بحوث فی الملل و النحل جلد 5

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

سرشناسه : سبحانی تبریزی، جعفر، - 1308

عنوان و نام پديدآور : بحوث فی الملل و النحل: دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه

مشخصات نشر : قم: موسسه الامام الصادق علیه‌السلام 1427ق

مشخصات ظاهری:9ج

يادداشت : چاپ اول: 1408ق. = 1366

یادداشت : کتابنامه: ج. 1. ص. [340] - 348

مندرجات : ج. 1. و یتناول تاریخ و عقائد اهل الحدیث و الحنابله و السلفیه .--

موضوع : اسلام -- فرقه‌ها

رده بندی کنگره : BP236/س‌2ب‌3 1368

رده بندی دیویی : 297/5

شماره کتابشناسی ملی : م‌68-3742

محرر الرقمي: میثم حیدری دولت آبادی

اشارة

بحوث فی الملل و النحل

دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه

بحوث فی الملل و النحل

دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه

موسسه الامام الصادق علیه‌السلام

1427ق

المدخل

بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ

الحمد للّٰه رب العالمين و الصلاة و السلام على نبيه و آله و على رواة سنته و حملة أحاديثه و حفظة كلمه.

تقديم

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيّد المرسلين، و آله الطاهرين، و صحبه المنتجبين.

أمّا بعد: فهذا هو الجزء الخامس من موسوعتنا في الملل و النحل، و المقارنة بين المذاهب الإسلامية، نقدّمه إلى القرّاء الكرام، راجين منهم التنبيه و الإرشاد إلى مواضع الزلّة و الخطأ، فإنّ المؤمن مرآة المؤمن، و أحبّ الإخوان من أهدىٰ إلى أخيه عيوبه.(1)

و يتناول هذا الجزء دراسة إحدى الفرق الإسلامية القديمة، أعني: فرقة الخوارج من خلال المواضيع التالية:

ألف - نشأتهم.

ب - تاريخهم السياسي الذي يتضمّن المواجهات التي خاضوها مع

مخالفيهم أوّلاً، و محاولاتهم للاستيلاء على البلاد الإسلامية ثانياً، و زوالهم و القضاء عليهم ثالثاً.

ج - طوائفهم و فرقهم.


1) . اقتباس عن الكلمة المروية عن الامام الصادق عليه السلام حيث قال: «أحبّ اخواني إليّ من أهدى إليّ عيوبي». (لاحظ: تحف العقول 366).

د - عقائدهم و أفكارهم.

ه - شخصيّاتهم البارزة. و الآثار الأدبيّة التي خلّفوها.

و الخوارج - كما قلنا - من أقدم الفرق الإسلامية، بل أوّل فرقة ظهرت في المجتمع الإسلامي، و هو أوّل اختلاف حدث بين المسلمين، بعد اختلاف الأُمّة في مسألة الإمامة، و قد تكوَّنت في العقد الرابع من القرن الأوّل بعد ما نشبت الحرب بين الإمام عليّ عليه السلام و معاوية بن أبي سفيان، و قد تحدّث عنهم و عن نشأتهم و تاريخهم طائفتان:

1 - أصحاب التواريخ: فقد ذكروا عنهم شيئاً كثيراً حسب التسلسل الزمني كالطبري في تاريخه، و المبرّد في كامله، و اليعقوبي في تاريخه، و المسعودي في مروجه، و الجزري في كامله، و ابن كثير في كتابه، و لكن اكتفوا بنقل الحوادث من دون تحليل عللها و نتائجها و غاياتها و من دون استنتاج شيء يُعدّ درساً أو عبرة، و من دون قضاء بشيء في حقّهم، كأنّهم قصّاصون ليس لهم شأن سوى سرد القصّة.

و بما أنّهم ذكروا حوادث تلك الفرقة في فصول مختلفة - كما هو مقتضى سرد الحوادث حسب السنين و القرون - لا يمكن للإنسان أن يقف على تاريخ تلك الفرقة دفعة واحدة في موضع واحد، بل عليه السبر و تتّبع الحوادث و ضمّ حلقة إلى حلقات أُخرى، حتى يكون على اطّلاع على تاريخهم عن كثب.

2 - مؤرّخو العقائد: أعني أصحاب علم الملل و النحل فقد اهتمّوا

بذكر فرقهم، و بيان لفيف من عقائدهم، من دون تركيز على كيفيّة نشأتهم، و الحروب الّتي مارسوها طيلة سنين، قرناً بعد قرن.

نعم هناك جماعة من المتأخّرين أفردوا تاريخهم بالتأليف، و هم بين كاتب مسلم، و مؤلّف مستشرق، و لكلّ غايته المتوخّاة، و إليك الإشارة إلى بعض ما أُلّف في ذلك المضمار:

1 - ملخّص تاريخ الخوارج: تأليف محمّد شريف سليم، المطبوع في القاهرة عام 1349 ه.

2 - الخوارج في الإسلام: تأليف عمر أبي النصر، المطبوع في بيروت عام 1369 ه الموافق لعام 1949 م.

3 - أدب الخوارج: تأليف الكاتبة سهير القلماوي، و الكتاب رسالتها الأُولى لنيل درجة الماجستير و قد نشرتها عام 1365 ه، و تناولت الرسالة البحث عن شعراء الخوارج و قد ذكرت منهم عمران بن حطان و قطري بن الفجاءة، و الطرماح بن حكيم و هو غير طرماح بن عدي الذي كان موالياً لعلي عليه السلام.

4 - وقعة النهروان: تأليف الخطيب الهاشمي الحائري، المطبوع في طهران عام 1372 ه.

5 - الخوارج في العصر الأموي: تأليف الدكتور نايف معروف، و قد طبع في بيروت مرّتين أخيرتها في عام 1401 ه.

6 - الخوارج و الشيعة: تأليف يوليوس فلهوزن، و قد نقله إلى العربية

عبد الرحمن بدوي، طبع في الكويت للمرّة الثالثة عام 1978 م. و من جنايات المؤلّف على تاريخ الشيعة في الكتاب قوله: «إنّ الشيعة و الخوارج تكوّنا في وقت واحد».(1)و المسكين جاهل بتاريخ الشيعة - فإنّها تكوّنت في العصر الذي تكوّن فيه الإسلام، و الشيعة عبارة عن لفيف من المسلمين الأُول من المهاجرين و الأنصار، الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فاتّبعوا سنّته و لم يعدلوا عنها قيد شعرة، فأخذوا في مسألة الخلافة بالنص، و تركوا الاجتهاد في مقابله.

و أمّا الخوارج فقد نشأت في أعقاب حرب «صفّين» كما سيوافيك بيانه، فعدّهما عدلين و في صفّ واحد جهل بتاريخ الشيعة و تاريخ الإسلام، أو تجاهل، و ليس ذلك ببعيد عن المستشرقين المجتمعين على موائد الاستعمار.

هذا بعض ما أُلّف حول تاريخ الخوارج و الكل كما ترى ألّف بيد خصمائهم و لا يمكن الاحتجاج بهذه الكتب عليهم إلّا إذا تضافر النقل و حصل الاطمئنان بصدقها، و لأجل رفع تلك النقيصة و التزاماً منّا بالموضوعية التي يجب أن يتّصف بها البحث و الباحث، بذلنا الجهد للحصول على آثار تلك الفرقة في التاريخ و العقائد و الفقه و التفسير، و تقف على أسمائها في «قائمة المصادر» للكتاب. فإنّ الخوارج انقرضت بعامّة فرقها و لم يبق منهم ما يعبأ به إلّا فرقة الاباضية و هي الفرقة المعتدلة منهم،


1) . الخوارج و الشيعة: 112، ترجمة عبد الرحمن بدوي، من الألمانية إلى العربية.

و هي المذهب الرسمي في سلطنة عمان، و قد قامت وزارة التراث القومي و الثقافة لسلطنة عمان، بنشر آثار الاباضية في مجالات مختلفة، فلا بدّ للباحث من الرجوع إليها.

نسأل اللّه سبحانه أن يوفّقنا في تبيين نشأة تلك الفرقة و تاريخها و عقائدها لما هو الحق و الصدق، مجانبين عن كلّ فكرة و نظرية مسبقة في حقّهم.

جعفر السبحاني

قم - مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام

1411/12/20 ه

الفصل الأوّل: بداية الاختلاف بعد رحلة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم

اشارة

ارتحل النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم ملبّياً دعوة ربّه في العام الحادي عشر من هجرته، بعد ما بذل كلّ جهده لتوحيد الأُمّة و رصّ صفوفها، منادياً فيهم بقول اللّٰه سبحانه: «إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ»(1). و هو صلى الله عليه و آله و سلم كما دعا إلى كلمة التوحيد دعا إلى توحيد الكلمة بأمر منه سبحانه في الذكر الحكيم حيث قال: «وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللّٰهِ جَمِيعاً وَ لاٰ تَفَرَّقُوا»(2)، و قال سبحانه: «إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ...»(3)إلى غير ذلك من الآيات، و قد كان صلى الله عليه و آله و سلم يُحذِّر المجتمع الإسلامي من التفرّق و التشرذم، و قد وصف التحزّب و التعصّب لقوم دون قوم «دعوى منتنة».(4)

و قد خاطب معشر الأنصار بقوله: «اللّٰه اللّٰه أ بدعوى الجاهلية و أنا بين أظهركم بعد أن هداكم اللّٰه بالإسلام، و أكرمكم به، و قطع به أمر الجاهلية و استنقذكم من الكفر، و ألّف به بين قلوبكم».(5)

و مع كلّ هذه الأوامر العديدة و التحذيرات الشديدة نرى - يا للأسف - أنّ المسلمين اختلفوا بعد وفاته - و جثمانه بَعدُ لم يُوار - إلى فرقتين


1) . الأنبياء: 92.

2) . آل عمران: 103.

3) . الحجرات: 10.

4) . السيرة النبوية: 303/3.

5) . السيرة النبوية: 250/2.

يجمعهما الاتّفاق في سائر الأُصول و يفرّقهما الخلاف في مسألة الخلافة و الولاية و هاتان الفرقتان هما:

1 - فرقة تبنّت مبدأ التنصيص على الشخص المعيّن و قالت إنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم نصّ على خلافة علي و ولايته في مواضع عديدة و مناسبات كثيرة، أعظمها و أشهرها يوم الغدير في منصرفه عن حجّة الوداع في العام العاشر، فقال في محتشد عظيم: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله». و قد بلغ الحديث في كل عصر حدّ التواتر بل تجاوز حدّه، و من المتبنّين لهذه الفكرة، أكابر بني هاشم و شخصيّاتهم البارزة كعباس بن عبد المطلب و عقيل بن أبي طالب و غيرهما و لفيف من الأصحاب، كسلمان الفارسي، و أبي ذر الغفاري، و المقداد بن الأسود الكندي، و أبي التيهان، و أبي أيّوب الأنصاري و غيرهم من المهاجرين و الأنصار، الذين شايعوا علياً، و نفّذوا ما أوصىٰ به النبي الأكرم في حقّ وصيّه، و هؤلاء همّ نواة الشيعة و هم جزء من المسلمين الاُول، فقد بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول.

2 - فرقة تبنّت فكرة الشورى، و انّ لها اختيار القائد، و انتهت تلك الفكرة بعد مشاجرات و مشاغبات بين متبنّيها إلى خلافة أبي بكر بن أبي قحافة، و تمّت البيعة له في سقيفة بني ساعدة، ببيعة عدّة من المهاجرين، كعمر بن الخطاب و أبي عبيدة الجراح، و بيعة الأوسيين من الأنصار، و هؤلاء قد نسوا أو تناسوا النصّ النبوي يوم الغدير فقدَّموا الاجتهاد على النص، و رجّحوا المصلحة المزعومة على التعيين الإلهي، و العجب أنّ أصحاب هذه

الفكرة من بين المهاجرين و الأنصار كانوا يستدلّون على مبدئهم في سقيفة بني ساعدة بأدلّة و مقاييس كانت سائدة في الجاهلية، و التي لا صلة لها بالكتاب و السنّة:

مثلا: إنّ الأنصار رأوا أنّهم أولى من غيرهم بالخلافة، لأنّهم آووا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و نصروه في حروبه في زمان أخرجه قومه فيه من موطنه و خذلوه، و قال خطيبهم الحبّاب بن المنذر بقوله: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم فأنتم أحقّ بهذا الأمر منهم، فإنّه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين.

