ghaemiyeh.com
سرشناسه : سبحانی تبریزی، جعفر، - 1308
عنوان و نام پديدآور : بحوث فی الملل و النحل: دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه
مشخصات نشر : قم: موسسه الامام الصادق علیهالسلام 1427ق
مشخصات ظاهری:9ج
يادداشت : چاپ اول: 1408ق. = 1366
یادداشت : کتابنامه: ج. 1. ص. [340] - 348
مندرجات : ج. 1. و یتناول تاریخ و عقائد اهل الحدیث و الحنابله و السلفیه .--
موضوع : اسلام -- فرقهها
رده بندی کنگره : BP236/س2ب3 1368
رده بندی دیویی : 297/5
شماره کتابشناسی ملی : م68-3742
محرر الرقمي: میثم حیدری دولت آبادی
بحوث فی الملل و النحل
دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه
موسسه الامام الصادق علیهالسلام
1427ق
بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ
الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصّلاة و السلام على نبيّه و صفيّه محمّد و آله الطيبين الطاهرين.
أمّا بعد: فهذا هو الجزء السابع من موسوعتنا في الملل و النحل نقدّمه إلى القرّاء الكرام راجين منهم النقد و الإصلاح، فإنّ العصمة للّٰه و لمن عصمه.
و نخصّ هذا الجزء ببيان مذهب الزيدية المنتمية إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ذلك الإمام الثائر الّذي ضمَّ إلى ثورته العارمة بوجه الظلم و الطغيان، التجافيَ عن الدنيا، و الزهدَ في صفرها و بيضها، و التهجّد آناء الليل و غياهبه بالصلاة و تلاوة القرآن، و كان فقيهاً في الدين، محدّثاً في الإسلام، مفسّراً للقرآن، و لم يكن له في الفقه منهج كما لم يكن له في مجال الأُصول و العقائد مذهب خاص سوى ما عليه العترة الطاهرة عليهم السلام عامة، من أُصول التوحيد و العدل و بطلان الجبر و التشبيه، و قد نشرت منه آثار في الحديث و التفسير و الفقه و سيوافيك تفصيلها.
نعم تأثّر المذهب الزيدي الحاضر بمبادئ الاعتزال كثيراً كما تأثّر بفقه ببعض المذاهب الأربعة، و أمّا ما هو السبب لتأثّره بآراء المعتزلة في العقائد،
و تفتّحه مع مدرسة الرأي في الفقه، فيحتاج إلى بسط في الكلام و سنوقفك على جليّة الحال في المستقبل.
و بما أنّ لزيد الشهيد بين الأُمة الإسلامية، و عند أئمة العترة الطاهرة مكانة خاصة، و منزلة كبيرة لم تكن لسائر أئمة الزيدية، من الحسنيّين و الحسينيّين الذين شايعوا زيداً في الخروج على الخلفاء، و مارسوا خطّه في الجهاد، - و كانت مساعي الجميع مشكورة - لم نجد بدّاً من فتح بابين، يتكفّل أحدهما، لبيان حياة زيد و آثاره و جهاده و نضاله، و يختص الآخر، ببيان حياة أئمة الزيدية و الإيعاز إلى الدول الّتي أسّسوها، و الأُصول التي اختاروها في مجال العقيدة، و المنهج الذي سلكوه في استنباط الأحكام الشرعية إلى غير ذلك من مباحث جانبيّة، تسلّط الضوء على الموضوع.
و لأجل إيضاح تاريخ زيد و أتباعه قسمنا الكتاب إلى قسمين:
1 - ما يرجع إلى زيد من ولادته إلى شهادته و ذلك في ضمن أربعة عشر فصلاً.
2 - يتكفل ببيان السائرين على دربه و ما يمت إليهم بصلة.
و قبل أن ندخل في صلب الموضوع نشير إلى بعض الفرق التي خلقتها السياسة في أوساط الشيعة في عصر الأئمة الثلاثة: السجّاد و الباقر و الصادق عليهم السلام بوجه موجز، مع الإشارة إلى الفرق الواقعية و إن كانت قليلة.
المؤلف
29 ربيع الثاني 1415
و إليك مجمل ما فيه من فصول:
الفصل الأوّل: فرق الشيعة بين الحقائق و الأوهام.
الفصل الثاني: في حياة زيد في عصر الأئمّة الثلاثة عليهم السلام.
الفصل الثالث: في خطبه، و كلماته، و أشعاره، و مناظراته، و عبادته.
الفصل الرابع: في مشايخ زيد و تلاميذه في الحديث و التفسير.
الفصل الخامس: الآثار العلمية الباقية عن زيد.
الفصل السادس: دراسة مسند الإمام زيد سنداً و مضموناً.
الفصل السابع: هل كان زيد معتزلي المبدأ و الفكرة.
الفصل الثامن: هل كان زيد إماماً في الأُصول و العقائد، و الفروع و الأحكام.
الفصل التاسع: هل دعا إلى نفسه أو دعا إلى الرضا من العترة.
الفصل العاشر: موقف أئمّة أهل البيت من خروج زيد و جهاده.
الفصل الحادي عشر: الخط الثوري المدعَم من قبل أئمّة أهل البيت.
الفصل الثاني عشر: موقف علماء الشيعة من زيد الشهيد.
الفصل الثالث عشر: الثورات الناجمة عن ثورة الإمام الحسين عليه السلام.
الفصل الرابع عشر: ثورة زيد كانت استمراراً لثورة الحسين عليه السلام.
إنّ من ثمرات وجود النبي المعصوم بين الأُمّة هو رأب الصدع بعد ظهوره بينهم، و فصل القول، عند اندلاع النزاع، و القضاء على الفتنة في مهدها، و كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يلمّ الشمل، و يُزيل الخلاف عند بروزه فلأجل ذلك كان اختلاف الصحابة في عصره صلى الله عليه و آله و سلم غير مؤثر في تفرق الأُمّة، لأنّه صلوات اللّٰه عليه و آله بحنكته، و اعتقاد الأُمّة بعصمته، كان يأخذ بزمام الأُمور، و يكسح أسباب الشقاق من جذوره.
فعند ما اعترض عليه ذو الخويصرة عند توزيع الغنائم بين المسلمين بقوله: اعدل يا محمّد فإنّك لم تعدل، فقال عليه الصلاة و السلام: «إن لم أعدل، فمن يعدل» ثمّ أعاد اللعين و قال: هذه قسمة ما أُريد بها وجه اللّٰه، فعند ذاك لم يجد النبي صلى الله عليه و آله و سلم بُدّاً من أن يعرّفه للأُمّة الإسلامية و قال: «سيخرج من ضئضئ هذا الرجل قوم يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية»(1).
1) . مضت اسناد الرواية في: 480/5-502، من هذه الموسوعة
و ليست قصة ذي الخويصرة وحيدة في بابها، فقد حدثت حوادث و كوارث في زمانه كادت تفرّق الأُمّة و لكنّه صلى الله عليه و آله و سلم قضى عليها بعلمه و حلمه و حكمته، و لا يقصر حديث الإفك(1)عن قصة ذي الخويصرة، أو قعود بعض الصحابة عن الخروج مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم في جيش العسرة، أو ما حدث في أيّام مرضه، حيث طلب دواة و قرطاساً حتى يكتب كتاباً لا تضل الأُمّة بعده، فخالف بعضهم، و وافق البعض الآخر، فقضى النبي صلى الله عليه و آله و سلم على الاختلاف و قال: «قوموا عنّي، لا ينبغي عندي التنازع»(2). إلى غير ذلك من حوادث مريرة في عصر الرسالة، فقد استقبلها القائد الكبير برحابة صدر في غزواته و في إقامته في المدينة.
و قد كانت وحدة الأُمّة الإسلامية رهن قائد مطاع معصوم، لا يخضع لمؤثرات الهوى، و تكون الأُمّة مأمورة باتّباعه قال تعالى: «وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاٰلاً مُبِيناً» (الأحزاب - 3(6).
و لئن تفرقت الأُمّة إلى فرقتين أو أكثر فإنّما تفرّقوا بعد رحيله، و سرُّ الاختلاف يكمن في تناسي الأُمّة الإمام المعصوم الذي نصبه النبي مرجعاً عند الخلاف، غير أنّ المهتمّين بأمر الرسول و نصوصه تعلّقوا به تعلّقاً دينياً و لأجل ذلك قلّ الاختلاف بينهم أو لم يتحقق إلى عصر الصادقين عليهما السلام و ما يذكر من الفرق في عهدهما، لا صلة لهم بالإسلام فضلاً عن التشيّع و إنّما كان التفرّق آنذاك ارتداداً عن الإسلام و خروجاً عن الدين كما سيتضح.
1) . اقرأ تفصيل القصة و تشاجر الحيّين: الأوس و الخزرج في مسجد النبي بحضرته في صحيح البخاري: 119/5 باب غزوة بني المصطلق، و السيرة النبوية: لابن هشام: 312/3. و ذكرها الشهرستاني في الملل و النحل في فصل بدايات الخلاف: 21/1.
2) . لاحظ صحيح البخاري: 22/1، كتاب العلم، و 14/2، و الملل و النحل: للشهرستاني: 22/1 عند البحث في بدايات الخلاف.
يقول أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي صاحب كتاب الزينة: «كانت طائفة من(1)الشيعة قبل ظهور زيد بن علي مجتمعين على أمر واحد، فلمّا قتل زيد انحازت منهم طائفة إلى جعفر بن محمّد و قالوا بإمامته»(2).
إنّ الشيعة هم الذين شايعوا علياً و ولديه الحسن و الحسين عليهم السلام و كانوا متمسّكين بإمامتهم و قيادتهم و لم يبرز أيُّ اختلاف ديني بينهم إلى زمن الإمام الصادق عليه السلام، لأنّ الاعتقاد بوجود المعصوم، كان يدفعهم إلى سؤاله و رفع الإبهام عن الملابسات في وجوه المسألة، و أمّا تاريخ الكيسانية الناجمة في عصر الإمام السجاد عليه السلام فسندرسها حسب التاريخ و كلمات أصحاب المقالات.
هذا ما يلمسه الإنسان من قراءة تاريخ الشيعة، و لكن نرى أنّ أصحاب المقالات يذكرون للشيعة فرقاً كثيرة، و هم بين غلاة و غيرها.
قال الشهرستاني تبعاً لعبد القاهر البغدادي(3): و الشيعة خمس فرق: كيسانية، و زيدية، و إمامية، و غلاة و إسماعيلية(4). ثمّ ذكر لكل فرقة طوائف كثيرة و لعل الغاية من إكثار الفرق تطبيق حديث الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في انقسام أُمّته إلى ثلاث و سبعين فرقة، عليهم.
و نحن نقف أمام هذا التقسيم وقفة غير طويلة، فنذكر أمرين:
الأوّل: إنّ الغلاة ليسوا من الشيعة، و لا من المسلمين، و إنّ عدهم من الطوائف الإسلامية جناية على المسلمين و الشيعة، و على فرض كونهم فرقاً، فلم يكن لهم أتباع و لم يكتب لهم البقاء إلاّ أياماً قلائل.
الثاني: إنّ الكيسانية لم تكن فرقة نجمت بين الشيعة، و إنّما خلقتها أعداء أئمة أهل البيت، ليستغلّوها و يقضوا بها على تماسك الشيعة و وحدتهم، و أكثر ما يمكن أن يقال في المقام: إنّه كانت هناك شكوك و أوهام عرت بعض البسطاء ثمّ أُزيلت، فتجلى الصبح لذي عينين، و إليك الكلام في كلا المقامين:
قد ذكر أصحاب الفرق فرقاً للشيعة باسم الغلاة و مع أنّهم يصرّحون بأنّهم ليسوا من فرق المسلمين و لكن يذكرونها فرقاً للشيعة و يحملون أوزار الغلاة على الشيعة. و الشيعة طائفة من المسلمين فكيف يصح عدّ الغلاة منهم!!.
قال البغدادي: «فأمّا غلاتهم الذين قالوا بإلهية الأئمة و أباحوا محرّمات الشريعة و أسقطوا وجوب فرائض الشريعة كالبيانية، و المغيرية، و الجناحية، و المنصورية، و الخطابية، و الحلولية، و من جرى مجراهم فما هم من فرق الإسلام و إن كانوا منتسبين إليه»(1).
و قال أيضاً: الكلام في ذلك (الفرق الإسلامية) يدور على اختلاف المتكلمين فيمن يعد من أُمّة الإسلام و ملّته - إلى أن قال: - فإن كان على بدعة الباطنية، أو البيانية، أو المغيرية، أو المنصورية، أو الجناحية، أو السبئية، أو الخطابية من الرافضة، أو كان على دين الحلولية أو على دين أصحاب التناسخ أو على دين الميمونية، أو اليزيدية من الخوارج أو على دين الخابطية، أو الحمارية من
1) . البغدادي: الفرق بين الفرق: 23-24.
القدرية، أو كان ممن يحرّم شيئاً ممن نصّ القرآن على إباحته باسمه، أو أباح ما حرّم القرآن باسمه فليس هو من جملة أُمّة الإسلام - إلى أن قال: - فالفرق المنتسبة إلى الإسلام في الظاهر مع خروجها عن جملة الأُمّة، عشرون فرقة هذه ترجمتها:
سبئية، و بيانية، و حربية، و مغيرية، و منصورية، و جناحية، و خطّابية، و غرابية، و مفوضية، و حلولية، و أصحاب التناسخ، و خابطية، و حمارية، و مقنّعية، و رزامية، و يزيدية، و ميمونية، و باطنية، و حلاّجية، و عذافرية، و أصحاب إباحة، و ربما انشعبت الفرقة الواحدة من هذه الفرق أصنافاً كثيرة(1).
أقول: إنّ البحث في هذا الفصل في كتب الملل و النحل هو التحدث عن الفرق الإسلامية و لا تكون الفرقة، إسلامية إلاّ إذا كان المقسم (الإسلام) موجوداً فيها، فالإسلام هو الشهادة على توحيده و رسالة نبيّه و حشر الخلق يوم المعاد، و التصديق بما جاء به النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم على وجه الإجمال، فمن أنكر واحداً من هذه، فليس بمسلم و لا يحمل عقيدة إسلامية، و هذه الفرق التي جاء بها الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين و تبعه البغدادي في الفرق بين الفرق ليسوا من الإسلام و لا الشيعة بشيء و إنّما هي فرق مرتدة عن الإسلام و لا يمكن الحكم عليهم بالإسلام، فالأولى حذف هؤلاء المرتدين عن كتب الملل و النحل، و البحث عنهم تاريخياً فقط.
لا شك أنّ هؤلاء تنزلوا من علياء الإسلام إلى حضيض الكفر و ما جرَّتهم إلى ذلك إلاّ مطامع و شهوات استهوتهم إلى هذه المقالات الباطلة و من حسن الحظ أنّه لم تكتب عليهم حياة معروفة إنّما كانت أيّاماً قلائل قطعت معرّتَهم حمامُهم فلم يبق منهن ذكر إلاّ بين أسطر التاريخ.
على أنّ قسماً منهم قاموا بهذه الدعايات من قبل السياسات الزمنية روماً
1) . البغدادي: الفرق بين الفرق: 232.
لتشتيت كلمة الشيعة أو المسلمين، لكن سرعان ما قلب عليهم الدهر ظهر المجنّ لما تمكنت السياسة من الحصول على غاياتها المنشودة فأُخذوا و قتلوا تقتيلاً.
هكذا يعامل مع كل عميل يعمل لصالح المستكبر. على أنّه لم يكن لمنهجهم معتنق قابل للذكر إلاّ شذاذ الآفاق أو ساقة الناس فمن مال إليهم لغاية دنيوية أو لشكوك و أوهام عرت لهم لا يتجاوز عددهم عدد الأصابع إلاّ شيئاً طفيفاً حتى أصبح الجميع في حديث الأمس الدابر.
و الذي يتحمّل وزر ذكر هؤلاء من الفرق الإسلامية الشيعية هو الشيخ المتكلّم الجليل الحسن بن موسى النوبختي(1)الشيعي من أعلام القرن الثالث المتوفّى حوالي عام 310 ه في كتابه «فرق الشيعة» ثمّ الشيخ الأشعري(2)في كتابه «مقالات الإسلاميين و اختلاف المصلّين»، و تبعهما من جاء بعدهما كالبغدادي في «الفرق بين الفرق»(3)و الإسفرائيني في «التبصير»(4)و الشهرستاني في «الملل و النحل»(5).
و إنّي لأضن بالحبر و الورق على تسطير عقائد هؤلاء و كفرياتهم الذين قضى عليهم الدهر و شرب، و لكن لأجل إيقاف القارئ على إجمال ما كانوا يعتقدونه نذكر أسماء الفرق مع التعريف الإجمالي لمبادئهم حتى يقف على صدق ما قلناه.
قال الأشعري: فمنهم الغالية و إنّما سمّوا الغالية لأنّهم غلوا في علي عليه السلام و قالوا فيه قولاً عظيماً و هم خمس عشرة فرقة:
و هؤلاء يزعمون أنّ أبا هاشم عبد اللّٰه بن محمد بن الحنفية(1)نص على إمامة بيان بن سمعان التميمي و نصبه إماماً، يقولون بأنّ اللّٰه عزّ و جلّ على صورة الإنسان و أنّه يهلك كلّه إلاّ وجهه و ادّعى «بيان» أنّه يدعو (كوكب) الزهرة فتجيبه و أنّه يفعل ذلك بالاسم الأعظم فقتله خالد بن عبد اللّٰه القسري، و قيل: إنّ كثيراً منهم يثبت لبيان بن سمعان، النبوة(2).
و قال النوبختي: فكان «بيان» تبّاناً يتبن التبن في الكوفة و أخذه خالد بن عبد اللّٰه القسري هو و خمسة عشر رجلاً من أصحابه، فشدّهم بأطنان القصب و صبّ عليهم النفط في مسجد الكوفة و ألهب فيهم النار فأفلت منهم رجل فخرج بنفسه ثمّ التفت فرأى أصحابه تأخذهم النار فكرّ راجعاً إلى أن ألقى نفسه في النار فأُحرق معهم(3).
أقول: إنّ البيانية - على فرض صحّة وجودها - مشتقة من القول بإمامة محمد ابن الحنفية بعد شهادة السبط الأكبر الحسين بن علي سلام اللّٰه عليهما و انتقال الإمامة منه إلى ابنه أبي هاشم، فلما مات أبو هاشم اختلفوا في وصيّه إلى أقوال فمن قائل بأنّه ابن أخيه الحسن بن علي بن محمد الحنفية، إلى آخر بأنّه أخوه علي بن محمد، و عليّ أوصى إلى ابنه الحسن فالإمامة عندهم في بني الحنفية لا تخرج إلى غيرهم، إلى ثالث أنّه عبد اللّٰه بن عمرو بن الكنديّ، و أنّ الإمامة خرجت من بني هاشم و تحرّكت روح أبي هاشم إلى عبد اللّٰه الكندي، إلى رابع بأنّه أوصى إلى بيان ابن سمعان التميمي(4).
1) . كل فرقة تنتمي إلى أبي هاشم فهي من فروع الكيسانية الممسوخة و الفرق الثلاث الأُول: البيانية، الجناحيّة، و الحربية، من هذا الصنف.
2) . الإمام الأشعري: مقالات الإسلاميين: 5-6.
3) . النوبختي: فرق الشيعة: 28، طبع بيروت، تحقيق محمد صادق بحر العلوم، و لاحظ الفرق بين الفرق: 236.
4) . الشهرستاني: الملل و النحل: 151/1-152.
أصحاب عبد اللّٰه بن معاوية بن عبد اللّٰه بن جعفر ذي الجناحين، يزعمون أنّ عبد اللّٰه بن معاوية كان يدّعي أنّ العلم ينبت في قلبه كما ينبت الكماة و العشب و أنّ الأرواح تناسخت و أنّ روح اللّٰه جلّ اسمه كانت في آدم ثمّ تناسخت حتى صارت فيه، قال: و زعم أنّه ربّ و أنّه نبي فعبدته شيعته و هم يكفرون بالقيامة و يدعون أنّ الدنيا لا تفنى و يستحلّون الميتة و الخمر و غيرهما من المحارم و يتأوّلون قول اللّٰه عزّ و جلّ: «لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ جُنٰاحٌ فِيمٰا طَعِمُوا إِذٰا مَا اِتَّقَوْا»(1).
هذا و لم يذكر الأشعري اشتقاقهم من أي فرقة و لكن جاء به النوبختي، و قال: «فرقة قالت أوصى أبو هاشم عبد اللّٰه بن محمد الحنفية إلى عبد اللّٰه بن معاوية بن عبد اللّٰه بن جعفر بن أبي طالب الخارج بالكوفة، و هو يومئذ غلام صغير فدفع الوصية إلى صالح بن مدرك و أمره أن يحفظها حتى يبلغ عبد اللّٰه بن معاوية فيدفعها إليه فهو الإمام و هو العالم بكل شيء حتى غلوا فيه و قالوا: إنّ اللّٰه عزّ و جلّ نور و هو في عبد اللّٰه بن معاوية قتله أبو مسلم في حبسه»(2).
هم أصحاب عبد اللّٰه بن عمر بن حرب، و يسمّون الحربية، يزعمون أنّ روح أبي هاشم عبد اللّٰه بن محمد بن الحنفية تحولت فيه و أنّ أبا هاشم نصّ على إمامته(3). و يرجع جذور هذه الفرق إلى القول بإمامة محمد الحنفية ثمّ أبي هاشم كما تقدم.
هؤلاء أتباع المغيرة بن سعيد العجلي و كان يظهر في بدء أمره موالاة الإمامية و يزعم أنّ الإمامة بعد علي و الحسن و الحسين عليهم السلام إلى سبط الحسن محمد (المعروف بالنفس الزكية الذي توفي عام 145 ه) و زعم أنّه المهدي المنتظر، ثمّ إنّه أظهر مقالات فاسدة منها دعواه النبوة، دعواه علمه بالاسم الأعظم، و زعم أنّه يحيي بها الموتى و يهزم بها الجيوش و منها إفراطه في التشبيه و ذلك أنّه زعم أنّ معبوده رجل من نور و له أعضاء و قلب ينبع منه الحكمة - إلى أن قال: - و كان المغيرة مع ضلالاته يأمر بانتظار محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن علي(1).
و يظهر من النوبختي أنّه كان يقول بإمامة الأئمة إلى أبي جعفر الباقر عليهم السلام (57-114 ه) فلما توفي أبو جعفر محمد بن علي، دعا المغيرة إلى إمامة محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم و أظهر ما أظهر فبرئت منه أصحاب أبي عبد اللّٰه جعفر بن محمد عليهما السلام و رفضوه فزعم أنّهم رافضة و أنّه هو الذي سمّاهم بهذا الاسم و قال: إنّ خالد بن عبد اللّٰه القسري أخذ المغيرة فسأله عن عقائده فأقر بها و دعا خالداً إليها فاستتابه خالد فأبى أن يرجع عن قوله فقتله و صلبه(2).
أصحاب أبي منصور، يزعمون أنّ الإمام بعد أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام أبو منصور و أنّ أبا منصور، قال: آل محمد هم السماء و الشيعة
هم الأرض و أنّه هو الكسف الساقط من بني هاشم تأويلاً لقوله سبحانه: «وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ اَلسَّمٰاءِ سٰاقِطاً يَقُولُوا سَحٰابٌ مَرْكُومٌ» (الطور - 44) و قد ذكر الأشعري عقائدهم الفاسدة التي لا تمت صلة بالديانات الإلهية(1).
قال البغدادي: و كفرت هذه الطائفة بالقيامة و الجنّة و النار و تأوّلوا الجنّة على نعيم الدنيا و النار على محن الناس في الدنيا و استحلّوا مع هذه الضلالة خنق مخالفيهم، و استمرت فتنتهم على عادتهم إلى أن وقف يوسف بن عمر الثقفي والي العراق في زمانه على عورات المنصورية فأخذ أبا منصور العجلي و صلبه، و هذه الفرقة كالمتقدمة عليها غير معدودة من فرق الإسلام لكفرها بالقيامة و الجنّة و النار(2).
أصحاب أبي الخطاب بن أبي زينب، يقولون: إنّ الإمامة في أولاد عليّ إلى أن انتهت إلى جعفر الصادق، و يزعمون أنّ الأئمة كانوا آلهة، و كان أبو الخطاب يزعم أوّلاً أنّ الأئمة أنبياء، ثمّ زعم أنّهم آلهة، و أنّ أولاد الحسن و الحسين كانوا أبناء اللّٰه و أحباءه، و كان يقول: إنّ جعفراً إله، و لما بلغ ذلك جعفراً عليه السلام لعنه و طرده. و كان أبو الخطاب يدّعي بعد ذلك، الإلهية لنفسه و زعم أتباعه أنّ جعفراً إله غير أنّ أبا الخطاب أفضل منه و أفضل من علي(3).
و خرج أبو الخطاب على أبي جعفر فقتله عيسى بن موسى في سبخة الكوفة، ثمّ إنّ الذين جاءوا بعد أبي الخطاب انقسموا إلى فرق ذكرها الأشعري و قد عبر عن مؤسس الفرقة بالخطابية المطلقة لتتميز عن الفرق اللاحقة.
يزعمون أنّ الإمام بعد أبي الخطاب رجل يقال له «معمر» و عبدوه كما عبدوا أبا الخطاب. قال: و استحلّوا الخمر و الزنا و استحلّوا سائر المحرمات و دانوا بترك الصلاة(1)و قد لعنه الإمام الصادق عليه السلام و سيأتيك نصه.
أصحاب بزيع بن موسى يزعمون أن جعفر بن محمد عليه السلام هو اللّٰه، و زعموا أن كل ما يحدث في قلوبهم وحي، و أنّ كل مؤمن يوحى إليه، و زعموا أنّ منهم من هو خير من جبرئيل و ميكائيل و أن أحدهم إذا بلغت عبادته، رفع إلى الملكوت(2).
أصحاب عمير بن بيان العجلي، و هذه الفرقة تكذب من قال منهم: إنّهم لا يموتون و يزعمون أنّهم يموتون و لا يزال خَلَفٌ منهم في الأرض أئمة أنبياء و عبدوا جعفراً كما عبده اليعمريون و زعموا أنّه ربّهم و قد كانوا ضربوا خيمة في كناسة الكوفة ثمّ اجتمعوا إلى عبادة جعفر فأخذ يزيد بن عمر بن هبيرة «عمير بن البيان» فقتله في الكناسة و حبس بعضهم(3).
لأنّ رئيسهم كان صيرفياً يقال له المفضل يقولون بربوبية جعفر كما قال
غيرهم من أصناف الخطابية و انتحلوا النبوة و الرسالة و إنّما خالفوا في البراءة من أبي الخطاب لأنّ جعفراً أظهر البراءة منه(1).
من أصناف الغالية يزعمون أنّ روح القدس هو اللّٰه عزّ و جلّ و كانت في النبي ثمّ في علي ثمّ في باقي الأئمة الاثني عشر، و لم يذكر الإمام الأشعري اسم مؤسس الفرقة كالفرقة التالية(2).
يزعمون علياً هو اللّٰه، و يكذبون النبي و يشتمونه و يقولون: إنّ علياً وجَّه بهِ ليبين أمره فادّعى الأمر لنفسه(3).
هم أصحاب «الشريعي» يزعمون أنّ اللّٰه حلَّ في خمسة أشخاص في النبي و في علي و الحسن و في الحسين و في فاطمة فهؤلاء آلهة عندهم و ليس يطعن أصحاب الشريعي على النبي صلى الله عليه و آله و سلم...(4).
أصحاب عبد اللّٰه بن سبأ، يزعمون أنّ علياً لم يمت و أنّه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورا(5).
1) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 13، البغدادي: الفرق بين الفرق: 250.
2) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 14، 15، 16، و لاحظ في الوقوف على عقائد هذه الفرق كتب أصحاب المقالات و الملل و النحل، و كأنّ المتأخرين عن الأشعري عمدوا إلى تحرير ما ذكره، و لا نطيل المقام بذكر المصادر.
3) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 14، 15، 16، و لاحظ في الوقوف على عقائد هذه الفرق كتب أصحاب المقالات و الملل و النحل، و كأنّ المتأخرين عن الأشعري عمدوا إلى تحرير ما ذكره، و لا نطيل المقام بذكر المصادر.
4) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 14، 15، 16، و لاحظ في الوقوف على عقائد هذه الفرق كتب أصحاب المقالات و الملل و النحل، و كأنّ المتأخرين عن الأشعري عمدوا إلى تحرير ما ذكره، و لا نطيل المقام بذكر المصادر.
5) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 14، 15، 16، و لاحظ في الوقوف على عقائد هذه الفرق كتب أصحاب المقالات و الملل و النحل، و كأنّ المتأخرين عن الأشعري عمدوا إلى تحرير ما ذكره، و لا نطيل المقام بذكر المصادر.
و قد تعرفت في الجزء السادس على أنّ عبد اللّٰه بن سبأ على النحو الذي يذكره أصحاب التواريخ و المقالات أُسطورة تاريخية.
يزعمون أنّ اللّٰه عزّ و جلّ وكّل الأُمور و فوّضها إلى محمّد صلى الله عليه و آله و سلم و أنّه أقدره على خلق الدنيا فخلقها و دبرها و أنّ اللّٰه لم يخلق من ذلك شيئاً، و يزعمون أنّ الأئمة ينسخون الشرائع و يهبط عليهم الملائكة...(1).
و نحن بدورنا نعلّق على هذه الفرق التي ذكروها فرقاً للشيعة و بالتالي فرقاً للإسلام بأمرين:
الأوّل: من المظنون جداً - أنّ هذه الفرق على فرض التأكد من وجودها في عصورها ممّا صنعتها يد السياسة الأثيمة لتشويش سمعة الأئمة الطاهرين عليهم السلام بين المسلمين و محق روعتهم، و قد استعانت في ذلك، برجال كانوا غامرين في حبّ التصدر و الفخفخة، و جنون العظمة، و لما كانت دعوتهم على خلاف العقل و النقل، و الفطرة الإنسانية، لم يُقم المجتمع الإسلامي لهم وزناً و لم يعيشوا إلاّ أيّاماً قلائل و قد قامت أئمة أهل البيت بدورهم على إيقاظ الأُمّة عند استفحال الفساد و تبرّءوا من أصحاب هذه المقالات و عقائدهم. و سيوافيك كلامهم في حقّ هؤلاء الغلاة فانتظر.
الثاني: نحن نعاتب المشايخ: النوبختي و الأشعري و البغدادي و الإسفرائيني، و الشهرستاني و الرازي و غيرهم من كتّاب تاريخ العقائد، و أصحاب المقالات، حيث نسبوا هؤلاء إلى الشيعة مع تصريحهم بأنّهم غلاة كفار، لا يمتّون إلى الإسلام و المسلمين بصلة، و أقلُّ، كلمة يمكن أن يقال في حقهم إنّ الجنون
1) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 16.
و المجون، و حب الجاه و المقام أسفت بهؤلاء إلى هوة المذلة و اللعنة ثمّ الفناء المطلق فليس لأحد أن يطعن الشيعة بانتماء هؤلاء إليهم، فما أحسن قول القائل:
غيري جنى و أنّا المعاقب فيكم *** فكأنّني سبابة المتندِّم
«قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللّٰهِ عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي وَ سُبْحٰانَ اَللّٰهِ وَ مٰا أَنَا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ» (يوسف - 10(8).
و ليس انتماؤهم إلى الشيعة إلاّ كانتماء النصارى القائلين بالتثليث إلى المسيح عليه السلام و هل يؤخذ البريء بجرم المعتدي؟!. لا و اللّٰه.
إنّ موقف أئمة أهل البيت من هؤلاء المرتدّين موقف النبي الأكرم من مشركي عصره و الأعصار الآتية فقد طردوهم، و لعنوهم و كفّروهم و حذّروا شيعتهم من مكائدهم و مصائدهم، و إليك قسماً من الروايات الواردة في حقّ سعيد بن المغيرة، و أبي الخطاب، و لفيفاً من رجال العيث و الفساد الذين كانوا يتظاهرون بالانتماء إلى أهل البيت عليهم السلام و لم يكونوا منهم بشيء.
و بما أنّ كتاب الرجال للشيخ الكشي الذي يعد من علماء القرن الرابع أحسن كتاب وضع في مجال التوثيق و الجرح على أساس الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام في حقّ الرواة، نقتبس الروايات من هذا الكتاب و إن كان لها مصادر أُخرى.
1 - روى الكشي عن جعفر بن عيسى و أبي يحيى الواسطي قال: قال أبو الحسن الرضا عليه السلام: «كان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر عليه السلام فأذاقه اللّٰه حرّ الحديد».
2 - أخرج الكشي عن عبد اللّٰه بن مسكان عمّن حدثه من أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: سمعته يقول: لعن اللّٰه المغيرة بن سعيد إنّه كان يكذب على أبي، فأذاقه اللّٰه حرّ الحديد. لعن اللّٰه من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، و لعن اللّٰه من أزالنا عن العبودية للّٰه، الذي خلقنا و إليه مآبنا و معادنا و بيده نواصينا.
3 - أخرج الكشي عن محمد بن عيسى بن عبيد: أنّ بعض أصحابنا سأل يونس بن عبد الرحمن و أنا حاضر، فقال له: يا أبا محمد ما أشدَّك في الحديث و أكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟ فقال:
حدثني هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد اللّٰه عليه السلام يقول: لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن و السنّة أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإنّ المغيرة بن سعيد لعنه اللّٰه دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يُحدِّث بها أبي فاتقوا اللّٰه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى و سنّة نبينا صلى الله عليه و آله و سلم فإنّا إذا حدّثنا قلنا قال اللّٰه عزّ و جلّ و قال رسول اللّٰه.
4 - أخرج الكشي عن هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد اللّٰه عليه السلام يقول: «كان المغيرة بن سعيد يتعمَّد الكذب على أبي و يأخذ كتب أصحابه، و كان أصحابه المستترون في أصحاب أبي، يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة فكان يدسّ فيها الكفر و الزندقة و يُسندها إلى أبي ثمّ يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثّوها في الشيعة فكل ما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك مما دسّه المغيرة في كتبهم».
5 - أخرج الكشي عن علي بن الحسان عن عمّه عبد الرحمن بن كثير قال: قال أبو عبد اللّٰه عليه السلام يوماً لأصحابه: «لعن اللّٰه المغيرة بن سعيد و لعن اللّٰه يهودية كان يختلف إليها يتعلّم منها السحر و الشعبذة و المخاريق، إنّ المغيرة كذب على أبي فسلبه اللّٰه الإيمان و إنّ قوماً كذبوا عليّ، ما لهم، أذاقهم اللّٰه حرّ الحديد، فو اللّٰه ما نحن إلاّ عبيد الذي خلقنا و اصطفانا، ما نقدر على ضرّ و لا نفع إن رُحمنا فبرحمته و إن عُذّبنا فبذنوبنا، و اللّٰه مالنا على اللّٰه من حجّة و لا معَنا من اللّٰه براءة و إنّا لميتون و مقبورون، و منشرون، و مبعوثون، و موقوفون، و مسئولون، ويلهم مالهم، لعنهم اللّٰه آذوا اللّٰه و آذوا رسوله صلى الله عليه و آله و سلم في قبره و أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين و محمد بن علي، و ها أنا ذا بين أظهركم، لحم رسول اللّٰه و جلد رسول اللّٰه، أبيت على فراشي خائفاً وجلاً مرعوباً، يأمنون و أفزع، و ينامون على فرشهم، و أنا خائف ساهر، وَجِل اتقلقل بين الجبال و البراري أبرأ إلى اللّٰه ممّا قال في الأجدع البراد عبد بني أسد أبو الخطاب، لعنه اللّٰه، و اللّٰه لو ابتلوا بنا و أمرناهم بذلك لكان الواجب الاّ تقبلوه فكيف و هم يروني خائفاً وجلاً، استعدى اللّٰه عليهم و أتبرّأ إلى اللّٰه منهم أشهدكم إنّي امرؤ ولدني رسول اللّٰه و ما معي براءة من اللّٰه، إن أطعته رحمني و إن عصيته عذّبني عذاباً شديداً أو أشد عذابه».
6 - أخرج الكشي عن سلمان الكناني: قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: هل تدري ما مثل المغيرة؟ قال: قلت: لا، قال: مثله مثل بلعم بن باعور، قلت: و من بلعم قال: الذي قال اللّٰه عزّ و جلّ: «اَلَّذِي آتَيْنٰاهُ آيٰاتِنٰا فَانْسَلَخَ مِنْهٰا فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطٰانُ فَكٰانَ مِنَ اَلْغٰاوِينَ»(1).
إلى غير ذلك من الروايات التي وردت في ذمّه و نقلها الكشي في رجاله(2).
قال الكشي في رجاله: محمد بن أبي زينب اسمه مقلاص بن الخطاب البرّاد الأجدع الأسدي و يكنّى أبا إسماعيل و يكنّى أيضاً أبا الضبيان:
1 - أخرج الكشي عن عيسى بن أبي منصور قال: سمعت أبا عبد اللّٰه عليه السلام يقول و ذكر أبا الخطاب فقال: اللهم العن أبا الخطاب فإنّه خوّفني قائماً و قاعداً و على فراشي، اللهم أذقه حرّ الحديد.
2 - أخرج الكشي عن بريد العجلي عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: سألته قول اللّٰه عزّ و جلّ «هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلىٰ مَنْ تَنَزَّلُ اَلشَّيٰاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلىٰ كُلِّ أَفّٰاكٍ أَثِيمٍ»(1)قال: هم سبعة: المغيرة بن سعيد، و بيان، و الصائد النهدي، و الحارس الشامي، و عبد اللّٰه بن حارث، و حمزة بن عمار البربري و أبو الخطاب(2).
3 - أخرج الكشي عن بشير الدهان عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: كتب أبو عبد اللّٰه عليه السلام إلى أبي الخطاب بلغني أنّك تزعم أنّ الزنا رجل، و أنّ الخمر رجل، و أنّ الصراط رجل، و أنّ الصيام رجل، و الفواحش رجل، و ليس هو كما تقول، أنا أصل الحقّ، و فروع الحقّ طاعة اللّٰه، و عدوّنا أصل الشر و فروعهم الفواحش، و كيف يطاع من لا يعرف و كيف يعرف من لا يطاع»؟
4 - أخرج الكشي عن الحمادي رفعه إلى أبي عبد اللّٰه أنّه قيل له: روي عنكم أن الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجال؟ فقال: «ما كان اللّٰه عزّ و جلّ ليخاطب خلقه بما لا يعلمون».
5 - أخرج الكشي عن سدير عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: كنت جالساً عند أبي عبد اللّٰه و ميسر عنده و نحن في سنة ثمان و ثلاثين و مائة فقال ميسر بياع الزطي: جعلت فداك عجبت لقوم كانوا يأتون معنا إلى هذا الموضع فانقطعت آثارهم و فنيت آجالهم، قال: «و من هم؟» قلت: أبو الخطاب و أصحابه، فكان متكئاً فجلس فرفع اصبعه إلى السماء ثمّ قال: «على أبي الخطاب لعنة اللّٰه و الملائكة و الناس أجمعين فاشهدوا باللّٰه أنّه كافر، فاسق مشرك و أنّه يحشر مع فرعون في أشد العذاب غدواً و عشياً، ثمّ قال: أما و اللّٰه إنّي لأنفس(1)على أجساد أُصيبت معه النار».
6 - أخرج الكشي عن المفضل بن يزيد قال: قال أبو عبد اللّٰه عليه السلام و ذكر أصحاب أبي الخطاب و الغلاة فقال لي:
«يا مفضل لا تقاعدوهم و لا تواكلوهم و لا تشاربوهم و لا تصافحوهم و لا توارثوهم».
7 - أخرج الكشي عن مرازم قال: قال أبو عبد اللّٰه: «قل للغالية توبوا إلى اللّٰه فإنّكم فسّاق كفّار مشركون».
8 - أخرج الكشي عن أبي بصير قال: قال لي أبو عبد اللّٰه عليه السلام: «يا أبا محمد ابرأ ممن يزعم أنّا أرباب» قلت: برئ اللّٰه منه، فقال: «ابرأ ممن زعم أنّا أنبياء» قلت: برئ اللّٰه منه.
9 - أخرج الكشي عن قاسم الصيرفي قال: سمعت أبا عبد اللّٰه يقول: «قوم يزعمون أنّي لهم إمام و اللّٰه ما أنا لهم بإمام، مالهم لعنهم اللّٰه كلما سترتُ ستراً هتكوه، هتك اللّٰه ستورهم».
10 - أخرج الكشي عن الحسن الوشاء عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «من قال بأنّنا أنبياء فعليه لعنة اللّٰه و من شك في ذلك فعليه لعنة اللّٰه».
1) . نَفسَ به و عليه: ضنَّ به.
11 - أخرج الكشي عن زرارة عن أبي جعفر قال: سمعته يقول: «لعن اللّٰه «بيان التبّان» و أنّ «بياناً» لعنه اللّٰه يكذب على أبي أشهد أنّ أبي علي بن الحسين كان عبداً صالحاً».
12 - أخرج الكشي عن أبي يحيى الواسطي قال: قال أبو الحسن الرضا عليه السلام: «كان بيان يكذب على علي بن الحسين عليه السلام فأذاقه اللّٰه حر الحديد، و كان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر عليه السلام فأذاقه اللّٰه حرّ الحديد.
و كان محمد بن بشير يكذب على أبي الحسن موسى فأذاقه اللّٰه حرّ الحديد.
و كان أبو الخطاب يكذب على أبي عبد اللّٰه فأذاقه اللّٰه حرّ الحديد و الذي يكذب عليّ، محمد بن فرات» قال أبو يحيى: و كان محمد بن فرات من الكتاب فقتله إبراهيم بن شكلة.
13 - أخرج الكشي عن عبد اللّٰه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّٰه عليه السلام: «إنّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أصدق البرية لهجة و كان مسيلمة يكذب عليه، و كان أمير المؤمنين عليه السلام أصدق من برأ اللّٰه، من بعد رسول اللّٰه و كان الذي يكذب عليه و يعمل في تكذيب صدقه بما يفتري عليه من الكذب عبد اللّٰه ابن سبأ لعنه اللّٰه».
ذكر أبو عبد اللّٰه عليه السلام الحارث الشامي و بيان فقال: كانا يكذبان على علي بن الحسين عليه السلام، ثمّ ذكر المغيرة بن سعيد و بزيعاً و السريّ و أبا الخطاب و معمراً و بشار الأشعري و حمزة البريري و صائد النهدي فقال: «لعنهم اللّٰه إنّا لا نخلو من كذاب يكذب علينا أو عاجز الرأي، كفانا اللّٰه مئونة كل كذّاب، و أذاقهم اللّٰه حر الحديد».
14 - أخرج الكشي عن ابن أبي يعفور قال: كنت عند أبي عبد اللّٰه عليه السلام فاستأذن عليه رجل حسن الهيئة، فقال: اتق السفلة فما تقارّت في الأرض حتى خرجت فسألت عنه فوجدته غالياً.
إلى غير ذلك من الروايات التي جمعها الكشي في رجاله(1)و قد اكتفينا بهذا المقدار و إلاّ فالروايات التي تذم هؤلاء الغلاة الكفّار كثيرة. و قد أشار الإمام في ثنايا كلامه أنّهم كانوا بصدد تشويه سمعة الأئمة بالكذب عليهم حيث قال:
فيسقط صدقنا بكذبهم علينا عند الناس.
1) . الكشي: الرجال: 290-308.، و لقد قابلنا الأحاديث مع الطبعة التي حقّقها العلاّمة المصطفويّ، و مع ذلك لا تخلو أيضاً من هفوات.
قد علمت أنّ الغلاة ليسوا من المسلمين و لا من الشيعة و لا يصح عدّهم من الفرق الإسلامية، و إنّ هذا الخطأ صدر من النوبختي و الأشعري و جاء الباقون فساروا على سيرتهما. نعم يظهر من كتب الفرق أنّ فرقاً للشيعة برزت إلى حيّز الوجود قبل ثورة زيد بن علي. و فرقاً أُخرى ظهرت بعد ثورته. و لعل القسم الأوّل منحصر في الكيسانية التي يدعي أصحاب المقالات أنّها ظهرت بعد ثورة الحسين عليه السلام أيام إمامة ولده زين العابدين عليه السلام، و بدورنا نذكر بعض نصوصهم حول الكيسانية. ثمّ نرجع إلى تحرير المتحصل منها، و لأجل ذكر النصوص في بدء البحث نستغني عن الإرجاع إلى المصادر عند التحليل فنقول:
1 - قال الأشعري: الكيسانية و هي إحدى عشرة فرقة، و إنّما سمّوا كيسانية لأنّ المختار الذي خرج و طلب بدم الحسين بن علي و دعا إلى محمد ابن الحنفية كان يقال له كيسان، و يقال إنّه مولى لعلي بن أبي طالب - رضي اللّٰه عنه -.
الفرقة الأُولى: من الكيسانية يزعمون أنّ علي بن أبي طالب عليه السلام نصّ على إمامة ابنه محمد ابن الحنفية، لأنّه دفع إليه الراية بالبصرة.
و الفرقة الثانية: منهم يزعمون أنّ علي بن أبي طالب نصّ على إمامة ابنه الحسن بن علي و أنّ الحسن بن علي نصّ على إمامة أخيه الحسين بن علي و أنّ الحسين بن علي نصّ على إمامة أخيه محمد بن علي و هو محمد ابن الحنفية.
و الفرقة الثالثة: من الكيسانية هي الكربية أصحاب أبي كرب الضرير
يزعمون أنّ محمد ابن الحنفية حيّ بجبال رضوى، أسد عن يمينه و نمر عن شماله يحفظانه، يأتيه رزقه غدوة و عشية إلى وقت خروجه. و من القائلين بهذا القول كُثَيِّر الشاعر و في ذلك يقول:
ألاّ إنّ الأئمة من قريش *** ولاة الحقّ أربعة سواء
علي و الثلاثة من بنيه *** هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط، سبطُ إيمانٍ و برّ *** و سبطٌ غيّبته كربلاء
و سبط لا يذوق الموت حتى *** يقود الخيل يَقْدُمها اللواء
تغيّب لا يُرى فيهم زمان *** برضوى عنده عسل و ماء
الفرقة الرابعة: يزعمون أنّ محمد ابن الحنفية إنّما جعل بجبال رضوى عقوبة لركونه إلى عبد الملك بن مروان و بيعته إيّاه.
و الفرقة الخامسة: يزعمون أنّ محمد ابن الحنفية مات و أنّ الإمام بعده ابنه أبو هاشم: عبد اللّٰه بن محمد الحنفية(1).
و الفرقة السابعة: قالت إنّ الإمامة بعد موت أبي هاشم لابن أخيه الحسن بن علي بن محمد ابن الحنفية.
و الفرقة الثامنة: قالت إنّ أبا هاشم أوصى إلى أخيه علي بن محمد، و عليّ أوصى إلى ابنه الحسن، فالإمامة عندهم في بني الحنفية لا تخرج إلى غيرهم(2).
و الفرقة التاسعة: يزعمون أنّ الإمام بعد أبي هاشم محمد بن علي بن عبد اللّٰه
1) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 18-20، و قد سقط من الطبع الفرقة السادسة من الكيسانية و لذلك ابتدأنا بالسابعة، و لما كانت نسخة مقالات الإسلاميين مشوشة في بيان الفرقة السابعة و الثامنة أخذناهما من كتاب الملل و النحل للشهرستاني.
2) . هاتان الفرقتان نقلناهما من الملل و النحل للشهرستاني ثمّ نتابع النقل من مقالات الإسلاميين.
ابن العباس قالوا: و ذلك أنّ أبا هاشم مات بأرض الشراة(1)منصرفة من الشام فأوصى هناك إلى محمد بن علي بن عبد اللّٰه بن العباس و أوصى محمد بن علي إلى ابنه إبراهيم بن محمد، ثمّ أوصى إبراهيم بن محمد إلى أبي العباس، ثمّ أفضت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور بوصية بعضهم إلى بعض، ثمّ رجع بعض هؤلاء عن هذا القول و زعموا أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم نصّ على العباس بن عبد المطلب و نصبه إماماً، ثمّ نصّ العباس على إمامة ابنه عبد اللّٰه و نصّ عبد اللّٰه على إمامة ابنه علي بن عبد اللّٰه، ثمّ ساقوا الإمامة إلى أن انتهوا بها إلى أبي جعفر المنصور.
الفرقة العاشرة: يزعمون أنّ أبا هاشم أوصى إلى بيان بن سمعان التميمي و انّه لم يكن له أن يوصي بها إلى عقبه.
الفرقة الحادية عشرة: يزعمون أنَّ الإمام بعد أبي هاشم عبد اللّٰه بن محمد ابن الحنفية و عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب(2).
و قال النوبختي: و فرقة قالت بإمامة محمد ابن الحنفية، لأنّه كان صاحب راية أبيه يوم البصرة دون أخويه فسمّوا الكيسانية، و إنّما سمّوا بذلك لأنّ المختار ابن أبي عبيدة الثقفي كان رئيسهم و كان يلقب «كيسان» و هو الذي طلب بدم الحسين بن علي صلوات اللّٰه عليهم و ثأره حتى قتل من قتلته و غيرهم من قَتَل، و ادّعى (المختار) أنّ محمد ابن الحنفية أمره بذلك و أنّه الإمام بعد أبيه، و إنّما لقّب المختار كيسان لأنّ صاحب شرطته المكنّى بأبي عمرة كان اسمه كيسان، و كان أفرط في القول و الفعل و القتل من المختار جداً، و كان يقول: إنّ محمد ابن الحنفية وصيّ علي بن أبي طالب، و أنّه الإمام و أنّ المختار قيّمه و عامله و يُكفر من تقدّم
علياً و يُكَفِّر أهل صفين و الجمل، و كان يزعم أنّ جبرئيل عليه السلام يأتي المختار بالوحي من عند اللّٰه عزّ و جلّ فيخبره و لا يراه. و روى بعضهم أنّه سمِّي بكيسان مولى علي بن أبي طالب عليه السلام و هو الذي حمله على الطلب بدم الحسين بن علي عليهما السلام و دلّه على قتلته، و كان صاحب سرّه و مؤامرته و الغالب على أمره(1).
و قالت فرقة من الكيسانية إنّ محمد بن الحنفية - رحمه اللّٰه تعالى - هو المهدي، و هو وصيّ علي بن أبي طالب عليه السلام ليس لأحد من أهل بيته أن يخالفه و لا يخرج عن إمامته و لا يُشهّر سيفه إلاّ بإذنه، و إنّما خرج الحسن بن علي عليهما السلام إلى معاوية محارباً له بإذن «محمّد» و أودعه و صالحه بإذنه، و أنّ الحسين إنّما خرج لقتال يزيد بإذنه، و لو خرجا بغير إذنه هلكا و ضلاّ و أنّ من خالف محمد ابن الحنفية كافر مشرك و أنّ محمد استعمل المختار بن أبي عبيدة على العراقيين بعد قتل الحسين و أمره بالطلب بدم الحسين عليه السلام و ثأره و قتل قاتليه و طلبهم حيث كانوا، و سمّاه كيسان لكيسه و لما عرف من قيامه و مذهبه فيهم فهم يسمّون (المختارية) و يدعون (الكيسانية)(2).
إنّ الكيسانية على كثرة فرقهم يجمعهم شيئان:
أحدهما: القول بإمامة محمد ابن الحنفية.
و الثانية: القول بالبداء على اللّٰه عزّ و جلّ، و قالت طائفة منهم بأنّه المهدي المنتظر في الرضوى(3).
قد عرفت كلمات أصحاب المقالات و كتاب العقائد و الظاهر منهم و من غيرهم افتراض فرقة إسلامية شيعية نجمت بعد وقعة الطف (61-67 ه) و التفّت عدّة من الشيعة حول محمد ابن الحنفية و اتّخذوه قائداً (في حياة الإمام زين العابدين عليه السلام) و قد لبّى هو و ولده أبو هاشم و وصيه، و لم يكن هناك أي اعتراض و استنكار من رجالات البيت الهاشمي فاستتب الأمر لابن الحنفية و ابنه و من بعده و استفحل أمرهم إلى عصر أبي جعفر المنصور العباسي، و قد كان العباسيون يستمدون شرعية دولتهم و خلافتهم من انتمائهم إلى تلك الفرقة و كانت لهم أُصول عقائد يتميزون بها عن سائر الفرق.
لكن الإبهامات التي تحدق بهذه الفرقة من جوانب شتى يدفع الإنسان إلى التأكد الكثير من وجود هذه الفرقة الإسلامية في الساحة و بروزهم إليها باسم الدين و إليك بيانها:
إنّ الكيسانية منسوبة إلى «كيسان» و قد اختلفوا في المسمّى به إلى أقوال فمن قائل: إنّه اسم محمد ابن الحنفية، إلى آخر: إنّه اسم مولى لعلي، إلى ثالث: إنّه اسم نفس المختار بن أبي عبيدة الثقفي، إلى رابع: إنّه اسم صاحب شرطته المكنى ب «أبي عمرة» و كان اسمه كيسان(1).
إنّ القائد الذي تنتهي إليه تلك الفرقة هو محمد الحنفية، فقد اختلفوا في
1) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 18، و البغدادي: الفرق بين الفرق: 3 و 38، و النوبختي: فرق الشيعة: 22.
مرشحه للإمامة إلى قولين: فمن قائل بأنّ المعيِّن، هو الإمام علي، إلى آخر أنّه الإمام الحسين و هو الذي نصبه للخلافة.
كما اختلفوا في الموصي و المعيّن، اختلفوا في مبدأ قيادته، فمن قائل بأنّه الإمام المنصوب من جانب الإمام علي و هو الإمام بعد رحيل والده دون أخويه، إلى آخر بأنّه الإمام بعد استشهاد الحسين عليه السلام.
اختلفوا في كونه حيّاً أو ميتاً، فقد نسب إلى جماعة أنّهم قالوا بكونه المهدي المنتظر و أنّه حي بجبال رضوى، يصونه الأسد و النمر، معه العسل و الماء، و في مقابلهم من قال بموته، و أنّ الإمامة انتقلت إلى فرد آخر.
اختلف القائلون بكونه حيّاً، فهل هو حي كرامة، بشهادة أنّه يصان بالأسد و النمر عن اليمين و الشمال و يأتيه رزقه غدواً و عشياً إلى وقت خروجه كما قال به كثير الشاعر، أو أنّه حي عقوبة لركونه إلى عبد الملك بن مروان و بيعته إيّاه.
توفي محمد الحنفية عام ثمانين أو واحد و ثمانين و توفي ابنه أبو هاشم «عبد اللّٰه ابن محمد الحنفية» سنة ثمان أو تسع و تسعين و عرفه ابن شهرآشوب بأنّه كان ثقة جليلاً من علماء التابعين روى عنه الزهري و أثنى عليه و عمرو بن دينار و غيرهما(1).
و قد اختلفت الأقوال في وصيه إلى قائل بأنّه أوصى إلى الحسن بن علي بن
1) . المامقاني: تنقيح المقال: 212/2 برقم 7042.
محمد الحنفية، إلى آخر بأنّه أوصى إلى أخيه، علي بن محمد الحنفية، و أنّه أوصى إلى ابنه الحسن، إلى ثالث أنّه أوصى إلى محمد بن علي بن عبد اللّٰه بن العباس، إلى رابع بأنّه أوصى إلى بيان بن سمعان، إلى خامس أنّه أوصى إلى عبد اللّٰه بن عمرو بن حرب.
إنّ الكيسانية على كثرة فرقهم يجمعهم شيئان: أحدهما: القول بإمامة محمد ابن الحنفية و الثانية: القول بأنّه المهدي المنتظر مضافاً إلى القول بالبداء(1).
أقول: إنّ القول بالبداء ليس من عقائد هذه الطائفة و إنّما هو عقيدة إسلامية جاء بها القرآن الكريم و نصت به السنّة النبوية(2)و لو فسرت على وجه صحيح لعلم أنّ المسلمين بأجمعهم متفقون على القول بها.
و إنّما نشأ النزاع من تفسيره على وجه باطل، أعني: الظهور بعد الخفاء على اللّٰه تعالى، و لا يقول به أحد من المسلمين، و تفسيره الصحيح قائم بكلمتين: إحداهما يرجع إلى مقام الثبوت، و الأُخرى إلى مقام الإثبات، أمّا الأُولى، فالبداء عبارة عن تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة، كما كان الحال كذلك في قوم يونس، و أمّا الثانية فهي الإظهار بعد الإخفاء، و أمّا علمه سبحانه فلا يتغير و لا يتبدل و أوضحنا حقيقتها في الجزء السادس من هذه الموسوعة(3).
قد نقل في كتب الملل و النحل أنّهم استدلوا على كون محمد ابن الحنفية إماماً بقول علي عليه السلام له يوم البصرة و قد أقدم بالراية: «أنت ابني حقاً»!
و أنت خبير بأنّ أحقّية البنوّة هو كونه شبيه والده في الشجاعة لا أنّه إمام بعده أو بعد السبطين.
كما نقل أنّهم استدلوا على كونه مهدياً غائباً بقول النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «لن تنقضي الأيام و الليالي حتى يبعث اللّٰه رجلاً من أهل بيتي اسمه اسمي و اسم أبيه اسم أبي».
و لكن الاستدلال في غاية الضعف لأنّ اسم والد محمد هو علي لا عبد اللّٰه. نعم كان علي صلوات اللّٰه عليه عبداً للّٰه و صفيّاً لا علَمياً.
على أنّه لو صحّ الاستدلال فالنفس الزكية، أعني: محمد بن الحسن بن عبد اللّٰه بن الحسن المثنى، أولى منه.
و استدلوا أيضاً على أنّ خروج المختار كان بإذنه.
يلاحظ عليه: أنّ الإذن بالخروج لا يدلّ على أنّه ادّعى الإمامة و دعا الناس إليها، و قد روى الشيخ المفيد أنّه سئل محمد ابن الحنفية عن ظهور المختار و ادّعائه أنّ خروجه بأمره فأجاب:
و اللّٰه ما أمرته بذلك لكن لا أُبالي أن يأخذ بثأرنا كل أحد، و ما يسوؤني أن يكون المختار هو الذي يطلب بدمائنا.
فاعتمد السائلون على ذلك و كانوا كثيرين. و قد رحلوا إليه بهذا المعنى بعينه، فنصروا المختار على الطلب بدم الحسين عليه السلام.
و أخيراً نقول إنّ الإمامة إمّا بالنصّ أو بالبيعة، فإن كان الأوّل فأين النصّ؟ و إن كانت بالبيعة فأين بايعه أهل الحل و العقد؟
و توضيح المقال بذكر أمرين:
الأوّل: أنّ محمد الحنفية وليد البيت العلوي و ربيبه الذي وصفه أمير المؤمنين، بقوله: «إنّ المحامدة تأبى أن يعصى اللّٰه عزّ و جلّ» قال الراوي، قلت:
و من المحامدة؟ قال عليه السلام: «محمد بن جعفر، و محمد بن أبي بكر، و محمد بن أبي حذيفة و محمد بن أمير المؤمنين ابن الحنفية»(1)و كان أعرف الناس بعظم مقام الإمامة و خطورتها و أنّها لا تصلح إلاّ لمن ثبت في حقّه النص، من صاحب الرسالة أو من بايعه الناس، أو خصوص أهل الحل و العقد و مع ذلك كيف يلبّي دعوة نفر أو نفرين للقيام بأعباء الإمامة و لم يكن هناك تنصيص و لا بيعة من وجوه المسلمين و لم يكن الرجل من الانتهازيين أو من أبناء البيت الساقط الذين كانوا يدوسون كل الأُصول الإسلامية، للحصول على الغايات و يستهويهم النهمة و الشره لاختلاس الأموال أو حيازة جاه.
و نحن نُجلُّ محمد ابن الحنفية عن الرغبة إلى حيازة المقام الذي لا يصلح إلاّ لمن اجتمع لديه الشرط من التنصيص أوّلاً، أو البيعة ثانياً.
و الذي يؤيد ذلك أنّه لم تشاهد منه دعوة إلى نفسه، بإلقاء الخطابة و المحاضرة، أو بعث الرسل إلى الأطراف و الأكناف، أو تصدي أمر، يعد من شئون الحكومة، و لو كان كذلك لكان له أنصار و أعوان، و لما ألقى عليه القبض، ابن الزبير لغاية أخذ البيعة و التهديد بالإحراق عند رفضها. كما أنّه كان يتعاطف مع عبد الملك بن مروان - عملاً بواجبه - حتى أدركته المنية عام ثمانين أو واحد و ثمانين.
الثاني: لو أغمضنا عن ذلك فهل كان هناك جماعة، مؤمنون بإمامته و قيادته؟ و أنّ الفراغ الذي حصل، لدى الشيعة بشهادة السبط، مُلئ ببيعة أهل العراق و لفيف من أهل المدينة و مكة له، أو لا؟.
و الحقّ هو الثاني و أنّ كثير من الشيعة كانوا حيارى في أمر الإمامة لأجل الضغط من جانب الحكومة الأموية إلاّ الأخصّاء و لكن كانت الشيعة بأجمعهم
1) . المامقاني: تنقيح المقال: 57/2 برقم 10230، نقلاً عن رجال الكشي.
يتعاطفون مع أهل البيت و على مقدمتهم الشخصيتان البارزتان: محمد ابن الحنفية، و علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام من دون أن يتخذ ابن الحنفية إماماً و قدوة للشيعة.
ففي هذه الظروف نهض إنسان غيور، و شجاع مقدام، و سيف بتّار، لأخذ ثار الإمام الحسين ألا و هو المختار بن أبي عبيدة الثقفي الذي كان يحب أهل البيت عليهم السلام منذ نعومة أظفاره إلى أن ألقى حمامه في طريق أخذ ثارهم، و نال أُمنيته باجتثاث جذور أعدائهم، و سفك دمائهم، فأشفى صدور قلوب المؤمنين و على رأسهم أئمة أهل البيت و الهاشميون و الهاشميات بأجمعهم.
لقد كان الاتصال الوثيق مع أكابر أهل البيت يوم ذاك رصيداً كبيراً للثائر لغاية التفاف شيعة العراق حول المختار و لو لا ذلك لما تمكن من إنهاضهم إلى ميادين القتال. و بما أنّ محمد ابن الحنفية - رض - كان كبير العلويين في السن لم يكن له بد من التعاطف معه و كان له مثل ذلك سيد الساجدين، و لأجل المواصلة و المكاتبة مع العظيمين جلب اهتمام الشيعة لنفسه، و أقام نهضة كبيرة أخذ بها ثأر الحسين عليه السلام لا بل كانت ناراً أحرقت أُمنيات بني أُمية و أبادت آثارهم و اجتثت جذورهم.
و لما كانت ثورته ثقيلة على مناوئي أهل البيت عليهم السلام أرادوا إسقاطه من أعين الناس فتحاملوا عليه من جانب العقيدة فرموه باختراع المذهب حتى رموه بادّعاء النبوة و نزول الوحي حتى صاغوا له جملاً مضاهية لجمل الكهنة، و نسبوها إليه(1).
و لم يكن لهم غاية إلاّ القضاء على نهضته و ثورته.
يقول البغدادي: «فلمّا تمت للمختار ولاية الكوفة و الجزيرة و العراقين،
1) . البغدادي: الفرق بين الفرق: 46.
تكهّن بعد ذلك و سجع كإسجاع الكهنة، و حكي أيضاً أنّه ادّعى نزول الوحي عليه»(1).
لم يكن المترقّب من البيت الأموي و حماته الذين شربوا كأس المنون بيد الثائر المتفاني في حب أهل البيت، إلاّ رميه بادّعاء النبوة و نزول الوحي، و لنفترض أنّ الثائر الثقفي لم يكن رجلاً دينياً، و لم ينهض بدافع إلهي، و إنّما ثارت ثورته، بدافع نفسي مادي، و لكنه كان رجلاً عملاقاً و سياسياً عبقرياً، قاد أعظم الثورات التي شاهدها التاريخ في ذلك العصر و امتدت سلطته إلى أرمينيا، و هل مثله - و هو يحكم باسم الإسلام و الدين، و بتأييد من أئمة أهل البيت عليهم السلام - يدّعي النبوة و نزول الوحي و يتكلم بكلام الكهنة مع أنّ التاريخ ضبط خطبه و كلامه حتى نقلها البغدادي(2)كلا، و لا، و ما جاء به البغدادي، ليس إلاّ نسبة مفتعلة.
«من يتحقّق في سيرة المختار و حربه للأمويين و دكه لجيش قائدهم عبيد اللّٰه ابن زياد، و في عدائه للزبيريين ابتداء من انتزاع الحكم منهم في أوّل ثورته حتى قتاله لمصعب الذي سيطر على الحكم بعد المختار، - من يتحقّق في هذا - يستطع تحليل اتّهام المختار بالكذب و الانحراف و استغلال الإسلام و قتل الإمام الحسين عليه السلام من أجل مصالحه الشخصية، و أن تنسب له أقاويل مضادة للإسلام. و كيف لا يتهم بالأُمور السالفة و أضرابها و قد أطبقت على عدائه دولتان، دولة ابن الزبير و دولة الأمويين؟»(3).
و هناك بعض التساؤلات على صعيد البحث نشير إليها:
الأوّل: روى الشيخ الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر عليه السلام مناشدة محمد ابن الحنفية لعلي بن الحسين في مسألة الوصاية و الإمامة حتى اتفقا على
تحكيم الحجر الأسود و طلب الشهادة منه على أحدهما، فانطلقا حتى أتيا الحجر الأسود، فقال علي بن الحسين لمحمد ابن الحنفية: «ابدأ أنت فابتهل إلى اللّٰه عزّ و جلّ و سله أن ينطق لك الحجر ثمّ سل» فابتهل محمد في الدعاء و سأل اللّٰه ثمّ دعا الحجر فلم يجبه، فعند ذلك تقدم علي بن الحسين و قال: «أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء و ميثاق الأوصياء و ميثاق الناس أجمعين لما أخبرتنا مَن الوصي و الإمام بعد الحسين بن علي عليهما السلام؟» فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه ثمّ أنطقه اللّٰه عزّ و جلّ بلسان عربي مبين فقال: اللّهم إنّ الوصي و الإمام بعد الحسين بن علي عليهما السلام هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب و ابن فاطمة بنت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، قال فانصرف محمد بن علي و هو يتولّى علي بن الحسين - عليهما السلام(1).
لكن الإجابة عن هذا السؤال واضحة، فإنّا لو افترضنا صحة المضمون، و اكتفينا في مثل هذه الواقعة الخطيرة بالخبر الواحد، لنا أن نقول بأنّ المناشدة كانت لأجل إفهام الآخرين بإمامة علي بن الحسين حتى يوجه نظر الجماهير إلى الإمام الحقيقي.
إنّ محمد ابن الحنفية أجل من أن لا يعرف شروط الإمامة و إنّها لم تكن متوفرة في حقّه. إذ لو كانت بالنص فلم يكن هناك نصّ عليه، و لو كانت بالمبايعة و التصفيق بالأيدي فلم تكن هناك مبايعة. و مع ذلك فهل يحتمل أن يشهد له الحجر بالإمامة.
الثاني: إذا لم تكن هناك دعوة باسم الكيسانية و إنّما خلقها أعداء المختار لإسقاطه من أعين الناس فبما ذا يفسر ما أنشأه الشاعر كُثَيِّر عزّة.
1) . الكليني: الكافي: 348/1 ح 5، كتاب الحجّة.
ألا إنّ الأئمة من قريش *** ولاة حقّ أربعة سواء
علي و الثلاثة من بنيه *** هم الأسباط ليس بهم خفاء(1)
أو ما أنشأه السيد الحميري:
يا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى *** و بنا إليه من الصبابة أولق
حتى متى؟ و إلى متى؟ و كم المدى *** يا ابن الرسول و أنت حيٌّ ترزق(2)
و الإجابة عن هذا السؤال واضحة لأنّا أيضاً نرافق القارئ في حكاية هذه الأشعار عن ظهور عقيدة خاصة في حقّ محمد ابن الحنفية، و لكنها لم تكن تتجاوز عن حدوث فتنة دينية أثارت شكوكاً تارة و أوهاماً أُخرى على بعض الناس و لم يمض شيء حتى ذهبت أدراج الرياح، و لا تعد مثل ذلك فرقة إسلامية لها دور على بعض الناس على أنّ شعر السيد لا يثبت هذا المطلب لأنّه يقول: يا ابن الرسول و لم يكن محمد ابن الحنفية ابناً للرسول صلى الله عليه و آله و سلم.
الثالث: روي أنّ السيد الحميري كان كيسانياً و له شعر في هذا المذهب و لكنه رجع إلى الحقّ بفضل الإمام جعفر الصادق عليه السلام و قال:
تجعفرتُ باسم اللّٰه و اللّٰه أكبر *** و أيقنتُ أنّ اللّٰه يعفو و يغفر
و دنتُ بدينٍ غير ما كنتُ دائناً *** به و نهاني سيد الناس جعفر
فقلت هب أنّي قد تهوّدتُ برهة *** و إلاّ فديني دين من يتنصر
فلست بغال ما حييتُ و راجع *** إلى ما عليه كنت أخفي و أُضمر
و لا قائل قولاً لكيسان بعدها *** و إن عاب جهال مقالي و أكثروا
و لكنه من قد مضى لسبيله *** على أحسن الحالات يقضي و يؤثر(3)
إنّ شعره هذا يحكي عن وقوع شبهة لبعض أولياء أهل البيت عليهم السلام فتصوروا المجاز حقيقة، و لكنهم رجعوا إلى شرعة الحقيقة و شربوا من مائها العذب المعين.
و قد اتضح بهذا البحث الضافي على أنّ المذهب الكيساني تحدقه إبهامات و غموض في مؤسسة و أتباعه و أهدافه تكاد تدفع الإنسان إلى أنّه مذهب مختلق من جانب الأعداء، ملصق بشيعة أهل بيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم لغاية تشويش أذهان الشيعة أوّلاً و تحطيم سمعة السيف البتار المختار بن أبي عبيدة ثانياً.
و هناك كلمة تدعم ما ذكرنا بأحسن وجه و هي أنّ الباعث الوحيد لترويج هذا المسلك هو العباسيون في بداية أمرهم لأنّهم كانوا يستمدون شرعية خلافتهم من هذا الطريق إذ يدعون أنّ أبا هاشم أوصى إلى محمد بن علي بن عبد اللّٰه بن عباس.
قال الأشعري: قالوا إنّ أبا هاشم مات بأرض السراة منصرفاً من الشام فأوصى هناك إلى محمد بن علي بن عبد اللّٰه بن عباس، و أوصى محمد بن علي، إلى ابنه إبراهيم بن محمد ثمّ أوصى إبراهيم بن محمد إلى أبي العباس ثمّ أفضت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور بوصية بعضهم إلى بعض(1).
فالعباسيون لأجل إضفاء الشرعية على خلافتهم كانوا يدعمون هذا المذهب و يصوّرونه أمراً واقعياً وصل إليهم من أئمة أهل البيت فمن الحسين عليه السلام إلى أخيه محمد ابن الحنفية إلى ابنه أبي هاشم إلى محمد بن علي بن عبد اللّٰه بن عباس إلى أن وصل إلى المنصور ذلك الحاكم الطاغي قاتل العلويين.
قال ابن خلدون في مقدمته: و آخرون يزعمون أنّ أبا هاشم لما مات بأرض السراة منصرفاً من الشام، أوصى إلى محمد بن علي بن عبد اللّٰه بن عباس، و أوصى
1) . الاشعري: مقالات الاسلاميين: 21، و في النسخة «الشراة».
محمد إلى ابنه إبراهيم المعروف بالإمام، و أوصى إبراهيم إلى أخيه عبد اللّٰه بن الحارثية الملقب بالسفاح، و أوصى هو إلى أخيه عبد اللّٰه أبي جعفر الملقب بالمنصور، و انتقلت في ولده بالنص و العهد واحداً بعد آخر إلى آخرهم، و هذا مذهب الهاشمية القائمين بدولة بني العباس، و كان منهم: أبو مسلم و سليمان بن كثير و أبو سلمة الخلاّل و غيرهم من شيعة العباسية و ربما يعضدون ذلك بأنّ حقهم في هذا الأمر يصل إليهم من العباس، لأنّه كان حيّاً وقت الوفاة و هم أولى بالوراثة بعصبيّة العمومة(1).
و الجدير بإلفات نظر القارئ هو قول ابن خلدون: «و ربما يعضدون ذلك بأنّ حقهم في هذا الأمر يصل إليهم من العباس» فإن ظاهره أنّ العباسيين يعضدون الكيسانية و يروجونها إذ من ذلك الطريق يصلون إلى شرعية حكمهم(2).
و في الختام نأتي بكلمتين للشيخ المفيد، قال:
1 - أنّ جميع ما حكيناه من اعتقادات القوم، أمر حادث ألجأ القوم إليه الاضطرار، عند الحيرة، و فراقهم الحقّ، و الأصل المشهور ما حكيناه من قول الجماعة المعروفة بإمامة أبي القاسم - محمد الحنفية - بعد أخويه و القطع على حياته و أنّه القائم (و أمّا غير هذا القول فقد حدث بعد زمن، ألجأهم الاضطرار إليه).
2 - انقرضت الكيسانية حتى لا يعرف منهم في هذا الزمان أحد إلاّ ما يحكى و لا تُعرف صحته، و يقول في مورد آخر: «إنّ الكيسانية في وقتنا هذا لا بقية لهم و لا يوجد عدد منهم، يقطع العذر بنقله، بل لا يوجد أحد منهم يدخل في جملة أهل العلم بل لا نجد أحداً منهم جملة، و إنّما تقع مع الناس الحكاية عنهم خاصة(3).
قد ذكر أصحاب المقالات للشيعة فرقاً بصورة عامة و للزيدية و الإمامية بصورة خاصة، أمّا فرق الزيدية فسوف نتناولها في مستقبل الكتاب و نثبت أنّ زيداً الثائر لم يكن إماماً في العقائد و لا فقيهاً صاحب منهج في الفقه و لم يكن له أي ادّعاء في ذينك المجالين حتى يكون إماماً في أحدهما و يشكل فرقة خاصة باسم الزيدية، نعم بعد ما قتل زيد في المعركة و أدّى واجبه تفرّق أصحابه إلى فرق و مذاهب لا تمت بالثائر بصلة، فانتماء الفرق الزيدية إلى اتباع زيد الصق بهم من زيد - رضي اللّٰه عنه - و سيوافيك التفصيل في محله.
إنّما الكلام عن الفرق التي ذكروها فرقاً للإمامية و قد كبّروها و عدّوها خمس عشرة فرقة و هي:
1 - الكاملية 2 - المحمدية 3 - الباقرية 4 - الناووسية 5 - الشمطية 6 - العمارية 7 - الإسماعيلية 8 - المباركية 9 - الموسوية 10 - القطعية 11 - الاثنا عشرية 12 - الهشامية 13 - الزرارية 14 - اليونسية 15 - الشيطانية(1).
و هؤلاء الذين ذكرهم البغدادي تبعاً للأشعري، و تبعهما الإسفرائيني في كتابه «التبصير في الدين» و الشهرستاني في «الملل و النحل» و الرازي في «اعتقادات المسلمين و المشركين» تدور بين الصحيح و المختلق، فإنّ كثيراً منها فرق في عالم
1) . البغدادي: الفرق بين الفرق: 350.
الوهم و الخيال نسجها مناوءوا أهل البيت لتشويه سمعة الشيعة الإمامية، و لنأتي بنموذج عنها و هم الفرق الأربعة الأخيرة، أعني: الهشامية و الزرارية و اليونسية و الشيطانية فإنّك لا ترى أثراً من هذه الفرق في كتب الشيعة الإمامية.
أمّا الأُولى: أي المنسوبة إلى هشام بن الحكم فمختلقة، فإنّ هشام بن الحكم من متكلّمي الشيعة الإمامية و بطانتهم و ممّن دعا له الإمام الصادق عليه السلام فقال: «ما تزال مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك».
قال الشهرستاني: هذا هشام بن الحكم صاحب غور في الأُصول لا يجوز أن يُغفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإنّ الرجل وراء ما يلزم به على الخصم، و دون ما يُظهره من التشبيه!! و ذلك أنّه ألزم العلاّف(1).
سيوافيك أنّ ما نقله عنه من التشبيه يرجع إلى زمن شبابه قبل اتصاله بالإمام الصادق عليه السلام و يعتبر الرجل بخواتيم أعماله و معتقداته.
يقول أحمد أمين: أكبر شخصية شيعية في الكلام و كان جداً قوي الحجّة، ناظر المعتزلة و ناظروه و نقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرقة تدلّ على حضور بديهته و قوة حجّته.
إنّ الشيخ الأشعري قد أطنب الكلام عنه و ذكر له عقائد خرافية في تجسيمه سبحانه و عطف عليه هشام بن صادق الجواليقي و اشتراكهما في التجسيم و مضاعفاته(2)و ذكره البغدادي بنفس النص مع تلخيص(3)، و تبعهما من جاء بعدهما كالشهرستاني غير أنّ هؤلاء لابتعادهم عن التعرّف برجال الشيعة لم يعرفوا هشام بن الحكم حقّ المعرفة و اشتبه عليهم الأمر، فإنّ هشام كان بداية أمره من
تلامذة أبي شاكر الديصاني صاحب النزعة الإلحادية، ثمّ تبع جهم بن صفوان الجبري المتطرف المقتول ب «ترمذ» عام 128 ه، و لما التحق بالإمام الصادق عليه السلام ودان بمذهب الإمامية ترك ما كان يعتقد به من تجسيم و تشبيه فقد تطبعت عقليته على معارف أهل البيت إلى حد كبير، و لا يخفى على إنسان ملمّ بالحديث و الكلام أنّ التنزيه شعار أهل البيت عليهم السلام و لقد كفانا الشيخ عبد اللّٰه نعمة في رسم حياة هشام رسماً واقعياً منزّهاً عن كل رأي مفتعل(1).
و أمّا الثانية: أعني الزرارية فهذه الفرقة المختلقة منسوبة إلى زرارة بن أعين من أجلاّء تلاميذ الإمامين الباقر و الصادق عليهما السلام. يقول النجاشي في حقه: شيخ أصحابنا في زمانه و متقدّمهم و كان قارئاً، فقيهاً، متكلماً، شاعراً، أديباً، قد اجتمعت فيه خصال الفضل و الدين(2)و قد ذكرنا له ترجمة ضافية طبعت في مقدمة مسنده، مات رحمه اللّٰه عام 150 ه، و لم يكن له أي شطح في العقيدة أو اعوجاج في الفكر، و إنّما كان يسير على ضوء إماميه الباقر و الصادق عليهما السلام و قد أثنيا عليه بجمل ضافية، و مسنده المطبوع لأصدق دليل على براءته في الكلام و اضطلاعه في الفقه.
نعم أنّ الضغائن و الحقد على هذا المتكلّم و على من سبقه - هشام بن الحكم - دفع المخالفين على رميهم بالانحراف الفكري، قال البغدادي: و منهم الزرارية أتباع زرارة بن أعين الرافضي، في دعواها حدوث جميع صفات اللّٰه عزّ و جلّ و إنّها من جنس صفات اللّٰه عزّ و جلّ و زعموا أنّ اللّٰه تعالى لم يكن في الأزل حيّاً، و لا عالماً و لا قادراً و لا مريداً و لا سميعاً، و لا بصيراً و إنما استحق هذه الأوصاف حين أحدث لنفسه حياة و قدرة و علماً و إرادة و سمعاً و بصراً.(3)
ما عزى إليه، نسبة مفتعلة، و الرجل ممّن برع في الفقه الأكبر و الأصغر في أحضان الإمامين الباقر و الصادق عليهما السلام و حاشا أنّ يقول مثله بحدوث الأوصاف الثبوتية للّٰه.
و أمّا الثالثة: فهي اليونسية المنسوبة إلى يونس بن عبد الرحمن مولى علي بن يقطين بن موسى، مولى بني أسد، فقد كان حافظاً للحديث، فقيهاً في الدين، متكلّماً على مذهب أهل البيت. يقول النجاشي:
كان وجهاً في أصحابنا، متقدماً، عظيم المنزلة، ولد في أيام هشام بن عبد الملك و رأى جعفر بن محمد عليهما السلام بين الصفا و المروة و لم يرو عنه، و روى عن أبي الحسن موسى و الرضا عليهما السلام، و كان الرضا عليه السلام يشير إليه في العلم و الفتيا له كتاب يوم و ليلة و قد قال في حقّه الإمام العسكري عليه السلام: «أتاه اللّٰه بكل حرف نوراً يوم القيامة» و كتب أُخرى ذكرها النجاشي(1).
و قد نسب إليه البغدادي من أنّه كان يقول: إنّ اللّٰه تعالى يحمله حملة عرشه و إن كان هو أقوى منها(2).
و أمّا الرابعة: فهؤلاء يريدون من الشيطان، محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي، كوفي صيرفي يلقّب ب «مؤمن الطاق» و «صاحب الطاق»، و إنّما لقبه المخالفون بشيطان الطاق، و كان دكانه في طاق المحامل بالكوفة فيرجع إليه في النقد فيرد رداً فيخرج كما يقول فيقال شيطان الطاق. له كتاب الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين، و كتاب رد فيه على الخوارج، و مناظرات مع أبي حنيفة و المرجئة.
و قال ابن النديم: كان متكلماً حاذقاً. و له من الكتب: الإمامة و كتاب المعرفة
و كتاب الرد على المعتزلة في إمامة المفضول، و كتاب في أمر طلحة و الزبير و عائشة(1).
نسب إليه البغدادي من أنّ اللّٰه تعالى إنّما يعلم الأشياء إذا قدرها و أرادها، و لا يكون قبل تقديره الأشياء عالماً بها، و إلاّ ما صحّ تكليف العباد(2).
إنّ دراسة حياة هؤلاء الأكابر تشهد على أنّهم من حفاظ أحاديث أهل البيت و من مقتفي آثارهم، فعقيدتهم لا تختلف قدر شعرة مما كان عليه الإمام الصادق و الإمام الكاظم عليهما السلام.
هؤلاء كانوا صواعق تنزل على رءوس المنافقين و تدمر أوكار أفكارهم، فلم يجد الخصوم بدّاً من الازدراء بهم حتى لقّبوا بعضهم بالشيطانية تنابزاً بالألقاب.
نحن نسلم أنّ له رأياً فيما ترجع إلى الاستطاعة كما زعمها الأشعري في مؤمن الطاق و من تقدّمه(3).
أ فيصح أن يعد هؤلاء مؤسّسين لفرق إسلامية بحجّة أنّ لهم رأياً في مسألة كلامه و لو صلح ذلك لبلغت عدد الفرق الإسلامية المائة بل المئات، إذ ما من مسألة كلامية إلاّ فيها خلاف بين علماء الكلام.
هذا ما يرجع إلى الفرق الأربعة التي ذكرها البغدادي في آخر الفرق للإمامية، و لنرجع إلى ما صدر به فرق الإمامية و نشرحها بالمشراط العلمي.
يقول البغدادي: هؤلاء أتباع رجل من الرافضة كان يعرف بأبي كامل، و كان يزعم بأنّ الصحابة قد كفروا بتركهم بيعة علي، و كفر عليّ، بتركه قتالهم، و كان يلزمه قتالهم كما لزمه قتال أصحاب صفين، و كان بشار بن برد الشاعر الأعمى على هذا المذهب، و روى أنّه قيل: له ما تقول في الصحابة؟ قال: كفروا، فقيل له: فما ذا تقول في علي؟ فتمثل بقول الشاعر:
و ما شر الثلاثة أم عمرو *** بصاحبك الذي لا تصبحينا
و حكى أصحاب المقالات عن بشار أنّه ضم إلى ضلالته في تكفير الصحابة و تكفير علي معهم ضلالتين أُخريين.
إحداهما: قوله برجعته إلى الدنيا قبل يوم القيامة، كما ذهب إليه أصحاب الرجعة من الرافضة.
الثانية: قوله بتصويب إبليس في تفضيل النار على الأرض، و استدلوا في ذلك بقول بشار في شعر له:
الأرض مظلمة و النار مشرقة *** و النار معبودة مذ كانت النار(1)
يلاحظ عليه: بما ذكرنا في أوّل الفصل من أنّ عد فرقة من المذاهب الإسلامية مشروط بوجود المقسم في القسم فلو لم يشم القسم رائحة المقسم فلا يصح عدّه قسماً منه، فإنّ التشيع بالمعنى الاصطلاحي هو الاعتقاد بأنّ علياً عليه السلام هو المنصوب للقيادة بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، و معنى ذلك لزوم متابعته و الاقتفاء بأثره، و أنّه الرجل الأمثل و الأفضل بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، فإذا كان الرجل مبغضاً
1) . البغدادي: الفرق بين الفرق: 54، و الإسفرائيني، التبصير: 35، تحقيق كمال يوسف الحوت
و مكفّراً لعلي و إن كان مكفّراً لسائر الخلفاء، فهل يصح عدّه من الشيعة و عدّ مذهبه فرقة من فرق الشيعة الإمامية؟!.
لا أدري و لا المنجم يدري و لا القراء يدرون!!
على أنّ الرجعة ليست بمعنى رجوع جميع الناس إلى الدنيا المستلزم لإنكار البعث، بل المقصود رجوع عدد قليل من الصلحاء و الطواغيت عند ظهور المهدي عليه السلام و لعل عددهم لا يتجاوز عدد الأصابع، و قد أوضحنا معناها في الجزء السادس من هذه الموسوعة(1).
هؤلاء ينتظرون محمد (النفس الزكية) بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، و لا يصدّقون بقتله و لا بموته، و يزعمون أنّه في جبل حاجز من ناحية نجد إلى أن يؤمل بالخروج، و كان المغيرة بن سعيد العجلي مع ضلالاته في التشبيه يقول لأصحابه: إنّ المهدي المنتظر، محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن ابن علي، و يستدل على ذلك بأنّ اسمه كاسم رسول اللّٰه و اسم أبيه عبد اللّٰه كاسم أبي رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، و قال في الحديث عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قوله في المهدي: «إنّ اسمه يوافق اسمي، و اسم أبيه اسم أبي» فلما أظهر محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن علي دعوته بالمدينة و استولى على مكة و المدينة، و استولى أخوه إبراهيم بن عبد اللّٰه على البصرة، و استولى أخوهما الثالث - و هو إدريس بن عبد اللّٰه - على بلاد المغرب، و كان ذلك في زمان الخليفة أبي جعفر المنصور فبعث المنصور إلى حرب «محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن» بعيسى بن موسى في جيش كثيف قاتلوا محمّداً بالمدينة و قتلوه في المعركة، ثمّ أنفذ بعيسى بن موسى أيضاً إلى حرب «إبراهيم بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن علي» مع جنده، فقتلوا إبراهيم بباب حمرين على
1) . السبحاني: موسوعة بحوث في الملل و النحل: 363/6.
الستة عشر فرسخاً من الكوفة، و مات في تلك الفتنة إدريس بن عبد اللّٰه بن الحسن بأرض المغرب، و قيل: إنّه سُمَّ بها، و مات عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن والد أُولئك الإخوة الثلاثة في سجن المنصور، و قبره بالقادسية، و هو مشهد معروف يزار(1).
يلاحظ عليه: من سبر تاريخ العلويين يذعن بأنّه كانت في عصر الإمام الصادق عليه السلام و أيام إمامته (114-148 ه) فكرتان تسودهم، فمن معتقد بأن طريق إنقاذ الأُمة الإسلامية من أيدي الأمويين ثمّ العباسيين يكمن في الكفاح المسلّح، إلى آخر بأنّ الظروف لا تسمح للكفاح المسلح و إنّما الواجب توعية الناس و تثقيفهم و تعليمهم و إعدادهم إلى الظرف المناسب.
و قد سلك زيد الثائر الدرب وفق المعتقد الأوّل، و أعقبه أبناؤه: يحيى بن زيد و عيسى بن زيد، ثمّ الحسنيون عامة، و لذلك قام محمد بن إبراهيم بن الحسن المثنى بطرق هذا الباب و أثار ثورة مع إخوته كما عرفت، و لم يكن له و لا لإخوته أو غيره أي دعوة إلى شخصهم و إنّما فرضوا على أنفسهم إزالة الحكومة الجائرة ثمّ تفويض الأمر إلى الأليق و الأمثل من أئمة أهل البيت عليهم السلام، و على ضوء ذلك فلا يصح لنا عد ثائر على الظلم مؤسساً لمذهب و مكوناً لفرقة، و أمّا أنّ أمثال المغيرة بن سعيد من رجال العبث و الفساد الذين استبطلوه بتعريفهم إيّاه للملأ على أنّه المهدي المنتظر فلا يمت إلى الثائر بصلة، و قد تقدّم أنّ أئمة أهل البيت تبرّءوا من ابن سعيد و أذنابه عملاء الفسق و الفساد.
إنّ الإمامية عن بكرة أبيهم يعتقدون بأنّ الأئمة اثنا عشر خلفاء اللّٰه بعد وفاة
1) . البغدادي: الفرق بين الفرق: 57-58، و قد بسط الكلام في هذه الفرقة الإسفرائيني في التبصير: 35-36.
الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و قد ذكر الرسول الأكرم أسماءهم لخُلَّص أصحابه، منهم جابر بن عبد اللّٰه الأنصاري و غيره(1)و قد تضافر عن الرسول حسب ما رواه أحمد في صحيحه أنّه يملك هذه الأُمّة اثنا عشر خليفة كعدد نقباء بني إسرائيل(2)و روى البخاري عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يقول: «يكون اثنا عشر أميراً» فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: «كلّهم من قريش»(3)و روى مسلم عنه أيضاً يقول: سمعتُ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يقول: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» ثمّ قال كلمة لم أفهمها فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: كلّهم من قريش(4).
إلى غير ذلك من الروايات الناصة على أنّ خلفاء الرسول اثنا عشر خليفة، و قد ذكرنا متون الروايات في الجزء السادس من هذه الموسوعة(5).
و قد اتفقت الإمامية على أنّ محمداً الباقر و جعفراً الصادق عليهما السلام من الأئمة الاثني عشر بلا ريب أو شك، كما اتفقت الأُمّة على فضلهما و جلالتهما بلا ريب أو شك.
قال ابن خلّكان: أبو جعفر محمد بن زين العابدين الملقب ب «الباقر» أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، و هو والد جعفر الصادق، كان الباقر عالماً سيّداً كبيراً، و إنّما قيل له الباقر، لأنّه تبقّر في العلم، أي توسّع، و فيه يقول الشاعر:
يا باقر العلم لأهل التقى *** و خير من لبّى على الأجْبُلِ(6)
1) . الحويزي: نور الثقلين: 414/1، في تفسير قوله تعالى: (أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ) (النساء - 59).
2) . أحمد بن حنبل، المسند: 398/1.
3) . البخاري: الصحيح: 101/9، كتاب الأحكام الباب 51 (باب الاستخلاف)
4) . مسلم: الصحيح: 3/6.
5) . السبحاني: بحوث في الملل و النحل: 58/6-62.
6) . ابن خلّكان: وفيات الأعيان: 174/4
و هذا هو الشهرستاني يعرف الإمام جعفر الصادق عليه السلام بقوله: و هو ذو علم غزير في الدين، و أدب كامل في الحكمة، و زهد بالغ في الدنيا، و ورع تام عن الشهوات، و قد أقام بالمدينة مدّة يفيد الشيعة المنتمين إليه، ثمّ دخل العراق و أقام بها مدّة(1).
نعم كان الاعتقاد بظهور المهدي أمراً مسلماً بين المسلمين عامّة و الشيعة خاصة، و ربما تطرأ الشبهة للعوام في حقّ بعض الأئمة، و قد نقل البغدادي أنّ من بين الشيعة من يقول: إنّ الإمام الباقر هو المهدي المنتظر، و يستدل بما روي عن النبي أنّه قال لجابر بن عبد اللّٰه الأنصاري: «إنّك تلقاه فاقرئه مني السلام» و كان جابر آخر من مات بالمدينة من الصحابة، و كان قد عمي في آخر عمره، و كان يمشي في المدينة و يقول: يا باقر، يا باقر، متى ألقاك؟ فمرّ يوماً في بعض سكك المدينة فناولته جارية صبياً كان في حجرها، فقال لها: من هذا؟ فقالت: هذا محمد ابن علي بن الحسين بن علي، فضمه إلى صدره و قبّل رأسه و يديه ثمّ قال: يا بني، جدّك رسول اللّٰه يقرئك السلام. ثمّ قال جابر: قد نعيت إلي نفسي، فمات في تلك الليلة(2).
و تبعه الإسفرائيني في «التبصير»، و نسبا إلى بعض الشيعة أنّهم اعتقدوا بأنّ المهدي المنتظر هو أبو جعفر الباقر عليه السلام و ليس في كتب الشيعة من هذه الفرقة من أثر، و لعله كانت هنا شبهة لبعض الناس فماتت الشبهة بموتهم.
قال الأشعري: و هؤلاء يسوقون الإمامة إلى أبي جعفر محمد بن علي، و أنّ
أبا جعفر نصّ على إمامة جعفر بن محمد، و أنّ جعفر بن محمّد حيّ لم يمت و لا يموت حتى يظهر أمره، و هو القائم المهدي و هذه الفرقة تسمّى الناووسية، لقبوا برئيس لهم يقال له: «عجلان بن ناووس» من أهل البصرة(1).
و في الحور العين: إنّهم أتباع رجل يقال له «ناووس» و قيل: نسبوا إلى قرية ناووس(2).
إذا تردّد أمر مؤسس المذهب من أنّه هو «ناووس» أو ابنه عجلان، أو شخص ثالث منسوب إلى «ناووس» يكون أولى بأن يشك الإنسان في أصله و غاية ما يمكن أن يقال طروء شبهة لشخص أو شخصين في أمر المهدي فزعموا أنّه الإمام الصادق عليه السلام لكن ماتت الشبهة بموت أصحابها و لا يعد مثل ذلك فرقة، غير أنّ حبّ أصحاب المقالات لتكثير فرق الشيعة أوّلاً، و فرق المسلمين ثانياً لتجسيد حديث افتراق الأُمّة إلى ثلاث و سبعين فرقة، جرّهم إلى عدّ هؤلاء فرقة.
و الحاصل بما أنّه لم يذكر لهم دور في الحياة، و لا حركة في المجتمع، يظن أنّه حصلت شبهة في مسألة المهدي، فزعم الرجل أنّه الإمام الصادق و تبعه واحد أو اثنان، ثمّ ماتت الفرقة بموت المشتبه فلا يعد مثل ذلك فرقة.
نحن نطلق الفرقة على جماعة لهم منهج في العقيدة أو مذهب في الفقه أو لهم دعايات و بلاغات و حركات في المجتمع.
إلى هنا لم نجد للشيعة الإمامية فرقة صحيحة قابلة للذكر فهي بين خارجة عن الدين من رأس كالغلاة، و مغمورة في أطباق الإبهام كالكيسانية، أو طارئة عليها الشبهة و لم يكتب لها البقاء إلاّ أياماً قلائل، و المظنون أنّ الشيعة الإمامية إلى عصر الإمام الصادق عليه السلام كانوا متماسكين غير منفصلين.
قال الشهرستاني: إنّ الإمامية متفقون في الإمامة و سوقها إلى جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، و مختلفون في المنصوص عليه من أولاده، إذ كانت له خمسة أولاد، و قيل ستة: محمد و إسحاق و عبد اللّٰه و موسى و إسماعيل(1).
لقد عرفت أنّ جماهير الشيعة كانوا متماسكين غير مختلفين، و لو طرأت هناك شبهة فلواحد أو اثنين فلم تكن مؤثرة على التحامهم.
نعم، توفي الإمام الصادق عليه السلام و كان الضغط على الشيعة شديداً و كان أبو جعفر المنصور ذلك الحاكم الطاغي يقتل العلويين بقسوة شديدة، ففي هذه الظروف أي عام 148 ه لبى الإمام الصادق عليه السلام دعوة ربّه و لم يكن في إمكانه التصريح العام بالإمام الذي بعده، حتى أنّه لما مات أوصى إلى خمسة أشخاص منهم أبو جعفر المنصور و منهم حاكم المدينة و ثالثهم زوجته، و بذلك جعل الأمر مخفياً على الأعداء. و عند ذلك نشأ اختلاف بين الشيعة و تفرّقوا إلى فرق ثلاث:
قالوا بأنّ الإمام هو محمد بن جعفر و الإمامة في ولده، نسبت تلك العقيدة إلى رئيس لهم باسم يحيى بن سميط(2)
و في الحور العين: يحيى بن أبي شميط.
و لم يكتب البقاء لهذه الفرقة و ليس لها رسم و لا اسم بين كتب الشيعة الذين هم أعرف بفرقهم.و هم القائلون بإمامة الاثني عشر مع عبد اللّٰه الأفطح ابن الصادق عليه السلام يدخلونه بين أبيه و أخيه (الإمام الكاظم عليه السلام)، و عن الشهيد رحمه الله أنّهم يدخلونه بين الكاظم و الرضا عليهما السلام و قد كان أفطح الرأس، و قيل: أفطح الرجلين، و إنّما دخلت عليهم الشبهة مما رووا عن الأئمة: الإمامة في الأكبر من ولد الإمام، ثمّ منهم من رجع عن القول بإمامته لما امتحنوه بمسائل من الحلال و الحرام و لم يكن عنده جواب، و لما ظهرت منه الأشياء التي لا ينبغي أنّ تظهر من الإمام، ثمّ إنّ عبد اللّٰه مات بعد أبيه بسبعين يوماً، فرجع الباقون - الشذّاذ منهم - عن القول بإمامته إلى القول بإمامة أبي الحسن موسى عليه السلام.
و قد أسماهم أبو الحسن الأشعري ب: «العمارية» و قال: و أصحاب هذه المقالة منسوبون إلى زعيم منهم يسمى:
عماراً، و لعل المراد منه هو: عمار بن موسى الساباطي من رؤساء الفطحية. قال: الشيخ الطوسي: عمار بن موسى الساباطي و كان فطحياً له كتاب كبير جيد معتمد(1).
و ربّما يعبر عنهم بالقرامطة: و هم القائلون بإمامة إسماعيل بن جعفر و لما مات إسماعيل في حياة أبيه صارت الإمامة في ابنه محمد بن إسماعيل، و هم فرقة كبيرة موجودة في العصر الحاضر.
1) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 27، و البغدادي: الفرق بين الفرق: 62. و النوبختي: فرق الشيعة: 68، و الطوسي: الفهرست: برقم 527.
إنّ الشيعة الإمامية القائلة بإمامة الاثني عشر قالت بأنّ الإمام بعد جعفر الصادق عليه السلام هو ابنه موسى بن جعفر عليه السلام و لهم على إمامته براهين و حجج مقنعة، فلما توفي وقفت عدّة على إمامة موسى عليه السلام و لم يقولوا بإمامة ولده علي بن موسى الرضا عليه السلام.
قال الأشعري: و هذا الصنف يدعون الواقفة لأنّهم وقفوا على موسى بن جعفر و لم يجاوزوه إلى غيره، و بعض مخالفي هذه الفرقة يدعونهم بالممطورة، و ذلك أنّ رجلاً منهم ناظر يونس بن عبد الرحمن فقال له يونس: أنتم أهون عليّ من الكلاب الممطورة، فلزمهم هذا النبز و ربما يطلق عليهم: الموسوية(1).
هذه الفرق الأربعة، السميطية، الفطحية، الإسماعيلية و الواقفية هي الفرق الواقعية للشيعة بعد الإمام الصادق عليه السلام و قد هلكت جميعها و لم يبق منهم إلاّ الإسماعيلية و أمّا النصيرية، أعني: أصحاب محمد بن نصير الفهري، فهم من الغلاة الذين لا يمتّون إلى الإسلام و التشيع بصلة، ظهرت في عصر الإمام الهادي عليه السلام و هم أصحاب محمد بن نصير النميريّ و قيل فيهم غير ذلك و مثلهم المفوضة ببعض معانيها. بما أنّ نطاق هذا الجزء يضيق عن التبسط سنبحث عن هذه الفرق في مقدّمة الجزء الثامن المختص بالإسماعيلية بفضل من اللّٰه تبارك و تعالى.
1) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 28-29.
بَخَس المؤرخون حقوق آل البيت جميعاً، و حقوق زيد الثائر الشهيد خصوصاً و لم يذكروا من أحواله شيئاً كثيراً، مع أنّهم استقصوا بيان حياة الجائرين من بني أُمية و العباس و ذكروا مجالس المجون و الخلاعة لهم، و ما جرى بينهم و بين المغنّيات و سائر الأجلاف فيها. من القصص و الهزليّات و هذا إن دل على شيء فإنّما يدلّ على اضطهاد أهل البيت حتى عند أهل القلم و البيان، فأخفوا آثارهم و مناقبهم. و لأجل ذلك نذكر في المقام ما وقفنا عليه في طيات الكتب معتذرين عن قلة ما نهدي إلى سدنة ثائرنا - قدس اللّٰه نفسه الزكية -.
فنقول:
أدرك زيد بن علي من الأئمة الاثني عشر، ثلاثة:
1 - والده علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام (38-94 ه).
2 - أخوه الأكبر أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين عليه السلام (57-114 ه).
3 - ابن أخيه الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام (83-148 ه).
فلنذكر فيما يرجع إلى المحور الأوّل من المحاور الثلاثة، نسبه و ميلاده و مواصفاته الخلقية و ما يمت إليه بصلة.
هو زيد الشهيد، بن زين العابدين علي، بن سيد الشهداء الحسين، بن مولى الموحدين و سيد الوصيين علي، بن حامي الرسول و الذائد عن حريمه صلى الله عليه و آله و سلم أبي طالب، هؤلاء آباؤه فله أن يفتخر و يقول:
أُولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع
و أمّا أُمّه فاسمها حورية أو حوراء اشتراها المختار بن أبي عبيدة الثقفي و أهداها إلى علي بن الحسين عليهما السلام روى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: انّ المختار بن أبي عبيدة اشترى جارية بثلاثين ألفاً. فقال لها: أدبري، فأدبرت، ثمّ قال لها: أقبلي، فأقبلت، ثمّ قال: ما أرى أحداً أحقّ بها من علي بن الحسين، فبعث بها إليه، و هي أُم زيد بن علي عليه السلام و أنجبت له زيداً و عمر، و علياً و خديجة(1).
روى ابن قولويه (م 369 ه) قال: روى بعض أصحابنا، قال: كنت عند علي بن الحسين عليه السلام فكان إذا صلّى الفجر لم يتكلّم حتى تطلع الشمس فجاءُوه يوم ولد فيه زيد، فبشّروه به بعد صلاة الفجر، قال: فالتفت إلى أصحابه و قال: «أي شيء ترون أن أُسمّي هذا المولود؟» فقال كل رجل منهم: سمّه كذا، سمّه كذا. قال: فقال: «يا غلام عليّ بالمصحف»، فجاءُوا بالمصحف، فوضعه على
1) . أبو الفرج: مقاتل الطالبيين: 86، المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف (1385 ه - 1965 م).
حجره. قال: ثمّ فتحه، فنظر إلى أوّل حرف في الورقة، فإذا فيه: «فَضَّلَ اَللّٰهُ اَلْمُجٰاهِدِينَ عَلَى اَلْقٰاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً» (النساء - 95) قال: ثمّ طبقه، ثمّ فتحه، فنظر فإذا في أوّل الورقة: «إِنَّ اَللّٰهَ اِشْتَرىٰ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي اَلتَّوْرٰاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ وَ اَلْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اَللّٰهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ اَلَّذِي بٰايَعْتُمْ بِهِ وَ ذٰلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ» (التوبة - 111) ثمّ قال: «هو و اللّٰه زيد، هو و اللّٰه زيد». فسمّي زيداً(1).
و في الروض النضير بعد نقل الآيتين، قال الإمام: «عزّيت عن هذا المولود و أنّه لمن الشهداء»(2)و إنّما اختار الإمام هذا الاسم بعد التفاؤل بالقرآن و المفاجأة بالآيتين، في صدر الورقة لما تضافر عن النبي و الوصي و الحسين بن علي عليهم السلام أنّه قال مشيراً إلى الحسين عليه السلام: «إنّه يخرج من ولده رجل يقال له زيد، و يقتل بالكوفة، يصلب بالكناسة، و يخرج من قبره نبشاً، تفتح لروحه أبواب السماء و تبتهج به أهل السماوات»(3)فأيقن أنّ المولود هو الذي تنبّأ به الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم.
اختلف المؤرّخون في ميلاده، و يرجع بعضُ الاختلافِ في ميلاده، إلى الاختلاف في مقتله، و أنّه هل استشهد سنة مائة و عشرين، أو مائة و إحدى و عشرين، أو مائة و ثنتين و عشرين، أو مائة و ثلاث و عشرين، و بما أنّ المشهور أنّه
1) . ابن إدريس: السرائر: 638/3، قسم المستطرفات، فيما استطرفه من روايات أبي القاسم بن قولويه و حميد بن أحمد المحلي (582-652 ه): الحدائق الوردية: 137-138.
2) . السياغي: الروض النضير: 100/1.
3) . الصدوق: عيون أخبار الرضا عليه السلام: 250/1، الباب 25، و حميد بن أحمد المحلي: الحدائق الوردية: 138-139، و سيوافيك تفصيل التنبّؤات في محلها.
استشهد عن عمر يناهز (42 سنة)، و تلك الشهرة منضمة إلى الاختلاف في نفس الميلاد، صارا سبباً للاختلاف الأكثر في ميلاده، و ها أنّا نسرد أقوال المؤرخين و المترجمين، و على جميع الأقوال يدور ميلاده بين سنة (75) و (79) و ربما يبدو أنّ الحقّ غير ذلك، و سيوافيك آخر البحث:
1 - قال محمد بن سعد: قتل يوم الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة عشرين و مائة و يقال: سنة اثنتين و عشرين و مائة(1).
2 - و قال البخاري: زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي عن أبيه، روى عنه عبد الرحمن بن الحارث و يقال: كنيته أبو الحسين، أخو محمد بن علي، و حسين بن علي قتل سنة ثنتين و عشرين و مائة(2).
3 - و قال ابن حِبّان في الثقات: رأى جماعة من أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و روى عنه ولده، و قتل سنة ثنتين و عشرين و مائة(3).
4 - و عن مصعب بن عبد اللّٰه الزبيري: قتل زيد بن علي بالكوفة. قتله يوسف بن عمر في زمن هشام بن عبد الملك و قتل يوم الاثنين لثلاث خلت من صفر سنة عشرين و مائة، و هو يوم قتل، ابن اثنتان و أربعين سنة(4).
5 - و قال الذهبي: اختلف في تاريخ مصرعه على أقوال: فقال مصعب الزبيري: قتل في صفر سنة عشرين و مائة و له اثنتان و أربعون سنة.
و قال أبو نعيم: قتل يوم عاشوراء سنة اثنتين و عشرين و مائة، رواه ابن سعد.
و قال الزبير بن بكار: قال محمد بن الحسن: قتل زيد يوم الاثنين ثاني صفر
سنة اثنتين و عشرين و مائة(1).
6 - و قال الصفدي: و كانوا قد صلبوه بالكناسة سنة إحدى و اثنتين أو ثلاث و عشرين و مائة، و له اثنتان أو أربع و أربعون سنة ثمّ حرقوه بالنار، فسمّي زيد النار، و لم يزل مصلوباً إلى سنة ست و عشرين ثمّ أُنزل بعد أربع سنين من صلبه(2).
7 - و روى السياغي عن الإمام المرشد باللّٰه في أماليه أنّه ولد سنة 75 و استشهد سنة 122 ه(3).
و سيوافيك عن الطبري و الجزري في الفصل المختص بثورته أنّهما ذكرا تاريخ خروجه و استشهاده عام 122 ه.
و لكن هنا احتمالاً آخر لا يتفق مع جميع الأقوال لكن تؤيده القرائن و الروايات و هي أنّ أُم زيد كما تقدم - كانت أمة أهداها المختار إلى الإمام زين العابدين عليه السلام - و قد خرج المختار عام 66 و قتل عام 67 ه، و طبع الحال يقتضي أنّه أهداها إلى الإمام في أحد العامين، و لا يمكن تأخره عنهما، و بما أنّ زيداً كان أوّل ولدٍ أنجبت فلا محيص عن القول بأنّ زيداً من مواليد سنة 67 ه أو بعدها، و لو قلنا بتأخر ولادة زيد إلى عام 75 ه و ما بعده فلازم ذلك أن لا يمسّها الإمام إلى ذلك العام أو كانت لا تلد إلى تلك السنة أو أولدت و لكن لم يكن له حظ من البقاء و الكل بعيد. و على ضوء ذلك يحتمل قوياً أنّ يكون ميلاد زيد هو
عام قتل المختار، أعني: 67 ه، أو عام بعده، فلو أخذ في مقتله بالقول المشهور، و أنّه استشهد عام 122 ه، يكون عمره عند ذاك حوالي 55 سنة.
هذا و تؤيد ذلك روايات تنصّ على أنّ أُمّه حملت زيداً عام الإهداء و إليك نصّها:
1 - روى الشيخ أبو القاسم فرات بن إبراهيم الكوفي - من أعلام أوائل القرن الرابع - في تفسيره عن الجعفي عن أبيه، قال: كنت أُدمن الحجّ فأمرّ على علي ابن الحسين عليهما السلام فأُسلِّمُ عليه ففي بعض حججي غدا علينا علي بن الحسين عليهما السلام و وجهه مشرق فقال: «جاءني رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم في ليلتي هذه حتى أخذ بيدي فأدخلني الجنّة، فزوّجني حوراء فواقعتها فعلقته، فصاح بي رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: يا علي بن الحسين سمِّ المولود منها زيداً».
قال: فما قمنا من مجلس عليّ بن الحسين ذلك اليوم، و علي بن الحسين عليهما السلام يقصّ الرؤيا حتى أرسل المختار بن أبي عبيدة بأُم زيد أرسل بها إليه المختار ابن أبي عبيدة هدية إلى علي بن الحسين عليهما السلام شراها بثلاثين ألفاً، فلما رأينا إشغافه بها تفرّقنا من المجلس، فلما كان من قابل حججت و مررت على علي بن الحسين (عليهما السلام. أ) لأُسلِّم عليه فأخرج بزيد على كتفه الأيسر و له ثلاثة أشهر و هو يتلو هذه الآية و يومئ بيده إلى زيد و هو يقول: «هٰذٰا تَأْوِيلُ رُءْيٰايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهٰا رَبِّي حَقًّا»(1).
2 - روى أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي و قال: و عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت أزور علي بن الحسين عليهما السلام في كل سنة مرّة في وقت الحجّ، فأتيته سنة و إذا على فخذه صبيّ، فقام الصبي فوقع على عتبة الباب فانشجّ رأسه، فوثب إليه علي بن الحسين عليهما السلام مُهَروِلاً فجعل ينشف دمه بثوبه و يقول له:
1) . فرات بن إبراهيم: التفسير: 200، تحقيق محمد الكاظم. و الآية 100 من سورة يوسف.
«يا بني أُعيذك باللّٰه أن تكون المصلوب في الكناسة!» قلت: بأبي أنت و أُمي أيّ كناسة؟ قال: «كناسة الكوفة». قلت:
جعلت فداك و يكون ذلك؟ قال: «أي و اللّٰه إن عشت بعدي لترينّ هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة مقتولاً مدفوناً منبوشاً مسلوباً مسحوباً مصلوباً في الكناسة ثمّ ينزل فيحرق و يدق و يذرى في البر».
قلت: جعلت فداك و ما اسم هذا الغلام؟ قال: «زيد». ثمّ دمعت عيناه، ثمّ قال: «أ لا أُحدثك بحديث ابني هذا، بينما أنا ليلة ساجد و راكع، ذهب بي النوم فرأيت كأنّي في الجنة، و كأنّ رسول اللّٰه و علياً و فاطمة و الحسن و الحسين - صلوات اللّٰه عليهم أجمعين - قد زوّجوني جارية من الحور العين، فواقعتها و اغتسلت عند سدرة المنتهى وَ وَلِّيت، و هاتف يهتف بي: لِيَهنِكَ زيد، ليهنِك زيد، ليهنِك زيد. فاستيقظت فأصبت جنابة، فقمت فتطهرت و صليت صلاة الفجر، فدقّ الباب و قيل لي: على الباب رجل يطلبك. فخرجت فإذا أنا برجل معه جارية ملفوف كمها على يده، مخمرة بخمار، فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أُريد علي بن الحسين. فقلت: أنا علي بن الحسين. قال: أنا رسول المختار بن أبي عبيدة الثقفي و هو يقرئك السلام و يقول: وقعت هذه الجارية في ناحيتنا فاشتريتها بستمائة دينار و هذه ستمائة دينار فاستعن بها على دهرك(1).
و دفع إليّ كتاباً، فأدخلت الرجل و الجارية و كتبت له جواب كتابه، و قلت للجارية: ما اسمك؟ قالت: حوراء. فهيّئوها لي و بتُّ بها عروساً فعلقت بهذا الغلام فسمّيته زيداً، و هو هذا، و سرّي ما قلت لك».
1) . روى ابن الأثير: أنّ المختار وجد في بيت المال تسعة آلاف ألف فقسّمها بين أصحابه (الكامل: 226/4) و لعله عند ذاك بعث بهذه الدنانير إلى علي بن الحسين عليهما السلام، فيكون عام الإهداء هو عام الخروج.
قال أبو حمزة: فما لبثت إلاّ برهة حتى رأيت زيداً بالكوفة في دار معاوية بن إسحاق فسلّمت عليه. ثمّ قلت: جعلت فداك ما أقدمك هذا البلد؟ قال: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. فكنت أختلفُ إليه فجئته ليلة النصف من شعبان فسلمت عليه و جلست عنده. فقال: يا أبا حمزة تقوم حتى تزور قبر أمير المؤمنين علي عليه السلام؟ - قلت: نعم جعلت فداك.
ثمّ ساق أبو حمزة الحديث حتى قال:
أتينا الذكوات البيض فقال: هذا قبر علي بن أبي طالب عليه السلام ثمّ رجعنا فكان من أمره ما كان. فو الله لقد رأيته مقتولاً مدفوناً منبوشاً مسلوباً مسحوباً مصلوباً بالكناسة ثمّ أُحرق ودق و ذُري في الهواء(1).
3 - ما رواه أبو القاسم علي الخزاز قال: عن زيد بن علي عليه السلام قال: كنت عند أبي علي بن الحسين عليه السلام إذ دخل عليه جابر بن عبد اللّٰه الأنصاري، (م 78 ه) فبينما هو يحدثه إذ خرج أخي محمد من بعض الحجر، فأشخص جابر ببصره نحوه ثمّ قام إليه فقال: يا غلام أقبل، فأقبل، ثمّ قال: أدبر، فأدبر، فقال: شمائل كشمائل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ما اسمك يا غلام؟ قال:
«محمد». قال: ابن من؟ قال: «ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب»، قال: أنت إذاً الباقر. قال: فأبكى (فانكبّ) عليه و قبّل رأسه و يديه ثمّ قال: يا محمد إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يقرئك السلام. قال: «على رسول اللّٰه أفضل السلام و عليك يا جابر بما أبلغت السلام».
ثمّ عاد إلى مصلاّه، فأقبل يحدث أبي و يقول: إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال لي يوماً: يا جابر إذا أدركت ولدي الباقر فاقرئه مني السلام فإنّه سميّي و أشبه الناس بي، علمه علمي و حكمه حكمي، سبعة من ولده أُمناء معصومون أئمة أبرار، و السابع
1) . الثقفي: الغارات: 860/2-861؛ و ابن طاوس: فرحة الغريّ: 51، المطبوع في ذيل مكارم الأخلاق.
مهديهم الذي يملأ الدنيا قسطاً و عدلاً كما ملئت جوراً و ظلماً. ثمّ تلا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا وَ أَوْحَيْنٰا إِلَيْهِمْ فِعْلَ اَلْخَيْرٰاتِ وَ إِقٰامَ اَلصَّلاٰةِ وَ إِيتٰاءَ اَلزَّكٰاةِ وَ كٰانُوا لَنٰا عٰابِدِينَ»(1).
المشهور أنّ جابر، توفي بين السبعين و الثمانين من الهجرة(2).
و هذه الروايات المسندة، التي رواها الأثبات من العلماء، مع ما ذكرنا من القرينة يدفع جميع الأقوال و يثبت أنّ ميلاده كان متقدماً على عقد السبعين كما عرفت.
و لعل ما يرويه الكليني في كافيه من تعبير عبد الملك تزويج الإمام السجاد، أمته راجع إلى أُم زيد التي كانت أمة و تزوجها الإمام بعد الاعتاق، و إليك النص:
كان لعبد الملك بن مروان عين بالمدينة يكتب إليه بأخبار ما يحدث فيها، و إن عليّ بن الحسين عليه السلام أعتق جارية له ثمّ تزوّجها، فكتب العين إلى عبد الملك.
ثمّ كتب عبد الملك إلى علي بن الحسين عليه السلام: «أمّا بعد: فقد بلغني تزويجك مولاتك، و قد علمت أنّه كان في أكفائك من قريش من تُمجّد به في الصهر، و تستنجبه في الولد، فلا لنفسك نظرت، و لا على ولدك أبقيت و السلام.
فكتب إليه علي بن الحسين عليه السلام: «أمّا بعد: فقد بلغني كتابك تعنّفني بتزويجي مولاتي و تزعم أنّه قد كان في نساء قريش من أتمجّد به في الصهر،
و استنجبه في الولد، و أنّه ليس فوق رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم مرتقاً في مجد، و لا مستزاد في كرم. و إنّما كانت ملك يميني خرجت منّي، أراد اللّٰه عزّ و جلّ منّي بأمر التمس به ثوابه، ثمّ ارتجعتها على سنة، و من كان زكياً في دين اللّٰه فليس يخل به شيء من أمره، و قد رفع اللّٰه بالإسلام الخسيسة، و تمم به النقيصة، و أذهب اللؤم، فلا لؤم على امرئ مسلم إنّما اللؤم لؤم الجاهلية و السلام».
فلمّا قرأ، الكتاب رمى به إلى ابنه سليمان فقرأه، فقال: يا أمير المؤمنين لشدّ ما فخر عليك علي بن الحسين!! فقال:
يا بني لا تقل ذلك فإنّها ألسُن بني هاشم التي تفلق الصخر، و تغرف من بحر، أنّ علي بن الحسين عليه السلام يا بني يرتفع من حيث يتّضع الناس(1).
نقل السياغي عن الشيخ أبي محمد يحيى بن يوسف بن محمد الحجوري الشافعي: أنَّ زيداً كان أبيض اللون، أعين، مقرون الحاجبين، تام الخلق، طويل القامة، كث اللحية، عريض الصدر، أقنى الأنف، أسود الرأس و اللحية، إلاّ أنّه خالطه الشيب في عارضيه.
