بحوث فی الملل و النحل جلد 8

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

سرشناسه : سبحانی تبریزی، جعفر، - 1308

عنوان و نام پديدآور : بحوث فی الملل و النحل: دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه

مشخصات نشر : قم: موسسه الامام الصادق علیه‌السلام 1427ق

مشخصات ظاهری:9ج

يادداشت : چاپ اول: 1408ق. = 1366

یادداشت : کتابنامه: ج. 1. ص. [340] - 348

مندرجات : ج. 1. و یتناول تاریخ و عقائد اهل الحدیث و الحنابله و السلفیه .--

موضوع : اسلام -- فرقه‌ها

رده بندی کنگره : BP236/س‌2ب‌3 1368

رده بندی دیویی : 297/5

شماره کتابشناسی ملی : م‌68-3742

محرر الرقمي: میثم حیدری دولت آبادی

اشارة

مقدمة

اشارة

بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ

الحمد للّٰه رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين.

أما بعد فهذا هو الجزء الثامن من موسوعة «بحوث في الملل و النحل» نقدمه للقراء الكرام حول الإسماعيلية و غيرها من الفرق الشيعية و به تنتهي سلسلة تلك البحوث نحمده سبحانه و نشكره أنّه بذلك حقيق.

تمهيد

الإسماعيلية فرقة من الشيعة القائلة بأنّ الإمامة بالتنصيص من النبي أو الإمام القائم مقامه، غير انّ هناك خلافاً بين الزيدية و الإمامية في عدد الأئمة و مفهوم التنصيص.

فالأئمّة المنصوصة خلافتهم و إمامتهم بعد النبي عند الزيدية لا يتجاوز عن الثلاثة: عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام، و السبطين الكريمين: الحسن و الحسين عليهم السّلام و بشهادة الأخير غلقت دائرة التنصيص، و جاءت مرحلة الانتخاب بالبيعة على تفصيل مرّ في الجزء السابع.

و أمّا الأئمّة المنصوصون عند الإمامية فاثنا عشر إماماً، آخرهم غائبهم، يُظهره اللّٰه سبحانه عند ما يشاء و قد حُوِّل أمر الأُمّة - في زمان غيبته - إلى الفقيه العارف بالأحكام و السنن، و الواقف على مصالح المسلمين، على النحو المقرّر في كتبهم و تآليفهم.

و أمّا الإسماعيلية فقد افترقت إلى فرق مختلفة:

1 - القرامطة: القائلة بإمامة محمد بن إسماعيل ابن الإمام الصادق و غيبته، ثمّ دخلت الإمامة في كهف الاستتار.

2 - الدروز: و هم يسوقون الإمامة إلى الإمام الحادي عشر الحاكم بأمر اللّٰه، ثمّ يقولون بغيبته و ينتظرون ظهوره.

3 - المستعلية: و هؤلاء يسوقون الإمامة إلى الإمام الثالث عشر المستنصر باللّٰه، و يقولون بإمامة ابنه المستعلى باللّٰه بعده، و هم المعروفون بالبهرة، و قد انقسمت المستعلية سنة 999 ه إلى فرقتين: داودية و سليمانية، سيوافيك بيانها.

4 - النزارية: و هؤلاء يسوقون الإمامة إلى المستنصر باللّٰه، ثمّ يقولون بإمامة ابنه الآخر نزار بن معد، و قد انقسمت النزارية إلى: مؤمنية و قاسمية المعروفة بالآغاخانية، و سيأتي سبب الانقسام و زمانه و الركب الإمامي منقطع عن السير عند الجميع إلّا القاسمية حيث يقولون باستمرار الإمامة إلى العصر الحاضر.

هذا كلّه حول اختلافهم في استمرار الإمامة، و أمّا اختلافهم مع الزيدية و الإمامية في مفهوم التنصيص، فإنّه عند الفرقتين الأخيرتين يرجع إلى تعيين الإمام و القائم بالأمر باللفظ و الاشهاد، بخلاف الإسماعيلية فإنّها تنتقل عندهم من الآباء إلى الأبناء، و يكون انتقالُها عن طريق الميلاد الطبيعي، فيكون ذلك بمثابة نص من الأب بتعيين الابن، و إذا كان للأب عدة أبناء فهو بما أُوتي من معرفة خارقة للعادة يستطيع أن يعرف من هو الإمام الذي وقع عليه النص. فالقول بأنّ الإمامة عندهم بالوراثة أولى من القول بالتنصيص.

و على كلّ تقدير فهذه الفرقة، منشقّة عن الشيعة، معتقدة بإمامة إسماعيل ابن جعفر بعد الإمام الصادق عليه السّلام و هي متواجدة في كثير من الأقطار، منها: الهند، و باكستان، و اليمن و نواحيها، و سوريا، و لبنان و أفغانستان، و إفريقية و إيران و نحقّق مذهبهم و فرقهم و آثارهم في ضمن فصول:

الفصل الأوّل: الخطوط العريضة للمذهب الإسماعيلي

اشارة

إنّ للمذهب الإسماعيلي آراءً و عقائد، ستوافيك تفاصيلها في الفصول الآتية نذكرها هنا على وجه الإيجاز:

الأُولى: انتماؤهم إلى بيت الوحي و الرسالة

كانت الدعوة الإسماعيلية يوم نشوئها دعوة بسيطة لا تتبنّى سوى: إمامة المسلمين، و خلافة الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و استلام الحكم من العباسيّين بحجة ظلمهم و تعسّفهم؛ غير أنّ دعوة بهذه السذاجة لا يكتب لها البقاء إلّا باستخدام عوامل تُضمن لها البقاء، و تستقطب أهواءَ الناس و ميولهم.

و من تلك العوامل التي لها رصيد شعبي كبير هو ادّعاء انتماء أئمّتهم إلى بيت الوحي و الرسالة، و كونهم من ذرية الرسول و أبناء بنته الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السّلام، و كان المسلمون منذُ عهدِ الرسول يتعاطفون مع أهل بيت النبيّ، و قد كانت محبتهم و موالاتهم شعار كلّ مسلم واع.

و ممّا يشير إلى ذلك انّ الثورات التي نشبتْ ضدّ الأُمويين كانت تحمل شعار حب أهل البيت عليهم السّلام و الاقتداء بهم و التفاني دونهم، و من هذا المنطلق صارت الإسماعيلية تفتخر بانتماء أئمتهم إلى النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم حتى إذا تسلّموا مقاليد الحكم و قامت دولتهم، اشتهروا بالفاطميين، و كانت التسمية يومذاك تهزّ المشاعر و تجذب العواطف بحجة انّ الأبناء يرثون ما للآباء من الفضائل و المآثر، و انّ تكريم ذرية الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم تكريم له صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، فشتان ما بين بيت أُسس بنيانه على تقوى من اللّٰه و رضوانه، و بيت أُسّس بنيانه على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم.

الثانية: تأويل الظواهر

إنّ تأويل الظواهر و إرجاعها إلى خلاف ما يتبادر منها في عرف المتشرّعة هي السمة البارزة الثانية للدعوة الإسماعيلية، و هي إحدى الدعائم الأساسية بحيث لو انسلخت الدعوة عن التأويل و اكتفت بالظواهر، لم تتميز عن سائر الفرق الشيعية إلّا بصَرف الإمامة عن الإمام الكاظم عليه السّلام إلى أخيه إسماعيل بن جعفر، و قد بنوا على هذه الدعامة مذهبهم في مجالي العقيدة و الشريعة، و خصوصاً فيما يرجع إلى تفسير الإمامة و تصنيفها إلى أصناف، سيوافيك بيانه.

و لم يكن تأويل الظواهر أمراً مبتدعاً، بل سبقهم ثلة من المندسّين في أصحاب الإمام الصادق عليه السّلام الذين طردهم الإمام و لعنهم و حذّر شيعته من الاختلاط بهم، لصيانتهم عن التأثر بآرائهم و الانجراف في متاهاتهم كأبي منصور، و أبي الخطاب، و المغيرة بن سعيد، و غيرهم من ملاحدة عصره و زنادقة زمانه.

إنّ تأويل الظواهر و التلاعب بآيات الذكر الحكيم و تفسيرها بالأهواء و الميول جعل المذهب الإسماعيلي يتطور مع تطور الزمان، و يتكيّف بمكيفاته، و لا ترى الدعوة أمامها أي مانع من مماشاة المستجدات و إن كانت على خلاف الشرع أو الضرورة الدينية.

الثالثة: تطعيم مذهبهم بالمسائل الفلسفية

إنّ ظاهرة الجمود على النصوص و الظواهر و رفض العقل في مجالات العقائد، كانت من أهمّ ميزات العصر العباسي حيث كانوا يرفضون كل بحثٍ عقلي خارج عن هذا الإطار خاصّة في عهد المنصور و الرشيد، فقد طردوا حماة البحث الحرّ و الانفتاح الفكري و ضيّقوا عليهم.

إنّ هذه الظاهرة على خلاف الشريعة، التي تدعو إلى التفكّر و التعقّل. و كان

الإمام علي عليه السّلام أوّل من فتحَ باب الأبحاث العقلية على مصراعيه و بيّن الخطوط العريضة لكثير من العقائد على ضوء البرهان و الدليل.

إنّ ظاهرة الجمود في أوساط العباسيين ولّدت ردّ فعلٍ عند أئمة الإسماعيليّة، فانجرفوا في تيارات المسائل الفلسفية و جعلوها من صميم الدين و جذوره، و انقلب المذهب إلى منهج فلسفي يتطوّر مع تطوّر الزمن، و يتبنّى أُصولاً لا تجد منها في الشريعة الإسلامية عيناً و لا أثراً.

يقول المؤرّخ الإسماعيلي المعاصر: إنّ كلمة «إسماعيلية» كانت في بادئ الأمر تدل على أنّها من إحدى الفرق الشيعية المعتدلة، لكنّها صارت مع تطور الزمن حركة عقلية تدلّ على أصحاب مذاهب دينية مختلفة، و أحزاب سياسية و اجتماعية متعدّدة، و آراء فلسفية و علمية متنوعة.(1)

الرابعة: تنظيم الدعوة

ظهرت الدعوة الإسماعيلية في ظروف ساد فيها سلطانُ العباسيين شرقَ الأرض و غربها، و نشروا في كلّ بقعة جواسيس و عيوناً ينقلون الأخبار - خاصة أخبار مخالفيهم و مناوئيهم - إلى مركز الخلافة الإسلامية، ففي مثل هذه الظروف العصيبة لا يكتب النجاح لكلّ دعوة تقوم ضد السلطة إلّا إذا امتلكت تنظيماً و تخطيطاً متقناً يضمن استمرارَها، و يصون دعاتها و أتباعها من حبائل النظام الحاكم و كشف أسرارهم.

و قد وقف الدعاة على خطورة الموقف و أحسّوا بلزوم إتقان التخطيط و التنظيم، و بلغوا فيه الذروة بحيث لو قورنت مع أحدث التنظيمات الحزبية العصرية، لفاقتها و كانت لهم القدح المعلّى في هذا المضمار، و قد ابتكروا أساليب


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 14، و المؤلف سوري إسماعيلي و في طليعة كُتّابهم.

دقيقة يقف عليها من سبر تراجمهم و قرأ تاريخهم، و لم يكتفوا بذلك فحسب بل جعلوا تنظيمات الدعوة من صميم العقيدة و فلسفتها.

يقول المؤرخ الإسماعيلي المعاصر: و بالحقيقة لم توجه أية دولة من الدول، أو فرقة من الفرق، اهتماماً خاصاً بالدعاية و تنظيمها، كما اهتمّت بها الإسماعيلية، فجعلت منها الوسيلة الرئيسية لتحقيق نجاح الحركة في دور الستر و التخفّي، و دور الظهور و البناء معاً. و لقد أحدث التخطيط الدعاوي المنظم تنظيماً عجيباً لم يسبقهم إليه أحد في العالم، و ابتكرت الأساليب المبنية على أُسس مكينة مستوحاة من عقيدتها الصميمة.

و لقد برعوا براعة لا توصف في تنظيم أجهزة الدعاية - على قِلّة الوسائل في ذلك العصر - و استطاعوا أن يشرفوا بسرعة فائقة على أقاصي بقاع البلدان الإسلامية، و يتنسمون أخبار أتباعهم في الأبعاد المتناهية. و ذلك بما نظموا من أساليب و أحدثوا من وسائل. و قد كان للحمام الزاجل - الذي برع في استخدامه دعاة الإسماعيلية - أثره الفعّال في تنظيم نقل الأخبار و المراسلات السرية الهامّة.(1)

الخامسة: إضفاء طابع القداسة على أئمّتهم و دعاتهم

شعرت الدعوة الإسماعيلية أيام نشوئها بأنّه لا بقاء لها إلّا إذا أضفتْ طابع القداسة على أئمّتهم و دعاتهم بحيث توجب مخالفتهم مروقاً عن الدين و خروجاً عن طاعة الإمام «و الجدير بالاهتمام انّ الإمام الإسماعيلي - و الذي يعتبر رئيساً للدعوة - جعل الدعاة من (حدود الدين) إمعاناً منه في إسباغ الفضائل عليهم ليتمكّنوا من نشر الدعوة و توجيه الأتباع و المريدين دون ما أيّة معارضة أو مخالفة،


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 37.

لأنّ مخالفتهم و معارضتهم تعتبر بالنسبة للإسماعيلية مروقاً عن الدين، و خروجاً عن طاعة الإمام نفسه، لأنّهم من صلب العقيدة و حدودها».(1)

إنّ الإمامة تحتل عند الإسماعيلية مركزاً مرموقاً و لها درجات و مقامات مختلفة - سيوافيك تفصيلها في مظانها - حتى أضحت من أبرز سمات المذهب الإسماعيلي فهم يعتقدون بالنطقاء الستة، و انّ كلّ ناطق رسول يتلوه أئمة سبعة:

1 - فآدم رسول ناطق تلته أئمة سبعة بعده.

2 - فنوح رسول ناطق تلته أئمة سبعة.

3 - فإبراهيم رسول ناطق جاءت بعده أئمة سبعة.

4 - فموسى رسول ناطق تلته أئمة سبعة.

5 - فعيسىٰ رسول ناطق تلته أئمة سبعة.

6 - فمحمّد رسول ناطق تلته أئمة سبعة، و هم:

علي بن أبي طالب، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي بن الحسين، محمد ابن علي الباقر، جعفر بن محمد الصادق، إسماعيل بن جعفر.

و بذلك يتم دور الأئمة السبعة و يكون التالي رسولاً ناطقاً سابعاً و ناسخاً للشريعة السابقة و هو محمد بن إسماعيل و هذا ممّا يصادم عقائد جمهور المسلمين من أنّ نبيّ الإسلام صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم هو خاتم الأنبياء و المرسلين، و شريعته خاتمة الشرائع، و كتابه خاتم الكتب.

فعند ذلك وقعت الإسماعيلية في مأزق كبير سيوافيك تفصيله في الفصول الآتية إن شاء اللّٰه تعالى.


1) . المصدر السابق: 37.

السادسة: تربية الفدائيين للدفاع عن المذهب

إنّ الأقلية المعارضة من أجل الحفاظ على كيانها لا مناص لها من تربية فدائيين مضحِّين بأنفسهم في سبيل الدعوة لصيانة أئمّتهم و دعاتهم من تعرض الأعداء، فينتقون من العناصر المخلصة المعروفة بالتضحية و الإقدام، و الشجاعة النادرة، و الجرأة الخارقة، و يكلَّفون بالتضحيات الجسدية، و تنفيذ أوامر الإمام أو نائبه، و إليك أحد النماذج المذكورة في التاريخ:

في سنة 500 هجرية فكر فخر الملك بن نظام وزير السلطان سنجر، أن يثأر لأبيه و هاجم قلاع الإسماعيلية، فأوفد إليه الحسن بن الصباح أحد فدائييه فقتله بطعنة خنجر، و لقد كانت قلاعه في حصار مستمر من قبل السلجوقيين.

و في سنة 501 ه حوصرت قلعة «ألموت» من قبل السلطان السلجوقي و اشتد الحصار عليها، فأرسل السلطان رسولاً إلى الحسن بن الصباح يطلب منه الاستسلام، و يدعوه لطاعته، فنادى الحسن أحد فدائييه و قال له: ألقي بنفسك من هذا البرج ففعل، و قال للثاني: اطعن نفسك بهذا الخنجر ففعل، فقال للرسول: اذهب و قل لمولاك إنّه لدي سبعونَ ألفاً من الرجال الأُمناء المخلَصين أمثال هؤلاء الذين يبذلون دماءهم في سبيل عقيدتهم المثلى.(1)

و قد تفشّت هذه الظاهرة بين أوساطهم، و آل أمر الأتباع إلى طاعة عمياء لأئمتهم و دعاتهم في كلّ حكم يصدر عن القيادة العامة، أو الدعاة الخاصين دون الإفصاح عن أسبابه، و بلغ بهم الأمر إطاعتهم لأئمّتهم في رفع بعض الأحكام الإسلامية عن الجيل الإسماعيلي بحجة انّ العصر يضاده، و يشهد على ذلك ما كتبه المؤرّخ الإسماعيلي إذ يقول عن إمام عصره آغا خان الثالث إنّه قال: «إنّ الحجاب يتعارض و العقائد الإسماعيلية، و إنّي أُهيب بكل إسماعيلية أن تنزع


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 263.

نقابَها، و تنزل إلى معترك الحياة لتساهم مساهمة فعالة في بناء الهيكل الاجتماعي و الديني للطائفة الإسماعيلية خاصّة و للعالم الإسلامي عامة، و أن تعمل جنباً إلى جنب مع الرجل في مختلف نواحي الحياة أسوة بجميع النساء الإسماعيليات في العالم، و آمل في زيارتي القادمة أن لا أرى أثراً للحجاب بين النساء الإسماعيليات، و آمرك أن تبلغ ما سمعت لعموم الإسماعيليات بدون إبطاء».(1)

السابعة: كتمان الوثائق

إنّ استعراض تاريخ الدعوات الباطنية السرية و تنظيماتها رهن الوقوف على وثائقها و مصادرها التي تنير الدرب لاستجلاء كنهها، و كشف حقيقتها و ما غمض من رموزها و مصطلحاتها، و لكن للأسف الشديد انّ الإسماعيلية كتموا وثائقهم و كتاباتهم و مؤلفاتهم و كلّ شيء يعود لهم و لم يبذلوها لأحد سواهم، فصار البحث عن الإسماعيلية بطوائفها أمراً مستعصياً، إلّا أن يستند الباحث إلى كتب خصومهم و ما قيل فيهم، و من المعلوم انّ القضاء في حقّ طائفة استناداً إلى كلمات مخالفيهم، خارج عن أدب البحث النزيه.

و هذا ليس شيئاً عجيباً إنّما العجب انّ المؤرّخين المعاصرين من الإسماعيلية واجهوا نفس هذه المشكلة منذ زمن طويل، يقول مصطفى غالب و هو من طليعة كتّاب الإسماعيلية: «من المشاكل المستعصية التي يصعب على المؤرّخ و الباحث حلّها و سبر أغوارها، و هو يستعرض تاريخ الدعوات الباطنية السرية، و تنظيماتها، حرص تلك الدعوات الشديد على كتمان وثائقهم و مصادرهم - إلى أن يقول: - و المعلومات التي نقدّمها للمهتمّين بالدراسات الإسلامية مستقاة من الوثائق و المصادر الإسماعيلية السرية».(2)


1) . المصدر السابق: 265، الخطاب لمن رفع السؤال إليه و هو الكاتب مصطفى غالب السوريّ.

2) . المصدر نفسه: 35.

نعم كانت الدعوة الإسماعيلية محفوفة بالغموض و الأسرار إلى أن جاء دور بعض المستشرقين فوقفوا على بعض تلك الوثائق و نشروها، و أوّل من طرق هذا الباب المستشرق الروسي الكبير البروفسور «ايفانوف» عضو جمعية الدراسات الإسلامية في «بومباي» و بعده البروفسور «لويس ماسينيون» المستشرق الفرنسي الشهير، ثمّ الدكتور «شتروطمان» الألماني عميد معهد الدراسات الشرقية بجامعة هامبورغ، و «مسيو هانري كوربن» أُستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة طهران، و المستشرق الانكليزي «برنارد لويس».

يقول المؤرخ المعاصر: حتى سنة 1922 ميلادية كانت المكتبات في جميع أنحاء العالم فقيرة بالكتب الإسماعيلية إلى أن قام المستشرق الألماني «ادوارد برون» بإنشاء مكتبة إسماعيلية ضخمة غايتها إظهار الآثار العلمية لطائفة كانت في مقدمة الطوائف الإسلامية في الناحية الفكرية و الفلسفية و العلمية، و لم يقتصر نشاط أُولئك المستشرقين عند حدود التأليف و النشر، بل تعدّاه إلى الدعاية المنتظمة سواء في المجلاّت العلمية الكبرى، كمجلة المتحف الآسيوية التي كانت تصدرها أكاديمية العلوم الروسية في مدينة «بطروسبورغ» و يشرف على تحريرها «ايفانوف» و بعض المستشرقين الروس أمثال «سامينوف» و غيره ممن دبّجوا المقالات الطوال عن العقيدة الإسماعيلية.

ففي سنة 1918 كتب المستشرق «سامينوف» مقاله الأوّل عن الدعوة الإسماعيلية و قد جمعه بنفسه و نشره في مجلته كما نقل إلى اللغة الإنكليزية عدداً ضخماً من الكتب الإسماعيلية المؤلفة باللغتين «الكجراتية» و «الأُوردية» - إلى أن قال: - لقد أحدثت تلك الدراسات الهامة ثورة فكرية و انقلاباً عكسياً في العالم الإسلامي، حيث قام عدد من الأساتذة المصريين بنشر الآثار الإسماعيلية في العهود الفاطمية، فأخرجوا إلى حيّز الوجود عدداً لا بأس به من الكتب القيّمة

و أظهروا للعالم أجمع آثار هذه الفرقة.(1)

و بالرغم ممّا ذكره المؤرخ المعاصر من أنّ المصريين أظهروا للعالم أجمع آثار هذه الفرقة، لكنّا نرى أنّه يعتمد في كتابه على وثائق خطية موجودة في مكتبته الخاصة، أو مكتبة دعاة مذهبه في سورية، و يكشف هذا عن وجود لفيف من المصادر مخبوءة لم تر النور لحد الآن.

الثامنة: الأئمّة المستورون

إنّ الإسماعيلية أعطت للإمامة مركزاً شامخاً، و صنّفوا الإمامة إلى رتب و درجات، و زوّدوها بصلاحيات و اختصاصات واسعة، و سيوافيك بيان تلك الدرجات و الرتب، غير أنّ المهم هنا الإشارة إلى تصنيفهم الإمام إلى مستور، دخل كهف الاستتار؛ و ظاهر، يملك جاهاً و سلطاناً في المجتمع.

فالأئمّة المستورون هم الأئمّة الأربعة الأوائل الذين جاءوا بعد إسماعيل، و نشروا الدعوة سراً و كتماناً، و هم:

1 - محمد بن إسماعيل الملقّب ب «الحبيب»: ولد سنة 132 ه في المدينة المنورة، و تسلّم شئون الإمامة و استتر عن الأنظار خشية وقوعه بيد الأعداء، و لقّب بالإمام المكتوم، لأنّه لم يعلن دعوته و أخذ في بسطها خفية، و توفي عام 193 ه.

2 - عبد اللّٰه بن محمد بن إسماعيل الملقّب ب «الوفي»: ولد عام 179 ه في مدينة محمودآباد، و تولّى الإمامة عام 193 ه بعد وفاة أبيه، و سكن السلْمية عام 194 ه مصطحباً بعدد من أتباعه، و هو الذي نظم الدعوة تنظيماً دقيقاً، توفي عام 212 ه.

3 - أحمد بن عبد اللّٰه بن محمد بن إسماعيل الملقب ب «التقي»: ولد عام


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 22-23.

198، و تولّى الإمامة عام 212 ه، سكن السلمية سراً حيث أصبحت مركزاً لنشر الدعوة، توفي فيها عام 265 ه.

4 - الحسين بن أحمد بن عبد اللّٰه بن محمد بن إسماعيل المقلب ب «الرضي»: ولد عام 212 ه، و قيل 228 ه؛ و تولّى الإمامة عام 265 ه، و يقال انّه اتخذ عبد اللّٰه بن ميمون القداح حجة له و حجاباً عليه، توفي عام 289 ه.

و المعروف بين الإسماعيلية انّ عبيد اللّٰه المهدي - الذي هاجر إلى المغرب و أسّس هناك الدولة الفاطمية - كان ابتداءً لعهد الأئمّة الظاهرين الذين جهروا بالدعوة و أخرجوها عن الاستتار.

التاسعة:

انّهم عُرِّفوا بالإسماعيلية تارة، و الباطنية أُخرى، و الملاحدة ثالثاً، و بالسبعية رابعاً.

قال المحقّق الطوسي: إنّما سُمُّوا بالإسماعيلية لانتسابهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق.

و الباطنية لقولهم: كلّ ظاهر فله باطن، يكون ذلك الباطن مصدراً و ذلك الظاهر مظهراً له، و لا يكون ظاهر لا باطن له إلّا ما هو مثل السراب، و لا باطن لا ظاهر له إلّا خيال لا أصل له.

و لقّبوا بالملاحدة لعدولهم من ظواهر الشريعة إلى بواطنها في بعض الأحوال.(1)

و أمّا تسميتهم بالسبعية، لأنّهم قالوا: إنّما الأئمّة تدور على سبعة سبعة، كأيام الأُسبوع، و السماوات السبع، و الكواكب السبع.(2)فدور الإمامة عندهم لا يتجاوز عن سبعة، ثمّ يأتي دور آخر على هذا الشكل.


1) . كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: 301.

2) . الشهرستاني: الملل و النحل: 200/1.

و يقول أيضاً: قالوا الإمام في عهد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم كان علياً عليه السّلام، و بعده كان ابنه الحسن إماماً مستودعاً، و بعده الحسين إماماً مستقراً و لذلك لم تذهب الإمامة في ذرية الحسن عليه السّلام، ثمّ نزلت الإمامة في ذرية الحسين، و انتهت بعده إلى علي ابنه، ثمّ إلى محمد ابنه، ثمّ إلى جعفر ابنه، ثمّ إلى إسماعيل ابنه و هو السابع.(1)

و معنى ذلك انّ الدور تمّ بإسماعيل، و هو متم الدور، و انّ ابنه بادئ للدور الآخر كالتالي:

1 - محمد بن إسماعيل.

2 - عبد اللّٰه بن محمد بن إسماعيل الملقب بالرضي.

3 - أحمد بن عبد اللّٰه الملقب بالوفي.

4 - الحسين بن أحمد الملقب بالتقي.

5 - عبيد اللّٰه المهدي بن الحسين.

6 - القائم.

7 - المنصور، و به يتم الدور و يبتدأ دور آخر بالإمام المعز لدين اللّٰه.

و لو قلنا بخروج الحسن عليه السّلام لكونه إماماً مستودعاً لا مستقراً يتم الدور بمحمد بن إسماعيل. و يأتي الدور الجديد، و سيوافيك تفصيله في بيان أدوار الإمامة.

و على كلّ تقدير فالسبعة عندهم لها مكانة خاصة، فلا يتجاوز دور الأئمّة في تمام مراحلها عن السبعة.

العاشرة:

انّ المذهب الإسماعيلي لم يظهر على مسرح الحياة بصورة مذهب مدوّن متكامل، و إنّما أخذ بالتكامل عبر العصور، و في ظل احتكاك الدعاة بأصحاب الحركات الباطنية أوّلاً، و أصحاب الفلسفات ثانياً. و قد ظهر في أوّل يوم


1) . كشف الفوائد: 303، المتن.

نشوئه بصورة عقيدة بسيطة، و هو أنّ الإمام بعد جعفر بن محمد ابنه إسماعيل، و انّه لم يمت بل غاب و يظهر حتى يملك الأرض و هو القائم، و هذه هي الإسماعيلية المحضة، و لم يخالط هذه العقيدة شيء آخر.

نعم لما كان قبولها محفوفاً بغموض، فرجع بعضهم عن حياة إسماعيل، و قالوا بإمامة ابنه محمد بن إسماعيل لظنّهم انّ الإمامة كانت في أبيه، و انّ الابن أحقّ بمقام الإمامة من الأخ.

و الظاهر من الشيخ المفيد أنّ الفرقة الأُولى انقرضت و لم يبق منهم من يومئ إليه و الفرقة الباقية إلى اليوم هي الإسماعيلية غير الخالصة.(1)ثمّ صار المذهب الواحد مذاهب متشتتة و مختلفة. و قد كان للدعاة تأثير في نضوج العقيدة الإسماعيلية و تكاملها مع اختلاف بينهم في بعض الأُصول فمثلاً الداعي النسفي (... - 331 ه) وضع كتابه «المحصول» في فلسفة المذهب.

ثمّ جاء بعده أبو حاتم الرازي (260-322 ه) فوضع كتابه «الإصلاح» و خالف فيه أقوال من سبقه.

ثمّ جاء بعده أبو يعقوب السجستاني الذي كان حيّاً سنة (360 ه) و كان أُستاذاً للكرماني فانتصر للنسفي و خالف أبا حاتم.

ثمّ جاء الكرماني (352-411 ه) فألّف كتاب «راحة العقل»، و استطاع أن يوفق بين آراء شيخه «السجستاني» و بين آراء «أبي حاتم الرازي».

أضف إلى ذلك أنّ تأويل الظواهر لا يعتمد على ضابطة فكل يؤوّلها على ذوقه و سليقته، فتجد بينهم خلافاً شديداً في المسائل التأويلية.

الحادية عشرة:

الذي ظهر لي من التتبّع في كتب الإسماعيلية انّ الفرقة المستعلية القاطنين في اليمن و الهند أقرب إلى الحقّ و عقائد جمهور المسلمين من


1) . المفيد: الإرشاد: 285.

النزارية، فالطبقة الأُولى متعبّدون بالظواهر و تطبيق العمل على الشريعة بخلاف أغلب النزارية خصوصاً الدعاة المتأخرين منهم، فإنّهم يواجهون الأحداث الطارئة و المستجدة بالتدخل في الشريعة(1)، و يظهر ذلك من أبحاثنا الآتية.

و أخيراً فالمذهب الإسماعيلي اكتنفه غموض و أحاطه إبهام، فإصابة الحقّ في جميع المراحل أمر مشكل، نستعينه سبحانه أن يوفقنا لبيان الحقّ و يحفظنا عن العثرة انّه هو المجيب.

و الذي يهم الباحث هو تبيين جذور المذهب و انه كيف نشأ؟ و هل كان هناك اتصال بين الإسماعيلية، و الحركات الباطنية التي نشأت في عصر الصادق عليه السّلام أو لا؟ و هذا هو الذي نطرحه على طاولة البحث في الفصل القادم بعد المرور على كلمات أصحاب المعاجم في حقّهم.


1) . أعيان الشيعة: 202/10-24.

الفصل الثاني: الإسماعيلية في معاجم الملل و النحل

اشارة

إنّ للإسماعيلية ذكراً في كتب الملل و النحل لا يتجاوز عن ذكر تاريخ إمامهم الأوّل، إسماعيل بن جعفر الصادق، و شيء يسير عن عقيدتهم فيه، دون تبيين عقائدهم و أُصولهم التي يعتقدون بها، و الأحكام و الفروع التي يصدرون عنها، و كلّ أخذ عن الآخر، و ربما زاد شيئاً، لا يُسمن و لا يغني من جوع، و إليك نصوصهم:

1 - قال النوبختي: فلمّا توفي أبو عبد اللّٰه جعفر بن محمد عليه السّلام افترقت شيعته بعده إلىٰ ست فرق - إلى أن قال: - و فرقة زعمت أنّ الإمام بعد جعفر بن محمد، ابنه إسماعيل بن جعفر، و أنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، و قالوا كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه على الناس، لأنّه خاف فغيّبه عنهم، و زعموا أنّ إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض، و يقوم بأمر الناس، و أنّه هو القائم، لأنّ أباه أشار إليه بالإمامة بعده، و قلّدهم ذلك له، و أخبرهم أنّه صاحبه؛ و الإمام لا يقول إلّا الحقّ، فلما ظهر موته علمنا انّه قد صدَق، و انّه القائم، و انّه لم يمت، و هذه الفرقة هي «الإسماعيلية» الخالصة. و أُمّ إسماعيل و عبد اللّٰه ابني جعفر بن محمد عليه السّلام فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السّلام و أُمّها أُمُّ حبيب بنت عمر بن علي بن أبي طالب عليه السّلام، و أُمّها أسماء بنت عقيل بن أبي طالب عليهم السّلام.

و فرقة ثالثة زعمت أنّ الإمام بعد جعفر بن محمد، محمد بن إسماعيل بن جعفر، و أُمّه أُمّ ولد، و قالوا: إنّ الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه فلمّا توفي قبل أبيه جعل جعفر بن محمد الأمرَ لمحمد بن إسماعيل، و كان الحقّ له، و لا يجوز غير ذلك لأنّها لا تنتقل من أخ إلى أخ بعد الحسن و الحسين عليهما السّلام، و لا تكون إلّا في

الأعقاب، و لم يكن لأخوي إسماعيل عبد اللّٰه و موسى في الإمامة حق، كما لم يكن لمحمد بن الحنفية حقّ مع علي بن الحسين؛ و أصحاب هذا القول يسمّون «المباركية» برئيس لهم كان يسمى (المبارك) مولى إسماعيل بن جعفر.(1)

2 - قال الأشعري: و الصنف السابع عشر من الرافضة يزعمون أنّ جعفر بن محمد مات و أنّ الإمام بعد جعفر، ابنه (إسماعيل)، و أنكروا أن يكون إسماعيل ماتَ في حياة أبيه، و قالوا: لا يموت حتى يملك، لأنّ أباه قد كان يخبر أنّه وصيّه و الإمام بعده.

و الصنف الثامن عشر من الرافضة و هم «القرامطة» يزعمون أنّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم نص على علي بن أبي طالب، و أنّ علياً نصّ على إمامة ابنه (الحسن)، و انّ الحسنَ ابن علي نصَّ على إمامة أخيه الحسين بن علي، و أنّ الحسين بن علي نصّ على إمامة ابنه علي بن الحسين، و أنّ علي بن الحسين نصّ على إمامة ابنه محمد بن علي، و نصَّ محمد بن علي، على إمامة ابنه جعفر، و نصّ جعفر على إمامة ابن ابنه «محمد بن إسماعيل»، و زعموا أنّ «محمد بن إسماعيل» حيّ إلى اليوم لم يمت و لا يموت حتى يملك الأرض، و أنّه هو المهدي الذي تقدمت البشارة به، و احتجوا في ذلك بأخبار رووها عن أسلافهم، يخبرون فيها أنّ سابع الأئمّة قائمهم.

و الصنف التاسع عشر من الرافضة يسوقون الإمامة من علي بن أبي طالب على سبيل ما حكينا عن «القرامطة» حتى ينتهوا (بها) إلى جعفر بن محمد، و يزعمون أنّ جعفر بن محمد جعلها لإسماعيل ابنه، دون سائر ولده، فلما مات إسماعيل في حياة أبيه صارت في ابنه محمد بن إسماعيل، و هذا الصنف يُدعون، «المباركية» نُسِبوا إلى رئيس لهم يقال له (المبارك) و زعموا أنّ محمد بن إسماعيل قد


1) . النوبختي: فرق الشيعة: 66-69، و لكلام النوبختي صلة سيوافيك عند التعرض لجذور المذهب الإسماعيلي.

مات، و أنّها في ولده من بعده.(1)

3 - و قال البغدادي: الإسماعيلية و هؤلاء ساقوا الإمامة إلى جعفر، و زعموا أنّ الإمام بعده ابنه إسماعيل، و افترق هؤلاء فرقتين:

فرقة: منتظرة لإسماعيل بن جعفر؛ مع اتّفاق أصحاب التواريخ على موت إسماعيل في حياة أبيه.

و فرقة قالت: كان الإمام بعد جعفر، سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر، حيث إنّ جعفراً نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده، فلما مات إسماعيل في حياة أبيه، علمنا أنّه إنّما نصبَ ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد بن إسماعيل.(2)

4 - و قال الاسفرائيني: و هم يزعمون أنّ الإمامة صارت من جعفر إلى ابنه إسماعيل، و كذّبهم في هذه المقالة جميعُ أهل التواريخ، لِما صح عندهم من موت إسماعيل قبل أبيه جعفر؛ و قوم من هذه الطائفة يقولون بإمامة محمد بن إسماعيل. و هذا مذهب الإسماعيلية من الباطنية.(3)

5 - و قال الشهرستاني: الإسماعيلية الواقفية قالوا: إنّ الإمام بعد جعفر إسماعيل، نصّاً عليه باتّفاق من أولاده، إلّا أنّهم اختلفوا في موته في حال حياة أبيه. فمنهم من قال: لم يمت، إلّا أنّه أظهر موته تقية من خلفاء بني العباس، و عقد محضراً و أشهد عليه عامل المنصور بالمدينة.

و منهم من قال: الموت صحيح، و النصّ لا يَرجعُ قهقرى، و الفائدة في النص بقاء الإمامة في أولاد المنصوص عليه دون غيره. فالإمام بعد إسماعيل، محمد بن إسماعيل؛ و هؤلاء يقال لهم «المباركيّة». ثمّ منهم من وقف على محمد بن


1) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 22-27، و لكلام الأشعري صلة سيوافيك بيانها في محلّه.

2) . البغدادي: الفرق بين الفرق: 62.

3) . الاسفراييني: التبصير: 38.

إسماعيل و قال برجعته بعد غيبته.

و منهم من ساق الإمامة في المستورين منهم، ثمّ في الظاهرين القائمين من بعدهم، و هم «الباطنية».

و سنذكر مذاهبهم على الانفراد. و إنّما مذهب هذه الفرقة الوقف على إسماعيل بن جعفر، و محمد بن إسماعيل.

و الإسماعيلية المشهورة في الفرق منهم هم «الباطنية التعليمية» الذين لهم مقالة مفردة.(1)

6 - و قال المفيد: و لما مات إسماعيل رحمه الله انصرف القول عن إمامته من كان يظن ذلك، فيعتقده من أصحاب أبيه، و أقام على حياته شرذمة لم تكن من خاصة أبيه، و لا من الرواة عنه، و كانوا من الأباعد و الأطراف.

فلما مات الصادق عليه السّلام انتقل فريق منهم إلى القولِ بإمامة موسى بن جعفر عليهما السّلام، و افترق الباقون فريقين، فريق منهم رجعوا عن حياة إسماعيل، و قالوا: بإمامة ابنه محمد بن إسماعيل، لظنهم أنّ الإمامة كانت في أبيه، و أنّ الابن أحقّ بمقام الإمامة من الأخ.

و فريق ثبتوا على حياة إسماعيل، و هم اليوم شُذّاذ لا يعرف منهم أحد يومى إليه، و هذان الفريقان يسميان بالإسماعيلية، و المعروف منهم الآن مَنْ يزعم أنّ الإمامة بعد إسماعيل في ولده و ولد ولده إلى آخر الزمان.(2)

7 - و قال صاحب الأعيان: الإسماعيلية هم القائلون بإمامة إسماعيل هذا، و يدل كلام المفيد (الماضي) على أنّ هذا القول كان موجوداً من عصر الصادق عليه السّلام، و أنّ شِرذمة اعتقدوا حياته، أو بعد موت أبيه بقي بعضهم على القول بحياة إسماعيل، و بعضهم قال: بإمامة ابنه محمد بن إسماعيل، و لقب الإسماعيلية يعم الفريقين، و أنّ الموجود منهم في عصر المفيد من يزعم أنّ الإمامة بعد إسماعيل في


1) . الشهرستاني: الملل و النحل: 167/1-168.

2) . المفيد: الإرشاد: 285.

ولده و ولد ولده إلى آخر الزمان.

و يقال الإسماعيلية «السبعية» أيضاً باعتبار مخالفتهم للاثني عشرية في الإمام السابع. و فرقة من الإسماعيلية تدعىٰ الباطنية و كان لها ذكر مستفيض في التاريخ و صارت لها قوة، و شدّة، و وقائع عدّة مع الملوك و الأُمراء، كما فصلته كتب التاريخ.

و في أنساب السمعاني: «الفرقة الإسماعيلية جماعة من الباطنية ينتسبون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، لانتساب زعيمهم المغربي إلى محمد بن إسماعيل. و في كتاب الشجرة انّه لم يعقب (انتهى).

و «الإسماعيلية» اليوم فرقتان:

إحداهما: الآغاخانية

يسوقون الإمامة في ذرية إسماعيل، و يعدّون فيهم جملة من خلفاء مصر، حتى ينتهوا إلى محمد شاه (الآغاخان الثالث) الموجود اليوم في بمبئي، و يبعثون إليه بخمس أموالهم، و منهم الذين بسلْمية من بلاد حماة.

و الفرقة الثانية: البُهْرَة

بضم الباء و سكون الهاء و فتح الراء، لفظ هندي، معناه الجدّ و العمل، و هم يسوقون الإمامة في ولد إسماعيل، حتى ينتهوا إلى شخص يقولون: إنّه المهدي المنتظر، و إنّه غائب.(1)


1) . الأولى أن يقال: هم يسوقون الإمامة بعد المستنصر، إلى المستعلي، فالآمر بأحكام اللّٰه، فالحافظ لدين اللّٰه، فالظافر لدين اللّٰه، فالظاهر بأمر اللّٰه، فالفائز، فالعاضد، عند ذلك دخلت الدعوة المستعلية في كهف الاستتار بل دخلت بعد وفاة الآمر بأحكام اللّٰه، و هؤلاء الأئمة الأربعة كانت دعاة، لأنّ الأمر بأحكام اللّٰه مات بلا عقب و ربما يقال ولد له باسم الطيب، و ثالثة بأنّ المولود كان أُنثى.

أمّا الذي يطلقون عليه اسم سلطان البهرة فالظاهر أنّه من قبيل النائب عن الإمام الغائب، و يبلغ عدد البهرة في الهند و اليمن و غيرها نحو أربعمائة ألف، و هم أهل جدّ و كسب، و لا يوجد بينهم فقير، و الفقير منهم يُوجِدون له عملاً من تجارة أو غيرها يكتفي به، و لهم ملاجئ و تكايا عامة في البلاد التي يقصدونها للحج و الزيارة، في مكّة، و المدينة، و النجف، و كربلاء، و غيرها. و هي مبانٍ تامة المرافق يَنزلونها و لا يحتاجون إلى النزول في فندق أو خلافه، و هم متمسكون بشرائع الدين. و كان خلفاء مصر الفاطميون على مذهب الإسماعيلية، القائلين بانتقال الإمامة من الصادق عليه السّلام إلى ولده إسماعيل، ثمّ في أولاده، و كانوا يقيمون شعائر الإسلام، و يحافظون على أحكامه، و ما كان يذمهم أو بعضهم بعض المؤرّخين إلّا للعداوة المذهبية، و لا يمكن التصديق بما ينسبه بعض المؤرّخين إلى بعضهم، بعد تأصّل العداوة المذهبية في النفوس، كما أنّ جماعة من أهل هذا العصر يخلطون بين الفريقين جهلاً أو تجاهلاً.(1)


هذه الأقوال و الآراء فيهم، توقفنا على أنّ القومَ لم يكن لهم موقف واحد تجاه سوق الإمامة بعد وفاة الإمام الصادق عليه السّلام.

فمنهم من أنكر الواضحات، و قال: بأنّ إسماعيل لم يمت، و إنّه القائم، و هذه هي الإسماعيلية الخالصة.(2)

و أمّا اشهاد الإمام على موته فلم يكن إلّا إظهاراً لموته تقيةً من خلفاء بني العباس، و أنّه عقد محضراً، و أشهدَ عليه عامل المنصور بالمدينة.(3)

و هذه الطائفة لا تسوق الإمامة بعد إسماعيل إلى غيره، و إنّما تنتظر خروج


1) . السيد الأمين: أعيان الشيعة: 316/3.

2) . النوبختي: فرق الشيعة: 60.

3) . الشهرستاني: الملل و النحل: 167/1.

قائمهم.

و منهم من قال: إنّ موته صحيح، و إنّ الإمام الصادق لَمّا نصّ على إمامته، و النص لا يرجع قهقرى، ففائدة النص بقاء الإمامة في أولاد المنصوص عليه دون غيرهم، فالإمام بعد إسماعيل، محمد بن إسماعيل، ثمّ إنّ هذه الطائفة على رأيين:

فمنهم: من وقف على محمد بن إسماعيل، و قال: برجعته بعد غيبته؛ و هؤلاء القرامطة.

و منهم: من ساق الإمامة في المستورين منهم، ثمّ في الظاهرين القائمين من بعدهم.

و قد سبقت الإشارة إلى نص الشيخ المفيد، و أنّه لا يعرف من الواقفين على إسماعيل، أو ابنه محمد المنتظرين لرجعته أحداً؛ و المعروف هو سوق الإمامة في ولد إسماعيل إلى آخر الزمان.

و سيوافيك الكلام في الأئمة المستورين و الظاهرين إن شاء اللّٰه.

هذا ما وقفنا عليه في معاجم الملل و النحل و هو - كما ترى - لا يغني الباحث، فليس فيها شيء من أُصولهم و عقائدهم، و لا من فروعهم، و ثوراتهم، و دولهم، و حضارتهم، و كتبهم و آثارهم العلمية.

و المهم في المقام هو دراسة جذور المذهب و انّه كيف نشأ و هذا ما سنبحث عنه في الفصل القادم إن شاء اللّٰه.

الفصل الثالث: الحركات الباطنية في عصر الإمام الصادق عليه السّلام

اشارة

من المشاكل التي واجهت أئمّة أهل البيت عليهم السّلام هي الحركات الباطنية التي تزعّمها الموالي و العناصر المستسلمة، المندسَّة بين أصحاب أئمة أهل البيت عليهم السّلام في عصر الصادقين عليهما السّلام.

فقد سنحت الظروف للإمام الباقر و الصادق عليهما السّلام أن يؤسّسا جامعة إسلامية كبيرة دامت نصف قرن كان لها صدى كبير في العالم الإسلامي، فقاما بتربية نخبة من الفقهاء و المحدّثين و المفسّرين البارزين، و حفظا بذلك السنّة النبوية من الاندثار بعد ما كان التحدّث بها و كتابتها أمراً محظوراً أو مكروهاً إلى عهد الخليفة العباسي المنصور الدوانيقي.

فأضحت تلك الجامعة شوكة في أعين خصومها، فقامت ثلة من العناصر الدخيلة بالانخراط في صفوف أصحاب الأئمّة بغية التخريب و التضليل، و تشويه سمعة أئمّة أهل البيت عليهم السّلام أوّلاً، و هدم كيان الإسلام ثانياً. و قد شكَّلت تلك العناصر فيما بعد اللبنة الأُولى للحركات الباطنية التي جرّت الويلات على الإسلام و المسلمين، فاتخذ الإمام الصادق عليه السّلام موقفاً حازماً أمامها تجنباً لأخطارها، فأعلن للملأ الإسلامي براءته من تلك الفئات المنحرفة عن الدين و الإسلام و تكفيرها و انّ عاقبتها النار.

و من جملة الذين أبدعوا الحركات الباطنية و أغروا جماعة من شيعة أئمّة أهل البيت عليهم السّلام هو محمد بن مقلاص المعروف بأبي الخطاب الأسدي، و زملاؤه، نظير: المغيرة بن سعيد، و بشار الشعيري و غيرهم، فقد تبرّأ منهم الإمام عليه السّلام على رءوس الأشهاد. و نركز البحث هنا على رئيس الفرقة الباطنية، أعني: أبا زينب محمد بن مقلاص الأسدي.

و لعرض صورة صحيحة عن عقائد الخطابية، نأتي بنصوص علماء الفريقين ليتبين من خلالها جذور الدعوة الإسماعيلية، و انّها ليست سوى استمراراً لتلك الحركة الباطنية التي تزعّمها أبو زينب:

1 - الكشي و الخطابية

إنّ الكشي أحد الرجاليين الذي عاش في أواخر القرن الثالث و أوائل القرن الرابع، و وضع كتابه في الرجال على أساس الروايات المروية عن أئمة أهل البيت في حقّ الرواة، فقال ما هذا نصّه:

1 - روى أبو أُسامة قال: قال رجل لأبي عبد اللّٰه عليه السّلام: أُؤخر المغرب حتى تستبين النجوم؟ فقال: «خطابية؟! انّ جبرئيل أنزلها على رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم حين سقط القرص».

2 - كتب أبو عبد اللّٰه إلى أبي الخطاب: «بلغني أنّك تزعم أنّ الزنا رجل، و أنّ الخمر رجل، و أنّ الصلاة رجل، و الصيام رجل، و الفواحش رجل، و ليس هو كما تقول، أنا أصل الحقّ و فروع الحقّ طاعة اللّٰه، وعدونا أصل الشر و فروعهم الفواحش، و كيف يطاع من لا يعرف و كيف يعرف من لا يطاع؟»

3 - قيل للإمام الصادق عليه السّلام روي عنكم أنّ الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجال، فقال: «ما كان اللّٰه عزّ و جلّ ليخاطب خلقه بما لا يعلمون».

4 - روى أبو بصير قال: قال لي أبو عبد اللّٰه عليه السّلام: «يا أبا محمد: أبرأ ممّن يزعم انّا أرباب» قلت: برئ اللّٰه منه، فقال: «أبرأ ممّن زعم أنّا أنبياء» قلت: برئ اللّٰه منه.

5 - روى عبد الصمد بن بشير عن مصادف قال: ما لبّى القوم الذين لبّوا بالكوفة - أي قالوا: لبيك جعفر، و هؤلاء هم الغلاة فيه - دخلت علي أبي عبد اللّٰه عليه السّلام فأخبرته بذلك، فخرّ ساجداً ودق جؤجؤه بالأرض و بكى - إلى أن قال: - فندمت على إخباري إيّاه، فقلت: جعلت فداك و ما عليك أنت من ذا، فقال:

«إنّ عيسى لو سكت عمّا قالت النصارى فيه لكان حقاً على اللّٰه أن يصم سمعه و يعمي بصره، و لو سكت عمّا قال في أبو الخطاب لكان حقاً على اللّٰه أن يصم سمعي و يعمي بصري».

6 - روى علي بن حسان عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد اللّٰه، قال: ذكر عنده جعفر بن واقد و نفر من أصحاب أبي الخطاب فقيل انّه صار إلى بيروذ، و قال فيهم و هو الذي في السماء إله و في الأرض إله قال هو الإمام، فقال أبو عبد اللّٰه عليه السّلام: «لا و اللّٰه لا يأويني و إياه سقف بيت أبداً، هم شر من اليهود و النصارى و المجوس و الذين أشركوا، و اللّٰه ما صغر عظمة اللّٰه تصغيرهم شيئاً قط، و انّ عزيراً جال في صدره ما قالت اليهود فمحا اللّٰه اسمه من النبوة».

7 - روى الحسن الوشاء عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «من قال بأنّنا أنبياء اللّٰه، فعليه لعنة اللّٰه».

8 - روى ابن مسكان عمّن حدّثه عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: سمعته يقول: «لعن اللّٰه من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، و لعن اللّٰه من أزالنا عن العبودية للّٰه الذي خلقنا و إليه مآبنا و معادنا».

9 - عن حنان بن سدير، عن أبيه قال: قلت لأبي عبد اللّٰه: إنّ قوماً يزعمون انّكم آلهة يتلون علينا بذلك قرآناً: يا أيّها الرسل كلوا من الطيبات و اعملوا صالحاً إنّي بما تعملون عليم، قال: «يا سدير سمعي و بصري و شعري و بشري و لحمي و دمي من هؤلاء براء، برئ اللّٰه منهم و رسوله ما هؤلاء على ديني و دين آبائي».(1)

فلما نهض أبو الخطاب بدعوته الفاسدة، و وصلت إلى مسامع عامل الخليفة دعا عيسى بن موسى للقضاء عليها و اجتثاث جذورها.


1) . الروايات مأخوذة من رجال الكشي: 246-260، مؤسسة الأعلمي، بيروت. و لاحظ الوسائل، الجزء 3 الباب 18 من أبواب المواقيت، فقد جاءت فيه روايات تذم عمل أبي الخطاب و تحذر الشيعة من اتباعه.

10 - كان سالم من أصحاب أبي الخطاب، و كان في المسجد يوم بعث عيسى ابن موسى بن علي بن عبد اللّٰه بن العباس - و كان عامل المنصور على الكوفة - إلى أبي الخطاب لمّا بلغه انّهم أظهروا الإباحات، ودعوا الناس إلى نبوة أبي الخطاب، و انّهم يجتمعون في المسجد و لزموا الأساطين يرون الناس انّهم قد لزموها للعبادة، و بعث إليهم رجلاً فقتلهم جميعاً لم يفلت منهم إلّا رجل واحد أصابته جراحات فسقط بين القتلى يعدّ فيهم، فلمّا جنّه الليل خرج من بينهم فتخلص، و هو أبو سلمة سالم بن مكرم الجمال الملقب بأبي خديجة.(1)

هذه نصوص عشرة توقفك على جلية الحال، و انّ الحركة الباطنية أُسست بيد الخطابية، و سيظهر انّ أتباع أبي زينب تحولوا فيما بعد إلى جانب محمد بن إسماعيل و وجدوه مرتعاً خصباً، عندها تألّق نجم ابن إسماعيل بعد انتمائهم له.

هذه الروايات التي رواها الكشي تعرب عن وجود القول بالألوهيّة و المقامات الغيبية للأئمّة حتى انّ الحلول في الأئمّة كان من نتاج أفكار أبي زينب و أصحابه في أواسط القرن الثاني، حتّىٰ طردهم الإمام الصادق و لعنهم و تبرّأ منهم، و نهى أصحابه عن مخالطتهم.

2 - الأشعري و الخطابية

و ليس الكشي ممّن انفرد في نقل تلك العقائد، فقد نسبها إليهم الأشعري أيضاً في «مقالات الإسلاميين» و ذكر ما هذا نصه:

الخطابية على خمس فرق: كلّهم يزعمون انّ الأئمة أنبياء محدَّثون، و رسل اللّٰه و حججه على خلقه لا يزال منهم رسولان: واحد ناطق و الآخر صامت، فالناطق محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و الصامت علي بن أبي طالب، فهم في الأرض اليوم طاعتهم مفترضة على جميع الخلق، يعلمون ما كان، و ما هو كائن، و زعموا أنّ أبا الخطاب نبي، و انّ


1) . رجال الكشي: 301. و قد اقتصرنا من الكثير بالقليل، و من أراد التفصيل فليرجع إليه.

أُولئك الرسل فرضوا عليهم طاعة أبي الخطاب، و قالوا: الأئمة آلهة، و قالوا في أنفسهم مثل ذلك، و قالوا: ولد الحسين أبناء اللّٰه و أحباؤه، ثمّ قالوا ذلك في أنفسهم، و تأوّلوا قول اللّٰه تعالى: «فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ»(1)قالوا: فهو آدم و نحن ولده، و عبدوا أبا الخطاب و زعموا أنّه إله، و زعموا أنّ جعفر بن محمد إلههم أيضاً إلّا أنّ أبا الخطاب أعظم منه، و أعظم من عليّ، و خرج أبو الخطاب على أبي جعفر فقتله عيسى بن موسى في سبخة الكوفة، و هم يتديّنون بشهادة الزور لموافقيهم.

و الفرقة الثانية من «الخطابية»: و هي الفرقة السابعة من الغالية يزعمون أنّ الإمام بعد أبي الخطاب رجل يقال له «معمر» و عبدوه كما عبدوا أبا الخطاب، و زعموا أنّ الدنيا لا تفنى، و انّ الجنّة ما يصيب الناس من الخير و النعمة و العافية، و انّ النار ما يصيب الناس من خلاف ذلك، و قالوا بالتناسخ، و انّهم لا يموتون، و لكن يرفعون بأبدانهم إلى الملكوت، و توضع للناس أجساد شبه أجسادهم، و استحلوا الخمر و الزنا و استحلوا سائر المحرمات، و دانوا بترك الصلاة، و هم يُسمّون «المعمرية» و يقال انّهم يسمّون «العمومية».

و الفرقة الثالثة من «الخطابية»: و هي الثامنة من الغالية يقال لهم «البزيغية» أصحاب «بزيغ بن موسى» يزعمون أنّ جعفر بن محمد هو اللّٰه، و أنّه ليس بالذي يرون، و أنّه تشبّه للناس بهذه الصورة، و زعموا أنّ كلّ ما يحدث في قلوبهم وحي، و أنّ كلّ مؤمن يوحى إليه و تأوّلوا في ذلك قوله تعالى: «وَ مٰا كٰانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّٰ بِإِذْنِ اَللّٰهِ»(2)أي بوحي من اللّٰه، و قوله: «وَ أَوْحىٰ رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ».(3)و «إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى اَلْحَوٰارِيِّينَ»(4)، و زعموا أنّ منهم من هو خير من جبريل و ميكائيل


1) . ص: 72.

2) . آل عمران: 145.

3) . النحل: 68.

4) . المائدة: 111.

و محمد، و زعموا أنّه لا يموتُ منهم أحد، و أنّ أحدهم إذا بلغت عبادَته رُفع إلى الملكوت، و ادّعوا معاينة أمواتهم، و زعموا أنّهم يرونَهم بكرة و عشية.

و الفرقة الرابعة من «الخطابية»: و هي التاسعة من الغالية يقال لهم «العميرية» أصحاب «عمير بن بيان العجلي» و هذه الفرقة تكذِّب من قال منهم انّهم لا يموتون، و يزعمون أنّهم يموتون، و لا يزال خلف منهم في الأرض أئمّة أنبياء، و عبدوا جعفراً كما عبده «اليعمريون»، و زعموا أنّه ربهم، و قد كانوا ضربوا خيمة في كناسة الكوفة، ثمّ اجتمعوا إلى عبادة جعفر، فأخذ يزيد بن عمر ابن هبيرة، «عمير بن البيان» فقتله في الكناسة، و حبس بعضهم.

و الفرقة الخامسة من «الخطابية»: و هي العاشرة من الغالية يقال لهم «المفضلية» لأنّ رئيسهم كان صيرفياً يقال له «المفضّل» يقولون بربوبية جعفر، كما قال غيرهم من أصناف الخطابية، و انتحلوا النبوة و الرسالة و إنّما خالفوا في البراءة من «أبي الخطاب» لأنّ جعفراً أظهر البراءة منه.(1)

3 - النوبختي و الخطابية

و قد ذكر النوبختي فرقهم، و أضاف: إنّ الخطابية هم الذين خرجوا في حياة أبي عبد اللّٰه جعفر بن محمد عليهما السّلام فحاربوا عيسى بن موسى بن محمد بن عبد اللّٰه بن العباس، و كان عاملاً على الكوفة، فبلغه عنهم أنّهم أظهروا الإباحات، ودعوا إلى نبوة أبي الخطاب، و أنّهم مجتمعون في مسجد الكوفة، فبعث إليه فحاربوه و امتنعوا عليه، و كانوا سبعين رجلاً، فقتلهم جميعاً، فلم يفلت منهم إلّا رجل واحد أصابته جراحات فعدّ في القتلى، فتخلّص، و هو أبو سلمة سالم بن مكرم الجمال الملقّب بأبي خديجة و كان يزعم أنّه مات فرجع، فحاربوا عيسى محاربة شديدة بالحجارة و القصب و السكاكين، لأنّهم جعلوا القصب مكان الرماح.


1) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 10-13.

و قد كان أبو الخطاب قال لهم: قاتلوهم فإنّ قصبكم يعمل فيهم عمل الرماح و السيوف، و رماحهم و سيوفهم و سلاحهم لا تضرّكم و لا تخلّ فيكم، فقدّمهم عشرة عشرة للمحاربة، فلمّا قتل منهم نحو ثلاثين رجلاً، قالوا له: ما ترى ما يحل بنا من القوم و ما نرى قصبنا يعمل فيهم و لا يُؤثر، و قد عمل سلاحهم فينا و قُتل من ترى منهم، فذكر لهم ما رواه العامة أنّه قال لهم: إن كان قد بدا للّٰه فيكم فما ذنبي، و قال لهم ما رواه الشيعة: يا قوم قد بُليتم و امتحنتم و أُذن في قتلكم، فقاتلوا على دينكم و أحسابكم، و لا تعطوا بلدتكم، فتذلّوا مع أنّكم لا تتخلصون من القتل فموتوا كراماً، فقاتلوا حتى قُتلوا عن آخرهم، و أُسر أبو الخطاب فأُتي به عيسى بن موسى فقتله في دار الرزق على شاطئ الفرات، و صلب مع جماعة منهم، ثمّ أمر بإحراقه فأُحرقوا، و بعث برءوسهم إلى المنصور فصلبها على باب مدينة بغداد ثلاثة أيام، ثمّ أُحرقت.(1)

4 - الطبري و الحركات الباطنية

اشارة

يظهر ممّا رواه الطبري في تاريخه و ابن الجوزي في منتظمه تفشّي هذا النوع من الإلحاد عند غير الخطابية أيضاً، و إليك نص ابن الجوزي في هذا المقام:

خروج الراوندية، و هم قوم من أهل خراسان كانوا على رأي أبي مسلم، إلّا أنّهم يقولون بتناسخ الأرواح، و يدّعون أنّ روح آدم عليه السّلام في عثمان بن نهيك، و أنّ ربهم الذي يطعمهم و يسقيهم هو أبو جعفر المنصور، و أنّ الهيثم بن معاوية جبرائيل.

و هؤلاء طائفة من الباطنية يسمّون السبعية يقولون: الأرضون سبع، و السماوات سبع، و الأُسبوع سبعة يدل على أنّ دور الأئمّة يتم بسبعة. فعدوا: العباس، ثمّ ابنه عبد اللّٰه، ثمّ ابنه علي، ثمّ محمد بن علي، ثمّ إبراهيم، ثمّ السفاح،


1) . النوبختي: فرق الشيعة: 69-70.

ثمّ المنصور، فقالوا: هو السابع. و كانوا يطوفون حول قصر المنصور و يقولون: هذا قصر ربنا.

فأرسل المنصور، فحبس منهم مائتين - و كانوا ستمائة - فغضب أصحابهم الباقون و دخلوا السجن، فأخرجوهم و قصدوا نحو المنصور، فتنادى الناس، و غلقت أبواب المدينة، و خرج المنصور ماشياً و لم يكن عنده دابة، فمن ذلك الوقت ارتبط فرساً، فسمى: فرس النوبة، يكون معه في قصره، فأتى بدابة فركبها و جاء معن بن زائدة فرمى بنفسه و قال:

أُنشدك اللّٰه يا أمير المؤمنين إلّا رجعت، فإنّي أخاف عليك. فلم يقبل و خرج، فاجتمع إليه الناس، و جاء عثمان بن نهيك فكلّمهم، فرموه بنشابة و كانت سبب هلاكه، ثمّ حمل الناس عليهم فقتلوهم، و كان ذلك في المدينة الهاشمية بالكوفة في سنة إحدى و أربعين.(1)

تحول الخطابية إلى الإسماعيلية

إنّ الخطابية بعد قتل زعيمهم توجهوا إلى محمد بن إسماعيل، و قد كان بعض الضالين يؤم والده إسماعيل بن جعفر، و لكن الإمام الصادق عليه السّلام آيسه من إضلاله.

روى الكشي عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد اللّٰه يقول للمفضل بن عمر الجعفي: «يا كافر، يا مشرك مالك و لابني» - يعني: إسماعيل بن جعفر - و كان منقطعاً إليه يقول فيه مع الخطابية، ثمّ رجع عنه.(2)

و الذي يدل على أنّ المذهب الإسماعيلي نشأ و ترعرع في أحضان الخطابية، و إن لم يتبنىٰ كل ما تبنّته الخطابية، هي النصوص التاريخية التي سنتلوها عليك واحداً تلو الآخر:


1) . ابن الجوزي: المنتظم: 29/8-30، تاريخ الطبري: 147/6-148.

2) . الكشي: الرجال: 321 برقم 581، في ترجمة المفضل بن عمر.

1 - قال النوبختي: ثمّ خرج - بعد قتل أبي الخطاب - من قال بمقالته من أهل الكوفة و غيرهم إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر بعد قتل أبي الخطاب، فقالوا بإمامته و أقاموا عليها.

و صنوف الغالية افترقوا بعده على مقالات كثيرة، إلى أن قال: فقالت فرقة منهم إنّ روح جعفر بن محمد جعلت في أبي الخطاب، ثمّ تحوّلت بعد غيبة أبي الخطاب في محمد بن إسماعيل بن جعفر و تشعبت منهم فرقة من المباركية ممّن قال بهذه المقالة تسمّى القرامطة.(1)

2 - إنّ تقسيم الإمام إلى صامت و ناطق من صميم عقائد الإسماعيلية، و نرى نفس ذلك التقسيم لدى الخطابية، و قد مر تصريح الأشعري بذلك حينما قال:

منهم رسولان: واحد ناطق، و الآخر صامت؛ فالناطق محمد، و الصامت علي ابن أبي طالب.(2)

و يذكر ذلك التقسيم أيضاً البغدادي عند ذكره للخطابية حيث قال:

و أتباعه كانوا يقولون ينبغي أن يكون في كلّ وقت إمام ناطق و آخر ساكت، و الأئمّة يكونون آلهة، و يعرفون الغيب، و يقولون انّ علياً في وقت النبي صامتاً، و كان النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم ناطقاً، ثمّ صار علي بعده ناطقاً. و هكذا يقولون في الأئمة بعد أن انتهى الأمر إلى جعفر، و كان أبو الخطاب في وقته إماماً صامتاً و صار بعده ناطقاً.(3)

3 - قال المقريزي: إنّ أتباع أبي الخطاب متفقون على أنّ الأئمّة مثل علي و أولاده كلّهم أنبياء، و إنّه لا بدّ من رسولين لكلّ أُمّة أحدهما ناطق و الآخر صامت،


1) . النوبختي: فرق الشيعة: 71.

2) . مقالات الإسلاميين: 10.

3) . البغدادي: الفرق بين الفرق: 247-248.

فكان محمد ناطقاً و علي صامتاً، و إنّ جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام كان نبياً، ثمّ انتقلت النبوة إلى أبي الخطاب.(1)

4 - قد وقفت على ما نقلناه عن الكشي من أنّ الخطابية كانت تؤوّل الآيات إلى مفاهيم غير مفهومة من ظواهر الآيات، حتى أنّه أوّل الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام بأنّها رجال، فلما بلغ التأويل إلى الإمام الصادق عليه السّلام فقال رداً عليه: «ما كان اللّٰه عزّ و جلّ ليخاطب خلقه بما لا يعلمون».(2)

و من الواضح أنّ الإسماعيلية وضعت لكلّ ظاهر باطناً، و اتخذت من التأويل ركناً أساسياً لها.

كما و ذكر الشهرستاني و المقريزي شيئاً من تأويلات الخطابية.(3)

قال الشهرستاني: زعم أبو الخطاب أنّ الأئمّة أنبياء ثمّ آلهة، و قال بإلهية جعفر بن محمد و إلهية آبائه و هم أبناء اللّٰه و أحباؤه. و الإلهية نور في النبوة، و النبوة نور في الإمامة، و لا يخلو العالم من هذه الآثار و الأنوار. و زعم أنّ جعفراً هو الإله في زمانه، و ليس هو المحسوس الذي يرونه، و لكن لما نزل إلى هذا العالم لبس تلك الصورة فرآه الناس فيها، و لما وقف عيسى بن موسى صاحب المنصور على خبث دعوته، قتله بسبخة الكوفة.(4)

و قد عرفت أيضاً شيئاً من تأويلاتهم في كلام الكشي.

و من خلال استعراض تلك النصوص نخرج بهذه النتيجة انّ حقيقة التطرّف المشاهد في المذهب الإسماعيلي طرأت عليه من قبل أصحاب أبي الخطاب الذين استغلوا إمامة محمد بن إسماعيل لبث آرائهم.


1) . المقريزي: الخطط: 352/2.

2) . الكشي: ترجمة ابن الخطاب، برقم 135.

3) . الشهرستاني: الملل و النحل: 159/1؛ المقريزي: الخطط: 252/2.

4) . الشهرستاني: الملل و النحل: 159/1؛ المقريزي: الخطط: 252/2.

إنّ للمذهب الإسماعيلي دعائم ثلاث:

الأوّل: التمسك بالتأويل، و القول بأنّ لكلّ ظاهر باطناً.

الثاني: أخذ الفلسفة اليونانية، بأبعادها المختلفة في الإلهيات و الطبيعيات و الفلكيات سناداً و عماداً للمذهب كما سيظهر.

الثالث: الغلو في حقّ أئمّتهم و تزويدهم بصلاحيات و اختصاصات واسعة لا دليل عليها من العقل و لا الشرع.(1)

فخرجنا بهذه النتيجة: انّ الإسماعيلية كانت فرقة واحدة، فانشقت إلى: قرامطة و دروز، و بهرة، و نزارية و سيوافيك تفصيلها في الفصول الآتية.


1) . تقدّم الكلام في ذلك تفصيلاً في الفصل الأوّل.

الفصل الرابع: عبد اللّٰه بن ميمون القداح إسماعيلي أو اثنا عشري؟

اشارة

إنّ عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح (190-270 ه) من أقطاب الدعوة الإسماعيلية، و سيوافيك نصوص الرجاليين في حقّه، غير انّا نركز في هذا المقام علىٰ أنّ عبد اللّٰه بن ميمون الإسماعيلي غير عبد اللّٰه بن ميمون الاثني عشري، فهما شخصان، لا شخص واحد، فنقول:

إنّ عبد اللّٰه بن ميمون القداح أحد رواة الشيعة، المعروفين بالوثاقة، و قد روى زهاء ستين رواية عن أئمة أهل البيت في مختلف الأبواب الفقهية، فتارة عن الصادق عليه السّلام مباشرة، و أُخرى عن الباقر و علي بن أبي طالب بالواسطة، و لم نر في كتب الرجال الشيعية أي غموض في سيرته إلّا الشيء اليسير من اتهامه بالتزيّد.

و أمّا أبوه فقد صحب أئمّة ثلاثة هم: زين العابدين علي بن الحسين عليهما السّلام و الإمام الباقر محمد بن علي عليهما السّلام و الإمام الصادق جعفر بن محمد عليهما السّلام، و لم يذكر له توثيق.

هذا من جانب و من جانب آخر يحدّثنا كتّاب المقالات انّ عبد اللّٰه بن ميمون القداح و أبوه قد انضما إلى الحركة الباطنية و تحرّكا في رقعة كبيرة من العالم الإسلامي بين الكوفة و المغرب.

كلُّ ذلك ممّا يجعل الباحث في حيرة من أمرهما، و لكن الحقّ انّ ما ذكرته كتب الرجال عن شخصية عبد اللّٰه بن ميمون و أبيه تختلف ماهويَّة عمّا ذكره أصحاب المقالات له و لأبيه، و إنّما حصل الخلط للاشتراك في التسمية، و لا يتجلّى ذلك بوضوح إلّا بعد الوقوف على نصوص كلّ منها.

إنّ مقارنة النصوص لدليل واضح على تعدد المسمّيين و لنذكر نصوص الرجاليين من الشيعة أوّلاً.

عبد اللّٰه بن ميمون الإمامي في كتب الرجال

قال البرقي في فصل أصحاب الإمام الصادق عليه السّلام: عبد اللّٰه بن ميمون القداح، مولى بني مخزوم، كان يبري القداح.(1)

و قال الكشي: عبد اللّٰه بن ميمون القداح المكي، قال حدثني حمدويه، عن أيّوب بن نوح، عن جعفر بن يحيى، عن أبي خالد، عن عبد اللّٰه بن ميمون، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: «يا ابن ميمون كم أنتم بمكة؟» قلت: نحن أربعة، قال: «أما إنّكم نور في ظلمات الأرض».(2)

و قال النجاشي: عبد اللّٰه بن ميمون بن الأسود القداح مولى بني مخزوم يبري القداح، روى أبوه عن: أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه عليهما السّلام، و روى هو عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام، و كان ثقة. له كتب، منها: كتاب «مبعث النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و أخباره»، و كتاب «صفة الجنة و النار» ثمّ ذكر سنده إلى كتبه.(3)

و قال الشيخ الطوسي: عبد اللّٰه بن ميمون القداح له كتاب، ثمّ ذكر سنده إلى كتابه.(4)

و قال الشيخ أيضاً: عبد اللّٰه بن ميمون القداح المكي، كان يبري القداح، مولىٰ بني مخزوم.(5)

و ذكر أباه في أصحاب علي بن الحسين عليهما السّلام(6)و ذكره أيضاً في أصحاب


1) . رجال البرقي: 22، طبعة جامعة طهران.

2) . الكشي: الرجال: برقم 124، و قد أتى بنفس النص تحت رقم 247.

3) . النجاشي: الرجال: برقم 555.

4) . الطوسي: الفهرست: 129 برقم 443.

5) . الفهرست: أصحاب الإمام الصادق، باب العين برقم 40.

6) . الرجال: أصحاب علي بن الحسين، باب الميم، برقم 10.

الإمام الباقر، و قال: ميمون القداح مولىٰ بني مخزوم مكي.(1)

هذا ما في كتب الشيعة، و أمّا الكتب الرجالية لأهل السنة، فقد ذكره ابن حجر في «تهذيب التهذيب» و قال: عبد اللّٰه بن ميمون بن داود القداح المخزومي، مولاهم المكي.

روى عن: جعفر بن محمد، و إسماعيل بن أُميّة، و يحيى بن الأنصاري، و عثمان بن الأسود و غيرهم.(2)

و قال في «تقريب التهذيب»: عبد اللّٰه بن ميمون بن داود القداح المخزومي، المكي، متروك من الثامنة.(3)

و تتلخّص مواصفاته التي ذكرت في الكتب الرجالية بالأُمور التالية:

الأوّل: اسمه و نسبه: و هو عبد اللّٰه بن ميمون بن الأسود أو ابن داود.

الثاني: الوطن: فهو مكي من بني مخزوم، و قد عرفت عن الكشي انّ أبا جعفر الباقر عليه السّلام قال له: يا ابن ميمون كم أنتم بمكة؟

الثالث: الولاء: انّه مخزومي ولاءً كما قال النجاشي: مولىٰ بني مخزوم. و مثله الشيخ في الفهرست.

الرابع: العصر: فقد عاصر والده الأئمّة الثلاثة: زين العابدين، و محمد الباقر، و جعفر الصادق عليهم السّلام.

و أمّا الولد فقد عاصر الإمامين: الباقر و الصادق عليهما السّلام و روى عنهما، كما في رواية الكشي انّ أبا جعفر، قال: «يا ابن ميمون كم أنتم بمكة؟».


1) . المصدر السابق: أصحاب الإمام الباقر، باب الجيم، برقم 13.

2) . ابن حجر: تهذيب التهذيب: 49/6، و قد سمّى جدّه «داود»، خلافاً للنجاشي حيث سمّاه «الأسود».

3) . ابن حجر: تقريب التهذيب: 455/1، برقم 679.

و ما في رجال النجاشي من أنّه روى عن أبي عبد اللّٰه محمول على كثرة رواياته عن أبي عبد اللّٰه و قلّته عن أبي جعفر، و إلّا فقد عرفت نقل الكشي روايته عن أبي جعفر مباشرة إلّا أن يقال بسقوط الواسطة عن قلم الكشي.

و بما أنّ الوالد صحب الأئمة الثلاثة:

1 - الإمام زين العابدين عليه السّلام (م 94).

2 - الإمام الباقر عليه السّلام (م 114).

3 - الإمام الصادق عليه السّلام (م 148).

و الولد صحب الإمام الباقر و الصادق عليهما السّلام فقط، و لم يرو شيئاً عن الإمام الكاظم عليه السّلام، و طبيعة الحال تقتضي أنّ الوالد توفي في حياة الإمام الصادق عليه السّلام و توفي الولد أواخر إمامته أو بعدها بقليل.

و يؤيد ذلك: انّ أبا عبد اللّٰه البرقي والد صاحب المحاسن، و أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري كلاهما(1)ممّن لقيا الرضا عليه السّلام مع أنّهما يرويان عن عبد اللّه بن ميمون بواسطة جعفر بن محمد بن عبيد اللّٰه، فيكون عبد اللّٰه، متأخراً عن جعفر و معاصراً لتلامذة الإمام الصادق.

الخامس: وجه التلقيب: فقد لقّب ب «القداح»، لأنّه كان يبري القداح.

عبد اللّٰه بن ميمون الإسماعيلي

و إليك بيان ما يذكره أصحاب المقالات و المؤرّخون حوله:

1 - قال البغدادي في «الفرق بين الفرق»:

قال أصحاب المقالات إنّ الذين أسّسوا دعوة الباطنية جماعة: منهم


1) . لاحظ رجال النجاشي: برقم 555، و فهرست الشيخ، أصحاب الإمام الصادق، باب العين، برقم 40.

«ميمون بن ديصان» المعروف بالقداح، و كان مولى لجعفر بن محمد الصادق، و كان من الأهواز، و منهم: محمد بن الحسين الملقب بدندان، اجتمعوا كلّهم مع ميمون ابن ديصان في سجن والي العراق، فأسّسوا في ذلك السجن مذاهب الباطنية، ثمّ ظهرت دعوتهم بعد خلاصهم من السجن من جهة المعروف بدندان، و ابتدأ بالدعوة في ناحية توز.

فدخل في دينه جماعة من أكراد الجبل مع أهل الجبل المعروف بالبدين، ثمّ رحل ميمون بن ديصان إلى ناحية المغرب و انتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي طالب و زعم أنّه من نسله، فلمّا دخل في دعوته قوم من غلاة الرفض و الحُلُولية منهم ادّعىٰ انّه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، فقبل الأغبياء ذلك منه على جهل منهم بأنّ محمد بن إسماعيل بن جعفر مات و لم يعقب عند علماء الأنساب.(1)

2 - قال ابن النديم: إنّ عبد اللّٰه بن ميمون - و يعرف ميمون بالقداح - و كان من أهل قوزح العباس بقرب مدينة الأهواز، و أبوه ميمون الذي تنسب إليه الفرقة الميمونية التي أظهرت اتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الذي دعا إلى إلهية علي بن أبي طالب، و كان ميمون و ابنه ديصانيين، و ادّعى عبد اللّٰه انّه نبي مدة طويلة، و كان يظهر الشعابيذ، و يذكر انّ الأرض تطوى له فيمضي إلى أين أحب في أقرب مدة، و كان يخبر بالأحداث الكائنات في البلدان الشاسعة، و كان له مرتبون في مواضع يرغبهم و يحسن إليهم و يعاونونه على نواميسه و معهم طيور يطلقونها من المواضع المتفرقة إلى الموضع الذي فيه بيت عبد اللّٰه، فيخبر من حضره بما يكون فيتمَوّه ذلك عليهم.

إلى أن قال: و صار إلى البصرة فنزل علىٰ قوم من أولاد عقيل بن أبي طالب، فكبس هناك، فهرب إلى سلمية بقرب حمص.


1) . البغدادي: الفرق بين الفرق: 282.

إلى أن قال: قد كان قبل بني القداح قريب ممّن يتعصب للمجوس و دولتها، و كان ممّن واطأ عبد اللّٰه أمره رجل يعرف بمحمد بن الحسين و يلقب بزيدان من ناحية الكرخ من كتاب أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، و كان هذا الرجل متفلسفاً، حاذقاً بعلم النجوم، شعوبياً، شديد الغيض من دولة الإسلام.(1)

3 - قال ابن الأثير: فلما يئس أعداء الإسلام من استئصاله بالقوة أخذوا في وضع الأحاديث الكاذبة و تشكيك ضعفة العقول في دينهم بأُمور قد ضبطها المحدّثون و أفسدوا الصحيح بالتأويل. فكان أوّل من فعل ذلك: أبو الخطاب محمد بن أبي زينب مولىٰ بني أسد، و أبو شاكر بن ديصان صاحب كتاب الميزان في نصرة الزندقة و غيرهما، فألقوا إلى من وثقوا به انّ لكل شيء من العبادات باطناً، و انّ اللّٰه تعالى لم يوجب على أوليائه و من عرف الأئمّة و الأبواب صلاة و لا زكاة و لا غير ذلك و لا حرم عليهم شيئاً و أباحوا لهم نكاح الأُمّهات و الأخوات، و إنّما هذه قيود للعامة ساقطة عن الخاصة.

و كانوا يظهرون التشيّع لآل النبي ليستروا أمرهم و يستميلوا العامة، و تفرّق أصحابهم في البلاد، و أظهروا الزهد و العبادة يغرون الناس بذلك و هم على خلافه، فقتل أبو الخطاب و جماعة من أصحابه بالكوفة.

إلى أن قال: و نشأ لابن ديصان (أبو شاكر ميمون بن ديصان) ابن يقال له عبد اللّٰه القداح علّمه الحيل و أطلعه على أسرار هذه النحلة فحذق و تقدم، إلى أن قال: و إنّما لقب القداح لأنّه كان يعالج العيون و يقدحها، فلمّا توفي القداح (عبد اللّٰه) قام بعده ابنه أحمد مقامه، إلى آخر ما ذكر.(2)

و إليك مواصفات الرجل حسب ما ذكره البغدادي، و غيره من المؤرّخين فهي تختلف عمّا تعرفت عليه في الأوّل.


1) . ابن النديم: الفهرست: 278-281، نقله عن أبي عبد اللّٰه بن الرزام و تبرأ من صدق ما نقله و كذبه.

2) . الجزري: الكامل: 27/8-29.

الأوّل: اسمه و نسبه: عبد اللّٰه بن ميمون بن ديصان.

الثاني: الوطن: كان من الأهواز أو من الكوفة، فانّ محمد بن أبي زينب و أتباعه كانوا كوفيين.(1)

الثالث: الولاء: كان مولىً لجعفر بن محمد الصادق، و الظاهر انّ مراده هو حبه له.

الرابع: العصر: فالرجل حسب ما يذكره البغدادي ممّن ذهب لناحية المغرب و انتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي طالب هذا من جانب، و من جانب نرى أنّ الأئمّة الإسماعيلية توجهوا إلى المغرب في أواسط القرن الثالث، لأنّ الإمام المستور الحسين بن أحمد (219-265 ه) التقى بالنجف الأشرف بالداعي أبي قاسم حسن بن فرح بن حوشب و علي بن الفضل فأثر فيهما و أحضرهما إلى سلمية، ثمّ جهّزهما بعد ذلك إلى اليمن، و في عهده تمّ إرسال أبي عبد اللّٰه الشيعي إلى المغرب.(2)

فيعلم من خلالها أنّ التمهيد لبسط نفوذهم في المغرب بدأ في أواسط القرن الثالث و انّ ميمون بن ديصان الوالد قصدها في تلك الآونة و قد أرّخ الكاتب الإسماعيلي مصطفى غالب في تقديمه لكتاب كنز الولد انّ عبد اللّٰه بن ميمون القداح ولد سنة 190 و توفي سنة 270 ه(3)، فأين هو من عبد اللّٰه بن ميمون المعدود من أصحاب الباقر و الصادق عليهما السّلام، الذي توفي في أواسط القرن الثاني؟!

الخامس: وجه التلقيب: انّه كان يقدح العيون.

أضف إلى ذلك انّه من البعيد أن يروي المشايخ الكبار، كجعفر بن محمد الأشعري، و الحسن بن علي بن فضال، و أحمد بن إسحاق بن سعد، و حمّاد بن عيسى، و عبد اللّٰه بن المغيرة عمّن خدم الإسماعيلية و تآمر على الإمامية الاثني


1) . الجزري: الكامل: 30/8.

2) . 2 الجزري: الكامل: 28/8.

3) . كنز الولد: 19، المقدّمة.

عشرية، و لو افترضنا انّهم أخذوا منه الرواية حين استقامته، لصرّحوا به.

و ممن حقّق هذا الأمر تفصيلاً صاحب أعيان الشيعة، فلاحظ.(1)

لعب عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح دوراً هاماً في نشر أفكار الخطابية و بثّها في أتباع محمد بن إسماعيل، و كان حلقة وصل بين الخطابية و الإسماعيلية، و أخيراً التحق بالإمام محمد بن إسماعيل و صار من دعاته، و كلّ الآفات التي أصابت العقيدة الإسماعيلية تعود إليه و إلى زميله محمد بن الحسين الملقب ب «دندان».

و يشهد كثير من النصوص التاريخية علىٰ ذلك، نكتفي منها بالقليل.

يقول ابن الأثير: يأس أعداء الإسلام من استئصاله بالقوة فأخذوا في وضع الأحاديث الكاذبة و تشكيك ضعفة العقول في دينهم بأُمور قد ضبطها المحدّثون، و أفسدوا الصحيح بالتأويل و الطعن عليه.

فكان أوّل من فعل ذلك أبو الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد، و أبو شاكر ميمون بن ديصان صاحب كتاب «الميزان» فألقوا إلى من وثقوا به انَّ لكل شيء من العبادات باطناً، و انّ اللّٰه تعالى لم يوجب على أوليائه و لا من عرف الأئمّة و الأبواب، صلاة و لا زكاة و لا غير ذلك، و لا حرّم عليهم شيئاً و أباحوا لهم نكاح الأُمّهات و الأخوات، و إنّما هذه قيود للعامة ساقطة عن الخاصّة.

و كانوا يظهرون التشيع لآل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم ليستروا أمرهم و يستميلوا العامة، و تفرّق أصحابهم في البلاد، فقتل أبو الخطاب و جماعة من أصحابه بالكوفة.

و نشأ لابن ديصان ابن يقال له عبد اللّٰه القدّاح، علّمه الحيل و أطلعه على أسرار هذه النحلة. و كان بنواحي كرخ و اصفهان رجل يعرف بمحمد بن الحسين و يلقب ب «دندان» فسار إليه القدّاح و عرّفه من ذلك ما زاد به محلّه.(2)


1) . الأمين: أعيان الشيعة: 84/8، و في الذيل: انّ الترجمة ممّا لم يكتبها المؤلف و إنّما استدركها الشيخ محمد مهدي شمس الدين.

2) . ابن الأثير: الكامل: 28/8-29، حوادث عام 296.

و من طالع تاريخ الإسماعيلية و كتبهم يقف على أنّ لأبي عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح و ربيبه القدح المعلّى في صياغة العقيدة الإسماعيلية.

فقد خرجنا بهذه النتيجة انّ الخطابية و على حسب تعبير النوبختي «المباركيّة» هم جذور الإسماعيلية و انّ ميمون بن ديصان، ثمّ ابنه عبد اللّٰه بن ميمون القداح، و زميله المعروف ب «دندان» هم حلقة الوصل بين الفرقتين.

ما روي عن عبد اللّٰه بن ميمون الإمامى في الجوامع الحديثية

إنّ لعبد اللّٰه بن ميمون بن الأسود المخزومي روايات في مختلف الأبواب قد نقلها أصحاب الكتب الأربعة في جوامعهم و هي تناهز 49 حديثاً، و ليس في رواياته أيّ شذوذ إلّا في رواية واحدة. و التمعّن فيها يوقف الإنسان على أنّه كان فقيهاً متقناً في النقل. و إليك ما وقفنا عليه:

1 - روى عبد اللّٰه بن ميمون، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: «جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم فقال: يا رسول اللّٰه أُحب أن تشهد لي على نحل نحلتها ابني، قال: مالك ولد سواه؟ قال: نعم، قال: فنحلتها كما نحلته؟ قال:

لا، قال: فانّا معاشر الأنبياء لا نشهد على الجنف».(1)

2 - روى عبد اللّٰه بن ميمون، عن أبي عبد اللّٰه، عن أبيه عليهما السّلام قال: «كان أصحاب رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم بتبوك يعبّون الماء، فقال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: اشربوا في أيديكم، فإنّها من خير آنيتكم».(2)

3 - روى عبد اللّٰه بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليه السّلام، قال: «الركعتان يصلّيهما متزوّج أفضل من سبعين ركعة يصليها أعزب».(3)


1) . الفقيه: 40/3، الحديث 134.

2) . الفقيه: 223/3، الحديث 1036.

3) . الفقيه: 242/3، الحديث 1146.

4 - روى عبد اللّٰه بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن آبائه عليهم السّلام قال: «قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: الصبي و الصبي، و الصبي و الصبية، و الصبية و الصبية يفرق بينهم في المضاجع لعشر سنين».(1)

5 - روى عبد اللّٰه بن ميمون، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام عن أبيه عليه السّلام قال: «أُتي أمير المؤمنين عليه السّلام برجل قد ضرب رجلاً حتى انتقص من بصره، فدعا برجال من أسنانه ثمّ أراهم شيئاً، فنظر ما انتقص من بصره، فأعطاه دية ما انتقص من بصره».(2)

6 - عن عبد اللّٰه بن ميمون، عن جعفر، عن أبيه عليه السّلام انّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم قال: «الرزق أسرع إلى من يطعم الطعام من السكين في السنام».(3)

7 - عن أحمد بن إسحاق بن سعد، عن عبد اللّٰه بن ميمون، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه عليه السّلام قال: «قال الفضل بن العباس: أُهدي إلى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم بغلة أهداها له كسرى أو قيصر، فركبها النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم بجلّ من شعر و أردفني خلفه، ثمّ قال لي: يا غلام احفظ اللّٰه يحفظك، و احفظ اللّٰه تجده أمامك، تعرّف إلى اللّٰه عزّ و جلّ في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل اللّٰه، و إذا استعنت فاستعن باللّٰه عزّ و جلّ، فقد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الناس أن ينفعوك بأمرٍ لم يكتبه اللّٰه لك لم يقدروا عليه، و لو جهدوا أن يضروك بأمرٍ لم يكتبه اللّٰه عليك لم يقدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع، فاصبر، فإنّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، و اعلم أنّ الصبر مع النصر، و أنّ الفرج مع الكرب، و أنّ مع العسر يسراً، انّ مع العسر يسراً».(4)


1) . الفقيه: 276/3، الحديث 1310.

2) . الفقيه: 97/4، الحديث 321.

3) . الكافي: 51/4، الحديث 10.

4) . الفقيه: 296/4، الحديث 896.

8 - علي بن حاتم، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن عمرو، عن علي بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّٰه بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد، عن علي بن الحسين، عن أمير المؤمنين عليهم السّلام: «اللّهمّ إنّك أعلنت سبيلاً من سبلك فجعلت فيه رضاك، و ندبت إليه أولياءك و جعلته أشرف سبلك عندك ثواباً، و أكرمهم لديك مآباً و أحبها إليك مسلكاً، ثمّ اشتريت فيه من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأنّ لهم الجنة يقاتلون في سبيلك فيقتلون و يُقتلون وعداً عليك حقّاً، فاجعلني ممّن اشترى فيه منك نفسه، ثمّ وفى لك ببيعه الذي بايعك عليه، غير ناكث، و لا ناقض عهداً، و لا مبدل تبديلاً، إلّا استنجازاً لموعودك، و استيجاباً لمحبتك، و تقرباً به إليك، فصلّ علىٰ محمد و آله و اجعله خاتمة عملي، و ارزقني فيه لك و بك مشهداً توجب لي به الرضا، و تحط عني به الخطايا، اجعلني في الأحياء المرزوقين بأيدي العداة العصاة تحت لواء الحق و راية الهدىٰ، ماض على نصرتهم قدماً غير مولٍّ دبراً، و لا محدث شكاً، و أعوذ بك عند ذلك من الذنب المحبط للأعمال».(1)

9 - عن الحسن بن علي، عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّٰه بن ميمون، عن جعفر، عن أبيه عليه السّلام قال: «كان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون».(2)

10 - محمد بن علي بن محبوب، عن الحسن بن علي، عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّٰه بن ميمون، عن جعفر، عن أبيه عليهما السّلام قال: «كان المقام لازقاً بالبيت فحوله عمر».(3)

11 - الحسن بن علي الكرخي، عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّٰه بن ميمون،


1) . التهذيب: 81/3، الحديث 237.

