القرآن الکریم و روایات المدرستین جلد 1

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه : عسکری، مرتضی، - 1293

عنوان و نام پديدآور : القرآن الکریم و روایات المدرستین/ تالیف مرتضی العسکری

مشخصات نشر : تهران: مجمع العلمی الاسلامی، 1416ق. = 1996م = 1420 - 1375ق = 1999م = 1378.

مشخصات ظاهری : 3 ج.نمونه

شابک : 964-5841-09-7رایگان ؛ 964-5841-09-7رایگان ؛ 964-5841-09-7رایگان ؛ 964-5841-09-7رایگان ؛ 964-5841-09-7رایگان ؛ 964-5841-09-7رایگان ؛ 964-5841-63-1

يادداشت : چاپ قبلی: نشر توحید، 1373عربی

يادداشت : ناشر در سال 1378 به "کلیه اصول الدین" تغییر نام یافته است

يادداشت : ج. 1378 :3؛ 25000 ریال

يادداشت : ج. 3 (چاپ اول: )1378

یادداشت : کتابنامه

مندرجات : ج. 1. بحوث تمهیدیه .-- ج. 2. دراسات مقارنه لروایات مدرسه الخلفاآ حول القرآن الکریم .-- ج. 3. مناقشه مازعمه الاستاذ احسان الهی ظهیر "الف حدیث شیعی فی تحریف القرآن" و بیان زیف ما ادعاه

موضوع : قرآن -- احادیث

موضوع : قرآن -- بررسی و شناخت

موضوع : قرآن -- تحریف

شناسه افزوده : ظهیر، احسان الهی .Zahir, Ihsan Ilahiالف حدیث شیعی فی تحریف القرآن

شناسه افزوده : مجمع علمی اسلامی

شناسه افزوده : دانشکده اصول دین

رده بندی کنگره : BP141/5 /ق4‌ع5 1375

رده بندی دیویی : 297/218

شماره کتابشناسی ملی : م‌75-7985

اشارة

اشارة

سيدي يا خاتم الأنبياء و سيد المرسلين صلّى اللّه عليك و على أهل بيتك الطاهرين و زوجاتك الطيبات أمهات المؤمنين و صحابتك البررة الميامين.

سيدي منذ نيف و خمسين عاما بعثني التشرف بك حسبا و نسبا و ولاء على القيام بتمحيص سنتك سيرة و حديثا، و وفقني- اللّه تعالى- لنشر بحوث منها بين أمتك أمتنا الاسلامية تباعا.

و ها أنا ذا أتشرف بنشر أهمها أثرا و أعظمها خطرا في تمحيص ما رووا عنك في شأن القرآن الكريم الذي أنفقت عصر رسالتك في حمله إلى العالمين، و أرفعها هدية متواضعة إلى مقامك المحمود- و إن كنت كالنملة قدرا فأنت أعظم من سليمان كرما- فتقبلها برأفتك بنا معاشر أمتك، و اشفع لنا عند اللّه ليكشف ما بنا من غمّة.

المؤلّف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ (الرحمن/ 1- 4) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر/ 9) وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (يونس/ 37- 38) أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها* إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى لَهُمْ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ ...

(محمد/ 24- 26) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً* وَ لَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً* وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً* أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ

تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلًا* أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا* وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا* قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (الاسراء/ 88- 95) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (فصلت/ 26)

الإهداء

مقدمة الطبعة الأولى‌

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خاتم الأنبياء محمّد و آله الطاهرين، و السلام على أصحابه الميامين و أزواجه المنتجبات أمهات المؤمنين.

و بعد كنت لا أرى في ما مضى أيّة ضرورة لهذا النوع من البحث القرآني، لما كنت أعلم أنّ المسلمين عامّة متّفقون اليوم على أنّ القرآن الذي يتداولونه هو كلام اللّه الذي أوحاه إلى خاتم أنبيائه محمّد صلى اللّه عليه و آله، و أنّهم توارثوه عن نبيّهم جيلا بعد جيل حتّى اليوم، و أنّ الخلاف بينهم ناشئ عن تأويله و تفسيره، و أنّه إن شذّ منهم شاذّ يوما ما بقول ما، فهو من شأن الطبيعة البشرية و مجتمعاتها التي لم تخل و لن تخلو من شذوذ الشواذّ في يوم من الأيّام.

و بناء على هذه الرؤية لم أكن أرى حاجة للخوض في هذا النوع من البحث. هكذا كنت أرى.

و لمّا قامت الجمهورية الإسلامية في إيران اقتضت الدوافع السياسيّة لدى بعض الدول، التحرش عليها، فانتشرت في طول البلاد الإسلامية و عرضها كتب و رسائل و مقالات ضدّها و ضدّ خطّ أهل البيت (ع) السائد فيها. و كان أهمّ ما رفعوه في هذه الحرب السياسيّة القرآن الكريم، فألجأتني

الضرورة إلى أن أبيّن الواقع التاريخي في هذا الشأن. و كتبت موجزا من البحث في أوّل المجلد الثاني من معالم المدرستين، ظنّا منّي أنّه كاف لرفع الشبهات التي أثيرت في هذا الصدد.

غير أنّ ما تلقيت من الأسئلة حولها من شتّى البلاد و ما أنبئت أنّ بعض الدول الإسلامية دفعت و ساعدت على نشر ما يقارب مائتي كتاب و رسالة بهذا الصدد في بلاد الهند وحدها، أثبتت لي أنّ الشّبهات التي أثيرت حول مدرسة أهل البيت (ع) في شأن القرآن خاصّة، أهمّ و أوسع مما كنت أرى، أضف إليه ما كنت أراه منذ عشرات السنين من ضرورة القيام بردّ شبهات المستشرقين في ثبوت النص القرآني؛ لهذا و ذاك اتسعت بحوث الكتاب و تسلسلت حتّى بلغت ثلاثة مجلدات.

و قد اخترت لهذه الدراسة كتابي (فصل الخطاب) و (الشيعة و القرآن) ليكونا محوري هذه الدراسة، لأنّ كلا من مؤلفي الكتابين أراد أن ينتقد المدرسة الأخرى في كتابه. و حاول أن يستوعب كل شاردة و واردة في بحثه. و اقتصرت في دراستهما على ما أورداه حول كتاب اللّه المجيد، و تركت منهما ما لا يتصل بالبحوث القرآنية.

و راجعت في دراسة ما استدلّ به الشيخ النوري من مصادر دراسات مدرسة الخلفاء إلى تلك المصادر مباشرة و خرّجت الروايات منها بلا واسطة.

و كان لا بدّ لي في دراسة الروايات أن أمهّد لها دراسة خصائص المجتمع الذي نزل فيه القرآن و انتشر منه لا قارن بين تلك الروايات و الواقع التاريخي الذي يناقض تلك الروايات. و الروايات التي ناقشتها هي:

أ- روايات جمع القرآن:

فقد جاء فيها (1):

أنّه لمّا استحرّ القتل بالقراء في واقعة اليمامة خشى عمر أن يذهب كثير من القرآن بقتل القراء في الحروب، فاقترح على الخليفة أبي بكر أن يجمعه فقال:

كيف نفعل ما لم يفعله رسول اللّه (ص)؟! فلمّا اقتنع بالرأي أمر زيد بن ثابت أن يجمعه، فقال: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللّه (ص) و لما اقنعاه بالأمر أخذ يجمع القرآن مما كتب عليه و من صدور الرجال و وجد آخر سورة براءة عند خزيمة بن ثابت.

و في رواية ان ذلك كان على عهد عثمان.

و جاء في غيرها ان زيدا اقترح جمع القرآن على عمر، و عمر على أبي بكر فاستشار المسلمين، فوافقوا عليه، فأمر عمر و زيد بن ثابت أن يكتبا آية شهد عليها شاهدان، و انّ أبيّ بن كعب أخبرهم بآخر آية من القرآن، و أودع ما نسخه عند أم المؤمنين حفصة.

و في غيرها انّ الخليفة عمر سأل عن آية، فقيل كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فأمر بجمع القرآن، فكتبوا أربعة مصاحف و أنفذها الى الكوفة و البصرة و الشام و الحجاز.

و في غيرها: أنّ جمعه تمّ على عهد عثمان.

و في غيرها أنّ عمر قتل و لم يبدأ بجمع القرآن، و على عهد الخليفة عثمان جعل المعلّم يعلّم قراءة و معلم آخر يعلم قراءة اخرى فاختلف من اخذ منهم فيا.


1) نوجز في هذه المقدمة بحوث الكتاب الآتية لتساعد القارئ على استيعاب البحوث اللاتي جاءت في اول الكتاب وصلة بعضها ببعض و من ثم نذكر مصادر ما اشرنا إليه فيها.

القراءات و بلغ ذلك المعلّمين فكفّر بعضهم بعضا على قراءته ما يخالف قراءته فبلغ ذلك عثمان، فأمر بكتابة المصحف فربما اختلفوا في قراءة آية فيذكرون الرجل الذي تلقاها من رسول اللّه و هو غائب في بعض البوادي فيكتبون ما قبلها و ما بعدها، و يدعون موضعها، فيرسلون اليه حتى يحضر و يأخذون الآية منه، و يكتبونها في موقعها و أنه لمّا أتمّوا كتابة المصحف و رآه عثمان قال: أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بالسنتها!!! و انه كتب الى أهل الأمصار: أني محوت كذا من القرآن، و صنعت كذا، فامحوا ما عندكم و اصنعوا كما صنعت!!! و في غيرها ان الاختلاف في القراءات وقع في بلاد أخرى غير المدينة فطلب الخليفة من أمّ المؤمنين حفصة الصحف التي عندها، فنسخها في مصاحف و أرسلها إلى البلاد، و أحرق بعد ذلك غيرها من المصاحف.

ب- روايات الزيادة و النقصان في القرآن!!- معاذ اللّه- جاء في روايات منها:

ان أبا موسى الأشعري قال لقراء البصرة: كنّا نقرأ سورة نظير براءة أنسيتها و حفظت منها (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون ...).

و جاء في غيرها: انه كان في مصحف بعض الصحابة سورتي الحفد و الخلع (1).

و في غيرها ان ابن مسعود لم يكن يكتب في مصحفه الحمد و المعوذتيني.


1) سورتان مختلقتان مفتريتان على القرآن الكريم ياتي نصهما في بحث اختلاف المصاحف ان شاء اللّه تعالى من المجلد الثاني.

و انه كان يحكّ المعوذتين من المصحف (1)و انّ سورة الأحزاب كانت توازي سورة البقرة، و انه نسي منها ثلاثة أرباعها.

و جاء في غيرها: انه ممّا فقد من آي القرآن آية الرجم و (رضاع الكبير عشرا)، و سمّوا بعض ذلك بالنسخ و بعضها بالإنساء.

ج- روايات اختلاف المصاحف:

جاء في روايات منها:

ان امّهات المؤمنين عائشة و حفصة و أم سلمة أمرن بكتابة المصحف، و لمّا بلغ الى قوله تعالى حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى أمرن الكاتب أن يكتب بعدها (و صلاة العصر).

و نظائرها كثيرة نشير الى بعضها و ندرسها في أماكنها من البحوث الآتية ان شاء اللّه تعالى.

د- روايات النسخ و الإنساء:

جاء في روايات منها:

ان رسول اللّه (ص) سمع رجلا يقرأ القرآن في مسجده، فقال: رحمه اللّه لقد أذكرني كذا و كذا آية أسقطتها من سورة كذا و كذا. و ان صحابيين أرادا أن يقرءا في ليلة سورة نزلت على رسول اللّه (ص)، فلم يقدرا، و نسياها، فأصبحا غاديين الى رسول اللّه (ص) و أخبراه بذلك، فقال: إنها ممّا نسخ أو نسي، فالهوا عنها.

و انه كان مما ينزل به الوحي عليه ليلا و ينساه نهارا.س.


1) المعوذتان هما سورتا قل اعوذ بربّ الفلق و قل اعوذ بربّ الناس.

ه- روايات اختلاف القراءات أو القراءات المختلفة:

جاء في روايات منها ان بعض الصحابة قرأ:

1- (إن هذان إلا ساحران) بدل: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ.

2- إن ذان إلّا ساحران.

3- (سنقرئك فلا تنساها) بدل: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى 4- (صراط من أنعمت عليهم) بدل: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ و هناك مئات أخرى من قراءات مختلفة نسبت إلى الصحابة زورا و بهتانا و لعلّها تبلغ الالوف و لا ينبغي لنا أن نضيع الوقت في عدّها.

و- روايات انزل القرآن على سبعة أوجه:

رووا عن الخليفة عمر بن الخطاب انه قال سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول اللّه (ص) فلببته بردائه، و قدته الى رسول اللّه (ص).

فقال: اقرأ يا هشام فقرأ عليه القراءة الّتي سمعته يقرأ.

فقال الرسول (ص): كذلك أنزلت.

و قرأت القراءة التي أقرأنيها الرسول (ص). فقال الرسول (ص):

كذلك أنزلت ثم قال: ان القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه! و في رواية أخرى كان ذلك مع رجل، فوقع في صدر عمر شي‌ء، فضرب الرسول (ص) صدره و قال ثلاثا: ابعد شيطانا، ثم قال: يا عمر انّ القرآن كلّه صواب، ما لم تجعل رحمة عذابا او عذابا رحمة! و في رواية أخرى عن عمرو بن العاص نظير ما تقدّم و ان رسول اللّه (ص) قال لهم: ان هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فأيّ ذلك قرأتم فقد أصبتم، أحسنتم و لا تماروا فيه فإنّ المراء كفر!

و عن أبيّ بن كعب انه اختلف في القراءة مع اثنين آخرين فذهبوا الى رسول اللّه (ص) فقرأ الاثنان على الرسول اللّه (ص) خلاف القراءة التي كان أبيّ أخذها من النبي.

قال أبي: و صوّب النبي جميعها فسقط في نفسي من التكذيب و لا إذ كنت في الجاهلية، فضرب النبي في صدري، و قال: أرسل اليّ أن اقرأ القرآن على حرف، فقلت: هوّن على أمّتي فردّ إليّ الثانية: اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هوّن على أمتي، فردّ إليّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف! و في رواية اخرى: ان النبي (ص) قال: ان جبرائيل و ميكائيل أتياني فقعد جبرائيل عن يميني و ميكائيل عن يساري، فقال جبرائيل: اقرأ القرآن على حرف، فقال: اسرافيل: استزده، استزده، حتى بلغ سبعة أحرف، فكل حرف شاف و كاف.

و في رواية اخرى: ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت سميعا عليما، عزيزا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب! و في رواية أخرى نظيرها الى قوله:

حتى بلغ سبعة أحرف ليس منها إلّا شاف كاف إن قلت: غفورا رحيما، أو قلت: سميعا عليما، أو عليما سميعا فاللّه كذلك ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب.

إلى عشرات الروايات الاخرى نظائر ما تقدم ذكرها.

ز- تقويم الروايات السابقة:

أولا- في تلكم الروايات روايات إسرائيلية و روايات الغلاة و الزنادقة و من جملتها روايات موضوعة و مفتراة على اللّه و رسوله و كتابه، و فيها ما افتري بها على الصحابة و أئمة أهل البيت.

ثانيا- في تلكم الروايات روايات صحيحة غير انّ فيها مصطلحات قرآنية

تغيّرت معانيها، و تبدّلت بعد عصر الصحابة متدرّجا حتّى أصبح لها اليوم معان غير التي قصد منها في القرآن و حديث الرسول (ص) و أحاديث الصحابة.

و استعمل ذلك المصطلح في كتب علوم القرآن في المعنى الجديد له خلافا للمعنى الذي استعمل فيه في عصر الرسول حتى عصر الصحابة.

و أنتج كل ذلكم ما يأتي بيانه باذنه تعالى.

ح- نتائج الروايات و آثارها:

أولا- انّهم اعتقدوا بان في القرآن الكريم آيات منسوخة التلاوة مع بقاء حكمها و أخرى منسوخ الحكم مع بقاء قراءتها و آيات أخرى منسوخة التلاوة و الحكم جميعا و على أثر ذلك تسابقوا في استخراج الآيات الناسخة و المنسوخة لفظا أو حكما أو هما جميعا في تلكم الروايات و سجّلوا نتائج ما توصلوا إليه في عشرات المؤلفات بعنوان علم الناسخ و المنسوخ من علوم القرآن في حين أنّ اللّه ما نسخ آية ممّا أنزل على رسوله في القرآن الكريم لا لفظا و لا معنى و لا كليهما معا و نعوذ باللّه من هذا الافتراء الشنيع على اللّه الحكيم و كتابه الكريم.

ثانيا- انّ جملة ممّن سمّوا بالقرّاء الكبار اجازوا لأنفسهم أن يبدّلوا كلمات القرآن التي نزلت بلغة قريش و هوازن و قضاعة و تميم و طيئ و غيرهم من قبائل العرب. و بلغ بهم الأمر أن يتسابقوا في البحث و التقصّي عن شواذّ اللهجات في قبائل العرب و إن كان جرى ذلك على لسان بدويّ جاهل غير فصيح، و يجعلوا ذلك التلفظ الشاذّ الغلط قراءة لتلك الكلمة في القرآن الكريم حتى بلغ عدد القراءات في كلمة واحدة من كلمات القرآن الكريم عشر قراءات احداها لغة قريش مثل ما جرى لكلمة (عليهم) في قوله تعالى في سورة الحمد غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.

و بعملهم هذا أجروا من التحريف على القرآن بما لم يجر نظيره على كتاب على وجه الأرض قطّ و هذا ما عناه الإمام الباقر في قوله: (أمّا القرآن فقد

حرّفوا).

ثالثا- إنّ تلكم الروايات المفترى بها على اللّه و رسوله و كتابه و أصحاب رسوله أدت إلى:

أ- عدم فهم معاني المصطلحات القرآنية في أحاديث أخرى صحيحة.

ب- اعتقاد العلماء بوجود الناسخ و المنسوخ في آيات القرآن الكريم.

ج- تجوّز القرّاء في تحريف كلمات القرآن و اختلاقهم تلك القراءات الباطلة لها.

د- شوشت على بعض المحدّثين أمثال الشيخ النوري الرؤية الصحيحة لأمر القرآن الكريم و كتبوا في شأن القرآن الكريم و قالوا ما لا يصحّ قوله و كتابته.

ه- وجد أمثال احسان الهي ظهير و نظرائه في نشر تلكم الأقوال و إذاعتها بأوسع ما يمكن من نشره و إذاعته، خير وسيلة لنقد مدرسة أهل البيت (ع) و قدحها، فلم يألوا جهدا في ذلك. و أعانهم على نشرها في جميع بلاد العالم بعض أصحاب الطول و النفوذ و السيطرة بكلّ ما أوتوا من حول و قوّة.

رابعا- استند المستشرقون و خصوم الإسلام إليها و رووا و كتبوا أن مصاحف الصحابة كانت تختلف بعضها مع بعض مثل مصاحف عمر و علي و أبي و ابن مسعود و ابن عباس و ابن الزبير و أمهات المؤمنين عائشة و حفصة و أم سلمة و كذلك عدّوا أحد عشر مصحفا من مصاحف التابعين كانت تختلف بعضها مع بعض و ان الحجّاج غيّر من مصحف عثمان عشرة أماكن مثل يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ في سورة يونس/ 22 و التي كانت (هو الذي ينشركم في البر و البحر) فنسيت ما كان في مصحف عثمان و بقي يقرأ في القرآن ما غيره الحجّاج.

و قام المستشرقون بالبحث عن المؤلفات التي جاء فيها تغيير النصّ القرآني مثل:

ج. برجشتر الذي استخرج من كتاب البديع لابن خالويه (شواذ القرآن) خاصّة و طبعته جمعية المستشرقين الالمانية بمصر سنة 1934 م سابع سبعة مما راقهم طبعها. و مثل: د. آرثر جفري الذي طبع كتاب المصاحف لابن أبي داود السجستاني (ت 316) بمصر سنة 1936 م لما فيها من روايات من اختلاف المصاحف و القراءات.

ط- بداية الوضع و الدسّ و الافتراء:

في بحث (دواعي وضع الحديث) من باب (مع معاوية) من المجلد الأول من كتاب أحاديث أم المؤمنين عائشة و في ما يأتي من أبواب هذا الكتاب نرى ان بداية انتشار الروايات المختلفة و الأخبار الموضوعة كان بعد استخلاف معاوية و امتدّ ذلك على طول عهد الخلافة الأمويّة.

و في سنة ثلاث و أربعين بعد المائة عند ما أمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بتدوين كتب العلم دوّن كلّما المحنا إليه في ما دوّن من كتب العلم و بقي العلماء يتداولونها و يتدارسونها جيلا بعد جيل، و يستنبطون منها ما يستنبطون حتى عصرنا الحاضر.

و نحن اليوم إذا أردنا أن ندرس تلكم الروايات و تلكم الاخبار لنمحّص الحق من الباطل منها يلزمنا أن ندرس بتوسع ظروف كل خبر منها، مثلا إذا أردنا أن ندرس ما نسب الى الحجّاج انه غيّر النصّ القرآني الذي كان مكتوبا في مصحف عثمان الذي أرسله الى البلاد و أنّ النصّ القرآني الذي بايدينا في زهاء عشرة موارد يختلف عما كتبه عثمان في مصحفه لا بدّ لنا أن ندرس أخبار عصر ولاية الحجاج و أخبار ما جرى بعده بتوسع لندرك أن ما افتروا على القرآن بان الحجاج غيّره مستحيل عادة.

و إذا أردنا أن ندرس خبر ما نسب الى الصحابي ابن مسعود من انه كان يحك من المصحف سورة الحمد و المعوذتين و نحن نعلم ان الخليفة عمر بعثه الى

الكوفة ليقرئهم القرآن لن يتيسر لنا معرفة الحقيقة و الافتراء الذي افترى به على ابن مسعود دون أن ندرس أسباب اختلاف ابن مسعود مع الوليد والي الكوفة، و الخليفة عثمان و كذلك الشأن في دراسة ما عدا ذينكم الخبرين و من ثم رأينا انه لن يتيسر لنا دراسة كل تلكم الأخبار دون أن ندرس المجتمع الذي نزل فيه القرآن في العصر الجاهلي ثم في العصر الاسلامي في مكّة مع قريش و المدينة في ما يخص سيرة الرسول و مع من كان يعاشره و هذا ما سميناه بالمجتمع الذي انتشر منه القرآن و تمتد دراسة المجتمع الذي انتشر منه القرآن بعد الرسول و تستوعب حكم الخلفاء أبي بكر و عمر و عثمان و علي و معاوية حتى عصر الحجاج.

و بعد ذلك ندرس على قدر الاستطاعة تاريخ القرآن: نزوله و إقراءه و تدوينه في مكة و المدينة و نختم المجلد الأول بدراسة المصطلحات القرآنية.

و في ضوء هذه الدراسات ندرس بإذنه تعالى روايات مدرسة الخلفاء حول القرآن الكريم في المجلد الثاني و روايات مدرسة أهل البيت في المجلد الثالث.

و بناء على ما ذكرنا سيثبت في بحوث الكتاب إن شاء اللّه تعالى انّ النصّ القرآني كما هو بأيدينا أوحى اللّه به الى رسوله (ص) و أقرأه الرسول (ص) كذلك أصحابه.

و كلّما أوحى إلى رسوله (ص) من القرآن و بيان القرآن أمر من حضره من كتّابه بتدوينه على ما حضره من جلد و خشب و عظم كتف و ما شابهها، و أوصى عليا أن يجمعه من بعده ففعل.

و كذلك فعل كل من كان تعلّم الكتابة من أصحابه، و كذلك فعل التابعون في عصر الصحابة.

و اقتضت سياسة الخلفاء من بعده أن يجردوا القرآن من حديث الرسول (ص) المبيّن لمعاني القرآن و بدءوا بذلك في عصر أبي بكر و انتهى الأمر في عصر عمر، و نسخ عليه سبع نسخ وزعها بين أمهات البلاد الإسلامية و أمر

باحراق ما عند الصحابة من نسخ كتب فيها القرآن مع بيان الرسول (ص).

فكتب المسلمون بعد ذلك القرآن مجرّدا عن حديث الرسول (ص) جيلا بعد جيل حتى عصرنا الحاضر.

و لم تنس كلمة ممّا أوحي الى الرسول من القرآن و لم تزدد عليها و لم تنقص منها كلمة و لم تبدّل منها كلمة في عصر من العصور.

و وضع على عهد معاوية فما بعد من عصور الخلافة الاموية روايات لتبرير عمل الخليفة عثمان في شأن القرآن و سائر شئون سياسة الحكم على عهده بالاضافة إلى ذلك نسيت بعض معاني المصطلحات القرآنية مثل الاقراء و المقرئ الذي كان في عصر الرسول (ص) و الصحابة بمعنى: تعليم تلاوة لفظ القرآن مع تعليم معنى اللفظ، و بسبب عدم معرفة معنى هذا المصطلح بالاضافة الى تلكم الاحاديث اختلقت قراءات مختلفة و أصبحت علما يتدارسونه جيلا بعد جيل.

و لعدم معرفة معنى مصطلح النسخ و الآية اختلف علم الناسخ و المنسوخ و ألّف في أمثال هذه المختلقات مئات المؤلّفات.

و لا يتيسر درك حقيقة الروايات و الاخبار التي المحنا اليها آنفا و اللاتي سوف ندرسها في المجلدين الثاني و الثالث من هذا الكتاب باذنه- تعالى- دون استيعاب كل البحوث التي أوردناها في المجلد الاوّل باتقان و مع ان في بسط بعض تلكم الاخبار ما يؤلم القلب غير ان فهم ما افتري على اللّه و رسوله (ص) و كتابه و اصحاب رسوله و فهم المصطلحات القرآنية لن يتيسر دون دراسة جميع ما نقلنا من أخبار و يا ليت تلك الحوادث لم تقع و لم نكن نضطر الى دراستها في سبيل الدفاع عن كرامة كتاب اللّه الكريم.

منهج البحث:

لما كان الاستدلال على بعض العلوم النظرية يتوقف على تذكار بعض

البديهيات، و كنا في هذه البحوث نخاطب عامة الناس المتخصص منهم بهذه العلوم و غير المتخصص و المسلم منهم و غير المسلم، اضطررنا أحيانا إلى شرح بعض المصطلحات التي يبحث عنها في بدايات العلوم هي من البديهيات عند المشاركين في العلوم الإسلامية، و أحيانا عند عامة المسلمين، كما إننا اضطررنا أحيانا إلى تكرار بعض المفاهيم التي سبق شرحها، لما كان الاستدلال عليها في البحث الجديد يتوقف على التذكير بتلك المفاهيم و خاصة الجديدة منها على المجتمع و ادرنا البحوث المذكورة وفق المخطط الآتي:

مخطط البحوث القرآنية

المجلّد الأوّل: بحوث تمهيدية البحث الأوّل: ملامح المجتمع العربي الجاهلي الذي نزل فيه القرآن و خصائصه 1- النظام القبيلي.

2- الوضع الاقتصادي في الجزيرة العربية.

3- النظم الاجتماعية.

4- أديان العرب في العصر الجاهلي.

البحث الثاني: من تاريخ القرآن.

أخبار القرآن على عهد الرسول (ص).

أ- في العصر المكي.

ب- في العصر المدني.

البحث الثالث: مصطلحات إسلاميّة قرآنية المجلّد الثاني دراسات مقارنة لروايات مدرسة الخلفاء حول القرآن الكريم أ- الدليل المشترك بين المدرستين.

ب- روايات البسملة و تناقضها و منشؤه.

ج- روايات جمع القرآن و تناقضها.

د- روايات اختلاف المصاحف و روايات الزيادة و النقصان.

ه- روايات نزول القرآن على سبعة أحرف و أربعون اجتهادا خاطئا في تأويلها.

و- القراءات و القرّاء.

ز- بحوث النسخ و الإنساء.

ح- استناد المستشرقين بالروايات المختلفة و الاجتهادات الخاطئة في التشكيك بثبوت النصّ القرآني.

ط- دراسة الروايات السابقة و اجتهاداتهم الخاطئة.

المجلّد الثالث دراسة مقارنة لروايات مدرسة أهل البيت (ع) و ما نسب إلى مدرستهم من روايات

بحوث تمهيدية «1» ملامح المجتمع العربي الجاهلي الذي نزل فيه القرآن و خصائصه‌

اشارة

أ- النظام القبيلي.

ب- الوضع الاقتصادي في الجزيرة العربية.

ج- النظم الاجتماعية.

د- أديان العرب في العصر الجاهلي.

أولا- النظام القبيلي:

كان أكثر سكان الجزيرة العربية في العصر الجاهلي قبائل رحلا يسكنون البادية. و نذكر في ما يأتي شيئا من عاداتهم نقلا من كتاب تاريخ العرب قبل الإسلام بتصرف و إيجاز (1):

أمّا البدو، فهم القبائل الرّحّل المتنقّلون من جهة إلى أخرى طلبا للمرعى أو للماء، و الطبيعة هي الّتي تجبر البدويّ على المحافظة على هذه الحياة.

و حياة البدوي حياة شاقّة مضنية، و لكنه- و هو متمتع بأكبر قسط من الحرية- يفضّلها على أي حياة مدنية أخرى.

هذه الحياة الخشنة هي الّتي جعلت القبائل يتقاتلون في سبيل المرعى و الماء، و هي الّتي جعلت سوء الظنّ يغلب على طباعهم، فالبدويّ ينظر إلى غيره نظرة العدوّ الّذي يحاول أخذ ما بيده أو حرمانه من المرعى.

إنّ البدويّ في الصحراء لا يهمّه إلّا المطر و المرعى، فأزمته الحقيقية انحباس المطر و قلّة المرعى، و لا يبالي بما يصيب العالم في الخارج ما دامت أرضه مخضرة، و بعيره سمينا، و غنمه قد اكتنزت لحما و قد طبقت شحما.

أما إذا نما السكان و ضاقت بهم الأرض، أو لم تجد أراضيهم بالمرعى،


1) المفصّل في تاريخ العرب قبل الاسلام تأليف الدكتور جواد علي ط. بيروت سنة 1976 م 1/ 274- 279.

فليس هناك سبيل إلا الزحف و القتال، أو الهجرة إن كان هناك سبيل إليها، و كذلك القبيلة التي غلبت على أمرها و حرمت من مراعيها و أراضيها ليس أمامها سبيل آخر سوى الهجرة.

و المرأة البدوية ترفض الزواج من غني، إذا كان ابن صانع، أو أنّه من سلالة العبيد، أو كان نسبه القبيلي يحيط به شي‌ء من الشّكّ، فسلطان المال لا قيمة له عند العرب و مع وجود هذه الروح الارستقراطية الّتي تتجلّى فقط في الزواج و رئاسة القبيلة و الحكم، فإنّه لا يكاد يوجد فارق في طرق المعيشة الأخرى.

و من عادة القسم الأكبر من سكان الجزيرة- و لا سيما البدو- مخاطبة رؤسائهم بأسمائهم أو بألقابهم، لأنهم لا يعرفون الألقاب و ألفاظ التعظيم و التفخيم، فيقولون يا فلان و يا أبا فلان و يا طويل العمر.

و البدوي لا ينسى المعروف، و لا ينسى الإساءة كذلك، فإذا أسي‌ء إليه، و لم يتمكن من ردّ الإساءة في الحال، كظم حقده في نفسه، و تربص بالمسي‌ء، حتى يجد فرصته فينتقم منه، فذاكرة البدوي ذاكرة قوية حافظة لا تنسى الأشياء.

و للبدو مهارة فائقة في اقتفاء الأثر، و كثيرا ما كانت هذه المعرفة سببا في اكتشاف كثير من الجرائم و لا تكاد تخلو قبيلة من طائفة منهم.

و القبائل العريقة المشهورة من حضر و بادية تحافظ على أنسابها تمام المحافظة و تحرص عليها كل الحرص، فلا تصاهر إلّا من يساويها في النسب.

و القبائل المشكوك في نسبها لا يصاهرها أحد من القبائل المعروفة.

و إنّ من الصعب عليه نبذ ما كان عليه آباؤه و أجداده من عادات و تقاليد فالتقاليد و العرف و ما تعارفت عليه القبيلة هي عنده قانون البداوة، و قانون البداوة دستور لا يمكن تخطيه و لا مخالفته، و من هنا يخطئ من يظنّ أنّ البداوة حريّة لا حدّ لها، و فوضى لا يردعها رادع، و أنّ الأعراب فرديّون لا يخضعون

لنظام و لا لقانون على نحو ما يتراءى ذلك للحضري أو للغريب.

إنّهم في الواقع خاضعون لعرفهم القبيلي خضوعا صارما شديدا، و كلّ من يخرج عن ذلك العرف يطرد من أهله و يتبرأ قومه منه، و يضطر أن يعيش طريدا أو صعلوكا مع بقية الصعاليك.

و العربي رجل جاد صارم، لا يميل إلى هزل و لا دعابة، فليس من طبع الرجل أن يكون صاحب هزل و دعابة، لأنّهما من مظاهر الخفّة و الحمق، و لا يليق بالرجل أن يكون خفيفا، لهذا حذر في كلامه و تشدّد في مجلسه، و قلّ في مجتمعه الإسفاف، و إذا كان مجلس عام، أو مجلس سيد قبيلة، روعي فيه الاحتشام و الابتعاد عن قول السخف، و الاستهزاء بالآخرين، و إلقاء النكات و المضحكات، حرمة لآداب المجالس و مكانة الرجال.

و إذا وجدوا في رجل دعابة أو ميلا إلى الضحك أو إضحاك عابوه عليه و انتقصوا من شأنه كائنا من كان.

و عبارة مثل (لا عيب فيه غير أنّ فيه دعابة) أو (لا عيب فيه إلّا أنّ فيه دعابة) هي من العبارات الّتي تعبّر عن الانتقاص و الهمز و اللمز.

و البدوي محافظ متمسك بحياته و بما قدر له، معتزّ بما كتب له و إن كانت في حياته خشونة و صعوبة و مشقة.

و لهذا كان للقبيلة قيمتها في بلاد العرب، فالإنسان يقوى بأبنائه و أبناء عمومته الأقربين و الأبعدين، و إذا كانت القبيلة ضعيفة استقوت بالتحالف مع سواها حتّى يقوى الفريقان و يأمنا شر غيرهما من القبائل القويّة.

و قد جرى العرف أنّ القبائل تعتبر الأرض الّتي اعتادت رعيها، و المياه الّتي اعتادت أن تردها ملكا لها. لا تسمح لغيرها من القبائل الأخرى بالدنو منها إلّا بإذنها و رضاها، و كثيرا ما تأنس إحدى القبائل من نفسها القوة فتهجم بلا سابق إنذار على قبيلة أخرى، و تنتزع منها مراعيها و مياهها.

إن قبائل العرب ليسوا كلّهم سواء في الشرّ و التعدّي على السابلة

و القوافل، فبعضها قد اشتهر أمره بالكرم و السماحة و الترفع عن الدنايا، كما اشتهر بعضها بالتعدّي و سفك الدماء بلا سبب سوى الطمع فيما في أيدي الناس.

ليس للبدوي قيمة حربية تذكر، و لذا كان اعتماد الأمراء على الحضر، فهم الذين يصمدون للقتال و يصبرون على بلائه و بلوائه.

و البدوي إذا لم يجد سلطة تردعه أو تضرب على يده يرى من حقّه نهب الغادي و الرائح، فالحقّ عنده هو القوّة يخضع لها، و يخضع غيره بها. على أنّ لهؤلاء قواعد للبادية معتبرة عندهم كقوانين يجب احترامها، فالقوافل الّتي تمر بأرض قبيلة و ليس معها من يحميها من أفراد هذه القبيلة معرضة للنهب، و لذا اعتادت القوافل قديما أن يصحبها عدد غير قليل من القبائل الّتي ستمر بأرضها و يسمّون هذا رفيقا.

و البدوي يحتقر الحضري مهما أكرمه، كما ان الحضري يحقر البدوي. فإذا وصف البدوي الحضري، فانه في الغالب يقول حضيري تصغيرا لشأنه.

و من عادة البدوي الاستفهام عن كل شي‌ء، و انتقاد ما يراه مخالفا لذوقه أو لعادته بكل صراحة، فإذا مررت بالبدوي في الصحراء استوقفك و سألك من أين أنت قادم؟ و عمن وراءك من المشايخ و الحكام؟ و عن المياه التي مررت بها؟

و عن أخبار الأمطار و المراعي، و عن أسعار الأغذية و القهوة؟ و عمن في البلد من القبائل؟ و عن العلاقات السياسية بين الحكام بعضهم مع بعض (1).

أوردنا ما جاء في كتاب المفصل في وصف عرب البادية في العصر الحاضر لأنّا رأيناه كذلك يصدق على عرب البادية في العصر الجاهلي حيث كان النظام القبيلي أساس النظم الاجتماعية في الجزيرة العربية قبل مبعث الرسول (ص)م.


1) كان ذلكم قبل ان ينتشر الراديو و التلفاز عندهم.

فقد كان المقاتل العربي يجاهد في سبيل أمجاد قبيلته و مصالحها، و شاعر القبيلة ينظم القصائد في سبيل إعلاء كلمة القبيلة و مولى القبيلة و حليف القبيلة و اللصيق بالقبيلة و المتبنّى كذلك يفعلون.

و نذكر في ما يأتي بإذنه- تعالى- الوضع الاقتصادي في المجتمع العربي الجاهلي.

ثانيا- الوضع الاقتصادي و مصادر الثروة في الجزيرة العربية:

اشارة

كانت قريش خاصة و سكان مكة عامة يمتهنون التجارة.

و اهل المدينة و القرى التي حواليها و أهل الطائف و المدن اليمانية و القرى العربية في العراق و حوالي الشام يمتهنون الغرس و الزرع و تربية الماشية.

و كان من مصادر الثروة لأهل مكة و الطائف و المدينة خاصة و نادرا ما لغيرهم من العرب، الربا و القمار- الميسر- و الاكتساب من الجواري في البغاء.

و كان ما عدا سكان المدن من العشائر، قبائل رحل يتبدون و يتنقلون طلبا للماء و الكلأ لأنفسهم و لجمالهم و كان جلهم يغير البعض منهم على البعض الآخر في غزوات يقاتلون فيها الرجال و يسبون النساء و الاطفال و ينهبون الأموال و لهم أسواق لتبادل السلع فيها و للمفاخرة و ما يتصل بها من انشاد شعرائهم ما أحدثوا من شعر و في ما يأتي بيان ذلك بحوله تعالى.

أ و ب- التجارة و الايلاف‌

اتسعت تجارة قريش منذ عصر هاشم و اخوته، كما رواه القرطبي و غيره و اللفظ للقرطبي في تفسير سورة قريش، قال:

كان أصحاب الايلاف أربعة أخوة: هاشم، و عبد شمس، و المطلب و نوفل، بنو عبد مناف.

فأما هاشم، فانه كان يؤلف ملك الشام، أي أخذ منه حبلا و عهدا يأمن به في تجارته إلى الشام.

و أخوه عبد شمس كان يؤلف إلى الحبشة.

و المطلب إلى اليمن.

و نوفل إلى فارس.

و معنى يؤلف يجير.

فكان هؤلاء الاخوة يسمون المجيرين. و كان تجار قريش يختلفون إلى الأمصار بحبل هؤلاء الاخوة، فلا يتعرض لهم.

و الايلاف: شبه الاجارة بالخفارة يقال: آلف يؤلف: إذا أجار الحمائل بالخفارة.

و الحمائل: جمع حمولة.

قال: و التأويل: ان قريشا كانوا سكان الحرم، و لم يكن لهم زرع و لا ضرع، و كانوا يميرون في الشتاء و الصيف آمنين، و الناس يتخطّفون من حولهم، فكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم اللّه، فلا يتعرض الناس لهم (1)

شرح الفاظ الخبر: الاجارة: الاغاثة و الحماية و الخفارة: الامان و الحمولة: الابل التي تحمل.

و أخبر اللّه عن ذلك بقوله:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَ الصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ و سيأتي في بحث شظف العيش في الجاهلية ان هاشما هو الذي سن لقريش الرحلتين للتجارة مع بيان سبب قيامه بذلك إن شاء اللّه تعالى:ل.


1) تفسير القرطبي ط. بيروت سنة 1387 ه افست على الطبعة المصرية الثالثة 20/ 204.

ج و د- الضرع و الزرع:

و لا حاجة لاطالة الكلام في بيانهما.

ه- الربا

اشارة

1- في سورة البقرة:

قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَ مَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَ يُرْبِي الصَّدَقاتِ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ* وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 2- في سورة آل عمران:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَ اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (الآيات/ 130- 132)

تفسير الكلمات:

1- الربا:

ربا الشي‌ء يربو رباء و ربوءا زاد و نما و الربا: الزيادة على رأس المال، و الربا المنهي عنه في الاسلام نوعان:

أ- أن يدفع انسان لآخر مبلغا من الذهب أو الفضة إلى أجل معين على أن يأخذ في الاجل زيادة على رأس ماله.

ب- أن يدفع جنسا و يأخذ نفس الجنس مع زيادة في الوزن مثل أن يبيع اناء مصنوعا من ذهب وزنه خمسون مثقالا و يأخذ بدله خمسا و خمسين مثقالا من الذهب النقد غير المصنوع.

2- يمحق:

محق الشي‌ء: نقصه، محق اللّه المال أذهب بركته.

3- فاذنوا:

فاسمعوا باعلان حرب من اللّه.

4- النظرة:

الامهال و التأخير.

5- ذو عسرة:

ضيق ذات اليد و العجز عن الوفاء بالدين.

خبر الربا في العصر الجاهلي:

كان الربا في الجاهلية من مصادر الثراء لأهل مكة و الطائف و اليهود في المدينة و حواليها.

و ذكر المفسرون مثل السيوطي في تفسير وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا أنواعا من الربا في الجاهلية منها:

أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل فإذا حلّ الأجل قال:

أ تقضي أم تربي؟ فإن قضاه أخذ و إلّا زاده في حقه و زاده الآخر في الأجل.

و كان العباس عمّ النبي و رجل من بني المغيرة شريكيين في الجاهلية يسلفان في الربا فجاء الاسلام و لهما أموال عظيمة في الربا، و قال رسول اللّه (ص) في خطبته في حجة الوداع: ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع فَلَكُمْ

رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ و أول ربا موضوع ربا العباس (1).

و- الاكتساب ببغي الجواري‌

قال ابن حبيب في المحبر:

و من سننهم انهم كانوا يكسبون بفروج امائهم و كان لبعضهن راية منصوبة في أسواق العرب، فيأتيها الناس فيفجرون بها، فأذهب الاسلام ذلك و أسقطه (2).

روى الطبري و السيوطي في تفسير وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ و اللفظ للأول: انهم كانوا في الجاهلية يأمرون إماءهم و ولائدهم يباغين يفعلن ذلك فيصبن فيأتينهم بكسبهن (3).

و في العقد الفريد:

و كان لبعضهن رايات على أبواب بيوتهن (4).

و من جملتهن سمية جارية الحارث بن كلدة امرأة عبده عبيد و أم زياد بن أبيه.

و قد ذكرنا خبرها مع أبي سفيان و استلحاق معاوية اياه بنسبه في بحث استلحاق نسب زياد في المجلد الأول من كتاب عبد اللّه بن سبأ.

و كان في المدينة جاريتان لعبد اللّه بن أبيّ يكتسب من أجر بغائهما، إحداهما معاذة و أرادها على نفسها قرشي من أسرى بدر و كانت قد أسلمت فأبت ذلك لإسلامها و كان أبيّ يضربها ليكرهها على ذلك رجاء أن تحمل للقرشي


1) تفسير السيوطي 1/ 366- 377.

2) المحبر لابن حبيب ص 34.

3) الطبري 18/ 103، و الدر المنثور 5/ 47.

4) راجع العقد الفريد ط. القاهرة سنة 1375 ه 5/ 4.

فيطلب فداء ولده، فأنزل اللّه تعالى:

وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1)(النور/ 33).

شظف العيش في الجاهلية:

اشارة

إنّ الكثرة الكاثرة من العرب في الجاهلية كانوا يعيشون في فقر مدقع، يأكلون القد و العلهز و الفصيد و الهبيد من فرط الجوع، و يشربون الطرق و أحيانا الفظ من العطش.

قالت فاطمة ابنة رسول اللّه (ص) في خطبتها للمهاجرين و الأنصار:

(و كنتم .. تشربون الطرق و تقتاتون القد) (2)

أ و ب- القد و الطرق:

قال ابن الأثير: الطرق: الماء الذي خاضته الإبل و بالت فيه و بعرت.

و قال في مادة القدّ:

و منه حديث عمر: كانوا يأكلون القدّ يريد جلد السخلة في الجدب.

قال المؤلف: يقصد الجلد غير المدبوغ.

ج- العلهز:

قال ابن الأثير و ابن منظور في مادة العلهز:

في دعائه (ع) على مضر: (اللهم اجعل عليهم سنين كسني يوسف).

فابتلوا بالجوع حتى أكلوا العلهز، هو شي‌ء يتخذونه في سنين المجاعة


1) تفسير الآية بتفسير الطبري ط. بيروت سنة 1392 ه 18/ 103- 104، و الدر المنثور 5/ 46- 47.

2) شرح النهج 16/ 250.

يخلطون الدم بأوبار الابل ثم يشوونه بالنار و يأكلونه.

و قيل: كانوا يخلطون فيه القردان و يقال للقراد الضخم العلهز، و منه حديث عكرمة كان طعام أهل الجاهلية العلهز.

د- الهبيد

قال ابن الأثير و ابن منظور ما موجزه:

الهبيد: الحنظل يكسر و يستخرج حبّه و ينقع لتذهب مرارته و يتّخذ منه طبيخ يؤكل عند الضرورة و في حديث عمر و أمّه فزودتنا من الهبيد.

ه- الفصيد و البجة:

قال ابن الأثير و ابن منظور في مادة الفصيد ما موجزه:

و كانوا يفصدون عرق الناقة ليخرج الدم منه فيشرب، يفعلونه أيام الجوع. كما كانوا يأخذون ذلك الدم و يسخنونه إلى أن يجمد و يقوى فيطعم به الضيف في شدّة الزمان، إذا نزل بهم ضيف فلا يكون عندهم ما يقريه، و يشح أن ينحر المضيف راحلته فيفصدها.

و (الفصيد) دم كان يوضع في الجاهلية في معى من فصد عرق البعير و يشوى و كان أهل الجاهلية يأكلونه و يطعمونه الضيف في الأزمة.

و قال ابن الأثير- أيضا- في تفسيرها:

و في حديث أبي رجاء لما بلغنا أنّ النبيّ (ص) قد أخذ في القتل هربنا فاستثرنا شلو ارنب دفينا و فصدنا عليها فلا أنسى تلك الأكلة أي فصدنا على شلو الارنب بعيرا و أسلنا عليه دمه و طبخناه و أكلناه.

و قالا في مادة البجّة ما موجزه:

و يقال للفصيد (البجّة) كذلك. و (البجّة) دم الفصيد، يأكلونها في الأزمة.

و البج الطعن غير النافذ، فقد كانوا يفصدون عرق البعير و يأخذون الدم يتبلغون به في السنة المجدبة. جاء في الحديث: (إن اللّه قد أراحكم من الشجّة و البجّة).

و- الفظ:
اشارة

ماء كرش البعير.

و افتظّ البعير: شقّ كرشه، و اعتصر ماءه ليشربه، و كان المسافر في الصحراء يسقي الإبل، ثمّ يشدّ أفواهها، لئلا تجترّ، فإذا عطش افتظها (1).

و في تاريخ العرب قبل الإسلام لم يكن في وسع كثير من الجاهليين الحصول على اللحم لفقرهم. فكانوا يأتدمون (الصليب) و هو الودك- ودك العظام- يجمعون العظام و يكسرونها و يطبخونها، ثم يجمعون الودك الذي يخرج منها ليأتدموا به.

و قد عرفوا ب (أصحاب الصلب).

و لما قدم الرسول مكّة (أتاه أصحاب الصلب الذين يجمعون العظام إذا لحب عنها لحمانها فيطبخونها بالماء و يستخرجون ودكها و يأتدمون به).

و لم يكن في استطاعة الفقراء أكل الخبز لغلائه بالنسبة لهم. لذلك عدّ أكله من علائم الغنى و المال، و كان الذي يطعم الخبز و التمر يعد من السادة الكرام. و كان أحدهم يفتخر بقوله (خبزت القوم و تمرتهم)، بمعنى أطعمتهم الخبز و التمر.

و قد افتخر (بنو العنبر) بسيدهم (عبد اللّه بن حبيب العنبري)، لأنّه كان لا يأكل التمر و لا يرغب في اللبن، بل كان يأكل الخبز، فكانوا إذا افتخروا، قالوا: منّا آكل الخبز.

و كانوا يقولون (أقرى من آكل الخبز) لأنه كان جوادا.

و كان منهم من رضي و قنع بالدون من المعيشة، فعاش في فقر مدقع،


1) أخذنا موجز ما قاله ابن الأثير في نهاية اللغة و ابن منظور في لسان العرب بترجمة القد و العلهز و الهبيد و الفصيد و البجّة و الفظّ و أوردناه سياقا واحدا و أخذنا ترجمة الفظّ من مادته في المعجم الوسيط.

و الدقع الرضا بالدون من المعيشة و سوء احتمال الفقر و اللصوق بالأرض من الفقر و الجوع، فهم ينامون على التراب و يلتحفون السماء، و الدوقعة الفقر و الذل، و جوع أدقع و ديقوع شديد، و هم مثل (بنو غبراء) في الفقر و الحاجة، أولئك الذين توسدوا الغبراء و اتخذوا التربة فراشا لهم، لعدم وجود ملجأ لهم يأوون إليه، و لا مكان يحتمون به (1).

كانت تلكم بعض انواع طعامهم في ايام المخمصة و احيانا كانوا لا يجدون ما يقتاتون به، فيؤدي ذلك بهم الى الانتحار الذي كانوا يسمونه الاعتفاد كالآتي بيانه:

و كان بين الجاهليين فقراء معدمون مقعدون لم يملكوا من حطام هذه الدنيا شيئا، و كانت حالتهم مزرية مؤلمة، منهم من سأل الموسرين نوال إحسانهم، و منهم من تحامل على نفسه تكرما و تعففا، فلم يسأل غبا و لم يطلب من الموسرين حاجة، محافظة على كرامته و على ماء وجهه، مفضلا الجوع على الشبع بالاستجداء، حتى ذكر ان منهم من كان يختار الموت على الدنية، و الدنية هي أن يذهب الى رجل، فيتوسل إليه بأن يجود عليه بمعروف، و منهم من اعتقد، و الاعتفاد أن يغلق الرجل بابه على نفسه، فلا يسأل أحدا حتى يموت جوعا، و كانوا يفعلون ذلك في الجدب، قيل: كانوا إذا اشتد بهم الجوع و خافوا أن يموتوا أغلقوا عليهم بابا و جعلوا حظيرة من شجرة يدخلون فيها ليموتوا جوعا (2).

روى السيوطي بتفسيره سورة قريش عن عمر بن عبد العزيز انه قال:

كانت قريش في الجاهلية تعتقد و كان اعتقادها: أنّ أهل البيت منهم كانوا إذا0.


1) تاريخ العرب قبل الاسلام تأليف الدكتور جواد علي 5/ 80- 81 ط. دار العلم في بيروت سنة 1970 م.

2) مادة عفد من تاج العروس و تاريخ العرب قبل الاسلام 5/ 80.

سافت يعني هلكت أموالهم خرجوا إلى برار من الأرض فضربوا على أنفسهم الأخبية ثمّ تناوبوا فيها حتّى يموتوا من قبل أن يعلم بخلتهم حتى نشأ هاشم ابن عبد مناف، فلما نبل و عظم قدره في قومه قال يا معشر قريش إنّ العزّ مع الكثرة، و قد أصبحتم أكثر العرب أموالا و أعزّهم نفرا، و إنّ هذا الاعتفاد قد أتى على كثير منكم، و قد رأيت رأيا.

قالوا: رأيك راشد فمرنا نأتمر قال: رأيت أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم فاعمد إلى رجل غني، فأضم إليه فقيرا عياله بعدد عياله فيكون يوازره في الرحلتين رحلة الصيف إلى الشام و رحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير و عياله في ظله و كان ذلك قطعا للاعتفاد (1).

قالوا نعم ما رأيت فألف بين الناس (2).

و تفصيل الخبر بتفسير السورة عند القرطبي و بعضه بمادة (عفد) من لسان العرب و أكثر لفظ الخبر من القرطبي عن ابن عباس انه قال:

إن قريشا كانوا إذا أصابت واحدا منهم مخمصة (3)جرى هو و عياله إلى موضع معروف، فضربوا على أنفسهم خباء فماتوا، حتى كان عمرو بن عبد مناف، و كان سيدا في زمانه، و له ابن يقال له: أسد، و كان له ترب (4)من بني مخزوم، يحبه و يلعب معه، فقال له: نحن غدا نعتفد و تأويله: ذهابهم إلى ذلك الخباء، و موتهم واحدا بعد واحد.

قال: فدخل أسد على أمّه يبكي، و ذكر ما قاله تربه.

قال: فأرسلت أم أسد إلى أولئك بشحم و دقيق، فعاشوا به أياما، ثم إن تربه أتاه أيضا فقال: نحن غدا نعتفد، فدخل أسد على أبيه يبكي، و خبره خبرك.


1) في الاصل نحتفد و الاحتفاد تحريف.

2) تفسير السيوطي 6/ 397.

3) المخمصة: المجاعة.

4) الترب (بالكسر): اللدة و مساويك في السن و من ولد معك.

تربه، فاشتدّ ذلك على عمرو بن عبد مناف، فقام خطيبا في قريش و كانوا يطيعون أمره، فقال: إنكم أحدثتم حدثا تقلون فيه و تكثر العرب، و تذلون و تعزّ العرب، و أنتم أهل حرم اللّه- جل و عز- و أشرف ولد آدم، و الناس لكم تبع، و يكاد هذا الاعتفاد يأتي عليكم.

فقالوا: نحن لك تبع.

قال: ابتدءوا بهذا الرجل- يعني أبا ترب أسد- فأغنوه عن الاعتفاد ففعلوا، ثم إنّه نحر البدن، و ذبح الكباش و المعز، ثم هشم الثريد، و أطعم الناس، فسمّى هاشما، و فيه قال الشاعر:

عمرو العلا هشم الثريد لقومه‌و رجال مكة مسنتون (1)عجاف ثم جمع كل بني أب على رحلتين: في الشتاء إلى اليمن، و في الصيف إلى الشام للتجارات، فما ربح الغني قسمه بينه و بين الفقير، حتّى صار فقيرهم كغنيهم؛ فجاء الإسلام و هم على هذا، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالا و لا أعزّ من قريش، و هو قول شاعرهم:

و الخالطون فقيرهم بغنيهم‌حتّى يصير فقيرهم كالكافي فلم يزالوا كذلك، حتّى بعث اللّه رسوله محمدا (ص)، فقال: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ بصنيع هاشم وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ أن تكثر العرب و يقلوا (2).

و مع ذلك- أيضا- لم يكن كلّ أفراد قريش أثرياء مرفّهين، بل كانت الكثرة الكاثرة منهم يتحملون السغب و الجوع، و من ثمّ كانت كثرة العيال لهم محنة يتعسر عليهم تحمّلها.

و نذكر مثالين من سيرة الرسول كدليل على الوضع الاقتصادي لدى5.


1) مسنتون: أي أصابتهم السنة. و السنة: الجدب و القحط.

2) تفسير القرطبي 20/ 204- 205.

سروات مكة:

أ- روى ابن اسحاق و قال:

إن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، و كان أبو طالب ذا عيال كثير؛ فقال رسول اللّه (ص) للعبّاس عمّه، و كان من أيسر بني هاشم: يا عبّاس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، و قد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه رجلا و تأخذ أنت رجلا فنكلهما عنه؛ فقال العبّاس: نعم.

فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه.

فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا و طالبا فاصنعا ما شئتما.

فأخذ رسول اللّه (ص) عليا فضمّه إليه، و أخذ العباس جعفرا فضمه إليه؛ فلم يزل علي مع رسول اللّه (ص) حتّى بعثه اللّه- تبارك و تعالى- نبيّا، فاتّبعه علي- رضي اللّه عنه- و آمن به و صدّقه؛ و لم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم و استغنى عنه (1).

كانت إعالة الذكور من الأولاد مشكلة لغير ذوي اليسار في سنة الجدب و القحط.

أمّا إعالة البنات، فقد كانت مشكلة في العصر الجاهلي تعمّ الفقير منهم و ذوي اليسار في سني الجدب و الرخاء كما نرى ذلك في الخبر الآتي:

ب- روى ابن اسحاق- أيضا- و قال:

كان رسول اللّه (ص) قد زوج عتبة بن أبي لهب رقية أو أمّ كلثوم، فلما بادى قريشا بأمر اللّه- تعالى- و بالعداوة، قالوا: إنّكم قد فرغتم محمدا من همّه، فردّوا عليه بناته، فاشغلوه بهنّ. فمشوا إلى أبي العاص فقالوا له: فارق


1) ابن هشام 1/ 263.

صاحبتك و نحن نزوّجك أي امرأة من قريش شئت؛ قال: ها للّه (1)، إني لا أفارق صاحبتي، و ما أحبّ أن لي بامرأتي امرأة من قريش.

و كان رسول اللّه (ص) يثني عليه في صهره خيرا، فيما بلغني.

ثمّ مشوا إلى عتبة بن أبي لهب، فقالوا له: طلق بنت محمد و نحن ننكحك أي امرأة من قريش شئت.

فقال: إن زوجتموني بنت أبان بن سعيد بن العاص، او بنت سعيد بن العاص فارقتها فزوجوه بنت سعيد بن العاص، و فارقها، و لم يكن دخل بها فأخرجها اللّه من يده كرامة لها و هوانا له، و خلف عليها عثمان بن عفّان بعده (2).

إنّ قريشا لما أرادت أن تكيد برسول اللّه كيدا يقعده عن دعوته للتوحيد عمدت الى إرجاع بناته الى بيته ليشغلوه بهنّ عن مقارعتهم و مقابلتهم.

و ذلك لان المرأة لم تكن تشترك يومذاك في الغزو و لا في سفر التجارة و غيرهما من الأعمال الجالبة للثروة، و من ثم كانت أبدا و دائما عالة على الرجل و كان ذلك أهم سبب لوأد البنات في الجاهلية، كما نشير إلى بعض أخبارها في ما يأتي بحوله تعالى.

وأد البنات:

وأد البنات: (3)

كانت العرب تئد البنات بسبب الفقر و حمية الجاهلية، أمّا الفقر، فقد أخبر اللّه عنه و قال سبحانه في سورة الاسراء:

وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (الآية/ 31)


1) هكذا النص و نراه من خطأ النساخ و الصواب: لاها اللّه.

2) ابن هشام 2/ 206- 207؛ و ط. مصر سنة 1356، 2/ 296.

3) و ان وأد البنات يعدّ- أيضا- من النظم الاجتماعية في العصر الجاهلي.

و قال تعالى وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (التكوير/ 8- 9) قال القرطبي: الموءودة المقتولة؛ و هي الجارية تدفن و هي حيّة، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب، فيئودها أي يثقلها حتى تموت.

و روى عن ابن عباس أنّه قال:

كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة، و تمخضت على رأسها، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وردت التراب عليها، و إن ولدت غلاما حبسته، و منه قول الراجز:

سميتها إذ ولدت تموت‌و القبر صهر ضامن زمّيت (1)الزِّمِّيت الوقور.

و في تفسير الطبري ما موجزه: كان الرجل من ربيعة أو مضر يشترط على امرأته، أن تستحي جارية و تئد أخرى، فإذا كانت الجارية التي توأد غدا الرجل أو راح من عند امرأته، و قال لها: أنت عليّ كظهر أمّي إن رجعت إليك و لم تئديها، فتخدّ لها في الأرض خدّا و ترسل إلى نسائها فيجتمعن عندها ثم يتداولنها حتّى إذا أبصرته راجعا دستها في حفرتها ثم سوت عليها التراب (2).

قال المؤلف: و نظير هذا اسقاط الجنين المتداول في عصرنا.

و في تفسير القرطبي و الطبري عن قتادة، قال: كانت الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، و يغذو كلبه، فعاتبهم اللّه على ذلك، و توعدهم بقوله: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (3).

قال المؤلف:6.


1) تفسير القرطبي 19/ 237- 233.

2) تفسير الطبري 8/ 38، (بولاق) في تفسير (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ).

3) ما نقلناه عن القرطبي الى هنا ففي تفسيره الجامع 19/ 232- 233 و الخبر الأخير رواه الطبري- أيضا- في تفسيره 30/ 46.

إنّما كانوا يغذون كلبهم، لأنّه كان ينفعهم في حراسة بيتهم و ماشيتهم بينما لم تكن البنت تجلب لاولئك الوائدين نفعا.

كانت تلكم أمثلة من الوأد خشية الإملاق، أما الوأد بسبب الحمية حميّة الجاهلية فكالآتية أخبارها:

الوأد بداعي الحمية الجاهلية

ذكر أهل الأخبار أنّ بعض السبايا من نساء أشراف القبائل اخترن البقاء عند من سباهنّ و أبين الرجوع إلى عشائرهن عند المصالحة فأثار ذلك عندهم حميّة الجاهليّة و وأدوا بناتهم كما روى أبو الفرج في الأغاني في خبر قيس بن عاصم التميمي السعدي و قال:

أن سبب وأد قيس بناته أن المشمرج اليشكري أغار على بني سعد فسبى منهم نساء و استاق أموالا، و كان في النساء امرأة، خالها قيس بن عاصم، فرحل قيس إليهم يسألهم أن يهبوها له أو يفدوها، فوجد عمرو بن المشمرج قد اصطفاها لنفسه. فسأله فيها، فقال: قد جعلت أمرها إليها فإن اختارتك فخذها، فخيرت، فاختارت عمرو بن المشمرج. فانصرف قيس فوأد كل بنت، و جعل ذلك سنة في كل بنت تولد له، و اقتدت به العرب في ذلك؛ فكان كل سيّد يولد له بنت يئدها خوفا من الفضيحة.