كان مثل جده عليه السلام في شجاعته و سخاوته و فصاحته و بلاغته و علمه و حلمه - إلى أن قال: - و ما أشبه حاله بقول من قال:
فما إن براه اللّٰه إلاّ لأربع *** يقرّ له القاصي بهنّ مع الداني
إمامٌ لأخيارٍ، و قلبٌ لجحفلٍ *** و فارسُ ميدانٍ و صدرٌ لإيوانِ
1) . الكليني: الكافي: 344/5.
إلى أن قال: و نحن نعلم بأنّ من بني أُمية من خطب له في ثمانين ألف منبر، فإذا مات، مات ذكره معه، و كان من بني العباس من كانت دولته خمسين سنة و ملك أقطار الأرض من شرق و غرب فما كان ذكرهم إلاّ مدّة حياتهم(1).
روى أبو الفرج عن مولى آل الزبير، قال: كنّا عند علي بن الحسين عليه السلام فدعا ابناً له يقال له: زيد، فكبا لوجهه، و جعل يمسح الدم عن وجهه و يقول: «أُعيذك باللّٰه أن تكون زيداً المصلوب بالكناسة من نظر إلى عورته متعمداً أصلى اللّٰه وجهه النار»(2).
و عن أبي خالد الواسطي و أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال لهما: «يا أبا خالد، و أنت يا أبا حمزة إنّ أبي دعا زيداً فاستقرأه القرآن، فقرأ عليه، فسأله عن المعضلات ثمّ دعا له و قبّل بين عينيه»، ثمّ قال أبو جعفر عليه السلام: «يا أبا حمزة إنّ زيداً أُعطي من العلم علينا بسطة»(3).
و الظاهر أنّ الراوي صحّف كلمة الإمام و أضاف لفظة «علينا» و أنّ أبا جعفر قال: إنّ زيداً أُعطي من العلم بسطة مشيراً إلى قوله سبحانه: «وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي اَلْعِلْمِ وَ اَلْجِسْمِ» (البقرة - 24(7).
و لو صحّ ما ذكره السياغي فيرجع كونه ذا قراءة خاصة إلى عصره والده السجاد عليه السلام: فقال أبو سعيد الحميري أنّه ضليع بعدّة علوم منها علم القرآن، و وجوه القراءات و له قراءة خاصة مفردة مروية عنه(4).
و نقل الشيخ الطوسي في الفهرست أنّ قراءته هي عين قراءة جده الإمام علي
ابن أبي طالب عليه السلام(1).
قال محقّق تفسيره في مقدمته: «و لعلّ أوّل من جمع قراءته بكتاب مستقل عمر بن موسى الوجيهي الذي كان معاصراً لزيد فقال عنها: «إنّ هذه القراءة سمعتها عن زيد بن علي عليه السلام» و كان هذا الكتاب موجوداً بعد سنة إحدى و ستين و مائتين فقد استنسخها إبراهيم بن مسكين في السنة ذاتها و نقل عنه بعد ذلك يحيى بن كهمش.
و قد جمع قراءته أيضاً الحسن بن علي الأهوازي. و لعل أبا حيان قد اطّلع عليها أو على قسم منها على الأقل، فقد استشهد منها في كتابه البحر المحيط فذكر «أنّ الأهوازي... في قراءة زيد بن علي أنّه قرأ ربّ العالمينَ الرحمنَ الرحيمَ بنصب الثلاثة».
و جمعها أيضاً أبو حيان في كتاب سمّاه: «النير الجلي في قراءة زيد بن علي».
و وردت قراءة زيد أيضاً كاملة في كتب القراءة و التفسير لكنها مقرونة بغيرها من القراءات حسب ورود كل منها على الآية القرآنية الكريمة.
فقد جاءت بهذه الطريقة في كتب القراءات كما في كتاب «شواذ القراءة» للكرماني، و أيضاً في كتاب «معجم القراءات القرآنية».
و كذلك وردت كاملة في كتب التفسير كما في كتاب «البحر المحيط» لأبي حيان و كذلك ضمها الآلوسي لكتابه في التفسير المسمّى «روح المعاني»(2).
و قال الكاتب الچلبي: كتاب «النير الجلي في قراءة زيد» لأبي علي الأهوازي المقري(3).
نقل المقريزي عن عاصم بن عبيد اللّٰه أنّه قال: لقد أُصيب عندكم رجل ما كان في زمانكم مثله، و لا أراه يكون بعده مثله (زيد بن علي) لقد رأيته و هو غلام حدث، و أنّه ليسمع الشيء من ذكر اللّٰه فيغشى عليه، حتى يقول القائل ما هو بعائد إلى الدنيا...(1).
التحق الإمام زيد العابدين عليه السلام بالرفيق الأعلى، و نصّ على إمامة ولده البارّ، أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام الذي دان بفضله و علمه و ورعه الداني و القاصي، و المؤالف و المخالف قال ابن حجر: سمّي الإمام باقراً، لأنّه من بقر الأرض أي شقّها و إثارة مخبئاتها و مكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبئات كنوز المعارف و حقائق الأحكام و الحكم و اللطائف ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة أو فاسد الطويّة و السريرة، و من ثمّ قيل هو باقر العلم و شاهر علمه و رافعه(2).
لقد استنارت بقية الصحابة و وجوه التابعين، من نوره، و ارتووا من منهل علمه، فكان الاحتفال بمجالسه أكبر احتفال، يوم ذاك. توفي الإمام زين العابدين عليه السلام، و زيد بن علي في أوان حلمه، أو بعده بقليل فضمّه الإمام الباقر إلى أولاده فكان يعطف عليه و يحنو إليه كالوالد الرءوف بالنسبة إلى أولاده إلى أن شبّ و ترعرع، و بلغ في العلم و العمل ما بلغ، و قد نصّ بذلك أكثر من كتب عن زيد:
1 - قال الشيخ في فصل أصحاب الإمام الباقر عليه السلام: «زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو الحسن، أخوه عليه السلام، ذكره أيضاً في أصحاب أبيه زين العابدين عليه السلام(1).
2 - قال المزي: روى عن: أبان بن عثمان، و عبيد اللّٰه بن أبي رافع، و عروة بن الزبير و أبيه علي بن الحسين و أخيه أبي جعفر محمد بن علي الباقر(2).
3 - و ذكره بهذا النصّ ابن حجر في تهذيب التهذيب(3).
4 - و قال الذهبي: زيد بن علي بن الحسين... الهاشمي العلوي أخو أبي جعفر... روى عن: أبيه و أخيه أبي جعفر و عروة و كان أحد العلماء الصلحاء بدت منه هفوة(4)فاستشهد فكانت سبباً لرفع درجته في آخرته(5).
لقد عاش زيد تحت رعاية أخيه الكبير البار الحنون فتلقى منه الحديث و التفسير و الأُصول و المعارف حتى فاق و برع أقرانه.
قال ابن زهرة: و قد مات أبوه (زيد) عام 94 ه أي و هو في الرابعة عشرة من عمره فتلقى الرواية عن أخيه محمد الباقر عليه السلام الذي يكبره بسن تسمح بأن يكون له أباً إذ إنّ الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر عليهما السلام، كان مثل سن الإمام زيد رضي اللّٰه عنهم أجمعين.
1) . الشيخ الطوسي: الرجال: باب الزاي: 89-122.
2) . جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 96/10.
3) . ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب: 419/3.
4) . أُنظر إلى كلام الرجل، و تسميته الخروج على الظلم و العدوان هفوة و المداراة مع الظالمين ثباتاً على الدين. و لا عتب لأنّه من الذين رأوا الخروج على الظالمين حراماً، على خلاف قول رسول اللّٰه من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً حرم اللّٰه، ناكثاً لعهد اللّٰه، مخالفاً لسنّة رسول اللّٰه، يعمل في عباده بالإثم و العدوان، فلم يُغير عليه بفعل أو قول كان حقاً على اللّٰه أن يدخله مدخله (الطبري: التاريخ: 304/4) و سيوافيك الكلام في هذا المجال في المستقبل.
5) . الذهبي: تاريخ الإسلام: 105 (حوادث سنة 121-140 ه).
و ما كان من المعقول أن يجمع الإمام زيد و هو في سن الرابعة عشرة كل علم آل البيت فلا بد أن يكمل أشطراً من أخيه الذي تلقى علم أبيه كاملاً، و قد كان الباقر عليه السلام إماماً في الفضل و العلم، و أخذ عنه كثيرون من العلماء و رووا عنه و من هؤلاء أبو حنيفة شيخ فقهاء العراق، و قد نال الباقر عليه السلام فضل الإمامة العلمية، حتى أنّه كان يحاسب العلماء على أقوالهم و ما فيها من خطأ و صواب(1).
كان الإمام الباقر عليه السلام ينظر إليه نظر أخٍ عطوف و يثني عليه أحياناً و يطريه، و يأمر بعض أصحابه بإنشاء طرائف تمثل شخصية زيد و نفسيته و إليك بعض ما وقفنا عليه:
5 - روى الصدوق في الأمالي عن أبي الجارود قال: إنّي لجالس عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام إذ أقبل زيد فلما نظر إليه و هو مقبل، قال: «هذا سيد أهل بيته و الطالب بأوتارهم لقد أنجبت أُمٌّ، ولدتك يا زيد»(2).
6 - و عن جابر الجعفي قال سمعت أبا جعفر عليه السلام و قد نظر إلى أخيه زيد بن علي فتلا هذه الآية: ««فَالَّذِينَ هٰاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قٰاتَلُوا وَ قُتِلُوا...» الآية، و قال: هذا و اللّٰه من أهل ذلك»(3).
7 - و عنه أيضاً سألت محمد بن علي عليهما السلام عن أخيه زيد فقال: «سألتني عن رجل ملئ إيماناً و علماً من أطراف شعره و قدمه و هو سيد أهل بيته»(4).
دخل زيد على الإمام الباقر عليه السلام فلما رآه تلا: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ لِلّٰهِ شُهَدٰاءَ بِالْقِسْطِ» ثمّ قال: «أنت و اللّٰه يا زيد من أهل ذلك»(5).
1) . محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية: 465/2.
2) . الصدوق: الأمالي: 335، الحديث 11.
3) . السياغي: الروض النضير: 104/4. و الآيتان من سورة آل عمران: 195 و سورة المائدة: 8.
4) . السياغي: الروض النضير: 104/4. و الآيتان من سورة آل عمران: 195 و سورة المائدة: 8.
5) . السياغي: الروض النضير: 104/4. و الآيتان من سورة آل عمران: 195 و سورة المائدة: 8.
8 - روى الصدوق عن جابر الجعفي، قال: دخلت على الباقر عليه السلام و عنده زيد أخوه، فدخل عليه معروف بن خربوذ المكي، قال له أبو جعفر عليه السلام: «يا معروف أنشدني من طرائف ما عندك»، فأنشد:
لعمرك! ما إن أبو مالك *** بوان، و لا بضعيف قواه
و لا بألدّ «لدى قوله»(1)*** يعادي الحكيم إذا ما نهاه
و لكنه سيد بارع *** كريم الطبائع حلو نثاه(2)
إذا سُدته، سُدتَ مِطواعة *** و مهما وكلت إليه كفاه
قال: فوضع أبو جعفر عليه السلام يده على كتفي زيد، و قال: هذه صفتك يا أبا الحسين!(3)
قال المعلّق: عرد نساه شديد ساقه. (الأغاني: 106/24)
.9 - روى أبو الفرج عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال له بعد التمثل بالأبيات السابقة: «و لقد أنجبت أُمّ ولدتك يا زيد. اللّهم أشدد أزري بزيد»(4).
1) . و رواه في الأغاني بالنحو التالي: و لا بالألدَّ، له فارغ يعادي أخاه إذا ما نهاه (الأغاني: 106/24)
2) . بتقديم النون على الثاء المثلثة لاحظ تعليقة المحقّق على البحار: 169/46.
3) . عيون أخبار الرضا عليه السلام: 251/1 ح 5 الباب 25، أبو الفرج: الأغاني: 106/24، و رواه في الأغاني بالنحو التالي: و لكنّه هيِّن ليّنٌ كعالية الرمح عَردٌ نَساه
4) . أبو الفرج: الأغاني: 107/24 و مر صدره في حديث الصدوق.
1 - لم يذكر التاريخ شيئاً من حياته في عصر الإمام الصادق عليه السلام، غير تجواله في البلاد، لدعم الخروج، و جمع العُدّة و العِدِّة، الذي سيمر عليك في الفصول الآتية غير أنّه لو صحّ ما يرويه أبو الفرج الاصفهاني عن عبد اللّٰه بن جرير أنّه رأى أنّ جعفر بن محمد عليه السلام «يمسك لزيد بن علي بالركاب و يسوي ثيابه على السرج»(1)لدل على أنّ الإمام عليه السلام كان يكرمه لكونه عمه - و هو بمنزلة الأب - و لأنّه أكبر منه سناً، خصوصاً على ما حقّقنا من أنّه من مواليد عام 67 أو 68، فيدل على تواضعه و كمال أدبه، و قد كان ذلك رائجاً بين بني هاشم.
و قد كان بين زيد، و عبد اللّٰه بن الحسن المثنى مناظرة في صدقات علي عليه السلام فكانا يتحاكمان إلى قاض، فإذا قاما من عنده أسرع عبد اللّٰه إلى دابة زيد فأمسك له بالركاب(2).
و قد كانت أواصر الحب و الود بين الإمام و عمه متبقية إلى يوم حمامه، و لما بلغ نعيه إلى المدينة أخذ الناس يفدون إلى الإمام و يعزّونه.
2 - روى أبو الفرج عن فضيل بن رسام: دخلت علي جعفر بن محمد عليهما السلام أُعزّيه عن عمّه ثمّ قلت له: أ لا أُنشدك شعر السيد (الحميري) فقال: «أنشد» فأنشدته قصيدته (العينية المعروفة) التي يقول فيها:
الناس يوم البعث راياتهم *** خمس فمنها هالك أربع(3)
3 - لمّا توفي الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام أنشد زيد قصيدة - سنوافيك بها في فصل خطبه و أشعاره - عزّى فيها الإمام الصادق عليه السلام و قال:
أبا جعفر الخير أنت الإمام *** و أنت المرجي لبلوى غدي(1)
و يظهر من بعض الروايات أنّه استشار الإمام الصادق عليه السلام في خروجه فقال له: «يا عم إن رضيت أن تكون المقتول (المصلوب) بالكناسة فشأنَك» فلمّا ولّى، قال جعفر بن محمد عليهما السلام: «ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه»(2).
روى الصدوق عن معمر بن خيثم: كنت جالساً عند الصادق عليه السلام فجاء زيد بن علي بن الحسين فأخذ بعضادتي الباب، فقال له الصادق عليه السلام: «أُعيذك أن تكون المصلوب بالكناسة»(3).
كل ذلك يدلّ على ودٍّ عميق للعمّ، و أدب لائق بأهل البيت.
كان زيد الشهيد فصيحاً، بليغاً يأخذ بجوامع الكلم و يستعملها في مواردها و قد شهد به الصديق و العدو، قال الواقدي: و بلغ هشام بن عبد الملك مقامُ زيد بالكوفة، فكتب إلى يوسف بن عمر: أشخِصْ زيداً إلى المدينة فإنّي أخاف أن يخرجه أهل الكوفة لأنّه حلو الكلام، شديد البيان، خليق بتمويه الكلام(1)و إليك بعض ما أثر عنه من المواعظ و الحكم و الأدب و نحوها:
1 - روى أبو المؤيد موفق بن أحمد المدعو ب «أخطب خوارزم»: «قيل لزيد ابن علي: الصمت خير أم الكلام؟ فقال:
قبح اللّٰه المساكتة، ما أفسدها للبيان، و أجلبها للعيّ و الحصر، و اللّٰه للمماراة أسرع في هدم الفتى من النار في يبس العرفج، و من السيل إلى الحدور(2)»(3).
فقد فضل الكلام على السكوت، و ذم المماراة، فالكلام أفضل بشرط أن لا يكون مماراة.
2 - إذا تلا زيد بن علي قوله سبحانه: «وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاٰ يَكُونُوا أَمْثٰالَكُمْ» (محمد - 3(8).
يقول: «إنّ كلام اللّٰه هذا تهديد و تخويف، ثمّ يقول: اللّهم لا تجعلنا ممّن تولّى عنك فاستبدلت به بدلا»(1).
3 - قال زيد بن علي لأصحابه: «أُوصيكم بتقوى اللّٰه، فإنّ الموصي بها لم يدَّخر نصيحة، و لم يقصِّر في الإبلاغ، فاتقوا اللّٰه في الأمر الذي لا يفوتكم منه شيء و إن جهلتموه و أجملوا في الطلب، و لا تستعينوا بنعم اللّٰه على معاصيه، و تفكّروا، و أبصروا هل لكم قبل خالقكم من عمل صالح قدمتموه فَشَكَرَه لكم، فبذلك جعلكم اللّٰه تعالى من أهل الكتاب و السنّة، و فضّلكم على أديان آبائكم، أ لم يستخرجكم نطفاً من أصلاب قوم، كانوا كافرين، حتى بثّكم في حجور أهل التوحيد، و بث من سواكم في حجور أهل الشرك، فبأي سوابق أعمالكم طهركم إلاّ بمنّه و فضله الذي يؤتيه من يشاء و اللّٰه ذو الفضل العظيم»(2).
4 - و قال مبيّناً لما هو الغاية من الخروج: «و إنّما خرجت على بني أُمية الذين قتلوا جدي الحسين، و أغاروا على المدينة يوم الحرة، ثمّ رموا بيت اللّٰه بحجر المنجنيق و النار»(3).
5 - روى عبد اللّٰه بن مسلم بن بابك قال: خرجنا مع زيد بن علي إلى مكة، كان نصف الليل و استوت الثريا فقال:
«يا بابكيّ، ما ترى هذه الثريا أ ترى أن
أحداً ينالها؟» قلت: لا، قال: «و اللّٰه لوددت أن يدي ملصقة بها فأقع إلى الأرض أو حيث أقع، فأتقطَّع قطعة قطعة و إنّ اللّٰه أصلح بين أمة محمد صلى الله عليه و آله و سلم»(1).
6 - إنّ زيداً كتَّب كتائبه، فلمّا خفقت راياته رفع يده إلى السماء فقال: «الحمد للّٰه الذي أكمل لي ديني، و اللّٰه ما يسرني إنّي لقيت محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم و لم آمر أُمّته بمعروف و لم أنههم عن منكر».
و في رواية أُخرى: «و اللّٰه إنّي لأستحيي من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم إذا لقيته و لم آمر أُمته بالمعروف و لم أنههم عن المنكر و اللّٰه ما أُبالي إذا أقمت كتاب اللّٰه و سنّة رسول اللّٰه إن أُجّجت لي نار و قذفتُ فيها ثمّ صرت بعد ذلك إلى رحمة اللّٰه عزّ و جلّ، و اللّٰه لا ينصرني أحد إلاّ كان في الرفيق الأعلى مع محمّد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين - صلوات اللّٰه عليهم - ويحكم أما ترون هذا القرآن بين أظهركم جاء به محمّد صلى الله عليه و آله و سلم و نحن بنوه، يا معشر الفقهاء و أهل الحجى أنا حجة اللّٰه عليكم هذه يدي مع أيديكم، على أن نقيم حدود اللّٰه و نعمل بكتابه...»(2).
7 - كانت بيعته التي يبايع عليها الناس هي: «إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّٰه و سنّة نبيه، و جهاد الظالمين و الدفع عن المستضعفين، و إعطاء المحرومين و قسم هذا الفيء بين أهله بالسوية ورد الظالمين، و إقفال المجمر و نصرنا أهل البيت على من نصب لنا، و جهل حقنا. أ تبايعون على ذلك؟» فإذا قالوا نعم، وضع يده على يده ثمّ يقول: «عليك عهد اللّٰه و ميثاقه و ذمته أو ذمة رسول اللّٰه لتفينّ ببيعتي، و لتقاتلنّ عدوي، و لتنصحنّ لي في السر و العلانية» فإذا قال نعم مسح يده على يده، ثمّ قال: «اللهم اشهد»(3).
8 - و من كلامه: «إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّٰه و سنّة نبيه و إلى السنن أنّ تحيى، و إلى البدع أن تدفع، فإن أنتم أجبتمونا سعدتم، و إن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل»(1).
9 - و من كلامه المعروف قاله لهشام أنّه: «لم يكره قوم قطُّ حدّ السيف إلاّ ذلّوا»(2).
10 - و روى ابن عساكر أنّه قال: «و اللّٰه ما كره قوم الجهاد في سبيل اللّٰه إلاّ ضربهم اللّٰه تعالى بالذل»(3).
11 - و قال أيضاً لهشام: «أنّه ليس أحد يكبر عن تقوى اللّٰه، و لا يصغر دون تقوى اللّٰه»(4).
إلى غير ذلك من الكلمات التي سيمرّ بعضها عليك في المستقبل. غير أنّ كل ذلك حكم قصيرة يباري فيها، ما ورثه عن مطلع الفصاحة و البلاغة جدّه الإمام أمير المؤمنين.
ثمّ لزيد خطب، و رسائل، نكتفي من كل منهما بواحد، و الإمعان فيهما يعرف مقدرته على إنشاء الكلام البليغ، و إبداعه المعاني السامية، في جمل قصيرة و إليك الخطبة ثمّ الرسالة:
12 - خطبته التي، يعرّف فيها موقفه من الخروج و أنّه ليس إلاّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و إنهاض المسلمين لإزالة المروانيّين عن منصة الحكومة الإسلامية ورد الأمر إلى أهل بيت النبي و إليك نصها:
«يا أيّها الناس إنّ اللّٰه قد بعث في كل زمان خيرة، و من كل خيرة منتجباً خيرة
منه قال: «اَللّٰهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسٰالَتَهُ» (الأنعام - 124) فلم يزل اللّٰه يتناسخ خيرته حتى خرج محمد صلى الله عليه و آله و سلم من أفضل تربة و أطهر عترة أُخرجت للناس، فلمّا قبض اللّٰه محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم و لا عارف أمخركم(1)بعد زخورها و حصّن حصونكم بعد منعتها و افتخرت قريش على سائر الأحياء بأنّ محمداً صلى الله عليه و آله و سلم كان قريشياً، و دانت العجم للعرب بأنّ محمد صلى الله عليه و آله و سلم كان عربياً حتى ظهرت الكلمة و تمت النعمة فاتّقوا اللّٰه عباد اللّٰه و أجيبوا إلى الحقّ و كونوا أعواناً لمن دعاكم إليه، و لا تأخذوا سنّة بني إسرائيل، كذَّبوا أنبياءهم، و قتلوا أهل بيت نبيهم.
ثمّ أنا أُذكركم أيّها السامعون لدعوتنا، المتفهّمون لمقالتنا، باللّٰه العظيم الذي لم يذكر المذكورون بمثله، إذا ذكروه وجلت قلوبكم و اقشعرَّت لذلك جلودكم، أ لستم تعلمون أنّا ولد نبيكم المظلومون المقهورون، فلا سهم وُفينا، و لا تراث أُعطينا، و ما زالت بيوتاً تهدم و حرمتنا تنتهك و قائلنا يعرف، يولد مولودنا في الخوف، و ينشأ ناشئنا بالقهر و يموت ميّتنا بالذل؟
ويحكم إنّ اللّٰه قد فرض عليكم جهاد أهل البغي و العدوان من أُمتكم على بغيهم، و فرض نصرة أوليائه الداعين إلى اللّٰه و إلى كتابه قال: «وَ لَيَنْصُرَنَّ اَللّٰهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اَللّٰهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» (الحجّ - 4(0).
ويحكم إنّا قوم غَضِبْنا للّٰه ربّنا، و نقمنا الجور المعمول به في أهل ملتنا، و وضعنا من توارث الإمامة و الخلافة، و حكم بالهوى و نقض العهد، و صلّى الصلاة لغير وقتها، و أخذ الزكاة من غير وجهها و دفعها إلى غير أهلها، و نسك المناسك بغير هديها، و أزال الأفياء و الأخماس و الغنائم و منعها الفقراء و المساكين و ابن السبيل، و عطّل الحدود و أخذ منه الجزيل، و حكم بالرشا و الشفاعات و المنازل، و قرب الفاسقين و مثل بالصالحين، و استعمل الخيانة و خوّن أهل الأمانة،
1) . و في نسخة: أنجزكم.
و سلّط المجوس و جهز الجيوش، و خلد في المحابس و جلد المبين و قتل الوالد، و أمر بالمنكر و نهى عن المعروف بغير مأخوذ من كتاب اللّٰه و سنّة نبيه.
ثمّ يزعم زاعمكم الهزاز على قلبه، يطمع خطيئته إنّ اللّٰه استخلفه يحكم بخلافته، و يصد عن سبيله و ينتهك محارمه و يقتل من دعا إلى أمره، فمن أشرّ عند اللّٰه منزلة ممّن افترى على اللّٰه كذباً أو صد عن سبيله أو بغاه عوجاً، و من أعظم عند اللّٰه أجراً ممّن أطاعه و أدان بأمره و جاهد في سبيله و سارع في الجهاد، و من أشرّ عند اللّٰه منزلة ممّن يزعم أن بغير ذلك يحقّ عليه ثمّ يترك ذلك استخفافاً بحقّه و تهاوناً في أمر اللّٰه و إيثاراً لدنياه، «وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعٰا إِلَى اَللّٰهِ وَ عَمِلَ صٰالِحاً وَ قٰالَ إِنَّنِي مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ» (فصلت - 33)(1).
13 - روى حميد بن أحمد المحلي (582-652 ه) بالإسناد المنتهي إلى أبي الجارود أن زيداً لمّا ظهر، خطب و قال: «الحمد للّٰه الذي منّ علينا بالبصيرة و جعل لنا قلوباً عاقلة، و أسماعاً واعية، و قد أفلح من جعل الخير شعاره، و الحقّ دثاره - إلى أن قال: - فمن سمع دعوتنا هذه الجامعة غير المفرِّقة، العادلة غير الجائرة، فأجاب دعوتنا و أناب إلى سبيلنا و جاهد بنفسه نفسه و من يليه من أهل الباطل، و دعائم النفاق، فله ما لنا و عليه ما علينا، و من ردّ علينا دعوتنا و أبى إجابتنا و اختار الدنيا الزائلة الآفلة، على الآخرة الباقية، فاللّٰه من أُولئك بريء، و هو يحكم بيننا و بينكم.
إذا لقيتم القوم فادعوهم إلى أمركم، فلأن يستجيب لكم رجل واحد خير ممّا طلعت عليه الشمس من ذهب و فضة، و عليكم بسيرة أمير المؤمنين علي بن طالب عليه السلام بالبصرة و الشام: لا تتبعوا مُدبِراً و لا تُجهِزوا على جريح و لا تفتحوا باباً مغلقاً، و اللّٰه على ما أقول وكيل.
1) . فرات بن إبراهيم الكوفي: التفسير: 136-137، ط 1، تحقيق محمد الكاظم، مؤسسة الطبع و النشر التابعة لوزارة الإرشاد، طهران (1410 ه - 1990 م).
عباد اللّٰه لا تقاتلوا على الشك فتضلّوا عن سبيل اللّٰه، و لكن البصيرة ثمّ القتال، فإنّ اللّٰه يجازي عن اليقين أفضل جزاء يجزي به على حقّ. عباد اللّٰه: البصيرة» قال أبو الجارود: يا ابن رسول اللّٰه، يبذل الرجل نفسه عن غير بصيرة؟ قال:
«نعم أنّ أكثر من ترى عشقت نفوسهم الدنيا فالطمع أرداهم إلاّ القليل الذين لا تخطر الدنيا على قلوبهم، و لا لها يسعون فأُولئك مني و أنا منهم»(1).
14 - و ها نحن ننشر في المقام رسالته إلى علماء الأُمّة قبيل خروجه، فحاول فيها بكل وسيلة تشجيع الناس على رفض الظلم و المطالبة بالحرية و العدالة.
قام بتحقيقها و تصحيحها محمد يحيى سالم عزان عن أربع نسخ، نوّه بخصوصيتها في مقدمتها و نشرها دار التراث اليمني صنعاء عام 1412 ه.
و إليك نصها:
بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ
الحمد للّٰه ربّ العالمين حتى يرضى و صلّى اللّٰه و سلم و بارك و ترحّم و تحنّن و سلّم على سيّدنا محمد و على آل سيّدنا محمّد.
إلى علماء الأُمّة الذين وجبت للّٰه عليهم الحجّة.
من «زيد بن علي» ابن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم.
سلام على أهل ولاية اللّٰه و حزبه.
ثمّ إنّي أُوصيكم معشر العلماء بحظّكم من اللّٰه في تقواه و طاعته، و أن لا تبيعوه بالمكس(2)من الثمن، و الحقير من البدل، و اليسير من العِوَض، فإنّ كلّ
شيء آثرتموه و عملتم له من الدنيا ليس بخَلَف ممّا زيّن اللّٰه به العلماء من عباده الحافظين لرعاية ما استرعاهم و استحفظهم من أمره و نهيه، ذلك بأنّ العاقبة للمتقين، و الحسرة و الندامة و الويل الدائم للجائرين الفاجرين.
فتفكّروا عباد اللّٰه و اعتبروا، و انظروا و تدبّروا و ازدجروا بما وعظ اللّٰه به هذه الأُمّة من سوء ثنائه على الأحبار و الرهبان.
إذ يقول: «لَوْ لاٰ يَنْهٰاهُمُ اَلرَّبّٰانِيُّونَ وَ اَلْأَحْبٰارُ عَنْ قَوْلِهِمُ اَلْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ اَلسُّحْتَ لَبِئْسَ مٰا كٰانُوا يَصْنَعُونَ»(1).
و إنّما عاب ذلك عليهم بأنّهم كانوا يشاهدون الظلمة الذين كانوا بين ظهرانيهم يأمرون بالمنكر، و يعملون الفساد فلا ينهونهم عن ذلك، و يرون حقّ اللّٰه مضيعاً، و مال اللّٰه دُولة يؤكل بينهم ظلماً و دولة بين الأغنياء، فلا يمنعون من ذلك رغبة فيما عندهم من العَرَض الآفل، و المنزل الزائل، و مداهنة(2)منهم على أنفسهم.
و قد قال اللّٰه عزّ و جلّ لكم: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْأَحْبٰارِ وَ اَلرُّهْبٰانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ اَلنّٰاسِ بِالْبٰاطِلِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاٰ يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ»(3)كيما تحذروا.
و إذا رأيتم العالم بهذه الحالة و المنزلة فأنزلوه منزلة من عاث في أموال الناس بالمصانعة(4)، و المداهنة، و المضارعة(5)لظلمة أهل زمانهم، و أكابر قومهم، فلم
ينهوهم عن منكر فعلوه. رغبة فيما كانوا ينالون من السحت(1)بالسكوت عنهم.
و كان صدودهم عن سبيل اللّٰه بالاتّباع لهم، و الاغترار بادّهانهم(2)، و مقارنتهم الجائرين الظالمين المفسدين في البلاد. ذلك بأنّ أتباع العلماء يختارون لأنفسهم ما اختار علماؤهم. فحذروا علماء السوء الذين سلكوا سبيل من ذَمّ اللّٰه و باعوا طاعة اللّٰه الجائرين.
إنّ اللّٰه عزّ و جلّ قال في كتابه: «إِنّٰا أَنْزَلْنَا اَلتَّوْرٰاةَ فِيهٰا هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا اَلنَّبِيُّونَ اَلَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هٰادُوا وَ اَلرَّبّٰانِيُّونَ وَ اَلْأَحْبٰارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتٰابِ اَللّٰهِ وَ كٰانُوا عَلَيْهِ شُهَدٰاءَ فَلاٰ تَخْشَوُا اَلنّٰاسَ وَ اِخْشَوْنِ وَ لاٰ تَشْتَرُوا بِآيٰاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْكٰافِرُونَ»(3).
فعاب علماء التوراة و الإنجيل بتركهم ما استحفظهم من كتابه، و جَعَلَهم عليه شهداء خشية الناس، و مواتاة(4)للظالمين، و رضاً منهم بأعمال المفسدين. فلم يؤثروا اللّٰه بالخشية فسخط اللّٰه عليهم لمّا اشتروا بآياته ثمناً قليلاً، و متاعاً من الدنيا زائلاً. و القليل عند اللّٰه الدنيا و ما فيها من غضارتها(5)و عيشتها و نعيمها و بهجتها، ذلك بأنّ اللّٰه هو علاّم الغيوب.
قد علم بأنّ ركوب معصيته، و ترك طاعته، و المداهنة للظلمة في أمره و نهيه، إنّما يلحق بالعلماء للرهبة و الرغبة من عند غير اللّٰه، لأنّهم علماء باللّٰه، و بكتابه و بسنّة نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم.
و لعمري لو لم يكن نال علماء الأزمنة من ظلمتها، و أكابرها، و مفسديها، شدة و غلظة و عداوة، ما وصّاهم اللّٰه تعالى و حذّرهم. ذلك أنّهم ما ينالون ما عند اللّٰه بالهوينا و لا يخلدون في جنّته بالشهوات.
فكره اللّٰه تعالى للعلماء - المستحفظين كتبه و سنّته و أحكامه - ترك ما استحفظهم، رغبة في ثواب من دونه، و رهبة عقوبة غيره. و قد ميزكم اللّٰه تعالى حقّ تميز، و وسمكم سمة(1)لا تخفى على ذي لبّ، و ذلك حين قال لكم:
«وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ يُطِيعُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ أُولٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اَللّٰهُ إِنَّ اَللّٰهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»(2).
فبدأ بفضيلة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، ثمّ بفضيلة الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر عنده، و بمنزلة القائمين بذلك من عباده.
و لعمري لقد استفتح الآية في نعت المؤمنين بفريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. فاعتبروا عباد اللّٰه و انتفعوا بالموعظة.
و قال تعالى في الآخرين: «اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلْمُنٰافِقٰاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمَعْرُوفِ»(3).
فلعمري لقد استفتح الآية في ذمّهم بأمرهم بالمنكر و نهيهم عن المعروف فاعتبروا عباد اللّٰه و انتفعوا.
و اعلموا أنّ فريضة اللّٰه تعالى في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إذا أُقيمت له استقامت الفرائض بأسرها هَيّنُها و شديدها.
و ذلك أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هو:
الدعاء إلى الإسلام، و الإخراج من الظلمة، ورد الظالم، و قسمة الفيء و الغنائم على منازلها، و أخذ الصدقات و وضعها في مواضعها، و إقامة الحدود، وصلة الأرحام، و الوفاء بالعهد، و الإحسان، و اجتناب المحارم، كل هذا من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
يقول اللّٰه تعالى لكم: «وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَ اَلتَّقْوىٰ وَ لاٰ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ شَدِيدُ اَلْعِقٰابِ»(1)فقد ثبت فرض اللّٰه تعالى فاذكروا عهد اللّٰه الذي عاهدتموه و ميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم: «سَمِعْنٰا وَ أَطَعْنٰا وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ عَلِيمٌ بِذٰاتِ اَلصُّدُورِ»(2).
عباد اللّٰه فإنّما تصلح الأُمور على أيدي العلماء و تفسد بهم إذا باعوا أمر اللّٰه تعالى و نهيه بمعاونة الظالمين، الجائرين، فكذلك الجهّال و السفهاء إذا كانت الأُمور في أيديهم، لم يستطيعوا إلاّ بالجهل و السفه إقامتها فحينئذ تصرخ المواريث، و تضج الأحكام، و يفتضح المسلمون(3).
و أنتم أيّها العلماء عصابة مشهورة، و بالورع مذكورة، و إلى عبادة اللّٰه
منسوبة، و بدراسة القرآن معروفة، و لكم في أعين الناس مهابة، و في المدائن و الأسواق مكرمة، يهابكم الشريف، و يكرمكم الضعيف، و يرهبكم من لا فضل لكم عليه. يُبدَأ بكم عند الدعوَة، و التُحَفَة(1)، و يشار إليكم في المجالس، و تشفعون في الحاجات، إذا امتنعت على الطالبين. و آثاركم متبعة، و طرقكم تسلك.
كل ذلك لما يرجوه عندكم من هو دونكم من النجاة في عرفان حقّ اللّٰه تعالى. فلا تكونوا عند إيثار(2)حقّ اللّٰه تعالى غافلين، و لأمره مضيّعين، فتكونوا كالأطباء الذين أخذوا ثمن الدواء و أعطبوا المرضى. و كرعاة استوفوا الأجر و ضلّوا عن المرعى. و كحرّاس مدينة أسلموها إلى الأعداء، هذا مثل علماء السوء.
لا مالاً تبذلونه للّٰه تعالى، و لا نفوساً تخاطرون بها في جنب اللّٰه تعالى، و لا داراً عطلتموها، و لا زوجة فارقتموها، و لا عشيرة عاديتموها. فلا تتمنوا ما عند اللّٰه تعالى و قد خالفتموه.
فترون أنّكم تسعون في النور، و تتلقاكم الملائكة بالبشارة من اللّٰه عزّ و جلّ؟ كيف تطمعون في السلامة يوم الطامة؟! و قد أخرجتم الأمانة، و فارقتم العلم، و أدهنتم في الدين. و قد رأيتم عهد اللّٰه منقوضاً، و دينه مبغوضاً، و أنتم لا تفزعون و من اللّٰه لا ترهبون.
فلو صبرتم على الأذى، و تحملتم المؤنة في جنب اللّٰه لكانت أُمور اللّٰه صادرة عنكم، و واردة إليكم.
عباد اللّٰه لا تمكّنوا الظالمين من قِيَادِكم(1)بالطمع فيما بأيديهم من حطام الدنيا الزائل، و تراثها الآفل، فتخسروا حظّكم من اللّٰه عزّ و جلّ.
عباد اللّٰه استقدموا إلى الموت بالوثيقة في الدين، و الاعتصام بالكتاب المتين، و لا تعجبوا بالحياة الفانية فما عند اللّٰه هو خير لكم، و إنّ الآخرة هي دار القرار.
عباد اللّٰه اندبوا الإيمان و نوحوا على القرآن، فو الذي نفس «زيد بن علي» بيده لن تنالوا خيراً لا يناله أهل بيت نبيّكم صلى الله عليه و آله و سلم، و لا أصبتم فضلاً إلاّ أصابوه فأصبتم فضله.
فيا علماء السوء أكببتم على الدنيا و إنّها لناهية لكم عنها، و محذرة لكم منها، نصحت لكم الدنيا بتصرفها فاستغششتموها، و تَفَتحت لكم الدنيا فاستحسنتموها، و صدقتكم عن نفسها فكذبتموها.
فيا علماء السوء هذا مهادكم الذي مهدتموه للظالمين، و هذا أمانكم الذي أتمنتموه(2)للخائنين، و هذه شهادتكم للمبطلين. فأنتم معهم في النار غداً خالدون. «ذٰلِكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَ بِمٰا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ»(3).
فلو كنتم سلّمتم إلى أهل الحقّ حقهم، و أقررتم لأهل الفضل بفضلهم لكنتم أولياء اللّٰه، و لكنتم من العلماء به حقاً، الذين امتدحهم اللّٰه عزّ و جلّ في كتابه بالخشية منهم.
فلا أنتم علمتم الجاهل، و لا أنتم أرشدتم الضال، و لا أنتم في خلاص الضعفاء تعملون، و لا بشرط اللّٰه عليكم تقومون، و لا في فكاك رقابكم [و لا السلب إلاّ سلبكم].
يا علماء السوء اعتبروا حالكم، و تفكّروا في أمركم، و ستذكرون ما أقول لكم.
يا علماء السوء إنّما أمنتم عند الجبارين بالإدهان، و فزتم بما في أيديكم بالمقاربة، و قربتم منهم بالمصانعة(1)، قد أبحتم الدين، و عطّلتم القرآن، فعاد علمكم حجّة للّٰه عليكم، و ستعلمون إذا حشرج الصدر، و جاءت الطامة، و نزلت الداهية.
يا علماء السوء أنتم أعظم الخلق مصيبة، و أشدهم عقوبة، إن كنتم تعقلون، ذلك بأنّ اللّٰه قد احتج عليكم بما استحفظكم إذ جعل الأُمور ترد إليكم، و تصدر عنكم.
الأحكام من قبلكم تلتمس، و السنن من جهتكم تختبر. يقول المتبعون لكم: أنتم حجّتنا بيننا و بين ربّنا. فبأي منزلة نزلتم من العباد هذه المنزلة؟
فوالذي نفس «زيد بن علي» بيده لو بيّنتم للناس ما تعلمون و دعوتموهم إلى الحقّ الذي تعرفون، لتضعضع بنيان الجبارين، و لتهدّم أساس الظالمين، و لكنّكم اشتريتم بآيات اللّٰه ثمناً قليلاً، و أدهنتم في دينه، و فارقتم كتابه.
هذا ما أخذ اللّٰه عليكم من العهود و المواثيق، كي تتعاونوا على البر و التقوى، و لا تعاونوا على الإثم و العدوان، فأمكنتم الظلمة من الظلم، و زيّنتم لهم الجور، و شددتم لهم ملكهم بالمعاونة و المقارنة، فهذا حالكم.
فيا علماء السوء فمحوتم كتاب اللّٰه محواً، و ضربتم وجه الدين ضرباً، فند(2)
و اللّٰه نديد البعير الشارد، هرباً منكم.
فبسوء صنيعكم سفكت دماء القائمين بدعوة الحقّ من ذرية النبي صلى الله عليه و آله و سلم، و رفعت رءوسهم فوق الأسنّة، و صُفّدُوا في الحديد، و خلص إليهم الذل، و استشعروا الكرب و تسربلوا الأحزان، يتنفسون الصعداء(1)، و يتشاكون الجهد.
فهذا ما قدّمتم لأنفسكم، و هذا ما حملتموه على ظهوركم، فاللّٰه المستعان، و هو الحكم بيننا و بينكم، يقضي بالحق و هو خير الفاصلين.
و قد كتبت إليكم كتاباً بالذي أُريد من القيام به فيكم. و هو: العمل بكتاب اللّٰه، و إحياء سنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم.
فبالكتاب قوام الإيمان، و بالسنّة يثبت الدين. و إنّما البدع أكاذيب تخترع، و أهواء تتّبع، يتولّى فيها و عليها رجال رجالاً صدّوهم عن دين اللّٰه، و ذادوهم عن صراطه، فإذا غيّرها المؤمن، و نهى عنها المُوَحّد، قال المفسدون: جاءنا هذا يدعونا إلى بدعة!!
و أيم اللّٰه ما البدعة إلاّ التي أحدث الجائرون، و لا الفساد إلاّ الذي حكم به الظالمون.
و قد دعوتكم إلى الكتاب. فأجيبوا داعي اللّٰه، و انصروه، فوالذي بإذنه دعوتكم، و بأمره نصحت لكم، ما ألتمس أثرة على مؤمن، و لا ظلماً لمعاهد، و لوددت أنّي قد حميتكم مراتع(2)الهلكة، و هديتكم من الضلالة، و لو كنت أوقد
ناراً فأقذف بنفسي فيها، لا يقربني ذلك من سخط اللّٰه، زهداً في هذه الحياة الدنيا، و رغبة منّي في نجاتكم، و خلاصكم. فإن أجبتمونا إلى دعوتنا كنتم السعداء و الموفورين حظاً و نصيباً.
عباد اللّٰه انصحوا داعي الحقّ و انصروه إذ قد دعاكم لما يحييكم. ذلك بأنّ الكتاب يدعو إلى اللّٰه، و إلى العدل و المعروف، و يزجر عن المنكر.
فقد نظرنا لكم و أردنا صلاحكم، و نحن أولى الناس بكم. رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم «جدّنا»، و السابق إليه المؤمن به «أبونا»، و بنته سيدة النسوان «أُمّنا»، فمن نزل منكم منزلتنا. فسارعوا عباد اللّٰه إلى دعوة اللّٰه، و لا تنكلوا عن الحق، فبالحق يُكبَت(1)عدوّكم، و تمنع حريمكم، و تأمن ساحتكم.
و ذلك أنّا ننزع الجائرين عن الجنود، و الخزائن، و المدائن، و الفيء، و الغنائم، و نثبت الأمين المؤتمن، غير الراشي و المرتشي، الناقض للعهد. فإن نظهر فهذا عهدنا، و إن نستشهد فقد نصحنا لربّنا، و أدّينا الحقّ إليه من أنفسنا، فالجنة مثوانا و منقلبنا، فأي هذا يكره المؤمن، و في أي هذا يرهب المسلم، و قد قال اللّٰه عزّ و جل لنبيه صلى الله عليه و آله و سلم: «وَ لاٰ تُجٰادِلْ عَنِ اَلَّذِينَ يَخْتٰانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ مَنْ كٰانَ خَوّٰاناً أَثِيماً»(2).
و إذا بدأت الخيانة، و خربت الأمانة، و عمل بالجور، فقد افتضح الوالي. فكيف يكون إماماً على المؤمنين من هذا نعته و هذه صفته؟!
اللّهم قد طلبنا المعذرة إليك، و قد عرّفتنا إنّك لا تصلح عمل المفسدين، فأنت اللّهم وليّنا، و الحاكم فيما بيننا و بين قومنا بالحقّ.
هذا ما نقول، و هذا ما ندعو إليه، فمن أجابنا إلى الحقّ فأنت تثيبه و تجازيه،
و من أبى إلاّ عتوّاً و عناداً فأنت تعاقبه على عتوّه و عناده.
فاللّٰه اللّٰه عباد اللّٰه أجيبوا إلى كتاب اللّٰه، و سارعوا إليه، و اتخذوه حكماً فيما شجر بينكم، و عدلاً فيما فيه اختلفنا، و إماماً فيما فيه تنازعنا، فإنّا به راضون، و إليه منتهون، و لما فيه مسلمون، لنا و علينا. لا نريد بذلك سلطاناً في الدنيا، إلاّ سلطانك، و لا نلتمس بذلك أثرة على مؤمن، و لا مؤمنة، و لا حر، و لا عبد.
عباد اللّٰه فأجيبونا إجابة حسنة تكن لكم البشرى.
يقول اللّٰه عزّ و جلّ في كتابه: «فَبَشِّرْ عِبٰادِ * اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ»(1).
و يقول: «وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعٰا إِلَى اَللّٰهِ وَ عَمِلَ صٰالِحاً وَ قٰالَ إِنَّنِي مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ»(2).
عباد اللّٰه فاسرعوا بالإنابة و أبذلوا النصيحة، فنحن أعلم الأُمّة باللّٰه، و أوعى الخلق للحكمة، و علينا نزل «القرآن»، وفينا كان يهبط «جبريل» عليه السلام، و من عندنا اقتبس الخير. فمن علم خيراً فمنّا اقتبسه، و من قال خيراً فنحن أصله، و نحن أهل المعروف، و نحن الناهون عن المنكر، و نحن الحافظون لحدود اللّٰه.
عباد اللّٰه فأعينونا على من استعبد أُمّتنا، و أخرب أمانتنا، و عطّل كتابنا، و تشرف بفضل شرفنا. و قد وثقنا من نفوسنا بالمضي على أُمورنا، و الجهاد في سبيل خالقنا، و شريعة نبينا صلى الله عليه و آله و سلم، صابرين على الحق، لا نجزع من نائبة من ظلمنا، و لا نرهب الموت إذا سلم لنا ديننا.
فتعاونوا، و انصروا، يقول اللّٰه عزّ و جلّ في كتابه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اَللّٰهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدٰامَكُمْ»(1).
و يقول اللّٰه عزّ و جلّ: «وَ لَيَنْصُرَنَّ اَللّٰهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اَللّٰهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * اَلَّذِينَ إِنْ مَكَّنّٰاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ أَقٰامُوا اَلصَّلاٰةَ وَ آتَوُا اَلزَّكٰاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ لِلّٰهِ عٰاقِبَةُ اَلْأُمُورِ»(2).
عباد اللّٰه فالتمكين قد ثبت بإثبات الشريعة، و بإكمال الدين يقول اللّٰه عزّ و جلّ: «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمٰا أَنْتَ بِمَلُومٍ»(3).
و قال اللّٰه عزّ و جلّ فيما احتج به عليكم: «اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً»(4).
عباد اللّٰه فقد أكمل اللّٰه تعالى الدين، و أتم النعمة، فلا تنقصوا دين اللّٰه من كماله، و لا تبدّلوا نعمة اللّٰه كفراً فيحل بكم بأسه و عقابه.
عباد اللّٰه إنّ الظالمين قد استحلّوا دماءنا، و أخافونا في ديارنا، و قد اتّخذوا خذلانكم حجة علينا فيما كرهوه من دعوتنا، و فيما سفهوه من حقّنا، و فيما أنكروه من فضلنا عناداً للّٰه، فأنتم شركاؤهم في دمائنا، و أعوانهم في ظلمنا، فكل مال للّٰه أنفقوه، و كل جمع جمعوه، و كل سيف شحذوه(5)، و كل عدل تركوه، و كل جور ركبوه، و كل ذمة للّٰه تعالى أخفروها(6)، و كل مسلم أذلّوه، و كل كتاب نبذوه، و كل
حكم للّٰه تعالى عطّلوه، و كل عهد للّٰه تعالى نقضوه، فأنتم المعينون لهم على ذلك بالسكوت عن نهيهم عن السوء.
عباد اللّٰه إنّ الأحبار و الرهبان من كل أُمّة مسئولون عما استحفظوا عليه، فأعدّوا جواباً للّٰه عزّ و جلّ على سؤاله.
اللهم إنّي أسألك بنبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله و سلم تثبّتاً منك على الحقّ الذي ندعو إليه و أنت الشهيد فيما بيننا، الفاصل بالحقّ فيما فيه اختلفنا، و لا تستوي الحسنة و لا السيئة.
و السلام على من أجاب الحقّ، و كان عوناً من أعوانه الدالّين عليه.
تمّ ذلك بحمد اللّٰه و منّه.
إنّ لزيد الشهيد مناظرات جرت بينه و بين هشام و أُناس أُخر و فيها دلالة واضحة على قوة منطقه، و نضاجة فكره و بالأخص على حضور بديهته نقتطف ما يلي:
1 - روى موفق الدين عن معمر بن خيثم: قال لي زيد بن علي: كنت أُباري هشام بن عبد الملك و أُكايده في الكلام، فدخلت عليه يوماً فذكر بني أُمية، فقال: و اللّٰه هم أشدّ قريش أركاناً، و أشدّ قريش مكاناً، و أشدّ قريش سلطاناً، و أكثر قريش أعواناً، كانوا رءوس قريش في جاهليّتها، و ملوكهم في إسلامها فقلت له: على من تفخر؟ أعلى بني هاشم، أوّل من أطعم الطعامَ و ضرب الهامَ و خضعت لها قريش بإرغام، أم على بني المطلب سيد مُضر جميعاً، و إن قلت معد كلّها صدَقت، إذا ركب مشوا، و إذا انتعل احتفوا، و إذا تكلّم سكتوا، و كان يطعم الوحوش في
رءوس الجبال و الطير، و السباع و الإنس في السهل، حافر زمزم، و ساقي الحجيج، أم على بنيه أشرف رجال، أم على نبي اللّٰه و رسوله حمله اللّٰه على البراق، و جعل الجنة عن يمينه، و النار عن شماله فمن تبعه دخل الجنة، و من تأخّر عنه دخل النار، أم على أمير المؤمنين و سيد الوصيين علي بن أبي طالب عليه السلام أخي رسول اللّٰه و ابن عمه المفرِّج الكرب عنه و أوّل من قال لا إله إلاّ اللّٰه بعد رسول اللّٰه لم يبارزه فارس قط إلاّ قتله، و قال فيه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ما لم يقله في أحد من أصحابه و لا لأحد من أهل بيته، قال: فاحمر وجهه(1).
2 - دخل زيد على هشام بن عبد الملك، و قد جمع له هشام أهل الشام و أمر أن يتضايقوا في المجلس حتى لا يتمكن من الوصول إلى قربه، فقال له زيد: إنّه ليس من عباد اللّٰه أحد فوق أن يوصىٰ بتقوى اللّٰه، و لا من عباد اللّٰه أحد دون أن يوصىٰ بتقوى اللّٰه، و أنا أُوصيك بتقوى اللّٰه يا أمير المؤمنين فاتقه، فقال له هشام: أنت المؤهل نفسك للخلافة، الراجي لها؟ و ما أنت و ذاك لا أُمّ لك و إنّما أنت ابن أمة، فقال له زيد: إنّي لا أعلم أحداً أعظم منزلة عند اللّٰه من نبيّ بعثه و هو ابن أمة، فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية، لم يبعث، و هو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام فالنبوة أعظم منزلة عند اللّٰه أم الخلافة يا هشام؟ و بعد فما يقصر برجل أبوه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و هو ابن علي بن أبي طالب، فوثب هشام عن مجلسه (و زيد في عمدة الطالب و وثب الشاميون) و دعا قهرمانه فقال: لا يبيتن هذا في عسكري (الليلة) فخرج زيد و هو يقول: إنّه لم يكره قط أحد حد السيوف إلاّ ذلّوا(2).
3 - قد وشي بزيد إلى هشام، فسأله عن ذلك فقال: أحلف لك. قال هشام: فإذا حلفت أ فأُصدقك؟! قال: اتق اللّٰه.
قال هشام: أ و مثلك يا زيد يأمر مثلي
بتقوى اللّٰه، قال: لا أحد فوق أن يوصى بتقوى اللّٰه، و لا أحد دون أن يوصى بتقوى اللّٰه. قال هشام: بلغني أنّك تريد الخلافة و أنت لا تصلح لها لأنّك ابن أمة قال: قد كان إسماعيل بن إبراهيم ابن أمة و إسحق ابن حرة، فأخرج اللّٰه من صلب إسماعيل النبيّ الكريم، فعندها قال له هشام: قم، قال: إذاً لا تراني إلاّ حيث تكره(1).
4 - روى خالد بن صفوان اليمامي، قال: أتينا زيد بن علي و هو يومئذ بالرصافة، رصافة هشام بن عبد الملك، فدخلنا عليه في نفر من أهل الشام و علمائهم و جاءُوا معهم برجل انقاد له أهل الشام في البلاغة، و البصر بالحجج، و كلّمنا زيد بن علي في الجماعة و قلنا: إنّ اللّٰه مع الجماعة و أنّ أهل الجماعة حجّة اللّٰه على خلقه، و أنّ أهل القلّة هم أهل البدعة و الضلالة، قال: فحمد اللّٰه و أثنى عليه و صلّى على محمد صلى الله عليه و آله و سلم ثمّ تكلّم بكلام ما سمعت قرشيّاً و لا عربيّاً أبلغ موعظة، و لا أظهر حجّة و لا أفصح لهجة منه، قال: ثمّ أخرج إلينا كتاباً قاله في الجماعة و القلة، ذكر من كتاب اللّٰه فلم يذكر كثيراً إلاّ ذمّه و لم يذكر قليلاً إلاّ مدحه، و القليل في الطاعة هم أهل الجماعة، و الكثير في المعصية هم أهل البدع. قال خالد بن صفوان: فيئس الشامي فما أحلى و لا أمر (كذا) و سكت الشاميون فما يجيبون بقليل و لا كثير، ثمّ قاموا من عنده فخرجوا و قالوا لصاحبهم: فعل اللّٰه بك و فعل، غررتنا و فعلت، زعمت أنّك لا تدع له حجّة إلاّ كسرتها فخرست، فلم تنطق، فقال لهم: ويلكم كيف أكلّم رجلاً إنّما حاجّني بكتاب اللّٰه أ فأستطيع أن أرد كلام اللّٰه؟! فكان خالد بن صفوان يقول بعد ذلك: ما رأيت في الدنيا رجلاً قرشياً و لا عربياً يزيد في العقل و الحجج غير زيد بن علي عليهما السلام(2).
هذه نتف من مناظراته و فيها غنى و كفاية، فلنعطف عنان البحث إلى ما جادت به قريحته في مواقف مختلفة و يبدو أنّه لا ينظم الشعر إلاّ في مجالات قليلة، يصبّ ما في نفسه من جوى و شكوى، و حماس في قالب النظم و إليك بعض ما وقفنا عليه:
1 - روى أبو الفرج عن زكريا قال: أردت الخروج إلى الحجّ فمررت بالمدينة، فقلت: لو دخلت على زيد بن علي، فدخلت فسلمت عليه فسمعته يتمثّل:
و من يطلب المال الممنّع بالقنا *** يعش ماجداً أو تخترمه المخارم
متى تجمع القلب الذكي و صارماً *** و أنفاً حمياً تجتنبك المظالم
و كنت إذا قوم غزوني غزوتهم *** فهل أنا في ذا بالهمدان ظالم
يقول: فخرجت من عنده و ظننت أنّ في نفسه شيئاً و كان من أمره ما كان(1).
2 - روى الخزاز عن ابن بكير أنّه قال لزيد: يا ابن رسول اللّٰه هل عهد إليكم رسول اللّٰه متى يقوم قائمكم؟ قال: يا بن بكير، إنّك لن تلحقه، و إن هذا الأمر يليه ستة أوصياء بعد هذا، ثمّ يجعل اللّٰه خروج قائمنا فيملأها قسطاً و عدلاً كما ملئت جوراً و ظلماً، قلت يا بن رسول اللّٰه أ لست صاحب هذا الأمر؟ فقال: أنا من العترة، فعدت فعاد إليّ، فقلت: يا بن رسول اللّٰه هذا الذي قلته عنك أو عن رسول اللّٰه؟ فقال: لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، لا و لكن عهد، عهِدَه إلينا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ثمّ أنشأ يقول:
1) . أبو الفرج: مقاتل الطالبيين: 89.
نحن سادات قريش *** و قوام الحقّ فينا
نحن الأنوار التي من *** قبل كون الخلق كنّا
نحن منّا المصطفى ال *** مختار و المهدي منّا
فبنا قد عرف اللّٰه *** و بالحق أقمنا
سوف يصلاه سعيراً *** من تولى اليوم عنّا(1)
3 - روى ابن شهرآشوب في المناقب أنّه رثى الإمام الباقر عليه السلام بأبيات و قال:
ثوى باقر العلم في ملحد *** إمام الورى طيب المولد
فمن لي سوى جعفر بعده *** إمام الورى الأوحد الأمجد
أبا جعفر الخير أنت الإمام *** و أنت المرجى لبلوى غد(2)
4 - اجتمع مع هشام فأهانه، فخرج عن مجلسه و هو يقول: «من أحب الحياة ذل» ثمّ أنشأ يقول:
مهلاً بني عمنا عن نحت أثلتنا *** سيروا رويداً كما كنتم تسيرونا
لا تطمعوا أن تهينونا و نكرمكم *** و ان نكفّ الأذى عنكم و تؤذونا
و اللّٰه يعلم أنّا لا نحبّكم *** و لا نلومكم أن لا تحبّونا
كلّ امرئ مولعٌ في بغض صاحبه *** فنحمد اللّٰه نقلوكم و تقلونا(3)
5 - روى ابن الأثير لما أهانه هشام، و قال: أُخرج، قال: أخرج ثمّ لا أكون إلاّ حيث تكره، فقال له سالم: يا أبا الحسين لا يظهرن هذا منك، فخرج من عنده و سار إلى الكوفة و لمّا خرج من مجلس هشام أنشد:
شرّده الخوف و أزرى به *** كذاك من يكره حرّ الجلاد
منخرق النعلين يشكو الوجى *** تنكثه أطراف مرو حداد
قد كان في الموت له راحة *** و الموت حتم في رقاب العباد
إن يحدث اللّٰه له دولة *** تترك آثار العدا كالرماد(1)
6 - روى السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة نقلاً عن الخوارزمي في مقتله: إنّ أبا الحسين لما رأى الأرض قد طوقت جوراً و رأى قلة الأعوان، و تخاذل الناس، كانت الشهادة أحب الميتات إليه فخرج و هو يتمثل بهذين البيتين:
إن المحكم ما لم يرتقب حسداً *** لو لم يرهب السيف أو وخز القنا صفا
من عاذ بالسيف لاقى فرجة عجباً *** موتاً على عجل أو عاش فانتصفا(2)
7 - روى ابن الأثير، قال محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب لزيد: أذكرك اللّٰه يا زيد، لما لحقت بأهلك و لا تأتي أهل الكوفة، فإنّهم لا يفون لك، فلم يقبل، فقال له: خُرِجَ بنا أُسراء على غير ذنب من الحجاز، إلى الشام ثمّ إلى الجزيرة ثمّ إلى العراق، إلى قيس ثقيف يلعب بنا ثمّ قال:
بكرت تخوّفني الحتوف كأنّني *** أصبحت عن عرض الحياة بمعزل
فأجبتها إنّ المنية منهل *** لا بد أن أُسقى بكأس المنهل
إنّ المنية لو تُمثَّل مُثّلتْ *** مثلي (كذا) إذا نزلوا بضيق المنزل
فاقني حياءك لا أبا لكِ و أعلمي *** إنّي امرؤ سأموت إن لم أُقتل(1)
8 - روى المرتضى في الفصول المختارة عن الحسين بن زيد، قال: حدثني مولاي قال: كنت مع زيد بن علي عليه السلام بواسط فذكر قوم الشيخين و علياً فقدّموهما عليه، فلمّا قاموا قال لي زيد: قد سمعت كلام هؤلاء و قد قلت أبياتاً فادفعها إليهم و هي:
من شرّف الأقوام يوماً برأيه *** فإنّ علياً شرّفته المناقبُ
و قول رسول اللّٰه و الحقّ قوله *** و إن رغمت منهم أُنوف كواذب
بأنّك منّي يا علي معالنا *** كهارون من موسى أخ لي و صاحب
دعاه ببدر فاستجاب لأمره *** و ما زال في ذات الإله يضارب
فما زال يعلوهم به و كأنّه *** شهاب تلقاه القوابس ثاقب(2)
9 - قال السيد الأمين: و ممّا نسب إليه قوله:
لو يعلم الناس ما في العرف من شرف *** لشرفوا العرف في الدنيا على الشرف
و بادروا بالذي تحوي أكفهم *** من الخطير و لو أشفوا على التلف(3)
10 - روى عن نسمة السحر أنّ هذين البيتين له:
يقولون زيداً لا يزكى بما له *** و كيف يزكي المال من هو باذله
إذا حال حول لم يكن في أكفنا *** من المال إلاّ رسمه و فواضله(1)
11 - روى الديلمي: أنّه لما جرى بينه و بين هشام كلام خرج عليه السلام و هو يقول:
حكم الكتاب و طاعة الرحمن *** فرضا جهاد الجائر الخوان
كيف النجاة لأُمّة قد بدلت *** ما جاء في الفرقان و القرآن
فالمسرعون إلى فرائض ربّهم *** برءوا من الآثام و العدوان
و الكافرون بحكمه و بفرضه *** كالساجدين لصورة الأوثان(2)
لكل أُناس مقبر بفنائهم *** فهم ينقصون و القبور تزيد
فما إن تزال دار حيٍّ قد أُخربت *** و قبرٌ بأفناء البيوت جديد
هم جيرة الأحياء أمّا مزارهم *** فدانٍ و أمّا الملتقى فبعيد(3)
12 - تمثل زيد بالأبيات التالية و قد تمثل بها علي بن أبي طالب عليه السلام يوم صفين و الحسين بن علي عليهما السلام يوم قتل و هي لضرار بن الخطاب الفهري:
مهلاً بني عمنا ظلامتنا *** إنّ بنا سورة من الفلق
لمثلكم نحمل السيوف و لا *** تغمز أحسابنا من الدقق
إنّي لأنمي إذا انتميت إلى *** عز عزيز و مفتر صدق
بيض بساط كان أعينهم *** تكحل يوم الهياج بالعلق(1)
لما خرج زيد بن علي كتب للكميت: اخرج عنّا يا أعيمش أ لست القائل:
ما أُبالي إذا حفظت أبا القا *** سم فيكم ملامة اللوام
فكتب إليه الكميت:
تجود لكم نفسي بما دون وثبة *** تظل بها الغربان حولي تحجل(2)
هذا زيد، و هذه كلمه و خطبه، و حججه و مناظراته، و شعره و قريضه و عند ذاك تقف على صدق ما رواه الخوارزمي في مقتله عن خالد بن صفوان قال: انتهت الفصاحة و الخطابة و الزهادة و العبادة في بني هاشم إلى زيد بن علي - رضي اللّٰه عنه -(3).
أمّا الفصاحة و الخطابة فقد عرفت نماذج من كلامه، و أمّا العبادة، فيكفي في
تهالكه فيها: ما رواه فرات بن إبراهيم عن رجل: قال صحبت زيداً ما بين مكّة و المدينة و كان يصلّي الفريضة ثمّ يصلّي ما بين الصلاة إلى الصلاة و يصلّي الليل كلّه و يكثر التسبيح و يكرر هذه الآية: «وَ جٰاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذٰلِكَ مٰا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ»، فصلّى ليلة معي و قرأ هذه الآية إلى قريب نصف الليل فانتبهت من نومي فإذا أنا به مادّ يديه نحو السماء و هو يقول:
إلهي عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة، ثمّ انتحب، فقمت إليه و قلت: يا بن رسول اللّٰه لقد جزعت في ليلتك هذه جزعاً ما كنت أعرفه، فقال: ويحك يا نازلي أنّي نمت هذه الليلة و أنا ساجد فرأيت جماعة عليهم لباس لم أر أحسن منه فجلسوا حولي و أنا ساجد فقال رئيسهم: هل هو هذا؟ فقالوا: نعم. فقال: أبشر يا زيد فإنّك مقتول في اللّٰه و مصلوب و محروق بالنار و لا تمسّك النار بعدها أبداً، فانتبهت و أنا فزع(1).
روى الخزاز عن يحيى بن زيد أنّه قال له في حديث: يا أبا عبد اللّٰه إنّي أُخبرك عن أبي عليه السلام و زهده و عبادته إنّه كان يصلّي في نهاره ما شاء اللّٰه، فإذا جنّ الليل عليه نام نومة خفيفة ثمّ يقوم فيصلي في جوف الليل ما شاء اللّٰه، ثمّ يقوم قائماً على قدميه يدعو اللّٰه تبارك و تعالى و يتضرع له و يبكي بدموع جارية حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر سجد سجدة ثمّ يصلّي الفجر ثمّ يجلس للتعقيب حتى يرتفع النهار، ثمّ يذهب لقضاء حوائجه، فإذا كان قريب الزوال أتى و جلس في مصلاّه و اشتغل بالتسبيح و التمجيد للرب المجيد، فإذا صار الزوال صلى الظهر و جلس، ثمّ يصلي العصر ثمّ يشتغل بالتعقيب ساعة ثمّ يسجد سجدة، فإذا غربت الشمس صلّى المغرب و العشاء، فقلت: هل كان يصوم دائماً؟ قال: لا
1) . فرات بن إبراهيم: التفسير: 435. و الآية 19 من سورة ق.
و لكنّه يصوم في كل سنة ثلاثة أشهر، و في كل شهر ثلاثة أيام ثمّ أخرج إليّ صحيفة كاملة فيها أدعية علي بن الحسين - عليه السلام(1)
روى أبو الفرج بسند عن محمد بن الفرات: رأيت زيد بن علي و قد أثر السجود بوجهه أثراً خفيفاً و كان في خاتمه «اصبر تُؤجر و توقّ تنج»(2).
إنّ أئمة أهل البيت عليهم السلام كانوا في غنى عن الحضور لدى الغير، و الرجوع إليهم في مجال العقائد و الأُصول، و الأحكام و الفروع، و الأخلاق و السلوك و كل ما يمت إلى الدين بصلة، و تحتاج إليه الأُمّة. و ذلك لا للمبالغة في مقامهم، أو الغلو في علومهم. بل لأجل تنصيص النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم عليهم، حيث إنّه صلى الله عليه و آله و سلم تارة يصوّرهم بأنّهم أعدال القرآن و قرناؤه، من تمسك بهما لن يضل أبداً(1)، و أُخرى بأنّ مثلهم كسفينة نوح من ركبها نجا و من تخلّف عنها غرق(2)، و ثالثة بأنّهم كالنجوم، فكما أنّ الكواكب أمان لأهل الأرض من الغرق، فكذلك أئمة أهل البيت عليهم السلام أمان للأُمّة من الاختلاف(3)، إلى غير ذلك من الأحاديث المتواترة أو المتضافرة الدالة على أنّ أئمة أهل البيت مراجع الأُمّة، و مصادر الأحكام، و هم عن
1) . حديث الثقلين: اتفق الفريقان على نقله و تصحيحه لا يشك فيه إلاّ العدو الغاشم.
2) . تلويح إلى قول النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم: «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلّف عنها غرق».
3) . قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق و أهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف في الدين» لاحظ في الوقوف على مصادرها المراجعات للسيد شرف الدين العاملي المراجعة الثانية: 40-46 طبعة الأعلمي، لبنان.
علومهم و معارفهم يصدرون، و إلى أقوالهم و أفعالهم يسكنون. و من كان هذا وصفه و مقامه فيحتلّ من مخروط الأُمّة مكان الرأس و القمة، و نعم ما قال القائل:
فَوال أُناساً قولهم و كلامهم *** روى جدنا عن جبرئيل عن الباري
و ما ربّما يرى من أنّ أحد الأئمة، يروي حديثاً عن صحابي أو تابعي كالإمام الباقر عليه السلام إذا روى مثلاً عن جابر، فإنّما هو لأجل إقناع السائل الذي اعتاد بقبول الرواية إذا أُسند إلى النبي الأكرم و إلاّ فالإمام الباقر عليه السلام في غنى عن الإسناد إليه و هو معدن علم النبي و موئله و هكذا أبناؤه المعصومون.
هذا هو حال أئمة أهل البيت و أمّا العلماء المنتمون إليهم بالنسب كالحسنيّين و الحسينيّين فيصدرون عن معارفهم و يحتجون بأقوالهم و أفعالهم أيضاً و ربّما ينقلون عن الغير و يسكنون إليهم و ذلك لا للإعراض عن أئمتهم، بل اقتداء بقول نبيهم صلى الله عليه و آله و سلم: «الحكمة ضالة المؤمن أين وجدها أخذها» و لأجل ذلك نرى أنّ زيد الثائر أخذ الحديث عن غيرهم، كما أخذ عنه الكثيرون من المحدّثين و الفقهاء. و إليك بيان هذا الفصل من فصول حياته.
كان لزيد الثائر تنقلات و سفرات كثيرة بين المدن الإسلامية بين المدينة و مكّة، و الحجاز و الشام و العراق، ففي هذه الرحلات أخذ العلم و الحديث عن لفيف، و إليك أسماء مشايخه أوّلاً، ثمّ تلامذته.
روى عن: أبان بن عثمان بن عفان، و عبيد اللّٰه بن أبي رافع، و عروة بن الزبير، و أبيه علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، و أخيه أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام(1).
1) . المزي: تهذيب الكمال: 96/10، الذهبي: سير أعلام النبلاء: 389/5، تاريخ الاسلام القسم المختص بحوادث (سنة 121-141) ص 105، ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب: 419/3.
روى عنه: الأجلح بن عبد اللّٰه الكندي، و آدم بن عبد اللّٰه الخثعمي، و إسحاق بن سالم، و إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، و بسام الصيرفي، و أبو حمزة ثابت بن أبي صفية الثمالي، و ابن أخيه جعفر بن محمد بن علي الصادق، و ابنه حسين بن زيد بن علي، و خالد بن صفوان، و أبو سلمة راشد بن سعد الصائغ الكوفي، و زبيد اليامي، و زكريا بن أبي زائدة، و زياد بن علاقة، أبو الجارود زياد بن المنذر الهمداني، و سعيد بن خثيم الهلالي، و سعيد بن متصور المشرفي الكوفي، و سليمان الأعمش، و شعبة بن الحجاج، و عباد بن كثير، و عبد اللّٰه بن عمر بن معاوية، و عبد اللّٰه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، و عبد الرحمن بن الحارث ابن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، و عبد الرحمن بن أبي الزناد، و عبيد اللّٰه بن محمد ابن عمر بن علي بن أبي طالب، و عبيد بن اصطفى، و أبو هريرة عُريف بن درهم، و عمر بن موسى، و أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، و ابنه عيسى بن زيد بن علي، و فضيل بن مرزوق، و كثير النواء، و كيسان أبو عمر القصار الكوفي، و محمد ابن سالم، و محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، و المطّلب بن زياد، و أبو الزناد موج ابن علي الكوفي، و هارون بن سعد العجلي، و هاشم بن البريد(1).
ثمّ إنّ علاّمة صنعاء السياغي فصل من يروي عنه من أولاده عمّن ليس منهم، فقال:
عيسى بن زيد، و محمد بن زيد، و حسين بن زيد، و يحيى بن زيد.
1) . جمال الدين المزي: تهذيب الكمال: 96/10. هذا ما ذكره جمال الدين، و نذكر المشهورين منهم في قائمة خاصة.
فعيسى بن زيد الأوحد الذي أخذ عنه سفيان الثوري، و كان زاهد أهل زمانه و هو جد العراقيين.
و محمد بن زيد، جد الذين ببلاد العجم.
و حسين بن زيد، جد المشهورين من ذرية زيد بن علي.
و يحيى بن زيد هو القائم بالإمامة بعده.
ما نقلناه عن جمال الدين المزّي يهدف إلى مطلق من أخذ عنه العلم، سواء اشتهر بالأخذ عنه أم لا و في هذه القائمة نخص المشهورين و بين المذكورين في القائمتين من النسب الأربع عموم و خصوص من وجه.
1 - منصور بن المعتمر بن عبد اللّٰه السلمي الكوفي مات سنة 132 ه احتج به البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي.
2 - هارون بن سعد العجلي أو الجعفي الكوفي و هو من شيوخ مسلم.
3 - معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري استشهد مع الإمام زيد و صلب معه.
4 - أبو الجارود زياد بن المنذر الهمداني و هو الذي تنسب إليه الجارودية الزيدية.
5 - الحسن بن صالح و أخوه.
6 - علي بن صالح و كلاهما بتريان، لاحظ رجال الكشي برقم 108.
7 - هاشم صاحب البريد و قد جاء في سند الكافي في باب معرفة الأئمة يروي عن الصادق عليه السلام لاحظ تنقيح المقال:
288/3.
8 - محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام لاحظ تنقيح المقال: 136/3.
9 - سلمة بن كهيل أحد المبايعين لزيد له ترجمة في رجال الكشي برقم: 205.
10 - عمرو بن خالد الواسطي راوي مسنده و ستوافيك ترجمته عند البحث عن آثار زيد العلمية.
11 - إسماعيل بن عبد الرحمن السدّي من كبار علماء الكوفة مات سنة 127 ه.
12 - أبو الزناد: موج بن علي الكوفي. له ترجمة في تهذيب الكمال: 456/1.
13 - سليمان بن مهران الأعمش من كبار علماء الكوفة ولد سنة ستين و توفي عام 148 ه.
14 - الأجلح بن عبد اللّٰه الكندي. لاحظ تنقيح المقال: 266/1.
15 - معمر بن خثيم الهلالي له ترجمة في تنقيح المقال: 234/3.
16 - سعيد بن خثيم الهلالي له ترجمة في تنقيح المقال: 26/2.
17 - شعبة بن الحجاج بن ورد (83-160 ه) من العلماء كان ينتقل بين الكوفة و البصرة و واسط.
18 - قيس بن الربيع من أصحاب الصادقين عليهما السلام. تنقيح المقال: 31/3.
19 - سفيان بن أبي السمط، اقرأ ترجمته في تنقيح المقال: 38/2، بسقوط «أبي» من العبارة.
20 - محمد بن الفرات الجرمي. له ترجمة في رجال الكشي، برقم: 428.
21 - فضيل بن الزبير الرسان له ترجمة في تنقيح المقال: 13/2.
22 - عبد اللّٰه بن الزبير: أخو فضيل بن الزبير لاحظ رجال الكشي برقم: 287.
23 - سالم بن أبي حفصة ترجمه الكشي برقم 109.
24 - عبد اللّٰه بن عتيبة.
25 - زبيد اليامي(1)و هو من صغار التابعين توفي عام 122 أو 124 ه.
هؤلاء مشاهير تلامذته، و أمّا غيره فقد أتى بأسمائهم العلاّمة السياغي في كتابه، فمن أراد فليرجع إليه، و قد تعرفت على ما ذكره جمال الدين المزّي في ذلك المجال(2).
ثمّ إنّ أولاد عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن المثنى الذين أخذوا من زيد عبارة عن:
1 - محمد بن عبد اللّٰه: النفس الزكية.
2 - إبراهيم بن عبد اللّٰه: النفس الرضية.
3 - إدريس بن عبد اللّٰه.
4 - يحيى بن عبد اللّٰه.
5 - السيد موسى بن عبد اللّٰه.
فهؤلاء أخذوا العلم عن أبيهم و عن زيد و بعض أصحابه أيضاً(3).
إنّ العلاّمة السياغي و غيره عدّوا كثيراً من فقهاء أهل السنّة و نسّاكهم من أتباع الإمام زيد، و حاولوا بذلك شيوع إمامته و الاقتداء به يوم ظهوره و خروجه، و لكن المؤيد لثورة زيد، غير كونه تابعاً لزيد في الأُصول و الفروع.
و هناك كلمة قيّمة لنشوان الحميري قد رفع بها الستر عن وجه الحقيقة و قال: «اجتمع طوائف الناس على اختلاف آرائهم على مبايعته، فلم يكن المعتزلي أسرع إليها من المرجئ، و لا المرجئ من الخارجي، فكانت بيعته عليه السلام مشتملة على فرق الأُمّة على اختلافها(1).
إنّ أبا حنيفة إمام السنّة دعم خروج زيد بالمال، و أفتى بوجوب نصرة زيد و قد أرسل المال إليه، كما هو مذكور في غير واحد من المعاجم، مع أنه لم يكن تابعاً لزيد لا في الأُصول و لا في الفروع.
إنّ لفيفاً من فقهاء أهل السنّة، كانوا يعانون من جور بني أُمية و طغيانهم، لمّا وقفوا على خروج زيد قاموا بدعمه و إمداده بالقول و العمل، فصاروا معروفين بالزيدية و ما هم من الزيدية بشيء إلاّ تصويب خروج زيد، و إمداده، و الزيدي عندنا، من يقتفيه في العقيدة و العمل.
و بذلك يظهر التأمل في بعض ما ذكره الحاكم الجشمي البيهقي (413-494 ه) في جلاء الأبصار.
قال: و عن محمد بن زيد قال: بعث أبو حنيفة رحمه الله إلى زيد بن علي عليهما السلام بمال، و قال: استعن به على ما أنت فيه. و عن فضيل ابن الزبير قال: كنت رسول زيد بن علي إلى أبي حنيفة، فسألني من يأتيه من الفقهاء؟ فقلت:
1) . نشوان الحميري: الحور العين: 185. و لكلامه صلة سيوافيك.
سلمة بن كهيل و يزيد بن أبي زياد و هارون بن سعد و أبو هاشم الرماني و حجاج ابن دينار و غيرهم كثير. و عن شعبة قال: سمعت الأعمش يقول: و اللّٰه لو لا ضرارة بي لخرجت معه، و اللّٰه ليخذُلنَّه و اللّٰه ليُسلمُنَّه كما فعلوا بجده و عمه. و عن عقبة بن إسحاق السلمي قال: كان منصور بن المعتمر يدور على الناس يأخذ البيعة لزيد ابن علي. و عن ليث قال: جاءنا منصور يدعونا إلى الخروج مع زيد بن علي. و عن حماد بن زيد و ذكر سفيان الثوري فقال: كان ذاك زيدياً، و عن أبي معاوية و ذكر عنده سفيان فقال: نحن أعرف بهذا منكم، كان سفيان من هذه الشيعة و كان منصور يأخذ البيعة لزيد بن علي. و ذكر السيد أبو طالب بإسناده عن أبي عوانة قال: كان سفيان زيدياً، و كان إذا ذكر زيد بن علي يقول: بذل مهجته لربّه، و قام بالحقّ لخالقه، و لحق بالشهداء المرزوقين من آبائه. و قال أبو عوانة: كان زيد بن علي يرى الحياة غراماً، و كان ضجراً بالحياة. و عن الواقدي قال: كان سفيان زيدياً. و عن النضر بن حميد الكندي قال: شهدت سعد بن إبراهيم بالمدينة حين نعي إليه زيد بن علي عليهما السلام، فبكى و اشتد حزنه و اشتد جزعه، و تخلف في منزله يعزّى بعد سبعة أيام، فسمعته يقول: ما خلف مثله. و عن الصادق - يعني جعفر بن محمد عليهما السلام -: «عمي زيد خرج على ما خرج عليه آباؤه، و وددت أنّي استطعت أن أصنع كما صنع عمي، فأكون مثل عمي، من قتل مع زيد كمن قتل مع الحسين ابن علي عليهما السلام»(1).
و على هذا الغرار قول ابن العماد الحنبلي، قال: و كان ممن بايعه منصور بن المعتمر، و محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، و هلال بن خباب بن الأرت و ابن شبرمة و مسعر بن كدام و غيرهم(2).
إنّ القول بالتشيع يجمعه الاعتقاد، بخلافة الإمام علي أمير المؤمنين عن النبي الأكرم نصاً جليّاً أو خفياً كما يدّعيه بعض الزيدية، و لم يكن هؤلاء متشيعين بهذا المعنى نعم كانوا مؤيدين ثورة زيد و مدعمين لها بألوان مختلفة.
حتى إنّ بعض المؤيدين لثورته، و المبايعين له، قد استقال بعد البيعة كما روى في حق كثير النواء حيث بايع فاستقال و أقاله زيد و قال:
للحرب أقوام لها خلقوا *** و للتجارة و السلطان أقوام
خير البرية من أمسى تجارته *** تقوى الإله، و ضرب يجتلي الهام(1)
1 - روى المقريزي عن أحمد بن محمد بن الحسين بن زيد بن علي، قال: حدثنا أهلي أنّ زيداً عليه السلام ما توسد القرآن منذ احتلم حتى قتل، و أمّا الصيام فكان يصوم يوماً و يفطر يوماً.
و لعله أراد بقوله: «ما توسد القرآن» الكناية عن قيام الليل و استكمال قراءة القرآن في صلاة التهجد(2).
2 - قال نشوان الحميري في شرح «رسالة الحور العين»: فلمّا شهر فضله و تقدمه و براعته و عرف كماله الذي تقدم به أهل عصره اجتمع طوائف الناس على اختلاف رأيهم على مبايعته، فلم يكن الزيدي أحرص عليها من المعتزلي، و لا المعتزلي أسرع إليها من المرجئ، و لا المرجئ من الخارجي، فكانت بيعته عليه السلام مشتملة على فرق الأُمّة مع اختلافهم. و لم يشذ عن بيعته إلاّ هذه الفرقة القليلة
التوفيق - أخزاهم اللّٰه تعالى - قال: و من الواضح الذي لا أشكال فيه أنّ زيد بن علي عليه السلام يُذكر مع المتكلمين إن ذكروا، و يُذكر مع الزهاد، و يُذكر مع الشجعان، و أهل المعرفة بالضبط و السياسة، فكان أفضل العترة لأنّه كان مشاركاً لجماعتهم في جميع خصال الفضل، و متميزاً عنهم بوجوه لم يشاركوه فيها، فمنها اختصاصه بعلم الكلام(1)، الذي هو أجلّ العلوم، و طريق النجاة، و العلم الذي لا ينتفع بسائر العلوم إلاّ معه، و التقدم فيه و الاشتهار عند الخاص و العام. هذا أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ يصفه في صنعه الكلام و يفتخر به و يشهد له بنهاية التقدم، و جعفر بن حرب في كتاب «الديانة» و كثير من معتزلة بغداد كمحمد بن عبد اللّٰه الإسكافي و غيره ينتسبون إليه في كتبهم، و يقولون نحن زيدية، و حسبك في هذا الباب انتساب المعتزلة إليه، مع أنّها تنظر إلى سائر الناس بالعين التي تنظر بها ملائكة السماء إلى أهل الأرض مثلاً. فلولا ظهور علمه و براعته و تقدمه على كل أحد في فضيلته لما انقادت إليه المعتزلة(2).
إنّ الغلو هو الخروج عن الحد، قال سبحانه: «يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ لاٰ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لاٰ تَقُولُوا عَلَى اَللّٰهِ إِلاَّ اَلْحَقَّ» (النساء - 171). و قال سبحانه: «قُلْ يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ لاٰ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ اَلْحَقِّ» (المائدة - 77). و قال الإمام علي عليه السلام و هو يصف الغلوّ و خلافه يقول: الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق، و التقصير عن الاستحقاق عيّ أو حسد»(3).
المغالاة في أي موضوع من الموضوعات تلازم الكذب أوّلاً، و الإغراء بالجهل ثانياً، و بخس الحق ثالثاً إلى غير ذلك من المضاعفات، من غير فرق بين أن يتعلق بأمر ديني أو غيره، و هنا نذكر شيئاً مما قيل في حقّه من المغالاة:
1 - اتفقت كلمة أصحاب المعاجم على أنّ زيداً، أخذ عن والده و أخيه محمد الباقر عليهما السلام و لم ينكر أحد ذلك و قد تخرج من مدرسة أخيه عشرات المحدثين و الفقهاء و المتكلمين، لا يشق غبارهم و لا يدرك شأوهم غير أنّ هناك من يروقه الحط عن مكانة أئمة أهل البيت، أو الخضوع للعاطفة، أو الحسد لمنزلة أبي جعفر الباقر عليه السلام فلا يرضى إلاّ بترفيع زيد عليه، يقول: لقد علم زيد، القرآن من حيث لم يعلمه أبو جعفر، قلت: و كيف ذلك؟ قال: لأنّ زيداً علم القرآن، و أُوتي فهمه. و أبو جعفر أخذ من أفواه الرجال. قال الديلمي: و قد قيل لأبي جعفر: باقر علم الأنبياء و العالم و رأس الشيعة في زمانه. و عنه: و اللّٰه لقد علمت أهل بيتي فما علّمت أفضل من زيد بن علي و لقد استوسقت له الفضائل، و اجتمع له الخير، و كمل فيه الحقّ فما يساميه أحد إلاّ و الحقّ ينكسه و يزهقه(1).
يلاحظ عليه
أوّلاً: أنّ زيداً من علماء أهل البيت و أفاضلهم، و هو علم القرآن و أُوتي فهمه، و لكنه من أين أخذ علمه هل أخذ عن أبيه زين العابدين، و أخيه باقر العلوم عليهما السلام فإذاً تنتفي المغالاة، أو من غيرهما، و من هو ذاك الغير الذي علّم زيداً، و صار زيد في علم القرآن عيالاً عليه، و برع و ترعرع و تقدم على أئمة أهل البيت عليهم السلام؟!
و ثانياً: ما مصدر هذه الأُكذوبة من أنّ أبا جعفر عليه السلام أخذ من أفواه الرجال، إذ لم يأت في أي مصدر من المصادر، إنّ الأئمة الاثني عشر عليهم السلام
1) . الروض النضير: 101/1 و هذا القضاء الجائر نسبه الديلمي في مشكاة الأنوار إلى عبد اللّٰه بن محمد ابن علي بن الحنفية.
حضروا مجلس درس أحد من الصحابة و التابعين و العلماء، نعم ربّما روى بعضهم حديثاً عن الرسول مسنداً إلى بعض الصحابة أو التابعين و هو غير الدراسة و التعلّم لديهم. و قد مضى وجه النقل عنهم.
هذا هو ابن سعد يعرّفه بقوله: «محمّد الباقر من الطبقة الثالثة من التابعين كان عالماً عابداً ثقة، روى عنه الأئمة أبو حنيفة و غيره. و قال عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر، لقد رأيت الحكم عنده كأنّه مغلوب، و يعني بالحكم، الحكم بن عتيبة، و كان عالماً نبيلاً جليلاً في زمانه»(1).
أ فمن يسلم عليه النبي عن طريق جابر يقول جابر: كنت جالساً عند رسول اللّٰه و الحسين في حجره و هو يداعبه فقال صلى الله عليه و آله و سلم: «يا جابر يولد مولود اسمه علي إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقوم سيد العابدين فيقوم ولده، ثمّ يولد له ولد اسمه محمد، فإن أدركته يا جابر فاقرئه منّي السلام»(2).
يقول المفيد: لم يظهر عن أحد من ولد الحسن و الحسين عليهما السلام في علم الدين و الآثار و السنّة و علم القرآن و السيرة و فنون الآداب ما ظهر من أبي جعفر الباقر عليه السلام و روى عنه معالم الدين، بقايا الصحابة و وجوه التابعين و فقهاء المسلمين، و سارت بذكر كلامه الأخبار و انشدت في مدائحه الأشعار(3).
و بذلك يظهر حال ما رواه الذهبي و غيره عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه عرف عمه بقوله: «كان و اللّٰه أقرأنا لكتاب اللّٰه و أفقهنا في دين اللّٰه، و أوصلنا للرحم
ما تركنا وفينا مثله»(1)و لو صح الحديث لحمل على التفضيل النسبي بالنسبة إلى سائر الهاشميين.
و من ذلك ما يرويه حميد بن أحمد المحلي قال: روينا بالاسناد الموثوقة أيضاً أنّ زيد بن علي عليهما السلام سأل محمد بن علي الباقر عليهما السلام كتاباً كان لأبيه، قال: فقال له محمد بن علي: نعم، ثمّ نسي و لم يبعث إليه، فمكث سنة ثمّ ذكر، فلقى زيداً فقال: أي أخي أ لم تسأل كتاب أبيك؟ قال: بلى. قال: و اللّٰه ما منعني أن أبعث به إلاّ النسيان. قال: فقال له زيد: و قد استغنيتُ عنه.
قال: تستغني عن كتاب أبيك؟ قال: نعم استغنيت عنه بكتاب اللّٰه، قال: فاسألك عما فيه؟ قال له زيد: نعم، قال: فبعث محمداً إلى الكتاب، ثمّ أقبل فسأله عن حرف حرف و أقبل زيد يجيبه حتى فرغ من آخر الكتاب، فقال له محمد: و اللّٰه ما حرمت منه حرفاً واحداً(2).
يلاحظ عليه
أوّلاً: أنّ ظاهر الحديث أنّ اللقاء بين الأخوين كان بعيداً بشهور غير متقارب كما هو ظاهر قوله: فمكث سنة ثمّ ذكر فلقى زيداً، و هذا ما لا تعطيه ظروف الحياة في المدينة المنورة.
و ثانياً: أنّ ما نقله عن زيد من حديث الاستغناء إنّما يصح لو كان الكتاب، كتاباً عادياً غير مرتبط بتفسير القرآن وحل معضلاته و مشكلاته، أو مبيّناً لمخصصاته و مقيداته، و لكن الظاهر أنّ الكتاب كان على خلاف ذلك و مع ذلك كيف يمكن الاستغناء عنه بالقرآن.
كان وليد البيت العلوي، مفسّراً للقرآن، عارفاً بالسنّة، ترك آثاراً علمية إمّا أملاها على تلاميذه، أو حرّرها بقلمه و يراعه و نأتي في المقام بما وقفنا عليه من الآثار:
نسب إلى زيد المجموع الفقهي تارة و الحديثي أُخرى، و المسند ثالثة. روى الجميع أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي غير أنّ الكتب الثلاثة هي المطبوعة باسم المسند، و أمّا تسميته بالحديثي و الفقهي فلأجل أنّ الكتاب يتضمّن روايات عن زيد عن آبائه كما يتضمن آراء له فلو كان الكتابان في بدء الأمر مختلفين فهو في المطبوع كتاب واحد، و أمّا توصيفه بالمسند لأنّ ما في الكتاب يحتوي رواياته عن آبائه، و قد جمع - ما رواه أبو خالد عن زيد - عبد العزيز بن إسحاق بلا تبويب شأنَ المسانيد، و بوبّه بعد قرون الحسين بن يحيى بن إبراهيم الديلمي في سنة 1201 ه و كان قبل التبويب مجزّأ على ستة أبواب على أصل الجامع له، و المطبوع
هو ما بوّبه الديلمي.
و الناظر في المجموع الحديثي يميز الحديث عن المجموع الفقهي فنرى في كتاب الطهارة باب ذكر الوضوء لونين من الكلام.
أ: حدثني زيد بن علي بن الحسين (عن أبيه سقط عن المطبوع) عن جده الحسين بن علي إلى أن قال: رأيت رسول اللّٰه توضّأ فغسل وجهه.
ب: و سألت زيداً بن علي عن الرجل ينسى مسح رأسه حتى يجفّ وضوؤه.
و مثل الثاني إذا قال: و قال زيد بن علي رضي اللّٰه عنه «المضمضة و الاستنشاق سنّة...»
و القسم الأوّل حديث، و لكن الثاني و ما يليه، من المجموع الفقهي.
و أخبار المجموع النبويةُ المرفوعة مائتا حديث و ثمانية و عشرون حديثاً.
و العلوية ثمانمائة و عشرون خبراً.
و قد تلقاها أئمة الزيدية بالقبول و قالوا: هو أوّل كتاب جمع في الفقه و قال منهم:
زيد يزيد على الورى *** في أصله و فروعه
فالفضل مجموع به *** و العلم في مجموعه
و قد شرحه لفيف من الزيدية أوسعها شرح القاضي العلامة شرف الدين الحسين بن أحمد السياغي الحيمي اليمني الصنعاني، ولد بصنعاء سنة 1180 ه و توفي سنة 1221 ه، أسماه «الروض النضير في شرح مجموع الفقه الكبير»، و قد طبع طبعتين، الطبعة الثانية محقّقة طبع عام 1388 ه، و شرحه هذا يشتمل على تخريج الأحاديث و شرحها و استنباط الأحكام المأخوذة منها مع ذكر أقوال العلماء
في مسائل الخلاف و التكلّم في ما عارضها من الأحاديث بالجمع أو الترجيح، و الكتاب يدلّ على سعة باعه و اتقانه الفقه و الأُصول(1).
و الشارح و إن جعل المحور، مسند الإمام زيد، لكنه يستدل على ما ورد فيه شيء بالطرق المألوفة في الفقه السنّي من الاحتجاج بما ورد في الصحاح و المسانيد من مراسيل و موقوفات للصحابة و بأُمور لا تعترف بها أئمّة أهل البيت من القياس و غيره، و لذلك أصبح الكتاب أشبه بفقه أهل السنّة، و لأجل ذلك يقول الشيخ محمّد بخيت المطيعي الحنفي المصري في تقريظه على الكتاب: «و هو موافق في معظم أحكامه لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان و ما ذا عنى أن تقول في كتاب يوافق ما فيه، ما بكتبنا و مذاهبنا»(2)و سوف ندرس المجموع من حيث الاعتبار في الفصل القادم.
الغريب من الغرابة و هي الغموض و الخفاء، فالغريب هو الغامض من الكلام و كان النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و الإمام علي عليه السلام و تلميذه ابن عباس و غيرهم من الصحابة يفسّرون غريب القرآن الكريم و قد جاء في أسئلة نافع بن الأزرق (277) سؤالاً وجّهها هو و زميله إلى ابن عباس، و أجاب عنها(3).
و لعل أوّل من ألّف في غريب القرآن هو أبان بن تغلب بن رياح البكري
(ت 141 ه) من أصحاب الإمام السجاد و الباقر و الصادق عليهم السلام و كانت له عندهم منزلة، و له قراءة مفردة مشهورة عند القراء(1).
لكن لو صحت نسبة تفسير غريب القرآن المطبوع حديثاً لزيد، المحقّق على يد فضيلة الدكتور حسن محمد تقي الحكيم، لَسبقه زيد في التأليف، فهو أوّل باكورة في هذا النوع ظهر في الصعيد الإسلامي، و يظهر من مقارنة هذا الكتاب مع كتاب المجاز لأبي عبيدة (ت 212 ه) الذي ألّفه في غريب القرآن أنّه كان لهذا الكتاب تأثير بالغ في كتاب أبي عبيدة مباشرة أو بالوساطة(2).
و الكتاب يبتدئ من سورة الفاتحة و ينتهي بسورة الناس و يركز في التفسير على الغريب و لذلك لا يذكر من آيات السورة إلاّ ما هو موضع نظره.
وردت نسبة الكتاب إليه في بعض الكتب مثلاً:
1 - جاء في كتاب الأمالي لابن الشجري: قال الإمام أبو الحسين زيد بن علي عليهما السلام في تفسير الغريب.
2 - جاء في طبقات الزيدية لصارم الدين في ترجمة حياة أبي خالد قوله: و روي عن أبي خالد تفسير الغريب للإمام زيد بن علي، عطاء بن السائب.
3 - جاء في كتاب الروض النضير: روى عن أبي خالد تفسير الغريب للإمام زيد بن علي، عطاء بن السائب(3).
و نستطيع أن نؤيد نسبة الكتاب إلى الإمام الثائر بالرجوع إلى المواضع التي يمكن أن يظهر فيها مذهبه و عقيدته.
و من تلك الآيات آية البلاغ، فهو يقول في تفسير قوله: «يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ» قال زيد بن علي عليهما السلام: هذه لعلي بن أبي طالب صلوات اللّٰه عليه خاصة:
«وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ» أي يمنعك منهم(1).
و منها آية الذكر، قال في تفسير قوله سبحانه: «فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ» (النحل - 43) قال الإمام زيد بن علي عليهما السلام: نحن أهل الذكر(2).
فالتفسيران يؤيدان أنّ الكتاب لشيعي يرى النص لعليّ يوم الغدير، و يرى أنّ المرجع بعد الكتاب و الرسول، هو عترته.
كما يعلم كونه نافياً للرؤية التي كانت يوم ذاك عقيدة أصحاب الحديث. يقول في تفسير قوله: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ * إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ» (القيامة: 22-23) معناه مشرقة و ناضرة: منتظرة للثواب(3).
هذه نظرة عابرة إلى التفسير، و لو قرئ بإمعان و دقة، يتبين أن التفسير لمن تربّى في أحضان أئمة أهل البيت و العترة الطاهرة عليهم السلام.
و الكتاب، دراسة قرآنية هادئة يتبنى بيان فضائل أهل البيت عليهم السلام، و تقديمهم على سائر الناس في مختلف المجالات، و إنّ السبب لدبيب الفساد بين المسلمين صرف القيادة عنهم، و دفعها إلى غيرهم. حقّقه الكاتب ناجي حسن، طبع في مطبعة الآداب في النجف الأشرف بلا تاريخ، اعتمد في التصحيح على
تصوير نسخة واحدة محفوظة بمكتبة المتحف البريطاني تحت رقم 203 زيدية.
رواها أبو الطيب علي بن محمد بن مخلد الكوفي:
قال: حدثني إسماعيل بن يزيد العطارد.
قال: حدثنا حسين بن نصر بن مزاحم المنقري
قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن الحكم بن ظهير الفزاري
قال: حدثني أبي و حماد بن يعلى الثمالي
عن أبي الزناد، و أصحاب زيد بن علي عن زيد بن علي عليه السلام أوّله:
أمّا بعد فإنّي أُوصيك بتقوى اللّٰه الذي خلقك و رزقك.
نشرت - مؤخراً - رسالة بهذا الاسم عن دار التراث اليمني في صنعاء، حقّقها محمد يحيى سالم غفران و هي الرسالة التي بعثها الإمام الثائر إلى علماء الأُمّة مبيّناً فيها تفاصيل دعوته و بيان أهدافه التي خرج مجاهداً من أجلها و هي تعطي صورة واضحة من روح ثورية للإمام، و تمرد على الحكم الأموي، و صياح على علماء السوء الذين كان لهم الدور البارز في تخدير حماس الجماهير، و تشويه مفاهيم الدين، و تثبيت ملك الظالمين.
و بما أنّ للرسالة أثرها الرسالي الجهادي الحماسي و تمثل الهدف الأمثل لنضال الإمام و كفاحه و تمرّده على الحكم الأموي نشرناها في الفصل الثالث مشفوعاً بالشكر للناشر و المحقّق، و قد حقّقها عن نسخ أربع، قدّم تفاصيلها في المقدمة، و شفّعها بذكر موارد اقتبس العلماء من هذه الرسالة مع نسبة ما اقتبسوه إلى الإمام.
رسالة في بيان أعمال الحجّ و مناسكه نشره العلاّمة السيد محمد علي الشهرستاني ببغداد سنة 1342 ه و يوجد من الكتاب نسخ مخطوطة في مكتبة برلين برقم 10360 و غيرها(1).
هذه هي الآثار المنشورة التي وقفنا على نشرها و طبعها و قرأناها و هناك آثار له لم تنشر إلى الآن أو نشرت و لم نقف على نشرها و منها نسخ في المكتبات و المتاحف، و قد بذل الدكتور حسن محمد تقي الحكيم محقّق تفسير غريب القرآن لزيد جُهداً في الوقوف على تلك الآثار نقتبس من مقدمته ما يلي:
7 - رسالة في إثبات وصية أمير المؤمنين و إثبات إمامته و إمامة الحسن و الحسين و ذريتهما، توجد نسخة منها في مكتبة برلين برقم 9681 (الأوراق 16 ب - 19 ب، من سنة 850 ه تقريباً)(2)و قال: توجد عندي صورة منها.
8 - رسالة في أجوبة زيد بن علي، على مسائل لأخ له من أهل المدينة، توجد في مكتبة وهبي 4/457 (الأوراق 81 ب - 84 ب، من القرن العاشر الهجري)(3).
9 - رسالة في الإمامة إلى واصل بن عطاء. توجد في مكتبة وهبي 2/457 (الأوراق 77 ب - 78 ب من القرن العاشر الهجري)(4).
10 - تثبيت الإمامة. مخطوطة المتحف البريطاني ملحق 336، مخطوطات شرقية رقم 3971 (الأوراق 25-28 من سنة 1215 ه) و توجد أيضاً في مكتبة
1) . لاحظ مقدّمة تفسير غريب القرآن لمحقّقها الدكتور حسن محمد تقي الحكيم: 43.
2) . انظر تاريخ الأدب العربي لبروكلمان: 324/3؛ و تاريخ التراث العربي: الجزء 3 من المجلد 324/1؛ و الروض النضير: 117/1.
3) . انظر تاريخ التراث العربي: ج 3 من المجلَّد 326/1، منشورات مكتبة آية اللّٰه المرعشي النجفي.
4) . انظر تاريخ التراث العربي: ج 3 من المجلَّد 326/1، منشورات مكتبة آية اللّٰه المرعشي النجفي.
أمبروزيانا في ميلانو بإيطاليا رقم 74 أ (الأوراق 78 أ - 188 ب من سنة 1035 ه)(1).
11 - تفسير سورة الفاتحة و بعض آيات القرآن. يوجد في مكتبة برلين رقم 10224 (الأوراق 9-16 من حوالي سنة 850 ه)(2).
12 - رسالة في حقوق اللّٰه. توجد في مكتبة الفاتيكان رقم 1027 (الورقتان 130-131، من سنة 1332 ه) و توجد أيضاً في مكتبة وهبي رقم 3/457 (الأوراق 78 ب - 81 أ، القرن العاشر الهجري)(3).
13 - الرد على المرجئة. يوجد هذا الكتاب مخطوطاً في مكتبة برلين رقم 10265 (الأوراق من 1-116، من حوالي سنة 850 ه)(4).
14 - قراءة زيد بن علي. يوجد الكتاب في مكتبة امبروزيانا في (ميلانو) في إيطاليا، رقم 289 ف.
هذه هي الكتب الباقية من ثائرنا و لعل اللّٰه سبحانه يقيض رجال العلم لنشر ما بقي من آثاره و ربما يذكر له رسائل، عفى عليها الزمان فالأولى عطف عنان البحث، على دراسة مجموعه الفقهي و الحديثي، حتى نقوّمهما سنداً و متناً في الفصل الآتي.
1) . أُنظر تاريخ الأدب العربي لبروكلمان: 324/3؛ و تاريخ التراث العربي: الجزء 3 من المجلد 324/1.
2) . أُنظر تاريخ الأدب العربي لبروكلمان: 323/3؛ و تاريخ التراث العربي: الجزء 3 من المجلد: 323/1.
3) . أُنظر تاريخ الأدب العربي لبروكلمان: 324/3؛ و تاريخ التراث العربي: المجلد 1 الجزء 326/3 و 323؛ و تفسير غريب القرآن: 41، المقدمة.
4) . أُنظر تاريخ الأدب العربي لبروكلمان: 324/3؛ و تاريخ التراث العربي: المجلد 1 الجزء 326/3 و 323؛ و تفسير غريب القرآن: 41، المقدمة.
لقد وقفت على الآثار الباقية من الإمام زيد، و المهم منها هو مجموعه الفقهي و الحديثي الذي اشتهر باسم المسند للإمام زيد، فتلزم علينا دراسته من حيث الاعتبار، و ما فيه بعض المخالفة لفقه أهل البيت، أعني: الصادقين و من بعدهم فنقول:
روي المجموعُ عن الإمام زيد بالسند التالي:
1 - حدثني(1)عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر بن الهيثم القاضي البغدادي قال:
2 - حدثنا أبو القاسم علي بن محمد النخعي الكوفي. قال:
3 - حدثنا سليمان بن إبراهيم بن عبيد المحاربي. قال:
4 - حدثني نصر بن مزاحم المنقري العطار قال:
5 - حدثني إبراهيم بن الزبرقان التيمي قال:
6 - حدثني أبو خالد الواسطي رحمهم اللّٰه تعالى قال:
1) . و القائل هو علي بن العباس الذي هو أحد الرواة عن عبد العزيز جامع المجموع.
7 - حدثني زيد بن علي بن الحسين عن أبيه: علي بن الحسين، عن جده الحسين بن علي، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام.
و قد وصلنا المجموع بهذا السند و هو مذكور في صدره(1)و في الصفحة التي تلي آخر الكتاب(2).
و قد ذكر شارح المجموع شرف الدين الحسين بن أحمد السياغي (1180-1221 ه) سنده إلى الكتاب، فأخذ أوّلاً بذكر أُستاذه و شيخه أبي يوسف الحسين ابن يوسف(3)إلى أن انتهى إلى أبي القاسم علي بن محمد النخعي الآنف ذكره، غير أنّ المهم دراسة وثاقة هؤلاء المشايخ الذين تنتهي إليهم رواية المسند في جميع الأعصار فنبتدئ بدراسة حال من وقع في أوّل السند.
قال الذهبي: كان في حدود الستين و ثلاثمائة قال ابن أبي الفوارس الحافظ: له مذهب خبيث، و لم تكن في الرواية بذاك، سمعت منه أحاديث رديّة.
قلت: له تصانيف على رأي الزيدية عاش تسعين عاماً. ثمّ روى الذهبي عنه بإسناده الحديث التالي:
قال: إنّ نزول اللّٰه إلى الشيء إقباله عليه من غير نزول، ثمّ وصفه بأنّ إسناده مظلم و متنه مختلق(4).
لا نستطيع أن نساير ابن أبي الفوارس في قوله: «له مذهب خبيث» و لم يكن مذهبه سوى محبته لآل البيت أو دعمه مبدأ الخروج على بني أُمية الذي لا يروق
السلفيّين و من لف لفّهم، فإنّ مذهبهم هو المماشاة مع الظالمين و السكوت أمام ظلمهم، و عدم الخروج عليهم.
كما لا نستطيع أن نساير الذهبي حيث وصف اسناد حديثه بالظلمة و متنه بالاختلاق، و ما هذا إلاّ لأنّ الذهبي يتظاهر بالتنزيه، و لكن يعتنق لبّاً التجسيم بشهادة أنّ كتبه تمدح المجسمة و من يثبت للّٰه الحركة و الجهة من أوصاف الجسم و إذا ذكر المشبهة أطال الكلام فيهم بالمدح و الوصف، و ربّما سود صحائف في حقهم خصوصاً في كتابه «سير أعلام النبلاء» و أمّا إذا بلغ إلى أهل التوحيد و التنزيه فلا يخرج إلاّ بالهمز و اللمز و هو دأبه يلمسه كل دءوب على مطالعة رجاله و تاريخه.
و الحديث لما كان على طرف النقيض من عقيدته، وصف اسناده بالظلمة و متنه بالاختلاق، صدق اللّٰه العلي العظيم حيث قال: «كُلُّ حِزْبٍ بِمٰا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ».
و أمّا الشيعة فقد ورد في كتبهم ذكر في حقّ عبد العزيز بن إسحاق البقال فعنونه الشيخ في رجاله في باب من لم يرو عنهم عليهم السلام قال: عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر الزيدي البقال الكوفي و كان زيدياً يكنى أبا القاسم سمع منه التلعكبري سنة ست و عشرين و ثلاثمائة(1).
و قال في الفهرست: عبد العزيز بن إسحاق له كتاب في طبقات الشيعة، و عنونه ابن داود في القسم الثاني(2)من رجاله، و معنى كونه من القسم الثاني أنّه ممن ورد فيه ذم و إن كان ورد فيه مدح عن آخرين. كما عنونه العلاّمة في هذا القسم(3)من كتابه الخلاصة، و معناه أنّه لا يعمل برواياته.
و مع ذلك نرى أنّ الشيخ أبا زهرة يقول: إنّ الرجل موضع طعن جمهور المحدثين من أهل السنّة كما أنّه موضع طعن الإمامية، لكنه موضع تقدير و توثيق الزيدية أجمعين(1).
و ما ذكره أخيراً حقّ لا غبار عليه لكن ما نسبه إلى الإمامية لا مصدر له سوى أنّه ورد في القسم الثاني من رجال العلاّمة و ابن داود و قد عرفت في التعليقة معنى ذلك.
و أمّا الزيدية فقد اتفقوا على وثاقته و قالوا: أبو القاسم عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البغدادي البقال شيخ الزيدية ببغداد. قال في الطبقات: روى مجموع الإمام زيد بن علي عليه السلام الفقهي الكبير المرتب المبوب عن علي بن محمد النخعي، و قد سمع منه أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن الحسن الحسني سنة ثلاث و خمسين و ثلاثمائة. و قال في مطلع البدور: هو شيخ الزيدية ببغداد، و العراق، و كان عالماً محدثاً حافظاً، و قال في غيره: كان علاّمة كبيراً و فاضلاً شهيراً، سمحاً، عالماً زاهداً، سعيداً ولياً لآل محمّد، رأساً في العلوم، مهيمناً على المظنون و العلوم، له كتاب في إسناد مذهب الزيدية و تعدادهم، و ذكر تلامذة زيد بن علي و أصحابه الذين أخذوا عنه العلم(2).
و هو أُستاذ عبد العزيز بن إسحاق، و لم نجد له عنواناً في كتب الرجال للشيعة، و أمّا أهل السنة فقال الذهبي: علي بن محمد: أبو القاسم الشريف
الزيدي الحراني شيخ القرّاء و تلميذ النقاش وثّقه أبو عمرو الداني، و اتّهمه عبد العزيز الكتاني، ذكرته في طبقات القراء(1)و هل الترجمة للشيخ النخعي أو لغيره المشترك معه في الكنية و الاسم و اسم الأب؟ احتمالان، نعم ذكر الذهبي في ترجمة عثمان بن أبي شيبة و قال: «يحيى»(2)بن محمد بن كأس النخعي قال: حدّثنا: إبراهيم بن عبد اللّٰه الحصاف، قال: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة تفسيره فقال: و جعل السفينة في رجل أخيه فقيل إنّما هو السقاية، فقال: أنا و أخي أبو بكر لا نقرّ لعاصم(3).
و قال في تذكرة الحفاظ: و فيها «سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة» توفي شيخ الحنفية علي بن كأس النخعي الكوفي(4).
و ذكره في طبقات الحنفية فقال: علي بن محمد بن الحسن بن كأس الكاسي النخعي القاضي الكوفي، روى عن محمد بن علي بن عفان، و عنه أبو القاسم المطرزي و المستكي أُستاذ الضميري و له «الأركان الخمسة» توفي أربع و عشرين و ثلاثمائة(5).
و عند ذلك يظهر لنا سر تلاقي الفقه الزيدي و الفقه الحنفي إلى حد كبير، فإنّ الفقه الموروث من زيد لم يكن على حد يتجاوب مع متطلبات المجتمع الإسلامي آنذاك، فلم يكن بدّ من بسطه في ضوء القواعد الأُصولية، فإذا كان المفتي حنفياً يبسطه حسب الضوابط التي يعتبرها دليلاً على الحكم فيدخل فيه القياس، و الاستحسان، و المصالح المرسلة، وسد الذرائع، و لا تهمه مخالفة أئمة
أهل البيت، الذين جاءوا إلى الساحة بعد مقتل زيد، و قد بيّن الشيخ الكوثري هذا التلاقي بشكل آخر فقال: «إنّ ذلك التوافق العظيم بين آل زيد و بين فقهاء العراق في ثلاثة أرباع المسائل إنّما نشأ من اتحاد مصدر علوم الفريقين، لأنّ فقهاء الكوفة و العراق إنّما توارثوا الفقه طبقة فطبقة عن علي و ابن مسعود و سائر كبار فقهاء الصحابة الذين نشروا العلم بالكوفة و لا سيما الذين تدبّروها(1)بعد انتقال علي كرم اللّٰه وجهه إليها، و استمروا بها في عهد الأُمويين ثمّ عن فقهاء أصحابهم و أصحاب عمر، و ابن عباس و معاذ الذين انتقلوا إليها و استقروا بها ابتعاداً عن معاقل الأُمويين، ثمّ عن أصحاب أصحابهم الفقهاء رضي اللّٰه عنهم الذين بهم صارت الكوفة مصدر العلم الناضج في ذلك العهد و كانت علوم الحجاز و المدينة المنورة يتشارك فيها فقهاء الأمصار لكثرة حجهم عاماً فعاماً في تلك الأعصار(2).
هو جد علي بن محمد النخعي أبو أُمّه، قال في الطبقات: يروي عن نصر بن مزاحم المنقري سمع منه مجموعي الإمام زيد بن علي عليه السلام «الحديثي» و «الفقهي» و سمعهما عليه علي بن محمد بن كأس (أي النخعي) و كان سماعه عليه سنة خمس و ستين و مائتين(3)و لم أجد له عنواناً في كتب الرجال لأصحابنا الإمامية.
قال الذهبي: نصر بن مزاحم الكوفي، عن قيس بن الربيع و طبقته، رافضي، جلد، تركوه. مات سنة اثنتي عشرة و مائتين، حدّث عنه: نوح بن حبيب و أبو
سعيد الأشجّ و جماعة، قال العقيلي: شيعي في حديثه اضطراب و خطأ كثير. و قال أبو خيثمة: كان كذاباً، و قال أبو حاتم:
واهي الحديث، متروك، و قال الدار قطني: ضعيف و روى أيضاً عن شعبة(1).
ما ذكره الذهبي و شيوخه، شنشنة أعرفها من كل من يكنّ لأهل البيت غيظاً و عداء و إن كان يتجنب عن إظهاره، فمن روى فضيلة فيهم أو أنشد قريضاً فهو عندهم رافضي، كذاب، خبيث، متروك الحديث إلى غير ذلك، و أمّا المجسّمة و المشبهة و من يتولّى آل أُمية و سلاطينهم، فهو جليل، ثقة، يكتب حديثه و يحتج به.
و أمّا أصحابنا فقد اتفقوا على وثاقته قال النجاشي: نصر بن مزاحم مستقيم الطريقة، صالح الأمر، غير أنّه يروي عن الضعفاء كتبه. حِسان، منها: كتاب الجمل(2)و ذكره الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام(3).
إنّ الرجل مع كونه شيعياً، علوي الولاء، لكنه عند ما يسرد وقائع صفين يسرده بشكل كاتب محايد فهو حين يذكر مثالب معاوية، يذكر شعر الشاميّين في الطعن على الإمام و حزبه، و هذا يدل على أنّه كان رجلاً رحب الصدر لا يستفزه المذهب إلى الاكتفاء بذكر كلام طرف واحد، و يذكر كلام المبطل بتمامه أيضاً.
قال الذهبي: وثقه ابن معين. و قال أبو حاتم: لا يحتج به روى عنه أبو نعيم(4).
و قال في طبقات الزيدية: روى عن أبي خالد الواسطي مجموعي الإمام زيد ابن علي، و له رواية عن مجاهد، و عنه نصر بن مزاحم، و قال: حدثني المجموع الكبير المرتب جميعه، عن أبي خالد، و روى عنه أبو نعيم الحافظ، و احتج به أئمتنا، و وثقه المؤيد باللّٰه و وثقه من المحدثين ابن معين، و قال نصر بن مزاحم: كان من خيار المسلمين، و كان خاصاً بأبي خالد الواسطي، و قال ابن أبي الحديد: هو في رجال الحديث و قال غيره من رجال الشيعة المحدثين، و عيب عليه بالتشيع.
و قال أبو حاتم: لا يحتج به(1).
و أمّا أصحابنا الإمامية فذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام و قال: إبراهيم بن الزبرقان التيمي الكوفي، أسند عنه(2)فقد أهملوه من حيث التوثيق و عدمه.
لقد اضطربت كلمة الرجاليين في حقه فأهل السنّة على تضعيفه. قال الذهبي: عمرو بن خالد القرشي، كوفي، أبو خالد، تحول إلى واسط.
قال وكيع: كان في جوارنا، يضع الحديث، فلما فطن له تحوّل إلى واسط.
و قال معلى بن منصور عن أبي عوانة: كان عمرو بن خالد يشتري الصحف من الصيادلة و يحدّث بها.
و روى عباس، عن يحيى، قال: كذاب غير ثقة. حدث عنه أبو حفص الأبّار و غيره، فروى عن زيد بن علي، عن آبائه.
و روى عثمان بن سعيد، عن يحيى، قال: عمرو بن خالد الذي يروي عنه
الأبّار كذاب. و روى أحمد بن ثابت، عن أحمد بن حنبل، قال: عمرو بن خالد الواسطي كذاب.
و قال النسائي: روى عن حبيب بن أبي ثابت، كوفي ليس بثقة. و قال الدارقطني: كذاب.
و روى إبراهيم بن هراسة أحد المتروكين، عن أبي خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن علي، قال: لعن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم الذكرين أحدهما يلعب بصاحبه(1).
و أظن أن هذا الصخب و الهياج حول الرجل لأجل أنّه من موالي أئمة أهل البيت و المجاهرين بولائهم، و هذا يكفي في التضعيف وصب القارعات عليه.
و أعجب منه ما ذكره الذهبي في آخر كلامه من الحكم بوضع لعن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم الذكرين أحدهما يلعب بصاحبه، فإنّه مروي عن الفريقين.
كيف يشك الذهبي في صحة الحديث مع أنّ الكتاب يصدّقه حيث يخص جواز الالتذاذ بالجنس بموردين و يقول: «وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ * إِلاّٰ عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ» (المؤمنون: 5-(6) و ما ورد في الحديث ليس منهما فجاز لعنه.
روى السيوطي في مسنده من كتاب جمع الجوامع من قسم الأفعال فقال: عن الحرث، عن علي: «قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: سبعة لا يكلمهم اللّٰه يوم القيامة و لا ينظر إليهم و يقال لهم أدخلوا النار مع الداخلين إلاّ أن يتوبوا: الفاعل و المفعول به، و الناكح يده...».
أخرج البيهقي عن ابن عباس: «أنّ النبي قال: لعن اللّٰه من وقع على بهيمة،
1) . الذهبي: ميزان الاعتدال: 257/3. و في المتن يغلب أحدهما صاحبه.