2) . التهذيب: 244/3، الحديث 663.

3) . التهذيب: 454/5، الحديث 1586.

عن جعفر، عن أبيه عليهما السّلام: «كان النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم يستهدي من ماء زمزم و هو بالمدينة».(1)

12 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «دخل أمير المؤمنين صلوات اللّٰه عليه المسجد، فإذا هو برجل على باب المسجد، كئيب حزين، فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام ما لك؟ قال: يا أمير المؤمنين أُصبت بأبي و أُمي و أخي و أخشى أن أكون قد وجلت، فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: عليك بتقوى اللّٰه و الصبر تقدم عليه غداً؛ و الصبر في الأُمور بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد و إذا فارق الصبر الأُمور فسدت الأُمور».(2)

13 - عن حماد، عن عبد اللّٰه بن ميمون، عن أبي عبد اللّٰه، عن أبيه عليهما السّلام قال: «زكاة الفطرة صاع من تمر، أو صاع من زبيب، أو صاع من شعير، أو صاع من إقط عن كلّ إنسان حرّ أو عبد، صغير أو كبير، و ليس على من لا يجد ما يتصدق به حرج».(3)

14 - عن حماد بن عيسى، عن عبد اللّٰه بن ميمون، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام أنّ علياً صلوات اللّٰه عليه كان يقول إذا أصبح: «سبحان اللّٰه الملك القدُّوس - ثلاثاً - اللّهمّ إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك، و من تحويل عافيتك، و من فجأة نقمتك، و من درك الشقاء، و من شرّ ما سبق في الليل، اللّهمّ إنّي أسألك بعزّة ملكك، و شدّة قوّتك، و بعظيم سلطانك، و بقدرتك على خلقك»، ثمّ سل حاجتك.(4)

15 - عن حماد بن عيسى، عن عبد اللّٰه بن ميمون، عن جعفر، عن أبيه عليهما السّلام


1) . التهذيب: 471/5، الحديث 1657.

2) . الكافي: 90/2، الحديث 9.

3) . التهذيب: 75/4، الحديث 211.

4) . الكافي: 527/2، الحديث 16.

قال: «المحرمة لا تتنقّب، لأنّ إحرام المرأة في وجهها، و إحرام الرجل في رأسه».(1)

16 - عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن عبد اللّٰه بن ميمون، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام يقول: «إنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم وقف بعرفات، فلمّا همّت الشمس أن تغيب قبل أن تندفع، قال: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الفقر، و من تشتّت الأمر، و من شر ما يحدث بالليل و النهار، أمسى ظلمي مستجيراً بعفوك، و أمسى خوفي مستجيراً بأمانك، و أمسى ذلّي مستجيراً بعزِّك، و أمسى وجهي الفاني مستجيراً بوجهك الباقي، يا خير من سئل، و يا أجود من أعطىٰ جلّلني برحمتك، و ألبسني عافيتك، و اصرف عني شرّ جميع خلقك».(2)

17 - عن حماد بن عيسى، عن عبد اللّٰه بن ميمون، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «للعبد أن يستثني ما بينه و بين أربعين يوماً إذا نسي، انّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم أتاه ناس من اليهود فسألوه عن أشياء، فقال لهم: تعالوا غداً أُحدّثكم و لم يستثن، فاحتبس جبرئيل عليه السّلام عنه أربعين يوماً ثمّ أتاه و قال: «وَ لاٰ تَقُولَنَّ لِشَيْ‌ءٍ إِنِّي فٰاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ إِذٰا نَسِيتَ»(3).(4)

18 - عن حماد بن عيسى، عن عبد اللّٰه بن ميمون، عن أبي عبد اللّٰه، عن أبيه عليهما السّلام قال: «ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء و الاحتلام و الحجامة، و قد احتجم النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و هو صائم، و كان لا يرى بأساً بالكحل للصائم».(5)

19 - عن حماد بن عيسى، عن عبد اللّٰه بن ميمون، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام يقول: «للعبد أن يستثني ما بينه و بين أربعين يوماً إذا نسي».(6)


1) . الكافي: 345/4، الحديث 7؛ الفقيه: 219/2، الحديث 1009.

2) . الكافي: 464/4، الحديث 5.

3) . الكهف: 23-24.

4) . الفقيه: 229/3، الحديث 1081.

5) . التهذيب: 260/4، الحديث 775.

6) . التهذيب: 281/8، الحديث 1029.

20 - عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن عبد اللّٰه بن ميمون، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «كان أمير المؤمنين صلوات اللّٰه عليه يقول: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الاحتلام، و من سوء الأحلام، و أن يلعب بي الشيطان في اليقظة و المنام».(1)

21 - علي بن الحسن بن فضال، عن محمد بن الحسن بن الجهم، عن عبد اللّٰه بن ميمون، عن أبي عبد اللّٰه، عن أبيه عليهما السّلام قال: «قال علي عليه السّلام: إذا طلّق الرجل المرأة فهو أحقّ بها ما لم تغتسل من الثالثة».(2)

22 - روى عبد اللّٰه بن ميمون باسناده قال: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «إذا ضللتم الطريق فتيامنوا».(3)

23 - محمد بن أحمد بن يحيى، عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّٰه بن ميمون قال: أُتي علي عليه السّلام بأسير يوم صفين فبايعه، فقال علي عليه السّلام: «لا أقتلك انّي أخاف اللّٰه ربّ العالمين، فخلّى سبيله، و أعطى سلبه الذي جاء به».(4)

24 - عن ابن فضال، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «حرّمت الجنة على الديّوث».(5)

25 - عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «قال يعقوب لابنه: يا بني لا تزن، فإنّ الطائر لو زنا لتناثر ريشه».(6)


1) . الكافي: 536/2، الحديث 5.

2) . التهذيب: 125/8، الحديث 432.

3) . الفقيه: 197/2، الحديث 896.

4) . التهذيب: 153/6، الحديث 269.

5) . الكافي: 537/5، الحديث 8، باب الغيرة.

6) . الكافي: 542/5، الحديث 8، باب الزاني؛ الفقيه: 13/4، الحديث 13.

26 - عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن ابن القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «كان النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم إذا شرب اللبن قال: اللّهمّ بارك لنا فيه و زدنا منه».(1)

27 - عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن جعفر، عن أبيه عليه السّلام قال: «قال النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم، و نهى أن يتنعل الرجل و هو قائم».(2)

28 - عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السّلام، قال: «انكسفت الشمس في زمن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم فصلّى بالناس ركعتين، فطوّل حتى غشي على بعض القوم ممّن كان وراءه من طول القيام».(3)

29 - عن جعفر بن محمد، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن جعفر، عن أبيه عليهما السّلام أنّ علياً عليه السّلام كان يقول:

«من فاته صيام الثلاثة أيام في الحج، و هي قبل التروية بيوم و يوم التروية و يوم عرفة فليصم أيام التشريق، فقد أذن له».(4)

30 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح؛ و علي ابن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك اللّٰه به طريقاً إلى الجنة، و انّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً به، و انّه يستغفر لطالب العلم مَنْ في السماء و من في الأرض حتى الحوت في البحر، و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، و إنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً و لا درهماً و لكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر».(5)


1) . الكافي: 336/6، الحديث 3.

2) . التهذيب: 255/3، الحديث 709.

3) . التهذيب: 293/3، الحديث 885.

4) . التهذيب: 229/5، الحديث 778.

5) . الكافي: 34/1، الحديث 1.

31 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: قال: «إنّ هذا العلم عليه قفل و مفتاحه المسألة».(1)

32 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام قال: «جاء رجل إلى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم فقال: يا رسول اللّٰه ما العلم؟ قال: الانصات، قال: ثمّ مه؟ قال: الاستماع، قال: ثمّ مه؟ قال:

الحفظ، قال: ثمّ مه؟ قال: العمل به، قال: ثمّ مه يا رسول اللّٰه؟ قال: نشره».(2)

33 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القداح، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «كان أمير المؤمنين صلوات اللّٰه عليه يقول: أفضل العبادة العفاف».(3)

34 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «قال أمير المؤمنين عليه السّلام : المؤمن مألوف و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف».(4)

35 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «من أطعم مؤمناً حتّى يشبعه لم يدر أحدٌ من خلق اللّٰه ماله من الأجر في الآخرة، لا ملك مقرب و لا نبي مرسل إلّا اللّٰه ربّ العالمين، ثمّ قال: من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان، ثمّ تلا قول اللّٰه عزّ و جلّ «أَوْ إِطْعٰامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذٰا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذٰا مَتْرَبَةٍ»(5)».(6)


1) . الكافي: 40/1، الحديث 3.

2) . الكافي: 48/1، الحديث 4.

3) . الكافي: 79/2، الحديث 3.

4) . الكافي: 102/2، الحديث 17.

5) . البلد: 14-16.

6) . الكافي: 201/2، الحديث 6.

36 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «ركعتان بالسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك، قال: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: لو لا أن أشقّ على أُمتي لأمرتهم بالسواك مع كلّ صلاة».(1)

37 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «كان أمير المؤمنين عليه السّلام إذا حضر أحداً من أهل بيته الموت، قال له: لا إله إلّا اللّٰه العلي العظيم، سبحان اللّٰه ربّ السماوات السبع و ربّ الأرضين السبع و ما بينهما و ربّ العرش العظيم، و الحمد للّٰه ربّ العالمين فإذا قالها المريض، قال: اذهب فليس عليك بأس».(2)

38 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه، عن آبائه عليهم السّلام قال: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء».(3)

39 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن جعفر، عن أبيه عليهما السّلام: أنّ علياً صلوات اللّٰه عليه قال لرجل كبير لم يحجّ قطّ: «إن شئت أن تجهّز رجلاً، ثمّ أبعثه أن يحجّ عنك».(4)

40 - عن جعفر بن محمد الأشعري عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن جعفر عليه السّلام: أنّ علياً عليه السّلام كان لا يرى بأساً بعقد الثوب إذا قصر، ثمّ يصلّى فيه و إن كان محرماً.(5)

41 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه عن آبائه عليهم السّلام قال: «قال النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد


1) . الكافي: 22/3، الحديث 1.

2) . الكافي: 124/3، الحديث 7.

3) . الكافي: 28/4، الحديث 1.

4) . الكافي: 272/4، الحديث 1.

5) . الكافي: 347/4، الحديث 3.

الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها، و تطيعه إذا أمرها، و تحفظه إذا غاب عنها في نفسها و ماله».(1)

42 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام: إنّ علي بن الحسين عليهما السّلام كان يتزوّج و هو يتعرق عرقاً يأكل ما يزيد علىٰ أن يقول: الحمد للّٰه و صلّى اللّٰه على محمد و آله، و يستغفر اللّٰه عزّ و جلّ، و قد زوّجناك علىٰ شرط اللّٰه، ثمّ قال علي بن الحسين عليهما السّلام: إذا حمد اللّٰه فقد خطب.(2)

43 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه، عن أبيه، عن آبائه عليهم السّلام قال:

«كان بالمدينة رجلان يسمّىٰ أحدهما هيت و الآخر مانع، فقالا لرجل و رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم يسمع: إذا افتتحتم الطائف إن شاء اللّٰه فعليك بابنة غيلان الثقفية، فإنّها شموع بخلاء مبتلة هيفاء شنباء، إذا جلست تثنّت، و إذا تكلّمت غنت، تقبل بأربع و تدبر بثمان بين رجليها مثل القدح، فقال النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: لا أريكما من أُولي الاربة من الرجال، فأمر بهما رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم فغرّب بهما إلى مكان يقال له: العرايا، و كانا يتسوّفان في كلّ جمعة».(3)

44 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه، عن أبيه عليهما السّلام قال:

«للزاني ست خصال، ثلاث في الدنيا و ثلاث في الآخرة، أمّا التي في الدنيا: فيذهب بنور الوجه، و يورث الفقر، و يعجّل الفناء؛ و أمّا التي في الآخرة: فسخط الرب، و سوء الحساب، و الخلود في النار».(4)

45 - عن الحسن بن عليّ، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام قال: «الدعاء كهف الإجابة، كما أنّ السحاب كهف المطر».(5)


1) . الكافي: 327/5، الحديث 1؛ التهذيب: 240/7، الحديث 1047.

2) . الكافي: 368/5، الحديث 2.

3) . الكافي: 523/5، الحديث 3.

4) . الكافي: 541/5، الحديث 3؛ الفقيه: 375/3، الحديث 1774.

5) . الكافي: 471/2، الحديث 1.

46 - عن الحسن بن علي، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليهم السّلام قال: «سجدتا السهو بعد التسليم و قبل الكلام».(1)

47 - عن عبد اللّٰه بن المغيرة، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه، عن آبائه، عن علي عليهم السّلام: انّه كان إذا خرج من الخلاء قال: «الحمد للّٰه الذي رزقني لذّته، و أبقى قوته في جسدي، و أخرج عني أذاه يا لها من نعمة».(2)

48 - عن محمد بن الحسن بن أبي الجهم، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه، عن أبيه عليهما السّلام قال: «جاء قنبر مولى علي عليه السّلام بفطرة إليه قال: فجاء بجراب فيه سويق عليه خاتم قال: فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إنّ هذا لهو البخل تختم على طعامك!! قال: فضحك علي عليه السّلام قال: ثمّ قال: أو غير ذلك؟ لا أحب أن يدخل بطني شيء إلّا شيء أعرف سبيله، قال: ثمّ كسر الخاتم، فأخرج منه سويقاً، فجعل منه في قدح فأعطاه إياه، فأخذ القدح فلمّا أراد أن يشرب قال:

بسم اللّٰه اللّهمّ لك صمنا، و على رزقك أفطرنا، فتقبّل منّا إنّك أنت السميع العليم».(3)

49 - عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: إنّ أعجل الخير ثواباً صلة الرحم».(4)

إنّ حامل تلك الدرر اللامعة و راويها، أجلّ من أن يكون موصوفاً بما وصف به عبد اللّٰه بن ميمون الإسماعيلي في كتب الملل و النحل أو في سائر المعاجم.


1) . التهذيب: 195/2، الحديث 768.

2) . التهذيب: 29/1، الحديث 77؛ و ص 351، الحديث 1039.

3) . التهذيب: 200/4، الحديث 578.

4) . الكافي: 152/2، الحديث 15.

الفصل الخامس: في الأئمة المستورين

اشارة

يرجع نشوء الإسماعيلية و تكوّنهم، إلى القول بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق عليه السّلام و استمرارها في عقبه، فهو الإمام الأوّل، و قد تلته أئمّة:

1 - إسماعيل بن جعفر.

2 - محمد بن إسماعيل.

3 - عبد اللّٰه بن محمد.

4 - أحمد بن عبد اللّٰه.

5 - الحسين بن أحمد.

6 - عبيد اللّٰه المهدي بن الحسين، مؤسس الدولة الفاطمية في المغرب.

7 - محمد القائم.

8 - إسماعيل بن محمد المنصور.

9 - معد بن إسماعيل «المعز».

10 - نزار بن معد «العزيز».

11 - الحسن بن نزار «الحاكم».

12 - علي بن الحسن «الظاهر».

13 - معد بن علي المستنصر.

و هؤلاء هم الأئمّة المتّفق عليهم بين الفرق الإسماعيلية الثلاث: المستعلية، و النزارية المؤمنية، و النزارية القاسمية (الآغاخانية).

ثمّ اختلفوا إلى فرقتين، فذهبت المستعلية إلى أنّ الإمام القائم بالأمر بعد المستنصر عبارة عن كلّ من:

1 - أحمد المستعلي.

2 - الآمر بأحكام اللّٰه.

3 - الطيّب بن الآمر.

ثمّ جاء دور الستر فلا إمام ظاهر.

لكن النزارية بكلا فريقيها قالوا باستمرار الإمامة بعد المستنصر، و قالوا: إنّ الإمامَ القائم بالأمر عبارة عن كلِّ من:

1 - نزار بن معد.

2 - حسن بن معد (جلال الدين).

3 - محمد بن حسن (علاء الدين).

4 - محمود بن محمد (ركن الدين).

5 - محمد بن محمود (شمس الدين).

ثمّ افترقت النزارية إلى فرقتين:

الف: النزارية المؤمنية.

ب: النزارية القاسمية الآغاخانية.

فكلّ ساقوا الإمامة بعد شمس الدين، بشكل خاص لا يلتقيان أبداً إلى العصر الحاضر. و ستوافيك أسماؤهم.

و سنقوم بترجمة الأئمّة المتّفق عليهم بين جميع الفرق، الذين لا يتجاوز عددهم ثلاثة عشر إماماً آخرهم المستنصر. و قد عقدنا لبيانه فصلين مستقلين، أحدهما في الأئمّة المستورين، و الثاني في المتظاهرين بالإمامة.

الإمام الأوّل: إسماعيل بن جعفر الصادق (110-145 ه)

اشارة

الإمام الأوّل(1): إسماعيل بن جعفر الصادق (110-145 ه)

إنّ إسماعيل هو الإمام الأوّل و المؤسِّس للمذهب، فوالده الإمام الصادق عليه السّلام غنيّ عن التعريف، و فضله أشهر من أن يذكر، وُلِد الإمام الصادق عام 80 ه على قول و 83 على قول آخر و توفي عام 148 ه، و هو من عظماء أهل البيت عليهم السّلام و ساداتهم، ذو علوم جَمّة، و عبادة موفورة، و زهادة بيّنة، و تلاوة كثيرة... إلى غير ذلك من فضائل و مآثر يقصر عنها القلمُ و البيان؛ و قد أنجب عليه السّلام عشرة أولاد، هم إسماعيل و يليه عبد اللّٰه، و موسى الكاظم، و إسحاق، و محمد، و العباس و علي، و أمّا الإناث، فأكبرهنّ أُمّ فروة، ثمّ أسماء، و فاطمة.

لقد تزوج عليه السّلام فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين، فأنجب منها إسماعيل و عبد اللّٰه و أُمّ فروة.

و كان إسماعيل أكبر الإخوة و كان أبو عبد اللّٰه عليه السّلام شديد المحبة له و البر به و الإشفاق عليه، مات في حياة أبيه عليه السّلام «بالعريض»، و حمل على رقاب الرجال إلىٰ أبيه بالمدينة، حتى دفن بالبقيع(2).


1) المبدأ في عدّ الأئمة للإسماعيليّة، هو مؤسس الفرقة - حسب زعمهم - و إن كان هو الإمام السابع عندهم ثمّ إنّ الأقوال في ميلاد و وفاة إسماعيل كثيرة و ما ذكرناه أحد الأقوال.

2) . المفيد: الإرشاد: 284.

و لذلك كان من اللازم استعراض سيرته و سيرة بعض أولاده ممن كان لهم دور في نشوء هذه الفرقة فنقول:

عنونه الشيخ في أصحاب رجال الصادق عليه السّلام و اقتصر على اسمه و اسم آبائه، و قال: إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، المدني.(1)

و قال ابن عنبة: و أمّا إسماعيل بن جعفر الصادق عليه السّلام و يكنى أبا محمد، و أُمّه فاطمة بنت الحسين الأثرم بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السّلام و يعرف بإسماعيل الأعرج، و كان أكبر ولد أبيه، و أحبَّهم إليه، كان يحبُه حباً شديداً، و توفي في حياة أبيه «بالعريض»، فحمل على رقاب الرجال إلى البقيع، فدفن به سنة ثلاث و ثلاثين و مائة، قبل وفاة الصادق عليه السّلام بعشرين سنة، كذا قال أبو القاسم ابن خداع نسّابة المصريين.(2)

و قال ابن خلدون: تُوفّي قبل أبيه، و كان أبو جعفر المنصور طلبه، فشهد له عامل المدينة بأنّه مات.(3)

قال المفيد: لمّا توفي إسماعيل جزع أبو عبد اللّٰه عليه جزعاً شديداً، و حزن عليه حزناً عظيماً، و تقدّم سريرَه بغير حذاء و لا رداء، و أمر بوضع سريره على الأرض قبلَ دفنه مراراً، و كان يكشف عن وجهه و ينظر إليه.(4)

لم نقف في حياة إسماعيل على شيء سوى ما نقله ابن أبي الحديد حيث قال: كان القاسم بن محمد بن طلحة(5)- يلقّب «أبا بعرة»، ولي شرطة الكوفة، لعيسى


1) . الطوسي: الرجال: 149 برقم 81.

2) . ابن عنبة: عمدة الطالب: 233، و لعلَّ العشرين في العبارة مصحف خمس عشرة لأنّ الفاصل الزمني بين الوفاتين لا يتجاوز هذا المقدار على جميع الأقوال لأنّها في حقّه مختلفة فانّه مضافاً إلى ما ذكره من أنّه توفي عام 138 و قيل توفي عام 143.

3) . تاريخ ابن خلدون: 39/4.

4) . المفيد: الإرشاد: 284.

5) . هو طلحة بن عبيد اللّٰه التيمي المقتول بالجمل سنة 36 ه.

ابن موسى العباسي - فكلَّم إسماعيل بن جعفر الصادق بكلام خرجا فيه إلى المنافرة.

فقال القاسم: لم يزل فضلنا و إحساننا سابغاً عليكم يا بني هاشم، و على بني عبد مناف كافة.

فقال إسماعيل: أيّ فضل و إحسان أسديتموه إلى بني عبد مناف؟! أغضب أبوك جدي بقوله: «ليموتن محمد و لنجولنّ بين خلاخيل نسائه، كما جال بين خلاخيل نسائنا»، فأنزل اللّٰه تعالى مراغمة لأبيك: «وَ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَللّٰهِ وَ لاٰ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوٰاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً»(1)و منع ابن عمك أُمّي من حقّها في فدك، و غيرها من ميراث أبيها، و أجلب أبوكَ على عثمان، و حصره حتى قُتِل، و نكثَ بيعة علىٍّ، و شام السيف في وجهه، و أفسد قلوبَ المسلمين عليه، فإن كان لبني عبد مناف قوم غير هؤلاء، أسديتم إليهم إحساناً، فعرّفني من هم، جعلت فداك؟!(2)

و روى الكشي بسنده عن عنبسة العابد: كنت مع جعفر بن محمد بباب الخليفة أبي جعفر بالحيرة، حين أُتي ببسّام، و إسماعيل بن جعفر بن محمد، فأُدخلا على أبي جعفر(3)فأُخرج بسّام مقتولاً، و أُخرِج إسماعيل بن جعفر بن محمد، قال: فرفع جعفر رأسه إليه، قال: أ فعلتها يا فاسق، أبشر بالنار.(4)

قلت: الضمير في «إليه» يرجع إلى المنصور من باب خطاب الغائبين بما يقتضيه الحال.

و الحديث يدل على أنّه وشي عليهما لدى المنصور فطلبهما، فقتل بسّاماً


1) . الأحزاب: 53.

2) . ابن أبي الحديد: شرح النهج: 323/9.

3) . هو أبو جعفر المنصور الدوانيقي.

4) . الكشي: الرجال: ترجمة بسام بن عبد اللّٰه الصيرفي برقم 121.

و أطلق إسماعيل. و لعلّه ثبتت براءته مما نسب إليه.

و روى الكشي أيضاً في ترجمة عبد اللّٰه بن شريك العامري، عن أبي خديجة الجمّال، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه، يقول: إنّي سألت اللّٰه في إسماعيل أن يُبقيه بعدي فأبى، و لكنّه قد أعطاني فيه منزلة أُخرى، انّه يكون أوّل منشور في عشرة من أصحابه، و منهم عبد اللّٰه بن شريك و هو صاحب لوائه.(1)

و الحديث يدل على انّ الإمام الصادق عليه السّلام كان يحبّه كثيراً، و لعلّ إسماعيل مرض، فدعا أبوه اللّٰه تعالى أن يشفيه و لكن اللّٰه قدّر موته، كما يدل على وثاقته أيضاً.

و يظهر ممّا رواه الكشي في ترجمة المفضل بن مزيد، أخي شعيب الكاتب، أنّه كان مأموراً بدفع جوائز إلى بني هاشم، و كان أسماءُ أصحاب الجوائز مكتوباً في كتابٍ، ناولَ الكتابَ للإمام الصادق عليه السّلام فلما رآه قال: ما أرى لإسماعيل هاهنا شيئاً، فأجاب المفضل: هذا الذي خرج إلينا.(2)

و من راجع الكتب الحديثية يرىٰ أنّ هناك روايات يظهر منها جلالة منزلة إسماعيل، عند والده نذكر منها ما يلي:

[جلالة منزلة إسماعيل، عند والده]

1 - الإمام الصادق عليه السّلام يستأجر من يحجّ عن إسماعيل:

روى الكليني بسنده، عن عبد اللّٰه بن سنان، قال: كنت عند أبي عبد اللّٰه عليه السّلام إذ دخل عليه رجل فأعطاه ثلاثين ديناراً يحجّ بها عن إسماعيل، و لم يترك شيئاً من العمرةِ إلى الحجّ إلّا اشترط عليه أن يسعىٰ في وادي مُحسِّر، ثمّ قال: يا هذا، إذا أنت فعلتَ هذا كانَ لإسماعيل حجة بما أنفق من ماله، و كانت لك تسْع بما أتعبَت من بدنك.(3)


1) . الكشي: الرجال: 190، برقم 97.

2) . الكشي: الرجال: 320، برقم 237.

3) . الوسائل: الجزء 8، الباب 1 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 1.

2 - الإمام ينصحه من الائتمان بالفاسق:

روى الكليني بسنده، عن حريز بن عبد اللّٰه السجستاني، قال: كانت لإسماعيل بن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام دنانير و أراد رجل من قريش أن يخرجَ إلى اليمن، فقال إسماعيل: يا أبت إنّ فلاناً يريد الخروج إلى اليمن، و عندي كذا و كذا ديناراً، أ فترىٰ أن أدفعها إليه يبتاع لي بها بضاعة من اليمن؟ فقال أبو عبد اللّٰه عليه السّلام: يا بُنيّ أما بلغك أنّه يشرب الخمر؟ فقال إسماعيل: هكذا يقول الناس، فقال: يا بُنيّ لا تفعل.

فعصى إسماعيلُ أباه و دفع إليه دنانيره فاستهلكها، و لم يأته بشيء منها، فخرج إسماعيل و قضى أنّ أبا عبد اللّٰه عليه السّلام حجّ و حجّ إسماعيل تلك السنة فجعل يطوف بالبيت، و يقول: اللهمّ أجرني و اخلف عليّ فلحقه أبو عبد اللّٰه عليه السّلام فهمزه بيده من خلفه، فقال له: مَهْ يا بني فلا و اللّٰه ما لك على اللّٰه (هذا) حجة و لا لك أن يأجرك و لا يُخلف عليك، و قد بلغك أنّه يشرب الخمر فائتمنته، فقال إسماعيل: يا أبت إنّي لم أره يشرب الخمر، إنّما سمعت الناس يقولون.

فقال: يا بُني إنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول في كتابه: «يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ»(1)يقول: يصدِّق اللّٰه و يصدق للمؤمنين فإذا شهد عندك المؤمنون فصدِّقهم و لا تأتمن شارب الخمر، فإنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول في كتابه: «وَ لاٰ تُؤْتُوا اَلسُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ»(2)فأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر؟! إنّ شارب الخمر لا يُزوَّج إذا خَطَبَ، و لا يُشفَّع إذا شَفَع، و لا يُؤتمن على أمانة، فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها لم يكن للذي ائتمنه، على اللّٰه أن يأجره و لا يخلف عليه.(3)


1) . التوبة: 61.

2) . النساء: 5.

3) . الكافي: 299/5.

قلة رواياته

لم نجد في الجوامع الحديثية شيئاً يروى عنه، إلّا الحديثين التاليين، و لعلّ قصر عمره و موته في حياة والده صارا سبباً لقلة الرواية عنه، و إليك ما وقفنا عليه من رواياته:

1 - روى الكليني بسنده، عن أبي أيّوب الخزاز، قال: سألت إسماعيل بن جعفر، متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين، قال: قلتُ: و يجوز أمره؟ قال: فقال: إنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم دخل بعائشة و هي بنت عشر سنين، و ليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره و جازت شهادته.(1)

2 - روى الشيخ الطوسي، عن داود بن فرقد، عن إسماعيل بن جعفر، قال: اختصم رجلان إلى داود عليه السّلام في بقرة فجاء هذا ببيّنة على أنّها له، و جاء هذا ببيّنة على أنّها له، قال: فدخل داود عليه السّلام المحرابَ فقال: يا رب إنّه قد أعياني أن أحكم بين هذين، فكُن أنتَ الذي تحكم، فأوحى اللّٰه عزّ و جلّ إليه اخرج فخذ البقرة من الذي في يده، فادفعها إلى الآخر، و اضرب عنقه، قال: فضجت بنو إسرائيل من ذلك، و قالوا: جاء هذا ببيّنة و جاء هذا ببيّنة، و كان أحقّهما بإعطائها الذي في يديه، فأخذها منه، و ضرب عنقه، فأعطاها هذا... قال: فدخل داود عليه السّلام المحرابَ فقال: يا ربّ قد ضجَّتْ بنو إسرائيل ممّا حكمتُ، فأوحى إليه ربُّه أنّ الذي كانت البقرة في يده لقي أب الآخر فقتله و أخذ البقرة منه، إذا جاءك مثل هذا فاحكم بينهم بما ترى و لا تسألني أن أحكم حتى الحساب.(2)


1) . الكافي: 388/7.

2) . التهذيب: 287/6، الحديث 797.

وفاته

قد عرفت أنّ ابن عنبة ذكر أنّه توفي عام (133 ه)، و قال صاحب تهذيب الكمال: إسماعيل إمام مات و هو صغير، و لم يروَ عنه شيء من الحديث.(1)

و أرّخ الزركلي في الأعلام وفاته سنة (143 ه) و لعله تبع صاحب دائرة المعارف الإسلامية حيث قال: توفي إسماعيل في المدينة سنة (143 ه) أي قبل وفاة أبيه بخمسة أعوام.(2)

و القول الثاني أقرب للصواب، لأنّه لو كان توفي سنة (133 ه) لكانت وفاته قبل وفاة أبيه بخمسة عشر عاماً، و هذا المقدار من الفاصل الزمني، يوجب انقطاع الناس عنه، و نسيانهم له عند وفاة أبيه.

و قال عارف تامر السوري من كُتّاب الإسماعيلية: إنّ إسماعيل ولد سنة 101 في المدينة المنورة، و ادّعى والده الصادق أنّه مات سنة 138 ه بموجب محضر أشهد عليه عامل الخليفة المنصور العباسي.(3)

استشهاد الإمام الصادق عليه السّلام على موته:

كان الإمام الصادق حريصاً على إفهام الشيعة بأنّ الإمامة لم تُكْتب لإسماعيل، فليس هو من خلفاء الرسول الاثني عشر الذين كتبت لهم الخلافة و الإمامة بأمر السماء و إبلاغ الرسول الأعظم.

و من الدواعي التي ساعدت على بثّ بذر الشبهة و الشك في نفوس


1) . الأعلام: 311/1، نقلاً عن تهذيب الكمال.

2) . الزركلي: الأعلام: 311/1.

3) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 180.

الشيعة في ذلك اليوم، هو ما اشتهر من أنّ الإمامة للولد الأكبر. و كان إسماعيل أكبرَ أولاده فكانت أماني الشيعة معقودة عليه - حسب الضابطة - صحّت أم لم تصح، و لأجل ذلك تركزت جهود الإمام الصادق عليه السّلام على معالجة الوضع و اجتثاث جذور تلك الشبهة و انّ الإمامة لغيره، فتراه تارة ينصَّ على ذلك، بقوله و كلامه، و أُخرى بالاستشهاد على موت إسماعيل، و أنّه قد انتقل إلى رحمة اللّٰه، و لن يصلحَ للقيادة و الإمامة.

و إليك نماذج تؤيد النهج الثاني الذي انتهجه الإمام عليه السّلام لتحقيق غرضه في إزالة تلك الشبهة، و أمّا القسم الأوّل أي النصوص على إمامة أخيه فموكولة إلى محلّها(1):

1 - روى النعماني عن زرارة بن أعين، أنّه قال: دخلت على أبي عبد اللّٰه عليه السّلام و عند يمينه سيّدُ ولده موسى عليه السّلام، و قُدّامه مرقد مغطى، فقال لي: «يا زرارة، جئني بداود بن كثير الرقي، و حمران، و أبي بصير». و دخل عليه المفضل بن عمر، فخرجت فأحضرت مَنْ أمرني بإحضاره، و لم يزل الناس يدخلون واحداً إثرَ واحد، حتى صرنا في البيت ثلاثين رجلاً.

فلمّا حشد المجلس قال: «يا داودُ اكشف لي عن وجه إسماعيل»، فكشف عن وجهه فقال أبو عبد اللّٰه عليه السّلام: «يا داود أ حيٌّ هو أم ميت؟» قال داود: يا مولايَ هو ميّت، فجعل يعرض ذلك على رجل رجل، حتى أتى على آخر مَن في المجلس، و انتهى عليهم بأسرهم و كلٌّ يقول: هو ميّت يا مولاي، فقال: «اللهمّ اشهد»، ثمّ أمر بغُسْله و حنوطه، و ادراجه في أثوابه.

فلمّا فرغ منه قال للمفضل: «يا مفضّل احسر عن وجهه»، فحسَر عن وجهه، فقال: «أ حيٌّ هو أم ميّت؟» فقال: ميّت، قال: «اللهم اشهد عليهم»؛ ثمّ حُمِل إلى قبره، فلما وضع في لَحده قال: «يا مفضل اكشف عن وجهه» و قال


1) . سوف يأتي شيء منه عند عرض الفطحيّة فلاحظ.

للجماعة: «أ حيٌّ هو أم ميت؟» قلنا له: ميت فقال: «اللهمّ اشهد، و اشهدوا، فإنّه سيرتاب المبطلون، يريدون إطفاء نور اللّٰه بأفواههم - ثمّ أومأ إلى موسى - و اللّٰه متم نوره و لو كره المشركون»، ثمّ حثونا عليه التراب ثمّ أعاد علينا القول، فقال:

«الميّت، المحنَّط، المكفَّن، المدفون في هذا اللحد من هو؟» قلنا: إسماعيل، قال: «اللهم اشهد»، ثمّ أخذ بيد موسى عليه السّلام و قال: «هو حقّ، و الحقّ منه، إلى أن يرث اللّٰه الأرض و من عليها».(1)

2 - روى الشيخ الطوسي بسنده عن أبي كهمس، قال: حضرتُ موتَ إسماعيل و أبو عبد اللّٰه عليه السّلام جالس عنده فلمّا حضره الموت، شدّ لحييه و غمّضه، و غطّى عليه المِلْحَفة، ثمّ أمر بتهيئته، فلمّا فرغ من أمره، دعا بكفنه فكتب في حاشية الكفن: إسماعيل يشهد أن لا إله إلّا اللّٰه.(2)

3 - روى الصدوق بسنده عن أبي كهمس قال حضرت موت إسماعيل و رأيت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام و قد سجد سجدة فأطال السجود، ثمّ رفع رأسه فنظر إليه، ثمّ سجد سجدة أُخرى أطول من الأُولى ثمّ رفع رأسه، و قد حضره الموت فغمّضه و ربط لحيته، و غطّى عليه الملحفة، ثمّ قام، و رأيتُ وجهه و قد دخل منه شيء اللّٰه أعلم به، ثمّ قام فدخل منزله فمكث ساعة ثمّ خرج علينا مدهِناً، مكتَحلاً، عليه ثياب غير ثيابه التي كانت عليه، و وجهه غير الذي دخل به، فأمر و نهى في أمره، حتى إذا فرغ، دعا بكفنه، فكتب في حاشية الكفن: إسماعيل يشهد أن لا إله إلّا اللّٰه.(3)

و هذه الروايات و خاصّة ما نقلناه عن أبي خديجة الجمّال حاكية عن جلالة إسماعيل، و يؤكّدها تقبيل الإمام له بعد موته مراراً.


1) . النعماني: الغيبة: 327، الحديث 8، و لاحظ بحار الأنوار: 21/48.

2) . الوسائل: الجزء 2، الباب 29 من أبواب التكفين، الحديث 1.

3) . الوسائل: الجزء 2، الباب 29 من أبواب التكفين، الحديث 2.

نعم هناك روايات تدل على ذمّه ذكرها الكشي في ترجمة عدّة، مثل إبراهيم ابن أبي سمال، و عبد الرحمن بن سيابة، و الفيض المختار، و قد ناقش السيد الخوئي، اسنادها فلاحظ.(1)

و قد أخطأ الكاتب الإسماعيلي، مصطفى غالب السوري في فهم رأي الشيعة في معرض كتابته عن إمامه، حيث قال:

غير أنّ مؤرّخي الشيعة، و السنة، يذهبون في إسماعيل مذهباً مختلفاً كلّ الاختلاف عمّا يقوله الإسماعيلية.

فيقولون: إنّ إسماعيل لم يكن يصلح للإمامة، كونه كان يشربُ الخمر، و أنّه كان من أصدقاء أبي الخطاب الملْحِد الذي تبرّأ منه الإمام الصادق، و أنّ الصادق أظهر فرحه لموت ابنه إسماعيل، و على هذه الصورة اضطربت الروايات، و اختلفت الأقاويل في أمر إسماعيل، فأصبح أكثر الباحثين لا يدرون حقيقة أمره، و لا سيّما أنّه الإمام الذي تنسب إليه الحركة الإسماعيلية التي قامت بدورٍ هامٍّ في تاريخ العالم الإسلامي منذ ظهورها.(2)

قد عرفت عقيدة الشيعة الإماميّة في حقّ إسماعيل و انّهم - عن بكرة أبيهم - يذكرون إسماعيل بخير، اقتداء بإمامهم الصادق عليه السّلام و أنّ رميه بشرب الخمر من صنيع أعداء أهل البيت عليهم السّلام حيث كانوا لا يتمكّنون من رمي أئمة الشيعة بالسفاسف فيوجهونها إلى أولادهم المظلومين المضطهدين.

هل كان عمل الإمام تغطية لستره؟

إنّ الإسماعيلية تدّعي أنّ ما قام به الإمام الصادق عليه السّلام كان تغطية، لستره عن أعين العباسيين، الذين كانوا يطاردونه بسبب نشاطه المتزايد في نشر التعاليم


1) . السيد الخوئي: معجم رجال الحديث: 124/3-127، برقم 1307.

2) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسلامية: 16.

التي اعتبرتها الدولة العباسية منافية لقوانينها. و المعروف انّه توجه إلى «سلَمية» و منها إلى دمشق فعلم به عامل الخليفة، و هذا ما جعله يغادرها إلى البصرة ليعيش فيها متستراً بقية حياته.

مات في البصرة سنة 143 ه، و كان أخوه موسى بن جعفر «الكاظم» حجاباً عليه، أمّا ولي عهده محمد فكان له من العمر أربع عشرة سنة عند موته.(1)

و على ما ذكره القائل - خلافاً لأكثر الإسماعيلية - فقد مات في حياة أبيه، فكيف يكون إماماً بعد أبيه و هو رهين التراب؟!

اسطورة حياته بعد رحيل أبيه

غير أنّ بعضهم يجازفون في القول، و يدعون أمراً خارقاً للعادة، و يقولون: و الأمر الهام في قضية إسماعيل و إمامته، هو أنّه عاش بعد أبيه، و أثبت هذا الخبر كثيرون من المؤلفين المعاصرين له مما يدل على أنّ إسماعيل بقي بعد أبيه اثنتي عشرة سنة.

و لقد حكى أنّ إسماعيل حين ترك المدينة سرّاً، رُئي ثانية في البصرة، حيث بلغ رفعة، بما أظهر من مقدرة نادرة بشفاء المرضى و المعلولين، و خشية من اكتشاف الأمر، ترك البصرة و رحل إلى سوريا و استقر فيها، و لكن ليس بطمأنينة تامّة حيث حالما سمع الخليفة «المنصور» الذي كان يحكم الجزيرة العربية، بوجود إسماعيل، أمر واليه في دمشق بإرساله إسماعيل تحت الحراسة إلى بلاطه، و لكنَّ الوالي لم يكن يحترم الإمام إسماعيل فحسب، بل كان من أتباعه، و بناء عليه و لينقذ الوالي سيده الروحي، نصح الإمام أن يترك سوريا لعدّة أيّام، و ما أن ابتعد الإمام


1) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 180.

عن سوريا، حتى أعلن الوالي التفتيش الدقيق عنه، و كتب للخليفة أنّه لم يجد لإسماعيل أثراً في أيّ مكان.(1)

أقول: ما ذكره انّ كثيراً من المؤلفين المعاصرين لإسماعيل أثبتوا حياته بعد وفاة أبيه، شيء لم يدعمه بالدليل، فَمَنْ هؤلاء المؤلّفون المعاصرون الذين أثبتوا حياته بعد الإمام الصادق، و ما هي كتبهم؟! نعم أوعز الكاتب في الهامش إلى عمدة الطالب، و تقدم نصُّهُ‌(2)و ليس فيه أيُّ إشارة إلى ذلك، فضلاً عن إشارته إلى كثيرٍ من المؤلفين المعاصرين للإمام إسماعيل، هكذا تحرّف الحقائق بيد العابثين اللاعبين بتاريخ أُمتنا المجيدة، أو بيد سماسرة الأهواء فيبيحون الكذب لدعم المذهب.

و قد اعترف بهذه الحقيقة الكاتب الإسماعيلي عامر تامر حيث قال: هناك أقوال كثيرة لمؤرخين يؤكدون فيها أنّه مات في عهد والده، و أنّ قصة ظهوره في البصرة أُسطورة لا تقوم على حقيقة، و مهما يكن من أمر فالإسماعيليون اشتهروا بالتخفّي و الاستتار، و المحافظة على أئمّتهم. لذلك ليس بعيداً أن تكون الرواية الأُولى صحيحة.(3)

إنّ تفسير قصة وفاة إسماعيل بالتمويه و التغطية فكره ورثها الجُدُد من الإسماعيليين عن أسلافهم، قال مصطفى غالب: «و لكن أغلب مؤرّخي الإسماعيلية يقولون: إنّ قصة وفاة إسماعيل في حياة أبيه كانت قصة أرادَ بها الإمام جعفر الصادق التمويه و التغطية على الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، الذي كان يُطارد أئمة الشيعة في كلّ مكان، و تحت كلّ شمس، فخاف جعفر الصادق على ابنه و خليفته إسماعيل، فادّعى موته و أتى بشهود كتبوا المحضر إلى الخليفة


1) . أ. س. بيكلي: مدخل إلى تاريخ الإسماعيلية: 20.

2) . مرّ نصّه ص 72.

3) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 180-181.

العباسي، الذي أظهر سروراً و ارتياحاً لوفاة إسماعيل الذي كان إليه أمر إمامة الشيعة، ثمّ شُوهِد إسماعيل بعد ذلك في البصرة، و في بعض البلدان الفارسية. و على هذا الأساس لم تسقط الإمامة عن إسماعيل بالموت قبل أبيه لأنّه مات بعد أبيه.(1)

و يقول في موضع آخر: و رأينا الأخير في هذا الموضوع بعد أن اطّلعنا على جميع ما كتب حول إمامة إسماعيل، نقول: بأنّ الإمام جعفر الصادق قد شعر بالأخطار التي تهدِّد حياة ابنه الإمام إسماعيل، بعد أن نصّ عليه، و أصبح وليّاً للعهد، فأمره أن يستتر و كان ذلك عام 145 ه، خشية نقمة الخلفاء العباسيين و تدبّر الأمر بأن كتب محضراً بوفاته، و شهد عليه عامل المنصور، الذي كان بدوره من الإسماعيليين.

و فوراً توجه إسماعيل إلى سلمية، و منها إلى دمشق، و علم المنصور بذلك، فكتب إلى عامله أن يلقي القبض على الإمام إسماعيل، و لكن عامله المذكور كان قد اعتنق المذهب الإسماعيلي، فعرض الكتاب على الإمام إسماعيل، الذي ترك البلاد نحو العراق حيث شوهد بالبصرة عام 151 ه، و قد مرّ على مقعد فشفاه بإذن اللّٰه، و لبث الإمام إسماعيل عدّة سنوات يتنقل سرّاً بين أتباعه، حتى توفي بالبصرة عام 158 ه.

و يؤكد كتاب دستور المنجمين أنّ إسماعيل هو أوّل إمام مستور و كان بدء ستره سنة 145 ه و لم يمت إلّا بعد سبع(2)سنين».(3)

ما ذكره أُسطورة حاكتها يدُ الخيال، و لم يكن الإمام الصادق عليه السّلام و لا


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 16 ترى أنّ المؤرخ الأوّل الإسماعيلي يذكر موته في حياة أبيه و هذا يؤكد على موته بعده، فما هو الحق؟ و ما هو المتوقع من مذهب حجر أساسه الريب و الشك؟!!

2) . فيكون وفاته على هذا عام 151، لا عام 158 كما ذكره قبل سطر.

3) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 142-143.

أصحابه الأجلاّء، ممّن تتلمذوا في مدرسة الحركات السرية، حتى يفتعل موت ابنه بمرأى و مسمع من الناس، و هو بعدُ حيّ يُرزق، و لم يكن عامل الخليفة بالمدينة المنورة بليداً، يكتفي بالتنويه، حتى يتسلَّم المحضر و يبعث به إلى دار الخلافة العباسية.

و العجب أنّ الكاتب يذكر في كلامه الثاني أنّ عامل الخليفة في المدينة كان بدوره من الإسماعيليين، مع أنّه لم يكن في ذلك اليوم أثر للإسماعيلية: «و كانت الإمامة لأبيه الإمام الصادق عليه السّلام فكيف يكون في حياة الصادق عليه السّلام من الإسماعيلية؟! و أعجب منه أنّه يعتمد في إثبات معتقده بدستور المنجمين، ثمّ يذكر له مصدراً في التعليقة بالشكل التالي «بلوشيه 57-58 دى خويه 203».

إنّ عقيدة إسلامية مبنيّة على تنبّؤ المنجمين - و ما أكثر أخطائهم - عقيدةٌ منهارةٌ و فاشلة.

و لو أنّ هؤلاء التجئوا في تصحيح إمامة ابنه، محمد بن إسماعيل إلى القول بعدم بطلان إمامة إسماعيل بموته في حياة والده، و لمّا توفي الإمام الصادق تسلّم عبد اللّٰه بن إسماعيل الإمامة من والده، لكان أرجح من اللجوء إلى بعض الأساطير التي لا قيمة علمية لها في مجالات البحوث التاريخية و العقائدية المبتنية على أُسس علمية دقيقة.

و الحقّ أنّه توفي أيام حياة أبيه، بشهادة الأخبار المتضافرة التي تعرفت عليها، و هل يمكن إغفال أُمّة كبيرة و فيهم جواسيس الخليفة و عمالها؟! و ستر رحيل إسماعيل إلى البصرة بتمثيل جنازة بطريقة مسرحيّة يعلن بها موته فانّه منهج و أُسلوب السياسيين المخادعين، المعروفين بالتخطيط و المؤامرة، و من يريد تفسير فعلَ الإمام عن هذا الطريق فهو من هؤلاء الجماعة «و كلّ إناء بالذي فيه ينضح». و أين هذا من وضع الجنازة مرّات و كشف وجهه و الاستشهاد على موته و كتابة الشهادة على كفنه؟!

و التاريخ يشهد على أنّه لم يكن لإسماعيل و لا لولده الإمام الثاني، أيّة دعوة في زمان أبي جعفر المنصور و لا ولده، بشهادة أنّ المهدي العباسي الذي تسلم عرش الخلافة بعد المنصور العباسي 158-169 ه كان متشدداً على أصحاب الأهواء و الفرق، و كتب له ابن المفضل صنوف الفرق صنفاً صنفاً، ثمّ قرأ الكتاب على الناس، فقال يونس: قد سمعت الكتاب يقرأ على الناس على باب الذهب بالمدينة، و مرّة أُخرى بمدينة الوضاح، فقال: إنّ ابن المفضل صنف لهم صنوف الفرق فرقة فرقة حتىٰ قال في كتابه: و فرقة يقال لهم الزرارية، و فرقة يقال لهم العمارية أصحاب عمار الساباطي، و فرقة يقال لهم اليعفورية، و منهم فرقة أصحاب سليمان الأقطع، و فرقة يقال لهم الجواليقية. قال يونس: و لم يذكر يومئذ هشام بن الحكم و لا أصحابه.(1)

ترى انّه يذكر جميع الفرق المزعومة للشيعة، حتى يذكر العمارية المنسوبة إلى عمار الساباطي الذي لم يكن له يوم ذاك أيّ تابع إلّا كونه فطحياً مؤمناً بإمامة عبد اللّٰه الأفطح، و لا يذكر الإسماعيلية؟! فلو كانت لإسماعيل دعوة سرية أيّام المنصور، ثمّ لابنه محمد، حيث كانا ينتقلان من بلد إلى بلد، كان من المحتّم مجيء اسمه في قائمة أصحاب الأهواء.

كلّ ذلك يدلّ على أنّ المذهب قد نشأ بعد لأي من الدهر.

إلى هنا تمّ البحث في الإمام الأوّل، و كانت حصيلته هي:

أنّ الرجل كان رجلاً ثقة، محبوباً للوالد، و تُوفي في حياة والده و هو عنه راض، و لم تكن له أيُّ دعوةٍ للإمامة، و لم تظْهر أيَّ دعوة باسمه أيّام خلافة المهدي العباسي الذي تُوفي عام 169 ه، و قد مضى على وفاة الإمام الصادق عليه السّلام إحدى و عشرون سنة.


1) . الكشي: الرجال: 227.

الإمام الثاني: محمد بن إسماعيل (132-193 ه)

محمد بن إسماعيل، هو الإمام الثاني للإسماعيلية، قال ابن عنبة: أعقب إسماعيل من محمد و علي ابني إسماعيل، أمّا محمد بن إسماعيل فقال شيخ الشرف العبيدلي: هو إمام الميمونية و قبره ببغداد.

و يصفه الكاتب الإسماعيلي أنّه ولد سنة 141 في المدينة عند ما توفي والده الإمام إسماعيل، اضطر لترك المدينة خوفاً من مراقبة الرشيد العباسي، الذي استطاع بنشاطه من إخماد كافة الثورات و الدعوات الإمامية، فذهب إلى الكوفة، و منها إلى فرغانة، ثمّ إلى نيسابور، عمل على نشر دعوته بنشاط في الجزيرة العربية، و في كافة البلدان الإسلامية، و قد استطاع التموية على الخلفاء العباسيين و الإفلات من قبضتهم، و هم المهدي و الهادي و الرشيد.

ازداد تستراً بعد أن أعطى الرشيدُ أمراً بالقبض عليه، ثمّ إنّه رَحَل إلى الريّ و منها إلى نهاوند، و فيها عقد زواجه على ابنة أميرها أبي المنصور بن جوشن، و بعد ذلك توجه إلى «تدْمُر» في سوريا حيث جعلها مركزاً لإقامته و نشر دعوته، وجّه الرشيد جيشاً لإلقاء القبض عليه عند ما كان في نهاوند، و لكن أتباعه تمكنوا من الانتصار على الجيش المذكور و ردّوه خائباً.

يقال أنّه هو الذي أرسل الداعيين: الحلواني و أبا سفيان إلى المغرب، تُوفّي في

مدينة «تَدْمر» و دفن في جبل واقع إلى الشمال الغربي منها، و يعرف حتى الآن بضريح محمد بن علي، وفاته سنة 193 ه.

يقال إنّ حجته هو ميمون القداح، و الحقيقة أنّ الإمام محمد بن إسماعيل هو نفسه كان يحمل لقبي ميمون و القداح.

ترك عدداً من الأولاد و منهم عبد اللّٰه الذي كان وليّاً للعهد.(1)

أقول: للقارئ الكريم أن ينظر إلى كلمات ذلك الكاتب بنظر الشك و الريبة، و يتفحّص عن مآخذ كلامه و مصادر نقله، فإنّ ما وقفنا عليه في السير و الآثار لا يدعم كلامه، و ذلك للأسباب التالية:

1 - إنّ شيخ الشرف العبيدلي قال: إنّه توفي ببغداد، و قبره هناك، و الكاتب يذكر أنّه توفي ب «تدمر» بسوريا، و قبره هناك، و له ضريح معروف بضريح «محمد بن علي» و لكن من أينَ علم انّه ضريح محمد بن إسماعيل؟! و أنّه حُرِّفَ اسم والده.

2 - الروايات المتضافرة من الفريقين تشهد على أنّه كانت بينه و بين الرشيد صلة و كان موقفه منه، موقف العين، و قد أخبره بما يجري في أوساط العلويين، من جمع الأموال للثورة، و الدعوة إلى الإمامة. و من هذه الروايات التي وقفنا عليها:

روى ابن عنبة، عن أبي القاسم بن إسماعيل نسابة المصريين، أنّ موسى الكاظم عليه السّلام كان يخاف ابن أخيه محمد بن إسماعيل، و يبرّه، و هو لا يترك السعي به إلى السلطان من بني العباس.

و قال أبو نصر البخاري: كان محمد بن إسماعيل بن الصادق عليه السّلام مع موسى الكاظم عليه السّلام يكتب له السر إلى شيعته في الآفاق. فلما ورد الرشيد الحجاز، سعى(2)محمد بن إسماعيل بعمه إلى الرشيد. فقال: أعلمتَ أنّ في الأرض خليفتين


1) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 181.

2) . ذكر الشيخ المفيد أنّ الساعي بعمه الكاظم عليه السّلام إلى الرشيد هو علي بن إسماعيل لا أخوه محمد. و ذكر قصة السعاية أُنظر (الإرشاد) باب ذكر السبب في وفاته عليه السّلام.

يجبى إليهما الخراج؟ فقال الرشيد: ويلك أنا و من؟ قال: موسى بن جعفر. و أظهر أسرارَه فقبض الرشيد على موسى الكاظم عليه السّلام و حبسه، و كان سبب هلاكه، و حظى محمد بن إسماعيل عند الرشيد، و خرج معه إلى العراق، و مات ببغداد، و دعا عليه موسى بن جعفر عليهما السّلام بدعاء استجابه اللّٰه تعالى فيه و في أولاده، و لمّا لِيمَ‌(1)موسى بن جعفر عليهما السّلام في صلة محمد بن إسماعيل و الاتصال مع سعيه به. قال: إنّي حدثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، الرحم إذا قُطِعتَ فوَصَلْتَ ثمّ قُطِعَتْ فَوصلت ثمّ قُطِعْتَ فوصلتَ ثمّ قُطِعَت قطعها اللّٰه تعالى، و إنّما أردتُ أن يقطع اللّٰه رحمه من رحمي.(2)

هذا ما رواه ابن عنبة من طرق أهل السنّة، كما رواه محدّثوا الشيعة و نأتي بنصّ أفضلهم و أوسعهم اطلاعاً، أعني:

الشيخ الكليني المتوفى عام 329 ه في الكافي.

روى الكليني بسند صحيح(3)عن علي بن جعفر قال: جاءني محمد بن إسماعيل و قد اعتمرنا عمرة رجب، و نحن يومئذ بمكة، فقال: يا عمُّ إنّي أُريد بغداد، و قد أحببتُ أن أُودِّعَ عمي أبا الحسن - يعني موسى بن جعفر عليه السّلام - و أحببت أن تذهبَ معي إليه، فخرجتُ معه نحو أخي، و هو في داره التي بالحوبة، و ذلك بعد المغرب بقليل، فضربت البابَ فأجابني أخي، فقال: مَنْ هذا؟ فقلت: علي، فقال: هو ذا أُخرِجُ - و كان بطيء الوضوء - فقلت: العجل، قال: و اعجل فخرج و عليه ازار ممشّق(4)قد عقده في عنقه حتى قعد تحت عتبة الباب، فقال عليّ بن جعفر: فانكببتُ عليه فقبّلتُ رأسه، و قلت: قد جئتك في أمر إن تره صواباً


1) . فعل ماضي مجهول من اللوم.

2) . ابن عنبة: عمدة الطالب: 233.

3) . رواه عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى العبيدي، عن موسى بن القاسم البجلي و هو نجل معاوية بن وهب البجلي، عن علي بن جعفر، و الرواة ثقات و الرواية صحيحة.

4) . أي مصبوغ بالمشق و هو الطين الأحمر.

فاللّٰه وفق له، و إن يكن غير ذلك، فما أكثر ما نخطئ، قال: و ما هو؟ قلتُ: هذا ابن أخيك يريد أن يودعك و يخرجَ إلى بغداد، فقال لي: ادعه، فدعوتُه و كان متنحّياً، فدنا منه فقبّل رأسه.

و قال: جعلت فداك أوصني فقال: أُوصيك أن تتقي اللّٰه في دمي، فقال مجيباً له: من أرادك بسوء فعل اللّٰه به، و جعل يدعو على من يريده بسوء، ثمّ عاد فقبّل رأسه، فقال: يا عمُّ أوصني، فقال: أُوصيك أن تتقي اللّٰه في دمي، فقال: من أرادك بسوء فَعَلَ اللّٰه به و فعل، ثمّ عاد فقبّل رأسه، ثمّ قال: يا عم أوصني، فقال: أُوصيك أن تتقي اللّٰه في دمي، فدعا على من أراده بسوء، ثمّ تنحّى عنه، و مضيت معه، فقال لي أخي: يا عليّ مكانَك فقمتُ مكاني فدخل منزله، ثمّ دعاني فدخلتُ إليه، فتناول صرّة فيها مائة دينار فأعطانيها. و قال: قل لابن أخيك يستعين بها على سفره، قال عليّ: فأخذتها فأدرجتها في حاشية ردائي، ثمّ ناولني مائة أُخرى و قال: أعطه أيضاً، ثمّ ناولني صرة أُخرى و قال: أعطه أيضاً.

فقلت: جعلت فداك، إذا كنتَ تخاف منه مثلَ الذي ذكرت، فلِمَ تعينه على نفسك؟ فقال: إذا وصلتُه و قطعني قطع اللّٰه أجله، ثمّ تناول مخدَّة أدم، فيها ثلاثة آلاف درهم وضح(1)و قال: أعطه هذه أيضاً قال: فخرجت إليه فأعطيته المائة الأُولى ففرح بها فرحاً شديداً و دعا لعمِّه، ثمّ أعطيته الثانية و الثالثة ففرح بها حتى ظننت انّه سيرجع و لا يخرج، ثمّ أعطيته الثلاثة آلاف درهم فمضى على وجهه حتى دخل على هارون فسلّم عليه بالخلافة، و قال: ما ظننتُ أنّ في الأرض خليفتين، حتى رأيت عمي موسى بن جعفر يُسلَّم عليه بالخلافة، فأرسل هارون إليه بمائة ألف درهم فرماه اللّٰه بالذبحة(2)فما نظر منها إلى درهم و لا مسّه.(3)


1) . الوضح: الدرهم الصحيح. لسان العرب: 635/2، مادة «وضح».

2) . الذبحة: وجع في الحلق، أو دم يخنق فيقتل. لسان العرب: 438/2، مادة «ذبح».

3) . الكليني: الكافي: 485/1-486.

روى الكشي في رجاله، عن أبي جعفر محمد بن قولويه القمي، قال: حدثني بعض المشايخ، عن علي بن جعفر بن محمد عليهما السّلام، قال: جاءني محمد بن إسماعيل ابن جعفر يسألني أن أسأل أبا لحسن موسى عليه السّلام، أن يأذن له في الخروج إلى العراق، و أن يرضى عنه و يوصيه بوصيّة، قال: فتجنّبت حتى دخل المتوضّى... فلمّا خرج قلت له: إنّ ابن أخيك محمد بن إسماعيل، يسألك أن تأذن له في الخروج إلى العراق، و أن توصيه. فأذن له عليه السّلام، فلمّا رجع إلى مجلسه قام محمد بن إسماعيل، و قال: يا عم أحبَّ أن توصيني. فقال: «أُوصيك أن تتقي اللّٰه في دمي». فقال: لعن اللّٰه من يسعى في دمك. ثمّ قال: يا عم أوصني، فقال: «أُوصيك أن تتقي اللّٰه في دمي». قال: ثمّ ناوله أبو الحسن عليه السّلام صرة فيها مائة و خمسون ديناراً، فقبضها محمد، ثمّ ناوله أُخرى فيها مائة و خمسون ديناراً، فقبضها، ثمّ أعطاه صرة أُخرى فيها مائة و خمسون ديناراً، فقبضها ثمّ أمر له بألف و خمسمائة درهم كانت عنده. فقلتُ له في ذلك: استكثرته؟ فقال: «هذا ليكون أوكد لحجّتي إذا قطعني و وصلتُه». قال: فخرج إلى العراق، فلمّا ورد حضرة هارون أتى باب هارون بثياب طريقه قبل أن ينزل، و استأذن على هارون و قال للحاجب: قل لأمير المؤمنين إنّ محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بالباب. فقال الحاجب: انزل أوّلاً و غيّر ثياب طريقك وَ عُدْ لأُدخلك إليه بغير إذن فقد نام أمير المؤمنين في هذا الوقت. فقال: أعلم أمير المؤمنين انّي حضرتُ و لم تأذن لي، فدخل الحاجب و أعلم هارون قول محمد بن إسماعيل، فأمر بدخوله، فدخل قال: يا أمير المؤمنين خليفتان في الأرض موسى بن جعفر بالمدينة يجبى له الخراج و أنت بالعراق يجبى لك الخراج. فقال: و اللّٰه؟! فقال: و اللّٰه.

فقال: و اللّٰه؟! قال: فأمر له بمائة ألف درهم، فلمّا قبضها و حمل إلى منزله أخذته الريحة في جوف ليلته، فمات، و حول من الغد المال الذي حمل إليه.(1)


1) . الكشي: الرجال: 226، في ترجمة هشام بن الحكم.

و رواه ابن شهرآشوب في مناقبه.(1)

فلو صحّ ما ذكراه فكيف تكون له ثورة أيام الرشيد و هو يتعامل معه، معاملة العيون و الجواسيس، أو السعاة و الوشاة.

نعم نقل أبو الفرج الاصفهاني نفس القصة و تبعه الشيخ المفيد(2)و لكن الساعي في كليهما هو علي بن إسماعيل أخو محمد بن إسماعيل، لكن السند قاصر، لأنّ الاصفهاني يرويه عن أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة المتوفى عام 332 ه، عن شيخه: يحيى بن الحسن العلوي(3)و الرواية مرسلة إذ لا يتمكن ابن عقدة من نقل القصة بواسطة واحدة، كيف و الإمام الكاظم قد أُخذ في آخر السبعينات بعد المائة، و توفي عام 183 ه(4)و لأجل الإيماء إلى الإرسال أضاف المفيد بعد إنهاء السند قولَه عن مشايخهم: فما نقله الكليني بسند صحيح هو المعتبر.


و ما ذكره: «وجّه الرشيد جيشاً لإلقاء القبض عليه عند ما كان في نهاوند...» لم أقف على مصدره و لقد تصفّحت حياة الرشيد (170-193 ه) في تاريخ الطبري، و مروج الذهب للمسعودي، و كامل الجزري، فلم أجد فيها شيئاً من الحرب المزعومة و انتصار محمد بن إسماعيل على جيش الرشيد.

نعم نقل الجزري في حوادث سنة 312 ه: انه ظهر في الكوفة رجل ادّعى انّه «محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، و هو رئيس الإسماعيلية، و جمع جمعاً عظيماً من الأعراب و أهل السواد و استفحل أمره في شوال، فسيّر إليه جيش من بغداد، فقاتلوه و ظفروا به و انهزم،


1) . ابن شهرآشوب: المناقب: 326/4، قريباً مما نقله الكليني و الكشي.

2) . المفيد: الإرشاد: 298.

3) . في إرشاد المفيد: أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى عن مشايخهم.

4) . الجزري: الكامل: 164/6، لاحظ حوادث سنة 183 ه.

و قتل كثير من أصحابه.(1)

قال مصطفى غالب: و يعتبر الإمام محمد بن إسماعيل أوّل الأئمة المستورين، و الناطق السابع و متم الدور، لأنّ إمامته كانت بداية دور جديد في تاريخ الدعوة الإسماعيلية، فقام بنسخ الشريعة التي سبقته، و بذلك جمع بين النطق و الإمامة، و رفع التكاليف الظاهرة للشريعة، و نادى بالتأويل، و اهتم بالباطن، و لذلك قال فيه الداعي إدريس: «و إنّما خص محمد بن إسماعيل بذلك لانتظامه في سلك مقامات دور الستر، لأنّك إذا عددت آدم و وصيه و أئمّة دوره، كان خاتمهم الناطق، و هو نوح عليه السّلام و إذا عددت عيسى و وصيه قائمة دوره، كان محمّد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم متسلماً لمراتبهم، و هو الناطق خاتم للنطقاء، و كان وصيّه عليه السّلام بالفضل منفرداً به، و إذا عددت الأئمّة في دوره كان محمد بن إسماعيل سابعهم، و للسابع قوّة على من تقدّمه، فلذلك صار ناطقاً و خاتماً للأُسبوع، و قائماً و هو ناسخ شريعة صاحب الدور السادس، ببيان معانيها و إظهار باطنها المبطن فيها.(2)

و لو لا انّه فسّر نسخ الشريعة ببيان معانيها و إظهار باطنها المبطن فيها، كان المتبادر منه أنّه كان صاحب شريعة و دين حديث و هو كما ترى.

ثمّ إنّ ظاهر كلامه انّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم كان خاتماً للدور الثاني، و انّ الدور الثالث يبتدأ بوصي النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم علي أمير المؤمنين عليه السّلام و بما انّهم لا يعدّون الحسن بن علي في أئمتهم، يكون محمد بن إسماعيل هو سابع الأئمّة و أفضلهم.

إنّ ما ذكره اعتبارات و تخيّلات لم يقم عليها دليل، فما هو الدليل القاطع العقلي أو النقلي على هذا الدور، و إنّ كلّ سابع، خاتم له.


1) . الجزري: الكامل: 157/8.

2) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 148.

الإمام الثالث: عبد اللّٰه بن محمد بن إسماعيل (179-212 ه)

ولد في بلدة نيسابور عام 179 ه من ألقابه: المستور، و الرضي، و الناصر، و العطار، و عبد اللّٰه الأكبر، كان كثير التنقل بين نهاوند و الأهواز و طبرستان.

عرف أنّه كان معاصراً للرشيد، و قد أدرك عصر المأمون. سمّى جميع دعاته باسمه حتى لا يعرف. عند ما خرج من فرغانة إلى الديلم، و كان يصحبه أخوه حسين. و في الديلم تزوّج فتاة علوية و ولد له منها أحمد.

و ألّف في سلمية رسائل «إخوان الصفاء و خلاّن الوفاء».

توفي سنة 212 ه، و دفن في سلمية(1)و ضريحه يعرف بالإمام إسماعيل.(2)

إنّ من يدرس كتاب رسائل «إخوان الصفاء و خلاّن الوفاء» يقف على أنّه أثر لجنة علمية لا تأليف شاب لم يتجاوز عمره الثلاثين إلّا قليلاً.

إنّ هذا الكتاب أُلّف في القرن الرابع الهجري، و قد قامت بتأليفه جماعة، و كان أبو حيان التوحيدي على معرفة بأحوال أحد أفرادها، و قد وصفه لصمصام الدولة الذي ولي الأمر في سنة 372 ه.(3)


1) . بليدة بالشام من أعمال حمص.

2) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 182.

3) . ابن الأثير: الكامل في التاريخ: 22/9.

ففي مقدمة المحقّق: تألّفتْ هذه الجماعة في القرن الرابع الهجري، و كان موطنها البصرة، و لها فرع في بغداد، و لم يعرف من أشخاصها سوى خمسة يتغشاهم الغموض و الشك... فقيل إنّ أحدهم هو أبو سليمان محمد بن معشر البستي المعروف بالمقدسي، و الآخر أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، ثمّ أبو أحمد المهرجاني، فأبو الحسن العوفي، فزيد بن رفاعة، و يؤخذ من كلام لأبي حيّان التوحيدي أثبته أحمد زكي باشا في مقدمته لرسائل الإخوان انّ زيد بن رفاعة كان متهماً بمذهبه، و انّ الوزير صمصام الدولة بن عضد الدولة سأله عنه.(1)


1) . رسائل إخوان الصفا و خلاّن الوفاء: 5، المقدمة.

الإمام الرابع: أحمد بن عبد اللّٰه (198-265 ه)

عرّفه الكاتب عارف تامر بقوله: ولد في سلمية سنة 198 ه، و اتخذ من هذه المدينة مقراً له و مركزاً لتوزيع الدعاة و نشر التعاليم في المناطق الأُخرى. كان على جانب كبير من العلم، و إليه تنسب رسالة الجامعة لإخوان الصفاء و خلاّن الوفاء.

ولد له ولدان هما: الحسن و سعيد.

كان يتنقل بين الديلم و الكوفة، و غيرهما في سبيل التجارة. و الحقيقة أنّ ذلك لم يكن إلّا في سبيل نشر الدعاية و الأفكار الإسماعيلية. لقبه الوفي.

عاصر المأمون و اشترك في إثارة الناس عليه، إلى أن يقول: كان يقضي فصل الشتاء في سلَمية، و الصيف في مصياف. نشاط الدعاة في عصره بلغ الأوج خاصة في المجال العلمي.

مات في مصياف سنة 265 ه عن 67 عاماً، و دفن فيها في جبل مشهد.(1)

و يقول المؤرّخ المعاصر: و لقد تعرض الإمام أثناء وجوده في السلَمية لمضايقات الخلفاء العباسيين المستمرة، لذلك وجد بأنّ السلَمية لم تعد مكاناً صالحاً له، فغادرها سرّاً إلى الري حيث استقر فيها مدّة طويلة عمل خلالها لنشر دعوته على نطاق واسع، فاعتنقها أكثر الملوك و الأُمراء، و قدّموا جميع إمكانياتهم


1) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 182.

لمساعدة الدعاة في سبيل نشرها و تعميمها في جميع الأقطار الشرقية، و الجدير بالذكر انّ أكثر الحكام و الولاة في العهد العباسي كانوا يتظاهرون بنقمتهم على الإسماعيلية، بينما كانوا يدينون بعقائدها في الباطن و ينصرون الدعاة، و يعملون سراً على تقوية الدعوة و إنجاحها.(1)

و قد ذكر عارف تامر انّ لقبه هو الوفي في حين أنّ مصطفى غالب قد لقبه بمحمد التقي، و الظاهر انّهما لقبين لشخص واحد.

و لا يذهب عليك ما في كلامه من المبالغة من اعتناق أكثر الحكام و الولاة لعقائد الإسماعيلية، فإنّ المؤرّخين المعاصرين(2)، قد اعتادا على المبالغة في الثناء و انتشار الدعوة من دون أن يذكرا لكلامهما مصدراً.


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 167.

2) . عارف تامر، مصطفى غالب، و الثاني أكثر مبالغة.

الإمام الخامس: الحسين بن أحمد (219-289 ه)

ولد في مصياف سنة 219 ه، كان مركز إقامته في سلمية. اشتهر بثروته المالية الطائلة.

من ألقابه: المرتضىٰ، و المقتدى، و الزكي، و الهادي، و التقي.

لخص رسالة الجامعة برسالة موجزة سمّاها جامعة الجامعة.

كان علىٰ علاقات طيبة مع الهاشميين القاطنين في سلمية، التقى بالنجف الأشرف بالداعي أبي قاسم حسن بن فرح بن حوشب (منصور اليمن) و علي بن الفضل حيث كانا يدعوان للحسن العسكري الاثني عشري فأثّر فيهما و أحضرهما إلى سلمية، ثمّ جهزهما بعد ذلك إلى اليمن.

و في عهده تم إرسال أبي عبد اللّٰه الشيعي(1).(2)إلى المغرب.

في عصره دبَّ الوهن إلى الدولة العباسية و أحدقت بها الثورات و الاضطرابات، تولى ابن طولون في عهده شئون مصر و أوكل إليه تنظيم بلاد الشام أيضاً. كانت الأموال الطائلة تحمل إليه من كافة الجهات حتى من آذربيجان.


1) . و القرائن تشهد انّ المراد منه، هو عبد اللّٰه بن ميمون القداح.

2) و صار بعد ذلك داعية عبيد اللّٰه المهدي الإمام السادس، و سيوافيك تفصيله في ترجمة «عبيد اللّٰه».

مات في سلمية و دفن في مقام جده عبد اللّٰه بن محمد و كان ذلك سنة 265.(1)

ما ذكره من أنّه توفي عام 265 ه غير صحيح، لأنّه عام وفاة والده و لعلّه تصحيف سنة 289 ه. و قد أرّخ ميلاده و وفاته مؤلف تاريخ الدعوة الإسماعيلية كما ذكرنا و قال: و عهد بالإمامة من بعده لابنه محمد المهدي(2)و قال له: إنّك ستهاجر بعدي هجرة و تلقى محناً شديدة.(3)

قد سبق و أن ذكرنا أنّ محمد بن إسماعيل - أي الإمام الثاني - أرسل الداعيين: الحلواني و أبا سفيان إلى المغرب، و لكن لم يحددا تاريخ البعث، فبما انّ محمد بن إسماعيل استلم الإمامة - حسب رأي الإسماعيلية - عام 158 ه و توفي عام 193 ه، فيكون إرسالهما بين الحدين.

كان الداعيان مهتمين بالتبليغ و الدعوة في أيام الأئمّة الثلاثة إلى أن استلم الإمام الحسين بن أحمد زمام الإمامة، و وقف بأنّ الدعوة في المغرب تتقدم باستمرار، فحينئذٍ طلب من الداعية الكبير أبي عبد اللّٰه الحسين أحمد بن محمد بن زكريا الشيعي - الذي كان يدعو الناس إلى المذهب الإسماعيلي في البصرة - الذهاب إلى اليمن و يدرس هناك علىٰ ابن حوشب و يطيعه و يقتدي به، ثمّ يذهب بعد فراغه من الدراسة، إلى المغرب قاصداً بلدة «كتامة».

توجه أبو عبد اللّٰه إلى اليمن حيث شهد مجالس ابن حوشب و أصبح من كبار أصحابه، فلمّا أتى خبر وفاة الحلواني و أبي سفيان دعاة المغرب إلى ابن حوشب قال لأبي عبد اللّٰه الشيعي: إنّ أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني و أبو سفيان و قد ماتا و ليس لها غيرك، فبادر فانّها موطّأة ممهّدة لك.


1) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 183.

2) . عبيد اللّٰه المهدي.

3) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 171. و لم يذكر مصدراً لكلامه.

فخرج أبو عبد اللّٰه إلى مكة و أعطاه ابن حوشب مالاً و سيّر معه عبد اللّٰه بن أبي ملاحف، فلمّا قدم أبو عبد اللّٰه مكة سأل عن حجاج كتامة، فأرشِد إليهم، فاجتمع بهم، و لم يُعرِّفهم قصدَه، و جلس قريباً منهم، فسمعهم يتحدثون بفضائل أهل البيت، فأظهر استحسان ذلك، و حدّثهم بما لم يعلموه، فلمّا أراد القيام سألوه أن يأذن لهم في زيارته و الانبساط معه، فأذن لهم في ذلك، فسألوه أين مقصده، فقال: أُريد مصر، ففرِحوا بصحبته.

و كان من رؤساء الكتاميين بمكة رجل اسمه «حُريث الجُميلي»، و آخر اسمه موسى بن مكاد فرحلوا و هو لا يخبرهم بغرضه، و أظهر لهم العبادة و الزهد، فازدادوا فيه رغبة و خدموه، و كان يسألهم عن بلادهم و أحوالهم و قبائلهم و عن طاعتهم لسلطان إفريقية، فقالوا: ما له علينا طاعة، و بيننا و بينه عشرة أيام، قال: أ فتحملون السلاح؟ قالوا: هو شغلنا، و لم يزل يتعرّف أحوالهم حتى وصلوا إلى مصر، فلمّا أراد وداعهم قالوا له: أي شيء تطلب بمصر؟ قال: أطلب التعليم بها(1)قالوا: إذا كنت تقصد هذا فبلادنا أنفع لك، و نحن أعرف بحقك، و لم يزالوا به حتى أجابهم إلى المسير معهم بعد الخضوع و السؤال، فسار معهم.

فلما قاربوا بلادَهم لقيهم رجال من الشيعة فأخبروهم بخبره، فرغبُوا في نزوله عندهم و اقترعوا فيمن يضيِّفه منهم، ثمّ رحلوا حتى وصلوا إلى أرض كتامة منتصف شهر ربيع الأوّل سنة ثمانين و مائتين، فسأله قوم منهم أن ينزل عندهم حتى يقاتلوا دونه، فقال لهم: أين يكون فج الأخيار؟ فتعجبوا من ذلك و لم يكونوا ذكروه له، فقالوا له: عند بني سليان، فقال: إليه نقصد، ثمّ نأتي كلّ قوم منكم في ديارهم و نزورهم في بيوتهم، فأرضى بذلك الجميع.

و سار إلى جبل يقال له إنكجان، و فيه فج الأخيار، فقال: هذا فج الأخيار، و ما سمي إلّا بكم و لقد جاء في الآثار:

انّ للمهدي هجرة تنبو عن الأوطان، ينصره


1) . يريد تعليم مذهب أهل البيت عليهم السّلام.

فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان، قوم مشتق اسمهم من الكتمان، فإنّهم كتامة و بخروجكم من هذا الفج يسمّى فج الأخيار.

ثمّ إنّه قال للكتاميين: أنا صاحب البدر الذي ذكر لكم أبو سفيان و الحلواني، فازدادت محبتهم له و تعظيمهم لأمره.

ثمّ إنّ الحسن بن هارون و هو من أكابر كتامة، فأخذ أبا عبد اللّٰه إليه، و دافع عنه، و مضيا إلى مدينة ناصرون فأتته القبائل من كلّ مكان و عظم شأنه، و صارت الرئاسة للحسن بن هارون، فاستقام له أمر البربر و عامة كتامة. ثمّ كان الأمر على ذلك حتى توفي الإمام الحسين بن أحمد عام 289 ه و عهد بالإمامة من بعده لابنه محمد المهدي، و قال له: إنّك ستهاجر بعدي هجرة بعيدة، و تلقى محناً شديدة، فلمّا قام عبيد اللّٰه بعد أبيه انتشرت دعوته، و أرسل إليه أبو عبد اللّٰه الشيعي رجالاً من كتامة من المغرب ليخبروه بما فتح اللّٰه عليه و انّهم ينتظرونه. و هذا ما سنذكره في سيرة الإمام التالي الإمام عبيد اللّٰه المهدي.(1)


هؤلاء هم الأئمّة المستورون عند الإسماعيلية، و الذي يدلّ على ذلك أنّ القاضي النعمان وصفهم بالاستتار، و جعل مبدأ الظهور قيام عبد اللّٰه الإمام المهدي باللّٰه، و إليك أبياته في أُرجوزته يقول:

و اشتدت المحنة بعد جعفرٍ *** فانصرف الأمر إلى التستر

و كان قد أقام بعضَ ولده *** مقامَه لمّا رأى من جَلدِه

فجعل الأمر له في ستر *** فلم يكن قالوا بذاك يدري

لخوفه عليه من أعدائه *** إلّا ثقاتُ محض أوليائِه


1) . الجزري: الكامل: 31/8-37؛ تاريخ ابن خلدون: 40/4-44، و أيضاً ص 261. و قد لخصنا القصة و حذفنا ما ليس له صلة بالموضوع كالحروب التي خاضها أبو عبد اللّٰه الشيعي.

و أهلُه الذين قد كانوا معه *** فقام بالأمر، و قاموا أربعة

لمّا مضى كلّهم لصلبه *** مستترين بعده بحسبه

قد دخلوا في جملة الرعية *** لشدة المحنة و الرزية

و كلهم له دعاة تسري *** و دعوة في الناس كانت تجري

يعرفهم في كل عصر و زمن *** و كل حين و أوان، كلُّ مَن

والاهم، و كلُّ أوليائهم *** يعلم ما علم من أسمائهم

و لم يكن يمنعني من ذكرهم *** إلّا احتفاظي بمصون سرهم(1)

و ليس لي بأن أقول جهراً *** ما كان قد أُُدّي إليّ سرّاً

و هم على الجملة كانوا استتروا *** و لم يكونوا إذ تولّوا ظهروا

بل دخلوا في جملة السواد *** لخوفهم من سطوة الأعادي

حتى إذا انتهى الكتاب أجله *** و صار أمر اللّٰه فيمن جعله

بمنّه مفتاحَ قفل الدين *** أيّده بالنصر و التمكين(2)

و ممّا ينبغي إلفات القارئ إليه انّ القاضي في كتابه «الأُرجوزة المختارة» و إن ذكر في المقام استتار الأئمة بعد رحيل الإمام الصادق و هو يوافق عقيدة الإسماعيلية، لكنّه في مقام الرد و النقد، رد على جميع الفرق الشيعية ما عدا الإمامية الاثني عشرية، فقد رد على مقالات الحريرية، الراوندية، الحصينية، الزيدية، الجارودية، البترية، المغيرية، الكيسانية، الكربية، البيانية، المختارية، الحارثية،


1) . لو صحّ ما ذكره يجب على سائر الدعاة سلوك مسلكه و عدم التنويه بأسمائهم، لكن المشهور خلافه، و لعلّ الاختلاف في أسمائهم و سائر خصوصياتهم دفعه إلى هذا الاعتذار

2) . القاضي النعمان: الأرجوزة المختارة: 191-192، و الأُرجوزة تبحث عن قضية الإمامة منذ وفاة الرسول، إلى عصره، و الظاهر أنّه ألّفها في عهد الخليفة الفاطمي الثاني القائم بأمر اللّٰه و كان حكمه من سنة 322 إلى 334 كما استظهر محقّق الكتاب.

العباسية، الرزامية. و لم يردّ على الإمامية بشيء فلو لم يكن المذهب الاثنا عشري مرضيّاً عنده لما فاته التعرض عليه، كيف و هو من أعظم فرق الشيعة؟!

و هذا يدل على أنّ المؤلف كان إمامياً اثني عشرياً - حسب رأي المحدّث النوري -، و يعيش في حال التقية في عصر الخليفة الفاطمي المعزّ بدين اللّٰه في القاهرة و يجاريه، و قد ألف دعائم الإسلام، الذي اعتمدت عليه الإسماعيلية و الاثنا عشرية، و إنّما المهم هو كتاب «تأويل الدعائم» الذي انفرد المذهب الإسماعيلي في الاعتماد عليه. و لعلّه كان هناك مبرر لتأليف هذا الكتاب و ما ماثله و اللّٰه العالم.

و مع ذلك سيوافيك ما يخالف هذا الرأي في الفصل الثالث عشر ضمن ترجمة أبي حنيفة النعمان.

إلى هنا تمت ترجمة سيرة الأئمّة المستورين، فلو جعلنا إسماعيل بن جعفر أوّل الأئمّة، فالأئمّة المستورون خمسة و هم:

1 - إسماعيل بن جعفر، و قد عرفت أنّه لم تكن له أيّة دعوة، و إنّما ذكرناه في هذه القائمة مجاراة للقوم.

2 - محمد بن إسماعيل، و لم تثبت عندنا له دعوة، بل كان يتعاطى مع هارون الرشيد على ما عرفت.

3 - عبد اللّٰه بن إسماعيل، المعروف بالوفي.

4 - الإمام أحمد بن عبد اللّٰه، المعروف بالتقي.

5 - الحسين بن أحمد، المعروف بالرضي.

و على هذا فالإمام السادس أعني عبيد اللّٰه المهدي - الذي خرج عن كهف الاستتار، و أسّس دولة إسماعيلية بإفريقية هو ابن الإمام السابق، أعني: الحسين بن أحمد، و على ذلك جرى مؤرخو الإسماعيلية فيذكرونه ابناً للإمام السابق، و مع

ذلك ففي نسبه خلاف كما سيوافيك تفصيله.

تتمة

الموجود في كتب أنساب الطالبيين أنّ محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق لم يعقّب إلّا من رجلين، و لم يتعرّضوا لعبد اللّٰه بن محمد، فضلاً عن أحمد بن عبد اللّٰه و ولده الحسين.

قال الرازي: و لمحمد بن إسماعيل هذا من الأولاد المعقبين اثنان: إسماعيل الثاني، و جعفر الأكبر السلامي.(1)

و قال أبو طالب الأزوَرقاني: و عقّب محمد من رجلين: جعفر الأكبر السلامي، و إسماعيل الثاني.(2)

و قال ابن عنبة: و أعقب محمد بن إسماعيل من رجلين: إسماعيل الثاني، و جعفر الشاعر «السلامي».(3)

نعم ذكر الشهرستاني: انّ ثلاثة من أولاد محمد بن إسماعيل بقوا مستورين لا وقوف لأحد عليهم: الرضي، و الوفي، و التقي «قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مٰا يَعْلَمُهُمْ إِلاّٰ قَلِيلٌ»(4)ثمّ ظهر المهدي بالمغرب و بنى المهدية.(5)

و لكن ما ذكره الشهرستاني رأي تفرّد به.

و لذلك نرى أنّ بعض علماء الأنساب جعل أئمّة الإسماعيلية على الترتيب التالي:


1) . الرازي: الشجرة المباركة: 101.

2) . أبو طالب الأزورقاني: الفخري في انساب الطالبيين: 23.

3) . ابن عنبة: عمدة الطالب: 234.

4) . الكهف: 22.

5) . الرازي: الشجرة المباركة: 103.

1 - إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق.

2 - محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، المعروف بالمكتوم.

3 - ابنه: جعفر بن محمد السلامي، المعروف بالمصدق.

4 - ابنه: محمد بن جعفر، المعروف بالحبيب.(1)

5 - ابنه: عبيد اللّٰه المهدي ابن محمد الحبيب، و عليه يكون المهدي الإمام الخامس.

و في بعض الروايات انّه ابن جعفر بن الحسن بن الحسن، بن محمد بن جعفر الشاعر السلامي بن محمد بن إسماعيل.(2)


1) . ابن عنبة: عمدة الطالب: 235-236.

2) . أُنظر تراجم محمد المكتوم، جعفر المصدق، محمد الحبيب في الأعلام: 34/6، 126/2، 70/6 نقلاً عن اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء.

الفصل السادس: في الأئمة الظاهرين:

اشارة

الإمام السادس: عبيد اللّٰه المهدي (260-322 ه)

اشارة

الإمام عبيد اللّٰه الملقب بالمهدي، هو مؤسس الدولة الإسماعيلية في المغرب.

ولد بسلمية التي هي بلدة بالشام من اعمال حمص عام 260-259 و دعي له بالخلافة على منابر: رقادة، و القيروان، يوم الجمعة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة 289 ه، فخرجت بلاد المغرب عن ولاية بني العباس، و بنى البلدة المعروفة ب «المهدية» و توفي بها عام 322 ه.

إذا سبرنا التاريخ نجد أنّ المؤرخين، و أصحاب المعاجم، لا يمسّون إسماعيل و لا الأئمّة الذين تلوه بكلمة مشينة، و إنّما يذكرونهم كسائر الفرق فلهم مالهم و عليهم ما عليهم، فلما وصل الأمر إلى عبيد اللّٰه الذي أسس دولة شيعية في المغرب و تعاقب على حكمها خلفاء تمكنوا من إرساء دعائمها و تقوية مرتكزاتها، ثارت ثائرة السنّة المعاندين، و أخذوا يصبّون عليهم قوارع الكلم، و يرمونهم بأفظع النسب و التهم، ممّا يندىٰ لها الجبين، و الذي دعاهم لذلك أمران:

الأوّل: عداؤهم السياسي، فهؤلاء الخلفاء أخرجوا المغرب و مصر و الشامات من قبضة الخليفة ببغداد، مما حرض البلاط العباسي و وعاظ الخلفاء على سبّهم و الطعن في نسبهم، و انّ نسب عبد اللّٰه المهدي لا يصل إلى آل علي، بل إلى مجوسي أو يهودي.

الثاني: بغضهم للشيعة، فلقد قام الخلفاء الفاطميون بتأسيس دولة إسلامية شيعية، لأوّل مرة في أقصاع كبيرة من الأرض و أشاعوا فيها التشيع، و حب أهل البيت، و أمروا بإدخال «حي علىٰ خير العمل» في الأذان، و ترك بعض البدع، كإقامة صلاة التراويح جماعة و غيرها، ممّا حدا بالمتعصبين من أهل السنّة كالذهبي، و من لف لفه - الذي كان لا يقيم للأشاعرة من أهل العقائد و لا لغير الحنابلة من أهل الفقه وزناً و لا قيمة، فكيف للشيعة المنزهة للّٰه سبحانه عن الجسم و لوازمه - أن يسبّهم و يتّهمهم بتهم رخيصة، و انّهم من عناصر يهودية قلبوا الإسلام ظهراً لبطن.

فما نرى في كتب التاريخ و المعاجم حول نسب عبيد اللّٰه المهدي، ك «وفيات الأعيان» لابن خلكان، و سير أعلام النبلاء للذهبي و غيرهما لا يمكن الاعتماد عليها و الوثوق بها، لأنّها وليدة أجواء العداء السياسي، و الاختلاف المذهبي، اللّذين يعميان و يصمان.

نعم هناك من رد تلك التهم المشينة من المؤرخين برحابة صدر كابن خلدون في مقدمته، و المقريزي في خططه.

يقول ابن خلدون: أوّلهم عبيد اللّٰه المهدي بن محمد الحبيب بن جعفر الصادق(1)بن محمد المكتوم بن(2)جعفر الصادق، و لا عبرة بمن أنكر هذا النسب من أهل القيروان و غيرهم و بالمحضر الذي ثبت ببغداد أيام القادر بالطعن في نسبهم، و شهد فيه أعلام الأئمّة، و قد مرّ ذكرهم. فإنّ كتاب المعتضد


1) . هو جعفر الأكبر السلامي، ولد محمد بن إسماعيل ابن الإمام الصادق عليه السّلام و ربما يعبر عنه بالمصدق ليتميز عن جدّه الإمام الصادق عليه السّلام.

2) . سقط عن الطبع: ابن إسماعيل بن جعفر الصادق، أُنظر عمدة الطالب: 235، و قد ذكر ابن خلدون نفسه في مكان آخر نسبه و قال: لما توفّي محمد الحبيب بن جعفر بن محمد بن إسماعيل الإمام عهد إلى ابنه عبيد اللّٰه و قال: أنت المهدي... التاريخ 44/4.