و قال:

وفد قيس بن عاصم على رسول اللّه (ص) فسأل بعض الأنصار عما يتحدث به عنه من الموءودات التي و أدهن من بناته؛ فأخبر أنّه ما ولدت له بنت قط إلّا وأدها. ثم أقبل على رسول اللّه (ص) يحدثه فقال له: كنت أخاف سوء الأحدوثة و الفضيحة في البنات، فما ولدت لي بنت قط إلّا وأدتها، و ما رحمت منهن

موءودة قط إلّا بنية لي ولدتها أمّها و أنا في سفر فدفعتها أمّها إلى أخوالها فكانت فيهم؛ و قدمت فسألت عن الحمل، فأخبرتني المرأة أنها ولدت ولدا ميتا.

و مضت على ذلك سنون حتى كبرت الصبية و يفعت فزارت أمّها ذات يوم، فدخلت فرأيتها و قد ضفرت شعرها و جعلت في قرونها شيئا من خلوق و نظمت عليها و دعا، و ألبستها قلادة جزع، و جعلت في عنقها مخنقة بلح: فقلت:

من هذه الصبية فقد أعجبني جمالها و كيسها؟ فبكت ثم قالت: هذه ابنتك، كنت خبرتك أنّي ولدت ولدا ميتا، و جعلتها عند أخوالها حتّى بلغت هذا المبلغ.

فأمسكت عنها حتّى اشتغلت عنها، ثم أخرجتها يوما فحفرت لها حفيرة فجعلتها فيها و هي تقول: يا أبت ما تصنع بي؟! و جعلت أقذف عليها التراب و هي تقول:

يا أبت أ مغطيّ أنت بالتراب؟! أ تاركي أنت وحدي و منصرف عني؟! و جعلت أقذف عليها التراب ذلك حتّى واريتها و انقطع صوتها، فما رحمت أحدا ممن واريته غيرها. فدمعت عينا النبي (ص) ثم قال: (إنّ هذه لقسوة، و إنّ من لا يرحم لا يرحم) (1).

و قال القرطبي:

انّ قيس بن عاصم سأل النبي (ص) و قال: يا رسول اللّه! إنّي وأدت ثماني بنات كنّ لي في الجاهلية.

قال: (فأعتق عن كلّ واحدة منهم رقبة).

قال: يا رسول اللّه إنّي صاحب إبل.

قال: (فأهد عن كلّ واحدة منهن بدنة إن شئت) (2).ن.


1) الأغاني ط. ساسي 12/ 144 و ط. بيروت 14/ 66. و الخلوق: ضرب من الطيب، و الودع: خرز بيض أجوف في بطونها شقّ كشقّ النواة تتفاوت في الصغر و الكبر و الواحدة: ودعة و الجزع: الخرز اليماني الصيني فيه سواد و بياض و المخنقة: القلادة و كيسها: عقلها.

2) القرطبي، التفسير الجامع، 19/ 233 و (ثماني) في النص كذا: ثمان.

و قال (القرطبي): (إنّه كان من العرب من يقتل ولده خشية الإملاق، كما ذكر اللّه- عزّ و جل- و كان منهم من يقتله سفها بغير حجّة منهم في قتلهم، و هم ربيعة و مضر، كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحميّة.

و روي أنّ رجلا من أصحاب النبيّ (ص) و كان لا يزال مغتما بين يدي رسول اللّه (ص)، فقال له رسول اللّه (ص): مالك تكون محزونا؟

فقال: يا رسول اللّه، إني أذنبت ذنبا في الجاهلية فأخاف ألّا يغفره اللّه لي و إن أسلمت.

فقال له: أخبرني عن ذنبك.

فقال: يا رسول اللّه، إنّي كنت من الّذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنت، فتشفعت إلي امرأتي أن أتركها، فتركتها حتّى كبرت و أدركت، و صارت من أجمل النساء، فخطبوها، فدخلتني الحميّة، و لم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زواج، فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا و كذا في زيارة أقربائي، فابعثيها معي، فسرّت بذلك، و زيّنتها بالثياب و الحلي، و أخذت علي المواثيق بألّا أخونها.

فذهبت الى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر فالتزمتني، و جعلت تبكي، و تقول: يا أبت ايش تريد أن تفعل بي؟

فرحمتها، ثم نظرت في البئر، فدخلت علي الحميّة، ثم التزمتني و جعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمّي! فجعلت مرّة أنظر في البئر و مرّة أنظر إليها فأرحمها حتّى غلبني الشيطان، فأخذتها و ألقيتها في البئر منكوسة، و هي تنادي في البئر: يا أبت، قتلتني.

فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت.

فبكى رسول اللّه (ص) و أصحابه، و قال: (لو أمرت أن أعاقب أحدا بما

فعل في الجاهلية لعاقبتك) (1).

و في شأن هؤلاء أنزل اللّه تعالى في سورة النحل/ 58:

وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ و لمّا كانوا يعتقدون بأن اللّه اصطفى من الملائكة بنات له كما سيأتي ذكره بحوله تعالى في بحث أديان العرب قال سبحانه:

وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ (الزخرف/ 17).

قال ابن الاثير في ترجمة صعصعة من أسد الغابة ما موجزه:

صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق همام بن غالب الشاعر، و كان من أشراف بني تميم، و كان في الجاهليّة يفتدي الموءودات و قد مدحه الفرزدق بذلك في قوله:

و جدّي الذي منع الوائدات‌و أحيا الوئيد فلم يوأد قال قدمت على النبي (ص) فعرض عليّ الإسلام، فأسلمت و علمني آيا من القرآن فقلت: يا رسول اللّه أنّي عملت أعمالا في الجاهليّة فهل لي فيها من أجر. قال: و ما عملت، قلت: ضلّت ناقتان لي عشراوان، فخرجت أبغيهما على جمل لي، فرفع لي بيتان في فضاء من الأرض، فقصدت قصدهما، فوجدت في أحدهما شيخا كبيرا فبينما هو يخاطبني و أخاطبه إذ نادته امرأة قد ولدت قال و ما ولدت. قالت جارية قال فادفنيها فقلت أنا أشتري منك روحها لا تقتلها فاشتريتها بناقتيّ و ولديهما و البعير الّذي تحتي و ظهر الإسلام و قد أحييت ثلاثمائة و ستين موءودة أشتري كلّ واحدة منهن بناقتين عشراوين و جمل. فهل لي من7.


1) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 5/ 93؛ و القرطبي، تفسير سورة الأنعام الآية 140، 7/ 96- 97.

أجر؟ فقال رسول اللّه (ص) هذا باب من البرّ لك أجره إذ من اللّه عليك بالإسلام (1).3.


1) أسد الغابة 3/ 22- 23.

ثالثا- النظم الاجتماعية:

اشارة

بدأنا بذكر النظم القبيلة و الوضع الاقتصادي و ما يتصل بهما من شئون العرب في العصر الجاهلي. و في ما يأتي نذكر بعض مظاهر النظم الاجتماعية في العصر الجاهلي بإذنه تعالى.

و نبدأ بذكر حمية الجاهليّة و حكمها.

أ- حميّة الجاهلية و حكمها

قال اللّه- سبحانه-:

1- في سورة المائدة:

... بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ* أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (الآيات/ 49- 50) 2- في سورة الفتح:

إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيماً (الآية/ 26) و في سورة المائدة:

لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ

فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَ احْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الآيات/ 89- 90) هذا ما أخبر اللّه- سبحانه و تعالى- عن حمية الجاهلية، و في ما يأتي نذكر بإذنه تعالى تفصيل النظم الاجتماعية في العصر الجاهلي.

ب- حكّام العرب:

قال اليعقوبي:

و كان للعرب حكام ترجع إليها في أمورها، و تتحاكم في منافراتها، و مواريثها، و مياهها، و دمائها، لأنه لم يكن دين يرجع إلى شرائعه، فكانوا يحكّمون أهل الشرف، و الصدق و الأمانة، و الرئاسة، و السنّ، و المجد، و التجربة.

ثم ذكر أسماء ثلاثة و عشرين منهم من ضمنهم خمسة كانوا من قريش مثل عبد المطلب (1).

ج- شعراء العرب و أثر الشعر في الانسان العربي:

قال اليعقوبي و كانت العرب تقيم الشعر مقام الحكمة و كثير العلم، فإذا كان في القبيلة الشاعر الماهر، المصيب المعاني، المخير الكلام، أحضروه في أسواقهم التي كانت تقوم لهم في السنة و مواسمهم عند حجهم البيت، حتى تقف و تجتمع القبائل و العشائر، فتسمع شعره، و يجعلون ذلك فخرا من فخرهم، و شرفا من شرفهم.


1) تاريخ اليعقوبي 1/ 258.

و لم يكن لهم شي‌ء يرجعون إليه من أحكامهم و أفعالهم إلا الشعر، فبه كانوا يختصمون، و به يتمثلون، و به يتفاضلون، و به يتقاسمون، و به يتناضلون، و به يمدحون و يعابون.

فكان ممن قدم شعره في جاهلية العرب على ما اجتمعت عليه الرواة و أهل العلم بالشعر، و جاءت به الآثار و الأخبار من شعراء العرب في جاهليتها مع من أدركه الاسلام، فسمّي مخضرما، فإنهم دخلوا مع من تقدم، فسموا الفحول، و قدّموا على تقدّم أشعارهم في الجودة، فإن كان بعضهم أقدم من بعض و هم على ما بينا من أسمائهم و مراتبهم على الولاء، فأوّلهم امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو آكل المرار بن معاوية بن ثور، و هو كندة.

ثم ذكر أسماء ثمانية و ثمانين شاعرا بأنسابهم (1).

و في المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام (2).

و رووا ان المحلق كان ممن رفعه الشعر بعد الخمول، و ذلك أن الأعشى قدم مكة و تسامع الناس به، و كانت للمحلق امرأة عاقلة، و قيل بل أم، و كان المحلق فقيرا خامل الذكر، ذا بنات، فأشارت عليه، أن يكون أسبق الناس اليه في دعوته الى الضيافة، ليمدحهم، ففعل. فلما أكل الأعشى و شرب، و أخذت منه الكأس، عرف منه أنه فقير الحال، و أنه ذا عيال، فلما ذهب الأعشى الى عكاظ أنشد قصيدته:

أرقت و ما هذا السهاد المؤرق‌و ما بي من سقم و ما بي معشق ثم مدح المحلق، فما أتمّ القصيدة إلا و الناس ينسلون الى المحلق يهنئونه، و الأشراف من كل قبيلة يتسابقون إليه جريا يخطبون بناته، لمكان شعر الأعشى.3.


1) تاريخ اليعقوبي 1/ 262- 269.

2) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام 9/ 109- 113.

و يذكر الرواة أن القبيلة كانت إذا نبغ فيها شاعر احتفلت به، و فرحت بنبوغه، و أتت القبائل فهنأتها بذلك، و صنعت الأطعمة، و اجتمعت النساء يلعبن بالمزاهر، و تباشروا به لأنه حماية لهم، و لسانهم الذاب عنهم المدافع عن أعراضهم و أحسابهم و شرفهم بين الناس. و كانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد أو فرس تنتج أو شاعر ينبغ فيهم (1).

فالشاعر هو صحيفة القبيلة و (محطة إذاعتها)، و صوته، يحط و يرفع و يخلد، لا سيما إذا كان مؤثرا، فيرويه الناس جيلا بعد جيل.

و كان أثره في الناس أثر السيف في الحروب، بل استعمله المحاربون أول سلاح في المعارك. فيبدأ الفارس بالرجز، ثم يعمد الى السيف أو الرمح أو آلات القتال الأخرى. و لأثره هذا، جاء في الحديث عن الرسول قوله: (و الذي نفسي بيده، لكأنما تنضحونهم بالنبل بما تقولون لهم من الشعر) (2)مخاطبا بذلك شعراء المسلمين، الذين حاربوا الوثنيين بهذا السلاح الفتاك، سلاح الشعر.

و قد كان الوثنيون قد أشهروه أيضا و حاربوا به المسلمين.

و طالما قام الشعراء بالسفارة و الوساطة في النزاع الذي كان يقع بين الملوك و القبائل، أو بين القبائل أنفسها، فلما أسر (الحارث بن أبي شمر) الغساني (شأس بن عبدة) في تسعين رجلا من (بني تميم)، و بلغ ذلك أخاه (علقمة ابن عبدة)، قصد (الحارث) فمدحه بقصيدته:

طحا بك قلب بالحسان طروب‌بعيد الشباب عصر حان مشيب فلما بلغ طلبه بالعفو عن أخيه و عن بقية المأسورين، قال الحارث: نعم و أذنبه، و أطلق له شأسا أخاه، و جماعة أسرى بني تميم، و من سأل فيه أو عرفه من غيرهم (3).)،


1) بلوغ الارب 3/ 84، العمدة، 1/ 49، 65، المزهر 3/ 236، العقد الفريد 3/ 93.

2) الأغاني 15/ 26 و ط. بيروت 16/ 165.

3) العمدة 1/ 57، (أسر الحارث بن أبي شمر الغساني مع سبعين رجلا من بني تميم)،

و لم يقلّ أثر الشاعر في السلم و في الحرب عن أثر الفارس، الشاعر يدافع عن قومه بلسانه، يهاجم خصومهم، و يهجو سادتهم، و يحث المحاربين على الاستماتة في القتال، و يبعث فيهم الشهامة و النخوة للإقدام على الموت حتى النصر. و الفارس يدافع عن قومه بسيفه، و كلاهما ذاب عنهم محارب في النتيجة.

بل قد يقدم الشاعر على الفارس، لما يتركه الشعر من أثر دائم في نفوس العرب، يبقى محفوظا في الذاكرة و في اللسان، يرويه الخلف عن السلف، بينما يذهب أثر السيف، بذهاب فعله في المعركة، فلا يترك ما يتركه شعر المديح أو الهجاء من أثر في النفوس، يهيجها حين يذكر، و كان من أثره ان القبائل كانت إذا تحاربت جاءت بشعرائها، لتستعين بهم في القتال. فلما كان يوم (أحد)، قال (صفوان بن أمية) لأبي عزة عمرو بن عبد اللّه الجمحي: (يا أبا عزة انك امرؤ شاعر فأعنّا بلسانك، فاخرج معنا. فقال: إن محمدا قد منّ عليّ و لا أريد أن أظاهر عليه.

قال: فاعنا بنفسك، فلك اللّه علي إن رجعت أن أغنيك، و إن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر و يسر، فخرج أبو عزة يسير في تهامة و يدعو بني كنانة) شعرا الى السير مع قريش لمحاربة المسلمين (1).

و كان للرسول (ص) شاعره (حسان بن ثابت) يدافع عن الإسلام و المسلمين، و كان للمشركين من أهل مكة شاعرهم (عبد اللّه بن الزبعرى) يرد عليه، و يهاجم المسلمين في السلم و في المعارك.

و قد دوّنت كتب السير و الأخبار و التواريخ أشعارهم و ما قاله أحدهم في الآخر، و قد فات منه شي‌ء كثير، نص رواة الشعر على أنهم تركوه لما كان فيه من سوء أدب و خروج على المروءة.

و كان الى جانب الشاعرين شعراء آخرون، منهم من ناصر المسلمين،).


1) الروض الانف (2/ 126 و ما بعدها)، (غزوة أحد).

لأنه كان منهم، و منهم من ناصر المشركين لأنه كان منهم. بل كان المحاربون إذا حاربوا، فلا بد و أن يبدءوا حربهم بتنشيطها و بتصعيد نارها برجز أو بقريض.

و من خوفهم من لسان الشاعر ما روي من فزع أبي سفيان، لما سمع من عزم (الأعشى) على الذهاب الى يثرب و من اعداده شعرا في مدح الرسول، و من رغبته في الدخول في الإسلام. فجمع قومه عندئذ، و تكلم فيما سيتركه شعر هذا الشاعر من أثر في الاسلام و في قريش خاصة إن هو أسلم، و لهذا نصحهم أن يتعاونوا معه في شراء لسانه و في منعه من الدخول في الإسلام بإعطائه مائة ناقة فوافقوا على رأيه، و جمعوا له ما طلبه، و تمكن أبو سفيان من التأثير فيه، فعاد الى بلده (منفوحة) و مات بها دون أن يسلم (1).

قال (الجاحظ) يبلغ من خوفهم من الهجاء و من شدة السبّ عليهم، و تخوفهم أن يبقى ذكر ذلك في الأعقاب، و يسبّ به الأحياء و الأموات، انهم اذا أسروا الشاعر أخذوا عليه المواثيق، و ربما شدوا لسانه بنسعة، كما صنعوا بعبد يغوث بن وقّاص الحارثي حين أسرته بنو تيم يوم الكلاب (2). و (عبد يغوث بن وقاص) شاعر قحطاني، كان شاعرا من شعراء الجاهلية، فارسا سيد قومه من بني الحارث بن كعب، و هو الذي قادهم يوم الكلاب الثاني، فأسرته بنو تيم و قتلته، و هو من أهل بيت شعر معروف في الجاهلية و الاسلام، منهم اللجلاج الحارثي، و هو طفيل بن زيد بن عبد يغوث، و أخوه (مسهر) فارس شاعر، و منهم من أدرك الاسلام: جعفر بن علبة بن ربيعة بن الحارث بن عبد يغوث، و كان شاعرا صعلوكا (3).

و في جمهرة أنساب العرب:3.


1) الشعر و الشعراء (136 و ما بعدها)، زيدان، آداب 1/ 119.

2) البيان و التبيين 2/ 268.

3) الخزانة 1/ 317 (بولاق) و ط. القاهرة سنة 1387 ه 2/ 202- 203.

(و هؤلاء بنو قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة ولد قريع بن عوف: جعفر، و هو أنف الناقة: لقّب بذلك لأنّ أباه نحر ناقة، فقسمها في نسائه، و أعطى ابنه جعفرا رأس الناقة، فأخذ بأنفها، فقيل له: ما هذا؟ فقال: (أنف الناقة!).

فلقّب بذلك. فكان ولده يغضبون منه، إلى أن قال الحطيئة مادحا لهم:

قوم هم الأنف و الأذناب غيرهم‌و من يساوي بأنف النّاقة الذّنبا فصار ذلك مدحا لهم، يفتخرون به) (1).

و في المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام 9/ 113:

و لما مدح الحطيئة (بغيض بن عامر بن لاي بن شماس بن لاي بن أنف الناقة)، و اسمه (جعفر بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم)، و هجا (الزبرقان)، و اسمه (الحصين بن بدر بن امرئ القيس بن خلف ابن عوف بن كعب)، صاروا يفخرون و يتباهون بأن يقال لهم (أنف الناقة)، و كانوا يعيرون به و يغضبون منه و يفرقون من هذا الاسم، حتى أنّ الرجل منهم كان يسأل ممن هو فيقول من (بني قريع) فيتجاوز جعفرا أنف الناقة، و يلغي ذكره فرارا من هذا اللقب، الى أن قال (الحطيئة) هذا الشعر فصاروا يتطاولون بهذا النسب، و يمدون به أصواتهم في جهارة، إذ قال:

قوم هم الأنف و الأذناب غيرهم‌و من يسوّي بأنف الناقة الذنبا (2)و قد تعزز الأعشى على قومه، و بين مكان فضله عليهم، إذ كان لسانهم الذاب).


1) جمهرة الانساب لابن حزم ص 209.

2) و في البيان و التبيين 4/ 38، (هارون، الاشتقاق ص 156 و ط. مصر 1378 ه ص 255، زهر الآداب 1/ 19، الخزانة 1/ 567، العمدة 1/ 50).

عنهم المدافع عن أعراضهم، الهاجي لأعدائهم بشعر هو كالمقراض يقرض أعداء قومه قرضا.

و أدفع عن أعراضكم و أعيركم‌لسانا كمقراض الخفاجي ملحبا (1)و ذكر أن بني تغلب كانوا يعظمون معلقة عمرو بن كلثوم و يروونها صغارا و كبارا، حتى هجاهم شاعر من شعراء خصومهم و منافسيهم بكر بن وائل، إذ قال:

الهي بني تغلب عن كلّ مكرمةقصيدة قالها عمرو بن كلثوم

يروونها أبدا مذ كان أولهم‌يا للرجال لشعر غير مسئوم (2)و لسلاطة ألسنة بعض الشعراء، و لعدم تورع بعضهم من شتم الناس و من هتك الأعراض، و من التكلم عنهم بالباطل، تجنب الناس قدر امكانهم الاحتكاك بهم، و ملاحاتهم و التحرش في أمورهم، خوفا من كلمة فاحشة قد تصدر عنهم، تجرح الشخص الشريف فتدميه، و (جرح اللسان كجرح اليد)، كما عبر عن ذلك امرؤ القيس أحسن تعبير (3).

و لأمر ما قال طرفة:

رأيت القوافي تتلجن موالجاتضايق عنها أن تولجها الإبر و في هذا المعنى دوّن (الجاحظ) هذه الأبيات:

و للشعراء ألسنة حدادعلى العورات موفية دليله 8.


1) ديوان الاعشى ص 117، القصيدة 14، البيت 31.

2) الاشتقاق ص 204، و ط. مصر 1378 ه ص 339، و قد روى هذا الشعر بأوجه مختلفة، البيان و التبيين 4/ 41.

3) العمدة 1/ 78.

و من عقل الكريم اذا اتقاهم‌و داراهم مدارة جميلة اذا وضعوا مكاويهم عليه*- و إن كذبوا- فليس لهنّ حيلة (1)و (كان عمر بن الخطاب (رض) عالما بالشعر، قليل التعرض لأهله:

استعداه رهط تميم بن أبي مقبل على النجاشي لما هجاهم، فأسلم النظر في أمرهم الى حسان بن ثابت، فرارا من التعرض لأحدهما، فلما حكم حسان أنفذ عمر حكمه على النجاشي كالمقلد من جهة الصناعة، و لم يكن حسان- على علمه بالشعر- أبصر من عمر (رض) بوجه الحكم، و ان اعتل فيه بما اعتل) (2).

د- الكهانة

كهن له يكهن و كهن يكهن كهانة أخبره بالغيب و الكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان و يدعي معرفة الاسرار، و منهم من كان يزعم ان له تابعا من الجن يلقي إليه الخبر. و كانوا يروجون أقاويلهم باسجاع تروق السامعين يستميلون بها القلوب (3)كما اشتهر ذلك عن سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود الغساني الذي كان قبل بعثة الرسول (ص).

و روى ان ملك اليمن ذا جدن أراد أن يجرب علم سطيح لما قدم عليه، فخبأ له دينارا تحت قدمه ثم سأله عما خبأ له.

فقال سطيح: حلفت بالبيت و الحرم و الحجر الأصم و الليل إذا أظلم و الصبح إذا تبسم و بكل فصيح و أبكم لقد خبأت لي دينارا بين النعل و القدم.


1) العمدة 1/ 78.

2) العمدة 1/ 52، 76، (باب تعرض الشعراء). انتهى ما نقلناه من المفصّل 9/ 109- 114.

3) مادة كهن من المعجم الوسيط و المعجم المفهرس لالفاظ القرآن الكريم و نهاية اللغة لابن الأثير.

فقال الملك: من ابن علمك هذا يا سطيح؟ قال: من قبل أخ لي جني ينزل معي فقال له الملك: أخبرني عمّا يكون في الدهور ... (1).

و في سيرة ابن هشام:

قيل لسطيح: أنى لك هذا العلم؟ فقال: لي صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء حين كلم اللّه- تعالى- منه موسى (عليه السلام).

فهو يؤدي إليّ من ذلك ما يؤديه (2).

و في صحيح مسلم بسنده عن ابن عباس ما موجزه: بينا الأنصار كانوا جالسين ليلة مع رسول اللّه (ص) رمي بنجم فاستنار. فقال لهم رسول اللّه (ص) (ما ذا كنتم تقولون في الجاهلية، إذ رمي بمثل هذا؟) قالوا: اللّه و رسوله أعلم. كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم. و مات رجل عظيم. فقال رسول اللّه (ص): (فإنها لا يرمى بها لموت أحد و لا لحياته. و لكن ربنا،- تبارك و تعالى اسمه- إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا. ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ما ذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ما ذا قال، قال فيستخبر بعض أهل السماوات بعضا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم، و يرمون به. فما جاءوا به على وجهه فهو حق، و لكنهم يقرفون (3)فيه و يزيدون).

و في رواية قبلها:

سأل أناس رسول اللّه (ص) عن الكهان؟ فقال لهم رسول اللّه (ص) (ليسوا بشي‌ء) قالوا: يا رسول اللّه! فإنهم يحدثون أحيانا الشي‌ء يكون حقا. قال رسول اللّه (ص): (تلك الكلمة من الجن يخطفها الجني. فيقرها في أذن وليهب.


1) مادة سطيح من سفينة البحار.

2) خبر سطيح بسيرة ابن هشام 1/ 16.

3) يقرفون فيه أي يضيفون إليه الكذب.

قرّ (1)الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة) (2).

و أخبر اللّه- سبحانه- عن جهل الجن بالغيب في ما حكى عنهم مع النبي سليمان (ع) في سورة سبأ، و قال:

فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (الآية/ 14) التفسير: لما قضينا على سليمان بالموت و مات و كان متكأ على عصاه يراقب عمل الجن بقي كذلك متّكأ على عصاه و هو ميّت و الجنّ دائبون في عملهم فأكلت الأرضة عصاه و سقط، فتبين من ذلك أنّ الجن لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا ان سليمان المتكئ على عصاه أمامهم ميت، و لما لبثوا بعد موته في العذاب المهين لهم.

و أخبر- سبحانه- عن منشأ علمهم و انهم كانوا يرهقون من يلوذ بهم من الكهنة و انه انقطع عنهم منشأ علمهم بعد مبعث خاتم الأنبياء في قوله تعالى في سورة الجن:

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً* ... وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً* ... وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً* وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (الآيات/ 1- 2 و 6 و 8- 9)5.


1) القرّ: ترديد الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه و قرّ الزجاجة صوتها إذا قطعتها و قرّ الزجاجة صوتها إذا صبّ فيها الماء.

2) صحيح مسلم ص 1750- 1751، كتاب السلام، الحديث 123- 125.

إذا كانوا يسترقون السمع من الملائكة، و يحدثون بها من يلوذون بهم من كهنة الانس و يزيدونهم في ما يحدثونهم رهقا أي: سفها و كذبا و طغيانا.

و بعد مبعث خاتم الانبياء (ص) منعوا من استراق السمع برمي الشهب إليهم.

من مجموع ما تقدم يظهر أن عمل الجن مع الكهنة كان يستند:

1- إلى اخبارهم الكاهن عن المخبوء عن نظر الانسي، لان الجان ليس لهم جسم يمنعهم من النفوذ إلى تحت قدم الملك و معرفة الدينار المخبوء- مثلا-.

2- إلى ما استرقوا إليه من كلام الملائكة عما بلغها من أخبار الغيوب من قبل اللّه سبحانه و هذا ما منعوا عنه بعد مبعث خاتم الأنبياء.

3- إلى ما يكذبون فيما يسألون عنه من أخبار الغيوب التي لم يعلموا بها، لأنهم لم يكونوا يقولون في مثل هذه الحالة: لا نعلم هذا الأمر الذي تسألونا عنه، و في هذا يزيدون الانسان رهقا.

و الكهانة لم تقتصر على العرب الجاهليين قديما، بل كانت و لا تزال منتشرة بين الامم الجاهلية القديمة و المعاصرة و الكهنة كانوا رجال دين الامم الجاهلية يمارسون طقوسهم الدينية.

و قد ظهر أخذ الأنس من الجن في عصرنا على شكل ما يسمى باحضار الأرواح كما يزعمون! و قد قرأت ان بعضهم أحضر روح ابن سينا كما زعم و استفسر عنه عن عالم ما بعد الموت، فاجاب. و قرأت عن آخر أنّه زعم أكثر من ذلك. و كل هذا يندرج في باب اتصال الجن بهؤلاء و يجيبهم الجني الوسيط عما يجري في خارج المجلس و يزيدهم رهقا حين يطلب من الانسان الوسيط أن يحضر لهم روح انسان قد توفي و يزعم الجني الوسيط انه ذلك الروح المطلوب حضوره و قد حضر و يجيب عن أسئلتهم بكل كذب يشاؤه.

ه- التفاؤل و التطير

التفاؤل:

أصل الفأل الكلمة الحسنة يسمعها الإنسان فيتفاءل به مثل عليل يسمع رجلا ينادي من اسمه سالم، فيتفاءل بأنه سوف يعافى من علته.

و التطير: التشاؤم تطير من الشي‌ء و بالشي‌ء و اطّير أي تشاءم من الفأل الردي‌ء و طائر الإنسان عمله، و يسمّى الشؤم طيرا و طائرا و طيرة على وزن عنبة. و كانت العرب في الجاهلية تتطير بالسوانح و البوارح، و مفردهما السانح و البارح، و هما ما مرّ من الطير و الوحش من يمينك إلى يسارك، و كانوا ينفرون الضباء و الطيور، فإن أخذت ذات اليمين، تبركوا به، و مضوا في سفرهم و حوائجهم، و إن أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم و حاجتهم و تشاءموا بها، فكانت تصدّهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم (1)و كان بعضهم يتيمنون بالسانح، و هو الذي جاء من يمينهم إلى يسارهم، و يتشاءمون بالبارح، و هو الذي يأتي من اليسار نحو اليمين (2)و يتطيّرون من نعيق الغراب و غير ذلك.

و كان التطير قبل ذلك موجودا في المجتمعات الجاهلية السحيقة كما أخبر اللّه سبحانه عنه.

1- في سورة النمل عن قوم ثمود إنهم قالوا لنبيهم صالح (ع):

قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (الآية/ 47) أي أنهم قالوا لصالح: إنا تشاءمنا بك و بمن على دينك، و ذلك لانّهم


1) لسان العرب ط. بيروت سنة 1956 م مادة (طير) و (برح).

2) لسان العرب مادة (سنح).

قحطوا و حبس المطر عنهم و جاعوا، فقالوا: أصابنا هذا الشرّ من شؤمك و شؤم أصحابك فقال لهم صالح (ع) طائركم عند اللّه أي الشؤم أتاكم من عند اللّه و أنتم تفتنون تمتحنون بذلك.

و كذلك معنى قول آل فرعون لموسى (ع) كما أخبر سبحانه عنهم في سورة الاعراف:

وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ* فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (الآيات/ 130- 131) معناه لما عاقبنا قوم فرعون بالقحط لعلهم يتفكرون في أمرهم و يوحدون اللّه، كانوا إذا جاءهم الخصب و النعمة قالوا إنا نستحقّ هذه النعمة لسعة أرزاقنا في بلادنا، و لم يؤمنوا بأنّها من عند اللّه ليشكروه و يعبدوه، و إذا أصابهم حبس المطر و هلاك الزرع و الضرع تشاءموا بموسى و من معه و قالوا: هذا من شؤمكم، ألا و إن طائرهم و الشؤم الّذي لحقهم هو عقاب من عند اللّه كما وعدهم بذلك.

2- أخبر عن نظير ذلك في سورة يس و قال سبحانه:

وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ .... قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ ... قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ ... (الآيات/ 13- 19).

قالوا: إنا تشاءمنا بكم فقالت الرسل: طائركم معكم أي الشؤم كلّه معكم بإقامتكم على الكفر باللّه تعالى.

هكذا كان التطير من عقائد أهل الجهل في الجاهلية القديمة السحيقة و جاهلية عصر الرسول (ص) و لا يزال التطير موجودا في جاهلية عصرنا مثل تشاؤمهم برقم (13) و قد أبطل اللّه و رسوله التشاؤم و استحسن الرسول (ص) الفأل و أثبته و روي أنّه قال: (لا طيرة و خيرها الفأل)، قيل: يا رسول اللّه و ما

الفأل قال: (الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم) (1).

و في رواية قال: ذاك شي‌ء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم (2).

و قال أبو عبد اللّه الصادق (ع) الطيرة على ما تجعلها إن هونتها تهونت و ان شددتها تشددت و إن لم تجعلها شيئا لم تكن شيئا (3).

و- الأزلام و الميسر

اشارة

قال اللّه سبحانه:

1- في سورة المائدة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (الآية/ 3) 2- في سورة المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الآية/ 90)


1) صحيح مسلم، ط. بيروت دار احياء التراث العربي افست على الطبعة المصرية ص 1745، باب الطيرة من كتاب الفال.

2) المصدر السابق، ص 1749.

3) سفينة البحار، مادة (طير).

تفسير الكلمات:

أ- الميتة:

كل ما له نفس سائلة- دم يجري- من حيوانات البر و الطير مما أباح اللّه أكله و فارقها روحها بغير الذبح الذي شرعه اللّه.

ب- الدم:

كانوا يجعلون الدم في المصارين و يشوونه و يأكلونه أو بأنواع أخرى من طبخ الدم.

ج- لحم الخنزير:

قال اللّه سبحانه (لَحْمُ الْخِنْزِيرِ) ليبين أنه حرام بعينه لا لكونه ميتة.

د- ما أهل لغير اللّه:

كان من عادة العرب في الجاهلية أن ينادوا باسم المقصود بالذبيحة من أصنامهم عند ذبحها و يقولون: باسم اللات أو العزى أو غيرهما و هذا هو الاهلال بالذبيحة.

ه- المنخنقة:

الحيوان الذي خنق حتى مات بحبل الصيد أو غيره، و قالوا: ان بعضهم في الجاهلية كان يخنق الحيوان أحيانا ثم يأكله.

و- الموقوذة:

الوقذ شدة الضرب كان بعضهم يضربون الانعام بالخشب لآلهتهم، حتى يقتلوها فيأكلوها أو المقتول بالرمي الذي لا يخترق الجلد.

ز- المتردية: القرآن الكريم و روايات المدرستين ج‌1 66 تفسير الكلمات: .....

التي تتردى من الأعلى إلى الأسفل فتموت كالتي تسقط من جبل أو في بئر.

ح- النطيحة:

هي التي ينطحها غيرها فتموت.

ط- و ما أكل السبع إلا ما ذكيتم:

ما افترسه أي نوع من السباع، فمات إلا ما أدركوه و هو جريح و قاموا بتذكيته وفق الشرع الاسلامي.

ي- و ما ذبح على النصب:

النصب: النصب و النصب حجر ينصب للعبادة غير منقوش عليه بصورة و الصنم صورة حيوان أو انسان أو شي‌ء آخر تخيلوا وجوده و هو غير موجود و كانوا يعبدون أحجارا منصوبة حول الكعبة، فإذا ذبحوا، نضحوا الدم عليها.

ك- و ان تستقسموا بالازلام، الازلام واحدة الزلم- قداح الميسر- و الزلم قطع من الخشب مسواة، تصلح أن تكون سهما، و تستقسموا أي تطلبوا قسمة الذبيحة بالازلام و سيأتي تفصيله بحوله تعالى.

ل- الميسر: كل قمار ميسر.

م- الرجس: القذر بحسب الطبع أو العقل أو الشرع.

تفسير الآيات:

كانت أزلام العرب ثلاثة أنواع:

أ- ما يتخذها الإنسان لنفسه، و يحملها في خريطة معه، كتب على أحدها:

أمرني ربّي و على الثاني: نهاني ربّي و الثالث مهمل لم يكتب عليه. فإذا أراد فعل شي‌ء أدخل يده و أخرج أحدها، فاذا خرج ما عليه الأمر: فعل. و إذا خرج ما عليه النهي امتنع. و إذا خرج المهمل ارجعه و أعاد العمل (1).

ب- سبعة قداح كانت عند هبل في جوف الكعبة مكتوب عليها ما يدور


1) تفسير الآية الثالثة في تفسير القرطبي و مجمع البيان و مادة قسم من معجم الفاظ القرآن الكريم.

بين الناس من النوازل، كل قدح منها فيه كتاب، قدح فيه العقل من أمر الديات، و في آخر (منكم) و في آخر (من غيركم)، و في آخر (ملصق)، و في سائرها أحكام المياه و غير ذلك: و كانوا إذا شكوا في نسب أحدهم ذهبوا به إلى هبل و بمائة درهم و جزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا و كذا، فأخرج الحق فيه. ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب؛ فإن خرج عليه (منكم) كان منهم وسيطا، و ان خرج (من غيركم) كان حليفا، و إن خرج (ملصق) كان على منزلته فيهم لا نسب له و لا حلف.

و هذه السبعة أيضا كانت عند كل كاهن من كهان العرب و حكامهم.

على نحو ما كانت في الكعبة عند هبل.

ج- قداح الميسر و هي عشرة: سبعة منها فيها حظوظ، و ثلاثة أغفال، و كانوا يضربون بها مقامرة لهوا و لعبا، و كان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين و المعدم في زمن الشتاء و كلب البرد و تعذر التحرف (1)

و كلب البرد شدته. و التحرف: التكسب للعيال من كل حرفة.

.

قال اليعقوبي:

كانت العرب تستقسم بالأزلام في كل أمورها، و هي القداح، و لا يكون لها سفر و لا مقام، و لا نكاح، و لا معرفة حال، إلّا رجعت إلى القداح، و كانت القداح سبعة: فواحد عليه: اللّه عز و جل؛ و الآخر: لكم؛ و الآخر: عليكم؛ و الآخر: نعم؛ و الآخر: منكم؛ و الآخر: من غيركم؛ و الآخر: الوعد؛ فكانوا إذا أرادوا أمرا رجعوا إلى القداح، فضربوا بها، ثم عملوا بما يخرج من القداح لا يتعدونه، و لا يجوزونه، و كان لهم أمناء على القداح لا يثقون بغيرهم.

و كانت العرب، إذا كان الشتاء و نالهم القحط، و قلت ألبان الابل،ة.


1) تفسير القرطبي 6/ 58- 59.

استعملوا الميسر، و هي الازلام، و تقامروا عليها، و ضربوا بالقداح، و كانت قداح الميسر عشرة: سبع منها لها أنصبة، و ثلاث لا أنصبة لها، فالسبع التي لها أنصبة يقال لأولها الفذّ، و له جزء؛ و التوأم، و له جزآن؛ و الرقيب، و له ثلاثة أجزاء؛ و الحلس، و له أربعة أجزاء، و النافس، و له خمسة أجزاء، و المسبل، و له ستة أجزاء، و المعلى، و له سبعة أجزاء، و الثلاث التي لا أنصبة لها اغفال ليس عليها اسم يقال لها: المنيح، و السفيح، و الوغد.

و كانت الجزور تشترى بما بلغت، و لا ينقد الثمن، ثم يدعى الجزار، فيقسمها عشرة أجزاء فإذا قسمت أجزاؤها على السواء أخذ الجزار أجزاءه، و هي الرأس و الأرجل، و أحضرت القداح العشرة، و اجتمع فتيان الحي، فأخذ كل فرقة على قدر حالهم و يسارهم، و قدر احتمالهم، فيأخذ الأول الفذ، و هو الذي فيه نصيب واحد من العشرة أجزاء، فإذا خرج له جزء واحد أخذ من الجزور جزءا، و إن لم يكن يخرج له غرم ثمن جزء من الجزور، و يأخذ الثاني التوأم، و له نصيبان من أجزاء الجزور، فإن خرج أخذ جزءين من الجزور، و أن لم يخرج غرم ثمن الجزءين.

و كانوا يفتخرون به، و يرون أنه من فعال الكرم و الشرف و لهم، في هذا أشعار كثيرة (1).

و كانت المقامرة من وسائل كسب الثروة، سيّما في مكّة كما يرى مثال ذلك في الخبر الآتي في الأغاني:

(قامر أبو لهب العاص بن هشام في عشر من الإبل، فقمره أبو لهب، ثم في عشر فقمره، ثم في عشر فقمره، ثم في عشر فقمره، ثمّ في عشر فقمره، إلى أن أخلعه ما له فلم يبق له شي‌ء، فقال له: إني أرى القداح قد حالفتك يا ابن عبدب.


1) تاريخ اليعقوبي 1/ 259- 261، و بعض الشرح من لسان العرب مادة الحرضة و ما نقله كتاب المفصل 5/ 128- 129 عن بلوغ الإرب.

المطلب فهلم أقامرك، فاينا قمر كان عبدا لصاحبه، قال: افعل، ففعل فقمره أبو لهب فكره أن يسترقه، فتغضب بنو مخزوم، فمشى إليهم، و قال: افتدوه مني بعشر من الابل، فقالوا: لا و اللّه و لا بوبرة، فاسترقه فكان يرعى له إبلا فلما خرج المشركون إلى بدر كان من لم يخرج أخرج بديلا و كان أبو لهب عليلا فأخرجه و قعد، على أنه إن عاد إليه أعتقه، فقتله علي بن أبي طالب (رض) يومئذ) (1).

ز- بيع الطعام عيب في الجاهلية:

قال في تاريخ العرب قبل الإسلام:

و العادة عند العرب أن من العيب بيع شي‌ء من الطعام لمن هو في حاجة إليه و هم يشعرون بالخجل و بالإهانة إذا طلب معسر طعاما أو شرابا كلبن أو ماء ثم لا يجاب طلبه، أو يطلب عن ذلك ثمنا يقبضه مقابل ما قدم من طعام أو شراب، لأن القرى واجب على كلّ عربي، و لا يكون القرى بثمن. فكيف يقف إنسان موقف بخل و إمساك ازاء مرمل محتاج (2)

مصر 1306 ه.

.

ح- السرقة عيب و الغارة فخر:

قال في تاريخ العرب قبل الإسلام:

و تعدّ السرقة عيبا عند العرب، لأنها تكون دون علم صاحب المسروق و بمغافلته.

و المغافلة و الاستيلاء على شي‌ء من دون علم صاحبه عيب عندهم، و فيه


1) الأغاني ط. بيروت (3/ 307- 308) و العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي جاء نسبه في جمهرة النسب لابن الكلبي ص 86.

2) المفصل في تاريخ العرب ط. بيروت 1976 م (5/ 67) و رمل من تاج العروس ط.

جبن و نذالة.

و أما الاستيلاء على شي‌ء عنوة و باستعمال القوة، فلا يعد نقصا عندهم و لا شينا و لا يعد سرقة، لأن السالب قد استعمل حقّ القوة، فأخذه بيده من صاحب المال المسلوب، فليس في عمله جبن و لا غدر و لا خيانة. و لذلك فرقوا بين لفظة (سرق) و بين الألفاظ الاخرى التي تعني أخذ مال الغير، و لكن من غير تستر و لا تحايل، فقالوا: (السارق عند العرب من جاء مستترا إلى حرز، فأخذ مالا لغيره. فإن أخذه من ظاهر، فهو مختلس و مستلب و منتهب و محترس، فإن منع ما في يده فهو غاصب) (1).

و لم تعد (الغارة) سرقة و لا عملا مشينا يلحق الشين و السبّة بمن يقوم به. بل افتخر بالغارات و عدّ المكثر منها (مغوارا)، لما فيها من جرأة و شجاعة و إقدام و تكون الغارة بالخيل في الغالب، و لذلك قال علماء اللغة: (أغار على القوم غارة و إغارة دفع عليهم الخيل) (2)، و قد عاش قوم على الغارات، كانوا يغيرون على أحياء العرب، و يأخذون ما تقع أيديهم عليه، و من هؤلاء (عروة بن الورد)، إذ كان يغير بمن معه على أحياء العرب، فيأخذ ما يجده أمامه، ليرزق به نفسه و أصحابه. بعد أن انقطعت بهم سبل المعيشة، و ضاقت بهم الدنيا، فاختاروا الغارات و التعرض للقوافل سببا من أسباب المعيشة و الرزق.

و ذكر أهل الأخبار أسماء رجال عاشوا على الغارات و على التربص للمسافرين لسلب ما يحملونه معهم من مال و متاع.).


1) لسان العرب و تاج العروس مادة، (سرق).

2) تاج العروس مادة (غور).

ط- الخصومات:

قال في كتاب تاريخ العرب قبل الإسلام:

و يقع النزاع بين الناس، و يقع بين الأهل كما يقع بين الجيران و بين الأباعد. و قد يتحوّل إلى (عراك) و إلى وقوع معارك. و المشاجرة الخلاف و الاشتباك. و قد تكون المشاجرة هيّنة بأن يشاتم و يسابب طرف طرفا آخر و يعبر عن ذلك باللحاء.

و نظرا لجهل الناس في ذلك الوقت، فشا السباب و التشاتم بينهم. بين الرجال و الرجال و بين النساء و النساء و بين الجنسين. و إذا طال و اشتد تدخل الناس في الأمر لاصلاح ذات البين. و قد تتطور الخصومة البسيطة فتتحول إلى خصومة كبيرة يساهم فيها آل المتخاصمين و أحياؤهم، و قد يقع بسبب ذلك عدد من القتلى. و قد حفظت كتب الأخبار و الأدب أسماء معارك و أيام سقط فيها عدد من القتلى بسبب خصومات تافهة، كان بالامكان غض النظر عنها، لو استعمل أحد الجانبين الحكمة و العقل في معالجة الحادث (1).

ي- السلب و النهب:

نذكر في هذا الباب مثالا واحدا بخبر سلب زيد و بيعه في سوق عكاظ:

أبو أسامة زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي خرجت به أمّه سعدى بنت ثعلبة من بني معن من طي تزور قومها بني معن، فأغارت على بني معن خيل بني القين فأخذوا زيدا في ما أخذوا و كان عمره ثماني سنوات.

فقدموا به سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فوهبته للنبي (ص) فنشأ في بيت النبي (ص) قبل بعثته و قدم أبوه و عمّه في فدائه إلى


1) تاريخ العرب قبل الاسلام 5/ 44.

مكّة فدخلا على النبيّ (ص) فقالا: يا ابن عبد المطلب يا ابن هاشم يا ابن سيد قومه جئناك في ابننا عندك! فامنن علينا و أحسن إلينا في فدائه! فقال: من هو؟

قالوا: زيد بن حارثة فقال رسول اللّه (ص) فهلّا غير ذلك؟ قالوا: ما هو؟ قال (ص): ادعوه و خيّروه فإن اختاركم فهو لكم و إن اختارني فو اللّه ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا! قالا: زدتنا على النصف و أحسنت: فدعاه رسول اللّه (ص) فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم! هذا أبي و هذا عمّي؛ قال: فأنا من عرفت و رأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما! قال: ما أريدهما و ما أنا بالّذي أختار عليك أحدا أنت منّي مكان الأب و العمّ. فقالا: ويحك! أ تختار العبودية على الحرية و على أبيك و أهل بيتك!؟ قال: نعم و رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالّذي أختار عليه أحدا أبدا فلما رأى رسول اللّه (ص) ذلك أخرجه إلى الحجر- حجر إسماعيل- فقال: يا من حضر إن زيدا ابني يرثني و أرثه فلما رأى ذلك أبوه و عمه طابت نفوسهما و انصرفا فكان يقال له بعد ذلك: زيد بن محمد (ص) و زوجته الرسول (ص) بعد هجرته إلى المدينة ابنة عمّته زينب حفيدة عبد المطلب على كره من أمرها فلم يطق تعاليها عليه و استأذن النبي (ص) في طلاقها فقال النبي (ص) له: أمسك عليك زوجك و أوحى اللّه إليه أن يتزوجها بعد طلاقها من زيد ليكون عمله اسوة للمؤمنين فلا يكون عليهم حرج في أزواج أدعيائهم و خشي الرسول (ص) من قول الناس: أنه تزوج مطلقة من تبناه و أخفى الأمر في نفسه فأنزل اللّه عليه:

وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا* ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً* الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَ كَفى بِاللَّهِ حَسِيباً* ما كانَ مُحَمَّدٌ

أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيماً (الآيات/ 37- 40) (1).

ك- القوي يأكل الضعيف:

لم ينحصر كسب المال بالظلم في الجاهلية بالسلب و النهب في الغزوات، بل كان القوي منهم يأكل الضعيف كلما سنحت له الفرصة لذلك مثل خبر الاراشي- من قبائل اليمن- مع أبي جهل كما أورده ابن هشام (2)في سيرته و قال:

قدم رجل من إراش (3)بإبل له مكة، فابتاعها منه أبو جهل، فمطله بأثمانها.

فأقبل الاراشي حتى وقف على ناد من قريش، و رسول اللّه (ص) في ناحية المسجد جالس، فقال: يا معشر قريش، من رجل يؤديني على أبي الحكم بن هشام، فإني رجل غريب، ابن سبيل، و قد غلبني على حقي؟

قال: فقال له أهل ذلك المجلس: أ ترى ذلك الرجل الجالس- لرسول اللّه (ص)، و هم يهزءون به لما يعلمون ما بينه و بين أبي جهل من العداوة- اذهب إليه، فإنه يؤديك عليه.

فأقبل الاراشي حتى وقف على رسول اللّه (ص)، فقال: يا عبد اللّه، إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله، و أنا [رجل] غريب ابن سبيل، و قد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه، يأخذ لي حقي منه، فأشاروا لي


1) راجع تفسير الآيات بتفسير الطبري و أمثاله ممن فسر القرآن بالروايات.

2) سيرة ابن هشام 2/ 29- 30 و ط. القاهرة 1/ 416- 417.

3) هو ابن الغوث، أو ابن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، و هو والد أنمار الذي ولد بجيلة و خثعم.

اليك، فخذ لي حقّي منه، يرحمك اللّه.

قال: انطلق إليه، و قام معه رسول اللّه (ص)، فلما رأوه قام معه، قالوا لرجل ممن معهم: اتبعه، فانظر ما ذا يصنع.

قال و خرج رسول اللّه (ص) حتّى جاءه فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال: محمد، فاخرج إلي. فخرج إليه، و ما في وجهه من رائحة (1)، و قد انتقع (2). لونه، فقال: أعط هذا الرجل حقّه. قال: نعم، لا تبرح حتّى أعطيه الّذي له. قال: فدخل، فخرج إليه بحقه، فدفعه إليه.

ثمّ انصرف رسول اللّه (ص)، و قال للاراشي: الحق بشأنك، فأقبل الإراشي، حتّى وقف على ذلك المجلس، فقال: جزاه اللّه خيرا، فقد و اللّه أخذ لي حقّي.

قال: و جاء الرجل الّذي بعثوا معه، فقالوا: ويحك! ما ذا رأيت؟ قال: عجبا من العجب، و اللّه ما هو إلا أن ضرب عليه بابه، فخرج إليه و ما معه روحه، فقال له: أعط هذا حقّه، فقال: نعم لا تبرح حتّى أخرج إليه حقّه. فدخل، فخرج إليه بحقّه، فأعطاه إياه. قال: ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا له ويلك! مالك؟ و اللّه ما رأينا مثل ما صنعت قطّ! قال: و يحكم! و اللّه ما هو إلا أن ضرب عليّ بابي، و سمعت صوته، فملئت منه رعبا، ثمّ خرجت إليه، و إن فوق رأسه لفحلا من الإبل، ما رأيت مثل هامته، و لا قصرته (3)، و لا أنيابه لفحل قط، و اللّه لو أبيت لأكلني.ق.


1) أي بقية روح، فكأن معناه روح باقية، فلذلك جاء به على وزن فاعلة. و الدليل على أنه أراد معنى الروح، و إن جاء به على بناء فاعلة، ما جاء في آخر الحديث: خرج إلي و ما عنده روحه. و قيل يريد: ما في وجهه قطرة من دم.

2) انتقع لونه: تغير. و يروى: امتقع، و هو بمعناه.

3) القصرة: أصل العنق.

ل- أسواق العرب:

كانت القبائل العربية تجتمع في الأشهر الحرم في أسواق مشهورة لبيع سلعهم سواء أ كان مصدرها سلبا و نهبا أم تجارة مجلوبة من بلد بعيد أو قريب أو حصيلة زرع لهم أو ضرع و للمفاخرة و المكاثرة.

و قد ذكر اليعقوبي عشرة أسواق للعرب يجتمعون بها في تجاراتهم و كان أشهرها سوق عكاظ بأعلى نجد.

و في مادة عكاظ من معجم البلدان ما موجزه: تجتمع قبائل العرب في كل سنة فيها، يتفاخرون و يحضرها شعراؤهم يتناشدون ما أحدثوا من الشعر و بها كانت مهادناتهم و حمالاتهم و يقيمون فيها عشرون يوما من ذي القعدة (1).

و قال في مادة مجنّة و المجاز ما موجزه:

ينتقلون عشرة أيام آخر ذي القعدة إلى سوق مجنّة بأسفل مكّة على قدر بريد منها، ثمّ ينتقلون إلى ذي المجاز موضع سوق بعرفة يبقون ثمانية أيام ثمّ يعرفون في اليوم التاسع من ذي الحجة.


1) اليعقوبي 1/ 270.

رابعا- أديان العرب في العصر الجاهلي:

أ- الوثنية:

قال ابن إسحاق و اليعقوبي ما موجزه (1):

إن بني اسماعيل كانوا لا يفارقون مكة، حتى كثروا، و ضاقت بهم مكة فتفرقوا في البلاد، و ما ارتحل أحد منهم من مكّة إلّا حمل معه حجرا من حجارة الحرم، و حيث ما نزلوا وضعوه، و طافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى أدّى بهم إلى عبادته و خلف من بعدهم خلف نسوا ما كان عليه آباؤهم من دين إسماعيل و عبدوا الأوثان.

و قالا- أيضا- ما موجزه:

إن عمرو بن لحيّ- شيخ خزاعة- سافر إلى الشام، و رأى أهلها يعبدون الأصنام، فقال لهم، ما هذه الأصنام الّتي أراكم تعبدون. فقالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها، فتمطرنا، و نستنصرها، فتنصرنا، فأخذ منهم هبل. و أتى به مكّة و نصبه عند الكعبة.

و وضعوا كلّا من إساف و نائلة على ركن من أركان، البيت فكان الطائف بالبيت يبدأ بإساف، و يقبله، و يختم به، و كانت العرب عند ما تحجّ البيت تسأل قريشا و خزاعة عنها، فيقولون نعبدها لتقربنا إلى اللّه زلفى فلما رأت العرب ذلك اتخذت كلّ قبيلة صنما لها يصلّون له تقربا إلى اللّه على حدّ زعمهم.


1) سيرة ابن هشام ط. مصر سنة 1356 ه 1/ 82، و تاريخ اليعقوبي ط. بيروت سنة 1379 ه 1/ 254، و الاكتفاء للكلاعي ط. القاهرة سنة 1387 ه 1/ 92- 94.

فكان لكلب بن وبرة و أحياء قضاعة (ودّ) منصوبا بدومة الجندل بجرش و كان لحمير و همدان (نسر) منصوبا بصنعاء.

و كذلك ذكر اليعقوبي (1)و ابن هشام أصنام القبائل و أماكنها قالا: و كان لبعضها بيوت تعظمها العرب مثل بيت اللات بالطائف، و كانت العرب إذا أرادت حجّ البيت، وقفت كلّ قبيلة عند صنمها، و صلّوا عنده، ثم تلبوا، حتّى قدموا مكّة و كانت تلبية قريش: لبيك، اللّهم، لبيك! لبيك لا شريك لك، الّا شريك هو لك، تملكه و ما ملك ...

و تلبية جذام: لبيك عن جذام ذي النهى و الأحلام.

و تلبية مذحج: لبيك رب الشّعرى و ربّ اللات و العزّى (2)و في ذلك قال اللّه سبحانه: وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ كانت قبائل العرب إذا دخلوا مكة للحج نزعوا ثيابهم الّتي كانت عليهم و لبسوا ثياب أهل مكّة كراء أو عارية، و إن لم يمكنهم ذلك طافوا بالبيت عراة، و كانوا ينكرون المعاد، كما أخبر اللّه عنهم في سورة الجاثية و قال سبحانه:

وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ* وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (الآيات/ 24- 26) و كان لهم في الجنّ عقائد مبهمة مشوشة كما نذكرها في ما يأتي بحوله تعالى:ة.


1) تاريخ اليعقوبي 1/ 255، و سيرة ابن هشام 1/ 82، و الاكتفاء للكلاعي 1/ 94.

2) كذلك ذكر اليعقوبي 1/ 255- 256، تلبية القبائل قبيلة بعد قبيلة.

ب- عقائد العرب في الجن و الغول و السعلاة:

اشارة

أمّا الجنّ، فكانت العرب في الجاهلية إذا نزلوا واديا و باتوا فيه قالوا: نعوذ بسيد أهل هذا الوادي من شر أهله أو بعزيز هذا الوادي أو بعظيم هذا الوادي و ما شاكله من الاستعاذة بعظيم الجنّ في ذلك الوادي.

روى السيوطي في جملة أخبار الاستعاذة ما موجزه: أن رجلا من تميم نزل ليلة في أرض مجنة، فقال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ أهله، فأجاره شيخ منهم، فغضب شاب منهم، و أخذ حربته لينحر ناقة الرجل، فمنعه الشيخ و قال:

يا مالك بن مهلهل مهلافدى لك محجري و أزاري (كذا) عن ناقة الانسان لا تعرض لها ... الأبيات.

فقال له الفتى:

أ تريد أن تعلو و تخفض ذكرنافي غير مرزية أبا العيزار (1)و أما الغول، فقد قال ابن الأثير (2): جنس من الجنّ و الشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلا تتراءى للناس فتتغول تغولا أي: تتلون تلونا في صور شتى و تغولهم أي: تضلهم عن الطريق و تهلكهم.

و قال المسعودي في ذلك ما موجزه (3):

العرب يزعمون أنّ الغول يتغول لهم في الخلوات، و يظهر لخواصهم في أنواع من الصور، فيخاطبونها، و ربما ضيفوها، و قد أكثروا من ذلك في أشعارهم، فمنها قول تأبّط شرّا:

فأصبحت و الغول لي جارةفيا جارتي أنت ما أهولا


1) في تفسير آية و كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن من الدر المنثور ط. مصر سنة 1314 ه 6/ 271، و في مروج الذهب للمسعودي ط. بيروت سنة 1385 ه 2/ 140 أخبار نظير ما ذكرناه.

2) النهاية في غريب الحديث و الأثر، مادة (الغول) 3/ 396.

3) مروج الذهب 2/ 134- 135، في باب أقاويل العرب في الغيلان.

و طالبتها بضعها فالتوت‌بوجه تغول فاستغولا و يزعمون أن رجليها رجلا عنز، و كانوا إذا اعترضتهم الغول في الفيافي يرتجزون و يقولون:

يا رجل عنز انهقي نهيقالن نترك السبسب و الطريقا و ذلك أنها كانت تتراءى لهم في الليالي و أوقات الخلوات، فيتوهمون أنّها إنسان فيتبعونها، فتزيلهم عن الطريق الّتي هم عليها، و تتيههم. و كان ذلك قد اشتهر عندهم و عرفوه، فلم يكونوا يزولون عما كانوا عليه من القصد، فإذا صيح بها على ما وصفنا شردت عنهم في بطون الأودية و رءوس الجبال.

و قد ذكر جماعة من الصحابة ذلك، منهم عمر بن الخطاب (رض) انه شاهد ذلك في بعض أسفاره إلى الشام، و أنّ الغول كانت تتغول له، و إنّه ضربها بسيفه، و ذلك قبل ظهور الإسلام، و هذا مشهور عندهم في أخبارهم.

السعلاة:

قال المسعودي ما موجزه (1):

و فرقوا بين السعلاة و الغول قال عبيد بن أيوب ...

أبيت بسعلاة و غول بقفرةإذا الليل وارى الجنّ فيه أرنت و قد وصفها بعضهم فقال:

و حافر العنز في ساق مدملجةو جفن عين خلاف الأنس بالطول و قد حكى اللّه قول الجنّ في عملهم مع الأنس و قال تعالى:

وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً* وَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً* وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً* وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (الجن/ 6- 9).


1) مروج الذهب 2/ 137.

كان ذلكم بعض أخبار عقائد العرب في الغول و السعلاة و نظائرهما و سندرس بعد هذا أمر اليهودية و النصرانية في الجزيرة العربية باذنه تعالى.

ج و د- اليهوديّة و المسيحية

انتشرت اليهودية في بلاد اليمن و منطقة المدينة و المسيحية في اليمن و نواحي الشام.

و بنت النصارى بعض الكنائس مضاهاة للكعبة مثل كنيسة نجران الّتي قال فيها الأعشى:

و كعبة نجران حتم عليك‌حتى تناخى باعتابها و كنيسة قليس الّتي بناها ابرهة، و أمر العرب أن يحجّوا إليها، فتغوط فيها بعضهم فهمّه ذلك فأتى بجيش الفيل لهدم الكعبة (1).

و من معتقدات الوثنيين و أهل الكتاب في الجاهلية ما أخبر اللّه عنه بقوله تعالى في سورة الأنعام:

وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَ خَلَقَهُمْ وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يَصِفُونَ* بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ* ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَكِيلٌ (الآيات/ 100- 102) اما البنون الذين خرقوا فقد أخبر اللّه عنه في قوله تعالى:

وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَ قالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ...

(التوبة/ 30).

و كانت اليهود يومذاك تزعم ان عزيرا ابن اللّه و كانت النصارى و لا زالت تقول بأنّ المسيح عيسى بن مريم (ع): ابن اللّه.


1) سيرة ابن هشام 1/ 43، و معجم البلدان 4/ 756.

أما البنات، فقد أخبر اللّه عن عقيدتهم في قوله تعالى:

وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ ... (النحل/ 57).

و قوله تعالى:

فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَ لَهُمُ الْبَنُونَ* أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَ هُمْ شاهِدُونَ* أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ* وَلَدَ اللَّهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (الصافات/ 149- 153).