و لعن اللّٰه من عمل عمل قوم لوط، إلى غير ذلك من الروايات التي رواها أهل السنّة(1)و أمّا الشيعة فحدث عنه و لا حرج، فقد عدّه الكشي في ترجمة الحسين بن علوان، من رجال أهل السنّة الذين لهم ميل و محبة شديدة(2).
و ظاهر النجاشي أنّه إمامي حيث ألّفه لذكر رجال الإمامية و لو ذكر من غيرهم لأشار إلى مذهبه و هو عنونه و ذكر سنده إلى كتابه من دون إيعاز إلى مذهبه(3)إلاّ إذا قيل إنّه ترك ذكر مذهبه في المقام لكونه معروفاً.
وعده الشيخ في الفهرست من مؤلفي الشيعة و قال: أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي له كتاب ذكره ابن النديم(4)فعدّه من أصحاب الإمام الباقر و عمرو بن خالد الواسطي بتري.
و ستعرف كلامه عند سرد الروايات المروية عن زيد في الكتب الأربعة عند الكلام على رواية زيد أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم غسل رجليه، و القرائن تشهد أنّه شيعي زيدي، و يدلّ عليه مضافاً إلى إطباق الزيدية عليه ما رواه الكشي في ذيل ترجمة محمد بن سالم بياع القصب: محمد بن مسعود، قال: حدثني أبو عبد اللّٰه الشاذاني - و كتب به - إلى أن قال: حدثني الفضل، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أبو يعقوب المقري و كان من كبار الزيدية، قال: أخبرنا عمرو بن خالد و كان من رؤساء الزيدية عن أبي الجارود و كان رأس الزيدية قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام جالساً إذ أقبل زيد بن علي فلمّا نظر إليه أبو جعفر قال: «هذا سيد أهل بيتي
1) . السياغي: الروض النضير: 85/1-86؛ و لاحظ وسائل الشيعة: 18، الأبواب الستة من أبواب اللواط: 416-424، و الباب الثالث من أبواب نكاح البهائم و وطء الأموات و الاستمناء: 574. هذا إذا فهمنا من الحديث الناكح بيده أو لعب أحد الذكرين بالآخر، و إلاّ يكون الحديث مجملاً.
2) . الكشي: الرجال: 333، برقم 252، و ما ذكره هنا ينافي ما ذكره برقم 106 من كونه من رؤساء الزيدية.
3) . النجاشي: الرجال: 2، برقم 762.
4) . الطوسي: الفهرست: برقم 849.
و الطالب بأوتارهم» و منزل عمرو بن خالد كان عند مسجد سماك و ذكر ابن فضال أنّه ثقة(1).
و إذا كان لبعض هذه النقاشات في هؤلاء، مظنة صدق، غير أنّ الشيخ النجاشي (372-450 ه) يرويه بسند آخر نأتي بنصّه حتى يتبيّن أنّ للكتاب سندين أو أكثر.
أخبرنا محمد بن عثمان (النصيبي) قال: حدثنا علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن نصر بن مزاحم عنه (أبي خالد) بكتابه(2).
و لأجل إيقاف القارئ على عناية الإمامية بروايات زيد، نأتي بما وقفنا عليه في الكتب الأربعة بعد حذف المكررات فنقول:
احتجت الإمامية بالروايات المروية عن زيد بن علي عن آبائه عليهم السلام إذا لم تكن مخالفة لما اتفقت عليه روايات أئمة أهل البيت عليهم السلام و روي عنه في الكتب الأربعة تسعة و ثلاثون حديثاً - بعد حذف المكررات - و أكثر ما روي فيها موجود في مسنده كما سنشير إليه في مواضعه:
و الراوي عنه:
إمّا عمرو بن خالد - غالباً -.
أو أبو خالد الواسطي. في موردين و كلاهما واحد.
أو هاشم بن يزيد. في مورد واحد.
أو الحسين بن علوان.
و الظاهر وقوع السقط في الأخير و الصحيح الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد فإنّ الحسين بن علوان يروي عن زيد بواسطة عمرو بن خالد كثيراً.
و لأجل إيقاف القارئ على اهتمام محدثي الإمامية بما روي عنه نأتي في هذا الفصل بخصوص ما روي عنه في الكتب الأربعة و نترك الباقي لوقت آخر، و قد استعنّا في تخريج رواياته بالحاسب الآلي، و رتبنا الروايات حسب ترتيب أبواب الفقه المألوف بين أصحابنا و ربما يكون، بين ما روي فيها و الموجود في مسنده اختلاف يسير في اللفظ.
روى الشيخ الطوسي:
1 - روى محمد بن الحسن الصفار عن عبد اللّٰه بن المنبه(1)عن الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: «جلست أتوضأ و أقبل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم حين ابتدأت في الوضوء فقال لي: تمضمض و استنشق و استن، ثمّ غسلت وجهي ثلاثاً، فقال: قد يخرجك من ذلك المرتان، قال: فغسلت ذراعي و مسحت برأسي مرتين، فقال: قد يجزيك من ذلك المرة، و غسلت قدمي، فقال لي: «يا علي خلّل ما بين الأصابع لا تخلل بالنار»(2)
و راجع أيضاً: الطوسي: الاستبصار: 65/1، الباب 37، الحديث 8.
.و علّق عليه الشيخ قال: هذا الخبر موافق للعامة قد ورد مورد التقية، لأنّ المعلوم من مذهب الأئمة عليهم السلام مسح الرجلين في الوضوء دون غسلهما.
روى الشيخ الطوسي:
2 - أخبرني الشيخ (محمد بن النعمان) عن أبي القاسم جعفر بن محمد عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّٰه، عن المنبه بن عبيد اللّٰه، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال:
«سألت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم عن الجنب و الحائض يعرقان في الثوب حتى يلصق عليهما؟ فقال: إنّ الحيض و الجنابة حيث جعلهما اللّٰه عزّ و جلّ ليس في العرق، فلا يغسلان ثوبهما»(1).
روى الشيخ الطوسي:
3 - سعد، عن أبي الجوزاء المنبه بن عبيد اللّٰه، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: «الغسل من سبعة من الجنابة و هو واجب، و من غسل الميت و إن تطهرت أجزأك» و ذكر غير ذلك(2).
روى الشيخ الطوسي:
4 - سعد بن عبد اللّٰه، عن أبي الجوزاء المنبه بن عبد اللّٰه(3)، عن الحسين بن
1) . الطوسي: التهذيب: 269/1، الباب 12 (باب تطهير الثوب) الحديث: 79، زيد بن علي: المسند: ص 61 و راجع: الطوسي: الاستبصار: 185/1، الباب 110، الحديث: 5.
2) . الطوسي: التهذيب: 464/1، الباب 23، الحديث 162، و علّق الشيخ و الطوسي على قوله: و إن تطهّرت أجزأك، أنّه محمول على التقية لوجوب الغسل و عدم كفاية التطهير.
3) . هكذا في النسخة و الظاهر عبيد اللّٰه بقرينة سائر الروايات.
علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: «إذا مات الرجل في السفر مع النساء ليس فيهن امرأته و لا ذو محرم من نسائه، قال: يؤزرنه إلى الركبتين، و يصبن عليه الماء صباً، و لا ينظرن إلى عورته، و لا يلمسنه بأيديهن و يطهرنه، فإذا كان معه نساء ذوات محرم يؤزرنه و يصببن عليه الماء صباً و يمسسن جسده و لا يمسسن فرجه(1).
روى الشيخ الطوسي:
5 - سعد بن عبد اللّٰه، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: أتى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم نفر فقالوا إنّ امرأة توفيت معنا و ليس معها ذو محرم، فقال: «كيف صنعتم؟» فقالوا:
صببنا عليها الماء صباً، فقال: «أما وجدتم امرأة من أهل الكتاب تغسلها؟» قالوا: لا، قال: «أ فلا يمّمتموها؟»(2)
روى الشيخ الطوسي:
6 - و بهذا الإسناد(3)، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي بصير، عن أيوب ابن محمد الرقي، عن عمرو بن أيوب الموصلي، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: «إنّ قوماً أتوا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فقالوا: يا رسول اللّٰه مات صاحب لنا و هو
1) . الطوسي: التهذيب: 441/1، الباب 23، الحديث 71: زيد بن علي: المسند: ص 145 و رواه أيضاً في التهذيب: 343/1، الباب 13، الحديث 168، باختلاف يسير. و الاستبصار: 201/2، الباب 118، الحديث 7.
2) . الطوسي: التهذيب: 443/1، الباب 23، الحديث 78؛ و الاستبصار: 203/1، الباب 118، الحديث 14.
3) . أي أخبرني الشيخ المفيد عن أبي جعفر محمد بن علي عن محمد بن الحسن.
مجدور فإن غسلناه انسلخ، فقال: يمّموه»(1).
7 - عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عن علي عليهم السلام أنّه سئل عن رجل يحترق بالنار، فأمرهم أن يصبوا عليه الماء صباً و أن يصلّى عليه(2).
روى الشيخ الطوسي:
8 - روى علي بن الحسين، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي الجوزاء المنبه بن عبد اللّٰه(3)، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام في الصلاة على الطفل أنّه كان يقول: «اللّهم اجعله لأبويه و لنا سلفاً و فرطاً و أجراً»(4).
روى الشيخ الطوسي:
9 - علي بن الحسين، عن سعد، عن أبي الجوزاء المنبه بن عبيد اللّٰه، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: «يسل الرجل سلاّ و يستقبل المرأة استقبالاً، و يكون أولى الناس بالمرأة في مؤخرها»(5).
1) . الشيخ الطوسي: التهذيب: 333/1، الباب 13، الحديث 145.
2) . الكليني: الكافي: 213/3؛ الحديث 6؛ زيد بن علي: المسند: 147؛ الطوسي: التهذيب: 333/1، الباب 13، الحديث 144.
3) . الظاهر عبيد اللّٰه.
4) . الطوسي: التهذيب: 195/3، الباب 13، الحديث 21؛ زيد بن علي: المسند: 150.
5) . الطوسي: التهذيب: 326/1، الباب 13 باب تلقين المحتضرين، الحديث 119؛ زيد بن علي: المسند، باب 152، باختلاف يسير.
روى الكليني:
10 - عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات اللّٰه عليه: «ينزع عن الشهيد الفرو و الخف و القلنسوة و العمامة و المنطقة و السراويل إلاّ أن يكون أصابه دم فإن أصابه دم ترك و لا يترك عليه شيء معقود إلاّ حل»(1).
روى الطوسي:
11 - محمد بن الحسن الصفار عن عبد اللّٰه بن المنبه(2)عن الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «للشهيد سبع خصال من اللّٰه: أوّل قطرة من دمه مغفور له كل ذنب، و الثانية: يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين و تمسحان الغبار عن وجهه تقولان مرحباً بك و يقول هو مثل ذلك لهما، و الثالثة: يكسى من كسوة الجنّة، و الرابعة: يبتدره خزنة الجنّة بكل ريح طيبة أيهم يأخذه معه، و الخامسة: أن يرى منزلته، و السادسة: يقال لروحه أسرح في الجنّة حيث شئت و السابعة: أن ينظر في وجه اللّٰه و إنّها لراحة لكل نبي و شهيد»(3).
1) . الكليني: الكافي: 211/3، الحديث 4؛ زيد بن علي: المسند: 146 (باب الشهيد) الطوسي، التهذيب: 332/1، الحديث 140.
2) . الظاهر وقوع التصحيف في السند، و الصحيح عن المنبه بن عبيد اللّٰه كما في كثير من الأسانيد.
3) . الطوسي: التهذيب: 121/6، الباب 22، الحديث 3؛ زيد بن علي، المسند: 351. و قد ورد أبسط مما في المتن هنا.
روى الشيخ الطوسي:
12 - محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه عليهم السلام قال: قال رسول صلى الله عليه و آله و سلم: «إذا مات الشهيد من يومه أو من الغد فواره في ثيابه، و إن بقي أياماً حتى تتغير جراحته غسل»(1).
قال الصدوق:
13 - روي عن زيد بن علي بن الحسين عليه السلام أنّه قال: «سألت أبي سيد العابدين عليه السلام فقلت له: يا أبه أخبرني عن جدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لمّا عرج به إلى السماء و أمره ربه عزّ و جلّ بخمسين صلاة كيف لم يسأله التخفيف عن أُمّته حتى قال له موسى بن عمران عليه السلام: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فأنّ أُمّتك لا تطيق ذلك؟ فقال: «يا بُنيَّ أن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لا يقترح على ربه عزّ و جلّ فلا يراجعه في شيء يأمره به، فلمّا سأله موسى عليه السلام ذلك و صار شفيعاً لأُمّته إليه لم يجز له أن يرد شفاعة أخيه موسى عليه السلام فرجع إلى ربّه عزّ و جلّ فسأله التخفيف إلى أن ردها إلى خمس صلوات» قال: فقلت له: يا أبه فلم لم يرجع إلى ربّه عزّ و جلّ و لم يسأله التخفيف من خمس صلوات و قد سأله موسى عليه السلام أن يرجع إلى ربّه عزّ و جلّ و يسأله التخفيف؟ فقال: «يا بُنيَّ أراد عليه السلام أن يحصل لأُمّته التخفيف
1) . الطوسي: التهذيب: 168/6، الباب 22، الحديث 7؛ زيد بن علي: المسند: 146. و للشيخ الطوسي تعليقة على الرواية فإنّها غير معمول بها عند الأصحاب؛ أيضاً الشيخ الطوسي: الاستبصار: 25/1، الباب 125، الحديث 6.
مع أجر خمسين صلاة لقول اللّٰه عزّ و جلّ: «مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا» أ لا ترى أنّه عليه السلام لما هبط إلى الأرض نزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرئك السلام و يقول (لك): إنّها خمس بخمسين «مٰا يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ لَدَيَّ وَ مٰا أَنَا بِظَلاّٰمٍ لِلْعَبِيدِ»» قال: فقلت له: يا أبه أ ليس اللّٰه جلّ ذكره لا يوصف بمكان؟ فقال: «بلى تعالى اللّٰه عن ذلك علواً كبيراً» قلت: فما معنى قول موسى عليه السلام لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: ارجع إلى ربّك؟ فقال: «معناه معنى قول إبراهيم عليه السلام: «إِنِّي ذٰاهِبٌ إِلىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ» و معنى قول موسى عليه السلام «وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضىٰ» و معنى قوله عزّ و جلّ: «فَفِرُّوا إِلَى اَللّٰهِ» يعني حجّوا إلى بيت اللّٰه، يا بني إنّ الكعبة بيت اللّٰه فمن حجّ بيت اللّٰه فقد قصد إلى اللّٰه، و المساجد بيوت اللّٰه فمن سعى إليها فقد سعى إلى اللّٰه و قصد إليه، و المصلّي ما دام في صلاته فهو واقف بين يدي اللّٰه عزّ و جلّ، فإنّ للّٰه تبارك و تعالى بقاعاً في سماواته، فمن عرج به إلى بقعة منها فقد عرج به إليه أ لا تسمع اللّٰه عزّ و جلّ يقول: «تَعْرُجُ اَلْمَلاٰئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ إِلَيْهِ» و يقول (اللّٰه) عزّ و جلّ في قصة عيسى بن مريم عليهما السلام: «بَلْ رَفَعَهُ اَللّٰهُ إِلَيْهِ» و يقول اللّٰه عزّ و جلّ: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصّٰالِحُ يَرْفَعُهُ»»(1).
روى الشيخ الطوسي:
14 - محمد بن الحسن الصفار، عن عبد اللّٰه بن المنبه(2)، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن آبائه، عن علي - عليه
السلام - أنّه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين و اللّٰه إنّي لأحبك للّٰه فقال له: «و لكني أُبغضك للّٰه» قال: و لم؟ قال: «لأنّك تبغي في الأذان، و تأخذ على تعليم القرآن أجراً(1)، سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يقول: من أخذ على تعليم القرآن أجراً كان حظّه، يوم القيامة»(2).
روى الشيخ الطوسي:
15 - محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن علي، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: دخل رجلان المسجد و قد صلّى الناس، فقال: لهما علي عليه السلام «إن شئتما فليؤم أحدكما صاحبه و لا يؤذن و لا يقيم»(3).
روى الشيخ الطوسي:
16 - محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: «الأغلف لا يؤم القوم و إن كان أقرأهم، لأنّه ضيع من السنّة أعظمها، و لا تقبل له شهادة و لا يصلّى عليه إلاّ أن يكون ترك ذلك خوفاً على نفسه»(4).
1) . الطوسي: الاستبصار: 65/3 الباب 38، الحديث 2.
2) . الطوسى: التهذيب: 376/6، الباب 93، الحديث 220؛ زيد بن علي: المسند: 85، و في المسند تتغنّى مكان تبغي و هو الأصح.
3) . الطوسي: التهذيب: 281/2، الباب 13، الحديث 21، و 55/3، الباب 13، الحديث 103؛ زيد بن علي: المسند: 113 باختلاف.
4) . الطوسي: التهذيب: 30/3، الباب 3، الحديث 20؛ زيد بن علي: المسند: 151 باختلاف يسير.
روى الشيخ الطوسي:
17 - سعد، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: «صلّى بنا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم الظهر خمس ركعات ثمّ انفتل فقال له بعض القوم: يا رسول اللّٰه هل زيد في الصلاة شيء؟ فقال: و ما ذاك؟ قال: صليت بنا خمس ركعات قال: فاستقبل القبلة و كبر و هو جالس ثمّ سجد سجدتين ليس فيهما قراءة و لا ركوع ثمّ سلم و كان يقول: هما المرغمتان».
قال محمد بن الحسن: هذا خبر شاذ لا يعمل عليه لأنّا قد بينا أن من زاد في الصلاة و علم ذلك، يجب عليه استئناف الصلاة، و إذا شك في الزيادة فإنّه يسجد السجدتين المرغمتين، و يجوز أن يكون عليه السلام إنّما فعل ذلك لأنّ قول واحد له لم يكن مما يقطع به، و يجوز أن يكون كان غلطاً منه و إنّما سجد السجدتين احتياطاً(1).
روى الشيخ الطوسي:
18 - روى سعد بن عبد اللّٰه، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي عليه السلام قال:
صليت مع أبي عليه السلام المغرب فنسى فاتحة الكتاب في الركعة الأُولى فقرأها في الثانية(2).
1) . الطوسي: التهذيب: 349/2، الباب 14، الحديث 37؛ الاستبصار: 377/1، الباب 219، الحديث 5؛ زيد بن علي: المسند: 109.
2) . الطوسي: التهذيب: 148/2، الباب 23، الحديث 36؛ زيد بن علي: المسند: 94. و الرواية مطروحة لتضمنها نسبة السهو إلى الإمام المعصوم مع بعد مضمونها لعدم طروء النسيان في الركعة الأُولى بالنسبة إلى فاتحة الكتاب. و راجع أيضاً: الطوسي: الاستبصار: 354/1، الباب 206، الحديث 7.
روى الشيخ الطوسي:
19 - عنه(1)، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام أنّه أتى بحمال كانت عليه قارورة عظيمة كانت فيها دهن فكسرها فضمّنها إيّاه، و كان يقول: كل عامل مشترك إذا أفسد فهو ضامن، فسألته ما المشترك؟ فقال: الذي يعمل لي و لك و لذا(2).
روى الشيخ الطوسي:
20 - روى محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام أنّه أتاه رجل تكاري دابة فهلكت، فأقرّ أنّه جاز بها الوقت فضمّنه الثمن و لم يجعل عليه كراء(3).
روى الشيخ الطوسي:
21 - محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام أنّه كان يضمن صاحب الكلب إذا عقر نهاراً و لا يضمنه إذا عقر بالليل، و إذا دخلت دار قوم بإذنهم فعقرك كلبهم فهم ضامنون، و إذا دخلت بغير إذنهم فلا ضمان عليهم(4).
1) . أي عن محمد بن أحمد بن يحيى.
2) . الطوسي: التهذيب: 222/7، الباب 20، الحديث 85؛ زيد بن علي: المسند: 254.
3) . الطوسي: الاستبصار: 135/3، الباب 88، الحديث 3. قال الشيخ: الوجه في هذه الرواية ضرب من التقيّة لأنّها موافقة لمذهب كثير من العامة.
4) . الطوسي: التهذيب: 228/10، باب الاثنين إذا قتلا، الحديث 31.
روى الشيخ الطوسي:
22 - عنه(1)، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: «لعن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم الربا و آكله و بائعه و مشتريه و كاتبه و شاهديه»(2).
روى الكليني:
23 - عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام قال: لعن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم الخمر و عاصرها و معتصرها و بائعها و مشتريها و ساقيها و آكل ثمنها و شاربها و حاملها و المحمولة إليه(3).
روى الشيخ الطوسي:
24 - روى محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي - عليه
السلام -: إنّ امرأة أتته و رجل قد تزوجها و دخل بها و سمى لها مهراً و سمى لمهرها أجلاً فقال له علي عليه السلام: «لا أجل لك في مهرها إذا دخلت بها فأدّ إليها حقها»(1).
روى الشيخ الطوسي:
25 - محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر عن أبي الجوزاء، عن الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام أنّه قال: «الرضعة الواحدة كالمائة رضعة لا تحل له أبداً»(2).
روى الشيخ الطوسي:
26 - روى محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: «حرم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية و نكاح المتعة»(3).
روى الشيخ الطوسي:
27 - محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي الجوزاء، عن الحسين [بن علوان] عن
1) . الطوسي: التهذيب: 358/7، الباب 31 من أبواب النكاح، الحديث 20؛ الاستبصار: 221/3، الباب 138، الحديث 4؛ زيد بن علي: المسند: 27.
2) . الطوسي: التهذيب: 317/7، الباب 27 من أبواب النكاح، الحديث 17، و الرواية مطروحة لدى الإمامية لعدم كفاية الرضعة الواحدة بالاتفاق عندهم، و في المسند: 282: سألت زيداً عن المصة و المصتين، قال: تحرم.
3) . الطوسي: التهذيب: 251/7، الباب 24، الحديث 10؛ زيد بن علي المسند: 271، و في المسند: نهى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم عن نكاح المتعة عام خيبر. و الرواية وردت مورد التقية.
عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام في رجل أظهر طلاق امرأته و أشهد عليه و أسرّ رجعتها ثمّ خرج فلمّا رجع وجدها قد تزوجت قال: «لا حقّ له عليها من أجل أنّه أسرّ رجعتها و أظهر طلاقها»(1).
روى الشيخ الطوسي:
28 - عنه(2)، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام قال: سئل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم عن الساحر؟ فقال: إذا جاء رجلان عدلان فيشهدان عليه فقد حل دمه(3).
روى الشيخ الطوسي:
29 - محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: «إذا أسلم الأب جر الولد إلى الإسلام، فمن أدرك من ولده دعى إلى الإسلام فإن أبى قتل، و إذا أسلم الولد لم يجر أبويه و لم يكن بينهما ميراث»(4).
1) . الطوسي: التهذيب: 44/8، الباب 3 من أبواب الطلاق، الحديث 5.
2) . أي عن محمد بن أحمد بن يحيى.
3) . الطوسي: التهذيب: 283/6، الباب 91، الحديث 185؛ و ج 147/10، الباب 10 من الزيادات، الحديث 16؛ زيد بن علي: المسند: 303، و في المسند: حد الساحر القتل.
4) . الطوسي: التهذيب: 236/8، العتق الباب 1، الحديث 85. أن لا يرث الأب، و يرث الولد، لأنّ الإسلام يزيد عزّاً لا حرماناً.
روى الصدوق:
30 - محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام، عن علي عليه السلام في رجل قذف امرأته ثمّ خرج فجأة و قد توفيت قال: «يخير واحدة من ثنتين يقال له: إن شئت ألزمت نفسك الذنب فيقام عليك الحد و تعطى الميراث، و إن شئت أقررت فلاعَنْت أدنى قرابتها إليها و لا ميراث لك»(1).
روى الشيخ الطوسي:
31 - محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين
1) . الطوسي: التهذيب: 194/8، الباب 8 باب اللعان، الحديث 38؛ الصدوق: من لا يحضره الفقيه: 539/3، الباب 2 الحديث 4856.
ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام قال: لا تعقل العاقلة إلاّ ما قامت عليه البينة، قال: و أتاه رجل فاعترف عنده فجعله في ماله خاصة و لم يجعل على العاقلة شيئاً(1).
روى الشيخ الطوسي:
32 - محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: «المعتق على دبر فهو من الثلث و ما جنى هو و المكاتب و أُم الولد فالمولى ضامن لجنايتهم»(2).
روى الشيخ الطوسي:
33 - عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: «ليس بين الرجل و النساء قصاص إلاّ في النفس»(3).
روى الشيخ الطوسي:
34 - عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: «ليس بين الرجال و النساء قصاص إلاّ في النفس، و ليس بين الأحرار و المماليك قصاص إلاّ في النفس عمداً، و ليس بين الصبيان قصاص في شيء إلاّ في النفس»(4).
1) . الطوسي: التهذيب: 175/10، باب البينات على القتل، الحديث 24؛ و الاستبصار: 262/4، الباب 152، الحديث 5؛ لاحظ المسند: 306.
2) . الطوسي: التهذيب: 262/8، التدبير الباب 2، الحديث 17؛ و الاستبصار: 31/4، الباب 15، الحديث 19.
3) . الطوسي: الاستبصار: 266/4، الباب 154، الحديث 7.
4) . الطوسي: التهذيب: 279/10، باب القصاص، الحديث 18؛ لاحظ المسند: 307.
روى الشيخ الطوسي:
35 - عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: أتى النبي صلى الله عليه و آله و سلم رجل فقال: يا رسول اللّٰه أنّ أبي عمد إلى مملوك لي فاعتقه كهيئة المضرة لي فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «أنت و مالك من هبة اللّٰه لأبيك، أنت سهم من كنانته يهب لمن يشاء إناثاً و يهب لمن يشاء الذكور و يجعل من يشاء عقيماً، جازت عتاقة أبيك، يتناول والدك من مالك و بدنك، و ليس لك أن تتناول من ماله و لا من بدنه شيئاً إلاّ بإذنه»(1).
روى الشيخ الطوسي:
36 - محمد بن الحسن الصفار، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن الحسن ابن الحسين الأنصاري، عن يحيى بن معلى الأسلمي، عن هاشم بن يزيد قال: سمعت زيد بن علي عليه السلام يقول: كان علي عليه السلام في حربه أعظم أجراً من قيامه مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم في حربه قال: قلت بأي شيء تقول أصلحك اللّٰه؟ قال: فقال لي: لأنّه كان مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم تابعاً و لم يكن له إلاّ أجر تبعيته و كان في هذه متبوعاً و كان له أجر كل من تبعه(2).
روى الكليني:
37 - عنه [أي عن علي بن إبراهيم]، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن أبي
خالد الواسطي، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «يلزم الوالدين من العقوق لولدهما ما يلزم الولد لهما من عقوقهما»(1).
روى الشيخ الطوسي:
38 - محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين ابن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: «أتيت أنا و رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم رجلاً من الأنصار فإذا فرس له يكيد بنفسه، فقال له رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: انحره يضعف لك به أجران: بنحرك إيّاه و احتسابك له، فقال: يا رسول اللّٰه إلي منه شيء؟ قال: نعم كل و أطعمني قال: فأهدى للنبي عليه السلام فخذاً منه فأكل منه و أطعمني»(2).
روى الشيخ الطوسي:
39 - عنه(3)عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنّة، القاتل و المقتول في النار» فقيل: يا رسول اللّٰه القاتل فما بال المقتول؟! قال: «لأنّه أراد قتلاً»(4).
هذه هي 39 حديثاً نقلها مصنّفو الكتب الأربعة عن الإمام زيد التي نقلها عن أبيه عن آبائه.
و لمّا كان أحد الأُمور الدافعة إلى القول بأنّ زيداً كان ذا منهاج كلامي خاص، هو صلته بواصل رئيس المعتزلة، نطرح الموضوع على طاولة البحث ليتبيّن مدى صحة ذلك الوهم.
هل كانت الصلة بين زيد و واصل بن عطاء على أساس أنّهما يذهبان إلى وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الذي هو أحد الأُصول الخمسة لدى المعتزلة(1)أو أنّ الصلة بينهما كانت على أساس أنّ زيداً تتلمذ على واصل و تخرج عليه في الأُصول. المعروف هو الثاني، و الحقّ هو الأوّل لوجوه:
أوّلاً: كانت العاصمة العلمية للمسلمين يوم ذاك (أوائل القرن الثاني الهجري) هي المدينة المنورة، فكانت تزدحم بالعلماء و المفكرين، و على رأسهم محمد الباقر عليه السلام و بعده شيخ الهاشميين عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن و غيرهما من مشاهير المحدثين و المفسرين و على ضوء ذلك فلم يكن في ذلك أي حافز لمغادرة المدينة إلى العراق ثمّ البصرة. و لم تكن البصرة يوم ذاك إلاّ مركزاً أدبياً لغوياً
1) . الانتصار: 5؛ و مقالات الإسلاميين: 278/1.
ثمّ مركز الأهواء و الملل و الآراء و النحل.
ثانياً: قد عرفت فيما سبق أنّ زيداً الثائر من مواليد عام 67 ه، و واصل بن عطاء من مواليد 80 ه. فهو أكبر منه بكثير. فلو صحّ أن يتتلمذ على أحد في العراق فيجب أن يتتلمذ على شيخ واصل، الحسن البصري، في البصرة أو يتتلمذ على شيخه في المدينة المنورة و هو أبو هاشم ابن محمد الحنفية أُستاذ واصل. و بعد ذلك كله، فلم يكن عند واصل شيء بديع قصرت عنه يد زيد. فإنّه أخذ ما أخذ عن أبي هاشم، كما حققناه في الجزء الثالث(1)من تلك الموسوعة، فالذي شهّر واصل في الأوساط الإسلامية هو القول بالتوحيد و العدل و التركيز على كون الإنسان مختاراً، ورد القضاء و القدر بالمعنى السالب عن الإنسان الاختيارَ و الحريةَ و هو قد أخذه من أبي هاشم و هو عن أبيه، و هو عن وصي الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فربيب البيت الهاشمي، أعني: زيداً، كان غنياً عن التوسل بواصل في معرفة ما كان يجده في بيته العامر بالعلم و المعرفة.
و ثالثاً: لم يذكر أحد من المؤرخين و لا أصحاب المقالات تتلمذ زيد على واصل قبل الشهرستاني و إنّما انفرد هو بذلك و تبعه غيره، فلا تجد منه أثراً في فرق الشيعة للنوبختي، و لا في مقالات الإسلاميين للأشعري، و لا الفرق بين الفرق للبغدادي و لا لابن حزم في الفصل. و على ذلك فلا يركن إلى كلام تفرد به الشهرستاني البعيد عن بيئة زيد و عصره، و قد استشهد الإمام في أوائل القرن الثاني، و توفي الشهرستاني عام 548 ه.
هذا هو الحقّ القراح الذي لا مرية فيه، و لا أظن بزيد و لا بإنسان دونه تربّى في أحضان البيت النبوي، أن يتتلمذ في الأُصول و العقائد على أمثال واصل، صنيع أبي هاشم في المدينة، ثمّ الحسن البصري في البصرة، و المتفردّ بآراء و عقائد لا
1) . السبحاني: بحوث في الملل و النحل: 189/3.
يساندها علماء أهل البيت و أئمتهم. و أظن أنّ المصدر لما ذكره، هو تعاطف الزيديين مع المعتزلة في العصور اللاحقة على وجه صارت الأُصول الخمسة مقبولة لدى الزيديين، فصار ذلك سبباً لحدس الشهرستاني أنّ زيداً تتلمذ على واصل، و منه أخذ الأُصول و سرى إلى أتباعه و مقتفيه، غافلاً عن عدم الملازمة بين الاعتقادين، و لو خضعت الزيدية لهذه الأُصول فلجهة أُخرى سيوافيك بيانها. و لنذكر عبارة الشهرستاني ثمّ نذكر ما ذكره بعض المحقّقين من السنّة و الزيدية.
يقول: «و زيد بن علي لمّا كان مذهبه هذا المذهب: (كل فاطمي عالم زاهد شجاع، سخيّ خرج بالإمامة يكون إماماً واجب الطاعة) أراد أن يحصل الأُصول و الفروع حتى يتحلى بالعلم، فتتلمذ في الأُصول لواصل بن عطاء الغزال الألثغ رأس المعتزلة و رئيسهم. مع اعتقاد واصل أنّ جده علي بن أبي طالب (رض) في حروبه التي جرت بينه و بين أصحاب الجمل و أهل الشام ما كان على يقين من الصواب. و أنّ أحد الفريقين منهما كان على الخطأ لا بعينه و صارت أصحابه كلهم معتزلة»(1).
و قد سرى هذا الخطاء إلى غير واحد ممن كتب عن زيد فاتخذه حقيقة راهنة.
قال ابن أبي الدم في «الفرق الإسلامية»: الزيدية أصحاب زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، و كان زيد قد آثر تحصيل علم الأُصول. فتتلمذ لواصل بن عطاء رئيس المعتزلة و رأسهم و أوّلهم فقرأ عليه و اقتبس منه علم الاعتزال و صار زيد و جميع أصحابه معتزلة في المذهب و الاعتقاد، و كان أخوه الباقر محمد بن علي يعيب عليه كونه قرأ على واصل بن عطاء و تتلمذ له و اقتبس منه مع كونه يجوِّز الخطأ على جده علي بن أبي طالب عليه السلام بسب خروجه إلى حرب الجمل و النهروان، و لأنّ واصلاً كان يتكلم في القضاء و القدر على
1) . الشهرستاني: الملل و النحل: 138/1.
خلاف مذهب أهل البيت عليهم السلام(1).
كلام الشيخ أبو زهرة:
لقد تلقى الشيخ أبو زهرة ما ذكره الشهرستاني أمراً صحيحاً و استنتج من كلامه أُموراً ثلاثة و لكنه تنظر فيه بما يلي:
«و لكن أ يصح أن نقول إنّ زيداً تتلمذ على واصل في هذه المرحلة؟ إنّ الرجلين كانا في سن واحدة فقد ولد كلاهما في سنة 80(2)من الهجرة النبوية أو قريباً من ذلك و يظهر أنّهما عند ما التقيا كان زيد في سن قد نضجت لأنّ واصلاً لا يمكن أن يكون في مقام من يدرس مستقلاً إلاّ إذا كان في سن ناضجة.
و لهذا نرى أنّ التقاء زيد - رضي اللّٰه عنه - بواصل بن عطاء كان التقاء مذاكرة علمية و ليس التقاء تلميذ عن أُستاذ، فإنّ السن متقاربة و زيد كان ناضجاً فهو قد أراد أن يعرف النواحي المختلفة حول أُصول العقائد، كما تلقي فروع الأحكام عن أُسرته و في المدينة مهد علم الفروع - إلى أن قال -: و قبل رحلة زيد إلى البصرة أ يسوغ لنا أن نقول إنّه ما كان من قبل، على علم بأُصول المعتزلة؟ لعل الإجابة عن هذا السؤال توجب علينا أن نرجع إلى علماء آل البيت قبل زيد و الذين عاصروه و هنا نجد من الأخبار، ما يذكر أنّ علماء آل البيت تكلموا في العقائد و كانوا قريبين مما قاله واصل بن عطاء بل إنّا نجد من يقول إنّ واصلاً تلقى عقيدة الاعتزال عن آل البيت فقد كانوا على علم به و خصوصاً محمد ابن الحنفية ابن علي رضي اللّٰه عنهما، فقد كان عالماً غواصاً في العلوم، و قد قال فيه الشهرستاني: «و كان كثير العلم، غزير المعرفة، وقّاد الفكر، مصيب الخواطر، قد أخبره أمير المؤمنين (أي علي) عن أحوال الملاحم و أطلعه على مدارج المعالم، قد اختار العزلة، و آثر الخمول على
الشهرة»(1).
هذا كلامه و يا ليت الأُستاذ رافق كلامه بذكر المصادر، و لا يقضي في الموضوع بشكل قاطع.
و هذا ما نلمسه من كتب الأُستاذ أبي زهرة مع كثرة ما كتب. و على كل تقدير فلا دليل على تتلمذ زيد لواصل، لو لم يكن دليل على عدمه، و كون اتباعه معتزليين في العقيدة لا يكون دليل على كون إمامهم كذلك.
إنّ لبعض المعاصرين من علماء الزيدية تحقيقاً رائعاً في المقام نأتي بنصه - مع طوله -:
«من الأغلاط الشائعة نسبة الزيدية إلى المعتزلة في أُصول الدين و التوحيد و علم الكلام - و القول بأنّ الإمام زيد بن علي قد تتلمذ على رئيس المعتزلة واصل ابن عطاء.
و لعل الشهرستاني المتوفى 548 ه هو أوّل من سجّل هذه الغلطة في كتابه (الملل و النحل) ثمّ تابعه أكثر من بحث عن الاعتزال و المعتزلة. إمّا لإهمالهم الفحص و التمحيص لما يروونه، و إمّا لأنّه قد وافق ما يريدون قوله عن الزيدية و الزيديين.
و لا أعتقد أنّ للشهرستاني أيَّ دليل قوي على قوله. و ربّما أنّه جعل من التوافق بين الزيدية و المعتزلة في أكثر مسائل الأُصول الدينية دليلاً على قوله، و لكن هذا غير كاف قطعاً لإلحاق فرقة بأُخرى. لأنّه لو اعتبر التوافق في رأي ما، دليلاً على توحيد فرقة مع أُخرى لما تميزت فيما بينها كل المذاهب الإسلامية المعروفة اليوم و قبل اليوم، لأنّها تتوافق في كثير من المسائل و بالأخص الفقهية الفرعية منها.
1) . أبو زهرة: الإمام زيد: 39-40.
أمّا القول بأنّ الإمام زيداً قد تتلمذ لواصل بن عطاء. من أجل أن يحصل على علم الأُصول و الفروع حتى يتحلّى بالعلم كما يقول الشهرستاني - فهو أغرب و أعجب. ذلك لأنّ المعلوم عند جميع المؤرخين و الباحثين و العالمين - أنّ المدينة المنورة - و ليست البصرة - هي معدن العلم و مدينته، كما قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله لمن سأله عمن تلقى علمه فقال:
كنت في معدن العلم و لزمت فقيهاً من فقهائهم. و هو يعني الإمام جعفر الصادق رحمه الله حيث لازمه عامين، و كان يقول: لو لا السنتان لهلك النعمان»(1).
فهل من المعقول أن يخرج الإمام زيد من معدن العلم و ينبوعه و مدينته ليذهب إلى البصرة ليحصل على علم الفروع و الأُصول حتى يتحلّى بالعلم كما قال الشهرستاني؟ إنّه لأمر غريب و عجيب حقاً!! و هو مع ذلك قول مخالف لما أجمع عليه المؤرخون فقد قالوا إنّ واصل بن عطاء هو الذي أخذ العلم من معدن العلم و مدينته، و لازم أهل البيت النبوي الشريف الذي يعد من مشاهيره في عصره الإمام زيد بن علي. و أجمعوا على أنّ واصل بن عطاء كان مولى لآل محمد بن علي بن أبي طالب عليهم السلام - أي آل محمد بن الحنفية - و أخذ العلم عن ابنه أبي هاشم عبد اللّٰه بن الحنفية. و أنّه بعد 21 عاماً من عمره سافر إلى البصرة سنة 101 ه حيث التقى فيها بالزاهد عمرو بن عبيد فزامله في حلقة الحسن البصري حتى حدث الخلاف بين واصل و أُستاذه الحسن البصري في تسمية مرتكب الكبيرة من المسلمين حيث قالت الخوارج هو كافر. و قالت المرجئة: هو مؤمن. فقال الحسن البصري: هو منافق. فقال واصل: هو فاسق. و الفسق منزلة بين المنزلتين: منزلة الكفر و النفاق.
و منزلة الإيمان، و بعد أن رجع عمرو بن عبيد إلى قوله و فارقا حلقة الحسن، أطلق عليهما لاعتزالهما الحلقة (اسم المعتزلة) ثمّ صار اسماً لمن تابعهم في
1) . أبو زهرة: الإمام الصادق عليه السلام: 28.
مسائل علم الكلام، بل لقد نصّ المحقّقون من المعتزلة و الزيدية على أنّ مسألة المنزلة بين المنزلتين هذه قد أخذها واصل بن عطاء من أُستاذه أبي هاشم عبد اللّٰه ابن محمد بن الحنفية(1).
و إذا كان لا بد من نسبته إلى فرقة من الفرق فينسب إلى الفرقة (العدلية) و العدلية كلمة تطلق على كل من يقول بالعدل و التوحيد و ينفي الجبر و التشبيه و التجسيم للّٰه، تعالى اللّٰه عن ذلك، و لهذا صحّ للقاضي عبد الجبار بن أحمد المتوفى 415 ه. و للإمام المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى، ان يجعلا من رجال الطبقة الأُولى للعدلية كلَّ الخلفاء الراشدين و غيرهم من الصحابة ممن صرح بالعدل و نفي الجبر. و قد جعلا الإمام زيد بن علي و أبا هاشم عبد اللّٰه بن محمد بن الحنفية أُستاذ واصل من رجال الطبقة الثالثة و جعلا واصل بن عطا و عمرو بن عبيد من رجال الطبقة الرابعة.
و قد توهم البعض من المتأخرين أنّ الطبقات التي أشرت إليها هي طبقات المعتزلة و الصحيح غيره. لأنّ البحث في طبقات القاضي و في الملل و النحل للمهدي كان عن العدلية، و ليس عن المعتزلة، و لفظه في الملل و النحل(2)مسألة (له) أي قالت المعتزلة: و أجمعت العدلية على أنّ للعالم محدثاً قديماً قادراً عالماً حيّاً... حتى قال: و قد رتب القاضي - أي عبد الجبار - طبقاتهم و نحن نشير إلى جملتها. ثمّ أشار في المسألة التي تلتها إلى طبقاتهم.
فالإمام المهدي حكى عن المعتزلة روايتهم لما اجمعت عليه العدلية. ثمّ رتب طبقاتهم كما فعل القاضي عبد الجبار مستدلاً بأقوالهم في العدل و نفي الجبر(3).
و بعد هذا البيان الضافي من العلمين، لا يبقى أي شك في أنّه لم يكن لوليد البيت النبوي أية دراسة لدى واصل بن عطاء، و أقصى ما يمكن أن يقال: كانت بينهما مزاملة أو محادثة في تطبيق أصل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، على الساحة الإسلامية. و نضيف في المقام أمرين:
1 - أنّه لو تتلمذ زيد على واصل أو كان معتزلياً في العقائد، لانعكست آراء أُستاذه في الكتب الموروثة منه، مع أنّه ليس من تلك الأُصول فيها عين و لا أثر، غير التركيز على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الذي استنتجه من الكتاب و السنّة و اختمر به منذ شبابه إلى التحاقه بربه.
2 - أنّ ابن المرتضى، جعل زيد بن علي في طبقاته مقدماً على طبقة واصل ابن عطاء(1)و لو صحّ الزعم المعروف كان عليه أن يجعله متأخراً عنه، لكونه في الاعتزال عيال عليه.
1) . ابن المرتضى: المنية و الأمل: 17 و 28، تحقيق سوسنه ديفلدفلزر، بيروت 1380 ه - 1961 م؛ و القاضي عبد الجبار الهمذاني: فرق و طبقات المعتزلة: 32 و 41، تحقيق الدكتور علي سامي النشار و عصام الدين محمد علي، دار المطبوعات الجامعية، القاهرة، 1972 م.
إنّ للمذهب الزيدي السائد حالياً في اليمن و غيرها بعدين: بعداً فقهياً - يُلحقه بالمذاهب الفقهية المعروفة، و هذا ما يبحث عنه في تاريخ الفقه و طبقات الفقهاء - و بُعداً عقائدياً، و هذا هو المسوّغ لطرحه في كتب الملل و النحل، و لا شك أنّ المذهب الزيدي الذي تبنّاه أئمة الزيدية طيلة قُرُون، من عهد أحمد بن عيسى ابن زيد مؤلف الأمالي (ت 247 ه) إلى عهود الأقطاب الثلاثة كان يتمتع ببعدين متميزين العقيدة و الفقه، و هؤلاء الأقطاب عبارة عن:
1 - الإمام القاسم الرسّي.
2 - الإمام الهادي يحيى بن الحسين.
3 - الإمام الناصر الأطروش.
فكان عندهم الفقه و العقيدة و لكل ميزة وسمة، تضفي له صبغة خاصة في مجاله إنّما الكلام في المذهب الموروث عن نفس الإمام أي زيد الثائر، فهل كان لمذهبه بعدان، فقهي و عقائدي؟ أو كان لمذهبه بعد واحد؟ أو لم يكن هذا و لا ذاك
بل كان رجلاً ثورياً و إماماً للجهاد و النضال و مفسراً للقرآن، و محدّثاً للسنّة النبوية، و مفتياً في ضوئهما أحياناً؟ و تظهر حقيقة الحال فيما يأتي و لنقدم البحث في العقائد ثمّ نتبعه بالبحث في الفقه.
إنّ ربيب البيت العلوي زيداً الثائر قد تعلم الأُصول و العقائد، من أئمة أهل البيت و على رأسهم والده الإمام زين العابدين و أخيه الإمام الباقر عليهما السلام، فكان القول بالتوحيد و رفض التجسيم و الجهة، و العدل و تنزيهه سبحانه عن كل سوء و شين، و القول بعصمة الأنبياء و مصونيتهم عن الخطأ و الزلل، و نفي القدر بمعنى السالب للاختيار و الحرية و الموجب للغوية بعث الأنبياء و الرسل، إلى غير ذلك من الأُصول الرائجة في باب الإمامة و المعاد - كان القول بهذه الأُصول - أمراً واضحاً لدى الهاشميين و العلويين ورثها كابر عن كابر، فلو قال به زيد، فلا يجعله ذا منهج كلامي خاص.
إنّما الكلام فيما ينسب مناسب إليه من الآراء حول سائر الموضوعات، و سيوافيك إنّها آراء الزيدية، لا صلة لها بزيد، و أنّ ربطها و نسبتها إليه، خال عن الدليل.
قال الحاكم أبو سعد المحسَّن بن محمد بن كرامة الجشمي البيهقي (413-494 ه) في كتابه جلاء الأبصار:
و إذ قد بينا المذاهب المحدثة و البدع المولدة، بقي ما كان عليه النبي صلى الله عليه و آله و سلم و أصحابه و علماء أهل البيت، و هو القول بتوحيد اللّٰه، و نفي التشبيه، و القول بعدله، و براءته من كل سوء، و القول بعصمة أنبيائه، و صدق ما جاءوا به على ما نطق به الكتاب، و مشايخ العدل، أخذوها من علماء أهل البيت. أخذها واصل بن عطاء عن محمد بن الحنفية و ابنه أبي هاشم و كان مع ذلك من أصحاب النفس الزكية، و كان عمرو بن عبيد قد تأهب للخروج إلى زيد بن علي عليه السلام فورد الخبر بقتله.
و كان مطر الوراق، و بشير الرحال من أصحاب إبراهيم بن عبد اللّٰه، و كان حَكَمُ المعتزلي من أصحاب عيسى بن زيد، و الروايات بذلك من علماء أهل البيت عليهم السلام ظاهرة، و كتب القاسم و يحيى و الناصر و المهدي - يعني أبا عبد اللّٰه الداعي - و أحمد بن عيسى و غيرهم من أئمتهم عليهم السلام مشحونة بذكر العدل و التوحيد.
و روى أنّ أبا الخطاب و جماعة دخلوا على زيد بن علي عليهما السلام فسألوه عن مذهبه، فقال: إنّي أبرأ، إلى اللّٰه من المشبهة الذين شبّهوا اللّٰه بخلقه، و من المجبرة الذين حملوا ذنوبهم على اللّٰه، و من المرجئة الذين طمَّعوا الفسّاق في عفو اللّٰه، و من المارقة الذين كفّروا أمير المؤمنين، و من الرافضة الذين كفّروا أبا بكر و عمر، و هذا عين مذهب أهل العدل، و كان إمام هذه الطائفة بعد أمير المؤمنين و الحسن و الحسين و محمد بن علي(1)و علي بن الحسين، زيد بن علي بن الحسين عليه السلام و رحمة اللّٰه و بركاته و جميع أولاد أمير المؤمنين، إلاّ أنّ زيداً تقدمهم بالفضل و العلم و الجهاد في سبيل اللّٰه(2).
هذا مجمل القضاء في الموضوع و قد «شهد شاهد من أهلها» على ما ذكرنا غير أنّ البرهنة على المختار، و أنّ ما نسب إلى زيد من الآراء فإنّما هي آراء الزيدية، لا الإمام القائد و لأجل ذلك، لا نجد أثراً من هذه الآراء المعزوّة إليه في الكتب الموروثة منه. حتى لو وجدنا أنّ أئمة الزيدية لهجوا بها - كالقاسم الرسي - رأس القاسمية (170-242 ه) و الناصر الأطروش - رأس الناصرية (230-304 ه) مؤسس المذهب الزيدي في بلاد الديلم و الجبل، و الإمام الهادي إلى الحقّ به رأس الهادوية في اليمن (245-298 ه) لا يكون ذلك دليلاً على ثبوته من إمامهم،
لأنّ الأئمة المتأخرين عن زيد، اجتهدوا في الأُصول و الفروع فضموا ما ورثوه من إمامهم إلى ما حصلوه بمساعيهم فيهما، فلا يسوغ لباحث أن ينسب شيئاً إلى زيد، بحجة تواجده في كتب هؤلاء الأئمة المتأخرين.
كانت الخوارج تصفه بالكفر و الشرك. و المرجئة بالإيمان، و كان الحسن البصري يصفه بالنفاق، و ذهب واصل إلى أنّه لا كافر و لا مؤمن بل في منزله بين المنزلتين(1).
و استظهر الشيخ أبو زهرة أنّ زيداً يوافق المعتزلة في هذا الرأي غير أنّه لا يراه مخلداً في النار على خلاف المعتزلة و استظهره من كتاب أوائل المقالات، مع أنّه نسبه إلى الزيدية دون زيد حيث قال: و أجمعت المعتزلة و كثير من الخوارج و الزيدية على خلاف ذلك و زعموا أنّ مرتكب الكبائر ممن ذكرناه فاسق ليس بمؤمن و لا مسلم(2)و لا يصح القضاء البات بهذا المقدار.
لقد استنبط أبو زهرة مما ذكره ابن المرتضى في المنية و الأمل خصوصاً من الرسالة التي كتبها ابن عباس إلى جبرية أهل الشام، أنّ عقيدة زيد في القدر، هو أنّه يجمع بين الإيمان بالقضاء و القدر، و اعتبار الإنسان مختاراً في طاعاته و معاصيه، و أنّ معاصيه ليس قهراً عن اللّٰه تعالى، و لا غلبة عليه(3).
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما هو عقيدة كل آل البيت أخذوه من مستقى الوحي و كلام الوصي علي عليه السلام و قد أوضح الحال عند ما سأله رجل عند منصرفه من صفين بما هو معروف(1)و قد اشتهر عنهم: «لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين» و زيد و غيره و جميع الشيعة أمام هذا الأصل سواسية.
لقد كثر اللغط و الجَلَبَة حول البداء فمن طاعن عليه بأنّ معنى قولهم بدا للّٰه، هو ظهور ما خفي عليه، و هو يستلزم جهله سبحانه بالمستقبل و تغيير إرادته المستلزمة لحدوث ذاته إلى غير ذلك من المضاعفات، و من قائل بأنّ المقصود من بدا للّٰه، هو أنّه بدا للناس من اللّٰه و الإطلاق من باب المشاكلة، و النبي الأكرم هو الأُسوة في الإطلاق فقد وصفه سبحانه بهذا في كلامه و نقلها البخاري(2)و إلاّ فأي مسلم واع يلهج بتجويز الجهل أو تغيير إرادته، فمن المأسوف عليه جداً أنّ الناقمين من الشيعة في قولهم بالبداء تساهلوا في بيان عقيدتهم و راجعوا في تبيين مواقفهم إلى كتاب خصمائهم.
نعم ذكر الشيخ المفيد على أنّ الإمامية اتفقوا على أنّ إطلاق لفظ البداء في وصف اللّٰه تعالى و إن كان ذلك من جهة السمع دون القياس و أضاف: و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية و المرجئة و أصحاب الحديث على خلاف الإمامية(3).
و ما ذكره المفيد إنّما هو عقيدة الزيدية، لا الإمام زيد، و لا ملازمة بين الرأيين و المخالف لو وقف على مقصود الإمامية من البداء لما خالفه و تلقاه أمراً صحيحاً، و لأجل أنّ الشيخ أبا زهرة وقف على مقاصدهم البداء بعد الاحتكاك بعلمائهم
و كتبهم صرح بما ذكرناه فلاحظ(1).
ذهبت الإمامية إلى القول بالرجعة و إنّ اللّٰه سبحانه يرد قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها فيعزّ منهم فريقاً، و يذلّ فريقاً و قد ذكرنا دليلهم من الكتاب و السنّة في الجزء السادس من هذه الموسوعة فلاحظ، غير أنّ الشيخ المفيد ذكر مخالفة الزيدية لهذا الأصل في كلامه السابق، و جعله الشيخ أبا زهرة دليلاً على كونه معتقد زيد و الأصل الذي نشأ عليه(2).
و العجب أنّه عطف القول بالمهدي على فكرة الرجعة و نسب إلى الإمام الجليل نفي فكرة المهدي و قال: الإمام زيد قد نفى فكرة المهدي المنتظر، فنفى معها فكرة الرجعة، لأنّ الرجعة كما تصورها الإمامية و من قبلهم الكيسانية تقتضي وجود المهدي، و بما أنّ لا مهدي في نظر الإمام زيد، لأنّ الإمام يجب أن يكون غير مستور و أن يدعو لنفسه فلا يوجد إمام مكتوم و لا مغيب(3).
إنّ ما ذكره الشيخ أبو زهرة زلة لا تستقال، فكيف يمكن أنّ يستدل على عقيدة إنسان مثل زيد، بكلمة لم يثبت كونه قائلها، و على فرض كونه قائلها فإنّما قال بها في ظروف خاصة، لا في الإمام الذي اتفقت الشرائع السماوية عليه، و لا سيما مسانيد السنّة و صحاحها.
أقول: لقد تواترت النصوص الصحيحة و الأخبار المروية من طريق أهل السنّة و الشيعة المؤكدة على إمامة أهل البيت عليهم السلام و المشيرة صراحة إلى أنّ عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل، و أنّ آخر هؤلاء الأئمة هو الذي يملأ الأرض
1 - روى الإمام أحمد في مسنده عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم واحد لبعث اللّٰه رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جورا»(1).
2 - أخرج أبو داود عن عبد اللّٰه بن مسعود: أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي»(2).
3 - أخرج أبو داود عن أُم سلمة - رضي اللّٰه عنها - قالت: سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»(3).
4 - أخرج الترمذي عن ابن مسعود: أن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي»(4).
إلى غير ذلك من الروايات المتضافرة التي بلغت أعلى مراتب التواتر على وجه. يقول الدكتور عبد الباقي: إنّ المشكلة ليست مشكلة حديث أو حديثين أو راو أو راويين، إنّها مجموعة من الأحاديث و الآثار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على
تناقلها مئات الرواة و أكثر من صاحب كتاب صحيح(1).
إذا كانت الإمامة رئاسة عامّة في أُمور الدين و الدنيا، و إمرة إلهية (لا شعبية) و استمراراً لوظائف النبوة كلّها، سوى تحمل الوحي الإلهي، و محتاجاً إلى تنصيب النبي الأكرم بأمر من اللّٰه سبحانه، فالتعرف على الإمام المنصوب، يتوقف على دليل يعرفه كالنبي الأعظم، و هو أحد الأُمور التالية:
1 - نص صريح متواتر لا يدع شكاً للإنسان أنّه خليفة الرسول.
2 - أو كرامة خارقة للعادة مقارنة لدعوى الإمامة و الخلافة عن الرسول مورثة لليقين بصلته باللّٰه سبحانه.
3 - أو وجود قرائن و شواهد تفيد القطع أنّه منصوب من اللّٰه سبحانه لهداية الأُمّة.
نعم لو كانت الإمامة مقاماً شعبياً، تختاره الأُمّة الإسلامية لقيادتها و تنظيم أمرها. فهو لا يحتاج إلى شيء من النص، و الكرامة الخارقة للعادة، و لا إلى العلم المفاض من اللّٰه سبحانه.
و بما أنّ الإمامة عند الشيعة إنّما هي بالمعنى، الأوّل، و هي عندهم من الأُصول اشترطوا فيها: النص، و العلم بما تحتاج إليه الأُمّة في مجال الدين و القيادة، أو الكرامة الخارقة للعادة المورثة لليقين بكونه رجلاً إلهياً صادقاً فيما يدعي من الخلافة و الإمامة. و هذا على خلاف ما يذهب إليه أهل السنّة فإنّها عندهم حكومة عرفية، و إمارة زمنية، يُنصب و يعزل بأمر الشعب و إرادته و عزله و نصبه. أو يُنصب بإرادة الحاكم السابق.
1) . الدكتور عبد الباقي: بين يدي الساعة 123.
غير أنّ أبا زهرة زعم أنّ الإمام زيد لا يرتضي شيئاً من هذا و ذلك لأنّه يرى أنّ الإمام من بني فاطمة رجل ككل الناس ليس بمعصوم عن الخطأ و ليس علمه فيضاً و لو إشراقاً، بل علمه بالدرس و البحث و يُخطئ و يصيب كغيره من الناس و ما دام كذلك فإنّه لا يحتاج إلى خارق العادات(1).
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما هو عقيدة أئمة الزيدية الذين جاءوا إلى الساحة، شاهرين سيوفهم. فقاموا بالأمر في اليمن و غيره و لولاه لما استقرت إمامتهم، - بعد كونهم أفراداً عاديين - و أمّا كونه معتقد زيد فلم يقم عليه دليل، مع كونه معتقداً بإمامة الإمام علي و السبطين و أبيه و أخيه عليهم السلام بالنص، و هو واضح لمن تتبع شوارد النصوص.
أضف إلى ذلك أنّ ظهور الكرامات على الأولياء و الأبرار مما جوّزه أكثر الفرق و إنّما خالف فيه المعتزلة بشبهة أنّه تبطل دلالة المعجزة على النبوة. لكن جوزه من المعتزلة ابن الأخشيد، و أبو الحسين البصري و كذا محقّقو الأشعرية كالجويني و الغزالي و فخر الدين الرازي و غيرهم، و أمّا الزيدية فالمذكور في كلام الشيخ المفيد، أنّهم يوافقون المعتزلة في نفي صدورها لكن في كلام المتأخرين منهم ما يدلّ على العكس، فقد نقل العلاّمة الشيخ فضل الزنجاني في تعليقته على أوائل المقالات عن الإمام أبي الحسين يحيى بن حمزة بن علي الحسيني الذي كان من أفاضل الزيدية و من القائمين بالأمر باليمن(2)في كتابه الكبير المسمّى بالشامل إلى ذهاب الزيدية إلى جواز ظهورها(3).
و يا حبذا راجع أبا زهرة الكتب الفلسفية كالإشارات و الشفاء للشيخ
الرئيس(1)، حتى يقف على أنّ صدور الكرامات من الأولياء ليس أمراً معضلاً، بل الأُصول العقلية تؤيده و الكتاب و السنّة يوافقانه.
إنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، من الأُصول المسلّمة لدى المسلمين عامّة من غير فرق بين الفرق:
المعتزلة و الأشاعرة و الإمامية. قال القاضي عبد الجبار: «لا خلاف بين الأُمّة في وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر»(2). قال الشيخ المفيد: «إنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر باللسان فرض على الكفاية بشرط الحاجة إليه لقيام الحجّة على من لا علم لديه إلاّ بذكره...»(3).
و هو مشروط بشروط مذكورة في كتب القوم، غير أنّ الشيخ أبا زهرة زعم أنّ الأصل المذكور، لا يجتمع مع القول بالتقية، و زعم أنّ أبا الشهداء و حفيده زيد الثائر أخذا بالأصل الأوّل، و أمّا أباه أعني: علي زين العابدين رأى من الحكمة ألاّ يخرج إلاّ مع العدد و القوة، و لأنّ تلك الحوادث (حوادث كربلاء) جعلته يشك في وجود النصراء الأقوياء في اعتقادهم، فانصرف إلى العلم غير راض و لا مطمئن للباطل.
يلاحظ عليه: أنّ هذا أشبه بكلام من لا يعرف موضع الأصلين و مركزهما (و أُجلّ الشيخ أبا زهرة من أن يكون من تلك الزمرة) و يزعم أنّ بين الأصلين مطاردة، و أنّ الزعيم الإسلامي إمّا أن يختار الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو يلتجئ إلى التقية، و أنت إذا راجعت إلى ما أسلفناه في الجزء الثالث حول الأصل الأوّل و في الجزء السادس حول التقية لعرفت أنّ الأصلين من الأُصول الإسلامية المتقنة و لكل موردٍ و موقف حسب شروطهما و ضوابطهما، فلو أنّ أبا الشهداء و حفيده زيد بن علي قاما بالأمر و أمرا بالمعروف و النهي عن المنكر لأجل ظروف فرضته عليهما، و لو كانت تلك الشروط مهيأة في زمن ابنه زين العابدين و أخيه محمد بن الحنفية لقاما مثل ما قاما، فلو نرى أنّ الأخيرين التزما البيت و صارا جليسيه فلظروف فُرضت عليهما، و لعمر الحقّ أنّ مثل هذا الكلام من شيخ المصريين غريب جداً إذ كيف يقول: «و من هنا - أي قعود الإمام السجاد و محمد الحنفية عن الأمر بالمعروف - تولد عند الشيعة مبدأ التقية؟! أو ما يذكر قول اللّٰه سبحانه:
«إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً» (آل عمران - 28) أو قوله سبحانه: «مَنْ كَفَرَ بِاللّٰهِ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِهِ إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ» (النحل - 2(8).
أو ما قرأ كلمات المفسرين حولهما حتى عمّموا مفادهما إلى اتقاء المسلم من المسلم الظالم؟ و الحقّ أنّ الشيخ أبا زهرة مع كونه كاتباً ذا صدر رحب و اطلاع وسيع و قلم سيّال، لكنه يخرج الظنون بصورة الأُمور الواضحة القطعية و يضفي على حدسيّاته صبغة الجزم.
ذهبت العدلية - من غير فرق بين المعتزلة و الإمامية و الزيدية - إلى أنّ صفات اللّٰه الذاتية كالعلم و القدرة و الحياة غير ذاته مفهوماً، و عينها مصداقاً، دفعاً لوصمة التركيب، الملازم للإمكان، المنزّه عنه سبحانه، قال الشيخ المفيد: «إنّ اللّٰه عزّ و جلّ
اسمه حي لنفسه لا بحياة و أنّه قادر لنفسه، و عالم لنفسه، لا بمعنى كما ذهب إليه المشبهة من أصحاب الصفات - إلى أن قال: - و هذا مذهب الإمامية كافة و المعتزلة إلاّ من سميناه (أبا هاشم الجبائي) و جمهور الزيدية و جماعة من أصحاب الحديث و الحكمة(1).
و قد تبع هؤلاء خطب الإمام علي عليه السلام و كلماته، فإنّه أوّل من شقّ هذا الطريق، و أوضح المنهج، و حكم بحكم بات على توحيد الصفات مع الذات. قال: «أوّل الدين معرفته، و كمال معرفته التصديق به، و كمال التصديق به توحيده، و كمال توحيده الإخلاص له، و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنّها غير الموصوف، و شهادة كل موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف اللّٰه سبحانه فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه، و من ثنّاه فقد جزّأه، و من جزّأه فقد جهله، و من جهله فقد أشار إليه، و من أشار إليه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه»(2).
و العجب أنّ الشيخ أبا زهرة نسب عينية الصفات إلى زيد و صوّره أنّه من آرائه، و الحقّ أنّه من آرائه، لكنه لا بمعنى أنّه ذو منهج كلامي بل كل ما نسب إليه لا يخلو من أمرين: إمّا أنّه ليس من زيد و إنّما هو من أتباعه و مقتفي أثره، أو هو من زيد و لكنه أخذه من أئمة أهل البيت عليهم السلام.
فقد حصحص الحقّ و بان أنّ زيداً لم يكن مفكراً كلامياً غارقاً في البحوث الكلامية نظير واصل بن عطاء، أو عمرو بن عبيد أو أبي جعفر مؤمن الطاق و هشام بن الحكم، بل كان زيد رجلاً ثورياً له صلة بتفسير القرآن و جمع الروايات و عظة الناس و هدايتهم إلى الطريق المهيع.
ثمّ إنّ الشيخ أبا زهرة استخرج عقائده الكلامية - حسب ما عرفت - من
أسباب عقيمة غير منتجة و بما أنّه أشار إليها في آخر كلامه نأتي بنصه، ثمّ بملاحظتنا، يقول:
«حاولت استخراج عقائده الكلامية من الأُمور التالية:
1 - أن يكون ذلك رأياً لواصل بن عطاء الذي صاحبه، و قدّر علماء النحل أنّه اختار منهاجه و طريقه، أو كان كلاهما على منهاج واحد و رأي واحد، فاعتبر كل كلام لواصل في هذه المسائل آراء للإمام زيد إلاّ ما ثبت أنّه لم يقله، أو لم يكن من المعقول أن يكون قد قاله، كقول واصل: إنّ علياً في قتال معاوية لم يكن على حقّ بيقين، فليس ذلك نظر أهل البيت بالاتفاق.
2 - إنّ ما ينسب إلى الزيدية من أقوال و نراه في ذاته معقولاً و قريباً من منطق الإمام زيد و تفكيره فإنّا نقرر أنّه رأي زيد - رضي اللّٰه عنه - لأنّ الزيدية إذا استثنينا الجارودية منهم، يتلاقون في أكثر آرائهم مع الإمام زيد، فهم له في الجملة متبعون.
3 - إنّ ما يقوله بعض المتصلين به أو الذين ثبت اتصالهم به نعتبره إذا اتفق ما يقوله الزيدية أو ينسب مزكياً لنسبة تلك الأقوال إليه(1).
يلاحظ عليه: أنّ القياس الأوّل عقيم جداً إذ لا نعلم مدى تعاطف زيد مع واصل و زمالته معه، حتى نتخذ عقيدة الجليس دليلاً على عقيدة الجليس الآخر.
و أضعف منه الطريق الثاني فإنّ الزيدية كسائر الفرق، مارسوا علم الكلام و حضروا محافل البحث و النقاش ثمّ اتّخذوا موقفاً في كل مسألة، و كيف يمكن أن ينسب وليد فكر هؤلاء لزيد المحدِّث المفسِّر غير المتّهم إلا بإنهاض المسلمين ضد الطغاة و إزالتهم عن منصّة الحكم و استغلال الصلحاء بالحكم؟!.
و منه يظهر حال الطريق الثالث فلا نطيل الكلام.
1) . أبو زهرة: الإمام زيد: 222-224.
كل ما ذكرنا يرجع إلى زيد، و أمّا الزيدية فلهم عندنا حساب خاص سوف نرجع إلى آرائهم و عقائدهم في مجال الأُصول و الفقه في فصل مستقل.
قد عرفت مدى صحّة كلام الشيخ أبو زهرة في نسبه هذه الآراء إلى زيد و قد تبعه من جاء بعده، من دون ترو و تحقيق، فنرى أنّ الدكتور «أحمد محمود صبحي» يتبعه عشوائياً و ينسب تلك الآراء إلى زيد حرفاً بحرف، فنسب إليه إنكار القول بالبداء، و التقية، و العصمة، و العلم اللدني، و المهدوية، و ذكر أنّ آراء زيد في ذلك المجال متعارضة و آراء الإمامية و ذكر أنّ مصدر كلامه هو كتاب «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» للدكتور علي سامي النشار، و أظن أنّه ذكره بعنوان أحد المصادر، و إلاّ فالمصدر الواقعي لكلامه هو كتاب أبي زهرة و وحدة الصياغة تعرب عن عيلولتهما على الشيخ و على كل تقدير فقد خبطوا خبطة عشواء و بذلك أفسدوا الأمر على المجتمع الإسلامي و صوروا أنّ الإمام زيد كان يخالف الرأي العام لسائر الأئمة الاثني عشر، و لعله كان هذا هو المقصد من إلقاء الحجر في الماء الراكد. و إيجاد الفرقة أو توسيعها بين الطائفتين.
قد أسفر وجه الحقيقة و بان أنّ زيداً كان علويّ المبدأ و الفكرة، و لم يكن له في الأُصول و العقائد سوى ما عند العترة الطاهرة بقي الكلام من كونه صاحب مذهب فقهي خاص، على أساس منهج معين و هذا هو الذي نأخذه بالبحث.
هل كان لزيد مذهب فقهي خاص كسائر المذاهب الفقهية الذائعة في عصره و بعده؟
و هل كان لزيد منهاج خاص يسير عليه في استنباطه و افتائه؟
و هل الأئمة الزيدية - و أخص بالذكر أئمة الاجتهاد منهم - مشوا على ضوء آرائه و لم يخالفوه، و الفقه الزيدي الموجود، تبسيط لفقهه و رأيه؟
هذه موضوعات ثلاثة جديرة بالبحث و الدراسة على ضوء ما ورثناه من زيد من الكتب، و الفقه الزيدي الرائج اليوم.
فلنشرح الموضوع الأوّل فنقول:
كان زيد رجلاً عابداً زاهداً، حليف القرآن و العبادة، و تعلّم ما تعلم في أحضان والده و أخيه الإمام الباقر عليه السلام و روى عن عدّة من التابعين، و لم يكن موطنه يوم ذاك، مهداً لمذهب فقهي خاص يتميز بسماته عن المذاهب الأُخر حتى يكون الإمام أحدهم، و يكون له مذهب متمايز عن الآخرين، و أقصى ما كان يتمتع به التابعون و الراوون عنهم، هو الإفتاء في ضوء الروايات الواصلة إليهم، و تجريدها عن الاسناد، أو استثمار الضوابط التي تلقوها عن الرسول الأعظم و استخراج أحكام الجزئيات منها أو التخريج على أقوال الصحابة و غيره، و أين هذا من كونه إمام مذهب خاص له سمات و ميزات، تميزه عن سائر المذاهب الفقهية، كما هو الحال في المذاهب المعروفة و لا سيما المذاهب الأربعة؟ هذا حال زيد في موطنه، و أمّا حاله في غيره، فقد غادر المدينة كراراً، و نزل الشام و الكوفة، إمّا بالجبر و الاضطرار، أو بالحرية و الاختيار، و لم تكن الغاية له في تلك الرحلات إلاّ إجابة الجبر، أو دعم المبدأ و إنهاض المسلمين ضد الأمويين و بالتالي، دعم الجهاد
و النضال المسلح، و أين هذا من الاختلاف في أندية الدروس، و محافل البحث و الدراسة، لاستثمار ما تلقاه و صبغه بصبغة خاصة تعطي له سمة و ميزة؟!
و هذا ما يعطيه الإمعان في حياته، و الغور في الآثار الباقية منه و أقصى ما يمكن أن يقال: إنّه كان يفتي عند السؤال، بمضمون الرواية، أو ببسط الضوابط الكلية.
و بذلك يعلم حال السؤال الثاني، فإنّ المراد من المنهاج الخاص، هو القواعد الكلية الأُصولية التي منها يستمد الفقه، و بها ينصبغ، فالفقه المستمد من القياس و الاستحسان غير الفقه المستنبط من الكتاب و السنّة و الوقوف فيما لا نص فيه، و من المعلوم أنّه لم يكن لزيد ذلك المنهاج و لو كان لبان في آثاره العلمية، أو نقله طلابه و ملازموه كما هو الحال في أبي حنيفة، فقد انعكست آراؤه على فقه تلاميذه كالشيباني و أبي يوسف و غيرهما.
و أمّا الموضوع الثالث فالإجابة عنه سهلة، بعد الوقوف على اعتبار الاجتهاد المطلق عند الزيدية فقد فتحوا - كالإمامية - بابَ الاجتهاد المطلق في الفروع و الأُصول فخالفوا زيداً في قسم من الفروع، و ركنوا إلى أُصول لم يعلم الركون به من إمامهم.
و إن شئت قلت: هناك فرق بين اجتهاد الأحناف، و الشوافع و اجتهاد أئمة الزيدية فالطائفة الأُولى كانوا مجتهدين لكن مقيدين بأُصول إمامهم و مناهجه. و كانوا يبذلون مساعيهم لاستكشاف آراء إمامهم في ضوء الأُصول الواصلة إليهم منه. و أمّا أئمة الزيدية، فلأجل فتح باب الاجتهاد المطلق صاروا مجتهدين مستقلين ربما وافقوا إمامهم، و أحياناً خالفوه و لذلك ترى بعداً شاسعاً بين المجموع الفقهي المنقول عن الإمام زيد و كتاب الأحكام للإمام الهادي المطبوع المنتشر في جزءين، و مثله الروض النضير فالمؤلف و إن كان زيدياً، لكن كتابه هذا،
أُلّف على ضوء الاجتهاد المطلق، فيستهدي من روايات الصحاح و المسانيد و القواعد الدارجة بين المذاهب الأربعة التي رفضها أئمة أهل البيت أوّلاً و لم يثبت حجيتها عند الإمام زيد ثانياً.
يقول أبو زهرة: «و يجب أن يعلم أنّ الفقه الزيدي ليس كله فقه الإمام زيد، بل هو فقه طائفة كبيرة من آل البيت كالهادي و الناصر و غيرهم ممن جاءوا بعده و خصوصاً أنّ باب الاجتهاد فيه كان مفتوحاً لم يغلق(1).
و يقول في موضع آخر في سبب انتشار المذهب الزيدي و أنّ من أسبابه: «فتح باب الاختيار من المذاهب الأُخرى فقد صار هذا المذهب بهذا الاختيار حديقة غنّاء تلتقي فيها أشكال الفقه الإسلامي المختلفة، و أغراسه المتباينة وجناه المختلف الألوان و الطعوم، و إن كان ذلك نتيجة لفتح باب الاجتهاد فيه، فقد اختاروا باجتهادهم من المذاهب الأُخرى ما يتفق مع منطق المذهب أو أُصوله، و أُصوله متحدة أو على الأقل متقاربة مع جملة الأُصول التي قررها فقهاء المسلمين»(2).
و الحقيقة هي: أنّ المذهب الفقهي المعروف بالمذهب الزيدي في اليمن، نسبةً إلى الإمام زيد أو المذهب الهادوي كما يروق للبعض اليوم أن يسميه و ينسبه إلى الإمام الهادي يحيى بن الحسين و لا فارق بين الإمامين إلاّ في مسائل يسيرة جداً، نتيجة الاجتهاد المفتوح بابه في المذهب الزيدي حتى اليوم و إلى الأبد إن شاء اللّٰه - هذا المذهب لم يكن مذهب إمام معين، و لكنّه خلاصة أبحاث عميقة، و دراسات واسعة مختلفة في كل مجالات الفقه الإسلامي العظيم، و جهود مضنية استمرت في البحث و التنقيب و التصفية أكثر من سبعة قرون، و قام بتلك الأبحاث و الدراسات
أئمة أعلام من أهل البيت النبوي الشريف و من تابعهم من الفقهاء المجتهدين، معتمدين في كل ذلك على المحكم من كتاب اللّٰه، و الصحيح من سنّة رسول اللّٰه، و على القياس، و الإجماع، و أحياناً على الاستصحاب، و الاستحسان، و المناسب المرسل - المصالح المرسلة - و هي التي تتفق مع المقاصد الشرعية فيما لا يوجد له نص في الكتاب أو السنّة إثباتاً أو نفياً كما سيأتي في موضعه إن شاء اللّٰه. و بسبب ذلك تصارع الأئمة و أتباعهم أزماناً عديدة مع دسائس الملحدين و أفكار المندسين، كما تعاركوا مع جبابرة الأهواء السياسية و الأحقاد العنصرية، جاعلين الاخلاص رائدهم، و الحقّ مقصدهم، و رضوان اللّٰه غايتهم(1).
و لعل حقيقة الحال تعلم من دراسة ما بقي منه من الآثار و أخص بالذكر ما طبعت و انتشرت منها فإنها مرآة ضمير الرجل، و المرء بآرائه و أفكاره.
1) . علي بن عبد الكريم: الزيدية نظرية و تطبيق: 14.
إنّ هناك فرقاً واضحاً بين إمام الثورة و الجهاد - الذي يقابل الظالمين و الغاصبين بالطرد و القتل، و يُعبِّدَ الطريق لصلحاء الأُمّة في المستقبل حتى يتفكروا في أمرهم بعد قمع الظالمين - و الإمام الذي فرضتْ طاعته من قَبل إمّا بتنصيص من اللّٰه و رسوله أو باتّفاق من أهل الحل و العقد أو ما أشبه ذلك. و زيد الثائر لم يكن من قبيل الثاني، و إنّما كان إمام الثورة و الجهاد. قام بأخذ الثأر و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و إقامة العدل، و إزاحة الظلم و تدمير عرش الأمويين، فهو بهذا المعنى كان إماماً لا شك فيه، و قد أطبقت الزيدية و الإمامية على كونه إماماً بهذا المعنى و من نسب غير ذلك إلى الإمامية فهو باهت كاذب إنّما الكلام في كونه الإمام المنصوص عليه بلسان النبي الأكرم و أوصيائه فلم يكن زيد إماماً بهذا المعنى و لا إماماً مختاراً من قبل الأُمّة و لا ادّعاه هو و لا أحد من أتباعه و مقتفيه، و الذي يوضح ذلك ما نص عليه الشيخ المفيد و هو من متكلمي الشيعة في القرن الرابع. روى تلميذه المرتضى:
قال: حضر المفيد مسجد الكوفة، فاجتمع إليه أكثر من خمسمائة فقال له
رجل من الزيدية - أراد الفتنة: بأي شيء استجزت إنكار إمامة زيد؟ فقال: ظننت عليّ باطلاً و قولي في زيد لا يخالفني فيه أحد من الزيدية. فقال: و ما مذهبك فيه؟ قال: إنّي أُثبت من إمامة زيد ما تثبته، و أُنفي ما تنفيه و أقول كان إماماً في العلم و الزهد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و أنفي عنه الإمامة الموجبة لصاحبها العصمة و النصَّ و المعجزة، و هذا ما لا يخالفني عليه أحد من الزيدية، فلم يتمالك من حضر من الزيدية أن شكروه ودعوا له و بطلت حيلة الرجل(1).
و لعل الجوّ السائد على مجلس المناظرة - كما يظهر من كلام تلميذه الجليل السيد المرتضى - لم يسمح للشيخ المفيد، أن ينفي حتى الشق الثاني و هو كونه إماماً مفترضة طاعته باختيار الأُمّة.
نعم تضافرت الروايات على بيعة جماعة كثيرة معه لكن متعلق البيعة، هو الجهاد و النضال، و كونه أميره و رائده لا على الإمامة بعد النجاح و اكتساح الأشواك.
نعم أنّ الطائفة الزيدية المتشكلة بعد رحيل الإمام الثائر زعموا أنّه ادّعى الإمامة لنفسه و كان الجهاد، لرفع الموانع عن طريق إمامته و حاكميته و قد اغترّوا بظواهر الأمر، و لم يتدبروا في القرائن الحافة به.
و بذلك الزعم - صارت الإمامة عند الإمامية غيرها عند الزيدية و ذلك:
إنّ مفهوم الإمامة لدى الشيعة الإمامية غيرها لدى الزيدية، فالطائفة الأُولى تشترط في الإمام النص و العصمة و المعجزة و كونه أعلم الأُمّة و أفضلها سواء أقام بالسيف أم لا، و إنّما يتبع في القيام و الجهاد مصالح الأُمّة الإسلامية فهي بين ما يفرض عليه القيام و الجهاد أو يفرض عليه إرشاد الأُمّة عن طريق آخر.
1) . المرتضى: الفصول المختارة: 277.
و هذا بخلاف الإمامة لدى الزيدية فلا يشترط فيها ما ذكرنا، قال الشيخ المفيد: الإمامة عَلَم على من دان بوجوب الإمامة و وجودها في كل زمان، و أوجب النصَّ الجلي و العصمة و الكمال لكل إمام، ثمّ حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي عليهما السلام و ساقها إلى الرضا علي بن موسى الرضا.
و أمّا الزيدية فهم القائلون بإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، و الحسن و الحسين و زيد بن علي عليهم السلام، و بإمامة كل فاطمي دعا إلى نفسه و هو على ظاهر العدالة، و من أهل العلم و الشجاعة و كانت بيعته على تجريد السيف للجهاد(1).
و قال ابن المرتضى: «فالزيدية منسوبة إلى زيد بن علي عليه السلام يجمع مذهبهم تفضيل علي عليه السلام و أولويته بالإمامة و قصرها في البطنين، و استحقاقها بالفضل و الطلب لا بالوراثة و وجوب الخروج على الجائرين(2).
و الذي يعرب عن موقفه في الإمامة ما جاء في خطبه و فيها هذه الجمل التالية:
1 - الحمد للّٰه الذي أكمل لي ديني بعد أن كنتُ استحيي من رسول اللّٰه أن أرِدَ عليه و لم آمر أُمّته بمعروف و لم أنه عن منكر(3).
2 - و اعلموا أنّه ما ترك قوم الجهادَ قط إلاّ حُقِّروا و ذلّوا(4).
3 - أيّها الناس أعينوني على أنباط الشام فو الله لا يعينني عليهم منكم أحد إلاّ رجوت أن يأتيني يوم القيامة آمنا...(1)
.
و لأجل ذلك تضافرت الروايات من طرقنا على أنّ زيداً ما دعا إلى نفسه و إنّما دعا إلى الرضا من آل محمّد، و أنّه لو ظفر لوفى، و معنى هذه الروايات أنّه كان يمهّد الطريق لولاية الإمام المنصوص عليه في لسان النبي و الأئمة الصادقين، و إليك بعض النصوص:
1 - قال الصادق عليه السلام: إنّ زيداً كان مؤمناً و كان عارفاً و كان صدوقاً أما إنّه لو ظفر لوفى، أما إنّه لو ملك عرف كيف يضعها(2).
2 - و قال عليه السلام: إنّ زيداً كان عالماً و كان صدوقاً و لم يدعكم إلى نفسه و إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمّد، و لو ظفر لوفى بما دعاكم إليه، و إنّما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه(3).
3 - و قال الإمام الرضا عليه السلام في جواب سؤال المأمون عن ادّعاء زيد ما لم يكن له بحق:
إنّ زيد بن علي لم يدعُ ما ليس له بحقّ، و إنّه كان أتقى للّٰه من ذلك أنّه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد، و إنّما جاء ما جاء فيمن يدعي أنّ اللّٰه نصَّ عليه ثمّ يدعو إلى غير دين اللّٰه و يضل عن سبيله بغير علم و كان زيد بن علي و اللّٰه ممن خوطب بهذه الآية! «وَ جٰاهِدُوا فِي اَللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ»(4).
إنّ الإمام الرضا عليه السلام نصَّ على موقف زيد من الإمامة و هو أنّه كان إمام
الجهاد و قد جسّد قوله سبحانه: «وَ جٰاهِدُوا فِي اَللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ»(1)و أين هو من الإمامة المنصوص عليها من جانب اللّٰه بلسان نبيه و أوصيائه السابقين أو الإمام المختار من جانب الأُمّة. و لو كان زيد يتظاهر بالإمامة فإنّما كان لغاية كسح الأشواك عن طريقها ثمّ تسليم الأمر إلى الإمام المنصوص.
إنّ هناك نكتة اجتماعية و هي أنّ زيداً قام موطّناً نفسه على الشهادة، و مستميتاً متيقناً بأنّه سوف يقتل و يستشهد، و قد سمع من أبيه و أخيه و ابن أخيه أنّه سوف يقتل و يصلب في الكناسة، و أنّه لم يكن شاكاً و لا متردداً في هذا الأمر و من كان هذا مآله و مستقبله فهل يمكن أن يدّعي الإمامة بالمعنى المعروف بين المتكلمين أي قيادة الأُمّة في جوانب شتى إلى الصلاح و الفلاح، فإنّ القيام بهذا الواجب فرع الحياة و هو كان على الطرف الخلاف من هذا، فلم يبق إلاّ أن يكون أميراً في الجهاد قائداً في النضال، و إن قصرت حياته، و قلّ بقاؤه.
1 - إنّ زيداً كان معترفاً بإمامة ابن أخيه جعفر الصادق عليه السلام بلا كلام، و كان يقول: من أراد الجهاد فإليّ، و من أراد العلم فإلى ابن أخي جعفر(2).
2 - روى الصدوق في الأمالي: عن عمرو بن خالد: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: في كل زمان رجل منّا أهل البيت يحتج اللّٰه به على خلقه، حجّة زماننا ابن أخي جعفر بن محمد لا يضل من تبعه و لا يهتدي من خالفه(3).
3 - روى الكشي عن عمار الساباطي، قال: كان سليمان بن خالد خرج مع زيد بن علي، قال: فقال له رجل و نحن وقوف في ناحية و زيد واقف في ناحية: ما تقول في زيد أ هو خير من جعفر؟ قال سليمان: قلت و اللّٰه ليوم من جعفر خير من زيد أيام الدنيا، فحرّك رأسه و أتى زيداً و قصّ عليه القصة فمضيت فانتهيت إلى زيد و هو يقول: جعفر إمامنا في الحلال و الحرام(1).
4 - إنّ يحيى بن زيد سأل أباه عن الأئمة، فقال: الأئمة اثنا عشر، أربعة من الماضين و ثمانية من الباقين فقلت:
فسمّهم يا أبة. فقال: أمّا الماضون فعلي بن أبي طالب و الحسن و الحسين، و علي بن الحسين، و من الباقين أخي الباقر و بعده جعفر الصادق ابنه، و بعده موسى ابنه، و بعده علي ابنه، و بعده محمد ابنه، و بعده علي ابنه، و بعده الحسن ابنه، و بعده المهدي ابنه، فقلت له يا أبة: أ لست منهم؟
قال: لا، و لكنّي من العترة، فقلت: فمن أين عرفت أساميهم؟ قال: عهد معهود عهده إلينا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم(2).
5 - روى محمد بن مسلم: دخلت على زيد بن علي و قلت: إنّ قوماً يزعمون أنّك صاحب هذا الأمر، قال: لا و لكنّي من العترة، قلت: فلمن يكون هذا الأمر بعدكم؟ قال: سبعة من الخلفاء المهدي منهم.
قال محمد بن مسلم: دخلت على الباقر محمد بن علي عليهما السلام، فأخبرته بذلك فقال: صدق أخي زيد، سبيل هذا الأمر بعدي سبعة من الأوصياء و المهدي منهم، ثمّ بكى عليه السلام و قال: و كأنّي به و قد صُلِب في الكناسة. يا ابن مسلم حدّثني أبي عن أبيه الحسين: قال: وضع رسول اللّٰه يده على كتفي، قال: يا حسين
يخرج من صلبك رجل يقال له زيد، يُقتل مظلوماً إذا كان يوم القيامة حشر أصحابه إلى الجنة(1).
6 - روى الخزاز عن عبد العلاء... قلت: فأنت صاحب الأمر؟ قال: لا و لكنّي من العترة، قلت: فإلى من تأمرنا؟ قال:
عليك بصاحب الشعر و أشار إلى الصادق عليه السلام(2).
7 - روى الخزاز قال: عن المتوكل بن هارون قال: لقيت يحيى بن زيد بعد قتل أبيه و هو متوجه إلى خراسان، فما رأيت رجلاً في عقله و فضله، فسألته عن أبيه عليه السلام فقال: إنّه قتل و صلب بالكناسة ثمّ بكى و بكيت حتى غشي عليه. فلما سكن قلت له: يا ابن رسول اللّٰه و ما الذي أخرجه إلى قتال هذا الطاغي و قد علم من أهل الكوفة ما علم؟ فقال: نعم لقد سألته عن ذلك فقال: سمعت أبي عليه السلام يحدّث عن أبيه الحسين بن علي عليهما السلام قال: وضع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يده على صلبي فقال:
يا حسين يخرج من صلبك رجل يقال له: زيد يقتل شهيداً إذا كان يوم القيامة يتخطّى هو و أصحابه رقاب الناس و يدخل الجنّة، فأحببت أن أكون كما وصفني رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم.
ثمّ قال: رحم اللّٰه أبي زيداً، كان و اللّٰه أحد المتعبّدين، قائم ليله، صائم نهاره يجاهد في سبيل اللّٰه عزّ و جلّ حقّ جهاده. فقلت: يا ابن رسول اللّٰه هكذا يكون الإمام بهذه الصفة. فقال: يا أبا عبد اللّٰه إنّ أبي لم يكن بإمام و لكن كان من سادات الكرام و زهادهم، و كان من المجاهدين في سبيل اللّٰه، و قد جاء عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فيمن ادّعى الإمامة كاذباً، فقال:
مه يا أبا عبد اللّٰه إنّ أبي عليه السلام كان أعقل من أن يدّعي ما ليس له بحقّ و إنّما قال: «أدعوكم إلى الرضا من آل محمد» عنى بذلك
عمّي جعفر. قلت: فهو اليوم صاحب هذا الأمر؟ قال: نعم هو أفقه بني هاشم.
ثمّ قال: يا أبا عبد اللّٰه إنّي أُخبرك عن أبي عليه السلام و زهده و عبادته، إنّه كان يصلّي في نهاره ما شاء اللّٰه، فإذا جنّ عليه الليل نام نومة خفيفة، ثمّ يقوم فيصلّي في جوف الليل ما شاء اللّٰه، ثمّ يقوم قائماً على قدميه يدعو اللّٰه تبارك و تعالى و يتضرّع له و يبكي بدموع جارية حتى يطلع الفجر. فإذا طلع الفجر سجد سجدة. ثمّ يقوم يصلي الغداة إذا وضح الفجر، فإذا فرغ من صلاته قعد في التعقيب إلى أن يتعالى النهار، ثمّ يقوم في حاجته ساعة، فإذا قرب الزوال قعد في مصلاه فسبح اللّٰه تعالى و مجّده إلى وقت الصلاة، فإذا حان وقت الصلاة قام فصلى الأُولى و جلس هنيئة و صلى العصر و قعد تعقيبه ساعة، ثمّ سجد سجدة فإذا غابت الشمس صلى العشاء و العتمة. قلت: كان يصوم دهره؟ قال: لا و لكنه كان يصوم في السنة ثلاثة أشهر و يصوم في الشهر ثلاثة أيام. قلت: فكان يفتي الناس في معالم دينهم؟ قال: ما أذكر ذلك عنه. ثمّ أخرج إليّ صحيفة كاملة فيها أدعية علي بن الحسين عليهما السلام(1).
8 - روى الخزاز في حديث طويل عن محمد بن بكير قال: دخلت على زيد بن علي و عنده صالح بن بشر فسلمت عليه و هو يريد الخروج إلى العراق فقلت له: يا بن رسول اللّٰه... هل عهد إليكم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم متى يقوم قائمكم؟ قال: يا ابن بكير إنّك لن تلحقه، و إنّ هذا الأمر تليه ستة من الأوصياء بعد هذا ثمّ يجعل اللّٰه خروج قائمنا، فيملأها قسطاً و عدلاً، كما ملئت جوراً و ظلما، فقلت: يا ابن رسول اللّٰه أ لست صاحب هذا الأمر؟ فقال: أنا من العترة، فعدت فعاد إليّ فقلت: هذا الذي تقول، عنك أو عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم؟ فقال: لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، لا و لكن عهد عهده إلينا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، ثمّ أنشأ يقول:
1) . الخزاز: كفاية الأثر: 303.
نحن سادات قريش *** و قوام الحقّ فينا
نحن أنوار التي من *** قبل كون الخلق كنّا
نحن منّا المصطفى المختار *** و المهدي منّا
فبنا قد عرف اللّٰه *** و بالحق أقمنا
سوف يصلاه سعيراً من *** تولى اليوم عنّا(1)
9 - روى ابن شهرآشوب قال: و نسب إلى زيد أنّه رثا الباقر عليه السلام بهذه الأبيات:
ثوى باقر العلم في ملحد *** إمامُ الورى طيب المولد
فمن لي سوى جعفر بعده *** إمام الورى الأوحد الأمجد
أيا جعفر الخير أنت الإمام *** و أنت المرجى لبلوى غد(2)
نعم تفرقت الشيعة بعد استشهاده إلى فرقتين فرقة تقتفي زيد بن علي و تراه إماماً و فرقة أُخرى تقتفي الإمام الصادق عليه السلام و كان بينهما نقاشات و خلافات نشبت من الجهل بموقف زيد، و لو كان لهم علم به لما كان لهذا الانقسام وجه، و قد أوضحه أعلام الإمامية في كتبهم و إليك بعض كلماتهم:
1 - قال شيخنا المفيد في إرشاده و قال: و اعتقد كثير من الشيعة فيه بالإمامة و كان سبب اعتقادهم ذلك فيه خروجه بالسيف يدعو إلى الرضا من آل محمد
فظنّوه يريد بذلك نفسه، و لم يكن يريدها به لمعرفته باستحقاق أخيه عليه السلام للإمامة من قبله و وصيته عند وفاته إلى أبي عبد اللّٰه(1).
2 - قال أبو القاسم القمي الخزاز - بعد نقل كلام يحيى بن زيد - الذي تعرفت عليه: فإن قال قائل: فزيد بن علي إذا سمع هذه الأخبار و هذه الأحاديث من الثقات المعصومين و آمن بها و اعتقدها. فلما ذا خرج بالسيف و ادّعى الإمامة لنفسه و أظهر الخلاف على جعفر بن محمد و هو بالمحل الشريف الجليل، معروف بالستر و الصلاح، مشهور عند الخاص و العام بالعلم و الزهد، و هذا ما لا يفعله إلاّ معاند أو جاحد، و حاشا زيداً أن يكون بهذا المحل؟
فأقول في ذلك و باللّٰه التوفيق: إنّ زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام خرج على سبيل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا على سبيل المخالفة لابن أخيه جعفر بن محمد عليهما السلام، و إنّما وقع الخلاف من جهة الناس، و ذلك أنّ زيد بن علي عليه السلام لما خرج و لم يخرج جعفر بن محمد عليهما السلام توهم من الشيعة أنّ امتناع جعفر كان للمخالفة و إنّما كان لضرب من التدبير، فلمّا رأى الذين صاروا للزيدية سلفاً قالوا: ليس الإمام من جلس في بيته و أغلق بابه و أرخى ستره و إنّما الإمام من خرج بسيفه يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، فهذا كان سبب وقوع الخلاف بين الشيعة، و أمّا جعفر و زيد عليهما السلام فما كان بينهما خلاف.
و الدليل على صحة قولنا قول زيد بن علي عليه السلام: «من أراد الجهاد فإليّ و من أراد العلم فإلى ابن أخي جعفر» و لو ادّعى الإمامة لنفسه لم ينف كمال العلم عن نفسه إذ الإمام يكون أعلم من الرعية، و من المشهور قول جعفر عليه السلام «رحم اللّٰه عمي زيداً لو ظفر لوفاه إنّما دعا إلى الرضا من آل محمد و أنا الرضا»(2).
3 - قال شيخنا المجلسي: اعلم أنّ الأخبار اختلفت و تعارضت في أحوال زيد و أضرابه كما عرفت لكن الأخبار الدالة على جلالة زيد و مدحه، و عدم كونه مدعياً لغير الحقّ أكثر، و قد حكم أكثر الأصحاب بعلو شأنه(1).
و قال أيضاً: «و كان يدعو إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم و أنّه كان عازماً على أنّه إن غلب على الأمر فوضه إلى أفضلهم و إليه ذهب أكثر أصحابنا و لم أر في كلامهم غيره(2).
4 - و قال الزنوزي في رياض الجنّة: إنّ زيد بن علي كان دائماً في فكر الانتقام و الأخذ بثأر جده الحسين عليه السلام و من هذه الجهة توهم بعضهم أنّه ادّعى الإمامة و هذا الظن خطأ لأنّه كان عارفاً برتبة أخيه و كان حاضراً في وقت وصية أبيه و وضع أخيه في مكانه و كان متيقناً أنّ الإمامة لأخيه و بعده للصادق عليه السلام(3).
5 - و عن السيد الجليل بهاء الدين علي بن عبد الحميد النبلي النجفي رضوان اللّٰه عليه في كتابه الأنوار المضيئة أنّه قال: زعم طوائف ممن لا رشد لهم أنّ زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام خرج يدعو لنفسه و قد افتروا عليه الكذب، و بهتوه بما لم يدّعه لأنّه كان عين إخوته بعد أبي جعفر عليه السلام و أفضلهم ورعاً و فقهاً و سخاءً و شجاعة و علماً و زهداً و كان يُدعى حليف القرآن و حيث إنّه خرج بالسيف و دعا إلى الرضا من آل محمد زعم كثير من الناس لا سيما جهال أهل الكوفة هذا الزعم، و توهموا أنّه دعا إلى نفسه و لم يكن يريدها له لمعرفته باستحقاق أخيه الإمامة من قبله و ابن أخيه لوصية أخيه إليه بها من بعده - إلى أن قال: - و قد انتشرت الزيدية فكثروا و هم الآن طوائف كثيرة في كل صقع أكثرهم باليمن و مكة وكيلان(4).
6 - و قال السيد صدر الدين: «لو لم يظهر الصادق عليه السلام عدم الرضا بخروجه، و يصوب أصحابه في معارضتهم و إسكاتهم إياه، و لم يجب بالإبهام و الاعجام عند السؤال عن خروجه، لكان في ذلك نقض الغرض و التعريض بهلاك الإمام(1).
7 - قال السيد علي خان المشعشعي الحويزي في كلام له: «و لا ريب أنّ قصده و نيته إن استقام له الأمر إرجاع الحقّ إلى أهله و يدلّ على ذلك رضاهم عنه، و إنّما لم يمنعه أبو عبد اللّٰه الصادق عليه السلام من الخروج مع علمه بأنّ هذا الأمر لا يتم له و أنّه يقتل لأنّهم عليهم السلام يعلمون ما يقع بهم و بذريتهم، و ما قدر لهم لأنّ عندهم علم ما كان و ما يكون، و كان يعلم أن لا مفر مما قدر فلا وجه للمنع(2).
8 - و قال المحقق المامقاني: «إنّما ادعى الإمامة ليتبعوه فيستنقذ الحقّ من المتغلبين، ثمّ يسلمه إلى أهله و الظاهر أنّ هذا هو الضرب من التدبير الذي أشار إليه العياشي في كتابه مقتضب الأثر(3).
لما كانت الروايات المروية عن زيد على قسمين، قسم ورد التصريح فيه بأسماء الأئمة الاثني عشر كالرواية الرابعة و قسم أجمل فيه الكلام، كسائر الروايات التالية، علّق عليها السيّد عبد الرزاق المقرم بما يلي:
9 - و قال السيّد المقرّم: و هذه الأحاديث و إن لم تصرح بأسماء الأئمة الذين يلون الخلافة من عترة النبي صلى الله عليه و آله و سلم لكن تفيدنا القطع ببراءته من تلك الدعاوى
1) . السيد صدر الدين بن الفقيه السيد محمد العاملي في تعليقته على ترجمة زيد من منتهى المقال و هي مخطوطة. لاحظ زيد الشهيد للسيد المقرم: 87.
2) . الحويزي: نكت البيان: كما في وقائع الأيام لشيخنا الخياباني قسم الصيام: 44.
3) . المامقاني: تنقيح المقال: 469/1-470. ما نقله من كتاب مقتضب الأثر للعياشي فإنّما هو الخزاز في كتابه: كفاية الأثر، و ليس في الكتاب الأوّل عين و لا أثر ممّا نقله.
الفارغة من كل حقيقة، و أنّه طاهر الضمير، قابل لإيداع أسرار الإمامة فيه و مع ملاحظة رواية ابنه يحيى (الرابعة) يتضح المراد مما أجمل في هذه الأحاديث.
و لو أعرضنا عن جميع ذلك لأفادنا اعترافه باستحقاق الصادق عليه السلام للخلافة بعد الباقر عليه السلام و أنّه الحجّة التي لا يضل من تبعه، و لا يهتدي من خالفه، سلوكه المحجّة البيضاء و الطريق اللاحب في الإمامة. و هل يقع الشك في اعترافه بإمامة الصادق عليه السلام و هو يقول لعبد اللّٰه بن أبي العلاء (الرواية السادسة) و قد قال له: «أنت صاحب هذا الأمر، قال: لا و لكنّي من العترة - قال له: - فإلى من تأمرني، قال: عليك بصاحب الشعر».
روى الكشي عن سورة بن كليب قال: قال لي زيد بن علي: يا سورة كيف علمتم أن أصحابكم على ما تذكرونه؟
قال: قلت على الخبير سقطت. قال فقال: هات! فقلت له: كنّا نأتي أخاك محمد بن علي عليه السلام نسأله فيقول: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و قال اللّٰه عزّ و جلّ في كتابه حتى مضى أخوك فأتيناكم و أنت فيمن أتينا، فتخبرونا ببعض و لا تخبرونا بكل الذي نسألكم عنه، حتى أتينا ابن أخيك جعفراً فقال لنا كلما قال أبوه قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و قال تعالى، فتبسّم و قال: أما و اللّٰه إنّ قلت بذا فانّ كتب علي صلوات اللّٰه عليه عنده(1).
ثمّ إنّ السيد المقرم - بعد المناقشة في دلالة أو سند الروايات الذامّة و نقدها نقداً علمياً - يقول: «من جميع ما مر فقد تجلّى الحقّ، و انكشف بطلان دعواه الإمامة لنفسه عن جد و عقيدة، و ما هي إلاّ أساطير لفقهاء دعاة الباطل للحطّ من كرامة تلك الذات الطاهرة بغضاً و عدواناً، و إن تكن تلك الدعاوى، فإنّما الغرض منها استنقاذه الحقّ من أيدي المتغلبين عليه، ولاة الجور و أرباب الباطل و إعادته
1) . الكشي: الرجال: ترجمة سورة بن كليب برقم 240.
إلى أهله كما يفصح عنه قول الصادق عليه السلام: «كان زيد عالماً و صدوقاً و لم يدعكم إلى نفسه و إنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمد و لو ظفر لوفى بما دعا إليه» و هذا من أهم الوسائل إلى استحصال الحقّ المغصوب، و إعادة سلطان العدل إلى أهله، و لو أعلن الدعوة للإمام الصادق - كما يريده ضعيف النظر، قاصر البصيرة، لرأيت هناك الاضرار البالغة التي تلحق الإمام من أئمة الجور «تَكٰادُ اَلسَّمٰاوٰاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ اَلْأَرْضُ وَ تَخِرُّ اَلْجِبٰالُ»(1).
1) . السيد المقرم: زيد الشهيد: 63 و 86.
إنَّ موقف أئمة أهل البيت عليهم السلام من خروج ثائرهم، كان إيجابياً، لا سلبياً و كانوا يرون أنّ خروجه و نضاله، مطابق للكتاب و السنّة، بمعنى أنّ الخروج حين ذاك لم يكن تكليفاً إلزامياً على الإمام و لا على غيره، و لكنه لو خرج مسلم لإزالة الطغاة عن منصّة الحكم، و تبديد هياكل الفساد و الظلم، من دون أن يدعو إلى نفسه، كان على المسلمين عونه و مناصرته، و إجابة دعوته.
و كان خروج زيد على هذا الخط الذي رسمناه و هذا ما يستفاد من الروايات المستفيضة، و إليك بعض ما وقفنا عليه:
1 - لمّا بلغ قتل زيد إلى الإمام الصادق عليه السلام قال: «إنّا للّٰه و إنّا إليه راجعون، عند اللّٰه أحتسب عمي إنّه كان نعم العم. إنّ عمي كان رجلاً لدنيانا و آخرتنا، مضى و اللّٰه عمي شهيداً كشهداء استشهدوا مع رسول اللّٰه و علي و الحسين صلوات اللّٰه عليهم»(1).
1) . الصدوق: عيون أخبار الرضا عليه السلام: 252/1 ح 6، الباب 25.
2 - و قال أيضاً في حديث: «إنّ الباكي على زيد فمعه في الجنّة، فإمّا الشامت فشريك في دمه»(1).
3 - و قال الشيخ المفيد: لما قتل زيد بلغ ذلك من أبي عبد اللّٰه عليه السلام كل مبلغ، و حزن له حزناً عظيماً حتى بان عليه و فرّق من ماله في عيال من أُصيب معه من أصحابه ألف دينار. روى ذلك أبو خالد الواسطي قال: سلّم إليَّ أبو عبد اللّٰه عليه السلام ألف دينار أمرني أن أُقسمها في عيال من أُصيب مع زيد، فأصاب عيال عبد اللّٰه بن الزبير أخي فضيل الرسان أربعة دنانير(2).
4 - روى ابن سيابة قال: دفع إليّ أبو عبد اللّٰه الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام ألف دينار و أمرني ان أُقسمها في عيال من أُصيب مع زيد بن علي عليه السلام فقسمتها فأصاب عبد اللّٰه بن الزبير أخا فضيل الرسّان أربعة دنانير(3).
5 - روى الصدوق عن عبد اللّٰه بن سيابة أنّه أتى رسول بسام الصيرفي بكتاب فيه: أمّا بعد، فإنّ زيد بن علي قد خرج يوم الأربعاء غرة صفر، و مكث الأربعاء و الخميس و قتل يوم الجمعة، و قتل معه فلان و فلان، فدخلنا على الصادق عليه السلام فدفعنا إليه الكتاب، فقرأه و بكى، ثمّ قال: «إنّا للّٰه و إنّا إليه راجعون. عند اللّٰه أحتسب عمي، إنّه نعم العم، إنّ عمي كان رجلاً لدنيانا و آخرتنا...» إلى آخر ما مر في الحديث الأوّل(4).
6 - روى ابن شهرآشوب بلغ الصادق عليه السلام قول الحكيم بن عباس الكلبي:
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة *** و لم أر مهدياً على الجذع يصلب
و قستم بعثمان علياً سفاهة *** و عثمان خير من علي و أطيب
فرفع الصادق عليه السلام يديه إلى السماء و هما يرعشان. فقال: «اللهم إن كان عبدُك كاذباً فسلط عليه كلبك»، فبعثه بنو أُمية إلى الكوفة فبينما هو يدور في سككها افترسه الأسد و اتصل خبره بجعفر عليه السلام، فخر للّٰه ساجداً، ثمّ قال: «الحمد للّٰه الذي أنجزنا وعده»(1).
7 - روى الصدوق في معاني الأخبار، قال: كنّا عند أبي عبد اللّٰه فذكر زيد، و من خرج معه، فهمَّ بعض أصحاب المجلس أن يتناوله، فانتهره أبو عبد اللّٰه، و قال: «مهلاً ليس لكم أن تدخلوا فيما بيننا إلاّ بسبيل خير، إنّه لم تمت نفس منّا إلاّ و تدركه السعادة قبل أن تخرج نفسه و لو بفواق الناقة» قلت: و ما فواق الناقة؟ قال: «حلابها»(2).
8 - روى الحلبي: قال قال أبو عبد اللّٰه عليه السلام: «إنّ آل أبي سفيان: قتلوا الحسين بن علي - صلوات اللّٰه عليه - فنزع اللّٰه ملكهم، و قتل هشام زيد بن علي فنزع اللّٰه ملكه، و قتل الوليد يحيى بن زيد فنزع اللّٰه ملكه»(3).
9 - روى الصدوق بإسناده عن الفضيل بن يسار قال: انتهيت إلى زيد بن علي صبيحة يوم خرج بالكوفة، فسمعته يقول: من يعينني منكم على قتال أنباط أهل الشام؟ فو الذي بعث محمداً صلى الله عليه و آله و سلم بالحقّ بشيراً و نذيراً لا يعينني على قتالهم منكم إلاّ أخذت بيده يوم القيامة، فأدخلته الجنّة بإذن اللّٰه تعالى، فلمّا قتل - رضي اللّٰه عنه - اكتريت راحلة و توجهت نحو المدينة فدخلت على أبي عبد اللّٰه فقلت في نفسي
و اللّٰه لا أخبرته بقتل زيد فيجزع عليه، فلما دخلت عليه قال: «ما فعل بعمي زيد؟!» فخنقتني العبرة، فقال: «قتلوه؟» قلت: أي و اللّٰه قتلوه، قال: «فصلبوه؟» قلت: أي و اللّٰه فصلبوه، فأقبل يبكي و دموعه تنحدر من جانب خده كأنّها الجمان ثمّ قال:
«يا فضيل شهدت مع عمي زيد قتال أهل الشام؟» قلت: نعم، قال: «فكم قتلتَ منهم؟» قلت: ستة، قال: «فلعلك شاك في دمائهم؟» فقلت: لو كنت شاكاً في دمائهم ما قتلتهم، فسمعته يقول: «أشركني اللّٰه في تلك الدماء، مضى و اللّٰه عمي و أصحابه مثل ما مضى عليه علي بن أبي طالب عليه السلام و أصحابه»(1).
10 - و روى الصدوق عن حمزة بن حمران قال: دخلت على الصادق عليه السلام فقال لي: «يا حمزة من أين أقبلت؟» فقلت: من الكوفة، فبكى حتى بلّت دموعه لحيته! فقلت له: يا بن رسول اللّٰه! ما لك أكثرت من البكاء؟ فقال: «ذكرت عمي زيد و ما صنع به فبكيت» فقلت له: و ما الذي ذكرت منه؟ قال: مقتله و قد أصاب جبينه سهم، فجاءه ابنه يحيى فانكب عليه و قال له:
أبشر يا أبتاه! فإنّك ترد على رسول اللّٰه و علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام قال: أجل يا بنيّ! ثمّ دعا بحدّاد فنزع السهم من جبينه، فكانت نفسه معه، فجيء به إلى ساقية تجري عند بستان زائدة، فحفر له فيها و دفن و أُجري عليه الماء، و كان معهم غلام سنديّ لبعضهم، فذهب إلى يوسف بن عمر - لعنه اللّٰه - من الغد، فأخبره بدفنهم إيّاه، فأخرجه يوسف و صلبه في الكناسة أربع سنين، ثمّ أمر به فأُحرق بالنار و ذري في الرياح، فلعن اللّٰه قاتله و خاذله، و إلى اللّٰه جل اسمه أشكو ما نزل بنا أهل بيت نبيه بعد موته، و به نستعين على عدونا و هو خير مستعان(2).
11 - قال الصادق عليه السلام لأبي ولاّد الكاهلي: «رأيت عمي زيداً؟» قال: نعم رأيته مصلوباً، و رأيت الناس بين شامت و بين محزون محترق، فقال: «أمّا الباكي فمعه في الجنّة و أمّا الشامت فشريك في دمه»(1).
12 - روى الراوندي عن الحسن بن راشد قال: ذكرت زيد بن علي فتنقَّصته عند أبي عبد اللّٰه عليه السلام فقال: «لا تفعل، رحم اللّٰه عمي أتى أبي، فقال: إنّي أُريد الخروج على هذا الطاغية. فقال: لا تفعل، فإنّي أخاف أن تكون المقتول المصلوب على ظهر الكوفة - إلى أن قال الإمام عليه السلام للحسن: - يا حسن إنّا أهل بيت لا يخرج أحدنا من الدنيا حتى يقرّ لكل ذي فضل فضله»(2).
13 - روى الصدوق عن أبي عبدون عن أبيه قال: لمّا حمل زيد بن موسى بن جعفر إلى المأمون، و كان قد خرج بالبصرة، و أحرق دور ولد العباس، و وهب المأمون جرمه لأخيه علي بن موسى الرضا عليه السلام و قال له: لئن خرج أخوك و فعل ما فعل، لقد خرج من قبله زيد بن علي فقتل و لو لا مكانتك لقتلته فليس ما أتاه بصغير! فقال: عليه السلام له:
«لا تقس أخي زيداً إلى زيد بن علي فإنّه كان من علماء آل محمد عليهم السلام غضب له، فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله، و لقد حدثني أبي موسى بن جعفر أنّه سمع أباه جعفر بن محمد يقول: رحم اللّٰه عمي زيداً إنّه دعا إلى الرضا من آل محمد و لو ظفر لوفى بما دعا إليه، و لقد استشارني في خروجه فقلت له: يا عم إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك، فلما ولي قال جعفر بن محمد عليه السلام: ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه».
فقال المأمون: أ ليس قد جاء في من ادّعى الإمامة بغير حقها ما جاء؟ فقال:
عليه السلام: «إنّ زيد بن علي لم يدع ما ليس له بحق، و إنّه كان أتقى من ذلك، إنّه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمد عليهم السلام إنّما جاء ما جاء في من يدّعي أنّ اللّٰه نصَّ عليه، ثمّ يدعو إلى غير دين اللّٰه و يضل عن سبيله بغير علم، و كان زيد بن علي و اللّٰه ممن خوطب بهذه الآية:
«وَ جٰاهِدُوا فِي اَللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ هُوَ اِجْتَبٰاكُمْ»»(1).
14 - روى الشيخ الطوسي عن مهزم بن أبي بردة الأسدي قال: دخلت المدينة حدثان صلب زيد - رضي اللّٰه عنه - فدخلت على أبي عبد اللّٰه عليه السلام فساعة رآني قال: «يا مهزم ما فعل بزيد؟» قال: قلت: صلب، قال: «أين؟» قال: قلت: في كناسة بني أسد، قال: «أنت رأيته مصلوباً في كناسة بني أسد؟» قال: قلت: نعم، قال: فبكى حتى بكت النساء خلف الستور ثمّ قال: «أما و اللّٰه لقد بقي لهم عنده طلبة ما أخذوها منه بعد» قال فجعلت أُفكر و أقول أي شيءٍ طلَبتهم بعد القتل و الصلب؟ قال: فودعته و انصرفت حتى انتهيت الكناسة، فإذا أنا بجماعة فأشرفت عليهم، فإذا زيد قد أنزلوه من خشبته يريدون أن يحرقوه قال قلت:
هذه الطلبة التي قال لي(2).
15 - روى الكليني عن سليمان بن خالد قال: قال لي أبو عبد اللّٰه عليه السلام: «كيف صنعتم بعمي زيد؟» قلت: إنّهم كانوا يحرسونه فلما شفّ الناس أخذنا خشبته فدفناه في جرف على شاطئ الفرات فلما أصبحوا جالت الخيل يطلبونه فوجدوه فأحرقوه فقال: «أ فلا أوقرتموه حديداً و ألقيتموه في الفرات - صلى اللّٰه عليه -» و لعن قاتله(3).
16 - روى الكليني عن الحسن بن الوشاء عمن ذكره عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «إنّ اللّٰه عزّ و جلّ أذن في هلاك بني أُمية بعد إحراقهم زيداً بسبعة أيام»(1).
17 - روى أيضاً عن أبي هاشم الجعفري قال: سألت الرضا عن المصلوب؟ فقال: «أما علمت أنّ جدي صلّى على عمه»(2).
18 - روى الكشي في ترجمة السيد الحميري عن فضيل الرسان، قال: دخلت على أبي عبد اللّٰه عليه السلام بعد ما قتل زيد بن علي عليه السلام فادخلت بيتاً في جوف بيت، و قال لي: «يا فضيل، قتل عمي زيد بن علي؟» قلت: نعم جعلت فداك، فقال:
«رحمه اللّٰه، أما إنّه كان مؤمناً و كان عارفاً و كان عالماً، و كان صدوقاً، أما إنّه لو ظفر لوفى، أما إنّه لو ملك لعرف كيف يضعها، قلت: يا سيدي أ لا أُنشدك شعراً؟ قال: «أمهل» ثمّ أمر بستور فسدلت، و بأبواب فتحت، ثمّ قال: «أنشد» فأنشدته:
لأُمّ عمرو باللوى مربع *** طامسة أعلامها بلقع(3)
هذه نماذج مما ورد عن أئمة أهل البيت حول جهاد زيد و استشهاده، و لو ضمت إليها ما ورد عنهم من المدائح حال حياته و قبل ميلاده، مما تقدم لما بقي شك في أنّ ثائر أهل البيت كان رجلاً مثالياً متقياً، عادلاً، مخالفاً لهواه، لا يهمّه سوى تجسيد الإسلام بين الورى، و تبديد هياكل الظلم و الطغيان.
يقول السيد المقرم - بعد نقل الأحاديث المادحة -: «على ضوء هذه
الأحاديث الكريمة نعرف من الحقيقة أنصعَها و يتجلّى من أعماق الأصداف لؤلؤها، و انّ تلك الشخصية الشامخة على سبب وثيق من معادن الحقّ، و ذات كرامة قدسية تهبط من الملأ الأعلى، و أنّ الأئمة الهداة يتفألون من غرة تلك النهضة الهاشمية أن يعود الحقّ إلى نصابه، و هي القوة التي تتحطم بها هياكل الباطل و تعقد عليها الآمال، و هي التي أظهرت مظلومية الأئمة، و مثّلت للملأ أحقيتهم بالخلافة، من غيرهم ذوي الأطماع و أرباب الشهوات، و انكشف لنا بكل وضوح امتثاله أمر الإمام في نقض دعائم الإلحاد و تبديد جيش الظلم و الباطل، و تفريق جماهير الشرك و أحزاب الضلال، و عبدة المطامع و الأهواء، خصوصاً إذا قرأنا قول الباقر عليه السلام: «ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه» و قول الصادق عليه السلام: «إذا دعاكم فأجيبوه و إذا استنصركم فانصروه» و قوله: «أشركني اللّٰه في تلك الدماء» و قوله عند ما سئل عن مبايعته: «بايعوه» و قوله: «خرج على ما خرج عليه آباؤه» و قوله: «برئ اللّٰه ممن تبرّأ من عمي زيد». فإنّ هذه الأحاديث تدلنا على أنّه لم يقصد إلاّ إصلاح أُمّة جده صلى الله عليه و آله و سلم و لم يدع إلاّ إلى سبيل ربّه بالحكمة و الموعظة الحسنة.
و هناك جملة أُخرى من الأحاديث حكت لنا مقايسة الإمام عليه السلام شهادة زيد بالشهداء الذين استشهدوا مع النبي صلى الله عليه و آله و سلم و علي و الحسين عليهما السلام و قد استشهد هنالك رجال كانت لهم منازل عالية و مقامات رفيعة يغبطهم عليها جميع الشهداء، و قد نال زيد بذلك التشبيه و المقايسة تلك المراتب العالية و حاز ذلك الشرف الباهر، فحقيق إذاً إذا قال الباقر عليه السلام في دعائه:
«اللهم اُشدد أزري بزيد»، و قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «يأتي زيد و أصحابه يوم القيامة يتخطّون رقاب الناس غُرّاً محجلين يدخلون الجنّة بغير حساب، و كانوا فرحين مسرورين بما أُوتي لهم من النعيم الدائم»(1).
1) . المقرم: زيد الشهيد: 59.