إلى ابن الأغلب بالقيروان و ابن مدرار بسجلماسة يغريهم بالقبض عليه، لمّا سار إلى المغرب، شاهد بصحة نسبه، و شعر الشريف الرضي مسجل بذلك. و الذين شهدوا في المحضر فشهادتهم على السماع و هي ما علمت، و قد كان نسبهم ببغداد منكراً عند أعدائهم شيعة بني العباس منذ مائة سنة، فتلون الناس بمذهب أهل الدولة و جاءت شهادة عليه مع أنّها شهادة على النفي، مع أنّ طبيعة الوجود في الانقياد إليهم، و ظهور كلمتهم حتىٰ في مكة و المدينة أدل شيء علىٰ صحّة نسبهم.

و أمّا من يجعل نسبهم في اليهودية و النصرانية ليعمونَ القدح و غيره، فكفاه ذلك اثماً و سفسفة.(1)

ثمّ إنّ تقي الدين المقريزي بعد ما نقل أقوال المخالفين في حقّ عبيد اللّٰه المهدي - حيث إنّهم وصفوه تارة بأنّه ابن مجوسي، و أُخرى أنّه ابن يهودي - أخذ بالقضاء العادل و قال:

و هذه أقوال إن أنصفت تبيّن لك أنّها موضوعة، فإنّ بني علي بن أبي طالب - رضي اللّٰه عنه - قد كانوا إذ ذاك على غاية من وفور العدد و جلالة القدر عند الشيعة، فما الحامل لشيعتهم على الإعراض عنهم و الدعاء لابن مجوسيّ أو لابن يهودي؟! فهذا ممّا لا يفعله أحد و لو بلغ الغاية في الجهل و السخف، و إنّما جاء ذلك من قبل ضَعَفة خلفاء بني العباس عند ما غصوا بمكان الفاطميّين، فإنّهم كانوا قد اتصلت دولتهم نحواً من مائتين و سبعين سنة، و ملِكوا من بني العباس بلاد المغرب و مصر و الشام و ديارَ بكر و الحرمين و اليمن، و خطب لهم ببغداد نحو أربعين خطبة و عجزت عساكر بني العباس عن مقاومتهم.

فلاذت حينئذٍ بتنفير الكافة عنهم بإشاعة الطعن في نسبهم، و بث ذلك عنهم خلفاؤهم و أعجب به أولياؤهم و أُمراء دولتهم الذين كانوا يحاربون عساكر الفاطميين كي يدفعوا بذلك عن أنفسهم و سلطانهم معرّة العجز عن مقاومتهم،


1) . ابن خلدون: التاريخ: 40/4.

و دفعهم عمّا غُلِبُوا عليه من ديار مصر، و الشام و الحرمين حتى اشتهر ذلك ببغداد، و أسجل القضاة بنفيهم من نسب العلويين، و شهد بذلك من أعلام الناس جماعة منهم الشريفان الرضي و المرتضى(1)و أبو حامد الاسفرائيني و القدوري في عدّة وافرة عند ما جمعوا لذلك في سنة اثنتين و أربعمائة أيام القادر.

و كانت شهادة القوم في ذلك على السماع لما اشتهر، و عرف بين الناس ببغداد و أهلها من شيعة بني العباس، الطاعنون في هذا النسب، و المتطيّرون من بني علي ابن أبي طالب، الفاعلون فيهم منذ ابتداء دولتهم الأفاعيل القبيحة، فنقل الأخباريون و أهل التاريخ ذلك كما سمعوه، و رووه حسب ما تلقوه من غير تدبّر، و الحقّ من وراء هذا.

و كفاك بكتاب المعتضد من خلائف بني العباس حجة، فإنّه كتب في شأن عبيد اللّٰه إلى ابن الأغلب بالقيروان و ابن مدرار بسجلماسة(2)بالقبض على عبيد اللّٰه، فتفطّن - أعزك اللّٰه - لصحّة هذا الشاهد، فإنّ المعتضد لو لا صحّة نسب عبيد اللّٰه عنده ما كتب لمن ذكرنا بالقبض عليه، إذ القوم حينئذٍ لا يَدْعون لِدعيّ البتة و لا يذعنون له بوجه، و إنّما ينقادون لمن كان علويّاً، فخاف ممّا وقع، و لو كان عنده من الأدعياء، لما مرّ له بفكر و لا خافه على ضيعة من ضياع الأرض.

و إنّما كان القوم، أعني: بني علي بن أبي طالب، تحتَ ترقّب الخوف من بني العباس لتطلّبهم لهم في كلّ وقت، و قصدهم إيّاهم دائماً بأنواع من العقاب، فصاروا ما بين طريد شريد، و بين خائف يترقّب، و مع ذلك فإنّ لشيعتهم الكثيرة المنتشرة في أقطارهم من المحبة لهم، و الإقبال عليهم ما لا مزيد عليه، و تكرّر قيام


1) . سيوافيك كلام الرضي الذي نقله ابن أبي الحديد في شرحه.

2) . سجلماسة مدينة انشئت سنة 140 ه، و تقع في محلة تافيلات اليوم في طرف صحراء المغرب على بعد حوالي 325 كلم إلى الجنوب الشرقي لمدينة فاس، عمرها بربر مكناسة، و لمّا تولّاها اليسع بن سمغون المكناسي أحاطها بسور و بنى بها عدّة مصانع و قصور، و قد استمر عمران هذه المدينة إلى القرن العاشر الهجري. (دولة التشيع في بلاد المغرب: 109).

الرجال منهم مرّة بعد مرّة و الطلب عليهم من ورائهم، فلاذوا بالاختفاء و لم يكادوا يُعْرفُون، حتى تسمّى محمد بن إسماعيل الإمام جدُّ عبيد اللّٰه المهدي بالمكتوم، سمّاه بذلك الشيعة عند اتّفاقهم على إخفائه، حذراً من المتغلّبين عليهم، و كانت الشيعة فرقاً.

فمنهم من كان يذهب إلى أنّ الإمام من ولد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه، و هؤلاء يعرفون من بين فرق الشيعة بالإسماعيلية من أجل انّهم يرون أنّ الإمام من بعد جعفر ابنه إسماعيل، و انّ الإمام بعد إسماعيل بن جعفر الصادق هو ابنه محمد المكتوم، و بعد ابنه محمد المكتوم، ابنه جعفر الصادق(1)، و من بعد جعفر الصادق، ابنه محمد الحبيب، و كانوا أهل غلو في دعاويهم في هؤلاء الأئمّة.

و كان محمد بن جعفر هذا يؤمل ظهوره و انّه يصير له دولة، و كان باليمن من أهل هذا المذهب كثير بعدن و بإفريقية و في كتامة و نفره، تلقوا ذلك من عهد جعفر الصادق، فقدم على محمد (الحبيب) بن جعفر والد عبيد اللّٰه رجل من شيعته باليمن فبعث معه الحسن بن حوشب في سنة ثمان و ستين و مائتين، فأظهرا أمرهما باليمن، و أشهرا الدعوة في سنة سبعين، و صار لابن حوشب دولة بصنعاء، و بثّ الدعاة بأقطار الأرض، و كان من جملة دعاته أبو عبد اللّٰه الشيعي، فسيّره إلى المغرب فلقي كتامة و دعاهم، فلمّا مات محمد (الحبيب) بن جعفر عهد لابنه عبيد اللّٰه فطلبه المكتفي العباسي و كان يسكن عسكر مكرم، فسار إلى الشام، ثمّ سار إلى المغرب فكان من أمره ما كان، و كانت رجال هذه الدولة الذين قاموا ببلاد المغرب و ديار مصر أربعة عشر رجلاً.

هذه خلاصة أخبارهم في أنسابهم، فتفطّن و لا تغتر بزخرف القول الذي لفّقوه من الطعن فيهم، و اللّٰه يهدي من يشاء.(2)


1) . كان التعبير بالمصدَّق.

2) . المقريزي: الخطط: 348/1-349.

و لا يظن القارئ الكريم انّ الكاتب بصدد الدفاع عن عقيدتهم و أُصولهم، و ما اقترفوه من الأعمال الشنيعة كسائر الخلفاء و الملوك، و إنّما الهدف إيقاف القارئ على بَخس حملة الأقلام لحق هؤلاء، و لو كان لآل البيت حرية و لم يكن لهم اضطهاد لما التجئوا إلى ترك أوطانهم و الهجرة إلى أقاصي البلاد هرباً ممّا يحيط بهم من الأخطار.

و نعم ما قال العزيز باللّٰه أحد الخلفاء الفاطميين:

نحن بنو المصطفى ذوو محن *** أوّلنا مبتلى و خاتمنا

عجيبة في الأيام محنَتنا *** يجرعها في الحياة كاظمنا

يفرح هذا الورى بعيدهم *** طرّاً و أعيادنا مآتمنا(1)

إنّ الباطل إذا خلص من شائبة الحق، لا يمكن أن يدوم 272 سنة حاكماً، 208 أعوام منها على مصر، و على مساحات شاسعة من المغرب و الشام و العراق، فلم تكن الدعوة إلحادية، و لا مجوسية، و لا يهودية، بل دعوة إسلامية على نهج آل البيت، لكنّهم ضلّوا في الطريق، فأخذوا ببعض و تركوا بعضاً.

أضف إلى ذلك انّ الناس بايعوا الحاكم باللّٰه الإمام الحادي عشر و هو ابن خمس و ستين سنة ممّا يدلّل على أنّ قلوب الأُمّة كانت تهوي إليهم لمّا شاهدوا بأمّ أعينهم من إشاعة للعدل و عمران للبلاد، و بسط للثقافة و أمن للطرق.

و أمّا ما نسب المقريزي إلى الشريف الرضي من أنّه وافق القوم في نفي انتسابهم إلى البيت العلوي فيصفه ابن أبي الحديد و يقول:

«ذكر أبو الحسن الصابي و ابنه غرس النعمة محمد في تاريخهما: أنّ القادر باللّٰه عقد مجلساً أحضر فيه الطاهر أبا أحمد الموسوي، و ابنه أبا القاسم المرتضىٰ و جماعة من القضاة و الشهود و الفقهاء، و أبرز إليهم أبيات الرضي أبي الحسن التي


1) . الذهبي: سير الأعلام: 167/15-168. و سيوافيك أيضاً في ترجمته، فانتظر

أوّلها:

ما مقامي على الهَوان و عندي *** مِقْول صارِم و أنف حَمِيّ

و إباء مُحلِّقٌ بي عن الضي *** - م كما زاغَ طائر وحشيّ

أي عذر له إلى المجد إن ذ *** ل غلام في غمده المشرفيّ

أحمل الضيمَ في بلاد الأعادي *** و بمصر الخليفةُ العلوي

من أبوه أبي، و مولاه مولا *** ي إذا ضامني البعيدُ القصيّ

لفَّ عِرقي بِعِرْقِه سيدا النا *** س جميعاً محمد و عليّ

و قال القادر للنقيب أبي أحمد: قل لولدك محمد: أيَّ هوان قد أقام عليه عندنا؟! أيّ ضيم لقي من جهتنا؟! و أي ذُلّ أصابه في مملكتنا؟! و ما الذي يعمل معه صاحب مصر لو مضىٰ إليه؟! أ كان يصنع إليه أكثر من صنيعنا؟! أ لم نولِّه النقابة؟! أ لم نولِّه المظالم؟! أ لم نستخلفه على الحرمين و الحجاز، و جعلناه أمير الحجيج؟! فهل كان يحصل له من صاحب مصر أكثر من هذا؟! ما نظنّه كان يكون لو حصل عنده إلّا واحداً من أبناء الطالبيين بمصر.

فقال النقيب أبو أحمد: أمّا هذا الشعر فممّا لم نسمعه منه، و لا رأيناه بخطه، و لا يبعد أن يكون بعضُ أعدائه نَحله إيّاه، و عزاه إليه.

فقال القادر: إن كان كذلك، فلتكتب الآن محضراً يتضمن القدح في أنساب ولاة مصر، و يكتُب محمد خطه فيه.

فكتب محضراً بذلك، شهد فيه جميع من حضر المجلس، منهم النقيب أبو أحمد، و ابنه المرتضى، و حمل المحضر إلى الرضي ليكتب خطّه فيه، حَمَله أبوه و أخوه، فامتنع من سطر خطه، و قال: لا أكتب و أخاف دعاة صاحب مصر، و أنكر الشعر، و كتب خطه و أقسم فيه أنّه ليس بشعره، و أنّه لا يعرفه. فأجبره أبوه علىٰ أن يكتب خطّه في المحضر، فلم يفعل، و قال: أخاف دعاة المصريين و غيلتهم لي فانّهم معروفون بذلك، فقال أبوه:

يا عجباه، أ تخاف من بينك و بينه ستمائة فرسخ، و لا تخاف من بينك و بينه مائة ذراع؟! و حلف ألّا يكلّمه، و كذلك المرتضى، فعلا ذلك تقية و خوفاً من القادر، و تسكيناً له.

و لمّا انتهى الأمر إلى القادر سكتَ على سوءٍ أضمره، و بعد ذلك بأيام صرفه عن النقابة، و ولّاها محمد بن عمر النهر السائسي.(1)

ذهاب عبيد اللّٰه إلى إفريقية

لمّا تمكن أبو عبد اللّٰه و استقر أمره مهّد الطريق لإمامة عبيد اللّٰه المهدي، فبعثَ برجال من كتامة إلى سلمية في أرض الشام، فقدِموا على عبيد اللّٰه و أخبروه بما فتح اللّٰه عليه، و كان قد اشتهر هناك انّ الخليفة المكتفي طلبه، فخرج من سلَمية فارّاً و معه ابنه أبو القاسم نزار، و معهما أهلهما فأقاما بمصر مستقرين، ثمّ سار إلى طرابلس و قد سبقَ خبره إلى «زيادة اللّٰه» فسار إلى قسطيلية فقدم كتاب «زيادة اللّٰه» ابن الأغلب إلى عامل طرابلس بأخذ عبيد اللّٰه و قد فاتهم، فلم يدركوه، فرحل إلى سجلماسة و أقام بها، فوافىٰ عامله علىٰ سجلماسة كتاب زيادة اللّٰه، بالقبض علىٰ عبيد اللّٰه فلم يجد بداً من أن قبض عليه و سجنه. فلمّا دخل شهر رمضان سار أبو عبد اللّٰه من رقادة في جيوش عظيمة يريد سجلماسة، فحاربه اليسع يوماً كاملاً إلى الليل ثمّ فر عاملها في خاصته، فدخل أبو عبد اللّٰه من الغد إلى البلد و أخرج عبيد اللّٰه و ابنه و مشى في ركابهما بجميع رؤساء القبائل، و هو يقول للناس: هذا مولاكم، و هو يبكي من شدة الفرح حتى وصل بهما إلىٰ فسطاط و أقاما فيها أربعين يوماً، ثمّ سار إلى إفريقية في ربيع الآخر سنة سبع و تسعين و نزل برقادة، و قسّم علىٰ وجوه كتامة أعمال إفريقية.(2)


1) . شرح نهج البلاغة: 37/1-39.

2) . المقريزي: الخطط المقريزية: 350/1، دار صادر؛ ابن خلكان: وفيات الأعيان: 192/2.

و لكن العجب انّ عبيد اللّٰه جزىٰ أبا عبد اللّٰه الشيعي جزاء السنمار، و ذلك انّ المهدي لما استقامت له البلاد، و دانت له العباد، و باشر الأُمور بنفسه و كف يد أبي عبد اللّٰه و يد أخيه أبي العباس، داخل أبا العباس الحسد و عظم عليه الفطام عن الأمر و النهي و الأخذ و العطاء، فأقبل يزري على المهدي في مجلس أخيه و يتكلّم فيه و أخوه ينهاه و لا يرضىٰ فعله فلا يزيده ذلك إلّا لجاجاً، و لم يزل حتى أثّر في قلب أخيه و كلّ ذلك يصل إلى المهدي و هو يتغافل، ثمّ صار أبو العباس يقول: إنّ هذا ليس الذي كنّا نعتقد طاعتَه و ندعو إليه، لأنّ المهدي يختم بالحجة و يأتي بالآيات الباهرة، فأخذ قوله بقلوب كثير من الناس، منهم إنسان في كتامة يقال له شيخ المشايخ، فواجه المهدي بذلك و قال: إن كنت المهدي، فأظهر لنا آية فقد شككنا فيك، فقتله، فخافه أبو عبد اللّٰه و علم أنّ المهدي قد تغيّر عليه و اتّفق هو و أخوه و من معهما على الاجتماع عند أبي زاكي و عزموا علىٰ قتل المهدي، و اجتمع معهم قبائل كتامة إلّا قليلاً منهم و كان معهم رجل يظهر أنّه منهم و ينقل ما يجري إلى المهدي.

فلمّا وقف المهديّ علىٰ أمرهم حاربهم و أمر رجالاً معه أن يرصدوا أبا عبد اللّٰه و أخاه أبا العباس و يقتلوهما.(1)

و لكن الإسماعيلية تنكر ذلك، و تقول: و هذه الأقوال لا يقرّها المنطق، و لا يمكن أن يصدّقها العقل، فلو كان أبو عبد اللّٰه الشيعي يبغي الخلافة لنفسه لكان باستطاعته أن يحصل عليها قبل قدوم الإمام محمد المهدي إلى إفريقية عند ما كانت جيوشه يربو عددها على المائة ألف مقاتل بينما كان الإمام المهدي في الرملة بطريقه إليه.

ثمّ يقول: إنّ أبا عبد اللّٰه الشيعي قضى آخر أيّامه بقرب الإمام مخلِصاً له


1) . الجزري: الكامل في التاريخ: 50/8-53، دار صادر.

حتّى أدركته الوفاة، فدفن باحتفال مهيب و صلّى عليه الإمام المهدي.(1)

و لكن فات الكاتب أنّ أبا عبد اللّٰه الشيعي و إن كان لا يبغي الخلافة لنفسه لفقدانه الرصيد الشعبي، و مع ذلك كان يتطلع للمشاركة في الأُمور، و قد حال المهدي دون ذلك، فعند ذلك ثارت ثائرته. و تآمر على إمامه.

ثمّ إنّ هناك نكتة أُخرى هامة و هي أنّ النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم أخبر عن خروج المهدي في آخر الزمان، و انّه يملك الشرق و الغرب، و يجري القسط و العدل بين الناس، فاتخذ المهدي هذا الخبر الذائع الصيت ذريعة لاستقطاب الناس حوله، و قد سمّى نفسه محمّداً، و لقب نفسه بالمهدي فتقمّص أوصاف المهدي الذي أخبر به النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، ليتخذها وسيلة لتحقيق مآربه و انّه مفترض الطاعة.

و قد مات عبيد اللّٰه في ليلة الثلاثاء منتصف شهر ربيع الأوّل سنة 322 ه بالمهدية في القيروان عن ثلاث و ستين سنة، و كانت خلافته أربعاً و عشرين سنة و شهراً و عشرين يوماً، و قام بعده ابنه.


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 183.

الإمام السابع: القائم بأمر اللّٰه (280-334 ه)

ولد الإمام القائم بأمر اللّٰه، ابن الإمام عبيد اللّٰه المهدي، في محرم سنة 280 هجرية «بالسلَمية»، و ارتحل مع أبيه الإمام محمد المهدي إلى المغرب، و عَهد إليه بالإمامة من بعده حسب الأُصول الإسماعيلية، فاقتفى إثر أبيه و خطا خطاه، و نهج نهجه، و عمل جاهداً على تعزيز و ازدهار الدعوة الإسماعيلية، و تعميمها في جميع البلدان و الأقاليم، و وجّه اهتمامَه الزائد لتنظيم و تقويةَ البحرية الإسماعيلية، فشكل اسطولاً عظيماً، تمكن بواسطته من قهر العصابات البحرية المالطية، التي كانت تأتي بأعمال القرصنة لغزو البلاد الإسماعيلية، و قيامهم بأعمال النهب و السلب و التخريب. و احتلَّ الاسطول الإسماعيلي «جنوه» و «لونبارتي» و «غرناطة» و غيرها من البلاد الايطالية التي كانت خاضعة لحكم الروم، كما فتح الإسماعيلية جزيرة «صقليا».(1)

يقول المقريزي: كان اسمه بالمشرق عبد الرحمن فتسمىٰ في بلاد المغرب بمحمد، فلما فرغ من جميع ما يريده و تمكّن، أظهر موتَ أبيه، و استقلّ بالأمر و له سبع و أربعون سنة، و تبع سيرة أبيه، و ثار عليه جماعة فظفر بهم، و بثّ جيوشَه في البرّ و البحر فسبَوا و غَنِمُوا من بلد «جنوه» و بعث جيشاً إلى مصر فملكوا


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 184.

الاسكندرية، و الاخشيد يومئذٍ أمير مصر، فلما كان في سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة خرج عليه أبو يزيد مخلد بن كندار النكاري الخارجي بإفريقية، و اشتدّت شوكتُه و كثرت أتباعه، و هزمَ جيوشَ القائم غير مرة، و كان مذهبه تكفير أهل الملّة، و إراقة دمائهم ديانة، فملك «باجه» و حرّقها، و قتل الأطفال، و سبى النسوان، ثمّ ملك القيروان، فاضطرب القائم، و خاف الناس، و همّوا بالنقلة من «زويلة» و قوى أمر أبي يزيد و نازل المهدية و حصر القائم بها، و كاد أن يغلب عليها، فلما بلغ المصلّىٰ حيث أشار المهدي أنّه يصل، هزمه أصحاب القائم و قتلوا كثيراً من أصحابه، و كانت له قصص و أنباء، إلى أن مات القائم لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة، عن أربع و خمسين سنة و تسعة أشهر، و لم يرق منبراً، و لا ركب دابّة لصيدٍ مدّة خلافته حتى مات، و صلى مرّةً على جنازةٍ، و صلى بالناس العيدَ مرة واحدة، و كانت مدّة خلافته اثنتي عشرة سنة و ستة أشهر و أيّاماً، و ترك أبا الظاهر إسماعيل، و أبا عبد اللّٰه جعفر أو حمزة، و عدنان، و عدّة أُخر، و قام من بعده ابنه.(1)

يقول الجزري في حوادث سنة (334): و في هذه السنة توفي القائم بأمر اللّٰه، أبو القاسم محمد بن عبد اللّٰه المهدي العلوي صاحب إفريقية، لثلاث عشرة مضت من شوال، و قام بالأمر بعده ابنه إسماعيل، و تلقّب المنصور باللّٰه، و كتم موته(2)خوفاً أن يعلم بذلك أبو يزيد، و هو بالقرب منه على «سوسة» و أبقى الأُمور على حالها، و لم يتسمّ بالخليفة، و لم يغير السكّة، و لا الخطبة، و لا البنود، و بقي على ذلك إلى أن فرغ من أمر أبي يزيد، فلما فرغ منه أظهر موته، و تسمّى بالخلافة، و عمل آلات الحرب و المراكب، و كان شهماً شجاعاً، و ضبط الملك و البلاد.(3)


1) . المقريزي: كتاب الخطط المقريزية: 351، دار صادر.

2) . كسيرة أبيه في حقّ المهدي.

3) . الجزري: الكامل في التاريخ: 455/8، دار صادر.

و قد ذكره الذهبي السلفي و بالغ في ذمه، و سلك في ترجمته نفس ما سلكه في ترجمة أبيه، و لأجل ذلك تركنا النقل عنه، و من أراد الوقوف عليه فليرجع إلى كتابه.(1)


1) . الذهبي: سير أعلام النبلاء: 151/15، مؤسسة الرسالة.

الإمام الثامن: الإمام المنصور باللّٰه (303-346 ه)

ولد الإمام المنصور باللّٰه، إسماعيل بن الإمام القائم ب «المهدية» في أوّل جمادى الآخرة سنة 303 ه، و قيل: ولد بالقيروان سنة 302 ه، تسلّم شئون الإمامة بعد وفاة أبيه سنة 334 ه، و كان سياسيّاً عظيماً، و محارباً قديراً، و خطيباً من أفصح الخطباء و أبلغهم.(1)

و قال المقريزي: جدّ في حرب أبي يزيد حتى ظفر به و حمل إليه فمات من جراحات كانت به، سلخ المحرّم سنة ست و ثلاثين و ثلاثمائة و لم يزل المنصور إلى أن مات سلخ شوال سنة إحدىٰ و أربعين و ثلاثمائة عن إحدىٰ و أربعين سنة و خمسة أشهر، و كانت مدّة خلافته ثمان سنين و قيل سبع سنين و عشرة أيّام، و قد اختلف في تاريخ ولادته فقيل: ولد أوّل ليلة من جمادى الآخرة سنة 303 ه بالمهدية، و قيل: بل ولد في سنة اثنتين و قيل: سنة إحدى و ثلاثمائة، و كان خطيباً بليغاً يرتجل الخطبة لوقته شجاعاً عاقلاً، و قام من بعده ابنه.(2)

يقول المؤرخ المعاصر: و ما زال أبو يزيد هارباً و الجيوش تلاحقه حتى التجأ إلى جبل البربر، و جمع خلقاً كثيراً لمقابلة جيش الإمام المنصور، و لكنّه هزم،


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 189.

2) . المقريزي: الخطط: 351/1، دار صادر.

فأدركه أحد الأُمراء الإسماعيليين و قبض عليه و ساقه إلى الإمام المنصور، و كان ذلك سنة 336 هجرية، فقتله و أمر الإمام أن تبنىٰ مدينة «المنصورية» تيمّناً بذلك الانتصار العظيم، ثمّ عاد الإمام إلى المهدية في شهر رمضان عام 336 هجرية، فعهد بالإمامة من بعده لولده المعز لدين اللّٰه، و توفي يوم الأحد في الثالث و العشرين من شوال سنة 346 هجرية، و دفن جسده الطاهر في مدينة المنصورة، و قيل كانت وفاته سنة 343 هجرية و دفن بالمهدية.(1)


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 190.

الإمام التاسع: المعزّ لدين اللّٰه مؤسس الدولة الفاطمية في مصر (319-365 ه)

و هو أوّل خليفة فاطمي ملك مصر و خرج إليها، و كان مغرىً بالنجوم و يعمل بأقوال المنجمين، و كان المعز عالماً، فاضلاً، جواداً، شجاعاً، جارياً على منهاج أبيه في حسن السيرة، و إنصاف الرعية، و ستر ما يدعون إليه إلّا عن الخاصة، ثمّ أظهره و أمر الدعاة بإظهاره إلّا أنّه لم يخرج فيه إلى حد يذم به.(1)

يقول المقريزي: المعز لدين اللّٰه أبو تميم، «معد» ولد للنصف من رمضان سنة 319 ه فانقاد إليه البربر و أحسن إليهم، فعظم أمره و اختص من مواليه، «بجوهر» و كنّاه بأبي الحسين، و أعلى قدره، و سيّره في رتبة الوزارة، و عقدَ له علىٰ جيش كثيف، فدوّخ المغرب، و افتتح مدناً، و قهر عدّة أكابر و أسّرهم، حتى أتىٰ البحر المحيط الذي لا عمارة بعده، ثمّ قدم غانماً مظفراً، فعظم قدرُه عند المعزّ، و لما وصل الخبر إلى المعز بموت كافور الإخشيدي صاحب مصر أخذ في تجهيز جوهر بالعساكر إلى أخذ ديار مصر حتى تهيأ أمره، و برز للمسير، فلمّا ثبتت قدم جوهر بمصر، عزم المعز على المسير إلى مصر أجال فكره فيمن يخلفه في بلاد المغرب، فوقع اختياره على «يوسف بن زيري الصنهاجي»، و قال له: تأهب لخلافة المغرب،


1) . الجزري: الكامل في التاريخ: 664/8.

فأكبر ذلك و قال: يا مولانا أنت و آباؤك الأئمة من ولد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم ما صفا لكم المغرب فكيف يصفو لي و أنا صنهاجيّ بربريّ؟! قتلتني يا مولانا بغير سيف و لا رمح. فما زال به المعز حتى أجاب.

فلمّا ملك جوهرُ مصر بادر حسن بن جعفر الحسني بالدعاء للمعز في مكة، و بعث إلى «جوهر» بالخبر، فسيّر إلى المعزّ يعرّفه بإقامة الدعوة له بمكة، فأنفذ إليه بتقليده الحرم و أعماله، و سار المعز بعساكره من المغرب حتى نزل بالجيزة، فعقد له جوهر جسراً جديداً عند المختار بالجزيرة، فسار إليه و قد زيّنت له مدينة الفسطاط فلم يشقها، و دخل إلى القاهرة بجميع أولاده و إخوته و سائر أولاد عبيد اللّٰه المهدي، و ذلك لسبع خلون من رمضان سنة اثنتين و ستين و ثلاثمائة، فعند ما دخل القصر صلّى ركعتين، و أمر فكتب في سائر مدن مصر: خير الناس بعد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، و أثبت اسم المعزّ لدين اللّٰه و اسم أبيه عبد اللّٰه الأمير، و جلس في القصر علىٰ سرير الذهب، و صلّى بالناس صلاة عيد الفطر في المصلّىٰ، و ركب لفتح خليج مصر يوم الوفاء و عمل عيد غدير خم. و قدمت القرامطة إلى مصر فسير إليهم الجيوش و هزموهم، و ما زال إلى أن توفي من علة اعتلّها بعد دخوله إلى القاهرة بسنتين و سبعة أشهر و عشرة أيّام و عمره خمس و أربعون سنة و ستة أشهر تقريباً، فإنّ مولده بالمهدية في حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة و ثلاثمائة(1)، و وفاته بالقاهرة لأربع عشرة خلت من ربيع الآخر سنة خمس و ستين و ثلاثمائة، و كانت مدّة خلافته بالمغرب و ديار مصر ثلاثاً و عشرين سنة و عشرة أيّام و هو أوّل الخلفاء الفاطميين بمصر و إليه تنسب القاهرة المعزية، لأنّ عبده «جوهراً» القائد بناها حسب ما رسم له.

و كان المعز عالماً، فاضلاً، جواداً، أحسن السيرة منصفاً للرعية، مغرماً بالنجوم، أُقيمت له الدعوة بالمغرب كله و ديار مصر و الشام و الحرمين و بعض


1) . و قد أرخ ميلاده عارف تامر ب 347 و هو خطأ واضح.

اعمال العراق، و قام من بعده ابنه العزيز باللّٰه أبو منصور نزار.(1)

يقول ابن خلكان: و كان المعز عاقلاً، حازماً، سرياً، أديباً، حسن النظر في النجامة، و ينسب إليه من الشعر قوله:

للّٰه ما صنعت بنا *** تلك المحاجر في المعاجر

أمضي و أقضي في النفو *** س من الخناجر في الحناجر

و لقد تعبت ببينكم *** تعب المهاجر في الهواجر

و ينسب إليه أيضاً:

اطلع الحسن من جبينك شمسا *** فوق ورد في وجنتيك اطلا

و كأن الجمال خاف على الور *** د جفافاً فمد بالشعر ظلا

و هو معنى غريب بديع.(2)

و يقول في موضع آخر: ملك المعز أبو تميم معد بن المنصور العبيدي الديار المصرية على يد القائد جوهر، و جاء المعزّ بعد ذلك من إفريقية، و كان يُطعن في نسبه، فلمّا قرب من البلد و خرج الناس للقائه، اجتمع به جماعة من الأشراف، فقال له من بينهم ابن طباطبا: إلى من ينتسب مولانا؟ فقال له المعزّ: سنعقد مجلساً و نجمعكم و نسرد عليكم نسبنا. فلمّا استقر المعز بالقصر جمع الناس في مجلس عام و جلس لهم، و قال: هل بقي من رؤسائكم أحد؟ فقالوا: لم يبق معتبر، فسلّ عند ذلك نصف سيفه و قال: هذا نسبي، و نثر عليهم ذهباً كثيراً،


1) . وفيات الأعيان: 224/5. المقريزي: كتاب الخطط المقريزية: 352/1-354، دار صادر. و من الغريب أنّ المقريزي ذكر ولادة المعز سنة 317 تارة و أُخرى بسنة 319، و قد اعتمدنا في تعيين سنة ولادته علىٰ نقل ابن خلكان.

2) . ابن خلكان: وفيات الأعيان: 228/5.

و قال: هذا حسبي، فقالوا جميعاً: سمعنا و أطعنا.(1)

لا شكّ انّ عصر المعز لدين اللّٰه من العصور الذهبية للإسماعيلية حيث أصبحت مصر داراً للخلافة، و أصبح الإمام المعز أوّل خليفة فاطمي فيها، فعمل علىٰ ترقية العلوم و الثقافة، و أمر ببناء الجامع الأزهر، و جعله داراً للعلوم و منهلاً للثقافة و الفكر، و شجّع العلماء، و خصّص لهم المبالغ الطائلة، فوفدوا عليه من كلّ قطر حيث وجدوا المساعدات.

كما أشرف بنفسه علىٰ تأليف الكتب علىٰ غرار المذهب الإسماعيلي، فتقدمت الثقافة الإسماعيلية تقدماً باهراً، و ازدهر في عصره فقهاء و شعراء و فلاسفة يشار إليهم بالبنان.

فمن فقهاء عصره: القاضي النعمان بن محمد بن منصور التميمي المغربي مؤلف كتاب «دعائم الإسلام»، توفي بالقاهرة في 29 من جمادى الثانية سنة 363 ه، و صلّى عليه الإمام المعز لدين اللّٰه.

خدم المهدي باللّٰه مؤسس الدولة الفاطمية تسع سنوات، ثمّ ولي قضاء طرابلس في عهد القائم بأمر اللّٰه الخليفة الثاني للفاطميين، و في عهد الخليفة الثالث المنصور باللّٰه عين قاضياً للمنصورية، و وصل إلى أعلى المراتب في عهد المعز لدين اللّٰه الخليفة الرابع الفاطمي إذ رفعه إلىٰ مرتبة قاضي القضاة وداعي الدعاة.

و قد نشر كتابه لأوّل مرّة في مستدرك الوسائل للمحدّث النوري (1254-1320 ه) مبعّضاً و موزعاً أحاديثه على أبواب الكتب الفقهية كما تم طبعه مستقلاً بتحقيق آصف بن علي أصغر فيضي في مصر عام 1374 ه، و طبع ثالثاً على الأُفست في بيروت عام 1383 ه.


1) . ابن خلكان: وفيات الأعيان: 81/3.

و من شعراء عصره ابن هانئ الأندلسي، و هو محمد بن هانئ الأندلسي من قرية اشبيلية، ولد عام 320 ه و لقب بأبي القاسم، و لما اتهم بمذهب الإسماعيلية غادر الأندلس نازلاً إلى المغرب، و اتصل بأميره، فبالغ في إكرامه و أحسن إليه، و لما وصل خبره إلى المعز طلبه من أمير المغرب، فأقام عنده حتى ارتحل الإمام المعز إلى مصر فلحق به فيها.

كان ابن هانئ من فحول الشعراء، و لكن قصائده تحكي عن غلوه في حقّ الأئمّة الإسماعيلية حيث تفوح منها رائحة الإلحاد، و قد أعطى لهم ما للخالق من الأوصاف، و إليك مقتطفات من أشعاره:

قال:

ما شئتَ لا ما شاءت الأقدارُ *** فاحكم فأنتَ الواحدُ القهّار

و كأنّما أنت النبي محمّد *** و كأنّما أنصارك الأنصار

أنت الذي كانت تبشّرنا به *** في كتبها الأحبار و الأخبار

هذا إمام المتقين و من به *** قد دوخ الطغيان و الكفار

هذا الذي ترجى النجاة بحبِّه *** و به يُحط الإصر و الأوزار

هذا الذي تجدي شفاعته غداً *** حقاً و تخمد أن تراه النارُ(1)

إنّ بيته الأوّل ينم عن غلوّه غلواً يكسي صفة الخالق على المخلوق.

و من العجب أنّ المؤرّخ الإسماعيلي المعاصر حاول تصحيح الأشعار، و دفع الفاسد بالأفسد، حيث قال في تعليقته: إنّ العقيدة الإسماعيلية تنزّه الخالق عن الصفات كالعالم و القادر و الصانع و...، فإنّ إطلاق الصفات عليه يوجب الكثرة في ذاته عندهم، و هم يروون عن الإمام الباقر محمد بن علي زين العابدين


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 209

قوله: «إنّ اللّٰه عالم على المعنى انّه يؤتي العلم من يشاء لا على معنى انّ العلم قائم بذاته، و انّه تعالى قادر على معنى أنّ القدرة قائمة بذاتها».

و لمّا كان الإمام قائماً مقام الأمر و الكلمة في هذا العالم فجميع صفات الباري واقفة عليه، و من هنا نجد انّ إطلاق كلمة الواحد القهار على المعز إنّما هي حسب الاعتقاد.(1)

عزب عن هذا المسكين أوّلاً: انّ إطلاق الصفات عليه سبحانه لا توجب الكثرة في ذاته عند المحقّقين، و ذلك لأنّ الأوصاف و إن كانت مختلفة مفهوماً لكنّها متحدة وجوداً، فذاته نفس العلم و القدرة و الحياة، لا انّ كلّ واحدة من هذه الصفات تمثل جزءاً من ذاته.

و ثانياً: انّه لو صحّ ما ذكره من التفسير في العالم و القادر بمعنى أنّه سبحانه يعطي العلم و القدرة لا يصحّ ذلك في الواحد القهار، إذ معناه عندئذ انّ الإمام يهب الوحدة و القهر من يشاء لكي يصحّ إطلاقها على الإمام، و لا شكّ انّ في ما جاء به الشاعر غلواً واضحاً، عصمنا اللّٰه من غلو الغالين و إبطاء التالين.


1) . مصطفىٰ غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 209 الهامش.

الإمام العاشر: العزيز باللّٰه (344-386 ه)

الإمام العاشر: العزيز باللّٰه (344-386 ه)(1)

نزار بن معد، العزيز باللّٰه، ولي العهد بمصر يوم الخميس رابع شهر ربيع الآخر سنة 365 ه، و استقل بالأمر بعد وفاة أبيه، و كان يوم الجمعة حادي عشر الشهر المذكور و سُتِرتْ وفاة أبيه و سُلّم عليه بالخلافة، و كان شجاعاً، حسن العفو عند المقدرة، ذكره أبو منصور الثعالبي في كتاب «يتيمة الدهر» و أورد له شعراً قاله في بعض الأعياد، و قد وافق موت بعض أولاده و عقد عليه المآتم و هو:

نحن بنو المصطفى ذوو محن *** يجرعها في الحياة كاظمنا

عجيبة في الأنام محنتنا *** أوّلنا مبتلى و خاتمنا

يفرح هذا الورى بعيدهم *** طرّاً و أعيادنا مآتمنا

و فتحت له حُمْص و حماة و شَيْزَر، و حلب، و الموصل، و خطب له باليمن و لم يزل في سلطانه و عظم شأنه إلى أن خرج إلى بلبيس متوجهاً إلى الشام، فابتدأت به العلّة في العشر الأخير من رجب سنة ست و ثمانين و ثلاثمائة، و لم يزل مرضه يزيد حتى توفي في مسلخ الحمّام في الثلاثاء الثامن و العشرين من شهر رمضان سنة


1) و قد أرّخ عارف تامر تاريخ وفاته 368 و هو خطأ.

ست و ثمانين و ثلاثمائة.(1)بمدينة بلبيس و حمل إلى القاهرة.

و ذكر ابن خلكان انّ تاريخ وفاته في الثامن و العشرين من شهر رمضان، في حين انّ المقريزي ذكره في الثامن و العشرين من رجب مع توافقهما في سنة وفاته.

قال ابن الأثير: في هذه السنة توفي العزيز أبو منصور نزار ابن المعز أبي تميم معد العلوي، صاحب مصر لليلتين بقيتا من رمضان و عمره اثنتان و أربعون سنة و ثمانية أشهر و نصف، بمدينة بلبيس، و كان برز إليها لغزو الروم، فلحقه عدة أمراض، منها: النقرس، و الحصا، و القولنج، فاتصلت به إلى الشامات.

و كانت خلافته إحدى و عشرين سنة و خمسة أشهر و نصفاً، و مولده بالمهدية من إفريقية.(2)

قال الذهبي: و كان كريماً، شجاعاً، صفوحاً، أسمر، أصهب الشعر، أعين، أشهل، بعيد ما بين المنكبين، حسن الأخلاق، قريباً من الرعية، مغرى بالصيد، و يكثر من صيد السباع، و لا يؤثر سفك الدماء.

و في سنة 367 ه جرت وقعات بين المصريين و هفتكين الأمير، و قتل خلق، و ضرب المثل بشجاعة هفتكين و هزم الجيوش، و فرّ منه جوهر القائد، فسار لحربه صاحب مصر العزيز بنفسه، فالتقوا بالرملة، و كان «هفتكين» على فرس أدهم يجول في الناس، فبعث إليه العزيز رسولاً يقول: أزعجتني و أحوجتني لمباشرة الحرب، و أنا طالب للصلح، و أهب لك الشام كلّه.

قال: فات الأمر، و وقعت الحرب، فحمل العزيز بنفسه عليه في الأبطال، فانهزم هفتكين و من معه من القرامطة، و استحرَّ بهم القتل.

و في سنة 377 ه تهيأ العزيز لغزو الروم فأُحرقت مراكبه، فغضب و قتل


1) . ابن خلكان: وفيات الأعيان: 371/5-374.

2) . ابن الأثير: الكامل في التاريخ: 116/9.

مائتي نفس اتهمهم، ثمّ وصلت رسل طاغية الروم بهديّة، تطلب الهدنة، فأجاب بشرط أن لا يبقىٰ في مملكتهم أسير، و بأن يخطبوا للعزيز بقسطنطنية في جامعها، و عقدت سبعة أعوام.(1)


1) . الذهبي: سير أعلام النبلاء: 167/15-172.

الإمام الحادي عشر: الحاكم بأمر اللّٰه (375-411 ه)

اشارة

هو منصور بن نزار(1)ولد يوم الخميس لأربع ليال بقين من شهر ربيع الأوّل سنة 375 ه، و بويع في اليوم الذي توفي فيه والده أي سنة 368 ه، و كان عمره أحد عشر عاماً و نصف العام و هو من الشخصيات القليلة التي لم تتجلّ شخصيته بوضوح، و قام بأعمال إصلاحية زعم مناوءوه انّها من البدع.

يقول الجزري: و بنى الجامع براشدة، و أخرج إلى الجوامع و المساجد، من الآلات، و المصاحف، و الستور و الحصر ما لم ير الناس مثله، و حمل أهل الذمة على الإسلام، أو المسير إلى مأمنهم، أو لبس الغيار، فأسلم كثير منهم، ثمّ كان الرجل منهم بعد ذلك يلقاه، و يقول له: إنّني أُريد العود إلى ديني، فيأذن له.

أظن انّ إدخال الحصر إلى المساجد، لأجل أنّ المسجود عليه في مذهب الشيعة يجب أن يكون إمّا أرضاً، أو ما أنبتته الأرض، فبما أنّ المساجد كانت مفروشة فحمل الحصر على ذلك.

و يقول أيضاً: ثمّ أمر في سنة 399 ه بترك صلاة التراويح، فاجتمع الناس بالجامع العتيق، و صلّى بهم إمام جميع رمضان، فأخذه و قتله، و لم يصل أحد


1) . و أسماه في «الإمامة في الإسلام» ب «الحسن بن نزار» و لكن في الخطط، و تاريخ الدعوة الإسماعيلية حسب ما أثبتناه.

التراويح إلى سنة 408 ه.(1)

أقول: لقد قام الخليفة بمهمته، فإنّ صلاة التراويح كانت تقام في عصر النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و الخليفة الأوّل بغير جماعة، و إنّما أُقيمت جماعة في عصر الخليفة الثاني، واصفاً إيّاها بالبدعة الحسنة، و لمّا تسلّم الإمام أمير المؤمنين علي عليه السّلام زمام الخلافة نهى الناس عن إقامتها جماعة، فلمّا رأى إصرار الناس على إقامتها جماعة تركهم و ما يهوون.

و أمّا رميه بتهمة قتل الإمام بعد انقضاء شهر رمضان، فما لا يقبله العقل، إذ كان في وسع الخليفة منعه من إقامتها أوّل الشهر فأي مصلحة كانت تكمن في استمهاله إلى آخر الشهر و اكتسابه مكانة في القلوب ثمّ قتله؟!

يقول المقريزي: جامع الحاكم بني خارج باب الفتوح أحد أبواب القاهرة، و أوّل من أسّسه أمير المؤمنين العزيز باللّٰه، نزار بن المعز لدين اللّٰه معد، و خطب فيه و صلّى بالناس الجمعة، ثمّ أكمله ابنه الحاكم بأمر اللّٰه، فلمّا وسّع أمير الجيوش بدر الجمالي القاهرة، و جعل أبوابها حيث هي اليوم صار جامعُ الحاكم داخل القاهرة.(2)

و ينقل أيضاً انّ الحاكم بأمر اللّٰه أمر في سنة 393 ه أن يتم بناء الجامع الذي كان الوزير يعقوب بن كأس بدأ في بنيانه عند باب الفتوح، فقدّر للنفقة عليه أربعون ألف دينار، فابتدأ بالعمل فيه و في صفر سنة إحدى و أربعمائة زيد في منارة جامع باب الفتوح و عمل لها أركاناً، طول كلّ ركن مائة ذراع.

و في سنة 403 ه أمر الحاكم بأمر اللّٰه بعمل تقدير ما يحتاج إليه جامع باب الفتوح من الحصر و القناديل و السلاسل، فكان تكسير ما ذرع للحصر 36 ألف ذراع، فبلغت النفقة على ذلك خمسة آلاف دينار.


1) . الجزري: الكامل في التاريخ: 316/9-317.

2) . المقريزي: الخطط: 277/2.

و تم بناء الجامع الجديد بباب الفتوح، و علّق على سائر أبوابه ستور ديبقية عملت له، و علّق فيه تنانير فضة عدّتها أربع و كثير من قناديل فضة، و فرش جميعه بالحصر التي عملت له، و نصب فيه المنبر، و تكامل فرشه و تعليقه، و أذن في ليلة الجمعة سادس شهر رمضان سنة ثلاث و أربعمائة لمن بات في الجامع الأزهر أن يمضوا إليه، فمضوا و صار الناس طول ليلتهم يمشون من كلّ واحد من الجامعين إلى الآخر بغير مانع لهم و لا اعتراض من أحد من عسس القصر، و لا أصحاب الطوف إلى الصبح، و صلّى فيه الحاكم بأمر اللّٰه بالناس صلاة الجمعة، و هي أوّل صلاة أُقيمت فيه بعد فراغه.(1)

ما ذكرنا من محاسن أعماله قد أخفاها أعداؤه، و بدل ذلك فقد نالوا منه و أكثروا في ذمّه و ذكر مساوئ أعماله، حتى تجد انّ الذهبي قد بالغ في ذمّه و وصفه بقوله: «العبيدي، المصري، الرافضي بل الإسماعيلي الزنديق المدّعي الربوبية».

ثمّ يقول في موضع آخر: و كان شيطاناً مريداً، جباراً عنيداً، كثير التلوّن، سفاكاً للدماء، خبيث النحلة، عظيم المكر، جواداً ممدحاً، له شأن عجيب و نبأ غريب، كان فرعون زمانه، يخترع كلّ وقت أحكاماً يلزم الرعية بها إلى آخر ما ذكر.(2)

و على أيّ حال فهو من الشخصيات القلقة التي تجمع بين محاسن الأعمال و مساوئها.

و لو لا انّ الحاكم كان من الشيعة لما وجد الذهبي السلفي في نفسه مبرراً لصب هذه التقريعات.

و قد اكتفينا بذلك في ترجمته، لأنّ فيها أُموراً متناقضة و متضادة لا يمكن الإذعان بصحّة واحد منها.


1) . المقريزي: الخطط: 277/2، دار صادر.

2) . الذهبي: سير أعلام النبلاء: 174/15.

انشقاق الإسماعيلية

كانت الإسماعيلية فرقة واحدة، غير انّه طرأ عليهم الانشقاق، فقال قوم منهم: بألوهية الحاكم و غيبته، و هم المعروفون اليوم ب «الدروز»، يقطنون لبنان.

فالدروز إسماعيلية محرّفة، و سيوافيك البحث عن هذه الفرقة و عقائدها في باب خاصّ، و هي أكثر غموضاً من سابقتها، فهم يمسكون بكتبهم و وثائقهم عن الآخرين.

يقول المؤرخ المعاصر: و في سنة 408 استدعى الحاكم كبير دعاته، و أحد المقربين إليه الموثوق بهم سيدنا «الحمزة بن علي» الفارسي الملقب ب «الدرزي» و أمره أن يذهب إلى بلاد الشام ليتسلم رئاسة الدعوة الإسماعيلية فيها، و يجعل مقره «وادي التيم»، لأنّ الأخبار التي وردت إلى بيت الدعوة تفيد بأنّ إسماعيلية وادي التيم تسيطر عليهم التفرقة و الاختلافات الداخلية، حول تولّي رئاسة الدعوة هناك و لقبه الإمام ب «السند الهادي».

تمكّن الدرزي في وقت قليل من السيطرة على الموقف في وادي التيم و إعادة الهدوء و السكينة في البلاد، و عمل جاهداً لتوسيع و انتشار الدعوة الإسماعيلية في تلك البلاد.

لبث الدرزي رئيساً للدعوة الإسماعيلية و كبيراً لدعاتها في بلاد الشام حتى أُعلنت وفاة الإمام الحاكم و ولاية ابنه الطاهر.

لم يعترف الدرزي بوفاة الإمام الحاكم، مدّعياً بأنّ وفاته لم تكن سوى نوع من الغيبة لتخليص أنفس مريدي الإمام من الأدران، و بقي متمسكاً بإمامة الحاكم و منتظراً عودته من تلك الغيبة، و بذلك أعلن انفصاله عن الإسماعيلية التي لا تعتقد بالغيبة، و تقول بفناء الجسم و بقاء سر الإمامة بالروح، فينتقل بموجب النص إلى إمام آخر و هو المنصوص عليه من قبل الإمام المتوفىٰ، و سميت الفرقة

التي تبعت الدرزي بالدرزية نسبة إليه.

و هكذا يتبين للقارئ الكريم بأنّ الدرزية و الإسماعيلية عقيدتان من أصل واحد.(1)

و أمّا عن مصير الحاكم فمجمل القول فيه انّه فُقد في سنة 411 ه، و لم يعلم مصيره، و حامت حول كيفية اغتياله أساطير لا تتلاءم مع الحاكم المقتدر.

يقول الذهبي: و ثمّ اليوم طائفة من طغام الإسماعيلية الذين يحلفون بغيبة الحاكم، و ما يعتقدون إلّا بأنّه باق، و انّه سيظهر(2).


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 238-239.

2) . الذهبي: سير أعلام النبلاء: 108/15، ابن الأثير: الكامل في التاريخ: 11/9.

الإمام الثاني عشر: الظاهر لإعزاز دين اللّٰه علي بن منصور (395-427 ه)

الإمام الثاني عشر: الظاهر لإعزاز دين اللّٰه علي بن منصور(1)(395-427 ه)

هو علي بن منصور، ولد ليلة الأربعاء من شهر رمضان سنة ثلاثمائة و خمس و تسعين، و بويع بالخلافة و عمره ستة عشر عاماً يقول ابن خلكان: كانت ولايته بعد فقد أبيه بمدّة، لأنّ أباه فقد في السابع و العشرين من شوال سنة 411 ه، و كان الناس يرجون ظهورَه و يتبعون آثاره إلى أن تحقّقوا عدمه، فأقام ولده المذكور في يوم النحر من السنة المذكورة.(2)

و قد أطنب المقريزي في سيرته و ذكر حوادث حياته.

يقول المقريزي: مات الظاهر في النصف من شعبان سنة 427 ه عن اثنين و ثلاثين سنة إلّا أيّاماً، و كانت مدّة خلافته 15 سنة و ثمانية أشهر.(3)

و ذكر الذهبي فتنة القرامطة عام 413 ه فنقل عن محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي الكوفي انّه قال: لما صليت الجمعة و الركب بعدُ بمنى، قام رجل،


1) سماه عارف تامر علي بن الحسن، و في المقريزي و تاريخ الدعوة كما أثبتناه.

2) . ابن خلكان: وفيات الأعيان: 407/3، دار صادر.

3) . المقريزي: الخطط: 355/1.

فضرب الحجر الأسود بدبّوس ثلاثاً، و قال: إلى متى يُعبد الحجر فيمنعني محمد ممّا أفعله؟ فإنّي اليوم أهدم هذا البيت، فاتقاه الناس، و كاد يفلت، و كان أشقر، أحمر، جسيماً، تام القامة، و كان على باب المسجد عشرة فرسان على أن ينصروه، فاحتسب رجل، فوجأه بخنجر، و تكاثروا عليه، فأُحرق، و قتل جماعة من أصحابه و ثارت الفتنة، فقتل نحو العشرين و نهب المصريون و قيل: أخذ أربعة من أصحابه، فأقرّوا بأنّهم مائة تبايعوا علىٰ ذلك، فضربت أعناق الأربعة، و تهشّم وجه الحجر، و تساقط منه شظايا و خرج مُكْسَرُه أسمر إلى صفرة.(1)

و يقال انّ الظاهر شنّ على الدروز حرباً محاولاً إرجاعهم إلى العقيدة الفاطمية الأصيلة، مدة خلافته كانت ستة عشر عاماً... لم تنته هجمات الصليبيين عن الأراضي و الثغور العائدة للدولة الفاطمية، وقّع هدنة مع الروم.(2)


1) . الذهبي: سير أعلام النبلاء: 185/15-186، مؤسسة الرسالة.

2) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 189.

الإمام الثالث عشر: المستنصر باللّٰه (420-487 ه)

الإمام الثالث عشر: المستنصر باللّٰه (420-487 ه)(1)

هو معد بن علي، ولد يوم الثلاثاء في الثالث عشر من شهر جمادى الآخر سنة 420 ه، و بويع بالخلافة يوم الأحد في منتصف شهر شعبان سنة 427 ه، و كان له من العمر سبعة أعوام، و قد ظل في الحكم ستين عاماً، و هي أطول مدّة في تاريخ الخلافة الإسلامية.

يقول ابن خلكان: و جرى على أيامه ما لم يجر على أيام أحد من أهل بيته ممّن تقدّمه و لا تأخره، منها:

1 - قضية أبي الحارث أرسلان البساسيري، فإنّه لمّا عظم أمره و كبر شأنه ببغداد، قطع خطبة الإمام القائم و خطب للمستنصر المذكور، و ذلك في سنة خمسين و أربعمائة، و دعا له علىٰ منابرها مدّة سنة.

2 - انّه ثار في أيّامه علي بن محمد الصليحي و ملك بلاد اليمن، و دعا للمستنصر على منابرها بعد الخطبة.

3 - انّه أقام في الأمر ستين سنة، و هذا أمر لم يبلغه أحد من أهل بيته و لا من بني العباس.


1) أرّخ كل من الكاتبين عارف تامر و مصطفى غالب تاريخ ولادته 420 ه.

4 - انّه ولي العهد و هو ابن سبع سنين.

5 - انّ دعوتهم لم تزل قائمة بالمغرب منذ قام جدهم المهدي إلى أيام المعز، و لمّا توجه المعز إلى مصر و استخلف بلكين بن زيري كانت الخطبة في تلك النواحي جارية على عادتها لهذا البيت إلى أن قطعها المعز بن باديس في أيام المستنصر، و ذلك في سنة ثلاث و أربعين و أربعمائة.

6 - أنّه حدث في أيّامه الغلاء العظيم الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسف عليه السّلام حتى قيل انّه بيع رغيف واحد بخمسين ديناراً، و كان المستنصر في هذه الشدة يركب وحده، و كلّ من معه من الخواص مترجّلون ليس لهم دواب يركبونها، و كانوا إذا مشوا تساقطوا في الطرقات من الجوع، و كان المستنصر يستعير من ابن هبة صاحب ديوان الانشاء بغلته ليركبها صاحب مظلته، و آخر الأمر توجهت أُم المستنصر و بناته إلى بغداد من فرط الجوع، و تفرّق أهل مصر في البلاد و تشتتوا.(1)

و ذكر الذهبي تفاصيل حياته بحسب السنين التي مرت عليه.(2)

و لقي المستنصر شدائد و أهوالاً، و انفتقت عليه الفتوق بديار مصر أخرج فيها أمواله و ذخائره إلى أن بقي لا يملك غير سجادته التي يجلس عليها، و هو مع هذا صابر غير خاشع.(3)

و قد توفي في الثامن عشر من ذي الحجة، و دامت خلافته ستين سنة و أربعة أشهر.

إلى هنا تمت ترجمة الأئمّة الثلاثة عشر الذين اتّفقت كلمة الإسماعيلية علىٰ إمامتهم و خلافتهم، و لم يشذ عنهم سوى الدروز الذين انشقوا عن الإسماعيلية


1) . ابن خلكان: وفيات الأعيان: 229/5-230، دار صادر.

2) . الذهبي: سير أعلام النبلاء: 186/1-196.

3) . الجزري: الكامل: 237/10.

في عهد خلافة الحاكم بأمر اللّٰه، و صار وفاة المستنصر باللّٰه سبباً لانشقاق آخر و ظهور طائفتين من الإسماعيلية بين:

مستعلية تقول بإمامة أحمد المستعلي ابن المستنصر باللّٰه، و نزارية تقول بإمامة نزار ابن المستنصر.

فالمستعلية هم المعروفون في هذه الأيام بالبُهرة، و قد انقسموا إلى: سليمانية و داودية؛ كما أنّ النزاريين هم القائلون بإمامة نزار ابن المستنصر، و انقسموا إلى: مؤمنية و قاسمية. و قد اتّفقت الطائفتان الأخيرتان في بعض الأئمة، و اختلفت في البعض الآخر، و سيوافيك تفصيل الجميع.

الفصل السابع: في أئمة المستعلية

اشارة

الإمام الأوّل: المستعلي باللّٰه (467-495 ه)

قد ذكرنا - فيما سبق - أنّ المستنصر قد عهد في حياته بالخلافة لابنه «نزار» و قد بويع بعد وفاة أبيه، و لكن خلعه الأفضل و بايع المستعلي باللّٰه، و سبب خلعه أنّ الأفضل ركب مرّة أيّام المستنصر، و دخل دهليز القصر من باب الذهب راكباً، و «نزار» خارج، و المجاز مظلم، فلم يره الأفضل، فصاح به نزار: انزلْ، يا أرمني، كلب، عن الفرس، ما أقلَّ أدبَك.

فحقدها عليه، فلما مات المستنصر خلعه خوفاً منه علىٰ نفسه، و بايع المستعلي، فهرب نزار إلى الاسكندرية، و بها ناصر الدّولة «افتكين»، فبايعه أهل الاسكندرية، و سمّوه المصطفي لدين اللّٰه، فخطب بالناس، و لعن الأفضل، و أعانه أيضاً القاضي جلال الدّولة ابن عمار، قاضي الاسكندرية، فسار إليه الأفضل، و حاصره بالاسكندرية، و أخذ «افتكين» فقتله، و تسلّم المستعلي نزاراً فبنى عليه حائطاً فمات، و قتل القاضي جلال الدولة ابن عمار و من أعانه.(1)و حيث إنّه لم يتم الاتّفاق علىٰ إمامة هؤلاء فقد عقدنا لهم فصلاً مستقلاً.

يقول ابن خلكان: و كانت ولادة المستعلي (أحمد بن معد) لعشر ليال بقين من محرم سنة تسع و ستين و أربعمائة، بالقاهرة و بويع في يوم عيد غدير خم، و هو الثامن عشر من ذي الحجة سنة سبع و ثمانين و أربعمائة، و توفي بمصر يوم الثلاثاء


1) . ابن الأثير: الكامل في التاريخ: 237/10-238، دار صادر.

لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة خمس و تسعين و أربعمائة، و له من العمر ثمان و عشرون سنة و أيام(1)، فكانت مدّة ولايته سبع سنين و كسراً، و تولّى بعده ولدُه أبو علي المنصور، الملقب بالآمر، و له من العمر خمس سنين و شهر و أربعة أيام، و لم يكن في من تسمىٰ بالخلافة قط أصغر منه، و من المستنصر، و كان المستنصر أكبر من هذا، و لم يقدر يركب وحده الفرس، و قام بتدبير دولته الأفضل ابن أمير الجيوش، أحسن قيام، إلى أن قتل.(2)

الإمام الثاني: الآمر بأحكام اللّٰه (490-524 ه)

هو منصور بن أحمد، ولد في القاهرة في الثالث عشر من محرم، و بويع بالخلافة يوم وفاة والده في الثالث عشر من صفر سنة 495 ه، و كان له من العمر خمس سنوات، و في عهده سقطت مدينة «صور» بأيدي الصليبيين، و ذلك بعد سقوط انطاكية و بيت المقدس و قيصارية وعكا و بانياس و طرابلس، و أكثرها كانت فاطميّة.

من آثاره العمرانية الجامع الأقمر في القاهرة، و تجديد قصر القرافة، و فتح مكتبة دار العلوم للمطالعة و التدريس، قتله النزاريون انتقاماً لإمامهم نزار، و كان في هودج يقوم بالنزهة بين الجزيرة و القاهرة، و قد حُمل إلى القصر، و لكنّه لم يلبث أن


1) . لو كان له من العمر ثمان و عشرون عاماً عند الوفاة لكانت ولادته عام 467، لا ما ذكره من انّ ولادته 469 ه.

2) . ابن خلكان: وفيات الأعيان: دار صادر: 180/1.

فارق الحياة في الرابع عشر من ذي القعدة سنة 524 ه، و كان عمره 34 عاماً و تسعة أشهر و عشرين يوماً.(1)

قال ابن خلكان: و لما انقضت أيّامه، خرج من القاهرة صبيحة يوم الثلاثاء في الثالث من ذي القعدة سنة 524 ه و نزل إلى مصر، و عدى على الجسر إلى الجزيرة التي قبالة مصر، فكمُن له قوم بالأسلحة و تواعدوا على قتله في السّكة التي يمر فيها، فلمّا مرّ بهم وثبوا عليه فلعبوا عليه بأسيافهم، و كان قد جاوز الجسر وحده مع عدّة قليلة من غلمانه و بطانته و خاصته و شيعته، فحُمل في النيل في زورق و لم يمت، و أُدخل القاهرة و هو حيٌّ، و جيء به إلى القصر من ليلته، فمات و لم يعقب، و هو العاشر من أولاد المهدي عبيد اللّٰه القائم بسجلماسة، إلى أن يقول: و كان ربعة، شديدَ الأدمة، جاحظ العينين، حسن الخط و المعرفة و العقل.(2)

و مع هذا فيصفه بكونه «قبيح السيرة، ظلم الناس و أخذ أموالهم و سفك دماءهم، و ارتكب المحذورات و استحسن القبائح المحظورات، فابتهج الناس بقتله».(3)

و لا يخفى وجود التضاد بين الوصفين، فلو كان حسن المعرفة و العقل لما قبحت سيرته و ما أخذ أموالَ الناس و لا أراق دماءهم. و اللّٰه العالم.

و كان يطمع إلى عرش العباسيين في العراق، و لكنَّ الأحداث الداخليّة حالت بينه و بين أُمنيته.

يقول المقريزي: و كانت نفسه تحدّثه بالسفر و الغارة علىٰ بغداد، و من شعره في ذلك:


1) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 190-191.

2) . ابن خلكان: وفيات الأعيان: 301/5-302، و لاحظ الخطط المقريزية: 357/1 و 290/2.

3) . وفيات الأعيان: 302/5.

دع اللوم عني لست مني بموثق *** فلا بدّ لي من صدمة المتحقق

و أسقى جيادي من فرات و دجلة *** و أجمع شمل الدين بعد التفرق

و قال:

أما و الذي حجّت إلى ركن بيته *** جراثيم ركبان مقلّدة شهبا

لاقتحمن الحرب حتى يقال لي *** ملكت زمام الحرب فاعتزل الحربا

و ينزل روح اللّٰه عيسى ابن مريم *** فيرضى بنا صحباً و نرضى به صحبا(1)

و المهم في تاريخه، أنّه قتل الأفضل الذي مَهّدَ الطريقَ لأبيه المستعلي في زمانه، و يقال أنّه قتل بإشارة أو مؤامرة الآمر بأحكام اللّٰه.

يقول المقريزي: و في يوم الثلاثاء، السابع عشر من صفر، سنة خمس و تسعين، أحضره الأفضل بن أمير الجيوش، و بايع له و نصبه مكان أبيه، و نعته بالآمر بأحكام اللّٰه، و ركب الأفضل فرساً، و جعل في السّرج شيئاً، و أركبه عليه لينمو شخص الآمر، و صار ظهره في حجر الأفضل، فلم يَزلْ تحت حجره حتّى قتل الأفضل ليلة عيد الفطر سنة خمس عشرة و خمسمائة.(2)

و قد مرّ آنفاً قول ابن خلكان بأنّ الآمر بأحكام اللّٰه مات و لم يعقب، و ربَّما يقال أنّ الآمر مات و امرأته حامل بالطّيب، و ربّما يقال بأنّ امرأته ولدت أُنثىٰ، فلأجل ذلك عهد الآمر بأحكام اللّٰه الخلافة إلى الحافظ، الظافر، الفائز، ثمّ إلى العاضد.

و سنتطرق إلى حياة الأئمة الأربعة الذين لم يكونوا من صُلب الإمام السابق، بل كانوا من أبناء عمّه، و لأجل ذلك لا تصح تسميتهم بالأئمة، و إنّما


1) . المقريزي: الخطط: 191/2

2) . المقريزي: الخطط: 290/2.

هم دعاة، حيث لم يكن في الساحة إمام، و دخلت الدعوة المستعلية بعد اختفاء الطيِّب بالستر، و ما تزال تنتظر دعوته، و توقفت عن السير وراء الركب الإمامي، و اتبعت نظام الدعاة المطلقين.(1)

الإمام الثالث: الحافظ لدين اللّٰه (467-544 ه)

ولد بعسقلان سنة 467 ه، عند ما مات الآمر، و توفي في الخامس من جمادى الأُولى سنة 544 ه، فدامت دولته عشرين سنة سوى خمسة أشهر، و عاش سبع و سبعين سنة، و قام بعده ولده الظاهر.(2)

عبد المجيد الملقب بالحافظ، ابن أبي القاسم محمد بن المستنصر، بويع بالقاهرة يوم مقتل ابن عمّه الآمر، بولاية العهد و تدبير المملكة، حتى يظهر الحمل المخلف عن الآمر، فغلب عليه أبو علي أحمد بن الأفضل، في صبيحة يوم مبايعته، و كان الآمر لمّا قتل الأفضل اعتقل جميع أولاده و فيهم أبو علي المذكور، فأخرجه الجند من الاعتقال لما قُتل الآمر، و بايعوه فسار إلى القصر، و قبض على الحافظ المذكور، و استقلّ بالأمر و قام به أحسن قيام، و ردّ على المصادرين أموالهم، و أظهر مذهب الإماميّة و تمسك بالأئمّة الاثني عشر، و رفض الحافظ و أهل بيته، و دعا على المنابر للقائم في آخر الزمان المعروف بالإمام المنتظر علىٰ زعمهم، و كتب اسمه على السّكة، و نهى أن يؤذن (حي على خير العمل) و أقام كذلك، إلى أن وثب عليه


1) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 191.

2) . ابن خلكان، وفيات الأعيان: 236/3، دار صادر.

رجل من الخاصّة بالبستان الكبير بظاهر القاهرة، في النصف من المحرم سنة ست و عشرين و خمسمائة فقتله، و كان ذلك بتدبير الحافظ، فبادر الأجناد بإخراج الحافظ، و بايعوه و لقبوه الحافظ، و دعي له على المنابر.(1)

الإمام الرابع: الظافر بأمر اللّٰه (527-549 ه)

هو إسماعيل بن عبد المجيد ولد في القاهرة يوم الأحد منتصف شهر ربيع الآخر سنة سبع و عشرين و خمسمائة، و اغتيل في منتصف محرم سنة 549 ه، بويع الظافر يوم مات أبوه، بوصيّة أبيه، و كان أصغر أولاد أبيه سناً، ولي الأمر بعد أبيه و كان شاباً جميلاً.

و هو الذي انشأ الجامع المعروف بجامع الفاكهيين، قتله نصر بن عباس أحد أبناء وزرائه، و قد ذكر المؤرخون سبب قتله و تفصيله، فمن أراد فليراجع.(2)

و عاش الظافر 22 سنة.


1) . وفيات الأعيان: 235/3-236، و سير أعلام النبلاء: 199/15.

2) . المقريزي: الخطط: 30/2 و ذكره بايجاز ابن خلكان في وفيات الأعيان: 237/1، و الذهبي في سير أعلام النبلاء: 204/15.

الإمام الخامس: الفائز بنصر اللّٰه (544-555 ه)

هو عيسى بن إسماعيل ولد عام 544 ه، و تسلّم الخلافة و له خمس سنين، و بقى على سدّة الخلافة ست سنين، و لَمّا اُغتيل أبوه، أقامه الوزير عباس مكان والده، تغطية لِما ارتكبه ابنُه من قتل الإمام الظافر، فلمّا قدم طلائع بن رزيك، والي الاشمونين بمجموعة إلى القاهرة، فرّ عباس، و استولى طلائع على الوزارة، و تلقّب بالصالح، و قام بأمر الدولة، إلى أن مات الفائز لثلاثة عشرة بقيت من رجب سنة 555 ه عن إحدىٰ عشرة سنة و ستة أشهر و يومين، منها في الخلافة ست سنين و خمسة أشهر و أيام.(1)

الإمام السادس: العاضد لدين اللّٰه (546-567 ه)

اشارة

هو عبد اللّٰه بن يوسف ولد عام 546 ه و توفي عام 567 ه، و هو عبد اللّٰه ابن يوسف بن عبد المجيد بن محمد بن المنتصر، أقامه طلائع بن رزيك، بعد الفائز، ولي المملكة بعد وفاة ابن عمّه الفائز بنصر اللّٰه، و كان العاضد شديدَ التشيّع، بويع و عمره آنذاك إحدى عشرة سنة، و قام الصالح بن رزيك، أخو طلائع بن رزيك، بتدبير الأُمور، إلى أن قتل في رمضان سنة 556 ه فقام من بعده


1) . المقريزي: الخطط: 357/1، لاحظ وفيات الأعيان: 291/3، رقم الترجمة 514، و الذهبي: سير اعلام النبلاء: 207/15 رقم الترجمة 78، و قصد فصل الأخيران الكلام في حياته.

ابنه رزيك بن طلائع، و حسنت سيرته.

يقول المقريزي: فلما قوى تمكّن الافرنج في القاهرة عام 564 ه، و جاروا في حكمهم بها، و ركبوا المسلمين بأنواع الإهانة، فسار مري ملك الافرنج يريد أخذ القاهرة، و نزل علىٰ مدينة بلبيس و أخذها عنوة، فكتب العاضد إلى نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام يستصرخه و يحثّه على نجدة الإسلام و إنقاذ المسلمين من الافرنج، فجهّز أسد الدين شيركوه في عسكر كثير، و سيّرهم إلى مصر، فلما اطّلع الافرنج علىٰ قدوم شيركوه، رحلوا عن القاهرة في السابع من ربيع الآخر، و نزل شيركوه بالقاهرة، فخلع عليه العاضد و أكرمه، و تقلّد وزارة العاضد و قام بالدولة شهرين و خمسة أيّام، و مات في الثاني و العشرين من جمادى الآخرة، ففوض العاضد الوزارة لصلاح الدين يوسف بن أيوب، فساس الأُمور و دبّر لنفسه، فبذل الأموال و أضعف العاضد باستنفاد ما عنده من المال، فلم يزل أمرُهُ في ازدياد، و أمر العاضد في نقصان، و استبدَّ بالأُمور و منع العاضد من التصرّف حتىٰ تبيّن للناس ما يريده من إزالة الدولة، إلى أن كان من واقعة العبيد ما كان فأبادهم و أفناهم، و من حينئذٍ تلاشىٰ العاضد و انحل أمره و لم يبق له سوى إقامة ذكره في الخطبة، و تتبع صلاح الدين جُندَ العاضد، و أخذ دور الأُمراء، و إقطاعاتهم، فوهبها لأصحابه، و بعث إلىٰ أبيه و إخوته و أهله فقدموا من الشام عليه، و عزل قضاة مصر الشيعة، و اختفى مذهب الشيعة إلىٰ أن نسي من مصر، و قد زاد المضايقات على العاضد و أهل بيته، حتى مرض و مات، و عمره إحدىٰ و عشرون سنة إلّا عشرة أيّام، و كان كريماً ليّن الجانب مرّت به مخاوف و شدائد، و هو آخر الخلفاء الفاطميين بمصر، و كانت مدّتهم بالمغرب، و مصر، منذ قام عبيد اللّٰه المهدي إلى أن مات العاضد 272 سنة، منها بالقاهرة 208 سنين فسبحان الباقي.(1)


1) . المقريزي، الخطط: 358/1-359 باختصار، و ابن خلكان: وفيات الأعيان: 109/3-112، و الذهبي: سير اعلام النبلاء: 207/15-215.

جناية التاريخ على الفاطميين

إنّ لكلّ دولة أجلاً مسمّى، كما أنّ لطلوعها و نشوئها عللاً، كذلك لزوالها و إبادتها أسباباً سنّة اللّٰه سبحانه الذي قد كتب على كلّ أُمّة أمرَ زوالها و فنائها قال سبحانه: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ * وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاٰلِ وَ اَلْإِكْرٰامِ»(1)و قال سبحانه: «مٰا جَعَلْنٰا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ اَلْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ اَلْخٰالِدُونَ».(2)

لا شكّ أنّ كلَّ دولة يرأسها غيرُ معصوم لا تخلو من أخطاء و هفوات، بل من جرائم و آثام، و ربّما تنتابها بين آونة و أُخرى حوادث و فتن، تضعضع كيانها و تشرفها على الانهيار.

و مع ذلك فالدولة الفاطميّة غير مستثناة عن هذا الخط السائد، فقد كانت لديهم زلّات و عثرات و مآثم و جرائم كسائر الدول.

إلّا أنّهم قاموا بأعمال و مشاريع كبيرة لا تقوم بها إلّا الدولة المؤمنة باللّٰه سبحانه و شريعته، كالجامع الأزهر، - الذي ظل عبر الدهور يُنير الدرب لأكثر من ألف سنة -، كما أنّهم أنشئوا جوامع كبيرة، و مدارس عظيمة مذكورة في تاريخهم، و بذلك رفعوا الثقافة الإسلامية إلى مرتبة عالية، و تلك الأعمال جعلت لهم في قلوب الناس مكانة عالية.

و ممّا يدلّ على أنّ حكمهم لم يكن حكماً استبدادياً، و لم تكن سيرتهم على سفك الدماء، أنّ البعضَ منهم تسلموا الخلافة و هم بين خمس سنين إلى عشر سنين، فلو كانت حكومتهم حكومة ظالمة و مالكة للرقاب بالتعسف و الظلم، لانهار ملكهم منذ أوائل خلافتهم، و لم يدم ثلاثة قرون، وسط عدوّين شرسين، الخلافة العباسيّة من جانب، و الافرنج من جانب آخر.

غير أنّا نرى أنّ أكثر المؤرّخين يصوّرونهم كالفراعنة، و أنّهم فراعنة الأعصار


1) . الرحمن: 26-27.

2) . الأنبياء: 34.

الإسلامية، كالقبطيين الذي كانوا فراعنة أعصارهم، لا لم يكونوا بهذه المثابة، كما لم يكونوا نزيهين عن الآثام، خلطوا المحاسن بالمساوئ، شأن كلّ ملك يحكم، و إن كانت محاسنهم أكثر من مساوئهم، فأظن أنّ ما كتبته أقلام السير و التاريخ كلّها حدسيّات و تخمينات أخذوها من رماة القول على عواهنه، فيجب على القارئ دراسة سيرة الفاطميين من رأس و أخذها من معين صاف غير مشوب بالعداء.

و الذي يدل على ذلك أنّ الفقيه عمارة اليمني كتب إلى صلاح الدين قصيدة متضمنة شرح حاله و ضرورته و سماها «شكاية المتظلم و نكاية المتألم» و هي بديعة و رثى أصحاب القصر عند زوال ملكهم، بقصيدة لاميّة أجاد فيها.(1)

و على كلّ تقدير، فبعد وفاة الطيّب بن الآمر و خلافة الأئمّة الأربعة المتأخرة، الحافظ، الظافر، الفائز ثمّ العاضد، دخلت الدعوة المستعلية بالستر و توقفت عن السير وراء الركب الإمامي و اتبعت نظام الدعاة مكان الأئمّة.

إلى هنا تم بيان أئمة المستعلية، التي افترقت بعد المستنصر باللّٰه، و صارت فرقة عظيمة معروفة بالبهرة، و لهم اليوم في الهند نشاطات، و مدارس و دعايات، و هم يمسكون بكتبهم عن الغير و يبخلون بها.

إنّ الإسماعيلية المستعلية انقسمت سنة 999 ه إلىٰ فرقتين: داودية، و سليمانية، و ذلك بعد وفاة الداعي المطلق، داود بن عجب شاه، انتخبت مستعلية كجرات داود بن قطب شاه خلفاً له، و لكن اليمانيين عارضوا ذلك و انتخبوا داعياً آخراً، يدعىٰ سليمان بن الحسن، و يقولون: إنّ داود قد أوصىٰ له بموجب وثيقة ما تزال محفوظة.

إنّ الداعي المطلق، للفرقة الإسماعيلية المستعلية الداودية اليوم، هو طاهر سيف الدين، و يقيم في بومباي - الهند - أمّا الداعي المطلق للفرقة المستعلية السليمانية، فهو علي بن الحسين، و يقيم في مقاطعة نجران بالحجاز.(2)


1) . ابن خلكان: وفيات الأعيان: 434.

2) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 162.

الفصل الثامن: في أئمة النزارية المؤمنية و الآغاخانية

اشارة

قد عرفت أنّ الإسماعيلية افترقت فرقتين، بين مستعلية تأتم بعد المستنصر باللّٰه، بأحمد المستعلي، ثمّ الآمر بأحكام اللّٰه؛ و نزارية تقول: بإمامة نزار بن معد بعد المستنصر، و لا تأتم بالمستعلي أبداً، و قد تعرّفت علىٰ أئمّة المستعلية، و هذا بيان لأئمّة النزارية المشتركة بين الفرقتين «المؤمنية» و «الآغاخانية»، فإنّ الفرقتين تتفقان على إمامة الأئمة الخمسة التالية:

1 - المصطفى باللّٰه نزار بن معد المستنصر.

2 - الإمام جلال الدين حسن بن أعلى محمد.

3 - الإمام علاء الدين بن الإمام جلال الدين.

4 - الإمام ركن الدين خورشاه بن الإمام علاء الدين.

5 - الإمام شمس الدين بن ركن الدين.

و قد اتّفقت الفرقتان على إمامة الأئمّة الخمسة في مسلسل أئمّتهما، و اختلفتا في غيرهم، فإليك قائمة بأسماء أئمّة النزارية المؤمنية أوّلاً، ثمّ قائمة بأسماء أئمّة النزارية «الآغاخانية» أو «القاسمية» ثانياً، و ترى أسماء الأئمّة المتفق عليهم في كلتا القائمتين.


قائمة الأئمّة النزارية المؤمنية:

1 - نزار بن معد.

2 - حسن بن نزار.

3 - محمد بن الحسن.

4 - حسن بن محمد «جلال الدين».

5 - محمد بن الحسن «علاء الدين».

6 - محمود بن محمد «ركن الدين».

7 - محمد بن محمود «شمس الدين».

8 - مؤمن بن محمد.

9 - محمد بن مؤمن.

10 - رضي الدين بن محمد.

11 - طاهر بن رضي الدين.

12 - رضي الدين الثاني بن طاهر.

13 - طاهر بن رضي الدين الثاني.

14 - حيدر بن طاهر.

15 - صدر الدين بن حيدر.

16 - معين الدين بن صدر الدين.

17 - عطية اللّٰه بن معين الدين.

18 - عزيز بن عطية اللّٰه.

19 - معين الدين الثاني بن عزيز.

20 - محمد بن معين الدين الثاني.

21 - حيدر بن محمد.

22 - محمد بن حيدر (الأمير الباقر).(1)

ولد هذا الإمام الأخير في أورنك آباد عام 1179 ه، لقبه محمد الباقر (و توفي سنة 1210 ه)، كلّ ما عرف عنه حتى الآن، هو أنّه آخر إمام من أسرة مؤمن، يحتفظ الإسماعيليون في سوريا بفرمان مرسل منه، من بلدة أورنك آباد بالهند، إلى الإسماعيليين في سوريا، و في عهده توقف الفرع المؤمني النزاري عن الركب الإمامي، و لم يبق بين فرق الإسماعيليين سوى القاسمية - الآغاخانية - سائرة على المنهج دون توقف.(2)


1) . الإمامة في الإسلام: 178.

2) . الإمامة في الإسلام: 214.

قائمة الأئمّة النزارية القاسمية - الآغاخانية:

1 - نزار بن معد.

2 - هادي.

3 - مهتدي.

4 - قاهر.

5 - حسن على ذكره السلام.

6 - أعلىٰ محمد.

7 - جلال الدين حسن.

8 - علاء الدين محمد.

9 - ركن الدين خورشاه.

10 - شمس الدين محمد.

11 - قاسم شاه.

12 - اسلام شاه.

13 - محمد بن اسلام.

14 - المستنصر باللّٰه الثاني.

15 - عبد السلام.

16 - غريب ميرزا.

17 - أبو الذر علي.

18 - مراد ميرزا.

19 - ذو الفقار علي.

20 - نور الدين علي.

21 - خليل اللّٰه علي.

22 - نزار علي.

23 - السيد علي.

24 - حسن علي.

25 - قاسم علي.

26 - أبو الحسن علي.

27 - خليل اللّٰه علي.

28 - حسن علي.

29 - علي شاه.

30 - سلطان محمد شاه

31 - كريم خان.(1)

فعدد الأئمّة عند النزارية المؤمنية بعد المستنصر يبلغ 22 إماماً، و عند الآغاخانية يبلغ 31 إماماً.


1) . الإمامة في الإسلام: 178.

إنّ الاختلاف بدأ يدب بعد الإمام نزار ابن المستنصر، ففي الشجرة المؤمنية نرى إمامين بعد نزار، هما: حسن، و محمد، ثمّ حسن جلال الدين، و في الشجرة القاسميّة نرى خمسة أئمّة بعد نزار، هم: هادي، و مهتدي، و قاهر، و حسن على ذكره السلام، و أعلى محمد، ثمّ يأتي جلال الدين حسن، هذا و يلاحظ أنّه بعد هذا الالتقاء عند حسن جلال الدين، تعود الشجرتان إلى السير جنباً إلى جنب حتى محمد شمس الدّين، فبعد وفاة هذا الأخير ظهر اختلاف من نوع جديد، فالمعلوم أنّه كان للإمام محمد شمس الدين ثلاثة أولاد، هم: مؤمن شاه، و قاسم شاه، و كياشاه.

فالمؤمنيّة اعترفت بإمامة مؤمن شاه، و سارت وراءه، و وراء ولده من بعده حتى آخرهم أمير محمد باقر سنة 1210 ه، و القاسميّة سارت وراء قاسم شاه، و ولده الذين هم أسرة آغاخان.(1)

ثمّ إنّ بسط الكلام في ترجمة هؤلاء الأئمّة يحوجنا إلى تأليف كتاب مفرد، و لنقتصر علىٰ ترجمة الأئمّة الذين حكموا قلعة ألموت من قلاع قزوين، التي دمّرها هولاكو سنة 654 ه. و كان آخر الأئمّة في تلك القلاع الإمام ركن الدين، الذي ولد عام 625 ه و أُسر بيد جيوش التتر، و قتل سنة 654 ه عند ما كانت الجيوش التترية تعبر نهر جيحون لتسليم الإمام و الأسرى إلى هولاكو.

و أمّا الباقي فسنترك ذكر سيرتهم، و من أراد المزيد فليرجع إلى المصادر التالية:

1 - الإمامة في الإسلام تأليف عارف تامر، 2 - تاريخ الدعوة الإسماعيلية لمصطفى غالب.


1) . الإمامة في الإسلام: 171.

الإمام الأوّل: المصطفى باللّٰه نزار بن معد المستنصر (437-490 ه)

قد تعرفت على أنّ المستنصر عهد بالولاية لابنه نزار إلّا أنّ الأفضل رئيس الوزراء، سعى لخلعه، و بايع أخاه الأصغر أحمد المستعلي، و قد ذكرنا سبب هذا الخلاف، فغادر الإمام نزار القاهرة بصحبة عدّة من رجال دعوته، و نزل الاسكندرية بدعوة من حاكمها، فسار إليه الأفضل علىٰ رأس جيش و حاصر الاسكندرية، و عند ما اشتدَّ الحصار عليها غادرها الإمام نزار مع أهل بيته متخفّياً بزي التجار، نحو «سجلماسة» حيث مكث عند عمّته هناك بضعة أشهر، حتى عادت إليه الرسل التي أوفدها لإبلاغ الحسن بن الصباح عن محل إقامته، فسار إلى جبال الطالقان مع أهل بيته و من بقي معه من دعاته و خدمه، حيث استقر بقلعة «ألموت» بين رجال دعوته المخلصين، و عمل مع الحسن بن الصباح علىٰ تأسيس الدولة النزارية، و بعد أن تمّ له ذلك أصابه مرض شديدٌ استدعى علىٰ أثره دعاته و نص على إمامة ابنه (علي) و ذلك سنة 490 ه، و توفي في اليوم الثاني و دفن في قلعة الموت.(1)

هذا ما يذكره ذلك المؤرخ، و لكنَّ غيره من المؤرخين يذكرون شيئاً آخر، و هو أنّ الأفضل لحق به و نشبت بينهم معارك ضارية انتهت بمقتل نزار، و قد انتقم


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 255.

النزاريون بمقتله فيما بعد بأن قتلوا الخليفة الفاطمي الآمر بن المستعلي، و رئيس الوزراء الأفضل نفسه. و على كلّ تقدير فقد توفي عام 490 ه إمّا في الاسكندرية مقتولاً، أو في قلعة ألموت.(1)

و تجدر الإشارة إلى أنّ الحسن بن الصباح شيخ الجبل (428-518 ه) هو المؤسس الواقعي للإمامة النزارية، و لو لا بيعته لابن المستنصر لما كان للنزارية دولة.

إنّ ابن الصباح قصد المستنصر باللّٰه في زياراته و اجتمع به، و خاطبه في إقامة الدعوة له فأجاب الدعوة له في بلاد العجم، فعاد و دعا الناس إليه سراً، ثمّ أظهرها و ملك قلاع ألموت.

يقول الجزري: و كان الحسن بن الصباح رجلاً شهماً، كافياً، عالماً بالهندسة، و الحساب، و النجوم و السحر و غير ذلك؛ و كان رئيس الري إنسان يقال له أبو مسلم، و هو صهر نظام الملك، فاتهم الحسن بن الصباح بدخول جماعة من دعاة المصريين عليه، فخافه ابن الصباح، و كان نظام الملك يكرمه، و قال له يوماً من طريق الفراسة: عن قريب يضل هذا الرجل ضعفاء العوام، فلمّا هرب الحسن من أبي مسلم طلبه فلم يدركه، فطاف البلاد، و وصل إلى مصر و دخل على المستنصر صاحبها فأكرمه و أعطاه مالاً، و أمره أن يدعو الناس إلى إمامته، فقال له الحسن: فمن الإمام بعدك؟ فأشار إلى ابنه نزار، و عاد من مصر إلى موطنه، فلمّا رأى قلعة ألموت و اختبر أهل تلك النواحي، أقام عندهم و طمع في إغوائهم و دعاهم في السر، و أظهر الزهد، و لبس المسح، فتبعه أكثرهم، و العلوي صاحب القلعة حسن الظن فيه، يجلس إليه يتبرك به.

فلمّا أحكم الحسن أمره، دخل يوماً على العلوي بالقلعة، فقال له ابن الصباح: اخرج من هذه القلعة، فتبسم العلوي و ظنّه يمزح، فأمر ابن الصباح


1) . و ليعلم أنّ نزار بن معد المذكور في المقام غير نزار بن معد العزيز باللّٰه الإمام العاشر للإسماعيلية.

بعض أصحابه بإخراج العلوي، فأخرجوه إلى دامغان و أعطاه ماله و ملك القلعة.

و لما بلغ الخبر إلى نظام الملك بعث عسكراً إلى قلعة ألموت، فحصروه فيها، و أخذوا عليه الطرق، فضاق ذرعه بالحصر، فأرسل من قتل نظام الملك، فلمّا قتل رجع العسكر عنها.(1)

و قال الذهبي: الحسن بن الصباح الملقب بالكيا صاحب الدعوة النزارية و جدّ أصحاب قلعة ألموت.

كان من كبار الزنادقة و من دهاة العالم، و له أخبار يطول شرحها، إلى أن قال: و أصله من مرو، و قد أكثر التطواف ما بين مصر إلى بلد كاشغر، يغوي الخلق و يضل الجهلة، إلى أن صار منه ما صار، و كان قوي المشاركة في الفلسفة و الهندسة و كثير المكر و الحيل، بعيد الغور.

قال أبو حامد الغزالي: شاهدت قصة الحسن بن الصباح لما تزهد تحت حصون ألموت، فكان أهل الحصن يتمنّون صعوده إليهم و يمتنع، و يقول: أما ترون المنكر كيف فشا و فسد الناس؟ فتبعه خلق، ثمّ خرج أمير الحصن يتصيد فنهض أصحابه و ملكوا الحصن، ثمّ كثرت قلاعهم.(2)

و استعرض حسن الأمين في «دائرة المعارف الشيعية» تاريخ الإسماعيلية، و الانشقاق الذي طرأ على الخلافة الفاطمية بعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر، و انقسامها إلى فرقتين هي: المستعلية و النزارية و موقف الحسن بن الصباح منهما، حيث قال:

و كان الحسن بن الصباح من أشد الناس إنكاراً لخلافة أحمد المستعلي و أكثرهم تحمّساً لنزار. و يضيف قائلاً:


1) . الكامل في التاريخ: 316/10-317.

2) . الذهبي: ميزان الاعتدال: 500/1.

و ثمة من يقول من النزاريين إنّ الحسن بن الصباح كان في مصر حين وقوع الخلاف على ولاية العهد، فلم يقر ما جرى، و كان ممّن يرون أنّ المستنصر كان مكرهاً على تولية ولده أحمد، و أنّ الأمر هو لنزار لا لأحمد، ففر الحسن بن الصباح من مصر داعياً لنزار، ثمّ أرسل بعض فدائييه، فأحضروا ابناً لنزار إلى قلعة ألموت.

و في قول آخر: إنّه لم يخرج من مصر حتى أخرج معه ابناً لنزار، و اسمه في سلسلة الأئمة النزاريين علي و لقبه الهادي، فأخفاه الحسن و ستره.

و مهما يكن من أمر فقد أصبح الحسن بن الصباح الرجل الأوّل و الموجه الفعلي للدعوة النزارية.

و بعد ذلك استعرض حسن الأمين الانحراف الخطير الذي طرأ على الدعوة النزارية و تخلّيها عن الإسلام كعقيدة و عمل، حيث قال:

توفي الحسن بن الصباح سنة 518 ه فخلفه من خلفه في قيادة الدعوة النزارية دون أن يعلن هو أو غيره ممّن خلفه عن عقيدة جديدة، حتى انتهى الأمر إلى الحسن الثاني بن محمد بن بزرك أُميد سنة 558 ه، فإذا به يعلن التخلّي عن الإسلام كعقيدة و عمل و الأخذ بمفهوم جديد للدين يتعارض كل التعارض مع مفهوم الإسلام له.