هذا منطق الأنصار، و هلم معي نستمع منطق المهاجرين فقال أبو بكر ناطقاً عنهم: إنّ المهاجرين أقرباء النبي و عترته، و دعمه عمر فقال ردّاً لمنطق الأنصار: و اللّٰه لا ترضى العرب أن تؤمّركم و نبيّها من غيركم و لا تمنع العرب أن تولّي أمرها من كانت النبوّة منهم، من ينازعنا سلطان محمد و نحن أولياؤه و عشيرته؟!

ترى أنّه ليس في منطق كل من المرشّحين أيّ استناد إلى الكتاب و السنّة، فهذه تستدل بإيوائهم رسول اللّٰه و نصرتهم إيّاه، و تلك تستند إلى قرابته منه، مع أنّه كان من اللازم عليهم الفحص عن قائد لائق عارف بالكتاب و السنّة، مدير و مدبّر يملك كافّة المؤهّلات اللازمة في القيادة سواء أ كان من المهاجرين أم من الأنصار أم من طائفة أُخرىٰ.

كل ذلك يعرب عن أنّ الفكرة كانت غير ناضجة أوّلاً، و انّ

الانتخاب و الاختيار لم يكن صادراً عن مبدأ الاسلامي ثانياً.

هذا و انّ طائفة من الأنصار، أعني: الأوس بايعوا أبا بكر بحجّة أنّهم إن لم يبايعوه ليكوننّ للخزرج عليهم فضيلة.(1)

و هكذا ظهرت فرقتان بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و المبدأ الذي اختلفتا فيه هو: مسألة الخلافة و قيادة الأُمّة، و كان المترقّب بعد هذا الشقاق و الاختلاف، طروء حروب دامية بين الطرفين، و لو لا القيادة الحكيمة للإمام علي عليه السلام و مساهمته مع الخلفاء في مهامّ الأُمور، و التنازل عن حقّه لانجرّ الأمر في حياة الخلفاء إلى الهلاك و الدمار، خصوصاً انّ المنافقين كانوا يترصّدون تلك الفرصة و يؤلّبون إحدى الطائفتين على الأُخرى ليصطادوا في الماء العكر، و في التاريخ شواهد تؤيّد ذلك و انّ القيادة الحكيمة لصاحب النص - أعني: الإمام علياً - أفشلت تلك الخطط الشيطانية نكتفي منها بما يلي:

روى الطبري: لمّا اجتمع الناس على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان و هو يقول: «و اللّٰه إنّي لأرى عجاجة لا يدفعها إلّا الدم، يا آل عبد مناف فيما أبو بكر من أُموركم؟ أين المستضعفان أين الأذلّان علي و العبّاس؟ و قال: «أبا حسن أبسط يدك حتى أُبايعك» فأبى علي عليه السلام فجعل أبو سفيان يتمثّل بشعر المتلمّس:

و لن يقيم على خسف يراد به *** إلّا الأذلّان غير العير و الوتد


1) . تاريخ الطبري: 446/2؛ الإمامة و السياسة: 9/1.

هذا على الخسف معكوس برمّته *** و ذا يشجّ فلا يبكي له إحدى(1)

قال: فزجره علي عليه السلام و قال: «إنّك و اللّٰه ما أردت بهذا إلّا الفتنة، و إنّك و اللّٰه طالما بغيت للإسلام شرّاً، لا حاجة لنا في نصيحتك».

كان الإمام معتقداً بشرعية إمارته و خلافته، و يرى نفسه خليفة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، و قد سبقت البيعة له في يوم الغدير و غيره، و كان يحتجّ به و بغيره من النصوص على استحقاقه لها و يعترف نفسه و أهل بيته بقوله: «و لهم خصائص حقّ الولاية و فيهم الوصيّة و الوراثة».(2)

و مع ذلك رأى أنّ في مواجهة هذا الانحراف في تلك الظروف العصيبة مفسدة أعظم من فوت الولاية فتنازل عن الأمر فسدل دونه ثوباً، و طوى عنه كشحاً، و هو يصف الحال في بعض خطبه و يقول: «و لا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه و آله و سلم عن أهل بيته، و لا أنّهم منحّوه عنّي من بعده، فما راعني إلّا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد صلى الله عليه و آله و سلم، فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل و زهق و اطمأنّ الدين و تنهنه».(3)


1) . تاريخ الطبري: 449/2؛ الكامل في التاريخ 220/2

2) . نهج البلاغة: الخطبة 5.

3) . نهج البلاغة: الكتاب 62.

قام أبو بكر بأعباء الخلافة، و حارب أصحاب الردّة، إلى أن مضى لسبيله، فأقام مكانه عمر بن الخطاب و هو أيضاً سار بسيرة من قبله، و كان المسلمون يجتازون البلاد، و يفتحون القلاع، و يسيطرون على العالم بفضل الدين و الإيمان، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة من قريش و زعم أنّ رسول اللّٰه مات و هو عنهم راض و هؤلاء هم: عليّ، و عثمان، و طلحة، و الزبير، و سعد بن أبي وقاص، و عبد الرحمن بن عوف، و قال: رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم، ثمّ نظر إلى كل واحد من هذه الستة إلى أن نظر إلى عثمان و قال: كأنّي بك قد قلّدتك قريش هذا الأمر لحبّها إيّاك فحملت بني أُميّة و بني أبي معيط على رقاب الناس، آثرتهم بالفيء فثارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحاً، و اللّٰه لئن فعلوا لتفعلن، و لئن فعلت ليفعلن، ثمّ أخذ بناصيته فقال: فاذا كان ذلك فاذكر قولي فإنّه كائن.(1)

فلمّا دفن عمر، اجتمع أصحاب الشورى في بيت فتكلّموا فتنازعوا، غير أنّ تركيب الأعضاء منذ عيّنها الخليفة كان يعرب عن حرمان علي و نجاح غيره و لأجل ذلك تمّ الأمر لصالح عثمان، فقام بالأفعال التي تنبّأ بها عمر بن الخطاب، و أحدث أُموراً نقم بها عليه، و أوجدت ضجّة بين المسلمين و من أبرز معالمها انحرافه عن الحق. و إليك صورة من أعماله التي ثارت لأجلها ثورة الأنصار و المهاجرين:


1) . شرح نهج البلاغة: 186/1.

[صورة من أعمال التى وقع في خلافة عثمان]

1 - تعطيل الحدود الإلهية:

شرب الوليد بن عقبة الخمر فسكر فصلّى بالنّاس الغداة ركعتين أو أربع ركعات، فانْتُزعَ خاتمه من يده و هو لا يشعر من سكر، و قد قدم رجل المدينة و أخبر عثمان ما شهده من الوليد فضربه عثمان، فكثرت الشكوىٰ على عامله بالكوفة و لم ير بُداً من عزله و لم يجرِ الحد على الوليد، فقال الناس: عطّلت الحدود و ضربت الشهود.(1)

2 - عطياته الهائلة لبني أُميّة من بيت المال:

بين ليلة و ضحاها صارت جماعة من بني أُميّة بفضل خلافة عثمان، أصحاب الضياع العامرة و الثروات الطائلة منهم: مروان بن الحكم، و عبد اللّٰه بن أبي سرح، و يعلى بن أُميّة، و الحكم بن العاص، و الوليد بن عقبة و أبي سفيان، و قد حفظ التاريخ صورة عطيات الخليفة لهم و لغيرهم، و من أراد التفصيل فليرجع إلى مظانه.(2)

و يكفيك أنّه أعطى مروان بن الحكم - ابن عمّه و صهره - خمس غنائم إفريقيا، و كانت تقدّر بمليونين و نصف مليون دينار، و في ذلك يقول الشاعر:

و اعطيت مروان خمس العبا *** دِ ظلماً لهم و حميت الحمى(3)


1) تاريخ الخلفاء: 104؛ الأغاني: 188/4

2) الغدير 236/9-290

3) المعارف: 113 ط دار الكتب العلمية؛ تاريخ ابن كثير: 157/4.

3 - تأسيس حكومة أموية:

كان الخليفة يبذل غاية جهده في تأسيس حكومة أموية في العواصم الإسلامية فنرى أنّه عزل سعد بن أبي وقاص عن ولاية الكوفة و ولّاها الوليد بن عقبة بن أبي معيط و كان أخا عثمان لأُمّه.

و في سنة 27 من الهجرة عزل عمرو بن العاص عن خراج مصر و استعمل عليه عبد اللّه بن أبي سرح و كان أخاه من الرضاعة.

و عزل أبا موسى الأشعري فولّى مكانه على البصرة عبد اللّه بن عامر و هو ابن خال عثمان.(1)

و أبقى معاوية على ولايته على الشام، و لمّا كثرت الشكوى على عامله بالكوفة، الوليد بن عقبة، عزله و ولّى مكانه سعيد بن العاص.(2)

حتى قيل إنّ خمساً و سبعين من ولاته كانوا من بني أُميّة.(3)

4 - مواقفه العدائية تجاه الصحابة:

كان للخليفة مواقف غير مرضية مع أصحاب رسول صلى الله عليه و آله و سلم فقد سيّر أبا ذر إلى الربذة و هي أرض قاحلة ليس فيها ماء و لا كلاء، فهناك لفظ آخر أنفاسه غريباً فريداً.(4)و أمر بضرب عبد اللّه بن مسعود فكسر ضلع من


1) . الأخبار الطوال: 139؛ الكامل: 88/3-99.

2) . تاريخ الطبري: 325/3.

3) . لاحظ للوقوف على أسماء عمال عثمان في السنة التي قتل فيها، تاريخ الطبري: 445/3.

4) . الأنساب للبلاذري: 54/5؛ تاريخ الطبري: 335/3.

أضلاعه.(1)كما أنّه ضرب عمّار بن ياسر حتى غشي عليه بحجّة أنّه انتقد عمل الخليفة في بيت المال(2).

5 - إيواؤه طريد رسول اللّٰه

طرد رسول اللّٰه الحكم بن عاص مع ابنه مروان إلى الطائف، فردّهما إلى المدينة أيّام خلافته.

يقول الشهرستاني: ردّ الحكم بن أُميّة إلى المدينة بعد أن طرده رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و كان يسمّى طريد رسول اللّٰه و بعد أن تشفّع إلى أبي بكر و عمر أيّام خلافتهما فما أجابا إلى ذلك، نفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخاً.(3)

إلى غير ذلك من الأُمور التي أغضبت جمهور المسلمين و أثارتهم، حتى اجتمع المسلمون من المصريين و الكوفيين و البصريين، و جمهور المهاجرين و الأنصار للاحتجاج عليه بتبيين سوء مواقفه و أعماله و جنايات عمّاله في البلاد، و لكن كان ردّ فعله تجاه هاتيك الاحتجاجات، سلبياً فلم يستجب لطلباتهم، بل غضب على كل من احتجّ عليه بسوء فعله أو فعل ولاته، و لكن كثرة السخط و النقد على الخليفة، شحنت النفوس نقمة و غضباً، فانفجرت ثورة عارمة لم تخمد إلّا بقتله في عقر داره.


1) . الأنساب: 36/5.

2) . الأنساب: 48/5.

3) . الملل و النحل: 26/1.

قتل الخليفة عثمان:

و المهاجرون و الأنصار و من تبعهم بإحسان بين مجهز عليه، أو مؤلَّب ضدّه، أو مستبشر بمقتله، أو صامت رهين بيته، محايد عن الطرفين.(1)

إنّ هذه الأحداث الكبيرة لو اتّفقت في أيّ عصر من العصور التي يسود فيها الحكم الإسلامي لأثّرت نفسَ الأثر الذي خلَّفْته في عهد عثمان و لقلبت الأُمور رأساً على عقب.