كان الإمام الصادق عليه السلام يعيش في جو مفعم بالمراقبة و الملاحقة من جانب الحكومة الأموية و كانت عيون النظام ترصده عن كثب و ترفع تقارير عن حياته اليومية إلى العاصمة، و لأجل ذلك كان الإمام يتجنب عن التظاهر بأية ثورة ضد النظام إذ نتيجة ذلك هو إلقاء القبض على الإمام، و إنهاء حياته، و إطفاء نور الإمامة و القضاء على الجامعة العلمية التي أسسها الإمام في عاصمة الإسلام و ربّى في حجره و حضنه مئات المفسرين و المحدثين و قد أعاد بذلك، السنّة النبوية و الأحكام الشرعية إلى الساحة الإسلامية بعد اندراسها، كما فعل أبوه الإمام الباقر عليه السلام كذلك، و في القضاء على حياته أو الحيلولة بينه و بين الأُمّة خسارة كبرى لا تجبر بشهادته.
و من جانب آخر، كان خروج زيد الثائر مورد الرغبة من الإمام فكيف لا يرضى بذلك و هو يثير المسلمين ضد النظام و يحرضهم على تقويضه و قلبه، و هي خطوة كبرى للمنية العظيمة.
و بملاحظة هذين الأمرين يعلم أنّه لم يكن للإمام بد من الإبهام في الكلام بشكل تفهم البطانة موقفه من استشهاده و يتحيّر الأجانب فيه، و هذا هو السبب لوجود الإبهام و الإعجام في كلامه.
ففي موقف يبكي على عمّه و يسيل دموعه على خديه، و تبكي من كانت وراء الستار من الهاشميات، يُعرِّف عمّه شهيداً و يعرّف الشهداء في موكبه كالشهداء الذين أراقوا دماءهم مع رسول اللّٰه و علي و الحسين عليهم السلام و ربما يزيد على ذلك و يقول: «إنّ الباكي على زيد معه في الجنّة و الشامت له شريك في دمه» إلى غير ذلك من الإطراء و الثناء على عمّه و الذين استشهدوا في طريقه(1).
و في موقف آخر يتظاهر بالابتعاد عن خروج زيد و استشهاده، فكل من يرد عليه من الكوفة يسأله عن عمه و يكرر السؤال، و كأنّه لم يكن مطلعاً عما جرى عليه من المصائب، كل ذلك كان ضرباً من التدبير للإمام عليه السلام فأي رضى أولى من دعائه على الحكيم بن عباس الذي أنشأ شعراً في حقّ زيد، و قال:
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة *** و لم أر مهدياً على الجذع يصلب
فرفع الصادق عليه السلام يديه إلى السماء و هما ترتعشان، و قال: «اللهم إن كان عبدك كاذباً فسلط عليه كلبك»(2).
إنّ بقاء الإسلام رهن دعامتين:
الأُولى: التعليم و التربية و تثقيف الأُمّة و وعيها و تعليم الكتاب و السنة و غير ذلك مما يرجع إلى الثقافة الإسلامية العامة.
الثانية: إصلاح المجتمع و الحفاظ على البيئة و تفويض الأمر إلى صلحاء
الأُمّة الذين عليهم تجسيد الإسلام في الساحة الاجتماعية و لا يتم ذلك إلاّ بالكفاح ضدَّ الظالمين و إبادتهم و تسليم الأمر إلى صلحاء الأُمّة.
و كانت المصالح الزمنية تفرض الأمر الأوّل على عاتق الإمام الصادق عليه السلام إذ كان هو عالم الأُمّة و راعيها، و الواقف بأسرار الكتاب و السنّة، و لولاهما لما قامت هذه الدعامة و سقطت يومذاك، و أمّا الدعامة الثانية فكان على عاتق زيد الثائر، و الثائرون بعده على خط الإمام زيد كيحيى بن زيد، و عيسى بن زيد، و الحسين بن زيد، و محمد بن زيد (دون الحسنيّين الذين ثاروا في عصر العباسيين) و كانوا هم القائمون بهذه الفريضة فكيف يمكن للإمام أن يُخطّئهم من صميم ذاته لذلك يرى أنّه يصف الزيدية، وقاء، و يقول لأصحابه: كفوا ألسنتكم و الزموا بيوتكم فإنّه لا يصبكم أمر تخصون به أبداً و لا تزال الزيدية لكم وقاءً أبدا(1).
إنّ بعض المتحمسين من الشبان في عصر الإمام الصادق عليه السلام كانوا يفرضون عليه أن يودع زيداً عند الوفود إلى العراق، و يدعو له و يتظاهر بدعم نضاله و جهاده و عند ما بلغه استشهاده، يعلن الحداد العام و يجلس في بيته للعزاء و ما أشبه ذلك، لكن كانت هذه أفكاراً فوضوية تختمر في صدور أُناس لم يكن لهم إلمام بالظروف المحدقة بالإمام، فما قام به الإمام من السير بين الخطين كان هو المؤمّن لحياته، و نضاله العلمي و خدماته المشكورة و لم يكن القضاء على حياة الإمام الصادق عليه السلام و جامعته العلمية عند الخلفاء أشد من القضاء على حياة زيد الثائر.
و في نهاية المطاف نقول: لم يكن قيام زيد و خروجه أقل قيمة من خروج المختار الثائر، نرى أنّ الإمام علي بن الحسين و عمه محمد بن الحنفية و الهاشميات يخرجون من حدادهم على الإمام الحسين عليه السلام عند ما بعث المختار برءوس
1) . الكليني: الكافي: 2 /باب التقية، الحديث 13.
الخونة و قتلة الإمام الحسين عليه السلام حتى أنّ الإمام السجاد عليه السلام يخر ساجداً و يعد عمل المختار مشكوراً، فأين المختار من زيد الثائر و إن كان عمل الجميع مشكوراً.
و مع أنّ الإمام الصادق عليه السلام قام بمواقف مشكورة في عيال زيد، و من أُصيب معه، و لكن لما كان المتطرفون غير راضين بهذا الحد، و كانوا يطلبون من الإمام نضالاً باهراً مثل زيد، فقاموا بوجه الإمام عليه السلام في مواقف عديدة لم تكن محمودة، و لو نرى في بعض الأحاديث أنّ الإمام يتبرّأ من الزيدية فإنّما تبرّأ من المتطرفين غير العارفين بالمواقف الصحيحة في تلك الأيام الخطيرة لا من زيد الثائر، و لا المستشهدين بين يديه و لا المقتفين أثره بعد استشهاده، عارفين بواجباتهم و واجبات أئمة أهل البيت، و بذلك تقدر على فهم الروايات الواردة في ذم بعض الزيدية فليس الذم راجعاً إلى زيد الطاهر، و لا إلى المقتفين أثره في ميدان النضال، و لا إلى مجيبيه بل راجع إلى المتطرفين المنتمين إليه، و كان هو - قدّس اللّٰه سرّه - بريئاً عنهم. فلنذكر بعضها إيقافاً للقارئ بمفادها:
1 - عن عمر بن يزيد قال: سألته عن الصدقة على النصَّاب و على الزيدية؟ فقال: «لا تصدق عليهم بشيء و لا تسقهم من استطعت» و قال: «الزيدية هم النصاب»(1).
2 - قد كان من المعروف أنّ الإمام من كان عنده سلاح رسول اللّٰه و متاعه و كان ذلك كلّه عند الإمام الصادق عليه السلام كما سنذكر، و قد كان ذلك الأمر ثقيلاً على بعض الزيدية، فكانوا يحاجون الإمام الصادق عليه السلام و ينكرون وجود السلاح و متاع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم عنده و يقولون: إنّه عند عبد اللّٰه بن الحسن المثنى.
1) . الحر العاملي: وسائل الشيعة: 6 / كتاب الزكاة، الباب 5 من أبواب المستحقين، الحديث 5، لاحظ التهذيب: 54/4، الحديث 12.
روى الكليني عن سعيد السمان، قال: كنت عند أبي عبد اللّٰه عليه السلام إذ دخل عليه رجلان من الزيدية، فقالا له: أ فيكم إمام مفترض الطاعة؟ قال: فقال: «لا»(1)، قال: فقالا له: قد أخبرنا عنك الثقات إنك تفتي، و تقر و تقول به (بأنّ فيكم إماماً مفترض الطاعة) و نسمّيهم لك فلان و فلان و هم أصحاب ورع و تشمير و هم ممّن لا يكذب، فغضب أبو عبد اللّٰه عليه السلام فقال:
«ما أمرتهم بهذا» (بوجود إمام مفترض الطاعة) فلما رأيا الغضب في وجهه خرجا، فقال لي: «أ تعرف هذين؟» قلت: نعم هما من أهل سوقنا، و هما من الزيدية، و هما يزعمان أنّ سيف رسول اللّٰه عند عبد اللّٰه بن الحسن، فقال: «كذبا لعنهما اللّٰه و اللّٰه ما رآه عبد اللّٰه بن الحسن بعينيه و لا بواحدة من عينيه و لا رآه أبوه. اللّهم إلاّ أن يكون رآه عند علي بن الحسين عليه السلام...»(2).
ترى أنّ موقف الرجلين أمام الإمام الصادق عليه السلام هو موقف أخذ الإقرار منه بإمامة زيد و من بعده و تكذيب إمامته و قيادته و أنّه ليس عنده سلاح رسول اللّٰه و لا متاعه فلم يكن بد من الإمام عليه السلام من التعرض عليهم.
و الذي يدلّ على ذلك ما رواه الكليني عن إسماعيل بن محمد بن عبد اللّٰه بن علي بن الحسين عليه السلام عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما حضر علي بن الحسين الوفاة قبل ذلك أخرج سفطاً أو صندوقاً عنده قال: يا محمد احمل هذا الصندوق. قال:
فحمل بين أربعة فلما توفي جاء إخوته يدعون [ما] في الصندوق، فقالوا: أعطنا نصيباً من الصندوق، فقال: و اللّٰه مالكم فيه شيء، و لو كان لكم فيه شيء ما دفعه إليّ، فكان في الصندوق سلاح رسول اللّٰه و كتبه(3).
و في رواية أُخرى: التفت علي بن الحسين إلى ولده و هو في الموت و هم مجتمعون عنده، ثمّ التفت إلى محمد بن علي، فقال: «يا محمد هذا الصندوق، اذهب به إلى بيتك، قال: أما إنّه لم يكن فيه دينار و لا درهم و لكن كان مملوءاً علماً»(1).
3 - روى الكليني عن عبد اللّٰه بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: إنّ لي جارين أحدهما ناصب، و الآخر زيدي و لا بد من معاشرتهما فمن أُعاشر؟ فقال: «هما سيّان، من كذَّب بآية من آيات اللّٰه فقد نبذ الإسلام وراء ظهره، و هو المكذب بجميع القرآن و الأنبياء و المرسلين» قال: ثمّ قال: «إنَّ هذا نصب لكم، و هذا الزيدي نصب لنا»(2).
فكما أنّ المتشابه من الآيات تردّ على المحكمات و تستوضح بها، فهكذا الخبر المتشابه يفسر بالمحكم منه، فأين استرحامه لعمه و بكاءه عليه، و دعاءه على شاعر السوء، من هذه التعرضات و النقاشات، فتحمل الطائفة الثانية، على المتطرفين غير العارفين بمقام الإمام الصادق عليه السلام مضافاً إلى أنّ في مضمونهما من القرائن المثبتة. فلاحظ.
كان لزيد عند الإمام الصادق عليه السلام، حساب خاص لا يعدل به إلى غيره، و يفضّله على الهاشميين و يتلقاه عالماً صدوقاً، غير متجاوزٍ عن طريق الحقّ و كان يعلن على أصحابه، أنّه لو ظفر لوفى بما نوى و دعا إليه، و لأجل ذلك ليس من البعيد أن يقال إنّه كان مأذوناً من قبل الإمام سراً كما نقله شيخنا المجلسي(3)
و يكفي في المقام ما يرويه الكليني: عن عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «فانظروا على أي شيء تخرجون و لا تقولوا خرج زيد، فإنّ زيداً كان عالماً و كان صدوقاً و لم يدعكم إلى نفسه إنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمد عليهم السلام و لو ظهر لوفى بما دعاكم إليه، إنّما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه فالخارج منا اليوم إلى أي شيء يدعوكم، إلى الرضا من آل محمد عليهم السلام فنحن نشهدكم أنّا لسنا نرضى به و هو يعصينا اليوم»(1).
و لم يكن له ذلك الموقف مع الحسنيّين الذين خرجوا، بعد زيد و ابنه يحيى، و صاروا أئمة للزيدية للفرق الواضح بين زيد و ابنه، و بين بني عبد اللّٰه بن الحسن، أعني:
1 - محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المعروف بالنفس الزكية خرج بالمدينة لليلتين بقيتا من جمادي الآخرة من سنة خمسة و أربعين و مائة و قتل في شهر رمضان تلك السنة قتله أبو جعفر المنصور.
2 - إبراهيم بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن، خرج بالبصرة و قتل هناك في نفس السنة التي قتل فيها أخوه محمد بن عبد اللّٰه، و أُخذ رأسه و حمل إلى أبي جعفر المنصور و دفن بباخمرى.
و سيوافيك ترجمتهم في القسم الثاني من الكتاب.
و الذي يعرب عن ذلك ما رواه أبو الفرج في كتابه عن عبد اللّٰه بن محمد بن علي، قال: إنّ جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء و فيهم:
1 - إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللّٰه بن عباس.
2 - و أبو جعفر المنصور.
1) . الكليني: الكافي: 264/8، برقم 381.
3 - و صالح بن علي.
4 - و عبد اللّٰه(1)بن الحسن بن الحسن بن علي.
5 - و محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن علي.
6 - و إبراهيم بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن علي.
7 - و محمد بن عبد اللّٰه بن عمرو بن عثمان.
فقال صالح بن علي: قد علمتم أنّكم الذين تمد الناس أعينهم إليهم، و قد جمعكم اللّٰه في هذا الموضع، فاعقدوا بيعة لرجل منكم، تعطونه إياها من أنفسكم و توافقوا على ذلك، حتى يفتح اللّٰه و هو خير الفاتحين.
فحمد اللّٰه عبد اللّٰه بن الحسن و أثنى عليه ثمّ قال: قد علمتم أنّ ابني هذا هو المهدي فهلم لنبايعه.
و قال أبو جعفر: لأيّ شيء تخدعون أنفسكم، و اللّٰه لقد علمتم ما الناس إلى أحدٍ أصور(2)أعناقاً، و لا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى، يريد به محمد بن عبد اللّٰه(3)، قالوا: قد و اللّٰه صدقت، إنّ هذا الذي نعلم، فبايعوا محمداً جميعاً و مسحوا على يده.
قال عيسى(4): و جاء رسول عبد اللّٰه بن الحسن إلى أبي: أن ائتنا، فإنّا مجتمعون لأمر، و أرسل بذلك إلى جعفر بن محمد عليه السلام.
و قال غير عيسى: إنّ عبد اللّٰه بن الحسن قال لمن حضر: لا تريدوا جعفراً فإنّا
1) . و عبد اللّٰه بن الحسن كان أكبر سناً من الإمام الصادق عليه السلام و كان من مواليد عام سبعين من الهجرة.
2) . أصور: بمعنى (أميل) كما في مكان آخر من مقاتل الطالبيين ص 257 و في الإرشاد (أطول).
3) . أُنظر إلى هذا الخداع السياسي و النفاق المبطن فيصوره المنصور في هذا المجلس بما سمعت، ثمّ بعد تصدّره منصّة الحكم يقتله.
4) . عيسى بن عبد اللّٰه بن محمد بن عمر بن علي.
نخاف أن يفسد عليكم أمركم.
قال عيسى بن عبد اللّٰه بن محمد: فأرسلني أبي أنظر ما اجتمعوا له؟ فجئتهم فإذا بمحمد بن عبد اللّٰه يصلي على طنفسة رجل مثنية فقلت لهم: أرسلني أبي إليكم أسألكم لأيّ شيء اجتمعتم؟ فقال عبد اللّٰه: اجتمعنا لنبايع المهدي محمد ابن عبد اللّٰه.
قال: و جاء جعفر بن محمد عليه السلام، فأوسع له عبد اللّٰه بن الحسن إلى جنبه فتكلم بمثل كلامه.
فقال جعفر عليه السلام: «لا تفعلوا فإنّ هذا الأمر لم يأت بعد، إن كنت ترى - يعني عبد اللّٰه - أنّ ابنك هذا هو المهدي فليس به، و لا هذا أوانه، و إن كنت إنّما تريد أن تخرجه غضباً للّٰه و ليأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، فإنّا و اللّٰه لا ندعك و أنت شيخنا و نبايع ابنك في هذا الأمر»(1).
فغضب عبد اللّٰه بن الحسن، و قال: لقد علمتُ خلاف ما تقول، [و اللّٰه ما أطلعك على غيبه] و لكن يحملك على هذا الحسد لابني.
فقال: «و اللّٰه ما ذاك يحملني، و لكن هذا و إخوته و أبناؤهم دونكم» و ضرب بيده على ظهر أبي العباس(2)، ثمّ ضرب بيده على كتف عبد اللّٰه بن الحسن، و قال: «إنّها و اللّٰه ما هي إليك و لا إلى ابنيك، و لكنها لهم، و إن ابنيك لمقتولان».
ثمّ نهض فتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري فقال: أ رأيت صاحب الرداء الأصفر - يعني أبا جعفر -؟ فقال له: نعم، قال: قال: «إنّا و اللّٰه نجده يقتله» قال له عبد العزيز: أ يقتل محمداً؟ قال: «نعم»، فقلت في نفسي: حسده و رب الكعبة، ثمّ قال:
و اللّٰه ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتلهما.
قال: فلمّا قال جعفر عليه السلام ذلك و نهض القوم و افترقوا، تبعه عبد الصمد و أبو جعفر فقالا: يا أبا عبد اللّٰه أ تقول هذا؟ قال: «نعم أقوله و اللّٰه و أعلمه»(1).
قال أبو الفرج: و حدثني علي بن العباس المقانعي قال: أخبرنا بكار بن أحمد قال: حدثنا الحسن بن الحسين، عن عنبسة بن نجاد العابد قال: كان جعفر بن محمد عليهما السلام إذا رأى محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن تغرغرت عيناه ثمّ يقول: «بنفسي هو، إنّ الناس ليقولون فيه، و إنّه لمقتول، ليس هو في كتاب علي عليه السلام من خلفاء هذه الأُمّة»(2).
و الإمعان في هذه الرواية يعرب عن أمرين:
الأوّل: أنّ محمد بن عبد اللّٰه اتّخذ موقفاً غير موقف زيد بن علي، حيث إنّ عبد اللّٰه بن الحسن يريد أن يصف، ابنه بأنّه هو المهدي الموعود كما قال: اجتمعنا لنبايع المهدي محمد بن عبد اللّٰه و لم يردّه ابنه و كأنّه قبله.
فيردعه الإمام بقوله: «إنّ ابنك هذا ليس هو المهدي و لا أخاه».
و لكنّه رافقهم إذا خرجوا مثلما خرج زيد و قال مخاطباً أباه: «و إن كنت إنّما تريد أن تخرجه غضباً للّٰه و ليأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر فإنّا و اللّٰه لا ندعك و أنت شيخنا، و نبايع ابنك في هذا الأمر».
و لما كان كلام الإمام مخالفاً لما يهواه عبد اللّٰه غضب عليه و قال: و اللّٰه ما أطلعك على غيبه و لكن يحملك على هذا الحسد لابني.
و رغم هذا الموقف الجافي كيف يمكن للإمام عليه السلام أن يرافقهم،
و يؤيدهم، و يساندهم، و لكنّه في نهاية المجلس تنبأ بما وجده في الكتب الموروثة، أنّ محمد بن عبد اللّٰه و أخاه يقتلان و يكون الرابح هو أبو جعفر المنصور صاحب الرداء الأصفر، و قد وقع ما وقع، و رآه الناس حسب ما أخبر به الإمام.
و بذلك يعرف مفاد الأحاديث التي ترفض عمل الزيدية في العصور اللاحقة لحركة زيد فلا يرفض زيداً، و لا ابنه يحيى و لا ثورته و نضاله، و إنّما يرفض أتباعه في العصور بعد استشهاده حيث كانوا يعاندون أئمة أهل البيت عليهم السلام و نذكر منها ما يلي:
1 - روى الشيخ الطوسي عن عبد الملك أنّه قال لأبي عبد اللّٰه: قلت: فإنّ الزيدية تقول ليس بيننا و بين جعفر خلاف إلاّ أنّه لا يرى الجهاد، فقال: «إنّي لا أرى!! بلى و اللّٰه إنّي لا أراه و لكنّي أكره أن أدع علمي إلى جهلهم»(1).
2 - روى الكليني عن عبد الملك بن أعين قال لأبي عبد اللّٰه عليه السلام: إنّ الزيدية و المعتزلة قد أطافوا بمحمد بن عبد اللّٰه(2)فهل له سلطان؟ فقال: «و اللّٰه إنّ عندي لكتابين فيهما تسمية كل نبي و ملك يملك الأرض لا و اللّٰه ما محمد بن عبد اللّٰه في واحد منهما»(3)و بذلك يعلم مفاد سائر الأحاديث(4)فلاحظ.
و حصيلة البحث أنّ الخط الرائج لأئمة أهل البيت عليهم السلام بالنسبة للثورات و الانتفاضات التي تحققت على يد الحسينيين و الحسنيين إنّما كان هو خط العدل و الاقتصاد.
فلو كان الحافز عند الثائر هو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الإنكار على الظلم و العدوان، و تخليص المجتمع الإسلامي من الفساد و الدمار فالإمام الصادق عليه السلام و من بعده كانوا يؤيدون ذلك العمل، و يكون الثائر حينئذ مأذوناً من قبل الإمام و تأخذ الثورة لنفسها صفة المشروعية.
و أمّا إذا كان الحافز عند الثائر إلى الثورة هو دعوة الناس إلى إمامة نفسه، و ادّعاء الخلافة عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و إنّه - و العياذ باللّٰه - المهدي الموعود فلا يكون هناك أيّ مبرر لموافقتهم و مساندتهم.
إنّ موقف علماء الشيعة الإمامية نفس موقف النبي و عترته الطاهرة عليهم السلام و إن كنت في شك من ذلك فاقرأ كلماتهم في حقه:
1 - قال المفيد: كان عين إخوته بعد أبي جعفر عليه السلام و أفضلهم، و كان ورعاً، عابداً فقيهاً، سخياً، شجاعاً، و ظهر بالسيف يأمر بالمعروف، و ينهى عن المنكر، و يطلب بثارات الحسين عليه السلام(1).
2 - و قال النسابة أبو الحسن علي بن محمد العمري: كان زيد أحد سادات بني هاشم فضلاً و فهماً خرج أيام هشام الأحول ابن عبد اللّٰه(2)فقتل و صلب ست سنين، و قيل أُحرق و ذري في الفرات - لعن اللّٰه ظالميه -(3).
3 - و قال الطبرسي: إنّ زيداً كان من علماء آل محمد، غضب للّٰه فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله(4).
4 - و قال ابن داود: زيد بن علي بن الحسين قتل سنة إحدى و عشرين و مائة، و له اثنتان و أربعون سنة شهد له الصادق عليه السلام بالوفاء و ترحم له(1).
5 - قال الشهيد الأوّل في القواعد: و جاز أن يكون خروجهم بإذن إمامٍ واجب الطاعة كخروج زيد بن علي عليه السلام و غيره من بني علي عليه السلام(2).
6 - قال الشيخ عبد اللّٰه الأفندي التبريزي: السيد الجليل الشهيد أبو الحسين زيد بن علي بن الحسين، إمام الزيدية و كان سيداً كبيراً عظيماً في أهله و عند شيعة أبيه، و لكن اختلفت الأخبار و تعارضت الآثار بل كلام العلماء الأخيار أيضاً في مدحه و قدحه، و الروايات في فضله كثيرة، و قد ألّف جماعة من متأخري علماء الشيعة و متقدميهم كتباً عديدة مقصورة على ذكر فضائله كما يظهر من مطاوي كتب الرجال و من غيرها أيضاً.
و من المتأخرين ميرزا محمد الاسترآبادي فله رسالة في أحوال زيد بن علي. هذا و أورد فيه كلام المفيد في الإرشاد بتمامه، و نقل فيها أيضاً ما رواه الطبرسي في أعلام الورى، و ما رواه ابن طاوس في ربيع الشيعة و نحوهما، و بالجملة فقد أورد فيها روايات كثيرة في مدحه.
قال بعض أفاضل السادات المعاصرين ضوعف قدره في أوائل شرح الصحيفة: هو أبو الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام أُمّه أُمّ ولد كان جمّ الفضائل عظيم المناقب، و كان يقال له: حليف القرآن. روى أبو نصر البخاري عن أبي الجارود، قال: قدمت المدينة، فجعلت كلّما سألت عن زيد بن علي. قيل لي: ذلك حليف القرآن. ذاك أُسطوانة المسجد من كثرة صلاته.
و قال الشيخ بهاء الدين العاملي في آخر رسالته المعمولة في إثبات وجود القائم عليه السلام: الآن أيضاً إنّا معشر الإمامية لا نقول في زيداً - رضي اللّٰه عنه - إلاّ خيراً و كان جعفر الصادق عليه السلام قد قال لأصحابه: «إنّ زيداً يتخطّى يوم القيامة أهل المحشر حتى يدخل الجنّة» و الروايات عن أئمتنا في هذا المعنى كثيرة(1).
7 - قال الكاظمي: اتّفق علماء الإسلام على جلالته و ثقته و ورعه و علمه و فضله، و قد روي في ذلك أخبار كثيرة حتى عقد ابن بابويه في العيون باباً لذلك(2).
8 - قال المحدّث النوري: و أمّا زيد بن علي فهو عندنا جليل القدر عظيم الشأن، كبير المنزلة، و ما ورد مما يوهم خلاف ذلك مطروح أو محمول على التقية(3).
9 - قال المحقّق المامقاني: إنّي أعتبر زيداً ثقة و أخباره صحاحاً اصطلاحاً بعد كون خروجه بإذن الصادق عليه السلام لمقصد عقلائي عظيم و هو مطالبة حقّ الإمامة إتماماً للحجّة و قطعاً لعذرهم بعدم مطالب له و قول جمع فيه بالإمامة بتسويل الشيطان مع نفيه إياها من نفسه، و إثباته إياها لابن أخيه الصادق لا يزري فيه كعدم إزراء نسبة القائلين بإمامته إليه أحكاماً فقهية مخالفة للحق(4).
10 - و قال المحقّق الخوئي: و قد استفاضت الروايات غير ما ذكرناه في مدح زيد و جلالته و أنّه طلب بخروجه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر - إلى أن قال: - و إنّ استفاضة الروايات أغنتنا عن النظر في أسنادها(5).
ثمّ إنّه أفرد غير واحد من أعلام الإمامية تأليفاً في زيد و فضله و مآثره، فمنهم:
1 - إبراهيم بن سعيد بن هلال الثقفي (م 283 ه) له كتاب أخبار زيد.
2 - محمد بن زكريا مولى بني غلاب (م 298 ه) له أخبار زيد.
3 - عبد العزيز بن يحيى الجلودي (م 368 ه) له أخبار زيد.
4 - محمد بن عبد اللّٰه الشيباني (م 372 ه) له كتاب فضائل زيد.
5 - الشيخ الصدوق أبو جعفر القمي (م 381 ه) له كتاب في أخباره.
6 - ميرزا محمد الاسترآبادي صاحب الرجال الكبير (م 1028 ه) له رسالة في أحوال زيد.
7 - السيد محسن الأمين العاملي أحد كبار علماء الإمامية في القرن الرابع عشر (م 1373 ه) له كتاب أبو الحسين زيد الشهيد و قد طبع في الشام.
8 - السيد عبد الرزاق الموسوي المقرم، له كتاب زيد الشهيد و في ذيله كتاب تنزيه المختار، و قد طبع عام 1355 ه.
هذه كلمات علماء الشيعة الإمامية في حقّ زيد و ليس هناك من الشيعة الإمامية من يبغضه أو يذمّه و لو ورد فيه روايات ذم فإنّما هي مطروحة أو مؤوّلة لا تعادل ما تواترت عليه من الروايات الدالة على وثاقته، و جلالة قدره فمن أراد رمي الشيعة الإمامية بغير هذا فهو كذاب يُعدُّ من رماة القول على عواهنه.
نعم بعد ما خرج زيد، و جاهد و ناضل و قتل و صلب و أُحرق اتّخذه أعداء الشيعة ذريعة للطعن على إمام الوقت جعفر الصادق عليه السلام و توهم بعض الشيعة أنّ الإمام من قام و نهض و جاهد، دون غيره و هذا لا صلة له بزيد الثائر.
و بذلك تقف على قيمة كلام رجلين يُعدّان من رماة القول على عواهنه:
أحدهما: أحمد بن تيمية في كتاب «منهاج السنّة».
ثانيهما: الآلوسي البغدادي.
قال ابن تيمية: إنّ الرافضة رفضوا زيد بن علي بن الحسين و من والاه، و شهدوا عليه بالكفر و الفسوق(1).
و قال الآلوسي: الرافضة مثلهم كمثل اليهود، الرافضة يبغضون كثيراً من أولاد فاطمة - رضي اللّٰه عنها - بل يسبونهم كزيد بن علي(2).
أقول: إنّ الرافضة - حسب تسمية الآلوسي - يقتفون أثر أئمتهم في كل صغيرة و كبيرة، فإذا كان هذا موقف أئمتهم فكيف يمكن للشيعة التخطّي عنه، و العجب أنّ الكاتبين كتبا ما كتبا و لم يرجعا إلى معاجم الرجال للشيعة و قد أطبقت معاجمهم على تزكيته و ترفيع مقامه و تبجيله بكل كلمة.
لم أجد أحداً ممن كتب عن زيد، و كفاحه و جهاده الرسالي الذي عرف به، من القدامى و الجدد من يغمطه حقه و يزدري به، و يتكلم فيه بهمز أو لمز، غير الكاتب السلفي: الشيخ شمس الدين الذهبي، و مع أنّه يصف زيداً بأنّه كان أحد العلماء و الصلحاء، لكنّه يصف جهاده سقطة و زلّة يقول في موضع من كتبه: «بدت منه هفوة فاستشهد، فكانت سبباً لرفع درجته في آخرته»(3)و في كتاب آخر: «خرج متأوّلاً، قتل شهيداً وليته لم يخرج»(4).
أقول: ما ذكره شنشنة أعرفها من كل سلفي يرى الجهاد و الكفاح على الظلم و العدوان، أمراً محرّماً، و الحياة مع الظالمين و مهادنتهم أمراً مشروعاً و سعادة، فهم حماة الذلّ، و دعاة الهوان، و أين هم من أُباة الظلم و الضيم.
و من أُصول الطائفة الأُولى: الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منهم، من عدل أو جور، و لا يخرج عليهم بالسيف و إن جاروا(1)و ما ذكره على طرف الخلاف مع ما حدّثه السبط الشهيد عن جده رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و ذلك عند ما اقترب من الكوفة استقبله الحر بن يزيد الرياحي بألف فارس مبعوثاً من الوالي عبيد اللّٰه ابن زياد لإكراه الحسين على إعطاء البيعة ليزيد، و إرساله قهراً إلى الكوفة، فعند ذلك قام الإمام و خطب بأصحابه و أصحاب الحُرّ بقوله: أيّها الناس إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحُرُمِ اللّٰه ناكثاً لعهد اللّٰه، مخالفاً لسنّة رسول اللّٰه، يعمل في عباده بالإثم و العدوان، فلم يغيّر عليه بفعل و لا قول، كان حقاً على اللّٰه أن يُدخله مدخله، ألا و إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، و تركوا طاعة الرحمن، و أظهروا الفساد، و عطلوا الحدود، و استأثروا بالفيء و أحلوا حرام اللّٰه، و حرّموا حلاله...»(2).
كيف يكون جهاده هفوة، مع أنّ الرسول الأعظم تنبّأ به و أثنى عليه عند ما نظر يوماً إلى زيد بن حارثة و بكى و قال:
المظلوم من أهل بيتي، سمي هذا، المقتول في اللّٰه، المصلوب من أُمتي سمي هذا، ثمّ قال: ادنُ منّي يا زيد - زادك اللّٰه حباً عندي - بأنّك سمي الحبيب من ولدي(3). و قد بكى الوصي و أبكى، أ فيصح العزاء و البكاء على السقطة و الزلة.
و ما أحسن قول أخي الأوس لابن عمه و هو يريد نصرة رسول اللّٰه فخوّفه ابن عمّه و قال: أين تذهب فإنّك مقتول؟ فقال:
سأمضي و ما بالموت عار على الفتى *** إذا ما نوى حقاً و جاهد مسلما
و واسى الرجال الصالحين بنفسه *** و فارق مثبوراً و خالف مجرما
فإن عشت لم أندم و إن مت لم أُلم *** كفى بك ذلاً أن تعيش و ترغما(1)
لا أظنّ من قرأ صحائف حياة الملك الأموي «هشام بن عبد الملك» يشك في أنّه كان دموياً سفّاكاً، لا يرى لدم الإنسان أيّة قيمة إذا ظنّ و لو واحداً بالمائة، إنّه يريد خلافه، و قتل زيد و صلبه و إبقاء جثمانه الطاهر على الخشبة أربع أو ست سنوات، ثمّ حرقه و نسفه و ذروه في الرياح و المياه، دليل واضح على أنّ الرجل بلغ في القسوة غايتها.
و مع ذلك كله ترى أنّ ابن سعد جاء في الطبقات ما يضيق به الإنسان ذرعاً يقول: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا سحبل بن محمد قال: ما رأيت أحداً من الخلفاء أكره إليه الدماء و لا أشدّ عليه من هشام بن عبد الملك و قد دخله من مقتل زيد بن علي و يحيى بن زيد أمر شديد و قال: وددت أنّي كنت افتديتهما.
ثمّ ينقل عن أبي الزناد: ما كان فيهم أحد أكره إليه الدماء من هشام بن عبد الملك و لقد ثقل عليه خروج زيد بن علي، فما كان شيء حتى أتى برأسه، و صلب بدنه بالكوفة. ولي ذلك يوسف بن عمر في خلافة هشام بن عبد الملك(2).
أقول: نعم ولي ذلك يوسف بن عمر لكن بأمر منه حتى أنّ عامله في
الكوفة و الحيرة كان غافلاً عمّا يجري فيها من و ثوب الناس على زيد و مبايعتهم له، إلى أن كشف عنه هشام، و أمره بما أمره.
روى أبو الفرج قال: لما قتل زيد رثاه الكميت بقصيدة هجا فيها بني أُمية يقول فيها:
فيا ربّ هل إلاّ بك النصر يبتغى *** و يا ربّ هل إلاّ عليك المعول
و هي طويلة يرثي فيها زيد بن علي، و الحسين بن زيد و يمدح بني هاشم فلما قرأها هشام بن عبد الملك أكبرها و عظمت عليه و استنكرها و كتب إلى خالد يُقسم عليه أن يقطع لسان الكميت و يده، فلم يشعر الكميت إلاّ و الخيل محدقة بداره فأُخذ و حبس في المخيّس...(1).
يقول ابن العماد الحنبلي في حوادث سنة 125:
و فيها مات في ربيع الآخر، الخليفة أبو الوليد هشام بن عبد الملك الأموي، و كانت خلافته عشرين سنة إلاّ شهراً، و كانت داره عند الخواصين بدمشق فعمل منها السلطان نور الدين مدرسة، و كان ذا رأي و حزم و حلم و جمع للمال. عاش أربعاً و خمسين سنة، و كان أبيض سميناً أحول، سديداً حسن الكلام، شكس الأخلاق، شديد الجمع للمال قليل البذل، و كان حازماً متيقّظاً لا يغيب عنه شيء من أمر ملكه، قال المسعودي: كان هشام أحول، فظّاً، غليظاً، يجمع الأموال و يعمّر الأرض، و يستجيد الخيل، و أقام الحلبة. اجتمع له فيها من خيله و خيل غيره أربعة آلاف فرس و لم يعرف ذلك في جاهلية و لا إسلام لأحد من الناس، و قد ذكرت الشعراء ما اجتمع له من الخيل و استجاد الكساء و الفرش و عدد الحرب، و لامتها، و اصطنع الرجال، و قوّى الثغور و اتّخذ القنى، و البرك بمكة و غير ذلك من الآبار التي أتى عليها داود بن علي في صدر الدولة العباسية، و في أيامه عمل الحرز فسلك الناس جميعاً في أيامه مذهبه، و منعوا ما في أيديهم فقلّ الإفضال و انقطع
1) . الأغاني: 4/17.
الرفد و لم ير زمان أصعب من زمانه.
و دخل هشام بستاناً له و معه ندماؤه فطافوا به و فيه من كل الثمار، فجعلوا يأكلون و يقولون: بارك اللّٰه لأمير المؤمنين فقال: و كيف يبارك لي فيه و أنتم تأكلونه ثمّ قال: ادع قيّمه فدُعي به فقال له: أقلع شجره و اغرس فيه زيتوناً حتى لا يأكل أحد منه شيئاً، و كان أخوه مسلمة مازحه قبل أن يلي الأمر فقال له: يا هشام أ تؤمل الخلافة و أنت جبان بخيل قال:
أي و اللّٰه العليم الحليم.
و من نوادره ما روي أنّه تمادى في الصيد فوقع على غلام فأمر ببعض الأمر!! فأبى الغلام و أغلظ له في القول و قال له: لا قرب اللّٰه دارك و لا حيّا مزارك - في قصة طويلة فيها - أنّه أمر بقتله و قرب له نطع الدم فأنشأ الغلام يقول:
نبئت أنّ الباز علّق مرّة *** عصفور برّ ساقه المقدور
فتكلّم العصفور في أظفاره *** و الباز منهمك عليه يطير
ما في ما يغني لبطنك شبعة *** و لئن أكلت فإنّني لحقير
فتعجّب الباز المدل بنفسه *** عجباً و أفلت ذلك العصفور
فضحك هشام و قال: يا غلام أحش فاه دراً و جواهر(1).
أقول: إذا كان هذا أكره الخلفاء للدماء و أشدهم عليه فمن هو أحرصهم عليها و على إراقتها، و كأنّي بشاعر المعرة يخاطب ابن سعد صاحب الطبقات و من لفّ لفّه و يقول:
إذا وصف الطائي بالبخل مادر *** و عيّر قساً بالفهاهة باقل
و قال السهى للشمس أنت خفية *** و قال الدجى للصبح لونك حائل
و طاولت الأرض، السماء ترفعاً *** و فاخرت الشهب الحصى و الجنادل
فيا موتُ زُر إنّ الحياة ذميمة *** و يا نفس جدي، إنّ دهرك هازلا
1) . عماد الدين الحنبلي: شذرات الذهب: 162-164.
1 - ثورة أهل المدينة و مأساة الحرة.
2 - ثورة عبد اللّٰه بن الزبير في مكة المكرّمة أيام خلافة يزيد و بعدها.
3 - ثورة التوابين المستميتين في الكوفة.
4 - ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي.
5 - ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث أيام عبد الملك.
قال ابن أبي الحديد:
سيد أهل الإباء الذي علّم الناس الحميّة و الموت تحت ظلال السيوف، اختياراً له على الدنيّة، أبو عبد اللّٰه الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام عُرِض عليه الأمان، فأنِفَ من الذلّ، و خاف من ابن زياد أن ينالَه بنوعٍ من الهوان؛ إن لم يقتُله، فاختار الموت على ذلك(1).
الثورات الناجمة عن ثورة الإمام الحسين عليه السلام:
أرى أنّ اللازم قبل كل شيء تبيين جذور ثورة الإمام زيد، و ما دفعه إلى الخروج و هل كان هناك حافز نفساني دفعه إلى القيام و اكتساح الأشواك عن طريق الخلافة التي كان يتبنّاها، أو كان هناك دافع خارجي يحضّه و يشوّقه إلى قبض الخلافة و الزعامة، أو لا هذا و لا ذاك بل كان مستلهماً من ثورة جده الإمام الحسين عليه السلام و كانت ثورته استمراراً لثورته، تلك الثورة التي أنارت الدرب لكل من يطلب الحقّ و يضحي في سبيله.
إنّ ثورة الحسين عليه السلام منذ تفجرها صارت أُسوة و قدوة للمضطهدين على وجه البسيطة، و المعذبين تحت نير الطغاة، و على المعانين من حكومات الجور و التعسف في الأوساط الإسلامية و انحراف الدول و الحكومات عن خط العدل و الاقتصاد.
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 249/3.
و قد لمس الثائرون أنّ ثورة الحسين عليه السلام كانت ثورة مبدئية إلهية، لأجل صيانة الدين عن التحريف و المجتمع عن الانحراف و الاعتساف، فلأجل إيقاف القارئ على مبادئ ثورته و غاياتها نذكر الحافز أو الحوافز التي دفعت الإمام الحسين عليه السلام إلى الثورة و التضحية بشيخه، و كهله، و طفله الرضيع، حتى يتبين عمق الثورة و ملامحها و آثارها. سلام اللّٰه عليه و على الثائرين المتأثرين التابعين لخطه.
كانت الخصومة بين الهاشميين و الأمويين قائمة على قدم و ساق منذ عصور قبل الإسلام، و كانت الخصومة عند ذاك تتسم بالقبلية و إن كان العداء السائد يتغذى من أُمور تمت إلى المعنوية و المثالية بصلة، حيث إنّ الهاشمي كان عنوان الفضل و الفضيلة و مثالاً للتقى على عكس ما كان أُمية و بنوه عليه، فكانوا منغمرين في الانهيار الخلقي، و الانكباب على المادة و الماديات و قد ألّف المؤرخ الشهير المقريزي كتاباً خاصاً أسماه ب «النزاع و التخاصم بين بني أُمية و بني هاشم» نقتطف شيئاً قليلاً منه، حتى يتبيّن أنّ التخاصم في ذلك العصر و إن كان متسماً بالنزاع القبلي و لكنه كان مبنياً على تمتع بني هاشم بنفسيات كريمة و روحيات طيبة حيث كانوا رافلين في حلل الفضائل و الفواضل على جانب الخلاف مما كانت عليه بنو أُمية.
نافر أُمية هاشماً على خمسين ناقة سود الحدق، تنحر بمكة و على جلاء عشر سنين و جعلا بينهما الكاهن الخزاعي جد عمرو بن الحمق و كان منزله بعسفان و خرج مع أُمية أبو همهمة حبيب بن عامر بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر
ابن مالك الفهري، فقال الكاهن: «و القمر الباهر، و الكوكب الزاهر، و الغمام الماطر، و ما بالجو من طائر و ما اهتدى بعلم مسافر، من منجد و غائر، لقد سبق هاشم أُمية إلى المآثر أوّل منه و آخر، و أبو همهمة بذلك خابر».
فأخذ هاشم الإبل فنحرها و أطعم لحمها من حضر، و خرج أُمية إلى الشام فأقام به عشر سنين فكان هذا أوّل عداوة وقعت بين بني هاشم و بني أُمية، و لم يكن أُمية في نفسه هناك و إنّما يرفعه أبوه و بنوه و كان مضعوفاً و كان صاحب عهار، و يدلّ على ذلك قول نفيل بن عبد العزى جد عمر بن الخطاب حين تنافر إليه حرب بن أُمية و عبد المطلب بن هاشم فنفر عبد المطلب و تعجب من إقدامه عليه و قال:
أبوك معاهر و أبوه عفّ *** و ذاد الفيل عن بلد حرام
و ذلك أنّ أُمية كان يعرض لامرأة من بني زهرة، فضربه رجل منهم، ضربة بالسيف و أراد بنو أُمية و من تابعهم إخراج زهرة من مكة فقام دونهم قيس بن العدي السهمي و كانوا أخواله...(1).
جاء نبي الإسلام بدين سمح قد شطب على جميع ما كان في الجاهلية من أحقاد و ضغائن، و قال في خطبة حجّة الوداع: ألا كلّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع»(2).
و بعد حروب و معارك دامية قتلت فيها أبطال قريش و صناديدهم، كما استشهد لفيف من المهاجرين و الأنصار، دخل بنو أُمية في حظيرة الإسلام متظاهرين به و لكن مبطنين الكفر و النفاق شأن كل حزب منهزم أمام تيّار جارف، فكانوا ينتهزون الفرص ليقضوا على الإسلام باسم الإسلام، و على العدل و التقى
باسم الخلافة عن رسول اللّٰه و قد ظهرت بوادر ذلك في مجلس الخليفة عثمان بن عفان عند ما بويع من جانب شورى سداسية أشبه بمسرحية سياسية حيث دخل عثمان بيته و معه بنو أُمية، جالسين حوله، يتبجحون بإناخة جمل الخلافة على بابهم، و قد تلقاها رئيس القبيلة أبو سفيان إنّها إمرة سياسية أو سلطة بشرية وصلت إليهم، و إنّه كان كذلك في عصر الخليفتين السابقين و حتى الرسول الأكرم و أنّه لم تكن هناك أية إمرة إلهية و خلافة دينية و ليس هناك جنّة و لا نار.
يقول أبو بكر الجوهري: إنّ أبا سفيان، قال لما بويع عثمان: كان هذا الأمر في تيم، و أنّى لتيم هذا الأمر. ثمّ صار إلى عدي فأبعد و أبعد، ثمّ رجعت إلى منازلها، و استقر الأمر قراره، فتلقفوها تلقف الكرة.
و قال أيضاً: إنّ أبا سفيان قال لعثمان: بأبي أنت. أنفق و لا تكن كأبي حجر، و تُداولوها يا بني أُمية تداول الولدان الكرة، فو الله ما من جنة و لا نار، و كان الزبير حاضراً، فقال عثمان لأبي سفيان: اعزب، فقال: يا بني أ هاهنا أحدٌ؟ قال الزبير:
نعم و اللّٰه لا كتمتها عليك(1).
أسّس عثمان حكومة أموية بحتة عزل سعد بن أبي وقاص عن ولاية الكوفة فولاها الوليد بن عقبة و كان أخاً لعثمان من أُمّه، كما أنّه عزل عمرو بن العاص عن خراج مصر عام 27 ه، و استعمل عليه عبد اللّٰه بن سعد بن أبي سرح و كان أخاه من الرضاعة، و هو ابن خال عثمان، و أبقى معاوية على ولايته على الشام و لما كثرت الشكوى على عامله بالكوفة: الوليد بن عقبة، عزله فولى مكانه سعيد بن العاص، حتى قيل إنّ سبعاً و خمسين من ولاته و عماله الكبار كانوا من بني أُمية(2).
إنّ هذه الحوادث المريرة و أضعافها التي حفظها التاريخ و جئنا بقليل منها
في الجزء الخامس من هذه الموسوعة أغضبت جمهور المسلمين و أثارتهم ضد الخليفة حتى انتهت إلى قتله في داره، و المهاجرون و الأنصار، بين مجهز عليه، أو مؤلّب ضده، أو مستبشر بمقتله أو صامت رهين بيته محايد عن الطرفين(1).
قُتل عثمان بسيف مروان بن الحكم الذي سلّه عليه بأعماله المأساوية في بلاطه، و جاء بعده الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بإلحاح من الجماهير و بايعوه على أن يرد الإسلام إلى عصر الرسول، و قد امتنع في بدء الأمر عن قبول الخلافة و تزهد فيها كما تزهد في عصر الخلفاء، غير أنّه لمّا تمت الحجّة عليه و رأى أنّ في التقاعس عن قبولها ضرراً على الإسلام و المسلمين أخذ بزمام الخلافة بيد من حديد و قد خضعت له الأوساط الإسلامية بعمالها و أُمرائها قاطبة إلاّ معاوية بن أبي سفيان، فقد استمر على العناد، واقفاً على أنّه لو بايع الإمام للحقه العزل عن العمل، و مصادرة الأموال الطائلة. فبقي على المخالفة و ألّب بعض المهاجرين و الأنصار على الإمام حتى بايعهم خفاء إلى أن يبايعهم جلياً بعد سحب الإمام عن ساحة الخلافة، إلى أن آل الأمر إلى تأجيج نار حروب ثلاثة (الجمل و صفين و النهروان) قد عرفت تفاصيلها في الجزء الخامس، فلو قتل في الجمل قرابة أربعة عشر ألف مقاتل من الطرفين، أو قتل في صفين سبعين ألف مقاتل من العراقيين و الشاميين، أو نشبت حروب دامية بين أنصار علي و الخارجين على بيعته، طوال سنين، فكلّها من جرائم و آثام ذلك الخلاف و العناد و الخروج على الإمام.
التحق الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى الرفيق الأعلى و قتل بيد أشقى الأوّلين و الآخرين عبد الرحمن بن ملجم عام أربعين، و معاوية بعدُ قابع على كرسيه، و قد صفا له الجوّ برحيل علي عليه السلام فلم ير في الساحة إنساناً منافساً و لا مخالفاً سوى، الحسن بن علي عليه السلام لأنّ الجماهير من المهاجرين و الأنصار الذين كانوا مع علي في العراق بايعوه بالخلافة و الإمامة و لكن معاوية خالفه و لم يبايعه كما
1) . الطبري: التاريخ: 399/3.
خالف أباه و لم يبايعه بل حاربه.
نشب الخلاف بين معاوية و الحسن بن علي و انجر الأمر إلى تجنيد الجنود و نفرهم إلى ميادين الحرب و بعد حوادث مريرة رأى الإمام الحسن عليه السلام أنّ الأصلح هو التنازل و التصالح تحت شروط و مبادئ خاصة حفظها التاريخ، و من أهم الشروط التي وقَّع عليها كل من معاوية و الحسن بن علي، هو أنّه ليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً(1)و لكن معاوية لم يكن ممن يعتمد على قوله و عهده و لا على حلفه و يمينه.
إنّ معاوية من الفئة الذين يقولون و لا يفعلون و قد أظهر نواياه بعد ما تم التصالح فقال: إنّي و اللّٰه ما قاتلتكم لتصلّوا و لا لتصوموا و لا لتحجّوا و لا لتزكّوا انّكم لتفعلون ذلك و لكني قاتلتكم لأتأمّر عليكم و قد أعطاني اللّٰه ذلك و أنتم له كارهون ألا و إنّي كنت منّيت الحسن أشياء و أعطيته أشياء و جميعها تحت قدمي هاتين لا أفي بشيء منها له.(2).
رجع الحسن بن علي إلى مدينة جده، و معه أخوه الحسين و بنو هاشم و كان يتجرع الغصص من آل أُمية طيلة حياته إلى أن سمّه معاوية بتغرير زوجته فوافاه الأجل عام خمسين من الهجرة النبوية، و كان يضرب به المثل في الصبر و الحلم. قال أبو الفرج: لما مات الحسن بن علي عليهما السلام و أخرجوا جنازته حمل مروان سريره، فقال له الحسين عليه السلام: أ تحمل سريره أما و اللّٰه كنت تجرعه الغيظ، فقال: مروان إنّي كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال(3).
لم يكن معاوية يجترئ على نقض ما وقع من عدم العهد إلى أحد ما دام الحسن في قيد الحياة، و كان يتحين الفرص لنقض العهد و اليمين و قد نقض أكثر ما
عهد و لم يبق إلاّ شيء واحد و هو أن لا يعهد إلى أحد و كان ولده يزيد أُمنيته و قرة عينه، و لما مات الحسن رأى الجو صافياً، فمهد الطريق لتنصيبه والياً من بعده، و قد بذل في طريق أُمنيته أموالاً طائلة لأصحاب الدنيا من الصحابة و التابعين حتى أرضى طائفة بترغيبه و نقوده، و طائفة أُخرى بتخويفه و ترهيبه. نعم بقي هناك لفيف قليل اشتروا سخط المخلوق برضا الخالق فلم يبايعوه بل ثاروا عليه و وبخوا معاوية على نقض عهده، منهم: أبو الشهداء الحسين بن علي فقد جاهر و طرد بيعته و ذلك عند ما أراد معاوية أخذ البيعة ليزيد فقام و حمد اللّٰه و صلى على الرسول، فقال بعد كلام: «و فهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله و سياسته لأُمّة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص. و قد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به و من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، و الحمام السبق لأترابهن، و القينات ذوات المعازف، و ضروب الملاهي، تجده ناصراً، ودع عنك لما تحاول فما أغناك أن تلقى اللّٰه بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه»(1).
تسنم معاوية منصة الحكومة فكان يحكم كالقياصرة و الأكاسرة إلى ان أدركته المنية عام ستين و جلس مكانه وليده و ربيبه، و نظيره في الخَلق و الخُلق، و اهتز العالم الإسلامي حينذاك حيث أحسّوا أنّ إنساناً خمِّيراً و سكّيراً لاعباً بالكلاب و القردة، تصدى للإمارة و في الحقيقة للقضاء على الإسلام و المسلمين باسم الخلافة عن النبي الأكرم، فعند ذاك تمت الحجّة على الحسين بن علي عليه السلام فجاهر بالخلاف و الصمود أمامه حيث تجسد في الزمان قول جده رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم : «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه و إلاّ فعليه لعنة اللّٰه»(2).
و كان يزيد يحس بذلك عن كثب فكتب إلى عامله بالمدينة الوليد بن عقبة أن يأخذ الحسين بالبيعة له، فلما اجتمع مع عامله فعرض عليه البيعة فرفض بعد جدال عنيف بحضور مروان بن الحكم، و أصبح الحسين من غده يستمع الأخبار فإذا هو بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه و نصحه بالبيعة ليزيد فعندئذ ارتجّ الحسين و ثارت ثورته و قال: «إنّا للّٰه و إنّا إليه راجعون، و على الإسلام السلام إذا بليت الأُمة براع مثل يزيد»، ثمّ قال: «يا مروان أ ترشدني لبيعة يزيد، يزيد رجل فاسق لقد قلت شططاً من القول و زللاً و لا ألومك، فإنّك اللعين الذي لعنك رسول اللّٰه و أنت في صلب أبيك الحكم بن العاص، و من لعنه رسول اللّٰه، فلا ينكر منه أن يدعو لبيعة يزيد، إليك عني يا عدو اللّٰه فإنّا أهل بيت رسول اللّٰه، الحقّ فينا ينطق على ألسنتنا و قد سمعت جدي رسول اللّٰه يقول: الخلافة محرمة على آل أبي سفيان الطلقاء و أبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه. و لقد رآه أهل المدينة على منبر رسول اللّٰه فلم يفعلوا به ما أُمروا فابتلاهم بابنه يزيد»(1).
هذه الكلمة المباركة من الحسين بن علي عليهما السلام في أعتاب تفجير الثورة تعرب عن أنّ خلافه مع يزيد لم يكن خلافاً قبلياً و لا استمراراً له، و إنّما كان يثور عليه لأجل أنّ الحاكم يتّسم بمبادئ هدامة للدين، و لو أُتيحت له الفرصة لقضى على الإسلام و المسلمين، فلأجل ذلك قام عن مجلس الوليد و لم يبايعه و ترك مدينة جده و التجأ إلى مكة المكرمة، و ليست هذه الكلمة كلمة وحيدة معربة عن نواياه و حوافزه التي دفعته إلى الثورة فكم لها من نظير في حياته.
و إليك كلمته الثانية عند ما نزل منطقة البيضة من العراق و اعترضه الجيش الأموي بقيادة الحر بن يزيد التميمي اليربوعي، فقال واقفاً بعد أن حمد اللّٰه و أثنى
1) . الخوارزمي: مقتل الحسين: 184/1-185.
عليه: «أيها الناس أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام اللّٰه، ناكثاً لعهد اللّٰه، مخالفاً لسنّة رسول اللّٰه، يعمل في عباد اللّٰه بالإثم و العدوان، فلم يغير عليه بفعل و لا قول، كان حقاً على اللّٰه أن يدخله مدخله، ألا و إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، و تركوا طاعة الرحمن، و أظهروا الفساد، و عطّلوا الحدود، و استأثروا بالفيء و أحلّوا حرام اللّٰه و حرّموا حلاله»(1).
ترى أنّ الإمام يعلل ثورته على يزيد في البيان الأوّل بأنّه رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة معلن للفسق، و إن هذه الصفات لا تتفق مع شروط الخلافة كما أنّه يعلل ثورته في البيان الثاني بأنّه سلطان جائر، مستحل لحرام اللّٰه ناكث لعهده، مخالف لسنّة رسوله عامل في عباده بالإثم و العدوان. كل ذلك يعرب عن أنّ ثورته لم تكن ثورة قبلية و لا عنصرية، بل مبدئية بحتة.
و هناك للإمام بيان ثالث و رابع و خامس و... يعرّف موقفه من الحاكم الأموي، يعرف دافعه إلى النضال و الكفاح نأتي بثالثة:
كتب الإمام إلى رؤساء الأخماس و الأشراف بالبصرة كتاباً جاء فيه: «و قد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب و أنا أدعوكم إلى كتاب اللّٰه و سنّة نبيه، فإنّ السنّة قد أُميتت، و إنّ البدعة قد أُحييت و أسير بسيرة جدي و أبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحقّ، فاللّٰه أولى بالحقّ، و من ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي اللّٰه بيني و بين القوم بالحقّ و هو خير الحاكمين»(2).
و في هذه المقتطفات من خطب و رسائل الإمام أدلّة واضحة على أنّ الثورة لم تكن ثورة قبلية و لا عنصرية بل كانت ثورة دينية عقائدية بحتة، و كان الدافع المهم للتضحية ترسيم خط الشهادة و الفداء لكل من يطلب رضى الحقّ، و بالتالي قطع
جذور الشر و تحطيم قوى الكفر و المنكر، و إن طال سنين، و قد نجح الإمام في ثورته هذه إلى أن انتهى الأمر إلى اجتثاث جذور بني أُمية عن أديم الأرض و غلق ملفهم بقتل حمارهم مروان عام 132 ه. ق.
لقد درسنا الحافز أو الحوافز التي دفعت الإمام إلى الثورة غير أنّه بقي هنا أن نتحدث عن نتائجها و عن عطائها، إذ بالوقوف عليها يعلم أنّه كان في ثورته ناجحاً أو فاشلاً، إنّ هناك من ينظر إلى ثورة الحسين من منظار سياسي ضيق أو مادي بحت أضيق، فيظن أنّ ثورته كانت فاشلة حيث إنّ الإمام استشهد و لم ينل الخلافة، و المسلمون بقوا بعد الثورة على ما كانوا عليه قبلها، فكان الإرهاب و التشريد حليفهم، و كانت الحكومة الأموية هي الحاكمة في البلاد الإسلامية قرابة سبعين سنة.
هذا ما يتصوره بعض الكتاب في ثورة الحسين، و كأنّ نجاح الثورة في منطقهم، هو نجاحها في يومها أو بعد أيام، و هذا الزعم من هؤلاء ناش من الجهل بالحقّ أو التجاهل به، فلأجل قلع هذا التعتيم نركّز من عطاء الثورة في المقام على أمرين مهمين و نترك الباقي لأقلام الكاتبين في ثورة الحسين:
1 - إنّ الإمام بتضحية نفسه و نفيسه، أعلم الأُمّة فظاظة الأُمويين و قسوة سياستهم، و ابتعادهم عن الناموس البشري فضلاً عن الناموس الديني و توغلهم في الغلظة الجاهلية، و عادات الكفر الدفين.
ثار في وجه الحكم السائد ليُعلم الملأ الديني أنّهم لم يوقروا كبيراً و لم يرحموا صغيراً، و لم يرقبوا على رضيع و لم يعطفوا على امرأة فقدّم إلى ساحات المفاداة، أغصان الرسالة و أوراد النبوة، و أنوار الخلافة، و لم تبق جوهرة من هاتيك الجواهر
الفريدة، فلم يعتم هو و لا هؤلاء إلاّ و هم ضحايا في سبيل تلك الطلبة الكريمة.
سل كربلا كم من حشاً لمحمّدٍ *** نهبت بها و كم استجذت من يد
أقمار تمٍّ غالها خسف الردى *** و انثالها بصروفها الزمن الردي(1)
2 - لم يكن الحسين عليه السلام يطلب ملكاً عضوضاً و لا سلطة بشرية و إنّما يطلب إيقاظ الأُمّة بواجبه الحتمي، و ما هو إلاّ إقامة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و كأنّ الأُمّة نسيت ذينك العمادين و ذلك لعوامل خلفت رفض ذينك الأمرين المهمين.
كانت الأُمّة تعيش بين الترغيب و الترهيب فصارت محايدة عن كل عمل إيجابي يغير الوضع الحاضر و هم بين راضٍ بما يجري، و بين مبغض صامت، يترك الأمر إلى اللّٰه تبارك و تعالى، فكانت القلوب مشفقة و الأيدي مغلولة و على الألسن أُوكية.
و كيف يصح لمسلم واع، التساهل أمام عربدة يزيد بالكفر الصريح في شعره و نثره، و إنكار الوحي و الرسالة و هذا هو التاريخ يحكي لنا: أنّه لما ورد على يزيد نساء الحسين و أطفاله، و الرؤوس على الرماح و قد أشرفوا ثنيّة جيرون نعب الغراب فأنشأ يزيد يقول:
لما بدت تلك الحمول و أشرقت *** تلك الشموس على رُبى جيرون
نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح *** فلقد قضيت من الغريم ديوني(2)
يعني أنّه قتل بمن قتل رسول اللّٰه يوم بدر كجده عتبة و خاله وليد بن عتبة، و غيرهما و هذا كفر صريح لا يلهج به إلاّ المنكر للرسالات و النبوات و رسالة سيد الرسل.
و لم يقتصر بذلك بل أخذ ينشد شعر ابن الزبعرى حين حضر رأس الحسين بين يديه و قال:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل
فأهلوا و استهلوا فرحاً *** ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم *** و عدلنا قتل بدر فاعتدل
لست من خندف إن لم أنتقم *** من بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء و لا وحيٌ نزل(1)
و ليس ذلك ببعيد عن ابن معاوية فإنّ أباه كان يشمئز من سماع الشهادة الثانية على رسالة محمد فكان يقول: للّٰه أبوك يا ابن عبد اللّٰه لقد كنت عالي الهمة ما رضيت لنفسك إلاّ أن تقرن اسمك مع اسم ربّ العالمين(2).
و لما قال له المغيرة بن شعبة: لقد كبرت فلو أظهرت عدلاً لإخوانك من بني هاشم فإنّه لم يكن عندهم شيء تخافه قال: هيهات مَلِكَ أخو تيم، و فعل ما فعل، فو الله ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل أبو بكر، ثمّ ملك أخو عدي، فاجتهد و شمر فو الله ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل عمر، ثمّ ملك أخونا عثمان، فعمل ما عمل فو الله ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل عثمان.
و انّ أخا هاشم يصرخ باسمه في كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فأي عمل يبقى مع هذا لا أُم لك و اللّٰه إلاّ دفنا دفنا.
و لمّا سمع المأمون بهذا الحديث كتب إلى الآفاق بلعنه على المنابر فأعظم الناس ذلك و أكبروه و اضطربت العامة فأُشير عليه بالترك فأعرض عما كان عليه(1).
فلما قام الحسين في وجه الحكومة بأولاده و أصحابه القليلين، فقد نفث في جسم الأُمّة روح الكفاح و النضال و حطمت كل حاجز نفسي و اجتماعي كان يوقفهم عن القيام، و أثبت أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في هذه الظروف الحرجة ليس رهن العِدّة و العُدّة بل إذا حاق الخطر بالأُمّة من ملوكها و أمرائها و زعمائها و أصبحوا يسوقون الناس بأفعالهم و أعمالهم، و المجتمع إلى العيش الجاهلي، وجب على المؤمن الاستنكار بقلبه و لسانه و يده فكان في قيامه تحطيم السدود المزعومة الممانعة عن القيام بالفريضة، و لأجل ذلك استتبعت ثورته، ثورات عديدة تترى من غير فرق بين من ثار و هو على خط الإمام و بين من ثار في وجه الطغمة الأموية و لم يكن على خطه و فكره و لكن الكل كانوا مستلهمين من تلك الثورة العارمة، و لو لا حركة الحسين عليه السلام لما كان لهذه الحركات أيّ أثر في المجتمع الإسلامي، و إن كنت في ريب من ذلك فعليك بدراسة الثورات المتتابعة بعد قيامه و نهضته.
قضى الإمام نحبه في اليوم العاشر من محرم الحرام عام 61 ه و الرضاء بقضاء اللّٰه و قدره بين شفتيه(2)و هو ظمآن لم يشرب الماء منذ ثلاثة أيام، و الفرات يموج بمياهه و حيتانه «سبيل على الرواد منهله العذب» دون الحسين و أولاده و أصحابه حتى يموتوا عطشى. و لم يقتصر عدوّه الغاشم بقتله حتى همّ برضِّ
صدره و ظهره بالخيل، ليقضي بذلك على جسم الإمام كلّه. لكنّه فاته أنّ شهداء طريق الحقّ، أحياء عند ربّهم يرزقون، أحياء بين الشعوب الحية، و أنّه سوف ينقلب الأمر لصالح الإمام و ضد العدو حتى في اليوم الذي قضى عليه و أنّه عليه السلام سيجعل من أعدائه الذين وجهوا إليه سيوفهم و رماحهم، أنصاراً صامدين، و ثواراً مناضلين.
روى المؤرخون: لما قتل الحسين و تسابق العسكر إلى نهب خيام آل الرسول و نهبوا ما فيها أولاً، و أضرموا النار ثانياً و بنات الزهراء حواسر مسلبات، باكيات فنظرت امرأة من آل بكر بن وائل، كانت مع زوجها، إلى بنات رسول اللّٰه بهذا الحال فصاحت: يا آل بكر بن وائل أ تسلب بنات رسول اللّٰه لا حكم إلاّ للّٰه، يا لثارات رسول اللّٰه فردها زوجها إلى رحله(1).
كان ذلك الهتاف من ذلك الوقت، نواة للثورة على العدو، و إن لم يشعر به العدو، و اكتفى بجرها إلى رحله.
كان الحسين فاتحاً في نهضته، إذ لم يكن يتبنّى شيئاً سوى إيقاظ شعور الأُمّة بلزوم القضاء على دعاة الضلال، و كسح أشواك الباطل، عن طريق الشريعة، و تعريف الملاء بالذين هم الأحق بالخلافة و القيادة.
إنّ أئمة أهل البيت عليهم السلام غذّوا الأُمّة بتحريضهم على عقد المحافل و المجالس لذكر حادثة الطف، و ما جرى على الحسين من مصائب تدك الجبال الرواسي، و تذيب القلوب القاسية و قد اتخذوا أساليب مختلفة في إحياء حديث الطف بتشكيل أندية العزاء في بيوتهم تارة، و دعوة الناس إليها ثانياً، فقال الإمام الباقر عليه السلام «رحم اللّٰه عبداً اجتمع مع آخر فتذاكر أمرنا»(2)فكان لتلك
الذكريات أثراً باهراً في تخليد الثورة في نفوس الأُمّة حتى اتخذه الأحرار مقياساً للسير في ضوئه مصباحاً و إليك نزراً يسيراً من الثورات التالية لثورة الإمام عليه السلام.
لما ولي الوليد الحجاز أقام يريد غِرّة عبد اللّٰه بن الزبير فلا يجده إلاّ محترزاً ممتنعاً، و ثار نجدة بن عامر النخعي باليمامة حين قتل الحسين، و ثار ابن الزبير بالحجاز... فعزل يزيد الوليد، و ولى عثمان بن محمد بن أبي سفيان فبعث إلى يزيد وفداً من أهل المدينة، فيهم: عبد اللّٰه بن حنظلة، غسيل الملائكة و عبد اللّٰه ابن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، و المنذر بن الزبير و رجالاً كثيراً من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيد فأكرمهم و أحسن إليهم، و أعظم جوائزهم فأعطى عبد اللّٰه بن حنظلة، و كان شريفاً فاضلاً عابداً سيداً، مائة ألف درهم، و كان معه ثمانية بنين، فأعطى كل ولد عشرة آلاف.
فلمّا رجعوا قدموا المدينة كلهم إلاّ المنذر بن الزبير فإنّه قدم العراق على ابن زياد و كان يزيد قد أجازه بمائة ألف دينار، فلمّا قدم أُولئك النفر الوفد، المدينة قاموا فيهم فأظهروا شتم يزيد و عيبه و قالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر، و يضرب بالطنابير، و يعزف عنده القيان، و يلعب بالكلاب، و يسمر عنده الحراب و هم اللصوص و إنّا نشهدكم إنّا قد خلعناه.
و قام عبد اللّٰه بن حنظلة الغسيل فقال: جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلاّ
بنيّ هؤلاء لجاهدته بهم، و قد أعطاني و أكرمني و ما قبلت منه عطاءه إلاّ لأتقوّى به فخلعه الناس، و بايعوا عبد اللّٰه بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد و ولّوه عليهم(1).
و لما دخل عام 63 ه أخرج أهل المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان عامل يزيد، و حصروا بني أُمية بعد بيعتهم عبد اللّٰه بن حنظلة، فاجتمع بنو أُمية و مواليهم و من يرى رأيهم في ألف رجل حتى نزلوا دار مروان بن الحكم فكتبوا إلى يزيد يستغيثون به فبعث إلى عمرو بن سعيد فأقرأه الكتاب و أمره أن يسير إليهم فردّ و قال: لا أُحب أن أتولّى ذلك.
و بعث إلى عبيد اللّٰه بن زياد يأمره بالمسير إلى المدينة و محاصرة ابن الزبير بمكة فقال: و اللّٰه لا جمعتهما للفاسق، قتل ابن رسول اللّٰه و غزو الكعبة. ثمّ أرسل إليه يعتذر.
فبعث إلى مسلم بن عقبة المري، و هو الذي سمّي مسرفاً، و هو شيخ كبير فاستجاب، فنادى في الناس بالتجهز إلى الحجاز، و أن يأخذوا عطاءهم و معونة مائة دينار، فانتدب لذلك اثنا عشر ألفاً، و خرج يزيد يعرضهم، فأقبل مسلم إلى المدينة و دخل من ناحية الحرّة و ضرب فسطاطه بين الصفين و اقتتل الصفان قتالاً شديداً و انتهى الأمر، إلى غلبة قوات الشام على أهل المدينة بعد ما قتل من الطرفين أُناس كثير، و لم يقتصر المسرف بذلك بل أباح المدينة ثلاثاً يقتلون الناس و يأخذون المتاع و الأموال...(2).
عبد اللّٰه بن الزبير بن العوام ولد بعد الهجرة بعشرين شهراً، و كان أبوه ابن عمة علي عليه السلام و هو ابن خاله، و هو ممن سلّ سيفه يوم السقيفة لصالح علي و قال: لا أغمد سيفي حتى يبايع علي، و لكن - و للأسف - كان ولده على الطرف النقيض من ذلك فهو كما قال علي عليه السلام: ما زال الزبير منّا أهل البيت حتى نشأ عبد اللّٰه فأفسده(1)و هو الذي دفع أباه إلى محاربة الإمام في وقعة الجمل بعد ما ندم و أراد التصالح و التراجع.
و مع هذا هو ممن اتخذ ثورة الإمام حجّة على خروجه في وجه الحاكم الأموي و روى الطبري بسنده إلى عبد الملك بن نوفل قال: حدثني أبي: قال لما قتل الحسين عليه السلام قام ابن الزبير في أهل مكة و عظّم مقتله، و عاب أهل الكوفة خاصة و لام أهل العراق عامة فقال بعد أن حمد اللّٰه و أثنى عليه و صلّى على محمد صلى الله عليه و آله و سلم: إنّ أهل العراق غدر فجر إلاّ قليلاً، و إنّ أهل الكوفة شرار أهل العراق و أنّهم دعوا حسيناً لينصروه و يولوه عليهم، فلمّا قدم عليهم صاروا إليه، فقالوا له: إمّا أن تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سمية، فيمضي فيك حكمه و إمّا أن تحارب فرأى و اللّٰه أنّه هو مقتول و لكنّه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة فرحم اللّٰه
1) . تنقيح المقال: 184/2، مادة «عبد اللّٰه بن الزبير».
حسيناً، و أخزى قاتل حسين - إلى أن قال: - أ فبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم و نصدق قولهم و نقبل لهم عهداً لا و لا نراهم لذلك أهلاً. أما و اللّٰه لقد قتلوه، طويلاً بالليل قيامه، كثيراً في النهار صيامه، أحقّ بما هم فيه منهم و أولى به في الدين و الفضل.
أما و اللّٰه ما كان يبدل بالقرآن، الغناء، و لا بالبكاء من خشية اللّٰه الحداء، و لا بالصيام شرب الحرام، و لا بالمجالس في حلَق الذِّكر الركض في تطلاب الصيد (يعرض بذلك يزيد) فسوف يلقون غياً.
فثار إليه أصحابه فقالوا له: أيها الرجل أظهر بيعتك فإنّه لم يبق أحد (إذ هلك حسين) ينازعك هذا الأمر و قد كان يبايع الناس سراً و يظهر أنّه عائذ بالبيت(1).
لما فرغ مسلم من قتال أهل المدينة و نهبها شخص بمن معه نحو مكة يريد ابن الزبير و من معه، و استخلف على المدينة رَوْح بن زِنباع الجُذاميّ، و قيل: استخلف عمرو بن مخرمة الأشجعي، فلمّا انتهى إلى المشلَّل نزل به الموت، و قيل: مات بثنيّة هَرْشَى، فلمّا مات سار الحصين بالناس فقدم مكة لأربع بقين من المحرم سنة أربع و ستين و قد بايع أهلها و أهل الحجاز عبد اللّٰه بن الزبير و اجتمعوا عليه، و لحق به المنهزمون من أهل المدينة فحمل أهل الشام عليهم حملةً انكشف منها أصحاب عبد اللّٰه، ثمّ نزل فصاح بأصحابه، و صابرهم ابن الزبير إلى الليل ثمّ انصرفوا عنه.
هذا في الحصر الأوّل ثمّ أقاموا يقاتلونه بقية المحرم و صفر كلّه حتى مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأوّل سنة أربع و ستين، و لأجل القضاء على ابن الزبير
1) . الطبري: التاريخ: 364/4، ابن الأثير: الكامل: 98/4-99.
المتحصن في المسجد الحرام رموا البيت بالمجانيق و حرقوه بالنار، و كانت الحرب طاحنة إذ بلغهم نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر و لم يكن أمامهم إلاّ طريق واحد و هو الرجوع إلى الشام و اختار الرجوع إليها(1).
كان ابن الزبير يسوس الحجاز و العراق و فيهما عماله إلى أن استولى عبد الملك على العراق عام إحدى و سبعين من الهجرة و انحصرت إمارة ابن الزبير بالحجاز و عند ذاك وجّه عبد الملك، الحجاج بن يوسف الثقفي في ألفين و قيل في ثلاثة آلاف من أهل الشام لقتال عبد اللّٰه بن الزبير، و قدم مكة و حصر ابن الزبير و التجأ هو و أصحابه إلى المسجد الحرام، و نصب الحجاج المنجنيق على أبي قبيس و رمى به الكعبة إلى أن خرج أصحابه إلى الحجاج بالأمان، و قتل ابن الزبير يوم الثلاثاء من جمادي الآخرة عام ثلاث و سبعين من الهجرة(2).
إنّ ثورة أهل المدينة على عامل يزيد و إخراجه من المدينة، و حركة ابن الزبير و استيلاؤه على الحجاز و العراق، لم يكن ردّ فعل مباشر لقتل الحسين عليه السلام و إن كانا متأثرين من ثورته و حركته، و هذا بخلاف حركة التوابين فقد كانت ردّ فعل مباشر لقتله، حيث أحسّوا أنّهم قصّروا في حقّ إمامهم، إذ دعاهم فلم يجيبوا، و ذلك عار عليهم. يتبعهم عذاب أليم، و أنّه لا يغسل العار و الإثم عنهم إلاّ بالثورة على قاتليه و على رأسهم، النظام الحاكم.
يقول الطبري: «لما قتل الحسين بن علي و رجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة فدخل الكوفة، تلاقت الشيعة بالتلاوم و التندّم، و رأت أنّها قد أخطأت خطأ كبيراً، بدعائهم الحسين إلى النصرة، و تركهم إجابته و مقتله إلى جانبهم، لم ينصروه، و رأوا أنّه لا يُغسل عارهم و الإثم عنهم في مقتله إلاّ بقتل من قتله أو القتل فيه ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رءوس الشيعة:
1 - سليمان بن صرد الخزاعي، و كانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه و آله و سلم.
2 - المسيب بن نَجَبة الفزاري، و كان من أصحاب علي عليه السلام و خيارهم.
3 - عبد اللّٰه بن سعد بن نفيل الأزدي.
4 - عبد اللّٰه بن وال التيميّ.
5 - رفاعة بن شدّاد البجلي.
إنّ هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد و كانوا من خيار
أصحاب علي و معهم أُناس من الشيعة و خيارهم و وجوههم قال: فلمّا اجتمعوا إلى منزل سليمان بن صرد بدأ المسيب بن نجبة القوم بالكلام و قال:
1 - قد ابتلينا بطول العمر و التعرض لأنواع الفتن، فنرغب إلى ربّنا ألاّ يجعلنا ممن يقول له غداً: «أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مٰا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جٰاءَكُمُ اَلنَّذِيرُ»(1).
فإنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال:
العمر الذي أعذر اللّٰه فيه إلى ابن آدم ستون سنة، و ليس فينا رجل إلاّ و قد بلغه و قد كنّا مغرمين بتزكية أنفسنا، و تفريط شيعتنا حتى بلا اللّٰه أخيارنا فوجدنا كاذبين، في موطنين من مواطن ابن ابنة نبينا صلى الله عليه و آله و سلم و قد بلغتنا قبل ذلك كتبه و قدمت علينا رسله، و أعذر إلينا، يسألنا نصره عوداً و بدءاً، و علانية و سرّاً فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قُتِل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا، و لا جادلنا عنه بألسنتنا و لا قوّيناه بأموالنا، و لا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا إلى ربّنا و عند لقاء نبينا صلى الله عليه و آله و سلم و قد قُتِلَ فينا ولده و حبيبه و ذريته و نسله، لا و اللّٰه لا عذر دون أن تقتلوا قاتله، و الموالين عليه، أو تقتلوا في طلب ذلك فعسى ربّنا أن يرضى عنّا ذلك، و ما أنا بعد لقائه، لعقوبته بآمن.
أيّها القوم ولّوا عليكم رجلاً منكم فإنّه لا بد لكم من أمير تفزعون إليه، و راية تحفون بها أقول قولي و أستغفر اللّٰه لي و لكم.
2 - و تكلّم رفاعة بن شداد و قال: إنّ اللّٰه قد هداك لأصوب القول و دعوت إلى أرشد الأُمور، و دعوت إلى جهاد الفاسقين، و إلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموع منك، مستجاب لك، مقبول قولك قلت: ولّوا أمركم رجلاً منكم، تفزعون إليه، و تحفون برايته و ذلك رأي قد رأينا مثل الذي رأيت، فإن تكن أنت
1) . فاطر: 37.
ذلك الرجل تكن عندنا مرضياً، وفينا متنصّحاً و في جماعتنا محباً، و إن رأيت و رأى أصحابنا ذلك ولّينا هذا الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و ذا السابقة و القدم، سليمان بن صرد المحمود في بأسه و دينه، الموثوق بحزمه.
ثمّ تكلّم كل من عبد اللّٰه بن وال، و عبد اللّٰه بن سعد و تكلّما بنحو من كلام رفاعة بن شداد فذكرا المسيب بن نجبة بفضله، و ذكرا سليمان بن صرد بسابقته و رضاهما بتوليته.
3 - تكلّم سليمان بن صرد و قال: فإنّي و اللّٰه لخائف ألاّ يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة، و عظمت فيه الرزية و شمل فيه الجور أُولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير، إنّا كنّا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبينا، و نمنِّيهم النصر و نحثهم على القدوم، فلما قدموا ونَينا و عجزنا، و ادهنّا و تربصنا و انتظرنا ما يكون، حتى قتل فينا، و لدينا ولد نبينا و سلالته و عصارته و بضعة من لحمه و دمه، إذ جعل يستصرخ و يسأل النصف فلا يُعطاه، اتخذه الفاسقون غرضاً للنبل، و دريئة للرماح حتى أقصدوه، وعدوا عليه فسلبوه. إلا انهضوا فقد سخط عليكم ربّكم، و لا ترجعوا إلى الحلائل و الأبناء حتى يرضى اللّٰه، و اللّٰه ما أظنه راضياً دون أن تناجزوا مَنْ قتله أو تبيروا، ألا لا تهابوا الموت فو الله ما هابه امرؤ قطّ إلاّ ذلّ، كونوا كالاولى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم «إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخٰاذِكُمُ اَلْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلىٰ بٰارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بٰارِئِكُمْ» فما فعل القوم جثوا على الركب و اللّٰه و مدّوا الأعناق و رضوا بالقضاء حتى حين علموا أنّه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلاّ الصبر على القتل، فكيف بكم لو قد دعيتم إلى مثل ما دعي القوم إليه، أشحذوا السيوف و ركّبوا الأسنة و أعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة و من رباط الخيل حتى تدعوا حين تدعوا و تستنفروا:
4 - فقام خالد بن سعد بن نفيل فقال: أمّا أنا فو الله لو أعلم أنّ قتلي نفسي
يخرجني من ذنبي و يرضي عنّي ربّي لقتلتها، و لكن هذا أُمر به قوم كانوا قبلنا، و نُهينا عنه فأُشهد اللّٰه و من حضر من المسلمين أنّ كلّ ما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذي أُقاتل به عدوّي، صدقة على المسلمين أُقوّيهم به على قتال القاسطين.
5 - و قام أبو المعتمر حنش بن ربيعة الكناني فقال: و أنا أُشهدكم على مثل ذلك، فقال سليمان بن صرد: حسبكم من أراد من هذا شيئاً، فليأت بماله عبد اللّٰه ابن وال التيمي تيم بكر بن وائل، فإذا اجتمع عنده كلّ ما تريدون إخراجه من أموالكم، جهزنا به ذوي الخُلَّة و المسكنة من أشياعكم(1).
6 - ثمّ أخذ سليمان بن صرد يكاتب وجوه الشيعة في الأطراف و كتب سليمان بن صرد: إلى سعد بن حذيفة اليمان(2)يعلمه بما عزموا عليه، و يدعوه إلى مساعدتهم، و من معه من الشيعة بالمدائن، فقرأ سعد بن حذيفة الكتاب على من بالمدائن من الشيعة فأجابوا إلى ذلك فكتبوا إلى سليمان بن صرد يعلمونه أنّهم على الحركة إليه و المساعدة له.
و كتب سليمان أيضاً كتاباً إلى المثنّى بن مخربة العبدي بالبصرة مثل ما كتب إلى سعد بن حذيفة فأجابه المثنىٰ:
إنّنا معشر الشيعة حمدنا اللّٰه على ما عزمتم عليه، و نحن موافوك إن شاء اللّٰه للأجل الذي ضربت و كتب في أسفله أبياتاً(3).
لم يزل القوم في جمع آلة الحرب و الاستعداد للقتال و دعاء الناس - في السر - إلى الطلب بدم الحسين فكان يجيبهم القوم بعد القوم، و النفر بعد النفر و لم يزالوا على ذلك إلى أن هلك يزيد بن معاوية سنة أربع و ستين.
فلمّا مات يزيد جاء إلى سليمان أصحابه فقالوا: قد هلك هذا الطاغية،
و الأمر ضعيف فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث، و كان خليفة ابن زياد على الكوفة ثمّ أظهرنا الطلب بدم الحسين و تتبّعنا قتلته و دعونا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر عليهم، المدفوعين عن حقهم.
فقال سليمان بن صرد: لا تعجلوا، إنّي قد نظرت فيما ذكرتم فرأيت أنّ قتلة الحسين هم أشراف الكوفة و فرسان العرب و هم المطالبون بدمه، و متى علموا ما تريدون كانوا أشدّ الناس عليكم، و نظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنّهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم، و لم يشفوا نفوسهم، و كانوا جَزَراً لعدوهم و لكن بثّوا دعاتكم و ادعوا إلى أمركم هذا، شيعتكم و غير شيعتكم فإنّي أرجو أن يكون الناس اليوم حيث هلك هذا الطاغية أسرع إلى أمركم استجابة منهم قبل هلاكه، ففعلوا و استجاب لهم ناس كثير بعد هلاك يزيد، و هم يريدون قتال أهل الشام الذين أقاموا دعائم عرش يزيد، و عدم التعرض بمن في الكوفة من قتلة الحسين عليه السلام على جانب الخلاف من ثورة المختار.
لما أراد سليمان بن صرد الخزاعي الشخوص سنة خمس و ستين بعث إلى رءوس أصحابه فأتوه، فلمّا أهلّ ربيع الآخر خرج في وجوه أصحابه و كانوا تواعدوا للخروج في تلك الليلة، فلمّا أتى النخيلة دار في الناس فلم يعجبه عددهم فأرسل حكيم بن منقذ الكندي، و الوليد بن عصير الكناني في الكوفة فناديا: يا لثارات الحسين فكانا أوّل(1)خلق اللّٰه دعوا يا لثارات الحسين.
فأصبح من الغد و قد أتاه نحو مما في عسكره، ثمّ نظر في ديوانه فوجدهم ستة عشر ألفاً ممن بايعه فقال: سبحان اللّٰه ما وافانا من ستة عشر ألفاً إلاّ أربعة
1) . لقد سبق أنّه أوّل من دعا به، هو امرأة من بني بكر بن وائل يوم عاشورا عند إضرام النار في الخيام.
آلاف. فأقام بالنخيلة ثلاثاً يبعث إلى من تخلف عنه فخرج إليه نحو من ألف رجل. ثمّ قام سليمان في أصحابه فقال:
أيّها الناس من كان خرج، يريد بخروجه وجه اللّٰه و الآخرة فذلك منّا، و نحن منه، و من كان يريد الدنيا فو الله ما نأتي فيئاً نأخذه و غنيمة نغنمها ما خلا رضوان اللّٰه. فتنادى أصحابه من كل جانب: إنّا لا نطلب الدّنيا و إنّما خرجنا نطلب التوبة و الطلب بدم ابن بنت رسول اللّٰه نبينا صلى الله عليه و آله و سلم.
فسار سليمان عشية يوم الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة خمس و ستين فوصل دار الأهواز، ثمّ ساروا فانتهوا إلى قبر الحسين فلمّا دخلوا صاحوا صيحة واحدة فما رئي أكثر باكياً من ذلك اليوم فترحموا عليه و تابوا عنده من خذلانه، و ترك القتال معه، و أقاموا عنده يوماً و ليلة يبكون و يتضرعون و يترحمون عليه و على أصحابه، و كان قولهم عند ضريحه: «اللّهمّ ارحم حسيناً الشهيد ابن الشهيد المهدي ابن المهدي، الصديق ابن الصديق، اللّهمّ إنّا نشهدك إنّا على دينهم و سبيلهم و أعداء قاتليهم، و أولياء محبيهم. اللّهمّ إنّا خذلنا ابن بنت نبينا صلى الله عليه و آله و سلم فاغفر لنا ما مضى، منّا و تب علينا و ارحم حسيناً و أصحابه الشهداء الصديقين و إنّا نشهدك أنّا على دينهم، و على ما قتلوا عليه. و إن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكوننّ من الخاسرين.
و زادهم النظر إليه حنقاً.
ثمّ ساروا بعد أن كان الرجل يعود إلى ضريحه كالمودع له، فازدحم الناس عليه أكثر من ازدحامهم على الحجر الأسود، ثمّ أخذوا على الأنبار و كتب إليهم عبد اللّٰه بن يزيد كتاباً يثبطّهم عن السير إلى الشام و قتال العدو و لما وصل الكتاب إلى سليمان قرأه على أصحابه، فكتب إليه جواباً - بعد أن شكره و أثنى عليه -: أنّ القوم قد استبشروا ببيعهم أنفسهم من ربّهم، و أنّهم قد تابوا من عظيم ذنبهم و توجهوا إلى اللّٰه و توكلوا عليه و رضوا بما قضى اللّٰه عليهم.
ثمّ ساروا حتى انتهوا إلى «قرقيسيا» على تعبئة و بها زفر بن الحارث الكلابي و قد فتح باب حصنه بعد ما عرف أن فيهم المسيّب بن نجبة فأخرج لهم سوقاً و أمر للمسيب بألف درهم و فرس، فردّ المال و أخذ الفرس و قال: لعلّي أحتاج إليه إن عرج فرسي، و بعث «زفر» إليهم، بخبز كثير و علف و دقيق حتى استغنى الناس عن السوق.
ثمّ ارتحلوا من الغد، و خرج «زفر» يشيّعهم و قال لسليمان أنّه قد سار خمسة أُمراء من الرقة هم: الحصين بن نمير، و شرحبيل بن ذي الكلاع، و أدهم بن محرز، و جبلة بن عبد اللّٰه الخثعمي، و عبيد اللّٰه بن زياد، في عدد كثير مثل الشوك و الشجر، ثمّ اقترح عليهم أن ينزلوا بديرهم حتى يكونوا يد واحدة على العدو الشاميين، فإذا جاءنا هذا العدو، قاتلناهم جميعاً. فلم يقبل سليمان و قال: قد طلب أهل مصر ذلك منّا فأبينا عليهم. ثمّ ساروا مجدّين فانتهوا إلى عين الوردة فنزلوا غربيّها و أقاموا خمساً فاستراحوا و أراحوا.
و أقبل أهل الشام في عساكرهم حتى كانوا من عين الوردة على مسيرة يوم و ليلة، فقام سليمان في أصحابه و ذكر الآخرة و رغب فيها ثمّ قال: أمّا بعد فقد أتاكم عدوكم الذي دأبتم إليه في السير آناء الليل و النهار، فإذا لقيتموهم فأصدقوهم القتال و اصبروا إنّ اللّٰه مع الصابرين ثمّ قال: إن أنا قتلت فأمير الناس مسيب بن نجبة، فإن قتل، فالأمير عبد اللّٰه بن سعد بن نفيل، فإن قتل، فالأمير عبد اللّٰه بن وال، فإن قتل، فالأمير رفاعة بن شداد، رحم اللّٰه امرأً صدق ما عاهد اللّٰه عليه.
كان أدنى عسكر من عساكر الشام هو عسكر شرحبيل بن ذي الكلاع، و كان على رأس ميل فسار المسيّب و من معه مسرعين فأشرفوا عليهم و هم غارّون، فحملوا في جانب عسكرهم فانهزم العسكر و أصحاب المسيب منهم رجالاً فأكثروا فيهم الجراح و أخذوا الدواب و خلّى الشاميون عسكرهم و انهزموا، فغنم منه
أصحاب المسيّب ما أرادوا ثمّ انصرفوا إلى سليمان موفورين.
و بلغ الخبر ابن زياد فسرّح الحصين بن نمير مسرعاً حتى نزل في اثني عشر ألفاً، فخرج أصحاب سليمان إليه لأربع بقين من جمادي الأُولى، و على ميمنتهم عبد اللّٰه بن سعد، و على ميسرتهم المسيّب بن نجبة و سليمان في القلب، و جعل الحصين على ميمنته جملة بن عبد اللّٰه(1)، و على ميسرته ربيعة بن المخارق الغنوي فلمّا دنا بعضهم من بعض دعاهم أهل الشام إلى الجماعة على عبد الملك بن مروان، و دعاهم أصحاب سليمان إلى خلع عبد الملك و تسليم عبيد اللّٰه بن زياد إليهم و أنّهم يخرجون من بالعراق من أصحاب ابن الزبير ثمّ يرد الأمر إلى أهل بيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم فأبى كل منهم، فحملت ميمنة سليمان على ميسرة الحصين، و الميسرة أيضاً على الميمنة، و حمل سليمان في القلب على جماعتهم، فانهزم أهل الشام إلى عسكرهم، و ما زال الظفر لأصحاب سليمان إلى أن حجز بينهم الليل.
فلمّا كان الغد صبّح الحصين جيش مع ابن ذي الكلاع ثمانية آلاف، أمدهم بهم عبيد اللّٰه بن زياد، و خرج أصحاب سليمان فقاتلوهم قتالاً لم يكن أشد منه جميع النهار، لم يحجز بينهم إلاّ الصلاة، فلمّا أمسوا تحاجزوا و قد كثرت الجراح في الفريقين، و طاف القصّاص على أصحاب سليمان يحرضونهم.
فلمّا أصبح أهل الشام أتاهم أدهم بن محرز الباهلي في نحو من عشرة آلاف من ابن زياد، فاقتتلوا يوم الجمعة قتالاً شديداً إلى ارتفاع الضحى، ثمّ إنّ أهل الشام كثروهم و تعطفوا عليهم من كل جانب، و رأى سليمان ما لقي أصحابه، فنزل و نادى: عباد اللّٰه من أراد البكور إلى ربّه و التوبة من ذنبه فإلي. ثمّ كسر جفنة سيفه و نزل معه ناس كثير و كسروا جفون سيوفهم و مشوا معه، فقاتلوهم، فقتل من أهل الشام مقتلة عظيمة و جرحوا فيهم فأكثروا الجراح. فلمّا رأى الحُصين صبرهم
1) . كذا في النسخة.
و بأسهم، بعث الرجّالة ترميهم بالنبل و اكتنفتهم الخيل و الرجال، فقتل سليمان، رحمه اللّٰه، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع ثمّ وثب ثمّ وقع.
فلمّا قُتل سلمان أخذ الراية المسيب بن نجبة و ترحّم على سليمان ثمّ تقدّم فقاتل بها ساعة ثمّ رجع ثمّ حمل. فعل ذلك مراراً، ثمّ قتل، رحمه اللّٰه، بعد أن قتل رجالاً.
فلمّا قتل أخذ الراية عبد اللّٰه بن سعد بن نفيل و ترحّم عليهما، ثمّ قرأ: «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مٰا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً» و حفّ به من كان معه من الأزد. فبينما هم في القتال أتاهم فرسان ثلاثة من سعد بن حذيفة، يخبرون بمسيرهم في سبعين و مائة من أهل المدائن، و يخبرون أيضاً بمسير أهل البصرة مع المثنى بن مخربة العبدي في ثلاثمائة، فسر الناس فقال عبد اللّٰه بن سعد: ذلك لو جاءُونا و نحن أحياء.
فلمّا نظر الرسل إلى مصارع إخوانهم ساءهم ذلك و استرجعوا و قاتلوا معهم، و قتل عبد اللّٰه بن سعد بن نفيل، قتله ابن أخي ربيعة بن مخارق، و حمل خالد بن سعد بن نفيل على قاتل أخيه فطعنه بالسيف، و اعتنقه الآخر فحمل أصحابه عليه فخلّصوه بكثرتهم و قتلوا خالداً، و بقيت الراية ليس عندها أحد، فنادوا عبد اللّٰه بن وال فإذا هو قد اصطلى الحرب في عصابة معه، فحمل رفاعة بن شداد فكشف أهل الشام عنه، فأتى فأخذ الراية و قاتل ملياً ثمّ قال لأصحابه: من أراد الحياة التي ليس بعدها موت، و الراحة التي ليس بعدها نصب، و السرور الذي ليس بعده حزن، فليتقرب إلى اللّٰه بقتال هؤلاء المحلّين، و الرواح إلى الجنّة، و ذلك عند العصر فحمل هو و أصحابه فقتلوا رجالاً و كشفوهم.
ثمّ إنّ أهل الشام تعطفوا عليهم من كل جانب حتى ردوهم إلى المكان الذي كانوا فيه، و كان مكانهم لا يؤتى إلاّ من وجه واحد، فلما كان المساء تولى
قتالهم أدهم بن محرز الباهلي فحمل عليهم في خيله و رجله، فوصل ابن محرز إلى ابن وال و هو يتلو: «وَ لاٰ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ أَمْوٰاتاً» الآية، فغاظ ذلك أدهم بن محرز فحمل عليه، فضرب يده فأبانها ثمّ تنحى عنه و قال: إنّي أظنك وددت أنّك عند أهلك. قال ابن وال: بئس ما ظننت، و اللّٰه ما أحبّ أنّ يدك مكانها إلاّ أن يكون لي من الأجر مثل ما في يدي ليعظم وزرك و يعظم أجري. فغاظه ذلك أيضاً، فحمل عليه و طعنه فقتله و هو مقبل ما يزول. و كان ابن وال من الفقهاء العبّاد.
فلمّا قتل أتوا رفاعة بن شداد البجليّ و قالوا: لتأخذ الراية. فقال: ارجعوا بنا لعلّ اللّٰه يجمعنا ليوم شرهم. فقال له عبد اللّٰه بن عوف بن الأحمر: هلكنا و اللّٰه، لئن انصرفت ليركبنّ أكتافنا فلا نبلغ فرسخاً حتى نهلك عن آخرنا، و إن نجا منّا ناج أخذته العرب يتقرّبون به إليهم فقتل صبراً، هذه الشمس قد قاربت الغروب فنقاتلهم على خيلنا، فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أوّل الليل و سرنا حتى نصبح و نسير على مهل، و يحمل الرجل صاحبه و جريحه و نعرف الوجه الذي نأخذه. فقال رفاعة: نعم ما رأيت، و أخذ الراية و قاتلهم قتالاً شديداً، ورام أهل الشام إهلاكهم قبل الليل فلم يصلوا إلى ذلك لشدّة قتالهم، و تقدّم عبد اللّٰه بن عزير الكناني فقاتل أهل الشام و معه ولده محمد و هو صغير، فنادى بني كنانة من أهل الشام و سلّم ولده إليهم ليوصلوه إلى الكوفة، فعرضوا عليه الأمان، فأبى ثمّ قاتلهم حتى قتل.
و تقدّم كرب بن يزيد الحميري عند المساء في مائة من أصحابه فقاتلهم أشد قتال، فعرض عليه و على أصحابه ابن ذي الكلاع الحميري الأمان، قال: قد كنّا آمنين في الدنيا و إنّما خرجنا نطلب أمان الآخرة، فقاتلوهم حتى قتلوا و تقدّم صخر ابن هلال المزني في ثلاثين من مزينة فقاتلوا حتى قتلوا.
فلما أمسوا رجع أهل الشام إلى معسكرهم، و نظر رفاعة إلى كل رجل قد
عُقِر به فرسُه و جُرِح فدفعه إلى قومه ثمّ سار بالناس ليلته، و أصبح الحصين ليلتقيهم فلم يرهم، فلم يبعث في آثارهم، و ساروا حتى أتوا قرقيسيا فعرض عليهم زفر الإقامة، فأقاموا ثلاثاً، فأضافهم ثمّ زودهم و ساروا إلى الكوفة.
ثمّ أقبل سعد بن حذيفة بن اليمان في أهل المدائن فبلغ «هيت» فأتاه الخبر، فرجع فلقي المثنى بن مخربة العبدي في أهل البصرة بصندوداء، فأخبره، فأقاموا حتى أتاهم رفاعة فاستقبلوه، و بكى بعضهم إلى بعض و أقاموا يوماً و ليلة ثمّ تفرقوا، فسار كل طائفة إلى بلدهم.
و لما بلغ رفاعة الكوفة كان المختار محبوساً، فأرسل إليه: أمّا بعدّ فمرحباً بالعصبة الذين عظّم اللّٰه لهم الأجر، حين انصرفوا و رضي فعلهم حين قُتِلوا، أما و ربّ البيت ما خطا خاط منكم خطوة، و لا ربا ربوة، إلاّ كان ثواب اللّٰه له أعظم من الدنيا. إنّ سليمان قد قضى ما عليه، و توفّاه اللّٰه، و جعل وجهه مع أرواح النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين، و لم يكن بصاحبكم الذي به تنصرون، إنّي أنا الأمير المأمور، و الأمين المأمون، و قاتل الجبارين، و المنتقم من أعداء الدين، المقيّد من الأوتار، فأعدوا و استعدوا و أبشروا، أدعوكم إلى كتاب اللّٰه، و سنّة نبيه، و الطلب بدم أهل البيت، و الدفع عن الضعفاء و جهاد المحلين، و السلام»(1).
هذه هي ثورة التوابين، المشرقة، و هممهم العالية، و تفاديهم في سبيل الهدى، و قد بُذل لهم الأمان فلم يقبلوا فقد:
«صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ»(2)فقد قاموا بواجبهم فما رجع منهم إلاّ قليل بعد اليأس من الغلبة على العدو فرجعوا إلى أوطانهم و لحقوا بعشائرهم و بذلك ابتغوا أنّ الوظيفة بعد باقية، على عاتقهم.
و هناك كلمة قيمة للمحقّق شمس الدين نأت بها: «لقد اعتبر التوابون أنّ
المسئول الأوّل و الأهم عن قتل الحسين عليه السلام هو النظام، و ليس الأشخاص و كانوا مصيبين في هذا الاعتقاد و لذا نراهم توجّهوا إلى الشام و لم يلقوا بالاً إلى من في الكوفة من قتلة الحسين عليه السلام(1).
إنّ هذه الثورة قد انبعثت عن شعور بالإثم و الندم، و عن رغبة في التكفير فمن يقرأ أقوالهم و كتبهم و خطبهم، يلمس فيها الشعور العميق بالإثم و الندم، و الرغبة الحارة عن التكفير، و كونها صادرة عن هذه البواعث، جعلها ثورة انتحارية فالثائرون يريدون الانتقام و التكفير - و مع ذلك - إنّها أثّرت في مجتمع الكوفة تأثيراً عميقاً فقد عبّأت خطبُ قادات هذه الثورة و شعاراتهم، الجماهير في الكوفة للثورة على الحكم الأموي.
1) . محمد مهدي شمس الدين: ثورة الحسين: 264.
المختار هو ابن أبي عبيدة بن مسعود بن عمرو بن عوف بن عبدة بن عوف ابن ثقيف الثقفي، ولد عام الهجرة و قد جاء أبوه به إلى علي عليه السلام و هو صغير و أجلسه على فخذه و قال له و هو يمسح على رأسه: «يا كيّس! يا كيّس!» و لذا لُقّبَ بالكيسان(1).
إنّ ثورة المختار الثقفي من الثورات الانتقامية التي أثلجت قلوب بني هاشم إذ ما امتشطت هاشمية و لا اختضبت، حتى أخذ المختار ثأر الحسين من قتلته، و لما وقف الإمام علي بن الحسين عليهما السلام على ما جرى على أعداء أبيه بيد المختار خرّ ساجداً و قال: الحمد للّٰه الذي أدرك لي ثأري من أعدائي و جزى المختار خيرا(2).
و هناك سؤال يطرح نفسه و هو أنّ المختار كان من أهل الولاء لأهل البيت عليهم السلام فلما ذا لم يُشارك في جيش الإمام عليه السلام و لم يقاتل أمامه و لكن التاريخ يجيبك عن هذا السؤال، و هو أنّ الرجل جاء لنصرة الإمام لكن قبض عليه و حيل بينه و بين أُمنيته.
يذكر المؤرخون أنّ مسلم بن عقيل عليه السلام خرج قبل الأجل الذي كان بينه و بين أصحابه منهم المختار بن أبي عبيدة، و كان في قرية تدعى «لقفا» فبلغه ما جرى على مسلم فجاء بمواليه إلى الكوفة يحمل راية خضراء و معه عبد اللّٰه بن الحارث رافعاً لواء أحمر، فانتهى إلى باب الفيل و وضح لديهما قتل مسلم و هانئ و أُشير عليهما بالدخول تحت راية عمرو بن حريث ليسلما على دمهما، ففعلا و حفظ دمهما ابن حريث بشهادته عند ابن زياد باجتنابهما مسلم بن عقيل، فقبل منه بعد أن شتم المختار و استعرض وجهه بالقضيب فشتر(1)عينه، ثمّ أمر بهما فسجنا و بقيا في السجن إلى أن قتل الحسين عليه السلام فكتب المختار إلى عبد اللّٰه بن عمر ابن الخطاب و كان زوج أُخته (صفية) أن يشفع له عند يزيد بن معاوية ففعل و شفعه يزيد و أمر ابن زياد بإطلاقه من السجن بعد أن أجّله بالكوفة ثلاثاً ليخرج إلى الحجاز و إلاّ أعاده إلى السجن(2).
خرج المختار إلى الحجاز و أقام هناك خمسة أشهر و اجتمع مع ابن الزبير لخروجه على يزيد و كفاحه ضد الأمويين و هذه هي النقطة التي كان المختار و عبد اللّٰه بن الزبير و كثير من المعارضين يشتركون فيها حتى الخوارج. مكث عنده شهوراً و أياماً و لكن لم يجد بغيته فيه، و مع ذلك كلّه قاتل الشاميين جنود الطاغية تحت راية عبد اللّٰه بن الزبير، و هذا يدلّ على خلوصه في مكافحته الأمويين و قد ذكر الطبري شيئاً كثيراً من بطولته و قتاله ضد الشاميين نقتطف منه ما يلي:
مكث المختار مع عبد اللّٰه بن الزبير حتى شاهد الحصار الأوّل حين قدم الحُصين بن النمير السكوني مكة فقاتل في ذلك اليوم، فكان من أحسن الناس يومئذ بلاء و أعظمهم عناء، و لما قتل المنذر بن الزبير و المسور بن مخرمة و مصعب بن
عبد الرحمن بن عوف الزهري، نادى المختار: يا أهل الإسلام! إليّ إليّ أنا ابن أبي عبيد بن مسعود، و أنا ابن الكرار لا الفرار، أنا ابن المقدمين غير المحجمين. إليّ يا أهل الحفاظ و حماة الأوتار، فحمى الناس يومئذ و أبلى و قاتل قتالاً حسناً ثمّ أقام مع ابن الزبير في ذلك الحصار حتى كان يوم أُحرق البيت، فإنّه أُحرق يوم السبت لثلاث مضين من شهر ربيع الأوّل سنة 64 ه فقاتل المختار يومئذ في عصابة معه نحواً من ثلاثمائة أحسن قتال قاتله أحد من الناس إن كان ليقاتل حتى يتبلّد ثمّ يجلس و يحيط به أصحابه، فإذا استراح نهض فقاتل، فما كان يتوجه نحو طائفة من أهل الشام إلاّ ضاربهم حتى يكشفهم(1).
و قد ذكر الطبري شيئاً كثيراً من هذه البطولات أيّام إقامته في مكة مع ابن الزبير قبل مهلك يزيد و بعده.
و لما بلغ نعي يزيد إليه غادر مكة إلى الكوفة للطلب بدم شهيد الطف و إنّما اختار الكوفة لأنّ هناك مجتمع أنصاره و أعدائه، و لما نزل الكوفة اجتمع حوله كثير من الشيعة، يقول المسعودي: نزل ناحية من الكوفة و جعل يظهر البكاء على الطالبيين و شيعتهم، و يظهر الحنين و الجزع لهم و يحثُّ على أخذ الثار فمالت إليه الشيعة و انضافوا إلى جملته(2)و لما بلغ إلى ابن الزبير التفاف الشيعة حول المختار و أنّه بصدد الخروج أحسّ خطراً و أنّه سوف يخرج العراق من يده، و قد كان العراق تحت قدرته، فرأى أنّ التفاف الناس حول المختار يرجع إلى عدم كفاءة عامله، فحاول إبداله بعامل آخر لم يكن في اللباقة أحسن منه فاستعمل عبد اللّٰه بن مطيع بالكوفة، و كان قدومه في رمضان لخمس بقين منه، و لما قدم صعد المنبر و خطبهم
و قال: أمّا بعد فإنّ أمير المؤمنين (ابن الزبير) بعثني على مصركم و ثغوركم و أمرني بجباية فيئكم و أن لا أحمل فضل فيئكم عنكم إلاّ برضا منكم، و أن أتّبع وصية عمر ابن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، و سيرة عثمان بن عفان فاتقوا اللّٰه و استقيموا و لا تختلفوا و خذوا على أيدي سفهائكم فإن لم تفعلوا فلوموا أنفسكم و لا تلوموني، فو الله لأُوقعنَّ بالسقيم العاصي، و لأُقيمنّ درع الأصعر المرتاب(1).
و لو كان كلامه مقياساً لشعوره و دهائه و سياسته، فهذه الخطابة التي ألقاها، دليل على عدم تعرفه على بيئته، و النفسيات الحاكمة على سكانها فإنّ ما ذكره إنّما كان يتجاوب مع أفكار قليل من أهل الكوفة الذين كانوا يتجاوبون مع بني أُمية و يحبّون خطهم، و أمّا الأكثرية الساحقة، فكانوا على خلاف تلك الفكرة.
و لأجل ذلك قام السائب بن مالك الأشعري و لم يمهله لإتمام كلامه و قال: «أمّا حمل فيئنا برضانا فإنّا نشهد أنّا لا نرضى أن يحمل عنّا فضله، و أن لا يقسم إلاّ فينا، و أن لا يُسار فينا إلاّ بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا هذه حتى هلك، و لا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا و لا في أنفسنا، و لا في سيرة عمر بن الخطاب فينا و إن كانت أهون السيرتين علينا و كان يفعل بالناس خيرا».
فقال يزيد بن أنس: صدق السائب و برّ، و عندئذ تنبه عبد اللّٰه بن مطيع أنّ كلامه لم يكن بليغاً مطابقاً لمقتضى الحال فعاد بتلطيف ما سبق و قال: نسير فيكم بكل سيرة أحببتموها ثمّ نزل(2).
لمس المختار ما تتبناه الأكثرية الساحقة من أهل الكوفة و العراق و لم يكن آنذاك في وسعه تحقيق العدل الاجتماعي الذي سار به علي عليه السلام في أيامه، و لكن كانت فيه مقدرة عظيمة على أخذ الثأر حتى يتمكن من الأخذ بمجامع القلوب.
و تتميز ثورة المختار عن ثورة التوابين بأنّ ثورة هؤلاء كانت متوجّهة على النظام الأموي بالذات دون الذين ارتكبوا الجرائم بالمباشرة، و ذلك لاعتقادهم بأنّ النظام هو الأساس لقتل الحسين عليه السلام دون الأشخاص العملاء، فلا بد من السعي لقطع جذور السبب قبل مكافحة المسبب، فلأجل ذلك تركوا الكوفة و فيها قتلة الحسين عليه السلام فتوجهوا إلى الشام و قد استشهد كثير منهم في معركة الحرب مع الشاميين و تراجع القليل منهم إلى الكوفة و على رأسهم رفاعة بن شداد الأمير الأخير لهم، و تفرقوا في عشائرهم.
أمّا المختار فقد كانت ثورته متوجهه بالذات إلى القتلة، و تطهير أرض العراق من جراثيم العيث و الفساد من الأمويين، و أمّا الذي حداه إلى اتّخاذ هذا الأُسلوب في ثورته هو أنّ العراقيين قد استجابوا لابن الزبير و بايعوه و طردوا عامل الأمويين من الكوفة باسم عمرو بن حريث، و ذلك قبل خروج المختار، و كانت أُمنيتهم من تلك البيعة أمرين:
1 - تحقيق العدل الاجتماعي و السير وراء الإصلاح الذي قام به الإمام علي عليه السلام.
2 - أخذ الثأر من قاتل الإمام الحسين عليه السلام.
أمّا الأمر الأوّل فلم يتحقّق منه شيء واضح حتى يقنع العراقيين، و أمّا الثاني فكان على طرف النقيض من أُمنيتهم حيث كانت هياكل الإثم كعمر بن سعد و شمر بن ذي الجوشن و شبث بن ربعي و غيرهم مقربين إلى السلطة، فصار ذلك سبباً لتسرّب الضعف إلى سلطان ابن الزبير في القلوب فكانوا يتحيّنون الفرص للخروج عن بيعته و إقامة نظام جديد يحقّق العدل الاجتماعي الذي مارسوه في
عهد الإمام علي و أخذ الثأر من قتلة الإمام.
نهض المختار و الشيعة هم الأغلبية الساحقة على الكوفة - غير راضين من سلطة ابن الزبير و عامله في الكوفة عبد اللّٰه بن مطيع و اجتمعت الشيعة حول المختار و اتفقوا على الرضا به و لم يزل أصحابه يكثرون، و أمره يقوى.
إنّ ثورة المختار كانت ثورة وهاجة أنارت الطريق للثائرين الآتين بعده، غير أنّ حولها إبهامات و تأملات أهمها كونها مبعوثة أو مدعمة من جانب ابن الحنفية مع أنّ الإمام القائم مقام الحسين و وليه و سلطان دمه هو علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام و لعلّ اتصاله بابن الحنفية لأجل أنّه قام بالأمر و قد مضت خمس سنين من شهادة الإمام و كان محمد الحنفية شخصية معروفة من عصر الإمام علي و يعد من علماء أهل البيت فاستجاز منه حتى يتخذه رصيداً لثورته و لا يعد ذلك دليلاً على أنّه كان معتقداً بإمامته على أنّه لم يظهر لابن الحنفية أية دعوة لنفسه، و لو رمي بالدعوة فإنّما هو من أساطير المخالفين لأجل تشويه سمعته و التشكيك في قلوب الشيعة، مع أنّ المختار أرسل الرسل و رءوس القتلة إلى علي بن الحسين عليه السلام أثناء ثورته كما سيوافيك.
خرج المختار بعد مناوشات و اشتباكات بينه و بين عبد اللّٰه بن مطيع، عامل ابن الزبير في الكوفة حتى غلب عليه المختار، فدخل المختار القصر و بات فيه و أصبح أشراف الناس في المسجد و على باب القصر و خرج المختار فصعد المنبر فحمد اللّٰه و أثنى عليه و قال:
«الحمد للّٰه الذي وعد وليه النصر، و عدوّه الخسر، و جعله فيه إلى آخر الدهر وعداً مفعولاً، و قضاءً مقضياً و قد خاب من افترى، أيّها الناس إنّا رفعت لنا راية و مدّت لنا غاية فقيل لنا في الراية أن ارفعوها، و في الغاية أن أجروا إليها و لا تعدوها، فسمعنا دعوة الداعي و مقالة الواعي.
ثمّ نزل و دخل عليه أشراف الكوفة فبايعوه على كتاب اللّٰه و سنّة رسول اللّٰه و الطلب بدماء أهل البيت و جهاد المحلّين و الدفع عن الضعفاء و قتال من قاتلنا و سلم من سالمنا(1).
و أقبل المختار يمني الناس و يستجرّ مودة الأشراف و يحسن السيرة، و قيل له: إنّ عبد اللّٰه بن مطيع في دار أبي موسى، فسكت فلمّا أمسى بعث له بمائة ألف درهم و قال: تجهّز بهذه فقد علمت مكانك و أنّك لم يمنعك من الخروج إلاّ عدم النفقة و كان بينهما صداقة(2).
نهض المختار بالكوفة لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل سنة 66 ه و بقي إلى شهر رمضان من سنة 67 ه و كانت ولايته ما يقارب 18 شهراً فجدّ في الأمر و بالغ في النصرة و تتبّع أُولئك الأرجاس و قد أخذ الثأر من قتلة الحسين عليه السلام.
و نذكر هنا شيئاً قليلاً من قتاله و كفاحه في ساحة الأخذ بالثأر:
كان عامل المختار على الموصل عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني فزحف إليه عبيد اللّٰه بن زياد بعد قتله سليمان بن صرد (الأمير الأوّل للتوابين)، فحاربه عبد الرحمن و كتب إلى المختار بخبره. فوجّه إليه يزيد بن أنس، ثمّ وجّه إبراهيم بن مالك بن الحارث الأشتر، فلقي عبيد اللّٰه بن زياد فقتله، و قتل الحصين ابن نمير السكوني، و شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري، و حرق أبدانهما بالنار و أقام والياً على الموصل و أرمينية و آذربيجان من قبل المختار و هو على العراق والٍ، و وجّه
برأس عبيد اللّٰه بن زياد إلى علي بن الحسين إلى المدينة مع رجل من قومه، و قال له: قف بباب علي بن الحسين فإذا رأيت أبوابه قد فتحت و دخل الناس فذاك الوقت الذي يوضع فيه طعامه، فادخل إليه، فجاء الرسول إلى باب علي بن الحسين عليهما السلام فلمّا فتحت أبوابه و دخل الناس للطعام، نادى بأعلى صوته: يا أهل بيت النبوة، و معدن الرسالة، و مهبط الملائكة و منزل الوحي أنا رسول المختار بن أبي عبيد معي رأس عبيد اللّٰه بن زياد، فلم تبق في شيء من دور بني هاشم امرأة إلاّ صرخت، و دخل الرسول فأخرج الرأس فلمّا رآه علي علي بن الحسين قال: أبعده اللّٰه إلى النار.
و روى بعضهم أنّ علي بن الحسين عليهما السلام لم يُرَ ضاحكاً يوماً قط، منذ قتل أبوه، إلاّ في ذلك اليوم، و أنّه كان له إبل تحمل الفاكهة من الشام، فلمّا أُتي برأس عبيد اللّٰه بن زياد أمر بتلك الفاكهة ففرقت في أهل المدينة، و امتشطت نساء آل رسول اللّٰه، و اختضبن، و ما امتشطت امرأة و لا اختضبت منذ قتل الحسين بن علي عليهما السلام.
و تتبّع المختار قتلة الحسين فقتل منهم خلقاً عظيماً، حتى لم يبق منهم كثير أحدٍ، و قتل عمر بن سعد و غيره، و حرق بالنار، و عذب بأصناف العذاب(1).
و قد جاء الجزري بتفصيل قتل قادة الجيش الأموي في كربلاء. قال:
و كان عمرو بن الحجاج الزبيدي ممن شهد قتل الحسين فركب راحلته، و قيل أدركه أصحاب المختار و قد سقط من شدّة العطش فذبحوه و أخذوا رأسه.
و بعث المختار غلاماً له يدعى زربى في طلب شمر بن ذي الجوشن و معه أصحابه أحاطوا بالبيت الذي فيه شمر، و قام شمر و قد اتّزر ببرد و كان أبرص فظهر بياض برصه من فوق البرد و هو يطاعنهم بالرمح و قد عجّلوه عن لبس ثيابه و سلاحه،
1) . اليعقوبي: التاريخ: 259/2.
و كان أصحابه قد فارقوه فلمّا أبعدوا عنه، سمعوا التكبير و قائلاً يقول: قتل الخبيث، قتله ابن أبي الكنود و أُلقيت جثته للكلاب(1).
ثمّ أُرسل إلى خولي بن يزيد الأصبحي و هو صاحب رأس الحسين عليه السلام فاختفى في مخرجه فدخل أصحاب المختار يفتّشون عنه، فخرجت امرأته، و اسمها العيوف بنت مالك، و كانت تعاديه منذ جاء برأس الحسين فقالت لهم:
ما تريدون؟ فقالوا لها: أين زوجك؟ قالت: لا أدري، و أشارت بيدها إلى المخرج فدخلوا فوجدوه و على رأسه قَوْصرّة فأخرجوه و قتلوه إلى جانب أهله و أحرقوه بالنار.
و بعث المختار أبا عمرة إلى عمر بن سعد فأتاه و قال: أجب الأمير فقام عمر، فعثر في جبة له، فضربه أبو عمرة بسيفه فقتله و أخذ رأسه فأحضره عند المختار، فقال المختار لابنه «حفص بن عمر» و هو جالس عنده: أ تعرف من هذا؟ قال: نعم و لا خير في العيش بعده فأمر به فقتل، و قال المختار: هذا بحسين، و هذا بعلي بن الحسين و لا سواء، و اللّٰه لو قتلتُ به ثلاثة أرباع قريش، ما وفوا أُنملة من أنامله، ثمّ بعث برأسه و رأس ابنه إلى ابن الحنفية و كتب إليه يعلمه أنّه قد قتل من قدر عليه و إنّه في طلب الباقين ممن حضر القتل(2).