و يصف المؤرخ علاء الدين عطاء الملك الجويني (م 658 ه) هذا الأمر و تفاصيله و يوم حدوثه، ثمّ يقول:

فأعلن - أي الحسن الثاني - أنّ رسالة قد جاءته من الإمام المستتر مع دليل جديد.

ثمّ قال: «إنّ إمام وقتنا قد بعث إليكم صلواته و رحمته و دعاكم عباده المختارين، و لقد أعفاكم من أعباء تكاليف الشريعة و آل بكم إلى البعث.

ثمّ يقول الجويني: و أكد حسن بالتصريح بأنّه كما في عصر الشريعة إذا لم

يطع إنسان و لم يعبد بل تبع حكم القيامة بحجة أنّ الطاعة و العبادة هما أمران روحيان كان ينكل به و يرجم و يقتل، كذلك الآن في عصر القيامة إذا تقيد إنسان بحرفية الشريعة و واظب على العبادة الجسدية و الشعائر فانّ ذلك تعصب ينكل به و يرجم و يقتل من أجله.

ثمّ أكمل حسن كلامه قائلاً: لقد أُعفي الناس من تكاليف الشريعة، لأنّ عليهم في فترة القيامة هذه أن يتوجّهوا بكلّ جوارحهم نحو اللّٰه، و يهجروا كل الشعائر الدينية و جميع العبادات القائمة. فقد وضع في الشريعة بأنّ على الناس عبادة اللّٰه خمس مرات في اليوم و أن يكونوا معه. و هذا التكليف كان ظاهرياً فقط. و لكن الآن في أيام القيامة عليهم أن يكونوا دائماً مع اللّٰه في قلوبهم، و أن يبقوا نفوسهم متوجهة دائماً نحو الحضرة الإلهية، فإنّها الصلاة الحقيقية. انتهى.

و قد أثّر كلامه في الجموع المحتشدة تحت منبره يقول المؤرخ الجويني:

و في ذلك اليوم الذي اقترفت فيه هذه القبائح و أُفشيت فيه تلك المساوئ في «مأمون آباد» عش الكفر، لعب الجميع على الجنك و الرباب، و شربوا الخمر بشكل مكشوف على نفس درجات ذلك المنبر و في مكان جلوس الخطيب.

نعم كان بين المؤمنين بالمذهب من أنكر عليهم ذلك، فنرى أنّ يوم الأحد السادس من ربيع الأوّل سنة 561 ه قام شقيق زوجة الحسن بطعنه في قلعة (لمسر) فمضى المفتري من هذه الدنيا إلى نار اللّٰه الموقدة، و لكن الانحراف لم ينته باغتيال أصله، بل بقي مستمراً على عهد خليفته ابنه «علاء محمد» الذي تولّى بعد أبيه و هو في التاسعة عشرة من عمره و توفي سنة 607 ه، كما كانت المعارضة الشديدة مستمرة، و إذا كان قد تزعمها في عهد حسن، شقيق زوجته، فقد تزعمها الآن حفيد حسن و سميه جلال الدين حسن، إذ كان على خلاف أبيه و جدّه في العقيدة متشدداً في خلافه لهما كلّ التشدد.

و قام بإصلاحات كبيرة، فقد اتصل بحكام الأقطار الإسلامية يعلنهم

العودة إلى الإسلام ليوثق الصلات بهم و بجمهور المسلمين بعد الذي شاع عن انحراف جدّه و ما أعلنه من خروج على الشريعة، فراسل الخليفة في بغداد «الناصر لدين اللّٰه» و غيره من الملوك و الأُمراء، كما أرسل والدته و زوجته إلى الحجّ و أمر ببناء المساجد و قرّب إليه الفقهاء و القرّاء.

و من البديهي أن لا يكون «جلال الدين حسن» قد استطاع استئصال جذور الانحراف، و أن يظل للانحراف أتباعه الآخذون به شأن جميع الدعوات في كلّ زمان و مكان.

على أنّ أمر دولة هؤلاء النزاريين لم يطل كثيراً بعد جلال الدين، فقد انتهى ملكهم على يد هولاكو سنة 654 ه، لكن مَن أخذوا بأقوال الحسن الثاني بن محمد و انحرافه لم ينتهوا، بل ظل للدعوة من يحملها من جيل إلى جيل حتى هذا الجيل و هم اليوم أتباع آغاخان و ظلوا هم وحدهم منفردين باسم الإسماعيليين بعد أن تبرأ من هذا الاسم أصحابه الحقيقيين و تسمّوا باسم البهرة.(1)


1) . حسن الأمين: دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: 73/4-75.

الإمام الثاني: علي الهادي بن الإمام نزار (470-530 ه)

ولد الإمام علي الهادي بن الإمام نزار سنة 470 ه و ارتحل مع والده الإمام نزار إلىٰ قلعة ألموت، و لما توفي أبوه عام 490 ه أصبح إماماً للإسماعيليّة و لم يتجاوز عمره عن عشرين سنة.

و قد انتشر المذهب الإسماعيلي في عهده علىٰ يد داعيته الحسن بن الصباح، شيخ الجبل، المعروف بالمقدرة و البطش.

عمد الإمام إلى تأليف جيش قويّ من الإسماعيليّة، قسّمه إلى فرقتين، الفرقة الأُولى أسماها (الفدائية)، و هي المكلّفة ببذل التضحيات السريعة المستعجلة، و تنفيذ الأوامر السرية الهامة، و لقد تدرّب أفراد تلك الفرقة أعظم تدريب على استعمال كافة أنواع الأسلحة، و على الفروسية، كما لُقّنوا مختلف العلوم الفلسفية، و أتقنوا أغلب لُغات أهالي تلك البلاد. أمّا الفرقة الثانية سميت ب (الرفقاء) و هم المكلَّفون بنشر الدعوة الإسماعيليّة بأُسلوبهم الخاص في مختلف الأقطار و الأقاليم، و هم المدافعون عن مذهبهم بالعلم و الفلسفة، و على الغالب كانوا يتولون الوظائف الإدارية في البلاد التي يوفدون إليها لنشر الدعوة.

و في سنة 530 هجرية توفي الإمام علي الهادي، بعد أن مكث في الإمامة أربعين عاماً، و دفن في قلعة «لامستر» بعد أنْ نصَّ علىٰ إمامة ولده محمد المهتدي.(1)


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 257-262.

الإمام الثالث: محمد المهتدي بن الإمام علي (500-552 ه)

ولد الإمام محمد بن علي بن الإمام نزار الملقب بالمهتدي سنة 500 ه في قلعة «لامستر»، و أصبح إماماً للإسماعيلية بعد وفاة أبيه الإمام علي الهادي سنة 530 ه.

كان أوّل عمل قام به أن نقل مقرّه إلىٰ قلعة ألموت، و وجه اهتمامه لبعث الجيش الإسماعيلي (الفدائية) من جديد، و تدريبه تدريباً كاملاً ليستطيع الدفاع عن القلاع و الحصون الإسماعيلية.

و قد وجه عنايته أيضاً لتنظيم الدعاة، و تلقينهم أُصول العقائد الإسماعيلية، و تدريبهم على المباحثة و المناقشة في الفلسفة، و الفقه الإسلامي و العقائد الإسلامية، كما أوجد بينهم نظام الشيفرة ليستعملوه في اتصالاتهم الداخلية و الخارجية فاستعملوا الأعداد للدلالة على الأحرف الأبجدية، و تعرضت الإسماعيليّة أيضاً لكثير من الهجمات الداخلية و الغزوات الخارجيّة.

و في سنة 552 ه توفي الإمام المهتدي و دفن في قلعة ألموت بعد أن نصَّ علىٰ إمامة ولده حسن.(1)


1) . المصدر السابق: 266.

الإمام الرابع: القاهر بقوة اللّٰه حسن بن محمد بن علي بن نزار (520-557 ه)

ولد سنة 520 ه في قلعة ألموت، و أصبح بعد وفاة أبيه 552 ه إماماً بموجب النص، و كان عمره آنذاك 28 سنة، و عين الداعي محمد كيابزرك آميد نائباً عنه و كبيراً لدعاته.

عمل الداعي بكل إخلاص و وزع الدعاة الأكفاء علىٰ جميع المناطق، و وجّه عناية خاصة للفرقة الفدائية، التي كانت تحتل المكان الأوّل في الجيش الإسماعيلي، و أنشأ مدرسة خاصّةً لتثقيف الفدائية و تدريبهم التدريب الكامل على استعمال الأسلحة، و تلقينهم أغلب اللغات المستعملة في ذلك الوقت.

توفي سنة 557 ه و دفن في قلعة ألموت بعد أن نصَّ علىٰ إمامة ولده الحسن علي.(1)


1) . المصدر نفسه: 272.

الإمام الخامس: الإمام الحسن علي بن الإمام حسن القاهر (539-561 ه)

ولد الإمام حسن علي بن الحسن بن محمد بن علي بن نزار سنة 539 ه، في قلعة ألموت، و تولّى الإمامة بعد وفاة أبيه سنة 557 ه.

و قام بتنظيم الدعوة الإسماعيليّة فوزّع الدعاة الأكفّاء على الأقاليم الخاضعة للنفوذ الإسماعيلي.

توفي في السادس من ربيع الأوّل سنة 561 و دفن في قلعة ألموت.(1)

الإمام السادس: الإمام أعلىٰ محمد بن الإمام الحسن علي (553-607 ه)

ولد الإمام أعلى محمد سنة 553 ه في قلعة ألموت، و تولّى الإمامة بعد وفاة أبيه سنة 561 ه، و هو في الثامنة من عمره.

و وجّه عناية خاصّة (للمناظرات العلمية) فخصّص يوماً واحداً من كلّ أُسبوع لإجراء المناظرات الفلسفية، و الفقهية بين الدعاة، يحضرها بنفسه ليحكم بين المتناظرين فيعلّيهم و يرقّيهم في مراتب الدعوة، حسب ما يظهروه من كفاءة


1) . المصدر نفسه: 275.

علميّة، و هذا ما ساعد الدعاة علىٰ تفهّم أُصول المذهب الإسماعيلي.

توفي الإمام أعلى محمد سنة 607 ه و دفن في قلعة ألموت بعد أن نصَّ على ولاية ابنه جلال الدين، و استمرت إمامته 46 سنة.(1)

الإمام السابع: الإمام جلال الدين حسن بن أعلىٰ محمد (582-618 ه)

ولد الإمام حسن بن أعلىٰ، الملقب بجلال الدين سنة 582 ه في قلعة ألموت، و أصبح إماماً بعد وفاة أبيه سنة 607 ه.

عمل على توثيق عُرى الصداقة بين الإسماعيلية و العالم الإسلامي، و لهذا لقّبوه ب «المسلم الجديد» كما أنّ علاقاته بالعباسيين زادت وثوقاً، و خاصّةً مع الخليفة الناصر لدين اللّٰه.

تنقل كثيراً في سوريا و العراق و آذربيجان، و أدّى فريضة الحج مع عائلته مرتين، تحالف مع جلال الدين خوارزمشاه، عند ما غزا چنگيزخان إيران، و ذلك انقاذ لمعاقله و لأتباعه. قتل بمؤامرة من النساء بالسّم سنة 618 ه، و خلّف ولداً هو محمد بن الحسن «علاء الدين».(2)


1) . المصدر نفسه: 277.

2) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 192؛ تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 284.

الإمام الثامن: علاء الدين محمد بن الحسن (608-653 ه)

ولد الإمام علاء الدين محمد بن الإمام جلال الدين سنة 608 ه في قلعة ألموت، و جلس علىٰ أريكة الإمامة الإسماعيليّة سنة 618 ه، و هو في العاشرة من عمره، و دامت إمامته 35 عاماً.

و من العجب أنّ المؤرّخ المعاصر مصطفى غالب ذكر سقوط مدينة بغداد في عصر هذا الإمام مع أنّ سقوط بغداد تم بعد تدمير قلاع الإسماعيليّة، لأنّ مسير التتر كان من قزوين ثمّ همدان ثمّ بغداد.

و توفي عام 653 ه و دفن في ألموت.(1)

الإمام التاسع: ركن الدين خورشاه بن الإمام علاء الدين (629-654 ه)

ولد الإمام ركن الدين خورشاه بن الإمام علاء الدين محمد سنة 629 ه في قلعة ألموت، و أصبح إماماً بعد وفاة أبيه سنة 653 ه، و أرسل هولاكو التتري جيشاً بقيادة بوكيان التتري لأطراف كوهستان لمحاربة الأمير ناصر الدين أمير


1) . تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 286.

تلك المقاطعة الذي كان يقيم في قلعة (سرخوست).

و أرسل جيشاً آخر لحصار بقية القلاع الإسماعيليّة، و لقد استمر ذلك الحصار مدّة ستة أشهر، نفدت بعدها مئونة الإسماعيليين، ففتحوا أبواب قلاعهم و اشتبكوا مع التتر في معارك قويّة طاحنة، قتل فيها اثنا عشر ألف إسماعيلي و ثلاثون ألف تترى، و احتلت الجيوش الغازية جميع القلاع الإسماعيليّة و دمّرتها عن بكرة أبيها فجعلتها قاعاً صفصفاً، و أُلقي القبض على الإمام ركن الدين خورشاه مع ولده الأصغر مظفر الدين، و ابن أخيه سيف الدين، و بعض دعاته، و أخذوهم إلى الخليفة في بغداد.

و في طريق العودة بينما كانت الجيوش التترية تعبر نهر (جيحون) توفي الإمام ركن الدين خورشاه و كانت وفاته سنة 654 ه، و دفن على ضفة ذلك النهر اليمني.

أمّا بقية الأسرىٰ فسلّموا لهولاكو الذي أمر بإعدامهم جميعاً، و التمثيل بجثثهم، و لم تستمر إمامة ركن الدين سوى عاماً واحداً، قضاه في الحروب و الحصار، و بانتهاء عهده ودّعت الأئمة الإسماعيلية بلادآلموت لتستقر في آذربيجان بعد أن دام حكمهم فيها ما يقارب 214 عام.(1)


إلىٰ هنا وقفت علىٰ أئمّة النزارية، من الإسماعيليّة و أمّا غيرهم من الأئمّة الباقية الذين تسلموا مسند الإمامة بعد تدمير قلاع ألموت فيحتاج إلى تأليف مفرد.

إنّ الكتب الإسماعيليّة التاريخية المخطوطة و المصادر الصوريّة القديمة، منذ عام 710 ه حتى سنة 1210 ه جاءت حافلة بذكر أُسرة مؤمن شاه وحدها،


1) . تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 289-290.

و بعد سنة 1210 ه انطفأ و خبا كلُّ نشاط علمىٍّ من جانب هذه الفرقة (المؤمنية) و قامت الاُسرة الثانية (القاسميّة) تحتل مركزها و تبرز على مسرح الإسماعيلية النزارية و بما أنّ الأُسرة الآغاخانية تزعّمت الإسماعيلية النزارية ما يربو عن القرنين، فلذلك خصصنا الفصل التالي لبيان حياة تلك الأُسرة.

إنّ الفرقة الإسماعيلية النزارية المؤمنية تقطن في عهدنا الحاضر في بلدتي «القدموس» و «مصياف» السوريتين و في بعض قرى سلمية و في سلمية نفسها، و أمّا الفرقة القاسمية النزارية الآغاخانية فتقطن في سلمية، و ما يتبعها من القرىٰ، و في نهر الخوابي قرب طرطوس، كما تقطن في إيران، و الهند، و باكستان، و بورما، و الصين، و إفريقية الشرقية، و الكونغو و مدغشقر و زنجبار و غيرها.(1)


1) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 170.

الفصل التاسع: في الأسرة الآغاخانية

اشارة

قد عرفت أنّ النزاريّة انقسمت إلىٰ طائفتين: «مؤمنيّة» و «قاسمية» و يطلق على «القاسمية» في الآونة الأخيرة « الآغاخانية» و اشتهروا في هذه الأعصار باللقب الأخير و أئمة هذه الأُسرة هم:

1 - حسن علي شاه.

2 - علي شاه.

3 - سلطان محمد شاه.

4 - كريم خان.

1 - حسن علي شاه: (1219-1298 ه)

ولد في بلدة محلاّت سنة 1219 ه و هو أوّل من لُقّب ب «آغا خان» كان معاصراً للشاه «محمد القاجاري» و في عهده قُتل الشاه القاجاري و جلس مكانه فتح علي شاه، و قد عامل الإسماعيليين معاملة طيبة، و زوّج حسن علي شاه من كريمته، و لكنَّ حياته لم تطل فمات، و استلم مكانه «علي محمد شاه».

فلاحظ أنّ مركز الإمام حسن علي شاه قد أصبح قويّاً و خطيراً، فاعتبره خطراً علىٰ شئون المملكة، و أمر بإبعاده عن إيران، فذهب إلى السند، و استقر بين أتباعه الكثيرين في كراتشي يُنظّم أُمورهم و يصلح أحوالهم، و يقرّب و جهات النظر بين ملوك السند و البريطانيين، و أخيراً انتقل إلى الهند.

و توفي سنة 1298 ه و دفن في محلة «مجكائون» أو «حسن آباد» عن أربعة أولاد، هم: آغا علي شاه، و آغا جهانگير شاه، و آغا جنگي شاه، و آغا جلال شاه،

و كان عليُّ هو وصيّه و وريث الإمامة.(1)

يقول المؤرّخ المعاصر مصطفى غالب: دخل الإمام حسن علي شاه مدينة «بومباي» و اسْتقبِل من قبل حاكم تلك المدينة و رجال السلك السياسي و ممثلي الدول و مختلف طبقات الشعب، و منحته المملكة البريطانية لقب صاحب السمو، و أرفع وسام للسلام في المملكة.(2)

و لعلّ مغادرته لإيران و إقامته في بومباي هيّأت له أرضية الاتصال بالبلاط البريطاني، و توثقت عُرى الصداقة بينهما عبر العصور، فلم تزل أئمة الطائفة بعده متهمين بالعمالة للبريطانيين.

2 - علي شاه: (1246-1302 ه)

ولد عام 1246 ه في بلدة محلاّت، و جلس علىٰ مسند الإمامة بعد وفاة أبيه سنة 1298 ه، و اشتهر ب «آغا خان الثاني» والدته هي كريمة فتح علي شاه القاجاري.

يذكر أنّه كان مولعاً بصيد الأُسود و الرماية، و قوة الساعد و الرجولة. تزوّج شمس الملوك ابنة ميرزا علي خان الإيرانية.

أنجب ثلاثة أولاد، هم: سلطان محمد شاه، و شهاب الدين شاه، و نور شاه، و وليُّ عهده هو السلطان محمد شاه آغا خان الثالث.

و في احتفال مهيب ضم آلاف الإسماعيليّة الذين قدموا لتقديم الزكاة و الخمس للإمام، أعلن الإمام علي شاه بأنّ نجله الأكبر سلطان محمد شاه قد أصبح وليّاً للعهد، و سيكون إماماً من بعده.


1) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 228.

2) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 336.

قدم إليه وفد من إسماعيليّة سوريا، و طلبوا من الإمام رفع مشاكلهم و أن يدفع إليهم السلطان العثماني مكاناً يقطنون فيه بعد أن ضاقت بهم معاقلهم، فقام الإمام بتنفيذ طلبهم و اتصل بالسلطان العثماني إلى أن أصدر السلطان أمره إلى والي دمشق ليسمح للإسماعيليّة بأن يختاروا مكاناً ليشيدوا فيه مساكن لهم، شريطة أن يعفوا من الضرائب و الجندية، تجمّع الإسماعيليون بزعامة الأمير إسماعيل، و ذهبوا باتجاه المنطقة الشرقيّة حتى وصلوا إلى سهول السلمية فقرروا أن يعيدوا تأسيس مدينة «السلمية» التاريخية، بعد أن دمّرتها الحروب.

توفي الإمام علي شاه سنة 1302 ه، و نقل جسده إلى مدينة كربلاء و دفن هناك.(1)

3 - سلطان محمد شاه «آغا خان الثالث»: (1294-1380 ه)

اشارة

ولد «محمد سلطان الحسيني» المعروف بآغا خان الثالث عام 1294 ه في محلة «شهر العسل» بكراتشي، و في الثامنة من عمره اجتمع به رجال الدعوة الإسماعيليّة في الهند و سلّموه شئون الإمامة باحتفال مهيب، و تزوّج في سن العشرين ابنة عمّه «شاه زاده» و زار الغرب لأوّل مرّة واصلاً إلى لندن، فمنح لقب «كوماندور» للامبراطورية الهندية. كما زار ألمانيا و فرنسا و إيران و تركيا و مناطق عديدة من العالم، و تزوّج عدّة مرّات، و ساهم بإنشاء جامعة عليكرة، و بإرسال بعثة إسلامية لتدريس الدين الإسلامي في اليابان.

و في حياته نقاط جديرة بالمطالعة، منها:

1 - يقول عارف تامر: و رأيته في القاهرة سنة 1956 م يقول لأتباعه الذين جاءوا لزيارته: علّموا أولادكم العلوم العمليّة، و أبعدوهم عن العلوم النظرية،


1) . الإمامة في الإسلام: 228-229؛ و تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 339-341.

فالعالم قادم على انقلاب خطير و تطور سريع في ميدان الاستنباط و الاختراع.(1)

أقول: ما ذا يقصد من العلوم النظرية؟ و هل تختص بالعلوم الدينية، أعني: الكلام و التفسير و الفقه، أو تشمل سائر العلوم الإنسانية الأُخرى كمعرفة النفس و علم الاجتماع و القانون؟ و علىٰ أيّة حال فإرشاداته لا اعتبار بها، و كان الأفضل أن يرشدهم بالقول: علّموا أولادكم الصناعات الحديثة و العلوم العمليّة إلى جانب سائر العلوم، يقول سبحانه: «وَ قٰالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ وَ اَلْإِيمٰانَ»(2)فإنّ تزويد البشر بالصناعات الحديثة دون الإيمان كتزويد المجنون بالسلاح، و الذي يكبح جماح البشر عن استخدامه لتلك الصناعات الحديثة من سبيل الشر، هو الإيمان باللّٰه، و الاعتقاد بالمبدإ و المعاد، التي تتكفل العلوم النظرية بيانه.

2 - يقول - للوفد الإسلامي الذي جاء يطالبه بالمساهمة ببناء كلية إسلامية في مدينة «منباسا» كينيا: إنّني لا أُساهم إلّا بإنشاء مدرسة صناعية كبرى لتعليم الصناعات المختلفة، و المهن الحرّة، فقد كفانا نوماً و ركضاً وراء الخيالات و الأحلام.(3)

أقول: ما ذا يريد بقوله: كفانا نوماً و ركضاً وراء الخيالات و الأحلام؟! فهل مقصوده أنّ العلوم الدينيّة هي منبع للخيالات و الأحلام؟! فحينئذٍ ستكون قيادته مبنيّة على الأوهام و الخيالات، فما أشبه كلامه بفعل من تسلّق الشجرة و أخذ يقطع ما تحته. بل إنّ كلامه هذا تفريغ واضح و صريح لحالة القداسة الدينية التي طالما حاول أن يظهر بها أمام المسلمين عامة و أتباعه بصورة خاصة.

3 - يقول المؤرّخ المعاصر مصطفى غالب: سمو آغا خان يملك قصوراً كثيرة في جميع أنحاء العالم، و طائرات حديثة من أفخر طراز، و عدداً كبيراً من


1) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 231.

2) . الروم: 56.

3) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 233.

أحدث اصطبلات الجياد في العالم، و يحتفظ بفصيلة جياد (هاراث) التي تملكها أُسرته منذ زمن بعيد، و منها ينتج أحسن خيول السباق المعروفة، و قد ربحت هذه الخيول أكبر الجوائز العالمية لسباق (دربي).

و الإمام آغا خان يُعد من أغنىٰ أغنياء العالم، إذ يُقدّر إيراده السنوي بمبلغ يتراوح بين 600 ألف و 10 ملايين دولار، و قد قُدّرت مجموعة الجواهر التي يملكها بمبلغ 200 مليون دولار.(1)

لا شكّ أنّ حياة البذخ التي عاشها الإمام آغا خان ليست نتيجة كد عمله و محصول جهده إنّما هي أموال شرعية باسم الزكاة و الخمس قدمتها إليه الطائفة الإسماعيليّة المتشكلة من الفلاحين و العمال و أصحاب المكاسب الحرّة، لا أنّها أموال شخصيّة للإمام، بل ملك لمنصب الإمامة يصرفها في المشاريع الخيرية، فأين حياة البذخ هذه ممّا كان عليه الإمام أمير المؤمنين ذلك الأُسوة الحسنة لعامة البشر و المسلمين خاصة حيث يكتب إلى عامله بالبصرة عثمان بن حنيف: «ألا و إنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به و يستضئ بنور علمه، ألا و إنّ إمامكم قد اكتفىٰ من دنياه بطمريه، و من طعمه بقرصيه، إلى أن يقول: و لعلّ بالحجاز و اليمامة من لا طمع له بالقرص، و لا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً و حولي بطون غرثى، و أكباد حرّى، أو أكون كما قال القائل:

و حسبك داء أن تبيت ببطنةٍ *** و حولك أكباد تحن إلى القد

أ أقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين، و لا أُشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أُسوة لهم في جشوبة العيش، فما خُلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمّمها».(2)


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 366.

2) . نهج البلاغة: قسم الرسائل، رقم 45، تعليق صبحي الصالح.

4 - يقول: و يجب أن لا يغرب عن بالكم، بأنّ هذه المشاريع لا يمكن أن تتحقق، و لا يكتب النجاح لهذه النهضة الإصلاحية إلّا إذا دفعت ضريبة العشر، و العشر هذا تضحية جزئية واجبة علىٰ كلّ إسماعيلي يعتقد ولايتنا و يخلص لنا.(1)

و يلاحظ عليه: بأنّ الفريضة مختلفة في الزكاة، و ليست مبعضة بالعشر كما هو واضح، لمن له أدنىٰ إلمام بالفقه الإسلامي من سنة و شيعة، كما أنّ الواجب في المعادن، و الركائز، و أرباح المكاسب، هو الخمس، لا العشر، فالتركيز على العشر، و حذف المعايير الأُخر إبطال للشريعة.

5 - و من نصائحه لأتباعه أنّه أمرهم بالزهد، و يقول: لا تسرفوا شيئاً على طقوس الأموات و الزواج، و ازهدوا في لذائذ الحياة الدنيا، و ادّخروا شيئاً من نفقاتكم الشهريّة، و ابتاعوا بها سندات شركات التأمين و أوراق الدولة المالية.(2)

إنّ هذه النصيحة ممزوجة بالحقّ و الباطل، فهو يأمرُ أتباعه بالزهد، بينما يعيش هو حياة البذخ و الإسراف، أ تقولون ما لا تفعلون؟!

6 - قال لزوجته الفرنسية في صباح اليوم الذي قرّر أن تتم به حفلة زواجهما:

ابنتي العزيزة!!...

أنت لا تجهلين و لا ريب بأنّي أميرٌ شرقي كبيرٌ و أعتقد بأنّك تجهلين بأنّ آلافاً و آلافاً من البشر يعتقدون بأنّ الإله متجسم فيَّ تقريباً.(3)

أقول: يبدو بأنّه إمّا يصحح عقيدة أتباعه في حقّه، أو يخطّئهم، فعلى الوجه الأوّل هو إله متجسِّم حسب عقيدته، و على الوجه الثاني مقصّر في إضفاء الشرعية علىٰ عقيدة قومه، و عدم تخطئتهم، و إرشادهم إلى الحقّ.


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 365.

2) . المصدر السابق: 368.

3) . المصدر السابق: 372.

الإمام يتعلّم على يد مأمومه

قال المؤرّخ الإسماعيلي المعاصر مصطفى غالب: و سموّه يجيد اللغات الشرقية و الغربية من الهندية و الفارسية و العربية و التركية، و الانكليزية و الفرنسية و الإيطالية و الألمانية، و غيرها من اللغات العديدة، كلُّ هذا بدون أن يدخل أيَّ مدرسة أو يتلقّىٰ علومه في أيّ معهد، و قد تلقّىٰ تعليمه الأوّل علىٰ أيدي والدته التي علّمته تعليماً صحيحاً، فجعلته يتقن اللغات الأُوروبية و العربية و الفارسية.(1)

و قال عارف تامر: و توفي والده علي شاه، و هو في الثامنة من عمره، فاجتمع به رجال الدعوة الإسماعيليّة في الهند، و سلّموه شئون الإمامة باحتفال مهيب. و كان هذا من الأسباب التي حفّزت والدته علىٰ مضاعفة السهر على حياته، و إحضار المربّين الاختصاصين، و الأساتذة الماهرين، عملوا على تدريسه اللغات الأجنبية و الفارسية و العربية.(2)

و هنا نقطة جديرة بالإمعان و هي أنّ الثابت في عقيدتهم أنّ الإمام منصوص لا يتلقّى العلم إلّا عن الغيب فعلمه لدني.

فلا أدري ما هذا الإمام. الذي يتلقّىٰ العلم عن مأمومه، و هل الإمام ذو العلم اللدني بحاجة إلى دخول المدارس البشرية، و تعلّم اللغات و العلوم و غير ذلك.

و في يوم الخميس الساعة الثانية ظهراً الحادي عشر من تموز سنة 1957 م الموافق (1377 ه) توفي الآغا خان في قصره بسويسرا، و نقل جثمانه جوّاً إلى أسوان بمصر. و دفن في المقبرة التي شرع بتشييدها على رأس ربوة الجبل الأصفر غرب مدينة أسوان في مصر.(3)


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 351.

2) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 234.

3) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 392.

و لما توفي آغا خان الثالث في سويسرا توجه زعماء الإسماعيلية من مختلف أنحاء العالم إلى مقر الآغا خان في قصر بركان، حيث حضروا فتح وصيّة الإمام الراحل التي كانت مودعة في بنك (لويدز) في بريطانيا.

و استناداً إلى هذه الوصية فقد تم إعلان إمامة كريم بن علي شاه الحسيني، و لُقّب بآغا خان الرابع.(1)

و من الطريف بالذكر هو أنّ الإمام آغا خان الثالث قد عهد بالإمامة لابنه الأمير على خان في حياته، يقول مصطفى غالب: أصبح الأمير علي خان وليّاً لعهد الإمامة الإسماعيليّة في التاسع و العشرين من تشرين الثاني عام 1927 ميلادية و جرت احتفالات عظيمة بهذه المناسبة، عمّت جميع البلدان الإسماعيليّة.(2)

و قد خاب أمل الأمير علي خان لما فُتحت وصيّة والده التي كانت مُودعة في بنك (لويدز) في بريطانيا و التي تنصُّ علىٰ إمامة حفيده كريم بن علي شاه الحسيني (آغا خان الرابع)، و لا أجد تفسيراً لها إلّا بنشوب الخلافات بينهما.

و ممّا جاء في وصيته التي أبطل بها إمامة ابنه:

و نظراً إلى الظروف التي تغيّرت تغيّراً أساسياً في العالم في السنوات الأخيرة، و نظراً للتغيّرات الكبرىٰ التي وقعت، و من بينها اكتشاف العلوم الذرية، فإنّي علىٰ يقين أنّ مصلحة الطائفة الإسماعيليّة تقتضي أن يخلفني شاب نشأ و ترعرع في السنوات الأخيرة وسط هذا العصر الحديث، و أن تكون له نظرةٌ جديدة للحياة عند تولّي زعامة الطائفة الإسماعيليّة، لذلك أختار حفيدي كريم خان، ليكون خليفة لي و زعيماً للطائفة من بعدي.(3)


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 402-403.

2) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 393.

3) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 402.

و قد توفي ولده علي خان المعزول في الخامس عشر من ذي القعدة سنة 1380 هجرية، بحادث اصطدام سيارته التي كان يقودها بنفسه، و دفن جثمانه موقتاً في قصره الخاص في نويللي بفرنسا، ريثما يتم نقله إلى مقرّه الأخير في سلَمية سوريا تنفيذاً لوصيته.

فالإمام الحاضر للإسماعيليّة هو كريم حفيد (آغا خان الثالث) لا ولده.

كريم بن علي بن محمد آغا خان الرابع

ولد سنة 1938 م في مدينة جنيف بسويسرا، والده هو الأمير علي خان الذي أُقصي عن مركز الإمامة بموجب وصية والده سلطان محمد شاه (آغا خان الثالث)، و أُمّه هي الأميرة البريطانية (جون بربارايولد) ابنة اللورد تشارستون، تلقّىٰ علومه الأوّلية في مدارس سويسرا، فأتقن الانكليزية و الفرنسية و الإسبانية، كما درس اللغة العربية، و بعد أن أكمل تحصيله في سويسرا انتسب إلىٰ جامعة (هارفرد الأميركية).

كان كثير التنقل و الأسفار، يمارس الرياضة الصعبة، و قد نجا مرتين من حادثتي اصطدام مروعتين، و يولي الشئون الاقتصادية و المالية اهتمامه، و يتجنّب الخوض ببحر السياسة. كما و يقوم بزيارة لإفريقية و سوريا و لبنان و إيران في العام، لتفقد شئون أتباعه و معالجة قضاياهم. و هو لا يزال حيّاً يرزق.(1)

هؤلاء أئمّة النزاريّة القاسمية الآغاخانية، و هم الفرقة المنحصرة باستمرار الإمامة في أولاد إسماعيل، وفق المذهب الإسماعيلي، فاللّٰه سبحانه يعلم هل تستمر الإمامة بعد رحيله أو تدخل في كهف الغيبة.


1) . الإمامة في الإسلام: 237؛ و تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 403.

الفصل العاشر: في الإسماعيلية و الأصول الخمسة

اشارة

الإسلام عقيدة و شريعة، و الإسماعيليّة كغيرها من المذاهب الإسلاميّة لها أُصول، و فروع، أمّا الفروع فلا يختلفون مع المسلمين في أُمهاتها، و كفى في الوقوف عليها ما كتبه القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي باسم «دعائم الإسلام». نعم، انفردوا في الاعتقاد بأنّ لكلِّ حكم فرعي ظاهراً و باطناً، و لهم مؤلفات خاصّة في تأويل الظواهر الفرعيّة، و قد ألّف القاضي المذكور كتاباً باسم «تأويل الدعائم» و سيمر عليك بعض تأويلاتهم في هذا المجال.

إنّما الكلام في عقائدهم و أُصولهم التي بنوا مذهبهم عليها، و العثور عليها أمر مشكل جدّاً و ذلك لوجوه:

الأوّل: الظنّة بكتبهم و التستر عليها و إخفائها و عدم جعلها تحت متناول أيدي الآخرين، و أن فرض عليهم الوضع الراهن كسر طوق التكتم، و إزاحة الستار عن بعض الكتب، و الفضل يعود إلى غيرهم، فلو كان الأمر بيد دعاتهم و علمائهم لما سمحوا بذلك، و لَما وصلت بأيدينا تلك الكتب.

الثاني: اتخاذ الفلسفة اليونانية عماداً و سنداً للمذهب، فأدخلوا فيه أشياء كثيرةً ممّا لا صلة لها بباب العقائد و الأُصول، و لا يضر الاعتقاد بها أو بعدمها، و لا يضرّه جهلها فالقول بالعقول العشرة، و الأفلاك التسعة و نفوسها، و أنّ الصادر الأوّل هو العقل إلى أن ينتهي الصدور إلى العقل العاشر، فروض فلسفيّة طُرحت لحل مشكلة (امتناع صدور الكثير عن الواحد)، و هذه المباحث على فرض صحتها تختص بذوي المواهب الكبيرة في مجال الفكر، فإدخالها في المذهب و الدعوة إليها، إلزام بلا ملزم.

الثالث: أنّ المذهب الإسماعيلي، لم يكن في بدء ظهوره مذهباً منسقاً، و إنّما تكامل حسب مرّ السنين، نتيجة احتكاك الدعاة مع أصحاب الفلسفة اليونانية، و حسب أذواقهم في مجال التأويل، و هذا أمر مسلّم بينهم، يقول الكاتب الإسماعيلي مصطفى غالب:

إنّ العقائد الإسماعيلية لا يمكن دراستها و بحثها علىٰ أنّها عقائد ثابتة لفرقة موحّدة، و ذلك أنّها عقائد تطورت حسب البيئات و الأزمان، و اختلفت باختلافها، و تشعّبت آراؤها و نظرياتها، حتى أصبح من الصعب أن تبلور هذه العقائد، أو أن تُصهر في بوتقة واحدة.(1)

و قد اعتمدنا من بين كتبهم العقائديّة على كتابين هما:

1 - «راحة العقل»: تأليف الداعي في عهد الحاكم، أعني: حميد الدين أحمد ابن عبد اللّٰه الكرماني، الملقّب بحجة العراقين، و كبير دعاة الإسماعيليّة في جزيرة العراق، و صاحب المؤلّفات العديدة في المذهب الإسماعيلي، ألّفه عام (411 ه)، و قد عاصر الفيلسوف الإسلامي الكبير ابن سينا (373-427 ه) و من المعلوم أنّ هذا العصر و ما قبله عصر ازدهار الفلسفة اليونانية، فقد قام المسلمون و غيرهم بترجمة تلك الفلسفة و شرحها و تحقيقها.

و قد وضع الداعي كتابه هذا على غرار ما أُثر من الفلسفة، و أدخل فيه شيئاً ممّا لا يمت إلى المذهب بصلة، فإنّ أكثر مباحثه مسائل فلسفية بحتة، أو طبيعية، لا ارتباط لها بصميم المذهب. و يتجلّى ذلك بوضوح حينما يقوم الداعي الكرماني في ترسيم عوالم الخلقة.

إنّ الكتاب لا ينقسم إلى أبواب أو مقالات، و لا تشتمل أبوابه أو مقالاته على فصول على نحو ما جرت به العادة في تقسيم الكتب، و إنّما ينقسم إلى أسوار،


1) . كنز الولد: 7، قسم المقدمة.

و يندرج تحت كلّ سور عدّة مشارع، هي من السور بمنزلة الأجزاء من البلد الذي يحيط به السور.

فكان مثل «راحة العقل» كمثل المدينة، و السور بمنزلة الأبواب، و المشارع بمنزلة الفصول، و لكن عدد الأسوار، التي يشتمل عليها الكتاب سبعة، يدخل في نطاق كلّ منها سبعة مشارع، فتكون عدد المشارع تسعة و أربعين مشرعاً.

و لكنّ تتمة لما ينطوي عليه منهجه في تقسيم الكتاب من معاني التأويل و المتقابلات قد زاد على هذه المشارع (التسعة و الأربعين) سبعة مشارع أُخرى.

و إنّما كانت الأسوار سبعة مقابلة بينها و بين السيارات السبع، و هي: زحل، و المشتري، و المريخ، و الشمس، و الزهرة، و عطارد، و القمر.

يقول الداعي: فجعلنا أسواره سبعة بإزاء السيارات منها المؤثرة في المواليد الجسمانية القائمة في الدين تأويلاً، حيال بيوت أنوار اللّٰه أصحاب الأدوار السبعة المؤثّرين في المواليد النفسانية. و جعلنا مشارع أسواره تسعة و أربعين مشرعاً، بإزاء محيط الأفلاك صغاراً و كباراً المحركة لما دونها من الأجسام.(1)

و قد طبع لأوّل مرّة بالقاهرة بتحقيق الدكتور محمد كامل حسين و الدكتور محمد مصطفى حلمي، و نشرته دار الفكر العربي بالقاهرة عام 1371 ه، و أُعيد طبعه ثانياً بتحقيق مصطفى غالب الذي هو من كتّاب الإسماعيلية نشره عام 1967 م.

2 - «تاج العقائد و معدن الفوائد»، تأليف الداعي الإسماعيلي اليمني المطلق، علي بن محمد الوليد (522-612 ه) حقّقه عارف تامر، و نشرته دار المشرق بيروت، و هذا الكتاب أسهل فهماً و أحسن تعبيراً في بيان عقائد الإسماعيلية.


1) . راحة العقل: 25، و لاحظ المقدمة: 10.

و نحن نعتمد على هذين الكتابين - مع البون الشاسع بينهما - في بيان الفوارق الموجودة بينهم و بين سائر الفرق، دون أن نذكر المشتركات، فانّ دراسة الجميع تؤدي إلى أن يطول بنا الكلام، و الهدف تسليط الضوء على عقائدهم عن كثب، و ربّما نعتمد على غير هذين الكتابين عند اقتضاء الحال.

الإسماعيلية و الأُصول الخمسة:

(1) عقيدتهم في التوحيد

1 - عقيدتهم في توحيده سبحانه، أنّه واحد لا مثل له و لا ضد:

يقول الكرماني في المشرع الخامس: إنّه تعالى لا ضد له و لا مثل(1)، ثمّ يستدل عليه.

و يقول علي بن محمد الوليد (الداعي الإسماعيلي اليمني): إنّه تعالى واحد لا من عدد، و لا يُعتقد فيه كثرة، أو ازدواج أشكال المخلوقات، و اختلاف البسائط و المركبات(2)ثمّ يستدل عليه.

و يقول أحد الدعاة الإسماعيلية في قصيدة له في العقائد:

الحمد للّٰه القديم الأزلي *** المبدع العالي معلِّ العلل

باري البرايا الدائم الفرد الصمد *** و الجاعل الواحد أصلاً للعدد(3)


1) . راحة العقل: 47.

2) . علي بن محمد الوليد: تاج العقائد و معدن الفوائد: 21.

3) . القصيدة الشافية: 1

2 - انّه سبحانه ليس أيسا:

إنّ الأيس بمعنى الوجود، و لعلّ أوّل من استعمله هو الفيلسوف الكندي، و قد اشتهر في الفلسفة الإسلاميّة أنّ الممكن من ذاته أن يكون ليس، و من علّته أن يكون أيس، و إن كانت هذه الكلمة في التعبير عن مكانة الممكن تعبيراً غير دقيق، لأنّ معناه، أنّ الممكن من ذاته يقتضي العدمَ، و هذه علامة الممتنع لا الممكن، فالممكن لا يقتضي من صميم ذاته أحدَ الشيئين، الأيس و الليس.

و على كلّ تقدير فهؤلاء يستنكرون وصفه سبحانه بالأيس، المرادف للوجود.

و قد استدل عليه الداعي الكرماني بوجه مبسّط نأخذ منه ماله صلة بصميم الموضوع، و حاصل ما ذكره يرجع إلى أمرين:

الأوّل: لمّا كان الأيس - في كونه آيساً - محتاجاً إلى ما يستند إليه في الوجود، و كان هو - عزّ كبرياؤه - متعالياً عن الحاجة فيما هو هو إلى غير، به يتعلق، ما به هو هو، كان من ذلك الحكم، بأنّه تعالى خارج عن أن يكون آيساً، لتعلّق كون الأيس آيساً بالذي يتأوّل عليه الذي جعله آيساً، و استحالة الأمر في أن يكون هو تعالى آيساً، و لا هو يحتاج فيما هو هو إلى غير به هو هو، فيستند إليه، تكبّر عن ذلك و تعزّز و تعالى علوّاً كبيراً.

فإذا كان هو عزّ و علا غير محتاج فيما هو هو إلى غير، به يتعلّق، ما به هو هو، فمحال كونه أيسا.

و حاصل هذا الوجه مع تعقيده في التعبير، يرجع إلى أمر واضح، و هو أنّه لو كان موصوفاً بالوجود، فبما أنّ الصفة غير الموصوف، يحتاج في وصفه به إلى الغير، و هو تعالى غني عمّا سواه.

و لو كان ما جاء به الكرماني مذهباً للإسماعيليّة فهو يُعرب عن عدم نضوج الفلسفة اليونانية في أوساطهم، فهؤلاء يتصوّرون أنّ الوجود أمر عارض على

الواجب، فيبحثون عن مسبب العروض، مع أنّه إذا كان ماهيته انيّته، و كان تقدّست أسماؤه عين الوجود، فالاستدلال ساقط من رأسه، و المسألة مطروحة في الفلسفة الإسلامية على وجه مبسط، و في ذلك الصدد يقول الحكيم السبزواري:

و الحقّ ماهيّته إنِّيَّته *** إذ مقتضى العروض معلوليّته

فمن أراد التفصيل فليرجع إلى المصدرين في الهامش.(1)

الثاني: أنّ اللّٰه تعالى إن كان آيساً، فلا يخلو أن يكون إمّا جوهراً، و إمّا عرضاً.

فإن كان جوهراً، فلا يخلو أن يكون إمّا جسماً أو لا جسماً (المجرد).

فإن كان جسماً، فانقسام ذاته إلى ما به وجودها، يقتضي وجود ما يتقدم عليه بكون كلّ متكثر مسبوقاً متأوّلاً عليه، و هو يتعالى بسبحانيّته عن أن يتأوّل عليه غيره.

و إن كان لا جسماً، فلا يخلو أن يكون إمّا قائماً بالقوة مثل الأنفس، أو قائماً بالفعل مثل العقول.

فإن كان قائماً بالقوّة، فحاجته إلى ما به يخرج إلى الفعل تقتضي ما يتقدّم عليه، و هو يتعالى عن ذلك.

و إن كان قائماً بالفعل، فلا يخلو من أن يكون إمّا فاعلاً في ذاته من غير حاجة إلى غيرٍ به يتم فعله، أو فاعلاً في غيرٍ به يتم فعله.

فإن كان فاعلاً في غير به يتم فعله، فلنقصانه في فعله و حاجته إلى ما يتم به فعله، تقتضي ما يتأوّل عليه، و هو يتعالى عن ذلك.

و إن كان فاعلاً في ذاته، من غير حاجة إلى غيرٍ به يتم فعله، فلاستيعاب ذاته النسب المختلفة بكثرة المعاني المتغايرة، بكونه في ذاته فاعلاً و مفعولاً بذاته،


1) . راجع الأسفار لصدر المتألهين: 96/1، باب في أنّ الحق تعالى إنيّة صرفة؛ و شرح المنظومة للحكيم السبزواري: 96/2.

يقتضي ما عنه وجوده الذي لا تكون فيه كثرة و لا قلّة بهذه النسب، و هو يتعالى عن ذلك.

و إن كان عَرضاً، و كان وجودُ العرض مستنداً إلى وجود ما يتقدم عليه من الجوهر، الذي به وجوده، و هو يتعالى و يتكبر عن أن تتعلّق هويته بما يتأوّل عليه، بطل أن يكون عرضاً.(1)

و حاصل هذا الوجه أنّ كونه سبحانه موصوفاً بالأيس، لا يخلو من صور أربع:

أ: أن يكون جوهراً جسمانياً.

ب: أن يكون عرضاً.

ج: أن يكون جوهراً مجرداً، قائماً بالقوّة، مثل الأنفس.

د: أن يكون جوهراً مجرداً قائماً بالفعل، مثل العقول.

الصورة الأُولى: تستلزم أن يكون مؤلّفاً من أجزاء، و الأجزاء متقدّمة على الكُلّ، فيكون محتاجاً إلى غيره.

و مثلها الصورة الثانية: لحاجة العرض إلى وجود موضوع متقدم عليه.

و مثلها الثالثة: لأنّه إذا كان قائماً بالقوّة، فيحتاج إلى من يخرجه إلى الفعل، و أن يكون المخرج متقدّماً عليه، و هو سبحانه غني.

و أمّا الصورة الرابعة: فقد فصّل فيها الكلام و لها شقان:

الأوّل: أن يكون فاعلاً في ذاته، من غير حاجة إلى غير به يتم فعله، فهذا يستلزم اجتماع النسب المختلفة في ذاته.

الثاني: أن يكون فاعلاً في غيرٍ به يتم فعله، فهو يستلزم حاجته إلى ما يتمُّ به فعله، و هو غني على الإطلاق.


1) . راحة العقل: 39-40.

و الاستدلال مبني على أنّه صوّر للواجب ماهيّة بين كونها جوهراً أو عرضاً، و الجوهر جسماني أو نفساني، أو عقلائي، و الفروض كلّها باطلة، لأنّ القائل بكونه وجوداً، و أيسا، يقول: هو و الوجود متساويان؛ الواجب \الوجود.

و لا يذهب عليك أنّ الفرض الرابع، و هو كونه موجوداً بالفعل مردداً بين كونه فاعلاً في ذاته، أو فاعلاً في غير، لا يخلو عن تعقيد و غموض.

ثمّ إنّ الداعي ذكرَ وجهاً ثالثاً لعدم كونه سبحانه آيساً، ليس له قيمة تذكر، فمن أراد فليرجع إليه.(1)

3 - في نفي التسمية عنه:

يقول الداعي الإسماعيلي علي بن محمد الوليد: إنّ وضع التسمية عليه محال، إذ كانت التسمية إنَّما جعلت وسماً يوسم بها المخلوقات، ليكون الخلق بها فصولاً فصولاً، يتميّز بها كلّ صورة عن الصورة الأُخرى، حتى ينحفظ كلّ صنف منها، و يمكن للعقل الحكاية عنها إذا دعت الحاجة إليها، فيكون بذلك ظهور أشكال العالم في أيّ تسمية وسم بها، و هو متعال، ليس له صورة نفسانية، و لا عقلية، و لا طبيعيّة، و لا صناعيّة، بل يتعالى بعظيم شأنه، و قوّة سلطانه عن أن يوسم بما يوسم به أسباب خلقته، و فنون بريته، و قد اتفقت فحول العلماء على أنّه تعالى لم يزل و لا شيء معه، لا جوهراً و لا عرضاً.(2)

و لا يذهب عليك، أنّ عنوان البحث غير منطبق على ما جاء فيه، فلو كان العنوان من جانب المؤلّف، و إلّا فالعنوان يهدف إلى شيء، و ما ورد فيه إلى شيء آخر، فإنّ تسمية اللّٰه سبحانه أمر اتّفق عليه كافّة أهل التوحيد، و مراده هو نفي


1) . راحة العقل: 40.

2) . علي بن محمد الوليد: تاج العقائد و معدن الفوائد: 26.

الماهيّة، كالجوهرية و العرضية.

كما أنّ مراده في بحث آخر في الكتاب، تحت عنوان «في نفي الحدّ عنه» هو نفي كونه متناهياً.

4 - نفي الصفات عنه:

إنّ نفي الصفات عنه سبحانه، مما اشتهر عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبه، و عنه أخذت المعتزلة، قال عليه السّلام:

«أوّل الدين معرفته، و كمال معرفته التصديق به، و كمال التصديق به توحيده، و كمال توحيده الإخلاص له، و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، بشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، و شهادة كلِّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف اللّٰه سبحانه فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه، و من ثنّاه فقد جزّأه، و من جزّأه فقد جهله، و من جهله فقد أشار إليه، و من أشار إليه فقد حدّه، و من حدّه فقد عده، و من قال: «فيم» فقد ضمّنه، و من قال: «عَلامَ؟» فقد أخلى منه».(1)

و قد ذهبت الإماميّة، و قسم من المعتزلة، تبعاً للأدلة العقليّة، التي أشار إليها الإمام في كلامه، بأنّ المرادَ نفي الصفات الزائدة عليه، لا نفي الصفات على الإطلاق، فاللّٰه سبحانه علمٌ كلّه، قدرة كلّه، حياة كلّه، و هكذا، لا أنّه شيء، و علمه شيء آخر؛ خلافاً للأشاعرة، فقد ذهبوا إلىٰ زيادة الصفات على الذات مع كونها قديمة، فأورد عليهم باستلزامه القول بالقدماء الثمانية.

و لكن الإسماعيليّة ذهبت إلى نفي الصفات عنه على الإطلاق، و اكتفت في مقام معرفته سبحانه بالقول بهويته و ذاته دون وصفه بصفات، حتى الصفات الجماليّة و الكماليّة، و لهذا نرى أنّ الداعي الكرماني يعترض على المعتزلة الذين قالوا


1) . نهج البلاغة: الخطبة الأُولى.

بنفي الصفات قائلاً:

إنّ المتأمّل المنصف، إذا فحص عن ذلك بفكره، علم أنّ كلاً من المخالفين قد زيّن مذهبه، بأن عمد في توحيده لمعبوده ما عمدناه، و قصد ما قصدناه، في استعمال حرف (لا) في نفي(1)ما يستحق الغير عن اللّٰه تعالى، خاصّة المعتزلة الذين صدّروا كتبهم، و زيّنوها بقولهم في أُصول مذهبهم: بأنّ اللّٰه تعالى لا يوصف بصفات المخلوقين... و هذا من قولهم، هو أصل مذهبنا، و عليه قاعدة دعوتنا، بأنّنا لا نقول على اللّٰه تعالى، ما يقال على المخلوقين، و هو المعتمد في توحيد معبودنا، و المقصود في أنحاء كلامنا، لكن المعتزلة قالوا بأفواههم قول الموحدين، و اعتقدوا بأفئدتهم اعتقاد الملحدين، بنقضهم قولهم أوّلاً بأنّ اللّٰه لا يوصف بصفات المخلوقين، بإطلاقهم على اللّٰه سبحانه و تعالى ما يستحقه غير اللّٰه تعالى، من الصفات من القول بأنّه حيٌّ قادرٌ، عالمٌ، و سائر الصفات، نعوذ باللّٰه.(2)

و يقول علي بن محمد الوليد: إنّ نفي الصفات عنه معتقد صحيح، لا يسوغ تركه، لأنّ الصفات تلحق الجوهر، إمّا في الأجسام و إمّا في النفوس، و يكون في الأجسام كيفيات من خارجها، كالأقدار، و الألوان، و ما يجري مجراها، و في النفوس كيفيات من داخلها، كالعلم، و الجهل، و ما يجري هذا المجرى، و هو يتعالى عن أن يكون له داخل أو خارج.

و ممّا تقرر عند كل ذي عقل أنّ الصفات تلحق الموصوف من غيره، لا من ذاته، أ لا ترى أنّ صفات الأجسام التي هي لها، تأتي من خارجها كالأقدار و الألوان، و ما يجري مجراها، و في النفوس كيفيات من داخلها، كالعلم، و الجهل و ما يجري هذا المجرى، و هو يتعالى أن يكون له داخلاً أو خارجاً، و مما تقرر عند كلّ ذي عقل أنّ الصفات تلحق الموصوف من غيره لا من ذاته.(3)


1) . و في المصدر (النفي)؛ راحة العقل: 52.

2) . راحة العقل: 52-53.

3) . علي بن محمد الوليد: تاج العقائد و معدن الفوائد: 27.

5 - الصّادر الأوّل هو الموصوف بالصفات العليا:

لمّا ذهبت الإسماعيليّة إلى نفي الصفات عنه سبحانه، مع أنّ الكتاب و السنّة مليئان بهما، لم يكن لهم بُد من إرجاع تلك الصفات إلى المبدع الأوّل، الذي هو الموجود الأوّل، و إليه تنتهي الموجودات، و هو الصادر عنه سبحانه بالإبداع، لا بالفيض و الإشراق، كما عليه إخوان الصفا.(1)

قال الداعي علي بن محمد الوليد: إنّ الباري تعالى و تقدّس لمّا تعاظم عن أن يُنال بصفة توجد في الموجودات، لقصور الموجودات عن وصفه بما تستحقه الإلهيّة، جعل موجوداً أوّلاً تتعلّق الصفات به، عطفاً و رحمةً و منّة على عقول عباده أن تهلك و تضل، إذا لم تستند إلى ما تقف عنده، فتوقع الصفات عليه، فجعل للعالم مبدأ مبدعاً، و هو الأوّل في الوجود من مراتب الموجودات، و كان المبدع حق لوجوده عن المتعالى سبحانه، غاية تنتهي إليها الموجودات.

ثمّ إنّه أفاض الكلام في صفاته، و عرّفه بكونه: موجوداً حقاً واحداً، تامّاً، باقياً، عاقلاً، عالماً، قادراً، حيّاً، فاعلاً.

ثمّ قال: الحياة ذات جامعة لهذه الأُمور و بها هي فاعلة.(2)

و قال الداعي الكرماني في هذا الصدد:

«فالإبداع هو الحقّ و الحقيقة، و هو الوجود الأوّل، و هو الموجود الأوّل، و هو الوحدة، و هو الواحد، و هو الأزل، و هو الأزلي، و هو العقل الأوّل، و هو المعقول الأوّل، و هو العلم، و هو العالم الأوّل، و هو القدرة، و هو القادر الأوّل، و هو الحياة، و هو الحيّ الأوّل، ذات واحدة، تلحقها هذه الصفات، يستحق بعضها لذاته، و بعضها بإضافةٍ إلى غيره، من غير أن تكون هناك كثرة بالذات.


1) . رسائل اخوان الصفا: 189/3، طبعة بيروت.

2) . علي بن محمد الوليد: تاج العقائد و معدن الفوائد: 40-41.

إلى أن قال: و هذه الأُمور وجودها له ضروري، لكونه أوّلاً في الوجود الواجب، احتوائه على أشرف الكمالات و أشرف الموجودات.

إلى أن يقول: و جوهر هذا الإبداع جوهر الحياة، و عينه عين الحياة، و الحياة متقدمة على سائر هذه الصفات، و لذلك قدَّم اللّٰه تعالى عند وصفه سمة الحياة في قوله تعالى: «اَللّٰهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ»(1)فهو متوحّد من جهة كونه إبداعاً و شيئاً واحداً، و متكثّر من جهة الموجود فيه من الصفات، على ما بيّناه.(2)

أقول: إنّ المبدع الأوّل حسب ما يذكرونه هو الإله الثاني، غير أنّه يفارقه بأنّه المبدَع بإبداعه سبحانه، و بذلك يفترق عن إله العالمين.

و أعجب منه أنّ الكرماني يصفه بأنّه أزليٌّ، و لعلَّ المراد أنّه قديم زماناً و حادثاً ذاتاً.

على أنّ هذا الكلام باطلٌ من أصله، و ذلك: لإمكان وصفه سبحانه بالأوصاف الجماليّة، و الكماليّة، من دون أن يطرأ على ذاته وصمة النقص، و ذلك بحذف المبادئ، و الأخذ بالغايات، فهو سبحانه علم، لا بما أنّه كيف، بل بما هو وجود بحت، و أنّ الوصف ربَّما يكون له من الكمال على حدٍّ يكون قائماً بذاته لا طارئاً على الذات، و ما يلاحظ من المباينة بين الوصف و الموصوف، فإنّما هو من خصوصيات المورد أيْ الممكنات، و لا يجب أن يكون كلّ وصف كذلك.


1) . البقرة: 255.

2) . راحة العقل: 83، طبعة القاهرة.

الإسماعيلية و الأُصول الخمسة

(2) عقيدتهم في العدل

اشارة

قد تعرّفت في البحث السابق على أنّهم لا يصفونه سبحانه بوصف، و يعتقدون أنّه فوق الوصف، و أنّ غاية التوحيد نفي الوصف، و إثبات الهوية، و لهذا لا تجد عنواناً لهذا الفصل في كتبهم حسب ما وصل بأيدينا، و لكن يمكن استكشاف عقيدتهم في عدله سبحانه من خلال دراستهم لفعل الإنسان، و هل هو إنسان مسيّر أو مخيّر؟

1 - الإنسان مخيّر لا مسيّر

يقول الداعي علي بن محمد الوليد: الإنسان مجبور في حال تركيبه، و رزقه، و مدّته، و حركات طبائعه، و الكيان بنشوئه، و ما يحدث عليه مقهور عليه مغيّب عن إدراكه و عيانه، ليكون مفتقراً بالدعاء و التضرّع إلى خالقه، إذ لو كشف له لفسد حاله. و مخيّر غير مجبور فيما يعتقد لنفسه، من علومه، و صناعته، و مذاهبه، و معتقداته.

إلى أن قال: و لو لا ذلك لما كانت لها منفعة بإرسال الرسل، و قبول العلم، و تلقي الفوائد و الانصياع لأوامر اللّٰه تعالى، إذ لو كانت مجبورة لاستغنت عن كلّ شيء تستفيده.

ثمّ استدلّ بآيات منها قوله تعالى: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلاّٰ مٰا سَعىٰ * وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرىٰ»(1)إلى غير ذلك من الآيات.(2)


1) . النجم: 39-40.

2) . تاج العقائد: 166-168.

2 - القضاء و القدر لا يسلبان الاختيار

إنّ القضاء و القدر من العقائد الإسلاميّة التي لا محيص لمسلم عن الاعتقاد بهما، غير أنّ البحث فيهما ينصّب على نكتة مهمة و هي هل أنّهما يسلبان الاختيار أو لا؟

فالظاهر من أهل السنّة، إلّا مَنْ شذَّ، تفسيرهما على وجه يسلبان الاختيار، على خلاف ما ذهبت إليه العدليّة.

و الإسماعيليّة تُثبت القضاء و القدر حقيقةً لا مجازاً، و لكنها تنفي كونهما سالبين للاختيار.

يقول الداعي علي بن محمد الوليد: القضاء و القدر حقيقة لا مجاز، و لهما في الخلق أحوال على ما رتب الفاعل سبحانه، من غير جبر يلزم النفوس الآدمية الدخول إلى النار أو الجنة.

إلى أن قال: إذ لو كان كذلك لذهبت النبوات و الأوامر المسطورات في الكتب المنزّلة، في ذم قوم على ما اقترفوه، و مدح قوم على ما فعلوه.

ثمّ إنّه فسّر القضاء بمعنى الفراغ، و الأمر، و الخبر، و الفعل، و الوصيّة، و أرجع الجميع إلى معنى الفراغ.

و أمّا القدر: فقد فسّره بأنّه من المقدار، و التقدير، و الترتيب، ثمّ جعل له تفاسير ثمانية، و من أراد فليرجع إليه.(1)

و قد نقل في آخر الفصل رسالة الحسن البصري إلى الحسين بن علي عليهما السّلام يسأله عن القضاء و القدر، كما نقل جواب الإمام إليه، و قد جاءت هذه الرسالة أيضاً في كتاب «تحف العقول» للحلبي الحراني مع اختلاف يسير.


1) . تاج العقائد: 179.

الإسماعيلية و الأُصول الخمسة

(3) عقيدتهم في النبوة:

1 - النبوّة أعلى درجات البشر

النبوّة: عبارة عن ارتقاء النفس إلى مرتبة تصلح لأن يتحمل الوحي.

يقول الداعي علي بن محمد الوليد: إنّ الرسول الحائز لرتبة الرسالة، لا ينبغي أن يكون كمالاً يفوق كماله و لا علماً يخرج عن علمه، و أنّه الذي به تكون سعادة أهل الدور من أوّله إلى آخره، و أنّ السعادة الفلكيّة، و الأشخاص العاليّة، و المؤثرات، خدم له في زمانه.

و الوجود مكشوف له، و بين يديه، فنظره ثاقب، و إحاطته كلّية، و حدود أوضاعه مبرّأة من النقص، و جميع ما يأتي به محرر، لا يحتاج إلى زيادة، و أقواله لا تردّ، و لا يوجد فيما ينطق به خلل، و جوهره المقدّس نهاية في الشرف، و أنّ القوة الملكية عليه أغلب و حواسه خادمة لنفسه، و عقله لا ينظر إلّا إلى أوامر اللّٰه تعالى خالقه، و أنّه في نهاية من المنازل من مولودات العالم في حسنه.(1)

2 - الرسالة الخاصة و العامة

إنّ الرسالة على ضربين: خاصّة، و عامّة.


1) . تاج العقائد: 57-58.

فالرسالة العامّة شاملة طبعاً، و عقلاً، و لو لا الرسالة الأُولى العامّة، لن تُقبل الرسالة الخاصّة، و ذلك لأنّه تعالى خلق الصورة الآدميّة، و أكمل منافعها، و سوّاها على أحسنِ هيئة، و وضع فيها العقل الغريزي، الذي إليه ترجع أحوال الصورة لنيل منافعها، فهو الرسول الأوّل المُعدُّ لقبول أمر الرسول الثاني، الخاص لمنافع النفس في الآخرة، مثلما كان الأوّل لمنافع الدنيا، و على الأوّل يعول في الاغتذاء، و طلب المصالح بغير ثواب و لا عقاب، إذ هو أمرٌ بديهي لمنافع الصورة، و على الثاني يكون الحساب و العقاب، إذ هو أمرٌ ربّانيّ، يدعو إلى دار غير دار الطبيعة.

إلى أن قال:

فإذا أظهر الرسول الرسالة، كانت الفضيلة على المستضيء المنتفع بها، و ذلك القادح هو الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم إلى الخلق و حجّته على أهل زمانه، و هو لسانه فيهم، و ترجمانه في العالم السفلي بأسره، و المتبحّر أبداً في الحكمة.(1)

أقول: إنّ تسمية العقل الإنسانيّ بالرسول لا يخلو من شيء، و الأولى تسميته بالحُجّة الباطنة، في مقابل الحجّة الظاهرة، الذي هو النبي.

3 - الوحي

إنّ الوحي: إلهام خاص بالأنبياء و المرسلين، إذا كانت لغاية التشريع، و تبيين الوظائف لمن بعثوا إليهم، و له طرق ثلاثة، جاء في الذكر الحكيم، قال سبحانه:

«وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللّٰهُ إِلاّٰ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مٰا يَشٰاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ».(2)


1) . تاج العقائد: 48-50.

2) . الشورى: 51.

و أمّا الوحي عند الإسماعيليّة، فيقول الداعي علي بن محمد الوليد: إنّ الوحي: هو ما قبلته نفس الرسول من العقل، و قبله العقل من أمر باريه، و لم يخالفه علم تألفه النفس الناطقة، بقواها، ثمّ تتأمّل منه النفس ما ليس لها استنباطاً بذاتها، و لا تستخرجه بفكرها، و تكون فيه غاية لسداد قصدها، و مصلحة لجميع أمرها.

إلى أن قال: و الفرق بين الوحي و غيره من سائر العلوم، أنّ الوحيَ يرد على من يوحىٰ إليه مفروغاً منه، قد استغنى عن الزيادة فيه و النقصان منه، كما يقع الصحيح للمستمع من المتكلم، وصفه و معناه خارجين عن قدرة من جاء به، و ليس كذلك العلوم، لأنّها تكون بالمقايسة، و كثرة الذّوبِ فيها، و إعمال الفكر و الرّويّة و التأليف و التحرير.(1)

ثمّ للداعي الكرماني كلام مفصّلٌ في الوحي لا يخلو من تعقيد. أعرضنا عن نقله.(2)

4 - في أنّ الأنبياء لا يولدون من سِفاح

يقول علي بن محمد الوليد: إنّ الأنبياء و الأئمّة عليهم السّلام لا يلدهم الكفّار، و لا يولدون من سِفاح، ثمّ استدلَّ ببعض الآيات، و ما جاء في التاريخ في حقّ عبد المطلب و أبي طالب.(3)

5 - في صفات الأنبياء

يقول الداعي الكرماني: المؤيد المبعوث مجمع الفضائل الطبيعيّة، التي هي


1) . تاج العقائد: 47-48.

2) . راجع راحة العقل: 409-410.

3) . تاج العقائد: 51.

أسبابٌ في نيل السعادة الأبديّة، و هو فيها على أمر يكون به على النهاية في جميعها، من جودة الفهم و التصوّر لما يشار إليه و يومأ، و من جَودة الحفظ لما يراه الخاطر و العين على تباينه، و يدركه السمع من الصوت على اختلافه، و من جودة الفِطنة و الذكاء و التوقّد فيهما، و من جودة الذكر، و من جودة الأعضاء و سلامتها، و القدرة على التأنّي بمعاناة أُمور الحرب و مباشرتها و الصبر عليها، و من جودة الفطرة و الطبع، و من جودة النحيزة (الخير) في السلامة و الانقياد لكلّ خير، فيكون خالياً من الرذائل، التي هي الشره و الطمع و الرغبة في المأكول و المشروب و المنكوح زيادة على الحاجة، و اللعب و اللهو، و عاطلاً في الجملة، من الأُمور التي تعوق على النفس سعادتها.

و يكون عظيم النفس كريماً، محبّاً للعدل، مبغضاً للظلم و الجور، مؤثراً لما يعود على النفس منفعته من العبادة، مقداماً في الأُمور، جسوراً عليها، لا يروعه أمر في جنب ما يراه صواباً بجوهره.(1)

6 - الرسول الناطق

الرسول الناطق، هو الأصل الذي يصدر عنه الدين بما فيه من علم و عمل، و بمن فيه من أئمة يدعون إلى التحقّق بكمال العلم عن طريق العبادة الظاهرة.(2)

و في الحقيقة، الرسولُ الناطق عندهم، عبارة عن أُولي العزم من الرُّسل، غير أنّهم يعدون آدم منهم، و المشهور عند سائر المسلمين أنّه ليس منهم، و يضيفون إليهم محمد بن إسماعيل باسم القائم؛ و إليك أسماءهم: آدم، نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد، القائم.


1) . راحة العقل: 421-422.

2) . مصطفى غالب: في مقدمة كتاب الينابيع: 17.

و كلّ واحد منهم رسول ناطق، يتقدّمه إمام مقيم و يتلوه الأئمة الأساس - المتم - المستقر - المستودع - و هم يتعاملون مع القائم الذي يبتدأ به الدور، أعني: محمد بن إسماعيل، معاملة الرسول الناطق، و لا يشترط أن يكون في كلّ دور إمامٌ مستودعٌ، فإنّه إنّما يتسلّم شئون الإمامة في الظروف الاستثنائية، و كأنّه ينوب عن الإمام المستقر كما سيتضح معنى ذلك.

و لا يخفى أنّ في صميم العقائد الإسماعيليّة تناقضاً و تعارضاً، فمن جانب نراهم يصرّحون بخاتميّة النبوة و الرسالة، و أنّ القرآن حجّة خالدةً إلى يوم القيامة، و أنّه لا ينسخ القرآن إلّا بالقرآن.(1)

و مع ذلك فمحمد بن إسماعيل، المعبّر عنه بالقائم عندهم من النطقاء(2)، و لأجل إيضاح ذلك سوف نبحث عن عقيدتهم في الإمامة إن شاء اللّٰه.

7 - في المعجزات التي يأتي بها الرسل

قال علي بن محمد الوليد: إنّ المعجزات التي ترد وقت إظهار الشرائع من الرسول حقيقية، و إنّها على ثلاثة أقسام:

الأوّل: خرق العادة في تكوين العالم بظهور ما يعجز العقل عن وجوده من الأُمور الطبيعية، من ردّ ما في الطبيعة عن قانونه المعهود لقهر العقول، و دخولها تحت أمر المعقولات، و من أجله يعلم أنّه متصل بالفاعل، الذي لا يتعذّر عليه متى أراد، إذ كلّما في العالم لا يتحرك إلّا بمادته و تدبيره.

الثاني: ما يأتي به الشخص المبعوث من النطق المنسوب إلى من أظهر له المعجزات، و أعجز كافّة أهل الدور عن الإتيان بمثله.


1) . تاج العقائد: 98.

2) . و قد مرّ كلامهم في ذلك ص 92. و ما علقنا عليه فلاحظ.

الثالث: جميع الفضائل الموجودة في أشخاص العالم فيه حتى لا يوجد فوق كماله كمال في وقته.(1)

أقول: إنّ القسم الثاني الذي يريد به القرآن الكريم داخل تحت القسم الأوّل، فلا وجه لعدّه قسماً ثانياً.

و القسم الثالث: كمالات النبي، و لا تعدّ معجزة.

8 - في أنّ الرسول الخاتم أفضل الرّسل

يُفضَّلُ رسول اللّٰه على سائر الرسل و الأنبياء من وجوه، أفضلها الوجوه التالية:

أ: هو أنّه سبحانه جعل شريعته مؤيّدة لا تُنسخ أبداً، و جعل الإمامة في ذريّته إلى قيام السّاعة، و لم يُقدَّر ذلك لغيره.

ب: انّ اللّٰه عزّ و جلّ أعطاه الشفاعة في الخلق. و لم يعطها إلى نبي قبله.

ج: انّ الأنبياء قبله بطلت معجزاتهم من بعدهم، و معجزة محمّد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و هي «القرآن» ثابتة مؤيّدة لا تفنى أبداً إلى حين زوال أحكام الدنيا.(2)

9 - في أنّ الشريعة موافقة للحكمة

إنّ الحكمة و الفلسفة العقليّة، هي و الحكمة الشرعيّة سواء، لأنّ اللّٰه سبحانه خلق في عباده حكماء، و عقلاء، و محال أن يشرع لهم شرعاً غير محكم و غير معقول، و لا يبعث برسالته و شرعه إلّا حكيماً عاقلاً مدركاً مبيّناً لِما تحتاجه العقول، و يكلّف لها بما يسعدها و يقوّي نورها و يعظّم خطرها.(3)


1) . تاج العقائد: 97.

2) . تاج العقائد: 59-60.

3) . المصدر نفسه: 101.

10 - في أنّ الشريعة لها ظاهر و باطن

يقول علي بن محمد الوليد: إنّ الشارع قد وضع أحكام شريعته و عباداتها من الطهارة و الصلاة و الزكاة و الصيام و الحجّ و غير ذلك، مضمّنة للأُمور العقليّة و الأحكام و المعاني الإلهيّة، و ما يتخصص منها من الأُمور الظاهرة المشاكلة لظاهر الجسم، و الأُمور الباطنة المشاكلة للعقل، و النفس، و كلُّ من حقق ذلك كانت معتقداته سالمة.(1)

أقول: هذا المقام هو المزلقة الكبرى للإسماعيلية المؤوّلة، إذ كلُّ إمام و داعٍ، يسرح بخياله فيضع لكل ظاهر باطناً و لكلّ واجب حقيقةً، يسمي أحدهما بالشريعة الظاهرية و الآخر بالباطنية من دون أن يدلّ عليه بدليل من عقل أو نقل، فكلُّ ما يذكرونه من البواطن للشريعة ذوقيات، أشبه بذوقيات العرفاء في تأويل الأسماء و الصفات و غير ذلك، و كأنّ الجميع فروع من شجرة واحدة. و ستوافيك نظرية المثل و الممثول في فصل خاص، و تقف على تأويلاتهم.


1) . تاج العقائد: 101.

الإسماعيلية و الأُصول الخمسة

(4) عقيدتهم في الإمامة

اشارة

تحتل الإمامة عند الإسماعيلية مركزاً مرموقاً حيث جعلوها على درجات و مقامات و زودوا الأئمة بصلاحيات و اختصاصات، و لتسليط الضوء على عقيدتهم فيها نبحث في مقامين:

المقام الأوّل: الإمامة المطلقة

اشارة

إنّ درجات الأئمّة و رتبهم لا تتجاوز عن الخمسة من دون أن تختص بالشريعة الإسلامية، بل تعم الشرائع السماوية كلّها، و بما أنّ مذهب الإسماعيلية أُحيط بهالة من الغموض عبر القرون لم يكن من الممكن أن يقف أحداً عليها إلّا طبقة خاصة من علمائهم، و كانوا يبخلون بآرائهم و كتبهم على الغير، غير أنّ الأحوال الحاضرة رفعت الستر عن كتبهم و منشوراتهم، فقام المستشرقون و في مقدّمتهم «ايفانوف» الروسي و تبعه عدد آخر من المحقّقين بنشر آثارهم، و عند ذلك تجلّت الحقيقة بوجهها الناصع، كما قام الكاتبان الإسماعيليان عارف تامر و مصطفى غالب ببذل الجهود الحثيثة في نشر آثار تلك الطائفة، فكشفا النقاب عن وجه العقيدة الإسماعيلية و بيّناها بوجه واضح خالياً من الغموض و التعقيد الموجودين في عامة كتب الإسماعيلية و إن كان بين الكاتبين اختلاف في بعض

الموارد، و نحن نعتمد في تفسير درجات الإمامة علىٰ كتاب «الإمامة في الإسلام» للكاتب عارف تامر، و إليك بيانه:

درجات الإمامة خمس و هي:

1 - الإمام المقيم.

2 - الإمام الأساس.

3 - الإمام المتم.

4 - الإمام المستقر.

5 - الإمام المستودع.

و ربما يضاف إليها رتبتان الإمام القائم بالقوة، و الإمام القائم بالفعل.

فالمهم هو الوقوف على هذه الدرجات.

يعتقد عارف تامر في كتابه «الإمامة في الإسلام» انّ هذه الدرجات ظلّت حقبة طويلة من الزمن مجهولة لدى الباحثين إلّا طبقة خاصة من العلماء، أو لا أقلّ في التقية و الاستتار و الكتمان.

1 - الإمام المقيم

هو الذي يقيم الرسول الناطق و يعلّمه و يربّيه و يدرجه في مراتب رسالة النطق، و ينعم عليه بالإمدادات و أحياناً يطلقون عليه اسم «رب الوقت» و «صاحب العصر»، و تعتبر هذه الرتبة أعلى مراتب الإمامة و أرفعها و أكثرها دقة و سرية.

2 - الإمام الأساس

هو الذي يرافق الناطق في كافة مراحل حياته، و يكون ساعده الأيمن،

و أمين سره، و القائم بأعمال الرسالة الكبرى، و المنفذ للأوامر العليا، فمنه تتسلسل الأئمة المستقرون في الأدوار الزمنية، و هو المسئول عن شئون الدعوة الباطنية القائمة على الطبقة الخاصة ممن عرفوا «التأويل» و وصلوا إلى العلوم الإلهية العليا.

3 - الإمام المتم

هو الذي يتم أداء الرسالة في نهاية الدور، و الدور كما هو معروف أصلاً يقوم به سبعة من الأئمة، فالإمام المتم يكون سابعاً و متماً لرسالة الدور، و انّ قوته تكون معادلة لقوة الأئمّة الستة الذين سبقوه في الدور نفسه بمجموعهم. و من جهة ثانية يطلق عليه اسم ناطق الدور أيضاً، أي انّ وجوده يشبه وجود الناطق بالنسبة للأدوار. أمّا الإمام الذي يأتي بعده فيكون قائماً بدور جديد، و مؤسساً لبنيان حديث.

4 - الإمام المستقر

هو الذي يملك صلاحية توريث الإمامة لولده، كما أنّه صاحب النص على الإمام الذي يأتي بعده، و يسمّونه أيضاً الإمام بجوهر و المتسلم شئون الإمامة بعد الناطق مباشرة، و القائم بأعباء الإمامة أصالة.

5 - الإمام المستودع

هو الذي يتسلّم شئون الإمامة في الظروف و الأدوار الاستثنائية، و هو الذي يقوم بمهماتها نيابة عن الإمام المستقر بنفس الصلاحيات المستقرة للإمام المستقر، و من الواضح أنّه لا يستطيع أن يورث الإمامة لأحد من ولده، كما أنّهم يطلقون عليه (نائب غيبة).(1)


1) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 143-144.

و العجب انّهم عند ما بحثوا موضوع الإمامة لم يجعلوا تسلسلها من إسماعيل ابن جعفر الصادق فحسب، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، و حجتهم انّ الإمامة إذا كانت قد بدأت من هذا العهد المبكر فتكون محدثة و لا يقوم وجودها على أساس(1)، فذهبوا إلى عهد بدء الخليقة المعروف بعهد آدم و سلسلة الإمامة من عصر آدم إلى يومنا هذا، ثمّ أضافوا إلى ذلك قولهم بالأدوار و الأكوار، فقد جعلوا كل دور يتألف من إمام مقيم و رسول ناطق أو أساس له، و من سبعة أئمة يكون سابعهم متم الدور، و يمكن أن يزيد عدد الأئمّة عن سبعة في ظروف أُخرى و في فترات استثنائية، و هذه الزيادة تحصل في عداد الأئمّة المستودعين دون الأئمّة المستقرين، أمّا الدور فيكون عادة صغيراً و كبيراً، فالدور الصغير هو الفترة التي تقع بين كلّ ناطق و ناطق يقوم فيها سبعة أئمّة. أمّا الدور الكبير فيبتدئ من عهد آدم إلى القائم المنتظر الذي يسمّى دوره الدور السابع، و يكون بالوقت ذاته متماً لعدد النطقاء الستة.

فلأجل عرض صورة عن عقائدهم في مجال تسلسل الإمامة من عصر أبينا آدم إلى يومنا هذا سوف نأتي بالجداول التي استخرجها، عارف تامر في كتاب «الإمامة» و مصطفى غالب في كتاب «تاريخ الدعوة الإسماعيلية».

يقول عارف تامر: إنّ هذا الموضوع من أدق المواضيع و أصعبها، بل هو بالحقيقة من الدعائم المتينة في عقائد الإسماعيلية، و قد يبدو لكل باحث فيها انّ دعاتها حافظوا على سريته التامة طيلة العصور الماضية و جعلوا معرفته مقتصرة على طبقة خاصة من العلماء و الدعاة.(2)

و سوف توافيك تلك الجداول تحت عنوان «شجرة الإمامة الإسماعيلية» في الفصل الحادي عشر فانتظر.


1) . ما ذا يعنون من هذه الجملة، هل الإمامة أمر أزلي، أو الإمام موجود قديم مع تضافر البراهين على حدوث ما سوى اللّٰه سبحانه؟!

2) . الإمامة في الإسلام: 141.

المقام الثاني: في الإمامة الخاصة

اشارة

قد تعرفت على نظام الإمامة في مذهب الإسماعيلية و لكن المهم هو الوقوف على ملامح الإمامة عندهم بصورة عامة، و قد تصدّى لذكرها الداعي اليمني علي ابن محمد الوليد في كتابه «تاج العقائد» و نحن ننقل منه ما يبيّن عقيدتهم في ذلك:

1 - صاحب الوصية أفضل العالم بعد النبي في الدور

إنّ صاحب الوصية هو الذي جوهره لاحق بجوهره، و كماله مشتق من كماله، و إنّ معاني أقواله و رموز شريعته و أسرار ملته و حقائق دينه توجد عنده، و لا تتعداه، و لا تؤخذ إلّا منه، و انّه المبرهن عن أغراضه، و المفصح لأقواله، المبين لأفعاله، القائم بالهداية بعده لمن قصد المعرفة لما جاء به، و الحافظ لشريعته من الآراء المختلفة، و بذلك كان وصياً، و لا يوجد في الأصحاب من يقوم مقامه، و لا يسد مسده في حفظ معاني تكليفه الذي أخذه عن باريه مع ما يوجد فيه من الطهارة، و صدق القول، و زكاة النفس، و الاحتواء على العلوم، و القربة منه في الطبع، و الجوهر، و السابقة، و الصحبة، و الأصل.(1)

2 - في أنّ الإمامة في آل بيت رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم

يُعْتقد انّ الإمامة في آل بيت رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم من نسل علي و فاطمة فرض من اللّٰه سبحانه أكمل به الدين فلا يتم الدين إلّا به، و لا يصحّ الإيمان باللّٰه و الرسول إلّا بالإيمان بالإمام و الحجّة، و يدل على فرض الإمامة إجماع الأُمّة على أنّ الدين و الشريعة لا يقومان و لا يصانان إلّا بالإمام، و هذا حقّ لأنّه سبحانه لا يترك الخلق


1) . تاج العقائد: 65.

سدى. و لا يمنعهم هذه الفريضة التي لا تسوغ الهداية إلّا بها.

و إنّ الرسول نص على ذلك نصاً تشهد به الأُمة كافة بقوله: «الحسن و الحسين إمامان إن قاما و إن قعدا، و أبوهما خير منهما»، و لم يحوج الأُمّة إلى اختيارها في تنصيب الإمام، بل نص عليها بهذا لأنّ بالإمامة كمال الدين.

فلو أنّ الرسول تركها حتى تكون الأُمة هي التي تفعلها و يتم بما فعلوه (في) دين اللّٰه بقولهم انّ الرسول لم ينص على الوصية و لا استخلف أحداً لخرجت الإمامة عن أن تكون فرضاً على الأُمة، و كان سبيلها سبيل الولاة في كلّ زمان، القائمين بأُمور الناس.

إلى أن قال: و قد اعترف المخالفون انّ إمامة الثلاثة ليست بنص، لأنّهم قد جحدوا النص و الوصية و فيما جرى في السقيفة من الأُصول ما يجب للعاقل أن يفكر فيه و غير معيوب على المتخلّف عن بيعتهم و الخلاف لهم فيها إذ كان الحال فيما تقرّر مشهوراً غير مستور، و العودة إلى الحقائق أولى لمن يعتمد عليها إذا كان طالباً للهداية مع ترك التعصب.(1)

3 - في أنّ الإمامة وارثة النبوة و الوصاية

الإمام يرث من النبوة الظواهر و الأحكام و جري الأُمور على ما علمه من النظام.

و يرث من صاحب الوصاية المعاني التي ورثها عن النبوة، ليكون الكمال موجوداً لقاصده، و مسلماً في شريعته التي جعلها عصمة لمن التجأ إليها، و طهارة لمن التزم قوانينها و سار على محجَّتها، فتسلم له دنياه و يفوز في عقباه بالتجائه إلى من عنده علم النجاة و حقيقة الشريعة السالمة من كلّ تغيير و تمويه مع سلامة


1) . المصدر نفسه: 65-66.

توحيده لباريه.(1)

أقول: و لا يذهب عليك أنّ الإمام على هذا أفضل من النبي كما هو أفضل من الوصي، لأنّ الإمام جامع للمنقبتين ظاهر الشريعة و باطنها، إلّا إذا كان النبي رسولاً فهو جامع أيضاً للمنقبتين، و لا أدري من أين لهم هذه الضوابط و القواعد، و ما هو الدليل على هذا التقسيم؟!

4 - في انقطاع الوصاية بعد ذهاب الوصي

يُعْتقد أنّ الوصي إنّما يوصيه الرسول على معالم شريعته، و أسرار ملّته، و عيون هدايته، و حقيقة أقواله، و حفظ أسراره، فإذا قام بها و مضى إلى دار كرامته استحال قيام وصي ثان بعده، لأنّ الشريعة لم تتغير، و لا ذهبت فتأتي أوامر جديدة تحتاج إلى من يوصّى بحفظها و القيام بمعانيها و ضبط أحوالها، فلهذا كان انقطاع الوصية بعد مضي الوصي الذي خلّفه الرسول في العالم.(2)

5 - في استمرار الإمامة في العالم دون النبوة و الوصاية

يُعْتقد: انّ الإمامة مستمرة الوجود في الأدوار جميعها، من أوّلها إلى آخرها، لأنّ الإمام هو الوارث لما جاء به النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم من الشرع و الوصي على البيان، لكونه حافظاً في الأُمة على الهداية التي ورثها منهما، و لمّا كان أمر الرسول و الوصي جارياً على أهل الدور من أوّله إلى آخره، كان من ذلك حفظ درجة الإمامة على الدور بالاستمرار، و التوالي، إذ لم يبق زيادة تستجد فتحتاج إلى منزلة مستجدة، فكانت هداية موروثة منسوبة إلى أصل الدور، و معلم الشريعة و البيان، فلا تزال هذه


1) . تاج العقائد: 66.

2) . المصدر نفسه: 68.

الحالة مستمرة إلى حين تأذن الحكمة الإلهية بتجديد شريعة ثانية، و أمر يحتاج العالم إليه لحفظ نظامه، و لمّا كانت هذه الشريعة، أي شريعة محمد، لا تنسخ، و لا يفقد حكمها حتى قيام الساعة، بقيت الإمامة فيها موجودة، و محفوظة إلى حين قيام الأشهاد، و يوم التناد، فلهذا استمرت الإمامة في العالم دون النبوة، و الوصاية.(1)

و على هذا فكلّ إمام غائب أو حاضر بعد الإمام الصادق يساوي في الفضل و العلم و الكمال الإمام المنصوص في يوم الدار و يوم الغدير، فالإمام الحاضر، أعني به: كريم آغا خان، تساوي كفته في معالي الأُمور كفّة الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام فيقوم بنفس ما يقوم به الإمام.

يا ترَى ما هذا الجور في القضاء و الاعتساف في الحكم، فكيف يكون الإمام المذكور إماماً عالماً محيطاً بالشريعة و واقفاً على أسرارها مع أنّه تلقى علومه الأوّلية في مدارس سويسرا فأتقن الانكليزية و الفرنسية و الإسبانية كما درس اللغة العربية و بعد أن أكمل تحصيله في سويسرا انتسب إلى جامعة هارفرد الأمريكية؟!!(2)

و الإمام الذي يتلقّى العلوم الظاهرية في المدارس و الجامعات كيف يكون واسطة في الفيض، واقفاً على الأسرار، و إماماً يعادل في التقى و العصمة و العلم و الفضل الأئمّة المعصومين المنصوبين من قبل النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم؟!

و كأنّي بابن المعرة يقول:

فيا موت زر إنّ الحياة ذميمة *** و يا جد جدي ان سعيك هازل


1) . تاج العقائد: 69.

2) . راجع تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 403.

6 - في أنّ الإمام لا تجوز غيبته من الأرض

إنّ الإمام لا تجوز غيبته عن الأُمة بوجه، و لا بسبب، و إن حدثت فترة فتكون خواص شيعته على اتصال به و يعرفون مقامه، و يدلّون من خلصت نيته إلى مقره.

و الغيبة لا تخلو من ثلاث خصال:

1 - أن تكون غيبته من قبل اللّٰه.

2 - أن تكون من قبل نفسه.

3 - أن تكون من قبل الناس و خيفة من أعدائه.

فباطل أن تكون الغيبة من قبل اللّٰه، لأنّ ذلك لا يليق بالحكيم العادل.

و إذا رجعنا إلى نفسه فلا نجدها من قبلها، لأنّه معصوم من الخطايا و فرض ولايته يوجب حضوره.

و إن كان من قبل الناس، فقد شكّ في دين اللّٰه، لأنّ اللّٰه نصبه و تكفل إيصال الهداية إلى الأُمة به، و عرّفه أنّه لا يخرج من العالم حتى يورث مقامه هادياً مثله.

إذن فليس لخوفه من الناس وجه.

إلى أن قال: و الإمام هو الحاكم بين عباد اللّٰه، الموهوب له الحكم من الحكيم الخبير و النائب في خلافته على الخلق، الوارث الأرض، و المتصرف بأحكامها و لا يجب زواله و لا عدمه بوجه من الوجوه.(1)

أقول: إنّ المراد من الغيبة ليس هو الغيبة عن عالم الوجود كما تصوّره ذلك الكاتب، بل المراد من الغيبة هو الغيبة عن أعين الناس، فهو يبعث بين الناس فيعرفهم و لا يعرفونه، لا أنّه يخرج من الدنيا و يعيش في عالم آخر يباين ذلك العالم،


1) . تاج العقائد: 69-70.

و هذا يعرب عن أنّ الداعي لم يرجع إلى كتب الإمامية الاثني عشرية، و هو مع ذلك يتصرف في الأُمور حسب مصالح الناس و إن كان الناس لا يعرفونه، و يتشرف بحضوره و يتمتع بلقائه من هو أهل لذلك و إن كان يكتمه و لا يظهره إلّا للخاصة من الناس.

