيء صالحٌ لذلك، وهذا يكفي في كونه اشتقاقيّاً.

أقول: وما ذكره من عدم التضائف في الفعل والانفعال بينه وبين المشروط.

يرد عليه: إنّ المشروط مضائفٌ للشرط بالمعنى الوصفي، ولا يعتبر في التضائف3.


1) وسائل الشيعة: ج 18/302 ح 23718.

2) وسائل الشيعة: ج 18/299 الباب التاسع ففيه عدّة أحاديث.

3) كتاب المكاسب: ج 6/13.

أن يكون مضائف ما هو على هيئة المفعول هو هيئة الفاعل، مع أنّ المشروط بمعنى المشروط فيه لايكون مضائفاً للشارط، وهو بما له من المعنى‌، وهو نفس المشروط، مضائفٌ له.


ويصحّ في حال العقد

مقوّمات الشرط الصحيح

المقام الثاني: ويدور البحث فيه عن شروط صحّة الشرط، وهي اُمورٌ قد وقع الكلام أو الخلاف فيها:

الشرط الأوّل: الالتزام به في متن العقد، (و) عليه فلا (يصحّ‌) إلّاإذا كان (في حال العقد).

أقول: لا يخفى أنّ محلّ الكلام في ما عدا الشروط الارتكازيّة العقلائيّة، ككون المبيع صحيحاً ونحو ذلك، التي تكون بسبب تعاهدها عند العقلاء مدلولة للعقود التزاماً، ولو لم تُذكر في متن العقد، كما أنّ محلّ الكلام ليس هو الشرط الذي غَفَل عنه حين العقد، فإنّه لا شبهة في عدم لزوم الوفاء به، بل محلّ الكلام الشرط الذي تواطئ المتعاقدان عليه قبل العقد أو أنشآه، وكانا متوجّهين إليه حين العقد، وهو على قسمين:

القسم الأوّل: ما لا يكون من قصدهما بناء العقد عليه، ولا يوقعانه مبنيّاً عليه، فإنّه لا كلام في عدم لزوم الوفاء بمثل هذا القسم من الشروط، لأنّ الشرط من الأُمور الإنشائيّة، ولا يتحقّق بدون الإنشاء والاعتبار النفساني.

القسم الثاني: ما يقع العقد مبنيّاً عليه، وهذا هو مورد البحث، وفيه أقوال:

أحدها: بطلان العقد والشرط(1).


1) مسالك الأفهام: ج 3/224.

ثانيها: صحّتهما.

ثالثها: بطلان الشرط وصحّة العقد(1).

أمّا القول الأوّل: فقد استدلّ له الشيخ رحمه الله بأنّه إذا كان مقصودهما إنشاء البيع المشروط، يكون الشرط من أركان العقد المشروط، بل قد مرّ أنّه كالجزء من أحد العوضين، فيجبُ ذكره في الإيجاب والقبول، وإلّا فسد العقد بفساد ركنه(2).

وفيه: إنّه لو تمّ ذلك، لزم منه عدم تحقّق البيع المشروط، لا بما أنّه عقد البيع.

ودعوى‌: أنّ المقصود هو المشروط، فوقوع غيره يعدّ وقوعُ لما لم يُقصد(3).

مندفعة: بأنّ الشرط ليس من قيود البيع، بل يكون إنشاء البيع مطلقاً، ولزوم الوفاء به معلّقٌ على الشرط.

وقد استُدلّ للثالث بوجوه:

الوجه الأوّل: الإجماع(4).

وفيه أوّلاً: إنّه غير متحقّق، لأنّ ما ذكره الشيخ رحمه الله من كلمات القوم لا يدلّ على ذلك:

إذ ما ذكروه(5)من عدم لزوم الوفاء بالشرط الخارج عن متن العقد ممّا لا كلام فيه، وهو غير المفروض، وهو الشرط المبنيّ عليه العقد.

وما ذكروه في باب الرّبا والمرابحة(6)، إنَّما يكون مع مجرّد المقاولة والاطمئنان8.


1) رياض المسائل: ج 10/291، كتاب المكاسب: ج 6/56.

2) المكاسب المحرّمة: ج 6/57.

3) صاحب هذه الدعوى الشهيد الثاني رحمه الله ذكرها في المسالك: ج 7/448.

4) المكاسب المحرّمة: ج 6/56، رياض المسائل: ج 10/291.

5) ذكره صاحب رياض المسائل: ج 10/291، كشف اللّثام: ج 7/284.

6) شرائع الإسلام: ج 2/302، القواعد: ج 2/58، تذكرة الفقهاء: ج 11/218.

بالعمل على طبقها، لا مع تقيّد العقد به.

وما ذكروه في عقد النكاح(1)، إنَّما هو محمولٌ على سبق المقاولة خاصّة، أو على كونه من قصد الزوج فقط.

وثانياً: إنّه ليس إجماعاً تعبّديّاً كاشفاً عن رأي المعصوم عليه السلام.

الوجه الثاني(2): الأخبار الواردة في باب النكاح(3)، المتضمّنة لعدم العبرة بالشرط السابق على عقد النكاح، وأنّه يهدم ما كان قبله من الشروط.

وفيه: إنّ النصوص المذكورة تدلّ على عدم العبرة بالشرط السابق، وهذا ممّا لا كلام فيه، إنَّما الكلام في أنّه إذا أوقعا العقد مبنيّاً على ذلك الشرط السابق الذي هو حقيقة الشرط، لأنّه من مقولة المعنى واللّفظ مبرزٌ له، وهذه النصوص لا تدلّ على عدم الاعتبار بذلك.

وبالجملة: إنّ مفاد هذه النصوص اعتبار وقوع النكاح مبنيّاً على ما تواطئا عليه، وهذا ممّا لا شكّ فيه، وليس فيها ما يشهد بكون العبرة باللّفظ المذكور في ضمن العقد.

الوجه الثالث: أنّ الشرط من الإنشائيّات، فتحقّقه يتوقّف على الإنشاء والإيجاد، ولا يكون موضوع الحكم بدون الإنشاء.

وفيه: إنّ هذا بديهي، ولكن إنشاءه إنَّما هو بالاعتبار النفساني، واللّفظ مبرزٌ لذلك، والكلام إنَّما هو في اعتبار المبرِز.ب.


1) ممّن ذكره الشهيد الثاني رحمه الله في مسالك الأفهام: ج 7/456.

2) كما في رياض المسائل: ج 10/291.

3) الكافي: ج 5/456 ح 1 وبقيّة أحاديث الباب، وسائل الشيعة: ج 21/46 ح 26493 وبقيّة أحاديث الباب.

الوجه الرابع: ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله(1)وحاصله:

أنّ الإنشائيّات ومنها الشرط لابدَّ وأن تُبرز بمبرزٍ، وإلّا لا يعتنى بها عند العقلاء، ولا يرتّبون الأثر عليها.

نعم، لا يعتبر مبرزٌ خاص، ولذا يعتنى بما هو من قبيل الشروط الضمنيّة، حيث إنّ تعاهدها عند العرف يوجبُ صيرورتها من المدلولات العرفيّة للّفظ، وإن لم يقصدها المتعاقدان، والشرط الذي تبانيا عليه لا يكون مدلولاً للّفظ أبداً، إذ تباني المتكلّم والمخاطب على معنىً لا يوجبُ صيرورة اللّفظ دالّاً عليه بنحوٍ من الدلالة، وعليه فلا يُعتنى به.

وفيه: إنّ ما أفاده من اعتبار الإبراز في الإنشائيّات، ممّا لا إشكال فيه في الجملة، إلّاأنّ المتيقّن من ذلك ما هو مستقلٌّ في إلّاعتبار كالبيع وشبهه، وأمّا ما يكون تابعاً ومن ضمائم إنشائي آخر، فلا دليل على اعتبار الإبراز بالإضافة إليه.

وعليه، فالأظهر هو القول الثاني.

أقول: ولكن الأنصاف أنّ دعوى كون موضوع الأحكام التكليفيّة والوضعيّة في باب الإنشائيّات والمعاملات، هو ما أبرز بقولٍ أو فعلٍ قريبة، والاحتياط سبيل النجاة.

***ف.


1) منية الطالب: ج 1/379، بتصرّف.

اشتراط ما يَسُوغ

اعتبار عدم مخالفة الشرط للكتاب والسُنّة

الشرط الثاني: أن لا يكون الشرط مخالفاً للكتاب والسنَّة، وإلّا - كما لو اشترط توريث أجنبي - فَسَد، لأنّ (اشتراط ما) يُخالف الكتاب والسُنّة اشتراطٌ لما لا (يَسوغ)، لأنّ مخالفة الكتاب والسُنّة لا يسوّغها شيءٌ‌.

أقول: واعتبار هذا الشرط ممّا اتّفق عليه النَّص والفتوى، والنصوص الدالّة(1)عليه مستفيضة أو متواترة، لاحظ ما تقدّم، وسيأتي طرف منها، وتحقيق القول في المقام يتحقّق بالبحث في جهات:

الجهة الأُولى: أنّ الموجود في أغلب النصوص مخالفة الكتاب، وفي بعضها مخالفة السُنّة، وفي المرسل المرويّ عن «الغُنية»(2)الجمع بينهما، ولا يخفى أنّ المراد من السُنّة معلومٌ‌، إنّما الكلام في المراد من الكتاب، فقد ذَهَب الشيخ رحمه الله(3)وتبعه جمعٌ إلى أنّ المراد به ما كَتَبه اللّه تعالى على عباده، وإنْ بيّنه بلسان نبيّه صلى الله عليه و آله(4).

وبعبارة أُخرى‌: إنّ المراد كتابه التشريعي في مقابل كتابه التكويني.

وأورد عليه المحقّق الايرواني رحمه الله(5): بأنّه إنْ أراد بالظهور، الظهور الابتدائي، فهو ممنوعٌ‌.


1) وسائل الشيعة: ج 18/16 ح 23040، الكافي: ج 5/169 ح 1.

2) غنية النزوع: ص 266.

3) كتاب المكاسب: ج 6/24 (ط. ج)، وفي القديمة: ج 3/13.

4) كما هو ظاهر الآخوند في حاشية المكاسب: 238.

5) حاشية المكاسب للايرواني: ج 2/62.

وإنْ أراد به الظهور الثانوي، بقرينة عَدّ اشتراط ولاء المملوك لغير المُعتِق مخالفاً للكتاب، مع أنّه لا آية في الكتاب تدلّ على ذلك.

ففيه: أنّ الإمام عليه السلام لعلّه عَرف موقع استفادة ذلك من كلام اللّه، فإنّه الخبير بمواقع استفادة الأحكام من القرآن.

وفيه: أنّ مراده بحسب الظاهر هو الثاني.

ويرد على ما أفاده: أنّ الخبر متضمّنٌ للتوبيخ بأنّه برغم كون الشرط مخالفاً للكتاب كيف اشترطوها!؟ ومن الواضح أنّ ما لا طريق لعامّة الناس إليه، لا يمكن أن يُجعل ميزاناً لشروطهم، ويوبّخهم على ما خالفه، وعلى هذا فيكون المراد بالكتاب هو الكتاب التشريعي دون القرآن المنزَل.

ويمكن أن يقال: إنّ المراد به هو القرآن المنزَل، ولكن ما خالف السُنّة يكون مخالفاً له، بتقريب أنّه في القرآن أمرٌ باتّباع النبيّ صلى الله عليه و آله والمعصومين عليهم السلام، فإذا عيّنوا وظيفةً تكون مخالفتها مخالفة للكتاب.

الجهة الثانية: أنّ المستفاد من النصوص نفوذ كلّ شرطٍ لم يُخالف كتاب اللّه، وقد يتوهّم أنّ جملةً منها تدلّ على اشتراط مواقفة الكتاب في صحّة الشرط، وأنّ ما ليس فيه أو لايوافقه فهو باطلٌ‌، وهي على ما صرّح به الشيخ رحمه الله:

1 - الخبر النبويّ المرويّ عنه أنّه صلى الله عليه و آله قال: «من شرط لإمرأته شرطاً سوى كتاب اللّه عزّ وجلّ لم يجز ذلك عليه ولا له»(1).

2 - صحيح ابن سنان، عن الإمام الصادق عليه السلام: «المسلمون عند شروطهم ما2.


1) وسائل الشيعة: ج 22/35 ح 27958، من لا يحضره الفقيه: ج 3/496 ح 4752.

وافق كتاب اللّه»(1).

وعليه وقع الكلام في أنّ المدار هل هو على المخالفة وعدمها، أو على الموافقة وعدمها، نظراً إلى إمكان الواسطة بين المخالفة والموافقة‌؟

أقول: ولكن يمكن منع دلالة الخبرين على اختصاص النفوذ بالموافق:

أمّا النبويّ‌: فلأنّ الظاهر من لفظ (سوى) كون الحكم في الكتاب، وكون الشرط سوى ذلك، وهذا عين المخالفة.

أمّا الصحيح: فلأنّ الظاهر من الصحيح، كون هذه الجملة منه مسوقة لبيان إبطال الشرط المخالف، الذي تضمّنه صدر الحديث.

مع أنّه على فرض دلالتهما على ذلك، يمكن منع الواسطة، من جهة عدم اختصاص الموافقة بالموافقة لخصوص الكتاب، بل تعمّ الموافقة لعامٍ من عموماته، وليس موردٌ لا يكون المشترط مخالفاً إلّاوهو موافقٌ له، كما نبّه عليه الشيخ رحمه الله.

وعليه، فالمراد بالموافق نفس الموافق لا غير المخالف على ما أفاده(2).

الجهة الثالثة: في أنّ المتّصف بالمخالفة، هل هو الشرط نفسه وهو الالتزام، أو المشروط وهو الملتَزم به‌؟

وبعبارة أُخرى‌: المراد بالشرط هل هو الشرط بالمعنى المصدري، أو الشرط بالمعنى المفعولي‌؟

اختار الشيخ رحمه الله أنّ المراد هو الجامع بينهما، والحقّ أنّ المراد به خصوص الالتزام، وذلك لوجوه:).


1) وسائل الشيعة: ج 18/16 ح 23040، الكافي: ج 5/169 ح 1.

2) كتاب المكاسب: ج 6/25 (ط. ج).

الوجه الأوّل: ظهور الشرط في نفسه في ذلك.

الوجه الثاني: المخالفة إنّما تكون بين المتجانسين، ولا مناسبة بين الحكم الشرعي والملتزم به، فلا يتّصف الملتزم به بكونه مخالفاً للحكم، وإنْ اتّصف بكونه مخالفةً له، بخلاف الإلزام والالتزام، فإنّهما من سنخ الأحكام، ويمكن فرض المخالفة بينهما وبين الحكم.

الوجه الثالث: أنّ في بعض النصوص أسند الوفاء إلى الشرط(1)، ومعلومٌ أنّه يستند إلى نفس الالتزام، ولا يستند إلى الملتَزم به، فلا يقال فِ بخياطة الثوب، بخلاف فِ بالالتزام به.

الوجه الرابع: أنّ في بعض النصوص حمل عنوان الباطن على الشرط(2)، وبديهي أنّ الفعل لا يتّصف به ولا يقال إنّ خياطة الثوب باطلة، بخلاف الالتزام.

الوجه الخامس: أنّه في النبويّ أسند الجواز إلى الشرط، والمراد به بقرينة تعديه ب‍ (على‌) - مضافاً إلى ظهوره في نفسه - هو الجواز الوضعي، إذ الجواز التكليفي لا يتعدّى ب‍ (على‌).

لا يقال: إنّ شرب الماء مباحٌ لفلان على فلان، ولو كان الحكم ضرراً عليه، بخلاف الجواز الوضعي والنفوذ، ومعلومٌ أنّه لا معيّن لكون الملتزم به جائزاً بهذا المعنى، بخلاف الالتزام.

الوجه السادس: النصوص(3)المتضمّنة لاستثناء الشرط المحرّم والمحلّل، فإنّ0.


1) وسائل الشيعة: ج 18/17 ح 23044، تهذيب الأحكام: ج 7/467 ح 80.

2) وسائل الشيعة: ج 18/16 ح 23042، عوالي اللآلئ: ج 3/219 ح 91.

3) وسائل الشيعة: ج 18/17 ح 23044، تهذيب الأحكام: ج 7/467 ح 80.

المحرّمية والمحلّلية وصفان للالتزام دون الملتَزم به، فإنّ فعل الحرام ليس محلِّلاً للحرام، بل هو فعل الحرام، بخلاف التزام الشارط بفعله فإنّه تحليلٌ له، وهناك قرائن أُخر.

وبالجملة: ظهور النصوص بملاحظة القرائن المشار إليها في أنّ المراد بالشرط هو الالتزام، ممّا لا ينبغي إنكاره.

فالمتحصّل من هذه النصوص: أنّ الالتزام إذا كان مخالفاً للكتاب - كالالتزام بحرمة ما حلّله الشارع، أو حليّة ما حَرّمه، أو ثبوت الولاء لمن جَعَل اللّه تعالى الولاء لغيره، أو كون الأجنبي وارثاً، أو نحو ذلك - لا يكون نافذاً، وأمّا إذا لم يكن الالتزام مخالفاً له، وكان الملتَزم به مخالفاً، فهو غير مشمول لهذه النصوص.

نعم، إذا كان الملتزم به فعل الحرام، أو ترك الواجب، يمكن أن يقال إنّ الشارع الأقدس أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونهى عن الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وعليه فالإلزام بما حَرّمه، وبترك ما أوجبه بنفسه مخالفٌ للكتاب، وهذا بخلاف الإلزام بفعل المباح أو تركه.

لا يقال: إنّه في خبر العيّاشي(1)عُدّ من الشرط المخالف للكتاب: شرط ترك التزوّج والتسرّي، مستشهداً له بما دلَّ من الكتاب على إباحتهما.

فإنّه يقال: إنّه لابدَّ من حمل الخبر على أنّ مورده شرط عدم ثبوت سلطنة الزوج على التزوّج والتسرّي، وهذا مخالفٌ لمدلول الكتاب المُثبِت للسلطنة في المقامين.3.


1) وسائل الشيعة: ج 277/21 ح 27083، تفسير العيّاشي: ج 1/240 ح 121، تهذيب الأحكام: ج 370/7 ح 63.

الجهة الرابعة: في بيان المراد من الحكم الذي يعتبر عدم مخالفة الشرع معه.

أقول: لمّا التزم الشيخ رحمه الله(1)بشمول الشرط للملتَزم به كغيره، أشكل عليه الأمر في شرط فعل المباح الذي لا إشكال في نفوذه، مع أنّه مخالفٌ للكتاب بهذا المعنى‌، وقد التجأ إلى تقسيم الحكم إلى قسمين:

أحدهما: ما يَثبتُ للشيء مع قطع النظر عن عروض عنوانٍ آخر لذلك الموضوع، مثال ذلك: المباحات والمستحبّات والمكروهات، حيث أنّ تجويز الفعل والترك إنّما هو من حيث ذات الفعل، فلا ينافي طروّ عنوان كالشرط يوجبُ المنع عن الترك أو الفعل.

ثانيهما: ما يَثبت له لا مع تجرّده عن ملاحظة العنوانات الطارئة، كأغلب الواجبات والمحرّمات.

ثم أفاد أنّه إذا ورد الشرط على ما كان من قبيل الأوّل، لم يكن الالتزام بذلك مخالفاً للكتاب، وإذا ورد على ما كان من قبيل الثاني كان مخالفاً للكتاب، وهذا هو الفارق بين شرط فعل الحرام، أو ترك الواجب، وبين شرط فعل المباح أو تركه.

وفيه: إنّ ما أفاده رحمه الله ثبوتاً أمرٌ ممكن، ولكن في مقام الإثبات لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، فإنّ لسان دليل الحرام متّحدٌ مع لسان دليل المباح والمكروه، فإنْ كان للأوّل إطلاقٌ كان للثاني أيضاً وإلّا فلا.

أقول: ولكن على ما حقّقناه تنحلّ هذه العويصة بلا حاجة إلى هذه التكلّفات.

توضيحه: إنّ المشروط:).


1) كتاب المكاسب: ج 6/26-29 (ط. ج).

1 - إمّا أن يكون من الأحكام الخمسة.

2 - أو من الاعتباريّات.

3 - أو من الأعمال فعلاً أو تركاً.

فإنْ كان من الأحكام التكليفيّة: كاشتراط وجوب شيء أو حرمته أو إباحته، وهو غير متّصف بذلك، كان هذا شرطاً مخالفاً للكتاب والسُنّة و غير نافذ.

وإنْ كان من الاعتباريّات:

فتارةً‌: يكون ذلك مجعولاً للشارع ابتداءً‌، من دون تسبيبٍ من المكلّف إليه، ككون شخص وارثاً أو ثابتاً له الولاء.

وأُخرى‌: يكون تسبيباً من المكلّف.

فإنْ لم يكن تسبيبيّاً: كان شرطه من دون أن يكون مجعولاً شرعاً - كوارثيّة الأجنبي، وثبوت الولاء لغير المُعتِق، وسلطنة المرأة على الطلاق ونحو تلكم - مخالفاً للكتاب.

وإنْ كان تسبيبيّاً:

فإنْ كان الشرط هو اعتبار الشارع، لم يكن نافذاً، لأنّه خارجٌ من تحت القدرة.

وإنْكان هو ذلك الأمر في اعتبار الملتزم، فإنْ كان الشارع جَعَل له سبباً خاصّاً، كما في الطلاق كان شرطه لا عن سببه مخالفاً للكتاب، وإلّا فلا.

وإنْ كان من الأعمال: فإنْ كان ذلك فعلُ حرامٍ‌، أو ترك واجبٍ‌، كان مخالفاً بكتاب، هو ما دلّ على لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنهي عن الأمر

بالمنكر والنهي عن المعروف، مع أنّه شرط غير سائغٍ الذي مرّ عدم نفوذه.

وإنْ كان فعل المباح أو المكروه، أو ترك المستحبّ أو المباح - كان نافذاً ولم يكن مخالفاً للكتاب.

قال الشيخ رحمه الله(1): - بعد تقسيمه الحكم إلى القسمين، والتزامه بأنّ المخالف للمشروع هو ما يخالف الثاني - (ولكن ظاهر مورد بعض الأخبار المتقدّمة من قبيل الأوّل).

أقول: والظاهر أنّ نظره الشريف إلى‌:

1 - ما رواه محمّد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام: «في رجل تزوّج امرأة، وشرط لها إنْ هو تزوّج عليها امرأة أو هَجَرها أو اتّخذ عليها سَريّة فهي طالق، فقضى في ذلك أنّ شرط اللّه قبل شرطكم، فإنْ شاء وفى لها بما اشترط، وإن شاء أمسكها، واتّخذ عليها، ونكح عليها»(2).

2 - وإلى ما رواه محمّد بن مسلم، عنه عليه السلام وهو بمضمون الأوّل، إلّاأنّ في ذيله استدلّ الإمام عليه السلام بآياتٍ ثلاث، مبيحة للتزوّج والتسرّي والهجران إنْ أتت بسبب ذلك(3)، وقريبٌ منهما غيرهما(4).

وهذا الإيراد كما يرد على ما اختاره الشيخ رحمه الله(5)، يرد على المختار، وهو أنّ شرط فعل المباح ليس مخالفاً للكتاب.).


1) كتاب المكاسب: ج 6/27 (ط. ج).

2) وسائل الشيعة: ج 21/296 ح 27120، تهذيب الأحكام: ج 7/370 ح 63.

3) وسائل الشيعة: ج 21/277 ح 27083، تهذيب الأحكام: ج 8/51 ح 83.

4) وسائل الشيعة: ج 21/276 ح 27081، تهذيب الأحكام: ج 7/371 ح 66.

5) كتاب المكاسب: ج 6/26-29 (ط. ج).

أقول: وفي المقام يشكل الأمر من ناحية أُخرى أيضاً، وهي أنّه في هذا المورد يدلّ خبر منصور بزرج، عن عبدٍ صالح عليه السلام:

«فيمن يتزوّج ويجعل للّه عليه أن لا يُطلّقها ولا يتزوّج عليها؟، قال: قُل له:

فليفِ للمرأة بشرطها، فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: المؤمنون عند شروطهم»(1)على الجواز.

وعليه، فمورد الكلام أمران:

أحدهما: في وجه امتيار هذا المباح عن سائر المباحات.

ثانيهما: في الجمع بين الأخبار المتعارضة.

والشيخ رحمه الله حمل الأخبار المانعة على أنّ هذه الأفعال ممّا لا يجوز تعلّق وقوع الطلاق عليه، وأنّها لا توجبُ الطلاق كما فعله الشارط، فالمخالف للكتاب هو ترتّب طلاق المرأة.

وفيه: إنّ خبر محمّد بن مسلم من جهة ما فيه من التمسّك بالآيات الثلاث المرخّصة للاُمور المذكورة كالصريح في أنّ الشرط هو ترك التزوّج والتسرّي والهَجر، والظاهر أنّه إلى هذا نظر الشيخ رحمه الله في أمره بالتأمّل(2).

وربما يقال: إنّه تُحمل الأخبار المانعة على كون الأباحة في هذه الأُمور لا تقبل التغيّر بالشرط.

ولكن يرد عليه: - مضافاً إلى استشهاد الإمام عليه السلام لبطلان الشرط بإباحة تلكم في القرآن، وهو في معنى إعطاء الضابطة لبطلان الشرط - أنّه يُجدي في امتياز هذا).


1) تهذيب الأحكام: ج 7/371 ح 66، وسائل الشيعة: ج 21/276 ح 27081.

2) كتاب المكاسب: ج 6/28 (ط. ج).

المباح عن سائر المباحات، لا في الجمع بين الأخبار المتعارضة.

والحقّ أن يقال: إنّ الأخبار المانعة محمولة على ما لو كان الشرط عدم السلطنة على التزوّج والتسرّي والهَجر، والخبر الدالّ على الجواز محمولٌ على اشتراط ترك الزواج خارجاً.

وإنْ قيل: إنّ هذا جمعٌ تبرّعي لا شاهد له، يتعيّن أن نلتزم بالتخصيص، وأنّ شرط المباح نافذٌ إلّافي هذا المورد، ويطرح خبر الجواز، لأشهريّة معارضه.

أقول: قد أشكل الأمر في تميّز مصداق أحدهما عن الآخر في كثير من المقامات على جماعة، وإنْ كان على ما ذكرناه من ضابط المخالفة ينحلّ هذا الإشكال في الفروع الآتية، وإليك جملة من تلك الفروع:

الفرع الأوّل: كون مَنْ أحد أبويه حُرّ رقاً، فإنّ مقتضى ما ذكرناه من الضابط بطلان اشتراط رقيّة الحُرّ، لأنّها من الاعتبارات المجعولة شرعاً ابتداء، إلّاأنّه وردت روايات دالّة على جواز اشتراطها(1)، وبإزائها ما يدلّ على عدم الجواز(2)، فإن قدّمنا الطائفة الثانية لا كلام، وأمّا إن قدّمنا المجوّزة، فبدلالة الاقتضاء يُستكشف أنّ الرقيّة ولو في هذا المورد من الاعتبارات الشرعيّة التسبيبيّة التي يتسبّب إليها بالشرط.

الفرع الثاني: إرث المتمتّع بها، فإنّ مقتضى ما ذكرناه بطلان اشتراط وارثيّتها، وصحّة اشتراط إعطاء مقدارٍ من المال بعد وفاته لها، فإنّه يدخل في الوصيّة، ولعلّه بذلك يمكن الجمع بين النصوص المتعارضة الدالّ بعضها على أنّها ترث مع0.


1) وسائل الشيعة: ج 23/27 ح 29027، الكافي: ج 6/179 ح 3.

2) وسائل الشيعة: ج 23/110 ح 29213، تهذيب الأحكام: ج 9/152 ح 70.

الاشتراط(1)، والدالّ بعضها الآخر على أنّها لا ترث وإنْ اشترط(2).

وعلى التقديرين، لا وجه للفرق بين أفراد غير الوارث وأفراد العقود.

الفرع الثالث: أنّهما اتّفقوا على جواز اشتراط الضمان في العارية، واشتهر عدم جوازه في عقد الإجارة، فإنّ مقتضى القاعدة التي أسلفناها بطلان اشتراط الضمان مطلقاً، ولكن وردت الروايات الخاصّة الدالّة على الضمان مع الاشتراط(3)، وبها يُخصّص ما دلَّ على عدم الضمان في العارية(4).

الفرع الرابع: اشتراط أن لا يخرج بالزوجة.

أقول: إذا اشترط عدم كون اختيار المكان بيد الزوج، كان الشرط مخالفاً للكتاب، وإذا اشترط أن لا يخرج بالزوجة من بلدٍ اختارته، صَحّ الشرط ولم يكن مخالفاً له.

ثمّ إنّه قد عرفت أنّه بناءً على ما ذكرناه، لا يبقى موردٌ للشكّ‌، إذ لو كان الحكم على خلاف الشرط ثابتاً، ولو بحكم الإطلاق كان مخالفاً له، وإلّا فلا، ولو شكّ في وجوده كان الأصل عدمه.

ولكن الشيخ رحمه الله(5)لمّا قَسّم الحكم إلى قسمين: قسمٌ قابل للتغيّر، وقسمٌ غير قابل له، أشكل عليه الأمر في بعض الموارد.).


1) وسائل الشيعة: ج 21/67 ح 26550، تهذيب الأحكام: ج 7/264 ح 66.

2) وسائل الشيعة: ج 26/231 ح 32895 و ح 32896، تهذيب الأحكام: ج 7/264 ح 67.

3) وسائل الشيعة: ج 19/91 ح 24223، الكافي: ج 5/238 ح 6.

4) وسائل الشيعة: ج 19/93 ح 24229، من لا يحضره الفقيه: ج 3/302 ح 4084.

5) كتاب المكاسب: ج 6/30-31 (ط. ج).

وكيف كان، فقد ذهب الشيخ رحمه الله(1)إلى أنّ مقتضى الأصل في الموارد المشكوك فيها، هو إجراء حكم الشرط الصحيح، وذكر في وجهه ما حاصله:

أنّ موضوع أدلّة النفوذ أمران:

أحدهما: الاشتراط، وهو محرَزٌ بالوجدان.

ثانيهما: عدم المخالفة، وهو يُحرز بالأصل، وهو أصالة عدم كون الحكم مجعولاً بنحوٍ لا يقبل التغيّر بالاشتراط ونحوه.

وفيه: إنّ ترتّب عدم المخالفة على عدم كون الحكم بنحوٍ لا يقبل التغيّر ليس شرعيّاً، بل هو عقليٌ فلا يثبت ذلك بإجراء الأصل فيه، مع أنّ هذا العنوان - أي كون الحكم غير قابل للتغيّر - لم يؤخذ موضوعاً لحكمٍ من الأحكام، فلا يكون جارياً في نفسه.

أقول: وربما يقال في تقريب هذا الأصل وجهان آخران:

الوجه الأوّل: أنّه لا ريب في كون الأحكام تدريجيّة بحسب البيان، فقبل بيان الحكم الذي يحتمل كونه مخالفاً للشرط، لم يكن هذا الشرط مخالفاً للكتاب، وبعد بيانه يُشكّ في ذلك، فيجري استصحاب العدم النعتي.

وفيه: أنّه إنْ أُريد إجراء الأصل في الشرط المتحقّق في ذلك الزمان فهو، لا ينفع بالنسبة إلى هذا الشرط، وإنْ أُريد إجزاؤه في هذا الشرط كان استصحاباً تعليقيّاً.

الوجه الثاني: استصحاب عدم المخالفة أزلاً، ولا بأس به بناءً على المختار من جريانه.).


1) كتاب المكاسب: ج 6/31-33 (ط. ج).

قال الفاضل النراقي في «عوائده»:(1)إنّه في موارد اشتراط ما هو مخالف للكتاب، يقع التعارض بين دليل وجوب الوفاء بالشرط، ودليل ذلك الفعل، ويرجع إلى المرجّحات.

أقول: وما أفاده رحمه الله مركّبٌ من أمرين مترتّبين.

أحدهما: أنّ الشرط المخالف للكتاب منحصرٌ بما إذا كان المشروط حكماً مخالفاً لما ثبت في الكتاب، ككون أمر الطلاق بيد المرأة، والولاء لغير المُعتِق ونحو ذلك، وهذا ينطبق على ما ذكرناه واخترناه.

ثانيهما: أنّه بناءً على الاختصاص المذكور، يقع التعارض بين الدليل المثبت للحرمة أو الوجوب، ودليل نفوذ الشرط، فلابدّ من إعمال قواعد التعارض.

ولكن قد مرّ أنّ شرط فعل الحرام أو ترك الواجب، يؤول إلى الشرط المخالف للكتاب، بالتقريب الذي قدّمناه، بلا وصول النوبة إلى إعمال قواعد التعارض.

وأورد عليه الشيخ رحمه الله:(2)بأنّه يلزم ممّا ذكره، إعمال قواعد التعارض، والرجوع إلى الأصل حتّى في صورة اشتراط ترك المباح، ولا يلتزم بذلك أحد.

وفيه: إنّ الدليل المُثبِت للحكم غير الإلزامي للشيء بعنوانه الأوّلي، لايصلح للمعارضة، مع ما يثبت الحكم الإلزامي له بالعنوان الثانوي، لأنّ اللاقتضاء لا يُعارض ما له الاقتضاء، فينحصر التعارض - لو سُلّم - بما لو اشترط ترك الواجب أو فعل الحرام.).


1) عوائد الأيّام: ص 151.

2) كتاب المكاسب: ج 6/39 (ط. ج).

وقد يُقال: إنّه يُشكل الأمر في استثناء الشرط المحرِّم للحلال.

ومحصّله: أنّ شرط المباح والحلال نافذٌ بلا كلام، فما معنى عدم نفوذ الشرط المحرّم للحَلال‌؟

وأمّا ما دلَّ على عدم نفوذ شرط التسرّي(1)ونحوه، فنفس ذلك الدليل يكفي لعدم نفوذ الشرط في ذلك المورد، بلا حاجةٍ إلى هذا الضابط، فهذا لا يترتّب عليه فائدة في مورد أصلاً.

وملخّص القول في المقام: إنّه قيل في تفسير تحريم الحلال الذي تضمّنه الخبر(2)وجوه:

الوجه الأوّل: ما عن المحقّق النراقي(3)، وحاصله:

إنّ فاعل (حَرّم) و (أحلّ‌) في قوله عليه السلام: «إلّا شرطاً حَرّم حلالاً أو أحلَّ حراماً» هو الشرط، وهذا لا يتحقّق إلّابكون الملتزم به حُرمة الحلال أو حليّة الحرام، وأمّا اشتراط ترك الحلال فهو شرطُ ترك التصرّف دون حرمة الحلال.

وأورد عليه الشيخ رحمه الله(4): بإيرادين:

الإيراد الأوّل: أنّ الحكم الشرعي أمره بيد الشارع، وغير مقدور للمكلّف، ولا يدخلُ تحت الجعل، ولا معنى لإستثنائه عمّا يجبُ الوفاء به، لعدم إمكان الوفاء به عقلاً.).


1) وسائل الشيعة: ج 21/297 ح 27121، تهذيب الأحكام: ج 7/373 ح 71.

2) وسائل الشيعة: ج 18/17 ح 23044، تهذيب الأحكام: ج 7/467 ح 80.

3) عوائد الأيّام: ص 148.

4) كتاب المكاسب: ج 6/40 (ط. ج).

وفيه أوّلاً: إنّ شرط النتيجة لا يعتبر فيها لا كونها واقعةً بسبب الشرط ولولا الاستثناء، لكنّا ملتزمين بأنّ شرط حرمة الحلال نافذٌ، وكنّا نستفيد كونها ممّا يقع بالسبب من عموم دليل نفوذ الشرط الشامل له.

وثانياً: إنّ بطلان هذا الشرط من جهة أُخرى غير هذه الجهة لا يكون مضرّاً.

وثالثاً: إنّ الشرط المحرِّم للحلال، لا ينحصر بشرط حرمة ما يكون حلالاً تكليفاً، بل يشمل:

1 - ما لو اشترط حرمة ما هو حلالٌ وضعاً كعدم كون الطلاق بيد الزوج ونحو ذلك من الاعتباريّات، ومن المعلوم أنّ المشروط حينئذٍ هو ذلك الأمر في اعتبار نفسه، ولا هذا الاستثناء.

2 - وما دلَّ على أنّ الشرط المخالف للكتاب لا يكون نافذاً، لكنّا نلتزم بنفوذه.

الإيراد الثاني: أنّ استثناء الشرط المحرِّم إنّما يكون من الشرط الذي يجبُ الوفاء به، وليست الحرمة والحليّة من أفعال المكلّف، كي يجب الوفاء بهما.

وفيه: إنّ الوفاء لا يختصّ بشرط الفعل، لأنّه بمعنى الإنهاء وعدم النقض، وهذا يتصوّر في شرط النتيجة أيضاً، وسيأتي زيادة توضيح لذلك إنْ شاء اللّه تعالى‌.

فتحصّل: أنّ ما أفاده المحقّق النراقي حقٌّ لا ريب فيه.

الوجه الثاني: ما عن المحقّق القمّي رحمه الله، وقد جعله الشيخ رحمه الله قريباً ممّا أفاده المحقّق النراقي، مع أنّ بينهما بوناً بعيداً.

ومحصّل ما أفاده المحقّق القمّي رحمه الله(1): أنّ معنى تحريم الحلال جعل المباح حراماً،4.


1) ذكر المحقّق الايرواني هذا المعنى في حاشية المكاسب: ج 2/64.

وهو إنّما يكون فيما لو اشترط ترك المباح رأساً بالمرّة، وأمّا لو اشترط تركه في الجملة، فهو ليس من تحريم الحلال.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ تحريم الحلال إنّما هو بتأسيس القاعدة، واشتراط ترك ما حلّله الشارع، وهو الكلّي دون الجزئيّات، لأنّ الأحكام الشرعيّة متعلّقة بالطبائع دون الجزئيّات، فاشتراط ترك المباح رأساً تحريمٌ للحلال، وأمّا اشتراط ترك بعض الأفراد الذي لا تكون الحليّة مجعولة له، فليس من تحريم الحلال.

وفيه أوّلاً: إنّ الحكم وإنْ كان مجعولاً على الكلّي، إلّاأنّه من جهة كونه مرآتاً للأفراد، وفعليّة الحكم، إنّما تكون بفعليّة موضوعه وتحقّقه خارجاً، فالفرد الخارجي محكومٌ بالحليّة الفعليّة، فلا محالة يكون تحريمه تحريماً للحلال.

وبعبارة أُخرى‌: لا فرق بين الكلّي والجزئي من هذه الجهة.

وثانياً: أنّ ما أفاده يجري في تحليل الحرام أيضاً، وهو لم يلتزم بذلك فيه.

الوجه الثالث: ما أفاده الشيخ رحمه الله(1)من أنّ المراد بالتحليل الترخيص، وبالتحريم المنع، ولكن المراد بالحلال والحرام هو ما كان كذلك بحيث لا يتغيّر موضوعه بالشرط، وقد تقدّم توجيه التفصيل بين الأحكام وما يرد عليه، فراجع(2).

***د.


1) كتاب المكاسب: ج 6/41 (ط. ج).

2) صفحة 244 من هذا المجلّد.

الشرط المنافي لمقتضى العقد

الشرط الثالث: أن لا يكون الشرط منافياً لمقتضى العقد، وإلّا لم يصحّ‌، كما هو المشهور بين الأصحاب.

قال في محكيّ «الغُنية»(1): (من الشروط الفاسدة بلا خلاف؛ أن يشترط ما يخالُف مقتضى العقد).

وفي «القواعد»(2): (من المخالف للمشروع، اشتراط ما ينافي مقتضى العقد).

وعن غير واحدٍ دعوى الإجماع عليه(3).

وملخّص القول في المقام: إنّ شرط الفعل خارجٌ عن الشرط المنافي لمقتضى العقد، وهو واضح.

وأمّا شرط النتيجة:

فتارةً‌: يشترط خلاف مضمون العقد، أو ما يتقوّم به، كأن يبيع بشرط أن لا يملك أو بلا ثمن.

وأُخرى‌: يشترط خلاف ما هو من لوازم مقتضى العقد.

أمّا الأوّل: فإنْ كان المنافي مقصوداً في عرض قصد العقد، فحيث أنّ قصد المتنافيين من العاقل الملتفت محالٌ‌، فلا يعقل القصد إلى البيع مثلاً والشرط معاً.

نعم، إنْ لم يكن قاصداً جدّاً للشرط، بل كان هازلاً، بطل الشرط خاصّة.

وان قصد الشرط بعدما قصد العقد، بأن قصد البيع حقيقة، ثمّ بدا له أن يعقّبه بعدم الثمن مثلاً، فإنْ لم يرفع اليد عمّا قصده أوّلاً، كان قصد الشرط محالاً، فيختصّ


1) غنية النزوع: ص 216.

2) قواعد الأحكام: ج 2/90.

3) كما حكاه في جواهر الكلام: ج 23/199.

هو بالبطلان.

وأمّا الثاني: فإنْ كان اللّازم حكماً غير قابل للزوال والانفكاك، كاللّزوم الحكمي الثابت في بعض العقود، كان الشرط باطلاً، لكونه خلاف الكتاب والسُنّة.

وإنْ كان حقّاً قابلاً لذلك، فإنْ لم يكن ممّا يعتبر فيه لفظٌ خاص، كشرط الخيار في البيع، صَحّ البيع والشرط، وإلّا - أي إن كان ممّا يعتبر فيه لفظٌ خاص - بطل الشرط وهو واضح، هذا هو حقّ القول في المقام.

أقول: ذكر الشيخ رحمه الله(1)وجهين لاعتبار هذا الشرط:

أحدهما: أنّه بعد وقوع التنافى بين ما يقتضيه العقد، وما يقتضيه الشرط، يستحيل الوفاء بالعقد المقيّد بهذا الشرط، فإمّا أن يحكم بتساقطهما أو يقدّم جانب العقد، لأنّ العقد مقصودٌ بالذات، والشرط تابعٌ‌، فكأنّه مرجّح لجانب العقد.

وفيه أوّلاً: إنّه لو تمّ لاختصّ بالقسم الأوّل، كما أنّ الوجه الثاني في كلامه مختصٌّ بالقسم الثاني، فهما لا يتواردان على موردٍ واحد.

وثانياً: إنّه لايتمّ من جهة ما عرفت من عدم معقوليّة القصد الجدّي بالنسبة إليها، فلا تصل النوبة إلى استحالة الوفاء.

هذا إذا كان قصدهما في عرض واحد، وإلّا وجب الوفاء بالعقد دون الشرط كما تقدّم.

ثانيهما: أنّ الشرط المنافي مخالفٌ للكتاب والسُنّة، الدالّين على ذلك اللّازم.

وفيه: - مضافاً إلى ما تقدّم - إنّه يتمّ في بعض اللّوازم دون جميعها، مع أنّ الكلام إنّما هو في اعتبار شرط غير ما تقدّم، فلا يصحّ الاستدلال له به.).


1) كتاب المكاسب: ج 6/44 (ط. ج).

أقول: وقد يقرّب الدليل العقلي المتقدّم بتقريبٍ آخر، وهو ما عن المحقّق النراقي رحمه الله(1)، من أنّ الشرط المنافي مستلزمٌ لفساد العقد، وعدم ترتّب مقتضاه، وهو يستلزم فساد الشرط، لكونه واقعاً في ضمن عقدٍ غير صحيح.

وفيه: ما تقدّم من عدم معقوليّة هذا الشرط والعقد، فلا تصل النوبة إلى التكلّم عن الصحّة والفساد.

وبالجملة: ظهر ممّا ذكرناه أنّه لا يبقى الإشكال في تشخيص الصغريات بحسب الأدلّة، إذ المقوِّم حاله معلوم، واللّازم قد تقدّم حاله في الشرط السابق، ولكن تبعاً للشيخ رحمه الله نتعرّض للموارد التي توهم كونها من موارد الشبهة.

منها: اشتراط عدم التصرّف في المبيع، نظراً إلى أنّ الأثر كالمقوّم العرفي للمبيع، أو غَرَضاً أصليّاً، ولكن التصرّف في الجملة في المبيع من لوازم الملكيّة لا من مقوّماتها، بل ربما يتخلّف عنها كما في المحجور عليه، وكونه غرضاً أصليّاً لا يوجبُ البطلان، وعليه فإنّ شرط عدم جواز التصرّف باطلٌ‌، لكونه مخالفاً للكتاب، وإنْ اشترط عدم التصرّف خارجاً صحّ العقد والشرط.

ومنها: اشتراط عدم البيع، وبالرغم من أنّ المشهور بين الأصحاب عدم جواز هذا الشرط، إلّاأنّه لعدم كونه إجماعيّاً - لوجود المخالف، وعدم كونه تعبّديّاً لو كان إجماعيّاً، لاستناد المُجمِعين إلى ما سيمرّ عليك - لا يكون ذلك مدركاً.

وقد استدلّ للبطلان: بكونه خلاف مقتضى العقد، فإنّه يقتضي السلطنة على المبيع بالتصرّف فيه بالبيع وشبهه، فاشتراط عدم البيع منافٍ لذلك.

وفيه: إنّ هذا يتمّ لو اشترط عدم السلطنة على البيع، ولعلّه مورد نظر المشهور،2.


1) عوائد الأيّام: ص 151-152.

والوجه فيه حينئذٍ كونه مخالفاً للكتاب، وأمّا لو اشترط عدم البيع خارجاً، فلا محذور فيه.

ومنها: ما ذكره في «الدروس»(1)في بيع الحيوان، من جواز الشركة فيه.

أقول: وتقريب كون هذا الشرط مخالفاً لمقتضى العقد، هو أنّ مقتضى الشركة كون العين لهما، والثمن تابعٌ للعين، بمعنى أنّ من له العين ينتقل تمام الثمن إليه، بمقتضى المعاوضة والبيع، المقتضي لدخول العِوض في كيس من خَرج المعوّض عن ملكه، كما أنّ ما له النصف ينتقل نصف الثمن اليه، فاشتراط أنْ يكون له أقلّ من النصف - الذي هو معنى كون الربح لهما، وعدم الخسران عليه - منافٍ لمقتضى العقد.

ولكن إنْ قلنا: بأنّه لا يعتبر في البيع دخول العوض في كيس من خرج عن كيسه المعوّض، لا إشكال في هذا الشرط من هذه الجهة، فإنّه لا مانع من خروج العين عن كيس أحد الشريكين، ودخول مقدارٍ من الثمن في كيس صاحبه.

وإنْ بنينا على أنّه يعتبر في البيع ذلك، فيمكن تصحيح الشرط بوجهين:

أحدهما: إرجاع هذا الشرط إلى أن يتدارك أحدهما خسارة صاحبه من نفس العين، أو من مالٍ آخر بنحو شرط الفعل أو شرط النتيجة.

نعم، بناءً على بطلان الشرط الغَرري، يبطل هذا الشرط للغرر.

ثانيهما: إرجاعه إلى اشتراط أن لا يبيع حصّة شريكه بأقلّ من ثمنه، فإذا فرضنا الخسران في معاملةٍ بمقدار ربع الثمن، كما لو كان المال المُشترى قيمته ثلاثون ديناراً، فبيع بعشرين، فمرجع الشرط المذكور إلى بيع حصّة أحدهما بخمسة عشر، وحصّة الآخر بخمسة، وهذا أيضاً لا محذور فيه من هذه الجهة، ولا يكون2.


1) الدروس: ج 3/222.

منافياً لمقتضى العقد.

ومنها: ما اشتهر بينهم من جواز اشتراط الضمان.

أقول: والكلام في شرط الضمان يقع في جهتين:.

الأُولى‌: في أنّه هل يكون منافياً لمقتضى عقد الإجارة أم لا؟

الثانية: في كونه خلاف الكتاب والسُنّة وعدمه.

أمّا الجهة الأُولى‌: فالحقّ أنّه لا يكون منافياً له، لأنّ عقد الإجارة تمليكٌ للمنفعة بعوضٍ‌، وأجنبيٌ عن العين، ويكون لا اقتضاء بالنسبة إليها.

وأمّا الجهة الثانية: فملخّص القول فيها - وإنْ تقدّم - هو أنّ العين المستأجرة في يد المستأجر أمانة، لا يكون ضامناً لها:

إمّا لما دلَّ على أنّ صاحب البضاعة مؤتمنٌ والمستعير مؤتمن(1)، مع أنّه ليس فيهما إلّاالاستيلاء على المال بإذن المالك الموجود في الإجارة.

أو لانصراف حديث اليد(2)عن ذلك، أو لغير ذلك.

وعليه، فإن اشترط الضمان يكون مخالفاً لهذا الحكم الشرعي.

نعم، إنْ أراد بالشرط تمليك ما يعادل قيمة المال، من غير أن يراد الضمان، أو ملكيّة ذلك بنحو شرط النتيجة، لم يكن فيه محذورٌ، ويكون نافذاً.

وبالجملة: ظهر بما ذكرناه أنّ ما استدلّ به على البطلان - من كونه خلاف مقتضى العقد، وما أورد عليه بأنّ العقد يقتضي عدم الضمان لولا الشرط - فيم.


1) وسائل الشيعة: ج 19/93 ح 24228، تهذيب الأحكام: ج 7/182 ح 1.

2) مستدرك وسائل الشيعة: ج 17/88، كتاب الغصب ب 1 ح 4 (20819)، عوالي اللّئالي: ج 1/224، ح 106، وقد ذكر في مصادر عديدة من مصادر أهل الخلاف منها: سنن البيهقي: ج 6/90، سنن الترمذي: ج 3/566 ح 1269، سنن أبي داود: ج 3/526 ح 3561، وغيرهم.

غير محلّهما.

ومنها: اشتراط عدم إخراج الزوجة.

أقول: وقد استدلّ لكونه مخالفاً لمقتضى العقد: بأنّ عقد الزواج يقتضي سلطنة الزوج على الاستمتاع والإسكان، فاشتراط عدمه مخالفٌ لذلك.

ولكن يرد عليه: أنّ عقد الزواج يقتضي الزوجيّة فقط، والسّلطنة من أحكامها، فهو شرطٌ غير منافٍ لمقتضى العقد.

وأمّا من حيث منافاته للكتاب فقد تقدّم، فراجع(1).

ومنها: مسألة توارث الزوجين بالعقد المنقطع، من دون شرطٍ أو معه.

أقول: الكلام فيها من حيث كون هذا الشرط مخالفاً للكتاب قد تقدّم، وأمّا من حيث كونه مخالفاً لمقتضى العقد، فقد استدلّ له فخر المحقّقين(2)بما دلَّ على أنّ‌: (من حدود المتعة أن: «لا ترثها ولا ترثك»(3)، فجعل نفي الإرث من مقتضى الماهيّة).

وفيه: أنّ مقتضى عقد المتعة تحقّق الزوجيّة المنقطعة لا غير، وهو لا يقتضي التوارث ولا عدمه، ومعنى قوله: (من حدود المتعة إلى آخره)، أي من أحكامها المترتّبة عليه.

وبالجملة: ظهر ممّا ذكرناه أنّه ليس موردٌ يشكّ في كون الشرط فيه منافياً لمقتضى العقد بالمعنى الأوّل، بل وبالمعنى الثاني، وأنّه لو شكّ في ذلك كان المرجع أصالة عدم المخالفة، والتي تحكم بالصحّة.

***8.


1) صفحة 241 من هذا المجلّد.

2) إيضاح الفوائد: ج 3/132.

3) وسائل الشيعة: ج 21/68 ح 26553، تهذيب الأحكام: ج 7/265 ح 68.

الشرط المجهول

الشرط الرابع: - الذي ذكره جماعة - أن لا يكون الشرط مجهولاً.

قال في محكي «التذكرة»(1): (كما أنّ الجهالة في العوضين مبطلة، فكذا في صفاتهما ولواحق المبيع، فلو شرطاً مجهولاً بطل البيع) انتهى‌.

ولكن قال الشهيد في محكي «الدروس»(2): (لو جعل الحمل جزءاً من المبيع، فالأقوى الصحّة، لأنّه بمنزلة الإشتراط، ولا يضرّ الجهالة، لأنّه تابع)، انتهى‌.

أقول: وتحقيق القول في المقام يقتضي البحث في جهات:

الأُولى‌: أنّ جهالة الشرط هل هي كجهالة أحد العوضين، الموجبة لبطلان البيع، لصيرورته غرريّاً توجبُ بطلان الشرط من حيث هو، أم لا؟

الثانية: أنّ جهالة الشرط المستلزمة لغرريّة الشرط، هل توجبُ غَرريّة البيع، أم لا؟

الثالثة: أنّه إذا فسد البيع لغرريّة الشرط، هل يبطل الشرط أيضاً، أم لا؟

الرابعة: أنّه هل هناك فرقٌ بين شرط ما هو تابعٌ وغيره، أم لا؟

أمّا الجهة الأُولى‌: فقد استدلّ لمبطليّتها بوجوه:

الوجه الأوّل: المرسل: «نَهى النبيّ صلى الله عليه و آله عن الغَرر»(3).

وأورد عليه تارةً‌: بضعف السند.


1) حكاه عنه في المكاسب: ج 6/51 (ط. ج).

2) الدروس: ج 3/216.

3) وسائل الشيعة: ج 17/448 ح 22965، بحار الأنوار: ج 70/304 ح 19، التذكرة: ج 10/48 (ط. ج)، الخلاف: ج 3/50 و 155.

وأُخرى‌: بأنّ النهي إذا تعلّق بالمعاملة نفسها، يكون إرشاداً إلى الفساد، وأمّا إذا تعلّق بعنوانٍ آخر شامل لها، يكون ظاهراً في الحرمة النفسيّة، وحرمة المعاملة لا تستلزم فسادها كما تقدّم، والمقام من قبيل الثاني، فإنّ الغَرر بمعنى الخدعة، فالنهي عنه لا يدلّ على أزيد من الحرمة.

ولكن يمكن دفع الأوّل: باستناد الأصحاب إليه في أبواب المعاملات حتّى الجعالة، فإنّهم أفتوا بمضريّة الجهل المستلزم للغَرر، ولا مدرك لهم سوى المرسل، واحتمال التعدّي عن البيع بعيدٌ.

ودفع الثاني: بما تقدّم في هذا الشرح من أنّ الغَرر ليس بمعنى الخديعة، بل هو بمعنى الخَطَر، فيكون المنهيّ عنه المعاملة المستلزمة للخطر، فيكون ظاهراً في الإرشاد إلى الفساد.

والصحيح أن يورد عليه: بأنّ دعوى انصراف الحديث إلى المعاملة المستقلّة قربية، بل لا يصدق الخطر والغَرر على مثل الشرط الذي لم يُجعل بإزائه شيء، ولا يكون مقابلاً بالمال.

الوجه الثاني: التعدّي من البيع إلى كلّ ما هو غَرري.

وفيه: إنّ التعدّي يتوقّف على إحراز عدم دخل الخصوصيّة، ولم يُحرز، مع أنّه على فرض التعدّي يتعدّى إلى كلّ ما هو مبنيٌّ على المغابنة كالإجارة ولا يتعدّى إلى الشرط، والإجماع عليه من جهة احتمال كون المدرك المرسل النبويّ لا يصلح دليلاً للتعدّي.

الوجه الثالث: أنّ جهالة الشرط تستلزم غَرريّة البيع وبطلانه، فإذا بطل البيع بطل الشرط، إذ لا شرط موضوعاً أو حكماً إلّافي ضمن عقد صحيح، وسيأتي

الكلام في ذلك، وعليه فالأظهر عدم المبطليّة.

وأمّا الجهة الثانية: فقد استدلّ لمبطليّة جهالة الشرط للبيع في المتن بأنّ (الشرط في الحقيقة كالجزء من العوضين).

وفيه: إنّ أوصاف المبيع لابدَّ وأن تكون معلومة، كما تقدّم في خيار الرؤية مفصّلاً، فشرط وجود وصفٍ في المبيع مع الجهل به موجبٌ للبطلان.

وأمّا شرط الفعل أو النتيجة، سواءٌ أكان الشرط متعلّقاً بالغرض المعاملي، أم لم يكن كذلك - بل كان نسبة عقد البيع إليه نسبة الظرف إلى المظروف فقط، بأن كان ايقاعه في ضمن العقد، لخروجه عن الابتدائيّة إلى الضمنيّة، فجهالته لا توجبُ غَرريّة البيع، فإنّ الشرط التزامٌ وغير مربوط بالبيع، وبما يتقوّم به، ولا توجبُ خطراً فيه بما هو بيع، وكونها كذلك بالإضافة إلى الغرض العقدي - لا يوجب كون البيع الإنشائي كذلك.

وأمّا الجهة الثالثة: فقد تقدّم تنقيح القول فيها، وعرفت أنّه لا شرط موضوعاً إلّا في ضمن العقد.

وأمّا الجهة الرابعة: فلا كلام في أنّ الشرط مطلقاً تابعٌ للعقد في مقام الإثبات والإنشاء، ولكن ربما يكون المشروط مستقلّاً في عالم الثبوت، وربما يكون تابعا في ذلك المقام بالتبعيّة الذاتيّة العرفيّة، كتبعيّة بيض الدجاجة لها، والمفتاح للدّار ونحو ذلك، والذي وقع محلّ الكلام إنّما هو القسم الأوّل، وأمّا الثاني فلا إشكال في أنّ الجهل به لا يضرّ، لأنّ التابع يُملك بتبع المتبوع، وإنْ لم يلتفت إليه فضلاً عمّا التفت إليه، وذكر مع عدم الإحاطة به.


يعتبر أن لا يكون الشرط مستلزماً للمحال

الشرط الخامس: أن لا يكون الشرط المذكور في ضمن العقد مستلزماً لمحالٍ‌، كما لو شرط في البيع أن يبيعه على البائع.

أقول: البحث في هذه المسألة يقع في جهتين:

الأُولى‌: في أصل الحكم بلحاظ النَّص والفتوى.

الثانية: في تطبيق الفساد على القواعد.

أمّا الجهة الأُولى‌: فسيأتي الكلام فيها في حكم الشرط الفاسد، وتقدّم في النقد والنسيئة.

وأمّا الجهة الثانية: فقد استدلّ للبطلان المنسوب إلى المشهور بوجهين:

الوجه الأوّل: ما عن المصنّف رحمه الله(1)من لزوم الدور، وتقريبه من وجهين:

أحدهما: أنّ بيعه له يتوقّف على ملكيّته، وملكيّته تتوقّف على حصول الشرط، وهو بيعه له، فيلزم الدور.

ولا ينتقض باشتراط بيعه من غيره، فإنّه في نفسه معقولٌ‌، ويكون الشرط متوقّفاً على الملك، لجواز أن يكون جارياً على حَدّ التوكيل والفضولي.

وفيه: إنّ هذا الوجه يتمّ على أحد المسلكين، وهما:

1 - كون الشرط من قبيل الشرط المصطلح عند أهله، وهو ما يلزم من عدمه العدم. وبعبارة أُخرى ما هو من أجزاء العلّة.


1) راجع تذكرة الفقهاء: ج 10/261 (ط. ج).

2 - وتوقّف المِلك على انقضاء زمان الخيار، من غير فرقٍ بين المتّصل منه والمنفصل.

إذ على الأوّل يكون حصول البيع الأوّل متوقّفاً على البيع الثاني، وتوقّف الثاني على الأوّل واضحٌ‌.

وعلى الثاني ما لم يتحقّق الشرط ولم يصير البيع لازماً لا يحصل الملك، وما لم يحصل الملك لا يصحّ البيع الثاني، فإنّه من قبيل البيع للمالك.

والمبنيان فاسدان.

أمّا الأوّل: فلأنّ الشرط في المقام غير الشرط المصطلح، بل هو التزام في ضمن التزامٌ‌، ولا يكون البيع معلّقاً على الشرط، بل لزومه متوقّفٌ عليه.

وأمّا الثاني: فلأنّ الملك يحصل بتماميّة البيع، ولزومه يتوقّف على انقضاء زمان الخيار.

وعلى هذا، فالبيعُ الأوّل والملكيّة الحاصلة منه، لا يتوقّفان على البيع الثاني، فلا دور.

ثانيهما: إنّ الشرط لابدَّ وأن يكون مقدوراً ومملوكاً للشارط، وهذا منتفٍ في المقام، لأنّه حين الاشتراط يكون المبيع ملكاً للبائع، ولم ينتقل بعد إلى المشتري، فاشتراط بيعه على نفسه مرجعه إلى اشتراط بيع المال على مالكه، وهو غير معقول.

وفيه: إنّ الشرط هو قيام المشتري ببيع المبيع مرّةً اُخرى على البائع بعدما انتقل عنه، وصار مِلْكاً للمشتري، وهذا في ظرفه معقولٌ ومقدور له، ولا يعتبر أن يكون الشرط حين الاشتراط معقولاً ومقدوراً.

الوجه الثاني: ما عن الشهيد رحمه الله(1)من عدم القصد، لأنّ مثل هذا الشخص لا يريد قطع علاقة المِلك عن نفسه، والعقد متقوّم بالقصد.

وفيه: أنّه إنْ أُريد بذلك أنّه لا غَرض عقلائي له في هذا البيع.

فيرد عليه أوّلاً: أنّه لا يعتبر في صحّة العقد وجود الغرض العقلائي.

وثانياً: أنّه ربما يكون موجوداً من التخلّص عن حَنث النذر وغيره.

وإنْ أُريد به أنّه ربما يكون موجوداً لأجل التخلّص عن حنث النذر وغيره.

وإنْ أُريد به أنّه لا قصد جدّي به.

فيرد عليه: أنّ شرط عود الملك مؤكِّدٌ لشرط خروجه، إذ لولا خروجه عنه، لم يكن معنى لعوده إليه،.

وبالجملة: الإنصاف أنّه لا محذور في هذا البيع من حيث القاعدة.

نعم، ورد النَّص على البطلان في بعض فروض المسألة، وسيأتي الكلام فيه.

***ا.


1) حكاه عنه الشهيد الثاني في المسالك: ج 1/354، والايرواني في حاشية المكاسب: ج 5/360، وغيرهما.

ويدخل تحت القدرة، ولا يجوزُ اشتراط ما ليس بمقدورٍ كصيرورة الزّرع سُنبلاً.

اعتبار دخول الشرط تحت القدرة

(و) الشرط السّادس: أن (يَدخُل تحت القدرة، ولا يجوزُ اشتراط ما ليس بمقدورٍ كصيرورة الزّرع سنبلاً).

كذا طفحت كلماتهم به، ولكن بما أنّ القدرة وعدمها اللّتين هما من قبيل العدم والملكة تختصّان بالأفعال، ولا تتعلّقان بالأعيان الخارجيّة والأوصاف، وهذا البحث لا يختصّ بالأفعال، فالأولى التعبير بأنْ يكون ما يشترط تحت سلطانه واستيلائه، فيعمّ الأوصاف، فإنّه يسلّط على الوصف بسلطنته على العين.

أقول: وكيف كان، فتنقيح القول في المقام بالبحث في موارد:

الأوّل: فيما إذا كان الشرط فعلاً.

الثاني: ما إذا كان وصفاً.

الثالث: ما إذا كان من شروط النتيجة.

أمّا المورد الأوّل: فلا كلام فيما إذا كان الفعل لأحد المتعاقدين ومقدوراً له، والكلام إنّما هو في غير ذلك من أقسامه، أعمّ من فعلٍ محال من المشروط عليه، أو فعل الغير، أو فعل اللّه تعالى‌.

وما أفاده الشيخ رحمه الله(1): من أنّ الإلزام والالتزام بمباشرة فعلٍ ممتنعٌ عقلاً أو عادةً


1) كتاب المكاسب: ج 6/15 (ط. ج).

ممّا لا يرتكبه العقلاء، والاتيان بالقيد المُخرِج لذلك والحكم عليه بعدم الجواز، بعيدٌ عن شأن الفقهاء.

يرد عليه: أنّ الشرط حقيقته ربط العقد بشيء كما اعترف به، فكما أنّ العقلاء يربطون عقودهم بفعل الغير على ما صرّح به، كذلك يربطونها بالمحال.

وبالجملة: لا كلام في عدم لزوم الوفاء بالشرط المحال، إنّما الكلام في أنّه هل يصحّ ربط العقد به أم لا، بحيث يثبت للمشروط له الخيار مع عدم تحقّقه‌؟ الأظهر جواز ذلك.

أقول: قد استدلّ لعدم الجواز، واعتبار كون الشرط مقدوراً بوجوه:

الوجه الأوّل: الإجماع.

وفيه أوّلاً: إنّ المخالف موجودٌ وهو الشيخ(1)والقاضي(2)وغيرهما.

وثانياً: إنّه لمعلوميّة مدرك المُجمِعين، ولا أقلّ من احتمال استنادهم إلى بعض ما سيأتي، لا يُعتمد عليه.

الوجه الثاني: ما عن العلّامة رحمه الله(3)وهو أنّ الشارط لا يقدر على التسليم، أي تسليم متعلّق الشرط، بل المبيع إذا قيّد به، والقدرة على التسليم معتبرة.

وفيه: إنّ مدرك اعتبار القدرة على التسليم، لزوم الغَرر من عدمها كما تقدّم.

أقول: وفي المقام إنْ ادُّعي أنّه يلزم الغَرر في البيع.

فيردّه: أنّ الشرط التزامٌ في الالتزام، لا أنّه من قيود المبيع، ويكون التزام1.


1) المبسوط: ج 2/156.

2) جواهر الفقه: ص 60.

3) نقل نسبة ذلك إلى العلّامة السيّد محمّدتقي الخوئي في كتابه: الشروط أو الالتزامات التبعيّة في العقود: ج 83/1.

واحدٌ متعلّقاً بالمبيع والشرط.

وإن ادُّعي لزوم الغَرر في الشرط.

فيرده أوّلاً: النقض بما إذا كان الشرط فعلُ المشترط عليه، مع كونه اختياريّاً إذا لم يوثق بحصوله.

وثانياً: أنّ الشرط الذي حقيقته ربط الالتزام بالوفاء بالعقد به، وثبوت الخيار عند عدمه، لا يلزم من عدم القدرة عليه الغَرر والخَطر.

الوجه الثالث: لزوم الغَرر من عدم القدرة، وقد عرفت ما فيه.

الوجه الرابع: لزوم اللَّغوية و السّفاهة.

وفيه أوّلاً: إنّ مجرّد ذلك لا يوجبُ البطلان، فإنّ الباطل معاملة السفيه لا المعاملة السفهيّة.

وثانياً: إنّه مع ربط العقد به، وتعليق اللّزوم عليه، لا يلزم اللّغوية والسفاهة.

الوجه الخامس: ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله(1)من أنّ الشرط أُعدّ لنقل ما يصحّ نقله بسائر العقود، وما لا يصحّ نقله بها، فلابدّ وأن يكون مملوكاً للشارط، وإلّا فهو من قبيل: (وَهَب الأميرُ ما لا يَملك).

وفيه: إنّه في الشرط ليس تمليكٌ وتملّك، بل ربطٌ للعقد به، وأنّه مع عدمه للشارط الخيار.

وبالجملة: فالأظهر عدم اعتبار القدرة.

وأمّا المورد الثاني: وهو ما إذا كان الشرط وصفاً:2.


1) منية الطالب: ج 2/102.

فإنْ كان واثقاً بوجوده، كان الوصف حاليّاً أم استقباليّاً، صحّ بلا تأمّل، لأنّه لا غرر ولا محذور آخر، وإلّا فقد فصّل الشيخ رحمه الله(1)بين الحالي والاستقبالي، وحكم ببطلان الثاني، للّزوم الغَرر دون الأوّل، للاجماع، ولأنّ التزام وجود الصفة في الحال، بناءً عليوجود الوصف الحالي، وبهذا المقدار يرتفع الغَرر لكون ذلك بمنزلة التوصيف.

وفيه أوّلاً: إنّه لو كان البناء كافياً، فلم لا يلتزم به في الاستقبالي‌؟

وثانياً: أنّ لازمه البطلان مع عدم البناء في الوصف الحالي.

وثالثاً: إنّه يستلزم ثبوت معنيين للشرط: أحدهما البناء على تحقّق الشرط، والآخر عدمه.

أقول: الحقّ هو التفصيل بينهما، والبناء على الصحّة في الاستقبالي، والبطلان في الحالي.

أمّا الصحّة في الأوّل: فلأنّ المبيع حين ما يقع البيع عليه معلومٌ ذاتاً ووصفاً فلا غَرر فيه، ولا يعتبر العلم بالأوصاف إلى الأبد، والشرط قد تقدّم أنّ الجهل به من حيث هو لا يوجبُ الغَرر.

وأمّا البطلان في الثاني: فلأنّ الجهل بالوصف الحالي موجبٌ لصيرورة المبيع مجهولاً وغرريّاً، فيبطل لذلك، لولا الإجماع على الصحّة عليما ادّعاه الشيخ رحمه الله(2).

وأمّا المورد الثالث: وهو ما إذا كان الشرط من شروط النتيجة:

فإنْ كان الشرط ممّا يكفي في تحقّقه كلّ سبب، ولو كان هو الشرط، فإنّه لا كلام في صحّته.

أمّا إنْ كان ممّا يتوقّف على سبب خاص:

فإنْكان الشرطتحقّقه عن سببه، فهذا لاكلامٍ في صحّته أيضاً، إذاكان سببه مقدوراً.).


1) كتاب المكاسب: ج 6/17-18 (ط. ج).

2) كتاب المكاسب: ج 6/17-18 (ط. ج).

وإنْ كان تحقّقه من دون السبب بطل، لكونه خلاف الكتاب والسُنّة، وبذلك يظهر ما في كلام الشيخ الأعظم(1)رحمه الله.

أقول: قد تكرّر في كلمات القوم التمثيل لغير المقدور، باشتراط جعل الزَرع سنبلاً، والمراد به:

إمّا جعل اللّه تعالى‌، كما صرّح به الشهيد رحمه الله(2).

أو جعل المشروط عليه، كما هو صريح «جامع المقاصد»(3)، وظاهر «الشرائع»(4).

أو جعل الأعمّ من اللّه ومن المشروط عليه، كما صرّح به صاحب «الجواهر»(5).

وعلى فرض كون الثاني مراداً، ليس المراد به كون المشروط عليه مفيض الوجود، أو كونه مجرى الفيض، إذ لا يخطر شيءٌ منهما ببال المتعاملين، بل المراد إعداد المقدّمات المؤدّية إلى ذلك، وحيث أنّ بعضها خارجٌ عن تحت قدرته فهو شرط غير مقدور.

***3.


1) كتاب المكاسب: ج 6/18-19 (ط. ج).

2) حكاه عنه في مسالك الأفهام: ج 3/270.

3) جامع المقاصد: ج 4/416.

4) شرائع الإسلام: ج 2/27.

5) جواهر الكلام: ج 23/203.

اعتبار أن يكون في الشرط غرض عقلائي

الشرط السابع: أن يكون ممّا فيه غرضٌ معتدٌّ به عند العقلاء.

أقول: قد استدلّ لاعتبار هذا الأمر بوجوه.

الوجه الأوّل: ما في «المكاسب»(1)وتبعه غيره(2)من أنّ شرط ما لا غرض للعقلاء فيه، ولا يزيدُ به الماليّة، لا يعدّ حقّاً للمشروط له على المشروط عليه، حتّى يتضرّر بتعذّره.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ الحقّ من الاعتبارات العقلائيّة كالملكيّة، واعتبار استحقاق ما لا غرض عقلائي فيه من العقلاء خلفٌ‌، وحيث لا حقّ عند العقلاء، فلا موقع لوجوب الوفاء، كما لا موقع للخيار عند تخلّفه.

وفيه: إنّ كون شيءٍ حقّاً لشخصٍ آخر، لا يتوقّف على الغرض العقلائي بعد عموم دليل الشرط له.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ مدرك نفوذ الشرط وثبوت الخيار عند تخلّفه، إنْ كان هو بناء العقلاء، بضميمة عدم ردع الشارع عنه، أو كان حديث لا ضرر(3)تمّ ما ذكر، وإلّا فلا يَتمّ‌، إذ عموم: «المُسلمون عند شروطهم»(4)يشمل كلّ شرطٍ جعله العاقل على نفسه، ولا مخصّص لعمومه، وعدم التضرّر بتعذّره لا يمنع من ذلك، كما


1) كتاب المكاسب: ج 6/20 (ط. ج).

2) التذكرة: ج 1/524.

3) وسائل الشيعة: ج 18/32 ح 23073، الكافي: ج 5/280 ح 4.

4) وسائل الشيعة: ج 18/16 ح 23041، الكافي: ج 5/169 ح 1.

أنّ عدم كونه مورداً لاعتبار العقلاء - لعدم كونه حقّاً - لا يصلح للمانعيّة، مع أنّ عدم اعتبارهم ممنوعٌ‌.

الوجه الثاني: ما في حاشية المحقّق الاصفهاني رحمه الله(1)من انصراف دليل الشرط عمّا لا غرض عقلائي فيه.

وفيه: إنّ الانصراف المقيّد للإطلاق، هو ما أوجب عدم صدق الموضوع بنظر العرف، وفي المقام يصدق الشرط على ذلك بلا كلام.

الوجه الثالث: أنّ مقداراً من الثمن يقع بإزاء الشرط، فمع عدم كونه متعلّقاً لغرض عقلائي، يكون بذل المال بإزائه من قبيل الأكل بالباطل، فلا يجوز.

وفيه: إنّ الثمن لا يقع شيءٌ منه بإزاء الشرط.

الوجه الرابع: ما في «المكاسب»(2)أيضاً من أنّ الشارع لا يعتنى بما لا غرض عقلائي فيه ليوجب الوفاء به.

وفيه: إنّ الشارع الأقدس بما أنّه رئيس العقلاء، لا يوجبُ الوفاء ابتداءاً بما ليس فيه غرضٌ عقلائي، إلّاأنّه لو التزم العاقل على نفسه العمل به لا مانع من إمضائه له وايجابه الوفاء به، كما هو مقتضى إطلاق الدليل.

وعليه، فالأظهر عدم اعتبار هذا القيد.

فرع: لو شكّ في تعلّق غرضٍ صحيح به، قيل يُحمل عليه.

أقول: إنْ كان الشاكّ غير الشارط يبنى على الصحّة، حملاً لفعل المسلم عليه،).


1) حاشية المكاسب: ج 5/123.

2) كتاب المكاسب: ج 6/20 (ط. ج).

وإنْ كان هو الشارط يَحمل على الصحيح، لعموم: «المسلمون عند شروطهم»، فإنّه وإنْ كان المورد من موارد الشبهة المصداقيّة، إلّاأنّ المخصّص على فرض وجوده بما أنّه غير لفظي، لا يمنع عن التمسّك بالعموم فيه.