*** تشريع الجاهليين في الأطعمة

اشارة

كذلكم يشرع الانسان الجاهلي لنفسه وفق هواه و تخيلاته، بينما شرع ربّ العالمين للانسان نظاما يتناسب و فطرته، و سماه دين الاسلام و بلغه بواسطة أنبيائه (ص)، و أكمله في شريعة خاتم الأنبياء (ص)، و لكن الانسان الجاهلي شرّع لنفسه من الطعام حلالا و حراما في مقابل ما شرعه رب العالمين كما أخبر اللّه تعالى عن ذلك و قال:

1- في سورة يونس:

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ* وَ ما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (الآيات/ 59- 60) 2- في سورة النحل:

وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (الآية/ 116) و شرع الانسان الجاهلي- أيضا- ما أخبر اللّه عنه في الآيات الآتية:

أ- في سورة المائدة:

ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لا سائِبَةٍ وَ لا وَصِيلَةٍ وَ لا حامٍ وَ لكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (الآية/ 103) ب- في سورة الأنعام:

وَ قالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَ مُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَ إِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ* قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ حَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ (الآيات/ 139- 140) ج- في سورة الأنعام:

قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (الآية/ 151) د- في سورة المائدة يخاطب المؤمنين:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (الآيات/ 87- 88)

شرح الكلمات:

أ- البحيرة:

الناقة كانت إذا ولدت في الجاهلية خمسة أبطن شقّوا أذنها، و اعفوها أن ينتفع بها و لا يمنعوها من مرعى و لا ماء.

ب- السائبة:

البعير الذي يدرك نتاج نتاجه فيسيب، أي يترك و لا يركب و لا يحمل عليه.

و الناقة المهملة التي كانت تسيب في الجاهلية لنذر و نحوه، فان الرجل إذا نذر القدوم من سفر أو البرء من علة أو ما أشبه ذلك، قال: ناقتي سائبة، فكانت السائبة كالبحيرة لا ينتفع بها و لا تمنع من ماء و كلاء.

ج- الوصيلة:

كانت الشاة في الجاهلية إذا ولدت انثى، فهي لهم، و إذا ولدت ذكرا، جعلوه لآلهتهم.

فان ولدت توأما ذكرا و انثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

د- حام:

كانت العرب في الجاهلية إذا انتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره، فلا يحمل عليه، و لا يمنع من ماء و لا مرعى.

و يظهر مما جاء في التفاسير و معاجم اللغة انهم لم يكونوا متفقين على ما ذكرناه بل كان للحام و الوصيلة عند اقوام غير ما ذكرناه من معنى.

ه- و قالوا ما في بطون هذه الانعام:

يعني قال الجاهليون ما في بطون السائبة و بعض أنواع الوصيلة خالصة لذكورنا لا يشركهم فيها أحد من الاناث، و ان يكن الجنين ميتة فالذكور و الاناث فيه سواء.

*** كان ذلكم تشريع الجاهليين في الاطعمة و تشريعهم في أمر الزواج كالآتي:

الأنكحة في الجاهلية:

كان في الجاهلية سبعة أنواع من النكاح متعارف عليها فقد روى البخاري أربعة منها عن عائشة انها قالت: ان النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء فنكاح منها:

1- نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.

2- و نكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته، اذا طهرت من طمثها أرسلي الى فلان، فاستبضعي منه، و يعتزلها زوجها و لا يمسها أبدا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فاذا تبين حملها، أصابها زوجها إذا أحب.

و انما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد. فكان هذا النكاح: نكاح الاستبضاع.

3- و نكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فاذا حملت و وضعت و مر عليها ليالي بعد ان تضع حملها ارسلت اليهم، فلم يستطع رجل منهم ان يمتنع، حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم و قد ولدت فهو ابنك يا فلان! تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها لا يستطيع ان يمتنع منه الرجل.

4- و النكاح الرابع يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها و هنّ البغايا كنّ ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما فمن أرادهن دخل عليهن، فاذا حملت احداهن و وضعت جمعوا لها و دعوا لهم القافة، ثم الحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به و دعي ابنه لا يمتنع من ذلك فلما بعث محمد (ص) بالحق هدم نكاح الجاهلية كله الا نكاح الناس اليوم (1).


1) البخاري 3/ 165 كتاب النكاح باب من قال لا نكاح إلّا بوليّ.

و من امثلة النكاح الثالث نكاح النابغة أم عمرو بن العاص كما رواه الزمخشري و غيره و اللفظ للزمخشري في كتاب (ربيع الابرار) قال:

كانت النابغة أم عمرو بن العاص أمّة لرجل من عنزة، فسبيت، فاشتراها عبد اللّه بن جدعان التيمي بمكة، فكانت بغيا ثم اعتقها فوقع عليها ابو لهب بن عبد المطلب و أمية بن خلف الجمحي، و هشام بن المغيرة المخزومي و أبو سفيان بن حرب، و العاص بن وائل السهمي، في طهر واحد، فولدت عمرا، فادعاه كلهم، فحكمت امه فيه، فقالت: هو من العاص بن وائل، و ذاك لان العاص بن وائل كان ينفق عليها كثيرا.

قالوا: و كان أشبه بأبي سفيان و في ذلك يقول: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب في عمرو بن العاص.

ابوك ابو سفيان لا شك قد بدت‌لنا فيك منه بينات الشمائل (1)و من امثلة النكاح الرابع ما رواه ابن حجر في فتح الباري و قال: (هنّ بغايا كنّ في الجاهلية معلومات لهنّ رايات يعرفن بها) و قال:

و قد ساق ابن الكلبي في كتاب المثالب اسامي صواحب الرايات في الجاهلية فسمّى منهن أكثر من عشر نسوة مشهورات تركت ذكرهن اختيارا.

و ذكر قبله اسم واحدة منهنّ (2).

و في العقد الفريد ما موجزه.

كانت سمية أمّ زياد أمة للحارث بن كلدة و زوجها عبيدا عبدا لابنته، فولدت على فراشه زيادا.

و كانت البغايا في الجاهلية لهن رايات يعرفن بها، و ينتحيها الفتيان و كانح.


1) ابن ابي الحديد 6/ 283، 291 و راجع ج 2/ 125 منه و أوردها الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات كما روى عنه ابن ابي الحديد في شرح الخطبة 82 و من كلام له في ذكر عمرو بن العاص ط. مصر الاولى 1/ 99.

2) فتح الباري 11/ 90 في باب لا نكاح إلا بولي من كتاب النكاح.

أكثر الناس، يكرهون اماءهم على البغاء و الخروج الى تلك الرايات يبتغون عرض الحياة الدنيا و ان أبا سفيان خرج يوما و هو ثمل الى تلك الرايات، فوقع بسمية فولدت له زيادا على فراش عبيد (1).

5- نكاح الشغار:

من انكحتهم نكاح الشغار: قال ابن الأثير في نهاية اللغة:

و هو نكاح معروف في الجاهلية كان يقول الرجل للرجل شاغرني أي زوجني اختك أو ابنتك أو من تلي أمرها، حتى ازوجك اختي أو بنتي أو من إليّ أمرها و لا يكون بينهما مهر، و يكون بضع كل واحدة منهما في مقابلة بضع الاخرى و قيل له شغار لارتفاع المهر بينهما من شغر الكلب إذا رفع احدى رجليه ليبول (2).

6- نكاح المقت:

نكاح المقت قال ابن الأثير في مادة (مقت) من نهاية اللغة و المقت ان يتزوج الرجل امرأة أبيه اذا طلقها أو مات عنها، و كان يفعل ذلك في الجاهلية و حرّمه الإسلام، و مثاله ما رواه ابن اسحاق في سيرته و قال:

(و كان عمرو بن نفيل قد خلف على أم الخطاب بعد- أبيه- فولدت له زيد بن عمرو و كان الخطاب عمه و أخاه لأمه) (3).ه.


1) العقد الفريد 5/ 4- 5 في ذكر أخبار زياد.

2) مادة (شغر) من نهاية اللغة لابن الاثير 2/ 226 و قد لخص ما اورده هنا من الروايات في باب الشغار من كتاب النكاح في صحيح البخاري (3/ 163) و صحيح مسلم ص 1034- 1035 الاحاديث 57- 62 و سنن ابي داود (2/ 227) الحديث 2074 و 2075 و سنن ابن ماجة 1/ 606 الحديث (1883- 1885) و سنن النسائي 6/ 110- 112 و سنن الدارمي 2/ 136 و مسند احمد (2/ 7، 19، 25، 62، 91، 215، 216، 286، 439، 496)، (3/ 321، 339، 4/ 429، 439، 441، 443)، و من مادة شغر في معاجم اللغة.

3) سيرة ابن اسحاق ط. المغرب ص 97 سنة 1396 ه.

و مثال آخر منه ما نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج و قال:

(و صنع أمية في الجاهلية شيئا لم يصنعه أحد من العرب، زوج ابنه أبا عمر و امرأته في حياته منه، فأولدها أبا معيط بن أبي عمرو بن أميّة. و المقيتون في الإسلام هم الّذين نكحوا نساء آبائهم بعد موتهم، فأمّا أن يتزوجها في حياة الأبّ و يبني عليها و هو يراه، فإنّه شي‌ء لم يكن قط) (1).

و لم يقتصر النكاح بالإرث على نكاح الولد زوجة أبيه بعد موته بل يعمّ وارثي المتوفي كما رواه الطبري و غيره في تفسير قوله تعالى لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ و قالوا:

كان الرجل في الجاهلية يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فاذا مات و ترك امرأته ألقى الرجل عليها ثوبه، فورث نكاحها، و كان أحقّ بها، و كان ذلك عندهم نكاحا فان شاء أمسكها، حتّى تفتدي منه.

و قال: كان إذا توفى الرجل كان ابنه الأكبر هو أحقّ بامرأته ينكحها إذا شاء إذا لم يكن ابنها أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه.

و قال: و إن كان صغيرا حبست عليه حتى يكبر فان شاء أصابها، و إن شاء فارقها.

و قال: كان الرجل إذا مات أبوه أو حميمه، فهو أحقّ بامرأته إن شاء أمسكها أو يجلسها، حتّى تفتدي منه بصداقها أو تموت فيذهب بمالها (2).

7- نكاح البدل:

و هو أن يقول الرجل للرجل: انزل عن امرأتك و أنزل لك عن امراتي، و كان من هذا القبيل خبر عيينة بن حصن شيخ قبيلة بني فزارة عند ما دخل على رسول اللّه (ص) بغير إذن، فقال له رسول اللّه (ص) و أين الإذن.9.


1) شرح نهج البلاغة تحقيق محمد ابو الفضل ط. مصر 15/ 207.

2) تفسير الطبري 4/ 208- 209.

فقال ما استأذنت على أحد من مضر و كانت عنده عائشة (رض) قبل ان ينزل الحجاب فقال: من هذه؟

قال: هذه عائشة.

قال: أ فلا انزل لك عن أم البنين- زوجة عيينة- فتنكحها.

فغضبت عائشة (رض) و قالت: من هذا؟

فقال رسول اللّه (ص): هذا أحمق مطاع يعني في قومه (1).

و كذلك شرع الجاهليين في شأن الأشهر الحرم و النسي‌ء كالآتي:

الأشهر الحرم في الجاهلية:

اشارة

قال اللّه تعالى في سورة التوبة:

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ* إِنَّمَا النَّسِي‌ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (الآيات/ 36- 37)

تفسير الكلمات:

في كتاب اللّه: أي في ما فرض اللّه كما يأتي تحقيقه في بحث المصطلحات الإسلامية إن شاء اللّه تعالى.

أربعة حرم: أربعة أشهر الحرم هي ذو القعدة و ذو الحجة و محرم و رجب.


1) راجع عمدة القارئ 20/ 122 كتاب النكاح الحديث (60) و ترجمة عيينة في الاستيعاب و أسد الغابة و الاصابة.

النسي‌ء: نسأت الشي‌ء فهو منسوء، إذا أخرته و النسي‌ء بمعنى المنسوء مثل القتيل بمعنى المقتول و رجل ناسئ و قوم نسأة على وزن فاسق و فسقة.

ليواطئوا: واطأه وافقه طابقه.

المعنى:

كانت العرب تحرم الشهور الأربعة و ذلك مما تمسّكت به من ملّة إبراهيم و إسماعيل، و كانوا أصحاب حروب و غارات، فربّما كان يشقّ عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية، ذي القعدة، و ذي الحجة، و محرم و لا يغيرون فيها بعد أن أتموا حجّهم في ذي الحجة، و يقولون: لئن توالت علينا ثلاثة أشهر لا نصيب فيها شيئا لنهلكن، فكانوا إذا صدروا عن منى يقوم منهم رئيس، و يقول: أنا الذي لا أعاب و لا أخاب و لا يرد لي قضاء فيقولون: نعم صدقت. أنسئنا شهرا و اجعل حرمة المحرم في صفر و أحل المحرم، فيفعل ذلك.

فيكون صفر تلك السنة عندهم شهر المحرم و الصفر ربيع أول و هكذا يتسلسل حتى يكون ذو الحجة الآتي بعدها في شهر محرم و كذلك كانت الاشهر تدور عندهم و أحيانا يصادف عندهم أن يحجوا في شهر ذي الحجة.

و لما حجّ النبي (ص) حجة الوداع وافقت شهر ذي الحجة، فقال في خطبته ألا و ان الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق اللّه السموات و الأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات: ذو القعدة، و ذو الحجة، و المحرم و رجب الذي بين جمادي و شعبان.

أراد (ص) أن الأشهر الحرم، رجعت إلى مواضعها و عاد الحجّ إلى ذي الحج و بطل النسي‌ء و كان أول من سن النسي‌ء عمرو بن لحي و حين جاء الاسلام كان ينسؤها رجل يقال له القلمس و في ذلك قال رجل من قومه اسمه عمير بن قيس بن جذل الطعان:

السنا الناسئين على معدشهور الحل نجعلها حراما (1)

نتيجة البحث:

ما يهمنا ممّا ذكرناه ان نظام الحكم في المجتمع العربي الجاهلي كان قبيليا محضا عليه بنيت جميع اعراف المجتمع.

و في مقدمة جميع أعرافهم حب كسب الفخر للقبيلة و نشر فضائلها، و من ثم كان للشعر أكبر الاثر في نفوس افراد ذلك المجتمع و كانت أهم خصيصة من خصائصها أثر الشعر فيهم، بحيث ان مديحا واحدا من شاعر لفقير مدقع يجعله شريفا يتسابق أشراف القبائل الى خطبة بناته و لملك ظافر ان يطلق اسرى القتال.

و قصيدة واحدة تدفع القبائل للحرب و القتال، و لذلك دفعت قريش مائة ناقة للأعشى الشاعر كي لا يذهب الى المدينة و ينصر المسلمين بشعره، و بلغ خوفهم من هجاء الشعر لهم ان يسبّ بهم الاحياء و الاموات، و يبقى أثره حي الاعقاب مثل لقب أنف الناقة لبني قريع من بني تميم الذي اصبح ذمّا لاولاده يعيّرون به و يغضبون منه و يفرقون الى ان قال الخطيئة في مدحهم:

قوم هم الانف و الاذناب غيرهم‌و من يساوي بأنف الناقة الذنبا فصاروا يتطاولون بهذا النسب، و يمدّون به اصواتهم في جهارة.

و من هنا نعرف حكمة مجي‌ء النبي (ص) في أولئكم الناس بمعجزة القرآن الذي فاق بلاغة كل بليغ، و سوف ندرس في بحوثنا الآتية باذنه تعالى أثر القرآن في المجتمع العربي الجاهلي و الاسلامي.

و نبدأ بذكر من تاريخ القرآن على عهد الرسول (ص) بمكة.


1) أوردنا تفسير الكلمات من مفردات الراغب و لسان العرب و الخبر من تفسير الآية بتفسير القرطبي 8/ 136- 138 و تفسير مجمع البيان 5/ 28- 29.

الفصل الأول: أخبار القرآن في عصر نزوله بمكة.

الفصل الثاني: أخبار القرآن في عصر نزوله في المدينة

بحوث تمهيدية «2» من تاريخ القرآن‌

اشارة

الفصل الأول أخبار القرآن في عصر نزوله بمكة على عهد الرسول الأكرم (ص)

اشارة

أ- القرآن و ما فيه.

ب- خصائص القرآن المكي و آثاره الادبية و الفكرية.

ج- أخبار بدء الدعوة.

د- مقابلة قريش للقرآن الكريم.

ه- سياسة النبي في أمر القراءة و الاقراء.

و- تدوين القرآن في مكة.

ز- خصائص المجتمع الاسلامي على عهد الرسول (ص).

اولا- القرآن و ما فيه:

في ليلة السابع و العشرين من رجب و في غار جبل حراء على بعد ثلاثة أميال من مكة أنزل اللّه أول مرة مع جبرئيل على نبيه (ص):

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (الآيات/ 1- 5) ثم توالى نزول القرآن ثلاثا و عشرين سنة. قال تعالى:

وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً ... (النحل/ 89).

و كما أخبر اللّه سبحانه في سورة الجمعة:

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (الآية/ 2) و كما قال تعالى في سورة البقرة:

كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَ يُزَكِّيكُمْ وَ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ أنزل اللّه في القرآن جميع أنواع المعرفة الدينية من صفات الخالق و أخبار المعاد و أحكام الإسلام و آدابه و أصناف المعرفة بجميع عوالم الوجود؛ عوالم السموات و الأرض، و عوالم الملائكة و الجن و الإنس و النبات و الحيوان، و أخبار

الأمم السابقة و البائدة و أنبيائها، و أخبار الغيوب الآتية، و أودع مفاتيح تلك الكنوز من المعرفة، إلى رسول اللّه (ص) و قال تعالى في سورة النحل/ 44:

وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ نزل القرآن على رسول اللّه (ص) ثلاث عشرة سنة في مكّة و عشر.

سنوات في المدينة و لكلّ خصائصه، كما نذكرها في ما يأتي بحوله تعالى.

ثانيا- خصائص القرآن المكي و آثاره:

أ- الخصائص الادبية في القرآن المكي:
اشارة

نزل القرآن بمكة في ثلاث عشرة سنة قصيرة آياته صغيرة في جلّ سوره.

و في القرآن المكّي ما يدحض مزاعم قريش الباطلة في تعدد الآلهة، و يدمغ حججهم الواهية في التمسك بها و بأعرافهم الجاهلية بحجج رصينة و يجيب عن أسئلتهم بأجوبة شافية وافية و ما فيه تعنيف شامت و رد على اقتراحاتهم الجاهلية.

و منه ما يقص ما جرى بين الرسول (ص) و قريش من مناظرات و مجادلات، و ما يحكي عن حوادث معاصرة أو غابرة ممّا جرى بين الأنبياء و أممهم يضرب بها مثلا لكفار قريش و ما يجري بينهم و بين نبيّهم من مشاجرات، و منه ما يصور أهوال يوم القيامة ممّا يقشعرّ لها جلد العربي ذو الحسّ المرهف، و لكلام اللّه في القرآن الكريم ميزات كثيرة على كلام البشر جليّة نقتصر في ما يأتي على ذكر الامتياز البلاغي- الأدبي- ثمّ الفكري للقرآن المكّي بحوله تعالى:

أثر الامتياز الأدبي في القرآن الكريم:

أمثلة من آيات تتجلى فيها الميزة الأدبية في القرآن المكي:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَ الضُّحى* وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى* ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى* وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ

لَكَ مِنَ الْأُولى* وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى* أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى* وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى* وَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى* فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ* وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (الضحى/ 1- 11).

أية قطعة فنية من كلام البشر شعرا كان أم نثرا تضاهى هذه السورة أو تدانيها، أم أية قطعة أدبية من كلام البشر توازي أو تدانى قوله تعالى في سورة الرحمن:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ* الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ* وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ* وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ* ... فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (الآيات/ 1- 7 و 13) أم أية قطعة أدبية من كلام الآدميين توازي أو تداني قوله عزّ اسمه في سورة التكوير:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ* وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ* وَ إِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ* وَ إِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ* وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ* وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ* وَ إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ* وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ... فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ* إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ* لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (الآيات/ 1- 9 و 26- 28).

خذ أى فن من فنون كلام بلغاء الآدميين، و قارنه بما شئت من مثيله في القرآن الكريم، لترى بلاغة القرآن كضوء الشمس يخفي ضياؤه لمعان كل نجم في سماء الأدب صغيرا كان أو كبيرا خذ مثلا الفن القصصي من كلام الآدميين و قارنه بنظيره في القرآن الكريم حيث قال- سبحانه و تعالى- في سورة الفيل:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ* أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي

تَضْلِيلٍ* وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ* تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ و هي تحكي عن قصة شاهدتها قريش في عصرها و مصرها و ان شئت فخذ مثلا ما حكى اللّه من قصص الانبياء السابقين مع أممهم الغابرة و قارن بين ما قصه البشر من القصص المتوسطة و بين ما حكى اللّه عن نوح و قومه حيث قال في سورة نوح:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ* يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَ نَهاراً* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً* وَ إِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً* ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً* ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً* فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً* ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً* وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً* أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً* وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً* وَ اللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً* ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً* وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً* لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً* قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَ اتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَ وَلَدُهُ إِلَّا خَساراً* وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً* وَ قالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً* وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا* مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً* وَ قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً* إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً

كَفَّاراً* رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً (الآيات/ 1- 28) و خذ للمقارنة قصص بلغاء البشر الكبيرة من قصص القرآن، و خذ إن شئت في سورة يوسف أحسن القصص أو قصص زكريا و مريم و عيسى- عليهم السلام- في سورة مريم أو قصص هارون و موسى مع فرعون و بني اسرائيل في سائر السور.

و هكذا لا يجارى القرآن و لا يبارى في أي فن من فنون البلاغة في التعبير، و كذلك لا شبيه له و لا نظير في ما يحوي من فنون العلم بالمبدإ و المعاد و أخبار عوالم الملائكة و الجنّ و الانس و الحيوان و النبات و الجماد و السموات و الكواكب و أنظمة لحياة الإنسان و سائر فنون المعرفة الصحيحة، و كان لبلاغة القرآن و الجانب الأدبي فيه الأثر البليغ في نفوس قريش كما يدلّ عليه أمثال الخبر الآتي:

تأثير القرآن المكي في قريش و استماعهم اليه سرّا:

روى ابن هشام و غيره و اللفظ لابن هشام، قال:

إن أبا سفيان بن حرب و أبا جهل بن هشام و الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول اللّه (ص) و هو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كلّ رجل منهم مجلسا يستمع فيه، و كلّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا.

فجمعهم الطريق، فتلاوموا، و قال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثمّ انصرفوا. حتّى إذا كانت الليلة الثانية عاد كلّ رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتّى إذا طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرّة ثمّ انصرفوا. حتّى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كلّ رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتّى إذا

طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتّى نتعاهد ألا نعود: فتعاهدوا على ذلك، ثمّ تفرّقوا.

فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمّد؟

فقال: يا أبا ثعلبة، و اللّه لقد سمعت أشياء أعرفها و أعرف ما يراد بها، و سمعت أشياء ما عرفت معناها، و لا ما يراد بها.

قال الأخنس: و أنا و الذي حلفت به كذلك.

قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل و كان أول من دخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمّد؟

فقال: ما ذا سمعت! تنازعنا نحن- أي قبيلة بني مخزوم- و بنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، و حملوا فحملنا، و أعطوا فأعطينا، حتى تحاذينا على الرّكب، و كنا كفرسي رهان، قالوا: منّا نبيّ يأتيه الوحي من السماء؛ فمتى ندرك مثل هذه! و اللّه لا نؤمن به أبدا و لا نصدقه.

قال: فقام عنه الاخنس و تركه (1).

هكذا كان للجانب الأدبي من القرآن الكريم الأثر البليغ في نفوس من يستمع إليه و لذلك بذلت قريش جهدها لتمنع الحجيج من الاستماع إلى قراءة الرسول للقرآن الكريم كما سيأتي خبره في بحث الخصائص الفكرية في القرآن المكي الآتي.

ب الخصائص الفكرية في القرآن المكي:
اشارة

يعرض القرآن المكي في سور صغيرة عقيدة التوحيد في الالوهية و الربوبية و رسالة خاتم الأنبياء و عوالم المعاد بعد حياة الدنيا، و انّ القرآن كلام


1) سيرة ابن هشام ط. القاهرة 1/ 337- 338.

اللّه نزل لهداية البشر، و يدحض أعراف مشركي قريش الوثنية و الجاهلية و حججهم على الرسول و القرآن الكريم، و يدعوهم الى العمل الصالح في الحياة الدنيا و من أمثلة ذلكم:

أ- في التوحيد:

قال- سبحانه و تعالى- في سورة التوحيد:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ* وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ب- في خبر المعاد:

قال سبحانه و تعالى في سورة يس:

وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (الآيات/ 78- 79) و قال تعالى في سورة الزلزلة:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها* وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها* وَ قالَ الْإِنْسانُ ما لَها* يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها* بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها* يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ* فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ج- دعوته للعمل الصالح:

قال- سبحانه و تعالى- في سورة العصر:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَ الْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ كانت تلكم أمثلة من الآيات التي يتجلى فيها الامتياز البلاغي للقرآن

الكريم ثم أمثلة من الآيات التي تتجلى فيها الخصائص الفكرية للقرآن المكي.

و لم نقصد من ايراد آيات لتعريف الميزات الأدبية في القرآن الكريم ثم آيات اخر لتعريف الخصائص الفكرية فيه، تصنيف آيات القرآن الى صنفين متقابلين: آيات تمتاز ببلاغتها في الكلام و اخرى بما تحوي من فكر و علم، كلّا! فإنّ اللّه سبحانه كما جعل ما يحتاجه جسد الانسان من (فيتامينات) مقومة لحياته في ثمار لذيذة الطعم كالتمر و التفاح و العنب و الليمون و المشمش كذلك جعل ما تحتاجه نفسه من افكار مقومة لحياته النفسية و الجسدية في فنون من الكلام في القرآن الكريم تهش الى سماعها نفسه.

و كما ان الانسان قد يصاب في جسده بغدد سرطانية يجب البدء باستئصالها من جذورها ثم القيام بتقوية جسده و تقويمه بما يحتاجه الجسد من مقومات الحياة في طعامه و شرابه، كذلك الانسان المتلوث فكره بالوثنيات و الاعراف الجاهلية يجب البدء باستئصال افكاره المريضة الراسخة في اعماق نفسه و قطعها من جذورها و لذلك بدء خليل اللّه إبراهيم دعوته الناس إلى عبادة اللّه بزعزعة عقيدة عبدة الكواكب و كسر أوثان عبدة الأصنام و بدأ خاتم الرسل بدعوة المشركين إلى أن يقولوا: لا اله الا اللّه، أي أن ينبذوا جميع أصنامهم التي يعبدونها اللات و العزى و مناة الثالثة الاخرى و سائر آلهتهم.

و كما ان الانسان المدمن للخمور و استعمال المخدرات يصرف كل طاقاته الفكرية و الجسدية في سبيل ادامة تعاطي الخمور و المخدرات و يقاوم بكل ما أوتي من حول و قوة من يريد أن يحول بينه و بينها! كذلك الانسان المتلوث فكره بالوثنيات و الاعراف الجاهلية يصرف جميع طاقاته في سبيل المحافظة على ما تلوث به فكره و اعتاده من أعراف جاهلية و عبادات و ثنية و يحارب من يريد أن يحول بينه و بين أعرافه و عباداته. و من هنا يلقى إبراهيم في النار لتحرقه و يقابل خاتم الانبياء بصنوف من الاذى و الطغيان و لمن آمن بقرآنه بانواع من العسف و الظلم و العدوان.

لو اقتصر القرآن في مكة على عرض الجوانب الفنية و الادبية في الكلام و لم يتعرض لأعراف قريش الجاهلية، و لم يسفه احلامهم، و يسب آلهتهم، لرفعت قريش الرسول فوق اكتافها، و شمخت بآنافها، و فاخرت به قبائل العرب و كاثرت به، و نافرت، لكن القرآن خاصمهم في كل جانب من جوانب اعرافهم الجاهلية فوقع بينهم و بين القرآن و مبلّغه الرسول ما سنذكره بحوله تعالى بعد ايراد مثالين من أثر القرآن الفكري في الانسان العربي في ما يأتي:

أ- قيام قريش لمقابلة الاثر الفكري للقرآن الكريم:

بذلت قريش جهودا ضخمة لصد الأثر الفكري للقرآن المكي عن الناس نذكر منها على سبيل المثال الموارد الآتية:

ذكر ابن عساكر و غيره في ترجمة عتبة ما موجزه قال: ان قريش اجتمعت برسول اللّه (ص) و رسول اللّه (ص) في المسجد، فقال لهم عتبة بن ربيعة دعوني حتى أقوم الى محمّد، فاكلمه، فاني عسى أن أكون أرفق به منكم.

فقام عتبة، حتى جلس اليه، فقال يا ابن أخي: إنك أوسطنا بيتا و أفضلنا مكانا و قد أدخلت على قومك ما لم يدخل رجل على قومه قبلك، فان كنت تطلب بهذا الحديث مالا، فذلك لك على قومك ان تجمع لك حتى تكون أكثرنا مالا، و ان كنت تريد شرفا فنحن مشرفوك، حتى لا يكون أحد من قومك فوقك، و لا نقطع الامور دونك.

و ان كان هذا عن لمم يصيبك لا تقدر عن النزوع عنه، بذلنا لك خزائننا في طلب الطب لذلك منه.

و ان كنت تريد ملكا ملكناك.

قال رسول اللّه (ص): أفرغت يا أبا الوليد؟

قال نعم.

فقرأ (ص) حم السجدة حتى مر بالسجدة فسجد و عتبة ملق يده خلف

ظهره حتى فرغ من قراءتها.

و قام عتبة لا يدري ما يراجعه به حتى أتى، نادى قومه فلما رأوه مقبلا قالوا لقد رجع اليكم بوجه ما قام به من عندكم.

فجلس اليهم فقال يا معشر قريش قد كلمته بالذي أمرتموني به حتى اذا فرغت كلمني بكلام لا و اللّه ما سمعت أذناي بمثله قط فما دريت ما أقول له يا معشر قريش أطيعوني اليوم و اعصوني فيما بعده اتركوا الرجل و اعتزلوه فو اللّه ما هو بتارك ما هو عليه و خلوا بينه و بين سائر العرب فان يكن يظهر عليهم يكن شرفه شرفكم و عزه عزكم و ملكه ملككم و ان يظهروا عليه تكونوا قد كفيتموه بغيركم.

قالوا: أصبأت اليه يا أبا الوليد (1).

تأثر جمع من أفراد قبائل قريش بالقرآن، و آمنوا به، و سنشير الى خبرهم في آخر هذا البحث- ان شاء اللّه تعالى-، و لم ينحصر تأثير القرآن في قريش وحدها بل كان تأثيره في العرب، من غير أفراد قريش أكثر من تأثيره في قريش كما نرى مثله في خبر قيام قريش لمقابلة الأثر الفكري الآتي.

ب- الأثر الفكري و الأدبي للقرآن المكي في الانسان العربي من غير قريش:

قصة اسلام الطفيل بن عمرو الدوسي:

روى ابن هشام (2)و غيره و اللفظ لابن هشام، قال:

(كان رسول اللّه (ص)، على ما يرى من قومه، يبذل لهم النصيحة


1) السيوطي 5/ 359؛ و في ترجمة عتبة من مخطوطة ابن عساكر (11/ 1/ 20 أ)؛ و القرطبي 15/ 338؛ و سيرة ابن هشام ط. القاهرة سنة 1356 ه 1/ 313- 314.

2) سيرة ابن هشام 1/ 407- 411.

و يدعوهم الى النجاة مما هم فيه، و جعلت قريش حين منعه اللّه منهم، يحذرونه الناس و من قدم عليهم من العرب.

و كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث: أنه قدم مكة و رسول اللّه (ص) بها، فمشى إليه رجال من قريش، و كان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا، فقالوا له: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، و هذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، و قد فرق جماعتنا، و شتت أمرنا، و إنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل و بين أبيه، و بين الرجل و بين أخيه، و بين الرجل و بين زوجته، و إنا نخشى عليك و على قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه و لا تسمعن منه شيئا.

قال: فو اللّه ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا و لا أكلمه، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شي‌ء من قوله، و أنا لا أريد أن أسمعه.

قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول اللّه (ص) قائم يصلي عند الكعبة.

قال: فقمت منه قريبا فأبى اللّه إلا أن يسمعني بعض قوله.

قال: فسمعت كلاما حسنا.

قال: فقلت في نفسي و اثكل أمي، و اللّه إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول! فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، و إن كان قبيحا تركته.

قال: فمكثت حتى انصرف رسول اللّه (ص) إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إنّ قومك قد قالوا لي كذا و كذا، للذي قالوا، فو اللّه ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف، لئلا أسمع قولك، ثم أبى اللّه إلا أن يسمعني قولك، فسمعته قولا حسنا، فاعرض عليّ أمرك.

قال: فعرض عليّ رسول اللّه (ص) الإسلام، و تلا عليّ القرآن، فلا و اللّه ما سمعت قولا قط أحسن منه، و لا أمرا أعدل منه. قال: فأسلمت و شهدت:

شهادة الحق، و قلت: يا نبي اللّه، إني امرؤ مطاع في قومي، و أنا راجع إليهم، و داعيهم إلى الاسلام).

ثم روى ابن هشام بعد ذلك كيف دعا عمرو بن الطفيل عشيرته دوس الى الاسلام عند ما رجع اليهم و كيف انتشر فيهم الاسلام و كيف وفدوا الى رسول اللّه (ص) بعد غزوة خيبر.

*** إنّ أمثال هذا النوع من الأثر دعت قريشا أن يجتمعوا و يتشاوروا كيف يصدون الحجيج عن الاستماع الى قراءة الرسول (ص) للقرآن كما سنذكره بعد ايراد خبر بدء الدعوة في ما يأتي باذنه تعالى.

ثالثا بدء الدعوة:

1- دعوة أقارب الرسول (ص):

و بدأ التبليغ علنا بدعوة بني عبد المطلب ثم عم تبليغه للناس أجمعين و بين اللّه شعار الرسول في التبليغ في هذه المرحلة و قال في سورة الأنعام/ 19:

... وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ ...

فبدأ بدعوة بني عبد المطلب كما روى ذلك جمع من أهل الحديث و السير مثل: الطبري، و ابن عساكر؛ و ابن الاثير و ابن كثير، و المتقي، و غيرهم- و اللفظ للأول- قال عن علي بن أبي طالب (ع) قال:

لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه (ص) وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دعاني رسول اللّه (ص) فقال لي: يا عليّ انّ اللّه امرني ان انذر عشيرتي الاقربين فضقت بذلك ذرعا، و عرفت انّي متى أباديهم بهذا الامر ارى منهم ما اكره فصمتّ عليه حتّى جاءني جبريل، فقال: يا محمّد انّك إلّا تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربّك فاصنع لنا صاعا من طعام، و اجعل عليه رجل شاة، و املأ لنا عسا من لبن ثمّ اجمع لي بني عبد المطلب، حتّى أكلّمهم، و أبلغهم ما أمرت به.

ففعلت ما أمرني به ثمّ دعوتهم له و هم يومئذ اربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه فيهم اعمامه أبو طالب و حمزة و العبّاس و أبو لهب، فلمّا اجتمعوا اليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به فلمّا وضعته، تناول رسول اللّه (ص) حذية من اللحم، فشقّها بأسنانه، ثمّ القاها في نواحي الصّحفة ثمّ قال: خذوا

بسم اللّه فأكل القوم حتّى ما لهم بشي‌ء حاجة، و ما أرى الّا موضع ايديهم و أيم اللّه الذي نفس عليّ بيده و ان كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم، ثمّ قال اسق القوم، فجئتهم بذلك العسّ، فشربوا منه، حتّى رووا منه جميعا و أيم اللّه ان كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله.

فلمّا أراد رسول اللّه (ص) ان يكلّمهم بدره أبو لهب الى الكلام، فقال لهدّما سحركم صاحبكم، فتفرّق القوم، و لم يكلّمهم رسول اللّه (ص) فقال الغد يا عليّ انّ هذا الرجل سبقني الى ما قد سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل ان أكلمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثمّ اجمعهم اليّ.

قال: ففعلت، ثمّ جمعتهم ثمّ دعاني بالطعام فقرّبته لهم ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى ما لهم بشي‌ء به حاجة. ثم قال: اسقهم فجئتهم بذلك العسّ فشربوا حتّى رووا منه جميعا ثمّ تكلّم رسول اللّه (ص) فقال يا بني عبد المطلّب انّي و اللّه ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بافضل مما قد جئتكم، به انّي قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة و قد أمرني اللّه- تعالى- أن ادعوكم اليه فأيّكم يوازرني على هذا الامر على ان يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم؟

قال فاحجم القوم عنها جميعا و قلت و انّي لاحدثهم سنّا و ارمصهم عينا و اعظمهم بطنا و احمشهم ساقا انا يا نبيّ اللّه اكون وزيرك عليه.

فاخذ برقبتي ثمّ قال: انّ هذا أخي و وصيّي و خليفتي فيكم فاسمعوا له و اطيعوا قال فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب: قد أمرك ان تسمع لابنك و تطيع (1).في


1) تاريخ الطبري ط. أوربا 1/ 1171- 1172. و ابن عساكر تحقيق المحمودي 1/ 88 من ترجمة الامام. و تاريخ ابن الاثير 2/ 222. و شرح ابن ابي الحديد 3/ 263. و في تاريخ ابن كثير 3/ 39، و قد حذف الألفاظ و قال: كذا و كذا. و كنز العمال للمتقي 15/ 100 و 115 و 116 منه، و في

2- دعوته عامة قبائل العرب:

في سيرة ابن هشام ما موجزه:

أ- قال الراوي: كان رسول اللّه (ص) يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: (يا بني فلان، إني رسول اللّه إليكم، يأمركم أن تعبدوا اللّه و لا تشركوا به شيئا، و أن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، و أن تؤمنوا بي و تصدّقوا بي، و تمنعوني حتى أبيّن عن اللّه ما بعثني به) قال: و خلفه رجل أحول وضى‌ء له غديرتان (1)عليه حلة عدنية، فاذا فرغ رسول اللّه (ص) من قوله و ما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بني فلان، إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللّات و العزّى من أعناقكم و حلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة و الضلالة، فلا تطيعوه و لا تسمعوا منه، قال: فقلت لأبي: يا أبت، من هذا الذي يتبعه و يرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العزّى بن عبد المطلب أبو لهب.

ب- و في رواية أخرى: أنه أتى كندة في منازلهم و فيهم سيد لهم يقال له:

مليح، فدعاهم إلى اللّه- عز و جل-، و عرض عليهم نفسه، فأبوا عليه.

ج- و في رواية: أنه أتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم: بنو عبد اللّه، فدعاهم إلى اللّه، و عرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول لهم (يا بني عبد اللّه، إنّ اللّه- عزّ و جل- قد أحسن اسم أبيكم).

فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.

د- و في رواية: أن رسول اللّه (ص) أتى بني حنيفة في منازلهم، فدعاهم


1) غديرتان: تثنية غديرة، و هي ذؤابة من الشعر.

إلى اللّه، و عرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردا منهم.

ه- و في رواية: أنه أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى اللّه- عز و جل- و عرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس و اللّه لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب.

ثم قال له: أ رأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك اللّه على من خالفك، أ يكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: (الأمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء).

قال: فقال له: أ فنهدف نحورنا (1)للعرب دونك، فاذا أظهرك اللّه كان الأمر لغيرنا؟!! لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه، فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كانت أدركته السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبيّ يدعونا إلى أن نمنعه، و نقوم معه، و نخرج به إلى بلادنا، قال: فوضع الشيخ يديه على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلاف؟ هل لذناباها من مطلب؟ و الذي نفس فلان بيده ما تقوّلها إسماعيليّ قطّ، و إنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم؟

قال ابن إسحاق: فكان رسول اللّه (ص) على ذلك من أمره، كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى اللّه و إلى الاسلام، و يعرض عليهم نفسه، و ما جاء به من اللّه من الهدى و الرحمة، و هو لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم و شرف إلا تصدّى له، فدعاه إلى اللّه، و عرض عليه ما عنده.

*** هكذا كان ديدن النبي (ص) مع قبائل العرب في موسم الحجّ، حتى لقي رهطا من الخزرج، فدعاهم الى الاسلام، و تلا عليهم القرآن، و كانوا قد سمعواه.


1) (أ فنهدف نحورنا) معناه نصيرها هدفا، و الهدف: الغرض الذي يرمى بالسهام إليه.

من اليهود في المدينة خبر بعثة نبي آن اوانه، فكانوا اذا كان بينهم شي‌ء قال اليهود لهم ان نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وارم فلمّا كلّمهم رسول اللّه و دعاهم الى اللّه قال بعضهم لبعض: يا قوم و اللّه انه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم اليه، فاجابوه و قبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام فلمّا قدموا المدينة الى قومهم ذكروا لهم امر رسول اللّه (ص) و دعوهم الى الاسلام حتى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الانصار الّا و فيها ذكر رسول اللّه (ص)، حتى اذا كان العام المقبل وافى الموسم منهم اثنا عشر رجلا، فلقوه في العقبة، فبايعوه على بيعة النساء على السمع و الطاعة، و ذلك قبل ان يفترض الحرب و بعث معهم النبي مصعب بن عمير يقرئهم القرآن، و يعلمهم الاسلام و يفقههم في الدين، حتى اذا كان العام المقبل خرج الى الحج من المدينة المشركون منهم و المسلمون، فاجتمع المسلمون منهم بالنبي و واعدهم العقبة فتسلّل منهم ثلاثة و سبعون رجلا و معهم امرأتان فبايعه الرجال بيعة الحرب و هي بيعة العقبة الثانية، و اتخذ منهم اثنا عشر نقيبا، فلما قدموا المدينة انتشر فيها الاسلام فاذن اللّه- تبارك و تعالى- لرسوله (ص) في الهجرة الى المدينة (1).6.


1) سيرة ابن هشام ط. الحجازي بالقاهرة 2/ 31- 76.

رابعا- مقابلة قريش للقرآن الكريم:

اشارة

أخبر اللّه سبحانه عن استهزاء قريش برسول اللّه (ص) و قال في سورة الأنبياء:

وَ إِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَ هُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (الآية/ 36) و أخبر عن قريش انهم كانوا يصفون الرسول (ص) بانه شاعر و مجنون و قال: في سورة الصافات:

إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ* وَ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (الآيات/ 35- 36) و انهم كانوا يقولون ان القرآن قول شيطان رجيم كما أخبر عن ذلك في سورة التكوير قوله تعالى:

وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ* وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ* وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ* وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ* فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ* إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (الآيات/ 22- 27) و أخبر عنهم أنهم كانوا يصفون الرسول بانه رجل مسحور و قال تعالى في سورة الاسراء:

وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً* نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَ إِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (الآيات/ 46- 47)*** كان هذا النوع من المقابلة للقرآن الكريم من باب ... وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا ... (النمل/ 14) مع شعورهم بعجزهم عن مقابلة القرآن الكريم كما ندرس ذلك في ما يأتي:

أ- قريش تتشاور كيف تمنع تأثير القرآن في النفوس:
اشارة

ذكر ابن هشام (1)و غيره و اللفظ لابن هشام في خبر تحير الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآن و قال: اجتمع اليه نفر من قريش، و كان ذا سن فيهم، و قد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، و إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، و قد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأيا واحدا و لا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، و يرد قولكم بعضه بعضا.

قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل و أقم لنا رايا نقل به؛ قال بل أنتم فقولوا أسمع؛ قالوا: نقول كاهن؛ قال لا و اللّه ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة (2)الكاهن و لا سجعه؛ قالوا: فنقول: مجنون؛ قال: ما هو بمجنون. لقد رأينا الجنون و عرفناه، فما هو بخنقه و لا تخالجه و لا وسوسته؛ قالوا: فنقول: شاعر؛ قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه و هزجه و قريضه و مقبوضه و مبسوطه، فما هو بالشعر؛ قالوا: فنقول: ساحر؛ قال: ما هو بساحر، لقد رأينا


1) سيرة ابن هشام 1/ 283- 284، و ابن اسحاق ص 131- 132.

2) الزمزمة: الكلام الخفي الذي لا يسمع.

السحار و سحرهم، فما هو بنفثهم و لا عقدهم (1).

قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟

قال: و اللّه إنّ لقوله لحلاوة، و ان أصله لعذق (2)- و إن فرعه لجناة- قال ابن هشام: و يقال لغدق (3)و ما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، و إن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء و أبيه، و بين المرء و أخيه، و بين المرء و زوجته، و بين المرء و عشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمرّ بهم أحد إلا حذروه إياه، و ذكروا لهم أمره فأنزل اللّه- تعالى- في الوليد بن المغيرة و في ذلك من قوله:

ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً* وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً* وَ بَنِينَ شُهُوداً* وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً* ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ* كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً* سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً* إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ* فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ نَظَرَ* ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ* ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ* فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ* إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ* سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (الآيات/ 11 26)

قريش تقترح حلا وسطا بينهم و بين الرسول (ص)

و مرة أخرى اقترحت حلا وسطا بينهم و بين الرسول في عبادة الآلهة كما رواه المفسرون و في تفسير (سورة الكافرون) و ابن هشام في السيرة و اللفظ لابن هشام.


1) إشارة إلى ما كان يفعل الساحر بأن يعقد خيطا ثم ينفث فيه. و منه قوله تعالى وَ مِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ، يعني الساحرات.

2) العذق (بالفتح): النخلة يشبهه بالنخلة التي ثبت أصلها و قوي و طاب فرعها إذا جنى.

3) الغدق: الماء الكثير، و منه يقال: غيدق الرجل: إذا كثر بصاقه. و كان أحد أجداد النبي (ص) يسمى الغيدق، لكثرة عطائه.

قال: الاسود بن المطلّب و الوليد بن المغيرة و اميّة بن خلف و العاص بن وائل السهمي اعترضوا رسول اللّه (ص) و هو يطوف بالكعبة و كانوا ذوي اسنان في قومهم، فقالوا: يا محمد هلم، فلنعبد ما تعبد، و تعبد ما نعبد، فنشترك نحن و أنت في الأمر فان كان الذي تعبد خيرا مما نعبد، كنا قد أخذنا بحظنا منه، و ان كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه فأنزل اللّه في ردّ اقتراحهم الجاهلي (1).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ* لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ* وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ* وَ لا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ* وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ* لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ***

ب- تعنت قريش برسول اللّه (ص)
اشارة

مرّة اخرى اجتمعت سادة قريش برسول اللّه (ص) في البيت و حاولت أن تقنعه بترك الدعوة و حاوروه بعنف و غلظة و سوء أدب كما نذكره في الخبر الآتي:

روى الطبري و ابن كثير و السيوطي في تفسير قوله تعالى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ... من سورة الاسراء الآيات/ 90- 93 و اللفظ للأول:

ان عتبة و شيبة ابني ربيعة و أبا سفيان بن حرب و رجلا من بني عبد الدار و أبا البختري أخا بني أسد و الاسود بن المطلب و زمعة بن الأسود و الوليد بن المغيرة و أبا جهل بن هشام و عبد اللّه بن أبي أمية و أمية بن خلف و العاص بن وائل و نبيها و منبها ابني الحجاج السهميين اجتمعوا أو من اجتمع منهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا الى محمد فكلموه


1) تفسير السورة في التفاسير و اللفظ لابن هشام في السيرة 1/ 386.

و خاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا اليه ان اشراف قومك قد اجتمعوا اليك ليكلموك فجاءهم رسول اللّه (ص) سريعا و هو يظن أنه بدا لهم فى أمره بداء و كان عليهم حريصا يحب رشدهم، و يعز عليه عنتهم، حتى جلس اليهم.

فقالوا: يا محمد انا قد بعثنا اليك لنعذر فيك، و انا و اللّه ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، و عبت الدين و سفهت الاحلام، و شتمت الآلهة، و فرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح الا و قد جئته فما بيننا و بينك.

فان كنت انما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا.

و ان كنت انما تطلب الشرف فينا سودناك علينا.

و ان كنت تريد به ملكا ملكناك علينا.

و ان كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك به رئيا تراه قد غلب عليك و كانوا يسمون التابع من الجن الرئي فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب لك.

حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.

فقال رسول اللّه (ص): ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم و لا الشرف فيكم و لا الملك عليكم، و لكن اللّه بعثني اليكم رسولا، و أنزل عليّ كتابا و أمرني أن أكون لكم بشيرا و نذيرا فبلغتكم رسالة ربي، و نصحت لكم فان تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا و الآخرة و ان تردوه عليّ أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني و بينكم.

فقالوا: يا محمد فان كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا و لا أقل مالا و لا أشد عيشا منا فسل ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا و يبسط لنا بلادنا و ليفجر فيها أنهارا كأنهار الشام و العراق و ليبعث لنا من مضى من آبائنا، و ليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فانه كان شيخا صدوقا، فنسألهم

عما تقول حق هو أم باطل فان صنعت ما سألناك و صدقوك صدقناك و عرفنا به منزلتك عند اللّه و أنه بعثك بالحق رسولا كما تقول.

فقال لهم رسول اللّه (ص): ما بهذا بعثت، انما جئتكم من اللّه بما بعثني به فقد بلغتكم ما أرسلت به اليكم، فان تقبلوه فهو حظكم في الدنيا و الآخرة و ان تردوه عليّ أصبر لامر اللّه، حتى يحكم اللّه بيني و بينكم.

قالوا: فان لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك بما تقول و يراجعنا عنك و تسأله فيجعل لك جنانا و كنوزا و قصورا من ذهب و فضة و يغنيك بها عما نراك تبتغي فانك تقوم بالاسواق و تلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضل منزلتك من ربك ان كنت رسولا كما تزعم.

فقال لهم رسول اللّه (ص): ما أنا بفاعل ما أنا بالذي يسأل ربه هذا و ما بعثت اليكم بهذا و لكن اللّه بعثني بشيرا و نذيرا فان تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا و الآخرة و ان تردوه عليّ اصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني و بينكم.

قالوا فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك ان شاء فعل فانا لا نؤمن لك إلّا أن تفعل.

فقال رسول اللّه (ص): ذلك الى اللّه ان شاء فعل بكم ذلك.

فقالوا يا محمد فاعلم ربك أنا سنجلس معك و نسألك عما سألناك عنه و نطلب منك ما نطلب فيتقدم اليك و يعلمك ما تراجعنا به و يخبرك ما هو صانع في ذلك أيضا اذا لم تقبل منا ما جئنا به فقد بلغنا أنه انما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن و انا و اللّه ما نؤمن بالرحمن أبدا أعذرنا اليك يا محمد أما و اللّه لا نتركك و ما بلغت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا.

قال قائلهم نحن نعبد الملائكة و هن بنات اللّه و قال قائلهم لن نؤمن لك حتى تأتينا باللّه و الملائكة قبيلا فلما قالوا ذلك قام رسول اللّه (ص) عنهم و قام معه عبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم و هو ابن

عمته ابن عاتكة ابنة عبد المطلب فقال له: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا منزلتك من اللّه فلم تفعل ذلك ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب فو اللّه لا أومن لك أبدا حتى تتخذ الى السماء سلما ترقى فيه و أنا أنظر حتى تأتيها و تأتي معك بنسخة منشورة معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول و أيم اللّه لو فعلت ذلك لظننت أن لا أصدقك ثم انصرف عن رسول اللّه (ص) و انصرف رسول اللّه (ص) الى أهله حزينا أسيفا لما فاته مما كان يطمع فيه من قومه حين دعوه و لما رأى من مباعدتهم اياه.

فلما قام عنهم رسول اللّه (ص) قال أبو جهل: يا معشر قريش ان محمدا قد أبي إلا ما ترون من عيب ديننا و شتم آبائنا و تسفيه أحلامنا و سب آلهتنا و إني أعاهد اللّه لأجلسن له غدا بحجر قدر ما أطيق حمله فاذا سجد في صلاته فضخت رأسه به (1).

فانزل اللّه عليه في ذلك: وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ... بَشَراً رَسُولًا و أنزل عليه في قولهم (لن نؤمن بالرحمن) كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ و أنزل عليه فيما سأله قومه لانفسهم من تسيير الجبال و تقطيع الجبال و بعث من مضى من آبائهم من الموتى وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ....

و أخبر اللّه عن تعنتهم برسول اللّه (ص) في سورة الاسراء و قال سبحانه و تعالى:

قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً* وَ لَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً* وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ2.


1) تفسير الآية بتفسير الطبري 15/ 110- 111، و تفصيله في سيرة ابن اسحاق ص 178- 181، و تفسير ابن كثير 3/ 62.

يَنْبُوعاً* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ* تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلًا* أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا* وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ* الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا* قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا* قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ* إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (الآيات/ 88- 96) (1).

و استمرت قريش في تعنتها برسول اللّه كما أخبر اللّه عن موقفهم في آيات كثيرة منها قوله تعالى في سورة الفرقان:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً* الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً* وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ وَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً وَ لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً* ... وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً* أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَ قالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً* ... وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَ جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَ كانَ رَبُّكَ بَصِيراً* ... وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (الآيات/ 1- 3 و 7- 8 و 20 و 32) و قوله تعالى في سورة الانعام:2.


1) انظر تفسير الآية من التفاسير و سيرة ابن هشام 1/ 331- 332.

وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ* وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ* وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ* وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (الآيات/ 7- 11)*** لم تنجح جميع محاولات قريش في اسكات الرسول عن الدعوة إلى القرآن بما فيه من عيب لآلهتهم و تسفيه لأحلامهم فاشتدت خصومتهم للرسول و قرآنه كما نذكر امثلة منها في ما يأتي بحوله تعالى.

اشتداد الخصومة الفكرية بين قريش و الرسول (ص):.

قص اللّه أخبار خصومة قريش مع القرآن و مبلغه و احتجاجهم الواهي و كيف أجاب عنها في الآيات الآتية:

أ- أخبر عن تعنتهم في سورة ص و قال:

وَ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَ قالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ* أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ‌ءٌ عُجابٌ* وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْ‌ءٌ يُرادُ* ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ* أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (الآيات/ 4- 8).

و روى الطبري و غيره في شأن نزول الآيات و اللفظ للطبري قال:

إن ناسا من قريش اجتمعوا، فيهم أبو جهل بن هشام و العاص بن وائل و الأسود بن المطلب و الأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض، انطلقوا بنا إلى أبي طالب، فنكلمه فيه، فلينصفنا منه، فليكف

عن شتم آلهتنا و ندعه و الهه الّذي يعبد، فإنّنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شي‌ء فتعيرنا العرب يقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه فبعثوا رجلا منهم يسمّى المطلب فاستأذن لهم على أبي طالب فقال هؤلاء مشيخة قومك و سرواتهم يستأذنون عليك قال أدخلهم فلما دخلوا عليه قالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا و سيدنا فانصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا و ندعه و الهه فبعث اليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول اللّه (ص) قال يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك و سرواتهم قد سألوك النصف أن تكف عن شتم آلهتهم و يدعوك و إلهك فقال أي عم أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها قال و إلام تدعوهم قال أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة يدين لهم بها العرب و يملكون بها العجم فقال أبو جهل من بين القوم ما هي و أبيك فنعطينكها و عشر أمثالها قال تقول (لا اله إلا اللّه) فنفروا و قالوا سلنا غير هذه قال لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها فغضبوا و قاموا من عنده غضابا و قالوا و اللّه لنشتمنك و إلهك الّذي يأمرك بهذا:

وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْ‌ءٌ يُرادُ* ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ (الآيات/ 6- 7) (1).

و أيضا أخبر اللّه تعالى عن تعنتهم في الآيات/ 43- 45 من سورة سبأ و قال:

وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَ قالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ* وَ ما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَ ما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ0.


1) تاريخ الطبري ط. دار المعارف بمصر 2/ 323- 324، و ط. اوربا 1/ 1176- 1177، و السيوطي 5/ 295- 296، و صحيح الترمذي كتاب التفسير 12/ 109- 110.

نَذِيرٍ* وَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ ما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ و أجاب اللّه عن مثل هذا النوع من التحجج و أقام البراهين على عجز آلهتهم و صحة رسالة خاتم الأنبياء في آيات كثيرة نورد بعضها في ما يأتي بحوله تعالى:

ب- قال سبحانه في اثبات التوحيد و نفي الآلهة التي يعبدونها في الآية 10 و 11 من سورة لقمان:

خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ* هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ و قال في الآية 4 و 5 من سورة الأحقاف:

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَ هُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ و قوله تعالى في الآية 3 من سورة الفرقان:

وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ وَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً وَ لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً (الآية/ 3) و وصفهم في الآية 21 من سورة النحل و قال:

أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ و أخبر أنهم و من معهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن و قال سبحانه في سورة البقرة:

وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (الآيات/ 23- 24) و لم يستطع مشركو قريش و لا الدهريون و لا الزنادقة و الملحدون و لا اليهود و لا النصارى و لا أي خصم آخر أن يأتوا بمثل هذا القرآن و لن يفعلوا أبد الدهر و لن يأتوا بمثل هذا القرآن و لو كان الخصوم بعضهم لبعض ظهيرا.

و تحداهم سبحانه في قولهم إنّ القرآن مفترى أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات إن كانوا صادقين و قال سبحانه في سورة هود:

فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَ ضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَكِيلٌ* أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (الآيات/ 12- 14) و في آية اخرى تحداهم بأن يأتوا بسورة مثله و قال في سورة يونس:

وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ* وَ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَ رَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (الآيات/ 37- 40) ج- و أجاب عن تشكيكهم في المعاد في الآيات 78- 83 من آخر سورة ياسين و قال سبحانه و تعالى:

وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ* أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ* إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ روى المفسرون و قالوا: أنزل اللّه تعالى هذه الآيات الكريمة بعد أن قدم العاص بن وائل و أبو جهل و غيرهما من عتاة قريش بعظم حائل أمام الرسول (ص) فذراه في الريح و قال من يحيي العظام و هي رميم؟

و في رواية أتى أبي بن خلف إلى النبي (ص) و معه عظم قد وتر فجعل يفته بين أصابعه و يقول: يا محمد! أنت الذي تحدث إن هذا سيحيا بعد ما قد بلي فقال رسول اللّه (ص) نعم ليميتن الآخر- أي يميتن أبيّا- ثم ليحيينه ثم ليدخلنه النار (1).

*** و اندحرت قريش في مقابل الأدلة التي أقامها القرآن لهم فتحججوا و اقترحوا اقتراحات غير معقولة كالآتي خبره:

مقابلات أخرى من قريش و استهزاء بالرسول (ص) و دعوته‌

و كان خمسة من عتاة قريش دائبين على الاستهزاء برسول اللّه (ص) منهم العاص بن وائل السهمي و كان إذا ذكر رسول اللّه (ص) يقول: دعوه فإنّما هو رجل أبتر لا عقب له لو مات لا نقطع ذكره و استرحتم منه و أنزل اللّه في حقّه سورة الكوثر و قال سبحانه:


1) تفسير السورة في الطبري 23/ 21، و الدر المنثور 5/ 269- 270.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ* إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (1).

و قالوا له الأبتر بعد موت ابنه القاسم بمكّة. و الكوثر: العدد الكثير (2).

و قد صدق اللّه وعده لرسوله فإنه لا يعرف اليوم نسل للعاص بن وائل و أكثر اللّه نسل رسوله (ص) من ابنته فاطمة (ع) على وجه الأرض.

نهاية أمر المستهزئين:

قال ابن إسحاق ما موجزه:

فأقام رسول اللّه (ص) على أمر اللّه صابرا محتسبا مؤدّيا إلى قومه النصيحة على ما يلقى منهم من التكذيب ... فلما تمادوا في الشر و أكثروا الاستهزاء برسول اللّه (ص) أنزل اللّه- تعالى- عليه:

فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ* الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ... (الحجر/ 94- 96).

ثم روى ابن اسحاق كيف أهلك جبرائيل كل واحد من المستهزئين (3)، و قال:

أن جبرئيل أتى رسول اللّه (ص) و هم يطوفون بالبيت، فقام و قام رسول اللّه (ص) إلى جنبه، فمرّ به الأسود بن المطلب، فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي، و مرّ به الأسود بن عبد يغوث، فأشار الى بطنه فاستسقى [بطنه] فمات


1) سيرة ابن هشام 1/ 421 ط. القاهرة. و تفسير سورة الكوثر بتفسير الطبري 30/ 212 و اللفظ للاول، و سيرة ابن اسحاق ص 252- 253.

2) تفسير الابتر و الكوثر من المعجم الوسيط في اللغة.

3) سيرة ابن هشام 2/ 15- 18 ط. القاهرة و تفسير السور في كتب تفسير القرآن بالحديث، و سيرة ابن اسحاق ص 254.

منه حبنا (1)و مر به الوليد بن المغيرة فأشار الى أثر جرح بأسفل كعب رجله كان اصابه قبل ذلك بسنين و هو يجر سبله (2)

بيسير.

و ذلك أنه مرّ برجل من خزاعة و هو يريش نبلا له فتعلق سهم من نبله بازاره فخدش في رجله ذلك الخدش، و ليس بشي‌ء، فانتقض (3)به فقتله؛ و مرّ به العاص بن وائل فأشار الى أخمص رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبرقة (4)فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته، و مرّ به الحرث ابن الطلاطلة فأشار الى رأسه فامتخض قيحا فقتله.).

1) الحبن: بحاء مهملة و بفتحتين، داء في البطن ينتفخ منه و يعظم فيرم.

2) سبله: بفتح السين و الباء الموحدة، فضول ثيابه. و (بسنين) في سيرة ابن اسحاق كذا:

3) انتقض الجرح: تجدد بعد ما دمل و برأ.

4) شبرقة: بكسرتين بينهما باء ساكنة، هو نبات ذو شوك يقال له الضريع، و في المواهب (فدخلت فيه شوكة من رطب الضريع).

خامسا- سياسة النبي في أمر القراءة و الاقراء:

اشارة

و في مقابل كل ذلك الاستهزاء كان رسول اللّه (ص) و المسلمون الاوائل لا يألون جهدا في اسماع القرآن لكل من أمكنهم اسماعه و في ما يأتي امثلة من أنواع الجهد الذي بذلوه في هذا السبيل:

إن الرسول بدأ اسماع الناس للقرآن و تبليغهم و انذارهم بالقرآن و اقتدى به المسلمون الأوائل في ذلك اما الرسول فقد كان يسمع القرآن لكل سامع يمر عليه عند ما كان يتلو القرآن في صلاته في المسجد الحرام بمنظر و مسمع من قريش في أنديتهم حول الكعبة و منظر و مسمع من شتى قبائل العرب التي تفد الى مكة للحج و تطوف حول البيت و عند ما تنزل الآيات في ردّ احتجاج المشركين على رسول اللّه و اختلف معاصر و رسول اللّه في مقابلتهم لقراءة الرسول فمنهم المشركون الذين أخبر اللّه عن قولهم و قال سبحانه:

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (فصلت/ 26).

و منهم من أخبر اللّه عنهم و قال سبحانه:

وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (المائدة/ 83).

مثل عداس النصراني في الطائف (1).


1) سيرة ابن هشام 2/ 30- 31، و ترجمته في أسد الغابة ط. القاهرة سنة 1390 ه 4/ 4- الترجمة 3597، و الاصابة 2/ 459 الترجمة 4570.

و من الجن- ايضا- كما أخبر اللّه عنهم و قال:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً* ... وَ أَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ (الجن/ 1- 2 و 13).

*** كذلكم اختلف الذين سمعوا القرآن من النبي (ص) أما أمر كيفية إقراء القرآن، فكالآتي خبره:

كيفية الإقراء:
أ- اقراء اللّه جل اسمه لرسوله (ص):

قد بين اللّه كيفية إقرائه لرسوله و النظام الذي يتبعه الرسول في تلقي القرآن في قوله تعالى:

إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (القيامة/ 17- 19).

أي: إنّ النصّ القرآني مع بيان معناه بوحي غير قرآني ينزل من اللّه على رسوله (ص) فاذا تم نزوله على النبي (ص) أن يتابع قراءته.

و ان على اللّه جمع القرآن بكلّ ما لجمع القرآن من معنى و وعد الرسول بأنّه سوف لا ينسى القرآن الذي يقرئه اللّه و قال: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى و الإقراء تعليم اللفظ و المعنى معا. و تضمينا لحفظ القرآن أبد الدهر من النسيان فرض اللّه على الجميع قراءة القرآن في كلّ ركعة من صلوات الفريضة و النافلة و قال:

أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (الاسراء/ 78).

و فرض على رسوله (ص) خاصّة قيام الليل و شرّفه بالخطاب و قال له:

يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا* نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا هكذا فرض اللّه على نبيه إحياء ثلث من كل ليلة عمره في ترتيل القرآن في نافلة الليل و ندب المسلمين إلى ذلك (1).

و في شهر رمضان من كل عام كان جبريل يعارض الرسول القرآن مرّة أي ان جبريل كان يقرأ ما نزل من القرآن الى ذلك التاريخ على رسول اللّه (ص) مرة و رسول اللّه- أيضا- كان يقرأه عليه، و في عام وفاته عارضه القرآن مرتين (2).

ب- إقراء الرسول (ص) للناس:

و حقق ذلك أولا في اقرائه من آمن به في مرحلة الدعوة الخاصة حيث آمن به خديجة و علي فاقرأهما القرآن وصليا معه و بعد ما يقارب ثلاث سنوات انتهت الدعوة الخاصّة عند ما نزلت على رسول اللّه (ص) وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ فدعا عامة اقربائه ثم تلا ذلك نزول قوله تعالى عليه: ... وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ ... (الانعام/ 19).

و قد تولى نزول القرآن بعد ذلك على رسول اللّه (ص) في مكة و المدينة،


1) راجع استحباب صلوات النوافل و خاصة نافلة الليل في كتب الحديث.

2) مسند احمد 6/ 282، و سنن ابن ماجة ص 518 الحديث 1621 كتاب الجنائز باب ما جاء في ذكر مرض رسول اللّه (ص)، و جاء بعض الحديث في صحيح مسلم فضائل الصحابة 4/ 1905 الحديث 98 و 99.

و كان لا بد في الدعوة؛ من اقراء المؤمنين سرّا و من أجل ذلك نظم الرسول (ص) خلايا سرية لاقراء المستضعفين القرآن كالآتي بيانه.

اتخذ الرسول (ص) من دار الارقم بن أبي الارقم مركزا سريا للاقراء و الارقم هو أبو عبد اللّه بن عبد مناف المخزومي. أسلم قديما و كان السابع أو الثاني عشر ممن أسلم و شهد مع رسول اللّه بدرا و ما بعدها و توفي بالمدينة سنة خمسة و خمسين من الهجرة و كانت داره في أصل الصفا بمكة و كان المسلمون الاوائل يجتمعون فيها برسول اللّه (ص) يقرئهم القرآن.

قال ابن سعد و غيره بترجمة عمر بن الخطاب و خبر اسلامه، و أسلم فيها (دار الارقم) قوم كثير و دعيت دار الاسلام.

قال المؤلف:

و تفرعت من هذه الخلية خلايا أخرى صغيرة بمكّة كان منها: دار سعيد ابن زيد بن نفيل العدوي كما تحدث عنها الصحابي الخليفة عمر بن الخطاب و قال في حديثه عن خبر إسلامه إنّه سمع بإسلام أخته فاطمة بنت الخطاب و زوجها سعيد بن زيد، فذهب إلى دارهما، قال:

و قد كان رسول اللّه (ص) يجمع الرجل و الرجلين إذا أسلما عند رجل به قوة فيكونان معه و يصيبان من طعامه و قد كان ضمّ إلى زوج أختي رجلين، قال:

فجئت حتى قرعت الباب فقيل: من هذا؟ قلت: ابن الخطاب، قال: و كان القوم جلوسا يقرءون القرآن في صحيفة معهم فلما سمعوا صوتي تبادروا و اختفوا و تركوا أو نسوا الصحيفة من أيديهم، قال: فقامت المرأة ففتحت لي فقلت يا عدوة نفسها قد بلغني أنّك صبوت قال فأرفع شيئا في يدي فأضربها به قال فسال الدم، قال: فلما رأت المرأة الدم بكت، ثم قالت: يا ابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد أسلمت! قال: فدخلت مغضبا فجلست على السرير، فنظرت، فإذا بكتاب في ناحية البيت، فقلت: ما هذا الكتاب اعطينيه، فقالت: لا أعطيك لست من أهله، أنت لا تغتسل من الجنابة، و لا تطهر، و هذا لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ

قال فلم أزل بها حتى أعطتنيه فإذا فيه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فلما مررت ب (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ذعرت و رميت بالصحيفة من يدي قال: ثم رجعت اليّ نفسي فإذا فيها سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، قال: فكلما مررت باسم من أسماء اللّه عز و جل ذعرت ثم ترجع إليّ نفسي حتى بلغت: آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ حتى بلغت إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قال: قلت أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أشهد أنّ محمدا رسول اللّه (ص) (1).

و في رواية ابن سعد و ابن هشام و اللفظ للأخير قال: كان خبّاب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن- إلى قوله: فرجع عمر إلى أخته و ختنه و عندهما خبّاب بن الأرت معه صحيفة فيها طه يقرئهما إيّاهما فلمّا سمعوا حسّ عمر تغيّب خبّاب في بعض البيت و أخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها- إلى قوله- فأعطته الصحيفة و فيها (طه)- الحديث (2). القرآن الكريم و روايات المدرستين ج‌1 134 ب - إقراء الرسول(ص) للناس: ..... ص : 132

• قال الصحابي عمر، كان رسول اللّه (ص) (يجمع الرجل أو الرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوّة) و هذا ما سميناه بتشكيل الخلايا السريّة لإقراء القرآن كما وجدنا خباب بن الارت يقرئ فاطمة و زوجها القرآن عند ما اقتحم الدار عليهم عمر بن الخطاب، و كان شغل المسلمين الشاغل يومذاك حفظ القرآن عنه.

1) أسد الغابة بترجمة عمر بن الخطاب، 4/ 147- 148، رقم الترجمة 3823.

2) طبقات ابن سعد بترجمة عمر، و سيرة ابن هشام (اسلام عمر) ط. مصر سنة 1356، 1/ 366- 367؛ و سيرة ابن اسحاق، اسلام عمر بن الخطاب، ص 160. و خباب بن الارث التميمي نسبا و من حلفاء بني زهرة من قريش كان قينا يعمل السيوف في الجاهلية و كان من السباقين إلى الاسلام و ممن عذبته قريش على اسلامه شهد بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللّه (ص) و كان مع علي في خلافته (ت: 37 ه) بعد مرض طويل راجع ترجمته في أسد الغابة و غيره.

ظهر قلب و اليكم خبرين يدلان على حفظهم القرآن عن ظهر قلب.

خبر اجهار ابن مسعود بقراءة القرآن:

و من الذين استمعوا إلى القرآن، و آمنوا به في المرحلتين الأخيرتين من اقتدى بالرسول في إسماع القرآن للناس مثل عبد اللّه بن مسعود.

روى ابن عبد البر و ابن الاثير و ابن حجر و غيرهم في ترجمة عبد اللّه بن مسعود من كتب تراجم الصحابة، و كذلك روى في كتب التاريخ كلّ من الطبري و ابن الأثير و ابن كثير و غيره في ذكر حوادث قبل هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة و قالوا:

كان أوّل من جهر بالقرآن بمكّة بعد رسول اللّه (ص) عبد اللّه بن مسعود و ذلك لأنه اجتمع يوما أصحاب رسول اللّه (ص)، فقالوا: و اللّه ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يسمعهم فقال عبد اللّه بن مسعود أنا. فقالوا: إنّا نخشاهم عليك إنما نريد رجلا له عشيرة تمنعه من القوم إن أرادوه.

فقال: دعوني فإن اللّه سيمنعني فغدا عبد اللّه حتى أتى المقام في الضحى و قريش في أنديتها، حتّى قام عند المقام، فقال رافعا صوته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ فاستقبلها فقرأ بها فتأملوا فجعلوا يقولون ما يقول ابن ام عبد ثم قالوا:

انه ليتلو بعض ما جاء به محمد فقاموا فجعلوا يضربون في وجهه و جعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء اللّه ان يبلغ ثم انصرف إلى أصحابه، و قد أثروا بوجهه فقالوا: هذا الذي خشينا عليك.

فقال ما كان أعداء اللّه قط أهون عليّ منهم الآن و لئن شئتم غاديتهم بمثلها غدا. قالوا: حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون (1).


1) أسد الغابة 3/ 256 257، و الاصابة 2/ 361، و طبقات ابن سعد 3/ 117، و الطبري 1/ 1188، و سيرة ابن هشام 1/ 336، و الكامل لابن الاثير 2/ 31.

و الخبر الثاني يأتي ذكره في الفصل الآتي.

هكذا قرأ ابن مسعود عن ظهر قلب سورة الرحمن و كان ذلك قبل هجرتهم الى الحبشة في السنة الخامسة من البعثة.

و كان رسول اللّه إذا قرأ القرآن في صلاته في البيت ربما جهر بالقرآن سبّ المشركون القرآن و من أنزله و من جاء به و كان الرجل إذا أراد أن يسمع رسول اللّه (ص) بعض ما يتلو استرق السمع فرقا منهم، فاذا رأى أنّهم عرفوا انه يستمع ذهب خشية أذاهم، فلم يستمع، فكان المشركون يطردون الناس عنه، و يقولون: لا تسمعوا لهذا القرآن، و الغوا فيه لعلكم تغلبون، فوصف اللّه ذلك في سورة فصلت/ 26 و قال:

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ و كان رسول اللّه (ص) اذا أخفى قراءته لم يسمع من يحب أن يسمع القرآن فأنزل اللّه تعالى في سورة الاسراء/ 110:

وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا*** كانت تلكم أمثلة ممّا حوى القرآن المكي من أخبار المعارك الفكرية بين كفار قريش و القرآن و حملته، و أمثلة مما جاء فيه سائر فنون المعرفة في القرآن المكي، نكتفي بما أوردنا من كل ذلك لندرس في ما يأتي كيفية تبليغ الرسول (ص) بمكة باذنه تعالى.

تبليغ الرسول القرآن بمكّة و النظام الّذي سنّه لإقرائه‌

لمعرفة ذلك ينبغي الحديث عن أمرين:

أ- شأن القرآن الذين نزل بمكّة.

ب- كيفية تبليغ الرسول (ص) القرآن و النظام الّذي سنّه لإقرائه.

أوّلا- شأن القرآن الّذي نزل بمكّة:

نزل القرآن على رسول اللّه (ص) ثلاث عشرة سنة بمكّة، قصيرة آياته، صغيرة جلّ سوره، ممّا يحفظه العربي المتولّع بحفظ القصائد و الأمثال السارية عادة لسماعه مرّة واحدة، مثل قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ و قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. كانت تنزل في حادثة ما، أو جواب سؤال، أو ردّ تعنّت. فكان من الطبيعي أن يحفظه عن ظهر قلب من كان قريبا منه، مثل خديجة و عليّ و جعفر و زيد، و كذلك المسلمون الأوائل، مثل: مصعب بن عمير و ابن مسعود و ابن ام مكتوم و خباب بن الأرت و الأرقم بن أبي الأرقم و نظرائهم.

إذا فقد كان من الطبيعي- أيضا- أن يجمع ما نزل من القرآن متدرّجا، بمكّة جلّ المسلمين الأوائل: أي: يحفظونه عن ظهر قلب. و لنا على ذلك أدلّة من التاريخ، سنذكرها بعيد هذا إن شاء اللّه تعالى.

ثانيا- تبليغ الرسول و النظام الّذي سنّه:

كان رسول اللّه (ص) تنفيذا لأمر اللّه و أداء لرسالته يتلو القرآن:

على الملأ من قريش و حجيج بيت اللّه الحرام بمكّة، يسمعهم آيات اللّه جهرا يتمّ عليهم الحجّة بذلك.

و يقرئ من شاء أن يهتدي. يعلمهم القرآن مع تفسيره سرّا.

أمّا عمله مع الصنف الأوّل فسوف نشرحه في الخاتمة إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا عمله مع الصنف الثاني، فكان لا يتم جهرا مع مظاهرة كفار قريش

عليهم و تعذيبهم المسلمين.

فكان لا بد له من القيام بأداء هذا الواجب سرّا و من أجل ذلك نظّم خلايا سرّية لإقراء المستضعفين، القرآن كما مر بنا خبره. و فيما يأتي ندرس بإذنه- تعالى- خبر تدوين القرآن بمكّة.

سادسا- تدوين القرآن‌

أ- من كان يقرأ و يكتب في مكّة:
اشارة

و نبدأ فيه بذكر أمر الكتابة في مكة قبل نزول القرآن ثمّ نذكر باذنه تعالى شأن تدوين القرآن بمكّة.

أمر الكتابة في مكة قبل نزول القرآن.

قال البلاذري في فتوح البلدان:

دخل الاسلام و في قريش سبعة عشر رجلا كلّهم يكتب و هم: عمر بن الخطاب، و عليّ بن ابي طالب، و عثمان بن عفان و أبو عبيدة بن الجرّاح و طلحة و يزيد بن أبي سفيان، و أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، و حاطب بن عمرو أخو سهيل بن عمرو العامري من قريش، و أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، و أبان بن سعيد بن العاصي بن أميّة، و خالد بن سعيد أخوه، و عبد اللّه بن سعد بن ابي سرح العامري، و حويطب بن عبد العزّى العامري، و أبو سفيان، و جهيم بن الصّلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، و من حلفاء قريش العلاء بن الحضرمي (1).

أمّا أمر تدوين القرآن، فان النظام الذي كان قد سنّه الرسول (ص)


1) فتوح البلدان للبلاذري ط. بيروت دار النشر للجامعيين سنة 1377 ه، ص 660- 661.

لتدوين القرآن في مكة و المدينة كان امرا واحدا و سوف ندرس نظام تدوين القرآن في أخبار القرآن في المدينة ان شاء اللّه تعالى.

ب- كيفية الإقراء:
اشارة

ينقسم قراءة القرآن و تدوينه في العصر المكّي إلى ما يخصّ الرسول (ص) و ما يعمّ المسلمين كالآتي بيانه:

1- ما يخصّ الرسول (ص):

إن أول ما أقرأ اللّه- جلّ جلاله- رسوله (ص) من القرآن الكريم الآيات الخمس الأولى من سورة اقرأ حيث قال سبحانه:

أ- فى سورة العلق:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ب- في سورة الأعلى:

سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ح- في سورة القيامة:

لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ و في صحيحي مسلم و البخاري و اللفظ للأول (1): بسندهما عن فاطمة إن رسول اللّه (ص) قال لها- في مرض وفاته-: إن جبريل كان يعارضه بالقرآن


1) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل فاطمة (ع) الحديث رقم 98 و 99 4/ 1905، و صحيح البخاري 3/ 151، كتاب فضائل القرآن باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي (ص)، و مسند احمد 6/ 282، و سنن ابن ماجة كتاب الجنائز باب ما جاء في ذكر مرض رسول اللّه (ص) ص 518 الحديث 1621.

كلّ عام مرّة و أنّه عارضه به في العام مرتين، و لا أراني إلا قد حضر أجلي.

كان ذلكم أمر إقراء اللّه- جلّ اسمه- نبيّه الكريم (ص) القرآن سواء كان في مكّة أو في المدينة.

2- ما يعمّ المسلمين بمكة:

من خبر إقراء خباب بن الأرت فاطمة أخت عمر بن الخطاب و زوجها علمنا ان الرسول (ص) كان قد نظمّ خلايا سريّة لإقراء المسلمين القرآن بمكة.

و في ما يأتي بعض أخبار القرآن لدى المهاجرين من مكة إلى الحبشة.

المسلمون و القرآن في الحبشة:

في سيرة ابن هشام و طبقات ابن سعد و غيرهما ما موجزه:

لما اشتدّ اذى قريش للمؤمنين الذين أظهروا اسلامهم أمرهم الرسول بالهجرة إلى الحبشة فهاجر زهاء ثمانين رجلا و امرأة من المسلمين فأجارهم النجاشي ملك الحبشة فبعثت قريش بهدايا إليه مع عمرو بن العاص و عمارة بن الوليد و طلبت منه أن يعيدهم إلى مكة فجمع النجاشي بين المسلمين و عمرو و عمارة فقرأ جعفر عليه صدر سورة كهيعص- سورة مريم- فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته و أبى أن يعيد المسلمين إلى قومهم قريش (1).

لم يعين ابن هشام و غيره إلى أيّة آية قرأ جعفر من سورة مريم و لا بد أنه قرأ صدر السورة الى الآية 34 منها و التي جاء فيها ذكر زكريا و يحيى و عيسى و مريم عليهم السلام.

إن خبر ابن مسعود و خبر جعفر يدلان على أن المسلمين كانوا يحفظون


1) سيرة ابن هشام 1/ 359- 360؛ و طبقات ابن سعد، 1/ 207؛ و سيرة ابن اسحاق ص 194.

ما نزل من القرآن ما يساعدهم أن يقرءوا في كل مكان ما يناسبهم، كما أن خبر خليّة بيت فاطمة ابنة الخطاب كان يدل على وجود القرآن مكتوبا عند المسلمين بمكة.

سابعا- خصائص المجتمع الاسلامي على عهد الرسول (ص):

اشارة

و عند ما بعث الرسول (ص) قوّض بالاسلام النظام القبيلي في الجزيرة العربية و النظام الطبقي في سائر المجتمعات البشرية في ما بلّغ عن اللّه قوله تعالى:

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات/ 13).

و بقوله في خطبته (ص) وسط ايام التشريق عام حجة الوداع:

(يا ايها الناس! الا انّ ربكم واحد و انّ أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على اعجمي و لا لعجمي على عربي و لا لأحمر على اسود و لا لأسود على أحمر إلّا بالتقوى، أ بلّغت؟ قالوا: بلّغ رسول اللّه (ص)! (1).

و على هذا الاساس اقام (ص) المجتمع الاسلامي الاول في المدينة المنورة، فعاش فيه سلمان الفارسي و صهيب الرومي و بلال الحبشي و ابو ذر العربي البدوي متآخين كاسنان المشط لا تفاضل بينهم، و اربى على ذلك حين زوّج مولاه زيدا ابنة عمته زينب حفيدة عبد المطلب، و ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب المقداد بن عمرو مولى بني زهرة (2)، و وظف على بلال الحبشي


1) مسند احمد 5/ 411.

2) راجع في خبر زواج زينب بنت جحش بحث صفات المبلغين من عقائد الاسلام من

الأذان حتى علا سطح الكعبة يوم الفتح و أذن عليها.

و كان من الطبيعي أن يظهر أحيانا في ذلك المجتمع المثالي آثار التعصب القبيلي بين صحابة الرسول (ص) الذين نشئوا و عاشوا قبل الإسلام في المجتمع الذي بنيت أسسه على النظام القبيلي و نقتصر بذكر بعض أخبارها في ما يأتي باذنه تعالى:

أ- التعصب القبيلي للصحابة المهاجرين من قريش‌

1- روى مسلم عن عائذ بن عمرو:

(ان أبا سفيان اتى على سلمان و صهيب و بلال في نفر فقالوا و اللّه ما اخذت سيوف اللّه من عنق عدو اللّه مأخذها.

قال ابو بكر: أ تقولون هذا لشيخ قريش و سيدهم).

قال محمد فؤاد عبد الباقي في شرح الحديث:

هذا الاتيان لأبي سفيان كان و هو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية (1)

أ- أبو عبد اللّه سلمان الفارسي كان مجوسيا ثم تنصر قبل بعثة رسول اللّه (ص) و قصد المدينة ليدرك الرسول، فصحب قوما من العرب، فأسروه، و باعوه لرجل من يهود المدينة، فرأى رسول اللّه (ص)، و عرف فيه علامات النبوة، و أسلم على يديه، فاشتراه رسول اللّه (ص)، و أعتقه و هو الذي أشار على النبي يوم الخندق بحفر الخندق، و قال النبي في حقه يوم ذاك: سلمان منا أهل البيت، و توفي في عصر عثمان سنة خمس و ثلاثين في المدائن أميرا عليها و دفن هناك. أسد الغابة 2/ 228- 232.

ب- صهيب بن سنان الربعي النمري، كان أبوه عاملا لكسرى على الأبلة، فغارت الروم عليهم، و أسرت صهيبا فنشأ فيهم، ثم باعته الى كلب فجاءت به الى مكة، فباعته من عبد اللّه بن جدعان فأعتقه، و كان من السابقين الى الاسلام الذين عذبوا في مكة، و كناه الرسول أبا يحيى،

.

1) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل سلمان و صهيب و بلال 4/ 1947، و في ترجمة (سلمان) و (صهيب) و (بلال) من سيرة النبلاء 2/ 15؛ و اللفظ لمسلم الاستيعاب 2/ 639 ط. مصر، تحقيق علي محمد البجاوي.

2- في سنن الدارمي و ابي داود و مسند احمد و غيرها بسندهم عن عبد اللّه ابن عمرو بن العاص انه قال:

(كنت أكتب كلّ شي‌ء أسمعه من رسول اللّه (ص)، فنهتني قريش، و قالوا: تكتب كلّ شي‌ء سمعته من رسول اللّه (ص) و رسول اللّه بشر يتكلّم في الغضب و الرضا؟

فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول اللّه فأومأ باصبعه إلى فيه و قال: (أكتب فو الّذي نفسي بيده ما خرج منه إلّا حقّ) (1)

و عبد اللّه بن عمرو بن العاص قرشي سهمي و امه ريطة بنت منبه السهمي كان اصغر من أبيه بإحدى عشرة أو اثنتى عشرة سنة. اختلفوا في وفاته أ كان بمصر أو الطائف أو مكة و عام 63 أو 65. راجع ترجمته بأسد الغابة 3/ 23، و النبلاء 3/ 56، و تهذيب التهذيب 5/ 337.

.

انّ التعصب الجاهلي هو الذي دفع الصحابة القرشيين ان يمنعوا عبد اللّه ابن عمرو بن العاص من كتابة الحديث لما كان فيه ذكر اسماء القرشيين الذين ناهضوا الرسول، و حاربوا الاسلام و المسلمين، و جاء ذكر أفعالهم في القرآن الكريم و بيان اسمائهم في حديث الرسول (ص).7.


1) سنن الدارمي، 1/ 125، باب من رخص في الكتابة من المقدمة، و سنن أبي داود 2/ 126، باب كتابة العلم، و مسند أحمد 2/ 162، 192 و 207 و 215، و مستدرك الحاكم 1/ 105- 106، و جامع بيان العلم و فضله لابن عبد البر 1/ 85 ط. الثانية، ط. العاصمة بالقاهرة سنة 1388.

ب- التعصب القبيلي في قبائل الانصار

خبر مسجد ضرار قال تعالى في سورة التوبة/ 107.

وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ قال ابن عباس: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً هم أناس من الانصار ابتنوا مسجدا فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم، و استمدوا بما استطعتم من قوة و سلاح، فاني ذاهب الى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمدا و أصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا الرسول (ص) فقالوا قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلّي فيه، و تدعو بالبركة، فأنزل اللّه لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً (1).

ج- خبر الشجار على ماء المريسيع:

ج- خبر الشجار على ماء المريسيع: (2).

عند ما هاجر الرسول (ص) الى المدينة آخى بين المهاجرين من قريش من نسل نزار و رجال من الأوس و الخزرج من الأنصار من نسل قحطان (3)


1) في الطبري 11/ 18- 20 و الدر المنثور 3/ 276 عن ابن المنذر و ابن ابي حاتم و ابن مردويه و البيهقي في الدلائل و أبو عامر عبد عمرو بن صيفي الراهب كان رأس الاوس في الجاهلية و ترهّب لما بلغه من اليهود ان خاتم الانبياء يكون في المدينة املا في ان يكون هو النبي المبشر له فلمّا هاجر الرسول الى المدينة حسد رسول اللّه فلم يسلم و جاهر الرسول بالعداوة و خرج إلى مكة و حرّضهم لحرب رسول اللّه (ص) ثم ذهب الى قيصر لنفس الغرض.

2) المريسيع: ماء يبعد عن المدينة أياما، كان يسكن حوله قوم من خزاعة يقال لهم: بنو المصطلق، غزاهم رسول اللّه (ص) في العام الخامس أو السادس بعد الهجرة. (امتاع الأسماع ص 195) و جهجاه من قبيلة غفار كان يومذاك أجيرا لعمر بن الخطاب المهاجري لذلك نادى بشعارهم و مات جهجاه بعد عثمان بسنة أسد الغابة 1/ 309.

3) ولد نزار بن معد بن عدنان: مضر و ربيعة و اياد و انمار و ولد مضر: الياس و قيس عيلان و عرب الشمال ينتسبون إلى عدنان و معد و نزار و مضر و ربيعة و قيس.أما عرب الجنوب فينتسبون إلى الازد و سبأ و قحطان و الازد هو ابن الغوث بن نبت بن مالك ابن كهلان بن سبأ. و سبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان (جمهرة أنساب العرب 310- 311).

فعاشوا بوئام و إخاء حتى إذا انتهوا من معركة غزوة بني المصطلق وقعت أوّل منافرة بينهما عند ما وردت واردة الناس على ماء المريسيع، فازدحم على الماء جهجاه بن مسعود و هو يقود فرس عمر بن الخطاب، و سنان بن وبر الجهني حليف الخزرج، فاقتتلا، فصرخ الجهني يا معشر الأنصار! و صرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين! فغضب عبد اللّه بن أبي بن سلول الخزرجي رئيس المنافقين و عنده رهط من قومه، فقال: أو قد فعلوها، قد نافرونا، و كاثرونا في بلادنا! و اللّه ما عدنا و جلابيب قريش هذه إلا كما قال الاول: (سمن كلبك يأكلك)! أما و اللّه لان رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ.

ثم قال لمن حضره من قومه: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، و قاسمتموهم أموالكم، أما و اللّه لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم، لتحوّلوا إلى غير داركم.

فبلغ ذلك رسول اللّه، و أشاروا عليه بقتله، فلم يقبل، و إنّما عالج الامر بحكمة، حيث أمر بالرحيل في غير ساعة الرحيل، و سار بالناس يومهم ذلك حتى أصبح، و صدر اليوم الثاني حتى آذتهم الشمس، فلما نزل بهم و مس جلدهم الأرض، وقعوا نياما و بذلك شغلهم عن حديث المنافرة.

و في هذه الواقعة نزلت سورة (المنافقون) و منها الآية/ 8 يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ و بلغ حسان بن ثابت الانصاري الذي وقع بين جهجاه و بين الفتية

الأنصار، فقال و هو يريد المهاجرين:

أمسى الجلابيب قد عزّوا و قد كثرواو ابن الفريعة أمسى بيضة البلد (1)الأبيات فجاء صفوان بن المعطّل إلى بعض المهاجرين و قال: انطلق بنا نضرب حسّانا، فو اللّه ما أراد غيرك و غيري.

و لما أبي المهاجري ذلك ذهب صفوان وحده، مصلتا بالسيف حتى ضرب حسانا في نادي قومه، و جرحه و قال:

تلق ذباب السيف عنّي فإنّني‌غلام إذا هو جيت لست بشاعر (2)ثم أصلح الرسول بينهم، و انتهت بذلك أول منافرة وقعت بين فرعي القبيلتين بعد أن عالجها الرسول بحكمته.

و وقعت الثانية يوم وفاة الرسول (ص)، و ذلك لأن المجتمع العربي في شبه الجزيرة كان يتوزع على مجتمعات قبيليّة متعدّدة، و بعد هجرة الرسول إلى المدينة و فتح مكة أصبحت المجتمعات المتعددة يحكمها مجتمع المدينة الواحد المتكون من المهاجرين و الأنصار.

و كان المهاجرون جلّهم من مكّة ما عدا النادر منهم و هم ينتمون الى قريش و حلفائها و مواليها و الانصار كلّهم من اليمن و من قبائل سبأ؛ و بذلك تحولّت العصبيّة القبيليّة المتعدّدة الى التعصّب بين مهاجرة قريش و من انتمى اليها من نزار و الأنصار و من انتمى اليها من السبئيين.

و أوّل شجار وقع بينهما بعد الرسول (ص) حدث في سقيفة بني ساعدة1.


1) الجلابيب سفلة الناس، و بهامش الأغاني 4/ 11 (كان المنافقون يسمون المهاجرين بالجلابيب، و في ديوان حسان (الخلابيس) أي الأخلاط من كل وجه الفريعة اسم أم حسان و بيضة البلد: يقال للمدح و الذم.

2) الطبري، ط. اوربا، 1/ 1526؛ الأغاني 4/ 12 عن الزهري و لسان العرب مادة (بيض)؛ امتاع الأسماع للمقريزي 1/ 211.

ثم امتدّ الى عصور طويلة بعد ذلك كما سندرسه في ما يأتي بحوله تعالى.

*** زالت الاعراف الجاهليّة ظاهرا عن شبه الجزيرة العربية بعد نزول سورة البراءة و اعلامها على الحجيج المسلم و المشرك في منى في السنة التاسعة من الهجرة.

و أصبح المجتمع الاسلامي من جانب الحاكم و قليل من افراده اسلاميا انسانيا و في سلوك الكثرة الكاثرة من افراده مزيجا من الاعراف القبيلية الجاهلية و الاخلاق الاسلامية و من قبل بعض آخر من افراده قبيلي جاهلي محض و هم الّذين سموا بالمنافقين.

و كان اهمّ ميزة هذا العصر بقاء الاحساس القبيلي بين افراده سواء منهم المؤمن و المنافق و الذي كان تظهر آثاره بين حين و آخر في المجتمع، فيعالجها الرسول (ص) بحكمته. و كان ذلكم خصائص المجتمع في هذا العصر.

نكتفي من أخبار القرآن بمكة لندرس في ما يأتي بحوله تعالى أخبار القرآن في العصر المدني.

الفصل الثاني أخبار القرآن الكريم في عصر نزوله في المدينة على عهد الرسول الأكرم (ص)

اشارة

1- القرآن المدني.

2- النظام الذي سنه النبي (ص) في إقراء القرآن.

3- نظام المفاضلة بالقرآن.

4- تدوين القرآن في المدينة.

5- أخبار السيرة في القرآن الكريم.

أولا- القرآن المدني و ما حواه‌

اشارة

يحكي القرآن المدني عن بعض ما دار بين الرسول (ص) و هو في المدينة مع كفار قريش و سائر مشركي العرب من معارك فكرية و حروب قتالية، و كذلك ما دار بينه (ص) و بين أهل الكتاب من يهود و نصارى من ذلك، و بعض ما جرى في المجتمع الإسلامي الأوّل الّذي شيّده (ص) مع المنافقين و المؤمنين و ما جرى في بيته (ص) يومذاك و ما شرعه اللّه للإنسان في جميع مناحي حياته من نظام إلى غير ذلك مما أشرنا إليه في خصائص القرآن المكّي و في ما يأتي أمثلة مما ذكرناه إن شاء اللّه تعالى.

ما جرى مع أهل الكتاب‌

بسبب وضوح ما كان في كتب اللّه من تعريف خاتم الأنبياء أخبر اللّه عنهم أنّهم كانوا يعرفون خاتم الأنبياء و قبلته و شريعته كما يعرفون أبناءهم و قال عزّ اسمه في سورة البقرة:

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ و قال تعالى في سورة الأنعام:

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (الآية/ 20)

و تنقسم معارك القرآن مع أهل الكتاب على ما كان بينه و بين اليهود و ما كان بينه و بين أهل الكتاب من النصارى، و في ما يأتي نوردهما على التوالي بإذنه تعالى:

ما دار بين اليهود و بين القرآن و مبلّغه و المؤمنين من حوار و خصام:

المعارك الفكرية بين القرآن المدني و المشركين و أهل الكتاب و المنافقين:

استمرّ القرآن المدني في معاركه الفكرية مع المشركين مثل قوله تعالى في سورة الحج:

يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ* ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الآيات/ 73- 74) سفّه أحلام المشركين في هذه الآية في ما اتخذوه آلهة من دون اللّه كما كان شأن القرآن المكّي و عمّم في الخطاب قريشا و غيرهم هاهنا بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ... و عمّم الخطاب بينما المخاطبون هم مشركو قريش.

و أضاف إلى معركته مع المشركين معركة أخرى مع أهل الكتاب و خاطبهم قائلا في سورة المائدة:

يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَ لا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ (الآية/ 19) و أثنى على بعضهم و قال سبحانه:

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ (الأعراف/ 157).

و أخبر- سبحانه- أنّهم يكتمون الحقّ و يلبسونه بالباطل، و قال في سورة آل عمران:

يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (الآية/ 71) و أخبر أنّه كان قد أخذ ميثاقهم ألا يكتمونه و يبينونه للناس و قال:

وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (الآية/ 187) و قال سبحانه في سورة البقرة:

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (الآية/ 174).

و قال- عزّ اسمه-:

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (البقرة/ 159).

و أخبر أنّ الرسول يبيّن كثيرا ممّا يخفون من الكتاب لقوله تعالى:

يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (المائدة/ 15).

و من أخبار القرآن المدني:

تنقسم أخبار القرآن في المدينة إلى ما كانت قبل هجرة الرسول (ص) إليها و ما جرت بعد هجرة الرسول (ص) إليها.

أما ما كان قبل هجرة الرسول (ص) إليها، فقد تحدث عنها جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و قال: عن بدء إسلام الأنصار:

(... بعثنا اللّه إليه- أي إلى رسول اللّه (ص)- من يثرب فآويناه

و صدّقناه فيخرج الرجل منّا فيؤمن به. و يقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه ...) الحديث (1).

و روى ابن هشام و غيره: أنّ النبيّ (ص) بعث مع الأنصار بعد بيعتهم الأولى على الإسلام مصعب بن عمير، و أمره أن يقرئهم القرآن، و يعلّمهم الإسلام، و يفقههم في الدين، فكان يسمّى المقرئ بالمدينة (2).

و في صحيح البخاري عن الصحابي البراء بن عازب قال:

أوّل من قدم علينا مصعب بن عمير و ابن أمّ مكتوم و كانا يقرءان الناس (3).

و روى الذهبي بترجمة زيد بن ثابت من تذكرة الحفاظ أن زيدا قال: (أتى النبيّ (ص) المدينة و قد قرأت سبع عشرة سورة، فقرأت على رسول اللّه (ص) فأعجبه ذلك) (4).

كذلك انتشرت قراءة القرآن في المدينة قبل هجرة الرسول (ص) إليها.

*** كانت تلكم بعض أخبار القرآن في المدينة قبل هجرة الرسول إليها و عند ما هاجر الرسول (ص) إليها اتّخذ من مسجده مدرسة لإقراء القرآن و سنّ نظاما لتدوين القرآن و إقرائه كما سنذكره فيما يأتي بإذنه تعالى.1.


1) مسند احمد 3/ 322، 339.

2) سيرة ابن هشام 2/ 42 ط. مصر سنة 1356 ه، خبر بيعة العقبة الاولى. و مصعب بن عمير: ابو عبد اللّه القرشي اسلم قديما و هاجر الى الحبشة ثم الى المدينة و شهد بدرا و استشهد بأحد راجع ترجمته في جميع كتب تراجم الصحابة.

3) صحيح البخاري 2/ 224 كتاب مناقب الانصار باب مقدم النبي (ص) المدينة، و في كتاب التفسير، تفسير سورة (سبح اسم ربك) 3/ 143. و مسند احمد 4/ 284.

4) تذكرة الحفاظ 1/ 31.

ثانيا- النظام الذي سنّه النبيّ (ص) في إقراء القرآن‌

في مسند أحمد و معرفة القرّاء الكبار للذهبي و البحار للمجلسي و اللفظ للذهبي عن أبي عبد الرحمن قال:

حدثني الذين كانوا يقرءوننا: عثمان و ابن مسعود و أبيّ بن كعب (رض) ان رسول اللّه (ص) كان يقرئهم العشر، فلا يجاوزونها الى عشر أخر حتى يعلموا ما فيها من العمل فتعلمنا القرآن و العمل جميعا (1).

و في تفسير الطبري بسنده:

عن أبي عبد الرحمن- السلمى- قال حدثنا الذين كانوا يقرءوننا انهم كانوا يستقرءون من النبي (ص) فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن و العمل جميعا (2).

و لفظ احمد في مسنده:

حدثنا عبد اللّه حدثني أبي حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء عن أبي


1) معرفة القراء الكبار للذهبي ص 48، و مسند احمد 5/ 410، و البحار للمجلسي 92/ 106، و مجمع الزوائد و منع الفوائد 1/ 165، و في تفسير القرطبي 1/ 39 و في كنز العمال الحديث 4213.

2) مسند احمد 5/ 410، و تفسير الطبري 1/ 27. راجع اخبارهم في كنز العمال 2/ 346 ط. بيروت سنة 1409 ه الحديث 4215.

عبد الرحمن قال حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي (ص) أنهم كانوا يقترءون من رسول اللّه (ص) عشر آيات: فلا يأخذون في العشر الاخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم و العمل.

قالوا فعلمنا العلم و العمل (1).

و في تفسير القرطبي بسنده:

عن عثمان و ابن مسعود و أبيّ أن رسول اللّه (ص) كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر اخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فيعلمنا القرآن و العمل جميعا.

و ذكر عبد الرزاق عن معمر عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعرف حلالها و حرامها و أمرها و نهيها (2).

(و أبو عبد الرحمن السلمي عبد اللّه بن حبيب بن ربيعة السلمي اخرج حديثه أصحاب الصحاح، ولد في حياة النبي (ص) و لأبيه صحبة قرأ القرآن و جوّده و برع في حفظه، أخذ القرآن عرضا عن عثمان و علي و ابن مسعود و زيد ابن ثابت و أبيّ بن كعب (رض) و كان مقرئ أهل الكوفة منذ عصر عثمان الى ان توفي بعد السبعين من الهجرة في أوائل حكم الحجاج و كان يعلّم القرآن خمس آيات خمس آيات و علّم ابن عمرو بن الحريث القرآن، فأرسل له جلالا و جزرا (3)

الجزر جمع الجزور الابل التي تصلح للذبح.

فردّها و قال: انا لا نأخذ على كتاب اللّه أجرا) (4).

*9.


1) مسند احمد 5/ 410.

2) تفسير القرطبي 1/ 39.

3) جلالا جمع جل: ما يكسى به الفرس لتصان به فهنا بمعنى الفرس المجلل.

4) معرفة القراء الكبار للذهبي ص 45- 49.

و نعلم من الروايات الآتية أن ما كان يقرئهم الرسول (ص) في معاني الآيات كان يتلقاه عن طريق الوحي عن اللّه جلّ اسمه.

أ- في سنن أبي داود و مسند أحمد و اللفظ للأول بسنده عن المقدام بن معديكرب عن رسول اللّه (ص) أنه قال:

(ألا إنّي أوتيت الكتاب و مثله معه لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال، فأحلّوه، و ما وجدتم فيه من حرام فحرّموه ...) (1)

مقدام الكندي صحابي مشهور نزل الشام و مات سنة 87 ه و له احدى و تسعون سنة.

تقريب التهذيب 2/ 272.

.

ب- في سنن أبي داود عن العرباض بن سارية قال: نزلنا مع رسول اللّه (ص) خيبر و معه من معه من أصحابه، ثم صلّى بهم النبي (ص)، ثم قام، فقال:

(أ يحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن اللّه لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن! ألّا و إني وعظت و أمرت و نهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر ...) (2)

و عرباض السلمي أبو نجيح صحابي كان من أهل الصفة و نزل حمص و مات بعد السبعين.

تقريب التهذيب 2/ 17.

.

قد يكون معنى قول الرسول (ص) (أنها لمثل القرآن) أي أنه تلقاه عن الوحي و أكثر من القرآن في شرح أحكام اللّه.

ج- في سنن أبي داود و الترمذي و ابن ماجة و مسند أحمد و اللفظ للأول، عن عبيد اللّه بن أبي رافع عن أبيه قال: قال النبي (ص):7.


1) سنن ابي داود باب لزوم السنة 4/ 200 الحديث 4604، و مسند احمد 4/ 131.

2) سنن ابي داود 2/ 64 باب في تعشير أهل الذمة من كتاب الخراج و الامارة و الفي‌ء، و طبعة تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 3/ 170.

(لا ألفينّ أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب اللّه اتبعناه) (1)

و عبيد اللّه بن ابي رافع مولى النبي. تقريب التهذيب 1/ 532.

.

د- و في مسند أحمد عن المقدام بن معدي كرب قال:

(حرّم رسول اللّه (ص) يوم خيبر أشياء، ثم قال: (يوشك أحدكم أن يكذبني و هو متكئ على أريكته يحدث بحديثي، فيقول: بيننا و بينكم كتاب اللّه فما وجدنا فيه من حلال استحللناه و ما وجدنا فيه من حرام حرمناه.

ألا و إن ما حرم رسول اللّه (ص) مثل ما حرم اللّه).

و في آخر الحديث من سنن الترمذي: (و ان ما حرم رسول اللّه (ص) كما حرم اللّه).

و في سنن ابن ماجة: (مثل ما حرم اللّه) (2).

ه- في مسند أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (ص):

(لا أعرفنّ أحدا منكم أتاه عني حديث و هو متكئ في أريكته. فيقول:

اتل علي به قرآنا ...) (3)

في المتن لا عرفن تصحيف و نرى الصحيح لا أعرفن.

.

و روي موجز الاحاديث القرطبي في تفسيره بقوله: (كان الوحي ينزل على رسول اللّه (ص) و يحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك) (4).

*9.


1) سنن ابي داود باب لزوم السنة من كتاب السنة 2/ 256، و الترمذي 10/ 132، و ابن ماجة المقدمة 1/ 7، و مستدرك الحاكم كتاب العلم 1/ 108، و مسند احمد 6/ 8.

2) مسند احمد 4/ 132، و سنن الدارمي 1/ 140، و سنن الترمذي 10/ 133، و ابن ماجة مقدمة 1/ 6.

3) مسند احمد 2/ 367 و 483.

4) تفسير القرطبي 1/ 39.

كان ذلكم كيفية اقراء الرسول (ص) آي القرآن لأصحابه، و تعليمهم معنى الآيات مع تعليم اللفظ و اهتمامه بما بينه في أحاديثه من الاحكام و في ما يأتي ندرس كيفية اهتمامه بإقراء القرآن لأهل الصفة بمسجده و بمن يأتي من خارج المدينة و يسلم على يده:

الإقراء لأهل الصفة و لمن جاء من خارج المدينة و أسلم:

و كان في مسجد الرسول (ص) صفة لإيواء الفقراء من المسلمين و كان عبادة بن الصامت يعلّم أهل الصفة القرآن (1).

و في المستدرك عن عبادة بن الصامت انه قال:

إذا قدم الرجل و قد أسلم على يد رسول اللّه (ص) دفعه إلى رجل منّا ليعلمه القرآن فدفع إليّ رسول اللّه (ص) رجلا كان معي في البيت و كنت أقرأته القرآن فرأى ان لي عليه حقا فأهدى إليّ قوسا ما رأيت أجود منها و لا أحسن منها عطافا فأتيت رسول اللّه (ص) فقلت ما ترى يا رسول اللّه فيها، فقال: جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها (2).

و في رواية عن عبادة بن الصامت قال:

كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي (ص) إلى رجل منا يعلمه القرآن، و كان يسمع لمسجد رسول اللّه (ص) ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول اللّه (ص) أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا (3)

دار احياء الكتب العربية بمصر 1/ 234.

.

و جاء- أيضا- في كنز العمال عن الطفيل بن عمرو الدوسي ذي النوران4.


1) راجع سنن ابي داود 3/ 264، و مسند احمد 5/ 315، و سنن ابن ماجة 2/ 730.

2) مستدرك الحاكم 3/ 356، و مسند احمد 5/ 324، و سنن ابن ابي داود 3/ 265، و قال صحيح الاسناد.

3) مناهل العرفان للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني بكلية اصول الدين في الأزهر ط.

قال: أقرأني أبي بن كعب القرآن، فأهديت له قوسا فغدا إلى النبي (ص) متقلدها، فقال له النبي (ص): من سلّحك هذه القوس يا أبي؟ فقال: الطفيل بن عمرو الدوسي، أقرأته القرآن، فقال له رسول اللّه (ص): تقلدها شلوة من جهنم، فقال يا رسول اللّه: إنا نأكل من طعامهم، فقال: أما طعام صنع لغيرك فحضرت فلا بأس أن تأكله (1).

بمقارنة هذا الخبر بخبر الإقراء بمكّة الذي رواه الصحابي الخليفة عمر نرى أنّ أهل اليسار بمكّة كانوا يؤون من يقرئهم من المستضعفين بمكّة و في المدينة كان أهل اليسار يؤون المهاجر الجديد لإقرائه، و نرى أنّ الرسول يحذّرهم من أخذ هدية ممّن أقرؤه. و على هذا يكون الإيواء و الإطعام في البلدين على أهل اليسار دون مقابل.

و لم يقتصر تقارؤ القرآن بين الصحابة في الحضر دون السفر، فقد روى ابن عمر و قال: سافر النبي (ص) و اصحابه إلى أرض العدوّ و هم يعلّمون القرآن (2).

ففي صحيح مسلم و غيره و اللفظ لمسلم قال (3):

جاء أناس إلى رسول اللّه (ص)، فقالوا: أن ابعث معنا رجالا يعلّمون القرآن و السنّة فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القرّاء- و في لفظ البخاري (4): من القراء- يقرءون القرآن و يتدارسون بالليل يتعلمون.

و في كتاب التراتيب الادارية ما موجزه:5.


1) كنز العمال 2/ 342، الحديث 4194.

2) صحيح البخاري 2/ 113 كتاب الجهاد باب السفر بالمصاحف إلى أرض العدو.

3) مسلم كتاب الامارة (باب ثبوت الجنة للشهيد) ص 1511 الحديث 147.

4) البخاري 2/ 136 كتاب الجزية باب دعاء الامام على من نكث عهدا. و جاء الخبر في خبر بئر معونة بكتب سيرة الرسول (ص) كسيرة ابن هشام 3/ 184- 185.

أرسل مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف في سيرة ابن إسحاق لما انصرف النبي (ص) من القوم الذين بايعوه في العقبة الأولى قال و هم اثنا عشر بعث معهم مصعبا و أمره أن يقرئهم القرآن و يعلمهم الاسلام و يفقههم في الدين و كان يسمى المقرئ بالمدينة (1)

و راجع طبقات ابن سعد ط. اوربا 8/ 2/ 108. و سيرة ابن هشام 2/ 42. و الاستبصار لابن قدامة ص 57. و الاستيعاب ص 2279، و مسند أحمد 3/ 212.

.

و في الاستبصار لابن قدامة المقدسي لما قدم مصعب بن عمير المدينة نزل على أسعد بن زرارة فكان يطوف به على دور الانصار يقرئهم القرآن و يدعوهم الى اللّه عز و جل فأسلم على يديهما جماعة منهم سعد بن معاذ و أسيد بن حضير و غيرهما.

و في التهذيب للنووي لدى ترجمة مصعب هذا: هاجر الى المدينة بعد العقبة الأولى ليعلم الناس القرآن، و يصلي بهم بعثه رسول اللّه (ص) مع الاثني عشر اهل العقبة الثانية ليفقه أهل المدينة، و يقرئهم القرآن، فنزل على أسعد بن زرارة، و منهم معاذ بن جبل في الاكتفاء لأبي الربيع الكلاعي استخلف رسول اللّه (ص) عتاب بن أسيد على مكة و خلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين و يعلمهم القرآن خرّجه ابن سعد في الطبقات عن مجاهد و في الاستيعاب بعثه النبي (ص) قاضيا على الجند من اليمن يعلم الناس القرآن و شرائع الإسلام و يقضي بينهم و جعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن عام فتح مكة، و منهم عمرو بن حزم الخزرجى النجاري.

في الاستيعاب استعمله النبي (ص) على نجران ليفقههم في الدين2.


1) كتاب الحكومة النبوية المعروف بالتراتيب الادارية و العمالات و الصناعات و المتاجر و الحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس الدولة الاسلامية في المدينة المنورة لعبد الحي بن عبد الكبير بن محمد الحسيني الادريسي الكناني. افست دار الكتاب العربي بيروت 1/ 42- 47.

و يعلمهم القرآن و يأخذ صدقاتهم و ذلك سنة عشر بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا و كتب له كتابا في الفرائض و السنن و الصدقات و الديات يصح أن يستدرك هنا من المعلمين جماعة فمنهم أبو عبيدة بن الجراح أخرج أحمد في مسنده عن أنس قال لما وفد اهل اليمن على رسول اللّه (ص) قالوا ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة و الاسلام ... و سيّره الى الشام اميرا فكان فتح اكثر الشام على يده.

ثالثا- نظام المفاضلة بالقرآن:

اشارة

سنّ رسول اللّه (ص) نظام المفاضلة بين المسلمين بمقياس القراءة للقرآن و من جملتها الموارد الّتي نذكرها في ما يأتي:

أ- تعيين الأكثر قراءة للقرآن إماما للجماعة.

كثرت الروايات و الأخبار في هذا الصدد و نحن نقتصر على ذكر خبر واحد منها كالآتي:

روى أبو داود في سننه و أحمد في مسنده و ابن سعد في طبقاته و غيرهم و اللفظ لابن سعد قال:

قال عمرو بن سلمة بن قيس الجرمي:

كنّا بحضرة ماء، ممرّ الناس عليه، و كنّا نسألهم ما هذا الأمر؟- يقصد أنّهم كانوا يسألون عن خبر بعثة النبي (ص)- فيقولون: رجل زعم أنّه نبيّ و أنّ اللّه أرسله، و أنّ اللّه أوحى إليه كذا و كذا- يقصد أنّهم كانوا يقرءون عليهم بعض ما سمعوه من القرآن- قال: كنت أتلقّى الركبان فيقرءوني الآية.

قال: فجعلت لا أسمع شيئا من ذلك إلّا حفظته كأنّما يغرى في صدري بغراء، حتّى جمعت فيه قرآنا كثيرا (1).


1) طبقات ابن سعد 1/ 336- 337، و ط. اوربا 2/ 70. و سنن أبي داود 1/ 159، رقم الحديث 585. و مسند أحمد 3/ 475 و 5/ 29 و 71.

و في مسند أحمد: و كان الناس ينتظرون بإسلامهم فتح مكّة.

و في طبقات ابن سعد:

يقولون: انظروا، فإن ظهر عليهم فهو صادق و هو نبيّ، فلما جاءتنا وقعة الفتح- فتح مكة- بادر كل قوم بإسلامهم، فانطلق أبي بإسلام حوائنا ذلك- الحواء بيوت مجتمعة للناس على ماء- و أقام مع رسول اللّه (ص)، ما شاء اللّه أن يقيم.

قال: ثمّ أقبل، فلما دنا منّا تلقّيناه فلمّا رأيناه قال: جئتكم و اللّه من عند رسول اللّه (ص) حقّا ثمّ قال: إنّه يأمركم بكذا و كذا و ينهاكم عن كذا و كذا و أن تصلّوا صلاة كذا و كذا في حين كذا و إذا حضرت الصلاة، فليؤذن أحدكم، و ليؤمّكم أكثركم قرآنا.

قال: فنظر أهل حوائنا، فما وجدوا أحدا أكثر قرآنا منّي للّذي كنت أحفظه من الركبان.

قال: و أنا يومئذ غلام عليّ شملة، فدعوني، فعلموني الركوع و السجود فقدموني بين أيديهم.

قال و كان عليّ بردة كنت إذا سجدت تقلّصت عنّي، فقالت امرأة من الحيّ: أ لا تغطّون عنّا است قارئكم.

قال: فكسوني قميصا من معقّد البحرين، فما فرحت بشي‌ء أشدّ من فرحي بذلك القميص.

و في سنن أبي داود قال: و أنا ابن سبع سنين أو ثماني سنين.

قال: فما شهدت مجمعا من جرم- يقصد قبيلته- إلّا كنت إمامهم و كنت أصلّي على جنائزهم.

و في رواية: لم يزل يؤمهم إلى زمن معاوية (1).بى


1) راجع اسناد الخبر في طبقات ابن سعد (1/ 336- 337) خبر وفد جرم، و سنن ابى

و جاء عن أبي هريرة انه قال:

بعث رسول اللّه (ص) بعثا و هم ذو عدد فاستقرأهم فاستقرأ كلّ رجل منهم ما معه من القرآن فأتى على رجل منهم من أحدثهم سنّا فقال ما معك يا فلان قال معي كذا و كذا و سورة البقرة قال: أ معك سورة البقرة؟ فقال نعم قال:

فاذهب فأنت أميرهم فقال رجل من أشرافهم و اللّه يا رسول اللّه ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلّا خشية ألّا أقوم بها فقال رسول اللّه (ص) تعلموا القرآن فاقرءوه و أقرئوه فإنّ مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه و قام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح بريحه كلّ مكان و مثل من تعلمه فيرقد و هو في جوفه كمثل جراب وكئ على مسك (1).

و في تفسير السيوطي عن الدلائل للبيهقي: عن عثمان بن أبي العاص قال استعملني رسول اللّه (ص) و أنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف، و ذلك اني كنت قرأت سورة البقرة (2).

ب- المفاضلة بعد الحياة و في القبر.

لما كان يوم أحد و أمر رسول اللّه (ص) بدفن الشهداء في أحد قال (ص) انظروا أكثر هؤلاء جمعا للقرآن. فاجعلوه أمام أصحابه في القبر، و كانوا يدفنون الاثنين و الثلاثة في القبر الواحد (3).

ج- يوم القيامة.

قال رسول اللّه (ص) اقرءوا القرآن، فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعا


1) سنن الترمذي ط. الاولى بمصر سنة 1353 ه 11/ 7- 8، و تفسير سورة البقرة في الدر المنثور 1/ 21، و تفسير ابن كثير 1/ 33.

2) تفسير السيوطي 1/ 21.

3) مسند احمد 5/ 431.

لأصحابه (1)

د- في الجنة.

في مسند احمد و الترمذي:

يقال لصاحب القرآن: اقرأ و ارتق و رتل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإنّ منزلتك عند آخر آية- أي: يقال ذلك لصاحب القرآن في الجنّة (2).

و في سنن الدارمي:

ان الذي يقرأ القرآن و هو ماهر به، فهو مع السفرة الكرام البررة، و الذي يقرؤه و هو يشتد عليه- أو هو عليه شاق- فله أجران (3).

من تعلم القرآن، فاستظهره، و حفظه، أدخله اللّه الجنة، و شفعه في عشرة من أهل بيته (4).

و قال: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللّه يتلون كتاب اللّه، و يتدارسونه بينهم إلّا نزلت عليهم السكينة و غشيتهم الرحمة و حفتهم الملائكة و ذكرهم اللّه فيمن عنده ... (5).

و اجمع كلام للرسول (ص) في المفاضلة قوله:

إنّ أفضلكم من تعلّم القرآن و علّمه.

و في رواية:


1) صحيح مسلم ص 553 كتاب صلاة المسافرين باب فضل القرآن، الحديث 252.

2) مسند احمد 2/ 192، و ابي داود 2/ 73، و الترمذي 11/ 36.

3) الترمذي 11/ 29، و الدارمي 2/ 444 باب فضل من يشتد القرآن عليه- أي لا أقوم بعمل ما فيها ..، و مسلم كتاب صلاة المسافرين، باب الماهر بالقرآن ص 549- 550 الحديث 244.

4) مسند احمد 5/ 149، و قريب منه في ص 148.

5) صحيح مسلم كتاب الذكر و الدعاء باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن 4/ 2074 الحديث 38، و مسند احمد 2/ 252.

خيركم من تعلم القرآن و علمه (1).

و قال: إنّ أهل القرآن هم أهل اللّه و خاصته (2).

و في كنز العمال كتاب الاذكار، باب في فضائل القرآن (2/ 187):

عن أنس بن مالك قال قال رسول اللّه (ص): يا حملة القرآن ان أهل السموات يذكرونكم عند اللّه فتحببوا إلى اللّه بتوقير كتاب اللّه يزدكم حبا و يحببكم إلى عباده.

و في ص 523 منه الحديث حملة القرآن هم المعلمون كلام اللّه و المتلبسون بنور اللّه، من والاهم فقد والى اللّه، و من عاداهم فقد عادى اللّه.

و في رواية 2295:

حملة القرآن أولياء اللّه ...

و حملة القرآن من حفظ جميع القرآن عن ظهر قلب.

و في ص 538 منه الحديث 2414:

من ختم القرآن عن ظهر قلبه أو نظرا أعطاه اللّه شجرة في الجنة.

و نظرا: أي ختم القرآن في المصحف.

و في ص 536 منه: الحديث 2407:

من قرأ القرآن نظرا متع ببصره.

و في ص 531 الحديث 2077:

يا عليّ تعلم القرآن و علمه الناس فلك بكل حرف عشر حسنات فان).


1) صحيح البخاري 3/ 154 كتاب فضائل القرآن باب (19) خيركم من تعلم القرآن و علمه، و ابي داود 2/ 70، و سنن الدارمي 2/ 437 باب خياركم من تعلم القرآن و علمه، و ابن ماجة 1/ 77.

2) ابن ماجة 1/ 78، و مسند احمد (3/ 127، 128، 242).

متّ متّ شهيدا، يا عليّ تعلّم القرآن و علمه الناس فان متّ حجّت الملائكة إلى قبرك كما تحجّ الناس إلى بيت اللّه العتيق.

و في ص 538 الحديث 2416:

من قرأ القرآن في سبعة كتبه اللّه من المحسنين و لا تقرءوا في أقل من ثلاثة فمن وجد منكم نشاطا فليجعله في حسن تلاوته.

و ممّا يتبع باب المفاضلة ما نجده في سيرة الرسول (ص) من انتهازه الفرص لنشر الاقراء بين المسلمين مثل ما رواه البخاري و غيره و اللفظ للبخاري:

قال: أتت النبي (ص) امرأة، فقالت: انها وهبت نفسها للّه و لرسول اللّه (ص).

فقال: ما لي في النساء من حاجة.

فقال رجل زوجنيها:

قال: اعطها ثوبا.

قال: لا اجد.

قال: اعطها و لو خاتما من حديد، فاعتل له.

فقال ما معك من القرآن؟.

قال: كذا و كذا.

قال: فقد زوجتكها بما معك من القرآن (1).

و كان لكيفية اقراء الرسول (ص) بمكة و المدينة اثرا امتد من عصره إلى ما بعده كالآتي خبره:ه.


1) صحيح البخاري 3/ 155 كتاب فضائل القرآن باب خيركم من تعلم القرآن و علمه.

أثر كيفية إقراء الرسول (ص) في عصره:

كان لما قاله الرسول (ص) و فعله في شأن إقراء القرآن أبلغ الأثر في الصحابة و سائر المسلمين في عصره و بعده. أما في عصره فقد روى عقبة بن عامر الجهني و قال:

خرج علينا رسول اللّه (ص) ذات يوم و نحن نتدارس القرآن، قال:

تعلّموا القرآن، و اقتنوه، فإنّه أشد تفلتا من المخاض في عقلها. أي: أشدّ تفلتا من الناقة المشدودة بالعقال ساعة الولادة (1):

و كانوا يقرءون أبناءهم و نساءهم القرآن، فقد روى أحمد و ابن ماجة عن زياد بن لبيد الأنصاري أنّه قال:

ذكر النبي (ص) شيئا، فقال (ذاك عند أوان ذهاب العلم).

قال: قلت: يا رسول اللّه و كيف يذهب العلم و نحن نقرأ القرآن و نقرئه أبناءنا و يقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال ... أو ليس هذه اليهود و النصارى يقرءون التوراة و الإنجيل لا يعملون بشي‌ء مما فيهما (2).

اهتمام الرسول (ص) بالسور الطوال‌

و كان الرسول (ص) يعني بسورة البقرة عناية خاصة ثم ما بعدها من السور الكبار و من موارد ذلك ما رواه.

البيهقي و أحمد بسندهما، رويا عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت:

(كنت أقوم مع رسول اللّه (ص) في الليل، فيقرأ بالبقرة و آل عمران و النساء فاذا مر بآية فيها استبشار، دعا و رغب، و إذا مر بآية فيها تخويف، دعا


1) مسند احمد 4/ 153.