هذا هو القرآن الكريم يعرّف لنا ولياً من أوليائه سبحانه، كان يعيش بين الناس و يركب سفينتهم و يتصرف فيها أمام أعينهم و هم لا يعرفونه و يتصرف في أُمور أشد من ذلك يقتل غلاماً معصوماً بإذن من اللّٰه و لا يُلاحَق، و يبني جداراً في حال الانقضاض تحته كنز ليتيمين لغاية الستر عليه حتى يستخرجا كنزهما رحمة من ربه يقول سبحانه:

«أَمَّا اَلسَّفِينَةُ فَكٰانَتْ لِمَسٰاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي اَلْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهٰا وَ كٰانَ وَرٰاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً * وَ أَمَّا اَلْغُلاٰمُ فَكٰانَ أَبَوٰاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينٰا أَنْ يُرْهِقَهُمٰا طُغْيٰاناً وَ كُفْراً * فَأَرَدْنٰا أَنْ يُبْدِلَهُمٰا رَبُّهُمٰا خَيْراً مِنْهُ زَكٰاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً * وَ أَمَّا اَلْجِدٰارُ فَكٰانَ لِغُلاٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي اَلْمَدِينَةِ وَ كٰانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمٰا وَ كٰانَ أَبُوهُمٰا صٰالِحاً فَأَرٰادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغٰا أَشُدَّهُمٰا وَ يَسْتَخْرِجٰا كَنزَهُمٰا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ».(1)

و قد غاب عن أعين الناس على وجه لم يكن الرسول موسى عليه السّلام عارفاً به، و إنّما عرفه بتعريف من اللّٰه سبحانه.

فلما ذا لا تكون غيبة الإمام بهذه الصورة، أي يكون غائباً عن أعين الناس و لكن متصرفاً في مصالحهم و يلتقي مع خيار أُمته؟

هذا و انّ لأصحابنا كتباً و رسالات حول غيبة الإمام الثاني عشر كشفوا فيها علل الغيبة و مصالحها و فوائدها، فمن أراد فليرجع إليها.(2)


1) . الكهف: 79-82.

2) . لاحظ، كمال الدين للشيخ الصدوق، الغيبة للشيخ الطوسي، و منتخب الأثر للعلامة الصافي.

7 - في الوصية بعد الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم إلى الوصي

يعتقد بوصية الرسول إلى علي بن أبي طالب عليه السّلام من اثني عشر وجهاً، منها:

1 - قول النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «لا يحل لامرئ مسلم أن يبيت ليلتين إلّا و وصيته مكتوبة عند رأسه».

2 - إجماعنا على أنّ الرسول استخلف علي في المدينة في غزوة تبوك مقتدياً باستخلاف موسى لأخيه هارون عند مضيه لميقات ربه، و في هذا الاستخلاف قال له: «يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي».

3 - حديث الدار و الإنذار و قد ذكره المفسرون في تفسير قوله سبحانه: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ»(1).(2)

أقول: و العجب انّه لم يذكر حديث الغدير الذي اتفقت الأُمّة علىٰ نقله!!

8 - في قعود علي عن الخلافة

و يعتقد انّ قعود الوصي بعد الوصية لم يكن عن عجز، و لا تفريط، و ذلك لأنّ الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم قد أعلمه عن دولة المتغلبين، و عقوبة اللّٰه عزّ و جلّ لهم في ذلك بقوله: «إنّ لك يا علي في أُمّتي من بعدي أمر، فإن ولّوك في عافية، و أجمعوا عليك في رضى، فقم بأُمورهم، و إن اختلفوا و اتبعوا غيرك، فدعهم و ما هم فيه، فإنّ اللّٰه سيجعل لك مخرجاً».

فلمّا قام أمير المؤمنين في يوم الجمل و صفين و النهروان قام في الوصية أيضاً لقول الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «يا علي تقاتل بعدي الناكثين و المارقين و القاسطين».


1) . الشعراء: 214.

2) . تاج العقائد: 60-64.

فليت شعري من هؤلاء الذين نكثوا و مرقوا و قسطوا حتى قاتلهم، هل هم غير أُمّة محمد الذين نكثوا بيعة وصيّه و مرقوا عن أمره، و قسطوا و أظهروا الأحقاد الكامنة له و لأهل بيته بالرغم من أوامر الرسول إليهم.(1)

9 - في فساد إمامة المفضول

يعتقد فساد إمامة المفضول و إبطال إمامة المشرك الناقض لقوله عزّ و جلّ: «وَ إِذِ اِبْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قٰالَ إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ».(2)

فجلّ ثناؤه و تقدّست أسماؤه بيّن أنّ عهد الإمامة و خلافة اللّٰه تعالى لا تلحق من أشرك باللّٰه طرفة عين، و إنّما يكون ميراثها في الطاهرين المصطفين العلماء، لقوله تعالى: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتٰابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ بِإِذْنِ اَللّٰهِ ذٰلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ».(3)

و قوله: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاٰ يَهِدِّي إِلاّٰ أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ».(4)

و قد ثبت انّ كلّ من دخل في الإسلام من الجاهلية فقد عبد الأصنام و تدنس بالشرك مع ما كانوا يفعلون برسول اللّٰه أيام حياته ممّا هو مشهور غير خفي.

و توقف كلّ واحد منهم بعده و حاجتهم إلى علم علي مع طهارته و اصطفائه عليهم في حالتي العلم و الجسم، و كونه لم يسجد لصنم، و لا توقف عن أمر محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و لا كانت له سابقة في الجاهلية، و لا أشرك في اللّٰه طرفة عين، و لا


1) . المصدر نفسه: 72.

2) . البقرة: 124.

3) . فاطر: 32.

4) . يونس: 35.

تحمّل، و لا كذب، و لا داهن، و لا مال إلى مفضول، بالرغم من ميل الغير عنه إلى كل مفضول، مع إقرار المفضول على نفسه بقوله: «ولّيت عليكم و لست بخيركم» و غير ذلك من قوله: «فإن غلطت فردّوني، و إن اعوججت فقوّموني، فإنّ لي شيطاناً يغريني».

فليت شعري على أي شيء اعتمدوا بتقديم من قدّموه دون نص، أو وصية».(1)

10 - في إبطال اختيار الأُمّة للإمام

و يعتقد انّ اختيار الأُمّة لنفسها الإمام غير جائز، لأنّ إقامة الحدود على الأُمّة هي للإمام، ففيها بعض رسوم الشريعة المبسوطة إلى الإمام، من دون الأُمة، فإقامة الإمام الذي تتعلّق به كلّ أُمور الشريعة، لأنّه صاحب المقام العظيم، و المستخلف أولى أن يكون بأمر اللّٰه، و إذا كان إقامة الإمام بأمر اللّٰه كان من ذلك الإيجاب بأنّ الاختيار من الأُمّة باطل.

و انّ صحّة العلم انّ المختار للإمامة لا يكون إلّا بعد الإحاطة بجميع ما يحتاج إليه في الإمامة من علم الشريعة و الكتاب و الأحكام، ثمّ العلم بأنّ ما عرف ممّا يحتاج إليه في الإمامة موجود فيمن يختاره هو كاف فيه.(2)

11 - في أنّ كلّ متوثب على مرتبة الإمام فهو طاغوت

و يعتقد انّ كلّ من دفع الإمام عن مقامه و منزلته و عانده بعد وصية النبي له في كلّ عصر و زمان، إنّما هو المشار إليه باسم الطاغوت، و هو رئيس الجائرين


1) . تاج العقائد: 75-76.

2) . تاج العقائد: 76.

الحائدين عن أمر الرسول، المعنيّ بالظالم، الذي توجهت إليه الإشارة و إلى أمثاله في كلّ دور: «وَ يَوْمَ يَعَضُّ اَلظّٰالِمُ عَلىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ اَلرَّسُولِ سَبِيلاً».(1)إلى قوله تعالى: «لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ اَلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جٰاءَنِي وَ كٰانَ اَلشَّيْطٰانُ لِلْإِنْسٰانِ خَذُولاً».(2)

فالطاغوت هو رئيس الجائرين المعتدي على المنصوص عليه، و الشيطان معاضده على الباطل القائم في نصرته المنمِّق للأحاديث الكاذبة ليصرف وجوه الناس إليه، و يصدّهم عن أمر اللّٰه و رسوله بالكون معه، و الطاعة له، و إذا نظروا إلى ما تضمّنته الشريعة، يتبين لهم الأمر على جليته، و تنفتح لهم طرق الهداية و يقع الانتباه و يزول الهوى و يشملهم التوفيق في قصدهم.(3)

12 - في أنّ الأرض لا تخلو من حجّة للّٰه فيها

يعتقد انّ الأرض لا تخلو من حجّة للّٰه فيها: من نبي، أو وصي، أو إمام يقوم المسائل، و يقيم الحدود، و يحفظ المراسيم، و يمنع الفساد في الشرع، و يقبل الأعمال، و يزكّي الأفعال، و تقام به الحجة على الطالب، و يزيل المشكلات إذا حلت على المتعلمين، و يركز الأُمة بعد غيبة نبيها، إذا كان شخصه غير مستقر البقاء في العالم، محفوظ النسب، معروف الولادة، متبِع دينَ آبائه، لا يرجع عن أقوالهم، و لا يقدم غيرهم، و لا يكون مأمون خلاف غيره، و لا مشير في الفضيلة إلى سواه، متبوع لا تابع، مقصود لا قاصد، مرغوب في حكمه، و صحّة أفعاله، و تعاليمه، و هدايته، لأنّ الرسول جعله دليلاً للمتعلم، و نجاة للحائر.(4)


1) . الفرقان: 27.

2) . الفرقان: 29.

3) . تاج العقائد: 78-79.

4) . تاج العقائد: 70-71.

أقول: إنّ ما ذكره من أنّ الأرض لا تخلو من حجة للّٰه حق، و لكن السبب ليس ما جاء في كلامه من إقامة الحدود، و حفظ المراسم، و منع الفساد؛ فإنّ ذلك يقوم به سائر الولاة أيضاً، و إنّما الوجه انّه الإنسان الكامل و هو الغاية القصوىٰ في الخلقة و يترتب على وجود ذلك الإنسان الكامل بقاء العالم بإذن اللّٰه سبحانه و آخره لحصول الغاية و إلى ذلك يشير الحديث النبوي:

«أهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض».(1)

و قوله: صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم لعلي عليه السّلام: «إنّي و أحد عشر من ولدي و أنت يا علي رزّ الأرض - أعني أوتادها و جبالها - بنا أوتد اللّٰه الأرض أن تسيخ بأهلها فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها و لم ينظروا».(2)

و قال صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «أهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا هلك أهل بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون».(3)

و قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: «اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للّٰه بحجّة إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً».(4)

13 - منع المبتدي عن الكلام

و يُعتقد انّ منع المبتدي عن الكلام في الدين، صفات، و اقتداء بأفعال اللّٰه، و ذلك انّ اللّٰه سبحانه و تعالى قادر على أن يجعل الطفل يتكلم عند خروجه و ولادته، و إنّما تأخر عن الكلام لحكمة أوجبها لتكون لأبويه عنده فضيلة التنطيق، و التلقين، و التعليم، و كذلك المبتدي يمنع من المجادلة، و النطق بما يشق على غيره،


1) . الشريف الحضرمي: رشفة الصادي: 78، الصواعق المحرقة: 233-234.

2) . الغيبة: 99، عنه البحار: 259/36 ح 79.

3) . الصواعق المحرقة: 150.

4) . 4. نهج البلاغة: 497، قسم الحكم، الحكمة رقم 147.

و متى تعلم من شيخه أو معلّمه القائم له مقام الصورة، فيعلمه الأُصول التي يجب الاحتياط بها نموذجاً يحتذى عليه في خطابه، و كلامه فيما يجب الاحتياط له.(1)

14 - في أنّ القرآن لا ينسخه إلّا قرآن مثله

و يعتقد انّ القرآن لا ينسخه إلّا قرآن مثله، و الدلالة على ذلك موافقة السنّة للكتاب، قال اللّٰه تعالى: «وَ إِذٰا بَدَّلْنٰا آيَةً مَكٰانَ آيَةٍ وَ اَللّٰهُ أَعْلَمُ بِمٰا يُنَزِّلُ قٰالُوا إِنَّمٰا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاٰ يَعْلَمُونَ».(2)و قال النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم في خطبة الوداع: «لا يقولنّ عليَّ أحد منكم ما لم أقله، فإنّي لم أحلل إلّا ما أحلّه اللّٰه في كتابه، و كيف أُخالف كتاب اللّٰه و به هداني؟ و كيف أخالف كتاب اللّٰه و به هداني و عليّ أُنزل؟».(3)

15 - في تخطئة القياس و الاستحسان

لا ترخّص الشيعة قاطبة القضاء و الافتاء بالقياس و الاستحسان، و الرأي غير المستنبط من الكتاب و السنّة و يظهر من الداعي علي بن محمد الوليد، اتّفاق الإسماعيلية على منع العمل به قال:

إنّ الخطأ، القول بالرأي، و القياس، و الاجتهاد و الاستحسان، بدليل قوله تعالى: «وَ لاٰ تَقُولُوا لِمٰا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ اَلْكَذِبَ هٰذٰا حَلاٰلٌ وَ هٰذٰا حَرٰامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اَللّٰهِ اَلْكَذِبَ إِنَّ اَلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللّٰهِ اَلْكَذِبَ لاٰ يُفْلِحُونَ».(4)

و قال اللّٰه عزّ و جلّ: «وَ قٰالُوا لَنْ تَمَسَّنَا اَلنّٰارُ إِلاّٰ أَيّٰاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ


1) . تاج العقائد: 181.

2) . النحل: 101.

3) . تاج العقائد: 98.

4) . النحل: 116.

اَللّٰهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اَللّٰهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اَللّٰهِ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ».(1)فالقائل في الدين برأيه و اجتهاده قائل عن اللّٰه ما لا يعلم.

قال النبي: «اتبعوا و لا تبدعوا، فإنّ البدعة رأس كلّ ضلالة، و كلّ ضلالة في النار».

و قال عبد اللّٰه بن جعفر بن محمد: «إيّاك و خصلتان فيهما هلك من هلك، إيّاك أن تكتفي برأيك، أو تدين بما لا تعلم».

و قال عليه السّلام: «إيّاك و القياس، فإنّ أوّل من قاس إبليس فأخطأ في قوله: «قٰالَ مٰا مَنَعَكَ أَلاّٰ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قٰالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نٰارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ»(2)».

فالدين لا يصح إلّا بالاقتداء و الاتباع للكتاب و السنّة، و الرضا، و التسليم، إلى الهادي الذي عرفناه، و رضيناه من غير ابتداع، و لا قول برأي و لا قياس، و لا تقليد سلف.

قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «الأُمور ثلاثة: أمر قد بان لك رشده فاتبعه، و أمر بان لك غيّه فاجتنبه، و أمر أشكل عليك فرده إلى أهله».

و قال الإمام جعفر بن محمد لأبي حنيفة النعمان القائل بالرأي و القياس: «يا نعمان بلغني انّك تعمل بالقياس، فأخبرني إن كنت مصيباً: لم جعلت العين مالحة، و المنخران رطبان، و الأُذنان مرّتان، و اللسان عذب؟» قال: لا أدري، فأخبرني جعلت فداك؟ فقال الصادق: «العين مالحة لأنّها شحمة، و لا تصلحها إلّا الملوحة؛ و الأنف رطب لأنّه مجرى الدماغ و النفس؛ و الأُذن مرّة لقتل الدواب، متى دخلتها؛ و جعل اللسان عذب ليعرف به طعوم الأشياء. يا نعمان إذا لم تعرف


1) . البقرة: 80.

2) . الأعراف: 12.

ما جعله اللّٰه في بنيتك، و أحكمه في صورتك لتمام منافعك، فكيف تقيس على دين اللّٰه عزّ و جلّ؟!» فقال: أخبرني جعلت فداك، لم تقضي الحائض الصيام دون الصلاة؟ فقال عليه السّلام: «لأنّ الصلاة تكرر» قال: أخبرني لم وجب الغسل من الجنابة، و الوضوء من الغائط؟ قال: «لأنّ الجنابة تخرج من جميع الجسد، بينما الغائط من مكان واحد» قال: أخبرني لم فضّل الرجل في الفرائض على الامرأة مع ضعفها، و قوته؟ قال: «لأنّ اللّٰه تعالى جعل الرجال قوامين على النساء، ينفقون عليهن»، فقال أبو حنيفة: «اَللّٰهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسٰالَتَهُ».(1)

فترك القياس سعادة للمكلّف، و ضبط له عن الخوض في دين اللّٰه برأي النفس، و الهوى الغالب، فإنّ أصل الشريعة ليس بقياس، لأنّه أخذ عن اللّٰه تعالى بتعليم الملك، و أخذ من الرسول بتعليم دون قياس، و أخذ من الوصي بتعليم النبي، و أخذ من الإمام بتعليم الوصي، و أخذ الرجال بتعليم الإمام دون رأي من يرى، و قياس من قاس، و اجتهاد من اجتهد، بالظنون الكاذبة، و الرأي، و الآراء المتناقضة.(2)


1) . الأنعام: 124.

2) . تاج العقائد و معدن الفوائد: 82-84.

الإسماعيلية و الأُصول الخمسة

(5) عقيدتهم في المعاد و ما يرتبط به

اشارة

المعاد بمعنى عود الإنسان إلى الحياة الجديدة من أُسس الشرائع السماوية و هي حقيقة لا تنفك عن الإيمان باللّٰه، لذا نرى أنّ أصحاب الشرائع اتّفقوا على وجود المعاد بعد الموت: «وَ أَنَّ اَللّٰهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ».(1)و لو لا القول بالمعاد لما قام للدين عمود، و لا اخضرّ له عود.

نعم، اختلفوا في كونه جسمانياً أو روحانياً و على فرض كونه جسمانياً فهل الجسم المعاد جسم لطيف برزخي أو جسم عنصري؟

و الإمعان في الآيات الواردة حول المعاد يثبت الأخير بلا شك، فهلمّ معي ندرس عقيدة الإسماعيلية في المعاد و كيفيته.

1 - في أنّ المعاد روحاني لا جسماني

قال الكرماني - بعد بيان النشأة الأُولى في الدنيا -: ثمّ اللّٰه ينشأ النشأة الآخرة، بقوله تعالى: «وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولىٰ - التي هي خلق أجسامكم من قبيل جسمكم - فَلَوْ لاٰ تَذَكَّرُونَ»(2)فهلا تتفكرون و توازنون و تعلمون انّ النظام في الخلق و البعث واحد، و انّ النشأة الآخرة هي خلق الأرواح و إحياؤها بروح القدس


1) . الحج: 7.

2) . الواقعة: 62.

على مثال النشأة الأُولى. ثمّ إنّه أفاض في الكلام و محصّله: كما أنّ الإنسان في عالم الاحشاء يكتسب آلات ليحس بها الكمالات عند مصيره إلى عالم الدنيا، فهكذا هو في عالم الجسم و الدنيا يكتسب آلات ليلتذ بها عند مسيره إلى عالم الآخرة، فكما أنّه يستغني عند مسيره من عالم الاحشاء إلى عالم الحس عمّا فيها، فهكذا عند مسيره من عالم الحس إلى عالم الآخرة و إليك عبارته:

و لما كان الأمر في وجود النفس و كمالها كالأمر في جسمها كما نطق به الكتاب الكريم، فالإنسان ينتقل من رتبة النطفية إلى رتبة العلقية، و من رتبة العلقية إلى رتبة المضغية و من رتبة المضغية كذلك أن يحصل له الآلات من عين و أُذن و يد و رجل و أنف و لسان و غير ذلك من الأُمور ليقوم بالفعل بها عند مصيره إلى عالم الحس إذ كان وجودها له في تلك الظلمات و ضيق الأحشاء لا لها، بل لفسحة الدنيا و ما فيها فيكون ما يلتذ به أو يألم بحسب ما اكتسب في الأحشاء من الآلات، فهكذا وجودها في جسمها لا له بل لذاتها التي تليق بعالم آخر إليه مصيرها و عند مفارقة الجسم من جسمها مصيراً إلى الآخرة التي إليها إنهاؤها كمفارقة جسمها الأحشاء مصيراً إلى عالم الحس الذي إليه وروده و تكون ذاتها في آخرتها لذاتها آلة تجد بها الملاذ كالجسم الذي هو لها في دنياها آلة تجد بها الملاذ، و ما يحصل لها من روح القدس في ذلك العالم كالروح الحسي الذي يحصل للجسم في هذا العالم.(1)

و من تأمل فيما أفاض يذعن بأنّ المعاد عندهم روحاني لا جسماني، و قد صرح بذلك أيضاً الداعي علي بن محمد الوليد، و قال: و يعتقد انّ اللّٰه تعالى دعانا على ألسنة وسائطه بقبول أمره، إلى دار غير هذه الدار فهذه الدار صورية و تلك مادية و ما بينهما صوري و مادي.(2)


1) . راحة العقل: 361، المشرع 13.

2) . تاج العقائد: 165.

2 - في التناسخ

و هو عود الروح بعد مفارقة البدن إلى الدنيا عن طريق تعلقها ببدن آخر كتعلّقها بالجنين عند استعدادها لإفاضة الروح و له أقسام مذكورة في محلّها.(1)

و ربما ينسب القول بالتناسخ إلى الإسماعيليّة، و لكن النسبة في غير محلّها.

يقول الداعي الكرماني: و أمّا من يرى الجزاء، مثل محمد بن زكريا و الغلاة و أهل التناسخ، و انّه يكون في الدنيا، فمن اعتقادهم انّ هذه الأنفس لها وجود قبل أشخاصها بخلاف اعتقاد الدهرية و أمثالها ممّن ينحون نحوهم الذين يقولون انّ وجودها بوجود أشخاصها، و يقولون: إنّها جوهر تتردد في الهياكل بحسب اكتسابها إلى أن تصفو و تعود، فقد(2)أوردنا في كتابنا المعروف ب «الرياض» و «ميزان العقل» و غيرهما من رسائلنا في فساد قولهم ما يغني سيّما ما يختص بذلك في كتابنا المعروف ب «المقاييس» رداً على الغلاة و أشباههم.(3)

يقول الكاتب الإسماعيلي مصطفى غالب: و يذهب أكثر الذين كتبوا عن عقائد الإسماعيليّة من القدماء و المحدثين بأنّ الإسماعيليّة يقولون بتناسخ الأرواح، أي أنّ الروح بعد الموت تنتقل إلى إنسان آخر أو إلى حيوان أو نبات على نحو ما نراه في العقيدة البوذية أو النصيرية مثلاً، و يمكننا بعد أن درسنا كتب الإسماعيلية السرية و العلنية دراسة دقيقة، أن نقول بأنّهم لا يدينون مطلقاً بالتناسخ، بل ذهبوا إلى أنّ الإنسان بعد موته يستحيل عنصره الترابي (جسمه) إلى ما يجانسه من التراب، و ينتقل عنصره الروحي (الروح) إلى الملأ الأعلىٰ، فإن كان الإنسان في حياته مؤمناً بالإمام فهي تحشر في زمرة الصالحين و تصبح ملكاً مدبراً، و إن كان


1) . لاحظ شرح المنظومة للحكيم السبزواري: 312.

2) . جواب لقوله: امّا.

3) . راحة العقل: 364.

شريراً عاصياً لإمامه حشرت مع الأبالسة و الشياطين و هم أعداء الإمام.

و الإمام نفسه يجري على جسده مثلما يجري على سائر الأجساد بعد الموت، حيث يتحلّل كل قسم إلى ما يناسبه، فالجسم الترابي يعود إلى التراب، و النفس الشريفة تعود إلى ما يجانسها و يناسبها، فتصبح نفس الإمام عقلاً من العقول المدبرة للعالم، فلا تتناسخ و لا تتلاشىٰ أي تتقمص.(1)

3 - في الحساب

و الحساب تابع للبعث و هو فعل يحدث عنه من النفس للنفس الثواب الذي هو الملاذ و المسار، و العقاب الذي هو الألم و العذاب و الغم، و ينقسم هذا الفعل إلى ما يكون وجوده في الدنيا، و إلى ما يكون وجوده في الآخرة.

فأمّا ما يكون وجوده في الدنيا فينقسم قسمين. ثمّ أفاض الكلام في القسمين.(2)

4 - في الجنة

يقول الكرماني: إنّها موصوفة بالسرمد و الأبد و وجود الملاذ فيها أجمع، و أنّها لا تستحيل، و لا تتغير، و لا يطرأ عليها حال، و لا تتبدل، و الذي بهذه الصفة هو النهاية الأُولى من الموجودات عن المتعالى سبحانه عن الموصوفات و الصفات إبداعاً خارج الصفحة العليا من السماوات المعرب عنها بسدرة المنتهى الذي هو المبدع الأوّل.(3)


1) . مصطفى غالب: في مقدمة كتاب الينابيع: 16.

2) . راحة العقل: 369.

3) . راحة العقل: 379.

5 - في الملائكة

إنّ الملائكة على ضروب و كلّهم قد أُهّلوا لمنافع الخليقة، فلا يتعدى أحد منهم بغير ما وكّل به، كما قال و أخبر عنهم: «وَ مٰا مِنّٰا إِلاّٰ لَهُ مَقٰامٌ مَعْلُومٌ»(1)و الجوهر فيهم واحد، و إنّما اختلفت أسماؤهم لأجل ما وكلوا به فمنهم من هو في العالم العقلي، و منهم من هو في العالم الفلكي، و منهم من هو في العالم الطبيعي لحفظ ارجائه، ثمّ استدل بالآيات القرآنية.

منها قوله: «فَلاٰ أُقْسِمُ بِمٰا تُبْصِرُونَ * وَ مٰا لاٰ تُبْصِرُونَ»(2)يعني الملائكة الذين قد أخفى سبحانه ذواتهم عن النظر، و جعل المخلوق عن الطبائع محجوباً عنهم لا يراهم حتى يصير إمّا في منزلة النبي أو يخلص القبول من النبي بقرب الدرجة منه.(3)

6 - في الجن

و يعتقد انّ في الجن ذوات أرواح نارية و هوائية و مائية و ترابية، و يعتقد انّ الجن صحيح لا ريب فيه و هم على ضروب في البقاع و المصالح و المنافع و الفساد و الضرر، إلى أن قال: فمنهم من هو في ارجاء العالم ممنوع عن مخالطة بني آدم، و منهم من هو مخالط لبني آدم في أماكنهم.(4)


1) . الصافات: 164.

2) . الحاقة: 38-39.

3) . تاج العقائد: 45.

4) . تاج العقائد: 46.

الفصل الحادي عشر: في شجرة الإمامة الإسماعيلية

اشارة

تدّعي الإسماعيليّة أنّ شجرة الإمامة تبتدأ من حين هبوط آدم إلى يومنا هذا، و لم يجعلوا تسلسلها من إسماعيل بن جعفر الصادق، بل ذهبوا إلى عهد بدء الخليقة، فطبّقوا قواعدهم الإماميّة، و سلسلوا الإمامة تسلسلاً مستمرّاً إلى العصر الحاضر.

ثمّ أضافوا إلى ذلك قولهم بالأدوار، و الأكوار، و قد جعلوا كلَّ دور يتألّف من إمام مقيم، و رسولٍ ناطق، أو أساس له و من سبعة أئمّة يكون سابعهم متمَّ الدَّور، و يمكن أن يزيد عدد الأئمّة عن سبعة في ظروف أُخرى و في فترات استثنائيّة، و هذه الزيادة تحصل في عداد الأئمّة المستودعين، و ليس في الأئمّة المستقرين.

أمّا الدّور فيكون عبادة صغيراً أو كبيراً، فالدور الصغير هو الفترة التي تقع بين كلّ ناطق و ناطق، و يقوم فيها سبعة أئمَّة، أمّا الدّور الكبير فيبتدأ من عهد آدم إلى القائم المنتظر، الذي يُسمى دوره، الدور السابع، و يكون في الوقت ذاته متماً لعدد النطقاء الستة.

و في الصفحات التالية تظهر الشجرة الإسماعيليّة، و تفرعاتها، و قد أخذناها من كتاب «الإمامة في الإسلام»، تأليف الكاتب الإسماعيليّ عارف تامر(1)الذي يقول: إنّ شجرةَ الإمامة عند الإسماعيليّة ظلّت حقبة طويلة مجهولة لدى الباحثين، و مقصورة على طبقة خاصّةٍ من العلماء، أو قُل في التقيّة و الاستتار و الكتمان.

و قد أفرده الأُستاذ أيضاً في كتاب خاص أسماه «فروع الشجرة الإسماعيليّة الإماميّة» نشرته المطبعة الكاثوليكية، في بيروت عام 1957 م.


1) . الإمامة في الإسلام: 145-161.

شجرة الإمامة الإسماعيليّة منذ أَقدم العصور

الدور الأوّل:

اشارة

(و يبتدئ من وقت هبوط آدم حتى ابتداء الطوفان، و مدته ألفان و ثمانون عاماً و أربعة أشهر و خمسة عشر يوماً).

العدد/الإمام المقيم/الرسول الناطق/أساس الدور/الإمام المتم/الإمام المستقر

1 - /هُنيد/آدم/هابيل 130-225 /... /أنوش بن(1)شيث 435-1385

2 - /... /... /... /... /قينان بن أنوش 625-1535

3 - /... /... /شيث 230-1144 /... /مهلائيل بن قينان 795-1690

4 - /... /... /... /... /يارد بن مهلائيل 960-1922

5 - /... /... /... /... /أخنوخ بن يارد 1122-1487

6 - /... /... /... /... /متوشالح بن اخنوخ 1287-2242.

7 - /... /... /... /لامك بن متوشالح/لامك بن متوشالح 1454-2346


1) . و في المصدر بنت، و ما أثبتناه هو الصحيح.

التعليقات:

في هذا الدور يظهر لنا أنّ هُنيد(1)

أقول: من العجب أنّه لم يأت اسمه في الذكر الحكيم، و لو كان له ذلك المقام الشامخ، فأولى أن يكون معلّم الملائكة، لا آدم ثمّ إنّ المذهب المبنيّ على هذه الحدسيات التي لا تقوم علىٰ أساس قطعي لا يكتسب صبغة علميّة قطعيّة.

هو الإمام المقيم، الذي ربّى و تعهّد، و أقام الرسول الناطق آدم، و في هذا الدور أيضاً يظهر لآدم أساسان هما: هابيل و شيث، الأوّل قتل بيد أخيه «قابيل» فاستلم منصبه بعد وفاته «شيث». و يظهر أنّ متمَّ الدَّور هو الإمام السابع لامك بن متوشالح.

المعروف تاريخيّاً أنّ هبوط آدم كان في عدن، و أنّ وفاته كانت في موقع غار أبي قبيس في أرض الكعبة، و يُقال:

أنّ نوحاً بعد الطوفان استخرج جثته، و دفنها في النجف الأشرف، إنّ الأرقام التاريخيّة المذكورة أعلاه اعتبرناها في بدء ظهور آدم صفراً حتى طوفان نوح. و لهذا يكون آدم قد عمَّر 930 عاماً، و شيث تسعمائة و اثني عشر 912، و أنوش هو أوّل من غرس النخل 950 عاماً، و قينان 910 أعوام، و مهليئل 895 عاماً، و يارد 962 عاماً و اخنوخ 365 عاماً، و متوشالح 955 عاماً، و لامك 891 عاماً.

في المصادر التاريخيّة أنّ الإمام الخامس أخنوخ هو إدريس أو هرمس المثلث، و هو أوّل من خط بالقلم، و كان مسكنه في الكوفة، و قد ولد قبل الطوفان بمدَّة يسيرة، أمّا ابتداء الطوفان فكان سنة 2242. انّ الكتاب السماويَّ المتداول في الدّور الأوّل هو «الصحف» و تنسب إلى آدم.


1) . قال العلامة الروحاني: و لم يعلم انّ هُنَيْد مربى آدم و هو الإمام المقيم هل هو من جنس آدم أو ملك أو جنّ أو غيرها.

الدور الثاني:

اشارة

«و يبتدئ من وقت الطوفان سنة 2242، حتى ولادة إبراهيم الخليل، و مدّته تسعمائة و اثنتان و سبعون سنة و ستة أشهر و خمسة عشر يوماً.

العدد/الإمام المقيم/الرسول الناطق/أساس الدور/الإمام المتم/الإمام المستقر

1 - /هود/نوح 1642-350 /سام 2142-5000 /... /أرفكشاد بن سام «2» بعد الطوفان - 467

2 - /... /... /... /... /شالخ بن قينان بن أرفشكاد(1)276-567

3 - /... /... /... /... /عابر بن شالخ 466-930

4 - /... /... /... /... /فالج بن عابر 540-879

5 - /... /... /... /... /رعوا بن فالج 670-1009

6 - /... /... /... /... /سروج بن رعوا 802-1132

7 - /... /... /... /ناحور بن سروج/ناحور بن سروج 932-1140

التعليقات:

في هذا الدّور يظهر أنّ هوداً(2)هو الإمام الذي أقام و أنعم و ربّى الرسول


1) . كذا في المصدر.

2) . قال العلاّمة الروحاني: إنّ ظاهر الكتاب العزيز،. أنّ نوحاً عليه السّلام أقدم من هود عليه السّلام، قال سبحانه: «و قومَ نُوحٍ مِنْ قَبلُ إنّهم كانوا همُ أظلم و أطغى» (النجم/ 52) فكيف يمكن للمتأخر زماناً أن يربّي المتقدم؟!

الناطق نوح، و أنّ نوحاً هو صاحب رسالة النطق، و أنّ ساماً هو أساس الدّور، و يظهر أنّه سقط من الشجرة اسم «قينان بن أرفكشاد» والد شالخ. و قينان هذا أُبعد عن الإمامة و أسقط اسمُه من الشجرة الإماميّة لأنّه كان يتعاطى السّحر، فوصيَّة ارفكشاد تجاوزته إلى ولده شالخ. و يلاحظ أنّ هناك أكثر من مصدر تاريخي يؤكّد أنّ عابر بن شالخ هو «هود»، و بعض المصادر تؤكّد أنّ فالج هو ذو القرنين، أو هود، على اختلاف الروايات. و يلاحظ أنّ ناحور هو الإمام المتمّ للدّور الثاني.

إنّ نوحاً ولد سنة 1642 من ولادة آدم، و عند ما بلغ من العمر 600 عاماً جرى الطوفان الذي ابتدأ في العاشر من شهر رجب سنة 2242 من هبوط آدم، و قد دام الطوفان ستة أشهر، و انتهى في العاشر من شهر محرم سنة 2243. توفي نوح سنة 350 بعد الطوفان و عاش 950 عاماً، و دفن على جبل الجودي، من أعمال الموصل. و قد استوطن في مدّة حياته الكوفة.

أمّا أساس الدّور سام، فقد عاش 600 عاماً. من الواضح أنّ أرفكشاد عاش 465 عاماً، و شالخ 464 عاماً، و عابر 460 عاماً، و فالج 339 عاماً، و سروج 330 عاماً، و ناحور 205 أعوام.

الدور الثالث:

اشارة

«و يبتدئ من وقت ولادة إبراهيم حتى ظهور موسى، و مدَّته ألف و مائة و خمسون عاماً و سبعة أشهر و ثمانية أيّام».

التعليقات:

في هذا الدّور يبدو أنّه ظهر تطور جديد على قصة الإمامة، فالأئمّة المستقرّون من ولد إسماعيل بن إبراهيم، يدخلون كهف التقية و الاستتار و يحل محلّهم الأئمة المستودعون، الذين هم من ولد إسحاق بن إبراهيم، و قد ظل هذا الوضع قائماً حتى ظهور الناطق السادس محمد، الذي ينحدر من أُسرة الإمام المستقر إسماعيل، بينما الرسولان الناطقان، موسى و عيسى، ينحدران من أُسرة إسحاق بن إبراهيم الخليل، و من الواضح أنّه في عهد محمد ينتهي دور الاستيداع، و تعود الإمامة إلى الأئمّة المستقرين.

مما يجدر ذكره أنّ الرسول الناطق إبراهيم، ولد في الأهواز، و منها جاء إلى حوران، حيث اتخذها دار هجرة، و دفن في بيت المقدس، و قد عاش 113 عاماً، أمّا ولده الأكبر إسماعيل، فوالدته هاجر و قد عاش 137 عاماً، و دفن في بيت اللّٰه الحرام، و أما إسحاق الابن الثاني، فوالدته سارة، و كان يقيم بين الشام و القدس، و قد عاش 280 عاماً و دفن في بيت المقدس، و يأتي بعده ولده الذي عاش 307 أعوام، و قد دفن في القدس. و بعده يأتي أيضاً يوسف فقد عاش 110 أعوام، و دفن في مصر. أمّا أيّوب، و هو الإمام الخامس فقد توفي في (مسكنه) و عاش 93 عاماً، و يأتي بعده ابنه يونان، و هو يونس أو ذو النون، كما هو معروف، و مقامه في نينوى، قرب الموصل، على هذه الصفحة نلاحظ أنّ شعيب هو الإمام المستودع المتمّ للدور الثالث، و كان يقيم في مديَن.

الدور الرابع:

اشارة

التعليقات:

يلاحظ أنّه في هذا الدور لا يوجد أساس مستودع، و أنّ الأساس المستقر هو هارون أخو موسى. و يبدو أنّه بعد وفاته تسلَّم يوشع بن نون رتبته الأساسيّة. من الواضح أنّ إيليا بن بسباس هو «إيليا النبي»، و أنّ عمران بن ماثان هو «روبيل» و أنّ زكريا هو الإمام السابع المستودع المتمّ للدّور الرابع. في المصادر التاريخيّة أنّ موسى عاش 120 عاماً و نقل جثمانه من صحراء سيناء إلى القدس، و ولادته كانت في السابع من آذار سنة 425، و أنّ صموئيل الرائي عاش 53 عاماً، و أنّ داود بن بسي عاش 116 عاماً، و أنّ سليمان بن داود عاش 52 عاماً، و أنّ زكريا عاش 100 عام.

الدور الخامس:

اشارة

التعليقات:

في هذا الدّور يظهر على المسرح أربعة عشر إماماً مستقراً، يقابلهم سبعة أئمّة مستودعين، أيْ أنّ كلَّ إمام مستودع كان معاصراً لإمامين مستقرين، و لم يجر مثل هذا في الأدوار السابقة. و يلاحظ أنّ ولادة عيسى كانت سنة 1716 موسوية، أي بعد وفاة موسى، و قد قتل صلباً(1)سنة 1749، و عمّر ثلاثة و ثلاثين عاماً، أمّا أساس الدّور المستقر فكان يحيى، و هو الذي ولد قبل ولادة عيسى بستة أشهر، و هو يوحنا المعمدان نفسه، و من المعروف انّ هيرودس الروماني قتله سنة 1746، و أنّ الأساس الثاني المستقر للدور الخامس الذي سلم إليه هو «شمعون الصفا» أو سمعان بن يونان، أو بطرس الراهب، و يعتبر مربي عيسى و حجّة عمران بن ماتان الذي ورد ترتيبه، الإمام السادس المستودع في الدور الرابع.

و يلاحظ أنّ جرجس أو بحيرا الراهب هو الإمام السابع المستودع المتم للدور الخامس، و كان دعاته في الجزيرة العربية هم: عمرو بن نفيل، و ورقة بن نوفل، و زيد بن عمران، و هو الذي سلّم وراثة الأنبياء المستودعين، للإمام المستقر المقيم أبو طالب، يوم جاء إليه من الجزيرة العربية إلى دير بصرى الشام مع النبي محمد. و يلاحظ أنّ الإمام المستقر النضر بن كنانة، و كان يسمّى قيس، و لُقّب النضر لنضارته، و أنّ الإمام المستقر هو فهر بن مالك، كان لقبه مجمع قريش، و أنّ كلاّب بن مرة كان يلقب بالحكيم، أو عروة، و أنّ قصي بن كلاب هو زيد، و سمّي قصي لأنّه أُقصي عن عشيرته، و أنّ عبد مناف بن قصي اسمه المغيرة، و أنّ هاشم بن عبد المناف اسمه عمران، و أنّ عبد المطلب بن هاشم اسمه «شيبة الحمد».


1) . هذا الكلام تفنده الآية الشريفة: «و ما قَتَلُوهُ و مَا صَلَبُوهُ و لكِن شُبِّهَ لَهُم...» (النساء/ 157).

الدور السادس:

اشارة

«يبتدئ من تاريخ الهجرة المحمدية و ينتهي بظهور القائم المنتظر، و لا يمكن تحديد مدّته. إنّ الدور الكبير قد أصبح مقسماً إلى أدوار صغيرة».

التعليقات:

في هذا الدور يظهر أنّ عمران أبا طالب، هو الإمام المقيم في عهد الرسول الناطق محمد، و أنّ الإمام محمد بن إسماعيل هو الإمام السابع المتم. و يلاحظ أنّ الإمام الحسن بن علي لم يذكر في شجرة النسب لأنّه يعتبر إماماً مستودعاً لدى الإسماعيليين، و هكذا محمد بن الحنفية، و موسى بن جعفر (الكاظم).

تتمة الدور السادس [(1)]:

اشارة

«و يبتدئ من عهد معد بن إسماعيل «المعز لدين اللّٰه»، و لا يمكن بعد الآن الحكم على الأئمّة المتمّين بعد أن ظهر الاختلاف و تشعبت الشجرات».

التعليقات:

من الملاحظ هنا أنّ الإسماعيليين قد افترقوا بعد الإمام الثامن عشر المستنصر باللّٰه، إلى ثلاث فرق هي: النزاريّة «القاسميّة» الآغاخانية، و النزاريّة الإسماعيلية المؤمنيّة، و الإسماعيلية المستعلية، و يلاحظ أنّ الفرقة المستعلية قد توقفت عند الطيّب بن الآمر الإمام الحادي و العشرين، الذي دخل كهف التقيّة و الاستتار، كما يلاحظ أنّ الفرقة الدرزية قد توقفت عند الإمام السادس عشر الحاكم بأمر اللّٰه، و من الواضح أنّ النزاريّة نفسها قد انقسمت إلى فرقتين هما: المؤمنيّة، و القاسميّة (الآغاخانية)، كما سيظهر في الصفحات التالية.

تتمة الدور السادس [(2)]:

اشارة

«و يبتدئ من الإمام النزاري المؤمني حسن بن محمد، و ينتهي برضي الدين ابن محمد، و بقاهر النزاري القاسمي، و ينتهي بشمس الدين محمد و هو الإمام المتم السابع».

التعليقات:

يظهر أنّ الاختلاف لدى النزاريّة قد بدأ منذ عهد نزار بن المستنصر باللّٰه الفاطمي، ثمّ يظهر أنّ الفرقتين عادتا إلى الالتقاء مع أربعة أئمة هم: حسن بن محمد و «جلال الدين» و محمد بن الحسن و «علاء الدين» و محمود بن محمد «ركن الدين» و محمد بن محمود «شمس الدين» و هؤلاء يشكّلون الأرقام: 22 و 23 و 24 و 25. أمّا لدى النزارية القاسمية الآغاخانية فيشكّلون الأرقام 25 و 26 و 27 و 28. و بعد الإمام محمد شمس الدين انقسمت النزارية انقساماً فعليّاً إلى فرقتين:

فالمؤمنية ساقت الإمامة بمؤمن «الابن الأكبر»، و القاسمية ساقتها بقاسم «الابن الأصغر»، و كلّ هذا جاء مفصّلاً في الصفحات التالية:

تتمة الدور السادس [(3)]:

اشارة

«و يبتدئ من طاهر بن رضي الدين، و ينتهي بعطية اللّٰه، و هو الخامس و الثلاثون في شجرة المؤمنية، أمّا لدى القاسمية فيبتدئ بقاسم شاه و رقمه 29، و ينتهي بالإمام أبي الذر علي، و هو الإمام الخامس و الثلاثون من شجرة قاسم».

التعليقات:

ما تزال الشجرتان النزاريتان قائمتين هنا، و هما الوحيدتان بين فرق الشيعة الإماميّة اللتان ظلتا سائرتين على النهج الإمامي.

تتمة الدور السادس [(4)]:

اشارة

«و يبتدئ من عزيز بن عطية اللّٰه و رقمه 36، و ينتهي بالإمام محمد بن حيدر «الأمير الباقر» و هو الإمام الخامس لدى الفرقة المؤمنية، و بعهده انقطعت الفرقة المؤمنيّة عن الاتصال، أمّا لدى القاسميّة فيبتدئ من الإمام مراد ميرزا، و ينتهي بحسن علي و هو متمٌّ و سابع.

التعليقات:

يظهر أنّ الفرقة المؤمنية النزارية توقفت عن السير الإمامي في عهد الإمام محمد بن حيدر الأمير الباقر، رقم 40، و ذلك سنة 1210 ه. أمّا شقيقتها القاسميّة. فظلت سائرة على المنهج الإمامي حتى عهدنا الحاضر.

تتمة الدور السادس [(5)]:

اشارة

و يبتدئ من الإمام قاسم علي، و ينتهي بالإمام «كريم علي خان»، و ترتيبه التاسع و الأربعون، و هو متمم للدّور و سابع.

التعليقات:

يظهر أنّ الفرقة المؤمنيّة النزارية، قد اختفت عن المسرح الإمامي، و أنّ النزارية القاسميّة الآغاخانية ظلّت وحدها سائرة دون انقطاع عن الركب الإمامي حتى يومنا هذا، و هي الوحيدة بين الفرق الإمامية التي لم تتوقف.

و يلاحظ أنّ الإمام الأخير التاسع و الأربعين «كريم خان» ليس هو ابن سلطان محمد شاه، بل حفيده، و يظهر أنّ اسم علي خان و هو النجل الأكبر لسلطان محمد شاه، قد أسقط من الشجرة بموجب وصيّة عامّة من والده. إنّ الأمير علي خان توفي في باريس بحادث سيارة بتاريخ 12 أيار سنة 1960، و كان يمثل باكستان في الأُمم المتحدة.

تتمة الدور السادس [(6)]:

اشارة

«هذا الدّور الصغير يبتدئ من الإمام محمد إسماعيل حتى عهد الإمام معد ابن إسماعيل «المعز لدين اللّٰه» و يعتبر جزءاً من الدّور الكبير الذي يبتدئ من عهد محمد حتى القائم المنتظر».

التعليقات:

يلاحظ هنا أنّه لم يعد هناك أيُّ وجود للناطق أو للأساس، و أصبح الإمام هو الذي يحمل مهمات الناطقية، كما أنّ مهمات الأساسيّة يحملها الحجّة أو الباب. في شجرات الدروز و المستعلية لا يرد اسم «عبيد اللّٰه المهدي» بين أسماء الأئمّة المستقرين و يرد مكانه اسم «علي بن الحسين» و هذا لم تحقّقه المصادر و لا الوقائع حتى الآن. و مهما يكن من أمر فنحن ما نزال نعتبر «عبيد اللّٰه المهدي» إماماً مستقراً منتظرين المزيد من المعلومات و المصادر و الاكتشافات التاريخية.(1)


1) . عارف تامر، الإمامة في الإسلام: 145-161، و التعليقات كلها له.

تأملات في أدوار الإمامة

إنّ ما ذكره الكاتب الإسماعيلي، لا يخلو من تأمّلات، و إشكالات، نشير إليها:

الأوّل: انّ ما ذكره من الأدوار الستة للإمامة و انّ كلَّ رسول ناطق تتلوه أئمّة سبعة، على النحو السابق، أمر مبنيٌّ على الظن و التخمين، لا على القطع و اليقين، فإنّ التحدُّثَ عن الأئمّة الذين قاموا بالأمر، بعد الرسول الناطق، آدم، فنوح، فإبراهيم، فموسى، فعيسى، فمحمد - صلّى اللّٰه عليه و آله و عليهم السّلام - يبتني على أساطير، لا يمكن الإذعان بها، و لا أدري أنّ الكاتب إلى أيِّ كتابٍ، و سند قطعيّ اعتمد عليه في استخراج هذه القوائم، مع أنّه - حسب اعتراف الكاتب - يعترف بأنّ هذه الدرجات بالتفصيل ظلّت مجهولة لدى الباحثين، و مقصورة على طبقة خاصة من العلماء.(1)

الثاني: أن تفسير الإمام المقيم، بأنّه هو الذي يقيم الرسول الناطق، و يعلمه و يربيه، و يدرجه في مراتب رسالة النطق، و ينعم عليه بالإمدادات، و أحياناً يطلقون عليه اسم «ربّ الوقت» و «صاحب العصر» و تعتبر هذه الرتبة أعلى مراتب الإمامة و أرفعها، و أكثرها دقَّة و سرّية(2)، و على ما ذكره ف «هُنيد» إمام مقيم لآدم، و هود لنوح، و تارح لإبراهيم، و «أد» لموسى و خزيمة لعيسى، و أبو طالب لمحمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم. و معنى ذلك أنّ هؤلاء أفضل من النطقاء الستة، الذين هم أُولو العزم من الرسل.

و هل «هُنيد» أفضل من آدم الذي اختاره اللّٰه سبحانه بتعليم الأسماء؟! أو أنّ هود أفضل من شيخ الأنبياء نوح، و هو الذي بُدئت به الشرائع؟! و هل تارح


1) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 142.

2) . المصدر السابق: 143.

أفضل من إبراهيم، الذي وصفه اللّٰه سبحانه بصفات عظيمة في القرآن الكريم و لم يصف بها غيره؟! و بالتالي يلزم أن يكون أبو طالب عليه السّلام أفضل من محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم!!

الثالث: انّ الإمام المتمّ هو الإمام السابع، المتم لرسالة الدور، و أنّ قوته تكون معادلة لقوّة الأئمّة الستة الذين سبقوه في الدور نفسه بمجموعهم، و من جهة ثالثة يطلق عليه اسم ناطق الدور أيْ أنّ وجوده يشبه وجود الناطق بالنسبة للأدوار.

و معنى ذلك أن يكون إسماعيل بن جعفر عليه السّلام أو محمد بن إسماعيل - على القول بأنّه متمّ الدّور - أفضلُ من خاتم النبيين الذي هو أفضل الخليقة باعتراف الفريقين.

الرابع: أنّ الكاتب أخرج الحسن بن علي عليهما السّلام عن قائمة الإمامة، بحجّة أنّه لم يكن إماماً مستقراً، بل إماماً مستودعاً، و معنى ذلك أنّ كلّ الأئمّة الذين جاءوا بعد كلّ رسول ناطق من زمان آدم إلى زمان الخاتم، كانوا أئمّة مستقرين، و ليس للكاتب دليل على ذلك، مع أنّ إخراجه ينافي قول الرسول الذي نقلته الإسماعيليّة في كتبهم من قوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم:

«الحسن و الحسين إمامان قاما أو قعدا»، و معنى كلامه أنّهما صنوان لا يتفاوتان.

الخامس: أنّ الكاتب بإخراجه الحسن بن علي عليهما السّلام عن قائمة الإمامة، جعل محمداً بن إسماعيل هو الإمام السابع الذي به يتم الدّور مع أنّ الإسماعيليّة يعتبرونه رسولاً ناطقاً، و المتم في الأدوار السابقة من زمان آدم إلى زمان نبي الإسلام، لم يكن رسولاً ناطقاً.

و الكاتب في الوقت نفسه جعله بادئاً للدور حيث قال في ص 156: هذا الدّور الصغير يبتدئ من الإمام محمد بن إسماعيل، حتى عهد الإمام معد بن إسماعيل «المعز لدين اللّٰه»، و لو كان الميزان هو الأدوار السابقة، لا يكون متمَّ الدّور، بادئ الدور باسم الرسول الناطق.

و بالجملة أنّ جعل محمد بن إسماعيل متمّاً للدّور من جانب، و ناطقاً سابعاً، ناسخاً للشريعة، التي سبقته من جانب آخر، أمران متناقضان، إذا كان الميزان هو الأدوار السابقة.

لكن الظاهر من كلام مصطفى غالب، في كتابه «تاريخ الدعوة الإسماعيليّة» غير ذلك، و أنّ متمَّ الدّور في الأدوار السابقة أيضاً، هو الرسول الناطق، و أنّ نوحاً كان متمَّ الدّور، و في الوقت نفسه رسولاً ناطقاً، و أنّ محمّداً صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم كان متمَّ الدَّور و في الوقت نفسه رسولاً ناطقاً. و قد استشهد على ما ذكره بكلام الداعي إدريس في كتابه «زهر المعاني» و إليك نصهما:

و يعتبر الإمام محمد بن إسماعيل أوّل الأئمّة المستورين، و الناطق السابع، و متمّ الدّور، فقام بنسخ الشريعة التي سبقته، و بذلك جمع بين النطق و الإمامة، و رفع التكاليف الظاهرة للشريعة، و نادى بالتأويل، و اهتمَّ بالباطن.

و لذلك قال فيه الداعي إدريس في كتابه «زهر المعاني» ص 56: «إنّما خُصَّ محمد بن إسماعيل بذلك لانتظامه في سلك مقامات دور الستر، لأنّك إذا عددت آدم و وصيّه و أئمّة دوره، كان خاتمهم الناطق و هو نوح عليه السّلام... و إذا عددت عيسى و وصيَّه و أئمّة دوره، كان محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم متسلّماً لمراتبهم، و هو الناطق خاتم للنطقاء، و كان وصيُّه عليه السّلام بالفضل منفرداً به، و إذا عددت الأئمّة في دوره كان محمد بن إسماعيل سابعهم، و للسابع قوّةٌ على من تقدَّمهُ، فلذلك صار ناطقاً و خاتماً للاسبوع، و قائماً، و هو ناسخ شريعة صاحب الدّور السادس، ببيان معانيها، و إظهار باطنها المبطن فيها.(1)

فهذان الكاتبان اللّذان قاما في عصرنا هذا بنشر آثار الإسماعيليّة، و تبيين عقائدها، قد صوّرا الأدوار السابقة بصورتين متناقضتين.

فعارف تامر يصوّر الأئمّة سبعة سابعهم متمّمهم، و يتلوه الرسول الناطق


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 148.

بادئ الدّور الجديد؛ و مصطفى غالب يصوّرهم سبعة، سابعهم متمّمهم، و في الوقت نفسه الرسول الناطق.

و هناك وجه آخر، و هو أن يختلف حكم الأدوار الستة، مع الدَّور السابع، فيكون الإمام المتمُّ في الدّور الأخير متمّاً و رسولاً ناطقاً على خلاف الأدوار الستة، و وجه ذلك أنّ هذا الدّور ليس دوراً مستقلاً، بل تتمّة للدور السادس، و لذلك يقول عارف تامر في التعريف بهذا الدور بالشكل التالي:

تتمة الدور السادس:

و هذا الدور الصغير يبتدئ من الإمام محمد بن إسماعيل حتى عهد الإمام «معد بن إسماعيل» المعز لدين اللّٰه، و يعتبر جزءاً من الدّور الكبير الذي يبتدئ من عهد «محمد» حتى القائم المنتظر.(1)

و ما ذكرنا من الوجه هو الظاهر من الحامدي في كتابه «كنز الولد» و سيوافيك نصّه في الفصل الخاص بترجمة أعلام الإسماعيليّة.

السادس: أنّ المعروف بين الإسماعيليّة في العصور الأُولىٰ، أنّ محمد بن إسماعيل هو الرسول الناطق، و هو ناسخ للشريعة، و قد نسبه النوبختي إلى طائفة من الإسماعيليّة باسم القرامطة و قال: و زعموا أنّ محمد بن إسماعيل حيٌّ لم يمت و أنّه في بلاد الروم، و أنّه القائم المهدي؛ و معنى القائم عندهم أنّه يبعث بالرسالة و بشريعة جديدة، ينسخ بها شريعة محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و أنّ محمد بن إسماعيل من أُولو العزم، و أُولو العزم عندهم سبعة: نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و محمد، و علي، و محمد بن إسماعيل.(2)

و لما كان القول بذلك يصادم اتفاق جمهور المسلمين على أنّ شريعة الإسلام هي الشريعة الخاتمة، و نبيّها هو النبي الخاتم، و كتابه خاتم الكتب، تجد أنّ


1) . الإمامة في الإسلام: 156.

2) . النوبختي: الفرق بين الفرق: 73.

مصطفى غالب، ينقل عن الداعي إدريس «عماد الدين» في كتابه «زهر المعاني» أنّ المراد أنّه يبيّن معاني الشريعة، و يظهر باطنها المبطن فيها.(1)

و لكنّه تصرّف في العقيدة، فإنّ الظاهر من عطف محمد بن إسماعيل على سائر النطقاء، كنوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و محمد، أنّه ناسخ بالحقيقة، و إلّا يلزم الاختلاف في معنى النسخ.

السابع: قد عرفت أنّ لازم القاعدة التي استنبطها الكاتب من بطون التاريخ، في أدوار الإمامة أن تكون شريعة كلِّ رسول منتهية بظهور الإمام السابع، و يكون الإمام اللاحق بادئاً للدّور الجديد، مع أنّه يُرى انتقاض القاعدة في ظهور محمد بن إسماعيل، حيث جعل الكاتب عارف تامر دوره متماً للدّور السادس لا بادئاً للدّور الجديد، و أضاف بأنّه ينتهي بظهور الإمام القائم المنتظر، و لا يمكن تحديدُ مدّته.

يلاحظ عليه: أنّ إدراج القائم المنتظر، الذي هو من صميم عقائد الإماميّة الاثني عشريّة في عقائد الإسماعيليّة غريب جداً من وجهين:

1 - إخراج محمد بن إسماعيل عن مقامه العظيم في العقيدة الإسماعيليّة، و جعل الأدوار التالية حتى دور محمد بن إسماعيل من توابع دور محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم.

2 - انتظار الإسماعيليّة للقائم المنتظر، فإنّ القائم المنتظر في عقيدة الشيعة الإماميّة أقلّ بكثير من صاحب الدور عند الإسماعيليّة.

و أظن أن جعل الدور الذي بدأ به محمد بن إسماعيل جزءاً من الدّور السادس، لا دوراً مستقلاً لأجل استقطاب نظر جمهور المسلمين إلى أنفسهم حتى ينسلكوا في عداد المسلمين.(2)

كلّ ذلك يُعرب عن عدم وجود نظام عقائدي منسق عندهم.


1) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 148، نقلاً عن زهر المعاني: 56.

2) . الإشكال السابع من إفادات العلاّمة الروحاني - دام ظلّه -.

الفصل الثاني عشر: في نظرية المثل و الممثول أو تأويلات الإسماعيلية

اشارة

إنّ نظرية المثل و الممثول تُعدُّ الحجر الأساس لِعامّة عقائد الإسماعيليّة، التي جعلت لكلِّ ظاهر باطناً، و سمّوا الأوّل مثلاً، و الثاني ممثولاً. و عليه تبتني نظرية التأويل الدينيّة الفلسفية، فتذهب إلى أنّ اللّٰه تعالى جعل كلَّ معاني الدّين في الموجودات، لذا يجب أن يُستدل بما في الطبيعة على إدراك حقيقةَ الدين، فما ظهر من أُمور الدين من العبادة العمليّة، التي بيّنها القرآن معاني يفهمها العامّة، و لكن لكلّ فريضة من فرائض الدين تأويلاً باطناً، لا يعلمه إلّا الأئمّة، و كبار حججهم و أبوابهم و دعاتهم.(1)

يقول الداعي المؤيد في الدين الشيرازي: خلق اللّٰه أمثالاً و ممثولات، فجسم الإنسان مثل، و نفسه ممثول، و الدنيا مثَل و الآخرة ممثول، و انَّ هذه الأعلام التي خلقها اللّٰه تعالى، و جعل قُوام الحياة بها، من الشمس و القمر، و النجوم، لها ذوات قائمة، يحل منها محل المثل و انّ قواها الباطنة التي تؤثر في المصنوعات، هي ممثول تلك الأمثال.

و قال صاحب المجالس المستنصرية: معشر المؤمنين انّ اللّٰه تعالى ضرب لكم الأمثال جملاً و تفصيلاً، و لم يستح من صغر المثال إذا بيّن به ممثولاً، و جعل ظاهر القرآن على باطنه دليلاً، و من قصيدة المؤيد للدين يقول فيها:

أقصد حمى ممثوله دون المَثل *** ذا أبرُ النحل(2)و هذا كالعسل


1) . مصطفى غالب: في مقدمة الينابيع: 13.

2) . ابر النحل: لذعته

و استناداً إلى نظرية المثل و الممثول يجب أن يكون في العالم الأرضي عالم جسماني ظاهر يماثل العالم الروحانيّ الباطن.(1)

1 - العقول العشرة

إنّ الإسماعيليّة استخدمت في تطبيق تلك النظرية، على ما تتبناه من تطبيق الدعوة الدينيّة على عالم التكوين نظرية الفلسفة اليونانية في كيفيّة حصول الكثرة في العالم، و لم يكن الهدف في استخدام نظريتهم، في بيان صدور الكثرات من الواحد البسيط، إلّا تطبيقها على الدعوة الدينيّة، حتى يكون لكلِّ ظاهر باطن.

توضيحه: أثبتت البراهين الفلسفيّة أنّه سبحانه واحد، بسيط من جميع الجهات، لا كثرة فيه، لا خارجاً و لا عقلاً، و لا وهماً

ثمّ إنّهم بعد البرهنة على تلك القاعدة، وقعوا في مأزق و هو أنّه كيف صدرت من الواحد البسيط - الذي لا يصدر عنه إلّا الواحد - هذه الكثرات في عالم العقول، و الأفلاك، و الأجسام؟

ذهب أرسطو و تلاميذه، و من تبعهم من المسلمين كالفارابي و الشيخ الرئيس، إلى أنّ الصادر منه سبحانه واحد، و هو: العقل الأوّل، و هو مشتمل على جهتين:

جهة لعقله لمبدئه، وجهة إضافته إلى ماهيته.

فبالنظر إلى الجهة الأُولى صدر العقل الثاني، و بالنظر إلى الجهة الثانية صدر الفلك الأوّل و نفسه، الذي هو الفلك الأقصى.

و صدر من العقل الثاني لهاتين الجهتين، العقل الثالث، و الفلك الثاني مع نفسه، الذي هو فلك الثوابت.


1) . مصطفى غالب: في مقدمة الينابيع: 13.

ثمّ صدر من العقل الثالث لهاتين الجهتين، العقل الرابع، و الفلك الثالث مع نفسه، الذي هو فلك زحل.

و بهذا الترتيب، صدر العقل الخامس و الفلك الرابع، الذي هو فلك المشتري، إلى أن وصل عدد العقول إلى عشرة، و عدد الأفلاك مع نفوسها تسعة.

و تبنّى المذهب الإسماعيلي، الذي هو مذهب ذو صبغة فلسفيّة يونانيّة هذه النظرية مع اختلاف يسير في التعبير لا غير، و الفكرة الرئيسيّة عندهم واحدة.

فمثلاً يعبّر الداعي الكرماني عن العقل الأوّل بالمبدع، كما يعبّر عن العقل الثاني بالمنبعث الأوّل، و كلا المسلكين يشتركان في أنّه يبتدئ الصدور بالعقل الأوّل، الذي تسمّيه فلسفةُ المشاء بالعقل الأوّل، و المذهب الإسماعيليّ بالمبدع الأوّل، و تنتهي بالعقل الفعّال، و يتوسط بين العقل الأوّل و العقل الفعّال سلسلة العقول، و الأفلاك الأُخرى.

يقول الداعي الكرماني:

و العقل الأوّل مركز لعالم العقول إلى العقل الفعّال، و العقل الفعّال عاقل للكل، و هو مركز لعالم الجسم، من الأجسام العالية الثابتة (الأفلاك) إلى الأجسام المستحيلة المسمّاة عالم الكون و الفساد (العناصر الأربعة).(1)

يقول الحكيم السبزواري في بيان تلك النظرية:

فالعقل الأوّل لدى المشاء *** وجوبه مبدأ ثان جاء

و عقله لذاته للفلك *** دان لدان سامك لسامك

و هكذا حتى لعاشرٍ وصل *** و الفيض منه في العناصر حصل

بالفقر معط لهيولى العنصر *** و بالوجوب لنفوس صور

فللهيولى كثرة استعداد *** بحركات السبعة الشداد(2)


1) . راحة العقل: 127-129.

2) . السبزواري: شرح المنظومة: 185.

ثمّ إنّ المهم تطبيق هذه الدرجات الكونية على درجات الدعوة الدينيّة عند الإسماعيليّة، فقد جعلوا لكل ظاهر باطناً، و لكلّ درجة كونيّة درجة دينيّة، و إليك جدولاً يوضح ذلك:

1 - العقل الأوّل/ الناطق.

2 - العقل الثاني/ الفلك الأقصى/ الأساس.

3 - العقل الثالث/ فلك الثوابت/ الإمام.

4 - العقل الرابع/ فلك زحل/ الباب.

5 - العقل الخامس/ فلك المشتري/ الحجّة.

6 - العقل السادس/ فلك المريخ/ داعي البلاغ.

7 - العقل السابع/ فلك الشمس/ الداعي المطلق.

8 - العقل الثامن/ فلك زهرة/ الداعي المحدود.

9 - العقل التاسع/ فلك عطارد/ المأذون المطلق.

10 - العقل العاشر/ فلك القمر/ المأذون المحدود، و ربّما يُطلق عليه المكاسر و المكالب.(1)

هذا عرض موجز عن الدرجات الدينيّة للدعوة، و أمّا تفسيرها فإليك بيانها إجمالاً:

1 - الناطق: و له رتبة التنزيل.

2 - الأساس: و له رتبة التأويل.

3 - الإمام: و له رتبة الأمر.

4 - الباب: و له رتبة فصل الخطاب.


1) . إنّ محقّقي كتاب راحة العقل لم يذكروا فلك الثوابت، و لهذا صار العقل ممثولاً لما دون القمر، و جعلوا فلك الأفلاك و المحيط. فلكين مستقلين، مع أنّهما في هيئة بطليموس، فلك واحد، إلّا أن يختلف ترتيب العوالم العلوية عند الإسماعيليّة مع ما هو الثابت في علم الهيئة (لاحظ راحة العقل، ص 25).

5 - الحجّة: و له رتبة الحكم فيما كان حقّاً أو باطلاً.

6 - داعي البلاغ: و له رتبة الاحتجاج، و تعريف المعاد.

7 - الداعي المطلق: و له رتبة تعريف الحدود العلوية و العبادة الباطنية.

8 - الداعي المحصور، أو المحدود: و له رتبة تعريف الحدود السفليّة و العبادة الظاهرة.

9 - المأذون المطلق: و له رتبة أخذ العهد و الميثاق.

10 - المأذون المحدود: و له رتبة جذب الأنفس المستجيبة، و هو المكاسر.(1)

2 - النطقاء السبعة و أمثالها:

و ربّما يعبّرون عنها بالحروف السبعة (آ، ن، إ، م، ع، م، ق) و هي الحروف الأُولى من أسماء النطقاء السبعة، و هم:

آدم، نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد، قائم(2)مع أُسسهم ممثولين للأفلاك السبعة بالشكل التالي:

المثل/الممثول/أساسه

1 - /زحل/آدم/شيث

2 - /المشتري/نوح/سام

3 - /المريخ/إبراهيم/إسماعيل

4 - /الشمس/موسىٰ/يوشع

5 - /الزهرة/عيسىٰ/شمعون

6 - /عطارد/محمد/علي

7 - /القمر/القائم/مهدي(3)


1) . مصطفى غالب: في مقدمة كتاب الينابيع 23.

2) . يريدون به محمد بن إسماعيل، لأنّ والده توفي في حياة أبيه، فانتقلت الإمامة إليه، و هو القائم و الإمام المستقر، و أمّا الإمام الكاظم عليه السّلام فقد كان إماماً مستودعاً.

3) . القصيدة الشافية: 38، قسم التعليقة.

3 - الأنوار الخمسة و أمثالها:

الأنوار الخمسة، عبارة عن أُولى الموجودات في العالم، و هي: السابق، و التالي، و الجد، و الفتح، و الخيال، و كلُّها ممثولات، و لها أمثلة في الحدود العلويّة، و في عالم الدين، و عالم المادة بالشكل التالي:

الممثول/المثل في العالم العلوي/الممثول في عالم الدين/المثل في عالم الجسم

1 - /السابق/العقل الكلّي/النبي/السماء

2 - /التالي/النفس الكلّي/الإمام/الأرض

3 - /الجد/إسرافيل/الوصي/المعدن

4 - /الفتح/ميكائيل/الحجّة/النبات

5 - /الخيال/جبرائيل/الداعي/الحيوان

و كلٌّ يأخذ الفيض من السابق، و يفيضه إلى التالي.(1)

و إلى هذه الأنوار الخمسة يشير الداعي في قصيدته الشافية عند ذكر توبة آدم و توسله بها قائلاً:

و عاد للّٰه بحسن التوبة *** آدم كي يغفر تلك الحوبة

و قال يا ربي إنّي أسأل *** و إنّني عن زلّتي منفصل

مُبتهلاً بالخمسة الأنوار *** أوّل ما أبدعته في الدّار

من سابق كان بلا مثال *** و لا حق يتلوه بالكمال

و الجد ثمّ الفتح و الخيال *** و بالحروف السبعة الأشكال(2)


1) . القصيدة الشافية: 37، قسم التعليقة؛ ناصر خسرو: خوان الإخوان: 199.

2) . القصيدة الشافية: 37

نماذج من تأويلاتهم الفقهية

اشارة

لما كان القول بالمثَل و الممثول أساساً للتأويل، نذكر في المقام بعض تأويلاتهم في الشريعة.

قالت الإسماعيليّة: إنّ لكلّ ظاهر في الشريعة، كالوضوء، و الصلاة، و الزكاة، و الجهاد، و الحج، و الولاية، و غيرها باطناً، يجب الإيمان به.

و قد كتب كثير من الفاطميين كُتباً في التأويل، غير أنّ قاضي القضاة، النعمان بن محمد، قام بأمرين:

الأوّل: ألَّف كتاباً باسم «دعائم الإسلام» و ذكر الحلال و الحرام و القضايا و الأحكام، و طبع الكتاب في جزءين و هو يشتمل على الكتب التالية:

1 - كتاب الولاية.

2 - كتاب الطهارة.

3 - كتاب الصلاة.

4 - كتاب الزكاة.

5 - كتاب الصوم و الاعتكاف.

6 - كتاب الحج.

7 - كتاب الجهاد.

8 - كتاب البيوع و الأحكام.

9 - كتاب الأيمان و النذور.

10 - كتاب الأشربة.

11 - كتاب الأطعمة

12 - كتاب الطب.

13 - كتاب اللباس و الطبيب.

14 - كتاب الصيد.

15 - كتاب الذبائح.

16 - كتاب الضحايا و العقائق.

17 - كتاب النكاح.

18 - كتاب الطلاق.

19 - كتاب العتق.

20 - كتاب العطايا.

21 - كتاب الوصايا.

22 - كتاب الفرائض.

23 - كتاب الدّيات.

24 - كتاب الحدود.

25 - كتاب السُّرّاق و المحاربين.

26 - كتاب الرّدة و البدعة

27 - كتاب الغصب و التعدّي.

28 - كتاب العارية و الوديعة.

29 - كتاب اللفظة و اللقيطة و الآبق.

30 - كتاب القسمة و البنيان.

31 - كتاب الشهادات.

32 - كتاب الدعوى و البينات.

33 - كتاب آداب القضاة.

و هو في الحقيقة يحتوي على ظواهر الشريعة.

الثاني: ألَّف كتاباً، حاولَ فيه أن يبيّن التأويل الباطني لجميع الأحكام، أسماه ب «تأويل الدعائم» و استطاع أن يُنهي تأليف الجزء الأوّل منه، و الذي يشتمل على كتاب الولاية، و الطهارة، و الصلاة، و لكنَّ المنيّة حالت دون إتمامه لتأويل بقيّة الأبواب الفقهية.

و لذا نقتصر في المقام على ما جاء في هذا الكتاب، بوجه مُوجز، و هدفنا ذكر نماذج، منها فقط، لأنّنا لا نروم التفصيل و الاستقصاء في هذا البحث.

و ليعلم أنّ للفاطميين كتباً كثيرةً في التأويل، و قد وَعَدَ محقّق كتاب «تأويل الدعائم» محمد حسن الأعظمي أن ينشر بعضها في المستقبل.(1)

لمّا كان التأويل أمراً شخصيّاً، يختلف باختلاف الدّاعي، و اختلاف ذوقه، اختلفت كلمة الدعاة أشدَّ الاختلاف، في مسائل كثيرة، يقول محقّق كتاب راحة العقل، ما هذا لفظه:

الداعي النخشبي وضع كتابه المحصول في فلسفة المذهب. و جاء بعده أبو حاتم الرازي، فوضع كتابه الإصلاح، و خالف فيه أقوال من سبقه، ثمّ جاء أبو يعقوب السجستاني، أُستاذ الكرماني، فانتصر للنخشبي، و خالف أبا حاتم، ثمّ جاء الكرماني الذي استطاع أن يوفّق بين آراء شيخه و آراء أبي حاتم.(2)

إنّ المواضع المقتطفة من كتاب «تأويل الدعائم» يعرب عن أمرين:

الأوّل: أنّ جميع التأويلات مبنيّة على: أُسس فلسفيّة ذوقيّة، لا تتمتع بالبرهان كأكثر تأويلات الصوفيّة.

الثاني: أنّ غالب التأويلات مبنيّة على ثبوت مقامات غيبيّة لأئمّتهم. و من أجل أن يقف القارئ بنفسه، و يتيقن من صحة الدعوى التي ذكرناها هنا، سوف نستعرض مجموعة من النماذج لآرائهم، و هي:


1) . تأويل الدعائم: 35، قسم المقدمة.

2) . راحة العقل: 17، مقدمة المحققين.

كتاب الولاية (الدعامة الأُولىٰ)

جاء في كتاب تأويل الدعائم: عن الباقر عليه السّلام: «بني الإسلام علىٰ سبع دعائم:(1)

الولاية: و هي أفضل و بها و بالوليّ يُنتهىٰ إلى معرفتها، و الطهارة، و الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الحج و الجهاد»، فهذه كما قال عليه السّلام: دعائم الإسلام قواعده، و أُصوله التي افترضها اللّٰه على عباده.

و لها في التأويل الباطني أمثال، فالولاية مَثلُها مَثلُ آدم (ص) لأنّه أوّل من افترض اللّٰهُ عزّ و جلّ ولايته، و أمر الملائكة بالسجود له، و السجود: الطاعة، و هي الولاية، و لم يكلفهم غير ذلك فسجدوا إلّا إبليس، كما أخبر تعالى، فكانت المحنةُ بآدم (ص) الولاية، و كان آدمُ مثلَها، و لا بدَّ لجميع الخلق من اعتقاد ولايته، و من لم يتولّه، لم تنفعْهُ ولاية من تولّاه من بَعده، إذا لم يدُن بولايته و يعترف بحقّه، و بأنّه أصل مَنْ أوجب اللّٰهُ ولايتَه من رسله و أنبيائه و أئمّة دينه، و هو أوّلهم و أبوهم.

و الطهارة: مَثَلُها مَثَلُ نوح عليه السّلام، و هو أوّل مبعوث و مرسل من قبل اللّٰه، لتطهير العباد من المعاصي و الذنوب التي اقترفوها، و وقعوا فيها من بعد آدم (ص)، و هو أوّل ناطق من بعده، و أوّلُ أُولي العزم من الرسل، أصحاب الشرائع، و جعلَ اللّٰه آيته التي جاء بها، الماء، الذي جعله للطهارة و سمّاه طهوراً.

و الصلاة: مَثَلُها مَثَلُ إبراهيم (ص) و هو الذي بَنى البيتَ الحرام، و نصبَ المقام، فجعل اللّٰه البيت قبلة، و المقامَ مصلّىٰ.

و الزكاة: مثلها مثل موسى، و هو أوّل من دعا إليها، و أُرسل بها، قال تعالى: «هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ مُوسىٰ * إِذْ نٰادٰاهُ رَبُّهُ بِالْوٰادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً * اِذْهَبْ إِلىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغىٰ * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلىٰ أَنْ تَزَكّٰى».(2)


1) . المرويّ عن طرقنا: بنى الإسلام على خمس.

2) . النازعات: 15-18.

و الصوم: مَثَلُه مثل عيسى عليه السّلام و هو(1)أوّل ما خاطب به أُمّه، أن تقولَ لِمَنْ رأته من البشر، و هو قوله الذي حكاه تعالى عنه لها: «فَإِمّٰا تَرَيِنَّ مِنَ اَلْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنْسِيًّا».(2)و كان هو كذلك يصوم دهره، و لم يكن يأتي النساء، كما لا يَجوز للصائم أن يأتيهنّ في حال صومه.

و الحج: مَثَلُه مَثَلُ محمّد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و هو أوّل من أقام مناسك الحج، و سنَّ سنته، و كانت العرب و غيرها من الأُمم، تحجّ البيت في الجاهليّة و لا تقيم شيئاً من مناسكه، كما أخبر اللّٰه تعالى عنهم بقوله: «وَ مٰا كٰانَ صَلاٰتُهُمْ عِنْدَ اَلْبَيْتِ إِلاّٰ مُكٰاءً وَ تَصْدِيَةً».(3)

و كانوا يطوفون به عُراة، فكان أوّلُ شيء نهاهم عنه ذلك فقال، في العُمرة التي اعتمرها، قبل فتح مكة، بعد أن وادعَ أهلَها، و هم مشركون: «لا يطوفنّ بعد هذا بالبيت عريان، و لا عريانة»، و كانوا قد نصبوا حول البيت أصناماً لهم يعبدونها، فلمّا فتح اللّٰهُ مكّة كسّرها، و أزالها، و سنَّ لهم سُنن الحجّ، و مناسكه، و أقام لهم بأمر اللّٰهِ معالمه. و افترض فرائضه. و كان الحجّ خاتمة الأعمال المفروضة، و كان هو صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم خاتم النبيين، فلم يبق بعدَ الحجّ من دعائم الإسلام غير الجهاد، و هو مثل سابع الأئمّة، الذي يكون سابع اسبوعهم الأخير، الذي هو صاحب القيامة.(4)


1) . الظاهر أنّ ضمير الفاعل يرجع إلى روح الأمين.

2) . مريم: 26.

3) . الأنفال: 35.

4) . النعمان: تأويل الدعائم: 51/1-52.

كتاب الطهارة (الدعامة الثانية)

اشارة

قال صاحب تأويل الدعائم: لا يجزي في الظاهر صلاة بغير طهارة، و من صلّى بغير طهارة لم تُجزِه صلاتُه، و عليه أن يتطهّر، و كذلك (في الباطن) لا تجزي و لا تنفع دعوة مستجيبٍ يدعى، و يؤخذ عليه عهد أولياء اللّٰهِ حتى يتطهّر من الذنوب، و يتبرأ من الباطل كلِّه، و من جميع أهله، و إن تبرأ من الباطل بلسانه، مقيم على ذلك، لم تنفعه الدعوة، و لم يكن من أهلها، حتى يتوبَ و يتبرأ ممّا تجب البراءة منه، فيكون طاهراً من ذلك، كما قال تعالى: «وَ ذَرُوا ظٰاهِرَ اَلْإِثْمِ وَ بٰاطِنَهُ»(1).(2)

و يقول: إنّ الأحداث التي توجب الطهارة لها في الباطن أمثال، يجب التطهّر منه بالعلم، كما وجب التطهّر في الظاهر من هذه بالماء، فمثل الغائط مَثَل الكفر، و الذي يطهّر منه من العلم الإيمان باللّٰه، و مثَل البول مثل الشرك و هو درجات و منازل، و الذي يطهر منه من العلم توحيد اللّٰه، و نفي الأضداد و الأشباه، و الشركاء عنه، و مثَل الريح تخرج من الدبر، مثل النفاق، و الذي يطهّر منه من العلم التوبةُ و الإقلاع عنه، و اليقين و الإخلاص و التصديق باللّٰه، و أنبيائه و أوليائه، و أئمّة دينه.(3)

أمّا غسل الوجه ففيه سبعة منافذ: العينان، و الأُذنان، و المنخران، و الفم.

و أنّ أمثالَهم في الباطن، أمثال السبعة النطقاء الذين هم: آدم، و نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى عليهم السّلام و محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و خاتم الأئمّة من ذريته صاحب القيامة (ص)، و لا بُدّ للمستجيب بعد البراءة، من الكفر و الشرك و النفاق، من


1) . الأنعام: 120.

2) . تأويل الدعائم: 76/1.

3) . تأويل الدعائم: 79/1.

العلم و الإيمان و التصديق بمحمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و وصيّه علي و من الإيمان و التصديق بالنطقاء الستة، و هم: آدم، و نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و بخاتم الأئمّة صاحب القيامة (ص) و هو اليوم الآخر الذي ذكره اللّٰه في غير موضع من كتابه، و جعل الأيّام السبعة أمثالاً لهم، فالأحد مَثَل آدم عليه السّلام و الاثنين مَثَل نوح عليه السّلام، و الثلاثاء مَثَل إبراهيم، و الأربعاء مثل موسى عليه السّلام، و الخميس مَثَل عيسى عليه السّلام، و الجمعة مَثَل محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم جمع اللّٰه له علم النبيين، و فضلهم و أكملهم به، و جعله خاتمهم، و فضّله بأن جعل السابع من ذريته، و من أهل دعوته. فكانَ غُسل الوجه مَثلاً على الإقرار بهذه الأسابيع و طاعتهم.(1)

في التيمّم:

يقول: التيمّم وضوء الضرورة، هذا من ظاهر الدّين، و أمّا باطن التيمّم لِمَن عُدِم الماءَ و أنّه في التأويل طهارة من أحدث حدثاً في الدّين من المستضعفين، مِنَ المؤمنين الّذين لا يجدون مفيداً للعلم، ممّا يحدثونه عند ذوي العدالة من المؤمنين من ظاهر علم الأئمّة الصادقين إلى أن يجد مفيداً من المطلقين.

إلى أن قال: و لا ينبغي أن يتيمّم من لم يجد الماء إلّا في آخر الوقت، بعد أن يطلب الماء.

و ذلك في الباطن من اقترف ما يوجب عليه الطهارة بالعلم الحقيقي، فعليه أن يطلبه، و لا يُعجِّل بالقصد إلى غير مطلق، فيأخذ عنه ما يطهّره من العلم الظاهر، حتى يجتهد في طلب مفيد مطلق، فإذا بلغ في الطلب استطاعته و انتهى إلى آخر وقت، يعلم أنّه لا يجد ذلك، فحينئذٍ يَقصد إلى من يفيده من المؤمنين، أهل الطهارة من ظاهر علم أولياء اللّٰه، ما يزيل عنه شكَ ما اقترفه و باطله.

إلى أن قال: قال الصادق (ص) في ذلك: إنّه إن وجد الماء و قد تيمّم و صلّى


1) . تأويل الدعائم: 101/1-102.

بتيمّمه ذلك، أجزأه و عليه أن يتطهّر بالماء أو يتيمّم، إن لم يجد الماء، لما يستقبله من الصلاة.

باطن ذلك أنّه إن فعلَ ما ذكرناه في دعوة إمام أو حدّ من حدوده، ثمّ دخلت على تلك الدعوة دعوة أُخرى، و لم يجد مفيداً، فهو على ما كان عليه، و إن وجده كان على ما وصفنا، و ليس عليه شيء لما مضى.(1)

في ذكر التنظّف

يقول: الحيض علّة تُصيب النساء في الظاهر، و أمثال النساء - كما ذكرنا في الباطن - أمثال المستجيبين.

فتأويل جملة القول في الحيض في الباطن، أنّه علّة و فساد، يدخل على المستجيب في دينه، يحرم عليه من أجلها سماع الحكمة، و الكون في جماعة أهل الدعوة، كما لا يحلّ في الظاهر للمرأة إذا حاضت أن تصلّي، و لا تدخل المسجد، و كذلك لا يحل لمفيد ذلك المستجيب، أن يفيده شيئاً من العلم إذا أحدث ذلك الحدث، حتى يتطهّر منه، بالتوبة و النزوع عنه، و الإقلاع، و ينقطع عنه ما عرض من ذلك الفساد في دينه.(2)

و يقول أيضاً: قال الصادق عليه السّلام: إذا طهرت المرأة من حيضها في وقت صلاة، فضيّعت الغسل، كان عليها قضاء تلك الصلاة.

تأويله: أنّ المقترِف إذا تابَ و انتصل ممّا اقترفه، و لم يتطهّر في ذلك بالعلم، كما وصفنا، كان عليه أن يتطهّر، و أن يسعى في إفادة ما فاته من الحكمة، بعد إقلاعه عمّا اقترفه.

فافهموا معشر المؤمنين ما تعبدكم اللّٰه به ظاهراً و باطناً، فإنّ ذلك مرتبط


1) . تأويل الدعائم: 123/1-124.

2) . تأويل الدعائم: 161/1.

بعضه ببعض، يشهد كلّ شيء منه لصاحبه، و يطابقه و يوافقه فما وجب في الظاهر، وجب كذلك مثله و نظيره في الباطن، لا يجزي إقامة أحدهما دون الآخر، و لا يحلُّ في الظاهر ما حُرّم في الباطن، و لا في الباطن ما حُرم في الظاهر، و إيّاكم أن يستميلكم عن ذلك، تحريف المحرّفين، و لا شبهات الشياطين، فإنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول: «وَ ذَرُوا ظٰاهِرَ اَلْإِثْمِ وَ بٰاطِنَهُ»(1)و قال: «قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ»(2)و قال: «وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً»(3).(4)

كتاب الصلاة (الدعامة الثالثة)

اشارة

يقول: الصلاة في الظاهر ما تعبّد اللّٰه عباده المؤمنين به، ليُثيبهم عليه، و ذلك ممّا أنعم اللّٰهُ عزّ و جلّ به عليهم، و قد أخبر تعالى أنّه «أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً» فظاهر النّعمة في الصلاة إقامتها في الظاهر، بتمام ركوعها و سجودها و فروضها و مسنونها، و باطن النّعمة كذلك في إقامة دعوة الحقّ في كلّ عصرٍ كما هو في ظاهر الصلاة.(5)

و يقول أيضاً: افترض اللّٰهُ خمسَ صلوات في الليل و النهار سمّاها في كتابه.

و تأويل ذلك أنّ الخمس الصلوات في الليل و النهار في كلِّ يوم و ليلة مثلها في الباطن مثلُ الخمس الدعوات لأُولي العزم من الرسل الذين صبَروا على ما أُمروا به، و دَعوا إليه.

فصلاة الظهر و هي الصلاة الأُولى مَثَلٌ لدعوة نوح (ص)، و هي الدعوة


1) . الأنعام: 120.

2) . الأعراف: 33.

3) . لقمان: 20.

4) . تأويل الدعائم: 167/1.

5) . تأويل الدعائم: 177/1.

الأُولى، و هو أوّل أُولي العزم من الرّسل.

و العصر مَثَلٌ لدعوة إبراهيم (ص) و هو ثاني أُولي العزم، و هي الصلاة الثانية.

و المغرب و هي الصلاة الثالثة مَثَلٌ لدعوة موسى (ص) و هي الدعوة الثالثة، و هو ثالث أُولي العزم.

و العشاء الآخرة مَثَلٌ لدعوة عيسى (ص) و هي الدّعوة الرابعة، و هو الرابع من أُولي العزم، و هي الصلاة الرابعة.

و الفجر و هي الصلاة الخامسة مَثَلٌ لدعوة محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و هي الدعوة الخامسة، و هو خامس أُولي العزم، فأمره اللّٰه بأن يُقيم الصلاة ظاهراً و باطناً... و أن يدعو فيها إلى مِثْل ما دعا أُولوا العزم من قبله.(1)

في عدد الصّلاة

يقول: و يتلو ذلك ذكر عددُ ما في كلّ صلاةٍ، من الركوع، و ما يُجهر فيه منها بالقراءة، و ما يُخافت فيه منها.

تأويل ذلك: أنّ جملة عدد الركعات للخمس الصلوات في اليوم و الليلة، الفرض من ذلك سبعَ عشرة ركعة و السُّنّة مِثلا الفريضة (أربع و ثلاثون ركعة) و الصلاة على سبعة أضرب، هذا ضرب منها.

و الثاني: صلاة الكسوف، على خلاف صفة هذه، لأنّها ركعتان، في كلِّ ركعة خمس ركوع.

و الثالث: صلاة العليل، و العريان، يصلّيان جالسين، و إذا لم يستطع العليل الصلاة، جالساً، صلّى مستلقياً أو مضطجعاً، و إذا لم يستطع الركوع و السجود،


1) . تأويل الدعائم: 178/1-180.

يومئ أي إيماء برأسه أو ببصره، إذا لم يستطع أن يومئ برأسه.

و الرابع: صلاة الخوف، تصلىٰ على معنى غير معنى الصلاة في الأمن، و تجزى على ركعة منها تكبيرة عند المواقفة و المسائفة.

و الخامس: صلاة الاستسقاء، و الأعياد، و الجُمَع، لها حدّ غير حدّ الصلاة في غير ذلك.

و السادس: صلاة الجنائز، ليس فيها ركوع و لا سجود.

و السابع: الصلاة على النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و هي لفظ باللسان بلا عمل بالأركان.

فأمثال الستة الأضرب من الصلاة أمثال الدعوة الستة النطقاء، و هم: آدم، و نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى عليه السّلام و محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم... و الصلاة السابعة التي هي الصلاة على النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و هي قول بلا عمل، مثل لدعوة آخر الأئمّة و خاتمهم، و هو صاحب عصر القيامة، لأنّه إذا قام رفع العمل، و قامت القيامة.(1)

في وقت الصّلاة

يقول: أوّل وقت الظهر زوال الشمس.

و تأويل ذلك: أنّ الشمس في الباطن مَثَلُها مثلُ وليّ الزمان من كان نبىٍّ أو إمام، و مثل طلوعِها مَثلُ قيام ذلك الوليّ و ظهوره، و مَثَلُ غروبها مَثَلُ نقلته و انقضاء أمره، و كان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم في وقته مَثَلُه مثل الشمس، من وقت بعثه اللّٰه تعالى فيه إلى أن أكمل دينه الذي ابتعثه لإقامته، و إكماله بإقامة وصيّه، و ذلك قول اللّٰه تعالى الذي أنزل عليه في اليوم الذي قام فيه بولاية علي (ص) بغدير خم: «اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ


1) . تأويل الدعائم: 182/1.

دِيناً»(1)فلما فعل ذلك (ص) مال إلى النقلة عن دار الدنيا إلى معاده، فكان بينَ ذلك و بين وفاته سبعون ليلة.

و كان ذلك في التأويل مثل الزوال على رأس سبع ساعات، كما ذكرنا من النهار، التي جاء أنّ مَثَل عددها مثلُ عدد حروف اسمه و اسم وصيّه (ص)، و ذلك سبعة أحرف، محمدٌ أربعةُ أحرف، و عليٌّ ثلاثة أحرف، فذلك سبعة، مثل للسبع ساعات، التي تزول الشمس عندها التي مثلُها مثلُه (ص)، و مثل زوالها زواله، و انتقاله إلى معاده، الذي أعدّ اللّٰهُ له فيه الكرامة لديه.(2)

في الأذان و الإقامة

يقول: إنّ الأذان مَثَلُهُ مَثَلُ الدعاء إلىٰ ولاية الناطق، و هو النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم في وقته، و الإمام في عصره.