ثمّ إنّ المختار أرسل إلى حكيم بن طفيل الطائي، و كان أصاب سلب العباس بن علي و رمى الحسين بسهم. كما بعث إلى قاتل علي بن الحسين و هو مرّة ابن منقذ فأحاطوا بداره، فخرج إليهم على فرسه و بيده رمحه فطاعنهم فضُرب على يده و هرب منهم فنجا و لحق بمصعب بن الزبير و شلّت يده بعد ذلك.
و طلب المختار سنان بن أنس الذي كان يدّعي قتل الحسين فرآه قد هرب إلى البصرة فهدم داره، كما أرسل إلى محمد بن الأشعث و لم يجده و قد كان هرب إلى
مصعب، فهدم المختار داره و بنى بلبنها و طينها دار حجر بن عدي الكندي، كان زياد قد هدمها(1).
و في الختام نذكر عمله القيم الذي أنجى به لفيفاً من أهل بيت النبي الأكرم من الإحراق بالنار.
إنّ عبد اللّٰه بن الزبير حبس محمد الحنفية و أصحابه بزمزم و توعدهم بالقتل و الإحراق و إعطاء اللّٰه عهداً إن لم يُبايعوا أن ينفذ فيهم ما توعّدهم به، و ضرب لهم في ذلك أجلاً.
فأشار بعض من كان مع ابن الحنفية عليه، أنّ يبعث إلى المختار يعلمه حالهم فكتب إلى المختار بذلك و طلب منه النجدة فقرأ المختار الكتاب على الناس، فبكى الناس و قالوا: سرّحنا إليه، و عجّل، فبعث إليهم ثمانمائة راكب من أهل القوة، حتى دخلوا المسجد الحرام و معهم الرايات و هم ينادون يا لثارات الحسين حتى انتهوا إلى زمزم، و قد أعدّ ابن الزبير الحطب ليحرقهم، و كان قد بقي من الأجل يومان، فكسروا الباب، و دخلوا على ابن الحنفية يستأذنون القتال و هو يقول:
إنّي لا أستحلّ القتال في الحرم. فخافهم ابن الزبير و تركهم. و خرج محمد بن الحنفية و من معه إلى شعب علي و هم يسبّون ابن الزبير و يستأذنون محمداً فيه فأبى عليهم فاجتمع في الشعب أربعة آلاف رجل فقسّم بينهم المال و عزوا و امتنعوا(2).
و نقل الجزري أنّ ابن عباس كان أيضاً محبوساً مع محمد الحنفية فأزال جيش المختار الضرر عن كليهما، و لما قتل المختار قوى عليهما ابن الزبير فخرجا إلى الطائف و لما وصل ابن عباس إلى الطائف توفي به و صلّى عليه ابن الحنفية(3).
كان المختار يسيطر على قسم كبير من أراضي العراق من الكوفة إلى الموصل و غيرهما و كان أمامه عدوين غاشمين: أحدهما عبد اللّٰه بن الزبير حيث كان يحكم على العراق كله غير أنّه أخرج المختار عامله من الكوفة و بقيت البصرة بيد عامله مصعب بن الزبير، ثانيهما عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي الذي كانت بيده مفاتيح الأقطار الإسلامية غير العراق و الحجاز.
و كان مصعب يتحيّن الفرصة للهجوم على الكوفة و عزل المختار و كان عبد اللّٰه يشجّعه على ذلك ناسياً عمله المشرق عند ما ضرب جيش الشام الحصار على ابن الزبير، فقد حارب المختار ذلك الجيش المكثَّف أياماً عديدة، و لكن الملك عقيم. هذا من جانب.
و من جانب آخر أنّ المختار تتبّع قتلة الحسين عليه السلام بيتاً بيتاً و جدّ في الأمر، و قتل أُولئك الأرجاس، و لأجل فتكه و قتله، هرب قسم من أشراف الكوفة الذين كان لهم يد في قتل الحسين عليه السلام منهم شبث بن ربعي، حيث ورد البصرة على هيئة خاصة يحرض والي البصرة على قتال المختار و هو في عمله هذا اتّبع ضمضم بن عمرو الغفاري عند ما أرسله أبو سفيان ليخبر قريشاً بالخطر الذي يحدق بتجارتهم، فاستأجر ذلك الرجل و أمره بأن يجدع بعيره، و يقطع رحله و يشقّ قميصه من قبله و دبره، و يصيح: الغوث الغوث.
قام شبث بن ربعي بنفس ذلك العمل (و الجنس إلى الجنس يميل) جاء راكباً بغلة قد قطع ذنبها و قطع أطراف أُذنها في قباء مشقوق و هو ينادي: وا غوثاه، فقال الأشراف الهاربون إلى البصرة لمصعب: سر بنا إلى محاربة هذا الرجل الذي هدم دورنا و أخذوا يحرضونه على ذلك.
فجاء مصعب بجيش كثيف و قد وقعت بينهما حروب طاحنة في أقطار متعددة إلى أن انحسر المختار إلى الكوفة، و تخبّأ بالقصر.
فحاصره ابن الزبير بقصر الإمارة مع أربعمائة رجل من أصحابه أياماً، و قد كان المختار يخرج من القصر فيقاتل و يرجع إلى أن قتل لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، خرج بمن معه مستميتين فقتلوا و قتل المختار و جاء القاتل برأسه إلى مصعب بن الزبير فأجازه بثلاثين ألف درهم، ثمّ ابتدأ الجيش بقتل الناهضين معه و قتلوا رجالاً كثيراً، ثمّ بعث مصعب على حرم المختار و دعاهنّ إلى البراءة فرجعت ابنة سمرة بن جندب و لعنته و تبرّأت منه فأطلق سراحها و أبت زوجته الأُُخرى ابنة النعمان بن بشير و قالت: شهادة أُرزقها ثمّ أتركها، كلا إنّها موتة ثمّ الجنّة و القدوم على الرسول و أهل بيته، فأمر بها مصعب و قتلت صبراً.
لا يهمّنا في المقام بيان تفاصيل الثورة التي جاءت في تاريخ الطبري و الكامل و غيرهما و إنّما يهمّنا الإلماع إلى النقطة الحساسة في خطب الثائرين على النظام الأموي، فقد ترى فيها محاكات عن خطب الإمام أبي الشهداء و بذلك صاروا مستلهمين ثورتهم من ثورته، و فكرتهم من فكرته، و قد نقموا من النظام بنفس ما نقم به الإمام منهم، و إليك بيانها على وجه موجز:
أرسل الحجاج، عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى سجستان على رأس جيش عراقي و قد فتحوا من البلاد شيئاً كثيراً و كتب القائد في النهاية إلى الحجاج أنّ رأيه إيقاف الحرب في هذه البلاد حتى يعرفوا طريقها، و يجبوا خراجها، و لما وصل الكتاب إلى الحجاج كتب إليه كتاباً وبّخه فيه على إيقاف الحرب، ثمّ أردفه بكتاب ثانٍ و ثالث يأمره بالتوغّل في الحرب و أنّه إن أظهر العجز فالأمير أخوه إسحاق بن محمد.
و لما وصلت كتب الحجاج إلى عبد الرحمن جمع أصحابه و قال: أيّها الناس! إنّي لكم ناصح و لصلاحكم محب، ثمّ ذكر ما دار بينه و بين الحجاج عن طريق الكتب، و أنّه أمره بالتوغل في الحرب في أرض العدو، و هي البلاد التي هلك فيها إخوانكم بالأمس. و قال: إنّما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم، و آبي إذا أبيتم. فثار إليه الناس فقالوا: لا بل نأبى على عدوّ اللّٰه، و لا نسمع له و لا نطيع.
و قد تكلّم فيمن تكلّم عامر بن واثلة الكناني، فقال بعد أن حمد اللّٰه و أثنى عليه: أما بعد فإنّ الحجاج و اللّٰه ما يرى بكم إلاّ ما رأى القائل الأوّل إذ قال لأخيه: احمل عبدك على الفرس، فإن هلك هلك و إن نجا فلك، إنّ الحجاج و اللّٰه ما يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلاداً كثيرة اللهوب و اللصوب، فإن ظفرتم فغنمتم أكل البلاد، و حاز المال، و كان ذلك زيادة في سلطانه، و إن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالي عنتهم و لا يبقي عليهم، اخلعوا عدوّ اللّٰه الحجاج و بايعوا عبد الرحمن فإنّي أُشهدكم أنّي أوّل خالع، فنادى الناس من كل جانب: فعلنا، فعلنا قد خلعنا عدوّ اللّٰه.
و قام عبد المؤمن بن شبث بن ربعي التميمي ثانياً و كان على شرطته حين أقبل فقال: عباد اللّٰه إنّكم إن أطعتم الحجاج جعل هذه البلاد بلادكم ما بقيتم، و جمّركم تجمير فرعون الجنود فإنّه بلغني أنّه أوّل من جمّر البعوث، و لن تعاينوا الأحبة فيما أرى أو يموت أكثركم. بايعوا أميركم و انصرفوا إلى عدوكم فانفوه عن بلادكم، فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه فقال: تبايعوني على خلع الحجاج عدوّ اللّٰه و على النصرة لي و جهاده معي حتى ينفيه اللّٰه من أرض العراق فبايعه الناس و لم يذكر خلع عبد الملك إذ ذاك بشيء.
ثمّ إنّه خرج عبد الرحمن من سجستان مقبلاً إلى العراق فلمّا دخل فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض و قالوا: إنّا إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك، فاجتمعوا إلى عبد الرحمن فبايعوه على كتاب اللّٰه و سنّة نبيّه و خلع أئمة الضلالة و جهاد المحلّين.
ثمّ بعد وقوع اشتباكات عنيفة بين عبد الرحمن و جنود الحجاج، دخل عبد الرحمن البصرة، و بايعه الناس من كهولها و قرائها على حرب الحجاج و خلع عبد الملك و كان ذلك في آخر ذي الحجّة من سنة 81 ه، فصارت الحرب في
الحقيقة بين الشاميين يرأسهم الحجاج، و العراقيين يقودهم عبد الرحمن.
مضى ابن الأشعث إلى جانب الكوفة و الحجاج خلف عبد الرحمن إلى أن حصل التقابل بين الجندين في دير الجماجم(1)فلمّا حمل أهل الشام على العراقيين ناداهم عبد الرحمن ابن أبي ليلى الفقيه، فقال: يا معشر القرّاء إنّ الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم، إنّي سمعت عليّاً رفع اللّٰه درجته في الصالحين و أثابه أحسن ثواب الشهداء و الصدّيقين، يقول يوم التقينا أهل الشام: «أيّها المؤمنون إنّه من رأى عدواناً يعمل به، و منكراً يدعى إليه فأنكره بقلبه، فقد سلم، و برئ، و من أنكر بلسانه فقد أجر و هو أفضل من صاحبه، و من أنكر بالسيف لتكون كلمة اللّٰه العليا و كلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى و نوّر قلبه باليقين، فقاتلوا هؤلاء المحلّين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحقّ فلا يعرفونه و عملوا بالعدوان فليس ينكرونه.
و قال أبو البختري: أيّها الناس قاتلوهم على دينكم و دنياكم، فو الله لئن ظهروا عليكم ليفسدنّ عليكم دينكم و ليغلبنّ على دنياكم.
و قال الشعبي: يا أهل الإسلام قاتلوهم و لا يأخذكم حرج من قتالهم فو الله ما أعلم قوماً على بسيط الأرض أعمل بظلم، و لا أجور منهم في الحكم فليكن بهم البدار.
و قال سعيد بن جبير: قاتلوهم و لا تأثموا من قتالهم بنيّة و يقين و على آثامهم، قاتلوهم على جورهم في الحكم و تجبّرهم في الدين و استذلالهم الضعفاء و إماتتهم الصلاح(2).
إلى غير ذلك من الخطب التي أُلقيت في ذلك المقام و إن تمت الحرب لصالح الحجاج و قضى على ثورة ابن الأشعث يوم الأربعاء لأربع عشرة مضت من جمادي الأُخرى عام 83 ه و لكنّها كانت ثورة وهّاجة في وجه العدو استتبعت ثورات أُخرى حتى قضت على بني أُمية من رأس.
و أُعلّق على ثورة عبد الرحمن بأُمور:
1 - إنّ الإمعان في هذه الكلم الموجزة يقتضي بأنّ القوم كانوا مستلهمين من خطب الإمام أمير المؤمنين و خطب سيد الشهداء يوم عاشوراء و غيره، و يظهر ذلك بمقارنة خطب أبي الشهداء منذ غادر المدينة إلى أن استشهد في الطف، و بهذا يظهر أنّ هذه الثورات كانت نابعة عن ثورة الحسين و لولاها لما تتابعت هذه الثورات و بالتالي كان الحكم بيد الأمويين إلى قرون كما كان الأمر كذلك بيد العباسيين و لم يكونوا أحسن سلوكاً من الأمويين.
2 - نرى أنّ سعيد بن جبير ذلك التابعي العظيم و كميل بن زياد النخعي، ممن شاركوا في هذه الثورة و جاهدوا تحت راية عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث مع أنّ بين المقود و القائد بعد المشرقين، فهؤلاء كانوا علويين و عبد الرحمن و أبوه محمد ابن الأشعث كانا عثمانيَّي الهوى، فإنّ محمد بن الأشعث هو الذي قضى على ثورة مسلم في الكوفة و قتله و شارك في قتل الحسين. و ما هذا إلاّ لأنّ رؤساء الشيعة آنذاك استثمروا الفرصة و شاركوا في هذه الثورة ليقضوا على العدوّ الغاشم بيد غيرهم، و لأجل ذلك لما وضعت الحرب أوزارها دعا الحجاج بكميل بن زياد النخعي فقال له: أنت المقتصّ من عثمان أمير المؤمنين قد كنت أحب أن أجد عليك سبيلا. فقال: و اللّٰه ما أدري على أيّنا أنت أشد غضباً عليه حين أقاد من نفسه أم عليّ حين عفوت عنه؟ ثمّ قال: أيّها الرجل من ثقيف لا تصرف عليَّ أنيابك و لا تهدّم عليّ تهدُّم الكثيب، و لا تكشر كشران الذئب، و اللّٰه ما بقي من
عمري إلاّ ضِمْءُ الحمار فإنّه يشرب غدوة و يموت عشية، و يشرب عشية و يموت غدوة، اقض ما أنت قاض فإنّ الموعد اللّٰه و بعد القتل الحساب. قال الحجاج: فإنّ الحجّة عليك. قال: ذلك إن كان القضاء إليك، قال: بلى كنتَ فيمن قتل عثمان و خلعت أمير المؤمنين. اقتلوه، فقدم فقتل، قتله أبو الجهم بن كنانة(1).
3 - إنّ الحجاج كان ممن نكست فطرته فالمعروف كان عنده منكراً و المنكر معروفاً، و كان قتل الأبرياء و تعذيبهم بألوان العذاب شيئاً سهلاً عنده. يقول المؤرخون: لما أسرف الحجاج في قتل أسارى دير الجماجم و اعطائه الأموال بلغ ذلك عبد الملك فكتب إليه: أمّا بعد: فقد بلغ أمير المؤمنين سرفك في الدماء و تبذيرك في الأموال و لا يحتمل أمير المؤمنين هاتين الخصلتين لأحد من الناس، و قد حكم عليك أمير المؤمنين في الدماء في الخطاء الدية و في العمد القود، و في الأموال ردّها إلى مواضعها...
فلمّا بلغ كتاب عبد الملك إليه كتب إليه في الجواب: و اللّٰه ما عليَّ من عقل و لا قود، ما أصبتُ القوم فأدِيَهُم، و لا ظلمتهم فأُقاد بهم، و لا أعطيتهم إلاّ لك، و لا قتلت إلاّ فيك...(2).
و كان سعيد بن الجبير و كميل بن زياد و مئات من التابعين الأبرياء كانوا ممن تستباح دماؤهم و أموالهم فخضّب وجه الأرض بسيول الدماء... و إلى اللّٰه المشتكى.
4 - و إنّ من العجب العجاب مشاركة الحسن المثنى في انتفاضة ابن الأشعث و لأجل ذلك يعدّه ابن المرتضى سلفاً للزيدية، و لم يكن زيد يوم ذاك إلاّ طفلاً أو مراهقاً، و بما أنّ أهل البيت كانوا يعانون من النظام الأمويّ المتمثل يوم
ذلك في بني مروان، شاركوا في مثل هذه الانتفاضة لاتفاقهم معه في الهدف المؤقّت أعني إزالة عبد الملك عن الحكم(1).
إلى هنا تمت الثورات المتقدمة على ثورة الإمام زيد و قد اتضح كونها مستلهمة من ثورة الحسين بوجه و حان حين الكلام في ثورة زيد الشهيد التي أنارت الطريق للثائرين المتأخرين الذين أنهضهم بثورته، للقضاء على النظام السائد في مدّة لا تتجاوز عشر سنين و إليك البيان.
1) . البحر الزخار: المقدمة / 225، و سيوافيك الكلام عند ذكر أئمة الزيدية.
هذه هي الثورة السادسة من الثورات المتتابعة لثورة الإمام أبي الشهداء الحسين عليه السلام المستلهمة منها و لم تكن آخرتها، و قد جاءت الثورات بعد ثورة زيد أيضاً تترى على تقويض النظام الأموي ثمّ النظام العباسي و كان الهدف المشترك بين الجميع مكافحة الظلم و الفساد و نشر العدل و القسط بين الناس. و إن لم تخلّ بعضها عن تحوير و انحراف.
نعم كانت في حياة زيد أحداث جزئية لم يكن لها دور في تكون الثورة و اختمارها في نفسه و إنّما أشعلت الفتيل، و فجّرت الثورة، و لو صحّ ما ذكروه من الأُمور، فإنّما كانت سبباً لظهور ما كان يختمره زيد طيلة سنوات عصر أخيه الإمام الباقر عليه السلام (57-114 ه) و بعده عصر الإمام الصادق عليه السلام.
و بعبارة واضحة: أنّ جفاء هشام(1)مثلاً له في مجلسه - كما يذكره المؤرخون -
1) . أبو الفرج: مقاتل الطالبيين: 77-86 و غيره كالصفدي في فوات الوفيات.
لا يكون دليلاً شرعياً على النهضة و إراقة الدماء و قتل النفوس، و إنّما يكون موجباً لأن يندفع إلى ما يراه منذ سنوات من لزوم تطهير المجتمع الإسلامي من هؤلاء الظالمين الناصبين، المفسدين و في النهاية المحقِّرين للرسول و آله.
فإذا كان زيد الثائر إنساناً إذا ذكر اللّٰه عنده يغشى عليه حتى يقول القائل: ما يرجع إلى الدنيا، و كان حليف القرآن و أثر السجود في وجهه واضحاً - و من كانت هذه ملامحه و مواصفاته - فلا يخوض المعارك المدلهمّة، و لا يضحي بنفسه و نفيسه و دماء أصحابه الأبرياء إلاّ إذا كانت هناك مصلحة عامة ترجع إلى الدين و يرضى بها اللّٰه و رسوله و إمام عصره، و الذي يميط الستر عن نواياه و عن الحوافز التي دفعته إلى الثورة، أمران:
1 - ما أثر عن النبي و عترته من التنبّؤ بشهادته.
2 - ما أثر عنه من قول أوان النهضة.
فيجب علينا دراسة هذين الأمرين.
إنّ النبي الأكرم تنبّأ بقتله واصفاً أصحابه بأنّهم يدخلون الجنّة بغير حساب، و وصفه في رواية أُخرى بالمظلوم من أهل بيته، و أنّه كان يحب زيد بن حارثة لكونه سمي زيد من صلبه. كما أنّ علياً لما وقف بالكناسة بكى و أبكى أصحابه، و وصفه أخوه الإمام الباقر عليه السلام بأنّه سيد أهله و الطالب بأوتارهم، كل ذلك ينمّ عن أنّه لم يخرج إلاّ بدافع ديني استحق به التكريم. و إليك نفس النصوص في هذا المجال:
1 - قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم مخاطباً لولده الحسين عليه السلام «يا حسين، يخرج من صلبك رجل يقال له زيد، يتخطى هو و أصحابه يوم القيامة رقاب الناس غراً محجلين يدخلون الجنّة بغير حساب».(1)
2 - قال - مشيراً إلى الحسين عليه السلام -: «إنّه يخرج من ولده رجل يقال له زيد و يقتل بالكوفة، و يصلب بالكناسة، و يخرج من قبره نبشاً، تفتح لروحه أبواب السماء، و تبتهج به أهل السموات»(2).
3 - روى حذيفة قال: نظر النبي إلى زيد بن حارثة فقال: «المقتول في اللّٰه، و المصلوب في أُمتي، المظلوم من أهل بيتي سمي - هذا و أشار بيده إلى زيد بن حارثة - ثمّ قال له: ادن مني يا زيد زادك اسمك عندي حباً، فأنت سمي الحبيب من أهل بيتي»(3).
4 - روى أبو الفرج عن رجاله عن جرير بن حازم قال: رأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم في المنام و هو متساند إلى جذع زيد بن علي و هو مصلوب، و هو يقول: «أ هكذا تفعلون بولدي؟!»(4).
5 - و قال أمير المؤمنين عليه السلام و قد وقف على موضع صلبه بالكوفة، فبكى و أبكى أصحابه فقالوا له: ما الذي أبكاك؟ قال: «إنّ رجلاً من ولدي يصلب في هذا الموضع. من رضى أن ينظر إلى عورته أكبّه اللّٰه على وجهه في النار»(5).
1) . الصدوق: عيون أخبار الرضا عليه السلام الباب 25، ص 250 و 251 و في بعض النسخ:: «حين ينشر» مكان «نبشا» و الصحيح ما أثبتناه في المتن.
2) . الصدوق: عيون أخبار الرضا عليه السلام الباب 25، ص 250 و 251 و في بعض النسخ:: «حين ينشر» مكان «نبشا» و الصحيح ما أثبتناه في المتن.
3) . ابن إدريس: السرائر: 3 / قسم المستطرفات، فيما استطرفه من رواية أبي القاسم ابن قولويه.
4) . أبو الفرج: مقاتل الطالبيين: 98، ط النجف.
5) . ابن طاوس: الملاحم: الباب 31.
6 - روى أبو الفرج عن مولى آل الزبير قال: كنّا عند علي بن الحسين عليه السلام فدعا ابناً له يقال له زيد: فكبا لوجهه و جعل يمسح الدم عن وجهه و يقول: «أُعيذك باللّٰه، أن تكون زيداً المصلوب بالكناسة، من نظر إلى عورته متعمداً أصلى اللّٰه وجهه النار»(1).
7 - روى الكشي عن أبي الجارود قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام جالساً إذ أقبل زيد بن علي فلما نظر إليه أبو جعفر عليه السلام قال: «هذا سيد أهل بيتي و الطالب بأوتارهم»(2).
8 - روى الصدوق عن معمر بن سعيد قال: «كنت جالساً عند الصادق عليه السلام فجاء زيد بن علي فأخذ بعضادتي الباب، فقال له الصادق: «يا عم أُعيذك باللّٰه أن تكون المصلوب بالكناسة - إلى أن قال: - حدثني أبي عن جدي أنّه قال: يخرج من ولدي رجل يقال له زيد يقتل بالكوفة، و يصلب بالكناسة، يخرج من قبره حين ينشر، تفتح له أبواب السماء يبتهج به أهل السماوات و الأرض»(3).
إلى غير ذلك من التنبّؤات الواردة حتى في كلمات غيرهم مثل عبد اللّٰه بن محمد الحنفية(4).
هذه التنبّؤات و إن لم ترد عن طريق صحيح، لكن بعضها يدعم بعضاً خصوصاً إذا أُضيفت إليه ما سننقله عن أئمة أهل البيت عليهم السلام حول ثورته و نهضته فتصبح جلالة الرجل و مكانته العالية أمراً قطعياً لا شك فيه و أنّ دافعه إلى الخروج كان أمراً إلهياً كما سنشرحه.
إنّ دراسة ما نقل عنه من كلمة أو كلمات يوقفنا على مرماه من الثورة، فإن الإنسان بصير على نفسه و مهما اهتم على كتمان ما يضمره لكنه سيظهر على لمحات وجهه و فلتات لسانه، و لكن الثائر أصحر بهدفه في غير واحد من المواضع حتى أنّ الحاكم الأموي (هشام بن عبد الملك) اتّهمه بفكر الثورة و القيام على النظام، و هذا يدلّ على أنّه كان يبوح بها آونة بعد أُخرى، و إليك هذه الكلمات:
1 - إنّما خرجت على الذين أغاروا على المدينة يوم الحرة ثمّ رموا بيت اللّٰه بحجر المنجنيق و النار(1).
و يشير ثائرنا بكلامه هذا إلى ما ارتكبه الحجاج قائد الجيش الأموي - يوم التجأ ابن الزبير إلى البيت - فحصّبه بالحجارة مستعيناً بالمنجنيق الذي نصبه الجيش على جبل أبي قبيس، المشرف على الكعبة. كما مر في ثورة عبد اللّٰه بن الزبير.
2 - إنّما خرجت على الذين قاتلوا جدي الحسين عليه السلام(2).
3 - روى عبد اللّٰه بن مسلم بن بابك، قال: خرجنا مع زيد بن علي إلى مكة فلما كان نصف الليل و استوت الثريا فقال: يا بابكي ما ترى هذه الثريا؟ أ ترى أنّ أحداً ينالها؟ قلت: لا، قال: و اللّٰه لوددت أنّ يدي ملصقة بها فأقع إلى الأرض، أو حيث أقع، فأتقطع قطعة قطعة و أن اللّٰه أصلح بين أُمّة محمّد صلى الله عليه و آله و سلم(3).
إنّ هذه الكلمة إشراقة من كلام الحسين و وصيته إلى أخيه محمد ابن الحنفية: «إنّي ما خرجت أشراً و لا بطراً و لا مفسداً، و لا ظالماً، و إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدي، و شيعة أبي علي بن أبي طالب فمن قبلني بقبول الحقّ فاللّٰه أولى
بالحقّ، و من ردّ على هذا أصبر حتى يقضي اللّٰه بيني و بين القوم بالحقّ و هو خير الحاكمين»(1).
ترى أنّ بين الكلمتين تقارناً بل توافقاً، و هذا ما يدفعنا إلى أنّ ثورته كانت امتداداً لثورة الحسين عليه السلام.
4 - أقام زيد الثائر بالكوفة و بايعه أصحابه و كانت بيعته التي يبايع عليها الناس: إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّٰه و سنّة نبيه، و جهاد الظالمين، و الدفع عن المستضعفين، و إعطاء المحرومين و قسم هذا الفيء بين أهله بالسواء، ورد المظالم، و إقفال المجمر، و نصرنا أهل البيت على من نصب لنا، و جهل حقنا. أ تبايعون على ذلك فإذا قالوا نعم: وضع يده على يده، ثمّ يقول: عليك عهد اللّٰه و ميثاقه و ذمته و ذمّة رسوله لتفينّ ببيعتي و لتقاتلنّ عدوي، و لتنصحنّ لي في السر و العلانية، فإذا قال نعم: مسح يده على يده، ثمّ قال: اللّهمّ اشهد(2).
و في كلامه هذا إلماع إلى كلام الإمام الحسين عليه السلام ألقاه بالبيضة عند ما حبسه الحرّ بن يزيد الرياحي عن الحركة: فقال:
«أيها الناس إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم اللّٰه، ناكثاً لعهد اللّٰه، مخالفاً لسنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، يعمل في عباد اللّٰه بالإثم و العدوان. فلم يغيّر عليه بفعل و لا قول، كان حقّاً على اللّٰه أن يدخله مدخله، ألا و إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان و تركوا طاعة الرحمن و أظهروا الفساد، و عطّلوا الحدود، و استأثروا بالفيء، و أحلّوا حرام اللّٰه و حرّموا حلاله و أنا أحقّ من غيّر»(3).
5 - و من كلامه: و إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّٰه و سنّة نبيه، و إلى السنن أن تحيى
و إلى البدع أن تدفع، فإن أنتم أجبتمونا سعدتم، و إن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل(1).
6 - و من كلامه لهشام بن عبد الملك: أنه لم يكره قوم قط حدّ السيف إلاّ ذلّوا(2).
و هذه الكلمة من هشام تعرب عن أنّه تجاهر بالثورة في ظروف مناسبة حتى وُشِيَ به إلى هشام.
7 - روى ابن عساكر أنّ زيداً دخل على هشام فقال له: يا زيد بلغني أنّ نفسك لتسمو بك إلى الإمامة، و الإمامة لا تصلح لأولاد الإماء - فأجابه زيد بما مر عليك في الفصل الثالث المعقود لحياته فقال هشام: يا زيد إنّ اللّٰه لا يجمع النبوة و الملك لأحد، فقال زيد: قال اللّٰه تعالى:: «أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً»(3).
8 - روى المسعودي أنّه لما قامت الحرب بين أصحاب زيد و جيش يوسف ابن عمر الثقفي انهزم أصحاب زيد و بقي في جماعة يسيرة فقاتلهم أشد قتال و هو يقول متمثلاً:
أذل الحياة و عزّ الممات *** و كلاً أراه طعاماً وبيلا
فإن كان لا بد من واحد *** فسيري إلى الموت سيراً جميلاً(4)
و ما أنشأه زيد الثائر من الشعر نفس ما أنشده الإمام الحسين عليه السلام:
سأمضي و ما بالموت عار على الفتى *** إذا في سبيل اللّٰه يمضي و يقتل(1)
9 - روى المسعودي أنّه دخل زيد على هشام بالرصافة، فقال له: ليس أحد يكبر عن تقوى اللّٰه و لا يصغر دون تقوى اللّٰه، فقال هشام: اسكت لا أُمّ لك أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة و أنت ابن أمة، ثمّ نقل جواب زيد و قال:
و قام زيد عن المجلس و هو يقول:
شرَّدَهُ الخوف و أزرى به *** كذاك من يكره حرَّ الجلاد
منخرق الكفين يشكو الجوى *** تنكثه أطراف مَرْوٍ حداد
قد كان في الموت له راحة *** و الموت حتم في رقاب العباد
إن يُحدث اللّٰه له دولة *** يترك آثار العدا كالرماد(2)
10 - إنّ رسالة زيد إلى علماء الأُمّة أوان خروجه تدل بوضوح على أنّ دافعه إلى الخروج هو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قد مر نصّها في الفصل الثالث.
خرج زيد موطناً نفسه على القتل و الشهادة، مقدّماً المنيّة على الدنيا الدنية، و قتل العز على عيش الذل، كيف و هو الذي كان يترنّم بقوله:
فأجبتها أنّ المنية منهل *** لا بدّ أن أُسقى بذاك المنهل
و من كان هذا كلامه و يترنّم بما ماثله أيضاً، لا يخرج لطلب الملك و الإمارة و كسب الجاه و المقام و هو مشرف على القتل، و طلب الجاه من شئون من يريد البقاء و الالتذاذ بلذائذ الدنيا لا من يريد ركوب الرماح و الأسنّة.
و من أراد اتهام زيد بطلب الإمارة و الخلافة فلم يعرف نفسيته و لا بيئته و ظروفه المحدقة به فإنّها كانت تُحتِّم عليه الموت و هو كان يرى الشهادة أمامه.
و الذي وطّن نفسه على القتل هو الأُمور التالية:
1 - كان كلام جده و آبائه رنين سمعه و أنّه يخرج من ولده رجل يقال له زيد و يقتل بالكوفة... و قد سمع عن والده عليّ بن الحسين عليهما السلام و هو صغير: «أُعيذك باللّٰه أن تكون زيداً المصلوب بالكناسة» كما سمع نظيره عن ابن أخيه الإمام الصادق عليه السلام الذي أطبق المسلمون على صدقه، و مع هذه الأخبار المتضافرة كيف لا يوطّن نفسه على الشهادة، و يخرج لطلب الملك و الجاه و المقام دون إباء الضيم، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و تعريف الأُمّة بواجبهم تجاه الطغمة الغاشمة.
2 - إنّ الذين بايعوه ودعوه إلى النضال و الكفاح كانوا - و للأسف - معروفين بالنفاق، و عدم الثبات و الصمود في مسيرة الدعوة و طريق البيعة، فكانوا يبرمون أمراً و ينقضونه من فوره، و أهل الكوفة و إن لم يكن كلّهم كذلك و كان فيهم أبطال صامدون و لكن الأكثرية الساحقة كانوا بهذه الخصيصة و قد عرّفهم الإمام عليّ عليه السلام في غير واحد من خطبه نقتطف منها ما يلي:
1 - يا أشباه الرجال و لا رجال حلوم الأطفال، و عقول ربّات الحجال، لوددت أنّي لم أركم، و لم أعرفكم معرفة - و اللّٰه -... قاتلكم اللّٰه لقد ملأتم قلبي قيحاً، و شحنتم صدري غيظاً(1).
1) . نهج البلاغة: الخطبة: 27.
2 - و يقول في خطبة أُخرى: «يا أهل الكوفة منيت بكم بثلاث و اثنتين، صمّ ذو أسماع، و بكم ذو كلام، و عمي ذو أبصار، لا أحرار صدقٍ عند اللقاء، و لا إخوان ثقة عند البلاء... لوددت و اللّٰه أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم و أعطاني رجلاً منهم»(1).
فإذا كان المبايعون هؤلاء الذين وصفهم جدّه بعدم الثبات و الصدق عند اللقاء، فكيف يصح له أن يعتمد على بيعتهم و يطلب الإمارة؟! و الكوفة و إن انجبت أبطالاً شهاماً كتبوا على جبين الدهر بطولاتهم و صدق مواقفهم في ميادين الحرب، و لكن كانت الكوفة تحتضن موالي أتوا من هنا و هناك و توطّنوا فيها، و كان العرب المتوطِّنون فيها وافدين من نقاط شتّى و قبائل مختلفة لا تجمعهم فكرة واحدة و ثقافة فريدة، و قد مصّرت الكوفة أيام عمر بن الخطاب و لم تكن قبل ذلك حاضرة، و هي بخلاف الشام فقد ضربت فيها حضارة عريقة بجرانها قبل قرون، و كانت تسوسهم الوحدة الحضارية و العنصرية و التربية المدنية و الدينية قبل الإسلام، فاستغلال هذه المنطقة بما لها من المواصفات أسهل من استغلال هؤلاء الذين لا يربطهم سوى شيء واحد و هو التوطّن في أرض الكوفة و ما والاها.
و إن كنت في شكّ ممّا ذكرنا من هؤلاء فقارن عدد المبايعين لزيد و عدد الحاضرين في ساحة المعركة، فقد أقام زيد بالكوفة خمسة أشهر و بالبصرة شهرين، فأخذ الناس يبايعونه من الشيعة و المحكِّمة و بلغ ديوانه خمسة و عشرين ألفاً أو أزيد كما سيوافيك، و لكن لم يحضر منهم في ميدان القتال إلاّ مائتان و ثمانية عشر رجلاً، و لمّا وقف زيد على قلّة المجيبين، قال: سبحانه اللّٰه أين الناس؟ فقيل: إنّهم محصورون في المسجد، فقال زيد: سبحان اللّٰه ما هذا عذر لمن بايعنا.
كل ذلك يدلنا على أنّ زيداً قام بالأمر و هو موطن نفسه على الشهادة و إراقة
1) . نهج البلاغة: الخطبة: 97.
دمه في طريق هدفه، ألا و هو إيقاظ الأُمّة و توجيههم نحو واجبهم.
3 - إنّ زيداً الشهيد كان يواجه دولة كبيرة أُموية ضربت بجرانها أقطار الأرض شرقها و غربها و بيدها مفاتيح الخير و الشر و هو لا يملك من العدة إلاّ شيئاً قليلاً، أ فيصح أن يرمى مثل زيد بأنّه خرج لطلب السلطة و الإمامة لا للشهادة و الفداء؟!
قد تعرفت على الدافع الواقعي لثورته غير أنّ المؤرخين ذكروا أسباباً أُخرى لخروجه لو صحت فإنّما يعتبر كونها معدات للثورة، و أسباباً لتفجّرها و تقدّمها لا أنّها كوّنت فكرة الثورة في نفسه، و في غضون ما نذكره من الأسباب دلالة واضحة على أنّ الفكرة تكوّنت قبل وقوع هذه الأسباب و إليك بيانها:
كان خالد بن عبد اللّٰه القسري عامل هشام على العراق فعزله و نصب يوسف بن عمر مكانه، و تتبع الوالي الثاني مزالق أقدام خالد، العامل الأوّل و كتب إلى هشام:
إنّ خالداً ابتاع من زيد، أرضاً بالمدينة بعشرة آلاف دينار، ثمّ ردّ الأرض عليه، فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسيّرهم إليه، ففعل، فسألهم هشام عن ذلك فأقرّوا بالجائزة و أنكروا ما سوى ذلك و حلفوا، فصدّقهم و أمرهم بالمسير إلى العراق ليقابلوا خالداً، فساروا على كره و قابلوا خالداً، فصدّقهم، فعادوا نحو المدينة. فلمّا نزلوا القادسية راسل أهل الكوفة زيداً فعاد إليهم.
و قيل: بل ادّعى خالد بن عبد اللّٰه القسري أنّه أودع زيداً و داود بن علي و نفراً من قريش مالاً، فكتب يوسف بذلك إلى هشام، فأحضرهم هشام من المدينة
و سيّرهم إلى يوسف ليجمع بينهم و بين خالد فقدموا عليه، فقال يوسف لزيد: إنّ خالداً زعم أنّه أودعك مالاً. قال:
كيف يودعني و هو يشتم آبائي على منبره؟! فأرسل إلى خالد فأحضره في عباءة، فقال: هذا زيد قد أنكر أنّك قد أودعته شيئاً.
فنظر خالد إليه و إلى داود بن علي و قال ليوسف: أ تريد أن تجمع مع إثمك في اثماً في هذا؟ كيف أودعه و أنا أشتمه و أشتم آباءه على المنبر! فقالوا لخالد: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: شدّدَ عليّ العذاب فادّعيت ذلك و أمَّلت أن يأتي اللّٰه بفرج قبل قدومكم. فرجعوا و أقام زيد و داود بالكوفة.
و قيل: إنّ يزيد بن خالد القسري هو الذي ادّعى المال وديعة عند زيد.
فلمّا أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف استقالوه خوفاً من شر يوسف و ظلمه، فقال: أنا أكتب إليه بالكفّ عنكم، و ألزمه بذلك، فساروا على كره.
و جمع يوسف بينهم و بين يزيد، فقال يزيد: [ما] لي عندهم قليل و لا كثير. قال يوسف: أ بيَ تهزأ أم بأمير المؤمنين؟ فعذبه يومئذ عذاباً كاد يهلكه، ثمّ أمر بالفرّاشين فضُربوا و ترك زيداً. ثمّ استحلفهم و أطلقهم، فلحقوا بالمدينة، و أقام زيد بالكوفة، و كان زيد قد قال لهشام لما أمره بالمسير إلى يوسف: ما آمن إن بعثتني إليه أن لا نجتمع أنا و أنت حيّين أبداً. قال:
لا بد من المسير إليه، فساروا إليه(1).
لا شك أنّ هذا الحديث مهما كان صحيحاً، لا يكون مبرراً للثورة، لو لم يكن هناك عنصر قوي دفعه إليها. و أظن أنّ الوالي المتتبع لعثرات الوالي الأوّل اتّهمه بأنّه ابتاع من زيد أرضاً بالمدينة بعشرة آلاف دينار ثمّ ردّ الأرض عليه و لم يكن هناك أي بيع و شراء، خصوصاً، البائع يقطن المدينة و المشتري والى العراق، و الأرض المشتراة في المدينة، و من أين لزيد مثل هذه الأرض بهذه القيمة العالية؟
1) . ابن الأثير الجزري: 229/5-230.
و أمّا ما نقل عن خالد، من أنّه اعترف على زيد بأنّه أودع عنده، فلعله ذكره ليرفع العذاب عن نفسه و لم يكن عنده و لا عند غيره شيء فلذلك لما جمعهم يوسف ابن عمر تكلم بالحقيقة، و قال: كيف أودعه و أنا أشتمه و أشتم آبائه؟! و على كل تقدير فهذا الحدث و إن كان ثقيلاً على مثل زيد لكن لا يكوّن الثورة في نفسه بل يعرب عن تكوّنه قبل هذا الحدث و لأجل ذلك قال لهشام: ما آمن إن بعثتني إليه أن لا نجتمع أنا و أنت حيين أبداً.
كان للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و فاطمة و علي عليهما السلام أوقافاً يتولاّها بنو الحسن و بنو الحسين و ربما جرت بينهما مشاجرات و قد نقله غير واحد من المؤرخين نأتي بنص الجزري حيث قال:
كان السبب في ذلك أنّ زيداً كان يخاصم ابن عمه جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي في [ولاية] وقوف علي عليه السلام، [و كان] زيد يخاصم عن بني الحسين عليه السلام، و جعفر يخاصم عن بني الحسن عليه السلام، فكانا يتبالغان [بين يدي الوالي إلى] كل غاية و يقومان فلا يعيدان مما كان بينهما حرفاً.
فلمّا مات جعفر نازعه عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن، فتنازعا يوماً بين يدي خالد بن عبد الملك بن الحارث بالمدينة، فأغلظ عبد اللّٰه لزيد و قال: يا ابن السندية! فضحك زيد و قال: قد كان إسماعيل لأمة و مع ذلك فقد صبرت بعد وفاة سيدها إذ لم يصبر غيرها، يعني فاطمة ابنة الحسين أُم عبد اللّٰه، فإنّها تزوجت بعد أبيه الحسن بن الحسن، ثمّ ندم زيد و استحيا من فاطمة، و هي عمته، فلم يدخل عليها زماناً، فأرسلت إليه: يا ابن أخي إنّي لأعلم أنّ أُمّك عندك كأُمّ عبد اللّٰه عنده. و قالت لعبد اللّٰه: بئس ما قلت لأُم زيد! أما و اللّٰه لنعم دخيلة القوم كانت! قال: فذكر أنّ خالداً قال لهما: اغدوا علينا غداً فلست لعبد الملك إن لم أفصل
بينكما. فباتت المدينة تغلي كالمرجل، يقول قائل: قال زيد كذا، و يقول قائل: قال عبد اللّٰه كذا.
فلما كان الغد جلس خالد في المسجد و اجتمع الناس فمن بين شامت و مهموم، فدعا بهما خالد و هو يحب أن يتشاتما، فذهب عبد اللّٰه يتكلم، فقال زيد: لا تعجل يا أبا محمد، أعْتَقَ زَيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبداً. ثمّ أقبل على خالد فقال: جمعت ذرية رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لأمرٍ ما كان يجمعهم عليه أبو بكر و لا عمر! فقال خالد: أما لهذا السفيه أحد؟ فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم فقال: يا ابن أبي تراب و ابن حسين السفيه! أما ترى للوالي عليك حقاً و لا طاعة؟ فقال زيد: اسكت أيّها القحطاني فإنّا لا نجيب مثلك. قال: و لِمَ ترغب عني؟ فو اللّٰه إنّي لخير منك، و أبي خير من أبيك، و أُمي خير من أُمّك. فتضاحك زيد و قال: يا معشر قريش هذا الدين قد ذهب فذهبت الأحساب، فو الله ليذهب دين القوم و ما تذهب أحسابهم. فتكلم عبد اللّٰه بن واقد بن عبد اللّٰه بن عمر بن الخطاب، فقال: كذبت و اللّٰه أيّها القحطاني! فو الله لهو خير منك نفساً و أُماً و أباً و محتداً. و تناوله بكلام كثير، و أخذ كفاً من حصباء و ضرب بها الأرض ثمّ قال: إنّه و اللّٰه ما لنا على هذا من صبر.
و شخص(1)زيد إلى هشام بن عبد الملك، فجعل هشام لا يأذن له، فيرفع إليه القصص، فكلّما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها: أرجع إلى أميرك، فيقول زيد: و اللّٰه لا أرجع إلى خالد أبداً. ثمّ أذن له يوماً بعد طول حبس و رَقِيَ(2)عليّة طويلة، و أمر خادماً أن يتبعه بحيث لا يراه زيد و يسمع ما يقول، فصعد زيد،
و كان بديناً، فوقف في بعض الدرجة، فسمعه يقول: و اللّٰه لا يحب الدنيا أحد إلاّ ذلّ. ثمّ صعد إلى هشام فحلف له على شيء، فقال: لا أُصدقك، فقال: يا أمير المؤمنين إنّ اللّٰه لم يرفع أحداً عن أن يرضى باللّٰه، و لم يضع أحداً عن ألاّ يرضى بذلك منه. فقال هشام: لقد بلغني يا زيد أنّك تذكر الخلافة و تتمناها و لست هنالك و أنت ابن أمة. قال زيد: إنّ لك جواباً. قال: فتكلم.
قال: إنّه ليس أحد أولى باللّٰه و لا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه، و قد كان إسماعيل ابن أمة و أخوه ابن صريحة فاختاره اللّٰه عليه و أخرج منه خير البشر، و ما على أحد من ذلك إذ كان جده رسول اللّٰه و أبوه علي بن أبي طالب ما كانت أُمّه. قال له هشام:
أُخرج. قال: أخرجُ ثمّ لا أكون إلاّ بحيث تكره. فقال له سالم: يا أبا الحسين لا تظهرن هذا منك.
فخرج من عنده و سار إلى الكوفة، فقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: أُذكّرك اللّٰه يا زيد لما لحقت بأهلك و لا تأت أهل الكوفة، فإنّهم لا يفون لك، فلم يقبل. فقال له: خرج بنا أُسراء على غير ذنب من الحجاز إلى الشام ثمّ إلى الجزيرة ثمّ إلى العراق إلى قيس ثقيف يلعب بنا، و قال:
بَكُرَت تخوّفني الحُتوف كأنّني *** أصبحت عن عرض الحياة بمعزل(1)
يظهر من الجزري أنّ زيداً دخل الشام مرتين و قابل فيهما هشاماً، أحدهما: لأجل تحضير هشام إيّاه من المدينة و تسييره إلى يوسف بن عمر في قضية خالد بن عبد اللّٰه القسري، و أُخرى: بعد النزاع في تولية الأوقاف، و سياق كلام الجزري هو أنّ الرحلة الثانية كانت عقيب ذلك الحدث و ذلك لأنّه بعد ما فرغ من الكلام في النزاع في المدينة، قال:
1) . ابن الأثير الجزري: 230/5-233
«و شخص زيد إلى هشام بن عبد الملك فجعل هشام لا يأذن له فيرفع إليه القصص...»
مومياً إلى أنّ الرحلة الثانية كانت لأجل فصل الخصومة عند هشام و لكن السياق متروك قطعاً و لو صحت الرحلة الثانية فإنّما كان لأجل شكايات و قصص مختلفة وصلت إليه و أراد رفعها إلى هشام لا لأجل فصل الخصومة بينه و بين بني الحسن في تولية الأوقاف، و يدل على ذلك أمران:
1 - أنّه صاح على والي المدينة خالد بن عبد الملك عند ما جمعه و عبد اللّٰه بن الحسن في المسجد لرفع الخصومة و قال: جمعت ذرية رسول اللّٰه لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر و لا عمر، أ فيصح بعد هذا أن يرفع الشكاية في ذلك الموضوع إلى هشام بن عبد الملك؟
2 - قال الجزري عند بيان الرحلة الثانية: «فيرفع إليه القصص فكلّما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها: ارجع إلى أميرك...» فظاهر العبارة أنّه كانت هناك شكايات و قصص عديدة أراد أن يلفت نظر هشام إلى تلك الجرائم.
و أظن أنّ ما ذكره المسعودي في مروجه و شيخنا المفيد في إرشاده ليس قضية أُخرى، بل هو نفس ما جاء به الجزري بتفصيل غير أنّ المسعودي اختزله. و إليك نصهما:
دخل زيد على هشام بالرصافة فلمّا مثل بين يديه لم ير موضعاً يجلس فيه فجلس حيث انتهى به مجلسه و قال:
يا أمير المؤمنين ليس أحد يكبر عن تقوى اللّٰه و لا يصغر دون تقوى اللّٰه، فقال هشام: أُسكت لا أُمّ لك، أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة، و أنت ابن أمة، قال: يا أمير المؤمنين إنّ لك جواباً إن أحببت أجبتك به و إن أحببت أسكت عنه، فقال:
بل أجب. قال: إنّ الأُمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، و قد كانت أُم إسماعيل أمة لأُمّ إسحاق (صلى اللّٰه عليهما)
فلم يمنعه ذلك أن بعثه اللّٰه نبياً، و جعله للعرب أباً فأخرج من صلبه خير البشر محمداً صلى الله عليه و آله و سلم فتقول لي هذا و أنا ابن فاطمة و ابن علي، و قام و هو يقول:
شرده الخوف و أزرى به *** كذاك من يكره حرّ الجلاد(1)
فمضى عليه إلى الكوفة و خرج عنها و معه القراء و الأشراف فحاربه يوسف ابن عمر الثقفي(2).
و نقل الشيخ المفيد و أكمله بقوله:
«فوثب هشام عن مجلسه (بعد ما أجابه زيد) و قال: لا يبيتنّ هذا في عسكري الليلة، فخرج زيد و هو يقول: إنّه لم يكره قط قوم حدّ السيوف إلاّ ذلّوا فلمّا وصل إلى الكوفة اجتمع إليه أهلها فلم يزالوا به حتى بايعوه على الحرب ثمّ نقضوا بيعته و أسلموه، فقتل و صلب بينهم أربع سنين لا ينكر أحد منهم و لا يعينوه بيد و لا لسان(3).
دخل زيد على هشام و قد احتشد المجلس بأهل الشام فقال: ما يصنع أخوك البقرة؟ فغضب زيد حتى كاد يخرج من إهابه و قال: سمّاه رسول اللّٰه الباقر، و أنت تسمّيه البقرة، لشد ما اختلفتما، لتخالفه في الآخرة كما خالفته في الدنيا فيرد الجنّة و ترد النار، فانقطع هشام عن الجواب و بان عليه العجز، و لم يستطع دون أن صاح لغلمانه: أخرجوا هذا الأحمق المالق، فأخذ الغلمان بيده فأقاموه(4).
و قال الصفدي: وفد على هشام بن عبد الملك فرأى منه جفوة، فكان ذلك سبب خروجه و طلبه للخلافة(1).
لو أنّ الصفدي و من لفَّ لفَّه عرف نفسيات زيد، و روحياته الطاهرة، لوقف على أنّ هذا الحدث و ما أشبهه، لم يكن سبباً للقيام، فإنّه كان مختمراً في النهضة أيام إقامته في المدينة قبل أن يفد إلى هشام حتى أنّ الصفدي يروي نفسه و يقول:
«دخل زيد بن علي مسجد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم في يوم حارّ من باب السوق فرأى سعد ابن إبراهيم في جماعة من القرشيين قد حان قيامهم، فقاموا، فأشار إليهم فقال: يا قوم أنتم أضعف من أهل الحرة! قالوا: لا، قال: و أنا أشهد أنّ يزيد ليس شراً من هشام فما لكم؟ فقال سعد لأصحابه: مدة هذا قصيرة، فلم ينشب أن خرج و قتل(2).
دخل زيد الكوفة في النصف الثاني من عام مائة و عشرين و أقام بها و ذلك بعد ما أمر به هشام بن عبد الملك من المسير إلى العراق حتى يحاكمه يوسف بن عمر فيما كان يدعيه خالد بن عبد اللّٰه القسري أو ابنه يزيد بن خالد من توديع أموال عنده و عند داود بن علي بن عبد اللّٰه بن العباس. فلما تبيّنت براءته عما يدّعى عليه لم يرحل إلى الحجاز بل أقام بها ظاهراً و معه داود بن علي، و أقبلت الشيعة تختلف إلى زيد و تأمره بالخروج و يقولون: إنّا لنرجو أن تكون أنت المنصور، و ان هذا الزمان هو الذي تهلك فيه بنو أُمية و في خلال المدّة التي كان هو في الكوفة، يرسل يوسف بن عمر إليه رسولاً بعد رسول ليغادر الكوفة، و لكنه في كل مرّة يعتذر بعذر حتى أتى القادسية، و قيل: الثعلبية، فتبعه أهل الكوفة و قالوا: نحن أربعون ألفاً لم
يختلف عنك أحد نضرب عنك بأسيافنا و ليس هاهنا من أهل الشام إلاّ عدّة يسيرة، بعض قبائلنا يكفيكهم بإذن اللّٰه و حلفوا له بالأيمان المغلظة(1).
و هناك من يقول: إنّ زيداً لما قضى وطره في الشام و رأى عند هشام من التجبّر و الأنانية غادر الشام إلى الكوفة فأقام بها مستخفياً فينتقل في المنازل، و أقبلت الشيعة تختلف إليه فبايعه وجوه أهل الكوفة و كانت بيعته: إنا ندعوكم إلى كتاب اللّٰه، و سنّة نبيه و جهاد الظالمين، و الدفع عن المستضعفين، و اعطاء المحرومين، و قسم هذا الفيء بين أهله بالسواء ورد المظالم و نصر أهل البيت أ تبايعون على ذلك؟ فإذا قالوا نعم وضع يده على أيديهم و يقول: عليك عهد اللّٰه و ميثاقه و ذمته و ذمّة رسوله لتفين ببيعتي و لتقاتلنّ عدوي و لتنصحنَّ لي في السر و العلانيّة، فإذا قال نعم، مسح يده على يده، ثمّ قال: اللهم اشهد، فبايعه خمسة عشر ألفاً و قيل أربعون ألفاً فأمر أصحابه بالاستعداد، فأقبل من يريد أن يفي له، و يخرج معه و يستعد و يتهيّأ و شاع أمره في الناس(2).
و بما أنّه من البعيد أن تكون لمثل زيد حليف القرآن و العبادة رحلات أو رحلتان إلى الشام فالظاهر هو الوجه الأوّل، و أنّه بعد ما سيّره هشام بن عبد الملك إلى الكوفة لأجل المحاكمة فأقام بها متهيّئاً للثورة، و هذا هو الظاهر أيضاً من أبي الفرج الأصفهاني و بما أنّه زيدي له عناية خاصة بتحقيق مواقف زيد فاقتصر بالوجه الأوّل، و قال: «فأقام زيد بعد خروجه من عند «يوسف» بالكوفة أياماً، و جعل يوسف يستحثه بالخروج فيعتل عليه بالشغل، و بأشياء يبتاعها فألحّ عليه حتى خرج فأتى القادسية، ثمّ إنّ الشيعة لقوا زيداً فقالوا له: «أين تخرج عنّا رحمك اللّٰه، و معك مائة ألف سيف من أهل الكوفة و البصرة و خراسان يضربون بني أُمية بها دونك، و ليس قِبَلِنا من أهل الشام إلاّ عدّة يسيرة فأبى عليهم فما زالوا يناشدونه
حتى رجع بعد أن أعطوه العهود و المواثيق... و أقبلت الشيعة و غيرهم يختلفون إليه و يبايعونه حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة خاصة سوى أهل المدائن و البصرة و واسط و الموصل و خراسان و جرجان و أقام بالكوفة بضعة عشر شهراً و أرسل دعاته إلى الآفاق و الكور يدعو الناس إلى بيعته فلما دنا خروجه، أمر أصحابه بالاستعداد و التهيّؤ، فجعل من يريد أن يفي له يستعد(1).
قد عرفت أنّه بايعه وجوه أهل الكوفة كما بايعه أهل المدائن و البصرة و واسط و الموصل و خراسان و الري و جرجان(2)و لكن نركز على أسماء أهل العلم و نقلة الآثار الذين أتى بأسمائهم أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «مقاتل الطالبيين» فإنّ في التعرف عليهم تأثيراً للتعرّف علىٰ مكانة زيد في قلوب الفقهاء و المحدثين و أهل العلم في ذلك الزمان، و أنّ الرجل ما لم تكن فيه مكانة كبرى في قلوب الناس لما بايعه نظراء أبي حنيفة و الأعمش و ابن أبي ليلى و غيرهم.
عدّه الرجاليون من أصحاب الإمام الباقر و الصادق عليهما السلام(3)كان يدعو إلى الخروج مع زيد بن علي، أبطأ منصور عن زيد لما بعثه يدعو إليه، فقتل زيد و منصور غائب عنه، فصام سنة يرجو أن يكفر ذلك عن تأخره، ثمّ خرج بعد ذلك مع عبد اللّٰه بن معاوية بن عبد اللّٰه بن جعفر(4).
روى أبو الفرج عن الفضل بن الزبير، قال: قال أبو حنيفة من يأتي زيداً في هذا الشأن من فقهاء الناس؟ قال: قلت:
سلمة بن كهيل، و يزيد بن أبي زياد، و هارون بن سعد، و هشام بن البريد و أبو هاشم الرماني، و الحجاج بن دينار و غيرهم، فقال لي: قل لزيد: لك عندي معونة و قوة على جهاد عدوك فاستعن بها أنت و أصحابك في الكراع و السلاح، ثمّ بعث ذلك معي إلى زيد فأخذه زيد.
أحد أعلام الشيعة بالكوفة، و قد جاء عثمان بن عمير أبو اليقظان الفقيه فجلس إلى الأعمش فقال: أخلنا فإنّ لنا إليك حاجة، فقال: و ما خطبكم؟ هذا شريك و هذا عمرو بن سعيد، أذكر حاجتك فقال: أرسلني إليك زيد بن علي أدعوك إلى نصرته و الجهاد معه و هو من عرفت. قال: أجل ما أعرفني بفضله اقرياه مني السلام و قولا له: يقول لك الأعمش: لست أثق لك - جعلت فداك - بالناس و لو أنّا وجدنا لك ثلاثمائة رجل أثق بهم، لغيّرنا لك جوانبها.
كان من أصحاب الرأي تولى قضاء الكوفة و أقام حاكماً ثلاث و ثلاثين سنة ولي لبني أُمية، ثمّ لبني العباس و مات على القضاء في سنة 148 ه و له 74 سنة، نقل أبو الفرج عن أحمد بن محمد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثني أبي، قال: كان محمد بن أبي ليلى و منصور بن المعتمر بايعا زيد بن علي. قال: و بعث يوسف ابن عمر إلى الناس فأخذ عليهم أبواب المسجد فحال بينه و بينهم.
كان عالماً فاضلاً راوياً تولى قضاء المدائن و مات بها. قال أبو الفرج: كتب زيد بن علي إلى هلال بن حباب و هو يومئذ قاضي المدائن فأجابه و بايع له.
ينتهي نسبه إلى يام، بطن من همدان، كان من الشيعة المحدثين في الكوفة و من التابعين، روى أبو الفرج عن سالم بن أبي الحديد، قال: أرسلني زيد بن علي إلى زبيد اليامي أدعوه إلى الجهاد معه.
كان هاشمياً ولاءً لا نسباً، أحد أعلام الشيعة بالكوفة مات سنة مائة و سبع و ثلاثين، روى أبو الفرج عن عبدة بن كثير السراج الجرمي، قال: قدم يزيد بن أبي زياد مولى بنى هاشم صاحب عبد الرحمن بن أبي ليلى الرقّة يدعو الناس إلى بيعة زيد بن علي، و كان من دعاة زيد بن علي، و أجابه الناس من أهل الرقّة، و كنت فيمن أجابه.
كان من فقهاء الكوفة و لكثرة أحاديثه و سماعه الحديث قيل له الحوال، قال أبو الوليد: كتبت عن قيس ستة آلاف حديث توفى بالكوفة سنة مائة و ثمان و ستين. روى أبو الفرج أنّ أبا حصين قال لقيس بن الربيع: يا قيس، قال: لبيك. قال:
لا لبيك و لا سعديك، لتبايعن رجلاً من ولد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ثمّ تخذله، و ذلك أنّه بلغه بايع زيد بن علي رضوان اللّٰه عليه.
عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب علي بن الحسين و الباقر و الصادق عليهم السلام و يظهر من الروايات انحرافه عن الإمام الباقر، روى الكليني عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال لسلمة بن كهيل و الحكم بن عتيبة: «شرّقا و غرّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا»(1).
روى الكشي أنّه دخل سلمة بن كهيل و معه جماعة على أبي جعفر و عنده أخوه زيد فقالوا لأبي جعفر عليه السلام: نتولّى علياً و حسناً و حسيناً و نتبرّأ من أعدائهم؟ قال: نعم، قالوا: فنتولى أبا بكر و عمر و نتبرّأ من أعدائهم؟ فالتفت إليهم زيد بن علي و قال لهم: أ تتبرّءون من فاطمة، بترتم أمرنا بتركم اللّٰه. فيومئذ سمّوا البترية(2).
و يقال له الجعفي الفقيه كان من حملة الآثار في الكوفة و قد عدّه أبو الفرج من المبايعين كما عرفت.
اسمه يحيى بن دينار من الفقهاء التابعين.
كثير الرواية كان من فقهاء التابعين.
نسبه إلى ثور بن عبد مناة سمّي بذلك لأنّه نزل جبل ثور الذي به الغار، كان من أعيان فقهاء الكوفة و رواة الحديث استقضاه المهدي على الكوفة فامتنع و تولاه شريك بن عبد اللّٰه النخعي فقال الشاعر:
تحرز سفيان و فاز بدينه *** و أمسى شريك مرصداً للدراهم
مات في البصرة عام 161 ه و له 66 سنة و كان مختفياً من السلطان بايع زيداً على الخروج و لما بلغه قتل زيد.
قال: لقد بذل مهجته لربّه و قام بالحقّ لخالقه و لحق بالشهداء المرزوقين.
يعد من مشاهير رواة الحديث في الكوفة من بني صعصعة يبسط له في المسجد الأعظم ليجلس عليه و يحدث، طلبه المنصور للقضاء فأبى و مات سنة 152 ه و لم يتول شيئاً من ذلك.
هؤلاء هم الذين ذكرهم أبو الفرج في مقاتل الطالبيين إلا الأخير(1)و هناك شخصيات أُخرى بايعوه و لم يذكرهم بل جاءت في مصادر أُخرى، فمن أراد التفصيل فليرجع إليها.(2)
إنّ لمكانة دعاة الثورة و منزلتهم بين الناس، تأثيراً بالغاً في اجتذاب الناس و عطفهم إليها، فإذا كان الداعي عالماً بارعاً، أو فقيهاً ورعاً، يأخذ بمجامع القلوب، و يؤثر في الشعوب و قد تعرفت على أسماء بعض دعاته عند الكلام في المبايعين لزيد من الفقهاء و نقلة الآثار نظراء:
1 - منصور بن المعتمر
2 - يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم
3 - سالم بن أبي الحديد - كما في مقاتل الطالبيين - و يحتمل كونه مصحف سالم بن أبي حفصة، الذي عنونه الكشي مع فريق ممن بايعوا زيداً كسلمة بن كهيل، و الحكم بن عتيبة و غيرهما(1).
4 - الفضيل بن الزبير الذي دعا أبا حنيفة إلى بيعة زيد
5 - عبدة بن كثير الجرمي
6 - الحسن بن سعد الفقيه
قال أبو الفرج كان رسول زيد إلى خراسان عبدة بن كثير الجرمي، و الحسن بن سعد الفقيه.
7 - عثمان بن عمير أبو اليقظان الفقيه رسول زيد إلى الأعمش
و ذكر السياغي أنّ من دعاته:
8 - نصر بن معاوية بن شداد العبسي
9 - معمر بن خثيم العامري.
1) . الكشي: الرجال: 200-202.
10 - معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري(1).
أنّ بث الدعاة في مختلف الأقطار ينم عن علو همة زيد، وسعة دعوته و أنّه كان بصدد تشكيل حكومة إسلامية عادلة، غير أنّ الظروف القاسية و تساهل المبايعين، حالت بينه و بين أُمنيته.
قد حذره عن القيام غير واحد من أقاربه و أصدقائه، حذروه عن الخروج معتضداً بالكوفيين و أنّهم أُناس لا يوفون بمواثيقهم و عهودهم، و يشهد بذلك، حياتهم منذ عهد الإمام إلى يومهم هذا نذكر كلمات بعض المحذّرين:
1 - روى الصدوق عن معمر بن سعيد قال: كنت جالساً عند الصادق عليه السلام فجاء زيد بن علي فأخذ بعضادتي الباب فقال: له الصادق عليه السلام: «يا عم أُعيذك باللّٰه أن تكون المصلوب بالكناسة...»(2).
2 - قال محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: أُذكّرك يا زيد لما لحقت بأهلك و لا تأت أهل الكوفة فإنّهم لا يفون لك، فلم يقبل(3).
3 - قال داود بن علي بن عبد اللّٰه بن عباس: يا ابن عم إنّ هؤلاء ليغرّونك من نفسك أ ليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك: جدّك علي بن أبي طالب حتى قُتل، و الحسن من بعده بايعوه ثمّ وثبوا عليه فانتزعوا رداءه و جرحوه، أ و ليس أخرجوا جدّك الحسين و حلفوا له و خذلوه و أسلموه و لم يرضوا بذلك حتى قتلوه؟(4).
4 - قال سلمة بن كهيل: ننشدك اللّٰه كم بايعك؟ قال: أربعون ألفاً، قال: فكم بايع جدك؟ قال: ثمانون ألفاً، قال: فكم حصل معه، قال ثلاثمائة، قال: نشدتك اللّٰه، أنت خير أم جدك؟ قال: جدي.
قال: فهذا القرن خير أم ذلك القرن؟ قال: ذلك القرن. قال: أ فتطمع أن يفي لك هؤلاء، و قد غدر هؤلاء بجدك. قال:
قد بايعوني و وجبت البيعة في عنقي و أعناقهم، قال: أ فتأذن لي أن أخرج من هذا البلد؟ فلا آمن أن يحدث حدث فلا أملك نفسي، فأذن له فخرج إلى اليمامة(1).
5 - كتب عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن إلى زيد: أمّا بعد فإنّ أهل الكوفة نفخ العلانية، خوَر السريرة، هرج في الرخاء، جزع في اللقاء، تقدّمهم ألسنتهم، و لا تشايعهم قلوبهم. و لقد تواترت إليّ كتبهم بدعوتهم فصممتُ عن ندائهم، و ألبست قلبي غشاءً عن ذكرهم، يأساً منهم و اطِّراحاً لهم، و ما لهم مثل إلاّ ما قال علي بن أبي طالب: «إن أُهملتم، خضتم، و إن حوربتم خرتم، و إن اجتمع الناس على إمام طعنتم، و إن أجبتم إلى مشاقة نكصتم»(2).
هذه النصائح لم تكن رادعة لزيد عن أُمنيته و جهاده، لأنّه كان واقفاً على ما تنطوي عليه سرائر أهل الكوفة من التساهل في مجال العمل بالمواثيق و العهود، و لكنه عليه السلام لم يصغ إلى شيء منها، لأنّه كان موطّناً نفسه على القتل و الشهادة سواء أنال بغيته الظاهرة أي الحكومة و السلطة أم لا، و ذلك لأنّ من أهدافه العالية إنهاض المسلمين إلى الثورة و لو باستشهاده و قتله في سبيل اللّٰه حتى يقضوا على
عروش بني أُمية، و من حسن الحظ أنّ زيداً وصل إلى تلك الأُمنية، فقد تواترت الثورات بعد زيد هنا و هناك ضد النظام فأُزيلت عروشهم بعد استشهاده بمدّة لا تزيد على عشر سنوات، فصارت جثث بني أُمية طعمة للكلاب و الوحوش، فاستوصلوا من الأراضي الإسلامية و لم يبق منهم إلا حثالات فرّوا إلى الأندلس أو كانوا فيها و ما أجاب به زيد، سلمة بن كهيل من كون بيعة الكوفيين على عنقه و لا بد له من الوفاء بها فإنّما كان جواباً ظاهرياً لاقناع سلمة، و إلاّ فللعمل بالميثاق شروط أوضحها كون الظروف هادئة و العدو غافلاً، أو ضعيفاً و المبايعين صامدين في طريق بيعتهم و لم يكن واحد منها موجوداً.
و لما استتب الأمر لزيد و كانت الثورة تستفحل يوماً بعد يوم و يرجع الناس إلى زيد زرافات و وحداناً.
اجتمعت إليه جماعة من المبايعين، فقالوا: رحمك اللّٰه ما قولك في أبي بكر و عمر؟ فقال: رحمهما اللّٰه و غفر لهما ما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرّأ منهما و لا يقول فيهما إلاّ خيراً، قالوا: فلم تطلب إذاً بدم أهل هذا البيت؟ إلاّ أن وثبا على سلطانكم فنزعاه من أيديكم، فقال لهم زيد: إنّ أشد ما أقول فيما ذكرتم إنّا كنّا أحقّ بسلطان رسول اللّٰه من الناس أجمعين و إنّ القوم استأثروا علينا و دفعونا عنه و لم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً، قد ولّوا فعدلوا في الناس و عملوا بالكتاب و السنّة. قالوا: فلم يظلمك هؤلاء إذا كان أُولئك لم يظلموك؟ فلمَ تدعو إلى قتال قوم ليسوا لك بظالمين؟ فقال: إنّ هؤلاء ليسوا كأُولئك، إنّ هؤلاء ظالمون لي و لكم و لأنفسهم، ففارقوه و نكثوا بيعته و قالوا: سبق الإمام و كانوا يزعمون أنّ أبا جعفر محمد بن علي أخا زيد بن علي هو الإمام و كان قد هلك يومئذ، و كان ابنه جعفر بن محمد حيّاً.
فقالوا: جعفر إمامنا اليوم بعد أبيه و هو أحقّ بالأمر بعد أبيه، و لا نتبع زيد بن علي فليس بإمام فسماهم زيد الرافضة، فهم اليوم يزعمون أنّ الذي سمّاهم رافضة المغيرة حيث فارقوه(1).
ما ذكره الطبري في ذلك الموضع نقله أكثر المؤرّخين و أصحاب المقالات حتى اللغويين، قال ابن منظور:
الروافض قوم من الشيعة سمّوا بذلك لأنّهم تركوا زيد بن علي. قال الأصمعي: كانوا قد بايعوا زيد بن علي، ثمّ قالوا له: ابرأ من الشيخين نقاتل معك فأبى. فقال: كانا وزيري جدي فلا أبرأ منهما فرفضوه و أرفضوا عنه فسمّوا رافضة(2).
يقول البغدادي: و كان زيد بن علي قد بايعه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة، و خرج بهم على والي العراق و هو يوسف بن عمر الثقفي. قالوا له: إنّا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر و عمر بعد أن ظلما جدك علي ابن أبي طالب، فقال زيد بن علي: لا أقول فيهم إلاّ خيراً و ما سمعت من أبي فيهم إلاّ خيراً، و إنّما خرجت على بني أُمية الذين قتلوا جدي الحسين و أغاروا على المدينة يوم وقعة الحرة ثمّ رموا بيت اللّٰه بالمنجنيق و النار ففارقوه عند ذلك حتى قال لهم: رفضتموني و من يومئذ سمّوا رافضة(3).
قال البزدوي: و إنّما سمّوا روافض لأنّهم وقعوا في أبي بكر و عمر فزجرهم زيد فرفضوه فسمّوا روافض(4).
قال نشوان في شرح رسالة الحور العين: و سميت الرافضة من الشيعة،
رافضة لرفضهم زيد بن علي بن الحسين و تركهم الخروج معه حين سألوه البراءة من أبي بكر و عمر فلم يجيبهم إلى ذلك...(1).
إنّ هذا الموضوع نقله المؤرخون و أرسله أصحاب المقالات و كتاب العقائد و المذاهب، إرسال المسلّم، و لكن لنا فيه ملاحظات نشير إليها:
1 - إنّ تسمية الشيعة بالرافضة لا تفارق التنابز بالألقاب المحرّم بنص الذكر الحكيم(2)و لا يصدر من إمام فقيه ورع مثل زيد خصوصاً أوان الثورة الذي هو أحوج في هذا الظرف، إلى التآلف و توحيد الكلمة، و أظن أنّ القصة من أوهام حشوية المشارقة، أو من صنايع نواصب المغاربة الذين كان لهم دور في عصر تدوين التأريخ و تأليف الحديث (أيام المنصور 138-158 ه) و بعدها فاختلقوها لتشويه سمعة الشيعة و نسبوها إلى أحد علماء أهل البيت عليهم السلام ليقع موقع القبول من الناس، حتى أنّ المسكين «نشوان الحميري» لم يقتصر على ما ذكر و أردفه بأمر آخر و هو أنّ زيداً لمّا أحسّ أنّ السائلين بصدد نقض البيعة قال حدثني أبي عن جدي أنّه قال لعلي: «إنّه سيكون قوم يدعون حبّنا لهم نبز(3)يعرفون به فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإنّهم مشركون» اذهبوا فأنتم الرافضة، ففارقوا زيداً عليه السلام فسمّاهم الرافضة فجرى عليهم الاسم(4).
يلاحظ عليه: أنّه كيف اعتمد على ذلك الحديث و يلوح عليه أثر الوضع إذ أيّ صلة بين نقض البيعة أو عدم المشاركة في جهاد زيد و نضاله، و بين كونهم
مشركين. هب أنّهم يكونون بذلك فاسقين لا مشركين.
2 - إنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم لم يكن إنساناً فارغاً عن كل عملٍ حتى يتحدث عن هؤلاء الذين لم يكن لهم دور في الأوساط الإسلامية إلاّ لمحاً و أياماً قلائل فهذا الحديث وزان سائر الأحاديث التي حشاها الحشوية في كتبهم حول الفرق و المذاهب كالقدرية و المعتزلة و المرجئة و غيرهم، بل كسائر الأحاديث الموضوعة حول محاسن أو مساوئ الأئمة الأربعة الفقهية التي استدل بها الموافق و المخالف لصالح إمامه أو لضد إمام الغير، أعاذنا اللّٰه و إياكم من دسائس الدجالين.
3 - إنّ السؤال عن الشيخين في ذلك الوقت العصيب مع كون المبايعين بين محبّ و غير محبّ، بين من يراهما خليفتي رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و من يراهما غير مستحقي هذا المقام، سؤالُ من يريد تشتيت الأمر، و إيجاد الفرقة بين المجاهدين في ساحة الحرب خصوصاً أنّ السؤال طرح عند ما رأى أصحاب زيد بن علي أنّ يوسف بن عمر قد بلغه أمر زيد و أنّه يدس إليه و يبحث في أمره(1).
فاللائق بقائد محنّك مثل زيد هو التعتيم و الكف عن الإجابة، و لو اضطر إليها لكان له أن يأتي بجمل متشابهة لا تخدش العواطف كما فعله جده الإمام أمير المؤمنين عليهم السلام في حرب صفين عند تقارع السيوف و اشتباك الأسنّة، ففوجئ بمثل هذا السؤال، حيث قام أحد أصحابه سائلاً - و المجاهدون فيها بين شيعة يرى الإمام هو الإنسان المنصوص عليه بالخلافة، و من يراه الخليفة الذي بايعه الناس -: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحق به؟ فقال عليه السلام:
يا أخا بني أسد، إنّك لقلقُ الوضين، ترسلُ في غير سدَد، و لك بعدُ ذمامة الصهر و حقّ المسألة، و قد استعلمت فاعلم.
أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام، و نحن الأعلون نسباً، و الأشدّون بالرسول صلى الله عليه و آله و سلم
1) . الطبري: التاريخ: 499/5.
نوطاً، فإنّها كانت أثَرة شُحَّت عليها نفوس قومٍ، و سخت عنها نفوس آخرين، و الحكم للّٰه و المعود(1)إليه يوم القيامة.
ودع عنك نهباً صيح في حجراته *** و لكن حديثاً ما حديث الرواحل
و هلم الخطب في ابن أبي سفيان، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه، و لا غرو و اللّٰه، فيا له خطباً يستفرغ العجب، و يكثر الأود.
حاول القوم إطفاء نور اللّٰه من مصباحه، وسد فوّاره من ينبوعه، و جدحوا بيني و بينهم شرباً وبيئاً، فإن ترتفع عنّا و عنهم محن البلوي، أحملهم من الحقّ على محضه، و إن تكن الأُخرى، «فَلاٰ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰاتٍ إِنَّ اَللّٰهَ عَلِيمٌ بِمٰا يَصْنَعُونَ»(2).(3).
ترى أنّ الإمام أوجز في الجواب و عطف نظر السائل إلى خطورة الموقف و لزوم الحرب مع ابن أبي سفيان، قال ابن أبي الحديد: و لو أخذ الإمام يصرح له بالنص و يعرفه تفاصيل باطن الأمر، لنفر عنه، و اتّهمه و لم يقبل قوله و لم ينجذب إلى تصديقه، فكان أولى الأُمور في حكم السياسية و تدبير الناس أن يجيب بما لا نفرة منه و لا مطعن عليه فيه(4).
و أين هو من الجواب المبسوط الذي أتى به زيد بن علي كأنّه يريد أن يدرس العقائد في ساحة الحرب. و نحن نجل قائدنا المحنك من الكلام الخارج عن طور البلاغة.
1) . المعود - بسكون العين و فتح الواو - كذا ضبطت في اللسان. و في النهاية لابن الأثير: هكذا جاء «المعود» على الأصل، و هو «مفعل» من عاد يعود، و من حقّ أمثاله أن تقلب واوه ألفاً، كالمقام و المراح، و لكنه استعمله على الأصل.
2) . فاطر: 8.
3) نهج البلاغة: الخطبة 163.
4) . ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 251/9، الخطبة: 163.
4 - أنّ علياً و أهل بيته مقتفون أثر فاطمة بنت النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في حقّ الخلفاء و لا يصح لمن ينتمي إلى ذلك البيت أن يبوح بخلاف ما عليه أُمّهم وجدهم، هذا الإمام البخاري يذكر موقف فاطمة من الخلفاء و يقول: أبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها (فدك و ميراثها من النبي) شيئاً فوجدت(1)فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، و عاشت بعد النبي ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً و لم يؤذن بها أبا بكر و صلّى عليها(2).
هذا من جانب، و من جانب آخر، روى الإمام البخاري عن المسور بن مخرمة أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني(3).
أ فبعد هذين الحديثين هل يصحّ أن يترنّم ولد فاطمة بما نسب إليه؟!.
على أنّ المروي عن طريقنا عن سدير ما لا يلائم ذلك، قال: دخلت على أبي جعفر، و معى سلَمة بن كهيل و أبو المقدام ثابت الحدّاد و سالم بن أبي حفصة و كثير النوّاء، و جماعة معه، و عند أبي جعفر أخوه زيد بن علي فقالوا لأبي جعفر: نتولى علياً و حسناً و حسيناً و نتبرّأ من أعدائهم؟ قال: نعم، قالوا: نتولى أبا بكر و عمر و نتبرّأ من أعدائهم؟ فالتفت إليهم زيد بن علي و قال: أ تتبرّءون من فاطمة بتركم اللّٰه؟ بترتم أمرنا، فيومئذ سموا البترية(4).
و قد مضت أشعاره في ذلك في الفصل الثالث الخاص بخطبه و شعره.
5 - أنّ ظاهر ما نقل عن زيد في هذا الموضع أنّه هو الذي ابتكر ذلك المصطلح و أطلقه على لفيف من الشيعة الذين رفضوه و تركوه في ساحة الحرب أو
أنّه مما حدّث به النبي الأكرم علياً و هو حدّث أبناءه مع أنّ التاريخ يشهد بخلاف ذلك و أنّ كلمة (الرافضة) كانت كلمة سياسية تطلق على مخالف الدولة و الحكومات الحاضرة من غير فرق بين علوي أو عثماني حتى أنّ معاوية بن أبي سفيان سمّى مخالفي علي عليه السلام رفضة، و قد جاءت الكلمة في كلمات أبي جعفر الباقر قبل أن تكون لزيد فكرة الثورة أو نفسها و قد أتينا بما جاء حول الكلمة في الجزء الأوّل من هذا المشروع فلا نعيدها، فلاحظ(1).
6 - أنّ المنقول مسنداً عن طرقنا أنّه لم يذكرهما بخير في ذلك الموقف الرهيب(2).
كان يوسف بن عمر عامل هشام في العراق، و كان يسكن بالحيرة و هي بلدة بين الكوفة و النجف، و خليفته في الكوفة هو الحكم بن الصلت و رئيس شرطه عمرو بن عبد الرحمن، و مع ما كان لهم عيون و جواسيس لم يطلعوا على ما كان يجري في الكوفة و ما والاها من العشائر، و هذا يدل على حنكة الثائر حيث صانها من الفشل و التسرب إلى الخارج، و قد كان التخطيط معجباً جداً، حيث كان الناس يبايعون زيداً و لا يعرفون مكانه، و ذلك لأنّ معمر بن خثيم و فضيل بن الزبير يُدخلان الناس عليه و عليهم براقع لا يعرفون موضع زيد، فيأتيان بهم من مكان لا يبصرون شيئاً حتى يدخلوا عليه فيبايعون(3).
كانت الثورة تستفحل إلى أن وافت رسالة هشام إلى عامله أطلعه على الأمر
و شتمه و سفّهه فيها بقوله: إنّك لغافل، و جاء فيها أنّ رجلاً من بني أُمية كتب في ما ذكر إلى هشام يذكر له أمر زيد فكتب هشام إلى يوسف يشتمه و يجهّله و يقول: انّك لغافل و زيد عاوز ذنبه بالكوفة يبايع له فألحح في طلبه(1).
فكتب يوسف إلى الحكم بن الصلت و هو خليفته على الكوفة بطلبه، فطلبه، فخفي عليه موضعه، فدس يوسف مملوكاً له خراسانياً ألكن، و أعطاه خمسة آلاف درهم، و أمره أن يلطف لبعض الشيعة فيخبره أنّه قد قدم من خراسان حباً لأهل البيت و أنّ معه مالاً يريد أن يقويهم به، فلم يزل المملوك يلقى الشيعة و يخبرهم عن المال الذي معه حتى أدخلوه على زيد، فخرج، و دلّ يوسف على موضعه(2).
و في رواية أُخرى أنّه انطلق سليمان بن سراقة إلى يوسف بن عمر فأخبره خبره، و أعلمه أنّه يختلف إلى رجل منهم يقال له عامر، و إلى رجل من بني تميم يقال له طعمة ابن أُخت لبارق، و هو نازل فيهم، فبعث يوسف يطلب زيداً في منزلهما، فلم يوجد عندهما، و أخذ الرجلان فأُتي بهما فلما كلّمهما استبان له أمر زيد و أصحابه و تخوف زيد بن علي أن يؤخذ فتعجل قبل الأجل الذي جعله بينه و بين أهل الكوفة(3).
ظلت الحكومة تفحص عن موضع زيد فلم تحصّله، و لكن وقف على زمان تفجر الثورة و أنّه واعد أصحابه ليلة الأربعاء أوّل ليلة من صفر سنة 122 ه.
لما بلغ يوسف أنّ زيداً قد أزمع على الخروج في زمان محدود، أراد فصل
الناس عن زيد، و الحيلولة بين القائد و المقود.
قال الطبري: بعث يوسف بن عمر إلى الحكم بن الصلت فأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم يحصرهم فيه، فبعث الحكم إلى العرفاء و الشرط و المناكب و المقاتلة، فأدخلهم المسجد، و نادى مناديه: ألا إنّ الأمير يقول:
من أدركناه في رحله فقد برئت منه الذمة ادخلوا المسجد الأعظم، فأتى الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بيوم.
و طلبوا زيداً في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، فخرج ليلاً و ذلك ليلة الأربعاء في ليلة شديدة البرد من دار معاوية بن إسحاق(1).
وقف زيد على أنّ العدو قد اطّلع على سره فظل يبحث موضعه، و أنّه لو تأخر و أمهل في الخروج ربما كشف عن مخبئه، فاستعد للقتال، بإلقاء خطب تحث الأفراد، للقيام، و قد عرفت بعضها و نورد في المقام ما لم نذكره هناك:
قد نقل عن الإمام الثائر خطب بليغة عند اشتعال الحرب.
1 - روي أنّه لمّا خفقت الرايات على رأسه قال: الحمد للّٰه الذي أكمل لي ديني بعد أن كنت أستحيي من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أن أرد عليه و لم آمر أُمّته بمعروف و لم أنه عن منكر(2).
2 - روى صاحب كتاب: «التقية و التقى» بإسناد إلى خالد بن صفوان، قال: سمعت زيد بن علي يقول: أيّها الناس عليكم بالجهاد، فإنّه قوام الدين
و عمود الإسلام و منار الإيمان، و اعلموا أنّه ما ترك قوم الجهاد قطّ إلاّ حقروا و ذلوا... ثمّ قرأ الفاتحة إلى قوله: «اَلصِّرٰاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ»: و قال: الصراط المستقيم هو دين اللّٰه و سنامه و قوامه الجهاد، ثمّ ذكر ما نزل من القرآن في فضل الجهاد من أول القرآن إلى آخره(1).
3 - روى الإمام المهدي في «المنهاج» و الإمام أبو طالب في «الأمالي» و السيد أبو العباس في «المصابيح» عن سعيد بن خثيم، قال: إنّ زيداً عليه السلام كتَّب كتائبه فلمّا خفقت راياته رفع يديه إلى السماء، فقال: الحمد للّٰه الذي أكمل لي ديني، و اللّٰه ما يسرّني إنّي لقيت محمداً صلى الله عليه و آله و سلم و لم آمر في أُمّته بالمعروف و لم أنههم عن المنكر، و اللّٰه ما أُبالي إذا أقمت كتاب اللّٰه و سنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أن أُجّجت لي نار ثمّ قُذِفْتُ فيها، ثمّ صرتُ بعد ذلك إلى رحمة اللّٰه تعالى، و اللّٰه لا ينصرني أحد إلاّ كان في الرفيق الأعلى مع محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام.
ويحكم أما ترون هذا القرآن بين أظهركم، جاء به محمد صلى الله عليه و آله و سلم و نحن بنوه؟ يا معاشر الفقهاء و يا أهل الحجا أنا حجّة اللّٰه عليكم، هذه يدي مع أيديكم على أن نقيم حدود اللّٰه و نعمل بكتاب اللّٰه و نقسم فيئكم بينكم بالسوية، فسلوني عن معالم دينكم فإن لم أُنبئكم عما سألتم فولّوا من شئتم ممن علمتم أنّه أعلم مني، و اللّٰه لقد علمت علم أبي علي بن الحسين و علم جدي الحسين و علم علي بن أبي طالب وصي رسول اللّٰه و عيبة علمه، و إنّي لأعلم أهل بيتي، و اللّٰه ما كذبت كذبة منذ عرفت يميني من شمالي، و لا انتهكت محرماً للّٰه عزّ و جلّ منذ عرفت أنّ اللّٰه يؤاخذني(2).
و مضى من طرقنا ما لا يجامع بعض ما ورد في هذه الخطبة فقد كان زيد
معترفاً بأعلمية الإمام الصادق عليه السلام فانتظر.
روى الإمام المهدي في «المنهاج»، و صاحب «المحيط» في كتابه، و الإمام المرشد باللّٰه في «أماليه» عن محمد بن فرات، قال: وقف زيد عليه السلام على باب الجسر و جاء إلى أهل الشام، فقال لأصحابه: انصروني على أهل الشام فو الله لا ينصرني رجل عليهم إلاّ أخذت بيده أُدخله الجنّة، ثمّ قال: و اللّٰه لو عملت عملاً هو أرضى للّٰه من قتال أهل الشام لأفعلنّه، و قد كنت نهيتكم أن لا تتبعوا مدبراً، و لا تجهزوا على جريح، أو تفتحوا باباً مغلقاً، فإن سمعتموهم يسبّون علي بن أبي طالب فاقتلوهم من كل وجه(1).
4 - روى الإمام المهدي و السيد أبو العباس الحسني و أبو طالب في «الأمالي» بالإسناد إلى سهل بن سليمان الرازي عن أبيه، قال: شهدت زيد بن علي عليه السلام يوم خرج لمحاربة القوم بالكوفة، فلم أر يوماً قط كان أبهى، و لا رجالاً كانوا أكثر قرّاء، و لا فقهاء و لا أوفر سلاحاً من أصحاب زيد بن علي، فخرج على بغلة شهباء و عليه عمامة سوداء، بين يدي قربوس سرجه مصحف. قال: أيها الناس أعينوني على أنباط الشام، فو الله لا يعينني عليهم منكم أحد إلاّ رجوت أن يأتيني يوم القيامة آمناً، حتى يجوز على الصراط و يدخل الجنّة، و اللّٰه ما وقفت هذا الموقف حتى علمت التأويل و التنزيل، و المحكم و المتشابه، و الحلال و الحرام بين الدفتين(2).
إنّ هذه الخطب تحكي عن روح ثورية و بطولة باهرة، و تفانٍ في سبيل الحقّ، غير أنّ بعض المغالين في حقّه أدخل في خطبه ما لا يدّعيه زيد، و لا يصدقه أهل بيته. و من المكذوب المنسوب إليه ما روي عن أبي الجارود أنّ زيداً قال:
سلوني قبل
أن تفقدوني، سلوني فإنّكم لن تسألوا مثلي، و اللّٰه لا تسألوني عن آية من كتاب اللّٰه إلاّ أنبأتكم بها، و لا تسألوني عن حرف من سنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم إلاّ أنبأتكم به، و لكنكم زدتم و نقصتم، و قدّمتم و أخّرتم، فاشتبهت عليكم الأخبار(1).
كيف يصدق ذلك الكلام و قد روى ابن عبد البر بإسناده إلى سعيد بن المسيب، قال: ما كان أحد من الناس يقول سلوني، غير علي بن أبي طالب عليه السلام(2)قال العلامة المجلسي: أجمع الناس كلّهم على أنّه لم يقل أحد من الصحابة و لا أحد من العلماء هذا الكلام(3).
روى الأصبغ بن نباتة قال: لما جلس علي عليه السلام في الخلافة و بايعه الناس خرج إلى المسجد متعمماً بعمامة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لابساً بردة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، متنَعلاً نعل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، متقلداً سيف رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، فصعد المنبر فجلس عليه متمكناً ثمّ شبّك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه ثمّ قال: «يا معاشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، هذا ما زقّني رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم زقّاً زقاً، سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين و الآخرين، أما و اللّٰه لو ثنيت لي وسادة فجلست عليها، لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول: صدق عليّ ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل اللّٰه في، و أفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الإنجيل فيقول: صدق عليّ ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل اللّٰه في، و أفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول: صدق علي ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل اللّٰه في. و أنتم تتلون القرآن ليلاً و نهاراً، فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه؟ و لو لا
آية في كتاب اللّٰه عزّ و جلّ لأخبرتكم بما كان و بما يكون و بما هو كائن إلى يوم القيامة، و هي هذه الآية: «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ».
ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالذي فلق الحبّة و برأ النسمة لو سألتموني عن أيّة آية في ليل أُنزلت أو في نهار أُنزلت، مكيّها و مدنيّها، سفريّها و حضريّها، ناسخها و منسوخها، و محكمها و متشابهها، و تأويلها و تنزيلها لأخبرتكم»(1).
و نزيد بياناً: كيف يصحّ لزيد و من هو في درجته و منزلته، أن يدّعي أنّ عنده علم الكتاب و السنّة، و لا يشذّ عنه جواب سؤالٍ، مع أنّه لم يدرس إلاّ عند أبيه الإمام زين العابدين عليه السلام و كان له من العمر عند ما توفي والده (94 أو 95 ه) ما لا يتجاوز العشرين، و لو أكمل دراسته عند أخيه الإمام الباقر عليه السلام فليس هو بأرفع من أُستاذه الكبير الذي أطبق العلماء على أنّه كان يبقر العلم بقراً.
إنّ هذه الكلمة إنّما هي لمن كانت له تربية إلهية، و توعية غيبية، تربى في أحضان الوحي، فصار موضع سرّ النبي، و عيبة علمه إلى أن بلغ شأواً يرى ما رآه النبي صلى الله عليه و آله و سلم و يسمع ما سمعه و ليس هو إلاّ الإمام أمير المؤمنين و سيد الوصيين علي ابن أبي طالب، و هو يصف نفسه بقوله: «يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً و يأمرني بالاقتداء به، و لقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه، و لا يراه غيري، و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و خديجة و أنا ثالثهما. أرى نور الوحي و الرسالة، و أشم ريح النبوة.
و لقد سمعت رنّة الشيطان، حين نزل الوحي عليه صلّى الله عليه و آله و سلّم فقلت: يا رسول اللّٰه ما
1) . المجلسي: البحار: 117/10 ح 1، و الآية 39 من سورة الرعد.
هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد آيس من عبادته إنّك تسمع ما أسمع، و ترى ما أرى إلاّ أنّك لست نبي و لكنك وزير و إنّك لعلى خير»(1).
و لم يكن زيد، إلاّ محدِّثاً واعياً، و فقيهاً بارعاً و له من العلم و الفضل، ما للطبقة العليا من تلاميذ أبيه و أخيه غير أنّ الذي رفعه، و أخلد ذكره، إنّما هو جهاده و نضاله، و تفانيه في سبيل اللّٰه: «فَضَّلَ اَللّٰهُ اَلْمُجٰاهِدِينَ عَلَى اَلْقٰاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً»(2)، و لا صلة له بعلمه و فضله، و لو قيس ما روى عن الإمام زيد من الحديث و الفقه، إلى ما روى عن الصادقين من العلوم و المعارف لعلم أنّ الأولى أن ينسب ذلك الكلام إلى الإمامين لا إلى زيد، و لكنّهما لم يبوحا بذلك أبداً.
غادر زيد ليلة الأربعاء، دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، و استقر خارج الكوفة فأمر برفع الهرادي(3)فيها فكلما أكل النار هردياً، رفعوا آخر فما زالوا كذلك حتى طلع الفجر فلما أصبح، أمر بعض أصحابه النداء و بالشعار لغاية تقاطر المبايعين إلى النقطة التي استقر فيها لإرسال الكتائب منها إلى الكوفة و الحيرة و لفتح البلدين، و محاربة المانعين من أبناء البيت الأموي و أنصارهم، فكان التخطيط تخطيطاً عسكرياً بارعاً لو لا أن القضاء سبق التدبير، و تسرب أسرار الثورة إلى الخارج، و حالت العامل و خليفته، بينه و بين و ثوب الناس و اجتماعهم لديه.
أصبح زيد و تعجب من قلة الحاضرين(4)و قال: أين الناس، فقيل له: هم
في المسجد الأعظم محصورون، فقال: لا و اللّٰه ما هذا لمن بايعنا بعذر، و لم يجد بداً من القتال بمن معه، موطناً نفسه على الاستشهاد و قد ذكر المؤرخون كيفية قتاله و قتال أصحابه الموفين بعهدهم و بيعتهم، و هم بين موجز في القول و مسهب في النقل، و نحن نكتفي بنصوص ثلاثة:
1 - قال المسعودي: «مضى زيد إلى الكوفة و خرج عنها و معه القرّاء و الأشراف، فحاربه يوسف بن عمر الثقفي فلما قامت الحرب، انهزم أصحاب زيد، و بقي في جماعة يسيرة، فقاتلهم أشد قتال و هو يقول متمثلاً:
أذل الحياة و عزّ الممات *** و كلاً أراه طعاماً وبيلا
فإن كان لا بد من واحد *** فسيري إلى الموت سيراً جميلا
و حال المساء بين الفريقين فراح زيد مثخناً بالجراح و قد أصابه سهم في جبهته فطلبوا من ينزع النصل، فأتى بحجام من بعض القرى فاستكتموه أمره فاستخرج النصل فمات من ساعته، فدفنوه في ساقية ماء و جعلوا على قبره التراب و الحشيش، و أُجري الماء على ذلك، و حضر الحجام مواراته، فعرف الموضع فلما أصبح مضى إلى يوسف متنصحاً، فدلّه على موضع قبره، فاستخرجه يوسف، و بعث برأسه إلى هشام، فكتب إليه هشام: أن أصلبه عرياناً، فصلبه يوسف كذلك، ففي ذلك يقول بعض شعراء بني أُمية يخاطب آل أبي طالب و شيعتهم من أبيات:
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة *** و لم أر مهدياً على الجذع يصلب
و بنى تحت خشبته عموداً، ثمّ كتب هشام إلى يوسف يأمره بإحراقه و ذروه في الرياح(1).
1) . المسعودي: مروج الذهب: 207/3.
هذا ما يذكره المسعودي الذي يذكر الأحداث على وجه الإيجاز.
2 - أنّ الطبري يذكر القصة ببسط و تفصيل و يذكر لزيد بطولات باهرة و أنّه دامت الحرب يومين (الأربعاء و الخميس) و أنّه وصل بأصحابه إلى باب الفيل، فجعل أصحابه يدخلون راياتهم من فوق الأبواب و يقولون: يا أهل المسجد اخرجوا، و جعل نصر بن خزيمة يناديهم، و يقول: يا أهل الكوفة اخرجوا من الذل إلى العز، اخرجوا إلى الدين و الدنيا فإنّكم لستم في دين و لا دنيا، فأشرف عليهم أهل الشام فجعلوا يرمونهم بالحجارة من فوق المسجد...(1).
و لو صحّ ما ذكره الطبري و تبعه الجزري لزم أن يكون المتواجدون في معسكره أزيد مما ذكره.
3 - و ممّن لخّص الحادثة و لم تفته الإشارة إلى دقائقها: الإمام المنصور باللّٰه عبد اللّٰه بن حمزة في «الشافي» قال:
«و كان ديوانه قد انطوى على خمسة عشر ألف مقاتل خارجاً عمن بايع من جميع أهل الأمصار و سائر البلدان، ثمّ قال:
و لمّا خرج عليه السلام خرج معه القرّاء و الفقهاء و أهل البصائر قدر خمسة آلاف رجل في زيّ لم ير الناس مثله، و تخلّف باقي الناس عنه، فقال: أين الناس؟ قال: اُحتبسوا في المسجد، فقال: لا يسعنا عند اللّٰه خذلانهم، فسار حتى وصل إليهم و أمرهم بالخروج فلم يفعلوا. فقال نصر بن خزيمة:
يا أهل الكوفة اخرجوا من الذل إلى العز إلى خير الدنيا و الآخرة، و أدخلوا عليهم الرايات من طاقات المسجد فلم ينجح ذلك فيهم شيئاً.
و أقبلت جنود الشام من تلقاء الحيرة، فحمل عليهم عليه السلام كأنّه الليث المغضب، فقتل منهم أكثر من ألفي قتيل بين الحيرة و الكوفة و أقام بين الحيرة
1) . الطبري: التاريخ: 501/5.
و الكوفة، و دخلت جيوش الشام الكوفة ففرق أصحابه فرقتين، فرقة بإزاء أهل الكوفة و فرقة بإزاء أهل الحيرة، و لم يزل أهل الكوفة يخرج الواحد منهم إلى أخيه و المرأة إلى زوجها، و البنت إلى أبيها و الصديق إلى صديقه، فيبكي عليه حتى يرده فأمسى عليه السلام و قد رقّ عسكره و خذله كثير ممن كان معه، و أهل الشام في اثني عشر ألفاً و حاربهم عليه السلام يوم الأربعاء و يوم الخميس و حمل عليهم عشية الخميس، فقتل من فرسانهم زيادة على مائتي فارس، و أُصيب عليه السلام آخر يوم الجمعة بنشابة في جبينه، فحمل إلى دور «أرحب» و «شاكر» و جيء بطبيب نزع النصل، بعد أن عهد إلى ولده يحيى بجهاد الظالمين، ثمّ مات من ساعته و دفن في مجرى ماء و أُجري عليه الماء، فأبصرهم غلام سنديّ، فلما ظهر قتله و صاح صائح يوسف بن عمر بطلبه دلّ عليه، فصلبوه في الكناسة و حرقوه بعد ذلك، و خبطوه بالشماريخ و العثاكيل حتى صار رماداً، و سفّوه في البر و البحر و ذروه في الرياح، فحرق اللّٰه هشاماً في الدنيا و له في الآخرة عذاب النار(1).
و قد بسط أبو الفرج الكلام في قتاله و نضاله و قال في آخر كلامه:
قال: و جعلت خيل أهل الشام لا تثبت لخيل زيد بن علي. فبعث العباس ابن سعد إلى يوسف بن عمر يعلمه ما يلقى من الزيدية و سأله أن يبعث إليه الناشبة فبعث إليه سليمان بن كيسان في القيقانية و هم نجارية و كانوا رماة فجعلوا يرمون أصحاب زيد. و قاتل معاوية بن إسحاق الأنصاري يومئذ قتالاً شديداً فقتل بين يدي زيد. و ثبت زيد في أصحابه حتى إذا كان عند جنح الليل رُمي زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فنزل السهم في الدماغ، فرجع و رجع أصحابه و لا يظن أهل الشام أنّهم رجعوا إلاّ للمساء و الليل.
قال أبو مخنف: فحدثني سلمة بن ثابت و كان من أصحاب زيد و كان آخر
1) . السياغي: الروض النضير: 133/1.
من انصرف عنه هو و غلام لمعاوية بن إسحاق، قال: أقبلت أنا و أصحابي نقتفي أثر زيد فنجده قد دخل بيت «حران بن أبي كريمة» في سكة البريد في دور «أرحب» و «شاكر» فدخلت عليه فقلت له: جعلني اللّٰه فداك أبا الحسين، و انطلق ناس من أصحابه فجاءوا بطبيب يقال له سفيان مولى لبني دواس. فقال له: إنّك إن نزعته من رأسك مت، قال: الموت أيسر علي مما أنا فيه.
قال: فأخذ الكبتين فانتزعه فساعة انتزاعه مات صلوات اللّٰه عليه.
قال القوم: أين ندفنه؟ أين نواريه؟ فقال بعضهم: نلبسه درعين ثمّ نلقيه في الماء. و قال بعضهم: لا بل نحتز رأسه ثمّ نلقيه بين القتلى.
قال: فقال يحيى بن زيد: لا و اللّٰه لا يأكل لحم أبي السباع. و قال بعضهم نحمله إلى العباسية فندفنه فيها. فقبلوا رأيه.
قال: فانطلقنا فحفرنا له حفرتين و فيها يومئذ ماء كثير حتى إذا نحن مكنّا له، دفناه ثمّ أجرينا عليه الماء و معنا عبد سنديّ. قال سعيد بن خثيم في حديثه: عبد حبشي كان مولى لعبد الحميد الرواسي و كان معمر بن خثيم قد أخذ صفته لزيد و قال يحيى بن صالح: هو مملوك لزيد سنديّ و كان حضرهم.
قال أبو مخنف عن كهمس قال: كان نبطيّ يسقي زرعاً له حين وجبت الشمس فرآهم حيث دفنوه، فلما أصبح أتى الحكم بن الصلت فدلّهم على موضع قبره، فسرح إليه يوسف بن عمر، العباس بن سعيد المري. قال أبو مخنف: بعث الحجاج بن القاسم فاستخرجوه - و حملوه - على بعير.
قال هشام: فحدثني نصر بن قابوس قال: فنظرت و اللّٰه إليه حين أقبل به على جمل قد شدّ بالحبال و عليه قميص أصفر هروي، فأُلقي من البعير على باب القصر فخرّ كأنّه جبل. فأمر به فصلب بالكناسة، و صلب معه معاوية بن
إسحاق، و زياد الهندي و نصر بن خزيمة العبسي(1)و عن ابن عساكر: «و أمر بحراستهم و بعث بالرأس إلى الشام فصلب على باب مدينة دمشق ثمّ أرسل إلى المدينة»(2).
«و قال الوليد بن محمد: كنّا على باب الزهري إذ سمع جلبة، فقال: ما هذا يا وليد؟ فنظرت، فإذا رأس زيد بن علي يطاف به بيد اللعانين، فأخبرته فبكى، ثمّ قال: أهلك أهل هذا البيت العجلة! قلت: و يملكون؟ قال: نعم، و كانوا قد صلبوه بالكناسة سنة احدى أو اثنتين أو ثلاث و عشرين و مائة، و له اثنتان أو أربع و أربعون سنة، ثمّ أحرقوه بالنار فسمّي زيد النار.
و لم يزل مصلوباً إلى سنة ست و عشرين، ثمّ أُنزل بعد أربع سنين من صلبه. و قيل: كان يوجه وجهه ناحية الفرات فيصيح، و قد دارت خشبته ناحية القبلة مراراً، و نسجت العنكبوت على عورته، و كان قد صلب عرياناً. و قال الموكل بخشبته: رأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم في النوم و قد وقف على الخشبة و قال: «هكذا تصنعون بولدي من بعدي! يا بنيّ يا زيد! قتلوك قتلهم اللّٰه! صلبوك صلبهم اللّٰه!» فخرج هذا في الناس. فكتب يوسف بن عمر إلى هشام أن عجل إلى العراق فقد فتنتهم! فكتب إليه:
أحرقه بالنار!، و قال: جرير ابن حازم: رأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم مسنداً ظهره إلى خشبة زيد بن علي و هو يبكي و يقول: «هكذا تفعلون بولدي»، ذكر ذلك كله الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق»(3).
و في معجم البلدان: «و على باب الكورتين مشهد زيد، فيه مدفن زيد بن علي بن أبي طالب الذي قتل بالكوفة و أحرق و حمل رأسه فطيف به الشام، ثمّ حمل إلى مصر فدفن هناك(4).
و قال ابن مهنا: «قال الناصر الكبير الطبرستاني لما قتل زيد بعثوا برأسه إلى المدينة و نصب عند قبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم يوماً و ليلة»(1).
و قال السيد الأمين: كأنّهم يريدون أن يقولوا: يا محمد هذا برأس ولدك الذي قتلناه بمن قُتِل منّا يوم بدر نصبناه عند قبرك(2).
قيل لأبي نعيم الفضل دكين: كان زهير بن معاوية يحرس خشبة زيد بن علي؟
قال: نعم، و كان فيه شر من ذلك، و كان جده الرحيل فيمن قتل الحسين - صلوات اللّٰه عليه -(3).
إنّ وعاظ السلاطين و شعراء البلاط الأموي كانوا ينقمون منه و ينظمون القريض في ذمّه، و لمّا صلب أقبل شاعر منهم و قال:
ألا يا ناقض الميثا *** ق أبشر بالذي ساكا
نقضت العهد و الميثا *** ق قدماً كان قدماكا
فقيل له: ويلك أ تقول هذا لمثل زيد، فقال: إنّ الأمير غضبان فأردت أن أرضيه، فرد عليه بعض الشعراء المخلصين و قال:
ألا يا شاعر السوء *** لقد أصبحت أفّاكا
أ تشتم ابن رسول الل *** - ه و تُرضي من تولاكا
و يوم الحشر لا شك *** فإنّ النار مثواكا(1)
هذا و لما قتل زيد لبست الشيعة السواد، ورثوه بقصائد نذكر بعضها:
1 - ما رثى به فضل بن العباس بن عبد الرحمن بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب (ت 129 ه) مصلوب على عمود بالكناسة.
الا يا عين لا ترق وجودى *** بدمعك ليس ذا حين الجمود
غداة ابن النبي أبو حسين *** صليب بالكناسة فوق عود
يظل على عمودهم و يُمسي *** بنفسي أعظم فوق العمود
تعدى الكافر الجبار فيه *** فأخرجه من القبر اللحيد
فظلّوا ينبشون أبا حسين *** خضيباً بينهم بدم جسيد(2)
و قال أبو ثميلة الآبار يرثي زيداً:
أبا الحسين أعار فقدك لوعةً *** من يلقَ ما لقيت منها يكمد
كنت المؤمل للعظائم و النهى *** ترجى لأمر الأُمة المتأود
فقتلت حين رضيت كل مناضل *** و صعدت في العلياء كل مصعد
و القتل في ذات الإله سجية *** منكم و أحرى بالفعال الأمجد
و الناس قد آمنوا و آل محمّد *** من بين مقتول و بين مشرد(3)
و قد رثي الإمام الثائر بقصائد كثيرة لو جمعت لكانت كتاباً مفرداً و نكتفي في المقام بما جادت به قريحة سيدنا العلامة الأمين نقتطف منه ما يلي:
لقد لامني فيك الوشاة و أطنبوا *** و راموا الذي لم يدركوه فخُيّبوا
أرقت و قد نام الخلي و لم أزل *** كأنّي على جمر الغضى أتقلّب
عجبت و في الأيام كم من عجائب *** و لكما فيها عجيب و أعجب
تفاخَرنا قوم لنا الفخر دونها *** على كل مخلوق يجيء و يذهب
و ما ساءني إلاّ مقالة قائل *** إلى آل مروان يضاف و ينسب
(صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة *** و لم أر مهدياً على الجذع يصلب)
فإن تصلبوا زيداً عناداً لجده *** فقد قتلت رسل الإله و صلّبوا
و إنّا نعد القتل أعظم فخرنا *** بيوم به شمس النهار تحجب
فما لكم و الفخر بالحرب إنّها *** إذا ما انتمت تنمى إلينا و تنسب
هداة الورى في ظلمة الجهل و العمى *** إذا غاب منهم كوكب بان كوكب
كفاهم فخاراً أنّ أحمد منهم *** و غيرهم أن يدَّعوا الفخر كذبوا(1)
1) . زيد الشهيد: 78
و إليك مجمل ما فيه من فصول:
الفصل الأوّل: عرض إجمالي للثائرين بعد الإمام زيد و هم بين داع و إمام.
الفصل الثاني: أصحاب الانتفاضة.
الفصل الثالث: أئمة الزيدية و دولتهم في اليمن.
الفصل الرابع: أئمة الزيدية و دولتهم في طبرستان.
الفصل الخامس: الدولة الزيدية في المغرب.
الفصل السادس: الأعلام المجتهدون من الزيدية.
الفصل السابع: شخصيات زيدية ذات اتجاهات خاصة.
الفصل الثامن: فرق الزيدية في كتب تاريخ العقائد.
الفصل التاسع: في عقائد الزيدية.
الفصل العاشر: في أُمور متفرقة.
إنّ ثورة زيد بن علي كانت ثورة عارمة بوجه الظالمين هزّت و ضعضعت أركان الدولة الأموية و ساعدت على إزالتهم عن أديم الأرض، و قد استغلّها العباسيون في تنظيم حركتهم لإقامة دولتهم و قد تركت ثورته في القلوب محبّة للثائر و من حبا حبوه بشكل قلّ نظيره، حتى أنّ يحيى بن زيد لما أُطلق سراحه اتّخذ الخراسانيون من قيد قدميه فصوصاً لخواتيمهم، يتبركون بها، و هذا يدلّ على عمق تأثير ثورة زيد في قلوب المسلمين. و لإيقاف القارئ على الأحداث التي وقعت بعد ثورته، نذكر الذين نهجوا منهجه و ساروا على دربه، أخذوا بزمام الثورة و قادوها، واحداً بعد الآخر، و إليك أسماءهم أوّلاً، ثمّ الإدلاء بحياتهم و ثورتهم، ثانياً:
1 - يحيى بن زيد، الذي اشترك مع أبيه في الثورة و بقي بعد مقتل أبيه.
2 - محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن المعروف بالنفس الزكية المستشهد عام 145 ه، خرج بالمدينة مطالباً بإرجاع الحقوق إلى أصحابها الشرعيين، و كان محمد
قد شارك في ثورة زيد بن علي و لما فشلت عاد إلى المدينة، و سيوافيك أنّ يحيى بن زيد قد فوّض الأمر إلى النفس الزكية.
3 - لما قتل محمد بن عبد اللّٰه قام أخوه إبراهيم بن عبد اللّٰه في نفس العام في البصرة، التحق به أنصار زيد بن علي، لمواصلة القتال من جديد. إلى أن قضى عليه أبو جعفر المنصور في نفس العام.
4 - و لما قتل محمد بن عبد اللّٰه، مضى أخوه إدريس بن عبد اللّٰه إلى المغرب فأجابه خلق من الناس و بعث المنصور من اغتاله بالسم و قام ولده إدريس بن إدريس بن عبد اللّٰه بن الحسن مقامه، و أسّس دولة الأدارسة في المغرب.
ذكر تفصيله المسعودي في مروج الذهب(1)و سيوافيك الكلام فيه في محلّه.
5 - عيسى بن زيد بن علي، أخو يحيى بن زيد، و قد توارى بعد ثورة أخيه فمات متوارياً عام 166 ه.
6 - محمد بن إبراهيم (طباطبا)، فقد خرج في خلافة المأمون و دعا إلى الرضا من آل محمد و كانت له أتباع و غلب على بلاد العراق و هزمت جيوش المأمون التي أُرسلت للقضاء عليه، وصلت سيطرة ابن طباطبا إلى الحجاز حتى أنّ الحسين بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي المعروف ب «الأفطس» دعا له بالمدينة، و توفي عام 199 ه.
7 - محمد بن محمد بن زيد بن علي، و كان أبو السرايا قائداً عاماً لجيشه و كان قبل ذلك داعية لابن طباطبا.
لما توفي محمد بن إبراهيم (طباطبا) هرب أخوه القاسم بن إبراهيم (طباطبا)
1) . المسعودي مروج الذهب: 296/3، قال: و قد أتينا على خبرهم عند ذكرنا بخبر عبيد اللّٰه صاحب المغرب، و بنائه المدينة المعروف بالمدينة.
إلى الهند و توفي هناك عام 254 ه فعاد ابنه الحسين بن القاسم إلى اليمن، و عند ذلك تواصلت قيادة الثورة بابنه الآخر أعني:
8 - محمد بن القاسم بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، فقد ظهر في الطالقان عام 219 ه و دعا إلى الرضا من آل محمد، و لكن أُلقي القبض عليه فجيء به إلى المعتصم فسجن.
9 - يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، خرج بالكوفة عام 250 ه غير أنّ ثورته فشلت.
10 - يحيى بن الحسين بن القاسم، المعروف بالزاهد و قد دعا لنفسه بصعدة و بويع للإمامة عام 288 ه.
ثمّ إنّ الإمام يحيى بن الحسين أسس دولة زيدية باليمن و قامت بالإمامة واحد بعد الآخر و كلّهم من أبناء القاسم إلى أن أُقصيت الزيدية عن الحكم في اليمن بحلول الجمهورية، و ذلك في شهر ربيع الأوّل من سنة 1382 ه، و سيوافيك أسماء أئمتهم إلى المنصور باللّٰه محمد البدر بن أحمد بن يحيى حميد الدين. في محلّه.
11 - قامت دولة زيدية أُخرى في طبرستان بين 250-360 ه.
و في عام 250 ه ظهر الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب في طبرستان أيام المستعين، و استطاع السيطرة على طبرستان و جرجان بعد قتال مرير ضد محمد بن طاهر أمير خراسان و توفي عام 270 ه.
12 - قام مقامه أخوه محمد بن زيد و دخل بلاد الديلم عام 277 ه و امتلكها و تمت بيعة رافع له.
و في عام 287 ه سار محمد بن زيد نحو خراسان للاستيلاء عليها، فاصطدم بإسماعيل الساماني المتوفى عام 295 ه و مات متأثراً بجراحه.
13 - ثمّ ملك طبرستان بعد ذلك الناصر للحق الحسن بن علي المعروف ب «الأطروش» و قد كان يدعو الناس إلى الإسلام على مذهب زيد بن علي، و كانوا على دين المجوسية فاستجابوا له و استطاع عام 301، أن يستولي على طبرستان و الديلم إلى أن وافته المنية عام 304 ه.
14 - و جاء بعده الحسن بن القاسم (الملقب بالداعي) بن الحسن بن علي ابن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط.
15 - و قام مقامه محمد بن الحسن بن القاسم بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط المتوفى سنة 360 ه.
هذه جدولة موجزة وضعتها أمام القارئ للثائرين المشهورين، و إلاّ الثوار الداعون إلى منهج الإمام زيد أكثر من ذلك، و قد ذكر الإمام الأشعري منهم اثنين و عشرين نفراً كلّهم من العلويين، حيث ضرجوا بدمائهم، أو أُقصوا من ديارهم، لإرجاع العدالة و الدين إلى الساحة الإسلامية، و لعلّ بين قرّاء الكتاب من له رغبة في الوقوف على أسماء الجميع، - و لذلك - نذكر نصّ الشيخ الأشعري بتلخيص.
قال الأشعري: هذا ذكر من خرج من آل النبي صلى الله عليه و آله و سلم فذكر أوّلاً خروج أبي الشهداء الحسين بن علي عليهما السلام، ثمّ خروج زيد بن علي على وجه التفصيل، و أوجز الكلام فيما يأتي، أعني بهم:
1 - يحيى بن زيد...
2 - محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن، ذو النفس الزكية.
3 - إبراهيم بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن، أخو محمد.
4 - الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن، قتيل فخ.
5 - يحيى بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن علي، صار إلى الديلم.
6 - محمد بن جعفر بن يحيى بن عبد اللّٰه بن الحسن المثنى خرج ب «تاهرت».
7 - محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي.
8 - محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
9 - إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قدس سره خرج مرة باليمن و بالعراق أُخرى.
10 - محمد بن القاسم من ولد الحسين بن علي، بخراسان، خرج ببلدة يقال لها طالقان.
11 - محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي الملقب ب «الديباج» لحسن وجهه، خرج داعية لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم، فلما مات محمد بن إبراهيم دعا لنفسه.
12 - الأفطس خرج بالمدينة داعياً لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل، فلما مات محمد بن إبراهيم دعا إلى نفسه.
13 - علي بن محمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين، خرج في خلافة المعتصم.
14 - الحسن بن زيد بن الحسن بن علي أبي طالب، خرج بطبرستان في سنة 250 ه.
15 - و خرج بقزوين، الكوكبي و هو من ولد الأرقط، و اسمه: الحسن بن أحمد بن إسماعيل، من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب.
16 - و خرج بالكوفة أيام المستعين، أبو الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
17 - و خرج في أيامه أيضاً، الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد اللّٰه من ولد الحسين بن علي.
18 - خرج بسواد الكوفة أيام فتنة المستعين، ابن الأفطس.
19 - و خرج بسواد المدينة سنة 250 ه، إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم من ولد الحسن بن علي فغلب عليها و توفي عام 252 ه.
20 - خلف أخوه محمد بن يوسف و جاء به أبو الساج، و قتل كثيراً من أصحابه و هرب محمد فمات في هربه.
21 - خرج بالكوفة في آخر أيام بني أُمية، عبد اللّٰه بن معاوية بن عبد اللّٰه بن جعفر بن أبي طالب، و حاربه عبد اللّٰه بن عمر فغادر الكوفة عازماً إلى فارس، فمات فيها.
22 - و خرج صاحب البصرة و كان يدّعى أنّه علي بن محمد بن علي بن عيسى ابن زيد بن علي و أنصاره الزنج و غلب على البصرة سنة 257 ه و قتل سنة 270 ه.
23 - و خرج بأرض الشام المقتول على الدّكة، فظفر به المكتفي باللّٰه بعد حروب و وقائع كانت(1).
و النسبة بين ما ذكرناه و ما ذكره الأشعري عموم و خصوص من وجه، و هو
1) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 75-85.
بعد لم يذكر الثائر الطائر الصيت يحيى بن الحسين الذي أقام الدولة في اليمن، كما ترك بعض الثائرين المؤسسين للدولة في طبرستان.