اعتبار التنجيز في الشرط وعدمه

قال الشيخ رحمه الله(1): (وقد يتوهّم هنا شرطٌ تاسعٌ‌، وهو تنجيز الشرط بناءً على أنّ تعليقه يسري إلى العقد).

أقول: والكلام فيه يقع في جهتين:

الأُولى‌: في أنّ التعليق في الشرط هل يوجبُ بطلانه أم لا؟

الثانية: في أنّه هل يوجب بطلان البيع أم لا؟

أمّا الجهة الأُولى‌: فإنْ كان مدرك اعتبار التنجيز في العقود استحالة التعليق في الإنشاء، أو انصراف أدلّة الإمضاء عن المعلّق، أو اعتبار الجزم في الإنشاء، بطل الشرط المعلَّق، لجريان هذه الوجود بعينها فيه.

وإنْ كان المدرك هو الإجماع كما ذكرناه في الأجزاء السابقة من هذا الشرح(2)لم يبطل، إذ القدر المتيقّن منه العقود، بل البيع.

وأمّا الجهة الثانية: فقد استدلّ لبطلان البيع بوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ التعليق في الشرط موجبٌ للتعليق في البيع، لأنّ شرطالشرط


1) كتاب المكاسب: ج 6/57 (ط. ج).

2) فقه الصادق: ج 23 (ومن الشرائط التنجيز في العقد).

شرطٌ، فما علّق عليه الشرط في الحقيقة يكون معلّقاً عليه نفس البيع المشروط.

وفيه أوّلاً: إنّ التعليق إنّما يكون في متعلّق الشرط والملتزم به، لا في الشرط والالتزام، مثلاً الشرط في قول: (بعتك هذا بدرهم على أن تخيط ثوبي إنْ جاء زيدٌ)، هو الخياطة على تقدير المجيء، لا الخياطة المطلقة.

وثانياً: إنّ الشرط ليس جزءً من أحد العوضين، بل هو التزامٌ ضمن التزام، فالتعليق فيه لا يسري إلى البيع.

الوجه الثاني: إنّ مرجع التعليق في الشرط إلى البيع بثمنين، وهو: الدرهم على تقدير، ومع الضميمة على تقديرٍ آخر.

أقول: والجواب عن ذلك بإرجاع التعليق إلى متعلّق الشرط، غير كافٍ‌، لأنّ المحذور هو اختلاف الثمن على التقديرين، بل الحقّ في الجواب هو المنع عن كون الشرط جزءً للثمن، وقد تقدّم تنقيح القول في ذلك.

قال المحقّق النائيني:(1)في معرض الاستدلال لصحّة الشرط المعلّق، بأنّه - مضافاً إلى أنّها مقتضى العمومات - ما ورد في امرأةٍ مكاتبة أعانها ولد زوجها على أداء مال كتابتها، مشترطاً عليها عدم الخيار على زوجها بعد الانعتاق، من نفوذ الشرط وصحّته، مستشهداً بعموم قوله صلى الله عليه و آله: «المسلمون عند شروطهم»،(2)ولا بأس به.

فتحصّل: أنّ الأظهر صحّة العقد والشرط.

***9.


1) منية الطالب: ج 3/237.

2) وسائل الشيعة: ج 23/155 باب 11 من أبواب المكاتبة ح 29299.

حكم الشرط الفاسد

المقام الثالث: في أحكام الشروط، والكلام فيه في موضعين:

الموضع الأوّل: في أحكام الشرط الفاسد، وفيه مسائل:

المسألة الأُولى: لا يجبُ الوفاء به، لأنّ فساد الشرط لا محالة يكون لانتفاء أحد الأُمور المذكورة، المعتبر بعضها في أصل كونه شرطاً، وبعضها في صحّته، فلا كلام في عدم وجوب الوفاء به من حيث إنّه شرط، لأنّ معنى فساده عدم ترتّب حكمه عليه.

وهل يترتّب عليه حكم الوعد أم لا؟ فيه أقوال:

أحدها: إنّه وعدٌ يترتّب عليه حكمه.

ثانيها: ما عن المحقّق النائيني رحمه الله(1)من أنّه لا يترتّب عليه ذلك.

ثالثها: ما في «المكاسب»(2)من ترتّبه على القول بعدم فساد أصل العقد.

أقول: والأظهر هو الأوّل، لأنّه إنْ شاءُ التزامٍ بشيءٍ فهو وعد.

واستدلّ للثاني: بأنّ الوعد إخبارٌ، فلا ربط له بباب الشروط التي هي من مقولة الإنشاء.

وفيه: ماتقدّم في هذا الشرح في مبحث الكذب(3)، أنّ الوعد ربما يكون إخباراً، وربما يكون إنشاءً‌، كما إذا قال المولى لعبده: (إذا فعلت الفعل الفلاني أعطيكَ درهماً) وعليه فلا يكون الوعد مقابلاً للإنشاء.


1) منية الطالب: ج 2/144.

2) كتاب المكاسب: ج 6/89 (ط. ج).

3) فقه الصادق: ج 21/236، من مباحث (حرمة الكذب) (الوعد).

واستدلّ للثالث: بأنّ الشرط في ضمن العقد وعدٌ مقيّدٌ لامطلق قيّدبصحّة العقد.

وفيه: إنّ العقد مقيّدٌ به لا هو بالعقد، بل هو مطلق، غاية الأمر إنشاءٌ في ضمن إنشاء العقد.

أقول: المهمّ في المقام بيان أنّ الشرط الفاسد مفسدٌ للعقد أم لا؟

والكلام فيه في موردين:

الأوّل: في تعيين محلّ النزاع وبيان الأقوال.

الثاني: فيما هو الحقّ‌، ومن استدلّ به على كلٍّ من الأقوال.

أمّا المورد الأوّل: فإن كان فساد الشرط موجباً لاختلال العقد نفسه، كالشرط المنافي لمقتضى العقد، بطل العقد بلا كلام، وليس هو محلّ النزاع، كما أنّه لا كلام في البطلان إذا كان فساده موجباً لاختلال شيء من الأُمور المعتبرة في العوضين، كما لو اشترط وجود وصفٍ مجهول في أحد العوضين أو إحداثه فيه، فإنّه يوجب الجهالة فيها.

أقول: وإلى هذا نظر الشيخ رحمه الله(1)حيث قال: (ولا تأمّل أيضاً في أنّ الشرط الفاسد لأجل الجهالة يُفسد العقد؛ لرجوع الجهالة فيه إلى جهاله أحد العوضين)، وإلّا فشرط ما هو أجنبيٌ عنهما، لا يوجبُ الجهالة فيهما، أو اشترط أمراً غير مقدورٍ موجباً لتعذّر تسليم أحد العوضين، كما لو بيع الزرع بشرط أن يجعل سنبلاً.

وأمّا إذا اشترط أمراً غير مقدورٍ لا ربط له بالعوضين، كما لو باع الثوب بشرط أن يجعل الزرع سنبلاً، فهو داخلٌ في محلّ الكلام. أو اشترط شرطاً أوجب سلب الماليّة عن أحد العوضين، كما لو باع الخشب بشرط أن يُجعل صنماً، فإنّ مرجع).


1) كتاب المكاسب: ج 6/89 (ط. ج).

ولو اشترط ما لا يَسوغُ‌، أو عدم العتق، أو عدم وطء الأمَة، بطل الشرط. وفي إبطال البيع به وجهٌ قوي،

هذا الشرط إلى حصر المنافع في المحرّمة، وسلب المحلّلة منه، فيوجبُ سلب المنفعة والخروج عن الماليّة؛ إذ المنافع المحلّلة لا يجوز استيفاؤها للشرط، والمنافع المحرّمة سَلَبها الشارع عنه، فيخرجُ عن كونه مالاً، فأكل المال على هذا الوجه أكلٌ للمال بالباطل، كما صرّح به الشيخ رحمه الله.

(و) أمّا إذا لم يكن مخلّاً بالعقد، ولا بالعوضين كما، (لو اشترط ما لا يَسوُغ، أو عدم العِتق، أو عدم وطء الأمَة) ممّا ي‍ (بطل الشرط) ففيه أقوال:

1 - ما عن الشيخ الطوسي(1)، والإسكافي(2)، وابني سعيد(3)، والبرّاج(4)، من عدم إفساده للبيع.

2 - ما عن أجلّة المتأخّرين، كالمصنّف(5)في غير المتن، والشهيدين(6)، والمحقّق الثاني(7)وغيرهم(8)من الإفساد، وقوّاه الماتن في المتن بقوله: (وفي إبطال البيع به وجهٌ قويّ‌).2.


1) المبسوط: ج 4/303.

2) حكاه عنه العلّامة في المختلف: ج 5/298.

3) الجامع للشرائع: ص 272.

4) حكاه عنه العلّامة في المختلف: ج 5/298، ولم نعثر عليه فيما بأيدينا من كتبه، بل الموجود في المهذّب: ج 389/1 الحكم بالفساد.

5) مختلف الشيعة: ج 5/298.

6) الدروس: ج 3/214-215، مسالك الأفهام: ج 3/273.

7) جامع المقاصد: ج 4/431.

8) التنقيح للفاضل المقداد: ج 2/70-74، ومفتاح الكرامة: ج 4/732.

أقول: ولا يخفى أنّ الشيخ الأعظم(1)نسب إلى المتقدمين من الأصحاب بعكس ما ذكرناه، ولعلّه سهوٌ من قلمه الشريف، والأولون على قولين: الصحّة مع الخيار، وبدونه.

وأمّا التفصيل المنسوب إلى ابن زُهرة(2)وهو التفصيل بين الشرط غير المقدور، كصيرورة الزرع سنبلاً، وبين غيره من الشروط الفاسدة، فالظاهر عدم كونه تفصيلاً في ما هو محلّ النزاع؛ لرجوع القسم الأوّل في كلامه إلى ما يوجب خللاً في شروط أحد العوضين الذي عرفت خروجه عن محلّ النزاع.

وكيف كان، فيشهد للصحّة وعدم الإفساد: العمومات الدالّة على مشروعيّة المعاملة تأسيساً أو إمضاءً‌.

وقد استدلّ للقول بالفساد بوجوه:

الوجه الأوّل: ما عن الشيخ رحمه الله في «المبسوط»(3)من أنّ للشرط قسطاً من العوض مجهولاً، فإذا سقط لفساده، صار العوض مجهولاً.

وأجاب الشيخ رحمه الله(4)عنه: بأجوبة أربعة:

الجواب الأوّل: النقض بالشروط الفاسدة في النكاح المرتبطة بالمهر؛ فإنّهم تسالموا على أنّ فسادها لا يوجبُ فساد عقد المهر الذي يتضمّنه عقد النكاح المنحلّ إلى عقدين:3.


1) كتاب المكاسب: ج 6/90 (ط. ج).

2) غنية النزوع: ص 215.

3) المبسوط: ج 2/149.

4) كتاب المكاسب: ج 6/92-93.

1 - إنشاء عُلقة الزوجيّة بين الزوجين.

2 - وعقد المهر، وهو تعيّن ذاك الأمر الكلّي الثابت على الزوج، بإزاء تسلّطه على البُضع في مقدارٍ معلوم، أو في عين معلومة، حيث إنّ لازم فساده الرجوع إلى مهر المثل، وقد حكموا بصحّته، وأنّه يرجع إلى المهر المُسمّى‌.

وبهذا يظهر أن تطويل الكلام في المقام، في أنّ الشرط الفاسد في النكاح غير المرتبط بالمهر هل يكون مفسداً له أم لا؟ أجنبيٌ عمّا هو محلّ النقض.

الجواب الثاني: أنّه لا مقابلة بين الشرط وأحد العوضعين، وقد تقدّم تفصيل القول فيه، وعرفت أنّ الشرط ليس جزءاً من أحد العوضعين ولا قيداً له، وإنّما الشرط التزامٌ مستقلٌّ‌، أصبح الالتزام بالوفاء بالعقد مقيّداً به.

أقول: ما أفاده المحقّق الايرواني رحمه الله(1)من أنّ العوض وإن كان لا يقابل القيد ولا التقيّد، ولكنّه مقابلٌ للمقيّد بما هو مقيّدٌ لا ذات المقيّد، قد مرّ جوابه، وعرفت أنّ المقيّد منحلٌّ إلى ذات المقيّد والتقيّد، وإذا كان التقيّد أمراً انتزاعيّاً لا يقابل بالمال، كان المقابل للعوض لا محالة ذات المقيّد، غاية الأمر القيد يصير داعياً إلى بذل المال في مقابل الذّات أزيد ممّا يبذل لولا القيد.

الجواب الثالث: إنّه مع تسليم المقابلة لا نُسلّم الجهالة؛ إذ ليس العوض المنضمّ إلى الشرط والمجرّد عنه إلّاكالمتّصف بوصف الصحّة، والمجرّد عنه في كون التفاوت بينهما مضبوطاً في العرف.

وفيه: إنّه مع فرض المقابلة، فإنّ مجرّد الانضباط لدى العرف لا يكفي، بل لابدّ من المعلوميّة عند المتبايعين.0.


1) حاشية المكاسب للايرواني: ج 2/70.

الجواب الرابع: أنّ اللّازم العلم بما هو مبيعٌ وثمنٌ في مرحلة البيع والإنشاء، وأمّا العلم بما يصير مصداقاً للمبيع أو الثمن، فلا يكون معتبراً، ولذا في بيع ما يَملك وما لا يَملك التزمنا بالصحّة مع عدم معرفة المبيع والثمن إلّافي مرحلة الإنشاء وهذا حسن.

الوجه الثاني: التراضي إنّما وقع على العقد الواقع على النحو الخاص، فإذا تعذّرت الخصوصيّة لم يبق التراضي؛ لانتفاء المقيّد بانتفاء القيد، فالمعاوضة المنشأة على تراضٍ لم تقع، والمعاوضة بدون الشرط تحتاج إلى تراض جديد، وبدونه تكون من قبيل أكل المال بالباطل.

ويردّه: - مضافاً إلى النقوض المذكورة في «المكاسب» التي ستمرّ عليك - أنّ الشرط:

إن كان من قبيل الصورة النوعيّة، لما وقع عليه العقد، ولا محالة يكون مقابلاً للعوض؛ إذ لا يصحّ المبادلة بين المادّة الهيولائيّة والثمن؛ لأنّه لا ماليّة لها.

وإن كان من قبيل العوارض الخارجيّة، فهو خارجٌ عن العقد والمعاوضة، ولا يكون قيداً للبيع، ولا لأحد العوضين، بل هو التزامٌ أصبح الالتزام بالوفاء بالعقد مقيّداً به، فالالتزام البيعي يكون مطلقاً غير معلّق، وقد تحقّق عن الرّضا وطيب النفس بالمعنى المعتبر في صحّة المعاملة، وقد تقدّم تفصيل القول في ذلك.

أقول: والظاهر أنّ هذا مراد الشيخ رحمه الله ممّا ذكره في المقام، لا أن يكون مراده ما ذكره جمعٌ منهم المحقّق الخراساني رحمه الله(1)من أنّ التقييد يوجبُ تعدّد المطلوب إذا لم1.


1) حاشية المحقّق الخراساني: ص 251.

يكن القيد مقوّماً لحقيقة المبيع، ووحدة المطلوب إذا كان مقوّماً، بتقريب أنّ العقلاء بناؤهم في مقام المعاملة على أخذ ما هو دخيلٌ في أصل الغرض المعاملي بنحو التقويم، وعلى أخذ ما لا دخل له في أصل الغرض، بل في مرتبةٍ منه بنحو الشرطيّة، وفي القسم الثاني حيث لم يتخلّف الغرض الأصلي، فلا بطلان للبيع بما هو بيع، وحيث تخلّف الغرض الأقصى، وهو أيضاً غرض عقدي معاملي فيثبت الخيار، وعليه فلا تقيّد لأصل الرّضا بالبيع.

فإنّه يردّه: أنّ هذا لا يوجب التفاوت بين ما هو الركن وغيره، إذ غير الركن ربما يكون دخيلاً في أصل الغرض.

وبالجملة: إنّ ذلك ليس أمراً مضبوطاً كي يمكن دعواه في جميع العقود، بل يختلف باختلاف الأغراض والدواعي.

الوجه الثالث: النصوص الخاصّة الواردة في المقام.

منها: خبر عبد الملك بن عتبة، عن الكاظم عليه السلام: «عن الرجل أبتاعُ منه طعاماً أو أبتاعُ منه متاعاً، على أن ليس عليَّ منه وضيعة، هل يستقيم هذا، وكيف يستقيم وجه ذلك‌؟ قال عليه السلام: لا ينبغي»(1).

أقول: وتقريب الاستدلال - على ما في محكيّ «المختلف»(2)- هو أنّ الظاهر إرادة الحرمة لا الكراهة؛ إذ مع صحّة العقد لا وجه لكراهة الوفاء بالوعد.

توضيحه: إنّ منشأ حرمة العقد أو كراهته، هو حرمة الشرط أو كراهته،1.


1) وسائل الشيعة: ج 18/95 ح 23227، تهذيب الأحكام: ج 7/59 ح 53.

2) مختلف الشيعة: ج 5/311.

وحيث إنّ كراهة الشرط، لا معنى لها، فإنّ ما في ضمن العقد الصحيح وعدٌ يستحبّ الوفاء به، فلابدّ من حمله على إرادة الحرمة الوضعيّة، فيدلّ الخبر على أنّ العقد فاسدٌ؛ لفساد شرطه.

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله(1)بما حاصله: إنّ كراهة البيع وإنْ لم يكن لها منشأٌ سوى كراهة الشرط، لكن غاية الأمر كراهة الاشتراط لا العمل بالشرط، ولا منافاة بين كون الاشتراط مكروهاً والعمل بالشرط واجباً، أو مستحبّاً.

وفيه: إنّ هذا الخبر لا يصحّ الاستدلال به؛ لضعفه سنداً ودلالةً‌:

أمّا الأوّل: فلأنّ راوي الخبر عبد الملك بن عتبة الهاشمي المكّي لا الصيرفي الكوفي الثقة، بقرينة رواية علي بن الحكم عنه، وهو مجهولٌ لم يوثّق.

وأمّا الثاني: فلوجوه:

أحدها: إنّ الخبر متضمّنٌ لسؤالين:

1 - السؤال عن صحّة البيع بهذا الشرط.

2 - السؤال عن صحّة الشرط، وتسلّط المشتري على أخذ الخسارة منه.

ومن الجائز رجوع قوله عليه السلام: «لا ينبغي»؛ إلى الثاني دون الأوّل، وعليه فهو أجنبيٌ عن المقام.

ثانيها: إنّ قوله: «لا ينبغي» لو لم يكن ظاهراً في الكراهة، لا يكون ظاهراً في الحرمة التكليفيّة أو الوضعيّة.

ثالثها: أنّه لو سُلّم ظهوره في الحرمة الوضعيّة أي الفساد، غاية ما يستفاد منه7.


1) كتاب المكاسب: ج 6/96-97.

اعتبار عدم هذا الشرط في صحّة البيع، وهذا أعمٌّ من مفسديّة الشرط الفاسد.

أقول: ثمّ إنّ الربح والخسارة بما أنّهما تابعان لنفس المال، ويستحيل أن يكونا لغير صاحب المال:

فإن كان الشرط كون الخسارة على البائع، كان شرط أمرٍ غير معقول.

وإن كان الشرط تدارك الخسارة، فهو معقولٌ لا إشكال فيه.

وظاهر الخبر هو الأوّل.

ومنها: ما ورد في بيع العينة، والمشهور فيه ما هو المعهود المتداول بين الناس تخلّصاً عن الرّبا وهو: أن يشتري السلعة بثمن مؤجّل، ثمّ يبيعها من بائعها بأقلّ من هذا الثمن نقداً متبانياً على ذلك قبل العقد:

1 - خبر الحسين بن المنذر، عن مولانا الصادق عليه السلام: «يجيئني الرّجل فيطلب العينة فأشتري له المتاع مرابحةً ثمّ أبيعه إيّاه ثمّ أشتريه منه مكاني‌؟

قال: إذا كان بالخيار إنْ شاءَ باع، وإنْ شاء لم يبع، وكنتَ أنتَ بالخيار إن شئتَ اشتريت، وإن شئتَ لم تشتر فلا بأس».(1)

2 - وخبر علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام: «عن رجلٍ باع ثوباً بعشرة دراهم إلى أجل، ثمّ اشتراه بخمسة دراهم بنقد أيحلّ؟ قال: إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس»(2).

تقريب الاستدلال بهما: أنّهما بالمفهوم يدلّان على ثبوت البأس إذا لم يكونا مختارين، واشترطا البيع بالشرط الملزم، وهو ما في ضمن العقد.9.


1) وسائل الشيعة: ج 18/41 ح 23094، الكافي: ج 5/202 ح 1.

2) وسائل الشيعة: ج 18/42 ح 23096، بحار الأنوار: ج 10/259.

وعليه، فإمّا يدلّ على فساد البيع الأوّل فهو المطلوب، أو يدلّ على فساد الثاني، وحيثُ لا منشأ لفساده سوى فساد الأوّل، فيثبت المطلوب.

وفيه: البيع المشروط بالشرط المذكور باطلٌ إجماعاً ونصّاً، والتزم بالبطلان فيه من لم يلتزم بمفسديّة الشرط الفاسد.

وإن شئت قلت: إنّ البيع محكومٌ بالفساد لهذا الشرط الذي ليس بفاسد في نفسه.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ الفساد فيه مختصٌّ بالعقد مع صحّة شرطه في حَدّ نفسه.

أقول: وأجاب الشيخ رحمه الله(1)عنهما بجواب آخر وهو:

إنّ ظاهر السؤال والجواب خصوصاً بقرينة حكاية فتوى أهل المسجد، هو رجوع البأس إلى الشراء، ولا ينحصر وجه فساده في فساد البيع؛ لاحتمال أن يكون وجهه عدم الاختيار فيه، الناشيء عن التزامه في خارج العقد الأوّل؛ إذ أهل العرف لا يفرّقون في إلزام المشروط عليه بالوفاء بالشرط بين الابتدائي منه، والواقع في متن العقد، فالشراء صادرٌ بتوهّم اللّزوم، ومن غير طيب النفس، فيفسد.

وفيه: إنّ ذلك لو أوجبَ عدم الرّضا الموجب للفساد، لما كان فرقٌ بين الشرط الصحيح والفاسد، ولا يمكن الالتزام بالفساد فيما إذا كان البيع شرطاً في ضمن عقد يجب الوفاء به.

وحَلّ ذلك: أنّ مثل هذا العدم الرّضا لا يوجبُ البطلان، بل الموجب هو الصادر عن غير اختيار أو عن إكراه، فينحصر وجه الفساد في فساد البيع الأوّل، مع أنّ حمل الشرط على الخارج عن العقد، خلاف الظاهر؛ فإنّه فاسدٌ في نفسه لا من جهة).


1) كتاب المكاسب: ج 6/97 (ط. ج).

تعلّقه بالبيع الثاني، وظاهرهما كون الفساد لهذه الجهة، وعليه فالحقّ ما ذكرناه.

فتحصّل: أنّه لا دليل على المفسديّة، ومقتضى العمومات الصحّة وعدم الإفساد، ويشهد بذلك - مضافاً إلى العمومات - جملةٌ من النصوص الخاصّة:

1 - صحيح الحلبي، عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ بريرة كانت عند زوج لهاوهي مملوكة، فاشتراها عائشة فأعتقتها، فخيّرها رسول اللّه صلى الله عليه و آله وقال: إنْ شاءت تقرّ عند زوجها، وإن شاءت فارقته، وكان مواليها الّذين باعوها شرطوا على عائشة أنّ لهم ولاءها. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: الولاء لمن أعتق»(1).

2 - ومثله صحيح عيص بن القاسم(2)

(3و4) وسائل الشيعة: ج 18/268 ح 23647، تهذيب الأحكام: ج 7/25 ح 23.

.

وحملها على الشرط الخارج عن العقد خلافُ الظاهر.

3 - وصحيحه الآخر، عن أحدهما عليه السلام: «في رجلٍ اشترى جاريةً‌، وشرط لأهلها أن لا يبع ولا يهب ولا يورث‌؟

قال عليه السلام: يفي بذلك إذا شرط لهم إلّاالميراث»(3).

ومثله مرسل جميل(4).

وظاهرهما بيان واقعة شخصيّة خارجيّة، فهما يدلّان على صحّة الشرطين، وبالتبع صحّة البيع وبطلان الشرط الثالث، فيدلّان على عدم مفسديّة الشرط الفاسد للعقد.

أقول: ويؤيّد ذلك ما ورد في النكاح من الأخبار الدالّة على صحّة عقده وفساد3.


1) وسائل الشيعة: ج 23/65 ح 29115، الكافي: ج 5/485 ح 1.

2) وسائل الشيعة: ج 23/64 ح 29114، الكافي: ج 6/198 ح 4.

الشرط فيه، كصحيح محمّد بن قيس(1)، بل وخبر الوشّاء(2)الذي استدلّ به بعضهم على عدم مفسديّة الشرط الفاسد.

وقد يستدلّ للصحّة: بأنّ صحّة الشرط متوقّفة على صحّة البيع، فلو كان الحكم بصحّة البيع موقوفاً على صحّة الشرط لزم الدور.

ويرد عليه: أنّ صحّة العقد لا تتوقّف على وجود الشرط، فضلاً عن صحّته.

نعم، على القول بمفسديّة الشرط الفاسد، تتوقّف على عدم الاشتمال على الشرط الفاسد، وهو لا يتوقّف على صحّة العقد كما هو واضح، مع أنّ المراد من الشرط الفاسد المتوقّف على عدم صحّة العقد، ليس هو الفاسد من جميع الجهات، بل الفاسد من الحيثيّة الراجعة إلى الشرط نفسه، من غير جهة لزوم وقوعه في ضمن العقد، وصحّة الشرط المتوقّفة على صحّة العقد، هي صحّته من ناحية لزوم وقوع الشرط في ضمن العقد، فكلّ من المتوقّف والمتوقّف عليه غير الآخر، فتدبّر فإنّه دقيق.

الشرط الفاسد يوجب الخيار

أقول: على تقدير صحّة العقد، ففي ثبوت الخيار للمشروط له مع جهلة بالفساد وجهان، ولذلك الكلام يقع في مقامين:

الأوّل: في الخيار، بناءً على كون خيار تخلّف الشرط على القاعدة كما اخترناه.

الثاني: في الخيار، بناءً على كونه على خلاف القاعدة، ثابتاً بأدلّة نفي الضرر.


1) وسائل الشيعة: ج 21/296 ح 27120، تهذيب الأحكام: ج 7/270 ح 63.

2) وسائل الشيعة: ج 21/298 ح 27125، الكافي: ج 5/402 ح 3.

أمّا المقام الأوّل: فمقتضى القاعدة ثبوت الخيار، وإن كان عالماً بالفساد، من جهة أنّه علّق الالتزام بالوفاء بالعقد على الشرط، والمفروض عدمه، ولا فرق في ذلك بين كون عدمه قهريّاً كتعذّر الشرط، أو اختياريّاً كتخلّف المشروط عليه عن العمل بالشرط، أو لمنعٍ شرعي كفساد الشرط.

نعم، لازم ما ذكرناه عدم الخيار لو فرض إتيان المشروط عليه بالشرط، إذا كان من الأفعال، وإن كان معصية، كما لو اشترط شُرب الخمر فشربها، فالخيار إنّما يثبت في شرط النتيجة وشرط الفعل مع عدم العمل.

وأمّا المقام الثاني: ففي صورة العلم بالفساد لا خيار؛ لأنّه مع العلم قد أقدم على ضرره، فلا يعمّه الحديث النافي للضرر.

وأمّا في فرض الجهل: فقد أورد الشيخ رحمه الله(1)على القول بدلالة حديث نفي الضرر على ثبوت الخيار هنا بوجوهٍ‌، بعضها مختصٌّ بالجهل بالحكم إذا كان عن تقصير:

الوجه الأوّل: إنّه لا يصلح لتأسيس حكم شرعي، إذا لم يُعتضد بعمل جماعةٍ‌، لأنّ المعلوم إجمالاً أنّه لو عمل بعمومه لزم منه تأسيس فقه جديد.

وفيه: أنّ إشكال لزوم تخصيص الأكثر في الحديث، لخروج أبواب الجنايات والضمانات والتعزيرات والخُمس والزكاة والجهاد وغيرها لو أبقي الحديث على ظاهره إشكالٌ تعرّض له الشيخ الأعظم في رسالته، وأجاب عنه(2): (بأنّ الخارج).


1) كتاب المكاسب: ج 6/100-101 (ط. ج).

2) فرائد الاُصول: ص 537 (قاعدة لا ضرر).

إذا كان بعنوانٍ واحدٍ جامعٍ لا محذور فيه)، وقد أجبنا عنه بأجوبة أُخرى في الرسالة التي وضعناها للبحث عن الحديث، وأثبتنا تبعاً له قدس سره أنّه لا محذور فيه من هذه الناحية، وأنّ كلّ موردٍ دلَّ الدليل على خروجه عن الحديث نلتزم به، وفي غير ذلك يكون المرجع عموم الحديث، ولا محذور فيه.

الوجه الثاني: إنّ ضرورة الشرع قاضية في أغلب الموارد، بأنّ الضرر المترتّب على فساد معاملة مع الجهل به لا يتدارك.

وفيه: إنّ المقصود ليس رفع الضرر المترتّب على فساد الشرط وفقده، بل رفع الضرر المترتّب على لزوم العقد الصحيح.

الوجه الثالث: إنّ مقتضى تلك الأدلّة نفي الضرر غير الناشيء عن تقصير المتضرّر في رفعه، والوجه في ذلك صدق الإقدام على الضرر بترك التعلّم، للحكم عمداً في صورة التقصير، فلا يشمله الحديث.

وفيه: إنّه لم يدلّ دليل على عدم الشمول في صورة الإقدام، كي يدور الحكم مدار صدق الإقدام وعدمه، بل إنّما نلتزم بعدم الشمول في صورة العلم، من جهة أنّه واردٌ مورد الامتنان، ولا امتنان في الرفع مع العلم، وهذا الوجه لا يجري في الجهل بالحكم إذا كان عن تقصير.

فتحصّل: أنّ الأظهر ثبوت الخيار في فرض الجهل على هذا المسلك أيضاً.


في إسقاط المشروط له الشرط الفاسد

المسألة الثانية: لو أسقط المشروط له الشرط الفاسد على القول بإفساده، فهل يصحّ بذلك العقد أم لا؟ المراد من إسقاطالشرط هو الرّضا بالعقد مجرّداً عن الشرط.

أقول: استدلّ الشيخ رحمه الله(1)لعدم صحّة العقد بذلك بأنّ العقد وقع فاسداً، فلاينفع إسقاط المفسد.

ثمّ استدلّ للصحّة: بأنّ الفساد كان لأجل عدم الرّضا، فإذا رضي بالمجرّد صَحّ‌.

وأجاب عنه (2): بأنّ متعلّق الرّضا لم يعقد عليه، أي لم يعقد على المجرّد، ومتعلّق العقد وهو المقيّد بالشرط لم يَرض به.

وفيه: إنّ الشرط التزامٌ خارجٌ عن الالتزام العقدي، ومتعلّق الالتزام العقدي نفس المقيّد لا مع القيد، والمفروض أنّه المرضيّ به.

والحقّ أن يقال: إنّ منشأ القول بالإفساد إنْ كان فقد الرّضا، صَحّ العقد، وإنْ كان جهالة العوض أو النَّص الخاص، لم يصحّ‌، وهو واضح.



1) كتاب المكاسب ج 6/102 (ط. ج).

2) كتاب المكاسب ج 6/102 (ط. ج).

ذكر الشرط الفاسد قبل العقد

المسألة الثالثة: لو ذُكِر الشرط الفاسد قبل العقد لفظاً، دون أن يُذكرفي العقد، فهل يبطل العقد بذلك، بناءً على القول بأنّ الشرط الفاسد مفسدٌللعقد، أم لا؟ وجهان:

أقول: قد بنى الشيخ الأعظم(1) القول بالصحّة والفساد في المسألة، على القول بتأثير الشرط المذكور قبل العقد غير المذكور في متن العقد، فعلى القول بأنّه لا حكم له - كما هو ظاهر المشهور - لم يفسد، وإلّا فسد.

وأورد عليه أكثر المحقّقين من المحشين بما حاصله(1):

إنّ إفساد الشرط الفاسد للعقد، لا يدور مدار صدق لفظ الشرط، بل مدار تقيّد الرّضا بأمرٍ لم يعلمه، أو الجهل بما قابل المبيع من الثمن، وكلّ من الأمرين حاصلٌ بمجرّد القصد بلا حاجة إلى اللّفظ.

وفيه: إنّه في باب العقود والإيقاعات لا يُعتنى بالأغراض والدّواعي النفسانيّة ما لم تُنشأ، فإذا فرضنا أنّ الشرط المتقدّم غير المذكور في العقد كان ذكره قبل العقد كالعدم، فلا يكون حينئذٍ مقيّداً للعقد.

وإن شئت قلت: إنّه كما لا عبرة بالرضا النفساني بشيء ما لم يُبرز، كذلك القيد النفساني غير المُنشئ لا يصلح للتقييد في باب المعاملات.

وعليه، فما أفاده الشيخ رحمه الله(3) متين.

وقد يُقال: - كما في محكيّ «المسالك»(2)- بدوران الصحّة والفساد مدار العلم


1) كما في حاشية الايرواني: ج 2/71.

2) مسالك الأفهام: ج 3/224.

بأن الشرط المتقدّم لا حكم له، والجهل به نظراً إلى أنّه مع العلم بالفساد لا يوقع العقد مبنيّاً على الشرط فيصحّ العقد، ومع جهله بالفساد يوقع العقد مبنيّاً عليه بطبعه، فيفسد.

وفيه أوّلاً: ما تقدّم من أنّه مع عدم تأثير الشرط المتقدّم لا حكم لوقوع العقد مبنيّاً عليه.

وثانياً: أنّه لا فرق بين صورتي العلم والجهل، فكما أنّه في صورة الجهل بالفساد يوقع العقد مبنيّاً عليه، كذلك في صورة العلم يمكن إيقاعه مبنيّاً عليه، وبالتالي فالتفصيل في غير محلّه.

قال المحقّق رحمه الله(1): في مسألة اشتراط بيع المبيع عن البائع، بعد الحكم بالبطلان:

(ولو كان من قصدهما ذلك، ولم يشترطا لفظاً كَرُه).

قال في «المسالك»(2): (أي لم يشترطاه في نفس العقد، فلا عبرة بشرطه قبله)، ثمّ حكى اعتراضاً عليه وجواباً عنه.

ومحصّل الاعتراض: أنّ لازم تبعيّة العقد للقصد، هو الحكم بالفساد؛ إذ المقصود هو المقيّد بالشرط، والمعقود عليه هو المجرّد عن القيد، فلا تطابق بين القصد والعقد.

وحاصل الجواب: أنّ العقد تابعٌ للقصد، بمعنى أنّ ما يقع لابدّ وأن يكون مقصوداً، وأمّا كلّ ما يُقصد لابدّ وأنْ يقع فلا دليل على ذلك.

وبعبارة أُخرى‌: أنّ ما يقع لا بد وأن يكون مقصوداً، وأمّا في ما لا يؤثّر العقد بالنسبة إليه، وإن كان مقصوداً فلا يعتبر تطابق العقد والقصد.8.


1) شرائع الإسلام: ج 2/35.

2) مسالك الأفهام: ج 3/308.

وعليه، فقوله في الجواب: (إنّ القصد وإن كان معتبراً في الصحّة، فلا يعتبر في البطلان)، يكون المراد منه أنّه لا يعتبر في ما لا يؤثّر العقد بالنسبة إليه مطابقة العقد للقصد، وقوله: (لتوقّف البطلان، إلى آخره) راجعٌ إلى المنفيّ‌، فهو تعليلٌ لتوهّم الاعتبار.

فالمتحصّل: أنّه لا يعتبر المطابقة في طرف البطلان، بتوهّم أنّه كالصحّة منوطة بموافقة القصد واللّفظ.


الشرط الفاقد لغرضٍ عقلائيّ‌

المسألة الرابعة: لو كان فساد الشرط لأجل عدم تعلّق غرضٍ معتدّ به عند العقلاء.

أقول: ظاهر كلام جماعةٍ من القائلين بإفساد الشرط الفاسد، كونه لغواً غير مفسدٍ للعقد(1).

قال في محكيّ «التذكرة»(2): (لو شرط ما لا غرض فيه للعقلاء، ولا يزيد به الماليّة، فإنّه لغوٌ لا يوجب الخيار).

والتحقيق: ما ذكر وجهاً لعدم مفسديّته - من أنّ هذا الشرط لما لم يجب شرعاً العمل به، ولم يكن في تخلّفه أو تعذّره خيارٌ خرج عن قابليّة تقيّد العقد به - لو تمّ اقتضى عدم مفسديّة الشرط الفاسد مطلقاً، بلا اختصاص بهذا الشرط.

والحقّ أن يقال: إنّ لغويّة الشرط وإنْ أوجبت عدم تقيّد العقد به عند العقلاء بما هم عقلاء، إلّاأنّها لا تنافي تقيّد العقد به بحسب قصد المتعاقدين، وعليه فيجري فيه ما ذكر في الشروط الفاسدة الأُخرى‌.

وبذلك ظهر تماميّة ما أفاده الشيخ رحمه الله(3)في المقام.



1) تذكرة الفقهاء: ج 1/494-495.

2) تذكرة الفقهاء: ج 1/524.