و الإقامة مثلُها مثلُ الدعاء إلى حجّته، و هو وليّ أمر الأُمّة من بعده، الذي يُقيمه لذلك في حياته، و يصير مقامه له بعد وفاته، فالأذان ثماني عشرة كلمة... و مثل الأذان، مثلُ الدعاء إلى دعوة الحقّ، و ذلك مثلُ الدعاء إلى الستة النطقاء، و هم: آدم، و نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى عليهم السّلام و محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و الدعاء إلى دعوة الحجج الاثني عشر و هم أكابر الدعاة أصحاب الجزائر، التي هي جزائر الأرض الاثنتي عشرة جزيرة، بكلِّ جزيرةٍ منها داعٍ، يدعو إلى دعوة الحق، فدعوة الحق تشتمل على هذه الدعوات، و تؤكّد أمرها، و تُوجبُ الإقرار بأصحابها، و كان ذلك مثل عدد كلمات الأذان لكلّ دعوة منها كلمة؛ و الإقامة تسعَ عشرة كلمة... و الإقامة - كما ذكرنا - مثل النداء إلى الحُجّة فمثلُ الكلمة الزائدة فيها، مثل الدعوة إلى الحجّة، الذي هو أساس الناطق، فأمّا الدعاء إلى الأئمّة و حججهم، فيدخل ذلك في دعوة أصحاب الجزائر، لأنّ دعوتهم إلى كلِّ إمامٍ في وقته و حجّته.(3)


1) . المائدة: 3.

2) . تأويل الدعائم: 199/1.

3) . تأويل الدعائم: 214/1.

في ذكر المساجد

يقول: فالمساجد في الظاهر البيوت التي يجتمع الناس إليها، للصلاة فيها، و هي على طبقات، و درجات فأعلاها المسجد الحرام.

و مثله مثلُ صاحب الزمان مَنْ كان من نبي أو إمام.

و مثل الأمر بالحج و السعي إليه من أقطار الأرض، مَثلُ واجبِ ذلك على الناس، لولي زمانهم أن يأتوه من كلّ أُفق من الآفاق.

و مثل مسجد الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم مثلُ الحجّة و كذلك، على الناس أن يأتوه كما يأتون المسجدَ الحرام.

و مثلُ مسجد بيت المقدس مثلُ بابه، أكبر الدعاة و بابهم، و يسمّى باب الأبواب.

و جوامع الأمصار أمثالها أمثال النقباء و هم أكابر الدعاة أصحاب الجزائر.

و مساجد القبائل أمثالها أمثال دعاة القبائل على مقاديرهم، كمثل المساجد في فضلها، و فضل بعضها على بعض، و سعتِها، و ضيقها، كذلك الدعاة منهم مشهورون بالفضل، و بعضهم أفضل من بعض و أوسع علماً.(1)

في تكبيرة الافتتاح

يقول: إذا افتتحت الصلاة فارفع يديك، و لا تجاوز بهما أُذنيك، و أبسطهما بسطاً، ثمّ كبّر، فهذه التكبيرة التي تكون في أوّل الصلاة، هي تكبيرة الافتتاح، و رفع اليدين فيهما واجب عند أكثر الناس، إلّا أنّهم يختلفون في منتهى حدِّ ذلك، و الثابت عن أهل البيت عليهم السّلام ما جاء في هذه الرواية عن الصادق عليه السّلام أنّه لا يجاوز


1) . تأويل الدعائم: 225/1.

بهما الأُذنين، و الذي يؤمر به في ذلك أن يحاذي بأطراف الأصابع من اليدين أعلى الأُذنين، و يحاذي بأسفل الكفين أسفلَ الذقن، فتكونُ اليدان قد حاذتا ما في الوجه من المنافذ السبعة، و هي: الفم، و المنخران، و العينان، و الأُذنان.

و تأويل ذلك: أنّ مثل اليدين مثل الإمام و الحجّة، و مثل هذه المنافذ السبعة، مثل النطقاء السبعة، فمثل رفع اليدين إلى أن يحاذيهما، مثلُ الإقرار في أوّل دعوة الحقّ بالإمام و الحجّة و النطقاء السبعة أعني: إمام الزمان و حجّته، و أن لا يفرّق بين أحدٍ منهم، و مثل قوله: «اللّٰه أكبر» انّه شهادة و إقرار و اعتقاد بأنّ اللّٰه أكبر و أجل و أعظم من كلّ شيء و أنّ النطقاء و الأئمّة و الحجج - و إن قرن اللّٰه طاعتهم بطاعته - عباد من عباده مربوبون.(1)

في القراءة

يقول: يقرأ في الصلاة في كلّ ركعة بعد بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ، بفاتحة الكتاب، و في الركعتين الأوليين، بعد فاتحة الكتاب بسورة، و نُهي عن أن يُقال «آمين» بعد فراغ فاتحة الكتاب، كما تقول ذلك العامّة.

تأويل ذلك: أنّ بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ تسعةَ عشر حرفاً، بسم اللّٰه سبعة أحرف، و هي مثل النطقاء السبعة، و السبعة الأئمّة الذين يتعاقبون الإمامة بين كل ناطقين، الرّحمن الرّحيم اثني عشر حرفاً مثل النقباء الاثني عشر.

و تأويل قراءته في كلّ ركعة بفاتحة الكتاب، من أنّها سبع آيات و أنّه جاء في التفسير أنّها السبع المثاني، لأنّها تثنّى في كلّ ركعة، و انّ مَثَلَها و مثل قراءتها في الصلاة مثل الإقرار بالسبعة الأئمّة الذين يتعاقبون الإمامة بين كلّ ناطقين، و انّ ذلك هو قول اللّٰه تعالى لمحمد نبيه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «وَ لَقَدْ آتَيْنٰاكَ سَبْعاً مِنَ اَلْمَثٰانِي»(2)


1) . تأويل الدعائم: 259/1.

2) . الحجر: 87.

و تأويله أنّه جعل في ذريته سبعة أئمّة يثنّى منهم اسبوع بعد اسبوع، كما يثنّى أيّام الجُمعة إلى أن تقوم الساعة و انّه جمع له علم النطقاء و الأئمّة من قبله و القرآن العظيم، و مثله في التأويل مثل أساس دعوته و أئمّته و هو وصيّه علي (ص).

و أمّا قراءة فاتحة الكتاب و سورة في كلّ ركعة تقرنان فيها فمَثَل ذلك في التأويل، مثل الإقرار في دعوة الحقّ بإمام الزمان و حجّته و قول العامّة بعد فراغ سورة الحمد آمين زيادة فيها فنهى عن ذلك كما يُنهى عن إدخال غير أولياء اللّٰه في جملتهم، و عن زيادة غيرهم فيهم.(1)

في صلاة العيدين

يقول: ليس في العيدين أذان و لا إقامة، و لا نافلة، و يُبدأ فيهما بالصلاة قبل الخطبة، خلاف الجُمعة؛ و صلاةَ العيدين ركعتان يُجهر فيهما بالقراءة.

تأويل ذلك: أنّ مثل الخروج إلى العيدين مَثَلُ الخروج إلى جهاد الأعداء، و أنّ مثل الأذان مثل الدعوة و الخروج إلى العدو، و ليست تقام له دعوة، إذ تقدم في دعوة الحقّ الأمر به، و إنّما يُلزم الناس أن ينفروا و يخرجوا إليه، كما أوجب اللّٰهُ ذلك عليهم في كتابه.

و معنى البدء في الصلاة يوم العيدين قبل الخطبة، خلاف الجمعة، أنّ الخروج إلى العيدين مَثلُ الخروج إلى جهاد العدو، و استقبال القبلة في الصلاة مَثَلُ استقبال الإمام بالطاعة و السمع له و ذكرنا أنّ مثل الخطبة من الخطيب مثلُ التوقيف من الداعي مَنْ يدعوه على ما يأمره به، فكان مَثَلُ الإبداء بالصلاة في العيدين مَثلُ إقبال الخارجين إلى جهاد الأعداء في حين خروجهم على إمامهم، و السّمع منهم و الطاعة لما به يأمرهم، و ما عليه يرتِّبهم و يقيمهم و في مقاماتهم، فذلك مَثلُ الصلاة و به يبتدئ، و مثل الخطبة بعد ذلك مثل تحريض الإمام


1) . المصدر نفسه: 269.

المؤمنين على الجهاد، و أمره و نهيه إيّاهم في ذلك، بما يأمرهم به، و ينهاهم عنه، و لذلك كان في خطبة العيدين الأمر بالجهاد و بطاعة الإمام، و التوبيخ على التقصير في العمل.(1)

هذه نماذج من تأويلات الإسماعيليّة، في مجال الأحكام الشرعيّة، و من أراد الاستقصاء فعليه الرجوع - مضافاً إلى كتاب تأويل الدعائم - إلىٰ كتاب «وجه دين» للرحالة ناصر خسرو (394-471 أو 481 ه)، فقد قام بتأويل ما جاء من الأحكام في غير واحد من الأبواب، حتى الحدود و الدّيات، و النكاح، و السفاح، و لكنّه ألّفه بلغة فارسية قديمة، فعلىٰ من يريد المزيد من الاطلاع فليرجع إلى ذلك الكتاب، و قد طبع عام 1397 ه طبعة أنيقة.


1) . تأويل الدعائم: 323/1-324.

الفصل الثالث عشر: في أعلام الفكر الإسماعيلي

اشارة

ظهر المذهب الإسماعيلي على الساحة الإسلاميّة بطابَع دينيّ بحت، مدّعياً استمرار الإمامة، المتجسّدة في إسماعيل بن جعفر، و محمد بن إسماعيل، و لمّا اشتدَّ سلطانهم بقيام دولة لهم في شمال إفريقية، في بلاد المغرب، و مصر، ظهرت بينهم شخصيات بارزة في حقول السياسة و الفلسفة و الفقه و الحديث و الأدب و غيرها، و بما أنّ دراسة سيرتهم و ما قدموه من تراث للمجتمع الإسلامي خارج عن موضوع كتابنا، لأنّه رهن دراسة تاريخ الدولة الفاطميّة؛ فلنقتصر على ترجمة لفيف من أعلامهم و مفكّريهم، مِمّن كان لهم دور في نضج المذهب و تكامله و انتشاره.

(1) أحمد بن حمدان بن أحمد الورثنياني (أبو حاتم الرازي) (260-322 ه)

أحمد بن حمدان بن أحمد الورثنياني الليثي (أبو حاتم الرازي) من زعماء الإسماعيليّة و كُتّابهم، أوّل من ترجمه هو الصدوق في «تاريخ الري» حسب ما نقله ابن حجر في «لسان الميزان»، قال:

ذكره أبو الحسن ابن بابويه في «تاريخ الري»، و قال: كان من أهل الفضل و الأدب، و المعرفة باللغة، و سمع الحديث كثيراً، و له تصانيف؛ ثمّ أظهر القول بالإلحاد و صار من دعاة الإسماعيليّة، و أضلّ جماعة من الأكابر و مات في سنة

322 ه.(1)

و نقل صاحب الأعيان عن الرياض ما هذا لفظه: كان من القدماء المعاصرين للصدوق، له كتاب الرد على محمد بن زكريا الطبيب الرازي في الإلحاد و إنكار النبوة.(2)

و قال مصطفى غالب: كان داعياً كبيراً لبلاد الري و طبرستان و آذربيجان، و قد استطاع أن يُدخل أمير الري في المذهب الإسماعيلي و كان من كبار دعاة القائم بأمر اللّٰه، و نؤكّد أنّه لعِب دوراً عظيماً في شئون طهران و الديلم و الري، السياسيّة، فاستجاب لدعوته أعظم رجالات تلك البلاد، و له مؤلفات عظيمة منها:

1 - كتاب «الزينة»: كتاب في الفقه و الفلسفة الإسماعيليّة.

2 - «أعلام النبوة»: كتاب يبحث في الفلسفة الإسماعيليّة.

3 - «الإصلاح»: كتاب يبحث في التأويل.

4 - «الجامع» كتاب في الفقه الإسماعيلي.(3)

و الحقيقة فإنّ أبا حاتم الرازي كان علماً من أعلام النهضة العلميّة عند الإسماعيليّة، و قد ساهم بنشر التعاليم الفلسفيّة في كافّة الأقطار الشرقيّة، و خاصّة في محيط الثقافة الإسلاميّة العامّة، و بالرغم من كلّ هذا فإنّه لم يَسلم من اضطهاد الأعداء في الديلم، و قد اضطر إلى الاختفاء في أواخر سني حياته، و مات سنة 322 ه بعد تولية القائم الفاطمي شئون الإمامة الإسماعيليّة، في بلاد المغرب، و قد عمّر اثنين و ستين عاماً، كما قال بعض المؤرخين.

كان معاصراً لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب المشهور، و صاحب


1) . لسان الميزان: 164/1.

2) . الأمين العاملي: أعيان الشيعة: 583/2، و لم نعثر على النص في رياض العلماء المطبوع.

3) . مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 186.

الآراء الفلسفيّة المعروفة، التي خرج فيها علىٰ كثير من نظريات أرسطو الطبيعية و الميتافيزيائية، منكراً التوفيق بين الفلسفة و الدين، معتقداً بأنّ الفلسفة هي الطريق الوحيد لإصلاح الفرد و المجتمع.

و قد دارت بينهما (أي بين الرازيين) مناقشات عنيفة و متعددة، حضرها بعض العلماء و الرؤساء السياسيين، و قد دوّن أبو حاتم هذه المناقشات في كتابه «أعلام النبوة».(1)

و إليك كلاماً حول كتابه «أعلام النبوة»، فالكتاب يصوّر لنا معركة فكريّة عقائديّة بين رازيين، هما: أبو حاتم الداعي المتكلم الإسماعيلي، و محمد بن زكريا الطبيب المتفلسف حيث تعددت اللقاءات بينهما، و دار النقاش حول مواضيع شتى في جوانب الثقافة الإسلاميّة، من عقائد فلسفيّة و كلام وطب و صيدلة و هيئة، و ما إلى ذلك.

إنّ اختلاف الرأي بين الرجلين في هذه الجوانب لم يكن إلّا مظاهر متعددة لاختلاف أساسي واحد بينهما في الرأي حول العقل الإنساني، و تكليفه و حدود إمكانه من جانب، و النبوّة و الضرورة إليها من جانب آخر.(2)

و الكتاب جدير بالمطالعة و قد بدأ المؤلف كتابه بقوله:

ناظرني «الملحد» في أمر النبوّة و أورد كلاماً نحو ما رسمه في كتابه الذي قد ذكرناه فقال:

«من أين أوجبتم أنّ اللّٰه اختصَّ قوماً بالنبوّة دون قوم، و فضلهم على الناس، و جعلهم أدلّة لهم، و أحوج الناس إليهم؟ و من أين أجزتم في حكمة الحكيم أن يختار لهم ذلك و يشلي بعضهم على بعض، و يؤكد بينهم العداوات


1) . كتاب الرياض: 8-9 المقدمة بقلم عارف تامر.

2) . أبو حاتم الرازي: أعلام النبوة: 4، المقدمة بقلم صلاح الصاوي.

و يكسر المحاربات و يهلك بذلك الناس؟!».(1)

ثمّ ذكر المناظرة.

و ترجمه ابنُ النديم في «الفهرست»، و قال: و له من الكتب «كتاب الزينة» نحو 400 ورقة و كتاب «الجامع» و فيه فقه.(2)

(2) محمد بن أحمد النسفي البرذعي (النخشبي) (... - 331 ه)

كان كبير دُعاة خراسان و تركستان، استطاع أن يدخل في المذهب الإسماعيلي الكثيرين، من أهل تلك البلاد، اشتهر في تعمّقه بدراسة فلسفة المذهب الإسماعيلي؛ و من أشهر مؤلفاته:

1 - كتاب «المحصول» يتألّف من 400 صفحة جلّها في الفلسفة الإسماعيليّة.

2 - «كون العالم».

3 - كتاب «الدعوة الناجية».

4 - كتاب «أُصول الشرع» يبحث في الفقه الإسماعيلي، و فلسفة ما وراء الطبيعة.

توفي هذا الداعي سنة 331 ه.(3)


1) . أبو حاتم الرازي: أعلام النبوة: 1، و طبع الكتاب في طهران عام 1397 ه و ترجمه خير الدين الزركلي و لم يأتي بشيء يذكر لاحظ الأعلام: 119/1.

2) . ابن النديم: الفهرست: 282.

3) . تاريخ الدعوة الإسماعيليّة: 186-187، و قد ذكره باسم عبد اللّٰه بن أحمد النسفي البرذعي، و جاء في مقدمة كتاب الرياض، للكرماني، باسم محمد بن أحمد النسفي، و المقدمة لعارف تامر.

يقول عارف تامر: إنّ أوّل جَدَل فَتح للإسماعيليّة الآفاق الجديدة، ظهورُ كتاب «المحصول»، و هذا الكتاب وضع موضع التداول في بداية القرن الرابع الهجري، و ينسب إلى الداعي السوري الأكبر «محمد بن أحمد النسفي» الذي كان له الفضل بتحويل مذهب الدولة السامانية في آذربيجان إلى الإسماعيليّة، و قد أُعدم سنة 331 ه، كما جاء في كتاب «الفرق بين الفرق» لمؤلفه عبد القاهر البغدادي.(1)

و قد ذكر ابن النديم في الفهرست أنّ النسفي خلف، الحسين بن علي المروزي في خراسان، الذي مات في حبس نصر بن أحمد، و استغوى نصر بن أحمد و أدخله في الدعوة الإسماعيليّة، و أغرمه دية المروزي، و زعم أنّه ينفذها إلى صاحب المغرب القيّم بالأمر. فلحق نصر سقمٌ طرحه على فراشه، و ندم على إجابته للنسفي، فأظهر ذلك و مات.

فجمع ابنه نوح بن نصر الفقهاء و أحضر النسفي، فناظروه و هتكوه و فضحوه، فقتل النسفي، و رؤساء الدعاة و وجوهها من قواد نصر، ممن دخل في الدعوة و مزقهم كل ممزق.(2)

(3) أبو يعقوب السجستاني (271 - و كان حيّاً عام 360 ه)

اشارة

أبو يعقوب إسحاق بن أحمد السجزي أو السجستاني، ولد عام 271 ه في سجستان، و هي مقاطعة في جنوب خراسان يمتُّ بصِلة النسب إلى أُسرة فارسيّة،


1) . عارف تامر: كتاب الرياض: 6، قسم المقدمة.

2) . ابن النديم: الفهرست: 239.

و قيل أنّه من أصل عربي، جاء جدُّه من الكوفة، و قطن في سجستان.

نشأ السجستاني في مدارس الدعوة الإسماعيليّة في اليمن، و أسهم مساهمة فعّالة في المناظرات العلميّة التي كانت تجري في ذلك العصر.(1)

يقول عنه الكاتب الإسماعيلي عارف تامر: يعتبر أبو يعقوب إسحاق السجستاني (السجزي) في طليعة العلماء الذين كرّسوا أنفسهم لوضع قواعد فلسفيّة كونيّة قائمة على دعائم فكريّة عقائديّة إسماعيليّة، و نشرها و تعميمها في الأقطار الأُخرىٰ، حتى اتّهم في أواخر حياته، بالكفر و الإلحاد، من الجمهور، ثمّ قتل أخيراً.

و قد لعب السجستاني دوراً هامّاً في مجال الفلسفة في القرن الثالث للهجرة، و قد ظهر أثره الفكري في تلميذه حميد الدين الكرماني (حجة العراقين) الذي سار على منهاجه، و دعا إلى تعاليمه.

عاصر الدعوة الإسماعيليّة الباطنيّة في عصر الظهور أي ابان ازدهار الدولة الفاطميّة و ظهورها كدولة إسلاميّة ذات كيان حضاري، و علمي، و اجتماعي، و سياسي.(2)

كتب كتاب «النصرة» الذي عارض فيه كتاب «الإصلاح» الذي وضعه أبو حاتم الرازي في الرد على آراء النسفي التي وردت في كتابه «المحصول» و بذلك انتصر للنسفي على الرازي.

و قام الكرماني إلى تأليف كتابه «الرياض» بتقريب و جهات النظر بين الدعاة المتجادلين (النسفي، الرازي، السجستاني).

ترك السجستاني بعده مؤلفات علميّة فلسفيّة عددها ينوف على الثلاثين


1) . مصطفى غالب: مقدمة الينابيع: 46.

2) . عارف تامر: مقدمة كتاب الرياض: 10، نقل بتصرف.

و لعل أشهر كتبه:

1 - كتاب النصرة، 2 - كتاب الافتخار، 3 - كتاب المقاليد، 4 - كتاب مسيلة الأحزان، 5 - كتاب سلم النجاة، 6 - كتاب سرائر المعاد و المعاش، 7 - كتاب كشف المحجوب، 8 - كتاب الوعظ، 9 - كتاب أُسس البقاء، 10 - كتاب خزانة الأدلة، 11 - كتاب تآلف الأرواح، 12 - كتاب تأويل الشريعة، 13 - كتاب أساس الدعوة، 14 - رسالة تحفة المستجيبين، 15 - كتاب الينابيع(1).

و قد وقفنا من كتبه على كتاب و رسالة فالكتاب تحت عنوان «الينابيع» بتقديم و تحقيق مصطفى غالب، نشره المكتب التجاري للطباعة في لبنان - بيروت عام 1965 م.

و قد قسم السجستاني ينابيعه إلى أربعين يُنبوعاً، جعل كلَّ ينبوع مشابهاً لحدِّ من الحدود الدينيّة، المعروفة بالنظام الإسماعيلي. و يظهر أنّه قد وضعه لطبقة خاصّة من الدعاة، و أصحاب المراتب العليا في الدعوة، و إلى الذين وصلوا في دراساتهم الفلسفيّة إلى الذروة.

و أمّا الرسالة فهي رسالة «تحفة المستجيبين» طبعت ضمن خمس رسائل إسماعيليّة بتحقيق و تقديم عارف تامر عام 1375 ه. كتبها لطبقة المستجيبين و الطلاب الذين يرغبون في الاطلاع على الفلسفة الإسماعيليّة، أو الدخول في الدعوة الهادية.

و قد ترجم له مصطفى غالب أيضاً في تاريخ الدعوة الإسماعيلية ص 187.

ولادته و وفاته

ذكر مصطفى غالب أنّه ولد سنة 271 ه في سجستان، ثمّ قال: و بعد اضطهاد مرير، قُتل في تركستان عام 331 ه.


1) . مقدمة الينابيع: 47.

غير أنّ الكاتب الإسماعيلي عارف تامر يذكر خلاف ذلك و يقول: يذهب «ماسينيون» و «و. ايفانوف» إلى القول أنّه مات سنة 331 ه، و لكنّي أخالفهما في ذلك فالمعروف عن السجستاني أنّه كان أُستاذاً للكرماني، و الكرماني ظل عائشاً حتى سنة 411 ه، إذن متى أخذ الكرماني عنه علوم الدعوة؟ و هناك نص صريح في كتاب «الافتخار» للسجستاني يذكر فيه أنّه وضعه سنة 360 ه، و قد ورد ذكر كتاب «الافتخار» في كتاب «الرياض» للسجستاني نفسه، أي أنّ السجستاني وضع كتاب «الرياض» بعد كتاب «الافتخار» أي سنة 360 ه.

و هذا يجعلنا نقول بل نؤكد: إنّ السجستاني كان داعياً في منطقة بخارى أيّام إمامة المعز لدين اللّٰه الفاطمي، أي انّه كان معاصراً لجعفر بن منصور اليمني، و للقاضي النعمان و غيرهما، من كبار المؤلفين و علماء الدعوة في ذلك العصر العلمي الزاهر.(1)

و قال البغدادي عند البحث عن الباطنيّة: و ظهر بنيسابور داعية لهم يعرف بالشعراني، و قتل بها في ولاية أبي بكر بن الحجاج عليها، و كان الشعراني قد دعا الحسين بن علي المروزي، و قام بدعوته بعده محمد بن أحمد النسفي داعية أهل ما وراء النهر، و أبو يعقوب السجزي المعروف ب «بندانه» و صنف النسفي لهم كتاب «المحصول» و صنف لهم أبو يعقوب كتاب «أساس الدعوة» و كتاب «تأويل الشرائع» و «كشف الأسرار» و قتل النسفي و المعروف ب «بندانه» على ضلالتهما.(2)

و قال خير الدين الزركلي: إسحاق بن أحمد السجزي أو السجستاني أبو يعقوب، من علماء الإسماعيليّة و دعاتهم يماني، اشتهر في سجستان، و قتل في تركستان، له تصانيف منها «الينابيع» قالوا: إنّه أهمُّ كتبهم.(3)


1) . عارف تامر: مقدمة خمس رسائل إسماعيلية: 15-16.

2) . البغدادي: الفرق بين الفرق: 283.

3) . خير الدين الزركلي: الأعلام: 293/1.

(4) أبو حنيفة النعمان (... - 363 ه)

اشارة

قاضي القضاة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد التميمي، و اختلف في تاريخ ولادته، فقال بعضهم: إنّها سنة 259 ه و قال آخرون: إنّه ولد في العشر الأخيرة من القرن الثالث.

اتّصل في أوّل عهده بمؤسس الدولة الفاطمية عبيد اللّٰه المهدي، و رافق الدولة الجديدة خطوةً فخطوة، و بعد وفاة المهدي ولّاه «القائم بأمر اللّٰه» قضاء طرابلس الغرب، و في عهد المنصور تولّى قضاء المنصورية، و كان قضاؤه يشمل سائر المدن الإفريقيّة، مرجعاً لجميع القضاة حتى عهد المعز لدين اللّٰه الذي قرّبه إليه، و أدناه من مجلسه، فوضع فيه كتاب «المجالس و المسامرات».

و لما دخل المعز مصر، كان معه «النعمان» و كان قاضياً للجيش، فأصبح في مصر قاضياً للقضاة.(1)

و كان محط ثقة المعز لدين اللّٰه، جعله مستشاراً قضائياً له، و ساعد المعز في المسائل الخاصّة بالدعوة، فقد وضع أُسس القانون الفاطمي، و ينظر إليه على أنّه المشرع الأكبر للفاطميين. يقول رواة الفاطميين: إنّه لم يؤلف شيئاً دون الرجوع إلى المعز لدين اللّٰه، و يعتبر أقوم كتبه كتاب «دعائم الإسلام» أنّه من عمل المعز نفسه، و ليس من عمل قاضيه الأكبر، و لهذا كان هذا الكتاب هو القانون الرسمي منذ عهد المعز حتى نهاية الدولة الفاطميّة، كما يتضح ذلك من رسالة كتبها الحاكم بأمر


1) . أعيان الشيعة: 223/10.

اللّٰه إلى داعيه باليمن، بل لا يزال هذا الكتاب هو الوحيد الذي يسيطر على حياة طائفة البهرة في الهند، و عليه المعول في أحوالهم الشخصيّة.(1)

توفي النعمان أوّل رجب سنة 363 ه فخرج المعز يبين الحزن عليه، و صلّى عليه، و أضجعه في التابوت، و دفن في داره بالقاهرة(2)و ذكر أحمد بن محمد بن عبد اللّٰه الفرغاني في «سيرة القائد جوهر» أنّه توفي في ليلة الجمعة سلخ جمادى الآخرة من السنة.(3)

بلغت مؤلّفاته نحواً من سبعة و أربعين كتاباً، جمعت ألواناً شتى من العلوم في فقه، و تأويل و تفسير، و أخبار، و فيما نقل ابن خلكان عن ابن زولاق: «انّه ألّف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف».

و هذه المؤلفات بعضها محفوظ، و بعضها لا يوجد إلّا بعض أجزائه و بعضها فُقد فلا يعرف إلّا اسمه، و إليك أسماء بعض تلك المؤلفات:

1 - جزء من كتاب شرح الأخبار، في مكتبة برلين.

2 - دعائم الإسلام، و هذا الكتاب من أهم كتبه، مطبوع.

3 - تأويل دعائم الإسلام، مطبوع.

4 - أساس التأويل، مطبوع.

5 - جزء من كتاب المجالس و المسافرات.

6 - كتاب الهمة في اتّباع الأئمّة.

7 - افتتاح الدعوة، مطبوع.

8 - الارجوزة المختارة، مطبوع.

9 - الطهارة.


1) . دعائم الإسلام: 12/1، قسم المقدمة.

2) . اتعاظ الحنفاء: 149/1.

3) . ابن خلكان: وفيات الأعيان: 416/5.

10 - التوحيد و الإمامة.(1)

11 - كتاب «الاقتصار» في الفقه، مطبوع.

12 - كتاب «الأخبار» في الفقه أيضاً.

13 - ابتداء الدعوة للعبيديين، مطبوع في جزء.

و قال عنه ابن زولاق في كتاب «أخبار قضاة مصر»: إنّه كان عالماً بوجوه الفقه، و علم اختلاف الفقهاء، و اللغة و الشعر، و المعرفة بأيّام الناس.

إلى أن قال: و له ردود على المخالفين: له رد على أبي حنيفة، و على مالك، و الشافعي، و على ابن سريج، و كتاب «اختلاف الفقهاء» ينتصر فيه لأهل البيت، و له العقيدة الفقهية لقبها ب «المنتخبة».(2)

النعمان إسماعيلي لا اثني عشري

وقعت الشكوك حول مذهب النعمان و هل هو إسماعيليّ أو اثنا عشري؟ و بعد التتبع و الإمعان في الكتب التي تحت متناول أيدينا من آثار المؤلف، و هي:

1 - الدعائم.

2 - تأويل الدعائم.

3 - الأُرجوزة المختارة.

4 - أساس التأويل.

5 - كتاب الاقتصار في الفقه.


1) . أعيان الشيعة: 223/10.

2) . ابن خلكان: وفيات الأعيان: 416/5. و من أراد المزيد فليراجع المصادر التالية: معالم العلماء: 126؛ العبر: 117/2؛ دول الإسلام: 224/1؛ سير اعلام النبلاء: 150/16؛ اتعاظ الحنفاء: 149؛ لسان الميزان: 167/6؛ شذرات الذهب: 47/3؛ رياض العلماء: 375/4؛ ريحانة الأدب: 73/7؛ روضات الجنات: 147/8.

6 - رسالة افتتاح الدعوة.

7 - الرسالة المذهبة.

اتضح أنّ الرجل إسماعيلي لا اثنا عشري، و إن كان محباً لأهل البيت كثيراً، و يتنزّه عن بعض العقائد المنحرفة عند الإسماعيليّة. و قد ذكر في باب «ذكر منازل الأئمّة» شيئاً عن أحوال الغلاة كما و ذكر معاملة علي معهم بالإحراق، إلى أن يقول: و كان في أعصار الأئمّة من ولد علي مثل ذلك ما يطول الخبر بذكرهم، كالمغيرة بن سعيد (لعنه اللّٰه) و كان من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي و دعاته.

إلى أن قال: و لعن أبو جعفر، المغيرة و أصحابه، ثمّ ذكر «أبا الخطاب» و عقيدتهم الإباحيّة، و أنّ أبا جعفر لعنه كل ذلك يدل على سلامة عقيدته في حقّ الأئمّة(1).

و مع ذلك كلّه فهو فقيه إسماعيلي اعتنق ذلك المذهب بعد ما كان سنيّاً، و لم يكن إمامياً اثني عشرياً.

نعم ذكر المحدّث النوري، أنّ الرجل كان إماميّاً اثني عشريّاً، و أنّ اقتصاره على الحديث عن الأئمّة الست، لأجل ستر الأمر و كتمان السر، و استشهد على ذلك بوجوه غير مجدية نشير إلى بعضها:

الأوّل: قال ابن خلكان: كان من أهل العلم و الفقه و الدين و النبل، على ما لا مزيد عليه، و له عدّة تصانيف - إلى أن قال -: و كان مالكي المذهب ثمّ انتقل إلى مذهب الإماميّة و صنف كتاب «ابتداء الدعوة للعبيدين».(2)

أقول: إنّ المراد من الإماميّة من يعتقد بإمامة علي و أولاده، سواء كان زيدياً أو إسماعيليّاً أو اثني عشرياً، و الإسماعيليّة يصفون أنفسهم بالإماميّة لقولهم بإمامة


1) . لاحظ دعائم الإسلام: 45/1، باب ذكر منازل الأئمة.

2) . وفيات الأعيان: 415/5 برقم 766.

المنصوص عليهم؛ و الذي يدل على ذلك أنّ ابن خلكان يذكر بعد قوله: «ثمّ انتقل إلى مذهب الإماميّة» و صنف كتاب «ابتداء الدعوة للعبيديين» و المراد منه الدعوة «لعبيد اللّٰه المهدي» مؤسس الدولة الفاطميّة في المغرب و مصر.

و أمّا ما نقله ابن خلكان عن ابن زولاق، انّه قال: و للقاضي كتاب: «اختلاف الفقهاء» ينتصر فيه لأهل البيت فليس دليلاً على ما يتبنّاه لأنّ الفرق الثلاث كلّهم ينتمون إلى أهل البيت عليهم السّلام.

الثاني:

1 - روايته عن أبي جعفر الثاني «الإمام الجواد» عليه السّلام، و الرضا عليه السّلام ففي كتاب الوصايا عن ابن أبي عمير أنّه قال: كنت جالساً على باب أبي جعفر عليه السّلام إذ أقبلت امرأة، فقالت: استأذن لي على أبي جعفر عليه السّلام، فقيل لها: و ما تريدين منه؟ قالت:

أردت أن أسأله عن مسألة، قيل لها: هذا الحكم، فقيه أهل العراق فاسأليه.

قالت: إنّ زوجي هلك و ترك ألف درهم، و كان لي عليه من صداق خمسمائة درهم، فأخذت صداقي، و أخذت ميراثي، ثمّ جاء رجل فقال لي: عليه ألف درهم و كنت أعرف له ذلك، فشهدت بها.

فقال الحكم: اصبري حتى أتدبر في مسألتك و أحسبها و جعل يحسب، فخرج إليه أبو جعفر عليه السّلام و هو على ذلك، فقال: ما هذا الذي تحرك أصابعك يا حكم؟ فأخبره فما أتم الكلام حتى قال أبو جعفر عليه السّلام: أقرت له بثلثي ما بيديها، و لا ميراث له حتى تقضي.

ثمّ ذكر المحدّث النوري: أنّ المراد من أبي جعفر هو الإمام الجواد، لأنّ ابن أبي عمير لم يدرك الصادق فضلاً عن الباقر عليه السّلام.(1)


1) . النوري: المستدرك: 314/3، الفائدة الثانية.

أقول: إنّ النسخة الموجودة عند المحدّث النوري كانت مغلوطة محرّفة، و قد جاءت الرواية في كتاب دعائم الإسلام في مصر بتحقيق آصف بن علي أصغر فيضي، بالنحو التالي: عن الحكم بن عيينة(1)، قال: كنت جالساً على باب أبي جعفر و ذكر الحديث(2).

و الشاهد على أنّ الجالس كان هو الحكم بن عتيبة لا ابن أبي عمير ما في متن الرواية حيث قيل لها: هذا الحكم فقيه أهل العراق.

2 - انّه روى في كتاب الميراث عن حذيفة بن منصور قال: مات أخ لي و ترك ابنته فأمرت إسماعيل بن جابر أن يسأل أبا الحسن عليّاً - صلوات اللّٰه عليه - عن ذلك فسأله فقال: المال كلّه للابنة.(3)و قد تصفحنا كتاب الفرائض من الدعائم المطبوع بمصر فلم نعثر على الحديث.(4)

3 - روى في كتاب الوقوف عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السّلام أنّ بعض أصحابه كتب إليه أنّ فلاناً ابتاع ضيعة و جعل لك في الوقف الخمس الخ.

و هذا الخبر مروي في الكافي و التهذيب و الفقيه مسنداً عن علي بن مهزيار قال: كتبت إلى أبي جعفر الخ، و علي بن مهزيار من أصحاب الجواد و الرضا عليهما السّلام لم يدرك قبلهما من الأئمّة أحداً.(5)

ما نقله عن علي بن مهزيار، و رواه الكليني في كتاب الوصايا(6)، و رواه


1) . الصحيح، الحكم بن عتيبة، (47-115 ه) و هو من مشاهير فقهاء عصر أبي جعفر الباقر عليه السّلام. راجع رجال الكشي: 177، و رجال الطوسي: 86 برقم 6.

2) . دعائم الإسلام: 360/2 برقم 1309.

3) . المستدرك: 314/3.

4) . لاحظ الدعائم: 365/2-400.

5) . المستدرك: 314/3.

6) . الكافي: 36/7 برقم 30.

الشيخ في التهذيب(1)و رواه الصدوق في الفقيه.(2)

هذا في كتبنا و أمّا الدعائم، فقد رواه في كتاب الصدقة، بالنحو التالي:

عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السّلام، أنّه قال: تصدَّق الحسين بن علي بدار، فقال له الحسن بن علي:

تحوّل عنها.

و عنه أنّ بعض أصحابه كتب إليه: أنّ فلاناً ابتاع ضَيعةً فأوقفها، و جعل لك في الوقف الخمس....(3)

غير أنّ المتبادر من أبي جعفر بقرينة مضمون الحديث حيث يحكي فعل الحسن بن علي هو الإمام الباقر عليه السّلام، و هو في كتابه يكرر النقل عن أبي جعفر و يذكر اسمه بعده، و يقول: محمد بن علي، و مراده الإمام الباقر عليه السّلام.

و على ذلك فالضمير في الحديث الثاني يرجع إلى الإمام الباقر.

نعم بقي هنا شيء و هو تقارب ما روي في الدعائم مع ما روي في جوامعنا في مضمون الخبر، و هو قابل للتأمّل.

4 - ذكر في الدعاء بعد الصلاة: و روينا عن الأئمّة، أنّهم أمروا بالتقرّب بعد كلّ صلاة فريضة، إذا سلّم المصلي بسط يديه و رفع باطنهما، ثمّ قال: اللّهمّ إنّي أتقرب إليك بمحمد رسولك و نبيك، و بوصيّه علي وليّك، و بالأئمّة من ولده الطاهرين، الحسن، و الحسين، و علي بن الحسين، و محمد بن علي، و جعفر بن محمد و يُسمّي الأئمة إماماً إماماً إلى أن ينتهي لإمام عصره.

ثمّ يقول: اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بهم.(4)


1) . التهذيب: 130/9 برقم 4.

2) . الفقيه: 178/4 برقم 628.

3) . دعائم الإسلام: 344/2.

4) . دعائم الإسلام: 171/1.

قال النوري: غير خفي على المنصف أنّه لو كان إسماعيلياً، لذكر بعده إسماعيل بن جعفر بن محمد بن إسماعيل إلىٰ إمام عصره المنصور باللّٰه و المهدي باللّٰه.(1)

أقول: إنّه لم يذكر أسماءهم إمّا لكثرتهم، أو لإخفاء سرّهم كما ذكره في منظومته، فيقول:

و لم يكن يمنعني من ذكرهم *** إلّا احتفاظي بمصون سرّهم

و ليس لي بأن أقول جهراً *** ما كان قد أُدّي إليَّ سِرّا

و هم على الجملة كانوا استتروا *** و لم يكونوا إذ تولوا ظهروا

بل دخلوا في جملة السواد *** لخوفهم من سطوة الأعادي

حتى إذا انتهى الكتاب أجله *** و صار أمر اللّٰه فيمن جعله

بمنه مفتاح قفل الدين *** أيّده بالنصر و التمكين

فقام عبد اللّٰه و هو الصادق *** مهدينا صلى عليه الخالق(2)

إلى آخر ما ذكره، و مراده من المهدي، هو عبيد اللّٰه المهدي.

إلى هنا تبيّن أنّه لا دليل علىٰ كون الرجل اثني عشرياً إلى آخر عمره، أو كان اثني عشرياً، و عدل عنها إلى الإسماعيليّة.

نعم بقي هنا شيء و هو أنّه ذكر في كتاب «الارجوزة المختارة» فرق الشيعة، و ردَّ على الرونديّة، و الزيديّة، و الجاروديّة، و البتريّة، و المغيريّة، و الكيسانيّة، و الكربيّة، و البيانيّة، و المختارية و الحارثيّة، و العباسيّة، و الرزاميّة، و لم يذكر شيئاً ما عن الإماميّة الاثني عشريّة.


1) . المستدرك: 317/3.

2) . الارجوزة المختارة: 192

و يقول:

و هذه أُصول قول الشيعة *** و لو حكيت معها فروعه

لاتّسع القول بغير فائدة *** و كانت الحجة فيه واحدة(1)

و هذا من العجب، مع أنّ الاثني عشريّة، من أشهر الفرق، و هذا يدفعنا إلى القول، بأنّه كان يميل إليها بعض الميل، و اللّٰه العالم.

نظرة في كتاب الدعائم

نرى في كتاب الدعائم أنّ قاضي القضاة حفظ السنة المرويّة عن طريق أئمّة أهل البيت، و أنّه أكثر الرواية عن الصادقين عليهما السّلام، غير أنّه لم تكن له صلة بعلماء المذهب الاثني عشري، و لذلك خالفهم في نفس كتاب الإرث في موارد عديدة:

1 - ممّا روي عن علي أنّه قضى في رجل هلك، و لم يخلّف وارثاً غير امرأته، فقضىٰ لها بالميراث كلّه. و في امرأة هلكت و لم تدع وارثاً غير زوج لها، فقضىٰ له بالميراث كلّه.

فزعم أنّه يخالف ظاهر نص الكتاب، و ثابت السنة.(2)

2 - ما روي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه، أنّهما قالا: لا يرث النساء من الأرض شيئاً، و إنّما تعطى المرأة قيمة النقض.

قال: فهذا أيضاً لو حمل على ظاهره و على العموم، لكان يخالف كتاب اللّٰه


1) . الارجوزة المختارة: 236

2) . دعائم الإسلام: 393/2.

جلّ ذكره، و السنّة و إجماع الأئمّة و الأُمة.(1)

و ما روي عن أئمّة أهل البيت، في عدم إرث النساء من الأرض، مُخصص للقرآن و السنّة، و ليس مخالفاً؛ و المخالف هو المتباين.

كما أنّ الردّ ما زاد على الثمن و الربع، في الفرع الأوّل إلى الزوج و الزوجة، لا يُعدّ مخالفاً للكتاب، لأنّ الكتاب ساكت عن حكم ما زاد على الفريضة.

نعم نسب إليه المحدّث النوري، أنّه ممّن يُحرّم المتعة و لكنّ الوارد في النسخة المطبوعة خلافه، قال القاضي: عن جعفر بن محمد، أنّه قال: إذا تزوّج الرجل المرأة بصداق إلى أجل، فالنكاح جائز، و لكن لا بدّ أن يعطيها شيئاً قبل أن يدخل بها، فيحل له نكاحها، و لو أن يعطيها ثوباً أو شيئاً يسيراً، فإن لم يجد شيئاً، فلا شيء عليه، و له أن يدخل بها، و يبقى الصداق ديناً عليه.(2)

و في خاتمة المطاف: من طالع كتبه التي أومأنا إليها، يقف على أنّ الرجل فقيه إسماعيليّ، يدافع عن المذهب، و خلافة الخلفاء الفاطميين بحماس، خصوصاً في كتابه «افتتاح الدعوة في ظهور الدعوة العبيدية الفاطمية».

(5) أحمد بن حميد الدّين بن عبد اللّٰه الكرماني (352 - كان حيّاً سنة 411 ه)

حميد الدّين، أحمد بن عبد اللّٰه الكرماني الداعي في عهد الحاكم باللّٰه (375-411 ه) و الملقّب بحُجّة العراقين، و كبير دعاة الإسماعيليّة في جزيرة العراق،


1) . دعائم الإسلام: 396/2.

2) . دعائم الإسلام: 225/2 برقم 844.

و صاحب التآليف العديدة في المذهب الإسماعيلي و إثبات الإمامة للفاطميين، و الردّ على مخالفيهم.

«ظهر أثره و عظم شأنه في عهد الخليفة الفاطمي «الحاكم بأمر اللّٰه» و كان لقبه المشهور «حجّة العراقين» أي أنّه كان مسئولاً عن شئون الدعوة الثقافيّة في فارس و العراق، و في القاهرة كان مركزه كمقام (حجّة جزيرة) فهو أحد الحجج الاثني عشر، المكلّفين بإدارة شئون الدعوة الإسماعيليّة في العالم، ثمّ استخدم بعد ذلك كرئيس لدار الحكمة في القاهرة، و هي المؤسسة الثقافيّة التي نستطيع أن نقول عنها: إنّها أوّل جامعة انشئت في العالم.

وفد على القاهرة سنة 408 ه، بناءً على طلب المأمون افتكين الضيف داعي دعاة الدولة الفاطميّة في عهد الحاكم بأمر اللّٰه، عند ما حَمي وطيس المعارك الدينيّة، و قامت الدعوات الجديدة و راج سوق البدع التي كانت تهدف إلى الغلو و الانحراف عن واقع و أُسس الدعوة.

ألّف كثيراً من الكتب أشهرها: «الرسالة الواعظة» في الردّ على الحسن الفرغاني، القائل بألوهيّة الحاكم بأمر اللّٰه، و «البشارات» و «المصابيح» و «الرسالة المضيئة» و «المصابيح في إثبات الإمامة» و «تنبيه الهادي و المستهدي» و «راحة العقل» و «الرسالة الدرّية» و «رسالة التوحيد في المعاد» و «الأقوال الذهبية» و «تاج العقول» و «ميزان العقل» و «رسالة المعاد».(1)

و كتاب «الرياض في الحكم بين (الصادين) صاحبي الإصلاح و النصرة» مطبوع، إلىٰ غيرها من المؤلفات.

و قد ظلت سنة وفاته مجهولة بالرغم من وصول أكثر مؤلفاته و آثاره إلينا.

يقول الكرماني عن نفسه في مقدمة كتابه «راحة العقل»: و مؤلفه حميد الدين، أحمد بن عبد اللّٰه الداعي في جزيرة العراق و ما وليها، من جهة الإمام


1) . عارف تامر: مقدمة كتاب الرياض: 16-21.

الحاكم بأمر اللّٰه أمير المؤمنين، المنصوص عليه من جهة القائمين مقام الرسول صلّى الله عليه و آله و سلّم علىٰ ما بيّناه في كتبنا المعروفة بكتاب «المصابيح في الإمامة» و «مباسم البشارات» و «الرسالة الكافية» و كتاب «تنبيه الهادي و المستهدي».

ألّفه في سنة إحدىٰ عشرة و أربعمائة (411) في ديار العراق.(1)

و هذا النصّ يدل علىٰ أنّه كان حيّاً في تلك السنة.

فما ذكره ايفانوف، من أنّه توفي بعد سنة 408 بقليل ليس تامّاً.

و كتابه «راحة العقل»، من أشهر مؤلفاته، و قد حاول فيه أن يوفّق بين الفلسفة اليونانيّة و ما دانت به الإسماعيليّة.

و قد ذكرنا شيئاً من خصوصيات كتابه عند البحث عن عقائد الإسماعيليّة.

يقول محقق الكتاب: يُعد الكرماني بحق شيخ فلاسفة الإسماعيليّة فنحن نعلم أنّ الدعاة قبله كانوا مختلفين أشدَّ الاختلاف في مسائل كثيرة، فالداعي النخشبي وضع كتابه «المحصول» في فلسفة المذهب، و جاء بعده أبو حاتم الرازي فوضع كتاب «الإصلاح» و خالف فيه أقوال من سبقه، ثمّ جاء أبو يعقوب السجستاني أُستاذ الكرماني فانتصر للنخشبي، و خالف أبا حاتم، ثمّ جاء الكرماني الذي استطاع أن يوفّق بين آراء شيخه، و بين آراء أبي حاتم، و لا نكاد نجد خلافاً يُذكر بين علماء الدعوة الإسماعيليّة في فلسفة المذهب، بعد أقوال الكرماني، و إن كنّا نجد خلافاً شديداً بينهم في المسائل التأويليّة، لأنّ التأويل شخصي يختلف باختلاف الداعي، و كل كتب الدعاة بعد الكرماني تتفق مع ما ورد في كتاب «راحة العقل».(2)

و قد ترجمه مصطفىٰ غالب في كتابه «تاريخ الدعوة الإسماعيليّة» ضمن ترجمة سيرة الحاكم باللّٰه، و أنهى كتبه إلى 33 كتاباً، و ذكر منها كتاب «الإصابة في


1) . راحة العقل: 20، مقدمة التحقيق للدكتور كامل حسين، و محمد مصطفى حلمي.

2) . المصدر السابق: 17.

تفضيل علي على الصحابة».(1)

كما و ترجمه خير الدّين الزركلي، و لم يأت بشيء جديد.(2)

(6) المؤيّد في الدين (حدود 390-470 ه)

هبة اللّٰه بن موسى بن داود الشيرازي، المؤيّد في الدّين، داعي الدعاة من زعماء الإسماعيليّة. ولد بشيراز سنة 390 ه و نشأ و تعلّم فيها، و كان له و لأبيه دورٌ هامٌّ في بث الدّعوة الفاطميّة.

و غادر مدينته خوفاً من السلطان أبي كاليجار فخرج متنكراً إلى الأهواز سنة (329 ه) ثمّ توجّه إلى حلّة منصور بن الحسين الأسدي. و توجه إلى مصر، فخدم المستنصر الفاطمي، في ديوان الإنشاء و تقدّم إلىٰ أن صار إليه أمر الدّعوة الفاطميّة (سنة 450 ه) و لقب بداعي الدعاة، و باب الأبواب. ثمّ نُحّي و أُبعد إلى الشام، و عاد إلىٰ مصر فتوفي بها، عن نحو ثمانين عاماً، و صلّى عليه المستنصر.

و قيل: إنّه استطاع أن يدخل الملك أبي كاليجار في المذهب الإسماعيليّ، كما أدخل غيره من الوزراء و الأُمراء، و كان يفحمهم و يقنعهم بغزارة علمه، و شدّة معرفته، في أُصول العقائد الإسماعيليّة، و خاصّة نبوغه في علم التأويل الذي ترتكز عليه العقائد الفلسفيّة الإسماعيليّة.

عظم أمر المؤيد، في تلك البلاد فسارت سيرته في الآفاق، و لقد استدعي إلىٰ بيت الدعوة في مصر، نحو عام 438، ليلقي بعض المجالس التأويليّة،


1) . تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 241-243.

2) . خير الدين الزركلي: الأعلام: 156/1.

و ليتدرب التدريب النهائي علىٰ يدي الإمام، فوصل القاهرة و دخل القصر معززاً مكرماً.(1)

و له تصانيف عديدة منها:

1 - المرشد إلى أدب الإسماعيليّة.

2 - المجالس المؤيديّة.

3 - السيرة المؤيديّة.

4 - ديوان المؤيد في الدّين.

5 - أساس التأويل، كتبه بالفارسيّة ترجمه عن العربيّة، و أصل الكتاب للقاضي النعمان.(2)

6 - شرح العماد.

7 - جامع الحقائق في تحريم اللحوم و الألبان.

8 - القصيدة الاسكندريّة.

9 - تأويل الأرواح.

10 - نهج العبادة.

و له قصيدة يذكر فيها حديث غدير خم نقتطف منها هذه الأبيات:

لو أرادوا حقيقة الدّين كانوا *** تبعاً للذي أقام الرسولُ

و أتت فيه آيةُ النصّ بلغ *** يوم «خم» لمّا أتىٰ جبريل

ذاكم المرتضىٰ عليٌّ بحق *** فبعلياه ينطق التنزيل

أهلُ بيت عليهم نزل الذكر *** و فيه التحريم و التحليل

هم أمان من العمىٰ و صراط *** مستقيم لنا و ظل ظليل


1) . تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 250.

2) . خير الدين الزركلي: الأعلام: 75/8.

كما و توجد ترجمة له بقلمه، في كتاب أفرده في سيرته بين سنة 429 و سنة 450، و هو المصدر الوحيد للباحثين عن ترجمته، طبع بمصر في 184 صفحة. و للأُستاذ محمد كامل حسين المصري، بكلّية الآداب، دراسة ضافية حول حياة المُترجَم، بحث عنها من شتّى النواحي في 186 صفحة، و جعلها مقدمة لديوانه المطبوع بمصر، ففي الكتابين غنى، و كفاية عن التبسط في ترجمة المؤيد.(1)

(7) ناصر خسرو (الرحالة المعروف) (394-481 ه)

ناصر بن خسرو، من أحفاد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام، ولد في ذي القعدة عام 394 ه في قصبة (قباذيان) من أعمال بلخ، و توفي عام 481 ه، و هو خراساني الأصل، بلخي المنشأ.

و كانت أُسرته من الأُسر الغنيّة، و قد اهتمّ والد المترجم بتربية ابنه و تعليمه، فحفظ القرآن و هو لم يبلغ بعدُ التاسعة من العمر، و درس اللغة العربيّة و آدابها، و العلوم الإسلاميّة، و علوم النجوم و الفلك و الحساب و الهندسة و الجبر و تضلع في الفلسفة، إلى أن أُطلق عليه الحكيم.

و كان شاعراً فحلاً في اللغة الفارسيّة، و كان رحّالاً، ترك الإقامة في موطنه و اعتزم القيام برحلات في بعض الأمصار، قاصداً فيها مكّة، يرافقه أخوه أبو سعيد خسرو العلوي، و غلام هندي، فقد شرع برحلته في شهر شعبان عام 437 ه فترك مرو و سافر إلىٰ إقليم آذربيجان مارّاً بنيسابور، فدامغان، فسمنان، فالري، فقزوين،


1) . الأميني: الغدير: 304/4-312.

ثمّ تبريز، و قد وصلها في عشرين صفر عام 438 ه، و بعد أن أتمّ رحلته عام 444 ه، و قد بلغ من العمر 50 عاماً، و قطع في رحلته هذه التي طالت سبع سنوات، مسافة 2220 فرسخاً - و بعد أن - ساقه القضاء إلىٰ مصر، و توطّدت الصلة بينه و بين الخليفة الفاطمي بمصر، المستنصر باللّٰه، أبو تميم معد بن علي، الذي حكم مصر من سنة 427 ه إلىٰ سنة 478 ه، و قد أثرت فيه دعوتهم له، فاعتنق مذهبهم علىٰ يد أحد حُجّاب الدعوة في القاهرة، و سمّاه بالباب و اجتاز المقامات، و الدرجات الخاصّة بكبار قادة هذا المذهب، حتىٰ بلغ درجة الحُجّة، و اعتبر أحد الحجج الاثني عشر، في إحدىٰ الجزر الاثني عشر، حسب تقسيمات الفاطميين.

و عاد إلىٰ بلخ، و صار بينه و بين علماء المذهب السني نقاش و معارضة، إلى أن هرب من بلخ قبيل سنة (453 ه)، فلم يزل ينتقل من مدينة إلى مدينة، إلى أن انتهىٰ به المطاف سنة (456 ه) إلى مدينة «غار يمكان» الواقعة قرب مدينة بدخشان، و أقام فيها مختفياً إلىٰ أن وافاه الأجل عام (481 ه) فدفن هناك، و قبره اليوم مزار للإسماعيليّين. و قد ترك آثاراً كثيرةً نشير إلىٰ بعضها:

1 - «زاد المسافرين» الذي انتهىٰ منه في سنة 453 ه، و هو من أضخم مؤلفاته.

2 - «وجه دين» في عقائد الإسماعيليّة.

3 - «خوان اخوان».

4 - «دليل المتحيّرين» الذي أراد أن يثبت فيه أحقّية المذهب الفاطمي.

5 - إكسير أعظم في المنطق، أو الفلسفة.

6 - «رسالة المستوفي» في الفقه الإسماعيلي.(1)


1) . أعيان الشيعة: 202/10-204، من أراد المزيد فليراجع المصادر التالية؛ رياض العلماء: 232/5؛ مستدركات علم رجال الحديث: 55/8؛ طبقات أعلام الشيعة: 198/2؛ الذريعة: 15/21؛ معجم المؤلفين: 70/13.

(8) محمد بن علي بن حسن الصوري (من علماء القرن الخامس)

ولد في مدينة صور، و عاش رَدْحاً من الزمن في مدينة طرابلس، داعياً للفاطميين. هبط القاهرة في عهد الإمام المستنصر باللّٰه الفاطمي (427-487 ه).

صنّف قصائد كثيرة و رسائل عديدة، أشهرها «التحفة الظاهرة» و «نفحات الأئمّة» و قد رجّح عارف تامر، أنّه مات في حصون الدعوة الإسماعيليّة الصوريّة بجبال «السماق» بعد تعيينه داعية للمذهب الإسماعيلي فيها من قبل الإمام «المستنصر باللّٰه».

و من أبرز تأليفاته، القصيدة الصورية، و قد ألّفها في عصر ازدهر فيه الأدب، و برز إلىٰ ميدان العلم و الأدب ثلّة من العلماء، و الأُدباء، الذين قَدَّموا للمكتبة الإسلامية العديد من المؤلفات، و جادت قرائح الشعراء بالشعر العربي الفاطمي، الذي كان في ذلك العصر وسيلة من وسائل الدّعاية الدينيّة، و داعياً للتعبير عن التعاليم الفلسفيّة و تعدُّ القصيدة الصورية من أقدم المصادر عن الإسماعيليّة، و من أهم الرسائل المعبَّرة عن العقائد الإسماعيليّة، أو بالأحرى، من الرسائل التي تُشكّل عنصراً هامّاً في العقائد الباطنيّة، و مرجعاً يرجع إليه عند اختلاف و جهات النظر، و لذلك فقد تناقلتها الدعاة و حافظوا على سرّيتها و عدم تسرّبها.

و إليك مقاطع من قصيدته يشير فيها إلى تلك العقائد الباطنيّة، منها:

1 - انّ الأسماء و الصفات ليس للّٰه سبحانه، بل للمبدأ الأوّل:

و العلم بالتوحيد أسمى العلم *** فاصغ لما قد نال منه فهمي

فكلّما يجري على اللسان *** من سائر الأفكار و الأديان

و سائر الأسماء و الصفات *** للمُبدع الأوّل لا للذات

2 - توحيده سبحانه:

وسائل يسأل هل هو واحد *** أم أَحدُ حتىٰ يصح الشاهد

قلنا له الواحد مبدأ للعدد *** و الأحد المبدي له الفرد الصمد

و الأحد المبدع و هو الأزل *** و الواحد المبدع و هو الأوّل

أوّل من قام بتوحيد الأحد *** و دلّ بالعلم عليه من جحد

و صار للأعداد أصلاً صدرت *** عنه و منه انبجست إذ ظهرت(1)

(9) إبراهيم بن الحسين الحامدي (... - 557 ه)

إبراهيم بن الحسين الهمداني الحامدي: من دعاة الإسماعيليّة و علمائهم في اليمن، عاصر الدّولة الصليحيّة فحينما قرّرت السيدة الحرّة أروىٰ - من أميرات الدّولة الصليحيّة - أن تُفصل الدعوة عن الدّولة فصلاً تامّاً، عقدت مؤتمراً لكبار السلاطين و الدّعاة لانتخاب من يتولّىٰ رئاسة الدّعوة، فوقع الاختيار على الداعي الذؤيب بن موسى الوادعي الهمداني (520-536 ه)(2)ليتولّىٰ هذه المهمّة.


1) . القصيدة الصورية: 17، قسم المقدمة

2) . كذا في المصدر، و لعلّ في التاريخ تصحيف.

و بعد أُفول نجم الدّولة الصليحيّة بوفاة السيّدة الحرّة. أصبحت الدّعوة منظّمة دينيّة بحتة يرأسها الداعي ذؤيب بن موسى، و من الطبيعي حسب ترتيبات الدّعوة الإسماعيليّة أن يختار من بين الدعاة داعياً مأذوناً له يساعده في أعماله، فاختار إبراهيم بن الحسين بن أبي السعود الحامدي الهمداني، و هو من كبار الدعاة العلماء الذين أوجدتهم مدارس الدّعوة الإسماعيليّة المستعلية الطيبية في اليمن.

و لمّا توفي الذؤيب خلفه مأذونه إبراهيم داعياً مطلقاً للإمام المستور، الطيّب ابن الآمر في اليمن و ما جاورها من البلاد و الهند و السند و ذلك سنة 536 ه. و جعل الشيخ علي بن الحسين بن جعفر الانف القريشي العبثمي، مأذوناً له، فكان له معاضداً علىٰ أمره، قائماً بنشر الدّعوة في سرّه و جهره، و لم يعمّر علي بن الحسين طويلاً فقد وافته المنية في سنة 554 ه، فاستعان الحامدي بابنه حاتم، حيث اتخذه مأذوناً له، و نقل مقرّه إلى صَنعاء، ثمّ أعلن عدم تدخله في سياسة الدولة، و واظب علىٰ دراسة العلوم، و نقل التراث العلمي الإسماعيلي، و جمعه و تدريسه للدعاة التابعين لمدرسته، و وزّع الدعاة في بلاد اليمن و الهند و السند، و فيه يقول الشاعر الحارثي:

أبا حسن أنقذت بالعلم انفسا *** و أمّنتها من طارق الحدثان

فجوزيت بالحسنىٰ و كوفيت بالمنىٰ *** و دمت سعيداً في أعزّ مكان

عمرت بصنعا دعوة طيبية *** جعلت لها أسّاً و شُدت مباني

من كتبه: «كنز الولد» و «الابتداء و الانتهاء» و «كتاب تسع و تسعين مسألة في الحقائق» و «الرسائل الشريفة في المعاني اللطيفة».

و في عهد هذا الداعي الأجل تعرضت الدّعوة المستعلية الطيبية إلى هزّات عنيفة قاسيّة، لأنّ ملوك آل زريع في عدن مالوا إلى الدعوة المستعلية المجيديّة،

التي أخذت تنتشر بقوّة في أنحاء اليمن حتىٰ أصبح لها دعاة نشيطون في قلب تنظيمات الدّعوة الطيبية، و في معاقلها، كحراز، و نجران، و اليمن الأسفل، و كذلك أعلن ملوك همدان الياميون في صنعاء، و بلاد همدان، عن تنصّلهم من جميع الدّعوات و المذاهب.

و مع كلّ هذا فقد ظلّ الداعي إبراهيم بن الحسين الحامدي، علىٰ إخلاصه للدّعوة الطيبية، مواصلاً نشاطه حتىٰ توفّاه اللّٰه في صنعاء، في شهر شعبان سنة 557 هجرية.(1)

و قد طبع للمترجم له كتاب «كنز الولد» بتحقيق مصطفى غالب عام 1391 ه نشرته جمعيّة المستشرقين الألمانيّة، و الكتاب يتألف من أربعة عشر باباً، و قد استهل المقدّمة علىٰ عادة كتّاب العصر، بالاستعانة و التوكل، و الشهادة، و السلام، ثمّ يذكر موضوع الكتاب و الأسباب الداعية لتأليفه.

قال: و اعلم هداك اللّٰه لأوضح المسالك و نجّاك عن المهالك، أنّ لكلّ رابع من الانماء قوّة و تأييداً، و استطالة و تشديداً. و لكلّ سابع، أعظم و أعلى و أقوم، يقوم مقام النطق، و نحن في دور سابع الأشهاد، المتوجّه نحوه ملاحم آبائه و أجداده، و الاشارات و الرموز في أسانيدهم. و البشارات الموصوفة بالبركات و النعم و الخيرات بظهور العلوم و المعجزات، و إشراق النور، و بنبوع الأنهار، و ازهرار الأشجار، بالخضرة و النوار، حتى تتصل أنواره بنور القائم عليه السّلام على أتمّ تمام و أحسن نظام.(2)

و يظهر منه أنّ الإمام السابع يقوم مقام النطق، أي يكون مع كونه إماماً، رسولاً ناطقاً فعليه يكون محمد بن إسماعيل مع كونه إماماً سابعاً، رسولاً ناطقاً، بادئاً للدور السابع، و أمّا عدّ نفسه بأنّه في دور سابع الأشهاد، مع أنّه كان في


1) . مصطفى غالب: كنز الولد: 31-33، قسم المقدمة؛ الزركلي: الأعلام: 36/1.

2) . الحامدي: كنز الولد: 5.

الدور الثامن، لأنّ الدّور السابع ليس لمدّته أمد محدود، كما صرّح به في كتاب «الإمامة في الإسلام».(1)

و أمّا فهرس أبواب كتابه هذا، فهي:

الباب الأوّل: في القول على التوحيد، من غير تشبيه و لا تعطيل.

الباب الثاني: في القول على الإبداع الذي هو المبدع الأوّل.

الباب الثالث: في القول على المنبعثين عن المبدع الأوّل معاً، و تباينهما.

الباب الرابع: في القول على المنبعث الأوّل القائم بالفعل. و ما ذلك الفعل؟

الباب الخامس: في القول على المنبعث الثاني القائم بالقوّة. و ما سبب ذلك؟

الباب السادس: في القول على الهيولى و الصورة و ما هما في ذاتهما، و سبب تكثفهما و امتزاجهما؟

الباب السابع: في القول علىٰ ظهور المواليد الثلاثة: المعدن، و النبات، و الحيوان.

الباب الثامن: في القول علىٰ ظهور الشخص البشري أوّلاً، و في كلّ ظهور بعد وفاء الكور.

الباب التاسع: في القول علٰى ظهور الشخص الفاضل من تحت خط الاعتدال.

الباب العاشر: في القول على الارتقاء و الصعود إلىٰ دار المعاد إن شاء اللّٰه تعالى.

الباب الحادي عشر: في القول علىٰ معرفة الحدود العلويّة و السفليّة.

الباب الثاني عشر: في القول على الثواب و الارتقاء في الدرج إلى الجنّة الدانية و العالية، إن شاء اللّٰه.

الباب الثالث عشر: في القول على اتصال المستفيد بالمفيد و ارتقائه إليه و اتّصاله به.

الباب الرابع عشر: في القول على العذاب بحقيقته و كيفيته نعوذ باللّٰه منه.


1) . عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 155.

(10) علي بن محمد الوليد (522-612 ه)

«علي بن محمد الوليد الأنف العبشي القرشي» الداعي المطلق الخامس للإسماعيليّة المستعلية في اليمن، المولود سنة 522 ه و المتوفى سنة 612 ه، و المنحدر من أُسرة عربيّة عريقة، كان لها شأن في مجالات الأدب و الفلسفة، و قد لعب دوراً أدبيّاً فلسفيّاً هامّاً، في القرن السادس الهجري، و بالرغم من المصادر القليلة عن تاريخ حياته، إلّا انّه يمكننا القول بأنّه ينحدر من أُسرة معروفة بإخلاصها للأئمّة الفاطميين. يدلنا علىٰ ذلك والده الذي كان يلقب (بالأنف) تيمّناً بأبرز عضو في وجه الإنسان.

و لقد كان الداعي يتمتع بسمعة طيبة و علم وافر فقد تحسنت أُمور الاتباع و أقبلوا عليه من كل حدب و صوب لسماع محاضراته و التزود من علومه و الدراسة عليه و أيده السلاطين و الأُمراء من همدان و جعل مقره مدينة صنعاء حيث اعتكف على الدراسة و التصنيف و كتابة الكتب و الرسائل و المقالات التي يدافع فيها عن الدعوة و يشرح عقائدها و معارفها الفكرية

و كان علي بن الوليد أيضاً من الشعراء البارزين، ففي ديوانه القوافي العذبة و التأملات، التي تدلّ على عراقته بفن الشعر:

ما العمر إن طال للإنسان أو قصرا *** بنافع في غد أو دافعٍ ضرراً

و لا حياة الفتىٰ تُغني إذا هو لمْ *** يكن بها قاضياً في دينه وطرا

فإن يمتْ جاهلاً ما ذا أُريد به *** فبالحقيقة في الدارين قد خسرا

أمّا مؤلفاته فنشير إلى بعض منها:

1 - «تاج العقائد و معدن الفوائد». يتضمن مائة مسألة في معتقدات مذهب الإسماعيليّة.

2 - «دافع الباطل و حتف المناضل» ألفه رداً علىٰ كتاب «المستظهري». و هو أوّل كتاب ردٍّ للغزالي على الباطنيّة.

3 - «مختصر الأُصول» و يشمل شرح المقالات و كيفية انقسامها و الردّ على الفلاسفة و بعض الفرق.

4 - رسالة «نظام الوجود في ترتيب الحدود».

5 - رسالة «الإيضاح و التبيين في كيفية تسلسل ولادتي الجسم و الدين».

6 - رسالة «تحفة المرتاد و غصَّة الأضداد» في الرد على الفرقة المجيدية و إثبات إمامة الطيب بن الآمر و ذكر تسلسل الإمامة.

7 - «لبّ الفوائد و صفو العقائد» في المبدأ و المعاد.(1)

8 - ديوان شعر و فيه أشعاره في الردّ على المخالفين و في مدائح الأئمة.

و كان وفاة هذا الداعي يوم الأحد السابع و العشرين من شهر شعبان سنة 612 ه عن عمر ناهز التسعين عاماً و دامت أيام دعوته ست سنين و تسعة أشهر و ثلاثة أيّام.

و قد أخذنا شيئاً من عقائدهم من كتاب «تاج العقائد» الذي يُعد أوضح كتاب وضع في بيان عقائد تلك الطائفة، و الكتاب واضح العبارة جداً، بعيد عن الانحراف و الاعتساف، إلّا ما ندر، و هو يدل علىٰ أنّ طائفة الإسماعيليّة القاطنة في اليمن كانوا بمعزل عن كثير من الزلّات المشاهدة عند غيرهم.


1) . تاج العقائد و معدن الفوائد: 7-9، المقدمة، تحقيق عارف تامر.

الفصل الرابع عشر: في التنظيمات السرّية الإسماعيلية

اشارة

التنظيمات السرّية الإسماعيلية

إنّ طابَع الأقلّية يستدعي امتلاك تنظيمات سرية يسودها التكاتف و التعاون لتصمد أمام العواصف التي تهددهم من جانب الأكثرية، و لو لا ذلك لتفكّكت و انفصمت عرى حياتهم و لانصهر كيانهم المستقل.

ظهرت الإسماعيلية على مسرح الحياة في زمان ساده روح العداء لأهل البيت عليهم السّلام و أتباعهم، و كانت الشيعة قذى في عيون الخلافة العباسية، لما يسودها من روح العصيان على السلطة و الخروج عليها.

هذا و ما شابهه صار سبباً لدخول أئمتهم في كهف الاستتار و التقية و إحداث تنظيمات سرية في مختلف الأدوار لتكون حصناً حصيناً لهم و لأتباعهم، و قد ذكر التاريخ شيئاً كثيراً من تنظيماتهم و مخططاتهم المبتكرة و التي قلّما يشهد التاريخ لها من مثيل.

و هذا الكاتب الإسماعيلي مصطفى غالب يشرح لنا الصورة الدقيقة عن التنظيمات السرية في أدوار الستر و في عهد الدولة الإسماعيلية في مصر و المغرب حيث يقول:

إذا أردنا أن نقارن تلك التنظيمات مع أحدث التنظيمات و التخطيطات الدعاوية العصرية المعروفة اليوم، لتبين لنا انّ الإسماعيليين كان لهم القدح المعلّى في هذا المضمار، من حيث ابتكار الأساليب المبنية على أُسس مكينة مستوحاة من عقائدهم الصميمة، و تظهر عبقريتهم بوضوح من جهة البراعة في تنظيم أجهزتهم الدعاوية - في قلّة الوسائل في تلك الأيام - ممّا جعلهم يستطيعون الإشراف بسرعة فائقة على تنسم أخبار أتباعهم في الأبعاد المتناهية، و ذلك بما ابتكروا من أساليب

و أحدثوا من وسائل، و قد كان للحمام الزاجل الذي برع في استخدامه الدعاة، أثره الفعّال في نقل الأخبار و المراسلات السرية الهامة.

و لقد كان الإمام الإسماعيلي الذي يعتبر رئيس الدعوة قد وفق بين جهاز الدعاية الذي نظّمه خير تنظيم، و بين نظام الفلك و دورته، و جعل العالم الذي كان معروفاً في تلك الأيام مثل السنة الزمنية، فالسنة كما هو معروف مقسمة إلى اثني عشر شهراً، و لذلك يجب أن يقسم العالم إلى اثني عشر قسماً، أطلق على كل قسم اسم (جزيرة) و جعل على كل جزيرة من هذه الجزر داعياً، هو المسئول الأوّل عن الدعاية فيها، و لقب ب (داعي دعاة الجزيرة) أو ب (حجة الجزيرة). و قال:

إنّ الدعوة لا يمكن استقامتها إلّا باثني عشر داعياً يتولون إدارتها، فكان الإمام ينتخب الدعاة من ذوي المواهب الخارقة، و القدرة الفائقة في بث الدعوة و العمل على نشرها بين مختلف الطبقات و قد جعل الدعاة من (حدود الدين) إمعاناً في إسباغ الفضائل عليهم، ليتمكنوا من نشر الدعوة و توجيه الأتباع دون ما أيّة معارضة أو مخالفة، لأنّ مخالفتهم و معارضتهم تعتبر بنظر الإمام مروقاً عن الدين، و خروجاً عن طاعة الإمام نفسه، لأنّهم من صلب العقيدة و حدودها.

و لمّا كان الشهر ثلاثون يوماً لذلك كان لكل داعي جزيرة ثلاثون داعياً نقيباً لمساعدته في نشر الدعوة، و هم قوته التي يستعين بها في مجابهة الخصوم، و هم عيونه التي بها يعرف أسرار الخاصة و العامة، فكانوا بمثابة وزرائه و مستشاريه في كلّ ما يتعلّق بجزيرته.

و لمّا كان اليوم أربع و عشرين ساعة، اثنتي عشر ساعة بالليل، و اثنتي عشر ساعة بالنهار، وجب لكلّ داع نقيب أربعة و عشرين داعياً، منهم اثني عشر داعياً ظاهراً كظهور الشمس بالنهار، و اثني عشر داعياً محجوباً مستتراً استتار الشمس بالليل. و بعملية حسابية بسيطة نجد انّ عدد الدعاة الذين بثهم الإمام الإسماعيلي في العالم كان حوالي 8640 داعياً في وقت واحد.

التنظيمات السّرية للدعوة الإسماعيليّة النزارية

و لما انتقلت الدعوة الإسماعيلية النزارية إلى فارس، أجرى الإمام النزاري بعض التعديلات، و أوجد تنظيمات تتناسب مع ظروفه و عصره و هي علىٰ قسمين:

1 - القسم الخاص بالدعاية الدينية و الذي ظل قريب الشبه من النظام السابق، و لو انّ عدد الدعاة تقلص و نقص، لأنّ الإمام النزاري جعل رتبة (الشيخ) في دعوته بدلاً من رتبة (داعي الدعاة) و عيّن في كلّ منطقة من المناطق الإسماعيلية له نواباً، و ألحق بهؤلاء النواب عدداً غير محدود من الدعاة الذين كانوا يدعون الناس للمذهب الإسماعيلي النزاري.

2 - أمّا القسم الثاني فهو خاص بالفدائية و الجيش، و هؤلاء كانوا يتبعون مباشرة مركز الإمامة أو نائب الإمام في قطره، و يتلقّون الأوامر و المهمات السرية منه مباشرة.

و كانت الفدائية على ثلاث درجات:

أوّلا: الرفاق أو المقدمون: و هم قادة الجيش و الفدائية و لهم مهمّة الإشراف على التدريب، و السهر على تنفيذ المهمات العسكرية و غير العسكرية.

ثانياً: مرتبة الفدائيين الذين ينتقون من العناصر المخلصة المعروفة بالتضحية و الإقدام و الشجاعة النادرة، و الجرأة الخارقة فيكلَّفون بالتضحيات الجسدية، و بتنفيذ أوامر الإمام أو نائبه.

ثالثاً: المستجيبون: و هم الذين يقضون دور التدريب و التعليم، و هؤلاء يدخلون مدارس الفدائية، و هم في سن مبكرة و يتلقون التدريب و التعليم في المدارس الخاصة بهم، على أيدي كبار المقدمين. و يسهر الإمام نفسه أو نائبه الشيخ على تدريبهم و تعليمهم.(1)


1) . مصطفى غالب: في مقدمة كتاب الينابيع: 21-24.

الفصل الخامس عشر: في القرامطة

اشارة

لقد ذكرنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب أنّ الحركات الباطنيّة نشطت في أواسط القرن الثاني، و كان زعيمها هو أبو الخطاب، محمد بن مقلاص، فلمّا قتل انتهى أمرهم - بعد فترة - إلى الاجتماع حول محمد بن إسماعيل، و وجدوه مرتعاً خصباً لنشر أفكارهم. فارتكزت الدّعوة الإسماعيليّة علىٰ تلك الأفكار في بادئ الأمر. و كان من نتيجة ذلك التحرك أن:

1 - اتخذ الأئمّة المستورون سوريا، و أخصّ بالذكر «السلمية» و ما حولَها مركزاً للدّعوة، و منها انتشرت إلى سائر الأمصار.

2 - انتشرت الدّعوة في اليمن بزعامة ابن حوشب «منصور اليمن».

3 - أرسل ابن حوشب، أبا عبد اللّٰه الشيعي إلىٰ إفريقية حيث آلت الأحداث بعدها إلىٰ تأسيس الخلافة الفاطميّة.

4 - ظهور حركة القرامطة، و هذا ما سنبحثه في هذا الفصل.

إنّ من الإسماعيليّة فرقة باسم المباركيّة قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل، بدل إسماعيل، و قد تشعبت منهم فرقة باسم القرامطة، كان لهم دورٌ مهم على الساحة السياسية و العقائدية أيّام عبيد اللّٰه المهدي، حسب ما يذكره التاريخ و ما يزال الغموض يكتنف عقائدهم، و تاريخهم و الجرائم التي قاموا بها، في أواخر القرن الثالث. و من أجل تسليط الضوء على جانب من جوانب عقائدهم نستعرض ما ذكره أصحاب المقالات:

1 - قال النوبختي: إنّما سُمّيت بهذا لرئيس لهم من أهل السواد من أهل الأنباط كان يلقب «قرمطويه» و كانوا في الأصل علىٰ مقالة المباركيّة، ثمّ خالفوهم،

فقالوا لا يكون بعد محمد النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم إلّا سبعة أئمّة، علي بن أبي طالب و هو إمامٌ رسولٌ، و الحسن و الحسين، و علي بن الحسين، و محمد بن علي، و جعفر بن محمد، و محمد بن إسماعيل بن جعفر، و هو الإمام القائم المهدي، و هو رسولٌ.

و زعموا أنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم انقطعت عنه الرسالة في حياته، في اليوم الذي أُمر فيه بنصب علي بن أبي طالب عليه السّلام للناس بغدير خم، فصارت الرسالة في ذلك اليوم في علي بن أبي طالب، و اعتلّوا في ذلك بقول رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» و انّ هذا القول منه خروج من الرسالة و النبوّة، و تسليم منه في ذلك لعلي بن أبي طالب، بأمر اللّٰه عزّ و جلّ و انّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم بعد ذلك كان مأموماً لعليّ، محجوجاً به، فلمّا مضىٰ عليٌّ صارت الإمامة في الحسن، كما صارت من الحسن في الحسين ثمّ في علي بن الحسين، ثمّ في محمد بن علي، ثمّ كانت في جعفر بن محمد، ثمّ انقطعت عن جعفر في حياته، فصارت في إسماعيل بن جعفر، كما انقطعت الرسالة عن محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم في حياته، ثمّ إنّ اللّٰه عزّ و جلّ بدا له في إمامة جعفر، و إسماعيل، فصيّرها في محمد بن إسماعيل، إلىٰ أن قال:

و زعموا أنّ محمد بن إسماعيل حيٌّ، لم يمت، و أنّه في بلاد الروم، و أنّه القائم المهدي، و معنى القائم عندهم، انّه يبعث بالرسالة و بشريعة جديدة، ينسخ بها شريعة محمد، و انّ محمد بن إسماعيل من أولي العزم، و أولي العزم عندهم سبعة: نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و علي عليه السّلام، و محمد بن إسماعيل، على معنىً.

قال: إنّ السماوات سبع و إنّ الأرضين سبع و إنّ الإنسان بدنه سبع: يداه، و رجلاه، و ظهره، و بطنه، و قلبه، و إنّ رأسه سبع: عيناه، أُذناه، منخراه، و فمه، و فيه لسانه، كصدره الذي فيه قلبه، و إنّ الأئمّة كذلك، و قلبهم محمد بن إسماعيل و اعتلوا في نسخه شريعة محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و تبديلها، بأخبار، رووها عن أبي عبد اللّٰه جعفر ابن محمد عليه السّلام أنّه قال: لو قام قائمنا علمتم بالقرآن جديداً، و أنّه قال: إنّ الإسلام

بدأ غريباً و سيعود غريباً كما بدا، فطوبىٰ للغرباء، و نحو ذلك من أخبار القائم.

و انّ اللّٰه جعل لمحمد بن إسماعيل جنّة آدم (ص) و معناها عندهم الإباحة للمحارم، و جميع ما خلق في الدنيا، و هو قول اللّٰه عزّ و جلّ: «وَ كُلاٰ مِنْهٰا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمٰا وَ لاٰ تَقْرَبٰا هٰذِهِ اَلشَّجَرَةَ»(1)أي موسى بن جعفر بن محمد، و ولده من بعده من ادّعىٰ منهم الإمامة.

و زعموا أنّ محمد بن إسماعيل، هو خاتم النبيين، الذي حكاه اللّٰه عزّ و جلّ في كتابه، و أنّ الدّنيا اثنا عشر جزيرة، في كلّ جزيرة حُجّة و أنّ الحجج اثنا عشر، و لكلّ حجّة داعية. و لكلّ داعية يد، يعنون بذلك أنّ اليد رَجلٌ له دلائل و براهين يقيمها، و يُسمّون الحُجّة الأب، و الدّاعية الأُم، و اليد الابن، يضاهون قول النصارىٰ في ثالث ثلاثة، إنّ اللّٰه الأب جل جلاله، و المسيح عليه السّلام الابن، و أُمّه مريم، و الحُجّة الأكبر هو الربّ و هو الأب و الدّاعية هي الأُم، و اليد هو الابن.

و زعموا أنّ جميع الأشياء التي فرض اللّٰه تعالى علىٰ عباده و سنّها نبيّه (ص) و أمر بها، لها ظاهر و باطن، و أنّ جميع ما استعبد اللّٰه به العباد في الظاهر من الكتاب و السنة، أمثال مضروبة و تحتها معان هي بطونها، و عليه العمل و فيه النجاة، و أنّ ما ظهر منها ففي استعماله الهلاك و الشقاء، و هي جزء من العقاب الأدنىٰ، عذّب اللّٰه به قوماً إذ لم يعرفوا الحقّ و لم يقولوا به، و هذا أيضاً مذهب عامّة أصحاب أبي الخطاب، و استحلّوا استعراض الناسَ بالسيف و قتلهم علىٰ مذهب الخوارج في قتل أهل القبلة، و أخذ أموالهم، و الشهادة عليهم بالكفر، و اعتلّوا في ذلك بقول اللّٰه عزّ و جلّ: «فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ»(2)و رأوا سبي النساء و قتل الأطفال، و اعتلّوا في ذلك بقول اللّٰه تبارك و تعالى: «لاٰ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكٰافِرِينَ دَيّٰاراً».(3)


1) . البقرة: 35.

2) . التوبة: 5.

3) . نوح: 26.

و زعموا أنّه يجب عليهم أن يبدءوا بقتل مَنْ قال بالإمامة مِمّنْ ليس علىٰ قولهم، و خاصّة من قال بإمامة موسى بن جعفر، و ولده من بعده؛ و تأوّلوا في ذلك قولَ اللّٰه تعالى: «قٰاتِلُوا اَلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ اَلْكُفّٰارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً» (1)فالواجب أن يُبدأ بهؤلاء، ثمّ بسائر الناس؛ و عددهم كثير، إلّا أنّه لا شوكة لهم و لا قوّة، و هم بسواد الكوفة و اليمن أكثر و لعلّهم أن يكونوا زُهاء مائة ألف.(2)

أقول: إنّ النوبختي أقدم مَن كتب عنهم من أصحاب المقالات، و قد عاصرهم، حيث إنّ القرامطة ظهرت سنة 267 ه، و توفي النوبختي في أوائل القرن الرابع حوالي سنة 310 ه، فما ذكره عنهم أدقّ ممّا ذكره غيره.

2 - و قال الأشعري: القرامطة يزعمون أنّ النبيّ نصّ علىٰ إمامة ابنه الحسن - و هكذا ينقل نصّ كلّ إمام على الإمام المتأخر - حتّى وصلت النوبة إلىٰ نصّ جعفر علىٰ إمامة ابن ابنه محمد بن إسماعيل.

و زعموا أنّ محمد بن إسماعيل حيٌّ إلىٰ اليوم، و لم يمت و لا يموت حتّى يملك الأرض، و أنّه هو المهدي الذي تقدّمت البشارة به، و احتجوا في ذلك بأخبار رووها عن أسلافهم يخبرون فيها أنّ سابع الأئمّة قائمهم.(3)

3 - و أمّا عبد القاهر البغدادي فلم يذكر القرامطة بالاسم، لكن نقل ما ذكره الإمام الأشعري في المقالات و قال: «و فرقة قالت كان الإمام بعد جعفر سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر، حيث إنّ جعفراً نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده، فلمّا مات إسماعيل في حياة أبيه، علمنا أنّه إنّما نصب ابنه إسماعيل للدلالة علىٰ إمامة ابنه محمد بن إسماعيل.(4)


1) . التوبة: 123.

2) . النوبختي: فرق الشيعة: 72-76.

3) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 26.

4) . عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق: 63.

يظهر ممّا ذكره النوبختي في فرق الشيعة أنّهم كانوا يكفّرون جميع المسلمين حسب عقيدتهم، و لأجله قاموا بقتل حجاج بيت اللّٰه الحرام عام 317 ه في عهد المقتدر باللّٰه.

ذكر ابن الأثير أنّه حج بالناس في هذه السنة (317 ه) المنصور الدّيلمي، و صار بهم من بغداد إلىٰ مكّة فسلّموا في الطريق فوافاهم أبو طاهر القرمطي بمكّة، يوم التروية، فنهبَ هو و أصحابُه أموال الحُجّاج، و قتلوهم حتى في المسجد الحرام و في البيت نفسه، و قلع الحجر الأسود و نفذه إلىٰ هجر فخرج إليه ابن محلب، أمير مكّة في جماعة من الأشراف، فسألوه في أموالهم فلم يشفعهم، فقاتلوه فقتلهم أجمعين، و قلع باب البيت و أصعد رجلاً ليقلع الميزاب فسقط فمات.

و طرح القتلىٰ في بئر زمزم، و دفن الباقين في المسجد الحرام، حيث قُتلوا بغير كفن و لا غُسل، و لا صلى علىٰ أحد منهم، و أخذ كسوة البيت، فقسّمها بين أصحابه، و نهب دُورَ أهل مكّة.

فلما بلغ ذلك المهدي أبا محمد عبيد اللّٰه العلوي بإفريقية، كتب إليه، يُنكر عليه ذلك و يلومه و يلعنه و يقيم عليه القيامة، و يقول: قد حققت علىٰ شيعتنا و دعاة دولتنا اسم الكفر و الإلحاد بما فعلت، و إن لم ترد علىٰ أهل مكّة و على الحجّاج و غيرهم، ما أخذت منهم، و تردّ الحجر الأسود إلى مكانه، و تردّ كسوة الكعبة، فأنا بريء منك في الدنيا و الآخرة.

فلمّا وصله هذا الكتاب أعاد الحجر الأسود، و استعاد ما أمكنه من الأموال من أهل مكّة فردّه، و قال: إنّ الناس اقتسموا كسوة الكعبة، و أموال الحجاج و لا أقدر علىٰ منعهم.(1)


1) . ابن الأثير: الكامل في التاريخ: 207/8-208.

من هذا المقطع الذي ذكرناه من كلام ابن الأثير يظهر أنّ عبيد اللّٰه المهدي ينكر عليهم ما ارتكبوه من جرائم شنيعة، و أنّهم بأعمالهم الوحشيّة هذه مهّدوا الطريق للأعداء، ليتّهموهم بالإلحاد، و الخروج عن الدين. و هذا ممّا يوجب على الباحث العلمي إذا أراد أن يخرج بنتيجة إيجابية أن يجعل للقرامطة حساباً خاصاً و أن يدرسهم دراسة موضوعية تتسم بالعلميّة و عدم الخلط.

و للإسماعيليّة التي كانت الخلافة الفاطميّة في مصر تتبناها حساباً آخر و لا يضربهما بسهم واحد.

الملامح العامّة للقرامطة

قد تعرّفت على الفرق الإسماعيلية، و إنّ منها القرامطة الّذين قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل و غيبته، و بذلك عطّلوا الإمامة، و انقطعوا عن الركب الإمامي، و حيث إنّه كان لهم دور في الأعصار الغابرة لا بأس بذكر ملامحهم العامّة، و فرقهم، و عقائدهم، و ما قاموا به من الأحداث الإرهابيّة، و قد وجدنا أنّ ما كتبه «طه ولي» حول تلك الفرقة في كتابه «القرامطة أوّل حركة اشتراكية في الإسلام» هو أبسط ما كتب عنهم، فقمنا بتلخيص ما جاء في هذا الكتاب من المواضيع الهامّة.

القرامطة من إحدى الفرق الباطنية الّتي شغلت السلطات العباسيّة قُرابة قرن من الزمن، و أشاعت الاضطرابَ و القلقَ في الشرق العربي، بما خَلَقْته من أفكار ثوريّة، ما تزال آثارها باقية إلى أيّامنا الحاضرة، عبر الطوائف الدينية التي تحمل أسماءً مختلفة.

إنّ القرامطة جاءت من معنى لغويّ و هو قَرمطَ الرجلُ في خَطْوه، إذا قارب بين السطور في كتابته، و يقال: إنّ حمدانَ بن الأشعث مؤسّس هذه الفرقة سُمي قرمط لقصر قامته و رجليه.

أسباب نشوء الحركة القرمطيّة و مؤسّسها:

إنّ كلمة قَرمط بدأت بحمدان بن الأشعث، و هو الذي نزل عنده الداعي المؤسِّس لهذه الفرقة: الحسين الأهوازي، الذي جاء من ناحية خوزستان، و هذه التسمية - أي القرامطة - لم تتخذها هذه الفرقة الباطنيّة لنفسها، و إنّما أطلقها أعداؤها عليها في العهود المبكِّرة لقيامها.

و الحديث عن العوامل التي أدّت إلىٰ نشوء الحركة القرمطية، و قيام دولة القرامطة، ذو شجون، و الخوض فيه يحتاج إلىٰ تفصيلات، لا يتسع لها مجال هذه الدراسة، التي قصدنا بها التعريف بالقرامطة، و حركتهم بأكثر ما أمكننا من الإيجاز، دون الدخول في التناقضات التي تميّزت بها أقوال المحققين.

كان المجتمعُ الإسلامي، في أواخر العهد الأُموي يسير في طريق مُظلم، و أنّ الدولة الأُمويّة الحاكمة، العربيّة النزعة و الطابع، كما هو جليّ و واضح في تاريخها لم تكن تعتمد إلّا على العناصر الخالصة التي تنحدر من أصل عربي فلم يُعِنْ بنو أُمية بغير قومهم العرب، فمنهم الولاة و القوّاد، و رؤساء الدولة، و العمال و حكّام الأقاليم، و المقاطعات، فضلاً عن أنّ زمام الأسواق التجارية و المهنيّة و الزراعيّة، و النفوذ و الجاه، كان أيضاً بأيديهم، و بأيدي أنصارهم، و لهذا كره الموالي (غير العرب) حكمهم، و عملوا علىٰ إسقاطهم و كانوا معاول هدم في كيان الدّولة الأُمويّة.

إنّ المجتمع الأُموي كان يقوم علىٰ سيادة العنصر العربيّ، فكان لا يتمكن أيُّ إنسان من الانتساب إلىٰ صفوفه إلّا بطريق الولادة، و لم يكن أفراده يدفعون الضرائب عن أراضيهم، و كانوا وحدهم أصحاب الحقّ، بأن يتجنّدوا في الأمصار، و يقبضوا الرواتب الشهرية المغرية، فضلاً عن حقّهم بالأعطية من غنائم الفتوح، و لم يكن حلول العباسيين محلّ الأُمويين أكثر من مجرد تغيير الأُسرة الحاكمة.