و مع ذلك ترى أنّ بعض المؤرخين يريدون تبرير عمل الخليفة و أنّ الثورة ضدّ الخليفة لم تكن ثورة شعبية دينية نابعة من أوساط المهاجرين و الأنصار و من تبعهم بإحسان في مصر و العراق، و يزعمون انّ عبد اللّه بن سبأ هو الذي جهّز المصريين و كدّر الصفو على الخليفة، و انّه و أتباعه كانوا وراء قتل الخليفة و لكن هذا من مختلقات بعض المؤرّخين(2)الذين جرّهم حبّهم و إخلاصهم للخلافة و الخليفة إلى إسناد هذه الثورة إلى رجل مزعوم (عبد اللّه بن سبأ) لم يثبت وجوده أوّلاً، و على فرض وجوده لم تثبت له تلك المقدرة الهائلة التي تثير الحواضر الإسلامية و عقلية المهاجرين و الأنصار على الخليفة المفترض طاعته.(3)

فلو كان لعبد اللّٰه بن سبأ تلك المقدرة و أنّه كان يجول في البلاد


1) . تاريخ الطبري: 399/3.

2) . تاريخ الطبري: 378/3.

3) . لاحظ عبد اللّه بن سبأ لمرتضى العسكري فقد اغرق نزعاً في التحقيق فلم يبق في القوس منزعا.

لتحريض الناس على الخليفة، فلما ذا لم يتمكّن الخليفة و لا عمّاله من القبض عليه ليسجنوه أو يطردوه من الحواضر الإسلامية الى نقطة لا ماء فيها و لا كلاء كما طردوا أبا ذر إلى الربذة، و سيّروا صلحاء الكوفة إلى أمكنة أُخرى؟!

قال الأميني: لو كان ابن سبأ بلغ هذا المبلغ من إلقاح الفتن، و شقّ عصا المسلمين و قد علم به و بعيثه أُمراء الأُمّة و ساستها في البلاد، و انتهى أمره إلى خليفة الوقت، فلما ذا لم يقع عليه الطلب؟ و لم يُلْقَ القبض عليه، و الأخذ بتلكم الجنايات الخطرة، و التأديب بالضرب و الإهانة، و الزجّ إلى أعماق السجون؟ و لا آل أمره إلى الإعدام، المريح للأُمّة من شرّه و فساده، كما وقع ذلك كلّه على الصلحاء الأبرار الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر، و هتاف القرآن الكريم يرنّ في مسامع الملأ الديني: «إِنَّمٰا جَزٰاءُ اَلَّذِينَ يُحٰارِبُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسٰاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاٰفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اَلْأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي اَلدُّنْيٰا وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ»(1).

اجتماع المهاجرين و الأنصار على بيعة علي عليه السلام:

قتل الخليفة بمرأى و مشهد من الصحابة، و تركت جنازته في بيته، و اجتمع المهاجرون و الأنصار في بيت عليّ، و طلبوا منه بإصرار بالغ قبول الخلافة، إذ لم يكن يوم ذاك رجل يوازيه و يدانيه في السبق إلى الإسلام،


1) . الغدير: 219/9. و الآية 33 من سورة المائدة.

و الزهد في الدنيا، و القرابة من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، و العلم الوافر بالقرآن و السنّة، و الإمام يصف اجتماعهم في بيته و يقول: «فتداكوا عليّ تداكّ الإبل الهيم، يوم وردها، و قد أرسلها راعيها و خلعت مثانيها، حتى ظننت أنّهم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض لَدَيَّ».(1)

و في كلمة أُخرى له عليه السلام يقول واصفاً هجوم المهاجرين و الأنصار على بيته لبيعته: «و بسطتم يدي فكففتها، و مددتموها فقبضتها، ثمّ تداككتم عليّ تداك الهيم على حياضها يوم وِرْدها حتى انقطعت النعل، و سقط الرداء، و وطئ الضعيف، و بلغ من سرور الناس ببيعتهم ايّاي، أن ابتهج بها الصغير، و هدج إليها الكبير، و تحامل نحوها العليل، و حسرت إليها الكعاب».(2)

فلمّا عرضوا عليه مسألة الخلافة و القيادة الإسلامية أجابهم بجدّ و حماس: «دعوني فالتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه و ألوان، لا تقوم له القلوب، و لا تثبت له العقول».(3)

فلمّا أحسّ منهم الإلحاح و الإصرار المؤكّد و انّه لا بدّ من البيعة و رفع علم الخلافة قال عليه السلام: إذا كان لا بدّ من البيعة فلنخرج إلى المسجد حتى تكون بمرأى و مسمع من المهاجرين و الأنصار، و جاء إلى المسجد فبايعه المهاجرون و الأنصار و في مقدّمتهم الزبير بن العوام و طلحة بن عبيد اللّٰه و لم يتخلّف من البيعة إلّا قليل لا يتجاوز عدد الأنامل كأُسامة بن زيد، و عبد اللّٰه


1) . نهج البلاغة: الخطبة 54.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 229.

3) . تاريخ الطبري: 156/3.

بن عمر، و سعد بن أبي وقاص و نظائرهم.(1)

و قد عرفه التاريخ بأنّه كان رجلاً زاهداً غير راغب في الدنيا و لا مقبلاً على الرئاسة و انّما قبل البيعة لأنّه تمّت الحجّة عليه و كان المسلمون يومذاك بحاجة الى قيادته و خلافته و هو يصف أمره: «و اللّٰه ما كانت لي في الخلافة رغبة، و لا في الولاية إربة، و لكنّكم دعوتموني إليها و حملتموني عليها».(2)

كلّ ذلك صار سبباً لقيام علي بالزعامة و الخلافة و تدبير الأُمور، و لم يكن هدف المبايعين إلّا إرجاع الأُمّة إلى عصر الرسول، ليقضي على الترف و البذخ، و يرفع راية العدل و القسط، و يهدم التفاضل المفروض على الأُمّة بالقهر و الغلبة، و ينجي المضطهدين و المقهورين من الفقر المدقع، و لمّا تمّت البيعة خطبهم في اليوم التالي و بيّن الخطوط العريضة للسياسة التي ينوي الالتزام بها طيلة ممارسته للخلافة، فعلى الصعيد المالي قال في قطائع عثمان التي قطعها الخليفة لأقربائه و حاشيته: «و اللّٰه لو وجدته قد تزوّج به النساء و ملك به الإماء لرددته، فإنّ في العدل سعة، و من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق».(3)

قال الكلبي: ثمّ أمر علي عليه السلام بكلّ سلاح وجد لعثمان في داره ممّا تقوّى به على المسلمين، فقبض و أمر بقبض نجائب كانت في داره من إبل الصدقة فقبضت، و أمر بقبض سيفه و درعه، و أمر ألّا يعرض لسلاح وجد له


1) . تاريخ الطبري: 156/3.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 205.

3) . نهج البلاغة: الخطبة 15.

لم يقاتل به المسلمين، و بالكف عن جميع أمواله التي وجدت في داره و في غير داره، و أمر أن ترتجع الأموال التي أجاز بها عثمان حيث أُصيبت أو أُصيب أصحابها.

فبلغ ذلك عمرو بن العاص، و كان ب «ايلة» في أرض الشام، أتاها حيث وثب الناس على عثمان، فنزلها فكتب إلى معاوية: ما كنت صانعاً فاصنع إذ قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تُقشر عن العصا لحاها.(1)

ما مارسه الإمام لتحقيق المساواة من خلال ردّ قطائع عثمان كان جرس الإنذار في أسماع عبَدة الدنيا و أصحاب الأموال المكدّسة، أيّام خلافة الخليفة الثالث، فوقفوا على أنّ علياً لا يساومهم بالباطل، على الباطل و لا يتنازل عن الحق لصالح خلافته.

و عند ذلك بدءوا يتآمرون على خلافته الفتية في نفس المدينة المنورة و في مكة المكرمة و الشامات، و قد كان هؤلاء متفرّقين في تلك البلاد.

و هذا هو الموضوع الذي نطرحه في الفصل التالي، و ستعرف أنّ ظهور الخوارج في الساحة الإسلامية من مخلّفات هذا التآمر الذي رفع راياته الناكثون و القاسطون.


1) . شرح نهج البلاغة: 270/1.

الفصل الثاني: حوادث و طوارئ مريرة في عصر الخلافة العلوية

اشارة

نهض الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالأمر، بعد قتل الخليفة عثمان، و قد عمّت الفتن و التمزّق و الاضطراب الأُمّة الإسلامية، و حاق بهم البلاء، و صاروا شيعاً، المعنيّون منهم ذوو أهواء و ميول.

فمن مسلم واع يرى بنور الإيمان خروج القيادة الإسلامية عن الجادّة المستقيمة، و ليس لها جمالها الموجود في العهد النبوي، و لا بعده إلى وفاة الشيخين، و هم الذين ثاروا على السلطة، و قتلوا الخليفة، و لم يدفنوه، حتى راحوا إلى رجل ليقوم بالأمر و يقيم الأود، و يصلح ما فسد، و لم يكن هذا الرجل إلّا الإمام المعروف بالورع و التّقى، و قوّة القلب، و رباطة الجأش.

إلى متوغّل في لذائذ الدنيا و زخارفها، ادّخر من غنائمها وفراً، و جمع من بيضائها و صفرائها ثروة طائلة، و اقتنى ضياعاً عامرة، و دوراً فخمة، و قصوراً شاهقة، يخضمون مال اللّٰه خضم الإبل نبتة الربيع، كأنّ الدنيا خلقت لأجلهم، فهؤلاء - بعد قتل الخليفة - لا يرضون خروج الأمر من أيديهم و وقوعه في يد رجل لا تأخذه في اللّٰه لومة لائم و الأُمّة الإسلاميّة عنده سواسية.

إلى انتهازيّ لا يهمّه شيء سوى طعمته في الملك و المال، كالبهيمة المربوطة همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمّمها.

فقام الإمام بالأمر، و هذا وصف مجتمعه، و هم إلى الشدة و القسوة أقرب إلى الصلاح و الفلاح. و أوّل من جهر بالخلاف و ألَبّ المخالفين على عليّ، هو معاوية بن أبي سفيان، فقد كان واقفاً على أنّ عليّاً لا يساومه بأيّة قيمة و لا يبقيه في مقامه الذي كان عليه من عصر الخليفة الثاني إلى يوم بويع عليّ بالخلافة، فقام بتأليب بعض الصحابة على الإمام و إغرائهم على الخلاف، بحجّة أنّه أخذ البيعة لهم من أهل الشام، و هذا نص رسالته إلى الزبير بن العوام و قد وقف على أنّه بايع عليّاً بملإ من الناس، و فيها: «بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ، فإنّي قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا و استوسقوا كما يستوسق الجلب، فدونك الكوفة و البصرة لا يسبقك إليها ابن أبي طالب، فإنّه لا شيء بعد هذين المصرين، و قد بايعتُ لطلحة بن عبيد اللّٰه من بعدك فاظهر الطلب بدم عثمان، و ادعوا الناس إلى ذلك، و ليكن منكما الجدّ و التشمير، أظفركما اللّٰه، و خذل مناوئكما».

و لمّا وصل هذا الكتاب إلى الزبير، أعلم به طلحة فلم يشكّا في أنّ معاوية ناصح لهما و أجمعا عند ذلك على خلاف عليّ عليه السلام.(1)

كانت الغاية الوحيدة من أخذ البيعة من رعاع الناس في الشام للزبير و طلحة و إعلامهما لذلك، هو تشجيعهما على مخالفة الإمام عليه السلام بحجّة أنّهما خليفتان مترتبان، و أنّه يجب على عليّ أن يترك الخلافة جانباً، و بذلك أراد أن يحدث صدعاً في صفّ الذين بايعوا الإمام، و يفتح باب الخلاف و نكث البيعة أمام الآخرين.


1) . شرح نهج البلاغة: 231/1.