3) كتاب المكاسب: ج 6/104 (ط. ج).

حكم الشرط الصحيح

الموضع الثاني: في حكم الشرط الصحيح.

وتفصيله: إنّ الشرط المتعلّق يكون على أقسام:

1 - إمّا أنْ يتعلّق بصفةٍ من صفات المبيع الشخصي.

2 - وإمّا أنْ يتعلّق بفعلٍ من أفعال أحد المتعاقدين أو غيرهما.

3 - وإمّا أنْ يتعلّق بما هو من قبيل الغاية والنتيجة.

ثمّ إنّ ظاهر الشيخ الأعظم(1)والمحقّق النائيني رحمه الله(2)أنّه في موارد شرط النتيجة يكون المشروط هو اعتبار الشارع، وعليه قسَّما الشرط إلى أقسام ثلاثة:

شرط الوصف، شرط الغاية والنتيجة، شرط الفعل.

ولكن الظاهر أنّ متعلّق الشرط فيها هو الاعتبار النفساني للمتعاقدين، الذي هو تحت اختيارهما، دون الاعتبار الشرعي الخارج عن تحت قدرتهما، وعليه ففي تلك الموارد أيضاً يكون من قبيل شرط الفعل، غاية الأمر يكون الفعل المشروط قسمين:

أحدهما: ما هو من قبيل الاعتبار النفساني، الذي يوجد بنفس الشرط و الالتزام.

ثانيهما: ما لا يوجد به كالخياطة.

حكم شرط الوصف

أقول: وكيف كان، فالكلام يقع في موارد:

الأوّل: ما إذا كان الشرط متعلّقاً بصفة من الصفات.


1) راجع مكاسب الشيخ الأنصاري: ج 3/34 (ط. ق)، وفي (ط. ج): ج 6/58-59.

2) منية الطالب: ج 3/46.

والكلام فيه يقع في جهتين:

الجهة الأُولى‌: في بيان مراد الشيخ رحمه الله، وأنّه هل يكون ملتزماً بفساد شرط الوصف أو صحّته‌؟

أقول: لا يبعد القول بأنّه ملتزمٌ بعدم صحّته، من جهة قوله: (فلا معنى لوجوب الوفاء فيه)، وعموم: «المؤمنون...» مختصٌّ بغير هذا القسم، فإنّه استدلّ لبطلان شرط النتيجة بمثل ذلك.

وأمّا حكمه بالخيار، لعلّه من جهة إرجاع شرط الوصف إلى التوصيف، والخيار من باب تخلّف الوصف، لا تخلّف الشرط، وقد صرّح الشيخ رحمه الله(1)في مسألة اشتراط المقدوريّة برجوع شرط الوصف إلى التوصيف.

الجهة الثانية: في بيان ما هو الحقّ‌.

قد استدلّ لبطلان شرط الوصف بوجوه:

الوجه الأوّل: عدم المعقوليّة؛ فإنّ الوصف إمّا حاصل أو لا، وعلى التقديرين لا معنى لالتزامه.

دعوى السيّد الفقيه(2): من أنّ الالتزام بالوصف الحال، وإن كان لا يعقل حقيقةً عقليّة، إلّاأنّ الالتزام العرفي يمكن تعقّله وتحقّقه؛ فإنّا نراهم يلتزمون بأمثال ذلك، فيقولون: (على عهدتي أن يفعل فلانٌ كذا)، أو أن يكون البيع متّصفاً بكذا.

غريبة؛ فإن ذلك من العرف إنّما هو في مقام الإخبار، وتثبيت ما أخبر عنه،0.


1) حكاه عنه في حاشية المكاسب للاصفهاني: ص 43 (ط. ق).

2) حاشية المكاسب لليزدي: ج 2/120.

ولا دخل له بما هو من قبيل الإنشاء.

وفيه: إنّ الشرط لا يكون منحصراً في الإلزام والالتزام، بل قد يكون تقييداً محضاً لا للبيع، بل للالتزام بالمعاملة، ومن الواضح معقوليّة الالتزام بالمعاملة على ما هو خارجٌ عن تحت القدرة والاختيار.

الوجه الثاني: أنّ الالتزام بالوصف إن كان معقولاً لا معنى لصحّته؛ إذ لا يتحقّق شيءٌ به، ولا يترتّب عملٌ حتّى تكون صحّته بمعنى تأثيره فيه، والخيار حكمُ الشرط الصحيح لا أنّه مصحّح للشرط.

وفيه: أنّه إذا كان الالتزام بالوصف صحيحاً، كان معناه تعليق الالتزام بالبيع عليه، ومع عدمه لا يكون ملزماً بالوفاء بالعقد، ولو كان موجوداً يكون ملزماً به، وهذا هو الأثر المهمّ‌.

الوجه الثالث: إنّ شرط الوصف حيث أنّ المشروط عليه عاجزٌ على تحصيله لا معنى لوجوب الوفاء به، فلا يشمله عموم: «المسلمون عند شروطهم»(1).

وفيه: قد تقدّم في مبحث المعاطاة(2)من هذا الشرح، أنّ مفاد: «المسلمون عند شروطهم» هو وجوب العمل بالشرط تكليفاً، دون أن يكون متكفّلاً لإثبات الحكم وضعي من الصحّة واللّزوم، وعليه فلا يشمل شرط الوصف، إلّاأنّه لا ينحصر الدليل بذلك، فإنّ مقتضى قوله صلى الله عليه و آله: «الشرط جائزٌ بين المسلمين»(3)، أي نافذ، هو صحّة هذا الشرط.

وعليه، فالأظهر صحّته ونفوذه.3.


1) وسائل الشيعة: ج 18/16 ح 23040، الكافي: ج 5/169 ح 1.

2) فقه الصادق: ج 22/338.

3) الخلاف: ج 3/19، مستدرك وسائل الشيعة: عن دعائم الإسلام: ج 15/87 ح 17613.

حكم شرط النتيجة

المورد الثاني: في شرط الغاية والنتيجة.

أقول: ومحلّ الكلام في هذا المقام هو اشتراط الغاية والنتيجة، بالمعنى المتقدّم المعقول، وهو اشتراط اعتبار الشارط لا الشارع لا عن أسبابها ومبرزاتها الخاصّة، بل بنفس الاشتراط.

وعليه، فإنْ علم كون غايةٍ خاصّة لايعتبر فيها لفظ مخصوص، وسبب خاص، لا إشكال في صحّة الشرط ونفوذه، لا لقوله عليه السلام: «المسلمون عند شروطهم»(1)لما عرفت من كونه متضمّناً لبيان حكم تكليفي، والشرط في الفرض ليس فعلاً يترقّب كي يحب الوفاء به، بل لقوله عليه السلام: «الشرط جائزٌ بين المسلمين»(2).

والأدلّة الخاصّة الدالّة على أنّ الشرط الذي لا يُخالف كتاب اللّه يجوز على المشترط، وإن علم أنّه يعتبر فيها سببٌ خاص، وليس الشرط منه، فإنّه لا كلام في فساده؛ لكونه خلاف الكتاب والسُنّة.

وأمّا إنْ لم يدلّ دليلٌ على أحد الوجهين:

فإنْ بنينا على جريان أصالة عدم المخالفة، حكم بالصحّة والنفوذ؛ لأنّ أدلّة نفوذ الشرط دلّت على نفوذ كلّ شرطٍ وصحّته، خرج عنها الشرط المخالف للكتاب، فلو شُكّ في شرط أنّه مخالفٌ أم لا، إذا جرى هذا الأصل يدخل ذلك في


1) وسائل الشيعة: ج 18/16 ح 23040، الكافي: ج 5/169 ح 1.

2) الخلاف: ج 3/19، ونقله صاحب المستدرك عن دعائم الإسلام: ج 15/87 ح 17613.

المستثنى منه، وتشمله أدلّة النفوذ، وعلى ذلك فإشكال الشيخ رحمه الله(1)في صحّة هذا الشرط مع بنائه على جريان الأصل المشار إليه، لا وجه له.

وإن بنينا على عدم جريانه، فحيث إنّه يشكّ في كون الشرط مخالفاً للكتاب، يعدّ التمسّك بعموم دليل نفوذ الشرط تمسّكاً بالعموم في الشبهة المصداقيّة فلا يجوز، والمرجع إلى أصالة عدم تحقّق تلك الغاية.

أقول: وللسيّد الفقيه والمحقّق النائيني رحمه الله(2)كلامٌ في المقام، وهو:

إنّ الشكّ في كون الشرط مخالفاً للكتاب من قبيل الشبهة الحكميّة بحسب الغالب دون المصداقيّة.

ومحصّل ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله: أنّ الشكّ في كون شرطٍ كذلك، وإن كان قد يتّفق من جهة الشبهة المصداقيّة، كما لو شكّ في أنّ من يشترط ملكيّة المصحف له كافراً، إلّاأنّ الغالب كون منشأ الشكّ‌:

إمّا الشكّ في الحكم الشرعي، وأنّ الحكم الفلاني هل يكون مجعولاً في الشريعة حتّى يكون اشتراط خلافه مخالفاً للكتاب أم لا؟

أو أنّ السبب لهذا الأمر الاعتباري هل هو شيءٌ خاصّ‌، أم كلّ ما يكون مبرزاً له‌؟

فتكون الشبهة حكميّة أو مفهوميّة لا مصداقيّة، ولا مانع من التمسّك بالعموم في مثل هذه الموارد.5.


1) كتاب المكاسب: ج 6/19 (ط. ج).

2) منية الطالب: ج 3/245.

ثمّ أورد على نفسه: بأنّ العام حيث خُصّص بالمخصّص المتّصل، أصبح مجملاً وإجمال المخصّص يسري إلى العام، فلا يمكن التمسّك به في الموارد المذكورة.

وأجاب عنه: بأنّ هناك عمومات لم تُخصّص، وواضح أنّ إجمال ما اتّصل به المخصّص لا يسري إلى ما لم يتّصل به.

وفيه: إنّ الميزان في كون الشبهة مصداقيّة لا يتمسّك فيها بالعموم، أو حكميّة يتمسّك فيها به، إلى ملاحظة المشكوك فيه بالإضافة إلى العام، فإذا كان الشكّ من جهةٍ حكميّة، ولكن بالإضافة إلى العام الذي يتمسّك به مصداقيّة، لا يجوز التمسّك به، والمقام من هذا القبيل؛ فإنّ الشكّ في الحكم الفلاني، أو أنّ الغاية المخصوصة هل جعل لها سببٌ خاص أم لا، وإنْ كان حكميّاً، إلّاأنّ ذلك بالإضافة إلى عموم دليل الشرط مصداقيّة؛ فإنّ المخالف للكتاب مفهومه مبيّن، وحكمه واضحٌ لا شكّ في شيء منها، والشكّ إنّما يكون مصداقيّاً من هذه الجهة، فالتمسّك بعموم دليل نفوذ الشرط، حينئذٍ يعدّ تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقيّة فلا يجوز.

ولكن حيث عرفت أنّه تجري أصالة عدم المخالفة، ففي مورد الشكّ يكون المرجع عموم دليل نفوذ الشرط.

ويشهد لصحّة هذا الشرط وتماميّة الاستدلال بالعموم، ما تضمّن عدم الخيار، للمكاتبة التي أعانها ولد زوجها على إداء مال الكتابة، مشترطاً عليها عدم الخيار على زوجها بعد الانعتاق، مستشهداً بهذا العموم.

أقول: وقد استُدلّ لصحّة هذا الشرط بدليل الوفاء بالعقود(1).1.


1) سورة المائدة: آية 1.

وفيه: إنّ الشرط ليس جزءاً للعقد، بل هو التزام في التزام، ولكن مع تسليم المبنى لا يرد عليه ما ذكره المحقّق الايرواني رحمه الله(1)حيث قال: (إذا كان دليل المؤمنون مختصّاً بشرط الفعل، كان دليل (أَوْفُوا) * أولى بالاختصاص، لصراحته في التكليف الموجب للاختصاص، فإنّ دليل «المؤمنون» بما أنّ مضمونه عدم انفكاك المؤمن عن شرطه لا عدم انفكاك الشرط عن المؤمن، وهذا ليس صفةٌ في الشرط، بل صفةٌ في المؤمن، لا محالة يكون ظاهراً في كونه متضمّناً لحكمٍ تكليفي، بخلاف آية الوفاء.

أقول: نعم، يرد عليه إيراد آخر، وهو ما ذكرناه في مبحث المعاطاة، من أنّه لو كان الأمر بالوفاء إرشاديّاً، يكون إرشاداً إلى اللّزوم لا إلى الصحّة، فراجع(2).

***).


1) حاشية المكاسب للايرواني: ج 2/66.

2) فقه الصادق: ج 22/335، مبحث: (آية الوفاء).

وجوب الوفاء بالشرط

المورد الثالث: في شرط الفعل، والكلام فيه في طيّ مسائل:

المسألة الأُولى‌: ظاهر المشهور(1)وجوب الوفاء من حيث التكليف، وظاهر الشهيد رحمه الله(2)في «اللّمعة» عدم وجوب الوفاء.

أقول: لا يخفى أنّ حقيقة نزاع الشهيد رحمه الله وغيره - حيث حَكَم الشهيد بعدم وجوب الوفاء به تكليفاً، وأنّ أثره في شرط الفعل خصوص الخيار، وقلب اللّازم جائزاً، وحَكم غيره بوجوب الوفاء - إنّما هو إلى النزاع في أنّ الشرط هل هو التعليق كما عليه الشهيد، أو الالتزام كما عليه غيره‌؟

وعليه، فالأولى صرف عنان الكلام إلى ذلك، ثمّ الكلام في الدليل على وجوب الوفاء.

أمّا المقام الأوّل: فمحصّل ما أفاده الشهيد رحمه الله(3)أنّ العقد له إطلاقان: أحدهما من حيث فعليّة الصحّة، الثاني من حيث اللّزوم.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ العقد بالتحليل منحلٌّ إلى الالتزام بالملكيّة مثلاً، والالتزام بعدم رفع اليد عنه، والوفاء بالالتزام الأوّل، والشاهد عليه أنّ بعض القيود لا معنى لرجوعه إلى العقد بالإطلاق الأوّل، كما لا معنى لكونه قيداً لأحد العوضين كشرط


1) نسبه إلى ظاهر المشهور الشيخ الأعظم في المكاسب: ج 6/62 (ط. ج)، وحكاه الميرزا الشيرازي في حاشية المكاسب: ج 2/80 عنه أيضاً.

2) اللّمعة الدمشقيّة: ص 110.

3) قد يظهر ذلك من الروضة البهيّة في شرح اللّمعة الدمشقيّة: ج 3/167-168 من كتاب (الوقف).

الخيار، فإنّه لا يُعقل إلّاأنْ يكون قيداً للعقد بالإطلاق الثاني، إذ لا خيار إلّافي فرض الصحّة والملكيّة، والشرط إن جُعل قيداً للعقد بالإطلاق الأوّل بطل العقد، ولكن المجعول في باب الشرط هو كونه قيداً له بالإطلاق الثاني، أي الالتزام بالوفاء بالعقد.

وعليه، فإنْ كان المشروط من قبيل الغايات، يحصل بمجرّد الاشتراط، ويلزم بلزوم العقد، وإن كان من قبيل الأفعال فلا محالة يتوقّف لزوم العقد عليه، وهذا معنى جعل العقد عُرضة للزوال، وهذا يختصّ بخصوص شرط الفعل وهو واضح.

وبهذا البيان اندفع جميع ما أورده الشيخ رحمه الله(1)عليه التي مبناها تعليق أصل العقد على المشروط.

أقول: ولكن الذي يرد على الشهيد رحمه الله:

أنّه وإن كان حقيقة الشرط قائمة بالتعليق، وبدونه لا يصدق عليه الشرط؛ إذ مجرّد كون الالتزام الشرطي في ضمن الالتزام البيعي، بلا ربطٍ لأحدهما بالآخر، لا يوجبُ صدق عنوان الشرط، فلابدّ وأنْيكون العقد مرتبطاًبه، فالتعليق مأخوذ في حقيقة الشرط، إلّاأنّ المتعارف بين الناس في موارد اشتراط الفعل الالتزام بالفعل أيضاً، بل ربما يكون هو المقصد الأصلي، وعلى أيّ تقدير ما أفاده لا يصلح دليلاً على عدم وجوب الوفاء، ولا ينافي معه كي يعارض مع الأدلّة التي ستمرّ عليك.

وأمّا المقام الثاني: فيشهدبوجوب الوفاء: قوله صلى الله عليه و آله: «المؤمنون عند شروطهم»(2).

وتقريب دلالته على الحكم التكليفي: أنّ ظاهر كون المؤمن عند شرطه5.


1) كتاب المكاسب: ج 6/64-65 (ط. ج).

2) وسائل الشيعة: ج 21/276 ح 27081، تهذيب الأحكام: ج 7/371 ح 66، الخلاف: ج 2/115.

ملازمتة إياه وقيامه بمقتضاه، والأخبار بالتحقّق يناسب إرادته والبعث نحوه، وحيث إنّه متضمّنٌ لكون المؤمن عند شرطه، لا عدم انفكاك الشرط عن المؤمن، فلا يناسب ذلك مع فرض الوضع، بل يناسب مع فرض التكليف كما مرّ تحقيقه في مبحث المعاطاة(1).

وأمّا تقريب دلالته على الوجوب: دون الندب فبأُمور:

الأمر الأوّل: ما حُقّق في محلّه من أنّ دلالة الجملة الخبريّة على الوجوب أقوى من دلالة الأمر عليه.

الأمر الثاني: أنّه استدلّ بمثله على الأمر بالوفاء، لاحظ الخبر العلويّ‌:

«مَن شرط لإمرأته شرطاً فليف لها به؛ فإنّ المسلمين عند شروطهم»(2).

ونحوه غيره.

الأمر الثالث: جَعْل المؤمن موضوعاً، فإنّ مفهوم القضيّة أنّ من لا يفي بشرطه لا يكون مؤمناً، ولا يكون كذلك إلّابكونه عاصياً وخارجاً عمّا هو وظيفة المؤمن.

الأمر الرابع: ما في بعض الروايات من زيادة قول: «إلّا من عَصى اللّه» فإنّه استثناءٌ من المشروط عليه قطعاً؛ لكونه إستثناءٌ ممّن يجب عليه الوفاء، والقيام بالشروط وهو المشروط عليه دون الشارط، والمستفاد من ظاهر كلمة العصيان هو المخالفة للتكليف، واحتمال إرادة المعصية بنفس الالتزام، ليكون مساوقاً لأخبار استثناء ما خالف الكتاب، متوقّفٌ على حرمة الالتزام بالمعصية، وبخلاف حكم اللّه، ولا دليل عليه.0.


1) فقه الصادق: ج 22/338.

2) وسائل الشيعة: ج 21/300 ح 27129، تهذيب الأحكام: ج 7/467 ح 80.

أقول: استدلّ لعدم دلالته على الوجوب، بل دلالته على الندب بوجهين:

الوجه الأوّل: ما أفاده جمعٌ وهو: أنّ تعليق الوفاء على الايمان دليلُ الفضل والندب، بل عن المحقّق الايرواني رحمه الله(1)أنّ ذلك كاشفٌ عن عدم صوغ القضيّة في إنشاء الحكم، وإلّا فأي اختصاص للمؤمن في ذلك، فتُحمل القضيّة على ظاهرها وهو الإخبار.

وفيه: ما عرفت من أنّ مفهومه أنّ من لا يفي بشرطه غير مؤمنٍ‌، وهذه المبالغة تناسبُ وجوب الوفاء، كما لا يخفى‌.

الوجه الثاني: أنّ الحمل على الوجوب مستلزمٌ للتخصيص الكثير، لعدم وجوب الوفاء بالشروط الفاقدة لأحد شروطها الثمانية، ولعدم وجوب الوفاء بالشروط المذكورة في العقود الجائزة بالذّات، أو لكونها خياريّة.

وفيه: إنّ الشرط الفاسد خارجٌ عن تحت ذلك الدليل على جميع التقادير، والشرط في ضمن العقد الجائز يجبُ الوفاء به، وجواز العقد لا ينافي وجوبه كما تقدّم غير مرّة.

وعليه، فالأظهر وجوب الوفاء.

في جواز الإجبار وعدمه

المسألة الثانية: في أنّه لو قلنا بوجوب الوفاء به من حيث التكليف الشرعي، فهل يُجبر عليه لو امتنع‌؟ فيه أقوال أربعة:


1) حاشية المكاسب للايرواني: ج 2/66.

الأوّل: جواز الإجبار.

الثاني: عدمه.

الثالث: التفصيل بينما كان حقّاً للبائع فلا يجوز الإجبار، وبين ما كان حقّاً لغيره فيجوز، كما يظهر من الصيّمري.

الرابع: ما يظهر من العلّامة(1)من التفريق:

بين ما يكون من متعلّقات المعاملة كالرهن والكفيل وتعجيل الثمن فيجوز الإجبار.

وبين ما يكون أجنبياً عنها كاشتراط العتق فلا يجوز.

أقول: ثمّ إنّ محلّ الكلام إنّما هو الإجبار المالكي، لا الإجبار من ناحية وجوب الأمر بالمعروف.

استدلّ الشيخ رحمه الله لوجوب الإجبار في المكاسب: بما دلَّ على وجوب الوفاء بالعقد والشرط، بتقريب أنّه كما يكون مقتضى العقد ملكيّة كلٍّ من المتبايعين لما انتقل من الآخر إليه، فيكون مالكاً، فيجبر طرفه على تسليمه، كذلك يكون المشروط له مالكاً على المشروط عليه بمقتضى العقد المقرون بالشرط، فيُجبر على تسليمه.

والظاهر أنّ هذا مراده قدس سره لا ما أُفيد من أنّ مقتضى وجوب الوفاء لزوم التسليم والعمل، فيُجبر لو امتنع، الموهم وحدة الخلاف في المسألتين؛ فإنّه قدس سره قد فرّ من ذلك آنفاً.

وفيه: إنّ آية الوفاء بالعقد(2)لا تدلّ على نفوذ الشرط، ولزوم العمل به، فضلاً عن كون العمل مِلْكاً للمشروط له، ودليل الوفاء بالشرط قد مرّ أنّه يدلّ على1.


1) تذكرة الفقهاء: ج 1/492.

2) سورة المائدة: آية 1.

الحكم التكليفي لا الملكيّة.

فالحقّ أن يقال: إنّ جواز الإجبار مبنيٌّ على استفادة الاستحقاق من أدلّة الشروط وعدمها؛ إذ بناء على الاستحقاق يجوزُ الإجبار لكونه ممتنعا عمّا يستحقّه الغير، وبناء على التكليف المحض لا يجوز، من غير فرقٍ على التقديرين بين القول بوجوب الوفاء وعدمه.

أقول: ويمكن الاستدلال للاستحقاق بوجوه:

منها: أنّ المستفاد من الأدلّة والمقطوع به بين الأصحاب جواز إسقاطه، والحكم لا يقبل الإسقاط.

ومنها: ما نقل من قوله عليه السلام في الخبر المتقدّم: «مَنْ شَرَط لامرأته شرطاً فليف لها به»؛ فإنّ ظاهر اللّام الاختصاص المِلْكي والحقّي.

ومنها: بناء العقلاء على ذلك، وعليه فيجوزُ الإجبار.

استدلّ لعدم الجواز: بوجهين:

الوجه الأوّل: ما عن «جامع المقاصد» من أنّ له طريقاً إلى التخلّص بالفسخ.

وفيه: إنّ مقتضى هذا الوجه لو تمّ‌، عدم تعيّن الإجبار، والكلام إنّما هو في جوازه، مع أنّه لا يتمّ‌؛ فإنّ الخيار شُرّع بعد تعذّر الإجبار كما سيأتي.

الوجه الثاني: إنّ الشرط هو الإتيان بالعمل من عند نفسه، فالفعل الحاصل بسبب الإجبار ليس عملاً بالشرط، فالشرط غير قابل لأن يجبر عليه.

وفيه: إنّه لا ريب في كونه هو الإتيان باختياره، أمّا لا عن كُرهٍ فهو لا نظر له إليه.

وقد استدلّ للقول الثالث: بأنّ البائع يمكنه الفسخ استدراكاً لحقّه بخلاف غيره؛ إذ لا طريق له إلّاالإجبار.

وقد ظهر اندفاعه ممّا ذكرناه في رَدّ ما عن «جامع المقاصد» آنفاً.

واستدلّ للقول الرابع: بأنّ ما هو من متعلّقات المعاملة يكون بمنزلة العوضين في جواز الإجبار على تسليمه بخلاف غيره.

أقول: وقد ظهر جوابه ممّا ذكرنا، وعليه فالأظهر جواز الإجبار.

ثبوت الخيار مع عدم تعذّر الإجبار

المسألة الثالثة: في أنّه هل للمشروط له الفسخ مع التمكّن من الإجبار أم لا؟

أقول: اعترض المحقّق النائيني رحمه الله(1)على الشيخ رحمه الله الذي عنون هذه المسألة بأنّها بعينها هي المسألة السابقة، باختلافٍ يسير، وتفاوتٍ في العبارة قال: (ولعلّه سهوٌ من قلمه).

وفيه: إنّ الكلام في المسألة السابقة كان في جواز الإجبار وعدمه، وفي هذه المسألة إنّما يكون في تقدّمه على الفسخ وعدمه، فالفرق بين المسألتين واضح.

وأورد المحقّق الايرواني رحمه الله(2)عليه: (بأنّ عنوان هذه المسألة عجيبٌ‌؛ فإنّ عدم تعقل اجتماع حقّ الإجبار والخيار بمكانٍ من الوضوح، لأنّ الإجبار في موضوع عموم الشرط وشموله لما يصدر جبراً، فلا يكون تخلّفٌ مهما أمكن الفرد الإجباري منه، وموضوع الخيار صورة تعذّر الشرطبجميع أفراده، وأنّييجتمع هذان الأمران!).


1) منية الطالب: ج 2/134.

2) حاشية المكاسب للايرواني: ج 2/67.

وفيه: إنّ موضع الخيار ليس صورة تعذّر الشرط خاصّة، بل امتناع من عليه الشرط عن العمل به، فإنّ المجعول هو الشرط من حيث هو، وإنّما يُجبر عليه في المرتبة اللّاحقة، وهي الامتناع عن العمل به، فالامتناع موضوعٌ للحكمين.

أقول: وكيف كان، ففي المسألة قولان:

أحدهما: أنّ له ذلك مع التمكّن من الإجبار.

والآخر: أنّه ليس له ذلك.

وقد استدلّ للثاني: بوجهين:

الوجه الأوّل: أنّ هذا الخيار على خلاف القاعدة، ودليله حديث الضرر وهو لا يجري إلّامع تعذّر الإجبار؛ إذ لا ضرر مع التمكّن من الإجبار، فلا خيار، وعلى هذا حُمل كلام الشيخ رحمه الله.

وفيه: - مضافاً إلى ما عرفت من أنّ حديث الضرر لا يصلح دليلاً للخيار في موردٍ من الموارد، وإلى أنّ الدليل لا ينحصر به كما سيمرّ عليك - يمكن أن يقال:

إنّ جواز الإجبار لا يوجبُ رفع الضرر، بل الرافع هو الإجبار نفسه، وعليه فلزوم البيع مع امتناع المشروط عليه من العمل بالشرط ضرري يرفعه الحديث، وليس المرفوع خصوص حكم ضرريٌ لا يتمكّن من رفعه.

الوجه الثاني: أنّ المتيقّن من الإجماع الصورة المذكورة.

وفيه: إنّ المدرك ليس هو الإجماع.

والحقّ أن يقال: إنّ الشرط وإن كان التزاماً، إلّاأنّ قوامه بتقيّد العقد به، وليس التزاماً مستقلّاً، ومعنى تقيّد العقد به ما تقدّم من تعليق الالتزام بالوفاء بالعقد على تحقّق الشرط، فبامتناعه عنه يتحقّق شرط الخيار فيثبت.

وبالجملة: فالأظهر ثبوت الخيار مع التمكّن من الإجبار.

واستدلّ السيّد قدس سره(1)لذلك بالخبر الذي رواه أبو الجارود - المنجبر ضعفه بالشهرة - عن أبي جعفر عليه السلام(2): «إنْ بعتَ رجلاً على شرطٍ، فإن أتاك بمالك وإلّا فالبيع لك».

بتقريب أنّ المراد من (مالك) مالك من الشرط، ومن قوله عليه السلام: «وإلّا فالبيع لك»؛ كون أمره بيدك.

وفيه: أنّ ما عُلّق عليه الخيار هو الإتيان بالشرط، وهو أعمٌّ من الاختياري والإجباري.

وقد ذكر الشيخ رحمه الله(3)- بعدما اختار عدم ثبوت الخيار مع التمكّن من الإجبار - وجهاً لثبوت نتيجة الخيار في عرض الإجبار.

وحاصله: أنّ المشروط عليه إذا امتنع عن العمل بالشرط يكون امتناعه ذلك امتناعاً عن العمل بالعقد المشروط، ونقضاً للعقد؛ إذ ليس الشرط كأحد العوضين، حيث إنّ مقتضى العقد ملكيّة كلّ من المتبايعين لمال الآخر، فالامتناع عن التسليم ليس نقضاً للعقد، وهذا بخلاف الشرط؛ فإنّ الوفاء به إنّما يكون بإيجاده، ومع عدمه يكون ذلك نقضاً للعقد المشروط، فللمشروط له أيضاً نقضه، فيرجع ذلك إلى التقايل.

وبهذا البيان اندفع ما أساء به الأدب المحقّق الايرواني رحمه الله(4)، فراجع.7.


1) حاشية المكاسب لليزدي: ج 2/129.

2) وسائل الشيعة: ج 18/18 ح 23046، تهذيب الأحكام: ج 7/23 ح 97.

3) كتاب المكاسب: ج 6/72 (ط. ج).

4) حاشية المكاسب للايرواني: ج 2/67.

ولكن يرد عليه قدس سره: إنّ عدم العمل بالشرط لا يعدّ حلّاً له حتّى يكون بضميمة حَلّ المشروط له هو التقايل، بل هو عبارة عن ترك العمل مع بقاء الشرط، كما هو الحال في الامتناع عن تسليم أحد العوضين طابق النعل بالنعل.

وبالجملة: كما يكون للعقد وفائان: حقيقي وعملي، وكذلك له نقضان، كذلك يكون للشرط بلا تفاوت بينهما.

حكم تعذّر الشرط

المسألة الرابعة: لو تعذّر الشرط، فلا كلام في ثبوت الخيار، وحينئذٍ:

فهل للمشروط له إمضاء العقد، وأخذ شيء بإزاء الشرط، كما عن المصنّف رحمه الله في «التذكرة»(1)حيث حَكم بثبوت الأرش فيما إذا اشترط عتق العبد فمات العبد قبل العتق، وتبعه الصيمري(2)فيما إذا اشترط تدبير العبد، قال: (فإنْ امتنع من تدبيره، تخيّر البائع بين الفسخ واسترجاع العبد، وبين الإمضاء، فيرجع بالتفاوت بين قيمته لو بيع مطلقاً، وقيمته بشرط التدبير)؟

أم ليس له أخذ شيءٍ‌، كما عن «الدروس» وغيره‌؟

أم هناك تفصيلٌ بين الشروط كما التزم به المصنّف في بعض كتبه‌؟ وجوه:

أقول: وتنقيح القول في المسألة، هو أنّ الظاهر من المصنّف قدس سره تقسيم الشروط إلى أقسام:

القسم الأوّل: ما يكون من الأوصاف التي لا توجبُ إلّازيادة الرغبة في


1) التذكرة: ج 1/492-493، وحكاه عنه في حاشية المكاسب: ج 6/73 (ط. ج).

2) غاية المرام (مخطوط): ج 1/305، وحكاه عنه في حاشية المكاسب: ج 6/73 (ط. ج).

موصوفها، من دون أن توجب زيادةً في قيمة الموصوف بوجه، واختار فيه تعيّن الخيار.

القسم الثاني: ما يكون من الأوصاف التي توجبُ زيادة الماليّة في الموصوف، واختار في تخيّر المشروط له بين الفسخ والرجوع، بالتفاوت والأرش.

القسم الثالث: ما يكون من الأفعال التي يُبذل بإزائها المال، كخياطة الثوب أو الغايات، وذهب فيه إلى تخيير المشروط له بين الفسخ والمطالبة به، أو بعوضه وقيمته الواقعيّة.

والشيخ رحمه الله(1)في عنوان المسألة تبع المصنّف، مع إلغاء القسم الأوّل الواضح حكمه، وعليه فالكلام يقع في موردين:

الأوّل: في ما إذا كان الشرط من الأوصاف التي لها دخل في الماليّة وكان متعذّراً، وألحق به السيّد قدس سره(2)ما إذا كان من الأفعال ولكن كان متعذّراً من الأوّل، لا ما إذا طرأ عليه التعذّر.

الثاني: في ما إذا كان من الأفعال المتموّلة أو الغايات.

أمّا المورد الأوّل: فقد استدلّ الشيخ رحمه الله(3)لعدم ثبوت الأرش بما حاصله:

الأرش: إمّا أنْ يكون تعبّديّاً، أو يكون على القاعدة.

والأوّل: يحتاج إلى دليل التعبّد وهو مفقود.

والثاني: يتوقّف على وقوع شيء من المال بإزاء الشرط، وهو ليس؛ لأنّ الشرط - وهو القيد - خارجٌ عن المعاملة، والتقيّد وإن كان داخلاً فيها، لكنّه ليس4.


1) كتاب المكاسب: ج 6/76 (ط. ج).

2) حاشية المكاسب للسيّد اليزدي: ج 2/129-130.

3) كتاب المكاسب: ج 6/73-74.

مالاً وإن كان سبباً لزيادة ماليّة المال.

وأورد عليه المحقّق الايرواني رحمه الله(1): بأنّ التقيّد وإن كان بنفسه لا يعدّ مالاً، لكن الذات على صفة التقيّد مالٌ يبذل بإزائه - بما له من التقيّد - المال، فإنّ الكتابة مجرّدةً وإن لم تعدّ مالاً، لكن ذات الكاتب على صفة الكتابة مالٌ‌، وهذا عين معنى تقسيط الثمن.

وفيه: إنّ المقيّد ينحلّ إلى ذات المقيّد وتقيّده، والتقيّد أمرٌ انتزاعي لايقابل بالمال.

أقول: ولكن الذي يرد على الشيخ رحمه الله، ويوجبُ عدم إمكان تصحيح ما أفادة المحقّق الايرواني رحمه الله وجهاً لثبوت الأرش بوجه، هو:

إنّ الشرط على ما تقدّم ليس قيداً للإنشاء؛ لاستحالته، ولا للمُنشَأ لكونه موجباً للتعليق المبطل، ولا لأحد العوضين؛ لأنّ العين الخارجيّة لا تقبل التقييد، بل هو للالتزام بالوفاء بالعقد، وعليه فلا مورد لما أفاده المحقّق المشار إليه، ولا إلى ثبوت الأرش.

وقد استدلّ لثبوته مضافاً إلى ما مرّ بوجهين.

الوجه الأوّل: ما أفاد السيّد الفقيه، وحاصله(2):

إنّ الشرط وإن لم يكن مقابلاً بالمال في عالم الإنشاء، إلّاأنّه مقابلٌ به في عالم اللُّب، ولا منافاة بين أن يكون مالٌ واحدٌ تمامه مقابلاً لشيء في عالم، وبعضه مقابلاً لشيء آخر في عالمٍ آخر الذي هو في طول ذلك العالم.

وبعبارة أُخرى‌: لا مانع أن يعدّ الشيء قيداً في مرحلةٍ وجزءاً في مرحلة أُخرى‌.0.


1) حاشية الايرواني: ج 2/67.

2) حاشية المكاسب لليزدي: ج 2/130.

وعليه، فمقتضى كون التمام في مقابل العين في عالم الإنشاء، جواز إمضاء المعاملة على ما هي عليه، وإسقاط حقّ الشرط، ومقتضى كون البعض في مقابل الشرط في عالم اللُّب، جواز استرداده، لعدم وصول عوضه وهو الشرط إليه، وهذا معنى تخييرة بين الفسخ والأرش.

وفيه: إنّه في باب المعاملات لا يُعتنى بما لم يقع في حيّز الإنشاء.

وبعبارة أُخرى‌: أنّ تمام المناط فيها عالم الإنشاء، وإلّا فإنّ الالتزامات والبنائات القلبيّة غير المُنشَأة لا يترتّب عليها أثر، فمجرّد الجزئيّة في عالم اللُّب لا يؤثّر شيئاً.

الوجه الثاني: إدراج المورد تحت عنوان العيب؛ إذ المبيع مثلاً لوحظ فيه وصف الانضمام بوصفٍ أو عمل، وتعذّره يوجبُ نقصاً في المبيع.

وفيه: ما تقدّم في حقيقة العيب من أنّ العيب هو نقص وصف الصحّة خاصّة، فراجع(1).

وبالجملة: فالأظهر عدم ثبوت الأرش.

وأمّا المورد الثاني: فقد ذهب جمعٌ من الأساطين إلى أنّ المشروط له يستحقّ أُجرة ذلك العمل وعوضه الواقعي.

واستشكل الشيخ رحمه الله(2)فيه من ناحية أنّ الشرط مطلقاً قيدٌ غير مقابلٍ بالمال، والمعاوضة واقعة بين العوضين أنفسهما.

أقول: ولكن الظاهر أنّ من يقول باستحقاق الأُجرة، لا يستندُ إلى كون مقدارٍ).