و بذلك تبين أنّ الأسباب التي أدّت إلىٰ قيام الحركة القرمطية كانت هي أيضاً في جوهرها حركة قوميّة إقليميّة و اقتصاديّة و اجتماعيّة، و لعلّنا لا نأتي بجديد حين نقول: إنّ الأُمويين بسياستهم هذه: قد مهّدوا الطريق لمن يريد ضرب الدّولة الإسلامية، و كان أفضل وسيلة للمنفعلين بهذه الأسباب أن اتخذوا من الصراع العقائدي بين بني أُميّة و بين بني هاشم، ذريعة لتقويض الحكم العربي العنصريّ، و نقض التعاليم الإسلاميّة، و ذلك بادّعائهم الولاء للهاشميين في مطالبتهم

بحقّهم بالخلافة دون الأُمويين.

و هكذا تكون كلّ الحركات الباطنيّة توسلتْ بشعار الولاء لآل البيت النبوي، من أجل الوصول إلى هدف واحد و هو الثأر من حكام الوقت الّذين أشاعوا البدع الجاهليّة، تحت غطاء الإسلام، و منها التركيز على العنصر العربي، و الحط من الموالي المسلمين.

كان ابتداء الدّعوة القرمطيّة في البحرين عن طريق رجل يُعرف بيحيى بن المهدي، الذي قصد بلدة القطيف، و حلّ فيها ضيفاً علىٰ رجل يُعرف بعلي بن المعلىٰ بن حمدان، مولى الزياديّين، فأظهر له يحيىٰ أنّه رسولُ المهدي، و كان ذلك في سنة 281 ه، و ذكر أنّه خرج إلىٰ شيعته في البلاد، يدعوهم إلىٰ أمره و أنّ ظهوره قد قَرُب، فأخبر عليُّ بن المعلىٰ، الشيعةَ من أهل القطيف، و قرأ عليهم الكتاب، الذي مع يحيى بن المهدي، المرسل إليهم من المهديّ، فأجابوه، و أنّهم خارجون معه، إذا ظهر أمره. و وجّه إلى سائر قرى البحرين بمثل ذلك، فأجابوه و كان أبو سعيد الجنابيّ يبيع للناس الطعامَ و يحسب لهم بيعهم.

و يقول مؤلّف «البحرين عِبر التاريخ»: إنّ حمدان قرمط ابن الأشعث، هو مؤسّس حركة القرمطيين في واسط بين الكوفة و البصرة - حيث أنشأ داراً للهجرة، و جعلها مركزاً لبث الدّعوة، ثمّ كلّف دعاته بإنشاء فروع للحركة، أهمّها على الإطلاق فرعُ البحرين الذي أقامه أبو سعيد الجنابي.

فرق القرامطة:

القرامطة توزّعوا في أيّام ظهورهم إلىٰ ثلاث فرق، و مرّوا في ثلاث مراحل، و تقلّبوا في ثلاثة أدوار:

الفرقة الأُولىٰ: و هي قرامطة السّواد - أي سواد العراق - و قد أطلق لفظُ السواد علىٰ هذه المنطقة لكثرة النخيل الذي يُغَطِّي أرضها، و يطلق على هذه الفرقة

كذلك، اسم قرامطة الشمال، و أبرز دعاتهم «داندان» و «حمدان» و «عبادان» و «آل مهرويه».

الفرقة الثانية: قرامطة البحرين أو الخليج في شطه الغربي، و أبرزُ دعاتهم آل الجنابي.

الفرقة الثالثة: قرامطة القطيف و جنوبي البصرة، و أبرز دعاتهم أبو حاتم البوراني، و أبو الفوارس، و هذا يُعدُّ من كبارهم، و له مع الخليفة العباسي «المعتضد» محاورة مشهورة، و يُعتبر من أقوى الدعاة الّذين عرفهم القرامطة في تاريخهم.

انقسام القرامطة إلى حركتين بعد ما كانت حركة واحدة

عند ما هلك سليمان بن الحسن الجنابي «أبو طاهر»، زعيم الدولة القرمطية في البحرين، الذي هتك حرمة الكعبة، و قتل الكثير من الحجاج، ترك أولاداً غير أكفاء لخلافته في الزعامة، فتنافس أخواه سعيد و أحمد على الولاية، و أدّى هذا التنافس إلى انقسام جماعة القرامطة إلى حركتين متعاديتين بعدَ أن كانوا حركة واحدة متجانسة، و كان على رأس إحدى هاتين الحركتين أبناء سليمان (أبو طاهر الجنابي) و معهم سابور، و عمه أحمد، و انضم إليهم كبار هذه الطائفة، و كان هؤلاء خاضعين للعُبيديين في المغرب يتلقون منهم التوجيه و ينفِّذون تعاليمهم، و قد أطلقوا على أنفسهم اسم «الفرقة العقدانية» أي أصحاب العقيدة.

و على رأس الحركة الثانية، سعيد المذكور الذي رفض التبعية للعُبيديين و آثر الاستقلال بشئونه، و لأجل تقوية مركزه ضد العبيديّين، الذين لم يعترفوا به، اتجه لمصانعة العباسيين الذين سارعوا لموازرته بهدف تعميق الانقسام في صفوف هؤلاء القرامطة، لكي يسهل التخلص منهم جميعاً، و قد أدّى هذا الانقسام الذي رافقته حروب دامية بين الحركتين إلى التعجيل بنهاية القرامطة كقوة سياسية و مذهبية.

عقائد القرامطة

اشارة

إنّ عقائد القرامطة، هي مزيج من الحق و الباطل شأن كلّ فرقة زائفة، فأخذت بتبنّي الإمامة لأئمّة أهل البيت و إظهار الإخلاص لهم، و رفض الحكومات الأُموية و العباسية المخالفة للقرآن و السنّة و السيرة النبوية. و إليك بعض عقائدهم بشكل موجز:

1 - نظرية الحلول عند القرامطة

و القرامطة، قالوا بنظرية الحلول أو ما يسمى عند بعض الطوائف المعاصرة باسم حلول اللاهوت بالناسوت، فذهبوا إلىٰ أنّ أئمّتهم حلّت فيهم شخصيات الأنبياء السابقين الذين بعثهم اللّٰه في الأُمم الغابرة ابتداءً من آدم و انتهاءً بمحمّد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم بل أنّهم تجاوزوا الأنبياء.

لما دخل عبيد اللّٰه المهدي إلى رقادة بالمغرب مدحه محمد البديل، أحد موظفي الديوان عند أبي قضاعة بقوله:

حل برقادة المسيح *** حل بها آدم و نوح

حل بها أحمد المصفّى *** حل بها الكبش و الذبيح

حل بها ذو المعالي *** و كل شيء سواه ريح

2 - الغلو عند القرامطة

تعتقد القرامطة أنّ الإمام القائم هو محمد بن إسماعيل الذي يبعث بالرسل، و يسن شريعة جديدة ينسخ بها شريعة النبي محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم.

كما يعتقد القرامطة بأنّ روح اللّٰه تعالى تحل في أجساد أئمتهم فتعصمهم من

الزلل و ترشدهم إلى صالح العمل.

و هم يعتقدون أيضاً أنّ أئمّتهم السبعة هم السبع المثاني الذين أشار القرآن الكريم إليهم، و رفعوهم إلى حدّ المغالاة.

3 - التأويل الباطني في تفسير القرآن

تفردت الباطنية بتفسير القرآن الكريم علىٰ طريقة التأويل الباطني، و هو أن يتجاوز الإنسان المعنى الظاهري للآية و يتجه إلى فهمها عن طريق تفسير كلماتها بما يخيل إليه أنّه المقصود الحقيقي من كلام اللّٰه، و من الطبيعي أن يعتمد الباطنيون هذه الطريقة لتحميل الآيات المعنىٰ الذي يؤيد وجهة نظرهم و أفكارهم المذهبية.

إنّ التأويل بمعناه الواقعي لدى الإسماعيليين يختلف عن التفسير المعمول به لدى عامة الفرق الإسلامية الأُخرى، و التفسير معناه جلاء المعنى لكلّ كلمة غامضة لا يفهم معناها القارئ و التأويل باطن المعنى أو رمزه أو جوهره و هو حقيقة مستترة وراء لفظة لا تدل عليها، و من هنا أعطى النظام الإسماعيلي - و مثله القرمطي - الفكري صلاحية التفسير للناطق و وهب صلاحية التأويل للإمام، فالناطق اعتبر ممثلاً للشريعة و الأحكام و الفقه و القانون الظاهر، و الإمام اعتبر ممثلاً للحقيقة و التأويل، و الفلسفة و الباطن، و من الواضح أنّ أوّل منهاج دعوا إليه هو نظام التأويل، فإنّهم هذّبوه و صقلوه بأفكارهم و أدخلوا فيه النظرية العقلية التي تشذب الفعل و التسليم ليثبتوا للعالم الإسلامي انّهم من العريقين في فهم الأُصول الإسلامية، فقالوا بالباطن و ضرورته كما قالوا بالظاهر إلى جانبه، فلا يقبل الظاهر دون الباطن، و لا ينفع الباطن دون الظاهر، لأنّ الباطن و الظاهر كالجسد و الروح تولد في اجتماعهما الفوائد و معرفة المقاصد.

إنّ للقرآن مدلولاً، ظاهرياً و باطنياً، فالمعنى الظاهري و اللغوي ليس هو المقصود بالذات و التمسك بهذا المعنىٰ يوجب العذاب و المشقة، أمّا الأخذ

بالمعنى الباطني فهو يوجب الانشراح و السعادة، لأنّه يقضي بترك التكاليف و الأعمال الظاهرة و كان ابن ميمون يدس هذه الفكرة بصورة خفية و باطنة و ما كان يتظاهر بها تجاه غير الإسماعيليين - القرامطة - و لذلك كانت هذه الطريقة مبالغ فيها.

نهاية القرامطة سياسياً و عسكرياً

اشارة

في منتصف القرن الرابع الهجري دخل القرامطة النهاية لأسباب ذاتية و أُخرى خارجية، و ما لبثوا أن زالوا عن مسرح الصراع في المشرق العربي من الناحيتين السياسية و العسكرية.

الأسباب الذاتية

من الواضح أنّ الحركة القرمطية لم تستطع إخفاء مقاصدها الحقيقية في محاربة العقيدة الإسلامية الصحيحة لا سيما بعد الانتصارات المحلية لبعض زعمائها على السلطة العباسية، فقد أساء المتأخرون من هؤلاء الزعماء التصرف بالنسبة للمجتمع الإسلامي آنذاك، حتى أنّ العبيديين و هم على منوالهم في الاتجاه السياسي و العقائدي اضطروا إلى أن يتبرءوا منهم و أن يهاجموهم عسكرياً في أماكن تواجدهم، حيث أوعزوا إلى قائدهم العسكري «جوهر الصقلي» بأن يذيع بياناً يستنكر فيه أعمال القرامطة و يتبرّأ من تصرفاتهم المغايرة للإسلام و الضارة بالمسلمين، علىٰ أنّ جوهر لم يكتف بهذا البيان بل حاربهم فعلاً على أرض فلسطين في الرملة (سنة 368 ه) و كانت هذه المعركة بداية النهاية بالنسبة للحركة القرمطية و لأتباعها على مختلف المستويات و في جميع البلدان التي انتشروا فيها بقوة الدعاية التبشيرية أو بقوة السلاح و الأرهاب.

و إنّه يمكن القول بأنّ حادثة العدوان الذي قام به القرامطة على مكة

المكرمة بقيادة أبي طاهر الجنابي، و ما رافق ذلك من قتل الحجاج، و اقتلاع الحجر الأسود من مكانه، و أخذه إلى هجر، إنّ هذه الحادثة كانت بمثابة القنبلة الموقوتة التي انفجرت بعد حين و دمرت الكيان القرامطي من أساسه، حتى أنّ أبا محمد عبيد اللّٰه الذي أسس الدولة العبيدية و كان هو نفسه قرمطي العقيدة استهول هذه الحادثة و أفزعته مضاعفاتها السلبية في الأوساط الإسلامية، فأرسل كتاباً لنظرائه قرامطة البحرين ينكر فيه عليهم فعلتهم الشنيعة و يلوم أبا طاهر المذكور و يلعنه و يقيم عليه القيامة، بقوله:

قد حقّقت على شيعتنا و دعاة دولتنا اسم الكفر و الإلحاد بما فعلت و إن لم ترد علىٰ أهل مكة و على غيرهم من الحجاج ما أخذت منهم، و ترد الحجر الأسود إلى مكانه، و ترد كسوة الكعبة فأنا بريء منك في الدنيا و الآخرة.

و هذه الحادثة المشئومة كانت (سنة 317 ه) و هنا فإنّنا نرى من الفائدة تسجيل وجهة نظر القرامطة في هذه الحادثة كما عبّر عنها أبو طاهر القرمطي الذي اقترف هذه الجريمة النكراء، و ذلك من خلال الشعر الذي قاله في هذه المناسبة، و الرد الذي أرسله إلى الخليفة العباسي المقتدر باللّٰه.

قال أبو طاهر في تبرير اقتلاع الحجر الأسود و العدوان على البيت الحرام:

فلو كان هذا البيت للّٰه ربّنا *** لصب علينا النار من فوقنا صبا

لانّا حججنا حجة جاهلية *** مجللة لم تبق شرقاً و لا غرباً

و انّا تركنا بين زمزم و الصفا *** كتائب، لا تبغي سوى ربها ربا

و لكن ربّ العرش جلّ جلاله *** لم يتخذ بيتاً و لم يتخذ حجبا

و من العوامل الذاتية الأُخرى التي أضعفت القرامطة و أدّت إلى ذهاب ريحهم و اضمحلال شوكتهم، الانقسام الذي فرّق أمرهم فيما بينهم، و خاصة بعد موت أبي طاهر سليمان مما اضطرهم إلى تعديل نظام (مجلس العقدانية) و تحويله (إلى مجلس السادة) الذي أوهن قيادتهم المركزية، و الحروب التي شنها بعضهم على

بعض في عهدي أبي طاهر و الاعلم خارج مركز قوتهم (البحرين) ممّا كبدهم أموالاً طائلة، و أضعف مواقفهم بعد كل معركة، و أدى إلى قيام حركات انفصالية داخل مجموعتهم لا سيما في عمان و اليمن.

الأسباب الخارجية

أمّا الأسباب الخارجية التي أدّت إلى زوال الحركة كدولة و نظام و مجتمع، فإنّ المؤرخين يردّون ذلك إلى الظواهر السلبية التي عانوا منها في أُخريات أيامهم و هي التالية:

1 - ظهور دولة بني بويه المناوئة للقرامطة التي نجحت في جرهم إلى حروب جانبية خلقت لهم أعداء من كلّ جانب، و خاصة من الدولة العبيدية المصرية.

2 - قلة الأموال التي كانت بحوزتهم، فلم يعودوا يتمكنون من الاستمرار في صرف المعتاد من العطايا على البدو ممّا أضعف موالاة هؤلاء لهم، و تحوّلوا عنهم إلى العباسيين لهذا السبب.

3 - انقلاب قبائل إقليم البحرين نفسها عليهم، مثل: بني عقيل و بني تغلب، و نجاح هذه القبائل بالتغلب على بعض أطراف الدولة القرمطية مثل القطيف و ما جاورها.

4 - و من العوامل الخارجية الأُخرىٰ التي قادت القرامطة إلى نهايتهم و تلاشيهم أنّ أسيادهم و حلفاءهم و رفاقهم في الاتجاه المذهبي و المبادئ العقائدية، نعني: العبيديين حكام القاهرة، انقلبوا عليهم بعد أن ضاقوا ذرعاً بتأرجحهم بين الولاء لبغداد و بين الاستسلام للقاهرة، و بخروجهم عن كلّ حد، و زاد غيّهم و سفكهم للدماء و غزوا مكة و فتكوا بالحاج و اقتحموا البيت الحرام، و لمّا ذهبوا في جرأتهم إلىٰ مهاجمة الدولة الفاطمية ذاتها في الشام و انتزعوا منها دمشق و هاجموها في مصر منزلها الجديد، تنكرت لهم و أنكرت ثورتهم و تبرأت منهم.

نهاية القرامطة

اشارة

و قد مرت نهاية القرامطة في مرحلتين:

الأُولى: يوم طردوا من جزيرة أوال في البحرين

ففي سنة 458 ه خرجت الجزيرة المذكورة عن طاعتهم و والت العباسيين بعد سلسلة الحروب الداخلية التي خاضها المسلمون و المجاعة في هذه الجزيرة، فقد بنى أهل البحرين مسجداً لجذب التجار إلىٰ جزيرتهم، و لمّا فرغوا من بناء هذا المسجد آل أمر الجزيرة إلى العباسيين.

الثانية: استئصال شأفتهم نهائياً من هذه البلاد

كانت هزيمة القرامطة في جزيرة أوال ذات أثر سلبي كبير عليهم، إذ عمد سكان الجزيرة إلى الاتصال بالسلاجقة و العباسيين في العراق و في سنة 462 ه بعثت بغداد بجيوش ألحقت الهزيمة تلو الهزيمة بالقرامطة، فاضطروا للارتداد إلى الأحساء، فلحقت بهم إلى الأحساء و حرضوا عليهم السكان بالمنشورات التي يستحثونهم فيها على الانضواء تحت لواء العباسيين في جهاد المبطلين القرامطة الملحدين، و في استئصال ذكرهم، و تطهير تلك البقعة من دنس كفرهم.

فاستجاب أهالي البلاد لهذه الإثارة و انضموا إلى العساكر العباسيّة، و أصبح القرامطة محاطين بأعدائهم في شمالي الأحساء الذين انتصروا عليهم في معركة الخندق سنة 470 ه.

و تعد هذه الواقعة من الوقائع الحاسمة في تاريخ الحركة القرمطية، لأنّها قضت علىٰ دولة القرامطة و ألغت وجودها نهائياً من خارطة العالم الإسلامي.


هذا و قد لخصنا هذا المقال من كتاب طه ولي بتصرف يسير لما لمسنا منه من تطرف للحكم العربي المتمثل في الدولة الأُموية و العباسية حيث رأى أنّهما يمثلان الدولة الإسلامية الشرعية المجسدة لأهداف النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و آماله.

الفصل السادس عشر: في فرقة الدروز

اشارة

الدروز هي جمع الدرزي، و العامة تتكلّم بضم الدال، و الصحيح هو فتحها. و الظاهر انّ الكلمة تركية بمعنى الخياط، و هي من الكلمات الدخيلة على العربية حتى يقال: درز يدرز درزاً، الثوب، خاطه، و الدرزي: الخياط.

و الدروز فرقة من الباطنية لهم عقائد سرية متفرقون بين جبال لبنان و حوران و الجبل الأعلى من أعمال حلب.

و لم يكتب عن الدروز شيء يصح الاعتماد عليه و لا هم من الطوائف التي تنشر عقائدها حتى يجد الباحث ما يعتمد عليه من الوثائق.

نعم كتب عنهم المستشرقون أشياءً لا يمكن الاعتماد عليها، و قد سبق منّا في ترجمة الإمام الحادي عشر الحاكم باللّٰه انّ الإسماعيلية كانت فرقة واحدة و طرأ عليهم الانشقاق بالقول بألوهية الحاكم و غيبته و هم اليوم معروفون بالدروز، و قلنا: إنّ الحاكم استدعى الحمزة بن علي الفارسي الملقّب بالدرزي و أمره أن يذهب إلى بلاد الشام ليتسلم رئاسة الدعوة الإسماعيليّة فيها، و يجعل مقرّه «وادي التيم»، و لقبه الإمام بالسيد الهادي، و تمكن الدرزيّ في وقت قليل من نشر الدعوة الإسماعيليّة في تلك البلاد إلى أن وصلت إليه وفاة الإمام الحاكم و تصدى ابنه الظاهر لمقام الولاية، و لكن الدرزيّ لم يعترف بوفاة الإمام الحاكم بل ادّعى انّه غاب و بقى متمسكاً بإمامته و منتظراً لعودته، و بذلك انفصلت الدرزية عن الإسماعيليّة و كان ذلك الانشقاق عام 411 ه.(1)



1) . لاحظ تاريخ الدعوة الإسماعيلية: 238.

الدروز في موسوعات دائرة المعارف

اشارة

إنّ الدروز من الفرق الباطنية التي يصعب الاطلاع علىٰ عقائدهم لأنّهم راعوا جانب الحذر و التكتم عليها، و مع ذلك فقد نقل أصحاب دوائر المعارف أُموراً عنهم، و نحن نقتطف مما جاء فيها:

1 - الدروز في دائرة المعارف البستانية

1 - الدروز في دائرة المعارف البستانية(1)

بعد أن ذكرت الموسوعة مراكز توطّنهم و عدد نفوسهم و شيئاً من أحوالهم السياسية و الآداب الاجتماعية و ما يزاولوه من المهن كالزراعة و التجارة، و الحروب التي نشبت بينهم و بين غيرهم من الطوائف، قالت عن عقيدتهم ما هذا نصّه:

و إيمان الدروز، أنّ اللّٰه واحد، أحد، لا بداءة له و لا نهاية، و أنّ النفوس مخلّدة تتقمّص بالأجساد البشرية (التناسخ) و لا بدّ لها من ثواب و عقاب يوم المعاد بحسب أفعالها، و أنّ الدنيا تكونت بقوله تعالى كوني فكانت، و الأعمار مقدّرة بقوله: «وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اَللّٰهُ نَفْساً إِذٰا جٰاءَ أَجَلُهٰا»(2)، و أنّ اللّٰه عارف بكل شيء، و هم يكرمون الأنبياء المذكورين في الكتب المنزلة، و يؤمنون بالسيد المسيح و لكنّهم ينفون عنه الألوهية و الصلب، و أسماء بعض الأنبياء عندهم كأسمائهم في تلك الكتب، و لبعضهم أسماء أُخرى كالقدّيس جرجس، فإنّه عندهم الخضر، و أسماء أنبيائهم شعيب و سليمان و سلمان الفارسي و لقمان و يحيى، و عندهم انّه لا بدّ من العرض و الحساب يوم الحشر و النشر. و تنقسم هذه الطائفة إلى:

عقّال و جهّال. فالعقال هم عمدة الطائفة، و لهم رئيسان دينيان يسمّيان بشيخي العقّال، و الأحكام الدينية مفوضة إليهم.


1) . و قد طبع الجزء الذي نقلنا الترجمة عنه عام 1883 م، أي ما يعادل عام 1301 ه.

2) . المنافقون: 11.

و عندهم للوصية نفوذ تام، فإنّ الإنسان مختار أن يوصي قبل موته بأملاكه لمن يشاء، قريباً كان أم غريباً. و لذلك قد منحتهم الدولة العلية منذ القديم قاضي مذهب لدعاوى الوصايا.

و قد أمر عقّالهم بتجنّب الشك، و الشرك، و الكذب، و القتل، و الفسق، و الزنا، و السرقة، و الكبرياء، و الرياء، و الغش، و الغضب، و الحقد، و النميمة، و الفساد، و الخبث، و الحسد، و شرب الخمور، و الطمع، و الغيبة، و جميع الشهوات و المحرمات و الشبهات، و رفض كلّ منكر من المآكل و المشارب، و مجانبة التدخين، و الهزل و المساخر و الهزء و المضحكات، و جميع الأفعال المغايرة لإرادته تعالى، و ترك الحلف باللّٰه صدقاً أو كذباً، و السب، و القذف، و الدعاء بما فيه ضرر الناس.

و عندهم انّه على كلّ مؤمن التحلّي بالعفاف، و الطهارة، و الفعل الجميل، و الكرم بالعلم، و المال، و خوف اللّٰه و طاعته، و الرصانة، و صيانة العرض، و صدق اللسان، و صونه من الإفك و الإثم و الزور و البهتان مع استمرار ذكر اللّٰه و تسبيحه و تقديمه، و تقديم الصلوات و التضرعات و التوسلات لعزته تعالى.

و لا يجوز لعاقل أن يخلو بامرأة، و لا أن يرد تحيّتها ما لم يكن بينهما ثالث.

و شأنهم التهذيب و كره الزيف و الترف. و كل عاقل ارتكب القتل أو الزنا أو السرقة أو غيرها من الآثام يطرد من مجلس العقال الذين يجلسون فيه للقيام بالفروض الدينية و يبقى مطروداً إلى أن تتحقّق ندامته و توبته.

و من شأن الدروز إكرام الضيف، و الشجاعة، و الاقتصاد بالمعيشة.

و يسكنون الآن في جبل لبنان و قضاء «راشيا» و قضاء «حاصيا» و إقليم البلان و الغوطة و الشام و جبل حوران و جبل الكرامل و الجبل الأعلى و مرعش و حلب و الحلة و الكوفة، و منهم عشيرة بني لام في العراق، و في الغرب و الهند.

و تناولنا من أحد أُدبائهم جملة أُخرى هذا ملخصها:

يؤمن الدروز بأنّ الدنيا حادثة و بوجود اللّٰه و ان لا خالق سواه. و انّه قديم أزلي، أبدي، عادل، لا غرض لفعله، غني لا يحتاج، و حاكم قادر لا يجب عليه شيء، إن أثاب فبفضله و إن عاقب فبعدله، غير متبعّض، و لا له حد و لا نهاية، و يعتقدون القرآن الشريف اعتقاد السنية إلّا أنّهم يخالفونهم في تفسير بعض آياته الكريمة. و يعتقدون أيضاً أقوال حمزة و تعاليمه و يسمّونها كتب الحكمة؛ و تتضمن علم التوحيد، و كيفية خلق العالم و أسبابه و علله، و ذكر الأنبياء، و أسمائهم و فضائلهم، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و ما يجب على الإنسان و ما لا يجب عليه، و إثبات المعاد و الحساب و العقاب و اعتقاد التناسخ، و كون النفوس معدودة محدودة لا تزيد و لا تنقص باقية أزلية لا تفنى، مستقرة في أمكنتها غارقة في بحر عظمة اللاهوت، تفنى الأجساد القائمة بها و تتلاشى و هي باقية إلى الأبد لا تفنى و لا تتغير.

و هم ينقسمون باعتبار الطريقة المذهبية إلى قسمين:

طائعون و يعرفون بالعقال، و هم السالكون بمقتضى الطريقة المذهبية، كالامتناع عن التدخين و سائر المشروبات الروحية و الابتعاد عن التأنّق في المأكولات و الملبوسات و سائر اللذات الدنيوية و الاقتصار على التقشف في المعيشة.

و شراحون و يعرفون بالجهال، و هم المخالفون للعقال في الامتناع عن التدخين و المشروبات الروحية و عن الترفّه في المعيشة و التنعّم باللذات الدنيوية، و لذلك لا يسوغ لهم مطالعة القرآن الشريف، و لا متون الحكمة خلافاً للعقال، لأنّ عندهم كتباً مقدسة لا يمسّها إلّا الطاهرون. و الطهارة عندهم الامتناع عن سائر المحرمات و الممنوعات، و إنّما يسوغ لهم تلاوة بعض شروح كتب دينية، و لهذا يقال لهم شراحون.

و يمتاز العقال عن الجهلاء بكونهم يتعمّمون بعمامة بيضاء و يلبسون الملابس البسيطة كالقباء و العباءة، و نسبة هؤلاء العقال إلى الجهال عدداً أكثر من ثلاثة أرباع.

أمّا شعائرهم في ختان الأولاد و الزواج و الطلاق و الصلاة على الجنازة فهي طبق الشعائر الإسلامية غير انّه ليس من عوائدهم أن يتزوج أحدهم بغير امرأة واحدة، لا يسوغ التزوّج بها ثانية بعد الطلاق على الطريقة المعروفة بالرجعة، و لهم عيدان: عيد رمضان و يسمّونه بالعيد الصغير، وعيد الأضحى و يسمّونه بالكبير، و لهم معابد كثيرة معدّة للصلوات يجتمعون فيها كلّ ليلة جمعة، و لأكثر هذه المعابد أوقاف مخصوصة تنفق حاصلاتها على لوازم تلك المعابد. و لهم أيضاً معابد أُخرى معدّة للأشخاص الذين يفرغون أوقاتهم لعبادة اللّٰه تعالى. و تسمّى هذه المعابد ب «الخلوات» و هي كالأديرة عند المسيحيين عددها 40 في الجبل و خلافه.(1)

2 - الدروز في دائرة المعارف المصرية

2 - الدروز في دائرة المعارف المصرية(2)

هذا ما يذكره بطرس البستاني و يصور لهم صورة بيضاء ناصعة و يطهّرهم عن كلّ ما ينسب إليهم من المنكرات، و في الوقت نفسه يصوّر لنا الكاتب محمد فريد وجدي صورة مشوّهة عنهم حينما قال:

ظلت معتقدات الدروز في طي الخفاء حتى استولى إبراهيم باشا بن محمد علي علىٰ معابدهم في جبل «حاصبيا» و وجد في كتبهم كنه مذهبهم تفصيلاً منها كلمة الشهادة عندهم: (ليس في السماء إله موجود و لا على الأرض ربّ معبود إلّا الحاكم بأمره).

من معتقداتهم أنّ الحاكم بأمر اللّٰه هو اللّٰه نفسه و قد ظهر على الأرض عشر


1) . البستاني: دائرة المعارف: 675/7-677.

2) . طبع سنة 1386 هجري، 1967 ميلادي.

مرات أُولاها في العلى، ثمّ في البارز إلى أن ظهر عاشر مرة في الحاكم بأمر اللّٰه، و أنّ الحاكم لم يمت بل اختفى حتى إذا خرج يأجوج و مأجوج - و يسمّونهم القوم الكرام - تجلّى الحاكم على الركن اليماني من البيت بمكة و دفع إلى حمزة سيفه المذهب فقتل به إبليس و الشيطان، ثمّ يهدمون الكعبة و يفتكون بالنصارى و المسلمين و يملكون الأرض كلّها إلى الأبد.

و يعتقدون أنّ إبليس ظهر في جسم آدم، ثمّ نوح، ثمّ إبراهيم، ثمّ موسى، ثمّ عيسى، ثمّ محمد، و أنّ الشيطان ظهر في جسم ابن آدم، ثمّ في جسم سام، ثمّ في إسماعيل، ثمّ في يوشع، ثمّ في شمعون الصفا، ثمّ في علي بن أبي طالب، ثمّ في قداح صاحب الدعوة القرمطية.

و يعتقدون بأنّ عدد الأرواح محدود، فالروح التي تخرج من جسد الميت تعود إلى الدنيا في جسد طفل جديد.

و هم يسبون جميع الأنبياء، يقولون: إنّ الفحشاء و المنكر هما أبو بكر و عمر، و يقولون: إنّ قوله تعالى: «إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصٰابُ وَ اَلْأَزْلاٰمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ»(1)يراد به الأئمّة الأربعة و انّهم من عمل محمد.

و يعتقدون بالإنجيل و القرآن، فيختارون منهما ما يستطيعون تأويله و يتركون ما عداه، و يقولون: إنّ القرآن أُوحي إلى سلمان الفارسي فأخذه محمد و نسبه لنفسه و يسمّونه في كتبهم المسطور المبين.

و يعتقدون أنّ الحاكم بأمر اللّٰه تجلّى لهم في أوّل سنة (408 ه) فأسقط عنهم التكاليف من صلاة و صيام و زكاة و حجّ و جهاد و ولاية و شهادة.

لدى الدروز طبقة تعرف بالمنزهين و هم عباد أهل ورع و زهد، و منهم من لا يتزوج، و من يصوم الدهر، و من لا يذوق اللحم، و لا يشرب الخمر.(2)


1) . المائدة: 90.

2) . محمد فريد وجدي: دائرة المعارف: 26/4-28.

عقائد الدروز

اشارة

و قد تناولت دائرة المعارف الإسلامية - بعد أن استعرضت شيئاً من أحوالهم و مواطنهم و عاداتهم و حرفهم - جانباً من أبرز جوانب عقيدتهم، و هو اعتقادهم بألوهية الحاكم، ما هذا نصّه:

1 - اعتقادهم بألوهية الحاكم

و قد قام مذهب الدروز على فكرة أنّ اللّٰه قد تجسد في الإنسان في جميع الأزمان و هم يتصورون أنّ اللّٰه ذاته أو على الأقل القوة الخالقة تتكون من مبادئ متكثرة يصدر الواحد منها عن الآخر و يتجسد مبدأ من هذه المبادئ في الإنسان.

فالخليفة الحاكم وفقاً لهذه العقيدة يمثل اللّٰه في وحدانيته و هذا هو السبب في أنّ حمزة قد أطلق على مذهبه اسم مذهب «التوحيد» و هم يعبدون الحاكم و يسمّونه «ربنا» و يفسرون متناقضاته و قسوته تفسيراً رمزياً، فهو آخر من تجسد فيهم اللّٰه. و هم ينكرون وفاته و يقولون إنّه إنّما استتر و سيظهر في يوم ما وفقاً للعقيدة المهدوية.

و يلي الحاكم في المرتبة خمسة أئمّة كبار تتجسد فيهم المبادئ التي صدرت عن اللّٰه:

فالأوّل: تجسيد للعقل الكلي، و هو حمزة بن علي بن أحمد الزوزني الملقب ب «العقل» و يرمز له ب «الأخضر» و هو الإمام الأعظم و آدم الحقيقي.

و الثاني: تجسيد للنفس الكلية و هو إسماعيل بن محمد بن حامد التميمي الملقب ب «النفس» و يرمز له ب «الأزرق» و هو صهر حمزة و وكيله في الدين.

و الثالث: تجسيد للكلمة التي خرجت من النفس عن طريق العقل، و هو محمد بن وهب القرشي الملقب ب «الكلمة» و يرمز له ب «الأحمر» و هو سفير القدرة

و الشيخ الرضي.

و الرابع: السابق و هو سلامة بن عبد الوهاب السَّمُري الملقب ب «السابق» و يرمز له ب «الأصفر» أو «الجناح الأيمن».

الخامس: التالي و هو بهاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد السموكي الملقب ب «التالي» أو «الجناح الأيسر» و يرمز له ب «البنفسجي» و هو آخر الحدود الخمسة و به انغلقت الدعوة الدرزية و صارت سرية لا علنية.

و يلي هؤلاء الأئمّة الكبار آخرون أدنى منهم مرتبة موزعون على ثلاث طبقات و هم: الداعي، و المأذون، و المكاسر و يعرف أيضاً بالنقيب. و يعرف الداعي كذلك بالعمل، و المأذون بالفاتح.

و معرفة ذات اللّٰه و صفاته و تجلياته في سلسلة المبادئ المتجسدة في الأئمّة و هي عقائد هذا المذهب. و تتلخص آدابه في سبعة أركان تقوم مقام أركان الإسلام و هي:

1 - حب الحقّ (بين المؤمنين دون غيرهم).

2 - حفظ الإخوان (الدروز).

3 - التبرؤ من العقيدة التي كان يدين بها الدرزي من قبل.

4 - الابتعاد عن الشيطان و عن الضالين و الأبالسة.

5 - التوحيد للحاكم في كلّ عصر و مكان.

6 - الرضا عن أفعال «ربنا» الحاكم أياً كانت.

7 - الخضوع التام لإرادته كما تتجلّى في أئمته على ما هو مفهوم.

و هذه القواعد واجبة الطاعة على كلّ درزي رجلاً كان أو امرأة.(1)

و قد قام بعض الباحثين بتأليف رسالة خاصة بعقائدهم أشار فيها إلىٰ جوانب أُخرى منها - غير ما نقلناه آنفاً - و إليك نصّ المقال بتلخيص و تصرّف:


1) . دائرة المعارف الإسلامية: 217/9-218.

2 - التحريف الواضح للقرآن و انّ الأنبياء أبالسة جاءوا للظاهر

كانت عقيدة الدروز بادئ بدء تؤمن بالقرآن و انّه من العلي الأعلى كما تؤمن بالنبي محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و بقية الأنبياء كموسى و عيسى و إبراهيم عليهم السّلام و تجلّهم كثيراً، لكن بعد ذلك صارت هذه العقيدة لا تؤمن باللّٰه إلّا بالحاكم و لا بالأنبياء بل تعدهم أصل الظاهر يحرفون الناس عن الباطن و الحقيقة، و استطاع (حمزة بن علي) أن يجمع من متفرقات كثيرة حتى يكتب (المصحف المنفرد بذاته) أو كثيراً من رسائل الحكمة و التي صارت فيما بعد العقيدة الدرزية.

و يتظاهرون في المجتمع الإسلامي بأنّهم مسلمون و ينسبون أنفسهم إلى الإسلام و قد يحفظون بعض آيات القرآن و التي وردت في «المصحف المنفرد بذاته» و يتظاهرون بإيمانهم بالقرآن و الأنبياء، و قد يعطون الرسائل الأربعة الأُولى لرسائل الحكمة التي وجدت على قبر الحاكم بأمر اللّٰه الفاطمي و ذلك للتمويه و التظاهر بانتسابهم إلى الإسلام.

لكنّهم يؤوّلون ما جاء في ذلك إلى مبنى مباين و مغاير تماماً فالمسيح الحقّ هو حمزة، و بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم هي حدود حمزة، و الجنة التوحيد، و النار هي الشرك، و الصدق هم أنبياء الحقّ، و الكذب هم الأبالسة و يقصدون بهم الأنبياء: آدم، ثمّ نوح، ثمّ إبراهيم، ثمّ موسى، ثمّ عيسى، ثمّ محمّد.

3 - إيمانهم بالتناسخ و اعتباره مبدأً أساسياً في عقيدتهم

يؤمنون بالتقمّص حيث تنتقل روح الإنسان بعد موته إلى شخص آخر جديد و هكذا، و يتمسّكون أمام المسلمين بقوله تعالى: «تُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ اَلْمَيِّتَ مِنَ اَلْحَيِّ»(1)، «أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ»(2)و يوجد في


1) . آل عمران: 27.

2) . غافر: 11.

«المصحف المنفرد بذاته»:

«لقد كبرت فرية تخرج من أفواه الذين جحدوا إذ قالوا لن نرجع إلى خلق جديد حتى يوم الحاقة قل اخسئوا في تقلباتكم إن تقولون إلّا كذباً».

و يعتبرون هذه الحالة وسيلة لوصول كلّ روح إلى درزي، و يتحقق بذلك المجتمع التوحيدي: إذ يعتقدون بمحدودية عدد الأرواح، و شرار الأرواح تتقمّص أجسام الكلاب.

و من هنا ينطلق الدروز في الإيمان بأنّ الجسد هو الذي يموت بينما النفس تبقى خالدة و التقمّص في نظر الموحدين هو انتقال النفس بعد الموت مباشرة من جسد إنسان إلى جسد إنسان آخر و الجسد هو قميص الروح و هذا القميص هو الذي يتغير عند الوفاة منتقلة إلى جسد إنسان آخر.(1)

يقول الشاعر الدرزي:

نحن الأُلىٰ هان الممات عليهم *** الروح تبقى، و القميص يُمزّقُ‌

4 - إسقاط التكاليف

أمّا الصلاة فهي ساقطة عنهم، و المقصود بها هي الصلة للقلوب مع مولاهم الحاكم.

و أمّا الزكاة فتعني: توحيد المولى الحاكم و تزكية القلوب و تطهيرها.

و أمّا الصوم فباطنه الصمت لقوله لمريم: «فَكُلِي وَ اِشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً»(2)، و الصوم الحقيقي هو صيانة القلوب بتوحيد المولى الحاكم.


1) . محمد كرد علي: خطط الشام: 265/6.

2) . مريم: 26.

أمّا الحج فهو معرفة المولى الحاكم و البيت هو توحيد المولى، و يذكرون قول المنصور:

هلم اريك البيت توقن انّه *** هو البيت بيت اللّٰه لا ما توهمنا

أبيت من الأحجار، أعظم حرمة *** أم المصطفى الهادي الذي نصب البيتا

و يقصدون بالبيت هو توحيد الحاكم.

و أمّا الولاية فيقولون: إنّ الحاكم نسخها بقوله: (لا تسجدوا للشمس و لا للقمر و اسجدوا للذي خلقهن) أي لا تسجدوا لعلي أو محمد، بل للحاكم و هو المشية إن كنتم إيّاه تعبدون.

كما أنّهم من القائلين بجواز الزواج من المحارم كالأُخت و بتعدّد الزوجات و حلية شرب الخمر.

5 - تفسير الشهادتين

إنّ شهادة (أن لا إله إلّا اللّٰه) كلمتان دليل على السابق و التالي.

و هي أربعة فصول دليل على الأصلين و الأساسين.

و هي سبع قطع دليل على النطقاء السبعة و الأوصياء السبعة و الأيام السبعة و السماوات السبعة و الأرضين السبعة و الجبال السبعة و الأفلاك السبعة.

و هي 12 حرفاً دليل على 12 حجة أساسية.

و أمّا شهادة: (محمّد رسول اللّٰه) فهي 3 كلمات دليل على 3 حدود: الناطق و التالي فوقه و السابق فوق الكلي، و هي 6 قطع دليل على 6 نطقاء، و هي 12 حرفاً دليل على 12 حجة، و كذلك السماء 12 برجاً و 12 جزيرة.

6 - تقديسهم للعجل و إظهاره في مراسمهم و احتفالاتهم

يدعى الكثير بأنّهم من عبدة العجل، و الواضح في مراسمهم و احتفالاتهم ظهور صورة العجل، و في خلواتهم يذكرون العجل بشيء من التقديس و الإجلال، كما أنّهم يحرّمون قتله و أكله.

7 - تأويل غريب و منحرف للأحاديث الإسلامية

كما أنّهم يذكرون روايات علي بن أبي طالب عليه السّلام حول المهدي و يقولون في تأويلها المقصود به المهدي باللّٰه (أوّل خلفاء الدولة الفاطمية).

و يدّعون أنّ الحاكم سيرجع في آخر الزمان ليدين العالم و يبدد أعداءه من أمام وجهه، و يبسط ملكه على العالم، و تسبق رجعة الحاكم رجعة حمزة ليعدَّ لمجيء الإله الحاكم و يحطم الأضداد و الأبالسة المرتدين و يكسر الصلبان، و يهدم الكعبة التي يعتبرونها «مقطرة الكفرة» يقتل علوج الضلال وقود الزنج في الأغلال و نسخ الشرائع و الطرائق، و ظهور الحقائق و سبي النساء و الأطفال و ذبح الرجال بسيف الحاكم على يد عبده القائم الناطق حمزة بن علي، فينصر مستجيبيه بعساكره الجرارة فيحيي كل البشر تحت رايته.

هذه هي أبرز سمات عقيدة الدروز و التي تعتبر السرية ركناً أساسياً لها خوفاً من المتطفلين كما أنّ كشفها قد يعرضها إلى إساءة فهمها ثمّ الاستهزاء بها و هذا يجر صاحبها إلى الهلكة.

كما أنّ لهذه الفرقة طقوساً خاصة بهم.

منها: الميثاق: و هو انّ كلّ من يكتمل و يصل لسن الأربعين عليه أن يعرض دينه بحضور شاهدين و يقسم و مما يقوله:

«آمنت باللّٰه ربّي الحاكم... و بجميع الحدود... و قد سلمت نفسي و ذواتي ظاهراً و باطناً، علماً و عملاً، و أنا أُجاهد في سبيل مولانا سراً و علانية بنفسي و مالي و ولدي، و اشهد مولاي هادي المستجيبين المنتقم من المشركين المرتدين حمزة بن علي بن أحمد من به أشرقت الشمس الأزلية و نطقت فيه و له السحب الفضلية انّني قد تبرأت و خرجت من جميع الأديان و المذاهب و المقالات و الاعتقادات قديمها و حديثها، و آمنت بما أمر به مولانا الحاكم و أقر بأنّك أنت الحاكم الإله الحقيقي المعبود و الإمام الموجود جلّ ذكرك».(1)

و منها: الخلوة: و هي أماكن اجتماعهم في جلساتهم الدينية في ليالي الجمع و يحضرها كبارهم العقال فقط و يقودها شيخ العقل أو أكبرهم علماً.(2)

و لعلّ ما نقلناه عن الباحثين سلط ضوءاً على جوانب من حياتهم و آدابهم و عقائدهم غير أنّ الكاتب خير الدين الزركلي ذكر في كتابه «الأعلام» اتصاله ببعض المثقفين من الدروز و أخذ عنهم شيئاً من عقائدهم و لإكمال الفائدة ننقل ما جاء في موسوعته، قال:

كنت قد جمعت طائفة من النصوص و المصادر للرجوع إليها عند كتابة هذه الترجمة، و منها ما جاء في دائرة المعارف البريطانية 603:8-606 مادة «دروز» و دائرة البستاني «دروز» و عرضتها على صديقي الشهيد «فؤاد سليم» و هو من مثقفي المنسوبين إلى المذهب الدرزي، فقال: إنّ في الدائرتين البريطانية و البستانية أغلاطاً، و صحّح ما أخذته عنهما منها. و أضاف من عنده زيادات مما اشتملت عليه الحاشية السابقة. و أطلعت بعد ذلك صديقي أيضاً «فؤاد حمزة» و هو من أُسرة درزية معروفة في لبنان، و كان يومئذٍ في الرياض - بنجد - و انقطعت صلته بالعقيدة التي نشأ عليها، كما ذكر لي مراراً، و سألته عن رأيه في الترجمة


1) . رسائل الحكمة: 47/1، الرسالة رقم 5.

2) . نقل بتصرف من رسالة فرقة الدروز، للسيد نبيل الحيدري.

و الحاشية، فكتب لي: «هذا أصحّ ما كتب في الموضوع حتى الآن، و هو في الحقيقة ما يذهب إليه الجماعة» ثمّ قال في رسالة أُخرى: «إنّ بعض الرسائل المقول إنّها لحمزة هي لغيره. و أكثر ما كتب هو من قلم علي بن أحمد السموقي الملقب ببهاء الدين. و كتب الدروز الستة هي من وضع أربعة أشخاص:

الأوّل: الحاكم نفسه، و عدد رسائله قليل، منها «الميثاق» و «السجل» الذي وجد معلقاً على المساجد.

و الثاني: حمزة، و الرسائل التي تركها غير كثيرة.

و الثالث: إسماعيل بن محمد التميمي الداعي المكنّى بصفوة المستجيبين و بالنفس، فله بعض الرسائل و منها شعر اسمه «شعر النفس» و هو كملحمة.

و الرابع: بهاء الدين الصابري أي علي بن أحمد السموقي، و له معظم الرسائل، و هو الذي نشر الدعوة و وطد أركانها أكثر ممن سبقه.

و قال في رسالة ثالثة: «لا شكّ في أنّ الحسن بن هاني كان من كبار الباطنيين، و لكنّه باطني في مبتدأ نشوء الدعوة قبل أن تدرك مبلغها الذي عرفت به في عصر الحاكم الفاطمي. و من الواضح أنّ الحاكميين كانوا آخر من انشق عن الإسماعيلية و لذلك تجد في كتابات الفريقين مصطلحات واحدة، كالناطق، و الأساس، وداعي الدعاة، و النقباء، و المكاسرين، و العقل، و النفس الخ البانثيون الباطني».

و قال في رسالة رابعة: «لقد كثر الكتاب في موضوع الإسماعيليّة و الفرق الباطنية كما كثر فيه الخلط من جانب الذين كتبوا.

و الموضوع من الوجهة التاريخية جدير بالعناية لأنّ هذه الفرق الباطنية هي التي أعملت معولها في بنيان الإسلام تحت ستار من الغيرة الدينية. و قد قرأت عن ذلك الكثير و لكن معظم الكتاب لم يتمكّنوا من بلوغ الهدف. إذ أنّ معرفة حقائق

الدعوات الباطنية لا تتيسر إلّا لمن كان مطلعاً على التاريخ الإسلامي بوقائعه الظاهرة و كان في نفس الوقت من جماعة الداخلين في العملية. و قد تكون كتابات بطرس البستاني و كتابات دائرة المعارف البريطانية مهمة و لكن كما ذكرت لك يصعب على من كتب أن يتفقه كنه الدعوة ما دام لا يعرف حقيقتها السرية و تفسيراتها الداخلية.(1)


1) . الأعلام: 279/2.

أعلام الدروز

حمزة بن علي (375-433 ه)

حمزة بن علي بن أحمد الفارسي الحاكمي الدرزي، من كبار الباطنية، و من مؤسسي المذهب الدرزي، فارسي الأصل، من مقاطعة زوزن، كان قزازاً أو لبادا، و تأدّب بالعربية و انتقل إلى القاهرة و اتصل برجال الدعوة السرية من شيعة الحاكم بأمر اللّٰه الفاطمي، فأصبح من أركانها و استمر يعمل لها في الخفاء و يواصل رفع كتبه إلى الحاكم، حتى سنة 408 ه فأظهر الدعوة و جاهر بتأليه الحاكم، و قال: إنّه رسوله، و جعله الحاكم داعي الدعاة و لما هلك الحاكم وحل ابنه (الظاهر لإعزاز دين اللّٰه) محلّه سنة 411 ه فترت الدعوة ثمّ طوردت بعد براءة الظاهر منها سنة 414 ه، فاضطر حمزة إلى الرحيل و لحق به بعض أتباعه إلى بلاد الشام، و استقر أكثرهم في المقاطعة التي سمّيت بعد ذلك «جبل الدروز» في سورية و سمّوا بالدروز. و حمزة عندهم أوّل الحدود الخمسة المعصومين، و يكنّون عنه بالعقل. و له رسائل في مذهبهم و الدعوة إلى الحاكم و الردّ على مخالفيهم منها:

1 - «الواقعة» في الرد على الفاسق النصيري.

2 - «الرضا و التسليم» و فيها ذكر الدرزي محمد بن إسماعيل و عصيانه.

3 - «التنزيه» لإظهار تنزيه الإله عن كلّ وصف و إدراك، و فيها ذكر وزراء الدين و مضاديهم (أبالستهم) الخمسة.

4 - «رسالة النساء».

5 - «الصبحة الكائنة».

6 - «نسخة سجل المجتبى».

7 - «تقليد الرضى سفير القدرة».

8 - «تقليد المقتنى».

9 - «مكاتبة أهل الكدية البيضاء».

10 - «شرط الإمام صاحب الكشف».

11 - «التحذير و التنبيه».

12 - «البلاغ و النهاية».

13 - «سبب الأسباب و الكنز لمن أيقن و استجاب».

و قد انقطع حمزة عن الكتابة بعد رحيله إلى الشام و انقطاع الصلة بينه و بين شيعة الحاكم في مصر.(1)توفي عام 433 ه.(2)

جمال الدين عبد اللّٰه التنوخي (820-884 ه)

هو أكبر شخصية علمية بين الدروز، ولد في عبيه سنة 820 ه، و توفي فيها في جمادى الآخرة سنة 884 ه، تتلمذ على يد الشيخ أبي علي مرعى زهر الدين، و انتقل إلى دمشق طمعاً في مزيد من العلم اثنتي عشرة سنة و بعدها عاد إلى عبيه، يمضي وقته في التدريس و العبادة حتى أقبل عليه التلاميذ من مختلف نواحي البلاد الدرزية، و اشتهر أمره و صارت له مكانة عالية بين أكابر البلاد و مشايخها و أصبح المرجع الدرزي الوحيد لأهل عصره.


1) . الزركلي: الأعلام: 278/2-279، نقل بتصرف.

2) . و قد ادّعى الكاتب الدرزي صالح زهر الدين في كتابه «تاريخ الدروز»: 38، انّ حمزة اختفى بعد غيبة الحاكم بوقت قصير في نهاية عام 411 ه.

و يعده الدروز اليوم قطباً من أقطاب المذهب الدرزي، و انّ شروحه على بعض رسائل الدروز أو رسائل الحكمة الدرزية كما يطلق عليها تنال عناية وافرة لدى شيوخ العقل الدروز.

و له مصنفات كثيرة، منها:

1 - «اللغة العرباء» و هو معجم في اللغة العربية على غرار «الصحاح» للجوهري.

2 - «سياسة الأخيار في شرح كمالات النبي المختار».

3 - «شروحات الأمير السيد» و هي مجموعة شروح على بعض الرسائل التوحيدية.

4 - رسالة من بين رسائل الدروز المائة و احدى عشرة(1)، قام بطبعها الكاتب الدرزي عجاج يوسف نويهض، ضمن كتابه الموسوم باسم «التنوخي الأمير عبد اللّٰه و الشيخ محمد أبو هلال».

و الفصول التي طبعت هي في الموضوعات التالية:

1 - في تحريم الخمر و كلّ مسكر.

2 - في طلب الاستفادة و المرشد الأمين.

3 - في النهي عن الغضب و محقه بالاعتصام بحبل اللّٰه.

4 - في آداب جوارح البدن: اللسان، العين، الأُذن، اليد، الرجل، البطن.

5 - في اختلاف ألوان الأطعمة.

6 - في الحركة و الرياضة قبل الطعام.

7 - في آداب الزواج.

8 - في ادخار المال و إنفاقه.


1) . عبد الرحمن البدوي، مذاهب الإسلاميين: 644-649، نقل بتصرف؛ و له ترجمة في تاريخ الدروز للدكتور صالح زهر الدين: 268.

9 - في النهي عن الاحتكار.

10 - في الغنى نحو اللّٰه و نفسه و المحتاجين.

11 - في معاملات البيع و الشراء و القرض و الوديعة.

12 - في واجبات الدائن و المدين.

13 - في الوصية.

14 - في تربية الولد.

15 - شذرات من أقوال التنوخي و اختياره.(1)

يوسف الكفرقوقي

هو الشيخ يوسف سعيد برّو، من كفرقوق في راشيا، و عرف بهذا الاسم (الكفرقوقي) نسبه لقريته. كان شاعراً دينياً و من كبار علماء الدروز، له كتاب ضخم اسمه «دور النحو في التوبة إلى الملك الغفور» توفي في قرية «ينطا» بعد عودته من دمشق، و دفن فيها.(2)

محمد أبو هلال المعروف ب «الشيخ الفاضل» (1005-1050 ه)

ولد في قرية صغيرة من جبل الشيخ تدعى «الشعيرة»، انكب على القراءة و المطالعة، و بدأ نجمه يلمع و يتألق حتى توصل لمرتبة شيخ عقل الدروز كافة،


1) . عجاج نويهض: التنوخي الأمير عبد اللّٰه و الشيخ محمد أبو هلال: الطبعة الثانية، بيروت - 1963 م.

2) . صالح زهر الدين: تاريخ الدروز: 269؛ توفيق سلمان: أضواء على تاريخ مذهب التوحيد: 162-163، بيروت - 1963 م.

و نال ثقتهم حتى أصبحوا يطلقون عليه اسم «الشيخ الفاضل»، و برع في شعره براعة فائقة، و جميع الدروز يردّدون شعره في اجتماعاتهم الدينية و طقوسهم، لأنّها تمجيد للخالق و المآثر الدينية الحميدة، هذا و قد كتب عنه و عن آدابه أحد تلاميذه و يدعى أبو علي عبد الملك، ضمن كتاب اسمه «آداب الشيخ الفاضل» و فيه وصف لسيرة شيخه الفاضل في مرحلة تديّنه، و هي المرحلة التي كتب فيها الشعر حيث كان يبلغ من العمر الأربعين أو خمسة و أربعين عاماً. توفي في بلدة عين عطا، و دفن فيها عام 1050 ه.(1)


1) . عارف أبو شقرا: ثلاثة علماء من شيوخ بني معروف: 82؛ عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين: 653-657؛ الدكتور صالح زهر الدين: تاريخ الدروز: 269-270.

الفصل السابع عشر: في الفطحية

اشارة

الفطحية: هم القائلون بإمامة الأئمّة الاثني عشر مع عبد اللّٰه الأفطح ابن الإمام الصادق عليه السّلام يدخلونه بين أبيه الصادق و أخيه الكاظم عليهما السّلام و قد كان عبد اللّٰه أفطح الرأس.

و الأفطح كما في اللسان: عريض الرأس، و رأس أفطح و مفطّح: عريض.(1)

و قال الطريحي: أفطح الرجلين: عريضهما(2)و ربما يفسّر باعوجاج في الرجل.

كان عبد اللّٰه بن جعفر الصادق عليه السّلام قد ادّعى الإمامة و الوصاية، بعد رحيل أبيه، و كان هو أكبر أولاد الإمام بعد إسماعيل المتوفىٰ في حياته، فتمسّك القائلون بإمامته بحديث رووه عن الإمام أنّه قال: «الإمامة في الأكبر من ولد الإمام» و لم يكن حظّه من الدنيا بعد رحيل أبيه إلّا سبعين يوماً، فقد تُوفي أبوه الصادق عليه السّلام في الخامس و العشرين من شهر شوال عام 148 ه، فيكون قد توفي في خامس شهر ذي الحجة الحرام من نفس السنة و برحيله عاد القائلون بإمامته إلى إمامة الإمام موسى الكاظم عليه السّلام. و لقد ظهرت منه أشياء لا ينبغي أن تظهر من الإمام لمّا امتحنوه بمسائل من الحلال و الحرام و لم يكن عنده جواب، و إليك ما وقفنا عليه من النصوص:

1 - قال الحسن بن موسى النوبختي: قالت الفطحية: الإمامة بعد جعفر في ابنه عبد اللّٰه بن جعفر الأفطح، و ذلك أنّه كان عند مضيّ جعفر، أكبرُ وُلْدِه سناً و جلس مجلس أبيه و ادّعى الإمامة و وصية أبيه، و اعتلّوا بحديث يروونه عن أبي


1) . ابن منظور: لسان العرب: 545/2، مادة «فطح».

2) . الطريحي: مجمع البحرين: 400/2، مادة «فطح».

عبد اللّٰه جعفر بن محمد أنّه قال: الإمامة في الأكبر من وُلْد الإمام، فمالَ إلى عبد اللّٰه و القول بإمامته جُلَّ من قال بإمامة أبيه جعفر بن محمد غير نفر يسير عرفوا الحقّ فامْتَحنوا عبد اللّٰه بمسائل في الحلال و الحرام من الصلاة و الزكاة و غير ذلك فلم يجدوا عنده علماً، و هذه الفرقة القائلة بإمامة عبد اللّٰه بن جعفر هي «الفطحية» و سُمّوا بذلك لأنّ عبد اللّٰه كان أفطح الرأس، و قال بعضهم: كان أفطح الرجلين، و قال بعض الرواة: نُسِبُوا إلى رئيس لهم من أهل الكوفة يقال له عبد اللّٰه بن فطيح، و مال إلى هذه الفرقة جلّ مشايخ الشيعة و فقهائها و لم يشكّوا في أنّ الإمامة في «عبد اللّٰه بن جعفر» و في وُلْده من بعده، فمات عبد اللّٰه و لم يخلِّف ذكراً، فرجع عامة الفطحية عن القول بإمامته - سوى قليل منهم - إلى القول بإمامة «موسى بن جعفر»، و قد كان رجع جماعة منهم في حياة عبد اللّٰه إلى موسى بن جعفر عليهما السّلام، ثمّ رجع عامتهم بعد وفاته عن القول به، و بقى بعضهم على القول بإمامته ثمّ إمامة موسى بن جعفر من بعده، و عاش عبد اللّٰه بن جعفر بعد أبيه سبعين يوماً أو نحوها.(1)

2 - و قال الكشي: هم القائلون بإمامة عبد اللّٰه بن جعفر بن محمد، و سُمُّوا بذلك لأنّه قيل إنّه كان أفطح الرأس، و قال بعضهم: كان أفطح الرجلين، و قال بعضهم: إنّهم نسبوا إلى رئيس من أهل الكوفة يقال له «عبد اللّٰه بن فطيح» و الذين قالوا بإمامته عامة مشايخ العصابة و فقهائها، مالوا إلى هذه المقالة فَدَخلْت عليهم الشبهة لما روي عنهم عليهم السّلام أنّهم قالوا:

الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى إمام. ثمّ منهم من رجع عن القول بإمامته لما امتحنه بمسائل من الحلال و الحرام لم يكن عنده فيها جواب، و لِما ظهر منه من الأشياء التي لا ينبغي أن يظهر من الإمام.

ثمّ إنّ عبد اللّٰه مات بعد أبيه بسبعين يوماً، فرجع الباقون إلّا شاذاً منهم عن


1) . الحسن بن موسى النوبختي: فرق الشيعة: 77-78.

القول بإمامته إلى القول بإمامة أبي الحسن موسى عليه السّلام و رجعوا إلى الخبر الذي روي: أنّ الإمامة لا تكون في الأخوين بعد الحسن و الحسين عليهما السّلام و بقي شذّاذ منهم على القول بإمامته، و بعد أن مات قال بإمامة أبي الحسن موسى عليه السّلام.

و روي عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام أنّه قال لموسى: «يا بني انّ أخاك سيجلس مجلسي، و يدّعي الإمامة بعدي، فلا تنازعه بكلمة، فإنّه أوّل أهلي لحوقاً بي».(1)

3 - و نقل في ترجمة «هشام بن سالم الجواليقي» أنّه قال: كُنّا بالمدينة بعد وفاة أبي عبد اللّٰه عليه السّلام أنا و مؤمن الطاق أبو جعفر، و الناس مجتمعون على أنّ عبد اللّٰه صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا و صاحب الطاق، و الناس مجتمعون عند عبد اللّٰه و ذلك أنّهم رووا عن أبي عبد اللّٰه عليه السّلام أنّ الأمر في الكبير ما لم يكن به عاهة، فدخلنا نسأله عمّا كنّا نسأل عنه أباه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟ قال: في مائتين خمسة. قلنا: ففي مائة؟ قال: درهمان و نصف درهم. قلنا له: و اللّٰه ما تقول في المرجئة هذا؟!، فرفع يده إلى السماء فقال: لا و اللّٰه ما أدري ما تقول المرجئة. قال: فخرجنا من عنده ضُلاّلاً لا ندري إلى أين نتوجه أنا و أبو جعفر الأحول، فقعدنا في بعض أزقّة المدينة باكين حيارىٰ لا ندري إلى من نقصد، و إلى من نتوجه، نقول: إلى المرجئة، إلى القدرية، إلى الزيدية، إلى المعتزلة، إلى الخوارج.

قال: فنحن كذلك إذ رأيتُ رجلاً شيخاً لا أعرفه يُومي إليّ بيده، فخفتُ أن يكون عيناً من عيون أبي جعفر(2)، و ذلك أنّه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون على من اتّفق من شيعة جعفر فيضربون عنقه، فخفتُ أن يكون منهم، فقلت لأبي جعفر: تنحّ فإنّي خائف على نفسي و عليك، و إنّما يريدني ليس يريدك، فتنحَّ عني لا تُهْلَك و تُعين على نفسك.

فتنحّى غير بعيد و تبعت الشيخ و ذلك انّي ظننت أنّي


1) . الكشي: الرجال: 219.

2) . المراد أبو جعفر المنصور العباسي.

لا أقدر على التخلّص منه، فما زلتُ أتبعه حتى ورد بي على باب أبي الحسن موسى عليه السّلام ثمّ خلاّني و مضى، فإذا خادم بالباب، فقال لي: أُدخل رحمك اللّٰه.

قال: فدخلت فإذا أبو الحسن عليه السّلام فقال لي ابتداءً: «لا إلى المرجئة و لا إلى القدرية، و لا إلى الزيدية، و لا إلى المعتزلة، و لا إلى الخوارج، إليّ إليّ إليّ». قال: فقلتُ له: جعلتُ فداك مضى أبوك؟ قال: «نعم». قال: قلت: جعلتُ فداك مضى في موتٍ؟ قال: «نعم». قلتُ: جعلتُ فداك فمَنْ لنا بعده؟ فقال: «إن شاء اللّٰه أن يهديك، هداك». قلت: جعلتُ فداك إنّ عبد اللّٰه يزعم أنّه من بعد أبيه؟ فقال: «يريد عبد اللّٰه أن لا يُعبد اللّٰه». قال: قلتُ: جعلتُ فداك فمن لنا بعده؟ فقال: «إن شاء اللّٰه أن يهديك هداك» أيضاً. قلت: جعلت فداك أنت هو؟ قال: «ما أقول ذلك»، قلت في نفسي: لم أُصبْ طريقَ المسألة.

قال: قلت: جعلتُ فداك عليك إمام؟ قال: «لا». قال: فدخلني شيء لا يعلمه إلّا اللّٰه إعظاماً له، وهيبة أكثر ما كان يحلّ بي من أبيه إذا دخلتُ عليه، قلت: جعلتُ فداك أسألك عمّا كان يسأل أبوك؟ قال: «سل تُخبر، و لا تُذِع، فإن أذعت فهو الذبح».

قال: فسألته فإذا هو بحر.

قال: قلت: جعلت فداك شيعتُك و شيعة أبيك ضُلاّل فألقي إليهم و أدعهم إليك فقد أخذت عليّ بالكتمان؟ فقال: «من آنست منهم رشداً فالق عليهم، و خذ عليهم بالكتمان، فإن أذاعوا فهو الذبح - و أشار بيده إلى حلقه - قال:

فخرجتُ من عنده فلقيتُ أبا جعفر، فقال لي: ما وراك؟ قال: قلت: الهدى. قال: فحدثتُه بالقصة، ثمّ لقيت المفضل بن عمر و أبا بصير. قال: فدخلوا عليه و سلّموا و سمِعوا كلامَه و سألوه. قال: ثمّ قطعوا عليه، قال: ثمّ لقينا الناس أفواجاً. قال: و كان كل من دخل عليه قطع عليه إلّا طائفة مثل عمار و أصحابه، فبقي عبد اللّٰه لا يدخل عليه أحد إلّا قليلاً من الناس. قال: فلمّا رأى ذلك و سأل عن حال الناس؟ قال: فأُخبر أنّ هشام بن سالم صدّ عنه الناس. قال: فقال هشام: فأقعد

لي بالمدينة غير واحد ليضربوني.(1)

4 - و قال الأشعري (260-324 ه) عند عدّ فرق الشيعة: و منهم من يزعم أنّ الإمام بعد جعفر ابنه «عبد اللّٰه بن جعفر» و كان أكبرَ من خلَف من ولده و هي في ولده، و أصحاب هذه المقالة يدعون العَمّارية، نُسِبوا إلى رئيس لهم يعرف ب «عمّار»، و يُدعون الفطحية، لأنّ عبد اللّٰه بن جعفر كان أفطحَ الرجلين، و أهل هذه المقالة يرجعون إلى عدد كثير.

فأمّا زرارة فإنّ جماعة من العمّارية تدّعي أنّه كان على مقالتها، و أنّه لم يرجع عنها، و زعم بعضهم أنّه رجع إلى ذلك حين سأل «عبد اللّٰه بن جعفر» عن مسائل لم يجد عنده جوابها، و صار إلى الائتمام بموسى بن جعفر بن محمد، و أصحاب زرارة يدعون «الزرارية» و يدعون «التميمية».(2)

5 - و تبعه البغدادي و لخّص كلامه قائلاً: العمارية و هم منسوبون إلى زعيم منهم يسمّى عماراً، و هم يسوقون الإمامة إلى جعفر الصادق، ثمّ زعموا انّ الإمام بعده ولده عبد اللّٰه، و كان أكبر أولاده، و كان أفطح الرجلين، و لهذا قيل لأتباعه «الفطحية».(3)

و قد خبط الرجلان فاخترعا فرقة باسم العَمّارية نسبة إلى عمار بن موسى الساباطي، مع أنّه رجل من أتباع «عبد اللّٰه» و أكثر ما يمكن أن يقال أنّه كان داعياً، لا صاحب مذهب.

و أمّا اتّهام الأشعري زرارة بن أعين بأنّه كان من الفطحية مدة ثمّ رجع عنها، فليس له سند إلّا روايات ضعاف، كأكثر ما ورد في حقّ زرارة من الروايات


1) . الكشي: الرجال: 239-241.

2) . الأشعري: مقالات الإسلاميين و اختلاف المصلّين: 27/1، تصحيح هلموت ريز.

3) . الفرق بين الفرق: 62 برقم 59.

الذامّة.(1)

مع أنّ الصحيح في حقّه ما نقله الصدوق في «كمال الدين» عن إبراهيم بن محمد الهمداني - رضي اللّٰه عنه - قال:

قلت للرضا عليه السّلام يا ابن رسول اللّٰه أخبرني عن زرارة، هل كان يعرف حقّ أبيك؟ فقال عليه السّلام: «نعم»، فقلتُ له: فلمَ بعث ابنه عبيداً ليتعرف الخبر إلى من أوصى الصادق جعفر بن محمد عليه السّلام؟ فقال: «إنّ زرارة كان يعرف أمر أبي عليه السّلام و نصّ أبيه عليه، و إنّما بعث ابنه ليتعرّف من أبي هلْ يجوز له أن يرفع التقية في إظهار أمره، و نصّ أبيه عليه؟ و انّه لمّا أبطأ عنه طُولب بإظهار قوله في أبي عليه السّلام، فلم يحب أن يقدم على ذلك دون أمره فرفع المصحف، و قال: اللّهمّ إنّ إمامي من أثبت هذا المصحف إمامتَه من ولد جعفر بن محمد عليه السّلام».(2)

6 - و قال الشهرستاني: «الفطحية قالوا بانتقال الإمامة من الصادق إلى ابنه عبد اللّٰه الأفطح، و هو أخو إسماعيل من أبيه و أُمّه، و أُمّهما فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي، و كان أسن أولاد الصادق.

زعموا أنّه قال: الإمامة في أكبر أولاد الإمام. و قال: الإمام من يجلس مجلسي، و هو الذي جلس مجلسه. و الإمام لا يغسّله، و لا يصلّي عليه، و لا يأخذ خاتمه، و لا يواريه إلّا الإمام. و هو الذي تولّى ذلك كلّه. و دفع الصادق وديعة إلى بعض


1) . نقل الكشي الروايات الحاكية عن أنّ زرارة كان شاكاً في إمامة الكاظم عليه السّلام و انّه لما توفي الصادق عليه السّلام بعث ابنه «عبيد» للتحقيق عن أمر الإمامة و انّه لعبد اللّٰه أو للكاظم عليهما السّلام، ثمّ إنّ زرارة مات قبل أن يرجع إليه عبيد، و نقلها السيد الخوئي قدّس سرّه في معجمه، معجم رجال الحديث: 230/7-234، و ناقش في اسنادها و أثبت أنّها، ضعاف، و نحن نجلّ زرارة بن أعين الذي عاش مع الإمامين أبي جعفر الباقر و أبي عبد الصادق عليهما السّلام قرابة نصف قرن، عن هذه الوصمة.

2) . الصدوق: كمال الدين: 75، ط مؤسسة النشر الإسلامي.

أصحابه و أمره أن يدفعها إلى من يطلبها منه و أن يتخذه إماماً. و ما طلبها منه أحد إلّا عبد اللّٰه، و مع ذلك ما عاشَ بعد أبيه إلّا سبعين يوماً و مات و لم يعقب ولداً ذكراً.(1)

لقد غاب عن الشهرستاني مفاد قوله عليه السّلام: «الإمام من يجلس مجلسي»، فلو صدر منه ذلك القول، فالمراد منه ما يقوم بمثل ما كان الإمام يقوم به في مجال بيان الأُصول و الفروع، و ملء الفراغ الحاصل من رحيله، لا مجرّد جلوسه في مكانه و إن كان جاهلاً بأبسط المسائل.

كما أنّه لم يثبت أنّ عبد اللّٰه تولّى غسل الإمام و الصلاة عليه.

و قد روىٰ ابن شهرآشوب عن أبي بصير، عن موسى بن جعفر عليهما السّلام أنّه قال: «فيما أوصاني به أبي أن قال:

يا بنيّ إذا أنا متُّ فلا يغسّلني أحد غيرك، فإنّ الإمام لا يغسّله إلّا إمام، و اعلم أنّ «عبد اللّٰه» أخاك سيدعو الناس إلى نفسه فدعه، فإنّ عمره قصير. فلمّا أن مضى غسلته...».(2)

7 - و قال الصدوق: قال الصادق لأصحابه في ابنه عبد اللّٰه: «إنّه ليس على شيء فيما أنتم عليه و انّي أبرأ منه، برئ اللّٰه منه».(3)

8 - قال المفيد: و كان عبد اللّٰه بن جعفر أكبر إخوته بعد إسماعيل، و لم تكن منزلته عند أبيه كمنزلة غيره من ولده في الإكرام، و كان متهماً بالخلاف على أبيه في الاعتقاد. و يقال أنّه كان يخالط الحشوية و يميل إلى مذاهب المرجئة، و ادّعى بعد أبيه الإمامة، و احتج بأنّه أكبر إخوته الباقين، فاتّبعه على قوله جماعة من أصحاب أبي عبد اللّٰه عليه السّلام، ثمّ رجع أكثرهم بعد ذلك إلى القول بإمامة أخيه موسى عليه السّلام، لمّا تبيّنوا ضعفَ دعواه و قوة أمر أبي الحسن عليه السّلام و دلالة حقّه و براهين إمامته، و أقام نفر


1) . الشهرستاني: الملل و النحل: 167/1. و لاحظ التبصير للإسفرايني: 38.

2) . ابن شهرآشوب: المناقب: 224/4.

3) . اعتقادات الصدوق، المطبوع ضمن مصنفات المفيد: 113.

يسير منهم على أمرهم و دانوا بإمامة عبد اللّٰه و هم الطائفة الملقبة بالفطحية، و إنّما لزمهم هذا اللقب لقولهم بإمامة عبد اللّٰه و كان أفطح الرجلين، و يقال انّهم لقبوا بذلك لأنّ داعيهم إلى إمامة عبد اللّٰه كان يقال له عبد اللّٰه بن الأفطح.(1)

و قال أيضاً: و أمّا الفطحية فإنّ أمرها أيضاً واضح، و فساد قولها غير خاف و لا مستور عمّن تأمله، و ذلك أنّهم لم يدّعوا نصاً من أبي عبد اللّٰه عليه السّلام على عبد اللّٰه، و انّما عملوا على ما رووه من أنّ الإمامة تكون في الأكبر، و هذا حديث لم يُرو قط إلّا مشروطاً، و هو أنّه قد ورد أنّ الإمامة تكون في الأكبر ما لم تكن به عاهة، و أهل الإمامة القائلون بإمامة موسى بن جعفر عليه السّلام متواترون بأنّ عبد اللّٰه كان به عاهة بالدين، لأنّه كان يذهب إلى مذاهب المرجئة الذين يقعون في علي عليه السّلام و عثمان، و انّ أبا عبد اللّٰه عليه السّلام قال و قد خرج من عنده: «عبد اللّٰه هذا مرجئ كبير» و انّه دخل عليه عبد اللّٰه يوماً و هو يحدث أصحابه، فلمّا رآه سكت حتى خرج، فسئل عن ذلك؟ فقال: «أو ما علمتم أنّه من المرجئة» هذا مع أنّه لم يكن له من العلم بما يتخصص به من العامة، و لا رُوي عنه شيء من الحلال و الحرام، و لا كان بمنزلة من يستفتى في الأحكام، و قد ادّعى الإمامة بعد أبيه، فامتحن بمسائل صغار فلم يجب عنها و ما أتى بالجواب، فأيّ علّة ممّا ذكرناه تمنع من إمامة هذا الرجل، مع أنّه لو لم تكن علّة تمنع من إمامته، لما جاز من أبيه صرف النص عنه، و لو لم يكن صرفه عنه لأظهره فيه، و لو أظهره لنقل و كان معروفاً في أصحابه، و في عجز القوم عن التعلّق بالنص عليه دليل على بطلان ما ذهبوا إليه.(2)

بقيت هنا أُمور:

الأوّل: الظاهر ممّا ذكرنا أنّ أكثر القائلين بإمامة عبد اللّٰه بن جعفر عدلوا عن


1) . المفيد: الإرشاد: 285-286.

2) . العيون و المحاسن: 253.

رأيهم، و قالوا بإمامة أخيه موسى بن جعفر بعد إمامة أبيه جعفر الصادق، و أمّا القليل منهم فقال بإمامة موسى بن جعفر بعد الأفطح، فصار عبد اللّٰه الإمام السابع، و أخوه موسى الإمام الثامن، و بذلك يتجاوز عدد الأئمّة عن الاثني عشر، و لا أظن أنّهم وقفوا على عبد اللّٰه من دون الاعتقاد بإمامة الآخرين، و إلّا كانوا واقفة لا فطحية، و سيوافيك الكلام في المذهب الواقفي عن قريب إن شاء اللّٰه.

الثاني: الظاهر ممّا نقله الصدوق عن بعضهم أنّ القائلين بإمامة عبد اللّٰه كانوا معروفين بالشمطية كما أنّ بعض الفطحية قال بإمامة إسماعيل بن جعفر بعد رحيل عبد اللّٰه، و إليك نص الصدوق ناقلاً عن بعضهم:

قال: قال صاحب الكتاب: و هذه الشمطية تدّعي إمامة عبد اللّٰه بن جعفر بن محمد من أبيه بالوراثة و الوصية، و هذه الفطحية تدّعي إمامة إسماعيل ابن جعفر عن أبيه بالوراثة و الوصية و قبل ذلك إنّما قالوا بإمامة عبد اللّٰه بن جعفر و يسمّون اليوم إسماعيلية. لأنّه لم يبق للقائلين بإمامة عبد اللّٰه بن جعفر خلف و لا بقية، و فرقة من الفطحية يقال لهم القرامطة، قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر بالوراثة و الوصية، و هذه الواقفة على موسى بن جعفر تدّعي الإمامة لموسى و ترتقب لرجعته.(1)

الثالث: بما أنّ أكثر القائلين بإمامة الأفطح رجعوا عن رأيهم بعد ظهور الحقّ، فلا ينبغي أن يكون ذلك سبباً لجرحهم، نعم من بقي منهم على عقيدته، و آمن بإمامة موسى بن جعفر أو إسماعيل بن جعفر حكمهم حكم سائر فرق الشيعة إذا كانوا متثبتين في القول، فيؤخذ برواياتهم، و إلّا فلا.

الرابع: انّ عدّ الفطحية مذهباً و نحلة، أمر غير صحيح لوجهين:

أحدهما: أنّ القول بإمامة عبد اللّٰه نشأ عن شبهة، دخلت في أذهانهم، ثمّ


1) . الصدوق: كمال الدين: 101-102.

زالت الشبهة، و لم يبق إلّا القليل.

و ثانيهما: أنّ النحلة عبارة عن آراء في الأُصول و العقائد أو في الفروع و الأحكام تكون سبباً لتمييز طائفة عن أُخرى، و أمّا الاتّفاق في عامة الأُصول مع اختلاف في أمر واحد، كالاعتقاد بإمامة عبد اللّٰه، فهذا ما لا يبرر عدّ القول به نحلة، و القائلون به فرقة.

نعم، من يريد تكثير النحل، و زيادة عدد الفرق، يصحّ له ذكرهم فرقة من الفرق.

الخامس: انّ الفطحية و إن اشتركت مع الواقفية في مسألة عدم الاعتراف بالإمام الحقيقي، و لكن الطائفة الأُولى كانت أقل تعصباً من الأُخرى بدليل أنّهم اعترفوا بإمامة موسى الكاظم عليه السّلام بعد رحيل إمامهم الأفطح، لكن بين مُخطِّئ نفسه في الاعتقاد بإمامة الأفطح، و بين مصوِّب إمامته مع إمامة الكاظم عليه السّلام إلّا أنّ الواقفية كانت متعصبة جدّاً حيث وقفت على إمامة موسى الكاظم عليه السّلام و لم تتجاوزه، و جرت مناظرات بينهم و بين القطعية الذين قطعوا بإمامة ابن الكاظم، علي بن موسى الرضا عليهما السّلام.

يقول المجلسي الأوّل: و اعلم أنّ الفطحية كانوا أقربَ إلى الحقّ من الواقفية، أو هم أبعد عن الحقّ من الفطحية، لأنّ الفطحية لا ينكرون بقية الأئمّة عليهم السّلام و كانوا يقولون بإمامتهم، و لهذا شُبهُوا بالحمير، بخلاف الواقفة، فإنّهم شُبهوا بالكلاب الممطورة، و الشيخ ذكر الواقفية في كتاب الغيبة و أبطل مذهبهم بالأخبار التي نقلوها.(1)

و قال العلاّمة المامقاني: لا يخفى عليك أنّ القول بالفطحية أقرب مذاهب


1) . المجلسي الأوّل (محمد تقي): روضة المتقين: 395/14.

الشيعة إلى الحقّ من وجهين:

أحدهما: انّ كلّ مذهب من المذاهب الفاسدة يتضمّن إنكار بعض الأئمّة عليهم السّلام، و من المعلوم بالنصوص القطعية، أنّ من أنكر واحداً منهم كان كمن أنكر جميعهم، و الفطحي يقول بإمامة الاثني عشر جميعاً و يضيف عبد اللّٰه بين الصادق و الكاظم عليهما السّلام، فهو يقول بإمامة ثلاثة عشر، و يحمل أخبار الاثني عشر إماماً على الاثني عشر مِنْ ولد أمير المؤمنين عليهم السّلام، فلا يموت الفطحي إلّا عارفاً بإمام زمانه بخلاف من ماتَ من أهل سائر المذاهب فإنّه يموت جاهلاً بإمام زمانه.

نعم من مات من الفطحية في السبعين يوماً زمان حياة عبد اللّٰه بعد أبيه مات غير عارف لإمام زمانه فمات ميتة جاهلية بخلاف من مات بعد وفاة عبد اللّٰه.

ثانيهما: انّ كلّ ذي مذهب من المذاهب الفاسدة قد تلقّى ممّن يعتقده إماماً من غير الاثني عشر فروعاً مخالفة لفروعنا بخلاف الفطحية فإنّ عبد اللّٰه لم يبق إلّا سبعين و لم يتلقّوا منه حكماً فرعياً و إنّما يعملون في الفروع بما تلقّوه من الأئمة الاثني عشر، فالفطحية قائلون بالاثني عشر، عاملون بما تلقّوه من الاثني عشر، فليس خطأهم إلّا زيادة عبد اللّٰه سبعين يوماً بين الصادق و الكاظم عليهما السّلام، و إيراث ذلك الفسق محلّ تأمّل.(1)

يلاحظ على الثاني: بأنّ الواقفية أيضاً مثل الفطحية لم يتلقّوا فروعاً من غير الأئمّة، نعم انّ الفطحية أخذوا منهم جميعاً و الواقفية اقتصرت على الأئمّة السبعة، فما ذكره من الوجه الثاني لا يعد فرقاً بين الطائفتين.


1) . عبد اللّٰه المامقاني: تنقيح المقال: 193/1، الفائدة السابعة.

مشاهير الفطحية

انّ هناك لفيفاً من رواة الشيعة وُصفوا بالفطحية، و هم بين من ثبت على القول بإمامة الأفطح و من رجع عنه، و إليك أسماءهم المستخرجة من كتب الرجال:

1 - أحمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن فضّال بن عمر بن أيمن.

2 - إسحاق بن عمّار بن حيّان، مولىٰ بني تغلب، أبو يعقوب الصيرفي الساباطي.

3 - الحسن بن علي بن فضال.

4 - عبد اللّٰه بن بكير بن أعين بن سنسن الشيباني الأصبحي المدني.

5 - عبد اللّٰه بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السّلام.

6 - علي بن أسباط بن سالم بياع الزطّي المقري.

7 - الأزدي الساباطي (كوفي).

8 - علي بن الحسن بن علي بن فضّال.

9 - عمار بن موسى الساباطي.

10 - محمد بن الحسن بن علي بن فضّال.

11 - محمد بن سالم بن عبد الحميد.

12 - مصدق بن صدقة المدائني.

الفصل الثامن عشر: في الواقفية

اشارة

التوقّف عند إمامة شخص بعد رحيل إمام ما، ظاهرة برزت عند الشيعة بين آونة و أُخرى، و لذلك صار لها إطلاقان:

الأوّل: التوقّف بالمعنى العام من غير اختصاصه بالتوقّف على إمام خاص، فإنّ هناك طائفة توقّفت عند إمامة الحسين عليه السّلام و لم تتجاوز عنه و هم المعروفون بالكيسانية، كما أنّ هناك من توقّف عند إمامة الإمام الباقر عليه السّلام و لم تتجاوز عنه عليه السّلام و هي المعروفة بالمنصورية أو المغيرية و هناك من توقّف عند إمامة الإمام الصادق و لم يتجاوز عنه كالإسماعيلية، و هذه الفرق حتى الزيدية من الواقفية الذين لم يعترفوا بإمامة الأئمّة الاثني عشر قاطبة و توقّفوا أثناء الطريق، و مع ذلك كلّه فلا يطلق عليهم الواقفية في كتب الرجال و لا في الملل و النحل، و إنّما يطلق عليهم نفس أسمائهم، و قد مرّ في الجزء السابع أنّ بعض هذه الفرق غلاة كفّار لا يعترف بهم.

الثاني: الطائفة المتوقّفة عند إمامة الإمام موسى الكاظم عليه السّلام غير المعترفة بإمامة ابنه علي بن موسى الرضا عليه السّلام و هؤلاء المعروفون ب «الواقفية». و قد اختصت بهم هذه التسمية، فلا تتبادر من هذه التسمية إلّا تلك الطائفة.

قال المحقّق البهبهاني: اعلم أنّ الواقفة هم الذين وقفوا على الكاظم عليه السّلام، و ربما يطلق الوقف على من وقف على غير الكاظم عليه السّلام من الأئمّة... و لكن عند الإطلاق ينصرف إلى من وقف على الإمام الكاظم عليه السّلام و لا ينصرف إلى غيرهم إلّا بالقرينة، و لعلّ من جملتها عدم دركه للكاظم عليه السّلام و موته قبله أو في زمانه، مثل سماعة بن مهران و علي بن حيان و يحيى بن القاسم.(1)


1) . البهبهاني: الفوائد الرجالية: 40.

سبب ظاهرة التوقف

إنّ السبب الغالب لبروز فكرة التوقف بين طائفة من الشيعة هو أنّها رزخت تحت نير الحكم الأُموي و العباسي و لو لا لجوئها إلى التقية و اتخاذها سلاحاً لما كتب لها البقاء، حتى أنّ الاتهام بالزندقة و الإلحاد كان أخف وطأً من الاتّهام بالتشيّع في فترة خلافة عبد الملك بن مروان و إمارة الحجاج على العراق، فكان الأئمّة لا يبوحون بأسرارهم إلّا لخاصتهم، حتى نرى أنّ رحيل كلّ إمام تعقبه هوة بين الشيعة برهة من الزمن إلى أن يستقرَّ الرأي على الحقّ.

هذا هو السبب الغالب لنشوء بعض الفرق بين الشيعة الذين لم يكن لديهم أيّ اختلاف في الأُصول و الفروع إلّا في القيادة و الإمامة.

إنّ عصر هارون الرشيد كان عصر القمع و الكبت و التضييق على الشيعة و إمامهم، و كانت سياسته على غرار سياسة أبي جعفر الدوانيقي، و التاريخ يحدثنا عن السياسة التي اتبعها مع الإمام موسى الكاظم عليه السّلام.

كان الإمام مهوى قلوب الشيعة، يتلقون عنه أحكام الدين و أُصول المذهب، و ربما تحمل إليه الأموال من المشرق و من المغرب فشق على هارون لمّا أخبره بعض جواسيسه بهذا الأمر، و لأجل معالجة هذا الموقف الذي أشغل فكره، حجّ في تلك السنة و زار قبر النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم فقال: يا رسول اللّٰه إنّي أعتذر إليك من شيء أُريد أن أفعله، أُريد أن أحبس موسى بن جعفر، فإنّه يريد التشتيت بأُمّتك و سفك دمائها. ثمّ أمر به فأُخذ من المسجد فأُدخل إليه فقيّده، و أُخرج من داره بغلان عليهما قبتان مغطاتان هو عليه السّلام في إحداهما، و وجه مع كلّ واحدة منهما خيلاً، فأخذ بواحدة على طريق البصرة، و الأُخرى على طريق الكوفة، ليعمى على الناس أمره، و كان في التي مضت إلى البصرة.

و أمر الرسول أن يسلّمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور، و كان على البصرة

حينئذٍ، فمضى به، فحبسه عنده سنة.

ثمّ كتب إلى الرشيد أن خذه منّي و سلّمه إلى من شئت و إلّا خلّيت سبيله، فقد اجتهدت بأن أجد عليه حجّة، فما أقدر على ذلك، حتى أنّي لأتسمّع عليه إذا دعا لعلّه يدعو عليّ أو عليك، فما أسمعه يدعو إلّا لنفسه يسأل الرحمة و المغفرة.

فوجّه من تسلّمه منه، و حبسه عند الفضل بن الربيع ببغداد فبقى عنده مدّة طويلة و أراد الرشيد على شيء من أمره فأبى.

فكتب بتسليمه إلى الفضل بن يحيى فتسلّمه منه، و أراد ذلك منه فلم يفعل.

و بلغه انّه عنده في رفاهية وسعة، و هو حينئذ بالرقة.

و قد أثار هذا الأمر غضبَ الرشيد إلى ان انتهى الأمر بتجريد الفضل بن يحيى و ضربه بسياط و عقابين.(1)

هذا هو موقف الرشيد مع الرجل الذي كان يحترمه جلّ المسلمين و ينظرون إليه بأنّه من أئمّة أهل البيت، فكيف الحال مع سواد الناس إذا اتّهموا بالتشيّع و موالاة الإمام عليه السّلام؟!

قال ابن كثير: فلمّا طال سجن الإمام الكاظم عليه السّلام كتب إلى الرشيد: «أمّا بعد يا أمير المؤمنين انّه لم ينقضِ عني يوم من البلاء إلّا انقضى عنك يوم من الرخاء، حتى يفضي بنا ذلك إلى يوم يخسر فيه المبطلون».(2)

و لم يزل الإمام ينقل من سجن إلى سجن حتى انتهى به الأمر إلى سجن السندي بن شاهك، فغال في سجن الإمام و زاد في تقييده، حتى جاء أمر الرشيد بدس السم للكاظم فانبرى السندي إلى تنفيذ هذا الأمر، و كانت نهاية حياة الإمام الطاهر على يده الفاجرة.


1) . الطوسي: الغيبة: 28-30 بتلخيص.

2) . ابن كثير: البداية و النهاية: 190/10.

قال أبو الفرج الاصفهاني: لمّا توفي الإمام مسموماً خشى الرشيد ردّة فعل المسلمين عند انتشار خبر موته، فأدخل عليه الفقهاء و وجوه أهل بغداد و فيهم الهيثم بن علي و غيره ليشهدوا على أنّه مات حتف أنفه دون فعل من الرشيد و جلاوزته، و لمّا شهدوا على ذلك اخرج بجثمانه الطاهر، و وضع على الجسر ببغداد، و نودي بوفاته.(1)

هذه لمحة خاطفة عن حياة الإمام موسى الكاظم عليه السّلام توقفك على الوضع السياسي السائد آنذاك في العراق و الحجاز، و موقف الحكومة تجاه إمام الشيعة، أ فهل يمكن للإمام التصريح بالقائد من بعده؟!