كانت تلك الرسالة تحمل شروراً إلى الأُمّة الإسلامية، و قد اغتر الشيخان بكلام ابن أبي سفيان، فتآمرا على الخلاف و نكث البيعة على وجه يأتي شرحه.

و لم يكن نكث البيعة منهما نهاية الخلاف، بل كانت فاتحة لشرّ ثانٍ و هو تجرّؤ معاوية على عليّ و بغيه على الإمام المفترض طاعته، بالحرب الطاحنة، و كان الإمام على أعتاب النصر و الظفر حتى نجم شرّ ثالث و هو خروج طائفة من أصحاب الإمام عليه بحجة واهية تحكي عن سذاجة القوم و قلّة وعيهم: و هي مسألة التحكيم، و بذلك خاض الإمام في خلافته القصيرة التي لا تتجاوز عن خمسة أعوام، حروباً دامية، يحارب الناكثين تارة، و القاسطين أُخرىٰ، و المارقين ثالثة، و في ذلك يقول الإمام: «فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة، و مرقت أُخرى، و قسط آخرون، كأنَّهم لم يسمعوا كلام اللّٰه سبحانه يقول: «تِلْكَ اَلدّٰارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لاٰ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فَسٰاداً وَ اَلْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» بلى و اللّٰه لقد سمعوها و وعوها و لكنّهم حَلِيَتِ الدنيا في أعينهم، و راقهم زبرجها.(1)

قام الإمام بفقء عين الفتنة بعد انتهاء حرب صفّين - و يا للأسف - و لم يمض زمن إلى أن اُغْتِيل بيد أشقى الأوّلين و الآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود(2)- حسب تعبير النبي الأكرم -، و بذلك طويت صحيفة عمره و لقى اللّٰه تعالى بنفس مطمئنة، و قلب سليم، و قد تنبّأ النبي الأكرم بحروبه الثلاثة، و أنّه


1) . نهج البلاغة: الخطبة 3 و الآية 83 من سورة القصص.

2) . عيون أخبار الرضا: 297.

سيقاتل طوائف ثلاثة و هم بين ناكث و قاسط و مارق من الدين.

روت أُمّ سلمة أنّ علياً عليه السلام دخل علىٰ النبي الأكرم في بيتها فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم مشيراً إلى علي: «هذا و اللّٰه قاتل الناكثين و القاسطين و المارقين من بعدي».(1)

و روى علي عليه السلام، عن النبي الأكرم: «أمرني رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين».(2)

هذا مجمل تلك الحوادث المريرة في خلافته، و كانت فتنة الخوارج نتيجة الحربين الطاحنتين: الجمل و صفّين، فلأجل إجلاء الحقيقة و رفع الستر عن وجهها نعرضهما على القارئ، على وجه خاطف، و التفصيل على عاتق التاريخ.


1) . البداية و النهاية: 305/7، و قد جمع أسانيد الحديث و متونه.

2) . تاريخ بغداد: 340/4.

(1) قتال الناكثين

حرب الجمل

النكث في اللغة هو نقض البيعة و المراد من قتال الناكثين: قتال الشيخين: الزبير و طلحة اللّذين نكثا بيعة الإمام و تبعهما طوائف من الناس، بترغيب و ترهيب، و كان بدأ الخلاف انّ طلحة و الزبير جاءا إلى عليّ و قالا له: يا أميرَ المؤمنين قد رأيتَ ما كنّا فيه من الجفوة في ولاية عثمان كلّها، و علمت رأي عثمان في بني أُميّة، و قد ولّاك اللّٰه الخلافة من بعده، فوّلنا بعضَ أعمالك، فقال لهما: ارضيا بقسم اللّٰه لكم. حتى أرى رأيي، و اعْلما أنّي لا أشرك في أمانتي إلّا مَن أرضى بدينه، و أمانته من أصحابي، و من قد عرفت دخيلتَه.

فانصرفا عنه و قد دخلهما اليأس فاستأذناه في العمرة.(1)

خرجا من عنده و هما غاضبان و يحتالان للخروج عن بيعته و نكثها، و في ذلك الظرف القاسي، وصل إليهما كتاب معاوية يدعوهما إلى نكث البيعة و أنّ أهلَ الشام بايعوا لهما إمامين مترتبين، فاغترّا بالكتاب(2)، و عزما النكث بجد.


1) . شرح نهج البلاغة: 231/1-232.

2) . تقدم نص الكتاب.

ثمّ دخلا على عليّ فاستاذناه في العمرة، فقال: «ما العمرة تريدان»، فحلفا له باللّٰه انّهما ما يريدان غير العمرة، فقال لهما: «ما العمرة تريدان، و انّما تريدان الغدرة، و نكث البيعة»، فحلفا باللّٰه ما الخلاف عليه و لا نكثَ بيعته يريدان و ما رأيهما غير العمرة، فقال لهما: «فأعيدا البيعة لي ثانية»، فأعاداها بأشدّ ما يكون من الأيمان و المواثيق، فأذنَ لهما فلمّا خرجا من عنده قال لمن كان حاضراً: «و اللّٰه لا ترونهما إلّا في فتنة يقتتلان فيها».

قالوا: يا أمير المؤمنين فمُرْ بردِّهما عليك.

قال: ليقضي اللّٰه أمراً كان مفعولاً.(1)

خروج عائشة إلى مكة:

غادرت عائشة المدينة المنوّرة عند ما حاصر الثوار بيت عثمان، و نزلت في مكة، و وصل خبر قتل الخليفة إليها و هي فيها، و كانت على تطلُّع إلى أين انتهت الثورة و إلى من آلت إليه الخلافة، فغادرت مكة إلى المدينة فلمّا نزلت «سرف» لقيها عبد ابن أُمّ كلاب فقالت له: «مهيم»؟ قال: قَتَلوا عثمان فمكثوا ثمانياً، قالت: ثمّ صنعوا ما ذا؟ قال: اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب، فقالت: و اللّٰه إنّ هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك، رُدّوني رُدّوني، فانصرفت إلى مكّة و هي تقول: قتل و اللّٰه عثمان مظلوماً، و اللّٰه لأطلبنّ بدمه، فقال لها ابن أُمّ كلاب: و لم؟ فو الله إنّ أوّلَ من أمالَ حرفه لأنت، و لقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر. قالت: إنّهم استتابوه، ثمّ قتلوه، و لقد


1) . شرح نهج البلاغة: 231/1-232.

قلت و قالوا، و قولي الأخير خير من قولي الأوّل، فقال لها: ابن أُمّ كلاب:

منك البداء و منك الغير *** و منك الرياح و منكِ المطر

و أنتِ أمرتِ بقتل الإمام *** و قلتِ لنا أنّه قد كفر

فهبنا أطعناكِ في قتله *** و قاتلُه عندنا مَنْ أمَر

و لم يسقط السيف من فوقنا *** و لم تنكسف شمسنا و القمر

فانصرفت إلى مكّة فنزلت على باب المسجد فقصدت الحِجْرَ و سترت، و اجتمع إليها الناس فقالت: يا أيّها النّاس إنّ عثمان قد قتل مظلوماً و اللّٰه لأطلبنّ بدمه.(1)

ثمّ إنّ طلحة و الزبير بعد ما استأذنا عليّاً غادرا المدينة و نزلا مكة، و كانت بينهما و بين عائشة صلة وثيقة يتآمرون ضد عليّ، فلمّا بلغ عليّاً مؤامرة الزبير و طلحة و انّهما نكثا أيمانهما و على أهبة المكافحة معه، أشار بعض أصحابه أن لا يتبعهما فأجاب علي بقوله: «و اللّٰه لا أكون كالضبع تَنام على طول اللّدم، حتى يصلَ إليها طالبها، و يختلها راصدها، و لكن أضرب بالمقبل إلى الحق المدبَر عنه، و بالسامع المطيع العاصيَ المريب أبداً، حتى يأتي عليّ يومي».(2)


1) . الإمامة و السياسة: 49/1؛ تاريخ الطبري: 477/3.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 6.

مغادرة الشيخين و عائشة مكة:

اتّفق المؤامرون و معهم جماعة من أعداء الإمام، على أن يرتحلوا إلى البصرة، و يتّخذوها مقرّاً للمعارضة المسلّحة.

و قد كان عبد اللّه بن عامر، عامل عثمان على البصرة، هربَ منها حين أخذ البيعة لعلي بها على الناس، جاريةُ بن قدامة السعدي، و مسير عثمان بن حنيف الأنصاري إليها على خراجها من قِبَلِ عليّ.

و انصرف عن اليمن عاملُ عثمان و هو يعلى بن منية فأتىٰ مكّة و صادف بها عائشة و طلحة و الزبير و مروان بن الحكم في آخرين من بني أُميّة، فكان ممّن حرّض على الطلب بدم عثمان و أعطى عائشة و طلحة و الزبير أربعمائة ألف درهم و كراعاً و سلاحاً و بعث إلى عائشة بالجمل المسمّى «عسكرا». و كان شراؤه عليه باليمن مائتي دينارٍ فأرادوا الشام فصدَّهم ابن عامر، و قال لهم: إنّ معاوية لا ينقاد إليكم و لا يعطيكم من نفسه النصفة، لكن هذه البصرة لي بها صنائع و عدد.

فجهّزهم بألف ألف درهم، و مائة من الإبل و غير ذلك، فسار القوم نحو البصرة في ستمائة راكب، فانتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب، يعرف ب «الحوأب» عليه أُناس من بني كلاب فعوت كلابهم على الركب، فقالت عائشة: ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق لجملها: «الحوأب»، فاسترجعتْ، و ذكرت ما قيل لها في ذلك(1)و قالت: رُدّوني إلى حرم رسول


1) . ورد في حديث روته عائشة، قالت: سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يقول و عنده نساؤه: «ليت شعري أيتكنّ تنبحُها كلابُ الحوأب سائرة إلى الشرق في كتيبة!». (الغدير: 3 / 189 و 191).

اللّٰه، لا حاجة لي في المسير، فقال الزبير: تاللّٰه ما هذا «الحوأب»، و لقد غلط في ما أخبرك به، و كان طلحة في ساقة الناس فلحقها فأقسم باللّٰه إنّ ذلك ليس بالحوأب، و شهد معهما خمسون رجلاً ممّن كان معهم.

فأتوا البصرة فخرج إليهم عثمان بن حنيف فمانعهم و جرى بينهم قتال، ثمّ إنّهم اصطلحوا بعد ذلك على كفِّ الحرب إلى قدوم عليّ، فلمّا كان في بعض الليالي، بيّتوا عثمانَ بن حنيف فأسروه و ضربوه و نتفوا لحيته، ثمّ إنّ القوم استرجعوا و خافوا على مخلَّفيهم بالمدينة من أخيه:

سهل بن حنيف و غيره من الأنصار، فخلوا عنه و أرادوا بيت المال فمانعهم الخُزّان و الموكّلون به فقتل منهم سبعون رجلاً من غير جرح، و خمسون من السبعين ضربت أعناقهم صبراً من بعد الأسر، و قتلوا حكيم بن جبلة العبدي و كان من سادات عبد القيس، و زهّاد ربيعة و نُسّاكها و تشاح طلحة و الزبير في الصلاة بالنّاس، ثمّ اتّفقوا على أن يصلّي بالناس عبد اللّه بن الزبير يوماً و محمّد بن طلحة يوماً في خطب طويل كان بين طلحة و الزبير.