1) تقدّم ذلك في الصفحة 22 من هذا المجلّد في مبحث (بيان حقيقة العيب).

2) كتاب المكاسب: ج 6/75 (ط. ج).

من العوض بإزائه حتّى يرد عليه ذلك، بل إلى أنّ المشروط له يملك على المشروط عليه ذلك الفعل، أو تلك الغاية، فيجوزُ له مطالبة عوضه كائناً ما كان، فإيراد الشيخ رحمه الله في غير محلّه.

ولكن يرد عليه: أنّه لا دليل على الملكيّة؛ إذ غاية ما يُستفاد من الدليل وجوب الوفاء بالشرط حقيّاً، وأمّا ثبوت الملكيّة فمما لم يدلّ عليه دليل، وبناء العقلاء على أخذ العوض غير ثابت، وعليه فالأظهر أنّه ليس له ذلك.

التلف لا يمنع عن الفسخ

المسألة الخامسة: لو تعذّر الشرط، وخرجت العين عن سلطنة المشروط عليه بتلفٍ‌، أو بنقلٍ‌، أو رهنٍ‌، أو استيلادٍ، فهل يمنع ذلك عن الفسخ، أم لا؟

وأيضاً لو فسخ، فهل يرجع عليه بالقيمة، أو بالعين مع بقائها؟ وجوه:

أقول: يقع الكلام في هذه المسألة في موضعين:

الأوّل: فيما إذا تلف العين أو خرجت عن ملكه، مع عدم كون التصرّف المُخرِج منافياً للشرط.

الثاني: فيما إذا كان التصرّف المخرج للعين بنفسه منافياً للشرط، كما لو باع شيئاً واشترط أن لا يبيعه أو يوقفه أو نحو ذلك فباعه.

أمّا الموضع الأوّل: فالكلام فيه في موارد:

المورد الأوّل: في أنّه هل يمنع ذلك من الفسخ أم لا؟ ومبنى القولين أنّ الخيار متعلّقٌ بالعقد أو العين‌؟

إذ على الأوّل يجوز الفسخ، وعلى الثاني لا يجوز؛ لانعدام الموضوع وقد تقدّم تفصيل القول في ذلك في الخيارات، وعرفت أنّ الأظهر تعلّقه بالعقد.

المورد الثاني: في حكم التصرّف المُخرِج، وقد يتوهّم أنّه فاسدٌ، من جهة أنّه تصرّفٌ في ملكٍ كان معرّضاً للزوال، أو أنّه ما لم ينقض زمان الخيار لا يصير مِلْكاً للمشتري، فهو تصرّفٌ في ملك الغير، وكلاهما فاسدان:

أمّا الأوّل: فلأنّ كونه معرّضاً للزوال لا يوجب الفساد.

وأمّا الثاني: فلما مرّ من عدم توقّف المِلك على انقضاء زمان الخيار، لا سيّما مثل هذا الخيار المنفصل عن العقد.

المورد الثالث: في أنّه إذا فسخ المشروط له:

1 - فهل يرجع إلى القيمة، من جهة صحّة العقد الثاني، وعدم الموجب لانحلاله بانحلال العقد الأوّل؛ لما ستعرف من فساد ما ذكر وجهاً لانحلاله.

2 - أو إلى العين، من جهة أنّ الفسخ يقتضي رجوع العين مع إمكانه، والمفروض ذلك‌؟ وجهان:

أقواهما الأوّل؛ لأنّ عدم إمكان الرجوع أعمٌّ من العقلي والشرعي، والمفروض صحّة العقد الثاني ولزومه، فيمتنع الرجوع بالعين شرعاً، والمانع الشرعي كالمانع العقلي.

ثمّ إنّه على الثاني:

هل ينفسخ العقد الواقع عليه من حينه، من جهة أنّه معلولٌ لإعمال الخيار فلا يتقدم عليه.

أو ينفسخ العقد من أصله، من جهة أنّه بفسخ العقد الأوّل ينحلّ هو من أصله، فكذا ما يترتّب عليه‌؟

أقول: الأظهر هو الأوّل كما تقدّم، وعليه فالأظهر هو الرجوع بالبدل.

وبالجملة: بما ذكرناه ظهر تماميّة ما أفاده الشيخ رحمه الله(1)من أنّه يرجع بالقيمة جمعاً بين الأدلّة، أي دليل نفوذ العقد الأوّل، ودليل نفوذ العقد الثاني ولزومه، ودليل الخيار بالقياس إلى العقد الأوّل.

هذا كلّه فيما إذا كان التصرّف المخرج لازماً.

وأمّا إنْ كان جائزاً: فقد يتوهّم أنّه بعد الفسخ يُجبر المشتري على الفسخ، وإرجاع العين، من جهة أنّ العقد جائزٌ، فالمشتري متمكّنٌ من إرجاع العين فيُجبر عليه، بخلاف ما إذا كان العقد لازماً.

ولكنّه فاسدٌ، من جهة أنّه إذا فسخ المشروط له ورجع الثمن إلى المشتري، فلابدَّ وأن يعيد إليه شيئاً إما العين أو بدلها:

والأوّل موجبٌ لانفساخ العقد الثاني، والمفروض أنّه لا وجه له، ولو التزم بانفساخه بفسخ المشروط له، يردّ بأنّ العقد الثاني بالقياس إليه لازمٌ لا جائز، وإنّما يكون جائزاً بالنسبة إلى المشتري.

والثاني مستلزمٌ لعدم جواز الإجبار، كما هو واضح.

وعليه، فالأظهر أنّه لا فرق بين العقد اللّازم والجائز.

وأمّا الموضع الثاني: فالكلام فيه في موردين:).


1) كتاب المكاسب: ج 6/76 (ط. ج).

المورد الأوّل: في حكم التصرّف المُخرِج صحّةً وفساداً، والأقوال فيه ثلاثة، ثالثها الصحّة مع إجازة المشروط له، والفساد مع عدمه.

وقد استدلّ للبطلان مطلقاً بوجهين:

الوجه الأوّل: أنّ التصرّف المنافي حرامٌ‌، وحرمة المعاملة تستلزم فسادها.

وفيه أوّلاً: أنّ التصرّف المنافي إن كان بنفسه ممّا اشترط عدمه - كما اشترط أن لا يبيع داره فباعه - وإن كان معصية، بناءً على وجوب الوفاء بالشرط، إلّاأنّه إن كان مضادّاً لما هو شرط - كما لو باع العبد، واشترط عتقه فباعه - لا يكون البيع حراماً، إلّابناءً على اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه، والمحقَّق في محلّه عدم الاقتضاء، فلا يكون حراماً.

وثانياً: أنّ حرمة المعاملة لا تستلزمُ فسادها، كما حقّقناه في الأجزاء السابقة من هذا الشرح، فراجع(1).

الوجه الثاني: أنّ التصرّف المزبور تصرّفٌ في متعلّق حقّ الغير، نظير بيع العين المرهونة، وهو لا يكون نافذاً؛ لعدم كون ما تصرّف فيه مِلْكاً طلقاً، والإجازة اللّاحقة من ذي الحقّ لا تُجدي، سواءٌ كان الإجازة منه إسقاطاً لحقّه أم كانت إنفاذاً للمعاملة، مثل إجازة المالك:

أمّا على الأوّل: فواضح.

وأمّا على الثاني: فإنّ العقد حين وقوعه لم يشمله دليل الصحّة، فكيف يشمله بعد حين‌؟!1.


1) فقه الصادق: ج 20/31.

وأمّا بيع الفضولي فعنوانه يتغيّر بالإجازة، ويصير عقداً للمالك بعدما لم يكن عقداً له، فيدخل في عنوان الدليل، وهو عقد المالك.

وفيه أوّلاً: إنّ حقّ المشروط له متعلّقٌ بالفعل المتعلّق بالمال، لا بنفس المال، والمال متعلّقٌ للمتعلّق، ولا دليل على اعتبار أن لا يكون البيع متعلّقاً بما هو متعلّق حقّ الغير.

وبالجملة: لا يكون المال خارجاً عن كونه ملكٌ طلقٌ‌.

وثانياً: أنّه لو سُلّم ذلك ما ذكر وجهاً لعدم نفوذ الإجازة اللّاحقة يتمّ‌؛ فإنّ العقد له بقاء، فإذا لم تشمله العمومات حين حدوثه لمانعٍ‌، وارتفع ذلك المانع بقاءً شمله العمومات؛ لوجود المقتضي وعدم المانع.

أقول: وبما ذكرناه ظهر مدرك القول الثالث، مع ما يرد عليه، كما ظهر أنّ الأظهر هي الصحّة مطلقاً.

المورد الثاني: إذا فسخ المشروط له، ففيه وجوه:

أحدها: انفساخ العقد الثاني من حينه.

ثانيها: انفساخه من أصله.

ثالثها: الرجوع بالقيمة.

رابعها: ما عن العلّامة رحمه الله(1)من التفصيل بين التصرّف بالعتق، فلا يبطل؛ لبنائه على التغليب، فيرجع بالقيمة، وبين غيره فيبطل.

وقد تقدّم في الموضع الأوّل تنقيح القول في ذلك، وعرفت أنّ الأظهر هو الثالث.).


1) تذكرة الفقهاء: ج 10/270 (ط. ج).

إنّما الكلام في المقام في خصوص التفصيل الذي ذهب إليه العلّامة رحمه الله.

أقول: الظاهر أنّه بناءً على عدم تماميّة ما اخترناه من الرجوع بالقيمة، وأنّه ينفسخ العقد الثاني، فإنّ ما أفاده متين، لكن ينبغي أن يُعلّل بأنّ الحُرّ لا يعود رقّاً، وأيضاً لازمه التعميم إلى كلّ موردٍ ثبت فيه عدم جواز الرجوع، كما لو اشترى أرضاً وجعله المشتري مسجداً.

إسقاط حقّ الشرط

المسألة السادسة: الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب(1)في أنّ للمشروط له إسقاط حق خيار التخلّف، لو لم يعمل المشروط عليه بالشرط، كما أنّه لا خلاف بينهم في أنّ للمشروط له إسقاط شرطه إذا كان ممّا يقبل الإسقاط.

وعليه، فالكلام يقع أوّلاً في إسقاط خيار التخلّف، ثمّ في إسقاط حقّ الشرط.

أمّا الأوّل: فبعدما عرفت مراراً من أنّ الخيار من الحقوق، وأنّ لكلّ ذي حقّ إسقاط حقّه، فإنّ جواز إسقاط خيار التخلّف واضحٌ‌، غاية الأمر بعد التخلّف بنحو التنجيز وقبله بنحو التعليق، لو لم يكن تسالمٌ على عدم السقوط بالإسقاط المعلّق.

أقول: وليعلم أنّ التخلّف إنّما يتصوّر في شرط الصفة أو الفعل دون شرط النتيجة؛ لأنها تحصل بمجرّد الشرط، وعدم ترتيب الأثر خارجاً لا يوجبُ الخيار، ولو أسقطه لا يوجب ذلك ارتفاع وجوب العمل بالشرط، وهو واضح.

وأمّا إسقاط حقّ الشرط الذي عرفت أنّه حقٌّ‌، فملخّص القول فيه إنّ


1) كما ذكره صاحب إرشاد الطالب: ج 4/448، ومهذّب الأحكام للسبزواري: ج 17/230.

الشرط على أقسام:

تارةً‌: يكون شرط النتيجة.

وأُخرى‌: يكون شرط الصفة.

وثالثة: يكون شرط الفعل.

والأولان لا يتصوّر فيهما بقاء حقّ الشرط، كي يقبل الإسقاط:

أمّا الأوّل: فلاستيفاء الحقّ بالشرط.

وأمّا الثاني: فلأنّه إنْ كان الوصف موجوداً فهو، وإلّا فلا معنى لوجوب الوفاء، فلا محالة يسقط حقّ الشرط ولا بقاء له، وبالتالي فمورد البحث هو شرط الفعل، وعليه:

فإنْ قلنا بصيرورة الفعل المشروط مِلْكاً للمشروط له، لا معنى لإسقاطه أيضاً؛ لأنّ مورده الحقوق لا الأملاك.

وإن قلنا بأنّه يصير متعلّق الحقّ‌، فهو قابلٌ للإسقاط، ولو أسقطه لا يجب الوفاء بالشرط.

فرع: صرّح جماعة منهم المصنّف في «التذكرة»(1)وولده في «الإيضاح»(2)والشهيدان(3)، والمحقّق الثاني رحمهم الله(4)وغيرهم أنّه يُستثني من جواز إسقاط حقّ الشرط، شرط ما يكون حقّ لغير المشروط له، ومثّلوا له بالعتق، وقالوا إنّه لا يسقط بالإسقاط.1.


1) تذكرة الفقهاء: ج 10/266 (ط. ج).

2) إيضاح الفوائد: ج 1/514.

3) الدروس: ج 3/216، مسالك الأفهام: ج 3/271.

4) جامع المقاصد: ج 4/421.

محصّل الكلام: إنّه لا إشكال في أنّه لو كان حقّاً لغير المشروط له أيضاً في عرض حقّه، لا يسقط بإسقاط المشروط له؛ إذ لكلّ ذي حقّ إسقاط حقّه لا لغيره، والمشروط له بالإضافة إلى الحقّ من له الحقّ أجنبي، وعليه:

فإنْ كان حقّان، سقط حقّ المشروط له، وبقي حقّ صاحبه.

وإن كان حقٌّ واحد قائمٌ باثنين، لم يسقط بإسقاط واحد منهما، ويتوقّف سقوطه على توافقهما على الإسقاط.

وإن كان حقّ غيره في طول حقّه، فللمشروط له إسقاط حقّه، ومع سقوطه يرتفع موضوع حقّ صاحبه.

أقول: هذا كلّه ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في الصغرى‌، وقد مثّلوا لما إذا كان الشرط متعلّقاً لحقّ غير المشروط له بالعتق بدعوى أنّه بشرطه يثبت حقٌّ للبائع، لكونه المشروط له، وللعبد وللّه تعالى‌، ولذا ذهب المصنّف(1)وولده(2)والشهيدان(3)إلى أنّه لا يسقط بإسقاط المشروط له.

والتحقيق: لا كلام في أنّه حقٌّ للبائع، وأمّا كونه حقّاً للّه تعالى‌:

إمّا لكونه واجباً، أو لأجل كونه تعبّديّاً.

تقريب الأوّل: أن الفعل إذا وجبَ يخرجُ زمام أمره عن يد المكلّف، ويكون بيد اللّه تعالى‌، وهذا هو معنى الحقيّة والملكيّة.

وتقريب الثاني: أنّ معنى التعبّدية، تعيّن العمل للّه تعالى‌، وذلك فرع استحقاقه له دون غيره.1.


1) تذكرة الفقهاء: ج 10/266 (ط. ج).

2) إيضاح الفوائد: ج 1/514.

3) الدروس: ج 3/216، مسالك الأفهام: ج 3/271.

ويرد على الأوّل أوّلاً: النقض بجميع الشروط؛ فإنّها يجبُ الوفاء بها.

وثانياً: أنّ الإيجاب لا يقتضي الملكيّة الاعتباريّة، أو الحقّ الاعتباري، بل هو موجبٌ لخروج زمام الأمر عن يد المكلّف تشريعاً، وهذا غير كونه متعلّقاً بحقّه تعالى‌.

ويرد على الثاني: أن التعبّدية غير تعيّن العمل للّه، بل هي عبارة عن إتيان العمل بما هو محبوبٌ للّه تعالى‌.

ثمّ على تقدير كونه حقّاً للّه تعالى‌، يمكن أن يقال: إنّه في موضوع ثبوت حقّ البائع، فلو أسقطه يسقط هو أيضاً.

وأمّا كونه حقّاً للعبد: فأجاب عنه الشيخ رحمه الله(1)بجوابين:

أحدهما: أنّ انتفاع الغير بالعمل غير سلطنته على المشتري.

ثانيهما: أنّ حقّ العبد على فرض تسليم كونه حقّاً، إنّما يكون موضوعه حقّ البائع، فيسقط بإسقاطه.

لو شرط قدراً معيّناً فتبيّن الاختلاف

المسألة السابعة: قد عرفت ممّا ذكرناه أنّ الشرط التزامٌ في ضمن التزام، وأنّه لا يقسّط عليه الثمن؛ لكونه في مقابل المثمن، والشرط خارجٌ عنهما، ولكن قد يكون الشرط قدراً معيّناً من المبيع، فيتبيّن الخلاف من حيث الكمّ‌، وتفصيل ذلك ما ذكره المصنّف في المتن، حيث قال:


1) كتاب المكاسب: ج 6/80 (ط. ج).

ولو شرط مقداراً فنقص، تخيّر المشتري بين الرَّد والإمساك بالقسط من الثمن، سواءٌ كان أجزاؤه متساوية أو مختلفة.

فإن أخذ بالقسط تخيّر البائع، ولو أخذه بالجميع فلا خيار، ولو زاد متساوي الأجزاء أخذ البائع الزائد فيتخيّر المشتري حينئذٍ، ولو زاد المختلف فالوجه عندي البطلان.

(ولو شرط مقداراً فنقص، تخيّر المشتري بين الرَّد والإمساك بالقسط من الثمن، سواءٌ كان أجزاءوه متساوية أو مختلفة، فإنْ أخذ بالقسط تخيّر البائع، ولو أخذه بالجميع فلا خيار، ولو زاد متساوي الأجزاء أخذ البائع الزائد، فيتخيّر المشتري حينئذٍ، ولو زاد المختلف فالوجه عندي البطلان).

وقال الشيخ في «المكاسب»(1): (ولكن قد يكون الشرط تضمّن المبيع لما هو جزءٌ له حقيقة - إلى أن قال - فقد جعل الشرط تركّبه من أجزاء معيّنة) انتهى‌.

أقول: الكلام في ذلك إنّما هو في أنّه هل يلاحظ جانب القيديّة، فلا يقسّط عليه الثمن، أم يلاحظ جانب الجزئيّة فيقسّط الثمن على الفائت‌؟

وقبل بيان ما هو الحقّ في المقام، ينبغي تقديم أمرين:

الأمر الأوّل: أنّ ما يؤخذ شرطاً في المعاملة على أقسام:

القسم الأوّل: الشروط الخارجيّة، كخياطة الثوب ونحوها، أو ملكيّة شيء آخر وشبهها ممّا هو من قبيل شرط النتيجة.).


1) كتاب المكاسب: ج 6/81 (ط. ج).

القسم الثاني: ما يكون من قبيل الأوصاف لأحد العوضين.

القسم الثالث: ما يكون من قبيل كميّة الأشياء ومقاديرها.

لا إشكال في أنّ ما كان من قبيل الأوّل لا يقسّط عليه الثمن؛ لما مرّ.

وأمّا القسم الثاني:

فما كان منه من قبيل الأوصاف العرضيّة، ككون العبد كاتباً كذلك.

وأمّا ما كان من قبيل الصورة الجوهريّة، التي بها شيئيّة الأشياء وماليّتها، وتقع متعلّقة للأغراض أوّلاً وبالذات، وتُبذل الأعواض بإزائها كحماريّة الحمار، وذهبيّة الذهب ونحوها، فتخلّفها يوجبُ بطلان العقد؛ لتقوّم حقيقة المعاملة بها، ومع انتفائها لا معاملة، والسِّر فيه أنّ المادّة الهيولائيّة من حيث هي ليست بمالٍ ولا يُبذل بإزائها العوض:

وإنّما الكلام وقع في القسم الثالث، لأجل أنّ فيه جهتين:

1 - جهة الوصفيّة؛ من حيث إفادته، لكون العين الشخصيّة متّصفة بوصف كونها كذا جزء.

2 - وجهة ذاتيّة؛ لأنّه يوجبُ اختلاف تلك الصورة الجوهريّة زيادةًونقيصة.

الأمر الثاني: أنّ ظاهر ما عنونه الشيخ رحمه الله في باديء النظر، هو أنّ النزاع في المقام يدور حول أنّ شرط تضمّن المبيع لما هو جزءٌ له حقيقةً‌، الذي بحسب جعل المتعاملين وقصدهما من قبيل الشرط:

هل له خصوصيّة من بين سائر الشروط، وبلحاظها حُكم عليه شرعاً بترتيب آثار الجزئيّة‌؟

أو لا خصوصيّة له‌؟

وهذا غير تامّ‌؛ لأنّ لازم القول بأنّ له خصوصيّة إلغاء معاوضة المتعاملين، والتعبّد بمعاوضة أُخرى‌، وهو كما ترى‌.

بل النزاع في المقام في أنّ المبيع بحسب بناء المتعاملين:

هل هو المشروط، أي الأرض الشخصيّة مثلاً، وحال شرط المقدار حال غيره من الشروط؟

أو لوحظ المقابلة بالقياس إليه في المعاملة‌؟

والقائل بالتقسيط يقول بالثاني، ومآل كلام الشيخ رحمه الله إلى ذلك.

أقول: إذا عرفت هذين الأمرين، فاعلم أنّ المبيع:

تارةً‌: يكون متساوي الأجزاء.

وأُخرى‌: مختلفها.

وكلٌّ منهما:

1 - إمّا أن يتبيّن النقص فيه.

2 - وإمّا أن يتبيّن الزيادة فيه.

وعليه، فالأقسام أربعة، كما ذكره المصنّف في المتن.

القسم الأوّل: ما إذا كان المبيع متساوي الأجزاء، وتبيّن النقص فيه.

والمشهور على ما نُسب إليهم على تقسيط الثمن.

وعن جملةٍ من الأساطين(1)العدم.8.


1) كجامع المقاصد: ج 4/427-428.

أقول: الأظهر: هو الأوّل؛ لأنّ ظاهر أخذ شيء شرطاً وإنْ كان عدم جعل شيء من العوض بإزائه، إلّاأنّ الارتكاز العرفي في شرط المقدار والكميّة بخلاف ذلك، وهذا الارتكاز العرفي قرينة صارفة عن هذا الظهور، فقول البائع: (بعتُك هذه الأرض بشرط أنْ تكون جربان معيّنة بكذا درهم)؛ في قوّة: (بعتك كلّ جريب بكذا)، فعند التخلّف يرجع مقدارٌ من الثمن.

ويشهد لذلك: - مضافاً إلى أنّه مقتضى القاعدة - الخبر الذي احتجّ به الشيخ رحمه الله في «النهاية»(1)وهو الخبر الذي رواه عمر بن حنظلة، عن الإمام الصادق(2): «في رجل باع أرضاً على أنّها عشرة أجربة، فاشترى المشتري ذلك منه بحدوده، ونقد الثمن، ووقع صفقة البيع وافترقا، فلمّا مَسَح الأرض إذا هي خمسة أجربة‌؟

قال: إن شاء استرجع فضل ماله وأخذ الأرض، وإنْ شاء رَدّ البيع وأخذ ماله كلّه، إلّاأن يكون له إلى جنب تلك الأرض أيضاً أرضون، فليؤخذ ويكون البيع لازماً له، وعليه الوفاء بتمام البيع، فإن لم يكن له في ذلك المكان غير الذي باع، فإنْ شاء المشتري أخذ الأرض واسترجع فضل ماله، وإنْ شاء رَدّ الأرض وأخذ المال كلّه».

أقول: ومورده وإنْ كان هي الأرض، وهي قيميّة، والقيمي ما لا يتساوى أجزاءوه في القيمة، إلّاأنّه إذا ثبت ذلك في مختلف الأجزاء، يثبت في متساويها بالأولويّة؛ لاختصاص مختلف الأجزاء ببعض الإشكالات على ما سيمرّ عليك.

وقد استدلّ للثاني بوجهين:4.


1) حكاه عنه في كشف الرموز للفاضل الآبي: ج 1/475-476.

2) وسائل الشيعة: ج 18/27 ح 23064، تهذيب الأحكام: ج 7/153 ح 24.

أحدهما: ما عن «جامع المقاصد»(1)من أنّ المبيع المقابل بمجموع الثمن الموجود المعيّن، غاية ما هناك أنّه لا يعلم بالنقصان، فهو من فوات الوصف.

وفيه: إنّ المبيع وإنْ كان هو الموجود الخارجي، إلّاأنّه من جهة كونه متكمّماً بكمٍّ خاص، كما لو اشتراه بما هو كذلك.

ثانيها: ما عن «الجواهر»، وحاصله(2)أنّ العين الشخصيّة لا تزيد ولا تنقص، وقد جُعلت مبيعاً، فلا محالة كلّ مقدار أُخذ فيه فهو من باب اشتراط الوصف الذي لا شأن له في المبيع، بل أثره الخيار عند التخلّف.

وفيه: إنّ العين الشخصيّة لا تزيد ولا تنقص بحسب الوجود الخارجي، لكنّها تزيد وتنقص بحسب فرض المتعاملين، ومفروضهما هو المتكمّم بكمّ خاص.

القسم الثاني: ما إذا كان المبيع مختلف الأجزاء، وتبيّن النقص فيه.

والكلام في وجه التقسيط ماتقدّم، وقد استدلّ على عدم التقسيط فيه: - مضافاً إلى ما مرّ - بوجوه:

الوجه الأوّل: ما عن «الإيضاح»(3)وحاصله:

أنّ الفائت بما أنّه لا تحقّق له ولا مماثل، لا يكون له تعيّن وجودي، ولا تعيّن طبيعي، كما في متساوي الأجزاء، فيستحيل تقويمه، وما يستحيل تقويمه يستحيل تقسيط الثمن عليه، ففواته كفوات صفة كمال.

وفيه: أنّ الفائت وإنْ كان لا تعيّن له واقعاً، إلّاأنّه جُعل جزء ممّا فيه الجيّد7.


1) جامع المقاصد: ج 4/428.

2) جواهر الكلام: ج 23/205، وحكاه عنه في حاشية المكاسب للاصفهاني: ج 5/209.

3) إيضاح الفوائد: ج 1/517.

والرَّديء في المعاملة، وحيث إنّه ليس، فيلغي من الثمن بذلك المقدار، مثلاً إذا بيع الأرض المختلفة الأجزاء بالسهولة والحزونة، على أنّها عشرة أذرع، فتبيّن أنّها خمسة أذرع، فالفائت خمسة أذرع، وقيمتها معلومة معيّنة، فكيف يستحيل تقويمه!؟

الوجه الثاني: ما عن «المبسوط»، وحاصله(1):

أنّ الفائت هنا لا يعلم قسطه من الثمن؛ لأنّ المبيع مختلف الأجزاء، فلا يمكن قسمته على عدم الجربان.

وفيه أوّلاً: ما تقدّم من أنّ الفائت جزءٌ معيّن من الممتزج من الجيّد والرَّديء، مثلاً إذا كان نصفه ناقصاً، يؤخذ من الثمن نصفه وهكذا.

وثانياً: أنّه إذا كانت قيمة الأجزاء مختلفة، لابدّ وأن يعيّن أنّ أيّ مقدارٍ منها من الجيّد، وأيّاً منها من الرَّديء، فراراً عن الغَرر، وعليه فالفائت يكون معلوماً قسطه، وهو واضح.

الوجه الثالث: إنّ عدم معلوميّة قسط الفائت من الثمن يوجبُ جهالة ثمن المبيع في ابتداء العقد، مع عدم إمكان العلم به عند الحاجة إلى التقسيط.

وفيه: - مضافاً إلى ما مرّ - أنّ اللّازم معلومية ما يقع مبيعاً، وما هو عوض عنه في مرحلة العقد، بحسب بناء المتعاملين، لا ما يكون مبيعاً واقعاً وثمناً له كذلك، ولا جهل بما يعتبر العلم فيه.

وعليه، فالأظهر هو التقسيط هناك أيضاً.

القسم الثالث: ما إذا كان المبيع متساوي الأجزاء، وتبيّن الزيادة.5.


1) المبسوط: ج 2/155.

أقول: والكلام فيه في موردين:

الأوّل: في حكم الزيادة، وأنّها للبائع أو المشتري‌؟

الثاني: في الخيار وأنّه لهما أو لأحدهما؟

أمّا المورد الأوّل: فإنْ دلّت القرينة على أنّ المراد اشتراط بلوغه بهذا المقدار لا بشرط عدم الزيادة:

ففي «المكاسب»(1): فالظاهر أنّ الكلّ للمشتري)، لكن الظاهر بطلان البيع حينئذٍ؛ للغرر.

وإن كان عدم الزيادة شرطاً:

فإن كان المبيع هو الموجود الخارجي، وأُخذ عدم الزيادة شرطاً بحسب بناء المتعاملين، كان الزائد للمشتري.

وإنْ كان المبيع هو المتكمّم بكمٍّ خاص، بقي الزائد في ملك البائع.

والارتكاز العرفي مساعد مع الثاني.

وأمّا الثاني فعلى التقدير الأوّل، فإنْ كان الشرط من المشتري كان الخيار له، وإنْ كان من البائع ثبت له.

وعلى التقدير الثاني، كان الخيار للمشتري من جهة عيب الشركة.

وبالجملة: بما ذكرنا ظهر الحال في القسم الرابع، وهو ما إذا تبيّنت الزيادة في مختلف الأجزاء؛ إذ حاله من جميع جهات الكلام حال القسم الثالث.).


1) كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري: ج 6/87 (ط. ج)، وفي الطبعة القديمة: ج 3/49 من المسألة السابعة: (قدعرفت أنّ الشرط من حيث هو شرطٌ لا يقسّط عليه الثمن عند انكشاف التخلّف على المشهور).

ويجوزُ أن يجمع بين سَلَفٍ وبيع مختلفين صفقةً‌

حكم الجمع بين شيئين مختلفين في عقدٍ واحد

المسألة الثامنة: (ويجوزُ أن يجمع بين) شيئين مثلاً ك‍ (سَلَفٍ وبيعٍ مختلفين) في كون كلّ منهما مورد عقد مخصوص، و (صفقة) وفي عقد واحدٍ بثمن واحد، فقال في الفرض: (بعتك هذا الفرس وعشرة أقفزة حنطة موصوفة بكذا مؤجّلاً إلى كذا بألف درهم)، أو إجارة وبيع، أو نكاح وإجارة، أو ما شاكل بلا خلافٍ فيه، إلّاما عن «المبسوط»(1)الذي صرّح بأنّ فيه خلافاً عندنا.

وتأمّل فيه المحقّق الأردبيلي(2).

ويشهد به: إطلاق الأدلّة، وعموم قوله تعالى‌: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (3)لما عرفت من شموله لكلّ عقد، وإنْ لم يكن متعارفاً، ومنه هذا العقد الذي في صورة عقدٍ واحد، وفي المعنى عقدان.

وقد ذكر في وجه عدم الجواز:

1 - الشكّ في شمول الأدلّة لمثل هذا العقد الذي لا يدخل في إسم كلّ منها.

2 - وبأنّه لا جهالة ولا غَرر بالنسبة إلى هذا العقد، إلّاأنّهما متحقّقان بالنسبة إلى كلّ منهما.


1) حكاه عنه في الجواهر: ج 23/233.

2) مجمع الفائدة والبرهان: ج 8/327-329. وحكاه عنه في الجواهر: ج 23/233.

3) سورة المائدة: آية 1.

أمّا الأوّل: فيندفع بإطلاق الأدلّة، وعموم الآية الكريمة.

وأمّا الثاني: فيندفع بأنّ ما دلَّ على مانعيّتها إنّما يدلّ على المانعيّة في العقد المستقلّ كما مرّ.

وعليه، فالأظهر الجواز، واللّه العالم.


الفصل التاسع: في الرِّبا، وهو معلوم التحريم،

(الفصل التاسع: في الرِّبا)

اشارة

وهو في اللّغة: الزيادة، قال اللّه تعالى: (فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اَللّهِ‌) (1)، (وهو معلوم التحريم) بحسب الأدلّة:

أمّا الكتاب: فعدّة آيات:

1 - قال اللّه تعالى‌:

(اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطانُ مِنَ اَلْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا اَلْبَيْعُ مِثْلُ اَلرِّبا وَ أَحَلَّ اَللّهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اَللّهِ وَ مَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ اَلنّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‌) (2).

2 - وقال عزّ وجلّ‌: (يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ اَلرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‌) (3).

3 - وقال سبحانه: (يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا اَلرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَ اِتَّقُوا اَللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‌) (4).


1) سورة الروم: آية 39.

2) سورة البقرة: الآية 275.

3) سورة البقرة: الآية 278.

4) سورة آل عمران: الآية 130.

4 - وقال سبحانه: (وَ أَخْذِهِمُ اَلرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ‌) (1).

وأمّا السُنّة: فبأخبار كثيرة:

منها: صحيح هشام، عن الإمام الصادق عليه السلام(2): «درهم ربا أشدّ من سبعين زنية كلّها بذات مَحرم».

ومنها: خبر أبي بصير، عنه عليه السلام: «درهم ربا أشدّ عند اللّه من ثلاثين زنية كلّها بذات محرم مثل عمّة وخالة»(3).

ومنها: خبر سعيد بن يسار، عنه عليه السلام: «درهمٌ واحدٌ ربا أعظم من عشرين زنية كلّها بذات محرم»(4).

وفي «ملحقات العروة»(5): (ولعلّ اختلاف الأخبار إنّما هو بالنسبة إلى اختلاف الأمكنة والأوقات والحالات والأشخاص والكيفيّات).

ومنها: خبر سعيد بن طريف، عن الإمام الباقر عليه السلام: «أخبثُ المكاسب كسب الرّبا»(6).

ومنها: النبويّ‌: «شرّ المكاسب كسبُ الرّبا»(7).

ومنها: ما عن النبيّ صلى الله عليه و آله في حديثٍ‌(8): «ومَنْ أكل الرّبا ملأ اللّه بطنه من7.


1) سورة النساء: الآية 161.

2) وسائل الشيعة: ج 18/117 ح 23270، الكافي: ج 5/144 ح 1.

3) وسائل الشيعة: ج 18/118 ح 23274، تهذيب الأحكام: ج 7/14 ح 62.

4) وسائل الشيعة: ج 18/119 ح 23275، تهذيب الأحكام: ج 7/15 ح 63.

5) تكملة العروة الوثقى: ج 1/3.

6) وسائل الشيعة: ج 18/118 ح 23271، الكافي: ج 5/147 ح 12.

7) وسائل الشيعة: ج 18/122 ح 23282، من لا يحضره الفقيه: ج 4/377 ح 5775.

8) وسائل الشيعة: ج 18/122 ح 23284، بحار الأنوار: ج 100/120 ح 27.

بالضَّرورة من الشرع

نار جهنّم بقدر ما أكل، وإن اكتسب منه مالاً لم يقبل اللّه منه شيئاً من عمله، ولم يزل في لعنة اللّه والملائكة ما كان عنده قيراط واحد».

ومنها: ما رواه الطبرسي، عن الإمام الصادق عليه السلام(1): «الرّبا سبعون باباً أهونه عند اللّه كالذي ينكح أُمّه».

ومنها: عنه عليه السلام(2): «إذا أراد اللّه بقوم هلاكاً ظهر فيهم الرّبا».

إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة المتواترة الدالّة على تحريم الرّبا، وفي جملةٍ منها أنّ العلّة في تحريمه ذهاب المعروف، وتلف الأموال، ومنعه من القرض، ولما فيه من الفساد والظلم، وقد صدّق جريان التاريخ كلمات المعصومين عليه السلام، حيث نتج أكل الرّبا إلى تراكم الثروة والسودد، وانتهى ذلك إلى الحروب والويلات على البشريّة.

وبإجماع المسلمين.

أقول: بل تحريمه معلومٌ (بالضرورة من الشرع) المبين، فيدخل مستحلّه في سلك الكافرين، وأنّه يُقتل كما في موثّق ابن بكير، قال:

«بلغ أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل أنّه كان ياكل الرّبا ويسمّيه اللّباء! فقال: لئن أمكنّي اللّه منه لأضربنّ عنقه»(3)، ونحوه غيره.

وكما يحرم أخذ الرّبا يحرم دفعه، بل ويحرم كتابته والشهادة عليه، فقد ورد في1.


1) وسائل الشيعة: ج 18/123 ح 23287.

2) وسائل الشيعة: ج 18/123 ح 23286.

3) وسائل الشيعة: ج 18/125 ح 23294، الكافي: ج 5/147 ح 11.

الخبرالعلوي: «لعن رسول اللّه صلى الله عليه و آله الرّبا وآكله وبائعه ومشتريه وكاتبه وشاهديه»(1).

و العلوي الآخر: «لعن رسول اللّه صلى الله عليه و آله في الرّبا خمسة: آكله ومؤكله وشاهديه وكاتبه»(2).

ونحوهما غيرهما من النصوص الكثيرة.

فساد المعاملة الربويّة

لا خلاف بين الأصحاب في فساد المعاملة الربويّة - ويشهد به قوله تعالى‌:

(أَحَلَّ اَللّهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبا) (3)، فإنّ المراد بالحليّة المنسوبة إلى البيع، والحرمة المنسوبة إلى الرّبا:

إمّا الحليّة والحرمة الوضعيّتان، أي الصحّة والنفوذ وعدمهما.

أو التكليفيّتان، أي الرخصة وعدمها.

أو الأعمّ منهما وهو الظاهر منها.

ولعلّ الجامع بين الحليّة الوضعيّة والتكليفيّة، هو جعله مرخى العنان في مقابل الحرمة بمعنى المنع والتقيّد، وعلى جميع التقادير تدلّ الآية على صحّة البيع وفساد الرّبا.

أمّا على الأوّل: فواضح، وكذلك على الثالث.