و الجدير بالدراسة، هو البحث عن الحافز أو الحوافز التي كانت تدفع هؤلاء الأماثل الأشراف نحو القتال في الساحة، فكانوا يرون بأُم أعينهم، أنّه لا يقوم واحد منهم إلاّ و يقتل أو يسجن و يعذّب بألوان العذاب، و مع ذلك كانوا يبادلون هدوء الحياة و ملاذّها بالشهادة في المعارك، و الصلب على المشانق، و قتل الأولاد و الأصحاب، و نهب الأموال.
و هذه هي النقطة الحساسة في حياة العلويين التي تحتاج إلى دراسة معمقة بحياد و رحابة صدر و بما أنّ موسوعتنا، موسوعة تاريخ العقائد، لا تاريخ الشخصيات و الحوادث، نرجئ البحث عنها إلى آونة أُخرى، و في نهاية المطاف نقول: يُقسّم الثائرون بعد زيد الشهيد إلى أصناف أربعة:
1 - أصحاب الانتفاضة: الذين قاموا بوجه الظلم، بعد استشهاد زيد في أقطار مختلفة و علموا أنّ أعواد المشانق نصب أعينهم و كان نصيبهم من القيام هو الشهادة، و إيقاظ الأُمّة و أداء الواجب من دون أن يؤسّسوا دولة في قطر من الأقطار، و إنّما كانت أعمالهم أشبه بما يعبر عنها اليوم بالانتفاضة.
الذين ساروا على درب الإمام زيد و صار التوفيق نصيبهم، فأسّسوا دولة في قطر من الأقطار امتدت قرناً أو قروناً، و هؤلاء عبارة عن:
2 - أئمة الزيدية في اليمن: ابتداءً بالإمام يحيى بن الحسين الذي قام بالأمر عام 284 ه و توفي عام 298 ه، و انتهاءً بحياة المنصور باللّٰه محمد البدر الذي أُزيل عن الحكم بقيام الجمهورية عام 1382 ه.
3 - أئمة الزيدية في طبرستان: ابتداءً من الحسن بن زيد بن محمد بن
إسماعيل الذي قام بالحكم و أسّس الدولة سنة 250 ه و انتهاءً بمحمد بن الحسن ابن القاسم الذي توفي سنة 360 ه.
4 - دعاة الزيدية في المغرب: ابتداءً بإدريس بن عبد اللّٰه المحض و انتهاء بأحد احفاده، و سيوافيك تفصيله.
فنذكرهم على وجه التفصيل في فصول:
استشهد زيد بن علي - رضي اللّٰه عنه - و هو في طريق دعوته إلى كسح الظلم و نشر العدل، و أشعل فتيل الثورة و بقيت نارها بعد استشهاده متأجّجة بين أولاده و أصحابه، بيد كابر بعد كابر. و إليك مَن نهج منهاجه:
هو يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام و أُمّه «ريطة» بنت أبي هاشم عبد اللّٰه بن محمد بن الحنفية، و إيّاها عنى أبو ثميلة الآبار بقوله:
فلعل راحم أُمّ موسى و الذي *** نجّاه من لجج خضمّ مزبد
سيسر «ريطة» بعد حزن فؤادها *** يحيى، و يحيى في الكتائب يرتدي
و أُمّ «ريطة» هي بنت الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب، أُمّها ابنة المطلب بن أبي وادعة السهمي.
شرف تتابع كابر عن كابر *** كالرمح انبوب على انبوب
و قد ذكر أبو الفرج الأصفهاني ثورته و استشهاده على وجه مبسط، و جاء الجزري باختصاره في الكامل و نذكر نصّ الثاني:
لمّا قتل زيد بن علي و دفنه يحيى ابنه، سار بعد قتل أبيه، إلى خراسان، فأتى «بلخ» فأقام بها عند الحريش بن عمرو بن داود حتى هلك هشام، و ولي الوليد بن يزيد. فكتب يوسف بن عمر إلى «نصر» بمسير يحيى بن زيد و بمنزله عند الحريش، و قال له: خذه أشد الأخذ، فأخذ «نصر» الحريش، فطالبه بيحيى، فقال: لا علم لي به. فأمر به فجلد ستمائة سوط.
فقال الحريش: و اللّٰه لو أنّه تحت قدمي ما رفعتهما عنه. فلما رأى ذلك قريش بن الحريش قال: لا تقتل أبي و أنا أدلّك على يحيى، فدلّه عليه، فأخذه «نصر» و كتب إلى الوليد يُخبره، فكتب الوليد يأمره أن يؤمِّنه و يخلّي سبيله و سبيل أصحابه.
فأطلقه «نصر» و أمره أن يلحق بالوليد و أمر له بألفي درهم، فسار إلى «سرخس» فأقام بها، فكتب «نصر» إلى عبد اللّٰه بن قيس بن عباد يأمره أن يسيّره عنها، فسيّره عنها، فسار حتى انتهى إلى «بيهق»، و خاف أن يغتاله يوسف بن عمر فعاد إلى نيسابور، و بها عمرو بن زرارة، و كان مع يحيى سبعون رجلاً، فرأى «يحيى» تجاراً، فأخذ هو و أصحابه دوابهم و قالوا: علينا أثمانها، فكتب عمرو بن زرارة إلى «نصر» يخبره، فكتب «نصر» يأمره بمحاربته، فقاتله عمرو، و هو في عشرة آلاف و يحيى في سبعين رجلاً، فهزمهم يحيى و قتل عمراً و أصاب دواب كثيرة و سار حتى مرّ بهرات فلم يعرض لمن بها و سار عنها.
و سرّح «نصر بن سيار» سالم بن أحْوز في طلب يحيى، فلحقه بالجوزجان فقاتله قتالاً شديداً، فرُمي يحيى بسهم فأصاب جبهته، رماه رجل من عَنَزة يقال له عيسى، فقُتل أصحاب يحيى من عند آخرهم و أخذوا رأس يحيى و سلبوه قميصه.
فلمّا بلغ الوليد قتل يحيى، كتب إلى يوسف بن عمر: خذ عُجَيْل أهل العراق فأنزله من جذعه، - يعني زيداً -، و أحرقه بالنار ثمّ انسفه باليمّ نسفاً. فأمر
يوسف به فأُحرق، ثمّ رضّه و حمله في سفينة ثمّ ذرّاه في الفرات.
و أمّا يحيى فإنّه لما قتل صلب بالجوزجان، فلم يزل مصلوباً حتى ظهر أبو مسلم الخراساني و استولى على خراسان، فأنزله و صلّى عليه و دفنه و أمر بالنياحة عليه في خراسان، و أخذ أبو مسلم ديوان بني أُمية و عرف منه أسماء من حضر قتل يحيى، فمن كان حيّاً قتله، و من كان ميتاً خلفه في أهله بسوء(1).
و قال السيد المدني في شرح الصحيفة:
«لما قتل أبوه زيد بن علي، خرج يحيى حتى نزل بالمدائن، فبعث يوسف بن عمر في طلبه، فخرج إلى الريّ ثمّ إلى نيسابور من خراسان، فسألوه المقام بها فقال: بلدة لم تُرفع فيها لعلي و آله راية لا حاجة لي في المقام بها، ثمّ خرج إلى «سرخس» و أقام بها عند يزيد بن عمر التميمي ستة أشهر، حتى مضى هشام بن عبد الملك لسبيله، و ولى بعده الوليد بن يزيد فكتب إلى «نصر بن سيار» في طلبه فأخذه ببلخ و قيّده و حبسه، فقال عبد اللّٰه بن معاوية بن عبد اللّٰه بن جعفر بن أبي طالب رضي اللّٰه عنه، لما بلغه ذلك:
أ ليس بعين اللّٰه ما تفعلونه *** عشية يحيى موثق بالسلاسل
كلاب عوت لا قدّس اللّٰه سرها *** فجئن بصيد لا يحل لآكل
و كتب نصر بن سيار إلى يوسف بن عمر، يخبره بحبسه و كتب يوسف إلى الوليد، فكتب الوليد إليه بأن يحذره الفتنة و يخلّى سبيله فخلّى سبيله و أعطاه ألفي درهم و بغلين، فخرج حتى نزل الجوزجان(2)فلحق به قوم من أهلها و من الطالقان، زهاء خمسمائة رجل، فبعث إليه «نصر بن سيار»، سالم بن أحور فاقتتلوا
أشد قتال ثلاثة أيام حتى قتل جميع أصحاب يحيى و بقي وحده فقتل عصر يوم الجمعة سنة خمس و عشرين و مائة، و له ثماني عشرة سنة، و بعث برأسه إلى الوليد، فبعث به الوليد إلى المدينة، فوضع في حجر أُمّه «ريطة» فنظرت إليه، و قالت:
شردتموه عنّي طويلاً، و أهديتموه إليّ قتيلاً، صلوات اللّٰه عليه و على آبائه بكرة و أصيلاً.
فلمّا قتل عبد اللّٰه بن علي بن عبد اللّٰه بن العباس، مروان بن محمد بن مروان، بعث برأسه حتى وضع في حجر أُمّه فارتاعت. فقال: هذا بيحيى بن زيد، و كان الذي احتز رأس يحيى بن زيد، سورة بن أبحر، و أخذ العنبري سلبه، و هذان أخذهما أبو مسلم المروزي فقطع أيديهما و أرجلهما و صلبهما. و لا عقب ليحيى بن زيد(1).
هذا ما يذكره المؤرّخون و قد كان ليحيى عند الإمام الصادق عليه السلام مكانة عالية، و قد استشهد و لم يكمل العقد الثاني من عمره الشريف حيث تولد عام 107 ه و استشهد في عام 125 ه و لما سمع الإمام الصادق شهادته و صلبه حزن حزناً عظيماً و من كلامه في حقّ يحيى فيما بعد قال: «إنّ آل أبي سفيان قتلوا الحسين ابن علي صلوات اللّٰه عليه فنزع اللّٰه ملكهم، و قتل هشام، زيد بن علي فنزع اللّٰه ملكه، و قتل الوليد، يحيى بن زيد رحمه اللّٰه فنزع اللّٰه ملكه»(2).
أمّا أعلام الإمامية فقد عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام و قال: يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المدني، و من غرائب الكلام عدّه من أصحاب الكاظم عليه السلام مع أنّه ولد عام 128 ه بعد ثلاثة سنين من استشهاد يحيى بن زيد.
إنّ الصحيفة السجادية نسخة من علوم أئمة أهل البيت، و هي أدعية للإمام السجاد تهز كل إنسان إذا قرأها بدقة و إمعان، و قد أودع فيها الإمام كنوزاً من المعارف، و علّم الإنسان كيفية الدعاء و الابتهال إلى اللّٰه سبحانه، انشأها سيد الساجدين في عصر الظلم و القتل و التشريد و قد كانت نسخة منها عند زيد الثائر، و قد أوصى بها إلى ولده يحيى، و هو أيضاً أوصى إلى: محمد و إبراهيم ابني عبد اللّٰه بن الحسن بن علي بن أبي طالب و ذكر تفصيله عمير بن المتوكل الثقفي البلخي عن أبيه متوكل بن هارون قال:
لقيت يحيى بن زيد بن علي عليه السلام و هو متوجه إلى خراسان فسلّمت عليه، فقال لي: من أين أقبلت؟ قلتُ: من الحجّ، فسألني عن أهله و بني عمّه بالمدينة و أحفى السؤال عن جعفر بن محمد فأخبرته بخبره و خبرهم و حزنهم على أبيه زيد بن علي عليه السلام فقال لي: قد كان عمي محمد بن علي عليه السلام أشار إلى أبي بترك الخروج و عرّفه أنّه إن هو خرج و فارق المدينة ما يكون إليه مصير أمره، فهل لقيت ابن عمي جعفر بن محمد عليه السلام؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعته يذكر شيئاً من أمري؟ قلتُ:
نعم، قال: بم ذكرني؟ قلتُ: جعلتُ فداك ما أُحبّ أن أستقبلك بما سمعته منه، فقال: أ بالموت تخوفني؟ هات ما سمعته، فقلت سمعته يقول:
إنّك تقتل و تصلب كما قتل أبوك و صلب، فتغير وجهه و قال: «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ» يا متوكل إنّ اللّٰه عزّ و جلّ أيّد هذا الأمر بنا، و جعل لنا العلم و السيف، فجمعا لنا و خصّ بنو عمنا بالعلم وحده، فقلت: جعلت فداك إنّي رأيت الناس إلى ابن عمك جعفر عليه السلام أميل منهم إليك و إلى أبيك، فقال: إنّ عمي محمد بن علي و ابنه جعفر عليهما السلام دعوا الناس إلى الحياة و نحن دعوناهم إلى الموت، فقلت: يا ابن رسول اللّٰه أهم أعلم أم أنتم؟
فأطرق إلى الأرض مليّاً ثمّ رفع رأسه و قال: كلّنا له علم غير أنّهم يعلمون كلّ ما نعلم و لا نعلم كلّ ما يعلمون.
ثمّ قال لي: أ كتبت من ابن عمي شيئاً؟ قلت: نعم، قال: أرينه، فأخرجت إليه وجوهاً من العلم و أخرجت له دعاء أملاه عليّ أبو عبد اللّٰه عليه السلام و حدثني أنّ أباه محمد بن علي عليهما السلام أملاه عليه، و أخبره أنّه من دعاء أبيه علي بن الحسين عليهما السلام من دعاء الصحيفة الكاملة، فنظر فيه يحيى حتى أتى على آخره و قال لي: أ تأذن في نسخه فقلت: يا ابن رسول اللّٰه أ تستأذن فيما هو عنكم، فقال: أما أنّي لأخرجن إليك صحيفة من الدعاء الكامل ممّا حفظه أبي عن أبيه، و انّ أبي أوصاني بصونها و منعها غير أهلها، قال عمير: قال أبي: فقمت إليه فقبلت رأسه، و قلت له: و اللّٰه يا ابن رسول اللّٰه إنّي لأدين اللّٰه بحبكم و طاعتكم و أنّي لأرجو أن يسعدني في حياتي و مماتي بولايتكم. فرمى صحيفتي التي دفعتها إليه إلى غلام كان معه و قال: اكتب هذا الدعاء بخط بيّن و حسن و أعرضه عليّ لعلّي أحفظه، فإنّي كنت أطلبه من جعفر حفظه اللّٰه فيمنعنيه قال المتوكل: فندمت على ما فعلت و لم أدر ما أصنع و لم يكن أبو عبد اللّٰه عليه السلام تقدم إليّ ألاّ أدفعه إلى أحد.
ثمّ دعا بعيبة فاستخرج منها صحيفة مقفلة مختومة فنظر إلى الخاتم و قبّله و بكى ثمّ فضّه و فتح القفل، ثمّ نشر الصحيفة و وضعها على عينيه و أمرّها على وجهه، و قال: و اللّٰه يا متوكل لو لا ما ذكرت من قول ابن عمي إنّني أُقتل و أُصلب لما دفعتها إليك و لكنت بها ضنيناً و لكني أعلم أنّ قوله حقّ أخذه عن آبائه و أنّه سيصح، فخفت أن يقع مثل هذا العلم إلى بني أُمية فيكتموه و يدّخروه في خزائنهم لأنفسهم، فاقبضها و اكفنيها و تربص بها، فإذا قضى اللّٰه من أمري و أمر هؤلاء القوم ما هو قاض، فهي أمانة لي عندك حتى توصلها إلى ابني عمي: محمد و إبراهيم ابني عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن علي عليهما السلام فإنّهما القائمان في
هذا الأمر بعدي.
قال المتوكل: فقبضت الصحيفة، فلما قتل يحيى بن زيد صرت إلى المدينة فلقيت أبا عبد اللّٰه عليه السلام: فحدّثته الحديث عن يحيى فبكى و اشتد وجده به، و قال: «رحم اللّٰه ابن عمي و ألحقه بآبائه و أجداده، و اللّٰه يا متوكل ما منعني من دفع الدعاء إليه إلاّ الذي خافه على صحيفة أبيه، و أين الصحيفة؟» فقلت: ها هي، ففتحها، أو قال: «هذا و اللّٰه خط عمي زيد و دعاء جدي علي بن الحسين عليهما السلام» ثمّ قال لابنه: «قم يا إسماعيل فأتني بالدعاء الذي أمرتك بحفظه و صونه» فقام إسماعيل فأخرج صحيفة كأنّها الصحيفة التي دفعها إليّ يحيى بن زيد فقبّلها أبو عبد اللّٰه و وضعها على عينه و قال: «هذا خط أبي و إملاء جدي عليهما السلام بمشهد مني» فقلت: يا ابن رسول اللّٰه إن رأيت أن أعرضها مع صحيفة زيد و يحيى، فأذن لي، و قال: «قد رأيتك لذلك أهلاً» فنظرتُ و إذا هما أمر واحد و لم أجد حرفاً منها يخالف ما في الصحيفة الأُخرى، ثمّ استأذنت أبا عبد اللّٰه عليه السلام في دفع الصحيفة إلى ابني عبد اللّٰه بن الحسن، فقال: «إنّ اللّٰه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، نعم فأدفعها إليهما» فلما نهضت للقائهما قال لي: «مكانك» ثمّ وجّه إلى محمد و إبراهيم فجاءا، فقال: هذا ميراث ابن عمكما يحيى من أبيه قد خصّكما به دون إخوته و نحن مشترطون عليكما فيه شرطاً، فقالا: رحمك اللّٰه قل فقولك المقبول، فقال: «لا تخرجا بهذه الصحيفة من المدينة» قالا: و لم ذاك؟ قال: «إنّ ابن عمكما خاف عليهما أمراً أخافه أنا عليكما» قالا: إنّما خاف عليها حين علم أنّه يقتل، فقال: أبو عبد اللّٰه عليه السلام: «و أنتما فلا تأمنا فو الله إنّي لأعلم أنّكما ستخرجان كما خرج و ستقتلان كما قتل» فقاما و هما يقولان: لا حول و لا قوة إلاّ باللّٰه العلي العظيم.
فلمّا خرجا قال لي أبو عبد اللّٰه عليه السلام: «يا متوكل كيف قال لك يحيى إنّ عمي محمد بن علي و ابنه جعفراً دعوا الناس إلى الحياة و دعوناهم إلى الموت» قلت:
نعم أصلحك اللّٰه قد قال لي ابن عمك يحيى ذلك، فقال: «يرحم اللّٰه يحيى انّ أبي حدثني عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أخذته نعسة و هو على منبره، فرأى في منامه رجالاً ينزون على منبره نزو القردة، يردّون الناس على أعقابهم القهقرى، فاستوى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم جالساً و الحزن يُعرف في وجهه، فأتاه جبريل عليه السلام بهذه الآية: «وَ مٰا جَعَلْنَا اَلرُّؤْيَا اَلَّتِي أَرَيْنٰاكَ إِلاّٰ فِتْنَةً لِلنّٰاسِ وَ اَلشَّجَرَةَ اَلْمَلْعُونَةَ فِي اَلْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَمٰا يَزِيدُهُمْ إِلاّٰ طُغْيٰاناً كَبِيراً»(1)يعني بني أُمية قال: يا جبريل أعلى عهدي يكونون و في زمني، قال: لا و لكن تدور رحى الإسلام من مهاجرك فتلبث بذلك عشراً، ثمّ تدور رحى الإسلام على رأس خمسة و ثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمساً ثمّ لا بد من رحى ضلالة هي قائمة على قطبها ثمّ ملك الفراعنة قال و أنزل اللّٰه تعالى في ذلك: «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ * وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ * لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ»(2)يملكها بنو أُمية ليس فيها ليلة القدر، قال: فأطلع اللّٰه عزّ و جلّ نبيه صلى الله عليه و آله و سلم أنّ بني أُمية تملك سلطان هذه الأُمّة و ملكها طول هذه المدّة فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها حتى يأذن اللّٰه تعالى بزوال ملكهم، و هم في ذلك يستشعرون عداوتنا أهل البيت و بغضنا، أخبر اللّٰه نبيه بما يلقىٰ أهل بيت محمد و أهل مودتهم و شيعتهم منهم في أيامهم و ملكهم قال و أنزل اللّٰه تعالى فيهم: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دٰارَ اَلْبَوٰارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهٰا وَ بِئْسَ اَلْقَرٰارُ»(3)و نعمة اللّٰه محمد و أهل بيته، حبهم إيمان يدخل الجنة و بغضهم كفر و نفاق يدخل النار، فأسر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ذلك إلى علي و أهل بيته»(4).
و سيوافيك خبر أخيه: عيسى بن زيد بعد أخبار محمد و إبراهيم ابني عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن المثنى و ذلك حفظاً للتسلسل الزمني، فسلام اللّٰه عليه يوم ولد و يوم استشهد و يوم يبعث حيّاً.
و قد رثى يحيى بن زيد لفيف من الشعراء منهم دعبل الخزاعي بتائيته المعروفة المشهورة التي تبلغ مائة و عشرين بيتاً رائعاً و فيها من مناقب أهل البيت و مصائبهم الجم الغفير و مطلعها قوله:
تجاوبن بالأرنان و الزفرات *** نوائح عجم اللفظ و النطقات
يخبرن بالأنفاس عن سر أنفس *** أُسارى هوى ماضٍ و آخر آت
إلى أن انتقل عن كل ما يوشح به أوائل القصائد إلى قوله:
فكيف و من أنى بطالب زلفة *** إلى اللّٰه بعد الصوم و الصلوات
سوى حبّ أبناء النبي و رهطه *** و بغض بني الزرقاء و العبلات
و هند و ما أدّت سمية و ابنها *** أُولو الكفر في الإسلام و الفجرات
هم نقضوا عهد الكتاب و فرضه *** و محكمه بالزور و الشبهات
ثمّ إلى أن جدد المطلع بقوله:
بكيت لرسم الدار من عرفات *** و أجريت دمع العين بالعبرات
و بانَ عرى صبري و هاجت صبابتي *** رسوم ديار قد عفت وعرات
مدارس آيات خلت من تلاوة *** و منزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول اللّٰه بالخيف من منى *** و بالبيت و التعريف و الجمرات
ثمّ إلى أن قال عطر اللّٰه مرقده و فاه:
أ فاطم لو خلت الحسين مجدلاً *** و قد مات عطشاناً بشط فرات
إذاً للطمت الخد فاطم عنده *** و أجريت دمع العين في الوجنات
أ فاطم قومي يا ابنة الخير فاندبي *** نجوم سماوات بأرض فلاة
قبور بكوفان و أُخرى بطيبة *** و أُخرى بفخ نالها صلواتي
و أُخرى بأرض الجوزجان محلها *** و قبر بباخمرى لدى الغربات
و قبر ببغداد لنفس زكية *** تضمنها الرحمن في الغرفات
قبور ببطن النهر من جنب كربلا *** معرسهم منها بشط فرات
توفوا عطاشا بالفرات فليتني *** توفيت فيهم قبل حين وفاتي(1)
1) . ذكرها غير واحد من الأُدباء و المؤرخين، و من أراد أن يقف على جميعها فليرجع إلى: روضات الجنات: 302/3-304 و الغدير: 349/2
أصحاب الانتفاضة
إنّ عبد اللّٰه بن الحسن والد محمد النفس الزكية و إبراهيم اللّذين استشهدا في عصر المنصور بطيبة و البصرة.
فلا بد من الإشارة إلى حياة الوالد قبل الولدين.
يطلق عليه عبد اللّٰه المحض، لأنّ أباه هو الحسن بن الحسن السبط، و أُمّه فاطمة بنت الحسين السبط، فهو منسوب إلى رسول اللّٰه، من كلا الطرفين و كان قوي النفس شجاعاً، و لما قدم أبو العباس السفاح و أهله سرّاً على أبي سلمة الخلاّل الكوفة ستر أمرهم، و عزم أن يجعل الخلافة شورى بين ولد علي و العباس حتى يختاروا من أرادوا، فكتب إلى ثلاثة نفر منهم: جعفر بن محمد عليهما السلام و عمر بن علي بن الحسين، و عبد اللّٰه بن الحسن، و وجّه بالكتب مع رجل من مواليهم من ساكني الكوفة فبدأ بجعفر بن محمد عليهما السلام و لقيه ليلاً و أعلمه أنّه رسول أبي سلمة و أنّ معه كتاباً إليه منه، فقال: «ما أنا و أبو سلمة و هو شيعة لغيري» فقال الرسول: تقرأ الكتاب و تجيب عليه بما رأيت، فقال جعفر لخادمه: «قدّم مني السراج» فقدّمه فوضع عليه كتاب أبي سلمة فأحرقه فقال: أ لا تجيبه؟ فقال: «قد رأيت الجواب»(1).
1) . ذكر الشهرستاني أنّ الإمام الصادق عليه السلام: قال له: «ما أنت من رجالي، و لا الزمان زماني» الملل و النحل: 154/1، ط 1402.
فخرج من عنده و أتى عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن فقبّل كتابه و ركب إلى جعفر بن محمد، فقال: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني لأمر، و يراني أحقّ الناس به و قد جاءته شيعتنا، من خراسان فقال له جعفر الصادق عليه السلام: «و متى صاروا شيعتك؟ أنت وجهت أبا سلمة إلى خراسان؟ و أمرته بلبس السواد؟ هل تعرف أحداً منهم باسمه و نسبه؟ كيف يكونون من شيعتك و أنت لا تعرفهم إلاّ يعرفونك؟ فإن هذه الدولة ستتم إلى هؤلاء القوم و لا تتم لأحد من آل أبي طالب و قد جاءني مثل ما جاءك» فانصرف غير راض بما قاله.
و أمّا عمر بن علي بن الحسين فردّ الكتاب و قال: ما أعرف كاتبه فأُجيبه.
و مات عبد اللّٰه المحض في حبس أبي جعفر الدوانيقي مخنوقاً و هو ابن خمس و سبعين سنة.
و قد ذكر المسعودي كيفية القبض عليه و قال: و كان المنصور قبض على عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن علي عليه السلام و كثير من أهل بيته و ذلك في سنة أربع و أربعين و مائة في منصرفه من الحجّ، فحملوا من المدينة إلى الربذة من جادة العراق و كان ممّن حمله مع عبد اللّٰه بن الحسن: إبراهيم بن الحسن بن الحسن، و أبو بكر بن الحسن بن الحسن، و علي الخير، و أخوه العباس، و عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن، و الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن، و معهم محمد بن عبد اللّٰه بن عمرو بن عثمان بن عفان أخو عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن لأُمّه فاطمة ابنة الحسين بن علي، وجدتهما فاطمة بنت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم .
فجرد المنصور بالربذة محمد بن عبد اللّٰه بن عمرو بن عثمان فضربه ألف سوط، و سأله عن ابني أخيه محمد و إبراهيم فأنكر أن يعرف مكانهما، فسألت جدته العثماني في ذلك الوقت، و ارتحل المنصور عن الربذة و هو في قبة، و أوهن القوم بالجهد، فحملوا على المحامل المكشوفة، فمر بهم المنصور في قبته على الجمازة، فصاح به عبد اللّٰه بن الحسن يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا بكم يوم بدر،
فصيرهم إلى الكوفة، و حبسوا في سرداب تحت الأرض لا يفرّقون بين ضياء النهار و سواد الليل، و خلّى منهم: سليمان و عبد اللّٰه ابني داود بن الحسن بن الحسن، و موسى بن عبد اللّٰه بن الحسن، و الحسن بن جعفر، و حبس الآخرين ممن ذكرنا حتى ماتوا و ذلك على شاطئ الفرات من قنطرة الكوفة، و مواضعهم بالكوفة تزار في هذا الوقت و هو سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة، و كان قد هدم عليهم الموضع، و كانوا يتوضّئون في مواضعهم فاشتدت عليهم الرائحة، فاحتال بعض مواليهم حتى أدخل عليهم شيئاً من الغالية، فكانوا يدفعون بشمها تلك الروائح المنتنة، و كان الورم في أقدامهم، فلا يزال يرتفع حتى يبلغ الفؤاد فيموت صاحبه.
و ذكر أنّهم لمّا حبسوا في هذا الموضع أشكل عليهم أوقات الصلاة، فجزّءوا القرآن خمسة أجزاء، فكانوا يصلّون الصلاة على فراغ كل واحد منهم من جزئه و كان عدد من بقي منهم خمسة، فمات اسماعيل بن الحسن فترك عندهم فجيف، فصعق داود بن الحسن فمات، و أتى برأس إبراهيم بن عبد اللّٰه فوجه به المنصور مع الربيع إليهم فوضع الرأس بين أيديهم و عبد اللّٰه يصلي، فقال له إدريس أخوه: اسرع في صلاتك يا أبا محمد، فالتفت إليه و أخذ الرأس فوضعه في حجره، و قال له: أهلاً و سهلاً يا أبا القاسم، و اللّٰه لقد كنت من الذين قال اللّٰه عزّ و جلّ فيهم:
«اَلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اَللّٰهِ وَ لاٰ يَنْقُضُونَ اَلْمِيثٰاقَ * وَ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ مٰا أَمَرَ اَللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» إلى آخر الآية، فقال له الربيع: كيف أبو القاسم في نفسه؟ قال: كما قال الشاعر:
فتى كان يحميه من الذلّ سيفه *** و يكفيه أن يأتي الذنوب اجتنابها
ثمّ التفت إلى الربيع: فقال: قل لصاحبك قد مضى من بؤسنا أيّام و من نعيمك أيّام؟ و الملتقى، القيامة. قال الربيع:
فما رأيت المنصور قطّ أشدّ انكساراً
منه في الوقت الذي بلغته الرسالة...(1).
و كان يتولى صدقات أمير المؤمنين علي عليه السلام بعد أبيه الحسن، و نازعه في ذلك زيد بن علي بن الحسين، و أعقب عبد اللّٰه المحض من ستة رجال:
1 - محمد ذي النفس الزكية، المقتول بقرب المدينة.
2 - إبراهيم قتيل باخمرى، قريب الكوفة.
3 - موسى الجون.
4 - يحيى بن عبد اللّٰه صاحب الديلم.
5 - سليمان بن عبد اللّٰه.
6 - إدريس بن عبد اللّٰه(2).
أصحاب الانتفاضة
محمد بن عبد اللّٰه المعروف بالنفس الزكية المقتول عام 145 ه في أيّام أبي جعفر المنصور، هو الثائر الثاني، و قد ذكر الشهرستاني أنّ يحيى بن زيد أوصى إليه، و لذلك يعد إماماً ثانياً بعده.
و تقدّم أنّ أباه عبد اللّٰه من أكابر بني هاشم و كان الجميع يكن له الاحترام، و كان أكبر سناً من الإمام الصادق عليه السلام كما تقدم - و مع ذلك كان يدعو الناس لبيعة ولده محمد، و هذا و ما سبق من قبول دعوة أبي سلمة الخلال يكشفان عن روح ثوريّة أوّلاً، و سذاجة في الأُمور السياسية ثانياً.
و لما قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك إثر خلاعته و مجانته عام 126 ه تهيّأت الظروف المناسبة للدعوة إلى بني هاشم، ففي هذا الظرف الهادئ جمع عبد اللّٰه بن الحسن، بني هاشم و ألقى فيهم خطبة نقلها أبو الفرج الأصفهاني في كتابه و قال: إنّكم أهل البيت قد فضّلكم اللّٰه بالرسالة و اختاركم لها و أكثركم بركة يا ذرية محمد بن عبد اللّٰه بنو عمه و عترته، و أولى الناس بالفزع في أمر اللّٰه، من وضعه اللّٰه
موضعكم من نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم و قد ترون كتاب اللّٰه معطلاً، و سنّة نبيه متروكة، و الباطل حيّاً، و الحقّ ميتاً، قاتلوا للّٰه في الطلب لرضاه بما هو أهله قبل أن ينزع منكم اسمكم و تهونوا عليه كما هانت بنو إسرائيل و كانوا أحب خلقه إليه، و قد علمتهم أنّا لم نزل نسمع أنّ هؤلاء القوم إذا قتل بعضهم بعضاً خرج الأمر من أيديهم، فقد قتلوا صاحبهم - يعني الوليد بن يزيد -، فهلم نبايع محمداً، فقد علمتم أنّه المهدي.
فقالوا: لم يجتمع أصحابنا بعد، و لو اجتمعوا فعلنا، و لسنا نرى أبا عبد اللّٰه جعفر بن محمد.
و بعد محاولات حضر الإمام الصادق عليه السلام مجلس القوم فاطلع على أمر القوم و أنّهم يريدون بيعة محمد بن إبراهيم، فقالوا: قد علمت ما صنعوا بنا بنو أُمية و قد رأينا أنّ نبايع لهذا الفتى.
فقال: لا تفعلوا فإنّ الأمر لم يأت بعد، فغضب عبد اللّٰه و قال: لقد علمت خلاف ما تقول، و لكنه يحملك على ذلك الحسد لابني، فقال: لا و اللّٰه، ما ذاك يحملني، و لكن هذا و إخوته و أبناؤهم دونكم و ضرب يده على ظهر أبي العباس (السفاح) ثمّ نهض و اتبعه عبد الصمد و أبو جعفر المنصور فقالا: يا أبا عبد اللّٰه أ تقول ذلك؟ قال: «نعم و اللّٰه أقوله و أعلمه».
و في رواية قال لعبد اللّٰه بن الحسن: «إنّها و اللّٰه ما هي إليك و لا إلى ابنيك و لكنّها لهؤلاء و إنّ ابنيك لمقتولان» فتفرق أهل المجلس و لم يجتمعوا بعدها.
و قال عبد اللّٰه بن جعفر بن المسوّر، فخرج جعفر بن محمد يتوكأ على يدي فقال لي: «أ رأيت صاحب الرداء الأصفر؟» يعني أبا جعفر المنصور، قلت: نعم، قال: «فإنّا و اللّٰه نجده يقتل محمداً»، قلت: أو يقتل محمداً؟! قال: «نعم» فقلت في نفسي: حسده و ربّ الكعبة. ثمّ ما خرجت و اللّٰه من الدنيا حتى رأيته قتله(1).
1) . أبو الفرج الأصفهاني: مقاتل الطالبيين: 171-172.
حكى ابن عنبة أنّ محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن ولد سنة 100 ه بلا خلاف، و قيل مات سنة 145 ه في رمضان، و قيل في الخامس و العشرين من رجب، و قال البخاري: و هو ابن خمس و أربعين سنة و أشهراً، و كان المنصور قد بايع له و لأخيه إبراهيم مع جماعة من بني هاشم، فلمّا بويع لبني العباس اختفى محمد و إبراهيم مدّة خلافة السفاح فلما ملك المنصور (136 ه) و علم أنّهما على عزم الخروج جدّ في طلبهما و قبض على أبيهما و جماعة من أهلهما فيحكى أنّهما أتيا أباهما و هو في السجن و قالا له: يقتل رجلان من آل محمد خير من أن يقتل ثمانية، فقال لهما: إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما أن تموتا كريمين.
و لما عزم «محمد» على الخروج واعد أخاه إبراهيم على الظهور في يوم واحد، و ذهب محمد إلى المدينة و إبراهيم إلى البصرة، فاتفق أنّ إبراهيم مرض فخرج أخوه بالمدينة و هو مريض بالبصرة، و لما خلص من مرضه و ظهر أتاه خبر أخيه أنّه قتل و هو على المنبر يخطب.
و من عجيب ما يروى عن محمد بن عبد اللّٰه أنّه لما أحس بالخذلان دخل داره و أمر بالتنور فسجّر ثمّ عمد إلى الدفتر الذي أثبت فيه أسماء الذين بايعوه فألقاه في التنور فاحترق، ثمّ خرج فقاتل حتى قتل بأحجار الزيت، قريباً من المدينة.
و كان مالك بن أنس الفقيه قد أفتى بالخروج مع محمد و بايعه و لذلك تغير المنصور عليه فقال: إنّه خلع أكتافه(1).
و قد ذكر المؤرخون دعوته و شهادته بين موجز في القول و معتدل في البيان و مفصل في القصة و بما أنّ في كلامهم ما يلقي الضوء على حياة القائد، نذكر بعض نصوصهم.
1) . النسابة ابن عنبة: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 104-105.
و ممّن أوجز فيه الكلام أبو حنيفة الدينوري (ت 282 ه) في «الأخبار الطوال» قال: و في ذلك العام (145 ه) خرج على المنصور، محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام الملقب بالنفس الزكية فوجّه إليه أبو جعفر - المنصور - عيسى بن موسى بن علي في خيل فقتل رحمه اللّٰه، و خرج أخوه إبراهيم بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن فقتل رضوان اللّٰه عليه(1).
و قال اليعقوبي: «و ظهر محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن بالمدينة مستهل رجب سنة 145 ه، فاجتمع معه خلق عظيم و أتته كتب أهل البلدان و وفودهم، فأخذ رياح بن عثمان بن حيّان المري عامل أبي جعفر، فأوثقه بالحديد و حبسه، و توجه (أخوه) إبراهيم بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن إلى البصرة و قد اجتمع جماعة فأقام مستتراً، و هو يكاتب الناس و يدعوهم إلى طاعته، فلما بلغ أبا جعفر أراد الخروج إلى المدينة ثمّ خاف أن يدع العراق مع ما بلغه من أمر إبراهيم، فوجّه عيسى بن موسى الهاشمي، و معه حميد بن قحطبة الطائي في جيش عظيم فصار إلى المدينة، و خرج محمد إليه في أصحابه فقاتلهم في شهر رمضان و مضى أصحابه إلى الحبس فقتل رياح بن عثمان و كانت أسماء ابنة عبد اللّٰه بن عبيد اللّٰه بن العباس بالمدينة و كانت معادية لمحمد بن عبد اللّٰه، فوجهت بخمار أسود قد جعلته مع مولى لها حتى نصبه على مأذنة المسجد، و وجّهت بمولى لها يقال له: مجيب العامري إلى عسكر محمد، صاح: الهزيمة الهزيمة قد دخل المسوّدة المدينة، فلمّا رأى الناس العلم الأسود انهزموا و أقام محمد يقاتل حتى قتل، فلمّا قتل محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن، وجه عيسى بن موسى، كثير بن الحصين العبدي إلى المدينة فدخلها، فتتبع أصحاب محمد فقتلهم و انصرف إلى العراق(2).
و قال المسعودي: و في سنة خمس و أربعين و مائة كان ظهور محمد بن عبد اللّٰه ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّٰه عنهم بالمدينة، و كان قد بُويع له من كثير من الأنصار و كان يدعى بالنفس الزكية لزهده و نسكه، و كان مستخفياً من المنصور و لم يظهر حتى قبض المنصور على أبيه عبد اللّٰه بن الحسن و عمومته، و كثير من أهله وعدتهم، و لما ظهر محمد بن عبد اللّٰه بالمدينة، استشار إسحاق بن مسلم العقيلي و كان شيخاً ذا رأي و تجربة فأشار إلى ما لم يستحسنه أبو جعفر و بينما كان يتفكر في كيفية المقابلة مع محمد بن إبراهيم بلغه أنّ إبراهيم أخا محمد خرج بالبصرة يدعو إلى أخيه، فبعث عيسى بن موسى في أربعة آلاف فارس و ألفي راجل و أتبعه محمد بن قحطبة في جيش كثيف فقاتلوا محمداً بالمدينة حتى قتل و هو ابن خمس و أربعين سنة و لما اتصل بإبراهيم قتل أخيه، محمد بن عبد اللّٰه و هو بالبصرة صعد المنبر فنعاه و تمثّل:
أ بالمنازل يا خير الفوارس من *** يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا
اللّٰه يعلم أنّي لو خشيتُهم *** و أوجس القلب من خوف لهم فزعا
لم يقتلوه و لم أسلم أخيَّ لهم *** حتى نموت جميعاً أو نعيش معا
و قد كان تفرّق أخوة محمد و ولده في البلدان يدعون إلى إمامته فكان فيمن توجه ابنه، علي بن محمد إلى مصر فقتل بها، و سار ابنه عبد اللّٰه إلى خراسان فهرب لما طُلب، إلى السند فقتل هناك، و سار ابنه الحسن إلى اليمن فحبس فمات في الحبس، و سار أخوه موسى إلى الجزيرة، و مضى أخوه يحيى إلى الري، ثمّ إلى طبرستان، و مضى أخوه إدريس بن عبد اللّٰه إلى المغرب فأجابه خلق من الناس
فبعث المنصور من اغتاله بالسم و قام ولده إدريس بن إدريس بن عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن مقامه(1).
هؤلاء من المؤرخين قد أوجزوا الكلام في دعوته و شهادته، و قد فصّل أبو الفرج الأصفهاني(2)في المقامين و ابن الاثير في الكامل و قد ذكر كتاب المنصور إلى محمد بن إبراهيم، كما ذكر جوابه إليه(3).
أصحاب الانتفاضة
إبراهيم بن عبد اللّٰه بن الحسن أخو محمد ذو النفس الزكية الثائر الثالث بعد يحيى بن زيد و النفس الزكية، و قد تقدم اتفاق الأخوين على الثورة في يوم واحد في قطرين مختلفين، و قد عرفت تأخّر إبراهيم عن أخيه في الخروج.
قال المسعودي: مضى إبراهيم أخوه إلى البصرة و ظهر بها، فأجابه أهل فارس و الأهواز و غيرهما من الأمصار و سار من البصرة في عساكر كثيرة من الزيدية و جماعة ممن يذهب إلى قول البغداديين من المعتزلة و غيرهم، و معه عيسى بن زيد بن علي ابن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسيّر إليه المنصور عيسى بن موسى و سعيد بن سلم في العساكر، فحارب حتى قتل في الموضع المعروف ب «باخمرى» و ذلك على ستة عشر فرسخاً من الكوفة من أرض الطف، و هو الموضع الذي ذكرته الشعراء ممن رثى إبراهيم. فممّن ذكر ذلك:
دعبل بن علي الخزاعي، في قصيدته الرائعة التائية التي نقل قسم منها عند ذكر شهادة أخيه محمد النفس الزكية و فيها قوله:
قبور بكوفان و أُخرى بطيبة *** و أُخرى بفخّ نالها صلوات
و أُخرى بأرض الجوزجان محلها *** و قبر بباخمرى لدى الغربات
و قتل معه من الزيدية من شيعته أربعمائة رجل، و قيل: خمسمائة رجل(1).
و قال صاحب المجدي: و كان إبراهيم يكنى أبا الحسن، قتل بأرض «باخمرى» و هي قرية تقارب الكوفة و ظَهَر ليلة الاثنين غرة شهر رمضان سنة 145 ه و ذلك بالبصرة و كان مقتله بعد مقتل أخيه محمد (رضي اللّٰه عنهما) في ذي الحجّة من السنة المذكورة.
و بايع إبراهيم وجوه المسلمين منهم بشير الرحال، و أبو حنيفة الفقيه، و الأعمش، و عباد بن المنصور القاضي صاحب مسجد عباد بالبصرة، و المفضل بن محمد و شعبة الحافظ إلى نظائرهم(2).
و قال النسابة ابن عنبة: كان إبراهيم من كبار العلماء في فنون كثيرة، يقال إنّه كان أيام اختفائه في البصرة قد اختفى عند المفضل بن محمد الضبي، فطلب منه دواوين العرب ليطالعها فأتاه بما قدر عليه فأعلم إبراهيم على ثمانين قصيدة.
فلمّا قتل إبراهيم استخرجها المفضل و سماها ب (المفضليات) و قرئت بعده على الأصمعي فزاد بها، و ظهر إبراهيم ليلة الاثنين غرة شهر رمضان سنة خمس و أربعين و مائة بالبصرة و بايعه وجوه الناس - إلى أن قال: - و يقال: إنّ أبا حنيفة الفقيه بايعه أيضاً و كان قد أفتى الناس بالخروج معه، فيحكى أنّ امرأة أتته فقالت: إنّك أفتيت ابني بالخروج مع إبراهيم فخرج فقتل. فقال لها: ليتني كنتُ مكانَ ابنك. و كتب إليه أبو حنيفة: أما بعد: فإنّي قد جهزت إليك أربعة آلاف درهم و لم يكن عندي غيرها، و لو لا أمانات الناس عندي للحقت بك، فإذا لقيت القوم و ظفرت بهم فافعل كما فعل أبوك في أهل صفين، أُقتل مدبرهم و أجهز على جريحهم، و لا تفعل كما فعل أبوك في أهل الجمل فإنّ القوم لهم فئة. و يقال: إنّ هذا الكتاب وقع
إلى الدوانيقي و كان سبب تغيّره على أبي حنيفة - إلى أن قال: - و جيء برأس إبراهيم فوضعه في طشت بين يديه و الحسن بن زيد بن الحسن بن علي واقف على رأسه عليه السواد فخنقته العبرة و التفت إليه المنصور و قال: أ تعرف رأس من هذا؟ فقال: نعم:
فتى كان تحميه من الضيم نفسه *** و ينجيه من دار الهوان اجتنابها
فقال المنصور: صدقت و لكن أراد رأسي فكان رأسه أهون عليَّ و لوددت أنّه فاء إلى طاعتي، و يقول أيضاً: و حمل ابن أبي الكلام الجعفري رأسه إلى مصر(1).
1) . ابن المهنا: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 109-110، و لعله دفنه في المحل المعروف برأس الحسين عليه السلام.
أصحاب الانتفاضة
أحد أولاد زيد الثائر المعروف ب «موتم الأشبال»، و كان وصي إبراهيم - قتيل باخمرى - بن عبد اللّٰه المحض و حامل رايته، فلمّا قتل إبراهيم اختفى عيسى إلى أن مات، و كان أبو جعفر المنصور قد بذل له الأمان و أكده و كان شديد الخوف منه لم يأمن وثوبه عليه، فقيل لعيسى في ذلك فقال: و اللّٰه لئن يبيتنَّ ليلة واحدة خائفاً منّي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس. و إنّما يسمّى موتم الأشبال لأنّه قتل أسداً له أشبال فسمّي موتم الأشبال. فخرج عيسى مع محمد بن عبد اللّٰه النفس الزكية ثمّ مع أخيه إبراهيم، و كان إبراهيم قد جعل له الأمر بعده و كان حامل رايته فلمّا قتل إبراهيم استتر و لم يتم له الخروج فبقي مستتراً أيام المنصور و أيّام المهدي و أيام الهادي و صلّى عليه الحسن بن صالح سراً و دفنه.
و قد ذكر النسابة ابن عنبة من حياته شيئاً كثيراً يؤجّج الفؤاد و مما ذكره أنّه كان في أيّام اختفائه يستقي الماء على جمل، و قال: حكى لي الشيخ النقيب تاج الدين بإسناده عن محمد بن زيد الشهيد: قال محمد بن محمد: قلت لأبي محمد بن زيد: أُريد أن أرى عمي عيسى، فقال: اذهب إلى الكوفة فإذا وصلتها اذهب إلى الشارع الفلاني و اجلس هناك فإنّه سيمر عليك رجل آدم طويل، له سجادة بين عينيه، يسوق جملاً عليه مزادتان، كلّما خطا خطوة كبّر اللّٰه سبحانه، و سبّحه و هلّله
و قدّسه، فذلك عمك عيسى فقم إليه فسلّم عليه، قال محمد بن محمد بن زيد فذهبت إلى الكوفة فلمّا وصلتها جلستُ حيث أمرني أبي فلم ألبث أن جاء الرجل الذي وصفه لي أبي و بين يديه جمل عليه راوية فقمت إليه و أكببت على يديه أُقبّلهما فذعر مني فقلت: أنا محمد بن زيد(1)فسكن ثمّ أناخ جمله و جلس إليَّ في ظل حائط هناك و حدثني ساعة، و سألني عن أهلي و أصحابه ثمّ ودّعني و قال لي: يا بني لا تعد إليّ بعد هذا فإنّي أخشى الشهرة(2).
و قال صاحب المجدي: و كان من أصحاب محمد بن عبد اللّٰه قتيل «أحجار الزيت» فاختفى عيسى من يد المهدي و مات في الاستتار على أيام الرشيد و كان شيخنا أبو الحسن يقول: كان ابن دينار يزعم أنّه قتل زيد و لابنه الحسين أربع سنين و لابنه عيسى سنة و لابنه محمد أربعون يوماً(3)و على ذلك فقد توفي عيسى حوالي عام 167 للهجرة.
أصحاب الانتفاضة
هو الحسين بن علي بن الحسن المثلث أي الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام قال صاحب المجدي: و من ولد علي زين العابدين الحسن المثلث، الحسين بن علي و هو الشهيد صاحب فخ، خرج و معه جماعة من العلويين زمن الهادي موسى بن المهدي بن المنصور بمكة، و جاء موسى بن عيسى ابن على و محمد بن سليمان بن المنصور فقتلاهم بفخ يوم التروية سنة تسع و ستين و مائة. و قيل: سنة سبعين، و حملا رأسه إلى الهادي، فأنكر الهادي فعلهما و إمضاءهما حكم السيف فيهم دون رأيه، و نقل أبو نصر البخاري عن محمد الجواد ابن علي الرضا عليهما السلام أنّه قال: لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ(1).
1) . النسابة ابن عنبة: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 182-183.
أصحاب الانتفاضة
هو محمد بن إبراهيم (طباطبا) بن إسماعيل بن علي الغمر بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب(1).
قال صاحب المجدي: أمّا إبراهيم بن إسماعيل بن الغمر فهو طباطبا و لقب بذلك لأنّه أراد أن يقول قبا فقال طبا، لردّة في لسانه، و كان له خطر و تقدم و أبرزَ صفحتَه و دعا إلى الرضا من آل محمد. فولد إبراهيم بن إسماعيل بن الغمر ثلاثة عشر ولداً، منهم: بنتان و هما: لبابة و فاطمة، و الذكور: جعفر، و إبراهيم، و إسماعيل، و موسى، و هارون، و علي، و عبد اللّٰه، و محمد.
هذا هو الوالد و أمّا الولد أي محمد، يقول في حقّه: «إنّه صاحب أبي السرايا يكنّى أبا عبد اللّٰه، خرج بالكوفة فجأة و انقرض ولده غير انّ رجلاً منهم يقال له محمد بن الحسين بن جعفر بن محمد هذا، صاحب أبي السرايا خرج إلى بلاد الحبشة فما نعرف له خبراً(2).
و قال ابن عنبة: و من ولد إبراهيم طباطبا أيضاً محمد بن إبراهيم و يكنى أبا عبد اللّٰه أحد أئمة الزيدية، خرج بالكوفة داعياً إلى الرضا من آل محمد، و خرج معه أبو السرايا (السري بن منصور) الشيباني في أيام المنصور، فغلب على الكوفة و دعا بالآفاق و لقّب بأمير المؤمنين و عظم أمره ثمّ مات فجأة، و انقرض عقبه، و كان من ولده محمد بن الحسين بن جعفر بن محمد هذا، خرج إلى الحبشة فما يعرف له خبر. و في بعض النسخ مات 199 ه و قيل: سمّاه أبو السرايا سماً و مات منه و اللّٰه أعلم(1).
و قال الطبري في حوادث سنة 199 ه: و فيها خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم ابن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الآخرة يدعو إلى الرضا من آل محمد و العمل بالكتاب و السنّة و هو الذي يقال له ابن طباطبا و كان القيم بأمره في الحرب و تدبيرها و قيادة جيوشه أبا السرايا و اسمه السري بن منصور(2).
و بما أنّ أبا السرايا جاء اسمه في ذكر لفيف من الثائرين، نذكر عنه شيئاً.
يقول خير الدين الزركليّ: السري بن منصور الشيباني ثائر شجاع من الأُمراء العصاميين فجمع عصابة كان يقطع بها الطريق، ثمّ لحق بيزيد بن مزيد الشيباني بإرمينيا و معه ثلاثون فارساً فجعله في القواد فاشتهرت شجاعته، و لما نشبت فتنة الأمين و المأمون انتقل إلى عسكر هرثمة بن أعين و سار معه نحو ألفي مقاتل و خوطب بالأمير، و لما قتل الأمين نقص هرثمة من أرزاقه و أرزاق أصحابه فخرج في نحو مائتي فارس فحصر عامل عين التمر و أخذ ما معه من المال ففرّقه في أصحابه، ثمّ استولى على الأنبار و ذهب إلى الرقة و قد كثر جمعه فلقيه بهما ابن
طباطبا العلوي (محمد بن إبراهيم) و كان قد خرج على بني العباس، فبايعه أبو السرايا و تولّى قيادة جنده، و استوليا على الكوفة، فضرب بها أبو السرايا الدرهم، و سيّر الجيوش إلى البصرة و نواحيها، و عمل على ضبط بغداد، و امتلك المدائن و واسطاً، و استفحل أمره، و أرسل العمال و الأُمراء إلى اليمن و الحجاز و واسط و الأهواز، و توالت عليه جيوش العباسيين فلم تضعضعه إلى أن قتله الحسن بن سهل و بعث برأسه إلى المأمون و نصبت جثته على جسر بغداد(1).
و قد فصل أبو الفرج الكلام حول خروج أبو السرايا و لقائه مع محمد بن إبراهيم يرجع ملخصه إلى ما ذكره خير الدين، و لذلك اقتصرنا عليه(2).
و ليعلم أنّ القاسم الرسّي الذي يعتبر الإمام الثاني للزيدية من فريق الأئمة المجتهدين هو أخو محمد بن إبراهيم، كما أنّ الإمام الهادي الذي أسس دولة فيها هو حفيد القاسم الرسّي، فالكل من أغصان الشجرة الطيبة العلوية.
أصحاب الانتفاضة
يحدّث صاحب المجدي عن أبيه فيقول: محمد بن زيد الشهيد بن علي بن الحسين عليه السلام و كان بليغاً، و له أحد عشر ولداً، منهم: محمداً الأكبر و كان على عهد المأمون و هو صاحب أبي السرايا بعد ابن طباطبا قبره بمرو، و كان سقي سماً(1).
و قال ابن عنبة: و كان لمحمد بن زيد الشهيد عدّة بنين، منهم محمد بن محمد ابن زيد. و لما خرج أبو السرايا و أخذ البيعة لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل (المذكور آنفاً) و توفي «محمد» فجأة نصب أبو السرايا مكانه محمد بن محمد بن زيد هذا، و لقبه «المؤيد» فندب الحسن بن سهل إليه هرثمة بن أعين، فحاربه و أسره و حمله إلى الحسن بن سهل فحمله الحسن إلى المأمون، فتعجب المأمون من صغر سنه و قال: كيف رأيت اللّٰه في الصنع بابن عمك؟ فقال محمد بن محمد بن زيد:
رأيت أمين اللّٰه في العفو و الحلم *** و كان يسيراً عنده أعظم الجرم
فأعرض عن جهلي و داوى سقامه *** بعفو جرى عن جلده هبوه السقم
و توفي محمد بن محمد بن زيد بمرو و سقاه المأمون السم 202 ه و هو ابن عشرين سنة، فيقال: إنّه كان ينظر كبده يخرج من حلقه قطعاً فيلقيه في طشت و يقلبه بخلال في يده(2).
أصحاب الانتفاضة
قال صاحب المجدي: أمّا الوالد أي القاسم بن علي بن عمر فهو يكنى ب «أبي علي» و كان شاعراً و قد اختفى ببغداد، و أمّا الولد فقد أشخصه الرشيد من الحجاز و حبسه و أفلت من الحبس(1).
و قال ابو الفرج: محمد بن القاسم يكنى أبا جعفر، و كانت العامة تلقّبه الصوفي، لأنّه كان يُدْمِن لبس ثياب من الصوف الأبيض، و كان من أهل العلم و الفقه و الدين و الزهد و حسن المذهب، و كان يذهب إلى القول بالعدل و التوحيد و يرى رأي الزيدية الجارودية، خرج في أيام المعتصم بالطالقان، فأخذه عبد اللّٰه بن طاهر و وجّه به الى المعتصم(2).
يقول المسعودي: و في هذه السنة أي 219 ه أخاف المعتصم، محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمهم اللّٰه، و كان بالكوفة من العبادة و الزهد و الورع في نهاية الوصف، فلمّا خاف على نفسه هرب فصار إلى خراسان، فتنقل في مواضع كثيرة من كورها كمرو، و سرخس و الطالقان و نسا، فكانت له هناك حروب و كوائن و انقاد إليه و إلى إمامته خلق كثير من
الناس، ثمّ حمله عبد اللّٰه بن طاهر إلى المعتصم، فحبسه في أزج اتخذه في بستان بسر من رأى. و قد تنوزع في محمد بن القاسم، فمن قائل يقول: إنّه قتل بالسم، و منهم من يقول: إنّ ناساً من شيعته من الطالقان أتوا ذلك البستان فتأتوا للخدمة فيه من غرس و زراعة، و اتخذوا سلالم من الجبال و اللبود و الطالقانية و نقبوا الأزج و أخرجوه، فذهبوا به فلم يعرف له خبر إلى اليوم، و قد انقاد إلى إمامته خلق كثير من الزيدية إلى هذا الوقت و هو سنة 333 ه(1).
1) . المسعودي: مروج الذهب: 464/3-465.
قد تعرفت على أسماء و حياة الثائرين بعد زيد الشهيد إجمالاً، و هؤلاء الأماثل قاموا في وجه الظلم في مناطق مختلفة، بصورة انتفاضات ناجحة و غير ناجحة.
و يأتي الآن دور الثائرين الأفاضل، المؤسسين دولاً في قطر كبير من الأقطار الثلاثة و هؤلاء عبارة عن:
أئمة الزيدية و تأسيس الدولة في اليمن.
أئمة الزيدية و تأسيس الدولة في طبرستان.
أئمة الزيدية و تأسيس الدولة في المغرب.
و إليك البيان ابتداء من أئمتهم في اليمن و أوّل ثائرهم و في الحقيقة مؤسس دولتهم هو:
قال صاحب المجدي في حقّ والده: الحسين بن القاسم الرسّي كان سيداً كريماً ولد له يحيى، و هو أبو الحسين الهادي، الجليل، الفارس، الدين، إمام الزيدية و كان مصنفاً، شاعراً، ظهر باليمن مات سنة 298 ه و كان يتولى الجهاد بنفسه
و يلبس جبة صوف و كان قشفاً رحمه اللّٰه(1).
و قال ابن عنبة: أمّا أبو عبد اللّٰه الحسين بن القاسم الرسي و كان سيداً كريماً، فأعقب من رجلين:
1 - أبو الحسين يحيى الهادي.
2 - أبو محمد عبد اللّٰه السيد العالم.
أمّا يحيى الهادي بن الحسين بن القاسم الرسّي يكنى أبا عبد اللّٰه، كان إماماً من أئمة الزيدية، جليلاً فارساً، ورعاً، مصنفاً، شاعراً، ظهر باليمن و يلقب بالهادي إلى الحقّ، و كان يتولى الجهاد بنفسه و يلبس جبة صوف، له تصانيف كبار في الفقه قريبة من مذهب أبي حنيفة، و كان ظهوره باليمن أيام المعتضد سنة 280 ه و توفي هناك عام 298 ه و خُطِبَ له بمكة سبع سنين، و أولاده أئمة الزيدية و ملوك اليمن و قد ولي الحكومة بعد رحيل الهادي ولداه:
1 - أبو القاسم محمد المرتضى، قام بالأمر بعد أبيه.
2 - أحمد الناصر قام بالأمر بعد تنازل أخيه.
و سيوافيك ترجمة الوالد و الولدين في الفصل السادس المختص ببيان أعلامهم المجتهدين، و إليك أسماء الأئمة الذين كان لهم الحكم إلى قيام الجمهورية عام 1382 ه.
و قد توالت الإمامة من عقب الإمام يحيى بعد الولدين إلى قيام الجمهورية العربية في أرض اليمن إلاّ في فترات قليلة، فلأجل إيقاف القارئ على أسمائهم نأتي بالقائمة التالية و من أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب المعدّة لذلك.
1) . النسابة العلوي العمري: المجدي: 78.
قد قام غير واحد من الزيدية بذكر أئمتهم حسب التسلسل الزمني، و تصدّيهم لأمر الإمامة منهم:
أحمد بن يحيى بن المرتضى (ت 840 ه) في مقدمة البحر الزخار قال: «باب في تعداد أئمة الزيدية» و المقصود الدعاة دون المقتصدين هو مرتب على مراتبهم في القيام عليهم السلام أولهم علي بن أبي طالب كرم اللّٰه وجهه بويع له في المدينة...
ثمّ ولده الحسن بن علي قام يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان...
ثمّ أخوه الحسين بن علي قام حين أتى نعي معاوية...
ثمّ الحسن بن الحسن قام و دعا و بايعه خلق كثير...
ثمّ زيد بن علي قام يوم الأربعاء...
ثمّ يحيى بن زيد قام و دعا...
ثمّ ساق أسماء الأئمة إلى والده الإمام المهدي علي بن محمد بن علي بن منصور بن يحيى بن مفضل بن الحجاج بن علي بن يحيى بن القاسم بن الإمام يوسف الداعي بن يحيى بن أحمد الناصر بن الهادي إلى الحق ولد سنة 705 ه و توفي سنة 774 ه.(1)
و لا تعجب من ذكر الإمام علي بن أبي طالب و الحسنين، و الحسن بن الحسن، و زيد بن علي دون الإمام زين العابدين، من أئمة الزيدية مع أنّ زيداً تولد و قام بالدعوة بعد قرن و ربع و ذلك لأجل أنّ المراد من الزيدية هي يتَّبعُ المنهج
1) . البحر الزخار: 225-231، آخر كتاب الجواهر و الدرر في سيرة سيد البشر.
الخاص في باب الإمامة و هو الذي قام و دعا إلى إمامته و بويع و خرج، و له من المؤهلات و المواصفات المذكورة في بابها، و الإمام و السبطان مشوا على هذا الدرب دون الإمام السجاد عليه السلام.
و ممن قام بتدوين أسماء و حياة أئمة الزيدية مؤلف كتاب «التحف شرح الزلف» فقد نظم أسماء الأئمة نظماً و شرحها شرحاً، و المؤلف أُنموذج السلف السيد مجد الدين بن محمد بن منصور الحسن المؤيدي شيخ الزيدية في العصر الحاضر باليمن فقد أتى بأسمائهم و قليلاً من حياتهم إلى الإمام المتوكل على اللّٰه يحيى بن الإمام المنصور باللّٰه محمد بن يحيى الذي قام بعده وفاة أبيه سنة 1322 ه قال: فجنّد الجنود و خفقت له الرايات، وصفت البنود، و في أيامه النعمة الكبرى و المنة العظمى إخراجه الأتراك و إجلاؤهم من اليمن و في هذا التاريخ (1365 ه) أوامره و نواهيه في أرض اليمن جارية(1).
و قد سبق زمن تأليف الكتاب على دعوة الإمامين بعد المتوكل و لم يذكر منهما شيئاً أعني:
1 - الناصر لدين اللّٰه أحمد بن يحيى حميد الدين (ت 1382 ه).
2 - المنصور باللّٰه محمد البدر بن أحمد بن يحيى حميد الدين.
حيث لم يحكم الثاني إلاّ أياماً قلائل و أُزيل عن الحكم بقيام الثورة و إعلان الجمهورية بقيام أحد العسكريين باسم السلال عام 1383 ه.
و بما أنّا استوفينا ذكر الأئمة الدعاة حتى عصر الإمام يحيى الهادي نذكر سلسلة الزيدية بعد عصره إلى زماننا هذا، و قد استخرجت القائمة من عدّة مصادر و لم نذكر فيها الدعاة الذين ليسوا بأئمة بل هم حسب مصطلح الزيدية
1) . التحف شرح الزلف: 194 و لاحظ أيضاً كتاب اليمن عبر التاريخ: 250-259 تأليف أحمد حسين شرف الدين و هو يذكر أئمّة الزيدية باليمن فقط.
مقتصدون، و قد عقد في البحر الزخار باباً لأسماء هؤلاء أيضاً(1).
و قد استعنت في تنظيم القائمة، أحد الفضلاء أعني الشيخ علي اليمني دامت إفاضاته.
1 - الإمام المرتضى لدين اللّٰه محمد بن يحيى و هو ابن الهادي يحيى بن الحسين، بويع له بالإمامة في غرة محرم سنة 299 ه بعد وفاة الهادي و استمر في الحكم عشرة أشهر ثمّ تنازل عن الحكم لما رأى من تخاذل بعض الناس، و توفي في أيام أخيه الناصر أحمد سنة عشر و ثلاثمائة و عمره اثنتان و ثلاثون سنة، و كان يلقب بجبريل الأرض لنسكه، و دفن بجوار الهادي في مدينة صعدة في اليمن.
2 - الإمام الناصر أحمد بن الهادي يحيى بن الحسين، بويع له بعد تنازل المرتضى محمد و كان حين وفاة الهادي في الحجاز ثمّ قدم بعد ذلك، و كانت له حروب مع القرامطة و هزمهم في جميعها وصفت له أكثر اليمن، و استمر في الحكم حتى توفي سنة ثلاثمائة و خمسة و عشرين و دفن بجوار أبيه و أخيه.
3 - المنصور باللّٰه القاسم بن علي بن عبد اللّٰه العياني قام ببلاد خثعم من أرض الشام ثمّ خرج إلى اليمن و توفي سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة بقرية عيان شمال اليمن و هو من ذرية محمد بن القاسم بن إبراهيم طباطبا.
4 - الإمام الناصر أبو الفتح الديلمي و هو أبو الفتح بن الحسين بن محمد من ذرية علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قام في بلاد الديلم شمال إيران في عام ثلاثين و أربعمائة، ثمّ خرج إلى اليمن فاستولى على أكثر اليمن و استشهد سنة نيف و أربعين أو خمسين و أربعمائة في وقعة بينه و بين علي بن محمد الصليحي.
1) . البحر الزخار: المقدمة/ 225، و المراد من المقتصدين هم الذين لم يتمكنوا من الخروج و إن كانت لهم دعوة.
5 - الإمام المتوكل على اللّٰه أحمد بن سليمان من ذرية الناصر أحمد بن الهادي، استولى على جميع اليمن و خطب له بينبع و خيبر و توفي في ربيع سنة ست و خمسين و خمسمائة عن ست و ستين سنة.
6 - الإمام المنصور باللّٰه عبد اللّٰه بن حمزة ينتهي نسبه إلى عبد اللّٰه بن الحسين ابن القاسم بن إبراهيم طباطبا، دعوته سنة أربع و تسعين و خمسمائة و يعتبر مجدد المذهب الزيدي في القرن السابع الهجري، توفي في محرم سنة أربع عشرة و ستمائة عن عمر يناهز الثانية و الخمسين.
7 - الإمام المهدي أحمد بن الحسين من ذرية محمد بن القاسم بن إبراهيم طباطبا، دعا إلى اللّٰه سنة ست و أربعين و ستمائة و قتل سنة ست و خمسين و ستمائة.
8 - الإمام المنصور باللّٰه الحسن بن بدر الدين دعا في الخامس و العشرين من شوال سنة سبع و خمسين و ستمائة و توفي سنة سبعين و ستمائة عن أربع و سبعين عاماً.
9 - الإمام المتوكل على اللّٰه المطهر بن يحيى و كانت دعوته سنة ست و سبعين و ستمائة و توفي في سنة سبع و تسعين و ستمائة.
10 - الإمام المهدي محمد بن المطهر و كانت دعوته سنة إحدى و سبعمائة و توفي سنة ثمان و عشرين و سبعمائة عن سبعين عاماً، و يعتبر من المجددين للمذهب الزيدي في القرن الثامن.
11 - الإمام المؤيد باللّٰه يحيى بن حمزة ينتهي نسبه إلى الإمام علي بن موسى الرضا من جهة الإمام الجواد عليه السلام ثمّ الإمام علي الهادي عليه السلام و كان قيامه سنت تسع و عشرين و سبعمائة و توفي سنة تسع و أربعين و سبعمائة.
12 - الإمام المهدي لدين اللّٰه علي بن محمد، كانت ولادته سنة سبعمائة و خمسة للهجرة و دعوته سنة سبعمائة و خمسين للهجرة و توفي في جمادي الآخرة سنة
سبعمائة و أربعة و سبعين للهجرة و قيل في ربيع الأوّل من نفس العام.
13 - الإمام الهادي لدين اللّٰه علي بن المؤيد، كانت دعوته سنة ست و سبعمائة و توفي في العاشر من محرم سنة ست و ثلاثين و ثمانمائة عن ثمانين سنة، و مدّة حكمه ما يقرب من أربعين سنة.
14 - الإمام المهدي لدين اللّٰه أحمد بن يحيى المرتضى، ولادته سنة سبعمائة و أربعة و ستين و كانت دعوته سنة سبعمائة و ثلاثة و تسعين فأُسر و حبس فلمّا آيس الهادي علي بن المؤيد من خروجه من الحبس دعا لنفسه، و توفي المهدي في سنة ثمانمائة و أربعين للهجرة.
15 - الإمام المتوكل على اللّٰه المطهر بن محمد و هو من ذرية عبد اللّٰه بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم طباطبا.
كان قيامه في سنة ثمانمائة و إحدى و أربعين و توفي في صفر سنة تسع و سبعين و ثمانمائة.
16 - الإمام الهادي عز الدين بن الحسن، كانت دعوته في تسعة شوال سنة ثمانين و ثمانمائة و يعتبر مجدداً للدين في القرن التاسع الهجري، و حكم اليمن و مكّة و كانت وفاته في رجب سنة تسعمائة عن خمس و خمسين عاماً.
17 - الإمام المتوكل على اللّٰه يحيى شرف الدين بن شمس الدين بن الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، كانت بيعته في جمادي الأُولى سنة اثنتي عشرة و تسعمائة و في أيامه خرج الجراكسة و الأتراك من اليمن و توفي سنة خمس و ستين و تسعمائة و هو ابن سبع و ثمانين سنة.
18 - الإمام الهادي الحسن بن عز الدين، كانت دعوته أواخر أيام الإمام شرف الدين و ذلك بإشارة من الإمام شرف الدين بعد ذهاب بصره، فبويع له سنة ثمان و خمسين و تسعمائة و توفي سنة سبع و ثمانين و تسعمائة عن سبع و سبعين سنة.
19 - الإمام الناصر لدين اللّٰه الحسن بن علي بن داود، بويع له سنة أربع و ثمانين و تسعمائة، أسره الأتراك سنة ثلاث و تسعين و تسعمائة في سادس عشر من شهر رمضان و سجن في اليمن سنة ثمّ أُرسل إلى القسطنطينية و بقي مسجوناً إلى أن توفي سنة أربع و عشرين و ألف للهجرة.
20 - الإمام المنصور باللّٰه القاسم بن محمد بن علي، بويع له في محرم سنة ألف و ستة هجرية، و هو مجدد القرن الحادي عشر، و هو و أولاده الذين أخرجوا الأتراك من اليمن و توفي سنة ألف و تسعة و عشرين هجرية.
21 - الإمام المؤيد باللّٰه محمد بن القاسم بن محمد، بويع له بعد وفاة أبيه القاسم بن محمد و توفي بعد صلاة الجمعة في اليوم الثامن من شهر رجب في سنة ألف و أربع و خمسين للهجرة، و في أيامه تم خروج الأتراك نهائياً من اليمن.
22 - الإمام المتوكل على اللّٰه إسماعيل بن القاسم بن محمد، بويع له بعد وفاة المؤيد سنة أربع و خمسين و ألف و توفي في جمادي الآخر سنة سبع و ثمانين و ألف و امتدّ حكمه إلى ظفار عمان.
23 - الإمام المنصور باللّٰه القاسم بن المؤيد باللّٰه محمد بن القاسم بن محمد، بويع له بعد وفاة عمه المتوكل على اللّٰه إسماعيل و توفي سنة ألف و سبعة و عشرين للهجرة النبوية على صاحبها و آله السلام.
24 - الإمام المؤيد باللّٰه محمد بن المتوكل على اللّٰه إسماعيل، دعا بعد وفاة المؤيد و توفي سنة سبع و تسعين و ألف للهجرة.
25 - الإمام المتوكل على اللّٰه إسماعيل بن أحمد بن عبد اللّٰه الكبسي المغلس دعوته سنة إحدى و عشرين و مائتين و توفي سنة ثمان و أربعين و مائتين و يعتبر مجدداً للمذهب الزيدي في القرن الثاني عشر.
26 - الإمام المنصور باللّٰه أبو محمد أحمد بن هاشم بن المحسن، كانت
دعوته سنة ألف و مائتين و أربع و ستين و توفي سنة ألف و مائتين و تسع و ستين.
27 - الإمام المنصور باللّٰه محمد بن عبد اللّٰه الوزير، كانت دعوته سنة ألف و مائتين و سبعين ثمّ اعتزل بعد سنة من قيامه و توفي سنة ألف و ثلاثمائة و سبعة.
28 - الإمام المتوكل على اللّٰه المحسن بن أحمد الحوثي، كانت دعوته في سنة ألف و مائتين و إحدى و سبعين و توفي سنة ألف و مائتين و خمس و تسعين.
29 - الإمام المهدي لدين اللّٰه أبو القاسم محمد بن القاسم بن إسماعيل الحسيني يرجع نسبه إلى الإمام يحيى بن حمزة الحسيني، كانت دعوته سنة ألف و مائتين و ثمان و تسعين للهجرة ثمّ أُخذ بعد ذلك و سجنه الأتراك و توفي سنة ألف و ثلاثمائة و تسعة عشر للهجرة.
30 - الإمام الهادي لدين اللّٰه شرف الدين بن محمد الحسيني، يرجع نسبه إلى الإمام يحيى بن حمزة الحسيني خرج أواخر القرن الثالث عشر أثناء سجن الإمام المهدي و توفي سنة ألف و ثلاثمائة و سبعة.
31 - الإمام المنصور باللّٰه محمد بن يحيى بن محمد حميد الدين و هو من ذرية الإمام القاسم بن محمد، دعا سنة سبع و ثلاثمائة و هو و ابنه الإمام يحيى حميد الدين من أخرج الأتراك من اليمن و توفي سنة ألف و ثلاثمائة و اثنين و عشرين.
32 - الإمام المتوكل على اللّٰه يحيى بن محمد حميد الدين، دعا بعد وفاة والده المنصور باللّٰه محمد في سنة ألف و ثلاثمائة و اثنين و عشرين، و هو الذي أخرج الأتراك نهائياً من اليمن و له المنة الكبرى في إبقاء اليمن بعيداً عن الاستعمار و الأجانب، و استمرّ حكم الإمام يحيى حتى استشهد سنة ألف و ثلاثمائة و سبع و ستين.
هؤلاء هم الأئمة الذين حكموا اليمن بعد الهادي يحيى بن الحسين و هم
الذين أجمعوا على إمامتهم و كان هناك غيرهم ممن حكم اليمن إلاّ أنّهم لم يصلوا إلى درجة الإمامة عندهم و هم إمّا دعاة أو محتسبون، و جاء بعد الإمام يحيى من أخذ بثأره الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين كان عالماً جليلاً و فارساً شجاعاً و كان عادلاً في حكمه إلاّ أنّه لم تكتمل شروط الإمامة فيه و استمر حكمه إلى سنة ألف و ثلاثمائة و ثلاثة و ثمانين للهجرة.
و قد أسّس بعض الثائرين على منهج زيد الثائر دولة زيدية في طبرستان، و هم بين داع و إمام، أو بين إمام جهاد، و إمام اجتهاد، نعم هنا مشكلة و هو اجتماع إمامين في عصر واحد و إن كانا في قطرين، و سيوافيك أنّ الناصر الأطروش من أئمة الزيدية في طبرستان كان معاصراً مع الإمام الهادي يحيى بن الحسين الذي توفي 298 ه، و إليك أسماءهم و قليلاً من حياتهم:
1 - الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ت 270 ه).
قال المسعودى: و في خلافة المستعين و ذلك في سنة 250 ه، ظهر ببلاد طبرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل، بن الحسن، بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي اللّٰه عنهم - فغلب عليها و على جرجان بعد حروب كثيرة و قتال شديد و ما زالت في يده إلى أن مات سنة سبعين و مائتين(1).
و قال الجزري: و فيها توفي الحسن بن زيد العلوي، صاحب طبرستان، في رجب و كانت ولايته تسع عشرة سنة و ثمانية أشهر و ستة أيام، و ولي مكانه أخوه
1) . المسعودي: مروج الذهب: 68/4.
محمد بن زيد.
و كان الحسن جواداً مدحه رجل فأعطاه عشرة آلاف درهم، و كان متواضعاً للّٰه تعالى.
حكى عنه أنّه مدحه شاعر فقال: اللّٰه فرد، و ابن زيد فرد، فقال: بفيك الحجر، يا كذاب، هلا قلت اللّٰه فرد، و ابن زيد عبد. ثمّ نزل عن مكانه، و خرّ ساجداً للّٰه تعالى، و ألصق خده بالتراب و حرم الشاعر(1).
2 - أخوه: محمد بن زيد بن محمد بن إسماعيل، فقام مكانه أخيه «الحسن» و حاربه رافع بن هرثمة و دخل محمد بن زيد إلى الديلم في سنة 277 ه، فصارت في يده و بايعه بعد ذلك رافع بن هرثمة، و صار في جملته و انقاد لدعوته و القول بطاعته (إلى أن توفي سنة 287 ه بعد ما أُثخن في معركة الحرب مع السامانيين) و كان الحسن بن زيد و محمد بن زيد يدعوان إلى الرضا من آل محمد و كذلك من طرأ بعدهما ببلاد طبرستان(2).
3 - الإمام الناصر للحقّ الأطروش، أبو محمد: الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف(3)بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (230-304 ه) و ستوافيك ترجمته في الفصل القادم.
4 - الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط (ت 316 ه).
قال المؤيدي: هو الإمام الداعي إلى اللّٰه أبو محمد الحسن بن القاسم بن
الحسن بن علي بن عبد الرحمن الشجري: كان هذا الإمام من أركان الناصر للحق الحسن بن علي الاطروش، و كان يضرب بعدله المثل، و استشهد سنة ست عشرة و ثلاثمائة و له اثنتان و خمسون سنة، و أقام أود الدين الحنيف في نيسابور و الري و نواحيهما و في الجبل و الديلم.
و قال المؤيدي في الزلف:
كذا الحسن بن القاسم بن الفرد بعده *** فلم يبق في جيلان للحقّ مانع(1)
5 - محمد بن الحسن بن القاسم بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط (ت 360 ه).
قال المؤيدي: هو الإمام أبو عبد اللّٰه المهدي لدين اللّٰه محمد بن الإمام الحسن بن القاسم بن علي بن عبد الرحمن الشجري بن القاسم بن الحسن بن زيد ابن الحسن السبط.
و هذا الإمام الذي جمع بين القاسمية و الناصرية بعد التباين العظيم بسبب الاختلاف في الاجتهاد فأظهر القول بأنّ كل مجتهد يصيب في الاجتهاديات و هو الذي قيل فيه لو مادت الأرض لشيء لعظمه لمادت لعلم أبي عبد اللّٰه الداعي و والده الإمام الحسن بن القاسم الذي تقدم بعد الإمام الناصر الاطروش.
قام ببغداد ثمّ وصل الديلم و بايعه من علماء الأُمّة أربعة آلاف، سنة ثلاث و خمسين و ثلاثمائة قبضه اللّٰه ب «هوسم» سنة 360 ه، روي عن الإمام أبي طالب أنّه مات مسموماً(2).
و بذهاب هؤلاء، ذهبت الدولة الزيدية في طبرستان و لهم إلى الآن آثار و قبور تزار.
الادارسة:
كان لعبد اللّٰه المحض أي عبد اللّٰه بن الحسن بن الحسن السبط عليه السلام ستة أبناء قد ذكرنا أسماءهم عند ذكر ثورة محمد بن عبد اللّٰه النفس الزكية، منهم:
قال المسعودي: لما خرج محمد بن عبد اللّٰه المحض المعروف بالنفس الزكية تفرق إخوته في البلاد، يدعون إلى إمامته، فكان فيمن توجه، ابنه علي بن محمد إلى مصر، فقتل هناك، و سار ابنه الحسن إلى اليمن فحبس فمات في الحبس، و سار إخوة موسى إلى الجزيرة، و مضى أخوه يحيى إلى الريّ، ثمّ إلى طبرستان، و مضى أخوه إدريس بن عبد اللّٰه إلى المغرب فأجابه خلق من الناس فبعث المنصور من اغتاله بالسم فيما احتوى عليه من مدن المغرب(1).
قال العلوي العمري النسابة: كان إدريس بن عبد اللّٰه مع الحسين صاحب
1) . المسعودي: مروج الذهب: 396/3.
الفخ(1)، فلما قتل الحسين انهزم حتى لحق بالمغرب فسمّ هناك(2).
و قال ابن عنبة: لما قتل الحسين انهزم إدريس حتى دخل المغرب فسمّ هناك بعد أن ملك، و كان قد هرب إلى فاس و طنجة و معه مولاه راشد و دعاهم إلى الدين فأجابوه و ملكوه، فاغتم الرشيد (هارون) لذلك حتى امتنع من النوم و دعا سليمان ابن جرير الرقي متكلم الزيدية و أعطاه سماً، فورد سليمان بن جرير متوسماً بالمذهب فسر به إدريس بن عبد اللّٰه ثمّ طلب منه عزة و وجد خلوة من مولاه راشد فسقاه السم فهرب، فخرج راشد خلفه فضربه على وجهه ضربة منكرة وفاته، و عاد و قد مضى إدريس لسبيله.
كانت بيعة إدريس بن عبد اللّٰه في شهر رمضان سنة 172 ه و استمر بالأمر إلى ست سنين إلاّ ستة شهر(3).
و قال الزركلي: إدريس بن عبد اللّٰه بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب: مؤسس دولة الأدارسة في المغرب و إليه نسبتها، أوّل ما عرف عنه أنّه كان مع الحسين بن علي بن الحسن المثلث، في المدينة أيام ثورته على الهادي العباسي سنة 169 ه ثمّ قتل الحسين، فانهزم إدريس إلى مصر فالمغرب الأقصى سنة 172 ه، و نزل بمدينة وليلى (على مقربة من مكناس و هي اليوم مدينة قصر فرعون) و كان كبيرها يومئذ إسحاق بن محمد فعرّفه إدريس بنفسه، فأجاره و أكرمه، ثمّ جمع البربر على القيام بدعوته، و خلع طاعة بني العباس، فتم له الأمر (يوم الجمعة 4 رمضان 172 ه) فجمع جيشاً كثيفاً و خرج به غازياً فبلغ بلاد تادَلة
(قرب فاس) ففتح معاقلها، و عاد إلى وليلى، ثمّ غزا تلمسان فبايع له صاحبها، و عظم أمر إدريس فاستمر إلى أن توفي مسموماً في وليلى في عام 177 ه و هو أول من دخل المغرب من الطالبيين، و من نسله الباقي إلى الآن في المغرب شرفاء العلم (العلميون) و الشرفاء الوزانيون، و الريسيون، و الشبيهيون، و الطاهريون الجوطيون، و العمرانيون، و التونسيون (أهل دار القيطون) و الطالبيون، و الغالبيون، و الدباغيون، و الكتانيون، و الشفشاويون، و الوَدْغيريون، و الدرقاويون، و الزكاريون(1).
يقول ابن عنبة: و أعقب إدريس بن عبد اللّٰه المحض من ابنه إدريس وحده، و كان إدريس بن إدريس لما مات أبوه حملاً، و أُمه أم ولد بربرية، و لما مات إدريس ابن عبد اللّٰه وضعت المغاربة التاج على بطن جاريته أُم إدريس فولدته بعد أربعة أشهر، قال الشيخ أبو نصر البخاري: قد خفي على الناس حديث إدريس لبعده عنهم و نسبوه إلى مولاه راشد، و قالوا:
«إنّه احتال في ذلك لبقاء الملك له، و لم يعقب إدريس بن عبد اللّٰه و ليس الأمر كذلك فإنّ داود بن قاسم الجعفري و هو أحد كبار العلماء و ممن له معرفة بالنسب، حكى أنّه كان حاضراً قصة إدريس بن عبد اللّٰه و سمّه و ولادة إدريس بن إدريس، قال: و كنت معه بالمغرب فما رأيت أشجع منه و لا أحسن وجهاً، و قال الرضا بن موسى الكاظم عليهما السلام: «إدريس بن إدريس ابن عبد اللّٰه من شجعان أهل البيت و اللّٰه ما ترك فينا مثله» و قال أبو هاشم داود بن القاسم بن اسحاق بن عبد اللّٰه بن جعفر الطيار:
أنشدني إدريس بن إدريس لنفسه - أبياتاً شعرية -.
1) . الزركلي: الأعلام: 279/1.
و كان لإدريس بن إدريس بن عبد اللّٰه المحض أحد عشر رجلاً و بنتين: رقية و أُم محمد، و لكنه أعقب من سبعة، و هم:
1 - القاسم 2 - عيسى 3 - عمر 4 - داود 5 - يحيى 6 - عبد اللّٰه 7 - حمزة.
و قد قيل: إنّه أعقب من غير هؤلاء أيضاً و لكل منهم ممالك في بلاد المغرب هم بها ملوك إلى الآن(1).
و في تعليقة الكتاب: و الذي أولدهم إدريس بن إدريس أحد عشر رجلاً، و بنتين: رقية و أُم محمد، و الذي أعقب فيهم سبعة، و الذي ملك الأمر منهم في بلاد المغرب محمد و استمر بالأمر ثماني سنين ثمّ توفي في شهر ربيع الأوّل سنة 221 ه، و قام بعده أولاده ثمّ أحفاده و كان آخرهم الحسن بن القاسم كنون بن محمد بن القاسم بن إدريس الذي تولى الملك سنة 348 و قتل سنة 375 و بموته انقرضت دولة الأدارسة من بلاد المغرب و قد ملكوا الأمر 200 سنة تقريباً.
و قال ابن عذارى المراكشي: أخذت الهجرات العربية تنثال على مراكش من إفريقية و الأندلس، فقرر إدريس الثاني تأسيس عاصمة له و شرع في إنشاء مدينة فاس عام 192 ه حيث سكن البربر المنطقة الشرقية و العرب المنطقة الغربية، و قد أصبحت هذه المدينة مركزاً من أكبر مراكز الإسلام علمياً و دينياً و تجارياً و صناعياً.
قام إدريس الثاني بحملات عسكرية في جبال أطلس و ظل يتنقل بعدها بين فاس و تلمسان و وليله إلى أن مات مسموماً عام 213 ه في ظروف غامضة.
ترك اثني عشر ولداً هم: محمد و أحمد و عبد اللّٰه و عيسى و إدريس و جعفر
1) . ابن عنبة: عمدة الطالب: 159 و معنى ذلك بقاء حكمهم و سلطتهم إلى أوائل القرن التاسع.
و يحيى و حمزة و عبد اللّٰه و القاسم و داود و يحيى، ولي منهم: محمد بن إدريس، ففرّق البلاد على إخوته بأمر جدته البربرية «كنزة» و لكن الخلاف نشأ بين بعض الإخوة و لم تستقرّ بعدها دولة الأدارسة بسبب منازعة الخوارج لهم برئاسة عبد الرزاق الخارجي الصفري إلى أنّ انتهت عام 323 ه(1).
و قال الزركلي: إدريس بن إدريس بن عبد اللّٰه بن الحسن المثنى، أبو القاسم: ثاني ملوك الأدارسة في المغرب الأقصى، و باني مدينة فاس. ولد في وليلى (بجبل زرهون. على نحو 30 كم من مكناس) و توفي أبوه و هو جنين، فقام بشئون البربر راشد (مولى أبيه إدريس الأوّل و أمينه) و قتل راشد سنة 186 ه فقام بكفالة إدريس أبو خالد العبدي، حتى بلغ الحادية عشر، فبايعه البربر في جامع وليلى سنة 188 ه فتولّى ملك أبيه و أحسن تدبيره و كان جواداً فصيحاً حازماً، أحبته رعيته. و استمال أهل تونس و طرابلس الغرب و الأندلس إليه (و كانت في يد العباسيين بالمشرق، يحكمها ولاتهم) و غصت وليلى بالوفود و السكان فاختلط مدينة «فاس» سنة 192 ه و انتقل إليها. و غزا بلاد المصامدة فاستولى عليها، و قبائل نفزة (من أهل المغرب الأوسط) فانقادت إليه، و زار تلمسان - و كان أبوه قد افتتحها - فأصلح سورها و جامعها و أقام فيها ثلاث سنوات، ثمّ عاد إلى فاس. و انتظمت له كلمة البربر و زناتة، و اقتطع المغربين (الأقصى و الأوسط) عن دولة العباسيين من لدن السوس الأقصى إلى وادي شلف. وصفا له ملك المغرب و ضرب السكة باسمه و توفي بفاس(2)في 213 ه. و كان قد ولد عام 177 ه و بذلك يكون عمره 36 عاماً.
إنّ أعلام الزيدية بين إمام جهاد و استشهاد و إمام فقه و اجتهاد، فمن الطبقة الأُولى:
1 - يحيى بن زيد.
2 - محمد النفس الزكية.
3 - إبراهيم بن عبد اللّٰه.
4 - عيسى بن زيد.
5 - الحسين الفخيّ.
6 - يحيى بن عبد اللّٰه.
7 - ابن طباطبا.
8 - محمد بن محمد بن زيد، و غيرهم.
و قد تعرفت على موجز أحوالهم و جهادهم و استشهادهم.
نعم هناك أئمة فقه و اجتهاد أشادوا هذا المذهب بتفكيرهم و بجهادهم العلمي المتواصل عبر القرون منضماً إلى حروبهم مع المتمردين و الظالمين، و ها نحن
نأتي على ذكر لفيف منهم مع الإشارة إلى حياتهم و تأليفاتهم، و أفضل مرجع لدراسة أحوالهم إلى القرن السابع، كتاب «الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية»، تأليف أبي الحسن حسام الدين حميد بن أحمد المحلي (582-652 ه).
و قد ألّف في ذلك المجال كتب تتضمن حياة أئمة الزيدية نشير إلى أسمائها:
1 - «قرة العيون في أخبار اليمن الميمون» لوجيه الدين عبد الرحمن بن علي (ت 944 ه) نشرها القاضي محمد بن علي الأكوع.
2 - «مصادر الفكر العربي الإسلامي» في اليمن لعبد اللّٰه الحبشي، طبع بيروت - 1978 م.
3 - «اتحاف المهتدين بذكر الأئمة المجدّدين» لمحمد بن محمد بن يحيى «زبارة» (ت 1380 ه).
4 - «البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع» للشوكاني (ت 1250 ه).
5 - «حكام اليمن المجتهدون» لعبد اللّٰه محمد الحبشي، طبع بيروت.
6 - «مطلع البدور، و مجمع البحور» لابن أبي الرجال صفي الدين (ت 1092 ه) مخطوط.
7 - «طبقات الزيديّة» تأليف إبراهيم بن القاسم الشهاري (ت 1153 ه) مخطوط.
إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبع في آثار الزيدية.
الإمام أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام يكنّى أبا عبد اللّٰه، و أُمّه عاتكة بنت الفضل بن عبد الرحمن بن العباس ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
ولد يوم الثاني من شهر محرم الحرام سنة 157 ه، توفي والده و هو صغير السن.
قال أبو الفرج الأصفهاني: إنّه وُشيَ إلى هارون بأحمد بن عيسى و القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين فأمر بإشخاصهما إليه من الحجاز فلمّا وصلا إليه، أمر بحبسهما فحبسا في سعة عند الفضل بن الربيع مكاناً عنده قال: فاحتال بعض الزيدية فدسّ إليهما فالوذجاً في حاجات أحدهما مُبْنج فأطعما المُبْنج الموكّلين فلمّا علما إلى ذلك قد بلغ فيهم خرجا، - إلى أن قال: - و لم يزل مدّة ببغداد مستتراً، و قد بلغ الرشيد خبره، فوضع الرصد في كل موضع، و أمر بتفتيش كل دار، يتّهم صاحبهما بالتشيع و طلب أحمد فيها، فلم يزل ذلك دأبه حتى أمكنه التخلص فمضى إلى البصرة فأقام بها(1).
و قال الذهبي: أحمد بن عيسى بن زيد له كتاب «الصيام» روى عن حسين (يريد الحسين بن علوان) روى عنه محمد بن منصور الكوفي(2).
و قال السيد المؤيّدي: الإمام أبو عبد اللّٰه أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن
الحسين السبط عليهم السلام فقيه آل محمد، و له الأمالي المعروفة بعلوم آل محمد سمّاها الإمام المنصور باللّٰه «بدائع الأنوار» توفي و قد جاوز الثمانين سنة 247 ه و قد كان حبسه الرشيد ثمّ أخرجه اللّٰه تعالى و بقي في البصرة إلى أن توفّي.
أولاده: محمد و علي(1).
أقول: يروي عن حسين بن علوان كثيراً و محمد بن بكر العلائي، و عن محمد ابن بكر عن أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر عليه السلام.
و روى عنه: ابناه: علي و محمد، و محمد بن المنصور المرادي بواسطة ابنيه المذكورين و بلا واسطة و لم يرو عن أبيه.
و أمّا كتاب الأمالي فهو الذي طبع باسم «رأب الصدع» في ثلاثة أجزاء بتحقيق العلامة علي بن إسماعيل بن عبد اللّٰه المؤيد الصنعاني و صدر عن دار النفائس ببيروت عام 1410 ه و قال محقق الكتاب إنّه كصحيح البخاري عند أهل البيت النبوي الشريف(2).
و قد أخرج المؤلف فيه 2790 حديثاً عن الرسول و أئمة أهل البيت و الباقر و الصادق عليهم السلام، و قد أكثر النقل عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم عن غير طريق علي و أبنائه عليهم السلام، كما حدّث عن أبي جعفر الباقر عليه السلام و الكتاب جدير بالمطالعة و الدراسة و الاستفادة و الاعتماد عليه، عند صحّة السند، فلا يتمّ جامع حديثي للشيعة إلاّ بنقل ما ورد فيه عن أئمة أهل البيت عليهم السلام.
و قد استخرج المحقّق - المغفور له - مصادر ما رواه عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم عن طريق الصحابة و التابعين، و قصرت يده عن استخراج ما رواه عن أئمة أهل البيت عليهم السلام عن المصادر الحديثية الشيعيّة، ليكون آية للصحة و الإتقان. و ذيّل الجزء الثالث برسالة أسماها: «تعريف برواة الأحاديث و الآثار الواردة في الكتاب» و هي ممتعة.
الجامع لأحاديثه هو أبو جعفر محمد بن منصور بن يزيد المرادي. و إليك
سند الحديث الأوّل:
أخبرنا أبو جعفر محمد بن منصور بن يزيد، قال: حدثني أحمد بن عيسى بن زيد عن حسين بن علوان، عن أبي خالد، عن زيد عن آبائه عن علي عليه السلام و إليك ترجمتهم:
1 - محمد بن منصور بن يزيد(1)و لقد رجعت في ترجمة محمد بن منصور المرادي إلى العلامة بدر الدين أحد العلماء الكبار في اليمن و الذي يزور حالياً الجمهورية الإسلامية في إيران، و حرّر شيئاً ما هذا ملخصه:
ترجمة محمد بن منصور الكوفي المرادي مؤلف الامالي:
قال العلامة أحمد بن صالح ابن أبي الرجال أحد كبار علماء الزيدية في كتابه مطلع البدور:
شيخ العترة و الشيعة، عذب الشريعة، لمن أراد بحار الشريعة محمد بن منصور المقري المرادي كان الأئمة يجلّونه إجلال الأب الكريم و هو ينزلهم في منزلهم الشريف العظيم، و كان شيخاً معمّراً قد ذكر في عمره بخط بعض الطلبة كلام لم يتفق عندي فانقله.
و هو الذي جمع أمالي أحمد بن عيسى، و هو أحد الأربعة الذين اعتمد عليهم في الجامع الكافي، لأنّ مؤلف الجامع الكافي و هو صاحب «المقنع» و هو الذي قال الذهبي فيه: الامام المحدث الثقة العالم مسند الكوفة أبو عبد اللّٰه محمد بن علي بن الحسن بن عبد الرحمن العلوي جمع كتاباً فيه علم الأئمة بالعراق فاجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره.
و قال السيد العلاّمة صارم الدين إبراهيم بن محمد عليه السلام لمحمد بن منصور، تفسير، قلت: و ذكر بعض شيوخنا رضى اللّٰه عنه أنّ لمحمد بن منصور
1) . لم يترجمه الذهبي في سير أعلام النبلاء، و لا في ميزان الاعتدال، و لا جمال الدين المزّي في تهذيب الكمال.
كتاب التفسير الكبير، و كتاب التفسير الصغير، و كتاب أحمد بن عيسى عليه السلام لعله يريد الأمالي و سيرة الأئمة العادلة، و كتاب رسالة بخراسان، و بعض ينسبها إلى الحسن بن زيد بطبرستان. انتهى.
و قال ابن النديم: المرادي من الزيدية و هو أبو جعفر محمد بن منصور المرادي الزيدي و له من الكتب: كتاب التفسير الكبير، كتاب التفسير الصغير، كتاب أحمد بن عيسى، كتاب سيرة الأئمة العادلة، و له كتب في الاحكام مثل طهارة و صلاة و غير ذلك على تلاوة كتب الفقه، و له كتاب الخميس. كتاب رسالته على لسان بعض الطالبيين إلى الحسن بن زيد بطبرستان(1).
2 - أحمد بن عيسى بن زيد، و قد مرت ترجمته.
3 - حسين بن علوان، قال النجاشي: الكلبي ولاءً كوفي عامي (غير شيعي) و أخوه الحسن يكنّى أبا محمد، ثقة، رويا عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام و ليس للحسن كتاب، و الحسن أخص بنا و أولى، روى الحسين عن الأعمش، و هشام بن عروة، و للحسين كتاب تختلف رواياته(2).
4 - أبو خالد: قال النجاشي: عمرو بن خالد الواسطي عن زيد بن علي له كتاب كبير رواه عنه نصر بن مزاحم المنقري و غيره(3)روى الصدوق في أماليه بإسناده عن عمرو بن خالد قال: قال لي زيد بن علي بن الحسين: في كل زمان رجل منّا أهل البيت يحتج اللّٰه به على خلقه، و حجّة زماننا ابن أخي جعفر بن محمد عليه السلام لا يضل من تبعه و لا يهتدي من خالفه(4)و ضعفه الذهبي تبعاً لعادته من تضعيف شيعة أهل البيت عليهم السلام و مواليهم(5).
القاسم بن إبراهيم (طباطبا) بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى المعروف بالقاسم الرسي، فهو الحجر الأساس لظهور الأئمة في اليمن و هو جد الإمام الهادي يحيى بن الحسين الذي خرج في اليمن و أسّس حكومة زيدية فيها طالت قروناً.
و ممن ترجمه: أبو الحسن حسام الدين حميد الدين المحلي فقد ذكر نسبه، و صفاته، و طرفاً من مناقبه و أحواله و زهده و قسماً من الوصايا و الحكم و الآداب المنقولة منه، ثمّ شرح دعوته و قال: لما استشهد أخوه محمد بن إبراهيم عليه السلام و هو بمصر دعا إلى نفسه و بثّ الدعاة و هو على حال الاستتار فأجابه عالَم من الناس من بلدان مختلفة، و جاءته بيعة أهل مكة، و المدينة، و الكوفة، و أهل الريّ، و قزوين، و طبرستان و تخوم الديلم، و كاتبه أهل العدل من البصرة و الأهواز، و حثّوه على الظهور و إظهار الدعوة.
و أقام عليه السلام بمصر نحو عشر سنين و اشتد الطلب له هناك من عبد اللّٰه ابن طاهر فلم يمكنه المقام، فعاد إلى بلاد الحجاز و تهامة و خرج جماعة من دعاته من بني عمه و غيرهم إلى بلخ و الطالقان و الجوزجان، فبايعه كثير من أهلها و سألوه أن ينفذ إليهم بولد له ليظهروا الدعوة، فانتشر خبره قبل التمكن من ذلك، فوجهت الجيوش في طلبه فانحاز إلى حيّ من البدو، و استخفى فيهم و أراد الخروج بالمدينة في وقت من الأوقات فأشار عليه أصحابه بأن لا يفعل ذلك - إلى أن قال: - و لم يزل على هذه الطريقة، مثابراً على الدعوة، صابراً على التغرّب و التردّد في النواحي و البلدان متحملاً للشدة مجتهداً في إظهار دين اللّٰه.
و لما تهيّأت مقدمات ظهوره و كانت له بيعات كثيرة في أوقات مختلفة أوّلها
(سنة 199 ه) و البيعة الجامعة كانت سنة 219 ه في منزل محمد بن منصور المرادي بالكوفة. فشلت دعوته و لم تساعده المقادير إلى كل ما أراد، فانتقل إلى الرسِّ في آخر أيامه، و هي أرض اشتراها وراء جبل أسود بالقرب من ذي الحليفة، و بنى هناك لنفسه و لولده و توفي بها سنة 246 ه و له سبع و سبعون سنة، و دفن فيها و مشهده معروف يزوره من يريد زيارته.
و له من المؤلفات:
1 - الدليل الكبير، و قد بالغ فيه في الكلام على الفلاسفة.
2 - الدليل الصغير.
3 - كتاب العدل و التوحيد الكبير، و فيه من أُصول العدل و التوحيد و تصديق الوعد و الوعيد و المبالغة في الكلام على الجبرية على لطافة حجمه، ما يشهد بغزارة علمه، و وفور فهمه.
4 - الرد على ابن المقفّع.
5 - الرد على النصارى.
6 - كتاب المسترشد.
7 - كتاب الرد على المجبرة.
8 - كتاب تأويل العرش و الكرسي.
9 - كتاب المسألة و فيها مناظرته مع الملحد
10 - كتاب تثبيت الإمامة و تقديم أمير المؤمنين على المشايخ.
11 - كتاب الفرائض و السنن.
12 - كتاب الطهارة.
13 - كتاب صلاة اليوم و الليلة.
14 - كتاب مسائل علي بن جهشيار.
15 - كتاب الناسخ و المنسوخ.
16 - كتاب سياسة النفس(1).
1) . حسام الدين المحلي: الحدائق الوردية: 2/2-6؛ و لاحظ الأعلام للزركلي: 171/5. التحف شرح الزلف 63-70.
هو الإمام الهادي إلى الحقّ المبين، أبو الحسين يحيى بن الحسين بن القاسم ابن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. ولد بالمدينة المطهرة سنة 245 ه و حمل إلى جده القاسم فوضعه في حجره المبارك و عوّذه، و قال لابنه: بم سمّيته؟ قال: يحيى، و قد كان للحسين أخ يسمى يحيى توفي قبل ذلك، فبكى القاسم حين ذكره و قال: هو و اللّٰه، يحيى صاحب اليمن. - إلى أن قال: - أقام اللّٰه به الدين في أرض اليمن و أحيا به رسوم الفرائض و السنن، فجدد أحكام خاتم النبيين، و آثار سيد الوصيين.
قيامه سنة 280 ه، و له مع القرامطة الخارجين عن الإسلام نيف و سبعون وقعة كانت له اليد فيها كلها، و مع بني الحارث نيف و سبعون وقعة - إلى أن قال: - و خطب له بمكة المشرفة سبعة سنين كما ذكر ذلك في عمدة الطالب و غيره، و قبضه اللّٰه إليه شهيداً بالسم و هو في ثلاث و خمسين سنة ليلة الأحد لعشر بقين من ذي الحجّة سنة 298 ه، و دفن يوم الاثنين في قبره الشريف المقابل لمحراب جامعه الذي أسّسه بصعدة(1).
ذكر حسام الدين المحلّي طرفاً من مناقبه و أحواله و سيرته، و أنّه المؤسس للدولة الزيدية في اليمن، و إليك فهرساً من أسماء كتبه التي ذكرها المحلي و قال: و صنف التصانيف الفائقة و الكتب البديعة:
1) . مجد الدين المؤيدي: شرح الزلف: 62-70 بتلخيص.
1 - كتاب المنتخب في الفقه، و هو من جلائل الكتب و فيه فقه واسع و علم رائع. 2 - كتاب الفنون في الفقه، مهذب ملخص. 3 - كتاب المسائل. 4 - كتاب مسائل محمد بن سعيد. 5 - كتاب الرضاع. 6 - كتاب المزارعة. 7 - كتاب أُمهات الأولاد. 8 - كتاب الولاء. 9 - كتاب القياس.
و منها في التوحيد كتب جليلة القدر: 1 - كتاب التوحيد 2 - كتاب المسترشد 3 - كتاب الإرادة و المشيئة 4 - الرد على ابن الحنفية في الكلام على الجبرية 5 - نوادر القرامطة 6 - كتاب أُصول الدين 7 - كتاب الإمامة 8 - كتاب إثبات النبوة و الوصية 9 - كتاب الرد على الإمامية 10 - كتاب البالغ المدرك 11 - كتاب المنزلة بين المنزلتين 12 - كتاب الحملة 13 - كتاب الديانة 14 - كتاب الخشية 15 - كتاب تفسير خطايا الأنبياء 16 - كتاب الرد على ابن جرير 17 - كتاب التفسير في 6 أجزاء 18 - كتاب معان القرآن في 9 أجزاء 19 - كتاب الفوائد جزءان إلى غير ذلك، و قد ذكر عبد اللّٰه بن محمد الحبشي له 77 أثراً أتى بأسمائها و خصوصياتها و محل نسخها المخطوطة.
و قد طبع منه كتابان:
الأوّل: كتاب الأحكام و قد طبع في جزءين و هو يشمل الكتب التالية:
1 - الطهارة. 2 - الصلاة. 3 - الجنائز. 4 - الزكاة. 5 - الصيام. 6 - الحجّ. 7 - النكاح. 8 - الطلاق. 9 - الرضاع. 10 - النفقات. 11 - البيوع. 12 - الشفعة. 13 - الشركة. 14 - المضاربة. 15 - الرهن. 16 - الكفالة، و الضمان، و الحوالة، و الوكالة. 17 - الغصب و الإقرار. 18 - التفليس. 19 - الصلح. 20 - الإيمان، و النذور، و الكفارات. 21 - الدعوى. 22 - المزارعة. 23 - الهبة، و الصدقة، و العمرى، و الرقبى، و العارية، و الوديعة. 24 - الضالة، و اللقطة، و اللقيط. 25 - الحدود.
26 - الديات، و الجراحة، و الجنايات. 27 - الفرائض. 28 - الصيد.
29 - الذبائح. 30 - الأطعمة و الأشربة و اللباس. 31 - الوصايا. 32 - القاضي، و القضاء، و الشهادات. 33 - السير. 34 - الزهد، و الآداب، و غيره من محاسن الأخلاق.
الثاني: كتاب الردّ و الاحتجاج على الحسن بن محمد بن الحنفية أجاب فيه على ثلاث و أربعين سؤالاً وجهه الحسن على القائلين بالاختيار.
قال الإمام، في صدر الكتاب: فإنّه وقع إلينا كلام الحسن(1)بن الحنفية، يؤكد فيه الجبر، و يشدد في ذلك منه الأمر، و يزعم فيه أنّ اللّٰه سبحانه جبر العباد أجمعين من الملائكة المقربين، و الأنبياء المرسلين، و جميع الثقلين على كل الأعمال من صالح أو طالح فرأينا أن نجيبه في ذلك و ننقض عليه ما جاء به من المهالك و نثبت عليه في ذلك كله لربنا و سيدنا و خالقنا ما هو أهله مما هو عليه و ما لا يجوز لخلق اللّٰه، أن يقول بغيره فيه، فاختصرنا له في قوله الجواب، و تركنا خشية التطويل، كثيراً من الأسباب، فلينظر من نظر في قولنا و قوله، و جوابنا لسؤاله بلب حاضر و رأيٍ حيٍّ صادر، يبن له الحقّ إن شاء اللّٰه و يثبت في قلبة الصدق(2).
طبعت الرسالة ضمن رسائل العدل و التوحيد في 177 صفحة.
و طبعته معها، رسائل أُخر عام 1400 ه في بيروت بإشراف سيف الدين الكاتب المجاز من جامعة الأزهر.
و قد خرج مرتين، مرة سنة 280 ه حتى بلغ موضعاً يقال له الشرفة بالقرب من صنعاء و أذعن له الناس بالطاعة، و أقام مدّة يسيرة، حتى خذله أهل البلاد، فعاد إلى الحجاز ثمّ وصلت كتبهم إليه سنة 283 ه فأجاب طلبهم.
و قد ذكر المؤيدي قسماً من أشعاره و قصائده، و مما قال:
نحن الفواطم لهونا طعن القنا *** و مدامنا حرب يدور رحاها
و مما كتب إلى بني حرث مع كتاب:
خذوا حذركم مني فإنّي مسيِّر *** إليكم جيوش اللّٰه و اللّٰه غالب(1)
1) . حسام الدين المحلي: الحدائق الوردية: 13/2-21، عبد اللّٰه محمد الحبشي: حكام اليمن المؤلفون المجتهدون 21-45
هو أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن، بن علي بن عمر الأشرف بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
أحد الأئمة الزيديين، مؤسس دولتها في طبرستان، صاحب التآليف و التصانيف، و قد كان مع محمد بن زيد إلى أن قتل محمد بجرجان فجرّه القضاء إلى بلاد الديلم و هم كفار فأسلموا على يديه، و ظهروا و ذلك سنة 287 ه بعد ظهور الهادي في اليمن بسبع سنين(1). و استنقذهم من الضيم و بقي على هذه الحالة يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر إلى أن استولى على أهلها سنة 301 ه.
ذكره حسام الدين المحلي و حكى طرفاً من مناقبه فقال: و حكي أنّه عليه السلام حضر لغذاء بعض الأشراف فلما سمع البكاء من داره، قال: هذا الميت الذي يبكى عليه مات حتف أنفه على فراشه و بين أهله و عشيرته، و إنّما الأسف على أُولئك النفوس الطاهرة التي قتلت تحت أديم السماء، و فرّق بين الأجساد و الرؤوس، و على الذين قتلوا في الحبوس و في القيود و الكبول.
و له تآليف نذكرها:
1 - كتاب «البساط» 2 - كتاب في التفسير احتج فيه بألف بيت من الشعر
1) . التقدير بالسبع باعتبار القيام الأوّل، لأنّه قام أوّلاً سنة 280 ه و لم يكن ناجحاً، و قام ثانياً عام 283 ه.
3 - كتاب «الحجاج الواضحة»، و فيه دلائل حسنة على إمامة أمير المؤمنين. 4 - كتاب «الأمالي»، إلى غير ذلك مما يبلغ إلى أربعة عشر كتاباً واسع و أُلِّفَ في فقهه كتاب «الحاصر لفقه الناصر» للسيد المؤيد باللّٰه، و كتاب «الناظم» للسيد أبي طالب، و كتاب «الموجز» للشيخ أبي القاسم البستي، و كتاب «الإبانة» للشيخ العالم أبي جعفر محمد بن يعقوب الهوسمي، (هذه الكتب الأربعة أُلفت في فقه الناصر و جميع أهل الجبل من الزيدية كلهم على مذهبه في الفروع) توفي ليلة الجمعة لخمس بقين من شعبان سنة 304 ه و له أربع و سبعون سنة. و من أحسن شعره قصيدة أوّلها:
أناف على السبعين ذا الحول رابع *** و لا بد لي إلاّ إلى اللّٰه راجع
و صرت تقومني العصا *** أدبّ كأنّي كلما قمت راكع(1)
و كانت مدّة ظهوره ب «آمل» ثلاث سنين و أشهراً و دفن فيها و مشهده هناك معروف. و على ضوء ذلك فلو كانت إمامته مختصة بهذه السنين الأخيرة فلا يكون في وقت واحد إمامان. و لكن المعروف أنّه دعا إلى نفسه قبل ذلك كما عرفت حيث دخل بلاد ديلم عام 287 ه داعياً إلى نفسه.
قال مجد الدين المؤيدي: و كان يرد بين الصفين متقلداً مصحفه و سيفه، و يقول: أنا ابن رسول اللّٰه و هذا كتاب اللّٰه، فمن أجاب إلى هذا و إلاّ فهذا. قال محمد بن جرير الطبري في تاريخه، و لم ير الناس مثل عدل الأطروش و حسن سيرته و إقامته الحقّ. و قال ابن حزم: كان الأطروش، فاضلاً حسن المذهب، عدلاً في أحكامه، ولى طبرستان...
1) . حسام الدين المحلي: الحدائق الوردية: 28/2-40. و التحف شرح الزلف: 70-73
و قال الإمام أبو طالب: و كان يحث الناس على نصرة الهادي يحيى بن الحسين(1)و يقول من يمكنه أن ينصره و قرب منه فنصرته واجبة عليه. و من تمكن من نصرتي و قرب مني فلينصرني. كان طويل القامة يضرب إلى الأُدمة، به طرش من ضربة.
أبو الحسن الأديب الشاعر، و أبو القاسم جعفر و أبي الحسين أحمد و قد أشار، مؤلف التحف إلى تعاصر الإمامين:
الهادي و الناصر في قطرين بقوله:
و عاصره في الجيل أفضل قائم *** و أبسل من يدعى إذا انحاز هالع(2)
هو ابن الإمام الهادي بايعه الناس بعد وفاة والده سنة 299 ه، و أقام بصعدة و في يده بلاد همدان و نجران و خولان، و سيّر جنوده لقتال القرامطة، فقتلوا في كل فج و استقامت له الأُمور، و بويع يوم الخميس لإحدى و عشرين ليلة مضت من ذي القعدة من سنة 299 ه و كان ورعاً متقللاً من المعاش كثير العبادة مؤثراً للعلم و العمل و قد تخلّى عن الحكم بعد سنتين لأخيه الناصر بعد أن رأى أشياء ساءته من عشيرته و له من العمر 32 سنة.
مؤلفاته:
1 - الأُصول في العدل و التوحيد 2 - تفسير القرآن 7 أجزاء 3 - جواب ابن فضل القرمطي 4 - جواب مسائل ابن مهدي 4 أجزاء 5 - رسالة الإمام المرتضى إلى أهل طبرستان 6 - الرسائل السبع المنتقاة 7 - الرد على الروافض 8 - الرد على القرامطة أتباع علي بن فضل 9 - الشرح و البيان في تفسير القرآن.
و له شعر جيد، و له قصيدة مطلعها:
يا حي همدان انّ اللّٰه فضلكم *** بنصر آل رسول اللّٰه في الكتب(1)
و لما تنازل ورثه في الحكم أخوه الآتي:
1) . حسام الدين المحلي: الحدائق الوردية: 41/2-46، الحبشي: حكام اليمن: 46
ذكر حسام الدين المحلي طرفاً من مناقبه و شعره و ظهوره و أجمل الكلام في سبب تنازل أخيه الإمام المرتضى عن الحكم لصالحه، و قد كانت بيعته سنة 301 ه، يقول: و بويع له بالخلافة يوم الجمعة في مسجد الهادي إلى الحقّ (والده) و اجتمع إليه خلق كثير من الناس، ثمّ أقبلت نجران و أهل همدان فبايعوه على الطاعة، فأرسل قواده و اعماله إلى جميع مخالفيه و ساس الأُمور أحسن سياسة، و كانت أكثر حروبه مع الباطنية، إلى أن وافته المنية سنة 320 ه و كانت مدّة ظهوره نحو عشرين سنة و دفن بصعدة إلى جنب أخيه و أبيه و مشاهدهم معروفة مزورة(1).
1) . حسام الدين المحلي: الحدائق الوردية: 46/2-53، و حكام اليمن للحبشي: 54 و فيه أنّه توفي عام 325 ه.
من أئمة الزيدية في أواخر القرن الرابع و أوائل الخامس، ترجمه حسام الدين المحلي في الحدائق الوردية و قال:
نسب تعنو له الأنوار، و تغض من شعاعها الشموس و الأقمار، ينتهي إلى جوهر النبي صلى الله عليه و آله و سلم جواهره، و نمت إلى عنصره الكريم عناصره، و هذا هو الفضل الرائق، و الحسب الفائق.
كان وحيد عصره و فريد دهره، و الحافظ لعلوم العترة عليهم السلام و الناصر لفقه الذرية الكرام فَأُخذ عنه مذهب الزيدية، و قرِئ عليه الكلام على طريقة البغدادية و كان في الأصل إمامياً فوضح له الحقّ فانقاد له أحسن انقياد و اختلف أيضاً إلى أبي الحسين علي بن إسماعيل بن إدريس. و قُرئ عليه فقه الزيدية و الحنفية و روى عنه الحديث عن الناصر للحق عليه السلام.
و كان أبو الحسين هذا من أجلة أهل طبرستان رئاسة و ستراً و فضلاً و علماً، قال مصنف سيرته: و كان عليه السلام في الورع و التقشف و الاحتياط و التفرد إلى حد يقصر العبارَة عنه، و الفهم عن الإحاطة و تصوّف في عنفوان شبابه حتى بلغ في علومهم مبلغاً منيعاً و حلّ التصوف و الزهد محلاّ رفيعاً و صنف سياسة المريدين.
و كان يحمل السمك من السوق إلى داره، و كانت الشيعة يتشبثون و يتبركون بحمله فلا يمكن أحداً من حمله، و يقول: أنا أحمله قسراً للهوى و تركاً للتكبر لا لاعواز من يحمله.
و كان قدس اللّٰه روحه يجالس الفقراء و أهل المسكنة و يكابر أهل السير و العفة و يميل إليهم، و كان يرد الهدايا و الوصايا إلى بيت المال و كان يكثر ذكر الصالحين و إذا خلى بنفسه يتلو القرآن بصوت حزين إلى آخر ما ذكره(1).
و قال الزركلي: أحمد بن الحسين بن هارون الأقطع، من أبناء زيد بن الحسن العلوي الطالبي القرشي، أبو الحسين:
إمام زيدي، من أهل طبرستان. مولده بها في آمل، و دعوته الأُولى سنة 380 بويع له بالديلم و لقب بالسيد «المؤيد باللّٰه» و مدة ملكه عشرون سنة. و كان غزير العلم، له مصنفات في الفقه و الكلام، منها «الأمالي» و «التجريد» في علم الأثر، و «شرحه» في أربعة مجلدات(2).
أقول: له ترجمة ضافية في مقدمة الجزء الأوّل من كتابه «شرح التجريد في فقه الزيدية».
و ما ذكره حسام الدين المحلي من أنه كان إمامياً، ثمّ صار زيدياً، حقّ، و قد نبه بذلك الشيخ الطوسي في أوائل كتاب التهذيب ناقلاً عن الشيخ المفيد أنّه قال: إنّ أبا الحسين الهاروني العلوي كان يعتقد الحقّ و يدين بالإمامة فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث و ترك المذهب، ودان بغيره لما لم يتبين له وجوه المعاني فيها. و هذا يدل على أنّه دخل فيه على غير بصيرة و اعتقد المذهب من جهة التقليد، لأنّ الاختلاف في الفروع لا يوجب ترك ما ثبت بالأدلة من الأُصول(3).