مسير علي إلى جانب البصرة:

وقف الإمام على أنّ المتآمرين خرجوا من مكّة قاصدين البصرة، فاهتم الإمام بإيقافهم في الطريق قبل الدخول إليها فسار من المدينة بعد أربعة أشهر من بيعته في سبعمائة راكب، منهم أربعمائة من المهاجرين و الأنصار، منهم سبعون بدريّاً و باقيهم من الصحابة، و قد كان استخلف على المدينة سهل بن حنيف الأنصاري، فانتهى إلى الربذة بين مكّة و الكوفة،

و كان يترقّب إلقاء القبض على رءوس الفتنة قبل الدخول إلى البصرة، لكن فاته ما يترقّب، لأنّهم سبقوا الإمام في الطريق و لحق بعلي من أهل المدينة، جماعة من الأنصار، فيهم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين و أتاه من طيّ ستمائة راكب.(1)

خرج عثمان بن حنيف من البصرة، و قدم على علي عليه السلام بالربذة، و قد نتفوا رأسه و لحيته و حاجبيه، فقال: يا أمير المؤمنين بعثتني ذا لحية، و جئتك أمرد، فقال: أصبتَ خيراً و أجراً.(2)

و اتصلت بيعة علي بالكوفة: و غيرها من الأنصار، و كانت الكوفة أسرعها إجابة إلى بيعته، و أخذ له البيعة على أهلها - على كره - أبو موسى الأشعري حين تكاثر الناس عليه، و كان عاملاً لعثمان عليها.(3)

لمّا وقف الإمام على ما جرى على عثمان بن حنيف و حَرَسِه، بعثَ بعض أصحابه بكتاب إلى أبي موسى الأشعري يطلب منه استنهاضه للناس، و لكنّه تهاون في الأمر و لم يَقُم بواجبه بعد ما أخذ البيعة له، و اعترف بإمامته، و قال للناس: إنّها فتنة صمّاء، النائم فيها خير من اليقظان، و اليقظان فيها خير من القاعد، و القاعد خير من القائم، و القائم خير من الراكب، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب، فاغمدوا السيوف، و انصلوا الأسنَّة، و اقطعوا الأوتار،


1) . مروج الذهب: 103/3-104 طبعة بيروت؛ تاريخ الطبري: 485/3. و اللفظ للأوّل، و في لفظ الطبري زيادات تركناها روماً للاختصار.

2) . تاريخ الطبري: 495/3.

3) . مروج الذهب: 97/3.

و آووا المظلوم و المضطهد حتى يلتئم هذا الأمر، و تتجلّى هذه الفتنة.

و لمّا بلغ عليّاً خذلان أبي موسى الأشعري، و انّه يصف محاربة الناكثين بالفتنة، بعث هاشم بن هاشم المرقال و كتب إلى أبي موسى: «إنّي لم أُولِّك الذي أنت به إلّا لتكونَ من أعواني على الحق....»

و كان أبو موسى من أوّل الأمر عثمانيّ الهوى و قد أخذ البيعة لعلي على الناس بعد إكثار الناس عليه - كما تقدّم - فلأجل ذلك بقي على ما كان عليه من الحياد، و لم يُنهِض الناس، و استشار السائب بن مالك الأشعري فأشار هو باتباع الإمام و مع ذلك لم يقدم عليه.(1)

فكتب هاشم إلى عليّ، امتناع أبي موسى من الاستنفار.

و لمّا تمّت الحجة عند الإمام انّ الرجل ليس على وتيرة صحيحة، عزله عن منصبه فولّى على الكوفة قرظة بن كعب الأنصاري و كتب إلى أبي موسى: «اعتزل عملنا يا بن الحائك مذموماً مدحوراً، فما هذا أوّلُ يومنا منك و انّ لك فينا لهنات وهنات».

و سار علي فيمن معه حتى نزل بذي قار و بعث بابنه الحسن و عمار بن ياسر إلى الكوفة يستنفران الناس، فسارا عنها و معهما من أهل الكوفة نحو من سبعة آلاف، و قيل ستة آلاف و خمسمائة و ستون رجلاً منهم الأشتر.

فانتهى علي إلى البصرة و راسل القوم و ناشدهم فأبوا إلّا قتاله.(2)

قد وصلنا إلى أعتاب الحرب الطاحنةِ المعروفة بحرب «الجمل» و قبل


1) . تاريخ الطبري: 503/3.

2) . مروج الذهب: 104/3.

الخوض في تفصيلها نشير إلى نكات تستفاد فيما سردناه من المقدمات، ثمّ نخوض في صلب الموضوع حسب اقتضاء المقام.

1 - إنّ الزبير و طلحة بايعا عن طوع و رغبة و لكن بايعا لبغية دنيوية و طمعاً في المال و المقام، و لم يمض زمان من بيعتهما إلّا و قد أتيا عليّاً يسألانه إشراكهما في بعض أعماله، و كان لهما هوى في ولاية الكوفة و البصرة، و كانت ديانة علي عليه السلام تصدّه عن الإجابة، إذ لم يكونا صالحين لما يطلبانه، و قد أثبتا ذلك - قبل إشعال نار الحرب - بنكثهما و تحريضهما الناس على النكث و قتلهم الأبرياء من الموكّلين و حرس بيت المال، و قد انتهى الأمر بسفك دماء آلاف من المسلمين.

كل ذلك يعرب عن أنّ مقاومة علي، تجاه طلبهما كانت أمراً صحيحاً يرضي به الربّ و رسوله، و لم يكن لعلي هوى إلّا رضى اللّٰه سبحانه و رضى رسوله.

2 - إنّ أبا موسى الأشعري - الذي قلَّب الأُمور على عليّ في قضية التحكيم - كان من أوّل الأمر غير راض ببيعة الإمام و لم يأخذ البيعة له إلّا بعد إكثار الناس، و لمّا أمره الإمام باستنهاض الناس و استنفارهم خذَّل الناس عن علي.

و العجب أنّه كان يتمسّك في نفس الواقعة برواية سمعها من النبي أنّه قال: ستكون فتنة: القاعد فيها خير من النائم، و النائم خير من الماشي، و الماشي خير من الراكب.(1)


1) . تاريخ الطبري: 498/3.

نحن نفترض أنّه سمع من النبي ذلك الكلام، و لكنّه هل يمكن له تسمية مبايعة المهاجرين و الأنصار فتنة، فلو صحّ ذلك - و لن يصحّ حتى لو صحّت الأحلام - لما ذا لا تكون مبايعتهم السابقين من الخلفاء فتنة، يكون القاعد فيها خيراً من القائم، مع أنّ أبي موسى كان فيها من القائمين، و قد قبل الولاية في عصر الخليفتين، الثاني و الثالث، حتى اعتنق بيعة الإمام بعد إكثار الناس.

و من بايع رجلاً على الإمامة و القيادة، كان عليه الذبّ عن إمامه و حياض سلطته.

3 - إنّ الإمام عليه السلام أشار بقوله: «فما هذا أوّل يومنا منك و أنّ لك فينا لهنات وهنات» إلى الجناية التي سوف يرتكبها أبو موسى في قضية التحكيم حيث يخلع عليّاً عن الإمامة و الخلافة كما سيوافيك تفصيله.

4 - إنّ في منازعة الشيخين: الزبير و طلحة في أمر جزئي كالإمامة في الصلاة، يعرب عن طويتهما و ما جبّلا عليه من التفاني في الرئاسة، انظر إلى الرجلين يريدان أن يقودا أمر الجماعة و يكونا إمامان للمسلمين و هذه نزعتهما!!

على أعتاب حرب الجمل:

سار عليّ حتى نزل الموضع المعروف بالزاوية، فصلّى أربع ركعات، و عفر خدّيه على التراب و قد خالط ذلك بدموعه ثمّ رفع يديه يقول: «اللّهمّ ربَّ السماوات و ما أظلّتْ، و ربّ العرش العظيم، هذه البصرة، أسألك من

خيرها، و أعوذ بك من شرّها، اللّهمّ أنزلنا فيها خير منزل، و أنت خير المنزلين، اللّهمّ إنّ هؤلاء القوم قد بغوا عليّ و خلعوا طاعتي و نكثوا بيعتي، اللّهمّ أحقن دماء المسلمين».

ثمّ بعث إليهم من يناشدهم اللّٰه في الدماء، و قال: «علامَ تقاتلونني؟» فأبوا إلّا الحرب، فبعث إليهم رجلاً من أصحابه يقال له مسلم، معه مصحف يدعوهم إلى اللّٰه تعالى فرموه بسهم فقتلوه، فحمل إلى علي قتيلاً.

فأمر عليّ أصحابه أن يصافوهم و لا يبدؤهم بقتال و لا يرموهم بسهم، و لا يضربوهم بسيف، و لا يطعنوهم برمح. حتى جاء عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي من الميمنة بأخ له مقتول، و جاء قوم من الميسرة برجل قد رمي بسهم فقتل، فقال عليّ: «اللّهمّ اشهد. أعذروا إلى القوم»، ثمّ قام عمّار بن ياسر بين الصفّين فقال: أيّها القوم ما أنصفتم نبيّكم حين كففتم عقائلكم في الخدور، و أبرزتم عقيلته للسيوف، و عائشة على الجمل في هودج من دفوف الخشب، قد ألبسوه المسوحَ و جلودَ البقر، و جعلوا دونه اللبود، و قد غشى على ذلك بالدروع، فدنا عمّار من موضعها فناداها: إلى ما ذا تدعين؟ قالت: إلى الطلب بدم عثمان، فقال: قاتل اللّٰه في هذا اليوم الباغيَ و الطالبَ لغير الحق، ثمّ قال: أيّها النّاس إنّكم لتعلمون أيّنا الممالى في قتل عثمان، ثمّ أنشأ يقول و قد رشقوه بالنبال:

فمنكِ البكاء و منكِ العويل *** و منكِ الرياح و منكِ المطر

و أنت أمرتَ بقتل الإمام *** و قاتله عندنا من أمر

و تواتر عليه الرمي فاتصل فحرّك فرسه، و زال عن موضعه و أتى عليّاً عليه السلام فقال: ما تنظر يا أمير المؤمنين و ليس عند القوم إلّا الحرب.

خطبة علي يوم الجمل:

فقام علي في الناس خطيباً و رافعاً صوته يقول: «أيّها النّاس إذا هَزَمتموهم فلا تُجْهِزوا على جريحٍ و لا تَقْتلوا أسيراً، و لا تتبعوا مولّياً، و لا تطلبوا مُدْبراً، و لا تكشفوا عورة و لا تمثلوا بقتيل، و لا تهتكوا ستراً، و لا تقربوا شيئاً من أموالهم إلّا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح، أو كراع، أو عبد أو أمة، و ما سوى ذلك فهو ميراث ورثتهم على كتاب اللّٰه».

ثمّ إنّ عليّاً نادى كلاًّ من الزبير و طلحة و كلّمهما و أتمّ عليهما الحجة فقال للأوّل: «أما تذكر قول رسول اللّٰه عند ما قلت له: إنّي أحبُّ عليّاً، فأجابك إنّك و اللّٰه ستقاتله و أنت له ظالم»، و قال للثاني: «أما سمعت قول رسول اللّٰه يقول: اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه، و أنت أوّل من بايعتني ثمّ نكثت، و قد قال اللّٰه عز و جل: «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمٰا يَنْكُثُ عَلىٰ نَفْسِهِ»»(1).

ثمّ رجع علي إلى موضعه، و بعث إلى ولده محمّد بن الحنفية و كان صاحب رايته و قال: «احمل على القوم» فلم ير منه النجاح و الظفر، فأخذ الراية من يده، فحمل و حمل الناس معه، فما كان القوم إلّا كرماد اشتدَّت به الريح في يوم عاصفٍ و أطاف بنو ضبّة بجمل عائشة و أقبلوا يرتجزون.


1) . الفتح: 10.

نحن بنو ضبَّة أصحابَ الجمل *** رُدّوا علينا شيخنا ثمّ بجل

ننعي ابن عفان بأطراف الأسل *** و الموت أحلى عندنا من العسل

و قطع على خطام الجمل سبعون يداً من بني ضبّة، منهم: كعب بن سور القاضي، كلّما قطعت يد واحد منهم فصرع، قام آخر فأخذ الخطام، و رمي الهودج بالنبل، حتى صار كأنّه قنفذ، و عُرْقبَ الجمل و لمّا سقط و وقع الهودج، جاء محمّد بن أبي بكر فأدخل يده؟ قالت: «من أنت؟» فقال: أخوك، يقول أمير المؤمنين هل أصابك شيء، قالت: «ما أصابني إلّا سهم لم يضرَّني» فجاء علي حتى وقف عليها و ضرب الهودج بقضيب و قال: «يا حميراءُ أ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أمركِ بهذا، أ لم يأمركِ أن تقرّي في بيتكِ، و اللّٰه ما أنصفكِ الذين أخرجوك إذ صانوا حلائلهم، و أبرزوك» و أمر أخاها محمداً، فأنزلها دار صفيّة بنت الحارث بن طلحة.