وأمّا على الثاني: فحيث إنّه لا موهم لحرمة البيع ولحليّة الرّبا بما هما فعلان، أو


1) وسائل الشيعة: ج 18/127 ح 23298، تهذيب الأحكام: ج 7/15 ح 64.

2) وسائل الشيعة: ج 18/127 ح 23300، عوالي اللآلئ: ج 2/136 ح 376.

3) سورة البقرة: الآية 275.

بما هما سببان للملك، فلابدّ من تقدير التصرّفات، وعليه فيستفاد مملكيّة البيع وعدم مملكيّة الرّبا بالملازمة العرفيّة، بين حليّة جميع التصرّفات وبين الملكيّة، وعدم حليّة تصرّفٍ من التصرّفات وعدم الملكيّة.

وإن شئت قلت: إنّ‌الآية تدلّ على حليّة التصرّفات المترتّبة على البيع، وحرمة التصرّفات المترتّبة على الرّبا، واللّازم العرفي للأوّل الملكيّة وللثاني عدمها.

وبهذا التقريب يظهردلالة كثير من النصوص عليه؛ فإنّظاهر الأخبار المتضمّنة لاعتبار المثليّة منطوقاً ومفهوماً، بيان الحكم الوضعي، أو الأعمّ منه، ومن التكليفي أيضاً تدلّ عليه كما عرفت.

فإنْ قيل: إنّ الرّبا لغةً وعرفاً وشرعاً ونصّاً هو الزيادة، لا المعاملة المشتملة عليها، وعلى ذلك فالمتّجه اختصاص الفساد بالزيادة، لأنّها هي محلّ المنع، وصحّة المعاملة المشتملة عليها، فبيع المثلين بالمثل كبيع ما يجوز بيعه وما لايجوز بيعه في عقدٍ واحدٍ، الذي يصحّ في الأوّل، ويبطل في الثاني.

توجّه عليه أوّلاً: أنّ المراد من الرّبا في الآية الكريمة، المعاملة المشتملة على الزيادة، بقرينة صدر الآية الوارد فيه قوله تعالى‌: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا اَلْبَيْعُ مِثْلُ اَلرِّبا) (1)فإنّمماثل البيع، هي المعاملة الربويّة، ولذلك قال الطبرسي(2)في «المجمع» ذيل هذه الآية: (أحلّ البيع الذي لا ربا فيه، وحَرّم البيع الذي فيه الرّبا)، والمراد منه في كثير من النصوص أيضاً ذلك، لاحظ قول الإمام عليه السلام في الخبر العلويّ المتقدّم(3):

«لَعَن رسول اللّه صلى الله عليه و آله بائعه ومشتريه»، ولعلّه لذلك قال الشهيدالثاني رحمه الله(4): (إنّ المراد6.


1) سورة البقرة: الآية 275.

2) مجمع البيان: ج 2/206-207.

3) وسائل الشيعة: ج 18/127 ح 23298، تهذيب الأحكام: ج 7/15 ح 64.

4) مسالك الأفهام: ج 3/316.

بالرّبا شرعاً، بيع أحد المتماثلين المقدّرين بالكيل والوزن، مع زيادةٍ في أحدهما).

ودعوى: أنّ الزيادة في أحد العوضين حيث تكون بإزاء أجلٍ أو وصفٍ أو نحوهما في العوض الآخر، فكانت المعاملة الربويّة منحلّة إلى معاملتين: إحداهما بيع المثل بالمثل، والأخرى مبادلة الأجل أو الوصف أو نحوهما بالزيادة، مثلاً لو باع منّاً من الحنطة الجيّدة بمنّين من الرَّديئة، يكون المن الزائد في قبال الجودة، فيُحكم بصحّة الأُولى‌، وبطلان الثانية كما هو الشأن في نظائر المقام.

مندفعة: بأنّ الأوصاف لا تقابل بالأعواض في المعاملات، بل هي سببٌللزيادة، فالمعاملة واحدة، ويكون كلّ جزءٍ من المثل في مقابل جزءين من المثلين مثلاً.

ولا يتوهّم أنّ المتبايعين وإن قصدا كذلك، إلّاأنّ الشارع الأقدس يمنعه من الزيادة، وجعل المثل في مقابل المِثْل، ولم يمض ما قصداه؛ لأنّ ذلك أمرٌ ممكن لو دلَّ عليه دليل، ولم يثبت عليه الدليل، بل مقتضى قاعدة تبعيّة العقود للقصود خلاف ذلك.

وتوجّه عليه ثانياً: أنّه لو سُلّم كون المراد من الرّبا الزيادة، لا المعاملة المشتملة عليها؛ لزم منه البناء على فساد المعاملة بالنسبة إلى ما عدا الزيادة إن كانت الزيادة جزءاً، وصحّتها إذا كانت شرطاً، كما ذهب إليه بعضٌ‌:

أمّا في الأوّل: فلعدم تميّز الزيادة عن الذي يُقابِلُ العوض الآخر، إذ كلّ جزءٍ من المثل يقابل جزءين من المثلين، كما مرَّ آنفاً.

وأمّا في الثاني: فلما تقدّم في محلّه من أنّ الشرط الفاسد لا يكون مفسداً.

ويمكن أن يقال: إنّ الشرط الفاسد وإن لم يكن مفسداً للعقد، إلّاأنّه فيما إذا

وهو بيع أحد المثلين بآخر مع زيادة،

لم يستلزم فقد العقد ما يعتبر في صحّته، وإلّا فيكون مفسداً، وعلى ذلك بنينا على بطلان عقد النكاح الذي اشترط فيه الخيار، من جهة إخلال هذا الشرط بقصد الدوام المعتبر في النكاح الدائم، ففي المقام حيث إنّ شرط الزيادة في أحد العوضين موجبٌ لعدم صدق المماثلة المعتبرة في صحّة المعاملة، فيفسد العقد لذلك.

فالمتحصّل ممّا ذكرناه: فساد المعاملة الرّبويّة مطلقاً، سواءٌ أكانت الزيادة جزءاً أو شرطاً.

جريان الرّبا في جميع المعاوضات

وهل يختصّ الرّبا بالبيع كما هو ظاهر المصنّف رحمه الله في المقام، حيث قال: (وهو بيع أحد المثلين بآخر مع زيادة)، وصريحه في غير مقام(1)، وهو الذي صرّح به الحِلّي(2)، وظاهر «الشرائع»(3)في المقام‌؟

أم يعمّ كلّمعاوضةٍ كماعن السيّد(4)

(5و6) حكاه عنه في جواهر الكلام: ج 23/336.

، والشيخ(5)، والقاضي(6) وابن المتوّج(5)،

1) تذكرة الفقهاء: ج 10/134.

2) السرائر: ج 2/253.

3) شرائع الإسلام: ج 2/297.

4) تكملة العروة الوثقى: ج 1/9، ولم نعثر عليه في كتب السيّد المرتضى، ولكن حكاه في الجواهر بإطلاق كلمة السيّد: ج 23/336.

5) حكاه عنه في مفتاح الكرامة: ج 4/502 (ط. ق).

وفخرالمحقّقين(1)، و الشهيدين(2)

(3و4) حكاه عنه في الجواهر: ج 23/336.

، وابن العبّاس(3)، والقطيفي(4)، و العليّين(3)، والمحقّق الأردبيلي(4)، وصريح المحقّق في «الشرائع»(5)في كتاب الغصب، ونسب الأردبيلي(6)ذلك إلى الأكثر، وقال في «ملحقات العروة»(7)إنّه المشهور؟ وجهان.

يشهد للثاني: عموم ما دلَّ على حرمته من الكتاب والسُنّة المتقدّم إليه الإشارة؛ فإنّه لم يقيّد في شيء منها بالبيع. ودعوى الانصراف إليه لغلبته - كما ترى‌.

واستدلّ له سيّد «الرياض»(8)وتبعه غيره: بالأخبار الدالّة على اشتراط المثليّة في المعاملة، مع اتّحاد الجنس:

منها: صحيح ابن أبي نصر، عن الإمام الصادق عليه السلام:

«الحنطة والشعير رأساً برأس، لا يزداد واحد منهما على الآخر - إلى أن قال - والدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مِثْلاً بمِثل لا بأس»(9).

ومنها: في خبرٍ آخر عنه عليه السلام(10): «كان عليٌّ عليه السلام يكره أن يستبدل وَسَقاً من تمر8.


1) إيضاح الفوائد: ج 1/468.

2) الدروس: ج 3/178، مسالك الأفهام: ج 3/317.

3) جامع المقاصد: ج 4/239. أمّا الشيخ علي بن عبد العالي الفاضل الميسي لم نعثر على كتبه، لكن حكاه عنه صاحب الجواهر: ج 23/336.

4) مجمع الفائدة والبرهان: ج 8/452.

5) شرائع الإسلام: ج 2/297.

6) مجمع الفائدة والبرهان: ج 8/451-452.

7) تكملة العروة الوثقى: ج 1/9.

8) رياض المسائل: ج 8/403-404 (ط. ج).

9) وسائل الشيعة: ج 18/138 ح 23328 و ص 142 ح 23337، من لا يحضره الفقيه: ج 3/280 ح 4012.

10) وسائل الشيعة: ج 18/151 ح 23362، الكافي: ج 5/188 ح 8.

خيبر بوسقين من تمر المدينة، لأنّ تمر خيبر أجودهما».

ومنها: موثّق عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه الذي هو كالصحيح، بل ربما عُدَّ من الصحيح(1)، قال: «قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: أيجوزُ قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟

فقال عليه السلام: لا يجوز إلّامِثْلاً بمثل».

ومنها: صحيح محمّد بن مسلم، عن الإمام الباقر عليه السلام(2):

«عن الرجل يدفع إلى الطحّان الطعام فيقاطعه على أن يعطي صاحبه لكلّ عشرة أرطال اثني عشر رطلاً دقيقاً؟ فقال عليه السلام: لا.

قلت: الرجل يدفع السمسم إلى العصّار، يضمن له لكلّ صاعٍ أرطالاً مسمّاة‌؟ قال عليه السلام: لا».

ونحوها غيرها من النصوص الكثيرة الشاملة بإطلاقها لغير البيع، بل بعضها كالخبر الأخير صريحٌ في غيره.

ومع ذلك فلا يُصغى إلى ما نُسب إلى الحِلّي(3)والمصنّف رحمه الله(4)من الاستدلال للاختصاص بالبيع، بحمل المطلق على الفرد الغالب، وبالأصل، وبالاقتصار فيما خالف الأصل على المجمع عليه.

عدم جريان الرّبا في التعاوض

ثمّ إنّه بناءً على جريان الرّبا في المعاوضات كالصلح، والمعاوضة بين المالين من


1) وسائل الشيعة: ج 18/138 ح 23327، الكافي: ج 5/188 ح 5.

2) وسائل الشيعة: ج 18/141 ح 23336، الكافي: ج 5/189 ح 11.

3) السرائر: ج 2/253.

4) تذكرة الفقهاء: ج 10/134.

غير تعيين للبائع والمشتري، كما إذا قال: (تعاوضنا كذا بكذا)، فإنّها معاملة مستقلّة غير البيع، لا ينبغي التوقّف في عدم جريانه في الهبة المعوضة؛ فإنّ المبادلة بحسب الإنشاء إنّما هي بين الهبتين دون الموهوبين؛ وإن كان القصد الأصلي تبادل الموهوبين؛ إذا العبرة في باب الإنشائيّات بما يُنشَأ لا بالغَرَض والدّاعي، فأدلّة الرّبا لا تشملها.

أقول: وبذلك يظهر أنّ ما اختاره المحقّق في «الشرائع»(1)، وصاحب «الجواهر»(2)من جريانه فيها، بدعوى أنّها وإنْ كانت هبة في مقابل هبة، إلّاأنّها في اللُّب مبادلة بين الموهوبين، غير تامّ‌.

ويترتّب على ما اخترناه: أنّ الإبراء بشرط الإبراء، كما إذا قال: (أبرأتُك ممّا لي عليك من اثني عشر منّاً من الحنطة بشرط أن تبرأني ممّا لكَ عليَّ من خمسة عشر منّاً منها)، صحيحٌ‌، ولا يشمله حكم الرّبا.

فرع: هل يجري الرّبا في التعاوض كالوفاء والغرامة والقسمة، كما إذا كان عليه عشرة أمنان من الحنطة، فيوفيه بدفع اثني عشر مناً، فإن المدفوع عوض عمّا في ذمّته إذا قصد الوفاء بالمجموع لا بالعشرة منها وهبة الزائد، أو إذا أتلف منّاً من الحِنطة الجيّدة، فدفع منّاً ونصفاً من الرَّديئة، فإنّ المدفوع غرامة عوض من التالف، فيكون بينهما تعاوض، خصوصاً إذا كان من غير جنس التالف، أو من غير صنفة، أو إذا كانت الشركة بالمناصفة فاقتسما بالثلث والثلثين‌؟

أم لا يجري الرّبا فيها، إلّاإذا كان بعنوان المعاوضة من صلحٍ أو غيره‌؟6.


1) كما حكاه عنه المحقّق اليزدي في تكملة العروة الوثقى: ج 1/9.

2) جواهر الكلام: ج 23/396.

وجهان، قوّى الشهيد الثاني في «المسالك»(1)الثاني، واختاره السيّد الطباطبائي(2)في «ملحقات العروة»، لكن صريح «الجواهر»(3)في باب القرض اختيار الأوّل، ولا إشكال في انصراف أخبار الرّبا عن غير المعاوضة.

ويمكن أن يقال: إنّ جملة من الأخبار الدالّة على جواز تبرّع المقترض بالزيادة، ظاهرة في كون المجموع وفاءً عمّا في الذمّة لا كون الزائد بمنزلة الهبة، لاحظ:

1 - صحيح ابن الحجّاج، عن الإمام الصادق عليه السلام(4): «عن الرجل يقترض من الرجل الدراهم، فيردّ عليه المثقال، أو يستقرض المثقال فيردّ عليه الدراهم‌؟

فقال عليه السلام: إذا لم يكن شَرَط فلا بأس، ذلك هو الفضل، إنّ أبي عليه السلام كان يستقرض الدراهم الفسولة فيدخل عليه الدراهم الجياد الجلال، فيقول: يا بُنيّ ردّها على الذي استقرضتها منه، فأقول: يا أبه إنّ دراهمه كانت فسوله، وهذه خيرٌ منها، فيقول: يا بُنيّ هذا هو الفضل، فأعطه إيّاها».

2 - وصحيح الحلبي، عنه عليه السلام(5): «عن الرجل يستقرض الدّراهم البيض عدداً، ثمّ يعطي سوداء وزناً، وقد عرف أنّها أثقل ممّا أخذ، وتطيب به نفسه أن يجعل له فضلها؟

فقال عليه السلام: لا بأس به إذا لم يكن فيه شرط، ولو وهبنا له كلّها صَلُح».

3 - ومثله خبر خالد بن الحجّاج(6)، ونحوها غيرهما.1.


1) مسالك الأفهام: ج 3/444-445.

2) تكملة العروة: ج 1/12.

3) جواهر الكلام: ج 25/14.

4) وسائل الشيعة: ج 18/193 ح 23469، الكافي: ج 5/254 ح 6.

5) وسائل الشيعة: ج 18/191 ح 23464، الكافي: ج 5/253 ح 1.

6) وسائل الشيعة: ج 18/190 ح 23463، الكافي: ج 5/244 ح 1.

فإنْ قيل: الظاهر من بعض النصوص، كون ذلك رباً، لاحظ:

1 - صحيح الحلبي، عن الإمام الصادق عليه السلام(1): «عن الرجل يشتري الحنطة ولا يجد عند صاحبها إلّاشعيراً، أيصلح له أن يأخذ اثنين بواحد؟

قال عليه السلام: لا، إنّما أصلها واحد».

2 - وصحيح هشام، عنه عليه السلام(2): «عن الرجل يبيع الرجل الطعام الأكرار، فلا يكون عنده ما يتمّ له ما باعه، فيقول له: خُذ منّي مكان كلّ قفيز حنطةٍ قفيزين من شعير، حتّى تستوفي ما نقص من الكيل‌؟

قال عليه السلام: لا يصلح».

3 - وخبر علي بن جعفر، عن أخيه الإمام الكاظم عليه السلام(3): «عن رجلٍ اشترى سمناً ففضل له فضلٌ أيحلّ له أن يأخذ مكانه رطلاً أو رطلين زيت‌؟ قال عليه السلام: إذا اختلفا وتراضيا فلا بأس».

توجّه عليه أوّلاً: أنّ خبر علي بن جعفر ضعيفٌ‌؛ لعبد اللّه بن الحسن، والصحيحين غير ظاهرين في عدم الجواز؛ لأعميّة عدم الصلاح عن الحرمة، وعلى فرض الظهور فيه الجمع بينهما وبين النصوص الصريحة في الجواز، يقتضي حملها على إرادة بيان الحكم التنزيهي.

وثانياً: أنّ هذه النصوص تُحمل على المعاوضة والمبادلة لا الوفاء خاصّة.

وقد يُقال: إنّ قولهم عليهم السلام(4): «خيرُ القَرض ما جرَّ نفعاً» يدلّ على الجواز.3.


1) وسائل الشيعة: ج 18/138 ح 23329، الكافي: ج 5/187 ح 3.

2) وسائل الشيعة: ج 18/137 ح 23326، الكافي: ج 5/187 ح 1.

3) وسائل الشيعة: ج 18/148 ح 23353، بحار الأنوار: ج 100/118 ح 19.

4) وسائل الشيعة: ج 18/355 ح 23835، الكافي: ج 5/255 ح 3.

عينيّة كبيعِ قفيزٍ بقفيزين، أو حُكْميّة كبيع قفيزٍ يقفيزين نسيئةً‌.

فالمتحصّل ممّا ذكرناه: أنّ الأظهر عدم جريان الرّبا في التعاوض، واختصاصه بالمعوّضات.

أقول: وبما ذكرناه يظهر عدم جريان الرّبا في الإقالة، إذا شَرَط فيها شرطاً، بناءً على ما هو الحقّ من جواز اشتراط شرطٍ فيها، وإنْ لم تجز الإقالة بزيادة أو نقصان في الثمن أو المثمن؛ لعموم ما دلَّ على نفوذ الشرط وعدم المانع، فإنّه بناءً على ما بيّناه بما أنّ الإقالة ليست معاوضة، بل هي فسخٌ مستلزمة للتعاوض، لا توقّف في عدم جريان الرّبا فيها، وما ذكرناه هو الرّبا في المعاملة من البيع ونحوه، وهو الذي انعقد له هذا البحث، أمّا الرّبا في القرض فسيأتي الكلام فيه في بابه.

الزيادة العينيّة

أقول: لا يهمّنا البحث في أنّه هل للربا حقيقة شرعيّة أو متشرّعيّة أم لا؟ وإنّما المهمّ هو البحث في أنّه: بعدما لا ريب في شمول موضوع الحكم لما إذا كانت الزيادة (عينيّة) على وجه الجزئيّة (كبيع قفيزٍ بقفيزين).

هل يعمّ على ما إذا كانت عينيّة على وجه الاشتراط؟ (أو حُكميّة) غير عينيّة ممّا يكون مالاً كسكنى دارٍ أو عملٍ له ماليّة كخياطة ثوب، أو أجلٍ له قسطاً من الثمن (كبيع قفيزٍ بقفيزين نسيئةً‌)؟

أو ممّا فيه غرضٌ عقلائي كاشتراط قراءة القرآن أو إتيان الصلاة أوّل الوقت، أو نحو ذلك، أم لا؟

الظاهر أنّه اتّفقت كلماتهم على إلحاق الشرط بالجزء، وقد استدلّ له بوجهين:

الوجه الأوّل: المستفاد من الأخبار أنّ الشرط في صحّة المعاملة مع اتّحاد الجنس هي المثليّة، وأنّه لا يجوز إلّامِثْلاً بمثل، والزيادة وإنْ كانت على وجه الاشتراط تخرجها عن كونها مثلاً بمِثل.

وفيه: إنّه بعد كون الشرط التزاماً في ضمن التزام، وعقداً غير عقد البيع الذي هو في ضمنه، كيف يخرج البيع عن كونه مِثْلاً بمثل‌؟!

وبعبارة أُخرى‌: إنّ الأخبار تدلّ على اعتبار مماثلة المثمن للثمن من دون زيادة، والمفروض أنّ الثمن والمثمن بعد الشرط في ضمن البيع ممّاثلان لا يزيد أحدهما عن الآخر.

الوجه الثاني: خبر خالد بن الحجّاج(1)، قال: «سألته عن الرّجل كانت لي عليه مائة درهم عدداً قضانيها مائة وزناً؟ قال عليه السلام: لا بأس ما لم يشترط.

وقال: وقال: جاء الرّبا من قبل الشروط، إنّما يفسده الشروط».

وأورد عليه: بأنّه في القرض وكون البيع كالقرض في ذلك محلّ منع.

وفيه: قوله عليه السلام في ذيل الخبر: «جاء الرّبا إلى آخره»، من قبيل الكبرى‌، وفي مقام إفادة قاعدة كليّة لا في خصوص المورد، وإلّا لزم التكرار اللّغو.

هذا في الزيادة العينيّة على وجه الاشتراط.

الزيادة الحُكْميّة

وأمّا شمول الحكم للزيادة الحُكْميّة على هذا النحو، فهو وإن كان مشهوراً بين


1) وسائل الشيعة: ج 18/190 ح 23463، الكافي: ج 5/244 ح 1.

الأصحاب، إلّاأنّه ليس إجماعيّاً، وإنْ أشعر ما عن «المختلف»(1)- بعد أن وجّه ما حُكي عن خلاف الشيخ من كراهة بيع أحد المتساويين بالآخر نسيئة، بحملها على الحرمة معتذراً بغلبة إطلاقها عليها - في كلامه بالإجماع عليه، وقد ادّعاه جماعة؛ لأنّ المحقّق الأردبيلي رحمه الله(2)أفتى صريحاً بعدم الرّبا في الزيادة الحكميّة، وهو الظاهر من المحكى عن الحِلّي رحمه الله(3).

وعن المصنّف في «القواعد»(4)، والمحقّق الثاني في «جامع المقاصد»(5): جواز اشتراط البيع بثمن المِثْل، بل محاباةً في القرض الذي هو أضيق دائرة.

وعن جماعةٍ‌(6)جواز اشتراط التسليم في بلدٍ غير بلد القرض، وكذا جواز اشتراط ضمان أو كفالة أو رهن.

أقول: وكيف كان، فقد استدلّ لعموم الحكم لها:

1 - بأنّ للأجل قسطاً من الثمن عرفاً وشرعاً إجماعاً.

2 - وبما في الصحيح: «لا تبع الحنطة بالشعير إلّايداً بيد»(7)، وفي الخبر: «إنّما الرّبا في النسيئة»(8)ذكرها سيّد «الرياض»(9).).


1) مختلف الشيعة: ج 5/86.

2) نسبه إليه المحقّق اليزدي في تكملة العروة الوثقى: ج 1/4، ونسبه إلى البعض السيّد الخوانساري في جامع المدارك: ج 3/237.

3) نسبه إليه المحقّق اليزدي في تكملة العروة الوثقى: ج 1/4.

4) تحرير الأحكام: ج 1/305، وحكاه عن القواعد السيّد اليزدي في تكملة العروة الوثقى‌: ج 1/4.

5) راجع جامع المقاصد: ج 11/136.

6) تذكرة الفقهاء: ج 13/48 (ط. ج).

7) وسائل الشيعة: ج 18/140 ح 23333، تهذيب الأحكام: ج 7/95 ح 14.

8) حكاه سيّد الرياض عن ابن ماجه: ج 2/759، سنن الترمذي: ج 2/356.

9) رياض المسائل: ج 8/290 (ط. ج).

3 - وبأنّ الزيادة وإنْ كانت حُكميّة وبنحو الاشتراط في أحدهما، تخرجه عن كونه مِثْلاً، المعتبر في صحّة المعاملة مع اتّحاد الجنس.

4 - وبدلالة خبر خالد بن الحجّاج المتقدّم عليه.

5 - وبدعوى الاتّفاق عليه.

أقول: لكن الأوّل يندفع بأنّه لم يشترط في صحّة معاملة أحد الجنسين بالآخر، سوى المماثلة، وأمّا كون قيمة أحدهما مساوياً للآخر فمّما لا دليل عليه، وما ذُكر غايته زيادة قيمة أحدهما على الآخر، والصحيح مختصٌّ ببيع أحد المتماثلين بالآخر نسيئةً‌، ولا يشمل كلّ زيادة حكميّة.

وبه يظهر ما في الخبر، مضافاً إلى ضعف سنده.

وأمّا الزيادة بنحو الاشتراط، فمّما لا توجب عدم مماثلة الثمن للمثمن بعد فرض كون الشرط التزاماً في ضمن التزامٍ كما مرّ.

وأمّا خبر خالد بن الحجّاج، فهو يدلّ على مفسديّة الشرط في فرض الزيادة العينيّة أو الماليّة، ولا يدلّ على مفسديّة كلّ شرطٍ؛ لأنّه في مقام الفرق مع عدم التماثل بين صورة الاشتراط وعدمه، نظير ما ورد في تبرّع المقترض بالزيادة في مقام الوفاء والاتّفاق، وقد عرفت حاله.

فالمتحصّل ممّا ذكرناه: أنّ الزيادة:

إنْ كانت عينيّة توجبُ البطلان، سواءٌ أكانت بنحو الجزئيّة أو الاشتراط.

وإنْ كانت حُكميّة، ففي بيع أحد المثلين الآخر نسيئةً‌، الأظهر هو البطلان؛ للصحيح، ولعلّه المتّفق عليه، وفي غيرهما وهو ما إذا كانت الزيادة حكميّة بنحو

وشرطه أمران: الاتّحاد في الجنس

الاشتراط لا دليل على كونها موجبة للبطلان، ومع ذلك كلّه الالتزام بإلحاق الشرط بالجزء، ومبطليّة كلّ زيادةٍ حُكميّة أحوط.

شرائط تحقّق الرِّبا في المعاملة

لا كلام وخلاف في أنّ تحقّق الرّبا في المعاملة شرعاً، وحرمته مشروطٌ بشروط، (و) قد طفحت كلماتهم بأنّ (شرطه أمران):

الشرط الأوّل: (الاتّحاد في الجنس) وهو في الجملة من المسلّمات، ويشهد به طوائف من الأخبار:

منها: ما دلَّ على ذلك بالمطابقة والمنطوق، كموثّق منصور بن حازم، عن الإمام الصادق عليه السلام في حديثٍ‌: «كلّ شيء يُكال أو يُوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنسٍ واحد»(1)ونحوه غيره.

ومنها: ما يدلّ عليه بالمفهوم، كصحيح محمّد بن مسلم، في حديثٍ‌: «إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يداً بيد»(2)ونحوه غيره.

ومنها: ما دلَّ على المنع في الحنطة والشعير من البيع إلّامِثْلاً بمثل؛ معلّلاً بأنّ‌:

«الحنطة والشّعير أصلهما واحد»(3).


1) وسائل الشيعة: ج 18/153 ح 23367، تهذيب الأحكام: ج 7/119 ح 123.

2) وسائل الشيعة: ج 18/144 ح 23343، الكافي: ج 5/189 ح 9.

3) وسائل الشيعة: ج 18/138 ح 23329، الكافي: ج 5/187 ح 3.

ومنها: غير ذلك من النصوص المختلفة الواردة في الأبواب المتفرّقة.

أقول: إنّما الكلام في المراد من الجنس، وقد جُعل ضابط وحدة الجنس في «الشرائع»(1)، و «السرائر»(2)، و «التذكرة»(3)، و «التحرير»(4)، و «الدروس»(5)، و «اللّمعة»(6)وغيرها(7): كلّ شيئين يتناولهما لفظ خاصّ كالحِنطة.

وإلى ذلك يُرجع ما صرّح به غير واحدٍ بأنّ المراد بالجنس، النوع المنطقي الذي هو جنسٌ لغوي عرفي.

وضابطه: أن يكون له اسمٌ خاص، ولم يكن تحته قدرٌ مشترك يُسمّى باسم خاص كالحنطة والفضة والتمر والزبيب، ممّا يكون الأقدار المشتركة التي تحتها أصنافاً لها، وليس لها اسمٌ خاص، بل تُذكر مع الوصف كالحنطة الجيّدة.

ولكن قال المحقّق الثاني رحمه الله في «جامع المقاصد»(8): (وهذا وإنْ عَزّ الوقوف عليها، إلّاأنّ بعض الأشياء قد قام القاطع على بيان نوعها، فالحنطة بالنسبة إلى ما تحتها نوعٌ بالنص والإجماع، والحمراء والبيضاء وغيرهما واحد) انتهى‌.

وعن «مجمع البرهان»(9): (أنّه متعسّرٌ، بل قيل: إنّه متعذّر).4.


1) شرائع الإسلام: ج 2/297.

2) راجع السرائر: ج 2/316. قوله: (ولا بأس بالسلف في جنسين مختلفين، كالحنطة والشعير، عند من جعلهما جنسين، أو كالحنطة و الأرز، و التمر و الزبيب.. الخ).

3) تذكرة الفقهاء: ج 10/135 (ط. ج).

4) تحرير الأحكام: ج 2/303.

5) الدروس: ج 3/247.

6) اللّمعة الدمشقيّة: ص 107.

7) كفاية الأحكام للسبزواري: ص 98.

8) جامع المقاصد: ج 4/266.

9) مجمع البرهان: ج 8/474.

وفي «الجواهر»(1): (وهو كذلك، ضرورة صعوبة الوصول إلى معرفة الذاتيّات، بحيث يفرّق فيها بين الجنس والنوع والصنف والفرد على وجه يطمئن به) انتهى.

أقول: ولكن غاية ما أورد على هذا الضابط، وجود موارد يُشكّ فيها في اتّحاد الجنس وعدمه، وهذا لا يوجبُ الإشكال في موارد قيام القاطع على أحدهما، فلابدّ من بيان تأسيس الأصل في موارد الشكّ‌، وأنّ تلك الموارد هل تكون محكومة بحكم ما ثبت في الاتّحاد أو عدمه‌؟ فأقول:

تنقيح الأصل في موارد الشكّ‌

إذا شكّ في اتّحاد الجنس وعدمه، ففي «الجواهر»(2):

(فظاهر اعتبار الأصحاب اتّحاد الجنس في الحرمة الحِلّ‌، لأنّ الشكّ في الشرط شكٌّ في المشروط، والفرض كون المحرّم شرطاً دون الجائز الباقي على مقتضى العموم.

نعم قد يقال: إنّ ظاهر النصوص الاشتراط في كلّ منها...

إلى أن قال: فيكون كلّ من الجائز والمحرّم مشروطاً بشرط، فمع فرض الشكّ يتّجه الفساد؛ لأصالة عدم ترتّب الأثر، وعدم النقل والانتقال، ونصوص: «كلّ شيء يكون فيه حلالٌ وحرام» في غير الفرض...

إلى أن قال: وبذلك يظهر أنّ مقتضى النصوص في المقام الفساد، إلّاأنّه بملاحظة اقتصار الأصحاب الشرطيّة في المحرّم دون غيره يحكم بالحِلّ في المشتبه)، انتهى‌.

أقول: وتفصيل القول في المقام يقتضي البحث في موضعين:


1) جواهر الكلام: ج 23/338 و 339.

2) جواهر الكلام: ج 23/338 و 339.

أحدهما: فيما يقتضية الأصل اللّفظي، وهو أصالة العموم والإطلاق.

الثاني: فيما يقتضية الأصل العملي، وهو أصالة الحِلّ‌.

أمّا المقام الأوّل: فمقتضى عمومات حِلّ البيع وغيره من المعاوضات، هو صحّة المعاملة في مورد الشكّ في الاتّحاد مع التفاصيل؛ إذ عدم جواز التفاضل عُلّق على الاتّحاد المشكوك تحقّقه، ومنشأ الشكّ إجمال المفهوم، وقد حُقّق في محلّه جواز التمسّك بالعام في الشبهة المفهوميّة، إذا كان المخصّص منفصلاً عن العام كما في المقام.

وأُورد عليه: بأنّه كما أنّ الحرمة معلّقة على الاتّحاد، كذلك الحِليّة عُلّقت في أخبار الباب على الاختلاف؛ لقوله عليه السلام: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم»(1)، ففي الفرد المشتبه دخوله في أيّهما، لابدّ من الرجوع إلى الأصل العملي، ولا يجوز التمسّك بعموم العام.

وفيه: أنّه إن أُريد بذلك تقيّد موضوع الحليّة بالاختلاف، بحيث لابدّ في التمسّك بالعام من إحراز الاختلاف.

فيردّه: أنّ الخاص الموافق للعام في الحكم لا يكون مقيّداً له إذا كان منفصلاً.

وإن أُريد أنّ مفهوم مثل هذا الخبر يقيّد العام، ويُخصّصه بما إذا لم يكن اختلاف.

فيردّه: أنّ الخارج عن العام هو مورد عدم الاختلاف، فيجري فيه ما ذكرناه في تعليق عدم الجواز على الاتّحاد من التمسّك بعموم العام في مورد الشبهة والشكّ‌.

وأمّا المقام الثاني: فعلى فرض عدم جواز التمسّك بالعموم، فقد يقال إنّ مقتضى أصالة الحلّ جواز المعاملة ونفوذها، وقد ذكر السيّد في «ملحقات العروة»(2)1.


1) مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/341 ح 15547، عوالي اللآلئ: ج 3/221 ح 96.

2) تكملة العروة الوثقى: ج 1/21.

وجوهاً ثلاثة لاقتضائها ذلك:

1 - أنّ الأقوى جريانها في الحكم الوضعي؛ لأنّ المراد من الحِلّ عدم المنع تكليفاً ووضعاً، ولذا يجري حديث الرفع ونحوه في الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة في الشبهة الحكميّة، وفي نفي المانعيّة في الشبهة الموضوعيّة.

2 - إنّا نشكّ في أنّ البيع مع التفاضل بقصد ترتّب الأثر عليه حلالٌ أو حرام لأجل الشبهة في الاتّحاد وعدمه، ومقتضى أصالة الحلّ حليّته و عدم مانعيّة التفاضل، وإذا كان حلالاً فيترتّب عليه الأثر إذ المانع منه حرمته وهي مرفوعة، فالشكّ في ترتّب الأثر وعدمه مسبّبٌ عن الشكّ في حرمته، فإذا حُكم بحليّته فلا مانع من بيعه؛ لأنّه مالٌ حلال.

3 - إنّا نشكّ في أنّ الزيادة المأخوذة بالبيع في الصورة المزبورة هل هي حلالٌ وجائز التصرّف، وبحكم أصالة الحلّ حلالٌ‌، ويجوز التصرّف فيها، أم لا؟

ولكن يرد على الوجه الأوّل: أنّ المراد بأصالة الحِلّ إن كان هو أصالة البراءة الثابتة بحديث الرفع وغيره.

فيرد عليه: أنّ ذلك الأصل رافعٌ للحكم لا مثبت.

فإنْقيل: إنّه يرفع مانعيّة المشكوك فيه، فيحكم بالصحّة لفرض وجود المقتضي.

أجبنا عنه: بأنّ رفع الحكم الضمني مستقلّاً غير صحيح، فلابدّ وأن يرفع الحكم رأساً، فلا يثبت به إمضاء العقد مع المشكوك فيه.

وإنْ أُريد بها الحكم بالحليّة الثابتة بقوله: «كلّ شيء حلال».

فيرد عليه: - مضافاً إلى احتمال كونه بصدد بيان حكم الأشياء بعناوينها

الأوّليّة، ولا يشمل ما لو كان الحكم الواقعي معلوماً كما في المقام، فإنّ بطلان المعاملة مع الاتّحاد معلومٌ‌، وكذلك صحّتها مع الاختلاف - أنّه لو سُلّم كونه في مقام جعل الحكم الظاهري، فإنّ ظاهر الأخبار كونها بصدد بيان حكمٍ تكليفي صرف، مع أنّ الالتزام بشمولها للأحكام الوضعيّة المستقلّة في الجعل يلزم منه تأسيس فقه جديد.

أقول: وبهذا نجيب عن استدلال صاحب «الحدائق» رحمه الله لصحّة الصلاة مع اللّباس المشكوك فيه بأصالة الحِلّ‌، بدعوى أنّه يشكّ في حليّة الصلاة مع ذلك اللّباس، وصحّتها وعدمها، فمقتضى قاعدة الحِلّ الحليّة والصحّة.

ويرد على الوجه الثاني: أن الشكّ في ترتّب الأثر وعدمه، ليس مسبّباً عن الشكّ في حرمة المعاملة مع التفاضل بقصد ترتّب الأثر عليه، بل مسبّبٌ عن الشكّ في اتّحاد الجنس واختلافه، ومن المعلوم أنّ أصالة الحِلّ لا تثبت الاختلاف.

ويرد على الثالث: أنّ الشكّ في حليّة الزائد مسبّبٌ عن الشكّ في ترتّب الأثر على المعاملة وعدمه، فإذا جرى الأصل في السبب، لا يبقى موردٌ لإجراء الأصل في المسبّب.

وبالجملة: فالأظهر أنّ أصالة الحِلّ لا تصلحُ لإثبات الصحّة في المقام.

وحقّ القول في المقام أن يقال:

إنّه لو كان شرط صحّة المعاملة مع التفاضل اختلاف الجنس، جري أصالة عدم الاختلاف الأزلي، ويثبت بها عدم صحّة المعاملة.

وإن كان شرط فساد المعاملة وحرمتها الاتّحاد، جري أصل عدم الاتّحاد الأزلي، ويدخل بذلك في موضوع أدلّة الإمضاء.