أقول: قد ذكرنا علل اختلاف الأخبار المروية عن أئمة أهل البيت و ذكرنا أسبابها المختلفة، مقرونا بالشواهد في محاضراتنا في الأُصول (4)و كان الشيخ أبا
الحسين لم يكن واقفاً عليها عن كثب، و إلاّ لما ترك المذهب، و قد وصل إلينا من كتبه، كتابه «شرح التجريد في فقه الزيدية» في ثلاثة أجزاء كبار - على القطع الرحلي، نشرته مكتب عنبر بدمشق عام 1405 و الكتاب شرح لفتاوى الإمامين:
القاسم بن إبراهيم الرسي، و الهادي يحيى بن الحسين بوجه مبسط، و قد تجلّى فيه تبحره في الفقه الزيدي بعيداً عن الفقه الحنفي كما هو ظاهر لمن طالع الكتاب بالإمعان و الدقة و لأبي الحسين الهاروني، شعر رائق منه ما يمدح به الصاحب بن عباد نقتبس منه ما يلي:
سقى عهدها، صوب من المزن الهاطل *** يحيّى بها تلك الربا و المنازل
منازل نجم الوصل فيهن طالع *** يضيء و نجم الهجر فيهن آفل
إلى أن يقول:
ألا أيّها ذا الصاحب الماجد الذي *** أنامله العليا غيوث هواطل
أنامل لو كنت تشير إلى الصفا *** تفجر للعافين منها جداول
إليك عميد المجد سارت ركابهم *** و ليس لهم إلاّ علاك وسائل
و أسعدتهم و النحس لولاك ناجم *** و أعذرتهم و الذل لولاك شامل
فكل زمان لم تزينه عاطل *** و كل مديح غير مدحك باطل(1)
1) . شرح التجريد: قسم المقدمة: بقلم يوسف بن السيد محمد المؤيد الحسن: 71-72
المحسن بن محمد بن كرامة الجشمي البيهقي، المعروف ب «الحاكم الجشمي»، أحد المفسرين العظام المتبحرين في علام الكلام، شيخ الزمخشري. قرأ بنيسابور و غيرها. و اشتهر بصنعاء «اليمن» و توفي مقتولاً بمكة. له تآليف يبلغ إلى اثنين و أربعين، و إليك بعضها:
1 - «التهذيب» في تفسير القرآن، في ثمانية أجزاء، و يوجد منها الجزء 4، 6، 8 في مكتبة الفاتيكان تاريخ كتابتها سنة 565 ه.
2 - شرح عيون المسائل في علم الكلام.
3 - التأثير و المؤثر في الكلام.
4 - المنتخب في فقه الزيدية.
5 - السفينة في التاريخ إلى زمانه في أربعة أجزاء.
6 - تحكيم العقول في الأُصول.
7 - الإمامة على مذهب الزيدية.
8 - الرسالة التامة في نصيحة العامة.
9 - جلاء الأبصار في علم الحديث.
10 - «تفسيران» بالفارسية، مبسوط و موجز(1).
إنّ الكعبي المعتزلي ألف كتاباً باسم «ذكر المعتزلة» و أكمله عبد الجبار القاضي المعتزلي بكتاب أسماه «فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة» و قد استدركه الحاكم الجشمي بطبقتين من طبقات المعتزلة: الحادية عشرة، و الثانية عشرة، و قد طبعه فؤاد السيد، أمين المخطوطات بدار الكتب المصرية عام 1406 ه(2).
كان أوحد أهل عصره، و أعلم أهل زمانه في اللغة و النحو و الإنسان و التواريخ و سائر ما يتصل بفنون الأدب، شاعراً، كاتباً خطيباً مفوها. و كانت له في الفرائض اليد الطولى.
قال السيوطي: الفقيه العلاّمة المعتزلي النحوي اللغوي، كذا ذكره الخزرجي، و قال: كان أوحد أهل عصره، و أعلم أهل دهره، فقيهاً نبيلاً، عالماً متفنّناً، عارفاً بالنحو و اللغة و الأُصول و الفروع و الأنساب و التواريخ و سائر فنون الأدب، شاعراً فصيحاً بليغاً مفوهاً.
صنف: شمس العلوم في اللغة، ثمانية أجزاء.
قال في البلغة: سلك فيها مسلكاً غريباً، يذكر الكلمة من اللغة، فإن كان لها نفع من جهة الطلب ذكره، فاختصره ولده في جزءين و سمّاه «ضياء الحلوم».
و قال ياقوت: استولى نشوان على تلاع و حصون و قدّمه أهل جبل صَبِر، حتى صار ملكاً.
و قال غيره: مات بعد عصر يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجّة سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة(1).
و كان نشوان ذا نفس وثّابة، طموحة إلى المعالي، لا ترضى إلاّ بالوصول إلى قمة المجد و الجمع بين شرف العلم و شرف الملك.
1) . بغية الوعاة: 312/2 برقم 2057.
1 - شمس العلوم و دواء كلام العرب من العلوم، و هو من كتب الأدب الهامة ألّفه في ثمانية أجزاء و رتبه على حروف المعجم، و هو أشبه بدائرة المعارف الرائجة في عصرنا، و قد اختصر هذا الكتاب ابنه في جزءين و سمّاه «ضياء الحلوم» كما مرّ و قد نشرت منتخبات منه في أخبار اليمن بعناية عظيم الدين أحمد مطبوعة في مطبعة بريد في مدينة ليدن في سنة 1916 م.
2 - القصيدة الحميرية أو النشوانية، و هي خلاصة السيرة لملوك حمير، و الإذواء و الإقبال، مطلعها.
الأمر جد و هو غير مزاح *** فاعمل لنفسك صالحاً يا صاح
3 - كتاب القوافي
4 - التبيان في تفسير القرآن
5 - أحكام صنعاء و زبيد
6 - ارجوزة في الشهور الرومية
7 - رسالة على التصريف
آخرها رسالة «الحور العين و تنبيه السامعين». و قد طبعت عام 1367 ه بتحقيق كمال مصطفى و ذكر ترجمة المؤلف في أوّله شكر اللّٰه مساعيه. و قدّم له المحقق محمد زاهد الكوثري. و من قرأ الكتاب يقف على أنّه كان زيدياً، و مع ذلك ربما لا يصرح بمذهبه.
و من ذلك ما يذكره في باب الإمامة عدّة نظريات، منها: نظرية إبراهيم بن سيار النظام، و هي إمامة أكرم الخلق و خيرهم عند اللّٰه، فمن كان أتقى الناس للّٰه،
و أكرمهم عند اللّٰه، و أعلمهم باللّٰه، و أعملهم بطاعته، كان أولاهم بالإمامة، و القيام في خلقه، كائناً من كان منهم، عربياً كان أو أعجمياً، ثمّ يقول: قال مصنف الكتاب: و هذا المذهب الذي ذهب إليه النظام هو أقرب الوجوه إلى العدل و أبعدها عن المحاباة(1).
و من المعلوم أنّ الضابط الذي أعطاه النظام و قبله المؤلف لا ينطبق إلاّ على علي عليه السلام، مع ذلك لم يصرّح المؤلف بالاسم.
و قد خص فصلاً لفضل زيد(2)و ذكر خروجه: و يظهر منه أنّ باليمن في عصره كان فرقتين فقط:
الجارودية من الزيدية، و المباركية من الإسماعيلية(3).
و في الكتاب بحوث واسعة حول الفرق الإسلامية، و لأجل ذلك صار الكتاب ممتعاً.
و قد ترجمه الزركلي(4)و لم يزد شيئاً عما جاء في مقدمة ذلك الكتاب.
عبد اللّٰه بن حمزة بن سليمان المنتهي نسبه إلى إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الحسن بن المثنى، كان آية في الحفظ، قرأ الأُصولين على حسام الدين أبي محمد الحسن بن محمد الرصاص. و ألف كتباً كثيراً و له شعراً رائق نقلها حسام الدين المحلي في الحدائق الوردية و ترجم له، ترجمة ضافية استغرق خمسين صفحة ذكر أنّه دعا لنفسه عام 593 ه، و بويع عام 594 ه و توفي عام 614 ه بأرض حولان، قال عبد اللّٰه الحبشي: تسلم الإمامة بتكليف من أهل عصره. و كان يأمل في دعوة الأمير عماد الدين بن يحيى فاعتذر عنها و تحملها الإمام عبد اللّٰه، على مشقّة. و في بداية دعوته جاءت رسائل من أهل حصن «ميتك» يطلبونه لتخليصهم من نفوذ بني حاتم. و كانوا قد استولوا على ناحيتهم فاعتذر فلم يقبلوا عذره و ما زالوا به حتى أقبل عليهم و خلّصهم من بني حاتم. و يقول المؤرخون: إنّه قبل أن يدخل حصن «ميتك» أرسل إلى أهله يقول: «قد ملكت هذا الحصن و لكم فيه حقّ العمارة و لست أُقيم إلاّ برضاكم، فإن تأذنوا لي و إلاّ خرجت عنه» فقالوا بأجمعهم: رضينا بك، فأقام بين ظهرانيهم سنتين و ثلاثة أشهر.
و أكثر أخباره معارك مع سلاطين بني حاتم، و كان قد أتى من مصر إلى اليمن سيف الإسلام «طغتكين» سنة 579 ه، فوقعت بينه و بين الإمام بعض المعارك كتلك الوقعة التي قتل فيها أخوه الإمام محمد بن حمزة.
و ما زالت الحروب بينهم حتى مات «طغتكين» سنة 593 ه. و تم الصلح
بينه و بين السلطان علي بن حاتم بعد أن جدّد لنفسه الدعوة.
و له كتب في شتى المواضيع من الفقه و أُصوله و الكلام و الحديث و الأدب:
1 - صفوة الأخيار في أُصول الفقه 2 - حديقة الحكم النبوية شرح الأربعين السلفية 3 - الشافي في أُصول الدين أربعة أجزاء 4 - الرسالة الهادية بالأدلة البادية في السبي 5 - الأجوبة الكافية بالأدلة الوافية 6 - الدرة اليمنية في أحكام السبي و الغنيمة 7 - الاختيار المنصورية في المسائل الفقهية 8 - الإيضاح لعجمة الإفصاح أكثره يتعلق بالسير 9 - كتاب الفتاوى مرتب على كتب الفقه 10 - الرسالة القاهرة بالأدلة الباهرة في الفقه 11 - الرسالة الحاكمة بالأدلة العالمة 12 - الرسالة الناصحة المشيرة بترك الاعتراض على السيرة. 13 - العقيدة النبوية في الأُصول الدينية. 14 - الرسالة الفارقة بين الزيدية و المارقة. 15 - الرسالة النافعة بالأدلة القاطعة 16 - الرسالة الكافية إلى أهل العقول الوافية 17 - الرسالة الناصحة بالأدلة الواضحة. 18 - الجوهرة الشفافة الرادعة للرسالة الطوافة 19 - الأجوبة الرافعة للإشكال 20 - الزبدة في أُصول الدين 21 - العقد الثمين في الإمامة 22 - القاطعة للأوراد في الجهاد 23 - كتاب تحفة الإخوان 24 - الرسالة التهامية 25 - ديوانه.
و من شعره الرائق قوله في حقّ الوصي:
بني عمنا! إنّ يوم «الغدير» *** يشهد للفارس المعلم
أبينا علي وصي الرسول *** و من خصه باللوا الأعظم
لكم حرمة بانتساب إليه *** و ها نحن من لحمه و الدم
لأن كان يجمعنا هاشم *** فأين السنام من المنسم؟
و إن كنتم كنجوم السماء *** فنحن الأهلّة للأنجم
و نحن بنو بنته دونكم *** و نحن بنو عمه المسلم
حماه أبونا أبو طالب *** و أسلم و الناس لم تسلم
و قد كان يكتم إيمانه *** فأمّا الولاء فلا يكتم
و أي الفضائل لم نحوها *** ببذل النوال و ضرب الكمي؟
قفونا محمد في فعله *** و أنتم قفوتم أبا مجرم(1)
هدى الملك هدي العروس *** فكافأتموه بسفك الدم
ورثنا الكتاب و أحكامه *** على مفصح الناس و الأعجم
فإن تفزعوا نحو بارئكم *** فزعنا إلى آية المحكم
أشرب الخمور و فعل الفجور *** من شيم النفر الأكرم؟
قتلتم هداة الورى الطاهرين *** كفعل يزيد الشقي العمي
فخرتم بملك لكم زائل *** يقصر عن ملكنا الأدوم
و لا بد للملك من رجعة *** إلى مسلك المنهج الأقوم
إلى النفر الشمّ أهل الكسا *** و من طلب الحقّ لم يظلم(2)
و قد ترجمه الزركلي في الأعلام و ذكر صورة تآليفه مشيراً إلى المخطوط منه و المطبوع و ذكر «العقد الثمين» و رمز بعلامة «خ» مشيراً إلى أنّه مخطوط(3)مع أنّه طبع في الثمانينات بعد قيام الجمهورية و هو رد على الإماميّة، و لأجل إيقاف القارئ على نماذج من نقده على الإمامية نأتي بنظره في النص على إمامة علي، و هو ممن يقول بأنّ النص كان خفياً لا جليّاً، قال:
الخلاف بين الشيعة في علي بن أبي طالب أمير المؤمنين في وجوه:
أحدها: في كيفية النصّ عليه عليه السلام بعد اتفاقهم على ثبوت إمامته بالنص.
ثانيها: في حاله بعد ظهور قتله و إخبار الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بذلك و إخبار علي عليه السلام بذلك من بعده و كون ذلك معلوماً بالضرورة.
و ثالثها: في حكم المتقدمين عليه، المخالفين له:
و نحن نترك كلامه في الأمرين الأخيرين و نقتصر بكلامه في الأمر الأوّل، و قد اختار أن النصّ على إمامته لم يكن جلياً بل كان خفياً و لكن الإمامية تقول بكونه جلياً قال: و أمّا الإمامية فقد ادّعوا أنّ النصّ جلي بحيث نعلم أنّ الجميع اضطروا إلى العلم بالمراد، و ان الكلّ علموا أنّ قصد النبي صلى الله عليه و آله و سلم كون علي إمام الأُمّة بعده بلا فصل.....
ثمّ أشكل عليه بقوله: إنّه لو كان المراد من النصّ معلوماً بالضرورة لاستغنوا عن الكشف و البيان كما هو الحال في الأُمور الضرورية، مثلاً إنّا لا ننصب لأهل الإسلام الدليل على أنّ الصلوات خمس، و أنّ الزكاة مفروضة في الأموال، و أنّ الحجّ إلى بيت اللّٰه، و أنّ نبيّ هذه الأُمّة محمّد رسول اللّٰه، لما كانت هذه معلومة ضرورة، لم تفتقر إلى بيان و لا كشف. و لما رأى علماءهم المبرزين كالشريف المرتضى الموسوي و من تقدمه و تأخر عنه من أهل الكلام، بالغوا في تبيين معنى الآية و الخبر بل الأخبار علمنا أنّهم من اعتقاد الضرورة، على شفا جرف هار، لأنّ من تحمل المشقة في إظهار الظاهر كان عابثاً و كيف يكشف المكشوف أو مجتهد في صفة المشاهد المعروف.
و لأنّا قد اتفقنا نحن و إيّاهم و نحن الجم الغفير و العدد المتعذر الانحصار الكثير، فكيف لم يحصل العلم لكلّنا أو بعضنا. و نحن و إيّاهم قد اتفقنا على أنّ الإمام بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بلا فصل علي بن أبي طالب و أنّ من تقدم عليه فقد أخطأ و عصى، فلو كان ما ذكروا من النصّ يوصل إلى الضرورة لوصلنا لاتفاقنا نحن و إيّاهم على العلم بالدليل و كيفية ترتيب الاستدلال فلو حصل العلم لهم، لحصل
لنا ضرورة(1).
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ الإمامة - حسب عقيدة الشيعة - من الأُصول التي يعتبر فيها العلم، و لا يكفي فيها الظن و الحدس و لا خبر الآحاد، و المراد من العلم، هو العلم بما صدر عنه صلى الله عليه و آله و سلم فإذا كان المطلوب فيها العلم، ثمّ الاعتقاد و عقد القلب فهو يطلب لنفسه أن يكون النص الوارد في ذلك المجال جلياً مورثاً للعلم و اليقين، ذابّاً للشك و الريب عن أذهان المكلّفين حاضرهم و غائبهم، و كل من وصل إليه خطابه إلى يوم القيامة، و إلاّ فلا ينتج إلاّ الظن و الشك غير المفيدين في ذلك الباب.
و بعبارة أُخرى: إذا كان الإعلام بإمامة علي واجباً على النبي من اللّٰه سبحانه، اذاً لا يخلو الأمر من حالتين: إمّا أن يكون مع تمكنه من النص الجليّ، أو لا معه، و الثاني لا تصدقه حياة النبي خصوصاً القسم الأخير منها، عند ما استقر الاسلام ملقياً جرانه و متبوّئاً أوطانه(2)فكان النبي، مطاعاً و مهاباً، منذ وعى الوحي الإلهي بملء قلبه «اَلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسٰالاٰتِ اَللّٰهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لاٰ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اَللّٰهَ وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ حَسِيباً» (الأحزاب - 39) و على ضوء ذلك فكان في وسع النبي، التنصيص الواضح بولاية الإمام في أنّه سبحانه جعله إماماً للناس بعد رحيله. إذاً العدول عنه إلى النص الخفي، تعريض للأُمّة، للتفرقة و النزاع، و زرع لبذر الخلاف و النقاش و مع أنّه سبحانه يقول: «وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللّٰهِ جَمِيعاً وَ لاٰ تَفَرَّقُوا» (آل عمران - 10(3).
ثانياً: أنّ القضايا البديهية في المنطق تنقسم إلى أقسام، بعضها غنية عن
الكشف و البيان و البرهنة و الاستدلال دون البعض الآخر و المجموع عبارة عن:
1 - الأوّليات 2 - المشاهدات 3 - المتواترات 4 - التجربيات 5 - الحدسيات 6 - الفطريات.
و لكل تعريف واحد، و الثلاثة الأُول و إن كانت غنية عن البرهنة و الاستدلال، لكن الثلاثة الأخيرة، بحاجة إليها. مع كونها من أُصول اليقينيات و البديهيات لدى المنطقيين.
مثلاً كون نور القمر مستفاداً من الشمس من الحدسيات، لكن الإذعان بالحكم المذكور غير غني عن البيان، و لأجل ذلك يستدل عليه بتشكل القمر عند اعتراض الأرض بينه و بين الشمس، و مثلها التجربيات التي لا تفارق عن بذل الجهد، في طريق المطلوب أيّاماً و شهوراً. و أمّا الفطريات فمصطلح المنطقيين فيها غير مصطلح القرآن، فهي عندهم عبارة عما لا يصدقه العقل بمجرد تصور طرفيها - كالأوّليّات - بل لا بد من وسيط إلاّ أنّ هذا الوسيط ليس مما يذهب عن الذهن حتى يحتاج إلى الفكر.
و على ذلك فليس كل قضية ضرورية، غنية عن الكشف و البيان.
إنّ الإمام ابن حمزة جعل القضايا الضرورية مساوية للأوّليّات التي يصدقها العقل لذاتها و بدون سبب خارج عن ذاتها مثل قولنا، الكل أعظم من الجزء و غفل عن أنّ المراد من النصّ الجلي هو المفيد للعلم بالضرورة و إن كانت الإفادة متوقفة على أُمور بسيطة، لو التفت إليها، لحصل العلم، فبذل الجهد في الاستدلال بحديث الغدير، سنداً و مضموناً لا ينافي كونها من القضايا اليقينية المفيدة لليقين و لو بعد التأمل في أُمور حوله.
و ثالثاً: أنّ النبي الأكرم ألقى حديث الغدير الذي هو من أوضح الأدلة على إمامة علي عليه السلام في منصرفه عن حجة الوداع في أرض تسمى ب «غدير خم»،
ألقاه في محتشد عظيم ضمّ إلى نفسه أزيد من ثمانين ألف صحابي من أقطار مختلفة.
و قد وقف من شهد الواقعة على مقاصد النبي و مآربه، من غير شك و لا ترديد فيها، و لكن ابتعاد الأجيال اللاحقة، عن عصر الرسول، صار سبباً، لاختفاء كثير من القرائن اللفظية و الحالية التي كان لها دور في تبيين المقصود فمست الحاجة بجمعها و ترصيفها على وجه، تحكي لنا الواقعة على ما هي عليها، بلا زيادة و لا نقيصة حتى يصير الغائب كالحاضر في فهم المراد، و ينتقلا بالضرورة إلى معنى واحد.
و بعبارة أُخرى: الغرض من البيان و الكشف إحضار الواقعة بما لها من الخصوصيات المسموعة و المرئية في عقلية الغائب حتى يكون هو و الحاضر في رحاب الخطاب سيان، و هذا طبيعة كل قضية حصل الفصل الزمني بينها و الجيل اللاحق، فليس للقائل بصحة الواقعة إلاّ مسير واحد، و هو إخراج الواقعة عن ملفِّ التاريخ و تصويرها على وجه كأنّ الجيل اللاحق، يرى نفس ما رآه السابق حتى يكون الجيلان أمام التاريخ سواسية، و مثل ذلك لا يُخرج الواقعة عن كونها جلية.
هو الإمام المؤيد باللّٰه، أبو إدريس يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم بن يوسف بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن إدريس بن جعفر بن علي التقي ابن محمد الجواد بن الإمام علي الرضا.
و هو المعروف بعلمه الجم، و اطّلاعه الواسع، و توغّله في علم الكلام و بروزه في أسرار البلاغة و الفصاحة، يعرّفه المؤيدي بقوله:
هذا الإمام من منن اللّٰه على أرض اليمن، و أنواره المضيئة في جبين الزمن، نفع اللّٰه بعلومه الأئمة و أفاض من بركاته على هذه الأُمّة، قام بالحكم بعد وفاة الإمام محمد بن المطهر سنة 729 ه و توفي 749 ه عن عمر يناهز 82 سنة.
و أمّا مؤلفاته فهي كثيرة جداً و قد وصل إلينا منها الكتاب الآتي:
الطراز المتضمن لأسرار البلاغة و علوم حقائق الإعجاز، فرغ منه مؤلفه سنة 728 ه طبع بالقاهرة عام 1332 ه بمطبعة المقتطف في ثلاثة أجزاء و هذا الكتاب من حسنات الدهر، و قد أفادنا كثيراً عند البحث عن إعجاز القرآن في محاضراتنا في الإلهيّات.
و من تأليفاته المهمة أيضاً:
الشامل لحقائق الأدلة العقلية و أُصول المسائل الدنيوية، و منه نسخة في المكتبة العربية في اليمن برقم 88 و هذا هو الكتاب الذي استخرجه الدكتور أحمد
محمود صبحي آراء المؤلف الكلامية منه و ضم إليه آراء مختلف المتكلمين الذين أدلوا بآرائهم حول مختلف الموضوعات.
غير أنّ الذي أبرزه بين العلماء هو كتابان:
الأوّل: كتاب الطراز على ما عرفت.
الثاني: كتاب الانتصار في الفقه، و هو الينبوع الذي نهل منه ابن المرتضى (و ستوافيك ترجمته) و هو المادة الأُولى لكتاب البحر الزخار. و يذكر أنّه في 18 مجلداً، و قد ذكر غير واحد من المترجمين له كتاب:
الديباج الوضي في الكشف عن أسرار كلام الوصي، و هو شرح لكتاب نهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي(1).
1) . المؤيدي: التحف شرح الزلف: 120-123، و انظر حكام اليمن: 133-148، و لاحظ الإمام المجتهد يحيى بن حمزة و آراءه الكلامية تأليف الدكتور أحمد محمود صبحي، نشره عام 1410 ه.
مؤلّف البحر الزخار
ابن المرتضى أحد الأئمّة الزيديين اللامعين، لا يشق غباره، فهو بحر لا يبارى في الفقه و الأُصول و لنذكر شيئاً من حياته: قال مجد الدين المؤيدي:
الإمام المهدي لدين اللّٰه، أحد من ارتضع من العلوم لبابها، و اكترع من لجج البحار عبابها، هو أبو الحسن أحمد بن يحيى بن المرتضى بن أحمد بن المرتضى بن المفضل بن منصور بن المفضل الكبير بن عبد اللّٰه الحجاج بن علي بن يحيى بن القاسم بن يوسف بن الإمام يحيى بن الإمام الناصر لدين اللّٰه أحمد بن يحيى الحسين بن القاسم الرسيّ.
تلقى العلوم الأدبية و اللغوية و الدينية من أُسرته و بلغ إلى حد بايعه العلماء بالإمامة بعد وفاة الإمام الناصر صلاح الدين بن محمد عام 793 ه بينما بايع الوزراء ابن الإمام الناصر يعني علي بن صلاح. فصارت الغلبة نصيب الثاني فسجن ابن المرتضى، و لقد كان التوفيق حليفه في السجن فتفرغ للتأليف و انتج آثاراً لها مكانة كبرى في الأوساط العلمية لا سيما الزيدية إلى أن وافته المنية عام 840 ه.
و ينقل المؤيد أنّ الهادي بن إبراهيم يستعطف عليّ بن صلاح الذي سجن
ابن المرتضى و يطلب منه إطلاق سراحه بالأبيات الشعرية التالية:
فقلت له فداك أبي و أُمي *** تلطف بالقرابة و الرحامة
فإنّ السيد المهدي منكم *** بمنزلة تحق له الفخامة
أ لم يكن جدك المهدي خالاً *** له و كفى بذاك في الرحامة
أخاف إذا استمر القيد فيه *** تجيء مقيداً يوم القيامة
فيسألك الإله بأي ذنب *** تقيده و تحبسه ظلامة(1)
اُعتقل ابن المرتضى في سجن صنعاء سبع سنوات ثمّ أفرج عنه فتوجه إلى «ثلاء» سنة 801 ه إلى صعدة سنة 802 ه و في سنة 816 ه رحل إلى بلاد حجّة و تزوج هناك و عكف إلى التأليف و ترك الترقب بالمهدي و أراح قلبه من مشاكل السياسة، و قد ترجمه غير واحد من الأعلام منهم: الشوكاني، قال:
(ولد) بمدينة ذمار يوم الاثنين لعله سابع شهر رجب سنة 775 ه خمس و سبعين و سبعمائة(2). قرأ في علم العربية فلبث في قراءة النحو و التصريف و المعاني و البيان قدر سبع سنين. و برع في هذه العلوم الثلاثة وفاق غيره من أبناء زمانه ثمّ أخذ في علم الكلام على صنوه الهادي، و على القاضي يحيى بن محمد المدحجي فسمع على الآخر الخلاصة و حفظ الغياضة ثمّ شرح الأُصول للسيد مانكديم، ثمّ أخذ في علم اللطيف فقرأ تذكرة ابن متويه على القاضي المذكور مرة.
ثمّ على القاضي على بن عبد اللّٰه بن أبي الخير مرة أُخرى ثمّ قرأ عليه المحيط و المعتمد لأبي الحسين البصري و منتهى السئول. و سمع على الفقيه علي بن صالح السيرة النبوية و نظام الغريب، و مقامات الحريري. و على المقرئ المعروف بابن النساخ الكشاف،
و على أخيه الهادي المتقدم علم الفقه و قرأ غير ذلك و تبحر في العلوم و اشتهر فضله و بعد صيته و صنف التصانيف.
ففي أُصول الدين: «نكت الفرائد في معرفة الملك الواحد» و «القلائد و شرحها الدرر الفرائد» و «الملل و شرحها الأُمنية و الأمل» و «رياضة الأفهام في لطيف الكلام» و شرحها «دامغ الأوهام» و في أُصول الفقه: «كتاب الفصول في معاني جوهرة الأُصول» و «معيار العقول و شرحه منهاج الوصول» و في علم النحو: «الكوكب الزاهر شرح مقدمة طاهر» و «الشافية شرح الكافية» و «المكلّل بفرائد معاني المفصل» و «تاج علوم الأدب في قانون كلام العرب» و «إكليل التاج و جوهرة الوهاج» و في الفقه: «الأزهار» و شرحه «الغيث المدرار» في أربعة مجلدات «و البحر الزخار» في مجلدين.
و في الحديث: كتاب «الأنوار في الآثار الناصة على مسائل الأزهار» في مجلد لطيف و كتاب «القمر النوار في الرد على المرخصين في الملاهي و المزمار».
و في علم الطريقة: «تكملة الأحكام» و في الفرائض: «كتاب الفائض».
و في المنطق: «القسطاس» و في التاريخ: «الجواهر» و «الدرر» و شرحها يواقيت السير. و قد انتفع الناس بمصنفاته لا سيما الفقهية فإنّ عمدة زيدية اليمن في جميع جهاته على الأزهار و شرحه و البحر الزخار(1).
و قد بسط الكلام في سيره و آثاره علي بن عبد الكريم الفضيل شرف الدين.
قال: فلاحظ من سيرة المهدي عليه السلام انّه بعد أن خرج من سجن صنعاء جنّد نفسَه للجهاد و الجلاد، و لكن جهادُه و جلاده في هذه الفترة لم يكن مع المنصور علي بن صلاح و لا مع غيره و إنّما كان مع الجهلِ و البدعِ و الضلالاتِ،
1) . الشوكاني: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن التاسع: 122/1.
جاهَد هذا الثالوثَ الرهيبَ بلسانه، و بيانه، و سلوكه، و خرج بنفسه من أجل ذلك إلى القرية و تجول في السهول حيثما تسكن القبائل و تأوي إليها النسور القشاعم من أحفاد الأنصار و أشبال أحفاد الأنصار، و فيها حمل راية الجهاد و نادى بوجوب الاجتهاد و بحرية و قدسية الفكر و الرأي للانتقاد الحرّ و الاستنباط الحرّ من مصادر الإسلام الأُولى كتاب اللّٰه و سنّة رسوله صلى الله عليه و آله و سلم و الاستفادة من الثروات الفكرية التي خلَفها الأئمة الهادونَ، و العلماء المجتهدون في كل أصقاع الأرض، و من أجل ذلك ألّف المؤلفات الشاملة و حرر الرسالات الصادعة و بدّد الشبهات بالحجج النيرات، و لذا ظهرت بعض مؤلفاته في هذه الفترة على النحو التالي:
في «ثلا» و بعد خروجه من السجن ألف كتاب (البحر الزخار) الجامع لمذاهب علماء الأمصار و فيه تظهر آراؤه و أنظاره الخاصة في كل المسائل التي اشتمل عليها الكتاب.
و في سنة 816 ه سافر من «ثلا» إلى بلاد مسور و فيه مكث ما شاء اللّٰه و بدأ في كتابة «غايات الأفكار» و هو شرح لما تضمنه كتاب «البحر الزخار» من العلوم.
و بعد أن سافر إلى الأهنوم و أصلح أحوال أهله رجع إلى «الحيمة» لنفس الغرض، و منها استدعاه أهل حراز لإصلاح شأنهم و مكث في «حراز» ما شاء اللّٰه و فيه ألف «الدامغ» و «منهاج الوصول لمعيار العقول» و كتاب «علوم الأدب» و «القسطاس في المنطق» و «القاموس الفائض في الفرائض» ثمّ رجع إلى «مسور» لزيارة أولاده و في هذه الفترة ألف «القمر النوار».
ثمّ نزل «الدقائق» من بلاد «لاعة» و فيها ألف «حياة القلوب».
و في سنة 836 ه توفي الإمام الهادي علي بن المؤيد و أوصى بتسليم ما كان بيده من الحصون إلى الإمام المهدي صاحب الترجمة فأمر ابنه الحسن بن المؤيد بتعهدها و افتقادها، أمّا الإمام نفسه فقد رحل إلى ظفير حجّة، حيث اتّخذه وطناً له
و ذلك في سنة 838 ه، و في سنة 840 ه توفاه اللّٰه شهيداً بالطاعون و قبره بالظفير مشهور رحمه اللّٰه و جزاه خيراً و ألحقنا به صالحين(1).
ثمّ إنّ الذي شهّر الإمام ابن المرتضى هو آثاره القيمة نذكر منها ما يلي:
و قد طبع مرة واحدة عام 1368 مبتوراً مشتملاً على أربعة فنون:
1 - الأحكام الفقهية 2 - الفرائض الشرعية 3 - الغرائب من فقه السيرة النبوية المسمّى بالدرة 4 - تكملة الأحكام و التصفية عن بواطن الآثار.
ثمّ طبع ثانياً عام 1393 ه منضماً إلى الكتب التالية:
1 - أُصول الدين، 2 - أُصول الفقه، 3 - علم اللطيف (الفلسفة) 4 - الملل و النحل 5 - آيات الأحكام 6 - تاريخ سيرة سيد البشر و أصحابه العشرة الغرر، و عترته المنتجبين الزهر.
و قد طبع الكتاب في سبعة أجزاء، و الجزء الأوّل باسم المقدّمة، و الكتاب مشتمل على عشرة فنون، و هو موسوعة كبيرة احتفل بها العلماء في الأوساط المتنورة.
و قد حظي الكتاب بالاهتمام البالغ من قبل المقلّدين و المجتهدين و ربما يقال نظمت و نضدت فيه مسائل الفقه، أو ثمانية و عشرين ألفاً من مسائل الشريعة منطوقاً و مفهوماً و عليه اعتمدت الزيدية حتى عصرنا هذا.
1) . البحر الزخار، ج 1: المقدمة بقلم علي بن عبد الكريم بن محمد الفضيل شرف الدين: 19-26.
و الحقّ أنّه لم يحظ متن فقهي من متون الأئمة بمثل ما حظى به متن الأزهار من عناية العلماء و اهتمامهم بتعليقاتهم، و هو بين الزيدية، كالعروة الوثقى عند الإمامية.
و لقد ألّف بعده كتابان: الآثار، و الهداية على غرار الأزهار، و لكن لم يحرزا القبول و الأوّل لحفيد المؤلّف شرف الدين المتوفى سنة 965 ه و الثاني لصارم الدين إبراهيم بن محمد الوزير المتوفى سنة 924 ه.
و هناك من قام بمناقشة المضمون و كيفية الاستنباط كالعلامة الجلال في كتابه ضوء النهار، ورد عليه، ابن الأمير في كتابه «منحة الغفّار».
إلى أن وصلت النوبة للشوكاني فقام بالتعليق عليه مع النقد اللاذع و سمّى كتابه ب «السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار» و الاسم يعرب عن المسمّى و هو بصدد هدم ما بناه الإمام، و تخريب ما أرساه و قد أثار هذا النوع من التأليف مشاعر أكثر رجالات العلم المتحررين، فكتبوا ردوداً عليه.
و أما تصانيفه فيبلغ عدد الجمع 33 و قد طبع قسم منها ضمن البحر الزخار و تعرفت على فهرسته في ترجمة الشوكاني له.
و لم يكتف الإمام بالرسائل و المواعظ و المؤلفات في نشر علومه و أفكاره، بل قرض الشعر و نظّم القصائد الهادفة، و له قصيدة تذكر أبناء فاطمة الزهراء - سلام اللّٰه عليها - و يقول:
إذا ما رأيت الفاطمي تمردا *** أقام على كسب المعاصي و أخلدا
فذاك الذي لما اكتسى ثوب عزة *** تبدل أثواب الدناءة و ارتدا
فيا سوأتا للفاطمي إذا أتى *** أسير المعاصي يوم يلقى محمدا
فلو لم يكن إلاّ الحياء عقوبة *** و لم يخش أن يصلى الجحيم مخلّدا
لكان له و اللّٰه أعظم وازعٍ *** من النكر و الفحشاء كهلاً و أمردا
فقل لبني الزهراء إن محمدا *** بنى لكمو بيت التقاء و شيدا
و أنّ أباكم حيدر بعده الذي *** حماه و قد قامت إلى هدمه العدى
فلا تهدموا بنيان والدكم و قد *** تحسى أبوكم دونه جرع الردا
فشرّ فتىً في العالمين فتى أتى *** و قد أصلحت كفا أبيه فأفسدا
إنّ من سبر كتاب طبقات المعتزلة لابن المرتضى يقف على أنّه يرى منهج الاعتزال صورة صحيحة للإسلام، و أنّه و الاعتزال، وجهان لعملة واحدة حيث ذكر للمعتزلة اثنتي عشر طبقة إلى عصره. بالشكل التالي:
الطبقة الأُولى: الخلفاء الأربعة و عبد اللّٰه بن العباس و عبد اللّٰه بن مسعود و غيرهم من الصحابة.
الطبقة الثانية: الحسنان اللّذين منهما اشتهر القول بالتوحيد و العدل ثمّ ذكر أسماء عدّة من تلك الطبقة.
الطبقة الثالثة: الحسن بن الحسن المثنى، و عبد اللّٰه بن الحسن و أولاده: النفس الزكية و غيره(1)و من أولاد علي أبو هاشم عبد اللّٰه بن محمد الحنفية.
الطبقة الرابعة: غيلان بن مسلم الدمشقي و واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد إلى أن انتهى إلى الطبقة الأخيرة.
1) . لو كان المقياس في تنظيم الطبقات هو التقدم الزمني، فالأولى عد أولاد عبد اللّٰه بن الحسن من الطبقة اللاحقة.
إنّ واصل بن عطاء هو مؤسس منهج الاعتزال، و قد انتقل إلى أحد الأُصول الخمسة أي المنزلة بين المنزلتين من النقاش الدائر بينه و بين الحسن البصري، ثمّ تكامل المنهج و تصقّل عبر العصور فكيف يكون الاعتزال صورة أُخرى للإسلام؟
و من قرأ كتاب طبقات المعتزلة للإمام ابن المرتضى، لا يشك في أنّ الكاتب معتزلي مائة بالمائة، و مع ذلك هو زيدي متمسك بأهداب المذهب الزيدي كذلك فكيف جمع بينهما. لا أدري، و لعله، اعتزل في غير باب الإمامة.
مؤلف كتابي: الاساس، و الاعتصام
هو الإمام الأجل المنصور باللّٰه أبو محمد القاسم بن محمد بن علي بن محمد ابن علي بن الرشيد بن أحمد بن الأمير الحسين الأملحي بن علي بن يحيى بن محمد ابن يوسف الأشل بن القاسم بن الإمام الداعي إلى اللّٰه يوسف بن الإمام المنصور باللّٰه يحيى بن الإمام الناصر أحمد بن الإمام الهادي إلى الحقّ يحيى بن الحسين قام بعد إياسه من خروج الإمام الناصر الحسن بن علي في المحرم سنة ست و ألف و طهّر الأرض من الردى. و نشر فيها الإيمان و الهدى و لقد جدد اللّٰه بعلمه و سيفه الدين الحنيف و أحيى بجهاده و اجتهاده معالم الشرع الشريف و طلع عليه السلام من أيّام الشدائد إلى الحصن المنيع جبل برط من بلد همدان بن زيد.
قبضه اللّٰه ثاني عشر شهر ربيع الأوّل سنة تسع و عشرين و ألف عن اثنتين و ستين سنة.
محمد و علي الشهيد - أحمد - و الحسن - و الحسين - و إسماعيل و إسحاق درج - و يحيى - و عبد اللّٰه - و يوسف.
و من مؤلفاته الاعتصام في السنة بلغ فيه إلى الحجّ و أتمه السيد العلامة أحمد ابن يوسف زيارة المتوفى سنة 1252 ه.
المرقاة - في أُصول الفقه.
الإرشاد و التحذير و غير ذلك.
و الأساس في أُصول الدين الذي يقول فيه الأبيات البليغة من البحر الكامل.
هذا الأساس كرامة فتلقه *** يا صاحبي بكرامة الإنصاف
و احرز نفيساً من نفائس نثره *** جمعت بغوص في خِضمِّ صاف
جمع المهيمن بيننا في دينه *** جمعاً يفي بإصابة و تصادف(1)
و قال مجد الدين في مقدمة كتاب الاعتصام: هو الذي ألّف اللّٰه به الدين بعد شتاته، و وصل به حبل الاسلام بعد انبتاته، و رفع بدعوته من الملة الحنفية اعلامها، و أنفذ بجهاده من الشريعة المطهرة في الأقطار أحكامها، و جلى الظلم، و كشف به البهم، ذو الآيات الظاهرة و البراهين الزاهرة، و الأخلاق النبوية، و العلوم العلوية، الذي كشف به غياهب ظلم الظالمين، الإمام الأعظم الداعي إلى التي هي أقوم، أبو محمد مولانا الإمام أمير المؤمنين، و سيد المسلمين، و الصادع بالحقّ المبين، المحيي لطريقة سلف الأئمة السابقين، المنصور باللّٰه القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن الرشيد بن أحمد بن الأمير الحسين بن الأمير علي بن يحيى العالم البر بن محمد العالم التقي بن يوسف الأصغر الأشل بن الإمام الداعي إلى اللّٰه القاسم بن الإمام الداعي إلى اللّٰه يوسف الأكبر بن الإمام المنصور باللّٰه يحيى بن الإمام الناصر لدين اللّٰه أحمد بن الإمام الهادي إلى الحقّ يحيى بن الحسين الحافظ بن الإمام ترجمان الدين القاسم بن إبراهيم الغمر بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الشّبه بن الحسن الرضي بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين و سيد الوصيين و أفضل الصديقين علي بن أبي طالب و ابن فاطمة البتول الزهراء، و الصديقة الكبرى،
1) . مجد الدين: التحف في شرح الزلف:
سيدة نساء الأعاجم و الأعارب ابنة سيد المرسلين، و ختم النبيين أحمد الأمين، صلوات اللّٰه و سلامه و تحياته و إكرامه عليهم أجمعين ما أنهلت السحائب، و أنارت الكواكب و انزاحت بأنوار هدايتهم الغياهب(1).
هذا و كتابه الأكياس خير دليل على شجاعته الأدبية في بيان الحقّ، و ترك التقية أو المماشاة مع أهل السنّة قال في فصل «حكم أبي بكر في فدك».
«قال الإمام يحيى و الإمام المهدي عليهما السلام: و حكم أبي بكر في فدك صحيح، لأنّه حكم باجتهاده.
قلنا: هو المنازع، و أيّما منازع حكم لنفسه فحكمه باطل إجماعاً، و لو لم يخالف اجتهاده قال الشاعر:
و من يكن القاضي له من خصومة *** أضرّ به إقراره و جحوده
و أيضاً فانّ الإمام عندهما (عليهما السلام) علي عليه السلام، و هو لم يرض ولايته، فكيف يصح قضاؤه.
و أيضاً كانت اليد لفاطمة عليها السلام، لأنّ في الرواية أنّها (عليها السلام) أتته تطلب حقها بعد أن رفع عاملها، فايجاب البينة عليها خلاف الإجماع.
و أيضاً اعتمد على خبره و هو: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما خلفناه صدقة» مع احتمال أن يكون معناه: أنّ الصدقة (أي الزكاة التي لا تحلّ لبني هاشم غير موروثة بل تصرف في مصرفها).
و لفاطمة عليها السلام أن تعتمد على خبرها و خبر علي و الحسن و الحسين عليهم السلام. صح لنا ذلك من رواية الهادي عليه السلام (في كتاب «تثبيت الإمامة)» (أُم أيمن (أنّه صلى الله عليه و آله و سلم أنحلها) مع أنّه نصّ صريح لا يحتمل التأويل(2).
و مع ذلك نرى أنّه يتتعتع و يتلعثم في بيان حكم من تقدم الوصي.
و لا يجتري أن يحكم بأنّهم بغوا على الإمام و عصوه قال:
و اختلف في حكم من تقدم الوصي عليه السلام.
و الحقّ أنّهم إن لم يعلموا استحقاقه عليه السلام دونهم بعد التحري فلا إثم عليهم، و إن أخطئوا لقوله تعالى: «وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ فِيمٰا أَخْطَأْتُمْ بِهِ» (الأحزاب - (5) و لم يفصل.
و قوله صلى الله عليه و آله و سلم: (رفع عن أُمتي الخطأ و النسيان) و لم يفصل.
و إن علموا فخطيئتهم كبيرة للإجماع على أنّ منع إمام الحقّ من تناول الواجب أو منع الواجب منه بغى عليه، و الإجماع على أنّ البغي عليه فسق، لأنّه اتباع لغير سبيل المؤمنين و اللّٰه تعالى يقول:
«وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً» (النساء - 11(5) و لعل توقف من أئمتنا عليهم السلام لعدم حصول العلم بأنّهم علموا أو جهلوا (ذلك) و معارضة إبقائهم على الأصل من الجهل باستحقاقه (عليه السلام)، بأنّ الأصل في أعمال المكلفين التي تعلق بالحقوق العمد، أ لا نرى أن رجلاً قتل رجلاً، ثمّ ادعى الخطأ أنّه لا يقبل قوله بالإجماع.
و بوجوب حمل علماء الصحابة على السلامة، و عدم الإخلال بتعريفهم، إذ مثل ذلك واجب لقوله تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ اَلْبَيِّنٰاتِ وَ اَلْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي اَلْكِتٰابِ أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاّٰعِنُونَ» (البقرة - 159) و لنقل تعريفهم إياهم نقلاً لم يبلغ حد التواتر وجب الوقف في حقهم دون علماء الصحابة لحصول العلم بتلبّسهم بالمعصية، و هو اغتصاب إمامته عليه السلام، و لم يحصل مثل ذلك في حقّ علماء الصحابة(1).
1) . القاسم بن محمد: الأساس لعقائد الأكياس: 162-163.
الطابع الفريد للمذهب الزيدي، هو أنّه عقليّ في الأُصول و العقائد، يقتفي أثر الدليل و البرهان و يتعرض للشكوك و الشبهات، و يجيب عنها، و هو يرافق المعتزلة في أكثر المسائل إلاّ ما يرجع إلى الإمامة، و يناضل الأشاعرة في غالبها.
و مع أنّ المذهب الأشعري، هو المذهب المعتدل بين المذهب العقلي المحض (الاعتزال) و النقليّ المحض (الحشوية) فالمذهب الزيدي لا يرافقه إلاّ في الأقل القليل في مجال العقائد.
و أمّا اتجاهه في الفقه فهو نفس ذلك الاتجاه، فالفقه الرائج بين الزيدية هو فقه الإمام يحيى الهادي (245-298 ه)، مؤلّف «الأحكام» و لكنه حنفيّ الاتجاه، يعمل بالقياس و الاستحسان، و يرجّح بالعقل عند تعارض الأدلة.
هذا هو طابع المذهب الزيدي، و مع ذلك ترى أنّ شخصيات بارزة نقضوا ذلك الإطار، و تحرّروا عن القيد الذي ضربه المذهب عليهم، و هم بين:
متفتّح مع السلف و أهل الحديث، أو مؤيد للحركة الوهابية المدمّرة لآثار الرسالة باسم مكافحة الشرك.
و الممثّل للاتجاه الأوّل، هو ابن الوزير في القرن الثامن، كما أنّ الممثّل للاتجاه الثاني، الأمير الصنعاني في القرن الثاني عشر، و الجامع بين الاتجاهين في القرن الثالث عشر هو الشوكاني و بما أنّه كان لهم دور في تطوير المذهب الزيدي في بعض الأدوار، و إن غاب نجمهم بعد حين، ناسب أن نشير إلى زوايا من حياتهم و تفكيراتهم حسب التسلسل الزمني.
زيدي تسنّن
هو محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل بن المنصور، بن محمد، بن العفيف، بن مفضل بن الحجاج، بن عليّ، بن يحيى بن القاسم، ابن الإمام الداعي يوسف، ابن الإمام المنصور باللّٰه يحيى بن الناصر أحمد ابن الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّٰه عنهم جميعاً، ولد في رجب عام 775 ه و توفي في محرم عام 840 ه، مجتهد باحث، من أعيان اليمن و هو أخو الهادي بن إبراهيم تعلّم بصنعاء و صعدة و مكة، و أقبل في أواخر عمره على العبادة(1).
يعرّفه ابن حجر العسقلاني: أنّه مقبل على الاشتغال بالحديث، شديدُ الميل إلى السنّة بخلاف أهل بيته(2).
و يقول الشوكاني: «و كلامه لا يشبه كلام أهل عصره و لا كلام من بعده بل هو نمط من كلام ابن حزم و ابن تيمية و هو في عداد أئمة الزيدية المجتهدين الذين لا يرفعون إلى التقليد رأساً و لا يشوبون دينهم بشيء من البدع الذي لا يخلو أهل مذهب من المذاهب شيء منها»(3).
و كلامه في كتاب «إيثار الحقّ على الخلق» يعرف موقفه من المذاهب
الكلامية يقول فيه:
لقد رأيت مصنفي كتب المذاهب ينتصر فيها المصنف لمذهب واحدٍ في القويّ و الضعيف، و لم يسلك أحد منهم مسلك مصنفي كتب الفقه التي تذكر فيها مذاهب أهل الملة الإسلامية، و يقوّى فيها ما قوّته الدلائل البرهانية سواء أ كانت لقريب أم بعيد، لصديق أم بغيض، و كتب العقائد أحقّ بسلوك هذا المسلك من كتب الفروع، أمّا كون الحقّ واحداً فصحيح، و لكن لا يستلزم أن يكون الصواب في جميع المواضع المتفرقة قد اجتمع لفرقة منها إلاّ ما حصل فيه إجماع من الأُمّة و العترة، و انّ من أندر الأشياء أن يحرص المتكلم على معرفة الحقّ في أقوال المخالفين.
و الذي وسّع دائرة المراء و الضلال هو البحث عما لا يُعلَم و السعي فيما لا يُدرك و الاشتغال بالبحث عن الدقائق التي لا طريق إلى معرفتها، السير في الطريق التي لا توصل إلى المطلوب. و ليس طلب أي علم بجحود و لا كل مطلوب بموجود.
إنّ المحتاج إليه من المعارف الإسلامية في الأُصول سبعة أُمور كلها فطرية جليّة و هي:
1 - إثبات العلوم الضرورية التي يبتني الإسلام على ثبوتها.
2 - ثبوت الربّ عزّ و جلّ.
3 - توحيده سبحانه و تعالى.
4 - كماله بأسمائه.
5 - ثبوت النبوّات.
6 - الإيمان بجميع الأنبياء و عدم التفريق بينهم.
7 - ترك الابتداع في الدين بالزيادة على ما جاء به الأنبياء أو النقص عنه.
هذه الأُمور السبعة تكفي العامّي فإن تعرض فيها لشبهة قادحة تمكن من حلها عن طريق القرينة الجلية(1).
إنّ ما ذكره ابن الوزير من أنّه يكفي العامّي الاعتقاد بالأُمور و إن كان أمراً صحيحاً، لكن إلزام الجميع بالعمل على نمط واحد، أمر لا يقبله العقل و هل يصح إيقاف البحث على وجوه أصحاب العقول و الأدمغة الكبيرة، كالفارابي و ابن سينا، و ابن رشد و الرازي و نصير الدين الطوسي و من جاء بعدهم بحجّة أنّه يكفيهم تحصيل البرهان على الأُمور المذكورة.
إنّ تحريم الحوار الصحيح و المناظرة المبنيّة على الأُسس الصحيحة ممّا دعى إليه الذكر الحكيم، و أحاديث العترة الطاهرة و قد قدّمنا شيئاً من ذلك في غضون الأجزاء السابقة.
أظنّ انّ الوزير تأثر بالتيار السلفيّ الذي أثاره ابن تيميّة (661-728 ه) و تلميذه ابن القيّم (ت 751 ه) قريباً من عصره و بلغ إلى أرض الحجاز و اليمن، و لقد كانت الأذهان الساذجة، أرضاً خصبة لتلك الفكرة فإنّها كانت تحمل حقاً و باطلاً فمن جانب تدعو إلى الاجتهاد الحرّ و ترك التقليد، لإمام من أئمة الفقه، و من جانب آخر، يدعو إلى إغلاق العقل و إعدامه في مجال المعارف و تقليد حرفية النصوص الواردة فيها. و إن انتهى إلى القول بالتشبيه و التجسيم و الجهة، غاية الأمر يتبرّءون من مضاعفاتها، بلفظ «بلا كيف».
إنّ ابن الوزير مع ذكائه و توقّده، تأثر بموجة الفكر السلفي، و ابتدع من حيث لا يشعر، فزعم أنّ السلفية مذهب، مع أنّه ليس بمذهب و ليس السلف خيراً من الخلف، و لا الخلف بأقصر منهم عقلاً و وعياً، و الحجّة هو الكتاب و السنّة الصحيحة و العقل الصريح الذي لولاه، لانسدّ باب المعرفة، فما معنى ترجيح
1) . إيثار الحقّ على الخلق.
السلف على الخلف، و رفض تقليد الأئمة الفقهية، و وضع قيد السلفية على العقول و الأفئدة مكان تقليدهم.
يقول الشوكاني: إنّ صاحب الترجمة لما ارتحل إلى مكة و قرأ علم الحديث على شيخه ابن ظهيرة قال له: ما أحسن يا مولانا لو انتسبتَ إلى الإمام الشافعي أو أبي حنيفة؟ فغضب و قال: لو احتجت إلى هذا النسب و التقليدات، ما اخترت غير الإمام القاسم بن إبراهيم (الرسي) أو حفيده الهادي.
ثمّ إنّه أتى بأسماء كتبه: و إليك ما ذكره:
1 - العواصم و القواصم في الذب عن سنّة أبي القاسم.
2 - الروض الباسم و هو مختصر كتاب العواصم (و قد طبع في مصر في إدارة الطباعة المنيرية).
3 - ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان، يقول الشوكاني: و هو كتاب في غاية الإفادة و الإجادة على أُسلوب مخترع لا يقدر على مثله إلاّ مثله، طبع بمصر عام 1349 ه.
4 - نصر الأعيان على شر العميان، ردّ فيه على المعري.
5 - البرهان القاطع في معرفة الصانع ألّفه عام 801 ه، و طبع بمصر عام 801 ه.
6 - التنقيح في علوم الحديث.
7 - إيثار الحقّ على الخلق، المطبوع بمصر عام 1318 ه.
إلى غير ذلك مما ذكره الشوكاني و غيره(1).
1) . البدر الطالع: 90/2، الأعلام للزركلي: 300/5.
زيدي تسنّن و توهّب
مؤلّف سبل السلام
هو محمد بن إسماعيل بن صلاح، ينتهي نسبه إلى الأمير يحيى بن حمزة الحسني، الذي تعرفت عليه.
ولد بكحلان، ثمّ انتقلت أُسرته عام 1110 ه إلى صنعاء عاصمة اليمن، و تعلّم النحو و البيان و علوم الفقه و أُصول الدين، ثمّ سافر إلى الحجاز مرتين، و أخذ علوم الحديث هناك و برع في العلوم المختلفة حتى برع أقرانه و تفرّد بالرئاسة العلمية في صنعاء و أظهر الاجتهاد و الوقوف مع الأدلة و نفر من التقليد و زيّف ما لا دليل عليه من الآراء الفقهية.
و من كتبه النافعة كتاب «سبل السلام في شرح بلوغ المرام» لابن حجر.
أمّا بلوغ المرام فقد ألّفه الحافظ ابن حجر العسقلاني، و جمع فيه كل الأحاديث التي استنبط الفقهاء منها الأحكام الفقهية مبيناً عقب كلّ منها، من أخرجه من أئمة الحديث كالبخاريّ و مسلم، و مالك، و أبي داود، و غيرهم موضحاً درجة الحديث من صحة أو حسن أو ضعف، مرتّباً له على أبواب الفقه، و ضمّ إلى ذلك في آخر الكتاب قسماً مهماً في الآداب و الأخلاق و الذكر و الدعاء.
أمّا الشرح فالأصل كما يقوله الشوكاني هو «البدر التمام» للمغربي، اختصره
محمد بن إسماعيل الأمير، فبيّن لغته و سبب الضعف فيما ضعّفه الحافظ ابن حجر، إذ أنكره، أو وهمه أو أعلّه، و ذكر ما يدلّ عليه الحديث من الأحكام الفقهية و من قال بها من كبار المجتهدين صحابة و تابعين و أئمة المذاهب - رض - و من خالفها مبيّناً نوع المخالفة و دليلها، ثمّ يقضي بالكتاب و السنّة غير متحيز إلى مذهب من المذاهب(1).
قال الشوكاني: و جرت له مع أهل عصره خطوب و محن: منها في أيام المتوكل على اللّٰه القاسم بن الحسين، ثمّ في أيّام ولده الإمام المنصور باللّٰه الحسين بن القاسم، ثمّ في أيام ولده الإمام المهدي العباس بن الحسين، و تجمع العوام لقتله مرّة بعد مرّة حفظه اللّٰه من كيدهم، و كفاه شرّهم و ولاه الإمام المنصور باللّٰه، الخطابة بجامع صنعاء فاستمر كذلك إلى أيّام ولده المهديّ - إلى أن قال: - و كانت العامة ترميه بالنصب مستدلين على ذلك بكونه عاكفاً على الأُمّهات، و سائر كتب الحديث، عاملاً بما فيها، و من صنع هذا الصنع رمته العامّة بذلك لا سيما إذا تظهر بفعل شيء من سنن الصلاة كرفع اليدين و ضمّهما (القبض و التكتف)(2).
1 - إنّ ابن الأمير بلغ درجة الاجتهاد المطلق، فرفض الالتزام بمذهب خاصّ و قام يعمل برأيه و هو بغية كل طالب داع. لكن المظاهرة على مخالفة العامة لما ذا؟! فإنّ رفع اليد و ضمها الذي يعبر عنه في الفقه الإمامي بالتكتف أو قبض اليد اليسري باليمنى، كما هو التعبير الرائج اليوم، سنّة و ليس بفرض - لو لم يكن بدعة أُموية -(3)أو ما كان من واجب ابن الأمير عقلاً ترك السنّة، لدفع الفتنة.
و قد روي أنّ الإمام الشافعي زار مرقد الإمام أبي حنيفة و صلى فيه و لم يَقنُت، ثمّ سئل عن ترك القنوت مع أنّه مذهبه، قال توقيراً للإمام فإنّه لا يرى القنوت سائغاً.
هذا هو عقل الإمام الشافعي و تدبيره و ليكن لنا أُسوة:
2 - إنّ الاقتصار بما في بلوغ المرام من الروايات، في مقام الإفتاء شاهد صدق على أنّ الرجل ترك مذهب أهل البيت تماماً، و تفتح على روايات أهل السنّة و صار ينقض و يبرم في ظل أحاديثهم. و من المعلوم أنّ التظاهر بتلك الفكرة في الأوساط الزيدية يثير حفيظة الأكثرين و ليس المروي عن أئمة أهل البيت، بأدنى مما روى عن الصحابة و التابعين.
3 - يبدو أنّ ابن الأمير كان إنساناً ساذجاً متأثراً بكل تيّار يصل إليه إذا رافق نفسيته، و لما بلغ إليه خروج محمد بن عبد الوهاب في نجد، و وقف على رأيه من تدمير آثار الرسالة و النهي عن التوسل و الزيارة أخذ بترويج أفكاره و لم يقتصر بذلك و قد ألّف كتاباً في ذلك المضمار أسماه «تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد» و اسمه يحكى عن مدى تعصبه بالتوهّب، قد أكثر عنه النقل السيد الأمين قدس سره في كتاب كشف الارتياب(1)، و هذا يعرب عن ان ابن الأمير اغترّ بمنهجه من دون دراسة و تحليل ثمّ إنّه أنشأ قصيدة في مدح الداعي و هنّأ به و قال:
سلام على نجد و من حلّ في نجدٍ *** و إن كان تسليمي على البعد، لا يُجدي
إلى أن يقول:
و قد جاءت الأخبار عنه بأنّه *** يُعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
ثمّ هو يتعاطف مع مقولة الحركة و محتواها، و يقول في مدح محمد بن عبد الوهاب:
1) . كشف الارتياب: 10.
و يعمر أركان الشريعة، هادماً *** مشاهد ضلّ الناس فيه عن الرشد
أعادوا بها معنى «سواع» و مثله *** «يغوث» و «ود» بئس ذلك من ودِّ
و قد هتفوا عند الشدائد باسمها *** كما يهتف المضطر بالصمد الفردِ
و قد سرّني ما جاءني من طريقة *** و كنت أرى هذه الطريقة لي وحدي
و لما أتته الأنباء عن قائد الحركة بأنّه يسفك الدماء، و ينهب الأموال، و يكفّر الأُمة المحمدية في جميع الأقطار، تراجع عن التأييد شكلياً لا من حيث المحتوى، و قال في قصيدة نقض فيها، قصيدته الأُولى، مستهلها:
رجعتُ عن القول الذي قلتُ في النجدي *** و قد صحّ لي عنه خلاف الذي عندي
ظننت به خيراً و قلت عسى عسى *** نجد ناصحاً يهدي الأنام و يستهدي
فقد خابَ فيه الظنّ لا خاب نصحنا *** و ما كل ظنٍّ للحقائق لي مهدي
ثمّ أخذ في ردّ شكل تطبيق المبدأ، فقال:
ابن لي ابن لي لما ذا سفكتَ دماءهم *** لما ذا نهبت المال قصداً على عمد
و قد عصموا هذا و هذا بقول: لا *** إله سوى اللّٰه المهيمن ذي المجد
و هذا لعمري غير ما أنت فيه من *** تجاريك في قتل لمن كان في نجد
فمالك في سفك الدماء قطّ حجّة *** خف اللّٰه و احذر ما تسرّ و ما تبدي
لقد عزب عن ابن الأمير أنّه هو الذي أحلّ سفك دمائهم حيث شبههم في قصيدته الأُولى عبّاد «سواع» و «ود» و هل يكون دم الوثني! محترماً مصوناً.
إنّ الأمير ندم حين ما لا ينفعه الندم، و قد أظهر الندامة بعد سفك الدماء الطاهرة، و قتل النفوس الأبرياء، و نهب الأموال، و تدمير البيوت و الخيام، بحجّة أنّهم يتوسلون بالنبي، أو يزورون قبره الشريف و من قرأ تاريخ الوهابية الأثيمة يقف على أنّه أُسس على قتل آلاف من الرجال و النساء و الأطفال، الذين كانوا يقولون: لا إله إلاّ اللّٰه، محمد رسول اللّٰه، يصلّون، يزكون، و يحجّون و ما نقموا منهم إلاّ أنّهم كانوا يعزّرون النبي الأكرم، و يمجّدون نبي التوحيد، و يتبرّكون بآثاره، كما كانت الصحابة متبركين بها.
و على كل تقدير فقد تخلّى ابن الوزير عن المذهب الزيدي و تحول إلى سلفي وهابي، و تسرع في تأييد موقف ابن عبد الوهاب، فلو كان مذهب السلف، الإخافة و سلّ السيف، و ضرب الرقاب، و تدمير آثار الرسالة، و إنساء الأنبياء و الأولياء عن الأذهان، و إثبات جهة الفوق و الاستواء على العرش الذي هو فوق السموات و الأرض، و الجسمية و الغضب و الضحك و اليد اليمنى و الشمال، و الأصابع و الكف للّٰه سبحانه بمعانيها اللغوية، فألف سلام اللّٰه على الخلف مع بدعه المزعومة، و توسلاته المختلقة بزعمهم.
زيدي تسنّن و توهّب
أحد الشخصيات البارزة في اليمن الخضراء قد ترجم لنفسه في كتابه البدر الطالع و قال:
نشأ بصنعاء فقرأ القرآن على جماعة من المعلمين، و ختمه على الفقيه حسن ابن عبد اللّٰه الهبل، و جوّده على جماعة من مشايخ القرآن، بصنعاء ثمّ حفظ الأزهار للإمام المهدي، و مختصر الفرائض للعصيفري، و الملحة للحريري، و الكافية و الشافية لابن الحاجب، و التهذيب للتفتازاني، و التلخيص للقزويني، و الغاية لابن الإمام، و بعض مختصر المنتهى لابن الحاجب، و منظومة الجزريّ، و منظومة الجزاز في العروض و آداب البحث للعضدي و رسالة الوضع له أيضاً.
و كان حفظه لهذه المختصرات قبل الشروع في الطلب، و بعضها بعد ذلك، ثمّ قبل شروعه في الطلب كان كثير الاشتغال بمطالعة كتب التواريخ و مجاميع الأدب من أيام كونه في المكتب فطالع كتباً عدّة، و مجاميع كثيرة، ثمّ شرع في الطلب و قرأ على والده رحمه اللّٰه شرح الأزهار، إلى آخر ما ذكره من الكتب التي قرأها على مشايخه أو سمعها من أساتذته و - ذكر - أنّه سمع البخاري من أوّله إلى آخره على السيّد العلامة علي بن إبراهيم، و سمع صحيح مسلم جميعاً و سنن الترمذي جميعاً و بعض موطأ مالك و بعض شفاء القاضي عياض على السيد العلامة عبد القادر بن أحمد، و كذلك سمع منه بعض جامع الأُصول، و بعض سنن النسائي و بعض سنن ابن ماجة،
و سمع جميع سنن أبي داود و تخريجها للمنذري، و بعض المعالم للخطابي - إلى أن قال: - و كذلك بعض المنتقى لابن تيميّة على السيد القادر بن أحمد و كذلك سمع شرح بلوغ المرام(1).
لقد ترك الشوكاني آثاراً في التفسير و الفقه و الحديث و الكلام و هنا نذكر من آثاره ما يلي:
1 - فتح القدير في التفسير، و قد طبع في خمسة أجزاء جمع بين فني الرواية و الدراية من علم التفسير.
2 - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار في الحديث، و المنتقى تأليف الشيخ أبو البركات شيخ الحنابلة مجد الدين عبد السلام بن عبد اللّٰه الحرّاني (542-621 ه) جد ابن تيمية.
3 - القول المفيد في أدلّة الاجتهاد و التقليد.
4 - إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد و الميعاد و النبوات، ردّ به على موسى بن ميمون الأندلسي اليهودي.
إنّ الإلمام بحياة الشوكاني دراسة و قراءة، أُستاذاً و شيخاً، تعرب عن أنّه كان سلفيّ المذهب، متحرّراً عن التقيّد بمذهب أحد الأئمة، و كتابه «نيل الأوطار» يشهد على ذلك. و قد أوجد هزّة في الأوساط اليمنية، و هو و إن أخذ من السلفية، بهذا الجانب، الجميل، و لكنّه تورّط في مغبّة لوازم التجسيم و التشبيه، و تتلخص عقائده في الأُمور التالية:
أوّلاً: يرى حمل صفات اللّٰه تعالى الواردة في القرآن و السنّة على ظاهرها من غير تأويل، و قد ألّف رسالة في ذلك سمّاها: «التحف بمذهب السلف» و يذكر في تفسير قوله سبحانه: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ» (البقرة - 25(5) أنّ
1) . الشوكاني: البدر الطالع: 214/2-217.
الكرسي جسم وردت به الآثار بصفته. ثمّ ذكر الأقوال الأُخر.
و قال: و الحقّ هو الأوّل، و لا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلى مجرد خيالات و ضلالات(1).
و المتتبع في تفسيره يجد أنّه يقوي مذهب السلف في غالب المواضع حتى رؤية اللّٰه في الآخرة لو سلم كونها مذهب السلف.
ثانياً: لا يرى للمجتهد تقليد أئمة المذاهب الفقهية، و هو في تلك الفكرة مصيب مشكور، لكنّه أفرط في تطبيق الآيات الذامة للمشركين في تقليدهم الآباء، على مقلدي أئمة المذاهب(2).
نحن نقدر كسر قيد الالتزام بالمذاهب الفقهية للمستطيع استخراج الأحكام عن أدلتها الشرعية، لكن المجتهد المطلق عبارة عمن استوعب الأدلّة و استقصاها و منها الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت التي رواها شيعتهم من زيدية و إسماعيلية و إمامية، لكن الأسف أنّ المتخرجين في حقول الفقه إمّا مقلد لأئمة الفقه أو خارج عن هذا الإطار، و لكنّه ضارب عن أحاديث العترة، مع أنّها أحد الثقلين.
ثالثاً: إنّ الرجل جمع بين القولين المتضادين، فمن جانب يرى أنّ الشهداء أحياء حقيقة لا مجازاً.
قال في تفسير قوله تعالى: «وَ لاٰ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ أَمْوٰاتٌ بَلْ أَحْيٰاءٌ وَ لٰكِنْ لاٰ تَشْعُرُونَ» (آل عمران - 15(4):
أي لا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّٰه هم أموات بل هم أحياء، و لكن لا تشعرون بهذه الحياة عند مشاهدتكم لأبدانهم بعد سلب أرواحهم، لأنكم تحكمون عليها بالموت في ظاهر الأمر بحسب ما يبلغ إليه علمكم، الذي هو بالنسبة إلى علم اللّٰه كما يأخذ الطائر في منقاره من ماء البحر و ليسوا كذلك في الواقع بل هم أحياء في البرزخ(1).
و من جانب آخر يرى التوسل بالأنبياء مخالفاً للذكر الحكيم و قد أفاض الكلام في الإنكار على التوسل عند تفسير قوله سبحانه: «قُلْ لاٰ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَ لاٰ نَفْعاً إِلاّٰ مٰا شٰاءَ اَللّٰهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذٰا جٰاءَ أَجَلُهُمْ فَلاٰ يَسْتَأْخِرُونَ سٰاعَةً وَ لاٰ يَسْتَقْدِمُونَ» (يونس - 49) فقد ذكر في تفسير الآية نفس ما ورثه من ابن تيمية و لاعق قصعته محمد بن عبد الوهاب(2).
و لو لا خوف الإطالة لأتيت بنص كلامه ليقف القارئ على وحدة النسج، و بما أنّنا أفضنا في الجزء الرابع من هذه الموسوعة الكلام في التوسل، نطوي الكلام غير أنّا نذكر هنا نكته و هي:
إنّ المتوسل لا يدّعي أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم يملك نفعه أو ضرّه، حتى يقال: إنّه لا يملك نفع نفسه و لا ضره، فكيف بغيره، و إنّما يقول: إنّ الأنبياء و الصديقين و الشهداء أحياء حسب ما قرره الشوكاني، و الصلة بيننا و بينه موجودة، فنطلب منهم الدعاء كما نطلبه منهم في حال الحياة، و ربّما توسل بذواتهم و مقاماتهم، و ذلك لاستمطار رحمته سبحانه، و جلب رضوانه، و المخاطب الحقيقي لقضاء الحاجة هو اللّٰه سبحانه و الركائب مناخة على أبوابه سبحانه.
رابعاً: إنّ الشوكاني و إن كسر قيد الالتزام بمذهب الزيدية، و لكنّه لم يتخلّ عنه تماماً في بعض الموارد من تفسيره فربما يذكر بعض الروايات الدالّة على إمامة
علي عليه الصلاة و السلام، لكن بشكل هادئ، حيث ذكر في تفسير قوله سبحانه: «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ» (المائدة - 5(5) قولين:
أحدهما: إنّها نزلت في حقّ عبادة بن الصامت، و ثانيهما: أنّها نزلت في حقّ علي، و أخرج الخطيب في المتفق و المفترق عن ابن عباس، قال: تصدّق عليّ بخاتم و هو راكع. فقال: النبي صلى الله عليه و آله و سلم للسائل: «من أعطاك هذا الخاتم؟» قال: هذا الراكع، فأنزل اللّٰه فيه: «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ» و أخرج عبد الرزاق و عبد بن حميد و ابن جرير و أبو الشيخ و ابن مردويه عن ابن عباس، قال: نزلت في علي بن أبي طالب إلى آخر ما ذكره(1).
و يذكر في تفسير قوله سبحانه: «إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (الأحزاب - 2(3) قولين:
الأوّل: أنّها نزلت في زوجات النبي صلى الله عليه و آله و سلم، ثمّ قال: قال أبو سعيد الخدري و مجاهد، و قتادة إنّ أهل البيت المذكورين في الآية علي و فاطمة و الحسن و الحسين خاصة، و من حججهم الخطاب في الآية بما يصلح للذكور لا للإناث، و هو قوله:
«عنكم، و ليطهركم» و لو كان للنساء خاصة لقال: عنكنّ، يطهركنّ. و أجاب الأوّلون عن هذا التذكير باعتبار لفظ الأهل كما قال سبحانه: «أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اَللّٰهِ رَحْمَتُ اَللّٰهِ وَ بَرَكٰاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ اَلْبَيْتِ» و كما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ يريد زوجته أو زوجاته، فيقول: هم بخير. ثمّ إنّه ذكر أدلّة القولين و خرج بأنّ الحقّ شموله للطائفتين(2).
و لعلّ هذا الجمع الذي لجأ إليه، كان مقتضى ظروفه، و إلاّ فكيف يمكن
القول بالجمع، و هو خرق للإجماع المركب أوّلاً، و مخالف للروايات المتضافرة من أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم جمع علياً و ابنيه و زوجته تحت الكساء و قال: هؤلاء أهل بيت، و لم يجز لأُمّ سلمة أن تدخل تحت الكساء.
لكنه قد قصر في بعض المواضع، حيث لم يذكر نزول قوله سبحانه: «اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً» (المائدة - 3) في حقّ علي مع تضافر الروايات. و فسر إكمال الدين بإكمال ظهوره على الأديان كلها، و غلبته لها(1).
نعم، ذكر في تفسير قوله سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ» (المائدة - 6(7) قال: أخرج ابن أبي حاتم و ابن مردويه و ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري، قال:
نزلت هذه الآية على رسول اللّٰه يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضي اللّٰه عنه، و قال: و أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود، قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللّٰه: «يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» أنّ علياً مولى المؤمنين «وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ»(2).
و على كل تقدير فما يذكره في حقّ أئمة أهل البيت أثر من آثار نشأته بين الزيدية، و لكنّه في مجال العقيدة سلفيّ، يتمسك بحرفية القرآن و يجوّز الرؤية في الآخرة(3). و يذهب في مجال الفقه إلى حجّية كل صحابي من غير فرق بين المعلوم و المجهول، حتى ألّف كتاباً باسم «القول المقبول في ردّ خبر المجهول من غير صحابة الرسول»(4)و يصدر عن الصحاح و المسانيد و يخالف مذهب الزيدية
كثيراً. و كتابه المعروف «السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار» يعد ثورة عارمة على الزيدية في المجالات الفقهية. و إليك الكلام في هذا الكتاب.
ألّف أحمد بن يحيى بن المرتضى (775-845 ه) كتاباً باسم «الأزهار في فقه الأئمة الأطهار».
ثمّ شرحه باسم «الغيث المدرار». ألّفه على مذهب الإمام الهادي الزيدي في الفروع، يقول المقدِّم لكتاب البحر الزخار في مقدمته: «و الكتاب لشموله و تحقيقه، و بلاغة أُسلوبه، و حسن تبويبه يعدّ من آيات الإمام (أحمد بن يحيى بن المرتضى) التي اختصه اللّٰه بها و منحه إياه لنفع المؤمنين و انتشال الجاهلين من ظلام الحيرة إلى نور المعرفة و الهدى»(1).
و قد ألّفه الإمام في السجن بين عام «794-801 ه» و بما أنّ الكتاب باقة أزهار من الفقه الهادوي فيظن أنّه راجع إليه بعد الخروج من السجن إلاّ إذا كانت المصادر فيه متوفّرة و قد كان العمل عليه في المحاكم و الأوساط العلمية.
و من المعلوم أنّ فكرة التحرير من الفقه الهادوي، الذي غرس بذرتها ابن الوزير، و سقاها ابن الأمير، على طرف النقيض من محتويات الكتاب و اشتهاره بين العلماء و لأجل ذلك قام الشوكاني بنقده بكتاب أسماه «السيل الجرار، المتدفق على حدائق الأزهار» فأثار بكتابه هذا، و الاسم الذي سمّاه به حفيظة كثير من الزيديين قال في مقدمة الكتاب:
فإنّ مختصر الأزهار لما كان مدرس طلبة هذه الديار في هذه الأعصار و معتمدهم الذي عليه في عباداتهم و معاملاتهم المدار، و كان قد وقع في كثير من
1) . مقدمة البحر الزخار: 18.
مسائله الاختلاف بين المختلفين من علماء الدين و المحققين من المجتهدين: أحببت أن أكون حكماً بينه و بينهم ثمّ بينهم أنفسهم عند اختلافهم في ذات بينهم، فمن كان أهلاً للترجيح و متأهلاً للتقسيم و التصحيح فهو إن شاء اللّٰه سيعرف لهذا التعليق قدره و يجعله لنفسه مرجعاً و لما ينوبه ذخراً، و أمّا من لم يكن بهذا المكان و لا بلغ مبالغ أهل هذا الشأن و لا جرى مع فرسان هذا الميدان فهو حقيق بأن يقال له: «ما ذا يغشّك يا حمامة فادرجي» و قد طبع الكتاب في مجلدات أربعة قام بطبعه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بعد قيام الجمهورية العربية في اليمن. و ذلك أيضاً في طريق أهدافه من هدم آثار الإمامة في اليمن و لو بيد علمائها.
و في الختام نذكر تأليفه المفيد و هو «البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع»، ألّفه لغاية خاصة و هو أنّ الخلف ليس بأقل من السلف، و لا مسوغ للتقليد لأئمة الفقه بل يجب التحرر عن الالتزام بفقه إمام خاص، قال في مقدمته: فإنّه لما شاع على ألسن جماعة من الرعاع، اختصاص سلف هذه الأُمّة بإحراز فضيلة السبق في العلوم دون خلفها. حتى اشتهر عن جماعة من أهل المذاهب الأربعة تعذّر وجود مجتهد بعد المائة السادسة كما نقل عن البعض، أو بعد المائة السابعة كما زعمه آخرون. و كانت هذه المقالة بمكان من الجهالة لا يخفى على من له أدنى حظّ من علم، و أنزر نصيب من عرفان، و أحقر حصة من فهم، لأنّها قصر للتفضّل الإلهي، و الفيض الرباني على بعض العباد دون البعض، و على أهل عصر دون عصر، و أبناء دهر دون دهر بدون برهان و لا قرآن على أنّ هذه المقالة المخذولة و الحكاية المرذولة تستلزم خلو هذه الأعصار المتأخرة عن قائم بحجج اللّٰه، و مترجم عن كتابه و سنّة رسوله، و مبيّن لما شرعه لعباده، و ذلك هو ضياع الشريعة بلا مرية، و ذهاب الدين بلا شك و هو تعالى قد تكفّل بحفظ دينه
و ليس المراد حفظه في بطون الصحف و الدفاتر، بل إيجاد من يبيّنه للناس في كل وقت و عند كل حاجة.
حداني ذلك إلى وضع كتاب يشتمل على تراجم أكابر العلماء من أهل القرن الثامن و من بعدهم مما بلغني خبره إلى عصرنا هذا، ليعلم صاحب تلك المقالة أنّ اللّٰه و له المنّة قد تفضل على الخلف كما تفضل على السلف، بل ربما كان في أهل العصور المتأخرة من العلماء المحيطين بالمعارف العلمية على اختلاف أنواعها، من يقلّ نظيره من أهل العصور المتقدمة كما سيقف على ذلك من أمعن النظر في هذا الكتاب و حلّ عن عنقه، عرى التقليد و قد ضممت إلى العلماء من بلغني خبره من العباد و الخلفاء و الملوك و الرؤساء و الأُدباء و لم أذكر منهم إلاّ من له جلالة قدر و نبالة ذكر و فخامة شأن دون من لم يكن كذلك(1).
و طبع الكتاب في جزءين يشتمل الجزء الأوّل على 354 ترجمة للشخصيات العلمية و السياسية، و قد وقع الخطأ في أرقام تراجم الجزء الثاني فالظاهر منه أنّ الجزءين يحتوي على ترجمة 596 شخصية و قد فرغ من تأليف الكتاب عام 1213 ه.
ثمّ إنّ النسابة المعروف اليمني محمد بن محمد بن يحيى بن زبارة، ذيّله بملحق، أتى فيه بترجمة 440 شخصية من مشاهير اليمن لكن على وجه الاختصار، و قد ترجم من عثر عليه من تراجم من بعد القرن السابع إلى أثناء القرن الثاني عشر من رجال اليمن الميمون، و لم يسجّل فيه تراجم الرجال الذين ذكروا في كتاب «نيل الأوطار من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث» ألّفه في القاهرة عام 1348 ه شكر اللّٰه مساعيه.
1) . الشوكاني: البدر الطالع: 2/1.
قد ذكر مؤرخو العقائد، للزيدية فرقاً بين مقتصر على الثلاثة، و إلى مفيض إلى ستة، و ثمانية، و إليك نصوصهم حسب التسلسل الزمني في التأليف:
1 - قال الأشعري: «و الزيدية» ست فرق:
فمنهم: الجارودية: أصحاب «أبي الجارود» و إنّما سمّوا «جارودية» لأنّهم قالوا بقول: «أبي الجارود» يزعمون أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم نصّ على علي بن أبي طالب بالوصف لا بالتسمية، فكان هو الإمام من بعده و أنّ الناس ضلّوا و كفروا بتركهم الاقتداء به بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ثمّ «الحسن» من بعد علي هو الإمام ثمّ «الحسين» هو الإمام من بعد الحسن.
و افترقت الجارودية فرقتين: فرقة زعمت أنّ علياً نصّ على إمامة «الحسن» و أنّ الحسن نص على إمامة «الحسين» ثمّ هي شورى في ولد الحسن و ولد الحسين فمن خرج منهم يدعو إلى سبيل ربّه و كان عالماً فاضلاً فهو الإمام، و فرقة زعمت أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم نص على «الحسن» بعد علي و على «الحسين» بعد الحسن ليقوم واحد بعد واحد.
و افترقت الجارودية في نوع آخر ثلاث فرق: فزعمت فرقة أنّ «محمد بن عبد اللّٰه بن الحسن» لم يمت و أنّه يخرج و يغلب، و فرقة أُخرى زعمت أنّ «محمد بن
القاسم» صاحب الطالقان حي لم يمت و أنّه يخرج و يغلب، و فرقة قالت مثل ذلك «يحيى بن عمر» صاحب الكوفة.
و الفرقة الثانية من الزيدية، «السليمانية»: أصحاب «سليمان بن جرير الزيدي» يزعمون أنّ الإمامة شورى و انّها تصلح بعقد رجلين من خيار المسلمين، و انّها قد تصلح في المفضول و إن كان الفاضل أفضل في كل حال، و يثبتون إمامة الشيخين أبي بكر و عمر.
و حكى «زرقان» عن سليمان بن جرير أنّه كان يزعم أنّ بيعة أبي بكر و عمر خطأ لا يستحقان عليها اسم الفسق من قبل التأويل، و انّ الأُمّة قد تركت الأصلح في بيعتهم إياهما، و كان سليمان بن جرير يقدم على عثمان و يكفره عند الأحداث التي نقمت عليه، و يزعم أنّه قد ثبت عنده أنّ علي بن أبي طالب لا يضل و لا تقوم عليه شهادة عادلة بضلالة، و لا يوجب علم هذه النكتة على العامة إذ كان إنّما تجب هذه النكتة من طريق الروايات الصحيحة عنده.
و الفرقة الثالثة: من الزيدية: «البترية»: أصحاب «الحسن بن صالح بن حي» و أصحاب «كثير النواء» و إنّما سمّوا «بترية» لأنّ «كثيراً» كان يلقب بالأبتر، يزعمون أنّ علياً أفضل الناس بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و أولاهم بالإمامة، و أنّ بيعة أبي بكر و عمر ليست بخطإ، لأنّ علياً ترك ذلك لهما، و يقفون في عثمان و في قتلته و لا يقدمون عليه بإكفار، و ينكرون رجعة الأموات إلى الدنيا، و لا يرون لعلي إمامة إلاّ حين بويع، و قد حكي أنّ «الحسن بن صالح بن حي» كان يتبرّأ من عثمان رضوان اللّٰه عليه بعد الأحداث التي نقمت عليه.
و الفرقة الرابعة من الزيدية: «النعيمية»: أصحاب «نعيم بن اليمان» يزعمون أنّ علياً كان مستحقاً للإمامة و أنّه أفضل الناس بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، و أنّ الأُمّة ليست بمخطئة خطأ أثم في أن ولّت أبا بكر و عمر رضوان اللّٰه تعالى عليهما، و لكنها
مخطئة خطأ بيّناً في ترك الأفضل و تبرّءوا من عثمان و من محارب علي و شهدوا عليه بالكفر.
و الفرقة الخامسة من الزيدية: يتبرّءون من أبي بكر و عمر و لا ينكرون رجعة الأموات قبل يوم القيامة.
و الفرقة السادسة من الزيدية: يتولّون أبا بكر و عمر، و لا يتبرّءون ممن برئ منهما، و ينكرون رجعة الأموات و يتبرّءون ممن دان بها و هم «اليعقوبية» أصحاب رجل يدعى «يعقوب»(1).
2 - قال المسعودي: إنّ الزيدية كانت في عصرهم ثمانية فرق: أوّلها الفرقة المعروفة ب «الجارودية» و هم أصحاب أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي، و ذهبوا إلى أنّ الإمامة مقصورة في ولد الحسن و الحسين دون غيرهما، ثمّ الفرقة الثانية المعروفة ب «المرئية»، ثمّ الفرقة الثالثة المعروفة ب «الأبرقية»، ثمّ الفرقة الرابعة المعروفة ب «اليعقوبية» و هم أصحاب يعقوب بن علي الكوفي. ثمّ الفرقة الخامسة المعروفة ب «العقبية» ثمّ الفرقة السادسة المعروفة ب «الأبترية» و هم أصحاب كثير الأبتر و الحسن بن صالح بن حي. ثمّ الفرقة السابعة المعروفة ب «الجريرية» و هم أصحاب سليمان بن جرير. ثمّ الفرقة الثامنة المعروفة ب «اليمانية» و هم أصحاب محمد بن يمان الكوفي، و قد زاد هؤلاء في المذاهب و فرّعوا مذاهب على ما سلف من أُصولهم(2).
3 - قال نشوان الحميري: افترقت الزيدية ثلاث فرق: بترية و جريرية
و جارودية. فقالت البترية: إنّ علياً عليه السلام كان أفضل الناس بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و أولاهم بالإمامة، و أنّ بيعة أبي بكر و عمر ليست بخطإ، لأنّ علياً عليه السلام سلم لهما ذلك، بمنزلة رجل كان له حقّ على رجل فتركه له، و وقفت في أمر عثمان، و شهدت بالكفر على من حارب علياً، و سمّوا البترية، لأنّهم نسبوا إلى كثير النواء، و كان المغيرة بن سعيد يلقب كثيراً ب «الأبتر».
و قالت الجريرية: إنّ علياً كان الإمام بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و أنّ بيعة أبي بكر و عمر كانت خطأ لا يستحق عليه اسم الكفر، و لا اسم الفسوق، و أنّ الأُمّة قد تركت الأصلح، و برئت من عثمان سبب أحداثه، و شهدت عليه و على من حارب علياً بالكفر.
و قالت الجارودية: إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم نصّ على علي عليه السلام بالإشارة و الوصف دون التسمية و التعيين، و إنّه أشار إليه و وصفه بالصفات التي لم توجد إلاّ فيه، و إنّ الأُمّة ضلت و كفرت بصرفها الأمر إلى غيره، و إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم نصّ على الحسن و الحسين عليهما السلام بمثل نصّه على علي، ثمّ إنّ الإمام بعد هؤلاء الثلاثة ليس بمنصوص عليه، و لكن الإمامة شورى بين الأفاضل من ولد الحسن و الحسين، فمن شهر منهم سيفه و دعا إلى سبيل ربّه و باين الظالمين، و كان صحيح النسب من هذين البطنين، و كان عالماً زاهداً شجاعاً، فهو الإمام.
و افترقت الجارودية في نوع آخر ثلاث فرق:
أ - فرقة زعمت أنّ محمد بن عبد اللّٰه النفس الزكية بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب لم يمت و لا يموت، حتى يملأ الأرض عدلاً، و أنّه القائم المهدي المنتظر عندهم، و كان محمد بن عبد اللّٰه خرج على المنصور فقتل بالمدينة.
ب - و فرقة زعمت أنّ محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين
ابن علي بن أبي طالب، حي لم يمت و لا يموت، حتى يملأ الأرض عدلاً، و أنّه المهدي المنتظر عندهم، و كان محمد بن القاسم هذا خرج على المعتصم بالطالقان فأسره المعتصم، فلم يدر بعد ذلك كيف خبره.
و فرقة زعمت أنّ يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حي لم يمت، و أنّه القائم المنتظر عندهم، و لا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً، و كان يحيى بن عمر هذا خرج على المستعين، فقتل بالكوفة. هذه رواية أبي القاسم البلخي عن الزيدية، و ليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية، و هم بصنعاء و صعدة و ما يليهما(1).
قد تعرفت على كلمات المؤرّخين في فرق الزيدية، فهي بين ما يحصرهم في ثلاث، إلى آخر يعدهم ست فرق، إلى ثالث يحسبهم ثماني فرق، و هذا الاختلاف يكشف عن وجود غيوم تُلبّد سماء الواقع، و لكن الذي يهمنا هنا، مسألة أُخرى، أنّ هذه الفرق، كلها قد بادت و ذهبت أدراج الرياح مع بقاء الزيدية في اليمن، و الذي يميز الزيدية عن سائر الفرق الإسلامية ليس شيء مما ورد في عقائد هذه الفرق و إنّما هو عبارة عن القول بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّٰه عنه و وجوب الخروج - الثورة - على الظلمة، و استحقاق الإمامة بالفضل و الطلب لا بالوراثة مع القول بتفضيل علي كرم اللّٰه وجهه و أولويته بالإمامة و قصرها من بعده في البطنين الحسن و الحسين(2).
و لا يوجد اليوم في اليمن بين الزيدية من المفاهيم الكلامية المنسوبة إلى الفرق كالجارودية، أو السليمانية، أو البترية أو الصالحية، إلاّ مفهوم واحد، و هو المفهوم العام الذي تعرفت عليه و هو القول بإمامة زيد و الخروج على وجه الظلمة و استمرار الإمامة في بطن الحسنين، و أنّها بالطلب و الفضل و أمّا أسماء تلك الفرق و العقائد المنسوب إليهم فلا توجد اليوم إلاّ في بطون الكتب و المؤلّفات في الفرق الإسلامية كالملل و النحل و نحوها.
فإذا كانت الحال في اليمن كما ذكره الفضيل شرف الدين فالبحث عن هذه الفرق من ناحية إيجابياتها و سلبياتها ليس مهماً بعد ما أبادهم الدهر، و إنّما اللازم دراسة المفهوم الجامع بين فرقهم، نعم هناك أمرين هامين يجب التنبيه عليهما:
إنّ مؤرخي العقائد يسمّونهم بالزيدية شأنهم شأن سائر الفرق التابعة لإمامها من غير فرق بين كونه إماماً في الأُصول و العقائد كالشيخ الأشعري، أو إماماً في الفقه و الأحكام كالحنفي و الشافعي، فتصور لنا هذه التسمية (الزيدية) أنّ هذه الفرق تلقّت أُصولها و فروعها من إمامهم زيد الشهيد، كما أخذت الأشاعرة أُصولها من الشيخ الأشعري، و الحنفية من إمامها أبي حنيفة.
و لكن هذه التسمية بهذا المفاد خاطئة جداً، لأنّه لم تكن لزيد عقيدة خاصة في المسائل الكلامية حتى يكون أتباعه عيالاً له في هذا المجال، كما أنّه لم يكن له كتاب فقهي استدلالي حتى يرجع المقلِّدون، إليه في الفروع.
نعم إنّ الثابت عن زيد الشهيد، أنّه كان يقول بالتوحيد و العدل شأن كل علوي يقتفي أثر الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام . فليس القول بهذين الأصلين دليلاً على أنّهم اقتفوا زيداً في هذين الأصلين.
كما أنّ الثابت عنه في مجال الفقه يعود إلى المسند الذي تعرفت عليه، و هو لا يتجاوز عن نقل أحاديث فقهية، و لا يعلم منه مدى فقاهته و استطاعته في استخراج الفروع من الأُصول، و على فرض التسليم بذلك فالفقهاء المعروفون بالزيدية ابتداء من الإمام أحمد بن عيسىٰ، إلى الإمام القاسم الرسّي، إلى الإمام يحيى الهادي، إلى الناصر الأطروش، حتى تصل النوبة إلى الإمام المجتهد يحيى بن حمزة و الإمام المهدي بن المرتضى مؤلّف «البحر الزخار» إلى غيرهم من فقهاء كبار، فهؤلاء لم يعلم من أحوالهم أنّهم اعتمدوا في فتاواهم على فتوى إمام مذهبهم زيد، بل المعلوم خلافه، فإنّ الفقه المعروف بالفقه الزيدي إنّما وصل إلى ما وصل من السعة نتيجة جهد هؤلاء الفقهاء الكبار، فهذا الفقه عطاء بحوثهم الشخصية التي ليس لها صلة بزيد.
و يؤيد ذلك: إنّ المذهب الزيدي يحرم التقليد على كل متمكن من أخذ الحكم من كتاب اللّٰه و سنة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أو غيرهما من الأدلّة الشرعية، و لا يبيحه في الفروع إلاّ لغير المتمكن من الاجتهاد، لقوله تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ» (النحل - 43)(1).
فإذا كان الأمر كذلك فالعطاء الموجود في الفقه الزيدي و أُصوله يرجع إلى رجال المذهب الزيدي على اختلاف طبقاتهم، و هم بين إمام في المذهب كالإمام القاسم بن إبراهيم المتوفى عام 242 ه و حفيده الإمام الهادي يحيى بن الحسين المتوفى عام 298 ه و الإمام الناصر الأطروش الحسن بن علي المتوفى عام 304 ه.
1) . علي بن عبد الكريم الفضيل شرف الدين: الزيدية نظرية و تطبيق: 11.
إلى مخرّج للمذهب و هم الذين استخرجوا من كلام الأئمة أو احتجاجاتهم أحكاماً لا تتعارض مع الكتاب و السنة و من رجال هذه الطبقة:
1 - العلاّمة محمد بن منصور المردي المتوفى حوالي عام 290 ه.
2 - العلاّمة أبو العباس أحمد بن إبراهيم المتوفى سنة 353 ه.
3 - العلاّمة أحمد بن الحسين بن هارون الحسني المتوفى عام 416 ه.
4 - العلامة أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني المتوفى سنة 424 ه.
إلى محصّل، و هم الذين اهتموا بتحصيل أقوال الأئمة و ما استخرج منها، و نقلوها إلى تلامذتهم بطريق الرواية أو المناولة لمؤلفاتهم، منهم:
العلاّمة القاضي زيد بن محمد الكلاوي الجيلي الملقب بحافظ أقوال العترة.
و سيأتي تفصيل طبقات رجال المذهب الزيدي في خاتمة المطاف ضمن الأمر الثامن(1).
فإذا كان المذهب الزيدي قد نضج في هذه الأعصار و تبلور في ظل جهود هؤلاء الفطاحل الأعلام، فهو عطاء علمائهم و مفكّريهم في الكتاب و السنّة و سائر القواعد الاجتهادية، و لا يمت إلى إمامهم زيد بصلة.
فعلى ذلك، فإنّ هؤلاء في فقههم قبل كونهم زيديين، رسّيون، انتساباً إلى الإمام الأوّل القاسم بن إبراهيم، و هادويون انتساباً إلى الإمام الثاني يحيى بن الحسين، أو ناصريّون انتساباً إلى الإمام الناصر الأطروش الحسن بن علي.
و ممن يدعم تلك الفكرة عالم اليمن الحالي السيد مجد الدين المؤيدي في تقديمه على كتاب «الزيدية نظرية و تطبيق» يقول: فأمّا المذهب الفقهي المعروف المتداول بين أهل الفقه في اليمن فليس المراد به المذهب الزيدي كما يتوهم و لا مذهب جملة أهل البيت، بل المراد به في الأصل كما نص عليه الأعلام المحقّقون قواعد و أُصول أخذوها من أقوال الإمام القاسم بن إبراهيم و أولاده و حفيده الهادي
1) . لاحظ ص 524.
إلى الحقّ و ولديه المرتضى و الناصر عليهم السلام نصاً أو تخريجاً، ثمّ توسعوا في ذلك فصاروا يذهِّبون على ما ترجح عندهم على مقتضى تلك القواعد و إن خالف نصّ الإمام الهادي إلى الحقّ عليه السلام، الذي هو إمام المذهب على التحقيق فضلاً عن غيره، و لهذا رجّح كثير من الأئمة الأعلام للمتابع أن يأخذ بالنص و يترك التخريج المخالف له و منهم الإمام المجدد للدين المنصور باللّٰه القاسم بن محمد فإنّه ضعف التخاريج غاية التضعيف و بسط القول في ذلك بما فيه الكفاية في كتابه الإرشاد و كذا غيره من الأئمة عليهم السلام(1).
و الذي يثبت أنّ المذهب الزيدي حصيلة التفكير الحرّ في الكتاب و السنّة و لا يمت إلى الإمام زيد، هو وجود الاجتهاد و عدم غلق بابه خلال العصور المتقدمة، من دون أن يتخذوا آراء الإمام الواحد حقاً غير قابل للخدش كما عليه الأحناف و الشوافع و الحنابلة و المالكية.
يقول الفضيل شرف الدين: العلم المميز للمذهب الزيدي على امتداد التاريخ الإسلامي هو التجديد المستمر دون التقيد باجتهاد فرد واحد من أئمته أو علمائه أو التمحور الفكري حول ما توصلوا إليه من اجتهادات. فإنّ المطّلع المتتبع لتاريخ الفكر الزيدي يعلم بأنّه بقي منفتحاً على جميع المذاهب الإسلامية المعتبرة يأخذ منها ماله أساس و مستند من كتاب اللّٰه و الصحيح من سنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم دون ما تعصب، أو جمود، أو انغلاق، بل أنّ من قواعد المذهب عدم جواز التقليد عند المتمكنين من العلماء القادرين على استنباط الأحكام من الكتاب و السنّة. و بذلك بقي المذهب و علماؤه روّاد تجديد و إصلاح يعملون لإيجاد حلول لمختلف قضايا الحياة المتجدّدة في كل العصور إيماناً منهم بأنّ الدين الإسلامي الحنيف الذي أُنزل على خاتم الأنبياء صلى الله عليه و آله و سلم ليبلّغه إلى البشرية جمعاء هذا الدين قد
1) . تقديم السيد مجد الدين على كتاب الزيدية نظرية و تطبيق/ و - ز.
جاء واسعاً رحباً ليستوعب مختلف قضايا البشرية في مختلف المجتمعات و العصور و يضع لها الحلول الإيجابية الناجعة، و إلاّ لما كان القرآن آخر الكتب السماوية المنزلة، و لما كان محمد خاتم الرسل و الأنبياء و آخرهم حتى قيام الساعة(1).
فإذا كان هذا هو الطابع الأوّل للمذهب الزيدي فمن المستحيل نسبه إلى الإمام الثائر زيد الشهيد الذي لم ترث منه الزيدية إلاّ بضع أحاديث من غير تحليل.
و الكلام الحقّ إنّ الزيدي عبارة عن من يقول بالعدل و التوحيد و إمامة زيد ابن علي بعد الأئمة، الثلاثة علي و السبطين عليهم السلام و وجوب الخروج على الظلمة، و استحقاق الإمامة بالفضل و الطلب، هذا هو العنصر المقوم في كون الرجل زيدياً، و أما سوى ذلك مما يوجد في كتبهم فهو عطاء علمائهم المفكرين طيلة القرون.
و هناك من أعلام الزيدية من يصرّ على خلاف تلك النظرية، فيرى أنّ إطلاق اسم الزيدية على أتباع الإمام زيد يرجع إليه مستدلاً بقول الإمام محمد بن عبد اللّٰه النفس الزكية: «أما و اللّٰه لقد أحيا زيد بن علي ما دثر من سنن المرسلين، و أقام عموداً إذا اعوجّ و لم ننحو إلاّ أثره و لم نقتبس إلاّ من نوره»(2).
يلاحظ عليه: أنّ النص لا يدلّ على وجود التسمية، كما لا يدل على أنّ هناك منهجاً كلامياً أو فقهياً لزيد الثائر، و إنّما يدلّ على اتباع أثره في أصل واحد و هو الثورة على الظالمين لإحياء ما اندثر من السنن، و نحن بدورنا نجلّ زيد الشهيد عن أن يفرق وحدة المسلمين و بالأخص شيعة جده أمير المؤمنين و يقسمهم إلى زيدي و غير زيدي فيوسع الصدع بدل رأبه، قال سبحانه: «قُلْ هُوَ اَلْقٰادِرُ عَلىٰ أَنْ
يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذٰاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ اَلْآيٰاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ» (الأنعام - 6(5).
و في نهاية المطاف إنّي أُرجح قول من يقول إنّ هذه النسبة لم يطلقها الإمام زيد على أتباعه و لا أطلقها في البداية أتباعه على أنفسهم، و لما جاء الثائرون بعد زيد، ناهجين منهجه، صارت اللفظة إشارة لمن يسلك مسلكه في مجال الخروج على الظلمة و إنقاذ المسلمين من كابوس الأُمويين أو العباسيين، من دون أن يكون فيه دلالة على مذهب كلامي أو فقهي. و على ذلك فالزيدية شعار حرية و عزة و كرامة، و جهاد و تضحية في سبيل اللّٰه و ليس شعاراً لمذهب خاص سوى ما عرفت من الإيمان بإمامة الإمام علي و سبطيه عليهم السلام.
قد ساقنا الغور في حياة زيد الثائر الشهيد، إلى الحكم بأنّه لم يكن صاحب منهج كلامي، و لا فقهيّ فلو كان يقول بالعدل و التوحيد، و يكافح الجبر و التشبيه، فلأجل أنّه ورثهما عن أبيه وجده عن علي عليهم السلام و إن كان يفتي في مورد أو موارد فقد كان يصدر عن الحديث الذي يرويه عن الرسول الأعظم عن طريق آبائه الطاهرين و هذا المقدار من المؤهلات لا يصيّر الإنسان، من أصحاب المناهج في علمي الكلام و الفقه.
نعم جاء بعد زيد، مفكرون وعاة، و هم بين دعاة للمذهب، أو بناة للدولة في اليمن و طبرستان، فساهموا في إرساء مذهب باسم المذهب الزيديّ، متفتحين في الأُصول و العقائد مع المعتزلة، و في الفقه و كيفية الاستنباط مع الحنفية، و لكن الصلة بين ما كان عليه زيد الشهيد في الأُصول و الفروع و ما أرسوه هؤلاء في مجالي العقيدة و الشريعة منقطعة إلاّ في القليل منهما.
أين زيد ربيب البيت العلويّ، من القول بالأُصول الخمسة التي تبناها واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد، و من جاء بعدهما من أعلام المعتزلة، حتى صارت مندسّة في مذهب الزيدية، بلا زيادة و نقيصة إلى يومنا هذا؟
أين زيد الذي انتهل من المعين العذب العلويّ الذي رفض العمل بالقياس و الاستحسان، من القول بأنّهما من مصادر التشريع الإسلامي كما عليه
المذهب الفقهي للزيدية؟
و من ألمّ بحياة أئمة أهل البيت ابتداءًَ بالإمام علي عليه السلام و انتهاءً إلى حياة الأئمة كالصادقين و الكاظم و الرضا، يقف على أنهم عليهم السلام في منتأى من القول بهذا و ذاك، كيف و كان النزاع بينهم و بين مشايخ المعتزلة قائماً على قدم و ساق و قد حفظت كتب الحديث و السير، لفيفاً منها، و كان الرفض للقياس و الاستحسان و الظنون التي ما أُنزل بها من سلطان، شعار مذهبهم، به كانوا يُعرفون و به كانوا يُميزون لكن - للأسف - نجد دخول هذه العناصر في مذهب الزيدية الذي ينتمي إلى أئمة أهل البيت، عليّ عليه السلام و من بعده.
اتفقت الأُمّة الإسلامية و لا سيما الإمامية و الزيدية على أنّ الرسول أوصى بالتمسك بالثقلين و أنّه لا يعدل بهما إلى غيرهما، و شبّه الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم أهل بيته بسفينة و قال: «مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق». و بالتالي أمر بركوبها في تمام الطريق، و لا يشك أحد في أنّ الباقرين و الكاظمين من أئمة أهل البيت، و مع ذلك فقد فارقت الزيدية هؤلاء في حياتهم العلمية و العملية و بالتالي اقتدوا ببعض الأئمة دون البعض الآخر، و ركبوا السفينة في بعض الطريق لا في جميعها و صار هذا و ذاك سبباً لحدوث شقة كبيرة بين المذهب الزيدي، و ما كان عليه متأخرو أئمة أهل البيت الذي وعاه عنهم شيعتهم من عصر الإمام علي إلى آخر الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، و اشتهر باسم المذهب الإمامي.
و لا أُغالي إذا قلت: إنّ المذهب الزيدي مذهب ممزوج و منتزع من مذاهب مختلفة في مجالي العقيدة و الشريعة ساقتهم إلى ذلك، الظروف السائدة عليهم و صار مطبوعاً بطابع مذهب زيد، و إن لم يكن له صلة بزيد إلاّ في القسم القليل.
و من ثمّ التقت الزيدية في العدل و التوحيد، مع شيعة أهل البيت جميعاً، إذ
شعارهم في جميع الظروف و الأدوار، رفض الجبر، و التشبيه، و الجميع في التديّن بذينك الأصلين عيال على الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.
كما أنّهم التقوا في الأُصول الثلاثة:
1 - الوعد و الوعيد.
2 - المنزلة بين المنزلتين.
3 - الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
مع المعتزلة حيث أدخلوا هذه الأُصول في مذهبهم، و حكموا بخلود مرتكب الكبيرة في النار إذا مات بلا توبة، و حرمانه من الشفاعة لأنّها للعدول دون الفساق، فهي إذاً بمعنى ترفيع الدرجة لا الحط من الذنوب كل ذلك أخذاً بالأصل الأوّل، كما جعلوا الفاسق، في منزلة بين المنزلتين فهو عندهم لا مؤمن و لا كافر بل هو فاسق، أخذاً بالأصل الثاني، و لكنّهم تخبّطوا في الأصل الثالث و زعموا أنّه أصل مختص بالمعتزلة و الزيدية، مع أنّ الإمامية يشاركونهم في هذه الأُصول عند اجتماع الشرائط، أي وجود دولة إسلامية يرأسها الإمام المعصوم أو النائب عنه باسم الفقيه العادل.
إنّ الزيدية التقت في القول بحجّية القياس و الاستحسان و الإجماع بما هو هو، دون كونه كاشفاً عن قول المعصوم، و حجية قول الصحابي و فعله، مع أهل السنّة و لذلك صاروا أكثر فرق الشيعة اعتدالاً - عند أهل السنّة - و ميلاً إلى التفتح معهم.
و لكنّ العلامة الفارقة و النقطة الشاخصة التي تميز هذا المذهب عما سواه من المذاهب، و يسوقهم إلى التفتح مع الإمامية و الإسماعيلية هو القول بإمامة علي و الحسنين بالنص الجلي أو الخفي عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم و القول بأنّ تقدم غيرهم
عليهم كان خطأ و باطلاً.
هذا هو واقع المذاهب، و عموده الفقري، فقد أخذوا من كل مذهب ضغثاً.
نعم كانت عناية مشايخ الزيدية في العصور الأوّلية، بالنقل عن الصادقين و الأخذ بقولهما أكثر من الذين جاءوا بعدهم. و هذا أحمد بن عيسى بن زيد، مؤلف الأمالي فقد أكثر فيها النقل عنهما و عن غيرهما من أئمة أهل البيت عليهم السلام، و لكن أين هو من البحر الزخار لابن المرتضى (764-840 ه) أو سبل السلام للأمير محمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني (1059-1182 ه) أو الروض النضير للسباعي، أو نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار للشوكاني (1173-1250 ه)، فإنهم لا يصدرون في عامة المسائل إلاّ ما شذ، إلاّ عما يصدر عنه فقهاء أهل السنة، فالمصادر الحديثية هي الصحاح و المسانيد، و الحجج الفقهية بعد الكتاب و السنّة، هي القياس و الاستحسان، و كأنّه لم يكن هنا باقر و لا صادق، و لا كاظم و لا رضا عليهم السلام و نسوا و تناسوا مقاماتهم و علومهم.
نحن نأتي في هذه العجالة بأُصول عقائدهم مستندين إلى ما ألفه الإمام المرتضى في مقدمة البحر الزخار، مقتصرين على الرءوس دون الشعب المتفرقة منها. و في هذه القائمة لعقائدهم يتجلى مدى انتمائهم، للمعتزلة أو للسنّة و الشيعة، و النص لابن المرتضى بتلخيص منّا.
1 - صفاته عين ذاته، و يستحق بها صفاته لذاته لا لمعان (زائدة) خلافاً للأشعرية حيث يقول: «لمعان قديمة بذاته ليست إياه و لا بعضه و لا غيره».
و قد أشار بذلك إلى المعاني الزائدة التي أثبتها الأشعري و هي ثمانية مجموعة في قول بعضهم:
حياة، و علم، و قدرة، و إرادة *** كلام و إبصار و سمع مع البقاء
2 - لا يُرىٰ سبحانه، و لا يجوز عليه الرؤية و إلاّ لرأيناه الآن لارتفاع الموانع
الثمانية(1). و لا اختص بجهة يتصل بها الشعاع.
3 - ليس بذي ماهية: و عليه المعتزلة و الزيدية و أكثر الخوارج و المرجئة.
4 - حسن الأشياء و قبحها عقليان، و أكثر الزيدية على أنّه يقبح الشيء لوقوعه على وجه من كونه ظلماً أو كذباً أو مفسدة إذ متى علمناه كذلك، علمنا قبحه.
5 - مريد بإرادة حادثة: هو سبحانه مريد بإرادة حادثة. خلافاً للكلابية و الأشعرية حيث قالوا بإرادة قديمة، و قالت النجارية بإرادة نفس ذاته، قلنا: إذاً للزم إيجاده جميع المرادات، إذ لا اختصاص لذاته ببعضها.
6 - متكلم بكلام: و كلام اللّٰه تعالى فعله الحروف و الأصوات.
7 - فعل العبد غير مخلوق فيه: و خالفت الجهمية و جعلت نسبته إلى العبد مجازاً كطال و قصر.
و قالت النجارية و الكلابية و ضرار، و حفص: خلق للّٰه و كسب للعبد، لنا وقوعه بحسب دواعيه و انتفاؤه بحسب كراهيته مستمراً بذلك يعلم تأثير المؤثر (العبد) سلمنا لزوم سقوط حسن المدح و الذم، و سبّه لنفسه، تعالى اللّٰه عن ذلك.
8 - تكليف ما لا يطاق قبيح: و كانت المجبرة لا تلتزمه حتى صرح الأشعري بجوازه، لنا تكليف الضرير بنقط المصحف و من لا جناح له بالطيران، معلوم قبحه ضرورة و قوله تعالى: «إِلاّٰ وُسْعَهٰا».
9 - المعاصي ليس بقضاء اللّٰه.
10 - لا يطلق على اللّٰه أنّه يضل الخلق.
11 - الوعد و الوعيد: و هو أصل في كلام المعتزلة و الزيدية و قد عقد ابن المرتضى باباً و فرع عليه فروعاً و الغاية المتوخاة منها، الحكم بخلود المسلم الفاسق في النار، و إن شئت قلت: خلود مرتكب الكبيرة الذي مات بلا توبة فيها و لم أعثر
1) . أشار في التعليقة إلى الموانع الثمانية فلاحظ.
على نصّ في كلام ابن المرتضى، و لكن صرّح به غير واحد من علمائهم و نأتي بنص العالم المعاصر الزيدي في كتابه «الزيدية نظرية و تطبيق» قال:
أمّا الزيدية و سائر العدلية فقالوا: من مات مؤمناً فهو من أصحاب الجنّة خالداً فيها أبداً، و من مات كافراً أو عاصياً لم يتب فهو من أصحاب السعير خالداً فيها أبداً لقوله تعالى: «وَ مَنْ يَعْصِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نٰارَ جَهَنَّمَ خٰالِدِينَ فِيهٰا أَبَداً» (الجن - 23) و قوله: «وَ إِنَّ اَلْفُجّٰارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهٰا يَوْمَ اَلدِّينِ وَ مٰا هُمْ عَنْهٰا بِغٰائِبِينَ» (الانفطار - 16) و قوله تعالى: «بَلىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحٰاطَتْ«بَلىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحٰاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ» (البقرة - 81)(1).
13 - مرتكب الكبيرة لا مؤمن و لا كافر: بل فاسق و في منزلة بين المنزلتين و هذا أحد أُصول المعتزلة لكن الزيدية أدخلوه في الأصل السابق الوعد و الوعيد، قال ابن المرتضى:
و الفاسق (مرتكب الكبيرة) ليس بكافر، خلافاً للخوارج، و لا مؤمن خلافاً للمرجئة إذ هو مدح و الفسق ذم فلا يجتمعان(2).
14 - الإمامة تجب شرعاً لا عقلاً و عليه إجماع الصحابة.
15 - النص على إمامة عليّ و الحسنين: الأشعرية: لم ينص صلى الله عليه و آله و سلم على إمام بعده، و قالت الزيدية: بل نصّ على عليّ و الحسنين(3)و قالت البكرية على أبي بكر.
16 - عقد الإمامة: و تعقد الإمامة بالدعوة مع الكمال و لا تنعقد بالغلبة
1) . علي بن عبد الكريم: الزيدية نظرية و تطبيق: 76 و قد أوضحنا عدم دلالة الآيات على ما يرونه في الجزء الثالث من هذه الموسوعة عند البحث عن هذا الأصل عند المعتزلة فلاحظ.
2) . عزب عن المرتضى إنّما لا يجوز الجمع بين المدح و الذم إذا كان المبدأ واحداً أي إذا ذمّ و مدح لأجل ملاك واحد. دون ما إذا كان المبدأ مختلفاً و الحيثيات، متعددة فهو من حيث إيمانه في القلب ممدوح و من حيث اقترافه المعصية مذموم.
3) . و قال محقق الكتاب: و منها قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «الحسن و الحسين إمامان قاما أو قعدا و أبوهما خير منهما» رواه الأمير الحسين في كتاب الشفا و رواه الأمير الحسن بن بدر الدين في العقد الثمين.
خلاف الحشوية.
و أوضحه المحقّق في هامش الكتاب و قال مع عدم المنازع فيفوز بذلك أو بأن تحصل له البيعة من الأكثرية مع وجود المنازع، و كل ذلك بعد سبق ترشيحه من ذوي الحل و العقد لمعرفة حصوله على الشروط المؤهلة له.
17 - معدن الإمامة البطنان: الزيدية: على أنّ معدن الإمامة البطنان، للإجماع على صحتهما و لا دليل على غيرهما، و قالت الإمامية: بل أولاد الحسين و قالت الأشعرية بل قريش.
18 - الإمامان في زمان واحد: أكثر الزيدية لا يصلح إمامان في زمان فقالت الكرامية و الزيدية: يصح، لنا إجماع الصحابة بعد قول الأنصار: منّا أمير و منكم أمير و إذا عقد لاثنين في وقت واحد بطلا و يستأنف كنكاح وليّين.
19 - و من اعتبر العقد: كفى بيعه واحد برضا أربعة من أهل الحل و العقد و قال أبو القاسم البلخي: يكفي واحد و إن لم يرض غيره، لنا لم يعقد عمر و أبو عبيدة لأبي بكر إلاّ برضا سالم و بشير و أُسيد و بايع عبد الرحمن عثمان، برضا الباقين(1).
20 - الإمام بعد الرسول عليّ، ثمّ الحسن ثمّ الحسين عليهم السلام للأخبار المشهورة.
21 - القضاء في فدك صحيح خلافاً للإمامية و بعض الزيدية. لنا: لو كان باطلاً لنقضه علي و لو كان ظلماً لأنكره بنو هاشم و المسلمون.(2).
22 - خطأ المتقدمين على عليّ في الخلافة قطعي، لمخالفتهم، و لا يقطع
1) . أُنظر كيف يستدل بفعل من ترك وصية الرسول حسب اعترافه على مسألة أُصولية.
2) . و لعله لم يبلغه قول علي عليه السلام في فدك: «نعم قد كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم، و سخت عليها نفوس قوم آخرين و نعم الحكم اللّٰه» كما تبلغه خطبة الصديقة الطاهرة حول فدك التي كان بنو هاشم يحفظونها و يعلّمونها أولادهم.
لفسقهم إذ لم يفعلوه تمرداً بل لشبهة فلا تمنع الترضية عليهم لتقدم القطع بإيمانهم فلا يبطل بالشك فيه.
23 - خطأ طلحة و الزبير و عائشة قطعي لبغيهم على إمام الحقّ.
24 - توبة الناكثين: الأكثر أنّه قد صحت توبتهم، و قالت الإمامية و بعض الزيدية: لا.
25 - الأكثر أنّ معاوية فاسق لبغيه، لم تثبت توبته فيجب التبرّي منه.
26 - يجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر: بالقول و السيف مع اجتماع الشروط قالت الحشوية: لا و قالت الإمامية: بشرط وجود الإمام لنا: «وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ» (آل عمران - 104) «فَقٰاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي» (الحجرات - 1(0).
هذه رءوس عقائد الزيدية استخرجناها من كتاب القلائد في تصحيح الاعتقاد، المطبوع في مقدمة البحر الزخار ص 52-96 و المؤلف ممن يشار إليه بين علماء الزيدية، و هو مؤلف البحر الزخار، و من أحد أئمة الفقه و الاجتهاد في القرن التاسع.
إنّ كتب تاريخ العقائد طفحت بهذا العنوان، فمثلاً نقلوا بأنّ الجارودية ذهبت إلى أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم نصّ على إمامة عليّ بالوصف دون النص(1)و معنى هذا أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم قد بيّن الملامح العامة للإمام، و كان علي عليه السلام هو المصداق الوحيد لهذه الملامح.
1) . الأشعري: مقالات الإسلاميين: 67، البغدادي: الفرق بين الفرق: 30.
و قال النوبختي عن الجارودية: إنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم نصّ على عليّ عليه السلام بالوصف دون التسمية، و الناس مقصرون إذا لم يتعرفوا الوصف و لم يطلبوا الموصوف(1).
و ربما يعبرون بأنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم نصّ على ولاية الإمام نصاً خفياً غير جلي.
هذه الكلمات و نظائرها توجد، في التعبير عن المذهب الجارودي في مقام الإمامة.
و أمّا السليمانية أو الجريرية فأظهروا المرونة أكثر من الجارودية، فقد قالوا: إنّ الإمامة شورى و أنّها تنعقد بعقد رجلين من خيار الأُمّة، و أجازوا إجازة المفضول و أثبتوا إمامة أبي بكر و عمر، و زعموا أنّ الأُمّة تركت الأصل في البيعة لها، لأنّ علياً كان أولى بالإمامة منهما، إلاّ أنّ الخطأ في بيعتهما لم يوجب كفراً و لا فسقاً(2).
و الذي أظن - و ظنّ الألمعي صواب - أنّ النظرتين قد صدرتا تقية و صيانة لوجودهم بين أهل السنّة. و مع أنّ الزيدية يرفضون التقية كما سيوافيك، و لكنّهم عملوا بها حيث لا يشاءون، فإنّهم قد عاشروا أهل السنّة في بيئة واحدة و مجتمع واحد تربطهم أحكام واحدة، حيث رأوا أنّ التعبير عن واقع المذهب أي وجود النصّ على الاسم و إن شئت قلت:
وجود النصّ الصريح يستلزم تفسيق الصحابة، و هذا لا يتلائم و طبيعة حياتهم، فلذلك جعلوا من هذا التعبير واجهة لعقيدتهم الواقعية فجمعوا - حسب زعمهم - بين العقيدة و الهدف في الحياة. كيف و أئمة أهل البيت عليهم السلام عن بكرة أبيهم يرون النصّ على خلافة علي عليه السلام و هذا المميز لشيعة أئمة أهل البيت عن غيرهم. و الذي يميز الشيعة عن غيرهم من الفرق هو هذا العنصر فقط، و ما سوى ذلك عقائد كلامية مستخرجة من الكتاب
و السنّة.