و لمّا وضعت الحرب أوزارها جهّز علي عليه السلام عائشة للخروج إلى المدينة فقالت له: «إنّي أُحبّ أن أُقيم معك فأسير إلى قتال عدوّك عند مسيرك» فقال: «ارجعي إلى البيت الذي تركك فيه رسول اللّٰه» فسألته أن يؤمّن ابن اختها عبد اللّه بن الزبير، فأمَّنه، و تكلّم الحسن و الحسين في مروان، فأمَّنه، و أمّن الوليد بن عقبة، و ولد عثمان و غيرهم من بني أُميّة و أمّن الناس جميعاً، و قد كان نادى يوم الوقعة «مَنْ ألقى سلاحه فهو آمن، و من دخل داره فهو آمن».

و كانت الوقعة في الموضع المعروف بالخريبة و ذلك يوم الخميس لعشر خلون من جُمادى الآخرة سنة 36 و خطب على الناس بالبصرة بخطبة، و قد قتل فيها، من أصحاب علي عليه السلام خمسة آلاف و من أصحاب الجمل ثلاثة عشر ألف رجل، و كان بين خلافة علي و وقعة الجمل خمسة أشهر و واحد و عشرون يوماً.

و ولّى على البصرة، عبد اللّه بن عباس، و سار إلى الكوفة فدخل إليها في الثاني عشر من رجب شهور سنه 36.(1)

و لكن الإمام عبده، نقل أنّه قتل سبعة عشر ألفاً من أصحاب الجمل و قتل من أصحاب علي ألف و سبعون.(2)

و على كل تقدير فهذه الضحايا كانت خسارة عظيمة في الإسلام، و قد عرقلت خطاه، و شلّت الزحوف الإسلامية في أوّل عهدها في الفتوح، و لو لا هذه الحروب الداخلية، لكان للعالم حديث غير هذا، و لو كان الإمام هو القابض لزمام القيادة في جو هادئ، لكان الوضع السائد على الإسلام، غير ما هو المشاهد - و يا للأسف -.

«ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه».

و قد حفظ التاريخ من الإمام يوم ذاك عواطف سامية و سماحة و رحب صدر على حدّ لم يسبق إليه أحد، غير النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم عند ما فتح مكّة،


1) . مروج الذهب: 107/3-117 بتلخيص. لاحظ تاريخ الطبري: 543/3.

2) . شرح نهج البلاغة: 40، شرح محمد عبده.

فلم يأخذ من أهل البصرة شيئاً سوى ما حواه العسكر. و كان هناك جماعة يصرّون على أن يأخذ الإمام منهم، عبيداً و إماءً فأسكتهم الإمام بقول: «أيّكم يأخذ اُمّ المؤمنين في سهمه»(1). و قد علّم الإمام بسيرته كيفيّة القتال مع البغاة من أهل القبلة.


1) . وسائل الشيعة 59/11-60.

(2) قتال القاسطين

حرب صفّين

قد تعرفت على أنّ النبي الأكرم أخبر عليّاً بأنّه سيقاتل القاسطين بعد الناكثين، و قد وقفت على مأساة حرب الناكثين و عرفت نواياهم و جناياتهم عن كثب، التي ارتكبوها في طريق التسنُّم على عرش القيادة، و أراقوا دماء بريئة حتى يُسمُّوا أمير المؤمنين و ما أجرأهم على حرمات اللّٰه و ما أشقاهم.

هلم معي نقرأ مأساة قتال القاسطين الذين حادوا عن الحق، و الطريق المهيع، و حاربوا الإمام المفترض طاعته، يقودهم معاوية بن أبي سفيان ابن آكلة الأكباد، و لا غرو فإنّ أباه هو العدوّ الأوّل للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم الذي حزّب الأحزاب على الإسلام و المسلمين.

الخلافة كانت الأُمنية القصوى لمعاوية:

إنّ الخلافة كانت أُمنية في نفس معاوية، و لكن تقلُّدَ الإمام للخلافة، أفسد عليه الأمر، و لم يكن باستطاعته منافسة الإمام علي عليه السلام و لأجل ذلك حاول إحداث الصدع في صفِّ الأُمّة، فأطمع الشيخين في طلب الخلافة،

و قد قُتِلا خائبين فلم يَجد مناصاً إلّا أن يقوم في وجه الإمام تحت ستار أخذ ثأر الخليفة المظلوم.

كان معاوية يطلب من الإمام - طول محاربته - إقراره على ولاية الشام كإقرار الخليفتين له حتى يُسلِّم له الأمر و يعترف بخلافته، و لكن الإمام عليّاً لم يرض ببقائه في الحكم لعلمه بسوء عمله خلال ولايته.

و قد أشار إلى إبقائه المغيرة بن شعبة، و قال: و اترك معاوية، فإنّ لمعاوية جرأة فهو في أهل الشام يُسمع منه و لك حجة في إثباته لأنّ عمر بن الخطاب ولّاه الشام كلّها، و لكن الإمام لم يقبل اقتراحه، و قال: «لا و اللّٰه لا استعمل معاوية يومين أبداً».(1)

بعث الإمام جريراً إلى ولاية الشام ليأخذ منه البيعة، فأتىٰ معاويةُ جريراً في بيته فقال: يا جرير إنّي قد رأيت رُؤياً، فقال: هات، قال: اكْتُب إلى صاحبك ليجعل لي الشام و مصر، جباية، فإذا أحضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده بيعة في عنقي، و أُسلِّم له هذا الأمر و اكْتُبُ إليه بالخلافة، فقال جرير: اكتب بما أردت، فكتب معاوية بذلك إلى علي، فلمّا وصل كتاب جرير مع كتاب معاوية، فكتب علي إلى جرير: أمّا بعد فإنّما أراد معاوية أن لا يكون لي في عنقه بيعة، و أن يختار من أمره ما أحبَّ‌(2)، و أراد أنْ يريّثك حتى يذوق أهل الشام، و أنّ المغيرة بن شعبة قد كان أشار عليّ أن استعمل معاوية


1) . تاريخ الطبري: 461/3.

2) . سيأتي التصريح بذلك في كتاب معاوية إلى الإمام قرب ليلة الهرير، و الإمام تفطّن بذلك بنور اللّٰه الذي ينظر به المؤمن.

على الشام و أنا بالمدينة، فأبيت ذلك عليه و لم يكن اللّٰه يراني أتّخذ المضلّين عضداً، فإن بايعك الرجل، و إلّا فاقبل.(1)

كتب معاوية إلى علي مرة أُخرى قبل ليلة الهرير بيومين أو ثلاثة يسأله إقراره على الشام، و ذلك أنّ عليّاً قال: لاُناجزنَّهم مصبحاً، و تناقل الناس كلمته، ففزع أهلُ الشام لذلك، فقال معاوية: قد رأيت أن أُعاوِدَ عليّاً و أسأله إقراري على الشام، فقد كنت كتبت إليه ذلك، فلم يجب إليه و لأكْتُبنّ ثانية، فألقي في نفسه الشك و الرقّة، فكتب إليه:

«أمّا بعد.... و قد كنت سألتك الشام على ألّا تلزمني لك بيعة و طاعة، فأبيت ذلك عليّ فأعطاني اللّٰه ما منعت و أنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس...».

فكتب في جوابه: «... و أمّا طلبك إليّ الشام فإنّي لم أكن لأُعطيك اليوم ما منعتك أمس».(2)

هذه الكتب و غيرهما من القرائن و الشواهد، تعرب عن أنّ الغاية الوحيدة لابن أبي سفيان، هو الولاية على الشام و بقاؤه في الحكم، ما دام عليّ على قيد الحياة، ثمّ السيطرة على جميع البلاد الإسلامية، و أمّا طلب ثأر عثمان، و القصاص من قتلته، فكلّها كانت واجهة لما كان يضمره و يخفيه، و لأجل ذلك نرى أنّه لمّا تمّ الأمر لصالحه، تناسى قتلة عثمان و تناسى الأخذ بثأره، و ليس هذا ببعيد من الساسة الذين لا يتحلون بالمبدئية في سلوكهم،


1) . وقعة صفين: 52.

2) . الإمامة و السياسة: 109/1؛ وقعة صفين: 470.

و يرفعون عقيرتهم بشعارات خادعة من أجل تحقيق أطماعهم الشخصية.

و بذلك تقف على مؤامراته و خططه الشيطانية، حيث كان شعاره منذ أن خالف: يا لثارات عثمان.

و قد ردّ الإمام عليه في بعض كتبه إليه و في بعضها ما نصّه:

«قد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل الناس، ثمّ حاكم القوم إليّ، أحْمِلُك و إيّاهم على كتاب اللّٰه»(1).

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة أنّ الأُمنية الكبرى لمعاوية من تسعير نار الحرب، هو البقاء على السلطة، و تقلّد الخلافة العامة بعد علي، و لم يكن له أيّ إربةٍ في ما يدّعيه، و ينشره من أخذ الثأر و غيره، فلزم عندئذ أن نتعرّف على خططه في تلك الحرب الطاحنة التي سعّرها بأنانيّته.

مخططات معاوية:

اشارة

كانت صحابة النبي الأكرم من أوّل يومٍ تُقلِّد الإمام علي الخلافة، وراءه يؤيّدونه بألسنتهم و أيديهم، إلا نفر قليل لم يبايعوه و هم لا يتجاوزن عدد الأصابع.(2)و لم يكن لمعاوية ما كان لعلي من السبق في الإسلام، و الجهاد في سبيل اللّٰه، و القرابة الوثيقة من النبي الأكرم، فلم يكن له بدّ من التخطيطات الشيطانية حتى يقف سدّاً في وجه علي، و إليك تخطيطاته:


1) . نهج البلاغة: قسم الكتب برقم 64؛ الكامل للمبرّد: 194/1.

2) . الكامل لابن الأثير: 98/3 و قد ذكر أسماءهم.

1 - الاتصال بعمرو بن العاص:

أنّ عمرو بن العاص، كان داهية العرب، و قد اتّصل به معاوية و كان منحرفاً عن عثمان لأنّه عزله عن ولاية مصر، و ولّاها غيره، فلمّا بلغ إليه خبر بيعة الناس لعلي، كتب إلى معاوية يهزِّه و يشير إليه بالمطالبة بدم عثمان، و كان فيما يكتب به إليه: «ما كنت صانعاً إذا قُشِرْتَ من كل شيء تملكه؟ فاصنَع ما أنت صانع» فبعث إليه معاوية فسار إليه، فقال له معاوية: بايعني، قال: «لا و اللّٰه لا أُعطيك من ديني(1)حتى أنال من دنياك». فقال:

«سل»، قال: «مصر طعمة»، فأجابه إلى ذلك و كتب له به كتاباً، فقال عمرو بن العاص في ذلك:

معاوي لا أُعطيك ديني و لم أنل *** به منك دنياً فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصراً فأربح بصفقة *** أخذت بها شيخاً يضرّ و ينفع(2)

2 - قميص عثمان المخضَّب بالدم:

قدم النعمان بن بشير بكتاب زوجة عثمان و قميصه المخضَّب بالدم، إلى معاوية فلمّا قرأ معاوية الكتاب صعد المنبر و جمع الناس، و نشر عليهم القميص، و ذكر ما صنعوا بعثمان، فبكى الناس و شهقوا حتى كادت نفوسهم


1) . اظن انّ الرجل باع ما لا يملك و لم يكن له أيّ دين في ذاك اليوم، و قد نهى رسول اللّٰه عن بيع ما لا يملكه الرجل. و قال: لاتبع ما ليس عندك.