2) سنن ابن ماجة 2/ 1344 كتاب الفتن باب ذهاب القرآن و العلم، و مسند احمد 4/ 219.

و استعاذ) (1).

و في سنن البيهقي: عن عوف بن مالك الاشجعي قال: قمت مع رسول اللّه (ص) ليلة، فقام فقرأ البقرة لا يمر بآية رحمة، إلّا وقف، فسأل، و لا يمر بآية عذاب، إلّا وقف، فتعوّذ، ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت و الملكوت و الكبرياء و العظمة ثم سجد بقدر قيامه ثم قال في سجوده مثل ذلك ثم قام فقرأ بآل عمران ثم قرأ سورة سورة (2).

و يرغّب المسلمين في استظهار سورة البقرة كما جاء في صحيح مسلم و مسند أحمد بسندهما عن أبي امامة الباهلي قال: سمعت رسول اللّه (ص) يقول:

اقرءوا القرآن فانه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه.

اقرءوا الزهراوين سورة البقرة و سورة آل عمران، فانهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غيايتان أو كأنهما غمامتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما، اقرءوا سورة البقرة فان أخذها بركة و تركها حسرة و لا تستطيعها بطلة (3).

و في صحيح مسلم و سنن النسائي و البيهقي و مسند أحمد بسندهم عن حذيفة قال: صلّيت مع رسول اللّه (ص) ليلة من رمضان، فافتتح البقرة، فقلت يصلي بها ركعة، ثم افتتح النساء، فقرأها ثم افتتح آل عمران، فقرأها مترسلا اذا مر بآية فيها تسبيح سبح، و إذا مر بسؤال سأل، و اذا مر بتعوّذ تعوذ، و اذا مرّ بآية فيها تنزيه للّه عز و جلّ سبح (4).يح


1) سنن البيهقي كتاب الصلاة باب الوقوف 2/ 310، و مسند احمد 6/ 92 و 119، و الدر المنثور للسيوطي 1/ 18.

2) سنن البيهقي كتاب الصلاة باب الوقوف 2/ 310، و الدر المنثور للسيوطي 1/ 18.

3) مسلم 1/ 553 كتاب المسافرين باب فضل قراءة القرآن و سورة البقرة، و مسند احمد 4/ 183، و الدر المنثور للسيوطي 1/ 18. و لا يستطيعها البطلة: أي لا يقدر على تحصيلها السحرة.

4) سنن البيهقي كتاب الصلاة باب الوقوف عند آية الرحمة و آية العذاب و آية التسبيح

و في صحيح مسلم و سنن الترمذي و مسند أحمد بسندهم عن نواس بن سمعان قال: سمعت رسول اللّه (ص) يقول: يؤتى بالقرآن و أهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمهم سورة البقرة و آل عمران قال: و ضرب لهما رسول اللّه (ص) ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما ظلتان سوداوان بينهما شرف أو كأنهما فرقان من طير صوافّ يحاجان عن صاحبهما (1).

و في صحيح مسلم و مسند أحمد و سنن الدارمي و مستدرك الحاكم و صححه الذهبي عن بريدة قال: قال رسول اللّه (ص): تعلموا سورة البقرة فان أخذها بركة و تركها حسرة، و لا تستطيعها البطلة ثم سكت ساعة، ثم قال: تعلموا سورة البقرة، و آل عمران فانهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صوافّ تحاجّان عن صاحبهما اقرءوا سورة البقرة فان أخذها بركة و تركها حسرة، و لا تستطيعها البطلة (2).

و في صحيح مسلم و سنن الترمذي و مسند أحمد و مستدرك الحاكم و اللفظ للأوّل عن أبي هريرة أن رسول اللّه (ص) قال: لا تجعلوا بيوتكم مقابر. إنّ8.


1) مسلم كتاب المسافرين باب فضل قراءة القرآن و سورة البقرة 1/ 554، و مسند احمد 4/ 183، و الترمذي 11/ 14 باب فضائل القرآن، و الدر المنثور للسيوطي 1/ 18.

2) سنن الدارمي كتاب فضائل القرآن باب في فصل سورة البقرة و آل عمران 2/ 446 و 450، و صحيح مسلم كتاب المسافرين باب فضل قراءة القرآن و سورة البقرة 1/ 553، و مسند احمد 5/ 249 و 251 و 255 و 257 و 348 و 352 و 361، و مستدرك الحاكم 2/ 287 كتاب التفسير، و الدر المنثور للسيوطي 1/ 18.

الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة و لفظ الترمذي: و إن البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان و في لفظ الحاكم عن عبد اللّه عن الرسول (ص) اقرءوا سورة البقرة في بيوتكم فان الشيطان لا يدخل بيتا تقرأ فيه سورة البقرة (1).

إضافة إلى ما قاله الرسول (ص) لأصحابه في فضائل استظهار سورة البقرة جعل لمن حفظها عن ظهر قلب ميزة على غيره و مرّ بنا آنفا ان أبا هريرة قال:

بعث رسول اللّه (ص) بعثا و هم ذو و عدد، فاستقر أهم فاستقرأ كل رجل منهم يعني ما معه من القرآن فأتى على رجل منهم من أحدثهم سنّا فقال: ما معك يا فلان؟ قال: معي كذا و كذا و سورة البقرة. قال: أ معك سورة البقرة؟ قال: نعم.

قال: اذهب فأنت أميرهم. فقال رجل من أشرافهم: و اللّه ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلّا خشية أن لا أقوم بها فقال رسول اللّه (ص) تعلموا القرآن و اقرءوه فان مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه و قام به كمثل جراب محشوّ مسكا يفوح ريحه في كل مكان و مثل من تعلمه فيرقد و هو في جوفه كمثل جراب أوكئ على مسك (2).

و في غزوة حنين قال ابن كثير:

كان رسول اللّه (ص) لما غشيه القوم قام في الركابين ... و نادى أصحابه فقال ... يا بني الخزرج يا أصحاب سورة البقرة و أمر من أصحابه من ينادي بذلك (3).7.


1) المستدرك كتاب التفسير 2/ 260، و صحيح مسلم باب استحباب صلاة النافلة من بيته و جوازها في المسجد 1/ 539، و الترمذي باب فضائل القرآن 11/ 10، و مسند احمد 2/ 284 و 337 و 378 و 388، و الدر المنثور للسيوطي 1/ 19.

2) مرّ ذكر مصادره في الصفحة رقم 167 الهامش رقم 3.

3) تاريخ ابن كثير ط. بيروت سنة 1408 ه 6/ 357.

و في عيون الأثر عن العباس بن عبد المطلب ما موجزه: إني لمع رسول اللّه (ص) آخذ بحكمة بغلته و قد شجرتها بها. قال و كنت امرأ جسيما شديد الصوت فقال: يا عباس! اصرخ يا معشر الأنصار ... (1).

و في كنز العمال:

فنادى العباس: اين المهاجرون اين أصحاب سورة البقرة بصوت عال (2).

هكذا جعل رسول اللّه (ص) لحفظ سورة البقرة عن ظهر قلب شأنا عظيما، فاهتم المسلمون بذلك.

و في مسند أحمد بسنده عن أنس بن مالك قال:

كان الرجل اذا قرأ البقرة و آل عمران جدّ فينا، يعني عظم.

و في رواية يعد فينا عظيما (3).

و جاء في فضل السبع الأول من القرآن الكريم في كنز العمال 1/ 572 الحديث 2584:

(من أخذ السبع الأول من القرآن فهو خير).

و على أثر ذلك تسابق الصحابة في استظهار سورة البقرة.

فقد روى القرطبي في تفسير سورة البقرة بسنده و قال:

تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا و في رواية بعدها شكر اللّه و ان عبد اللّه بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها (4).

و في موطأ مالك:5.


1) عيون الاثر لابن سيد الناس ط. بيروت سنة 1974 م 2/ 191.

2) كنز العمال ط. بيروت سنة 1409 ه 10/ 545 رقم الحديث 30219.

3) مسند احمد 3/ 120.

4) تفسير القرطبي 1/ 40، و سيرة عمر لابن الجوزي ص 165.

عن ابن عمر قال: تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة فلما ختمها نحر جزورا.

و ذكر مالك في الموطأ انه بلغه ان عبد اللّه بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها (1).

و في تفسير السيوطي:

أخرج عبد الرزاق و ابن أبي شيبة معا في المصنف عن عروة قال كان شعار أصحاب النبي (ص) يوم مسيلمة يا أصحاب سورة البقرة (2).

و ذكر الرسول (ص) أهمية سورة هود و أخواتها و قال كما في كنز العمال (1/ 573):

أ- الحديث 2586- شيبتني هود و أخواتها.

ب- الحديث 2587- شيبتني هود و أخواتها الواقعة و الحاقة و إذا الشمس كورت.

ج- الحديث 2588- شيبتني هود و الواقعة و المرسلات و عمّ يتساءلون و إذا الشمس كورت.

د- الحديث 2589- شيبتني هود و أخواتها قبل المشيب.

ه- الحديث 2590- شيبتني سورة هود و أخواتها الواقعة و الحاقة و إذا الشمس كورت و سأل سائل.

و- الحديث 2591- شيبتني هود و أخواتها و ما فعل الأمم قبلي.

و ذكر (ص) أهمية سور أخرى و قال (ص):

عن واثلة بن الاسقع أن النبي (ص) قال: أعطيت مكان التوراة السبع و أعطيت مكان الزبور المئين و أعطيت مكان الإنجيل المثاني و فضلتة.


1) موطأ مالك 1/ 205 كتاب القرآن باب ما جاء في القرآن الحديث 11.

2) تفسير السيوطي 1/ 21، و في تاريخ ابن كثير 6/ 357 في ذكر خبر قتال مسيلمة.

بالمفصل (1).

و أخرج الدارمي: قال عبد اللّه السبع الطوال مثل التوراة و المئين مثل الانجيل و المثاني مثل الزبور و سائر القرآن بعد فضل (2).

و قال السيوطي في خاتمة النوع الثامن عشر لجمع القرآن و ترتيبه ما موجزه:

السبع الطوال أو لها البقرة و آخرها براءة كذا قال جماعة. و عن ابن عباس قال السبع الطوال البقرة و آل عمران و النساء و المائدة و الأنعام و الأعراف و السابع الكهف (و المئون) ما وليها سميت بذلك لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها (و المثاني) ما ولي المئين (و المفصل) ما ولي المثاني من قصار السور و آخره سورة الناس بلا نزاع (3).

*** كان ذلكم بعض أخبار كيفية إقراء الرسول (ص) القرآن لأصحابه و حثه إياهم على حفظه عن ظهر قلب و أخبار اهتمامه ببعض السور و في ما يأتي نبين بعض أخبار من قرأ القرآن على النبي (ص) و جمعه و كتبه على عهده.

من قرأ القرآن على النبي و من جمعه على عهده و من كتبه من الصحابة:

أقرأ الرسول جميع الصحابة ما تيسر له من القرآن أداء لواجبه التبليغي و قرأ عليه جميع الصحابة ما تيسر لهم من القرآن أداء لواجبهم الإسلامي أمّا من جمع منهم القرآن على عهده (ص) و كتب فلا يمكن إحصاؤهم و ما جاء في بعض الروايات من جمع القرآن على عهد الرسول (ص) أو كتب ليس من باب


1) مسند أحمد 4/ 107 و كنز العمال 1/ 573.

2) سنن الدارمي 2/ 453.

3) الاتقان للسيوطي 1/ 65.

الحصر و الاحصاء و إنّما ذكرت أسماؤهم لمناسبة في المقام و ما جاء عن الصحابي أنس بن مالك في حصر من جمع القرآن على عهد الرسول (ص) ببعض الأنصار مردود كما نبينه في ما يأتي باذنه تعالى:

قول الصحابي أنس في من جمع القرآن على عهد النبي (ص)

في صحيح البخاري عن أنس أنّه قال:

مات النبي (ص) و لم يجمع القرآن غير أربعة أبو الدرداء و معاذ بن جبل و زيد بن ثابت و أبو زيد قال و نحن ورثناه (1)

و قوله: و نحن ورثناه: أي أبا زيد.

.

و في رواية أخرى:

عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي (ص) قال أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب و معاذ بن جبل و زيد ابن ثابت و أبو زيد (2).

و في رواية:

قال قتادة: قلت: من أبو زيد قال: أحد عمومتي (3).


1) صحيح البخاري 3/ 152؛ و البرهان للزركشي 1/ 241؛ و الاتقان 1/ 72؛ و تذكرة الحفاظ 1/ 25.

2) صحيح البخاري 3/ 152 كتاب فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي (ص) و فيه رواية أخرى عن ثمامة عن أنس. طبقات ابن سعد 2/ ق 2/ 113؛ و تفسير القرطبي 1/ 56- 57؛ و البرهان للزركشي 1/ 241؛ و الاتقان 1/ 72؛ و عمدة القاري 20/ 26؛ و تذكرة الحفاظ 1/ 31؛ و سير أعلام النبلاء 2/ 431.

3) كنز العمال 2/ 390.

دراسة الحديث:

نرى انه اعتمد أحاديث الصحابي أنس من قال: بحصر جمع القرآن على الأنصار مثل الشعبي (1)و محمد بن كعب القرظي (37) و ابن كثير (2)و غيرهم (3).

و قد أنكر العلماء على أنس هذا القول و حاول بعضهم توجيهه مثل:

السندي في حاشيته على الرواية الأولى في صحيح البخاري حيث قال:

(أي لم يجمعه غيرهم في علمي، أو من الأوس، و إلّا فقد كان ممن يجمعه إذ ذاك كثير من الصحابة، كما هو معلوم) (4).

و قال القرطبي في تفسيره:

قال ابن الطّيب (رض): لا تدل هذه الآثار على أن القرآن لم يحفظه في حياة النبي (ص) و لم يجمعه غير أربعة من الأنصار كما قال أنس بن مالك، فقد ثبت بالطرق المتواترة أنه جمع القرآن عثمان و عليّ و تميم الداريّ و عبادة بن الصامت و عبد اللّه بن عمرو بن العاص. فقول أنس: لم يجمع القرآن غير أربعة، يحتمل أنه لم يجمع القرآن و أخذه تلقينا من في رسول اللّه (ص) غير تلك الجماعة؛ فإن أكثرهم أخذ بعضه عنه و بعضه عن غيره، و قد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي (ص) لأجل سبقهم إلى الإسلام، و إعظام الرسول (ص) لهم (5).

و في البرهان للزركشي:


1) كنز العمال 2/ 374، الحديث 1915 و 1916.

2) راجع ترجمة أبي بن كعب و معاذ بن جبل في تاريخ ابن كثير 7/ 97 و 95.

3) راجع ترجمة قيس بن السكن في الاصابة.

4) حاشية السندي على صحيح البخاري ط. دار الكتب المصرية سنة 1327 ه 3/ 152، و طبعة الأفست لبنان، دار المعرفة، سنة 1398 ه، 3/ 228.

5) تفسير القرطبي 1/ 57.

و قال الماوردي: و كيف يمكن الإحاطة بأنه لم يكمله سوى أربعة، و الصحابة متفرقون في البلاد! و إن لم يكمله سوى أربعة فقد حفظ جميع أجزائه مئون لا يحصون.

قال الشيخ: و قد سمى الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام القرّاء من الصحابة في أول كتاب القراءات له، فسمى عددا كثيرا (1).

و في عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري:

إنّ قصارى الأمر أن أنسا قال جمع القرآن على عهده (ص) أربعة قد يكون المراد إني لا أعلم سوى هؤلاء و لا يلزمه أن يعلم كل الحافظين لكتاب اللّه تعالى (2).

و روى في الاتقان عن البخاري:

و فيه- في الحديث الأول- المخالفة لحديث قتادة من وجهين أحدهما التصريح بصيغة الحصر في الأربعة و الآخر ذكر أبي الدرداء بدل أبي بن كعب و قد استنكر جماعة من الأئمة الحصر في الأربعة و قال المازري لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك لأن التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه و إلّا فكيف الاحاطة بذلك مع كثرة الصحابة و تفرقهم في البلاد و هذا لا يتم إلّا إن كان لقى كل واحد منهم على انفراده و أخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع في عهد النبي (ص) و هذا في غاية البعد في العادة و إذا كان المرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك قال و قد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة و لا متمسك لهم فيه.

و قال القرطبي قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء و قتل في عهد النبي (ص) ببئر معونة مثل هذا العدد و إنما خص أنس الأربعة بالذكر لشدة8.


1) البرهان للزركشي 1/ 242.

2) عمدة القاري 20/ 27- 28.

تعلقه بهم دون غيرهم أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم (1).

و يرد على قول أنس بالاضافة إلى ما ذكروا:

إنّ المهاجرين سبقوا الأنصار إلى الإسلام عشر سنوات و أكثر من ذلك أو أقلّ، فكيف لم يكن فيهم مهاجريّ واحد قد جمع القرآن، و قد كان الصحابة الآتية أسماؤهم ممّن جمع القرآن على عهد النبي (ص):

أ- علي بن أبي طالب (2).

ب- سعد بن عبيد بن النعمان بن زيد.

ج- أبو الدرداء عويمر بن زيد.

د- أبو زيد ثابت بن زيد بن النعمان.

ه- عبيد بن معاوية بن زيد بن الضحاك.

و- أمّ ورقة بنت عبد اللّه.

*** ينقسم الذين جمعوا القرآن على عهد الرسول إلى صنفين منهم من اشتهروا بذلك و هم من مشاهير الصحابة و في مقدمتهم الإمام علي و في ما يأتي نورد مثالا بخبر واحد من أخبار من اشتهر بالقراءة و الإقراء من المهاجرين.

جاء في كنز العمال:

عن زر بن حبيش قال: قرأت القرآن من أوله إلى آخره على علي بن أبي طالب، فلما بلغت الحواميم قال: لقد بلغت عرائس القرآن، فلما بلغت رأس ثنتين و عشرين آية من حمعسق وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِع.


1) الاتقان للسيوطي 1/ 72- 73.

2) جاء تفصيل أخذ الامام علي القرآن و تفسير القرآن من الرسول في الجزء الثاني من معالم المدرستين في بحث أسناد حديثهم إلى جدهم الرسول (ص) من الفصل الرابع.

الْجَنَّاتِ الآية بكى حتى ارتفع نحيبه، ثم رفع رأسه إلى السماء و قال: يا زرّ أمّن على دعائي، ثم قال: اللّهم إنّي أسألك إخبات المخبتين، و اخلاص الموقنين، و مرافقة الأبرار ...

و قال في آخر الدعاء:

يا زرّ إذا ختمت فادع بهذه فإنّ حبيبي رسول اللّه (ص) أمرني أن أدعو بهنّ عند ختم القرآن.

و زرّ بن حبيش أبو مريم أبو مطرف الكوفي مخضرم أدرك الجاهلية. روى عن عمر و عثمان و علي و أبي ذر.

قال ابن سعد و ابن معين: كان ثقة كثير الحديث و كان عالما بالقرآن توفي سنة 83 و عمره 127 (1)

و زرّ: بكسر الزاي و تشديد الراء.

.

و هذا الحديث يدل على انّ الإمام عليا كان قد جمع القرآن كلّه على عهد الرسول (ص) أمّا عن ظهر قلب أو مكتوبا في نسخة و لما علمنا في ما ذكرناه في المجلد الثاني من معالم المدرستين و ما سيأتي ذكره في المجلد الثاني من هذا الكتاب ان الرسول (ص) و الإمام علي كانا يجتمعان يوميا و يملي الرسول (ص) عليه ما أوحي إليه خلال تغيب أحدهما عن الآخر فلا بدّ أن يكون الإمام علي قد أخذ القرآن من الرسول (ص) و على أي حال فان الحديث يدل على ان الإمام عليا كان يختم القرآن على عهد الرسول (ص)، و ممّن أقرأ القرآن غيره.

و يضاف إلى المشهورين من القرّاء في الصحابة القرّاء السبعون من أصحاب الرسول (ص) الآتي خبرهم:ء.


1) كنز العمال 2/ 351، رقم الحديث 4221؛ و ذكر سنة وفاته بترجمته من الاصابة 2/ 560؛ و تهذيب التهذيب 3/ 321؛ و حلية الأولياء لأبي نعيم 4/ 181.

خبر القرّاء السبعين من أصحاب رسول اللّه الّذين استشهدوا

قال ابن سعد:

في صفر على رأس ستة و ثلاثين شهرا من الهجرة قدم عامر بن مالك أبو براء ملاعب الأسنة الكلابي على رسول اللّه (ص)، فأهدى له فلم يقبل منه و عرض عليه الإسلام فلم يسلم و لم يبعد و قال: لو بعثت معي نفرا من أصحابك إلى قومي لرجوت أن يجيبوا دعوتك و يتبعوا أمرك، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد. فقال: أنا لهم جار إن يعرض لهم أحد. فبعث معه رسول اللّه (ص) سبعين رجلا من الأنصار شببة يسمّون القرّاء و أمّر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي، فلمّا نزلوا ببئر معونة، و هو ماء من مياه بني سليم و هو بين أرض بني عامر و أرض بني سليم، كلا البلدين يعدّ منه و هو بناحية المعدن، نزلوا عليها و عسكروا بها و سرحوا ظهرهم و قدّموا حرام بن ملحان بكتاب رسول اللّه (ص)، إلى عامر ابن الطفيل فوثب على حرام فقتله و استصرخ عليهم بني عامر فأبوا و قالوا:

لا يخفر جوار أبي براء، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم عصيّة و رعلا و ذكوان فنفروا معه و رأسوه. و استبطأ المسلمون حراما فأقبلوا في أثره فلقيهم القوم فأحاطوا بهم فكاثروهم فتقاتلوا فقتل أصحاب رسول اللّه (ص)، و فيهم سليم ابن ملحان و الحكم بن كيسان في سبعين رجلا، فلمّا أحيط بهم قالوا: اللهمّ إنّا لا نجد من يبلغ رسولك منّا السلام غيرك فأقرئه منّا السلام. فأخبره جبرائيل (ع) بذلك فقال: و عليهم السلام؛ و بقي المنذر بن عمرو فقالوا: إن شئت آمناك، فأبى و أتى مصرع حرام فقاتلهم حتى قتل؛ و كان معهم عمرو بن أميّة الضمري فقتلوا جميعا غيره، فقال عامر بن الطّفيل: قد كان على أميّ نسمة فأنت حرّ عنها، و جزّ ناصيته. و فقد عمرو بن أميّة عامر ابن فهيرة من بين القتلى فسأل عنه عامر بن الطّفيل فقال: قتله رجل من بني كلاب يقال له

جبّار بن سلمى، لمّا طعنه قال: فزت و اللّه! (1).

و في صحيح البخاري:

قال أنس: كنّا نسميهم القراء يحطبون بالنهار و يصلون بالليل (2).

و جاء أكثر تفصيلا في طبقات ابن سعد حيث قال:

جاء ناس إلى النبيّ (ص) فقالوا: ابعث معنا رجالا يعلّمونا القرآن و السنّة. فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القرّاء فيهم خالي حرام، كانوا يقرءون القرآن و يتدارسون بالليل و يتعلّمون، و كانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه بالمسجد و يحتطبون فيبيعونه و يشترون به الطعام لأهل الصفة و الفقراء فبعثهم النبيّ (ص) إليهم فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان ... الحديث (3).

و من القرّاء من لم يشتهر في عداد قراء الصحابة مثل:

أ- عبد اللّه بن عمرو بن العاص.

جاء في كنز العمال: عن عبد اللّه بن عمرو قال: جمعت القرآن، فقرأت به في ليلة، فقال رسول اللّه (ص): اقرأه في شهر، قلت يا رسول اللّه دعني أستمتع من قوتي و شبابي، قال: اقرأه في عشرين، قلت يا رسول اللّه دعني أستمتع من قوتي و شبابي، قال: اقرأه في عشر، قلت يا رسول اللّه دعني أستمتع من قوتي و شبابي، قال: اقرأه في سبع ليال، قلت يا رسول اللّه دعني أستمتع من قوتي و شبابي فأبى (4).

ب و ج- ابن أم عبد- عبد اللّه بن مسعود و سالم مولى أبي حذيفة1.


1) طبقات ابن سعد 2/ 51- 52.

2) صحيح البخاري 2/ 121، كتاب الجهاد و السير، باب العون بالمدد.

3) طبقات ابن سعد 2/ 3.

4) كنز العمال 2/ 351، رقم الحديث 4221.

روي عن عبد اللّه بن عمرو قال: سمعت رسول اللّه (ص) يقول خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد و بدأ به و من أبي بن كعب و من سالم مولى أبي حذيفة و من معاذ بن جبل (1).

و هذا الحديث يدلّ على انّ هؤلاء الأربعة أما أن يكون كل واحد منهم قد جمع القرآن عن ظهر قلب و لاطمئنان الرسول (ص) بذلك يهدي المسلمين أن يأخذوا القرآن منهم أو أن يكون لدى كل واحد منهم نسخة كاملة من القرآن الكريم و دلالة الحديث على الأمر الثاني أقوى و أهمّ.

د- ه- و- ز- ح- ط: أبيّ بن كعب و زيد بن ثابت و عثمان بن عفّان و تميم الداريّ و معاذ بن جبل و أبو الدرداء لما جاء في طبقات ابن سعد (2)، باب ذكر من جمع القرآن على عهد رسول اللّه (ص):

أولا- عن محمد بن سيرين قال: جمع القرآن على عهد النبي (ص)، أبيّ ابن كعب و زيد بن ثابت و عثمان بن عفّان و تميم الداريّ (3).

ثانيا- عن عامر الشعبي قال: جمع القرآن على عهد رسول اللّه (ص)، ستّة رهط من الأنصار: معاذ بن جبل و أبي بن كعب و زيد بن ثابت و أبو الدرداء و أبو زيد و سعد بن عبيد، قال: قد كان بقي على المجمّع بن جارية سورة أو سورتان حين قبض النبيّ (4).ثة


1) راجع ترجمته في الاستيعاب 1/ 360 و 2/ 562، و أسد الغابة 2/ 307؛ و الاتقان للسيوطي 1/ 72.

2) طبقات ابن سعد 2/ 355.

3) محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة، البصري، ثقة، ثبت عابد، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة- الطبقة الوسطى من التابعين، مات سنة عشر و مائة (تقريب التهذيب 2/ 169).

4) عامر بن شراحيل الشعبي: أبو عمرو، ثقة، مشهور، فقيه فاضل، من الثالثة

و جاء فيه- أيضا- عن الشعبي:

قال: جمع القرآن على عهد رسول اللّه (ص)، ستّة نفر: أبيّ بن كعب و معاذ بن جبل و أبو الدرداء و زيد بن ثابت و سعد و أبو زيد. قال: و كان مجمّع ابن جارية قد جمع القرآن إلّا سورتين أو ثلاثا، و كان ابن مسعود قد أخذ بضعا و تسعين سورة و تعلّم بقيّة القرآن من مجمّع.

ي- ثابت بن زيد بن قيس بن زيد الخزرجي الحارثي و يكنى أبا زيد أخبرنا أبو زيد الأنصاري البصري النحوي و اسمه سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن أبي زيد قال: و ثابت بن زيد بن قيس هو جدّي، و قد شهد أحدا و هو أحد الستّة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول اللّه (ص) و كان قد نزل البصرة و اختطّ بها، ثمّ قدم المدينة فمات بها في خلافة عمر بن الخطاب فوقف عمر على قبره فقال: رحمك اللّه أبا زيد، لقد دفن اليوم أعظم أهل الأرض أمانة (1).

و موجز الخبر بترجمته في الاصابة 1/ 220 و في أسد الغابة 1/ 269:

و هذا غير أبو زيد الذي جاء اسمه في رواية أنس و الذي جمع القرآن على عهد النبي (ص) اختلفوا في اسمه و قد رجعنا في ترجمته إلى الاصابة حيث قال:

(أبو زيد) الذي جمع القرآن- وقع في حديث أنس في صحيح البخاري غير مسمى و قال أنس هو أحد عمومتي و اختلفوا في اسمه فقيل أوس و قيل ثابت بن زيد و قيل معاذ و قيل سعد بن عبيد و قيل قيس بن السكن و هذا هو الراجح كما بينته في حرف القاف.

و قال في حرف القاف ما موجزه.7.


1) طبقات ابن سعد 7/ 27.

(قيس) بن السكن بن زعوراء و قيل بن السكن و زعوراء قيس آخر الأنصاري- ذكره موسى بن عقبة فيمن شهد بدرا.

و في صحيح البخاري عن أنس في تسمية من جمع القرآن أبو زيد قال أنس هو أحد عمومتي و قد أخرجه أبو نعيم في المستخرج عن البخاري و ابن حبان و ابن السكن و ابن منده من الوجه الذي أخرجه منه البخاري و زادوا أن اسمه قيس بن السكن و كان من بني عدي بن النجار و مات و لم يدع عقبا قال أنس فورثناه.

و انما قلنا ان أبا زيد الثاني غير أبى زيد الأول لأنّ الأول كان له عقب بالبصرة و توفي في خلافة عمر بن الخطاب و أبو زيد الثاني و المستخرج ترجمته من رواية أنس قال عنه استشهد ببدر و نحن ورثناه و هذا الصحابي لم نجد له ذكرا في غير روايات أنس و على ذلك يسوغ لنا أن نعده من الصحابة المختلقين.

تراجم القرّاء من الصحابة

(1)و نبدأ بذكر تراجم من وجدنا أسماءهم ممن استشهد منهم يوم بئر معونة: أ- أميرهم: المنذر بن عمرو الساعدي الخزرجي كان يكتب بالعربية قبل الإسلام و كان أحد النقباء الاثني عشر في بيعة العقبة الثانية أمّره رسول اللّه (ص) على أصحاب بئر معونة فاستشهد كما ذكرناه (طبقات ابن سعد 3/ 555).

ب- أبو شيخ أبي بن ثابت بن المنذر من بني النجار شهد بدرا و أحدا و استشهد يوم بئر معونة (طبقات ابن سعد 3/ 504).

ج و د- أنس و أبي ابني معاذ بن أنس من بني ساعدة القرآن الكريم و روايات المدرستين ج‌1 187 تراجم القراء من الصحابة .....


1) اقتصرنا في إيراد تراجم القراء من الصحابة على إيراد تراجم غير المشهورين من الصحابة و لا حاجة لا يراد تراجم القرّاء المشهورين مثل الخلفاء.

من الأنصار، شهد أنس بدرا و أحدا و شهد معه أحدا أخوه أبي و شهدا- أيضا- بئر معونة و استشهدا في المعركة (طبقات ابن سعد 3/ 502).

ه- أبو سعد الحارث بن الصمّة من بني النجار كان ممن خرج مع رسول اللّه (ص) إلى بدر فكسر بالروحاء فردّه الرسول (ص) و ضرب له بسهمه و أجره، شهد أحدا و استشهد في بئر معونة (الاستيعاب بهامش الاصابة 2/ 298؛ و أسد الغابة 1/ 333- 334؛ و الاصابة 2/ 280؛ و طبقات ابن سعد 3/ 508- 509).

و و ز- سليم و حرام ابني ملحان الخزرجي من بني النجار خالا أنس بن مالك، استشهدا في المعركة، جاء رجل خلف حرام فطعنه برمح فقال حرام فزت و ربّ الكعبة (طبقات ابن سعد 3/ 514- 515؛ و أسد الغابة 1/ 295 و 2/ 350).

ح- عروة بن أسماء بن الصلت السلمي حليف لبني عمرو بن عوف من الأنصار، حرص المشركون بعروة أن يؤمنوه فأبى و قال: لا أقبل لكم أمانا و لا أرغب بنفسي عن مصرع أصحابي و قاتل حتى استشهد (طبقات ابن سعد 4/ 377- 378).

ط و ي- مالك و سفيان ابنا ثابت قال ابن سعد: و هما من النبيت من الأنصار ذكرهما محمد بن عمر في كتابه في من استشهد يوم بئر معونة ... و قال ابن حجر مالك بن ثابت الأنصاري الأوسي من بني النبيت و قال الواقدي: قتل يوم بئر معونة (طبقات ابن سعد 4/ 371؛ و الاصابة 3/ 321).

ك- مسعود بن سعد بن قيس من بني زريق شهد بدرا و أحدا و يوم بئر معونة و قتل يومئذ شهيدا (طبقات ابن سعد 3/ 596).

ل- معاذ بن ماعض الأنصاري الزرقي

الثبت انه شهد بدرا و أحدا و بئر معونة و قتل يومئذ شهيدا (طبقات ابن سعد 3/ 596؛ و راجع الاصابة 3/ 409).

م- المنذر بن محمد بن عقبة الخزرجي قتل يوم بدر شهيدا و لا عقب له (طبقات ابن سعد 3/ 473؛ و راجع ترجمته في الاصابة).

و من حلفاء الأنصار كان:

ن- عامر بن فهيرة مولى الخليفة أبي بكر أسلم بمكة قبل أن يدخل رسول اللّه (ص) دار الأرقم و يدعو فيها و كان من المستضعفين بمكة و عذب ليترك دينه فلما هاجر إلى المدينة آخى الرسول (ص) بينه و بين الحارث بن أوس. قتل في بئر معونة و لم يوجد جسده حين دفن و كانوا يرون إن الملائكة هي التي دفنته (طبقات ابن سعد 3/ 230- 231؛ و راجع ترجمته في الاصابة).

و كان من ضمنهم من غير الأنصار:

س- الحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة والد أبي جهل و أسر في غير قريش التي أصابها عبد اللّه بن جحش بنخلة في أول سرية بعثها رسول اللّه (ص) أسره المقداد بن عمرو و أراد أمير السرية أن يضرب عنقه، فقال له المقداد دعه نقدم به على رسول اللّه (ص) فلما قدموا عليه جعل رسول اللّه (ص) يدعوه إلى الإسلام، فأطال، فقال عمر: علام تكلّم هذا يا رسول اللّه؟ و اللّه لا يسلم هذا آخر الأبد، دعني أضرب عنقه و يقدم إلى أمّه الهاوية. فجعل النبي (ص) لا يقبل على عمر حتى أسلم الحكم فقال عمر: فما هو إلّا أن رأيته قد أسلم حتى أخذني ما تقدم و ما تأخر و قلت:

كيف أردّ على النبيّ (ص)، أمرا هو أعلم به مني ثمّ أقول إنّما أردت بذلك النصيحة للّه و لرسوله؟ فقال عمر: فأسلم و اللّه فحسن إسلامه و جاهد في اللّه

حتى قتل شهيدا ببئر معونة، و رسول اللّه (ص) راض عنه و دخل الجنان (طبقات ابن سعد 4/ 137؛ و الاصابة 1/ 349).

ع- نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي شهد بئر معونة و استشهد فقال ابن رواحة ينعى نافعا:

رحم اللّه نافع بن بديل‌رحمة المبتغين ثواب الجهاد (طبقات ابن سعد 4/ 294؛ و الاصابة 3/ 514).

ف- عبد اللّه بن قيس بن صرمة بن أبي أنس استشهد يوم بئر معونة (الاستيعاب 1/ 380).

و نجى منهم:

ص- عمرو بن أميّة بن خويلد من بني عبد مناة بن كنانة أسرته بنو عامر و قال له عامر بن الطفيل- رئيس المشركين- انه كان على أميّ نسمة فأنت حرّ عنها و حزّ ناصيته فقدم المدينة و أخبر رسول اللّه (ص) بقتل من قتل فسرّ رسول اللّه (ص) بقدومه و دعا له بخير (طبقات ابن سعد 4/ 248- 249؛ و اختصر ترجمته في الاصابة).

*** كان ذلكم ما وجدنا من تراجم السبعين من القراء في يوم بئر معونة و في ما يأتي تراجم غيرهم من قراء الصحابة:

1- أبو الطفيل و أبو المنذر أبي بن كعب بن قيس الخزرجي من بني النجار شهد بيعة العقبة و بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللّه (ص).

و بترجمته في طبقات ابن سعد (2/ 498- 502) و تاريخ ابن عساكر و تهذيبه و مختصره (4/ 197- 204) ما موجزه:

كان أبي بن كعب يكتب في الجاهلية قبل الإسلام و كتب الوحي لرسول اللّه (ص) و قرأ القرآن عليه و قال للخليفة عمر: إني تلقيت القرآن ممّن تلقا

من جبرائيل و هو رطب.

و في طبقات ابن سعد عن أبيّ أنّه كان يختم القرآن في ثماني ليالي و كان تميم الداري يختمه في سبع.

و في تاريخ ابن عساكر خطب عمر فقال:

من كان يريد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيّ بن كعب، و من كان يريد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، و من كان يريد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، و من كان يريد أن يسأل عن المال فليأتني، فإنّ اللّه جعلني له خازنا و قاسما ... الحديث.

و رويا بسندهما عن جندب بن عبد اللّه البجلي ما موجزه:

قال: أتيت المدينة ابتغاء العلم، و إذا النّاس في مسجد رسول اللّه (ص) حلق حلق يتحدثون؛ قال: فجعلت أمضي الحلق حتى أتيت حلقة فيها رجل شاحب، عليه ثوبان كأنّما قدم من سفر، فسمعته يقول: هلك أصحاب العقدة و ربّ الكعبة، و لا آسى عليهم، قالها ثلاث مرّات؛ قال: فجلست إليه فتحدث بما قضي له، ثم قام، فلما قام سألت عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبيّ بن كعب سيّد المسلمين؛ فتبعته حتى أتى منزله، فإذا هو رثّ المنزل، و رثّ الكسوة يشبه بعضه بعضا، فسلمت عليه، فردّ عليّ السّلام، ثم سألني: من أنت؟ قلت: من أهل العراق؛ قال: أكثر شي‌ء سؤالا! قال: فلما قال ذاك غضبت فجثوت على ركبتيّ، و استقبلت القبلة، و رفعت يدي، فقلت: اللّهم إنّا نشكوهم إليك، إنّا ننفق نفقاتنا، و ننصب أبداننا، و نرحل مطايانا ابتغاء العلم، فإذا لقيناهم تجهّمونا و قالوا لنا؛ قال: فبكى أبيّ، و جعل يترضاني، و قال: ويحك، لم أذهب هناك؛ ثم قال: إنّي أعاهدك لئن أبقيتني إلى يوم الجمعة لأتكلمن بما سمعت من رسول اللّه (ص) و لا أخاف فيه لومة لائم؛ ثم أراه قام، فلمّا قال ذلك انصرفت عنه و جعلت انتظر الجمعة لأسمع كلامه؛ قال: فلمّا كان يوم الخميس خرجت لبعض حاجاتي فإذا السكك غاصّة من الناس لا آخذ في سكّة إلّا تلقاني الناس. فقلت

ما شأن الناس قالوا: نحسبك غريبا قلت: أجل قالوا: مات سيد المسلمين أبي بن كعب.

قال: فلقيت أبا موسى بالعراق فحدثته بالحديث، فقال: وا لهفاه! أ لا كان بقي حتى يبلّغنا مقالة رسول اللّه (ص) انتهى.

لست أدري: هل اغتيل أبيّ بن كعب من قبل أهل العقدة كي لا يفشي سرّهم؟! اختلفوا في سنة وفاته فقالوا كان في سنة 19 و 20 و 22 و 23 راجع ترجمته في طبقات ابن سعد و الاستيعاب و أسد الغابة و الاصابة.

2- أمّ ورقة بنت عبد اللّه نسبت إلى جدّها الأعلى نوفل الأنصاري، قالوا في ترجمتها بأسد الغابة:

ان رسول اللّه (ص) لما غزا بدرا قالت له ائذن لي فأخرج معك فامرض مرضاكم لعل اللّه يرزقني الشهادة قال قري في بيتك فان اللّه يرزقك الشهادة قال فكانت تسمى الشهيدة قال و كانت قد قرأت القرآن فاستأذنت النبي (ص) في أن تتخذ في دارها مؤذنا فأذن لها قال و كانت قد دبرت غلاما لها و جارية فقاما إليها بالليل فغمياها بقطيفة لها حتى ماتت و ذهبا فأصبح عمر فقام في الناس فقال من عنده من هذين علم أو من رآهما فليجئ بهما فأمر بهما فصلبا فكانا أوّل مصلوب بالمدينة فقال عمر: صدق رسول اللّه (ص) حين كان يقول انطلقوا بنا نزور الشهيدة.

3- تميم بن أوس الداري كان راهب أهل فلسطين ثم سكن المدينة على عهد النبي و أسلم سنة تسع من الهجرة و قصّ على عهد الخليفتين عمر و عثمان في مسجد الرسول (ص) و في ترجمته بتاريخ ابن عساكر و تهذيبه و مختصره (5/ 319): انه كان ممن جمع القرآن على عهد رسول اللّه (ص) و كان يختم القرآن في سبع ليال و انّ رجلا أتى تميم الداري فتحدث إليه حتى استأنس إليه فقال

له:

كم جزءا تقرأ القرآن في ليلة؟ فغضب و قال: لعلك من الذين يقرأ أحدهم القرآن في ليلة ثم يصبح فيقول: قد قرأت القرآن في هذه الليلة؟ فو الذي نفس تميم بيده لأن أصلي ثلاث ركعات نافلة أحب إليّ من أن أقرأ القرآن في ليلة ثم أصبح فأقول: قرأت القرآن الليلة. قال: فلما أغضبني قلت: و اللّه إنكم معاشر صحابة رسول اللّه (ص)- من بقي منكم- لجديرون أن تسكتوا فلا تعلّموا و أن تعنّفوا من سألكم! فلما رآني قد غضبت لان و قال: أ لا أحدثك يا ابن أخي؟ قلت:

بلى، و اللّه ما جئتك إلّا لتحدثني؛ قال: أ رأيت إن كنت أنا مؤمنا قويا، و أنت مؤمن ضعيف. فتحمل قولي على ضعفك فلا تستطيع، فتنبت، أو رأيت إن كنت مؤمنا قويا و أنا مؤمن ضعيف أتيتك ببساطي حتى أحمل قوتك على ضعفي فلا أستطيع فأنبت؟ و لكن خذ من نفسك لدينك أو من دينك لنفسك حتى يستقيم بك الأمر على عبادة تطيقها.

4- زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي النّجّاري بترجمته من مختصر تاريخ دمشق لابن منظور و طبقات ابن سعد ما موجزه:

قال زيد: قدم النبي المدينة و أنا ابن احدى عشرة سنة و قرأت عليه سبع عشرة سورة فأعجبه ذلك فقال: يا زيد تعلّم لي كتاب يهود فتعلّمته و كنت أكتب له إذا كتب إليهم و إذا كتبوا إليه أقرأه.

و في مختصر تاريخ دمشق:

قال: و كانت راية بني مالك بن النجار في تبوك مع عمارة بن حزم، فأدركه رسول اللّه (ص) فأخذها منه، فدفعها إلى زيد بن ثابت، فقال عمارة: يا رسول اللّه، بلغك عني شي‌ء؟ قال: لا و لكن القرآن يقدّم، و كان زيد أكثر أخذا منك للقرآن.

و في حديث آخر بمعناه: و القرآن يقدم و إن كان عبدا أسود مجدعا.

و عن أبي سعيد قال:

لما توفي رسول اللّه (ص) قام خطباء الأنصار، فجعل بعضهم يقول:

يا معشر المهاجرين إن رسول اللّه (ص) كان إذا بعث رجلا منكم قرنه برجل منا، فنحن نرى أن يلي هذا الأمر رجلان: رجل منكم، و رجل منا، فقام زيد بن ثابت فقال: إنّ رسول اللّه (ص) كان من المهاجرين، و كنا أنصار رسول اللّه (ص)، و إنما يكون الإمام من المهاجرين، و نحن أنصاره كما كنا أنصار رسول اللّه (ص). فقال أبو بكر: جزاكم اللّه خيرا من حيّ يا معشر الأنصار، و ثبّت قائلكم، و اللّه لو قلتم غير هذا ما صالحناكم.

و فيه و في صحيح البخاري باب جمع القرآن من كتاب فضائل القرآن:

(إنّ زيد بن ثابت (رض) قال: أرسل إلي أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة) (قال زيد: قال أبو بكر: إنّك رجل شاب عاقل لا نتهمك و قد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه (ص) فتتبّع القرآن فاجمعه).

فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه اللّه ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر.

(فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثمّ نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت و ... فنسخوها في المصاحف) (و أرسل إلى كل أفق بمصحف ممّا نسخوا و أمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) (1).

و في مختصر تاريخ ابن عساكر:

كان عمر يستخلف زيد بن ثابت في كل سفر- أو كل سفر يسافره- و كان يفرّق الناس في البلدان، و يوجهه في الأمور المهمة، و يطلب إليه الرجال المسمون، فيقال له: زيد بن ثابت. فيقول: لم يسقط علي مكان زيد، و لكن أهل1.


1) صحيح البخاري 3/ 150- 151.

البلد يحتاجون إلى زيد فيما يجدون عنده فيما يحدث لهم ما لا يجدون عند غيره.

يعني انه يعلم بمكان زيد و لكن أهل المدينة يحتاجونه و لا يجدون ما عنده من العلم عند غيره.

و قال:

استعمل عمر بن الخطاب زيد بن ثابت على القضاء، و فرض له رزقا.

و قال:

إنّ عمر بن الخطاب (رض) كان يستخلف زيد بن ثابت إذا خرج إلى بعض أسفاره، فقلما رجع إلّا أقطع زيدا حديقة من نخل.

و قال:

كان مع عمر بن الخطاب لما قدم الشام و خطب بالجابية عند خروجه لفتح بيت المقدس، و هو الذي تولّى قسمة غنائم اليرموك.

و قال:

ما كان عمر و عثمان يقدمان على زيد بن ثابت أحدا في القضاء، و الفتوى، و الفرائض، و القراءة.

و قال:

لما ردّ عبد اللّه بن الأرقم المفتاح استخزن عثمان زيد بن ثابت (1).

كان بنو عمرو بن عوف قد أجلبوا على عثمان، و كان زيد بن ثابت يذبّ عنه، فقال له قائل منهم: و ما يمنعك!؟ ما أقلّ و اللّه من الخزرج من له من عضدان العجوة ما لك! قال: فقال له زيد بن ثابت: اشتريت بمالي، و قطع لي إمامي عمر بن الخطاب، و قطع لي إمامي عثمان بن عفان.ة.


1) بالاضافة إلى مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر راجع تراجمه في طبقات ابن سعد و الاستيعاب و أسد الغابة و الاصابة.

فقال له ذلك الرجل: أعطاك عمر بن الخطاب عشرين ألف دينار؟ قال:

لا، و لكن عمر كان يستخلفني على المدينة، فو اللّه ما رجع من مغيب قط إلّا قطع لي حديقة من نخل.

و لما حصر عثمان أتاه زيد بن ثابت، فدخل عليه الدار، فقال له عثمان:

أنت خارج أنفع لي منك هاهنا، فذبّ عني. فخرج، فكان يذبّ الناس، و يقول لهم فيه، حتى رجع لقوله أناس من الأنصار، و جعل يقول: يا للأنصار! كونوا أنصار اللّه- مرتين- انصروه، و اللّه إن دمه لحرام. فجاء أبو حبّة المازني مع ناس من الأنصار، فقال: ما يصلح لنا معك أمر، فكان بينهما كلام، ثم أخذ تلبيب زيد ابن ثابت هو و أناس معه، فمرّ به ناس من الأنصار، فلما رأوهم أرسلوه. توفي بالمدينة سنة 45 أو 48 أو 55.

5- سالم مولى أبي حذيفة القرشي العبشمي بترجمته في أسد الغابة: (كان من أهل فارس من اصطخر) (و هو معدود في المهاجرين لأنّه لما أعتقته ثبيتة الأنصاريّة زوج أبي حذيفة) (تبناه أبو حذيفة) (و هو معدود في الأنصار لعتق مولاته) (و هو معدود في قريش لما ذكرناه).

و بترجمته في طبقات ابن سعد (3/ 87- 88):

(أقبل سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين من مكة حتى قدم المدينة لانه كان أقرأهم) (كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين بقباء فيهم عمر ابن الخطاب قبل أن يقدم رسول اللّه (ص)).

آخى رسول اللّه (ص) بينه و بين أبي عبيدة بن الجرّاح و بينه و بين معاذ ابن ماعص الأنصاري.

و بترجمته في أسد الغابة (2/ 307) و الاصابة (3/ 57):

إنّه قيل له يوم اليمامة في اللواء أن يحفظه و قال غيره: نخشى من نفسك شيئا فنولّي اللواء غيرك فقال بئس حامل القرآن أنا إذا و قاتل حتى قتل.

6- سعد أو سعيد الملقّب بالقارئ ابن عبيد بن النعمان الأنصاري، الأوسي، و كان يدعى في زمن النبي بالقارئ و هو أوّل من جمع القرآن من الأنصار و كان إمام مسجد عمرو بن عوف فلما قتل بالقادسية سنة خمس عشرة اختصموا في الامامة إلى عمر بن الخطاب (طبقات ابن سعد 2/ 355 و 4/ 372؛ و أسد الغابة 2/ 359- 360 بترجمة سعد و سعيد؛ و الاستيعاب ص 550).

7- عبادة بن صامت أبو الوليد الخزرجي بايع رسول اللّه (ص) في بيعة العقبة الأولى و في الثانية جعله رسول اللّه (ص) من النقباء الاثني عشر شهد بدرا و المشاهد كلّها مع رسول اللّه (ص) (1).

كان ممّن جمع القرآن على عهد رسول اللّه (ص) (2).

و يعلّم أهل الصفة القرآن (3).

و بترجمة أبي الدرداء، عويمر بتاريخ ابن عساكر و مختصره (19/ 19- 20) ما موجزه:

في زمان الخليفة عمر كتب إليه يزيد بن أبي سفيان و اليه على الشام: إنّ أهل الشام قد كثروا و ربلوا (4)و ملئوا المدائن، و احتاجوا إلى من يعلمهم القرآن و يفقههم؛ فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم فأرسل إلى الشام معاذ و عبادة و أبو الدرداء و قال لهم: ابدءوا بحمص، فإنكم ستجدون الناس علىا.


1) بترجمته في مختصر تاريخ دمشق.

2) في باب من جمع القرآن على عهد رسول اللّه (ص) بطبقات ابن سعد 2/ 356، و بترجمته من الاصابة عن طبقات ابن سعد و تاريخ البخاري.

3) بترجمته في أسد الغابة.

4) ربلوا: كثر عددهم و نموا.

وجوه مختلفة، منهم من يلقن (1)، فإذا رأيتم ذلك فوجّهوا طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم، فليقم بها واحد و ليخرج واحد إلى دمشق و الآخر إلى فلسطين.

فقدموا حمص فكانوا بها، حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة و خرج أبو الدرداء إلى دمشق، و معاذ إلى فلسطين؛ و أمّا عبادة فصار بعد إلى فلسطين فمات بها؛ و أمّا أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات.

و لما توفي يزيد و ولي الشام أخوه معاوية بن أبي سفيان جرى بين عبادة و معاوية ما جاء بترجمته في تاريخ ابن عساكر و مختصره (11/ 306- 307) فرجع إلى المدينة فأعاده عمر إلى محل عمله و لما استخلف عثمان جرى بينه و بين معاوية- أيضا- ما جاء بترجمته و قالوا توفي سنة 34.

8- عبد اللّه بن عمرو بن العاص القرشي السهمي مرّ بنا الدليل على كونه من القرّاء على عهد رسول اللّه (ص) و له خبر مع الإمام الحسين (ع) ذكره ابن الأثير بترجمته من أسد الغابة بسنده عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه قال: (كنت في مسجد الرسول (ص)، في حلقة فيها أبو سعيد الخدري و عبد اللّه بن عمرو، فمر بنا حسين بن علي، فسلم، فرد القوم السلام، فسكت عبد اللّه حتى فرغوا، رفع صوته و قال: و عليك السلام و رحمة اللّه و بركاته. ثم أقبل على القوم فقال: أ لا أخبركم بأحب أهل الأرض إلى أهل السماء؟ قالوا: بلى. قال: هو هذا الماشي، ما كلمني كلمة منذ ليالي صفين، و لأن يرضى عني أحبّ إليّ من أن يكون لي حمر النّعم. فقال أبو سعيد: أ لا تعتذر إليه؟ قال: بلى. قال: فتواعدا أن يغدوا إليه. قال: فغدوت معهما، فاستأذن أبو سعيد، فأذن له، فدخل، ثم استأذن لعبد اللّه، فلم يزل به حتى أذن له، فلما دخل قال أبو سعيد: يا ابن رسول اللّه، إنك لمّا مررت بنا أمس ... فأخبره بالذي كان من قول عبد اللّه بن عمرو، فقال حسين: أعلمت يا عبد اللّه أني أحب أهلة.


1) يلقن: يفهم بسرعة.

الأرض إلى أهل السماء؟ قال: إي و رب الكعبة! قال: فما حملك على أن قاتلتني و أبي يوم صفين؟ فو اللّه لأبي كان خيرا مني. قال: أجل، و لكن عمرو شكاني إلى رسول اللّه (ص). فقال: يا رسول اللّه، إن عبد اللّه يقوم الليل و يصوم النهار، فقال لي رسول اللّه (ص): يا عبد اللّه، صلّ و نم و صم و أفطر، و أطع عمرا. قال: فلما كان يوم صفين أقسم عليّ فخرجت، أما و اللّه ما اخترطت سيفا، و لا طعنت برمح، و لا رميت بسهم. قال: فكانه) و قال:

و توفي عبد اللّه سنة ثلاث و ستين، و قيل: سنة خمس و ستين بمصر.

و قيل: سنة سبع و ستين بمكة. و قيل: توفي سنة خمس و خمسين بالطائف. و قيل:

سنة ثمان و ستين. و قيل: سنة ثلاث و سبعين. و كان عمره اثنتين و سبعين سنة.

و قيل: اثنتان و تسعون سنة (1).

9- أبو موسى عبد اللّه بن قيس الأشعري بترجمته من أسد الغابة ما موجزه:

ركب من اليمن مع جماعة من قومه في سفينة للهجرة إلى المدينة فألقتهم الريح إلى الحبشة فوافقوا خروج جعفر بن أبي طالب و أصحابه منها و قدمت السفينتان معا، سفينة جعفر و سفينة الأشعريين على النبي (ص) حين فتح خيبر.

و في ترجمته بمختصر تاريخ ابن عساكر فأطعمهم النبي (ص) طعمة يقال لها: طعمة الأشعريين.

و اتفقت الروايات في تراجمه انّه كان حسن الصوت بالقرآن فكان يستقرئه الخليفة و غيره، و عينه الخليفة عمر سنة سبع عشرة واليا و مقرئا لأهل البصرة فقال لهم:

إنّ أمير المؤمنين عمر بعثني إليكم أعلمكم كتاب ربكم عزّ و جلّ، و سنّة1.


1) أسد الغابة 3/ 351.

نبيكم، و أنظف لكم.

و في تاريخ ابن عساكر:

كان إذا صلى الصبح أمر الناس فثبتوا في مجالسهم، ثم استقبل الصفوف رجلا رجلا يقرئه القرآن حتى يأتي على الصفوف.

و كان هو الذي فقه أهل البصرة و أقرأهم.

و في طبقات ابن سعد (2/ 354 و 4/ 108) عن أنس قال: بعثني الأشعري إلى عمر فقال لي عمر: كيف تركت الأشعري فقلت له: تركته يعلّم الناس القرآن.

و في سنة سبع و عشرين عزله عنها الخليفة عثمان و ولي عليها عبد اللّه ابن عامر كريز فسكن الكوفة.

و في سنة أربع و ثلاثين أخرج أهل الكوفة و اليهم سعيد بن العاص و ولوا عليها أبا موسى و كتبوا إلى الخليفة يسألونه أن يولي عليهم أبا موسى فولّاه و بقي عليها إلى واقعة الجمل فثبط أهل الكوفة عن الالتحاق بجيش الإمام علي فعزله. و في واقعة الحكمين ألحّوا على الإمام علي أن يعينه من قبله ففعل و كان من أمره ما هو مشهور. و توفي في الكوفة في خلافة معاوية سنة 42 أو 44 أو 49 أو 50 أو 55 (1).

10- ابن أم. عبد اللّه بن مسعود الهذلي حليف بني زهرة أسلم قبل دخول رسول اللّه دار الأرقم، قال كنت سادس ستة ممن أسلم و كان أول من أجهر بالقرآن بمكة من الصحابة و هاجر الهجرتين إلى الحبشة و المدينة و كان في المدينة يخدم رسول اللّه (ص).

قال ابن مسعود قال لي رسول اللّه (ص): اقرأ عليّ. قلت: أقرأ عليك و عليك أنزل. قال: إنّي أحب أن أسمعه من غيري فقرأت سورة النساء عليهه.


1) راجع ترجمته بتاريخ ابن عساكر و مختصره.

حتى بلغت فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً إلى آخر الآية فاضت عيناه (ص).

قال الإمام علي في حقّه: علم القرآن و السنّة.

و قال: قرأ القرآن فاحلّ حلاله و حرّم حرامه.

و قال: بينا نحن عنده (ص) على حراء إذ نزلت عليه (ص) سورة المرسلات فأخذتها و انّ فاه ليرطب بها.

*** كان ذلكم بعض أخبار ابن مسعود على عهد الرسول (ص) و من أخباره بعده ما رواه الذهبي بترجمة الخليفة عمر من تذكرة الحفاظ و قال:

إنّ عمر حبس ثلاثة ابن مسعود و أبا الدرداء و أبا مسعود الأنصاري فقال: أكثرتم الحديث عن رسول اللّه (ص) (1).

يعني حبسهم في المدينة و منعهم عن الخروج منها و نرى أنه كان من أثر ذلك ما جاء بترجمة ابن مسعود في تاريخ ابن عساكر و مختصره:

أ- كان عبد اللّه بن مسعود يأتي عليه الحول قبل أن يحدثنا عن رسول اللّه (ص).

ب- بعثه عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة معلما و وزيرا و هو أفقههم و أقرأهم للقرآن و ولاه عمر بيت المال.

ج- جاء رجل من الكوفة إلى الخليفة عمر فقال: جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة فتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلبه فغضب و انتفخ فقال:

و من هو ويحك، قال عبد اللّه بن مسعود فما زال يطفأ و يسير عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها، ثم قال: ويحك، و اللّه ما أعلم بقي من الناس أحد هو أحق بذلك ... الحديث.7.


1) راجع ترجمة ابن مسعود بتاريخ ابن عساكر و مختصره؛ و تذكرة الحفاظ 1/ 7.

و سيأتي موجز أخباره في زمن الخليفة عثمان- إن شاء اللّه تعالى- في بحث اختلاف المصاحف من المجلد الثاني من هذا الكتاب و توفي سنة اثنتين و ثلاثين من الهجرة.

11- أبو الدرداء عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي شهد مع رسول اللّه أحدا فما بعدها و آخى بينه و بين سلمان الفارسي و كان ممن جمع القرآن على عهد رسول اللّه (ص).

و في ترجمته بتاريخ ابن عساكر و مختصره (19/ 10- 43) ما موجزه:

قال رجل لأبي الدرداء: يا معشر القرّاء ما بالكم أجبن منا و أبخل إذا سئلتم، و أعظم لقما إذا أكلتم؟ فأعرض عنه أبو الدرداء و لم يرد عليه شيئا، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب، فسأل أبا الدرداء عن ذلك؟ فقال أبو الدرداء:

اللهم غفرا! و كل ما سمعناه منهم نأخذهم به! فانطلق عمر إلى الرجل الذي قال لأبيّ الدرداء ما قال، فقال بثوبه و خنقه، و قاده إلى النبي (ص) فقال الرجل: إنما كنا نخوض و نلعب، فأوحى اللّه تعالى إلى نبيه (ص) وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ (التوبة/ 65).

و روى انه كان ممن بعثه عمر إلى الشام لتعليم القرآن ثمّ ولاه على القضاء- يعني بدمشق- و كان القاضي يكون خليفة الأمير إذا غاب.

و قال: كان عبد اللّه بن مسعود يقول: علماء الناس ثلاثة: واحد بالعراق، و آخر بالشام- يعني أبا الدرداء- يحتاج إلى الذي بالعراق- يعني نفسه- و الذي بالشام و العراق يحتاجان إلى الذي بالمدينة- يعني علي بن أبي طالب- و لا يحتاج إلى واحد منهما. قالوا توفي سنة 31 أو 32 في الشام.

12- أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي شهد بيعة العقبة و بدرا و المشاهد كلها مع رسول اللّه (ص).

جاء بترجمته من تاريخ ابن عساكر و مختصره ما موجزه:

لما فتح رسول اللّه (ص) مكة و سار إلى حنين استخلف عليها عتاب

ابن أسد يصلي بهم و خلّف معاذ بن جبل يقرئهم القرآن و يفقههم، ثم بعثه مع أبي موسى إلى اليمن و قال لهما: يسرا و لا تعسرا.

و بترجمته من الاستيعاب:

فقال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن، قال: أقرؤه في صلاتي و على راحلتي قائما و قاعدا و مضطجعا أتفوقه تفوقا. فقال معاذ: لكني أنام ثمّ أقوم فاحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.

و توفي في طاعون عمواس بناحية الأردن من الشام سنة ثماني عشرة في خلافة عمر و هو ابن ثمان و ثلاثين سنة (1).

و من أخبار القرآن ان النبيّ (ص) كان يفضل في تعيين الولاة و الامراء و لاقامة الجمعة و الجماعة أقرأهم للقرآن.

و قد مرّ بنا خبر عمرو بن سلمة الجرمي الذي كان سكنى قومه على ماء ممرّ الناس عليه و كانوا يسألون القادمين من الحرم عن أخبار الرسول (ص) فيخبروهم انه يقول: (أوحي إليّ كذا و كذا) يعنون ما سمعوه من السور المكية التي كان الرسول (ص) يقرؤها في صلاته في الحرم و في غيرها قال: كنت أتلقى الركبان فيقرءوني فجعلت لا أسمع شيئا إلّا حفظته حتى جمعت فيه قرآن كثيرا و لمّا وفد قومه على النبيّ (ص) بعد فتح مكة فاصبح امام جماعتهم و استمرّ على ذلك حتى عصر معاوية، و نظير هذا الخبر خبر عثمان الثقفي الآتي:

أبو عبد اللّه عثمان بن أبي العاص الثقفي بترجمته من طبقات ابن سعد (7/ 40) ما موجزه:

قدم على رسول اللّه (ص) المدينة في وفد ثقيف فأسلموا و كان عثمان من أصغرهم فجاء إلى النبي (ص)، قبلهم فأسلم و أقرأه قرآنا و لزم أبيّ بن كعب8.


1) راجع ترجمته في تاريخ ابن عساكر و مختصره 24/ 369- 383؛ و طبقات ابن سعد 3/ 583- 590؛ و الاستيعاب 1/ 238.

فكان يقرئه فلمّا أراد وفد ثقيف الانصراف إلى الطائف قالوا: يا رسول اللّه أمّر علينا، فأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص الثقفيّ، و قال إنّه كيس و قد أخذ من القرآن صدرا، فقدم معهم الطائف، فكان يصلي بهم و يقرئهم القرآن.

و على عهد عمر كتب إليه أن استخلف على الطائف و يقبل إليه فاستخلف أخاه الحكم بن أبي العاص و أقبل إليه فوجّهه إلى البصرة.

و بترجمته من الاستيعاب و الاصابة:

ولاه عمر سنة خمس عشرة على عمان و البحرين و سكن في زمان معاوية البصرة و توفي في خلافة معاوية.

و كان النبي (ص) يعين الولاة على الجيوش و الامراء و القضاة في البلاد ممّن برز في قراءة القرآن و حفظه و جمعه و كان ممن عينه كذلك:

أ- الصحابي معاذ بن جبل بعد فتح مكّة يعلّم أهلها القرآن و يفقههم في الدين و بعد ذلك بعثه إلى الجند من بلاد اليمن ليقرئهم و يفقههم و يقضي بينهم و يقبض الصدقات.

ب- الصحابي عمرو بن حزم استعمله على نجران ليفقههم في الدين و يعلّمهم القرآن.

ج- إلى الطائف عثمان بن أبي العاص (1).

د و ه- معاذ بن جبل و أبا موسى الأشعري إلى اليمن (2).

*** كان ذلكم فهرسا لأخبار الاقراء و القرآن في عصر الرسول في المدينة و في ما يأتي فهرس أخبار تدوين القرآن يومذاك.د.


1) طبقات ابن سعد 5/ 508.

2) حلية الأولياء لأبي نعيم 1/ 256 و بترجمته بطبقات ابن سعد.

رابعا- تدوين القرآن في المدينة

اشارة

ندرس في هذا البحث الأمور الآتية:

أ- أمر الكتابة في المدينة قبل الاسلام:

قال البلاذري في فتوح البلدان:

كان الكتاب بالعربيّة في الأوس و الخزرج قليلا، و كان بعض اليهود قد علّم كتاب العربيّة، و كان تعلّمه الصبيان في المدينة في الزمن الأول، فجاء الاسلام و في الأوس و الخزرج عدة يكتبون و هم سعد بن عبادة بن دليم و المنذر بن عمرو و أبي بن كعب و زيد بن ثابت، فكان يكتب العربية و العبرانية، و رافع بن مالك، و أسيد بن حضير، و معن بن عديّ البلويّ حليف الانصار، و بشير بن سعد، و سعد بن الربيع و أوس بن خولي و عبد اللّه بن ابيّ المنافق.

قال: فكان الكملة منهم و الكامل من يجمع الى الكتاب الرمي و العوم:

رافع بن مالك، و سعد بن عبادة و أسيد بن حضير، و عبد اللّه بن أبيّ، و أوس ابن خولي، و كان من جمع هذه الأشياء في الجاهليّة من أهل يثرب: سويد بن الصامت و حضير الكتائب (1).

قال: كانت الشفاء كاتبة في الجاهلية (2).


1) فتوح البلدان ط. بيروت دار النشر للجامعيين سنة 1377 ه ص 663- 664.

2) فتوح البلدان ص 661- 662.

بترجمتها من الاستيعاب و الاصابة: أسلمت الشفاء قبل الهجرة و هي من المهاجرات الأوائل، بايعت النبي (ص) قبل الهجرة و كانت من عقلاء الناس و كانت ترقى النملة.

ب- أمر الكتابة في المدينة بعد الاسلام:
1- من كان يقرأ و يكتب من الصحابيات:

قال البلاذري في فتوح البلدان:

و كانت حفصة زوج النبي تكتب.

و ان أم كلثوم بنت عقبة كانت تكتب.

و ان عائشة بنت سعد قالت: علمني أبي الكتاب.

و ان كريمة بنت المقداد كانت تكتب.

و قال ان عائشة كانت تقرأ المصحف، و لا تكتب.

و كانت أم سلمة تقرأ و لا تكتب (1).

2- اهتمام الرسول (ص) بتعليم الكتابة بين المسلمين:

في امتاع الاسماع:

و كان في الأسرى من يكتب، و لم يكن في الأنصار من يحسن الكتابة، و كان منهم من لا مال له، فيقبل منه أن يعلّم عشرة من الغلمان الكتابة و يخلى سبيله.

فيومئذ تعلّم زيد بن ثابت الكتابة في جماعة من غلمان الأنصار. خرّج الإمام أحمد من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول اللّه (ص) فداءهم أن يعلّموا أولاد الانصار الكتابة، قال:

فجاء غلام يبكي إلى أبيه فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني معلّمي.


1) فتوح البلدان للبلاذري ص 661- 662.

قال: الخبيث!! يطلب بذحل بدر؛ و اللّه لا تأتيه أبدا (1).

و في ترجمة الحكم و عبد اللّه بن سعيد بن العاص الأموي من أسد الغابة و الاصابة أنّه قدم على النبي (ص) مهاجرا و كان اسمه الحكم فسمّاه النبي (ص) عبد اللّه و كان يكتب في الجاهلية فأمره رسول اللّه (ص) أن يعلّم الكتاب بالمدينة و كان كاتبا محسنا.

ج- من كتب لرسول اللّه (ص):
اشارة

قال البلاذري في فتوح البلدان:

اوّل من كتب لرسول اللّه (ص) مقدمه المدينة أبيّ بن كعب الانصاري، و هو اوّل من كتب في آخر الكتاب، و كتب فلان، فكان أبيّ، اذا لم يحضر دعا رسول اللّه (ص) زيد بن ثابت الانصاري، فكتب له فكان أبيّ و زيد يكتبان الوحي بين يديه، و كتبه الى من يكاتب من الناس، و ما يقطع و غير ذلك.

قال الواقدي: و اوّل من كتب له من قريش عبد اللّه بن سعد بن ابي سرح، ثم ارتدّ و رجع الى مكّة، و قال لقريش: انا آتي بمثل ما يأتي به محمد، و كان يملّ عليه الظالمين، فيكتب الكافرين، يملّ عليه سميع عليم، فيكتب غفور رحيم و أشباه ذلك، فأنزل اللّه:

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‌ءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ (الانعام/ 93) فلما كان يوم فتح مكة أمر رسول اللّه (ص) بقتله، فكلّمه فيه عثمان بن عفّان و قال: أخي من الرضاع، و قد أسلم فأمر رسول اللّه (ص) بتركه، و ولّاه عثمان مصر، فكتب لرسول اللّه (ص) عثمان بن عفان و شرحبيل بن حسنة الطابخي من خندف حليف قريش، و يقال بل هو كندي، و كتب له جهيم بن


1) امتاع الاسماع للمقريزي ص 101، و مسند احمد 1/ 347.

الصّلت بن مخرمة، و خالد ابن سعيد و أبان بن سعيد بن العاصي، و العلاء بن الحضرمي، فلما كان عام الفتح اسلم معاوية، كتب له ايضا، و دعاه يوما و هو يأكل فابطأ، فقال: لا أشبع اللّه بطنه، فكان يقول: لحقتني دعوة رسول اللّه (ص) و كان يأكل في اليوم سبع أكلات و أكثر و أقل.

و قال كتب حنظلة بن الربيع بن رباح الأسيدي من بني تميم بين يدي رسول اللّه (ص) مرّة، فسمّي حنظلة الكاتب.

تعلم كتابة اليهود:

و قال: زيد بن ثابت: أمرني رسول اللّه (ص) أن أتعلّم له كتاب يهود، و قال لي: اني لا آمن يهودا على كتابي، فلم يمرّ بي نصف شهر حتّى تعلمته، فكنت اكتب له الى يهود و إذا كتبوا إليه قرأت كتابهم (1).

و في فتوح البلدان:

قال الرسول (ص) لزيد بن ثابت: (يا زيد: تعلم لي كتابة يهود فإني ما آمنهم على كتابي).

قال: فحذقته في نصف شهر (2).

*** و اهتم الرسول بنشر الكتابة في المدينة، و جعل فدية من يعرف الكتابة من سبعين أسيرا في غزوة بدر تعليم كل واحد منهم عشرة من صبيان المدينة الكتابة.

و من النساء كانت تكتب حفصة زوجة الرسول و أم كلثوم ابنة عقبة و عائشة ابنة سعد و كريمة ابنة المقداد و زوجتا الرسول عائشة و أم سلمة كانتا


1) فتوح البلدان ص 662- 664، و عيون الاثر ص 84- 86.

2) أمر الخط في آخر فتوح البلدان ص 663- 664، ترجمة زيد من تذكرة الحفاظ للذهبي 1/ 30- 32.

تقرءان و لا تكتبان (1).

كان في الصحابة جمع يكتبون لرسول اللّه (ص) في المدينة عدّ منهم البلاذري من ذكرناه في فصل من كتب لرسول اللّه (ص) و أضاف إليهم ابن سيد الناس (ت: 734 ه) في فصل ذكر كتابه (ص) من عيون الأثر و قال:

أبو بكر و عمر و علي و عامر بن فهيرة و عبد اللّه بن الأرقم و ثابت بن قيس ابن شماس و المغيرة بن شعبة و عبد اللّه بن زيد و جهيم بن الصلت و الزبير بن العوام و خالد بن الوليد و عمرو بن العاص و عبد اللّه بن رواحة و محمد بن مسلمة و عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي و معيقيب بن أبي فاطمة و طلحة بن عبيد اللّه و يزيد ابن أبي سفيان و الأرقم بن ابي الأرقم و العلاء بن عتبة و أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد و بريدة بن الحصيب و الحصين بن نمير و أبو سلمة عبد اللّه بن عبد الأسد و حويطب بن عبد العزي و أبو سفيان بن حرب و حاطب بن عمر و كتب له عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، ثم ارتد و رجع إلى مكة و كذب على رسول اللّه، فنزلت فيه: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (2).

و بين المؤرخ الثبت المسعودي في التنبيه و الاشراف (ص/ 245- 246) ما كان يكتب كل منهم و قال:

كان خالد بن سعيد بن العاص بن امية يكتب بين يديه في سائر ما يعرض من أموره و المغيرة بن شعبة و الحصين بن نمير يكتبان أيضا فيما يعرض من حوائجه، و عبد اللّه بن الأرقم بن عبد يغوث الزهري، و العلاء بن عقبة يكتبان بين الناس المداينات و سائر العقود و المعاملات، و الزبير بن العوام، و جهيم ابن الصلت يكتبان أموال الصدقات، و حذيفة بن اليمان يكتب خرص الحجاز، و معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي يكتب مغانم رسول اللّه (ص)، و كان عليها من1.


1) أمر الخط في فتوح البلدان ص 661- 662.

2) عيون الأثر 2/ 191.

قبله و زيد بن ثابت الأنصاري ثم الخزرجي من بني غنم بن مالك بن النجار يكتب الى الملوك، و يجيب بحضرة النبي (ص) و كان يترجم للنبي (ص) بالفارسية و الرومية و القبطية و الحبشة، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن، و كان حنظلة بن الربيع بن صيفي الاسيدي التميمي يكتب بين يديه (ص) في هذه الأمور اذا غاب من سمينا من سائر الكتاب ينوب عنهم في سائر ما ينفرد به كل واحد منهم، و كان يدعي حنظلة الكاتب، توفي في خلافة عمر بن الخطاب.

و كتب له عبد اللّه بن أبي سرح من بني عامر بن لؤي بن غالب ثم لحق بالمشركين بمكة مرتدا، و كتب له شرحبيل بن حسنة الطابخي، و كان أبان بن سعيد و العلاء بن الحضرمي ربما كتبا بين يديه، و كتب له معاوية قبل وفاته باشهر، و إنما ذكرنا من أسماء كتابه (ص) من ثبت على كتابته و اتصلت أيامه فيها و طالت مدته و صحت الرواية على ذلك من أمره من كتب الكتاب و الكتابين و الثلاثة إذ كان لا يستحق بذلك ان يسمى كاتبا و يضاف إلى جملة كتابه.

دراسة الخبر:

وصف العلماء هذا العدد الكبير بكتاب الوحي و أحيانا وصفوا الواحد منهم بكاتب الوحي و يصدق هذا الوصف عليهم جميعا و على الواحد منهم كذلك في ما اذا كان رسول اللّه (ص) قد عينهم لتدوين القرآن بينما نجد المسعودي عند ما يذكر نوع عملهم في الكتابة لم يخص أحدا بذكر كتابة القرآن و من ثم نعرف أنهم جميعا كانوا يكتبون ما نزل من القرآن كسائر الكتبة من الصحابة و سنذكر في ما يأتي أن نسخة من القرآن كان في بيت الرسول (ص) و أمر الامام علي بجمعه بعد وفاته و لعله كان قد أمره في حال حياته بكتابة تلك النسخة ثم أمره بعد وفاته بجمعها بعد أن كانت مكتوبة على قطع مختلفة.

كان ذلك شأن الكتابة و الكتاب على عهد رسول اللّه (ص) في المدينة و في ما يأتي خبر النظام الذي سنه الرسول في تدوين القرآن.

د- كيفية تدوين القرآن بأمر الرسول (ص):

في مسند أحمد بسنده عن ابن عباس أنه قال في حديثه عن الخليفة عثمان أنّه قال:

إن رسول اللّه (ص) كان مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، و كان إذا أنزل عليه الشي‌ء يدعو بعض من يكتب عنده، يقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا، و ينزل عليه الآيات فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا، و ينزل عليه الآية فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا (1).

و في لفظ آخر قال:

كان رسول اللّه (ص) مما يأتي عليه الزمان و هو ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا أنزل عليه الشي‌ء دعا بعض من يكتب له فيقول: ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا، و إذا أنزلت عليه الآيات قال: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا، و إذا أنزلت عليه الآية قال:

ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا (2).

و لفظ الحديث في سنن أبي داود كالآتي:

قال عثمان: كان النبي (ص) مما ينزل عليه الآيات فيدعو بعض من كان يكتب له و يقول له (ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا) و تنزل عليه الآية و الآيتان فيقول مثل ذلك (3).

و في سنن الترمذي:


1) مسند احمد 1/ 57، و كنز العمال الحديث 4770.

2) مسند احمد 1/ 69، و مستدرك الحاكم، كتاب التفسير، 2/ 221. ذكر ابن الجوزي بعض الحديث في تفسيره زاد المسير تفسير سورة التوبة 3/ 389- 390.

3) سنن ابي داود 1/ 209 كتاب الصلاة باب من جهر بها.

قال عثمان: كان رسول اللّه (ص) مما يأتي عليه الزمان و هو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان اذا نزل عليه الشي‌ء، دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا.

و إذا نزلت عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا.

قال ابو عيسى هذا حديث حسن صحيح (1).

و في مستدرك الحاكم و تلخيصه:

فقال عثمان (رض) ان رسول اللّه (ص) كان يأتي عليه الزمان تنزل عليه السور ذوات عدد، فكان اذا نزل عليه الشي‌ء يدعو بعض من كان يكتبه، فيقول: ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا.

و تنزل عليه الآية، فيقول: ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا (2).

و وضع له رمز البخاري و مسلم أي أن الحديث صحيح على شرطهما.

و في تفسير القرطبي بسنده عن ابن وهب قال:

سمعت مالكا يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول اللّه (ص). و ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الردّ: أن اللّه تعالى أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا، ثم فرق على النبي (ص) في عشرين سنة، و كانت السورة تنزل في أمر يحدث، و الآية جوابا لمستخبر يسأل، و يقف جبريل رسول اللّه (ص) على موضع السورة و الآية، فاتساق السورة كاتساق الآيات و الحروف، فكلّه عن محمد1.


1) سنن الترمذي ط. مصر سنة 1353 ه 11/ 226- 227 في تفسير سورة التوبة، و في تفسير ابن كثير 2/ 331، و في فضائل القرآن 4/ 11، و في كتاب المصاحف لابن ابي داود ص 31، و السيوطي 3/ 207- 208، و كنز العمال الحديث 4770.

2) مستدرك الحاكم و تلخيصه للذهبي 2/ 221.

خاتم النبيين عليه السلام، عن ربّ العالمين؛ فمن أخر سورة مقدّمة أو قدّم أخرى مؤخرة، فهو كمن أفسد نظم الآيات، و غيّر الحروف و الكلمات (1)

و ابن وهب هو ابو محمد عبد اللّه بن وهب بن مسلم القرشي المصري الفقيه.

قال علي بن الحسين بن الجنيد: مسائل ابن وهب عن مالك صحيحة، تهذيب التهذيب بترجمته، 6/ 71- 74.

.

و في كنز العمال: عن عسعس بن سلامة قال:

قلت لعثمان: يا أمير المؤمنين ما بال الانفال و براءة ليس بينهما (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ قال كانت تنزل السورة فلا تزال تكتب حتى تنزل (بسم الله الرحمن الرحيم) فاذا جاءت (بسم الله الرحمن الرحيم) كتبت سورة أخرى. فنزلت الانفال و لم تكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) (2).

و في ترجمة رافع بن مالك من أسد الغابة ما موجزه:

إن رافع بن مالك بن العجلان الانصاري الخزرجي تعلم من رسول اللّه في مكة سورة طه ثم كتبها ثم أقبل بها الى المدينة، فقرأها على بني زريق.

و في ترجمته من الاصابة: انه أوّل من قوّم كتّابهم.

ه- نظام تدوين القرآن:

أ- كان الوحي يعين مكان الآيات في السور.

في حديث عثمان بن ابي العاص بمسند أحمد:

قال: كنت عند رسول اللّه (ص) اذ شخص ببصره ... فقال: اتاني جبريل (ع) فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة: ان اللّه يأمر بالعدل و الاحسان ... (3).


1) تفسير القرطبي 1/ 60.

2) كنز العمال ط 2، 2/ 367- 368.

3) مسند احمد 4/ 218.

ب- كان الرسول يأمر بتدوين الآيات في السورة.

ذكرنا حديث عثمان في بحث كيفية تدوين القرآن السابق.

و في حديث البراء بن عازب:

ان رسول اللّه (ص) نزلت عليه آية فقال: ادع لي زيدا و ليجئ باللوح و الدواة و الكتف أو الكتف و الدواة قال: ثم اكتب ... الحديث (1).

و في مستدرك الحاكم و تلخيصه:

عن زيد بن ثابت قال: كنا حول رسول اللّه (ص) نؤلّف القرآن ...

و في رواية: كنا عند رسول اللّه (ص) نؤلّف القرآن من الرقاع ...

قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين- البخاري و مسلم- و لم يخرجاه و فيه البيان الواضح ان جمع القرآن لم يكن مرة واحدة فقد جمع بحضرة رسول اللّه (ص) ثم جمع بعضه بحضرة أبي بكر الصديق و الجمع الثالث هو في ترتيب السورة كان في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان (رض)) (2).

و- القلم الذي خط به القرآن:

اطنب المستشرقون و من تبعهم من المشارقة في التفكير في وصف الخط الذي كتب به القرآن في صدر الاسلام.

أما المستشرقون منهم، فإنهم أرادوا بعملهم التشكيك من طرف خفي بثبوت النص القرآني كما سنشرحه في آخر هذا الباب ان شاء اللّه تعالى.

و سار أتباعهم من الشرقيين في طريقهم دونما تنبه لهدفهم المنشود.


1) صحيح البخاري 3/ 151 كتاب فضائل القرآن باب كاتب النبي.

2) مستدرك الحاكم و تلخيصه كتاب التفسير 2/ 229. الاتقان للسيوطي 1/ 59.

أما نحن فنقول: إن كل ما فعلوه باسم البحث العلمي لا جدوى فيه بتاتا و يكفينا في هذا الصدد أن نعلم أن الخط الذي دون المسلمون به قرآنهم كالآتي تصويره:

(كتاب النبي (ص) الى المنذر بن ساوى)

بسم اللّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللّه الى المنذر بن ساوى سلام عليك فاني احمد اللّه اليك الذي لا اله غيره و اشهد ان لا إله إلّا اللّه و أنّ محمدا عبده و رسوله أما بعد فإني أذكرك اللّه عز و جل، فإنه من ينصح فانما ينصح لنفسه، و انه من يطع رسلي و يتبع أمرهم فقد أطاعني، و من نصح لهم فقد نصح لي. و إن رسلي قد أثنوا عليك خيرا. و إني قد شفعتك في قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، و عفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم. و إنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك.

و من أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية.

(محل الختم) رسول اللّه محمد (1)و هذا الخط خال من الاعجام و لا فرق في خطه بين الباء و التاء و الثاء و النون و الياء في وسط الكلام و آخره و أوله و خال من الإعراب لأي علامات الفتحة و الكسرة و الضمة و السكون- منها ثم أدخل كل منها في رسم الخط القرآني ابتداء من النصف الثاني من القرن الأول الهجري مندرجا كما سنبينه في ما يأتي ان شاء اللّه تعالى.د.


1) مجموعة الوثائق السياسية د. محمود.

خامسا- أخبار السيرة في القرآن الكريم:

مقدمة البحث:

نورد في هذا البحث من الآيات و الروايات في شأن نزولها و بيانها و تفسيرها ما نحتاج الى دركها و استيعابها في بحث اختلاف المصاحف و زيادة القرآن و نقصانه- معاذ اللّه- الآتيين (1).

الآيات و شأن نزولها و تفسيرها و بيانها في الروايات‌
أ- ما يخص الرسول (ص) و أهل بيته:
1- آية التطهير:

قال اللّه سبحانه في سورة الاحزاب/ 33:

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً شأن نزول الآية و ما صنع الرسول (ص) بهذه المناسبة:.

روى عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب (2)

و عبد اللّه بن جعفر ذو الجناحين: ابن عمّ النبي أبي طالب و أمّه أسماء بنت عميس الخثعمية ولد بأرض الحبشة في هجرة أبويه إليها، و هاجر أبوه به إلى المدينة. و كان حليما كريما يقال له: بحر الجود، توفي بالمدينة سنة ثمانين عام الجحاف- عام جاء فيه سيل عظيم ببطن مكّة جحف الحاجّ و ذهب بالإبل عليها أحمالها- و روى عنه أصحاب الصحاح 25 حديثا. ترجمته بأسد الغابة و جوامع السيرة ص 282.

قال:

1) سوف نستدل باذنه تعالى في البابين المذكورين عن اثر هذه الاخبار فيهما.

2) بمستدرك الصحيحين 3/ 147.

(لمّا نظر رسول اللّه (ص) إلى الرحمة هابطة، قال: (أدعوا لي، ادعوا لي) فقالت صفية (1)

و جوامع السيرة ص 285.

: من يا رسول اللّه؟

قال: (أهل بيتي عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين) (2)

في ترجمتها بأسد الغابة و الإصابة: أن كنيتها أمّ أبيها و أنه انقطع نسل رسول اللّه إلا منها، و قال رسول اللّه (ص) لفاطمة: (إن اللّه يغضب لغضبك و يرضي لرضاك) أخرجه- أيضا- الحاكم في مستدركه 3/ 153. و بميزان الاعتدال 2/ 77. و تهذيب 2 لتهذيب 12/ 441. و في باب مناقب فاطمة بصحيح البخاري 4/ 200 و 201 و 205: قال رسول اللّه (ص): (فاطمة بضعة منّي، من أغضبها أغضبني).

و في رواية أخرى فيه بباب ذبّ الرجل عن ابنته من كتاب النكاح 3/ 177، و باب فضائل فاطمة من صحيح مسلم، و الترمذي. و بمسند أحمد 4/ 328. و مستدرك الصحيحين 3/ 153:

(يؤذيني ما آذاها، أو يؤذيها).

و كان آخر الناس عهدا برسول اللّه إذا سافر فاطمة، و إذا قدم من سفر كان أول الناس عهدا به فاطمة، كما في مستدرك الصحيحين 3/ 155 و 156 و 1/ 489. و مسند أحمد 5/ 275. و سنن البيهقي 1/ 26. و في باب فرض الخمس من صحيح البخاري 2/ 124، عن عائشة أنّ فاطمة سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللّه (ص) أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول اللّه ممّا أفاء اللّه عليه، فقال أبو بكر: إنّ رسول اللّه قال: (لا نورث ما تركنا صدقة). فغضبت فاطمة بنت رسول اللّه فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت، و عاشت بعد رسول اللّه (ص) ستّة أشهر.

و في باب غزوة خيبر منه 3/ 38؛ فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلا، و لم يؤذن بها أبا بكر، و صلّى عليها، و كان لعليّ وجه حياة فاطمة، فلمّا توفّيت استنكر عليّ وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ...

و رواه مسلم كذلك في صحيحه بكتاب الجهاد 5/ 154. و مسند أحمد 1/ 9. و سنن البيهقي 6/ 300.

و بترجمتها في أسد الغابة: و أوصت إلى أسماء أن تغسلها و لا تدخل عليها أحدا، فلما توفّيت جاءت عائشة فمنعتها أسماء.

قال المؤلف:

و لم يعرف موضع قبرها حتّى اليوم.

و روى عنها أصحاب الصّحاح 18 حديثا. جوامع السيرة ص 283.

و الحسنان سبطا رسول اللّه و ابنا علي و فاطمة.

ولد الحسن في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، و ولد الحسين لثلاث خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة.

قال رسول اللّه (ص): الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة و أبو هما خير منهما. في سنن ابن ماجة باب فضائل أصحاب رسول اللّه (ص) ص 51- 52. و مستدرك الصحيحين 3/ 167.

و مصادر كثيرة غيرهما.

بايع المسلمون الحسن بعد وفاة أبيه سنة أربعين و بقي أكثر من ستّة أشهر في الخلافة، ثمّ اقتضت مصلحة الإسلام العليا أن يصالح معاوية. و لمّا أراد معاوية أن يأخذ البيعة لابنه يزيد دسّ إليه السّمّ فقتله سنة خمسين. أحاديث أمّ المؤمنين عائشة 1/ 251- 266.

و في سنة ستين أبي الحسين أن يبايع يزيد و قال: (و على الإسلام السلام إذا بليت الأمّة براع مثل يزيد). فقتله جيش يزيد بكربلاء عاشوراء سنة إحدى و ستّين. اللهوف لابن طاوس.

روى أصحاب الصحاح عن الحسن 13 حديثا، عدا البخاري و مسلم، و عن الحسين 8 أحاديث. جوامع السيرة ص 284 و 286. و تقريب التهذيب 1/ 168.

.8.

1) صفية بنت حيي بن أخطب: من سبط هارون بن عمران من بني إسرائيل، و أمّها برة بنت السموأل من بني قريظة. كانت زوجة كنانة بن الربيع من يهود بني النضير فقتل عنها يوم خيبر فاصطفاها النبيّ و قال لها: (إن اخترت الإسلام أمسكتك لنفسي و إن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك)، فقالت: يا رسول اللّه لقد هويت الإسلام و صدقت بك قبل أن تدعوني حيث صرت إلى رحلك، و ما لي في اليهودية إرب و ما لي فيها والد و لا أخ، و خيّرتني الكفر و الاسلام، فاللّه و رسوله أحبّ إليّ من العتق و أن أرجع إلى قومي. فاعتدّت ثم تزوّجها النبيّ و توفّيت في سنة 52 ه و روى عنها أصحاب الصحاح 10 أحاديث. ترجمتها بطبقات ابن سعد 8/ 120- 129.

2) فاطمة بنت رسول اللّه (ص) و أمّها أمّ المؤمنين خديجة (ع).

فجي‌ء بهم. فألقى عليهم النبيّ (ص) كساءه، ثمّ رفع يديه، ثمّ قال:

(اللهمّ هؤلاء آلي فصل على محمّد و آل محمّد).

نزل اللّه عزّ و جلّ:

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و في رواية أمّ المؤمنين عائشة: أنّ الكساء كان مرطا مرحّلا من شعر أسود (1)

و عائشة بنت أبي بكر و أمّها أم رومان. ولدت في السنة الرابعة بعد البعثة، بني بها الرسول (ص) بعد ثمانية عشرة شهرا من هجرته إلى المدينة. و توفّيت سنة 57 أو 58 أو 59، و صلّى عليها أبو هريرة. و روى عنها أصحاب الصحاح 2210 أحاديث، راجع كتابنا أحاديث عائشة.

و روايتها في شأن نزول آية التطهير في صحيح مسلم 7/ 130، باب فضائل أهل بيت النبي.

و مستدرك الصحيحين 3/ 147. و بتفسير الآية في تفسير ابن جرير و الدر المنثور للسيوطي و آية المباهلة في تفسير الزمخشري و الرازي. و سنن البيهقي 2/ 149.

.

و في رواية الصّحابيّ واثلة بن الأسقع: إنّ رسول اللّه أدنى عليّا و فاطمة و أجلسهما بين يديه و أجلس حسنا و حسينا كلّ واحد منهما على فخذه ...

الحديث (2).

و في رواية أمّ المؤمنين أمّ سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ... و في البيت سبعة: جبرئيل و ميكائيل (ع) و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (رض) و أنا على باب البيت، قلت: يا رسول اللّه أ لست من أهل البيت؟0.


1) المرط: كساء من صوف أو خز. و المرحل من الثياب: ما أشبهت نقوشه رحال الإبل.

2) واثلة بن الأسقع الليثي: أسلم و النبيّ يتجهّز إلى تبوك. و قيل إنّه خدم النبي ثلاث سنوات و مات سنة خمس و ثمانين أو ثلاث و ثمانين بدمشق أو ببيت المقدس. روى عنه أصحاب الصحاح 56 حديثا. ترجمته بأسد الغابة و جوامع السيرة ص 279. و روايته في شأن آية التطهير بسنن البيهقي 2/ 152، و رواية أخرى منه بمسند أحمد 4/ 107. و مستدرك الصحيحين 2/ 416 و 3/ 147. و مجمع الزوائد 9/ 167. و ابن جرير و السيوطي في تفسير الآية من تفسيريهما. و أسد الغابة 2/ 20.

قال: (إنك إلى خير. إنك من أزواج النبيّ) (1)

و رواية أخرى في سنن الترمذي، 13/ 248. و مسند أحمد 6/ 306. و أسد الغابة 4/ 29، و 2/ 297. و تهذيب التهذيب 2/ 297.

و أخرى بمستدرك الصحيحين 2/ 416 و 3/ 147. و سنن البيهقي 2/ 150. و أسد الغابة 5/ 521 و 589. و في تاريخ بغداد 9/ 126.

و أخرى: بمسند أحمد 6/ 292.

.

و قد روى شأن نزول آية التّطهير غير من ذكرنا كلّ من:

أ- عبد اللّه بن عباس (2).

ب- عمر بن أبي سلمة (3)

ولد في الحبشة. شهد مع عليّ الجمل، و استعمله على البحرين و على فارس. توفّي سنة 83 ه روى عنه أصحاب الصحاح 12 حديثا. ترجمته بأسد الغابة و جوامع السيرة ص: 284. و حديثه بشأن آية التطهير في: (فضائل الخمسة) 1/ 214 عن صحيح الترمذي 2/ 209.

ربيب النبيّ (ص).

ج- أبو سعيد الخدري (4).

د- سعد بن أبي وقاص (5)

و روايته بشأن آية التطهير في خصائص النسائي ص 4- 5. و سنن الترمذي 13/ 171- 172.

.2.

1) رواية أم سلمة في تفسير الآية بتفسير السيوطي 5/ 198 و 199.

2) رواية ابن عباس بمسند أحمد 1/ 330، و خصائص النسائي ص 11. و الرياض النضرة 2/ 269. و مجمع الزوائد 9/ 119 و 207، و تفسير الآية بالدر المنثور.

3) عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد أبو حفص المخزومي: ربيب رسول اللّه، أمّه أمّ سلمة.

4) رواية أبي سعيد في تفسير الآية بتفسير ابن جرير و السيوطي و تاريخ بغداد 10/ 278. و مجمع الزوائد 9/ 167 و 169.

5) سعد بن أبي وقاص.- مرّت ترجمته في بحث (خصائص المجتمع الاسلامي على عهد عمر) و أبي أن يبايع عليّا، و أبي على معاوية أن يسبّ عليّا. و دسّ إليه معاوية السمّ لمّا أراد أن يبايع ليزيد، فمات. و روى عنه أصحاب الصحاح 271 حديثا. ترجمته بأسد الغابة و صحيح مسلم 7/ 120 و أحاديث أم المؤمنين عائشة 1/ 356 ط. بيروت 1405 ه.

ه- أنس بن مالك (1)، و غيرهم (2).

و استشهد بها الحسن السبط (ع) على المنبر (3)، و عليّ بن الحسين (ع) في الشّام (4)

ترجمته بوفيات الأعيان 2/ 421. و تاريخ اليعقوبي 2/ 303.

.

كان رسول اللّه بعد نزول هذه الآية عدّة أشهر يأتي إلى باب دار عليّ و فاطمة يسلّم عليهم و يقرأ الآية. قال ابن عبّاس:

شهدت رسول اللّه (ص) تسعة أشهر يأتي كلّ يوم باب عليّ بن أبي طالب عند وقت كلّ صلاة فيقول: (السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته أهل البيت، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ ... الصّلاة رحمكم اللّه) كلّ يوم خمس مرّات (5).

و عن أبي الحمراء، قال: حفظت رسول اللّه ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرّة يخرج إلى صلاة الغداة، إلّا أتى باب عليّ، فوضع يده على جنبتي الباب، ثم قال: (الصلاة، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ ...) (6).8.


1) رواية أنس بن مالك في سنن الترمذي 13/ 248. و مجمع الزوائد 9/ 206.

2) مثل قتادة في تفسير الآية عند ابن جرير و السيوطي و عطية بترجمته بأسد الغابة 3/ 413، و معقل بن يسار، راجع سنن الترمذي 13/ 248.

3) روي استشهاد السبط بمستدرك الصحيحين 3/ 172. و مجمع الزوائد 9/ 146 و 172.

4) علي بن الحسين: أمّه بنت يزدجرد كما في الباب العاشر من ربيع الأبرار للزمخشري راجع ج 2 ورقة 44، مصورة مكتبة أمير المؤمنين في النجف تسلسل 2059، أدب. و ماتت في نفاسها به، فكفله بعض أمهات ولد أبيه، و زوّجها علي بن الحسين بعد أبيه (عيون أخبار الرضا 2/ 128) و يبدو أنها كانت تسمى غزالة. توفي علي بن الحسين بالمدينة سنة خمس و تسعين. و روى عنه أصحاب الصحاح بعض الأحاديث و استشهاده بآية التطهير جاء في تفسير الآية بتفسير الطبري.

5) رواية ابن عباس في تفسير الآية و آية وَ أْمُرْ أَهْلَكَ. من الدر المنثور.

6) أبو الحمراء: مولى رسول اللّه، اسمه هلال بن الحارث أو ابن ظفر، و الحديث بترجمته في الاستيعاب 2/ 598. و أسد الغابة 5/ 174. و مجمع الزوائد 9/ 168.

و قال أبو برزة: إنّه صلّى مع رسول اللّه سبعة أشهر، فإذا خرج من بيته أتى باب فاطمة ... (1)

و حديثه المذكور في مجمع الزوائد 9/ 169، لفظه: سبعة عشر شهرا و نراه من غلط النساخ.

.

و عن أنس بن مالك ستّة أشهر (2). و روى- أيضا- غيرهم في ذلك.

2- آية المباهلة:
اشارة

قال اللّه سبحانه في سورة آل عمران:

إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (الآية/ 59) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (الآية/ 61)

تفصيل الخبر:.

في السنة العاشرة من الهجرة كتب رسول اللّه (ص) الى نصارى نجران يدعوهم الى الإسلام (3).

قال المقريزي:

و أرسل نصارى نجران العاقب و السّيّد في نفر، فأرادوا مباهلة رسول اللّه (ص)، فخرج و معه فاطمة و عليّ و الحسن و الحسين- عليهم السلام-. فلما


1) أبو برزة الأسلمي: اختلفوا في اسمه. توفّي في البصرة سنة ستّين أو أربع و ستّين. روى عنه أصحاب الصحاح 20 أو 46 حديثا. ترجمته بأسد الغابة و جوامع السيرة ص 280 و 283.

2) رواية أنس بمسند أحمد 3/ 252. و الطيالسي 7/ 274، ح 2509. و أسد الغابة 5/ 521. و تفسير الآية عند ابن جرير و السيوطي.

3) تاريخ ابن كثير 5/ 53- 54، ط سنة 1351 ه ط. السعادة.

رأوهم قالوا: هذه وجوه لو أقسمت على اللّه أن يزيل الجبال لأزالها!! و لم يباهلوا، و صالحوا على ألفي حلة: ثمن كل حلة أربعون درهما، و على أن يضيفوا رسل رسول اللّه (ص). و جعل لهم- عليه السلام- ذمّة اللّه و عهده على ألا يفتنوا عن دينهم، و لا يعشروا، و لا يحشروا، و لا يأكلوا الرّبا و لا يتعاملوا به (1).

و في صحيح مسلم و سنن الترمذي و مستدرك الحاكم بسندهم عن سعد بن ابي وقاص قال:

و لمّا نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ دعا رسول اللّه (ص) عليا و فاطمة و حسنا و حسينا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي.

و في مسند أحمد أهل بيتي (2).

شرح الكلمات:

نجران: من بلاد اليمن.

و ابتهل الى اللّه: تضرع و اجتهد في الدعاء.

و لا يعشروا: لا يؤخذ عشر أموالهم في التجارات.

و لا يحشروا: لا يؤخذوا الى المغازي.

و فصل الخبر ابن كثير في تاريخه (3).


1) امتاع الاسماع للمقريزي ص 502 العاقب و السيد من رؤساء نصارى نجران. ط، القاهرة 1941 م.

2) صحيح مسلم 7/ 120 و سنن الترمذي ط. المدينة 4/ 193 و مسند احمد 1/ 185 و مستدرك الحاكم 3/ 150 و راجع حوادث السنة العاشرة في تاريخ ابن الاثير 2/ 112 و أسد الغابة 4/ 26 و في تفسير الآية في تفسير ابن كثير عن جابر 1/ 370.

3) تاريخ ابن كثير 5/ 54- 55.

3- الآيات الأولى من سورة براءة و خبر تبليغها:
اشارة

قال اللّه سبحانه:

بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَ أَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ* وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِي‌ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَ بَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ* إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَ لَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ* فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (الآيات/ 1- 5)

كيفية تبليغ الآيات لكفار قريش:

في سنن الترمذي و تفسير الطبري و خصائص النسائي و مستدرك الصحيحين و غيرها عن أنس و ابن عبّاس و سعد بن أبي وقّاص و عبد اللّه بن عمر و أبي سعيد الخدري و عمر بن ميمون و عليّ بن أبي طالب (1)

و خصائص النسائي ص 28- 29. و تفسير الطبري 10/ 46. و مستدرك الصحيحين 3/ 51 و 52.

و مجمع الزوائد 7/ 29، و 9/ 119.

، و أبي بكر. و نختار هنا ذكر موجز رواية الامام عليّ الواردة في مسند أحمد، قال:

دعا النبيّ أبا بكر فبعثه ببراءة لأهل مكّة، لا يحجّ بعد العام مشرك و لا يطوف بالبيت عريان و لا يدخل الجنة إلّا نفس مسلمة، و من كان بينه و بين


1) سنن الترمذي 13/ 164- 165. و مسند احمد 1/ 151، و 3/ 283، و راجع 1/ 150.

رسول اللّه (ص) مدّة فأجله إلى مدّته، و اللّه بري‌ء من المشركين و رسوله.

قال: فسار بها ثلاثا ثمّ قال لعليّ: (الحقه فردّ عليّ أبا بكر و بلّغها أنت).

قال: ففعل. فلمّا قدم على النبيّ (ص) أبو بكر بكى و قال: يا رسول اللّه حدث فيّ شي‌ء؟

قال: (ما حدث فيك إلّا خير، و لكنيّ أمرت أن لا يبلّغه إلّا أنا أو رجل منّي) (1).

و في رواية عبد اللّه بن عمر: (و لكن قيل لي: أنّه لا يبلّغ عنك إلّا أنت أو رجل منك) (2).

و في رواية أبي سعيد الخدري: (لا يبلّغ عنّي غيري أو رجل منّي) (3).

تدلّنا القرائن الحالية و المقالية في المقام، أنّ القصد من التبليغ في هذه الروايات و ما شابهها تبليغ ما أوحى اللّه إلى رسوله من أحكام إلى المكلّفين بها في بادئ الأمر، و هذا ما لا يقوم به إلّا الرسول أو رجل من الرسول.

و يقابل هذا التبليغ التبليغ الّذي يقوم به المكلّفون بتلك الأحكام بعد ما بلّغوا بها بواسطة الرسول أو رجل من الرسول، فإنّ لهم عند ذاك أن يقوموا بتبليغها إلى غيرهم، و يطّرد جواز هذا التبليغ و رجحانه و يتسلسل مع كلّ من بلغه الحكم إلى أبد الدهر.

و واضح أنّ الرسول (ص) عنى بقوله: (لا يبلّغ عنّي غيري أو رجل منّي) التبليغ من النوع الأوّل.ِ.


1) مسند أحمد 1/ 3، ح 4 من مسند أبي بكر و قال أحمد شاكر: (اسناده صحيح). و راجع كنز العمال ط: 2، 2/ 267 و 270 و ذخائر العقبى ص 69.

2) في مستدرك الصحيحين 3/ 51.

3) في الدرّ المنثور بتفسير: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ.

4- آية يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ...
اشارة

روى الحاكم الحسكاني:

(عن ابن عباس و جابر قالا: أمر اللّه محمدا (ص) أن ينصب عليّا للناس ليخبرهم بولايته، فتخوّف رسول اللّه (ص) أن يقولوا حابى ابن عمّه، و أن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى اللّه إليه:

يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (المائدة/ 67).

فقال رسول اللّه (ص) بولايته يوم غدير خمّ) (1)

مصر 3/ 1200، بآخر الطبقة 14. و قد رجعنا إلى كتابه شواهد التنزيل لقواعد التفصيل في الآيات النازلة في أهل البيت، تحقيق محمد باقر المحمودي ط. بيروت عام 1393 ه. و الحديث في 1/ 192 و رقم الحديث 249.

.

و روى عن زياد بن المنذر أنّه كان يقول: (كنت عند أبي جعفر محمد بن عليّ (ع) و هو يحدّث الناس إذ قام إليه رجل من أهل البصرة يقال له عثمان الأعشى- كان يروي عن الحسن البصري- فقال له: يا ابن رسول اللّه، جعلني اللّه فداك، إنّ الحسن يخبرنا أنّ هذه الآية نزلت بسبب رجل، و لا يخبرنا من الرجل يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ .... فقال: لو أراد أن يخبر به لأخبر به، و لكنّه يخاف.

إنّ جبرئيل هبط إلى النبيّ (ص)- إلى قوله:- فقال: إنّ اللّه يأمرك أن تدلّ أمّتك على وليّهم على مثل ما دللتهم عليه من صلاتهم و زكاتهم و صيامهم و حجّهم، ليلزمهم الحجّة من جميع ذلك، فقال رسول اللّه (ص): يا ربّ إنّ قومي


1) الحافظ عبيد اللّه بن عبد اللّه بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني، الحذاء الحنفي النيسابوري، من أعلام القرن الخامس الهجري، ترجمته في تذكرة الحفاظ ط. الهند 4/ 390، و ط.

قريب و عهد بالجاهليّة، و فيهم تنافس و فخر، و ما منهم رجل إلّا و قد وتره وليهم، و إني أخاف- أي من تكذيبهم-. فأنزل اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ- يريد فما بلّغتها تامة- وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فلمّا ضمن اللّه له بالعصمة و خوفه أخذ بيد عليّ ...) (1).

و روى الحاكم الحسكاني:

عن ابن عبّاس في حديث المعراج، أنّ اللّه- عزّ اسمه- قال لنبيّه في ما قال: (و إنّي لم أبعث نبيّا إلّا و جعلت له وزيرا، و إنّك رسول اللّه (ص) و إنّ عليّا وزيرك).

قال ابن عباس: [فهبط] (2)رسول اللّه (ص) فكره أن يحدث الناس بشي‌ء منها إذ كانوا حديثي عهد بالجاهليّة- إلى قوله:- فاحتمل رسول اللّه حتّى إذا كان اليوم الثامن عشر أنزل اللّه عليه: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ...- إلى قوله:- فقال: (يا أيّها الناس، إنّ اللّه أرسلني إليكم برسالة، و إنّي ضقت بها ذرعا، مخافة أن تتّهموني و تكذّبوني، حتّى عاتبني ربّي فيها بوعيد أنزله عليّ ...) (3).

و روى الحسكاني و ابن عساكر: عن أبي هريرة: أنزل اللّه عزّ و جلّ:

يا أيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك- في عليّ بن أبي طالب- و إن لم تفعل فما بلّغت رسالته ... (4).

قصد أبو هريرة أنّ المقصود أن يبلّغ ما نزل في عليّ.2.


1) شواهد التنزيل 1/ 191، و راجع تفسير الآية في أسباب النزول للواحدي، و نزول القرآن لأبي نعيم.

2) كذا جاءت.

3) شواهد التنزيل للحسكاني 1/ 192- 193، و في ص 189 منه نزول الآية فقط.

4) شواهد التنزيل للحسكاني 1/ 187، و رواها ابن عساكر بترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق بطرق كثيرة في الحديث 452.

روى الحسكاني: (عن عبد اللّه بن أبي اوفى، قال: سمعت رسول اللّه (ص) يقول يوم غدير خمّ و تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ... ثمّ رفع يديه حتّى يرى بياض إبطيه، ثمّ قال: (ألّا من كنت مولاه ...)) (1)

و عبد اللّه بن أبي أوفى: علقمة بن خالد الحارث الأسلمي. صحابيّ شهد الحديبية، و عمّر بعد النبيّ (ص)، مات سنة ست أو سبع و ثمانين، و هو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. و أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح. ترجمته بتقريب التهذيب 1/ 402. و أسد الغابة 3/ 121.

.

و روى الواحدي في أسباب النزول و السيوطي في الدّر المنثور عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب:

يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (2)

الواحدي، هو أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت: 468 ه)، و رجعنا إلى كتابه أسباب النزول ط. بيروت سنة 1395 ه.

.

و في تفسير السيوطي: (عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه (ص) يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك- أنّ عليا مولى المؤمنين- و إن لم تفعل فما بلّغت رسالته ...) (3).

قصد ابن مسعود أنّهم كانوا على عهد رسول اللّه يقرءون في تفسير الآية هكذا.

و كان نزول هذه الآية في غدير خمّ، و في ما يلي تفصيل الخبر.8.


1) الحسكاني 1/ 190.

2) أسباب النزول ص: 135. و الدرّ المنثور 2/ 298، و أراه هو الحديث المرقم 244 من شواهد التنزيل، و راجع فتح القدير 2/ 57، و تفسير النيسابوري 6/ 194.

3) الدرّ المنثور 2/ 298.

خبر الغدير:

لمّا صدر رسول اللّه من حجّة الوداع (1)نزلت عليه في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة (2)آية يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ... (3). فنزل غدير خمّ من الجحفة (4)و كان يتشعب منها طريق المدينة و مصر و الشام (5)و وقف هناك حتّى لحقه من بعده و ردّ من كان تقدّم (6)و نهى أصحابه عن سمرات متفرقات بالبطحاء أن ينزلوا تحتهنّ، ثمّ بعث إليهنّ فقمّ ما تحتهن من الشوك (7)و نادى بالصلاة جامعة (8)و عمد إليهنّ (9)و ظلّل لرسول اللّه (ص) بثوب على شجرة سمرة من الشمس (10)، فصلى الظهر بهجير (11)، ثمّ قام خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر و وعظ، و قال ما شاء اللّه أن يقول، ثم قال: (إنّي أوشك ان أدعى فأجيب، و إنّي مسئول و أنتم مسئولون، فما ذا أنتم قائلون؟)


1) مجمع الزوائد 9/ 105 و 163- 165. و أنقل عن هذه الصفحات في ما يأتي من هذا البحث.

2) رواه الحاكم الحسكاني في 1/ 192- 193.

3) سبق ذكر مصادره.

4) مجمع الزوائد 9/ 163- 165. و ابن كثير 5/ 209- 213.

5) مادة (الجحفة) من معجم البلدان.

6) في تاريخ ابن كثير 5/ 213.

7) مجمع الزوائد 9/ 105 و السمر: نوع من الشجر، و قم: كنس، و قريب منه لفظ ابن كثير 5/ 209.

8) مسند أحمد 4/ 281. و سنن ابن ماجة باب فضل علي، و تاريخ ابن كثير 5/ 209، و 5/ 210.

9) مجمع الزوائد 9/ 163- 165.

10) مسند أحمد 4/ 372. و ابن كثير 5/ 212.

11) مسند أحمد 4/ 281، سنن ابن ماجة باب فضل علي. و ابن كثير 5/ 212.

قالوا: نشهد أنّك بلّغت و نصحت فجزاك اللّه خيرا.

قال: (أ ليس تشهدون أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمدا عبده و رسوله و أنّ الجنّة حقّ و أنّ النار حقّ؟).

قالوا: بلى نشهد ذلك.

قال: (اللهمّ اشهد).

ثمّ قال: (أ لا تسمعون؟).

قالوا: نعم.

قال: (يا أيّها الناس إنّي فرط و أنتم واردون عليّ الحوض و إن عرضه ما بين بصرى إلى صنعاء (1)فيه عدد النجوم قدحان من فضّة، و إنّي سائلكم عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما).

فنادى مناد: و ما الثقلان يا رسول اللّه؟

قال: (كتاب اللّه، طرف بيد اللّه و طرف بأيديكم، فاستمسكوا به، لا تضلّوا و لا تبدّلوا، و عترتي أهل بيتي، و قد نبّأني اللّطيف الخبير أنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض، سألت ذلك لهما ربّي، فلا تقدموهما فتهلكوا، و لا تقصروا عنهما فتهلكوا، و لا تعلّموهما فهم أعلم منكم) (2).

ثم قال: (أ لستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟).

قالوا: بلى يا رسول اللّه (3).

قال: (أ لستم تعلمون- أو تشهدون- أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟)).


1) كانت بصرى اسما لقرية بالقرب من دمشق، و أخرى بالقرب من بغداد.

2) مجمع الزوائد 9/ 162- 163 و 165، و بعض ألفاظه في روايات الحاكم 3/ 109- 110، و ابن كثير 5/ 209.

3) مسند أحمد 1/ 118 و 119، 4/ 281. و سنن ابن ماجة 1/ 43 ح 116، و جاء (نعم) في مسند أحمد 4/ 281 و 368 و 370 و 372. و ابن كثير 5/ 209، ولدى ابن كثير 5/ 210: (أ لست أولى بكلّ امرئ من نفسه).

قالوا: بلى يا رسول اللّه (1).

ثمّ، أخذ بيد عليّ بن أبي طالب بضبعيه، فرفعها، حتّى نظر الناس إلى بياض إبطيهما (2)، ثمّ قال: (أيّها الناس! اللّه مولاى و أنا مولاكم (3)فمن كنت مولاه، فهذا عليّ مولاه. (4)اللهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه (5)

فقال: ما كان في الدوحات أحد إلّا رآه بعينه و سمعه بأذنيه. ثمّ قال ابن كثير: قال شيخنا أبو عبد اللّه الذهبي: و هذا حديث صحيح.

، و انصر من نصره، و اخذل من خذله (6)، و أحبّ من أحبّه، و أبغض من أبغضه) (7).

ثمّ قال: (اللهمّ اشهد) (8).

ثمّ لم يتفرقا- رسول اللّه و عليّ- حتّى نزلت هذه الآية:

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (المائدة/ 3).0.


1) مسند أحمد 4/ 281 و 368 و 370 و 372، و ابن كثير 5/ 209 و 212.

2) في رواية الحاكم الحسكاني 1/ 190، فرفع يديه حتّى يرى بياض إبطيه. و في ص 193 منه: حتّى بان بياض إبطيهما. و ضبعاه: الضّبع بسكون الباء: وسط العضد بلحمه. لسان العرب مادة: (ضبع).

3) الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 1/ 191، و عند ابن كثير 5/ 209: و أنا مولى كلّ مؤمن.

4) في جميع المصادر الّتي ذكرناها إلى هنا في جميع روايات الباب.

5) مسند أحمد 1/ 118 و 119 و 4/ 281 و 370 و 372 و 373 و 5/ 347 و 370. و مستدرك الحاكم 3/ 109. و سنن ابن ماجة، باب فضل عليّ. و الحاكم الحسكاني 1/ 190 و 191. و تاريخ ابن كثير 5/ 209 و 210- 213، و قال ابن كثير في 5/ 209: فقلت لزيد: هل سمعته من رسول اللّه؟

6) مسند أحمد 1/ 118 و 119. و مجمع الزوائد 9/ 104 و 105 و 107. و شواهد التنزيل 1/ 193. و تاريخ ابن كثير 5/ 210 و 211.

7) شواهد التنزيل للحسكاني 1/ 191. و تاريخ ابن كثير 5/ 210.

8) شواهد التنزيل 1/ 190.

فقال رسول اللّه (ص): اللّه أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة، و رضا الربّ برسالتي و الولاية لعلي (1).

و في باب ما نزل من القرآن بالمدينة من تاريخ اليعقوبي:

(إنّ آخر ما نزل عليه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ ... و هي الرواية الصحيحة الثابتة، و كان نزولها يوم النصّ على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- صلوات اللّه عليه- بغدير خمّ) (2).

فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك، فقال له:

هنيئا لك يا ابن أبي طالب، اصبحت و أمسيت مولى كلّ مؤمن و مؤمنة (3).

و في رواية قال له: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب (4).

و في رواية أخرى: هنيئا لك يا ابن ابي طالب، أصبحت و أمسيت مولى كلّ مؤمن و مؤمنة (5).

5- آية الولاية:

قال اللّه سبحانه في سورة المائدة إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (الآية/ 55) في تفسير الطبري، و أسباب النزول للواحدي و شواهد التنزيل للحاكم


1) رواه الحاكم الحسكاني عن أبي سعيد الخدري 1/ 157- 158 ح 211 و 212، و عن أبي هريرة ص 158 ح 213، و في تاريخ ابن كثير 5/ 214 بإيجاز.

2) اليعقوبي 2/ 43.

3) مسند أحمد 4/ 481. و لفظ (بعد ذلك) من تاريخ ابن كثير 5/ 210.

4) شواهد التنزيل 1/ 157 و 158.

5) مسند أحمد 4/ 281، و سنن ابن ماجة باب فضائل عليّ، و الرياض النضرة 2/ 169، و لفظ (بعد ذلك) في تاريخ ابن كثير 5/ 210.

الحسكاني و أنساب الأشراف للبلاذري و غيرها (1): عن ابن عباس و أبي ذرّ و أنس بن مالك و الإمام عليّ و غيرهم ما خلاصته:

(إنّ فقيرا من فقراء المسلمين دخل مسجد الرسول (ص) و سأل، و كان عليّ راكعا في صلاة غير فريضة، فأوجع قلب عليّ كلام السائل، فأومأ بيده اليمنى إلى خلف ظهره، و كان في إصبعه خاتم عقيق يماني أحمر يلبسه في الصلاة، و أشار الى السائل بنزعه، فنزعه، و دعا له و مضى، فما خرج أحد من المسجد حتّى نزل جبرئيل (ع) بقول اللّه عزّ و جل: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ... الآية.

فأنشأ حسّان بن ثابت يقول أبياتا منها قوله:

أبا حسن تفديك نفسي و مهجتي‌و كلّ بطي‌ء في الهدى و مسارع

فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع‌فدتك نفوس القوم يا خير راكع

فأنزل فيك اللّه خير ولايةفأثبتها في محكمات الشرائع

6- آية النجوى:

قال اللّه سبحانه في سورة المجادلة/ 12.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً


1) تفسير الطبري 6/ 186. و أسباب النزول للواحدي ص 133- 134، و في شواهد التنزيل 1/ 161- 164 خمس روايات عن ابن عباس و في ص 165- 166 روايتان عن أنس بن مالك، و ستّ روايات أخرى في ص 167- 169. و أنساب الأشراف للبلاذري ح 151 من ترجمة الإمام 1/ الورقة 225. و غرائب القرآن للنيسابوري بهامش الطبري 6/ 167- 168. و أخرج السيوطي كثيرا من روايتها في تفسيره 2/ 293- 294، و قال في لباب النقول في أسباب النزول ص 90- 91 بعد إيراد الروايات: (فهذه شواهد يقوّي بعضها بعضا).

قال الطبري: (نهوا عن مناجات النبيّ (ص) حتّى يتصدّقوا، فلم يناجه أحد إلّا عليّ بن أبي طالب) (1).

و في أسباب النزول للواحدي و غيره عن الإمام عليّ: (كان لي دينار فبعته و كنت إذا ناجيت الرسول (ص) تصدّقت بدرهم حتّى نفد) (2).

و في رواية: (كان عندي دينار فصرفته بعشر دراهم فكنت إذا جئت إلى النبيّ (ص) ...) (3).

و روى الزمخشري في تفسير الآية (أنّه تصدق في عشر كلمات سألهنّ رسول اللّه (ص)).

و في رواية عن الإمام: إنّ في كتاب اللّه لآية ما عمل بها أحد قبلي و لا يعمل بها أحد بعدي:

آية النجوى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ ... الآية، كان عندي دينار- إلى قوله:- ثمّ نسخت فلم يعمل بها أحد، فنزلت: أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ... (المجادلة/ 13) (4).

7- آية سورة براءة:

أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (الآيات/ 19- 20)


1) تفسير الطبري 28/ 14- 15. و الدرّ المنثور 6/ 185. القرآن الكريم و روايات المدرستين ج‌1 236 7 - آية سورة براءة: .....

2) أسباب النزول للواحدي ص 308، و الطبري في تفسير الآية.

3) تفسير الآية في الدرّ المنثور 6/ 185. و الرياض النضرة 2/ 265.

4) تفسير السيوطي 6/ 185. و الرياض النضرة 2/ 265. و الكشاف 4/ 76.

(أخرج ابن ابي حاتم و ابن مردويه عن ابن عباس (رض) في قوله أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ ... الآية.

و ذلك أن المشركين قالوا: عمارة بيت اللّه، و قيام على السقاية، خير ممن آمن و جاهد، فكانوا يفخرون بالحرم و يستكبرون به من أجل أنهم أهله و عماره، فذكر اللّه استكبارهم و اعراضهم، فقال لأهل الحرم من المشركين ... الى قوله:

لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

و اخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن ابن عباس (رض) قال: قال العباس (رض) حين أسر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا بالاسلام و الهجرة و الجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام، و نسقي الحاج، و نفك العاني، فأنزل اللّه أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ ... الآية. يعني أن ذلك كان في الشرك فلا أقبل ما كان في الشرك.

و أخرج ابن مردويه عن ابن عباس (رض) أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... الآية. قال: نزلت في علي بن أبي طالب و العباس (رض).

و أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي (رض) قال: افتخر طلحة ابن شيبة، و العباس، و علي بن أبي طالب، فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه.

و قال العباس (رض): أنا صاحب السقاية و القائم عليها.

فقال علي (رض): ما أدري ما تقولون: لقد صليت الى القبلة قبل الناس، و أنا صاحب الجهاد فأنزل اللّه أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ ... الآيات العشر.

و أخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة و ابن عساكر عن أنس (رض) قال:

قعد العباس و شيبة صاحب البيت يفتخران، فقال له العباس (رض): أنا أشرف منك، أنا عم رسول اللّه (ص) و وصيي أبيه، و ساقي الحجيج، فقال شيبة: أنا

أشرف منك، أنا أمين اللّه على بيته و خازنه، أ فلا ائتمنك كما ائتمنني؟ فاطلع عليهما عليّ (رض) فأخبراه بما قالا. فقال علي (رض) أنا أشرف منكما، أنا أوّل من آمن و هاجر. فانطلقوا ثلاثتهم إلى النبي (ص) فأخبروه. فما أجابهم بشي‌ء، فانصرفوا فنزل عليه الوحي بعد أيام، فأرسل إليهم فقرأ عليه أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ ...

إلى آخر الآيات.

و أخرج مسلم و أبو داود و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن حيان و الطبراني و أبو الشيخ و ابن مردويه عن النعمان بن بشير (رض) قال: كنت عند منبر رسول اللّه (ص) في نفر من اصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي ان لا أعمل للّه عملا بعد الاسلام إلا أن اسقي الحاج.

و قال آخر: بل عمارة المسجد الحرام.

و قال آخر: بل الجهاد في سبيل اللّه خير مما قلتم.

فزجرهم عمر (رض) و قال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول اللّه (ص)- و ذلك يوم الجمعة- و لكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول اللّه (ص) فأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فأنزل اللّه أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِ إلى قوله وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (1).

ب- آيات تخصّ زوجات الرسول (ص):

آيات سورة التحريم.

قال اللّه سبحانه في سورة التحريم:

وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَ أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ


1) الدر المنثور للسيوطي 3/ 218- 219.

الْخَبِيرُ* إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ* عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَ أَبْكاراً* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَ اغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ* يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ* ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ* وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَ صَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَ كُتُبِهِ وَ كانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (الآيات/ 2- 12) أخرج البخاري و مسلم عن ابن عباس انه قال: كنت أريد أن أسال عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول اللّه فمكثت سنة لم أجد له موضعا حتّى خرجت معه حاجا فلمّا كنّا بمرّ الظهران ذهب عمر لحاجته، فقال: أدركني بالوضوء.