الكيل والوزن،

وحيثُ إنّ شرطيّة الاتّحاد لعدم الجواز معلومة كما مرّ، وشرط الاختلاف للجواز لم يدلّ عليها دليلٌ‌، فمقتضى الأصل العملي أيضاً الصحّة في موارد الشكّ في الاتّحاد.

ودعوى: أنّه يستفاد شرطيّة الاختلاف من النبويّ المُجمع عليه، كما عن «السرائر»: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم»(1).

يردّها: ما تقدّم من أنّ منطوقه يوافق العام ولا يقيّده، ومفهومه بطلان البيع مع عدم الاختلاف، فيدلّ على اشتراط البطلان، وعدم الجواز بعدم الاختلاف، وهو عبارة أُخرى عن الاتّحاد.

اعتبار الكيل أو الوزن

الشرط الثاني: من الشرطين المعتبرين في تحقّق موضوع الرِّبا هو (الكيل أو الوزن) فلا ربا في غير المكيل والموزون، كالمعدود والمزروع، وما يُباع بالمشاهدة كالبيض والنخيل والأشجار والدور والثياب ونحوها، فيجوز فيه التفاضل، ومع اختلاف الجنس نقداً ونسيئة كما هو المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة.

وعن «المقنعة»(2)، وأبي عليّ‌(3)، و سلّار(4): إنّ حكم المعدود حكم المكيل


1) مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/341 ح 15547، عوالي اللآلئ: ج 3/221 ح 96.

2) المقنعة: ص 605.

3) النهاية: ص 378.

4) المراسم العلويّة: ص 180.

والموزون، فلا يجوز التفاضل في المتجانسين مطلقاً نقداً.

وعن جماعةٍ منهم القديمان(1)، والشيخان(2)، وسلّار(3)، وابن حمزة(4)، وابن زُهرة(5): المنع من بيع غير المكيل والموزون بمثله تفاضلاً، إذا كان البيع نسيئةً وجوازه نقداً.

فعن «النهاية»(6): (وأمّا ما لا يُكال ولا يُوزن، فلا بأس بالتفاضل فيه والجنس واحد نقداً، ولا يجوزُ ذلك نسيئةً‌).

ونحوه المحكيّ عن العُمّاني وابن الجنيد.

وعن «الوسيلة»(7): (السادس: أي المعدود بالمعدود، ويجوزُ التبايع فيه متماثلاً ومتفاضلاً، نقداً لا نسيئةً‌، إذا كان من جنس واحد).

وعن «الغُنية»(8): (ويجوزُبيع الحيوان بالحيوان متماثلاً بالآخر مع التفاضل نقداً).

وعن «المقنعة»: (لا بأس ببيع ما لا يُكال ولا يُوزن، واحدٌ باثنين وأكثر من ذلك نقداً، ولا يجوز نسيئة)، ومالَ إلى هذا القول سيّد «الرياض».

أقول: يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: في بيع أحد المتماثلين بالآخر مع التفاضل نقداً.6.


1) نقل الحكاية عنهما العاملي في مفتاح الكرامة: ج 4/505 (ط. ق).

2) المبسوط: ج 2/89، المقنعة: ص 404-405.

3) المراسم العلويّة: ص 180.

4) الوسيلة: ص 253.

5) الغنية: ص 225-226.

6) النهاية: ص 377.

7) الوسيلة: ص 254.

8) الغنية: ص 225-226.

الثاني: في بيعه به نسيئةً‌.

أمّا المقام الأوّل: فإن كان مكيلاً أو موزوناً، فلا كلام في جريان الرّبا فيه، وعليه الإجماع بقسميه، والكتاب والسُنّة شاهدان به، وفي «الجواهر»(1): (بل كاد يكون ضروريّاً).

إنّما الكلام في اشتراط الكيل أو الوزن فيه، فيجوز في غير المكيل والموزون، كالمعدود والمزروع وما يُباع بالمشاهدة، ويشهد لاعتبار ذلك نصوصٌ مسفيضة:

منها: صحيح عبيد بن زرارة، عن الإمام الصادق عليه السلام(2): «لا يكون الرّبا إلّافيما يُكال أو يُوزن».

ومنها: صحيح زرارة، عنه عليه السلام(3): «لا يكون الرّبا إلّافيما يُكال أو يُوزن».

ومنها: موثّق منصور بن حازم، عنه عليه السلام(4): «عن البيضة بالبيضتين‌؟ قال عليه السلام:

لا بأس.

والثوب بالثوبين‌؟ قال عليه السلام: لا بأس.

والفرس بالفرسين‌؟ قال عليه السلام: لا بأس.

ثمّ قال عليه السلام: كلّ شيء يُكال أو يُوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يُكال ولا يُوزن، فليس به بأسٌ اثنان بواحد».

ومنها: صحيح زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام(5): «البعير بالبعيرين، والدابّة7.


1) جواهر الكلام: ج 23/658.

2) وسائل الشيعة: ج 18/133 ح 23315، الكافي: ج 5/146 ح 10.

3) وسائل الشيعة: ج 18/133 ح 23313، الكافي: ج 5/146 ح 10.

4) وسائل الشيعة: ج 18/153 ح 23367، تهذيب الأحكام: ج 7/119 ح 123.

5) وسائل الشيعة: ج 18/155 ح 23372، من لايحضره الفقيه: ج 3/279 ح 4007.

بالدابّتين يداً بيد، ليس به بأس، وقال: لا بأس بالثوب بالثوبين يداً بيد، ونسيئةً إذا وصفتهما».

ومنها: خبر البصري، عن أبي عبد اللّه عليه السلام(1): «عن بيع الغَزْل بالثياب المنسوجة، والغَزلُ أكثر وزناً من الثياب‌؟ فقال عليه السلام لا بأس بالحيوان كلّه يداً بيد، ونسيئة».

ومنها: موثّق سماعة(2): «سألته عن بيع الحيوان اثنين بواحد؟

فقال عليه السلام: إذا سمّيت الثمن فلا بأس».

إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الدالّة على جريان الرّبا في خصوص المكيل والموزون، وعدم جريانه في غيرهما.

أقول: وبإزاء ذلك كلّه روايتان، استدلّ بهما للقول الآخر:

إحداهما: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه عليه السلام(3):

«عن الثوبين الرَّديئين بالثوب المرتفع، والبعير بالبعيرين والدابّة بالدابتين‌؟

فقال: كَره ذلك عليٌّ عليه السلام، فنحن نكرهه، إلّاأن يختلف الصنفان.

قال: وسألته عن الإبل والبقر والغنم، أو أحدهنّ في هذا الباب‌؟

قال عليه السلام: نعم نكرهه».

ثانيتهما: صحيحة ابن مسكان، عنه عليه السلام(4): «عن الرّجل يقول: عارضني9.


1) وسائل الشيعة: ج 18/156 ح 23377، الكافي: ج 5/191 ح 3.

2) وسائل الشيعة: ج 18/159 ح 23386، تهذيب الأحكام: ج 7/120 ح 128.

3) وسائل الشيعة: ج 18/154 ح 23371، تهذيب الأحكام: ج 7/120 ح 127.

4) وسائل الشيعة: ج 18/160 ح 23387، تهذيب الأحكام: ج 7/120 ح 129.

بفرسي وفرسك وأزيدك‌؟ قال: لا يصلح، ولكن يقول: أعطني فرسك بكذا وكذا وأعطيك فرسي بكذا وكذا».

ولكن مع عدم عمل الأصحاب بهما؛ فإنّ المنقول عمّن ذكرناهم من القائلين بجريان الرّبا في غير المكيل والموزون مطلقاً، التفصيل بين النقد والنسيئة، وهو القول الثالث، راجع «المقنعة»(1)و «المراسم»(2).

ولو أُغمض عن ذلك، فإنّ الجمع بين هذين الصحيحين، والنصوص المتقدّمة إنّما يكون بأحد نحوين:

1 - إمّا حملها على الكراهة، لصراحة تلكم النصوص في الجواز، وهما إمّا مجملان أو ظاهران في الحرمة، فعلى التقديرين يُحملان على الكراهة.

2 - أو حملها على إرادة النسيئة.

فالمتحصّل: أنّه لا إشكال في عدم جريان الرّبا في غير المكيل والموزون نقداً.

وأمّا المقام الثاني: وهو بيع أحد المتماثلين بالآخر مع التفاضل نسيئة؛ فلا إشكال ولا كلام في عدم جوازه في المكيل والموزون، وإنّما الكلام في غيرهما، فقد عرفت ذهاب جماعةٍ من الأساطين إلى المنع عنه، والمشهور بين الأصحاب جوازه.

يشهد للمشهور: إطلاق أكثر النصوص المتقدّمة، وصريح بعضها من عدم الفرق في الجواز بين النقد والنسيئة.

وقد استدلّ للقول الآخر:0.


1) المقنعة: ص 605.

2) المراسم العلويّة: ص 180.

1 - بالتقييد بكونه يداً بيد في بعض النصوص، كصدر خبر زرارة المتقدّم، وخبر محمّد بن مسلم في حديثٍ‌(1): «إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يداً بيد». ونحوهما غيرهما.

2 - وبالأمر بالخطّ على النسيئة في الخبر الذي رواه سعيد بن يسار، عن الإمام الصادق عليه السلام(2): «عن البعير بالبعيرين يداً بيد ونسيئةً؟ فقال عليه السلام: نعم لا بأس إذا سمّيت الأسنان جذعين أو ثنيّين، ثمّ أمرني فخططتُ على النسيئة».

وفي «التهذيبين»: (لا بأس به، ثمّ قال: خطّ على النسيئة).

3 - وبالتصرح بذلك في صحيح الحلبي، عنه عليه السلام(3): «ما كان من طعامٍ مختلفٍ أو متاعٍ أو شيء من الأشياء يتفاضل، فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يداً، فأمّا نَظِرةً فلا يصلح».

ونحوه خبر محمّد بن سنان(4).

وخبر زياد بن أبي غياث(5)، إلّاأنّه قال: «فأمّا النسيئة فلا يصلح».

4 - وبالصحيحين المتقدمين في المقام الأوّل، المصرّحين بالمنع في غير المكيل والموزون مطلقاً، وقد مرّ أنّه يمكن حملها على النسيئة.

5 - وبمضمر عليّ بن إبراهيم الطويل الوارد فيه قوله عليه السلام(6): «وما عُدّ عدداً أو لم1.


1) وسائل الشيعة: ج 18/144 ح 23343، الكافي: ج 5/189 ح 9.

2) وسائل الشيعة: ج 18/156 ح 23378، الكافي: ج 5/191 ح 4.

3) وسائل الشيعة: ج 18/157 ح 23380، الكافي: ج 5/191 ح 6.

4) وسائل الشيعة: ج 18/159 ح 23385، تهذيب الأحكام: ج 7/118 ح 120.

5) وسائل الشيعة: ج 18/159 ح 23385، تهذيب الأحكام: ج 7/118 ح 120.

6) وسائل الشيعة: ج 18/153 ح 23366، الكافي: ج 5/192 ح 1.

يُكَل ولم يُوزن، فلا بأس به، اثنان بواحد يداً بيد، وتكره نسيئة».

ولكن ما تضمّن التقييد بكونه يداً بيد لا مفهوم له، كي يدلّ على المنع في النسيئة، مع أنّه لو دلَّ عليه يُحمل على الكراهة، جمعاً بينه وبين ما تقدّم.

وأمّا الأمر بالخطّ على النسيئة في صحيح سعيد، فإنّما هو للتقيّة.

وزاد في «الفقيه» بعد نقل الصحيح: (لأنّ الناس يقولون: لا، وإنّما فعل ذلك للتقيّة).

وعدم الصلاحيّة في الصحيح، والخبرين أعمّ من الحرمة، بل قد يقال إنّه لا يصلح ظاهراً في الكراهة.

والمضمر غير حجّة، لعدم اتّصاله إلى المعصوم عليه السلام، وعدم حجيّة قول التابعي من حيث هو، فمقتضى الصناعة البناء على عدم المنع.

أقول: برغم ذلك كلّه ففي النفس شيءٌ‌؛ إذ صحيح سعيد من جهة الأمر بالخطّ على النسيئة، قَوّى الدلالة على المنع، ومجرّد احتمال كونه للتقيّة لا يصلحُ لرفع اليد عن الخبر، وكذا صحيح الحلبي لاستعمال (لا يصلح) كثيراً في الأخبار وفي كلمات العلماء، في الحرمة، خصوصاً في باب الرّبا.

ويؤيّد المنع: الخبران الآخران، والتقييد بقوله: «يداً بيد»، والصحيحان المتقدّمان، وفتوى الجماعة الذين هم عظماء الطائفة.

وبالجملة: تبيّن ممّا ذكرناه حسن ما أفاده بعض الأساطين حيث قال رحمه الله(1):

(فلولا الشهرة العظيمة المتأخّرة، المؤيّدة بإجماع «التذكرة»، ومخالفة العامّة،8.


1) رياض المسائل: ج 8/428.

والفحوى المتقدّمة، لكان المصير إلى هذا القول لا يخلو عن قوّة، ولعلّه لما ذكرناه احتاط به في «الغُنية»، وهو في غاية الجودة) انتهى‌.

المعاملة على الأوراق النقديّة

أقول: ويترتّب على ما ذكرناه أنّ ما اشتهر من تصحيح المعاملة على الأوراق النقديّة بأخذ ألف تومان نقداً وردّها مع الزيادة بعد مدّة، بإيقاع البيع عليه، ببيع ألف تومان نقداً، بألف ومائة في الذمّة إلى خمسة أشهر مثلاً، بدعوى أنّ الأوراق النقديّة لها ماليّة اعتباريّة صِرفة، وأنّ كلّ ورقٍ لها شعارٌ خاص، ولون مخصوص يعتبر بكذا مقدار من المال، وتكون هي طرف المعاملة، لا الذهب والفضّة المودعة، ولذا لا يعتبر في بيعها التقابض في المجلس، وحيث إنّها ليست من المكيل والموزون فلا يدخل فيها الرّبا.

غير خالٍ عن الإشكال؛ إذ غير المكيل والموزون، وإن لم يدخل فيه الرّبا، إذا كانت المعاملة نقداً، وأمّا إذا كان نسيئةً‌، فلا يبعد جريان الرّبا فيه، بل له وجه قويّ‌.

المناط في المكيل والموزون

أنّ المناط في المكيل والموزون، هو ما كان في عصر النبيّ صلى الله عليه و آله كذلك، فما ثبت أنّه مكيلٌ أو موزون في عصره صلى الله عليه و آله بُني عليه حكم الرّبا، إجماعاً محكيّاً في «التنقيح»(1)إن لم يكن محصّلاً، وإن تغيّر بعد ذلك، بل فيه أيضاً أنّه ما علم أنّه غير


1) حكاه عنه صاحب الجواهر: ج 23/362.

مكيل ولا موزون في عصر النبيّ صلى الله عليه و آله، فليس بربوي إجماعاً، ومقتضاه أنّه غير مكيلٍ وغير موزونٍ حتّى لو كيل أو وزن بعد ذلك، كذا في «الجواهر».

وقالوا: (إنّ ما لم يُعلم حال عصره، فالمرجع عادةً البلدان، وإن اختلفت فالمشهور بينهم أنّ لكلّ بلدٍ حُكم نفسه).

وعن جماعةٍ كالشيخ(1)، وسلّار(2)، والفخر(3)تغليب جانب الحرمة، ويثبت التحريم حينئذٍ عموماً من غير فرقٍ بين بلد الكيل والوزن والجزاف.

وعن المفيد(4): كون الحكم للأغلب، ومع التساوي تغليب جانب الحرمة.

أقول: وعليه فيقع الكلام في موارد:

المورد الأوّل: فيما كان في عصر النبيّ صلى الله عليه و آله مكيلاً أو موزوناً، وإن تغيّر بعد ذلك، فالمعروف بين الأصحاب جريان الرّبا فيه، كما أنّه ما ثبت عدم كونه مكيلاً ولا موزوناً لا يجري فيه الرّبا، وإن كان بالفعل مكيلاً أو موزوناً، وقد ادّعي الإجماع على الحكم في الفرضين، واستدلّ له بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّ الحكم لم يُعلّق على عنوان المكيليّة والموزونيّة، بل بأن يكون المراد الأجناس المعيّنة التي كانت على أحد الوصفين في ذلك الزمان، مثل الحِنطة والشعير والماش ونحوها، فكأنّه قال: (في الحنطة ونحوها لا يجوز التفاضل، وفي البيض ونحوه يجوز).3.


1) حكاه عنه في الإيضاح: ج 1/476.

2) حكاه عنه في المكاسب: ج 4/235.

3) إيضاح الفوائد: ج 1/476.

4) حكاه عنه السيّد اليزدي في تكملة العروة الوثقى: ج 1/33.

وعلى الجملة: المراد من المكيل والموزون المصاديق الفعليّة المعنونة بأحدهما في زمان النبيّ صلى الله عليه و آله.

وفيه: إنّ الظاهر من الأخبار المتضمّنة لجريان الرّبا في المكيل والموزون، وعدم جريانه في غيرهما، كسائر القضايا الشرعيّة، كونها من قبيل القضايا الحقيقيّة، ودوران فعليّة الحكم مدار نفس العنوان المأخوذ في الدليل، لا من قبيل القضايا الخارجيّة، ولا بنحو كون العنوان غير دخيلٍ في الحكم، بل من قبيل العنوان المشير، ألا ترى أنّه لم يتوهّم أحد اختصاص ما دلّ على حرمة تنجيس المسجد بالمساجد الموجودة في عهد الشارع الأقدس.

الوجه الثاني: أنّ موضوع الحكم وإن كان هو المعنون بأحد العنوانين، بحيث يكون أحدهما دخيلاً في الحكم، إلّاأنّه مقيّدٌ بما كان كذلك في عصره صلى الله عليه و آله، والدليل على القيد هو الإجماع.

وفيه: إنّ الإجماع غير ثابت، وعلى فرضه ليس إجماعاً تعبّديّاً كاشفاً عن رأي المعصوم، وظاهرٌ أنّ الموضوع هو كلّ ما صدق عليه المكيل أو الموزون دون مصداقٍ خاص منه.

الوجه الثالث: وجوب حمل اللّفظ على المتعارف عند الشارع.

وفيه: إنّ النزاع في المقام ليس في مفهوم المكيل والموزون؛ لأنّ مفهومها اللّغوي واضح، ولا حقيقة شرعيّة لهما قطعاً، ولا يكون مكيليّة شيء أو موزونيّة من الأُمور الواقعيّة، ويكون نظر العرف والشرع طريقاً إليها حتّى يكون الشارع مصوّباً للعرف تارةً‌، ومخطئاً لهم أُخرى‌، بل هما أمران جعليّان رتّب الشارع على هذا الأمر

الجعلي البنائي الذي بني العرف عليه حُكماً، وحيث إنّ الجعل والبناء يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، فلذا وقع النزاع في أنّه هل المعيار عصر خاص ومصر مخصوص، أم الميزان صدق عنوان كون الشيء مكيلاً أو موزوناً، ولا دخل للقاعدة المشار إليها بالمقام‌؟ مع أنّ النصوص إنّما وصلت إلينا من الأئمّة عليهم السلام من النبيّ صلى الله عليه و آله فلو كان الميزان عرف المتكلّم، كان اللّازم اعتبار كيل زمانهم ووزنه كما لا يخفى‌.

الوجه الرابع: الاستصحاب، بتقريب أنّ ما كان مكيلاً أو موزوناً في عصر النبيّ صلى الله عليه و آله كان يجري الرّبا فيه، كما أنّ ما ثبت عدم كونه كذلك كان لا يجري فيه الرّبا قطعاً، وبعد تغيّر العنوان، وصيرورة المكيل أو الموزون غير مكيلٍ ولا موزونٍ‌، كذلك العكس يُشكّ في تبدّل الحكم، فيستصحب الثابت قطعاً.

وفيه أوّلاً: أنّه لا مجال للرجوع إلى الاستصحاب مع وجود الدليل، وستعرف وجوده.

وثانياً: ما حقّقناه في محلّه من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام.

وثالثاً: أنّ تمام الموضوع هو أحد العنوانين، فبعد تبدّله إمّا يكون الموضوع غير باقٍ‌، أو يُشكّ في بقائه، ومعه لا مورد للاستصحاب.

ورابعاً: أنّه من قبيل الاستصحاب التعليقي، بعد فرض كون القضيّة من قبيل القضيّة الحقيقيّة لا الخارجيّة، ولا نقول بحجيّته.

فالمتحصّل ممّا ذكرناه: عدم تماميّة شيء ممّا ذكروه.

أقول: والحقّ أنّ المستفاد من الأدلّة أنّ مدار على ما هو مكيلٌ أو موزون في

زمان البيع وبلده، فما كان مكيلاً أو موزوناً في زمان البيع وبلده، جرى فيه الرّبا، حتّى وإن لم يكن كذلك في عصر النبيّ صلى الله عليه و آله، وما لم يكن كذلك وإنْ كان في عصر النبيّ صلى الله عليه و آله مكيلاً أو موزوناً لا يجري فيه الرّبا؛ إذ المأخوذ في الأخبار عنوان المكيل والموزون من دون التقييد بزمان خاص وبلد مخصوص، ومقتضى إطلاقها دوران الحكم مدار فعليّة الموضوع عند إيقاع المعاملة من حيث زمانها ومكانها.

وبعبارة أُخرى‌: هذه الأخبار من قبيل القضايا الحقيقيّة المتضمّنة لإنشاء الحكم فيها على الموضوعات المقدّرة وجودها، فكلّ ما صدق عليه هذا العنوان، يشمله هذا الحكم، من غير فرقٍ بين الأزمنة والأمكنة.

المورد الثاني: فيما لم يثبت كونه مكيلاً أو موزوناً في عهده صلى الله عليه و آله، ولم يُعلم حال عصره، فالمشهور أنّ المرجع عادةً البلدان إذا اتّفقت، فما كان في عصر البيع مكيلاً أو موزوناً في كلّ بلدٍ جرى فيه الرّبا، وما لم يكن كذلك في كلّ مكانٍ لا يجري فيه الرّبا.

وهذا على ما اخترناه لا إشكال فيه، وأمّا على مسلك من يقول إنّ المدار على عصر النبيّ صلى الله عليه و آله، فقد استدلّ له بوجوه:

أحدهما: الإجماع.

وفيه: ما تقدّم من عدم ثبوته، وعلى فرضه فهو معلومُ المدرك وليس بحجّة.

ثانيها: أنّ الحقيقة العرفيّة هي المرجع عند انتفاء الشرعيّة؛ فإنّ الخطابات الشرعيّة منزّلة على ما هو المتفاهم العرفي.

وفيه: أنّ النزاع في المقام ليس في مفهوم المكيل والموزون، كي يتمّ فيه ذلك، بل في أنّه هل لمصداقٍ خاص منه خصوصيّة أم لا؟ فلاربط للقاعدة المشار إليها بالمقام.

ثالثها: مضمرة عليّ بن إبراهيم الطويل(1)الوارد فيها قوله:

«فلا ينظر فيما يكال أو يوزن إلّاإلى العامّة، ولا يؤخذ فيه بالخاصّة، فإنْ كان قومٌ يكيلون اللّحم ويكيلون الجوز، فلايعتبر بهم، لأنّ أصل اللّحم أن يوزن، وأصل الجوز أن يُعدّ».

وفيه أوّلاً: أنّه غير حجّة؛ لعدم اتّصال الخبر إلى المعصوم عليه السلام، وعدم حجيّة قول التابعي من حيث هو.

وثانياً: أنّ المراد بالعامّة ليس جميع الناس، وإلّا لما كان يوجد - سيّما في عصر الخبر - شيءٌ يُحرز اتّفاق الناس عليه، بل المراد منه أنّ بناء المتعاقدين لا يكفي، بل يعتبر بناء قومٍ كأهل بلد عليه، فهو منطبقٌ على ما ذكرناه.

رابعها: ما تمسّك به صاحب «الجواهر» رحمه الله(2)من استصحاب الحال الفعلي إلى زمن الخطاب، وهو المعبّر عنه بالاستصحاب القهقري، بأنْ يقال: إنّ الأصل عدم تبدّل ما عليه فعلاً، ومدركه إمّا بناء العقلاء، أو أنّ المراد من قولهم عليهم السلام: «لا تنقض اليقين بالشكّ‌» صعوداً ونزولاً، وعلى أيّ حالٍ حجيّة هذا الأصل لا تقبل الإنكار، وإلّا لانسدّ باب فهم المراد من الأخبار المتضمّنة لبيان الحكم مترتّباً على عنوانٍ غير محرز المراد في زمان الخطاب، كما هو واضح، فمع الإغماض عن إشكال المبنى على فرضه لا بأس بهذا الوجه.

المورد الثالث: فيما لم يثبت كونه مكيلاً أو موزوناً في عصر النبيّ صلى الله عليه و آله ولم يتّفق البلدان، بل اختلفت:4.


1) وسائل الشيعة: ج 18/134 ح 23318، الكافي: ج 5/192 ح 1.

2) جواهر الكلام: ج 23/364.

فالمشهور بين المتأخّرين، بل عليه عامّتهم: أنّه يكون لكلّ بلدٍ حكم نفسه، وهو المحكيّ عن الشيخ في «المبسوط»(1)، والقاضي(2).

وعن جماعةٍ كالشيخ(3)، وسلّار(4)، وفخر المحقّقين(5): تغليب جانب الحرمة.

وعن المفيد(6): كون الحكم للأغلب، ومع التساوي تغليب جانب الحرمة.

أقول: بناءً على ما اخترناه من أنّ المعيار بلد المتعاقدين وعصرهما، فإنّ الحكم واضح.

وأمّا على مسالك القوم من أنّ المعيار عصر النبيّ صلى الله عليه و آله، فقد استدلّ للمشهور بوجهين:

الوجه الأوّل: بإقامة العرف الخاص مقام العام عند انتفائه، ذكره المحقّق الثاني في «جامع المقاصد»(7).

وتوضيحه ما ذكره بعضٌ‌: أنّ المعتبر العرف والعادة عند عدم الشرع، وكما أنّ عرف تلك البلد هو المقدّر في هذه الحالة فيلزمه حكمه، كذلك العرف الآخر الجزاف مثلاً فيلزمه حكمه صَرفاً للخطاب إلى المتعارف من الجانبين، وردّاً للناس إلى عوائدهم، كما في القبض والحرز والإحياء، وإلّا لزم الخطاب بما لا يفهم.0.


1) حكاه عنه العاملي في مفتاح الكرامة: ج 4/515 (ط. ق)، وفي المكاسب أيضاً.

2) حكاه عنه العاملي في مفتاح الكرامة: ج 4/515 (ط. ق).

3) حكاه عنه في الإيضاح: ج 1/476.

4) حكاه عنه في المكاسب: ج 4/235.

5) إيضاح الفوائد: ج 1/476.

6) حكاه عنه السيّد اليزدي في تكملة العروة الوثقى: ج 1/33.

7) جامع المقاصد: ج 4/270.

وأورد عليه صاحب «الجواهر»(1): بتنافيه مع خبر علي بن إبراهيم المتقدّم، وبأنّه يجبُ تقييده أيضاً بما إذا لم يعلم سَبق الاختلاف بالاتّفاق؛ فإنّ المتّجه حينئذٍ عدم الرّبا، وإن لم يعلم أنّ الاتّفاق كان على عدم التقدير، ضروروة الاكتفاء في نفي الحرمة باحتمال عدم التقدير للأصل وغيره.

وفيه: قد عرفت أنّ قاعدة الرجوع إلى حكم الشارع، ومع عدمه إلى العام، ومع انتفائه إلى العرف الخاص، غير مربوط بالمقام، ممّا يكون المفهوم مبيّناً لا كلام فيه، والنزاع إنّما هو في أنّه هل لمصداقٍ خاص منه خصوصيّة أم لا؟

الوجه الثاني: ما قاله صاحب «الجواهر»: (لاستصحاب هذا الحال إلى زمان الخطاب، فينساق الذهن حينئذٍ إلى أنّ لكلّ بلدٍ حكم نفسه، إذ هو صادق عليه اسم التقدير وعدمه، والأوّل علّة للرّبا، كما أنّ الثاني علّة لعدمه، فإعمالها معاً بعد عدم الترجيح بينهما يقضي بذلك).

وفيه: أنّه لا مدرك لحجيّة هذا الاستصحاب، لا من بناء العقلاء ولا من الأخبار، والاستصحاب القهقرى وإن كان حجّة في بعض الموارد، إلّاأنّ مدركه بناء العقلاء غير الشامل للمقام.

فالحقّ أن يقال: بناءً على ما أخترناه من كون هذه القضيّة من قبيل القضايا الحقيقيّة، يكون المعيار بلد العاقد وزمانه، وأمّا على مسلك القوم فمع عدم إحراز حال عصر الشارع، لا محالة يشكّ في جريان الرّبا فيه وعدمه؛ لاحتمال كونه مكيلاً أو موزوناً وعدمه، وحيث إنّ التمسّك بعمومات الصحّة تمسّكٌ بالعام في الشبهة4.


1) جواهر الكلام: ج 23/364.

المصداقيّة ولا يجوز، فيتعيّن الرجوع إلى الأصل العملي.

فعلى القول بجريان الأصل في العدم الأزلي يجري استصحاب عدم كونه مكيلاً أو موزوناً، فيحكم بعدم جريان الرّبا فيه.

وعلى القول بعدمه، فكذلك إنْ أُحرز عدم كونه كذلك قبل عصر النبيّ صلى الله عليه و آله، وإلّا فيتعيّن الرجوع إلى أصالة عدم ترتّب الأثر، وبعبارة أُخرى إلى أصالة الفساد في المعاملات.

وأخيراً: بناءً على ما اخترناه، تسقط جملة من الفروع التي ذكرها الأصحاب في المقام، عدا فرعين ينبغي التعرّض لهما:

الفرع الأوّل: لو فرضنا كون المبيع في بلدٍ، ووقع العقد في بلدٍ آخر، والمتعاقدين أهلُ بلدٍ ثالث، والمبيع في بعض تلك البلاد مكيلٌ أو موزون، وفي بعضها يُباع جزافاً، وحينئذٍ:

فهل العبرة ببلد المبيع نظراً إلى أنّ الشرط وصف له‌؟ أم ببلد العقد؟ أم ببلد المتعاقدين‌؟

وجوه، أظهرها الثالث، فإن الظاهر من الروايات أنّ ما يُشترط في صحّة بيعه الكيل أو الوزن، ولا يصحّ بيعه جزافاً، يجري فيه الرّبا، ومن الواضح أنّه في الفرض يشترط في البيع المذكور رعاية حال المتعاقدين، لقوله عليه السلام في صحيح الحلبي(1): «ما كان من طعام سمّيت فيه كيلاً»، فإنّه موجهٌ إلى البائع.

الفرع الثاني: لو وقعت المعاملة في الصحراء، وكان البلاد مختلفة في التقدير، ولم1.


1) وسائل الشيعة: ج 17/342 ح 22707، الكافي: ج 5/193 ح 1.

يكن الصحراء ملحقاً بأحدها:

فإن كان المتعاقدان أهل بلدٍ، لحقهما حكمه كما تقدّم، وإلّا فالظاهر عدم جريان الرّبا فيه، وكذا جواز بيعه بغير الكيل والوزن، للعمومات بعد عدم شمول دليل الكيل والوزن لهذا المورد، كما واضح، فإذا لم يكن شرط صحّة بيعه الكيل والوزن فلا يجري فيه الرّبا.


بيع المكيل بالموزون

أقول: تعرّض السيّد رحمه الله(1)في «ملحقات العروة» لفروع مناسبة، لا بأس بالإشارة إليها:

الفرع الأوّل: إذا كان أحد العوضين يُباع كيلاً، والآخر بالوزن، فهل يصحّ بيع أحدهما بالآخر، مع عدم اختلاف الجنس، كما إذا كانا فرعين من أصل واحد، أم لا؟

الظاهر عدم صحّته؛ لاحتمال الزيادة، فيكون رباً فلا يجوز.

فإنْ قيل: إنّه مع الشكّ ما المانع من التمسّك بعمومات صحّة البيع.

توجّه عليه: أنّه تمسّكٌ بالعام في الشبهة المصداقيّة، وهو لا يجوز.

أقول: وبه يظهر أنّ السيّد رحمه الله لابدّ له من البناء على الصحّة، فإفتاؤه بالمنع معلّلاً بعدم صدق التساوي لا في الكيل ولا في الوزن غير تامّ‌، فالمرجع على المختار أصالة الفساد، إلّاأن يتمسّك بأصالة عدم الزيادة الأزلي، فيحكم بالصحّة من جهة دخوله بذلك في العمومات.

الفرع الثاني: الظاهر أنّ المناط في كون الشيء من المكيل والموزون وعدمه، كون الشيء بنحوٍ يعتبر في صحّة بيعه الكيل أو الوزن، وعليه فإذا كان شيءٌ يباع بالوزن، ولكن بعض أهل البلد يبيعه جزافاً يَدخله الرّبا؛ لأنّ عمل البعض لا يوجبُ إلغاء شرطيّة الكيل أو الوزن في صحّة بيعه.

وإذا كان نوعه من أحدهما، لكن القليل منه يُباع بالمشاهدة، كما في بعض


1) تكملة العروة الوثقى: ج 1/36.

الأدوية، أو كان الكثير منه كذلك كزبرة الحديد، فالظاهر عدم جريان الرّبا في الموردين؛ لعدم اعتبار الكيل والوزن في بيعهما، فما في «الملحقات» من الإفتاء بجريان الرّبا في غير محلّه.

الفرع الثالث: إذا كان الجنس ممّا لا يكال ولا يوزن، إلّاأنّ صنفاً من أصنافه لا يباع إلّاوزناً كالطين، لعدم كونه موزوناً، لكن الأرمنيّ منه يُباع بالوزن، فالظاهر عدم جريان الرّبا فيه، إلّافي خصوص ذلك الصنف.

الفرع الرابع: إذا كان الشيء مختلفاً بحسب الأحوال كما في التمر، فإنّه يُباع مشاهدةً إذا كان على النخل، وموزوناً إذا كان بعد القصّ‌، فالظاهر اختلافه باختلافها؛ إذ هو صادقٌ عليه اسم التقدير وعدمه، والأوّل سببٌ للرّبا، كما أنّ الثاني سببٌ لعدمه، فإعمالهما معاً يقضي بذلك.

وأمّا إذا كان مختلفاً بحسب نوع المعاملة كما في الصلح بالمشاهدة في مثل الحنطة، فإنّه جائزٌ مع أنّ بيعها بالمشاهدة غير جائز، فالظاهر جريان الرِّبا في صلحها أيضاً، إذ شرط جريان الرِّبا ولو في معاوضة اُخرى‌، اشتراط صحّة بيع الشيء بالكيل أو الوزن.

الفرع الخامس: إذا كان جنسٌ يباع بكلّ من الوزن والعدد كالبيض، فالظاهر عدم جريان الرّبا فيه، لأنّ شرط جريان الرّبا كون الشيء يُباع بالكيل أو بالوزن، أي شرط صحّة بيعه أحدهما، والمفروض عدم اشتراط بيع هذا الشيء بالوزن، لفرض جواز بيعه بالعدّ.


بيع المكيل وزناً وبالعكس

الفرع السادس: في بيع المكيل وزناً وبالعكس، والكلام فيه في جهتين:

الأُولى‌: في صحّة بيعه من حيث توقّفها على العلم بمقدار العوضين، ورفع الغَرر والجهالة.

الثانية: من حيث الرّبا فيما كانا من جنس واحد.

أمّا الجهة الأُولى‌: ففي المسألة أقوالٌ‌:

ثالثها: التفصيل بين جعل كلٍّ من التقديرين طريقاً إلى التقدير المعتبر في البيع في نفسه فيصحّ‌، وبين ملاحظته مستقلّاً فلا يصحّ‌.

رابعها: التفصيل بين بيع المكيل بالوزن فيصحّ‌، وبين بيع الموزون بالكيل فلا يصحّ‌.

وملخّص القول في المقام: إنّه إن قُدّر بغير ما تعارف تقديره به، من حيث جعله طريقاً إلى ما تعارف فيه:

فإن كان التفاوت المحتمل ممّا يُتسامح فيه عادةً‌، فالظاهر هي الصحّة؛ لأنّ اعتبار التقدير الخاص إنّما هو لمعرفة مقدار المبيع وحده، والتقدير بما هو طريقٌ إلى ذلك، مع كون التفاوت المحتمل ممّا يتسامح فيه ينتج ذلك، ويُخرج البيع عن كونه جزافاً فيصحّ‌.

ويشهد له: مضافاً إلى ذلك:

1 - صحيح الحلبي، عن الإمام الصادق عليه السلام(1): «عن الجوز لا نستطيع أن نعدّه


1) وسائل الشيعة: ج 17/348 ح 22721، الكافي: ج 5/193 ح 3.

فيكال بمكيال‌؟ ثمّ يُعدّ ما فيه ثم يكال ما بقي على حساب ذلك العدد؟

قال عليه السلام: لا بأس به».

من جهة ظهوره في اعتقاد السائل لزوم العَدّ، والإمام عليه السلام قرّره على ذلك، وإنّما سَئل عن جواز الكيل بما أنّه طريقٌ إلى تحديد العدد، وأجابه عليه السلام بجواز ذلك.

2 - وخبر عبد الملك بن عمرو، قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام(1): أشتري مائة راوية من زيت، فأعترض راويةً أو أثنين فاتزنهما، ثمّ آخذ سائره على قدر ذلك‌؟ قال عليه السلام: لا بأس».

وأمّا إنْ كان التفاوت ممّا لا يُتسامح فيه عادة، فحكمه يظهر ممّا سنذكره فيما لو قدره به مستقلّاً، وتصحيحه بالبناء على ذلك التقدير مخدوشٌ‌، إذ البناء عليه الراجع إلى شرط الخيار لو نقص، لا يُصحّح العقد؛ لأنّ ذلك لا يُخرجه عن الجزافيّة، ولذا لا يصحّ البيع بالمشاهدة مبنيّاً على مقدار معيّن ممّا تتعارف فيه.

ودعوى‌: إطلاق الخبر؛ ممنوعة؛ فإنّ الظاهر ولا أقلّ من المحتمل كون ما بقي من مائة راوية متّحد الوزن مع ما وزن، كما يظهر لمن تدبّر فيه.

وأمّا تقديره به مستقلّاً، فالمشهور بين الأصحاب - على ما نَسب إليهم سيّد «الرياض»(2)- جواز بيع المكيل وزناً، وعدم جواز بين الموزون كيلاً، واستدلّ له الشيخ الأعظم رحمه الله(3)بأنّ الوزن أصلٌ للكيل، وأنّ العدول إلى الكيل من باب الرخصة، وعليه فبيع المكيل بالوزن ليس بيعاً جزافيّاً بخلاف العكس.).


1) وسائل الشيعة: ج 17/343 ح 22710، الكافي: ج 5/194 ح 7.

2) رياض المسائل: ج 3/237 (ط. ج).

3) كتاب المكاسب: ج 4/223 (ط. ج).

أقول: لا إشكال في أنّ الأصل للكيل هو الوزن؛ إذ الأغراض المعامليّة العقلائيّة تختلفُ باختلاف مقادير الأشياء من حيث الخِفّة والثِقل، ولهذه الحيثيّة مراتب معيّنة يُعبّر عنها بالمثاقيل وما دونها وما فوقها، وليس الكيل طريقاً إلى معرفة ذلك في نفسه، فلا محالة يقدّر الكيل من حيث إنّه يبيع مقداراً من الوزن، إلّا أنّه بعد تعارف الكيل في شيء وعدم معرفة وزنه غالباً، لا محالة لا يعرف مقدار تموّله بالوزن، بل يكون ذلك أيضاً بيعاً جزافيّاً.

وقد يستدلّ للجواز في الموردين: بالخبر الذي رواه وهب عن الإمام الصادق عليه السلام(1)

(2و3و4) حكاه عنه السيّد اليزدي في ملحقات العروة الوثقى‌: ج 1/38.

، عن أبيه عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال وما يكال فيما يوزن».

وفيه أوّلاً: إنّ الخبر ضعيفٌ لوهب.

وثانياً: إنّه يدلّ على أنّه يجوز أن يكون ثمن المكيل موزوناً وبالعكس، ولا يدلّ عليجواز كلٍّ من الكيل و الوزن في المورد الآخر، وعليه فالأظهر هو عدم جواز مطلقاً.

وأمّا الجهة الثانية: فعن الشيخ(2) والحِلّي(3)، والمصنّف رحمهم الله(4) في غير الكتاب:

عدم جواز البيع في المتجانسين، إلّابما هو المتعارف من المكيل أو الموزون؛ لاستلزامه الرّبا من جهة اختلاف التقديرين بالزيادة والنقصان، وهذا وإن كان يلزم على تقدير البيع بالمتعارف أيضاً، من حيث إنّه إذا بيع بالوزن متساوياً، يكون بالكيل متفاوتاً وبالعكس، إلّاأنّ هذا التفاوت مغتفرٌ ومأذون فيه، بخلاف ما إذا بيع بالتقدير الآخر فإنّه لم يؤذن فيه.8.


1) وسائل الشيعة: ج 18/296 ح 23705، تهذيب الأحكام: ج 7/44 ح 80.

وظاهر «المسالك»(1): الجواز.

أقول: الحقّ أنّ هذه الجهة مبتنية على الجهة الأُولى‌، فعلى القول بكفاية أحدهما مكان الآخر، نقول بجوازه هنا، ولا تضرّ الزيادة؛ لصدق المساواة، فهو نظير ما تعارف بيعه بكلّ من التقديرين، فإنّه يكفي المساواة بأيٍّ من التقديرين بيع، فكذا هنا، وحيثُ عرفت أنّ الأظهر في تلك المسألة عدم الجواز إلّافيما إذا كان التفاوت يُتسامح فيه عادةً‌، وكان التقدير بغير المتعارف، من جهة كونه طريقاً إلى ما تعارف فيه، فالأظهر عدم الجواز هنا أيضاً في المتجانسين من المكيل والموزن.

***7.


1) مسالك الأفهام: ج 3/317.

ويجوزُ بيع المثلين نقداً ولا يجوز نسيئةً‌،

حكم بيع المثلين

أقول: وتمام البحث في المقام في طيّ مسائل:

المسألة الأُولى: إنّ الثمن والمثمن:

إمّا أنْ يكونا ربويّين، أو غير ربويّين، أو يكون أحدهما ربويّاً، فالكلام في موارد ثلاثة:

أمّا المورد الأوّل: وهو ما إذا كانا ربويّين:

فإمّا أن يتّحد الجنسان، أو يختلفان.

وعلى الثاني: فإمّا أن يكونا من العَروض، أو يكون أحدهما من النقودوالأثمان، والآخر عَرضاً من العروض.

فإن كانا ربويين واتّحد الجنس، فاللّازم المساواة في القدر، فلا يجوز بيع المتماثلين متفاضلاً مطلقاً، نقداً ونسيئةً بلا خلاف ولا إشكال نصّاً(1)وفتوى كما مرّ.

(و) أيضاً لا كلام ولا إشكال في صحّة البيع مع رعاية التساوي في القَدر والحلول، ولذلك (يجوز بيع المثلين نقداً).

(و) هل يشترط المساواة في الحلول لكي (لا يجوز نسيئةً‌) كما هو المشهور بين الأصحاب(2)، بل عليه الإجماع في كلمات جماعةٍ‌(3)؟


1) وسائل الشيعة: ج 18/138 ح 23327، الكافي: ج 5/188 ح 5.

2) الحدائق الناضرة: ج 19/223.

3) مختلف الشيعة: ج 5/85-86.

وكلّ ربوي يجوزُ بيعه بمخالفه نقداً متفاضلاً.

أم لا كما هو المنسوب إلى الشيخ في «الخلاف»(1)؟

أقول: قد تقدّم الكلام فيه في الزيادة الحُكميّة، وعرفت أنّ الأظهر عدم الجواز، وعليه اتّفاق الأصحاب، ويشهد به النَّص الصحيح.

وأمّا ما حكاه المصنّف(2)في محكيّ «المختلف» عن الشيخ في «الخلاف» من كراهة بيع المتجانسين متماثلاً نسيئةً‌، وعن «المبسوط» من أنّ الأحوط أن يكون يداً بيد؛ فقد أوّله الشهيد رحمه الله(3)

(4و5) جواهر الكلام: ج 23/341.

بإرادة التحريم؛ لأنّ المسألة إجماعيّة.

وفي «الجواهر»(4): (قلت: لأنّه نفسه منع من بيع الثياب بالثياب، والحيوان بالحيوان نسيئةً‌، فضلاً عمّا نحن فيه، فمثله حينئذٍ لا يعدّ خلافاً بعد الإجماع بقسيمه، وظهور النصوص في تحقّق الرّبا بذلك).

(و) إنْ كانا ربويّين واختلف الجنس، وكان من العروض، فلا مانع من التفاضل، إذا كانت المعاملة نقداً، وعليه ف‍ (كلّ ربوي يجوزُ بيعه بمخالفة نقداً متفاضلاً) بلاخلافٍ‌، بل وفي «الجواهر»(5): (بل الإجماع بقسمية عليه)، ويشهد به:

1 - النبويّ‌المجمع عليه كما عن «السرائر»(4): «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم».6.


1) الخلاف: ج 3/46.

2) مختلف الشيعة: ج 5/85-86.

3) مسالك الأفهام: ج 3/317-318.

4) مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/341 ح 15547، عوالي اللآلئ: ج 3/221 ح 96.

ونسيئة على كراهية،

2 - وصحيح محمّد بن مسلم، عن الإمام الباقر عليه السلام(1): «إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يداً بيد».

3 - وموثّق سماعة، عن الإمام الصادق عليه السلام(2): «المختلف مثلاًن بمثل يداً بيد لا بأس به».

4 - وموثّقه الآخر: «سألته عن الطعام والتمر والزبيب‌؟ قال عليه السلام(3): لا يصلح منها اثنان بواحد، إلّاأنّ تصرفه إلى نوعٍ آخر، فإذا صرفته فلا بأس به اثنين بواحد وأكثر من ذلك».

5 - وصحيح الحلبي أو حسنه، عن الإمام الصادق عليه السلام(4): «ويُكره قفيز لوز بقفيزين، ولكن صاعُ حنطةٍ بصاعين من تمر أو بصاعين من زبيب».

6 - وصحيحه الآخر، عنه عليه السلام(5): «عن الزيت بالسّمن اثنين بواحد؟ قال عليه السلام:

يداً بيد لا بأس به».

إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الدالّة عليه منطوقاً ومفهوماً.

(و) في ال‍ (نسيئة) فالمشهور بين الأصحاب الجواز (على كراهية).

وفي «الجواهر»(6): (والمشهور نقلاً و تحصيلاًبل لعلّه عليه عامّة المتأخّرين الجواز).2.


1) وسائل الشيعة: ج 18/140 ح 23334، الكافي: ج 5/189 ح 9.

2) وسائل الشيعة: ج 18/147 ح 23351، الكافي: ج 5/190 ح 17.

3) وسائل الشيعة: ج 18/146 ح 23347، تهذيب الأحكام: ج 7/95 ح 12.

4) وسائل الشيعة: ج 18/146 ح 23345، الكافي: ج 5/189 ح 12.

5) وسائل الشيعة: ج 18/147 ح 23349، تهذيب الأحكام: ج 7/97 ح 22.

6) جواهر الكلام: ج 23/342.

وعن إبني أبي عَقيل(1) والجُنيد(2) والمفيد(1)وسلّار(2)وابن البرّاج(3):

عدم الجواز.

وفي «الشرائع»(4): (والأحوط المنع)، وقريبٌ منه ما في «الحدائق»(5).

يشهد للمشهور: إطلاق كثير من الأخبار المتقدّم طرفٌ منها، وما في جملةٍ منها من التقييد ب‍ «يداً بيد» حيث إنّه لا مفهوم له، ومنطوقه لا ينافي المطلقات، فلا تصلح للتقييد.

واستدلّ للقول الآخر:

1 - بصحيح الحلبي، عن الإمام الصادق عليه السلام(6): «ما كان من طعامٍ مختلفٍ‌، أو متاعٍ‌، أو شيءٌ من الأشياء متفاضل، فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يداً بيد، فأمّا نظرة فلا يصلح».

ونحوه خبر زياد بن أبي غياث، عنه عليه السلام(7)، إلّاأنّه قال: «فأمّا النسيئة فلا يصلح».

وخبر محمّد بن سنان عنه أيضاً(8).2.


1) المقنعة: ص 604.

2) المراسم العلويّة: ص 180.

3) المهذّب البارع: ج 1/363-367.

4) شرائع الإسلام: ج 2/299.

5) الحدائق الناضرة: ج 19/224-225.

6) وسائل الشيعة: ج 18/145 ح 23344، الكافي: ج 5/191 ح 6.

7) وسائل الشيعة: ج 18/159 ح 23385، تهذيب الأحكام: ج 7/118 ح 120.

8) وسائل الشيعة: ج 18/157 ح 23380، الكافي: ج 5/191 ح 6، تهذيب الأحكام: ج 7/93 ح 2.

2 - وبالحديث المشهور: «إنّما الرّبا في النسيئة»(1).

وأورد عليه: بأنّ الصحيح غير صريحٍ ولا ظاهرٍ في المطلوب، لو لم يكن بخلافة، وفي «الرياض»(2): (والدلالة على الكراهة ساطعة النور كما هو المشهور).

مع أنّ عدم الجواز إن كان من جهة الرّبا، فهو مخالفٌ لما دلَّ على اعتبار اتّحاد الجنس في تحقّق الرّبا، وإنْ كان للتعبّد من غير ناحية الرّبا، فبعيدٌ عن ظاهر الخبر؛ لأنّ الظاهر منه كون عدم الصلاح من جهة الرّبا، أضف إليهما احتمال وروده مورد التقيّة، لكون المنع مذهب العامّة كما يلوح من «الغُنية»(3)ويؤيّده مصير الإسكافي(4).

وأمّا خبرا زياد ومحمّد، فيردّ على الاستدلال بهما، مضافاًإليذلك، ضعف السند.

وأمّا الحديث المشهور: فهو مضافاً إلى ضعف سنده، متروكُ المتن، لدلالته على حصر الرّبا في النسيئة، ولا قائل به.

أقول: ولكن الظاهر أنّ صحيح الحلبي وإنْ لم يكن صريحاً في المنع، إلّاأنّه ظاهرٌ فيه؛ فإن عدم الصلاحية في الأخبار وكلمات العلماء الأبرار خصوصاً في باب الرّبا، يستعمل في المنع كثيراً.

واستبعاد كون المنع عن النسيئة لأجلها من حيث هي، كما في الصرف لا من حيث الرّبا؛ كي يعارضه ما دلّ على اعتبار اتّحاد الجنس، لا يوجبُ رفع اليد عن الخبر الصحيح.8.


1) تهذيب الأحكام: ج 1/84 ح 68، عوالي اللآلئ: ج 3/220 ح 94.

2) رياض المسائل: ج 8/416.

3) غنية النزوع: ص 225-226.

4) محتلف الشيعة: ج 5/88.

وكذا غير الرَّبوي

ويؤيّد المنع: الخبران الآخران اللّذان هما ضعيفان سنداً.

وبالجملة: فالقول بالمنع قويّ‌، لولا مخالفة الأساطين من الفقهاء.

وعليه، فما في «الحدائق»(1): (وكيف كان، فالمسألة لا تخلوا من شوب الإشكال) متينٌ‌.

وإنْ كانا ربويّين، واختلفا في الجنس، وكان أحدهما من العروض والآخر من الأثمان، فلا إشكال ولا خلاف في الصحّة كيفما وقعت المعاملة، متماثلاً أو متفاضلاً نقداً، والنصوص المتقدّمة شاهدة به.

ومع النسيئة في أحدهما:

إمّا أنْيكون من قبيل النسيئة الجائز بالنص والفتوى، إن كان الأجل في الثمن.

أو من قبيل السَّلف، إن كان الأجل في المبيع الذي سيأتي حكمه.

بيع غير الربويّين متفاضلاً نسيئة

وأمّا الثاني: وهو ما إذا كانا غير ربويّين:

فظاهر المتن حيث قال: (وكذا غير الرّبوي) هو جواز بيع غير الربوي بمماثلة في الجنس، متساوياً أو متفاضلاً نقداً، وكراهة بيعه به متفاضلاً نسيئةً‌.

أمّا بيعه نقداً فالمتّفق عليه نصّاً وفتوىً الجواز.


1) الحدائق الناضرة: ج 19/226.

إلّا أن يكون أحد العوضين من الأثمان،

وأمّا بيعه نسيئةً‌: فقد مرّ الكلام فيه في المقام الثاني، في ذيل شرطيّة الكيل والوزن في جريان الرّبا، وعرفت أنّ فيه قولين: الجواز، والمنع، وأنّ القول بالمنع لو لم يكن أقوى، لا ريب فيه أنّه أحوط.

وأمّا بيعه بمخالفة: فيجوزُ بلا كراهية مطلقاً بلا كلام.

وأمّا الثالث: وهو إذا كان أحدهما ربويّاً، والآخر غير ربوي، كبيع الحنطة بالثوب ونحوه:

ففي «الحدائق»(1): (لا خلاف في جواز بيع أحدهما بالآخر نقداً ونسيئةً‌، كيف اتّفق، إلّامع تأجيلهما، تساويا في الأجل أو اختلفا؛ لأنّه من قبيل بيع الدين بالدين، كما تقدّمت الإشارة إليه، وإن كان بعض صوره لا يخلو من المناقشة، كما سيأتي إنْ شاء اللّه تعالى تحقيقه في باب الدين) انتهى‌.

أقول: ثمّ إنّ ما ذكره المصنّف رحمه الله بقوله: (إلّا أنْ يكون أحد العوضين من الأثمان) إنّما يكون استثناء من بيع الرّبوي، الذي عرفت جواز البيع بلا كراهية نقداً ونسيئة.

***0.


1) الحدائق الناضرة: ج 19/230.

والحنطة والشعير جنسٌ واحدٌ هنا.

الحنطة والشعير جنس واحد هنا

(و) المسألة الثانية: المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، خصوصاً بين المتأخّرين(1)

(2و4و5) السرائر: ج 2/254.

، بل عليه عامّتهم عدا ابن إدريس رحمه الله(2): أنّ (الشعير والحنطة جنسٌ واحد هنا)، فلا يجوز التفاضل بهما نقداً ولا نسيئةً‌، ولا بيع أحدهما بالآخر نسيئةً وإن تساويا، بل عن «الخلاف» و «الغُنية» دعوى الإجماع عليه.

وعن القديمين(2)وابن إدريس(4): أنّهما جنسان، فلا يجري حكم الرّبا فيهما.

والغريب أنّ ابن إدريس رحمه الله قال(5): (لا خلاف بين المسلمين العامّة والخاصّة، ولا بين أهل اللّغة واللّسان في أنّهما جنسان، وأنّه لم يذهب إلى الاتّحاد غير شيخنا أبي جعفر والمفيد ومن قلّده في مقالته، وتبعه في تصنيفه، وإلّا فجُلّ أصحابنا المتقدّمين، ورؤساء مشايخنا المصنّفين الماضين، لم يتعرّضوا لذلك، بل أفتوا بأنّه إذا اختلف الجنس فلا بأس ببيع الواحد بالاثنين) انتهى‌.

أقول: وكيف كان، فما عن الأكثر أظهر، لا لما في «الشرائع»(3)من تناول اسم الطعام لهما؛ لما عرفت من أنّه لا يُجدي بعد اختصاص كلّ منهما باسمٍ خاص، بل للنصوص المستفيضة إن لم تكن متواترة، وفيها الصحيح والموثّق اللّذان هما حجّة


1) اللّمعة: ص 107، مسالك الأفهام: ج 3/318.

2) مختلف الشيعة: ج 5/89، فقه ابن أبي عقيل العُماني: ص 422.

3) شرائع الإسلام: ج 2/38.

بلا كلام، مثل:

1 - صحيح أبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام(1): «الحنطة والشعير رأساً برأس لا يزداد واحد منهما على الآخر».

2 - وصحيح الحلبي، عنه عليه السلام(2): «لا يُباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة، ولا يباع إلّامِثْلاً بمِثْل، والتمر مثل ذلك.

قال: وسُئل عن الرجل يشتري الحنطة، فلا يجد صاحبها إلّاشعيراً، أيصلح له أن يأخذ اثنين بواحد؟

قال: إنّما أصلها واحد، وكان عليٌّ عليه السلام يعدّ الشعير بالحنطة».

3 - وموثّق سماعة، قال: «سألته عن الحنطة والشعير؟ فقال عليه السلام(3): إذا كان سواء فلا بأس».

4 - ومعتبر البصري، قال: «قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام(4): أيجوزُ قفيز حنطة بقفيزين من شعير؟ فقال عليه السلام: لا يجوز إلّامِثْلاً بمثل، ثمّ قال: إنّ الشعير من الحنطة».

5 - وصحيح هشام بن سالم، عنه عليه السلام(5): «عن الرجل يبيع الرجل الطعام الأكرار، فلايكون عنده ما يتمّ له ما باعه، فيقول له: خُذ منّي مكان كلّ قفيزِ حنطةٍ قفيزين من شعير حتّى تستوفي ما نقص من الكيل‌؟

قال عليه السلام: لا يصلح، إنّ أصل الشعير من الحنطة».1.


1) وسائل الشيعة: ج 18/138 ح 23328، الكافي: ج 5/187 ح 2.

2) وسائل الشيعة: ج 18/138 ح 23329، الكافي: ج 5/187 ح 3.

3) وسائل الشيعة: ج 18/139 ح 23331، الكافي: ج 5/188 ح 4.

4) وسائل الشيعة: ج 18/138 ح 23327، الكافي: ج 5/188 ح 5.

5) وسائل الشيعة: ج 18/137 ح 23326، الكافي: ج 5/187 ح 1.

إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة.

أقول: وأورد ابن إدريس الحلّي رحمه الله على الاستدلال بها(1):

1 - بأنّها أخبار آحاد، لا توجبُ علماً ولا عملاً.

2 - وبمنافاتها لقوله عليه السلام(2): «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم».

قال: وقد اختلف الجنس في الحنطة والشعير صورةً وشكلاً ولوناً وطعماً ونطقاً وإدراكاً وحسّاً، ونحو ذلك ممّا هو غير خفيّ على أصاغر الطلبة، فضلاً من أجلّاء الأصحاب.

3 - وبمخالفتها لفتوى الأصحاب.

وفيه: لكن هذه الأخبار التي فيها ما هو حجّة قطعاً، إن لم تكن متواترة، فلا ريب في استفاضتها.

قال صاحب «الجواهر»(3): (ولقد أساء معه الأدب صاحب «الحدائق» رحمه الله قال: الواجب عليه مع ردّه هذه الأخبار ونحوها من أخبار الشريعة هو الخروج من هذا الدين إلى دينٍ آخر!).

وقاعدة اشتراط اتّحاد الجنس المستفادة من الأخبار:

إمّا أنْ تُخصّص بالأخبار التي ذكرنا طرفاً منها كما أفاده الشهيد الثاني رحمه الله في «المسالك»(4).9.


1) السرائر: ج 2/254.

2) مستدرك وسائل الشيعة: ج 13/341 ح 15547، عوالي اللآلئ: ج 3/221 ح 96.

3) جواهر الكلام: ج 23/346.

4) مسالك الأفهام: ج 3/317-319.

أو يقال: إنّ النصوص إنّما دلّت على أنّ الشعير من الحنطة، لا أنّهما الآن حقيقة واحدة، لكن الرّبا يكفي فيه اتّحاد الحقيقة فيه سابقاً، كما يؤمي إليه التعليل في النصوص المزبورة وإن اختلفت لاحقاً كما في «الجواهر».

وأمّا فتوى الأصحاب، فلم نعثر على القائل باختلافهما جنساً في باب الرّبا، إلّا ما نقل عن القديمين(1)والحِلّي(2).

أقول: ومن الغريب اغترار المصنّف رحمه الله بنقله، حيث قال في محكيّ «التحرير»(3):

(قال الشيخ: الحنطة والشعير جنسٌ واحد، وقال ابن أبي عقيل وباقي علمائنا: إنّهما جنسان)، انتهى‌.

وعليه، فالأظهر هو القول باتّحادهما جنساً في هذا الباب.

ثمّ إنّ الحكم مختصٌّ بالرّبا، فلا يحكم باتّحادهما في سائر الأبواب، كالزكاة والنذور والغرامات وغيرها؛ لاختصاص الدليل به.

وأمّا (العَلَس) و (السَّلت)، فإن ثبت ما ذكره بعض أهل اللّغة من أنّ الأوّل نوعٌ من الحنطة، والثاني نوعٌ من الشعير، وصدّقه العرف، لحقها حكمها، وإلّا فمقتضى القاعدة عدم الإلحاق؛ لاختصاص كلّ منهما باسم خاص، ومع الشكّ في الاتّحاد وعدمه قد عرفت أنّ مقتضى القاعدة عدم جريان الرّبا في الموارد المشكوك فيها.

***9.


1) مختلف الشيعة: ج 5/89، فقه ابن أبي عقيل العُماني: ص 422.

2) السرائر: ج 2/254.

3) تحرير الأحكام: ج 1/169.

وكذا كلّ شيءٍ مع أصله، كالسِّمسم والشِّيرج، وكلّ فرعين من أصلٍ واحد كالسَّمن والزّبد، والجيّد والرَّديء،

المعمول من الجنس الواحد والأجناس

المسألة الثالثة: المشهور بين الأصحاب أنّ ثمرة النخل بجميع أفرادها جنسٌ واحد، وكذا العنب والزبيب، (وكذا كلّ شيء مع أصله كالسِّمسم والشّيرج، وكلّ فرعين من أصل واحد كالسَّمن والزّبد، والجيّد والرَّديء)، فلا يجوز التفاضل بين الحنطنة ودقيقها وسويقها، ولا بينها وبين دقيق الشعير وسويقه، كما لا يجوز بين الشعير وبينهما، ولا بين الحنطة أو الشعير والخبز منهما، ولا بينهما وبين الهريسة، كما لا يجوز بين الخبز والهريسة، ولا بين الأرزّ وطبيخه، ولا بين الحليب والمخيض، أو الجُبُّن أو الزِّبد أو الأقطّ، ولا بعضها مع بعض، ولا بين السِّمسم و الشّيرج والراشي، ولا بين التمر والدبس منه والسيلان والخَلّ منه، ولا بعضها مع بعض، وكذا في العنب ودبسه وخَلّه.

وعن «التذكرة»(1): دعوى الإجماع على هذه الكليّة.

وصاحب «الجواهر» رحمه الله(2)لم يعثر على خلافٍ في شيء من القاعدة المزبورة وفروعها، إلّا ما عن الأردبيلي من التأمّل في ذلك، وأنّه غير منضبطٍ على القوانين،


1) تذكرة الفقهاء: ج 10/163.

2) جواهر الكلام: ج 23/350.

من حيث عدم صدق الاسم الخاص على الجميع، وعدم الاتّحاد في الحقيقة.

قال السيّد في «ملحقات العروة»(1): (الإنصاف عدم استفادة الكليّة من الأخبار المذكورة) ثمّ اختار قدس سره التفصيل بين تغيير صورة شيءٍ إلى شيء، وبين استخراج شيء من شيء، أو تركيب شيء من أشياء، بحيث يصير شيئاً آخر وحقيقة أُخرى‌.

أقول: ولكن يمكن أن يستدلّ لما هو المشهور: مضافاً إلى الإجماع، بوجهين:

أحدهما: النصوص الخاصّة، مثل:

1 - صحيح زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام(2): «الدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مِثْلاً بمثل، لا بأس به».

2 - وصحيح محمّد وزرارة، عنه عليه السلام(3): «الحنطة بالدقيق مِثْلاً بمثل، السويق مِثْلاً بالسويق بمثل، الشعير بالحنطة مثلاً بمثل لا بأس به».

3 - وصحيح محمّد بن مسلم، عنه عليه السلام، قال(4): «قلتُ له: ما تقول في البرّ بالسويق‌؟ فقال: مِثْلاً بِمثل لا بأس.

قلت: إنّه يكون له ريعٌ‌، إنّه يكون له فضلٌ؟

فقال: أليس له مؤونة‌؟ فقلت: بلى.

قال عليه السلام: هذا بذا، وقال: إذا اختلف الشيئان فلا بأس مِثْلين بِمثْل يداً بيد».

4 - وموثّق سماعة: «سألته عن الحنطة والدقيق‌؟ فقال عليه السلام(5): إذا كان سواء فلا بأس».1.


1) تكملة العروة الوثقى: ج 1/29.

2) وسائل الشيعة: ج 18/141 ح 23335، الكافي: ج 5/189 ح 10.

3) وسائل الشيعة: ج 18/140 ح 23334، الكافي: ج 5/189 ح 9.

4) وسائل الشيعة: ج 18/141 ح 23335، الكافي: ج 5/189 ح 10.

5) وسائل الشيعة: ج 18/139 ح 23331، تهذيب الأحكام: ج 7/95 ح 11.

5 - وخبر ابن أبي الربيع، عن الإمام الصادق عليه السلام(1): «قلتُ له: ما ترى في التمر والبُسر الأحمر مِثْلاً بمثل‌؟ قال عليه السلام: لا بأس.

قلت: فالبُختَج والعنب مِثْلاً بمثل‌؟ قال عليه السلام: لا بأس».

6 - ومعتبرة محمّد بن مسلم، عن الإمام الباقر عليه السلام، قال(2): «سألته عن الرجل يدفع الطحان الطعام، فيقاطعه على أن يعطى لكلّ عشرة أرطال اثني عشر دقيقاً؟ قال عليه السلام: لا». ونحوها غيرها.

وتقريب الاستدلال بها: أنّها وإن كانت في موارد خاصّة، ولكن لعدم القول بالفصل، لأنّ الظاهر منها أنّها في مقام بيان مصاديق اتّحاد الجنس لا بصدد بيان التعبّد بجريان الرّبا في هذه الموارد، وإن لم يتحقّق شرطه، يستفاد قاعدة كليّة، وهي الاتّحاد في كلّ فرعٍ مع أصله، ولازمه اتّحاد الفرعين أيضاً.

وأورد عليه تارةً‌: بمعارضة هذه النصوص مع ما دلّ على البيع كيف شئتم مع اختلاف الجنس، وما دلَّ على اعتبار اتّحاد الجنس في تحقّق الرّبا، والنسبة عمومٌ من وجه.

وأُخرى‌: بأنّ عدم القول بالفصل غير ثابت، وإجماع «التذكرة» ممنوع.

وثالثة: بأنّ مثل الهريسة مركّبٌ من الحنطة وغيرها، من الماء واللّحم والملح، كما أنّ الخَلّ مركّبٌ من الماء والتمر.

ولكن يرد الأوّل: - مضافاً إلى أنّه على الوجه الثاني الذي ذكرناه لدلالة1.


1) وسائل الشيعة: ج 18/150 ح 23358، الكافي: ج 5/190 ح 18.

2) وسائل الشيعة: ج 18/141 ح 23336، الكافي: ج 5/189 ح 11.

الأخبار على تلك الكليّة، تكون الأخبار حاكمة على معاريضها - أنّه لو سُلّم التعارض، وعدم الحكومة، تكون تلك الأخبار مقدّمة للشهرة وغيرها من المرجّحات.

ويرد الثاني: أنّ عدم القول بالفصل في الجملة ثابتٌ حتّى أنّ الحِلّي رحمه الله المصرّ على عدم اتّحاد الحنطة والشعير، وافق الأصحاب في المسألة، مدّعياً في جملة من مواردها إجماع الطائفة.

ويرد الثالث: أنّ المناقشة في بعض الأمثلة بعدم كونه من مصاديق الكبرى الكليّة، لا تنافي تماميّة الكليّة.

الوجه الثاني: التعليل لاتّحاد الحنطة والشعير جنساً، بأنّ أصل الشعير من الحنطة، والعلّة تُعمّم وتخصّص.

ودعوى‌: أنّها من قبيل الحكمة، وإلّا لزم الالتزام بإجراء حكم الاتّحاد مع استحالة شيءٍ إلى شيء آخر لا ربط له به، كاستحالة التمر ملحاً، والصفر ذهباً أو فضّةً‌، والزئبق كذلك، ونحو ذلك مثل استخراج الملح أو غيره من بعض الأشياء ببعض الأنحاء، حتّى بمثل القرع والانبيق، ومثل استخراج السُّكر من القصب والشوندر وأمثال ذلك ممّا لا يمكن الالتزام بعدم جواز التفاضل بينه وبين أصله.

ممنوعة: ولا تتمّ‌، إذ ظاهر الجملة كونها من قبيل العلّة، وما ذُكر من الموارد إن قام قاطعٌ على جواز التفاضل بينها وبين أُصولها، فهو المقيّد؛ لإطلاق العلّة، وإلّا فما المانع من الالتزام بعدم الجواز.

وبالجملة: فالأظهر تماميّة الكليّة، وإن كان بعض ما ذكروها من مصاديقها

قابلاً للمناقشة.

والحمد للّه أوّلاً وآخراً، وصلّى اللّه على سيّدنا محمّدٍ وعلى آله الطيّبين الطاهرين المعصومين.


فهرس الموضوعات

حكم تلف المبيع قبل القبض 7

انتقال الضمان بالإتلاف 13

تلف الثمن كتلف المثمن 16

تلف بعض المبيع قبل قبضه 18

الفصل الخامس / في العيوب 22

بيان حقيقة العيب 22

إطلاق العقد يقتضي الصحّة 27

التبرّي من العيوب 30

التخيير بين الرَّد وأخذ الأرش 33

في دلالة ظهور العيب 37

مسقطات الرَّد 40

التصرّف في المعيب 40

تلف العين 44

حدوث عيب عند المشتري 46

حدوث العيب بعد القبض 48

العيب الحادث بعد القبض والخيار 49

فيما يسقط الرَّد والأرش 54

التبرّي عن العيوب 57

ما قيل بكونه مسقطاً للرَّد والأرش 59

التصرّف بعد العلم بالعيب 62

التصرّف في المعيب الذي لم تنقص قيمته بالعيب 65

لو ثبت أحد مانعي الرَّد فيما لا يؤخذ الأرش فيه 66

تأخير الأخذ بمقتضى الخيار 69

تبعّض الصَّفقة لا يمنع الرَّد 71

حكم ما إذا كان المشتري متعدّداً 74

مسقطات الأرش خاصّة 79

البحث عن حكم التصريّة 82

وجوب إعلام العيب 84

اختلاف المتبايعين 86

اختلاف المتبايعين في تعيّب المبيع 92

اختلاف الموكّل والمشتري 93

اختلاف المتبايعين في أنّ المردود سلعة البائع 97

الاختلاف في المُسقِط 98

اختلاف المتبايعين في الفسخ 100

بعض أفراد العيب 102

خاتمة / بحث حول معنى الأرش 107

الملحوظ هو التفاوت بالنسبة 108

هذا الضمان إنّما هو بمقدار بعض الثمن لا بعينه 111

اعتبار كون الأرش من النقدين 114

حكم الأرش المستوعب لتمام القيمة 116

كيفيّة التقويم 120

تعارض المقومين 121

طريق تحصيل التفاوت بين القيمتين 125

الفصل السادس / في النقد والنسيئة والمرابحة 129

إطلاق العقد يقتضي النقد 130

اشتراط تأجيل الثمن 133

البيع بثمنين حالّاً ومؤجّلاً 136

بيع العين الشخصيّة نسيئةً ثمّ شرائها 140

القبول والإسقاط قبل حلول الأجل 148

دفع الثمن عند حلول الأجل 152

لا يجوز تأجيل الثمن الحال بأزيد منه 158

الفصل السابع/ الكلام فيما يدخل في المبيع 163

الفصل الثامن/ في التسليم 167

القول في وجوب القبض 174

الفروع المتفرّعة على وجوب التسليم 175

لزوم التفريغ 181

حكم ما لو كانت الأرض مشغولة بالزّرع 183

لو احتاج تفريغ الأرض إلى هدم شيء 185

حكم امتناع البائع عن التسليم 186

حكم بيع ما لم يقبض 188

الثمن لا يكون ملحقاً بالمبيع 193

إقرار البيع على ما لم يقبض 195

مطالبة الطعام في غير مكان حدوثه في ذمّته 201

انتقال الضمان إلى القابض 204

انتقال الضمان بالإتلاف 210

تلف الثمن كتلف المثمن 214

تلف بعض المبيع قبل قبضه 216

فصلٌ / في الشروط المذكورة في متن العقد 219

حقيقة الشرط 220

مقوّمات الشرط الصحيح 227

اعتبار عدم مخالفة الشرط للكتاب والسُنّة 231

الشرط المنافي لمقتضى العقد 247

الشرط المجهول 253

يعتبر أن لا يكون الشرط مستلزماً للمحال 256

اعتبار دخول الشرط تحت القدرة 259

اعتبار أن يكون في الشرط غرض عقلائي 264

اعتبار التنجيز في الشرط وعدمه 266

حكم الشرط الفاسد 268

الشرط الفاسد يوجب الخيار 279

في إسقاط المشروط له الشرط الفاسد 282

ذكر الشرط الفاسد قبل العقد 283

الشرط الفاقد لغرضٍ عقلائيّ 286

حكم الشرط الصحيح 287

حكم شرط الوصف 287

حكم شرط النتيجة 290

وجوب الوفاء بالشرط 294

في جواز الإجبار وعدمه 297

ثبوت الخيار مع عدم تعذّر الإجبار 300

حكم تعذّر الشرط 303

التلف لا يمنع عن الفسخ 307

إسقاط حقّ الشرط 312

لو شرط قدراً معيّناً فتبيّن الاختلاف 315

حكم الجمع بين شيئين مختلفين في عقدٍ واحد 323

الفصل التاسع / في الرِّبا 325

فساد المعاملة الربويّة 328

جريان الرّبا في جميع المعاوضات 331

عدم جريان الرّبا في التعاوض 333

الزيادة العينيّة 337

الزيادة الحُكْميّة 338

شرائط تحقّق الرِّبا في المعاملة 341

تنقيح الأصل في موارد الشكّ 343

اعتبار الكيل أو الوزن 347

المعاملة على الأوراق النقديّة 354

المناط في المكيل والموزون 354

بيع المكيل بالموزون 364

بيع المكيل وزناً وبالعكس 366

حكم بيع المثلين 370

بيع غير الربويّين متفاضلاً نسيئة 375

الحنطة والشعير جنس واحد هنا 377

المعمول من الجنس الواحد والأجناس 381

فهرس الموضوعات 387