2) . مروج الذهب: 98/3. تاريخ الطبري: 560/3

أن تزهق، ثمّ دعاهم إلى الطلب بدمه، فقام إليه أهل الشام، فقالوا: هو ابنُ عمِّك و أنت وليّه، و نحن الطالبون معك بدمه... فبايعوه أميراً و بعث الرسل إلى كور الشام، حتى بايعه الشاميون قاطبةً إلّا من عصمه اللّٰه.(1)

3 - الاستنصار بالشخصيات المرموقة:

وجّه عليّ عند مغادرته البصرة إلى الكوفة كتاباً إلى معاوية يدعوه إلى بيعته و يذكر فيه اجتماع المهاجرين و الأنصار على بيعته، و نكث طلحة و الزبير، و ما كان من حربه إيّاهما و يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون و الأنصار من طاعته.(2)

و لمّا قرأ معاوية كتاب علي استشار عمرو بن العاص، فأشار إليه بقوله: «إنّ رأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكنديّ، و هو عدو لجرير المرسَل إليك، فارسل إليه و وطّن له ثقاتك فليفشوا في الناس أنّ علياً قتل عثمان و ليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل فإنّها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب، و إن تعلّقت بقلب شرحبيل لم تخرج منه بشيء أبداً».

فكتب معاوية إلى شرحبيل انّ جرير بن عبد اللّه قدم علينا من عند عليّ بن أبي طالب بأمر فظيع، فاقبل.

فلمّا قدم كتابُ معاوية على شرحبيل و هو بحمص، استشار أهلَ اليمن (المتواجدين في حمص) فاختلفوا فيه و لكن عبد الرحمن بن غنم


1) . الكامل لابن الأثير: 141/3. ذكر ابتداء وقعة صفّين.

2) . تاريخ الطبري: 560/3-561.

الأزدي أشار إليه بقوله: «إنّ اللّٰه لم يزل يزيدك خيراً مذ هاجرت إلى اليوم، و انّه لا ينقطع المزيد من اللّٰه حتى ينقطع الشكر من النّاس، «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُغَيِّرُ مٰا بِقَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ»، إنّه قد أُلقِيَ إلينا قتل عثمان و انّ عليّاً قتل عثمان، فإن يك قَتَله فقد بايعه المهاجرون و الأنصار و هم الحُكّام على الناس، و إن لم يكن قتله فعلام تُصدِّق معاوية عليه، لا تُهْلِك نفسك و قومك، فإن كرهت أن يذهب بحظِّها جرير، فسر إلى عليّ، فبايعه على شامك و قومك، فأبى شرحبيل إلّا أن يسير إلى معاوية.

لم يكن عبد الرّحمن بن غنم الأزدي الرجل الوحيد الذي نصحه بل اجتمع هو مع جرير، فقال له جرير أمّا قولك إنّ عليّاً قتل عثمان، فو الله ما في يديك من ذلك إلّا القذف بالغيب من مكان بعيد و لكنّك مِلْتَ إلى الدنيا.(1)

كان مبعوث الإمام يحاول أن يرد شرحبيل عن دَعْم فكرة معاوية، فكتب إليه أيضاً كتاباً ضمَّنه قصيدة، فلمّا قرأه شرحبيل ذعر و فكَّر و قال: هذه نصيحة لي في ديني و دنياي، و اللّٰه لا أعجل في هذا الأمر بشيء.

فلمّا بلغ معاوية تردّد زاهد الشام و ناسكه لفَّف له الرجال، يدخلون إليه و يخرجون و يُعظِّمون عنده قتل عثمان، و يرمون به عليّاً و يقيمون الشهادة الباطلة، و الكتب المختلقة، حتى أعادوا رأيه و شحَّذُوا عزمه، و صار معاوية يملك قلوب الشاميين بواسطة هذا الرجل المتخبّط، و لمّا استنهضهم للقتال قاموا جملة واحدة.


1) . وقعة صفّين: 45-48. و الآية 11 من سورة الرعد.

4 - رسائل معاوية إلى الشخصيات:

قام معاوية بإرسال رسائل إلى شخصيات إسلامية كانوا محايدين، فكتب إلى عبد اللّه بن عمر، و سعد بن أبي وقّاص، و محمّد بن مسْلمة، يدعوهم إلى الثورة على علي، فكتب إلى ابن عمر بقوله: «لم يكن أحد من قريش أحبَّ إليّ أن يجتمع عليه الأُمّة بعد قتل عثمان منك، ثمّ ذكرتُ خَذلك إياه، و طعنَك على أنصاره، فتغيّرتُ لك، و قد هوَّن ذلك عليَّ خلافُك على عليّ، و مَحا عنك بعض ما كان منك، فأعِنَّا - يرحمك اللّٰه - على حق هذا الخليفة المظلوم، فإنّي لست أُريد الإمارة عليك، و لكنّي أُريدها لك، فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين.(1)

و كتب إلى سعد بن أبي وقّاص: أمّا بعد فإنّ أحق الناس بنصرة عثمان، أهل الشام و الذين أثبتوا حقَّه و اختاروه على غيره(2)و قد نصره طلحة و الزبير، و هما شريكاك في الأمر و الشورى، و ناظراك في الإسلام...

و كتب إلى محمّد بن مسلمة يتّهمه بخذلان عثمان و يقول: «.... فهلّا نهيتَ أهلَ الصلاة عن قتل بعضهم بعضاً أ و ترى أنّ عثمان و أهل الدار ليسوا بمسلمين....».(3)


1) . نفس المصدر: 80.

2) . يريد بذلك سعد بن أبي وقاص حيث نصر عثمان في الشورى المعقودة لتعيين الخليفة بعد قتل عمر، بأمره.

3) . الإمامة و السياسة: 92/1-93.

فهذه الأُمور تعرب عن تخطيطاته الخادعة التي حفظ التاريخ بعضها، فكان يُعْمِي الأبصار و القلوب بأكاذيبه و رسائله، فتارة يبايع الزبير و طلحة، و لمّا فشل أمرهما، صار يُقدِّم عبد اللّه بن عمر في أمر الخلافة لو لا أنّه خذل عثمان و لم ينصره، كل ذلك لتعكير الصفو و إحداث الصدع.

إنّ ابن عمر - مع سذاجته - وقف على نوايا معاوية، فكتب إليه بكلمة صادقة، و قال: ما أنا كعلي في الإسلام، و الهجرة، و مكانه من رسول اللّٰه.

و يجيب سعد بن أبي وقّاص رسالة معاوية بقوله: إنّ أهل الشورى ليس منهم أحقُّ بها من صاحبه غير أنّ عليّاً كان من السابقة، و لم يكن فينا ما فيه، فشاركنا في محاسننا، و لم نشاركه في محاسنه، و كان أحقَّنا كلّنا بالخلافة.

و يجيب محمّد بن مسلمة، كتاب معاوية و يفشي سرّه و يقول بعد كلام: «و لئن نصرتَ (يا معاوية) عثمان ميّتاً، لقد خذَلْته حيّاً».(1)

جهود علي و مساعيه لإخماد الفتنة:

بلغ عليّاً سعي معاوية لإثارة الفتنة بنشر الأكاذيب بين الشاميين و تعمية القلوب، فعمد إلى إخمادها قبل اشتعالها و كان الإمام على بيّنة من ربّه، و كيف لا و هو الإمام المنتخب ببيعة الأنصار و المهاجرين، و الخارج عليه، خارج على الإمام المفترض الطاعة.(2)فلمّا أراد المسير إلى الشام


1) . الإمامة و السياسة: 93/1-94.

2) . أين الذين يقولون: «و يرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، و أن لا يخرجوا عليهم بالسيف و أن لا يقاتلوا في الفتن». لاحظ مقالات الإسلاميين: 323، للإمام الأشعريّ.

جمع من كان حوله من المهاجرين و الأنصار فحمد اللّٰه و أثنى عليه، و قال: أمّا بعدُ: فإنّكم ميامين الرأي، و مراجيح الحلم، مقاويل بالحق، مباركو الفعل و الأمر، و قد أردنا المسير إلى عدوّنا و عدوّكم فأشيروا علينا برأيكم، فقام هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص، و عمّار بن ياسر، و قيس بن سعد بن عبادة، و خزيمة بن ثابت، و أبو أيوب الأنصاري يحثّون عليّاً عليه السلام على قطع جذور الفتنة.

فقال عمّار: يا أمير المؤمنين، إن استطعت أن لا تُقيم يوماً واحداً فافعل. اشخص قبل استعار نار الفجرة، و اجتماع رأيهم على الصدود و الفرقة، و ادْعهم إلى رشدهم، فإن قبلوا سعدوا، و إن أبوا إلّا ضربَنا، فو الله إنّ سفك دمائهم و الجد في جهادهم لقربة عند اللّٰه و هو كرامة فيه.

و قال سهل بن حنيف: يا أمير المؤمنين، نحن سلم لمن سالمتَ و حرب لمن حاربتَ و رأينا رأيك و نحن كف يمينك.

إلى كلمات محرّضة و جمل حاثّة إلى الكفاح و إخماد النار قبل اشتعالها. فلمّا سمع الإمام هذه الكلم النابعة من صميم الإيمان و النصح للإسلام، قام خطيباً على منبره فحمد اللّٰه و أثنى عليه ثمّ قال: «سيروا الى أعداء اللّٰه، سيروا إلى أعداء السنن و القرآن، سيروا إلى بقية الأحزاب، قتلة المهاجرين و الأنصار».(1)

يقول المسعودي: كان مسير علي عليه السلام من الكوفة إلى صفّين لخمس


1) . وقعة صفّين: 92-93.

خلون من شوال سنة ست و ثلاثين، و استخلف على الكوفة أبا مسعود، عُقْبة بن عمرو الأنصاري، فاجتاز في مسيره بالمدائن، ثمّ أتىٰ الأنبار حتى نزل الرقة فعقد له هنالك جسر فعبر إلى جانب الشام، و قد اختلف في مقدار من كان معه من الجيش، و المتّفق عليه من قول الجميع تسعون ألفاً.

و سار معاوية من الشام إلى جانب صفّين، و قد اختلف من كان معه، و المتّفق عليه من قول الجميع خمسة و ثمانون ألفاً.(1)

خروج معاوية إلى صفّين:

خرج معاوية من الشام و قدم صفّين و غلب على الماء، و وكّل أبا الأعور السلمي بالشريعة في أربعين ألفاً، و بات علي و جيشه في البرّ عطاشى، قد حيل بينهم و بين الورود، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: إنّ عليّاً لا يموت عطشاً و معه تسعون ألفاً من أهل العراق دعهم يشربون و نشرب، فقال معاوية: لا و اللّٰه أو يموت عطشاً كما مات عثمان.

استعادة الشريعة من جيش معاوية:

دعا علي بالأشتر فبعثه في أربعة آلاف من الخيل و الرجالة، ثمّ سار عليّ وراء الأشتر بباقي الجيش، فما ردّ وجهه أحد حتى هجم على عسكر معاوية، فأزال أبا الأعور عن الشريعة، و غرق منهم بشراً و خيلاً. و تراجع


1) . مروج الذهب: 121/3.

جيش معاوية عن الموضع الذي كان فيه، فقال معاوية لعمرو بن العاص: أ ترانا ليمنعنا الماء كمنعنا إيّاه، فقال له عمرو: لا، لأنّ الرجل جاء لغير هذا، فأرسل إليه معاوية يستأذنه في ورود مشرعته و استقائه الماء في طريقه، و دخول رُسُله في عسكره، فأجاب علي إلى كل ما سأل و طلب منه.(1)

نزل الإمام علي منطقة صفّين في أوّليات ذي الحجة عام 36، و الشهر من الأشهر الحرم، و بعث إلى معاوية يدعوه إلى اجتماع الكلمة و الدخول في جماعة المسلمين، فطالت المراسلة بينهما فاتّفقوا على الموادعة إلى آخر محرّم سنة سبع و ثلاثين.