فأدركته بالإداوة، فجعلت اسكب عليه الماء، و رأيت موضعا، فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرتا؟

قال ابن عباس (فما أتممت كلامي حتى قال: عائشة و حفصة) (1)

مرّ الظهران: الظهران واد قرب مكّة و عنده قرية يقال لها مر تضاف إلى هذا الوادي و يقال مرّ الظهران. الحموي، معجم البلدان.

الاداوة: إناء صغير من جلد.

.

و لفظ الحديث في مسند الطيالسي: (فقلت: يا أمير المؤمنين أريد أن أسألك عن حديث منذ سنة فمنعتني هيبتك أن أسألك.

قال: لا تفعل، إذا علمت أن عندي علما فسلني قال: قلت أسألك عن حديث المرأتين، قال: نعم حفصة و عائشة ...)

الحديث (2).

و في مسند أحمد: أردت أن أسأل عمر فمكثت سنتين ... الحديث (3).

و لفظ الحديث في رواية اخرى عن ابن عباس قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبيّ اللتين قال اللّه- تعالى- إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما حتّى حجّ و حججت معه ...- الى قوله- قال عمر: و اعجبا لك يا ابن عباس هما عائشة و حفصة ... الحديث (4).ه.


1) البخاري كتاب التفسير تفسير سورة التحريم باب تبتغي مرضاة أزواجك 3/ 137- 138، و كتاب اللباس باب ما كان النبي يتجوّز من اللباس و البسط 4/ 22، و مسلم كتاب الطلاق 2/ 1108 و 1111.

2) مسند الطيالسي الحديث 23.

3) مسند احمد 1/ 48.

4) البخاري باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها ج 3/ 172 و كتاب المظالم باب الغرفة و العليّة 2/ 47 و النسائي كتاب الصوم باب كم الشهر 1/ 302، و طبعة تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي 4/ 137، و الترمذي سورة التحريم من كتاب التفسير 2/ 409 ط. الهند و طبعة مصر سنة 1353 ه 11/ 209 و ابن سعد في الطبقات 8/ 182 و 190، و راجع تفسير القرطبي 18/ 189 و طبعة اخرى افست على طبعة مصر سنة 1392 28/ 102، و مسلم ط. بيروت 2/ 1108 كتاب الطلاق، كنز العمال 2/ 332 كتاب التفسير تفسير سورة التحريم ط. حيدرآباد سنة 1364 ه.

ج- في ما يخص الصحابة:
اشارة

مما نزل في شأن الصحابة في مكة قوله تعالى في سورة النمل:

مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (الآية/ 106) (أخرج عبد الرزاق و ابن سعد و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و الحاكم و صححه، و البيهقي في الدلائل من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فلم يتركوه، حتى سبّ النبي (ص) و ذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول اللّه (ص) قال: ما وراءك شي‌ء؟

قال: شر ما تركت حتى نلت منك و ذكرت آلهتهم بخير.

قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالايمان.

قال: إن عادوا فعد. فنزلت: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ و أخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين (إن النبي (ص) لقى عمارا و هو يبكي، فجعل يمسح عن عينيه و يقول: أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت كذا و كذا ... فإن عادوا فقل ذلك لهم).

و أخرج ابن جرير و ابن عساكر عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ نزلت في عمار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر و قالوا: اكفر بمحمد (ص) فاتبعهم على ذلك و قلبه كاره فنزلت) (1).


1) السيوطي 4/ 132.

مما نزل في شأن الصحابة في المدينة

1- آية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (الحجرات/ 2).

في صحيح البخاري في سورة الحجرات عن عبد اللّه بن الزبير، أخبرهم أنّه قدم ركب من بني تميم على النبي (ص)، فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد.

و قال عمر بل أمّر الاقرع بن حابس.

فقال أبو بكر: ما أردت إلى أو إلّا خلافي.

فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك يا أيّها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي اللّه و رسوله، حتى انقضت الآية. وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (1).

و في حديث قبله:

كاد الخيّران ان يهلكا: أبا بكر و عمر.

2- آية: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (آل عمران/ 155).

في تفسير الآية بتفسير الطبري و السيوطي عن ابن اسحاق انه قال:

إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ. فلان، و سعد بن عثمان، و عقبة بن عثمان الانصاريان، ثم الزرقيان.

و قد كان الناس انهزموا عن رسول اللّه (ص) حتى انتهى بعضهم إلى المنقى دون الأغوص، و فر عقبة بن عثمان، حتى بلغوا الجلعب- جبل بناحية المدينة مما يلي الأغوص- فأقاموا به ثلاثا، ثم رجعوا إلى رسول اللّه (ص)،


1) صحيح البخاري كتاب التفسير تفسير سورة الحجرات 3/ 190- 191.

فزعموا أن رسول اللّه (ص) قال: (لقد ذهبتم فيها عريضة) (1).

و في تفسير السيوطي: أخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن ابن عوف إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ قال: هم ثلاثة. واحد من المهاجرين، و اثنان من الانصار (2).

و أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ قال: نزلت في رافع بن المعلى و غيره من الانصار، و أبي حذيفة بن عتبة، و رجل آخر (3).

و أخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كان الذين ولوا الدبر يومئذ:

عثمان بن عفان، و سعد بن عثمان، و عقبة بن عثمان، أخوان من الأنصار من بني زريق.

و كان فرار عثمان يوم أحد ممّا يعاب عليه كما عاب عليه عبد الرحمن بن عوف فاجاب عثمان كيف يعيرني و قد عفا اللّه عني فقال إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ ... (4).

و قال الرازي في تفسير الآية: و اعلم أن المراد: أن القوم الذين تولوا يوم أحد عند التقاء الجمعين و فارقوا المكان، و انهزموا قد عفا اللّه عنهم.

اختلفت الأخبار فيمن ثبت ذلك اليوم و فيمن تولى، فذكر محمد بن اسحاق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، و ثلثهم انهزموا، و ثلثهم ثبتوا، و اختلفوا في المنهزمين، فقيل: ان بعضهم ورد المدينة و أخبر أن النبي (ص) قتل، و هو سعد ابن عثمان، ثم ورد بعده رجال دخلوا على نسائهم، و جعل النساء يقلن: عن رسول اللّه (ص) تفرون!9.


1) تفسير الطبري 4/ 96، و السيوطي 2/ 89.

2) الدر المنثور للسيوطي 2/ 88- 89.

3) تفسير الطبري 4/ 96.

4) الدر المنثور للسيوطي 2/ 88- 89.

و كن يحثين التراب في وجوههم، و يقلن: هاك المغزل اغزل به، و منهم قال:

ان المسلمين لم يعدوا الجبل.

قال القفال و الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفرا منهم تولوا و أبعدوا، فمنهم من دخل المدينة، و منهم من ذهب الى سائر الجوانب، و أما الاكثرون فانهم نزلوا عند الجبل و اجتمعوا هناك و من المنهزمين عمر، إلّا أنه لم يكن في أوائل المنهزمين و لم يبعد، بل ثبت على الجبل الى أن صعد النبي (ص)، و منهم أيضا عثمان انهزم مع رجلين من الانصار يقال لهما سعد و عقبة، انهزموا حتى بلغوا موضعا بعيدا، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام، فقال لهم النبي (ص) (لقد ذهبتم فيها عريضة) (1).

دراسة الخبر:

في الرواية الاولى فلان و سعد و عقبة الانصاريان.

و في خبر ما كان يعيبه عبد الرحمن بن عوف على عثمان نفهم انه كان عثمان الذي أصبح بعد ذلك خليفة، و لم يستحسنوا ذكر اسمه.

3- آية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (الآية/ 6).

في تفسير الآية بتفسير الطبري و السيوطي عن أم سلمة (رض) قالت:

بعث النبي (ص) الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يصدق أموالهم، فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظمون أمر رسول اللّه (ص)، فحدّثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فرجع الى رسول اللّه (ص)، فقال: إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول اللّه (ص) فقالوا: نعوذ باللّه من سخط اللّه و سخط رسوله بعثت إلينا رجلا مصدقا، فسررنا لذلك، و قرّت أعيننا ثم إنه رجع من بعض0.


1) تفسير الفخر الرازي 9/ 50.

الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضبا من اللّه و رسوله، و نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ ... الآية (1).

4- آية: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‌ءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (الأنعام/ 93).

أخرج السيوطي عن أبي خلف الأعمى قال: كان ابن أبي سرح يكتب للنبي (ص) الوحي، فأتى أهل مكة، فقالوا: يا ابن أبي سرح كيف كتبت لابن أبي كبشة القرآن؟

قال: كنت أكتب كيف شئت، فأنزل اللّه وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (2).

و في المستدرك عن شرحبيل بن سعد قال: نزلت في عبد اللّه بن أبي سرح وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‌ءٌ الآية.

فلما دخل رسول اللّه (ص) مكة فرّ إلى عثمان أخيه من الرضاعة، فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكّة، ثم استأمن له (3).

5- آية: ... وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً (الاسراء/ 60) و في تفسير الطبري و السيوطي بسندهما عن سهل بن سعد قال: رأى رسول اللّه (ص) بني فلان ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما6.


1) تفسير الطبري 26/ 78، و تفسير السيوطي 6/ 88- 92.

2) الدر المنثور للسيوطي 3/ 30.

3) المستدرك للحاكم 3/ 45- 46.

استجمع ضاحكا حتى مات، و أنزل اللّه وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ (1).

و في تفسير السيوطي عن ابن أبي حاتم بسنده عن يعلى بن مرة قال:

قال: رسول اللّه (ص): أريت بني أميّة على منابر الأرض و سيتملكونكم فتجدونهم أرباب سوء.

و اهتمّ رسول اللّه (ص) لذلك: فأنزل اللّه وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ (2).

و في تفسير السيوطي عن ابن مردويه بسنده عن الحسين بن علي: ان رسول اللّه (ص) أصبح و هو مهموم، فقيل: مالك يا رسول اللّه؟ فقال: (إنّي أريت في المنام كأنّ بني أمية يتعاورون منبري هذا).

فقيل: يا رسول اللّه، لا تهتم فإنّها دنيا تنالهم. فأنزل اللّه: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ (3).

و في تفسير السيوطي عن ابن ابي حاتم بسنده عن ابن عمر: أنّ النبيّ (ص) قال: رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة و أنزل اللّه في ذلك وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ يعني: الحكم و ولده (4).

و في تفسير السيوطي عن ابن عساكر و غيره بسندهم عن سعيد بن المسيب قال: رأى رسول اللّه (ص) بني أمية على المنابر، فساءه ذلك، فأوحى اللّه إليه (إنّما هي دنيا أعطوها)، فقرت عينه، و هي قوله: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي1.


1) تفسير الطبري 15/ 77 و الدر المنثور للسيوطي 4/ 191.

2) تفسير السيوطي 4/ 191.

3) تفسير السيوطي 4/ 191.

4) تفسير الدر المنثور للسيوطي 4/ 191.

أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ (1).

و في تفسير السيوطي عن ابن مردويه بسنده عن عائشة أنّها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول اللّه يقول لأبيك وجدك: إنكم الشجرة الملعونة في القرآن (2).

دراسة الخبر:

في الرواية رأى رسول اللّه (ص) بني فلان ينزون على منبره. فمن هم بنو فلان؟

هم بنو أمية الذين أصبحوا بعد الرسول ولاة المسلمين و لذلك لم يصرح الراوي بذكرهم.


1) تفسير الدر المنثور للسيوطي 4/ 191.

2) تفسير الدر المنثور للسيوطي 4/ 191.

خلاصة بحث أخبار سيرة الرسول في القرآن الكريم و نتائجها و آثارها:

جاء في تفسير الآيات:

أن آية إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ هم الرسول و علي و فاطمة و الحسن و الحسين.

و أن تفسير أبناءنا في آية المباهلة هما الحسن و الحسين و أنفسنا علي بن أبي طالب و نساءنا فاطمة.

و في خبر إرسال الآيات الأولى من سورة البراءة إلى المشركين أن رسول اللّه بعثها مع الصحابيين أبي بكر و عمر ثم أمر اللّه رسوله أن يبعثها مع علي ففعل ذلك.

و في تفسير يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ... أن الرسول جمع الحجيج، و أخذ بيد علي و قال: من كنت مولاه فهذا مولاه ... الحديث.

و في تفسير إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا هو الامام علي.

و في تفسير آية النجوى الذي دفع الصدقة و ناجى الرسول (ص) بين الصحابة هو الامام علي.

و في تفسير آية أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... هو الامام في مقابل العباس عم النبي الذي تفاخر بسقاية الحاج و طلحة الداري الذي تفاخر بعمارة البيت.

و في تفسير آية: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما انّهما أم المؤمنين عائشة و أم المؤمنين حفصة.

و في تفسير آية: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ انّه الصحابي عمار ابن ياسر.

و في تفسير آية: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ ان المقصود به الصحابيان أبي بكر و عمر.

و في تفسير آية: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ان المقصود به الخليفة عثمان و من فرّ معه يوم أحد.

و في تفسير آية: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ ... انه الوليد بن عقبة.

و في تفسير آية: أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ هو عبد اللّه بن ابي سرح.

و في تفسير آية: وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ انهم بنو أمية.

*** كان ذلكم خلاصة البحث أما نتائجه و آثاره، فسوف ندرسها في بحث اختلاف المصاحف و زيادة القرآن و نقصانه ان شاء اللّه تعالى، و كان كل ما أوردناه الى هنا من بحوث قرآنية تخص عصر الرسول و في ما يأتي ندرس باذنه تعالى المصطلحات القرآنية.

بحوث تمهيدية «3» مصطلحات اسلامية قرآنية

اشارة

أ- الوحي و نزوله.

ب- القرآن و الكتاب و المصحف.

ج- السورة و الآية.

د- الجزء و الحزب.

ه- التلاوة و القراءة.

و- الجامع و الحافظ.

ز- الترتيل و التجويد.

ح- النسخ.

الخلاصة.

مقدّمة البحث:

لعلوم الاسلام كسائر العلوم مصطلحات بها تفتح أبوابها و تدرك بحوثها و مع الأسف الشديد لم يعن العلماء منذ قرون بدراسة مصطلحات علوم القرآن كما عنوا- مثلا- بمصطلحات علوم الفقه، و على أثرها عرف المسلمون أحكام الاسلام مدى القرون.

و لعدم عنايتهم بدراسة مصطلحات علوم القرآن التبس أمر مصطلحات الاسلام في علوم القرآن بمصطلحات المسلمين فيها، و لم تفهم معنى الروايات التي رويت في شأن النسخ و القراءة و المصاحف و امثالها من بحوث علوم القرآن، و أدّى ذلك الى القول بعدم ثبوت النص القرآني الذي أوحي الى الرسول (ص) في عصرنا- معاذ اللّه- و اخطاء كبيرة أخرى تعرضنا لدراستها خلال بحوث هذا الكتاب، و يتوقف فهم المصطلحات القرآنية على استيعاب معاني المصطلحات التي شرحناها في الجزء الأول من كتابنا (قيام الأئمة باحياء السنة).

و في البحوث الآتية محاولة متواضعة لتعريف المصطلحات الاسلامية و مصطلحات المسلمين في علوم القرآن، فإن أصبت فيها فمن اللّه، و إن اخطأت فمني و حسبي نجاحا ان أوفق لجلب نظر الباحثين في هذه العلوم إلى ضرورة القيام بدراسة تلك المصطلحات و عدم الركون الى بحوث السلف الصالح في شأنها و تقليدهم فيها و اللّه المسئول ان يأخذ بايدينا في سلوك هذا الطريق إنه نعم المولى و نعم النصير.

أولا- الوحي و نزوله:

أ- الوحي في اللغة و المصطلح الاسلامي:

في اللغة:

أوحى إليه و له: أشار و أومأ، و كلمه بكلام خفي يخفى على غيره، و أمره، و ألهمه، و أوحى فلان الكلام إلى فلان: ألقاه إليه (1)

أ- مفردات القرآن للأصبهاني ب- معجم ألفاظ القرآن الكريم.

.
في المصطلح الاسلامي:

الكلمة الالهية التي يلقيها الى أنبيائه و رسله بواسطة ملك يشاهده الرسول و يسمع كلامه، كتبليغ جبرئيل لخاتم الأنبياء (ص) أو سماع كلام اللّه من غير معاينة، كسماع موسى كلام اللّه.

أو بالرؤيا في المنام كما أخبر اللّه عن قول إبراهيم لابنه اسماعيل في سورة الصافات:

إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (الآية/ 102) أو بأنواع اخرى من الوحي يعلمه اللّه و تدركه رسله صلوات اللّه عليهم


1) مصدرنا في ما نذكر من معاني المصطلحات:

أجمعين.

و من موارد استعماله في المصطلح الإسلامي في القرآن الكريم قوله تعالى:

أ- في سورة النساء/ 163:

إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ ب- في سورة الشورى/ 7:

وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها ج- في سورة المؤمنون/ 27:

فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا د- في سورة الاعراف:

وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (الآية/ 117) ... وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ ...

(الآية/ 160).

ب- نزول الوحي و تنزيله:

1- نزل نزولا:

انحطّ من علوّ الى سفل مكانا أو معنى، و نزول الكتب السماويّة بلوغها إلى من أنزلت عليه.

2- تنزّل تنزّلا:

نزل في تمهل و تدرّج.

3- أنزله نزولا و نزّله تنزيلا:

جعله ينزل و الفرق بين الإنزال و التنزيل في وصف القرآن و الملائكة ان التنزيل يخصّ بالموضع الذي يشير إلى إنزاله و يكون التنزيل تدريجيا بينما الإنزال عامّ.

و مثال النزول من الأعلى مكانا إلى الأسفل قوله- تعالى- في سورة النحل/ 65.

وَ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ و مثال النزول المعنوي و بلوغ الكتب السماوية الى من أنزلت عليه قوله تعالى:

أ- في سورة الشعراء/ 193- 194:

نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ب- في سورة طه/ 2:

ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى و مثال التنزل في تمهل و تدرج قوله تعالى في سورة فصّلت/ 30:

إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا و مثال الاختصاص بالموضع الذي يشير إلى انزاله قوله تعالى:

أ- في سورة الانعام/ 7:

وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ب- في سورة الانعام/ 111:

وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ....

و مثال الانزال التدريجي. قوله تعالى في سورة الاسراء/ 106:

وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا

و جاء في القرآن نزل و أنزل بمعنى أوحى في قوله تعالى:

أ- في سورة البقرة/ 4:

وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ب- في سورة آل عمران:

وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ* مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ (الآيات/ 3- 4) ج- في سورة يوسف/ 2:

إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ د- في سورة الإنسان/ 23:

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا ه- و (نزل به) في قوله تعالى في سورة الشعراء:

وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (الآيات/ 192- 195) كما جاء أوحى بمعنى نزل و أنزل في قوله تعالى:

أ- في سورة الشورى/ 7:

وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها ب- في سورة الانعام/ 19:

وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ و الوحي و الإنزال من اللّه قد يكون معناه و لفظه و كتابته من اللّه سبحانه و ينزله اللّه مرّة واحدة على رسوله كما كان شأن التوراة حيث قال اللّه سبحانه في سورة الأعراف:

وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ مَوْعِظَةً و قد يكون لفظه و معناه من اللّه و ينزل متدرجا على الرسول (ص) كما قال سبحانه في وصف القرآن:

أ- في سورة المزمل:

إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا.

ب- في سورة الاسراء:

وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا.

و قد يوحي اللّه المعنى الى رسوله و يبلغ الرسول (ص) المعنى بلفظه و هو بعض من سنّة الرسول أي حديثه كما روى الدارمي بسنده و قال:

(كان جبريل ينزل على رسول اللّه بالسنّة كما ينزل بالقرآن) (1).

و كذلك كان اللّه يوحي إلى الرسول (ص) ببيان الآيات مع إنزال الآيات كما أخبر اللّه تعالى عن ذلك في سورة القيامة حيث قال تعالى:

إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‌

خلاصة البحث:

أولا- الوحي:

الوحي في المصطلح الاسلامي: كلمة اللّه- جل اسمه- الّتي يلقيها الى أنبيائه و رسله بسماع كلام اللّه- جل جلاله- دونما رؤية اللّه- سبحانه- مثل تكليمه موسى بن عمران (ع)، أو بنزول ملك يشاهده الرسول و يسمعه مثل تبليغ جبرائيل (ع) لخاتم الأنبياء (ص)، أو بالرؤيا في المنام مثل رؤيا


1) سنن الدارمي 1/ 145 المقدمة باب السنة قاضية على القرآن.

إبراهيم (ع) في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل (ع)، أو بأنواع أخرى لا يبلغ إدراكها علمنا.

ثانيا- نزول الوحي:

أنزل اللّه وحيه و كتابه و نزّله: جعله ينزل.

و انزال القرآن و الملائكة الى محل نزوله مثل قلب النبي و التنزيل: إنزال تدريجي للوحي أو الكتاب و الإنزال عامّ.

و التنزّل: نزول في تمهل و تدرّج.

و استعمل نزل و أنزل في القرآن الكريم بمعني أوحاه، و كذلك العكس.

ثالثا- ما أوحى اللّه إلى رسله:

ينقسم ما أوحى اللّه إلى رسله إلى قسمين:

أ- ما أوحي إليهم لفظه و معناه و كان ذلك شأن كتبه التي أنزلها إلى رسله و آخرها القرآن الكريم.

ب- ما أنزل اللّه المعنى و بلّغته رسله بلفظهم و هذا ما يسمى بالمصطلح الإسلامي سنّة الرسول و من جملتها أحاديث الرسول (ص) في تفسير آي القرآن و بيان مجملها و متشابهها.

ثانيا- القرآن و الكتاب و المصحف:

أ- القرآن:

اشارة

القرآن: هو كلام اللّه الّذي نزّله نجوما- في أوقاتها المعينة لانزالها- على خاتم أنبيائه محمد (ص)، بلغة العرب و لهجة قريش منهم، و يقابله الشعر و النثر في الكلام العربي.

و عليه فإنّ الكلام العربي ينقسم إلى قرآن و شعر و نثر.

و كما أنّه يقال لديوان الشاعر: (شعر)، و للقصيدة في الديوان: (شعر)، و للبيت الواحد فيه: (شعر) و للشطر الواحد أيضا: (شعر)، كذلك يقال لجميع القرآن: (قرآن)، و للسورة الواحدة: (قرآن)، و للآية الواحدة: (قرآن)، و أحيانا لبعض الآية: (قرآن)، مثل وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ في الآية الثالثة من سورة البقرة.

و القرآن بهذا المعنى، مصطلح إسلامي و حقيقة شرعية. إنّ منشأ هذه الاستعمالات مجيئه في القرآن الكريم و الحديث النبوي الشريف.

أسماء أخرى للقرآن :

أسماء أخرى للقرآن (1)

معرفة أسمائه 1/ 273 و 276.

:

استخرج العلماء من القرآن أسماء أخرى للقرآن الكريم مثل: (الكتاب) و (النور) و (الموعظة) و (كريم).

1- الكتاب: لقوله تعالى في سورة البقرة:


1) البرهان في علوم القرآن للزركشي ت: 974 ه، ط. القاهرة. النوع الخامس عشر:

الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.

2- النور: لقوله تعالى في سورة النساء/ 174:

وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً 3- الموعظة: لقوله تعالى في سورة يونس/ 57:

... قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ....

4- كريم: لقوله تعالى في سورة الواقعة/ 77:

إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ.

و ندرس من الاسماء الآنفة الكتاب فيما يأتي:

ب- الكتاب:

اشارة
اشارة

يظهر بأدنى تدبّر في موارد استعمال الكتاب في القرآن الكريم بانها جاءت هي و نظائرها وصفا للقرآن الكريم، و ليست أسماء له، ما عدا الكتاب الذي ليس واضحا أنه ليس اسما للقرآن الكريم، و من ثم ندرس موارد استعمال لفظ (الكتاب) في اللغة و القرآن الكريم في ما يأتي باذنه تعالى:

جاء استعمال الكتاب في اللغة و القرآن لمعان متعددة منها:

أولا- في اللغة:

أ- كتب الكتاب كتبا و كتابا.

أي دوّن حروف الهجاء على أشكال تكون فيها الكلمات و الجمل مثل قوله- تعالى- في سورة البقرة/ 79:

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ب- جاء الكتاب مصدرا سمّي به المكتوب فيه، مثل قوله تعالى في حكاية قول بلقيس في سورة النمل:

قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ* إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‌

ثانيا- في القرآن الكريم:

اطلق الكتاب في القرآن على التوراة و الانجيل و القرآن و كل كتاب أنزله اللّه على رسله مثل قوله- تعالى- في سورة البقرة:

1- وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ... (الآية/ 87) للتوراة.

2- ... وَ قالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْ‌ءٍ وَ هُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ (الآية/ 113) للانجيل.

3- الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (الآية/ 1- 2) للقرآن الكريم.

4- ... فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ ...

(الآية/ 213) أي أنزل مع كلّ منهم كتابا.

و سمّى اليهود و النصارى أهل الكتاب في قوله تعالى في سورة المائدة/ 68:

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْ‌ءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ*** كان هذا معنى الكتاب الذي يساوي المصحف في المعنى في اللغة و القرآن الكريم و اشتهر عند النحويين كتاب سيبويه في النحو ب (الكتاب).

قال حاجي خليفة في باب الكتاب من كشف الظنون:

(كتاب سيبويه في النحو: كان كتاب سيبويه لشهرته و فضله علما عند النحويين، فكان يقال بالبصرة: و قرأ فلان الكتاب، فيعلم أنّه كتاب سيبويه، و قرأ نصف الكتاب، فلا يشكّ أنّه كتاب سيبويه ...).

و شرحه أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن خروف النحوي

الأندلسي الإشبيلي (ت: 609 ه)، و سمّاه تنقيح الألباب في شرح غوامض الكتاب.

و شرح أبو البقاء عبد اللّه بن الحسين العكبري البغدادي الحنبلي (ت: 616 ه) أبياته و سمّاه: لباب الكتاب.

و لأبي بكر محمد بن حسن الزبيدي الأندلسي الإشبيلي (ت: 380 ه):

أبنية الكتاب (1)

و سيبويه، أبو مبشر، أو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر البصري، مولى بني الحارث بن كعب، توفي سنة 180 ه.

.

إذا فليس (الكتاب) اسما للقرآن في القرآن الكريم و لا في عرف المسلمين.

و نستنتج من هذا البحث و نقول:

إنّ العلماء أخطئوا إذ فسّروا ما جاء من لفظ (الكتاب) أو (كتاب) في محاورات الصحابة بمعنى القرآن، في حين أنهم قصدوا من (الكتاب) ما فرض اللّه على عباده، كما درسناها مفصلا في بحث روايات اختلاف المصاحف.

ج- المصحف:

1- في اللغة:

(الصحيفة: الّتي يكتب فيها، و الجمع صحائف و صحف و صحف، و المصحف و المصحف: الجامع للصحف بين الدفتين) (2)

458 ه). و المفردات للراغب، (ت: 502 ه). و لسان العرب لابن منظور (ت: 711 ه). و القاموس المحيط للفيروزآبادي (ت: 816 أو 817 ه).

.

1) كشف الظنون لحاجي خليفة، مصطفى بن عبد اللّه (ت: 1076 ه) تركيا، 2/ 1427 و 1428.

2) راجع مادة (صحف) في الصحاح للجوهري، (ت: 393 ه). و المحكم لابن سيده (ت:

و قالوا في تفسير الدفّتين، الدفّة: الجنب من كلّ شي‌ء و صفحته، و دفّتا الطبل: الجلدتان اللتان تكتنفانه، و يضرب عليهما، و منه دفّتا المصحف، يقال:

حفظ ما بين الدفّتين (1)- أي حفظ الكتاب من الجلد إلى الجلد.

و بناء على ما ذكرنا، فإنّ المصحف: اسم للكتاب المجلد، و ذلك لأنّه إذا كانت الصحيفة هي ما يكتب فيها و جمعها الصحف، و المصحف: هو الجامع للصحف بين الدفّتين و الدفّتان- هما جلدتا الكتاب- فالمصحف في كلامهم بمعنى الكتاب المجلد في كلامنا.

و بناء على ما ذكرنا، إنّ المصحف: اسم لكلّ كتاب مجلد قرآنا كان أم غير قرآن.

2- في مصطلح الصحابة:

استعمل المصحف بالمعنى اللّغوي الّذي ذكرناه في روايات (جمع القرآن) حتى عهد عثمان.

فقد روى البخاري عن الصحابي زيد بن ثابت ما ملخّصه: أن الخليفة أبا بكر أمره بجمع القرآن. قال: (فتتبعت القرآن أجمعه، فكانت الصحف عند أبي بكر حتّى توفاه اللّه، ثمّ عند عمر في حياته، ثمّ عند حفصة بنت عمر (رض)).

و روى بعدها عن أنس ما ملخصه:

(أنّ عثمان عند ما أراد أن يجمع القرآن أرسله الى حفصة: أن ارسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثمّ نردّها إليك ...) الخبر (2).

و من الواضح أنّ الصحف و المصاحف ذكرا في الخبرين المذكورين آنفا


1) راجع تاج العروس للزبيدي (ت: 1205 ه) و المعجم الوسيط، مادة (دفف).

2) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، 3/ 150.

بنفس المعنى اللّغوي: (الكتاب المجلد).

و أكثر تصريحا ممّا جاء عند البخاري، ما جاء عند ابن أبي داود السجستاني في باب: جمع القرآن في المصحف من كتابه: (المصاحف)، فقد روى فيه:

أ- عن محمد بن سيرين، قال:

(لما توفي النبيّ (ص) أقسم عليّ أن لا يرتدي الرداء إلّا لجمعة، حتّى يجمع القرآن في مصحف).

ب- عن أبي العالية:

(أنّهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر).

ج- عن الحسين:

(أنّ عمر بن الخطاب أمر بالقرآن، و كان أوّل من جمعه في المصحف) (1)

تصحيح الدكتور اثر جفري، ط. الأولى، القاهرة 1355 ه. و الروايتان: أ. و ج. في ص 10 منه و الرواية: ب في ص 9 منه.

.

استشهدنا بهذه الروايات الثلاث لأنّها تدلّ على أنّ في عصر روايتها كان المصحف في كلامهم أعمّ من القرآن، فقد جاء فيها على حسب التسلسل:

أ- (حتى يجمع القرآن في مصحف).

ب- (جمعوا القرآن في مصحف).

ج- و أمر بالقرآن فجمع، و كان أوّل من جمعه في المصحف).

و لو كان المصحف لديهم هو القرآن لكان تفسير الروايات كالآتي:

أ- حتى يجمع القرآن في القرآن.

ب- جمعوا القرآن في القرآن.

ج- و كان أوّل من جمع القرآن في القرآن.ه.


1) كتاب المصاحف للحافظ أبي بكر عبد اللّه بن أبي داود السجستاني (ت: 316) ه.

3- في روايات أئمة أهل البيت (ع):

و قد جاء المصحف في روايات أئمة أهل البيت (ع) بنفس المعنى اللغوي لمدرسة الخلفاء، فقد روى الكليني في باب (قراءة القرآن في المصحف):

الحديث الأوّل عن أبي عبد اللّه جعفر الصادق (ع)، قال:

من قرأ القرآن في المصحف متّع ببصره، و خفّف عن والديه، و إن كانا كافرين.

و في الحديث الرابع منه- أيضا- عن أبي عبد اللّه (ع)، قال: (قراءة القرآن في المصحف تخفف العذاب عن الوالدين، و لو كانا كافرين) (1).

و بناء على ما ذكرنا ثبت أن المصحف كان يستعمل في كلام الصحابة و التابعين و الرواة بمدرسة الخلفاء و مدرسة أهل البيت (ع) و يراد به الكتاب المجلد، أي: أنّ المصحف استعمل في محاوراتهما في عصر الإسلام الأوّل في معناه اللّغوي و اشتهر بعد ذلك في مدرسة الخلفاء تسمية القرآن المدوّن و المخطوط بين الدفّتين ب (المصحف).

4- في أخبار مدرسة الخلفاء:

و قد سمي في مدرسة الخلفاء غير القرآن بالمصحف كالآتي:

مصحف خالد بن معدان:

روى كل من ابن أبي داود (ت: 316 ه) و ابن عساكر (ت: 571 ه) و المزّي (ت: 742 ه) و ابن حجر (ت: 852 ه) بترجمة خالد بن معدان و قالوا:

ان خالد بن معدان كان علمه في مصحف له ازرار و عرى (2).


1) أصول الكافي، ط. طهران، سنة 1388 ه، 2/ 613.

2) المصاحف، ص 134- 135

فمن هو خالد بن معدان صاحب المصحف؟

كان خالد بن معدان من كبار علماء الشام و من التابعين، أدرك سبعين من الصحابة، ترجم له ابن الأثير (ت: 630 ه) في مادة الكلاعي (1)، و قال: توفي خالد سنة ثلاث أو أربع أو ثمان و مائة هجرية.

5- اشتهار المصحف في كل ما كتب و جعل بين الدفّتين: الكتاب المجلد

كان استعمال المصحف في ما كتب و جعل بين الدفّتين، أي الكتاب المجلد مشهورا و متداولا لدى العلماء و الباحثين بمدرسة الخلفاء، و إليكم المثالين الآتيين لذلك:

أ- عنون ابن أبي داود السجستاني من أعلام القرن الثالث الهجري في كتابه المصاحف كالآتي:

1- جمع أبي بكر الصديق (رض) القرآن في المصاحف بعد رسول اللّه (ص).

2- جمع عليّ بن أبي طالب (رض) القرآن في المصحف.

3- جمع عمر بن الخطاب (رض) القرآن في المصحف (2).

ب- و من المعاصرين قال ناصر الدين الأسد في كتابه مصادر الشعر


1) اللباب في تهذيب الأنساب 3/ 62- 63. و راجع مصادر ترجمته في الهامش رقم 8.

2) كتاب المصاحف ص 5 و 10 منه، حسب التسلسل الّذي أوردناه.

الجاهلي: و كانوا يطلقون على الكتاب المجموع: لفظ المصحف، و يقصدون به مطلق الكتاب، لا القرآن وحده، فمن ذلك ما ذكره ...

ثمّ نقل خبر مصحف خالد بن معدان من كتاب المصاحف لابن أبي داود السجستاني (1).

6- في مصطلح الامم السابقة:

تسمية الكتب الدينية للامم السابقة بالمصحف:

و كذلك سميّت الكتب الدينية للأمم السابقة بالمصحف كما جاء في طبقات ابن سعد بسنده:

عن سهل مولى عتيبة أنه كان نصرانيا من أهل مريس، و أنه كان يتيما في حجر أمه و عمه، و أنه كان يقرأ الإنجيل، قال: فأخذت مصحفا، لعمي فقرأته حتى مرّت بي ورقة، فأنكرت كتابتها حين مرّت بي و مسستها بيدي، قال: فنظرت فإذا فصول الورقة ملصق بغراء، قال: ففتقتها فوجدت فيها نعت محمد، (ص)، أنه لا قصير و لا طويل، أبيض، ذو ضفيرين، بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء، و لا يقبل الصدقة، و يركب الحمار و البعير، و يحتلب الشاة، و يلبس قميصا مرقوعا، و من فعل ذلك فقد برئ من الكبر، و هو يفعل ذلك، و هو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد، قال سهل: فلما انتهيت إلى هذا من ذكر محمد (ص) جاء عمّي، فلما رأى الورقة ضربني و قال: ما لك و فتح هذه الورقة و قراءتها؟ فقلت: فيها نعت النبي (ص) أحمد، فقال: إنه لم يأت بعد (2).

*** و هكذا وجدنا المصحف اسما عاما للصحف بين الدفتين و إن صحّ ما جاء


1) مصادر الشعر الجاهلي، الطبعة الخامسة، ص 139، و قد نقله من المصاحف للسجستاني، ص 134- 135.

2) طبقات ابن سعد ط. بيروت 1/ 363.

في رواية المصاحف لابن أبي داود أنّ الخليفة أبا بكر كان قد سمّى القرآن بالمصحف فإنّ هذه التسمية لم تشتهر حتّى عصر عثمان، كما يظهر ذلك من الخبرين اللذين نقلناهما آنفا من صحيح البخاري، و إنما اشتهرت تسمية القرآن بالمصحف بعد ذلك، و عند ذاك أيضا لم تبق هذه التسمية منحصرة بالقرآن، بل سميت كتب أخرى في مدرسة الخلفاء و مدرسة أهل البيت ب (المصحف). و كان منها مصحف فاطمة ابنة رسول اللّه (ص) كالآتي خبره:

7- مصحف فاطمة ابنة الرسول (ص):

جاء في الروايات أنّ فاطمة ابنة رسول اللّه (ص) كان لها كتاب اسمه المصحف فيه إخبار بالمغيبات.

لقد جاء في بصائر الدرجات بأكثر من سند عن الامام الصادق (ع) قال:

قال أبو عبد اللّه لأقوام كانوا يأتونه و يسألونه عمّا خلف رسول اللّه (ص) إلى عليّ (ع) و عمّا خلف عليّ إلى الحسن: لقد خلّف رسول اللّه (ص) عندنا ما فيها كل ما يحتاج إليه حتى أرش الخدش و الظفر، و خلّفت فاطمة مصحفا ما هو قرآن ... الحديث (1).

اذن فقد كان لابنة رسول اللّه (ص) مصحف كما كان لخالد بن معدان كتاب اسمه المصحف فيه علمه.

و إنّ أئمة أهل البيت الّذين انتشر منهم هذا الخبر نصّوا على أنّه ما هو بالقرآن و ليس فيه شي‌ء من القرآن، بل فيه أخبار بالحوادث الكائنة في المستقبل.

و مع الأسف الشديد افترى بعض الكتاب في مدرسة الخلفاء و قال: إن مصحف فاطمة عند أتباع مدرسة أهل البيت، قرآن آخر!!! و لكن أتباع مدرسة أهل البيت لم يقولوا هذا القول في شأن مصحف خالد و لا الكتاب لسيبويه.


1) بصائر الدرجات ص 156. و أوردت موضع الحاجة من الحديث، و راجع تفصيل الخبر في معالم المدرستين 2/ 322 ..

8- مصاحف الصحابة:

مرّ بنا في بحث من تاريخ القرآن في المدينة ذكر مصاحف الصحابة و يأتي تفصيله- ان شاء اللّه تعالى- في بحث اختلاف مصاحف الصحابة في المجلد الثاني من هذا الكتاب.

انه كان لكثير من الصحابة مصاحف كتب كل منهم في مصحفه القرآن و ما سمعه من رسول اللّه (ص) في تفسير بعض آيات القرآن إذا كان معنى مصاحف الصحابة في عصر الصحابة: القرآن المكتوب مع حديث الرسول في تفسير بعض آياته كما هو الحال في تفاسير القرآن بالمأثور مثل الدرّ المنثور في تفسير القرآن بالمأثور للسيوطي في مدرسة الخلفاء و البرهان في تفسير القرآن لدى اتباع مدرسة أهل البيت (ع).

مثالان لمصاحف الصحابة:

أ- مصحف أم المؤمنين عائشة:

رووا عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال امرتني عائشة أن اكتب لها مصحفا و قالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنّي: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى فلما بلغتها آذنتها فاملت عليّ (حافظوا على الصلاة و الصلاة الوسطى (و صلاة العصر) و قوموا للّه قانتين) قالت عائشة سمعتها من رسول اللّه (ص).

ب- مصحف أم المؤمنين حفصة:

عن أبي رافع مولى حفصة أنه قال: استكتبتني حفصة مصحفا، فقالت:

إذا أتيت على هذه الآية، فتعال حتّى أمليها عليك كما قرأتها، فلما أتيت على هذه الآية: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ، قالت: اكتب: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى [و صلاة العصر] (1).


1) سيأتي تفصيل اخبار مصاحف الصحابة باسنادها ان شاء اللّه تعالى في المجلد الثاني من هذا الكتاب في بحث اختلاف مصاحف الصحابة.

و مصاحف أخرى سوف نذكرها في ما يأتي بإذنه تعالى.

9- مصحف الرسول (ص):

سيأتي في بحث من تاريخ القرآن على عهد الخليفة أبي بكر أنّ الرسول (ص) أوصى الإمام عليا ان لا يرتدي رداءه بعد وفاة الرسول (ص) حتى يجمع الصحف التي كانت في بيت الرسول (ص) الّتي كتب عليها القرآن بأمر الرسول (ص)، و لم تكن آي القرآن التي كتبت في تلك الصحف بدعا عما كتبها الصحابة في صحفهم مما تعلموها من لفظ الآيات و معانيها ممّا تلقاها الرسول (ص) جميعا عن طريق الوحي، بل لا بدّ أن تكون مشابهة لمصاحف الصحابة في كتابة اللفظ و المعنى معا ما عدا أمرا واحد و هو أن كل صحابي كان يكتب مع ما يكتب من آي القرآن ما بلغه عن رسول اللّه (ص) في تفسير الآية، و كان رسول اللّه (ص) قد أمر الإمام عليا بكتابة كل ما يحتاجه المسلمون في تفسير الآيات ممّا تلقاه عن طريق الوحي (1).

*** بناء على ما سبق كانت المصاحف في صدر الإسلام مثل كتب التفسير في عصرنا تشتمل على القرآن و ما بيّنه الرسول (ص) في تفسير الآيات. و لما اقتضت سياسة الخلفاء بعد الرسول (ص) تجريد القرآن من حديث الرسول (ص) جرى في هذا الشأن ما سنبينه في ما يأتي بإذنه تعالى.

سياسة تجريد القرآن من حديث الرسول (ص):

مرّ بنا في بحث المجتمع الذي نزل فيه القرآن و انتشر منه و بحث من


1) كما برهنا عليه في بحث: (القرآن و السنة، هما مصدر التشريع لدى مدرسة أهل البيت (ع) من المجلد الثاني من معالم المدرستين.

تاريخ القرآن السابقين لهذا البحث آيات نزلت في ذمّ سادة قريش الذين خاصموا رسول اللّه و حاربوه و آيات أخرى في ذمّ قبائل بعض الصحابة من قريش مثل قوله تعالى: في سورة الإسراء:

وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ (الاسراء/ 60) في بني أميّة أو افراد من الصحابة مثل قوله في سورة التحريم:

إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (الآية/ 4).

عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَ أَبْكاراً (الآية/ 5).

و التي نزلت في أم المؤمنين عائشة و أم المؤمنين حفصة في مقابل آيات نزلت في مدح آخرين مثل آية التطهير في قوله تعالى في سورة الأحزاب:

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و التي نزلت في حق الرسول (ص) و علي و فاطمة و الحسن و الحسين.

هذه الى كثير غيرها كانت تخالف حكومة الخلفاء الثلاثة، فرفعوا شعار حسبنا كتاب، اللّه و جردوا القرآن من حديث الرسول و بدأ العمل به الخليفة الصحابي أبو بكر، و أمر بكتابة نسخة من القرآن مجرّدة عن حديث الرسول و انتهى العمل على عهد الخليفة عمر، فبدأ عمله بمنع نشر حديث الرسول، و بعد وفاته وقعت الخصومة بين بعض الصحابة و التابعين و بني أمية و عصبة الخليفة الثالث، و أخذ الخصوم يروون من حديث الرسول ما فيهم ذمّ لعصبة الخلافة و كانت بأيدي الخصوم مصاحف فيها من بيان الرسول (ص) ما يستدل به الخصوم في مقابل عصبة الخلافة، فقام الخليفة الثالث بتنفيذ شعار جرّدوا القرآن من حديث الرسول (ص)، و أخذ نسخة المصحف المجرد من حديث

الرسول (ص) من أم المؤمنين حفصة، و استنسخ منها عدة نسخ من المصاحف المجرّدة عن حديث الرسول (ص)، و وزعها في بلاد المسلمين، و جمع مصاحف الصحابة اللاتي كان أصحابها قد دونوا فيها النصّ القرآني مع ما سمعوه من بيان الرسول في تفسير آياتها و أحرقها جميعا، فاستنسخ المسلمون مصاحف من تلك المصاحف المجردة عن بيان الرسول (ص).

و اصبح المصحف بعد ذلك اسما علما للقرآن المجرّد عن بيان الرسول (ص)، و مع مرور الزمن لم يعرف المسلمون في القرون التالية أن مصاحف الصحابة كان فيها بيان الرسول (ص) مع النص القرآني.

و عند ما حث الخليفة العباسي المنصور في سنة ثلاث و أربعين بعد المائة من الهجرة علماء المسلمين على تدوين العلوم، و كتب المتخصصون منهم بعلوم القرآن مع بيان آياته كما كان عليه الأمر على عهد الرسول سمّي المصحف الذي دوّن فيه القرآن مع بيان آياته بالتفسير كما مرّ بيانه.

خلاصة البحث و خاتمته:

أولا- القرآن:

هو كلام اللّه الّذي نزّله نجوما (1)على خاتم أنبيائه محمد (ص) بلسان عربي مبين، و هو ليس بشعر و لا نثر، في حين أنّ جميع كلام بني آدم في جميع اللغات إمّا أن يكون شعرا أو نثرا، و هذا أحد وجوه إعجاز القرآن.

و قد سمّى اللّه جميع القرآن بالقرآن، و كذلك سمّى جزءا منه بالقرآن، فهو مصطلح إسلامي.

و وصفه بالكتاب و الذكر و النور، و امثالها، فعدّ العلماء تلك الصفات من أسماء القرآن، و ليس للقرآن اسم غير القرآن.


1) نجوما أي في اوقاتها المعينة.

ثانيا- الكتاب:

أ- في اللغة:

كتب الكتاب كتبا و كتابا: دوّن حروف الهجاء على اشكال تكوّن منها الكلمات و الجمل.

و الكتاب: مصدر سمّي به المكتوب مثل قول بلقيس: أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ.

ب- في القرآن الكريم:

اطلق الكتاب في القرآن الكريم على كل كتاب انزله اللّه مثل التوراة و الانجيل و القرآن.

ج- في اصطلاح النحويين:

اشتهر كتاب سيبويه في النحو باسم الكتاب.

ثالثا- المصحف:

أ- في اللغة:

اسم للصحف التي تجمع بين الدفتين- الجلدين-.

ب- في مصطلح المسلمين:

استعمل المصحف الى عصر عثمان بهذا المعنى نفسه و كذلك في روايات أئمة أهل البيت (ع) و في أخبار مدرسة الخلفاء.

ج- سمّي كتاب خالد بن معدان من التابعين بمصحف خالد بن معدان و كان قد جمع فيه علمه.

د- في مصطلح الأمم السابقة:

كان سهل مولى عتيبة قبل اسلامه نصرانيا له عم من علماء أهل الكتاب له مصحف دون فيه اوصاف النبي (ص).

و المصاحف التي بلغنا أخبارها هي:

ه- مصحف فاطمة بنت النبي (ص):

كان لفاطمة مصحف دون فيه أخبار ممّا يأتي به الزمان.

و- مصاحف الصحابة:

كان للصحابة مصاحف دون صاحب كل منها ما سمعه من الرسول (ص) في بيان آي من القرآن الكريم مثل:

مصحفا أم المؤمنين عائشة و أم المؤمنين حفصة حيث أمرتا ان يكتب في مصحفهما بعد آية وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى و صلاة العصر، و كذلك كان لعدة من الصحابة مصاحف مثل:

مصحف عبد اللّه بن مسعود:

روي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ (في مواسم الحج) بعد رَبِّكُمْ في قوله تعالى في سورة البقرة:

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فان (في مواسم الحج) كان تفسيرا للآية و بيانا لزمان ابتغاء الفضيلة من الربّ تبارك و تعالى.

ز- مصحف الرسول (ص):

أوصى الرسول الإمام عليا أن يجمع الصحف المكتوب عليها القرآن و بيان الرسول ففعل فبقي ذلك المصحف عند الإمام علي، و ورثه من بعده مع ما ورث من صحف العلم الإمام الحسن، و انتقلت بعد الإمام الحسن (ع) إلى الإمام الحسين (ع) و من بعد إلى أولاده الأئمة كابرا بعد كابر.

سياسة تجريد القرآن من حديث الرسول (ص):

اقتضت سياسة الخلفاء الثلاثة تجريد القرآن من حديث الرسول (ص) كي لا ينتشر بين المسلمين خارج الحرمين موقف سادة قريش عصبة الخلافة القرشية من الرسول (ص) و الإسلام، و لا ينتشر بينهم من الثناء و النصّ في حق

غيرهم من مخالفيهم فبدءوا العمل بذلك على عهد الخليفة الأول ابي بكر حيث أمر بكتابة مصحف مجرد عن حديث الرسول (ص)، و استمر العمل على ذلك و انتهى في عصر الخليفة عمر، و أودعه عند أم المؤمنين حفصة، ثم استنسخ الخليفة الثالث عليها سبع نسخ و وزعها بين أمهات البلاد الإسلامية، فاستنسخ المسلمون منها مصاحفهم التي بقيت بأيدي المسلمين حتى اليوم مجرّدة عن حديث الرسول (ص)، و جمع ما عداها من مصاحف الصحابة اللاتي كتب فيها القرآن مع بيان الرسول (ص)، و اشتهر بين المسلمين في قرون متعاقبة حتى اليوم أن المصحف اسم للقرآن الذي في متناول أيديهم.

و بذلك اصبح المصحف في مصطلح المسلمين اسما علما للقرآن المجرّد عن بيان الرسول حتى اليوم.

و لمّا حثّ الخليفة العباسي المنصور علماء المسلمين على تدوين العلوم فقام بذلك علماء المسلمين و كان من ضمنها ما ألفوا في تفسير القرآن جمعوا فيها بين النص القرآني و تفسير آياته و كان عملهم هذا مشابها لعمل الصحابة في كتابة مصاحفهم، فاشتهر بين المسلمين تسمية القرآن المجرّد عن بيان و تفسير بالمصحف و المصحف الذي دوّن فيه القرآن مع بيان آياته بالتفسير.

ثالثا- السورة و الآية:

أ- السورة:

1- في اللغة:

اختلفوا في اصلها لغة، منها قولهم: أنّها من سور المدينة لإحاطتها بآياتها و اجتماعها كاجتماع البيوت بالسور (1).

2- في المصطلح الإسلامي القرآني:

جزء من القرآن يفتتح بالبسملة ما عدا سورة البراءة، و يشتمل على آي ذوات عدد، و قد جاءت بالمعنى الاصطلاحي في القرآن الكريم بلفظ المفرد تسع مرّات، و بلفظ الجمع مرّة واحدة.

و إنّ أصغر سور القرآن الكوثر و أكبرها البقرة.

3- في القرآن الكريم:

نرى أن اسماء سور القرآن المنحصرة باسم واحد مثل (الرحمن) و (الانفال) و (الانعام) مصطلحات اسلامية نزلت عن طريق الوحي الى رسول اللّه (ص) و ما اشتهر لها اسمان أو أكثر مثل سورة الاسراء التي تسمى ايضا بني اسرائيل ينبغي أن ندرس الروايات المروية عن الرسول (ص) في شأن تعدد أسماء بعض السور لمعرفة المصطلح الإسلامي منهما عن مصطلح المسلمين.


1) راجع مادة (السورة) في معجم ألفاظ القرآن الكريم.

ب- الآية:

في اللغة:

أشهر معاني (الآية) في اللغة: العلامة الواضحة للشي‌ء المحسوس، و الامارة الدالّة على المراد للأمر المعقول.

و مثال الأول قوله تعالى في سورة مريم في حكاية قول زكريا (ع):

قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (الآية/ 10) أي: قال اجعل لي علامة واضحة ...

و مثال الثاني قوله تعالى في سورة يوسف:

وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (الآية/ 105) أي كم من أمارة تدلّ على قدرة اللّه و حكمته، أو غيرها من صفاته يمرّون عليها و هم عنها معرضون.

و قول الشاعر:

و في كل شي‌ء له آيةتدل على أنه واحد في المصطلح الاسلامي:

ما قاله الراغب في مفردات القرآن.

(و يقال لكلّ جملة من القرآن دالّة على حكم: آية، سورة كانت، أو فصولا، أو فصلا من سورة.

و قد يقال لكلّ كلام منه، منفصل بفصل لفظي: آية.

و على هذا اعتبار آيات السورة الّتي تعدّ بها السورة) (1)


1) اخترنا ذكر أشهر معنى للآية في اللغة و التي تتناسب مع المعنى الاصطلاحي.

و تضاف اليه الحروف المقطعة المبدوء بها بعض سور القرآن مثل قوله تعالى في سورة البقرة: الم ذلِكَ الْكِتابُ ... و في سورة فصلت: حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال المؤلف:

إنّ الراغب و إن لم يفرّق بين المعنى اللغوي للآية و الّذي قدّم ذكره و بين معانيها في المصطلح الإسلامي و الّتي أخّر ذكرها، غير أنّا لمّا وجدنا المجموعة الثانية لم ترد عند العرب و إنّما جاءت في الكتاب و السنّة خاصّة، و شاع فيهما استعمال (الآية) في تلك المعاني، قلنا بأنها من معاني (الآية) في المصطلح الإسلامي، و كذلك القاعدة في معرفة المصطلح الإسلامي، مثل مصطلح الصلاة و الزكاة و الخمس في الشريعة الإسلامية.

و إنّ الراغب في تعريفه معنى (الآية) قسم ما وصفناه بالمصطلح الاسلامي إلى قسمين:

1- ما اعتبر (الحكم) في التسمية، حيث قال:

(كلّ جملة دالة على حكم آية، سورة كانت أو ...).

2- ما اعتبر (اللفظ) في التسمية، حيث قال:

(كلّ كلام ...).

و نحن بعد البحث و الفحص عن موارد استعمال (الآية) في القرآن الكريم وجدنا الراغب مصيبا في قوله، و إليكم الدليل على ذلك:

أولا- وجدنا من أمثلة القسم الأوّل:

1- قوله تعالى في سورة البقرة:

ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (106).

2- قوله تعالى في سورة النحل/ 101:

وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ 3- و قوله تعالى في سورة الأحزاب في خطابه لأزواج النبي (ص):

وَ اذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَ الْحِكْمَةِ (الأحزاب/ 34).

4- و منها قوله تعالى في سورة القصص/ 59:

وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا و قوله تعالى في سورة الزمر في حكاية خطاب الملائكة لأهل جهنم:

وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا (الآية/ 71).

5- و قوله تعالى في سورة آل عمران/ 113:

لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ و المعنى في الآية الأولى:

ما ننسخ من حكم في فصل من كتاب اللّه أو ننسه نأت بخير منه أو بمثله.

و في الآية الثانية:

و إذا بدّلنا حكما في فصل أو فصول من كتاب اللّه بحكم آخر في فصل أو فصول من كتاب اللّه.

و في الآية الثالثة:

و اذكرن يا أزواج النبيّ (ص) ما يتلى في بيوتكن من أحكام اللّه اللاتي جاءت في فصول كتاب اللّه.

و في الآية الرابعة:

حتّى يبعث اللّه في أمّ القرى رسولا يتلو على أهلها أحكام اللّه في فصول كتاب اللّه.

و في الآية الخامسة:

ليس أهل الكتاب متساوين في أمر الدين، منهم أمّة مستقيمة يتلون أحكاما من فصول كتاب اللّه.

ثانيا- وجدنا من أمثلة القسم الثاني، قوله تعالى في سورة يوسف:

الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ و قوله تعالى في سورة الرعد/ 1:

المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ....

و كذلك جاء نظيرها في أول يونس و النمل، و الثانية من الشعراء و القصص و لقمان.

إنّ هذه الآيات و نظائرها تشير إلى الآيات الّتي تشخص في كلّ سورة بالعدد، و يقال مثلا: سورة الحمد سبع آيات، كما جاء في حديث الرسول (ص) (1).

و الآية بهذا المعنى لم ترد في القرآن الكريم بغير لفظ الجمع، و قد قصد من (الآية) هنا ألفاظ الجملة القرآنية دون معناها.

و نضيف إلى ما سبق ما جاء في مادة الآية من معجم الفاظ القرآن الكريم قولهم.

و سمّيت معجزات الأنبياء (آية)، لأنّها علامة على صدقهم و على قدرة اللّه.

و نقول: إنّ منها قوله- تعالى- في حكاية قول صالح لقومه.

هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً (الأعراف/ 73)، و (هود/ 64).

و قوله تعالى في سورة النمل/ 12 في خطابه لموسى بن عمران حين أرسله إلى فرعون و قومه:ث.


1) سيأتي نصّ الحديث و سنده في بحث البسملة إن شاء اللّه تعالى. و راجع أيضا مادة (الآية) في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث.

وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَ قَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ و بناء على ما بيّناه فلفظ (آية) مشترك بين ثلاثة معان في المصطلح الاسلامي مضافا إلى معانيها في اللغة العربية.

و قد استعملت (الآية) بكثرة في معانيها اللغويّة و الاصطلاحيّة جميعا في القرآن الكريم.

و لا بدّ لنا في تشخيص المعنى المقصود أن نعمل بما قرره العلماء في علم أصول الفقه من أنّ اللفظ المشترك إذا جاء في الكلام لا بدّ أن تدلّ قرينة على المعنى المقصود منه.

و عليه ينبغي لفهم المراد مما جاء من مادة (الآية) في القرآن، أن نبحث عن القرينة الدالة على المعنى المقصود في التعبير القرآني.

الخلاصة:

السورة في المصطلح القرآني جزء من القرآن يفتتح بالبسملة عدا سورة براءة، كما يأتي بيانه في بحث البسملة من المجلد الثاني- إن شاء اللّه تعالى- و يشتمل على آيات تميّز بالترقيم، و نرى أن اللّه قد سمّى كل سورة باسم واحد.

و ما اشتهر لها أكثر من اسم واحد مثل سورة الإسراء و سورة بني إسرائيل ينبغي أن يبحث في السنّة النبوية عن اسمها في المصطلح القرآني.

(الآية) في اللغة: العلامة الواضحة على شي‌ء محسوس أو الأمارة الدالة على شي‌ء معقول.

و في المصطلح الإسلامي قد تكون (الآية): معجزة من معاجز الأنبياء أو جملة من ألفاظ سورة قرآنية معينة بالعدد أو فصلا أو فصولا من كتب اللّه تبيّن حكما من أحكام شريعته.

و لا نقول: إنّ معنى الآية في المصطلح الإسلامي ينحصر بما ذكرناه، بل

نقول: هذا ما عرفناه من معاني الآية إلى اليوم، و لعلّ البحث يعرّفنا بعد اليوم غيرها من معاني الآية في المصطلح الإسلامي.

إذا لفظ الآية مشترك في المصطلح الإسلامي بين عدّة معان، و لا يستعمل اللفظ المشترك في الكلام دونما قرينة تعين المعنى المقصود.

و يأتي تمام بحث الآية في بحث النسخ من المجلد الثاني من هذا الكتاب ان شاء اللّه تعالى.

رابعا- الجزء و الحزب:

قسّم المسلمون القرآن إلى ثلاثين قسما و كل قسم سمّوه جزءا (1)، و الجزء إلى أربعة أحزاب، و هما من مصطلح المسلمين، لعدم استعمالهما بهذا المعنى في الكتاب و السنّة.


1) روي أنّ تقسيم القرآن إلى ثلاثين جزءا كان في عصر الحجّاج.

خامسا- التلاوة و القراءة:

أ- التلاوة:

يقال: تلا الكتاب تلاوة: إذا تلفظ بكلمات كتاب يجب اتباعه مثل التوراة و الإنجيل و القرآن مع تدبر معاني جملاته.

و لا يقال: تلوت كتابك في ما لا يجب اتباعه، و بهذا المعنى جاء في قوله تعالى:

1- في سورة الكهف/ 27:

وَ اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ ....

2- في سورة العنكبوت/ 51:

أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ جاء في سيرة ابن هشام و تاريخ الطبري عند ذكرهما خبر دعوة الرسول (ص) في موسم الحج رهطا من الخزرج قالا:

(فدعاهم الى اللّه- عز و جلّ- و عرض عليهم الإسلام، و تلا عليهم القرآن) (1).


1) سيرة ابن هشام ط. الحجازي بالقاهرة 2/ 38. و تاريخ الطبري ط. مصر 2/ 353.

ب- القراءة و الإقراء:

اشارة

1- في اللغة:

قرأ الكتاب قراءة و قرآنا تتبع كلماته نظرا و نطق بها (1).

2- في المصطلح الإسلامي:

لمعرفة معنى القراءة و الاقراء في المصطلح الإسلامي نتدبر ما جاء من هذه المادة في القرآن الكريم و سنّة الرسول (ص).

أمّا القرآن فقد قال اللّه سبحانه:

أ- في سورة العلق: القرآن الكريم و روايات المدرستين ج‌1 287 ب - القراءة و الإقراء: .....

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.

ب- في سورة القيامة:

لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ج- في سورة الاعلى:

سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى د- في سورة الفرقان:

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ه- في سورة الاسراء:

وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ....

و- في سورة النحل/ 44:

وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ


1) المعجم الوسيط، مادة: قرأ.

ج- جمعه في كلام الرسول (ص).

د- جمعه حفظا في صدور من حفظه من الصحابة.

ه- جمعه كتبا في ما كتبه الصحابة في مصاحفهم.

و في السنّة:

أ- نقرأ في أخبار سيرة الرسول (ص) عند ما آمن به من دعاهم من الخزرج في موسم الحج ما رواه ابن هشام:

فلما انصرف عنه (ص) القوم بعث رسول اللّه (ص) معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار بن قصي، و أمره أن يقرئهم القرآن، و يعلّمهم الاسلام، و يفقّههم في الدين، فكان يسمى بالمدينة المقرئ (1).

ب- نقرأ عن سيرة الرسول في إقرائه القرآن لأصحابه ما رواه أحمد و غيره و اللفظ لأحمد.

قال: كانوا- أي الصحابة- يقترءون من رسول اللّه عشر آيات عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما فيها من العلم و العمل (2).

تفسير الآيات:

في سورة العلق أمر اللّه نبيه أن يقرأ و في سورة القيامة بين كيفية القراءة و الإقراء و قال:- جلّ اسمه- لا تعجل في القراءة ان علينا جمعه، أي: إن على اللّه جمع القرآن بكل ما للجمع من معنى أي جمع لفظ القرآن و معناه.

أ- جمعه في كلام جبرائيل للرسول (ص).

ب- جمعه في صدر الرسول (ص).


1) سيرة ابن هشام ط. القاهرة 2/ 76.

2) مسند احمد 5/ 410.

و- جمعه حفظا في صدور بعض المسلمين.

ز- جمعه كتبا في ما يكتبه البشر و تسجيلا على وسائل التسجيل في من سجله من البشر على الأشرطة إلى يوم الدين.

كل ذلك جمع للقرآن من قبل اللّه- تبارك و تعالى- و تحقيق لوعده، و ذلك بقاعدة وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى (الانفال/ 17).

و يفهم من قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ أنه- تبارك و تعالى- علّم رسوله معاني القرآن مع تعليمه تلاوة الفاظه. إذا فإن إقراء اللّه نبيه في قوله تعالى سَنُقْرِئُكَ ... كان بتعليمه تلاوة لفظ القرآن مع تعليمه معنى اللفظ في ما احتاج فهم معنى اللفظ إلى تعليم اللّه إيّاه (1). و تعليم معاني آي القرآن الكريم بما فيها آيات الاحكام كان بحاجة الى سعة في الوقت لاستيعاب المعنى، فكان من الحكمة ان ينزل القرآن متدرّجا، و ليعلّم الرسول (ص) المؤمنين كذلك تلاوة الفاظ القرآن مع ما تلقاه- ايضا- عن طريق الوحي من معاني الآيات متدرّجا ليستوعبوها و من أجل ذلك لم ينزل اللّه القرآن مرّة واحدة، بل أنزله على مكث، ليثبت به فؤاد الرسول (ص) اوّلا ثم يقرئ الرسول (ص) المؤمنين على مكث، إذا فإن معنى سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى نعلّمك تلاوة و لفظ القرآن مع بيان معناه و إنك لا تنسى ما علمناك من لفظ القرآن و بيان معانيه، و كذلك فعل الرسول (ص) في تعليم القرآن للصحابة فإنه (ص) كان يقرئ أصحابه عشر آيات عشر آيات على مكث يعلمهم في كل مرّة تلاوة ألفاظ الآيات العشر مع تعليمهم ما فيه من العلم و العمل.

و كان الاصحاب الذين تعلّموا لفظ القرآن و معناه من الرسول على مكث يعلّمون الآخرين تلاوة اللفظ و المعنى معا و كذلك كان الجميع يتقارءون القرآنس.


1) مرّ بنا في بحث (النظام الّذي سنّه النبي (ص) في إقراء القرآن) انّ النبي (ص) كان يتلقى عن طريق الوحي ما كان يعلم الناس.

على عهد الرسول (ص) مثل النفر الذين سمّوا بالقرّاء من أصحاب الرسول (ص) الذين بعث منهم سبعين شخصا لتعليم القرآن، فاستشهدوا في بئر معونة.

و كان رسول اللّه (ص) عند ما ينتخب الأقرأ من أصحابه، ليوليه على المسلمين مهما استطاع الى ذلك سبيلا ينتخب الاكثر علما بتلاوة لفظ القرآن مع فهم معناه.

و من جملة ذلك انه (ص) بعث مع الأنصار بعد ما بايعوه في العقبة بمنى مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، و أمره أن يقرئهم القرآن، و يعلمهم الاسلام، و يفقههم في الدين، فكان يسمى مصعب بالمدينة المقرئ (1).

و كذلك كان يفعل الصحابي الفقيه ابن مسعود الذي عيّنه عمر بن الخطاب، ليعلم أهل الكوفة القرآن في مسجد الكوفة عند ما كان يقرئ القرآن فانه لم يكن معلّم كتاتيب يعلّم الأطفال تلاوة الفاظ القرآن، بل كان مقرئا يعلم طلاب علوم القرآن تلاوة لفظ القرآن مع بيان معانيه.

و بناء على ذلك كان معنى الاقراء على عهد الرسول الى سنوات قليلة من بعده تعليم تلاوة اللفظ مع تعليم معناه.

و المقرئ من يعلم تلاوة لفظ القرآن مع تعليم معنى اللفظ و القارئ و جمعه القرّاء من تعلّم تلاوة لفظ القرآن مع تعلّم معنى اللفظ.

و قد قال الراغب في مادة (قرأ) من مفردات القرآن (كل اسم موضوع لمعنيين معا يطلق على كل واحد منهما اذا انفرد كالمائدة للخوان و للطعام، ثم قد يسمّى كل واحد منهما بانفراده به) و كذلك جرى الأمر في استعمال مادّة الإقراء فإنه كان في عصر الرسول (ص) يستعمل في المعنيين تعليم تلاوة اللفظ و تعليم معنى اللفظ و أصبح بعد انتشار تعلم القرآن يستعمل الإقراء في أحد المعنيين و هو2.


1) سيرة ابن هشام 2/ 42.

تعليم معنى الآيات التي تحتاج الى تفسير و من تلك الموارد ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه قال:

كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى و هو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجّها ... الحديث (1).

و إذا علمنا أن إسلام عبد الرحمن بن عوف كان في السنة الثالثة من البعثة حسب ما يذكر ابن هشام من أخبار السابقين الى الإسلام من المهاجرين (2).

و انّ آخر حجة حجّها عمر كانت سنة 23 ه و قتل في الشهر نفسه قتل في المدينة، عرفنا أن المدّة بين الزمانين أكثر من اثنتين و ثلاثين سنة و لم يكن كبراء المهاجرين أمثال عبد الرحمن بن عوف أطفال كتاتيب ليقرئهم ابن عباس تلاوة ألفاظ القرآن و إنما كان يعلّمهم تفسير القرآن.

ما يؤيّد انّ الصحابة كانوا يعنون بتعلّم معنى القرآن:

سيأتي في أخبار القرآن في عصر الخليفة عمر أنه كان يسأله عن معاني القرآن و أنه كان يقول في حقّه (نعم ترجمان القرآن عبد اللّه ابن عباس).

و كيف روّض الخليفة عمر كبار الصحابة أن يقترءوا القرآن من ابن عباس و كان الذين يفتون في عصر عمر هم الذين يقرءون القرآن، أي لهم حق تعليم معنى القرآن كما سندرسه- باذنه تعالى- بعد إيراد أخبار و روايات في شأن القرآن في ما يأتي.


1) صحيح البخاري 4/ 119 باب رجم الحبلى من كتاب الزنا إذا احصنت.

2) ذكر ابن هشام إسلام عبد الرحمن بن عوف و آخرين من المهاجرين قبل مباداة رسول اللّه (ص) قومة في السنة الثالثة من البعثة راجع سيرة ابن هشام ط. الحلبي بمصر سنة 1355 ه 1/ 268.

أخبار و روايات في شأن القرآن:

1- عند ما حضر الرسول (ص):

في صحيح البخاري و غيره بسندهم الى ابن عباس أنه قال: (لما حضر النبي (ص) و في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال: هلم أكتب كتابا لكم لن تضلوا بعده، قال عمر: أن النبي (ص) غلبه الوجع، و عندكم كتاب اللّه و اختلف أهل البيت، و اختصموا، فمنهم من يقول ما قال عمر.

فلمّا أكثروا اللغط و الاختلاف قال: قوموا عني و لا ينبغي عندي التنازع).

و في لفظ بعض الروايات و ما شأنه أهجر (1).

2- في أول عهد أبي بكر:

روى الذهبي أن الخليفة أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم، و قال في ما حدثهم: (... فلا تحدثوا عن رسول اللّه (ص) شيئا فمن سألكم، قولوا: بيننا و بينكم كتاب اللّه، فاستحلوا حلاله، و حرموا حرامه) (2).

3- على عهد عمر:

روى الطبري في سيرة عمر و قال: كان عمر إذا استعمل العمّال خرج معهم يشيعهم فيقول: جرّدوا القرآن و أقلّوا الرواية عن محمد (ص) و أنا شريككم) (3).

4- خبر صبيغ بن عسل:

كان صبيغ بن عسل يذهب إلى الأجناد أي البلاد التي يسكنها جنود المسلمين مثل البصرة و الكوفة و الإسكندرية و كان من ضمن اولئك الجنود


1) راجع مصادر الخبر في عبد اللّه بن سبأ، الجزء الأول، بحث: السقيفة ط. السادسة ص 97.

2) بترجمة أبي بكر من تذكرة الحفاظ للذهبي، 1/ 22- 23.

3) تاريخ الطبري، طبعة مصر سنة 1963، 4/ 204، و طبعة أوربا 1/ 2741.

صحابة الرسول (ص) الذين أخذوا من الرسول تفسير القرآن فيسأل منهم عن معاني آي القرآن الكريم فأخبر الخليفة عمر بذلك فجلبه إلى المدينة و أحضر له عراجين النخل و ضرب بها رأسه حتى أدماه و في المرة الثانية ضرب بها على ظهره حتى ترك ظهره دبرة أي على ظهره مثل قرحة الدوابّ، ثم تركه حتى برئ و أعاد ضربه ثالثة ثم نفاه إلى البصرة و حرمه عطاءه و نهى عن مجالسته فكان إذا حضر مجلسا في المسجد تفرقوا عنه و بقي كذلك حتى تشفع له الوالي أبو موسى عند الخليفة فرفع العقاب عنه (1).

*** و بناء على ما ذكرنا حصر الخليفة عمر تعليم معنى القرآن بعدد معدود، منهم ابن عباس و منع الآخرين من البحث عن معاني القرآن، و أمرهم بالاقتصار على تلاوة- لفظ- القرآن، و أنتج ذلك تبدّل معنى القراءة و الإقراء كالآتي بيانه باذنه تعالى.

تبدل معنى القراءة و الاقراء في مصطلح المسلمين:

مر بنا آنفا أن الرسول (ص) كان يتلقى عن طريق الوحي تلاوة لفظ القرآن و يتعلّم معناه في ما يحتاج معناه الى تعلّم من جبرائيل: مثل آيات الاحكام في الوضوء و التيمم و ركعات الصلاة و أذكارها و ما شابهها و ذلكم معنى سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (الاعلى/ 6).

و كان الرسول- أيضا- كذلك يفعل في إقرائه القرآن للصحابة و يسمى عندئذ من تعلم شيئا كثيرا من تلاوة لفظ القرآن مع تعلّم معناه بالقارئ و إذا قام القارى بإقراء الآخرين يسمى بالمقرئ.


1) ترجمته بمصورة مخطوطة ابن عساكر (8/ 1/ 116 أ- 118 أ)؛ و سنن الدارمي 1/ 54، 55- 56؛ و تفسير ابن كثير 4/ 231- 232؛ و تفسير الدر المنثور 6/ 111؛ و تفسير القرطبي 17/ 29؛ و الاكمال لابن ماكولا 5/ 221. و اخترنا لفظ ابن عساكر في المتن.

و بناء على ذلك كانت القراءة في عصر الرسول (ص) بمعنى تعلم تلاوة القرآن مع تعلم معناه و الإقراء تعليم تلاوة لفظ القرآن مع تعليم معنى اللفظ الذي يحتاج الى تعلّمه.

و كان لمعنى مادة القراءة و الإقراء في عصر الرسول (ص) جزءان:

أ- تعلم تلاوة اللفظ و تعليمها.

ب- تعلم معنى اللفظ و تعليمه.

إذا فإن القراءة و الإقراء كان في المصطلح الإسلامي في عصر الرسول (ص) بمعنى تعلم لفظ القرآن و تعلم معناه و تعليمهما معا.

و بهذا المعنى استعمل في قوله تعالى سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى و أيضا استعمل في القرآن الكريم في معناه اللغوي أحيانا في مثل قوله- تعالى- في سورة المزمل/ 20: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ و قوله تعالى في سورة الحاقّة/ 19: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ.

كما أن لفظ الصلاة استعمل في المصطلح الإسلامي بمعنى الصلاة الّتي تقرأ سورة الفاتحة في الركعتين الأوليين منها.

و بهذا المعنى استعمل في قوله- تعالى- في سورة البقرة/ 238:

حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى.

كما استعمل- أيضا- في معناه اللغوي في مثل قوله تغالى في سورة النور أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (الآية/ 41).

و استعملت القراءة و الاقراء بعد عصر الرسول (ص) غالبا في المعنى الاصطلاحي، و أحيانا استعمل في أحد جزأي المعنى الاصطلاحي و هو تعليم معنى القرآن أي تعليم تفسير القرآن.

و قد قال الراغب في مادة (قرأ) من مفردات القرآن:

(كل اسم موضوع لمعنيين معا يطلق على كل واحد منه إذا انفرد كالمائدة للخوان و للطعام، ثم قد يسمى كل واحد منهما بانفراده به).

و نرى أن ما جاء في صحيح البخاري أن ابن عباس كان يقرئ في منى في آخر سنة من خلافة عمر كبار الصحابة أمثال عبد الرحمن بن عوف القرآن جاء بمعنى اقراءهم معنى الآيات أي أنه كان يقرئهم تفسير القرآن.

و كان المسلمون صحابة و تابعين يعنون بتعلّم معاني القرآن بعد تعلّم تلاوته يسافرون من بلد الى بلد في سبيل ذلك كما فعل ذلك صبيغ بن عسل التميمي و أخذ يسافر من بلد فيه جند من اجناد المسلمين الى بلد آخر، و يسأل من صحابة الرسول بيان الرسول (ص) حول الآيات، و كانت الصحابة يومذاك في أجناد المسلمين.

كان صبيغ يحاول أن يتعلم منهم و يقترئ عليهم ما خفي عليه من معاني القرآن و كذلك كان يفعل المهاجرون الأولون أمثال عبد الرحمن بن عوف حين كان يقرئهم ابن عباس في منى في آخر حجة حجّها عمر، أي: في شهر ذي الحجة سنة 23 للهجرة، فإنّ المهاجرين الأولين الذين كانوا قد أسلموا بمكة، و مضى على إسلامهم اكثر من ربع قرن لم يكونوا أطفال كتاتيب يحتاجون الى تعلّم تلاوة القرآن أضف اليه إنا رأينا الخليفة عمر يسأله عن تفسير القرآن بمحضر الصحابة.

و بذلك كان قد رشحه لتعليم تفسير القرآن كما سيأتي في بحث من تاريخ القرآن على عهد الخليفة عمر.

و كذلك نفسّر ما جاء من مادّة (قرأ) في حديث الخليفة عمر في الشهر نفسه في آخر خطبة جمعة خطبها في مسجد الرسول قبل أن يطعن.

و كذلك نفسّر ما جاء عن أئمة أهل البيت (ع) أن المهدي إذا ظهر يأمر

بتعليم القرآن في مسجد الكوفة و سيأتي بيان كل ذلك كلّ في بابه من البحوث الآتية ان شاء اللّه تعالى.

في مصطلح المسلمين:

و بناء على ما ذكرنا آنفا فإن مادّة القراءة في المصطلح الإسلامي كانت تدل على تعلّم لفظ القرآن مع تعلّم معناه و استعمل في عصر الصحابة في المدينة بمعنى تعلم المعنى كما يظهر ذلك من كلام ابن عبّاس. و لمّا أمر الخليفة عمر بتجريد القرآن عن بيان الرسول (ص) و نهى عن السؤال عن معانيه، و نكّل بمن سأل عنه و نسخ الخليفة عثمان القرآن في مصاحف مجرّدا عن حديث الرسول (ص) و وزعها في بلاد المسلمين و حرّق ما عداها انتشرت القراءة المجرّدة للقرآن.

و في أخريات القرن الأول الهجري قام علماء العربية بتحريف القرآن و سمّوا كل تحريف (قراءة) و سمّوا كل من يعلّم تلك التحريفات المقرئ و سمّوا بعضهم المقرئ الكبير و سمّوا الذي تعلّم تلك التحريفات القارئ و جمعه القراء أي الذي يقرأ القرآن بتلك التحريفات.

و استمر الأمر على ذلك قرونا حتى نسي معنى القراءة و الاقراء في المصطلح الإسلامي الذي كان تعلّم اللفظ و المعنى معا.

و نتيجة لتبدل معنى القراءة و الإقراء في محاوراتهم فسّروا ما جاء منها في الكتاب و السنّة و محاورات الصحابة بالمعنى المتداول عندهم، أي: قراءة القراءات المختلفة كما سندرسها في بحث القراءات إن شاء اللّه تعالى.

نتيجة البحث:

يقال: تلا الكتاب لكتاب يجب العمل به مثل كتب اللّه المنزلة على رسله.

و يقال في لغة العرب: قرأ الكتاب قراءة اذا تتبع كلماته نظرا و نطق بها.

و في المصطلح الاسلامي:

يقال قرأ القرآن و اقترأه فهو قارئ اذا تعلّم تلاوة لفظ القرآن مع بيان معانيه و معنى اقرأه و يقرئه: علّم تلاوة لفظه مع تعليم معناه فهو عندئذ: مقرئ.

و لمّا رفع الخلفاء الثلاثة شعار جردوا القرآن من حديث الرسول، و كتبوا نسخة من القرآن مجرّدا عن حديث الرسول (ص)، و نسخوا عليها نسخا، و وزعوها في بلاد المسلمين، و أحرقوا مصاحف الصحابة الّتي كان أصحابها قد دونوا فيها لفظ القرآن مع ما أخذوا من الرسول (ص) في بيان معاني آياته انتشر بين المسلمين نسخ القرآن بدون بيان الرسول (ص).

و بعد ذلك التاريخ سمّي القرآن المجرّد عن بيان الرسول (ص) بالمصحف.

إذا فالمصحف قبل إحراق المصاحف كان اسما للقرآن الذي كتب معه شي‌ء من بيان الرسول (ص) و بعد احراق المصاحف أصبح اسما للقرآن دون بيان الرسول (ص).

و بعد أن أصدر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور في عام 143 ه أمرا بتدوين العلوم و بدأ العلماء يدونون النص القرآني مع بيان معانيه سميت تلك المدونات بالتفسير و بقي اسم القرآن المجرّد عن بيان معاني الآيات بالمصحف، و اشتهرت هذه التسمية على عهد الخلفاء العثمانيين بحيث أصبح القرآن و المصحف بعد ذلك كالإنسان و البشر لفظين مترادفين لمعنى واحد.

هذا ما كان من شأن تحول اسم المصحف منذ صدر الاسلام الى عصرنا الحاضر. و كذلك تبدل معنى القراءة و الاقراء ممّا كان عليه في صدر الإسلام كالآتي بيانه:

بينا كان معنى القراءة و الإقراء درس القرآن على المقرئ و تعلّم اللفظ و المعنى و على عهد الصحابة استعملت القراءة و الإقراء بمعنى تعلّم معنى القرآن و تعليمه.

القراءات المختلفة في أخريات القرن الاول الهجري في مدرسة الخلفاء فاستعملت القراءة و الإقراء في تعلّم تلك القراءات المختلفة المختلقة، حتى عصرنا الحاضر، كما سنبينه في بحث القراءات من المجلد الثاني من هذا الكتاب ان شاء اللّه تعالى.

*** كان ذلكم تطور معنى القراءة و الإقراء بالنسبة إلى القرآن الكريم و في ما يأتي ندرس باذنه تعالى استعمال القراءة في اصطلاح المحدثين بمدرسة أهل البيت (ع) مدى القرون.

القراءة في مصطلح المحدثين بمدرسة أهل البيت مدى القرون:

استعمل المحدثون بمدرسة أهل البيت مدى القرون القراءة في تدريس الاستاذ تلميذه الكتاب و تعلّم التلميذ الكتاب من استاذه كما نجدها في الإجازات الآتية (1):

أ- اجازة الشيخ فخر الدين محمّد (ت: 771 ه) ابن العلّامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر، للشيخ محسن بن مظاهر، و أجزت له أيضا أن يروي عنّي مصنّفات الشيخ ... أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، فمن ذلك كتاب تهذيب الأحكام، فانّي قرأته على والدي درسا بعد درس، و تمّت قراءته في جرجان سنة اثني عشر و سبعمائة عنّي عن والدي، ثمّ والدي قرأه على والده أبي المظفر يوسف بن عليّ بن المطهّر، و أجاز له روايته، ثمّ يوسف المذكور قرأه على الشيخ معمر بن هبة اللّه بن نافع الورّاق، و أجاز له روايته، ثمّ الفقيه معمر المذكور قرأه على الفقيه أبي جعفر محمّد بن شهرآشوب و أجاز له روايته، ثمّ شهرآشوب قرأه على مصنّفه أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، و قرأه جدّي مرّة ثانية على الشيخ يحيى بن محمّد بن يحيى بن الفرج السوراوي و أجاز له روايته، و الشيخ يحيى المذكور قرأه على الفقيه الحسين بن هبة اللّه بن رطبة، و أجاز له روايته، و الشيخ يحيى المذكور قرأه على المفيد أبي عبد اللّه محمّد بن الحسن الطوسي و أجاز له روايته، و المفيد قرأه على والده، و أجاز له روايته، و عندي مجلّد واحد من الكتاب الّذى قرأه المفيد على والده و هو بخطّ المصنّف والده، و قرأت أنا هذا المجلّد على والدي و باقي المجلّدات في نسخة أخرى.

و أمّا كتاب النهاية و الجمل، فانّي قرأتهما على والدي درسا بعد درس، و أجاز لي روايتهما بالطريق الثاني عن والده قرأه عليه عن باقي أهل السند


1) لقد حذفنا من عبارات الاجازات الفاظ المدح و الثناء و الترحم روما للاختصار.

المذكور قراءة (1). انتهى موضع الحاجة من الاجازة.

في هذا القسم من اجازة ابن العلّامة للشيخ محسن بن مظاهر يقول المجيز و هو في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، انّه قرأ تهذيب الشيخ الطوسي على والده العلّامة درسا بعد درس، و إنّ والده العلّامة كان قد قرأه على شيخه، و شيخه على شيخه.

و هكذا يذكر سلسلة القراءات، حتى ينهى تسلسل القراءات إلى قراءة على مؤلّف التهذيب الشيخ الطوسي، و يقول: انّ جزءا من كتاب التهذيب الّذي قرأه على والده كان بخطّ مؤلّفه الّذي توفي في النصف الأوّل من القرن الخامس الهجري.

و يقول في اجازته رواية كتاب النهاية: انّه قرأه أيضا على والده العلّامة درسا بعد درس، و يجيز الشيخ محسن روايته بطريق آخر ايضا تسلسلت فيه قراءة شيخ على شيخ إلى أن ينهى القراءة إلى مؤلف الكتاب.

ب- اجازة الشيخ المجلسي (ت: 1111 ه) بعد فقد قرأ عليّ و سمع مني المولى الفاضل ... حاجي محمّد الاردبيلي ... كثيرا من العلوم الدينية ... لا سيّما كتب الاخبار المأثورة عن الأئمة الأطهار- صلوات اللّه عليهم أجمعين- ثمّ استجازني، فاستخرت اللّه- سبحانه- و أجزت له أن يروي عنّي ... بحق روايتي و اجازتي عن مشايخي الكرام ... فمن ذلك ما أخبرني به عدّة ... ممّن قرأت عليهم أو سمعت منهم ... منهم والدي العلّامة و شيخه ... مولانا حسن علي التستري و ...

و هكذا سلسل المجلسي في هذه الاجازة سنده، حتى انتهى إلى فخر الدين محمّد، عن والده العلّامة الحلّي، ثم سلسل السند منه إلى الشيخ المفيدي.


1) البحار 107/ 223، و هذه الاجازة جاءت ضمن اجازة الشيخ علي بن محمد البياضي (ت: 827) للشيخ ناصر بن إبراهيم البويهي.

و الكليني و الصدوق.

ج- اجازة محمّد تقي المجلسي (ت: 1070 ه) لميرزا إبراهيم (فمنها ما أخبرني به قراءة و سماعا و اجازة بهاء الملة ... و الدين محمّد العاملي ... عن الشيخ عبد العالي ...

د- إجازة محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (ت: 1104 ه) للشيخ محمّد فاضل المشهدي. و قد قرأ عندي ما تيسّر قراءته و هو كتاب من لا يحضره الفقيه، من أوّله إلى آخره، و كتاب الاستبصار أيضا بتمامه، و كتاب اصول الكافي كلّه، و أكثر كتاب التهذيب، و غير ذلك، قراءة بحث و تنقيح و تدقيق، فأحسن و أجاد و أفاد أكثر ممّا استفاد بحيث ظهر جدّه و اجتهاده و قابليته و استعداده ... و أهليته لنقل الحديث و روايته، بل نقده و درايته، و قد التمس مني الاجازة فبادرت إلى اجابته ...

ه- اجازات المجلسي الخمس لتلميذه محمد شفيع على نسخ مخطوطة من مجلدات الكافي في مكتبة استان قدس الرضوي بخراسان المرقمة (ع 8528)

إجازات المجلسي (ره) لمن قرأ كتاب الكافي عليه‌
الاجازة الأولى:

بسم اللّه الرحمن الرحيم أنهاه المولى الفاضل محمّد شفيع التويسر كاني وفقه اللّه تعالى للارتقاء على أعلى مدارج الكمال في العلم و العمل سماعا و تصحيحا و تدقيقا و ضبطا في مجالس آخرها خامس عشر شهر جمادى الأولى من شهور سنة ثلاث و ثمانين بعد الألف من الهجرة.

و قول المجلسي في الاجازة (أنهاه)، أي: أنها تلميذه القراءة و هذه صورة الاجازة على صفحة من كتاب الكافي للكليني:

الاجازة الثانية:

بسم اللّه الرحمن الرحيم أنهاه المولى الفاضل البارع الذكي الألمعي مولانا محمد شفيع التويسركاني أيده اللّه تعالى سماعا و تصحيحا و تدقيقا و ضبطا في مجالس آخرها بعض أيام شهر ذي القعدة الحرام سنة ثلاث و ثمانين بعد الألف من الهجرة و أجزت له دام تأييده أن يروي عني كلما صحت لي روايته و إجازته بأسانيدي المتصلة إلى أصحاب العصمة صلوات اللّه عليهم أجمعين. كتب بيمناه الجانية أحقر عباد اللّه محمد باقر بن محمد تقي عفي عنهما حامدا مصليا مسلما.

ب- صحيفة الاجازة الثانية نسخة (كتابخانه آستان قدس) ع 8524

الاجازة الثالثة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم أنهاه المولى الفاضل البارع الذكي الألمعي اللوذعي مولانا محمد شفيع أيده اللّه سماعا و تصحيحا و تدقيقا و ضبطا في مجالس آخرها أواخر شهر ربيع الثاني لسنة أربع و ثمانين بعد الألف و أجزت له أن يروي عنّي كلما صحت روايته بأسانيدي المتصلة إلى أرباب العصمة صلوات اللّه عليهم و كتب ... أحقر العباد محمد بن محمد تقى المدعو باقر ...

ج- صحيفة الاجازة الثالثة

الاجازة الرابعة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم أنها المولى ... محمد شفيع التويسركاني وفقه اللّه تعالى للعروج على أعلى مدارج الكمال في العلم و العمل، سماعا و تصحيحا و تدقيقا و ضبطا في مجالس آخرها شهر محرم الحرام من شهور سنة سبع و ثمانين بعد الألف الهجرية بعد أن قرأ عليّ و سمع مني .... فأجزت له أن يروي عني كلما صحت روايته و إجازته بأسانيدي المتصلة .... أصحابنا رضوان اللّه عليهم.

و كتب بيمناه ... أحقر العباد محمد بن محمد تقي عفي عنهما حامدا مصليا مسلما.

د- صحيفة الاجازة الرابعة نسخة (كتابخانه آستان قدس) ع 8524

الاجازة الخامسة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم أنهاه المولى الفاضل الصالح التقي الذكي مولانا محمد شفيع وفقه اللّه تعالى للعروج على أعلى مدارج الكمال في العلم و العمل سماعا و تدقيقا و ضبطا في مجالس آخرها ثالث شهر جمادى الأولى من شهور سنة سبع و ثمانين بعد الألف الهجرية فأجزت له دام تأييده أن يروي عني كلما صحت لي روايته و اجازته بأسانيدي ... متصلة إلى .... أئمتنا صلوات اللّه عليهم أجمعين بشروط أجاز ... و كتبه بيمناه أحقر عباد اللّه محمد باقر بن محمد تقي ... حامدا مصليا مسلما.

ه- صحيفة الاجازة الخامسة نسخة (كتابخانه آستان قدس) ع 8524

نتيجة بحث القراءة في مصطلح المحدثين بمدرسة أهل البيت‌

في هذه الاجازات جاء في اجازة ابن العلامة الحلي لتلميذه: (فمن ذلك كتاب تهذيب الأحكام فاني قرأته على والدي درسا بعد درس و تمت قراءته في جرجان ثم والدي قرأه على ...).

و جاء في إجازة المجلسي لتلميذه: و قد قرأ عندي ما تيسر قراءته و هو كتاب من لا يحضره الفقيه من أوله إلى آخره و كتاب الاستبصار- أيضا- بتمامه و كتاب أصول الكافي كلّه و أكثر كتاب التهذيب و غير ذلك قراءة بحث و تنقيح و تدقيق ...

و جاء في اجازات المجلسي الخمس لتلميذه محمد شفيع: أنهاه سماعا و تصحيحا و تدقيقا و ضبطا و ... و سمع مني كثير من العلوم العقلية و النقلية في مجالس آخرها 1183 و هكذا ذكر تاريخ انهاء القراءة إلى سنة 1187 أي ان مدّة دراسة الكتاب على الاستاذ كانت أكثر من أربع سنوات و سمع من استاذه في تدريس الكافي كثيرا من الأمور العقلية و النقلية و ينبغي أن تكون تلك الأمور ما كان يحتاجه شرح الأحاديث التي تدرس في تلك المجالس.

و بناء على ذلك فإنّ قرأ قراءة كان في اصطلاح المحدثين بمدرسة أهل البيت (ع) طوال القرون بمعنى درس الكتاب على استاذه درسا بعد درس و تعلّمه منه تعلما، مع ما تقتضيه شرح الأحاديث من ذكر الأمور العقلية و النقلية.

*** كان ذلك معنى قراءة الحديث و إقراؤه عند علماء مدرسة أهل البيت إلى عصر المجلسي المتوفي 1111 ه و بناء على ذلك فان قراءة الحديث و السيرة أي السنّة النبوية كانت لديهم بمعنى دراسة لفظ الحديث مع تعلّم معناه و كان

معناه في نفس الزمان عند علماء مدرسة الخلفاء كالآتي بيانه بحوله تعالى:

معنى قراءة الحديث و اقرائه في مدرسة الخلفاء

ان قراءة الحديث عند علماء مدرسة الخلفاء في القرون المتوالية كان بمعنى سماع الحديث من الشيخ كما يدل على ذلك النصوص الآتية:

قال الحاكم النيسابوري (ت: 405 ه):

(ذكر النوع الثاني و الخمسين من معرفة علوم الحديث) هذا النوع من هذه العلوم معرفة من رخّص في العرض على العالم و رآه سماعا و من رأى الكتابة بالإجازة من بلد إلى بلد إخبارا و من أنكر ذلك و رأى شرح الحال فيه عند الرواية. و بيان العرض أن يكون الراوي حافظا متقنا، فيقدّم المستفيد إليه جزءا من حديثه أو أكثر من ذلك فيناوله فيتأمل الراوي حديثه فإذا أخبره و عرف أنه من حديثه قال للمستفيد قد وقفت على ما ناولتنيه و عرفت الأحاديث كلها و هذه رواياتي عن شيوخي فحدث بها عني. فقال جماعة من أئمة الحديث: إنّه سماع. (1).

و قال الخطيب البغدادي (ت: 463):

قلت و قد تقدمت منا الحكاية عن بعض أهل العلم أن السماع يصح بحصول التمييز و الاصغاء حسب، و لهذا بكروا بالأطفال في السماع من الشيوخ الذين علا اسنادهم.

أخبرنا علي بن المحسن القاضي ثنا محمد بن خلف بن محمد بن جيان الخلال قال سمعت أبا بكر عبد اللّه بن محمد بن زياد النيسابوري يقول سمعت إبراهيم الحربي يقول مات عبد الرزاق و للدبري ست سنين أو سبع سنين.


1) كتاب معرفة علوم الحديث، ذكر النوع الثاني و الخمسين من معرفة علوم الحديث 256- 257.

قلت روى الدبري عن عبد الرزاق عامة كتبه و نقلها الناس عنه و سمعوها منه.

سألت القاضي أبا عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قلت له في أي سنة سمعت (كتاب السنن) من أبي علي اللؤلؤي؟ فقال سمعته منه أربع مرات، فحضرت أول مرة و هو يقرأ عليه في سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة، و كتب أبي في كتابه حضر ابني القاسم و قرئ عليه في السنة الثانية و كتب أبي حضر ابني القاسم- و قرئ على اللؤلؤي و أنا أسمع في السنة الثالثة و في الرابعة، و كتب أبي في كتابه سمع ابني القاسم، و كان مولد أبي عمر في رجب من سنة اثنتين و عشرين و ثلاثمائة فعلى التقدير أنه سمعه في آخر دفعة و له خمس سنين، و اعتد الناس بذلك السماع، و نقل عنه الكتاب عامة أهل العلم من حفاظ الحديث و الفقهاء و غيرهم (1).

و قال:

باب ما جاء فيمن سمع حديثا فخفى عليه في وقت السماع حرف منه لادغام المحدث اياه ما حكمه؟

و قال الحسين بن علي الطيبي (ت: 743 ه):

الطريق الثاني- القراءة على الشيخ و يسميها أكثر قدماء المحدثين عرضا لان القارئ يعرضه على الشيخ سواء قرأ هو أم غيره و هو يسمع، و سواء قرأ من كتاب أم حفظ، و سواء كان الشيخ يحفظه أم لا إذا كان يمسك أصله هو أو ثقة غيره و هي رواية صحيحة باتفاق خلافا لبعض من لا يعتد به (2).

و اختلفوا في ان القراءة على الشيخ مثل السماع من لفظه في المرتبة أو3.


1) كتاب الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ط. المدينة المنورة ص 63 و 64.

2) في كتاب الخلاصة في أصول الحديث ط. العراق سنة 1391 ص 102- 103.

فوقه أو دونه فنقل عن أبي حنيفة و مالك و غيرهما ترجيح القراءة على الشيخ، و يروى عن مالك و أصحابه و أشياخه من علماء المدينة انهما سواء و هو مذهب معظم علماء الحجاز و الكوفة و البخاري، و الصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ و هو مذهب الجمهور من أهل المشرق.

و قال:

الثاني: يستحب أن يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ حدثني، و فيما سمعه من غيره حدثنا، و فيما قرأ عليه بنفسه: أخبرني و فيما قرئ عليه و هو يسمع: أخبرنا (1).

و قال السيوطي (ت: 911 ه):

بيان أقسام طرق تحمل الحديث و مجامعها ثمانية أقسام:

الأوّل: سماع لفظ الشيخ، و هو إملاء و غيره من حفظ و من كتاب. و هو أرفع الأقسام عند الجماهير. قال القاضي عياض: لا خلاف أنّه يجوز في هذا للسامع أن يقول في روايته: حدّثنا و أخبرنا و أنبأنا و سمعت فلانا و قال لنا و ذكر لنا قال الخطيب: أرفعها سمعت.

و قال ثمّ حدّثنا و حدّثني ثمّ أخبرنا، و هو كثير في الاستعمال (2).

القسم الثاني: القراءة على الشيخ، و يسمّيها أكثر المحدثين عرضا. سواء قرأت أو غيرك و أنت تسمع من كتاب أو حفظ، حفظ الشيخ أم لا إذا أمسك أصله هو أو ثقة، و هي رواية صحيحة.

نتيجة بحث القراءة بمدرسة الخلفاء

عرّف الطيبي و السيوطي القراءة على الشيخ في مدرسة الخلفاء: أن يعرض القارئ الحديث أو الكتاب على الشيخ سواء قرأ هو أم قرأ غيره و هو


1) الخلاصة في أصول الحديث ص 104.

2) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي 2/ 8- 12.

• القارئ- يسمع و سواء قرأ من كتاب أم حفظ و سواء كان الشيخ يحفظه أم لا إذا كان يمسك أصله هو- أي إذا كان الاستاذ بيده كتابه في الحديث- أو ثقة غيره- أي ان كتاب الاستاذ يكون بيد ثقة غير الاستاذ و غير التلميذ القارئ- و هي رواية صحيحة و يسمى هذا النوع من قراءة الحديث عند العلماء عرضا، و روى الخطيب البغدادي:

ان الدبري روى عن عبد الرزاق عامّة كتبه و نقلها الناس عنه و سمعوها منه و مات عبد الرزاق و للدبري ست سنين أو سبع سنين.

و قال ما موجزه:

و سمع أبو عمر القاسم بن جعفر كتاب السنن من أبي علي اللؤلؤي أربع مرات و هو يقرأ عليه أولها سنة (324 ه) و كذلك في السنة الثانية بعدها و كذلك في السنة الثالثة و الرابعة و كتب والده على الكتاب في كل مرة و حضر ابني و قرئ عليه- الكتاب- و سمع ابني ... و كان مولد أبي عمر في رجب من سنة (322 ه) (فعلى التقدير أنه سمعه في آخر دفعة و له خمس سنين و اعتدّ الناس بذلك السماع و نقل عنه الكتاب عامّة أهل العلم من حفّاظ الحديث و الفقهاء و غيرهم).

نتيجة المقارنة في معنى قراءة الحديث لدى المدرستين‌

أ- في مدرسة أهل البيت إلى القرن الثاني عشر كانت قراءة الحديث بمعنى: قراءة الحديث من تلميذ بلغت مؤهلاته أن يقول استاذه في نعته و كيفية قراءته: (قرأ كتاب .... عليّ في بلدة .... قراءة بحث و تنقيح و تدقيق فأحسن و أجاد و أفاد أكثر مما استفاد بحيث ظهر جدّه و اجتهاده و قابليته و استعداده ... و أهليّته لنقل الحديث و روايته بل نقده و درايته و قد التمس مني اجازة فبادرت إلى اجابته.

يقول الاستاذ الآخر في تلميذه و قراءته:

(أنهاه): أي أنهى قراءة الكتاب إلى الصفحة التي كتب الاجازة عليها (المولى الفاضل البارع الذكي الألمعي اللوذعي سماعا و تصحيحا و تدقيقا و ضبطا) مع تعلّم ما ينبغي أن يتعلّمه (من الأمور العقلية و النقلية)، و الأمور العقلية: شرح ما في بعض الأحاديث ممّا يحتاج إلى استعمال العقل في دراسة ما يستنبط من الحديث من عقائد و أحكام و معرفة عامّة و خاصّة و مجملة و بيّنة و مطلقة و مقيدة و ... و الأمور النقلية: دراسة أسناد الحديث و تفسير ألفاظه و ما شابههما (في مجالس آخرها ...) و بعد ذلك يجيز الاستاذ تلميذه و يكتب له: (أن يروي عنّي ما صحت لي روايته) كان ذلك جاريا و ساريا إلى القرن الثاني عشر الهجري.

ب- في مدرسة الخلفاء إلى القرن الحادي عشر.

كانت قراءة الحديث بمعنى سماع التلميذ قراءة استاذه عند ما يقرأ الحديث أو عند ما يقرؤه تلميذ آخر ثقة بمسمع من الاستاذ و ان كان التلميذ المستمع طفلا صغيرا بلغ سن خمس سنوات و عندئذ يصحّ للاستاذ أن يكتب لتلميذه الطفل هذا اجازة برواية ما يسمعه من الاستاذ من حديث أو ما قرئ على الاستاذ من حديث و كتاب و سمعه هذا الطفل ثمّ يأخذ من هذا التلميذ بهذه القراءة و ينقله عنه عامّة أهل العلم من حفّاظ الحديث و الفقهاء و غيرهم.

كان ذلكم جاريا و ساريا في مدرسة الخلفاء إلى القرن الحادي عشر الهجري.

و أخيرا فقد كان لا بدّ لنا من تقديم هذا البحث ضمن البحوث التمهيدية لمناقشة الروايات التي تزعزع الثقة بثبوت النص القرآني في المجلد الثاني من هذا الكتاب.

سادسا- الجامع و الحافظ:

أ- الجمع و الجامع:

1- في اللغة:

جاء الجمع في لغة العرب بمعنى ضم الشي‌ء بتقريب بعضه الى بعض يقال: جمعته فاجتمع، و جمع متفرقا: لمّ الأشياء المتفرقة، و ضمّ بعضها إلى بعض.

و جاء بالمعنى اللغوي الاول و الثاني في قوله- تعالى- في سورة القيامة:

أ- أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (الآية/ 3).

ب- وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ (الآية/ 9).

و أكثر ما يستعمل (جمع) في الأعيان و (أجمع) في الآراء كما في قوله تعالى في سورة يوسف/ 15:

فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ 2- جمع القرآن في المصطلح الاسلامي:

استعمل جمع القرآن جمع القرآن في كلام اللّه و حديث الرسول (ص) و محاورة الصحابة و اريد به جمعه في الصدور.

أ- في القرآن الكريم:

قال سبحانه في سورة القيامة:

لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (الآيات/ 16- 19) فقد قال ابن عباس في تفسيره ما موجزه:

(إنّ النبيّ كان يعالج من التنزيل شدّة، يحرّك لسانه و شفتيه- و حرّك ابن عباس شفتيه يحاكي الرسول (ص)- قال: فأنزل اللّه- تعالى- لا تُحَرِّكْ بِهِ ...

إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ، أي جمعه في صدرك ثم تقرأه فَإِذا قَرَأْناهُ ... أي فاستمع و أنصت، ثم اقرأه، قال: فكان رسول اللّه (ص) إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق قرأه كما قرأه جبريل (1)

147.

.

ب- في محاورات المسلمين:

استعمل (جمع القرآن) في عصر الصحابة: بكلا المعنيين جاء بمعنى الجمع في الصدور في روايتي أنس بن مالك في صحيح البخاري:

1- عن قتادة قال سألت أنس بن مالك (رض) من جمع القرآن على عهد النبي (ص)؟

قال: أربعة كلهم من الانصار:

أبي بن كعب (ت: 32 ه).

معاذ بن جبل (ت: 18 ه).

زيد بن ثابت (ت: 55 ه).

و ابو زيد- ثابت بن زيد بن النعمان.

2- قال أنس: مات النبي (ص) و لم يجمع القرآن غير أربعة:7.


1) صحيح البخاري 4/ 201 باب قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ من كتاب التوحيد، 4/ 201. و صحيح مسلم، كتاب الصلاة، الحديث: 147 و 148 ص 330- 331. و مسند أحمد 1/ 343. و سنن النسائي، كتاب الافتتاح، و تحريك ابن عباس لسانه في صحيح مسلم، الحديث:

أبو الدرداء- عويمر بن زيد (ت: 35 ه).

معاذ بن جبل.

زيد بن ثابت.

أبو زيد (1).

و في رواية أحمد و أبي داود: أنّ أمّ ورقة بنت عبد اللّه كانت قد جمعت القرآن و كان النبي (ص) قد أمرها أن تؤم أهل دارها ... الحديث (2).

و قد جاء بنفس المعنى في فهرست النديم حيث قال:

(الجماع للقرآن على عهد النبي (ص)).

علي بن أبي طالب (رض) (ت: 40 ه).

سعد بن عبيد بن النعمان بن عمرو بن زيد (رض).

أبو الدرداء عويمر بن زيد (رض).

معاذ بن جبل بن أوس (رض) (ت: 18 ه).

أبو زيد ثابت بن زيد بن النعمان.

أبيّ بن كعب بن قيس بن مالك بن امرئ القيس.

عبيد بن معاوية بن زيد بن ثابت الضحّاك (ت: 34 ه) و في ترجمة عبادة ابن الصامت بأسد الغابة ان عبادة و أبا أيوب- أيضا- كانا ممن جمع القرآن على عهد رسول اللّه (ص).

و كذلك جاء بمعنى جمع جميع آيات القرآن كتبا في سور القرآن و دوّن جميع السور في مصحف واحد بعد أن كانت السور منتشرة عندهم في صحائف من الجلد و الخشب و ما شابههما كما رووا و قالوا:ف.


1) الروايتان متواليتان في صحيح البخاري 3/ 152 باب القراء من أصحاب النبي. و أبو زيد من عمومة انس كما في طبقات ابن سعد باب (ذكر من جمع القرآن ... 2/ 355- 356.

2) تقدم ذكر مصادره في اخبار المصحف.

أ- (أقسم عليّ أن لا يرتدي الرداء حتّى يجمع القرآن في مصحف).

ب- (جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر).

ج- (أنّ أبا بكر أمر زيدا بجمع القرآن، فجمعه في صحف، و أودعها عند حفصة. و لمّا أراد عثمان أن يجمع القرآن أخذها من حفصة، و استنسخها في المصاحف) (1).

*** كان رسول اللّه (ص) أول من جمع القرآن حفظا في صدره من البشر و سوف نرى في بحث جمع القرآن- إن شاء اللّه تعالى- أن رسول اللّه (ص)- أيضا- كان أول من جمع القرآن، أي: أمر بكتابة جميع القرآن.

كان ذلكم معنى جمع القرآن حفظا في الصدور و كتبا في المصاحف، حتى عصر الصحابة، و سمّي بعدهم جامع القرآن في صدره بحافظ القرآن.

ب- حافظ القرآن:

يقال في اللغة: حفظ الشي‌ء، أي: رعاه و صانه و حرسه (2).

و يقال- أيضا- الحفظ: لضبط في النفس، و يضادّه النسيان (3).

و الحافظة و الذاكرة: قوّة في الإنسان تحفظ معلوماته.

و في القرون الأخيرة قيل لمن يحفظ القرآن عن ظهر قلب: الحافظ.

و كذلك يقال لمن يحفظ عددا كبيرا من الأحاديث: الحافظ (4).

بينما كان في صدر الإسلام يقال لمن حفظ القرآن عن ظهر قلب: الجامع


1) مسند أحمد 6/ 405 و سنن ابي داود كتاب الصلاة باب امامة النساء.

2) مادة (حفظ) بمعاجم اللغة.

3) مادة (حفظ) بمفردات الراغب.

4) المعجم المفهرس لألفاظ الحديث.

كما سبق بيانه، ثمّ تغير معنى الجامع بعد القرن الأوّل، كما سنذكره في ما يأتي بحوله تعالى.

و على ما ذكرنا فإنّ تسمية من حفظ القرآن بالحافظ من تسمية المسلمين و مصطلحهم، و ليس من مصطلحات الشرع الإسلامي.

سابعا- الترتيل و التجويد:

أ- الترتيل:

قال الراغب: الترتيل، إرسال الكلمة بسهولة و استقامة.

و روى ابن الجزري عن الإمام علي أنه قال: الترتيل: تجويد الحروف و معرفة الوقوف (1).

و في معجم ألفاظ القرآن الكريم، رتّل الكلام: أحسن تأليفه أو: أبانه و تمهّل في قراءته، و قال اللّه سبحانه: وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (الفرقان/ 32)، أي أنزلناه على الترتيل و هو ضدّ العجلة، و بيّناه و مكّنّاه.

و قال سبحانه: وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (المزمّل/ 4)، أي بيّنه تبيينا، و تمهّل في قراءته. و ليس هذا من المصطلح الإسلامي، و إنّما هو معنى لغوي. و إنما ذكرناه لصلته بعلم التجويد.

ب- التجويد:

التجويد في اللغة يقال: جوّد القول، أي: أتى بالقول الجيّد، و جوّد القراءة: قرأ جيّدا.


1) ابن الجزري: محمد بن محمد الشافعي (ت: 833 ه) و روى الخبر في كتابه النشر في القراءات العشر ط. المكتبة التجارية الكبرى بمصر، 1/ 209.

و قال ابن الجزري: التجويد إعطاء الحروف حقوقها و ترتيبها مراتبها و ردّ الحرف إلى مخرجه و أصله و إلحاقه بنظيره و تصحيح لفظه و تلطيف النطق به على حال صيغته و كمال هيأته من غير إسراف و لا تعسف و لا إفراط و لا تلف.

قال المؤلف:

هذا ما ذكروه. و لا أرى التجويد إلّا محاولة من مقرئ القرآن أن يؤدّي اللّفظ باللّهجة الّتي أدّاها رسول اللّه (ص). ثمّ تمرّن عليها قرّاء القرآن جيلا بعد جيل منذ عصر الرسول (ص) حتّى اليوم.

و نرى التجويد تعبيرا عن الترتيل و مصداقا له.

ثامنا- النسخ:

اشارة

النسخ في اللغة: إزالة شي‌ء بشي‌ء يتعقبه، يقال: نسخت الشمس الظلّ (1).

و في المصطلح الاسلامي: نسخ أحكام في شريعة بأحكام في شريعة أخرى (2)

كتاب الأصول في الحدود، تأليف الحافظ أبو الوليد سليمان بن خلف الأندلسي، (ت: 474 ه) ط. بيروت، سنة 1392، ص 490.

. مثل نسخ بعض أحكام الشرائع السابقة بأحكام في شريعة خاتم الأنبياء (ص) (3).

و كذلك نسخ حكم مؤقت بحكم أبديّ في شريعة خاتم الأنبياء (ص)، مثل نسخ حكم توارث المتآخيين من المهاجرين و الأنصار في المدينة قبل فتح مكّة بحكم توارث ذوي الأرحام بعد فتح مكّة.

و قد صنّف أتباع مدرسة الخلفاء النسخ إلى ثلاثة أصناف:

أ- نسخ التلاوة و الحكم: و يقصدون منه أنّ اللّه- سبحانه- كان قد أنزل من القرآن آيا أو سورا على رسوله (ص) تضمن حكما شرعيا ثمّ نسخ تلاوة ذلك


1) مفردات الراغب و المعجم الوسيط مادة (نسخ).

2) قال أبو الوليد: (النسخ: إزالة الحكم الثابت بشرع متقدم بشرع متأخّر عنه على وجه، لولاه لكان ثابتا).

3) كما سيأتي بيانه في بحث النسخ في المجلد الثاني من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

القرآن، فلم يكتب في المصحف المتداول بين المسلمين و نسخ حكمه من شريعة الإسلام.

ب- نسخ التلاوة دون الحكم: و يقصد منه أنّ اللّه- سبحانه- كان قد أنزل من القرآن آيا أو سورا على رسوله (ص) ثمّ نسخ تلاوتها، فلم يكتب في المصحف المتداول بين المسلمين، و أبقى حكمه في شريعة الإسلام.

ج- نسخ الحكم دون التلاوة: و يقصد منه أنّ اللّه- سبحانه- أنزل من القرآن آيا عمل بها المسلمون، ثمّ نسخ تلك الآيات بآيات أخرى، و بقيت الآيات المسماة منسوخة مكتوبة في المصحف و نسخ حكمها. و سيأتي بيان زيفها مفصّلا في بحوث النسخ إن شاء اللّه تعالى.

نتيجة البحوث:

أ- القرآن و السورة و الآية و الوحي من المصطلحات الاسلامية التي تستعمل في معانيها منذ عصر نزول القرآن حتى اليوم.

ب- الجزء و الحزب و التجويد و الحافظ من المصطلحات المستحدثة لدى المسلمين في العصور المتأخّرة.

ج- لفظ (الكتاب) مشترك بين عدّة معاني و لفظ (كتاب اللّه) يرد بمعنى الكتاب الذي أنزله على أنبيائه مثل التوراة و الانجيل و القرآن و يرد بمعنى ما فرضه اللّه على عباده مثل ما جاء في قوله تعالى:

إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ و بنفس المعنى جاء في قوله تعالى:

إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً و اشتهر (كتاب اللّه) بعد عصر الصحابة في الكتب التي أنزلها اللّه و فسّر العلماء كلّما جاء من هذا اللفظ في محاورات الصحابة بمعنى كتاب اللّه و قد اخطئوا في بعض الموارد.

د- القراءة و القارئ و المقرئ:

استعمل القارئ في تعابير عصر نزول القرآن بمعنى من يتعلّم القرآن مع معناه، و المقرئ من يعلّم القرآن مع المعنى اذا كان معنى مادة (القراءة) يساوي تدارس التفسير في عصرنا اذ يدرسون آي القرآن مع تفسيره، و كان المقرئ من يدرّس القرآن مع التفسير و القرّاء من تعلّموا القرآن مع التفسير.

و اقتضت سياسة حكم الخلفاء الثلاثة بعد الرسول (ص) تجريد القرآن عن بيان الرسول في تفسير القرآن و رفع هذا الشعار الخليفة الاول أبو بكر و تبدل معنى مادة (القراءة) بعد عصر الخليفة عثمان متدرّجا و اصبحت بمعنى تبديل لفظ القرآن بالفاظ لغات القبائل العربية مثل تميم و هذيل و القرّاء الكبار من يبدلون الفاظ القرآن بلغات القبائل او باجتهاداتهم الخاصّة و نسي المصطلح الإسلامي و اندرس و سيأتي شرحه مفصلا في بحث القراءات ان شاء اللّه تعالى.

ه الترتيل:

كان الترتيل في عصر نزول القرآن بمعنى (تجويد الحروف و حفظ الوقوف) كما روى ذلك عن الإمام علي. و في عصرنا يقال للقرآن المقروء بصفة خاصّة: (المصحف المرتل).

يوجد الترتيل اليوم لدى القراء في ما سجل لهم باسم المصحف المزمّل.

و- الجمع:

الجمع في اللغة ضمّ الشي‌ء بتقريب بعضه إلى بعض و جمع الاشياء المتفرقة ضمّ بعضها الى بعض و جمع القرآن: حفظا في الصدور، و كتابة آياته و سوره و ضم بعضها الى بعض و بهذا المعنى استعمل في القرآن و محاورات الصحابة.

ز- النسخ في المصطلح الإسلامي نسخ أحكام شريعة بأحكام شريعة أخرى أو نسخ حكم مؤقت بحكم أبدي في شريعة خاتم الأنبياء. و قد التبس أمر النسخ على العلماء بسبب الاحاديث المختلقة التي سوف ندرسها في بحث النسخ ان شاء اللّه تعالى.

*** بعد أن درسنا في هذا المجلد خصائص المجتمع العربي الجاهلي الذي نزل فيه القرآن و المجتمع العربي الإسلامي الذي انتشر منه القرآن و بحوثا من تاريخ القرآن ثم المصطلحات القرآنية يتيسر لنا دراسة الروايات التي رويت حول القرآن الكريم في المجلدين الآتيين من هذا الكتاب بحوله تعالى.

الفهرست‌

الموضوع الصفحة الإهداء 5 المقدمة 9 مخطط البحوث 23 بحوث تمهيدية (1) ملامح المجتمع العربي الجاهلي الذي نزل فيه القرآن و خصائصه أولا- النظام القبيلي 27 ثانيا- الوضع الاقتصادي و مصادر الثروة في الجزيرة العربية 32 أ و ب- التجارة و الإيلاف 32 ج و د- الضرع و الزرع 34 ه- الرّبا 34 خبر الربا في العصر الجاهلي 35 و- الاكتساب ببغى الجواري 36 شظف العيش في الجاهلية 37 وأد البنات 44 الوأد بداعي الحميّة الجاهلية 46

ثالثا- النظم الاجتماعية 51 أ- حميّة الجاهليّة و حكمها 51 ب- حكّام العرب 52 ج- شعراء العرب و أثر الشعر في الإنسان العربي 52 د- الكهانة 59 ه- التفاؤل و التطير 63 و- الأزلام و الميسر 65 ز- بيع الطعام عيب في الجاهلية 70 ح- السرقة عيب و الغارة فخر 70 ط- الخصومات 72 ي- السلب و النهب 72 ك- القوي يأكل الضعيف 74 ل- أسواق العرب 76 رابعا- أديان العرب في العصر الجاهلي 77 أ- الوثنية 77 ب- عقائد العرب في الجن و الغول و السعلاة 79 ج و د- اليهوديّة و المسيحية 81 تشريع الجاهليين في الأطعمة 82 الأنكحة في الجاهلية 85 الأشهر الحرم في الجاهلية 89 نتيجة البحث 91 بحوث تمهيدية (2) من تاريخ القرآن الفصل الأوّل: أخبار القرآن في عصر نزوله بمكة على عهد الرسول (ص) 95

أولا- القرآن و ما فيه 97 ثانيا- خصائص القرآن المكي و آثاره 99 أ- الخصائص الأدبية في القرآن المكي 99 تأثير القرآن المكي في قريش و استماعهم إليه سرا 102 ب- الخصائص الفكرية في القرآن المكي 103 قيام قريش لمقابلة الأثر الفكري للقرآن الكريم 106 الأثر الفكري و الأدبي للقرآن المكي في الإنسان العربي من غير قريش 107 قصة اسلام الطفيل بن عمرو الدوسي 107 ثالثا- بدء الدعوة 110 1- دعوة أقارب الرسول (ص) 110 2- دعوته عامة قبائل العرب 112 رابعا- مقابلة قريش للقرآن الكريم 115 أ- قريش تتشاور كيف تمنع تأثير القرآن في النفوس 116 ب- تعنت قريش برسول اللّه (ص) 118 اشتداد الخصومة الفكرية بين قريش و الرسول (ص) 123 مقابلات أخرى من قريش و استهزاء بالرسول (ص) و دعوته 127 نهاية أمر المستهزئين 128 خامسا- سياسة النبي في أمر القراءة و الإقراء 130 كيفية الإقراء 131 أ- اقراء اللّه جلّ اسمه لرسوله (ص) 131 ب- اقراء الرسول (ص) للنّاس 132 خبر اقراء ابن مسعود بقراءة القرآن 135 تبليغ الرسول القرآن بمكّة و النظام الذي سنّه لإقرائه 137 أولا- شأن القرآن الذي نزل بمكّة 137 ثانيا- تبليغ الرسول و النظام الذي سنّه 137

سادسا- تدوين القرآن 139 أ- من كان يقرأ و يكتب في مكّة 139 أمر الكتابة في مكة قبل نزول القرآن 139 ب- كيفية الإقراء 140 1- ما يخص الرسول (ص) 140 2- ما يعمّ المسلمين بمكة 141 المسلمون و القرآن في الحبشة 141 سابعا- خصائص المجتمع الإسلامي على عهد الرسول (ص) 143 أ- التعصب القبيلي للصحابة المهاجرين من قريش 144 ب- التعصب القبيلي في قبائل الأنصار 146 خبر مسجد ضرار 146 ج- خبر الشجار على ماء المريسيع 146 الفصل الثاني: أخبار القرآن في عصر نزوله في المدينة على عهد الرسول الأكرم (ص) 151 أولا- القرآن المدني و ما حواه 153 ما جرى مع أهل الكتاب 153 ثانيا- النظام الذي سنّه النبي (ص) في اقراء القرآن 157 ثالثا- نظام المفاضلة بالقرآن 165 أ- تعيين الأكثر قراءة للقرآن اماما للجماعة 165 ب- المفاضلة بعد الحياة و في القبر 167 ج- يوم القيامة 167 د- في الجنة 168 أثر كيفية اقراء الرسول (ص) في عصره 171 اهتمام الرسول (ص) بالسور الطوال 171 من قرأ القرآن على النبي و من جمعه على عهده و من كتبه من الصحابة 177

قول الصحابي أنس في من جمع القرآن على عهد النبي (ص) 178 دراسة الحديث 179 خبر القراء السبعين من أصحاب رسول اللّه (ص) الذين استشهدوا 183 تراجم القرّاء من الصحابة 187 رابعا- تدوين القرآن في المدينة 205 أ- أمر الكتابة في المدينة قبل الإسلام 205 ب- أمر الكتابة في المدينة بعد الإسلام 206 1- من كان يقرأ و يكتب من الصحابيات 206 2- اهتمام الرسول (ص) بتعليم الكتابة بين المسلمين 206 ج- من كتب لرسول اللّه (ص) 207 تعلّم كتابة اليهود 208 د- كيفية تدوين القرآن بأمر الرسول (ص) 211 ه- نظام تدوين القرآن 213 و- القلم الذي خط به القرآن 214 كتاب النبي (ص) إلى المنذر بن ساوى 216 خامسا- أخبار السيرة في القرآن الكريم 218 أ- ما يخص الرسول (ص) و أهل بيته 218 1- آية التطهير 218 2- آية المباهلة 224 3- الآيات الأولى من سورة براءة و خبر تبليغها 226 كيفية تبليغ الآيات لكفار قريش 226 4- آية يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ... 228

خبر الغدير 231

5- آية الولاية 234 6- آية النجوى 235 7- آية سورة براءة 236 ب- آيات تخصّ زوجات الرسول (ص) 238 ج- فيما يخص الصحابة 241 مما نزل في شأن الصحابة في مكة 241 مما نزل في شأن الصحابة في المدينة 242 خلاصة البحث 248 بحوث تمهيدية (3) مصطلحات اسلاميّة قرآنية مقدمة البحث 253 أولا- الوحي و نزوله 255 ثانيا- القرآن و الكتاب و المصحف 261 أ- القرآن 261 ب- الكتاب 262 ج- المصحف 264 سياسة تجريد القرآن من حديث الرسول (ص) 272 خلاصة البحث و خاتمته 274 ثالثا- السورة و الآية 278 رابعا- الجزء و الحزب 285 خامسا- التلاوة و القراءة 286 ما يؤيد ان الصحابة كانوا يعنون بتعلّم معنى القرآن 291 أخبار و روايات في شأن القرآن 292 تبدل معنى القراءة و الاقراء في مصطلح المسلمين 293 نتيجة البحث 296

القراءة في مصطلح المحدثين بمدرسة أهل البيت مدى القرون 299 اجازات المجلسي (ره) لمن قرأ كتاب الكافي عليه 302 نتيجة بحث القراءة في مصطلح المحدثين بمدرسة أهل البيت 312 معنى قراءة الحديث و اقرائه في مدرسة الخلفاء 313 نتيجة بحث القراءة بمدرسة الخلفاء 315 نتيجة المقارنة في معنى قراءة الحديث لدى المدرستين 316 سادسا- الجامع و الحافظ 318 سابعا- الترتيل و التجويد 323 ثامنا- النسخ 325 نتيجة البحوث 327 الفهرس 329