فإن كان ما ذكرناه مقبولاً لدى القارئ و إلاّ فإنّ هذا النوع من التفكير تطرّق إلى المذهب الزيدي في العصور السابقة عن طريق معاشرتهم مع معتزلة بغداد، الذين قالوا بأفضلية الإمام علي عليه السلام و جواز تقديم المفضول على الفاضل. و قد مرّ تحقيق القول في ترجمة حمزة بن عبد اللّٰه فلاحظ.
تأليف الأمير الحسين بن بدر الدين محمد (582-662)
بعد أن أخرجت عقائد الزيدية من كتاب البحر الزخار، وقفت على رسالة مختصرة باسم العقد الثمين في معرفة ربّ العالمين لمؤلّفه العلامة الأمير الحسين بن بدر الدين محمد المطبوع باليمن، نشرته دار التراث اليمني صنعاء، و مكتبة التراث الإسلامي بصعدة و هي من أوائل الكتب الدراسية في حقل أُصول الدين و المؤلّف من أجلّ علماء الزيدية، و أكثرهم تأليفاً و تعد كتبه من أهم الأُصول التي يعتمد عليها علماء الزيدية و يدرسونها كمناهج(1)و إليك نصها:
بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ
الحمد للّٰه المختصّ بصفات الإلهية و القدم، المتعالي عن الحدوث و العدم، الذي لم يسبقه وقت و لا زمان، و لا تحويه جهة و لا مكان، جلّ سبحانه. دلّ على ذاته بما ابتدعه من غرائب مصنوعاته، و عجائب مخلوقاته، حتى نطق صامتها بالإقرار بربوبيته بغير مَذْوَد، و برز مجادلاً لكل من عطّل و ألحد.
و صلواته و سلامه على سيدنا محمد الذي هو بالمعجزات مؤيد، و في المرسلين مرَجّب و مسوّد، و على آله الغرّ الهداة، و الولاة على جميع الولاة، و على صحابته
1) . اقرأ ترجمته في: تاريخ اليمن الفكري: 289/3 و 308، و الاعلام: 255/2، التحف شرح الزلف: 178.
المكرّمين المؤيدين، و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيّها الطالب للرشاد، و الهارب بنفسه عن هُوّة الإلحاد.
فإذا قيل لك: من ربك؟
فقل: ربي اللّٰه.
فإن قيل لك: بم عرفت ذلك؟
فقل: لأنّه خلقني، و من خلق شيئاً فهو ربّه.
فإن قيل لك: بمَ عرفت أنّه خلقك؟
قل: لأنّي لم أكن شيئاً ثمّ صرتُ شيئاً، و لم أكن قادراً ثمّ صرت قادراً، و [كنت] صغيراً ثمّ صرت كبيراً، و لم أكن عاقلاً ثمّ صرت عاقلاً، و شاهدت الأشياء تحدث بعد أن لم تكن؛ فرأيت الولد يخرج و لا يعلم شيئاً، ثمّ يصير رضيعاً، ثمّ طفلاً، ثمّ غُلاماً، ثمّ بالغاً، ثمّ شاباً، ثمّ كهلاً، ثمّ شيخاً. ثمّ رأيت نحو ذلك من هبوب الرياح بعد أن لم تكن، و سكونها بعد هبوبها، و طلوع الكواكب بعد أُفولها، و أفولها بعد طلوعها، و ظهور السحاب و زواله، و كذلك المطر و النبات و الثمار المختلفات.
و كل ذلك دلائل الحدوث.
و إذا كانت محدَثة فلا بد لها من محدِث، لأنّها قد اشتركت في الجسميّة، ثمّ افترقت هيئاتها و صورها؛ فننظر سماءً، و أرضاً، و ثماراً، و أشجاراً، و آباراً، و بحوراً، و أنهاراً، و إناثاً، و ذكوراً، و أحياءً، و أمواتاً، و جمعاً، و أشتاتاً.
و كذلك ننظر إلى الأعراض الضروريات المعلومات، فإنّها اشتركت في كونها أعراضاً، ثمّ افترقت و انقسمت بين شهوةٍ و نفرةٍ، و حياةٍ و قدرةٍ، و يبوسةٍ و رطوبة، و طُعومٍ مكروهة و محبوبة، و روائح شتى، و حرّ و برد، و وجاء و فناء، و ألوان متضادّة على المحل، و موت يقطع الرزق و الأمل.
فنعرف أنّه لا بد من مخالف خالف بينها، و أحدث ما شاهدنا حدوثه منها، و أنّه غيرٌ لها، لأنّها لا تُحدِث نفسها، إذ الشيء لا يُحدثُ نفسه، لأنّه يُؤدّي إلى أن يكون قَبلَ نفسه، و غيراً لها، و كذلك لا تصوّر أنفسها، و لا تخالف بين هيئتها، و لا يقع ذلك بشيء مما يقوله الجاهلون، من طبع أو مادّة، أو فلك، أو نجم، أو علّة، أو عقل، أو روح، أو نفس، أو غير ذلك مما يقولونه؛ لأنّ ذلك إن كان من قبيل الموجبات لم تخلُ: أن تكون موجودة، أو معدومة. و الموجودة لا تخل: أن تكون قديمة، أو محدثة. و لا يجوز ثبوت ذلك لعلّة قديمة و لا معدومة، لأنّه لو كان كما زعموا لكان يلزم وجود العالم بما فيه في الأزل، و استغناؤه عن تلك العلل.
و لا يجوز أن يكون ثبوت ذلك لعلّة محدثة، لأنّها لا تخلو: إمّا أن تكون مماثلة لما تقدم [منها]، أو مخالفة [له]، إن كانت مماثلة وجب أن يكون معلولها متماثلاً، و في علمنا باختلاف ذلك العالم دلالة على بطلان القول بأنّه عن علة مماثلة أو علل متماثلات.
و لا يجوز أن يكون لعلة مخالفة، و لا علل مخالفة، لأنّها حينئذ تكون قد شاركت العالم في الاختلاف؛ الذي لأجله احتاج إليها، فيدور الكلام إلى ما لا يعقل و لا ينحصر من العلل.
فيجب الاقتصار على المحقّق المعلوم، و القضاء بأنّ الذي أحدثها و صوّرها، و خالف بينها هو الفاعل المختار، و هو الحيّ القيوم.
فإن قيل: ربّك قادر، أم غير قادر؟
فقل: بل هو قادر؛ لأنّه أوجد هذه الأفعال التي هي العالم، و الفعل لا يصح إلاّ من قادر.
أوجده تعالى لا بمماسّة، و لا بآلة: «إِنَّمٰا أَمْرُهُ إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [يس: 8(2)].
فإنّ قيل: أربك عالم، أم غير عالم؟
فقل: بل هو عالم، و برهان ذلك ما نشاهده فيما خلقه من بدائع الحكمة، و غرائب الصنعة؛ فإنّ فيها من الإحكام و الترتيب، ما يعجز عن وصفه اللبيب، [و كل ذلك لا يصح إلاّ من عالم، كما أنّ الكتابة المحكمة لا تصح إلاّ من عالم بها، و هو تعالى لا يختص بمعلوم دون معلوم، فيجب أن يعلم جميع المعلومات، على كل الوجوه التي يصح أن تعلم عليها.
و هو سبحانه يعلم ما أجنّه الليل، و أضاء عليه النهار، و يعلم عدد قطر الأمطار، و مثاقيل البحار، و يعلم السرّ - و هو ما بين اثنين - و ما هو أخفى - و هو ما لم يخرج من بين شفتين - «مٰا يَكُونُ مِنْ نَجْوىٰ ثَلاٰثَةٍ إِلاّٰ هُوَ رٰابِعُهُمْ وَ لاٰ خَمْسَةٍ إِلاّٰ هُوَ سٰادِسُهُمْ وَ لاٰ أَدْنىٰ مِنْ ذٰلِكَ وَ لاٰ أَكْثَرَ إِلاّٰ هُوَ مَعَهُمْ» [المجادلة: (7)] بعلمه لا يلاصقهم، و هو شاخص عنهم و لا يفارقهم.
فإن قيل: أربك حيّ، أم لا؟
فقل: بل حيٌّ، لأنّه تعالى لو لم يكن حيّاً لم يكن قادراً، و لا عالماً، لأن الميّت و الجماد لا يفعلان فعلاً، و لا يحدثان صنعاً.
فإن قيل: أ ربّك قديم، أم غير قديم؟
فقل: هو موجود لا أوّل لِوجوده؛ لأنّه لو كان لوجوده أوّلٌ لكان محدَثاً، و لو كان محدثاً لاحتاج إلى محدِث، إلى ما لا يتناهى، و ذلك محالٌ، فهو قديم، قادر، حيٌّ، عليم، لم يزل و لا يزال، و لا يخرج عن ذلك في حال من الأحوال، لأنّه لو لم يكن كذلك لم يكن له بدٌّ من فاعل فعله، و جاعلٍ - على صفات الكمال - جعله، أو يكون لعلّة، و قد ثبت أنّه تعالى قديم؛ فلا يصح القول بشيء من ذلك.
فإن قيل: أربك سميع بصير؟
فقل: أجل لأنّه حيٌّ كما تقدم، و لا يعتريه شيء من الآفات، لأنّ الآفات لا تجوز إلاّ على الأجسام، و هو تعالى ليس بجسم، لأنّ الأجسام محدَثة كما تقدم، و هو تعالى قديم أيضاً.
فإن قيل: أ ربّك مشبه الأشياء؟
فقل: ربّي لا يشبه الأشياء؛ لأنّ الأشياء سواه: جوهرٌ، و عرَضٌ، و جسم. و لا يجوز أن يكون جوهراً، و لا عرضاً؛ لأنّهما غير حيّين و لا قادرين، و هو تعالى حيّ قادر، و لأنّهما محدَثان و هو قديم و لا يجوز أن يكون جسماً، لأنّا قد بيّنا أنّه خالق الأجسام، و الشيء لا يخلق مثله، و لأنّ الجسم مؤلّف مصنوع، يفترق و يجتمع، و يسكن و يتحرّك، و يكون في الجهات، و تسبقه الأوقات، و كل ذلك شواهد الحدوث، و قد ثبت أنّه تعالى قديم، فلا يجوز أن يكون محدَثاً بل ليس كمثله شيء و هو السميع البصير.
و إذا لم يكن جوهراً و لا جسماً و لا عرضاً لم يوصف بالكيف، و لا الأين، و لا الحيث، و لا البين، و لا الوجه، و لا الجنب، و لا اليدين، لم يقطعه بعد، و لم يسبقه قبل، و لم يجزّئه بعضٌ، و لا جمعه كلٌّ، ليس في الأرض و لا في السماء، و لا حلّ في متحيّز أصلاً، و لا حدّه فوقٌ و لا تحت، و لا يمين، و لا شمال، و لا خلفٌ، و لا أمام، و لا يجوز عليه المجيء و لا الذهاب، و لا الهبوط و لا الصعود.
كان قبل خلق العالم و لا مكان، و يكون بعد فناء العالم و لا مكان، و هو خالق المكان مستغن عن المكان، و خالق الزمان فلم يتقدمه زمان، ليس بنور و لا ظلام، لأنّ جميع ما ذكر فان في القدم.
و لأجل ذلك نقول: إنّه لا يجوز أن يقال: هو طويل، و لا قصير، و لا عريض و لا عميق، و لا شويه و لا مليح، و لا أن يقال: هو يسترّ أو يغتمّ، أو يظنّ أو يهتمّ، أو يعزمُ، أو يؤلّم، أو يلتذّ أو يشتهي، أو ينفرُ، لأنّ ذلك كلّه شواهد الوجود بعد العدم، و منافٍ لما هو عليه من صفات الكمال و العظمة و الجلال.
فإن قيل: إنّه قد ذكر في القرآن: «يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ» (المائدة: 6(4)، و إنّ له جنباً، و عيناً، و أعيناً، و نفساً، و أيدٍ، لقوله:
«مِمّٰا عَمِلَتْ أَيْدِينٰا» [يس: 7(1)] و وجهاً.
فقل: يداه نعمتاه، و يَدُهُ قُدْرَتُه، و الأيدي هي: القدرة، و القوة أيضاً.
و جنباً في قوله تعالى: «يٰا حَسْرَتىٰ عَلىٰ مٰا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللّٰهِ» [الزمر: 5(6)]، أي: في طاعته.
و نفساً في قوله تعالى: «تَعْلَمُ مٰا فِي نَفْسِي وَ لاٰ أَعْلَمُ مٰا فِي نَفْسِكَ» [المائدة: 11(6)]، المراد به: تعلم سرّي و غيبي، و لا أعلم سرّكَ و غيبك.
و وجهه: ذاته، و نفسه: ذاته، و قوله تعالى: «فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ» [البقرة: 11(5)]، أي الجهة التي وجّهكم إليها.
و ما ذكر من العين و الأعين فالمراد به الحفظ و الكَلاءَة و العلم.
و قوله: «اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ» [الأعراف: 5(4)]، استواؤه: استيلاؤه بالقدرة و السلطان، ليس كمثله شيء، و لا يشبهه ميّت و لا حي.
فإن قيل: أربك غني أم لا؟
فقل: إنّه غنيٌّ لم يزل و لا يزال، و لا تجوز عليه الحاجة في حال من الأحوال، لأنّ الحاجة لا تجوز إلاّ على من جازت عليه المنفعة و المضرة، و اللّذة و الألم، و هذه الأُمور لا تجوز إلاّ على من جازت عليه الشهوة و النفرة، و هما لا يجوزان إلاّ على الأجسام؛ فيسترُّ الجسم بإدراك ما يشتهيه و يلتذ به، و ينمو و يزداد بتناوله، و يغتم
بإدراك ما ينفر عنه و يتضرر به، و ينقص بتناوله. و قد ثبت أنّه تعالى ليس بجسم، بل هو خالق الجسم، فكيف يخلق مثل ذاته، أو تشاركه الأجسام في صفاته؟! بل لا يجوز عليه شيء من ذلك.
فإن قيل: أربك يرى بالأبصار، أم لا يرى؟
فقل: هذه مقالة باطلة عند أُولي الأبصار، لأنّه لو رئي في مكان لدل ذلك على حُدُوثه، لأنّ ما حواه محْدُودٌ محدث.
فإن قيل: إنّه يرى في غير مكان. فهذا لا يعقل، بل فيه نفي الرؤية، و قد قال تعالى: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ» [الأنعام: 10(3)]، فنفى نفياً عاماً لجميع المكلفين، و [لجميع] أوقات الدنيا و الآخرة.
و قال اللّٰه تعالى لموسى - لما سأله الرؤية -: «لَنْ تَرٰانِي» [الأعراف: 143]، و لم يسأل موسى عليه السلام الرؤية لنفسه، بل عن سؤال قومه، كما حكاه اللّٰه في قصص قومه: «فَقَدْ سَأَلُوا مُوسىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَقٰالُوا أَرِنَا اَللّٰهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ اَلصّٰاعِقَةُ» [النساء: 15(3)]، و لو سألها لنفسه لصعق معهم. و لما لم يقع منه خطيئة إلا سؤاله لهم الرؤية من دون إذن، قال لربه عزّ و جلّ:
«أَ تُهْلِكُنٰا بِمٰا فَعَلَ اَلسُّفَهٰاءُ مِنّٰا» [الأعراف: 15(5)].
فإن قيل: أ ربّك واحدٌ لا ثاني له، أم لا؟
فقل: بلى هو واحد لا ثاني له في الجلال، متفرد هو بصفات الكمال؛ لأنّه لو
كان معه إله ثان لوجب أن يشاركه في صفات الكمال على الحد الذي اختصّ بها، و لو كان كذلك لكان على ما قدر قادراً، و لو كان كذلك لجاز عليهما التشاجر و التنازع، و لصح بينهما التعارض و التمانع، و لو قدّرنا هذا الجائز لأدى إلى اجتماع الضدين من الأفعال، أو عجز القديم عن المراد، و كل ذلك محال، تعالى عنه ذو الجلال؛ لقوله: «لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا» (الأنبياء: 22)، و لقوله عزّ قائلاً: «أَمْ جَعَلُوا لِلّٰهِ شُرَكٰاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشٰابَهَ اَلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اَللّٰهُ خٰالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ اَلْوٰاحِدُ اَلْقَهّٰارُ» [الرعد: 1(6)] فتبين أنّ الخلق يشهد بإله واحد، و أنّه ليس هناك خلق ثانٍ يشهد بإله ثان، و هذا واضح؛ فإنّ هذا العالم دليلٌ على إله واحد و هو الذي أرسل الرسل، و أوضح السُّبل.
و يَدُل على ذلك قوله عزّ و جلّ: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاَّ اَللّٰهُ» [محمد: 19]، و قوله: «شَهِدَ اَللّٰهُ أَنَّهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ وَ اَلْمَلاٰئِكَةُ وَ أُولُوا اَلْعِلْمِ قٰائِماً بِالْقِسْطِ» [آل عمران: 18]، و قوله: «وَ إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ» [البقرة: 163]، و قوله: «قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ» [الصمد: (1)].
فإن قيل: أ ربّك عدل حكيم؟
فقل: أجل، فإنّه لا يفعل القبح و لا يُخِلُّ بالواجب من جهة الحكمة، و أفعاله كلّها حسنة.
و إنّما قلنا: إنّه لا يفعل القبيح لأنّه إنّما يقع ممن جهلَ قُبْحَه، أو دعته حاجة إلى فِعْلِه و إن عَلِمَ قبحَه، و هو تعالى عالم بقبح القبائح؛ لأنّها من جملة المعلومات
و هو عالم بجميعها كما تقدم، و غنيّ عن فعلها كما تقدم أيضاً، و عالم باستغنائه عنها، و كل من كان بهذه الأوصاف فإنّه لا يفعل القبيح، أ لا ترى أنّ من مُلْكُه ألفي ألف قنْطارٍ من الذَّهب؛ فإنّه لا يسرق الدّانق، لعلمه بقبح السرق، و غناه عن أخذ الدانق، و علمه باستغنائه عنه، و كذلك لو قيل للعاقل: إن صدقت أعطيناك درهماً، و إن كذبت أعطيناك درهماً، فإنّه لا يختار الكذب - في هذه الحال - على الصدق، [و هما] على وتيرة واحدة، و طريقة مستمرة، و لا عِلّة لذلك إلاّ ما ذكرناه.
فصل [في أنّ أفعال العباد منهم](1)
فإن قيل: هل ربّك خَلَق أفعال العباد؟
فقل: لا يقول ذلك إلاّ أهل الضلال و العناد، كيف يأمرهم بفعل ما قد خَلَق و أمضى، أو ينهاهم عن فعل ما قَدْ صَوَّر و قضى، و لأنّ الإنسان يلحقه حكم فعله من المدح و الثّناء، و الذمّ و الاستهزاء، و الثواب و الجزاء، فكيف يكون ذلك من العلي الأعلى؟! و لأنّه يحصل بحسب قصدِه و دواعيه، و ينتفي بحسب كراهته و صرفه على طريقة واحدة، و لأن اللّٰه تعالى قد أضاف أفعال العباد إليهم، فقال:
«يَكْسِبُونَ»، و «يَمْكُرُونَ»، و «يَفْعَلُونَ»، و «يَصْنَعُونَ»، و «يَكْفُرُونَ»، و «تَخْلُقُونَ إِفْكاً»، و نحو ذلك في القرآن كثير، و لكنّه تعالى أمَرَ تخييراً، و نهى تحذيراً، أَقدَرَهُم على فعل الضِّدين، و هداهم النجدين، و مكّنهم في الحالين، لم يمنعهم عن فعل المعاصي جبراً، و لا قهرهم على فعل الطاعات قهراً،
1) . التعبير موهم للتفويض و هنا تفترق الزيدية عن الإمامية، فانّ لأفعال العباد عند الإمامية نسبتين: نسبة إلى اللّٰه سبحانه، و نسبة إلى العبد، و لأجل وجود النسبة، فأفعالهم منسوبة إليهم بالمباشرة و هم الفاعلون حقيقة، و إلى اللّٰه سبحانه بنحو من النسب إمّا بالتسبيب، أو اللطف منها، و لأجل ذلك روى عن الأئمة عليهم السلام أنّه: «لا جبر و لا تفويض».
و لو شاء لفعل كما قال عزّ و جلّ: «وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً» [يونس: 9(9)] يريد به مشيئة الإجبار لا مشيئة الاختيار، لأنّه لو أكرههم لم يكونوا مكلّفين، و لَبَطل الغرض ببعثة المرسلين.
فإن قيل: ربّك يعذب أحداً بغير ذنبه؟
فقل: لا يعذب أحداً إلاّ بذنبه؛ لأنّ عقاب من لا ذنب له ظلم، و الظلم قبيح، و هو تعالى لا يفعل القبيح، و قد قال تعالى: «وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ» [الأنعام: 16(4)].
فصل [في أنّ اللّٰه لا يقضي إلاّ بالحق](1)
فإن قيل: أربك يقضي بغير الحق؟
فقل: كلاّ، بل لا يقضي بالكفر و الفساد، لما في ذلك من مخالفة الحكمة و السداد، لقوله تعالى: «وَ اَللّٰهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ» [غافر: 2(0)]، فلا يجوز القول بأنّ المعاصي بقضاء اللّٰه تعالى و قَدَره بمعنى الخلق و الأمر، لأنّها باطلٌ، و لأنّ إجماع المسلمين منعقدٌ على أنّ الرضى بالمعاصي لا يجوز، و إجماعهم منعقد على أنّ الرضا بقضاء اللّٰه واجب، و لا مخلص إذاً من ذلك إلاّ بالقول بأنّ المعاصي ليست بقضاء
1) . العنوان حسن جداً، لكن إخراج المعاصي عن مجال قضائه و إرادته سبحانه يستلزم التفويض الممقوت، فالحق أنّ كل ما يوجد في الكون من حسن و جميل، و إيمان و كفر، و طاعة و عصيان، ليس خارجاً عن قضائه و علمه و إرادته لكن على وجه لا يستلزم الجبر و لا يسلب الاختيار. و التفصيل يطلب من محله.
اللّٰه؛ بمعنى أنّه خلقها، و لا أنّه أمر بها، و أمّا أنّه تعالى عالم بها فهو تعالى عالم بها، لأنّها من جملة المعلومات، و عِلْمُه بها لم يحمل العبد على فعلها، و لم يجبره على صنعها كما تقدم.
فإن قيل: هل ربك يُكلّف أحداً فوق طاقته؟
فقل: لا، بل لا يكلف أحداً إلاّ ما يطيق؛ لأنّ تكليف ما لا يطاق قبيح، و هو تعالى لا يفعل القبيح، فقد قال تعالى:
«لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا» [البقرة: 286]، و الوسع: دون الطّاقة، و قال: «إِلاّٰ مٰا آتٰاهٰا» [الطلاق: (7)].
فصل [في أنّ اللّٰه لا يريد شيئاً من القبائح](1)
فإن قيل: أربك يريد شيئاً من القبائح؟
فقل: إنّه تعالى لا يريد شيئاً منها، فلا يريد الظلم، و لا يرضى الكفر، و لا يحب الفساد، لأنّ ذلك كله يرجع إلى إرادة القبيح، و إرادة القبيح هي قبيحة، و هو تعالى لا يفعل القبيح.
أ لا ترى أنّه لو أخبرنا مُخبرٌ ظاهرهُ العدالة، بأنّه يريد الزنا و الظلم لسقطت عدالته، و نقصت منزلته، عند جميع العقلاء، و لا علّة لذلك إلاّ أنّه أتى قبيحاً، و هو إرادة القبيح.
و قد قال تعالى: «وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ اَلْفَسٰادَ» [البقرة: 20(5)].
و قال: «وَ لاٰ يَرْضىٰ لِعِبٰادِهِ اَلْكُفْرَ» [الزمر: 7(1)].
و قال: «وَ مَا اَللّٰهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبٰادِ» [غافر: 3(1)].
1) . مضى الكلام فيه في التعليقة السابقة.
فإن قيل: فهل ربّك يفعل لعباده ما هو مَفْسَدة؟
فقل: كلاّ، بل لا يفعل إلاّ الصّلاح، و لا يبلوهم إلاّ بما يدعوهم إلى الفلاح، سواء كان ذلك محنة أو نعمة؛ لأنّه تعالى لا يفعل إلاّ الصّواب و الحكمة كما تقدم، فإذا أمرضهم و ابتلاهم أو امتحنهم بفوت ما أعطاهم، فلا بُدّ من اعتبار المكلفين؛ ليخرج بذلك عن كونه عَبَثاً، و قد نبّه على ذلك بقوله تعالى: «أَ وَ لاٰ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عٰامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاٰ يَتُوبُونَ وَ لاٰ هُمْ يَذَّكَّرُونَ» [التوبة: 12(6)]، و لا بُدّ من العِوَض المتوفّي على ذلك بأضعاف مضاعفة، ليخرج بذلك عن كونه ظلماً، و قد ورَدَ ذلك في السنّة كثيراً، و الغَرَضُ الاختصار.
فإن قيل: فقد أكملت معرفة ربّك، فمن نبيك؟
فقل: محمّد صلى الله عليه و آله و سلم.
فإن قيل: فما برهانك على ذلك؟
فقل: لأنّه جاء بالمعجزة عقيب ادّعائه النبوّة، و كل من كان كذلك فهو نبيّ صادق.
فإن قيل: فما برهانك على أنّه جاء بالمعجز عقيب ادّعائه النبوّة؟
فقل: المعلوم ضرورة أنّه كان في الدنيا قبيلةٌ تُسمّى قريش، و أن فيهم قبيلة تسمّى: بنو هاشم، و أنّه كان فيهم رجلٌ اسمه: محمد بن عبد اللّٰه، و المعلوم ضرورةً
أنّه ادّعى النبوة، و أنّه جاء بالقرآن بعد ادعاء النبوة، و أنّه مشتمل على آيات التحدّي، و أنّه كان يتلوها على المشركين و يسمعونها و هم النّهاية في الفصاحة، و المعلوم ضرورةً شدّةُ عداوتهم له.
و إنّما قلنا: بأنّه معجز لأنّه تحداهم على أنّ يأتوا بمثله فعجزوا، ثمّ تحداهم على أن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا، ثمّ تحداهم بأنّ يأتوا بسورة من مثله فلم يقدروا على ذلك؛ لأنّهم لو قدروا على معارضته - مع شدّة عداوتهم له و علمهم بأنّ معارضته بمثل ما جاء به تبطلُ دعواه - لما عدلوا عنها إلى الشّاقّ من محاربته، التي لا تدل على بطلان دعواه، فدلّ ذلك على كونه معجزاً.
و لأنّ القرآن مشتمل على الإخبار بالغيوب المستقبلة، و على الإخبار عن الأُمور الماضية، فكان الأمر على ما أخبر في الماضي و المستقبل، فدَلّ ذلك على كونه معجزاً، لا يقدر عليه أحد من البشر.
و له معجزات كثيرة تقارب ألف معجزة، نحو: مجيء الشجرة إليه، و جريها على الماء كالسفينة، و سير الشّجرة، و إحيائه الموتى، و تسبيح الحصى في يده، و نحو ذلك كثير، و إنما قلنا بأنّ من كان كذلك فهو نبي صادق؛ لأنّ إظهار المعجز على أيدي الكَذّابين قبيح، و هو تعالى لا يفعله، و إذا ثبت صدقُهُ و صحّت نبوته، وجب تصديقه فيما أخبرنا به عن الأنبياء و المرسلين قبله، و وجب القضاء بصحة نبوتهم و تصديق رسالتهم، و هذا واضح.
فإن قيل: فما اعتقادك في القرآن؟
فقل: اعتقادي أنّه كلام اللّٰه تعالى، و أنّه كلام مسموع محدثٌ مخلوق.
فإن قيل: فما دليلك على ذلك؟
فقل، أمّا قولي: إنّه كلام اللّٰه تعالى، فلقوله تعالى: «وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ اِسْتَجٰارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّٰى يَسْمَعَ كَلاٰمَ اَللّٰهِ» [التوبة: (6)]، المعلوم أن الكلام الذي سمعه المشركون ليس بشيء غير هذا القرآن، و لأنّ المعلوم ضرورة أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم كان يدين و يخبر بذلك، و هو لا يدين إلاّ بالحق، و لا يخبر إلاّ بالصدق، لأنّ ظهور المعجز على يديه قد استأمن وقوع الخطأ فيما يدين به، و ظهور الكذب فيما يخبر به.
و أمّا قولي: إنّه مسموعٌ فذلك معلوم بالحسّ و لقوله تعالى: «إِنّٰا سَمِعْنٰا قُرْآناً عَجَباً» (الجن: (1) و المعلوم ضرورة أنّ ذلك المسموع هذا القرآن.
و أمّا قولي: إنّه محدَثٌ؛ فلأنّه فعل من أفعاله تعالى، و الفاعل متقدم على فعله بالضّرورة، و ما يتقدمه غيره فهو مُحدَث، و لأنّ بعضه متقدم على بعض، و ذلك يدل على أنّه محدَث، و لقوله تعالى: «مٰا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ » [الأنبياء: 2]. و الذكر هو القرآن، لقوله تعالى: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ» [الزخرف: 4(4)]، أيْ شَرَفٌ لك و لقومك.
و أمّا قولي: إنّه مخلوقٌ؛ فلأنّه مُرَتَّبٌ منظومٌ على مقدارٍ معلومٍ موافقٍ للمصلحة. بهذه الصِّفةِ المنزَّلة جَازَ وَصفهُ بأنّه مخلوقٌ، و لِما رواه عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «كان اللّٰه و لا شيء ثمّ خلق الذكر»، و الذكر هو القرآن كما تقدم.
ثمّ قل: و أعتقد أنّه حقّ لا باطل فيه، لقوله تعالى: «وَ إِنَّهُ لَكِتٰابٌ عَزِيزٌ * لاٰ يَأْتِيهِ اَلْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ» [فصلت: 41 و 4(2)].
ثمّ قل: و أعتقد أنّه لا تناقض فيه و لا تعارض و لا اختلاف، «وَ لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاٰفاً كَثِيراً» [النساء: 8(2)].
فإن قيل: من أوّلُ الأئمة بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، و أولى الأُمّة بالخلافة بعده بلا فصل؟
فقل: ذلك أمير المؤمنين و سيد الوصيين علي بن أبي طالب.
فإن قيل: هذه دعوى، فما برهانك؟
فقل: الكتاب، و السنّة، و إجماع العترة.
أمّا الكتاب، فقوله تعالى: «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ» [المائدة: 5(5)]، و لم يؤتِ الزكاةَ في حالِ ركوعه غيرُ علي عليه السلام، و ذلك أنّ سائلاً سأل على عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم في حال ركوع عليّ في الصلاة، و ذلك في مسجد النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فلم يعطه أحدٌ شيئاً، فأشار إليه عليه السلام بخاتمه و هو راكع و نواه زكاة، فأخذه السائلُ، فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية على رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم في الحال، فكانت في علي عليه السلام خاصة دون غيره من الأُمّة. و هي تفيد معنى الإمامة لأنّ الوليّ هو: المالك للتصرّف، كما يقال هنا: ولي المرأة، و ولي اليتيم، أي المالك للتصرف عليهما.
و أمّا السنّة، فخبر الغدير، و هو قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «أ لست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول اللّٰه. قال: فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَنْ والاه و عادِ مَنْ عاداه، و انصر مَنْ نصره، و اخذل مَنْ خَذَلَهُ»، فقال له عمر: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة.
و روينا عن المؤيد باللّٰه بإسناده إلى الصادق جعفر بن محمد الباقر أنّه سُئِلَ
عن معنى هذا الخير، فقال: سئل عنها - و اللّٰه - رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فقال: «اللّٰه مولاي أولى بي من نفسي لا أمر لي معه، و أنا ولي المؤمنين أولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم معي، و من كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معي، فعلي مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معه».
و إذا ثبت ذلك فإنّه يفيد معنى الإمامة؛ لأنّا لا نعني بقولنا: فلان إمام إلاّ أنّه أولى بالتصرف في الأُمّة من أنفسهم، و لأنّ لفظ المولى لا يفهم منه [إلاّ] مالك بالتصرف، كما يقال: هذا مولى العبد، أي المالك للتصرف فيه، و هذا يفيد معنى الإمامة كما تقدم.
و مما يدلّ على ذلك من السنّة: (خبر المنزلة) و هو معلوم كخبر الغدير، و هو قوله صلى الله عليه و آله و سلم لعلي: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»، فاستثنى النبوة، فدَلَّ ذلك على شموله لخصال الفضل كلها، و من جملتها مِلْك التصرف على الأُمّة، و أنّه أولى الخلق بالتصرف منهم، و ذلك معنى الإمامة كما تقدم.
و أمّا الإجماع فإجماع العترة منعقد على ذلك.
فإن قيل: لمن الإمامة بعد علي عليه السلام؟
فقل: هي للحسن ولده من بعده، ثمّ هي للحسين من بعد أخيه عليهما السلام.
فإن قيل: فما الدليل على إمامتهما؟
فقل: الخبر المعلوم، و هو قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «الحسن و الحسين إمامان قاما أو قعدا، و أبوهما خير منهما»، و هذا نصُّ جَلِيّ على إمامتهما، و فيه إشارة إلى إمامة
أبيهما، لأنّه لا يكون خيراً منه إلاّ إمام شاركه في خصال الإمامة و زاد عليه فيها، فيكون حينئذ خيراً منه، و هذا واضح، و الإجماع منعقد على أنّه لا ولاية لهما على الأُمّة في زمن النبي صلى الله عليه و آله و سلم، و لا في زمن علي عليه السلام إلاّ عن أمرهما، و أنّه لا ولاية للحسين في زمن أخيه الحسن إلاّ عن أمره، فبقيت الإمامة مخصوصة بالإجماع.
فصل [في الإمامة بعد الحسنين](1)
فإن قيل: لمن الإمامة بعدهما؟
فقل: هي محصورة في البطنين و محظورة على من عدا أولاد السبطين، فهي لمن قام و دعا من أولاد من ينتمي نسبه من قِبَل أبيه إلى أحدهما، متى كان جامعاً لخصال الإمامة، من: العِلْمِ الباهر، و الفضل الظاهر، و الشجاعة، و السخاء، و جودة الرأي بلا امتراء، و القوة على تدبير الأُمور، و الورع المشهور.
فإن قيل: ما الذي يدل على ذلك؟
فقل: أمّا الذي يدلّ على الحصر فهو أنّ العقل يقضي بقبح الإمامة، لأنّها تقتضي التصرف في أُمور ضارة من القتل، و الصّلب، و نحوهما، و قد انعقد إجماع المسلمين على جوازها في أولاد فاطمة عليها السلام، و لا دليل يدل على جوازها في غيرهم، فبقي من عداهم لا يصلح، و لأنّ العترة أجمعت على أنّها لا تجوز في غيرهم، و إجماعهم حجّة.
و أمّا الذي يدلّ على اعتبار خصال الإمامة التي ذكرنا فهو إجماع المسلمين.
فإن قيل: فسّروا لنا هذه الخصال.
فقل: أمّا العلمُ، فإنّه يكون عارفاً بتوحيد اللّٰه و عدله، و ما يدخل تحت ذلك،
1) . الإمامية قائلة بالنصّ بعدهما إلى الإمام الثاني عشر، فالمخالفة بين الطائفتين واضحة في هذا المقام.
و أن يكون عارفاً بأُصول الشرائع و كونها الأدلة، و هي أربعة: الكتاب، و السنّة، و الإجماع، و القياس، و المراد بذلك أن يكون فهماً في معرفة أوامر القرآن و السنّة و نواهيهما، و عامّهما، و خاصّهما، و مجملهما، و مبينهما، و ناسخهما، و منسوخهما، عارفاً بمواضع الوفاق، و طُرُق الخلاف في فروع الفقه، لئلاّ يجتهد في مواضع الإجماع، فيتحرى في معرفة القياس و الاجتهاد، ليمكنه ردّ الفرع إلى أصله.
و أمّا الفضل، فإن يكون أشهر أهل زمانه بالزيادة على غيره في خصال الإمامة أو كأشهرهم.
و أمّا الشجاعة، فإنّه يكون بحيث لا يجبن عن لقاء أعداء اللّٰه، و أن يكون رابط الجأش و إن لم يكثُر قَتْلُه و قِتالُه.
و أمّا السخاء، فإن يكون سخياً بوضع الحقوق في مواضعها.
و أمّا جودة الرأي، فإن يكون بالمنزلة التي يُرْجَعُ إليه عند التباس الأُمور.
و أمّا القوة على تدبير الأُمور، فلا يكون منه نقص في عقله، و لا آفة في جسمه، يضعف لأجل ذلك عن النظر في أُمور الدّين و إصلاح أحوال المسلمين.
و أمّا الورع، فإن يكون كافّاً عن المقبحات، قائماً بالواجبات.
فإن قيل: فما الطريق إلى إثبات كونه على هذه الخصال؟
فقل: أمّا كونه عالماً فيحصل العلم به للعلماء بالمباحثة و المناظرة، و يحصل لغيرهم من الأتْباع العلم بكونه عالماً بوقوع الإطباق و الإجماع على كونه كذلك.
و أمّا سائر الخصال فلا بد من حصول العلم بكونه عليها، و إن كان غائباً، فإنّه يحصل العلم التواتري بذلك، و كذلك حكم العلم إذا كان غائباً، فإن طريق
العلم به الأخبار المتواترة للعلماء و غيرهم، و إن كان حاضراً فلا بد من حصول العلم بكونه جامعاً لها، لأنّها من أُصول الدين، فلا يأخذ بالأمارات المقتضية للظن بكونه جامعاً لها.
فإن قيل: فما ذا تدين به في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؟
فقل: أدين اللّٰه تعالى أنّه يجب الأمر بالمعروف الواجب و النهي عن المنكر؛ لقوله تعالى: «وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ» [آل عمران: 10(4)]، و إنما قلنا: إنّه يجب الأمر بالمعروف الواجب؛ لإجماع المسلمين أنّه لا يجب الأمر بالمعروف المندوب، فلم يبق إلاّ القضاء بالأمر بالمعروف الواجب مع الإمكان و إلاّ بطلت فائدة الآية، و معلوم خلاف ذلك، و قلنا: يجب النهي عن كل منكر لإجماع المسلمين على ذلك؛ و لأنّ المنكرات كلها قبائح فيجب النهي عنها جميعاً مع الإمكان، كما يلزم الأمر بالمعروف الواجب مع الإمكان.
فإن قيل: فما ذا تدين به في الوعد و الوعيد؟
فقل: أدين اللّٰه بأنّه لا بدّ من الثواب للمؤمنين إذا ماتوا على الإيمان مستقيمين، و دخولهم جنات النعيم: «لاٰ يَمَسُّهُمْ فِيهٰا نَصَبٌ وَ مٰا هُمْ مِنْهٰا بِمُخْرَجِينَ» [الحجر: 48] «خٰالِدِينَ فِيهٰا أَبَداً».
و أدين اللّٰه بصحة ما وعد به من سعة الجنة، و طيب مساكنها، و سرُرها الموضوعة، و مآكلها المستلذة المستطابة، و فواكهها الكثيرة التي ليست بمقطوعة و لا ممنوعة، و أنهارها الجارية التي ليست بمستقذرة و لا آسنة، و لا متغيرة و لا آجنةٍ، و ملابسها الفاخرة، و زوجاتها الحسان الطاهرة، و البهية النّاضِرة، و نحو ذلك مما بيّنه اللّٰه تعالى في كتابه المجيد، و هو حقّ لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
و أدين اللّٰه تعالى أنّه لا بدَّ من عقاب الكافرين في جهنم بالعذاب الأليم، و شراب الحميم، و شجرة الزَّقُّوم طعام الأثيم، و أنّهم يخلّدون فيها أبداً، و يلبسون ثياباً من نار، و سرابيل من القَطِران، كلّما نضجت جلودُهم بدّلهم اللّٰه جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، و كل ذلك معلوم من ضرورة الدين.
فإنّ قيل: ما ذا تدين به في أهل الكبائر سوى أهل الكفر؟
فقل: أُسمّيهم: فُسّاقاً، و مجرمين، و طغاة، و ظالمين، لإجماع الأُمّة على تسميتهم بذلك، و لا أُسمّيهم كفاراً على الإطلاق، و لا مؤمنين(1)لفقد الدلالة على ذلك.
و أدين اللّٰه تعالى بأنّهم متى ماتوا مُصرّين على الكبائر فإنّهم يدخلون نار جهنم، و يخلّدون(2)فيها أبداً، و لا يخرجون في حال من الأحوال، لقوله تعالى: «إِنَّ
اَلْمُجْرِمِينَ فِي عَذٰابِ جَهَنَّمَ خٰالِدُونَ» [الزخرف: 74]، و الفاسق عاصٍ، كما أنّ الكافر عاصٍ، فيجب حمل ذلك على عمومه، إلاّ ما خصّته دلالةٌ. و قوله تعالى:: «وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَدْعُونَ مَعَ اَللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ وَ لاٰ يَقْتُلُونَ اَلنَّفْسَ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللّٰهُ إِلاّٰ بِالْحَقِّ وَ لاٰ يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً * يُضٰاعَفْ لَهُ اَلْعَذٰابُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً» [الفرقان: 68-6(9)].
و إجماع العترة على ذلك، و إجماعهم حجة.
فإن قيل: فمن المؤمن، و ما يجب في حقه؟
فقل: المؤمن من أتى بالواجبات، و اجتنب المُقَبّحات، فمن كان كذلك؛ فإنّا نسميه: مؤمناً، و مسلماً، و زكياً، و تقياً، و براً، و وليّاً، و صالحاً، و ذلك إجماع، و يجب: إجلاله، و تعظيمه، و احترامه، و تشميته، و موالاته، و مودّته، و تحرم: معاداته، و بُغضُه، و تحظر: نميمته، و غيبَتُهُ، و هو إجماع أيضاً، و مضمون ذلك أن تُحِبَّ له ما تحب لنفسك، و تكره له ما تكره لنفسك، و بذلك وردت السنّة.
فإن قيل: فمن الكافر؟
فقل: من لم يَعْلَمْ له خالقاً، أو لم يَعْلَم شيئاً من صفاته التي يتميز بها عن غيره، من كونه قادراً لذاته، عالماً لذاته، حيّاً لذاته، و نحو ذلك من صفاته المتقدمة، فمن جحد شيئاً من ذلك أو شك أو قلد، أو اعتقد أنّه في مكان دون
مكان، أو أنّه في كل مكان، أو شكّ في ذلك، أو اعتقد له شريكاً أو أنّه يفعل المعاصي أو يُرِيدها، أو يَشُكّ في شيء من ذلك، أو جحد رَسُولَ اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، أو ردّ ما عُلم من الدّين ضرورة باضطراب أو شك في شيء من ذلك، فهو كافرٌ بالإجماع، و يجوز أن نسمّيه: فاجراً، و فاسقاً و طاغياً، و مارقاً، و مجرماً، و ضالماً، و آثماً، و غاشماً، و نحو ذلك من الأسماء المشتقة من أفعاله بلا خلاف.
و إن كان يُظهرُ الإيمان و يبطنُ الكفر، جاز أن نسميه مع ذلك: منافقاً، بالإجماع.
و من كانت هذه حالته - أعني غير المنافق - جاز قتله و قتاله، و حصره، و أخذ ماله، و تجب معاملته بنقيض ما ذكرنا أنّه يجب من حقّ المؤمن، و قد ذكرنا أحكامه مفصّلة في (ثمرات الأفكار في أحكام الكفار).
فإن قيل: فمن الفاسق و ما حكمه؟
قلنا: أمّا الفاسق فهو مُرْتَكِبُ الكبائر سوى الكفر، نحو الزاني، و شارب الخمرة، و القاذف، و من فرّ من زحف المسلمين غير متحرفٍ لقتال و لا متحيز إلى فئة، و تاركُ الجهاد بعد وجوبه عليه، و تاركُ الصلاة، و الصيام، و الحج، مع وجوب ذلك عليه، غيرُ مُستحلّ لتركه و لا مستخفّ، و السارق من سرق عشرة دراهم - أي قفلة - فما فوق بغير حق، و نحو ذلك من الكبائر، فمن فعل ذلك أو شيئاً منه، فإنّه يجوز أن نسميه بالأسماء المتقدمة قبل هذه في الكافر، إلاّ لفظ: الكافر، و المنافق، فإنّ ما عداهما إجماع أنّه يجوز تسميته به، و أمّا المنافق فلا بد من دلالة تدل على
جواز إطلاقه عليه، و أمّا لفظ: الكافر، فمنعه كثير من العلماء، و أجاز إطلاقه جماعةٌ مع التنبيه، فقالوا: هو كافر نعمة، و هو الصحيح؛ لأنّه مروي عن علي عليه السلام، و هو إجماع العترة، و لِمُوافقة الكتاب.
و أمّا حكمه فحكم الكافر فيما تقدم إلاّ القتل و القتال، و أخذ الأموال فلا يجوز إلاّ بالحق، و لا يجوز قتله على الإطلاق، و كذلك حصره فلا يجوز بحال من الأحوال.
فإن قيل: ما الفرق بين فعل اللّٰه و بين فعل العبد؟
فقل: فعل اللّٰه جواهر و أعراض و أجسام، يعجز عن فعلها جملة الأنام، و مضمونه أنّ كلما وقف على قصد العبد و اختياره تحقيقاً أو تقديراً فهو فعله، و ما لم يكن كذا فليس بفعله.
ثمّ قل أيُّها الطالب للنجاة: و أدين اللّٰه تعالى بأنّه لا بد من الموت و الفناء، و الإعادة بعد ذلك للحساب و الجزاء، و النفخ في الصور، و بعثرة القبور، و الحشر للعرض المشهور، و الإشهاد على الأعمال بغير زور، و وضع الموازين، و أخذ الكتب بالشمال و اليمين، و البعث و السؤال للمكلفين، و أن ينقسموا فريق في الجنّة و فريق في السعير، و كل ذلك معلوم من ضرورة الدين، و أنّه لا بد من المناصفة بين المظلومين و الظالمين، لدلالة العدل بيقين.
فإن قيل: ما تقول في الشفاعة؟
فقل: أدين اللّٰه تعالى بثبوتها يوم الدين، و إنما تكون خاصة للمؤمنين(1)
و هذه المواضع الثلاثة، هي من مواضع الاتفاق بين المعتزلة و الزيدية.
- دون من مات مصرّاً من المجرمين على الكبائر - ليزيدهم نعيماً إلى نعيمهم، و سروراً إلى سرورهم، و لمن ورد العَرْضَ و قد استوت حسناته و سيئاته، فيشفع له النبي صلى الله عليه و آله و سلم؛ ليرقى درجة أعلى من درجة غير المكلفين من الصبيان و المجانين، و إنّما قلنا: إنّه لا بد من ثبوتها، لقوله تعالى: «عَسىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقٰاماً مَحْمُوداً» [الإسراء: 7(9)]، قيل: هو الشفاعة، و قال صلى الله عليه و آله و سلم: «من كذب بالشفاعة لم ينالها يوم القيامة».و أمّا أنّها تكون لمن ذكرناها، فلقوله تعالى: «مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاٰ شَفِيعٍ يُطٰاعُ» [غافر: 18]، «مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ أَنْصٰارٍ» [البقرة: 270]، و قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي»، و قوله تعالى: «وَ لاٰ يَشْفَعُونَ إِلاّٰ لِمَنِ اِرْتَضىٰ» [الأنبياء: 2(8)] كل ذلك يدلُّ على ما قلنا.
و تم بذلك ما أردنا ذكره للمسترشدين، تعرّضاً منّا لثواب ربّ العالمين، ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنّك أنت الوهاب. و صلّ اللّهم و سلم على محمد صفيك و خاتم أنبيائك، و على آله سفن النجاة آمين.
و توفنا مسلمين آمين اللّهمّ آمين.
1) . أراد بالمؤمنين العدول و عند الإمامية يعم العادل و الفاسق و قد بينا الدليل في الجزء الثالث عند الكلام في الشفاعة عند المعتزلة.
و هناك رسالة أُخرى في عقائد الزيدية باسم «مصباح العلوم في معرفة الحيّ القيوم» للعلامة أحمد بن الحسن الرصاص المتوفّى عام 600 - أو - 650 و على كل تقدير فالرسالة تنتمي إلى النصف الأوّل من القرن السابع كالرسالة السابقة و هي معروفة بالثلاثين مسألة، و قد حقّقها الدكتور محمد عبد السلام كفافي أُستاذ الآداب الإسلامية بجامعة القاهرة و جامعة بيروت العربية و قوّم نصّها بالعثور على مخطوطات في مكتبة المتحف البرطاني بلندن، و لها نسخ في مكتبات أوروبا يقول المحقق: «و الظاهر من كثرة عدد النسخ أنّ هذه الرسالة كانت ذائعة بين أتباع المذهب الزيدي و لا عجب في ذلك فهي تلخص معتقداتهم تلخيصاً وافياً في صفحات قلائل»(1).
إنّ تعاصر المؤلفين و تقارب مضامين الرسالتين، و رغبة القراء إلى الاختصار حفزتنا إلى نشر الرسالة الأُولى فقط.
1) . مصباح العلوم: المقدمة 5.
يشهد التاريخ على أنّ حلقات المناظرة كانت تنعقد في الجامعات و بيوت الشخصيات في عصر الشيخ المفيد (336-413 ه) و يشارك فيها الإمامي و الزيدي و المعتزلي و غيرهم، و كان الشيخ يناظر كل هذه الفرق، ببلاغة تثير إعجاب المشاركين.
و قد ذكر السيد المرتضى (355-463 ه) قسماً من هذه المناظرات في كتابه «الفصول المختارة» الذي اختاره من كتاب «العيون و المحاسن» لأُستاذه الشيخ المفيد، و قد طبع الأوّل دون الثاني.
و نذكر هنا أجوبة الشيخ للاعتراضات الثلاثة التي طرحها أحد شيوخ الزيدية المعروف بالطبراني و يدور الجميع على محاور ثلاثة.
إنّ الإمامية حنبلية من جهات ثلاث:
1 - يعتمدون على المنامات كالحنابلة.
2 - يدّعون المعجزات لأكابرهم كالحنابلة.
3 - يرون زيارة القبور مثلهم.
و إليك الاعتراضات و الأجوبة بنصهما.
قال الشيخ: كان يختلف إليّ حدَث من أولاد الأنصار و يتعلّم الكلام فقال لي يوماً: اجتمعت البارحة مع الطبراني شيخ من الزيدية، فقال لي: أنتم يا معشر الإمامية حنبلية و أنتم تستهزئون بالحنبلية، فقلت له: و كيف ذلك؟ فقال: لأنّ الحنبلية تعتمد على المنامات و أنتم كذلك، و الحنبلية تدّعي المعجزات لأكابرها و أنتم كذلك، و الحنبلية ترى زيارة القبور و الاعتكاف عندها و أنتم كذلك، فلم يكن عندي جواب أرتضيه، فما الجواب؟
قال الشيخ أدام اللّٰه عزّه: فقلت له: أرجع فقل له: قد عرضتُ ما ألقيته إليّ على فلانٍ، فقال لي: قل له إن كانت الإمامية حنبلية بما وصفت أيها الشيخ فالمسلمون بأجمعهم حنبلية و القرآن ناطق بصحة الحنبلية و صواب مذاهب أهلها، و ذلك أنّ اللّٰه تعالى يقول: «إِذْ قٰالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يٰا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سٰاجِدِينَ * قٰالَ يٰا بُنَيَّ لاٰ تَقْصُصْ رُؤْيٰاكَ عَلىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ اَلشَّيْطٰانَ لِلْإِنْسٰانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ» (يوسف: 4-(5).
فأثبتَ اللّٰه جلّ اسمه المنام و جعل له تأويلاً عرفه أولياءه عليهم السلام و أثبتته الأنبياء ودان به خلفاؤهم و أتباعهم من المؤمنين و اعتمدوه في علم ما يكون و أجروه مجرى الخبر مع اليقظة و كالعيان له.
و قال سبحانه: «وَ دَخَلَ مَعَهُ اَلسِّجْنَ فَتَيٰانِ قٰالَ أَحَدُهُمٰا إِنِّي أَرٰانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَ قٰالَ اَلْآخَرُ إِنِّي أَرٰانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ اَلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنٰا بِتَأْوِيلِهِ إِنّٰا نَرٰاكَ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ» (يوسف - 3(6).
فنبّأهما عليه السلام بتأويله و ذلك على تحقيق منه لحكم المنام، و كان سؤالهما له مع جهلهما بنبوته دليلاً على أنّ المنامات حقّ عندهم، و التأويل لأكثرها صحيح
إذا وافق معناها، و قال عزّ اسمه: «وَ قٰالَ اَلْمَلِكُ إِنِّي أَرىٰ سَبْعَ بَقَرٰاتٍ سِمٰانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجٰافٌ وَ سَبْعَ سُنْبُلاٰتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يٰابِسٰاتٍ يٰا أَيُّهَا اَلْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيٰايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيٰا تَعْبُرُونَ * قٰالُوا أَضْغٰاثُ أَحْلاٰمٍ وَ مٰا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ اَلْأَحْلاٰمِ بِعٰالِمِينَ» (يوسف: 43-4(4) ثمّ فسرها يوسف عليه السلام و كان الأمر كما قال.
و قال تعالى في قصة إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام: «فَلَمّٰا بَلَغَ مَعَهُ اَلسَّعْيَ قٰالَ يٰا بُنَيَّ إِنِّي أَرىٰ فِي اَلْمَنٰامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مٰا ذٰا تَرىٰ قٰالَ يٰا أَبَتِ اِفْعَلْ مٰا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ مِنَ اَلصّٰابِرِينَ» (الصافات: 10(2) فأثبتا عليهما السلام الرؤيا و أوجبا الحكم و لم يقل إسماعيل لأبيه عليه السلام يا أبت لا تسفك دمي برؤيا رأيتها فإنّ الرؤيا قد تكون من حديث النفس، و أخلاط البدن و غلبة الطباع بعضها على بعض كما ذهبت إليه المعتزلة.
فقول الإمامية في هذا الباب ما نطق به القرآن، و قول هذا الشيخ هو قول الملأ من أصحاب الملك حين قالوا:
«أَضْغٰاثُ أَحْلاٰمٍ» و مع ذلك فإنّا لسنا نثبت الأحكام الدينية من جهة المنامات و إنّما نثبت من تأويلها ما جاء الأثر به عن ورثة الأنبياء عليهم السلام.
فأمّا قولنا في المعجزات فهو كما قال اللّٰه تعالى: «وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذٰا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اَلْيَمِّ وَ لاٰ تَخٰافِي وَ لاٰ تَحْزَنِي إِنّٰا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جٰاعِلُوهُ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ» (القصص - (7).
فَضمَّنَ هذا القولُ تصحيح المنام إذ كانَ الوَحي إليها في المنام، و ضمَّنَ المعجز لها لعلمها بما كان قبل كونه.
و قال سبحانه في قصة مريم عليها السلام: «فَأَشٰارَتْ إِلَيْهِ قٰالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كٰانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا * قٰالَ إِنِّي عَبْدُ اَللّٰهِ آتٰانِيَ اَلْكِتٰابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا * وَ جَعَلَنِي
مُبٰارَكاً أَيْنَ مٰا كُنْتُ وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلاٰةِ وَ اَلزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا» (مريم - 29-3(1) فكان نطق المسيح عليه السلام معجزاً لمريم عليهما السلام إذ كان شاهداً ببراءة ساحتها. و أُمّ موسى عليه السلام و مريم لم تكونا نبيين و لا مرسلين و لكنهما كانتا من عباد اللّٰه الصالحين. فعلى مذهب هذا الشيخ كتاب اللّٰه يصحح الحنبلية.
و أمّا زيارة القبور فقد أجمع المسلمون على وجوب زيارة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم حتى رووا «منْ حجَّ و لم يزره متعمداً فقد جفاه صلى الله عليه و آله و سلم و ثلم حجّهُ بذلك الفعل»، و قد قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «من سلّم عليّ من عند قبري سمعته، و من سلّم عليَّ من بعيد بلغته» سلام اللّٰه عليه و رحمته و بركاته و قال صلى الله عليه و آله و سلم للحسن عليه السلام: «من زارك بعد موتك أو زار أباك أو زار أخاك فله الجنّة».
و قال أيضاً: في حديث له أوّل مشروح في غير هذا الكتاب: «تزوركم طائفة من أُمتي تريد به برّي و صلَتي فإذا كان يوم القيامة زرتها في الموقف فأخذت بأعضادها و أنجيتها من أهواله و شدائده».
و لا خلاف بين الأُمّة أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لما فرغ من حجّة الوداع لاذ بقبر درس فقعد عنده طويلاً ثمّ استعبر فقيل له:
يا رسول اللّٰه ما هذا القبر؟ فقال: هذا قبر أُمّي آمنة بنت وهب سألت اللّٰه في زيارتها فأذن لي.
و قال صلى الله عليه و آله و سلم: «قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها و كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي ألا فادخروها».
و قد كان أمر في حياته صلى الله عليه و آله و سلم بزيارة قبر حمزة عليه السلام و كان عليه السلام يلمّ به و بالشهداء، و لم تزل فاطمة عليها السلام بعد وفاته صلى الله عليه و آله و سلم تغدو إلى قبره و تروح لزيارته و كان أهل بيته و المسلمون يثيرون على زيارته و ملازمة قبره صلى الله عليه و آله و سلم فإن كان ما تذهب إليه الإمامية من زيارة مشاهد الأئمة عليهم السلام حنبلية و سخفاً من الفعل،
فالإسلام مبني على الحنبلية و رأس الحنبلية رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، و هذا قول متهافت جداً يدلّ على قلة دين قائله و ضعف رأيه و بصيرته.
ثمّ قال له: يجب أن تعلم أنّ الذي حكيت عنه قد حرّف القول و قبّحه و لم يأت به على وجهه، و الذي نذهب إليه في الرؤيا أنّها على أضرب: فضرب منه يبشر اللّٰه به عباده و يحذرهم. و ضرب تهويل من الشيطان و كذب يخطر ببال النائم. و ضرب من غلبة الطباع بعضها على بعض، و لسنا نعتمد على المنامات كما حكاه لكننا نأنس بما نبشر به، و نتخوف مما نحذر منها و من وصل إليه شيء من علمها عن ورثة الأنبياء عليهم السلام مَيّز بين حقّ تأويلها و باطله و متى لم يصل إليه شيء من ذلك كان على الرجاء و الخوف.
و هذا يسقط ما لعله سيتعلق به في منامات الأنبياء عليهم السلام من أنّها وحي لأنّ تلك مقطوع بصحتها و هذه مشكوك فيها مع أنّ منها أشياء قد اتفق ذوو العادات على معرفة تأويلها حتى لم يختلفوا فيه و وجدوه حسنا.
و هذا الشيخ لم يقصد بكلامه الإمامية و لكنه قصد الأُمّة و نصر البراهمة و الملاحدة، مع أني أعجب من هذه الحكاية عنه و أنا أعرفه يميل إلى مذهب أبي هاشم و يعظّمه و يختاره، و أبو هاشم يقول في كتابه «المسألة في الإمامة»: إنّ أبا بكر رأى في منام كان عليه ثوباً جديداً عليه رقمان ففسره على النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقال له: إن صدقت رؤياك تبشر بخير (فستخبر بولدين خ) و تلي الخلافة سنتين، فلم يرض شيخه أبو هاشم أن أثبت المنامات حتى أوجب بها الخلافة و جعلها دلالة على الإمامة. فيجب على قول هذا الشيخ الزيدي عند نفسه أن يكون أبو هاشم رئيس المعتزلة عنده حنبلياً بل يكون عنده أبو بكر حنبلياً بل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لأنّه صحح المنام و أوجب به الأحكام، و هذا من بهرج المقال(1).
1) . السيد المرتضى: الفصول المختارة: 128-132.
إنّ السبر في التاريخ يثبت بأنّ المزاملة العلمية و الاجتماعية بين الشيعة الزيدية و الشيعة الإمامية في الأعصار السابقة كانت وطيدة. و كانت كل طائفة تعرف ما عند الطائفة الأُخرى من العقائد و الأحكام، و الأدب و الشعر. و كانت المجالس المنعقدة في الجامعات و البيوت تحتفل بهما معاً. فكان يدور بينهما النقاش و الإفادة و الاستفادة، و يظهر ذلك من كتاب الشيخ المفيد أعني الفصول المختارة. كما يظهر أيضاً من الرجوع إلى كتابه أوائل المقالات على أنّ له رسالة خاصة في عقائد الجارودية من الزيدية.
كل ذلك يعرب عن صلة وثيقة بين الطائفتين. و لا إشكال أنّ الصلة كانت لصالحهما. و لكن لا نعلم في أي عصر ضعفت هذه الصلة إلى أن كادت أن تنقطع.
فلأجل ذلك لا نكاد نرى زيديّاً في جامعة النجف الأشرف و سائر حوزات الشيعة الإمامية و بالعكس إلاّ نادراً. كما لا نرى أي صلة بين الطائفتين في الكتب المؤلفة في العصور الأخيرة من عصر ابن المرتضى إلى يومنا هذا.
و لعلّ الأجواء و الظروف السياسية قد أوجدت تلك الهوة ما بينهما فخسرت الطائفتان علمياً و أدبياً إذ هما صنوان يقومان على جذور واحدة.
اسأله سبحانه أن يعيد الوحدة ما بين المسلمين عموماً، و بين الطائفتين خصوصاً.
إنّ الزيدية - بحق - تركت ثروة علمية في جميع مجالات العلوم الإسلامية خصوصاً في الأدب و الكلام و الفقه، و تراثهم الباقي، و فهارس مكتباتهم يشهد على ذلك بوضوح. و لعل أحد العلل في تطور علومهم خصوصاً في الفقه عدم التزامهم بالأخذ بالمذاهب الفقهية المعروفة و إن كانوا متأثرين بالفقه الحنفي.
فوجود الاجتهاد و استمراره في حياتهم من عصر القاسم الرسيّ إلى يومنا هذا ضخّم ثقافتهم، و أعطى لها أبعاداً كثيرة.
غير أنّ من المأسوف عليه عدم اطّلاع المسلمين على تلك الثقافة لأنّها صارت محصورة في اليمن و ما والاها.
و قد قام العلاّمة البحاثة السيد أحمد الحسيني دام علاه بفهرست كتبهم بعد رحلتين إلى اليمن الخصيب فجاء مجهوده مطبوعاً في أجزاء ثلاثة ذكر فيها أسماء (3346) من كتبهم المختلفة حسب الحروف الأبجدية و أردفها بالفهارس العامة أهمها فهرس أسماء المؤلفين فقد ذكر أسماء المؤلفات حين التعرض لأسماء المؤلفين و بذلك يغني الإنسان عن ملاحظة كل كتاب في محله. و من حسن الحظ أنّ مكتبة الجامع الكبير بصنعاء تحفل بمخطوطات كثيرة للزيدية فعلى المهتمين بالتراث الإسلامي السعي في تصويرها قبل أن تندثر.
و للتعرف على الشخصيات الزيدية و على ثقافاتهم و كتبهم لا محيص من الرجوع إلى كتبهم المختلفة في التراجم و الرجال و التاريخ.
و من هذه الكتب ما نذكره فيما يلي و الكل مخطوط لم ير النور:
1 - نسمة السحر في ذكر من تشيع و شعر: تأليف يوسف بن يحيى الحسني الصنعاني (1121 ه) ترجم فيه لمائة و أربعة و تسعين من شعراء الشيعة المتقدمين و المتأخرين منهم.
2 - نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف: تأليف السيد محمد بن محمد زبارة الحسني الصنعاني 1380 ه ترجم لأعلام اليمن في القرون الأربعة بعد الألف الهجري إلى سنة 1375 ه. و قد أسمى لكل قرن اسماً.
3 - مطلع البدور و مجمع البحور: تأليف القاضي أحمد بن صالح أبي الرجال الصنعاني (ت 1092 ه) و هو في أربعة أجزاء تشتمل على أكثر من 1360 ترجمة.
4 - نشر كتاب الحدائق الوردية: لحميد الدين المحلي نشراً جديداً يناسب روح العصر.
إلى غير ذلك من الكتب التي تعرّف أئمة الزيدية و شخصياتهم.
نعم أُلّفت في العصور الأخيرة كتب في تاريخ اليمن لها قيمتها، و للمؤلفين أجرهم.
إنّ للحكومة الإسلامية حسب ما يعطي الإمعان في الكتاب و السنّة و سيرة المسلمين أُسساً و أركاناً ثلاثة لكلٍّ شأنه و مكانته:
للسلطة التشريعية مراحل ثلاث بعضها بيد اللّٰه سبحانه، و البعض الآخر موكول إلى الأُمّة الإسلامية في ضمن شرائط:
1 - التشريع و التقنين للّٰه خاصة بالأصالة فلا شارع و لا مقنّن سواه و لا يحق لأحد - كان من كان و بلغ ما بلغ من العلم و الثقافة و المكانة الفكرية و الاجتماعية - أن يشرّع حكماً أو يحلّ حلالاً أو يحرم حراماً فكل ذلك موكول إلى اللّٰه سبحانه، إذ الحكم، حكمان: إلهي و جاهليّ و لا ثالث لهما فإذا لم يكن معزوّاً إليه، فهو حكم جاهلي قال سبحانه: «أَ فَحُكْمَ اَلْجٰاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» (المائدة - 5(0).
نعم هناك مرحلتان: مفوضتان إلى فريق من الأُمّة لهم صلاحيّات خاصة و هما:
1 - مرحلة التشخيص: أي استنباط الحكم الإلهي من الكتاب و السنّة، فهي للفقهاء العدول، يبذلون جهدهم لفهم حكم اللّٰه و استخراجه من الأدلّة الشرعية.
2 - مرحلة التخطيط و تبيين برامج البلاد حسب الضوابط الإسلامية و هي للخبراء و ذوي الاطلاع من الأُمّة و هذا ما يصطلح عليه اليوم بالمجلس النيابي.
و الفرق بين صيغة الحكومة الإسلامية و الأنظمة البشرية الغربية و الشرقية، هو أنّ سلطة التشريع بيد اللّٰه سبحانه فيها دون تلك الأنظمة إذ فيها بيد وكلاء
الشعب فالمجلس النيابي عندهم مجلس التقنين و التشريع و عند المسلمين مجلس التخطيط و التنظيم في ضوء قوانين السماء.
المراد بالسلطة التنفيذية في مصطلح اليوم هو هيئة الوزراء و ما يتبعها من دوائر و مديريات منتشرة في أنحاء البلاد و مهمّتها تنفيذ ما يقرره مجلس الشورى من تصميمات و قرارات و مخطّطات في شتى حقول الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، و بالتالي يقع على عاتقها مهمة إدارة البلاد بصورة مباشرة، لها ألوان و صيغ في الأنظمة البشرية و أما لونها في الحكومة الإسلامية فليس إلاّ كون السلطة - إذا لم يكن هناك نصّ من اللّٰه سبحانه على شخص خاص - موضع رضا الأُمّة لأنّها تتسلم زمام السلطة المباشرة على نفوس الناس و أموالهم و أرواحهم، و لو لا الرضا لعاد إلى الاستبداد المبغوض عند الشرع و العقل و قد بسطنا الكلام حول السلطة التنفيذية و صلاحياتها من التخصص، و الوثاقة، و الزهد، و العدل، و كونها موضع رضا الأُمّة في كتابنا: «مفاهيم القرآن»(1).
إنّ القضاء يلعب دوراً كبيراً في تبديل الاختلاف إلى الوئام، و التنازع إلى التوافق و بالتالي ينشر العدل و يصون الحقوق و الحرمات، غير أنّه لا يصلح ذلك المقام إلاّ لفريق من الشعب يتمتعون بالبلوغ و العقل و الإيمان و العدالة و طهارة المولد و العلم بالقانون الإلهي و الذكورة، سليم الذاكرة، و عندئذ يحقّق القاضي أهدافه السامية.
1) . مفاهيم القرآن: 205/2-210.
و ما ذكرناه يوقف الإنسان على صورة بسيطة من الحكومة الإسلامية المتجلية في نظرية الإمامة أو الخلافة و ليس فيها أي استبداد و سلب الحريات، و أمّا تخصيص التشريع باللّٰه سبحانه، فلأنّه سبحانه أعرف بمصالح عباده، و لأنّ التقنين سلطة على الأموال و النفوس و هي فرع وجود الولاية عليهما، و لا ولاية لأحد على أحد إلاّ للّٰه سبحانه، فلأجل ذلك خصّ التشريع به سبحانه، و أمّا المرحلتان الباقيتان أعني الإفتاء و التخطيط، فيقوم به فريق منهم، لهم صلاحيات و قابليّات.
فالإفتاء و إن كان رهن شروط و لكنه لا يشترط فيه رضا الأُمّة، لأنّه مقام علمي، يتوقف على حيازته و يكفي ثبوت الصلاحية له، اقترانه بتصديق الخبراء.
نعم التصدي للتخطيط، رهن رضا الأُمّة و تحقيق الرضا و تجسيدها يتبع مصالح العصر و شعور الأُمّة.
و أمّا السلطة التنفيذية، فلو كان الحاكم منصوباً من اللّٰه سبحانه، فهو المتبع، كما في مورد الرسول، و الإمام المنصوص بعده، و إلا فالسلطة لفريق من الأُمّة، يتمتع بصفات و قابليات مذكورة في السنّة، أهمها كونها موضع رضا الأُمّة، و يتجسّد رضاهم بصورة مختلفة مذكورة في محلها.
و مثلها السلطة القضائية فلا يصلح لها إلاّ فريق لهم صفات و مؤهلات، و تنتهي سلطته، إلى رضا الأُمّة الذي يتجسد بصور شتى.
إنّ المطروح لدى الزيدية من الإمامة غير ما ذكرنا و لو كان الملاك لتبيين مذهبهم ما ذكره كتّاب العقائد من غيرهم، و ابن المرتضى من أنفسهم، فنظام الإمامة في غير مورد المنصوص عليه عندهم، أمر لا يلائم روح الكتاب و السنّة و لا
متطلبات العصر، لأنّهم القائلون بإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين (بالتنصيص السماوي) و زيد بن علي و لإمامة كل فاطميّ دعا إلى نفسه و هو على ظاهر العدالة و من أهل العلم و الشجاعة و كانت بيعته على تجريد السيف للجهاد(1).
و قال الشهرستاني: إنّهم (الزيدية) يعتبرون في نظام الإمامة اتّباع كلّ فاطمي عالم، شجاع، سخي، خرج بالإمامة، سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين عليهما السلام و ربّما جوّزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال و يكون كل واحد منهما واجب الطاعة(2).
و يقول ابن المرتضى و تنعقد بالدعوة مع الكمال.
الإمعان في كتب الزيدية حول الإمامة أو ما حرروه بأقلامهم، يعرب عن أنّ دعائم الإمامة عندهم ثلاثة:
1 - الوراثة: كون الداعي فاطميّاً.
2 - الدعوة إلى الإمامة.
3 - الخروج بالسيف.
و لكن باب المناقشة فيها مفتوح.
أمّا المبدأ الأوّل فإذا كان الإمام منصوصاً من قبل اللّٰه فالمتبع أمره فاطمياً كان أو لا، و إن كان أمره سبحانه في غير الإمام علي عليه السلام منطبقاً عليه، لكن لا بملاك كونهم فاطميين بل بملاكات خاصة أهّلتهم لأن يكونوا أُولي الأمر، و واجبي الطاعة قال سبحانه: «أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» (النساء - 5(9).
و إذا كان غير منصوص فاللازم كون الإمام ذا قابليات تؤهّله لإشغال منصب الإمامة سواء أ كان فاطمياً أم لا، فالإصرار على هذا المبدأ خصوصاً فيما إذا كان غير الفاطمي أبصر و أعلم، و أتقى و أزهد و أوقع في القلوب، غير صحيح.
ثمّ إنّ المبدأ الثاني و الثالث يثيران الرغبة و الطمع في كل فاطمي يرى نفسه عادلاً، و عالماً و شجاعاً فعند ذلك ينتهي الأمر إلى النزاع و التشاجر و ربما - لا سمح اللّٰه - إلى إراقة الدماء.
و حاصل الكلام: أنّ مكافحة الاستبداد و رفض ابتزاز أمر الأُمّة بلا رضا منها، رهن أحد أمرين:
1 - أن يصدر من اللّٰه الرحمن الرحيم على عباده، الواقف على مصالحهم و مفاسدهم، تنصيص على ولاية أحد، كالنبي الأعظم و أئمة أهل البيت عند الشيعة.
2 - مشاركة الشعب في بناء النظام حتى يكون مورد رضاهم بنحو من الأنحاء و لا شيء ثالث، و إلاّ فلو لم يكن هذا و لا ذاك كثر الطالب و زادت الدعوة و ربما ينتهي إلى حروب دامية، و ما ذكره الإمام يحيى بن الحسين لحسم النزاع لا يفيد شيئاً حيث قال: إن تشابها في العلم فالإمامة لأورعهما و إن تشابها في الورع و العلم، فالإمامة لأزهدهما، و إن تشابها في ذلك كله فالإمامة لأسخاهما، و إن تشابها فلأشجعهما، فلأرحمهما....
إنّ ما ذكره من الضابط لحسم مادة الخلاف لو كانت مفيدة فإنّما تفيد في رفع النزاع في إمامة المسجد، لا في رفع النزاع في الزعامة الكبرى، إذ كل يزعم أنّه، أعلم، و أورع، و أزهد، و أسخى، و أشجع، و ربما يحلف عليه و يجمع الجموع...
فلأجل ذلك المأزق الذي يواجه فكرة الإمامة لدى الزيدية عاد المفكرون
من متأخّريهم إلى طرح الفكرة بشكل يلائم روح العصر و يقول أحد الكتاب:
أمّا الزيدية فلهم طريقان لاختيار الإمام بعد المنصوص عليهم:
1 - ترشيح الشخص العارف من نفسه، الأهلية بواسطة منشور - الدعوة - يوضح فيه موجبات الدعوة و أهليّته للقيام بالإمامة و منهج عمله فيها.
و عند ذلك يجتمع العلماء و الزعماء و المثقفون - رجال الحل و العقد - و يصلون لمناقشته و اختياره ان كان غير معروف لديهم، و يتشاورون فيما بينهم في موضوع كفاءته و مكانته، فإذا ارتضوه بعد ذلك بايعوه و إلاّ عدلوا إلى غيره.
2 - يُرشِّح رجال الحل و العقد واحداً لمن يرونه صالحاً لهذا المنصب العظيم، و إذا وافقهم على ترشيحه بايعوه و إلاّ عدلوا إلى غيره(1).
و لعل هذه الأُطروحة التي قدمها الفاضل المعاصر تزيح بعض النقاش حول النظرية، و يصوّرها تصويراً هادئاً قابلاً للتجسيد كما أنّ المعلّق على البحر الزخار، طرح نظرية الإمامة بالشكل التالي معلقاً على قول ابن المرتضى «و تنعقد بالدعوة مع الكمال» قوله: مع عدم المنازع فيفوز بذلك أو بأن تحصل له البيعة من الأكثرية مع عدم وجود المنازع، كل ذلك بعد سبق ترشيحه من ذوي الحل و العقد لمعرفة حصوله على الشروط المؤهلة له(2).
إنّ ما نقلناه عن العلمين و إن كان يهوّن الخطب في مسألة الإمامة، لكن التاريخ يشهد على أنّ السيرة جرت على سيادة من غلب، و لم يكن ترشيح الشخص، أو ترشيح رجال الحل و العقد واحداً من الصلحاء إلاّ حبراً على ورق إلاّ
في فترات قليلة.
هذا و ما ماثله أعطت حجة للوسائل الإعلامية أن تتهجم على نظام الإمامة بأنّه حكومة استبدادية تسلب فيها الحريات بإرادة الفرد السائس، و يرافق دائماً بالضغط على الشعب، و تثني على الجمهورية بأنّ فيها ضماناً على الحريات المعقولة و لم تزل الحرب الإعلامية قائمة على قدم و ساق تدعمها المعسكرات الغربية و الشرقية المحاربة لكل نظام ديني قائم في أي قطر من أقطار العالم، إلى أن أُجّج نار الحرب المبيرة لكل رطب و يابس، في بلد فقير كاليمن التي لا تملك إلاّ جمال الطبيعة و انتهت إلى انتصار المخالفين في ظل القوات المكثفة التي كانت وراءها الجمهورية العربية المتحدة، في أيّام جمال عبد الناصر فسقط نظام الإمامة سياسيّاً و حكومياً و إن كانت القلوب المؤمنة متنبّئة بها.
فالمرجو من اللّٰه سبحانه أن يوفق المسلمين لتوحيد الكلمة كما وفقهم لكلمة التوحيد، و يجمع شملهم، و يثير شعور المفكرين إلى واجبهم تجاه الحكومة الإسلامية إنّه بذلك قدير و بالإجابة جدير.
إنّ الزيدية و الإسماعيلية، من الفرق الشيعية، و بينهما مؤتلفات و مفترقات، و قد اتفقت الطائفتان، على أنّ تحقيق القيادة الإسلامية بعد رحيل النبي الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم ليس بالبيعة و الاختيار، و لا للأُمة فيها حظّ، و لا نصيب شأن كلّ مورد سبقت مشيئته على إرادة الأُمّة و مشيئتها، قال سبحانه: «وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ» (الأحزاب - 3(6) بل تحقيقها بالنص من الرسول صلى الله عليه و آله و سلم على فرد من آحاد الأُمّة و قد اتفقتا على أنَّ النصّ صدر منه في علي عليه السلام و ابنيه: الحسن و الحسين عليهما السلام، غير أنّ الزيدية قالت باستمرارها بعد الحسين السبط عليه السلام بالخروج و الدعوة و قد تمثلت الضابطة في بادئ بدئها بخروج الإمام زيد، ثمّ ابنه يحيى و هكذا، لكن الإسماعيلية قالت باستمرار النصّ الإلهي بعد الحسين على إمامة زين العابدين فابنه الإمام الباقر، فالإمام الصادق، و بعده ابنه إسماعيل الذي هو مهدي الأُمّة عندهم و سيوافيك تفاصيل عقائدهم في الجزء الثامن المختص بفرق الشيعة الباقية.
و طبيعة الحال كانت تقتضي سيادة الوئام و الالتحام بين الفرقتين و التعايش الهادئ في البيئات التي تحتضن كلتا الفرقتين، كاليمن الخصيب و جنوب الجزيرة كحضرموت و نجران و لكن خاب الظنُّ و خسر، لأنّ تاريخ اليمن تاريخ دمويّ يحكي عن كون الحرب لم تزل بينهما سجالاً - تبيد البلاد و العباد و تهلك الحرث و النسل - قروناً كثيرة.
إنّ أئمة الزيدية و إن خرجوا بالسيف و أعلنوا الجهاد، و لكن لم يكن جهادهم مع المشركين و الكافرين بل كانت مع إخوانهم الإسماعيلية (القرامطة) و هذا هو الإمام الهادي مؤسس الدولة الزيدية في اليمن في أواخر القرن الثالث،
فقد قدم اليمن و قد غطتها القرامطة و الباطنية فجرى له معهم نيف و ثمانون وقعة(1)ثمّ بدت الحروب بين الطائفتين في زمن المتوكل على اللّٰه (المطهر بن يحيى) و بعده الإمام يحيى بن حمزة المؤيد باللّٰه (669-769 ه) و كان الانتصار في أغلب الوقائع مع الزيدية، و في النهاية لم تجد الإسماعيلية بداً من اللجوء إلى الجبال، و التحصن بها حفظاً لشئونهم الدينية.
و من جرّاء هذه الفتن و الحروب المدمّرة، صارت حياة الطائفتين في أغلب العصور، حياة دموية تأكل الحرب أخضرهم و يابسهم و ربما تشعل فتيل الحرب بين مدعيين للإمامة من الزيدية، باعتضاد كل بقبيلته و أُسرته، و قد انتهت الخلافات القبلية إلى ظهور الجمهورية فأطاحت بالإمامة على الإطلاق و قالت: لا زيد و لا عمرو، و لا إبراهيم و لا إسماعيل.
«وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاٰ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً» (الأنفال - 2(5).
1) . التحف شرح الزلف: 64.
كانت الصلة العلمية بين الزيدية و المعتزلة موجودة، منذ ظهرتا على صفحة الوجود، حيث إنّ كلتا الطائفتين يرون العدل و التوحيد من الأُصول، و يكافحون الجبر و التشبيه، حتى أنّ الإمام «مانكديم» المستظهر باللّٰه أحمد بن الحسين بن أبي هاشم المتوفّى عام 425 ه، تتلمذ على القاضي عبد الجبار المعتزلي المتوفىٰ عام 415 ه. و كتب ما أملاه الأُستاد، حول الأُصول الخمسة و قد طبع بهذا الاسم و لم يخالفه إلاّ فيما يرجع إلى الإمامة(1).
و لما قامت ملوك الغزاونة و سلاطين السلاجقة بتحريك الحنابلة و الحشوية، بإبادة المعتزلة و قتلهم و تسعير النار في مكتباتهم و آثارهم و في عقر دارهم، عمد بعض الزيدية، بنقل ما أمكن من كتبهم من العراق إلى اليمن منهم القاضي عبد السلام (550-573 ه) فقد نقل المغني للقاضي عبد الجبار، و الأُصول الخمسة، و غيرهما من الآثار الكلامية لهم من العراق إلى اليمن و كانت اليمن تحتضن بها إلى أن نشرتها أخيراً البعثة العلمية المصرية بعد الفحص في مكتبات اليمن، و للزيدية فضل حفظ بعض تراث المعتزلة من الاندثار و الانطماس. و لولاهم لكانت مصيرها، مصير سائر الآثار للمعتزلة.
قاتل اللّٰه العصبية العمياء.
1) . راجع مقدمة الأُصول الخمسة بقلم محقّقها ص 29 و قد ضبط وفاة «مانكديم» سنة 425 ه. و التحف شرح الزلف: 88.
إنّ السيد العلامة بدر الدين الحوثي الحسني اليماني، - الذي زار قم و زارنا في مؤسستنا، و هو الشخصية العلمية الفريدة للزيدية حالياً بعد السيد العلامة مجد الدين المؤيّدي مؤلف التحف في شرح الزلف، نشر كتيباً باسم «الزيدية في اليمن» بيّن فيه ملامح مذهب الزيدية و عقائدهم و مصادرهم الكبرى في مختلف العلوم، و قدم لها الأُستاذ علي أحمد الرازحي و قد أهدى نسخة إلينا نقتبس منها ما يلي:
الزيدية عنوان لطائفة عظيمة من طوائف المسلمين كان لها حضورها الملموس في ميداني الفكر و البسالة تحت ظلال قائدها العظيم الإمام زيد بن علي شهيد الحقّ و العدل و الكرامة.
و لئن كان لكل طائفة معالم بارزة تتميز بها و تعرف من خلالها، فانّ للزيدية معالم بارزة يراها لها المؤالف و المخالف الذي لم يُعم التعصب عين بصيرته:
أحدها: و هو أولاها: المنزلة المنيفة التي يتبوّأها العقل عندها حيث تجعله الحاكم الذي لا يتعقبه أي حاكم غيره، و الحجّة التي بها استحق الإنسان الخطاب من ربّ العالمين، و من خلاله استوحت أُصول عقيدتها حين أقصاه الآخرون و صغروا عظيم منزلته.
ثانيهما: احترام آراء الآخرين من المخالفين لها في الأُصول و الفروع و عرضها عرضاً رفيقاً بعيداً عن أي تجريح أو تبديع أو تضليل حتى لكأنّ كتبها رياض غنّاء مما يخوِّلها أن تكون تراثاً لكل الطوائف.
الثالث: صيحتها في وجه الظلم و الاستبداد، و القهر، و سحق الكرامات حين
تحوّلت الخلافة إلى ملك عضوض، و حين تغيرت و شوهت بعض مفاهيم الإسلام الناصعة على يدي حكام متسلطين لا يمتلكون أي شرعية(1).
يقول السيد بدر الدين: إنّ الحركات العلمية ظهرت في اليمن بفضل الإمامين الهادي وجده القاسم، و بما أنّ الزيدية لا يلتزمون التقليد للهادي بل كلَّ من تمكن من الاجتهاد، عمل بالدليل، ظهر بعض الخلافات بينهم، كما ظهر من بعضهم الميل إلى المعتزلة في غير مسألة الإمامة و حصل من بعضهم إنكار ذلك لكن العقائد الأصلية الهامّة لا يظهر بينهم فيه خلاف.
ثمّ إنّ المؤلف أتى بأُصول عقائد الزيدية التي منها التوحيد، و العدل و النبوات و صيانة القرآن من التحريف، و الإيمان بالآخرة و البعث بعد الموت و الشفاعة التي هي زيادة خير إلى خير، لا إنقاذ أحد من النار و الإمامة التنصيصية إلى السبط الشهيد، ثمّ جاء دور الدعوة و الخروج و تحقق بزيد الثائر و من سار على دربه...
و قد قام المؤلف بتعريف الكتب و المصادر و قال:
و أهم كتبهم: كتب الهادي و القاسم.
منها: كتاب الأحكام، و المنتخب و المجموعة الفاخرة التي تجمع عدّة رسائل للهادي، و من محاسن الكتب و أنفعها كتب القاسم بن إبراهيم و هي كتب صغار بعضها في مجموع القاسم.
و من مراجع الزيدية (في الفقه) شرح التجريد للإمام المؤيد باللّٰه أحمد بن الحسين الهاروني المدفون بلنجا(2)، و من مراجعهم في علم الكلام، حقائق المعرفة
للإمام أحمد بن سليمان و هو من أئمة الزيدية.
و منها: كتاب الأساس للإمام القاسم بن محمد و هو من أئمة الزيدية. و قد طبع الكتاب.
و من مراجع الزيدية في الأخير في الفقه شرح الأزهار و حواشيه.
و من مراجع الزيدية في الحديث ما تضمنه شرح التجريد (للهاروني).
و كتاب أمالي أحمد بن عيسى و مجموع زيد بن علي، و أمالي أبي طالب المسمى ب «تيسير المطالب»، و أمالي المرشد باللّٰه و كتاب الاعتصام للإمام القاسم بن محمد.
و من مراجعهم في التاريخ: «بلوغ الأماني» للسيد يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد، و من كتبهم في أسانيد الكتب بلوغ الأماني في إسناد كتب من آل من أُنزلت عليه المثاني.
و من كتبهم في الردّ على المخالفين: الشافي للإمام المنصور باللّٰه عبد اللّٰه بن حمزة و هو كتاب عظيم مطبوع، و فرائد اللئالي في الردّ على المقبلي للمنصور باللّٰه محمد بن عبد اللّٰه الوزير و هو مجلد ضخم.
و من مراجع الزيدية في أُصول الفقه: كتاب بداية العقول شرح غاية السؤال تأليف الحسين بن الإمام القاسم بن محمد و هو مطبوع، و شرح الكافل.
و من مراجع الزيدية في التفسير: كتاب المصابيح، تفسير الشرقي و هو كبير غير مطبوع، و لهم مؤلفات في التفسير يتعسر تحصيلها فيميل الطلاب لقراءة الكشاف.
ثمّ أشار السيد بدر الدين ببعض الفروع التي اتفقت فيها الزيدية مع الإمامية و قال:
و من مذاهبيهم في الفقه أنّ مسح الخفين لا يجزي في الوضوء، و مسح الخمار
لا يجزي في الوضوء، و أنّ مس الذكر لا ينقض الوضوء، و من مذاهبهم الأذان بحيّ على خير العمل و لا يقولون: الصلاة خير من النوم و لا يجعلون الكف على الكف في الصدر في الصلاة، و لا يؤمّنون بعد الفاتحة، و تثنية الأذان إلاّ التهليل في آخره و كذا الإقامة. و من مذاهبهم الجهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم في الصلاة في الفاتحة و في السورة و أنّ الصلاة جماعة لا تصح بإمامة الفاسق، و من في حكمه، و أن لا يعتدّوا بجمعة الظلمة، و أنّ التكبير على الجنازة خمس، و أنّه لا يصلّى على الميت الفاسق، و المذهب السائد عندهم في الزكاة أنّه لا يجوز تسليمها إلى الظلمة إلاّ كرها.
و من مذاهب الزيدية استحباب صيام يوم الشك بنية مشروطة، و من مذاهبه أنّها لا تجب طاعة الظلمة و لا تجوز معاونتهم و لا موالاتهم، و يجب عندهم اتّباع أهل البيت عليهم السلام عملاً بحديث الثقلين: «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب اللّٰه و عترتي أهل بيتي إنّ اللطيف الخبير نبّأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».
و من مذاهبهم في الصحابة أن فيهم الصالحين و منهم من غيّر و بدّل، و فيهم منافقون فيجرح من ظهر فيه الجارح، و لا ينزّلون منزلة المعصومين و لا يتبعون فيهم طريقة العامّة الّذين يقدسونهم على الإطلاق، و المذهب السائد في الزيدية هو اجتناب كتب العامّة أو عدم اعتمادها في الغالب اتّهاماً لكثير من رواتهم من الفئة الباغية و الخوارج و الدعاة إلى بدعتهم و لكنهم يأخذون منها ما يوافق الحقّ تأكيداً و احتجاجاً على المخالف، و منهم من يرى قبول رواية كافر التأويل و فاسق التأويل و لكن لا يعتمد على ما في تلك الكتب على حد اعتماد كتب أهل الحقّ(1).
1) . الزيدية في اليمن: 14-15.
هذا هو كلام السيد بدر الدين و هو بكلامه هذا يتفتح على الإمامية و كان لفيف من الزيدية عبر التاريخ على هذا الطريق، رحم اللّٰه الماضين من علمائنا و حفظ اللّٰه الباقين منهم.
«فَبَشِّرْ عِبٰادِ * اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ هَدٰاهُمُ اَللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ» (الزمر: 17-1(8).
و كما كان لكل مذهب، أعلام، فللمذهب الزيدي أيضاً أعلام منقسمة إلى الطبقات التالية:
1 - طبقة المؤسّسين.
2 - طبقة المخرجين.
3 - طبقة المحصلين.
4 - طبقة المذاكرين.
و قد اقتبسنا هذا التقسيم مما ذكره الكاتب المعاصر الزيدي علي بن عبد الكريم الفضيل شرف الدين في كتابه:
«الزيدية نظرية و تطبيق» فقد قسّم أعلام المذهب الزيدي إلى الطبقات التالية:
و تساوى هذه الطبقة إمام المذهب في نظر المذاهب الأُخرى، و من هذه الطبقة:
1 - الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام مات شهيداً سنة 122 ه.
2 - الإمام القاسم بن إبراهيم مات سنة 242 ه.
3 - حفيده الإمام الهادي إلى الحقّ يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم و هو المؤسس للمذهب في اليمن مات سنة 298 ه.
4 - الإمام الناصر الأطروش الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّٰه عنهم و هو المؤسس للمذهب الزيدي في خراسان مات سنة 304 ه.
و هم الذين استخرجوا من كلام الأئمة أو احتجاجاتهم بواسطة القياس أو المفهوم، أحكاماً لا تتعارض مع الكتاب و السنّة لا جملة و لا تفصيلاً، و من رجال هذه الطبقة:
1 - العلاّمة محمد بن منصور المرادي مات سنة 200 ه و نيف و تسعين.
2 - العلامة أبو العباس أحمد بن إبراهيم مات سنة 353 ه.
3 - العلامة الإمام المؤيد باللّٰه أحمد بن الحسين بن هارون الحسني مات سنة 416 ه.
4 - العلامة الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني مات سنة 424 ه.
5 - العلامة علي بن بلال الآملي مولى الإمامين المؤيد باللّٰه و أبي طالب.
6 - العلامة أحمد بن محمد الأزرقي الهدوي.
و هم الذين اهتموا بتحصيل أقوال الأئمة و ما استخرج منها و نقلوها إلى تلامذتهم بطريق الرواية أو المناولة لمؤلفاتهم، و من رجال هذه الطبقة:
1 - العلامة القاضي زيد بن محمد الكلاوي الجيلي الملقب بحافظ أقوال العترة و هو من أتباع المؤيد باللّٰه.
2 - العلامة السيد علي بن العباس بن إبراهيم راوي إجماعات أهل البيت، مات سنة 340 ه تقريباً.
3 - العلامة القاضي الحسن بن محمد بن أبي طاهر الرصاص، مات سنة 584 ه.
4 - العلامة الإمام الحسين بن بدر الدين، مات سنة 662 ه.
5 - العلامة زيد بن علي بن الحسن بن علي البيهقي، مات في تهامة في عهد الإمام أحمد بن سليمان و هو في طريقه إلى مكّة المكرمة.
6 - العلامة القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام البهلولي، مات سنة 573 ه.
7 - العلامة الإمام عبد اللّٰه بن حمزة، مات سنة 614 ه.
و هم الذين راجعوا أقوال من تقدّمهم و بلغتهم بالرواية و فحصوها سنداً و متنا و عرضوها على أُصول المذهب و قواعده المستمدة من صرائح الكتاب و السنّة ثمّ أقرّوا ما توافق معها و اعتبروه هو المذهب، و ما لم يوافقها لم يعتبروه مذهباً للفرقة الزيدية، و كان في نظرهم رأياً خاصاً بصاحبه غير معاب عليه لاعتبار أنّ كل مجتهد في الفروع مصيب(1). و من رجال هذه الطبقة:
1 - العلامة القاضي محمد بن سليمان بن أبي الرجال الصعدي، مات سنة 730 ه.
2 - العلامة القاضي عبد اللّٰه بن زيد العنسي، مات سنة 667 ه.
3 - العلامة القاضي يحيى بن حسن البحيبح، و قد عاصر الإمام يحيى بن حمزة.
4 - العلامة الإمام يحيى بن حمزة، مات سنة 749 ه.
5 - العلامة الإمام عز الدين بن الحسن المؤيدي، مات سنة 900 ه.
6 - العلامة القاضي محمد بن يحيى حنش، مات سنة 717 ه.
7 - العلامة القاضي يوسف بن أحمد بن عثمان الثلاثي، مات سنة 832 ه.
1) . لعله يريد: انّه مأجور و إلاّ فالحق واحد فكيف يكون الكل مصيباً.
8 - العلامة الإمام أحمد بن يحيى بن المرتضى، مات شهيداً بالطاعون سنة 840 ه.
و معظم رجال طبقات المذهب الزيدي من العلماء المجتهدين. و لذلك فلا يصدق عليهم القول بأنّهم في مستوى طبقة مجتهدي المذهب لأنّ هذه الطبقة لا تظهر دائماً إلاّ بين رجال المذاهب التي لا توجب الاجتهاد على المتمكن منه و ليس كذلك المذهب الزيدي. و بالتجوز يمكن أن يوجد في طبقات المذهب من هو في درجة المجتهد المنتسب. أمّا الأكثر فهم في درجة المجتهد المطلق. و قد ظهر من هؤلاء بعد طبقة المذاكرين الكثير و منهم: الإمام يحيى شرف الدين مات سنة 965 ه و الإمام القاسم بن محمد مات سنة 1029 ه و الإمام محمد بن إسماعيل الأمير مات سنة 1182 ه.
و الإمام عبد القادر بن أحمد عبد القادر بن الناصر شرف الدين مات سنة 1207 ه و غيرهم.
و كانت كل المؤلفات الزيدية لا تقتصر على ذكر القول المختار لديها، و إنّما تجمع كل الأقوال المشهورة للأئمة و العلماء: أي أنّها مؤلفات أُممية و موسوعات لما تؤلف فيه. لذلك فالقول المختار للمذهب إنّما كان يؤخذ من أفواه المشايخ و يتناقل بالرواية، حتى جاء القاضي حسن بن أحمد الشبيبي رحمه اللّٰه مات سنة 1169 ه فوضع كلمة (مذهب) في كتابه شرح الأزهار على القول المختار للمذهب تمييزاً له عن سائر أقوال الأئمة و العلماء الزاخر بها كتاب شرح الأزهار المعروف و استحسن هذه العلامة سائر العلماء في عصره. و لمكانته في العلم و التقوى تلقّفها عنه الطلاب، و صارت نسخته من أهم المراجع في ذلك عند الطلاب. كما ذكره المؤلف المؤرخ السيد محمد زباره رحمه اللّٰه في ملحق البدر الطالع ص 68(1).
1) . علي بن عبد الكريم الفضيل شرف الدين: الزيدية نظرية و تطبيق: 16-18.
بلغ الكلام إلى هنا عشية يوم العشرين من ربيع الأوّل من شهور عام 1316 هجرية.
بقي الكلام حول الفرق الباقية من الشيعة و أهمها: الإسماعيلية و بعدها الفطحية و الواقفية و النصيرية و سنقوم - بإذن اللّٰه - بدراسة مذاهبهم في الجزء الثامن و به تتم أجزاء هذه الموسوعة المباركة إن شاء اللّٰه.
تم هذا الجزء بيد مؤلّفه جعفر السبحاني ابن الفقيه الشيخ محمد حسين السبحاني التبريزي. و أرجو من اللّٰه سبحانه أن يجعله خير وسيلة للصلة بين الطائفتين المتمسكتين بالثقلين كتاب اللّٰه و أهل البيت آمين رب العالمين.
الفهارس
1 - فهرس مصادر الكتاب
2 - فهرس الموضوعات
(حرف الألف)
1 - الاتقان: جلال الدين السيوطي (849 911 ه) دار ابن كثير، بيروت.
2 - الأخبار الطوال: الدينوري: أبو حنيفة أحمد بن داود (م 282 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة 1960 م.
3 - الاختصاص: الشيخ المفيد: محمد بن محمد بن النعمان (336 أو 338 413 ه) تصحي ح و تعليق علي أكبر الغفاري، طبع مؤسسة النشر الإسلامي، قم المقدسة.
4 - إرشاد المفيد: الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (336 أو 338 413 ه) قم المقدسة 1402 ه.
5 - الأساس لعقائد الأكياس: الإمام المنصور باللّٰه القاسم بن محمد بن علي (967 1029 ه) منشورات التراث الإسلامي، الجمهورية اليمنية، صعده، الطبعة الثانية 1415 ه.
6 - الاستبصار: شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (385 460 ه) دار الكتب الإسلامية، إيران 1390 ه.
7 - الاستيعاب: أبو عمرو يوسف بن عبد اللّٰه بن عبد البر (363-463 ه)، دار نهضة مصر، القاهرة.
8 - الإشارات: الشيخ الرئيس ابن سينا (م 428 ه) طبع إيران.
9 - الاعتصام بالكتاب و السنة: جعفر بن محمد حسين السبحاني (تولد 1347 ه مؤلف هذا الكتاب) نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، قم المقدسة 1414 ه.
10 - الاعتصام بحبل اللّٰه المتين: الإمام القاسم بن محمد بن علي (967-1029 ه) مكتبة اليمن الكبرى 1408 ه.
11 - اعتقادات فرق المسلمين و المشركين: الرازي: محمد بن عمر الخطيب (544-606 ه) منشورات مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة 1398 ه.
12 - الأعلام: خير الدين الزركلي (1311-1396 ه) دار العلم للملايين، بيروت 1404 ه.
13 - أعلام الورى: الطبرسي: الفضل بن الحسن (471-548 ه) طبع إيران.
14 - أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين العاملي (م 1371 ه) دار التعارف، بيروت.
15 - الأغاني: أبو الفرج الاصفهاني: علي بن الحسين (284-356 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
16 - الأمالي: الصدوق: محمد بن بابويه القمّي (م 381 ه) المكتبة الإسلامية، طهران.
17 - الأمالي: الطوسي: محمد بن الحسن (385-460 ه) مؤسسة الوفاء، بيروت 1401 ه.
18 - الإمام زيد: محمد أبو زهرة (م 396 ه) دار المعارف، القاهرة، مصر.
19 - الإمام الصادق: محمد أبو زهرة (م 396 ه)
20 - الإمام المجتهد يحيى بن حمزة و آراؤه الكلامية: أحمد محمود صبحي، المطبوع عام 1410 ه.
21 - الإمامة و السياسة: ابن قتيبة: عبد اللّٰه بن مسلم الدينوري (م 276 ه) مطبعة
مصطفى محمد، مصر.
22 - الانتصار: الشريف المرتضى: علي بن الحسين (355-436 ه) أُفست منشورات الشريف الرضي، قم المقدسة، عن منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف 1391 ه.
23 - أوائل المقالات: المفيد: محمد بن محمد بن النعمان (م 413 ه) مكتبة الحقيقة، تبريز 1371 ه.
(حرف الباء)
24 - بحار الأنوار: العلاّمة: محمد باقر المجلسي (م 1110 ه) مؤسسة الوفاء، بيروت 1403 ه.
25 - البحر الزخار: أحمد بن يحيى بن المرتضى (764-840 ه) دار الحكمة اليمانية، صنعاء، الطبعة الأُولى 1409 ه.
26 - بحوث في الملل و النحل: جعفر بن محمد حسين السبحاني (تولد 1347 ه مؤلف هذا الكتاب) منشورات لجنة إدارة الحوزة العلمية، قم المقدسة.
27 - البداية و النهاية: ابن كثير: الحافظ أبو الفداء (م 774 ه) دار الفكر، بيروت 1402 ه.
28 - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: محمد بن علي الشوكاني (1172-1250 ه) دار المعرفة، بيروت.
29 - بغية الوعاة: جلال الدين السيوطي (849-911 ه) المكتبة العصرية، بيروت.
30 - البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب: ابن عذارى المراكشي، مطبوعات بريل 1948 م.
31 - بين يدي الساعة: الدكتور عبد الباقي (المعاصر).
(حرف التاء)
32 - تاريخ الأدب العربي: دكتور عمر فرّوخ، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة 1984 م.
33 - تاريخ الإسلام: الذهبي: شمس الدين محمد بن أحمد (م 748 ه) دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية - 1991 م.
34 - تاريخ بغداد: الخطي ب البغدادي: أحمد بن علي (م 463 ه) دار الكتاب العربي، بيروت.
35 - تاريخ التراث العربي: فؤاد سزگين، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، قم المقدسة 1412 ه.
36 - تاريخ الطبري (تاريخ الاُمم و الملوك): محمد بن جرير الطبري (م 310 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت.
37 - التاريخ الكبير: البخاري: إسماعيل بن إبراهيم (م 256 ه)، دار الفكر، بيروت.
38 - تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر: علي بن الحسن بن هبة اللّٰه (500-573 ه) دار التعارف، بيروت 1395 ه.
39 - تاريخ المذاهب الإسلامية: محمد أبو زهرة (م 1396 ه) دار الفكر العربي، بيروت.
40 - تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب العباسي المعروف باليعقوبي (من علماء القرن الثالث الهجري) المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف 1384 ه.
41 - تاريخ اليمن الفكري: أحمد بن محمد الشامي
42 - التبصير في الدين: أبو المظفر الإسفرائيني (م 471 ه) بيروت 1403 ه.
43 - التحف شرح الزلف: مجد الدين بن محمد بن منصور الحسني المؤيدي، المعاصر مفتي اليمن.
44 - تذكرة الحفّاظ: أبو عبد اللّٰه: شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (673-748 ه) دار احياء التراث العربي، بيروت.
45 - تذكرة الخواص: سبط ابن الجوزي: أبو المظفر: يوسف بن فرغلي بن عبد اللّٰه البغدادي (581-654 ه) مؤسسة أهل البيت، بيروت 1401 ه.
46 - تفسير زيد بن علي: زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (م 122).
47 - تفسير فرات: الكوفي: أبو القاسم فرات بن إبراهيم (من أعلام الغيبة الصغرى) طهران 1410 ه.
48 - التنبيه و الرد: أبو الحسين الملطي الشافعي: محمد بن أحمد (م 377 ه) تقديم و تعليق محمد زاهد بن الحسن الكوثري، طبع 1388 ه.
49 - تنقيح المقال: عبد اللّٰه المامقاني (1290-1351 ه) النجف الأشرف 1350 ه.
50 - التهذيب: الشيخ الطوسي: محمد بن الحسن (385-460 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران 1390 ه.
51 - تهذيب التهذيب: العسقلاني: أحمد بن علي بن حجر (773-852 ه) دار الفكر، بيروت 1404 ه.
52 - تهذيب الكمال: جمال الدين أبي الحجّاج يوسف المزّي (654-742 ه) مؤسسة الرسالة، بيروت 1406 ه.
(حرف الثاء)
53 - الثقات: محمد بن حبّان بن أحمد التميمي (م 354 ه) دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد، الهند 1393 ه.
54 - ثواب الأعمال: الشيخ الصدوق: محمد بن بابويه القمي (م 381 ه) مكتبة الصدوق، طهران.
55 - ثورة الحسين: محمد مهدي شمس الدين (المعاصر)، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي، قم المقدسة.
(حرف الجيم)
56 - جامع الاُصول: ابن الأثير الجزري: المبارك بن محمد (544-606 ه) دار الفكر، بيروت 1403 ه.
(حرف الحاء)
57 - الحدائق الوردية: الحسن حسام الدين حميد بن أحمد المحلي (م 652 ه) الطبعة الثانية 1405 ه.
58 - حكام اليمن المؤلفون المجتهدون: عبد اللّٰه محمد الحبشي، دار القرآن الكريم، بيروت، الطبعة الأُولى 1399 ه.
59 - الحور العين: الحميري: سعيد بن نشوان (م 573 ه) طهران 1394 ه بالأُفسيت.
(حرف الخاء)
60 - الخرائج و الجرائح: قطب الدين الراوندي (م 573 ه) مؤسسة الإمام المهدي، قم 1409 ه.
61 - الخصال: الشيخ الصدوق: محمد بن بابويه القمي (م 381 ه) منشورات دار النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المقدسة 1403 ه.
62 - الخطط المقريزية: تقي الدين المقريزي (م 845 ه) دار صادر، بيروت.
(حرف الراء)
63 - رأب الصدع: أحمد بن عيسى بن زيد بن علي (157-247 ه) تحقيق العلاّمة علي بن إسماعيل بن عبد اللّٰه المؤيد الصنعاني، دار النفائس، بيروت 1410 ه.
64 - الرجال: ابن داود: الحسن بن علي الحلي (من أعلام القرن السابع الهجري) طهران 1342 ه.
65 - الرجال: الطوسي: محمد بن الحسن (385-460 ه) النجف الأشرف 1381 ه.
66 - الرجال: أبو عمرو الكشي (من علماء القرن الرابع الهجري) مؤسسة الأعلمي، كربلاء العراق.
67 - الرجال: النجاشي: أحمد بن علي (372-450 ه) بيروت 1409 ه.
68 - الرد و الاحتجاج ضمن رسائل العدل و التوحيد: الإمام الهادي يحيى بن الحسين (220-298 ه) منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت لبنان.
69 - روضات الجنات: محمد باقر الخونساري (م 1313 ه) طهران 1390 ه.
70 - الروض النضير: شرف الدين الحسين بن أحمد السياغي (1180-1221 ه) مكتبة المؤيد، الطائف، الطبعة الثانية 1388 ه.
71 - رياض السالكين: السيد علي خان الحسيني الشيرازي (1052-1120 ه) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المقدسة 1409 ه.
72 - رياض العلماء و حياض الفضلاء: الميرزا عبد اللّٰه أفندي التبريزي (من أعلام القرن الثاني عشر) منشورات مكتبة آية اللّٰه المرعشي، قم المقدسة 1401 ه.
(حرف الزاي)
73 - زيد الشهيد: السيد محسن الأمين العاملي (م 1371 ه)
74 - زيد الشهيد: السيد عبد الرزاق المقرم المعاصر، منشورات المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف 1355 ه، أُفسيت منشورات الشريف الرضي، قم 1411 ه.
75 - الزيدية: أحمد محمود صبحي، منشورات الزهراء للاعلام العربي، الطبعة الثانية 1404 ه.
76 - الزيدية في اليمن: بدر الدين الحوثي الحسني اليماني، و هو كتيب صغير يبيّن فيه أصل زيدية اليمن و عقائدهم.
77 - الزيدية نظرية و تطبيق: علي بن عبد الكريم الفضيل شرف الدين، عمان، الطبعة الأُولى 1405 ه.
78 - الزينة: أبو الحاتم أحمد بن حمدان الرازي، تحقيق الدكتور عبد اللّٰه سلّوم السامرائي.
(حرف السين)
79 - سبل السلام في شرح بلوغ المرام: محمد بن إسماعيل الصنعاني (1059-1182 ه) دار احياء التراث العربي، بيروت 1379 ه.
80 - السرائر: ابن ادريس الحلي: أبو جعفر: محمد بن منصور بن أحمد (م 598 ه) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المقدسة 1410 ه.
81 - السنّة و الشيعة: محمد رشيد رضا (م 1354 ه).
82 - سير أعلام النبلاء: الذهبي: أبو عبد اللّٰه: شمس الدين محمد بن أحمد (673-748 ه) مؤسسة الرسالة، بيروت 1409 ه.
83 - السيرة النبوية: ابن هشام: عبد الملك بن أي و ب الحميري (م 213 أو 218 ه) دار التراث العربي، بيروت.
(حرف الشين)
84 - شذرات الذهب: ابن عماد الحنبلي (1032-1089 ه) دار الفكر، بيروت 1399 ه.
85 - شرح الأُصول الخمسة: عبد الجبار القاضي المعتزلي (م 415 ه) طبع مصر.
86 - شرح التجريد في فقه الزيدية: المؤيد باللّٰه أحمد بن الحسين بن هارون (333-411 ه) صنعاء، جامع النهرين، الطبعة الأُولى 1405 ه.
87 - شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد (م 655 ه) دار احياء الكتب العربية، القاهرة 1378 ه.
(حرف الصاد)
88 - الصحيح: البخاري: محمد بن إسماعيل (194-256 ه) مكتبة عبد الحميد أحمد حنفي، مصر 1314 ه.
89 - الصحيح: مسلم بن الحجاج القشيري (م 261 ه) مؤسسة عز الدين، بيروت 1407 ه.
90 - الصواعق المحرقة: أحمد بن حجر الهيتمي المكي (899-974 ه) مكتبة القاهرة، مصر 1385 ه.
(حرف الطاء)
91 - الطبقات الكبرى: محمد بن سعد (م 230 ه) دار صادر، بيروت 1380 ه.
(حرف العين)
92 - العقد الثمين في تبيين سيرة الأئمة الهادين: الإمام عبد اللّٰه بن حمزة بن سليمان (561-614 ه) الطبعة الحجرية.
93 - العقد الثمين في معرفة رب العالمين: الأمير الحسين بن بدر الدين محمد (582-662 ه) منشورات مكتبة التراث الإسلامي صعده، و دار التراث اليمني صنعاء، الطبعة الثانية 1415 ه.
94 - العقد الفريد: ابن عبد ربه الأندلسي (246-328 ه) دار الكتب العلمية، بيروت 1404 ه.
95 - عمدة الطالب: ابن مهنا: جمال الدين أحمد بن علي (م 828 ه) النجف الأشرف 1380 ه
96 - عيون الأخبار: ابن قتيبة الدينوري (م 276 ه) دار الكتاب العربي، بيروت.
97 - عيون أخبار الرضا: الشيخ الصدوق (م 381 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت 1404 ه.
(حرف الغين)
98 - الغارات: ابن هلال الثقفي (م 283 ه) دار الكتاب الإسلامي، قم 1411 ه.
99 - الغدير: العلاّمة عبد الحسين أحمد الأميني (1320-1390 ه) دار الكتاب العربي، بيروت 1387 ه.
(حرف الفاء)
100 - فتح القدير: الشوكاني: محمد بن علي بن محمد الصنعاني (1172-1250) دار المعرفة بالأُفست بيروت لبنان.
101 - فرحة الغري: عبد الكريم بن طاوس، النجف الأشرف 1368 ه.
102 - الفرق بين الفرق: البغدادي: عبد القاهر بن طاهر بن محمد (م 429 ه) دار المعرفة، بيروت.
103 - فرق الشيعة: النوبختي: الحسن بن موسى (من أعلام القرن الثالث الهجري) دار الأضواء، بيروت 1404 ه.
104 - فرق و طبقات المعتزلة: القاضي عبد الجبار الهمداني (م 415 ه) دار المطبوعات الجامعية، القاهرة 1972 م.
105 - الفصول المختارة من العيون و المحاسن: الشيخ المفيد: محمد بن محمد بن النعمان (336 أو 338-413 ه) منشورات مكتبة الداوري، قم 1396 ه.
106 - الفصول المهمة: ابن الصباغ المالكي (م 855 ه) المكتبة الحيدرية، النجف الأشرف 1381 ه.
107 - الفهرست: ابن النديم: محمد بن إسحاق (296-385 ه) القاهرة 1348 ه.
108 - الفهرست: الطوسي: محمد بن الحسن (385-460 ه) جامعة مشهد، إيران 1351 ه.
(حرف القاف)
109 - قاموس الرجال: التستري: محمد تقي (1320-1416 ه) طهران 1397 ه.
110 - القواعد: الشهي د الأوّل: محمد بن مكي (733-786 ه) منشورات مكتبة الداوري، قم المقدسة، إيران.
(حرف الكاف)
111 - الكافي: محمد بن يعقوب الكليني (م 329 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران 1397 ه.
112 - الكامل في التاريخ: ابن الأثير الجزري: محمد بن محمد (م 630 ه) دار الكتاب العربي، بيروت.
113 - كشف الارتياب: السيد محسن الأمين (م 1371 ه) منشورات مكتبة الحرمين، قم المقدسة، الطبعة الثانية 1382 ه.
114 - كشف الظنون: الكاتب الچلبي، مطبعة العالم، الطبعة الأُولى 1310 ه.
115 - كشف الغمة: الاربلي: علي بن عيسى (م 693 ه) دار الأضواء، بيروت 1405 ه.
116 - كفاية الأثر: علي بن محمد الخزّار القميّ (من أعلام القرن الرابع الهجري) منشورات بيدار، قم 1401 ه.
117 - الكواكب الدرية: لمحمد بن عبد الرءوف المناوي الحدادي المصري (م 1031 ه).
(حرف اللام)
118 - لسان العرب: العلاّمة ابن منظور: محمد بن مكرم (630-711 ه) قم المقدسة 1405 ه.
119 - اللهوف: السيد ابن طاوس، منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، أُفست، انتشارات الشريف الرضي، قم المقدسة 1412 ه.
(حرف الميم)
120 - مثير الأحزان: ابن نما الحلي (567-645 ه) منشورات مؤسسة الإمام المهدي، قم المقدسة 1406 ه.
121 - المجدي في الأنساب: علي بن محمد العلوي العمري النسابة (من أعلام القرن الخامس الهجري) منشورات مكتبة المرعشي النجفي، قم المقدسة 1409 ه.
122 - المحصول في علم الأُصول: جعفر بن محمد حسين السبحاني (تولد 1347 ه مؤلف هذا الكتاب) منشورات مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، قم المقدسة 1415 ه.
123 - مختصر تاريخ دمشق: ابن منظور: محمد بن مكرم (630-711 ه) دار الفكر، بيروت 1404 ه.
124 - مرآة العقول: محمد باقر المجلسي (م 1110 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران 1404 ه.
125 - مروج الذهب: المسعودي: علي بن الحسين (م 345 ه) منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت 1965 م.
126 - مستدرك الوسائل: النوري: الحسين بن محمد تقي (1254-1320 ه) مؤسسة آل البيت، قم 1407 ه.
127 - المسند: أحمد بن حنبل (م 241 ه) دار الفكر، بيروت.
128 - مسند الإمام زيد: زيد بن علي بن الحسين (76-122 ه) دار الكتب العلمية، بيروت.
129 - مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم: المعروف ب «الثلاثين مسألة»: أحمد بن الحسن الرصاص (م 656 ه) تقديم الدكتور محمد عبد السلام كفافي 1408 ه.
130 - معجم البلدان: الحموي: ياقوت بن عبد اللّٰه (م 262 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت 1399 ه.
131 - معجم رجال الحديث: السيد الخوئي: أبو القاسم الموسوي (م 1317-1413 ه) بيروت 1403 ه.
132 - مفاهيم القرآن: جعفر بن محمد حسين السبحاني (تولد 1347 ه مؤلف هذا الكتاب) قم المقدسة 1404 ه.
133 - مقاتل الطالبيين: أبو الفرج الاصفهاني (284-356 ه) مؤسسة دار الكتاب، قم المقدسة.
134 - مقالات الإسلاميين: الأشعري: علي بن إسماعيل (م 324 ه) الطبعة الثالثة 1400 ه.
135 - مقتل الحسين: الخوارزمي: أبو المؤيد الموفق بن أحمد المكي (م 568 ه) مطبعة الزهراء، النجف الأشرف - 1367 ه.
136 - المقدمة: عبد الرحمن بن محمد بن خلدون (م 808 ه) دار الكتب العلمية، بيروت 1398 ه.
137 - الملل و النحل: الشهرستاني: محمد بن عبد الكري م (479-548 ه) دار المعرفة، بيروت 1402 ه.
138 - مناقب آل أبي طالب: ابن شهرآشوب: محمد بن علي السروي المازندراني (488-588 ه) المطبعة العلمية، قم المقدسة.
139 - من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق (م 381 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران 1390 ه.
140 - منهاج السنة: ابن تيمية (661-728 ه) طبع مصر.
141 - المنية و الأمل: ابن المرتضى: أحمد بن يحيى (م 840 ه)، الطبعة الثانية 1407 ه.
142 - ميزان الاعتدال: أبو عبد اللّٰه: شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (673-748 ه) دار المعرفة، بيروت.
(حرف النون)
143 - النزاع و التخاصم بين بني أُمية و بني هاشم: أحمد بن علي المقريزي الشافعي، مكتبة الأهرام، مصر.
144 - النظرية السياسية: محمود البغدادي (المعاصر) منشورات المعاونية الثقافية للمجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام قم المقدسة 1415 ه.
145 - نكت البيان: السيد علي خان المشعشعي الحويزي (م 1088 ه)، ألّفه عام 1084، موجود في مكتبة الملا علي الخياباني التبريزي.
146 - نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي (359-404 ه) بيروت - 1387 ه.
147 - نور الثقلين: العروسي الحويزي: عبد علي بن جمعة (م 1112 ه) مطبعة الحكمة، قم إيران.
148 - نيل الأوطار: الشوكاني: محمد بن علي بن محمد (1172-1250 ه) دار الكتب العلمية، بيروت.
(حرف الواو)
149 - الوافي بالوفيات: صلاح الدين خليل بن ايبك الصفدي (697-764 ه) انتشارات جهان، طهران 1381 ه.
150 - وسائل الشيعة: الحر العاملي: محمد بن الحسن (1033-1104 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت 1403 ه.
151 - وفيات الأعيان: ابن خلّكان: أحمد بن محمد (608-681 ه) منشورات الشريف الرضي، قم المقدسة 1364 ه.
152 - وقائع الأيام: علي بن عبد العظيم الخياباني التبريزي (1282-1367 ه) منشورات مكتبة قرشي، تبريز 1381 ه.
(حرف الياء)
153 - اليمن عبر التاريخ: أحمد حسين شرف الدين، القاهرة 1964 م.
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة