ghaemiyeh.com
المؤلف: أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريّا
المحقق: عبد السلام محمّد هارون
الناشر: مكتب الإعلام الإسلامي
المطبعة: مكتب الإعلام الإسلامي
الطبعة: 0
الموضوع : اللغة والبلاغة
تاريخ النشر : 1404 ه.ق
الصفحات: 515
معجم
مقاييس اللّغة
لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا
000 - 395
بتحقيق وضبط
عبدالسلام محمد هارون
رئيس قسم الدراسات النحوية بكلية دار العلوم سابقاً و عضو المجمع اللغوي
الجزء الرابع
محرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
عف العين والفاء أصلان صحيحان : أحدُهما الكفُّ عن القبيح ، والآخر دالٌّ على قلّة شىء.
فالأول : العِفّة : الكفُّ عمّا لا ينبغى. ورجل عفٌ وعفيف. وقد عَفَ يَعِفُ [عِفّةً] وعَفَافة وعَفَافًا.
والأصل الثانى : العُفَّة : بقيّة اللّبن فى الضَّرع.* وهى أيضاً العُفافة.
قال الأعشى :
لا تَجَافَى عنه النَّهارَ ولا تَعْ *** جُوهُ إلَّا عُفافٌ أو فُوَاقُ (1)
ويقال : تَعافَ ناقَتك ، أى احلُبْها بعد الحلْبة الأولى ودعْ فصيلَها يتعفّفها ، كأنَّما يَرتضع تلك البقيَّة. وعفّفت فلاناً (2): سقيتُه العفافة. فأمّا قولهم : جاء على عِفَّانِ ذاك ، أى إبّانه ، فهو من الإبدال. والأصل إفّان ، وقد مرّ.
عق العين والقاف أصل واحد يدلُّ [على الشَّقّ] ، وإليه يرجع فروع الباب بلطف نظر. قال الخليل : أصل العقّ الشقّ. قال : وإليه يرجع العُقوق.
قال : وكذلك الشَّعْرَ ينشقّ عنه الجِلد (1). وهذا الذى أصَّلَه الخليل رحمه اللّه صحيح. وبسط الباب بشرحه هو ما ذكره فقال : يقال عقّ الرّجلُ عن ابنه يُعقّ عنه ، إذا حلق عقيقته (2)، وذبح عنه شاةً. قال : وتلك الشاة عقيقة. وفى الحديث : «كلُّ امرئٍ مرتهَنٌ بعقيقته». والعقيقة : الشَّعر الذى يولد به. وكذلك الوَبَر (3). فإذا سقط عنه مرّةً ذهب عنه ذلك الاسم. قال امرؤ القيس :
يا هندُ لا تَنْكِحى بُوهةً *** عليه عقيقته أَحْسَبَا (4)
يصفه باللؤْم والشُّحّ. يقول : كأنَّه لم يُحلق عنه عقيقتُه فى صِغَره حتى شاخ وقال زهيرٌ يصف الْحِمار :
أذلك أم أقبُّ البَطْنِ جأبٌ *** عليه من عقيقته عِفاءُ (5)
قال ابن الأعرابىّ : الشُّعور والأصواف والأوبار كلها عقائق وعقِق ، واحدتها عِقّة. قال عدىّ :
صَخِبُ التَّعشير نَوَّام الضّحى *** ناسِلٌ عِقَّتُه مثل المَسَدْ
وقال رؤبة :
طيّر عنها اللَّسُّ حَوْلِىَ العِقَقْ (6)
1) فى الأصل : «عند الجلد» تحريف. وفى اللسان : «العقيقة : الذى يولد به الطفل ؛ لأ يشق الجلد».
2) فى الأصل : «عقيقة» ، صوابه فى المجمل واللسان.
3) فى الأصل : «الوتر» ، صوابه فى اللسان.
4) ديوان امرئ القيس 154 واللسان (بوه ، عقق ، حسب). وقد سبق فى (بوه حسب).
5) ديوان زهير 65.
6) ديوان رؤبة 105 واللسان (عقق) مع تحريف فيهما.
ويقال أعقَّتِ النعجةُ ، إذا كثر صُوفها ، والاسم العقيقة. وعَقَقْتُ الشّاة : جززت عقيقتها ، وكذلك الإبل. والعَقُ : الجَزُّ الأوَّل. ويقال : عُقُّوا بَهْمَكم فقد أعَقَ ، أى جُزُّوه فقد آن له أن يُجَزّ. وعلى هذا القياس يسمَّى نبْت الأرض الأوّلُ عقيقة. والعُقوق : قطيعة الوالدين وكل ذى رحمٍ مَحْرم. يقال عقَ أباه فهو يعقُّه عَقًّا وعُقوقاً. قال زُهير :
فأصبحتُما منها على خيرِ موطنٍ *** بعيدَينِ فيها من عقوقٍ ومَأثمِ (1)
وفى المثل : «ذُقْ عُقَقُ». وفى الحديث أنَّ أبا سفيانَ قال لحمزة رضى اللّه عنه وهو مقتول : «ذُقْ عُقَقُ». يريد يا عاقُ. وجمعُ عاقٍ عَقَقة : ويقولون : «العُقُوق ثُكْلُ من لم يَثْكَل» ، أى إنَّ مَن عقّه ولدُه فكأنَّه ثَكِلهم وإنْ كانوا أحياءً. و «هو أعقُ مِن ضَبّ» ؛ لأنَّ الضَّبّ تقتُل ولدَها (2). والمَعَقَّة : العقوق. قال النابغة :
أحلامُ عادٍ وأجسادٌ مطهَّرة *** من المَعقَّة والآفاتِ والأثَم (3)
ومن الباب انعقَ البرقُ. وعَقّت الرِّيحُ المُزْنة ، إذا استدرَّتْها ، كأنّها تشقُّها شقَّا. قال الهُذَلى (4):
1) البيت من معلقته المشهورة.
2) فى الأصل : «ثقل ولدها» تحريف. وفى أمثال الميدانى (أعق من ضب) : قال حمزة :أرادوا ضبة ، فكثر الكلام بها فقالوا ضب. قلت : يجوز أن يكون الضب اسم الجنس كالنعام والحمام والجراد. وإذا كان كذلك وقع على الذكر والأنثى».
3) ديوان النابغة 74 واللسان (عقق). وقد ضبط «الأثم» فى اللسان كذا بالتحريك ، ولم أخذ سندا غيره لهذا الضبط.
4) هو المتنخل الهذلى ، وقصيدته فى القسم الثانى من مجموعة أشعار الهذليين 81 ونسخة الشنقيطى 44 وديوان الهذليين (2 : 1).
حارَ وعَقَّتْ مُزنَهُ الرّيحُ وان *** قارَ به العَرض ولم يُشمَلِ (1)
وعقيقةُ البَرق : ما يبقى فى السَّحاب من شُعاعه ؛ وبه تشبَّه السُّيوف فتسمَّى عقائق. قال عمرو بن كلثوم :
بسُمرٍ من قَنا الخَطِّىِّ لُدْنٍ *** وبِيضٍ كالعَقائقِ يختلينا (2)
والعَقّاقة : السَّحابة تنعقُّ بالبَرق ، أى تنْشقّ. وكان معقِّر بن حمارٍ كُفَّ بصرُه ، فسمِع صوتَ رعدٍ فقال لابنته : أىَّ شىء ترين؟ قالت : «أرى سَحْماءَ عَقَّاقة ، كأنَّها حُوَلاء ناقة ، ذاتَ هيدبٍ دانٍ ، وسَيْرٍ وان». فقال : «يا بنتاه ، وائِلِى بى إلى قَفْلة فإنها لا تنبُت إلّا بمنجاةٍ من السَّيل (3)». والعَقوق : مكانٌ ينعقُّ عن أعلاه النَّبت. ويقال انعَقّ الغُبار ، إذا سَطَعَ وارتفَع. قال العُجّاج :
إذا العَجَاجُ المستطار انعقَّا (4)
ويقال لفِرِنْد السَّيف : عَقيقة. فأمّا الأعِقَّة فيقال إنّها أوديَةٌ فى الرِّمال. والعقيق : وادٍ بالحجاز. قال جرير :
فهيهاتَ هيهاتَ العقيقُ ومَن بهِ *** وهيهات خِلُ بالعقيق نواصلُه (5)
وقال فى الأعِقَّة :
دعا قومَه لما استُحلَّ حرامُه *** ومن دونهم عَرضُ الأعِقَّة فالرَّملُ
وقد قلنا إنَّ الباب كلَّه يرجع إلى أصلٍ واحدٍ. [و] من الكلام الباقى فى العقيقة والحمل قولُهم : اعَقّتِ الحاملُ تُعِقُ إعقاقاً ؛ وهى عقوق ، وذلك إذا نَبَتت العقيقةُ* فى بطنها على الولد ، والجمع عُقُق. قال :
سِرًّا وقد أوَّنَ تأوينَ العُقُق (1)
ويقال العَقاق الحمْلُ نفسه (2). قال الهذلىّ (3):
أَبَنَ عَقاقاً ثم يَرمَحْنَ ظَلْمَه *** إباءً وفيه صولةٌ وذميلُ
يريد : أظهَرْنَ حملاً. وقال آخر :
جوانِح يَمزَعْنَ مزعَ الظِّبا *** ءِ لَمْ يَتّرِكْنَ لِبَطْنٍ عَقَاقا (4)
قال ابن الأعرابىّ. العَقَق : الحَمْل أيضاً. قال عدِىّ :
وتركْتُ العيرَ يدمَى نَحْرُه *** ونَحُوصا سَمْحَجاً فيها عَقَقْ (5)
فأمّا قولهم : «الأبلق العَقوق» فهو مَثَلٌ يقولونه لما لا يُقدَر عليه ، قال يونس : الأبلق ذكَر ، والعَقوق : الحامل ، والذّكر لا يكون حاملاً ، فلذلك يقال : «كلَّفْتَنى الأبلقَ العقوق» ، ويقولون أيضاً : «هو أشهَرُ من الأبلَق العَقوق» يعنون به الصُّبح ؛ لأنّ فيه بياضاً وسواداً. والعَقُوق : الشَّنَق (6). وأنشد :
فلو قَبِلونى بالعَقوق أتيتُهمْ *** بألفٍ أُؤَدِّيه من المال أقرَعا (1)
يقول : لو أتيتُهم بالأبلق العَقوق ما قبِلونى. فأمَّا العَوَاقّ من النَّخل فالرَّوادف ، واحدها عاقّ ، وتلك فُسْلانٌ تنبُت فى العُشْب الخضر ، فإذا كَانت فى الجِذْع لا تمسّ الأرض فهى الرَّاكبة. والعقيقة : الماء القليل فى بطن الوادى. قال كُثَيّر
إذا خرجَتْ من بيتها راقَ عينَها *** مُعَوَّذُهُ وأعجبَتْها العَقائقُ (2)
وقياسُ ذلك صحيح ؛ لأن الغدير والماء إذا لاحا فكأنَّ الأرضَ انشقَّت : يقول : إذا خرجت رأتْ حول نبتها من معوَّذ النّبات والغُدْرانِ ما يروقُها. قال الخليل : العَقْعَق : طائرٌ معروفٌ أبلقُ بسوادٍ وبياض ، أذْنَبُ (3)يُعَقْعِقُ بصوته ، كأنّه ينشق به حلقُه. ويقولون : «هو أحمق من عَقْعَق» ، وذلك أنه يضيِّع ولدَه.
ومن الكلام الأوَّل «نَوَى العَقوق» : نَوًى هَشٌّ رِخوٌ لَيِّن المَمْضَغة (4)تأكلُه العجوز أو تلوكه ، وتُعلَفُه الإبل. قال الخليل : وهو من كلام أهل البصرة ، لا تعرفه البادية.
قال ابن دريد (5)العَقَّةُ : الحُفرة فى الأرض إذا كانت عميقة. وهو من العَقِ ، وهو الشَّقُّ. ومنه اشتُقُ العقيق : الوادى المعروف. فأمّا قول الفرزدق :
نصبتُم غداةَ الجَفْرِ بِيضاً كأنَّها *** عقائق إذْ شمسُ النَّهار استَقَلّتِ (1)
فقال الأصمعىّ : العقائق ما تلوِّحه الشّمس على الحائط فتراه يلمع مثلَ ريق المرآة. وهذا كلُّه تشبيه. ويجوز أن يكون أراد عقائق البرق. وهو كقول عمرو :
وبيض كالعقائق يَخْتلينا (2)
وأمّا قول ابنِ الأعرابىّ : أعَقّ الماء يُعِقّه إعقاقاً ، فليس من الباب ؛ لأن هذا مقلوبٌ من أقَّعه ، أى أمَرَّه. قال (3):
بحرُك عذبُ الماءِ ما أعَقَّه (4)*** ربُّك والمحرومُ من لم يلقَهُ (5)
عك العين والكاف أصولٌ صحيحة ثلاثة : أحدها اشتداد الحرّ ، والآخر الحَبْس ، والآخر جِنْسٌ من الضرب.
فالأوّل العَكّة (6): الحرّ ، فورة شديدةٌ فى القيظ ، وذلك أشدُّ ما يكون من الحرِّ حين تركُد الرِّيح. ويقال : أكّة بالهمزة. قال الفرّاء : هذه أرض عَكَّةٍ وعُكّة. قال :
ببلدةِ عُكَّةٍ لَزِجٍ نداها (7)
تضمنت؟؟
قال ابن دريد (1): عَكَ يَومُنا ، إذا سكنت رِيحُه واشتدّ حرُّه. قال ابنُ الأعرابىّ : العُكَّة : شدّة الحرِّ مع لَثقَ واحتباسِ ريح. قال الخليل : العُكَّة أيضاً : رملةٌ حَمِيت عليها الشمس.
قال أبو زيد : العُكَّة : بِلّةٌ تكون بقرب البحر ، طَلٌّ وندًى يُصيب باللَّيل ؛ وهذا لا يكون إلّا مع حَرٍّ. والعرب تقول : «إذا طَلَعَتْ العُذرة (2)، فعُكَّة بُكرة (3)، على أهل البصرة ، وليس بعُمَان بُسْرة ، ولا لأكَّارٍ بها بَذْرة (4)». قال اللِّحيانى : يَوْمُ عَكُ أكُّ : شديد الحرّ. وتقول العرب فى أسجاعها : «إذا طَلَع السِّماك ، ذهبت العِكَاك ، وقلَّ على الماء اللِّكاك». ويوم ذُو عَكيكٍ ، أى حارّ. قال طرفة :
تطرُد القُرَّ بحَرٍّ ساخنٍ *** وعكيكَ القَيظ إنْ جاء بقُرّ (5)
وأمّا الأصل الآخَر فقال الفراء : إبلٌ معكوكة ، أى محبوسة. وعُكّ فلانٌ حُبِس. قال رؤبة :
يا ابن الرَّفيع حَسَباً وبُنْكا *** ماذا ترى رأىَ أخٍ قد عُكَّا (6)
في الأكرميم معدنا؟
1) فى الجمهرة (1 : 112).
2) العذرة : خمسة كواكب تحت الشعرى العبور.
3) فى اللسان (12 : 357): «نكرة» بالنون ، ثم لبه على أن رواية الباء هى الصحيحة).
4) فى اللسان : «برة».
5) فى اللسان (عكك). وليس فى قصيدته التى على هذا الروى والوزن من ديوانه63 - 75.
6) كلمة «بنكا» غير واضحة فى الأصل ، وإثباتها واضحة من تاج العروس. وبدلها فى الديوان «سمكا». وبين البيتين فى ديوانه 119 :
ومن الباب عككتُه بكذا* أعُكُّه عَكَّا ، أى ما طلته. ومنه عكَّنِى فلانٌ بالقول ، إذا رَدَّدَه عليك حتَّى يتعبَك (1)
ومن الباب : العُكَّة للسَّمْن : أصغر من القِربة ، والجمع عُكَك وعِكاك. وسمِّيت بذلك لأنَّ السَّمْن يُجمع فيها كما يُحبَس الشىء.
ومن الباب : العكَوَّك : القصير المُلَزَّز الخلْق ، أى القصير. قال :
عكوَّكاً إذا مَشَى دِرْحايهْ (2)
وإنّما سمِّى بذلك تشبيهاً بعُكَّة السَّمْن. والعَكَوَّكانُ ، مثل العكَوَّك. قال :
عَكَوَّكان ووَآةٌ نَهْدَه (3)
ومن الباب المِعَكُ من الخيل : الذى يَجرِى قليلاً ثم يحتاج إلى الضَّرب ، وهو من الاحتباس.
وأمّا الأصل الثَّالث فقال ابنُ الأعرابىّ : عَكَّه بالسَّوط ، أى ضربَه و [يقال] عكّه وصَكَّه. ومن الباب عكَّتْه الحُمَّى ، أى كسَرتْهُ. قال :
وهمٍّ تأخُذُ النُّجَواء منه *** تَعُكُ بصالبٍ أو بالمُلَالِ (4)
وممكنٌ أن يكون من الباب الأوَّل ، كأنّها ذُكِرت بذلك لحرِّها. ويقال فى باب الضَّرْب: عكَّهُ بالحُجّة ، إذا قهره بها. وقد ذكر فى الباب أن عُكّة
1) فى الأصل : «حتى تبعك» ، صوابه فى اللسان.
2) لدلم أبى زغيب العيشمى ، كما سبق فى حواشى (درح). وفى الأصل : «عكوك» صوابه بالنصب كما فى اللسان (درح ، عكك) وكما سبق.
3) الوآة : السريعة الشديدة من الدواب. وفى الأصل : «وواه» ، تحريف.
4) لشبيب بن البرصاء ، كما فى اللسان (نجا ، نحا). وأنشده فى (ملل) بدون نسبة. ونبه فى (نجا) أن صواب روايته «النحواء» بالحاء المهملة وهى الرعدة. ويروى : «يعل بصالب».
العِشَار : لونٌ يعلوها من صُهْبَةٍ فى وقت أو رُمْكَةٍ فى وقت. وأنّ فلاناً قال : ائتزر فلانٌ إزْرة عَكَّى وَكَّى (1). وكلُّ هذا مما لا معنَى له ولا مُعرَّج عليه. وقد ذُكر عن الخليل بعضُ ما يقارب هذا : أنَ العَكَنْكَع (2): الذَّكَر الخبيثُ من السَّعَالى. وأنشد :
كَأنَّها وهُوْ إذا استَبَّا معا *** غولٌ تُدَاهِى شَرِساً عَكَنْكَعَا
وهذا قريبٌ فى الضَّعْف من الذى قبله. وأرى كتابَ الخليل إنَّمَا تطامَنَ قليلاً عند أهل العلم لِمثل هذه الحكايات.
عل العين واللام أصول ثلاثة صحيحة : أحدها تكرُّرٌ أو تكرير ، والآخر عائق يعوق ، والثالث ضَعف فى الشَّىء.
فالأوّل العَلَل ، وهى الشَّرْبة الثانية. ويقال عَلَلٌ بعد نَهَل. والفعل يَعُلُّون عَلًّا وعَلَلاً(3)، والإبل نفسها تَعُلّ عَلَلا. قال :
عافَتا الماءَ فلم نُعْطِنْهُما *** إنّمَا يُعْطِن من يرجو العَلَلْ (4)
وفى الحديث : «إذا عَلَّهُ ففِيه القَود». أى إذا كرَّر عليه الضَّرْبَ. وأصله فى المشْرَب. قال الأخطل :
إذا ما نديمى عَلَّنِى ثمَ عَلَّنى *** ثلاثَ زجاجاتٍ لهنَّ هديرُ (5)
جعلت أجر؟ من كأننى *** عليك أمير المؤمنين أمير
رويقال أعلَ القومُ ، إذا شربت إبلُهم عَلَلا. قال ابنُ الأعرابىّ : فى المثل : «ما زيارتُك إيّانا إلَّا سَوْمَ عالَّة» أى مثل الإبل التى تَعُلّ. و «عَرَض عليه سَوْم عالّة». وإنّما قيل هذا لأنها إذا كرَّرَ عليها الشُّرْب كان أقلَّ لشُربها الثانى.
ومن هذا الباب العُلَالة ، وهى بقيّة اللَّبن. وبقيّةُ كلِّ شىء عُلالة ، حتى يقالُ لبقيّة جَرى الفرس عُلالة. قال :
إلّا عُلالة أو بُدَا *** هةَ قارحٍ نهدِ الجُزارَه (1)
وهذا كلُّه من القياس الأول ؛ لأنَّ تلك البقيَّة يُعاد عليها بالحلب. ولذلك يقولون : عالَلْتُ النّاقة ، إذا حَلبتها ثم رفَقت بها ساعةً لتُفِيق ، ثم حلبتها ، فتلك المُعَالّة والعِلَال. واسم اللَّبن العُلالة. ويقال إنّ عُلالةَ السِّير أن تظنَّ الناقةَ قد ونت فتضربَها تستحثُّها فى السَّير. يقال ناقةٌ كريمة العُلالة. وربما قالوا للرّجُل يُمدح بالسَّخاء : هو كريم العُلالة ، والمعنى أنَّه يكرِّر العطاءَ على باقى حالِه. قال :
فإلَّا تكنْ عُقبَي فإنَ عُلَالةً *** على الجهد من ولد الزّناد هَضومُ
وقال منظور بن مَرثد (2)فى تعالِ النّاقة فى السَّير :
وقد تعاللتُ ذَمِيل العَنْسِ *** بالسَّوط فى ديمومةٍ كالتُّرْسِ
والأصل الآخَر : العائق يعوق. قال الخليل : العِلّة حدَّثٌ يَشغَلُ صاحبَه عن وجهه. ويقال اعتلَّه عن كذا ، أى اعتاقه. قال :
فاعتلّهُ الدّهرُ وللدّهرِ علَلْ
والأصل الثالث : العِلّةُ : المرض ، وصاحبُها مُعتلّ. قال ابنُ الأعرابىّ : عَلّ المريض يَعِلَ عِلّة فهو عليل (1). ورجل عُلَلَة ، أى كثير العِلَل.
ومن هذا الباب وهو باب الضَّعف : العَلُ من الرِّجال : المُسِنّ الذى تَضاءل وصغُر جسمُه. قال المتَنَخِّل :
ليس بعلٍ كبيرٍ لا حَرَاكَ به *** لكن أثيلةُ صافى اللَّوْن مقتَبَلُ (2)
قال : وكلُّ مسِنٍّ من الحيوان عَلٌ. قال ابنُ الأعرابىّ : العَلّ : الضعيف من كِبَر أو مرض. قال الخليل : العَلُ : القُرَاد الكبير. ولعلّه أن يكون ذهب إلى أنّه الذى أتت عليه مُدّةٌ طويلةٌ فصار كالمُسِنّ (3).
وبقيت فى الباب : اليعاليل ، وقد اختلفوا فيها ، فقال أبو عَبيد : اليعاليل : سحائبُ بِيضٌ. وقال أبو عمرو : بئرٌ يعاليلُ صار فيها المطرُ والماء مرّةً بعد مرة. قال : وهو من العَلَل. ويَعاليلُ لا واحدَ لها. وهذا الذى قاله الشَّيبانىّ أصحّ ؛ لأنّه أقْيَس.
ومما شذَّ عن هذه الأصول إن صحّ قولُها إنّ العُلْعُل : الذّكر من القَنابر. والعُلْعُل : رأس الرَّهَابة مما يلى الخاصرة. والعُلْعُل : عُضو الرّجُل. وكلُّ هذا كلام
وكذلك قولُهم : إنّه لعلّان بركوب الخيل ، إذا لم يكُ ماهراً. ويُنشدون فى ذلك ما لا يصحُّ ولا يُعوَّل عليه.
وأمّا قولهم : لعلَ كذا يكون ، فهى كلمةٌ تقرُب من الأصل الثالث ، الذى يدلُّ على الضَّعف ، وذلك أنّه خلاف التَّحقيق ، يقولون : لعلَ أخاك يزورنا ، ففى ذلك تقريبٌ وإطماعٌ دون التحقيقِ وتأكيدِ القول. ويقولون : علّ فى معنى لعلّ. ويقولون لعلّنى ولَعَلِّى. قال :
وأشرِف بالقُورِ اليَفَاع لعَلَّنى *** أرى نارَ ليلى أو يرانى بصيرُها (1)
البصير : الكلب.
فأمّا لعلَ إذا جاءت فى كتاب اللّه تعالى ، فقال قوم : إنَّها تقويةٌ للرَّجاء والطَّمع. وقال آخرون : معناها كَىْ. وحَمَلها ناسٌ فيما كان من إخبار اللّه تعالى ، على التَّحقيق ، واقتضب معناها من الباب الأوَّل الذى ذكرناه فى التكرير والإعادة. واللّه أعلم بما أراد من ذلك.
عم العين والميم أصلٌ صحيح واحد يدلُّ على الطُّول والكَثرة والعُلُوّ. قال الخليل : العميم : الطَّويل من النَّبات. يقال نخلةٌ عميمة ، والجمع عُمُ. ويقولون : استوى النَّبات على عُمُمِهِ ، أى على تمامه. ويقال : جارية عميمة ، أى : طويلةٌ. وجسم عَمَمٌ. قال ابن شأس:
وإنَّ عِراراً إنْ يكنْ غير واضح *** فإنِّى أحبُّ الجَوْنَ ذا المَنكِبِ العَمَم (2)
قال ابن الأعرابىّ : رجل عَمَمٌ وامرأة عَمَم. ويقال عُشْبٌ عميم ، وقد اعتمّ. قال الهذلىّ (1):
يرتدن ساهرَةً كأنَ عميمَها *** وجميمَها أسدافُ ليلٍ مُظلمِ (2)
وقال بعضهم : يقال للنَّخلة الطويلة عَمَّة ، وجمعها عَمٌ. واحتجّ بقول لبيد :
سُحُقٌ يمتِّعُها الصَّفَا وَسرِيُّهُ *** عَمُ نواعمُ بينهن كرومُ (3)
قال أبو عمرو : العميم (4)من النخل فوق الجَبَّار. قال :
فَعُمٌ لعُمِّكُمُ نافعٌ *** وطِفْلٌ لطِفلكم يُوهَلُ
أى صغارُها لصغاركم ، وكبارُها لكباركم. وقال أبو دُواد (5):
مَيَّالةٌ رُودٌ خَدَّلَجةٌ *** كعَميمة البَردىِّ فى الرَّفْضِ (6)
العميمة : الطَّويلة. والرَّفض : الماء القليل.
ومن الباب : العمامة ، معروفة ، وجمعها عِمامات وعمائم. ويقال تعمَّمت بالعِمامة واعتممت ، وعمَّمنى غيرى. وهو حسن العِمَّة ، أى الاعتمام. قال :
تنجو إذا جَعلَتْ تَدْمَى أخِشَّتُها *** واعتمّ بالزّبَد الجعدِ الخراطيمُ (7)
1) هو أبو كبير الهذلى. وقصيدته فى ديوان الهذليين (2 : 111). وأنشده فى اللسان (سهر) ، وسبق إنشاده فى (سهر).
2) فى ديوان الهذليين : «كأن جميعها وعميمها».
3) ديوان لبيد 193 واللسان (عمم 321 سرا 102). وفى الأصل : «أو سرية» تحريف.
4) فى الأصل : «العمم» ، صوابه من اللسان.
5) فى الأصل : «أبو درداء».
6) الرفض ، بالفتح والتحريك. وفى الأصل : «الرخص» فى هذا الإنشاد والتفسير بعده. والصواب ما أثبت.
7) البيت لذى الرمة فى ديوانه 575. وكلمة «تنجو» ساقطة من الأصل.
ويقال عُمِّمَ الرجُل : سُوِّد ؛ وذلك أنّ تِيجان القوم العمائم ، كما يقال فى العجم تُوِّجَ يقال فى العرب عُمِّمَ. قال العجاج :
وفيهمُ إذْ عُمِّمَ المعْتَمُ (1)
أى سُوِّد فأُلبس عمامةَ التَّسويد. ويقال شاة مُعمَّمة ، إذا كانت سوداءَ الرَّأس. قال أبو عبيد : فرس مُعَمَّمٌ ، للذى انحدَرَ بياضُ ناصيته إلى منْبِتها وما حولها من الرأْس. وغُرَّةٌ معمَّمة ، إذا كانت كذلك. وقال : التعميم فى البَلَق : أن يكون البياضُ فى الهامة ولا يكونَ فى العُنق. يقال أبلقُ مُعَمَّمٌ.
فأمّا الجماعة التى ذكرناها فى أصل الباب ، فقال الخليلُ وغيره : العمائم : الجماعات واحدها عَمُ. قال أبو عمرو : العمايم بالياء : الجماعات. يقال قوم عمايم. قال : ولا أعرف لها واحداً. قال العجاج :
سالت لها من حِميرَ العمايمُ (2)
قال ابن الأعرابىّ : العَمّ : الجماعة من النّاس. وأنشد :
يُريح إليه العمُ حاجةَ واحدٍ *** فأُبْنا بحاجاتٍ وليس بذى مال (3)
يريد الحجر الأسود (4)
1) ديوان العجاج 63. وفى اللسان (عمم 320): «المعمم» تحريف. وبعده فى الديوان :
2) البيت مما لم يرو فى ديوان العجاج ولا ملحقاته.
3) يريح ، أى يرد وترجع. وفى اللسان (عمم 322): «يريغ» بمعنى يطلب.
4) فى اللسان بعد إنشاده : «يقول : الخلق إنما حاجتهم أن يحجوا ، ثم إنهم آبوا مع ذلك بحاجات وذلك معنى قوله : فأبنا بحاجات ، أى بالحج».
وقال آخر (1)
والعَدْوَ بين المجلسَينِ إذا *** آدَ العَشِىُّ وتنادى العَمّ (2)
لا يعبد اللّه التلبب وال- *** فارات إذ قال الخميس لعم
ومن الجمع قولهم : عَمَّنا هذا الأمر يَعُمّنا* عموما ، إذا أصاب القَوم (3)أجمعين. قال: والعامَّة ضدّ الخاصّة. ومن الباب قولهم : إنّ فيه لعُمِّيَّةً ، أى كِبْرا. وإذا كان كذا فهو من العلوّ.
فأمّا النَّضْر فقال : يقال فلانٌ ذو عُمِّيّة ، أى إنَّه يعمُ بنصره أصحابَه لا يخُصّ. قال :
فذادَها وهو مخضرُّ نواجذُه *** كما يذود أخُو العُمِّيَّة النَّجِدُ
قال الأصمعىّ : هو [من (4)] عميمِهم وصميمهم ، وهو الخالص الذى ليس بمُؤتَشَب. ومن الباب على معنى التشبيه : عمّم اللّبنُ : أرغَى. ولا يكون ذلك إلّا إذا كان صريحاً ساعةَ يُحلَب. قال لَبيد :
تَكُرُّ أحاليبُ اللّدِيدِ عليهمُ *** وتُوفَى جفانُ الضَّيف مَحْضاً مُعَمَّما (5)
ومما ليس له قياس إلّا على التمحُّل عَمَّان : اسم بلد. قال أبو وجزة :
حَنَّت بأبواب عَمّانَ القطاةُ وقد *** قضى به صحبها الحاجاتِ والوطرا (6).
القطاة : ناقته.
عن العين والنون أصلان ، أحدهما يدلُّ على ظهورِ الشىء وإعراضه ، والآخر يدلُّ على الحَبْس.
فالأوّل قول العرب : عَنَ لنا كذا يَعِنّ عُنُونا ، إذا ظهر أمامك. قال :
فَعَنَ لنا سِربٌ كأنّ نعاجَه *** عذارى دُوَارٍ فى مُلاءِ مُذَيَّلِ (1)
قال ابن الأعرابىّ : العَنان : ما عَنَ لك من شىء. قال الخليل : عَنان السَّماء : ما عَنَ لك منها إذا نظرتَ إليها. فأمّا قولُ الشمّاخ :
طوى ظِمْأها فى بَيضة القيظ بعدما *** جرت فى عَنانِ الشِّعريَينِ الأماعزُ (2)
فرواه قوم كذا بالفتح : «عَنان» ، ورواه أبو عمرو : «فى عِنان الشِّعريَين» ، يريد أوّل بارحِ الشّعريَين.
قال أبو عبيدة : وفى المثل : «معترضٌ لعَنَن لم يَعْنِه (3)».
وقال الخليل : العَنُون من الدَّوابّ وغيرِها : المتقدّم فى السَّيْر. قال :
كأنَّ الرّحْلَ شُدَّ به حَنوفٌ *** من الجَوْنات هاديةٌ عَنونُ (4)
1) لامرئ القيس فى معلقته. ودوار : صنم ، يقال بضم الدال وفتحها مع شدها وتخفيفها.
2) فى الأصل : في بيضة القبض تحريف ، صوابه فى اللسان (بيض). وفى الديوان 44 : في بيضة الصيف.
3) فى اللسان (عنن 163): «مُعْرِض».
4) البيت للنابغة فى اللسان (عنن 176 خذف 408). والخذوف : الأتان تخذف من سرعتها الحصى ، أى ترميه. وفى الأصل : «خذروف» تحريف. ويروى أيضاً : «خنوف».
قال الفّراء : العِنان : المُعَانّة ، وهى المعارَضة والمعانَدة. وأنشد :
ستَعلم إنْ دارت رحى الحربِ بيننا *** عِنانَ الشِّمالِ من يكونَنّ أضْرعا
قال ابنُ الأعرابىّ : شارك فلانٌ فلانا شِركةَ عِنان ، وهو أن يَعِنَ لبعضِ ما فى يده فيشاركه فيه ، أى يعرِض. وأنشد :
ما بدَلٌ من أمِّ عثمانَ سَلْفَعٌ *** من السُّود ورهاءُ العِنان عَرُوبُ (1)
قال : عَروب ، أى فاسدة. من قولهم عَرِبَتْ معدته ، أى فسدت. قال أبو عبيدة : المِعَنُ من الخيل : الذى لا يرى شيئاً إلّا عارَضَه. قال : والمِعنُ : الخطيب الذى يشتدُّ نظرُه ويبتلُّ ريقه ويبعُد صوتُه ولا يُعيْيه فنُّ من الكلام. قال :
مِعَنُ بخطبَته مِجْهرُ (2)
وصدر البيت :
ركوب المنابر وثابها
ومن الباب : عُنوان الكتاب ؛ لأنه أبرز ما فيه وأظهَرُه. يقال عَنَنت الكتابَ أعُنُّه عَنًّا ، وعَنْوَنْتُه ، وعنَّنته أعنِّنُه تعنينا. وإذا أَمرت قلتَ عَنِّنْه.
قال ابن السِّكِّيت : يقال لقيته عينَ عُنَّةٍ (3)، أى فجأة ، كأنّه عرَضَ لى من غير طلَب. قال طُفيل :
إذا انصرفت من عُنَّةٍ بعد عُنَّةٍ (4)
وجرس على آثارها كالملوب
1) وكذا ورد إنشاده فى اللسان (عنن 164) وذكر بعده قوله : «معنى قوله ورهاء العنان أنها تعتن فى كل كلام وتعترض». وأنشده فى (عرب 81): «فما خلف من أم عمران».
2) الشعر لطحلاء يمدح معاوية بالجهارة ، كما فى البيان والتبيين (1 : 127) بتحقيقنا.
3) كذا ورد ضبطه فى الأصل والمجمل.
4) كذا ضبطه فى الأصل ، وهو ما يقتضيه الاستشهاد. وقد أنشده صاحب اللسان فى (عنن) شاهدا لقوله : «والعنة ، بالفتح : العطفة». وعجز البيت كما فى اللسان وديوان طفيل 10 :
ويقال إنّ الجبلَ الذاهبَ فى السّماء يقال [له] عان ، وجمعها عَوَانّ.
وأمّا الأصل الآخر ، وهو الحبس ، فالعُنَّة ، وهى الحظيرة ، والجمع عُنَن. قال أبو زياد : العُنَّة : بناء تبْنيه من حجارة ، والجمع عُنَن. قال الأعشى :
ترى اللّحمَ من ذابلٍ قد ذوَى *** ورَطْبٍ يُرفَّع فوقَ العُنَنْ (1)
يقال : عَنَّنْت البعير : حبسته فى العُنَّة. وربَّما استثقلوا اجتماعَ النُّونات فقلبوا الآخرة ياء ، كما يقولون :
تَقضَّىَ البازِى إذا البازِى كَسَرْ (2)
فيقولون عَنَّيْت. قال :
قطعتَ الدّهرَ كالسَّدِم المُعَنَّى *** تُهدِّر فى دِمَشقَ ولا تَريمُ (3)
يراد به المعنّن. قال بعضهم : الفحل ليس بالرِّضا عندهم يعرّض على ثَيلهِ عُود ، فإذا تَنوّخَ النّاقةَ ليطرُقها منعه العُود. وذلك العُود النِّجَاف. فإذا أرادوا ذلك نحَّوه وجاءوا بفحلٍ أكرمَ منه فأضربوه إيّاها ، فسمَّوا الأوّلَ المُعَنَّى. وأنشد :
تَعَنّيتُ للموتِ الذى هو نازِل
يريد : حبست نفسى عن الشّهوات كما صُنِعَ بالمعَنَّى*. وفى المثل : «هو كالمُهَدِّر فى العُنَّة (4)». قال : والرواية المشهورة : تَعَنَّنتُ ، وهو من العِنِّين الذى لا يأتى النِّساء.
ومن الباب : عِنَانُ الفَرَس ، لأنّه يَحتبِس ، وجمْعه أعِنَّة وعُنُنٌ. الكسائىّ : أعْنَنْتُ الفَرسَ : جعلتُ له عِناناً. وعنَّنْتُه : حبسته بعِنانه. فأمّا المرأة المعنَّنَة فذلك على طريقة التشبيه ، وإنما هى اللطفة البطن ، المهفهفة ، التى جُدِلت جَدل العِنان. وأنشد :
وفى الحىّ بيضاتُ داريّة *** دَهَاس معنَّنَة المرتدَى (1)
قال أبو حاتم : عِنان المتن حَبْلاه (2). وهذا أيضاً على طريقة التشبيه.
قال رؤبة :
إلى عِنانَىْ ضامرٍ لطيفِ (3)
والأصل فى العِنان ما ذكرناه فى الحبْس.
وللعرب فى العِنان أمثال ، يقولون : «ذلّ لى عنانُه» ، إذا انقاد. و «هو شديد العِنان» ، إذا كان لا ينقاد. و «أرْخِ من عِنانه» أى رفِّهْ عنه. و «ملأتُ عِنان الفرس» ، أى بلغت مجهودَه فى الحُضْر. قال :
حرف بعيد من الحادى إذا ملأت *** شمسُ النهارِ عِنان الأبرَق الصَّخبِ (4)
يريد إذا بلغت الشَّمسُ مجهود الجندب ، وهو الأبرق. ويقولون : «هما يجريانِ فى عِنانٍ واحد» إذا كانا مستويين فى عملٍ أو فضْل. و «جرى فلانٌ عِنانا أو عنانين» ، أى شوطاً أو شَوطين. قال الطِّرِمّاح :
سيعلمُ كلهم أنِّى مُسِنٌ *** إذا رفعوا عناناً عن عِنانٍ (1)
قال ابن السِّكيت : «فلان طَرِبُ العِنان» يراد به الخفّة والرَّشاقَة. و «فلانٌ طويل العِنان» ، أى لا يُذَاد (2)عما يريد ، لشرفه أو لماله. قال الحطيئة :
مجدٌ تليدٌ وعِنانٌ طويل (3)
بلغه صالح سعد الفتى
وقال بعضهم : ثنيت على الفرس عِنانَه ، أى ألجمته. واثْنِ على فرسك عِنانَه ، أى ألجِمْه. قال ابنُ مقبل :
وحاوَطَنِى حتَّى ثنيتُ عِنانَه *** على مُدبِرِ العِلْباء ريَّانَ كاهِلُهْ (4)
وأمَّا قولُ الشَّاعر :
ستعلم إن دارت رحَى الحرب بيننا *** عِنانَ الشّمال من يكونَنَّ أضْرَعا
فإنَّ أبا عبيدة قال : أراد بقوله : عِنان الشِّمال ، يعنى السَّير الذى يعلَّق به فى شِمال الشَّاة ، ولقَّبه به. وقال غيره : الدّابّة لا تُعطف إلَّا من شِمالها. فالمعنى : إنْ دارت مدارَها على جهتها. وقال بعضهم : عِنان الشمال أمر مشئوم كما يقال لها :
زجَرْتُ لها طَير الشِّمال (5)
زجرت لها طير الديال فإن تكن *** هواك الذي تهوى بصبك؟
ويقولون لمن أنجَحَ فى حاجته : جاء ثانياً عِنَانَه. ؟
عب العين والباء أصل صحيح واحد يدلُّ على كثرةٍ ومعظمٍ فى ماء وغيره. من ذلك العَبُ ، وهو شُرب الماء من غير مصّ. يقال عَبَ فى الإناء يَعُبُ عَبًّا ، إذا شرب شُرباً عنيفاً. وفى الحديث : «اشربوا الماء مصَّا ولا تَعُبُّوه عَبَّا ؛ فإنّ الكُبادَ من العَبِ». قال :
إذا يعُبُ فى الطَّوِىِّ هَرهَرا (1)
سلم ترى؟ منه أزورا *** إذا يعب في السرى هرهرا
ويقال عَبَ الغَرْب يَعُبّ عَبَّا ، إذا صوَّتَ عند غَرف الماء. والعُباب فى السَّير : السُّرعة (2). قال الفرّاء : العُباب : معظَم السَّيل. ومن الباب اليَعبوب : الفرس الجواد الكثير الجرى ، وقيل : الطَّويل ، وقيل : هو البعيد القَدْر فى الجرى. وأنشد :
بأجشِّ الصَّوتِ يعبوبٍ إذا *** طُرِقَ الحىُّ من الغَزو صَهَلْ
واليعبوب : النَّهر الكثير الماء الشَّديد الجِرية. قال :
تخطُو على بَرديَّتينِ غذاهما *** غَدِقٌ بساحة حائرٍ يعبوبِ (3)
ويقولون : إنّ العَبْعَب من الرِّجال : الذى يُعَبْعِب فى كلامه ويتكلَّم فى حَلْقه. ويقال ثوبٌ عَبْعَبٌ وعَبعاب ، أى واسِعٌ. قال : والعبعاب من الرِّجال : الطويل. والعَبعَب : كساء من أكسية الصوف ناعم دقيق. وأنشد : .
بُدِّلتِ بعد العُرْىِ والتّذعلُبِ *** ولُبْسِكِ العَبعبَ بعد العبعبِ
مطارفَ الخَزّ فجرِّى واسحبى (1)
ومما شذّ عن هذا الباب العُبَب (2): شجرة تشبه الحَرمل إلّا أنّها أطوَلُ فى السَّماء ، تخرج خيطانا ، ولها سِنَفَة مثل سِنَفَة الحرمل ، وورقها كثيف. قال ابنُ مَيّادة :
كأنَّ بَرديَّةً جاشت بها خُلُجٌ *** خُضْرُ الشَّرائع فى حافاتها العُبَبُ
وربما قالوا إنّ العُبَ الكُمُ (2).
ومما يقارب الباب الأوَّلَ ولا يبعُد عن قياسه ، ما حكاه الخليل أن العبعب :نَعْمة الشَّباب. والعَبعَب من الشُّبان : التامّ.
عت * العين والتاء أصلان : أحدهما صحيح يدلُّ على مراجعةِ كلامٍ وخصام ، والآخر شىءٌ قد قيل من صفات الشُّبّان ، ولعلّهُ أن يكون صحيحاً.
فالأوَّل ما حكاه الخليل عتّ يُعتّ عتًّا ، وذلك إذا ردَّدَ القولَ مرَّة بعد مرة. وعَتَتُ على فلانٍ قولَه ، إذا ردَّدتَ عليه القولَ مرَّةً بعد مرَّة. ومنه التَّعتُّت فى الكلام ، يقال تَعَتَّتَ يتعتَّت تعتُّتا ، إذا لم يستمرّ فيه. وأنشد :
خليلىَ عُتَّا لى سُهَيْلة فانظرا *** أجازعةٌ بعدى كما أنا جازعُ
يقول : رادَّاها الكلامَ. يقال منه عاتَتْه أُعاتُّه معاتّةً. قال أبو عبيد : ما زِلت أُعاتُّ فلاناً وأُصاتُّه ، عِتَاتاً وصِتاتاً ، وهما الخصومة. وأصل الصَّت الصَّدْم.
وأمّا الأصل الذى لَعلّه أن يكون صحيحاً فيقولون : إن العُتْعُت : الشَّابّ. قال :
لمّا رأته مُودَناً عِظْيَرّا *** قالت أريد العُتعت الذِّفِرَّا (1)
الذفِرّ : الطَّويل. والمُودَن والعِظْيَرّ : القصير. ويقولون : إن العُتعُت : الجدى.
عث العين والثاء أصلانِ صحيحان : أحدهما يدلُّ على دويْبَّة معروفة ، ثم يشبَّه بها غيرها ؛ والآخر يدلُّ على نَعمةٍ فى شىء.
فأمَّا النَّعمة فقال الخليل : العَثعَث : الكثيب السَّهل. قال :
كأنّه بالبحر من دون هَجَرْ *** بالعَثْعَث الأقصى مع الصُّبْح بَقَرْ
قال بعضهم : العَثْعَث من العَذَاب (2)واللَّبَب ، وهما مُسترَقْ الرَّمل (3)ومكتنَزُه. والعَثْعَث من مكارم النَّبات (4). قال :
كأنّها بيضةٌ غَرّاء خُطّ لها *** فى عَثْعَث يُنبِت الحَوْذان والعَذَما (5)
ومن الباب أو قريبٍ منه ، تسميتُهم الغِناء عِثَاثاً ، وذلك لحُسْنه ودَماثة اللفظ به (6). قال كثيِّر :
1) الرجز فى اللسان (عتت).
2) العداب ، بالدال المهملة : المستدق من الرمل. وفى الأصل : «العذاب» تحريف.
3) يقال مسترق ومستدق أيضا بالدال. وهو مارق ودق. وفى اللسان (دقق): «ومستدق كل شىء ما دق منه واسترق». وفى (رقق): «ومسترق الشىء : ما رق منه».
4) أى من المواضع التى يجود فيها النبات ، جمع مكرمة ، بفتح الميم والراء.
5) البيت للقطامى فى ديوانه 69 واللسان (عثث ، عذم).
6) يقال منه عاثّ يعاثّ معاثّة وعثاثا.
هَتُوفا إذا ذاقها النّازعونَ *** سمعتَ لها بعد حَبْضٍ عثاثا (1)
وعَثعَثُ الوَرِك : مالان منه. قال ذو الرُّمَّة :
تريكَ وذا غدائرَ وارداتٍ *** يُصبْن عَثاعِث الحَجَبات سُودِ (2)
مقلد حرة أهداء ترى *** بحدتها بتاثرة سيوه
والأصل الآخر العُثَّة ، وهى السُّوسة التى تلحَس الصُّوف. يقال عَثَّتِ الصُّوفَ وهى تَعُثُّه ، إذا أكلَتْه. وتقول العرب :
عُثَيثة تقرُمُ جِلداً أملسا (3)
يضرب مثلاً للضَّعيف يَجهَد أن يؤثِّر فى الشّىء فلا يقدِر عليه.
ومما شُبِّه بذلك قولُ أبى زيدٍ : إنَ العُثّة من النِّساء الخاملة (4)، ضاويّةً كانت أو غير ضاويّة ، وجمعها عثائث. وقال غيره : هى العجوز. وأنشد :
فلا تحسبَنِّى مثلَ مَن هو قاعدٌ *** على عُثَّةٍ أو واثقٌ بكسادِ
ومما يُحمَل على هذا قولُهم : فلان عُثُ مالٍ ، أى إزاؤه ، أى كأنَّه يلزمه كما تلزم العُثَّة الصُّوف. ومنه عَثْعَث بالمكان : أقام به. وعثعثت إلى فلانٍ ، أى ركنتُ إليه.
عج العين والجيم أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على ارتفاعٍ فى شىء ، من صوتٍ أو غبارٍ وما أشبه ذلك. من ذلك العجُ : رفْع الصَّوت. يقال : عجّ .
القومُ يَعِجُّون عَجًّا وعجيحاً وعجُّوا بالدُّعاء ، إذا رفعوا أصواتَهم. وفى الحديث : «أفضل الحجّ العَجّ والثَّجّ». فالعجّ ما ذكرنا. والثَّجُّ : صبُّ الدّم.
قال وَرَقة :
وُلوجاً فى الذى كَرِهت مَعدُّ *** ولو عَجَّت بمكَّتها عجيجا (1)
وقبله :
فياليتني إذا ما كان ذاكم *** شهدت وكنت اكثرهم ولوجا
أراد : دخولا فى الدِّين. وعجيج الماء : صوته ؛ ومنه النهر العَجَّاج. ويقال عَجَ البعير فى هديره يَعِجّ عجيجا. قال :
أنعَتُ قَرماً بالهَدير عاججَا
فإن كرّرَ هديره قيل عَجْعج. ويقولون عَجَّت القَوس ، إذا صوّتت. قال :
تَعُجّ بالكفِّ إذا الرّامى اعتزم *** ترنُّمَ الشّارف فى أُخرَى النعَمْ
قال أبو زيد : عَجَّت الرِّيح وأعَجَّت ، إذا اشتدت وسامَت التُّراب. ويوم مِعَجُ أى ذو عَجَاج. والعَجاج : الغبار تَثُور به الرِّيحُ ، الواحدة عَجَاجة. ويقال عجَّجت الرِّيح تعجيجا. وعَجَّجْتُ البيتَ دخاناً حتَّى تَعَجَّج.
ومن الباب : فرس عجعاج ، أى عَدَّاء. قال : وإنّما سمِّى بذلك لأنه يثير العَجَاج. وأنشد :
وكأنَّه والرِّيح تضرب بُرْدَه *** فى القوم فوق مخيَّسٍ عجعاجِ
والعَجَاجة : الكثيرة (2)من الغَنم والإبل. .
ومما يجرِى مَجرى المِثل والتَّشبيه : فلانٌ يلفّ عجاجَتَه (1)على فلان ، إذا أغار عليه* وكأنَّ ذلك من عجاجة الحرب وغيرها. قال الشَّنفَرى :
وإنى لأهوى أنْ أَلُفّ عَجاجتى *** على ذِى كِساءٍ من سَلامانَ أو بُرْدِ (2)
وحكى اللِّحيانى : رجل عَجعاجٌ ، أى صَيَّاح. وقد مرّ قياسُ الباب مستقيما.
فأمّا قولهم : إنّ العجعجة أن تجعل الياء المشدَّدة جيما ، وإنشادُهم
يا ربِّ إنْ كنتَ قبِلتَ حِجَّتِجْ (2)
فهذا مما [لا] وجْهَ للشُّغل به ، ومما لا يدرى ما هو.
عد العين والدال أصلٌ صحيح واحد لا يخلو من العَدّ الذى هو الإحصاء ، ومن الإعداد الذى هو تهيئة الشَّىء. وإلى هذين المعنيين ترجع فروعُ الباب كلها. فالعَدُّ : إحصاءُ الشىء. تقول : عددت الشىءَ أعُدُّه عَدَّا فأنا عادٌّ ، والشىء معدود. والعَديد : الكثرة. وفلانٌ فى عِداد الصَّالحين ، أى يُعَدُّ معهم. والعَدَد : مقدار ما يُعَدُّ ، ويقال : ما أكثَرَ عديدَ بنى فلان وعَدَدهم. وإنَّهم ليتعادُّون ويتعدَّدُون على عشرة آلاف ، أى يزيدون عليها. ومن الوجه الآخر العُدَّة : ما أُعِدَّ لأمرٍ يحدث. يقال أعددت الشىء أعِدُّه إعداداً. واستعددت للشىء وتعدَّدت له.
قال الأصمعىّ : وفى الأمثال :
كلُّ امرئٍ يَعْدُو بما استعدَّا (1)
ومن الباب العِدَّة من العَدّ. ومن الباب : العِدّ : مجتَمع الماء ، وجمعه أعداد. وإنما قلنا إنَّه من الباب لأنّ الماء الذى لا ينقطع كأنَّه الشىء الذى أُعِدَّ دائماً. قال :
وقد أجَزْتُ على عَنْس مذكَّرة *** ديمومةً ما بها عِدٌّ ولا ثَمَدُ (2)
في كل غبراء؟ متالفها *** ديمومة مابها عد ولا تمد
قال أبو عُبيدة : العِدَّ : القديمة من الرَّكايا الغزيرة ، ولذلك يقال : حَسَبٌ عِدُّ أى قديم ، والجمع أعداد. قال : وقد يجعلون كلَّ رَكيّةٍ عِدَّا. ويقولون : ماءٌ عِدٌّ ، يجعلونه صِفَةً ، وذلك إذا كان من ماء الرَّكايا. قال :
لو كنتَ ماءً عِدًّا جَمَعْتُ إذا *** ما أوْرَدَ القوم لم يكُنْ وَشَلَا (3)
قال أبو حاتم : العِدُّ : ماء الأرض ، كما أنَّ الكَرَع ماء السَّماء. قال ذو الرّمّة :
بها العِينُ والآرامُ لا عِدَّ عندها *** ولا كَرَعٌ ، إلَّا المغاراتُ والرَّبْلُ (4).
1) ورد المثل منثورا فى الميدانى (2 : 95).
2) فى الأصل : «عيس» ، تحريف. وأنشد فى اللسان للراعى :
3) البيت للأعشى فى ديوانه 157. وروايته فيه : إذا ما أورد القوم لم تكن وقد أشار فى الشرح إلى ما يطابق رواية ابن فارس.
4) ديوان ذى الرمة 458. وأوله فيه : «سوى العين». وفى الأصل : لاهند عندها ولا الكرع المغارات والرمل ، وتصحيحه من الديوان. وفى شرح الديوان : «المغارات : مكانس الوحش. والربل : النبات الكثير».
فأمّا العِدَاد فاهتياج وجَع اللّديغ. واشتقاقه وقياسه صحيح ؛ لأنَّ ذلك لوقتٍ بعينه ، فكأنَّ ذلك الوقتَ يُعَدُّ عَدَّا. قال الخليل : العِداد اهتياج وجَع اللَّديغ ، وذلك أنْ رُبَّ حيَّةٍ إذا بَلَّ سليمُها عادت. ولو قيل عادَّته ، كان صواباً ، وذلك إذا تمّت له سنةٌ مذْ يومَ لُدِغ اهتاج به الألم. وهو مُعادٌّ ، وكأنَّ اشتقاقَه من الحساب من قِبَل عدَد الشَّهور والأيام ، يعنى أنّ الوجع كان يعدّ ما يمضى من السنة ، فإذا تمَّتْ عاوَدَ الملدوغ. قال الشّيبانى : عِدَاد الملدوغ : أن يجد الوجَعَ ساعةً بعد ساعة. قال ابن السِّكيت : عِدَاد السَّليم : أن يُعَدّ له سبعةُ أيام ، فإذا مضت رجَوْا له البُرْء ولم تمضِ سبعة ، فهو فى عداد. قال ابن الأعرابىّ : العِداد يوم العطاء وكذلك كلُّ شىء كان فى السَّنة وقتاً مؤقتاً. ومنه قوله عليه السلام : «ما زالت أُكْلةُ خَيبرَ تعادُّنى فهذا أوَانَ قطعَتْ أبهَرى». أى تأتينى كلَّ سنةٍ لوقت. قال :
أصبح باقى الوصلِ من سُعادا *** عَلاقةً وسَقَماً عِدادا
ومن الباب العِدَّانُ : الزمان ، وسمِّىَ عِدّاناً لأنَّ كلَّ زمانٍ فهو محدود معدود. وقال الفرزدق :
بكيتَ امرأً فَظَّا غليظاً ملعَّنا *** ككِسرى على عِدَّانه أو كقيصرَا (1)
قال الخليل : يقال : كانَ ذلك فى عِدَّان شبابه وعِدّان مُلْكه ، هو أكثره وأفضله وأوّله. قال :
والملك مخْبوٌّ على عِدّانه
1) البيت مما لم يرو فى ديوان الفرزدق. وهو من أبيات له يهجو بها مسكينا الدارمى ، وكان مسكين قد رئى زيادا ابن أبيه. انظر اللسان (عدد) والأغانى (18 : 68) ومعجم البلدان (رسم ميسان) والخزانة (1 : 468).
المعنى أنّ ذلك كان مهيَّأ له مُعَدَّا. هذا قول الخليل. وذكر عن الشيبانى أن العِداد أن يجتمع القومُ فيُخرجَ كلُّ واحدٍ منهم نفقةً. فأمّا عِداد القوس فناسٌ (1)يقولون إنّه صوتُها ، هكذا يقولون مطلقاً. وأصحُّ [من] ذلك ما قاله ابنُ الأعرابىّ ، أنّ عداد القوس أن تنبِض بها ساعةً بعد ساعة. وهذا أقْيَس. قال الهذلىُ (2)فى عِدادها :
وصفراءَ* من نبعٍ كأنَ عِدادَها *** مُزَعْزِعةٌ تُلقِى الثِّيَابَ حَطومُ
فأمّا قول كُثَيِّر :
فدَع عنك سُعْدى إنّما تُسْعِفُ النَّوى *** عِدادَ الثُّرَيَّا مرَّةً ثم تأفُلُ (3)
فقال ابنُ السّكّيت : يقال : لقيتُ [فلاناً] عِداد الثُّرَيَّا القمر ، أى مرّةً فى الشّهر. وزعموا أنّ القمر ينزل بالثُّرَيَّا مرّةً فى الشّهر.
وأمّا مَعدُّ فقد ذكره ناسٌ فى هذا الباب ، كأنَّهم يجعلون الميم زائدة ، ويزنونه بِمَفْعَل ، وليس هذا عندنا كذا ، لأنَّ القياس لا يوجبه ، وهو عندنا فَعَلٌّ من الميم والعين والدال ، وقد ذكرناه فى موضعه من كتاب الميم.
عر العين والراء أصول صحيحة أربعة.
فالأول يدلُّ على لَطْخِ شىءٍ بغير طيّب ، وما أشبه ذلك ، والثانى يدلُّ على صوت ، والثالث يدلُّ على سموٍّ وارتفاع ، والرابع يدلُّ على معالجةِ شىء. وذلك بشرط أنّا لا نعدُّ النّباتَ ولا الأماكن فيما ينقاس من كلام العرب.
فالأوّل العَرُّ والعُرّ. قال الخليل : هما لغتان ، يقال هو الجَرَب. وكذلك العُرَّة. وإنما سُمِّىَ بذلك لأنّه كأنَّه لطْخٌ بالجسَد. ويقال العُرَّة القَذَر بعينه. وفى الحديث : «لعن اللّه بائع العُرّة ومشتريَها».
قال ابنُ الأعرابىّ : العَرُّ الجَرَب. والعُرّ : تسلّخ جلد البعير. وإنما يُكوَى من العَرّ لا من العُرّ. قال محمد بن حبيب : جمل أعَرُّ ، أى أجرب وناقة عَرّاء. قال النَّضر : جَمَلٌ عارٌّ وناقة عارّة ، ولا يقال مَعرور فى الجَرب ، لأن المعرورة (1)التى يُصيبها عَيْنٌ فى لبنها وطَرْقها. وفى مثلٍ : «نَحِّ الجَرباء عن العارَّة». قال : والجرباء : التى عَمَّها الجربُ ، والعارّة : التى قد بدأ فيها ذلك ، فكأنّ رجلاً أراد أن يبعُد بإبله الجرباء (2)عن العارّة ، فقال صاحبُه مبكّتاً له بذلك ، أى لِمَ يُنَحِّيها وكلُّها أجرب. ويقال : ناقةٌ معرورة قد مَسَّتْ ضرعَها نحاسةٌ فيفسُد لبنُها (3). ورجلٌ عارورة ، أى قاذورة. قال أبو ذؤيب :
فكلًّا أراه قد أصابَ عُرورُها (4)
خليلي الذي دلى لغى خليلتي
وعجزه فى اللسان :
جهارا فكل قد أصاب مرورها
وضبطت «عرورها» بالنصب ، صوابه الرفع ، فالقصيدة مضمومة الروى.
1) لم تذكر هذه الكلمة فى اللسان ، وذكرت فى القاموس (عرر) مفسرة بقوله «التى أصابتها عين فى لبنها» والطرق المذكور فى تفسير ابن فارس ، هو ضراب الفحل.
2) وهذا شاهد آخر لوصف الجمع بفعلاء المفرد. انظر ما أسلفت من التحقيق فى مجلة الثقافة 2151 والمقتطف نوفمبر سنة 1944 والمقاييس (حر).
3) هذا التفسير لم يرد فى المجمل ولا فى سائر المعاجم المتداولة.
4) كلمة «أراه» ساقطة من الأصل. وصدر البيت فى ديوانه 154 :
قال الأصمعىّ : العَرُّ : القَرْح ، مثل القُوَباء يخرج فى أعناق الإبل ، وأكثرُ ما يُصيب الفِصُلان.
قال أبو زيد : يقال : أعَرَّ فلانٌ ، إذا أصاب إبلَه العُرّ.
قال الخليل : العُرَّة : القَذَر ، يقال هو عُرّة من العُرَر ، أى مَن دنا منه لَطَّخه بشرّ. قال : وقد يُستعمَل العُرَّة فى الذى للطَّير أيضاً. قال الطِّرِمّاح :
فى شَنَاظِى أُقَن بينَها *** عُرَّةُ الطَّير كصَومِ النَّعامْ (1)
الشَّناظِى : أطراف الجبل ، الواحد شُنْظُوَة. ولم تُسمَع إلا فى هذا البيت. ويقال : استعرَّهم الشّرُّ ، إذا فشا فيهم. ويقال عرّهُ بشرّ يعُرُّه عَرَّا ، إذا رماه به. قال الخليل : المَعَرَّة : ما يصيب الإنسانَ من إثم. قال اللّه سبحانه : ( فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) .
ولعلَّ من هذا الباب ما رواه أبو عبيدٍ : رجلٌ فيه عَرَارةٌ ، أى سُوء خُلُق. فأمّا المعْتَرُّ الذى هو الفقير والذى يَعْتَرُّكَ ويتعرَّض لك ، فعندنا أنّه من هذا ، كأنَّه إنسان يُلَازُّ ويلازم. والعَرَارة التى ذكرها أبو عبيدٍ من سوء الخُلُق ، ففيه لغةٌ أخرى ، قال الشيبانىّ : العُرْعُر : سوء الخُلُق. قال مالك الدُّبيرىّ (2):
وركبَتْ صَوْمَها وعُرْعُرَها *** فلم أُصْلِحْ لها ولم أكِدَ (3)
يقول : لم أُصْلِح لهم ما صَنَعُوا (4). والصَّوم : القذر. يريد ارتكبَتْ سوء أفعالها ومذمومَ خُلُقها.
ومن الباب المِعْرَار ، من التَّخْل (1). قال أبو حاتم : المعرار : المِحْشاف. ويقال : بل المِعْرَار التى يُصيِبُها [مثل العَرّ ، وهو (2)] الجرب.
ومن الباب العَرِير ، وهو الغريب. وإنما سُمِّىَ عَرِيراً على القياس التى ذكرناه لأنّه كأنَّه عُرَّ بهؤلاء الذين قَدِمَ عليهم ، أى أُلصِق بهم. وهو يرجع إلى باب المعترّ.
ومن ذلك حديث حاطب ، حين قِيل له : لِمَ كاتبتَ أهل مَكّة؟ فقال : «كنتُ عريراً فيهم». أى غريباً لا ظَهْرَ لى.
ومن الباب المَعَرَّة فى السَّماء ، وهى ما وراء المَجَرّة من ناحية القطب الشَّمالىّ. سُمِّى مَعرَّةً لكثرة النُّجوم فيه. قال : وأصل المَعَرَّة موضعُ العَرّ ، يعنى الجَرَب. والعرب تسمِّى السّماءَ الجَرباء ، لكثرة نجومها. وسأل رجلٌ رجلاً عن منزله فأخبره أنّه ينزِل بين حَيَّين عظيمين من العرب ، فقال : «نَزَلْتَ بَينَ المَجَرَّة والمَعرَّة».
والأصل الثّانى : الصَّوت. فالعِرَار : عِرارُ الظَّليم ، وهو صوتُه. قال لبيد :
تحمَّلَ أهلُها إلا عراراً *** وعَزْفاً بعد أحياءٍ حِلالِ (3)
قال ابن الأعرابىّ : عارّ الظليم يُعارُّ. ولا يقال عَرَّ. قال أبو عمرو : العِرار : صوت الذّكر إذا أرادَ الأُنْثَى. والزِّمار : صوت الأُنْثى إذا أرادت الذّكَر. وأنشد :
متى ما تشأ تسمع عِراراً بقَفْرةٍ *** يجيب زِماراً كاليَرَاع المُثَقَّبِ (1)
قال الخليل : تعارَّ الرّجُل يتعارُّ ، إذا استيقظ من نومه. قال : وأحسب عِرارَ الظَّليم من هذا. وفى حديث سَلْمان : «أنّه كان إذا تعارّ من اللَّيل سَبّح».
ومن الباب : عَرْعَارِ (2)، وهى لُعْبةٌ للصِّبْيان ، يَخْرُج الصَّبىُّ فإذا لم يجِدْ صِبياناً رفع صوتَه فيخرجُ إليه الصِّبيان. قال الكميت :
حيث لا تنبِض القِسىُّ ولا تَلْ *** قَى بعَرعارٍ وِلدةٍ مذعُورا
وقال النابغة :
متكنِّفَىْ جنْبَىْ عكاظَ كلَيْهما *** يدعو وليدُهم بها عرعارِ (3)
يريد أنّهم آمنون ، وصِبيانُهم يلعبون هذه اللُّعبة. ويُريد الكميتُ أنّ هذا الثّورَ لا يسمع إنباضَ القِسىِّ ولا أصواتَ الصِّبيان ولا يَذْعَره صوت. يقال عَرعَرة وعرعارِ ، كما قالوا قرقرةٌ وقرقارِ ، وإنّما هى حكاية صبِية العرب.
والأصل الثالث الدالُّ على سموّ وارتفاع. قال الخليل : عُرعُرة كلِّ شىء : أعلاه. قال الفرّاء : العُرْعُرة : المَعرَفَة (4)من كلِّ دابة. والعُرعُرة : طَرَف السَّنام. قال أبو زيد : عُرعُرة السَّنام : عَصَبةٌ تلى الغَراضِيف.
ومن الباب : جَمل عُراعِرٌ ، أى سَمين. قال النابغة :
1) البيت للبيد فى ديوانه 44 طبع 1880. وانظر الحيوان (4 : 384 ، 400).
2) عرعار ، مبنية على الكسر ، معدولة من عرعرة ، مثل قرقار من قرقرة. وهذا مذهب سيبويه ، ورد عليه أبو العباس هذا وقال : «لا يكون العدل إلا من بنات الثلاثة ، لأن العدل معناه التكثير. انظر اللسان (عرر) وشرح ديوان النابغة 36.
3) أنشد عجزه فى اللسان (عرر). وفى ديوان النابغة 35 : يدعو بها؟
4) المعرفة ، كمرحلة : موضع العرف من الفرس. وفى الأصل : «المعروفة».
له بفناء البيت جَوْفاء جَونةٌ *** تلقَّم أوصالَ الجَزورِ العُراعِر (1)
ويتَّسعون فى هذا حتى يسمُّوا الرّجلَ الشَّريف عُراعِر. قال مُهَلهل (2):
خَلَعَ الملوكَ وسار تحت لوائِه *** شَجرُ العُرَى وعُراعِر الأقوامِ
ومن الباب : حمارٌ أعَرُّ ، إذا كان السِّمن فى صدره وعنقه. ومنه العَرارَة وهى السُّودد. قال :
إنّ العَرارَة والنُّبوحَ لدارمٍ *** والمستخفُّ أخوهم الأثقالا (3)
قال ابنُ الأعرابىّ : العَرَارة العِزّ ، يقال هو فى عَرارة خير (4)، وتزَوَّج فلانٌ فى عَرارةٍ نساء ، إذا تزوَّج فى نساءٍ يلِدْن الذُّكور. فأمّا العَررُ الذى ذكره الخليل فى صِغَر السَّنام فليس مخالفاً لما قلناه ؛ لأنَّه يرجِع إلى الباب الأوّل من لُصوق الشَّىء بالشىء ، كأنَّه من صِغَرِه لاصِقٌ بالظَّهر. يقال جملٌ أعرُّ وناقة عَرَّاء ، إذا لم يَضخُم سَنامُها وإن كانت سمينة ؛ وهى بيِّنَة العَرَر وجمعها عُرُّ. قال :
أبدأْنَ كُوماً ورَجَعْنَ عُرَّا
ويقولون : نعجةٌ عرّاء ، إذا لم تسمن ألْيتُها ؛ وهو القياس ، لأنَّ ذلك كالشىء الذى كأنَّه قد عُرَّ بها ، أى أُلصِق.
1) البيت لم يرو فى ديوان النابغة. وفى الأصل : «أوصاف البعير».
2) وكذا جاءت النسبة فى اللسان (عرر ، عرا). وزاد فى (عرا) أن الصواب نسبته إلى شرحبيل بن مالك يمدح معديكرب بن عكب.
3) البيت للأخطل فى ديوانه 51 واللسان (عرر ، نبح). و «المستخف» يروى بالرفح والنصب فالرفع بالعطف على موضع إن واسمها ، والنصب عطف على اسم إن. والأثقال مفعول ؛ وفصل بين العامل والمعمول بخبر : «إن» للضرورة.
4) زاد فى المجمل بعده «أى أصل خير».
والأصل الرابع ، وهو معالجةُ الشَّىء. تقول : عَرعَرتُ اللَّحمَ عن العظم ، وشرشرتُه ، بمعنًى. قالوا : والعَرْعَرة المعالجة للشَّىء (1)بعَجَلة ، إذا كان الشّىء يعسُر علاجُه. تقول : عرعرت رأسَ القارورة ، إذا عالجتَه لتُخرِجَه. ويقال إنَّ رجلاً من العرب ذَبَح كَبْشاً ودعا قومَه فقال لامرأته : إنِّى دعوتُ هؤلاء فعالجِى هذا الكبشَ وأسْرِعى الفراغَ منه ، ثمَّ انطلَقَ ودعا بالقوم ، فقال لها : ما صنعتِ؟ فقالت : قد فرغت منه كلِّه إلَّا الكاهلَ فأنا أعَرْعِرُه ويُعرعِرُنى. قال : تزوَّديه إلى أهلك. فطلَّقها. وقال ذو الرّمَّة :
وخضراءَ فى وكرينِ عَرعرتُ رأسَها *** لأُبْلِى إذا فارقت فى صُحبتى عُذْرَا (2)
فأمَّا العَرْعَر فشَجر. وقد قُلْنا إنَّ ذلك [غير] محمول على القياس ، وكذلك أسماء الأماكن نحو عُراعِر ، [ومَعَرِّ] ين (3)، وغيرِ ذلك.
عزالعين والزاء أصلٌ صحيح واحد ، يدلُّ على شدّةٍ وقوَّةٍ وما ضاهاهما ، من غلبةٍ وقهر. قال الخليل : «العِزَّة لله جلّ ثناؤُه ، وهو من العزيز. ويقال : عَزّ الشّىء حتى يكاد لا يوجد». وهذا وإنْ كان صحيحاً فهو بلفظ آخر أحسن ، فيقال : هذا الذى لا يكاد يُقدَر عليه. ويقال عزّ الرَّجُل بعد* ضعفٍ وأعزَزْتُه أنا : جعلتُه عزيزاً. واعتزَّ بِى وتعزَّزَ. قال : ويقال عَزَّه
على أمرٍ يَعُزُّه ، إذا غلبَه على أمره. وفى المثل : «مَن عَزّ بَزّ» ، أى من غَلَب سَلَب. ويقولون : «إذا عَزَّ أخوك فَهُن» ، أى إذا عاسَرَك فياسِرْه. والمُعازَّة : المغالَبة. تقول : عازَّنى فلان عِزازاً ومُعَازّة فعزَزْتُه : أى غالبَنى فغلبتُه. وقال الشّاعر يصف الشَّيب والشباب :
ولما رأيت النَّسرَ عزَّ ابنَ دأيةٍ *** وعشَّش فى وكريْه جاشت له نَفْسِى (1)
قال الفرّاء : يقال عَزَزت عليه فأنا أَعِزّ عِزَّا وعَزَازةً ، وأعززْتُه : قوَّيتُه ، وعزّزْتُه أيضاً. قال اللّه تعالى : ( فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ ) . قال الخليل : تقول : أُعززْتُ بما أصاب فلاناً ، أى عظُم عَلَىَّ واشتدّ.
ومن الباب : ناقةٌ عَزُوزٌ ، إذا كانت ضيِّقة الإحليل لا تَدِرُّ إلّا بجَهْد يقال : قد تعزَّزَتْ عَزَازة. وفى المثل : «إنّما هو عَنْزٌ عَزوَزٌ لها درٌّ جمٌّ» ، يضرب للبخيل الموسِر. قال : ويُقال عَزَّتِ الشَّاة تعُزُّ عُزوزاً ، وعَزُزَتْ أيضاً عُزُزاً فهى عَزُوز ، والجمع عُزُزٌ. ويقال استُعِزَّ على المريض ، إذا اشتدَّ مرضُه. قال الأصمعىّ : رجلٌ مِعزازٌ ، إذا كان شديدَ المرض ؛ واستَعَزَّ به المرضُ. وفى الحديث : «أنَّ النبى عليه الصلاة والسلام لمَّا قدِمَ المدينةَ نَزَلَ على كُلثوم بن الهِدْم (2)وهو شاكٍ ، فأقامَ عنده ثلاثاً ، ثم استُعِزَّ بكُلثومٍ - أى مات - فانتقل [إلى سعد
ابن خيْثمة (1)]». ورجُلٌ معزوزٌ ، أى اجتِيح مالُه وأُخذ. ويقال استَعَزَّ عليه الشَّيطانُ ، أى غَلَبَ عليه وعلى عَقْله. واستعَزَّ عليه الأمر ، إذا لجَّ فيه. قال الخليل : العَزَازةُ : أرضٌ صلبة ليست بذاتِ حجارة ، لا يعلوها الماء. قال :
من الصَّفا العاسِى ويَدْعَسْنَ الغَدَرْ *** عَزَازَهُ ويَهْتَمِرْن ما انْهَمَر (2)
ويقال العَزاز : نحوٌ من الجَهَاد ، أرض غليظةٌ لا تكاد تُنبِت وإن مُطِرت ، وهى فى الاستواء. قال أبو حاتم : ثمَّ اشتقَ العَزَازُ من الأرض من قولهم : تعزَّزَ لحمُ النّاقة ، إذا صَلُب واشتدّ.
قال الزُّهرىّ : كنت أختلِفُ إلى عُبيد اللّه بن عَبد اللّه بن عتبة ، أكتُبُ عنه ، فكنتُ أقوم له إذا دخل أوْ خرج ، وأُسوِّى عليه ثيابَه إذا ركِب ، ثمَّ ظننت أنِّي قد استفرغتُ ما عنده ، فخرج يوماً فلم أقُمْ إليه ، فقال لى : «إنَّك بعدُ فى العَزَاز فقُمْ». أراد : إنك فى أوائلِ العلم والأطرافِ ، ولم تبلَغ الأوساط. قال أبو حاتم : وذلك أنَ العَزازَ تكون فى أطراف الأرض وجوانبها ، فإذا توسَّطتَ (3)صِرت فى السُّهولة.
قال أبو زيد : أعزَزْنا : صِرنا فى العَزَاز. قال الفَرَّاء ، أرض عَزَّاء للصُّلبة ، مثل العَزازِ. ويقال استعَزَّ الرَّمْل وغيرُه ، إذا تماسَكَ فلم ينهلْ. وقال رؤبة :
باتَ إلى أرطاةِ حقْفٍ أَحْقَفَا *** متَّخِذاً منها إياداً هَدَفا
إذا رأى استعزازَه تعفَّفا (1)
ومن الباب : العَزَّاء : السّنَة الشديدة. قال :
ويَعْبطُ الكُومَ فى العَزّاءِ إن طُرِقا (2)
والعِزُّ من المطر : الكثير الشّديد ؛ وأرض معزوزة ، إذا أصابها ذلك. أبو عمرو : عَزَّ المطر عزَازَةً (3). قال ابنُ الأعرابىّ : يقال أصابنا عِزٌّ من المطر ، إذا كان شديدا. قال : ولا يُقال فى السَّيل. قال الخليل : عَزَّزَ المطرُ الأرض : لبّدها ، تعزيزاً. ويقال إنَ العَزازَة دُفْعةٌ تَدفَع فى الوادى قِيدَ رُمح (4). قال ابن السِّكِّيت : مطر عِزٌّ ، أى شديد. قال : ويقال هذا سيلٌ عِزٌّ ، وهو السَّيل الغالب.
ومن الباب : العُزَيزاء من الفرس : ما بين عُكْوَتِه وجاعرته. قال ثعلبة الأسدىّ :
أُمِرَّتْ عُزَيزَاهُ ونِيطت كُرُومُهُ *** إلى كَفَلٍ رابٍ وصُلْب مُوَثّقِ (5)
الكُروم : جمع كَرْمة ، وهى رأس الفخِذ المستديرُ كأنَّه جُونة. والعُزيزاء ممدود ، ولعلَّ الشَّاعر قَصَرها للشِّعر ، والدَّليل على أنّها ممدودة قولُهم فى التثنية
عُزيزاوان. ويقال هما طرَفا الورِك. والعُزَّى : تأنيث الأعَزّ ، والجمع عُزَزٌ. ويقال العُزَّانُ : جمع عزيز ، والذُّلَّانُ : جمع ذليل. يقال أتاك العُزَّانُ. ويقولون : «أعزُّ من بَيض الأنوق» ، و «أعزُّ من الأبلق العقوق» ، و «أعزُّ من الغراب الأعصم» و «أعزُّ من* مُخَّة البَعوض». وقال الفرّاء : يقال عَزَّ علىَّ كذا ، أى اشتدّ. ويقولون : أتحبّنى؟ فيقول : لعَزَّما ، أى لشَدَّ ما.
عس العين والسين أصلانِ متقاربان : أحدهما الدنوُّ من الشّىء وطلبُه ، والثانى خِفَّةٌ فى الشىء.
فالأوّل العَسُ باللَّيل ، كأنّ فيه بعضَ الطَّلَب. قال الخليل : العَسُ : نَفْض اللَّيل عن أهل الرِّيبة. يقال عَسَ يَعُسُ عَسًّا. وبه سمِّى العَسَس الذى يطوف للسُّلطان باللَّيل. والعَسَّاس : الذِّئب ، وذلك أنَّه يَعُسّ باللّيل. ويقال عَسعَسَ اللّيل ، إذا أقبل. وعسعست السَّحابةُ ، إذا دنت من الأرض ليلاً. ولا يقال ذلك إلَّا ليلاً فى ظُلمة. قال الشَّاعر يصف سحابا :
عسعَسَ حتَّى لو نشاء إذْ دنا *** كان لنا من نارِه مقتبسُ (1)
عسس حتى لويشا ادنا *** كان لما من ضوئه مقبس
بهذه الرواية يكون من السريع. وقال : ادنا : إذ دنا ، فأدغم».
ويقال تَعَسْعَسَ الذّئب ، إذا دنا من الشَّىء يشَمُّه. وأنشد :
كمُنْخُر الذّئبِ إذا تَعَسْعسا (2)
قال الفرّاء : جاء فلانٌ بالمال من عَسِّهِ وبَسِّه. قال : وذلك أنَّه يعُسُّه ، أى .
يطلبه. وقد يقال بالكسر. ويعتسُّه : يطلبه أيضاً. قال الأخطل :
وهل كانت الصَّمعاءُ إلّا تعلّةً *** لمن كان يعتسُ النِّساء الزَّوانيا (1)
وأمَّا الأصل الآخَر فيقال إنَ العَسّ خفّة فى الطعام. يقال عَسَسْتُ أصحابى ، إذا أطعمتَهم طعاماً خفيفا. قال : عَسَسْتُهم : قَريتهم أدنَى قِرًى. قال أبو عمرو : ناقةٌ ما تَدُرّ إلَّا عِساساً ، أى كَرْها. وإذا كانت كذا كان دَرُّها خفيفاً قليلا. وإذا كانت كذا فهى عَسوس. قال الخليل : العَسُوس : التى تَضرِب برجلَيها وتصبُّ اللبنَ. يقولون : فيها عَسَسٌ وعِسَاسٌ. وقال بعضهم : العَسُوس من الإبل : التى تَرأم ولدَها وتدُرّ عليه ما نَأَى عنها النَّاس ، فإن دُنِىَ منها (2)أو مُسَّت جذبت دَرَّها.
قال يونس : اشتق العَسُ من هذا ، كأنَّه الاتِّقاء باللَّيل. قال : وكذلك اعتساس الذِّئب. وفى المثل : «كلب عَسّ ، خير من أسدٍ اندسَ (3)».
وقال الخليل أيضاً : العَسُوس التى بها بقيَّةٌ من لبنٍ ليس بكثير.
فأمّا قولهم عسعَسَ اللَّيلُ ، إذا أدبَرَ ، فخارج عن هذين الأصلين. والمعنى فى ذلك أنَّه مقلوب من سَعْسَع ، إذا مضى. وقد ذكرناه. فهذا من باب سعّ. وقال الشَّاعر فى تقديم العين :
نجَوْتُ بأفراسٍ عِتاقٍ وفِتيةٍ *** مَغَاليس فى أدبار ليلٍ مُعَسْعِسِ (1)
وردت بأفراس عتاق وفتيه *** فوارط في أعجاز ليل مصعس
ومما شذَّ عن البابين : عَسْعَس ، وهو مكان. قال امرؤ القيس :
ألم ترم الدار الكثيب بِعَسْعَسَا *** كأنِّى أنادِى أو أكلم أخْرَسا (2)
عش العين والشين أصلٌ واحد صحيح ، يدلُّ على قِلّةٍ ودِقَّة ، ثم يرجع إليه فروعُه بقياسٍ صحيح.
قال الخليل : العشُ : الدقيقُ عظام اليدين والرَّجلين (3)، وامرأة عَشَّة. قال :
لعمْرُك ما ليلَى بورهاءَ عِنْفِصٍ *** ولا عَشَّةٍ خلخالُها يتقعقَعُ (4)
وقال العجّاج :
أُمِرَّ مِنها قَصَبًا خَدَلَّجا *** لا قَفِرًا عَشَّا ولا مُهَبَّجَا (5)
ويقال ناقة عَشَّةٌ : سقفاء القَوائم ، فيها انحناء ، بيِّنة العَشَاشةِ والعُشُوشَة. ويقال : فلانٌ فى خِلقته عَشاشَة ، أى قِلّة لحمٍ وعِوَجُ عِظام. ويقال تَعشَّش النَّخْل ، .
إذا يَبِس ، وهو بيِّنُ التّعشُّش والتّعشيش. ويقال شجرةٌ (1)عَشَّةٌ ، أى قليلةُ الورق. وأرض عشَّة : قليلة [الشَّجر (2)].
قال الشّيبانىّ : العَشُ من الدّوابّ والناس : القليل اللَّحم ، ومن الشَّجر : ما كان على أصلٍ واحد وكان فرعُه قليلا وإن كانَ أخضر.
قال الخليل : العَشَّة : شَجرةٌ دقيقة القُضْبان ، متفرِّقة الأغصان ، والجمع عَشَّات.
قال جرير :
فما شَجراتُ عِيصِكَ فى قريشٍ *** بعَشَّات الفُروع ولا ضَواحِ (3)
ويقال عَشّ الرجلُ القومَ ، إذا أعطاهم شيئاً نَزْراً. وعَطِيَّةٌ مَعشوشةٌ ، أى قليلة. قال :
حارثُ ما سَجْلُكَ بالمعشُوشِ *** ولا جَدَا وبِلكَ بالطَّشيشِ (4)
وقال آخَر يصفُ القطا :
يُسقَينَ لا عَشَّا ولا مُصَرَّدَا (5)
أى لا مقلَّلاً.
قال ابنُ الأعرابىّ : قالت امرأةٌ من كِنانة : «فَقَدْناك فاعتَششْنا لك» ، أى دخلَتْنا من ذلك ذِلّة وقلّة.
ومن هذا القياس العُشّ للغُراب على الشَّجرة* وكذلك لغيرهِ من الطَّير ، والجمع عِشَشة. يقال اعتَشَ الطَّائرُ يعتشُ اعتشاشاً. قال :
بحيث يَعْتَشُ الغرابُ البائضُ (1)
يتبعها عدبس جرائض *** أكاف مريد عصور عائض
إنّمَا نَعتَه بالبائض وهو ذكَرٌ لأنَّ له شِرْكةً فى البيض ، على قياسِ والد. قال أبو عمرو : وعَشَّش (2)الطَّائر : اتَّخذ عُشَّا. وأنشد :
وفى الأَشاء النّابتِ الأصاغِرِ *** مُعَشَّشُ الدُّخَّلِ والتَّمامِرِ (3)
قال ابو عبيد : تقول العرب : «ليس هذا بعُشِّكِ فادرُجِي» ، يُضرَب مثلاً لمن ينزِل منزلا لا يصلحُ لمثله. وإنما قلْنا إنَّ هذا من قياس الباب لأنَ العُشّ لا يكاد يعتشُّه الطَّائر إلّا من دقيق القّضبانِ والأغصان. وقال ابن الأعرابىّ : الاعتشاش : أن يمتارَ القوم مِيرَةٍ ليست بالكثيرة.
ومن الباب ما حكاه الخليل : عَشَّش الخُبْز ، إذا كَرَّج. وقال غيرُه : عَشّ فهو عاشٌّ ، إذا تغيَّر ويَبِس. وعَشَّش الكلأ : يبِس. ويقال عشَّشت الأرض : يبِست.
ومما شذَّ عن هذا الأصل قولُهم : أعششتُ القَومَ ، إذا نزلتَ بهم على كرهٍ حتَّى يتحوَّلوا من أجلك. وأنشد : .
ولو تُرِكَتْ نامت ولكن أَعَشَّها *** أذًى من قِلَاصٍ كالحَنِىِّ المُعطَّفِ (1)
وصادقة ما خبرت قد بعثتها *** طروقا وباقي الليل في الأرض مسدف
ومن الأماكن التى لا تنقاس : أعشاشٌ ، موضعٌ بالبادية ، فيه يقول الفرزدق :
عَزَفْتَ بأعشاشٍ وما كِدْتَ تَعزِفُ
وأنكرتَ من حَدْرَاء ما كنتَ تعرفُ (2)
وزعم ناسٌ عن اللّيث قال : سمعت راويةَ الفرزدق ينشد : «بإعشاش» وقال : الإعشاش : الكِبَر. يقول : عَزَفتَ بكِبَرِك عمّن تحبّ ، أى صَرفتَ نفسَك عنه.
عص العين والصاد أصلٌ يدلُّ على شدّة وصلابةٍ فى شىء. قال ابن دريد (3): «عَصَ الشىء يَعَصُ ، إذا صلُب واشتدّ». وهذا صحيح. ومنه اشتُقّ العُصعُص ، وهو أصل الذّنَب ، وهو العَجْب ، وجمعه عَصاعِص.
قال ذو الرُّمّة :
تُوَصَّلُ منها بامرِئ القيس نسبةٌ *** كما نِيط فى طُول العَسيبِ العَصاعصُ (4).
قال : ويسمَّى العُصعوصَ أيضاً. قال الكسائىّ : العُصُص : لغة فى العُصْعُص. قال مَرّارٌ العُقَيلىّ :
فأَتى مَلَثَ الظلام على *** لَقَمِ الطَّرِيق وضَفَّتَىْ قَصَصِه
ذئب به وَحْشٌ ليمنَعه *** مِن زادنا مُقعٍ على عُصُصِه
ويقال له العُصْعُوص أيضاً ، كما يقال للبرقُع بُرقوع. قال :
ما لَقِيَ البيضُ من الحُرْقوص *** يدخل بين العَجْب والعُصعُوصِ (1)
ومن الباب العُصْعُص (2): الرَّجُل الملزَّز الخَلْق ، كالمُكتَّل.
عض العين والضاد أصلٌ واحدٌ صحيح ، وهو الإمساك على الشىء بالأسنان. ثمّ يقاس منه كلُّ ما أشبَهَه ، حتى يسمَّى الشىء الشَّديد والصُّلب والدَّاهى بذلك.
فالأوّل العَضّ بالأسنان يقال : عَضِضتُ أَعَضُ عَضًّا وعضيضاً ، فأنا عاضٌ. وكلبٌ عَضوض ، وفرس عَضوض. وبرئْت إليك من العِضاض. وأكثر ما يجىء العيوبُ فى الدوابِّ على الفِعال ، نحو الخِراط والنِّفار ، ثم يُحمَل على ذلك فيقال : عَضِضتُ الرّجلَ ، إذا تناولْتَه ، بما لا ينبغى. قال النَّضْر : يقال : ليس لنا عَضَاضٌ (3)أى ما يُعَضّ ، كما يقال مَضَاغٌ لما يُمضَغ.
ابن الأعرابىّ : ما ذُقْتُ عَضاضاً ، أى شيئاً يؤكل. قال أهل اللُّغَة : يقال هذا زمن عَضُوضٌ ، أى شديد كِلب. قال :
إليك أشكو زمناً عَضوضَا *** مَن يَنْجُ منه ينقلب حَرِيضا
ويقولون : ركيَّةٌ عضوض ، إذا بعُد قعرُها وشَقّ على السّاقى الاستسقاءُ منها. قال :
أبِيت على الماء العَضُوض كأننى *** رَقُوبٌ ، وما ذُو سَبْعَةٍ برقُوبِ
وقوس عضوض : لازق وترُها بكبدها. قال الخليل : العِضّ : الرّجل السيِّئ الخلُق المنكَر. قال :
ولم أكُ عِضَّا فى الندامَى مُلَوَّما (1)
وصلت به كفى وخالط شيمتى
ويقال : العِضّ : الدّاهية. يقال : هو عِضٌ ما يُفْلِت منه شىء ؛ وهو الشحيح ، الذى يقع بيده شىءٌ فيَعضُ عليه. وإنَّه لَعِضُ شَرٍّ ، أى صاحبه. قال أبو زيد : فلان عِضُ سَفَرٍ وعِضُ مالٍ ، إذا كان قويَّا عليه مجرِّباً له. وقد عَضَ بماله يَعَضّ به عُضُوضاً (2). قال الفرَّاء : رأيتُ رجلاً عِضًّا ، أى مارداً ، وامرأةً عِضَّةً أيضاً. وهذا عِضُ هذا ، أى حِتْنُه وقِرْنُه(3). ويقال إنَ العِضَ (4): الدَّاهِى من الرِّجال. ويُنشَد فيه :
أحاديثَ من عادٍ وجُرْهُمَ جَمَّةً *** يثوِّرها العِضَّانِ زيدٌ ودَغْفلُ (5)
ألا عطلاني كل حي؟ *** ولاتعداني الشر والخير مقبل
ل1) لحسان بن ثابت فى ديوانه 370 والحيوان (7 : 148). وصدره :
2) وعضاضة أيضا ، بالفتح ، كما فى اللسان.
3) الحتن ، بكسر الحاء وفتحها : القرن والمثل. وفى الأصل : «ختنة» ، تحريف.
4) فى الأصل : «فى العض».
5) للقطامى فى ديوانه 41 واللسان (عضض). وعجزه فى اللسان (5 : 179) مع تحريف وإهمال نسبته. والعضان هما زيد بن الكيس النمرى ، ودغفل النسابة. وكانا عالمى العرب بأنسابها وحكمها. ومطلع القصيدة :
ومما شذَّ عن هذا الأصل إن كان صحيحاً ، يقولون : العُضَّاض : عِرنين الأنف. وينشِدون :
وألجَمه فأسَ الهوانِ فَلَاكَهُ *** وأغضَى على عُضَّاضِ أنفٍ مصلَّمِ (1)
فأمّا ما جاء على هذا من ذكر النَّبات فقد قلنا فيه ما كَفَى ، إلّا أنّهم يقولون : إنّ العُضَ ، مضموم : علَفُ أهلِ القرى والأمصار ، وهو النّوى والقَتُّ ونحوُهما. قال الأعشى :
مِنْ سَرَاةِ الهِجان صَلَّبَها العُ *** ضُّ ورَعْىُ الحِمَى وطُولُ الحِيالِ (2)
وقال الشَّيبانىّ : العُضّ (3): العَلف. ويقال بل العُضُ الطَّلح والسَّمُر والسَّلَم ، وهى العِضاهُ. قال الفرَّاء : أعضَ القومُ فهُمْ مُعِضُّون ، إذا رعَوا العضاهَ. وأنشد :
أقول وأهلى مُؤْرِكُونَ وأهلُها *** مُعِضُّون إنْ سارَتْ فكيف أسيرُ (4)
وإنما جاز ذلك لمَّا كان العِضَاهُ من الشَّجَر لا العُشْب صارت الإبل مادامت مقيمةً فهى بمنزلة المعلوفة فى أهلها النَّوَى وشِبهَه. وذلك أنَ العُضّ علَف الرِّيف من النّوى والقَتّ. قال : ولا يجوز أن يقال من العِضَاهِ مُعِضُ إلّا على هذا التأويل. والأصل فى المُعِضّ أنَّه الذى تأكل إبله العُضَ. وقال بعضهم : العِضُ ، بكسر العين ، العِضَاهُ. ويقال بعيرٌ غاضٍ ، إذا كان يُعلفَه أو يُرعاه (5). قال :
واللّه ما أدرى وإن أوعدتَنِى *** ومشيْتَ بين طَيالسٍ وبياضِ
أبَعيرُ عُضٍ وارمٌ ألغادُهُ *** شثنُ المَشافر أم بعيرٌ غاضِ (1)
قال أبو عمرو : العُضّ : الشّعير والحنطة. ومعنى البيت أنَ العُضَ عَلَف الأمصار ، والغضَى علَف البادية. يقول : فلا أدرى أعَرَبىُ (2)أم هجين.
ومما يعود إلى الباب الأول العَضُوض من النِّساء : التى لا يكاد ينفُذ فيها عُضو الرّجُل. ويقال : إنَّه لعِضاض عيشٍ ، أى صبور على الشّدّة. ويقال ما فى هذا الأمر مَعَضٌ ، أى مُستمسَك.
وقال الأصمعىّ : يقال فى المثل : «إنَّك كالعاطف على العاضّ». وأصل ذلك أنَّ ابن مَخَاضٍ أتى أمَّه يريد أن يرضَعها ؛ فأوجع ضَرعها فعضَّتْه ، فلم يَنْهَهُ ذلك أنْ عاد. يقال ذلك للرجل يُمنَع فيعود.
عط العين والطاء أُصَيْلٌ يدلُّ على صوتٍ من الأصوات. من ذلك العَطْعطة. قال الخليل : هى حكايةُ صوت المُجّانِ إذا قالوا : عِيطَ عِيط.
وقال الدّريدىّ (3): «العطعطة : حكاية الأصوات إذا تتابعت فى الحرب». ومن الباب قول أبى عمرو : إنّ العَطاط : الشُّجاع الجسيم ، ويوصَف به الأسد. وهذا أيضاً من الأوّل ، كأنّ زئيرَه مشبَّه بالعطعطة. قال المتنخِّل (4):
1) أنشده فى اللسان (غضا) برواية : «أبعير عض أنت ضخم رأسه». وفى الأصل : «شنث المشافر أم بعير عاض» ، محرف.
2) فى الأصل : «أعرابى أم هجين».
3) الجمهرة (1 : 117). ونصه : «وقالوا : العطعطة ، وهى تتابع الأصوات فى الحرب وغيرها».
4) فى الأصل : «المخبل» تحريف. والبيت من قصيدة له فى القسم الثانى من مجموع أشعار الهذليين 89 ونسخة الشنقيطى 47 وأنشده فى المجمل بدون نسبة ، ورواه صاحب اللسان فى (عطط) منسوبا إلى المتنخل.
وذلك يقتل الفِتْيانَ شَفْعاً *** ويسلُبُ حُلَّةَ اللَّيثِ العَطاط
ومن الباب أيضاً : العَطُّ : شَقُّ الثّوب عَرضاً أو طولاً من غير بَينونة. يقال جذبت ثوبَه فانعَطّ ، وعططته أنا : شقَقْته. قال المتنخِّل (1):
بِضربٍ فى القوانس ذى فُرُوغٍ *** وطعنٍ مثلِ تعطيطِ الرِّهاطِ
وقال أبو النجم :
كأنّ تحتَ دِرْعِها المنعَطِّ *** شَطَّا رميتَ فوقَه بشطِّ (2)
والأصل فى هذا أيضاً من الصَّوت ، لأنّه إذا عطّه فهناك أدنَى صوت.
عظ العين والظاء ذكر فيه عن الخليل شىءٌ لعله أن يكونَ مشكوكاً فيه. فإن صحَّ فلعله أنْ يكون من باب الإبدال ، وذلك قوله : إنّ العَظَّ الشِّدَّة فى الحرب ؛ يقال عَطَّتْه الحرب ، مثل عَضَّتْه (3): فكأنّه من عضّ الحرب إياه.
فإن كان إبدالاً فهو صحيح ، وإلّا فلَا وجهَ له. وربما أنشدوا :
بصير فى الكَريهة والعِظاظِ (4)
ومما لعلّه أن يكون صحيحاً قولُهم إنَ العَظعَظة : التواء السَّهم إذا لم يَقْصِد للرّمِيَّة وارتعَشَ فى مُضِيِّه. [عَظعَظ] يُعَظعِظ ، عظعظةً وعِظعاظاً (5)، وكذلك
عظعظ الدّابّة فى المِشْية ، إذا حَرّك ذَنَبه ومشى فى ضِيقٍ من نَفَسِه : والرّجُل الجبانُ يُعظعِظُ عن مُقاتِلِه ، إذا نكَص عنه ورجَع وحادَ. قال العجّاج :
وعَظعظَ الجبانُ والزِّينىُ (1)
قال أبو عبيد : ومن أمثالهم : «لا تَعِظِينى* وتعظْعظِى (2)».
عفق العين والفاء والقاف أصل صحيح ، يدلُّ على مجىء وذَهاب ، وربما يدلُّ على صوت من الأصوات. قال الخليل : عفَق الرّجُل يَعْفِق عَفْقاً ، إذا ركب رأسَه فمضَى. تقول : لا يزال يعفِق العفقةَ ثم يرجع ، أى يغيب الغَيبة. والإبل تَعفِق عَفْقاً وعُفُوقاً ، إذا أُرْسِلَتْ فى مراعيها فمرّت على وجوهها. وربما عفَقَتْ عن المرعى إلى الماء ، ترجع إليه بين كلِّ يومين. وكلُّ واردٍ وصادرٍ عافقٌ ؛ وكلُّ راجع مختلفٍ عافِق. وقال ابنُ الأعرابىّ فى قوله :
حتَّى تَرَدَّى أربعٌ فى المنعَفَقْ (3)
فما اختلاها صفقة في المنصفق
1) ديوان العجاج 71 واللسان (عظظ) مع تحريف.
2) فى الأصل : «وتعظظى» ، صوابه فى المجمل واللسان. وزاد بعده فى المجمل : «أى لا توصينى ووصى نفسك. كذا جاء عن العرب». وفى اللسان : «معنى تعظعظى كفى وارتدعى عن وعظك إياى. ومنهم من يجعل تعظعظى بمعنى اتعظى ، روى أبو عبيد هذا المثل عن الأصمعى فى ادعاء الرجل علما لا يحسنه».
3) لرؤبة بن العجاج فى ديوانه 108 واللسان (عفق ، صفق). وقبله :
قال : أراد فى المُنصَرَف عن الماء (1). قال : ويقال : عفَق بنو فلانٍ [بنى فلانٍ] ، أى رجَعوا إليهم. وأنشد :
عَفْقاً ومن يرعى الحُمُوضَ يعْفِقِ (2)
والمعنى أنّ من يرعى الحموض تَعطَشُ ماشيتُه سريعاً فلا يجدُ بُدَّا من أن يَعْفِق ، أى يرجعَ بسُرعة.
ومن الباب : عفَقَه عن حاجته ، أى ردَّه وصَرَفه عنها. ومنه التعفُّق ، وهو التصرُّف والأخْذ فى كلِّ وجهٍ مشياً لا يستقيم ، كالحيّة.
قال أبو عمرو : العَفْق : سرعة رَجع أيدى الإبل وأرجلِها. قال :
يَعْفِقْنَ بالأرجل عَفْقاً صُلْبا
قال أبو عمرو : وهو يعفِّق الغنم ، أى يردُّها عن وجوهها. ورجلٌ مِعفاق الزِّيارة لا يزال يجىء ويذهب. ويذكر عن بعض العرب أنّه قال : «انتلى فيها تأويلات (3)ثم أعْفِق» ، أى أقضى بقايا من حوائجى ثم أنصرف.
قال ابن الأعرابى : تَعَفَّقَ بالشىء ، إذا رجع إليه مرّةً بعد أخرى. وأنشد :
تَعفَّقَ بالأرظَى لها وأرادَها *** رجالٌ فبذَّتْ نبلَها وكليبُ (4)
1) فى اللسان : «فى منعفقها ، أى فى مكان عفق العير إياها. وعفق العير الأتان يعفقها عفقا : سفدها. وعفقها عفقا ، إذا أتاها مرة بعد مرة».
2) فى اللسان (حمض ، عفق): «غبا» بدل «عفقا». والذى أنشده فى المجمل : «من يرع الحموض يعفق» ، بحذف الكلمة الأولى وجزم «يرع».
3) كذا وردت هذه الكلمات فى الأصل.
4) البيت لعلقمة الفحل فى ديوانه 132 والمفضليات (3 : 192) واللسان (عفق). والرواية فى جميعها : «فبذت نبلهم».
ومن الباب : قولهم للحَلَب عِفاق (1). وتلخيصُ هذا الكلام أنْ يحلبَها كلَّ ساعة. يقال عَفَقْتَ ناقتَك يومَك أجمعَ فى الحَلَب. وقال ذو الخِرَق :
عليك الشاءَ شاءَ بنى تميمٍ *** فعافِقْهُ فإنّك ذُو عِفاقِ (2)
ومن الباب : عفَقت الرِّيحُ التُّرابَ ، إذا ضربَتْه وفَرّقته. قال سُويد :
وإن تك نارٌ فهى نار بملتقىً *** من الرِّيح تَمْرِيها وتَعفِقها عَفْقا
وأمّا الذى ذكرناه من الصَّوت فيقولون : عَفَق بها ، إذا أنبقَ بها وحَصَم (3).
ومما يقرُب من هذا الباب العَفْق ضربٌ بالعصا ، والضِّرابُ (4)، وكأنَّ ذلك تَصْوِيت(5).
عفك العين والفاء والكاف أصل صحيح ، وهو لا يدلُّ إلّا على صفةٍ مكروهة. قال الخليل : الأعْفَك : الأحمق. قال :
صاحِ ألم تعجَبْ لذاك الضَّيْطَرِ *** الأعْفَكِ الأخرَقِ ثمّ الأعسَرِ (6)
1) لم ترد هذه الكلمة فى اللسان. وفى القاموس : «والعفق والعفاق : كثرة حلب الناقة ، والسرعة فى الذهاب».
2) لذى الخرق الطهوى ، كما فى مجالس ثعلب 184 ونوادر أبى زيد 116 واللسان (عفق ، عقا). ونسبت بعض أبيات المقطوعة إلى قريط بن أنيف فى اللسان (عنق).
3) فى الأصل : «أثبق بها» ، تحريف. وفى اللسان (نبق): «أبو زيد : إذا كانت الضرطة ليست بشديدة قيل: أنبق بها إنباقا». وفى المخصص (5 : 58): «خج بها : ضرط. أبو عبيد : فإن كانت ليست بشديدة قيل أنيق».
4) فى المجمل : «والعفق كثرة الضراب» ، وفى الأصل هنا : «والصوات» ، تحريف.
5) فى الأصل : «لصويت».
6) أنشد هذا الرجز فى اللسان (عفك).
الضيطر : الأحمق الفاحش ، والأعفك أيضا والأخرق : الذى لا خيرَ فيه ولا يُحسِن عَملاً ، وهو المخلَّع من الرِّجال.
قال ابن دريد (1). «بنو تميم يسمُّون الأعسَر الأعفَك».
عفل العين والفاء واللام كلمة تدلُّ على زيادةٍ فى خلقة. قال الخليل : العَفَل يخرج فى حياء النّاقة كالأُدرة ، وهى عَفْلاء. ويقال : العَفْل شحمُ خُصْبَى الكَبْش. قال بشر :
وارمُ العَفْل مُعْبَرُ (2)
جزير الفا طبعان يربض حجرة *** حديث الحصاء وارم العقل معير
قال الكسائىّ : العَفْل : الموضع الذى يَجَسُ (3)من الشاة إذا أرادوا أن يعرفوا سِمَنها.
عفن العين والفاء والنون كلمة تدلُّ على فسادٍ فى شىءٍ ، من نَدَى. وهو عَفِن الشَّىءُ يعفَن عَفَناً.
عفو العين والفاء والحرف المعتلّ أصلان يدلُّ أحدهما على تركِ الشىء ، والآخر على طَلَبِه. ثم يرجع إليه فروعٌ كثيرة لا تتفاوَتُ فى المعنى.
فالأوّل : العَفْو : عَفْو اللّه تعالى عن خَلْقه ، وذلك تركُه إيّاهم فلا يعاقبُهم ، فَضْلاً منه. قال الخليل : وكلُّ مَن استحقَّ عُقوبةً فتركْتَه فقد عفوتَ عنه. يقال .
عفا عنه يعفُو عَفْوا. وهذا الذى قاله الخليل صحيح ، وقد يكون أن يعفُوَ الإنسان عن الشَّىء بمعنى الترك ، ولا يكون ذلك عن استحقاق. ألا ترى أنّ النبىّ عليه السلام قال : «عفوت عنكم عن صَدَقة الخيل». فليس العفو هاهنا عن استحقاق ، ويكون معناه تركت أن أُوجِب عليكم الصّدقةَ فى الخيل.
ومن الباب العافية : دِفاع اللّه تعالى عن العبد ، تقول عافاه اللّهُ تعالى من مكروهةٍ ، وهو يعافيه معافاةً. وأعفاه اللّه بمعنى عافاه *. والاستعفاء : أن تطلب إلى مَن يكلِّفك أمراً أن يُعفِيَك منه. قال الشَّيبانى : عفا ظهرُ البعير ، إذا تُرِك لا يُركَب وأعفيتُه أنا.
ومن الباب : العِفاوة : شىء يُرفَع من الطعام يُتحَف به الإنسان. وإنَّما هو من العَفْو وهو الترك ، وذلك أنّه تُرِك فلم يُؤكَل. فأمّا قول الكميت :
وظَلّ غُلامُ الحىِّ طيّانَ ساغباً *** وكاعبُهم ذاتُ العِفاوةِ أسْغَبُ (1)
فقال قوم : كانت تعطى عفو المال فصارت تسغب لشدّة الزمان. وهذا بعيد ، وإنّما ذلك من العِفاوة. يقول : كان يُرْفَعُ لها الطّعامُ تُتحَف به ، فاشتدَّ الزّمانُ عليهم فلم يَفْعلوا ذلك.
وأمّا العَافى من المرق فالذى يردُّه المستعير للقِدر. وسمِّى عاقباً لأنّه يُترك فلم يؤكل. قال:
إذا رَدّ عافِى القدر مَن يستعيرها (2)
فلا تسأليني واسألى ما خليقتي
ومن هذا الباب : العَفْو : المكان الذى لم يُوطأ. قال :
قبيلةٌ كشِراك النَّعل دارجةٌ *** إنْ يَهبِطوا العَفْوَ لا يوجدْ لهم أثرُ (1)
أى إنّهم من قلتهم لا يُؤثِّرون فى الأرض.
وتقول : هذه أرضٌ عَفْو : ليس فيها أثر فلم تُرعَ وطعامٌ عَفْو : لم يَمَسَّه قبلّك أحد ، وهو الأُنُف.
فأمَّا قولُهم عفا : درس ، فهو من هذا ؛ وذلك أنّه شىء يُترَك فلا يُتعهَّد ولا يُنزَل ، فيَخفى على مرور الأيّام. قال لبيد :
عَفَتِ الدِّيار محلُّها فمُقامها *** بمِنًى تأبَّد غَوْلُها فِرجامُها (2)
ألا تراه قال «تأبَّد» ، فأعْلَمَ أنَّه أتى عليه أبَدٌ. ويجوز أن يكون تأبَّد ، أى الِفَتْه الأوابد ، وهى الوحش.
فهذا معنى العفو ، وإليه يرجع كلُّ ما أشبهه.
وقول القائل : عفا : درس ، وعفا : كثُر - وهو من الأضداد - ليس بشىء ، إنّما المعنى ما ذكرناه ، فإذا تُرِك ولم يُتعهَّد حتّى خَفِيَ على مَرّ الدهر فقد عفا ، وإذا تُرِك فلم يُقطَع ولم يُجَزَّ فقد عفا (3). والأصل فيه كلِّه التَّرك كما ذكرناه.
ومن هذا الباب قولهُم : عليه العَفاء ، فقال قومٌ هو التُّراب ؛ يقال ذلك فى الشَّتيمة. فإن كان صحيحاً فهو التُّراب المتروك الذى لم يُؤثَّر فيه ولم يُوطَأ ؛ لأنّه إذا
وُطِئ ولم يُترَك من المَشْى عليه تكدَّدَ فلم يكُ تراباً. وإن كان العَفاء الدّروسَ فهو على المعنى الذى فسَّرناه. قال زُهير :
تحمّل أهلُها عنها فبانُوا *** على آثارِ مَن ذَهَب العَفاءُ (1)
يقال عفَت الدار فهو تعفو عَفاءً ، والرِّيح تعفو الدّار عَفاءً وعَفْوا. وتعفَّت الدّارُ تَعَفياً (2).
قال ابنُ الأعرابىّ : العفو فى الدَّار : أن يكثُر التُّرابُ عليها حتّى يغطِّيَها. والاسم العَفاء ، والعَفو.
ومن الباب العِفو والعُفو (3)، والجمع العِفاء ، وهى الحُمُر الفِتاء (4)، والأنثى عفوة والجمع عِفَوَة. وإنّما سمِّيت بذلك لأنَّها تُترك لا تُركَب ولا يُحمل عليها. فأمّا العِفَوَة فى هذا الجمع فلا يُعلَم فى كلام العرب واوٌ متحرِّكة بعد حرفٍ متحرّك فى آخر البناء غير هذه ، وذلك أنَّهم كرهوا أن يقولوا عِفَاةٌ.
قال الفراء : العِفْوُ والعُفْو ، والعِفْي والعُفْى : ولد الحمار ، والأنثى عِفوة ، والجمع عِفاء. قال :
بضربٍ يُزيل الهامَ عن سَكِناتِه *** وطعنٍ كتَشهاق العَفِا هَمَّ بالنَّهْقِ (5)
ومن الباب العِفاء : ما كثُر من الوَبَر والرِّيش ، يُقال ناقة ذات عِفاء ، أى كثيرة الوَبَر طويلتُه قد كاد يَنْسِل. وسمِّى عِفاءً لأنّه تُرك من المَرْط
والجَزّ. وعِفاء النّعامة : الريش الذى علا الزِّفّ الصِّغار. وكذلك عِفاء الطَّير ، الواحدةُ عِفاءة ممدود مهمور. قال : ولا يُقال للريشة عِفاءة حتى يكون فيها كثافةٌ.
وقولُ الطرِمّاح :
فيا صُبحُ كَمِّشْ غُبَّرَ اللَّيلِ صُعِدا *** بِبَمِّ ونبّه ذا العِفاء الموشَّحِ (1)
إذا صاح لم يُخْذَل وجاوَبَ صوتَه *** حِماشُ الشَّوى يَصدحنَ من كلِّ مَصدَحِ
فذو العِفاء : الرِّيش. يصف ديكاً. يقول : لم يُخذل ، أى إنّ الدّيوكَ تجيبه من كلِّ ناحية.
وقال فى وَبَر الناقة :
أُجُد موثّقة كأنّ عِفاءَها *** سِقطانِ من كنَفَىْ ظليمٍ نافرِ (2)
وكأن؟ وفضل؟ *** فمنان من كتفى ظلم تافر
وقال الخليل : العِفاء : السَّحاب كالخَمْل فى وجهه. وهذا صحيح وهو تشبيه ، * إنما شبّه بما ذكرناه من الوبَر والريش الكثيفَين. وقال أهل اللغة كلُّهم : يقال من الشّعر عَفَوْته وعَفيْته ، مثل قلوته وقليته ، وعفا فهو عافٍ ، وذلك إذا تركتَه حتى يكثُر ويَطُول. قال اللّه تعالى : ( حَتَّى عَفَوْا ) ، أى نَمَوْا وكثُرُوا. وهذا يدلُّ على ما قلناه ، أنّ أصل الباب فى هذا الوجه التّرك. ر
قال الخليل : عفا الماءُ ، أى لم يطأْه شىء يكدِّره. وهو عَفْوَة الماء (1). وعَفَا المَرعى ممن يحُلُّ به عَفَاءً طويلا.
قال أبو زيد : عَفْوَة الشّرَاب : خيره وأوفره. وهو فى ذلك كأنّه تُرك فلم يُتَنَقَّص ولم يُتَخَوَّنْ.
والأصل الآخر الذى معناه الطَّلَب قول الخليل : إنّ العُفاةَ طُلّاب المعروف ، وهم المعتَفُون أيضاً. يقال : اعتفيتُ فلاناً ، إذا طلبتَ معروفه وفَضْله. فإنْ كان المعروف هو العَفو فالأصلان يرجعان إلى معنًى ، وهو الترك ، وذلك أنّ العَفو هو الذى يُسمح به ولا يُحْتَجَن ولا يُمسَك عليه.
قال أبو عمرو : أعطيته المال عَفْواً ، أى عن غير مسألة.
الأصمعىّ : اعتفاه وعَفَاهُ بمعنًى واحد ، يقال للعُفاة العُفَّى.
......... لا يَجدِبوننى *** إذا هَرَّ دونَ اللحم والفَرث جازِرُهْ (2)
قال الخليل : العافية طُلّاب الرزق اسمٌ جامع لها. وفى الحديث : «مَن أحيا أرضاً ميْتَةً فهى له ، وما أكَلَتِ العافِيَةُ[منها (3)] فهى له صَدَقةٌ».
قال ابنُ الأعرابىّ : يقال ما أكثَرَ عافيةَ هذا الماء ، أى واردتَه من أنواعٍ شتّى. وقال أيضاً : إبل عافية ، إذا وردَت على كلأٍ قد وطئه النّاس ، فإذا رعَتْه لم ترضَ به فرفعت رَؤُسَها عنه وطلبت غيرَه.
وقال النَّضر : استعفت الإبل هذا اليَبِيسَ بمشافرها ، إذا أخذَتْه من فوق التُّراب.
عفت العين والفاء والتاء كلمة تدلُّ على كسر شىء ، يقولون : عَفَتَ العظمَ : كسَرَه. ثم يقولون العَفت فى الكلام : كَسْرُه لُكنةً ، ككلامِ الحبشىّ (1).
عفج العين والفاء والجيم كلمتان : إحداهما عُضو من الأعضاء والآخر ضَرْبٌ.
فالأولى الأعفاج : الأمعاء ، ويقولون : إنّ واحدها عِفج وعَفْج (2).
وأمّا الأخرى فيقال عَفَج ، إذا ضَرَب. ويقال للخشبة التى يَضرب بها الغاسلُ الثِّياب: مِعفاج. وسائر ما يقال فى هذا الباب مما لا أصل له.
عفر العين والفاء والراء أصلٌ صحيح ، وله معانٍ. فالأول لون من الألوان ، والثانى نبت ، والثالث شدّة وقُوّة ، والرابع زَمان ، والخامس شىءٌ من خَلْق الحيوان.
فالأول : العُفرة فى الألوان ، وهو أن يَضرِب إلى غُبْرَة فى حمرة ؛ ولذلك سمّى التراب العَفَر. يقال : عفَّرت الشىء فى التُّراب تعفيرا. واعتَفَر الشّىء : سقَط فى العَفَر. قال الشاعر (3)يصف ذوائب المرأة ، وأنّها إذا أرسلتها سقطَتْ على الأرض.
تهلك المِدْراةُ فى أكنافِه *** وإذا ما أرسَلتْه يَعْتفِرْ (1)
قال ابن دريد (2): العَفْر ظاهر تراب الأرض ، بفتح الفاء ، وتسكينها. قال : «والفتح اللُّغة العالية».
ويقال للظّبى أعفَرُ للونِه. قال :
يقول لىَ الأنباط إذْ أنا ساقطٌ *** به لا بظبىٍ فى الصَّريمة أعفرا (3)
أقول له لما؟ نعيه *** به لا يغطى بالصريحة؟
قال : وإنما ينسب إلى اسم التُّراب. وكذلك الرَّمْل الأعفر. قال : واليَعْفُور الخِشْف ، سمِّى بذلك لكثرة لُزوقه بالأرض. قال ابن دريد (4): «العَفِير لحمٌ يجفَّف على الرَّمل فى الشمس».
ومن الباب : شربت سَويقاً عَفِيراً ، وذلك إذا لم يُلَتَّ بزَيت ولا سَمن.
فأمَّا الذى قاله ابن الأعرابىّ ، من قولهم : «وقعوا فى عافور شرّ» مثل عاثور ، فممكن أن يكون من العَفَر ، وهو التُّراب ، وممكن أن يكون الفاء مبدلة من ثاء. وقد قال ابنُ الأعرابىّ : إنّ ذلك مشتقُّ من عَفّرَه ، أى صرعه ومرَّغه فى التراب.
وأنشد :
جاءت بشرٍّ مَجْنَبٍ عافورِ (5).
فأمّا ما رواه أبو عبيدة أنّ العَفْر : بذر الناس الحبوب ، فيقولون عَفَروا أى بذروا ، فيجوز أن يكون من هذا ؛ لأنّ ذلك يلقى فى التُّراب.
قال الأصمعىّ : ورُوِى فى حديث عن هلالِ بن أميّة : «ما قَرِبْت امرأتى منذ عَفّرنا».
ثم يحمل على هذا العَفَار ، وهو إبَار النَّخل وتلقيحه. وقد قيل فى عَفار النخل غيرُ هذا ، وقد ذُكِر فى موضعه.
وقال ابن الأعرابىّ : العُفْر : الليالى البِيض. ويقال لليلةِ ثلاثَ عشرةَ من* الشَّهر عَفْراء ، وهى التى يقال لها ليلة السَّوَاء. ويقال إنّ العُفْر : الغنمُ البِيض الجُرد ؛ يقال قوم مُعْفِرُون ومضيئون. قال : وهذيل مُعْفِرَة ، وليس فى العرب قبيلة مُعْفِرَة غيرها.
ويقولون : ما على عَفَر الأرض مثلُه ، أى على وجهها.
ومن الباب أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، كان إذا سَلم جافَى عَضُديه عن جَنْبيه حتَّى يُرَى من خلفه عُفْرةُ إبطَيْه.
وأمّا الأصل الثانى فالعَفار ، وهو شجرٌ كثير النّار تُتَّخذ منه الزِّناد ، الواحدة عَفارة. ومن أمثالهم : «اقدَحْ بعَفارٍ أو مَرْخ ، واشدُد إن شئت أو أرْخ».
قال الأعشى :
زِنادُك خيرُ زِناد الملو *** كِ خالَطَ منهنّ مرْخٌ عَفارا (1)
ولعلَّ المرأة سمِّيت «عَفَارة» بذلك. قال الأعشى :
1) ديوان الأعشى 41 والجمهرة (عفر).
بانَت لتَحزُنَنا عَفارَهْ *** يا جارتَا ما أنتِ جارهْ (1)
وكذلك «عُفيرة (2)». وقال بعضهم : العُفُر : جمع العَفار من الشَّجر الذى ذكرناه. وأنشدوا :
قد كان فى هاشمٍ فى بيت محضِهِم *** وارى الزِّناد إذا ما أصْلَد العُفُر
ويقولون : «فى كلِّ شجرٍ نار ، واستَمْجَد المَرْخُ والعَفار» ، أى إنَّهما أخذا من النّار ما أحْسَبَهُما (3).
والأصل الثالث : الشِّدّة والقوّة. قال الخليل : رجل عِفْرٌ بيِّنُ العَفارة ، يوصَف بالشَّيطنة ، ويقال : شَيطانٌ عِفْرِيَة وعفريت ، وهم العفاريَةُ والعفاريت. ويقال إنّه الكَيِّس الظَّريف. وإن شئتَ فعِفْرٌ وأعفارٌ ، وهو المتمرّد. وإنَّما أُخِذ من الشّدّة والبَسالة. يقال للأسد عِفِرٌّ وعَفرْنَى. ويقال للخبيث عِفِرِّينُ ، وهم العِفِرُّون. وأسَد عَفَرنَى ولبؤة عَفَرناة ، أى شديدة. قال :
بذاتِ لَوْثٍ عَفْرناةٍ إذا عَثَرت *** فالتَّعسُ أدنَى لها من أن أقول لَعا (4)
ويسمُّون دويْبَّة من الدّوابّ «ليث عِفِرّين» ، وهذا يقولون إنّ الأصل فيه البابُ الأوّل ؛ لأنَّ مأوَى هذه الدويْبَّة التُّراب فى السهل ، تدوِّر دارةً ثم تندسُّ فى جوفها ، فإذا هيجَ رمَى بالتُّراب صُعُدا.
قال الخليل : ويسمُّون الرّجُل الكاملَ من أبناء الخمسين : ليث عِفِرّين. يقولون : «ابنُ العَشْر لعّابٌ بالقُلِين (1)، وابنُ العِشرين باغى نِسِين (2)، وابن ثلاثين أسعى السَّاعين ، وابن الأربعين أبطش الباطشين ، وابن الخمسين ليثُ عِفِرِّين ، وابن ستِّين مؤنس الجلِيسِين ، وابن السبعين أحكم الحاكمين ، وابن الثَّمانين أسرع الحاسبين ؛ وابن التسعين واحدُ الأرذَلِين ، وابن المائة لا جاء ولا ساء (3)» ، يقول : لا رجلٌ ولا امرأة.
قال أبو عُبيد : العِفريَة النفريَة : الخبيث المنكر. وهو مِثل العِفْر ، يقال رجل عِفْرٌ ، وامرأة عِفرة.
وفى الحديث : «إنَّ اللّه تعالى يُبغِض العِفريَة النِّفرِية ، الذى لم بُرْزَأ فى ماله وجسمه». قال : وهو المصحَّح الذى لا يكاد يَمرَض.
وزعم بعضُهم أن العَفَرفَر (4)مثل العَفَرنَى من الأُسود ، وهو الذى يَصرع قِرنَه ويَعفِر. فإذا كان صحيحاً فقد عاد هذا البابُ إلى الباب الأوّل. وأنشد :
إذا مشَى فى الحَلَق المُخَصَّرِ *** وبَيْضَةٍ واسعةٍ ومِغفرِ
يَهُوس هَوسَ الأسدِ العَفَرفرِ
ويقال إنَ عَفَار : اسم رجل ، وإنَّه مشتق من هذا ، وكان يُنسب إليه النِّصال. قال :
نصلٌ عَفارِىٍ شديدٍ عَيرُه (1)*** لم يبق مِ النِّصال عادٍ غَيرُه (2)
ويقال للعِفِرّ عُفارِية أيضاً. قال جرير :
قَرنْتُ الظّالمِينَ بمرمريسٍ *** يذلُّ له العُفارِيَة المَريدُ (3)
والأصل الرَّابع من الزَّمان قولُهم : لقيته عن عُفْر : أى بعد شهرٍ. ويقال بلرّجُل إذا كان له شرف قديم : ما شرفُك عن عُفْر ، أى هو قديم غير حديث. قال كُثَيِّر :
ولم يك عن عُفْرٍ تفرُّعُك العُلَى *** ولكنْ مواريثُ الجدودِ تَؤُولُها
أى تُصلِحها وترُبُّها وتَسُوسها.
ويقال فى عَفار النخل : إنَّ النّخلَ كان يُترَك بعد التَّلقيح أربعين يوماً لا يُسقَى.
قالوا : ومن هذا الباب التّعفير ، وهو أن تُرضع المُطْفِلُ ولدَها ساعةً وتتركه ساعة. قال لَبيد :
لِمُعَفَّر قَهْدٍ* تنازَعَ شِلْوَهُ *** غُبْرٌ كواسِبُ لا يُمنُّ طعامها (4)
وحُكى عن الفَرّاء أنّ العَفِير من النِّساء هى التى لا تُهدى لأحدٍ شيئاً. قال : وهو مأخوذٌ من التّعفير الذى ذكرناه. وهذا الذى قاله الفرّاء بعيدٌ من الذى
شبّه به ، ولعلَ العفير هى التى كانت هدِيّتها تدوم وتَتَّصل ، ثم صارت تهدى فى الوقت. وهذا على القياس صحيح. ومما يدلُّ على هذا البيتُ الذى ذكر الفرّاء للكميت :
وإذا الخُرَّد اغبَرَرْن من المحْ *** لِ وصارت مِهداؤُهن عَفِيرا (1)
فالمِهداء التى مِن شأنها الإهداء ، ثم عادت عَفيراً لا تُديم الهديَّة والإهداء.
وأمّا الخامس فيقولون : إنَ العِفرِيَة والعِفْراة واحدة ، وهى شَعَر وسط الرّأس. وأنشد:
قد صَعَّد الدّهرُ إلى عِفراتِه *** فاحتصَّها بشفرتَىْ مِبراتِه (2)
وهى لغة فى العِفريَة ، كناصِيَة وناصاة. وقد يقولون على التشبية لعرف الديك : عِفريَة. قال :
كعِفريَة الغَيورِ من الدَّجاجِ
أى من الدِّيَكة. قال أبو زيد : شعر القفا من الإنسان العِفرِيَة.
عفز العين والفاء والزاء ليس بشىء ، ولا يُشبِه كلامَ العرب. على أنهم يقولون : العَفْز: ملاعَبة الرّجلِ امرأتَه ، وإنّ العَفْز : الجَوز. وهذا لا معنى لذكره.
عفس العين والفاء والسين أصل صحيح يدلُّ على ممارسَة ومعالَجة. يقولون : هو يعافس الشَّىء ، إذا عالَجَه. واعتفَسَ القومُ : اصطرعوا.
وعُفِسَ ، إذا سُجِن. وهذا على معنى الاستعارة ، كأنَّه لما حُبِس كان كالمصروع. والمعفوس: المبتَذَل. والعَفْس : سَوق الإبل. والمعنى فى ذلك كلِّه متقارب.
عفص العين والفاء والصاد أُصَيل يدلُّ على التواء أوْلَىٍّ. يقال : عَفَص يدَه : لَوَاها. ويقولون : العَفَص : التواءِ فى الأنف.
عفط العين والفاء والطاء أُصَيْل صحيح يدلُّ على صُوَيت ، ثم يحمل عليه. يقولون : العَفْطَة : نَثْرة الضائنة بأنفها. يقال : «ما له عافطة ولا نافطة». ويقال إنّ العافطة الأمَة ، والنافطة الشّاة. ثم يقولون للألْكَن العِفطِىّ (1). ويقولون : عَفَط بغنمه ، إذا دعاها. واللّه أعلم بالصواب.
عقل العين والقاف واللام أصلٌ واحد منقاس مطرد ، يدلُّ عُظْمُه على حُبْسة فى الشَّىء أو ما يقارب الحُبْسة. من ذلك العَقْل ، وهو الحابس عن ذَميم القَول والفِعل.
قال الخليل : العَقل : نقيض الجهل. يقال عَقَل يعقِل عَقْلا ، إذا عرَفَ ما كان يجهله قبل ، أو انزجَر عمّا كان يفعلُه. وجمعه عقول. ورجل عاقلٌ وقوم عُقَلاء وعاقلون. ورجل عَقُول ، إذا كان حسَنَ الفَهم وافر العَقل. وما له مَعقولٌ ، أى عقل ؛ خَرج مَخرجَ المجلود للجَلادة ، والمَيْسور لليُسْر. قال :
1) فى الأصل : «العفاطى» ، صوابه فى المجمل واللسان. ويقال أيضا فى معناه «عَفّاط».
فقد أفادت لهم عقلاً وموعِظةً *** لمن يكون له إرْبٌ ومعقولُ (1)
ويقال فى المثل : «رُبَّ أبْلَهَ عَقول». ويقولون : «عَلِمَ قتيلا وعَدِم معقولا». ويقولون : فلانٌ عَقُولٌ (2)للحديث ، لا يفلت الحديثَ سَمْعُه. ومن الباب المَعقِل والعَقْل ، وهو الحِصن ، وجمعه عُقول. قال أحيحَة :
وقد أعددت للحِدْثان صَعْباً *** لو أنّ المرءَ تنفعُه العقُول
يريد الحصون.
ومن الباب العَقْل ، وهى الدِّيَة. يقال : عَقَلْتُ القتيلَ أعْقِله عقلا ، إذا أدّيتَ ديتَه. قال :
إنِّى وقتلى سُلَيكاً ثمَ أعْقِلَه *** كالثّور يُضرَب لمّا عافت البقرُ (3)
الأصمعىّ : عقلت القتيلَ : أعطيتُ دِيتَه. وعقَلت عن فلانٍ ، إذا غَرِمْتَ جنايتَه. قال : وكلَّمت أبا يوسف القاضىَ فى ذلك بحضرة الرشيد ، فلم يفرِق بين عَقَلته وعقَلت عنه ، حتَّى فَهَّمْته.
والعاقلة : القوم تُقَسَّم عليهم الديّة فى أموالهم إذا كان قتيلُ خطأ. وهم بنو عمِّ القاتل الأدنَون وإخوتُه. قال الأصمعىّ : صار دم فلان مَعْقُلة على قومه ، أى صاروا يَدُونه.
ويقول بعض العلماء : إن المرأة تُعاقِل الرّجُلَ إلى ثلث ديتها*. يعنون أنّ مُوضِحتَها وموضحتَهُ سواء (1)، فإذا بلغ العَقلُ ما يزيد على ثُلث الدية صارت ديةُ المرأة على نصف دِيَة الرّجل.
وبنو فلانٍ على معاقلهم التى كانوا عليها فى الجاهلية ، يعنى مراتبَهم فى الدِّيات ، الواحدة مَعْقُلة. قالوا أيضاً : وسمِّيت الديّة عَقْلاً لأنّ الإبل التى كانت تُؤخَذ فى الدِّيات كانت تُجمَع فتُعقَل بفناء المقتول ، فسمِّيت الدّيةُ عقلاً وإن كانت دراهمَ ودنانير. وقيل سمِّيت عقلاً لأنَّها تُمْسِك الدّم.
قال الخليل : إذا أخذ المصَدِّق صدقةَ الإبل تامّةً لسنة قيل : أخذ عقالاً ، وعقالين لسنتين. ولم يأخذ نقدا ، أى لم يأخذ ثمنا ، ولكنه أخَذَ الصَّدقةَ على ما فيها. وأنشد :
سعى عقالاً فلم يترُكْ لنا سَبَداً
فكيف لو قد سعى عمرٌ وعِقالينِ (2)
وأهل اللغة يقولون : إنَّ الصّدقة كلَّها عِقال. يقال : استُعمِل فلانٌ على عِقال بنى فلان ، أى على صدقاتهم. قالوا : وسمِّيت عقالاً لأنَّها تَعقِل عن صاحبها الطّلبَ بها وتَعقِل عنه المأثَمَ أيضاً.
وتأوَّلُوا قولَ أبى بكر لمَّا منعت العربُ الزكاةَ : «واللّه لو منعونى عِقالاً ممّا
أدَّوه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لقاتلتُهم عليه». فقالوا (1): أراد به صدقةَ عام ، وقالوا أيضاً : إنما أراد بالعِقال الشَّىء التافِه الحقير ، فضَرَب العِقال الذى يُعقَل به البعير لذلك مثلاً. وقيل إنّ المصدِّقَ كان إذا أعطى صدقة إبِلِه أعطى معها عُقُلها وأورَيتَها(2).
قال الأصمعى : عَقَل الظّبى يَعْقِلُ عُقولا (3)، إذا امتنع فى الجبل. ويقال : عَقَل الطّعامُ بطنَه ، إذا أمسَكَه. والعَقُولُ من الدّواء : ما يُمسِك البطن. قال : ويقال : اعتقل رمحَه ، إذا وضَعَه بين رِكابه وساقه. واعتقَلَ شاتَه ، إذا وضعَ رجلَها بين فخذه وساقه فحلبها. ولفلان عُقْلة يَعتقِل بها النّاسَ ، إذا صارعَهم عَقَلَ أرجْلَهم. ويقال عقَلْت البَعِيرَ أعقِلُه عقلاً ، إذا شَدَدتَ يدَه بعِقاله ، وهو الرِّباط. وفى أمثالهم :
الفحلُ يحمى شولَه معقولا (4)
واعتُقل لسانُ فلانٍ ، إذا احتبس عن الكلام.
فأمّا قولُهم : فلانةُ عقيلةُ قومِها ، فهى كريمتُهم وخيارهم. ويُوصَف بذلك السيِّد أيضاً فيقال : هو عقيلة قومه. وعقيلةُ كلِّ شىءٍ : أكرمُه. والدُّرّة : عَقيلة البحر. قال ابنُ قيس الرُّقَيَّات :
درّةٌ مِن عقائِل البحر بكرٌ *** لم يَشِنْها مَثاقب اللآلِ (5)
وذُكِر قياس هذا عن ابن الأعرابىّ ، قالوا عنه : إنما سمِّيت عقيلةً لأنها عَقَلت صواحبَها عن أن يبلُغْنها. وقال الخليل : بل معناه عُقِلت فى خدرها. قال امرؤ القيس :
عقيلة أخدانٍ لها لا دميمةٌ *** ولا ذات خُلْقٍ أن تأمَّلْتَ جَأْنَبِ (1)
قال أبو عبيدة : العقيلة ، الذكر والأنثى سواء. قال :
بَكْرٌ يُبذّ البُزْلَ والبِكارا *** عقيلةٌ من نُجُبٍ مَهَارَى
ومن هذا الباب : العَقَل فى الرّجلين : اصطكاك الرُّكبتين. يقال : بعيرٌ أعقُلُ ، وقد عَقِل عَقَلا. وأنشد :
أخو الحَرْب لَبَّاسٌ إليها جِلالَها *** وليس بولّاج الخوالف أعقلا (2)
والعُقَّال : داء يأخذ الدوابَّ فى الرِّجلين ، وقد يخفف. ودابّة معقولة وبها عُقّال ، إذا مشَتْ كأنَّها تَقلَع رجليها من صخرة. وأكثر ما يكون فى ذلك فى الشَّاء.
قال أبو عبيدة : امرأة عَقْلاء ، إذا كانت حَمْشة السّاقين ضخمةَ العضَلتين. قال الخليل : العاقول من النّهر والوادى ومن الأمور أيضاً : ما التبس واعوجَّ.
وذكِر عن ابن الأعرابىّ ، ولم نسمعه سَماعاً ، أنَ العِقال : البئر القريبة القعر ، سمِّيت عِقالا لقُرْب مائها ، كأنَّها تُستَقَى بالعِقال ، وقد ذُكر ذلك عن أبى عبيدةَ أيضاً.
ومما يقرب من هذا الباب العَقَنْقَل من الرَّمل ، وهو ما ارتكم منه ؛ وجمعه عقاقيل ، وإنما سمِّى بذلك لارتكامه* وتجمُّعه. ومنه عَقنقَل الضّب : مَصِيرُه.
ويقولون : «أطعِمْ أخاك من عقنقل الضّبّ» ، يُتَمثَّل به. ويقولون إنَّه طيِّب. فأمّا الأصمعىّ فإنّه قال : إنَّه يُرمَى به ، ويقال : «أطعم أخاك من عقنقل الضب» استهزاءً. قالوا : وإنما سُمِّى عقنقلاً لتحوِّيه وتلوِّيه ، وكلُّ ما تحوَّى والتوى فهو عَقنقَل ، ومنه قيل لقُضْبان الكَرْم : عقاقيل ، لأنَّها ملتوية. قال :
نجُذّ رقابَ القومِ مِن كلِّ جانبٍ *** كجذِّ عقاقيل الكُرُومِ خبيرُها (1)
فأمّا الأسماء التى جاءت من هذا البناء ولعلَّها أن تكون منقاسة ، فعاقِلٌ : جَبَل (2)بعينه. قال :
لمن الدِّيارُ برامتَينِ فعاقلٍ *** درسَتْ وغيَّرَ آيَهَا القَطْرُ
قال أبو عبيدة : بنو عاقل رهط الحارث بن حُجْر ، سُمُّوا بذلك لأنّهم نزلوا عاقلاً ، وهم ملوك.
ومَعْقلةُ : مكان بالبادية. وأنشد :
وعينٍ كأنَّ البابليَّينِ لَبَّسَا *** بقلبك [منها] يوم مَعْقُلةٍ سِحرا (3)
وقال أوس :
فبطنُ السُّلىِّ فالسِّخالُ تعَذَّرت *** فَمَعقُلةٌ إلى مُطارٍ فواحفُ (4)
قال الأصمعىّ : بالدَّهْناء خَبْرَاءُ يقال لها مَعْقُلة.
وذو العُقَّال : فرسٌ معروف (1). وأنشد :
فكأنما مسحوا بوجهِ حِمارِهم *** بالرَّقْمتين جَبِينَ ذى العُقّالِ (2)
عقم العين والقاف والميم أصلٌ واحد يدلُّ على غموضٍ وضيق وشِدّة. من ذلك قولهم حَرْبٌ عَقام وعُقَام : لا يَلوِى فيها أحدٌ [على أحد (3)] لشِدّتها. وداءٌ عَقَامٌ : لا يُبرَأ منه.
ومن الباب قولهم : رجل عَقام ، وهو الضيِّقُ الخُلُق. قال :
أنت عَقامٌ لا يُصابُ له هوىً *** وذو همّة فى المَطْلِ وهو مُضَيِّعُ (4)
ومن الباب عَقِمت الرّحمُ عُقْماً ، وذلك هَزْمَةٌ تقع فى الرّحِم فلا تقبل الولَد. ويقال : عَقِمَت المرأة وعُقِمَت ، وهى أجودُهما. وفى الحديث : «تُعقَم أصلابُ المنافقين فلا يقدِرون على السجود». والمعنى يُبْسُ مفاصلِهم (5). ويقال رجلٌ عقيم ، ورجال عُقَماء ، ونسوةٌ معقومات وعقائم وعُقُم.
قال أبو عمرو : عُقِمت المرأة ، إذا لم تلد. قال ابنُ الأعرابى : عُقِمَت المرأة عَقُمْا ، وهى معقومة وعقيم ، وفى الرّجل أيضاً عُقِم فهو عقيم ومعقوم. وربما قالوا : عَقَمت فلانةَ ، أى سحرتُها حتى صارت معقومةَ الرّحِم لا تَلِد.
1) هو ابن أعوج بن الدينارى بن الهجيسي بن زاد الركب. اللسان (عقل) ، وابن الكلبى7 - 9 وابن الأعرابى 52 ، 63 وأبو عبيدة 66 والمخصص (6 : 195) ونهاية الأرب (10 : 36 ، 37 ، 41) والعمدة (2 : 182).
2) للفرزدق فى ديوانه 727 برواية : «ذى الرقمتين».
3) التكملة من المجمل واللسان.
4) فى اللسان والمجمل (عقم): «وأنت» بدون الخرم. وفى اللسان فقط : «فى المال».
5) فى اللسان : «تيبس مفاصلهم».
قال الخليل : عقلٌ عقيم ، للذى لا يُجدى على صاحبه شيئاً.
ويروى أنّ العقل عقلان : فعقل عقيمٌ ، وهو عقل صاحب الدنيا ؛ وعقلٌ مثمر ، وهو عقل [صاحب] الآخرة.
ويقال : المُلْك عقيم ، وذلك أنّ الرّجلَ يقتلُ أباه على الملك ، والمعنى أنّه يَسُدّ بابَ المحافظة على النسّب (1). والدنيا عقيم : لا تردُّ على صاحبها خيراً. والرِّيح العَقيم : التى لا تُلقِح شجراً ولا سَحابا. قال اللّه تعالى : ( وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ) ، قيل : هى الدَّبور. قال الكسائىّ : يقال عَقِمت عليهم الرّيح تَعقَم عُقْما. والعقيم من الأرض : ما اعتقمتَها فحفَرْتها. قال :
تزوَّدَ منّا بين أُذْناه ضَربةً *** دَعَتْه إلى هابى التُّراب عقيم (2)
قال الخليل : الاعتقام : الحفر فى جوانب البِئر. قال ربيعة بن مقروم :
وماءٍ آجِنِ الجَمّات قَفرٍ *** تَعقَّمُ فى جوانبه السِّباعُ (3)
وإنما قيل لذلك اعتقامٌ لأنَّه فى الجانب ، وذلك دليل الضِّيقِ الذى ذكرناه.
ومن الباب : المُعاقِم : المُخاصِم ؛ والوجه فيه أنه يضيِّق على صاحبه بالكلام.
وكان الشيبانىّ يقول : هذا كلام عُقْمِىّ ، أى إنَّه من كلام الجاهلية لا يُعرف. وزَعم أنَّه سأل رجلاً من هُذيل يكنى أبا عِياض ، عن حرفٍ من غريب هُذيل ، فقال :
1) فى المجمل : «فكأنه سد باب الرعاية والمحافظة».
2) البيت لهوبر الحارثى كما فى اللسان (هيا) برواية : «أذنيه». وسيأتى فى (هبو). ورواية ابن فارس هذه هى التى يستشهد بها النحويون لإلزام المثنى الألف مطلقا ، وهى لغة بلحارث بن كعب وخثعم وزبيد وكنانة. انظر شذور الذهب وهمع الهوامز. فى إعراب المثنى.
3) البيت فى اللسان (عقم). وهو من قصيدة فى المفضليات (1 :183 - 187).
هذا كلام عِقُمىّ ، أى من كلام الجاهليّة لا يُتكلَّم به اليوم. ويقولون : إنّ الحاجز بين التِّبْن والحَبِّ إذا ذُرِّى الطعامُ مِعْقَم (1).
عقو العين والقاف والحرف المعتل كلماتٌ لا تنقاس وليس يجمعُها أصلٌ ، وهى صحيحة. وإحداها العَقْوة : ما حولَ الدّار. يقال ما يَطُور بعَقْوَةِ فلانٍ أحد. والكلمة الأخرى : العِقْىُ : ما يخرُج من بطن الصبىّ حين يُولَد. والثالثة : العِقْيان ، * وهو فيما يقال: ذهبٌ ينبت نباتاً ، وليس مما يحصَّلَ من الحِجارة.
والاعتقاء مثل الاعتقام فى البئر ، وقد ذكرناه. ويقال عَقَّى الطائر ، إذا ارتفع فى طيَرانه. وعقَّى بسهمه فى الهواء. وينشد :
عَقَّوْا بسهم فلم يَشعُر به أحدٌ *** ثم استفاءُوا وقالوا حبّذا الوَضَحُ (2)
ومن الكلمات أعقى الشَّىءُ ، إذا اشتدَّت مرارتُه.
عقب العين والقاف والباء أصلانِ صحيحان : أحدُهما يدلُّ على تأخير شىء (3)وإتيانِه بعد غيره. والأصل الآخَر يدلُّ على ارتفاعٍ وشدّة وصُعوبة.
فالأول قال الخليل : كلُّ شىء يَعقُبُ شيئاً فهو عَقيبُه ، كقولك خَلف يَخلف ، بمنزلة اللَّيل والنهار إذا مضى أحدُهما عَقَبَ الآخَر. وهما عَقيبانِ ، كلُّ واحدٍ منهما
عَقيبُ صاحبِه. ويعقِّبان ، إذا جاء اللّيلُ ذهب النَّهارُ ، فيقال عَقَّب اللّيلُ النّهارَ وعقب النهارُ اللّيل. وذكر ناسٌ من أهل التفسير فى قوله تعالى : ( لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ) قال : يعنى ملائكةَ اللّيلِ والنّهار ، لأنهم يتعاقبون. ويقال إنَ العَقِيب الذى يُعاقب آخَرَ فى المركَب ، وقد أعقَبْتُه ، إذا نزلْتَ ليركب. ويقولون : عَقِبَ علىَّ فى تلك السِّلعة عَقَبٌ، أى أدركنى فيها دَرَكٌ (1). والتَّعقِبَة : الدَّرَك.
ومن الباب : عاقبت الرجل مُعاقَبة وعُقوبةً وعِقابا. واحذَر العقوبةَ والعَقْب. وأنشَد :
فنعمَ والِى الحُكْمِ والجارُ عمر *** لَيْنٌ لأهل الحقِّ ذو عَقْبٍ ذكَرْ (2)
ويقولون : إنّها لغةُ بنى أسد. وإنّما سمِّيت عقوبة لأنَّها تكون آخراً وثانىَ الذَّنْب. وروى عن [ابن] الأعرابىّ : المعاقِب الذى أدْرك ثأره. وإنَّما سمى بذلك للمعنى الذى ذكرناه (3). وأنشد :
ونحنُ قتَلنا بالمُخارِق فارساً *** جزاءَ العُطاسِ لا يموتُ المعاقِبُ (4)
أى أدركنا بثأره قَدْرَ ما بين العُطاس والتّشميت. ومثله :
فقَتلٌ بقَتلانا وجَزٌّ بجَزّنا *** جزاءَ العُطاسِ لا يموت مَن اتّأرْ (1)
قال الخليل : عاقبةُ كلِّ شىء : آخره ، وكذلك العُقَب ، جمع عُقْبة. قال :
كنتَ أخى فى العُقَبِ النَّوائب
ويقال : استعقَبَ فلانٌ من فِعلِه خيراً أو شرَّا ، واستعقَبَ من أمرهِ ندماً ، وتَعقَّب أيضاً. وتعقَّبْت ما صنَعَ فلانٌ ، أى تتبَّعت أثره. ويقولون : ستَجِد عقِبَ الأمر كخيرٍ أو كشرٍّ ، وهو العاقبة.
ومن الباب قولهم للرجل المنقطع الكلام : لو كان له عَقِبٌ تكلّم ، أى لو كان عنده جواب. وقالوا فى قول عمر :
فلا مالَ إلَّا قد أخذنا عقابَه *** ولا دمَ إلّا قد سفكنا به دَما
قال : عِقابَه ، أراد عُقباه وعُقْبانَه. ويقال : فلانٌ وفلانٌ يعتقبان فلاناً ، إذا تعاوَنَا عليه.
قال الشَّيبانى : إبلٌ معاقِبَةٌ : تَرْعَى الحَمْضَ مَرّةً ، والبقلَ أخرى. ويقال : العواقب من الإبل ما كان فى العِضاهِ ثم عَقَبَتْ منه فى شجر آخر. قال ابنُ الأعرابىّ : العواقب من الإبل التى تُداخِل الماء تشربُ ثم تعود إلى المَعْطِن ثم تعود [إلى الماء (2)] وأنشد يصف إبلا :
روابع خَوامس عواقب
وقال أبو زياد : المعقِّبات : اللواتى يَقُمن عند أعجاز الإبل التى تعترك على
الحوض ، فإذا انصرفَتْ ناقةٌ دخلت (1)مكانَها أخرى ، والواحدةُ مُعَقِّبة. قال :
الناظراتُ العُقَب الصَّوادِفُ (2)
لارى حتى تنهل الروادف
وقالوا : وعُقْبة الإبل : أن ترعى الحَمض [مَرَّةً] والخَلّة أخرى. وقال ذو الرُّمَّة :
ألْهاهُ آءٌ وتَنُّومٌ وعُقْبتُه *** مِن لائح المرو والمرعى له عُقَب (3)
قال الخليل : عَقبت الرّجُل ، أى صرت عَقِبَه أعقُبه عَقْبا. ومنه سمِّى رسول اللّه صلی اللّه عليه [وآله] وسلم : «العاقب» لأنّه عَقَبَ مَن كان قبلَه من الأنبياء عليهم السلام. وفعلْتُ ذلك بعاقبةٍ ، كما يقال بآخِرة. قال :
أرَثَّ حديثُ الوصلِ من أمِّ مَعبدِ *** بِعاقبةٍ وأخلفَتْ كلَّ مَوعِد (4)
وحكى عن الأصمعىّ : رأيتُ عاقبةً من الطَّير ، أى طيراً يَعقُب بعضُها بعضاً ، تقع هذه مكانَ التى قد كانت طارت قبلَها. قال أبو زيد : جئتُ فى عُقب الشهر وعُقْبانِه ، أى بعد مُضِيِّه ، العينان مضمومتان. قال : وجئت فى عَقب الشهر وعُقبه [و] * فى عُقُبِه. قال :
[وقد] أروح عُقُبَ الإصدار *** مُخَتَّراً مسترخِىَ الإزارِ
قال الخليل : جاء فى عَقِب الشهر أى آخرِه ؛ وفى عُقْبِه ، إذا مضى ودخل شىءٌ من الآخر. ويقال : أخذت عُقْبَةً من أسيرِى ، وهو أن تأخذ منه بدلا. قال :
لا بأس إنِّى قد عَلِقت بعُقْبة
وهذا عُقْبةٌ من فلانٍ أى أخِذَ مكانه. وأمّا قولهم عُقْبَةُ القمر (1)..... ومن الباب قولهم: عُقْبة القِدر ، وهو أن يستعير القِدرَ فإذا ردَّها ترك فى أسفلها شيئاً. وقياس ذلك أن يكون آخرَ ما فى القدر ، أو يبقى بعد أن يُغرف منها. قال ابن دريد (2):
إذا عُقَب القُدور يكنَّ مالاً *** تحبّ حلائلَ الأقوام عِرسى
وقال الكميت :
...... ولم يكن *** لعُقْبةِ قِدرِ المستعيرين مُعْقِبُ (3)
ويقولون : تصدَّقْ بصدقةٍ ليست فيها تَعقِبة ، أى استثناء. وربّما قالوا : عاقب بين رجليه. إذا راوَحَ بينهما ، اعتمد مرّةً على اليمنى ومرّةً على اليُسرى.
وممّا ذكره الخليل أن المِعقاب : المرأة التى تلد ذكراً بعد أنثى ، وكان ذلك عادتَها. وقال أبو زيد : ليس لفُلان عاقبة ، يعنى عَقِباً. ويقال عَقَب للفرس جَرْىٌ بعد جرى ، أى شىءٌ بعد شىء. قال امرؤ القيس :
1) كذا بيض بعدها فى الأصل. ولم تذكر فى المجمل. وفى اللسان : «وعقبة القمر : عودته بالكسر ، ويقال عقبة بالفتح ، وذلك إذا غاب ثم طلر. ابن الأعرابى : عقبة القمر بالضم : نجم يقارن القمر فى السنة مرة».
2) كذا ورد فى الأصل ، فلعل بعده سقطا هو نقل من الجمهرة. أو لعل صوابه «دريد» وهو دريد بن الصمة.
3) اللسان (حرد ، عقب). وأوله : وحاردت النكد الجلاد.
على العَقْبِ جياشٌ كأنَّ اهتزامَه *** إذا جاش منه حَمْيُه غَلْىُ مِرجلِ (1)
وقال الخليل : كلُّ مَن ثَنَّى شيئاً فهو معقِّب قال لبيد :
حَتَّى تَهَجَّرَ للرّواح وهاجَها *** طَلَب المعقِّبِ حقَّه المظلوم (2)
قال ابن السّكيت : المعَقِّب : الماطِل ، وهو هاهنا المفعول به ، لأنَّ المظلوم هو الطالب ، كأنه قال : طلب المظلوم حَقّه من ماطله. وقال الخليل : المعنى كما يطلب المعقّبُ المظلومَ حقَّه ، فحمل المظلومَ على موضع المعقِّب فرفعه.
وفى القرآن : ( وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ ) ، أى لم يعطف. والتَّعقيب ، غزوة بعد غزوة. قال طفيل :
وأطنابُه أرسانُ جُرْدٍ كأنَّها *** صدورُ القنا من بادئ ومُعقِّبِ (3)
ويقال : عقَّبَ فلانٌ فى الصَّلاة ، إذا قام بعد ما يفرُغ النّاسُ من الصَّلاة فى مجلِسه يصلِّى.
ومن الباب عَقِبُ القدَم : مؤخَّرها. وفى المثل : «ابنُكِ مَن دَمَّى عَقِبيكِ» ، وكان أصل ذلك فى عَقيل بن مالك ، وذلك أن كبشة بنت عُروة الرّحّال تبَنَّتْه ، فعرَم (4)عقيلٌ على أمِّه يوماً فضربته ، فجاءها كبشةُ تمنعها ، فقالت : ابنى ابنى. فقالت القَينيَّة - وهى أمَةٌ من بنى القَين - : «ابنُكِ من دَمَّى عَقِبيكِ» ، أى ابنك هو الذى نُفِسْتِ به ووَلَدْتِه حَتَّى أدمى النّفاس عَقِبيْك ، لا هذا.
ومن كلامهم فى العُقوبة والعِقاب ، قال امرؤ القيس :
وبالأشْقَينَ ما كان العقابُ (1)
وقاهم جدهم ببنى أبيهم
ويقال : أعقب فلانٌ ، أى رجَع ، والمعنى أنه جاء عُقَيب مضيّه.
قال لبيد :
فجال ولم يُعْقِب بغُضْفٍ كأنّها *** دُقاق الشَّعيل يبتدِرْن الجعائلا (2)
قال الدريدى : المُعْقب : نجم يعقُب نجماً آخَر ، أى يطلُع بعده. قال :
كأنها بينَ السُّجوف مُعْقِب (3)
أوشادن ذو بهجة مربب
ومن الباب قولهم : عليه عِقْبَةُ السَّرْو والجمال ، أى أثره. قال : وقومٌ عليهم عِقْبَة السَّرْو .... (4). وإنما قيل ذلك لأنّ أثَرَ الشَّىء يكونُ بعد الشىء. وممّا يتكلمون به فى مجرى الأمثال قولهم : «من أين جاءت عَقِبُك» أى من أين جئت. و «فلانٌ مُوَطَّأ العَقِب» أى كثير الأتباع. ومنه حديث عمّار (5): «اللّهُمَّ إن كان كَذَب فاجعله مُوطّأ العَقِب». دعا أن يكون سلطانا يطأ النّاس عَقِبه ، أى يتبعونه ويمشون وراءَه ، أو يكون ذَا مالٍ فيتبعونه لمالِه. قال :
عهدى بقيسٍ وهُمُ خير الأمَمْ *** لا يطؤون قدماً على قَدَمْ
أى إنَّهم قادةٌ يتبعهم الناس ، وليسوا أتباعاً يطؤون أقدامَ مَن تقدَّمهم.
وأما قول النَّخَعى : «المعتقب ضامنٌ لما اعتَقب» فالمعتقِب : الرجل يَبِيع الرّجُلَ شيئاً فلا ينقُده المشترِى الثّمَن ، فيأبَى البائع أن يُسلِّم إليه السّلعة حتى ينقُده ، فتضيعَ السّلعةُ عند البائع. يقول : فالضَّمان على البائع. وإنّما سُمِّى معتقباً لأنَّه أتى بشىء بعد البيع ، وهو إمساك الشَّىء.
ويقولون : اعتقبت الشىء ، أى حبَستُه.
ومن الباب : الإعقابة (1): سِمَة مثل الإدبارة ، ويكون أيضاً جلدةً معلقة من دُبُر الأذن.
وأمّا الأصل الآخر فالعَقَبة : طريقٌ فى الجبل ، وجمعها عِقابٌ. ثمّ رُدّ إلى هذا كلُّ شىءٍ فيه عُلوٌّ أو شدّة. قال ابنُ الأعرابىّ : البئر تُطوَى فيُعْقب وَهْىُ أواخِرها بحجارةٍ من خَلْفها. يقال أعقبت الطَّىَّ. وكلُّ طريقٍ يكون بعضُه فوقَ بعض فهى أَعْقاب.
قال الكسائىّ : المعْقِب : الذى يُعْقب طَىّ البئر : أن يجعل الحصباءَ والحجارةَ الصِّغار فيها وفى خللها ، لكى يشدَّ أعقاب الطىّ. قال :
شدًّا إلى التَّعقيب مِن ورائها
قال أبو عمرو : العُقَاب : الخزَف الذى يُدخَل بين الآجُرّ فى طىِّ البئر لكى تشتدّ.
وقال الخليل : العُقَاب مرقًى فى عُرْض جبل ، وهو ناشزٌ. ويقال : العُقاب :
1) هذه الكلمة مما لم يرد فى المعاجم المتداولة.
حجرٌ يقوم عليه السّاقى. ويقولون إنّه أيضاً المَسِيل الذى يَسِيل ماؤه إلى الحَوض. ويُنشدَ :
كأنَّ صوتَ غَرْبِها إذَا انثَعَبْ *** سَيْلٌ على مَتْنِ عُقَابٍ ذى حَدَبْ (1)
ومن الباب : العَقَب : ما يُعْقَب به الرّماحُ والسِّهام. قال : وخِلافُ ما بينَه وبين العَصَب أنَّ العصَب يَضرِبُ إلى صُفرة ، والعَقَب يضرِب إلى البياض ، وهو أصلبُهما وأمتنُهما. والعَصَب لا يُنْتَفَع به (2). فهذا يدلّ على ما قلناه ، أنَّ هذا البابَ قياسُه الشِّدَّة.
ومن الباب ما حكاه أبو زيد : عَقِب العَرْفج يَعْقَب أشدَّ العَقَبِ. وعَقَبُه أن يَدِقَّ عُوده وتصفَّر ثمرتُه ، ثم ليس بعد ذلك إلَّا يُبْسه.
ومن الباب : العُقاب من الطَّير ، سمِّيت بذلك لِشدَّتها وقُوّتها ، وجمعه أعْقُبٌ وعِقبانٌ (3)، وهى من جوارح الطَّير. ويقال عُقابٌ عَقَبناةٌ (4)، أى سريعة الخَطفة. قال :
عُقاب عَقَبْناةٌ كَأَنَّ وظيفَها *** وخُرطومَها الأعْلَى بنارٍ ملوَّحُ (5)
خرطومها : مِنْسَرها. ووظيفها : ساقُها. أراد أنَّهما أسودان.
1) فى الأصل : «على مشى» ، صوابه من المجمل.
2) فى اللسان (2 : 114): «والعصب» العلباء الغليظ ولا خير فيه».
3) وأعقبة أيضا ، عن كراع. وجمع الجمع عقابين.
4) بتقديم الباء على النون. ويقال أيضا «عقنباة» بتقديم النون ، و «بعنقاة» بتقديم الباء على العين. القاموس والمخصص (8 : 146 / 16 : 7).
5) أنشده فى المخصص فى الموضعين برواية : «كأن جناحها».
ثمَّ شُبِّهت الرّاية بهذه العُقاب ، كأنَّها تطير كما تَطير (1).
عقد العين والقاف والدال أصلٌ واحد يدلُّ على شَدٍّ وشِدّةِ وُثوق ، وإليه ترجعُ فروعُ البابِ كلها.
من ذلك عَقْد البِناء ، والجمع أعقاد وعُقود. قال الخليل : ولم أسمع له فِعْلاً. ولو قيل عَقَّد تَعقِيداً ، أى بنى عَقْداً لجاز. وعَقَدت الحبلَ أعقِده عَقْداً ، وقد انعقد ، وتلك هى العُقْدة.
ومما يرجع إلى هذا المعنى لكنَّه يُزَاد فيه للفصْل بين المعانى : أعقَدْت العَسَل وانعقد ، وعسلٌ عقيد ومُنعقِد. قال :
كأنّ رُبًّا سال بعد الإعقادْ *** على لدِيدَىْ مُصْمَئِلٍّ صِلْخَادْ (2)
وعاقَدته مثل عاهدته ، وهو العَقْد والجمع عُقود. قال اللّه تعالى : ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) والعَقْد : عَقْدُ اليمين ، [ومنه] قوله تعالى : ( وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) (3). وعُقْدَة النكاح وكلِّ شىءٍ : وُجوبُه وإبرامُه. والعُقْدة فى البيع : إيجابه. والعُقْدَة : الضَّيْعة ، والجمع عُقَد. يقال اعتقد فلانٌ عُقْدةً ، أى اتَّخَذها. واعتقد مالاً وأخاً ، أى اقتناه. وعَقَد قلبَه على كذا فلا يَنزِع عنه. واعتَقَد الشىء :
1) أرى أنها سميت بذلك لعزها وامتناعها.
2) الرجز لرؤبة فى ديوانه 41 ، وثانى الشطرين فى اللسان (لدد). وكلمة «ربا» فى الشطر الأول ساقطة من الأصل ، وإثباتها من الديوان.
3) من الآية 89 فى سورة المائدة. والقراءة بتخفيف القاف هى قراءة أبى بكر وحمزة والكسائى والأعمش ، وسائر القراء : ( عَقَّدْتُمُ ) بتشديد القاف ، وانفرد ابن ذكوان بقراءة «عاقدتم». إتحاف فضلاء البشر 202.
صَلُب. واعتَقَد الإخاءُ : ثَبَتَ (1). والعَقِيد : طعام يُعْقَد بعسل. والمَعَاقِد : مواضع العَقْد من النِّظام. قال :
معاقِدُ سِلكِه لم تُوصَلِ (2)
أقن بكاء حمامة في أيكه *** ذرفت دموعك فوق ظهر المحمل
كالدر أو فضخن الجمان تقطعت *** منه معاقدسلكه لو توصل
وفى الديوان : «عقائد» بدل : «معاقد» ، تحريف.
وعِقْدُ القِلادة ما يكون طُوَارَ العُنق ، أى مقدارَه. قال الدريدىّ : «المِعقاد خيط تنظم فيه خَرَزَات (3)».
قال الخليل : عَقَد الرَّمل : ما تراكم واجتمع ، والجمع أعقاد. وقلَّما يقال عَقِد وعَقِدات ، وهو جائز. قال ذو الرّمّة :
بين النهار وبين الليل من عَقَد *** على جوانبه الأسباط والهَدَبُ (4)
ومن أمثالهم : «أحمق من تُرْب العَقَد» يعنون عَقَد الرَّمل ؛ وحُمْقُه أنّه لا يثبت فيه التّراب ، إنما ينهار. و «هو أعطش من عَقَد الرّمْل» ، و «أشْرَبُ من عَقَد الرّمل» أى إنّه يتشرَّب كلَّ ما أصابه من مطر ودَثَّة (5).
قال ابنُ الأعرابىّ : العُقْدة من الشّجر : ما يكفى المالَ سنَتَه. قال غيرُه : .
1) فى اللسان : «وتعقد الإخاء : استحكم ، مثل تذلل».
2) لعنترة بن شداد فى ديوانه 178. وهو وما قبله :
3) بعده فى الجمهرة (2 : 279): «تعلق فى أعناق الصبيان أو فى أعضادهم».
4) ديوان ذى الرمة ص 4 واللسان (سبط).
5) الدثة : المطر الضعيف الخفيف. وفى الأصل : «ودنبه» ، تحريف.
6) فى اللسان : «وناقة عاقد : تعقد بذنبها عند اللقاح».
العُقْدَة من الشّجَر : ما اجتمع وثبَتَ أصلُه. ويقال للمكان الذى يكثر شجرُه (1)عُقدة أيضاً. وكلُّ الذى قيل فى عُقدة الشَّجَر والنَّبْت فهو عائدٌ إلى هذا ولا معنى لتكثير الباب بالتكرير.
ويقولون : «هو آلَفُ من غُراب العُقْدة». ولا يطير غُرابها. والمعنى أنّه يجد ما يريده فيها.
ويقال : اعتقدَت الأرضُ حَيَا سنَتِها ، وذلك إذا مُطِرَت حتى يحفِر الحافر الثَّرَى فتذهبَ يدُه فيه حتى يَمَسَّ الأرض بأُذُنه وهو يحفر والثَّرَى جَعْد.
قال ابنُ الأعرابىّ : عُقَد الدُّورِ والأَرَضِينَ مأخوذةٌ من عُقَد الكلأ ؛ لأنَّ فيها بلاغاً وكِفاية. وعَقَد الكَرْمُ ، إذا رأيتَ عُودَه قد يَبس ماؤه وانتهى. وعَقَدَ الإفطُ. ويقال إنّ عَكَد اللسان ، ويقال له عَقَد أيضاً ، هو الغِلَظ فى وسطه. وعَقِد الرّجلُ ، إذا كانت فى لسانه عُقدة ، فهو أعقَدُ.
ويقال ظبيةٌ عاقدٌ ، إذا كانت تَلْوى عنقَها. والأعقد من التُّيوس والظباء : الذى فى قَرْنه عُقْدة أو عُقَد ، قال النَّابغة فى الظباء العواقد :
ويضربن بالأيدى وراءَ بَرَاغِزٍ *** حسانِ الوجوه كالظِّباء العَوَاقِدِ (2)
ومن الباب ما حكاه ابن السكّيت : لئيمٌ أعقد ، إذا لم يكن سهلَ الخلق. قال الطّرِمّاح :
ولو أنِّى أشاء حَدَوْتُ قولاً *** على أعلامِه المتبيِّناتِ (3)
لأعْقَدَ مُقْرِف الطَّرَفين يَبْنِى *** عشيرتُه له خِزْىَ الحَيَاةِ
يقال إنّ الأعقد الكلب ، شبَّهه به.
ومن الباب : ناقةٌ معقودة القَرَى ، أى مَوَثَّقةُ الظهر. وأنشد :
مُوَتَّرَة الأنساء معقودة القَرَى *** ذَقُوناً إذا كَلَّ العِتاق المَرَاسِلُ
وجملٌ عَقْدٌ ، أى مُمَرُّ الخَلْقِ. قال النابغة :
فكيفَ مَزارُها إلّا بعَقْدٍ *** مُمَرٍّ ليس يَنْقُضُه الخَؤُونُ (1)
ويقال : تعقَّد السَّحابُ ، إذا صار كأنّه عَقْد مضروبٌ مبنِىّ. ويقال للرجل : «قد تَحلَّلت عُقَده» ، إذا سكَن غضَبُه. ويقال : «قد عقد ناصيتَه» ، إذا غَضِب فتهيَّأ للشّرّ. قال :
بأسواط قومٍ عاقدِينَ النَّواصِيا (2)
أثابوا أخاهم إذ أرادوا زباله
ويقال : تعاقَدت الكلابُ ، إذا تعاظَلَت. قال الدريدىّ : «عَقَّدَ فلان كلامَه ، إذا عمَّاه وأعْوَصه (3)». ويقال : إنّ المعقِّد السّاحر. قال :
يعقِّد سحرَ البابليَّيْنِ طرفُها *** مِراراً وتسقينا سُلافاً من الخَمْرِ
وإنما قيل ذلك لأنّه يعقِّد السِّحر. وقد جاء فى كتاب اللّه تعالى : ( وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ) : من السَّواحر اللواتى يُعقِّدن فى الخُيُوط. ويقال إذا أطبق الوادى على قوم فأهلكهم : عقد عليهم.
وممّا يشبه هذا الأصل قولُهم للقصير أعْقَد. وإنما قيل له ذلك لأنّه كأنّه عُقْدَة والعُقْد: القِصَار. قال :
ماذيّة الخُرْصان زُرق نصالها *** إذا سَدَّدُوها غير عُقْدٍ ولا عُصْلِ (1)
عقر العين والقاف والراء أصلان متباعدٌ ما بينهما ، وكلُّ واحد منهما مُطّرِدٌ فى معناه ، جامعٌ لمعانى فُروعه.
فالأول الجَرْح أو ما يشبه الجَرح من الهَزْم فى الشىء. والثانى دالٌّ على ثباتٍ ودوام.
فالأوّل قول الخليل : العَقْرُ كالجَرْح ، يقال : عَقَرت الفرسَ ، أى كَسَعْتُ قوائمه بالسَّيف. وفرسٌ عقير ومعقور. وخَيلٌ عَقْرَى. قال زياد (2):
وإذا مررت بقبرِهِ فاعقِرْ به *** كُومَ الهِجان وكلَّ طِرفٍ سابحِ
وقال لبيد :
لَمَّا رأى لُبَدُ النُّسُورَ تطايرت *** رَفَع القوادمَ كالعقير الأعزلِ (3)
شبَّه النَّسرَ بالفرس المعقور. وتُعقَر النّاقة حتى تسقط ، فإذا سقطت نَحَرَها مستمكناً منها. قال امرؤ القيس :
ويوم عقَرتُ لِلعذارى مَطِيَّتى *** فياعجبَا لرَحلِها المُتَحمِّلِ (4)
1) فى الأصل : «مازنة» بدل : «ماذية» ، و «سددها» بدل «سددوها».
2) زياد هذا ، هو زياد الأعجم. قصيدته خمسون بيتا رواها القالى فى ذيل أماليه8 - 11 ، وروى معظمها ابن خلكان (فى ترجمة المهلب بن أبى صفرة). والقصيدة فى رثاء المغيرة بن المهلب بن أبى صفرة. وانظر الخزانة (4 : 152).
3) ديوان لبيد 34 طبع 1881. وروى فى اللسان (فقر): «كالفقير».
4) البيت من معلقته المشهورة.
والعَقّار : الذى يعنُف بالابل لا يرفُق بها فى أقتابها فتُدْبِرها. وعَقَرْتُ ظهر الدابّة : أدبرته. قال امرؤ القيس :
تقول وقد مال الغبيطُ* بنا معاً *** عقَرْتَ بعيرى يا امرأ القَيس فانزلِ (1)
وقول القائل : عَقَرْتَ بى ، أى أطلَتَ حبسى ، ليس هذا تلخيصَ الكلام ، إنما معناه حَبَسه حتى كأنّه عقر ناقتَه فهو لا يقدِر على السَّير. وكذلك قول القائل :
قد عقرَت بالقوم أمُّ الخزرجِ (2)*** إذا مشَت سالت ولم تَدَحرجِ
ويقال تَعقَّر الغَيث : أقام ، كأنَّه شىء قد عُقِر فلا يَبْرَح. ومن الباب : العاقِرُ من النِّساء ، وهى التى لا تَحمِل. وذلك أنّها كالمعقورة. ونسوةٌ عواقر ، والفِعل عَقَرت تَعْقِر عَقْراً ، وعقِرت تَعْقَر أحسن (3). قال الخليل : لأنَّ ذلك شىءٌ ينزل بها من غيرها ، وليس هو من فِعلها بنفسها. وفى الحديث : «عُجُزٌ عُقَّر». قال أبو زيد : عَقَرت المرأة وعقِرَتْ ، ورجل عاقر ، وكان القياس عَقُرت لأنَّه لازم ، كقولك : ظرُف وكرُم.
وفى المثل : «أعقر من بَغلة». وقول الشاعر (4)يصف عقابا :
لها ناهضٌ فى الوكر قد مَهَّدت له *** كما مهَّدت للبَعْل حسناء عاقرُ (1)
وذلك أنَ العاقرَ أشدُّ تصنُّعا للزَّوج وأحفى به ، لأنَّه [لا] وَلَدَ لها تدُلّ بها ، ولا يَشغلُها عنه.
ويقولون : لَقِحت الناقة عن عُقْر ، أى بعد حِيال ، كما يقال عن عُقْمٍ.
وممّا حُمِل على هذا قولُهم لدِيةِ فَرْج المرأة عُقر ، وذلك إذا غُصِبت. وهذا ممّا تستعمله العرب فى تسمية الشىء باسم الشىء ، إذا كانا متقارَبين. فسمِّىَ المهر عُقْراً ، لأنَّه يُؤخذ بالعُقْر. وقولهم : «بيضة العُقْر» اسم لآخِر بيضةٍ تكون من الدَّجاجة فلا تبيضُ بعدها ، فتضرب مثلاً لكل شىء لا يكون بعدَه شىءٌ من جِنْسه.
قال الخليل : سمعت أعرابياً من أهل الصَّمَّان يقول : كلُّ فُرْجةٍ بين شيئين فهو عَقْر وعُقر ، ووضع يدَه على قائمتى المائدة ونحن نتغدَّى فقال : ما بينهما عُقر. ويقال النخلة تُعْقَر ، أى يُقطع رأسها فلا يخرج من ساقها أبداً شىء. فذلك العَقْر ، ونخلة عَقِرَة. ويقال كَلأُ عقار (2)، أى يعقِر الإبلَ ويقتُلها.
وأمّا قولهم : رفع عقيرتَه ، إذا تغَنَّى أو قرأ ، فهذا أيضاً من باب المجاورة ، وذلك فيما يقال رجلٌ قُطِعت إحدى رجليه فرفَعَها ووضَعَها على الأُخرى وصَرَخ بأعلى صوته ، ثمَّ قيل ذلك لكلِّ مَن رفع صوتَه. والعقيرة هى الرِّجل المعقورة ، ولمَّا كان رفْعُ الصَّوت عندها سمِّى الصّوتُ بها.
فأمّا قولُهم : ما رأيتُ عقيرةً كفلان ، يراد الرَّجُل الشَّريف ، فالأصل فى
ذلك أن يقال للرّجُل القتيل الكبير (1)الخطير : ما رأيتُ كاليوم عَقِيرةً وسْطَ قوم! قال :
إذا الخَيْل أجلى شاؤها فقد *** عقر خير من يَعقِره عاقر (2)
قال الخليل : يقال فى الشَّتيمة : عَقْراً له وجَدْعاً. ويقال للمرأة حَلْقَى عَقْرى. يقول : عقرها اللّه ، أى عَقَر جسدَها ، وحَلَقها ، أى أصابها بوجعٍ فى حلقها. وقال قوم : تُوصَف بالشُّؤْم ، أى إنّها تَحلِق قَومَها وتعقِرهم. ويقال عَقَّرْتُ الرّجل ، إذا قلتَ له : عَقْرَى حَلْقى(3).
وحُكى عن بعض الأعراب : «ما نتشتُ الرُّقْعة ولا عَقَرتها» أى ولا أتيت عليها. والرُّقعة : الكلأ المتلبِّد (4). يقال كلؤُها يُنتَش ولا يُعْقَر.
ويقولون : عُقَرة العلم النِّسيان ، على وزن تُخَمة ، أى إنّه يَعقِره. وأخلاط الدّواء يقال لها العقاقير ، واحدها عَقّار. وسمّى بذلك لأنّه كأنّه عَقَر الجوف. ويقال العَقَر : داءٌ يأخذ الإنسان عند الرَّوع فلا يقدرُ أن يَبرحَ ، وتُسْلِمُه رجلاه.
قال الخليل : سَرْجٌ مِعْقَرٌ ، وكلب عَقُور.
قال ابن السِّكّيت : كلبٌ عَقُورٌ ، وسَرْج عُقَرَةٌ ومِعْقَرُ (5). قال البَعِيث
ألحَّ على أكتافِهم قَتبٌ عُقَرْ (6)
؟ إذا لاقيت قوما بخطه
ويقال سرج مِعْقَر وعَقّارٌ ومِعْقار.
وأمّا الأصل الآخَر فالعَقْر القصر الذى يكون مُعتَمداً لأهل القرية يلجئون إليه قال لبيد :
كعَقْر الهاجرىِّ إذِ ابْتناهُ *** بأشباهٍ حُذِينَ على مِثالِ (1)
الأشباه : الآجر ؛ لأنّها مضروبةٌ على مِثال واحد.
قال أبو عُبيد : العَقْر كلُّ بناءٍ مرتفع. قال الخليل : عُقَر الدّار : مَحَلّة القَوم بين الدّار* والحوض ، كان هناك بناءٌ أو لم يكن. وأنشد لأوس بن مَغْراء :
أزمانَ سُقناهمُ عن عُقْر دارِهِم *** حتَّى استقرّ وأدناهُم لحَوْرانا
قال : والعُقر أصل كلِّ شىء. وعُقْرُ الحوض : موقف الإبل إذا وردَتْ. قال ذُو الرُّمّة :
بأعقارِه القِردانُ هَزْلَى كأنَّها *** نوادِرُ صِيصاء الهَبيدِ المحطّم (2)
يعنى أعقار الحَوض. وقال فى عقر الحَوض :
فرماها فى فرائصِها *** من إزاء الحوض أو عُقُرِه (3)
ويقال للنّاقة التى تَشرب من عُقْر الحوض عَقِرة ، وللتى تشرب من إزائه أَزِيَة.
ومن الباب عُقر النّار (4): مجتمع جَمرها. قال :
وفى قَعر الكِنانة مرهفاتٌ *** كأنّ ظُباتِها عُقُر بَعيج (1)
قال الخليل : العَقَار : ضَيعة الرَّجُل ، والجمع العَقارات. يقال ليس له دارٌ ولا عَقارٌ. قال ابن الأعرابىّ : العَقار هو المتاع المَصُون ، ورجلٌ مُعْقِر : كثير المتاع.
قال أبو محمد القُتَيبىّ : العُقَيْرَى اسمٌ مبنىّ من عُقْرِ الدّار ، ومنه حديث أم سلمة لعائشة : «سكّنى عُقَيراكِ فلا تُصْحِريها (2)». تريد الْزَمِى بيتَك.
ومما شُبّه بالعَقر ، وهو القصر ، العَقْر : غيمٌ ينشأ من قِبَل العَين (3)فيغشَى عينَ الشمس وما حَولهَا. قال حُميد (4):
فإذا احزأَلَّت فى المَناخِ رأيتَها *** كالعَقْر أفرَدَه العَماءُ الممطرُ
وقد قيل إنّ الخمر تسمَّى عُقاراً لأنَّها عاقرت الدَّنَّ ، أى لازمَتْه. والعاقر من الرَّمل : ما يُنبت شيئاً كأنّه طحينٌ منخول. وهذا هو الأصل الثانى.
وقد بقيت أسماءُ مواضعَ لعلَّها تكون مشتقَّة من بعض ما ذكرناه.
من ذلك عَقارَاء : موضع ، قال حميد :
رَكُودُ الحُميّا طَلَّةٌ شاب ماءَها *** بها من عَقَارَاء الكُروم رَبيبُ (5)
1) البيت لعمرو بن الداخل ، كما فى اللسان (عقر) ونسخة الشنقبطى من الهذليين 121. ونسبه السكرى فى شرح أشعار الهذليين 268 إلى أبيه الداخل بن حرام. ورواية جميعها وبيض كالسلاجم مرهفات ووجدته فى بقية أشعار الهذليين ص 16 منسوبا إلى أبى قلابة ، وبرواية : وبض كالأسنة.
2) انظر اللسان (عقر 274).
3) أى من قبل عين القبلة قبلة أهل العراق. وعينها : حقيقتها. اللسان (عين 179).
4) حميد بن ثور ، كما فى اللسان (عقر) عند إنشاده.
5) فى اللسان (عقر) بعد إنشاده : «قال شمر» ويروى : لها من عقارات الخمور. قال : والعقارات الخمور. ربيب : من يربها فيملكها». وفى الأصل هنا : «زبيب» تحريف. وورد البيت محرفا كذلك فى معجم البلدان فى ترجمة (عقاراء) ، ورواه فى معجم ما استعجم.
والعَقْر : موضعٌ ببابل ، قتل فيه يزيد بن المهلَّب ، يقال لذلك اليوم يومُ العَقْر. قال الطّرِمّاح :
فخَرْتَ بيوم العَقر شرقىَّ بابلٍ *** وقد جَبُنت فيه تميم وقَلّتِ (1)
وعَقْرى : ماء (2). قال :
ألَا هل أتى سلمى بأنَّ خليلها *** على ماء عَقْرى فوق إحدى الرَّواحلِ
عقز العين والقاف والزاء بناء ليس يشبه كلامَ العرب ، وكذلك العين والقاف والسين ، والقاف والشين ، مع أنّهم يقولون العَقْش : بقلة أو نبتٌ. وليس بشىء.
عقص العين والقاف والصاد أصلٌ صحيح يدلُّ على التواء فى شىء قال الخليل : العَقَص : التواءٌ فى قرن التَّيس وكلِّ قرن. يقال كبشٌ أعقَصُ ، وشاةٌ عَقْصاء.
قال ابنُ دريد : العَقَص : كزَازة اليدِ وإمساكُها عن البَذْل. يقال : هو عَقِصُ اليدينِ وأعقَصُ اليدينِ ، إذا كان كَزَّا بخيلا (3).
قال الشَّيبانىّ : العَقِص من الرِّجال : المُلْتَوى الممتنع العَسِر ، وجمعه أعقاص. قال :
مَارَسْت نَفْساً عَقِصاً مِراسُها
قال الخليل : العَقْص : أن تأخُذَ كلَّ خُصلة من شعرٍ فتلويَها ثم تعقِدَها حتى يبقى فيها التواءُ ، ثم ترسِلَها. وكلُّ خُصْلَةٍ عقيصة ، والجمع عقائص وعِقاصٌ. ويقال عَقَصَ شَعْرَه ، إذا ضَفَرَه وفتَله. [ويقال] العَقْصُ أن يَلْوِىَ الشَّعر على الرَّأس ويُدخِل أطرافَه فى أصوله ، من قولهم : قرنٌ أعْقَصُ (1). ويقال لكل لَيَّةٍ عِقْصة وعَقيصة. قال امرؤ القيس :
غدائرُه مستشزراتٌ إلى العُلَى *** تَضِلُ العِقاصُ فى مُثنَّى ومُرسَلِ (2)
ويقال : العِقاص الخَيط تُعقَص به أطراف الذّوائب.
ومن الباب : العَقِص من الرِّمال : رملٌ لا طريقَ فيه. قال :
كيف اهتدَتْ ودونها الجزائرُ *** وعَقِص من عالجٍ تَياهِرُ (3)
قال ابنُ الأعرابى : المِعْقَص : سهمٌ ينكسر نَصْله ويبقى سِنْخُه (4)، فيُخرَج ويُضرب أصلُ النَّصل حتّى يطولَ ويردُّ إلى موضعه فلا يسدُّ الثَّقب الذى يكون فيه ، لأنَّه قد دُقِّق ؛ مأخوذٌ من الشاة العَقْصاء.
ومن الحوايا واحدةٌ يقال لها العُقَصاء (5). ويقولون : العَقِص (6): عنُق الكَرِش. وأنشد :
1) فى الأصل : «عقص» ، تحريف.
2) البيت من معلقته المشهورة.
3) الرجز فى اللسان (تهر ، عقض) ، وأنشده فى المجمل (عقص).
4) فى الأصل : «سخنة» ، تحريف. وسنخ النصل : الحديدة التى تدخل فى رأس السهم.
5) فسر فى القاموس والمجمل بأنه «كرشة صغيرة مقرونة بالكرش الكبرى».
6) هذا اللفظ بمعناه مما لم يرد فى المعاجم المتداولة.
هل عندكم مما أكلتمْ أمسِ *** من فَحِثٍ أو عَقِص أو رَأْسِ (1)
وقال الخليل فى قول امرئ القيس :
تضلُ العِقاصُ فى مثنى ومُرسلِ (2)
هى المرأةُ ربَّما* اتخذت عقيصةً من شعر غيرها تَضِلُّ فى رأسها. ويقال : إنّه يعنى أنّها كثيرةُ الشعر ، فما عُقِص لم يتبيَّنْ فى جميعه ، لكثرة ما يبقى.
عقف العين والقاف والفاء أصلٌ صحيح يدلُّ على عَطْفِ شىء وحَنْيه. قال الخليل : عقفتُ الشّىءَ فأنا أعقِفه عَقْفاً ، وهو معقوف ، إذا عطفتَه وحنوته (3). وانعقف هو انعقافا ، مثل انعطف. والعُقَّافة كالمِحجَن. وكلُّ شىءٍ فيه انحناءٌ فهو أعْقف. ويقال للفَقير أعقَف ، ولعلّه سُمِّى بذلك لانحنائه وذِلَّته. قال :
يأيُّها الأعقَفُ المزجِى مطيَّتَه *** لا نعمةً [تبتغِى] عندى ولا نَشَبَا (4)
والعُقَاف : داءٌ يأخذ الشاة فى قوائمها حتَّى تعوجّ ، يقال شاةٌ عاقفٌ ومعقوفة الرِّجْلين. وربَّما اعترى كلَّ الدوابّ ، وكلُ أعقف. وقال أبو حاتم : ومن ضروع البقر عَقُوف(5)، وهو الذى يخالف شَخْبُهُ عند الحَلَب. ويقال : أعرابىٌ أعقَفُ ،
1) الفحث بوزن كرش : ذات الأطباق من الكرش. وفى الأصل : «فحس» ، تحريف.
2) سبق إنشاد البيت فى ص 97.
3) يقال حنى الشىء يحنيه ويحنوه أيضا.
4) وكذا أنشده فى اللسان (عقف) بدون نسبة. والبيت من قصيدة فى الأصمعيات 46 - 50. طبع المعارف ، منسوبة إلى سهم بن حنظلة الغنوى. وكلمة «تبتغى» ساقطة من الأصل ، وإثباتها من الأصمعيات. ورواية أوله فيها : «يأيها الراكب».
5) وردت هذه الكلمة فى القاموس ، ولم ترد فى اللسان.
أى مُحرَّم جافٍ لم يَلِنْ بعد (1)، وكأنّه مُعَوّج بعدُ لم يستقِم. والبعير إذا كان فيه جَنَأٌ (2)فهو أعقَفُ. واللّه أعلم.
عكل العين والكاف واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على جمعٍ وضمّ. قال الخليل : يقال عَكَل السّائق الإبلَ يعكِلُ عَكْلاً ، إذا ضمَّ قواصِيَها وجَمَعها. قال انفرزدق :
وهُمُ على شَرَف الأمِيل تَدارَكُوا *** نَعَماً تُشَلُّ إلى الرئيس وتُعكَلُ (3)
ويقال عكلتُ الإبل : حبستُها. وكلُّ شىء جمَعتَه فقد عكلتَه. والعَوكل : ظهر الكثيب المجتمع. قال :
بكلِّ عقنقلٍ أو رأس بَرْثٍ *** وعَوكلِ كلِّ قَوزٍ مستطيلِ (4)
ويقال : العوكلة : العَظيمة من الرَّمْل. قال :
وقد قابلَتْهُ عوكلاتٌ عَوازِلٌ (5)
وعجزه :
ركام؟؟ غبر المازر
فأمَّا قولهم : إنّ العَوْكلَ المرأةُ الحمقاء ، فهو محمولٌ على الرَّمل المجتمع ، لأنَّه
1) فى الأصل : «لم يكن بعد».
2) فى الأصل : «حناء» ، تحريف.
3) ديوان الفرزدق 818 برواية : وهم الذين على الأميل واللسان واللسان (عكل) برواية : وعم على صدف الأسهلوقد جاء البيت برواية اللسان فى معجم البلدان (ترجمة الأميل) بدون نسبة.
4) فى اللسان (عكل): «مستطير» ، بالراء.
5) صدر بيت لذى الرمة فى ديوانه 30 واللسان (عكل). وفيهما : «عوانك» موضع «عوازل».
لا يزال يَنهال ، فالمرأةُ القليلةُ التّماسُك مشبَّهة بذلك ، كما مَرَّ فى تُرْب العَقِد. ويقال : العَوكل من الرِّجال : القصير. وذلك بمعنى التجمُّع. قال :
ليس بِراعى نَعَجاتٍ عَوكل (1)
أحل يمشى مشية الهجل
ويقال : إبلٌ معكولة ، أى محبوسة مَعقولة. وهذا من القياسِ الصحيح. وعُكْلٌ : قبيلة معروفة.
ومن الباب : عكلت المتاع بعضَه على بعضٍ ، إذا نَضَدْتَه.
عكم العين والكاف والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على ضمٍّ وجمعٍ لشىء فى وعاءٍ. قال الخليل : يقال عَكَمْت المتاعَ أعكِمُه عَكماً ، إذا جمعتَه فى وعاءٍ. والعِكمانِ : العِدلان يُشدَّانِ من جانبى الهَودج. قال :
يا ربِّ زوِّجْنى عجوزاً كبيرةً *** فلا جَدَّ لى يا ربِّ بالفَتَياتِ
تحدِّثُنى عمّا مضى من شبابها *** وتُطعِمُنى من عِكْمِها تَمَراتِ
ويقال فى المثل للمتساويين : «وقَعَا كالعِكْمَين (2)». وأعْكَمت الرّجُل : أعنتُه على حَمل عِكْمه. وعاكمته : حملت معه (3). قال القُطامىّ فى أعْكَمَ :
إذا وَكّرتْ منها قطاةٌ سِقاءَها *** فلا تُعْكِمُ الأخرى ولا تستعينُها (4)
أى إنّها تَحمِل الماءَ إلى فراخها فى حواصلها ، فإذا ملأت حَوصلتَها لم تُعِن القطاةَ الأخرى على حَمْلها.
وتقول : أعكِمْنى ، أى أعِنِّى على حمل العِكْم. فإنْ أمرْتَه بحمله قلت : اعكِمْنى مكسورة الألف إن ابتدأت ، ومدرجةً إن وصلت. كما تقول أبْغِنى ثوباً ، أى أعنِّى على طَلبِه.
ويقال عكْمَت النّاقةُ وغيرُها : [حَمَلَت (1)] شحما على شحم ، وسِمَناً على سِمَن. واعتكم الشّىءُ وارتكَمَ ، بمعنًى.
وأمّا قولهم عَكَم عنه ، إذا عَدَلَ جُبْناً ، فهو من البابِ ، لأنَّ الفَزِعَ إلى جانبٍ يَتَضَامُّ. وقال :
ولاحَتْه مِن بعد الوُرودِ ظَمَاءَةٌ *** ولم يَكُ عن ورد المياه عَكُوما (2)
أى لم ينصرِفْ ولم يتضامَّ إلى جانب. فأمَّا قولُه :
فجال فلم يَعْكِم وشَيَّع إلفَه *** بمنقَطَع الغضراء شَدٌّ مُوالفُ (3)
فقوله : «لم يعكم» معناه لم يكُرَّ ، لأنّ الكارَّ على الشىء متضامٌّ إليه.
ويقال : ما عَكَمَ عن شتمى ، أى ما انقبض. ومنه قول الهذلىّ (4):
أزُهيرُ هل عن شَيبةٍ من مَعْكِم *** أم لا خُلودَ لباذِلٍ متكرّمٍ (5)
1) التكملة من اللسان.
2) فى اللسان : «عكوم» بفتح العين أيضاً وبالرفع. وفسر «العكوم» فيه بأنه المنصرف.
3) البيت لأوس بن حجر فى ديوانه 16 بهذه الرواية أيضاً. وفى المجمل مع نسبته إلى أوس كذلك : «وشبع نفسه». وفى اللسان مع النسبة : «وشيع أمره».
4) هو أبو كبير الهذلى. ديوان الهذليين (2 : 111) ، واللسان (عكم). وصدره فى المجمل بدون نسبة.
5) الباذل : الذى يبذل ماله. وفى اللسان : «بازل» ، تحريف.
يريد بمعكِم : المَعْدِل.
وأمّا قول الخليل* يقال للدابّة إذا شربت فامتلأ بطنُها : ما بقِيتْ فى جوفها هَزْمة ولا عَكْمةٌ إلّا امتلأت ، فإنَّه يريد بالعَكْمة الموضعَ الذى يجتمع فيه الماء فيَرْوَى. والقياسُ واحد. قال :
حتَّى إذا ما بلّت العُكوما *** من قَصَب الأجواف والهُزُوما (1)
ومن الباب : رجل مُعَكَّم (2)، أى صُلب اللَّحم.
عكن العين والكاف والنون أصلٌ صحيحٌ قريب من الذى قبله ، قال الخليل : العُكَن: جمع عُكْنة ، وهى الطَّىُّ فى بطن الجارِية من السِّمَن. ولو قيلَ جاريةٌ عكْناء لجاز ، ولكنهم يقولون : مُعَكَّنة. ويقال تعكَّن الشّىء تعكناً ، إذا ارتكمَ بعضُه على بعض. قال الأعشى :
إليها وإنْ فاته شُبْعَةٌ *** تأتَى لأخرَى عظيم العُكَنْ (3)
ومن الباب : النَّعَم العَكَنانُ : الكثير المجتمع ، ويقال عَكْنانٌ بسكون الكاف أيضاً. قال :
وصَبَّحَ الماءَ بوِردٍ عَكْنان (4)
قال الدريدىّ : ناقة عَكْناء ، إذا غلُظَت ضَرَّتُها وأخلافُها (5).
1) الرجز فى اللسان (عكم ، هزم).
2) كذا ضبط فى الأصل والمجمل والجمهرة (3 : 136). وضبطه فى القاموس بلفظ «كمنبر». ومثله فى اللسان : «ورجل معكم بالكسر : مكتنز اللحم».
3) البيت مما لم يرو فى ديوان الأعشى ولا ملحقات ديوانه.
4) أنشده فى الصحاح واللسان (عكن).
5) نص الجمهرة (3 : 137): «إذا غلظ لحم ضرتها وأخلافها». ومما يجدر ذكره أن «العكناء» لم تذكر فى اللسان.
عكو العين والكاف والحرف المعتلّ أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على تجمُّع وغِلَظٍ أيضاً ، وهو قريب من الذى قبله.
[العَكوَة (1)] : أصل الذَّنب. وعكَوْثَ ذَنَب الدّابَّة ، إذا عطَفتَ الذَّنَب عند العَكْوة وعقَدتَه. ويقال : عَكَتِ المرأةُ شعرها : ضفَرته. وربما قالوا عَكَا على قِرْنِه ، مثل عَكَر وعَطَفَ. فإنْ كان صحيحاً فهو القياس. وجمع عُكوة الذَّنَب عُكىً. قال :
حَتَّى تُولِّيك عُكَى أذنابِها (2)
علكت إن شربت في إكبابها
ويقال للشَّاة التى ابيضَّ مؤخَّرها وسائرها أسود : عَكواء. وإنَّما قيل ذلك لأن البياض منها عند العُكَوة. فأمّا قولُ ابنِ مقبل :
لا يَعكُون بالأُزُرِ (3)
شم؟ لا يعكون بالازر
وأنشده فى المخصص (4 : 97) برواية : «بيض مخاميص» ، وفى (13 : 30): «شم العرانين» ، بدون نسبة فى الموضعين.
فمعناه أنّهم أشرافٌ وثيابُهم ناعمة ، فلا يظهر لمعاقد أُزُرِهم عُكىً. وهذا صحيح لأنَّه إذا عَقَد ثوبَه فقد عكاه وجمّعه. ويقال : عَكَت النّاقةُ : غلظت. وناقةٌ مِعكاءٌ ، أى غليظةٌ شَديدة.
عكب العين والكاف والباء أصلٌ صحيح واحد ، وليس ببعيدٍ
من الباب الذى قبلَه ، بل يدلُّ على تجمُّعٍ أيضاً. يقال : للإبل عُكوبٌ على الحوض ، أى ازدحام.
وقال الخليل : العَكَب : غِلظٌ فى لَحْىِ الإنسان. وأمَةٌ عكباء : عِلْجَة جافية الخَلْق ، من آمٍ عُكْبٍ. ويقال عَكَبت حولَهم الطّير ، أى تجمَّعَتْ ، فهى عُكُوبٌ. قال :
تظلُّ نُسورٌ من شَمَامِ عليهما *** عُكُوباً مع العِقبان عقبانِ يَذْبُل (1)
ويقال العَكَب : عَوَج إبهام القدم ، وذلك كالوَكَع. وهو من التضامِّ أيضاً. وقال قومٌ : رجلٌ أعكب ، وهو الذى تدانت أصابع رجلِه بعضِها من بعض.
قال الخليل : العَكوب : الغُبار الذى تثِير الخيلُ. وبه سمِّى عُكَابة ابن صَعْب. قال بشر :
نَقلناهُم نَقلَ الكلابِ جرَاءَها *** على كلِّ مَعلوبٍ يثور عَكُوبُها (2)
والغُبار عَكُوبٌ لتجمُّعه أيضاً. قال أبو زيد : العُكاب : الدُّخان ، وهو صحيح ، وفى القياس الذى ذكرناه.
ومن الباب : رجل عِكَبٌ ، أى قصيرٌ. وكلُّ قصيرٍ مجتمعُ الخلق.
فأمّا قول الشيبانىّ : يقال : قد ثار عَكُوبُهُ ، وهو الصَّخَب والقتال ، فهذا إنما هو على معنى تشبيهِ ما ثار : الغبار الثائر والدُّخان. وأنشد :
لَبينما نحنُ نرجو أن نصبِّحكم *** إذْ ثار منكم بنصف الليل عَكُّوبُ (3)
والتشديد الذى تراه لضرورة الشِّعر.
عكد العين والكاف والدال أصلٌ صحيح واحدٌ يدلُّ على مثلِ ما دلَّ عليه الذى قبلَه. فالعكدة (1): أصل اللسان. ويقال اعتكَدَ الشىء ، إذا لزِمَه (2).
قال ابن الأعرابىّ : وهو مشتقٌّ من عَكَدة اللِّسان. فأمَّا قول القائل :
سَيَصْلَى بها القومُ الذين عُنُوا بها *** وإلّا فمعكودٌ لنا أمُّ جندبِ (3)
فمعناه أنَّ ذلك ممكنٌ لنا مُعَدٌّ لنا مُجمَع عليه. وأمّ جندب : الغَشْم والظُّلم. ويقال لأصل القلب عَكَدة.
ومن الباب عكَدَ الضبُ عَكَداً ، إذا سَمِنَ وغلُظ لحمه. قال : والعَكد (4)بمنزلة الكِدْنة ، وهى السِّمَن. ويقال : إنّ العَكَد فى النَّبات غلظهُ وكثرتُه. وشجرٌ عكِدٌ ، أى يابس* بعضُه على بعض. وناقة عَكِدةٌ : متلاحِمَةٌ سِمَنا. ويقال : استعكد الضبُّ ، إذا لاذَ بحَجَر أو حُجْر. قال الطِّرِمَّاح :
إذا استعكدتْ منه بكلِّ كُدَايةٍ *** من الصَّخر وافاها لدى كلِّ مسرَحٍ (5)
وعُكِد مثل حُبِس. والشىء المعَدّ معكود.
عكر العين والكاف والراء أصلٌ صحيح واحد ، يدلُّ على مثل ما دلَّ عليه الذى قبله من التجمُّع والتَّراكُم. يقال اعتكر الليلُ ، إذا اختلط سوادُه. قال :
تطاوَلَ اللَّيلُ علينا واعتَكَرْ
ويقال اعتَكَر المطرُ بالمكان ، إذا اشتدَّ وكثُر. واعتكرت الرِّيح بالتُّرَاب ، إذا جاءت به.
ومن الباب العَكر : دُرْدِىُّ الزَّيت. يقال عَكِرَ الشَّرَاب يَعْكَر عكَراً. وعكَّرتُه أنا جعلت فيه عَكراً.
ومن الباب عكر على قِرنِه ، أى عطَفَ ؛ لأنَّه إذا فعل فهو كالمتضامِّ. إليه. قال :
يا زِمْلُ إنِّى إن تكن لى حادياً *** أعْكِر عليك وإن تَرُغْ لا نَسْبِقِ (1)
ويقال : ليس له مَعْكِر ، أى مرجع ومَعطِف. ويقال : المَعكِر : أصل الشَّىء. وهو القياس الصحيح ؛ لأنَّ كلَّ شىءٍ يتَضامُّ إلى أصله. ورجع فلان إلى عِكْرِه ، أى أصله. ويقولون : «عادت لِعكرِها لَمِيسُ». ومن الباب العَكَر : القطيع الضَّخْم من الإبل فوق الخمسمائة. قال :
فيهِ الصَّوَاهلُ والراياتُ والعَكَرُ
ويقال للقِطعة عَكَرة ، والجمع عَكَر ، وربما زادوا فى أعداد الحروف والمعنى واحدٌ ، يقال : العَكَرْكَرُ : اللبن الغليظ. قال :
فجاءَهُمْ باللّبَنِ العَكَرْكَرِ (2)*** عِضٌّ لئيمُ المنتمَى والمَفْخَرِ (3)
1) البيت لسالم بن دارة ، كما فى الحماسة (1 : 149) ، وروى فى الحيوان (3 : 391). منسوبا إلى أرطاة بن سهية. وهو برواية أخرى فى الأغانى (11 : 137) مع نسبته إلى أرطاة.
2) الرجز لنجاد الخيبرى ، كما فى اللسان (عضض). وروايته فى (عكر ، عضض): «فجعهم».
3) فى الأصل واللسان (عكر): «غض» ، تحريف. وفى اللسان : «المنتهى والعنص».
وذكر ابن دريد (1): تعاكر القوم : اختلطوا فى خصومةٍ أو نَحْوها.
عكز العين والكاف والزاء أُصَيلٌ يقرُب من الباب قبله. قال الدريدى (2): العَكْز : التقبُّض. يقال عَكِزَ يَعْكَزُ عَكْزاً. فأمَّا العُكَّازَة فأظنُّها عربيّة ، ولعلَّها أن تكون سمِّيت بذلك لأنَّ الأصابع تتجمَّع عليها إذا قَبَضَت. وليس هذا ببعيد.
عكس العين والكاف والسين أصلٌ صحيح واحدٌ ، يدلُّ على مثل ما تقدَّم ذكره من التجمّع والجَمْع.
قال الخليل : العَكيس من اللبن : الحليب تصَبُّ عليه الإهالة. قال :
فلما سقيناها العَكِيس تَمَلَّأتْ *** مذاخِرُها وارفضَّ رَشْحاً وريدُها (3)
المذاخر : الأمعاء التى تذْخرُ الطَّعام.
ومن الباب : العَكْس ، قال الخليل : هو ردُّك آخرَ الشىءِ ، على أوله ، وهو كالعَطْف. ويقال تعكَّسَ فى مِشْيَتِه ، ويقال العَكس : عَقْل يدِ البعير والجمعُ بينهما وبين عنقه ، فلا يقدرُ أن يرفعَ رأسه. ويقال : «مِن دون ذلك الأمر عِكاسٌ» ، أى تَرادٌّ وتراجُع.
عكش العين والكاف والشين أصلٌ صحيح يدلُّ على مِثل ما دلَّ عليه الذى تقدّمَ من التجمُّع. يقال عَكِشَ شعرُه إذا تلبَّد. وشعر مُتَعكِّش
وقد تعَكَّش. قال دريد :
تمنَّيْتَنِى قيسَ بنَ سعدٍ سفاهةً *** وأنت امرؤٌ لا تحتويك المَقَانبُ
وأنت امرؤٌ جعد القفا متعكِّشٌ *** من الأقِطِ الحَولىِّ شَبْعان كانبُ (1)
يا راكبا إما عرنت قبلغن *** أيا غالب أن قد فارنا بغالب
وأنشد ابنُ الأعرابىّ :
إذ تَسْتَبِيك بفاحمٍ متعكّش *** فُلَّتْ مَدَاريهِ أحَمُّ رَفَالُ
وقد يقال ذلك فى النبات. يقال : نباتٌ عكِشٌ ، إذا التفَّ. وقد عَكِشَ عَكَشاً. والذى ذُكِر فى الباب فهو راجعٌ إلى هذا كلّه.
وفى كتاب الخليل أنّ هذا البناء مهمل. وقد يشِذُّ عن العالِمِ البابُ من الأبواب. والكلام أكثر من ذلك.
عكص العين والكاف والصاد قريبٌ من الذى قبلَه ، إلّا أن فيه زيادةَ معنى ، هى الشّدَّة. قال الفرّاء : رجل عَكِصٌ ، أى شديد الخُلُق سيِّئُه وعَكَصُ الرَّمل : شِدّة وُعوثته. يقال رملةٌ عَكِصَةٌ.
عكف العين والكاف والفاء أصلٌ صحيح يدلُّ على مقابلةٍ (2)وحبس. يقال : عَكَفَ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ عُكوفاً ، وذلك إقبالك على الشَّىء لا تنصرف عنه. قال :
فهن يعكفن به إذا* حجا *** عَكْف النَّبيط يلعبون الفَنْزَجا (3).
ويقال عكفَت الطَّيرُ بالقتيل. قال عمرو :
تركنا الخيلَ عاكفةً عليه *** مقلَّدةً أعنّتها صُفُونا (1)
والعاكف : المعتكف. ومن الباب قولهم للنَّظم إذا نُظم فيه الجوهر : عُكّف تعكيفاً. قال :
وكأنَّ السُّمُوطَ عَكَّفَها السِّلْ *** كُ بعِطْفَىْ جَيداء أمِّ غزالِ (2)
والمعكوف : المحبوس. قال ابن الأعرابىّ : يقال : ما عَكَفَكَ عن كذا ، أى ما حبَسك. قال اللّه تعالى : ( وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) .
علم العين واللام والميم أصلٌ صحيح واحد ، يدلُّ على أثَرٍ بالشىء يتميَّزُ به عن غيره.
من ذلك العَلامة ، وهى معروفة. يقال : عَلَّمت على الشىء علامة. ويقال : أعلم الفارس ، إذا كانت له علامةٌ فى الحرب. وخرج فلانٌ مُعْلِماً بكذا. والعَلَم : الراية ، والجمع أعلام. والعلم : الجَبَل ، وكلُّ شىء يكون مَعْلَماً : خلاف المَجْهَل. وجمع العلَم أعلامٌ أيضا. قالت الخنساء :
وإنَّ صخراً لتَأتمُّ الهُداةُ به *** كأنَّه علمٌ فى رأسه نارُ (3)
والعلَم : الشَّقُّ فى الشَّفَة العليا ، والرجل أعلَمُ. والقياس واحد ، لأنَّه كالعلامة
بالإنسان. والعُلام فيما يقال : الحِنَّاء ؛ وذلك أنّه إذا خضّب به فذلك كالعلامة. والعِلْم : نقيض الجهل ، وقياسه قياس العَلَم والعلامة ، والدَّليل على أنَّهما من قياسٍ واحد قراءة بعض القُرَّاء (1): وإنّه لَعَلَم للسّاعة قالوا : يراد به نُزول عيسى عليه السلام ، وإنَّ بذلك يُعلَمُ قُرب الساعة. وتعلّمت الشَّىءَ ، إذا أخذت علمَه. والعرب تقول : تعلّمْ أنّه كان كذا ، بمعنى اعلَمْ. قال قيس بن زهير :
تَعَلّمْ أنَّ خيرَ النّاسِ حَيَّا *** على جَفْر الهَباءة لا يريمُ (2)
والباب كلُّه قياس واحد.
ومن الباب العالَمُون ، وذلك أنّ كلَّ جنسٍ من الخَلْق فهو فى نفسه مَعْلَم وعَلَم. وقال قوم : العالَم سمِّى لاجتماعه. قال اللّه تعالى : ( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعالَمِينَ (3)) قالوا : الخلائق أجمعون. وأنشدوا :
ما إنْ رأيتُ ولا سمع *** تُ بمثلِهمْ فى العالَمِينا
وقال فى العالَم :
وكان رؤية ينشده بترك الهمز ويعيب أباه بذلك ، فقيل له : «قد ذهب عنك أبا الجحاف ما فى هذه ، إن أباك كان يهمز العالم والخاتم» ، يشار بذلك إلى أن قبل هذا البيت أيضا فى ديوان العجاج 60 :
مبارك للأنبياء خاتم
1) هم : ابن عباس ، وأبو هريرة ، وأبو مالك الغفارى ، وزيد بن على ، وقتادة ، ومجاهد ، والضحاك ، ومالك بن دينار ، والأعمش ، والكلبى. تفسير أبى حيان (8 : 26). وفى الأصل : «قراءة القرآن من القراء».
2) صدره فى اللسان (علم) ، وهو فى معجم البلدان (الجفر ، الهباءة). وفى أمالى القالى (1 : 261) عند إنشاد الأبيات : «لم يرث أحد قتيلا قتله قومه إلا قيس بن زهير ، فإنه رثى حذيفة ابن بدر ، وبنو عبس تولت قتله».
3) هى الآية الآخيرة بتمامها من سورة الصافات ، كما أنها جزء من الآية 45 فى سورة الأنعام وأولها : ( فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) .
4) صواب الإنشاد فيه بالهمز «العألم» وذلك أن أرجوزة البيت غير مؤسسة. وهى فى ديون العجاج 58 - 62 وأولها :
يادار سلمى يا اسلمى ثم اسلمي
والذى قاله هذا القائلُ فى أنّ فى ذلك ما يدلُّ على الجمع والاجتماع فليس ببعيد ، وذلك أنّهم يسمون العَيْلم ، فيقال إنّه البحر ، ويقال إنّه البئر الكثيرةُ الماء.
علن العين واللام والنون أصلٌ صحيح يدلُّ على إظهار الشَّىء والإشارة [إليه] وظهوره. يقال عَلَنَ الأمر يَعْلُنُ (1). وأعلنته أنا. والعِلَان : المُعالَنة.
عله العين واللام والهاء أصلٌ صحيح. ويمكن أن يكون مِن بابِ إبدال الهمزةِ عيناً ؛ لأنه يَجرى مَجرى الأَلَه [والوَلَه]. وهؤلاء الكلماتُ الثّلاثُ من وادٍ واحد ، يشتمل على حَيرة وتلدُّد وتسرُّع ومجىء وذَهاب ، لا تخلو من هذه المعانى.
قال الخليل : عَلِه الرّجل يَعْلَهُ عَلَهاً فهو عَلْهانُ ، إذا نازعَته نفسُه إلى شىء ، وهو دائم العَلَهان. قال :
أجَدَّت قَرُونِى وانجلَتْ بعد حِقبةٍ *** عَمايةُ قلبٍ دائم العَلَهانِ
ومن الباب : عَلِهَ ، إذا اشتدَّ جُوعه ، والجائع عَلْهانُ ، والمرأة عَلْهَى ، والجمع عِلَاهٌ وعَلَاهَى. يقال عَلِهْتُ إلى الشىء ، إذا تاقت نفسُك إليه. ومن الباب قولُ ابنِ أحمر :
عَلِهْنَ فما نرجو حنيناً لِحُرَّةٍ *** هِجانٍ ولا نَبنى خِباءً لأيِّمِ
كأنه يريد : تحيَّرْن فلا استقرارَ لهن. قالوا : والعَلْهانُ والعالِهُ : الظَّليم (2).
وليس هذا ببعيدٍ من القياس. ومن الذى يدلُّ على أنّ العَلَه : التّردُّد فى الأمر كالحيرة ، قول لبيد يصف بقرة :
عَلِهَتْ تبلّد فى نِهَاءِ صُعائدٍ *** سَبْعاً تُؤَاماً كاملاً أيّامُها (1)
ومنه قول أبى النَّجم يصف الفرسَ بنشاطٍ وطرب :
من كلِ عَلْهَى فى اللجام جائل
ومن الأسماء التى يمكن أن تكون مشتقَّةً من هذا القياس العَلْهَان : اسم فرسٍ لبعض العرب (2). قال جرير :
شَبَثٌ فخرتُ به عليك ومَعْقِلٌ *** وبمالك وبفارسِ العَلْهَانِ (3)
علو العين واللام والحرف المعتل ياءً كان أو واواً أو ألفاً ، أصلٌ واحد يدلُّ على السموّ والارتفاع ، لا يشذُّ عنه شىء. ومن ذلك العَلَاء والعُلُوّ. ويقولون : تَعالى النّهارُ ، أى ارتفع. ويُدْعَى للعاثر : لعاً لك عاليا! أى ارتفعْ فى علاء وثبات. وعاليتُ الرّجُل فوق البعير : عالَيْتُه. قال :
وإلّا تَجَلّلْهَا يُعَالُوكَ فَوقها *** وكيف تَوَقَّى ظَهْرَ ما أنت راكبُهْ (4)
عصاني ولم يلق الرشاد وإنما *** تبين من أمر الغوى عواقبه
فأصبح محمولا على ظهر؟ *** يمج نجيع الجوف منه ترائبه
ه1) البيت من معلقة لبيد. وهذه الرواية تطابق رواية اللسان (بلد ، عله). والرواية المشهورة : «علهت تردد».
2) هو أبو مليل عبد اللّه بن الحارث ، كما فى اللسان والخيل لابن الأعرابى 64 - 65.
3) ديوان جرير 572 وابن الأعرابى 65. وشبث هذا هو شبث بن ربعى. ومعقل ، هو معقل بن قيس الرياحى.
4) البيت من أبيات للمتلمس رواها التبريزى فى تهذيب إصلاح المنطق 238 ، وليست فى ديوان المتلمس. وأنشده فى اللسان (علا) وإصلاح المنطق 163 بدون نسبة. وقبله :
قال الخليل : أصل هذا البناء العُلُوّ. فأمّا العَلاء فالرِّفعة. وأمّا العُلُوّ فالعظمة والتجبُّر. يقولون : علا المَلِك فى الأرض عُلُوًّا كبيراً. قال اللّه تعالى : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ ) . ويقولون : رجلٌ عالى الكعب ، أى شريف. قال :
لما عَلَا كعبك لى عَلِيتُ (1)
ويقال لكلِّ شىءٍ يعلُو : علا يَعْلُو. فإن كان فى الرِّفعة والشرف قيل عَلِىَ يَعْلَى. ومن قَهَر أمراً فقد اعتلاه واستعلى عليه وبه ، كقولك استولى. والفَرَس إذا جرى فى الرِّهان فبلغ الغايةَ قيل : استعَلى على الغاية واستولَى. وقال ابن السِّكّيت : إنّه لمُعتَلٍ بحمله ، أى مضطلعٌ به. وقد اعتلَى به. وأنشد :
إنّى إذا ما لم تَصِلْنى خُلّتِى *** وتباعدَتْ مِنِّى اعتليتُ بعادَها (2)
يريد علوت بعادها (3). وقد علَوتُ حاجتى أعلوها عُلُوَّا ، إذا كنتَ ظاهراً عليها. وقال الأصمعىّ فى قول أوس :
جَلَّ الرُّزْء والعالى (4)
يلعين لابد من سكب وتهمال *** على فضالة جل الرزه والعالى
أى الأمر العظيم الذى يَقهر الصّبرَ ويغلبُه. وقال أيضاً فى قول أميّة ابن أبى الصَّلت : ى
1) أنشده فى اللسان (علا 318) شاهدا للغة على ، كرضى ، يعلى فى الشرف ، ويقال أيضا فيه : علا يعلى. والبيت لرؤبة ، كما فى اللسان ، وهو فى ديوانه 25 من أرجوزة يمدح بها مسلمة بن عبد الملك قال ابن سيده : «ووجه إنشاده علا كعبك بى» ، أى أعلانى.
2) البيت فى مجالس ثعلب 413 واللسان (علا 326).
3) فى الأصل : «علوتها بعادها». وفى اللسان : «علوت بعادها ببعاد أشد منه».
4) البيت فى ديوان أوس بن حجر 22 ، وهو مطلع قصيدة :
إلى اللّه أشكو الذى قد أرى *** من النّائبات يعافٍ وعالِ
أى بعفوى وجهدى ، من قولك علاه كذا ، أى غلبه. والعافى : السَّهل. والعالى : الشَّديد.
قال الخليل : المَعْلاة : كَسْبُ الشّرَف ، والجمع المعالى. وفلانٌ من عِلْية النّاس أى من أهل الشَّرف. وهؤلاء عِلْيَةُ قومِهم ، مكسورة العين على فِعلة مخفّفة. والسُّفل والعُلْو : أسفل الشىء وأعلاه. ويقولون : عالِ عن ثوبى ، واعلُ عن ثوبى ، إذا أردت قمْ عن ثوبى وارتفِعْ عن ثوبى ، وعالِ عنها ، أى تنح ؛ واعلُ عن الوسادة.
قال أبو مهدىّ : أَعلِ علىَ (1)وعالِ علىّ ، أى احملْ علىّ.
ويقولون : فلانٌ تعلوه العين وتعلو عنه العين ، أى لا تقبَله (2)تنبو عنه والأصل فى ذلك كلِّه واحد. ويقال علا الفرَسَ يعلوه علوّا ، إذا ركبَه ؛ وأعلى عنه ، إذا نَزَل. وهذا وإن كان فى الظاهر بعيداً من القياس فهو فى المعنى صحيح ؛ لأنّ الإنسانَ إذا نزل عن شىءٍ فقد بايَنَه وعلا عنه فى الحقيقة ، لكنّ العربَ فرّقت بين المعنيين بالفرق بين اللفظين.
قال الخليل : العَلياء : رأس كل جبلٍ أو شَرَفٍ. قال زُهير :
تبصَّرْ خليلِى هل ترى من ظَعائنٍ *** تحمّلنَ بالعلياء من فوق جُرثُم (3)
ويسمَّى أعلى القناةِ : العالية ، وأسفلها : السَّافلة ، والجمع العوالى. قال الخليل : العالية من مَحَالّ العربِ منَ الحجاز وما يليها ، والنسبة إليها على الأصل عالىٌ ، والمستعمَل عُلْوىّ.
قال أبو عبيد : عالَى الرّجُل ، إذا أتى العالية. وزعم ابنُ دريد (1)أنّه يقال للعالية عُلْو : اسمٌ لها ، وأنّهم يقولون : قدِم فلانٌ من عُلْو. وزَعَم أنّ النسب إليه عُلْوىّ.
قالوا : والعُلِّيَّة : غرفةٌ ، على بناء حُرِّيّة (2). وهى فى التصريف فُعليّة ، ويقال فُعلولة.
قال الفرّاء فى قوله تعالى : ( إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) : قالوا : إِنّما هو ارتفاعٌ بعد ارتفاعٍ إلى ما لا حدَّ له. وإنّما جُمِع بالواو والنون لأنَّ العرب إذا جمعت جمعاً لا يذهبون فيه إلى أنّ له بناءً من واحد واثنين ، قالوه فى المذكَّر والمؤنث نحوَ عليّين ، فإنّه إنّما يراد به شىءٌ ، لا يقصد به واحد ولا اثنان ، كما قالت العرب : «أطعمنا مَرَقةَ مَرَقِينَ (3)». وقال:
قليِّصاتٍ وأبَيكرِينا (4)
فجمع بالنون لما أراد العدد الذى لا يحدُّه. وقال آخر فى هذا الوزن :
1) فى الجمهرة (3 : 140).
2) أى على وزن «حرية». وتقال أيضا بكسر العين.
3) فى الأصل : «مرقتين» وفى اللسان (مادة مرق): «مرقين» بالتثنية ، تحريف. وقد جاء فى (علا 327): «مرقين» على الصواب بالجمس. قال : «وسمعت العرب تقول : أطعمنا مرفة مرتين ، تريد اللحمان إذا طبخت بماء واحد».
4) أنشده فى اللسان (بكر ، علا). وأبيكرين ، هو جمع مصغر «أبكر». وهذا جمع «بكر».
فأصبحت* المذاهبُ قد أذاعت *** بها الإعصارُ بعد الوابِلينا (1)
أراد المطر بعد المطر ، شيئاً غير محدود.
وقال أيضاً : يقال عُلْيا مضر وسُفْلاها ، وإذا قلت سُفْلٌ قلت عُلْىٌ والسموات العُلَى الواحدة عُلْيا.
فأمّا الذى يحكى عن أبى زيد : جئت من عَلَيْك ، أى من عندك ، واحتجاجُه بقوله:
غَدَت مِن عَلَيْهِ بعد ما تمَّ ظِمْؤُها *** تَصِلُّ وعن قَيضٍ بِزِيزاءَ مَجْهَلِ (2)
والمستعلى من الحالبَينِ : الذى فى يده الإناء ويحلُب بالأخرى. ويقال المستعلى : الذى يحلُب الناقة من شِقِّها الأيسر. والبائن : الذى يَحلبُها من شِقِّها الأيمن.
وأنشد :
يبشِّر مستعلياً بائنٌ *** من الحالِبينِ بأنْ لا غِرارَا (3)
ويقال : جئتُك من أعلى ، ومن عَلا ، ومن عالٍ ، ومن عَلٍ. قال أبو النَّجم :
أقَبُّ من تحتُ عريضٌ من عَلِ
وقد رفعه بعضُ العرب على الغاية (4)، قال ابنُ رواحة :
شهِدتُ فلم أكذِبْ بأنَّ محمداً *** رسولُ الذى فوق السموات من عَلُ
1) البيت فى اللسان (وبل). أذاعت بها : أذهبتها وطمست معالمها.
2) البيت لمزاحم العقيلى ، كما فى اللسان (علا ، صلل) والحيوان (4 : 418) والاقتضاب 248 والخزانة (4 : 253). وفى الكلام بعده نقص.
3) للكميت ، كما فى اللسان (علا).
4) الغاية : الظرف المنقطع عن الإضافة ، سمى بذلك لأنه يكون بعد الانقطاع غاية فى النطق ، كقولة تعالى : ( لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ) .
وقال آخر (1)
ينجيه من مثل حام الأغلال *** وقع بد عجلى ورجل شملال
فى وصف فرس :ظمأَى النَّسا من تحتُ رَيَّا من عالْ *** فهى تُفدَّى بالأبينَ والخالْ
فأمّا قول الأعشى (2):
إنِّى أتتنى لسانٌ لا أُسَرُّ لها *** من عَلْوَ لا عَجبٌ فيها ولا سَخَرُ
فإنّه ينشد فيها على ثلاثة أوجه : مضموماً ، ومفتوحاً ، ومكسوراً. وأنشد غيره :
فهى تنوشُ الحوضَ نَوشاً من عَلَا *** نَوشاً به تَقْطع أجوازَ الفَلا (3)
قال ابن السِّكِّيت : أتيتُه من مُعالٍ. وأنشد :
فرَّجَ عنه حَلَق الأغْلالِ *** جذبُ البُرَى وجِرية الجِبالِ
ونَغَضان الرَّحْلِ من مُعَالِ (4)
ويقال : عُولِيَت الفرسُ ، إذا كان خَلْقها معالًى. ويقال ناقةٌ عِلْيانٌ ، أى طويلة جسيمة. ورجل عِليانٌ : طويل. وأنشد :
أنْشدُ من خَوّارة عِلْيانِ *** ألقتْ طَلاً بملتقى الحَوْمانِ (5)
مضبورة الكامل كالبنيان
ن1) هو دكين بن رجاء ، كما فى اللسان (علا) وإصلاح المنطق 30 وقبله :
2) هو أعشى باهلة ، كما فى اللسان (علا) وإصلاح المنطق 30. وقصيدته فى الأصمعيات 89 طبع المعارف ، وجمهرة أشعار العرب 135 - 137 ، ومختارات ابن الشجرى 10 - 12 ، وأمالى المرتضى (3 : 105 - 113) ، والخزانة (1 : 89 - 97).
3) لأبى النجم ، كما فى اللسان (علا). لكن نسب فى (نوش) إلى غيلان بن حريث.
4) الرجز لذى الرمة ، كما فى اللسان (علا) وإصلاح المنطق 30. وهو فى ديوانه 482.
5) بدل هذا الشطر فى اللسان (علا) :
قال الفرّاء : جملٌ عِلْيانٌ ، وناقةٌ عِلْيانٌ. ولم نجد المكسور أوّلُه جاء نعتاً فى المذكر والمؤنّث غيرَهما. وأنشد :
حمراء من مُعرِّضاتِ الغِربانْ *** تَقْدُمُها كلُّ عَلاةٍ عِلْيانْ (1)
ويقال لمُعالِى (2)الصَّوت عِلْيانٌ أيضا. فأمّا أبو عمرو فزَعَم أنَّه لا يقال للذّكر عِلْيان ، إنّما يقولون جملٌ نبيل. فأمّا قولهم تَعَالَ ، فهو من العلوّ ، كأنَّه قال اصعد إلىَّ ؛ ثمّ كثُر حتّى قاله الذى بالحضيض لمن هو فى علوه. ويقال تَعالَيا ، وتَعالَوْا ، لا يستعمل هذا إلَّا فى الأمر خاصَّة ، وأُمِيتَ فيما سوى ذلك. ويقال لرأس الرّجُل وعُنقِه عِلاوة. والعِلاوة : ما يُحمَل على البعير بعد تمام الوِقْر. وقولُه :
ألا أيُّها الغادِى تحمَّلْ رسالةً *** خفيفاً مُعَلَّاها جزيلاً ثوابُها
مُعلَّاها : مَحْمِلها (3). ويقال : قَعَد فى علاوة الرِّيح وسُفالتها. وأنشد :
تُهدِى لنا كُلما كانت عُلاوَتَنا *** ريحَ الخُزامى فيها الندى والخَضل (4)
قال : الخليل المُعلَّى : السّابع من القِداح ، وهو أفضلها ، وإذا فاز حاز سبعةَ أنصباءَ(5)من الجزور ، وفيه سبع فُرَض : علامات. والمُعلِّى : الذى يمدُّ الدلوَ إذا متَح. قال:
1) الرجز للأجلح بن قاسط ، فى اللسان (عرض). وقال ابن برى : «وهذان البيتان فى آخر ديوان الشماخ». قلت أنا : هما فى أخرياته ص 116 منسوبان إلى الجليح بن شميذ رفيق الشماخ. وانظر الحيوان (3 : 420).
2) فى الأصل : «المغالى».
3) هذا اللفظ ومعناه مما لم يرد فى المعاجم المتداولة.
4) كذا ورد عجز هذا البيت.
5) فى الأصل : «خمسة أنصباء» ، صوابه من اللسان والقاموس والميسر والقداح 85.
هوىّ الدَّلو نَزَّاها المَعلّ (1)
ويقال للمرأة إذا طَهُرت من نِفاسها : قد تعلَّت ، وهى تتعلَّى. وزعموا أنَّ ذلك لا يُقال إلَّا للنُّفساء ، ولا يستعمل فى غيرها. قال جرير :
فلا وَلدت بعد الفرزدق حاملٌ *** ولا ذات حمل من نِفاسٍ تَعَلَّتِ (2)
هو الواقد المجبور والحامل الذي *** إذا النعل يوما بالمغيرة زلت
قال الأصمعىّ : يقال : عَلِ رشاءَك ، أى ألقِهِ (3)فوق الأرشية كلِّها. ويقال إنَ المعلِّى : الذى إذا زاغ الرِّشاء عن البَكَرة عَلَّاه فأعاده إليها. قال العُجَير :
ولى مائحٌ لم يُورِد الماءَ قبلَه *** مُعَلٍ وأشطانُ الطّوىِّ كثيرُ (4)
ويقولون فى رجلٍ خاصمه [آخر] : إنَّ له من يعلِّيه عليه (5).
وأمّا عُلْوان الكتاب فزعم قومٌ أنّه غلط ، إنّما هو عُنوان. وليس ذلك غلطا ، واللغتان صحيحتان وإن كانتا مولَّدَتَين ليستا من أصل كلام العرب. وأمّا عُنوان فمن عَنَّ. وأمّا عُلوان فمن العلوّ ، لأنَّه أوّل الكتاب وأعلاه.
ومن الباب العَلَاةُ ، وهى السَّنْدان ، ويشبّه* به النّاقة الصلبة. قال : .
1) فى اللسان (علا): «كهوى الدلو» ، مع نسبته إلى عدى بن زيد.
2) ديوان جرير 88 ، يرثى به الفرزدق مع بيت بعده ، هو :
3) فى الأصل : «لسفه».
4) البيت من أبياب فى الحيوان (4 : 391) ومجالس ثعلب 592 والأغانى (11 : 150). وأنشده فى الأزمنة والأمكنة (2 : 159) وأشار إلى أنه عنى بالمائح من كان يميحه عند السلطان ويستخرج له ما عنده ويعينه.
5) فى الأصل : «من يعينه عليه».
ومُبْلِدٍ بين مَوْماةٍ بمهلَكةٍ *** جاوزتُه بعَلاة الخلقِ عِلْيانِ (1)
قال الخليل : عَلِىٌ على فَعيل ، والنسبة إليه عَلَوىٌ. وبنو علىٍ : بطن من كِنانة ، يقال هو علىّ بن سُودٍ (2)الغَسَّانى ، تزوّجَ بأمِّهم بعد أبيهم وربَّاهم فنُسِبوا إليه قال :
وقالت رَبَايَانا ألا يالَ عامرٍ *** على الماء رأسٌ من عَلِىٍ ملفّفُ (3)
وقال أبو سعيد : يقال ما أنت إلَّا على أعلَى وأرْوَحَ ، أى فى سَعَةٍ وارتفاع ويقال «أعلى» : السموات. وأمّا «أرَوْح» فمَهَبّ الرِّياح من آفاق الأرض. قال ابن هرمة :
غَدَا الجُودُ يبغِى من يؤدِّى حقوقه *** فراح وأسرى بين أعلَى وأرْوَحا
أى راح وأسرى بين أعلى مالِه وأدْوَنِه ، فاحتَكَم فى ذلك كلِّه.
علب العين واللام والباء أصلانِ صحيحان ، يدلُّ أحدهما على غِلظٍ فى الشىء وجُسْأة ، والآخر على أثَر.
فالأول قولهم : عَلِبَ النّباتُ : جَسَأ (4). ويقال : لحم عَلِبٌ (5): غليظ. ويقال : العَلِب : المكان الغليظ. ومن الباب العَلِب (6): الضَّبُّ المُسِنُّ. والعِلْباء : عصب العُنُق ، سمِّى بذلك لصلابته. ويقال عَلِبَ البعيرُ ، إذا أخذ داءٌ فى أحد
جانبَى عنقِه. ويقال للرّجُل إذا أسن : قد تشنَّج عِلباؤه. وتيسٌ عَلِبٌ : غليظ العِلباء. وعَلَّبْتُ السّكِّينَ بالعِلباء : جَلَزْتُه.
والأصل الآخر العَلْب ، وهو الخَدْش والأثر. وطريق معلوبٌ : لاحِبٌ. قال بشر :
نقلناهُم نَقْلَ الكلاب جِراءها *** على كلِ معلوبٍ يثور عَكوبُها (1)
وعَلَّبت الشىء ، إذا أثَّرت فيه. ومن الباب العِلاب : وسْمٌ فى طول العنق ، ناقةٌ مُعَلَّبَة.
ومما شذَّ عن هذين الأصلين : العِلْبة (2). وعُلْيَب (3): واد.
علث العين واللام والثاء أصلٌ صحيح واحدٌ يدلُّ على خلْط الشّىء بالشىء. من ذلك : العَلِيث ، وهى الحنطة يُخلَط بها الشَّعير. وكلُّ شىءٍ غيرِ خالصٍ فهذا قياسُه. ومن ذلك أعلاث الزَّاد ، وهو ما أُكِلَ غيرَ متخيَّرٍ من شىء. ويقال قَضيبٌ مُعْتَلَثٌ ، إذا لم يُتَخَيَّر شجرُه. و «إنَّه ليعتلث الزِّناد» مَثَلٌ يُضرَب لمن لا يتخيَّر مَنكِحَه.
علج العين واللام والجيم أصل صحيح يدلُّ على تمرُّسٍ ومزاوَلة ، فى جفاء وغِلَظٍ. من ذلك العِلج ، وهو حِمار الوَحش ، وبه يشبَّه الرجل الأعجمىّ.
ويقولون : إنَّه من المعالَجة ، وهى مزاوَلَة الشّىء. هذا عن ابن الأعرابىّ. وقال الخليل : سمِّى عِلْجًا لاستعلاج خَلْقِهِ ، وهو غِلظُه. قال : والرّجُل إذا خرَجَ وجهُه (1)وغلُظ فقد استعلج. والعِلاج : مزاوَلَة الشّىءِ ومعالجتُه. تقول : عالجتُه عِلاجاً ومعالَجة. واعتلجَ القومُ فى صِراعِهم وقتالهم. ويقال للأمواج إذا التطمت : اعتلجت. قال :
يعتلج الآذِىُّ من حُبابِها
أى يركب بعضُه بعضاً. وعالجت فلاناً فعلَجْته عَلْجاً ، إذا غلبْتَه. وفلانٌ عِلْجُ مالٍ ، أى يقوم عليه ويَسُوسة. والعُلَّج : الشّديد من الرجال قِتالا وصِراعاً. قال :
مِنّا خَراطيمَ ورأساً عُلَّجاً
ويقولون : ناقة عَلِجة : غليظة شديدة قال :
ولم يُقاسِ العَلِجاتِ الحُنُفا
وقال آخر :
هَنَاكَ منها عَلِجات نِيبُ *** أكَلْنَ حَمْضاً فالوجوهُ شِيبُ (2)
وحكوا : أرض مُعتلِجة ، وهى التى تراكَبَ نبتُها وطال ، ودخل بعضُه فى بعض.
ومما شذَّ عن هذا الباب وقد ذكرنا من أمر النبات ما ذكرناه : العَلَجانُ : شجرٌ أخضر ، يقولون إنّ الإبل لا تأكله إلّا مضطرّة (3). قال :
يُسَلِّيك عن لُبْنَى إذا ما ذكرتَها *** أجارِعُ لم ينبُتْ بها العَلَجانُ
وزعموا أنَ العلَجَ : أشاء النَّخْل. قال :
إذا اصطبَحتَ فاصْطَبِحْ مِسْواكا *** من عَلَجٍ إنْ لم تجِدْ أراكا
وقال عبدُ بنى الحسحاس :
وبِتْنا وِسادانا إلى عَلَجانةٍ *** وحِقْفٍ تهادَاه الرِّياحُ تهادِيا (1)
علد العين واللام والدال أصلٌ صحيح يدلُّ على قوّةٍ وشِدّة.
من ذلك العَلْد ، وهو الصُّلب من الشىء ، * يقال لعصَب العنق عَلْد. ورجل عَلْوَدٌّ : وزين. ويقال منه اعلوَّد. وما لم نذكره منه فهو هذا القياس.
علز العين واللام والزاء أُصَيل يدلُّ على اضطرابٍ من مرض. من ذلك : العَلَز : كالرعدة تأخذ المريض. وربما قالوا : عَلِز من الشَّى : غَرِض (2). وعالِز : موضع. قال :
عفا بطن قَوٍّ من سُلَيْمى فعالزُ *** فذاتُ الغَضَا ..... (3)
فذات الصفا فالمصرفات النواخز
.علس العين واللام والسين أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على شدّة فى شىء. يقال جَمَلٌ عَلَسىٌّ: شديد. قال :
إذا رآها العَلَسىُ أَبْلَسَا (4)
وعلق القوم أعاوي بها
ويقولون : المعلَّس : الرّجل المجَرَّب. والعَلَس : القُراد الضَّخْم.
علش العين واللام والشين ليس بشىء. على أنهم يقولون إن العِلَّوْش : الذّئب. وليس قياسه [صحيحاً] لأن الشين لا تكون بعد اللام.
علص العين واللام والصاد قريبٌ من الذى قبلَه. على أنهم يقولون : إنَ العِلّوْص : التُّخَمة ، وليس بشىء ولا له قياس. ويقولون إن العِلاص : المضارَبَة بالسَّيْف (1)، وهذا أيضاً لا معنَى له ، وكل ما ذُكر فى هذا البناء فمجراه هذا المجرى.
علط العين واللام والطاء مُعظَمه على صحّته إلصاق شىءٍ بشىء ، أو تعليقُه عليه. تقول : عَلَطتْه بسهم : أصبتُه. وإذا أصبْتَه به فقد ألصقته به. والعُلْطة : سواد تخطُّه المرأة فى وجهها تَزَّيَّن به. والعُلطة : القلادة من الحنظل. ويقال : اعلَوَّطَنِى فلانٌ : لزمنى.
ومن الباب العِلَاط ، وهى كَىٌّ أو سِمَةٌ تكون فى مقدّم العنق عَرْضاً. وعَلَطْت البعيرَ أعْلِطه عَلْطاً. ويقال : إنَّ عِلاط الإبرة : خَيطُها. وعِلَاط الشّمس : الذى كأنَّه خيطٌ. والإعليط : وعاء ثَمَر المَرْخِ ، وهو مُعلَّقٌ فى شجَرِه. قال :
[لها] أُذُنٌ حَشْرَةٌ مَشرةٌ *** كإعْليطِ مَرْخ إذا ما صَفِرْ (2)
والعِلاطان : صَفْقا العُنُقِ من الجانبين. فأمَّا البعير العُلُط والنَّاقةُ العُلط ، وهى التى ليس فى رأسها رَسَنٌ ، فليس من هذا الباب ، وإنما ذاك مقلوبٌ ، والأصل عُطُل ، وهى المرأة التى لا حَلْىَ لها. والقياس واحد. قال ابن أحمر :
ومنحتها قَوْلِى على عُرْضِيَّة *** عُلُطٍ أُدارِى ضِغْنَهَا بتودُّدِ (1)
علف العين واللام والفاء ليس بأصل كثير ، إنما هو العَلَف. تقول : عَلفْت الدّابة. ويقال للغنم التى تُعْلَفُ : عَلُوفة. والعُلَّف : ثمر الطَّلْح (2).
علق العين واللام والقاف أصلٌ كبير صحيح يرجع إلى معنًى واحد ، وهو أن يناط الشَّىء بالشىء العالى. ثم يتَّسع الكلام فيه ، والمرجع كله إلى الأصل الذى ذكرناه.
تقول : عَلّقْتُ الشىءَ أعلِّقه تعليقاً. وقد عَلِق به ، إذا لزِمَه. والقياس واحد. والعَلَق : ما تعلَّق به البَكرَة من القامة. ويقال العلَق : آلة البَكْرَة. ويقولون. البئر محتاجة إلى العَلَقِ. وقال أبو عبيدة : العَلق هى البَكرة بكل آلتِها دون الرِّشاء والدّلو. والعَلَق : الدم الجامد ، وقياسُه صحيح ، لأنّه يَعْلَقُ بالشىء ؛ والقطعة منه عَلَقة. قال :
ينزُو على أهْدامه من العَلَق
ويقول القائل فى الوعيد : «لتفعلنّ كذا أو لتَشْرَقَنّ بعَلَقة (3)» يعنى الدّم ، كأنّه يتوعده بالقَتْل. والعَلَق : أن يُلَزَّ بعيرانٍ بحبلٍ ويُسْنَى عليهما إذا عظُم الغَرْب. وأعلقتُ بالغَرب بعيرين ، إذا قرنتَهُما بطَرَف رِشائه.
قال اللِّحيانىّ : بئر فلانٍ تدوم على عَلَق ، أى لا تنزح ، إذا كان عليها دلوانِ وقامة ورشاء. وهذه قامة ليس لها عَلَق ، أى ليس لها حبل يعلَّق بها.
قال الخليل : العَلَق أن يَنشِب الشىء بالشىء. قال جرير :
إذا عَلِقَتْ مخالبُه بِقرْنٍ *** أصابَ القلبَ أو هتك الحجابا (1)
وعَلِق فلانٌ بفلانٍ : خاصمه. والعَلق : الهوى. وفى المثل : «نظرة مِن ذى عَلَق» ، أى ذى هَوًى قد عَلِق قلبُه بمن يهواه. وقال الأعشى :
عُلِّقْتُها عرَضاً وعُلِّقتْ رجلا *** غيرى وعُلِّق أخرى غيرَها الرّجُل (2)
ومن الباب العَلَاق ، وهو الذى يجتزئ [به] الماشية من الكلأ إلى أوان الربيع. وقال الأعشى :
وفلاةٍ كأنّها ظهرُ تُرسٍ *** ليس إلّا الرَّجيع فيها عَلَاقُ (3)
يقول : لا تجد الإبل فيها عَلاقاً إلّا ما تردّده من جِرَّتها فى أفواهها. والظبية تعلُق عُلوقاً ، إذا تناولت الشجرةَ بفيها. وفى حديث الشهداء : «إنَّ أرواحهم فى أجواف طيرٍ خُضر (4)تَعْلُق فى الجنَّة». والعُلْقة : شجر يبقى فى الشِّتاء تَعلُق به الإبلُ فتستغنى به ، مثل العَلَاق. ويقال : ما يأكل فلانٌ إلا عُلْقَة ، أى ما يُمْسِك نَفْسَه.
قال ابن الأعرابىّ : العُلقة : الشَّىء القليل ما كان ، والجمع عُلَق. ومن الباب : العَلَقة : دويْبة تكون فى الماء ، والجمع عَلَق ، تَعْلَق بحَلْق الشَّارب (5). ورجلٌ
معلوق ، إذا أخذت العَلَق (1)بحلقِهِ. وقد علِقت الدابة عَلَقا ، إذا عَلِقتها العَلَقةُ عند الشرب.
ومن الباب على نحو الاستعارة ، قولهم : عَلِق دَمُ فلان ثيابَ فلان ، إذا كان قاتِلَه. ويقولون : دمُ فلانٍ فى ثوب فلان. قال أبو ذؤيب :
تبرَّأُ من دَمِّ القتيل وبَزِّهِ *** وقد عَلِقت دمَّ القتيلِ إزارُها (2)
قالوا : الإزار يذكّر ويؤنّث فى لغة هذيل وبزّه : سلاحه. وقال قوم : «علِقت دمَّ القتيل إزارُها» مَثَل ، يُقال : حَملتَ دمَ فلانٍ فى ثوبك ، أى قتلتَه. وهذا على كلامين ، أراد علقت المرأةُ دمَ القتيل ثم قال : عَلِقَهُ إزارُها.
قالوا : والعَلاقة : الخصومة. قال الخليل : رجلٌ معلاقٌ ، إذا كان شديدَ الخُصومة. قال مُهلهل :
إنّ تحت الأحجار حَزْماً وجوداً *** وخَصيماً ألدَّ ذا مِعلاقِ (3)
ورواه غيره بالغين ، وهو الخَصْم الذى يَغْلَق عنده رَهْنُ خَصمه فلا يقدرُ على افتكاكِه منه ، للَدَدِه.
وتعليق الباب : نَصْبُه. والمعاليق والأعاليق للعنب ونحوِه (4)، ولا واحد للأعاليق. والعِلاقَة : [عِلاقة] السَّوْطِ ونحوه. والعَلَاقة للحبِ (5). والعلاقة :
1) فى الأصل : «الحلق».
2) ديوان أبى ذؤيب 26 واللسان (أزر) حيث أنشده شاهدا لتأنيث الإزار.
3) فى الأصل : «تحت الأشجار» ، صوابه من المجمل واللسان (علق).
4) فى الأصل : «ومعاليق للعنب ونحوه» ، وصوبت العبارة مستضيئا بما فى اللسان ، وفيه : «والأعاليق كالمعاليق كلاهما ما علق ، ولا واحد للأعاليق».
5) فى الأصل : «للجنب». وفى المجمل : «والعلاقة فى الحب».
ما ذكرناه من العَلَاق الذى يُتعلَّق به فى معيشةٍ وغيرها. والعَليق : القَضيم (1)، من قولك أعلقته فهو عليق ، كما يقال أعقدتُ العسلَ فهو عَقِيد.
وذُكر عن الخليل أنه قال : يسمَّى الشراب عليقاً. ومثل هذا مما لعلّ الخليل لا يذكره ، ولا سيَّما هذا البيتُ شاهدُه :
واسق هذا وذا وذاك وعلِّق *** لا نسمِّى الشَّرَابَ إلّا العليقا (2)
ويقولون لمن رضىَ بالأمر بدون تمامه : متعلِّق (3). ومن أمثالهم :
عَلِقَتْ مَعالِقَها وصَرَّ الجُنْدَب (4)
وأصله أنَّ رجلاً انتهى إلى بئر فأعلقَ رشاءه برِشائها ، ثم صار إلى صاحب البئر فادَّعى جِوارَه ، فقال له : وما سبب ذلك؟ فقال : عَلَّقْتُ رِشائى برِشائِك. فأمره بالارتحال عنه ، فقال الرّجل : «علقِت معالِقَها وصرّ الجندب» ، أى علقت الدّلو معالِقَها وجاء الحرُّ ولا يمكن الذَّهاب.
وقد عَلِقت الفَسيلةُ إذا ثبتت فى الغِراس. ويقولون : أعلقت الأمُّ من عُذْرَة الصبىِّ بيدها تُعْلق إعلاقاً ، والعُذْرة قريبةٌ من اللّهاة وهى وجع ، فكأنّها لما رفعته أعلقته. ويقال هذا عِلْقٌ من الأعلاق ، للشَّىء النفيس ، كأنَّ كلَّ من رآه يَعْلَقه. ثمَّ يشبّهون ذلك فيسمُّون الخمر العِلْق. وأنشدوا :
إذا ما ذقت فاها قلتَ عِلْقٌ مُدَمَّسٌ *** أريد به قَيْلٌ فغودر فى سابِ (5)
ويقال للشَّىء النفيس : عِلْق مَضِنّة ومَضَنَّة. ويقال فلان ذو مَعْلَقة ، إذا كان مُغِيراً (1)
أخاف أن؟ غير؟
يعلَق بكلِّ شىء. وأعْلَقْتُ ، أى صادقت عِلقاً نفيساً ، وجمع العِلْق عُلُوق. قال الكميت:إن يَبِع بالشَّباب شيباً فقد با *** عَ رخيصاً من العُلُوق بغالِ
والعَلاقة : الحبُّ اللازم للقلب. ويقولون : إنَ العَلُوق من النِّساء : المُحِبّة لزوجها. وقوله تعالى : ( فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ ) هى التى لا تكون أيِّما ولا ذاتَ بعل ، كأنَّ أمرَها ليس بمستقرّ. وكذلك قول المرأة فى حديث أم زرع (2): «إنْ أنْطِق أُطلَّق ، وإنْ أسْكُت أُعلَّق». وقولهم : «ليس المتعلِّق كالمتأنّق» أى ليس من عيشُه قليلٌ كمن يتأنّق فيختار ما شاء. والعلائق : البضائع. ويقولون : جاء فلان بعُلَقَ فُلَقَ ، أى بداهية. وقد أعْلَق وأفلق. وأصل هذا أنّها داهيةٌ تَعْلَق كُلَّا. ويقال إن العَلُوق : ما تَعلُقه السّائمة من الشَّجر بأفواهها* من ورَق أو ثَمَر. وما عَلَقت منه السَّائمة عَلُوق. قال :
هو الواهب المائة المصطفا *** ة لاطَ العَلُوق بهن احمرارا (3)
هو الواهب المائة المصطفا *** ة إما نخلصنا إما عشارا
والآخر :
بأجود منه يأهم الركاب *** لاط المعلوق جين احرارنا
كما أن البيت الأخير مقدم على سابقه.
.يريد أنّهنّ رَعَيْن فى الشجر وعَلِقْنَه حتى سمِنَّ واحمرَرْن ولاطَ بهنّ. والإبل إذا رعَتْ فى الطَّلْح ونحوِه فأكلت ورقَهُ أخصَبت عليه وسَمِنت واحمرَّت. والعُلَّيق : شجرٌ من شجر الشَّوك لا يعظُم ، فإذا نَشِب فيه الشىء لم يكد يتخلَّص من كثرة شَوكه ، وشوكُهُ حُجْنٌ حِداد ، ولذلك سمى عُلَّيقاً. ويقولون : هذا حديثٌ طويل العَوْلَق ، أى طويل الذَّنَب.
وأمَّا العَلُوق من النُّوق ، فقال الكسائىّ : العَلُوق : الناقة التى تأبى أن ترْأَمَ ولدها. والمَعالِق (1)مثلها. وأنشد :
أم كيف ينفَعُ ما تُعِطى العلوقُ به *** رِئمانُ أنف إذا ما ضُنَّ باللّبنِ (2)
فقياسه صحيح ، كأنَّها عَلِقَتْ لبنَها فلا يكاد يتخلَّص منها. قال أبو عمرو : العَلُوق ما يَعْلَق الإنسانَ. ويقال للمنيّه : عَلُوق. قال :
وسائلةٍ بثعلبة [بنِ سير *** وقد عَلِقت بثعلبةَ]العَلوقُ (3)
وعَلِقَ الظَّبىُ فى الحِبالة يَعْلَق ، إذا نَشِق فيها (4). وقد أعلَقَتْه الحِبالة. وأعْلَق الحابلُ إعلاقاً ، إذا وقَع فى حِبالتِه الصَّيد. وقال أعرابىّ : «فجاء ظبىٌ يستطيف (5)
1) ضبطت فى اللسان ضبط فلم يفتح الميم ، ولم تذكر فى القاموس.
2) البيت لأفنون بن صريم التغلبى من أبيات فى البيان والتبيين (1 : 9 - 10) والمفضليات (2 : 62) وخزانة الأدب (4 : 456). وانظر أمالى الزجاجى 35 والقالى (2 : 51 واللسان (علق ، رأم). وفى «رئمان» أوجه ثلاثة : الرفع والنصب والجر.
3) تكملة البيت من إصل اح المنطق 368 واللسان (علق). حيث ورد البيت فيهما منسوبا للمفضل النكرى. وهو من قصيدة أصمعية له فى الأصمعيات53 - 55 ليبسك. قال فى اللسان : «يريد ثعلبة بن سيار ، فغيره للضرورة».
4) يقال نشق الصيد فى الحبالة : نشب وعلق فيها.
5) يقال : استطافه ، أى طاف به.
الكِفَّة فأعلقته». ويقال للحابِل : أعلَقْتَ فأدرك. وكذلك الظَّبى إذا وَقَع فى الشرك ، أُعْلِق به (1). قال ذو الرُّمَّة :
ويومٍ يُزِير الظَّبىَ أقصى كِناسِهِ *** وتنزو كَنَزْو المُعْلَقاتِ جنادبُه (2)
ويقولون : ما ترك الحالبُ للنَّاقة عُلْقَةً (3)، أى لم يدع فى ضَرعها شيئاً إلَّا حَلَبه. وقلائد النُّحور ، وهى العلائق. فأمَّا العليقة فالدّابَّة تُدفَع إلى الرّجُل ليَمتار عليها لصاحبها ، والجمع علائق. قال :
وقائلةٍ لا تَركبنّ عليقةً *** ومن لذّة الدُّنيا ركوبُ العلائقِ (4)
وقال آخر :
أرسَلَها عَليقةً وقد عَلِم *** أنَ العَلِيقاتِ يُلاقِينَ الرَّقِمْ (5)
ويقولون : عَلِق يفعُل كذا ، كأنَّه يتعلَّق بالأمر الذى يريده. وقد عَلِق الكِبَرُ منه مَعَالِقه. ومَعاليق العِقد والشُّنُوف : ما يُعَلَّق بهما ممّا يُحسِّنهما. ويقولون : عَلِقتِ المرأةُ : حَبِلت. ورجلٌ ذو مَعْلَقةٍ ، إذا كان مُغيِراً يتعلّق بكلِّ شىء (6). قال :
أخاف أن يَعْلَقها ذو مَعْلَقهْ (7)
والعَلَاقِيَة : الرجل الذى إذا عَلِقَ شيئاً لم يكَدْ يدَعُه. وأمّا العِلْقة ، فقال ابن السّكِّيت: هى قميصٌ يكون إلى السُّرَّة وإلى أنصاف السُّرَّة ، وهى البَقِيرةُ. وأنشد :
وما هى إلَّا فى إزارٍ وعِلْقةٍ *** مُغارَ ابنِ هَمّامٍ على حىِّ خثعما (1)
وهو من القياس ؛ لأنّهُ إذا لم يكن ثوباً واسعا فكأنّه شىءٌ عُلِّق على شىء. قال أبو عمرو : وهو ثوب يُجاب ولا يُخاط جانباه ، تلبسه الجارية إلى الحُجْزَة ، وهو الشَّوذر.
علك العين واللام والكاف أصلٌ صحيح يدلُّ على شىءٍ شبه المضغ والقبض على الشَّىء. من ذلك قول الخليل : العَلْك : المضغ. ويقال عَلَكت الدّابّةُ اللِّجامَ ، وهى تعلُكُه عَلْكا. قال : وسمِّى العِلْك عِلْكاً لأنّه يُمضَغ. قال النّابغة :
خَيلٌ صِيامٌ وأخرى غيرُ صائمةٍ *** تحت العَجاجِ وخيلٌ تعلُك اللُّجُما (2)
قال الدريدىّ : طعام عَلِك : متين المَمْضَغة (3). ويقولون فى لسانه عَوْلك ، إذا كان يَمضَغُه ويَعلُكُه (4).
1) البيت فى اللسان (علق) بدون نسبة. ونسبه سيبويه فى كتابه (1 : 120) إلى حميد ابن ثور. وليس فى ديوانه طبع دار الكتب.
2) سبق البيت وتخريجه فى (صوم) ، وأنشده أيضاً فى اللسان (علك).
3) فى الأصل : «متن المضغ» ، صوابه من الجمهرة (3 : 136) واللسان (علك).
4) هذه العبارة وتفسيرها مما لم يرد فى المعاحم المتداولة. وفى القاموس أن «العولك» لجلجة فى اللسان.
قال أبو زيد : أرضٌ عَلِكة : قريبةُ الماء. وطِينةٌ علكة : طيِّبة خَضراء ليِّنة. واللّه أعلم بالصواب.
عمن العين والميم والنون ليس بأصل ، وفيه عُمان : بلد. ويقولون أعْمَن ، إذا أتى عُمَان. قال :
فإن تُتْهِمُوا أُنْجِد خلافاً عليكُم *** وإن تُعمِنُوا مستحقِبِى الشَّرِّ أُعرِقِ (1)
عمه العين والميم والهاء أصلٌ صحيح واحد ، يدلُّ على حَيرة وقِلّة اهتداء. قال الخليل: عَمِهَ الرّجل يَعْمَهُ عَمَهاً ، وذلك إذا تردَّد لا يدرِى أين يتوجَّه. قال اللّه : ( وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) . قال يعقوب : ذهبت إبله العُمَّبْهَى (2)، مشدّدة الميم ، إذا لم يدْر أين ذهبت.
عمى * العين والميم والحرف المعتل أصلٌ واحد يدلُّ على سَترٍ وتغطية. من ذلك العَمَى : ذَهاب البصر من العينين كلتيهما. والفعل منه عَمِى يَعْمَى عَمىً. وربَّما قالوا اعماىَ يعماىُ (3)اعمِيَاءً ، مثل ادهَامّ. أخرجوه على لفظ الصحيح. رجلٌ أعمى وامرأة عمياء. ولا يقع هذا النعت على العين الواحدة. يقال
عَمِيَتْ عيناه. فى النساء عَمْيَاءُ وعَمْياوان وعمياوات. ورجل عَمٍ ، إذا كان أعمى القلب ؛ وقومٌ عمون. ويقولون فى هذا المعنى : ما أعماه ، ولا يقولون فى عمى البصر ما أعماهُ ؛ لأنّ ذلك نعتٌ ظاهر يُدْركُه البصر ، ويقولون فيما خفى من النعوت ما أفعله. قال الخليل : لأنّه قبيحٌ أن تقول للمشارِ إليه : ما أعماه ، والمخاطبُ قد شاركَكَ فى معرفة عماه.
قال : والتَّعمِية : أن تعمِّىَ على إنسانٍ شيئاً فتَلْبِسَه عليه لَبْسا. وأمّا قولُ العجّاج(1)
وبعده :
كأن لون أرضه سماؤه
:وبلدٍ عاميَةٍ أعماؤُهُ
فإنّه جعل عَمًى اسماً ثم جمعه على الأعماء (2). ويقولون : «حبك الشَّىءَ يُعمِى ويُصِمّ». ويقولون : «الحبُ أعمى». وربَّما قالوا : أعميت الرّجُلَ إذا وجدتَه أعمى. قال:
فأصممت عَمْراً وأعميتُه *** عن الجُود والفَخْر يوم الفَخَارِ
وربما قالوا : العُمْيان (3)للعَمَى ، أخرجوه على مثال طُغيان. ومن الباب العُمِّيّة : الضلالة ، وكذلك العِمِّيَّة. وفى الحديث : «إنّ اللّه تعالى قد أذهَب عنكم عُمّيَّة الجاهليّة». قالوا : أراد الكِبْر. وقيل : فلانٌ فى عَمْياء ، إذا لم يدر وَجْهَ [الحقِّ.
وقتِيل عِمِّيَّا ، اى لم يُدرَ من (1)] قتَلَه (2). والعَمَاية : الغَوَاية ، وهى اللَّجاجة. ومن الباب العَمَاء (3): السَّحاب الكثيف المُطْبق ، والقِطعة منه عَمَاءة. وقال الكسائىّ : هو فى عمايةٍ شديدةٍ وعَماءٍ ، أى مُظلم.
وقال أهل اللغة : المَعَامِى من الأَرَضِينَ : الأغفالُ التى ليس بها أثرٌ من عمارة. ومنه كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، لأكَيْدِر : «إنَّ لنا المَعَامىَ وأغفال الأرض».
ومن الباب : العَمْى ، على وزن رَمْى ، وذلك دَفْع الأمواج القَذَى والزَّبَد فى أعاليها. وهو القياس ، لأنّ ذلك يغطِّى وجهَ الماء. قال :
لها زبدٌ يَعْمِى به الموجُ طامِيا (4)
رعا زيدا يعمى به الوج طالبا
والبعير إذا هَدَرَ عَمَى بلُغامِه على هامَتِه عَمْياً. قال :
يَعْمِى بمثل الكُرْسُف المسَبَّخِ
وتقول العرب. أتيتُه ظهراً صَكَّةَ عُمَىّ ، إذا أتيتَه فى الظَّهيرة. قال ابنُ الأعرابىّ : يُراد حِينَ يكاد الحر يُعمِى. وقال محمد بن يزيد المبرِّد : حين يأتى الظّبىُ كِناسَه فلا يُبصِر من الحرِّ. ويقال : العَماء : الغُبار. وينشد للمرّار :
تراها تدور بغِيرَانِها *** ويَهجُمُها بارح ذو عَماء
عمت العين والميم والتاء أُصَيلٌ صحيح يدلُّ على التباسِ الشىء والتوائه ، ثم يشتقُّ منه ما أشبَهَه. قال الخليل : العَمْت : أن يَعْمِتَ الصُّوف فيلُفَّ بعضَه على بعضٍ مستطيلا ومستديراً ، كما يفعل الذى يَغزِل الصُّوف. يقال عَمَتَ يَعْمِت.
قال أبو عبيدة : العِمِّيت : الرَّجل الأعمى الجاهل بالأمور. وقال :
كالخُرْس العماميت (1)
ويقولون : العِمِّيت : السَّكران (2). والعَمْتُ : أن يَضرِب ولا يُبالىَ مَن أصابه ضَرْبُه.
عمج العين والميم والجيم أصلٌ صحيح يدلُّ على التواءٍ واعوجاج. قال الخليل : التعمُّج: الاعوجاج فى السَّير (3)، لا اعوجاجُ الطَّريق ، كما يتعمَّج السّيل ، إذا انقلَب بعضُه على بعض. ويقال : سهم عَمُوجٌ : يَلتوِى فى ذَهابه.
قال الهذلىّ :
كمَتْن الذِّئب لانِكْسٌ قصيرٌ *** فأُغْرِقَه ولا جَلْسٌ عَموجُ (4)
كما ألقى البرائن وسط ضحل *** من الرتقاء هو ليق عموج
ويقال : تعمَّجت الحيّة ، إذا تلوَّتْ فى سَيرها. قال : ج
تُلاعِب مَثْنَى حَضْرمىٍّ كأنّه *** تَعمُّج شيطانٍ بذى خِروَعٍ قَفْرٍ (1)
ويقال للحيَّةِ نفْسِه : العَمَج (2)، لأنه يتعمَّج. قال :
يَتْبَعْنَ مثل العَمَجِ (3)
يتبعن مثل السج المنسوس
وأنشده كذلك فى المجمل ، لكن بفتح العين والميم.
عمد العين والميم والدال أصلٌ كبير ، فروعه كثيرة ترجع إلى معنًى ، وهو الاستقامة (4)فى الشىء ، منتصباً أو ممتدّا ، وكذلك فى الرّأى وإرادةِ الشىء.
من ذلك عَمَدْتُ فلاناً وأنا أعْمِدُه عَمْداً ، إذا قَصدتَ إليه. والعَمْد : نقيض الخطأ فى القتل وغيره ، وإنّما سمى* ذلك عمداً لاستواء إرادتك إيَّاه. قال الخليل : والعَمْد : أنْ تعمِد الشّىء بِعمادٍ يُمسكه ويَعتمِد عليه. قال ابن دُريد : عَمَدْت الشّىء : أسندتُه. والشَّىء الذى يسند إليه عِماد ، وجمع العِماد عُمُد. ويقال عَمودٌ وعَمَد (5). والعَمود من خَشبٍ أو حديد ، والجمع أعْمِدة ؛ ويكون ذلك فى عمد الخِبَاء. ويقال لأصحاب الأخبية الذين لا يَنزلون غيرَها : هم أهل عَمُودٍ ، وأهلُ عِماد.
1) نسب لطرفة ، كما فى الحيوان (4 : 133). وانظر ما سبق من تخريجه فى (شطن).
2) يقال بالتحريك ، وبضم فميم مشددة مفتوحة.
3) كذا ضبط فى الأصل والمجمل. وإنشاده فى اللسان (عمج) :
4) فى الأصل : «الاستفهامة».
5) كذا ضبطت الكلمتان فى الأصل. والمعروف أن «العمد» بضمتين جمع للعماد والعمود. وأن «العمد» بالتحريك : اسم جمع لهما.
قال الخليل : وعَمود السِّنان : متوسّط من شَفْرَتيه من أصله ، وهو الذى فيه خَطُّ العَيْر. ويقال لرِجْلَى الظَّليم : عمودان. وعَمُود الأمر : قِوَامه الذى لا يستقيم إلّا به. وعَميد القوم : سيِّدهم ومُعْتَمَدُهم الذى يعتمِدونه إذا حَزَبهم [أَمرٌ] فزِعوا إليه. وعَمود الاذن : مُعظَمها وقِوامها الذى ثبتت إليه ، فأمّا قولُهم للمريض عَميد ، فقال أهل اللغة : العَميد : الرجل المعمود ، الذى لا يستطيع الجلوسَ من مرضه حتى يُعْمَد من جوانبه بالوسائد. قالوا : ومنه اشتُقَّ القَلب العميد ، وهو المعمود المشعوف الذى هدّه العِشْق وكَسَرَه ، وصار كالشىء عُمِدَ بِشىء. قال الأخطل :
بانت سُعادُ فنومُ العين تسهيدُ *** والقلب مكتئبٌ حرّانُ مَعْمودُ (1)
باتت سماء ففي؟ تسهيد *** واستحقبت لبه القلب معموه
ويقال : عَميد ، ومعمود ، ومُعَمَّد (2). قال الخليل : العَمْد : أن تكابِد أمراً بجِدٍّ ويقِين. تقول : فعلت ذلك عَمْداً وعَمْدَ عينٍ ، وتعمَّدت له وفعلته مُعتمِداً ، أى متعمِّداً.
ومن الباب : السَّنَام العَمَدُ [عَمِدَ] يَعْمَد عَمَداً. وهذا محمولٌ على ما ذكرناه من قولهم : قلبٌ عميد ومعمود ، وذلك السَّنامُ إذا كان ضَخْماً وارياً فحُمِل عليه فكُسِر (3)ومات فيه شحمُه فلا يستوى أبداً - والوارى : السمين - كما يَعْمَد الجُرحُ إذا عُصِر قبل أن تَنْضَج بيضتُه فيَرِمَ ، وبعيرٌ عَمِدٌ ، وناقةٌ عَمِدةٌ ، وسَنامُها عَمِد. .
فأمّا قوله تعالى : ( فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ) ، أى فى شِبْه أخْبيةٍ من نار ممدودة.
وقال بعضهم : ( فِي عَمَدٍ ) وقرئت فى عُمُد وهو جمع عِماد.
وقال المبرّد : رجل مُعمَد ، أى طويل. والعِماد : الطُّول. قال اللّه تعالى : ( إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ) ، أى ذات الطُّول. وفى الحديث (1): «هو رفيع العماد ، طَويل النِّجَاد». قال أبو عبيد : عَمَدْتُ الشىء : أقمته ، فهو معمود. وأعْمدته بالألف إعماداً ، أى جعلت تحته عَمَداً. ومن الباب : العُمُدّ ، الدال شديدة والعين والميم مضمومتان : الشابُّ الممتلئ شباباً. وهو العُمُدَّانىّ ، والجمع العُمُدَّانيُّون. وامرأةٌ عمُدَّانيّة ، أى ذات جسمٍ وعَبالة. ومن الباب العَمود : عِرق الكَبِد الذى يَسقيها. ويقال للوَتين : عَمود السَّحْر. قال : وعمود البطن : شِبْهُ عِرقٍ ممدود من لَدُن الرُّهابة إلى دُوَيْن لسُّرَّة فى وسطه يُشقُّ عن بطن الشاة. ويقولون أيضاً : إنَ عمودَا البَطْن : الظَّهر والصُّلب ؛ وإنما قيل عَمودَا البطنِ لأنّ كل واحدٍ منهما معتمِد على الآخر.
ومن الباب : ثرًى عَمِدٌ ، وذلك إذا بلّته الأمطار. قال :
وهل أَحْطِبَنَّ القومَ وهى عرِيّةٌ *** أُصولَ ألَاءٍ فى ثَرًى عَمِدٍ جَعْدِ (2)
قال أبو زيد : عَمِدَت الأرض عَمَداً ، أى رسخ فيها المطر إلى الثَّرَى حتى إذا قبضْتَ عليه تعقَّدَ فى كفِّكَ وجَعُد. ويقولون : الزمْ عُمْدَتَك ، أى قَصْدَك.
قد مضى هذا الباب على استقامةٍ فى أصوله وفروعه ، وبقيت كلمةٌ ، أما نحن فلا ندرى ما معناها ، ومن أى شىء مأخذها ، وفيما أحسب إنّها من الكلام الذى
دَرَجَ بذَهاب مَن كان يحسِنُه ، وذلك قولهم : إنَّ أبا جهل لما صُرِعَ قال (1): «أعْمَدُ من سيّدٍ قتله قومُه» ، والحديث مشهور. فأما معناه فقالوا : أراد : هل زادَ على سيَّدٍ قتله قومُه(2)؟ ومعلومٌ أن هذه اللفظة لا تدلُّ على التفسير ولا تقاربه ، فلستُ أدرى كيف هى. وأنشدوا لابن مَيّادة (3):
وأَعْمَدُ من قومٍ كفاهم أخوهُم *** صِدَامَ الأعادِى حين فُلَّتْ نُيُوبُها
عمرالعين والميم والراء أصلان صحيحان ، أحدهما يدلُّ على بقاء وامتداد زمان ، والآخر على شىءٍ يعلو ، من صوتٍ أو غيره.
فالأوّل العُمْر وهو الحياة ، وهو العَمْر أيضاً. وقول العرب : لعَمْرك ، يحلف بعُمْره أى حياته. فأمّا قولهم : عَمْرَك اللّه ، فمعناه أُعَمّرك اللّهَ أن تفعل كذا ، أى أُذكِّركَ اللّهَ ، تحلِّفه باللّه وتسأله طولَ عمره.* ويقال : عَمِرَ الناسُ : طالت أعمارُهم. وَعَمَّرَهم اللّه جلّ ثناؤُه تعميراً.
1) فى اللسان : «وفى حديث ابن مسعود أنه أتى أبا جهل يوم بدر وهو صريع ، فوضع رجله على مذمره ليجهز عليه ، فقال له أبو جهل : «أعمد من سيد قتله قومه». والحديث ورد فى المجمل كما فى المقاييس.
2) فى الأصل : «قوم» ، صوابه من اللسان.
3) وكذا فى اللسان ، ثم قال : «ونسبه الأزهرى لابن مقبل».
4) فى الأصل : «إخواننا» ، وصوابه فى اللسان.
ومن الباب عِمارة الأرض ، يقال عَمَرَ الناسُ الأرضَ عِمارةً ، وهم يَعْمُرُونها ، وهى عامرة معمورةٌ. وقولهم : عامرة ، محمولٌ على عَمَرَتِ الأرضُ ، والمعمورة من عُمِرت. والاسم والمصدر العُمْران. واستَعمر اللّه تعالى الناسَ فى الأرض ليعمرُوها. والباب كلُّه يؤول إلى هذا.
وأمّا الآخر فالعَوْمَرة : الصِّياح والجلَبة. ويقال : اعتَمَرَ الرّجُل ، إذا أهَلَّ بعُمرته ، وذلك رفْعُه صوتَه بالتَّلبية للعُمرة. فأمّا قول ابن أحمر :
يُهلُّ بالفَرقد رُكبانُها *** كما يُهلُّ الراكب المُعْتَمِرْ (1)
فقال قوم : هو الذى ذكرناه من رَفْع الصَّوت عند الإهلال بالعمرة. وقال قوم : المعتمِر : المعتمّ. وأىُّ ذلك كان فهو من العلوِّ والارتفاع على ما ذكرنا.
قال أهلُ اللغة : والعَمَار : كلُّ شىءٍ جعلتَه على رأسك ، من عِمامةٍ ، أو قَلَنْسُوة أو إكليل أو تاجٍ ، أو غير ذلك ، كلُّه عَمار. قال الأعشى :
فلما أتانا بُعيدَ الكرَى *** سجَدْنا له ورفَعْنَا عَمارا (2)
وقال قوم : العَمار يكون من رَيحَان أيضاً. قال ابنُ السِّكِّيت : العَمَار : التَّحيَّة. يقال عمَّرك اللّه ، أى حيّاك. ويجوز أن يكون هذا لرفع الصوت. وممكن أن يكون الحىُّ العظيم يسمى عمارة لما يكون ذلك من جلبة وصياح. قال :
لكل أناسٍ من مَعَدّ عِمَارَةٌ *** غُرُوضٌ إليها يلجئون وجانبُ (1)
ومما شذَّ عن هذين الأصلين : العَمْر : ضربٌ من النَّخل. وكان فلانٌ يستاك بعراجين العمْر. وربما قالوا العُمر (2).
ومن هذا أيضاً العَمْر : ما بدا من اللِّثة ، وهى العُمور. ومنه اشتُق اسم عمرو.
عمس العين والميم والسين أصلٌ صحيح يدلُّ على شدّة فى اشتباهٍ والتواء فى الأمر.
قال الخليل : العَماسُ : الحرب الشديدة. وكلُّ أمرٍ لا يُقام له ولا يُهتدَى لوجهه فهو عَماسٌ. ويوم عَمَاسٌ مِن أيَّام عُمُس. قال العجّاج :
ونَزلَوا بالسَّهل بعد الشَّأْس (3)
ليوث هيجا لم ترم بأبس
*** فى مرِّ أيَّامٍ مضَيْنَ عُمْسِ (4)ولقد عَمِسَ يومُنا عَمَاسَةً وعُموسة. قال العجاج :
إذْ لَقِحَ اليومُ العَماسُ واقمطرّ (5)
قال أبو عمرو : أتانا بأمور مُعَمَّسَاتٍ ومُعَمِّسَاتٍ ، أى ملتويات. ورجُلٌ عَمُوسٌ :
1) البيت للأخنس بن شهاب التغلبى من قصيدة فى المفضليات (2 : 3 - 8). وأنشده فى اللسان (عمر ، عرض).
2) يقال بالفتح ، وبضمة ، وبضمتين. ويقال أيضاً : «العمرى ، بفتح العين.
3) وكذا فى اللسان (عمس). والصواب أنه بعد أبيات كثيرة تلى البيت التالى ، وبينهما 18 بيتا. والبيت الذى قبله هو :
4) فى اللسان (عمس) وملحقات ديوان العجاج 87 : «ومر أيام». وسكن الميم للوزن.
5) فى الأصل : «إذا لقح» ، صوابه من ديوان العجاج 18.
يتعسَّف الأشياء كالجاهل بها. قال الخليل : تعامَسْتُ عن الشىء ، إذا أريت (1)كأنّك لا تعرفُه وأنت عالمٌ به وبمكانه. وتقول : اعمِسْه ، أى لا تبيِّنْه حتى يشتبه. ويقال : اعْمِس الأمر ، أى أَخْفِه. ومن الباب العَمَاس ، وهى الداهية. قال ابن الأعرابىّ : التَّعامُس : أن تركبَ رأسَك فتَغْشِم وتَغَطْرَس. قال المخبل :
تعامس حتَّى تحسب الناسُ أنّها
قال الفراء : عَمَس الخَبَرُ : أظلم. وأعْمَس الطّريقُ : التبس. وعَمِس (2)الكتابُ : درس. قال المرّار :
فوقَفتَ تعترِف الصَّحيفةَ بعد ما *** عَمِس الكتابُ وقد يُرى لم يَعْمَسِ
عمش العين والميم والشين كلمتانِ صحيحتان ، متباينتان جدًّا. فالأولى ضعفٌ فى البصر ، والأخرى صلاحٌ للجسم. فالأوّل العَمَش : ألَّا تزالُ العينُ تسيل دمعاً ، ولا يكاد الأعمش يُبصِر بها ، والمرأةُ عَمْشاء ، والفعل عَمِشَ يَعْمَشُ عَمَشا.
والكلمةُ الأخرى : العَمْش ، بسكون الميم : ما يكون فيه صلاحُ البدن. ويقولون : الخِتَانُ عَمْش الغُلام ؛ لأنّك ترى* فيه بعد ذلك زيادةً. وهذا طعام عَمْشٌ لك ، أى صالح مُوافق.
وأما العين والميم والصاد فليس فيه ما يصلح أن يذكر.
عمق العين والميم والقاف أصلٌ ذكره ابنُ الأعرابىّ ، قال : العُمْقُ إذا كان صفةً للطريق فهو البعد ، وإذا كان صفةً للبئر فهو طول جِرابِها. قال الخليل : بئرٌ عميقة ، إذا بعُد قعرُها وأعْمَقَها حافرُها. ويقولون ما أبعَدَ عماقَةَ هذه الرّكيّة (1)، أى ما أبعدَ قعرها.
ومن الباب : تعمَّق الرّجلُ فى كلامه ، إذا تنطَّع. وذكر ابنُ الأعرابى عن بعضِ فُصحاء العرب : رأيت خَليقة فما رأيتُ أعمق منها. قال : والخليقة : البئر الحديثة الحفرِ.
والذى بَقى فى الباب بعد ما ذكرناه أسماء الأماكن ، أو نباتٌ. وقد قلنا : إنَّ ذلك لا يكاد يجىء على قياسٍ ، إلّا أنَّا نذكُره. فعَمْق : أرضٌ لمزينة. قال ساعدة :
[لمّا رأى عَمْقاً ورجَّع عُرضَه *** هَدْراً كما هدَر الفنيق المعصبُ (2)
والعِمْقى : موضع. قال أبو ذؤيب] :
لمّا ذكرتُ أخا العِمْقى تأوَّبَنى *** هَمٌّ وأفْرَدَ ظهرى الأغلبُ الشِّيحُ (3)
والعِمْقَى من النّبات مقصور. قال يونس : جملٌ عامق ، إذا كان يَرعى العِمْقَى. ويقال : أُعَامِقُ : اسمُ موضعٍ. قال الأخطل :
وقد كان منها منزلاً نستلذُّه *** أُعامِقُ بَرْقاواته فأجاوله (1)
عمل العين والميم واللام أصلٌ واحدٌ صحيح ، وهو عامٌّ فى كلِّ فِعْلٍ يُفْعَل.
قال الخليل : عَمِل يَعْمَلُ عَمَلاً ، فهو عامل ؛ واعتمل الرّجل ، إذا عمِل بنفسه. قال :
إنّ الكريم وأبيكَ يَعتَمِلْ *** إن لم يَجِد يوماً على مَن يتَّكِلْ (2)
فيكتسى من يعدها ويكتحل
والعمالة (3): أجر ما عُمِل. والمعاملة : مصدرٌ من قولك عاملته ، وأنا أُعامِله معاملةً. والعَمَلَة : القوم يعملون بأيديهم ضُروباً من العمل ، حفراً ، أو طيَّا أو نحوه. ومن الباب : عامِلُ الرُّمحِ وعامِلتَهُ ، وهو ما دون الثَّعلب قليلاً مما يلى السِّنان ، وهو صدره. قال :
أطْعَن النَّجْلاءَ يَعوِى كَلْمُها *** عامِلُ الثَّعلبِ فيها مَرْجَحِنّ
قال : والرّجل يعتمل لنفسِه ، ويعمل لقَومٍ ، ويستعمل غيره ، ويُعْمِل رأيَه أو كلامه أو رُمْحه. والبنّاء يستعمل اللّبِن ، إذا بنَى به. قال : واليَعْمَلة من الإبل : اسمٌ لها اشتُقَّ من العَمَل ، والجمع يَعْمَلات. ولا يقال ذلك إلّا للأُنثى ، وقد يجوز اليَعَامِل. قال ذو الرُّمّة (4)أو غيرُه :
واليَعْمَلات على الوجى *** يَقطعن بيداً بعد بيدِ
واللّه أعلم.
[باب العين والنون وما يثلثهما (1)]
عنى العين والنون والحرف المعتل أصولٌ ثلاثة : الأوّل القَصْد للشىء بانكماشٍ فيه وحِرْصٍ عليه ، والثانى دالٌّ على خُضوع وذُلّ ، والثالث ظهورُ شىء وبروزُه.
فالأوّل منه (2)عُنِيت بالأمر وبالحاجة. قال ابنُ الأعرابىّ : عَنِى بحاجتى وعُنِى - وغيره قال أيضاً ذلك. ويقال مثل ذلك : تعنّيت أيضاً ، كل ذلك يقال - عِنايةً وعُنِيًّا فأنا مَعْنىّ به وعَنٍ به. قال الأصمعىّ : لا يقال عَنِىَ. قال الفرّاء : رجل عانٍ بأمرى ، أى مَعْنِىّ به. وأنشد :
عانٍ بِقَصْوَاها طويلُ الشُّغْلِ *** له جَفيرانِ وأىُّ نَبْلِ (3)
ومن الباب : عَنانى هذا الأمر يَعنِينى عِنايةً ، وأنا معنِىٌ [به]. واعتنيت به وبأمره.
والأصل الثانى قولهم : عَنَا يَعنو ، إذا خَضَع. والأسيرُ عانٍ. قال أبو عمرو : أَعْنِ هذا الأسير (4)، أى دَعْه حتَّى ييبَس القِدّ عليه. قال زهير :
ولو لا أن ينالَ أبا طَرِيفٍ *** إسارٌ من مَليكٍ أو عَنَاء (1)
أثام من مليك أو لحاء
قال الخليل : العُنُوّ والعَناء : مصدرٌ للعانى. يقال عانٍ أقرَّ بالعُنُوّ ، وهو الأسير. والعانى : الخاضع المتذلِّل. قال اللّه تعالى : ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) . وهى تَعنُو عُنوَّا. ويقال للأسير : عنا يعنو. قال :
ولا يقال طَوَالَ الدَّهر عانيها
وربَّما قالوا : أعْنُوه ، أى ألقوه فى الإسار. وكانت تلبية أهلِ اليمن فى الجاهلية هذا :
جاءت إليك عانيه *** عبادُك اليمانِيَهْ
كيما تحجّ الثانيهْ *** على قِلاصٍ ناجِيَه
ويقولون : العانى : العبد. والعانية : الأمَة. قال أبو عمرو : وأعنيته* إذا جعلتَه مملوكا. وهو عانٍ بَيِّن العَناء. والعَنوة : القَهر. يقال أخذناها عَنْوة ، أى قهراً بالسيف. ويقال: جئت إليك عانياً ، أى خاضعاً. ويقولون (2): العَنوة : الطاعة. قال :
هلَ أنتَ مُطيعِى *** أيُّها القلبُ عَنوةً
والعناء معروف ؛ وهو من هذا. قال الشيبانىُّ : رُبَّتْ عَنْوةٍ لك من هذا الأمر ، أى عناء. قال القطامىّ :
ونَأتْ بحاجتنا ورُبَّتَ عَنوةٍ *** لك من مواعدها التى لم تَصدُق (3)
قالوا : وتقول العرب : عَنَوْتُ عند فلانٍ عُنُوَّا ، إذا كنتَ أسيراً عنده. ويقولون فى الدعاء على الأسير : لا فَكَّ اللّه عُنْوَته! بالضم ، أى إساره.
ومن هذا الباب ، وهو عندنا قياسٌ صحيح : العَنِيَّة ، وذلك أنها تُعنِّى كأنّها تُذِلّ وتَقْهَر وتشتدُّ على من طُلِىَ بها. والعَنِيَّة : أبوال الإبل تَخْثُر ، وذلك إذا وُضعت فى الشَّمس. ويقولون : بَل العَنِيّة بولٌ يُعْقَد بالبَعْر. قال أوس :
كأنّ كُحَيلاً مُعْقَداً أو عَنيَّةً *** على رَجْع ذفراها من اللِّيت واكفُ (1)
قال أبو عبيد من أمثال العرب : «عَنِيَّةٌ تَشفِى الجَرَب (2)» ، يضرب مثلاً لمن يُتداوَى بعقله ورأيه (3)، كما تُداوَى الإبل الجَرْبَى بالعنيَّة. قال بعضهم : عَنَّيت البعير ، أى طليتُه بالعَنِيَّة. وأنشد :
على كلِّ حرباء رعيل كأنّه *** حَمُولةُ طالٍ بالعَنيَّة ممهلِ (4)
والأصل الثالث : عُنْيان الكِتاب ، وعُنوانه ، وعُنْيانه. وتفسيره عندنا أنّه البارز منه إذا خُتم. ومن هذا الباب مَعنَى الشَّىء. ولم يزد الخليل على أنْ قال : معنى كلِّ شىء : مِحْنَتْه وحاله التى يَصِير إليها أمره (5).
قال ابنُ الأعرابىّ : يقال ما أعرِف معناه ومَعناتَه. والذى يدلُّ عليه قياسُ اللُّغة أنَ المعنى هو القَصْد الذى يَبرُز ويَظهر فى الشَّىْء إذا بُحث عنه. يقال : هذا
مَعنَى الكلامِ ومعنى الشِّعر ، أى الذى يبرز من مكنون ما تضمَّنه اللَّفظ. والدَّليل على القياس قول العرب : لم تَعْنِ هذه الأرضُ شيئاً ولم تَعْنُ أيضاً ، وذلك إذا لم تُنبت ، فكأنَّها إذا كانت كذا فإنّها لم تُفِد شيئاً ولم تُبْرِز خيراً. ومما يصحِّحه قولُ القائل (1):
ولم يَبقَ بالخلصاء مِمّا عنَتْ به *** من البَقْل إلّا يُبْسُها وهَجيرُها
ومما يصحِّحه أيضاً قولهم : عَنَتِ القِرْبةُ تَعنُو ، وذلك إذا سال ماؤُها. قال المتنخِّل :
تعنو بِمَخْرُوتٍ (2)
تعنو بمخروت له ناضح *** ذو ريق يحذر وذو؟
قال الخليل : عنوان الكتابِ يقال منه : عَنَّيْت الكتاب ، وعنَّنْته ، وعَنْوَنته. قال : وهو فيما ذَكَروا مشتقٌّ من المعنَى. قال غيره : مَن جعل العنوان من المعنى قال : عَنَّيت بالياء فى الأصل. وعُنوانٌ تقديره فُعْوَال. وقولك عَنْونْت فهو فَعْولْت. قال الشَّيبانى : يقال ما عَنَا من فلانٍ خيرٌ ، وما يعنو من عملك هذا خيرٌ عَنْواً.
عنب العين والنون والباب أُصَيلٌ يدلُّ على ثمرٍ معروف ، وكلمةٍ غير ذلك.
فالثَّمر العِنَب ، واحدته عِنَبة. ويقولون : ليس فى كلامهم فِعَلة إلّا عِنَبة. وربَّما قالوا للعِنَب العِنَباء. قال : ؟
العِنَباءَ المتَنَقّى والتِّينْ (1)
؟ أحيانا وحيفا يسقين
وربَّما جمعوا العنب على الأعناب. ويقال رجل عانِبٌ ، أى كثير العنب ، كما يقال تامرٌ ولابنٌ.
والكلمة الأخرى : العَنَبان ، على وزن فَعَلان : الوَعِل الطَّويل القرون. قال :
يشدُّ شدّ العَنَبانِ البارِحِ
ويقال للظَّبْى النَّشيط : العَنَبان ، ولا يُبنَى منه فِعْل.
عنت العين والنون والتاء أصلٌ صحيح يدلُّ على مَشَقّة وما أشبَهَ ذلك ، ولا يدلُّ على صحّة ولا سهولة.
قال الخليل : العَنَت : المشقّة تدخلُ على الإنسان. تقول عَنِتَ فلان ، أى لَقِىَ عَنَتاً ، يعنى مشقّة. وأعْنَتَه فلانٌ إعناتا ، إذا أدخل عليه عَنَتاً. وتَعَنَّته تَعَنُّتاً ، إذا سأله عن شىء أراد به اللَّبْسَ عليه والمشقّة.
قال ابن دريد (2): العَنَت : العَسْف والحمل على المكروه. أعْنَتَه يُعْنته إعناتاً.
ويُحمَل على هذا ويقاسُ عليه (3)، فيقال للآثِم : عَنِت عَنَتاً ، إذا اكتسب مأثما. قال الفَرّاء فى قوله تعالى : ( ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ) : أى يرخَّص
لكم فى تزويج الإماء إذا خافَ أحدُكم أن يَفجُر. قال الزّجَّاج : العَنَت فى اللغة : المَشَقّة الشديدة. يقال أكَمَةٌ عَنوتٌ ، أى شاقّة. قال المبرِّد : العَنَت هاهنا : الهلاك : وقال غيره : معناه ذلك لمن خاف أن تحمله الشَّهْوَةُ على الزِّنَى ، فيلقى الإثمَ العظيمَ فى الآخرة.
عنج العين والنون والجيم أصلٌ صحيح واحدٌ يدلُّ على جَذْب شىء بشىء يمتدّ ، كحبلٍ وما أشبهه. قال الخليل : العِنَاج : سَيْر أو خيط يُشدُّ فى أسفل الدّلو ، ثمَّ يشَدُّ فى عُروتها. وكلُّ شىءٍ له ذلك فهو عِنَاج. فإذا انقطع الحبلُ أمسك العِناجُ الدَّلوَ أن تقع فى البئر. قال : [وكلُ] شىءٍ تجذبه إليك فقد عَنَجتَه. قال :
قومٌ إذا عقَدوا عَقداً لجارهم *** شدوا العِناجَ وشدُّوا فوقه الكَرَبا (1)
وقال آخر :
وبعضُ القولِ ليس له عِناجٌ *** كسَيل الماء ليس له إتاءٌ (2)
الإتاء : المادَّة. وجمع العِناج عُنُج ، وثلاثةُ أعنِجة. والرجل يَعْنِجُ إليه رأسَ بعيره ، أى يجذِبُه بخِطامه. ويقال : إنّ العِناج إنّما يكون فى عُرَى الدَّلو ، ولا يكون فى أسفلها. وأنشد :
لها عِناجانِ وسِتُّ آذانْ (3)
لادلو إلا مثل دلو أهمان *** واسمه الفرغ أديمان اثنان
مما تنقت عن عكاظ الركبان *** إذا استقلت رجف العمودان
لها عناجان وست آفاق
*** واسعةُ الفَرْغ أديمان اثنانْ ققال ابنُ الأعرابىّ : عَنَجْت الدّلو وأعْنَجْتُها. قال أبو زيد : العَنْج : جذبُك رأسَها وأنت راكبُها. يعنى النّاقة. قال أبو عُبيدة : من أمثالهم فى الذى لا يَقبل الرِّياضة : «عَوْدٌ يُعَلّم العَنْج». وأما الذى ذكرناه من قوله :
وبعض القول ليس له عِناجٌ
فقال أبو عمرو بن العلاء : العِناج فى القول : أن يكون [له] حصاةٌ فيتكلَّم بعلمٍ ونَظر ؛ وإذا لم يكن له عِناج خرجَ منه ما لا يريد صاحبُه : ومعنى هذا الكلام ألَّا يكون لكلامه خِطام ولا زِمام ، فهو يذهب بحيث لا معنى له. وتقول العرب : عِناج أمْرِ فلان ، أى مَقَاده ومِلاك أمره. وأمّا العُنْجوج فالرَّائِع من الخيل ، والجمع عناجيج. قال الشّاعر :
نحنُ صَبَحْنا عامراً وعَبْسا *** جُرْداً عناجيجَ سبقْن الشَّمْسا (1)
فمحتملٌ أن يكون اسماً موضوعاً من غير قياس كسائر ما يشذُّ عن الأصول ، ومحتمل أن يكون سمِّى بذلك لطوله أو طول عنقِه ، فقياسٌ بالحبل الطويل.
قال أبو عبيدة : العُنجوج من الخيل : الطويل العُنق ، والأنثى عنجوجة. ومما يؤيِّد هذا التَّأويلَ قولهم : استقام عُنْجُوج القومِ ، أى سَنَنُهم. فهذا يصحِّح ذاك ؛ لأن السَّنَن يمتدُّ أيضاً.
وممَّا حُمِل على هذا تشبيهاً قولُهم : عناجيج الشَّباب ، وهى أسبابه. قال ابن أحمر :
ومضَتْ عناجيجُ الشّبابِ الأغْيَدِ
ويقولون : رجل مِعْنَج ، إذا تعرَّض فى الأمور ، كأنّه أبدًا يمدُّ بسبب منها فيتعلَّق به.
1) فى الأصل : «سبقنا الشمسا».
عند العين والنون والدال أصلٌ صحيح واحدٌ يدلُّ على مجاوزةٍ وتركِ طريق الاستقامة. قال الخليل : عَنَد الرّجل ، وهو عانِدٌ ، يَعْنُد عُنودًا ، إذا عَتا وطغَى وجاوَزَ قَدْرَه. ومنه المعانَدة ، وهى أن يعرف الرّجُل الشىء ويأبى أن يقبله. يقال : عَنَدَ فلانٌ عن الأمر ، إذا حادَ عنه. والعَنُود من الإبل : الذى لا يخالط الإبل ، إنما هو فى ناحية. قال :
وصاحبٍ ذى رِيبةٍ عَنُودِ *** بَلّدَ عنى أسوأ التبليدِ
ويقال : رجلٌ عنودٌ ، إذا كان وحدَه لا يُخالِط الناس. وأنشد :
ومولى عَنودٍ ألحقته جريرةٌ *** وقد تُلْحِق المولى العَنودَ الجرائِرُ (1)
قال : وأمّا العَنيد ، فهو من التجبُّر ، لذلك خالفوا بين العَنيد ، والعَنود ، والعاند. ويقال للجبّار العَنيدِ : لقد عَنَد عَنْداً وعُنُوداً.
قال الخليل : العِرق العاند : الذى يتفجَّر منه الدّمُ فلا يكاد يَرقَأ. تقول : عَنِد عِرقُه.
قال ابن دُريد (2): طريقٌ عاند ، أى مائل. وناقة عَنودٌ ، إذا تنكّبت الطّريقَ مِن نشاطها وقوّتها قال الراجز :
إذا ركبتمْ فاجعَلونى وَسَطا *** إنِّى كبيرٌ لا أُطيق العُنَّدَا (3)
ما عنه عُنْدُدٌ (1): أى ما منه بدّ ، فهذا من الباب. تفسير ما عنه عَنْدَد ، أى ما عنه مَيل ولا حَيدُودة. قال جندل :
ما الموتُ إلّا مَنْهل مُستَوْرَدُ *** لا تأمَننْه ليس عنه عُنْدُدُ
ويقال : أعْنَدَ فى قَيئِه ، إذا لم ينقطع. قال يعقوب : عِرْقٌ عاند قد عَنَدَ يَعْنُد دمُه ، أى يأخذ فى شِقّ. قال :
وأىُّ شىءٍ لا يحبُّ ولدَهْ *** حتى الحبارى ويَدُفُ عَنَدَه (2)
أى ناحية منه يُراعيه. ويقال : استَعْنَدَ البعيرُ ، إذا غَلَبَ قائدَه على الزِّمام فجرّه.
ومن الباب مثلٌ من أمثالهم : «إنَّ تحت طِرِّيقَتِهِ لعِنْدَأْوَةً». الطِّرِّيقة : اللِّين. يقال : إن تحت ذلك اللِّين لعظمةً وتجاوُزاً وتعدِّياً.
فأمّا قولُهم : زيدٌ عِنْدَ عمرو ، فليس ببعيدٍ أن يكون من هذا القياس ، كأنَّه قد مال عن الناسِ كلِّهم إليه حتى قرُبَ منه ولزِقَ به.
عنز العين والنون والزاء أصلانِ صحيحان : أحدهما يدلُّ على تنحٍّ وتعزُّل ، والآخر جنسٌ من الحيوان.
فالأول : قولهم : اعتنز فلانٌ ، أى تنحَّى وترك النّاحيةَ اعتنازاً. ويقال : ما لى عنه مُعْتَنَزٌ ، أى مُعتَزَل ، وأنشدوا :
كأنِّى سهيلٌ واعتنازُ محلِّه *** تعرُّضُه فى الأفق ثم يجورُ
والأصل الآخر العَنْز : الأنثى من المِعْزى ومن الأوعال والظِّباء. ويقال للأنثى من أولاد الظباء عَنْز ، وثلاثُ أعنز ، والجمع عِنَازٌ. قال أبو حاتم : لم أسمع فى الغَنَم إلّا ثلاث أعنُز ، ولم أسمع العِنَازَ إلا فى الظباء. ويقولون : العَنْز : ضربٌ من السمك. وربما قالوا للأنثى من العِقبان عَنْز. قال بعضهم : العَنْز : العُقاب. وكلُّ ذلك مِمَّا حُمِل على العَنْز من الغنم.
ومما شذَّ عن هذا الباب وعن الأوَّل : العَنَزة ، كهيئة العَصا. وبه سمِّىَ عَنَزَة من العرب.
ومن الباب الأوَّل قولهم مُعَنَّز الوجه ، إذا كان خفيفَ لحمِ الوجه. وهذا كأنه مشبَّه بالعَنْز من الغنم. ومن الأماكن عُنَيزةُ ، وهى أرضٌ. قال مهلهل :
كأنَّا غُدْوةً وبنى أبِينا *** بجنب عُنَيزةٍ رَحَيَا مُديرِ (1)
عنس العين والنون والسين أصلٌ صحيح واحدٌ يدلُّ على شدَّةٍ فى شىء وقوَّة. قال الخليل : العَنْس : اسمٌ من أسماء الناقة ، يقال إنما سميت عنساً إذا تمّت سنُّها ، واشتدَّت قوَّتُها ووَفُرت عظامُها وأعضاؤها ؛ واعنونَسَ ذنَبُهَا ؛ واعنيناسُه : وفور هُلْبِه وطُوله. قال الطرِمَّاح يصف الثَّوْر :
يمسح الأرض بمُعْنَوْنِسٍ *** مثلِ مئلاة النِّياحِ القيامْ (2)
وقال العجّاج :
كم قد حَسَرْنا من عَلاةٍ عَنْس *** كَبْدَاء كالقوس وأُخرى جَلْسِ (1)
ومن الباب : عَنسَت المرأة ، وهى تَعْنُسُ عُنوساً ، إذا صارت نَصَفاً وهى بعدُ بِكرٌ لم تَزَوَّجْ. وعَنَّسها أهلُها تعنيساً ، إذا حبسوها عن الأزواج حتى جازت فَتَاء السّنّ ، ولم تُعَجِّز بعدُ. وهذا قياسٌ صحيح ، لأنَّ ذلك حين اشتدادها وقوّتها. ويقال امرأة معنَّسة ، والجمع مَعانس ومُعَنَّسات ، وهى عانِس والجمع عوانس. وأنشد :
وعِيطٍ كأسراب القطا قد تشوّفت *** معاصيرُها والعاتقات العوانسُ (2)
مراعاتك الاجال ما بن شارع *** ؛لد حث حاچت عن عناق الآواعس
وجمع عانسٍ عُنَّس. قال :
فى خَلْقِ غرّاءَ تبذّ العُنَّسا (3)
زمان؟ تروق العلا
وذكر الأصمعىُّ أنه يقال فى الرِّجال أيضاً : عانس ، وهو الذى لم يتزوّجْ.
وأنشد :
مِنَّا الذى هو ما إن طَرَّ شاربُه *** والعانسون ومِنَّا المُرْدُ والشِّيبُ (4)
وذكر بعضُهم أنَ العنْس : الصَّخرة. وبها تُشَبَّه الناقة الصُّلْبة فتسمى عَنْساً. وليس ذلك ببعيد.
عنش العين والنون والشين أُصَيل لعلّه أن يكون صحيحاً. وإن .
1) من أرجوزة فى ملحقات ديوانه 78 - 80. والبيت الأول فى اللسان (عنس) بدون نسبة. والجلس : الوثيقة الجسيمة. وفى الأصل : «حبس» تحريف ، صوابه فى الديوان.
2) لذى الرمة فى ديوانه 320 وللسان (عنس). وإنشاده فيهما : «وعيطا». وقبله فى الديوان :
3) للعجاج فى ديوانه 31 برواية :
4) لأبى قيس بن رفاعة؟؟؟ سبق فى تخريجه (طر؟؟؟).
صحَّ فهو يدلُّ على تمرُّسٍ بشىء. يقولون : فلانٌ يُعَانِشُ النَّاسَ ، أى يقاتلهم ويتمرَّس بهم. ويُعانِش : يظالم. وينشدون :
إذاً لأتاه كلُّ شاكٍ سِلاحُه *** يُعانِشُ يومَ البأس ساعِدهُ جَزْلُ
ويقولون : عانشت الرّجل : عانقتُه. وينشدون لساعِدَة :
عِناشُ عَدُوٍّ لا ينالُ مُشَمِّراً *** بِرَجْلٍ إذا ما الحربُ شُبَّ سعيرُها (1)
وهذا إن لم يكن من باب الإبدال وأن يكون الشين بدلاً من القاف فما أدرى كيف هو. ونرجو أن يكون صحيحاً إن شاء اللّه.
قال ابن دريد (2): عنَشت الشىء أعنِشُهُ عَنْشاً ، إذا عطفتَه. وهذا أيضاً قريبٌ من الذى ذكرناه.
عنص العين والنون والصاد أُصَيل صحيحٌ على شىء من الشَّعْرَ. قال الخليل : العُنْصُوة : الخُصْلة من الشَّعر. قال الشاعر :
لقد عَيَّرَتْنِى الشَّيبَ عرسى ومَسَّحت *** عناصِىَ رأسى فهى من ذاك تعجبُ
ومما يُقاس على هذا قولُهم : بأرضِ بنى فلانٍ عَنَاصٍ من النَّبت ؛ وكذلك الشَّعر إذا كان قليلاً متفرِّقا ، الواحدة عُنصُوَة. قال أبو النَّجم :
إن يُمْسِ رأسى أشمطَ العَناصِى *** كأنما فرَّقَه مُناصِى (3)
قال الفرّاء : يقال : ما بقى من مالِه إلّا عَنَاصٍ ، وذلك إذا بقِى منه اليسير. قال ابنُ الأعرابى : العُنْصُوة : قُنزُعة فى جانب الرأس.
عنط العين والنون والطاء أُصَيلٌ صحيح يدلُّ على طول جسمٍ وحُسنِ قوام.
قال الخليل : العَنطْنط ، اشتقاقه من عَنَط ، ولكنَّه قد أُردِف بحرفين فى عَجُزه. قال رؤبة :
يَمطُو السُّرَى بعُنقُ عَنَطنَطِ (1)
وامرأة عَنَطْنطة : طويلة العُنُق مع حُسْن قَوام. قال يصف رجلاً وفرساً :
عَنَطْنَطٌ تعدو به عَنطنطهْ *** للماء تحت البطن منْه غطمطهْ (2)
عنف العين والنون والفاء أصلٌ صحيح يدلُّ على خلاف الرِّفق. قال الخليل : العُنْف: ضدُّ الرِّفق. تقول عَنُفَ يعنُف عُنْفاً فهو عنيف ، إذا لم يَرفُق فى أمره. وأعنفته أنا. ويقال : اعتنفْت الشّىء ، إذا كرهتَه ووجدتَ له عُنْفاً عليك ومشَقّة. ومن الباب : التعنيف ، وهو التَّشديد فى اللوم. فأمَّا العُنْفَوان فأوَّل الشّىء ، يقال عُنفُوان الشَّباب ، وهو أوّله ، فهذا ليس من الأوّل ، إنّما هذا من باب الإبدال ، وهو أنّ العينَ مبدلةٌ من همزة ، والأصل الأَنْف ؛ وأنفُ كلِّ شىء : أوّله. قال :
ماذا تقول بِنتَها تلمَّسُ *** وقد دَعاها العُنفوانُ المُخْلِسُ
وقال آخَر :
تلومُ امرأً فى عنفوانِ شبابِه *** وتترك أشْياعَ الضَّلال تحين
عنق العين والنون والقاف أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على امتدادٍ فى شىء ، إمَّا فى ارتفاعٍ وإمَّا فى انسياح.
فالأوّل العنُق ، وهو وُصْلةُ ما بين الرّأس والجسد ، مذكّر ومؤنَّث ، وجمعه أعناق. ورجلٌ أعنق ، أى طويل العنُق. وجبلٌ أعنَقُ : مشرِف. ونجدٌ أعنق ، وهضْبةٌ عنقاء. وامرأةٌ عنقاءُ : طويلة العنُق. وهَضْبة مُعنِقة أيضاً. قال :
عيطاءَ مُعْنِقَةٍ يكون أنيسُها *** وُرْقَ الحمام جميُمها لم يؤكَلِ (1)
قال الأصمعىّ : المُعَنِّقات (2)مثل المُعْنِقات. قال عُمَر بن لجأ :
ومن هَضْب الأرومِ مُعَنِّقات
قال أبو عمرو : المُعنِّق : الطويل. وأنشد :
فى تامكٍ مثل النَّقا المُعنِّقِ
قال أبو عمرو : العنقاء فيما يقال : طائرٌ لم يبق إلّا اسمُه. وسمِّيت عنقاءَ لبياضٍ كانَ فى عُنقها وفى المثَل لما لا يوجَد : «طارت به العَنْقاء». فأمَّا قولهم للجماعة عُنُق ، فقياسه صحيح ، لأنَّه شىءٌ يتّصل بعضُه ببعض. قال اللّه تعالى : ( فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ) ، أى جماعتُهم. ألَا ترى أنَّه قال : ( خاضِعِينَ ) ، ولو كانت الأعناق أنفُسها لقال خاضعة أو خاضعات. وإلى هذا ذهبَ أبو زيد. وقال النحويُّون : لمّا كانت الأعناقُ مضافةً إليهم رَدَّ الفعل إليهم دونَها.
قال محمد بن يزيد : لمّا كان خضوعُ أهلها بخضوع أعناقهم أخبرَ عنهم ، لأنَ
المعنى راجعٌ إليهم. والعرب تقول : ذلّت عنُقى لفلانٍ ، وخضَعت رقبتى له ، أى خضعت له ، وذلك كما قالوا فى ضدِّه : لوى عنقَه عنِّى ولم تَلِنْ لى أَخادِعُه ، أى لم يخضع لى ولم يَنقَدْ.
قال الدريدىّ : أعنَقْتُ الكلبَ أُعْنِقه إعناقاً ، إذا جعلت فى عنقه قِلادةٍ أو وترا (1).
والمِعنقة : مِعنقة الكَلْب ، وهى قِلادتُه. ويقال لما سطع من الرِّياح : أعناق الرِّياح. ويقولون : أعنَقَت الريح بالتراب. قال الخليل : اعتُنِقَت الدّابّةُ فى الوَحْل ، إذا أخرجت عنقَها. قال رؤبة :
خارجةً أعناقُها من معتَنَقْ (2)
تبچر لنا أعلاه بعد الفرق *** في قطع الال وهبوات الدقق
المعتنَق : مخرج أعناق الجِبال من السراب ، أى اعتنقت فأخرجت أعناقَها (3). والاعتناق من المعانقة أيضاً ، غير أنَ المعانَقةَ فى المودّة ، والاعتناقَ فى الحربِ ونحوِها. تقول اعتنَقُوا فى الحرب ، ولا تقول تعانقوا. والقياس واحد ، غير أنَّهم اختاروا الاعتناقَ فى الحرب ، والمعانقةَ فى المودّةِ ونحوها. فإذا خَصَّصَتْ بالفعل واحداً دون الآخر لم تَقُل إلّا عانق فلانٌ فلاناً. وقد يقال للواحد اعتَنَق. قال زُهير :
يَطعُنُهم ما ارتَمَوْا حتَّى إذا اطَّعنُوا *** ضاربَ حتَّى إذا ما ضاربوا اعتَنَقا (4).
قال يونس بن حَبيب : عنَقتُ البعير ، إذا ضربتَ عنقَه ، كما يقال رَأسْتُهُ. قال الخليل : يقال تعنَّق الأرنبُ فى العانِقاء ، وهو جُحْرٌ مملوء تراباً رخواً يكون للأرنب واليربوعِ إذا خافا. وربَّما دخل ذلك التراب ، فيقال : تعنّق ؛ لأنَّه يدسُّ رأسَه وعنقَه فيه ويمضى حتَّى يصيرَ تحته.
قال ابنُ الأعرابىّ : العانقاء : ترابُ لُغَّيزَى اليربوع (1)وتراب مجراه. ولغَّيزاه : حَفْراهُ فى جانِبَى الجُحْر (2). قال قُطرب : عنُق الرّحِم : ما استدقّ منها ممَّا يلى الحَيَاء. قال أبو حاتم : عنق الكَرِش : أسفَلُها. قال : والعُنُق والقِبَّة شىءٌ واحد. ويقال : عنَّقَت كوافير النَّخل (3)، إذا طالت ولم تفلّق ، وهو التعنيق. يقال بُسْرةٌ معنِّقة ، إذا بقى منها حول القِمَع مثل الخاتَم ، وذلك إذا بلغ الترطيبُ قريباً من قِمَعها. والأعنَق : رجلٌ من العرب ، وهو قيس بن الحارث بن همام ، وسَمَّيَهُ لطول عنُقه. وينسب إليه قوم يقال لهم بنو الأعنق ، وهم بطنٌ من وائل ابن قاسط. وقوم آخرون من اليمن يقال لهم بنو العَنْقاء. قال الخليل : العنقاء ثعلبة ابن عمرو بن مالك ، من خزاعة ، قال قوم : سُمِّيَه لطول عنُقه ، وذهب بلفظه إلى تأنيث العنُق. كقولهم :
وعنترةُ الفَلْحاء (4)
ولو أن قوى قوم سوء أذلة *** لأخرجني عوف بن عوف وعصيد
وعنقرة الفلجاء جاء ملأما *** كأنه فند من عماية أسود
وعصيد هذا هو حصن بن حذيفة. أو عيينة بن حصن.
.أنّثه لمّا ذهب إلى الشَّفة. وقال :
أو العَنْقاءِ ثعلبةَ بن عمرٍو *** دِماءُ القومِ للكَلبَى شفاءُ (1)
قال قطرب : تقول العربُ فى الشَّىء لا يفارق : هو منك عُنُقَ الحمامة (2)، يريد طوقَها لأنه لا يفارق أبداً.
ومن الباب : العَنَق من سير الدوابّ ، والنعت معناق وعَنِيق. يقال بِرذَوْن عنيق ، وسيرٌ عَنِيق. قال :
لما رأتنى عَنَقى دبيبُ *** وقد أُرَى وعَنَقى سُرحوبُ
قال أبو عبيدة : العَنَق : المُسْبَطِرُّ من السَّير. وهذا هو الذى ذكرناه فى أصل الباب : أنَّ البابَ موضوعٌ على الامتداد. قال ابن السكِّيت : أعنَقَ الفرسُ يُعنِق إعناقاً ، وهو المشْىُ الخفيف. وبِرذَوْنٌ مِعناق. وفى المثل : «لأُلحِقَنَّ قَطُوفها بالمِعناق». قال أبو حاتم : المِعناق من الإبل : الخفيفة تريد المرتَع ولا تَرتَع. ويقال المعانيق من الإبل : التى لا تَقْنَع بالمرتع نكداً منها وقِلَّة خير ، لا يزالُ راعيها فى تعبٍ. ومعنى هذا أنَّها تمدُّ أبداً أعناقَها لما بين أيديها. وأنشد :
وهو بحمد اللّه يكفينى العملْ *** السَّقْىَ والرِّعْيَة وَالمشىَ المِئَلّ
وطلبَ الذَّوْدِ المعانيقِ الأوَلْ
قال بعضُ أهلِ اللُّغة : أعنقت : ماجت فى مَرَاعيها فلم تَرتَع لطلب كلإٍ آخَر. قال ابنُ الأعرابىّ فى قول ابن أحمر :
تظل بناتُ أعنَقَ مُسرَجاتٍ *** لرُؤيتها يرُحْنَ ويغتدينا (1)
قال : يريد ببنات أعنق : كل دابَّةٍ أعنَقَت ، من فرسٍ أو بعير ، وإنَّما يصف دُرّة. يقول : تظلُّ الدواب مُسْرَجةً فى طلبها والنَّظرِ إليها. فأمَّا العَنْقاء ، فيقال هى الدَّاهية ، وسمِّيت بذلك تقبيحاً وتهويلاً ، كأنَّها شىءُ طويل العنُق. قال :
يحمِلْنَ عنقاء وعنقفيرا *** والدَّلوَ والدَّيلمَ والزَّفِيرا (2)
ويقال إن المُعْنِق من جَلَد الأرض : ما صلُب وارتفَع وما حواليه سهلٌ ، وهو منقادٌ طولاً نحوَ ميل وأقلَّ من ذلك ، والجمع مَعانِق.
ومن الباب العَنَاق : الأنثى من أولاد المَعْز ، والْجمع عُنوق. قال جميل :
إذا مرضت منها عَناقٌ رأيَته *** بسِكِّينِه مِن حولِها يتلهَّفُ
عَتيقةٍ من غنَمٍ عتاقِ *** مرغوسةٍ مأمورةٍ مِعناق (3)
لهقى على شاة أبي السياق
1) البيت بدون نسبة فى اللسان (عنق). وأنشده فى المجمل لابن أحمر ، وقال : «ففيه قولان يقال إنه أراد النساء وأنهن يذهبن إلى رؤية هذه الدرة وقد أسرجن. ويقال إنه أراد الخيل يسرجن فى طلب هذه الدرة. فمن روى الأولى كسر الراء». وفى اللسان : «قال أبو العباس اختلفوا فى أعنق فقال قائل هو اسم فرس : وقال آخرون : هو دهقان كثير المال من الدهاقين. فمن جعله رجلا رواه مسرجات - أى بكسر الراء - ومن جعله فرسا رواه مسرجات».
2) سبق الرجز وتخريجه فى (دلى).
3) قبلهما فى اللسان (عنق) :
وعَنَاق الأرض : شىءٌ أصغر من الفَهْد. فأمّا قولهم للخَيْبَة عَناق ، فليس بأصل على ما ذكرنا. ووجْهُ ذلك عندنا أنَّ العرب ربما لقَّبت بعضَ الأشياء بلقبٍ يكنون به عن الشىء ، كما يلقِّبون الغَدْر كَيْسان ، وما أشبَهَ هذا. فلذلك كنَوْا عن الخَيبة بالعَناق. وربما قالوا العَناقة بالهاء. قال :
لم ينالوا إلَّا العَناقة مِنَّا *** بئس أوْسُ المطالِبِ الجوّابِ
الأوْس : العطيّة والعِوَض. يقال : أُسْتُه أَوْساً. وقال آخر فى العَنَاقِ :
أمِن ترجيعِ قارِيَةٍ قتلتم *** أساراكم وأُبتم بالعَناقِ (1)
وعلى هذا أيضاً يُحمَلُ ما حكاه ابن السكِّيت ، أنَ العناقَ الدَّاهية. وأنشد :
إذا تمَطَّيْنَ على القَيَاقِى *** لاقَيْنَ منه أُذُنَىْ عَناقِ (2)
فأمّا الذى يروونه من قولهم : ماؤكم هذا عَناقُ الأرض ، وإنّه ماء الكذب ، والحديثُ الذى ذكر فيه ، فما تكثَّر به الحكايات ، وتُحْشَى به الكتُب ، ولا معنى له ، ولا فائدةَ فيه.
عنك العين والنون والكاف أصلانِ : أحدهما لونٌ من الألوان. والآخر ارتباكٌ فى الأمر واستغلاقٌ فى الشىء.
فالأوّل : العانك ، قال : الخليل : هو لونٌ من الحمرة ؛ يقال دَمٌ عانِكٌ. قال :
أو عانكٍ كدمِ الذَّبيحِ مُدامِ (3)
؟ تخلطه بماء سحابة
وغيره برواية : «أو عاتق». وقال : عرق عانِكٌ ، إذا كان فى لونه حُمرة.
قال ذو الرُّمَّة :
على أقحوان فى حَناديج حُرَّةِ *** يُناصِى حشاها عانكٌ متكاوِسُ (1)
والأصل الآخر : المعتَنِك من الإبل : الذى إذا اشتدَّ عليه الرّمل بَرَك وحبا عليه. قال:
أودَيْتُ إن لم تحبُ حَبْوَ المعتنِك (2)
قال ابنُ الأعرابىّ : يقال اعتنك البعير ، إذا مشى فى رملٍ عانك ، أى كثير ، فهو لا يقدِر على المشْى فيه إلّا أن يحبُو. وأنشد هذا البيت. ومعناه : إن لم تحمِلْ لى على نفسك حَمْلَ هذا البعيرِ على نفسه فى الرَّمل فقد هلكتُ.
ومن الباب العِنْك ، قال الخليل : وهو الباب. وقال ابن دُريد : عنَكْتُ الباب وأعنكته ، أى أغلقتُه ، لغةٌ يمانية. وهذا يصحح ما ذكرناه من قياسِ هذا الأصل الثانى.
ومما يقرب من هذا العَنك من اللَّيل ، وهى سُدْفةٌ منه. وذلك أنَّ الظُّلمة كأنّها تسدُّ باب الضَّوء. والكلمةُ صحيحة ، أعنِى أن العِنْك الظُّلْمة. وأنشد :
وفتيانِ صدقٍ قد بعثْتُ بَجُهْمةٍ *** من اللَّيل لو لا حُبُّ ظَمياءَ عَرَّسُوا (3)
فقاموا كُسَالَى يلمسون وخلفهُمْ *** من الليل عِنْكٌ كالنَّعامةِ أقعسُ
ومما يقرُبُ من هذا إنْ صحَّ شىءٌ ذكره يونس ، قال : عَنك اللبن ، إذا خَثر.
عنم العين والنون والميم ليس بأصلٍ يُقاس عليه ، وإنما هو نبْتٌ أو شىءٌ يشبَّه به. قالوا : العَنَم : شجر من شجر السِّواك ، ليِّنُ الأغصان لطيفُها ، كأنّه بنانُ جاريةٍ ، الواحدةُ عَنَمة. وممّا شُبِّه بذلك العَنَمة ، قال الخليل : هى العَظَاية. وقال رؤبة :
يُبْدِين أطرافاً لطافاً عنَمُهْ *** إذْ حُبُّ أرْوَى هَمُّه وسَدَمُه (1)
السَّدَم : الكَلَف بالشىء. واللّه أعلم.
عهب العين والهاء والباء كلمةٌ واحدة إن صحَّت. قال الخليل : العَيْهَب : الضَّعيف من الرِّجال عن طلب الوِتْر. قال الشاعر (2):
حللت به وِتْرِى وأدركتُ ثُؤْرَتى *** إذا ما تناسى ذَحْلهُ كلُ عَيهبِ (3)
فأمّا الذى يُروَى عن الشَّيبانى : كانَ ذلك على عِهِبَّى فلانٍ ، أى فى زمانه. وأنشد :
عهدى بسَلمَى وهى لم تَزَوَّجِ *** على عِهِبَّى عيشِها المخرفَجِ (4)
فقد قيل ، واللّه أعلم بصحّته.
عهج العين والهاء والجيم كلمةٌ صحيحة لا قياسَ لها ولا عليها. قالوا : العوهج : ظبيةٌ حسَنة اللّون طويلةُ العنُق. وتسمَّى المرأة «عوهجَ (1)» تشبيهاً لها بها. قال الأصمعىّ : العَوهج : المخطَّطة العنق. ويقال للنَّعامة أيضاً عوهج ، لطول عنُقها. قال العجّاج :
كالحَبَشىِّ التفَّ أو تسبَّجا *** فى شَمْلَةٍ أو ذاتِ زِفٍ عَوْهَجَا (2)
ويقال للنّاقةِ الفتِيّة : عوهج. ويقولون للحيّة : عوهج. قال :
حَصْبَ الغُواةِ العوهجَ المنسُوسا (3)
المنْسوس : المطرود.
عهد العين والهاء والدال أصلُ هذا الباب عندنا دالٌّ على معنًى واحد ، قد أومأ إليه الخليل. قال : أصله الاحتفاظُ بالشَّىء وإحداثُ العهدِ به. والذى ذكره من الاحتفاظ هو المعنى الذى يرجع إليه فُروع الباب. فمن ذلك قولهم عَهِد الرجلَ يَعْهَدُ عَهْداً ، وهو من الوصيَّة. وإنّما سمِّيت بذلك لأنّ العهدَ مما ينبغى الاحتفاظُ به. ومنه اشتقاق العَهد الذى يُكتَب للوُلاة من الوصيّة ، وجمعه عُهود. والعَهْد : المَوْهِق ، وجمعه عُهود. ومن الباب العَهْدُ الذى معناه الالتقاء والإلمام ، يقال : هو قريبُ العهد به ، وذلك أنّ إلمامَهُ به احتفاظٌ به وإقبال.
[و] العهيد : الشَّىء الذى قدُم عهدُه. والعَهْد : المنزِل الذى لا يزالُ القوم إذا انتَووْا عنه يرجِعُون إليه. قال رؤبة :
هل تعرف العهْدَ المُحِيلَ أرسمُه *** عَفَتْ عوافيه وطال قِدَمُه (1)
والمَعْهَد مثلُ ذلك ، وجمعه مَعاهد. وأهل العهد هم المعاهَدون ، والمصدر المعاهَدة ، أى إنّهم يُعاهَدون على ما عليهم من جِزْية. والقياس واحدٌ ، كأنّه أمرٌ يُحتَفَظ به لهم ، فإذا أسلموا ذهبَ عنهم اسمُ المُعاهَدة. وذكر الخليلُ أنّ الاعتهادَ مثلُ التّعاهُد والتعهُّد ، وأنشَدَ للطّرِمَّاح :
ويُضِيع الذى قدَ أوْجَبَه اللَّ *** هُ عليهِ فليس يعتهدُهْ (2)
عجبت ما عجبت الجامع الما *** ل يباهى به ويرتلده
وقال أيضاً : عَهِيدك : الذى يُعاهِدك وتُعاهِدُه. وأنشد :
فللتُّركُ أوفَى من نزارٍ بعهدها *** فلا يأمنَنَّ الغدرَ يوماً عهيدُها (3)
ومن الباب : العُهْدة : الكتاب الذى يُستوثَق به فى البَيْعات. ويقولون : إنّ فى هذا الأمر لُعْهدَةً ما أُحْكِمَتْ ، والمعنى أنّه قد بِقَى فيه ما ينبغى التوثُّق له. ومن الباب (4)قولُهم : «المَلَسَى لا عُهدةَ» ، يقوله المتبايعان ، أى تملَّسْنا عن إحكامٍ فلم يَبْقَ فى الأمر ما يَحتاج إلى تعهُّدٍ بإحكام. ويقولون : «فى أمره عُهْدةٌ» ، يُومِئُون إلى الضَّعف ، وإنما يريدون بذلك ما قد فسَّرْناه. .
قال الخليل : تعهَّد فلانٌ الشّىء وتعاهَدَ. قال أبو حاتم : تعهَّدت ضَيعتى ، ولا يقال تعاهدت ؛ لأن التعاهد لا يكون إلَّا من اثنين. قلنا : والخليلُ على كلِّ حالٍ أعرَفُ بكلام العرب من النّضر (1). على أنّه يقال قد تَغافَلَ عن كذا ، وتجاوَزَ عن كذا ، وليس هذا من اثنين. وربّما سمَّوا الاشتراط استعهاداً (2)، وإنَّما سمِّى كذا لأنَّ الشَّرط مما ينبغى الاحتفاظُ به إذا شُرِط. قال :
وما استعهَدَ الأقوامُ مِن زوج حُرَّةِ *** من النّاس إلّا منك أو من محاربِ (3)
وفى كتاب اللّه تعالى : ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ ) ، ومعناهُ واللّه أعلمُ : ألم أُقَدِّم إليكم من الأمر الذى أوجبتُ عليكم الاحتفاظَ به.
فهذا الذى ذكرناه من أوّل الباب إلى حيث انتهينا (4)مطّرد فى القياسِ الذى قِسناه. وبقى فى الباب : العَهْد من المطر ، وهو عِندنا من القياس الذى ذكرناه ، وذلك أنَ العَهْد على ما ذكره الخليلُ ، هو من المطر الذى يأتى بعد الوَسْمىّ ، وهو الذى يسمِّيه النَّاسُ الوَلِىّ. وإذا كان كذا كان قياسُه قياسَ قولِنا : هو يتعهَّد أمرَه وضيعتَه ، كأنّ المطرَ وَسَمَ الأرضَ أوّلاً وتَعهَّدها ثانياً ، أى احتفَظَ بها فأتاها (5)
1) الذى سبق ذكره هو «أبو حاتم» لا لنضر. فلعل الكلام قبله : «قال أبو حاتم والنضر».
2) فى اللسان : «واستعهد من صاحبه : اشترط عليه وكتب عليه عهدة».
3) لجرير فى ديوانه 83 من قصيدة يهجو بها الفرزدق حين تزوج بنت زيق ، كما فى اللسان (عهد) والرواية فيهما : «من ذى ختونة» ، وهى أيضا رواية اللسان (ختن). ورواية أساس البلاغة تطابق ما فى المقاييس.
4) فى الأصل : «انتهيناه».
5) فى الأصل : «فأنيها».
وأقبل عليها. قال الخليل : وذلك أن يَمضِىَ الوسمىُّ ثم يردُفَه الرَّبيع بمطرٍ بعد مطر ، يدرك آخرُه بلَلَ أوّلِه ودُمُوثتَه (1). قال : وهو العَهْد ، والجمع عِهاد. وقال : ويقال : كلُّ مطر يكونُ بعد مطَرٍ فهو عِهاد. وعُهِدت الرَّوضةُ ، وهذه روضةٌ معهودة : أصابها عِهادٌ من مطَر. قال الطرِمَّاح :
عقائل رملةٍ نازَعْنَ منها *** دُفوفَ أقاحِ مَعهودٍ وَدينِ (2)
المعهود : الممطور. وأنشد ابنُ الأعرابىّ :
ترى السَّحاب العَهْد والفتوحا (3)
كأن نحنى مخلفا قروحا *** رعى غيوث العهد والفتوحا
الفتوح : جمع فتح ، وهو المطر الواسع. وقال غير هؤلاء : العِهاد : أوّل الرَّبيع قبل أن يشتد القُرّ ، الواحدة عَهْدة. وكان بعض العربِ يقول : العِهاد من الوسمىِّ وأوائل الأمطار يكون ذُخْراً فى الأرض ، تَضرب لها العروقُ ، وتُسْبِط (4)الأرض بالخضرة ، فإنْ كانت لها أَوَلِيَةٌ وتَبِعات فهى الحَياء ، وإلَّا فليست بشىء. ويقولون : كان ذلك على عَهِد فُلانٍ وعِهْدانِه. وأنشدوا :
لستَ سُليمانُ كعِهْدانِك
عهر العين والهاء والراء كلمة واحدة لا تَدُلّ على خير ، وهى الفجور. قال الخليل وغيره : العَهرُ : الفجور. والعاهر : الفاجر. يقال عَهِر وعَهَرَ عَهْراً .
وعُهُوراً (1)، إذا كان إتيانه إياها [لَيلاً]. وفى الحديث : «الولد للفراش وللعاهر الحَجَرُ». لا حظّ له فى النَّسَب (2). قال :
لا تلجئنْ سِرَّا إلى خائن *** يوماً ولا تَدْنُ إلى العاهِرِ
قال يعقوب : العُهور يكون بالأمة والحُرَّة ، والمساعاة لا تكون إلّا بالإماء. ومما جاء فى هذا الباب نادراً شىءٌ حُكِى عن المُنْتَجِع ، قال : كلُّ مَن طلب الشَّرَّ ليلاً من سَرِقٍ أو زِنًى فهو عاهر. ويقولون - وهو من المشكوك فيه - إنّ العاهِر : المسترخى الكسلان (3).
عهق العين والهاء والقاف ليس له قياسٌ مطرد ، وقد ذُكِرت فيه كلماتٌ لعلَّها ، واللّه أعلمُ ، أن تكونَ صحيحة. ولو لا ذكرُهُم لها لكان إلغاؤُها عندنا أولَى. قال الخليل : العَوْهق، على تقدير فَوْعل ، هو الغراب الأسود الجَسِيم. ويقال هو البعير الأسود. وهو أيضاً لونُ اللَّازَوَرْد. ويقولون : العَوْهق : فحلٌ كان فى الزَّمن الأول ، تُنْسب إليه كرام النَّجائب. قال رؤبة :
قرواء فيها من بَنات العَوْهقِ (4)
قال : والعوهق : الثَّور الذى لونُه إلى سواد. والعوهق : الخُطّاف الجبَلىّ. قال :
فهْىَ ورقاءُ كلون العَوهقِ (5)
1) ضبط فى اللسان والقاموس من باب منع ، ومصدره العهر ، بالفتح ، وبالكسر ، وبالتحريك. ومثله العهارة والعهور والعهورة. وجعله فى المصباح المنير من بابى تعب وقعد.
2) فى اللسان : «أبو عبيد : معنى قوله وللعاهر الحجر ، أى لا حق له فى النسب ، ولا حظ له فى الولد ، وإنما هو لصاحب الفراش».
3) هذا المعنى لم يرد فى المعاجم المتداولة.
4) فى اللسان (عهق) : فبهن حرف من بنات العوهق.
5) فى اللسان : «وهى وريقاء».
ويقال : بعيرٌ عَوهقٌ ، أى طويل. قال :
تراخى به حبُّ الضحاءِ وقد رأى *** سَماوةَ قَشْراءِ الوظيفينِ عَوهقِ (1)
قال الخليل : العَوْهقانِ : كوكبانِ إلى جنب الفرقدين على نَسَقٍ (2)، وطريقُهما ممّا يلى القُطْب. وأنشَد :
بحيثُ بارى الفرقدانِ العوهقا (3)*** عندَ مسدِّ القُطْبِ حين استوسَقَا (4)
وقال أيضاً : العَيْهَقة : عَيْهَقة النَّشاط والاستنان. قال :
إنَّ لرَيعانِ الشَّبابِ عَيْهَقا (5)
قال ابن السِّكّيت : العوهق : خيار النَّبْع ولُبابُه ، يُتَّخذ منه القِسِىّ. قال :
وكلَّ صفراءَ طروحٍ عوهقِ (6)
انك لو شاهدتنا بالأبرق *** يوم نصافى كل عضب مخفق
وعَوهقُ : اسم روضةٍ قال ابن هَرْمة :
فكأنّما طُرقت بريَّا روضةٍ *** من رَوض عَوْهَقَ طَلّةٍ مِعشابِ ق
1) البيت لزهير فى ديوانه 249. وقيل إن قصيدة البيت مشتركة بين زهير وولده كعب بن زهير ، كما نص الديوان. وقد ورد البيت محرفا فى الحيوان (4 : 355). وانظر الأغانى (15 : 141 - 142). فى الأصل : «حد الضحاء» و «سمامة قشراء» ، صوابه من الديوان.
2) فى الأصل : «على شق» ، صوابه فى اللسان والقاموس.
3) فى الأصل ، وكذا فى الأزمنة والأمكنة (2 : 374) : العوهقين؟ ، ولا يستقيم به الرجز ، وصوابه فى اللسان (عهق).
4) عند سد القطب، كذا وردت أيضا فى الأزمنة والأمكنة. وفى اللسان : عند مسافه القطب.
5) لرؤبة فى ديوانه 109.
6) قبله فى اللسان (عهق) :
عهل العين والهاء واللام أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على انطلاقٍ وذَهاب وقلّة استقرار. قال الخليل : العَيْهلُ : النّاقةُ السَّريعة. قال :
زجَرْتُ فيها عَيْهلاً رَسُوماً (1)
وبلدة تحبهم الجهوما
وقد سبق إنشاد هذا فى (جهم).
*** مُخْلَصةَ الأنْقاء والزَّعُوما (2)وقال ابنُ الأعرابىِّ مثلَ ذلك ، إلّا أنَّه قال : وتكون (3)مُسنّة شديدة. وقال أبو حاتم: يقال ناقة عَيهلةٌ وعيهلٌ ، ولا يقال جملٌ عيهل. وأنشدوا :
ببازلٍ وجناءَ أو عَيْهلِ (4)
قالوا : شدَّد اللام للحاجة إلى ذلك. ويقال امرأة عَيْهلٌ وعَيْهلة جميعاً ، إذا كانت لا تستقرُّ نزَقاً. وربما وصَفُوا الرِّيح فقالوا : عَيهلٌ. وهذا يدلُّ على صِحَّةِ هذا القياس. فأمَّا قولُهم للمرأة التى لا زوجَ لها : عاهل ، وجمعها عواهل ، فصحيح ، وسمِّيت بذلك لأنَّه لا زوج لها يَقْصُرُها. وأنشد :
مشى النِّساء إلى النِّساء عواهلاً *** من بين عارِفة السِّباءِ وأيّمِ (5)
ذهَبَ الرّماح ببعلها فتركنَه *** فى صَدْرِ معتدل الكُعوبِ مقوَّمِ
وقال فى العيهل أيضاً :
1) البيت فى اللسان (عهل ، زعم ، جهم ، وقبله ، كما فى المادتين الأخيرتين :
2) البيت فى اللسان (زعم) والمخصص (7 : 72).
3) فى الأصل : «ويقول».
4) لمنظور بن مرثد الأسدى ، كما فى اللسان (طول ، قتل ، عطبل ، خلل ، عهل ، كلل) ، من أرجوزة رواها ثعلب فى مجالسه 601 - 604. وانظر لهذا البيت نوادر أبى زيد 3 وسيبويه (2 : 282).
5) البيت فى المجمل ، مع سقوط كلمة «إلى النساء» منه.
فنِعم مُناخُ ضِيفان وتَجْرٍ *** ومُلقَى رحْلِ عَيْهَلَةٍ بَجَالِ (1)
وبقى فى الباب كلمةٌ إن كانت صحيحةً فليست ببعيدٍ من القياس الذى ذكرناه حُكِىَ عن أبى عبيدة : العاهل : الملك ليس الذى فوقه أحدٌ إلا اللّه تعالى. يقال للخليفة : عاهل. فإن كان كذا فلأنه لابدَّ له من الخَلْق فوق يَدِه تمنعُه.
عهم العين والهاء والميم قريبٌ من الذى قبلَه ، وليس ببعيدٍ أن يكون من الإبدال. قال الخليل : العَيْهَامة : الناقة الماضية. وأنشد :
ورَدْتُ بعيهامَةٍ حُرَّةٍ *** فَعَبَّتْ يميناً وعبّت شِمالا (2)
ويقولون : إنَّها كاملة الخَلْق أيضاً. قال :
مُستَرْعَفَات بخِدَبٍ عَيْهام (3)*** مُدَامَجِ الخَلْقِ دِرَفْسٍ مِسْعامْ (4)
قال أبو زيد : ناقةٌ عيهمَة : نجيبةٌ سريعة. ويقولون : إنَّها تَعْطَش سريعاً ، والجمع عياهيم. قال ذو الرُّمة :
هيهاتَ خَرقاءُ إلّا أنْ يقرِّبَها *** ذو العَرش والشَّعشعاناتُ العياهيمُ (5)
وأنشد أبو عمرو :
عَيْهَمة يَنْتَحِى فى الأرضِ مَنْسِمُها *** كما انتحَى فى أديم الصِّرْف إزمِيلُ (6)
1) البيت فى اللسان (عهل) برواية : «وملقى زفر». والزفر : الحمل.
2) فى الأصل : «وهبت شمالا».
3) الخدب : الشديد الصلب الضخم القوى. وفى الأصل : «بحدب» ، تحريف.
4) كلمة «مسعام» وردت فى القاموس ولم ترد فى اللسان. قال فى القاموس : «وسيل مسعام ، كمحراب أو مُشعان : سريع».
5) ديوان ذى الرمة 579 واللسان (شعع ، عهم). وقد سبق فى (شع).
6) البيت لعبدة بن الطبيب فى المفضليات (1 : 136) واللسان (زمل) وفى اللسان : «عيرانة».
قال أبو عمرو : عَيْهَمتُها : سُرْعَتُها. وربما قالوا : عُيَاهِمَة على وزن عُذافِرَة (1).
ومما شذَّ عن هذا الأصل : عَيْهَم : اسم موضع. قال :
ولِلعراقىِّ ثنايا عَيْهَمِ (2)
ويقولون : العَيهوم : أصل شجرة. ويقولون هو الأديم الأحمر (3). قال أبو دواد :
فتعفَّتْ بعد الرَّبابِ زماناً *** فهى قفرٌ كأنَّها عَيْهُومُ (4)
فأمّا قول القائل :
وقد أُثير العَيهمانَ الرَّاقدا (5)
فيقولون : إنَّه الذى لا يُدلج ، ينام على ظَهْرِ الطَّريق.
عهن العين والهاء والنون أصلٌ صحيح يدلُّ على لِينٍ وسُهولة وقِلّة غذاءٍ فى الشىء.
قال الخليل : العاهن : المال الذى يتروَّح على أهله ، وهو العتيد (6)الحاضر. يقال : أعطاه من عاهِنِ مالِه. وأنشد :
1) أورد صاحب اللسان «عياهم» فقط ، وطعن عليه واقتصر صاحب القاموس على «عياهمة».
2) للعجاج فى ديوانه 16 واللسان (عهم). وفى معجم البلدان (عيهم): «وللعراقيين فى ثنايا». وفى الأصل : «وللعراق فى ثنايا» ، صوابهما فى الديوان واللسان.
3) وكذا فى المجمل. وزاد فى القاموس : «أو الأملس». واقتصر فى اللسان على قوله : «والعيهوله : الأديم الأملس».
4) البيت فى اللسان (عهم).
5) أنشده فى اللسان (عهم).
6) فى الأصل : «القيد».
فقتلٌ بقتلانا وسَبْىٌ بسَبْيِنا *** ومالٌ بمال عاهنٍ لم يفرَّقِ
قال الشَّيبانىّ : العاهن : العاجل : يقال : ما أَعْهَن ما أتاك. قال : ويقولون : أبعاهِنٍ بعتَ أم بِدَين. قال ابنُ الأعرابىّ : يقال عاهن ، إذا كان فى يدك تَقدِر عليه ، وقد عَهِنَ يَعْهَنُ عُهوناً ، وأنشد للشاعر (1):
ديارُ ابنةِ الضَّمرىِّ إذ وصل حبلها *** متينٌ وإذ معروفها لك عاهن (2)
أى حاضرٌ مقيم. قال أبو زيد : عَهَنَ من فلانٍ خَيْرٌ أو خَبَر - أنا أشكُّ فى ذلك - يعهَنُ عُهونا ، إذا خرج منه. قال النَّضر : يقال : اعْهِنْ له أى عَجِّلْ له. وقد عَهَنَ له ما أراد. قال ابن حبيب : يقال هو يُلقِى الكلامَ على عواهنه ، إذا لم يبال كيف تكلَّم. وهذا قياسٌ صحيح ، لأنَّه لا يقوله بتحفُّظ وتثبُّت. وربما قالوا : يرمى الكلام على عواهنه ، إذا قاله بما أدّاه إليه ظنُّه من دون يقين. وهو ذلك المعنى.
ومن هذا الباب : قضيبٌ عاهن ، أى متكسِّر مُنْهِصر. ويقال : فى القضيب عُهْنَةٌ ، وذلك انكسارٌ من غير بَيْنُونة إذا نظرتَ إليه حسبتَه صحيحاً ، وإذا هززتَه انثنَى. ويقال للفقير : عاهنٌ من ذلك. وربما قالوا عَهَنْتُ القضيب أَعْهِنُه عَهْناً. فأمَّا الذى يُحْكى عن أبى الجرّاح أنّه قال : عَهَنْت عواهن النخل ، إذا يَبِسَت تَعْهِنُ عُهوناً ، فغلَظ ، لأنَّ القياس بخلاف ذلك. قال ابن الأعرابىّ : عواهن النخل : ما يلى قُلْبَ النَّخلة من الجريد. وهذا أصحُّ من الأول وروى عن النبى عليه الصلاة والسلام [أنّه] قال لبعض أصحابه : «ائتنى بسَعَفٍ واجتنب العواهن».
لأنّها رطبة (1). قال بعض أهل اللُّغة : أهل الحجاز يسمُّون السَّعَفات التى تلى القِلَبَة (2): العواهن ؛ لأنَّها رطبةٌ لم تشتدّ. فأمَّا قولهم إنَ العاهن : الحابس ، وإنشادهم للنابغة :
أقول لها لمَّا ونت وتخاذلتْ *** أجِدِّى فما دون الجَبَالك* عاهنُ
فهو عندنا غلطٌ ، وإنَّما معناه على موضوعِ القياس الذى قسناه ، أنّ مادون الجَبا (3)ممكن غير ممنوع ، أى السَّبيل إليه سهل. ويكون «ما» فى معنى اسم.
ومن الباب إن كان صحيحاً ما رواه ابنُ السِّكِّيت ، أنّ العواهنَ : عروقٌ فى رحم النَّاقة. وأنشَدَ لابن الرِّقاع :
أوْكَتْ عليها مَضِيقاً من عواهنها *** كما تَضَمَّنَ كَشْحُ الحُرّة الحَبَلا (4)
كأنّه شبَّه تلك العروقَ بعواهن النَّخل. وأما العِهْن ، وهو الصُّوف المصبوغ ، فليس ببعيدٍ أن يكون من القياس ؛ لأنَّ الصَّبْغَ يليّنه. واللّه أعلم.
عوى العين والواو والياء أصلٌ صحيح يدلُّ على لىٍّ فى الشىء وعطْفٍ له.
قال الخليل : عَوَيت الحبلَ عَيَّا ، إذا لويتَه. وعَوَيت رأس النّاقة ، إذا عُجْتَه (1)فانعوى. والناقة تَعْوِى بُرَتَها فى سَيرها ، إذا لوَتْها بخَطْمها.
قال رؤبة :
تَعوِى البُرَى مُستوفِضاتٍ وَفْضا (2)
أى سريعات ، يصف النُّوقَ فى سَيرها. قال : وتقول للرّجُل إذا دعا النّاسَ إلى الفتنة : عوى قوماً ، واستعوى. فأمَّا عُوَاء الكلب وغيرِه من السباع فقريبٌ من هذا ، لأنّه يَلوِيه عن طريق النَّبْح. يقال عَوَتِ السِّباع تَعوِى عُواءً. وأمّا الكَلْبة المستحرِمة فإنَّها تسمَّى المعاوِيَة ، وذلك من العُواء أيضاً ، كأنَّها مُفاعلة منه. والعَوَّاء : نجمٌ فى السماء ، يؤنّث ، يقال لها : «عوّاء البرْد» ، إذا طلعت جاءت بالبرد. وليس ببعيد أن تكون مشتقَّةً من العُواء أيضاً ، لأنّها تأتى ببردٍ تعوى له الكلاب. ويقولون فى أسجاعهم : «إذا طلعت العَوَّاء ، جَثَمَ الشتاء ، وطابَ الصِّلاء». وهى فى هذا السَّجع ممدودة ، وهى تمدُّ وتقصر. ويقولون على معنى الاستعارة لسافِلَة الإنسان : العَوَّاء (3). وأنشد الخليل :
قياماً يوارُون عُوَّاتِهِمْ *** بشتمى وعُوَّاتُهم أظهرُ (1)
ويروى : «عوراتهم». وقال أيضاً ، أنشده الخليل :
فهلَّا شدَدتَ العَقد أو بِتَّ طاوياً *** ولم تَفْرِج العَوّاكما تُفْرَج القُلْبُ (2)
جمع قَليب.
ومن باب العُواء (3)قولهم للراعى : قد عَاعَى يُعاعِى عاعاةً (4). [قال] :
ولم أستعِرْها من مُعَاعٍ وناعِق (5)
وان ثيابي من ثياب محرقى
عوج العين والواو والجيم أصلٌ صحيح يدلُّ على مَيَلٍ فى الشَّىء أو مَيْل ، وفروعُه ترجع إليه.
قال الخليل : العَوْج : عطفُ رأسِ البعير (6)بالزِّمام أو الخِطام. والمرأة تَعُوج رأسَها إلى ضجيعها. قال ذُو الرُّمَّة :
خليلىّ عُوجَا بارَكَ اللّه فيكما *** على دارمىٍّ من صُدور الرَّكائب (7)
وقال :
حتى إذا عُجْن من أجيادهنَّ لنا *** عَوْجَ الأخِشّة أعناقَ العناجيجِ (1)
سوادى الهام والأجشاء خافقة *** تناول الهيم أرشاف الصهاريج
يعنى عطفَ الجوارى أعناقَهنّ كما يَعطِف الخِشاش عُنقَ النّاقة. وكلُّ شىءٍ تعطفه تقول: عُجْتُه فانعاج. قال رؤبة :
وانعاجَ عُودِى كالشَّظيفِ الأخْشَنِ (2)
قال الخليل : والعَوَج : اسمٌ لازم لما تراه العُيون فى قَضيبٍ أو خشَب أو غيرِه وتقول : فيه عَوَجٌ بيِّنٌ. والعَوَج : مصدر عَوِج يَعْوَج عِوَجاً. ويقال اعوجَ يعوجُ اعوِجَاجا وعَوَجاً. فالعَوَج مفتوح فى كلِّ ما كان منتصِباً كالحائط والعُود ، والعِوَج ما كان فى بساط أو أمرٍ نحو دينٍ ومَعاش. يقال منه عودٌ أعوجُ بيِّن العَوَج. والنَّعت أعوج وعَوْجاء ، والجمع عُوجٌ. والعُوج من الخيل : التى فى أرجلها تحْنيب. وأمّا الخيل الأعوجيَّة فإنّها تُنسَب إلى فرسٍ سابقٍ كان فى الجاهليّة ، والنِّسبة إليه أعوجىّ. ويقال : هو من بنات أعوج. وقال طفيل :
بَنات الوجيهِ والغُراب ولاحقٍ *** وأعوج تَنْمى نِسبةَ المتنسِّبِ (3)
ويمكن أن يكون سمِّى بذلك لتحْنيبٍ كان به. وأمّا قولُهم : ناقةٌ عاجٌ ، وهى المِذعان فى السَّير اللَّيِّنة الانعطاف ، فمن الباب أيضاً. قال ذو الرُّمَّة : .
تَقَدَّى بى الموماةَ عاجٌ كأنَّها *** * أمامَ المطايا نِقْنِقٌ حين تُذعَر (1)
وإذا عطفوها قالوا : عاجِ عاجِ.
عود العين والواو والدال أصلان صحيحان ، يدلُّ أحدهما على تثنيةٍ فى الأمر ، والآخر جنسٌ من الخشب.
فالأوَّل : العَوْد ، قال الخليل : هو تثنية الأمر عوداً بعد بَدْء. تقول : بدأ ثُمَ عاد. والعَوْدة : المَرّة الواحدة. وقولهم عادَ فلانٌ بمعروفِه ، وذلك إذا أحسَنَ ثم زاد. ومن الباب العِيادة : أن تعود مريضاً. ولآل فلانٍ مَعَادةٌ ، أى أمر يغشاهم (2)النَّاسُ له. والمَعَاد : كل شىءٍ إليه المصير. والآخرة مَعادٌ للناس. واللّهُ تعالى المبدِئ المُعيد ، وذلك أنّه أبدأَ الخلْقَ ثم يُعيدهم. وتقول : رأيتُ فلاناً ما يبدئ وما يعيد ، أى ما يتكلم ببادئةٍ ولا عائدة (3). قال عبيد :
أقفر من أهله عبيدُ *** فاليومَ لا يُبدِى ولا يُعيدُ (4)
والعِيد : ما يعتاد من خَيالٍ أو هَمٍّ. ومنه المعاوَدَة ، واعتياد الرَّجل ، والتعوُّد. وقال عنترةُ يصف ظَلِيماً يعتاد بيضَهُ كلَّ ساعة :
صَعْلٍ يعود بذِى العُشَيرةِ بيضَهُ *** كالعبد ذى الفَرْوِ الطّويلِ الأصلمِ (5)
1) البيت ليس فى ديوان ذى الرمة ولا ملحقاته. انظر قصيدته على هذا الروى فى222 - 239. وأنشد صدره فى اللسان (عوج) محرفا.
2) فى الأصل : «يغشيهم». وفى اللسان : «أى مصيبة يغشاهم الناس فى مناوح أو غيرها ، يتكلم به النساء. يقال خرجت إلى المعادة والمعاد والماثم».
3) فى الأصل : «ولا عادية» ، صوابه فى اللسان.
4) ديوان عبيد 3.
5) البيت من معلقته المشهورة.
ويقولون : أعادَ الصّلاةَ والحديثَ. والعَادة : الدُّرْبة. والتَّمادِى فى شىء حتَّى يصير له سجيّةً. ويقال للمواظب على الشىء : المُعاوِد. وفى بعض الكلام : «الزموا تُقَى اللّه تعالى واستَعيدوها» ، أى تعوَّدوها. ويقال فى معنى تعوَّد : أعادَ. قال :
الغَرب غَربٌ بقَرِىٌّ فارضُ *** لا يستطيع جَرَّهُ الغَوامضُ
إلّا المُعيداتُ به النواهضُ (1)
يعنى النوقَ التى استعادت النَّهْض بالدَّلو. ويقال للشجاع : بَطَلٌ معاوِدٌ ، أى لا يمنعُه ما رآه من شدّة الحرب أن يعاودها. والقياس فى كلِّ هذا صحيح. فأمَّا الجمَل المسِنُّ فهو يسمَّى عَوْداً. وممكنٌ أن يكون من هذا ، كأنَّه عاوَدَ الأسفار والرِّحَلَ مرّةً بعد مرة.
وقد أومأ الخليلُ إلى معنًى آخر فقال : هو الذى [فيه] بقيَّة. فإن كان كذا فلأَنَّ لأصحابه (2)فى إعماله عَودةً. والمعنيان كلاهما جيِّدان.
وجمع الجَمَل العَوْد عِوَدة. ويقال منه : عوَّد يُعوِّد تعويداً ، إذا بلغ ذلك الوقت. وقال:
هل المجدُ إلّا السُّودَدُ العَوْد والنَّدَى *** ورأْبُ الثَّأى والصبرُ عند المَوَاطِنِ (3)
وهذا على معنى الاستعارة ، كأنّه أراد السودد القديم. ويقولون أيضاً للطَّريق القديم : عَوْد. قال :
عَودٌ على عَوْد لأقوامٍ أُوَلْ *** يموتُ بالتَّرْك ويحيا بالعَمَلْ (1)
يعنى بالعَود الجمل. على عَودٍ ، أى طريق قديم. وكذلك الطريق يموت أو يَدرُس إذا تُرك ، ويحيا إذا سُلِك. ومن الباب : العائدة ، وهو المعروف والصِّلة. تقول : ما أكثَرَ عائدةَ فلانٍ علينا. وهذا الأمر أعْوَدُ من هذا ، أى أرفَق.
ومن الباب العِيد : كلُّ يومِ مَجْمَع. واشتقاقُه قد ذكره الخليل من عاد يَعُود ، كأنَّهم عادُوا إليه. ويمكن أن يقال لأنّه يعود كلَّ عامٍ. وهذا عندنا أصحُّ. وقال غيره ، وهو قريب من المعنيين : إنّه سمِّى عيداً لأنَّهم قد اعتادوه (2). والياء فى العِيد أصلها الواو ، ولكنها قلبت ياءً لكسرة العين. وقال العجاج :
يعتادُ أرباضاً لها آرِىُ (3)*** كما يَعودُ العِيدَ نصرانىُ
ويجمعون العيدَ أعياداً ، ويصغرونه على التغيير عُيَيْد. ويقولون فحَلٌ معيدٌ : معتاد للضِّراب. والعِيديَّة : نجائبُ منسوبة ، قالوا : نسبت إلى عادٍ. واللّه أعلم.
وأمّا الأصل الآخَر فالعُود وهو كلُّ خشبةٍ دَقّت. ويقال بل كلُّ خشبةٍ عُود. والعُود : الذى يُتبَخْر به ، معروف.
عوذ العين والواو والذال أصلٌ صحيح يدلُّ على معنًى واحد ، وهو الالتجاء إلى الشَّىء ، ثم يُحمَل عليه كلُّ شىءٍ لصق بشىء أو لازَمَه.
قال الخليل : تقول أعوذ باللّه ، جلَّ ثناؤُه ، أى ألجأ إليه تبارك وتعالى ، عَوْذاً أو عِياذاً. ذكر أيضاً أنّهم يقولون : فلانٌ عياذٌ لك ، أى ملجأ. وقولهم : مَعاذَ اللّه ، معناه أعود باللّه. وكذا أستعيذ باللّه. وقال* رسول اللّه صلی اللّه عليه [وآله] وسلم للتى استعاذت منه : «لقد عُذْتِ بمَعَاذ». قال : والعُوذة والمَعَاذة : التى يُعوَّذ بها الإنسان من فَزَعٍ أو جُنون. ويقولون لكلٍّ أنثى إذا وضعت : عائذ. وتكون كذا سبعةَ أيّام. والجمع عُوذ. قال لَبيد :
والعِينُ ساكنةٌ على أطلائها *** عُوذٌ تأجَّلُ بالفَضاء بِهامُها (1)
تأجَّلُ : تَصير آجالاً (2)، أى قُطُعا. وإنّما سمِّيت لما ذكرناه من ملازمة ولدِها إيّاها ، أو ملازمتِها إيّاه.
عور العين والواو والراء أصلانِ : أحدهما يدلُّ على تداوُلِ الشّىء ، والآخر يدلُّ على مرضٍ فى إحدى عينى الإنسان وكلِّ ذى عينَين. ومعناه الخلوُّ من النظر. ثم يُحمَل عليه ويشتقُّ منه.
فالأوّل قولهم : تعاوَرَ القومُ فلاناً واعتورُوه ضرباً ، إذا تعاوَنُوا ، فكلَّما كَفَّ واحدٌ ضَربَ آخر. قال الخليل : والتّعاوُرُ عامٌّ فى كلِّ شىء. ويقال : تعاوَرَت الرِّياحُ رسماً حَتَّى عَفَته ، أى تواظبت عليه. قال الأعشى :
دِمنةٌ قفرةٌ تعاوَرَها الصَّي *** فُ بريحينِ من صَباً وشَمال (3)
وحكى الأصمعىُّ أو غيره : تعوَّرنا العَوارِىَ (1).
والأصل الآخر العَوَر فى العين. قال الخليل : يقال انظُروا إلى عينه العَوراء. ولا يقال لإحدى العينين عَمْياء ، لأنّ العَوَر لا يكون إلّا فى إحدى العينين. وتقول : عُرْت عينَه ، وعَوّرت ، وأعرت ، كلّ ذلك يقال. ويقولون فى معنى التشبيهِ ، وهى كلمةٌ عوراء. قال الخليل : الكلمة التى تهوى فى غير عَقْلٍ ولا رَشَد. قال :
ولا تنطقِ العَوراءَ فى القوم سادراً *** فإنّ لها فاعلم من القوم واعيا (2)
وقال بعضهم : العَوراء : الكلمة القبيحة التى يَمتعِض منها الرَّجُل ويَغضب وأنشد :
وعوراء قد قِيلت فلم ألتفِتْ لها *** وما الكَلِمُ العَوْراء لى بقَبُولِ (3)
ومن الباب العَوَاء ، وهو خرقٌ أو شَقٌّ يكون فى الثَّوب.
ومن الباب العَوْرة ، واشتقاقُها من الذى قدّمْنا ذكره ، وأنّه ممّا حُمِل على الأصل ، كأنَ العورةَ شىءٌ ينبغى مراقبتُه لخلوّه. وعلى ذلك فُسِّرَ قولُه تعالى : ( يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ ) ، قالوا : كأنَّها ليست بحَرِيزة (4). وجمع العَورةِ عَوْرات. قال الشَّاعر(5):
1) ويقال أيضاً : تعاورنا العوارى تعاوراً. وقد اقتصر على هذه اللغة فى المجمل.
2) فى الأصل : «أوعيا».
3) البيت لكعب بن سعد الغنوى ، من قصيدة له فى الأصمعيات 60 - 61 ليبك. وروايته هنا تطابق روايته هناك. وأنشده فى اللسان (عور) بدون نسبة برواية : «وما الكلم العوران لى بقتول». وقال : «وصف الكلم بالعوران لأنه جمع وأخبر عنه بالقتول وهو واحد لأن الكلم يذكر ويؤنث ، وكذلك كل جميع لا يفارق واحده إلا بالهاء لك فيه كل ذلك».
4) حريزة أى حصينة. وفى الأصل : «بجزيرة» ، تحريف.
5) هو لبيد ، كما سبق فى حواشى (دعق) ، والبيت ليس فى ديوانه. وقد سبق إنشاد عجزه فى (دعق ، شلل).
فِى جَميعٍ حافِظى عَوْراتِهِمْ *** لا يهُمُّون بإدعاقِ الشَّلَلْ (1)
الإدعاق : الإسراع. والشَّلَل : الطَّرْد. ويقال فى المكان يكون عورة : قد أَعْوَرَ يُعْوِر إعواراً. قال الخليل : ولو قلت أعار يُعير إعارةً جاز فى القياس ، أى صار ذا عورةٍ. ويقال أعورَ البيتُ : صارت فيه عَورةٌ. قال الخليل : يقال : عَوِرَ يَعْوَرُ عَوَراً. فعورةٌ ، فى قوله تعالى : ( إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ) ، قال الخليل : نعت يخرجُ على العِدَّة والتّذكير والتّأنيث ، وعورةٌ مجزومة على حالٍ واحد فى الجمع والواحد ، والتأنيث والتذكير ، كقولك رجلٌ صوم وامرأة صوم ، ورجالٌ صَوم ونساءٌ صوم. فأمّا قولهم إنّ العَوَر تَرْكُ الحقّ ، وإنشادُهم قول العجّاج :
قد جبَرَ الدِّينَ الإلهُ فجبَرْ *** وعَوّرَ الرّحمنُ مَنْ ولّى العَوَرْ (2)
فالقياس غير مقتضٍ للَّفظ الذى ذُكر من ترك الحقّ ، وإنما أراد العجّاج العَوَر الذى هو عَوَرُ العين ، يضربُه مثلاً لمن عَمِىَ عن الحق فلم يهتدِ له.
وأما قولُ العرب : إنّ لفلانٍ من المال عائرةَ عينٍ ، يريدون الكثرة ، فمعناه المعنى الذى ذكرناه ، كأنَّ العينَ تَتحيَّر عند النظر إلى المال الكثير فكأنَّها عَوْرة. ويقولون عوَّرْتُ عينَ الركيَّة ، إذا كبَسْتَهَا حتى نَضَب الماء. والمكانُ المُعْوِر : الذى يُخاف فيه القَطْع.
عوز العين والواو والزاء كلمةٌ واحدةٌ تدلُّ على سوءِ حالٍ. من ذلك العَوَز : أن يُعوز الإنسانَ الشىء الذى هو محتاجٌ إليه ، يرومُه ولا يتهيَّأُ له.
يقال : عازَنى (1). وأعْوَز الرّجُل : ساءت حالُه. ومن الباب المِعْوَز ، والجمع مَعَاوِز ، وهى الثِّياب الخُلْقَان والخِرَقُ التى تدلُّ على إعواز صاحِبها. قال الشّماخ :
إذا سقط الأنداء صِينَتْ وأُشْعِرَتْ *** حَبِيراً ولم تدْرَجْ عليها المَعَاوِزُ (2)
فأمّا العزّة (3)...
عوس العين والواو والسين كلمةٌ قد ذكرها أهلُ اللُّغة ، وقياسُها قياسٌ صحيح بعيد. قالوا : العَوَاساء : الحامل من الخنافس ، وأنشدوا :
بِكراً عَواساء تَفَاسَى مُقْرِبَا (4)
أى دنا أن تضع حَمْلها. ويقولون : العَوَسانُ والعَوْس : الطّوفَان بالّليل. ويقولون أيضاً : الأعوس : الصَّيْقَل. والأعوس : الوصَّاف للشىء. وكلُّ هذا مما لا يكاد القلبُ يسكُن إلى صحَّته.
عوص العين والواو والصاد أُصيلٌ يدلُّ على قِلّة الإمكان. فى الشىء. يقال اعتاصَ الشىءُ ، إذا لم يُمكِنْ. والعَوَص مصدر الأعوص والعَويص. ومنه كلامٌ عويص ، وكلمةٌ عَوصاء. وقال :
أيُّها السَّائلُ عن عوصائها
1) فى اللسان : «قال ابن سيده : يقال عازنى الشىء وأعوزنى : أعجزنى على شدة حاجة».
2) ديوان الشماخ 50 واللسان (حبر) وشروح سقط الزند 419 ، 1554.
3) كذا فى الأصل. ولعله يريد : «فأما العوس. وهو الحب من العنب فقد سبق قولنا إن أسماء النبات ليس مما يطرد فيه القياس».
4) الحيوان (3 : 501) واللسان (عوس ، فسى) والمخصص (2 : 18) والمقصور والممدود لابن ولاد 78 والغريب المصنف 157 ، 244 مخطوطة دار الكتب.
ويقال أعْوَص فى المنطق وأعْوَص بالخَصْم (1)، إذا كلّمهُ بما لا يَفْطِن له. قال لبيد :
فلقد أُعْوِصُ بالخَصْم وقد *** أملا الجَفْنَةَ من شحم القُلَلْ (2)
ومن الباب : اعتاصت الناقة ، إذا ضربها الفحلُ فلم تحمِل من [غير (3)] عِلّة.
عوض العين والواو والضاد كلمتان صحيحتان ، إحداهما تدلُّ على بدل للشىء ، والأخرى على زمان.
فالأولى : العِوَض ، والفعل منه العَوْض ، قال الخليل : عاضَ يَعُوضُ عَوْضاً وعِياضاً ، والاسم العِوَض ، والمستعمل التَّعويض (4)، تقول : عوّضتُه من هِبَته خيراً. واعتاضَنِى فلانٌ ، إذا جاء طالباً للعِوَض والصِّلَة. واستعاضنى ، إذا سألك العِوَض. وقال رؤبة :
نعم الفتى ومَرْغَبُ المعتاضِ *** واللّه يجزى القَرْض بالإقراضِ (5)
وتقول : اعتضت ممّا أعطيتُ فلاناً وعُضْت ، أصبت عِوَضاً. وقال :
يا ليلَ أسقاكِ البُرَيقُ الوامِضُ *** هل لكِ والعارضُ منك عائضُ
فى مائةٍ يُسْئرُ منها القابضُ (6)
1) فى الأصل : «بالختم» ، صوابه فى اللسان.
2) ديوان لبيد 12 طبع سنة 1881 واللسان (عوص).
3) التكملة من اللسان. وفى المجمل : «فلم تحمل ولا علة بها».
4) أى الذى يكثر استعماله ، هو عوضه لا عاضه. وهذه العبارة تصحح ما فى اللسان (عوض) من قوله : «والمستقبل التعويض» وقد حار فيها مصححه.
5) ديوان رؤبة 82. وهو فى اللسان بدون نسبة.
6) لأبى محمد الفقعسى ، كما فى اللسان (عوص). وانظر المخصص (12 : 251).
ومعناه أنّه خَطَبها على مائةٍ من الإبل ثم قال لها : وأنا آخُذُك فأنا عائض ، قد عُضْت ، أى صار الفَضْلُ لى والعِوَضُ بأخْذِيكِ.
والكلمة الأخرى : قولهم عَوْضُ ، واختُلِفَ فيها ، فقال قوم : هى كلمةُ قَسمٍ. وذُكر عن الخليل أنَّه قال : هو الدهر والزَّمان. يقول الرجلُ لصاحبه : عَوْضُ لا يكون ذلك ، أى أبداً. ثم قال الخليل : لو كان عَوْضُ اسماً للزَّمان لَجَرَى بالتنوين (1)، ولكنه حرفٌ يراد بها القَسَم ، كما أنّ أجَلْ ونَعَمْ ونحوهما لمّا لم يتمكَّنْ حُمِلَ على غير الإعراب. وقال الأعشى :
رَضِيعَىْ لِبَانٍ ثدىَ أمٍّ تقاسمَا *** بأسحَمَ داجٍ عَوْضُ لا نتفرَّقُ (2)
واللّه أعلم بالصواب (3)
(عوق) ، (عول) ، (عوم) ، (عون) ، (عوه).
عيب العين والياء والباء أصلٌ صحيح ، فيه كلمتان : إحداهما العَيب والأخرى العَيْبة ، وهما متباعدتان.
فالعَيب فى الشىء معروفٌ. تقول : عابَ فلانٌ فلاناً يَعيبُه. ورجلٌ عَيَّابةٌ : وَقَّاعٌ فى الناس. وعابَ الحائطُ وغيرُه ، إذا ظهر فيه عَيب. والعاب : العيب (4).
والكلمة الأخرى العَيْبَة : عَيْبَة الثيابِ وغيرِها ، وهى عربيَّة صحيحة.
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : «الأنصارُ كَرِشى وعَيْبَتِى». ضربها لهم مثلاً ، كأنهم موضعُ سِرّه والذين يأمَنُهم على أمره.
عيث العين والياء والثاء أصلان صحيحان متقاربان ، أحدهما : الإسراع فى الفساد ، والآخَر تطلُّب الشىء على غير بَصيرة.
فالأوّل قولهم : عاث يَعِيث ، إذا أسرع فى الفساد. ويقولون : هو أعْيَثُ الناسِ فى ماله. والذِّئب يَعيث فى الغَنم ، لا يأخذ منها شيئاً إلّا قتلَه (1). قال :
قد قلتُ للذِّئبِ أيا خبيثُ *** والذِّئب وسْطَ غنمى يَعِيثُ (2)
أما أتاك عنى الحديث *** إذ أنا بالغائط اساليث
والذنب وسط غنمى بعيث *** وصحت بالغائط يا خبهت
والأصل الآخر : التَّعييث ، قال الخليل : هو طلب الأعمى للشىء والرَّجُلِ فى الظُّلمة. ومنه التعييث : إدخال اليد فى الكِنانة تطلُب سهْماً (3). قال أبو ذؤيب :
وبدا له أقرابُ هادٍ رائغٍ *** عجِلٍ فعَيَّث فى الكنانة يُرْجِعُ (4)
وقال ابن أبى عائذ :
فعيَّثَ ساعةَ أقفَرنَه *** بالايفاقِ والرَّمْى أو باستلالِ (5).
1) فى الأصل : «قلت» ، صوابه فى اللسان.
2) الرجز فى الحيوان (1 : 306 / 6 : 410) على هذا الوجه :
3) فى الأصل : «منهما» ، تحريف.
4) ديوان الهذليين (1 : 9) والمفضليات (2 : 225) واللسان (رجع ، عيث). وقد سبق إنشاده عجزه فى (رجع).
5) ديوان الهذليين (2 : 186) واللسان والمجمل (عيث). وفى الأصل واللسان : «أقفرنه» صوابه بتقديم الفاء كما فى الديوان والمجمل.
عيج العين والياء والجيم أُصيلٌ صحيحٌ يدلُّ على إقبال واكتراثٍ للشىء. يقولون : ما عِجْتُ * بقول فلانٍ ، أى لم أصَدِّقْه ولم أُقْبِلْ عليه. وما أَعِيج بشىء يأتينى مِن قِبَلِه. قال النابغة :
فما رأيت لها شيئاً أَعِيجُ به *** إلا الثُّمامَ وإلّا موقدَ النّارِ (1)
عيد العين والياء والدال قد مضى ذكره فى محلِّه ، لأن ذلك هو الأصل.
عير العين والياء والراء أصلانِ صحيحان ، يدل أحدُهما على نتوِّ الشىء وارتفاعه ، والآخر على مجىءٍ وذَهاب.
فالأوَّل العَيْر ، وَهو العَظْم الناتئ وَسْط الكتِف ، والجمع عُيورة (2). وعير النَّصل : حرف فى وَسَطه كأنّه شَظِيّة. وقال :
فصادف سَهْمُهُ أحجارَ قُفِ *** كَسَرْنَ العَيْرَ منه وَالغِرارا (3)
والغِرار : الحَدّ. والعَيْر فى القَدَم : العظم النّاتىء فى ظهر القَدَم. وحُكى عن الخليل : العَير : سَيِّد القوم. وهذا إن كان صحيحاً فهو القياس ، وذلك أنّه أرفَعُهم منزلةً وأنْتَأ. قال : ولو رأيتَ فى صخرةٍ نتوءًا ، أى حرفاً ناتئاً خِلقةً ، كان ذلك عَيْرًا.
والأصل الآخر العَيْر : الحِمار الوحشىّ والأهلىّ ، والجمع الأعيار والمعيوراء. وإنما سمى عَيْرًا لتردُّده ومجيئِه وذَهابه. قال الخليل : وكلماتٌ جاءت فى الجمع عن العرب
فى مفعولاء : المَعْيوراء ، والمَعْلوجاء ، والمَشيُوخاء. قال : ويقولون مَشْيَخَة على مَفْعَلَة. ولم يقولوا مثلَه فى شىءٍ من الجمع. ومما جاء من الأمثال فى العَيْر : «إذا ذَهَبَ عَيْرٌ فعَيْرٌ فى الرِّباط». وإنسان العَينِ عَيرٌ ، يسمَّى لما قلناه من مجيئه وذَهابه وَاضطرابِه. وقال الخليل : فى أمثالهم : «جاء فلانٌ قيل عَيْرٍ وما جَرَى» يريدون به السُّرْعة ، أى قبل لحظِ العين. وَأنشد لتأبّط شرَّا :
ونار قد حضأتُ بُعيد هُدءٍ *** بدارٍ ما أُريدُ بها مُقاما (1)
سوى تحليلِ راحلةٍ وعيرٍ *** أُغالِبُه مخافةَ أن يناما
وقال الحارث بن حِلّزة :
زعموا أنّ كل من ضرب العي *** رَ مُوَال لنا وَأنَّى الوَلاء (2)
أى أنّ كلَّ من طرف جفنٌ [له] على عَيرٍ ، وَهو إنسان العين والعِيَار : فِعلُ الفرس العائِر. يقال : عَار يَعير ، وهو ذَهَابُه كأنّهُ متفلِّتٌ من صاحبه يتردّد. وقصيدةٌ عائرة : سائرة. وما قالت العربُ بيتاً أعيَرَ مِن قوله :
فمن يلقَ خيراً يحمَدِ الناسُ أمرَه *** ومن يَغْوِ لا يَعْدَم على الغَىِّ لائما (3)
يعنى بيتاً أسيَرَ.
عيس العين والياء والسين كلمتان : إحداهما لونٌ أبيض مُشْرَبٌ ، والأخرى عَسْب الفحل.
1) البيتان فى اللسان (عير) مع نسبتهما لتأبط شرا ونسب فى الحيوان (4 ، 481) إلى سهم بن الحارث ، وفى (6 : 196) إلى شمر بن الحارث الضبى وفى نوادر أبى زيد إلى «شمير بن الحارث» أو «سمير بن الحارث».
2) البيت من معلقته المشهورة.
3) البيت للمرقش كما فى إصلاح المنطق 227 والمفضليات (2 : 47) واللسان (غوى). وسيأتى فى (غوى).
قال الخليل : العَيَس والعِيسَة (1): لونٌ أبيضٌ مشربٌ صفاءً فى ظلمةٍ خفيَّة. جملٌ أعْيَسُ وناقةٌ عيساء ؛ والجمع عِيس. قال أبو دُواد :
وعيس قد بَرَاها لذّة المَوْكِب والشَّرْبِ
وقال آخر فى وصف الثَّور :
وعانَقَ الظِّلَّ الشَّبُوبُ الأعْيَسُ (2)
قال : والعرب قد خصّت بالعَيَس الإبل العِرَاب (3)البيضَ خاصّة. والعِيسَة فى أصل البناء الفُعْلة ، على قياس الصُّهْبَة والكُمْتة ، ولكن كسرت العين لأجل الياء بعدها. ويقولون : ظبىٌ أعْيَسٌ. وفى الذى (4)ذكره فى الظَّبى والشّبوب الأعيس ، خلافٌ لما قالَه من أنّ العرب خَصّت بالعَيَسِ الإبلَ العِرَابَ (5)البيضَ خاصّة.
والكلمة الأخرى العيْس : ماء الفحل. قال الخليل : العَيْس : عَسْب الفحل ، وهو ضِرابُه. يقال : لا تأخُذْ على عَيْس جملِك أجراً. وهذا الذى ذكره الخليلُ أصحُّ.
عيش العين والياء والشين أصلٌ صحيح يدلُّ على حياةٍ وبقاء. قال الخليل : العيش : الحياة. والمعيشة : الذى يعيش بها الإنسان : من مطعمٍ ومشربٍ وما تكون به الحياة. والمعيشة : اسمٌ لما يعاش به. وهو فى عِيشةٍ ومَعيشةٍ صالحة. والعِيشة مثل الجِلْسة والمِشْية. والعَيْش : المصدر الجامع. والمعاش يجرى مجرى العَيْش. تقول عاشَ يَعِيشُ عَيْشاً ومعاشاً. وكلُّ شىءٍ يُعاش به أو فيه فهو مَعاشٌ. قال اللّه تعالى : ( وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ) . والأرضُ مَعاشٌ للخلق ، فيها يلتمسون معايِشَهم. وذكر الخليل أنّ المعيشَ بطرح الهاء يقوم فى الشِّعر مقامَ المَعيشة ، * وأنشد لحُميد :
إزاءُ مَعِيشٍ ما تحلُّ إزارها *** من الكَيْسِ فيها سَوْرَة وهى قاعدُ (1)
والناس يروونه : «إزاءُ مَعاشٍ». وقال بعضهم : عاش فلانٌ عَيْشُوشةً صالحة ، وإنّهم لمتعيِّشون ، إذا كانت لهم بُلْغةٌ من عَيش. ورجل عائِشٌ ، إذا كانت حالهُ حسنةً.
عيص العين والياء والصاد أصلٌ صحيح ، وهو المَنْبِت. قال الخليل. العِيص : مَنْبِت خِيارِ الشَّجر. قال : وأعياص قُريش : كرامهم يتناسبون إلى عِيصٍ. وأعياصٌ وعيصٌ فى آبائهم. وذكَر أيضاً المَعيص ، وقال : هو كالمَنْبِت. وقال العجّاج فى العِيص :
1) سبق البيت فى (أزى) برواية : «إزاء معاش لا يزال نطاقها شديدا وفيها».
من عِيصِ مَرْوانَ إلى عِيصٍ غِطَمّ (1)
حتى أناخوا بمناخ المعتصم
وقال جرير :
فما شَجراتُ عِيصِكَ فى قريشٍ *** بعَشَّات الفروعِ ولا ضَواحِ (2)
عيط العين والياء والطاء أصلان صحيحان ، يدلُّ أحدُهما على ارتفاعٍ ، والآخَر [على] تتبُّع شىء.
فالأوّل العَيَط ، وهو مصدر الأعْيَط ، وهو الطَّويل الرأسِ والعنُق. ويقال ناقة عيطاءُ وجملٌ أعيط ، والجمع العِيط. قال الخليل : وتُوصَف به حُمُر الوَحْش. قال العجّاجُ يصفُ الفرسَ بأنّه يَعْقِر عِيطاً (3):
فهو يَكُبُ العِيطَ منها للذقَن *** بأرَنٍ أو بشبيهٍ بالأرَنْ (4)
والأرَنّ : النَّشاط حَتّى يكون كالمجنون. ويقال للقارَةِ المستطيلة فى السّماء جدّا : إنّها لَعَيطاء. وكذلك القَصْر المُنيف أعيطُ. قال أمية :
نحن ثقيفٌ عِزُّنا منيعُ *** أعْيَطُ صَعْبُ المرتَقَى رفيعُ (5)
ومما يجوز أن يُقاسَ على هذا النّاقةُ التى لم تَحمِل سنواتٍ من غير عُقْر ، يقال قد اعتاطت ، وذلك أنها تَرَفَّعُ وتتعالَى عن الحمل. قالوا : وربَّما كان اعتياطُها من
كثرة شَحْمها. وتعتاطُ المرأةُ أيضاً. ويقال : ناقةٌ عائط ، وقد عَاطت تَعِيط عِياطاً فى معنى حائلٍ ، فى نوق عِيطٍ وعوائط. وقال :
وبالبُزْلٍ قد دمّها نِيُّها *** وذاتِ المُدارأة العائط (1)
والمصدر أيضاً عُوطَطٌ وعُوطة (2).
والأصل الآخَر التعيُّط : نَتْعُ الشّىءِ (3)من حَجرٍ أو عودٍ ، يخرج منه شِبهُ ماءٍ فيُصمِّغ (4)أو يَسِيل. وذِفْرَى الجمل يتعيَّط بالعرق (5). قال :
تَعَيَّطُ ذِفراها بجَونٍ كأنّه *** كُحَيْلٌ جَرَى منها على اللِّيتِ واكفُ (6)
كأن محيلا معقدا أو عنيه *** على رجع ذفراها من الليث واكف
عيف العين والياء والفاء أصلٌ صحيح واحد يدلُّ على كراهة. من ذلك قولُهم : عافَ الشّىء يَعافه عِيافاً ، إذا كره ، من طعامٍ أو شراب. ف
1) البيت لأسامة بن الحارث الهذلى فى ديوان الهذليين (2 : 195) ، ونسبه فى اللسان (درأ) إلى الهذلى. ورواه : «وبالترك. وفى الأصل هنا : «وبالشجر» ، صوابه ما أثبت من الديوان.
2) فى الأصل : «وحولك» ، صوابه فى اللسان. وأما صاحب القاموس فقد جعل «العوطط» جمعاً لعائط ، ونبه على أن طاءه قد تضم.
3) النتع : أن يخرج الدم من الجرح والماء من العين أو الحجر قليلا قليلا وفى الأصل : «تتبع الشىء» ، وفى اللسان : «التعيط أن ينبع حجر أو شجر أو عود» ، صواب هذه : «أن ينتع».
4) فى الأصل : «فيضمع» ، تحريف.
5) فى اللسان : «بالعرق الأسود».
6) أنشده فى اللسان (عيط) ، برواية : «من قفذ الليت نابع». وفى ديوان أوس 15 :
والعيُوف من الإبل : الذى يَشَمّ الماء وهو عطشانُ فيدعُه ، وذلك لأنّه يتكرّهُه. وربما جُهِد فشرِبَه. قال ابن [أبى] ربيعة :
فسافَت وما عافت وما صَدَّ شربها *** عن الرِّىِّ مطروقٌ من الماء أكدرُ (1)
ومن هذا القياس عِيافةُ الطَّير ، وهو زَجْرُها. وهو من الكراهة أيضاً ، وذلك أن يرى غُراباً أو طائراً غيرَه أو غير ذلك فيتطيَّر به. وربّما قالوا للمتكهِّن عائف.
قال الأعشى :
ما تَعِيفُ اليومَ فى الطَّيْرِ الرَّوَحْ *** من غُراب الطَّيرِ أو تيسٍ بَرَحْ (2)
وقال :
لقَدْ عَيْثَرْتَ طيْرَكَ لو تعيفُ (3)
لعمر أبيك باصخر بن لبقى
وفى الأصل : «قد عثيرت» صوابه من اللسان. وعيثر الطير : رآها جارية فزجرها.
عيق العين والياء والقاف لم يذكر الخليل فيه شيئاً ، وهو صحيح. يقولون : العَيقة : ساحل البحر. قال الهذلىّ (4):
[سادٍ تجرَّمَ فى البَضِيع ثمانياً *** يُلوِى بَعيقاتِ البِحارِ ويُجنَبُ (5)]
وقد أومأ الخليل إلى أنَّ هذا مستعمل ، وليس من المهمل ، فقال فى كتابه :
1) ديوان ابن أبى ربيعة 5 برواية : «ومارد شربها».
2) ديوان الأعشى 159 والحيوان (3 : 442) واللسان (روح ، عيف). وقد سبق فى (روح).
3) عجز بيت للمغيرة بن حبناء فى اللسان (عثر). وصدره :
4) هو ساعدة بن جؤبة الهذلى ، كما فى اللسان (سأد ، بضع ، عيق ، جنب ، سدا) وديوان الهذليين (1 : 172).
5) موضع البيت بياض فى الأصل.
عَيُّوق فَيْعُول ، يحتمل أن يكون بناؤه من عَوق ومن عيق ، لأنّ الياء والواو فى ذلك سواء. فقد أَعْلَمَ أنّ البناء مستعملٌ ، أعنى العين والياء والقاف.
عيك العين والياء والكاف. لم يذكر الخليل فيه شيئاً ، وهو بناء جيِّد وإن لم يجئْ فيه كلامٌ ، لكنّ العَيكَتين : موضعٌ فى بلاد العرب معروف.
عيل العين واللام والياء ، ليس (1)] فيه إلّا ما هو منقلب عن واو. العيْلة : الفاقة والحاجة ، يقال عالَ يَعِيل عَيْلةً ، إذا احتاج. قال اللّه تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ) . وفى الحديث : «ما عالَ مقتصد». وقال :
مَن عال مِنَّا بَعدها فَلَا انْجَبَر (2)
ولا سقى الماء ولا راء الشجر
وعَيْلان : اسم.
عيم العين والياء والميم كلمةٌ واحدة صحيحة ، وهى شهوةُ اللَّبَن : يقال للذى اشْتَهَى اللّبَن عَيْمانُ ، والمرأة عَيْمَى. تقول : عِمْتُ إلى* اللبن عَيْمَة وعَيَماً شديداً. قال الخليل : وكلُّ مصدرٍ مثلِ هذا ممّا يكون لِفَعْلان وفَعْلَى ، فإذا أنّثت المصدر قلته على فَعْلة خفيفة ، وإذا ثقّلتَ فَعَلَى فَعَلٍ (3)، نحو الحَيَر والحَيْرة. وجمع العَيْمان عَيامَى وَعِيام.
1) بمثل هذه التكملة يلتئم الكلام.
2) الرجز لعمرو بن كلثوم ، كما فى اللسان (جبر) وفى الأصل : من عال منهم بعد ما الجبر ، صوابه من اللسان. وفى اللسان : فلا اجتر واجتر و؟؟ بمعنى. وبعده :
3) كذا. وفى اللسان (عيم) مع النسبة الى الليث «بإدا أثمت المصدر فخفف ، وإذا حذفت الهاء فثقل ، نحو الحيرة والحير ، والرغبة والرغب ، والرهبة والرهب».
عين العين والياء والنون أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على عُضوٍ به يُبْصَر ويُنظَر ، ثم يشتقُّ منه ، والأصلُ فى جميعه ما ذكرنا.
قال الخليل : العين النّاظرة لكلِّ ذى بَصَر. والعين تجمع على أعيُن وعُيون وأعيان. قال الشاعر :
فقد أرُوعُ قلوبَ الغانياتِ به *** حَتّى يَمِلْنَ بأجيادٍ وأعيانِ
وقال :
فقد قرَّ أعيانَ الشَّوامِتِ أنّهم
وربّما جمعوا أعيُنا على أعيناتٍ. قال :
بأعيُنات لم يخالطها قَذَى (1)
وعَيْنُ القَلْب مثَل على معنى التشبيه. ومن أمثال العرب فى العين ، قولهم : «لا أفعَلُه ما حَمَلتْ عينى الماء» ، أى لا أفعله أبداً. ويقولون : «عَينٌ بها كلُّ داء» للكثير العيوب. ويقال : رجلٌ شديد جَفْنِ العين ، إذا كان صبوراً على السَّهَر. ويقال. عِنْتُ الرّجلَ ، إذا أصبتَه بعينك ، فأنا أعينُه عَيْنا ، وهو مَعْيون. قال :
قد كان قومُك يحسبونك [سيّداً *** وإخال أنّكَ] سيّدٌ مَعيونُ (2)
ورجل عَيُونٌ ومِعيانٌ (3): خبيث العين. والعائن : الذى يَعِين ، ورأيت
الشَّىء عِياناً ، أى معايَنة. ويقولون : لقيتُه عَيْنَ عُنَّة ، أى عِياناً. وصنعت ذاك عَمْدَ عَيْنٍ ، إذا تعمّدتَه. والأصل فيه العين الناظرة ، أى إنّه صنع ذلك بعينِ كلِّ مَن رآه. وهو عَبْدُ عينٍ ، أى يَخدُم ما دام مولاه يراه. ويقال للأمر يَضِحُ : «بيَّنَ الصُّبحُ لذى عَينَين».
ومن الباب العين : الذى تبعثُه يتجسَّس الخبرَ ، كأنَّه شىءٌ تَرَى به ما يَغِيب عنك. ويقال : رأيتُهم أدنى عائنةٍ ، أى قَبْلَ كلِّ أحدٍ ، يريد - واللّه أعلم - قبل كلِّ نَفْسٍ ناظرة. ويقال : اذهَبْ فاعتَنْ لنا ، أى انظُرْ. ويقال : ما بها عَيَنٌ ، متحركة الياء ، تريد أحداً له عين ، فحرّكت الياء فرقا. قال :
ولا عَيَناً إلَّا نَعَاماً مشمِّراً
فأمَّا قولهم : اعتَانَ لنا منزلاً ، أى ارتادَه ، فإنَّهم لم يفسِّروه. والمعنى أنّه نظر إلى المنازل بعينه ثم اختار.
ومن الباب العين الجاريةُ النّابعة من عيون الماء ، وإنّما سمِّيت عيناً تشبيهاً لها بالعين النّاظرةِ لصفائها ومائها. ويقال : قد عانَت الصّخرةُ ، وذلك إذا كانَ بها صَدعٌ يخرج منه الماء. ويقال : حَفَر فأعْيَن وأعان.
ومن الباب العين : السَّحاب ما جاءَ من ناحية القبلة ، وهذا مشبَّه بمشبَّه ، لأنَّه شُبِّه بعين الماء التى شبِّهت بعين الإنسان. يقولون : إذا نشأ السَّحاب من قِبَل العين فلا يَكاد يُخلف.
قال ابن الأعرابىّ : يقال هذا مطَر العين ، ولا يقال مُطِرنا بالعَين. وعَين الشَّمس مشبه بعين الإنسان. قال الخليل : عين الشَّمس : صَيْخَدُها المستدير (1)
1) الصيخد : عين الشمس. وفى الأصل : «صخيدها» ، تحريف.
ومن الباب ماءٌ عائن ، أى سائل. ومن الباب عَيْنُ السِّقاء. قال الخليل : يقال للسِّقاء إذا بَلِى ورقَّ موضعٌ منه : قد تعيَّن. وهذا أيضاً من العَين ، لأنه إذا رقّ قرُب من التخرُّق فصار السِّقاء كأنّه يُنظر به. وأنشد ثعلب :
قالت سُليمَى قولةً لرِيدِها (1)*** ما لابنِ عمِّى صادراً عن شِيدها
بذات لَوثٍ عينُها فى جيدها
أراد قربةً قد تعيَّنت فى جِيدها. ويقال سِقاء عَيَّنٌ ، إذا كانت فيه كالعُيون ، وهو الذى قد ذكرناه. وأنشد :
ما بالُ عينِى كالشَّعيب العَيَّنِ (2)*** وقالوا فى قول الطرِمَّاح :
فأخْضَلَ منها كلَّ بالٍ وعَيَّنٍ
وجَفَّ الرَّوايا بالمَلَا المتباطنِ (3)
إنّ العيِّن الجَديد بلغة طىٍّ. وهذا عندنا مما لا معنَىَ له ، إنّما العيِّن الذى به عُيون ، وهى التى ذكرناها من عيون السِّقاء. وإنّما غَلِط القومُ لأنّهم رأوا بَالِياً وعيّناً ، فذهبوا إلى أنّ الشاعر أراد كلِّ جديدٍ وبال. وهذا خطأ ، لأنّ البالى الذى بلىَ ، والعيِّن : الذى يكون به عُيون. وقد تكون القربةُ الجديدُ* ذاتَ عيُونٍ لعيبٍ فى الجلد. والدَّليل على ما قلناه قولُ القطامىّ :
ولكنّ الأديم إذا تفرَّى *** بِلًى وتعيُّناً غلَبَ الصَّنَاعا (1)
ومن باقى كلامهم فى العَين العِينُ : البَقَر ، وتوصف البقرة بسَعَة العين فيقال : بقرة عيناءُ. والرّجُل أعين. قال الخليل : ولا يقال ثورٌ أعْين. وقال غيره : يقال ثورٌ أعين. قال ذو الرّمَّة :
رفيقُ أعْيَنَ ذَيَّالٍ تشبِّهه *** فَحلَ الهِجانِ تنحَّى غيرَ مخلوجٍ (2)
قال الخليل : الأعيَن : اسمُ الثور ، [ويقال] مُعَيَّنٌ أيضاً. قال :
ومعيَّناً يحوِى الصِّوَار كأنّه *** متخمِّط قَطِمٌ إذا ما بَرْبَرا (3)
ويقال قوافٍ عِينٌ. وسئل الأصمعىُّ عن تفسيرها فقال : لا أعرفُه. وهذا من الورَع الذى كان يستعمله فى تركه تفسيرَ القرآن ، فكأنّه لم يفسِّر العِينَ كما لم يفسِّر الحُور لأنَّهما لفظتان فى القرآن. قال اللّه تعالى : ( وَحُورٌ عِينٌ (4). كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) . إنَّما المعنى فى القوافى العِينِ أنّها نافذةٌ كالشَّىء النافذ البصر.
قال الهُذَلىّ (5):
بكلامِ خَصْمٍ أو جدالِ مُجادلٍ *** غَلِقٍ يُعالِجُ أو قوافٍ عينِ
ومن الباب قولهم : أعيان القَوم ، أى أشرافهم ، وهمْ قياسُ ما ذكرناه ،
1) ديوان القطامى 39 ، واللسان (عين).
2) فى الأصل : «زفيف أعين» ، صوابه من ديوان ذى الرمة 75.
3) البيت لجابر بن حريش ، كما فى اللسان (عين).
4) قرأها بالجر حمزة والكسائى وأبو جعفر ، عطفا على ( جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) أو على ( بِأَكْوابٍ ) . وقد وافقهم الحسن والأعمش ، وباقى القراء بالرفش. عطفا على ( وِلْدانٌ ) أو على الابتداء وخبره محذوف ، أى فيهما ، أولهم ، أو على الخبرية ، أى نساؤهم حور. إتحاف فضلاء البشر4. 408.
5) هو بدر بن عامر الهذلى. ديوان الهذليين (2 : 266).
كأنَّهم عيونُهم التى بها ينظرون (1)، وكذلك الإخوة ، قال الخليل : تقول لكلِّ إخوةٍ يكونون لأبٍ وأُمٍّ ولهم إخوةٌ من أمّهات شتّى : هؤلاء أعيانُ إخوتهم. وهذا أيضاً مقيسٌ على ما ذكرناه. وعِينَةُ كلِّ شىءٍ : خيارُه ، يستوى فيه الذكر والأنثى ، كما يقال هذا عَيْنُ الشىء وعِينَتُه ، أى أجودُه ؛ لأن أصفَى ما فى وجه الإنسان عينُه.
ومن الباب : ابنا عِيَانٍ : خطَّانِ يخُطُّهما الزاجر ويقول : ابنَىْ عِيان ، أسرِعا البيان! كأنّه بهما ينظر إلى ما يريد أنْ يعلمَه. وقال الرّاعى يصف قِدْحاً :
جَرَى ابنا عِيانٍ بالشِّوَاء المُضَهَّبِ (2)
وأصفر عطاف إذا راح ربه
ويقال : نظَرَت البلادُ بعينٍ أو بعينَين ، إذا طَلَعَ النّبتُ. وكلُّ هذا محمولٌ واستعارةٌ وتشبيه. قال الشاعر :
إذا نظرتْ بِلادُ بنى نُميرٍ *** بعَينٍ أو بلادُ بنى صُبَاحِ (3)
رميناهُمْ بكلِّ أقَبَّ نَهْدٍ *** وفتيانٍ العَشِيَّة والصّباحِ (4)
ومن الباب : العَين ، وهو المال العَتِيد الحاضر ؛ يقال هو عَينٌ غير دَين ، أى هو مال حاضرٌ تراه العيونُ. وعينُ الشَّىء : نفسُه. تقول : خذ دِرْهمَك بعينه ،
فأمّا قولهم للمَيْل فى الميزان عين فهو من هذا أيضاً ؛ لأنَ العَيْن كالزِّيادة فى الميزان (1).
وقال الخليل : العِينَة : السَّلَف ، يقال تعيَّنَ فلانٌ من فلانٍ عِينةً ، وعيَّنَهُ تعييناً. قال الخليل : واشتقّت من عين الميزان ، وهى زيادتُه. وهذا الذى ذكره الخليلُ [صحيحٌ] ؛ لأن العِينة لا بدّ أن تجرّ زيادة (2).
ويقال من العِينة : اعتَانَ. وأنشد :
فكيف لنا بالشُّرب إنْ لم تكن لنا *** دراهمُ عند الحانَوِىِّ ولا نَقْدُ (3)
أنَدَّانُ أم نعتانُ أمْ ينبرى لنا *** فتًى مثل نَصْل السَّيف أبرزَه الغِمْدُ (4)
ومن الباب عَين الرَّكِيَّة ، وهما عينانِ كأنهما نُقرتانِ فى مقدَّمها.
فهذا باب العين والياء وما معهما فى الثلاثى. فأمَّا العين والألف فقد مضى ذِكرُ ذلك ، لأنَّ الألف فيه لا بدّ [أن] تكون منقلبةً عن ياء أو واو ، وقد ذكر ذلك (5)واللّه أعلم.
1) لابن فارس أبيات سرد فيها معانى العين. انظر ما سبق فى مقدمة الكتاب ص13 - 14 من الجزء الأول.
2) فى الأصل : «أن يجره زيادة». وانظر الكلام على (العينة) بتفصيل فى اللسان (17 :181 - 182).
3) أنشده فى اللسان (حنا) برواية : «دوانق عند الحانوى» ، وفى المخصص (11 : 89) وسيبويه (2 : 71) واللسان (عون): «دوانيق». ونسبه الأعلم إلى الفرزدق ، أو ذى الرمة ، أو أعرابى. ونسب فى اللسان (عون) إلى ذى الرمة.
4) فى الأصل : «لم ينبرى لنا فتى مثل نصف السيف». وفى اللسان (عون): «شيمته الحمد».
5) خالف هنا صنيعه فى المجمل فإنه عقد هناك بابا للعين والألف وما يثلثهما ، ثم قال : «وإنما نذكر هذا بألفاظه تقريباً على المبتدئ».
عبث العين والباء والثاء أصلٌ صحيح واحد ، يدلُّ على الخَلط يقال : عَبَثَ الأقِط ، وأنا أعبِثُه عَبْثاً ، وهو عبيث ، وهو يُخلَط ويخفَّف فى الشَّمس. والعَبِيث : كلُّ خِلْط. ويقال: فى هذا الوادى عَبِيثةٌ ، أى خِلْطٌ من حَيَّيْن.
ومما قيسَ على هذا : العَبَث ، هو الفعل لا يُفعَل على استواء وخُلوصِ صواب. تقول: عَبِثَ يعبَث عَبَثاً ، وهو عابثٌ بما لا يَعْنيه وليس من بالِهِ (1)، وفى القرآن : ( أفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ) ، أى لَعِبا. والقياس فى* ذلك كله واحد.
عبج العين والباء والجيم ليس عند الخليل [فيه] شىء. وقد قيل العَبَجَة : الأحمق.
عبد العين والباء والدال أصلانِ صحيحان ، كأنَّهما متضادّان ، و [الأول] من ذينك(2)الأصلينِ يدلُّ على لِين وذُلّ ، والآخر على شِدّة وغِلَظ.
فالأوّل العَبد ، وهو المملوك ، والجماعةُ العبيدُ ، وثلاثةُ أعبدٍ وهم العِبادُ. قال الخليل : إلّا أنّ العامة اجتمعوا على تفرقةِ ما بين عباد اللّه والعبيدِ المملوكين. يقال : هذا عبدٌ بيِّن العُبُودَة. ولم نسمَعْهم يشتقُّون منه فعلاً ، ولو اشتق لقيل عَبُد ، أى صار عبداً وأقرَّ بالعُبُودة ، ولكنّه أُمِيت الفعلُ فلم يُستعمل. قال : وأمّا عَبَدَ يَعبُد عبادةً فلا يقال إلّا لمن يعبدُ اللّهَ تعالى. يقال منه عَبَد يعبُد عبادة ، وتعبَّد يتعبّد
تعبّدا. فالمتعبِّد : المتفرِّد بالعبادة. واستعبدتُ فلاناً : اتخذتُه عبداً. وأمّا عَبْد فى معنى خَدَم مولاه (1)فلا يقال عبَدَه ، ولا يقال يعبُد مَولاه. وتعبَّدَ فلانٌ فلاناً ، إذا صيَّره كالعبد له وإن كان حُرَّا. قال :
تَعبَّدَنى نَمْرُ بنُ سعدٍ وقد أُرى *** ونَمِرْ بنُ سعدٍ لى مطيع ومُهْطِعُ (2)
ويقال : أعْبَدَ فلانٌ فلاناً ، أى جعله عبداً. ويقال للمشركين : عَبَدة الطّاغوتِ والأوثان ، وللمسلمين : عُبّادٌ يعبدون اللّه تعالى. وذكر بعضُهم : عابد وعَبَد ، كخادم وخَدَم. وتأنيثُ العَبْد عَبْدَةٌ ، كما يقال مملوك ومملوكة. قال الخليل : والعِبِدَّاء (3): جماعة العَبِيد الذين وُلِدُوا فى العُبودة.
ومن الباب البعير المعبَّد ، أى المهنُوء (4)بالقَطِران. وهذا أيضاً يدلُّ على ما قلناه لأنّ ذلك يُذِلُّه ويَخفِض منه. قال طرفة :
إلى أن تحامَتْنِى العشيرةُ كلُّها *** وأُفرِدْتُ إفرادَ البَعير المعبَّدِ (5)
والمعبّد : الذّلول ، يوصَف به البعير أيضاً.
ومن الباب : الطريق المُعَبَّد ، وهو المسلوك المذلَّل.
والأصل الآخَر العَبَدة ، وهى القُوّة والصّلابة ؛ يقال هذا ثوبٌ له عَبَدة ، إذا كان صَفيقاً قويَّا (6). ومنه علقمة بن عَبَدَة ، بفتح الباء.
ومن هذا القياس العَبَد ، مثل الأنَف والحمّية. يقال : هو يَعْبَدُ لهذا الأمر. وفسِّر قوله تعالى : ( قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ) ، أى أوَّلُ مَن غَضِبَ عَنْ هذا وأنِف من قولِه. وذُكر عن علىٍّ عليه السلامُ أنّه قال : «عَبِدتُ فصَمَتُّ». أى أنِفْتُ فسكَتّ. وقال :
ويَعْبَدُ الجاهلُ الجافى بحقِّهم *** بعد القضاء عليه حين لا عَبَدُ (1)
وقال آخر (2)
أظنت كلال اللؤم لست شانها *** قبائل إلا ابني دخان بدارم
وفى ص 816 :
أظنت كلاب اللؤم أن لست خابطا *** قبائل غيرأبني دخان يدارم
:وأعبَدُ أن تُهجَى كليبٌ بدارِمِ (3)
أولئك أحلامي لجئني يمثلهم
قال ابن السكيت : «ويروى : فجؤنى. ويروى : تميما بدارم».
أى آنف من ذلك وأغضبُ منه :
عبر العين والباء والراء أصلٌ صحيح واحدٌ يدلُّ على النفوذ والمضىِّ فى الشىء. يقال: عَبَرت النّهرَ عُبُوراً. وعَبْر النهر : شَطُّه (4). ويقال : ناقةٌ عُبْرُ أسفارٍ : لا يزال يُسافَرُ عليها. قال الطّرِمّاح :
قد تبطَّنْتُ بِهِلْوَاعةٍ *** عُبْرِ أسفارٍ كَتُوم البُغَامْ (5).
والمَعْبَر : شطّ نهرٍ هُيئ للعبُور. والمِعْبَر : سفينة يُعبَر عليها النّهر. ورجل عابرُ سبيلٍ ، أى مارّ. قال اللّه تعالى : ( وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ) . ومن الباب العَبْرَة ، قال الخليل: عَبْرَة الدَّمع : جَرْيُه. قال : والدَّمع أيضاً نفسُه عَبْرَة. قال امرؤ القيس :
وإنّ شِفائى عَبْرَةٌ إن سَفَحتُها *** فهلْ عند رسْمٍ دارسٍ من مُعَوَّلِ (1)
وهذا من القياس ؛ لأنَّ الدّمع يعبُرُ ، أى ينفُذ ويَجرى. والذى قاله الخليل صحيحٌ يدلُّ على صِحّة القياس الذى ذكرناه.
وقولهم : عَبِرَ فلانٌ يَعْبَرُ عَبَراً من الحزن ، وهو عَبْرَانُ ، والمرأةُ عَبْرَى وعَبِرَةٌ ، فهذا لا يكون إلَّا وثَمَّ بكاء. ويقال : استَعْبَرَ ، إذا جَرَتْ عَبْرَتُه. ويقال من هذا : امرأةٌ عابر ، أى بها العَبَر. وقال :
يقولُ لى الجَرْمِىُّ هل أنت مُرْدِفِى *** وكيف رِدَافُ الفَلِّ أمُّك عابِرُ (2)
فهذا الأصل الذى ذكرناه. ثم يقال* لضرب من السدر عُبْرِىٌ ، وإنما يكون كذلك إذا نَبَتَ على شُطوط الأنهار. والشّطُّ يُعْبَرُ ويعبر إليه. قال العجّاج :
1) البيت من معلقته المشهورة.
2) البيت للحارث بن وعلة الجرمى. اللسان (عبر). وفى خزانة الأدب (1 : 199) أنه لأبيه وعلة بن عبد اللّه الجرمى. فيقال إن الجرمى لحق رجلا من بنى نهد يقال له سليط بن قتب فقال له وعلة : أردفنى خلفك ، فإنى أتخوف القتل. فأبى أن يردفه فطرحه عن قربوسه وركب عليها ونجا. فرواية البيت الصحيحة على هذا القول : «وقد قلت للنهدى». وذكر فى اللسان أن النهدى هو الذى سأل الحارث أن يردفه خلفه لينجو فأبى. فرواية البيت : «يقول لى النهدى». وقد اتفقت الروايتان على أن «النهدى» قد قتل. أما رواية ابن فارس هنا فغريبة لا سند لها من القصص. وانظر الاشتقاق 291.
لاثٍ بها الأشاء والعُبْرِىُ (1)
في أيكه فلا هو الضحى *** ولا يلوح نبته الشتى
الأشَاء : الفَسِيل (2)، الواحدة أشَاءة (3)وقد ذكرناه. ويقال إنّ العُبْرىَ لا يكون إلّا طويلاً ، وما كان أصغَرَ منه فهو الضَّالُ. قال ذو الرُّمَّة :
قَطعْتُ إذا تجوّفت العواطِى *** ضُرُوب السِّدْرِ عُبْرِيَّا وضَالا (4)
ويقال : بل الضّالُ ما كان فى البَرّ.
ومن الباب : عَبَرَ الرُّؤْيا يعبرها عَبْراً وعِبارة ، ويُعبِّرُها تعبيراً ، إذا فسَّرَها. ووجه القياس فى هذا عُبُور النَّهْر ؛ لأنه يصير من عِبْر إلى عِبْر. كذلك مفسِّر الرُّؤيا يأخُذُ بها من وجهٍ إلى وجهٍ ، كأن (5)يُسأل عن الماء ، فيقول : حياة. ألا تراه قد عَبَر فى هذا (6)من شىء إلى شىء.
ومما حُمِل على هذه : العِبارة ، قال الخليل : تقول : عَبَّرت عن فلانٍ تعبيراً ، إذا عَىَّ بحُجّته فتكلَّمت بها عنه. وهذا قياسُ ما ذكرناه ؛ لأنّه لم يقدِر على النُّفوذ فى كلامه فنفَذَ الآخَر بها عنه.
فأمّا الاعتبار والعِبْرة فعندنا مقيسانِ من عِبْرىِ النَّهر ؛ لأنّ كلَّ واحدٍ منهما .
1) رواية الديوان 67 واللسان (لثى ، عبر): «لاث به». وقبله :
2) فى الأصل : «الفيل».
3) الذى بعد هذه الكلمة فى الأصل هو : «ويقال إن العبرى ذكرناه لا يكون إلا طويلا وأصفر منه فهو الضال ما كان». وقد أصلحت اختلال الكلمات بما ترى.
4) ديوان ذى الرمة 440 واللسان (عبر ، عمر).
5) فى الأصل : «كأنه».
6) فى الأصل : «من هذا».
عِبرٌ مساوٍ لصاحبه (1)فذاك عِبرٌ لهذا ، وهذا عِبرٌ لذاك. فإذا قلت اعتبرت الشَّىءَ ، فكأنك نظرتَ إلى الشَّىء فجعلتَ ما يَعْنِيك عِبراً لذاك : فتساويا عندك. هذا عندنا اشتقاقُ الاعتبار. قال اللّه تعالى : ( فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ) ، كأنّه قال : انظروا إلى مَنْ فعل ما فَعل فعُوقِب بما عوقب به ، فتجنَّبوا مثلَ صنيعهم لئلَّا ينزل بكم مثلُ ما نَزَل بأولئك. ومن الدَّليل على صِحَّة هذا القياس الذى ذكرناه ، قولُ الخليل : عَبَّرت الدَّنانيرَ تعبيراً ، إذا وزَنْتَها ديناراً [ديناراً]. قال : والعِبرة : الاعتبارُ بما مضى.
ومما شذَّ عن الأصل : المُعْبَر من الجِمال : الكثير الوَبر. والمُعْبَر من الغِلمان : الذى لم يُخْتَن. وما أدرِى ما وجهُ القياس فى هذا. وقال فى المُعْبَر الذى لم يُختَن بشرُ بن [أبى] خازم:
وارمُ العَفْل مُعْبَرُ (2)
جزيز القفا شبعان يربض حجرة *** حديث الخصاء وارم العقل معبر
ومن هذا الشّاذّ : العبير ، قال قوم : هو الزَّعفران. وقال قوم : هى أخلاطُ طِيب. وقال الأعشَى :
وتَبرُد بَردَ رِداء العَرُو *** سِ بالصيف رَفْرقتَ فيه العبيرا (3)
عبس العين والباء والسين أصلٌ صحيح يدلُّ على تكرُّه .
فى شىء. وأصله العَبَس : ما يَبِس على هُلْب الذَّنَب من بَعْرٍ وغيره ، وهو من الإبل كالوَذَحِ من الشَّاء. قال أبو النَّجم :
كأنَّ فى أذنابهنَّ الشُّوَّلِ *** مِن عَبَس الصَّيف قرونَ الأُيَّلٍ (1)
وفى الحديث : أنّه مرّ بإبلٍ قد عَبَست فى أبوالها. وقال جرير يذكر راعية :
تَرَى العَبَسَ الحَوْلىَّ جَوْناً بكُوعِها
لها مَسَكاً من غير عاجٍ ولا ذَبْلِ (2)
ثم اشتُقَّ من هذا : اليوم العَبُوس ، وهو الشديد الكَرِيه. واشتقّ منه عَبَسَ الرجل يَعْبِس عُبوساً ، وهو عابس الوجه : غضبان. وعبّاسٌ ، إذا كَثَر ذلك منه.
عبط العين والباء والطاء أصلٌ صحيح يدلُّ على شِدّةٍ تُصيبُ من غير استحقاق. وهذه عبارةٌ ذكرها الخليل ، وهى صحيحةٌ منقاسة. فالعَبْط : أن تُعبَط النّاقةُ صحيحةً من غير داء ولا كَسْر. قالوا : والعَبِيط : الطرِىُّ من كلِّ شىء. وهذا الذى ذكروهُ فى الطرىِّ توسُّعٌ منهم ، وإنّما الأصل ما ذكِر. يقال من الأوّل : عُبِطت النّاقةُ واعتُبِطت اعتباطاً ، إذا نُحِرت سمينةً فَتِيّةً من غير داء. قالوا : والرّجُل يَعبِط بنفسه فى الحرب عَبْطا ، إذا ألقاها فيها غير مُكْرَه. والرّجلُ يَعْبِط الأرضَ عَبْطاً ، إذا حفر فيها موضعاً لم يُحفَر قبلَ ذلك. قال مَرَّار :
ظَلَّ فى أعلى يَفَاعٍ جاذِلاً *** يَعبِط الأرضَ اعتباطَ المحتَفِرْ (1)
ثم إن ينزع إلى أقصاهما *** يخط الأرض اختباط؟
ظلل في أعلى يقاع جاؤلا *** يقسم الأمر كقسم المؤتمر
ويقال : مات فلانُ عَبْطةً ، أى شابَّا سليما. واعتبطَه الموت. قال أميَّة :
مَن لم يَمُتْ عَبْطةً يمُتْ هَرَماً *** للموت كأسٌ فالمرءُ ذائقها (2)
ومن ذلك الدّم العَبِيط : الطرِىّ. قال الخليل - وهى العبارة التى قسَّمْنا ذكرها - : يقال عَبَطته الدَّواهى ، إذا نالته من غير استحقاقٍ لذلك. قال حُمَيد (3):
بمنزلٍ عَفٍّ ولم يُخالِطِ *** مدنَّساتِ الرِّيَب العَوابِط
والعَبِيطة : الشّاة أو النّاقة المعتَبَطة. قال الشّاعر :
وله لايَنِى عَبائِطُ من كُو *** مٍ إذا كان من رِقاقٍ وبُزْل
الرِّقاق : الصِّغار من الإبل.
عبق العين والباء والقاف أصل صحيح واحد ، وهو لزوم الشىء للشىء. من ذلك عَبِق الطيب به ، إذا لَصِق ولازَمَ. قال :
عَبِقَ العنبرُ والمِسْكُ بها *** فهى صفراء كعُرجون العُمُرْ (4).
وقال طَرفة :
ثم راحُوا عَبِقَ المسكُ بهم *** يَلْحَفُون الأرضَ هُدَّابَ الأُزُرْ (1)
ومن هذا الباب قولهم : ما بقى لهم عَبَقَة ، أى [ما] بقيت لهم بقيّةٌ من المال. والمعنى فى ذلك البقيّة من السَّمْن تبقى فى النِّحْى قد عَبِقَت به. ويقولون : إنّ العَبَاقِية : شجرٌ له شَوك. وهذا إنْ حُمِل على القياس صَحَّ ؛ لأنَّه يَعْلَق بالشَّىء ويُعْلَق به. ويُنشَد :
غَداةَ شُواحِطٍ فنجَوْتَ شَدَّا *** وثوبُكَ فى عَباقيةٍ هَرِيدُ (2)
ويقال : العَبَاقِيَةُ : بقية الطِّيب (3)والدَّيْن ، وقد ذكرنا وجه قياسه. ومن الباب العَبَاقية من الرِّجال. قال الخليل : العباقِيَة : الداهى المنكَر ، على وزن عَلَانِيَة. وإنّما سمِّى بذلك لأنه تعلَّق كلَّ شىء. وقال :
أُتِيحَ لها عَباقيَةٌ سَرَنْدَى *** جرِىُّ الصَّدرِ منبسطُ اليَمينِ (4)
وقال الأصمعىُّ : شانَه شيناً عَبَاقِيةً ، أى شيئاً شديداً ، والأجود أن يقال شيئاً لازماً لا يُفارِق. قال الكسائىّ : ويقال إنّ العبَاقية جُرح يُصِيب الرَّجُل فى حُرِّ وجهه. وهذا صحيح ؛ لأنّه شينٌ باقٍ يلازم.
عبك العين والباء والكاف أُصَيلٌ صحيح يدلُّ على ما يدلُّ عليه الذى قبله ، وليس ببعيدٍ أن يكون من باب الإبدال. قال الخليل : ما ذقت عَبَكة ولا لَبَكةً. وقال ابن الأعرابىّ : يقال : ما أغنيتَ عنِّى عبكةً ولا لَبَكة
أى شيئاً. وأصلُه قولهم الذى يَبقَى فى النِّحْى من السَّمْن : عَبَكة. وقد يقال ذلك للطَّينة من الوحل.
والصحيح فى هذا الباب هذا ، وقد ذُكِرت فيه كلماتٌ عن أعرابٍ مجهولين لا أصل لها فلذلك تركناها.
عبل العين والباء واللام أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على ضِخَم وامتداد وشِدّة. من ذلك العَبْلُ من الأجسام ، وهو الضَّخم. تقول : عَبُل يَعْبُل عَبالة. قال :
خبطناهمْ بكلِّ أرَحَّ لأمٍ *** كمِرْضاحِ النَّوى عَبْلٍ وَقاح (1)
الأرَحّ : الحافر الواسع.
ومن الباب الأَعْبَل ، وهو الحجر الصُّلب ذُو البياض. ويقال جبلٌ أعبلُ وصخرةٌ عَبْلاء. وقال أبو كبيرٍ الهذلىّ يصف نابَ الذِّئبة :
أخرجتُ منها سِلْقةً مهزولةً *** عجفاء يبرق نابُها كالأعبَلِ (2)
ومنه قولهم : هو عَبْلُ الذِّراعين ، أى غليظُهما مدِيدُهما. ومنه : ألقى عليه عَبالَّته (3)، أى ثِقْله. ومحتمل أن يكون العَبَل ، وهو ثمر الأَرْطى ، من هذا ، ولعل فيه امتداداً وطُولا.
عبم العين والبا ، والميم كلمة تدلُّ على غِلَظِ وجفاء. من ذلك العَبَامُ ، وهو الرَّجُل الغليظ الخِلْقة فى حُمْق. تقول : عَبُمَ يَعْبُمُ عبَامة. قال :
فأنكرتُ إنكارَ الكريم ولم أكن *** كَفَدْمٍ عَبَامٍ سِيلَ شيئاً فجمجما
ويقال : إنّ العَبَام الماء الكثير ، فإن كان صحيحاً فهو قريبٌ ، وإلّا فهو من الإبدال.
عبن العين والباء والنون صحيحٌ ، فيه كلمةٌ واحدة. يقولون : إنّ العَبَنَ : الجملُ الضَّخم الجسيم. ويقال العَبَنّ ويقال العَبَنَّى ، والأنثى عَبَنّاة. وكلُّ ذلك واحد. وربَّما وصَفوا به الرّجل. وقال حُميدٌ فى صفة بعير :
أمينٌ عَبَنُ الخَلْقِ مختلِف الشَّبَا *** يقول المُمارِى طال ما كان مُقْرَما (1)
عبأ العين والباء والهمزة والحرف المعتل غير المهموز أصل واحد ، يدلُّ على اجتماعٍ فى ثِقَل. من ذلك العِبْءُ ، وهو كلُّ حِمْل ، من غُرْم أو حَمالة ، والجمع الأعباء. قال :
وحمل العِبء عن أعناق قومى *** وفعلى فى الخطوب بما عنانى
ومن الباب : ما عبأْت به شيئاً ، إذا لم تبالِهِ ، كأنّك لم تجِدْ له ثِقْلا. ومن
1) البيت من زوائد ديوان حميد بن ثور ، أنشده فى اللسان (عبن). وانظر ديوانه 32 طبع دار الكتب المصرية.
الباب : عبأت الطِّيب (1)* وفَرَّقوا بين ذلك وبين الجيش ، فقالوا : عَبَّيْت الكتيبةَ أُعبِّيها تعبيَةً ، إذا هيّأتَها. وقد قالوا : عبّأت الجيش أيضاً ، ذكرها ابنُ الأعرابى. وقال فى عَبَأت الطِّيب :
كأنَّ بصدرِه وبمَنْكِبيه *** عبيراً باتَ تَعبؤه عروسُ (2)
والعَباءة : ضَربٌ من الأكِسية. وقياسُه صحيح ؛ لأنّه يشتمل على لابسه ويجمعُه. واللّه أعلم بالصواب.
عتد العين والتاء والدال أصلٌ واحدٌ يدلُّ على حضورٍ وقُرب. قال الخليل : تقول عَتُدَ الشّىء ، وهو يعتدُ عَتاداً ، فهو عَتيدٌ حاضر. قال : ومن ذلك سمِّيت العتيدة : التى يكون فيها الطِّيب والأدهان. ويقال للشَّىء المعْتَد : إنّه لعتيد ، وقد أعتَدْناه ، وهيّأناه لأمرٍ إنْ حَزَب. وجمع العَتَاد عُتُدٌ وأعْتِدة. قال النّابغة :
عَتَادَ امرئٍ لا ينقُضُ البُعدُ هَمَّه *** طَلُوبِ الأعادِى واضحٍ غيرِ خاملِ (3)
قال الخليل : يقولون هذا الفرس عَتَدٌ ، أى مُعَدّ متى شاء صاحبهُ رَكِبَه ، الذَّكرُ والأنثى فيه سواء. قال سلامة بن جندل :
بكل مُحَنَّبٍ كالسِّيدِ نَهْدٍ *** وكُلِّ طُوَالةٍ عَتَدٍ مِزَاقِ (1)
فأمَّا العَتُود فذكَرَ الخليلُ فيه قياساً صحيحاً ، وهو الذى بَلغ السِّفادَ. فإن كان كذا فكأنَّه شىءٌ أُعِدّ للسِّفاد ، والجمع عِدَّان على وزن فِعْلان ، وكان الأصل عِتْدَان فأُدغمت التاء فى الدال. قال الأخطل :
واذكر غُدَانَةَ عدّاناً مزَنَّمة *** من الحَبَلَّقِ تُبنَى حولَها الصِّيَرُ (2)
عتر العين والتاء والراء أصلٌ صحيح يدلُّ على معنيين ، أحدهما الأصل والنِّصاب ، والآخر التفرُّق.
فالأوّل ما ذكره الخليل أن عِتْرَ كلِّ شىءٍ : نصابه. قال : وعِتْرَةُ المِسْحاةِ : خشبتها التى تسمَّى يَدَ المسحاة. قال : ومن ثَمَّ قيل : عترة فلان ، أى مَنْصِبه. وقال أيضاً : هم أقرباؤه ، مِن ولدِه وولدِ ولده وبنى عمِّه. هذا قولُ الخليل فى اشتقاق العِتْرَة ، وذكر غيرُه أنَّ القياسَ فى العِترة ما نذكره من بعد.
والأصل الثانى : العِتْر ، قال قومٌ : هو الذى يقال له : المَرْزَنْجُوش. قال : وهو لا ينبُت إلّا متفرِّقاً. قال : وقياس عِترة الإنسان من هذا ، لأنهم أقرباؤه متفرِّقى الأنساب ، هذا من أبيه وهذا من نسله كولده. وأنشد فى العِتْر :
فما كنتُ أخشَى أن أُقِيمَ خِلافهم *** لستّةِ أبياتٍ كما ينبت العِتْرُ (1)
فهذا يدلُّ على التفرُّق ، وهو وجهٌ جميل فى قياس العِترة.
ومما يُشبهه عِتْرُ المسك ، وهى حَصاةٌ تكون (2)متفرِّقة فيه. ولعلَ عِتْرُ المِسك أن تكون عربيَّة صحيحة فإنّها غير بعيدة مما ذكرناه ، ولم نسمَعْها من عالم.
ومن هذا الأصل قولهم : عَتَرَ الرُّمحُ فهو يَعْتِرُ عَتراً وعَتَرَاناً ، إذا اضطَرَبَ وترأَّدَ فى اهتزاز. قال :
وكلّ خطّىٍّ إذا هُزَّ عَتَرْ (3)
في سلب القاب إذا هز عتر
وإنما قلنا إنّه من الباب لأنّه إذا هُزّ خيّل أنّه تتفرّق أجزاؤه. وهذا مشاهَد ، فإن صحَّ ما تأوَّلْناه وإلّا فهو من باب الإبدال يكون من عَسَل ، وتكون التاء بدلاً من السينِ والرَّاء بدلاً من اللام.
وممّا يصلح حملُه على هذا : العَتيرة ؛ لأنّ دَمها يُعْتَر ، أى يُسَالُ حتى يتفرَّق. قال الخليل : العاتر : الذى يَعْتِرُ شاةً فيذبحُها ، كانوا يفعلون ذلك فى الجاهليَّة ، يذبحُها ثم يصبُّ دمَها على رأس الصَّنَم ، فتلك الشّاةُ هى العَتيرة والمعتورة ، والجمع عتائر. وكان بعضُهم يقول : العتير هو الصنم الذى تُعْتَرُ له العتائر فى رجَب. وأنشد لِزُهير :
1) البيت للبريق الهذلى ، كما فى ديوان الهذليين (3 : 59) واللسان (خلف ، عتر). وذكر فى بقية أشعار الهذليين أن قصيدة البيت يرويها الأصمعى لعامر بن سدور. ويروى : وما كنت أخشى أن أعيش خلافهم كما فى اللسان (خلف) ؛ وفى (عتر) وديوان الهذليين : «بستة أبيات».
2) فى الأصل : «فتكون».
3) وكذا أنشده فى اللسان (عتر). وللعجاج فى ديوانه 18 :
فَزَلَّ عنها وأوفَى رأسَ مَرقَبةٍ *** كَمنْصَبِ العِتْر دَمَّى رأسه النُّسُكُ (1)
فإن كان صحيحاً هذا فهو من الباب الأوّل ، وقد أفصح الشاعر بقياسه حيث قال:
كمنصب العِتْرِ دَمَّى رأسَه النُّسكُ
عتق العين والتاء والقاف أصل صحيح* يجمع معنى الكرم خِلْقَةً وخُلُقاً ، ومعنى القِدَم. وما شذَّ من ذلك فقد ذُكِر على حدة.
قال الخليل : عَتَق العبد يَعْتِق عَتاقاً وعَتاقةً وعُتوقاً ، وأعتقه صاحبُه إعتاقاً. قال الأصمعىّ : عَتق فلانٌ بعد استعلاجٍ ، إذا صار رقيقَ الخِلْقة بعد ما كان جافيا. ويقال : حلف بالعَتَاق ، وهو مولى عَتَاقةٍ. وصار العبد عتيقاً. ولا يقال عاتق فى موضع عتيق (2)إلّا أن تنوى فعلهُ فى قابل ، فتقول عاتقٌ غداً. وامرأة عتيقةٌ حُرَّةٌ من الأمُوَّة (3). وامرأةٌ عتيقة أيضاً ، أى جميلة كريمة. وفرس عتيق : رائع بيِّن العِتْق ، وثوب ناعمٌ عتيق. والعتيق أيضاً : الكريم من كلِّ شىء. وقد عَتَق وعَتُق ، إذا أتَى عليه زمن.
قال الخليل : جاريةٌ عاتق ، أى شابّة أوّلَ ما أدركت. قال ابنُ الأعرابىِّ : إنما سمِّيت عاتقاً لأنّها عَتَقت من الصِّبا وبلغت أنْ تَدَرَّع. قالوا : والجوارح من
الطير عِتاقٌ لأنّها تصيد ولا تصاد ، فهى أكرمُ الطَّير (1)، وكأنّها عتَقت أن تُصاد ، وذلك كالبازِى وما أشبهه. قال لبيد :
فانتضَلْنا وابنُ سلمى قاعدٌ *** كعَتيق الطَّيرِ يُغضِى ويُجَلّ (2)
قال أبو عبيد : أعتقت المالَ فعَتق ، أى أصلحتُه فصَلَح. ويقال : عَتَقت الفرسُ ، إذا سَبَقت.
قال الأصمعىّ : وكنت بالمِرْبد فأُجرِىَ فَرَسان ، فقال أعرابىّ : هذا أوَان (3)عَتَقت الشَّقْراء ، أى سبقت. ويقال : فلانٌ مِعتاقُ الوَسِيقة ، إذا طرد طريدةً أنجاهَا وسَلِمَ بها. ويقال : ما أبْيَنَ العِتْق فى وجه فلانٍ ، أى الكرم.
قال الخليل : البيت العتيق : الكعبة ، لأنّه أوّلُ ( بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ) . قال اللّه تعالى : ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) . ويقال : سمِّى بذلك لأنّه أُعتِق من الغَرَق أيّامَ الطوفان فرُفع. ويقال أُعتِق من الحبشة عامَ الفيل. ويقال : أُعتِقَ من أنْ يدَّعِيَه أحدٌ فهو بيتُ اللّه تعالى.
قال أبو عبيدة : من أمثالهم : «لو لا عِتْقُه لقد بلى» ، يقال ذلك للرَّجل إذا ثَبَتَ ودام. وقال الخليل : العاتق من الطَّير فوقَ النَّاهض. وقال الأصمعىّ : يقال أخذ فرْخ قطاة عاتقا ، إذا استقلَّ وطار. ونرى أنّه من عَتَقت الفرسُ.
قال أبو حاتم : طيرٌ عاتِق ، إذا كان فوقَ النَّاهض ، لأنَّه قد خرج عن حد
الزقّ (1). فأمّا العاتق من الزِّقاق فهو الواسع الجيِّد ، وهذا على معنى التَّشبيه بالشىء الكريم. قال لبيد :
أُغلِى السِّباءَ بكلِّ أدكَنَ عاتقٍ *** أو جَونةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها (2)
وقال الخليل : شرابٌ عاتقٌ ، أى عتيق. قال أبو زُبَيد (3):
لا تَبعدَنَّ إداوةٌ مطروحة *** كانت زماناً للشَّرَاب العاتق
ويقال للبِئر القديمة عاتقة (4). والخمر العتيقة : التى عُتّقَت زماناً حتى عَتَقت.
قال الأعشى :
وسبيئةٍ ممَّا تُعَتِّقُ بابلٌ *** كدمَ الذَّبيحِ سلبتُها جِريالَها (5)
قال بعضهم : العاتق فى وصف الخمر التى لم تُفَضَّ ولم تُبزَل ، ذَهَبَ إلى الجارية العاتق التى لم تَبِنْ عن أبويها. ويقال : بل الخمر العاتق من القِدم ، وكلُّ شىءٍ تقادَمَ فهو عاتق وعتيق. قال ابنُ الأعرابىّ : كلُّ شىءٍ بلغ إنَاهُ فقد عَتَق ، وسمِّى العبدُ عتيقاً لأنَّهُ بلغَ غايَته. فأمّا قولُ عنترة :
كَذَبَ العتيقُ وماء شنٍّ باردٌ *** إن كنتِ سائلتِى غَبوقاً فاذهَبِى (6)
1) أى أن يزقه أبواه. وفى الأصل : «الرق».
2) البيت من معلقته المشهورة.
3) يروى البيت التالى لعبد الرحمن بن أرطاة بن سيحان المحاربى ، أو هو عبد الرحمن بن سيحان المحاربى. انظر الأغانى (1 :76 - 78) تجد قصة الشعر.
4) لم أجد بهذا اللفظ إلا قولهم : «العاتقة من القوس مثل العاتكة ، وهى التى قدمت واحمرت».
5) ديوان الأعشى 23 واللسان (جرل ، عتق) وقد سبق فى (جرل).
6) ديوان عنترة 24 واللسان (كذب ، عتق) ، وقيل : إن البيت من أبيات لخزز بن لوذان السدوسى ، رواه صاحب اللسان فى (عتق).
فقال قوم : إنَّه نوعٌ من التَّمر العتيق. ومعنى كَذَب ، أى عليك بهذا النَّوع. ويقال بل العتيق : الماء ؛ وسمِّىَ بذلك لأنَّه أجلُّ الأشربة ، وفيه الحياة.
ومن القِدَم الذى ذكرناه قولُهم : عَتُقَتْ عليه يمينٌ ، أى قَدُمَت ووجَبَت.
قال :
علىَّ أَلِيَّةٌ عتقَتْ قديماً *** فليس لها وإن طُلِبت مَرَامُ (1)
ويقال لكلِّ كريمٍ عتيق.
ومما شذَّ عن هذا الأصل : عاتقا الإنسان ، وهما ما بين المَنكِبَين والعُنق ، والجمع العواتق. ويقال العاتق يذكَّر ويؤنَّث. وقال الأصمعىُّ : يقال فلانٌ أمْيَل العاتق إذا كان موضعُ الرداء منه معوَّجا. وقال فى تأنيث العاتق :
لا صُلحَ بينى فاعلمُوه ولا *** بينكم ما حَمَلَتْ عاتقى (2)
سَيفى وما كُنَّا بنجدٍ وما *** قَرْقَرَ قُمْرُ الوادِ بالشَّاهقِ
قال ابن الأعرابىّ : العاتق : القَوس التى تغيَّر لونها واسودَّت ، وهذا أيضا من القِدَم راجعٌ إلى الباب الأوّل.
عتك العين والتاء والكاف أصلٌ صحيح يدلُّ على قريبٍ من الذى قبله ، وليس ببعيدٍ أن يكونَ من باب الإبدال ، وهو من الإقدام والقِدَم.
قال الخليلُ وغيره : عَتَك فلانٌ [بفلانٍ (1)] ، إذا أقْدَمَ عليه ضرباً لا يُنهنِهُه شىء. قال الأصمعىُّ : هو أن يَحمِلَ عليه حملةَ أخْذٍ وبَطْش. قال الخليل : عَتَكَ الرّجُل يَعْتِك عَتْكاً وعُتُوكاً ، إذا ذَهَب فى الأرض. والقوس العاتكة طالَ عليها العهدُ حتَّى احمرَّت. قال الهذلى(2):
وصَفراء البُرايةِ عُودِ نَبْعٍ *** كوَقْف العاجِ عاتكة[اللِّيَاطِ (3)]
[وامرأة عاتكة] ، إذا كانت متضمِّخة بالخَلَوق. ومنه عَتَكتِ القوس. قال الخليل : يقال لكلِّ كريم عاتك ، أى قديم. وأصله من عَتَكت القَوس.
عتل العين والتاء واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على شِدّةٍ وقوّة فى الشّىء. من ذلك الرّجل العُتُلّ ، وهو الشَّديد القوىّ المصحَّح الجِسم ؛ واشتقاقُه من العَتَلة التى يُحفَر بها. والعَتَلة أيضاً : الهِراوة الغليظة من الخشَب ، والجمع عَتَل. وقال :
وأينما كنتَ من البلادِ *** فاجتنبَنَّ عُرَّمَ الذُّوّادِ
وضَربَهم بالعَتَل الشِّدادِ
ومن الباب العَتْل ، وهو أن تأخذ بتَلبيب الرّجُل فتَعتِله ، أى تجرّه إليك
بقوّة وشدّة. قال اللّه تعالى : ( خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ) (1). ولا يكون عَتْلاً إلّا بجفاءٍ وشِدّة. وزعم قومٌ أنّهم يقولون : لا أنعتِل معك : أى لا أنقاد معك.
عتم العين والتاء والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على إبطاء فى الشّىء أو كفٍّ عنه. قال الخليل : عَتَّم الرجل يُعَتِّم ، إذا كفَّ عن الشىء بعد المضىِّ فيه ، وعَتَم يَعْتم. وحملتُ على فُلانٍ فما عتَّمت أن ضربتُه ، أى ما نَهنَهت وما نكَلت وما أبطأت. وفى الحديث : أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم غرس كذا وَدِيّةً [فما عتَّمَتْ منها وَدِيَّة (2)]. أى ما أبطأت ، حتّى عَلِقت. وقال :
مجامع الهام ولا يُعْتَمُ
أى لا يُمْهَل ولا يُكَفّ. وقال :
ولستُ بوَقَّافٍ إذا الخَيلُ أحجمت *** ولستُ عن القِرن الكمىِّ بعاتمِ
قال : والعَتَمة هو الثُّلث الأوّل من اللِّيل بعد غيبوبة الشَّمسِ والشَّفَق. يقال أعْتَمَ القومُ ، إذا صاروا فى ذلك الوقت. وجاء الضَّيفُ عاتما ، أى مُعْتِماً فى تلك السَّاعة.
ومما شذَّ عن هذا الباب العتم (3): الزَّيتون البرّىّ. قال النابغة (4):
1) قرأ بضم التاء ابن كثير ونافع وابن عامر ويعقوب ، ووافقهم ابن محيصن والحسن. وقرأ الباقون بكسر التاء. إتحاف فضلاء البشر 389 واللسان (عتل).
2) التكملة من اللسان (عتم).
3) يقال بضم وبضمتين ، وبالتحريك.
4) هو النابغة الجعدى ، اللسان (ضرو ، برقش ، هيل ، عتم) والأغانى (6 : 64) ومعجم البلدان (براقش ، هيلان). وانظر الحيوان (5 : 453).
[تَستَنُّ بالضَّرْوِ من بَراقِشَ أو *** هَيلانَ أو ناضرٍ من العتمِ (1)]
عتو العين والتاء والحرف المعتل أصلٌ صحيح يدلُّ على استكبار. قال الخليل وغيرُه : عتَا يَعتُو عتُوَّا : استكبَرَ. قال اللّه تعالى : ( وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ) . وكذلك يعتُو عِتِيًّا ، فهو عاتٍ ، والملك الجبّار عاتٍ ، وجَبابِرةٌ عُتاة. قال :
والناس يعتُون على المُسلَّطِ
ويقال : تعَتَّى فلانٌ وتعتّت فلانة ، إذا لم تُطِع. قال العجَّاج :
الحمد لله الذى استقلَّتِ *** بأمره السّماء واطمأنّتِ
بأمره الأرضُ فما تَعتَّتِ (2)
أى ما عصَتْ.
عتب العين والتاء والباء أصلٌ صحيح ، يرجع كله إلى الأمر فيه بعضُ الصُّعوبة من كلامٍ أو غيره. من ذلك العَتَبة ، وهى أسكُفَّة الباب ، وإنَّما سمِّيت بذلك لارتفاعها عن المكان المطمئنّ السَّهل. وعَتَبات الدُّرْجة : [مَرَاقيها] ، كلُّ مِرقاةٍ من الدُّرْجة عتَبة. ويشبّه بذلك العتَباتُ تكون فى الجبال ، والواحدة عَتَبة ، وتجمع أيضاً على عَتَب. وكلُّ شىءٍ جَسَا وجفا فهو يشتقُّ له هذا اللفظ. يقال فيه عَتَبٌ ، إذا اعتراه ما يغيِّره عن الخُلوص. قال :
فما فى حُسْن طاعتِنا *** ولا فى سمْعِنا عَتَب (1)
وقال فى وصف سيف :
مُجرّبَ الوَقْعِ غيرَ ذى عَتَبِ (2)
أهددت لحرب صارما ذكرا
أى غير ملتو عن الضَّريبة ولا نابٍ عنها.
ويقولون : حُمِل فلانٌ على عَتَبةٍ كريهة* وعَتَب كريه من بلاءِ وشرّ. قال المتلمِّس :
يُعْلَى على العَتَب الكريهِ ويُوبَسُ (3)
ويقال للفَحل المعقول أو الظَّالع إذا مَشَى على ثلاثِ قوائم كأنّه يَقفِز : عَتَب عَتَبَاناً(4). قال الخليل : وهذا تشبيهٌ ، كأنّه يمشى على عتبات الدّرجةِ فينزُو من عَتبةٍ إلى عتبة. ويقال عتِّب لنا عَتبةً ، أى اتَّخذْها.
ومن الباب ، وهو القياسُ الصحيح : العَتْب : المَوْجِدة. تقول : عَتَبتُ على فلان عَتْبا ومَعْتِبَةَ ، أى وَجَدْت عليه. ثم يشتقّ منها فيقال : أعتَبَنى ، أى ترك [ما كنت (5)] أجد عليه ورجع إلى مَسَرَّتى (6)؛ وهو مُعْتِب راجعٌ عن الإساءة. وأنشد :
1) أنشده فى اللسان (عتب).
2) صدره كما فى اللسان (عتب) :
3) أنشد هذا العجز فى اللسان (عتب) بدون نسبة ، وليس فى ديوان المتلمس. على أن فى الديوان أبياتا من هذا الوزن والروى وليس هو بينها.
4) ويقال «عتبا» أيضاً ، و «تعتاباً».
5) التكملة من اللسان.
6) فى الأصل : «مدتى». وفى المحمل : «وأعتبنى فلان ، إذا عاد إلى مسرتى راجعاً عن الإساءة».
عتبتُ على جُمْلٍ ولستُ بشامتٍ *** بجُملٍ وإن كانت بها النّعلُ زلَّتِ
ويقولون : أعطانِى العُتْبَى ، أى أعتَبَنى. ولك العُتْبَى ، أى أعطيتك العتبى. والتعتُّب ، إذا قال هذا وهذا يَصِفان الموجِدة (1). وكذلك المعاتبة ، إذا لامك واستزادك قلت عاتِبْنى. قال :
إذا ذهب العتابُ فليس حُبٌ *** ويبقى الحبُّ ما بقى العتابُ (2)
أعاتب فما المودة من صديق *** إذا ما رايني منه اجتناب
ويقال للرّجُل إذ طَلب أنْ يُعتَب : قد استَعتَب. قال أبو الأسود :
فعاتبتُه ثم راجعته *** عتاباً رقيقاً وقولا أصيلا
فألفيتُه غيرَ مستعتبٍ *** ولا ذاكِرَ اللّهَ إلّا قليلا (3)
وقال بعضهم : ما رأيت عند فلان عُتْبانا ، إذا أردت أنّه أعتبك ولم تر لذلك بَيانًا. .
عثر العين والثاء والراء أصلانِ صحيحان ، يدل أحدهما على الاطِّلاع على الشىء ، والآخر [على] الإثارة للغُبار.
فالأوَّل عَثَر يعثُر عُثُوراً ، وعثر الفرسُ يعثُر عِثاراً ، وذلك إذا سقَطَ لوجهه. قال بعض أهل العلم : إنما قيل عَثَر من الاطِّلاع ، وذلك أنَّ كل عاثرٍ فلا بدَّ أن ينظر إلى موضع عَثْرته. ويقال : عَثَر الرجل يعثُر عُثوراً وعَثراً ، إذا اطَّلع على أمرٍ لم يطَّلع عليه غيرُه. كذا قال الخليل. وأعثَرْتُ فلاناً على كذا ، إذا أطلعتَه عليه. قال اللّه تعالى : ( فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً ) ، أى إن اطُّلِع. وقال تعالى : ( وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ ) . والعاثور : المكان يُعثَر به. قال :
وبلدةِ كثيرةِ العاثور (1)
بل بلدة مرهوبة العاثور
أراد كثيرة المتالف.
والأصل الآخر العِثْيَر [والعِثْيرة] ، وهو الغُبار الساطع. قال :
ترى لهم حَولَ الصِّقَعْل عِثْيرهْ (2)
فأمَّا قولهم : ما رأيتُ له أثراً ولا عَثْيَراً ، فقالوا : العَثْيَر : ما قُلِب من تراب أو مَدَر. وهو راجعٌ إلى ما ذكرناه. وقال :
لقد عَيْثَرتَ طيرَك لو تعيفُ (1)
لعمرك أبيك باصغر بن ليلى
أى رأيتها جَرَت ، كأنَّه أراد الأثر.
عثل ذكروا فيه كلمةً إن صحَّت. يقال (2)إن العِثْوَلَ من الرِّجال : الجافى. قالوا : والعَثُول : النَّخله الجافية الغليظة (3). قال :
هَززتُ عَثُولاً مَصّت الماء والثّرى *** زماناً فلم تَهمُمْ بأن تتبرّعا
عثم العين والثاء والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على غِلَظ ونُتُوٍّ فى الشَّىء. قالوا : العَيْثوم : الضَّخْم الشَّديد من كلِّ شىء. وقالوا : وتُسَمَّى الفِيلَة العَيثوم. قال ويصف ناقة :
وقد أَسِيرُ أمامَ الحىِّ تحملُنى *** والفَصْلتين كِنازُ اللّحم عيثوم (4)
أى ضخمة شديدة. ويقال للجمل الضَّخم عَيثوم. والعَثَمْثم من الإبل : الطويل فى ضِخَم ، و [يقال] فى الجميع عثمثمات. ورُبَّما وُصِف الأسدُ بالعثمثم.
ومن الباب العَثم ، وهو أن يُساءَ جَبْر العَظْم فيبقى فيه عِوج ونتُوٌّ كالوَرم. ويقال هو عَثِمٌ وبه عَثْم ، كأنَّه مَشَش. قال الخليل : وبه سمِّى عُثمان ؛ لأنّه مأخوذ من الجبْر. ويقال بل العثمان (5)...
1) فى الأصل : «عثيرت» ، تحريف. وصدره كما سبق التنبيه عليه فى حواشى (عيف) :
2) فى الأصل : «قال».
3) ذكرت الكلمة وتفسيرها فى القاموس ، وضبطها كصبور. ولم ترد فى اللسان.
4) فى اللسان (عثم): «والفضلتين» ، بالضاد المعجمة.
5) كذا وردت العبارة مبتورة فى الأصل. وفى المجمل : «والعثمان : فرخ الحبارى ، وفى اللسان أن العثمان فرخ الثعبان أو الحية ، وفرخ الحبارى».
عثن العين والثاء والنون أصلٌ صحيح يدلُّ على انتشارٍ فى شىء وانتفاش. من ذلك العُثَان ، وهو الدُّخان ، سمِّى بذلك لانتشاره فى الهواء. تقول عَثَّن يُعَثِّن ، إذا دَخَّن. والنار تَعْثُنُ وتُعثِّن. وتقول : عثَّنت البيتَ بريح الدُّخنة تعثيناً. وعَثَن البيتُ يَعثُن عَثْناً ، إذا عبِق به ريحُ الدُّخنة. تقول : عثَّنت الثَّوب بالطَّيب تعثيناً ، كقولك* دخَّنته تدخينا.
ومن الباب العُثنون : عُثْنون اللِّحية ، وهو طُولها وما تحتَها من شَعْرَها. وسمِّى بذلك للذى ذكرناه من الانتشار والانتفاش.
ومن الباب : عُثْنُون الرِّيح : هَيْدَبُها فى أوائلها ، إذا أقبلَتْ تجرُّ الغُبار جَرَّا ؛ والجمع العثانين. وهَيدَبُها : ما وقع على الأرض منها. وقال ابن مُقْبل :
[هَيفٌ هَدُوج الضُّحى سهوٌ مناكبُها *** يكسونها بالعشيَّات العثانينا](1)
وعثُنون البعير : شُعَيرات عند مَذْبحه. والجمع عثانين.
عثى العين والثاء والحرف المعتلّ كلمةٌ تدلُّ على فَساد. يقال عثا يعثو ، ويقال عَثِىَ يَعْثَي ، مثل عاثَ. قال اللّه تعالى : ( وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) .
1) التكملة من ديوان ابن مقبل 318 وجمهرة أشعار العرب.
عجد العين والجيم والدال ليس بشىء ، على أنهم يقولون : العُجْد : الزبيب. ويقال هو العُنْجُد.
عجر العين والجيم والراء أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على تعقد فى الشىء ونُتوٍّ مع التواء. من ذلك العَجَر : مصدر قولك عَجِرَ يَعْجَرُ عَجَراً. والأعجر النّعت. والعُجْرة : موضع العَجَر. ويقال : حافر عَجِرٌ : صلب شديد. قال مَرَّار بن مُنْقِذ :
سائلٍ شمراخُه ذى جُبَبٍ *** سَلِط السُّنبُك فى رُسْغٍ عَجُرْ (1)
والأعجر : كلُّ شىءٍ ترى فيه عُقَداً ؛ كبشٌ أعجرُ ، وبطنٌ أعجر ، إذا امتلأ جدَّا. قال عنترة :
ابنى زَبِيبةَ ما لمهركُمُ *** متخدِّداً وبطونُكُمْ عُجْرُ (2)
وقال بعضهم : وأُراه مصنوعاً ، إلّا أنّ الخليل أنشدهُ :
حسن الثِّياب يبيت أعجَرَ طاعماً *** والضَّيفُ من حُبِّ الطَّعامِ قد التَوَى
والعُجْرة : كلُّ عقدةٍ فى خشبةٍ أو غيرها مِن نحو عروق البدَن ، والجمع عُجَر. ومن الباب الاعتجار ، وهو لفُّ العِمامة على الرأس من غير إدارةٍ تحت الحنَك. قال :
جاءت به معتجراً ببُرْدِهْ *** سَفْوَاء تَرْدِى بنَسِيجِ وَحْدِهْ (3)
وإنما سمِّىَ اعتجاراً لما فيه من لَىٍّ ونُتوّ.
ومما شذَّ عن هذا الأصل العَجِير ، وهو من الخيل كالعِنِّين من الرِّجال.
عجز العين والجيم والزاء أصلانِ صحيحان ، يدلُّ أحدُهما على الضَّعف ، والآخر على مؤخَّر الشىء.
فالأول عَجِزَ عن الشىء يعجز عَجْزاً (1)، فهو عاجزٌ ، أى ضَعيف. وقولهم إنّ العجزَ نقيضُ الحَزْم فمن هذا ؛ لأنه يَضْعُف رأيُه. ويقولون : «المرء يَعْجِزَ لا مَحَالة (2)». ويقال : أعجزَنى فلانٌ ، إذا عَجِزْت عن طلبه وإدراكه. ولن يُعجز اللّهَ تعالى شىءٌ ، أى لا يَعجِز اللّهَ تعالى عنه متى شاء. وفى القرآن : ( لَنْ نُعْجِزَ اللّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً ) ، وقال تعالى : ( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ) . ويقولون : عَجَزَ بفتح الجيم. وسمعتُ علىَّ بن إبراهيمَ القطَّان يقول : سمعت ثعلباً يقول : سمعتُ ابن الأعرابىّ يقول : لا يقال عَجِزَ (3)إلّا إذا عَظُمَتْ عجيزتُه.
ومن الباب : العجوز : المرأة الشَّيخة ، والجمع عجائز. والفعل عجَّزت تعجيزاً. ويقال: فلانٌ عاجَزَ فلاناً ، إذا ذَهَب فلم يُوصَل إليه. وقال تعالى : ( يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ ) . ويجمع العجوز على العُجُزِ أيضاً ، وربَّما حملوا على هذا فسمَّوا الخمرَ عجوزاً ، وإنما سمَّوها لقدَمها ، كأنَّها امرأةٌ عجوز. والعِجْزَة وابنُ العِجْزَة : آخرُ ولد الشَّيخ. وأنشد :
عِجْزَةَ شيخَينِ يسمَّى مَعْبَدَا (1)
واسلبصرت الهى أحوى أمردا
وأمَّا الأصل الآخر فالعَجُز : مؤخَّر الشىء ، والجمع أعجاز ، حتى إنهم يقولون : عَجُز الأمرِ ، وأعجازُ الأمور. ويقولون : «لا تَدَبَّرُوا أعجازَ أمورٍ ولَّتْ صدورُها». قال : والعَجيزة : عجيزة المرأة خاصّة إذا كانت ضَخْمَةً ، يقال امرأةٌ عَجْزَاء. والجمع عَجيزَاتٌ كذلك. قال الخليل : ولا يقال عجائز ، كراهة الالتباس. وقال ذو الرُّمَّة :
عجزاءُ ممكورةٌ خُمصانةٌ قَلِقٌ *** عنها الوِشاحُ وتمّ الجسم والقصبُ (2)
وقال أبو النَّجم :
مِن كلِ عَجْزَاءَ سَقوط البُرقُعِ *** بلهاءَ لَم تَحْفَظْ ولم تُضَيِّع (3)
والعَجَز : داءٌ يأخذ الدّابةَ فى عَجُزها (4)، يقال هى عَجْزاء ، والذّكر أعجَز. ومما شُبِّه [فى] هذا الباب : العَجْزاء من الرَّمل : رملة مرتفِعة كأنّها جبل ، والجمع العُجْز. وهذا على أنَّها شبِّهت بعجيزةِ ذاتِ العجيزة ، كما قد يشبِّهون العَجِيزات بالرّمل والكثيب. والعَجْزاء من العِقْبان : الخفيفة العَجِيزة. قال الأعشى :
عَجْزاء تَرزُقُ بالسُّلَىِّ عيالَها (5)
وكأنما نبع الصوار بتخصها
1) قبله فى اللسان (عجز) :
2) ديوان ذى الرمة 4.
3) الرجز فى شروح سقط الزند 929 برواية : «من كل بيضاء». قال البطليوسى : «أراد سلامة صدرها مما تنطوى عليه صدور أهل الخبث والمكر ، وأنها جاهلة بالأمور التى مهر فيها أهل الفسق والشر».
4) زاد فى اللسان : «فتثقل لذلك».
5) فى اللسان (عول): «فتخاء». وصدره كما فى الديوان 25 وللسان (عجز ، عول) :
وما تَركْنا فى هذا كراهةَ التّكرار راجعٌ إلى الأصلين اللذين ذكرناهما. وسمِعنا من يقول إنّ العَجوز : نصلُ السَّيف. وهذا إنْ صحَّ فهو يسمَّى بذلك لقِدمه كالمرأة العجوز ، وإتْيان الأزمنة عليه.
عجس العين والجيم والسين أصلٌ صحيح واحد ، يدلُّ على تأخرِ الشىء كالعَجُز ، فى عِظَمٍ وغِلَظٍ وتجمّع. من ذلك العَجْس والمَعْجِس : مقبض [القوس] ، وعُجْسُها وعُجْزُها سواء. وإنَّما ذلك مشبَّه بعَجُز الإنسان وعَجيزته. قال أوسٌ فى العجس :
كتُومٌ طِلاعُ الكَفِّ لا دونَ مِلئِها *** ولا عَجْسُها عن موضع الكفِّ أفْضَلا (1)
يقول : عَجْسُها على قدر القَبْضة ، سواء. وقال فى المَعْجِس مَهلهِلٌ :
أنْبَضُوا[مَعجِسَ]القِسِىِّ وأبرقْ *** نا كما تُوعِدُ الفحولُ الفُحولا (2)
ومن الباب : عَجَاسَاء اللَّيل : ظُلْمته ، وذلك فى مآخيرِه ؛ وشبِّهت بعَجَاساء الإبل.
قال أهل اللُّغة : العَجَاساء من الإبل : العِظامُ المَسَانّ. قال الراعى :
إذا بَرَكَتْ منها عَجاساءُ جِلّةٌ *** بمَحْنِيَةٍ أجْلى العِفاسَ وبَرْوَعا (3)
العِفاس وبَرْوَع : ناقتان. وهذا منقاسٌ من الذى ذكرناه من مآخير الشَّىء ومُعظَمِه. وذلك أنَّ أهل اللُّغة يقولون : التعجُّس : التأخُّر. قالوا : ويمكن أن يكون اشتقاق العَجَاساء من الإبل منه ، وذلك أنَّها هى التى تَستأخِر عن الإبل فى المرتَع. قالوا : والعَجَاساء من السَّحاب : عِظامُها. وتقول : تَعَجَّسَنى عَنْك كذا ، أى أخَّرنى عنك. وكل هذا يدلُّ على صحَّة القياسِ الذى قِسناه.
وقال الدريدىّ (1): تعجَّسْتُ الرّجُلَ ، إذا أمَر أمْراً فغَيّرتَه عليه. وهذا صحيحٌ لأنَّه من التعقُّب ، وذلك لا يكون إلّا بعد مضىِّ الأوّل وإتيانِ الآخَرِ على ساقَتِه وعند عَجُزه. وذَكرُوا أنَ العَجِيساءَ (2): مِشْيَةٌ بطيئة. وهو من الباب. ومما يدلُّ على صحَّة قياسِنا فى آخر الليل وعَجَاسائهِ قولُ الخليل : العجَسْ : آخِر الليل. وأنشد :
وأصحاب صدقٍ قد بعثْتُ بجَوشَنٍ *** من اللَّيل لو لا حبُّ ظمياءَ عرَّسُوا
فقامُوا يَجُرُّون الثِّيابَ وخَلفَهم *** من اللَّيلَ عَجْسٌ كالنَّعامةِ أقعسُ
وذكر أحمد بن يحيى ، عن ابن الأعرابىّ : أن العُجْسة آخِر ساعةٍ فى اللَّيل. فأمّا قولهم: «لا آتيك سَجِيسَ عُجَيسٍ» فمِن هذا أيضاً ، أى لا آتيك آخِرَ الدَّهر. وحُجّةُ هذا قول أبى ذؤيب :
سَقَى أمُّ عَمروٍ كلِّ آخِرِ ليلةٍ *** حَناتِمُ مُزْنٍ ماؤهن ثجيجُ (3)
لم يُرِدْ أواخرَ اللَّيالى دون أوائلها ، لكنّه أراد أبداً.
عجف العين والجيم والفاء أصلانِ صحيحان ، أحدهما يدلُّ على هُزال ، والآخَر على حَبْس النفس وصَبْرِها على الشَّىء أو عنه.
فالأوّل العَجَف ، وهو الهُزَال وذَهاب السِّمَن ، والذّكر أعجف والأنثى عَجْفاء ، والجمع عِجافٌ ، من الذُّكْران والإناث. والفعل عَجِفَ يَعْجَف (1)وليس فى كلام العَرَب أفعَلُ مجموعاً على فِعال غيرُ هذه الكلمة (2)، حملوها على لفظ سِمان. وعِجافٌ على فِعال. ويقال أعجَفَ القومُ ، إذا عجِفت مواشيهم وهم مُعْجِفون.
وحَكَى الكسائىُّ : شفَتانِ عَجفاوان ، أى لطيفتان. قال أبو عُبيد : يقال عَجُفَ إذا هُزل ، والقياس عَجِف ؛ لأنَّ ما كان على أفعل وفعلاء فماضيه فَعِل ، نحو عَرِج يعرَج ، إلّا ستّةَ حروف جاءت على فَعُل ، وهى سَمُر ، وحَمُق ، ورَعُن ، وعَجُف ، وخَرُق.
وحكى الأصمعىُّ فى الأعجم : عَجُم. وربَّما اتَّسعوا فى الكلام فقالوا : أرضٌ عجفاء ، أى مهزولة لا خَيرَ فيها (3)ولا نبات. ومنه قول الرائد : «وجَدْتُ أرضاً عجفاء». ويقولون : نَصلٌ أعجفُ ، أى دقيق. قال ابنُ أبى عائذ (4):
تراحُ يداه بمحشورةٍ *** خَوَاظِى القِداح عجافِ النِّصال (5)
1) ويقال أيضاً عجف يعجف ، من باب كرم.
2) ذكر ابن خالويه فى ليس من كلام العرب 19 ثلاثة أحرف : «أجرب وجراب ، وأعجف وعجاف ، وأبطح وبطاح». ومثله فى اللسان (عجف).
3) فى الأصل : «لا غير فيها» ، صوابه من المجمل.
4) أمية بن أبى عائذ الهذلى. ديوان الهذليين (2 : 184).
5) تراح يداه ، أى تخف للرمى. وفى الأصل : «تراه» ، صوابه من الديوان.
وأمّا الأصل الثانى فقولهم : عَجَفْتُ * نفسِى عن الطعام أعجفِها عَجْفاً ، إذا حبستَ نفسَك عنه وهى تشتهيه. وعَجَفْت غيرِى قليلٌ. [قال] :
لم يَغْذُها مُدٌّ ولا نَصيفُ *** ولا تُمَيْراتٌ ولا تعجيفُ (1)
ويقال : عَجَفْت نفسى على المَريض أعْجِفها ، إذا صَبَرْتَ عليه ومرَّضْتَه. [قال] :
إنِّى وإنْ عيَّرتنِى نُحولِى (2)
أو أزدريت؟ وطول
*** لَأَعجِفُ النَّفسَ على خليلىأَعْرِضُ بالوُدِّ وبالتَّنويلِ (3)
عجل العين والجيم واللام أصلانِ صحيحان ، يدلُّ أحدُهما على الإسراع ، والآخر على بعض الحيَوان.
فالأوّل : العَجَلة فى الأمر ، يقال : هو عَجِلٌ وعَجُل ، لغتان. قال ذو الرّمة :
كأنَّ رِجلَيه رِجلَا مُقْطِفٍ عَجِلُ *** إذا تَجَاوَبَ من بُرْدَيه ترنيمُ (4)
واستعجلتُ فلاناً : حثثته. وعَجِلْتُه : سبَقْته. قال اللّه تعالى : ( أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ) . والعُجَالَة : ما تُعَجِّلُ من شىء. ويقال : «عُجَالة الرَّاكبِ تمرٌ وسَويق». وذكر عن الخليل أنَ العَجَل : ما استُعجِل به طعامٍ فقُدِّم قبل إدراك الغِذاء. وأنشد :
إن لم تُغِثْنِى أكُنْ يا ذا النَّدَى عَجلاً *** كلُقمةٍ وقَعتْ فى شِدقٍ غَرثانِ (1)
ونحن نقول : أمّا قياس الكلمة التى ذكرناها فصحيح ، لأنَّ الكلمةَ لا أصلَ لها ، والبيت مصنوع.
ويقال : من العُجَالة : عجّلتُ القَوْمَ ، كما يقال لَهَّنْتُهُمْ. وقال أهل اللُّغة : العاجل : ضد الآجل. ويقال للدُّنيا : العاجلة ، وللآخرة : الآجلة. والعَجْلان هو كعب بن ربيعة بن عامر ، قالوا : سمِّى العَجْلانَ باستعجالِهِ عَبْدَه. وأنشدوا :
وما سُمِّىَ العَجْلَانَ إلّا لقوله *** خُذِ الصَّحْنَ واحْلُبْ أيُّها العبدُ واعجَلِ (2)
وقالوا : إنَ المُعَجِّل والمُعْجِل (3)من النُّوق : التى تُنْتَج قبل أن تستكمل الوقتَ فيعيش ولدُها.
وممّا حُمِل على هذا العَجَلة : عَجَلة الثِّيران. والعَجلة : المنجنون التى يُسْتَقى عليها ، والجمع عَجَل وعَجَلات.
قال أبو عبيد : العَجَلة : خشبةٌ معترِضة على نَعَامَتى البِئرِ والغَرْبُ مُعَلَّقٌ بها ، والجمع عَجَل. قال أبو زيد : العَجَلة : المَحَالة. وأنشد :
وقد أعَدَّ ربُّها وما عَقَلْ *** حمراءَ من ساجٍ تَتقّاها العَجَلْ
ومن الباب : العِجْلة : الإداوَة الصَّغيرة ، والجمْع عِجَل. وقال الأعشى :
والسّاحباتِ ذبولَ الخزِّ آونةً *** والرافلاتِ على أعجازها العِجَلُ (1)
وإنما سمّيت بذلك لأنها خفيفة يعجَل بها حاملُها وقال الخليل : العحُول من الإبل : الواله التى فقَدَت ولدَها ، والجمع عُجُل. وأنشد :
أحِنُّ إليك حنين العَجُول *** إذا ما الحمامة ناحت هديلا
وقالت الخنساء :
فما عَجُولٌ على بَوٍّ تُطِيف به *** قد ساعدَتْهَا على التَّحنانِ أظآرُ (2)
قالوا : وربما قيل للمرأة الثَّكلى عَجُول ، والجمع عُجُل. قال الأعشى :
حتى يظلَّ عميدُ القَوْمِ مرتفقاً *** يَدفَع بالرّاح عنه نِسْوةٌ عُجُلُ (3)
ولم يفسِّرُوه بأكثر من هذا. قلنا : وتفسيره ما يلحق الوالهَ عند ولهه من الاضطراب (4)والعَجَلة ، إلّا أنّ هذه العَجول لم يُبْنَ منها فِعل فيقال عَجِلتْ ، كما بُنِى من الثُّكل ثَكلتْ ، والأصل فيه واحد ، إلّا أنّه لم يأت من العرب.
والأصل الآخر العِجْل : ولد البقرة ؛ وفى لغةٍ عِجَّوْل ، والجمع عجاجيل ، والأنثى عِجْلَة وعِجَّولة ، وبذلك سُمِّى الرجل عِجْلاً.
عجم العين والجيم والميم ثلاثة أصول : أحدها يدلُّ على سكوتٍ وصمت ، والآخَر على صلابةٍ وشدة ، والآخر على عَضٍ (5)ومَذَاقة.
فالأوَّل الرجُل الذى لا يُفصح ، هو أعجمُ ، والمرأة عجماءُ بيِّنة العُجمَة. قال أبو النَّجم :
أعجمَ فى آذانها فصيحا
ويقال عَجُم الرجل ، إذا صار أعجَم ، مثل سَمُر وأدُم ويقال للصَّبىِّ مادام لا يتكلَّم ولا يُفصح : صبىٌ أعجم. ويقال : صلاةُ النّهار عَجْماء ، إنما أراد أنّه لا يُجهرَ فيها بالقراءة. وقولهم : العَجَمُ الذين ليسوا من العرب ، فهذا من هذا القياس كأنَّهم لمّا لم يَفْهَمُوا عنهم سَمُّوهم عَجَماً ، ويقال لهم عُجْم أيضاً. قال :
دِيارُ ميَّةَ إذْ* مَىٌّ تُسَاعِفُنا *** ولا يَرَى مثلها عُجْم ولا عَرَبُ (1)
ويقولون : استَعجمَتِ الدَّارُ عن جَواب السَّائل. قال :
صَمَّ صَداها وعفَا رَسمُها *** واستَعْجَمَتْ عن مَنطقِ السّائلِ (2)
ويقال : الأعجمىّ : الذى لا يُفْصِح وإنْ كان نازلاً بالبادية. وهذا عندنا غلَط ، وما نَعلم أحداً سمَّى أحداً من سكان البادية أعجميًّا ، كما لا يسمُّونه عجميَّا ، ولعلَّ صاحبَ هذا القول أراد الأعجم فقال الأعجمىّ. قال الأصمعىّ : يقال : بعيرٌ أعجمُ ، إذا كان لا يَهدِر. والعجماء : البهيمة ، وسمِّيت عجماء لأنّها لا تتكلم ، وكذلك كلُّ مَن لم يَقدِر على الكلام فهو أعجمُ ومُستعجِم. وفى الحديث : «جُرْحُ العَجْماء جُبَارٌ». تراد البَهيمة.
قال الخليل : حروف المعْجَم مخفّف ، هى الحروف المقطَّعة ، لأنّها أعجمية. وكتابٌ مُعَجَّم ، وتعجيمه : تنقيطه كى تستبين عُجْمَتُه ويَضِحَ. وأظنُّ أن الخليل أراد بالأعجمية أنّها ما دامت مقطَّعةً غير مؤلّفة تأليفَ الكلامِ المفهومِ ، فهى
أعجميَّة ؛ لأنَّها لا تدلُّ على شىء. فإن كان هذا أراد فله وجه ، وإلّا فما أدرى أىَّ شىء أرَادَ بالأعجميَّة والذى عندنا فى ذلك أنّه أُريد بحروف المُعجَم حُروفُ الخطِّ المُعْجَم ، وهو الخطُّ العربىّ ، لأنَّا لا نعلم خَطًّا من الخطوط يُعْجَم هذا الإعجامَ حتَّى يدلّ على المعانى الكثيرة. فأمَّا أنّه إعجام (1)الخطِّ بالأشكالِ فهو عندنا يدخل فى باب العضِّ على الشَّىء لأنّه فيه ، فسمى إعجاماً لأنّه تأثيرٌ فيه يدلُّ على المعْنى.
فأمّا قولُ القائل :
يريدُ أن يعرِبَه فيُعجِمُه (2)
فإنّما هو من الباب الذى ذكرناه. ومعناه : يريد أن يُبِين عنه فلا يقدرُ على ذلك ، فيأتى به غيرَ فصيح دالّ على المعنى. وليس ذلك من إعجام الخطِّ فى شىء.
عجن العين والجيم والنون أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على اكتناز شىءٍ ليِّنٍ غير صُلب. من ذلك العَجَن ، وهو اكتناز لحمِ ضَرْع النّاقة ، وكذلك من البَقَر والشّاء. تقول : إنّها عَجْناء بيِّنة العَجَن. ولقد عَجِنَتْ تَعْجَنُ عَجَناً. والمتَعجِّن من الإبل : المكتنز سِمَناً ، كأنّه لحمٌ بلا عَظْم.
ومن الباب : عَجَن الخبَّازُ العجِينَ يَعجِنه عَجْناً. وممّا يقرُب من هذا قولُهم
للأحمق : عجَّانٌ ، وعجينة. قال : معناه أنَّهم يقولون : «فلانٌ يَعجِن بِمرفَقيه حُمْقاً (1)» ، ثم اقتَصَروا على ذلك فقالوا : عجِينةٌ وعَجّان ، أى بمرْفَقَيه ، كما جاء فى المثل.
ومن الباب : العِجان ، وهو الذى يَستبرِئه البائل ، وهو ليِّن. قال جَرير :
يَمُدُّ الحبلَ معتمداً عليه *** كأنّ عجانَه وترٌ جديدُ (2)
عجى العين والجيم والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على وَهْن فى شَىءٍ ، إمّا حادثاً وإمّا خِلقة.
من ذلك العُجَايَة ، وهو عصبٌ مركَّب فيه فُصوصٌ من عِظام ، يكونُ عند رُسْغ الدّابَّة ، ويكون رِخواً. وزعموا أنَّ أحدهم يجوع فيدُقُّ تلك العُجَايةَ بَيْنَ فِهْرَين فيأكلُها. والجمع العُجَايات والعُجَى. قال كعبُ بن زُهير :
سُمرُ العُجاياتِ يترُكْنَ الحَصى زِيَماً *** لم يَقِهِنَّ رءوسَ الأُكمِ تنعيلُ (3)
ومما يدلُّ على صِحَّة هذا القياسِ قولهم للأمّ : هى تَعجُو ولدَها ، وذلك أن يُؤَخَّر رَضاعُه عن مَوَاقيتِه ؛ ويُورِث ذلك وَهْنَاً فى جِسْمه. قال الأعشى :
مشفِقاً قلبُها عليه فما تع *** جُوه إلّا عُفافَةٌ أو فُواقُ (4)
العُفافَة : الشَّىء اليسير. والفُواق : ما يجتمع فى الضَّرع قبل الدِّرَّة.
1) فى المجمل : «إن فلانا يعجن» ، وفى اللسان : «إن فلان ليعجن».
2) اللسان (عجن) والديوان 189 عن اللسان.
3) فى الأصل : «شم العجايات» ، صوابه من ديوان كعب 14 واللسان (عجا).
4) ديوان الأعشى 141 واللسان (عفف ، عجا ، عدا). وهذه الرواية تطابق إحدى روايتى اللسان (عجا). وقد سبق فى (عف) برواية : لا تجافى عنه النهار ولا نجوه ومعظم الروايات كما فى الديوان واللسان :
وتَعْجُوه ، أى تداويه بالغِذاء حَتّى ينهض. واسم ذلك الولد العَجِىُ ، والأنثى عَجِيَّة ، والجمع عَجَايا. قال :
عدانى أن أزُورَك أنّ بَهْمِى *** عَجَايا كلّها إلّا قليلا (1)
وإذا مُنِع الولدُ اللّبَن وغُذِّى بالطّعام ، قيل : قد عُوجِى. قال ذو الإصبع (2):
إذا شئت أبصرت من عَقْبِهم *** يَتامَى يُعاجَوْنَ كالأذؤبِ
وقال آخر فى وصف جراد :
إذا ارتحلت من منزلٍ خَلّفَتْ به *** عَجَايا يُحاثِى بالتُّرابِ صغيرُها (3)
ويروى : «رذايا يُعاجَى ...».
عجب العين والجيم والباء أصلانِ صحيحان ، يدلُّ أحدهما على كِبْر واستكبارٍ للشَّىء ، والآخر خِلْقه من خِلَق الحيوان.
فالأوّل* العُجْب ، وهو أن يتكبَّر الإنسان فى نفسه. تقول : هو مُعجَبٌ بنَفْسِه. وتقول من باب العَجَب : عَجِب يَعْجَبُ عَجَباً ، وأمرٌ عجيب ، وذلك إذا استُكْبِر واستُعْظِم. قالوا : وزعم الخليل أنّ بين العَجِيب والعُجابِ فرقاً. فأمّا العجيب والعَجَب مثله [فالأمرُ يتعجَّب منه (4)] ، وأمّا العُجَاب فالذى يُجاوِز
حدَّ العجيب. قال : وذلك مثل الطَّويل والطُّوال ، فالطويل فى النَّاس كثير ، والطُّوال : الأهوج الطُّول. ويقولون : عجَبٌ عاجب. والاستعجاب : شدة التعجُّب ؛ يقال هو مُستَعجِب ومتعجِّب مما يرى. قال أوس :
ومستعجِبٍ مِمَّا يرى من أناتِنَا *** ولو زَبنَتْه الحربُ لم يَترمرم (1)
وقِصَّةٌ عَجَب. وأعجبَنى هذا الشَّىء ، وقد أُعجِبْت به. وشىءٌ مُعْجِبٌ ، إذا كان حسَناً جِدَّا.
والأصل الآخر العَجْب (2)، وهو من كلِّ دابة ما ضُمَّتْ عليه الورِكان من أصل الذّنَب المغروز فى مُؤَخَّر العَجُز. وعُجُوب الكُثْبان سمِّيت عُجوباً تشبيهاً بذلك ، وذلك أنّها أواخِر الكُثْبان المستدِقَّة. قال لبيد :
بعُجوب أنقاءِ يَميلُ هَيَامُها (3)
بجتاب أصلا قالصا متنبذا
وناقَةٌ عَجْباء : بيِّنة العَجَب والعُجْبة (4)، وشدَّ ما عَجِبَت ، وذلك إذا دقَّ أعلى مؤخَّرها وأشرفت جاعرتاها ؛ وهى خِلْقةٌ قبيحة.
عدر العين والدال والراء ليس بشىء. وقد ذُكرت فيه كلمة. قالوا : العدْر (1): المطر الكثير.
عدس العين والدال والسين ليس فيه من اللّغة شىء ، لكنّهم يسمُّون الحبَّ المعروفَ عَدَساً. ويقولون : عَدَس ، زجرٌ للبغال. قال :
عَدَسْ ما لِعَبَّادٍ عليك إمارةٌ *** نَجوتِ وهذا تحملينَ طليقُ (2)
وقوله :
إذا حَمَلْتُ بِزَّتى على عَدَسْ (3)
فإنّه يريد البغلة ، سمَّاها «عَدَسْ» بزَجْرها.
عدف العين والدال والفاء أُصَيلٌ صحيح يدلُّ على قِلّةٍ أو يسيرٍ من كثير. من ذلك العَدْف والعَدُوف ، وهو اليسير من العَلَف. يقال : ما ذاقت الخيل عَدُوفا. قال :
ومُجَنَّباتٍ ما يَذُقْنَ عَدوفاً *** يَقذِفن بالمُهَرات والأمهارِ (4)
والعَدْف : النَّوال القليل. يقال : أصبنا من ماله عَدْفا.
1) بفتح العين وضمها كما فى اللسان. وضبط فى الأصل والمجمل بالفتح فقط.
2) ليزيد بن مفرغ ، كما فى اللسان (عدس) والخزانة (2 : 514).
3) الرجز فى اللسان (عدس) والمخصص (6 : 183). وقد سبق فى (طفو).
4) للربيع بن زياد العبسى ، يحرض قومه فى طلب دم مالك بن زهير العبسى. وينسب أيضاً لقيس بن زهير. اللسان (مهر ، عدف). وانظر إصلاح المنطق 432.
ومن الباب العِدْفة ، وهى كالصَّنِفَة من الثَّوب. وأمَّا قول الطرِمَّاح :
حَمّالُ أثقالِ دِيات الثَّأى *** عن عِدَف الأصل وكُرَّامِها (1)
قالوا : العِدَف : القليل (2).
عدق العين والدال والقاف ليس بشىء. وذكروا أنّ حديدة ذاتَ شُعَبٍ يُستخرج بها الدَّلو من البئر يقال لها : عَوْدَقة. وحكَوا : عَدَق بِظَنِّه ، مثل رَجَم. وما أحسب لذلك شاهداً من شعرٍ صحيح.
عدك العين والدال والكاف ليس بشىء ، إلّا كلمةً من هَنَواتِ ابن دُرَيد ، قال : العَدْك : ضرب الصُّوف بالمِطْرَقة (3).
عدل العين والدال واللام أصلان صحيحان ، لكنَّهما متقابلان كالمتضادَّين : أحدُهما يدلُّ على استواء ، والآخر يدلُّ على اعوجاج.
فالأول العَدْل من النَّاس : المرضىّ المستوِى الطّريقة. يقال : هذا عَدْلٌ ، وهما عَدْلٌ. قال زهير :
متى يَشْتجرْ قومٌ يَقُلْ سَرَوَاتُهُمْ *** هُم بيننا فهمْ رِضاً وهُمُ عدلُ (4)
وتقول : هما عَدْلانِ أيضاً ، وهم عُدولٌ ، وإنّ فلاناً لعَدْلٌ بيِّن العَدْل والعُدُولة (5). والعَدْل : الحكم بالاستواء. ويقال للشَّىء يساوى الشىء : هو
عِدْلُه. وعَدلْتُ بفلانٍ فلاناً ، وهو يُعادِله. والمُشْرِك يَعدِل بربّه ، تعالى عن قولهم عُلُوًّا كبيراً ، كأنه يسوِّى به غيره.
ومن الباب : العِدْلان : حِمْلا الدَّابّة ، سمِّيا بذلك لتساويهما. والعَديل : الذى يعادلك فى المَحْمِل. والعَدْل : قِيمة الشىء وفِدَاؤُه. قال اللّه تعالى : ( وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ ) ، أى فِدْية. وكلُّ ذلك من المعادَلة ، وهى المساواة.
والعَدْل : نقيض الجَوْر ، تقول : عَدَل فى رعيته. ويومٌ معتدل ، إذا تساوَى حالا حرِّه وبَرْدِه ، وكذلك فى الشىء المأكول. ويقال : عدَلْتُه حتى اعتدل ، أى أقمته* حتى استقامَ واستوَى. قال :
صَبَحْتَ بها القوم حتى امْتَسَكْ *** تَ بالأرض تَعْدِلُها أن تميلا (1)
ومن الباب : المعتدِلة من النُّوق ، وهى الحسنة المتَّفقة الأعضاء. فأمَّا قولهم لِضَرْبٍ من السُّفن : عَدَوْلِيَّة ، فقد يجوز أن يكون من القِياس الذى قِسْناه ، لأنها لا تكون إلّا مستويةً معتدِلة. على أنَّ الخليلَ زَعَم أنّها منسوبة إلى موضعٍ يقال له عَدَوْلَى. قال طرفة :
عَدَوْليَّةٍ أو من سفين ابنِ يامِنٍ *** يجورُ بها الملَّاحُ طوراً ويهتدِى (2)
فأمّا الأصل الآخَر فيقال فى الاعوجاج : عَدَل. وانعدَلَ ، أى انعَرَج. وقال ذو الرُّمَّة:
وإنِّى لأُنْحِى الطَّرفَ من نحوِ غيرها *** حياءً ولو طاوعتُه لم يُعادِل (3)
عدم العين والدال والميم أصلٌ واحدٌ يدلُّ على فِقْدَان الشىء وذَهابه. من ذلك العَدَم. وعَدِم فلانٌ الشَّىءَ ، إذا فقده. وأعْدمه اللّه تعالى كذا ، أى أفاتَه. والعديم : الذى لا مالَ له ؛ ويجوز جمعُه على العُدَماء ، كما يقال فقير وفُقَراء. وأعْدَمَ الرّجلُ : صار ذا عدمٍ(1). وقال فى العديم :
وعَدِيمُنا متعففٌ متكرِّمٌ *** وعلى الغنىِّ ضَمانُ حقِ المُعْدِمِ
وقال فى العدم حسّانُ بن ثابت :
رُبَّ حِلمٍ أضاعه عَدَم الما *** لِ وجهلٍ غطّى عليه النّعيمُ (2)
عدن العين والدال والنون أصلٌ صحيح يدلُّ على الإقامة. قال الخليل : العَدْن : إقامة الإبل فى الحَمْض خاصّة. تقول : عَدَنَت الإبل تَعْدِن عَدْناً. والأصل الذى ذكره الخليل هو أصلُ الباب ، ثمَّ قيس به كلُّ مُقام ، فقيل جنةُ عَدْنٍ ، أى إقامة. ومن الباب المعدِنُ : مَعدن الجواهر. ويقيسون على ذلك فيقولون : هو مَعدن الخَير والكَرَم. وأمّا العِدَان والعَدان فساحِلُ البحر. ويجوز أن يكون من القياس الذى ذكرناه ، وليس ببعيد. وقال لبيد :
ولقد يعلم صَحبى كلُّهم *** بِعَدَانِ السَّيفِ صبرى ونَقَلْ (3)
وعَدَنُ : بلد.
عدو العين والدال والحرف المعتل أصلٌ واحدٌ صحيحٌ يرجع إليه الفروعَ كأنّها ، وهو يدلُّ على تجاوُزِ فى الشىء وتقدُّمٍ لما ينبغى أن يقتصر عليه. من ذلك العَدّو ، وهو الحُضْر. تقول : عدا يعدو عَدْواً ، وهو عادٍ. قال الخليل : والعُدُوُّ مضموم مثقّل ، وهما لغتان : إحداهما عَدْو كقولك غَزْو ، والأُخرى عُدُوّ كقولك حُضور وقُعود. قال الخليل : التعدِّى : تجاوز ما ينبغى أن يُقْتَصَر عليه. وتقرأ هذه الآية على وجهين : ( فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) وعدوّا (1)
إتحاف فضلاء البشر 215.
. والعادى : الذى يعدو على الناس ظُلْماً وعُدواناً. وفلانٌ يعدو أمرَكَ ، وما عَدَا أنْ صَنَع كذا. ويقال من عَدْوِ الفرس : عَدَوَانٌ ، أى جيِّد العَدْوِ وكثيرُه. وذئب عَدَوَانٌ : يعدُو على الناس. قال :تَذْكُرُ إذ أنت شديدُ القَفْزِ (2)*** نَهْدُ القُصَيْرَى عَدَوانُ الجَمْزِ (3)
وأنت تعدو بخروف؟
وتقول : ما رأيت أحداً ما عدا زَيْداً. قال الخليل : أى ما جاوَزَ زيداً. ويقال : عدا فلانٌ طَورَه. ومنه العُدْوانُ ، قال : وكذلك العَدَاء ، والاعتداء ، والتعدِّى. وقال أبو نُخَيلة :
ما زال يَعدُو طَورَه العبدُ الرَّدِى *** ويعتدى ويعتدى ويعتدى
قال : والعُدْوان : الظلم الصُّراح (4). والاعتداء مشتقُّ من العُدْوَان. فأمَّا
العَدْوَى فقال الخليل : هو طلبك إلى والٍ أو قاضٍ أن يُعدِيَك على مَن ظَلَمك أى يَنقِم (1)منه باعتدائه عليك. والعَدْوَى ما يقال إنّه يُعدِى ، من جَرَبٍ أو داء (2). وفى الحديث : «لا عَدْوَى ولا يُعدِى شىءٌ شيئا». والعُدَواء كذلك (3). وهذا قياسٌ ، أى إذا كان به داءٌ لم يتجاوزْه إليك. والعَدْوَة : عَدوَة اللّصّ وعدوة المُغِير. يقال عدا عليه فأخَذَ مالَه ، وعدا عليه بسيفه : ضَرَبه لا يريد به عدواً على رجليه ، لكن هو من الظُّلم. وأما قوله :
وعادت عَوادٍ بيننا وخُطُوب (4)
يكلفني ليلى وقد خط وفيها
وفى الأصل : «عدت عواد» ، تحريف.
فإنّه يريد أنّها تجاوَزَتْ حتَّى شغلت. ويقال : * كُفَّ عنا عادِيَتَك. والعادية : شُغل من أشغال الدَّهر يَعدُوك عن أمرك ، أى يَشغلُك. والعَدَاء : الشُّغْل. قال زُهير :
فصَرَّمْ حَبلَها إذْ صرَّمتهُ *** وعَادَك أن تلاقِيَها عَداء (5)
فأمَّا العِدَاء فهو أن يُعادِىَ الفرسُ أو الكلبُ [أو] الصَّيّادُ بين صيدين (6)، يَصرع أحدَهما على إثر الآخر. قال امرؤ القيس :
1) فى الأصل : «ينقسم».
2) فى الأصل : «أوداب».
3) انفرد بذكر هذه اللغة لهذا المعنى. وليس فى سائر المعاجم إلا فرس ذو عدواء ، إذا لم يكن ذا طمأنينة وسهولة. ومكان ذو عدواء ، أى ليس بمطمئن. وعدواء الشوق : ما برح بصاحبه. والعدواء أيضاً : إناخة قليلة. والعدواء كذلك : بعد الدار.
4) عجز بيت لعلقمة الفحل فى ديوانه 131 والمفضليات 191. وصدره :
5) الديوان 62. وفى اللسان بعد إنشاده : «قالوا : معنى عادك عداك ، فقلبه».
6) فى المجمل : «أن يعادى الفرس أو الصائد بين الصيدين».
فعادَى عِداءً بين ثَورٍ ونعجة *** وبين شَبوبٍ كالقضيمة قَرْهبِ (1)
فإن ذلك مشتقٌّ من العَدْو أيضاً ، كأنّه عَدَا على هذا وعدا على الآخَر.
وربما قالوا : عَدَاءٌ ، بنصب العين. وهو الطَّلَق الواحد. قال :
يَصْرع الخَمْسَ عَدَاءً فى طَلَق (2)
والعَدَاء : طَوَار كلِّ شىءٍ ، انقاد معه من عَرضه أو طُوله. يقولون : لزِمتُ عَدَاء النَّهر ، وهذا طريقٌ يأخُذ عَداءَ الجَبَل. وقد يقال العُدْوة فى معنى العَداءِ ، وربما طُرحت الهاء فيقال عِدْوٌ ، ويُجمَع فيقال : أعداء النّهر ، وأعداء الطريق. قال : والتَّعداء : التَّفعال. وربما سمّوا المَنْقَلة (3)العُدَواء. وقال ذو الرمة :
هامَ الفؤادُ بذكراها وخامَرَهُ *** منها على عُدَواء[الدَّارِ] تَسقيمُ (4)
قال الخليل : والعِنْدأْوة : التواء وعَسَر قال الخليل : وهو من العَدَاء. وتقول : عَدَّى [عن الأمر] يعدِّى تعديةً ، أى جاوزَه إلى غيره. وعدّيت عنِّى الهَمَّ ، أى نحّيته عنِّى. وعدِّ عنِّى إلى غيرى. وعَدِّ عن هذا الأمر ، أى تجاوَزْه وخُذ فى غيره. قال النابغة :
فعدِّ عمّا ترى إذْ لا ارتجاعَ له *** وانم القُتود على عَيرانةٍ أُجُدِ (5)
1) ديوان امرئ القيس 86 واللسان (عدا).
2) أنشده فى اللسان (عدا 257).
3) المنقلة : الأرض فيها حجارة تنقلها قوائم الدواب من موضع إلى موضع. وفى الأصل «المشغلة» ، تحريف. وفسر «العدواء» فى المجمل بأنها بعد الدار.
4) ديوان ذى الرمة 570 واللسان (سقم). وعجزه فى المجمل (عدا) واللسان (عدا 261). وكلمة «الدار» ساقطة من الأصل وإثباتها من المراجع السالفة الذكر.
5) ديوان النابغة 17 واللسان (نمى).
وتقول : تعدّيت المفازةَ ، أى تجاوزتُها إلى غيرها. وعَدَّيت النّاقةَ أُعدِّيها. قال :
ولقد عَدَّيْتَ دَوْسَرَةً *** كعَلَاة القَيْنِ مِذكارا (1)
ومن الباب : العدُوّ ، وهو مشتقٌّ من الذى قدّمْنا ذِكره ، يقال للواحد والاثنين والجمعِ : عدوّ. قال اللّه تعالى فى قِصّة إبراهيم : ( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ) . والعِدَى والعُدَى والعادِى (2)والعُدَاة. وأمّا العُدَواء فالأرض اليابسة الصلبة ، وإنَّما سمِّيت بذلك لأنّ مَن سكنها تعدّاها. قال الخليل : وربَّما جاءت فى جوف البئر إذا حفرت ، وربَّما كانت حجراً حتَّى يَحِيدوا عنها بعضَ الحَيْد. وقال العجّاج فى وصف الثَّور وحَفْره الكِنَاس ، يصفُ أنّه انتهى إلى عُدَوَاءَ صُلبةٍ فلم يُطِقْ حَفْرَها فاحرَوْرَف عنها :
وإن أصابَ عُدَوَاءَ احْرَورفا *** عنها ووَلَّاها الظُّلوف الظُّلَّفا (3)
والعُدْوة : صَلابةٌ من شاطىء الواد. ويقال عُدْوة ، لأنّها تُعادِى النّهر مثلا ، أى كأنّهما اثنان يتعاديَانِ. قال الخليل : والعَدَويّة من نبات الصَّيف بعد ذَهاب الرَّبيع ، يخضرُّ فترعاه الإبل. تقول : أصابت الإبل عَدَويَّه ، وزنه فَعَليّة.
عدب العين والدال والباء زعم الخليل أنَّه مهمل ، ولعلّه لم يبلغْه فيه شىء. فأمّا البناء فصحيح. والعَدَاب : مسترِقٌّ من الرَّمل. قال ابن أحمر :
كثَور العَدَاب الفَرْدِ يَضْرِبُه الندى *** تَعلَّى النَّدى فى مَتْنِهِ وتحدّرا (1)
واللّه أعلم.
عذر العين والذال والراء بناءٌ صحيح له فروعٌ كثيرة ، ما جعَلَ اللّه تعالى فيه وجهَ قياسٍ بَتَّةً ، بل كلُّ كلمةٍ منها على نَحوِها وجِهَتها مفردة. فالعُذْر معروف ، وهو رَوْم الإنسان إصلاحَ ما أُنكِرَ عليه بكلام. يُقال منه : عَذَرْتُه فأنا أعْذِرُه عَذْراً ، والاسم العُذْر. وتقول : عَذَرْتُه من فلان ، أى لُمْتُه (2)ولم ألُم هذا. يُقال : مَن عذيرى من فلان ، ومَن يَعذِرنى منه. قال :
أريد حِبَاءه ويُريدُ قَتْلى *** عَذيرَكَ من خليلكَ من مُرادِ (3)
ولو لاقياني ومعي سلاحي *** تكشف شحم للبك من سواء
وتروى الأبيات التى منها هذا البيت لدريد بن الصمة فى الأغانى. وانظر الأغانى (11 : 32). وكان على إذا نظر إلى ابن ملجم يتمثل بهذا البيت ، كما فى الأغانى والكامل وأمثال الميدانى. وأنشد عجزه فى اللسان (عذر 222).
ويقال إنّ عَذِير الرّجل : ما يروم ويُحاوِل ممّا يُعذَر عليه إذا فَعَله. قال
الخليل : وكان العجّاجُ يرمُّ رَحْلَه (1)لسفرٍ أرادَه ، فقالت امرأتُه : ما [هذا] الذى ترُمُ (2)؟ فقال :
جارِىَ لا تستنكرى عَذِيرى (3)
يريد : لا تُنكرِى ما أحاول. ثم فَسَّر فى بيتٍ آخر فقال :
سيرى وإشفاقى على بعيرى (4)
وتقول : اعتذر يَعتذِر اعتذاراً وعِذْرة من ذنبه فعذرْتُه. والمَعذِرة الاسم. قال اللّه سبحانه : ( قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ ) (5). وأعذَر فلانٌ ، إذا أبْلَى عُذْراً فلم يُلَمْ. ومن هذا الباب قولهم : عذَّر الرّجلُ تعذيراً ، إذا لم يبالِغْ فى الأمر وهو يريكَ أنّه مبالغٌ فيه. وفى القرآن: ( وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ ( مِنَ الْأَعْرابِ ) ويقرأ : المُعْذِرُون (6). قال أهل العربيّة : المُعْذِرون بالتخفيف هم الذين لهم العُذْر ؛ والْمُعَذِّرُونَ : الذين لا عُذْرَ لهم ولكنَّهم يتكلَّفون عُذرا. وقولهم للمقصِّر فى الأمر : مُعَذِّر ، وهو عندنا من العُذْر أيضاً ، لأنّه يقصِّر فى الأمر مُعوِّلا على العُذْر الذى لا يريد يتكلف (7).
1) فى الأصل : «يروم رحلة» ، صوابه مقتبس من اللسان ، ففيه : «فكان يرم رحل ناقته لسفره» ، أى يصلحه.
2) فى الأصل : «تروم» ، صوابه والتكملة التى قبله من اللسان (عذر).
3) ديوان العجاج 26 ، وهو مطلع أرجوزة له. وأنشده كذلك فى المجمل واللسان (عذر).
4) فى الديوان : «سعي وإشقاقى» ، وقد نبه عليها فى اللسان.
5) ( مَعْذِرَةً ) بالنصب ، قراءة حفص ، نصب على المفعول من أجله ، أو على المصدر ، أو على المفعول به لأن المعذرة تتضمن كلاما ، وحينئذ تنصب بالقول ، كقلت خطبة. وقد وافقه فى هذه القراءة اليزيدى مخالفاً أبا عمرو. وباقى القراء على الرفع على الخبرية ، أى هذه معذرة ، أو موعظتنا معذرة. إتحاف فضلاء البشر 232.
6) هذه قراءة يعقوب ، ووافقه الشنبوذى. والباقون بفتح العين وتشديد الذال المكسورة. إتحاف فضلاء البشر 244.
7) كذا وردت هذه العبارة.
وباب آخَر لا يشبه الذى قبلَه ، يقولون : تعذَّر الأمرُ ، إذا لم يَستقِم. قال امرؤُ القيس :
ويوماً على ظَهرِ الكَثيب تعَذَّرتْ *** عَلَىَّ وآلت حَلْفةً لم تَحَلَّلِ (1)
وبابٌ آخَر لا يشبه الذى قبلَه : العذار : عِذار اللِّجام. قال : وما كان على الخَدَّين من كىٍّ أو كدحٍ طُولاً فهو عذار. تقول من العِذَار : عَذَرْتُ الفرس فأنا أعذُرُه عَذْراً بالعِذار ، فى معنى ألجمته. وأعْذَرتُ اللِّجام ، أى جعلت له عِذاراً. ثم يستعيرون هذا فيقولون للمنهمِك فى غَيِّه : «خَلَعَ العِذار». ويقال من العِذار : عَذّرْتُ الفرسَ تعذيراً أيضاً.
وبابٌ آخرُ لا يشبه الذى قبلَه : العِذَار (2)، وهو طعامٌ يدعى إليه لحادثِ سُرُور. يقال منه : أعذروا إعذاراً. قال :
كلِّ الطَّعامِ تشتهى ربيعَهْ *** الخُرْسَ والإعذارَ والنقيعهْ (3)
ويقال بل هو طعامُ الخِتان خاصّة. يقال عُذِر الغُلامُ ، إذا خُتِنَ. وفلانٌ وفلانٌ عذارُ عامٍ واحد (4).
وباب آخر لا يشبه الذى قبله : العَذَوَّر ، قال الخليل : هو الواسع الجَوف الشديد العِضاض (5). قال الشاعر يصف الملْكَ أنه واسعٌ عريض :
1) البيت من معلقته المشهورة.
2) ويقال له أيضاً «إعذار» و «عذير» و «عذيرة».
3) الرجز فى اللسان (خرس ، عذر ، نقع).
4) فى اللسان : «وفى الحديث : كنا إعذار عام واحد ، أى ختنا فى عام واحد. وكانوا يختتنون لسن معلومة فيما بين عشر سنين وخمس عشرة».
5) هذا من صفة الحمار ، كما فى اللسان وكما سيأتى. وفى المجمل : «وحمار عذور : واسع الجوف».
وحازَ لنا اللّه النُّبوّةَ والهدى *** فأعطى به عزَّا ومُلكا عَذَوَّرَا
ومما يشبه هذا قول القائل يمدح (1):
إذا نزلَ الأضيافُ كان عذَوَّراً *** على الحىِّ حتى تَستقِلَّ مَرَاجِلُه (2)
قالوا : أراد سيئَ الخلق حَتَّى تُنصَب القُدور. وهو شبيه بالذى قاله الخليل فى وصف الحمار الشديد العضاض.
وبابٌ آخَر لا يشبه الذى قبله : العُذْرة : عُذْرَة الجارية العذراء ، جاريةٌ عذراءُ : لم يَمسَّها رجل. وهذا مناسبٌ لما مضى ذكرُه فى عُذْرة الغلام.
وبابٌ آخر لا يشبه الذى قبله : العُذرة : وجعٌ يأخذ فى الحَلْقِ. يقال منه : عُذِر فهو معذور. قال جرير :
غمزَ ابن مُرَّةَ يا فرزدَقُ كَيْنَهَا *** غَمْزَ الطبيبِ نَغانغ المعذورِ (3)
يفرج عمران بن مرة كينها *** وينزو نزاه العبر أعلق حائله
وبابٌ آخر لا يشبه الذى قبله : العُذْرة : نجمٌ إذا طلع اشتدَّ الحر ، يقولون : «إذا طلعَتِ العُذْرة ، لم يبق بعُمان بُسْرَة».
وباب آخر لا يشبه الذى قبله : العُذْرة : خُصلةٌ من شعر ، والخُصلة من عُرف الفَرَس. وناصيتُه عُذرة. وقال :
سَبِط العُذَرةِ ميّاح الحُضُرْ ه
1) الحق أن الشعر رثاء ، والقائل هو زينب بنت الطثرية ترثى أخاها يزيد ، من مقطوعة فى الحماسة (1 : 432 - 433) وحماسة البحترى 433. وأنشد البيت فى المجمل واللسان (عذر).
2) الحق أن الشعر رثاء ، والقائل هو زينب بنت الطثرية ترثى أخاها يزيد ، من مقطوعة فى الحماسة (1 : 432 - 433) وحماسة البحترى 433. وأنشد البيت فى المجمل واللسان (عذر).
3) سبق إنشاده وتخريجه فى (دغر). وابن مرة هذا هو عمران بن مرة المنقرى ، وكان أسر «جعثن» أخت الفرزدق يوم السيدان ، وفى ذلك يقول جرير أيضاً (انظر اللسان كين) :
وبابٌ آخر لا يشبه الذى قبلة : العَذِرة : فِناء الدّار. وفى الحديث : «اليهودُ أنتَنُ خَلْقِ اللّه عَذِرَة». أى فِناءً. ثم سمِّى الحَدَثُ عَذِرة لأنَّه كان يُلقَى بأفنية الدُّور.
عذق العين والذال والقاف أصلٌ واحد يدلُّ على امتدادٍ فى شىء وتعلق شىء بشىء. من ذلك العِذْق عِذْق النَّخلة ، وهو شمراخ من شماريخها. والعَذْق : النخلة ، بفتح العين. وذلك كله من الأشياء المتعلِّقة بعضُها ببعض. قال :
ويُلْوِى بريَّان العَسِيب* كأنه *** عَثَاكِيل عَذْقٍ من سُمَيْحَة مُرطب (1)
قال الخليل : العِذْق من كلِّ شىء : الغُصْن ذو الشُّعَب.
ومن الباب : عُذِقَ الرّجُل ، إذا وُسمَ بعلامةٍ يُعرَف بها. وهذا صحيح ، وإنما هذا من قولهم : عَذَقَ شاتَهُ يَعْذُقُهَا عَذْقاً ، إذا علَّقَ عليها صوفةً تخالفُ لونَها.
وممّا جرى مجرى الاستعارة والتمثيل قولهم : «فى بنى فلانٍ عِذْقٌ كَهْلٌ» إذا كان فيهم عِزُّ ومَنْعَة. قال ابن مُقْبِل :
وفى غَطَفَانَ عِذْقُ صِدقٍ ممنَّعٌ *** على رغم أقوامٍ من النّاس يانعُ (2)
عذل العين والذال واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على حَرٍّ (3)وشِدَّةٍ فيه ، ثم يقاس عليه ما يقاربه. من ذلك اعتذَل الحرُّ : اشتدّ. قال أبو عبيد : أيّام مُعتذلات : شديداتُ الحرارة.
ومما قيس على هذا قولهم : عَذَل فلانٌ فلاناً عَذْلاً ، والعَذَل الاسم. ورجلٌ عذّالٌ وامرأةٌ عذَّالة ، إذا كثر ذلك منهما. والعُذَّال الرِّجال ، والعُذّل النِّساء. وسمِّىَ هذا عَذْلاً لما فيه من شدّة ومَسِّ لَذْع. قال :
غَدَتْ عَذَّالتَاىَ فقلتُ مهلاً *** أفى وجدٍ بسَلمى تَعذُلانِى (1)
عذم العين والذال والميم أُصيلٌ صحيح يدل على عَضٍّ وشِبهه. قال الخليل : أصل العَذمِ العضّ ، ثم يقال : عَذَمَهُ بلسانه يَعْذِمُه عَذْماً ، إذا أخذه بلسانه. والعَذيمة : الملامة. قال الراجز :
يَظَلُّ مَن جارَاه فى عذائمِ *** من عنفوانِ جريِهِ العُفاهِمِ (2)
أى مَلَامَات. وفرسٌ عَدوم. فأما العَذَمْذَم فإن الخليل ذكره فى هذا الباب بغين معجمة ، وقال غيره : بل هو غَذَمْذَم بالغين. قال الخليل : وهو الجُرَاف : يقال : مَوت غَذَمْذَم : جُراف لا يُبقى شيئاً. قال :
ثِقالُ الجفانِ والحلومِ رحاهُم *** رَحَى الماء يكتالون كَيْلاً عَذَمذَما (3)
عذى العين والذال والحرف المعتل أُصيل صحيح يدلُ على طِيبِ تُربة. قال الخليل وغيره : العَذَاةُ : الأرض الطيِّبة التربة ، الكريمة المَنبِت. قال :
بأرضٍ هِجانِ التُّرْب وسمَّية الثَّرَى *** عَذَاةٍ نأت عنها المُؤُوجة والبحرُ (4)
1) أنشده فى اللسان (عذل).
2) الرجز فى اللسان (عذم ، عفهم). وقد نسبه فى (عفهم) إلى غيلان والبيت الأول فى المخصص (12 : 175).
3) البيت لشقران مولى سلامان ، كما فى اللسان (غذم) من مقطوعة اختارها أبو تمام فى الحماسة (2 : 274).
4) ديوان ذى الرمة 211 واللسان (عذا ، مأج). ورواية الديوان والمجمل والموضع الأول من اللسان : «الملوحة».
قال : والعِذْىُ : الموضع يُنبِت شتاءً وصيفا من غير نَبع. ويقال : هو الزرع لا يُسقَى إلّا من ماء المطر ، لبُعده من المياه. قالوا : ويقال لها العَذا ، الواحدة عَذاةٌ. وأنشدوا :
بأرضٍ عَذاةٍ حَبَّذا ضَحَواتُها *** وأطيبُ منها ليلُه وأصائله
عذب العين والذال والباء أصلٌ صحيح ، لكنّ كلماتِه لا تكاد تنقاس ، ولا يمكن جمعُها إلى شىء واحد. فهو كالذى ذكرناه آنفاً فى باب العين والذال والرّاء. وهذا يدلُّ على أنّ اللُّغة كلِّها ليست قياساً ، لكنْ جُلُّها ومعظمُها.
فمن الباب : عَذُبَ الماء يَعْذُبُ عُذُوبَةً ، فهو عَذْبٌ : طيّب. وأعذَبَ القومُ ، إذا عذُب ماؤهم. واستعذبوا ، إذا استقَوا وشَرِبوا عَذْباً.
وبابٌ آخر لا يُشبِه الذى قبلَه ، يقال : عَذَب الحمار يَعْذِب عَذْباً وعُذوبا فهو عاذبٌ [و] عَذُوب : لا يَأكل من شدّة العطش. ويقال : أعذَبَ عن الشَّىء ، إذا لَهَا عنه وتركَه. وفى الحديث : «أعْذِبوا عن ذِكْر النِّساء». قال :
وتبدَّلوا اليعبوبَ بعد إلههم *** صَنَماً ففِرّوا يا جَديَل وأعذِبُوا (1)
ويقال للفرس وغيرِه عَذوبٌ ، إذا بات لا يأكل شيئاً ولا يشرب ، لأنّه ممتنع من ذلك.
وبابٌ آخَر لا يشبه الذى قبله : العَذُوب : الذى ليس بينه وبين السّماء سِتر ، وكذلك العاذب. قال نابغةُ الجعدىُ (2)
ونابغة الجعدى بالرمل بيته *** ؟صفيح من تراب موضع
: عفباتَ عَذُوباً (1)للسَّماء كأنّه *** سُهيلٌ إذا ما أفردَتهُ الكواكبُ
فأمّا قول الآخر :
بِتنَا عُذُوباً وباتَ البَقُّ يلْسِبُنا *** عند النُّزول قِراناً نبْحُ دِرْواسِ (2)
بلتا وبات جليد اليل يضربنا *** بين البيوت قراا نبع درواس
وفى اللسان (لسب ، بقق ، شوى) :
بلنا عذوبا وبات البقى يلبسنا *** نشوى القراح كأن لاحى بالوادؤ
ورواية اللسان (ندل) والتبريزى (1 : 384): «عند الندول» ، بفتح النون بعدها دال وذكر أنه اسم رجل وصدره فيهما :بتناوبات سقبط العلل يضربنا.
فممكن أن يكونَ أراد : ليس بيننا وبين السَّماء سِتر ، وممكنٌ أن يكون من الأول إذا باتُوا لا يأكلون ولا يَشرَبون.
وحكى الخليل : عذَّبتُه تعذيباً ، أى فَطَمتُه. وهذا من باب الامتناع مِن المأكل والمَشرَب.
وبابٌ آخرُ لا يُشبِه الذى قبله : العَذاب ، يقال منه : عذَّب تعذيباً. وناسٌ يقولون : أصل العَذاب الضَّرب. واحتجُّوا بقول زُهير :
وخَلْفَها سائقٌ يحدُو إذا خَشيت *** منه العَذابَ تمدُّ الصُّلبَ والعُنُقا (3)
قال : ثم استُعِير ذلك فى كلِّ شِدّة.
وبابٌ آخرُ لا يُشبِه الذى قبله ، يقال لطَرَف السَّوط عَذَبة ، والجمع عَذَب. قال :
غُضْفٌ مهرَّتَة الأشداقِ ضارية *** مثلُ السَّراحين فى أعناقها العَذَبُ (4)
والعَذَبة فى قضيب البعير : أسَلتُه. والعُذَيب : موضع. .
عرز العين والراء والزاء أصل صحيح يدلُّ على استصعابٍ وانقباض. قال الخليل : استعرز عليَّ مثل استصعب. وهذا الذى قاله صحيح ، وحجّته قولُ الشّمّاخ :
وكلُّ خليلٍ غير هاضِمِ نفسِه *** لوصلٍ خليلٍ صارمٌ أو مُعارِزُ (1)
أراد المنقبِض عنه.
والعرب تقول : «الاعتراز الاحتراز» ، أى الانقباضُ داعيةُ الاحتراز. يَنْهَون عن التبسُّط والتذرُّع ، فربّما أدَّى إلى مكروه. ويقال العَرْز : اللَّوم والعَتْب فى بيت الشماخ ، وهو يرجع إلى ذاك الذى ذكرنا.
عرس العين والراء والسين أصل واحد صحيح تعود فرُوعه إليه (2)، وهو الملازمة. قال الخليل : عَرِس به ، إذا لزِمَه. فمن فروع هذا الأصل العِرْس : امرأة الرَّجل ، ولبُؤة الأسد. قال امرؤ القيس :
كذَبتِ لقد أُصِبى على [المرء]عِرسَه *** وأمنعُ عرسى أن يُزنَّ بها الخالى (3)
ويقال إنّه يُقال للرجُل وامرأتِه عرسانِ ؛ واحتجُّوا بقول علقمة :
أَدْحِىَ عِرْسَينِ فيه البيضُ مركومُ (1)
حتى تلاقى وقرت الشمس مرتفع
ورجل عَرُوسٌ فى رجال عُرُس ، وامرأةٌ عروسٌ فى نسوةٍ عرائس وعُرُس. وأنشد :
جَرَّتْ بها الهُوج أذيالاً مظاهرة *** كما تجرُّ ثياب الفُوَّةِ العُرُسُ (2)
وزعم الخليل أنّ العَرُوسَ نعتٌ للرّجُل والمرأة على فَعُول وقد استويا فيه ، ماداما فى تعريسهما أياماً إذا عَرَّس أحدهما بالآخَر. وأحسنُ [من] ذلك أن يقال للرجل مُعْرِس ، أى اتَّخذَ عَروسا. والعرب تؤنّث العُرْسُ (3). قال الراجز :
إنا وجَدْنا عُرُس الحَناطِ *** مذمومةً لئيمةَ الحُوَّاط (4)
لدعى مع اللساج و؟
وانظر المخصص (17 : 92) واللسان وأساس البلاغة (حوط).
وقال فى المُعْرِس :
يمشِى إذا أخذ الوليدُ برأسِهِ *** مشياً كما يمشى الهجين المُعْرِسُ
قال أبو عمرو بن العلاء يقال : أعرَسَ الرّجلُ بأهله ، إذا بَنَى بها ، يُعرِس إعراساً ، وعَرَّس يُعرِّس تعريساً. وربَّما اتسعوا فقالوا للغِشْيان : تعريسٌ وإعراس. ويقال : تعرَّس الرّجلُ لامرأته ، أى تحبَّب إليها. قال يونس : وهو ما يدلُّ على القياس الذى قِسناه. [و] عَرس الصبىُّ بأمِّه يَعْرَس ، تقديره علِمَ يعلم ، وذلك إذا أُولِعَ بها ولزِمَها. وكذلك عَرِسَ الرّجلُ بصاحبه. قال المعقِّر :
وقد عَرِسَ الإناخة والنُّزُولَا (1)
وذكر الخليل : عَرِسَ يَعرَسُ عَرَساً ، إذا بَطِر ، ويقال : بل أعيا وفَكَل. وهذا إنَّما يصحُّ إذا حُمِل على القياس الذى ذكرناه ، وذلك أنْ يَعرَس عن الشَّىء بالشَّىء. قال الأصمعىّ : عَرِسَتِ الكلابُ عن الثَّور ، أى بَطِرَتْ عنه. وهذا على ما ذكرناه كأنَّها شُغِلَتْ بغيره وعَرِسَتْ.
قال يعقوب : العِرْس من الرِّجال : الذى لا يبرح القِتال ، مثل الحِلْس. وقال غيره : رجل عَرِسٌ مَرِسٌ. ومن الباب العِرّيسُ : مأوَى الأسد فى خِيسٍ من الشجر والغِياض ، فى أشدِّها التفافاً. فأمّا قول جرير :
مُستحصِدٌ أجَمِى فِيهمْ وعِرِّيسِى (2)
وصدره فى الديوان :
أنى امرؤ ن تزار في أرومتهم
فإنَّه يعنى منبِت أصله فى قَومِه. ويقال عِرِّيس وعِرِّيسة. وتقول العرب فى أمثالها :
كمُبتَغِى الصَّيد فى عِرِّيسَةِ الأسدِ (3)
والعرينة : العرين. وهو بالصورة الأولى شطر بيت من البسيط ، وعلى الرواية الأخيرة نثر لا شعر.
ومن الباب التَّعريس : نُزول القوم فى سَفرٍ من آخِر الليل ، يقعون وَقْعةً ثم
يرتحلون. قلنا فى هذا : وإنّ خَفّ نزولُهم فهو محمولٌ على القياس الذى ذكرناه ، لأنَّهم لا بدَّ [لهم] من المقام. قال زهير :
وعرَّسُوا* ساعةً فى كُثْب أسْنُمَةٍ *** ومنهمُ بالقَسُوميّاتِ مُعتَرَكُ (1)
شحوا قليلا ففا كشبان أستمة
وقال ذو الرُّمَّة :
معرّساً فى بياض الصُّبح وَقعتُه *** وسائر السَّير إلّا ذاك مُنجذِبُ (2)
ومن الباب : عَرَستُ البعيرَ أعرُسُه عَرْساً ، وهو أن تشدَّ عنقه مع يديه وهو باركٌ. وهذا يرجع إلى ما قلناه.
وممّا يقرُب من هذا الباب المعرَّس : الذى عُمِلَ له عَرْس (3)، وهو الحائطُ يُجعَل (4)بينَ حائِطَى البَيْت ، لا يبلغ به أقصاه ، ثم يوضع الجائز من طرف العَرس الداخل إلى أقصى البيت ، ويسقّف البيتُ كلُّه.
ومن أمثالهم : «لا مَخْبَأَ لعِطرٍ بعدَ عروس» ، وأصله أن رجلاً تزوّجَ امرأةً فلمَّا بنَى بها وجدها تَفِلَة ، فقال لها : أين الطيِّب؟ فقالت : خَبَأته! فقال : لا مخبأَ لعطرٍ بعدَ عَروس.
عرش العين والراء والشين اصلٌ صحيح واحد ، يدلُّ على ارتفاعٍ فى شىءٍ مبنىّ ، ثم يستعارُ فى غير ذلك. من ذلك العَرْش ، قال الخليل : العرش : سرير الملِك. وهذا صحيحٌ ، قال اللّه تعالى : ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ) .
ثم استُعير ذلك فقيل لأمر الرّجُل وقِوامه : عرش. وإذا زال ذلك عنه قيل : ثُلَ عَرشُه. قال زهير :
تداركتُما الأحلافَ قد ثُلَ عرشُها *** وذُبْيانَ إذْ زَلّت بأقدامها النَّعلُ (1)
ومن الباب : تعريش الكَرْم ، لأنّه رفعه والتوثُّق منه. والعريش : بناءٌ من قُضبانٍ يُرفَع ويوثَّق حتَّى يظلّل. وقيل للنبىّ صلى اللّه عليه وآله وسلم يومَ بدرٍ : «ألَا نَبْنِى لك عريشاً». وكلُّ بناءٍ يُستَظَلُّ به عَرْشٌ وعَريش. ويقال لسَقْف البَيت عَرْش. قال اللّه تعالى : ( فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ) . والمعنى أنَّ السَّقف يسقُط ثم يتَهافت عليه الجُدرانُ ساقطةً. ومن الباب العَرِيش ، وهو شِبْه الهَوْدَج يُتَّخَذ للمرأة تقعُد فيه على بعيرها. قال رؤبة يصف الكِبَر :
إمَّا تَرىْ دهراً حَنَانى حَفْضَا *** أطْرَ الصَّنَاعَينِ العريشَ القَعْضَا (2)
ومما جاء فى العريش أيضاً قولُ الخنساء :
كانَ أبو حسَّانَ عرشاً خَوَى *** ممّا بناهُ الدّهرُ دَانٍ ظليلْ (3)
إن أبا حسان عرش هوى *** مما بنى اللّه بكن ظفيل
فأمّا قولُ الطِّرِمَّاح :
قليلاً تُتَلِّى حاجةً ثم عُولِيَتْ *** على كلِ مَعروش الحصيرينِ بادنٍ (4)
فقال قوم : أراد العَريش ، وهو الهودج. وحِصيراهُ : جنْباه. .
ويقال : المعروش : الجمل الشَّديد الجنبَين.
ومن الباب : عَرَشْتُ الكرم وعَرَّشْتُه. يقال : اعتَرش العنبُ ، إذا علا على العَرش. ويقال : العُرُوش : الخِيام من خشبٍ ، واحدُها عريش. وقال :
كوانِساً فى العُرُش الدَّوامجِ
الدَّوامج : الدواخل.
ومن الباب : عَرْش البِئر : طيُّها بالخشَب. قال بعضهم : تكون البئرُ رِخوةَ الأسفل والأعلَى فلا تُمسِكُ الطّىَّ لأنَّها رَملة ، فيعرَّش أعلاها بالخشَب ، يُوضَع بعضُه على بعض ، ثمَّ يَقُوم السُّقاة عليه فيستقون. وأنشد :
وما لَمثَابات العُروشِ بقِيَّةٌ *** إذا استُلَّ من تحت العُروش الدَّعائمُ (1)
المَثَابة : أعلى البثر حيث يقوم السَّاقى. وقال بعضهم العَرْش الذى يكون على فم البئر يقوم عليه السَّاقى. قال الشُمَّاخ :
ولما رأيت الأمرَ عرشَ هوّيةٍ *** تَسَلَّيْتُ حاجاتِ الفؤادِ بشَمَّرا (2)
الهُوَيَّة : الموضع الذى يهوِى مَن يقوم عليه ، أى يسقطُ. وقال الخليل : وإذا حَمَل الحمارُ على العانةِ رافعاً رأسَه شاحياً فاه قيل : عَرَّشَ بعانته تعريشاً. وهذا من قياس البابِ ، لرفعِهِ رأسه.
ومن الباب العُرْش : عُرْش العنُق ، عُرشانِ بينهما الفَقار ، وفيهما الأخْدَعَانِ ، وهما لحمتانِ مستطيلتانِ عَدَاءَ العنُق ، أى ناحيةَ العنق. قال ذو الرُّمَّة :
وعبدُ يغوثٍ تَحْجُلُ الطَّيْرُ حولَه *** قد احتَزَّ عُرْشَيه الحُسامُ المذكَّرُ (1)
وزعم ناسٌ أنَّهما عَرشان بفتح العين. والعَرش فى القَدَم : ما بين العَيْر والأصابع من ظَهر القَدَم ، والجمع عِرَشَةٌ. وقد قيل فى العُرْشَين أقوالٌ متقاربة كرِهنا الإطالةَ بِذِكْرِها. ويقال إنّ عَرْش السِّماك : أربعةُ كواكبَ أسفَلَ من العَوّاء ، على صورة النَّعش. ويقال هى عَجُز الأسد. قال ابن أحمر :
باتَتْ عليه ليلةٌ عَرْشِيَّةٌ *** شَرِيَتْ وباتَ إلى نقاً متهدِّدِ (2)
يصف ثوراً. وقوله : «شريت» أى ألحَّت بالمطر.
عرص العين والراء والصاد أصلانِ صحيحان : أحدهما يدلُّ على إظْلال شىءٍ على شىء ، والآخر يدلُّ على الاضطراب. وقد ذكر الخليلُ القياسين جميعاً.
قال الخليل : العَرْص : خشبة توضَع على البيت عَرْضاً إذا أُريد تسقيفُه ، ثم يُوضَع عليها أطرافُ الخشب. تقول عَرَّصت السّقفَ تعريصاً. وهذا الذى قاله
1) ديوان ذى الرمة 236 واللسان والمجمل (عرش). وعبد يغوث هذا ، هو عبد يغوث ابن وقاص بن صلاءة الحارثى ، كما فى شرح الديوان.
2) روى فى اللسان (عرش): «على نقا متهدم» ، وفى المجمل : «متهدم» كذلك ، وكتب بعده بخط مخالف لأصله : «أو على [نقا] متهدم ، شك الشيخ أيده اللّه». وفى أساس البلاغة : «على نقا يتهدد» ، وعقب عليه بقوله : «شريت : لجت فى الأمطار. يتهدد : ينهد وينهار».
الخليلُ صحيح ، إلّا أنَ العَرْص إنما هو السَّقْف بتلك الخشبةِ وسائرِ ما يتمُّ به التسقيف.
وقال الخليل أيضاً : العَرَّاص من السَّحاب : ما أظَلَّ من فوقُ فقرُبَ حتى صار كالسَّقْف ، لا يكون إلّا ذا رعدٍ وبرق. فقد قاس الخليلُ قياس ما ذكرناه من الإظلال فى السَّقْف والسَّحاب. وأنشد :
يَرْقَدُّ فى ظِلِ عَرَّاصٍ ويَطرده *** حفيفُ نافجةٍ عُثْنُونُها حَصِبُ (1)
ألا تَراهُ جعل له ظِلًّا.
والأصل الآخر الدالُ على الاضطراب. قال الخليل : العَرّاص أيضاً من السَّحاب : ما ذهبت به الرِّيح وجاءت. قال : وأصل التعريص الاضطراب ، ومنه قيل : رُمحٌ عَرَّاصٌ ، لاضطرابه إذا هُزَّ. قال أبو عمرو : ويقال ذلِك فى السَّيف أيضاً ، وذلك لبَريقِه ولمَعانه. ورُمحٌ عَرَّاصُ المهزَّة ، وبرقٌ عَرَّاص. قال :
وكلّ غادٍ عَرِصِ التَّبَوُّجِ
ومن الباب : عَرْصَة الدّار ، وهى وَسْطها ، والجمع عَرَصات وعِراص (2)قال جميل :
وما يُبكيكَ من عَرَصاتِ دارٍ *** تَقَادَمَ عهدُها ودنا بِلَاها
ويقال : سمِّيت عَرصةً لأنَّها كانت ملعباً للصبيان ومُختَلَفاً لهم يضطربون فيه كيف شاءوا. وكان الأصمعىُّ يقول : كلُّ جَوْبة (3)مُنْفتقة ليس فيها بناءٌ فهى عَرصة.
ومن الباب : العَرَصُ ، وهو النَّشاط ، يقال : عَرِصَ ، إذا أشِرَ. قال : وتقول : حلبتها حَلَباً كَعَرص الهِرَّة ، وهو أشَرُها ونشاطُها ولَعِبُها بيديها. واعتَرَصَ مثل عَرَص. قال:
إذا اعترصْتَ كاعتراصِ الهِرّهْ *** أوشكتَ أن تسقُطَ فى أُفُرَّهْ (1)
وقال أبو زيد : عَرَصَتِ السماء تَعْرِصُ عَرْصاً ، إذا دام برقُها. وباتت السَّماء عَرَّاصةً. ويقال : غَيثٌ عَرَّاصٌ ، أى لا يَسكُنُ برقُه.
ومن الباب : عَرِصَ البيتُ. قال : هو من خُبْثِ الرِّيح. وهذا مع خُبْثِ ريحه فإنّ الرّائحةَ لا تثبتُ بمكان ، بل هى تضطرِب. ومن ذلك لحم مُعَرَّصٌ ، قال قوم : هو الذى فيه نُهوءةٌ لم يَنْضَج. وأنشد :
سيكفيك صَرْبَ القَومِ لحمٌ مُعَرَّصٌ *** وماء قُدُورٍ فى القِصاع مَشُوبُ (2)
عرض العين والراء والضاد بناءٌ تكثرُ فروعُه ، وهى مع كثرتها ترجعُ إلى أصلٍ واحد ، وهو العَرْض الذى يُخالف الطُّول. ومَنْ حَقَّقَ النظرَ ودقَّقه عَلِمَ صحَّة ما قلناه ، وقد شرحنا ذلك شرحاً شافياً.
فالعَرْض : خِلافُ الطُّول. تقول منه : عَرُض الشىء يعرُضُ عِرَضاً (3)، فهو عريض.
1) الرجز فى مجالس ثعلب 584 واللسان (عرص).
2) البيت للسليك بن السلكة فى الأصح ، وقيل للمخبل السعدى ، كما فى اللسان (عرص ، عرض ، شوب) وأنشده فى المجمل (عرس) أيضاً بهذه الرواية ، وكتب تحتها : «ومشيب» أى هما روايتان. وروايته فى اللسان (صرب): «فى الجفان مشوب». وفى (عرص ، شوب) : «فى القصاع مشيب». وفى (عرص): «فى الجفان مشيب».
3) فى الأصل : «عرضا وعرضا» ، وفيه تكرار. انظر اللسان والقاموس.
وقال أبو زيد : عَرُض عَرَاضَةً. وأنشد :
إذا ابتدرَ القَوْمُ المكارمَ عَزَّهُمْ *** عَرَاضَةُ أخلاقِ ابنِ ليلَى وطولُها (1)
وقَوْسٌ عُرَاضَةٌ : عريضة. وأعْرضت المرأةُ أولادَها : ولدَتْهم عِرَاضاً ، كما يقال أطالت فى الطول.
ومن الباب : عَرَضَ المتاعَ يَعْرِضُه عَرضاً. وهو كأنَّه فى ذاك قد أراهُ عَرْضَه. وعَرَّض الشىء تعريضاً : جعلَه عَريضاً.
ومن ذلك عَرض الجُنْد : أن تُمِرَّهم عليك ، وذلك كأنَّكَ نظرتَ إلى العارضِ مِن حالهم. ويقال للمعروض من ذلك : عَرَضٌ متحركة ، كما يقال قَبَضَ قَبَضاً ، وقد ألقاه فى القَبَض. وعَرَضُوهم على السَّيف عَرْضاً ، كأنَّ السَّيف أخذَ عَرْضَ القوم فلم يَفُتْه أحد. وعَرَضْتُ العُود على الإناء أعْرُضُه بضم الراء ، إذا وضعتَه عليه عَرْضاً. وفى الحديث : «هَلّا خَمّرْتَه ولو بعُود تَعرُضُه عليه». ويقال فى غير ذلك : عَرَض يعرِض ، بكسر* الراء. وما عَرَضْتُ لفلانٍ ولا تَعرِضْ له ، وذلك أن تجعل عَرْضَك بإزاء عَرْضِه. ويقال : عَرَض الرُّمْحَ يَعرِضُه عَرْضاً. قال النّابغة :
لهن عليهم عادةٌ قد عَرَفْنَها *** إذا عرضُوا الخَطِّىَّ فوقَ الكوائِبِ (2)
وعَرَضَ الفرسُ فى عَدْوِهِ عَرْضاً ، كأنَّه يُرِى النّاظرَ عَرْضَه. قال :
يَعْرِض حتَّى ينَصب الخيشومَا (3)
1) البيت لجرير ، كما فى اللسان (عرض). وأنشده فى المجمل بدون نسبة ، وهو مما لم يرو فى ديوان جرير. وابن ليلى ، هو عبد العزيز بن مروان.
2) ديوان النابغة. واللسان (عرض). فى الديوان : «إذا عرض الخطلى». وفى اللسان : «إذا عرضوا» بتشديد الراء ، وهى لغة فى عرض الرمح.
3) نسبه فى اللسان (عرض 41) إلى رؤبة. وهو فى ملحقات ديوانه 185.
قالوا : إذا عَدا عارضاً صدرَه ، أو مائلاً برأسِه. ويقال : عَرَض فلانٌ من سلمته ، إذا عارَضَ بها ، أعطى واحدةً وأخذ أخرى. ومنه :
هل لَكِ والعارضُ مِنْكِ عائضُ (1)
يا ليل أسقاك البريق الوامس
وقد سبق فى (عوض).
أى يعارضُكِ فيأخذُ منكِ شيئاً ، ويُعطيكِ شيئاً. ويقال : عَرَضْتُ أعْواداً بعضَها على بعض ، واعترضت هى. قال أبو دُواد :
تَرَى الرِّيشَ فى جوفِه طامياً *** كعَرْضِك فوق نِصَالٍ نصالا (2)
يصف الماءَ أنّ الرِّيشَ بعضُه معترضٌ فوق بعض ، كما يعترض النَّصلُ على النَّصل كالصَّليب. ويقال : عَرَضْتُ له من حَقِّه ثوباً فأنا أعرِضُه ، إذا كان له حقٌّ فأعطاه ثوباً ، كأنَّه جَعَل عَرْضَ هذا بإزاءِ عَرضِ حَقِّه الذى كان له. ويقال : أعْيَا فاعتَرَض على البعير.
وذكر الخليلُ : أعرضت الشَّىء : جعلتُه عريضاً وتقول العرب : «أعْرَضْتَ القِرْفَة». وكان بعضهم يقول : «أعرضْتَ الفُرقة» ولعلَّه أجود ، وذلك للرجل يقال له : مَن تتَّهم؟ فيقول : أَتَّهمُ بنى فلانٍ ، للقبيلةِ بأَسْرها. فيقال له : أعْرَضْتَ القِرفَة ، أى جِئتَ بتُهمةٍ عريضة تعترض القبيلَ بأسره.
ومن الباب : أَعْرَضْتُ عن فلانٍ ، وأعرضْتُ عن هذا الأمر ، وأَعرَض
بوَجْهه. وهذا هو المعنى الذى ذكرناه ؛ لأنّه إذا كان كذا ولَّاه عرضه (1). والعارض إنّما هو مشتقٌّ من العَرْض الذى هو خِلافُ الطُّول. ويقال : أعْرَضَ لك الشَّىءُ من بعيدٍ ، فهو مُعرضٌ ، وذلك إذا ظهر لك وبدا. والمعنى أنّك رأيت عَرْضه. قال عمرو بن كُلثوم :
وأعْرَضَت اليمامةُ واشْمَخَرَّتْ *** كأسيافٍ بأيدى مُصْلِتِينا (2)
[و] تقول : عارضْتُ فلاناً فى السَّير ، إذا سرتَ حِيالَه. وعارَضْتُه مِثْلَ ما صَنَعَ ، إذا أتيت إليه مثلَ ما أتى إليك. ومنه اشتُقَّت المعارَضة. وهذا هو القياس ، كَأَنَ عَرْض الشَّىء الذى يفعلُه مثلُ عَرْض الشىء الذى أتاه. وقال طفيل :
وعارضْتُها رَهْواً على مُتَتابعٍ *** نَبِيلِ القُصَيْرَى خارِجىٍّ محنَّبِ (3)
ويقال : اعترَض فى الأمر فلانٌ ، إذا أدخَلَ نفسَه فيه. وعارَضْتُ فلاناً فى الطَّريق ، وعارَضْتُه بالكتاب ، واعترَضْتُ أُعْطِى مَن أقَبَلَ وأدبر. وهذا هو القياس. واعتَرَضَ فلانٌ عِرْضَ فُلانٍ يَقَعُ فيه ، أى يَفعَل فِعلاً يأخُذ عَرْضَ عِرْضِه. واعتَرَضَ الفرسُ ، إذا لم يستَقِمْ لقائِدِه. قال الطرِمَّاح :
وأرانى المليكُ رُشْدى وقد كُنْ *** تُ أخا عُنْجُهيَّةٍ واعتراضِ (4)
وتعرَّض لى فلانٌ بما أكرَهُ. ورجل عِرِّيضٌ ، أى متعرِّض.
ومن الباب : استَعْرَض الخوارجُ النّاسَ ، إذا لم يُبَالوا مَنْ قتلوا. وفى الحديث : «كُلِ الجُبْنَ عُرْضاً». أى اعترِضْه كيف كان ولا تَسْأَلْ عنه (1). وهذا كما قلناه فى إعْراض القِرْفة(2). والمُعْرِض : الذى يَعترِض النَّاس يستدين ممن أمْكَنه. ومنه حديث عمر : «ألَا إنّ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةً ادّانَ مُعْرِضاً (3)».
ومن الباب العِرض : عِرْض الإنسان. قال قومٌ : هو حَسَبُه ، وقال آخرون : نَفسه. وأىَّ ذلك كانَ فهو من العَرْض الذى ذكرناه.
وأمّا قولهم إنّ العِرْض : رِيحُ الإنسان طيّبةً كانَت أم غيرَ طيِّبة ، فهذا طريقُ المجاوزة ، لأنّها لمّا كانت مِن عِرضِه سمِّيت عِرضاً. وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : «إنَّما هو عَرَقٌ يجرى من أعراضهم». أى أبدانهم ، يدلُّ على صِحَّة هذا. واستدلوا* على أنَ العِرض : النَّفْسُ بقول حسَّانَ ، يمدح رسولَ اللّه عليه الصلاة والسلام :
هَجَوْتَ محمّداً فأجبتُ عنه *** وعند اللّهِ فى ذاك الجزاءُ (4)
فإنّ أبى ووالدَتى وعِرْضِى *** لِعِرض محمّدٍ منكم وِقاءُ (5)
وتقول : هو نقىُ العِرْض ، أى بعيدٌ من أن يُشتَمَ أو يعاب.
ومن الباب : مَعاريضُ الكلام ، وذلك أنَّه يَخرُج فى مِعْرَضٍ غَير لفظِهِ الظاهر ، فيُجعَل هذا المِعْرَض له كمِعْرَض الجارية ، وهو لباسها الذى تُعْرَض فيه ، وذلك مشتقٌّ من العَرْض. وقد قلنا فى قياس العَرْض ما كَفَى.
وزعم ناسٌ أن العربَ تقول : عرَفتُ ذاك فى عَرُوضِ كلامِه ، أى فى مَعاريضِ كلامه.
ومن الباب العَرْض : الجيش العظيم ، وهذا على مَعنى التَّشبيه بالعَرْض (1)من السَّحاب ، وهو ما سَدَّ بعَرْضِه الأفُق. قال :
كنَّا إذا قُدْنا لقومٍ عَرْضا (2)
لم نبق من بقى الأعادى عضا
أى جيشاً كأنّه جبلٌ أو سحابٌ يسدُّ الأفق. وقال دريد (3):
نعيّة مِنْسَر أو عَرْض جيشٍ *** تضيق به خُروق الأرضِ مَجْرِ (4)
وكان ابنُ الأعرابىّ يقول : الأعراض : الجبال والأوديَة والسحاب ، الواحد عِرْض. كذا قال بكسر العين ، ورُوِى عنه أيضاً بالفتح. وقال أبو عبيدة : العَرض : سَنَد الجبل. وأنشد :
ألَا ترى بكلِ عَرْض مُعْرِضِ (5)
كل رداح دوحة؟
وأنشد الأصمعىّ :
كما تَدَهْدَى من العَرْض الجلاميدُ (1)
والعَريض : الجَدْى إذا نَزَا [أو] يكاد ينزو ، وذلك إذا بلغ. وهذا قياسُه أيضاً قياسُ الباب ، وهو من العَرْض ، وجمعه عُرْضانٌ.
فأمّا عَرُوض الشِّعر فقال قوم : مشتقٌّ من العَرُوض ، وهى النَّاحية ، كأنّه ناحيةٌ من العِلْم. وأنشد فى العَروض :
لكلِّ أُناسٍ من مَعَدٍّ عِمارةٌ *** عَرُوضٌ إليها يَلْجَئونَ وجانبُ (2)
وقال آخرون : العَريض : الطريق الصَّعب ، ذلك يَكون فى عَرْض جَبَل ، فقد صار بابُه قياسَ سائِر الباب. قالوا : وهذا من قولهم : ناقةٌ عُرْضِيَّة ، إذا كانت صعبةً. ومعنى هذا أنّها لا تستقيم فى السَّيْر ، بل تعترض (3). قال الشَّاعر (4):
ومَنَحتُها قولى على عُرْضِيَّةٍ *** عُلُطٍ أُدَارى ضِغْنَها بتودُّدِ
ومن الباب : عُرْض الحائط ، وعُرض المال ، وعُرْض النَّهر ، يراد به وَسَطه. وذلك من العرض أيضاً. وقال لَبيد :
فتوَسَّطَا عُرْضَ السَّرِىِّ وصَدَّعا *** مسجورةً متجاورا قُلَّامُها (5)
وعُرْض المالِ من ذلك ، وكلُّه الوسَط. وكان اللِّحيانى يقول : فلانٌ شديد العارضة ، أى الناحية. والعَرَض من أحداث الدَّهر ، كالمرضِ ونحوه ، سمِّى عَرَضاً لأنّه يعترض ، أى يأخذه فيما عَرض من جَسَده. والعَرَض : طمَع الدُّنيا ، قليلاً [كان] أو كثيراً. وسمِّى به لأنّه يُعْرِض ، أى يريك (1)عُرْضَه. وقال :
مَن كان يرجو بقاءً لا نَفادَ له *** فلا يَكُنْ عَرَضُ الدُّنيا له شَجَنا
ويقال : «الدُّنيا عَرَضٌ حاضرٌ ، يأخذ منه البَرُّ والفاجر». فأمّا قوله : صلى اللّه عليه وآله وسلم : «ليس الغِنَى عن كَثْرة العَرْض». فإنَّما سمعناه بسكون الراء ، وهو كلُّ ما كان من المال غيرَ نَقْد ؛ وجمعه عُروض. فأمّا العَرَض بفتح الراء ، فما يُصِيبه الإنسان من حَظِّه من الدُّنيا. قال اللّه تعالى : ( وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ) .
وقال الخليل : فلانٌ عُرْضَة للنّاس : لا يزالون يَقَعُون فيه. ومعنى ذلك أنّهم يعترضون عُرضَه. والمِعْراض : سَهمٌ له أربعُ قُذَذٍ دِقاقٍ ، وإذا رُمِىَ به اعتَرَضَ. قال الخليل : هو السَّهم الذى يُرْمَى به لا رِيشَ له يمضى عرضاً.
فأمَّا قولُهم : شديد العارضة ، فقد ذكرنا ما قاله اللِّحيانى فيه. وقال الخليل : هو شديد العارضة ، أى ذو جَلَد وصَرَامَةٍ. والمعنيانِ متقاربانِ ، أى شديد
1) فى الأصل : «سريك».
ما يَعرِض للنّاس منه. وعارِضةُ الوجه : ما يبدو منه عند الضَّحك. وزَعَم أنَّ أسنان المرأة تسمَّى العوارض * والقياس فى ذلك كلِّه واحد.
قال عنترة :
وكأنَّ فَارةَ تاجرٍ بقسيمةٍ *** سبقَتْ عوارضَهَا إليك من الْفَمِ (1)
ورجلٌ خفيف العارضَين ، يعنى عارضَىِ اللِّحية. وقال أبو ليلى : العوارض الضَّواحك ، لمكانها فى عَرْض الوَجْه. قال ابن الأعرابىَّ : عارضا الرَّجُلِ : شَعْرَ خدَّيه ، لا يقال للأمْرَدِ : امسَحْ عارِضَيك. فأمّا قولهم : يمشى العِرَضْنَى ، فالنون فيه زائدة ، وهو الذى يشتقُّ فى عَدْوِه معترِضاً. قال العجاج (2):
تَعْدُو العِرَضْنَى خيلُهم حَراجلا (3)
وامرأةٌ عُرْضةٌ : ضَخْمة قد ذَهَبَتْ من سمنها عَرْضاً.
قال الخليل : العوارِض : سقائفُ المِحْمَل العراضُ التى أطرافها فى العارضَين ، وذلك أجمَعُ هو سَقْف المِحْمَل. وكذلك عوارضُ سَقْفِ البيت إذا وُضِعَتْ عَرْضا. وقال أيضاً : عارضةُ البابِ هى الخشبةُ التى هى مِسَاكُ العِضادَتين من فَوق. والعَرْضِىُ : ضربٌ من الثِّيابِ ، ولعلَّ له عَرْضاً. قال أبو نُخَيلة :
هَزَّتْ قَواماً يَجْهَدُ العَرْضِيَّا *** هَزَّ الجَنوب النَّخلةَ الصَّفِيَّا
وكلُّ شىء أمكنَك من عَرْضِه فهو مُعْرِض لك ، بكسر الراء. ويقال : أعرض لك الظَّبْىُ فارمِهِ ، إذا أمكنك من عَرْضه ؛ مثل أفقَرَ (1)وأعْوَرَ.
ومن أمثالهم : «فلانٌ عريض البِطان» ، إذا أثْرَى وكثُر مالُه. ويقال : ضَرب الفحلُ النّاقَة عِراضاً ، إذا ضربها من غير أن يُقادَ إليها. وهذا من قولنا : اعترض الشَّىء : أتاه من عُرْض ، كأنّه اعتَرضَها من سائر النُّوق. قال الرّاعى :
نجائبُ لا يُلقَحنَ إلّا يَعارَةً *** عِرَاضاً ولا يُبْتَعْنَ إلّا غواليا (2)
وقال اللَّحيانى : لقِحت النّاقةُ عِراضاً ، أى ذهبتْ إلى فحلٍ لم تُقَدْ إليه. والعارض : السحاب ، وقد مضى ذِكرُ قياسه. قال اللّه تعالى : ( قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ) . والعارض من كلِّ شىء : ما يستقبلُك ، كالعارض من السَّحاب ونحوه. وقال أبو عبيدة : العارض من السَّحاب : الذى يعرِض فى قُطرٍ من أقطار السماء من العشىِّ ثم يُصبح قد حَبَا واستَوَى. ويقال له : العانُّ بالتشديد.
ومن المشتق من هذا قولهم : مرّبى عارضٌ من جَرَاد ، إذا ملأ الأفق. ولفُلانٍ على أعدائه عُرْضِيَّة ، أى صُعوبة. وهذا من قولنا ناقة عُرْضيّة ، وقد ذكر قياسه. ويقال : إنَ التعريض ما كان على ظَهر الإبل من مِيرَة أو زاد. وهذا مشتقٌّ من أنَّه يُعرَض على مَن لعلَّه يحتاج إليه. ويقال : عَرَّضوا من مِيرتكم ، أى أطعمونا منها (3). قال :
حَمْراءَ من مُعَرِّضاتٍ الغِرْبانْ (1)
يقدمها كل علاة عليان
يصف ناقةً له عليها المِيرَة فهى تتقدَّم الإبل وينفتح ما عليها لسرعتها فتسقط الغربان على أحمالها ، فكأنَّها عَرَّضت للغِربان مِيرثَهم (2). ويقال للإبل التى تبعد آثارُها فى الأرض : العُراضات ، أى إنها تأخذ فى الأرض عَرْضاً فَتِبين آثارُها. ويقولون : «إذا طلعت الشِّعرى سَفَراً ، ولم تَرَ فيها مَطراً ، فأرسل العُرَاضات أثَرا ، يبغينك فى الأرض مَعْمَرا (3)».
ويقال : ناقةٌ عُرْضَةٌ للسَّفر ، أى قويّة عليه. ومعنى هذا أنّها لقوَّتها تُعْرَض أبداً للسَّفر. فأمَّا العارضة من النُّوق أو الشّاءِ ، فإنها التى تُذبح لشىء يعتريها.
وقال :
من شواءٍ ليس مِن عارضةٍ *** بيدَىْ كلِّ هَضومٍ ذى نَفَلْ
وهذا عندنا مما جُعِل فيه الفاعلُ مكانَ المفعول ؛ لأنَ العارضة هى التى عُرِض لها بمَرَضٍ ، كما يقولون : سرٌّ كاتم. ومعنى عُرِض لها أنَّ المرض أعْرَضَها ، وتوسَّعُوا فى ذلك حتى بنوا الفِعل منسوباً إليها ، فقالوا : عَرِضَتْ. قال الشَّاعر (4):
1) للأجلح بن قاسط ، كما فى اللسان (عرض). وقال ابن برى : «وهذان البيتان فى آخر ديوان الشماخ». قلت : هما فى أخرياته ص 116 منسوبان إلى الجليح بن شميذ رفيق الشماخ. وقد نسب فى مشارف الأقاويز 209 إلى الجعيل. وأنشده فى الحيوان (3 : 420) والمخصص (4 : 17 / 7 : 137). وقبله :
2) فى الأصل : «فميرتهم».
3) السجع برواية أخرى فى المقاييس (أمر) ومجالس ثعلب 558.
4) هو خمام بن زيد مناة اليربوعى ، كما فى اللسان (جبب). وأنشد البيت فى اللسان (عرض ، وشق) بدون نسبة.
إذا عَرِضَت منها كَهاةٌ سمينةٌ *** فلا تُهْدِ مِنْها واتَّشِقْ وتَجَبْجَبِ
والعِرْض : الوادى ، والعِرْض : وادٍ باليمامة. قال الأعشى :
ألم تَرَ أنَ العِرْضَ أصبحَ بطنُه *** نخيلاً وزرعاً نابتاً وفَصافِصا (1)
وقال المتلمِّس :
فهذا أوانُ العِرْضِ حَىَّ ذُبَابُهُ *** زنابيرُه والأزرقُ المتلمِّسُ (2)
ومن الباب : نظرتُ إليه عَرْض عين ، أى اعترضتُه على عينى. ورأيت فلاناً عَرضَ عينٍ (3)، أى لمحةً. ومعنى هذا أنَّهُ عَرَض لعينى ، فرأيته. ويقال : عَلِقت فلاناً عَرَضاً ، أى اعتراضاً من غير استعدادٍ منِّى لذلك ولا إرادةٍ. وهذا على ما ذكرناه من عِرَاضِ البَعير والنَّاقة. وأنشد :
عُلِّقتُها عَرَضاً وأقتلُ قومَها *** زَعْماً لعمرُ أبيك ليسَ بِمَزْعَمِ (4)
ويقال : أصابه سَهْمُ عَرَضٍ ، إذا جاءه من حيثُ لا يَدرى مَن رماه. وهذا من الباب أيضاً كأنَّه جاءه عَرَضاً من حيث لم يُقصَدْ به ، كما ذكرناه فى المِعْراض (5)من السهام.
والمعارض : جمع مَعْرَض (6)وهى بلاد تُعْرَضُ فيها الماشيةُ للرّعْى. قال :
1) ديوان الأعشى 110 واللسان (عرض ، فصص).
2) ديوان المتلمس 6 نسخة الشنقيطى واللسان (عرض). وفى الأصل : «حتى ذبابه» صوابه من الديوان والحيوان (3 : 391). وفى اللسان والمزهر (2 : 346): «جن ذبابه». وبهذا البيت سمى المتلمس.
3) فى الأصل : «أعرض عين».
4) البيت لعنترة بن شداد ، من معلقته المشهورة.
5) فى الأصل : «العراض» تحريف. انظر ما سبق فى ص 276 واللسان (عرض 42).
6) ضبط فى اللسان (عرض 35) بفتح الراء. وفى القاموس : «أرض معرضة يستعرضها المال» ، قال شارحه : «بالفتح كمكرمة ، أو بالكسر كمحنة».
أقول لصاحبىَّ وقد هبطنا *** وخلّفنا المَعَارِض والهضايَا
عرف العين والراء والفاء أصلان صحيحان ، يدلُّ أحدُهما على تتابُع الشىء متَّصلا بعضُه ببعض ، والآخر على السكون والطُّمَأنينة.
فالأوّل العُرْف : عُرْف الفَرَس. وسمِّى بذلك لتتابُع الشَّعر عليه. ويقال : جاءَت القَطا عُرْفاً عُرْفاً ، أى بعضُها خَلْفَ بعض.
ومن الباب : العُرْفة وجمعها عُرَف ، وهى أرضٌ منقادة مرتفِعة بين سَهْلتين تنبت ، كأنّها عُرف فَرَس. ومن الشِّعر فى ذلك (1)...
والأصل الآخر المَعرِفة والعِرفان. تقول : عَرَف فلانٌ فلاناً عِرفاناً ومَعرِفة. وهذا أمر معروف. وهذا يدلُّ على ما قلناه من سُكونه إليه ، لأنَّ مَن أنكر شيئاً توحَّشَ منه ونَبَا عنْه.
ومن الباب العَرْف ، وهى الرَّائحة الطيِّبة. وهى القياس ، لأنَّ النَّفس تسكُن إليها. يقال : ما أطيَبَ عَرْفَه. قال اللّه سبحانه وتعالى : ( وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ) ، أى طيَّبَها. قال :
إلا رُبَّ يومٍ قد لَهَوْتُ ولَيْلَةٍ *** بواضحةِ الخدّين طيِّبة العَرْفِ
والعُرْف : المعروف ، وسمِّى بذلك لأنَّ النفوس تسكُن إليه. قال النابغة :
أبَى اللّهُ إلَّا عدلَه ووفاءَه *** فلا النُّكْرُ معروفٌ ولا العُرْف ضائعُ (2)
فأمّا العَرِيف فقال الخليل : هو القيِّم بأمرِ قومٍ قد عَرَف عليهم. قال : وإنّما سمِّى عريفاً لأنَّه عُرِف بذلك. ويقال بل العِرَافة كالوِلاية ، وكأنَّه سمِّى بذلك ليعرف أحوالهم.
وأمّا عرفات فقال قومٌ : سمِّيت بذلك لأنَّ آدمَ وحواءَ عليهما السلام تعارَفَا بها. وقال آخرون : بل سمِّيت بذلك لأنَّ جبريل عليه السلام لما علّم إبراهيم عليه السلام مَناسِكَ الحجّ قال له : أعَرفت (1)؟ وقال قومٌ : بل سمِّيت بذلك لأنَّه مكانٌ مقدَّس معظَّم ، كأنَّه قد عُرِّف. كما ذكرنا فى قوله تعالى : ( وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ) . والوقوف بعَرَفاتٍ تعريف. والتعريف : تعريف الضَّالة واللّقْطة ، أن يقول : مَن يَعرِف هذا؟ ويقال : اعتَرَف بالشَّىْء ، إذا أقرَّ ، كأنّه عَرفَه فأقرَّ به. ويقال : النَّفس عَروف ، إذا حُمِلت على أمرٍ فباءت به (2)أى اطمأنَّت. وقال :
فآبُوا بالنِّساء مُرَدَّفاتٍ *** عوارفَ بعد كِنٍّ واتِّجاحِ (3)
من الوِجاح ، وهو السِّتْر.
والعارف : الصابر ، يقال أصابته مصيبةٌ فوُجِد عَرُوفاً ، أى صابراً. قال النَّابغة :
على عارفاتٍ للطِّعان عَوابِسٍ *** بهنّ كلُومٌ بين دامٍ وجالِبِ (4)
عرق العين والراء والقاف أربعة أصولٍ صحيحة : أحدُها الشَّىء يتولَّد من شىءٍ كالنَّدَى والرَّشْح وما أشبهه. والآخَر الشَّىء ذو السِّنْخ ، فسِنْخُه منقاسٌ من هذا الباب. والثالث كَشْط شَىءٍ عن شىءٍ ، ولا يكاد يكون إلا فى اللّحم. والرَّابع اصطفافٌ وتتابعٌ فى أشياء. ثم يُشتَقُّ من جميع هذه الأصول وما يقاربها.
فالأوَّل العَرَق ، وهو ما جرى فى أصول الشَّعر من ماء الجِلْد. تقول : عرِقَ يعرَق عَرَقاً. قال : ولم أسمع للعَرق جمعاً ، فإنْ جُمِع فقياسُه أعراق ، كجَمل وأجمال. ورجلٌ عُرَقَة : كثير العَرق. ويقال : استعرق ، * إذا تعرَّضَ للحَرِّكى يَعرق.
ومن الباب : جَرَى الفرسُ عَرَقاً أو عَرَقَين ، أى طَلَقاً أو طَلَقين. وذلك من العَرَق. ويقال : عَرِّقْ فرسَك ، أى أجرِهِ حتَّى يتعرَّق. قال الأعشى :
يُعالَى عليه الجُلُّ كلَّ عَشِيّة *** ويرفع نَقْلاً بالضُّحَى ويُعَرَّق (1)
ويقال : اللّبَن عَرَقٌ يتحلَّب فى العروق حتَّى ينتهى إلى الضَّرْع. قال الشَّمَّاخ :
تَضْحِ وقد ضَمِنت ضَرّاتُها عَرَقا *** من طيّب الطّعم حُلْوٍ غير مجهود (2)
ولبنٌ عَرِق ، وهو أن يُجعَل فى سقاءٍ فيشدَّ بجنْبِ البعير فيصيبَه العرقُ
فيَفسُد. وأمّا عَرَقُ القِرْبة فى قوله : «جَشِمْتُ إليك عَرَق القِربة (1)» فمعناه فيما زعم يونس : عطيّة القربة ، وهو ماؤها ، كأنَّه يقول : جَشِمت إليك حتَّى سافرتُ واحتجتُ إلى عَرَق القربة فى الأسفار ، وهو ماؤها. ويقال : عَرِق لهُ بكذا ، كأنّه تنَدَّى له وسَمَح. قال :
سأجعَلُه مكانَ النُّون مِنِّى *** وما أُعْطِيتُهُ عَرَقَ الخِلالِ (2)
سيخبر قومه لش بن عمر *** إذا لافاهم والنا بلال
يقول : لم أُعْطَهُ عطيَّةَ مودّة ، لكنَّه أخذْتُه قسراً. والنُّون : السَّيف. وقال بعضهم : جَشِمْتُ إليك حَتَّى عرِقتُ كعرق القِرْبة ، وهو سَيَلان مائها. وقال قوم : عَرَق القِربة أنْ يقول : تكلَّفتُ لك ما لا يبلغُه أحدٌ حتى تجشَّمت ما لا يكون ؛ لأنَّ القِربة لا تَعْرَق ، يذهب إلى مِثْلِ قولهم : «حتَّى يشِيب الغُراب». وكان الأصمعىُّ يقول : عَرَق القِرْبة كلمةٌ تدلُّ على الشِّدَّة ، وما أدرى ما أصلُها وقال ابنُ أبى طَرَفة : يقال لَقِيتُ من فُلانٍ عَرقَ القِرْبة ، أى الشِّدّة. قال : وأنشد الأحمر :
ليست بِمَشْتَمَةٍ تُعَدُّ وعَفْوُها *** عَرَقُ السِّقاء على القَعُود اللّاغِبِ (3)
يمدح رجلاً يسمع الكلمةَ الشديدةَ فلا يأخُذ صاحبَها بها. .
1) فى حديث عمر : «ألا لا تغالوا صدق النساء فإن الرجال تغالى بصداقها حتى تقول : جشمت إليك عرق القربة». اللسان (عرق).
2) البيت للحارث بن زهير العبسى ، يصف سيفاً له يسمى «النون». وفى الأصل : «عنى» بدل «منى» ، صوابه فى اللسان (عرق ، نون) والمجمل (عرق). قال ابن برى : صواب إنشاده «ويخبرهم مكان النون منى» ، لأن قبله :
3) البيت لابن أحمر الباهلى ، كما فى اللسان (عرق). وفى اللسان : «وعفوها» بالفاء.
ومن الباب : عَرَّقْتُ فى الدَّلو ، وذلك إذا كان دونَ المِلء ، كأنَّ هذا لقِلّته شبِّه بالعَرَق. ويقال للمُعْطى اليسير : عَرَّق. قال :
لا تملأ الدَّلْوَ وعرِّقْ فيها *** أما تَرَى حَبَارَ مَنْ يَسقيها (1)
ويقال : كأسٌ مُعْرَقَة ، إذا لم تكن مملوءةً ، قد بقيتْ منها بقيَّة. وخَمْرٌ مُعرَقَة ، أى ممزوجة مزجاً خفيفاً ، شُبِّه ذلك المزجُ اليسير بالعَرق. وقال فى المُعْرق القليل المَزْج :
أخَذْتُ برأسِهِ فدَفَعْتُ عنه *** بمُعْرَقَةٍ مَلامةَ مَن يلومُ (2)
والأصل الثانى السِّنْخ المتشعِّب. من ذلك العِرْق عِرْق الشَّجَرة. وعُروقُ كلِّ شىءٍ : أطنابٌ تَنْشَعِب من أصوله. وتقول العرب : «استَأصَلَ اللّه عِرْقاتَهم (3)» زعموا أنَّ التاء مفتوحة ، ثمَّ اختلفوا فى معناه ، فقال قوم : أرادوا واحدةً وأخرجها مُخرَج سِعلاة. وقال آخرون : بل هى تاءُ جماعة المؤنّث لكنهم خفّفوه بالفتحة. ويقال : أعْرَقَتِ الشَّجَرةُ ، إذا ضَرَبتْ عُروقُها فامتدَّت فى الأرض. ومن هذا الباب : عَرَق الرّجُل يَعْرُق عُروقاً ، إذا ذَهَب فى الأرض. وهذا تشبيهٌ ، شبِّه ذهابه بامتدادِ عُروق الشَّجرةِ وذهابها فى الأرض.
فأمّا قولُه صلى اللّه عليه وآله وسلم : «مَنْ أحيا أرضاً مَيْتةً فهى له ، وليس
1) الرجز فى إصلاح المنطق 281 ، 453 ومجالس ثعلب 238 واللسان (حبر ، عرق) ، وقد سبق فى (برق). وفى اللسان (عرق) أن «حبار» اسم ناقته.
2) للبرج بن مسهر الطائى ، كما فى اللسان (عوق) والمؤتلف والمختلف 62 والحماسة بشرح المرزوقى ص 1272 برواية : «رفعت برأسه وكشفت عنه».
3) يقال عرقاتهم ، بكسر التاء : جمع عرق ، كعرس وعرسات. فهو من المذكر الذى جمع بالألف والتاء. ومن قال عرقاتهم بفتح التاء أجراه مجرى سعلاة. انظر اللسان والقاموس.
لعرقٍ ظالمٍ حَقٌّ». فهو مَثَل. قال العلماء : العُروق أربعة : عرقان ظاهران ، وعرقان باطنان. فالظاهران : الغَرس والبناء ، والباطنان البئر والمعْدن. ومعنى العِرق الظَّالم أن يجىء الرّجُل إلى أرضٍ قد أحياها رجلٌ قبلَه فيغرسَ فيها غَرساً أوْ يُحدِثَ شيئاً يستوجب به الأرض.
والعِرق : نباتٌ أصفر. ومن أمثالهم : «فلانٌ مُعْرق [له] فى الكَرم» ، أى له فيه أصلٌ وسِنْخ. وقد عَرَّق فيه أعمامُه وأخواله تعريقاً ، وأعرقوا فيه أعراقا. وقد أعْرقَ فيه أعراقُ العَبيد ، إذا خالطه ذلك وتخلَّق بأخلاقهم. ويقال : تدارَكَه أعراقُ خَيرٍ وأعراقُ شَرٍّ. قال الشّاعر :
جرى طَلَقاً حتَّى إذا قيل سابقٌ *** تداركَه إعراقُ سَوْءٍ فَبَلّدا (1)
والعَريق من الخَيل والنَّاس : الذى له عِرقٌ فى الكَرم. وفلانٌ يُعارِقُ فلاناً ، أى يُفاخِره ، ومعناه أن يقول : إنَّنا* أكْرم عِرقاً. ويقال : «عِرقٌ فى بنات صَعْدة» وهى الحُمُر الأهليّة. وقول عِكراش بن ذُؤيب : «أتيته بإبلٍ كأنّها عُروق الأرْطى» أراد أنّها حُمْر ، لأنَ عُروقَ الأرطى حُمر ، وحُمْر الإبل كرائمها. قال :
يُثير ويُبدِى عن عُروقٍ كأنّها *** أعنَّةُ جَرَّازٍ تُحَطّ وتُبْشَرُ (2)
وصف ثوراً يَحفِر كِناساً تحت أرْطَى.
والأصل الثالث. كشط اللَّحم عن العظم. قال الخليل : العُراق : العظم الذى قَد أُخِذَ عنه اللَّحم. قال :
فألقِ لكلبك منه عُرَاقا
فإذا كان العظم بلحمه فهو عَرْق. ويقال : العُراق جمع عَرق ، كما يقال ظِئر وظُؤار(1). ويقال فى المثل : «هو ألْأَم من كلبٍ على عَرْق». قال ابن الأعرابىّ : جمع عَرْق عِرَاق. وأنشَد :
يَبيت ضَيفِى فى عِراقٍ مُلْسِ *** وفى شَمُولٍ عُرِّضَتْ للنَّحْسِ (2)
مُلْس ، يعنى الودكَ والشَّحم. والنَّحْس : الرِّيح. يقال : عَرَقت العظم وأنا أعْرُقُه ، واعترقْتُه وتعرّقتُه ، إذا أكلتَ ما عليه [من] اللحم. ويقال : أعطِنِى عَرْقاً (3)أتعرَّقهُ ، أى عظماً عليه اللحم. وفلانٌ مُعتَرَقٌ ، أى مهزول ، كأنَّ لحمَه قد اعتُرِق. قال :
غولٌ تَصَدَّى لسَبَنْتًى مُعْتَرِقْ
وقال :
قد أشهدُ الغارةَ الشَّعواءَ تحملُنِى *** جَرداءُ معروقَةُ اللَّحيين سُرْحوبُ (4)
يصف الفرس بقلّة اللحم على وجهه ، وذلك أكْرَمُ له. قال الكِسائىّ : فمٌ مُعْرَق : قليلُ الرِّيق. ووجهٌ معروق : قليل اللَّحم.
والأصل الرّابع : الامتداد والتَّتابع فى أشياءَ يتبع بعضُها بمضاً. من ذلك
العَرَقة ، والجمع عَرَقات ، وذلك كلُّ شىء مضفور أو مصطفٍّ. وإذا اصطفَّت الطّيرُ فى الهواء فهى عَرَقة ، وكذلك الخيل. قال طُفيل :
كأنّه بعدَ ما صَدَّرْن من عَرَقٍ *** سِيدٌ تَمَطّر جُنحَ اللَّيل مبلولُ (1)
والعَرَقة : السَّفيفة المنسوجة من الخُوص قبل أن يُجعَل منها زَبيل. وسمِّى الزَّبيل عَرَقاً لذلك. ويقال عَرَقة أيضاً. قال أبو كبير :
نَغْدو فنَترُك فى المَزَاحف مَن ثوى *** ونُمِرُّ فى العَرَقات مَن لم يُقتَلِ (2)
يعنى نأسِرهم فنشدُّهم فى العَرَقات ، وهى النُّسوع.
ويقال لآثار الخَيل المصطفة عَرَقة. والعَرَقة : طُرَّة تُنسَج ثم تخاط على شَقَّة ، الشُّقة التى للبيت. وقال ابنُ الأعرابىّ : العَرَقة : جماعةٌ من الخيل والإبل القائمة على سَطر (3). فأمَّا عِرَاق المَزَادة والرَّاوية فهو الخَرْز الذى فى أسفلها ، والجمع عُرُق. وذلك عندنا ممّا ذكرناه من الامتداد والتَّتابُع. قال ابن أحمر :
من ذى عِرَاق نِيطَ فى جَوْزِها *** فهو لطيفٌ طَيُّه مُضْطَمِرْ
وقال آخر :
تَضحك عن مِثل عِراق الشَّنَّهْ
ومن هذا الباب : العِرَاق ، وهو عند الخليل شَاطئ البحر. وسمِّيت العِراقُ
عِراقاً لأنَّه على شاطئ دِجلةَ والفرات عِدَاءً حتَّى يتَّصل بالبحر. والعِراق فى كلام العرب : شاطئ البَحْر على طُوله.
ومن هذا الباب : العِراق ، وهو ما أحاط بالظُّفُر من اللَّحم. قال الدُّريدى : «سمِّيت العِراق لأنَّها استكفَّتْ أرضَ العرب (1)» ، أى صارت كالكِفاف لها. وذُكر عن أبى عمرو بن العلاء أنّ العِراق مأخوذ من عروق الشّجر ، وهى مَنابِت الشَّجر. والعِراقان : الكوفة والبصرة. وقال الأصمعىّ : العِراق كلُّ موضعِ ريفٍ. قال جرير :
نَهْوَى ثرى العِرْق إذْ لم نلقَ بعدكُمُ *** كالعرق عِرقاً ولا السُّلَّانِ سُلَّانا
ويقال : أعرَقَ الرَّجل وأشأمَ ، أى أتَى العِراقَ والشَّام. قال الممزَّق :
فإن تُنْجِدُوا أُتْهِمْ خلافاً عليكُم *** وإن تُعْمِنُوا مُستحقِبِى الشَّرِّ أُعرِقِ (2)
وأمَّا عَرْقُوَة [الدَّلوف (3)] الخشَبَة المعروضةُ عليها.
عرك العين والراء والكاف أصلٌ واحد صحيحٌ يدلُّ على دَلْكٍ وما أشبَهَه من تمريس شىء بشىء أو تمرُّسِه به. قال الخليل : عركتُ الأديمَ عَرْكاً ، إذا دَلكتَه دلْكاً. وعركت القومَ فى الحربِ عَركاً. قال زهير :
فَتعرُكْكُمُ عَرْكَ الرَّحى بثَفَالها *** وتَلْقَح كِشَافاً ثم تَحمِل فتُتْئِمِ (1)
ومن الباب : اعترك القومُ فى القتال ، وذلك تمرُّسُ بعضِهم ببعضٍ وعَرْكُ بعضِهم بعضاً ، * وذلك المكانُ مُعْترَك ومُعتَرَكةٌ. وقال الخليل : رجلٌ عَرِكٌ وقوم عَرِكون ، وهم الأشِدَّاء فى الصَّراع.
ومن الباب - وإنّما زِيد فى حروفه ابتغاءَ زيادةٍ فى معناه - قولُهم : عَرَكرَكٌ ، أى غليظ شديدٌ صَبور. قال :
لا تَشهدِ الوِردَ بكلِّ حائِر *** إلّا بفَعْم المَنكِبين حادرِ
عَركْركٍ يملأُ عينَ النّاظر
ويقال : رجلٌ عَرِكٌ : حِلْسٌ لا يبرح القِتال. وعَريكة البَعير : سَنامُه ، وذلك أنَّ الحِمْل يَعْرُكه. قال ذو الرُّمَّة :
خِفافُ الخُطى مُطْلَنْفئات العرائكِ (2)
إذ قال حادينا أيا هسجت بنا
وفى الأصل : «خطاف الخطى» ، صوابه فيهما.
مُطْلَنْفئة : لاصقة بالأرض. ويقال : ناقة عَرُوك ، مثل اللَّموسُ (3)، وذلك إذا كان عليها وَبَر فلا يُرى طرْقُها تحت الوَبَر حتى يُلْمَس. وعَرَكْت الشّاةَ أيضاً ، إذا جَسَستَها (4). قال : ولا تكون المرَّة والمرَّتانِ عَرَكاً ، وإنّما يكون ذلك إذا
بُولِغ فى الجسّ. وتقول : لقيتُه عَرَكاتٍ ، أى مَرّاتٍ. وهذا على معنى التمثيل بعَرَكات الجَسّ.
قال الخليل : والعَرْك : عَرك المِرفق الجنبَ ، من الضَّاغط يكون بالبعير. قال الطرِمَّاح:
قليل العرك يهجو مرفقاها (1)
فأمَّا قولُهم : هو ليِّن العريكة ، فقال الخليل : فلانٌ ليِّن العريكة ، إذا لم يكن ذا إباءٍ ، وكان سَلِساً. وقال ابن الأعرابىّ : العريكة : شِدَّة النَّفْس. قال :
خرّجها صوارمُ كلِّ يومٍ *** فقد جعلت عَرائكُها تلين (2)
خَرَّجها : هذَّبها وأدّبها كما يَتخرّج الإنسان ، وهذا كلُّه راجعٌ إلى ما تقدَّم ذِكرُه من عريكة السَّنام.
فأمّا المَلّاحون فهم العَرَك ، يقال عَركىٌ للواحد وعَرَكٌ للجمع ، مثل عربىٍّ وعرَب. قال زُهير :
يَغْشَى الحداةُ بهم وعْثَ الكثيب كما *** يُغشِى السّفائنَ موجَ اللَّجَّةِ العَرَكُ (3)
يغشى السفائن موج اللجة العرك
وإنَّما سُمُّوا عَرَكاً لمعاركتهم الماءَ والسُّفن.
ويقال : أرضٌ مَعْروكة ، إذا عَرَكتها السّائمةُ وأكلت نَباتَها.
ومن الباب : العِراك فى الوِرْد. ويقال ماءٌ مَعْروكٌ ، أى مُزدَحَم عليه. وهو القياس ، لأنَّ المُورِد إذا أورد إبلَه أجْمَعَ تزاحمت وتعاركت. قال لبيد :
فأورَدَها العِراكَ ولم يذُدْها *** ولم يُشفِق على نَغَصِ الدِّخالِ (1)
ومن أمثالهم : «عارِكْ بجَذَعٍ أو دَعْ (2)».
فأمّا العارك فإنّها الحائض ، وممكن أن يكون من قياسه أن تكون معانِيةً ، لما تُعانِيه من نِفاسها ودَمِها ، وكأنّها تُعارِكُ شيئاً. يقال امرأةٌ عاركٌ ونساءٌ عوارك. قالت الخنساء :
لن تَغْسِلُوا أبداً عاراً أظلّكُم *** غَسْلَ العَواركِ حيضاً بعد أطهارِ (3)
لانوح حتى تقودا الخبل عابسة *** ؟ طرحا بمهرات وأههار
أو تحفروا حفرة فالمون؟ *** عند البيوت حصينا وابن سيار
أو ترحضوا عنكم عارا نجلكم
رحض العوارك حيضا عند أطهار
يقال منه : عَرَكَت تعرُك عَركاً وعراكاً فهى عارك.
عرم العين والراء والميم أصلٌ صحيح واحد ، يدلُّ على شِدّة وحِدّة. يقال : عَرُم الإنسان يعرُم عَرامَةً ، وهو عارم. قال :
إنى امرؤٌ يذُبُّ عن مَحارمى *** بَسْطةُ كفٍّ ولسانٍ عارمِ
وفيه عُرامٌ ، إذا كان فيه ذلك. وعُرَام الجَيْش : شِرّته وحَدُّه وكثرتُه. قال : ر
وليلةِ هَوْلٍ قد سَريتْ وفتيةٍ *** هَديتُ وجمعٍ ذى عُرامٍ مُلادِسِ (1)
ولذلك يقال جيشٌ عَرَمْرَمٌ. وقد قلنا إنَّهم إذا أرادُوا تفخيمَ أمرٍ زادُوا فى حروفه. والعَرَمْرم من عَرَم وعرر (2). قال :
أداراً بأجماد النَّعامِ عهِدتُها *** بها نَعماً حَوْماً وعِزًّا عرموما (3)
وأمَّا سَيل العَرِم فيقال : العَرِمَةُ : السِّكْر ، وجمعها عَرِم. وهذا صحيح ، لأنَّ الماء إذا سُكِرَ كان له عُرَامٌ من كثرته. ومحتمل أنْ يكون العَرِمة الكُدْس المَدُوس الذى لم يُذَرَّ ، يُجعَل كهيئة الأزَج. فإنْ كان كذا فلأنه مُتكاثف (4)كثير ، كالماء ذى العُرام. فأمَّا العُرْمَة فالبياضُ يكون بِمَرَمَّة الشّاة ، يقال شاةٌ عرماءُ - وهذا شاذٌّ عن الأصل الذى ذكرناه - وأفْعى عرماء. وممكنٌ أن يكون من باب الإبدال ، كأنّ الراء بدل من لام ، كأنّها عَلْمَاء. وذلك يكون البياض كعلامةٍ عليها ، وليس هذا ببعيد. قال :
أبا مَعْقِلٍ لا تُوطِئَنْك بَغاضَتِى *** رُءوسَ الأفاعِى فى مَرَاصِدها العُرْمِ (5)
فأمّا قولُهم إن العَرِم : الجُرَذ الذَّكَر فمما لا معنَى له ولا يُعَرَّج على مِثله.
عرن العين والراء والنون أصلٌ صحيحٌ واحد يدلُّ على ثباتٍ وإثباتِ شىء ، كالشّىء المركب. من ذلك العِرنين ، وهو الأنف ، والجمع عرانين سمّى بذلك كأنَّه عُرِن على الأنف ، أى رُكِّبَ. وكذلك اللَّحم عَرِينٌ ، لأنه مُثْبَتٌ مركَّبٌ على الجسم. قال :
موشَّمةُ الأطرافِ رَخْصٌ عَرينُها (1)
رفا صاحبي عند البكاء كما رفت
وأنشد العجز بدون نسبة فى المخصص (4 : 140).
وقال فى العِرْنين :
تَثْنِى الخمارَ على عِرنينِ أرنبةٍ *** شَمَّاءَ مارِنُها بالمسك مرثومُ (2)
ومن الباب العِرَان ، وهى خشبةٌ تُجْعَل فى أنف البعير. وقال :
وإنْ تُظْهِرْ حديثَك يُؤْتَ غَدْواً *** برأسِكَ فى زِناقٍ أو عِرَانِ (3)
ومن الباب العَرِين : مَأْوى الأسد ؛ لأنّه مكانُه الذى يثبُتُ فيه. وقال
أحمّ سراةِ أعلى اللَّونِ منه *** كلَون سَراة ثُعبانِ العَرينِ (4)
فقاموا ينفضلون كرى ليال *** نمكن في الطلى بعد العيون
ورمح مُعَرَّن : قد سُمِّر سِنانُه فيه. وقال :
مَصانعُ فخرٍ ليس بالطِّينِ شُيِّدَت *** ولكن بطعن السَّمهرىِّ المُعَرَّنِ
ومن الباب قولهم للشَّديد الصِّرِّيع : هو عِرْنَةٌ لا يُطاق ، أى إنّه ثابتٌ لا يزول. ن
1) عجز بيت لمدرك بن حصن ، ويروى أيضاً لغادية الدبيرية كما فى اللسان (عرن). وصدره :
2) لذى الرمة فى ديوانه 572 واللسان (عرن) برواية : «تثنى النقاب».
3) فى اللسان (زنق) وشروح سقط الزند 194 : «يؤت عدوا» بالعين المهملة.
4) للطرماح فى ديوانه 180 واللسان (عرن). وفى الأصل «منها» ، تحريف. والبيت فى صفة رحل. وقبله :
عروى العين والراء والحرف المعتل أصلانِ صحيحان متباينان يدلُّ أحدُهما على ثباتٍ ومُلازمةٍ وغِشيان ، والآخر يدلُّ على خلوٍّ ومفارقة.
فالأوّل قولُهم : عَرَاهُ أمرٌ ، إذا غَشِيه وأصابَه ؛ وعَرَاه البرد. ويقولون : «إذا طلَع السِّماك ، فعند ذلك يَعرُوك ما عَناك ، من البرد الذى يَغْشاك». وعَرَاه الهمُّ واعتراه. والعُرَوَاء : قِرَّةٌ تأخذ المحموم.
ومن الباب العُروة عُروة الكُوزِ ونحوِه ، والجمع عُرًى. وعَرّيت الشىء : اتَّخذت له عروة (1). قال لبيد :
فخْمةٌ ذَفْراء تُرتَى بالعُرَى *** قُردمانيَّا وتَركاً كالبصَلْ (2)
وقال آخر : «واللّه لو عَرَّيتَ فى عِلباوَىَّ ما خضَعْتُ لَكَ» ، أى لو جعلتَ فيهما عُرْوَتين. وإنَّما سمِّيت عُروَة لأنها تُمسَك وتلزَمها الإصبع.
ومن الباب العُروة ، وهو من النَّبات شجرٌ تَبقى له خُضرةٌ فى الشتاء ، تتعلَّق به الإبلَ (3)حتَّى يدركَ الرَّبيع ، فهى العُرْوة والعُلْقة. وقال مهلهل :
قَتَل المُلوكَ وسارَ تحت لوائه *** شَجر العُرَى وغَراعِرُ الأقوامِ (4)
1) ويقال أعراه أيضاً.
2) ديوان لبيد 15 طبع 1881 واللسان (ذفر ، رتى ، فردم ، ترك ، بصل). وقد سبق فى (بصل ، ترك).
3) فى المجمل : «تتعلق بها الإبل». وفى اللسان : «تتعلق به الإبل». وفى الأصل : «تفلق به الإبل».
4) سبق إنشاده فى (عر). وعراعر ، يروى بضم العين وفتحها ، فمن ضم فهو واحد ، ومن فتح جعله جمعا. ومثله : جوالق وجوالق ، وقماقم وقماقم ، وعجاهن وعجاهن. انظر اللسان (عرا 274).
وقال بعضهم : العُرْوة : الشَّجر الملتف. وقال الفَرَّاء : العُروة من الشَّجر : ما لا يسقط ورقُه. وكلُّ هذا راجعٌ إلى قياس الباب ، لأنَّ الماشية تتعلَّق به فيكون كالعُروة وسائر ما ذكرناه.
وربّما سَمْوا العِلْق النَّفِيسَ عُروةً ، كما يسمَّى عِلْقا ، والقياس فيهما واحد. ويقال : إن عُروةَ الإسلام : بقِيَّته ، كقولهم : بأرض بنى فلانٍ عُروة ، أى بقيّة مِنْ كلإ. وهذا عندى كلامٌ فيه جفاء ؛ لأنَّ الإسلام والحمدُ لله باقٍ أبداً ، وإنَّما عُرَى الإسلام شرائعه التى يُتَمسَّك بها ، كلُّ شريعةٍ عُروة. قال اللّه تعالى عند ذكر الإيمان : ( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها ) .
فأما العَرِىُ فهى الرِّيح الباردة ، وهى عرِيَّة أيضاً. وسمِّيت لأنّها تَعْرُو وتَعترِى ، أى تَغْشَى. قال ذو الرُّمَّة :
وهَلْ أحْطِبَنَّ القومَ وهى عريَّةٌ *** أُصولَ ألاء فى ثرًى عَمِدٍ جَعْدِ (1)
ويقولون : «أهْلكَ فقد أعْرَيْتَ» ، أى غابت الشَّمسُ وهبَّت عرِيّا.
وأمّا الأصل الآخَر فخُلوُّ الشَّىء من الشَّىء. من ذلك العُرْيان ، يقال منه : قد عَرِىَ من الشَّىء يَعرَى ، وجمع عارٍ عُراة. قال أبو دُوَاد :
فبِتنا عُراةً لَدَى مُهْرِنا *** نُنَزِّع من شَفَتيه الصَّفارا (2)
أى متجرِّدين ، كما [يقال] تجرّد للأمر ، إذا جدّ فيه. ويقولون : إنّه من العُرَواء ، أى كأنَّهم ينتفضون من البرد. ويقال من الأوّل : ما أحْسَنَ عُرْيةَ هذه
الجارية ، أى مُعَرَّاها وما تجرَّد منها. وعُرْيَتها : جُرْدتها. ويقال : المَعَارِى : اليدانِ والرِّجْلان والوجه ، لأنّ ذلك بادٍ أبداً. قال أبو كبير :
مُتكوِّرينَ على المَعارِى بينَهم *** ضَربٌ كتَعْطاط المَزَادِ الأثجلِ (1)
ويقال : اعْرَوْرَيْتُ الفَرسَ ، إذا ركبته عُرْياً [ليس] بين ظهره وبَيْنَك شىء. وأنشد :
واعْروْروت العُلُطَ العُرْضىَّ تركُضُه *** أمُّ الفوارس* بالدِّئدادِ والرَّبَعَه (2)
هلا سألت جزاك اللّه سهله *** إذا أصبحت ليس في حافاتها فزعه
وراحت القول كالشنات هاسفة *** لا يرتجى رسلها واع لا ربعه
ويقال : فرسٌ عُرْىٌ ورجل عُرْيانٌ.
ومن الباب : العَرَاء : كلُّ شىءٍ أعْرَيْته من سُتْرته. ويقال : اسْتُره عن العَرَاء. أمَّا العَرَى مقصور فما سَتَرَ شيئاً من شىء تقول : تركناه فى عَرَى الحائط (3). وهذه الكلمة تَصلح أن تكون من الباب الأوَّل.
ومن الباب الثَّانى : أعْرَى القومُ صاحبهم ، إذا تَرَكوه وذهَبوا عنه. .
1) ديوان الهذليين (2 : 96) واللسان (كور ، عرا) ويروى : «الأنجل» بالنون أيضا ، وهى رواية الديوان.
2) البيت لأبى دواد الرؤاسى كما فى اللسان (علط ، دأدأ ، ربع) ، وهو غير أبى داود الإيادى. وأبو داود الرؤاسى ، هو يزيد بن معاوية بن عمرو بن قيس بن عبيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وأما الإيادى فهو جويرية بن الحجاج. انظر اللسان (دأدأ) والمؤتلف والمختلف 115 - 116. وقد أنشد صدر البيت فى اللسان (عرض) 42. وفى الأصل هنا : «والرابعة بالدأداء» ، صوابه فى اللسان. وقبل البيت فى اللسان (علط) :
3) بعده فى الأصل : «وهذه الحائط».
ومن الباب العَرَاء : الفضاء ، ويقال إنّه مذكّر. تقول : انتهينا إلى عَراءٍ من الأرض واسع. وأعراء الأرض : ما ظَهَر من مُتونها وظُهورها. ويقولون لامرأة الرّجل : النَّجِىُ العُرْيان ، أى إنَّه يُناجيها فى الفِراش عُريانةً. قال :
ليس النجىُّ الذى يأتيك مؤتزِراً *** مِثْلَ النَّجِىّ الذى يأتيك عُرياناً (1)
أما البنون فلم تقبل شفاعتهم *** وشلغت بنت منظورين زبانا
ويقال للفرس الطَّويل القوائم عُريان ، وهو من الباب ، يراد أنَّ قوائمه متجرِّدة طويلة.
وأمَّا العَرِية من النَّخْل وما جاء فى الحديث أنّه عليه الصلاة والسلام : «نَهَى عن المُزَابنة ورَخّص فى العَرايا». فإنّ قياسَه قياسُ الذى ذكرناه فى هذا الأصل الثانى ، وهو خلُوُّ الشىء عن الشىء. ثمّ اختلف الفقهاء فى صورتها ، فقال قوم هى النَّخلةُ يعرِيها صاحبُها رجلاً محتاجاً ، وذلك أن يجعَلَ له ثمرةً عامِها ، فرخّص لربِّ النَّخل أن يبتاع ثمرَ تلك النَّخلة من المُعْرَى بتمرٍ ، لِموضعِ حاجته. وقال بعضُهم : بل هو الرّجُل يكون له نخلةٌ وسْطَ نخلٍ كثيرٍ لرجُل آخر ، فيدخلُ ربُّ النَّخلة إلى نخلته فربما كان صاحب النخل الكثير يؤذيه دُخوله إلى نخلِهِ (2)، فرخَّص لصاحب النَّخل الكثير أن يشترى ثمرَ تلك النخلة من صاحبها قبل أن يجُدَّه بتمرٍ لئلّا يتأذَّى به.
قال أبو عبيدٍ : والتّفسير الأول أجود ، لأنّ هذا ليس فيه إعراء ، إنما هى نخلةٌ .
1) البيت للفرزدق فى طبقات الشعراء لابن سلام 77 ليبسك 117 مصر والأغانى (3 : 120 / 8 : 180 ، 182 / 19 : 8). وليس فى ديوانه. والرواية المشهورة : «ليس الشفيع» ، «مثل الشفيع». وقبله :
2) فى الأصل : «فربما كان مع صاحب النخل الكثير نخلة فيؤديه إلى دخوله» ، واستضأت فى إصلاحها بالمجمل. وفى المجمل : «فيتأذى صاحب النخل الكثير بدخول صاحب النخلة الواحدة نخله».
يملكها ربُّها فكيف تسمى عَرِيّة. ومما يبين ذلك قولُ شاعر الأنصار (1):
ليستْ بسَنْهَاءَ ولا رُجبيَّةٍ *** ولكن عَرَايا فى السِّنينَ الجَوائحِ (2)
ومنه حديثٌ آخر ، أنّه كان إذا بعث الخُرّاص قال لهم : «خفِّفوا فى الخَرْص فإنَّ فى المال العَرِيَّةَ والوصِيَّة».
قال الأصمعىّ : استَعْرَى الناسُ فى كلِّ وجهٍ ، إذا أكلوا الرُّطَب. قال : وهو مأخوذٌ من العَرايا.
فأمَّا الخليل فرُوِى عنه كلامٌ بعضُه من الأوّل وبعضُه من الثانى ، إلّا أنَّ جملة قوله دليلٌ على ما ذكرناه ، من أنّه قياسُ سائرِ الباب ، وأنّه خلوُّ شىءٍ من شىء.
قال الخليل : النَّخلة العرِيَّة : التى إذا عَرَضْت على البيع ثمرَها عَرَّيتَ منها نخلة ، أى عَزَلْتَ عن المساوَمة. والجمع العَرايا ، والفعل منه إعراءٌ ، وهو أن يُجعَل ثمرُها لمُحتاجٍ عامَها ذلك.
عرب العين والراء والباء أصول ثلاثة : أحدها الإنابة والإفصاح ، والآخر النَّشاطُ وطيبُ النَّفس ، والثالث فسادٌ فى جسمٍ أو عضو.
فالأوّل قولهم : أعرب الرّجُل عن نفسه ، إذا بيَّنَ وأوضح. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : «الثَّيِّبُ يُعرِب عنها لسانُها ، والبِكر تُسْتَأْمَر فى نفسها».
وجاء فى الحديث : «يستحبُّ حين يُعرِب الصبىُّ أن يقول لا إله إلا اللّه. سبْعَ مرات». أى حين يُبِين عن نفسه. وليس هذا من إعرابِ الكلام. وإعرابُ الكلام أيضاً من هذا القياس ، لأنّ بالإعراب يُفرَق بين المعانى فى الفاعل والمفعول والنفى والتعجب والاستفهام ، وسائر أبواب هذا النَّحو من العلم.
فأمّا الأمَّة التى تسمَّى العربَ فليس ببعيدٍ أن يكون سمِّيت عَرَبا من هذا القياس لأنَّ لسانَها أعْرَبُ الألسنة ، وبيانَها أجودُ البيان. وممَّا يوضِّح هذا الحديثُ الذى جاء : «إنَ العربيَّة ليست باباً واحداً (1)، لكنّها لسانٌ ناطق». وممّا يدل على هذا أيضاً قولُ العرب : ما بها عَرِيبٌ ، أى ما بها أحدٌ ، كأنَّهم يريدون ، ما بها أَنِيس يُعرِب عن نفسه. قال الخليل : العَرَب العارية هم الصَّريح. والأعاريب : جماعة الأعراب. ورجلٌ عربىّ. قال : وأعرب الرّجُل ، إذا أفَصَح القَولَ ، وهو عَرَبانىُ اللِّسان (2): فصيح وأعرب الفرس : خَلَصت* عربيّتُه وفانَته القِرْفة (3)والإبل العِرابُ ، هى العربية. والعرب المستعربة هم الذين دخَلُوا بَعدُ فاستعربوا وتعرَّبوا.
والأصل الآخر : المرأة العَرُوب : الضَّحاكة الطيِّبة النفس ، وهُنَ العُرُب. قال اللّه تعالى : ( فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً. عُرُباً أَتْراباً ) ، قال أهلُ التَّفسير : هنَّ المتحبِّبات إلى أزواجهنّ.
والعَرْب ، بسكون الراء : النَّشاط. قال :
والخَيْل تنزِع عَرْباً فى أعنَّتِها (1)
كاطير تنجو من الشؤوب ذى البرد
والعَرَب : الأَثَر ، بفتح الراء. يقال منه : عَرِب يَعْرَب عَرَباً
والأصل الثالث قولهُم : [عَرِبَت] معدتُه ، إذا فسدت ، تَعْرَب عَرَباً. ويقال من ذلك : امرأةٌ عَروبٌ ، أى فاسدة. أنشدنا علىُّ بن إبراهيمَ القَطّان ، قال : أنشدنا ثعلبٌ عن ابن الأعرابىّ :
وما خَلَفٌ من أمِّ عِمرانَ سَلْفَعٌ *** من السُّودِ وَرْهاءُ العِنان عَرُوبُ (2)
فأمّا يوم الجُمعة فإنَّه يُدعى العَرُوبة ، وهو اسمٌ عندنا موضوعٌ على غير ما ذكرناه من القياس. ويقولون : إنَّه كان يسمَّى فى الزَّمن من القديمِ العَرُوبة. وكتابُ اللّه تعالى وحديثُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يجِئْ إلّا بذكر الجُمعة. على أنَّهم قد أنشدوا :
يوم العَروبةِ أوراداً بأورادِ (3)
نفسى النداء لأقوام هم خلطوا
وأنشدوا أيضا :
يا حُسْنَهُ عند العزيز إذا بدا *** يوم العَرُوبة واستقَرَّ المِنْبرُ
وكلُّ هذا عندنا مما لا يعوَّل على صحّته.
عرت العين والراء والتَّاء. العَرْت : الدَّلْك. والرُّمْح العَرّات ، مثل العَرّاص ، وهو المُضطرِب.
عرث قال أبو بكر (1): العَرْث : الانتزاع. عَرَثَه عَرْثاً ، إذا انتزَعه. وهو من المُجْمل(2).
عرج العين والراء والجيم ثلاثة أصول : الأوّل يدلُّ على مَيْل ومَيَل ، والآخَر على عَدَد ، والآخِر على سُموّ وارتقاء.
فالأوّل : العَرَج مصدر الأعْرج ، ويقال منه : عَرِج يعرَج عَرَجاً ، إذا صار أعرج. وقالوا : عَرِج يَعْرَجُ خِلْقة ، وعَرَج يَعْرُج إذا مشى مِشية العرْجان. والعَرْجَاء : الضَّبُع ، وذلك خِلْقَةٌ فيها ، فلذلك سمِّيَتْ العَرْجاء ، والجمع عُرْج. وجمع الأعرج من النّاس العُرْجان (3). ويقال للغراب أعرج ، لأنّه إذا مشى حَجَل. ومن هذا الباب التعرُّج ، وهو حَبْس المطايا فى مُناخٍ أو موقِف يميلها إليه (4).
قال ذو الرُّمَّة :
يا جارَتَىْ بنتِ فَضّاضٍ أمّا لَكُما *** حَتَّى نُكلِّمَها همٌّ بتعريج (5)
وقال ابنُ الأعرابىّ : عرَّجْتُ عليه ، أى حبَست مطيَّتى عليه. وما لى عليه
عَرْجَة (1)ولا مَعْرَجَة. ويقال للطَّرِيق إذا مال : انعَرَج. وانْعَرَج الوادى. ومُنْعَرَجُه : حيث يميل يَمنةً ويَسرَة. وانعرَجَ القومُ عن الطريق ، إذا مالوا عنه (2)ويقولون : إنَ العُرَيْجَاء : الهاجرة. وإنْ صحَّ هذا فلأنَّ كلَّ شىءٍ ينعرجُ إلى مكانٍ يَقِيهِ الحَرّ. قال :
لكن سهَيَّةُ تدرى أنَّنى ذَكَرٌ *** على عُرَيْجَاء لمّا ابتلّتِ الأُزُرُ (3)
وكان الأصمعىّ يقول : أن تَرِدَ الإبلُ يوماً غُدوةً ويوماً غُدوةً ويوماً عَشِيَّةً. وقد عَرَّجْنا(4)من العُرَيجاء. والعَرْجاء : هَضْبَة معروفة. قال أبو ذؤيب :
فكأنّها بالجِزْعِ جِزْعِ نُبَايِعٍ *** وأُولاتِ ذى العَرْجَاء نَهْبٌ مُجمَعُ (5)
ويقال إنما سمِّيتِ العَرْجَاء لأنَّ الطريق يتعرّج بها. ويقال : أمرٌ عَرِيجٌ ، إذا لم يستقم ، هو معوَّج بَعد.
والأصل الآخَر من الإبل ، قال قوم : ثمانون إلى تسعين ، فإذا بلغت المائةَ فهى هُنَيدة ، والجمع عُرُوجٌ وأعراج. قال طَرَفة :
يوم تُبْدِى البِيضُ عن أسْوُقها *** وتلُفُّ الخيلُ أعراجَ النَّعَمْ (6)
1) بتثليث العين ، ويقال أيضا «عرجة» ، بالتحريك.
2) فى الأصل : «عليه» ، صوابه فى اللسان.
3) البيت لشبيب بن برصاء ، كما فى حواشى الجمهرة (2 : 80). والرواية فيها : «أننى رجل على عريجاء لما احتلت الأزر». وفى المخصص (16 : 69): «رجل على عريجاء لما حلت الأزر». وسهية هذه هى أم أرطاة بن سهية ، وكان بين أرطاة وشبيب مهاجاة ومقاذعة. انظر التنبية على أوهام القالى 88.
4) كذا ضبط الفعل فى الأصل ، وليس له ذكر فى المعاجم المتداولة.
5) ديوان الهذليين (1 : 6) والمفضليات (2 : 223) وفى الديوان : «بين ينابع» ، وفى المفضليات : «بين نبايع». ونبايع ويقال أيضاً ينابع : واد فى بلاد هذيل.
6) ديوان طرفة 57 واللسان (عرج). والرواية فى الأصل والديوان واللسان : «أسوقها» بالواو ، كما أثبت. وفى «الأسوق» لغتان ، تقال بالواو وتقال بالهمزة أيضاً «أسؤق».
ويقال : العَرْج مائة وخمسون. وهذا الأصل قد يمكن ضَمُّه إلى الأوّل ؛ لأنَّ صاحب ذلك يُعرِّج عليه ويَكتفِى به.
والأصل الثالث : العُروج : الارتقاء ، يقال عَرَج يعرُج عُروجاً ومَعْرَجاً. والمَعْرَج : المَصْعَد قال اللّه تعالى : ( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) . فأمَّا قول القائل (1):
حتَّى إذا ما الشَّمس هَمَّتْ بعَرَجْ
فقالوا : أراد غيبوبةَ الشَّمس. وهذا وإن كان صحيحاً فهو غير ملخَّص فى التَّفسير ، وإنَّما المعنى أنَّها لمَّا غابت فكأنّها عَرَجت إلى السَّماء ، أى صَعِدت.
وممَّا يؤيد هذا قولُ الآخَر (2):
وعَرّج اللَّيلَ بُرُوجُ الشَّمسِ (3)
فهذا هو القياسُ الصحيح.
عرد العين والراء والدال أصلانِ صحيحان يدلُّ أحدُهما على قوَّةٍ واشتداد ، والآخر على مَيل وحِياد.
فالأوَّل العَرْد : الشديد من كلِّ شىءٍ الصُّلب. [قال (4)] :
عَرْدَ التَّراقى حَشْوَراً مُعَقْربا (5)
1) البيت فى إصلاح المنطق 89 ومجالس ثعلب 219 والمخصص (9 : 26).
2) هو منظور بن مرثد الأسدى كما سبق فى (على) ، وكما فى المؤتلف 104. ويقال له أيضاً : «منظور بن حبة». و «حبة» أمه. ونسبه الجاحظ فى الحيوان (3 : 74، 363) إلى دكين الراجز ، أو أبى محمد الفقعسى.
3) الرواية : «إذ عرج الليل».
4) بدلها فى الأصل : «وهو».
5) البيت للعجاج فى ملحقات ديوانه 74 واللسان (عرد).
ويقال : عَرَد نابُ البعير يَعرُد عُروداً ، إذا خَرَج واشتدَّ وانتصب. قال ذو الرُّمَّة :
يُصَعِّدْنَ رُقْشاً بين عُوجٍ كأنها *** زِجاجُ القَنا منها نَجِيم وعاردُ (1)
النَّجِيم : الطالع.
و [أمَّا] الأصل الآخَر فالتعريد : ترك القَصْد. والأصل فيه قولهم : عَرَدت الشّجرةُ تَعرُد عُروداً. قال لبيد فى التَّعريد :
فَمَضَى وقدَّمَها وكانت عادةً *** منه إذا هى عَرَّدَتْ إقدامُها (2)
وقال آخر (3):
وهمّتِ الجوزاء بالتَّعريدِ (4)
والنجم بين الفم والتعريد *** يستلحق الجوزاء في صعود
ومما شذَّ عن هذين الأصلين العَرَاد : شجر. ويقال العَرَادة : الجرادة الأنثى. واللّه أعلمُ بالصَّواب. د
عزف العين والزاء والفاء أصلانِ صحيحان ، أحدهما يدلُّ على الانصراف عن الشَّىء ، والآخر على صوتٍ من الأصوات.
فالأوَّل قول العرب : عَزَفت عن الشَّىء إذا انصرفتَ عنه. والعَزُوف : الذى لا يكاد يثبُت على خُلَّة خليل قال :
ألم تعلمى أنِّى عزوفٌ عن الهوى *** إذا صاحبى فى غير شىء تغضَّبا (1)
وقال الفَرزدق :
عزَفْتَ بأعشاشِ وما كدتَ تعزِفُ (2)
وأنكرث من حدواء ما كنت تعرف
وقد سبق فى (عش). وأنشده فى اللسان (عشش ، عزف).
والأصل الثانى : العَزِيف : أصوات الجِنّ. ويقال إنّ الأصل فى ذلك عَزْف الرِّياح ، وهو صوتُها ودَوِيُّها. وقال فى عَزيف الجِنّ :
وإنِّى لأجتاز الفلاةَ وبينها *** عوازفُ جِنَّان وهامٌ صواخِدُ (3)
ويقال : إنّ أَبْرَق العَزّافِ سمِّى بذلك ، لما يقال أنّ به جِنَّا. واشتُقَّ من هذا العَزْف فى اللَّعِب والمَلاهى.
عزق العين والزاء والقاف ليس فيه كلام أصيل ، لكنَّ الخليلَ
ذكر أنَ العَزْق : عِلاج الشَّىء فى عَسَر. ورجلٌ متعزِّق : فيه شِدَّة خُلُق. ويقولون : إن المِعْزقةَ: آلةٌ من آلات الحرث. وينشدون :
نُثِير بها نَقْعَ الكُلاب وأنتم *** تُثِيرون قِيعانَ القُرى بالمَعازقِ (1)
وكلُّ هذا فى الضَّعفِ قريبٌ بعضُه من بعض. وأعجَبُ منه اللغة اليمانيَة التى يدلِّسُها أبو بكر محمدُ بن الحسنِ الدُّريدى رحمه اللّه ، وقولُه : إنَ العَزِيق مطمئنٌّ من الأرض ، لغةٌ يمانيَة (2). ولا نقول لأئمَّتنا إلَّا جميلا.
عزل العين والزاء واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على تنحيةٍ وإمالة تقول : عزَل الإنسانُ الشَّىء يعزِلُه ، إذا نحَّاه فى جانبٍ. وهو بمَعْزِلٍ وفى مَعزِل عن أصحابه ، أى فى ناحيةٍ عنهم. والعُزْلة : الاعتزال. والرجُل يَعْزِل عن المرأة ، إذا لم يُرِدْ ولدَها.
ومن الباب : الأعزلُ : الذى لا رُمْحَ معه. وقال بعضُهم : الأعزل الذى ليس معه شىءٌ من السلاح يُقاتِل به ، فهو يَعتزِل الحربَ ، ذكر [هُ] الخليلُ ، وأنشد :
لا مَعازِيلَ فى الحُرُوب ولكنْ *** كُشُفاً لا يُرامونَ يَوْمَ اهتضام (3)
وشبِّه بهذا الكوكبُ الذى يقال له السِّماك الأعزل. وإنَّما سمِّى أعزَل لأنَّ ثَمَّ سِماكاً آخرَ يقال له الرَّامح ، بكوكبٍ يَقدُمه يقولون هو رُمْحُه. فهذا سمِّى
لذلك أعزل. ويقال إنّ المِعزالَ من النّاس : [الذى] لا يَنزِل مع القوم فى السَّفَر ولكن ينزلُ ناحيةً. قال الأعشى :
تُذهِلُ الشَّيخَ عن بِنيهِ وتُلْوِى *** بلَبُون المِعْزَابَةِ المِعزالِ (1)
والأعزل من الدوابِّ : الذى يميلُ ذنبُه إلى أحد جنْبَيه. فأمَّا العَزْلاء ففَمُ المَزَادة. ومحتمل أن يكون شاذَّا عن هذا الأصل الذى ذكرناه ، ويُمكن أن يُجمَع بينهما على بُعدٍ ، وهو إلى الشذُوذِ أقرب. ويقال : أرسَلَت السَّماءُ عَزَالِيَها ، إذا جاءت* بمنهمرٍ من المَطَر. وأنشد :
تَهمِرُها الكفُّ على انطوائِها *** هَمْرَ شَعيب الغَرْفِ من عَزلائِها (2)
عزم العين والزاء والميم أصلٌ واحد صحيحٌ يدلُّ على الصَّريمة والقَطْع. يقال : عزَمت أعزِمُ عزماً. ويقولون : عزمت عليك إلَّا فعَلْتَ كذا ، أى جعلتُه أمراً عَزْماً ، أى لا مَثْنويّة فيه(3). ويقال : كانوا يَرون لِعَزمة الخُلفاء طاعةً. قال الخليل : العَزْم : ما عُقِد عليه القلبُ من أمرٍ أنت فاعلُه ، أى متيقِّنه. ويقال : ما لفلانٍ عزيمةٌ ، أى ما يَعزِم عليه ، كأنَّه لا يمكنه أن يَصْرِمَ الأمر ، بل يختلط فيه ويتردَّد.
ومن الباب قولهم : عَزَمْت على الجِنىّ ، وذلك أن تقرأ عليه من عزائم القُرآن ،
وهى الآياتُ التى يُرجَى بها قَطْعُ الآفةِ عن المَؤُوف. واعتزم السائر (1)، إذا سَلَك القصدَ قاطعاً له. والرجل يَعتزِم الطَّريق : يمضِى فيه لا ينثنى. قال حميد (2):
معتزماً للطرُق النواشِط (3)
و ( أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) عليهم السلام : الذين قَطَعوا العلائقَ بينهم وبين مَنْ لم يؤمِن مِن الذين بُعِثوا إليهم ، كنوح عليه السلام ، إذ قالَ : ( لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) ، وكمحمَّدٍ صلى اللّه عليه وآله إذْ تبرَّأَ من الكُفّار وبَرّأه اللّه تعالى منهم ، وأَمَرَه بقتالهم فى قوله : ( بَراءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ثم قال : ( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) .
عزوى العين والزاء والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على الانتماء والاتِّصال. قال الخليل : الاعتزاء : الاتِّصال فى الدَّعوى إذا كانت حربٌ ، فكلّ من ادَّعى فى شعاره فقد اعتَزَى ، إذا قال أنا فلانُ بنُ فلان فقد اعتَزَى إليه. وفى الحديث : «مَنْ تَعزَّى بعَزَاء الجاهليَّة فَأَعِضُّوه». وهو أن يقول يال فلان. قال :
فلما التقتْ فُرسانُنا ورجالُهم *** دَعَوْا يا لَكَعبٍ واعتَزَيْنا لعامِرِ (4)
وقال آخَر :
فكيفَ وأصْلى من تميمٍ وفرعُها *** إلى أصل فَرعى واعتزائى اعتزاؤها
فهذا الأصل. وأمّا قولهم : عَزىَ الرّجلُ يَعْزَى عَزاءً ، وإنه لَعَزىٌ (1)أى صبور ، إذا كان حسَنَ العزاء على المصائب ، فهذا من الأصل الذى ذكرناه ، ولأنَّ معنى التعزِّى هو أن يتأسَّى بغيره فيقول : حالى مثلُ حالِ فلان. ولذلك قيل : تأسَّى ، أى جعل أمرَه أُسوة أمرِ غيره. فكذلك التعزِّى. وقولك عَزّيتُه ، أى قلتُ له انظُرْ إلى غيرك ومن أصابَه مثلُ ما أصابك. والأصل هذا الذى ذكرناه.
عزب العين والزاء والباء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على تباعدٍ وتنَحٍّ. يقال : عَزَب يعزُبُ عُزُوباً. والعَزَب : الذى لا أهلَ له. وقد عَزب يَعْزُبُ عُزوبةً. قال العجّاج فى وصف حمارِ الوحش :
شهراً وشهرين يسنّ عَزَبَا
وقالوا : والمِعْزابةُ : الذى طالت عُزْبته حتى مالَه فى الأهل مِن حاجة. يقال : عَزَب حِلْمُ فلانٍ ، أى ذهب ، وأعْزَبَ اللّهُ حِلْمَه ، أى أذهَبَه. قال الأعشى :
فأعزَبْتُ حِلمى بل هو اليومَ أعْزَبا (2)
كلانا يرائى أنه غير ظالم
والعازب من الكلأ : البَعِيد المَطْلَب. قال أبو النجم :
وعازبٍ نَوَّرَ فى خلائِه
وكلُّ شىءٍ يفوتُك حتى لا تَقْدِر عليه فقد عَزَب عنك. وأعزب القومُ : أصابوا عازباً من الكلأ.
عزر العين والزاء والراء كلمتان : إحداهما التَّعظيم والنَّصر ، والكلمة الأخرى جنسٌ من الضَّرب.
فالأولى النَّصر والتوقير ، كقوله تعالى : ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) .
والأصل الآخر التَّعزير ، وهو الضرب دون الحدّ. قال :
وليس بتعزير الأمير خَزايةٌ *** علىَّ إذا ما كنتُ غيرَ مريبِ (1)
عسف العين والسين والفاء كلماتٌ تتقارب ليست تدلُّ على خير إنما هى كالحَيْرة وقلّة البصيرة.
قال الخليل : العَسْف : ركوب الأمر من غير تدبير ، وركوبُ مفازةٍ بغير قَصْد. ومنه التعسُّف. قال ذو الرّمّة :
قد أعْسِفُ النّازحَ المجهولَ مَعْسِفُهُ *** فى ظلِّ أخضَرَ يدعو هامَه البومُ (2)
والعَسِيفُ : الأجير ؛ وما يبعدُ أن يكون من هذا القياس ؛ لأنَّ ركوبَه فى الأمور فيما يعانيه مخالفٌ لصاحب الأمور. وقال أبو دُوَاد :
كالعَسيفِ المربوعِ شَلَّ جمالاً *** ما له دونَ منزلٍ من مَبيتِ
وقد أومأ إلى المعنى ، وأرى أنَّ البيتَ ليس بالصحيح. ونهى رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن قتل العُسَفاء. وهم الأجَراء. وحديث آخر : «إنَّ ابنى كانَ عسيفاً على هذا(1)». ويقال : إنَّ البعير العاسِفَ هو الذى بالموت ، وهو كالنّزْع فى الإنسان. ومما دلَّ على ما قُلناه فى أمر العسيف قولُ الأصمعىّ : العَسيف : المملوك المُسْتَهان به الذى اعْتُسِف ليَخْدُمَ ، أى قُهِر. وأنشد :
أطعْتُ النَّفْسَ فى الشَّهوات حَتى *** أعادتْنِى عسيفاً عبدَ عبْدِ (2)
وعُسْفان : موضع بالحجاز يقول فيه عنترة :
كأنّها حِينَ صدَّت ما تكلِّمنا *** ظبىٌ بعُسْفانَ سَاجِى الطَّرْف مطروفُ (3)
عسق العين والسين والقاف أُصَيلٌ صحيح يدلُّ على لُصوق الشىء بالشىء.
قال الخليل : العَسَق : لُصوق الشىء بالشىء. يقال : عَسِق به عَسَقاً. وعَسِقَتِ الناقةُ بالفَحْل ، أى أرَبَّت به. قال رؤبة :
فعفَّ عن أسرارها بعدَ العَسَقْ *** ولم يُضِعْها بين فِرْكٍ وعَشَقْ (4)
ومن الباب : فى خُلُقه عَسَقٌ ، أى التواء وضِيقُ خلق. ويقال : «عَسِق بامرئ جُعَلُهُ».
عسك العين والسين والكاف قريبٌ من الذى قبله. قال الخليل : عَسِك به ، إذا لزمَه ، مثل سَدِك به. وأنشد الأصمعى :
إذا شرَكُ الطريق تجشَّمَتْهُ *** عَسِكْنَ بجنبِهِ حذَر الإكامِ (1)
عسل العين والسين واللام ، الصحيح فى هذا الباب أصلان ، وبعدهما كلمات إن صحّت.
فالأول [من] الأصلين دالٌّ على الاضطراب ، والثانى طعامٌ حُلْو ، ويُشتقُّ منه. فالطَّعام العَسَل ، معروف. والعَسّالة : التى يتّخذ فيها النَّحْل العسلَ. والعاسل : صاحب العَسَل الذى يَشتاره من مَوضِعه يستخرجُه. وقال :
وأرْىِ دُبُورٍ شارَهُ النَّحْلَ عاسِلُ (2)
(دبر) إلى زيد الخيل. وشاره النحل ، أراد شاره من النحل ، فعدى بحذف الوسيط ، كما فى قوله تعالى : ( وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً ) . وصدر البيت :
بأشهب من أبكار مزن سحابة
وعَسَّل النَّحْلُ تعسيلاً. وفى تأنيث العسل قال :
بها عسلٌ طابت يَدَا من يَشُورُها (3)
كأن عيون الناظرين بشونها
ومِمّا حُمل على هذا العُسيْلة. وفى الحديث : «حَتَّى يَذُوق عُسَيلَتَها وتذوقَ عُسيلتَه». إنما يُرَاد به الجِماع. ويقال خَلِيَّة عاسلة ، وجنحٌ عاسل ، أى كثير العسل. والجِنْح: شِقٌّ فى الجبل. وقال الهذلىّ (4):
تَنَمَّى بها اليَعسوبْ حتى أقرَّها *** إلى مألَفٍ رَحْبِ المَبَاءةِ عاسِلِ
ويقال للذى يَشْتارُه : عاسل. وفى الحديث : «إذا أراد اللّه بعبدٍ خيراً عَسَلَه (1)». وهو من هذا ، ومعناه طيَّبَ ذِكرَه وحلَّاهُ فى قلوب النَّاس بالصَّالح من العمل. من قولك عَسَلْتُ الطَّعامَ ، أى جعلتُ فيه عَسلاً. وفلانٌ معسول الخُلُق ، أى طيِّبه. وعَسَلْتُ فلاناً : جَعلتُ زادَه العسل. والعرب تقول : «فلانٌ ما يُعرَف له مَضْرِب عَسَلة» ، أى لا يُعرَفُ له أصل. ومثله «لا يُعرَفُ له مَنْبِض عَسَلَة».
والأصل الثانى : العَسَلانُ ، وهو شِدّةُ اهتزازِ الرُّمح إذا هززتَه. يقال : عَسَل يَعْسِلُ عَسَلاناً ، كما يَعْسِلُ الذّئبُ ، إذا مَضى مُسرِعاً. والذِّئب عاسل ، والجمعُ عُسَّل وعَواسل. ويقال رمحٌ عَسَّالٌ. وقال :
كلّ عَسّالٍ إذا هُزَّ عَسَلْ
وقال فى الذِّئبِ :
عَسَلانَ الذِّئبِ أمسى قارباً *** بَرَدَ اللّيلُ عليه فنَسَل (2)
وعَسَل الماء ، إذا ضَربته الرِّيح فاضطَرب وأنشد :
حَوْضاً كأنَّ ماءَه إذا عَسَلْ (3)
قد صبحت والظل غض ما زحل
والدَّليل يَعْسِل فى المفازة ، إذا أسرع. وقال فى ذلك :
عَسَلْتُ بُعَيْدَ النَّوم حتى تقطَّعَتْ *** نفانِفُها واللّيلُ بالقومِ مُسْدِفُ
وقال أبو عبيدة : يقال فرسٌ عاسل ، إذا اضطربت مَعرفَتُهُ فى سيره ، وخَفق رأسُه واطَّرد متنُه. هذا هو الصحيح غير المشكوكِ فيه ، ومما قاله وما ندرى كيف صحّتُه ، بل هو إلى البُطلان أقرب : العَسِيل : قضيبُ الفِيل. وزَعموا أن العَسِيل مِكنسة العَطّار يكسَح بها الطَّيب. وينشدون :
كنَاحِتِ يوماً صخرةٍ بعَسيلِ (1)
فرشني بخير لا أكون ومدحتى
عسم العين والسين والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على التواءِ ويُبْسٍ فى عُضوٍ أو غيره. قال الخليل وغيرُه : العَسَمُ : يُبْسٌ فى المِرْفَق تعوَجّ منه اليَدُ. يقال : عسِمَ الرَّجلُ فهو أعْسَم ، والمرأة عَسْماء. قال الأصمعىُّ : فى الكَّف والقَدم العسَم ، وهو أن يَيْبَس مَفصِل الرُّسغ حتَّى تعوَّج الكفُّ أو القَدَم. قال :
فى مَنكِبَيه وفى الأصلاب واهنَةٌ *** وفى مَفاصله غَمْزٌ من العَسَمِ (2)
قال الكلابىّ : العَسْماء التى فيها انقلابٌ ويُبْس. ويقولون : العُسُوم : كِسَر : الخُبْز. وهذا قد رُوِى عن الخليل ، ونُراه غلطاً. وهذا فى باب الشِّين أصحّ ، وقد ذُكِر.
ومن الباب : عَسَمَ ، إذا طَمِع فى الشَّىء. والقياس صحيح ، لأنَّ الطَّامعَ فى الشَّىء يَميل إليه ويشتدُّ طلبُه له. ويقال عَسَمَ يَعْسِم ، وهو من الكلمة التى قبلها ، لأنّه لا يَكسِبه إلّا بعد المَيْل إليه. قال الخليل : والرَّجُل يَعسِم فى جماعةِ
النّاس فى الحرب : يركبُ رأسَه ويَرمى بنفسِه غيرَ مكترِثٍ. تقول : عَسَم بنَفْسِه ، أى اقتَحَم.
عسن العين والسين والنون أُصَيلٌ صحيح يدلُّ على سِمَن وما قاربَه وأشبهه.
قال الخليل : العَسن : نُجوع العَلَف والرَّعى فى الدَّوابّ. يقال : عَسَنَتِ الإبلُ عَسْناً. وناس يقولون : عَسِنَت عَسَناً. ويقال إنَ العُسُنَ : الشَّحم القديم. وقال الفرّاء : إذا بقيَتْ من شحم الدّابّة بقيَّةٌ فذلك العُسُن. ويقال : بعيرٌ حَسَن الإعسان. وأعْسَنَتِ الإبل على شحمٍ متقدِّمٍ كانَ بها. قال النَّمِر :
ومُدَفَّع ذى فَرْوَتينِ هنَأْتُه *** إذ لا ترى فى المعْسِنات صِرَارا
وأمّا قولُهم : تَعَسَّنَ أباه ، فهذا من باب الإبدال ، والأصل فيه الهمز ، وقد ذكر. ويقال : فلانٌ عِسْنُ مالٍ ، إذا كان حسنَ القيام عليه ، وهذا من الإبدال ، كأنّ الأصل عسل ، وقد ذُكِر.
عسوى العين والسين والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على قوّةٍ واشتدادٍ فى الشَّىء. يقال : عَسَا الشّىء يعسو ، إذا اشتدّ. قال :
عَن صاملٍ عاسٍ إذا ما اصلَخْمَمَا (1)
بهوون عن أركان مز أدرما
فالكلمات الثلاثُ فى البيت متقاربةُ المعنى فى الشِّدّة والقُوّة.
ومن الباب : شيخٌ عاسٍ ، [عَسَا] يعسو وعَسِىَ يَعْسَى. وذلك أنّه
1) أشده فى اللسان (عسا) كما هنا. وفى (صلخم): «عن صائك». وقبله فى (عسا) :
يَكثُف منه ما كان من بشَرته لطيفاً. وربَّما اتَّسعوا فى هذا حتى يقولوا : عَسَا اللّيل ، إذا اشتدَّت ظُلمته ، وهو بالغين أشْهر ، أعنِى فى اللّيل ويقال : عَسَا النَّبات ، إذا غلُظ واشتدّ. وقال فى صفة الشيخ :
أشْعَث ضرب قد عسا أو قوَّسا
فأمَّا عَسى فكلمةُ ترجٍّ ، تقول : عسى يكون كذا. وهى تدلُّ على قُربٍ وإمكان. وأهلُ العِلم يقولون : عَسَى من اللّه تعالى واجبٌ ، فى مثل قولِه تعالى : عَسَى اللّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً ) .
عسب العين والسين والباء كلماتٌ ثلاثٌ متفرِّدة بمعناها ، لا يكاد يتفرَّع منها شىء. فالأولى : طَرْق الفَرَسِ وغيرِه ، والثانية عَسِيب الذَّنَب ، والثالثة نوعٌ من الأشياء التى تطير.
فالأوَّل العَسْب ، قالوا : هو طَرْق الفَرَسِ وغيرِه. ثمَّ حُمِل على ذلك حتَّى سُمِّى الكِراء الذى يؤخَذ على العَسْب. وفى الحديث أنَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم نَهَى عن عَسْب الفَحْل. فالعَسْب : الكِراء الذى يُؤخَذ على العَسْب ، سمِّى باسمِه للمجاوَرَة. وقال زُهير :
ولو لا عَسْبُهُ لرَدَدْتُموه *** وشرُّ مَنيحةٍ فَحلٌ مُعارُ (1)
ومنه قول كثَيِّر :
يُغادِرنَ عَسْب الوالقىِّ وناصحٍ *** تخصُّ به أمُّ الطّريقِ عِيالَها (2)
يصف خيلاً وأنّها أزْلَقت ما فى بطونها من أولادها تعباً.
والآخر عَسِيب الذَّنَب ، وهو العَظم الذى فيه مَنْبِت الشَّعْرَ. وشُبِّه [بهِ] عسيبُ النَّحْلة ، وهى الجريدةُ المستقيمةُ. تَشَابَهَا من طريقة الامتداد والاستقامة. يقال عَسِيبٌ وأَعْسِبَةٌ وعُسُب (1). قال :
يستلُّها جدولٌ كالسَّيف منصلِتٌ *** بين الأَشَاءِ تسامَى حَولَه العُسُبُ (2)
وعَسِيب الرِّيشَة مشبَّه بعَسِيب النخلة (3).
والكلمة الثّالثة : اليَعْسوب ، يَعْسوب النَّحل ملكُها. قال أبو ذُؤيب :
تَنَمَّى بها اليعسوبُ حتَّى أقرَّها *** إلى مألَفٍ رَحْبَ المباءةِ عاسلِ (4)
والجمع يعاسيب. قال :
زُرْقاً أسنّتُها حمراً مُثقّفةً *** أطرافُهنَّ مَقِيلٌ لليعاسيبِ (5)
وزعموا أنَ اليَعسوبَ : ضربٌ من الحَجَل أيضاً ، وضربٌ من الجراد. وممَّا ليس من هذا الباب عَسِيبٌ : اسمُ جبلٍ ، يقول فيه امرؤُ القيس :
أجارتَنا إنّ المزارَ قريبُ *** وإنِّى مقيمٌ ما أقامَ عسيبُ (6)
أجارتنا إن المطوب تنوب
1) وعسوب أيضا ، وعسبان وعسبان ، بضم العين وكسرها ، كما فى اللسان.
2) الأشاء ، كسحاب : صغار النخل ، واحدته أشاءة وفى الأصل : «بين الأشياء».
3) عسيب الريشة : ظاهرها طولا.
4) سبق البيت وتخريجه فى (عسل).
5) فى الأصل : «أطرافها» تحريف. والبيت لسلامة بن جندل فى المفضليات (1 : 121) ، وهو ساقط من ديوانه المطبوع فى بيروت.
6) البيت لم يروه الوزير أبو بكر فى ديوانه. وهو فى اللسان (عسب) ومعجم البلدان (عسيب) ، وشروح سقط الزند 1741 برواية :
عسج العين والسين والجيم. كلمة صحيحة يقال إن العَسْج مدّ العُنُق فى المشْى. قال جميل :
عَسَجْنَ بأعْناق الظباء وأعيُنِ ال *** جآذر وارتجّت لهنَّ الروادُف (1)
وقال ذو الرُّمَّة :
والعِيسُ مِن عاسجٍ أو واسجٍ خَبَباً *** يُنْحَزْنَ فى جانِبَيْها وهى تنسلبُ (2)
عسد العين والسين والدال ليس فيه ما يُعوَّل على صحَّته ، إلّا أنّهم يقولون : عَسَدَ ، إذا جامَعَ. ويقولون العِسْوَدّة : دويْبَّة. وليس بشىء.
عسر العين والسين والراء أصلٌ صحيحٌ واحد يدلُّ على صُعوبةٍ وشِدّة. فالعُسْر : نقيض اليُسْر. والإقلال أيْضاً عُسْرةٌ ، لأنَّ الأمر ضيِّق عليه شديد. قال اللّه تعالى : ( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) . والعَسَر : الخلاف والالتواء. ويقال : أمرٌ عَسِرٌ وعَسير. ويومٌ عَسير. وربَّما قالوا : رجْلٌ عَسِر قال جرير :
بِشْرٌ أبو مروانَ إنْ عاسرتَهُ *** عَسِرٌ وعند يَساره ميسورُ (3)
ويقولون : عَسُرَ الأمْرُ عُسْراً وعَسَراً أيضاً. وقالوا : «عليك بالمَيْسُور واترُكْ ما عَسر». وأعسَرَ الرّجُل ، إذا صارَ من مَيْسرة إلى عُسْرة. وعسَرْتُه أنا أعْسِرُه ، إذا طالبتَه بدَينكَ وهو مُعْسِرٌ ولم تُنْظِرْه إلى مَيسرتِه. ويقال : عَسَّرْتُ
عليه تعسيراً ، إذا خالفْتَه. والعُسْرى : خلاف اليُسْرَى ، وتعسَّر الأمر : التوى ويقال لِلغَزْل إذا التَبَس فلم يُقَدر على تخليصه : قد تعَسَّر. وسمعت ابنَ أبى خالدٍ يقول : سمعت ثعلباً يقول : تعسَّر الأمرُ بالعين ، وتَغَسَّر الغَزْل بالغين معجمة. ويقال : أعْسَرَتِ المرأةُ ، إذا عسُرَ عليها وِلادُها. ويُدْعَى عليها فيقال : أعْسَرْتِ وآنَثْتِ. ويُدْعَى لها : أَيْسَرْتِ وأذْكَرْت. ويقال: العَسير : النّاقة التى اعتاطَتْ وَاعتاصتْ فلم تحمِلْ عامَها. قال الأعشى :
وعَسيرٍ أدماءَ حادِرة العيْ *** نِ خَنُوفٍ عَيرانةٍ شِملالِ (1)
ويقال للنّاقة التى تُركَب قبل أن تُراضَ : عَوْسرانيَّة. وهذا ممّا قلنا إنّ زيادةَ حروفِه يدلُّ على الزِّيادة فى المعنى.
ويقال للذى يَعمل بِشِماله : أعْسَر. والعُسْرى ، هى الشِّمال (2)، وإنَّما سمِّيت عُسْرى لأنّه يتعسَّر عليها ما يتيَّسر على اليُمْنى. فأمَّا تسميتهم إيّاها يُسْرى فيُرى أنّه على طريقة التَّفاؤُل ، كما يقال للبَيْداء مفازة ، وكما يقال للّديغ سَلِيم. والعاسِر من النُّوق إذا عَدَتْ رفعَتْ ذَنَبها. ولا أحسب ذلك يكون إلَّا من عَسَرٍ فى خُلُقها ؛ والجمع عَواسِر. قال :
تكسّر أذناب القِلاصِ العَواسِرِ
عشق العين والشين والقاف أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على تجاوُزِ حدِّ المحبَّة.
تقول : عَشِق يَعْشَق عِشْقاً وعَشَقاً. قال رؤبة :
ولم يُضِعْها بين فِرْكٍ وعَشَقْ (1)
ويقال : امرأةٌ عاشق أيضاً ، حملوه على قولهم : رجلٌ بادنٌ وامرأة بادنٌ. وزعم ناسٌ أنَ العَشَقَة اللّبْلابة ، قالوا : ومنها اشتُقَّ اسم العاشق لذيوله. وهو كلامٌ.
عشك العين والشين والكاف (2). ليس فيه معنًى يصحُّ ، وربَّما قالوا يَعْشِك ويَحْشِك ، أى يفرِّق ويجمع. وليس بشىء.
عشم العين والشين والميم أصلٌ يدلُّ على يُبْسٍ فى شَىءٍ وقُحول. من ذلك الخُبْز العاشم : الذى يَبِس. ويقولون للشيخ : عَشَمَة. ومن* غير ذلك القياس العَيْشُوم ، وهو نبتٌ. قال :
كما تناوَحَ يَومَ الرِّيحِ عَيشومُ (3)
للجن باليل في حافاتها زجل
عشو العين والشين والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على ظلامٍ وقِلّةٍ وُضوحٍ فى الشىء ، ثم يفرَّع منه ما يقاربُه. من ذلك العِشاء ، وهو أوّل ظلامِ اللّيل. وعَشْواءُ اللّيل : ظُلمتُه. ومنه عَشَوْتُ إلى ناره. ولا يكون ذلك إلّا أن تَخْبِط إليه الظَّلام. قال الحطيئة :
متى تأتِهِ تعشُو إلى ضوءِ ناره *** تجدْ خير نارٍ عندها خيرُ مُوقِدِ (1)
والعاشية : كلُّ شىءٍ يعشُو باللَّيل إلى ضوءِ نار. والتَّعاشى : التَّجاهُل فى الأمر. قال :
تَعُدُّ التَّعاشِىَ فى دينها *** هُدًى ، لا تُقُبِّلَ قُربانُها
والعَشِيُ : آخر النَّهار. فإذا قلت عَشِيَّة فهو ليومٍ واحد. تقول : لقيتُه عِشيَّةَ يومِ كذا ، ولقيتُه عشيَّةً من العشيَّات. وهذا الذى حُكى عن الخَليل فهو مذهبٌ ، والأصحُّ عندنا أن يقال فى العَشِىّ مثلُ ما يقال فى العَشِيَّة. يقال : لقيته عَشِىَ يومِ كذا (2)، كما يقال عَشِيَّة يوم كذا ، إذ العشىُ إنّما هو آخِر النَّهار. وقد قيل : كلُّ ما كان بعد الزَّوال فهو عَشِىّ. وتصغر العَشِيَّة عُشيْشِيَة. والعَشاء ممدود مهموز بفتح العين ، هو الطَّعام الذى يُؤكَل مِن آخِر النَّهار وأوَّل اللّيل.
قال الخليل : والعَشا ، مقصور : مصدر الأعشى ، والمرأة عَشْواء ، ورجال عُشوٌ ، وهو الذى لا يُبصِر باللّيل وهو بالنَّهار بصير. يقال عَشَى يَعْشِى عَشًى.
قال الأعشَى :
أأن رأتْ رجُلاً أضرَّ به *** ريبُ الزَّمانِ ودهرٌ خائنٌ خَبلُ (1)
والعَشْواء من النُّوق : التى كأنَّها لا تُبصِر ما أمامَها فتخبِطُ كلَّ شىء بيديها.
قالوا : وإنَّما يكون ذلك من حِدَّة قلبِها. قال زُهير :
رأيتُ المنايا خَبْطَ عشواءَ من تُصِبْ *** تمِتْه ومن تُخطِئْ يُعَمَّرْ فيَهْرمِ (2)
وتقول : إنَّهم لفى عَشْواء من أمرِهم. شبَّه زهيرٌ المنايا بناقةٍ تخبط ما يستقبلُها فتَقتُل.
عشب العين والشين والباء أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على يُبسٍ فى شىءٍ وقُحول وما أشبه ذلك من ذلك العُشْب ، قالوا : هو سَرَعان الكَلَأ فى الرَّبيع ، ثُمَّ يهيج ولا بقاءَ له. وأرضٌ عَشِبَةٌ : مُعْشِبة ، وأعْشبَتْ إذا كثُر عُشْبُها. وأعْشَب الرَّجُل : أصابَ العُشْب. قال أبو النَّجم :
يقُلْنَ للرّائدِ أعْشَبْتَ انزلِ (3)
وممّا حُمِل على هذا أنْ يشبَّه الشَّيخُ القاحلُ به ، فيقال رجل عَشَبٌ وامرأةٌ عَشَبة. وقد يقال ذلك فى النوق. [و] يقال : أعشَبَ فلانٌ فلاناً إذا وَهَب له ناقة عَشَبةً.
عشر العين والشين والراء أصلانِ صحيحان : أحدهما فى عددٍ معلوم ثم يحمل عليه غيرُه ، والآخَر يدلُّ على مداخَلةٍ ومُخالَطة.
فالأوّل العَشَرة ، والعَشْر فى المؤنّث. وتقول : عَشرْتُ القومَ أعْشِرُهم (1)، إذا صرت عاشِرَهم. وكنت عاشِرَ عَشرة ، أى كانوا تسعةً فتمُّوا بى عَشرةَ رجال وعَشَرت القوم (2)، إذا أخذتَ عُشْرَ أموالهم. ويقال أيضاً : عَشَّرْتُهم أعَشَّرهم تَعْشِيراً. وبه سمِّى العَشَّار عَشَّاراً. والعُشْر : جزءٌ من الأجزاء العشرة ، وهو العَشِير والمِعْشار. فأمَّا العِشْر فيقال : هو وِرْدُ الإبل يومَ العاشر. وإبلٌ عواشِرُ : وَرَدت الماء عِشْراً. ويجمع ويثنى فيقال عِشْران وعِشرُون ، فكلُ عِشْرٍ من ذلك تسعة أيّام. وقال ذو الرّمة :
أقمتُ لها أعناقَ هِيمٍ كأنّها *** قطاً نَشَّ عَنْها ذو جلاميد خامسُ (3)
ومنخرق السربال أشمت يرتمى *** به الرحل فوق الميس والليل دامس
إذا نحز الإدلاج ثغرة نحره *** به أن مسارخى العمامة ناهس
يعنى بالخامس : القَطا التى وردت الماء خِمْسا.
قال الخليل : تقول : جاء القومُ عُشَارَ عُشارَ ، ومَعْشرَ مَعْشرَ ، أى عَشَرة عشَرة ، كما تقول : جاءوا أحادَ أحاد ، ومَثْنَى مثنى. ولم يذكر الخليل مَوْحَدَ مَوْحد ، وهو صحيحٌ. فأمَّا تعشير الحِمار فلَسنا نقول فيه إلّا الذى قالوه ، وهو فى قياسنا صحيحٌ إن كان حَقَّا ما يقال. قال الخليل : المُعَشِّر : الحمار الشَّديد س
النَّهيق. قال : ويقال نُعِت بذلك لأنّه لا يكفُّ حتّى تبلغ [عَشْر] نَهَقاتٍ وترجيعات. قال:
لعمرى لئن عَشَّرتُ من خَشْية* الرَّدَى *** نُهاقَ الحمار إنَّنى لَجَزُوعُ (1)
قال : وناقةٌ عُشَراء ، وهى التى أقْرَبَتْ ، سمِّيت عُشَراء لتمام عشرة أشهر لحملها (2). يقال : عشَّرتِ النّاقة تُعشِّر تعشيراً ، وهى عُشَراء حَتَّى تلِد ، والعدد العُشَرَاوات ، والجمع عِشَار. ويقال : بل يقع اسمُ العِشَار على النُّوق التى نُتِج بعضُها وبعضها قد أَقْرَبَ يُنْتَظَرُ نِتاجُها. وقال :
يا عامِ إنّ لقاحَها وعِشارَها *** أودَى بها شَخْتُ الجُزَارة مُعْلَمُ
وقال الفرزدق :
كم عمّةٍ لك يا جريرُ وخالةٍ *** فَدْعاءَ قد حلبَتْ علىَ عِشارِى (3)
وقال : وليس للعِشَار لبنٌ ، وإنَّما سمَّاها عِشاراً لأنَّها حديثةُ العهد ، وهى مطافيلُ قد وضعت أولادَها. والعِشْر : القِطعة تنكسر من القَدَح أو البُرْمة ونحوِها. وقال :
كما يضمُّ المِشْعَب الأعشارا
1) البيت لعروة بن الورد فى ديوانه 99. وانظر اللسان (عشر) والمخصص (8 : 49) ومحاضرات الراغب (1 : 74) وأمثال الميدانى فى قولهم : (عشر والموت شجا الوريد). وللبيت قصة فى الحيوان (6 : 359) ومعجم البلدان (روضة الأجداد).
2) فى الأصل : «محملها».
3) ديوان الفرزدق 451 واللسان (عشر). والبيت من شواهد النحويين ، وفى «عمة» ثلاثة أوجه : الرفع والنصب والجر. انظر الخزانة (3 : 126) وكتاب سيبويه (1 : 253 ، 295).
هذا قد حُكى. فأمّا الخليل فقد حكى وقال : لا يكادون يُفرِدُون العِشْر. وذكر أنَّ قولهم قدُورٌ أعْشار وأعاشير ، إنَّما معناه أنّها مكسّرة على عَشْر قِطَع.
وقال امرؤ القيس :
وما ذَرَفَتْ عيناكِ إلا لتَضْرِبى *** بسهمَيْكِ فى أعشارِ قلبٍ مقتَّلِ (1)
وذكر الخليل أيضاً أنّه يُقال لجَفْن السَّيف إذا كان مكسَّراً أعشار. وأنشد :
وقد يَقطعُ السَّيفُ اليمانى وجفنُه *** شَبارِيقُ أعشارٌ عُثِمْنَ على كَسْرِ (2)
قال : والعُشَارىُ : ما بلغ طولُه عَشْرَ أذرُع. وعاشوراء : اليومُ العاشر من المحرَّم.
فأمَّا الأصل الآخَر الدَّالُّ على المخالطة والمداخَلَة فالعِشْرة والمعاشَرة. وعَشِيرُك : الذى يعاشرُك. قال : ولم أسمع للعَشِير جمعاً ، لا يكادون يقولون هم عُشَراؤك ، وإذا جمعوا قالوا : هم مُعاشِرُوك. قال : وإنّما سمِّيت عَشِيرة الرّجُل لمعاشرةِ بعضهم بعضاً ، حتَّى الزّوجُ عشيرُ امرأتِه. وجاء فى الحديث فى ذكر النساء : «إنّكن تُكْثِرْن اللّعْن وتكْفُرْن العَشِير (3)». ويقال عاشَره مُعاشرةً جميلة. وقال زهير :
لعمرُكَ والخطوبُ مغيِّراتٌ *** وفى طول المعاشرة التقالى (4)
قال : والمَعْشَر : كلُّ جماعةِ أمرُهم واحد ، نحو معشر المسلمين ، والإنس معشرٌ والجنُ مَعشر ، والجمع مَعاشِر. والعُشَر : نَبْت.
عشز العين والشين والزاء كلمتانِ صحيحتان ، إحداهما عند الخليل وليست الأخرى عنده.
فالأولى العَشَوْزَن من المواضع (1): ما صلُب مَسْلكه وخشن ، والجمع العشاوِز قال الشمَّاخ :
حوامى الكُراع المؤيَداتُ العَشاوزُ (2)
وصدر البيت :
حذاها من الصيدا نعلا طرانها
وقال قومٌ : هو العَشْوَز أو العَشَوَّز (3)، أنا أشُكُّ. وإنّما سُمِّيت القناة عشَوْزنةً لصلابتها ، والنون زائدة.
والكلمة الأخرى : عَشَزَ عَشَزاناً ، وهى مِشية الأقزَل ، ذكرها أبو عبيد.
عشط العين والشين والطاء (4).
1) فى المجمل : «العشوز عن الأماكن». على أن كلمة «العشوزن» يوردها أصحاب المعجمات» فى مادتى (عشر. عشزن) ، ويذكرون أيضا «العشاوز» جمعا للعشوز ، وزان جوهر ، وللعشوزن أيضا. وفى اللسان (عشزن): «ويجوز أن يجمع عشوزن على عشازن».
2) عجز بيت له فى ديوانه 51. وأنشد الكلمتين الأخيرتين صاحب اللسان فى (عشز).
3) فى الأصل : «العشوزاء والعشوز» تحريف. وفى اللسان «العَشْوَز» و «العَشَوَّز». وضبطهما فى القاموس بالكلمات «كجعفر وعذور» وحقه أن ينظر بجوهر بدل جعفر.
4) كذا وردت هذه المادة مبتورة. وفى اللسان : «عشطه يعشطه عشطا : جذبه».
عصف العين والصاد والفاء أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على خِفّةٍ وسرعة. فالأوَّل من ذلك العَصْف : ما على الحبِّ من قُشور التِّبن. والعَصْف : ما على ساق الزَّرع من الوَرَق الذى يَبس فتفتَّت ، كل ذلك من العَصْف. قال اللّه سبحانه : ( فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) . قال بعضُ المفسِّرين : العصف : كلُّ زرعٍ أُكِل حَبُّه وبَقِى تبنُه. وكان ابنُ الأعرابى يقول : العَصْف : ورقُ كلِّ نابت.
ويقال : عَصَفْتُ الزَّرْعَ ، إذا جَزَزْتَ أطرافَه وأكلتَه ، كالبقل. ويقال : مكانٌ مُعْصِف، أى كثير العَصْف. قال :
إذا جُمادَى مَنَعَتْ قَطْرَها *** زانَ جَنابِى عَطَنٌ مُعْصِفُ (1)
ويقال للعَصْف : العَصِيفَة والمُصافة. قال الفرّاء : إذا أخذْتَ العصيفةَ عن الزَّرع فقد اعتُصِف. والريح العاصف : الشَّديدة. قال اللّه تعالى : ( جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ ) . هذا الذى ذكره الخليل ، ومعنى الكلام أنَّها تستخِفُّ الأشياءَ فتذهبُ بها تَعصِف بها. ويقال أيضاً : مُعْصِف ومُعْصِفة. قال العجَّاج :
والمُعْصِفاتِ لا يَزَلْنَ هُدَّجا (2)
وقال بعضُ أهلِ العلم : ريح عاصفةٌ نعتٌ مبنىٌّ على فَعَلَتْ عَصَفَتْ. وريحٌ عاصفٌ: ذات عُصُوف ، لا يُراد به فَعَلَت ، وخرجَتْ مخرجَ لابنٍ وتامِر.
ومن قياس الباب : النّاقة العَصُوف : التى تَعصِف براكبها فتمضى كأنّها ريحٌ فى السُّرعة. ويقال أعصفَتْ أيضاً. والحَرب تَعْصِف بالقوم : تذهبُ بهم. قال الأعشَى :
فى فيلقٍ جأوَاء ملمومةٍ *** تَعْصِفُ بالدَّارع والحاسرِ (1)
ورواية الديوان :
مجمع خضراء لها سورة
ونعامةٌ عَصوفٌ : سريعة. وقد قلنا إنَ العَصْف : الخِفَّة والسُّرعة.
ومن الباب : عَصَفَ واعتصف ، إذا كسب. وذاك أنّه يخفُ (2)فى اكتداحِه. قال :
من غير [ما]عَصْفٍ ولا اصطراف (3)
وقبله فى الديوان :
قال الذي جمعت في صواق
وفى اللسان :
قد يكسب المال الجدران الجاق
وهو ذو عَصْفٍ ، أى حيلة.
عصل العين والصاد واللام أصلٌ واحدٌ صحيح يدلُّ على اعوجاج فى الشىء ، مع شدَّةٍ وكَزَازة.
قال أهل اللُّغة : العَصل : اعوجاجُ الناب مع شِدّته. قال :
على شَنَاحٍ نابُه لم يَعْصَلِ (1)
والأعصل من الرِّجال : الذى عصِلَت ساقُه وذِراعُه ، أى اعوجَّتا اعوجاجاً شديداً. والشّجرة العَصِلة : العَوجاء التى لا يُقدَر على إقامتها. وسهمٌ أعصلُ : معوجّ. قال لبيد :
فرميت القوم رِشقاً صائباً *** ليس بالعُصْل ولا بالمفتَعَل (2)
وقال فى الشَّجر :
وقَبيلٌ من عُقيلٍ صادقٌ *** كلُيوثٍ بين غابٍ وعَصَلْ (3)
أراد بالعُصْل فى البيت الأوّل السِّهامَ المعوجّة. يقول : لم تُفْتَعَلْ تلك الساعة عند الحاجة إليها ولكنَّها عملت من قبل. ويقال : عَصَل السَّهمُ وعَصِل ، إذا اضطرب حين يُرسَل ، لعوَج فيه أو سوء نزع. وعَصِل الكلبُ ، إذا طرد الطَّريدةَ ثم اضطرب والتوى يأساً منها. وشجرةٌ عصلاء : طالت واعوجَّت. وتشبّه بها المهزولة. [قال] :
ليست بعَصْلاءَ تَذْمِى الكلبَ نَكهتها *** ولا بعندلةٍ يَصطك ثدياها (4)
والعَصَل : التواءُ فى عسيب الذَّنَب حتى يبرُزَ بعضُ باطنِه الذى لا شَعْرَ عليه
وهو فرسٌ أعصل. والأعْصال : الأمعاء ، وهو القياس وذلك لا لتوائها فى طُول. قال :
يرمى به الجَرْعُ إلى أعْصالها (1)
والعَصَل : صلابةٌ فى اللَّحم. ومنه أيضاً عَصَّلَ يُعَصَّلُ تَعْصِيلا ، إذا أبطأ قال :
فَعَصَّلَ العَمْرِىُ عَصْلَ الكلبِ (2)
يألبها حمران أي ألب
عصم العين والصاد والميم أصلٌ واحدٌ صحيحٌ يدلُّ على إمساكٍ ومنْع وملازمة. والمعنى فى ذلك كلِّه معنًى واحد. من ذلك العِصْمة : أن يعصم اللّهُ تعالى عَبْدَه من سوء يقع فيه. واعتصم العبدُ باللّه تعالى ، إذا امتنع. واستَعْصَم : التجأ. وتقول العربُ : أعْصَمتُ فلاناً (3)، أى هيّأتُ له شيئاً يعتصم بما نالته يدُه أى يلتجئ ويتمسَّك به. قال النَّابغة :
يَظلُّ مِن خوفِه المَلَّاحُ مُعتَصِماً *** بالخيزُرانةٍ من خوفٍ ومن رَعَدِ (4)
بالخيزرانة بعد الأبن والنجد
والمُعْصِم من الفرسان : السيِّئ الحال فى فُرُوسَتِه ، تراه يَمْتَسِك بعُرْف فرسِه أو غيرِ ذلك. قال :
إذا ما غَدَا لم يُسْقِطِ الرَّوْعُ رُمْحَه *** ولم يَشْهَدِ الهَيجا بألْوَثَ مُعْصِمِ (1)
والعِصْمَةُ : كلُّ شىءٍ اعتصَمْتَ به. وعَصَمَهُ الطَّعَامُ : منَعه من الجُوع. ومن الباب العَصِيمُ ، وهو الصَّدَأُ من الهِناء والبَوْل يَيْبَسُ على فخِذ الناقة. قال :
وأَضحى عن مِراسِهِمُ قتيلاً *** بلَبَّتِه سَرائحُ كالعَصيم (2)
وأثَر الخِضاب عَصيم. والمُعصَم : الجِلد لم يُنَحَّ وبرُه عنه ، بل أُلزِم شعرَه لأنه لا يُنتَفع به. يقال : أعصَمْنا الإهاب.
قال الأصمعىّ : العُصْم : أثر كلِّ شىء من وَرْس أو زَعْفَرانٍ أو نحوه. قال : وسمعتُ امرأةً من العرب تقول لأُخرى : «أعطِينِى عُصْم حِنَّائِكِ» أى ما سَلَتِّ منه. ويقال : بيده عُصْمَة خَلُوقٍ ، أى أثره. قلنا : وهذا الذى ذكره الأصمعىُّ من كلام المرأةِ مخالفٌ لقوله إن العُصْم : الأثَر ، لأنها لم تَسْأل الأثر. والصحيح فى هذا أن يقال العُصْم : الحِنَّاء ما لزِم يدَ المختضِبَةِ ، وأثرُه بعد ذلك عُصْم ، لأنَّه باقٍ ملازم.
ومما قِيس على عُصْمِ الحِنَّاء : العُصْمة : البياض يكون برُسْغ ذى القوائم. من ذلك الوَعِلُ الأعصم ، وعُصْمَتُه : بياضٌ فى رُسغِه ، والجمع من الأعصم عُصْم. وقال :
مَقاديرُ* النُّفوس مؤقَّتات *** تَحُطُّ العُصْمَ من رأس اليَفَاعِ
وقال الأعشى :
قد يَتْرُكُ الدّهرُ فى خَلْقَاءَ راسيةٍ *** وَهْياً ويُنزِل منها الأَعصَمَ الصَّدَعا (1)
ويقال : غرابٌ أعْصَم ، إذا كان ذلك الموضع منه أبيض ، وقلّما يُوجَد. قال ابنُ الأعرابىّ : العُصْمة فى الخيل بياضٌ قلَّ أو كثُر ، باليدين دون الرجلين فيقولون : هو أعصَمُ اليدين. وكلُّ هذا قياسُه واحد ، كأنَّ ذلك الوَضَحَ أثرٌ ملازمٌ لليد كما قلناه فى عصم الحِنَّاء.
ومن الباب العِصْمة : القِلادة ، سمِّيت بذلك للزومِها العُنق. قال لبيدٌ فجمعها على أعصام ، كأنه أراد جمع عُصْم :
حتَّى إذا يَئِس الرُّماةُ وأرسَلُوا *** غُضْفاً دواجنَ قافِلاً أعصامُها (2)
ومن الباب : عِصام المحْمِل : شِكاله وقَيْدُه الذى يُشَدُّ به عارضاه. وعصامُ القِربة : عِقالٌ نحو ذراعين ، يُجعلُ فى خُرْبَتى المزادتين لتلتقيا. وقد أعْصَمْتهما جعلت لهما عِصاماً. قال تأبَّط شراً.
وقِرْبةِ أقوامٍ جعلتُ عصامَها *** على كاهلٍ مِنِّى ذَلولٍ مُرَحَّلِ (3)
قال : ولا يكون للدَّلْوِ عِصام.
ومن الباب مِعْصم المَرْأة ، وهو موضعُ السِّوارَين مِن ساعدَيها. وقال
فاليومَ عندك دَلُّها وحديثُها *** وغَداً لغيرك كَفُّها والمِعصمُ (4)
وإنما سمِّى مِعْصماً لإمساكه السِّوار ، ثم يكون معصما ولا سِوار. ويقال : أعصَمَ به وأخْلَدَ ، إذا لزِمَه.
وعِصامٌ : رجل (1). والعرب تقول عند الاستخبار : «ما وراءَكَ يا عصام؟» ، والأصل قولُ النابغة :
ولكنْ ما وراءكَ يا عصامُ (2)
فأني لا ألام على دخول
ويقولون للسَّائِدِ بنفسه لا بآبائه :
نفسُ عِصامٍ سوَّدَتْ عِصَاما (3)
وصيرته ملكا هماما
وعلمته الكر والإفداء
عصوى العين والصاد والحرف المعتل أصلانِ صحيحان ، إلَّا أنَّهما متبايِنان يدلُّ أحدهما على التجمُّع ، ويدلُّ الآخر على الفُرْقة.
فالأوَّل العصا ، سمِّيت بذلك لاشتمالِ يدِ مُمْسِكِها عليها ، ثم قيس ذلك فقيل للجماعة عَصاً. يقال : العَصَا : جماعةُ الإسلام ، فمن خالَفَهم فقد شقَ عصا المسلمين. وإذا فعل ذلك فقُتِل قيلَ له : هو قتيلُ العَصا ، ولا عَفْلَ له ولا قَوَدَ فيه. ويقولون : هذه عَصاً ، وعَصَوان ، وثلاثُ أعصٍ. والجمع من غير عددٍ عِصِىُ وعُصِىّ. ويقيسون على العصا فيقولون : عَصَيْتُ بالسَّيف. وقال جرير : ء
تَصِفُ السُّيوفَ وغيركم يَعْصَى بها *** يا ابنَ القُيونِ وذاك فِعْلُ الصَّيْقلِ (1)
وقال آخر :
وإنّ المشرفيّةَ قد علمتم *** إذا يَعْصَى بها النفَرُ الكرامُ
وقال فى تثنية العصا :
فجاءَتْ بِنَسْجِ العنكبوتِ كأنَّه *** على عَصَوَيْها سابرىٌّ مُشَبْرَقُ (2)
فأدلى غلاى دلوه يبتقى بها *** شفاء الصدى والليل أدهم أبلق
ومن الباب : عَصَوْت الجُرْح أعْصُوه ، أى داوَيْتُه. وهو القياس ، لأنّه يتلأّم أى يتجمَّع. وفى أمثالهم : «ألقى فلانٌ عصاه». وذلك إذا انتهى المسافرُ إلى عُشْبٍ وأزمع المقامَ ألقى عصاه. قال :
فألقَتْ عصاها واستقرَّ بها النَّوى *** كما قرَّ عيناً بالإِيابِ المسافرُ (3)
ومن الباب قولُه صلى اللّه عليه وآله وسلم : «لا تَرْفَع عصاك عن أهلك». لم يُرِد العصا التى يُضرب بها ، ولا أمَر أحداً بذلك ، ولكنَّه أراد الأدب.
قال أبو عبيد : وأصل العصا الاجتماع والائتلاف. وهذا يصحِّح ما قلْناه فى قياس هذا البناء.
والأصل الآخَر : العِصيانُ والمَعصية. يقال : عَصَى ، وهو عاصٍ ، والجمع عُصاة وعَاصون. والعاصى : الفَصِيل إذا عَصَى أُمَّه فى اتِّباعها. .
عصب العين والصاد والباء أصلٌ صحيحٌ واحد يدلُّ على رَبْط شىءٍ بشىءٍ ، مستطيلاً أو مستديراً. ثم يفرّع ذلك فروعاً ، وكلّه راجعٌ إلى قياس واحد.
من ذلك العَصَب. قال الخليل : هى أطناب المفاصل التى تُلائِم بينها ، وليس بالعَقَب. ويقال : لحمٌ عصِب ، أى صلب مكتنِزٌ كثير العصَب. وفلانٌ معصوب الخَلْق ، أى شديد اكتنازِ اللَّحم. وهو حَسَن العَصْب ، وامرأة حَسَنة* العَصْب. والعَصْب : الطىُّ الشديد. ورجلٌ مَعصوب الخَلْق كأنَّما لُوِىَ لَيَّا.
قال حسان :
ذَرُوا التّخاجِئ وامْشُوا مِشيةً سُجُحاً *** إنَّ الرِّجالَ ذوو عَصْبٍ وتذكيرِ (1)
وإنَّما سمِّى العَصِيب من أمعاء الشَّاء لأنّه معصوبٌ مطوىٌّ. فأمّا قولهم للجائع معصوب ، فقال قوم : هو الذى تكاد أمعاؤُه تَعْصَب ، أى تَيْبَس. وليس هذا بشىء ، إنَّما المعصوبُ الذى عَصَب بَطْنَه من الجُوع. ويقال : عَصَّبَهم ، إذا جوَّعَهم.
قال ابنُ الأعرابىّ : المُعَصَّب : المحتاج ، من قولهم عَصَّبَهُ الجوعُ ، وليس هو الذى رَبَط حجراً أو غيره. وقال أبو عبيد : المُعَصَّب الذى يتعصَّب من الجوع
1) ديوان حسان 214 واللسان (حجأ ، سجح ، عصب) والمخصص (3 : 107) والتخاجئ وردت هكذا فى الأصل ، وهى رواية الصحاح أيضا قال ابن برى : «والصحيح التخاجؤ لأن التفاعل فى مصدر تفاعل حقه أن يكون مضموم العين نحو التقاتل والتضارب ، ولا تكون العين مكسورة إلا فى المعتل اللام نحو التغازى والترامى» ثم قال : «والبيت فى التهذيب أيضا كما هو فى الصحاح».
بالخِرَق. والقولُ ما قاله أبو عبيدٍ ، للقياس الذى قِسْناه ، ولأنَّ قولَه أشهَرُ عند أهل العِلْم.
وقال أبو زيد : المعَصَّب : الذى عَصَّبته السِّنونَ ، أى أكلَتْ مالَه. وهذا صحيحٌ ، وتلخيصُه أنَّها ذهَبَتْ بمالِهِ فصار بمنزلة الجائع الذى يَلجأ إلى التَّعصُّبِ بالخرق. وقال الخليل : والعَصْب من البُرُود : الذى يُعصَب ، أى يُدرَجُ غَزْلُه ، ثم يُصبَغ ثمّ يحاك. قال : ولا يُجمَع ، إنَّما يقال بُرْدُ عَصْبٍ وبُرودُ عَصْبٍ ؛ لأنَّه مضافٌ إلى الفِعل.
ومن الباب : العِصابة : الشَّىء يُعْصَب به الرَّأسُ من صُداعٍ. لا يقال إلَّا عِصابة بالهاء ، وما شَدَدتَ به غيرَ الرَّأْس فهو عِصابٌ بغيرهاء ، فَرَقوا بينَهما ليُعرَفا. ويقال : اعْتَصَب بالتَّاج وبالعِمامة. قال الشَّاعر (1):
يَعتصِبُ التَّاجَ بين مَفرِقِه *** على جَبينٍ كأنَّه الذَّهبُ (2)
وفلانٌ حَسَنٌ العِصْبة ، أى الاعتصاب. وعَصَّبْتُ رأسَه بالعصا والسَّيف تعصيباً ، وكأنَّه من العِصابة. وكان يقال لسعيد بن العاص بن أُمَيّة : «ذو العِصابة» ، لأنَّه كان إذا اعتمَّ لم يعتمَّ قرشىٌّ إعظاماً له. ويُنشِدون :
أبو أحيحة مَن يعتمَّ عِمّتَه *** يُضْرَبْ وإن كان ذا مالٍ وذا عَددِ (1)
ومن الباب : العَصَّاب : الغزّال ، وهو القِياس لأنَّ الخَيط يُعصَب به. قال :
طَىَّ القَسَامىِّ برودَ العَصَّابْ (2)
طاوين مجهول الحروف الأجداب
والشجرة تُعْصَب أغصانُها لينتثِر ورقُها. ومنه قول الحجّاج : «لأعصِبنَّكم عَصْبَ السَّلَمة (3)». والعِصاب : العصائب التى تعصب الشَّجرة ، عن دوجها فيه (4). قال :
مَطاعيم تغدو بالعَبِيطِ جِفانهمْ *** إذا القُرُّ الْوَت بالعِضاه عصائبه (5)
وقال ابن أحمر :
يا قوم ما قومِى على نأيِهِمْ *** إذْ عَصَبَ النَّاسَ جَهامٌ وقُرّ (6)
أى جَمَعَهم وضَمَّهم. ويُعْصَب فَخِذ النّاقة لتَدِرّ. قال :
1) أنشده فى الكامل 197 ليبسك ، ثم قال : «ويزعم الزبيريون أن هذا البيت باطل موضوع».
2) لرؤبة فى ديوانه 6 واللسان (عصب ، قسم). وقبله :
3) من خطبته المشهورة فى أهل العراق. انظر البيان (1 :393 - 394 / 2 : 307 310) والكامل 215 ليبسك.
4) كذا وردت هذه العبارة.
5) العبيط : اللحم الطرى. وفى الأصل : «بالعيط» ، تحريف.
6) أنشده فى اللسان (عصب) برواية : «شمال وقر».
وأخلاقُنا إعطاؤنا وإباؤنا *** إذا ما أبَينا لا ندرُّ لعاصِبِ (1)
أى لا نُعطِى على القَسْر. والعَصُوب من الإبل هذه ، وهى لا تدرّ حتَّى تُعصَب. والعَصْب : أن يُشَدَّ أُنثَيا الدّابّة حتَّى تَسْقُطا ، وهو معصوبٌ (2). ويقال : عَصِبَ الفَمُ ، وهو ريقٌ يجتمع على الأسنان من غبارٍ أو شدَّة عَطَش. قال :
يَعصِبُ فاه الرِّيقُ أىَ عَصْبِ *** عَصْبَ الجُبابِ بشِفاه الوطْبِ (3)
ومن الباب : العُصْبة ، قال الخليل : هم من الرِّجال عَشرة ، ولا يقال لما دونَ ذلك عُصْبة. وإنَّما سمِّيت عُصْبةً لأنَّها قد عُصِبت ، أى كأنَّها رُبِط بعضُها ببعض. والعُصْبَة والعِصابة من النَّاس ، والطَّير ، والخيل. قال النَّابغة :
إذا ما التقى الجمعانِ حَلَّقَ فوقَهم *** عصائبُ طيرٍ تهتدى بعصائبِ (4)
واعصوصَبَ القَومُ : صاروا عِصابة. واليوم العَصيب : الشَّديد. واعصَوصَبَ اليومُ : اشتدَّ. ويوم عَصَبْصَبٌ واعْصَوْصَبَتْ : تجمَّعتْ. قال :
واعْصَوْصَبَتْ بَكَراً من حَرْجَفٍ ولها *** وسْطَ الدِّيار رَذِيَّاتٌ مرازيحُ (5)
قال أبو زيد : كلُّ شىء بشىء (6)فقد عَصَب به. يقال : عَصَب القومُ بفلان.
1) فى الأصل : «إعطاءنا واماءنا إذا ما أتينا».
2) أى الدابة الذكر. والدابة يذكر ويؤنث.
3) لأبى محمد الفقعسى ، كما سبق فى تخريجه فى (جب).
4) ديوان النابغة 4 برواية : «إذا ما غزوا بالجيش».
5) البيت لأبى ذؤيب الهذلى فى ديوان الهذليين (1 : 108). والبكر ، بالتحريك ، بمعنى البكرة بالضم.
6) كذا وردت العبارة ناقصة ، ولعلها : ، «كل شىء استدار بشىء». انظر اللسان (عصب 95).
قال : ومنه سميت العَصَبَةُ ، وهم قَرَابة الرَّجُل لأبيه وبنى عمِّه ، وكذلك كلُّ شىء استدارَ حول شىء واستكفَّ فقد عَصِبَ به.
قال ابنُ الأعرابىِّ : عَصَبَ به وعَصَّب ، إذا طاف به ولزِمَه. وأنشد :
ألا ترى أنْ قد تدَاكَا وِردُ *** وعَصَّبَ الماء طِوالٌ كبْدُ (1)
تَدَاكأ : تَدافَع. وعَصَبَ الماءَ : لزِمه. قال أبو مهدىّ : عَصِبَت الإبلُ بالماء تَعصب عُصُوباً ، إذا دارَتْ حَولَه وحامت عليه. قال :
قد علمت أنَّى إذا الوِرْدُ عَصبْ
وما عَصَبت بذلك المكان ولا قَرِبته. قال الخليل : العصَبَة هم الذين يَرِثون الرّجُلَ عن كَلالةٍ من غير والدٍ ولا ولد. فأمَّا فى الفرائض فكلُّ مَن لم تكن فريضتُه مسمَّاةً فهو عَصَبَة ، إنْ بَقِىَ بعد الفرائض شىءٌ أخذوه. قال الخليل : ومنه اشتُقَ العَصَبِيّة. قال ابن السِّكِّيت : ذاك رجلٌ من عَصَب القوم ، أى من خيارهم. وهو قياسُ الباب لأنَّه تُعصب بهم الأمور.
عصر العين والصاد والراء أصولٌ ثلاثة صحيحة :
فالأوَّل دهرٌ وحين ، والثانى ضَغْط شىء حتَّى يَتحلَّب ، والثالث تَعَلُّقٌ بشىء وامتساكٌ به.
فالأوَّل العَصْر ، وهو الدَّهر. قال اللّه : ( وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ) . وربَّما قالوا عُصُر. قال امرؤ القيس :
1) أنشد هذا الشطر فى اللسان (عصب).
ألا أنْعِمْ صباحا أيُّها الطَّلَلُ البالى *** وهل يَنْعِمَنْ مَن كان فى العُصُر الخالى (1)
قال الخليل : والعَصْران : اللَّيل والنهار. قال :
ولَن يلبث العَصْرانِ يومٌ وليلة *** إذا اختلفا أن يُدرِكا ما تَيَمَّما (2)
قالوا : وبه سمِّيت صَلاةُ العصر ، لأنَّها تُعْصَر ، أى تؤخَّر عن الظُّهر. والغداة والعشىُّ يسمَّيان العصرين. قال :
المطعمو النّاسِ اختلافَ العَصْرَيْن
ابن الأعرابىّ : أعْصَر القومُ وأقْصَرُوا ، من العَصْر والقَصْر. ويقال : عَصّروا واحتبسوا إلى العصر. وروى حديث أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم قال لرجلٍ : «حافِظْ على العَصْرَين». قال الرَّجل : وما كانت من لغتنا ، فقلت : وما العصران؟ قال : «صلاةٌ قبلَ طُلوع الشَّمس ، وصلاةٌ قبل غروبها». يريد صلاة الصُّبح وصلاةَ العصر.
فأمّا الجارية المُعصِر فقد قاسه ناسٌ هذا القياس ، وليس الذى قالوه فيه ببعيد.
قال الخليل وغيره : الجارية إذا رأت فى نفسها زيادةَ الشَّباب فقد أعْصَرَتْ ، وهى مُعْصِرٌ بلغت عَصْرَ شبابِها وإدراكها. قال أبو ليلى : إذا بلغت الجاريةُ وقَرُبت من حَيْضها فهى مُعْصِر. وأنشد :
1) ديوان امرئ القيس 49 برواية : «ألا عم صباحا» و «وهل يعمن» من (وعم). ورواه سيبويه فى كتابه (2 : 227) مطابقا لرواية المقايير. جعله شاهداً على أن «نعم» مكسور العين فى المستقبل وفى الماضى كذلك.
2) البيت لحميد بن ثور ، كما فى اللسان (عصر) وإصلاح المنطق 7 وجنى الجنتين للمحبى 79. وهو فى ديوانه ص 8 طبع دار الكتب. ويروى : «اطلبا».
جاريةٌ بسَفَوان دارُها *** قد أعصَرَتْ أو قَدْ دنا إعصارُها (1)
تمعى الهوينى مائلا خسارها *** ينحل من ظلمتها إزارها
قال قومٌ. سمِّيت معصراً لأنَّها تغيَّرَت عن عَصْرها. وقال آخرونَ فيه غيرَ هذا ، وقد ذكرناه فى موضعه.
والأصل الثَّانى العُصارة : ما تحَلَّبَ من شىء تَعصِره. قال :
عصارة الخُبز الذى تَحَلَّبا (2)
وصار ما في الخبز من عصيره *** إلى سرار الأرض أو قعوره
وهو العصير. وقال فى العُصَارة :
العودُ يُعصَر ماؤُه *** ولكلِّ عِيدانٍ عُصَارهْ (3)
وقال ابن السِّكِّيت : تقول العربُ : «لا أفعله مادامَ الزيتُ يُعْصَر». قال أوس :
فلا بُرْء من ضَبَّاء والزيتُ يُعْصَر
والعرب تجعل العُصارة والمُعْتَصَر مثلاً للخير والعطاء ، إنّه لكريم العُصارة وكريم المعتصر. وعَصَرت العنب ، إذا وَلِيتَه بنَفْسك. واعتصرته ، إذا عُصِر لك خَاصّةً. والمِعْصار : شىءٌ كالمِخْلاة يُجعل فيه العِنَبُ ويُعصَر.
ومن الباب : المُعْصِرات : سحائبُ تجىء بمطَر. قال اللّه سبحانه : ( وَأَنْزَلْنا .
1) الرجز لمنظور بن مرثد الأسدى ، كما فى اللسان (عصر). وأنشده فى المخصص (1 : 47 / 16 : 130) بدون نسبة. وبين البيتين فى المخصص :
2) الخبز يعنى به العرب الخلة ، بالضم : ما لم يكن فيه ملح ولا حموضة من العشب. وفى اللسان (خلل): «والعرب تقول : الخلة خبز الإبل ، والحمض لحمها أوفاكهتها أو خبيصها» ، وفى الأصل : «الجرو» تحريف ، صوابه فى اللسان (عصر). وأنشد أيضاً :
3) البيت للأعشى فى ديوانه 115 والمخصص (10 : 215).
مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ) . وأُعْصِرَ القومُ ، إذا أتاهم المطر. وقرئت : فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وفيه يُعصَرُون (1)، أى يأتيهم المطر. وذلك مشتقٌّ من عَصْر العنب وغيرِه. فأمَّا الرِّياح وتسميتُهم إيَّاها المُعْصِرات فليس يبعُد أنْ يُحمَل على هذا الباب من جهة المجاورَة ، لأنَّها لمّا أثارت السَّحابَ المعصرات سمِّيت معصِرات وإعصاراً. قال فى المُعصِرات :
وكأنَّ سهْكَ المُعْصِرَات كَسَوْنها *** تُرْبَ الفَدَافِدِ والبقاعِ بِمُنْخُلِ (2)
والإعصار : الغبار الذى يسطع مستدِيراً* ؛ والجمع الأعاصير. قال :
وبينما المرء فى الأحياءِ مغتبطاً *** إذ صار فى الرَّمْسِ تَعفوه الأعاصيرُ (3)
ويقال فى غُبار العَجاجة أيضاً : إعصار. قال اللّه تعالى : ( فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ ) . ويقال : مرَّ فلانٌ ولثيابِه عَصَرَةٌ ، أى فَوْحُ طِيبٍ وهَيْجُه. وهو مأخوذ من الإعصار. وفى الحديث : «مرَّت امرأة متطيِّبة لذَيْلها عَصَرة».
1) هذه قراءة جعفر بن محمد والأعرج وعيسى. وعن عيسى أيضاً : «تعصرون» بالخطاب والبناء للمفعول. انظر تفسير أبى حيان (5 : 316). وقال الأزهرى : «ما علمت أحداً من القراء المشهورين قرأ يعصرون ، ولا أدرى من أين جاء به الليث». كذا ورد فى اللسان. على أنه قرئ أيضاً : ( يَعْصِرُونَ ) و «تعصرون» بالبناء للفاعل فيهما. وقراءة الخطاب لحمزة والكسائى وخلف ، ووافقهم الأعمش ، وقراءة الغيبة لسائر الأربعة عشر. إتحاف فضلاء البشر 265.
2) أنشده فى اللسان (نقع) بهذه الرواية. وفى المخصص (9 : 96): «ترب القعاقع والنقاع».
3) انظر البيت وقصته فى مجالس ثعلب 265 وعيون الأخبار (2 : 305) ودرة الغواص للحريرى 33 ، والمعمرين 40 والعقد (1 : 380) طبع بولاق ، ونزهة الألبا 34 وشرح شواهد المغنى 86 ، وأسد الغابة (3 : 351). وأنشده فى اللسان (عصر).
ومن الباب العَصْر والاعتصار. قال الخليل : الاعتصار : أن يَخْرُج من إنسانٍ مالٌ بغُرْمٍ (1)أو بوجه من الوُجوه.
قال ابنُ الأعرابىّ : يقال : بنو فلانٍ يعتصرون العطاء. قال الأصمعىّ : المعْتَصِر : الذى يأخذ من الشَّىء يُصيب منه. قال ابن أحمر :
وإنَّما العَيشُ برُبَّانِهِ *** وأنت من أفنانِهِ مُعْتَصِرْ (2)
ويقال للغَلّة عُصارة. وفسِّر قولُه تعالى : ( وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) ، قال : يستغلُّون بأرَضِيهِم. وهذا من القياس ، لأنّه شىءٌ كأنّه اعْتُصر كما يُعتَصر العِنَبُ وغيرُه. قال الخليل : العَصْر : العطاء. قال طرَفة :
لو كان فى أملاكنا أحدٌ *** يَعصِرُ فينا كالذى تَعْصِرْ (3)
أى تُعطِى.
والأصل الثالث : العَصَر : الملجأ ، يقال اعتَصَر بالمكان ، إذا التجأ إليه. قال أبو دُواد :
مِسَحٍّ لا يُوارى العَي *** رَ منه عَصَرُ اللّهْبِ (4)
ويقال : ليس لك من هذا الأمر عُصْرة ، على فُعلة (5)، وعَصَر على تقدير [فَعَلٍ ، أى (6)] ملجأ. وقال فى العُصْرَة :
1) فى الأصل : «بعزم».
2) سبق إنشاد البيت وتخريجه فى (بن).
3) ديوان طرفة 10 واللسان (عصر). وقافية البيت مقيدة ساكنة ، لا مطلقة بالضم كما ورد خطأ فى اللسان.
4) أنشده فى الأزمنة والأمكنة (2 : 333) مع قصيدته. وهذه القصيدة أنشدها أبو عبيدة فى كتاب الخيل 157 منسوبة إلى عقبة بن سابق الجرمى.
5) فى الأصل : «ظلمة».
6) بمثل هذه التكملة يلتئم الكلام.
ولقد كان عُصْرةَ المنجودِ (1)
صاديا يتغيث غير مغاث
ويقال فى قول القائل :
أعْشَى رأيتَ الرُّمْحَ أو هو مبصرٌ *** لأستاهكمْ إذ تطرحون المَعَاصِرا
إنّ المعاصر : العمائم. وقالوا : هى ثيابٌ سُود. والصحيح من ذلك أنَ المعاصر الدّروع ، مأخوذ من العَصْر ، لأنه يُعْصَرُ بها. واللّه أعلم.
عضل العين والضاد واللام أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على شِدّةٍ والتواء فى الأمر. من ذلك العَضَل ، قال الأصمعىّ : كلُّ لحمةٍ صُلْبَةٍ فى عَصَبَةٍ فهى عَضَلة. يقال : عَضِل الرّجلُ يَعْضَل عَضَلا. ومن الباب : هو عُضْلَةٌ من العُضَل ، أى مُنكَر داهية. وهو من القياس ، كأنَّه وصف بالشِّدَّة. والعضل (2)من الرِّجال : القوىّ. ومن الباب : الدّاء العُضَال ، الأمر المُعْضِل ، وهو الشَّديد الذى يُعيى إصلاحُه وتدارُكُه. ويقال منه أعْضَلَ. ويقال إنَّ ذا الإصبع تزوّجَ امرأةً ، فأتى قومَه يسألهمْ مَهرَها فلم يُعطُوه فقال :
واحدةً أعْضَلَكم أمرُها *** فكيف لو دُرْتُ على أرْبَعِ (3)
يقول : عَجَزتم عن مَهْرِ واحدةِ فكيف لو تزوَّجتُ بأربع. يقال : أعضلَه الأمرُ وأعْضَلَ به. وقال عمر : «أعْضَلَ بى أهلُ الكوفة ما يرضَوْن بأمير ، ولا يَرضاهم أمير». أى أعيانى أمرُهم. والمُعْضِلات : الشدائد. ويقال : عضَّلتُ عليه ، أى ضَيَّقتُ فى أمره. وعَضَلْتُ المرأةَ عَضْلاً ، وعَضَّلْتُها تعضيلاً ، إذا منعتَها من التزوُّج ظُلما. قال اللّه تعالى : ( فَلا تَعْضُلُوهُنَ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ ) ، أى تحِيسُوهنّ. ويقال عَضَّلَتِ المرأة ، إذا نَشِب الولدُ فى رَحِمِها فلم يَسْهُل مَخرجُه.
وشاةٌ معضِّلة وغنم مَعَاضيل. [و] عضَّلت الأرضُ بأهلها ، أى غصَّت بهم وضاقت لكثرتهم. قال أوس :
ترى الأرضَ منّا بالفَضاء مريضةً *** مُعضِّلة مِنَّا بجمعٍ عَرَمْرَمِ (1)
ويقال سنة عِضْل : عسيرة. قال :
فيا لَلنَّاسِ للسَّنة العِضْلِ
قال الفرّاء : ما يأتينا خيرُ فلانٍ إلّا مُعْضِلا ، أى فِى التواء ونكَد. وعَضَل : قبيلةٌ ، وهو من هذا.
عضم العين والضاد والميم قد ذكرت فيه كلماتٌ عن الخليلِ وغيره وأراها غلطاً من الرُّواة عنه. فأمَّا الخليل فأعلى رتبةً من أنْ يصحِّح مثلَ هذا. قال : العَضم : مَقْبِض القَوْس. وأنشدوا :
رُبَ عَضْمٍ رأيتُ فى جوف ضَهْرِ (2)
قالوا : والضَّهْر : موضعٌ فى الجَبَل. وهذا كله كلام. والعِضَام : عَسيب البعير. والعضمُ : خشبةٌ ذاتُ أصابعَ يُذْرَى بها الطّعام*. وعَضْمُ الفدّان : لوحُه العريض. والعَيْضُوم(1)، قالوا : الأكول.
وذكرنا هذا كله تعريفا أنَّه لا أصلَ له ، ولو لا ذاك ما كان لذِكرِه وجه.
عضو العين والضاد والحرف المعتل أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تجزئةِ الشَّىء. من ذلك العِضْو والعُضْو. والتَّعضية : أن يُعَضِّىَ الذّبيحة أعضاء. والعِضَةُ : القِطعة من الشىء ، تقول : عَضّيْتُ الشىء أى وزَّعته. قال رؤبة :
وليس دينُ اللّه بالمُعَضَّى (2)
أى بالمفرَّق. قال الخليل : وقوله تعالى : ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) أى عِضَة عِضة ، ففرَّقوه ، آمنوا ببعضه وكَفَرُوا ببعضه. والاسم منه التَّعضية. ومنه الحديث : «لا تَعْضِيَةَ فى ميراث».أى لا تَقسِموا ما [لا] يحتمل القَسْم كالسَّيف والدِّرَّة وما أَشبَهَ ذلك.
عضب العين والضاد والباء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على قَطْعٍ أو كسر. قال الخليل : العَضْب : السَّيف القاطع. والعَضْب : القطعُ نَفْسُه. تقول عَضَبَه يَعْضِبه ، أى قطعه. ومنه رَجُلٌ عضْب اللِّسان ، وقد عَضُبَ لسانُه عُضُوباً وعَضُوبةً. وهذا إنما هو تشبيهٌ بالسَّيف العَضْب. قال ابنُ دُريد : «عَضَبْتُ الرَّجُل
بلسانى ، إذا [تناولتَه به] ، شتمتَه ، ورجلٌ عَضَّابٌ ، إذا كان شَتّاماً (1)». وعَضَبَنى الوَعْك (2)أى نَهَكَنى.
ومن الباب : الشَّاة العَضْباء : المكسورة القَرْن. ويقال إنَ العَضَبَ يكون فى أحد القَرنين. وذكر ابنُ الأعرابى أن العَضَب فى الأُذن : أَن يذهب نِصفُها أو ثلثَها ، وفى القرن ، إذا ذهب من مُشَاشِهِ شىء.
وحُكِى : رجلٌ أعْضَبُ ، أى قصير اليد. ويقال إنَ الأعضب من الرِّجال : الذى لا إخوةَ له ولا ناصِرَ ولا أحد له.
عضر العين والضاد والراء لا أصلَ له فى كلام العرب ، وإنْ ذُكر فيه شىءٌ فغير صحيح.
عضد العين والضاد والدال أصلٌ صحيح يدلُّ على عضوٍ من الأعضاء ؛ يُستعار فى موضع القوّة والمُعين. فالعضد (3): ما بين المِرْفق إلى الكتف ، يقال عَضُدَ وعَضْدَ ، وهما عَضُدان ، والجمع أعضاد. وهى مؤنَّثة. ويقال : فلانٌ عضُدِى ، لمكان القُوّة التى فى العَضُد. ورجلٌ عضدىٌ وعِضَادىّ. قال : الخليل : والعَضْد : المعُونة (4)، يقال : عضَدْتُ فلاناً ، أى أعنْتُه. قال اللّه تعالى : ( وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) . قال ابنُ الأعرابىّ : عضُد الرجل : قَومُه وعشيرته ،
ولذلك يقال : يَفُتُّ فى عَضُده. وقال أعرابىٌّ لرجلٍ استعانَة فلم يُعِنه : «أنت واللّه العَضد الثَّلْماء» ، نسبهُ إلى الضَّعف ، وإذا قَصُرَت العضُد أو دَقَّت فهى عضِدَة (1). وأمَّا العَضَد بفتح الضاد [فهو] داءٌ يأخذُ فى العضُد. قال النابغة :
شَكَّ الفريصَةَ بالمِدْرَى فأَنْفَذَها
شَكَّ المبيطِر إذْ يَشْفِى من العَضَدِ (2)
قال بعضُهم : لا يكونُ العَضَد إلّا فى الإبل خاصَّة. وناقَةٌ عضِدَةٌ ، اشتكَتْ عضُدَها. وإبلٌ مُعَضَّدة : موسومة فى أعضادها. ويقال للدُّمْلُج : المِعْضَد والمِعْضاد ، لأنّه فى العَضُد يُمْسَك. ويقال له العِضَاد أيضاً. ويقال ذلك للذى يُشَدّ على العَضُد للنفقة (3).
قال الخليل : وأعضاد كلِّ شىءٍ : ما يُشَدُّ حوالَيْه من البِناء ، وذلك كأعضاد الحَوض ، وهى صفائح من حجارةٍ يُنْصَبْنَ حول شفيرهِ ، الواحد عَضُد. قال لبيد :
راسخُ الدِّمْنِ على أعضادِهِ *** ثَلَمَتْهُ كلُّ ريحٍ وسَبَلْ (4)
وعَضُد الرَّحْلِ : خشبتانِ لَزِيقَتَانِ بالواسطة. وعِضادة الباب : مِسَاكاهُ اللذان يُطبَق البابُ عليهما. والعَضِيد : النَّخْلة تنَاوَلُ ثمرَها بيدك. وممكنٌ أن يسمَّى بذلك لأجل أنَ العَضُد تُطَاوِلُها فتنالُها. والرَّجُلُ العُضادىُ : الممتلئ العَضدين لحماً. قال :
وأعجبَهَا ذُو شَمْلةٍ وهِرَاوَةٍ *** غلامٌ عُضَادىٌ سمينُ البآدلِ
قال : والعاضد : الذى يلزم جانبَ الإبل ، ولا بدَّ لها من عاضدَين ؛ لأن السّوَّاقَ خلْفَها والعاضِدَين من جانبَيها. وأنشد ابنُ الأعرابىّ :
يا ليت لى بصاحِبِىَّ صاحبا *** إذا مَشَى لم يَعْضُد الرَّكائبا (1)
أى لم يأتِها من قِبَل أعضادها. والعاضد : السَّهمُ يأخذ ناحيةً من الغَرَضِ لا يصيبُه. وعَضَد الرَّجلُ عن الطَّريقِ : مالَ.
قال ابن السِّكِّيت : العاضد من الجِمال الذى يَعضُد النّاقةَ فيتنوَّخُها. قال :
صَوَّى لها ذا كُدنةٍ جُلاعِدَا (2)
لم يرع بالأسياف إلا فارعا
ونظير هذا البيت ما أنشد فى اللسان (صوى) للفقعسى :
سوى لها ذا كبدنة جلديا *** أخفيت كانت أمه صفيا
***طَوْعَ السِّنانِ ذارعاً وعاضِدا
والأصل الآخَر القَطْع. قال الخليل : العَضْد : قَطْع الشّجرةِ بالمِعْضَد ، وهو سيفٌ ممتهَنٌ فى قَطْع الشَّجَر. والعاضد : القاطع. وفى الحديث فى مدينة الرسول : «لا يُعْضَدُ شَجرُها». وقال فى المِعْضد :
حسامٍ إذا ما قمتُ منتصراً به *** كفَى العَوْدَ منه البَدء ليس بمِعْضَدِ (3)
قال ابنُ الأعرابىّ : سيف مِعْضَدٌ ومِعْضادٌ وعَضَّادٌ ، أى قاطع. يقال عَضّدت الشجرة ، واسم ما يقطع منها العَضيد والعَضَد. قال الهذلىّ (4):
الطَّعْنُ شَغشغةٌ والضَّربُ هيقعةٌ *** ضَرْبَ المعوِّل تحتَ الدِّيمة العَضَدا (5).
ومما شذَّ عن هذين الأصلين : الثَّوب المُعَضَّد ، وهو المخطَّط قال :
ولا ذَوَات الرَّيْط والمُعَضَّدِ
عطف العين والطاء والفاء أصلٌ واحدٌ صحيح يدلُّ على انثناء وعِياجٍ. يقال : عَطَفْتُ الشَّىء ، إذا أمَلْتَه. وانعَطَف ، إذا انعاج. ومصدر عطف العُطُوف. وتعطّفَ بالرَّحمة تعطُّفاً. وعَطَف اللّه تعالى فلاناً على فلانٍ عَطْفاً. والرَّجُل يَعْطِف الوِسادةَ : يثنيها ، عطفاً ، إذا ارتفَقَ بها. قال لبيد :
ومَجُودٍ من صُبابات الكَرَى *** عاطِفِ النّمرُقِ صَدْقِ المُبْتَذَلْ (1)
ويقال للجانِبَين العِطفانِ ، سمِّيا بذلك لأنَّ الإنسان يَميل عليهما. ألَا ترى أنَّهم يقولون : ثنَى عِطفَه ، إذا أعْرضَ عنك وجَفَاك. ويقال : رجلٌ عَطوفٌ فى الحرب والخير ، وعَطَّافٌ. وظبيةٌ عاطِف ، إذا رَبَضت وعطفَتْ عُنقَها. وفلانٌ يَتَعَاطَفُ فى مِشيته ، إذا تمايَلَ. والإنسان يتعطَّف بثوبه ، وهو شبه التوشُّح. والرِّداء نفسُه عِطَافٌ ، لأنّه يُعْطَفُ. ثم يتَّسعون فى ذلك فيسمُّون السيفَ عِطافاً لأنّه يكونُ موضعَ الرداء.
عطل العين والطاء واللام أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على خلوٍّ وفَراغ. نقول : عُطِّلت الدارُ ، ودارٌ معَطَّلة. ومتى تُركت الإبلُ بلا راعٍ فقد عُطِّلَت ،
1) ديوان لبيد 13 واللسان (عطف).
وكذلك البئر إذا لم تُورَدْ ولم يُستَقَ (1)[منها]. قال اللّه تبارك وتعالى : ( وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ) وقال تعالى : ( وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ ) . وكلُّ شىءٍ خلا من حافظٍ فقد عُطِّل. من ذلك تعطيلُ الثُّغورِ وما أشبَهَها. ومن هذا الباب : العَطَل وهو العُطُول ، يقال امرأةٌ عاطل ، إذا كانت لا حَلْىَ لها ، والجمع عواطلُ. قال :
يَرُضْن صِعاب الدُّرِّ فى كلِّ حِجَّة *** وإنْ لم تكن أعناقُهنَّ عواطلا (2)
وقوس عُطُلٌ : لا وَتَر عليها. وخيلٌ أعْطَالٌ : لا قلائد لها.
وشذّت عن هذا الأصل كلمةٌ ، وهى الناقة العَيْطَل ، وهى الطَّويلةُ فى حُسن. وربَّما وُصِفَتْ بذلك المرأةُ ، قال ذو الرُّمَّة فى النّاقة :
نَصَبَتْ له ظَهرِى على متن عِرمِسٍ *** رُوَاع الفُؤادِ حُرَّةِ الوجه عَيْطلِ (3)
عطن العين والطاء والنون أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على إقامةٍ وثبات. من ذلك العَطَن والمَعْطِن ، وهو مَبْرَك الإبل. ويقال إنّ إعطانها أن تحبَس عِندَ الماء بعدَ الوِرْد. قال لبيد :
عافَتَا الماءَ فلم نُعْطِنْهُما *** إنَّما يُعْطِن من يرجو العَلَل (4)
ويقال : كلُّ منزلٍ يكون مَألَفاً للإبل [فهو عَطَنٌ (5)] ، والمَعْطِن : ذلك الموضع. قال :
1) فى الأصل : «ولم تسق».
2) البيت للبيد فى ديوانه 22 طبع 1881 واللسان (حجج) ، وقد سبق فى (حج).
3) ديوان ذى الرمة 510 برواية : رفعت له رحلى على ظهر هرمس ورواية اللسان (روع) : رفعت لها رحلى على ظهر هرمس
4) ديوان لبيد 13 طبع 1881 واللسان (عطن). وانفرد اللسان برواية : «أصحاب العلل».
5) التكملة من اللسان (عطن).
ولا تكلِّفُنى نَفسِى ولا هَلَعِى *** حِرصاً أُقيم به فى مَعْطِن الهُونِ (1)
وقال آخرون : لا يكون أعطانُ الإبل إلّا على الماء ، فأمَّا مَبارِكها فى البرِّيَّة وعند الحىِّ فهو المأوَى ، وهو المُرَاح أيضاً. وهذا البيتُ الذى ذكرناه «فى مَعطِن الهُون» ، يدلُّ على أنَ المَعْطِن يكون حيث تُحبَس الإبل فى مباركها أين كانت. وبيتُ لَبيد يدلُّ على القول الآخَر ، والأمرُ* قريب.
ومن الباب عَطْنُ الجِلد ، وهو أن يوضَع فى الدِّباغ.
عطو العين والطاء والحرف المعتلُّ أصلٌ واحد صحيحٌ يدلُّ على أخْذٍ ومُناوَلة ، لا يخرج البابُ عنهما. فالعَطْوُ : التَّناوُل باليد. قال امرؤ القيس :
وتعْطو برَخْصٍ غيرِ شَثْنٍ كأنّه *** أساريعُ ظبىٍ أو مساويك إسَحِلِ (2)
يصف المرأة أنها تَسُوك. والظَّبىُ يعطو ، وذلك إذا رَفَعَ يديه متطاوِلاً إلى الشَّجرةِ ليتناوَلَ الورَق. وقال :
تَخُلّ بقرنَيْها بَريرَ أراكَةٍ *** وتَعطُو بظِلفيها إذا الغصنُ طالها
قال الخليل : ومنه اشتُقَ الإعطاء. والمعاطاة : المُناولة. ويقال : عاطَى الصبىُّ أهلَه ، إذا عَمِل لهم وناوَلَ ما أرادوا. والعَطاء : اسمٌ لما يُعطَى ، وهى العطيّة ، والجمع عطايا ، وجمع العطايا أعطِيَة. قال :
تعاطِيه أحياناً إذا جِيد جَوْدَةً *** رُضاباً كطَعم الزَّنجبيل المعسَّلِ (3)
إذا أخذت مسواكها منحت به *** رضايا كطعم الزنجبيل المعسل
لويقولون : إنَ التعاطى : تناوُلَ ما ليس له بحقٍّ ، يقال فلانٌ يتعاطَى ظُلْمَ فلان. وفى كتاب اللّه تعالى : ( فَتَعاطىفَعَقَرَ ) . ومِن أمثالِ العرب : «عاطٍ بغَيْرِ أنْوَاط» ، أى إنّه يسمو إلى [الأمرِ] ولا آلةَ له عنده ، كالذى يتعلَّق ولا متعلَّق له.
عطب العين والطاء والباء كلمتانِ لا تتقاربان فى المعنى.
فالأولى : العَطَب ، وهو الهلاك ، يقال عَطِب ، وأعْطَبه غيرُه.
والكلمة الأخرى : العُطْب ، وهو القُطْن.
عطد العين والطاء والدال ذُكِرت فيه كلمةٌ والقياس لا يسوِّغها لكنَّهم يقولون : العَطوَّد : السَّير السَّريع الشاقّ. ويُنشدون :
إليك أشكو عَنَقاً عَطَوَّدَا (1)
عطر العين والطاء والراء أصلٌ واحدٌ لعلّه أنْ يكون صحيحاً ، وهو العِطْر للأشياء المعالَجة بالطِّيب (2)، وفاعله العَطَّار. وامرأةٌ عَطِرة ومِعطِيرٌ.
وقال :
يَتْبَعْنَ جَأباً كَمُدُقِ المِعْطيرْ (3)
عطس العين والطاء والسين كلمةٌ واحدة ثم تستعار ، وهى العُطاس ، يقال : عَطَس يَعْطُسِ. ويقال للأنف مَعِطْسَ ، بالكسر والفتح فى الطاء
ويستعار ذلك فيقال : عَطَسَ الصُّبح ، إذا انفَلَق. وقد قالوا إنَ العُطَاسَ : الصُّبح فى قوله :
وقد أغتدى قبل العطاسِ بهَيكلٍ (1)
أثب كبخور الغلاة محنب
عطش العين والطاء والشين أصلٌ واحد صحيح ، وهو العَطَش ، يقال منه : عَطِش يَعْطَش عَطَشاً. ويقال إنّ المَعاطِشَ : مَواقِيتُ الظَّمأ. قال ذو الرُّمَّة :
لا تشتكى سقطةً منها وقد رقصت *** بها المعاطشُ حتى ظَهرُها حَدِبُ (2)
عظم العين والظاء والميم أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على كِبَر وقُوّة. فالعِظَم : مصدر الشَّىء العظيم. تقول : عَظُمَ يَعْظُم عِظَماً ، وعظّمته أنا. فإذا عَظُم فى عينيك قلت : أعْظمتُه واستعظمْتُه. ومُعظَم الشىء : أكثرُه. وعَظْمةُ الذِّراع : مُستغلَظُها. وهى العظيمة: النازِلةُ المُلمّة الشّديدة. قال :
إن تنجُ منها تنجُ من ذِى عظيمةٍ *** وإلّا فإنِّى لا إخالَك ناجيا (3)
ومن الباب العَظْم ، معروف ، وهو سمِّى بذلك لقوّته وشِدّته.
عظب العين والظاء والباء. يقولون : عَظَب الطَّائر ، إذا حَرَّكَ زِمِكَّاهُ. وهو كلام. والعُنْظُب : الجراد الضَّخم ، النُّون زائدة.
عظل العين والظاء واللام أصيل صحيح. يقال : تعاظَلَ الكلابُ ، إذا تسافَدَت ، وهى تَعاظَلُ. وجَرادٌ عَظْلَى من ذلك وفلانٌ لا يُعاظِل فى شِعره بين القَوافى ، أى لا يجعل بعضها على بعض. ونرى أنّ ذلك إمّا أن يكون الذى يسمى الإيطاء ؛ أى لا يكرِّر القوافى ، أو أن يكون الذى يسمَّى التَّضمين ، وهو أن [يكون] تمامُ البيت فى البيت الذى بَعده.
قال الخليل : (المُعَلْهَج) : الرَّجل اللئيم. وأنشد :
فكيف تُسامِينى وأنتَ مُعَلْهَجٌ *** هُذارِمَةٌ جعدُ الأنامل حَنْكَلُ (1)
وهذا إن كان صحيحاً فالهاء فيه زائدة ، لما قلناه ، إنّهم يزيدون (2)فى الحروف من الكلمة تعظيماً للشىء أو تهويلاً وتقبيحاً. وإنَّما هو من العِلج ، وقد فسَّرناه.
(العَزَاهِيل) ، قالوا : هى الإبل المُهمَلة ، واحدها عُزْهُول. ينشدون : للشَّمَّاخ :
[حَتَّى استغاثَ بأحْوَى فوقه حُبُك *** يدعُو هديلاً بِهِ العُزْفُ العَزَاهيلُ (3)
حتى استفاثت بجون فوقه حبك *** تدعو هديلا به الورق المثاكيل
وهذا أيضاً إن كان صحيحاً ، فالهاء زائدة ، كأنّها أُهملت فاعتزلت ومَرَّت حيث شاءت.
(العَيْهَرَة) : المرأة الفاجرة ، والزائدة فى ذلك الياء ، وإنّما هو من العَهْر.
(العَباهل) : جمع العَبْهَل ، وهى الإبل التى أُهملت تَرِد كيف شاءت ، ومتى شاءت. قال :
عَبَاهلٍ عَبْهَلها الوُرّادُ (1)
هياهيل هيلها الذواد
وبه شُبِّهت الملوكُ الذين لا فَوقَ يدِهم يدٌ. هذا ممّا زيدت فيه الباء ، والأصْل العَيْهَل والعَيْهَلة : التى لا تستقرّ. وقد فسَّرناه.
(العُرَاهم) : النَّاعم التارُّ. وقصبٌ (عُرهُومٌ) ، وبعيرٌ عُرَاهم : طَويل. وهذا مما زيدت فيه الراء ، وإنَّما هى من العيْهامة والعيهمة ، وهى من [النّوق] : الطَّويلة. وقد مرّ
(والعُفاهم) : الجَلْد القوىُّ. وكلُّ قوىِ عُفاهِم. قال :
من عُنْفُوان جَريِهِ العُفاهِمِ (2)
وهذا مما زيدت فيه الفاء ، وهو من العَيهمة أيضاً.
(العَبْهَر) : الضَّخم الخَلْقِ وكلُّ عظيمٍ عَبْهر. وامرأةٌ عبهرة. قال الأعشى :
عَبْهَرَة الخلق لُبَاخِيّة *** تَزِينُه بالخُلُق الظَّاهرِ (3)
وهذا ممَّا زيدت العينُ فى أوله ، وأصله من البَهْر ، أى إنّها تبهر بخَلْقها. وقد فسرنا البَهْر.
(العَلْهَب) : التَّيس الطّويلُ القرنين ، ويوصف به الثَّور. قال جرير :
إذا قَعِسَت ظهورُ بنى تميمٍ *** تكشَّف عن عَلَاهِبَةِ الوُعولِ (4)
إذا قست ظهور بنات تيم
والبيت من قصيدة له يهجو فيها التيم والفرزدق ، أولها :
أتنسى يوم حومل والدخول *** وموقفنا على الطلل الخيل
ل1) المخصص (7 : 84) واللسان (عبهل) بدون نسبه. وفى (عهل) بنسبته لأبى وجزة :
2) الرجز لغيلان ، كما أسلفت فى حواشى (عذم).
3) ديوان الأعشى 104. وأنشده فى اللسان (عبهر) بدون نسبة. وفى الديوان : «بلاخية» تحريف ، وفيه أيضاً : «الطاهر» بالطاء المهملة. ورواية اللسان تطابق رواية المقاييس.
4) ديوان جرير 347 برواية : «رأوا قعس الظهور بنات تيم». وفى اللسان بدون نسبة :
وهذا ممّا زيدت فيه الهاء ، وإنَّما هو من العُلَبِ. والعُلَب : النَّخل الطّوال. وقد مرّ.
(العَشنَّق) : الطَّويل الجِسم. وهذا مما زيدت فيه الشِّين ، وإنّما هو من العَنَق. وليس ببعيدٍ أن يكون العين زائدةً أيضاً. فإنْ كان كذا فالكلمة منحوتةٌ من كلمتين ، من العَنَق ، والشَّنَق. وقد فسَّرناهما. وقد قال الخليل : امرأة عَشَنَّقة : طويلة العُنُق ، ونعامةٌ عَشَنَّقة. فهذا يدلُّ على صحَّة ما قلناه.
(العَسْلَق (1)) : كلُّ سبُع جَرُؤ على الصَّيد ، والجمع عَسالِق. وهذه من ثلاث كلمات : من عَسِق به إذا لازمه ، ومن علِق ، ومن سلقَ. وكلُّ ذلك قد فسَّر.
(العُسْقُول) : قِطعة السَّراب. وهذا ممّا زيدت فيه اللام. والأصل العَسَق ، يقال إنّه الإطاقة بالشَّىء ، من اللزوم الذى ذكرناه.
(العَسَلَّق) : الظليم. ممكنٌ أن يكون من السُّرعة ويكون القاف زائدة ، ويكون من العَسَلان ؛ ويمكن أن يكون العين زائدة ، ويكون من السّلق والتسلُّق. وكلُّ ذلك جيّد.
(العُنقود) : معروف ، وهو من العَقْد ، كأنه شىءٌ عقِد بعضُه ببعض.
(العرقوب) : عَقَبٌ مُوَتَّرٌ خلْف الكعبين. وعَرقَبت الدّابة : قطعت عُرقوبها. وهذا مما زيدت فيه الراء ، وإنّما الأصل العِقب للإنسان وحده ،
1) يقال أيضاً «عسلق» وزان عملس.
ثمَّ جعل العُرقوب له ولغيره. ويستعار العرقوب فيقال لمنحنًى من الوادى فيه التواء شديدٌ : عرقوب. وقال :
ومَحُوفٍ من المناهل وحْشٍ *** ذى عراقيبَ آجِنٍ مِدفانِ (1)
قال الخليل : وعراقيب الأمور : عَصاوِيدُها ، وذلك إدخال اللَّبس فيها. ويتمثَّل النَّاس فيقولون : «يوم أقصر من عُرقوب القطاة».
(العقرب) ، معروفة ، والباء فيه زائدة ، وإنَّما هو من العَقر ، ثم يستعار فيقال للذى يَقْرُص النّاس (2): إنَّه لتَدِبُّ عقاربُه. ودابّةٌ مُعقرَب الخَلْق ، أى ملزَّز مجتمعٌ شديد.
(العفلق (3)) : الفَرْج رِخواً واسعاً. وهذا منحوتٌ من عفق والعُفاقة ، [و] من فلق.
(العُقْبول) : قالوا : بقيَّة المرض ، واللام زائدة ، إنّما هو مرضٌ يَعقُب المرضَ العظيم.
(العَضَنّكة (4)) : المرأة اللَّفَّاء العجُز التى ضاق مُلتقَى فخِذَيها لكثرة اللَّحم. وهذا مما زيدت فيه العين ، وإنَّما هو من الضنك وهو الضيِّق. وقد مرَّ تفسير الضِّناك.
(عركس) ، قال الخليل : عركس أصلُ بناء اعرَنْكَسَ ، وذلك إذا تراكَمَ الشَّىء بعضُه على بعض ، يقال اعرنكس. قال العجَّاج فى وصف اللَّيل :
واعرَنكَسَتْ أهوالُه واعْرَنكَسا (1)
وهذا الذى قاله منحوتٌ من عَكس وعَرَك ، وذلك أنّه شىءٌ يترادُّ بعضه على بعض* ويتراجع ويُعارك بعضَه كأنّه يلتفُّ به.
(اعْلَنْكَس) الشّعر ، إذا اشتدَّ سوادُه ، وكثُر. وهذا هو من الأوّل ، واللام بدلٌ من الرّاء ، وقد فسَّرناه. عَرْكَسْتُ الشَّىء : [جمعت (2)] بعضَه على بعض ، وهذا من عَكَس ورَكَس ، وقد فسِّرا.
(عَكْمَسَ) : الليلُ ، إذا أظلم. قال :
والليلُ ليلٌ مظلمٌ عُكامِسُ
وهذا من عَكَس وعَمَس ، لأن فى عَمَس معنىً من معانى الإخفاء ، والظلمة تُخفِى ، يقال عَمّس عليه الخَبَر ، وقد فسِّر.
(العِلْكَدّ) : الشديد. وهذا من عَكَدَ ، ومن العِلْوَدّ ، وهو الشديد ، ومن اللَّكد ، وهو تداخل الشّىء بعضِه فى بعض. قال :
أعْيَسَ مَضْبُورَ القَرَا عِلْكَدَّا (3)
(العُكْبُرة (1)) : من النِّساء : الجافية العِلْجة. قال الخليل : هى العَكْباء فى خَلْقها. قال :
عَكباء عُكبُرَةٌ فى بطنها ثَجَلٌ *** وفى المفاصل من أوصالها فَدَعُ
وهذا الأمر ظاهرٌ (2)أنَّ الراء فيه زائدة. والأصل العَكب والعِكَبّ ، وقد مضى ذِكره.
(العَكَرْكَرُ) : اللَّبن الغليظ. وهذا أيضاً مما كُرِّرت حروفه. والأصل العَكَر.
(العُلْكُوم) : النَّاقة الجسيمة السَّمينة. قال لَبيد :
تُروِى الحدائقَ بازلٌ عُلكومُ (3)
بكرث به جرشبه مقطورة
وهذا من عَكَم ، واللام زائدة ، كأنَّها عُكِمت باللَّحم عَكْماً.
(العِفْضاج) : السَّمين الرِّخْو. وهذا مما زيدت فيه الضّاد ، وهو من العين والفاء والجيم ، كأنّه ممتلئ الأعفاج ، وهى الأمعاء (4).
(العُجَلِد (5)) : اللبن الخاثر. وهذا مما زيدت فيه العين ، كأنّه شُبِّه بالجِلد فى كثافته.
1) وردت هذه الكلمة وتفسيرها فى القاموس ، ولم ترد فى اللسان.
2) فى الأصل : «فيه ظاهر».
3) أنشده فى اللسان (حجر ، قطر ، علكم). وأنشد صدره فى (جرش). وقد مضى إنشاده فى (حجر) وصدره :
4) فى الأصل : «وسمى الأمعاء» تحريف.
5) العجلد ، بوزن علبط ، ويقال أيضاً «عجالد». ومن لغاته أيضاً «العكلد» بوزنه ، و «العلكد» بتقديم اللام ، كما فى اللسان والقاموص. وفى الأصل هنا «العلجد» ، تحريف.
(والعُجَلِط) : مثله ، والطاء بدل الدال.
(العَشَنَّط) : الطَّويل من الرِّجال ، والجمع عَشَنَّطون وعَشَانِط. وهذا مما زيدت فيه الشِّين ، وإنّما هو من عَنَط ، وهو بناء عَنَطنَط (1). و (العَنْشَطُ) مثل هذا. قال :
أتَاكَ من الفِتيان أروعُ ماجدٌ *** صبورٌ على ما نابه غير عَنْشط (2)
(العَشَوْزَن) : الملتوِى العَسِرُ الخُلُق من كلِّ شىء. وقال :
إذا عضَّ الثِّقاف بها اشمأزَّتْ *** ووُلِّيتُم عَشَوْزَنَةً زَبُونا (3)
وهذا منحوت من عَشَزَ وَشَزَنَ. العَشَزانُ : مشْى الأقزل. والشَّزَن : المكان الصُّلب.
(العَشَنْزَر) : الشديد. وهذا مما زيدت فيه العين والنون ، وأصله من الشّزْر ، وقد مرَّ. قال :
ضَرْباً وطعناً باقِراً عَشَنْزَرا (4)
(العَيْسَجُور) : النّاقة السريعة. وهذا مما زيدت فيه الراء والياء ، وإنّما هو من عَسَجَتْ فى سيرها. وقد مضى ذكر العاسج.
(العَجَنَّس) : الجمل الضَّخم ، والنون فيه زائدة. وهو مما ذكرناه فى باب العجس والعَجَاساء. قال :
يَتْبَعْنَ ذا هَدَاهِدٍ عَجَنَّسا *** إذَا الغُرَابانِ به تمَرَّسَا (1)
(العِجْلِزَة) : الفرس الشَّديد الخَلْق. وقد نصَّ الخليلُ فى ذلك على شىءٍ فقال : اشتقاق هذا النعت من جَلْز الخَلْق. وهو يصحِّح ما نذكره فى هذا وشِبهه. فقد أَعْلَمك أنّ العين فيه زائدة. وقال :
وعَجْلِزَة يَزِلّ اللِّبد فيها
(العَجْرَد) : العُرْيان. وهذا أيضاً مما زيدت فيه العين ، وإنما هو من جَرد وتجرَّد من ثيابه.
ومنه (العنْجَرِدُ) ، وهى المرأة السَّلِيطة الجريئة ، والعين فى ذلك زائدة ، وإنما هو من تجرُّدِها للخُصومة وقِلة حيائها. قال :
عَنْجَرِد تحْلف حين أحْلِفْ *** شيطانة مثل الحمارِ الأعْرف (2)
كمثل شيطان الحماط أعرف
(العَجَنْجَر (3)) : الغليظ. يقال زُبْد عَجَنْجَر. وهذا مما زيدت حروفه للمعنى الذى ذكرناه. وهو من تَعَجَّر ، إذا تَعَقّد. قال :
مَخَضْتُ وَطْبِى فَرَغا وَجَرْجَرَا *** أخرج منه زَبَداً عَجَنْجَرَا
(العَثْجَل) : الواسعُ الضَّخمُ من الأسقية والأوعية. قال :
يسقى به ذاتَ فُرُوغٍ عَثْجَلا
وهذا ممَّا زيدت فيه العين ، وإنما هو من الثَّجْلة. والأثْجَل : البطن الواسع.
(العَجْرَفِيَّة) : جفوةٌ فى الكلام وخُرْقٌ فى العمل ، وهذا منحوتٌ من شيئين : من جَرَفَ وعَجَر ، كأنّه يَجرُف الكلامَ جَرْفاً فى تعقد. والعَجَر ، التَّعَقُّد. يستعار هذا فيقال لحوادث الدَّهر : عجاريف. قال قيس :
لم تُنْسِنِى أُمَّ عمارٍ نوًى قَذَفٌ *** ولا عَجَارِيفُ دهرٍ لا تُعَرِّينى (1)
أى لا تُخَلِّينى ، وذلك أنَّها تجىء جارفة* فى شدة.
(العُجْرَمُ (2)) : الغليظ ، والميم فيه زائدة. الأصل الأعْجَر.
(العُلْجُوم) : الظُّلْمةُ المتراكِمة. قال ذو الرمَّة :
أو مُزْنَةٌ فارِقٌ يَجلو غَوارِبَهَا *** تَبَوُّجُ البَرْقِ والظَّلماء علجومُ (3)
كأنه شملج من فضة؟ *** في ملعلب من عذارى الحى مفصوم
وهذا مما زيدت فيه الميم ، وإنما هو من اعتلاج الظُّلَمِ بعضها ببعض.
(العُطبُول) : الوطيئة من النِّساء الممتلئة. قال :
فسِرْنا وخلَّفَنا هُبيرةَ بعدنا *** وقُدّامَهُ البيضُ الحِسَانُ العطابلُ
وهذا ممّا زيدت فيه الطاء ، وإنما هو من عَبَالة الجِسم. وممكن أن يكون منحوتاً من عَطَل ، فالعُطُل : الجِسم المجرَّد ، كأنّه يقول : عُطُلُها عَبْلٌ. وهذا أجود.
(العَمَرَّس) : الشَّرِس الخُلُق القوىّ. وهذا مما زيدت فيه العين ، وإنما هو من الشىء المَرِس ، وهو الشَّديد الفتل. م
(العَتْرَسَة) : الغلَبة [و] الأخذُ مِن فَوق. وجاء رجلٌ بغريمٍ له إلى عمر فقال عمر: «أتُعَتْرِسُه». أى تغضبه وتَقْهَرُه. و (العِتْرِيس) من الغيلان : الذكر ومنه (العَنْتَرِيس) : النَّاقة الوثيقة ، وقد يوصَف به الفَرَس. وقال :
كلّ طِرْفٍ موثّقٍ عنتريسٍ *** مستطيل الأقرابِ والبُلعومِ (1)
العَنْتَرِيس : الدَّاهية. وهذا كلُّه مما زيدت فيه التاء ، وإنما هو من عَرِس بالشّىء ، إذا لازمَه. والنون أيضاً زائدة فى العنتريس.
(العَنْتَر) : الشُّجاع. وهذا مما زيدت فيه النون ، والأصل العتر ، من عَتَرَ الرُّمح. وسمِّى الشُّجاع بذلك لسُرعته إلى اللِّقاء وكثرة حركاته فيه.
(العَنْبَس) : من أسماء الأسد. قال الخليل : إذا نعتَّه قلت عَنْبَسٌ وعُنابِس ، وإذا خَصَصته باسمٍ قلت عَنْبَسةُ ، لم تذكر الأسد. وهذا مما زِيدت فيه النُّون ، وهو فَنْعَل من العُبُوس.
(العَمَلَّس) : الذِّئب الخبيث. يقال عَمَلَّسُ دَلَجَات. قال الطِّرِمَّاح :
يُوَدِّع فى الأمراس كلَ عَمَلَّسٍ *** من المُطعمات الصيد ذات الشواحِنِ (2)
وهذا مما زيدت فيه اللام. وممكن أن يكون من كلمتين : من عمل ، وعمس.
1) البيت لأبى دواد الإيادى ، كما فى اللسان (عترس).
2) ديوان الطرماح 171 ، واللسان (عملس ، مرس ، ودع ، شجن ، شحن). ورواية اللسان فى الموضع الأول : «يوزع» ، وفسره بقوله : «يكف ويقال يغرى» وهذه رواية الديوان أيضاً ، وفى سائر المواضع من اللسان : «يودع» وفسره فى (ودع) بقوله : «أى يقلدها ودع الأمراس». ورواه فى (شجن): «الشواجن» وفسره بقوله : إنما يريد أنهن لا يحزن مرسليها وأصحابها لخببتها من الصيد ، بل يصدنه ما شاء». وفى سائر المواضع : «الشواحن» ، وفسرها فى (شحن) بأن «الشاحن من الكلاب الذى يبعد الطربد ولا يصيد».
تقول : هو عَمُولٌ عَمُوس : يركب رأسَه ويمضى فيما يعمله (1).
(عِرْمِس) : اسمٌ للصَّخرة ، وبه سمِّيَت النّاقة الصُّلْبة. قال :
وجْناء مُجْمَرة المناسم عِرْمِس (2)
وهذا مما زيدت فيه الميم ، والأصل عرس ، وقد شبَّهَت بعَرْس البناء.
(العَنْسَلُ) : النَّاقة السَّريعة الوثيقة الخلق. وهذا من كلمتين : من عَنَس ونَسَل ، فعَنَس من قُوَّةِ خَلْقها ، سمِّيت بالعَنس ، وهى الصَّخْرة. ونَسَل فى السُّرعة والذَّهاب.
(عِرْبِسٌ) و (عَرْبَسِيسٌ) : متنٌ مستوٍ من الأرض. قال العجّاج :
وعرْبِس منها بسيرٍ وَهْسِ (3)
وهر نساعيها يسير وهس
وقال الطِّرِمّاح :
تُوَاكِلُ عَرْبَسِيسَ الأرض مَرْتَا *** كظَهْرِ السَّيْح مُطَّرِدَ المتُونِ (4)
وهذا مما زيدت فيه الباء ، وإنما هو من المُعَرَّس ، أى إنّه مستوٍ سهلٌ للتعريس فيه.
(العُبْسُورة) و (العُبْسُرة (5)) : النَّاقة السريعة. قال :
1) فى الأصل : «فيها يعمله». وفى شرح الديوان : «ويروى : الشواجن. وأظنه تصحيفاً».
2) مجمرة : مجتمعة صلبة شديدة. والمناسم : جمع منسم ، وهو طرف خف البعير. وفى الأصل : «المنامس» ، تحريف.
3) كذا ، ويبدو أنه استشهاد برواية محرفة ، وروايته فى الديوان 78 :
4) ديوان الطرماح 178 واللسان (عربس). ورواية الديوان واللسان : «تراكل» بالراء.
5) فى القاموس «العيسور» و «العيسر» بصرح التاء. وذكر فى اللسان : «العيسور» فقط.
لقد أُرانِىَ والأيام تعجبُنى *** والمفْقِرات بها الخُور العَبَاسِيرُ
والسين فى ذلك زائدة ، وإنما هو من ناقة عُبْر أسفار. وقد مرَّ تفسيره. يوم (عَمَرَّسٌ): شديدٌ ذو شَرّ. قال الأرَيقِط :
عَمَرَّس يَكْلَحُ عن أنيابِهْ
وهذا منحوتٌ من يومٌ عَمَاسٌ : شديد. ومن المرس : الشىء الشديد الفتْل ، وقد فُسّرا (1).
(عُمْروس) : الحَملُ إذا بلغَ النَّزْو. وهذا مما زيدت فيه الميم ، وهو من عَرِسَ بالشَّىء: لازَمَه وأُولع به. وممكن أن تكون منحوتةً من عَرس ومَرِس ، لأنّه يتمرَّس بالإناث ويَعْرَسُ بها.
(اعْرَنْزَمَتْ) الأرنبةُ واللِّهْزِمة ، إذا ضخُمت واشتدَّت. قال :
لقد أُوقِدَت نارُ الشّرَورَى بأرؤسٍ *** عِظام اللِّحَى مُعْرَنْزِمَاتِ اللّهازِمِ (2)
وهذا منحوت من عرَزَ ، ورَزَم. أمّا رَزَم فاجتَمَعَ ، ومنه سمِّيت رِزْمَةُ الثياب ، قد ذكرناها. وأمَّا عَرَزَ فمن عَرَزَ ، إذا تقبَّض وتجمَّع.
(العَمَلَّطُ) : الشَّدِيد من الرِّجال وكذلك من الإبل. وقال :
أمَا رأيتَ الرَّجلَ العَملّطَا (3)
يأكل لحما بائتا قد ئعطا *** أكثر منه الأكل حتى خرطا
فأكثر المذوب منه الضرطا *** فضل ببكى جزعا وفطفطا
اوهذا مما زيدت فيه العين ، وإنما هو من المِلْط ، وقد ذُكِر فى بابه.
(العِرْزَال) : ما يجمعه الأسدُ فى مأواه من شىءٍ يمهِّدُ لأشباله ، كالعُشّ. وعِرْزَال الصَّيّاد : أهدامُه وخِرقُها التى يمْتَهِدُها ويضطجع عليها فى القُتْرَة. قال
ما إنْ يَنِى يَفْتَرِشُ العَرازِلا (1)
ويقال العِرزَال : ما يَجْمَعُ من القَدِيد فى قُتْرَته. وهذا منحوتٌ من كلمتين : من عَزَلَ وعرَزَ ، يعْزِله ويَعْرِزه أى يجمعه ، كما قلت أعْرَزَ ، إذا تقبَّضَ وتَجمَّع.
(العُصْفُر) : نبات. وهذا إن كان معرَّبا فلا قياسَ له ، وإنْ كان عربيّاً فمنحوتٌ من عَصَر وصَفر ، يراد به عُصارته وصُفْرته.
(العُصْفور) : طائرٌ ذكر ، العين فيه زائدة ، وإنّما [هو] من الصَّفير الذى يَصْفره فى صَوته. وما كان بعدَ هذا فكلُّه استعارةٌ وتشبيه. فالعُصْفور : الشمراخُ السَّائل من غُرَّة الفرس. والعُصْفُور : قِطعةٌ من الدِّماغ. قال :
عن أُمِّ فَرْخ الرَّأس أو عُصْفورِه (2)
ضربا؟ الهام عن سريره
والعُصفور فى الهَوْدج : خشبةٌ تجمع أطراف خشباتٍ فيه ، والجمع عصافير.
قال الطِّرِمَّاح :
كلَّ مَشكوكٍ عصافيرُهُ (3)
انى اللون حديث الدمام
ورودت كلمة «الدمام» فى الموضع الأول من اللسان محرفة ، وصوابها فى الموضع الثانى والديوان.
قال شارح الديوان : «الدمام من قولهم دمه ، أى لطخه بالحمرة حتى يصير كلون الدم».
(العِرْصاف) : العَقَب المستطيل. والعَراصيف : أوتادٌ تَجْمع رءوسَ أحناء الرَّحْل. وهذا ممّا زيدت فيه العين ، وإنَّما هو من رَصَفْتُ ، ومن الرِّصاف ، وهو العَقَب ، وقد مرَّ.
(العَرْصَم) : الرّجُل القوىُّ الشَّديد البَضْعة. وهذا من العَرَص ، وهو النَّشاط ، ويقال العِرْصَمُ. وقياسه واحد.
(العُنْصر) : أصل الحَسَب ، وهذا ممّا زيدت فيه النون ، وهو فى الأصل العَصَر ، وهو الملجأ ، وقد فسَّرْناه ، لأنَّ كلا يئل فى الانتساب إلى أصله الذى هو منه.
(العِنْفِص) : المرأة القليلة (1)، ويقال هى الخَبِيثة الدَّاعرة. قال الأعشى :
ليستْ بسوداء ولا عِنْفِصٍ *** تُسَارِق الطَرْفَ إلى داعِرِ (2)
داهرة تدنو الى الداعر
وهذا القول الثَّانى أقْيَس ، وهو من عَفَصْتُ الشّىء ، إذا لوَيْتَه ، كأنّها عوجاءُ الخُلُق وتميل إلى ذَوِى الدَّعارة.
(العَصْلَبىُ) : الشَّديد الباقى. قال :
قد ضَمَّها اللَّيلُ بعَصْلَبىِ (3)
وهو منحوتٌ من ثلاث كلمات : من عَصَب ، ومن صَلَب ، ومن عَصَل وكلُ
ذلك من قوّة الشىء ، وقد مرَّ تفسيرُه. وقد أومأ الخليل إلى بعضِ ما قلْناه. فقال : عَصْلبتُه: شِدَّة عَصَبِه (1).
(العَمَيْثل) : الضَّخْم الثَّقيل. والعَميثل : كل شىءٍ فيه إبطاء. وامرأة عَمَيثَلَة : ضخمةٌ ثقيلة. قال أبو النَّجْم :
ليس بمُلْتاثٍ ولا عَمَيْثلٍ (2)
وهذا ممّا زيدت فيه الميم. والأصل عَثَل. والعِثْوَلّ : البطىء الثَّقيل. وقد مرّ.
(العَرَنْدَد) : الصُّلْب من كلِّ شىء. قال :
تَدارَكْتُها ركْضاً بسيرٍ عَرَنْددِ
وهذا ممّا زيدت فيه النُّون ، وضُوعفت الدّالُ لزيادة المعنى. والأصل العُرُدُّ ، وهو القوىُّ ، وقد مرّ.
(العُنَابِل) : الوتَر الغَليظ. قال :
والقوسُ فيها وَتَرٌ عُنابِلُ (3)
وهذا منحوتٌ من عَنَبَ وعَبَلَ ، وكلاهما يدلُّ على امتدادٍ وشدّة.
(اليَعْفُور) : الخِشْف. قال الخليل : سمِّى بذلك لكثرة لُزوقِه بالأرض. قال :
تَقْطَعُ القومَ إلى أرحُلِنا *** آخِرَ اللَّيل بيَعفورٍ خَدِرْ (1)
وهذا مما زيدت الياء فى أوّله ، وإنّما هو من العَفَر ، وهو وجْهُ الأرض والتُّراب.
(العَمَرَّط) : الجَسُور الشَّديد. [و] يقال (عَمَرَّد) ، وهذا من العُرُدّ ، وهو الشَّديد ، والميم زائدة ، والطاء بدلٌ من الدال.
(العَقَنْباة) : الدَّاهية من العِقْبان ، والجمع عَقَنْبَيَات. وهذا ممَّا زيدت فيه الزوائد تهويلاً وتفخيما. وهو أيضاً مما يوضِّح ذلك الطَّريق الذى سَلكناه فى هذه المُقايَسات ، لأنَّ أحداً لا يشكُّ فى أنَّ عَقَنْبَاة إنَّما أصلها عُقاب ، لكن زيد فيه لِما ذكرناه. فافهَمْ ذلك.
(عَنْقَفير) : الدَّاهية. وهذا مما هُوِّل أيضاً بالزِّيادة. يقولون للدَّاهية عَنْقاء ، ثمَّ يزيدون هذه الزِّياداتِ كما قد كرَّرنا القول فيه غيرَ مرّة.
(عَلْطَمِيسٌ) : جاريةٌ تارَّة (2)حسَنَة القَوَام. وناقةٌ عَلْطَميس : شديدةٌ ضَخْمة. والأصل فى هذا عَيْطَمُوسٌ ، واللام بدل من الياء ، والياء بدل من* الواو.
وكلُّ ما زاد على العَين والطّاء فى هذا فهو زائد ، وأصله العَيْطاء : الطَّويلة ، والطَّويلة العنُق.
(عَرَنْدَسٌ) : شديد. كلُّ ما زاد فيه على العين والراء والدال فهو زائد ، وأصلُه عُرُدّ ، وهو الشَّديد ، وقد ذكرناه.
(عَرَمْرَمٌ) : الجيشُ الكثير. وهذا واضحٌ لمن تأمَّلَه فَعَلِمَ أنَّ ما زاد فيه على العين والراء والميم فهو زائد. وإنّما زيد فيه ما ذكرناه تفخيماً ، وإلَّا فالأصل فيه العُرَامُ والعَرِم.
(عَنْجَرِدٌ (1)) : المرأة الجريئة السَّليطة. وهذا معناه أنّها تتجرد للشّرّ العين والنون زائدة.
1) سبقت هذه الكلمة مع «العجرد» فى ص 364.
باب الغين وما معها فى المضاعف والمطابق (1)
غف الغين والفاء كلمةٌ واحدةٌ لا تتفرّع ، وهى البُلْغة ، ويقال له غُفَّة من العَيش. قال:
وغُفّةٌ من قِوَام العَيش تَكفِينِى (2)
لاخير في طمع يدنى إلى طبع
وفى الحماسة : «يدنى لمنقصة».
واغتفَّتِ الخيلُ غُفَّة من الرَّبيع ، إذا أصابت منه شِبَعاً ولم تستكثِرْ. قال :
وكنَّا إذا ما اغتفَّت الخيلُ غُفّةً *** تجرَّد طَلَّابُ التِّراتِ مُطَلَّبُ (3)
غق الغين والقاف ليس بشىء ، إنَّما يحكى به الصَّوْتُ يَغْلى ، يقال؟؟؟؟ غَقَ.
غل الغين واللام أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على تخلل شىءٍ ، وثباتِ
1) فى الأصل : «باب الغين والفاء وما يثلثهما» ، وهى غفلة من الناسخ ، وأثبت مألوف عبارة ابن فارس فى مثل ذلك.
2) لثابت قطنة ، كما فى تهذيب إصلاح المنطق للتبريزى 50 وحماسة البحترى 202. وصدر كما فى إصلاح المنطق 50 واللسان (غفف) :
3) لطفيل الغنوى فى ديوانه 26 واللسان (غفف). وفى الأصل : «التراب» ، صوابه فيهما.
شىءٍ ، كالشىء يُغْرَزُ. من ذلك قول العرب : غَلَلْتُ الشَّىء فى الشّىء ، إذا أثبتَّه فيه ، كأنه غَرزْتَه. قال :
وعينٌ لها حَدْرةٌ بَدْرَةٌ *** إلى حاجبٍ غُلّ فيه الشُّفُر (1)
والغُلّة والغَليل : العَطَش. وقيل ذلك لأنَّه كالشَّىء ينْغلُّ فى الجَوف بحرارة. يقال بَعيرٌ غَلَّانُ ، أى ظَمْآن. والغَلَل : الماء الجارى بين الشَّجر.
ومنه الغُلول فى الغُنم (2)، وهو أن يخفَى الشَّىء فلا يردَّ إلى القَسْم ، كأنَّ صاحبَه قد غَلّه بين ثيابه.
ومن الباب الغِلُ ، وهو الضِّغْن ينْغَلُّ فى الصَّدر.
فأمَّا قول النبى عليه السلام «لا إغْلالَ ولا إسلال». فالإغلال : الخيانة ، والقياس فيه واضحٌ. قال النَّمِر (3):
جزى اللّه عنا جمرة ابنةَ نوفلٍ *** جزاءَ مُنِلٍّ بالأمانة كاذبِ (4)
وأمّا الحديث : «ثلاثٌ لا يُغِلُ عليهنَّ قلبُ مُؤْمن». فمَنْ قال «لا يُغِلّ» فهو من الإغلال ، وهو الخيانة. ومن قال «لا يَغِلّ» فهو من الغِلِ والضِّغن.
1) لامرئ القيس فى ديوانه 16. وعجزه فى الديوان : فشلت مافيهما من أخر ، وتطابقه رواية اللسان (حدر ، بدر) ، لكن فيها «شقت» بالخرم.
2) فى المجمل : «فى المغنم».
3) فى الأصل : «النمرى» ، تحريف. وهو النمر بن تولب بن أقيش بن عبد كعب بن عوف ابن الحارث بن عوف بن وائل بن قيس بن عكل بن عبد مناف. الأغانى (19 : 157). والبيت التالى منسوب إليه فى الأغانى (159 : 19) وإصلاح المنطق 295 واللسان (غلل) والحيوان (1 : 15).
4) فى اللسان والحيوان : «حمزة ابنة نوفل» ، وصوابه بالجيم والراء ، كما فى سائر المصادر.
ومن الباب الغُلَّانُ : الأوديةُ الغامضة ، واحدها غَالٌ ، وذلك أنَّ سالكَها يَنْغَلُّ فيها. والغِلَالة : شِعارٌ يُلبَس تحت الثَّوب ، وبطانةٌ تُلبَس تحت الدَّرع.
ومن الباب الغُلّة ، وهو الفِدامُ يكونُ على رأس الإبريق ، والجمع غُلَل. قال لَبيد :
لها غُلَلٌ من رازِقىٍّ وكُرْسُف *** بأيمانِ عُجْمٍ يَنْصُفُون المَقاولا (1)
والغَلغلة : سُرعة السَّير. ورسالةٌ مُغَلغَلة : محمولةٌ من بلدٍ إلى بلد. وهو القياس ، لأنَّها تتخلَّل البلاد وتنغلُّ فيها. قال :
أبلِغْ أبا مالكٍ عنِّى مُغَلْغَلَةً *** وفى العتابِ حياةٌ بين أقوامٍ (2)
ومن الباب الغَليل : النَّوَى يُغَلّ فى القَتّ يُخلَطُ به ، تُعَلفُه الإبل. قال :
سُلّاءةٌ كعصا النَّهدِىِ غُلَ لها *** [ذو فيئةٍ] من نَوَى قُرَّانَ معجومُ (3)
غم الغين والميم أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على تغطية وإطباق. تقول : غَمَمتُ الشَّيْءَ أغُمُّه ، أى غطَّيته. والغَمَمُ : أن يُغطِّى الشَّعر القفا والجبهةَ فى بنائهِ. يقال : رجلٌ أغمُ وجبهةٌ غماء. قال :
1) ديوان لبيد 22 طبع 1881 واللسان (غلل ، رزق ، نصف).
2) البيت لهمام الرقاشى فى البيان (2 : 316 / 4 : 85). وأنشده فى اللسان (غلل) بدون نسبة مطابقا فى الرواية. ورواية الجاحظ : «أبلغ أبا مسمع».
3) البيت لعلقمة بن عبدة الفحل فى ديوانه 131 والحيوان (2 : 236) والبيان (3 : 120) والمفضليات (2 : 204) واللسان (سلأ ، غلل ، فيأ ، قرر ، عجم). والتكملة موضعها بياض فى الأصل. وقد أكملت هذا النقص على الرواية المشهورة فى البيت. ويروى بدلها : «منظم».
فلا تَنكِحى إنْ فرَّقَ الدّهرُ بيننا *** أغمَ القفا والوجهِ ليس بأنْزعا (1)
ومن الباب : الغمام : جمع غَمامةٍ. وقياسُه واضح. ومنه الغِمامةُ ، وهى الخِرقة تُشَدُّ على أنف الناقة شدًّا كى لا تجدَ الرِّيح. قال قومٌ : كلُّ ما سدَّ الأنف فهو غِمامة. وغُمَ الهلالُ ، إذا لم يُرَ. وفى الحديث : «فإنْ غُمَ عليكم فاقْدُرُوا له». أى غُطىَ الهلال. ويقال : يومٌ غَمٌ وليلة غمّة ، إذا كانا مظلِمَين. وغمَّهُ الأمرُ يغَمُّه غمًّا ، وهو شىء يَغشى القلب ، معروف. وأما الغَمغمة فهى أصواتُ الثِّيران عند الذُّعر ، والأبطالِ عند الوغى. وقد قلنا إنّ هذه الحكاياتِ لا تكاد يكون لها قياس.
غن الغين والنون أُصَيلٌ صحيح ، وهو يدلُّ على صوتٍ كأنه غير مفهوم ، إمَّا لِاختلاطِه ، وإما لعلّةٍ تصاحبه. من ذلك قولُهم : قريةٌ غَنّاء ، يراد بذلك تجمُّع أصواتِهم واختلاطُ جَلبتهم. ووادٍ أغَنُ : ملتَفُّ النَّبات ، فتَرى الرِّيح تجرى فيه ولها غُنَّة ؛ ويكون ذلك من كَثرة ذُبابه. ومنه الغُنَّة فى الرَّجُل الأغنِ ، وهو خروجُ كلامِهِ كأنّه بأنفه.
غى الغين والياء المشدّدة أو المضاعفة أصلٌ صحيح يدلُّ على إظلالِ الشَّىء لغيره(2). وفى الحديث : «تجىء البقرةُ وآلُ عمران يومَ القيامة كأنَّهما غمامتان - أو غيابَتان». والجمع غيَايات. قال لبيد :
فتَدليَّتُ عليه قافلاً *** وعلى الأرض غياياتُ الطَّفَلْ (1)
غب الغين والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على زمانٍ وفَترةٍ فيه. من ذلك الغِبُ ، هو أن تَرِدَ الإبلُ يوماً وتدع يوما. والمغبَّبة : الشاة تُحلَب يوما وتُتركُ يوماً. وأغبَبْتُ الزِّيارة من الغِبِ أيضاً. ومنه أيضاً قولُهم : غبَّبَ فى الأمر إذا لم يُبالِغْ فيه ، كأنَّه زِيدَتْ (2)فترة أوقَعَها فيه.
ومن الباب قولهم : «رُوَيْدَ الشَّعْرِ يَغُبّ» ، وذلك أن يُتركَ إنشادُه حتَّى يأتىَ عليه وقت. ويقولون : غَبَ الأمرُ ، إذا بلغ آخِرَه (3). ولحمٌ غابٌ ، إذا لم يُؤكَلْ لوَقْتِه ، بل تُرِك وقتاً وفَتْرةً.
غت الغين والتاء ليس بشىء ، إنّما هو إبدال تاء من طاء. تقول : غَطَطْتُه وغَتَتُّه. ومنه شىءٌ يجرِى مَجرى الحِكاية. يقال غَتَ فى الضَّحِك ، إذا ضَحِكَ فى خفاءٍ. وغَتَ : أتْبَعَ القولَ القولَ ، أو الشُّربَ الشُّرب.
غث الغين والثاء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على فَسادٍ فى الشَّىء. من ذلك قولُهم : لبِسْتُ فلاناً على غَثيثةٍ فيه ، أى فَسادِ عقلٍ ورأى. والغَثيثةَ : المِدَّة فى الجُرح. ومن ذلك اللَّحم الغَثُ : ليس بالسّمين. ويقولون : أغَثَ الحَدِيثُ ، أى صار غثَّا فاسداً. قال :
خَوْدُ بُغِثُّ الحديثُ ما صمَمَتَتْ *** وهو بفيها ذو لَذةٍ طَرِفُ (4)
ويقال : فلانٌ لا يَغِثُ عليه شىءٌ ، أى لا يمتنع من شىء ، حتَّى الغثُ عِندَه سمين.
وأمّا الغَثغَثَة فتجرى مَجرى الحكاية ، يقال : غَثْغَثْتُ الثَّوبَ ، إذا غسلتَه وردَّدْتَه فى يديك. ويقال : إنَ الغَثْغَثةَ : القِتالُ الضَّعيف بلا سلاح ، شُبِّه بغَثْغثة الثَّوب حين يُغْسَل.
غد الغين والدال كلمةٌ ، وهى الغُدَّة فى اللَّحم ، معروفة
قال الرّاجز :
فهَبْ له حليلةً مِغدَادَا (1)
قالوا : هى الدَّائمة الغَضَب ، كأنَّ فى حَلْقها غدّة.
غذ الغين والذال كلمةٌ ، وهى إغذاذ السَّير. وذلك ألا يكونَ فيه وَنْيَةٌ ولا فَتْرَة. ومنه: غَذَّ الجُرْحُ وأغذَّ ، إذا بَرَأَ ولم يسكُنْ نَداه ، فهو يَنْدَى أبداً.
غر الغين والراء أصولٌ ثلاثةٌ صحيحة : الأوّل المِثالِ ، والثانى النقصان ، والثالث العِتْق والبَياضُ والكرَم.
فالأوّل : الغِرار : المِثال الذى يُطبَع عليه السِّهام. ويقال : وَلَدَتْ فلانة أولادَها على غرار واحد ، أى جاءت بهم واحداً بعد واحدٍ على مِثال واحد. وأصل هذا الغَرُّ ، وهو الكَسْرُ فى الثَّوب. يقال : اطوِ الثَّوْبَ على غَرِّهِ ، أى كَسرِهِ ومِثالِه الأوَّل. والغُرَّة : سُنَّة الإنسان ، وهى وجهه ، ثم يعبَّر عن الجسم كلِّه به.
1) سبق البيت وتخريجه مع قرينين له فى (حد).
من ذلك : «فى الجنين غُرَّةٌ : عبدٌ أو أمةٌ» ، أى عليه فى دِيَته نَسَمَةٌ : عبدٌ أو أمة. قال :
كلُّ قتيلٍ فى كُليبٍ غرَّهْ *** حتَّى يَنال القتلُ آلُ مُرَّهْ (1)
ومن الباب : الغَرِير ، وهو الضَّمين ، يقال : أنا غريرُك من فلانٍ ، أى كفيلُك. وإنما سمِّىَ غريراً لأنّه مِثَالُ المضمونِ عنه ، يؤخذ بالمال مثلَ ما يؤخذ المضمون عنه. ومحتملٌ أن يكون غِرَارُ السَّيف ، وهو حدُّه ، من هذا. وكلُّ شىءٍ له حَدٌّ فَحَدُّه غِرَارٌ ؛ لأنه شىء إليه انتهى طَبْعُ السَّيف ومثالُه.
وأمَّا النقصان* فيقال : غارّت النّاقةُ تُغارُّ غِراراً ، إذا نَقَصَ لبنُها. وفى الحديث : «لا غِرارَ فى صلاةٍ ولا تسليم». فالغِرار فى الصَّلاة : ألَّا يتمَّ ركوعَها أو سجودَها. والغِرار فى السَّلام : أن يقول السَّلام عليك ، أو يرُدَّ فيقول : وعليك. ومنه الغِرار ، وهو النَّوم القَليل. قال الشاعر (2):
إنَّ الرَّزِيَّةَ من ثقيفٍ هالكٌ *** تَركَ العُيونَ فنومُهُنَ غِرَارُ (3)
وقال جرير :
ما بالُ نومِك فى الفِراش غِرارا *** لو كان قلبُك يستطيع لطارا (4)
ومن الباب : بيع الغَرَر ، وهو الخَطَر الذى لا يُدْرَى أيكون أم لا ، كبيع العبدِ الآبِق ، والطَّائرِ فى الهواء. فهذا ناقصٌ لا يتمُّ البيع فيه أبداً. وغَرَّ الطائرُ فرخَه ، إذا زَقَّه ، وذلك لقلّته ونُقصَانِ ما معه.
والأصل الثالث : الغُرَّة. وغرَّة كلِّ شىء : أكرمُه. والغُرَّة : البياض. وكلُّ أبيضَ أغرُّ. ويقال لثلاثِ ليالٍ من أوّل الشهر غُرّة.
ومن الباب : الغَرِير ، وهو الخُلُق الحَسَن. يقولون للشيخ : أدبَرَ غَريرهُ وأقبَلَ هريرُه.
ومما يقارب : هذا الغَرَارة ، وهى كالغَفْلة ، وذلك أنَّهَا من كَرَم الخلُق ، قد تكون فى كلِّ كريم. فأمَّا المذموم من ذلك فهو من الأصل الذى قَبلَ هذا ؛ لأنّه من نقصان الفِطْنة.
ومما شذَّ عن هذه الأصول إن صحَّ ، شىءٌ ذكره الشَّيبانىُّ : أنّ الغِرْغِر : دَجاج الحَبَش، واحدتها غِرْغرة. وأنشد :
ألُفُّهمُ بالسَّيف من كلِّ جانبٍ *** كما لفّتِ العِقبانُ حِجْلَى وغِرْغِرا (1)
غزالغين والزاء ليس فيها شىء. وغَزَّةُ : بلدٌ.
غس الغين والسين ليس فيه إلّا قولُهم : رجل غُسٌ ، إذا كان ضعيفاً. ومنه قول أوس:
مُخَلَّفُونَ ويَقضِى الناسُ أمرَهُم *** غُسُّو الأمانةِ صُنْبُورٌ فصنبورُ (2)
1) أنشده ثعلب فى مجالسه 567 والإسكافى فى مبادئ اللغة 202 وابن منظور فى اللسان (غرر).
2) ديوان أوس بن حجر 9 واللسان (صنبر ، غشش) برواية : «غُشُّ الأمانة». وفى (غسس): «غُسّ». ونبه فى هذا الموضع الأخير على روايته بجمع المكسر : «غُشُّ» و «غُشَّ» بالنصب على الذم ، وبجمع التصحيح «غُسُّو الأمانة» بالرفع والإضافة ، و «غُسِّى» بالنصب والإضافة لما بعده.
غش الغين والشين أصولٌ تدلُّ على ضَعفٍ فى الشىء واستعحال (1)فيه. من ذلك الغِشُ. ويقولون : [الغِشُ : أ] لا تمحَضَ النصيحة (2). وشُربٌ غِشاشٌ : قليل. وما نامَ إلّا غِشاشاً ، أى قليلا ، ولقيتُه غِشاشاً ، وذلك عند مُغَيْربان الشَّمس.
غص الغين والصاد ليس فيه إلَّا الغَصَص بالطَّعام ، ويقال رجلٌ غَصَّانُ. قال :
لو بِغَيْرِ الماء حلقى شَرِقٌ
كنت كالغَصَّانِ بالماء اعتصارِى (3)
غض الغين والضاد أصلانِ صحيحانِ ، يدلُّ أحدُهما على كفٍّ ونَقْص ، والآخر على طراوة.
فالأوّل الغضّ : غضُ البصر. وكلُّ شىءٍ كففتَه فقد غضَضْته. ومنه قولهم : تلحقُه فى ذلك غَضَاضةٌ ، أى أمر يَغُضُ له بصرَه. والغَضْغَضة : النُّقْصان. وفى الحديث : «لقد مَرَّ من الدُّنيا بِبطنته لم يُغَضْغَض (4)».
ويقولون : هو بحرٌ لا يُغَضْغَض. وغَضْغَضْت السِّقَاءَ : نقصتُه. وكذلك الحقّ. والأصل الآخر : الغَضُ : الطرىُّ من كلِّ شىء. ويقال للطَّلْع حين يطلُعُ : غَضِيض.
1) فى الأصل : «واستفهام».
2) فى الأصل : «الضبحة» ، وتصحيحه والتكملة قبله من المجمل.
3) لعدى بن زيد العبادى ، فى اللسان (عصر ، غصص) والحيوان (5 : 138 ، 593).
4) فى اللسان : «ولما مات عبد الرحمن بن عوف قال عمرو بن العاص : هنيئاً لك يا ابن عوف ، خرجت من الدنيا ببطنتك ولم يتغضغض منها شىء. قال الأزهرى : ضرب البطنة مثلا لوفور أجره الذى استوجبه بهجرته وجهاده مع النبى صلی اللّه عليه [وآله] وسلم ، وأنه لم يتلبس بشىء من ولاية ولا عمل ينقص أجوره التى وجبت له».
غط الغين والطاء أُصَيلٌ صحيح فيه معنيان : أحدُهما صوتٌ ، والآخر وقتٌ من الأوقات.
فالأوّل : غطِيط الإنسانِ فى نومه. ومنه الغَطاط ، وهى القَطَا ، سمِّيت لصوتها غَطاطاً. قال :
فأثار فارِطُهم غَطَاطاً جُثَّماً *** أصواتُه كتَرَاطُنِ الفُرْسِ (1)
والأصل الآخر الغُطَاط ، قال قومٌ : هو الصُّبح. وأنشدوا :
قام إلى حمراء فى الغطَاطِ (2)
؟ بمثل قائم الغسطاط
وقال آخرون : هو سَدَف الظلام. وقالوا فى بيتِ ابن أحمر (3):
أولَى الوَعَاوِع كالغُطاط المقْبِلِ (4)
لايجلفون عن المضاف اذا رأوا
وفى الديوان : ولو رأوا.
من فَتَحَ شبَّههم بالقَطَا ، ومن ضمَّ فإنّه شبَّههم بسواد السّدَف كَثرة. وأمَّا غَطَطْتُه فى الماء فممكنٌ أن يكون ذلك الصَّوْتَ الذى يكون من الماء عندها ، وممكنٌ أن يكون من سَدَف الظّلام ، كأنّه سترتَه بالماء وغطّيته.
غفق الغين والفاء والقاف أصلٌ صحيح يدلُّ على خِفّة وسُرعةٍ وتكريرٍ فى الشىء ، مع فَتَراتٍ تكون بين ذلك.
من ذلك قولهم : غَفَقَ إبلَه ، وذلك إذا أسرَعَ إيرادَها ثم كرَّرَ ذلك. ويقولون : ظلَّ يتَفَّقُ الشَّرَابَ ، إذا جعَلَ يشربُه ساعةً بعدَ ساعةٍ. ويقال : غَفَقَ غَفْقةً من اللَّيل (1)، إذا نامَ نومةً خفيفة. والغَفْق : المطر [ليس (2)ب] الشَّديد. ويقال غَفَقَه بالسَّوط غَفَقاتٍ. والغَفْق : الهُجوم على الشَّىء من غير قصدٍ (3)، ويقال للآيب من غَيْبته فُجاءةً. وغَفَقَ الحِمارُ الأتانَ : أتاها مَرّةً بعد مرَّة.
غفر الغين والفاء والراء عُظْمُ بابِه السَّتْر ، ثم يشذُّ عنه ما يُذكر. فالغَفْر : السَّتر. والغُفْران والغَفْرُ بمعنًى. يقال : غَفَر اللّه ذنبه غَفْراً ومَغفِرةً وغُفراناً. قال فى الغَفْر :
فى ظلِّ مَن عَنَتِ الوُجوهُ له *** مَلِكِ المُلوكِ ومالِكِ الغَفْرِ
ويقال : غَفِرَ الثَّوبُ ، إذا ثارَ زِئبِرُه. وهو من الباب ، لأنَّ الزِّئبِر يُغطَّى وجهَ الثَّوب. والمِغْفَر معروف. والغِفارة : خِرقةٌ يَضَعها المُدَّهِنُ على هامَته. ويقال
الغَفِير : الشَّعر السَّائل فى القفا. وذُكر عن امرأةٍ من العرب أنَّها قالت لابنتها : «اغفِرِى غفيرَك» ، تريد : غَطِّيه. والغَفِيرة : الغُفرانُ أيضاً. قال :
يا قوم ليسَتْ فيهمُ غَفِيرَهْ (1)
ومما شَذَّ عن هذا : الغَفْر : ولد الأروبّة ، وأمُّه مُغْفِرٌ. والغَفْر : النُّكْس فى المَرض. قال :
خليلَيَّ إنّ الدّارَ غَفْرٌ لذِى الهوى *** كما يَغْفِرُ المحمومُ أو صاحبُ الكَلْمِ (2)
فأمَّا المَغْفُور فشىءٌ يشبَّه بالصَّمغ يَخرُج من العُرْفُط.
غفل الغين والفاء واللام أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على تَرك الشّىء سهواً ، وربَّما كان عن عمدٍ. من ذلك : غَفَلتُ عن الشىء غَفلةً وغُفولاً ، وذلك إذا تركتَه ساهياً. وأغفلْتُه ، إذا تركْتَه على ذُكْرٍ منك له. ويقولون لكلِّ ما لا مَعْلَم له : غُفْلٌ ، كأنَّه غُفِل عنه. فيقولون : أرضٌ غُفْلٌ : لا عَلَم بها. وناقَةٌ غُفْلٌ : لا سِمَةَ عليها. ورجلٌ غُفْل : لم يجرِّب الأُمور.
غفوى الغين والفاء والحرف المعتل أُصَيل كأنَّه يدلُّ على مِثلِ ما دلَّ عليه الأوّلُ من التَّرْك للشّىء ، إلّا أنّ هذا يختصُّ بأنَّه جِنسٌ من النَّوم. من ذلك : أغفَى الرّجلُ من النَّوم يُغْفِى إغفاءً. والإغفاءةُ : المرّة الواحدة. قال :
فلو كنتَ ماء كنتَ ماء غمامةٍ *** ولو كنت نوماً كنت أغفاءةَ الفجرِ
من ذلك الغَفْو (1)، وهى الزُّبْيَة ، وذلك أنَّ السَّاقط فيها كأنّه غَفَل وأغَفَى حَتَّى سقط.
وممّا شذَّ عن هذا : الغفَى ، وهو الرُّذال من الشَّىء يقال : أغفَى الطّعامُ : كثُر غَفاه ، أى الردىُّ منه.
غفص الغين والفاء والصاد كلمةٌ واحدة. غافَصْتُ الرّجلَ : أخذْتُه على غِرّةٍ. واللّه أعلم بالصَّواب.
غلم الغين واللام والميم أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على حَداثةٍ وهَيْجِ شَهوة. من ذلك الغُلام ، هو الطارُّ الشَّاربِ (2). وهو بيِّنُ الغُلومِيّة والغُلُومة ، والجمع غِلْمةٌ وغِلْمان. ومن بابه : اغتَلَم الفَحلُ غُلمةً : هاج من شَهوة الضِّراب. والغَيْلَم : الجارية الحَدَثة. والغَيْلَم : الشابُّ. والغَيْلَم : ذكر السَّلاحِف. وليس بعيداً أن يكون قياسُه قياسَ الباب.
غلوى الغين واللام والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ فى الأمر يدلُّ على ارتفاع ومجاوزةِ قَدْر. يقال : غَلَا السِّعر يغلو غَلاءً ، وذلك ارتفاعُه. وغَلَا
الرَّجلُ فى الأمر غُلُوَّا ، إذا جاوَزَ حدَّه. وغَلَا بسَهْمِه غَلْواً ، إذا رَمَى به سَهْماً أقصى غايتِه. قال :
كالسَّهمِ أرسلَهُ من كفِّهِ الغالى (1)
وتَغالَى الرَّجُلان : تفاعَلَا من ذلك. وكلُّ مَرْماةٍ عند ذلك غَلْوَة. وغَلَت الدّابّةُ فى سَيرها غَلْواً ، واغتلت اغتلاءً ، وغالت غِلاءً. وفى أمثالهم : «جَرْىُ المذَكِّياتِ غِلاءٌ (2)». وتَغالَى النَّبتُ : ارتفَعَ وطال. وتَغالَى لحمُ الدابَّةِ ، إذا انحسر عنه وَبَره. وذلك لا يكون إلَّا عن قوّةٍ وسِمَن وعُلُوٍّ. وغَلَتِ القِدْرُ تَغْلِى غَلَياناً. والغُلَوَاء : أن يمُرَّ على وجهِهِ جامحاً. قال :
لم تلتفت لِلِداتِها *** ومضَتْ على غُلَوائِها (3)
وأمَّا الغالية من الطَّيب فممكنٌ أن يكون من هذا ، أى هى غاليةُ القِيمة يقولون : تغلَّلْت وتغلَّيت من الغالية.
غلب الغين واللام والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على قوّةٍ وقَهرٍ وشدَّة. من ذلك : غَلَب الرّجلُ غَلْباً وغَلَباً وغَلَبة. قال اللّه تعالى : ( وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) . والغِلَاب : المغالَبة. والأغلَبُ : الغَليظ الرّقَبَة. يقال : غَلِبَ يَغْلَبُ غَلَباً. وهضْبةٌ غَلباءُ ، وعِزَّةٌ غلباء. وكانت تغلِبُ تسمَّى الغلباء. قال :
وأورثَنِى بنو الغَلباءِ مَجْداً *** حديثاً بعدَ مَجدِهمُ القديمِ (1)
واغلولَبَ العُشْب : بلَغَ كلَّ مَبلغ. والمُغلَّب من الشُّعراء : المغلوب مِراراً. والمُغَلَّب أيضاً : الذى غَلب خَصْمَه أو قِرْنَه ، كأنَّه غلِّب على خَصْمِه ، أى جُعِلت له الغَلَبة.
غلت الغين واللام والتاء فيه كلمة ، يقولون : الغَلَت فى الحساب : مثل الغَلَط فى غيره. وفى بعض الحديث : «لا غَلَت فى الإسلام».
غلث الغين واللام والثاء أصلٌ صحيحٌ واحد ، يدلُّ على الخَلْط والمُخالَطة. من ذلك : غَلَثْتُ الطّعامَ : خلَطت حنطةً وشعيرا (2). وهو الغَلِيث. ورجل غَلِثٌ ، إذا خالَطَ الأقرانَ فى القِتال لَزُوماً لما طَلَب. ويقال : غَلِثَ به ، إذا لزِمَه. وغَلِثَ الذِّئبُ بالغَنم : لازَمَها.
فأمَّا قولهم : غَلثَ الزَّندُ ، إذا لم يَرِ ، فهو كلامٌ غير ملخَّص ؛ وذلك أنَّ معناه أنّه زَندٌ غيرُ منتخَب ، وإنَّما هو خِلْطٌ من الزُّنُودِ ، قد أُخِذَ من العُرْضِ مخْتلِطاً بغيره. يراد بالغَلَث خَشَبه ، وإذا كان [كذلك] لم يَرِ.
غلج الغين واللام والجيم كلمةٌ تدلُّ على البَغْى والسَّطْوة. تقول العرب : هو يَتَغَلَّجُ علينا ، أى يبغِى. وعَيْرٌ مِغْلَجٌ : شَلَّال للعانة. ويكون تغلّجُه أيضاً أن يَشربَ ويتلمَّظَ بلسانه.
غلس الغين واللام والسين كلمةٌ واحدة ، وهو الغَلَس ، وذلك ظلامُ آخرِ اللَّيل. يقال : غَلَّسْنا ، أى سِرنا غَلَسا. قال الأخطل :
كذَبَتْكَ عينُكَ أم رأيتَ بواسطٍ *** غَلَسَ الظلامِ من الرَّبابِ خيالا (1)
وقولهم : وقع فى تُغُلِّسَ (2)، أى داهية ، هو من هذا ، لأنه يقع فى أمرٍ مُظلم لا يَعرِف المخرجَ منه.
غلط الغين واللام والطاء كلمةٌ واحدة ، وهى الغَلط : خلاف الإصابة. يقال : غَلِط يَغْلَط غَلَطاً. وبينهم أُغلوطةٌ ، أى شىءٌ يُغالِط به بعضُهم بعضاً.
غلف الغين واللام والفاء كلمةٌ واحدةٌ صحيحة ، تدلُّ على غِشاوةٍ وغِشيانِ شىءٍ لشىء. يقال : غِلافُ السَّيفِ والسِّكِّينِ. وقَلبٌ أغلَفُ : كأنَّما أُغشِىَ غِلافاً فهو لا يَعِى شيئاً. قال اللّه تعالى : ( وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ) ، أى أُغشِيَتْ شيئاً فهى لا تَعِى. وقرئت(3):غُلُفٌ (4)، أى أوعيةٌ للعِلْم. والقياس فى ذلك كله واحد. ويقولون : تغَلَّف بالغالية ، وليس ببعيدٍ ممّا ذكرناه.
غلق الغين واللام والقاف أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على نُشوبِ شىءٍ فى شىء. من ذلك الغَلَق ، يقال منه : أغلقتُ البابَ فهو مُغْلَق. وغَلِقَ
الرّهنُ فى يدِ مُرْتَهنِه ، إذا لم يَفتكَّه (1). قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : «لا يَغْلَقُ الرَّهنُ». قال الفُقهاء : هو أن يقول صاحب الرَّهْنِ لصاحب الدَّين : آنَيتُك بحقِّك (2)إلى وقت كذا ، وإلَّا فالرَّهنُ لك. فنَهَى النبىُّ صلى اللّه عليه وآله عن ذلك الاشتراط. وكلُّ شىء لم يُتَخَلَّصْ فقد غَلِق. قال زُهير :
وفارقتْكَ برهنٍ لا فِكاكَ له *** يومَ الوَداعِ فأمسى الرَّهنُ قد غَلِقا (3)
ويقال المِغْلَق : السَّهم السابعُ فى الميسِر ، لأنَّه يَستغلِق شيئاً وإن قلَّ. قال لبيد :
وجَزُورِ أيسارٍ دعوتُ لحتفِها *** بمَغَالقٍ متشابهٍ أجسامُها (4)
غمن الغين والميم والنون كلمةٌ واحدةٌ لا يقاس عليها. يقولون : غَمَنْتُ الجِلدَ ، إذا ليَّنتَه ، فهو غمينٌ.
غمى الغين والميم والحرف المعتلّ يدلُّ على تغطيةٍ وتغْشِيَة. من ذلك : غَمَيْتُ البيتَ ، إذا سقَّفتَه ، والسَّقفُ غِماءٌ. ومنه أُغمِىَ [على] المريض فهو مغمًى عليه ، إذا غُشِىَ عليه.
غمج الغين والميم والجيم أصلٌ واحد يدلُّ على حركةٍ ومجىء وذَهاب. يقال للفصيل : غَمِجٌ ، وهو يتغامَجُ بين أرفاغ أمِّه ، إذا جاءَ وذهَبَ. ويقولون للرَّجُل لا يستقيم خُلُقه : غَمِج. والغَمْج : شُرب الماء ، وهو قريبُ القياسِ من الأوَّل.
غمد الغين والميم والدال أصلٌ واحد صحيح ، يدلُّ على تغطيةٍ وسَتْر. من ذلك الغِمْدُ للسَّيف : غِلافُهُ. يقال : غَمَدته أَغْمِدُه غَمداً. ويقال : تَغمَّده اللّهُ برحمته ، كأنه يَغْمُرُه بها. وتغمَّدتُ فلانا : جعلتَه تحتَك حتَّى تغطِّيَه. والنِّسبة إلى غامدٍ غامدىّ ، وهو حىُّ من اليَمَن ، واشتقاقُهُ ممَّا ذكرناه.
غمر الغين والميم والراء أصلٌ صحيح ، يدلُّ على تغطيةٍ وسَتْرٍ فى بعض الشِّدّة. من ذلك الغَمْر : الماء الكثير ، وسمِّى بذلك لأنّه يغمُر ما تَحتَه. ثم يشتقُّ من ذلك فيقال فَرسٌ غَمْر : كثير الجَرْى ، شُبِّه جريُه فى كثرته بالماء الغَمْر. ويقال الرّجُل المِعطاء : غَمْر ، وهو غَمْرُ الرِّداء. قال كثيِّر :
غَمْرُ الرِّداء إذا تبسَّمَ ضاحكاً *** غَلِقتْ لِضَحْكتِهِ رِقابُ المالِ (1)
ومن الباب : الغَمْرة : الانهماك فى الباطل واللّهو. وسمِّيت غَمرةً لأنّها شىءٌ يستُر الحقَّ عن عين صاحِبِها. وغَمَرات الموت : شدائدُه التى تَغْشَى. وكلُّ شِدّةٍ غَمرة ، سمِّيت لأنّها تَغْشَى. قال :
الغمرات ثم ينجلينا (2)
الغمرات ثم ينجلن *** عا وينزان بآخرين
شدائد يتبعهن لين
ومما يصحِّح هذا القياسَ الغَمير ، وهو نباتٌ أخضَرُ يغمُره اليَبِيس. ويقال : دخَلَ فى غُمَار النّاس ، وهى زَحْمتُهم ، وسمِّيت لأنَّ بعضاً يستُرُ بعضا. وفلانٌ مُغامِرٌ : يَرمى بنفسه فى الأمور ، كأنَّه يقع فى أُمورٍ تَستُره ، فلا يَهتدِى لوجه المَخْلَص منها. ومنه الغمْر (3)، وهو الذى لم يجرّب الأمورَ كأنَّها سُتِرتْ عنه. قال :
أناةً وحِلْماً وانتظاراً غداً بهمْ *** فما أنا بالوانى ولا الضَّرَع الغُمْرِ (4)
والغِمْر : الحِقْد فى الصَّدر ، وسمِّى لأنَّ الصَّدرَ يَنطوِى عليه. يقال : غَمِرَ .
1) اللسان (غمر) ومعاهد التنصيص (1 : 187).
2) للأغلب العجلى كما فى أمثال الميدانى (2 : 4). وكذا ورد إنشاده فى المجمل ووقعة صفين 287. وفى جمهرة العسكرى 150 :
3) يقال بتثليث الغين وبفتحها أيضا.
4) نسبة فى مادة (ضرع) إلى ابن وعلة ، ونسبه البحترى فى حماسته 104 إلى عامر بن مجنون الجرمى ، ونسب فى حماسة ابن الشجرى 70 لكنانة بن عبد ياليل وقال : «وتروى للحارث بن وعلة الشيبانى».
عليه صدرُه. والعِمْر : العَطَش ، وهو مشبَّه بالغِمْر الذى هو الحِقد ، والجمع الأغمار. قال :
حَتَّى إذا ما بلَّتِ الأغمارا (1)
ومن الباب غَمَرُ اللّحم ، وهو رائحتُه تَبْقَى فى اليد ، كأنَّها تغطِّى اليد. فأمَّا الغُمَر فهو القَدَح الصَّغير ، وليس ببعيدٍ أن يكون من قياسِ الباب ، كأنَّ الماء القليلَ يَغمُره. ويجوز أن يكون شاذَّا عن ذلك الأصل. قال :
تَكفِيهِ حُزَّة فِلْذٍ إن أَلمَّ بها *** من الشِّواء وَيُروِى شُربَه الغُمَرُ (2)
غمز الغين والميم والزاء أصلٌ صحيح ، وهو كالنَّخْس فى الشىء بشىء ، ثم يُستعار. من ذلك : غَمَزْتُ الشّىء بيدى غمزاً. ثم يقال : غمزَ ، إذا عَاب وذَكَر بغير الجميل. والمَغَامز : المعايب. وفى عقل فلانٍ غَمِيزةٌ ، كأنَّه يُستضعَف. وممّا يستعار : غَمَزَ بجفنه : أشار. ومنه : غَمَزَ الدابةُ من رجله ، كأنّه يغمز الأرضَ برجله.
غمس الغين والميم والسين أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على غَطِّ الشىء. يقال : غَمَست الثَّوبَ واليدَ فى الماء ، إذا غططتَه فيه. وفى الحديث : «إذا استيقَظَ أحدُكم من نومه فلا يَغمِسْ يَدَه فى الإناء». والغَمِير تحتَ اليَبيس يقال له الغَمِيس.
ومن الباب الغَمِيس ، وهو مَسِيلٌ صغيرٌ بين مجامع الشَّجر. والمُغامَسَة : رَمْى الرّجل نفسَه فى سِطَة الحرب. ويمينٌ غَموس قال قوم : معناه أنّها تَغمِس صاحبَها فى الإثم. وقال قومٌ: الغَمُوس : النافذة. والمعنيان وإن اختلفا فالقياسُ واحد ، لأنّها إذا نفذت فقد انغمست. قال :
ثم نفَّذْته ونفَّست عنه *** بغَموسٍ أو ضربةٍ أُخدودِ (1)
ويقال للأمر الشديد الذى يغُطّ (2)الإنسانَ بشدّته : غَموس. قال :
متى تأتِنا أو تلقَنا فى ديارنا *** تجدْ أمرَنا أمراً أحذَّ غَمُوسا (3)
إذا ما قطعنا رملة وعدابها *** فإن لنا أمرا أخذ غموسا
غمص الغين والميم والصاد أُصَيلٌ يدلُّ على حقارة. يقال غَمَصت الشىءَ ، إذا احتقرته. وفى الحديث : «إنّما ذلك مَنْ غَمَصَ النّاسَ (4)». أى حَقَرَهم. والغَمَصُ فى العين كالرَّمَصِ. ومنه : الشِّعرَى الغُمَيْصَاء ، كأنَّها ليس لها ضوءُ العَبُور ، فهى الغُميصاء كالعين التى بها غَمَص.
غمض الغين والميم والضاد أصلٌ صحيح يدلُّ على تطامُنٍ فى الشَّىء وتداخُل. فالغَمْض : ما تطامَنَ من الأرض ، وجمعه غُموض. ثم يقال : غَمَض الشَّىءُ من العِلم وغيرِه ، فهو غامض. ودارٌ غامضةٌ ، إذا لم تكن شارعةً بارزة. .
1) لأبى زبيد الطائى ، كما فى اللسان (غمس). وروايته فيه : «ثم أنقضته».
2) فى الأصل : «بغير».
3) يشبه أن يكون رواية فى بيت ليزيد بن الخذاق الشنى فى المفضليات (2 : 98). وهو :
4) هو حديث مالك بن مرارة الرهاوى ، أنه أتى النبى صلی اللّه عليه [وآله] وسلم فقال : إنى أوتيت من الجمال ما ترى فما يسرنى أن أحداً يفضلى بشراكى فما فوقها ، فهل ذلك من البغى؟ فقال رسول اللّه صلی اللّه عليه [وآله] وسلم «إنما ذلك من سفه الحق وغمص الناس». اللسان (غمص).
ونسبٌ غامضٌ : لا يُعرَف. وغمّض عينه وأغمَضَها بمعنًى. وهو قياس الباب. ويقال : ما ذُقْتُ غُمْضاً من النَّوم ولا غَماضاً ، أى كقدر ما تُغمَض فيه العين. ويقال : أغْمِضْ لى فيما بِعتَنى ، كأنَّك تزيدُ الزِّيادةَ منه لرداءته والحطَّ من ثمنه. وهو أيضاً من إغماض العَين ، أى اتركْه كأنَّك لا تراه. والمغَمِّضات : الذُّنوب يركبها الرَّجلُ وهو يَعرِفَها لكنّه يغمّض عنها كأنّه لم يَرَها. ويقال : غُمَّضَت النّاقةُ ، إذا رُدَّت عن الحَوض فحَمَلَت على الذَّائد مُغمِّضة عينَيْها فورَدَتْ. قال أبو النجم :
يُرسِلُها التَّغميضُ إن لم تُرسَل (1)
وبعده :
خوصاء ترمى باليتيم المحتل
وأغْمَضْت حدَّ السَّيف ، إذا رقّقته ، أى كأنَّك لرقَّته أخفيتَه عن العُيون.
غمط الغين والميم والطاء كلمةٌ واحدة. يقال غَمَطَ النِّعمة : احتقرها. وغَمَطَ النّاسَ: احتقرهم. فأمّا قولهم : أغمَطتْ عليه الحُمَّي ، إذا لزِمَتْه ودامت عليه ، فليس من هذا ، لأنَّ الميم فيه بدلٌ من باء ، الأصل أغبَطَت. وقد ذُكِر.
غمق الغين والميم والقاف كلمةٌ واحدة ، وهى الغَمَق : كثْرة النَّدى. يقال أرضٌ غَمِقَةٌ ، ونباتٌ غمق. وليلةٌ غَمِقَة : لثِقة.
غمل الغين والميم واللام أُصَيْلٌ يدلُّ على ضِيقٍ فى الشىء وغُموض. يقال لِمَا ضاقَ من الأودية : غُمْلُول. واشتُقَّ من هذا : غَمَلْتُ الأدِيمَ ،
1) اللسان والمجمل (غمض) والبيان (3 : 53) بتحقيقنا ، حيث أشير إلى «أم الرجز».
إذا غَمَمْتَه ليتفَسَّخَ عنه صوفُه. وهو غَمِيلٌ. ويقال : الغُمْلُول : كلُّ ما اجتَمَع من شجرٍ ، أو غمام ، أو ظُلْمة ، حتَّى تسمَّى الزَّاوية غُملولا. واللّه أعلم بالصَّواب.
غنم الغين والنون والميم والنون أصلٌ صحيح واحد يدلُّ على إفادة شىءٍ لم يُملَك من قبل ، ثم يختصّ به ما أُخِذ من مال المشركين بقَهْرٍ وغَلَبة. قال اللّه تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ) . ويقولون : غُنَامَاكَ أنْ تفعل كذا ، أى غايتُك والأمر الذى تتغنَّمه. وغَنْمٌ : قبيلة. ولعلَّ اشتقاقَ الغَنَم من هذا ، وليس ببعيد.
غنى الغين والنون والحرف المعتل أصلانِ صحيحان ، أحدُهما يدلُّ على الكِفاية ، والآخر صوت.
فالأوّل الغِنى فى المال. يقال : غَنِىَ يَغْنَى غِنًى. والغَنَاء بفتح الغَين مع المدّ : الكِفَاية. يقال : لا يُغْنِى فلانٌ غَنَاءَ فلانٍ ، أى لا يَكفِى كِفايَتَه. وغَنِىَ عن كذا فهو غانٍ. وغَنِىَ القومُ فى دارهم : أقاموا ، كأنَّهُم اسْتَغْنَوْا بها ، ومَغَانيهم : مَنازِلُهم. والغانية : المرأة. قال قومٌ : معناه أنها استغنَتْ بمنزلِ أبويها. وقال آخرون : استغنَتْ ببعلها. ويقال استغْنَتْ بجمالها عن لُبْسٍ الحلْى. قال الأعشى :
ولكنْ لا يَصِيد إذا رماها *** ولا تُصْطادُ غانيةٌ كَنُودُ (1)
وقد صادت فؤادك إذ رمته *** دلو أن أمرأ دنفا يصيد
والغُنْيَانُ : الغِنَى. قال قيس :
أجَدَّ بعَمْرَة غُنيانُها *** فتَهْجُرَ أم شانُنا شَانُها (2)
ويقال : تغَنَّيْتُ بكذا ، وتغَانيتُ به ، إذا أنت استغنيت به. قال الأعشى :
وكنت امرأً زَمَناً* بالعِراقِ *** عَفِيف المُنَاخِ طويل التغَنّ (3)
وقال فى التَّغانى :
كلانا غنِىٌ عن أخيه حَيَاتَهُ *** ونحنُ إذا مِتنا أشدُّ تَغَانِيا (4)
والأصل الآخر : الغِناء من الصَّوت. والأغْنِيَة (5)اللون من الغِنَاء.
غنج الغين والنون والجيم كلمةٌ واحدة ، الغُنْج ، وهو الشِّكْل والدَّلُّ.
غنظ الغين والنون والظَّاء كلمةٌ واحدة. يقال : إنّ الغَنْظَ : الهمُّ اللازم. غَنَظَه الأمرُ يَغْنِظه. قال :
ولقد رأيتَ فوارساً من قومنا *** غَنَظُوكَ غَنْظَ جَرَادةِ العَيَّارِ (6)
والجرادة هنا فرس العيار ، وهو اسم رجل. وبعده فى اللسان (غنظ).
ولقد رأيت مكانهم فكرهتهم *** ككرهة الخنزير للإيفار
ر1) ديوان الأعشى 215. وقبله :
2) ديوان قيس بن الخطيم 7 واللسان (غنا).
3) ديوان الأعشى 22 واللسان (عنا) والمخصص (6 : 143). وسبق إنشاده فى (زمن).
4) قائله المغيرة بن حبناء ، كما فى اللسان (غنا).
5) تقال بضم الهمزة وكسرها مع تشديد الياء وتخفيفها ، أربع لغات.
6) البيت لجرير فى اللسان (غنظ) ولم يرو فى ديوان جرير. ونسب فى التاج (جرد) إلى ابن أدهم النعامى الكلبى. وأنشده فى اللسان (عبر) بدون نسبة.
غهب الغين والهاء والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على ظَلامٍ وقِلّة ضياء ، ثم يُستعار. فالغَيْهَب : الظُّلمة. يقال للأدهم من الخَيل الشَّديد الدُّهمة : غَيْهَب. ويستعار هذا فيقال للغَفْلة عن الشَّىء : غَهَبٌ. يقال : غَهِبَ عنه ، إذا غَفَل.
غوى العين والواو والحرف المعتلّ بعدهما أصلانِ : أحدهما يدلُّ على خِلاف الرُّشد وإظلام الأمر ، والآخرُ على فسادٍ فى شىء.
فالأوَّل الغَىّ ، وهو خلَاف الرُّشد ، والجَهلُ بالأمر ، والانهماكُ فى الباطل. يقال غَوى يَغْوى غَيًّا (1). قال :
فمن يَلْقَ حَيراً يَحمَدِ النّاسُ أمرَه
ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغَىِ لائما (2)
وذلك عندنا مشتقٌّ من الغَيَابة ، وهى الغُبْرة والظلمةُ تَغشيان ، كأنَّ ذا الغَىِ قد غَشِيه ما لا يرى معه سبيلَ حقّ. ويقال : تغايَا (3)القومُ فوق رأس فلانٍ بالسُّيوف ، كأنَّهم أظلّوه بها. ويقال : وقَعَ القوم فى أُغْوِيّة ، أى داهية
وأمرٍ مظلم. والتَّغاوى : التجمُّع ، ولا يكون ذلك فى سبيلِ رُشْد. والمُغَوَّاة : حُفرةُ الصَّائد ، والجمع مُغَوَّيات. وفى الحديث : «يحبّون أن يكونوا مُغَوَّيَاتٍ (1)». يراد أنَّهم يحتَجِنون الأموال ، كالصَّائد الذى يَصيد.
فأمَّا الغَايَة فهى الرَّاية ، وسمِّيت بذلك لأنّها تُظِلُّ مَن تحتَها. قال :
قد بِتُّ سامِرَها وغايَةِ تاجرٍ *** وافيتُ إذْ رُفِعَت وعَزَّ مُدامُها (2)
ثم سمِّيت نهايةُ الشَّىء غايةً. وهذا من المحمول على غيرِه ، إنَّما سميت غايةً بغاية الحرب ، وهى الرّاية ، لأنَّه يُنْتَهَى إليها كما يَرجِع القومُ إلى رايَتِهم فى الحرب.
والأصل الآخر : قولهم : غَوِىَ الفَصِيلُ ، إذا أكثر من شُربِ اللّبَن ففَسَد جوفُه. والمصدر الغَوَى. قال :
مُعطَّفةُ الأثناءِ ليس فصيلُها *** بَرازِئِها دَرَّا ولا ميِّتٍ غَوَى (3)
غوث الغين والواو والثاء كلمةٌ واحدة ، وهى الغوث من الإغاثة ، وهى الإعانة والنُّصرة عند الشِّدة. وغَوْثٌ : قبيلة.
1) فى اللسان : «روى عن عمر رضى اللّه عنه أنه قال : إن قريشا تريد أن تكون مغويات لمال اللّه. قال أبو عبيد : هكذا روى بالتخفيف وكسر الواو. قال : وأما الذى تكلمت به العرب فالمغويات بالتشديد وفتح الواو».
2) البيت للبيد فى معلقته المشهورة.
3) البيت فى صفة قوس ، كما فى اللسان (غوى) وإصلاح المنطق 213 ، 327 والمخصص (7 : 41 ، 180 / 15 : 162).
غوج الغين والواو والجيم كلمةٌ واحدة ، وهى الفَرَس الغَوْج ، إذا كان عريضَ الصَّدر. وربَّما سمَّوا كلَّ ليِّنٍ غَوْجاً.
غور الغين والواو والراء أصلانِ صحيحان : أحدهما خُفوضٌ فى الشَّىء وانحطاطٌ وتطامن ، والأصل الآخر إقدامٌ على أخذِ مالٍ قَهْراً أو حَرَباً.
فالأوّل قولهم لقَعْر الشىء : غَوره. ويقال : غَارَ الماء غَوْراً ، وغارت عينُه غُؤوراً (1). قال اللّه تعالى : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً ) . ويقال : غَارَت الشَّمْسُ غِياراً : غابت. قال الهُذَلِىّ (2):
هل الدّهْرُ إلَّا ليلةٌ ونَهَارُها *** وإلّا طُلوع الشَّمس ثمَ غِيَارُها
والغَوْر : تِهَامَةُ وما يلى اليَمن ، سمِّيت بذلك لأنَّها خِلافُ النَّجْد. والنَّجْد : مرتَفِعٌ من الأرض. يقال : غَارَ الرّجُل ، إذا أتَى الغَوْر ، وأغار. قال :
نبىُّ يرَى ما لا تَرَوْنَ وذكرُه *** أغارَ لَعَمْرى فى البلادِ وأنْجَدَا (3)
وغَوّر الرّجُل ، إذا نزَلَ للقائلة ، كأنَّه [نزل] مكاناً هابطاً. ولا يكادون يفعلون إلّا كذا. وغَوْرُ القُرْحَةِ من هذا أيضاً.
والأصل الآخَر الإغارة. يقال : أغارَ بنو فلانٍ على بنى فلان إغارةً وغَارة. وإغارة الثَّعلب : عَدْوَه. وهو* من هذا أيضاً.
غوص الغين والواو والصاد أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على هجومٍ على أمرٍ متسفِّلٍ من ذلك الغَوْص : الدُّخول تحتَ الماء. [والهاجم (1)] على الشىء غائص. وغاصَ على العلمِ الغامِضِ حتى استنبطه.
غوط الغين والواو والطاء أصلٌ صحيح يدلُّ على اطمئنانٍ وغَور من ذلك الغَائط : المطمئِنُّ من الأرض ، والجمع غِيطان وأغواط. وغُوطَة دِمَشْقَ يقالُ إنها مِن هذا ، كأنها أرضٌ منخفضة. وربما قالوا : انغاطَ العُودُ (2)، إذا تثَنَّى ، وإذا تثنى فقد انخفَضَ ، وقياسُه صحيح.
غول الغين والواو واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على خَتْل وأَخْذٍ من حيثُ لا يدرى. يقال : غالَهُ يَغُوله : أخَذَهُ من حيث لم يدرِ. قالوا : والغَوْل : بُعْدُ المَفَازَة ، لأنَّهُ يغتالُ من مَرَّ به. قال :
به تمَطَّتْ غَوْلَ كلِّ مِيلَهِ (3)
والغُول من السَّعالى سمِّيت لأنها تغتال. والغِيلة : الاغتيال ، والياء واوٌ فى الأصل. والمِغْوَل : سيفٌ دقيق له قَفاً ؛ وأظنه سمِّى مِغْوَلاً لأنَّهُ يُسْتَرُ بقرابٍ حتى لا يُدرى ما فيه. واللّه أعلم.
غود الغين والواو والدال (4)أُصَيلٌ يدلُّ على لينِ شىء وتثنٍّ. فالأغْيَد الوَسنانُ المائل العُنُق ، والجمع غِيدٌ. والغَيْداء : الفتاةُ النَّاعمة ، كأنَّها تتثنَّى. والمصدر الغَيَد.
غيب الغين والياء والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على تستُّر الشىء عن العُيون ، ثم يقاس. من ذلك الغَيْب : ما غَابَ (1)، ممّا لا يعلمه إلا اللّه. ويقال : غابت الشَّمس تَغِيب غَيْبَةً وغُيُوباً وغَيْباً. وغابَ الرَّجل عن بلده. وأغابَتِ المرأةُ فهى مُغِيبةٌ ، إذا غابَ بعلُها. ووقَعْنا فى غَيْبَةٍ وغَيَابة ، أى هَبْطة من الأرض يُغابُ فيها. قال اللّه تعالى فى قصة يُوسُفَ عليه السَّلام : ( وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ ) . والغابة : الأجَمة ، والجمع غاباتٌ وغابٌ. وسمِّيت لأنّه يُغاب فيها. والغِيبة : الوَقيعة فى النّاس من هذا ، لأنَّها لا تقال إلّا فى غَيْبَة.
غيث الغين والياء والثاء أصلٌ صحيح ، وهو الحَيَا النّازِلُ من السَّماء. يقال : جادَنا غيثٌ (2)، وهذه أرضٌ مَغِيثَةٌ ومغيوثة. وغِثْنا ، أى أصابنَا الغَيْث (3). قال ذو الرُّمَّة : «ما رأيتُ أفصَحَ مِن أَمَةِ آل فلان ، قلتُ لها : كيف كان المطر عندكم؟ قالت : غِثْنا ما شِينَا».
غير الغين والياء والراء أصلانِ صحيحان ، يدلُّ أحدُهما على صلاحٍ وإصلاحٍ ومنفعة ، والآخر على اختلافِ شيئين.
فالأوَّل الغِيرَة ، وهى الميرَة بها صلاحُ العِيال. يقال : غِرْتُ أهلى غِيرَةً وغِياراً ، أى مِرْتُهُم. وغَارَهم اللّه تعالى بالغيث يَغِيرهم ويَغُورهم ، أى أصلَح شأنَهم ونَفعَهم. ويقال : ما يَغِيرك كذا ، أى ما ينفعُك. قال :
ماذا يَغِيرُ ابنتَىْ رِبْعٍ عَويُلهُمَا *** لا تَرقُدانِ ولا بُؤْسَى لمَنْ رَقدا (1)
ومن هذا الباب الغَيْرة : غَيرةُ الرَّجُل على أهله. تقول : غِرْتُ على أهلى غَيْرَةً. وهذا عندنا من الباب ؛ لأنّها صلاح ومنفعة.
والأصل الآخر : قولُنا : هذا الشَّىءُ غيرُ ذاك ، أى هو سِواه وخلافُه. ومن الباب : الاستثناء بغَير ، تقول : عَشرة غير واحدٍ ، ليس هو من العَشَرة. ومنه قولُه تعالى : ( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) .
فأمَّا الدِّيَة فإنّها تسمَّى الغِيرَ. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لرجلٍ طلَبَ القَوَدَ بولىٍّ له قُتِلَ : «ألَا الغِيرَ (2)». يريد : ألَا تَقبلُ الغِير. فهذا محتملٌ أنْ يكون من الأوّل ، لأنَّ فى الدِّيةِ صلاحاً للقاتل وبقاءً له ولِدَمِه. ويحتمل أنْ يكون من الأصل الثَّانى ، لأنَّه قَوَد فَغيِّر إلى الدِّية ، أى أُخِذَ غيرُ القَوَد ، أى سِواه. قال فى الغِيَر :
لَنَجْدَعَنَّ بأيدينا أُنوفَكُم *** بَنِى أُمَيْمَةَ إن لم تَقبلُوا الغِيَرا (1)
غيس الغين والياء والسين ، يقولون : إنَ غَيْسانَ الشّبَابِ : حِدَّتُه وعُنفوانُه.
غيض الغين والياء والضاد أُصَيلٌ يدلُّ على نُقصانٍ فى شىء ، وغموضٍ وقِلّة. يقال غاضَ الماءُ يَغِيض : خلافُ فاضَ. وغِيضَ ، إذا نَقَصَهُ غيرُه. قال اللّه تعالى : ( وَغِيضَ الْماءُ ) .
وأمَّا الغُموضُ فالغَيْضَة : الأجَمة ، سمِّيت لغُموضِها ، ولأنَّ السَّائرَ فيها لا يكاد يُرَى.
غيظ الغين والياء والظاء أُصَيلٌ فيه كلمةٌ واحدة ، يدلُّ على كَرْب يلحقُ الإنسانَ مِن غيره يقال : غاظنى يَغِيظَنى. وقد غِظْتَنى يا هذا. ورجلٌ غائظ وغَيَّاظ. قال :
سُمِّيتَ غيَّاظاً ولستَ بغائظٍ *** عَدُوًّا ولكنَّ الصَّديقَ تَغيظُ (2)
غيف الغين والياء والفاء أُصَيلٌ صحيحٌ يدلُّ على مَيْل ومَيَل وعُدُولٍ عن الشَّىء. من ذلك تَغَيَّفَ ، إذا تَمَيَّل. وتغَيَّفت الشّجرةُ بأغصانِها يميناً وشمالا. ومن الباب : غَيَّفَ الرَّجلُ ، إذا جبُن فمالَ عن نَهْج القِتال. قال القُطَامىّ :
فيُغيِّفون ونَرْجِعُ السَّرَعانا (1)
وحسبتنا نزع الكنهبة فدوة
وفى الديوان : فيفيقون ونوزع
غيق الغين والياء والقاف كلمةٌ واحدة. يقولون : غَيَّق فى رأيه تغييقاً : اختلط فيه.
غيل الغين والياء واللام أصلانِ صحيحان ، أحدهما يدلُّ على اجتماعٍ ، والآخَر نوع من الإرضاع.
فالأوَّل الغِيل : الشجر المجتمِع الملتفّ. وما يبعُد أن يكون أصلُ هذا الواو ويعودَ إلى غالَه يَغُوله ، والغيْل : السَّاعد الرَّيَّان الممتِلئ. قال :
بيضاء ذاتُ ساعدَيْنِ غَيلَيْن (2)
ومن الباب : الغَيْل : الماء الجارِى :
والأصل الآخَر : أَنْ يُجامِعَ الرَّجُل امرأتَه وهى مُرْضِع ، وهى الغِيلَة. وفى الحديث : «لقد هممتُ أن أَنْهى عن الغِيلة». قال :
فمِثْلُكِ حُبلَى قد طرَفْتُ ومرضِعٍ *** فألهيتُها عن ذى تَمائم مُغْيِلِ (3)
غيم الغين والياء والميم كلمةٌ تدلُّ على سَتْر شىءٍ لشىء. من ذلك :
الغيم ، وهو معروف. يقال : غامَت السَّماء ، وتغيَّمت ، وأغامَت.
ومن الباب : الغَيْم ، وهو العَطَش وحرارةُ الجَوْف ، لأنّه شىءٌ يَغْشَى القَلْبَ.
غين الغين والياء والنون قريبٌ من الذى قبلَه (1). فالغَيْن : الغَيْم. قال :
كأنِّى بين خافِيَتَىْ عُقابٍ *** أصابَ حمامةً فى يوم غَيْنِ (2)
والغَيْن : العَطَش. ويقال : غِينَ على قلْبه ، كأنَّ شيئاً غشِيَه. وفى الحديث : «إنَّهُ ليُغانُ على قلبى (3)». ومن الباب : شجرةٌ غَيْناء ، وهى الكثيرة الورَق الملتفَّةُ الأغصان ، والجمع غِينٌ. ويقال : إنَ الغَيْنة : الرَّوضة. والقياس فى ذلك كلِّه واحد. واللّه أعلم.
غار الغين والألف والراء. والألف فى هذا الباب لا تكون إلا مبدلةً. فالغار : نباتٌ طيِّب. قال :
رُبَّ نارٍ بتُّ أرمُقُها *** تَقْضَمُ الهِندىَّ والغارا (4)
والغَار : لغةٌ فى الغَيْرة ، وقد مرَّ تفسيرُها. قال :
لهُنَّ نَشيجٌ بالنَّشِيل كأنَّها *** ضَرائرُ حِرْمىٍّ تفاحَشَ غارُها (1)
والغارُ : الجيش العظيم. ومن ذلك حديثُ علىٍّ عليه السلام : «ما ظنك. بامرئ جمَعَ بين هذين الغارَيْن». والغار : غار الفَمِ. والغار : أصلُ الرَّجُل. وقبيلتُه. والغار : الكهْفُ. وقد مضى قياسُ ذلك كلِّه. واللّه أعلم.
غبر الغين والباء والراء أصلانِ صحيحان ، أحدُهما يدل على البقاء ، والآخرُ على لونٍ من الألوان.
فالأوَّل غَبَر ، إذا بَقِىَ. قال اللّه تعالى ( إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) ويقال بالناقة غُبْر ، أى بقيَّة. وبِهِ غُبَّرٌ من مرض ، أى بقِيَّة. قال ابن مُقبِلٍ أو غيرُه :
فإن سألَتْ عنِّى سُليمَى فقلْ لها *** به غُبَّرٌ من دائه وهو صالحُ
ومن الباب : عِرْقٌ غَبِر ، أى لا يزال ينتقض ، كأنَّ به أبداً غُبَّراً. وتغيَّرَت المرأةُ الشَّيْخَ: أخذَتْ بقيَّةَ مائه.
1) لأبى ذؤيب الهذلى ، فى ديوان الهذليين (1 : 27) واللسان (غور ، حرم) ، والمجمل (غور).
والأصل الآخر* الغُبار سمِّى لغُبْرته. وهى لونُه. والأغْبر : كل لونٍ لونُ غُبار. وقول طرفة :
رأيتُ بنِى غَبْراءَ لا يُنكِروننى *** ولا أهلُ هذاكَ الطِّرافِ الممدَّدِ (1)
فبَنِى غَبراءَ هم المَحَاوِيجُ الفُقَراء ، وذلك أنَّهم مغبَّرةٌ ألوانُهم ، وهم أهلُ المَتْرَبَة. والغَبْراء: الأرض. والغُبَيراء (2): نبيذ الذُّرَة ، ولعلَّ فى لونه غُبْرة.
فأمّا داهيةُ الغَبَر ، فهو عندى من هذا الباب ، ويراد أنَّها غبراء ، أى مُظْلِمة مشبِّهة لا يُرَى وَجْهُ المأتى لها.
ومما شذَّ عن هذين الأصلين ما حكاهُ ابن السكيت : أغْبَرْتُ فى طلَب الحاجة : جَدَدْتُ.
غبس الغين والباء والسين كلمةٌ تدلُّ على لونٍ من الألوان. قالوا : الغُبْسَة : لونٌ كلون الرَّماد. ويقال فرسٌ أَغْبَسُ. قال بعضهم : هو الذى يقال له : «سَمَنْد (3)». فأمّا قولُهم : «لا أفْعَله ما غَبَا غُبَيْسٌ» فهو الدَّهر. قال ابنُ الأعرابىّ : ما أدرِى ما أصْلُه.
غبش الغين والباء والشين كلمةٌ تدلُّ على ظلْمةٍ وإظلام. من ذلك الغَبَش : شدَّة الظُّلمة. وأَغْباشُ اللَّيل ظلَمه. قال ذو الرُّمَّة :
أغْبَاشَ ليلِ تَمَامٍ كانَ طارَقَه *** تَطَخْطُخُ الغَيمِ حتَّى مالَه جُوَب (1)
حتى إذا ما جلا عن وجهه فلق *** عاجيه في أخريات الليل منتصب
قال أبو عبيد : الغَبَش : البقيّة من اللَّيْل ، وجمعه أغباش.
غبطالغين والباء والطاء أصلٌ صحيحٌ له ثلاثة وجوه : أحدها دوامُ الشىءِ ولزومُه ، [والآخَر الجَسُ] ، والآخِر نوعٌ من الحَسَد.
فالأوّل قولهم : أَغْبَطَتْ عليه الحُمَّى ، أى دامَت. وأغبَطْتُ الرَّحْلَ على ظَهر البَعِيرِ ، إذا أدمْتَه عليه ولم تَحُطَّه عنه. ولذلك سُمِّى الرَّحْل غَبيطا ، والجمع غُبُط. قال الحارثُ بن وَعْلة(2):
أم هل تركتَ نساء الحىّ ضاحيَةً *** فى قاعة الدَّارِ يستوقدن بالغُبُطِ (3)
ومن هذا الغَبْطة : حُسْن الحالِ ودوامُ المَسَرَّة والخَيْر.
والأصل الآخر الغَبْط ، يقال : غبَطْتُ الشَّاةَ ، إذا جسستَها (4)بيدك تنظر بها سِمَنٌ. قال :
إنِّى وأَتْيِى بُجَيْراً حينَ أسألُه *** كالغابِطِ الكلبَ يرجو الطِّرْق فى الذَّنَبِ (5)
ومن هذا الباب : الغَبِيط : أرضٌ مطمئنّة ، كأنّها غُبِطَتْ حتى اطمأَنَّت .
والثالث الغَبْط ، وهو حَسَدٌ يقال إنّه غيرُ مذموم ، لأنَّه يَتمنَّى ولا يُريد زوالَ النِّعمة عن غيره ، والحَسَدُ بخلاف هذا. وفى الدعاء : «اللّهمَ غَبْطاً لا هَبْطاً». ومعناه اللّهمَّ [نَسْأَلُك أن] نُغبَط ولا نهْبَطَ ، أى لا نُحَطّ.
غبق الغين والباء والقاف كلمةٌ واحدة ، وهى الغَبُوق : شُرب العشىّ. يقال : غَبَقْتُ القوْمَ غَبْقاً ، واغْتَبَق اغتباقاً.
غبن الغين والباء والنون كلمةٌ تدُلُّ على ضَعفٍ واهتضام. يقال غبِنَ الرّجُل فى بَيعه ، فهو يُغْبَنُ غَبْناً ، وذلك إذا اهتُضم فيه. وغَبنَ فى رأيه ، وذلك إذا ضَعُف رأيُه. والقياسُ فى الكلمتين واحد. والغَبِينة من الغَبْن كالشَّتيمة من الشَّتم. والمَغَابِن : الأرفاغ ، سمِّيَتْ بذلك للينها وضَعْفها عن قوّةِ غيرها.
غبى الغين والباء والحرف المعتلّ أصلٌ صحيح يدلُّ على تستُّرِ شىء حتى لا يُهتدَى له. من ذلك الغَبْية (1)وهى الزُّبْية ، وسمِّيت لأنَّ المَصِيدَ جهِلَها حتى وقَعَ فيها. ومنه : غَبِىَ فلانٌ غَباوةً ، إذا كان قليلَ الفِطْنَةِ ، وهو غَبِىّ. وغَبِيتُ عن الخَبَر ، إذا جهلتَه. ويقال : جاءت غبية من مَطَر ، وذلك إذا جاءت بظُلْمَةٍ واشتدادٍ وتكاثُفٍ (2).
غبث الغين والباء والثاء ليس بشىء. وذكروا عن الفَرّاء أنَّه قال : غَبَثَت الأقط مثل عَبَثْته.
غتم الغين والتاء والميم أصلٌ يدلُّ على انفلاقٍ فى الشىء وانسداد. من ذلك الغُتْمة ، وهى العُجْمة فى المَنْطِق. ويقال للأخْذ بالنَّفْس : الغَتْم. ويقال للرَّجُل إذا مات : «ورَدَ حِياضَ غُتَيْم» ، وهو ذلك القياسُ لأنَّه يأتى بيتاً مسدودا.
غثر الغين والثاء والراء أصيلٌ يدلُّ على تجمُّع من ناسٍ غير كرام. يقولون : الغَثْرَاء : سَفِلَة النّاس ، وجماعتُهمْ غَيْثَرة ؛ وأصله من الأغثَر ، وهو الطُّحْلُبَ المجتمع. والأغْثَر من الأكسية : ما كثُر صُوفُه.
غثم الغين والثاء والميم كلمتانِ متباينتانِ. فالأغثم من الشَّعْرَ : ما غَلبَ بياضُه سوادَه. قال :
إمّا تَرَى دهراً عَلَانى أغْثَمُهْ (1)
والكلمة الأخرى : غَثَمْتُ له من مالى : أعطيتُه.
غثى الغين والثاء والحرف المعتل كلمةٌ تدلُّ على ارتفاعِ شىء دَنِىٍ
1) الرجز لرجل من فزارة كما فى اللسان (غثم ، لهزم) ونوادر أبى زيد 52. وانظر شروح. سقط الزند 293.
فوق شىء. من ذلك الغُثَاء : غُثَاء السَّيْل. يقال : غثا الوادِى (1)يغثو ، وأغثى يُغْثِى أيضاً. قال :
كأنَّ طَمِيَّةَ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً *** من السَّيْل والإغْثَاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ (2)
ويروى : «والغُثَّاء». ويقال لسَفِلة الناس : الغُثَاء ، تشبيهاً بالذى ذكرناه ومن الباب : غَثَتْ نَفسُه تَغْثِى ، كأنَّهَا جاشت بشىء مؤذٍ.
غدر الغين والدال والراء أصلٌ صحيح يدلُّ على تَرك الشىء. من ذلك الغَدْر : نَقْضُ العَهْد وتَرْك الوفاءِ به. يقال غَدَر يَغْدِرُ غَدْراً. ويقولون فى الذَّمِّ : يا غُدَرُ ، وفى الجمع : يالَ غُدَرَ (3). ويقال : ليلةٌ غَدِرَةٌ : بيِّنَة الغَدَر ، أى مُظْلمة. وقيل لها ذلك لأنّها تُغَادِرُ النَّاسَ فى بيوتهم فلا يَخْرُجُون من شدَّة ظُلْمتها. والغَدير : مُستنقَع ماء المطر ، وسمِّى بذلك لأنّ السَّيل غادَرَه ، أى ترَكَه. ومن الباب : غَدِرَتِ الشَّاة ، إذا تخلَّفَتْ عن الغَنم. فإنْ تَرَكها الرَّاعى فهى غَدِيرة. والغَدَر : الموضِع الظَّلِفُ الكثير الحِجارة. وسمِّى بذلك لأنَّه لا يكاد يُسْلَك ، فهو قد غودر (4)، أى تُرِك. ويقال : رجل ثَبْتُ الغَدَر ، أى ثابتٌ فى كلامٍ وقتال. وهذا مشتقٌّ من الكلمة التى قبله ، أى إنّه لا يبالى أن يسلُكَ الموضعَ الصَّعبَ الذى
غَادَرَهُ الناسُ من صُعوبته. والغَدائر : عقائصُ الشَّعر ، لأنَّها تُعْقَص وتُغْدَر ، أى تُتْرَك كذلك زماناً. قال :
غدائرُهُ مستَشْزِرَاتٌ إلى العُلى *** تَضِلُّ العِقَاصُ فى مُثَنًّى وَمُرْسَلِ (1)
غدن الغين والدال والنون أُصَيْلٌ صحيح يدلُّ على لِينٍ واسترسال وفَتْرَة. من ذلك المُغْدَوْدِن : الشَّعْرَ الطَّويل الناعم المسترسل قال حسان :
وقامت تُرائيكَ مُغْدَوْدناً *** إذا ما تنوءُ به آدَها (2)
والشَّبابُ الغُدَانىُ : الغَضُّ. قال :
بعد غُدَانىِ الشَّبَاب الأبْلَهِ (3)
وأصلُ ذلك كله من الغَدَن ، وهو الاسترخاء والفَتْرَة.
غدف الغين والدال والفاء أصلٌ صحيح يدلُّ على سَتْرٍ وتغطية. يقال : أغدَفَتِ المرأة قِناعَها : أرسلَتْه. قال :
إن تُغْدِفى دونى القِناعَ فإنَّنى *** طبٌّ بأَخْذِ الفارسِ المستلئِمِ (4)
وأغْدَف اللَّيْلُ : أرْخَى سُدولَه. وأمَّا الغُراب الضَّخم فإنَّه يُسمَّى غُدافاً ، وهذا تشبيه بإغداف اللَّيل : إظْلامِه (5).
غدق الغين والدال والقاف أصلٌ صحيح يدلُّ على غُزْر وكثرةٍ ونَعْمَة. من ذلك الغَدَق ، وهو الغَزير الكثير. قال اللّه تعالى : ( لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ) . والغَدَق (1)والغَيْدَاق : النَّاعم من كلِّ شىء. ويقال غَدِقت عين الماء تَغْدَق غَدَقاً. والغَيْداق : الرَّجلُ الكريم الخُلُق. وزعَم ناسٌ أنَّ الضبَّ يسمَّى غَيداقاً ، ولعلّ ذلك لا يكون إلّا لسِمَن ونَعْمةٍ فيه.
غدو الغين والدال والحرف المعتلّ أصلٌ صحيح يدلُّ على زمانٍ. من ذلك الغُدُوّ ، يقال غدا يغدو. والغُدْوة والغَدَاة ، وجمع الغُدوة غُدّى ، وجمع الغَداة غَدَوات. والغادية : سحابةٌ تنشَأ صَباحا. وأفعلُ ذلك غداً. والأصل غَدْواً. قال :
بها حيث حَلُّوها وغَدْواً بَلاقِعُ (2)
وما الناس إلا كالديار وأهلها
والغَدَاء : الطّعام بعينه ، سمِّى بذلك لأنّه يُؤكَل فى ذلك الزمان.
غذم الغين والذال والميم أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على جنسٍ من الأكل والشُّرب. من ذلك: الغَذْم : الأكل بجفاء وشِدّة. ويقال : اغتَذَم الفصيل ما فى ضَرْع أُمِّه ، [إذا شرِبَه (3)] كُلَّه.
غذى الغين والذال والحرف المعتلّ أصلٌ صحيح يدلُّ على شىء من المأكل ، وعلى جنسٍ من الحركة.
فأمَّا المأكل فالغِذَاء ، وهو الطَّعام والشَّراب. وغَذِىُ المالِ وغَذَوِبُّه : صِغاره ، كالسِّخال ونحوها. وسمِّي غَذَوِياًّ لأنه يُغْذَى.
وأمَّا الآخر فالغَذَوانُ : النَّشيط من الخَيل ، سمِّى لشبابه وحركته. ويقال غَذَّى البَعيرُ ببوله يُغَذِّى ، إذا رَمَى به متقطِّعا. وغَذَا العِرْق يغذو ، أى يَسيل دماً. قال :
وطَعنٍ كفم الزّقِ *** غَذَا والزِّقُّ ملآنُ (1)
غرز الغين والراء والزاء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على رَزِّ الشَّىء فى الشىء. من ذلك غَرَزْتُ الشَّىءَ أغرِزُه غَرْزاً. وغَرَزْتُ رِجله فى الغَرْز. وغَرَزَت الجرادةُ بذَنَبِها فى الأرض ، مثل رَزّت. والطَّبيعة غريزة ، كأنَّها شىء غُرِز فى الإنسان. فأمَّا قولهم : اغترَزْت الشَّىءَ ، واغترَزْت السَّيرَ اغترازاً ، إذا دَنَا سيرك فمعناه تقريبُ السَّير ، أى كأنِّى الآنَ وضعتُ رِجلى فى غَرْز الرَّحْل. وأمَّا قولهم : غَرَزَت النّاقةُ ، إذا قلَّ لبنُها فمعناه من هذا أيضاً ، كأنَّ لبَنَها غُرِزَ فى جسمها فلم يَخْرُجْ.
1) للفند الزمانى ، من مقطوعة فى حماسة أبى تمام (1 : 5 - 7).
غرس الغين والراء والسين أصلٌ صحيحٌ قريبٌ من الذى قبله. يقال : غَرَسْتُ الشَّجرَ غَرْساً ، وهذا زَمَنُ الغِراس. ويقال إنَ الغَرِيسة : النَّخْلةُ أوّلَ ما تَنبت.
ومما شذَّ عن هذا الغِرْس : جِلدةٌ رقيقة تخرجُ على رأس الوَلَد. قال :
كُلَّ جنينٍ مُشْعَرٍ فى غِرْسِ (1)
وقبله :
يتركن في كل مناخ أبس
غرض الغين والراء والضاد من الأبواب التى لم تُوضَع على قياس واحد ، وكَلِمُه متباينةُ الأصول ، وستَرَى بُعْد ما بينهما.
فالغَرْض والغُرْضَة : البِطانُ ، وهو حزام الرَّحْل. والمَغْرِض من البعير كالمَحْزِم من الدابَّة. والإغريض : البَرَد ، ويقال بل هو الطَّلع. ولحمٌ عَريض : طرىٌّ. وماءٌ مغروضٌ مثلُه. والغَرَض : المَلَالة ، يقال غَرِضْت به ومنه. والغَرَض : الشَّوق. قال :
مَن ذا رسولٌ ناصحٌ فمبِّلغٌ *** عنِّى عُلَيَّةَ غيرَ قِيل الكاذبِ (2)
أنِّى غرِضْتُ إلى تَنَاصُفِ وجهِها *** غَرَضَ المحبِّ إلى الحبيب الغائبِ
ويقال : غَرَضت المرأة سِقاءها : مَخَضته. وغَرَضْنا السَّخْلَ نَغرِضهُ ، إذا فَطَمْناه قبل إناه. والغَرْض : النُّقصان عن المِلْء. يقال : غَرِّضْ فى سقائك ، أى لا تملأْه. ويقال : وَرَدَ الماء غارِضاً ، أى مبكّراً. والمَغَارض : جوانب البطن أسفَلَ الأضلاع ، الواحد مَغْرِض.
غرف الغين والراء والفاء أصلٌ صحيحٌ ، إلَّا أنَّ كَلِمهُ لا تنقاس ، بل تتباين. فالغَرْف : مصدر غَرَفْت الماءَ وغيرَه أَغرِفُه غَرْفاً. والغُرْفة : اسمٌ ما يُغْرَف. والغَرِيف : الأجَمَة ، والجمع غُرُف. قال :
كما رَزَمَ العَيّار فى الغُرُفِ (1)
لما رأيت أبا عمرو رزمت له *** منى كما وزم العيار بالغرف
والغُرْفة : العِلِّيَّة. ويقال : غَرَفَ ناصيةَ فرسِهِ ، إذا استأصلها جَزاًّ.
غرق الغين والراء والقاف أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على انتهاء فى شىء يبلغ أقصاه. من ذلك الغَرَق فى الماء. والغَرِقة : أرضٌ (2)تكون فى غاية الرِّىّ. واغْرَوْرَقت العينُ والأرض من ذلك أيضاً ، كأنها قد غَرِقت فى دمعها.
ومن الباب : أغرَقْتُ فى القَوس : [مدَدتُها] غايةَ المدّ. واغْتَرَق الفرسُ فى الخيل ، إذا خالَطَها ثم سَبَقَها.
ومما شذَّ عن هذا الباب الغُرْقة من اللَّبن : قدر ثُلث الإناء ، والجمع غُرَق. قال : .
تُضْحِى وقد ضَمِنت ضَرَّاتها غُرَقاً *** من طيِّب الطَّعم حلوٍ غير مجهودٍ (1)
غرل الغين والراء واللام كلمةٌ واحدة ، وهى الغُرْلة ، وهى القُلْفة. والأغرل : الأقلَف. ويقولون : إنّ الغَرِل : المسترخِى الخَلْق.
غرم الغين والراء والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على ملازَمة ومُلازَّة. من ذلك الغَريم ، سمِّى غريماً للُزومه وإلحاحه. والغَرَام : العذاب اللازم ، فى قوله تعالى : ( إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً ) . قال الأعشى :
إنْ يعاقِبْ يكنْ غَراماً وإن يُعْ *** طِ جزيلاً فإنَّه لا يُبالِى (2)
وغُرْم المالِ من هذا أيضاً ، سمِّى لأنَّه مالُ الغَرِيم.
غرن الغين والراء والنون كلمةٌ واحدة ، يقولون إنَ الغَرِين (3): ما يَبقى فى الحوض من مائه* وطينِه.
غرو الغين والراء والحرف المعتل أصلٌ صحيح ، وهو يدلُّ على الإعجاب والعَجَبِ لحُسْن الشَّىء. من ذلك الغَرِىُ ، وهو الحَسَن. يقال منه رجلٌ غَرٍ. ثمَّ سمِّى العَجَبُ غَرْواً. ومنه : أغريتُه بالشَّىء الذى تُلصَق به الأشياء. ويقال : غَارَت العينُ بالدَّمع غِراءً ، إذا لجَّت فى البكاء. وغَرِيَت بالدَّمع. وقال الشَّاعر (4):
إذا قلتُ أسلُو غارَتِ العينُ بالبُكا *** غِراءً ومَدَّتْها مدامعُ حُفَّلُ (1)
غرب الغين والراء والباء أصلٌ صحيح ، وكَلمُهُ غير منقاسةٍ لكنَّها متجانسة ، فلذلك كتَبْناه على جهته من غير طلبٍ لقياسه.
فالغَرْب : حَدُّ الشَّىء. يقال : هذا غَرْبُ السَّيْف. ويقولون : كفَفْتُ من غَرْبه ، أى أكْلَلْتُ حَدَّه وقولهم : استَغْرَب الرّجُل (2)، إذا بالَغَ فى الضَّحِك ، ممكنٌ أن يكون من هذا ، كأنَّهُ بلغ آخِرَ حدِّ الضَّحِك. والغَرْب : الدَّلو العظيمة. والغَرْبانِ من العين : مُقْدِمُها ومُؤْخِرُها. وغُروب الأسنان : ماؤُها. فأمَّا الغُروب فَمَجارِى العَين. قال :
مالَكَ لا تذكُرُ أُمَّ عمرو *** إلّا لعينَيْك غَروبٌ تَجْرِى (3)
والغَرْب أيضاً بسكون الراء (4)، فى قولهم : أتاهُ سَهْمٌ غَرْب ، إذا لم يُدْرَ مَن رماه به.
وأمّا الغَرَب بفتح الراء ، فيقال إنَ الغَرَبَ (5): الرَّاوية. والغَرَب : ما انصبَّ من الماء عند البئر فتغيَّرَتْ رائحتُه. قال ذو الرُّمة :
واسْتُنْشِئَ الغَرَبُ (6)
وأدرك المتبقى من؟ *** ومن ثمائلها واستنشى الشرب
ب1) كلمة «غراء» ساقطة من الأصل ، وإثباتها من المراجع المتقدمة.
2) يقال أيضاً «استغرب» بالبناء للمجهول ، بل هو أكثر.
3) الرجز فى اللسان (غرب).
4) فى اللسان : «بفتح الراء وسكونها ، بالإضافة وغير الإضافة». وضبط فى المجمل بسكون الراء مع الإضافة.
5) يقال للراوية أيضاً بسكون الراء.
6) قطعة من بيت لذى الرمة فى ديوانه 11 واللسان (غرب). وهو بتمامه :
والغَرْب : شَجَر. ويقولون - واللّه أعلَمُ بصحّته - : إنَ الغَرَب : إناءٌ من ذهب أو فِضَّة. ويُنشِدون :
فدعْدَعا سُرَّةَ الرَّكىِّ كَمَا *** دَعْدَعَ ساقِى الأعاجم الغَرَبا (1)
والغَرْب : الوَرَم فى المَأْق ، يقال منه غَرِبَت العينُ غَرَبَا. والغَرْب : عرْقٌ يَسقِى ولا يَنقطِع. والغُرْبة : البُعد عن الوطن ، يقال : غَرَبَت الدَّار. ومن هذا الباب : غُروب الشَّمس ، كأنَّه بُعْدُها عن وجه الأرض. وشَأْوٌ مُغَرَّبٌ (2)، أى بعيد. قال :
أعْهَدَكَ مِن أولَى الشَّبيبةِ تطلبُ *** على دُبُرٍ هيهاتَ شَأْوٌ مغرَّبُ (3)
ويقولون : «هل من مُغَرِّبةِ خَبَرٍ» ، يريدون خبراً أتَى من بُعد.
وفى كتاب الخليل : «إذا أمْعَنَت الكلابُ فى طلب الصَّيد قيل : غرَّبَت». وفيه نظر.
والغارب : أعلى الظَّهر والسَّنام. يقال : ألْقَى حبلَه على غاربه ، إذا خلَّاه. والغُراب معروف. والغُرابانِ : نُقرتانِ عند صَلَوَى العَجُز من الفَرَس. والغُرَاب : رأس الفأس : ورِجْل الغُراب : نوعٌ من الصَّرِّ. قال الكميت :
صُرَّ رِجْلَ الغُرابِ (4)
صر رجل الغراب ملك في النا *** س على من أراد فيه الفجورا
اوالغِرْبيب : الأسود ، كأنّه مشتقٌّ من لون الغُراب. والمُغْرَب : الأبيض الأشفار من كلِّ شىء. والغَرْبىّ : الفضيخ من البُسْر يُنْبَذ. والغَرْبىُ : صِبْغٌ أحمر.
غرث الغين والراء والثاء أصلٌ صحيح يدلُّ على الجُوع. والغَرَث : الجوع. ورجلٌ غَرْثانُ. ويستعيرون هذا فيقولون : جاريةٌ غَرْثَى الوِشاح ، لأنَّها دقيقةُ الخَصْرِ لا يُملَأ وِشاحُها ، وكأنَّ وِشاحَها غَرثان.
غرد الغين والراء والدال كلمتان : إحداهما صوت ، والأخرى نبت. فالأولى : غرَّد الطّائر فى صوته يُغَرِّد تغريداً. والكلمة الأخرى : الغَرْدَ : الكمأة ، الواحدة غَرْدَة. والمَغَاريد : نبتٌ ، الواحدة مُغْرود ، وزعموا أنَّها هى الكمأة أيضاً.
غزل الغين والزاء واللام ثلاثُ كلماتٍ متباينات ، لا تُقاس منها واحدةٌ بأخرى.
فالأولى : الغَزْل ، يقال غَزَلت المرأة غَزْلَها ، والخشبة مِغْزَل ، والجمع مَغازِل.
والثانية : الغَزَل ، وهو حديث الفِتْيان والفَتَيات. ويقال : غَزِلَ الكَلْب غَزَلاً ، وهو أن يَطلُبَ الغزالَ حتّى إذا أدرَكَه تركه ولَهَا عنه.
والثالثة : الغزال ، وهو معروف ، والأنثى غَزَالة. ولعلَّ اسمَ الشَّمسِ مستعارٌ من هذا ، فإنَّ الشَّمسَ تسمَّى الغزالَة ارتفاعَ الضُّحى.
غزو الغين والزاء والحرف المعتل أصلانِ صحيحان ، أحدهما طلب شىء ، والآخر فى بابِ اللِّقاح.
فالأوَّل الغَزْو.* ويقال : غَزَوت أغزو. والغازى : الطَّالِبُ لذلك ، والجمع غُزَاة وغَزِىٌ أيضاً (1)
فيوما بفزاء ويوما بسرية *** ويوما بخشاش من الرجل هيضل
، كما يقال لجماعة الحاجّ حَجيج. والمُغْزِيَة : المرأة التى غزا زَوْجها. ويقال فى النِّسبة إلى الغَزْو : غَزَوِىّ.والثانى : قولهم : أغْزَت النَّاقةُ ، إذا عَسُر لِقاحُها. وقال قومٌ : الأتَان المُغْزِية : التى يتأخَّر نِتاجُها ثم تُنْتَج. قال الهذلىّ (2):
يُرِنُّ على مُغْزِياتِ العِقا *** قِ يَقْرُو بها قَفَراتِ الصِّلالِ (3)
غزد الغين والزاء والدال ليس يُشْبِه صحيح كلام العرب. وقد زعموا أنَ الغِزْيد (4)الشديد الصوت ، وأن الغِزْيَد : النبات النَّاعم. واللّه أعلم.
غزر الغين والزاء والراء كلمةٌ واحدة ، وهو قولهم : غَزُرت الناقة : كثُر لبنها غُزَراً وغَزَارة. وعين غَزيرَةٌ ، ومعروفٌ غزير. .
1) ويقال أيضاً «غزى» بضم الغين وتشديد الزاى المفتوحة ، و «غزاء» بالمد. قال تأبط شرا :
2) هو أمية بن أبى عائذ الهذلى. ديوان الهذليين (2 : 177) واللسان (غزا).
3) يرن : يصوت. وفى اللسان : «يزن» ، تحريف.
4) فى الأصل : «الغرد صوت» ، صوابه فى المجمل واللسان والقاموس. وفى القاموس : «الغزبد كحذيم : الشديد الصوت ، أو هو تصحيف غريد».
غسل الغين والسين واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على تطهيرِ الشَّىء. وتنقِيَته. يقال : غَسَلتُ الشَّىءَ غَسْلاً. والغُسْل الاسم. والغَسُول : ما يُغْسَل به الرَّأس من خِطْمىٍّ أو غيره. قال :
فيا لَيْلَ إنَ الغِسْلَ ما دُمْتِ أيِّماً *** علىَّ حرام لا يَمَسُّنِىَ الغِسْلُ (1)
ويقال : فحلٌ غُسَلَة ، إذا كثُر ضِرابُه ولم يُلْقِح. والغِسْلينُ المذكور فى كتاب اللّه تعالى ، يقال إنَّه ما يَنْغسلُ من أبدان الكفّار فى النار.
غسا الغين والسين والحرف المعتلّ حرفٌ واحد ، يدلُّ على تناهٍ فى كِبَرٍ أو غيره. يقال غَسَا اللَّيلُ وأغْسَى. وشيخ غَاسٍ : طال عمرُه. ورُوِى أنّ قارئاً قرأ : «وَقَدْ بَلَغْتُ من الكِبَر غُسِيَّا (2)
وعن عبد اللّه ومجاهد : «عسيا» بضم العين والسين مكسورة ، وحكاها الدانى عن ابن عباس ، والزمخشرى عن أبى ومجاهد. تفسير أبى حبان (6 : 175).
».غسر الغين والسين والراء كلمةٌ إنْ صحّت تدلُّ على اختلاطٍ. يقولون : تغسَّر الغَزْل، إذا التَبَس.
قال ابن دريد (3): «الغَسَر : ما طرحَتْه الريح فى الغَدِير. ثم كثُر حتى قالوا : تغسَّرَ الأمر : اختلط».
1) لعبد الرحمن بن دارة ، كما فى اللسان (غسل). وهو المجمل بدون نسبة. وفى الأصل : «فيا ليت» ، صوابه فى المجمل واللسان.
2) لم أجد سنداً لهذه القراءة إلا رواه ابن فارس. وقراءة السبعة ( عِتِيًّا ) . فقرأ أبو بحرية وابن أبى ليلى والأعمش وحمزة والكسائى بكسر العين ، وباقى السبعة بالضم ، وعبد اللّه بالفتح.
3) الجمهرة (2 : 332) مع تصرف.
غسم الغين والسين والميم ليس بشىء. وربَّما قالوا الغَسَم ، الظُلْمة.
غسن الغين والسين والنون كلمةٌ. يقولون إنَ الغُسَن : خُصَل الشَّعر. ويقال للناصية : غُسْنة.
غسق الغين والسين والقاف أصلٌ صحيح يدل على ظُلْمة. فالغَسَق : الظلمة. والغاسِق : الليل. ويقال : غَسَقت عينُه : أظلمت. وأغْسَقَ المؤذِّن ، إذا أخَّر صلاةَ المغرب إلى غَسَق اللَّيل. وأمّا الغَسَّاق الذى جاء فى القرآن ، فقال المفسِّرون : ما تقطَّرَ من جلود أهل النار.
غشم الغين والشين والميم أصلٌ واحد يدلُّ على قَهْر وغَلَبة وظُلْم. من ذلك الغَشْم ، وهو الظُّلم. والحَرْبُ غشومٌ لأنَّها تنال غيرَ الجانى. والغشَمْشَم : [الذى] لا يثنيه [شىءٌ] من شجاعته (1). وزيد فى حروفه للزِّيادة فى المعنى.
غشى الغين والشين والحرف المعتل أصلٌ صحيح يدلُّ على تغطيةِ شىء بشىء. يقال غَشَّيت الشَّىءَ أُغَشِّيه. والغِشاء : الغِطاء. والغاشِية : القيامة ، لأنَّها تَغْشَى الخَلْق بإفزاعها. ويقال : رَمَاه اللّه بغاشيةٍ ، وهو داء يأخذ كأنّه يغشاه. والغِشْيان : غِشيان الرّجُل المرأة.
1) نص المجمل : «الغشمشم : الرجل الذى لا يثنى رأسه شىء من شجاعته».
غصن الغين والصاد والنون كلمة واحدة ، وهى غُصْن الشَّجَرة ، والجمع غُصُون وأغصان. ويقال : غَصَنت الغُصْن : قَطَعْتُه.
غضف الغين والضاد والفاء أصلٌ صحيح يدلُّ على استرخاءٍ وتهدُّم وتَغشٍّ. من ذلك الأغْضَف من السِّباع : ما استرخت أذُنه. ومن الباب : ليلٌ أغضَفُ ، أى أسودُ يغشَى بظلامه. قال ذو الرُّمَّة :
قد أَعسِفُ النَّازحَ المجهولَ مَعْسِفُه *** فى ظلِ أغضَفَ يدعو هامَهُ البومُ (1)
ويقولون : عيشٌ غاضِف ، أى ناعم ، كأنَّه قد غَشِىَ بخيره (2)وغَضَارته. والغُضْف (3): القَطا الجُون ، وهذا على التَّشبيه بالليل وسَوادِه. ويقال : تغضَّفَت البِئر ، إذا تهدَّمت أَجوالُها فغَشِيَتْ ما تَحتَها. ويقال : غَضَفت الأُتن تَغْضِفُ ، إذا أخذَتْ الجرىَ أخْذاً. وهذا لأنَّها تَغْشَى الأرض بجريها. قال :
يَغُضُّ ويَغْضِفْن من ريِّقٍ *** كشُؤبوب ذى بَرَدٍ وانسجال (1)
والانسجال والانسحال : الانصباب.
غضن الغين والضاد والنون أصلٌ صحيح يدلُّ على تثنٍّ وتكسُّر. من ذلك الغُضُون : مَكاسر الجِلْد ، ومَكاسِر كلِّ شىء غُضون. وتغضَّنَ جِلدُه. والمغاضَنَة : مكاسَرة العينين. ومن الباب قولهم : ما غَضَنك عن كذا ، أى ما عاقك عنه. وغَضَن العَينِ : جلدُها الظّاهر ، سمِّى لتكسُّرٍ فيه.
ومما شذَّ عن هذا الباب قولهم : غَضَنت النّاقةُ بولدها ، إذا ألقَتْه قبل أن يُنبِت.
غضر الغين والضاد والراء أصلٌ صحيح يدلُّ على حُسنٍ ونَعْمة ونَضرة. من ذلك الغَضَارة : طيبُ العَيش : ويقولون فى الدُّعاء : أبادَ اللّه تعالى غَضراءهم ، أى خَيرهم وغضارتهم. قال عبد اللّه بن مُسلم : أصل الغَضْراء طِينةٌ خضراءُ عَلِكة. يقال : أَنْبَطَ بئرَه فى غَضْراء ، ويقال : دابّةٌ غَضِرةُ النَّاصية. إذا كانت مباركة.
ومن الباب : الغاضر : الجلد الذى أُجِيد دبغُه.
ومما شذَّ عن هذا الباب قولُهم : لم يَغْضِرْ عن ذلك ، أى لم يَعْدِل عنه. قال ابنُ أحمر:
ولم يَغْضِرْنَ عن ذاك مَغْضَرا (2)
تواعدن أن لاوعى عن فرج راكس *** فرحن ولم يخضرفي من ذاك مغضرا
اوالغَضْوَر : نَبْت.
غضب الغين والضاد والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على شدَّة وقُوّة. يقال : إنَ الغَضْبة : الصَّخرة الصُّلبة. قالوا : ومنه اشتُقَ الغَضَب ، لأنَّه اشتدادُ السُّخط. يقال : غَضِب يَغْضَبُ غَضَبَا ، وهو غضبانُ وغَضُوب. ويقال : غَضِبْتُ لفلانٍ ، إذا كان حيَّا ؛ وغضبت به ، إذا كان ميّتا. قال دُرَيد :
أنَّا غِضابٌ بمعبدِ (1)
فمَاسَ دلالاً وابتهاجاً وقال لى *** برفقٍ مجيباً (ما سألتَ يَهُونُ)
ويقال : إنَ الغَضُوب : الحيَّة العظيمة.
غضل الغين والضاد واللام. يقولون : أَغْضَلَتِ الشَّجرة. واغضالَّتْ (2)، إذا كثُرت أغصانها.
غضا الغين والضاد والحرف المعتلّ كلمتان : فالأولى : الإغضاء : إدناء الجُفون. وهذا مشتقٌّ من اللَّيلة الغاضِية ، وهى الشَّديدة الظُّلمة.
والكلمة الأخرى : الغَضَا ، وهو شجرٌ معروف. يقال : أرضٌ غَضْيَاءُ : كثيرة الغَضَا. ويقال : إبلٌ غَضِيَةٌ : اشتكَتْ عن أكل الغَضَا. .
غطف الغين والطاء والفاء أصلٌ صحيح يدلُّ على خَير وسُبوغٍ فى شىء ، وأصله الغَطَف فى الأشفار ، وهو كثرتُهَا وطولُها وانثناؤها. ثم يقال : عيشٌ أغطَف ، إذا كان ناعماً منثَنِياً على صاحبه بالخَير. والمصدر الغَطَف.
غطل الغين والطاء واللام ثلاث كلمات : الغَيْطلة : الشَّجَرَةُ ، والجمع الغَيْطَل. قال:
فطلّ يُرَنِّحُ فى غَيطلٍ *** كما يستدير الحِمارُ النَّعِرْ (1)
والغَيْطلة : البَقَرَة. والغيطلة : التجاج اللَّيلِ وسوادُه (2).
غطم الغين والطاء والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على كثرةٍ واجتماع. من ذلك البحر الغِطَمُ. ويقال لمُعْظَمِ البَحْر : غُطَامِطٌ. ورجلٌ غِطَمٌ : واسع الخُلُقُ.
غطو الغين والطاء والحرف المعتل يدلُّ على الغِشاء والسَّتر. يقال : غَطَيت الشَّىْءَ وغَطَّيْتُه. والغِطاء : ما تَغَطَّى به. وغَطَا اللّيلُ يَغْطُو ، إذا غَشَّى بظلامه.
غطش الغين والطاء والشين أصلٌ واحدٌ صحيح ، يدلُّ على ظُلْمَةٍ
وما أشبَههَا. من ذلك الأغطش ، وهو الذى فى عينه شِبْه العَمَش ، والمرأة غَطْشاء. وفَلاةٌ غَطْشَى : لا يُهْتَدَى لها. قال :
ويَهْماءَ باللَّيلِ غَطْشَى الفلا *** ةِ يُؤنِسُنى صوتُ فَيَّادِها (1)
وغَطَشَ الليلُ : أظلَمَ. واللّه تعالى أغْطشَه (2). والمتغاطِش : المتعامِى عن الشَّىء. ويقال : هو يَتَغَاطش.
غطس الغين والطاء والسين أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على الغَطِّ. يقال : غطَطْتُه فى الماء وغَطَسته. وتَغَاطَسَ القومُ : تغاطُّوا.
من ذلك (الغَطَمَّش) : الكليل البصَر. والغَطَمَّش : الظَّلوم الجائر. وهذا مما زيدت فيه الميم ، والأصل الغَطْش وهو الظُّلْمة (3). والجائر يتغاطَش عن العَدْل ، أى يتعامَى.
ومن ذلك (الغَشْمَرة) : إتْيَانُ الأمرِ من غيرِ تثبُّت ، وهذه منحوتةٌ من كلمتين : من الغَشْم والتشمُّر ، لأنه يتشمَّر فى الأمر غاشماً.
ومن ذلك (الغَمَلّج) ، وهو ممّا نُحِتَ من كلمتين : من غَمَج وغلَج ، وهو البعير الطَّويل العُنق. فأمَّا غَمَجُه فاضطرابُه. يقال : غَمَج ، إذا جاء وذهب والغَلَج كالبَغْى فى الإنسانِ وغيره.
ومن ذلك (الغُضْرُوف) : نَغْض الكَتِف (1). وهى منحوتةٌ من كلمتين : من غَضَرَ وغَضَف. فأمَّا غَضَرُه فلِينُه ، لأنَّه ليس فيه شِدَّة العظم وصلابتُه. وأمَّا غَضَفُه فتثنِّيه ، لأنَّه إذا ثُنِى للينه.
ومن ذلك (الغَطْرسة) : التكبُّر. وهذا ممَّا زيدت فيه الراء ؛ وهو من الغَطس كأنَّه يَغلِبُ الإنسانَ ويقهرُه حتى كأنَّه غَطَسه ، أى غطَّسه.
ومن ذلك (الغَطْرَفة) ، وهى الكِبْر والعظمة. قال فى التغطرف :
فإنَّكَ إنْ أغضبْتَنِى غَضِبَ الحَصَى *** عليك وذُو الجَبُّورة المتغَطْرِفُ (2)
وهذا أيضاً مما زيدت فيه الراء ، وهو من الغَطَف ، وهو أن يَنْثَنِىَ الشىءُ على الشّىء حتى يغشاه. فالجبّار يقهر الأشياءَ ويُغَشِّيها بعظمته. و (الغِطْريف) : السَّيِّد يَغْشى بكرمِه وإحسانه.
ومن ذلك (الغَذْمَرَة) ، يقال إنَّه رُكوب الأمرِ على غير تثبُّت. وقد يكون فى الكلامِ المختلِط. وهذه منحوتةٌ من كلمتين : من غَذَم وذَمَر. أمَّا الغَذْم فقد قلنا إنَّه الأكل بجفاءٍ وشِدَّة. ويقولون : كيلٌ غَذَامِرٌ (3)، إذا كان هَيْلاً كثيراً. وأمَّا الذَّمْر فمن ذَمَرته ، إذا أغضبتَه. كأنَّه غَذُوم ذَمَر. ثم نحتت من الكلمتين كلمةٌ.
ومن ذلك (الغَضَنْفَر) ، وهو الرَّجُل العليظ ، والأسد الغَشُوم. وهذا ممَّا زيدت فيه الراء والنون ، وهو من الغَضَف. وقد مضى أنَّ اللّيلَ الأغضفَ الذى يُغَشِّى بظلامِه.
ومن ذلك (المُغَثْمَرُ) ، وهو الثَوْب الخشنُ الرَّدى ، النَّسْج. قال :
عَمْداً كسوتُ مُرْهِباً مُغَثْمَرَا *** ولو أشاء حِكْتُهُ مُحَبَّرَا (1)
يقول : ألبستُهُ المغَثْمَرَ لأدفع به عنه العينَ. وهذه منحوتةٌ من كلمتين : من غَثَم وغَثَرَ. أمَّا غَثَر فمن الغُثْر ، وهو كلُّ شىء دُونٍ. وأمَّا غَثَمَ فمن الأغثم : المختلط السَّواد بالبياض.
ومما وُضع وضعاً وليس ببعيدٍ أن يكون له قياس (غَرْدَقْتُ) السِّتْرَ : أرسلتُه.
و (الغُرْنُوق) : الشَّبابُ الجميل. و (الغِرنِيق) طائر.
ويقولون : (الغَلْفَقُ) : الطُّحْلَب.
ويقولون : (اغْرَندَاهُ) ، إذا عَلَاهُ وغَلَبُه. قال :
قد جعل النُّعاس يَغْرَنْدِينِى *** أدفَعُهُ عنى ويَسْرَنْدِينِى (2)
تم كتاب الغين ، واللّه أعلم بالصواب
فق الفاء والقاف فى المضاعف يدلُّ على تفتُّح واختلاطٍ فى الأمر. يقال : انفَقَ الشَّيْءُ ، إذا انفرَجَ. ويقولون : رجلٌ فَقْفَاقٌ ، أى أحمق مُخَلِّطٌ فى كلامه ويقال فَقَاقٌ أيضاً(1).
فك الفاء والكاف أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على تفتُّح وانفراج. من ذلك فَكاك الرَّهْن ، وهو فَتْحُه من الانغلاق. وحكى الكسائىّ : الفِكَاك بالكسر. ويقال : فَكَكْتُ الشَّىءَ أفكُّه فكَّا. وسقط فلانٌ وانفكَّت قدمُه ، أى انفرجت. وقولهم : لا ينفكُ يفعل ذلك ، بمعنى لا يزال. والمعنى هو وذلك الفعلُ لا يفترقان. فالقياس فيه صحيح. والفكُ (2): انفراج المَنْكِبِ عن مَفْصِله ضَعْفا.
ومما هو من الباب : الفَكَّانِ : مُلتقى الشِّدْقين.* وسمِّيا بذلك للانفراج.
فل الفاء واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على انكسارٍ وانثلام. أو ما يقاربُ ذلك. مِن ذلك الفَلُ : القومَ المنهزِمون. والفُلولُ : الكُسور فى حدِّ السيف ، الواحدُ فَلٌ. قال النابغة:
ولا عيبَ فيهم غير أنَّ سُيوفَهم *** بهنَ فُلولٌ من قِراع الكتائبِ (1)
والفليل : ناب البعير إذا انثلَمَ.
ومما يقارب هذا الفِلُ : الأرض لا نباتَ فيها. والقياس فيه صحيح وقال :
فَلٌ عن الخير مَعْزِلُ (2)
وإن التي بالجزع من بطن نخلة *** ومن ذاتها قل من الخيرمعزل
يقال : أفلَلْنا : صِرنا فى الفِلّ.
ومما شذّ عن هذا الأصل : الفَليلة : الشعر اجتمِع ، والجمع الفليل. قال :
ومُطَّرِدِ الدِّماء وحيث يُهْدَى *** من الشَّعَر المضفّر كالفليلِ (3)
فم الفاء والميم ليس فيه غير الفم ، وليس هذا موضعه ، لكن حكى فُمٌ بالضمّ والتشديد. قال :
يا ليتها قد خرجَتْ من فمِّهْ (4).
فن الفاء والنون أصلانِ صحيحان ، يدلُّ أحدُهما على تعنِيَةٍ ، والآخَر على ضربٍ من الضُّروب فى الأشياء كلِّها.
فالأوَّل : الفَنّ ، وهو التعنية والإطراد الشّديد. يقال : فَنَنْتُه فَنّا ، إذا أطردتَه وعنَّيْتَه.
والآخر الأفانين : أجناس الشّىء وطُرقُه. ومنه الفَنَن ، وهو الغصن ، وجمعه أفنان ، ويقال : شجرةٌ فَنْواء ، قال أبو عبيد : كأنّ تقديره فَنّاء.
فه الفاء والهاء كلمةٌ واحدةٌ تدل على العِىِّ وما أشبهه ، من ذلك الرّجل الفَهُ ، وهو العَيِىّ ، والمرأة فَهّةٌ ، ومصدره الفَهَاهة. قال :
فلم تَلقَنِى فَهَّا ولم تَلْقَ حُجَّتى *** مُلَجْلَجَةً أبغِى لها مَن يقيمُها (1)
ويقال : خرجتُ لحاجةٍ فأَفَهَّنِى فلانٌ حتَّى فَهِهْت ، أى أنسانِيها.
فأ الفاء والهمزة مع معتلٍّ بينهما ، كلماتٌ تدلُّ على الرجوع. يقال : فاء الفَىء ، إذا رجع الظِّلُّ من جانب المغرِب إلى جانب المشرق. وكلُّ رجوعٍ فىءٌ. قال اللّه تعالى : ( حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ ) ، أى ترجع. قال الشَّاعر :
تَيَمَّمَتِ العَينَ التى عند ضارجٍ *** يَفىءُ عليها الظِّلُّ عِرْمِضُها طامِ (2)
يقال منه : فيَّأَتِ الشَّجرةُ ، وتَفَيّأْت أنا فى فَيئها. والمرأة تفيِّئُ شعرَها ، إذا
حرَّكتْ رأسَها من قِبَل الخُيَلاء. ويقال تفيُّؤها ، تكسُّرها لزَوْجِها. والقياس فيه كلِّه واحد. والفىء : غنائمُ تُؤخذ من المشركين أفاءَها اللّه تعالى عليهم. قال اللّه سبحانه : ( ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ) . ويقال : استفأْتُ هذا المالَ ، أى أخذتُه فيْئاً. وفلانٌ سريع الفَىء من غضبه والفِيئَة.
فأمَّا قولهم : يا فَىْءَ مالِى ، فيقولون : إنَّها كلمةُ أسفٍ. وهذا عندى من الكلام الذى ذهب مَنْ كان يُحسن حقيقةَ معناه. وأنشد :
يا فَىْءَ ما لِيَ مَنْ يُعَمَّرْ يُفْنِهِ *** مرُّ الزَّمان عليه والتَّقليبُ (1)
فت الفاء والتاء كلمةٌ تدلُّ على تكسير (2)شىء ورفْتِه. يقال : فَتَتُ الشَّىءَ أفُتُ فَتَّا ، فهو مفتوتٌ وفَتيت. وفُتَّة : ما يُفَتُ ويُوضَع تحتَ الزَّند (3). وفَتَ فى عضُده ، وذلك إذا أساء إليه ، كأنَّه قد فَتَ من عَضُده شيئاً.
ومما شذَّ عن هذا الأصل الفَتفتة : أن تشرب الإبلُ دونَ الرِّىّ.
فث الفاء والثاء كلماتٌ تدلُّ على كَسْر شىء ، أو نثرِه ، أو قلعه. من ذلك قولهم : فَثَ جُلَّته : نَثَرها (4). وانفَثَ الرّجُلُ من همٍّ أصابه ، أى انكسر.
1) البيت من أبيات لنويفع بن نفيع الفقعسى ، كما فى أمالى الزجاجى 81 - 82 واللسان (مرط). ويقال بل هو نافع بن نفير. أو نافع بن لقيط الفقعسى. وأنشده فى اللسان (شيأ ، فيأ) بدون نسبة ، وفى (هيأ) بنسبته إلى الجميع بن الطماح أو نافع بن لقيط الأسدى. وانظر فى البيان (3 : 82) بتحقيقنا. ويروى : «يا فىّ مالى» و «يا هىء مالى» و «يا شىء مالى» وكلها كلمات معناها التعجب. ورواية الجاحظ : «وكذاك حقا».
2) فى الأصل : «تكسر».
3) فى اللسان : «بعرة أوروثة توضع تحت الزند عند القدح».
4) فى اللسان : «إذا نثر تمرها».
ويقال إنّ الفَثَ : الفسِيلُ يُقتلَعُ من أصله (1).
ومن الباب الفَثُ ، وهو هَبِيدُ الحَنظل ، لأنّه يُنثَر.
فج الفاء والجيم أصلٌ صحيح يدلُّ على تفتُّح وانفراج. من ذلك الفَجُ : الطَّريق الواسع. ويقال : قَوسٌ فَجّاءُ ، إذا بَانَ وترُها عن كَبدِها. والفجَج أقْبَحُ من الفَحَج. ومنه حافرٌ مُفِجٌ ، أى مقبَّب ، وإذا كان كذا كان فى باطنه شِبْه الفَجْوة.
ومما شذَّ عن هذا الأصل : الفِجُ : الشىء لم ينضَجْ مما ينبغى نُضْجُه.
وشذّت كلمةٌ واحدة أخرى حكاها ابنُ الأعرابىّ ، قال : أَفَجَ يُفِجُّ ، إذا أسرع. ومنه رجلٌ فجفاجٌ : كثير الكلام.
فح الفاء والحاء كلمةٌ واحدةٌ ، وهو الفَحيح : صوتُ الأفعى. قال :
كَأنَّ نَقيقَ الحَبِّ فى حاويائِهِ *** فَحِيحُ الأفاعى أو نقيقُ العقاربِ (2)
فخ الفاء والخاء كلماتٌ لا تنقاس. من [ذلك] الفَخِيخ كالغَطيط فى النَّوم. والفَخَّة: استرخاءٌ فى الرجلين (3). ويقال الفَخَّة : المرأة الضخمة (4). والفَخُ للصَّيد معروف.
1) هذا المعنى لم يرد فى المعاجم المتداولة.
2) البيت لجرير ، كما سبق فى حواشى (حوى) برواية أخرى. وأنشده فى اللسان (حوى) : «نقيق الأفاعى». ورواية اللسان (نقق) تطابق رواية المقاييس هنا.
3) ورد هذا المعنى فى القاموس ولم يرد فى اللسان.
4) ورد هذا المعنى أيضا فى القاموس ولم يرد فى اللسان. واقتصر فى اللسان على تفسيره بالمرأة القذرة ، وجمع صاحب القاموس بين المعنيين.
فد الفاء والدال أصلٌ صحيح ، يدلُّ على صَوت وجَلَبة. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : «إنَّ الجفاءَ والقَسْوةَ فى الفَدَّادِين (1)». وهى أصواتُهم فى حروثِهم ومواشيهم. قال الشَّاعر :
نُبِّئْتُ أخوالِى بنى يزيد (2)*** ظلماً علينا لهُمُ فَدِيدُ
ومما شذَّ عن هذا : الفَدْفَد : الأرض المستويَة.
فذ الفاء والذال كلمةٌ واحدة تدلُّ على انفرادٍ وتفرُّق. من ذلك الفَذُّ ، وهو الفَرْد. ويقال : شاةٌ مُفِذُّ ، إذا ولدت واحداً ، فإن كان ذلك عادتَها فهى مِفْذَاذ. ولا يقال : ناقةٌ مُفِذّ ، لأنَّ الناقة لا تلِدُ إلَّا واحداً. ويقال تَمْرٌ فَذٌّ : متفرِّق. والفَذُّ : الأوَّل من سِهام القِداح.
فر الفاء والراء أصول ثلاثة : فالأوّل الانكشاف وما يقاربُهُ من الكَشْف عن الشَّيء ، والثانى جنسٌ من الحيوان ، والثالث دالٌّ على خِفّة وطَيْش.
فالأوّل قولهم : فَرّ عن أسنانه. وافتَرَّ الإنسان ، إذا تبسَّمَ. قال :
يفترُّ مِنْك عن الواضحا *** تِ إذْ غيرُك القَنِح الأثْعَلُ (3)
1) انظر البيان (1 : 13) والحيوان (5 : 507).
2) الرجز من شواهد الخزانة (1 : 131) أنشده الرضى شاهدا لأن «يزيد» علم محكى ، لكونه سمى بالفعل مع ضميره المستتر ، من قولك : المال يزيد. قال البغدادى : ولو كان من قولك يزيد المال لوجب منعه من الصرف وكان هنا مجرورا بالفتحة. وبنو يزيد : تجار كانوا بمكة. انظر تحقيق البغدادى فى اليزيدية والنزيدية. قال «هذا البيت فى غالب كتب النحو ولم أظفر بقائله» ولم يعزه أحد لقائله غير العينى فإنه قال : هو لرؤبة بن العجاج. وقد تصفحت ديوانه فلم أجده فيه».
3) للكميت فى اللسان (فرر) برواية. «ويفتر منك عن الواضحات إذا».
ويقولون فى الأمثال :
هو الجوادُ عينُه فُرِارُه (1)
أى يغنيك مَنظرُه من مَخْبَره. وكأنَّ معنَى هذا إنَّ نَظَرَك إليه يُغنيك عن أن تَفُرَّه ، أى تكشفَه وتبحثَ عن أسْنانِه (2). ويقولون : أَفرَّ المُهرُ ، إذا دنا أن يُفَرَّ جَذَعاً. وأفَرَّت الإبلُ للإثناء إفراراً ، إذا ذهبَتْ رَواضِعُها وأثْنَتْ. ويقولون : فُرَّ فلاناً عمَّا فى نفسه ، أى فتِّشْه. وفُرَّ عن الأمر : ابحثْ.
ومن هذا القياس وإن كانا متباعدَين فى المعنى : الفِرار ، وهو الانكشاف ؛ يقال فَرَّ يَفِرّ ، والمَفَرُّ المصدر. والمَفَرّ : الموضع يُفَرُّ إليه. والفرّ : القَوم الفارُّون. يقال فَرٌّ جمع فارّ ، كما يقال صَحْبٌ جمع صاحب ، وشَرْبٌ جمع شارب.
والأصل الثانى : الفَرِير : ولد البقرة. ويقال الفُرَار من ولد المَعْز : ما صَغُر جسمُه ، واحده فَرِيرٌ ، كرَخْل ورُخال ، وظئر وظُؤار.
والثالث : الفَرْفَرة : الطَّيْش والخِفَّة. يقال : رجلٌ فَرْفارٌ وامرأةٌ فرفارة. والفَرفارة : شجرة.
فز الفاء والزاء أُصَيلٌ يدلُّ على خفّةٍ وما قارَبَهَا. تقول : فَزَّهُ واستفزَّه ، إذا استخفَّه. قال اللّه تعالى : ( وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ ) أى يحملونك على أن تَخِفَّ عنها. وأفزَّه الخوفُ وأفْزَعَه بمعنًى. وقد استفَزَّ فُلاناً جهْلُه. ورجل فَزٌّ : خفيف. ويقولون : فزَّ عن الشىء : عدل. والفَزُّ : ولَد البقرة. ويُمكن أن يسمَّى بذلك لخفَّة جسمِه. قال :
كما استغَاثَ بسىءٍ فَزُّ غَيْطَلَة *** خافَ العُيونَ ولم يُنْظَر به الحَشَكُ (1)
فس الفاء والسين ليس فيه شىءٌ إلا كلمةٌ معرّبة. يقولون : الفِسْفِسَةُ : الرَّطْبَةُ.
فش الفاء والشين يدلُّ على انتشارٍ وقلّة تماسُك. يقال : ناقةٌ فَشُوشٌ ، إذا كانت مُنتشرَةَ الشَّخْب. وانْفَشَ عن الأمر : كسِلَ. والفَشُ : تتبُّع السَّرَقِ الدُّون ؛ وهو فَشَّاش.
فص الفاء والصاد كلمةٌ تدلُّ على فَصْل بين شيئين. من ذلك الفُصُوصُ ، هى مفاصِلُ العظامِ كلِّها - قال أبو عبيد : إلّا الأصابع - واحدها فَصّ. ومن هذا الباب : أفْصَصت إليه من حقِّه شيئاً ، كأنَّكَ فصَلْتَه عنك إليه. وفَصَ الجُرْحُ : سال.
ومما يقارِبُ هذا : الفَصُ : فَصُ الخاتَم. وسمِّى بذلك لأنَّه ليس من نَفس الخاتَم ، بل هو مُلْصَقٌ به. فأمَّا فَصُ العَينِ فحدَقتُها على معنى التَّشْبيه.
فض الفاء والضاد أصلٌ صحيح يدلُّ على تفريقٍ وتجزئة. من ذلك : فضَضْتُ الشَّىْءَ ، إذا فرَّقتَه ؛ وانْفَضَ هو. وانْفَضَ القومُ : تفرَّقوا. قال اللّه سبحانه : ( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) .
ومن هذا الباب : فَضَضْت عن الكِتاب خَتْمَه. وممكن أن* يكون الفِضَّةُ من هذا الباب ، كأنها تفضّ (2)، لما يتَّخَذُ منها من حَلْى. والفُضِاض : ما تفضَّضَ
من الشىء إذا انفَضَ. والفاضَّة. الدَّاهية ، والجمع فَوَاضُّ ، كأنَّهَا تَفُضُ ، أى تُفَرَّق.
ومن الذى يجوز أن يُقاسَ على هذا : الفَضْفَضَة : سَعَةُ الثَّوب. وثوبٌ فَضفاضٌ ودرعٌ فضفاضةٌ ، لأنَّها إذا اتسَعتْ تباعَدَتْ أطرافُها. وأمَّا الفضِيض فالماء العَذْب ، سمِّى لفَضاضتِه وسُهولةِ مَرَّة فى الحَلْقِ.
فظ الفاء والظاء كلمةٌ تدلُّ على كراهةٍ وتكرُّه. من ذلك الفَظ : ماء الكَرِش. وافتُظَّ الكرِش ، إذا اعتُصِر. قال الشاعر (1):
فكانوا كأنْفِ اللَّيث لا شَمَّ مَرْغَماً *** وما نال فَظَّ الصَّيد حَتَّى يُعفِّرا (2)
قال بعضُ أهل اللُّغة : إنَ الفَظاظةَ من هذا. يقال رجلٌ فظٌّ : كريه الخُلُق. وهو من فَظِّ الكَرِش ، لأنه لا يُتناول إلَّا ضرورةً على كراهة. ويقولون : الفَظِيظ : ماء الفَحْل.
فغ (3)الفاء والغين ليس فيه كلامٌ أَصيل ، وهو شِبْهُ حكايةٍ لصوت. يقولون : الفَغْفَغَة: الصَّوت بالغَنَم. ويقولون : الفغْفغانى (4): القصَّاب أو الرَّاعى ؛ وكذلك الفَغْفغىّ. ويقولون : الفَغْفَغان : الرّجلُ الخفيفُ. وتفغفغَ فى أمره : أسرَعَ. وكلُّ هذا قريبٌ بعضه من بعض. واللّه أعلم بالصَّواب.
1) هو جساس بن نشبة ، كما فى اللسان وتاج العروس (فظظ). وفى الحماسة 339 بشرح المرزوقى أنه حسان بن نشبة.
2) فى اللسان : «فكونوا». وفى الأصل : «حتى تعفرا» ، صوابه فى اللسان.
3) هذه المادة ليست فى اللسان. والذى فى القاموس : «الفغة : تضوع الرائحة. وقد فغتنى الرائحة». فسائر المادة هنا مما انفردت به المقاييس والمجمل.
4) فى الأصل : «الفغفغان» ، وأثبت ما فى المجمل.
فقم الفاء والقاف والميم أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على اعوجاج وقلّة استقامة. من ذلك الأمْرُ الأفْقَمُ ، هو الأعوج. والفَقَم : أن تتقدَّمَ الثَّنايا السُّفلى فلا تقَعَ عليها العُليا. وهذا هو أصل الباب : وزعم أبو بكر (1): أنَ الفَقَم الامتلاء. يقال : أصاب من الماء حَتَّى فَقِمَ ، هو أصل الباب. فإن كان هذا صحيحاً فهو أيضاً من قياسه.
فقه الفاء والقاف والهاء أصلٌ واحد صحيح ، يدلُّ على إدراكِ الشَّىء والعِلْمِ به. تقول : فَقِهْتُ الحديث أفْقَهُه. وكلُّ عِلْمٍ بشىءٍ فهو فِقْه. يقولون : لا يَفْقَه ولا يَنْقَه. ثم اختُصَّ بذلك علمُ الشَّريعة ، فقيل لكلِّ عالم بالحلال والحرام : فقيه. وأَفْقَهْتُك الشَّىء ، إذا بَيّنْتُه لك.
فقأ الفاء والقاف والهمزة يدلُّ على فَتْح الشىء وتفتُّحه. يقال : تففَّأت السَّحابةُ عن مائها ، إذا أرسلَتْه ، كأنَّها نفتحت عنه.
ومن ذلك : الفَقْء (2)، وهى السَّابِياءُ الذى ينفرج عن رأس المولود. ومنه فَقأْتُ عينَه أفقؤها. فأما الفُقَى مليّنٌ فجمع فُوقٍ ؛ وهو مقلوبٌ وليس من هذا الباب. قال :
ونَبْلِى وفُقاهَا ك *** عَراقيبِ قَطاً طُحْلِ (1)
فقح الفاء والقاف والحاء يدلُّ على مِثلِ ما ذكرناه قبلَه من التفتُّح. من ذلك الفُقَّاحُ : نور الإِذْخِر ، سمِّى بذلك لتفتُّحه ، ويقال بل نور الشّجرِ كُلِّه فُقَّاح. ويقال : فَقَّح الجَروُ : فتَّح عينَيه. قال الشَّاعر :
وأكحُلْكَ بالصَّابِ أو بالجَلَا *** فَفَقِّحْ لذلك أو غمِّضِ (2)
فقد الفاء والقاف والدال أصيل يدلُّ على ذَهاب شىء وضَياعِه. من ذلك قولهم. فَقَدت الشَّىء فَقْداً. والفاقد : المرأة تَفْقِد ولدَها أو بعلها ، والجمع فَواقِد. فأمَّا قولُك : تفقَّدْتُ الشَّىءَ ، إذا تطلّبتَه ، فهو من هذا أيضاً ، لأنَّك تطلبه عند فقدك إيَّاه. قال اللّه تعالى : ( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ) .
فقر الفاء والقاف والراء أصلٌ صحيح يدلُّ على انفراجٍ فى شىء ، من عضوٍ أو غير ذلك. من ذلك : الفَقَار للظَّهر ، الواحدة فَقَارةٌ ، سمِّيت للحُزُوز والفُصول التى بينها (3). والفقير : المكسور فَقَارِ الظَّهر. وقال أهل اللُّغة : منه اشتُقَّ اسمُ الفقير ، وكأنه مكسورُ فَقَار الظَّهر ، من ذِلَّتِهِ ومَسْكَنتِه. ومن ذلك :
1) البيت للفند الزمانى ، أو لامرئ القيس بن عابس الكندى ، كما فى اللسان (فوق ، دفنس) وأخبار النحويين البصريين لأبى سعيد السيرافى 29. وانظر قصيدة البيت عند السيرافى ، وابن قتيبة فى مقدمة الشعر والشعراء ، واللسان (دفنس).
2) نسب البيت للمتنخل الهذلى ، كما فى اللسان (جلا). وقال ابن برى : الصواب أنه لأبى المثلم الهذلى. وأنشده ابن سيده فى المخصص (15 : 122) بدون نسبة ، برواية : «ففقح لكحلك».
3) فى الأصل : «بينها وبين» ، وكلمة «وبين» مقحمة.
فقْرَتْهم الفاقرة ، وهى الدَّاهية ، كأنها كاسرةٌ لفَقار الظهر. وبعضُ أهلِ العلم يقولون : الفَقير : الذى له بُلْغَةٌ من عَيْشٍ* ويحتجُّ بقوله :
أَمَّا الفَقير الذى كانت حَلُوبَتُه *** وَفْقَ العِيال فلم يُترَك له سَبَدُ (1)
قال : فجعل له حَلوبةً ، وجعَلَها وَفْقاً لعياله ، أى قوتاً لا فَضْلَ فيه. وأمَّا الفقير فإنّه مَخرَج الماءِ من القناة ، وقياسُه صحيح ، لأنّه هُزِم فى الأرض وكُسِر. وأمّا قولهم : أفْقَرَكَ الصَّيدُ ، فمعناه أنَّه أمكَنَك من فَقَارِه حتَّى ترمِيَه. ويقال : فَقَرْتُ البعيرَ ، إذا حَزَزتَ خَطمَه ثم جعلتَ على موضع الحزِّ الجَرِيرَ لتُذِلَّه وتَرُوضَه. وأفْقَرتُكَ ناقِتى : أعَرْتُك فَقَارَها لتركبَها. وقول القائل :
مَا ليلةُ الفَقير إلَّا شَيطانْ (2)
محنونة تودى بروح الإنسان
فالفقير هاهنا : رَكىُّ معروف (3). ويقال : فَقَرت للفَسِيل ، إذا حفَرتَ له حينَ تغرسه ، وفَقَرت الخَرَزَ ، إذا ثقبتَه. وسَدَّ اللّهُ مَفاقِره ، أى أغناه وسَدَّ وجوهَ فقره (4). قال :
وإنَّ الذى ساقَ الغنَى لابنِ عامرٍ *** لَرَبِّى الذى أرجو لسدِّ مَفاقرِى (5)
فقس الفاء والقاف والسين. يقولون : فَقسَ : مات (6).
1) البيت للراعى ، كما فى إصلاح المنطق 360 واللسان (فقر ، وفق) والمخصص (12 : 285 ، 286). وأنشده فى المجمل بدون نسبة.
2) بعده فى اللسان (فقر) ومعجم البلدان (الفقير) مع تحريف فى المعجم :
3) وكذا فى المجمل ومعجم البلدان. وفى اللسان : «ركية بعينها».
4) فى الأصل : «وجو فقر».
5) أنشده كذلك فى المحمل.
6) زاد فى اللسان : «وقيل مات فجأة».
فقص الفاء والقاف والصاد ليس بشىء ، إلا أنَّهم يقولون : فُقِصَت البيضةُ عن الفَرْخ.
فقع الفاء والقاف والعين. اعلمْ أنَّ هذا البابَ وكلِمَهُ غيرُ موضوعٍ على قياس ، وهى كلماتٌ متبايِنة.
من ذلك الفَقْع : ضَربٌ من الكَمْأَة ، وبه يشبَّه الرّجلُ الذَّليل فيقال : «هُوَ أذَلُّ من فَقْعٍ بقاع (1)». والفَقْع : الحُصَاص (2). وهذا من قولهم : فَقَّع بأصابعه : صَوَّت.
وممَّا (3)لا يشبه الذى قبلَه صفةُ الأصفر ، يقال أصفرُ فافع. ويقولون : الإفقاع : سُوء الحال ، يقال منه : أفْقَعَ. وفَواقع الدَّهر : بَوائِقُه فأمَّا الفُقَّاع فيقال إنّه عربىّ. قال الخليل : سمِّى فُقّاعاً لما يرتفع فى رأسه من الزَّبد. قال : والفَقافيع كالقوارير فوقَ الماء.
فكل الفاء والكاف واللام كلمةٌ واحدة ، وهى الأفْكَل : الرِّعدة. ويقولون : لا يُبنَى منه فعل
فكن الفاء والكاف والنون كلمةٌ واحدة ، وهى التندّم ، يقال تندَّم وتفكَّنَ بمعنًى.
فكه الفاء والكاف والهاء أصلٌ صحيح يدلُّ على طِيب واستطابةٍ. من ذلك الرّجُل الفَكِه : الطيِّب النَّفس.
ومن الباب : الفاكهة ، لأنَّها تُستَطابُ وتُستطرَف.
ومن الباب : المُفاكَهة ، وهى المُزاحة وما يُستحلَى من كلام.
ومن الباب : أفكَهَتِ النّاقةُ والشّاةُ ، إذا دَرَّتا عند أكل الرَّبيع وكانَ فى اللبن أدنَى خُثُورة ؛ وهو أطيَبُ اللَّبن.
فأمَّا التَّفَكُّه فى قوله تعالى : ( فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ) فليس من هذا ، وهو من باب الإبدال (1)، والأصل تَفَكَّنون ، وهو من التندُّم ، وقد مضى ذِكرُه.
فكر الفاء والكاف والراء تردُّدُ القَلْب فى الشَّىء يقال تفكّرَ إذا ردَّدَ قلبه معتبِرا. ورجلٌ فِكِّير : كثير الفِكر (2).
فلم الفاء واللام والميم كلمةٌ. يقولون الفَيْلم : العظيم من الرَّجال. وفى ذكر الدَّجَّال : «رأيتُه فَيْلَمَانِيَّا». وقال الشَّاعر (3):
ويَحمِى المُضافَ إذا ما دَعا *** إذا فرَّ ذُو اللِّمَّةِ الفَيْلَمُ
ويقولون : الفَيْلَم : المُشْط (1). وليس بشىء.
فلن الفاء واللام والنون كناية عن كلِّ أحد. ورخَّمه أبو النجمِ فقال :
فى لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاناً عَنْ فُلِ (2)
هذا فى الناس ، فإنْ كان فى غيرهم قيل : ركبتُ الفلانةَ والفرس الفلان (3).
فلو الفاء واللام والحرف المعتلّ كلمةٌ صحيحة فيها ثلاث كلمات : التَّربية ، والتفتيش ، والأرض الخالية.
فالتّربِيَة : فَلَوتُ المُهْرَ ، إذا ربَّيْته. يقال : فلاهُ يَفلوه. ويسمَّى فَلُوًّا : قال الحُطيئة :
سعيدٌ وما يفعلْ سعيد فإنَّه *** نَجيبٌ فَلَاه فى الرِّباط نَجيبُ (4)
وقولهم : فلَوتُه عن أمِّه ، أى قطعته عن الفطام (5)، فمعناه ما ذكرناه. وفَلَوْتُ المُهر وافتليتُه. قال :
1) وينشدون فى ذلك : كما فرق اللمة الفيلم.
2) المجمل واللسان (فلن) والخزانة (1 : 401). وانظر أرجوزته المنشورة بمجلة المجمع العلمى العربى (8 :472 - 479) ، وهى أرجوزة طويلة عدة أشطارها 191 شطراً وكان رؤبة يسميها «أم الرجز».
3) فى الأصل : «وفى الفردس الفلان». وفى المجمل : «قيل الفلانة والفلان».
4) ديوان الحطيئة 42 واللسان والمجمل (فلا). وسعيد هذا ، هو سعيد بن العاصى الجواد الخطيب ، كما فى اللسان والبيان (3 : 116) بتحقيقنا. وكلمة «فإنه» ساقطة من المجمل ، وإثباتها من الديوان ، واللسان ، والمجمل.
5) وكذا فى المجمل ، أى بعد الفطام. وفى اللسان : «عزله عن الرضاع وفصله».
وليس يَهْلِك منا سيّدٌ أبداً *** إلّا افتلينا غُلاماً سيِّداً فينا (1)
والكلمة الأخرى : فَلَيْتَ الرَّأس أفْليه. ثم يستعار فيقال : فلَيْتَ رأسَه بالسَّيف أفليه.
والكلمة الثالثة : الفلاة ، وهى المَفَازة ، والجمع فلواتٌ وفَلاً.
فلت الفاء واللام والتاء كلمةٌ صحيحة تدلُّ على تخلُّصٍ فى سرعة. يقال : أفْلَتَ يُفْلِتُ. وكان ذلك الأمر فَلْتَةً ، إذا لم يكُنْ عن تدبُّر ولا رأىٍ ولا تردُّد (2). ويقال : تفلَّتَ إلى هذا الأمر ، كأنَّه نازَعَ إليه. وفرسٌ فَلَتَانٌ : نشيطٌ حديدُ الفؤاد. وثَوبٌ فَلُوتٌ : لا ينضمُّ طرفاهُ على لابِسِه من صِغَره ، كأنَّ معناه أنَّه يُفْلِت من اليد (3).
ومن الباب : افتُلِتَ الإنسان ، إذا ماتَ فجأة. وفى الحديث : «أُمِّى افْتُلِتَتْ نَفْسُها». والفَلْتة : آخِرُ يوم من جمادَى الآخرة.
فلج الفاء واللام والجيم أصلانِ صحيحان ، يدلُّ أحدهما على فوزٍ وغَلَبة ، والآخر على فُرْجَةٍ بين الشَّيئين المتساويين.
فالأول : قولُهم ، فُلِجَ الرَّجُل على خَصْمِه ، إذا فازَ : والسَّهم الفالِج : الفائز. والرَّجل [الفالج] : الفائز. والاسم الفُلْج. ومن أمثال العرب : «أنَا من هذا الأمر فالجُ بن خَلَاوةَ» قالوا : معناه أنا منه برىءٌ. وتفسير هذا أنَّه إذا خلا منه
فقد فازَ ، أى نجا منه. وخَلَاوة ، مِن خلا يخلو. وقال علىٌّ عليه السلام : «إنَّ المرءَ المسلم إذا لم يَغْشَ دناءَةً يَخْشَعُ إذا ذُكِرَتْ له ، وتُغْرِى به لئامَ النَّاس ، كالياسر الفالج ، ينتِظر فَوزةً من قِداحِه».
والأصل الآخر : الفَلَج فى الأسنان (1): تَباعُدُ ما بين الثَّنايا والرَّبَاعِيَات. وقال أبو بكر : «رجلٌ أفْلج الأسنانِ ، وامرأةٌ فلجَاء الأسنان ، لا بدَّ من ذِكْر الأسنان (2)». فأمَّا الفَلَج فى اليَدينِ فقال أبو عُبيد : الأفلج : الذى اعوجاجُه فى يديه ، فإنْ كان فى رجليه فهو فَحَجٌ. وهذا هو القياسُ الأوَّل ؛ لأنَّ اليدَ إذا اعوجَّت فلا بدَّ أن تتجافَى وتتباعد.
ومن الباب : الفالِج : الجَمَل (3)ذو السَّنامَين ، وسمِّى للفُرجة بينهما. وفرسٌ أفلَجُ : متباعِدُ ما بين الحَرْقَفَتين. وكلُّ شىءٍ شققتَه فقد فَلَجْتَه فَلْجين. أى نِصفَين.
قال ابن دُريد : «وإنَّما قيل فُلِجَ الرّجُل لأنَّه ذهب نِصفُه (4)». ويقال لِشُقَّة الثَّوب: فَلِيجة. والفَلَج : النَّهر ، وسمِّى بذلك لأنّه فُلجَ ، أى كأنَّ الماء شقَّه شَقَّا فصار فُرْجَة. فأمَّا الفَلُّوجة فالأرض المُصْلَحة للزَّرع ، والجمع فَلَاليج. وأمَّا الحديث : «أنَّهما فَلَجا الجزْية». فإنّه يريد قَسَماها ، وسمِّى ذلك فَلْجاً لأنّه تفريق.
فلح الفاء واللام والحاء أصلان صحيحان ، أحدُهما يدلُّ على شَقٍّ ، والآخر على فَوْزٍ وبَقاء.
فالأوَّل : فَلَحتُ الأرضَ : شَقَقتُها. والعرب تقول : «الحديد بالحديد يُفْلَح». ولذلك سمِّى الأكّار فَلَّاحا. ويقال للمشقوق الشَّفةِ السُّفلى : أفْلَحُ ، وهو بيِّن الفَلَحَة. وكان عنترةُ العبسىُّ يلقَّب «الفَلْحاء» لَفلَحةٍ كانت به. قال :
وعَغْترةُ الفَلحاءُ جاء مُلَأَّماً *** كأنَّك فنِدٌ من عَمَايةَ أسودُ (1)
والأصل الثّانى الفَلَاح : البقاء والفَوْز. وقولُ الرّجُل لامرأته : «استَفلِحِى بأمرِك» ، معناه فُوزِى بأمرك. والفَلَاح : السَّحُور. قالوا : سمِّى فَلَاحاً لأنَّ الإنسانَ تبقى معه قُوّتُه على الصَّوم. وفى الحديث : «صلّينا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حتَّى خنْنا أنْ يَفوتَنا الفَلَاح». قال الشَّاعر :
لكلِّ همٍّ من الهُمومِ سَعَهْ *** والمُسْى والصُّبْحُ لا فَلَاح مَعَهْ (2)
فلذ الفاء واللام والذال أُصَيلٌ يدلُّ على قَطْع شىءٍ من شىء. من ذلك الفِلْذة : القِطْعة من الكَبِد ، والجمع فِلْذ. قال :
تكفيه حُزَّةُ فِلْذٍ إنْ أَلَمّ بها *** من الشِّواء ويُروى شربَه الغُمَرُ (3)
1) البيت لشريح بن بجير بن أسعد التغلبى ، كما فى اللسان (فلح). وقد أنشد بن فارس قطعة من البيت فى (عنق). وفى الأصل : «جد ملأما» و «من عمامة» ، كلاهما محرف.
2) للأضبط بن قريع من أبيات فى الأمالى (1 : 107) والمعمرين 8 والخزانة (4 : 589) والأغانى (16 : 154) وحماسة ابن الشجرى 137 والبيان والتبيين (3 : 341) ومجالس ثعلب 480 والمثل السائر (1 : 260).
3) لأعشى باهلة يرثى أخاه المنتشر بن وهب الباهلى ، كما سبق فى حواشى (غمر).
فالقِطْعة من المال فِلْذةٌ أيضاً. يقال فَلَذْتُ له من مالى ، أى قطعت له فِلْدةً منه.
فلز الفاء واللام والزاء ليس فيه شىء إلّا أنّهم يقولون : الفِلِزُّ : خَبَث الحديد يَنْفِيه الكِير.
فلس الفاء واللام والسين كلمة واحدة ، وهى الفَلْس ، معروف ، والجمع فُلوس. ويقولون : أفْلَسَ الرّجل ، قالوا : معناه صار ذا فُلوسٍ بعد أن كان ذا دراهم.
فلص الفاء واللام والصاد ليس فيه شىءٌ ، لكنَّهم يقولون : الانفلاص : التفلُّت (1). وفلَّصت الشَّىء من الشى : خَلّصته. وهذا إنْ صحَّ فإنَّما هو من الإبدال ، والأصل الميم ، يقال مَلَّصَ. وممكنٌ أن يكون الأصل الخاء : خَلَّص.
فلط الفاء واللام والطاء ليس بأصل ، لأنَّه من باب الإبدال ، والأصل الراء. ويقولون: أفْلَطَه الأمرُ : فاجَأَه. وتكلَّمَ فلانٌ فِلاطاً ، إذا فاجَأَ (2)بقولِهِ. والأصل الراء فرط ، وقد ذُكِر فى بابه.
فلع الفاء واللام والعين كلمةٌ واحدةٌ تدلُّ على شَقِّ الشَّىء. تقول : فَلَعَت الشَّىءَ : شقَقْتُه. وتَفلَّعت البَيضةُ وانْفَلَعَتْ.
فلق الفاء واللام والقاف أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على فُرْجةٍ ويَيْنُونةٍ فى الشىء ، وعلى تعظيمِ شىء. من ذلك : فَلَقْتُ الشىءَ أُفْلِقُه فَلْقاً. والفَلَق : الصُّبح ؛ لأنَّ الظَّلام يَنْفلِقُ عنه. والفَلَق : مطمئنٌّ من الأرض كأنَّه انفلَقَ ، وجمعه فِلْقانٌ. والفَلق : الخَلْق كلُّه ، كأنَّه شىءٌ فُلِق عنه شىء حَتَّى أُبرِزَ وأظْهِر. ويقال : انفَلَقَ الحَجَر وغيرُه وكلَّمَنى فلانٌ من فَلْق فيه. وهو ذاك القياس. والفَالِق : فضاءٌ بين شَقِيقَتىْ رملٍ. وقَوسٌ فِلْقٌ ، إذا كانت مشقوقةً ولم تكُ قَضيباً. والفَلِيق كالهَزْمة فى جِران البَعير. قال :
فَلِيقُها أجردُ كالرُّمحِ الضَّلِعْ (1)
بكل شعشاع كجذع المزدرع
والأصل الآخَر الفليقة ، وهى الدَّاهية العظيمة. والعرب تقول : يا لَلْفليقة. والأمر العَجَبُ العظيم. وأفْلَقَ فلانٌ : أتى بالفِلْق. وكذلك يقال شاعرٌ مُفلِق. وقال سُويد (2):
إذا عَرَضَت داوِيَّةٌ مُدْلِهمَّة *** وغَرَّدَ حاديها عَمِلْنَ بِها فِلْقا (3)
والفيلق : العجبُ أيضاً.
فلك الفاء واللام والكاف أصلٌ صحيح يدلُّ على استدارةٍ فى شىء. من ذلك فَلْكة المِغزل بفتح الفاء (4)، سمِّيت لاستدارتها ؛ ولذلك قيل : فَلّك ثَدْىُ المرأة ، إذا استدار.
ومن هذا القياس فَلَكَ السماء. وفَلكْتُ الجَدْىَ بقضيبٍ أو هُلْبٍ : أدرتُه على لسانه لئلّا يرتضع. والفَلَك : قِطَعٌ من الأرض مستديرةٌ مرتفِعة عمَّا حولَها. ويقال إنَ فَلْكة اللِّسان : ما صَلُب من أصله. وأمَّا السفينة فتسمَّى فُلْكا. ويقال إنَّ الواحد والجمعَ فى هذا الاسم سواء ، ولعلَّها تسمَّى فَلْكاً لأنَّها تدار فى الماء.
فنى الفاء والنون والحرف المعتلّ. هذا بابٌ لا تنقاس كلِمُهُ ، ولم يُبْنَ على قياسٍ معلوم ، وقد ذكرنا ما جاء فيه. قالوا : فَنِىَ يَفْنَى فَناءً ، واللّه تعالى أفناهُ ، وذلك إذا انقطع. واللّه تعالى قَطَعه ، أى ذهب به. والفَنَا مَقصورٌ : عِنَب الثّعلب. والفِناء : ما امتدَّ مع الدَّار من جوانبها ، والجمع أفنية. ويقولون : هو من أفناء العرب ، إذا لم يُدْرَ ممن هو. والمُفانَاة : المداراة. قال :
أقيمه تارةً وأُقْعِدُه *** كما يُفانِى الشَّمُوسَ قائدُها (1)
والأَفانِى : نبت ، الواحدة أفانِيَة. والفَنَاة : البَقرة ، والجمع فَنَوات. وشجرةٌ فَنْواء ، إذا ذهبت أفنانُها فى كلِّ شىء ، والقياس فَنَّاءُ ، لأنّه من الفَنَن.
فند الفاء والنون والدال أصلٌ صحيح يدلُّ على ثِقَل وشدة ،
1) للكميت ، كما فى اللسان (فنى) برواية : «تقيمه تارة وتقعده». ورواية المجمل تطابق رواية المقاييس.
ويقال بعضه على بعض (1). من ذلك الفِنْد : الشِّمراخ من الجبل ، وقال قوم : هو الجبَلُ العظيم ، وبه سمِّى الرجل فِنْداً.
وممَّا يقاس عليه التفنيد ، و [هو] اللوم ، لأنّه كلام يثقل على سامعه ويشتدّ. والفَنَد : الهَرَم ، وهو ذاك القياس ، ولا يكون هَرَماً إلّا ومعه إنكارُ عقل. يقال أفْنَدَ الرّجُل فهو مُفْنِدٌ ، إذا أُهْتِر. ولا يقال عجوزٌ مُفْنِدة ، لأنَّها لم تكُ فى شبيبَتها ذاتَ رأى.
ويقولون : الفَنَد : الكذب. وممكنٌ أن يكون سمِّى كذا لأنّ صاحِبَه يفنَّد ، أى يلام. وممكنٌ أن يسمّى كذا لأنَّه شديد الإثم ، شديدٌ وِزْرُه.
فنع الفاء والنون والعين أصلٌ صحيح يدلُّ على طِيبٍ وكثرةٍ وكَرَم فالفَنَع : الكَرَم. ويقال إنَّ نَشْر المسكِ فَنَع. ويقال نَشْر الثناء الحَسن. ويقال : مالٌ ذو فَنَع ، أى كَثْرة. قال:
وقد أجودُ وما مالى بذى فَنَعٍ *** على الصَّديق وما خيرى بممنونِ (2)
وقد أجود ما مافي بذى فتح *** وقد أكر وراء الهجر البرق
ويروى : «بذى فجر». والآخر لذى الإصبع العدوانى فى المفضليات (1 : 158) وهو :
أنى لعمرك مابابي بذى غلق *** عن الصديق ولا خيرى بمعنون
فنق الفاء والنون والقاف أُصَيْلٌ يدلُّ على كَرَم ونَعْمة. من ذلك الفَنِيق : الفَحْل المكْرَم لا يُؤذَى لكرامته. ويقال الفُنَقُ : الجارية المنعَّمة. والمفنّق : * المنعّم. ن
فنك الفاء والنون والكاف كلمتان. قالوا : الفَنْك : اللَّجَاج : ويقال اللزوم. يقال : فَنَكَ : أقام.
والكلمة الأُخرى : الفَنِيك : طرف اللَّحْيين عند العَنْفقة. قال بعضُهم : سألت أبا عمرٍو الشيبانىَّ عن الفَنِيك فقال : أمَّا الأعلى فمجتمَع اللَّحيين عند الذَّقَن ، وأمَّا الأسفل فمجتمع الورِكَين حيثُ يلتقيان.
فنح الفاء والنون والحاء كلمة واحدة. يقولون : فَنَحَ الفرسُ من الماء ، إذا شرب دونَ الرِّىّ. قال :
والأخْذ بالغَبوق والصَّبُوح *** مُبرِّداً لمِقْأبٍ فَنُوحِ (1)
المِقأب : الكثير الشّرب للماء واللَّبَن. ورواها آخرون : «لمِصْأَبٍ» ، وهو الذى يشرب دونَ الرّىّ. واللّه أعلم بالصَّواب.
فهج الفاء والهاء والجيم كلمة. يقال إنَ الفَيْهَج : الخَمْر. وأنشَدوا :
ألا يا اصْبَحينا فَيْهَجاً جدرية *** بماءِ سحابٍ يسبق الحقَّ باطلى (2)
فهد الفاء والهاء والدال يدلُّ على جِنْس من الحيوان ، ثم يُستعار. فالفهد معروف ، والجمع فُهود. ويقال فَهِدَ الرَّجُل : غَفَل عن الأمور ، شُبِّه بالفَهد.
وفى حديث أمِّ زَرع (1): «إنْ دخَل فَهِدَ ، وإنْ خرجَ أَسِدَ». ويقولون هذا لأنَ الفَهد نَؤُوم.
والمستعار الفَهْدتان : لحمتا زَور الفَرس. ويقولون : الفهد : مِسمارٌ فى واسطة الرَّحْل.
فهر الفاء والهاء والراء ليس فيه من اللُّغة الأصلية شىءٌ [إلّا] كلمةٌ واحدة ، وهى الفِهر ، مؤنَّثة ، وهى الحجر من الحجارة. ويقولون : إنّ الفَهْر : أنْ يُجامِع الرّجلُ المرأةَ ويُفرِغَ فى غيرها. وقد جاء فيه. ويقال تفَهَّرَ فى المال : اتَّسعَ فيه. يقولون : ناقةٌ فَيْهَرَةٌ : شديدة. وكلُّ هذا قريبٌ بعضُه فى الضعف (2)مِن بَعض.
فهق الفاء والهاء والقاف أصلٌ صحيح يدلُّ على سَعَةٍ وامتلاء. من ذلك الفَهْق : الامتلاء. يقال : أفهَقْت الكأسَ ، إذا ملأتَها. وفى الحديث : «إن أبغضَكم إلىَّ الثّرثارُون المتفيهِقُون». واحدهم مُتفيهِق. وفى الذى يفهق كلامه ويَملأُ به فمَه قال الأعشى :
تَروحُ على آلِ المُحلِّق جَفنةٌ *** كجابيةِ الشَّيخ العراقىِ تَفهقُ (3)
قال الخليل : الفَيْهق : الواسعُ من كلِّ شىء ، حتى يقالُ مفازةٌ فيهق قال : ومُنفَهق الوادى : متَّسَعه.
ومما شذَّ عن هذا الأصل : الفَهْقَة : عظمٌ عند فائق الرَّأس (1)مشرفٌ على اللّهاة.
فهم الفاء والهاء والميم عِلْم الشىء ، كذا يقولون أهلُ اللغة (2)وفَهمٌ : قبيلة.
فوت الفاء والواو والتاء أُصَيلٌ صحيح يدلُّ على خلافِ إدراكِ الشَّىءِ والوصولِ إليه. يقال : فاته الشَّىءُ فوتاً. وتفاوَتَ الشَّيئانِ : تباعَدَ ما بينهما ، أى لم يُدرِك هذا ذاك. والافتيات : افتعالٌ من الفَوت ، وهو السَّبق إلى الشَّىء دون الائتمار (3)يقال : فلانٌ لا يُفْتاتُ عليه ، أى لا يُعْمَل شىءٌ دون أمرِه.
ومن الباب : الفَوْت : الفُرْجة بين الشَّيئين ، كالفُرجة بين الإصبَعَين. والجمع أفوات. يقال : ماتَ موتَ الفَوات ، إذا فَوجئَ ، كأنَّه فاته ما أرادَ من وصيَّةٍ وشِبْهها. ويقال : هو منِّى فَوْتَ الرُّمح. وشَتَم رجلٌ آخرَ فقال : «جعل اللّه تعالى رزقَه فوتَ فيه» ، أى حيث يراه ولا يصلُ إليه.
فوج الفاء والواو والجيم كلمةٌ تدلُّ على تجمُّع. من ذلك الفَوْج : الجماعة من النَّاس ، والجمع أفواج ، وجمع الجمعِ أفاوِج وأفاويج. وأمَّا أفاجَ الرَّجُل ، إذا أسرَعَ ، فهو من ذوات الياء ، والنَيْج منه.
فوح الفاء والواو والحاء كلمةٌ تدلُّ على ثَوْرٍ وغَليان. يقال : فاحت الرِّيح تَفوح فَوْحاً. وحكى ناسٌ : فاحت القِدرُ : غلَتْ. وأفحتُها أنا.
فود الفاء والواو والدال كلمةٌ واحدة ، ثمَّ تستعار. فالفَوْد : مُعظَم شعرِ اللِّمَّة ممَّا يلى الأذُنين ثم يقولون استعارةً لجناحَىِ العُقّاب : فَوْدان.
وممَّا ليس منه قولُهم : فاد يفود ، إذا مات ، والأصل فى هذا الياء ، وقد ذكر.
فور الفاء والواو والراء كلمةٌ تدلُّ على غَلَيان ، ثم يقاس عليها. فالفَوْر : الغَلَيان. يقال: فارت القدرُ تَفورُ فَوراً. قال :
تَفور علينا قِدرُهم فنُدِيمُها *** ونَفْثَؤُها عنَّا إذا حَمْيُها غلا (1)
وفار غضبُه ، إذا جاشَ.
وممَّا قِيس على هذا قولُهم : فَعَله من فَوْره ، أى فى بدء أمرِه ، قبل أنْ يسكُن.
1) للنابغة الجعدى ، كما سبق فى (دوم). والبيت بنسبته فى اللسان (دوم) ، وبدون نسبة فى (فثأ).
فوز الفاء والواو والزاء كلمتانِ متضادّتان. فالأولى النَّجَاة والأُخرى الهَلكة.
فالأولى قولهم : فازَ يفوز ، إذا نجا ، وهو فائز. وفاز بالأمر ، إذا ذهب به وخَلَص. وكان الرجلُ يقول لامرأته إذا طلّقها : فُوزِى بأمرك (1)، كما يقال : أمرُكِ بيدك. ويقال لمن ظَفِر بخيرٍ وذهب به. قال اللّه تعالى : ( فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ ) فازَ.
والكلمة الأخرى قولهم : فَوِّزَ الرَّجُل ، إذا مات. قال الكُميت :
فما ضرَّها أنَّ كعباً ثَوَى *** وفوّز مِن بعدِه جَدْوَلُ (2)
ثم اختُلِف فى المَفَازَة ، فقال قومٌ : سمِّيَتْ بذلك تفاؤلاً لراكبها بالسَّلامة والنَّجاة. والمَفَازَة : المَنْجَاة. قال اللّه عزّ وعلا : ( بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ ) . وقال آخرون : هى من الكلمة الثَّانية ، فَوَّزَ ، إذا هلَكَ. ثم يقال : فوَّز الرَّجُل ، إذا ركب المَفَازَة. قال :
فوّزَ من قُرَاقِرٍ إلى سُوَى (3)
1) هذه العبارة مما لم يرد فى المعاجم المتداولة. وانظر ما سبق فى (فلح).
2) اللسان (فوز) برواية : «توى» بالتاء المثناة. وروى بالثاء المثلثة ، كما هنا ، فى اللسان (ثوى). وكلاهما بمعنى واحد ، أى هلك.
3) الرجز لشاعر من المسلمين بقوله فى رافع بن عميرة الطائى ، وكان رافع دليل خالد بن الوليد فى السير من قراقر ، وهو ماء لكلب ، إلى سوى ، وهو ماء لبهراء وبينهما خمس ليال. انظر الطبرى (4 : 45) فى حوادث سنة 13 ومعجم البلدان (قراقر ، سوى). وأنشده فى اللسان (فوز).
فوص الفاء والواو والصاد كلمةٌ تدلُّ على خُلوصٍ أو خَلَاصٍ من شىء. يقال : قَبَضت على ذَنَبِ الضّبِّ فأفاصَ من يدى ، أى خلَّصَ ذنبَه. والمَفَاوَصَة فى الحديث : الإبانة. وما يُفِيص بها لسانُه ، أى يُبين.
فوض الفاء والواو والضاد أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على اتّكال فى الأمر على آخَر وردِّه عليه ، ثم يفرَّع فيردّ إليه ما يُشبهه. من ذلك فوَّضَ إليه أمرَه ، إذا ردَّه. قال اللّه تعالى فى قصّةِ من قال : ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّهِ ) .
ومن ذلك قولُهم : باتوا فَوْضَى (1)، أى مختلطين ، ومعناه أنّ كلًّا فوَّض أمرَه إلى الآخَر. قال :
طعامُهم فوضَى فَضاً فى رحالِهِمْ *** ولا يُحْسِنون السِّرَّ إلا تنادِيا (2)
ويقال : مالُهم فوضَى بينهم ، إذا لم يخالِفْ أحدُهم الآخَر. وتفاوَضَ الشَّريكان فى المال ، إذا اشتركا ففوَّض كلٌّ أمرَه إلى صاحبه (3)، هذا راضٍ بما صنع ذاك وذاك راضٍ بما صنع هذا ، ممَّا أجازته الشَّريعة.
فوع الفاء والواو والعين يدلُّ على ثَوْرٍ فى شىء. يقال لخِمْرة الطَّيب وما ثار من ريحه: فَوْعة. ويقال لارتفاع النهار : فَوعة.
فوغ الفاء والواو والغين كلمةٌ إن صحَّت. يقولون : إن الفَوغ (4): الضَّخم. يقال : امرأة فَوغاء.
فوف الفاء والواو والفاء كلمةٌ واحدة. يقولون : الفُوف : القُطن. ثم يقال للبياض يُرَى فى أظفار الأحداث : الفُوف. ومن ذلك يقال : بُرْدٌ مفَوَّف.
فوق الفاء والواو والقاف أصلانِ صحيحان ، يدلُّ أحدُهما على عُلُوٍّ ، والآخرُ على أوْبةٍ ورُجوع.
فالأوّل الفَوْق ، وهو العُلُوّ. ويقال : فلانٌ فاقَ أصحابَه يفوقُهم ، إذا علاهم وأمرٌ فائق ، أى مرتفع عالٍ.
وأمَّا الآخَر فَفُوَاق النَّاقَة ، وهو رُجوع اللَّبنِ فى ضَرعها بعد الحَلب. تقول : ما أقامَ عندَه إلَّا فُوَاقَ ناقة. واسم المجتمِع من الدِّرِّ : فيقة ، والأصل فيه الواو.
قال الأعشى :
حتَّى إذا فِيقةٌ فى ضَرْعِها اجتمَعتْ *** جاءت لتُرضِع شِقّ النفس لو رَضَعا (1)
وفى بعض الحديث فى ذكر القرآن : «أتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقَ اللَّقوح (2)». معناه لا أقرأ جزئى (3)مرّةً واحدة لكن شيئاً بعد شىء. شبَّهَه بفُواق الدِّرَّة. يقال فُوَاق وفَواق قال اللّه تعالى : ( ما لَها مِنْ فَواقٍ ) (4)أى ما لها من رُجوعٍ ولا مَثْنَوِيّةٍ ولا ارتداد. وقال غيرُه : ما لها من نَظِرة. والمعنيان قريبان. ويقولون : أفاقَ
1) ديوان الأعشى 84 واللسان (فوق).
2) هو من حديث أبو موسى الأشعرى ، تذاكر هو ومعاذ قراءة القرآن فقال أبو موسى : «أما أنا فأتفوقه تفوق اللقوح». اللسان (فوق).
3) فى الأصل : «لا أفرىء» ، صوابه فى المجمل واللسان.
4) قرأ حمزة والكسائى وخلف بضم الفاء ، وهى لغة تميم وأسد وقيس ، ووافقهم الأعمش ، والباقون بفتحها ، وهى لغة الحجاز. إتحاف فضلاء البشر 372.
السَّكرانُ يُفيق ، وذلك من أونِة عقلِه إليه. والأَفاويق : ما اجتَمَعَ من الماء فى السَّحاب.
ومن الباب الفُوق : فُوق السَّهم* وسمِّى لأنَّ الوترَ يُجعَل فيه كأنَّه قد رمى فيه ، والجمع أفواق. ويقولون : فُقًى ، وهو مقلوبٌ. ويقال سهمٌ أفْوَق (1)، إذا انكسر فُوقه.
وممَّا شذَّ عن هذين الأصلين قولهم : هو يَفُوق بنفسه. وهذا من باب الإبدال وإنما أصلُه يسوق ، والفاء بدلٌ من السين ، وذلك إذا جادَ بنفْسه.
فول الفاء والواو واللام كلمةٌ إن صحَّتْ. يقولون : الفُول : الباقلَّى.
فوم الفاء والواو والميم أصلٌ صحيحٌ مُختلَفٌ فى تفسيره ، وهو الفُوم. قال قومٌ : هو الثُّوم ، وقال آخرون : هو الحِنطة. ويقولون : فَوِّمُوا لنا ، أى اخبِزُوا.
فوه الفاء والواو والهاء أصلٌ صحيح يدلُّ على تفتُّحٍ فى شىء من ذلك الفَوَه : سَعة الفم. رجلٌ أفْوَه وامرأةٌ فوهاء. ويقولون أهلُ العربية (2): إنَّ أصلَ الفم فَوَهٌ ، ولذلك قالوا : رجلٌ أفْوَه. وفاهَ الرّجلُ بالكلام يَفُوهُ به ، إذا لفَظَ به. والمُفَوَّه : القادر على الكلام. وزعم ناسٌ أن الفَوَه أيضاً : خُروج الثَّنايا العُلْيا وطُولُها.
ومن الباب الفُوَّهَة : فم النَّهْر ، وإنما بنَوه هذا البناءَ فرقاً بين الذى للنَّهر والذى للإنسان. والفُوه : واحد أفواه الطَّيب ، مثل سُوق وأسواق. والقياس واحد ، كأنَّه لما فاحت رائحتُه فاه بها ، أى نطق.
فيج الفاء والياء والجيم يدلُّ على الإسراع. ومن ذلك الفَيْج وقد مضى ذكره ، ويقال أصله الواو. والفائجة فى الأرض : [متَّسع ما بين كلِّ مرتفعين من غِلظٍ أو رمل (1)].
فيح الفاء والياء والحاء كلمةٌ واحدة. فاح يفيح ، إذا ثار. يقال ذلك فى الرِّيح وغيرها. وفى الحديث : «الحمَّى من فَيح جهنم (2)». ويقال أصلُه الواو ، وقد مضى.
فيخ الفاء والياء والخاء كلمة. يقولون : أفاخ يُفيخ بِرِيحه. وفى الحديث : «كل بائلةٍ تُفيخ». ويقولون - وما أُراها صحيحةً - إنَ الفَيْخَة : السُّكُرُّجَة.
فيد الفاء والياء والدال أُصَيلٌ صحيح ، إلَّا أنَّ كلِمَهُ لم تجِئْ قياساً ، وهو من الأبواب التى لا تنقاس. من ذلك الفَيد ، يقولون : هو الزَّعفران. وبه سمِّى الشَّعْرَ الذى على جَحْفلة الفَرَس. والفَيْد : التَّبختُر فى المَشْى. يقال : رجلٌ فيّادٌ. فأمَّا الفيَّاد فى قول أبى النَّجم :
ولستُ بالفَيَّادةِ المُقَصْمِلِ (1)
ليس بملتاث ولا عميثل *** وليس بالقيادة المقصمل
وسبق فى 371 : «ليس بملتاث».
فيقال : هو المعجَب بنفسه المتبختِر فى مَشْيه. وقالوا : الفَيَّادة : الأكول. والفَيْد : الموت. [فاد] يَفيد. والفَيَّاد : ذكر البُوم. قال :
ويَهماء باللَّيل غَطْشَى الفلا *** ةِ يُؤْنِسُنِى صوتُ فَيَّادِها (2)
والفائدة : استحداثُ مالٍ وخَير. وقد فادت له فائدة. ويقال : أفَدْتُ غيرى ، وأفدتُ من غيرى.
فيش الفاء والياء والشين كلمةٌ واحدة يقولون : الفِياشُ : المفاخَرة. يقال : فايَشَ ، إذا فاخَرَ. قال :
أيُفايِشُون وقد رأوْا حُفَّاثَهُمْ *** قد عَضَّه فقَضَى عليه الأشجَعُ (3)
فيص الفاء والياء والصاد أُصَيل يدلُّ على جَرَيانٍ فى شىء من ماء وما أشبهه. يقال : فاصَ الماء والدَّمُ ، إذا قَطَر. قال الأصمعىُّ فى قول امرئ القَيْس :
فهو عذبٌ يَفِيصُ (4)
مابته مثل السدوس ولونه *** كشوك السيال فهو عب بفيض
وقصيدته ليست فى الديوان ، وهى فى العقد الثمين 136.
.1) ليس فى أرجوزته «أم الرجز». وفى اللسان (فيد - عمثل ، قصمل) :
2) للأعشى فى ديوانه 54 واللسان (فيد ، غطش ، يهم). وقد مضى فى (غطش). وفى الأصل واللسان (فيد): «وبهماء» ، تحريف.
3) البيت لجرير فى ديوانه 244 واللسان (حفث ، فيش). وقد سبق فى (حفث).
4) البيت بتمامه كما فى اللسان (سدس ، فيص) وشروح سقط الزند 1199 :
ما أدرى ما يَفِيص ، ولكن يقال : ما فاصَ بكلمةٍ ، أى لم يُجْرِها لسانُه. والقياس واحد. ومن الباب : ما لَه مَحِيصٌ ولا مَفِيص ، أى مَخْلَص يجرِى فيه ويمُرّ.
فيض الفاء والياء والضاد أصلٌ صحيح واحدٌ يدلُّ على جَرَيانِ الشىء بسُهولة ، ثم يقاسُ عليه. من ذلك فاضَ الماء يَفِيض. ويقال : أفاض إناءه ، إذا ملَأه حتَّى فاض. وأفاض دموعَه. ومنه : أفاض القومُ من عرَفةَ ، إذا دَفَعوا ، وذلك كجَرَيان السَّيل. قال اللّه تعالى : ( ثُمَ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ) . وأفاضَ القومُ فى الحديث ، إذا اندفَعُوا فيه. قال سبحانه : ( إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ) . ومنه : أفاضَ بالقداح ، إذا ضَرَبَ بها ، كأنّه أجراها من يده. قال :
وكأنَّهنَّ رِبابة وكأنَّه *** يَسَرٌ يُفِيض على القِداح ويَصدعْ (1)
ويقال : أفاضَ البعير بجِرَّته ، إذا دفَعَ بها من صدره. قال :
وأفَضْنَ بعد كُظُومهنَّ بجرَّةٍ *** من ذى الأباطحِ إذْ رعَيْنَ حَقيلا (2)
1) لأبى ذؤيب الهذلى فى ديوان الهذليين (1 : 44) والمفضليات (2 : 224) والسيرة 598 جوتنجن. وقد سبق فى (بب).
2) للراعى فى جمهرة أشعار العرب 174 واللسان (فيض ، كظم ، حقل) برواية : «من ذى الأبارق». وحقيل : اسم موضز. أو اسم نبات. وأنشد صدره فى المجمل (فيض). وقد سبق البيت فى (برق ، حقل) برواية : «من ذى الأبارق».
وأرضٌ ذات فُيوضٍ ، إذا كان فيها ماءٌ يَفيض. وأعطَى فلانٌ [فلاناً (1)] غيضاً من فَيض ، أى قليلاً من كثير.
قال الأصمعىّ : ونهر البَصرة وَحْدَه يُسمَّى الفيض.
ومن الباب : فاض الرَّجل ، إذا مات. قال :
فَفُقِئت عينٌ وفاضَتْ نفسُ (2)
اجتمع الناس وقالوا عرس
قال : وسمعتُ مشيخةً فصحاءَ من ربيعةَ بنِ مالك يقولون : فاضت نفسُه ، بالضاد(3)، وسمعت شيخاً منهم يُنشِد :
وكدتُ لو لا أجَلٌ تأخّرا *** تَفِيض نفسى إذ زَهاهم زُمَرا (4)
فيظ الفاء والياء والظاء كلمةٌ. يقال : فاظَ الميِّت فَيْظا ، ولا يقال فاظَتْ نفسه. قال:
لا يَدفِنُون منهمُ مَن فاظَا (5)
والأزد أمسى شلوهم لفاظا
فيف الفاء والياء والفاء كلمةٌ. الفَيف والفَيفاء : المَفَازة.
فيق الفاء والياء والقاف ، [الفِيقة] قد مضى ذِكرُها ، والأصل الواو ، وهو ما اجتَمَع من الدِّرَّة فى الضَّرع.
فيل الفاء والياء واللام أصلٌ يدلُّ على استرخاء وضَعْفٍ. يقال : رجلٌ فِيلُ الرَّأى. قال الكُمَيت :
بنى ربِّ الجوادِ فلا تَفِيلوا *** فما أنتمْ فنَعذِرَكم لِفِيلِ (1)
ويمكن أن يكون القائل من هذا ، وهو اللَّحم الذى على خُرْبة الوَرِك. ويسمَّى للينِه (2). وقال أبو عبيد : كان بعضُهم يجعل الفائِلَ عِرقاً.
ومما شذَّ عن هذا الباب المُفَايَلة : لُعْبة. ويخبِّئون الشَّىء فى التُّراب ويَقْسِمونه قسمَين ، ويسألون فى أيِّهما هو. قال طَرَفة :
يشُقُّ حَبَابَ الماء حَيزومُها بها *** كما قَسَم التُّرْبَ المُفَايِلُ باليدِ (3)
فين الفاء والياء والنون كلمةٌ. يقولون : يأتيه الفَينة [بعد الفيْنة] ، كأنّه أراد الحينَ بعد الحين. واللّه أعلمُ بالصَّواب.
فأر الفاء والألف والراء ، ويسمون الألف فيه همزة. الفأر معروف ، يقال منه : مكانٌ فَئِرٌ ، أى كثير الفأر. وفأرة المِسْك معروفة ، وهى على معنى التشبيه. وكذلك فأرة البعير ، وهى ريحٌ تجتمع فى رُسْغ البعير ، وإذا مشى انْفَشَّتْ.
فأس الفاء والألف والسين كلمة واحدة ، وتستعار. الفأس معروفة ، والعدد أفؤس ، والجمع فؤوس. ويستعار فيقال لمُؤخر القَمَحْدُوَةِ : فأسٌ [وفأس] اللِّجام : الحديدة القائمة فى الحَنَك.
فأل الفاء والألف واللام. الفأل : ما يُتفاءَل به.
فأم الفاء والألف والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على اتِّساع فى الشَّىء ، وعلى كثرة. فأمَّا الكثرة فالفئام : الجماعة من الناس. وأمَّا السَّعَة فالفِئام : وِطاءٌ يكون فى الهَودج ، وجمعه فُؤُمٌ على فُعُل. ويقال للبعير إذا امتلأ حارِكُه شَحْماً : قد فُئِم حاركُه ، وهو مُفْأَم (1). والمُفْأَم من الرِّجال : الواسع الجَوْف. قال :
أخَذْنَ خُصُور الرَّمل ثم جَزَعْنَه *** على كلِّ قَينىٍّ قَشيبٍ وَمُفْأَمِ (2)
خرجن من السوبان ثم جزعته
فأو الفاء والألف والواو أصلٌ صحيح يدلُّ على انفراجٍ فى شىء. يقال : فَأوت رأسَه بالسَّيف فأْواً ، أى فلَقته. والفَأْو : فُرجةُ ما بين الجبلَين. قال :
حتَّى انْفَأى الفَأْوُ عن أعناقها سحراً *** وقد نَشَحن فلا رىٌّ ولا هِيمُ (3)
وانصاعت الحقب لم يقصع سر اثرها *** وقد نشحن فلا رى ولا هيم
والآخر له أيضاً فى ديوانه 189 واللسان (فأو). وهو :
راحت من الخرج تهجيرا فما وقعت *** حتى انفاي؟ عن أعنالها سحرا
افأد الفاء والألف والدال هذا أصلٌ صحيح يدلُّ على حُمَّى وشِدّةِ حرارة. من ذلك : فأَدْتُ اللَّحمَ : شويته. وهذا فَئِيدٌ ، أى مشوىّ. والمِفْأد : السَّفُود. والمُفتأَد : الموضِع يُشوَى فيه. قال :
كأنَّه خارجاً من جَنْبِ صفحته *** سَفُّود شَرْبٍ نسُوه عنده مُفتَأدِ (1)
ومما هو مِن قياس الباب عندنا : الفُؤاد ، سمِّى بذلك لحرارته. والفأد : مصدر فأدتُه ، إذا أصبتَ فؤاده. ويقولون : فأَدْتُ المَلَّةَ ، إذا مَلَلْتَها.
فتح الفاء والتاء والحاء أصلٌ صحيح يدلُّ على خلافِ الإغلاق. يقال : فتحت البابَ وغيرَه فتحاً. ثمَّ يحمل على هذا سائرُ ما فى هذا البناء. فالفَتْح والفِتاحة : الحُكْم. واللّه تعالى الفاتح ، أى الحاكم. قال الشَّاعر (2)فى الفِتاحة :
ألَا أبْلِغْ بنى عوفٍ رسولاً *** بأنِّى عن فتاحتكم غنىُ (3)
والفَتح : الماء يَخرُج من عينٍ أو غيرها. والفَتْح : النَّصر والإظفار. واستفتحت : استَنْصَرت. وفى الحديث أنَّه صلی اللّه عليه [وآله] وسلم كان يَستفتحُ
بصَعاليك المهاجرين والأنصار. وفَواتحُ القُرآنِ : أوائل السُّوَر. وبابٌ فُتُحٌ ، أى واسع مفتوح.
فتخ الفاء والتاء والخاء أصلٌ صحيح يدلُّ على لِينٍ فى الشَّىء. فالفَتَخ : لِينٌ فى جناح الطَّائر. وعُقابٌ فَتخاءُ ، إذا انكسر جَناحُها فى طَيَرانها. وفَتَخَ أصابِعَ رجلِهِ فى جلوسه ، إذا ليّنها. وفى الحديث «أنّه كان عليه السلام إذا سَجَد جافى عَضُدَيه عن جنبيه ، وفَتَخَ أصابِعَ رِجلَيه». ويقال إنَ الفَتَخَ : عِرَضُ الكتف والقَدَم.
ومما شذَّ عن هذا الأصل الفَتَخ ، جمع فَتَخة ، وهى كالحَلْقة تُلبَس لُبْس الخاتم. قال :
تسقطُ منه فَتَخِى فى كُمِّى (1)
فتر الفاء والتاء والراء أصلٌ صحيح يدلُّ على ضَعفٍ فى الشَّىء. من ذلك : فَتَر الشّىء يَفْتُر فُتُوراً. والطّرْف الفاتر : الذى ليس بحديدٍ شَزْر. وفَتَّرت الشَّىءَ وأفْتَرته. قال اللّه تعالى : ( لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ) ، أى لا يُضْعَف.
ومما شذَّ عن هذا الباب : الفِتْر : ما بين طَرَف الإبهام وطرَف السّبّابة إذا فتحتَهما. وفَتْر (2): اسم امرأة ، فى قوله :
أصَرَمْتَ حَبْلَ الوُدِّ من فِتْر (3)
وهجرتها ولججت في الهجر
فتش الفاء والتاء والشين كلمةٌ واحدة تدلُّ على بحثٍ عن شىء. تقول : فتَشْت فَتْشا ، وفَتْشت تفتيشا.
فتق الفاء والتاء والقاف أصلٌ صحيح يدلُّ على فتحٍ فى شىء. من ذلك : فتَقت الشّىء فتْقاً. والفَتْق : شقُّ عصا الجماعة. والفَتْق : الصُّبح. وأعوام الفَتَق : أعوام الخِصْب. قال :
لم تَرْجُ رِسْلاً بعد أعوامِ الفَتَق (1)
يا رى الى سلعاء كالثوب؟
ويقال : أفتَقَ القمر ، إذا صادَفَ فَتقاً من سَحابٍ وطَلَع منه. وأفْتَق القومُ ، إذا انفتَقَ عنهم الغَيم.
قال الأصمعىّ : جملٌ فتيق ، إذا تفتَّقَ سِمَنا. ويقال : فَتِقَ يَفْتَق فَتَقاً. والفَيْتق : النَّجَّار ، فى قول الأعشى :
فى الباب فَيْتَقُ (2)
ولابد من جار؟ صهيلها *** كما؟ الكى في الباب فيق
لكن فى الديوان : يجيز سهيلها كما جوز.
فتك الفاء والتاء والكاف كلمةٌ تدلُّ على خلاف النُّسك الصَّلاح. من ذلك الفَتْك ، وهو الغَدْر ، وهو الفِتْك أيضا (3). يقال : فتَكَ به : اغتاله. وفى الحديث : «الإيمان قَيْد الفَتْك». وقال الشَّاعر (4): .
لا مَهْرَ أغلَى من علىٍّ وإنْ غَلَا *** ولا فَتْكَ إلّا دُونَ فتكِ ابن مُلْجِم (1)
ولم أر دبرا ساقه ذو سياحة *** كمهر قطام من فصيح وأعجم
ثلاثة آلاف وعبد والينه *** وضرب على بالمام المصمم
فتل الفاء والتاء واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على لىّ شىء. من ذلك : فتَلت الحبلَ وغيرَه. والفَتيل : ما يكون فى شِقِّ النَّواة كأنّه قد فُتِل. قال :
يَجمع الجَيش ذا الألوفِ ويَغزُو *** ثمَّ لا يرزَأ العدوَّ فَتِيلا (2)
ويقال : بل الفَتيل ما يُفتَل بين الإصبَعَين. والفَتَل : تباعُد الذِّراعين عن جنْبَىِ البعير ، كأنَّهما لُوِيَا لَيَّا وفُتِلا حتى لُوِيا. قال طَرَفة :
لها عَضُدانِ أفْتَلَانِ كأنَّها *** تمرُّ بسَلْمَىْ دالجٍ متشدِّدِ (3)
ومن أمثالهم : «فلان يَفْتِل فى ذِرْوةِ فُلانٍ» ، أى يدور من وراءِ خَديعته.
فتن الفاء والتاء والنون أصلٌ صحيح يدلُّ على ابتلاءٍ واختبار. من ذلك الفِتْنة. يقال : فتَنْتُ أفْتِنُ فَتْناً. وفَتَنْتُ الذّهبَ بالنّار ، إذا امتحنتَه. وهو مفتونٌ وفَتِين. والفَتَّان : الشَّيطان. ويقال : فتنه وأفْتَنَه. وأنكر الأصمعىُ أفتِنَ. وأنشدُوا فى أفتَنَ : .
1) رواية الطبرى : ولا قتل إلا دون قتل. وقبله :
2) لعبد القيس بن خفاف البرجمى ، يهجو النعمان بن المنذر ، كما فى الحيوان (4 : 379) والأغانى (9 : 158). ونسب فى الشعر والشعراء 112 ، 117 إلى النابغة فى هجاء النعمان. والحق أنه لعبد القيس ، فاله على لسان النابغة ، كما رواه ابن قتيبة أيضا.
3) من معلقة طرفة.
لَئِنْ أفتَنْتنى لَهْىَ بالأمسِ أفْتَنَت *** سعيداً فأضْحَى قد قَلَى كلَّ مسلمٍ (1)
وألقى مصابيح القراءة واشترى *** وصال القواني بالكتاب المنمنم
ويقال : قلبٌ فاتن ، أى مفتون. قال :
رخِيمُ الكلامِ قَطِيع القيامِ *** أضْحَى فؤادِى به فاتِنا (2)
قال الخليل : الفَتْن : الإحراق. وشىءٌ فتين : أى مُحْرَق. ويقال للحَرَّة : فَتين ، كأنَّ حجارتَها مُحرَقة.
ومما شذَّ عن هذا الأصل : الفِتَان : جِلدة الرَّحْل. وقولهم العيش فِتْنان (3)، أى لونان. وهذه يجوز أن تُحمل على القياس ، لأنّه يقول :
والعيش فِتْنان فحلوٌ ومُرّ (4)
إما على نفسي وإما لها
ويمكن أن يُختَبَر ابنُ آدَمَ بكلِّ واحدٍ منهما.
فتى الفاء والتاء والحرف المعتل أصلانِ : أحدهما يدلُّ على طَرَاوة وجِدّة ، والآخر على تبيين حكم. ا
الفَتىّ : الطَّرِىّ من الإبل ، والفَتَى من الناس : واحد الفِتْيان. والفَتاء (1): الشباب ، يقال فتًى بيِّن الفَتاء. قال :
إذا عاشَ الفتى مِائَتين عاماً *** فقد ذهبَ البشاشةُ والفَتاء (2)
والأصل الآخر الفُتْيا. يقال : أفتى الفقيه فى المسألةِ ، إذا بيَّن حكمَها. واستفتَيت ، إذا سألتَ عن الحكم ، قال اللّه تعالى : ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ) ويقال منه فَتْوى وفُتْيا.
وإذا هُمِز خَرَج عن البابين جميعا. يقال ما فَتئْتُ وفَتَأتُ أذكرُه ، أى ما زِلت. قال اللّه تعالى : ( قالُوا تَاللّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ ) ، أى لا تزالُ تَذكُر.
فثج الفاء والثاء والجيم أُصَيل يدلُّ على انقطاعٍ فى شىء ماءٍ أو غيرِه. عَدَا الرّجُل حتى أفثج ، أى أعيا (3). ويقال : بئر لا تُفْثَج ، أى لا تُنزَح وقيل ذلك لما قلنا ، فلا تُفْثَج أى لا ينقطع ماؤها. ويقال : فَثَجَت النّاقةُ ، إذا حالت فلم تَحمِل.
1) فى الأصل : «والفتيان» ، صوابه فى المجمل.
2) للربيع بن ضبع الفزارى ، كما فى المعمرين للسجستانى 7 وأمالى القالى (3 : 215) والخزانة (3 : 306) وسيبويه (1 : 106 ، 293) واللسان (فتا). وكذا جاءت روايته فى المجمل. ويروى : «فقد ذهب اللذاذة» ، و «فقد أودى المسرة».
3) فى الأصل : «أعنى» ، صوابه فى المجمل واللسان.
فثر الفاء والثاء والراء كلمةٌ واحدة ، وهى الفاثور ، وهو الخُوان يُتَّخَذ من رَخام أو نحوه. ويقولون فى بعض الكلام : هم على فاثورٍ واحد ، كأنّه أراد بساطاً واحداً.
فثأ الفاء والثاء والهمزة يدلُّ على تسكين شىء يغلى ويفور. يقال : فَثَأْتُ القِدرَ : سكَّنت من غَلَيانها. قال :
ونَفثؤها عَنّا إذا حَمْيُها غلا (1)
تفور علينا قدرهم فنديمها
ويقال : عدا حَتَّى أفثَأَ ، أى أعيا.
فجر الفاء والجيم والراء أصلٌ واحدٌ ، وهو التفتح فى الشَّىء. من ذلك الفَجْر : انفِجار الظُّلمة عن الصُّبح. ومنه : انفجَرَ الماء انفجاراً : تفتَّحَ. والفُجْرَة : موضع تفتُّح الماء. ثمَّ كثُر هذا حتَّى صار الانبعاثُ والتفتُّح فى المعاصى فُجورا ولذلك سمِّى الكَذِب فجوراً. ثم كثُر هذا حتَّى سمِّى كلُّ مائلٍ عن الحقِ فاجرا. وكلُّ مائلٍ عندَهم. فاجر. قال لبيد :
فإنْ تتقدَّمْ تَغْشَ منها مقدَّما *** غليظاً وإن أخَّرتَ فالكِفل[فاجرُ (2)]
ومن الباب الفَجَر ، وهو الكرم والتفجُّر بالخير. ومَفَاجِر الوادى : مَرافِضُه ، ولعلَّها سمِّيت مفاجرَ لانفجار الماء فيها. قال :
بجَنْبِ العَلَنْدَى حيث نام المَفاجِرُ (1)
وصدره فى المعجم :
تحصلن حتى المت لسن بولوحا
وفى الأصل : «رام المفاجر» ، صوابه فيهما.
ومُنْفجر الرمل (2): طريق يكون فيه. ويوم الفِجارِ (3). يومٌ للعرب استُحِلّتْ فيه الحُرمة.
فجس الفاء والجيم والسين كلمة إنْ صحَّت. يقولون : الفَجْس : التكبُّر والتعظُّم. يقال منه : تَفَجَّسَ.
فجع الفاء والجيم والعين كلمةٌ واحدة ، وهى الفَجِيعة ، وهى الرَّزيَّة. ونزلتْ بفلان فاجعةٌ ، وتفجَّعَ ، إذا توجَّع لها.
فجل الفاء والجيم واللام كلمةٌ هى نَبْت ، وقال قوم : فَجِلَ الشىء (4): غَلُظ واستَرْخَى. وكلُّ شىء عَرَّضته فقد فجَّلْتَه.
1) للراعى ، كما فى معجم البلدان (العلندى). وأنشد هذا العجز فى المجمل بدون نسبة.
2) فى الأصل : «الماء» ، صوابه فى المجمل واللسان.
3) إنما هى أيام. انظر العمدة (2 :169 - 170) وكامل ابن الأثير (1 : 358) والمبرد 180 والأغانى (9 : 12 / 19 : 73 - 81) والخزانة (2 : 504).
4) فى القاموس : «فجل كفرع ونصر فجلا ويحرك». وضبط فى اللسان بالقلم بكسر الجيم فقط. وضبط فى المجمل بتشديد الجيم مفتوحة ، ولم يضبط فى أصل المقاييس.
فجو (1)الفاء والجيم والحرف المعتل يدلُّ على اتِّساعٍ فى شىء. فالفَجْوة : المتَّسَع بين شَيئين. وقَوْسٌ فَجْواء : بانَ وترُها عن كَبدها. وفَجوة الدَّار : ساحتُها. والفَجَا : تَباعُدُ ما بين عُرقوبَىِ البعير وإذا هُمِزَ قلت : فَجِئَنى الأمرُ يفجَؤُنى (2).
فجم الفاء والجيم والميم. زعم ابنُ دريد : تفجَّم الوادِى وانفجم ، إذا اتّسع. وهذه فُجْمَة الوادِى ، أى متَّسَعُه (3).
فجن الفاء والجيم والنون. يقولون : إنَّ السَّذَاب يقال له الفَيْجَن (4).
فحص الفاء والحاء والصاد أصلٌ صحيح ، وهو كالبحث عن الشىء. يقال : فحصت عن الأمر فحصاً. وأُفحوص القَطا : موضِعُها فى الأرض ، لأنَّها تفحصه. وفى الحديث : «فَحَصُوا عن رءوسهم». كأنَّهم تركوها مثلَ أفاحِيص القَطا فلم يَحلِقُوا* عنها (5). وفَحَصَ المطرُ التُّرَاب ، إذا قلَبَه.
1) وكذا ورد ترتيب هذه المادة فى المجمل ، فآثرت إبقاءها كما هى.
2) ويقال أيضاً فجأه يفجؤه ، وفاجأه يفاجئه.
3) الجمهرة (2 : 108) مع تصرف هنا. والفجمة ، لم ترد فى القاموس. ووردت فى اللسان بفتح الفاء وضمها ، وضبطت فى الجمهرة بالضم فقط.
4) قال ابن دريد : «لغة شامية ولا أحسبها عربية صحيحة».
5) وكذا وردت العبارة فى المجمل.
فحس الفاء والحاء والسين. يقولون : الفَحْس : لَحْسُك (1)الشىءَ بلسانك عن يَدِك.
فحش الفاء والحاء والشين كلمةٌ تدلُّ على قُبحٍ فى شىء وشَناعة. من ذلك الفحْش والفَحْشاء والفاحشة. يقولون : كلُّ شىء جاوَزَ قَدرَه فهو فاحش ؛ ولا يكون ذلك إلّا فيما يُتَكَرَّه. وأفْحَشَ الرّجلُ : قال الفُحْشَ ، وفَحَشَ ، وهو فَحَّاش. ويقولون : الفاحش: البخيل ، وهذا على الاتِّساع ، والبخلُ أقبحُ خِصال المرء. قال طرفة :
أرَى الموتَ يَعتامُ الكِرامَ ويصطفى *** عقيلةَ مالِ الفاحشِ المتشدِّدِ (2)
فحل الفاء والحاء واللام أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على ذَكارةٍ (3)وقُوَّة. من ذلك الفَحْلُ من كلِّ شىء ، وهو الذَّكَرُ الباسل. يقال : أفحلتُه فحلاً ، إذا أعطيتَه فحلاً يَضرِب فى إبله. وفَحَلْتُ إبلى ، إذا أرسلتَ فيها فحلَها. قال :
نَفحَلها البِيضَ القليلاتِ الطَّبَعْ (4)
وهذا مثَلٌ ، أى نُعَرْقِبُهَا بالبِيض. يصف إبلاً عُرْقِبَتْ بالسُّيوف.
وأمّا الحصير المتَّخَذ من الفُحّال فهو يسمَّى فَحْلاً لأنَّه من ذلك يُتَّخَذ. والفُحّال :
1) فى الأصل : «فحس يحسبك» ، صوابه فى المجمل.
2) من معلقته المشهورة.
3) كذا فى الأصل. ومن عجب أن المعاجم المتداولة لم تذكر مصدرا للذكر مقابل الأنثى ، فليس فيها «ذكارة» ولا «ذكورة» مع شيوع استعمال الأخيرة. كما أن «الأنوثة» لم تنص عليها المعاجم أيضا.
4) لأبى محمد الفقعسى ، كما فى اللسان (فحل) وتهذيب إصلاح المنطق. انظر إصلاح المنطق 50 ، 267.
فُحَّال النَّخْل ، وهو ما كان من ذُكوره فحلاً لإناثه ، والجمع فَحاحيل. وفَحْلٌ فَحِيلٌ : كريمٌ. قال :
كانتْ نجائبُ مُنْذِرٍ ومحرِّقٍ *** أُمَّاتِهِنَّ ، وطَرْقُهُنَّ فَحِيلا (1)
والعرب تسمِّى سهيلاً : الفحل ، تشبيهاً له بفحل الإبل ، لاعتزالِهِ النجوم ، وذلك أنَ الفحلَ إذا قَرَعَ الإبلَ اعتزَلَهَا. ويقولون على التشبيه : امرأةٌ فَحْلَة ، أى سليطة.
فحم الفاء والحاء والميم أصلانِ ، يدلُّ أحدُهما على سوادٍ والآخر على انقطاع.
فالأوَّل الفحْم ويقال الفَحَم ، وهو معروف. قال :
كالهَبْرَقِىِّ تَنَحَّى ينفُخ الفَحَما (2)
مولى الريح روقيه وجبهته
ويقال : فحَّمَ وجهَه ، إذا سوّده. وشعرٌ فاحم : أسود. وفَحمة العِشاء : سَواد الظَّلام.
والأصل الآخر : بكى الصَّبىّ حتَّى فَحُم (3)، أى انقطع صوتُه من البُكاء. ويقال : كلَّمتُه حتى أفحمتُه. وشاعرٌ مُفحَم : أى انقطَعَ عن قول الشَّعْر.
فحو الفاء والحاء والحرف المعتلّ كلمةٌ واحدة. منها الفَحَا : أبزارُ القدر. يقال : فحِ قِدرَك. فأمَّا فَحوَى الكلامِ فهو ما ظَهَرَ للفهم من مَطَاوِى الكلام ظهورَ رائحة الفحاء من القدر ، كفَهْم الضَّرب من الأفّ.
فحث الفاء والحاء والثاء كلمةٌ واحدة. فالفَحث : الجَوْف. يقال : ملأ أفحاثه ، أى جوفَه.
فحج الفاء والحاء والجيم كلمةٌ واحدة ، وهى الفَحَج ، وهو تباعُدُ ما بين أوساطِ السّاقَينِ فى الإنسانِ والدّابة. والنَّعت أفحجُ وفحجاء ، والجمع فُحْج.
فخر الفاء والخاء والراء أصلٌ صحيحٌ ، وهو يدلُّ على عِظَم وقِدَم. من ذلك الفخر. ويقولون فى العبارة عن الفَخْر : هو عَدُّ القديم ، وهو الفَخَر أيضاً.
قال أبو زيد : فَخَرت الرَّجلَ على صاحبه أفْخَرُه فخراً : أى فضَّلتُه عليه. والفَخِير : الذى يفاخرك ، بوزن الخصيم. والفِخِّير : الكثير الفَخْر. والفاخر : الشىء الجيِّد. والتفخُّر : التعظّم. ونخلةٌ فَخُور : عظيمة الجِذْع غليظةُ السَّعَف. والناقة الفَخور : العظيمة الضَّرْع القليلةُ الدَّرِّ. كذا قال ابن دريد (1). والفاخر من البُسْر : لذى يعظُمُ ولا نَوَى فيه. ويقولون : فرسٌ فَخُور ، إذا عظُمَ جُرْدانُه. ومما شذَّ عن هذا الأصل الفَخَّار من الجِرَارِ (2)، معروف.
فخل الفاء والخاء واللام ليس فيه شىءٌ. غير أنَّ ابنَ دريد (1)زعم أنَّه يقال : تفخّل الرجل ، إذا أظهَرَ الوقار والحِلْمَ. وتفخَّل أيضاً ، إذا تهيَّأ ولَبِسَ أحسنَ ثيابِه.
فخم الفاء والخاء والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على جَزَالةٍ وعِظَم. يقال : منطِقٌ فَخْم : جزل. ويقولون : الفَخْم من الرِّجال : الكثير لحم الوجْنَتين.
فخت الفاء والخاء والتاء كلمة ، وهى الفَخْت ، ويقولون : إنَّه ضوء القمرِ أوّلَ ما يبدو منه. ومنه اشتقاق الفاختة ، للونها.
فخذ الفاء والخاء والذال كلمةٌ واحدة ، وهى الفَخِذ من الإنسان ، معروفة ، واستعير* فقيل الفَخْذ بسكون الخاء ، دون القَبِيلة وفوق البَطْن ، والجمع أفخاذ.
فدر الفاء والدال والراء أصلٌ صحيح يدلُّ على قَطْعٍ وانقطاع. من ذلك الفِدْرَة : القِطعةُ من اللَّحم ؛ ولست أدرِى أُبنِىَ منها فعلٌ أم لا. ويقولون : فَدَرَ الفحلُ ، إذا عَجَز عن الضِّراب ، وهو فادر. وسمِّى لأنَّه إذا عَجَز فقد قَطَعه. وجمع فادر فوادر.
1) فى الجمهرة (2 : 238).
وقال ابن دريد (1): هذا مما نَدَر فجاء منه فاعل على فواعل. والمَفْدَرة : مكان الوُعول الفُدْر.
فدش الفاء والدال والشين ليس فيه إلَّا [طريفة] من طرائف. ابن دريد (2)، قال : فدشت الشَّىء ، إذا شدختَه. وفدشْتُ رأسَه بالحجَر.
فدع الفاء والدال والعين أصلٌ فيه كلمة واحدة ، وهى الفَدَع : عِوَجٌ فى المفاصل ، كأنَّها قد زالت عن أماكنها. ويقولون : كلُّ ظليم أفدع ، وذلك أنَّ فى مفاصله انحرافاً. ويقال بل الفدَع : انقلابُ الكفِّ إلى إنسيِّها ، يقال منه : فَدِعَ يفدَع فَدَعاً.
فدغ الفاء والدّال والغين. زعم ابنُ دريد (3)أن الفَدْغ : الشَّدخ. وذَكَر الحديث : «إذاً تَفْدَغَ قُرَيشٌ رأسى (4)». وهذا صحيح.
فدم الفاء والدال والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على خُثورة وثِقَلٍ وقِلّة. كلامٍ فى عِىٍّ. من ذلك قولُهم : صِبْغٌ مُفَدَّم (5)، أى خاثر مشبّع. قالوا : ومن قياسِه الرّجلُ الفَدْم ، وهو القليل الكلام مِن عِىّ. وهو بيِّنُ الفُدُومة والفَدامة وهذا كلُّه قياسُه الفِدام : الذى تُفَدُّم به الأباريقُ لتصفية ما فيها من شَراب.
فدك الفاء والدال والكاف كلمةٌ واحدة ، وهى فَدَك : بلد. ومن طرائف ابن دريد : فَدَكْتُ القطن (1): نفشتُه. قال : وهى لغةٌ أزْديَّة.
فدن الفاء والدال والنون كلمةٌ واحدة ، وهى الفَدَن ، يقولون : إنَّه القَصْر.
فدى الفاء والدال والحرف المعتل كلمتانِ متباينتان جدَّا. فالأولى : أنْ يُجعلَ شىءٌ مكانَ شىء حِمًى له ، والأُخْرى شىءٌ من الطَّعام.
فالأولى قولك : فديتُه أَفدِيه ، كأنَّك تحميه بنفسك أو بشىءٍ يعوِّض عنه. يقولون : [هو (2)] فِداؤك ، إذا كسرتَ مددت ، وإذا فتحت قصرت ، يقال هو فَدَاك. قال :
فَدًى لكما رجلىَّ أمِّى وخالتى *** غداةَ الكُلاب إذْ تحزُّ الدوابِرُ (3)
وقال فى الممدود :
مهلاً فِداءً لك الأقوامُ كلُّهم *** وما أثمِّرُ من مالٍ ومن وَلَدٍ (4)
1) فى الأصل : «قد كنت» ، صوابه من المجمل واللسان والجمهرة.
2) التكملة من المجمل.
3) البيت لوعلة بن عبد اللّه الجرمى. الخزانة (1 : 199) والأغانى (15 : 73) والعقد (يوم الكلاب الثانى) واللسان (دبر).
4) للنابغة الذبيانى فى ديوانه 36 واللسان (فدى) والخزانة (3 : 8). وفداء ، تروى بالرفع على الخبرية المقدمة ، وبالنصب أى يفدونك فداء. وبالجر مع التنوين وطرح التنوين ، ففى اللسان : «ومن العرب من يكسر فداء بالتنوين إذا جاور اللام خاصة فيقول : فداء لك لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء». وقال البغدادى : «وهذا التعليل فيه خفاء ، والواضح قول أبى على فى المسائل المنثورة وقد أنشده فيها ، قال : بنى على الكسر لأنه قد تضمن معنى الحرف ، وهو لام الأمر». ثم نقل عن ابن المستوفى قوله : «يستعمل مكسورا منونا وغير منون ، حملا على إيه وإيه».
ويقال : تفادَى من الشَّىء ، إذا تحاماه وانزَوَى عنه. والأصل فى هذه الكلمةِ ما ذكرناه ، وهو التَّفادِى : أن يَتَّقىَ النّاسُ بعضُهم ببعض ، كأنَّه يجعل صاحبَه فداءَ نفسِه. قال:
تفَادَى الأُسودُ الغُلبُ منه تفاديا (1)
وصدره :
مرمین من لیث علیه مهابة
والكلمة الأخرى الفَدَاء ممدود ، وهو مَسْطَح التَّمر بلغة عبد القيس ، حكاه ابن دُريد(2). وقال أبو عمرو : الفَداء : جماعة الطَّعام من الشَّعير والتَّمر ونحوِها. قال :
كأنّ فَدَاءَها إذْ جرّدُوه *** وَطافوا حولَه سُلَكٌ يتيمُ (3)
فدج الفاء والدال والجيم. يقولون : إنَ الفَوْدج : الهَودج. قال الخليل : الفَودج : النّاقةُ الواسعة الأرفاغ. وشاةٌ مُفَوْدَجَة (4): ينتصب قرناها ويلتقى طَرَفاهُما.
فدح الفاء والدال والحاء كلمة. فَدَحَه الأمر ، إذا عالَه وأثقله ، فَدْحاً. وهو أمرٌ فادح.
1) لذى الرمة فى ديوانه 654 واللسان (فدى) والكامل 260 وأمالى الزجاجى 58.
2) الجمهرة (3 : 243).
3) البيت فى المجمل (فدا) واللسان (فدى ، جرد ، حرد ، سلف) ، والمخصص (11 : 56 / 16 : 25). ويروى : «إذ حردوه» بالحاء المهملة ، و «سلف» موضع «سلك».
4) هذه الكلمة مما فات المعاجم المتداولة. وفى المجمل : «ومجة مفودجة».
فدخ الفاء والدال والخاء ليس فيه إلَّا طريفة ابنِ دريد : فدَخْتُ الشَّىء ، مثل شَدخَته(1).
فذح الفاء والذال والحاء. ذكر ابن دريد : تفذَّحَتِ النّاقة وانفذَحَت ، إذا تفاجَّت لتَبُول (2). واللّه أعلم بالصواب.
فرز الفاء والراء والزاء أُصَيْلٌ يدل على عَزْل الشىء عن غيره. يقال : فرَزْت الشىءَ فرْزاً ، وهو مفروز ، والقِطعة فَرْزة (3).
فرس الفاء والراء والسين أُصَيل يدلُّ على وطءِ الشَّىء ودقِّه. يقولون : فَرَسَ عنقَه ، إذا دقَّها. ويكون ذلك من دقِّ العُنق (4)من الذَّبيحة. ثم صيِّر كلُّ قتلٍ فَرْسا ، يقال : فرَسَ الأسدُ فريستَه. وأبو فِراسٍ : الأسد. وممكنٌ أن يكون الفَرَس من هذا القياسِ ، لركلِهِ الأرضَ بقوائمه ووَطْئِه إيَّاها ،
ثمَّ سمِّىَ راكبُه فارساً. يقولون : هو حسَنُ الفُروسيَّة (1)والفَراسة (2). ومن الباب : التفرُّس فى الشَّىء ، كإصابة النَّظر فيه. وقياسه صحيح.
فرش الفاء والراء والشين أصلٌ صحيح يدلُّ على تمهيد الشَّىءِ وبَسْطه. يقال : فرَشتُ الفِراش أفرِشُه. والفَرْش مصدرٌ. والفَرْش : المفروش أيضاً. وسائرُ كلمِ الباب يرجعُ إلى هذا المعنى. يقال تفرَّشَ الطائرُ ، إذا قرُبَ من الأرض ورفرفَ بجناحِه. ومن ذلك الحديث: «أنّ قوماً من أصحاب النبى صلى اللّه عليه وآله أخَذُوا فَرْخىْ حُمَّرَة ؛ فجاءت الحُمَّرةُ تَفَرَّش». وقال أبو دُوَاد فى رَبِيئة :
فأتانا يَسعَى تُفَرُّشَ أمِّ ال *** بيض شَدَّا وقد تعالَى النهارُ (3)
ومن ذلك : الفَرْش من الأنعام ، وهو الذى لا يصلُح إلّا للذبحِ والأكل. وقولُه عليه الصلاة والسلام : «الوَلَد للفِراش». قال قومٌ : أراد به الزوج. قالوا : والفِراش فى الحقيقة: المرأة ، لأنَّها هى التى تُوطَأ ، ولكنَّ الزَّوجَ أُعِيرَ اسمَ المرأة ، كما اشتَرَكا فى الزَّوجيَّةِ واللِّباس. قال جَرير :
باتت تُعارِضُه وباتَ فِراشُها *** خَلَقُ العباءةِ فى الدِّماء قتيلُ (4)
؟ والصليب على؟ *** رجس موقمة العجان فاول
لويقولون : أفْرَشَ الرّجُل صاحبَه ، إذا اغتابَه وأساءَ القول. حكاهُ أبو زكريّا (1). وهذا قياسٌ صحيح ، وكأنَّهُ توطَّأه بكلامٍ غيرِ حَسَن. ويقولون : الفَرَاشة : الرّجُل الخَفيف. وهذا على التشبيه أيضاً ، لأنّه شبِّه بفَراشَة الماء. قال قومٌ : هو الماء على وجه الأرض قُبَيلَ نُضوبه ، فكأنَّه شىءٌ قد فُرِش ؛ وكلُّ خفيفٍ فَرَاشة. وقال قوم : الفَرَاشة من الأرض : الذى نَضَب عنه الماء فيَبِس وتقَشَّر.
ومن الباب : افتَرَشَ السّبعُ ذِراعَيه. ويقولون : افتَرَشَ الرّجُل لسانَه ، إذا تكلَّمَ كيف شاء. وفَرَاش الرَّأس : طرائقُ دقاقٌ تَلِى القِحْف. والفَرْش : دِقّ الحَطَب. والفَرْش : الفَضاء الواسع.
قال ابن دُريد : «فلانٌ كريم المَفَارش ، إذا تزوَّج كريم النِّساء». وجملٌ مفرَّشٌ (2): لا سَنامَ له. وقال أيضا : أكمة مُفترِشَة الظَّهر (3)، إذا كانت دَكَّاء. ويقولون : ما أفرشَ عنه ، أى ما أقلع عنه. قال :
لم تَعْدُ أن أفْرَشَ عنها الصَّقَلَهْ (4)
وهذه الكلمة تبعد عن قياس الباب ، وأظنها من باب الإبدال ، كأنَّه أفْرج. والفَراشة: فَراشة القُفْل. والفَرَاش هذا الذى يَطير ، وسمِّى بذلك لخِفَّته.
ومما شذَّ عن هذا الأصل : الفريش من الخيل : التى أتى لوَضْعها سبعةُ أيّام.
فرص الفاء والراء والصاد أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على اقتطاع شىءٍ عن شىء. من ذلك الفُرصة : القِطعة من الصُّوفِ أو القُطن. وهو مِن فَرَصت الشّىء ، أى قطعتُه. ولذلك قيل للحديدة : التى تُقْطَع بها الفِضّة : مِفْراص.
قال الأعشى :
وأدفعُ عن أعراضكم وأُعِيرُكمْ *** لِساناً كمِفراص الخَفَاجىِّ مِلحَبا (1)
ثم يقال للنُّهزة فُرصة ، لأنَّها خِلْسة ، كأنَّها اقتطاعُ شىءٍ بعَجَلة.
ومن الباب : الفريصة : اللَّحمة عند ناغِضِ الكَتِف من وسط الجَنْب. ويقال : إنَ فَرِيص العنُق : عُروقُها. وهذا من الباب ، كأنَّه فُرِص ، أى مُيِّز عن الشَّىء.
ومن الباب : الفُرافِص من النَّاس : الشَّديد البطش. وهو من الفُرافِصة ، وهو الأسد ، كأنَّه يفترص الأشياء ، أى يقتطعُها. والقومُ يتفارصون الماءَ ، وذلك إذا شربوه نَوبةً نَوبة ، كأنَّ كلَّ شَرْبةٍ من ذلك مُفتَرَصة ، أى مقْتَطَعة. والفُرصة : الشِّرب ، والنَّوبة. والفريص : الذى يُفارِصك هذه الفُرْصة.
فرض الفاء والراء والضاد أصلٌ صحيح يدلُّ على تأثيرٍ فى شىء من حزٍّ أو غيره. فالفَرْض : الحزُّ فى الشَّىء. يقال : فَرَضْتُ الخشبةَ. والحَزُّ فى
1) ديوان الأعشى 90 واللسان (فرص). وفى الديوان : «كمقراض».
سِيَة القوس فَرْضٌ ، حيث يقعُ الوتَر. والفَرْض * : الثّقب فى الزَّند فى الموضع الذى يُقدَح منه. والمِفْرض : الحديدة التى يُحَزّ بها.
ومن الباب اشتقاق الفَرْض الذى أوجَبَه اللّه تعالى ، وسمِّى بذلك لأنّ له معالمَ وحدوداً.
ومن الباب الفُرضة ، وهى المَشرَعة فى النَّهر وغيرِه ، وسمِّيت بذلك تشبيهاً بالحزِّ فى الشَّىء ، لأنَّها كالحزِّ فى طَرَف النهر وغيرِه. والفَرْض : التُّرس ، سمِّى بذلك لأنه يُفرَض من جوانبه. وقال :
أرِقْتُ له مثلَ لمعِ البشير *** يقلِّب بالكفِ فَرضاً خفيفا (1)
ومن الباب ما يَفرِضُه الحاكم من نفقةٍ لزوجةٍ أو غيرها ، وسمِّى بذلك لأنّه شىءٌ معلوم يَبِين كالأثر فى الشَّىء. ويقولون : الفَرض ما جُدتَ به على غير ثوابٍ ، والقَرض : ما كان للمكافأة. قال :
وما نالَها تجلَّتْ وأسفَرَتْ *** أخُو ثقةٍ منى بقرضٍ ولا فرضِ (2)
ومما شذَّ عن هذا الأصل الفارض : المُسنّة ، فى قوله تعالى : ( لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ ) . والفَرْض : جنسٌ من التَّمر. قال :
إذا أكلتُ سمكاً وفَرْضا *** ذهبتُ طولاً وذهبتُ عرضا (3)
والفِرْياضُ : الواسع.
فرط الفاء والراء والطاء أصلٌ صحيح يدلُّ على إزالةِ شىءِ عن مكانه وتنحيتِه عنه. يقال فرَّطت عنه ما كرِهَه ، أى نحّيته. قال :
[فلعلَّ بُطأكُما يفرِّطُ سَيِّئاً *** أو يَسبق الإسراعُ خَيراً مُقبِلا (1)]
فهذا هو الأصل ، ثم يقال أفْرَطَ ، إذا تجاوَزَ الحدَّ فى الأمر. يقولون : إيَّاك والفَرْطَ ، أى لا تجاوِز القَدْر. وهذا هو القياس ، لأنَّه [إذا] جاوَزَ القَدْر فقد أزالَ الشَّىء عن جهته. وكذلك التفريط ، وهو التَّقصير ، لأنَّه إذا قصَّر فيه فقد قَعَد به عن رُتْبته التى هى له.
ومن الباب الفَرَط والفارط : المتقدِّم فى طلب الماء. ومنه يقال فى الدعاء للصّبىّ : «اللّهمَّ اجعلْه فَرَطا لأبوَيه». أى أَجْراً متقدِّماً. وتكلِّمَ فلانٌ فِراطاً ، إذا سبقَتْ منه بوادِرُ الكلام. ومن هذا الكَلِم : أفرَطَ فى الأمر : عَجَّل. وأفرَطَت السّحابةُ بالوسمىِّ : عجَّلَتْ به. وفرّطتُ عنه (2)الشَّىء : نحّيته عنه. وفَرَس فُرُط :
تَسبِق الخيل. والماء الفِراط. الذى يكون لمن سَبَق إليه من الأحياء. وقال فى الفرس الفُرُط :
فُرُطٌ وِشاحى إذْ غدوتُ لجامُها (3)
ولقد حميت المعنى تحمل شكنى
وفُرَّاط القَطا : متقدِّماتها إلى الوادى. وفُرَّاط القوم : متقدِّموهم. قال :
فاستعجَلُونا وكانوا من صَحَابتنا *** كما تَعَجَّل فُرَّاطٌ لِوُرّاد (4)
ويقولون : أفْرَطت القربةَ : ملأتُها. والمعنى فى ذلك أنَّه إذا ملأها فقد افْرَطَ ، لأنَّ الماء يَسبِق منها فيَسيل. وغديرٌ مُفْرَطٌ : ملآنُ. وأفرطتُ القومَ ، إذا تقدَّمتَهم وتركتَهم وراءك. وقالوا فى قوله تعالى : ( وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ) : أى مؤخَّرون.
ويقولون : لقيته فى الفَرْط بعد الفَرْط ، أى الحين بعد الحين. يقال : معناه مَا فَرَط من الزَّمان. والفارطان : كوكبانِ أمام بَنات نَعْش ، كأنَّهما سمِّيا بذلك لمتقدُّمهما. وأفراط الصَّباح : أوائل تَباشيره. ومنه الفَرَط ، أى العَلَم (1)من أعلام الأرض يُهتدَى بها ، والجمع أفراط. وإيّاه أراد القائلُ (2)بقوله :
أم هل سموتُ بجَرَّارٍ له لَجَبٌ *** جَمِّ الصَّواهلِ بين الجَمِّ والفُرُطِ (3)
ويقال إنَّما هو الفَرَط ، والقياس واحد.
فرع الفاء والراء والعين أصلٌ صحيح يدلُّ على علوٍّ وارتفاعٍ وسموٍّ وسُبوغ. من ذلك الفَرْعُ ، وهو أعلَى الشىء. والفَرْع : مصدر فَرعْتُ الشىء فَرعاً ، إذا علَوتَه. ويقال : أفرَعَ بنو فلانٍ ، إذا انتجَعُوا فى أوَّل النَّاس. والفَرَع (4)
فمن واسقبقى ولم يحتصر *** من فرعه مالا ولم يكسر
: المال الطَّائل المَعدّ. والأفرع : الرَّجُل التامّ الشَّعَر ، وقد فَرِع. رقال ابن دُريد : امرأةٌ فرعاءُ : كثيرة الشّعر. ولا يقولون للرَّجُل إذا كان عظيمَ الجُمَّة : أفرع ، إنما يقولون رجلٌ [أفرعُ (1)] ضدّ الأصلع. وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أفْرَع.
ورجلٌ مُفْرَعُ (2)الكتف ، أى ناشزُها ، ويقال عريضُها.
ومن الباب : افتَرَعت البكر : افتضَضْتُها ، وذلك أنَّه يَقهرها ويعلُوها. و* أفرَعْتُ الأرضَ : جوّلتها (3)فعرفتُ خَبَرها. وفَرْعَة الطَّريق وفارعته : ما ارتفَعَ منه. وتفرَّعْتُ بنى فلانٍ : تزوَّجتُ سيِّدةَ نسائِهم. وفَرَعْتُ رأسَه بالسَّيف : علوتُه. وفَرَعتُ الجبلَ : صِرتُ فى ذِروته.
وممَّا يقارب هذا القياسَ وليس هو بعينه : الفَرَع : أوَّلُ نِتاج الإبل والغنم.
ومما شذَّ عنه الفَرَعة : دويْبَّة ، وتصغيرها فُرَيعة ، وبها سمِّيت المرأة.
وممَّا شذَّ أيضا الفَرَع ، كان شيئاً يُعمَل فى الجاهليَّة ، يُعمَد إلى جلد سَقْبٍ فيُلبَسُه سَقبٌ آخَرُ لتَرأمَه أمُّ المَنحُورِ أو الميِّت ، فى شعر أوس :
وشُبِّه الهَيْدَبُ العَبَامُ من ال *** أَقْوامِ سَقْباً مُجلَّلَا فَرَعا (4)
فأمَّا قولُهم : أفرَعْتُ فى الوادِى : انحدَرْتُ ، فهذا إنَّما هو على الفَرْق بين فَرَعْت وأفرعت (5). قال رجل من العرب : «لقيتُ فلاناً فارعاً مُفْرِعاً». يقول : أحدُنا منحدرٌ والآخرُ مُصْعِد.
1) التكملة من الجمهرة (2 : 382) واللسان.
2) كذا ضبط فى المجمل ، ولم ترد الكلمة فى القاموس ، وجاءت فى اللسان بكسر الراء.
3) يقال جول الأرض وجول فيها ، أى طوف. وفى المجمل : «حولت فيها» ، تحريف.
4) ديوان أوس بن حجر 13 واللسان (هدب ، عبم ، فرع).
5) الحق أن «أفرع» و «فرع» بالتشديد من الأضداد ، يقالان للصعود والانحدار.
فرغ الفاء والراء والغين أصلٌ صحيح يدلُّ على خُلوٍّ [وَسَعَةِ] ذَرْع. من ذلك الفَرَاغ : خِلاف الشُّغل. يقال : فَرَغ فَراغاً وفُروغاً ، وفرِغَ أيضاً. ومن الباب الفَرْغ : مَفْرَغ الدَّلْو الذى ينصبُّ منه الماء. وأفرَغْتُ الماءَ : صببتُه. وافترغْتُ ، إذا صببتَ الماءَ على نفسك. وذهب دَمُه فَرْغاً ، أى باطلا لم يُطلَبْ به. وفَرسٌ فَرِيغٌ (1)، أى واسع المَشْى ، وسمِّى بذلك لأنَّه كأنَّه خالٍ من كلِّ شىء فخَفَّ عَدْوُه ومَشْيُه. وضَربةٌ فريغٌ : واسِعَة ، وطعنةٌ أيضاً. وحَلْقةٌ مُفْرَغَة ، لأنَّه شىءٌ يصبُّ ضَبًّا. وطريق فريغ : واسع. قال :
فأجَزْتَه بأَفَلَّ تَحسِب إثْرَه *** نَهْجاً أبَانَ بذى فَريغٍ مَخْرَفِ (2)
فأمَّا قولُه تعالى : ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ) ، فهو مجازٌ ، واللّه تعالى لا يَشغَلُه شأنٌ عن شأن. قال أهل التّفسير : سنفرغ ، أى نَعْمِد ، يقال : فَرَغت إلى أمر كذا (3)
الان وقد فرغت الى نمير *** فهذا حين كنت لهم عذابا
وقال : «أى قصدت» ، ثم قال : «وأنشد النحاس»
فرغت إلى العبد المقيد في الحجل
، أى عَمَدْتُ له.فرق الفاء والراء والقاف أُصَيلٌ صحيحٌ يدلُّ على تمييز وتزييلٍ (4)بين شيئين. من ذلك الفَرْق : فرق الشعر. يقال : فرَقْتُه فَرَقاً. والفِرْق : القطيع .
من الغَنَم. والفِرْق : الفِلْق من الشَّىء إذا انفَلَقَ ، قال اللّه تعالى : ( فَانْفَلَقَ فَكانَ كُل فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) .
ومن الباب : الفَرِيقة ، وهو القَطِيع من الغَنَم ، كأنَّها قطعةٌ فارقَتْ مُعظمَ الغَنم قال الشاعر (1):
وذِفْرى كَكاهلِ ذِيخِ الخَلِيفِ *** أصابَ فريقةَ ليلٍ فعاثا (2)
توالى الزمام إذا ما ونث *** ركائبها واعتتثن احتثاثا
ومن الباب : إفراق المحموم من حُمَّاه ، وإنما يكون كذا لأنَّها فارقَتْه. وكان بعضهم يقول : لا يكون الإفراقُ إلَّا من مرضِ لا يُصيب الإنسانَ إلّا مرّةً واحدةً كالجُدَرِىِّ والحَصْبة وما أشبَهَ ذلك. وناقةٌ مُفْرِقٌ : فارَقَها ولدُها بمَوْت.
والفُرْقانُ : كتاب اللّه تعالى فَرَقَ به بين الحقِّ والباطل. والفُرْقان : الصُّبح ، سمِّى بذلك لأنه به يُفْرق بين اللَّيل والنَّهار ، ويقال لأنَّ الظُّلْمة تتفرَّق عنه. والأفرَق : الدِّيك الذى عُرْفُه مَفروق. والفَرَق فى الخيل ، أن يكونَ أحدُ وركيه أرفَعَ من الآخر. والفَرَقُ فى فُحولة الضَّأن : بُعْد ما بين الخُصْيَيْن ، وفى الشاة : بُعْد ما بينَ الطُّبْيَين. والفارِق : الخَلِفَة (3)تذهبُ فى الأرض نادَّةً من وجَع المَخَاض فتُنْتَج حيث لا يُعلم مكانُها ؛ والجمع فوارقُ وفُرَّقٌ. وسمِّيت بذلك لأنَّها فارقت سائر النُّوق. وتشبَّه السحابةُ تنفرد عن السَّحَابِ بهذه الناقة ، فيقال : فارق. .
والفارق من الناس : الذى يَفرِق بين الأمور ، يَفْصِلُها. وفَرَقُ الصُّبْحِ وفَلَقُه واحد.
ومما شَذَّ عن هذا الباب الفَرْقَ : مِكيالٌ من المكاييل ، تفتح فاؤه وتسكن. قال القُتَيبىّ : هو الفَرَق بفتح الراء ، وهو الذى جاء فى الحديث : «ما أسْكَرَ الفَرَق منه فملْء الكفِّ منه حرام». ويقال إنّه ستّةَ عشرَ رطلاً. وأنشَدَ لخِداش ابن زُهَير :
يأخذون الأرشَ فى إخوتهم *** فَرَقَ السَّمنِ وشاةً فى الغَنَم (1)
والفَرِيقة : تمرٌ يُطبَخ بحُلْبَةٍ يُتَدَاوَى به والفَروقة : شَحم الكُلْيَتَين. قال :
يُضىء لنا شَحمُ الفَرُوقةِ والكُلَى (2)
فبتنا وباتت قدرهم ذات مزة
والفَروق : موضعٌ ، كلُّ ذلك شاذٌّ عن الأصل* الذى ذكرناه.
فرك الفاء والراء والكاف أصلٌ يدلُّ على استرخاءٍ فى الشىء وتفتيلٍ له. من ذلك : فركت الشىءَ بيدى أفرُكه فركاً ، وذلك تَفتيلُك للشَّىء حتى ينفَرِك. وثوبٌ مفروكٌ بالزَّعفران : مصبوغٌ ، والأصل فيه ما ذكرناه.
ومن الباب : فَرِكَتِ المرأةُ زوجَها تَفْرَكُه ، إذا أبغضَتْه. قال :
ولم يُضِعْها بين فِرْك وعَشَقْ (3)
ورجلٌ مفرَّك : يُبغِضه النِّساء ، وإنما سمِّى فِرْكاً لأنها تلتوى وتَنفِتل عنه.
والانفراك : استرخاء المَنْكِب. وأمَّا قوله : فاركتُ صاحبى ، مثل تاركته ، فهذا من باب الإبدال.
فرم الفاء والراء والميم كلمةٌ واحدةٌ ، أظنُّها ليست عربيَّة ، وهو الاستفرام. يقولون : هو أن تحتشِىَ (1)المرأة شيئاً تضيِّق به [ما تحت إزارِها (2)]. قال الخليل : وليس هذا من كلامِ أهل البادية. قال ابنُ دُريد (3): يقال لذلك الشَّىء : فَرْمة (4). فأمَّا قول الراجز (5):
مُستفرماتٍ بالحَصَى جوافلا
فإنّه يريد خيلاً. يعنى أنَّ من شدة جريها يدخُل الحصَى فى فُرُوجها ، فشبَّه الحصى بالفَرْمة. والفَرَماء : موضعٌ (6).
فره الفاء والراء والهاء كلمةٌ تدلُّ على أَشَرٍ وحِذْق. من ذلك الفارِه الحاذِقُ بالشىء. والفَرِه : الأشِر. والفارهة : القينة. وناقةٌ مُفْرِهٌ ومُفْرِهَةٌ ، إذا كانت تُنتَجُ الفُرْه.
فرى الفاء والراء والحرف المعتلّ عُظْمُ البابِ قَطْعُ الشىء ، ثم يفرَّع منه ما يقاربُه : من ذلك : فَرَيْتُ الشىء أفرِيه فرياً ، وذلك قَطْعُكَه
لإصلاحه. قال ابن السِّكِّيت : فَرَى ، إذا خَرَز. وأفريتُه ، إذا أنتَ قَطَعْتَه للإفساد (1). قال فى الفَرْى :
ولأنْتَ تفرِى ما خلقت وبع *** ضُ القومِ يَخلُقُ ثم لا يَفْرِى (2)
ومن الباب : فلانٌ يَفْرى الفرىَ ، إذا كان يأتى بالعَجَب ، كأنَّه يَقْطع الشّىءَ قطعاً عَجَبا. قال :
قد كنتِ تَفرِينَ به الفَريَّا (3)
أى كنتِ تُكْثرين فيه القولَ وتعظِّمينه. ويقال : فَرَى فلانٌ كذِباً يَفرِيه ، إذا خَلَقَه. وتفرَّتِ الأرضُ بالعُيون : انبجَسَتْ. والفَرَى : الجَبَان (4)، سمِّى بذلك لأنَّه فُرِى عن الإقدام ، أى قُطِع. والفَرَى أيضاً : مِثلُ الفَرِىّ ، وهو العَجَب. والفَرَى : البَهْت وَالدَّهَش ، يقال فَرِىَ يَفْرَى فَرًى. قال الشَّاعر (5):
وفَرِيتُ من فَزَعٍ فلا *** أَرمِى وقد ودَّعْت صاحبْ (6)
ومن الباب الفَرْوة التى تُلبَس. وقال قومٌ : إنَّما سمِّيت فَروةً من قياس آخَر ، وهو التَّغطية ، لذلك سمِّيت فَرْوةُ الرَّأس ، وهى جلدتُه. ومنه الفَرْوة ، وهى الغِنى
1) فى الأصل : «للإنسان» وفى المجمل : «إذا أنت أفسدته».
2) زهير فى ديوانه 94 واللسان (خلق ، فرى) ، وقد سبق منسوباً فى (خلق).
3) لزرارة بن صعب ، كما فى اللسان (فرى).
4) الفرى ، بهذا المعنى ، مما فات المعاجم المتداولة ، وذكره فى المجمل.
5) هو الأعلم الهذلى ، كما فى المجمل ولسان العرب (فرا) وديوان الهذليين (2 : 78).
6) وكذا جاءت روايته فى المجمل. وفى اللسان : «من جزع». وفى اللسان والديوان : «ولا ودعت».
والثَّروة. والفَروةُ : كلُّ نباتٍ مجتمِعٍ إذا يَبِس. وفى الحديث : «أنَّ الخَضِر جلَسَ على فَرْوةٍ من الأرضِ فاخضرَّت». فإنْ صحَّ هذا فالبابُ على قياسين : أحدهما القطع ، والآخَر التَّغطية والسَّترُ بشىءٍ ثَخين.
وأمَّا المهموز فليس من هذا القياس ولا يقاس عليه غيرُه ، وهو الفَرَأ : حمار الوَحْش ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم لأبى سفيان : «كلُّ الصَّيد فى جوف الفَرَأ». وقال الشَّاعر (1):
بِضربٍ كآذانِ الفِراء (2)
يطعن ماذان الفراء فضوله *** وطعن كايزاغ الخلض تبورها
فرت الفاء والراء والتاء كلمة واحدة ، وهى الماء الفُراتُ ، وهو العَذْب. يقال : ماءٌ فرات ، ومِياهٌ فُرات.
فرث الفاء والراء والثاء أُصَيلٌ يدلُّ على شىء متفتِّت. يقال فَرَثَ كَبِدَه : فَتَّها. والفَرْث : ما فى الكَرِش. ويقال على معنى الاستعارة : أفْرَثَ فلانٌ أصحابه ، إذا سَعَى بهم وألقاهم فى بَليَّة.
فرج الفاء والراء والجيم أصلٌ صحيح يدلُّ على تفتُّح فى الشّيء. من ذلك الفُرجة فى الحائط وغيرِه : الشَّقُّ. يقال : فَرَجْته وفرَّجته. ويقولون : إنَ الفَرْجة : التفصِّى من همٍّ أو غمّ. والقياسُ واحد ، لكنَّهم يفرقون بينهما بالفتح. قال : ا
ربَّما تجزع النّفوس من الأمْ *** رِ له فَرجة كحلِّ العِقالِ (1)
والفَرج : ما بين رِجْلَى الفَرَس. قال امرؤُ القَيس :
لها ذنبٌ مثلُ ذَيل العروس *** تَسُدُّ به فَرجَها من دُبُرْ (2)
والفُروج : الثُّغور التى بين مَواضِع المخافة ، وسمِّيت فُرُوجاً لأنَّها محتاجةٌ إلى تفقُّد وحِفْظ. ويقال : إنَ الفرجَين اللذين يُخاف* على الإسلام منهما : التُّرك والسُّودان. وكلُّ مَوضعِ مَخافةٍ فَرْج. وقوسٌ فُرُجٌ ، إذا انفجَّتْ سِيَتُها. قالوا : والرَّجُل الأفْرَجُ : الذى لا يلتقى أليتاه. وامرأةٌ فَرْجاء. ومنه الفُرُج : الذى لا يكتُم السِّرّ ، والفِرْج مثله. والفَرِج : الذى لا يزالُ ينكشفُ فَرجُه. والفَرُّوج : القَبَاء ؛ وسمِّى بذلك للفُرجة التى فيه.
ومما شذَّ عن هذا الأصل : المُفْرَج ، قالوا : هو القتيل لا يُدرَى مَن قَتلَه ، ويقال هو الحَميل لا وَلاءَ له إلى أحدٍ ولا نَسَب. ورُوى فى بعض الحديث : «لا يُتْرَك فى الإسلام مُفْرَجٌ». بالجيم.
فرح الفاء والراء والحاء أصلانِ ، يدلُّ أحدهما على خلاف الحُزْن ، والآخر الإثْقال.
فالأوَّل الفَرَح ، يقال فَرِحَ يَفرَح فَرَحاً ، فهو فَرِح. قال اللّه تعالى :
( ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ) . والمِفراح : نقيض المِحْزان.
وأمَّا الأصل الآخر فالإفراح ، وهو الإثقال. وقولُه عليه الصلاة والسَّلام : «لا يُتْرَك فى الإسلام مُفْرَحٌ». قالوا : هذا الذى أثْقَلَه الدَّين. قال :
إذا أنت لم تَبْرحْ تؤدِّى أمانةً *** وتَحمِلُ أخرى أفرحتكَ الودائعُ (1)
فرخ الفاء والراء والخاء كلمةٌ واحدة ، ويقاس عليها. فالفَرْخ : وَلَد الطَّائر. يقال : أفرَخَ الطَّائر : ويُقاس فيقال : أفْرَخَ الرُّوع : سَكَن. وليُفْرِخ رُوعك ، قالوا : معناه ليخرج عنك رَوْعُك وليفارقْك ، كما يَخرُج الفَرخ عن البيضة. ويقولون : أفرَخَ الأمر : استبانَ بعد اشتِباه. والفُرَيْخ : قينٌ كان فى الجاهليَّة ، يُنسَب إليه النِّصال أو السِّهام. قال :
ومقذُوذَين من بُرْى الفُرَيْخ (2)
فرد الفاء والراء والدال أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على وُحْدة. من ذلك الفَرْد وهو الوَتْر. والفارد والفَرْد : الثَّور المنفرِد. وظبيةٌ فاردٌ : انقطعت عن القَطيع ، وكذلك السِّدرة الفاردةُ ، انفرَدَتْ عن سائر السِّدر. وأفراد النجوم : الدَّرارىُّ فى آفاق السَّماء. والفريد : الدُّرُّ إذا نُظِم وفصِّل بَينَه بغَيرِه. واللّه أعلم بالصّواب.
فزع الفاء والزاء والعين أصلانِ صحيحان ، أحدهما الذُّعر ، والآخَر الإغاثة.
فأمَّا الأوَّل فالفَزَع ، يقال فَزِع يَفْزَع فَزَعاً ، إذا ذُعِر. وأفزَعْتُه أنا. وهذا مَفْزَعُ القوم ، إذا فَزِعوا إليه فيما يَدهَمُهم. فأمّا فَزَّعت [عنه] فمعناه كَشَّفت عنه الفَزَع. قال اللّه تعالى : ( حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ) . والمَفْزَعة : المكان يلتجئ إليه الفَزِع. قال :
طويلٌ طامحُ الطَّرف *** إلى مَفْزَعة الكلبِ (1)
والأصل الآخر الفَزَع : الإغاثة (2). قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم للأنصار: «إنَّكم لَتَكْثُرون عند الفَزَع ، وتَقِلُّون عند الطَّمَع». يقولون : أفزَعْتُه إذا رَعَبتَه ، وأفْزعتُه ، إذا أغثتَه. وفَزِعتُ إليه فأفزَعَنى ، أى لجَأتُ إليه فَزِعاً فأغاثَنى. وقال الشَّاعر (3)فى الإغاثة :
فقلتُ لكأسٍ ألجِمِيها فإنَّما *** نزَلنا الكثيبَ من زَرُودَ لنَفْزَعا (4)
1) لأبى دواد الإيادى ، أو هو لعقبة بن سابق الهزانى ، وقد سبق التحقيق فى حواشى (طمح).
2) الظاهر أن معناه فى الحديث الاستغاثة. وفى اللسان : «وقد يكون التقدير أيضاً عند فزع الناس إليكم لتغيثوهم».
3) هو الكلحبة العرنى اليربوعى. المفضليات (1 : 30) واللسان (فزع).
4) كأس : اسم بنته. فى اللسان : «حللت الكثيب» و «لأفزعا».
وقال آخر (1):
كُنَّا إذا ما أتانا صارخٌ فَزِعٌ *** كان الصُّراخَ له قَرْعُ الظَّنابيبِ
فزر الفاء والزاء والراء أُصَيلٌ يدلُّ على انفراجٍ وانصداع. من ذلك الطَّريق الفازِرُ : وهو المُنْفرِج الواسع. والفِزْر : القطيع من الغَنَم. يقال فَزرْت الشَّىء : صدَعتُه. والأفْزرُ : الذى يتطامَنُ ظهرُه ؛ والقياسُ واحد ، كأنَّه يَنْفرِقُ لحمتا ظهره. واللّه أعلم.
فسط الفاء والسين والطاء كلمتانِ متباينتان. فالفَسِيط : ثُفْرُوق التَّمرة ، ويقال قُلامة الظُّفر. والفُسطاط : الجماعة. وفى الحديث : «إنَّ يدَ اللّه تعالى عَلَى الفُسطاط». وبذلك سمِّى الفُسطاط فُسطاطاً.
فسق الفاء والسين والقاف كلمة واحدة ، وهى الفِسْق ، وهو الخُروج عن الطَّاعة. تقول العرب : فَسقَتِ الرُّطَبَةُ عن قِشْرها : إذا خرجَتْ ، حكاه الفَرَّاء. ويقولون : إنّ الفأرة فُوَيْسِقة ، وجاء هذا فى الحديث. قال ابنُ الأعرابىِّ : لم يُسْمع قَطُّ فى كلامِ الجاهليَّة فى شعرٍ* ولا كلامٍ : فاسق. قال : وهذا عجبٌ ، هو كلامٌ عربىٌّ ولم يأتِ فى شعرٍ جاهلىٍ (2).
فسل الفاء والسين واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على ضَعف وقِلَّة. من ذلك : الرّجُل الفَسْل ، وهو الردىُّ من الرِّجال. ومنه الفَسِيل : صِغار النَّخْل. وفُسَالة الحديد : سُحَالته.
فسأ الفاء والسين والهمزة. يقال فيه : تفسَّأ الثَّوبُ ، إذا بَلِىَ. وفَسَأْته أنا : مدَدْتُه حتى تفزَّر. ويقولون : فَسَأه بالعصا : ضربه. ويقولون فى غير المهموز : تفاسَى الرَّجُل تفاسِياً ، إذا أخْرَجَ عَجِيزتَه.
فسج الفاء والسين والجيم ، كلمة واحدة. يقولون : قَلوصٌ فاسجة (1)، إذا أعجَلَها الفحلُ فضَرَبها قَبْلَ وقتِ المضْرِب. ويقال بل هى الحائل السَّمينة.
فسح الفاء والسين والحاء كلمةٌ واحدة تدلُّ على سَعَةٍ واتِّساع. من ذلك الفَسيح : الواسع. وتَفَسَّحت فى المجلِس ، وفَسَّحت المجلس.
فسخ الفاء والسين والخاء كلمةٌ تدلُّ على نَقْضِ شىء. يقال : نَفَسَّخَ الشّىءُ : انتقَضَ. ويقولون : أَفْسَخْتُ الشىء : نَسِيتُه. ويقولون : الفَسِيخ : الرجلُ لا يَظفَر بحاجته.
فسد الفاء والسين والدال كلمةٌ واحدة ، فَسَدَ الشَّىء يَفْسُد فساداً وفُسوداً ، وهو فاسِدٌ وفَسِيد.
1) فى المجمل : «فاسج» ، وكلاهما يقال.
فسر الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدلُّ على بيانِ شىء وإيضاحِه. من ذلك الفَسْرُ ، يقال : فَسَرْتُ الشَّىء وفسَّرتُه. والفَسْر والتَّفسِرَة : نظَر الطَّبيب إلى الماء وحُكمهُ فيه. واللّه أعلم بالصَّواب.
فشج الفاء والشين والجيم. يقولون : فَشَجت النّاقةُ : تفاجَّتْ لتَبُول. كذلك فى كتاب الخليل. وقال ابن دريد : فَشَحت ، بالحاء ، وأنشد :
إنَّكِ لو صاحَبْتِنا مَذِحْتِ *** وحَكَّكِ الحِنْوانِ فانفشَحْتِ (1)
فشخ الفاء والشين والخاء ، فيه طَريفَةُ ابن دُريد (2). قال : الفَشْخُ : ضربُ الرأسِ باليد.
فشل الفاء والشين واللام. يقولون : تفَشَّل الماء : سالَ. والفَشْل : شىءٌ من أدَاة الهَوْدَج.
فشا الفاء والشين والحرف المعتلّ كلمةٌ واحدة ، وهى ظهورُ الشَّىء ، يقال : فَشَا الشَّىء : ظَهَر.
وحكى ابنُ دريد (3): فَشَأَ المرضُ فيهم فشُوءًا ، وتفشَّأَ تفشُّؤًا.
فشغ الفاء والشين والغين أصلٌ يدلُّ على الانتشار. يقال انفشغ الشَّىء وتفشَّغ ، إذا انتشَر. ويقولون : الفَشْغة : القُطنة فى جوف القَصَبة. والفُشاغ (1): نبات يتفشَّغُ على الشَّجر ويلتوِى. والناصية الفَشْغاء : المُنتشِرة. وتفَشَّغَ فيه الشَّيب : ظَهَر. وتفشَّغَ به الدَّم. ويقولون : أفْشَغَهُ سوطاً : ضَربَه.
فشق الفاء والشين والقاف ، ليس هو عندى أصلاً ، ولكنَّهم يقولون : الفَشَق : المُباغَتة. فَاشَقَ : باغَتَ. وفَشَقَ بنو فلانٍ الدُّنيا (2)، إذا كثُرَت عليهم فلَعِبوا بها. واللّه أعلم بالصَّواب.
فصل الفاء والصاد واللام كلمةٌ صحيحةٌ تدلُّ على تمييز الشَّىء من الشَّىء وإبانته عنه. يقال : فَصَلْتُ الشَّيءَ فَصْلاً. والفَيْصل : الحاكم. والفَصِيل : ولدُ النَّاقةِ إذا افتُصِلَ عن أُمِّه. والمِفْصَل : اللِّسان ، لأنَّ به تُفصَل. الأمور وتميَّز. قال الأخطل :
وقد ماتت عِظامٌ وَمِفْصَلُ (3)
سريع مدام يرفع الضرب رأسه *** ليحيا وقد ماتت عظامومفصل
والمفاصل : مَفاصِل العِظام. والمَفْصِل : ما بين الجبلَيْن ، والجمع مَفاصل. قال أبو ذُؤيب :
مَطَافيلَ أبكارٍ حديثٍ نِتاجُها *** يُشابُ بماءٍ مثلِ ماءِ المفاصلِ (1)
والفَصِيل : حائطٌ دونَ سُور المدينة. وفى بعض الحديث : «مَن أنفَقَ نفقةً فاصلةً فله من الأجر كذا». وتفسيره فى الحديث أنَّها التى فَصَلَت بين إيمانه وكُفره.
فصم الفاء والصاد والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على انصداعِ شىءٍ من غير بَيْنُونة. من ذلك الفَصْم ، وهو أن ينصَدِع الشَّىءُ من غير أن يَبين. وكلُّ منحنٍ من خَشَبَةٍ وغيرها فهو مفصوم. قال :
كأنَّه دُمْلُجٌ من فِضّةٍ نَبَهٌ *** فى مَلْعبٍ من عَذَارى الحىِ مفصومُ (2)
فصى الفاء والصاد والياء أصلٌ صحيح يدلُّ على تنحِّى الشَّىء عن الشَّيء. يقال تفَصَّى اللَّحمُ عن العَظْم ، وتفَصَّى الإنسانُ من البِليَّة : تَخَلَّص. والاسم الفَصْية. وفى حديث : قَيْلة : «الفَصْية واللّه ، لا يزالُ كعبُكِ عاليا». وأفْصَى : رجلٌ (3).
فصح الفاء والصاد والحاء أصلٌ يدلُّ على خُلوصٍ فى شىء ونقاء من الشَّوب. من ذلك : اللِّسان الفصيح : الطَّليق. والكلام الفصيح : العربىّ. والأصلُ أفْصَحَ اللَّبَنُ : سكنت رَغوتُه. وأفْصَحَ الرّجل : تكلَّم بالعربيَّة. وفَصُح :
جادت لغتُه حتَّى لا يلحَنُ. فى كتاب ابن دريد (1): «أفصح العربىُ إفصاحاً ، وفَصُح العجمىُ فَصاحةً ، إذا تكلَّم بالعربية». وأراه غلطاً ، والقول هو الأوّل. وحكَى : فَصُحَ اللبنُ فهو فصيح ، إذا أُخذت عنه الرِّغوة. قال :
وتحتَ الرُّغوةِ اللَّبنُ الفصيح (2)
طلم بخشوا مصالته عليهم
ويقولون : أفصَحَ الصُّبح ، إذا بدا ضوؤه. قالوا : وكلُّ واضحٍ مُفْصِحٌ. ويقال إنَّ الأعجم : ما لا ينطق ، والفصيحَ : ما ينطق.
ومما ليس من هذا الباب الفِصْح (3): عيدُ النصارى ، يقال : أفصحوا : جاء فِصحُهم.
فصد الفاء والصاد والدال كلمة صحيحة ، وهى الفَصْد ، وهو قطع العِرقِ حتَّى يسيل. والفَصيد : دمٌ كان يُجعَل فى مِعًى من فَصد عروق الإبل ، ويُشوَى ويُؤكل ، وذلك فى الشدّة تُصيب. قال الأعشى :
ولا تأخُذ السَّهمَ الحديدَ لتفصِدا (4)
إياك والميتات لأتا كلنها
ويقولون : [تفصَّد (5)] الشىء : سال.
فصع الفاء والصاد والعين يدلُّ على خروجِ شىء عن شىء. يقال : فَصَع الرُّطَبة ، إذا قَشَرَها. ويقولون : الفُصْعة : غُلْفة الصبىّ إذا اتَّسعت حتَّى تبدوَ حَشَفتُه.
1) الجمهرة (2 : 163).
2) البيت لنضلة السلمى ، كما فى اللسان (فصح). وصدره كما فى اللسان ومجالس ثعلب 9 والبيان والتبيين (3 : 338) :
3) كذا تذهب معجمات اللغة جميعها. والحق أن الكلمة كما ظهر لى معربة من العبرانية «پِيسَحْ» ، وقد حققت ذلك التأصيل بإسهاب لأول مرة فى حواشى الحيوان (4 : 534).
4) صدره كما فى ديوان الأعشى 103 :
5) التكملة من المجمل.
فضل الفاء والضاد واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على زيادةٍ فى شىء. من ذلك الفَضْل : الزِّيادة ، والخير. والإفضال : الإحسان. ورجل مُفْضِل. ويقال : فَضَل الشّىءُ يَفْضُل ، وربما قالوا فَضِلَ يَفْضُل ، وهى نادرة. وأمَّا المتفضِّل فالمدَّعى للفَضْل على أضرابِه وأقرانه. قال اللّه تعالى فى ذِكر مَن قال : ( ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ) . ويقال المتفضِّل : المتوشَّح بثَوبه. ويقولون : الفُضُل : الذى عليه قميصٌ ورداءٌ ، وليس عليه إزارٌ ولا سراويل. و [منه] قول امرئِ القَيس :
وتُضْحِى فَتيتُ المِسْكِ فوقَ فراشها *** نَؤومُ الضُّحَى لم تنتطِق عن تفضُّلِ (1)
فضى الفاء والضاد والحرف المعتلّ أصلٌ صحيح يدلُّ على انفساحٍ فى شىء واتِّساع. من ذلك الفَضاء : المكان الواسِع. ويقولون : أفضَى الرّجُل إلى امرأته : باشَرَها. والمعنى فيه عندنا أنّه شُبّه مقدَّمُ جسمه بفَضاء ، ومقدَّمُ جسمها بفضاء ، فكأنه لاقَى فضاءَها بفضائه. وليس هذا ببعيدٍ فى القياس الذى ذكرناه.
ومن هذا على طريق التشبيه : أفضَى إلى فلانٍ بسرِّه إفضاءً ، وأفضى بيده إلى الأرض ، إذا مَسَّها بباطِنِ راحته فى سُجوده وهو من الذى ذكرناه فى قياس
1) البيت من معلقته المشهورة. ويروى : «ويضحى فتيت المسك».
الفَضَاء. ويقولون : الفَضَا ، مقصور : تمر وزبيبٌ يُخلَطان. وقال بعضهم : الفَضَا مقصور : الشَّيئان يكونان فى وعاءٍ مختلطَين لا يُصَرُّ كلُّ واحدٍ منهما على حِدَة. قال :
فقلت لها يا عَمَّتَا لك ناقتِى *** وتمرٌ فضاً فى عَيْبتى وزَبيبُ (1)
وقال :
طعامُهمُ فَوضى فَضاً فى رحالهمْ (2)
ولا يحسنون الشر إلا تناديا
فضح الفاء والضاد والحاء كلمتان متقاربتان تدلُّ إحداهما على انكشافِ شىء ، ولا يكاد يُقال إلّا فى قبيح ، والأخرى على لونٍ غير حسنٍ أيضاً. فالأوَّل قولهم : أفْضَح الصُّبح وفَضَّح ، إذا بدا. ثم يقولون فى التَّهتُّك : الفُضوح. قالوا : وافْتَضَح الرّجُل* ، إذا انكشفتْ مساوِيه.
وأمَّا اللَّون فيقولون : إنّ الفَضَح : غُبْرَةٌ فى طُحْلة ؛ وهو لَوْنٌ قبيح (3). وأفْضحَ البُسر ، إذا بدَتْ منه حمرةٌ. ويقولون : الأفْضَح : الأسَد ، وكذلك البعير ، وذلك من فَضَحِ اللَّون.
فضخ الفاء والضاد والخاء فيه كلمةٌ تدلُّ على الشَّدخ. يقال : فَضَخْت الرُّطَبة : شَدَخْتُها. والفَضِيخ : رُطَبٌ يُشْدَخ ويُنْبَذ.
فطم الفاء والطاء والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على قَطْع شىء عن شىء. يقال : فَطَمَت الأمُّ ولَدَها ، وفَطَمتُ الرّجُلَ عن عادته. قال أبو نصرٍ صاحبُ الأصمعىّ : يقال فَطَمْتُ الحَبْلَ ، إذا قطعتَه. قال : ومنه فِطام الأمِّ ولَدَها.
فطن الفاء والطاء والنون كلمةٌ واحدةٌ تدل على ذكاء وعلم بشىء. يقال : رجلٌ فَطِنٌ وفَطُنٌ ، وهى الفِطْنَة والفَطَانة (1).
فطأ الفاء والطاء والهمزة كلمةٌ واحدةٌ تدلُّ على تطامُنٍ. يقال للرَّجُل الأفطس : الأفْطَأ. ويقولون : فَطِئَ البعيرُ ، إذا تطامَنَ ظهره خِلْقةً.
فطح الفاء والطاء والحاء كلمة واحدة. يقولون : فَطَّحْتُ العُود وغيرَه ، إذا عرَّضْتَه. وهو مُفَطَّح. ورأسٌ مفطَّح : عريض.
فطر الفاء والطاء والراء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على فَتْح شىء وإبرازِه من ذلك الفِطْرُ من الصَّوم. يقال : أَفْطَرَ إفطاراً. وقومٌ فِطْرٌ (2)أى مُفْطِرُون. ومنه الفَطْر ، بفتح الفاء ، وهو مصدرُ فطَرْتُ الشاةَ فَطراً ، إذا حلَبْتَها. ويقولون : الفَطْر يكون الحلبَ بإصبَعين. والفِطْرَة : [الخِلْقة (3)].
فطس الفاء والطاء والسين. فيه الفَطَس فى الأنف : انفِراشُه. وفِطِّيسَةُ الخنزير : أنْفُه. والفِطِّيس : المِطْرَقة ، ولعلَّها سمِّيت بذلك لأنَّها يُكسَرُ بها الشىء ، ويتطَامَن (1). ويقولون : فَطَسَ : مات. ويقولون : الفَطْسَة : خَرَزَة يُؤَخَّذ بها.
فظع الفاء والظاء والعين كلمةٌ واحدة. أفْظَع الأمرُ وفَظُع : اشتدَّ. وهو مُفْظِعٌ وفظيع. واللّه أعلم.
فعل الفاء والعين واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على إحداث شىء من عملٍ وغيره. من ذلك : فَعَلْتُ كذا أفعلُه فَعْلا. وكانت مِن فُلانٍ فَعْلةٌ حَسَنَةٌ أو قبيحة : والفِعَال جمع فِعْل. والفَعَال ، بفتح الفاء : الكَرَم وما يُفْعَل من حَسَن.
وبقيت كلمةٌ ما أدرى كيف صحّتها. يقولون : الفِعَال : خَشَبة الفأس.
فعم الفاء والعين والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على اتِّساعٍ وامتلاء. فالفَعْم : الملآن. فَعُم يَفْعُم فَعامةً وفُعُومة. وامرأةٌ فَعْمة السَّاقَين ، إذا امتلأت ساقُها لحماً. وأفعمْتُ الشَّىءَ : ملأته.
1) فى الأصل : «وتطامن».
فعى الفاء والعين والحرف المعتلّ كلمة واحدة ، وهى الأفعَى : حيَّة [وحَكى ناسٌ : تفعَّى الرّجل ، إذا ساءَ (1)] خُلقُه ، مشتقٌّ من الأفعى. واللّه أعلم.
فغم الفاء والغين والميم كلمتان ، إحداهما تدلُّ على فَتْح شىءٍ أو تفتُّحه ، ولا يكون إلّا طيّباً. والأخرى تدلُّ على الوَلُوع بالشَّىء. فالأولى : فَغَمَ الوردُ : تفتَّح. والرِّيح الطيِّبةُ تَفْغَم ، أى تصير فى الأنف تَفتح السُّدَّة. وأفْغَمَ المِسكُ المكانَ : ملأه برائحته.
الكلمة الأخرى : فَغِم بكذا : أُولِعَ به وحَرَصَ عليه : قال الأعشى :
[تؤمُّ ديارَ بنِى عامرٍ *** وأنتَ بآل عَقيل فَغِمْ (2)]
فغى الفاء والغين والحرف المعتلُّ كلمةٌ واحدة. يقولون : الفاغِيَة : نَوْر الحِنَّاء. يقال : أَفْغى ، إذا أخْرَجَ فاغِيَتَه. ويقولون : الفَغَا : فَسَادٌ فى البُرِّ.
فغر الفاء والغين والراء أصلٌ صحيح يدلّ على فتْح وانفتاح. من ذلك فغَر الرجلُ فاه: فتَحَه. وفَغر فوهُ ، إذا انفتح. وانفغَر النَّوْرُ : تفتَّح. والفاغرة : ضربٌ من الطيِّب. ويقال: إنّ المَفغَرة : الأرضُ الواسعة.
من ذلك (الفَرْزدقة) : القِطعة من العجين. وهذه كلمةٌ منحوتة من كلمتين (1)، من فَرَزَ ومن دَقَّ ، لأنَّه دقيقٌ عُجِنَ (2)ثم أُفرِزَت منه قطعة ، فهى من الفَرْز والدَّقّ.
ومن ذلك (الفَرقَعة) : تنقيضُ الأصابع. وهذا ممَّا زيدت فيه الراء ، وأصله فَقَع ، وقد ذكر.
ومن ذلك قولهم (افْرَنقَعوا) ، إذا تنحَّوا. وهى كلمةٌ منحوتة من فَرَقَ وفقَع ، لأنَّهم يتفرَّقون فيكونُ لهم عند ذلك فَقْعةٌ وحَرَكة.
ومن ذلك قولهم (الفِرْشِطُ) و (الفِرشاط (3)) : الواسع. وهذا مما زيدت فيه الطاء ، والأصل فَرَش ؛ ويكون ذلك من فرشت الشَّىء. ومن هذا الباب (فَرْشَط) البعير ، لأنه ينفرِش ويَنْبَسِط.
ومن ذلك (الفَلْقَم) : الواسع. وهذا من كلمتين : من فَلَق ولَقِم ، كأنّه من سَعته يَلْقَم الأشياء. والفَلْق : الفتح.
وقد ذكروا من ذلك (الفَلْحَس) الرَّجل الحريص والكلب الفَلْحَس (1)وهذا مما زيدت فيه الفاء ، والأصل لَحِسَ كأنَّه من حرصه يَلْحَس الأشياء لحسا. والفلْحَس : المرأة الرسحاء ، كأنَّ اللحم منها قد لُحِس حتَّى ذهب.
ومن ذلك (الفُرهُد) : الحادر الغليظ. وهذه منحوتةٌ من كلمتين : من فَرِه ورَهَد. فالفَرَه : كثرة اللحم ، والرَّهَد : (2)استرخاؤُه.
ومن ذلك (الفَرْشَحة) ، وهو أن يفرِّج الإنسانُ بين رجلَيه ويُباعدَ إحداهما من الأخرى ، وهو المنهىُّ عنه فى الصلاة. وهذا من كلمتين : من فَرَشَ وفَسَح ، وقد مرَّ تفسيرُهما.
ومن ذلك قولُهم : لقيت منه (الفُتَكْرِينَ) ، وهى الشَّدائد. وهذا من الفتك ، وسائره زائد.
ومن ذلك (الفَدْغَم) : الرجل العظيم الخَلْق ، والميم فيه زائدة ، وكأنَّه يَفْدَغ بخَلْقِه الأشياء فَدْغاً.
ومما وُضِع وضعاً ولعلَّ له قياساً لا نعلمُه (الفَرْقد) : ولد البَقَرة. و (الفَرقدانِ) : نجمان. و (فَقْعَسٌ) : حىٌّ من الأسَد (3). و (الفِطَحْل) : زمنٌ لم يُخلَق الناس [فيه (4)] بَعد. و (الفَلَنْقَس) : الذى أُمُّه عربيّةٌ وأبوه عجَمىّ. و (الفِرصاد) :
التُّوت. و (الفِرنِب) الفأرة (1)
يدب بالليل إلى جاره *** كفسيون دب إلى فرنب
. ويقولون : (الفُرْطُوم) : منقار الخُفّ. يقال خَفٌ مُفَرْطَم. وأمّا قوله :عَكْفَ النَّبيط يَلعبونَ الفَنْزَجا (2)
فيقال إنّه فارسىٌ (3)وإنَّه الدَّسْتَبَنْد (4). و (الفُرْعُل) : ولد الضَّبُع على ما قالُوا ، من كلام العرب. واللّه أعلم
تم كتاب الفاء واللّه أعلم بالصَّواب
تم الجزء الرابع من مقاييس اللغة بتقسيم محققه
ويليه الجزء الخامس وأوله كتاب القاف .