و مع ذلك كلّه فإنّ الإمام الكاظم له تنبؤات عن المستقبل المظلم الذي ينتظره بعض الشيعة، و إليك بعض ما روي في ذلك:

روي عن ابن سنان قال: دخلت على أبي الحسن موسى الكاظم من قبل أن يقدم العراق بسنة، و عليّ ابنه جالس بين يديه، فنظر إليّ و قال: «يا محمد أما إنّه ستكون في هذه السنة حركة، فلا تجزع لذلك» قال: قلت: و ما يكون جعلني اللّٰه فداك فقد أقلقتني؟ قال: «أصير إلى هذا الطاغية،(2)أما إنّه لا يبدأني منه سوء و من الذي يكون بعده»(3)قال: قلت:

و ما يكون جعلني اللّٰه فداك؟ قال: «يضل اللّٰه الظالمين و يفعل اللّٰه ما يشاء». قال: قلت: و ما ذلك جعلني اللّٰه فداك؟ قال: «من ظلم ابني هذا حقَّه، و جحده إمامته من بعدي كان كمن ظلم عليّ بن أبي طالب عليه السّلام إمامته و جحده حقّه بعد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم» قال: قلت: و اللّٰه لئن مدّ اللّٰه لي في العمر لأسلِّمن له حقّه، و لأقرّن بإمامته.

قال: «صدقت يا محمد يمدّ اللّٰه في عمرك و تسلِّم له حقّه عليه السّلام و تقرّ له بإمامته و إمامة من يكون بعده»، قال: قلت:

و من ذاك؟ قال: «ابنه محمد»، قال:


1) . أبو الفرج الاصفهاني: مقاتل الطالبيين: 504.

2) . يريد به المهدي العباسي.

3) . يريد به موسى بن المهدي.

قلت: له الرضا و التسليم.(1)

روى الكشي عن الحكم بن عيص، قال: دخلت مع خالي سليمان بن خالد على أبي عبد اللّٰه عليه السّلام فقال: «يا سليمان من هذا الغلام؟» فقال: ابن اختي، فقال: «هل يعرف هذا الأمر؟» فقال: نعم، فقال: «الحمد للّٰه الذي لم يخلقه شيطاناً - ثمّ قال: - يا سليمان عوِّذ باللّٰه ولدك من فتنة شيعتنا» فقلت: جعلت فداك و ما تلك الفتنة؟! قال: «إنكارهم الأئمّة عليهم السّلام و وقوفهم على ابني موسى عليه السّلام، قال: ينكرون موته و يزعمون أن لا إمام بعده، أُولئك شرّ الخلق».(2)

إلى غير ذلك من الروايات التي جمعها الشيخ الطوسي في كتاب «الغيبة» ممّا تدل على تنصيص الإمام الكاظم عليه السّلام على إمامة ولده علي بن موسى الرضا عليه السّلام غير انّ حبَّ المال آل بالبعض إلى إنكار إمامته، و قد رويت في ذلك روايات نذكر بعضها:

روى الطوسي في «الغيبة» بسنده عن يعقوب بن يزيد الأنباري، عن بعض أصحابه، قال: مضى أبو إبراهيم عليه السّلام و عند زياد القندي سبعون ألف دينار، و عند عثمان بن عيسى الرواسي ثلاثون ألف دينار و خمس جوار، و مسكنه بمصر.

فبعث إليهم أبو الحسن الرضا عليه السّلام أن احملوا ما قِبَلكم من المال، و ما كان اجتمع لأبي عندكم من أثاث و جوار، فإنّي وارثه و قائم مقامه، و قد اقتسمنا ميراثه و لا عذر لكم في حبس ما قد اجتمع لي و لوارثه، قبلكم، و كلام يشبه هذا.

فأمّا ابن أبي حمزة فإنّه أنكره و لم يعترف بما عنده، و كذلك زياد القندي.

و أمّا عثمان بن عيسى فانّه كتب إليه إنّ أباك - صلوات اللّٰه عليه - لم يمت و هو حي قائم، و من ذكر أنّه مات فهو مبطل، و اعمل على أنّه قد مضى كما تقول: فلم يأمرني بدفع شيء إليك، و أمّا الجواري فقد اعتقتهنّ و تزوجت بهنّ.(3)


1) . الطوسي: الغيبة: 33-34.

2) . الكشي: الرجال: 389؛ البحار: 265/48، الحديث 24.

3) . الطوسي: الغيبة: 64-65، الحديث 67.

روى الكشي، عن يونس بن عبد الرحمن، قال: مات أبو الحسن و ليس من قُوامه أحد إلّا و عنده المال الكثير، فكان ذلك سبب وقوفهم و جحودهم موته، و كان عند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار.(1)

روى الصدوق في «العلل» عن يونس بن عبد الرحمن قال: مات أبو الحسن عليه السّلام و ليس من قوّامه أحد إلّا و عنده المال الكثير، فكان ذلك سبب وقفهم و جحودهم لموته، و كان عند زياد القندي سبعون ألف دينار، و عند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، قال: فلمّا رأيت ذلك و تبيّن الحق و عرفت من أمر أبي الحسن الرضا عليه السّلام ما علمتُ تكلّمت و دعوت الناس إليه، قال: فبعثا إليّ، و قالا: ما يدعوك إلى هذا؟ إن كنتَ تريد المال فنحن نغنيك و ضمِنا لي عشرة آلاف دينار، و قالا لي: كف، فأبيت و قلت لهم: إنّا رُوينا عن الصادقين عليهم السّلام أنّهم قالوا: إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يُظهر علمَه، فإن لم يفعل سُلب منه نور الإيمان، و ما كنت لأدع الجهاد في أمر اللّٰه على كلّ حال، فناصباني و أضمرا لي العداوة.

و روى أيضاً عن أحمد بن حماد قال: أحد القَوّام، عثمان بن عيسى الرواسي، و كان يكون بمصر، و كان عنده مال كثير و ست جواري، قال: فبعث إليه أبو الحسن الرضا عليه السّلام فيهن و في المال، قال: فكتب إليه أنّ أباك لم يمت، قال: فكتب إليه: إنّ أبي قد مات، و قد اقتسمنا ميراثه، و قد صحّت الأخبار بموته، و احتج عليه فيه، قال: فكتب إليه: إن لم يكن أبوك مات، فليس لك من ذلك شيء، و إن كان قد مات على ما تحكي، فلم يأمرني بدفع شيء إليك، و قد اعتقت الجواري و تزوجتهنّ.(2)

إلى غيرها من الروايات الدالّة على أنّ سبب التوقف كان حبّ الجاه و المال.


1) . الكشي: الرجال: 345.

2) . الصدوق: علل الشرائع: 235.

الواقفية في كتب الملل و النحل

جاءت الواقفية في كتب الملل و النحل على وجه الإجمال، و هذا يعرب عن عدم وجود دور بارز لهم في عصر الغيبة، و ستوافيك القائمة التي ذكرنا فيها بعض أسماء الرواة من الواقفية.

قال النوبختي - بعد ما بيّن أنّ الشيعة انقسمت بعد رحيل الإمام الكاظم عليه السّلام إلى فرقتين، و بيّن الفرقة الثانية بالبيان التالي -:

1 - و قالت الفرقة الثانية: إنّ موسى بن جعفر لم يمت، و إنّه حيّ، و لا يموت حتى يملك شرق الأرض و غربها، و يملأها كلها عدلاً كما ملئت جوراً، و إنّه القائم المهدي، و زعموا أنّه خرج من الحبس و لم يره أحد نهاراً و لم يعلم به، و أنّ السلطان و أصحابه ادّعوا موته، و موّهوا على الناس و كذبوا، و أنّه غاب عن الناس و اختفى، و رووا في ذلك روايات عن أبيه جعفر بن محمد عليهما السّلام أنّه قال: هو القائم المهدي فإن يدهده رأسه عليكم من جبل فلا تصدقوا فإنّه القائم.

و قال بعضهم: إنّه القائم و قد مات، و لا تكون الإمامة لغيره حتى يرجع، فيقوم و يظهر، و زعموا أنّه قد رجع بعد موته إلّا أنّه مختف في موضع من المواضع حي يأمر و ينهى، و أنّ أصحابه يلقونه و يرونه، و اعتلّوا في ذلك بروايات عن أبيه، أنّه قال: سمّي القائم قائماً، لأنّه يقوم بعد ما يموت.

و قال بعضهم: إنّه قد مات، و إنّه القائم، و إنّ فيه شبهاً من عيسى بن مريم - صلى اللّٰه عليه - و انّه لم يرجع، و لكنّه يرجع في وقت قيامه فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، و إنّ أباه قال: إنّ فيه شبهاً من عيسى بن مريم، و إنّه يقتل في يدي ولد العباس فقد قتل.

و أنكر بعضهم قتله، و قالوا: مات و رفعه اللّٰه إليه، و إنّه يردّه عند قيامه، فسمّوا هؤلاء جميعاً الواقفية لوقوفهم على موسى بن جعفر على أنّه الإمام القائم،

و لم يأتمّوا بعده بإمام و لم يتجاوزوه إلى غيره.

و قد قال بعضهم ممّن ذكر أنّه حي: إنّ الرضا عليه السّلام و من قام بعده ليسوا بأئمّة، و لكنّهم خلفاؤه واحداً بعد واحد إلى أوان خروجه، و إنّ على الناس القبول منهم و الانتهاء إلى أمرهم.

و قد لقّب الواقفةَ بعضُ مخالفيها ممّن قال بإمامة علي بن موسى «الممطورة» و غلب عليها هذا الاسم و شاع لها، و كان سبب ذلك انّ عليّ بن إسماعيل الميثمي و يونس بن عبد الرحمن ناظرا بعضهم، فقال له علي بن إسماعيل و قد اشتد الكلام بينهم: ما أنتم إلّا كلاب ممطورة، أراد أنّكم أنتن من جيف، لأنّ الكلاب إذا أصابها المطر فهي أنتن من الجيف، فلزمهم هذا اللقب فهم يُعرفون به اليوم، لأنّه إذا قيل للرجل انّه ممطور فقد عرف أنّه من الواقفة على موسى بن جعفر خاصة، لأنّ كل من مضى منهم فله واقفة قد وقفت عليه، و هذا اللقب لأصحاب موسى.(1)

2 - و قال الشيخ الأشعري ملخصاً لما قاله النوبختي ما هذا نصه:

الصنف الثاني و العشرون من الرافضة يسوقون الإمامة حتى ينتهوا إلى جعفر بن محمد و يزعمون أنّ جعفر بن محمد نصّ على إمامة ابنه موسى بن جعفر، و أنّ موسى بن جعفر حيّ لم يَمت و لا يموتُ حتى يملك شرقَ الأرض و غربها، حتى يملأ الأرض عدلاً و قسطاً كما ملئت ظلماً و جوراً، و هذا الصنف يُدْعون «الواقفة» لأنّهم وقفوا على «موسى بن جعفر» و لم يتجاوزوه إلى غيره، و بعض مخالفي هذه الفرقة يدعوهم «الممطورة» و ذلك أنّ رجلاً منهم ناظر «يونس بن عبد الرحمن» و يونس من القطعية الذين قطعوا على موت موسى بن جعفر، فقال له يونس: أنتم أهون عليّ من الكلاب الممطورة، فلزمهم هذا النبز.(2)


1) . النوبختي: فرق الشيعة: 80-82، و في ذيل كلامه إشارة إلى القسمين من الوقف كما ذكرناه.

2) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 28-29.

3 - و قال البغدادي معبّراً عن الواقفة بالموسوية: هؤلاء الذين ساقوا الإمامة إلى جعفر، ثمّ زعموا أنّ الإمام بعد جعفر، كان ابنه موسى بن جعفر، و زعموا أنّ موسى بن جعفر حيّ لم يمت و انّه هو المهدي المنتظر، و قالوا إنّه دخل دارَ الرشيد و لم يخرج منها، و قد علمنا إمامته و شككنا في موته فلا نحكم في موته إلّا بيقين.

فقيل لهذه الفرقة الموسوية: إذا شككتم في حياته و موته، فشُكُّوا في إمامته و لا تقطعوا القول بأنّه باق و أنّه هو المهديّ المنتظر، هذا مع علمكم بأنّ مشهد موسى بن جعفر معروف في الجانب الغربي من بغداد و يُزار.

و يقال لهذه الفرقة موسوية لانتظارها موسى بن جعفر.

و يقال لها الممطورة أيضاً، لأنّ يونس بن عبد الرحمن القمّي كان من القطعية (الذين قطعوا على موت موسى بن جعفر) و ناظر بعض الموسوية فقال في بعض كلامه: أنتم أهون على عيني من الكلاب الممطورة.(1)

4 - و قال الشهرستاني - بعد أن ذكر الإمام موسى بن جعفر و انّه دفن في مقابر قريش ببغداد -: اختلفت الشيعة بعده...

فمنهم من توقّف في موته، و قال: لا ندري أمات أم لم يمت؟ و يقال لهم الممطورة، سمّاهم بذلك علي بن إسماعيل فقال: ما أنتم إلّا كلاباً ممطورة.

و منهم من قطع بموته و يقال لهم القطعية.

و منهم من توقّف عليه، و قال: إنّه لم يمت، و سيخرج بعد الغيبة، و يقال لهم الواقفة.(2)

إنّ ظاهرة الوقف بعد رحيل الإمام الكاظم عليه السّلام كانت أمراً خطيراً يهدّد


1) . البغدادي: الفرق بين الفرق: 63.

2) . الشهرستاني: الملل و النحل: 169، و لاحظ التبصير للاسفرائيني: 38، حيث عبّر عنهم بالموسوية.

كيان الشيعة، و تماسكها و انسجامها، و قد كانت الواقفة تتمسك بشبه، ربما تغري البسطاء من الشيعة، و تصدّهم عن القول بامتداد الإمامة إلى عصر الإمام المنتظر. و لعلّه لأجل خطورة الوقف، ربما نرى وجود الحث المتزايد على زيارة الإمام الرضا عليه السّلام من النبي و الوصيّ و الصادق و الكاظم عليهم السّلام ليلفتوا نظر الشيعة إليه و لا يغفلوا عنه.

فقد روي عنه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «ستدفن بضعة منّي بأرض خراسان، لا يزورها مؤمن إلّا أوجب اللّٰه له الجنّة، و حرّم جسده على النار».(1)

كما توجد روايات كثيرة عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام تؤكد و تحث على زيارة الإمام الرضا عليه السّلام و تبيّن فضلها.(2)

و لعلّ تلك الروايات تهدف إلى رفع الشبهات التي أوجدتها الواقفة في ذلك العصر، و لو لا انّ الرضا هو الإمام القائد بعد أبيه، لما كان لهذا الحث وجه، و قد جابه الإمام الرضا تلك الزوبعة بعظات بالغة، و مناظرات قيّمة، قام فيها بإزالة الالتباس عن شبههم.

و قد جمعها العالم الحجة الشيخ رياض محمد حبيب الناصري في كتابه «الواقفية»، حيث بلغت ثماني مناظرات. و من أراد الوقوف على مضامينها فعليه الرجوع إلى ذلك الكتاب القيّم الذي طرح فيه الواقفية و درسها دراسة تحليلية رائعة.(3)


1) . الصدوق: الفقيه: 351/2، الحديث 36.

2) . راجع الكافي: 584/4؛ و الفقيه: 348/2-351؛ و التهذيب: 84/6.

3) . الواقفية: 151/1-163، و لقد رجعنا إلى ذلك الكتاب في دراسة هذه الطائفة فشكر اللّٰه مساعيه.

مشاهير الواقفية

يظهر من مراجعة الكتب الرجالية، انّ عدد الواقفية لم يكن قليلاً، و قد ذكر الشيخ الطوسي فيهم حوالي أربعة و ستين شخصاً، فمن مشاهيرهم:

1 - سماعة بن مهران.

2 - جعفر بن سماعة.

3 - الحسن بن محمد بن سماعة.

4 - زرعة بن محمد الحضرمي.

5 - زياد بن مروان القندي.

6 - داود بن الحصين.

7 - درست بن أبي منصور.

8 - عثمان بن عيسى الرواسي.

9 - علي بن أبي حمزة البطائني.

10 - علي بن الحسن الطاطري.

11 - حنان بن سدير الصيرفي.

12 - يحيى بن القاسم الحذاء.

13 - يحيى بن الحسين بن زيد.

14 - سعد بن خلف.(1)


1) . و قد استخرج محقّق رجال الطوسي، أسماء الذين وصفوا بالوقف فيه، تحت فهرست المنسوبين إلى المذاهب الفاسدة. رجال الطوسي: 589-591.

ثمّ إنّ هناك لفيفاً آخر من الواقفية ذكرهم النجاشي في رجاله، و ليس فيهم اسم سماعة بن مهران، و لا ولده جعفر، و لا سبطه محمد، و ربما تردّد بعضهم في عدّ سماعة من الواقفية، إذ لو كان كذلك لما خفي على مثل النجاشي، و لا على ابن الغضائري.

و قد جمع الشيخ الناصري أسماء الموصوفين بالوقف من الكتب الرجالية و غيرها، غير أنّ كثيراً منهم رجعوا عن الوقف.

و من العجب العجاب انّ سبعة أشخاص من أصحاب الإجماع، رُمُوا بالوقف، و هؤلاء هم:

1 - أحمد بن محمد بن أبي نصر.

2 - جميل بن دراج.

3 - حماد بن عيسى.

4 - صفوان بن يحيى.

5 - عثمان بن عيسى.

6 - يونس بن عبد الرحمن.

7 - عبد اللّٰه بن المغيرة.

و أظن أنّ اتّهامهم بالوقف ربما يعود إلى فحصهم و ترّيثهم في الإمام الذي يعقب الإمام الكاظم عليه السّلام بعد رحيله.

و لو كان هذا هو المنطلق لوصفهم بالوقف فلا يوجد أي مبرر لهذا الرمي و الوصف، و على أية حال فإنّهم رجعوا عن الوقف، حتّى أنّ يونس بن عبد الرحمن كان في الصف المقدّم لمكافحة الوقف و هو الذي وصف الواقفية بالكلاب الممطورة كما في بعض الروايات، و هذا ما يثير الشكوك حول وصفه و زملائه بالوقف.

ثمّ إنّ هناك ردوداً بين الطائفتين ذكرها الطوسي في «الفهرست» و «الغيبة» فمن الكتب المؤلّفة في نصرة الواقفية:

1 - «نصرة الواقفة» لعلي بن أحمد العلوي الموسوي، ذكره الشيخ.(1)

2 - «الصفة في الغيبة على مذهب الواقفة» لعبد اللّٰه بن جبلة.(2)

3 - رسالة لعلي بن الحسن الطاطري في نصرة مذهبه.(3)

و هناك ردود من الأصحاب على تلك المؤلفات، ذكرها النجاشي في رجاله، نذكر منها ما يلي:

1 - الرد على الواقفة لإسماعيل بن علي بن إسحاق بن سهل بن نوبخت.(4)

2 - الرد على الواقفة للحسن بن موسى الخشاب.(5)

3 - الرد على الواقفة للحسين بن علي البزوفري.(6)

4 - الرد على الواقفة لفارس بن حاتم بن ماهويه القزويني.(7)

بقي الكلام في رجال الواقفة الذين وردت أسماؤهم في الكتب الرجالية، و كان لهم دور في نقل الحديث و تدوينه، فإليك فهرس أسمائهم، و أمّا الكلام عن تراجمهم و حالاتهم فموكول إلى محله.


1) . الطوسي: الغيبة: 29.

2) . النجاشي: الرجال: 13/2 برقم 561.

3) . الطوسي: الفهرست: 118 برقم 392.

4) . النجاشي: الرجال: 121/1 برقم 67.

5) . النجاشي: الرجال: 143/1 برقم 84.

6) . النجاشي: الرجال: 188/1 برقم 160.

7) . النجاشي: الرجال: 174/2 برقم 846.

1 - إبراهيم. 2 - أبو جبل.

3 - أبو جعدة. 4 - أبو جنادة الأعمىٰ.

5 - أحمد بن أبي بشر السرّاج. 6 - أحمد بن الحارث.

7 - أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمّار.

8 - أحمد بن زياد الخزّاز. 9 - أحمد بن السري.

10 - أحمد بن الفضل الخزاعي.

11 - أحمد بن محمد بن علي بن عمر بن رباح بن قيس بن سالم القلاء السوّاق.

12 - إدريس بن الفضل بن سليمان الخولاني.

13 - إسحاق بن جرير بن يزيد بن جرير بن عبد اللّٰه البجلي الكوفي.

14 - إسماعيل بن أبي بكر محمد بن الربيع بن أبي السمّال الأسدي.

15 - إسماعيل بن عمر بن أبان الكلبي.

16 - أُمية بن عمرو الشعيري. 17 - بكر بن محمد بن جناح.

18 - جعفر بن المثنى الخطيب.

19 - جعفر بن محمد بن سماعة بن موسى بن رويد.

20 - جندب بن أيوب. 21 - جهم بن جعفر بن حيان.

22 - الحسن بن علي بن أبي حمزة سالم البطائني.

23 - الحسن بن محمد بن سماعة، أبو محمد الكندي الصيرفي الكوفي.

24 - الحسين (من أصحاب الإمام الكاظم عليه السّلام).

25 - الحسين بن أبي سعيد هاشم بن حيّان المكاري.

26 - الحسين بن قياما. 27 - الحسين بن كيسان.

28 - الحسين بن المختار، أبو عبد اللّٰه القلانسي.

29 - الحسين بن مهران بن محمد، أبو نصر السكوني.

30 - الحسين بن موسى.

31 - حصين بن المخارق بن عبد الرحمن بن ورقاء بن حبشي بن جنادة.

32 - حميد بن زياد بن حمّاد بن حمّاد بن زياد هوار الدهقان.

33 - حنان بن سدير بن حكيم بن صهيب الصيرفي.

34 - داود بن الحصين الأسدي.

35 - دُرست بن أبي منصور محمد الواسطي.

36 - زرعة بن محمد الحضرمي.

37 - زكريا بن محمد، أبو عبد اللّٰه المؤمن.

38 - زياد بن مروان الأنباري القندي.

39 - زيد بن موسىٰ. 40 - سعد بن أبي عمران الأنصاري.

41 - سعد بن خلف. 42 - سلمة بن حيّان.

43 - سماعة بن مهران بن عبد الرحمن الحضرمي.

44 - عبد اللّٰه بن جبلة بن حيّان بن أبجر الكناني.

45 - عبد اللّٰه بن عثمان الحنّاط. 46 - عبد اللّٰه بن القاسم الحضرمي.

47 - عبد اللّٰه بن القصير. 48 - عبد اللّٰه النخّاس.

49 - عبد الكريم بن عمرو بن صالح الخثعمي.

50 - عبيد اللّٰه بن أبي زيد أحمد بن عبيد اللّٰه بن محمد الانباري.

51 - عثمان بن عيسى، أبو عمرو العامري الكلابي الرواسي.

52 - عثمان بن عيسى الكلابي، مولىٰ لبني عامر، و ليس بالرواسي.

53 - علي بن أبي حمزة البطائني.

54 - علي بن جعفر بن العباس الخزاعي المروزي.

55 - علي بن الحسن بن محمد الطائي الجرمي المعروف بالطاطري.

56 - علي بن الخطّاب. 57 - علي بن سعيد المكاري.

58 - علي بن عمر الأعرج الكوفي.

59 - علي بن محمد بن علي بن عمر بن رباح السوّاق، و يقال: القلاّء.

60 - علي بن وهبان. 61 - عمر بن رباح الزهري القلا.

62 - عنبسة بن مصعب العجلي.

63 - عيسى بن عيسى الكلابي مولىٰ بني عامر - و ليس بالرواسي -.

64 - غالب بن عثمان. 65 - الفضل بن يونس الكاتب البغدادي.

66 - القاسم بن إسماعيل القرشي، أبو محمد المنذر.

67 - القاسم بن محمد الجوهري. 68 - محمد بن بكر بن جناح.

69 - محمد بن الحسن بن شمّون. 70 - محمد بن عبد اللّٰه الجلاّب البصري.

71 - محمد بن عبد اللّٰه بن غالب الأنصاري البزاز.

72 - محمد بن عبيد بن صاعد. 73 - محمد بن عمر.

74 - محمد بن محمد بن علي بن عمرو بن رباح.

75 - مقاتل بن مقاتل بن قياما. 76 - منصور بن يونس بزرج.

77 - موسى بن بكر الواسطي. 78 - موسى بن حماد الطيالسي الذرّاع.

79 - هاشم بن حيان، أبو سعيد المكاري.

80 - وهيب بن حفص، أبو علي الجريري.

81 - يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين عليه السّلام.

82 - يزيد بن خليفة الحارثي. 83 - يوسف بن يعقوب.

خاتمة المطاف: في النصيرية

اشارة

الكتابة عن النصيرية كسائر الفرق الشيعية أمر صعب لا سيما و انّهم اضطروا إلى التخفّي و الانطواء على أنفسهم، و عاشوا في ظل التقية، و من يتصفّح التاريخ يجد أنّه لا مندوحة لهم من التكتّم و التحفّظ في عقائدهم، فمعاجم الفرق مليئة بذمّهم و تفسيقهم و تكفيرهم، و قد أخذ بعضهم عن بعض، و لا يمكن الاعتماد على ما نقلوه عنهم إلّا بالرجوع إلىٰ كتب تلك الفرقة أو التعايش معهم في أوطانهم حتىٰ ينجلي الحقّ ليقف الإنسان على مكامن عقائدهم و خفايا أُصولهم، و نحن نسرد قبل كلّ شيء ما ذكرته معاجم الفرق في هذا المقام من دون أيّ تعليق مسهب.

النصيرية في معاجم الملل و النحل

1 - و لعلّ أوّل من ذكرهم من أصحاب المقالات هو الشيخ الحسن بن موسى النوبختي من أعلام القرن الثالث، و يظهر منه أنّها نشأت بعد وفاة الإمام الهادي عليه السّلام عام 254 ه، فقال:

و قد شذّت فرقة من القائلين بإمامة علي بن محمد في حياته، فقالت بنبوّة رجل يقال له محمد بن نصير النميري، و كان يدّعي أنّه نبي، بعثه أبو الحسن العسكري عليه السّلام، و كان يقول بالتناسخ و الغلو في أبي الحسن، و يقول فيه بالربوبية، و يقول بالإباحة للمحارم و يحلّل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، و يزعم أنّ ذلك من التواضع و التذلّل، و أنّها إحدى الشهوات و الطيبات، و أنّ اللّٰه عزّ و جلّ لم يحرّم شيئاً من ذلك، و كان يقوي أسباب هذا النميري، محمد بن موسى بن

الحسن بن الفرات.(1)

أقول: ما ورد من النسب في هذا الكلام ممّا يستبعده العقل جداً، إذ كيف يمكن أن يتبنىٰ أحد في حاضرة الخلافة الإسلامية هذه المنكرات التي لا يرتضيها أيّ إنسان ساذج؟! و لو كان داعياً إلى هذه الأُمور في أجواء نائية بعيدة ربّما يسهل تصديقه.

2 - و قال الكشي (من أعلام القرن الرابع): و قالت فرقة بنبوة محمد بن نصير الفهري النميري، و ذلك أنّه، ادّعىٰ أنّه نبي، و أنّ علي بن محمد العسكري أرسله، و كان يقول بالتناسخ و الغلو في أبي الحسن، و يقول فيه بالربوبية، و يقول بإباحة المحارم و يحلّل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، و يقول: إنّه من الفاعل و المفعول به أحد الشهوات و الطيبات، و إنّ اللّٰه لم يحرّم شيئاً من ذلك. و كان محمد ابن موسى بن الحسن بن فرات يقوي أسبابه و يعضده، و ذكر أنّه رأى بعض الناس محمد بن نصير عياناً و غلام له على ظهره، فرآه على ذلك، فقال: إنّ هذا من اللذات و هو من التواضع للّٰه و ترك التجبّر، و افترق الناس فيه بعده فرقاً.(2)

3 - و قد ذكر الأشعري المتوفّى (324 ه) من أصناف الغالية، أصحاب الشريعي، و قال: يزعمون أنّ اللّٰه حلّ في خمسة أشخاص، ثمّ انتقل منه إلى ذكر النميرية، و قال: إنّ فرقة من الرافضة يقال لهم النميرية أصحاب النميري يقولون إنّ الباري كان حالاًّ في النميري.(3)

4 - و قال البغدادي المتوفّى (429 ه)، في فصل عَقَده لبيان الفرقة الشّريعية أتباع الشريعي و النميرية أتباع محمد بن نصير النميري، و نقل نفس ما نقله الأشعري في حقّ الرجلين و لم يزد عليه شيئاً.


1) . فرق الشيعة: 93.

2) . رجال الكشي: 438.

3) . مقالات الإسلاميين: 15/1.

و من قارن كتاب الفرق بين الفرق مع كتاب مقالات الإسلاميين يجد أنّه صورة ملخّصة من الثاني، غير أنّه زاد في بيان الفرق سبّاً و ذمّاً غير لائق بشأن الكاتب.(1)

5 - و قد عقد الشيخ الطوسي المتوفّى (460 ه) فصلاً لمدّعي البابية عدّ منها الشريعي، و محمد بن نصير النميري.

قال: كان محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي عليهما السّلام فلمّا توفي أبو محمد، ادّعىٰ مقام أبي جعفر محمد بن عثمان أنّه صاحب إمام الزمان، و ادّعىٰ له البابية، و فضحه اللّٰه تعالى بما ظهر منه من الإلحاد و الجهل، و لعن أبي جعفر محمد بن عثمان له و تبرّأه منه، و احتجابه عنه و ادّعى ذلك الأمر بعد الشريعي.

ثمّ قال: قال أبو طالب الأنباري: لما ظهر محمد بن نصير بما ظهر لعنه أبو جعفر (رض) و تبرّأ منه فبلغه ذلك، فقصد أبا جعفر (رض) ليعطف بقلبه عليه، أو يعتذر إليه، فلم يأذن له و حجبه و ردّه خائباً.

ثمّ نقل عن سعد بن أبي عبد اللّٰه ما نقلناه آنفاً عن النوبختي.

ثمّ قال: فلمّا اعتلّ محمد بن نصير العلّة التي توفي فيها، قيل له و هو مثقل اللسان: لمن هذا الأمر من بعدك؟ فقال بلسان ضعيف ملجلج: أحمد، فلم يدروا من هو؟ فافترقوا بعده ثلاث فرق، قالت فرقة: إنّه أحمد ابنه، و فرقة قالت: هو أحمد ابن محمد بن موسى بن الفرات، و فرقة قالت: إنّه أحمد بن أبي الحسين بن بشر بن يزيد، فتفرّقوا فلا يرجعون إلىٰ شيء.(2)

ثمّ إنّ الشيخ أخرج في أسماء أصحاب الهادي عليه السّلام، محمد بن حصين


1) . انظر الفرق بين الفرق: 252.

2) . الطوسي: الغيبة: 398-399.

الفهري، و قال: ملعون و لعلّه محمد بن نصير، فالحصين تصحيف لنصير.(1)

و أخرج في أصحاب الإمام العسكري محمد بن موسى الصريعي، و قال المعلق: و في بعض النسخ الشريعي، و هو أوّل من ادّعى البابية حسب تنصيص الشيخ الطوسي في الغيبة، و لم يذكر في أصحاب العسكري محمد بن نصير النميري.(2)

6 - و قال الاسفرايني المتوفّى (471 ه): الفرقة التاسعة منهم الشريعية و النميرية، و الشريعية أتباع رجل كان يدعىٰ شريعاً، و كان يقول: إنّ اللّٰه تعالى حلَّ في خمسة أشخاص في محمد، و علي، و فاطمة، و الحسن و الحسين، و كانوا يقولون:

إنّ هؤلاء آلهة و لهؤلاء الخمسة خمسة أضداد، إلىٰ أن قال: و كان النميري، خليفته و كان يدعي لنفسه مثله بعده و جملة النميرية و الشريعية و الخطابية و كانوا يدعون إلهيّة جعفر الصادق.(3)

و لا يخفى وجود التناقض في كلامه حيث فسر الشريعة بالاعتقاد بالأُلوهية في الخمسة الطاهرة آخرهم الحسين عليه السّلام و قال في ذيل كلامه: إنّ الطوائف الثلاث: النميرية - الشريعية - الخطابية كانوا يدّعون إلهية جعفر الصادق.

و مع ذلك كلّه فما ذكره مأخوذ من الفرق بين الفرق و المقالات و كأنّ الجميع عيال على الأشعري.

8 - و قال ابن أبي الحديد المتوفّى (655 ه) في فصل عقده لذكر الغلاة من الشيعة و النصيرية و غيرهم:

إنّ النصيرية: فرقة أحدثها محمد بن نصير النميري، و كان من أصحاب الحسن العسكري عليه السّلام، إلىٰ أن قال: و كان محمد بن نصير من


1) . الطوسي: الرجال: أصحاب الإمام الهادي عليه السّلام برقم 39.

2) . الطوسي: الرجال: أصحاب الإمام العسكري عليه السّلام برقم 19.

3) . التبصير في الدين: 129.

أصحاب الحسن بن علي بن محمد بن الرضا، فلمّا مات ادّعىٰ وكالة لابن الحسن الذي تقول الإمامية بإمامته ففضحه اللّٰه تعالى بما أظهره من الإلحاد و الغلو، و القول بالتناسخ، ثمّ ادّعىٰ أنّه رسول و نبي من قبل اللّٰه تعالى، و أنّه أرسله علي بن محمد ابن الرضا، و جحد إمامة الحسن العسكري و إمامة ابنه، و ادّعىٰ بعد ذلك الربوبية و قال بإباحة المحارم.(1)

9 - و قد بسط الكلام الشهرستاني (479-548 ه) في النصيرية و الإسحاقية و عدّهم من جملة غلاة الشيعة و قال:

لهم جماعة ينصرون مذهبهم و يذبّون عن أصحاب مقالاتهم، و بينهم خلاف في كيفية إطلاق اسم الإلهية على الأئمة من أهل البيت - إلى أن قال -: «قالوا و لم يكن بعد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم شخص أفضل من علي (رضي اللّٰه عنه)، و بعده أولاده المعصومون و هم خير البرية، فظهر الحقّ بصورتهم و نطق بلسانهم و أخذ بأيديهم، فعن هذا أطلقنا اسم الإلهية عليهم.

و إنّما أثبتنا هذا الاختصاص «لعلي» رضي اللّٰه عنه دون غيره لأنّه كان مخصوصاً بتأييد إلهي من عند اللّٰه تعالى، فيما يتعلق بباطن الأسرار. قال النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «أنا أحكم بالظاهر، و اللّٰه يتولّى السرائر» و عن هذا كان قتال المشركين إلى النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و قتال المنافقين إلىٰ علي رضي اللّٰه عنه.

و عن هذا شبهه بعيسى بن مريم عليه السّلام، فقال صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «لو لا أن يقول الناس فيك ما قالوا في عيسى بن مريم عليه السّلام، لقلت فيك مقالاً».(2)

10 - و قال العلاّمة الحلّي (648-726 ه): محمد بن الحصين الفهري من أصحاب أبي الحسن الثالث الهادي عليه السّلام كان ضعيفاً ملعوناً.(3)


1) . شرح نهج البلاغة: 122/8، و لا يخفى أنّ ابن أبي الحديد تفرّد بإنكار النميري إمامة الحسن العسكري عليه السّلام و إمامة ابنه مع أنّه كان يدّعي البابية لابن العسكري سلام اللّٰه عليهم.

2) . الملل و النحل: 168/1-169.

3) . الخلاصة: 252/2 برقم 22.

و العجب أنّه عنونه تارة أُخرى، و قال: محمد بن نصير بالنون المضمومة و الصاد المهملة، قال ابن الغضائري: قال لي أبو محمد بن طلحة بن علي بن عبد اللّٰه بن غلالة، قال لنا أبو بكر بن الجعابي: كان محمد بن نصير من أفاضل أهل البصرة علماً و كان ضعيفاً بدو النصيرية و إليه ينسبون.(1)

و لعلهما شخصان مختلفان.

11 - و قال الجرجاني المتوفّى (816 ه): النصيرية الذين قالوا إنّ اللّٰه حلّ في علي (رض).(2)

و الباحث في كتب الرجال لأصحابنا يجد أنّها تعج بما رواه الشيخ في كتاب الغيبة، و الكشي في رجاله.(3)

النصيرية فرقة بائدة

إذا كانت النصيرية هي التي عرّفها أصحاب المعاجم و غيرهم، فهذه الفرقة قد بادت لا تجد أحداً يتبنّىٰ أفكارها بين المسلمين، إلّا إذا كان مغفّلاً أو مغرضاً، و ربّما تكون بعض هذه النسب ممّا لا أصل له في الواقع، و إنّما اتهمت بها بعض فرق الشيعة من قبل أعدائهم، فإنّ خصومهم من العباسيين شنّوا حملة شعواء و دعايات مزيفة و مضلّلة ضدهم، حتى يجد الباحث أنّ الكتّاب و المؤلّفين المدعومين من قبل السلطات لا يألون جهداً في اتهامهم بأرخص التهم في العقيدة و العمل حتى صارت حقائق راهنة في حقّ هؤلاء، و تبعهم غير واحد من أصحابنا لحسن ظنّهم بما كتب حولهم.


1) . الخلاصة: 257/2 برقم 61.

2) . التعريفات: 106.

3) . انظر تنقيح المقال: 195/3.

محمد بن نصير النميري شخصيّة قلقة

الحقّ أن يقال إنّ ابن نصير شخصية قلقة، يكتنفها كثير من الغموض، فتارة يعدّونه من أفاضل أهل البصرة علماً و أنّه ضعيف(1)و أُخرى من أصحاب الإمام الجواد عليه السّلام(2)، و أُخرى أنّه من أصحاب الإمام العسكري عليه السّلام و أنّه غال(3)و طوراً عدّوه فهرياً بصرياً مع أنّ هذين لا يجتمعان.(4)

و أخيراً تحيّروا في أمر هذا الرجل و وضعوا اسمه في قائمة المشتركات.(5)

ثمّ إنّ كتّاب الفرق ذكروا رجالاً كان لهم دور في حياة ذلك الرجل، منهم:

الشريعي أبو محمد، و قد عرفت ما قيل حوله؛ و ابن فرات، و هو الذي ذكر النوبختي أنّه كان يقوي عضد محمد بن نصير، و من المؤكد أنّ هذا الرجل ينتمي إلى أُسرة شيعية عريقة كان لها مركز و نفوذ في البلاط العباسي. و تقلّد جمع منهم الوزارة، منهم:

1 - أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات تسنّم عرش الوزارة ثلاث مرّات، خلع و حبس خلالها، فقد تسلم الوزارة بين سنة 296 و 299 ه، ثمّ في سنة 304، و ثالثة في سنة 311-313 ه و قد اتّهموه بمؤازرة الأعراب البوادي الذين نهبوا بغداد، و كذلك اتهم بالزندقة و صودرت أمواله و ذلك أيّام المقتدي باللّٰه


1) . المامقاني: تنقيح المقال: 195/3.

2) . الطوسي: الرجال: أصحاب الإمام الجواد برقم 10 و 26.

3) . الطوسي: الرجال: أصحاب الإمام العسكري عليه السّلام برقم 20.

4) . الكشي: الرجال: برقم 383.

5) . المامقاني: تنقيح المقال: 196/3.

العباسي.(1)

2 - أبو الفتح الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات وزير الراضي باللّٰه العباسي.

3 - أبو أحمد المحسن بن الوزير أبي الحسن.

4 - جعفر بن محمد أخو الوزير علي بن محمد.(2)

هذه هي النصيرية و هذه هي كلمات أصحاب المعاجم في حقّها و نحن على شكّ في صدق هذه النسب، لأنّ أكثر من كتب عنهم يعدّون خصوماً لهم، و من كتب عنهم من غير خصومهم لم يعتمد على أصل صحيح، فلا يبعد أن تكون هذه الفرقة على فرض وجودها في عصرها من الفرق البائدة التي عبث بها الزمان.

العلويون و أصل التسمية بالنصيرية

اشارة

إنّ هناك أقلاماً مغرضة حاولت أن تنسب العلويين المنتشرين في الشام و العراق و تركيا و إيران إلىٰ فرقة النصيرية البائدة اعتماداً على أُمور ينكرها العلويون اليوم قاطبة.

و أظن أنّ السبب في ذلك هو جور السلطات الظالمة التي أخذت تشوّه صحيفة العلويين و تسودها، فأقامت فيهم السيف و القتل و الفتك و التشريد، و لم تكتفِ بل أخذت بالافتراء عليهم لتنفّر الناس من الاختلاط بهم، و أنّهم زمرة وحشية هجمية، ممّا زاد في انكماش هذه الطائفة علىٰ نفسها، لذا نجد من المناسب الكتابة عنهم حسب ما كتبوه عن أنفسهم.

أمّا سبب تسمية العلويين بالنصيرية لأنّه لما فتحت جهات بعلبك و حمص استمد أبو عبيدة الجراح نجدة، فأتاه من العراق خالد بن الوليد، و من مصر عمرو


1) . الصابي: كتاب الوزراء: 247.

2) . الصابي: كتاب الوزراء: 247.

ابن العاص، و أتاه من المدينة جماعة من أتباع علي عليه السّلام و هم ممّن حضروا بيعة غدير خم، و هم من الأنصار، و عددهم يزيد عن أربعمائة و خمسين، فسمّيت هذه القوة الصغيرة، نصيرية، إذ كان من قواعد الجهاد تمليك الأرض التي يفتحها الجيش لذلك الجيش نفسه، فقد سميت الأراضي التي امتلكها جماعة النصيرية: جبل النصيرية، و هو عبارة عن جهات جبل الحلو و بعض قضاء العمرانية المعروف الآن ثمّ أصبح هذا الاسم علماً خاصاً لكلّ جبال العلويين من جبل لبنان إلى أنطاكية.(1)

و هذا الرأي أقرب إلى الصواب، ذلك أنّ المؤرّخين الصليبيّين أطلقوا على هذا الجبل اسم «النصيرة» و يبدو انّ هذا الاسم قد حرّف إلى نصيرية و الذي يعزز القناعة بصحة هذا الرأي هو أنّ إطلاق اسم نصيرية علىٰ هذا الجبل، لم يظهر إلّا أثناء الحملات الصليبية، أي بعد عام 498 ه، و إذا كان معنى ذلك أنّ اسم نصيرية قد تغلّب على اسم الجبل في زمن الشهرستاني.

و ثمة آراء أُخرى قليلة ترى أنّ تسمية نصيرية نسبة إلى نصير غلام الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام. و يبدو لنا خطل هذه الآراء، خاصة و أنّ التاريخ لم يذكر أنّ للإمام علي غلاماً يدعى نصيراً.(2)

أهم عقائدهم

حسب المصادر المطّلعة على حالهم، فإنّ عقائد العلويين لا تختلف عن عقائد الشيعة الاثنا عشرية الإمامية، و هي معروفة مسجّلة.(3)


1) . محمد أمين غالب الطويل: تاريخ العلويين: 87-88.

2) . هاشم عثمان: العلويون بين الأُسطورة و الحقيقة: 35-36.

3) . علي عزيز آل إبراهيم: العلويون و التشيع: 91-97، الدار الإسلامية، بيروت، 1403 ه/ 1992 م؛ و راجع العلويون بين الأُسطورة و الحقيقة لهاشم عثمان، و عقيدتنا و واقعنا لعبد الرحمن الخير.

و ما يوجب السكون و الاطمئنان في ذلك أنّ جميع المؤلفين و أرباب كتب الفرق و المذاهب عدوهم من الشيعة الإمامية الاثنا عشرية على الرغم ممّا نسبوا إليهم و رموهم بالغلو و التطرّف و الباطنية و أمثال ذلك ممّا ستأتي الإشارة إليه.

فالعلويون يؤمنون برسالة محمد بن عبد اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و لا يشكّون بإمامة ابن عمه علي بن أبي طالب و الأئمة الأحد عشر من صلبه عليهم السّلام و ينطقون بالشهادتين عن إيمان فحصنهم شهادة أنْ لا إله إلّا اللّٰه محمد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و الموالاة لآل بيته و الصلاة و الصوم و الحج و الزكاة و الجهاد في سبيل اللّٰه و المعاد في اليوم الآخر، و كتابهم القرآن، ما زاغوا عن هواه و لا نهجوا منهجاً غير شريعته، و لهم مراجع دينية عرفوا بتمسّكهم بالدين و إقامة شعائرهم الدينية الإسلامية، و يطرحون كلَّ حديث لم يشر إليه القرآن و جاء مخالفاً له، كما و أنّهم لا يؤيّدون قول من يقول بصحّة تأويل الآيات التي بحق محمد و آل محمد عليهم السّلام، و يحترمون كل الشرائع السماوية، و يقدّسون كلَّ الأنبياء، و لا يشكّون بصحّة ما أُنزل علىٰ إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط، و ما أُوتي موسىٰ و عيسى و النبيون من ربّهم، و هم للّٰه مسلمون، و لم يعصوا الرسول في عمل و لم يخالفوه في قول، و يحصرون كلمة العلم الكاملة بأهل البيت، و يعتمدون على جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام في أبحاثهم الدينية و تأويل القرآن و الفقه و الفتوى، فلا شافعي و لا حنبلي و لا مالكي و لا حنفي عندهم، و كلّهم للّٰه حنفاء متّبعون ملّة أبيهم إبراهيم، و هو الذي سمّاهم المسلمين و يعبدون اللّٰه تعالى لا يشركون في عبادته أحداً.(1)

و نترك الحديث إلى أحد كتابهم و هو الشيخ عبد الرحمن الخير يتحدث عن عقيدتهم في أُصول الدين و فروعه، حيث يقول:

أُصول الدين خمسة، و هي:

التوحيد و العدل و النبوّة و الإمامة و المعاد.


1) . أحمد زكي تفاحة: أصل العلويين و عقيدتهم: 47-48.

التوحيد: نعتقد بوجود إله واحد خالق للعالم المرئي و غير المرئي، لا شريك له في الملك متصف بصفات الكمال، منزّه عن صفات النقص و المحال: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ» (الشورى/ 1(1).

العدل: نعتقد بأنّ اللّٰه تعالى عادل منزّه عن الظلم، و عن فعل القبيح و العبث، لا يكلّف البشر غير ما هو في وسعهم و طاقتهم و لا يأمرهم إلّا بما فيه صلاحهم و لا ينهاهم إلّا عمّا فيه فسادهم و لو جهل كثير من العباد وجه الصلاح و الفساد في أمره و نهيه سبحانه.

النبوّة: نعتقد بأنّ اللّٰه سبحانه يصطفي من خيرة عباده الصالحين رسلاً لإبلاغ رسالاته إلى الناس، ليرشدهم إلى ما فيه صلاحهم و يحذّروهم عمّا فيه فسادهم في الدنيا و الآخرة.

و نعتقد بأنّ الأنبياء كثيرون، ذكر منهم في القرآن الكريم خمسة و عشرون نبياً و رسولاً، أوّلهم سيدنا آدم عليه السّلام و آخرهم سيدنا محمد بن عبد اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و شريعته هي آخر الشرائع الإلهية و أكملها، و نعتقد بأنّها صالحة لكلّ زمان و مكان.

و نعتقد بعصمة جميع الأنبياء من السهو و النسيان، و ارتكاب الذنوب عمداً و خطأ قبل البعثة، و بعدها، و أنّهم منزّهون عن جميع العيوب و النقائص، و أنّهم أكمل أهل زمانهم و أفضلهم و أجمعهم للصفات الحميدة، صلوات اللّٰه و سلامه عليهم أجمعين.

الإمامة: نعتقد بأنّ الإمامة منصب تقتضيه الحكمة الإلهية لمصلحة البشر في مؤازرة الأنبياء بنشر الدعوة الإلهية، و في القيام بعدهم بالمحافظة على تطبيق أحكامها بين الناس و بصون التشريع من التغيير و التحريف و التفسيرات الخاطئة.

و لذلك نعتقد اقتضاء اللطف الإلهي بأن يكون الإمام معيّناً بنص إلهي و أن يكون معصوماً مثل النبي سواء بسواء ليطمئن المؤمنون إلى الاقتداء به في جميع أعماله و أقواله.

و نعتقد بأنّ الإمام بعد نبينا محمد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم هو سيدنا الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام، و من بعده ابناه الحسن و الحسين، ثمّ تسعة من ذرية الحسين عليه السّلام، آخرهم المهدي عجّل اللّٰه فرجه، و عجل به فرج المؤمنين.

المعاد: نعتقد بأنّ اللّٰه سبحانه يعيد الناس بعد الموت للحساب، فيجزي المحسن بإحسانه و المسيء بإساءته.

كما و نؤمن بكل ما جاء في القرآن الكريم، و بما حدّث به النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم من أخبار يوم البعث و النشور و الجنّة و النار و العذاب و النعيم و الصراط و الميزان و غير ذلك ممّا أثبته كتاب اللّٰه و حديث رسوله الصحيح.

و أمّا فروع الدين: فكثيرة أهمّها الصلاة و الصيام و الزكاة و الحج و الجهاد.(1)

الجبر و الاختيار و التفويض

يقول أحد كتّابهم في هذا الصدد:

عقيدة المسلمين العلويين في هذه المسألة هي طبق ما جاء عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام و هو ينفي الجبر و الإهمال، و قد منح اللّٰه العباد القوّة علىٰ أفعالهم و أوكلهم فيها إلىٰ نفوسهم فعلاً و تركاً بعد الوعد و الوعيد، قال عليه السّلام في نهج البلاغة: «إنّ اللّٰه سبحانه أمر عباده تخييراً و نهاهم تحذيراً، و كلّف يسيراً و لم يكلف عسيراً، و أعطى على القليل كثيراً، و لم يعص مغلوباً و لم يطع مكرهاً، و لم يرسل الأنبياء لعباً و لم ينزل الكتاب عبثاً، و لا خلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار».

و قد شنع الأمير الشاعر المكزون السنجاري على القائلين بالجبر و وصفهم بأنّ عبيد اللات خير منهم قال:


1) . عبد اللّٰه الخير: عقيدتنا و واقعنا نحن المسلمين العلويين: 20-23، نقل بتلخيص.

عبيد اللات فيما جاء عنهم *** يسبّون الإله بغير علم

و أما المجبرون فعن يقين *** يسبّون الإله بكل ظلم

و يقول أيضاً:

إذا كان فعلي له مرادا *** فلم بما قد أراد يعصى

و لم دعاني إلى أُمور *** مني لها الخلف ليس يحصىٰ

و من احتجاجه على القائلين بالجبر قوله:

قل لمن قال إنّ باري البرايا *** ليس في خلقه مريد سواه

من ترى ان أراد بالعبد سوءاً *** راح في العبد كارهاً ما قضاه

اتقوا اللّٰه ذاك أمر محال *** أن يرى ساخطاً رضاه رضاه

و إذا لم يكن فقد ثبت القو *** ل لعبد و مان في مدعاه.(1)

ما حيك حولهم

و في غياب المصادر الموثوقة، نسب مناوءوهم عقائد و آراء شتى إلى العلويين نشير في ما يلي إلى بعضها:

1 - الاعتقاد بالحلول و الغلو في حقّ الأئمّة سيّما الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام.(2)

2 - التناسخ.(3)

3 - نبوّة النميري محمد بن نصير.(4)


1) . علي عزيز الإبراهيم: العلويون و التشيع: 76-83

2) . الشهرستاني: الملل و النحل: 25/2، 26، سليمان الاذنى: الباكورة السليمانية: 87.

3) . النوبختي: فرق الشيعة: 93-94.

4) . نفس المصدر.

4 - شركة الإمام علي مع رسول اللّٰه في نبوته.(1)

5 - إباحة المحارم و تحليل نكاح الرجال بعضهم بعضاً.(2)

6 - افتراقهم إلىٰ ثلاث فرق في خلافة محمد بن نصير النميري.(3)

7 - عبادة السماء و الشمس و القمر على تقاليد الفينيقيين و الاعتقاد بوجود الأئمّة عليهم السّلام فيها.(4)

و هذه الافتراءات و التهم إنّما تهدف إلىٰ شيء واحد و هو تأليب الناس عليهم دون أن تستند إلى مصدر أو مستند أو وثيقة. و دون أن يتجشّم المؤلّفون لتحقيقها، فإنّ مؤلّفي الفرق و الملل و النحل كان همّ أكثرهم توسيع رقعة الخلاف، و خلق أكبر عدد ممكن من الفرق و طرح أشياء غريبة عجيبة و غير معقولة و لا مشروعة.

رميهم بالغلو و التطرّف

اشارة

أُمُّ الاتهامات ضدّهم هي تهمة الغلو و تأليه الإمام علي عليه السّلام حيث يكرره المؤلفون من قديم و جديد.(5)

و يتراءى أنّ رميهم بالغلو و التطرف كان ردّ فعل من مناوئيهم حيث كان يرميهم هؤلاء بالتقصير في حقّ علي بن أبي طالب عليه السّلام أو عدم الإيمان بفضائله و أفضليته من سائر الصحابة، حتى عدائهم له بتحريض من خلفاء الأُمويين،


1) . المصدر نفسه.

2) . الشهرستاني: الملل و النحل: 25/2-26.

3) . النوبختي: فرق الشيعة: 115-116، الرازي فخر الدين: اعتقادات فرق المسلمين و المشركين: 61.

4) . النوبختي: فرق الشيعة: 115-116، و راجع: القلقشندي: صبح الأعشى: 222/13-253.

5) . الدكتور عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين: 425/2، دار العلم للملايين، بيروت - 1973 م.

فقابلوا تهمة بتهمة. و لا غرو في ذلك فانّ النزاع السياسي و العسكري بين العشائر العلوية و خصومهم من الأُمويين و العباسيين و العثمانيين الذين كانوا يتمتعون بالسلطة الرسمية تسبب في شن حرب إعلامية نفسية ضدّهم و سلب الشرعيّة عنهم حتى يبرّر ذلك التنكيلَ بهم و الفتكَ الذريع بحقهم، و قد أجاد شاعرهم الأمير حسن المكزون السنجاري حينما أنشد:

قد بدت البغضاء منهم لنا *** كما منا لهم بدا الحب

و ما لنا إلّا موالاتنا *** لآل طه عندهم ذنب

أعود للحديث عن عقيدة العلويين، فأقول ليس للعلويين مذهب خاصّ بهم يختلف عن مذهب أهل البيت عليهم السّلام كما يحاول أن يصوّر ذلك بعض الجهّال السذّج، و إنّما هم شيعة إمامية اثنا عشرية يتمذهبون بمذهب أهل البيت عليهم السّلام و يعولون عليه في أحكامهم و معاملاتهم، إلّا أنّ ثمة معتقدات علوية متميّزة سوف أحاول التركيز عليها باختصار.

أ - الطريقة الجنبلائية

يقال أحدثها في الشيعة العلويين رجل اسمه أبو محمد عبد اللّٰه الجنبلاني المعروف بالجنَّان، و يعتقد بعض العلويين أنّه من رؤسائهم الكبار، و من أعلم أهل عصره في التصوّف، و كان يقيم في العراق العجمي في بلدة جنبلا، و من هنا اشتهر بالفارسي، و يقال إنّه سافر إلى مصر و هناك أدخل الحسين بن حمدان الخصيبي في طريقته، و قد تبعه الأخير إلى جنبلا عند عودته فأخذ عنه الأحكام الصوفية و الفلسفية و علوم النجوم و الهيئة و بقية العلوم العصرية.(1)

و الخصيبي أحد مشايخ العلويين الكبار و قد خلّف الجنبلاني في رئاسة


1) . علي عزيز إبراهيم العلوي: العلويون فدائيو الشيعة المجهولون: 28-29.

مشيخة الطريقة و عنه يقول صاحب كتاب تاريخ العلويين:

كان دأب السيد حسين بن حمدان الخصيبي و وكلاؤه في الدين إرشاد بعض أفراد بقيّة الأديان إلى دين الإسلام، و هؤلاء يبقون بصفة أفراد مسلمين شيعة أي جعفرية، و الذين يشاهد فيهم الكفاءة يدخلهم في الطريقة الجنبلائية.(1)

من هنا نعلم أنّ الرجل كانت غايته أن يدعو الناس إلى مذهب أهل البيت كما هو ظاهر، و أنّ الطريقة الجنبلائية ليست سوى معتقد صوفي كبقية المعتقدات الصوفية المكتومة لدى أكثر فرق المسلمين.

ب - العقيدة في الباب

يرى العلويون أنّ الأئمّة عليهم السّلام هم أوصياء الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و لمّا كانت الأئمّة عليهم السّلام يحصون علوم الأوّلين و الآخرين كان لا بدّ لهم من باب يؤخذ فيه عنهم مصداقاً، و لذلك اتبعوا الأثر فاتخذوا باباً لكلّ منهم، و الأبواب هم:

1 - الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام باب مدينة العلم التي هي النبي، و بابه سلمان الفارسي.

2 - الإمام الحسن المجتبى عليه السّلام بابه قيس بن ورقة المعروف بالسفينة.

3 - الإمام الحسين الشهيد عليه السّلام بابه رشيد الهجري.

4 - الإمام علي زين العابدين عليه السّلام بابه عبد اللّٰه الغالب الكابلي.

5 - الإمام محمد الباقر عليه السّلام بابه يحيى بن معمر بن أُمّ الطويل الشمالي.

6 - الإمام جعفر الصادق عليه السّلام بابه جابر بن يزيد الجعفي.

7 - الإمام موسى الكاظم عليه السّلام بابه محمد بن أبي زينب الكاهلي.

8 - الإمام علي الرضا عليه السّلام بابه المفضل بن عمر.

9 - الإمام محمد الجواد عليه السّلام بابه محمد بن مفضل بن عمر.


1) . محمد أمين غالب الطويل: تاريخ العلويين: 208.

10 - الإمام علي الهادي عليه السّلام بابه عمر بن الفرات، المشهور بالكاتب.

11 - الإمام حسن العسكري عليه السّلام بابه أبو شعيب محمد بن نصير النميري.

12 - الإمام الحجّة محمد المهدي عليه السّلام فلم يكن له باب.

المحنة و الاضطهاد المتواصل

الشيعة عموماً كانوا يعتقدون عدم استحقاق الحكام العباسيين الذين استندوا إلى وسادة الخلافة، و كانوا يضطهدون الشعوب الإسلامية باسم الدين، و من جملة هؤلاء العلويون، فعمدت السلطة إلى قمعهم و تشريدهم و تعذيبهم، و نشير فيما يلي إلى بعض محنهم و معاناتهم:

1 - أيّام المتوكل العباسي اشتد الضغط على أتباع أهل البيت عليهم السّلام، فهاجر جمع غفير منهم إلى أقاصي البلاد كبلاد خراسان و بلاد الأكراد، و ذلك عام 236 ه، حيث أمر باستحضار أئمّة أهل البيت عليهم السّلام إلى العراق. و في القرون التالية، هجم الجيش العباسي بمعاونة جماعة من المتعصبين من حي الرصافة ببغداد على حيٍّ آخر يسمى الكرخ، فنهبوا الدور، و أحرقوا المكتبات و المحلات التجارية و البيوت(1)حيث أمر الخليفة المنتصر بقتل الشيعة و العلويين في بغداد و راح ضحيتها أربعون ألفاً.

2 - أيام السلطان المملوكي محمد بن قلاون في عام 1305 م أمر بتسيير حملة عسكرية عظيمة إلىٰ جبال كسروان (جونيه حالياً بقرب بيروت) في لبنان لإبادة الطوائف الشيعية هناك، و من جملة من فتك بهم العرب العلويون الذين كانوا في شمال لبنان، و لا سيما في القنيطرة و العاقورة و نواحي البترون وعكا ثمّ امتدوا إلى كسروان، و الذين تخلّصوا من الموت رحلوا إلى الشمال، أي جهات


1) . أحمد علي حسن: المسلمون العلويون في لبنان: 30، ط 1، 1989 م، بيروت؛ الشيخ محمود صالح: النبأ اليقين عن العلويين: 154، مؤسسة البلاغ، بيروت - 1987 م.

اللاذقية و انطاكية.(1)

3 - أيام السلطان سليم العثماني صدرت فتوىٰ بطلب السلطان، اشتهرت بالفتوى الحامدية، فقتل علىٰ إثرها عدد كثير من الشيعة في حلب و جبال العلويين(2)هذا بالإضافة إلى تعذيبهم، و كان ذلك بعد انتصار الأتراك على المماليك عام 1516 م في معركة مرج دابق، فزجّ السلطان بنصف مليون من الشعب التركي لمواجهة العلويين.

4 - حوالي نهاية القرن الثامن عشر و على أثر مقتل طبيب انكليزي استحضر سليمان باشا و تسلّم ولاية طرابلس فقتل من قتل من العلويين.(3)

5 - أيام ثورة الشيخ صالح العلي، في شهر ايار عام 1921 م قام الفرنسيون بحرب دون هوادة ضد الشعب العلوي و قتلوا جمعاً غفيراً منهم، و انتهت المعارك بانتصار الفرنسيين، و قيام الحكم الانتدابي في البلاد.(4)

هذا مع غض النظر عن المعارك الدامية بينهم و بين الفرنج الصليبيين و القراصنة الذين كانوا يهاجمون الساحل الشامي و حدود الأراضي الإسلامية منذ القرن الثاني إلىٰ أواخر أيام العثمانيين فيأخذون ضحايا من العلويين.(5)و إضافة إلىٰ المعارك الداخلية و الحروب الأهلية الطائفية التي كانت تتأجّج نيرانها بدسائس أصحاب السلطة أو المستعمرين و الصليبيين؛ كما نشاهد في حروب العلويين و الإسماعيلية، و الحروب القبلية بين العشائر العلوية.(6)


1) . المصادر نفسها.

2) . عبد الحسين شرف الدين: الفصول المهمة في تأليف الأُمّة: المقدمة؛ علي عزيز إبراهيم: العلويون و التشيع: 43؛ محمد أمين غالب الطويل: تاريخ العلويين: 396-402 و 445.

3) . محمد أمين غالب الطويل: تاريخ العلويين: 445.

4) . الشيخ محمود الصالح: النبأ اليقين عن العلويين: 169.

5) . محمد أمين غالب الطويل: تاريخ العلويين: 423-426 و ص 308.

6) . محمد أمين غالب الطويل: تاريخ العلويين: 423-426 و ص 308.

الخلط بين العلويين و الإسماعيليين و القرامطة

هذا الاشتباه و الخلط حصل لكثير من الباحثين منهم ابن تيمية في فتواه المشهورة حيث رمى الجميع بنبل واحد(1)مدّعياً أنّ الملاحدة الإسماعيلية و القرامطة و الباطنية و الخرمية و المحمدة أسماء لطائفة واحدة.(2)

على الرغم من أنّ الخلافات العقائدية و المناوشات العسكرية لم تترك مجالاً للخلط و الاشتباه، فنذكر فيما يلي الحروب الطاحنة التي قامت بين العلويين و الإسماعيلية علىٰ سبيل الإيجاز:

1 - في أيام حسن الصباح سكنت قوى الإسماعيليين جبل القصيرة و استأجرت قلعة القدموس حتى استولوا على قلاع العلويين في مصياف و العليقة و الخوابي و أبو قبيس و صهيون، و في عام 520 ه استولوا على قلعة بانياس، و لما هجم عليهم المسلمون من كلّ ناحية عند ما رأوا عدم مساعدتهم، حالف الإسماعيليون الصليبيين و سلّموهم قلعة بانياس عام 523 ه.

2 - تداوم العداء بعد ذلك بين العلويين و الإسماعيليين حتى سنة 977 ه، حيث هجم عليهم العلويون و استولوا على قلاعهم و لكن سرعان ما أنجدت الحكومة العثمانية الإسماعيليين و أعادت لهم مواقعهم.

3 - في خلال سنة 1115 ه جاءت عشيرة بني رسلان و استولت على قلعة مصياف، و قتلت جميع الذكور الكبار، و سكنت مدّة ثمان سنين، و هذه العشيرة من العشائر العلوية.


1) . راجع نصّ الفتوى في رسائل ابن تيمية؛ و تجدها كاملة في مذاهب الإسلاميين لعبد الرحمن بدوي: 445/2.

2) . نفس المصدر: 451.

4 - ثمّ هاجمت بعض القوات العثمانية القلاع لنجدة الإسماعيليين و قذفوهم بالمدافع و سلموا القلعة للإسماعيليين.

5 - تكررت هذه المناوشات حتى لم يبق للإسماعيليين سوى القدموس.(1)

و ممن شهد بذلك من المحقّقين، الدكتور عارف تامر في كتابيه القرامطة، و معجم الفرق الإسلامية.(2)

6 - كانت هناك محاولات للتقريب بين عقائد الإسماعيلية و العلويين باءت بالفشل بمساعي مشايخ العلويين العلماء على رأسهم حاتم الطوياني سنة 745 ه.(3)

أهمّ العشائر العلوية

العشائر العلوية الرئيسة أربع: الحداديون و النميلانيون و الرشاونة و الخياطيون، و تقسم كلّ واحدة من هذه العشائر إلى أفخاذ و بطون، و ترجع الثلاث الأُولى منها إلى عشيرة المحارزة البشازعة التي هي أقدم العشائر جميعاً.(4)

و من عشائرهم نواصرة و قراحلة و رشاونة و رسالنة، جروية باشوطية و مقاورة، و مهالبة.

فهم يرجعون في نسبهم إلى فرعين رئيسيين:


1) . 1 محمد أمين غالب الطويل: تاريخ العلويين: 338-340.

2) . عارف تامر: معجم الفرق الإسلامية: 128 فما بعد.

3) . محمد أمين غالب الطويل: تاريخ العلويين: 378.

4) . الدكتور وجيه محي الدين: مجلة النهضة العلوية؛ أحمد زكي تفاحة: أصل العلويين و عقيدتهم: 24-25، المطبعة العلمية، النجف الأشرف - 1376 ه/ 1957 م.

1 - فرع القبائل اليمنية (العرب القحطانيين) من همدان و كندة.(1)

2 - فرع القبائل الشاميّة و العراقية من غسّان و بهرا و تنوخ.(2)

الذين اعتنقوا المذهب الشيعي في وقت مبكر. بعض قبائلهم كالمحارزة يدّعون أنّهم هاشميون، و بعضهم ازداد عددهم بهجرة قبائل طي (نهاية القرن الثالث الهجري) و غسّان الذين دفعتهم الحروب الصليبية و معهم الأمير حسن بن المكزون (ت 638 ه) من جبل سنجار في العراق إلىٰ منطقة الشام في المنطقة الممتدة من طبرية و جبل عامل حتى حلب.(3)

العشائر العلوية كانوا يسكنون بادية الشام أوّلاً ثمّ نزحوا إلى ديار ربيعة في الجزيرة الفراتية، و في العهد العثماني تركوا بلادهم و سكنوا بيلان، اضنه و انطاكية و قسم منهم سكنوا منطقة الكلبية بقرب اللاذقية في سوريا و قسم آخر منهم في جبال البهرة مع الإسماعيليين، و تسمى جبال لكام، و قسم آخر منهم في جند الأردن و طبريا بالقدس المحتلة.

و معظم العلويين يحتشدون في سلسلة الجبال الممتدة من عكار(4)جنوباً إلى طوروس شمالاً، و يتوزع بعضهم في محافظات حمص، حماة و دمشق و حوران كيليكية و لواء الاسكندرون في سوريا، و يوجد في المهاجر الأمريكية أكثر من ربع مليون علوي فضلاً عن الموجود منهم في لبنان و العراق و فلسطين و إيران.(5)

و كذلك في أُوربا من تركيا و اليونان و بلغاريا إلى آلبانيا السفلى.(6)


1) . تاريخ اليعقوبي: 324، طبع ليدن.

2) . الهمداني: صفة جزيرة العرب: 132، و راجع تاريخ العلويين: لمحمد أمين غالب الطويل: 349-356.

3) . محمد أمين غالب الطويل: تاريخ العلويين: 356.

4) . في لبنان و كذلك يتواجدون في وادي التيم، و في جبال الظنيين (راجع لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني للدكتور محمد علي ملي).

5) . عبد اللطيف يونس: الثورة العلوية؛ الدكتور سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام.

6) . هاشم عثمان: العلويون بين الأُسطورة و الحقيقة: 40-41.

أعلام العلويين

1 - إسحاق الأحمر (... - 286 ه)

إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان النخعي، أبو يعقوب، الملقب بالأحمر، من أهل الكوفة، رئيس الطائفة الإسحاقية، و إليه نسبتهم و كانوا بالمدائن علىٰ نحلة النصيرية، و كان إسحاق يطلي بصره بما يغيره فسمي الأحمر، و قيل:

لبرص فيه. ذكره الذهبي في رجال الحديث و طعن به و بالغ في ذمه، عمل كتاباً في التوحيد سماه «الصراط».(1)

2 - المنتجب العاني (330-400 ه)

محمد بن الحسن العاني الخديجي المضري، أبو الفضل، المنتجب، ولد في عانة عام 330 ه و إليها نسبته، و نشأ فيها و في بغداد حيث استقر مدّة، ثمّ انتقل إلىٰ حلب و سكنها ثمّ غادرها إلى جبال اللاذقية و اتصل بحسين بن حمدان الخصيبي و تلقى عنه العقيدة و الطريقة و أصبح من دعاتها، و له ديوان شعر كان شاعراً وجدانياً غزير المعاني باطنياً.(2)


1) . ميزان الاعتدال: 196/1 برقم 784؛ البداية و النهاية: 82/11؛ لسان الميزان: 370/1؛ تاريخ بغداد: 290/3 و 378/6؛ الأعلام: 295/1.

2) . الزركلي: الأعلام: 82/6؛ بروكلمان: تاريخ الأدب العربي: 358/3؛ الدكتور أسعد أحمد علي: فنّ المنتجب العاني و عرفانه: 37، دار النعمان، بيروت - 1968 م.

3 - الحسين بن حمدان الخصيبي (260-358 ه)

و من أعظم رجالات العلويين و علمائهم الحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلائي(1)و كنيته أبو عبد اللّٰه، ولد في جنبلا سنة 260 ه، و قرأ القرآن و هو ابن سبع سنين، و حفظه و هو ابن عشر، و حج و هو ابن عشرين، و أتى حلب سنة 315 ه، و توفي فيها عام 358 ه، و قبره يعرف بالشيخ يبرق.(2)

و شهد وفاته بعض تلامذته و مريديه، منهم: أبو محمد القيس البديعي، و أبو محمد الحسن بن محمد الاعزازي، و أبو الحسن محمد بن علي الجلي.

و أقوال المؤرخين المعاصرين عنه كثيرة بين متحامل عليه و حاقد، و بين ملتزم في الصمت، منهم: النجاشي، و ابن الغضائري، و صاحب الخلاصة من المتحاملين عليه.

و في الفهرست لابن النديم: الحسين بن حمدان الخصيبي الجنبلاني يكنّى أبا عبد اللّٰه، روى عنه التلعكبري و سمع منه في داره بالكوفة سنة 334 ه، و له فيه إجازة.

و في لسان الميزان: الحسين بن حمدان بن خصيب الحصيبي أحد المصنفين في فقه الإمامية، روى عنه أبو العباس بن عقدة و أثنى عليه و أطراه و امتدحه، كان يؤم سيف الدولة ابن حمدان في حلب.(3)

و في أعيان الشيعة للعلاّمة السيد محسن الأمين العاملي ترجمة للخصيبي


1) . جنبلاء محدوداً بضمتين و ثانية ساكنة، كورة و منزل بين واسط و الكوفة في العراق.

2) . محمد أمين غالب الطويل: تاريخ العلويين: 198؛ الطبرسي النوري: نفس الرحمن: 142-144.

3) . علي عزيز الإبراهيم: العلويون و التشيع: 129.

مفادها امتداحه و الثناء عليه و كلّ ما نسب إليه من معاصريه و غيرهم لا أصل له و لا صحّة و إنّما كان طاهر السريرة و الجيب و صحيح العقيدة.(1)

و من أهم مصنفاته:

1 - كتاب الهداية الكبرى في تاريخ النبي و الأئمّة و معجزاتهم و قد قدّم كتابه هذا إلى سيف الدولة الحمداني.(2)

و هذا الكتاب يشتمل على أربعة عشر باباً في مناقب الرسول صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و أهل بيته، أوّلها باب رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و ثانيها باب السيدة الزهراء عليها السّلام، و اثنا عشر باباً لكل إمام منهم باب من علي إلى المهدي عليهم السّلام، غير انّه توسع في باب المهدي (عجّل اللّٰه تعالى فرجه الشريف). و قد عدّ في هذا الكتاب أسماء رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم، و أسماء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، و أسماء فاطمة الزهراء و الحسن و الحسين و الأئمة التسعة من ذرية الحسين عليهم السّلام في السرياني و العبراني و العربي و جميع اللغات المختلفة بجميع أسمائهم و كناهم و الخاص و العام منهم، و أسماء أُمهاتهم و مواليدهم و أولادهم و دلائلهم و براهينهم في الأوقات، و وفراً من كلامهم و شاهدهم و أبوابهم و الدلالة من كتاب اللّٰه عزّ و جلّ و الأخبار المروية المأثورة بالأسانيد الصحيحة، و فضل شيعتهم.

2 - الإخوان 3 - المسائل 4 - تاريخ الأئمة 5 - الرسالة 6 - أسماء النبي صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و أسماء الأئمة.(3).


1) . محسن الأمين العاملي: أعيان الشيعة: 490/5-491.

2) . الذريعة: 164/25؛ أحمد زكي تفاحة: أصل العلويين و عقيدتهم: 55؛ المامقاني: تنقيح المقال: 326/1.

3) . أعيان الشيعة: 491/5.

4 - الميمون الطبراني (358-426 ه)

سرور بن القاسم الطبراني، أبو سعيد، الملقب بالميمون شيخ العلويين في اللاذقية، و رئيس الطريقة المعروفة عندهم بالجنبلانية، ولد في طبريا و إليها نسبته، و انتقل إلى حلب فتفقه بفقه العلويين أصحاب الخصيبي و الجنبلاني، و صنف كتاباً في مذهبهم، ثمّ رحل إلى اللاذقية و التف حوله من فيها منهم و استمر إلى أن توفي و دفن بها على شاطئ البحر في مسجد الشعراني.(1)

5 - الحسن بن مكزون السنجاري (583-638 ه)

هو الأمير حسن بن يوسف مكزون ابن خضر، ينتهي نسبه إلى المهلّب بن أبي صفرة الأزدي ولد عام 583 ه في سنجار العراق، يعدّه العلويون في سورية من كبار رجالهم، كان مقامه في سنجار أميراً عليها، و استنجد به علويو اللاذقية ليدفع عنهم شرور الإسماعيلية سنة 617 ه، فزحف إليهم سنة 620 ه و أزال نفوذهم، ثمّ تصوّف و انصرف إلى العبادة، و مات في قرية «كفرسوسة» عام 638 ه بقرب دمشق، و قبره معروف فيها.(2)

له ديوان شعر، و كتاب تزكية النفس في العبادات الخمس، و هو صاحب


1) . الزركلي: الأعلام: 81/3؛ ترمانيني: أحداث التاريخ الإسلامي: 1132/2.

2) . الزركلي: الأعلام: 227/2.

نزعة فلسفية روحية تميل نحو فلسفة محي الدين العربي في تفسير القرآن على رأي المتصوفين، و أنّه يعارض ابن الفارض في تائيته في جملة قصائده التي مطلعها:

لبّيت لما دعتني ربّة الحجب *** و غبت عني بها في شدّة الطرب(1)

إلى غير ذلك من الشخصيات التي ذكرها أصحاب التراجم.


تم الجزء الثامن من

«موسوعة بحوث في الملل و النحل»

و لاح بدر تمامه في اليوم

الثاني من شهر رمضان المبارك

من شهور عام 1418

على يد الفقير إلى اللّٰه جعفر السبحاني

ابن الفقيه محمد حسين الخياباني التبريزي تغمده اللّٰه بواسع رحمته

حامداً للّٰه و مصلياً على النبي و الآل

راجياً عفو ربّه و غفرانه

يوم المساق يوم تلتف الساق بالساق


1) . أحمد زكي تفاحة: أصل العلويين و عقيدتهم: 29-30؛ يونس رمضان: تاريخ المكزون: 340/2-341؛ أسعد أحمد علي: معرفة اللّٰه، و المكزون السنجاري: 510/1-511، دار الرائد العربي، بيروت، 1972 م

فهارس الكتاب

1 - فهرس مصادر الكتاب

2 - فهرس محتويات الكتاب

فهرس مصادر الكتاب

نبدأ تبركاً بالقرآن الكريم

حرف الألف

1 - اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمّة الفاطميين الخلفاء: تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (766-845 ه)، تحقيق جمال الدين الشيال، مصر - 1411 ه.

2 - الأُرجوزة المختارة: قاضي القضاة أبو حنيفة النعمان بن محمد (م 363 ه) تحقيق إسماعيل قربان حسين، معهد الدراسات الإسلامية، جامعة مجيل، مونتريال، كندا - 1970 م.

3 - الإرشاد: المفيد: محمد بن محمد بن النعمان (336-413 ه) تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السَّلام، قم - 1413 ه.

4 - الأسفار: صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي القوامي (م 1050 ه) منشورات مكتبة المصطفوي، قم.

5 - أصل العلويين و عقيدتهم: أحمد زكي تفاحة، المطبعة العلمية، النجف الأشرف - 1376 ه / 1957 م.

6 - الاعتقادات: الصدوق: محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (306-381 ه)

المطبوع ضمن مصنفات الشيخ المفيد، الجزء الخامس، منشورات المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، قم المقدسة - 1413 ه.

7 - اعتقادات فرق المسلمين و المشركين: فخر الدين الرازي: محمد بن عمر الخطيب (544-606 ه) منشورات مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة - 1398 ه/ 1978 م.

8 - الأعلام: خير الدين الزركلي (1311-1396 ه) دار العلم للملايين، بيروت - 1404 ه.

9 - أعلام النبوة: أبو حاتم الرازي (260-322 ه) إيران - 1397 ه.

10 - أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين (م 1371 ه) دار التعارف، بيروت.

11 - الإمامة في الإسلام: عارف تامر، منشورات دار الكاتب العربي، بيروت، و مكتبة النهضة - بغداد.

حرف الباء

12 - بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي (م 1110 ه) مؤسسة الوفاء، بيروت - 1403 ه.

13 - البداية و النهاية: ابن كثير: الحافظ أبو الفداء (م 774 ه) دار الفكر، بيروت - 1402 ه.

حرف التاء

14 - تاج العقائد و معدن الفوائد: علي بن محمد الوليد (522-612 ه) تحقيق عارف تامر، دار المشرق، بيروت - لبنان.

15 - تاريخ ابن خلدون: عبد الرحمن بن خلدون (م 808 ه) بيروت - 1956 م.

16 - تاريخ الأدب العربي: بروكلمان.

17 - تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي: أبو بكر أحمد بن علي (م 463 ه) دار الكتاب العربي، بيروت.

18 - تاريخ الأُمم و الملوك: الطبري: محمد بن جرير (م 310 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت - لبنان.

19 - تاريخ الدعوة الإسماعيلية: مصطفى غالب، دار الأندلس، الطبعة الثانية، بيروت - 1965 م.

20 - تاريخ العلويين: محمد أمين غالب الطويل، دار الأندلس، بيروت، الطبعة الثانية - 1386 ه / 1966 م.

21 - تاريخ المكزون: يونس رمضان.

22 - تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب بن وهب بن واضح اليعقوبي (م بعد 292 ه) منشورات المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف - 1384 ه/ 1964 م.

23 - تأويل الدعائم: قاضي القضاة أبو حنيفة النعمان بن محمد (م 363 ه) تحقيق محمد حسن الأعظمي، دار المعارف، مصر.

24 - التبصير في الدين: أبو المظفر الإسفرايني (م 471 ه) بيروت - 1403 ه.

25 - التعريفات: الجرجاني: علي بن محمد بن علي (740-816 ه) دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأُولى - 1405 ه.

26 - تقريب التهذيب: العسقلاني: أحمد بن علي بن حجر (773-852 ه) بيروت - 1975 م.

27 - تنقيح المقال: عبد اللّٰه المامقاني (1290-1351 ه) النجف الأشرف - 1350 ه.

28 - تهذيب الأحكام: الطوسي: محمد بن الحسن (385-460 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران - 1390 ه.

29 - تهذيب التهذيب: العسقلاني: أحمد بن علي بن حجر (773-852 ه) دار الفكر، بيروت - 1404 ه.

حرف الثاء

30 - الثورة العلوية: عبد اللطيف يونس.

حرف الخاء

31 - الخطط المقريزية: تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (766-845 ه) دار صادر، بيروت.

32 - الخلاصة: العلاّمة الحلّي: الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر (648-726 ه) منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، الطبعة الثانية - 1381 ه/ 1961 م.

33 - خوان الإخوان: ناصر خسرو (394-481 ه).

حرف الدال

34 - دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: حسن الأمين (المعاصر) دار التعارف، بيروت، الطبعة الرابعة - 1410 ه.

35 - دائرة المعارف: بطرس البستاني، دار المعرفة، بيروت - لبنان.

36 - دائرة المعارف: محمد فريد وجدي، مطبعة دائرة معارف القرن العشرين، الطبعة الرابعة - 1386 ه.

37 - دعائم الإسلام: قاضي القضاة أبو حنيفة النعمان بن محمد (م 363 ه) تحقيق آصف بن علي أصغر فيضي، دار المعارف، مصر - 1383 ه.

حرف الذال

38 - الذريعة: آقا بزرك الطهراني (م 1389 ه) دار الأضواء، بيروت.

حرف الراء

39 - راحة العقل: حميد الدين أحمد بن عبد اللّٰه الكرماني (352-411 ه) تحقيق الدكتور محمد كامل حسين و الدكتور محمد مصطفى حلمي، دار الفكر العربي، القاهرة - مصر.

40 - الرجال: البرقي: أحمد بن عبد اللّٰه (م 274 أو 280 ه) طهران - 1383 ه.

41 - الرجال: الطوسي: محمد بن الحسن (385-460 ه) النجف الأشرف - 1381 ه.

42 - الرجال: الكشي: أبو عمرو (من علماء القرن الرابع) مؤسسة الأعلمي، كربلاء - العراق.

43 - الرجال: النجاشي: أحمد بن علي (372-450 ه) بيروت - 1409 ه.

44 - رسائل إخوان الصفا و خلان الوفا: عبد اللّٰه بن محمد بن إسماعيل (179-212 ه) دار بيروت، بيروت - 1403 ه.

45 - رشفة الصادي: الشريف الحضرمي.

46 - روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمد تقي المجلسي (1003-1070 ه) منشورات مؤسسة الثقافة الإسلامية، قم المقدسة - 1393 ه.

47 - الرياض في الحكم بين (الصادين) صاحبي الاصلاح و النصرة: حميد الدين أحمد بن عبد اللّٰه الكرماني (352-411 ه) تحقيق عارف تامر، دار الثقافة، بيروت.

حرف السين

48 - سير أعلام النبلاء: الذهبي: محمد بن أحمد (م 748 ه) مؤسسة الرسالة، بيروت - 1409 ه.

حرف الشين

49 - الشجرة المباركة في أنساب الطالبية: فخر الرازي: محمد بن عمر بن الحسين (543-606 ه) منشورات مكتبة آية اللّٰه العظمى المرعشي النجفي، قم المقدسة - 1409 ه.

50 - شرح منظومة السبزواري: الحاج ملا هادي السبزواري، منشورات نشر ناب، قم - 1416 ه.

51 - شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي (م 655 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة 1378 ه.

حرف الصاد

52 - الصواعق المحرقة: أحمد بن حجر الهيتمي (م 974 ه) مكتبة القاهرة، مصر - 1385 ه.

حرف العين

53 - عقيدتنا و واقعنا نحن المسلمين: عبد اللّٰه الخير، دمشق، الطبعة السابعة - 1994 م.

54 - علل الشرائع: الصدوق: محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (306-381 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1408 ه.

55 - العلويون بين الأُسطورة و الحقيقة: هاشم عثمان، مؤسسة الأعلمي، بيروت، الطبعة الثانية - 1405 ه / 1985 م.

56 - العلويون فدائيو الشيعة المجهولون: علي عزيز إبراهيم العلوي، دار الفكر، الطبعة الأُولى - 1392 ه / 1972 م.

57 - العلويون و التشيع: علي عزيز آل إبراهيم، الدار الإسلامية، بيروت - 1403 ه.

58 - عمدة الطالب: ابن عنبة: أحمد بن علي الحسني (م 828 ه) منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، الطبعة الثانية - 1380 ه.

59 - العيون و المحاسن: الشيخ المفيد: محمد بن محمد بن النعمان (336-413 ه).

حرف الغين

60 - الغدير: العلاّمة عبد الحسين أحمد الأميني (1320-1390 ه) دار الكتاب العربي، بيروت - 1387 ه.

61 - الغيبة: الطوسي: محمد بن الحسن (385-460 ه) تحقيق مؤسسة المعارف الإسلامية، قم المقدسة - 1411 ه.

62 - الغيبة: النعماني: محمد بن إبراهيم (من أعلام القرن الرابع الهجري) مكتبة الصدوق، طهران.

حرف الفاء

63 - الفخري في أنساب الطالبيين: إسماعيل بن الحسين بن محمد المروزي الأزورقاني (572 - بعد 614 ه) منشورات مكتبة آية اللّٰه العظمى المرعشي النجفي، قم المقدسة - 1409 ه.

64 - الفرق بين الفرق: البغدادي: عبد القاهر بن طاهر بن محمد (م 429 ه) دار

المعرفة، بيروت.

65 - فرقة الدروز (رسالة): سيد نبيل الحيدري، منشورات منظمة الثقافة و العلاقات الإسلامية، إيران.

66 - فرق الشيعة: النوبختي: الحسن بن موسى (من أعلام القرن الثالث الهجري)، دار الأضواء، بيروت - 1404 ه.

67 - الفصول المهمة في تأليف الأُمّة: عبد الحسين شرف الدين الموسوي، منشورات الرضي، الطبعة الثانية بالأُوفسيت عن الطبعة الرابعة لدار النعمان في النجف الأشرف، قم المقدسة - 1406 ه.

68 - فنّ المنتجب العاني و عرفانه: الدكتور أسعد أحمد علي، دار النعمان، بيروت - 1968 م.

69 - الفوائد الرجالية: البهبهاني.

70 - الفهرست: الطوسي: محمد بن الحسن (385-460 ه) جامعة مشهد، إيران - 1351 ه.

71 - الفهرست: النديم: محمد بن إسحاق (296-385 ه) القاهرة - 1348 ه.

حرف القاف

72 - القصيدة الشافية: داعي مجهول، تحقيق عارف تامر، دار المشرق، بيروت - لبنان.

73 - القصيدة الصورية: محمد بن علي بن حسن الصوري (من أعلام القرن الخامس الهجري).

74 - قواعد العقائد: نصير الدين الطوسي (597-672 ه) تحقيق علي الرباني الگلپايگاني، منشورات لجنة إدارة الحوزة العلمية بقم، قم المقدسة - 1416 ه.

حرف الكاف

75 - الكافي: الكليني: محمد بن يعقوب (م 329 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران - 1397 ه.

76 - الكامل في التاريخ: ابن الأثير الجزري: محمد بن محمد (م 630 ه) دار الكتاب العربي، بيروت.

77 - كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد: العلاّمة الحلّي: الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي (647-726 ه)، تحقيق حسن مكي العاملي، دار الصفوة، بيروت، الطبعة الأُولى - 1413 ه.

78 - كمال الدين: الصدوق: محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (306-381 ه) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المقدسة - 1405 ه.

79 - كنز الولد: إبراهيم بن الحسين الحامدي (م 557 ه) تحقيق مصطفى غالب، دار النشر فرانز شتاينر، ، فيسبادن - 1391 ه.

حرف اللام

80 - لسان العرب: العلاّمة ابن منظور: محمد بن مكرم (م 711 ه) قم - 1405 ه.

81 - لسان الميزان: العسقلاني: أحمد بن علي بن حجر (773-852 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت.

حرف الميم

82 - مجمع البحرين: الطريحي: فخر الدين بن محمد علي بن أحمد بن طريح (979-1087 ه) منشورات المكتبة المرتضوية، طهران.

83 - مدخل إلى تاريخ الإسماعيلية: أ. س. بيكلي، مكتبة عالم المعرفة، الطبعة الأُولى، سلمية، سوريا - 1994 م.

84 - مذاهب الإسلاميين: الدكتور عبد الرحمن بدوي، دار العلم للملايين، بيروت - 1973 م.

85 - مستدرك الوسائل: الشيخ النوري: الحسين بن محمد تقي (1254-1320 ه) مؤسسة آل البيت عليهم السَّلام، قم - 1407 ه.

86 - المسلمون العلويون في لبنان: أحمد علي حسن، بيروت، الطبعة الأُولى - 1989 م.

87 - معجم رجال الحديث: الخوئي: أبو القاسم الموسوي (1317-1413 ه) بيروت - 1403 ه.

88 - معجم الفرق الإسلامية: عارف تامر.

89 - معرفة اللّٰه و المكزون السنجاري: أسعد أحمد علي، دار الرائد العربي، بيروت - 1972 م.

90 - مقاتل الطالبيين: أبو الفرج الاصفهاني (284-356 ه) مؤسسة دار الكتاب، قم.

91 - مقالات الإسلاميين: الأشعري: علي بن إسماعيل (م 324 ه) الطبعة الثالثة - 1400 ه.

92 - الملل و النحل: الشهرستاني: محمد بن عبد الكريم (479-548 ه) دار المعرفة، بيروت - 1402 ه.

93 - مناقب آل أبي طالب: ابن شهرآشوب: محمد بن علي السروي المازندراني (488-588 ه) المطبعة العلمية، قم.

94 - من لا يحضره الفقيه: الصدوق: محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (306-381 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران - 1390 ه.

95 - ميزان الاعتدال: محمد بن أحمد الذهبي (م 748 ه) دار المعرفة، بيروت.

حرف النون

96 - النبأ اليقين عن العلويين: الشيخ محمود صالح، مؤسسة البلاغ، بيروت - 1987 م.

97 - نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: الدكتور سامي النشار.

98 - نفس الرحمن: الحاج ميرزا حسين الطبرسي النوري (م 1320 ه) مؤسسة الآفاق، إيران، الطبعة الأُولى - 1411 ه.

99 - نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي (359-404 ه) بيروت - 1387 ه.

حرف الواو

100 - الواقفية: رياض محمد حبيب الناصري (المعاصر) منشورات المؤتمر العالمي للإمام الرضا عليه السَّلام، مشهد المقدسة - 1409 ه.

101 - وسائل الشيعة: الحر العاملي: محمد بن الحسن (1033-1104 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1403 ه.

102 - وفيات الأعيان: ابن خلّكان: أحمد بن محمد (608-681 ه) منشورات الشريف الرضي، قم - 1364 ه.

حرف الياء

103 - الينابيع: أبو يعقوب السجستاني (271 - كان حيّاً 360 ه) تحقيق مصطفى غالب، منشورات المكتب التجاري للطباعة و التوزيع و النشر، بيروت، لبنان - 1965 م.

فهرس محتويات الكتاب

الصورة

H01

الصورة

H02

الصورة

H03

الصورة

H04

الصورة

H05

الصورة

H06

الصورة

H07

الصورة

H08

الصورة

H09

الصورة

H10

الصورة

H11

الصورة

H12

الصورة

H13

الصورة

H14

الصورة

H15

الصورة

H16

الصورة

H17