و لمّا انقضى شهر محرّم، بعث علي إلى أهل الشام إنّي قد احتججت عليكم بكتاب اللّٰه تعالى، و دعوتكم إليه، و إنّي قد نبذت إليكم على سواء، إنّ اللّٰه لا يهدي كيد الخائنين. فما كان جوابهم إلّا قولهم: السيف بيننا و بينك حتى يهلك الأعْجزُ منّا.

أصبح عليّ يوم الأربعاء و كان أوّلَ يوم من شهر صفر، فعبّأ الجيش و أخرج الأشتر أمام الجيش، فأخرج إليه معاوية حبيب بن مسلمة الفهري، و كان بينهم قتال شديد و أسفر عن قتلى بين الفريقين جميعاً.

امتدت الحرب كل يوم إلى عاشر ربيع الأوّل عام سبع و ثلاثين و كان النصر حليفه في كل يوم إلى أن لم يبق للعدو إلّا النفس الأخير، فعند ذاك قام علي ينادي:


1) . وقعة صفّين: 157-162.

«يا اللّٰه، يا رحمن، يا رحيم، يا واحد، يا أحد، يا صمد، يا اللّٰه، يا اللّٰه، اللّهُمّ إليك نقلت الأقدام، و أفضتِ القلوب، و رفعت الأيدي، و امتدّت الأعناق، و شخصت الأبصار، و طلبت الحوائج، اللّهُمّ إنّا نشكو إليك غيبة نبيّنا، و كثرة عدوّنا و تشتّت أهوائنا، ربّنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين - ثمّ قال: -

سيروا على بركة اللّٰه، ثمّ لا إله إلّا اللّٰه، و اللّٰه أكبر، كلمة التقوى».

قال الراوي: لا و اللّٰه الذي بعث محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم بالحق ما سمعنا برئيس قدم منذ خلق اللّٰه السموات و الأرض، أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب. إنّه قتل فيما ذكره العادون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب.(1)

ثمّ قام علي خطيباً و قال: «أيّها النّاس قد بلغ بكم الأمر و بعدوّكم ما قد رأيتم و لم يبق منهم إلا آخر نفس، و إنّ الأُمور إذا اقْبلت اعتُبر آخرُها بأوّلها، و قد صبر لكم القوم على غير دين، حتّى بلغنا منهم ما بلغنا، و أنا عاد عليهم بالغداة، أحاكمهم الى اللّٰه عزّ و جل».

فبلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن العاص فقال: يا عمرو إنّما هي الليلة حتى يغدو علي علينا بالفيصل، فما ترى؟ قال: إنّ رجالك لا يقومون لرجاله و لست مثله، هو يقاتلك على أمر، و أنت تقاتله على غيره. أنت تريد البقاء و هو يريد الفناء، و أهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، و أهل الشام لا يخافون عليّاً إن ظفر بهم، و لكن ألق إليهم أمراً إن قبلوه اختلفوا، و إن ردّوه


1) . وقعة صفّين: 477.

اختلفوا، ادْعهم إلى كتاب اللّٰه حكماً فيما بينك و بينهم، فإنّك بالغ به حاجتك في القوم فإنّي لم أزل اُؤخّر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه، فعرف ذلك معاوية، فقال صدقت.(1)

يقول تميم بن حذيم: لمّا أصبحنا من ليلة الهرير، نظرنا فإذا أشباه الرايات أمام صف أهل الشام فلمّا أسفرنا فإذا هي مصاحف قد ربطت أطراف الرماح، و هي عِظامُ مصاحِف العسكر، و قد شدّوا ثلاثة أرماح جميعاً، و قد ربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم، يُمسكه عشرة رهط، و قال أبو جعفر و أبو الطفيل: استقبلوا عليّاً بمائة مصحف، و وضعوا في كل مُجَنَّبةٍ مائتي مصحف، و كان جميعها خمسمائة مصحف. قال أبو جعفر: ثمّ قام الطفيل بن أدهم حِيالَ علي و قام أبو شريح الجذامي حيال الميمنة، و قام ورقاء بن المعمر حيال الميسرة، ثمّ نادوا:.... يا معشر العرب، اللّٰه اللّٰه في نسائكم و بناتكم، فمن للروم و الأتراك و أهل فارس غداً إذا فنيتم؟ اللّٰه اللّٰه في دينكم. هذا كتاب اللّٰه بيننا و بينكم. فقال علي:

«اللّهُمّ إنّك تعلم أنّهم ما الكتاب يريدون، فاحكم بيننا و بينهم، إنّك أنت الحكيم الحق المبين». فاختلف أصحاب عليّ في الرأي. فطائفة قالت:

القتال، و طائفة قالت: المحاكمة إلى الكتاب، و لا يحلّ لنا الحرب و قد دُعِينا إلى حكم الكتاب. فعند ذلك بطلت الحرب و وضعت أوزارها، فقال محمّد بن علي: فعند ذلك حكم الحكمان.

و قد أثّرت تلك المكيدة في همم كثير من جيش علي عليه السلام حيث


1) . وقعة صفّين: 544-548.

زعموا أنّ اللجوء إلى القرآن لأجل طلب الحق، و لم يقفوا على أنّها مؤامرة ابن النابغة و قد تعلّم منه ابن أبي سفيان، و أنّها كلمة حق يراد بها باطل و انّ الغاية القصوى منها، هو إيجاد الشقاق و النفاق في جيش علي و تثبيط هممهم حتى تخمد نار الحرب التي كادت أن تنتهي لصالح علي و جيشه، و هزيمة معاوية و ناصريه.

و لكن الخديعة كانت قد وجدت لها طريقاً في جيش العراق حتى سمع من كل جانب: الموادعة إلى الصلح و التنازل لحكم القرآن، فلمّا رأى علي عليه السلام تلك المكيدة و تأثيرها في السذّج من جيشه قام خطيباً و قال: «أيّها الناس إنّي أحقُّ مَنْ أجاب إلى كتاب اللّٰه، و لكن معاوية و عمرو بن العاص، و ابن أبي معيط و حبيب ابن مسْلمة، و ابن أبي سرح، ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن، إنّي أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالاً و صحبتهم رجالاً، فكانوا شرّ أطفال و شرّ رجال، إنّها كلمة حق يراد بها باطل: إنّهم و اللّٰه ما رفعوها لأنّهم يعرفونها و يعملون بها، و لكنّها الخديعة و المكيدة. أعيروني سواعِدَكم و جَماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعه، و لم يبق إلّا أن يقطع دابر الذين ظلموا».(1)

و قد كان لخطاب علي أثر إيجابي في قلوب المؤمنين الواعين حيث أدركوا ما ذا خلف الكواليس من مؤامرات و فتن، و حجبت البساطة فهم ذلك علىٰ قلوب القشريين من أهل البادية، الذين ينخدعون بظواهر الأُمور، و لا يتعمّقون ببواطنها، ففوجئ علي عليه السلام بمجيء زهاء عشرين ألفاً مقنّعين في


1) . وقعة صفّين 560؛ تاريخ الطبري: 34/4-35.

الحديد شاكي سيوفهم و قد اسودَّت جباههم من السجود يتقدّمهم مِسْعَر بن فدكي، و زيد بن حصين، و عصابة من القرّاء الذين صاروا خوارج من بعد، فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين و قالوا: يا علي أجب القوم إلى كتاب اللّٰه إذا دُعيتَ و إلّا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فو الله لنفعلنها إن لم تجبهم.

فقال الإمام لهم: «ويحكم أنا أوّل من دعا إلى كتاب اللّٰه، و أوّل من أجاب إليه، و ليس يحلّ لي و لا يسعني في ديني أن أُدْعىٰ إلى كتاب اللّٰه فلا أقبله، إنّي إنّما قاتلتهم ليدينوا بحكم القرآن، فانّهم قد عصوا اللّٰه فيما أمرهم و نقضوا عهده، و نبذوا كتابه، و لكنّي قد أعلمتكم أنّهم قد كادوكم، و أنّهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون» قالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتينّك، و قد كان الأشتر صبيحة ليلة الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله.

فلم يجد علي عليه السلام بداً من بعث رسول إلى الأشتر ليأتيه، فأرسل إليه علي، يزيد بن هاني أن ائتني، فأتاه، فأبلغه، فقال الأشتر: ائته فقل له ليس هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي، أنّي قد رجوت الفتح فلا تعجلني، فرجع يزيد بن هاني إلى علي عليه السلام فأخبره، فما هو إلّا أن علت الأصوات من قبل الأشتر و ظهرت دلائل الفتح و النصر لأهل العراق و دلائل الخذلان و الادبار لأهل الشام فقال القوم لعلي عليه السلام: و اللّٰه ما نراك أمرته إلّا بالقتال، قال علي عليه السلام: «أ رأيتموني ساررت رسولي إليه؟ أ ليس إنّما كلّمته على رءوسكم علانية و أنتم تسمعون؟» قالوا: فابعث إليه فليأتك، و إلّا فو الله اعتزلناك، فقال الإمام: «ويحك يا يزيد قل له اقبل فإنّ الفتنة قد وقعت»، فأتاه فأخبره.

فقال الأشتر: أ برفع هذه المصاحف؟ قال: نعم، قال: أما و اللّٰه لقد ظننت أنّها حين رفعت ستوقع خلافاً و فرقة أنّها من مشورة ابن النابغة، ثمّ قال ليزيد بن هاني: ويحك أ لا ترى إلى الفتح؟ أ لا ترى إلى ما يلقون؟ أ لا ترى إلى الذي يصنع اللّٰه لنا؟ أ ينبغي أن ندع هذا و ننصرف له؟.

فقال له يزيد: أ تحبّ أنّك ظفرت هاهنا و أنّ أمير المؤمنين بمكانه الذي هو فيه يفرج عنه، و يسلّم إلى عدوّه؟ قال: سبحان اللّٰه، لا و اللّٰه لا أحبّ ذلك، قال: فانّهم قد قالوا له و حلفوا عليه لتُرسِلن إلى الأشتر فليأتينّك أو لنقتلنّك بأسيافنا كما قتلنا عثمان، أو لنسلّمنّك إلى عدوّك.

فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم، فصاح: يا أهل الذل و الوهن، أ حين علوتم القوم و ظنّوا أنّكم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟ و قد و اللّٰه تركوا ما أمر اللّٰه به فيها، و تركوا سنّة من أنزلت عليه، امهلوني فواقاً، فإنّي قد أحسست بالفتح؟ قالوا: لا نُمْهلك، فقال: أمهلوني عدوة الفرس، فإنّي قد طمعت في النصر؟ قالوا: إذاً ندخل معك في خطيئتك.

فسبّوه و سبّهم، و ضربوا بسياطهم وجه دابّته، و ضرب بسوطه وجوه دوابهم و صاح عليّ عليه السلام بهم فكفّوا، و قال الأشتر: يا أمير المؤمنين احمل الصف على الصف، يصرَع القوم، فتصايحوا: إنّ أمير المؤمنين قد قبل الحكومة و رضي بحكم القرآن، فقال الأشتر: إن كان أمير المؤمنين قد قبل و رضى، فقد رضيت بما رضي به أمير المؤمنين.

فأقبل الناس يقولون: قد رضي أمير المؤمنين، قد قبل أمير المؤمنين،

و هو ساكت لا يبضُّ بكلمة، مطرق إلى الأرض.(1)

ثمّ قام فسكت الناس كلّهم فقال: «أيّها الناس إنّ أمري لم يزل معكم على ما أحبُّ إلى أن أخذت منكم الحرب، و قد و اللّٰه أخذت منكم و تركت، و أخذت من عدوّكم فلم تترك، إلّا انّي قد كنت أمس أمير المؤمنين فصرت مأموراً، و كنت ناهياً فأصبحت منهيّاً، و قد أحببتم البقاء و ليس لي أن أحملكم على ما تكرهون».(2)

قال نصر بن مزاحم: ثمّ تكلّم رؤساء القبائل فكلّ قال ما يراه و يهواه، فقام كردوس بن هاني البكري يدعوا الناس إلى تسليم الأمر إلى عليّ، كما قام شقيق بن ثور البكري يدعوا الناس إلى الصلح و الموادعة و يقول: و قد أكلتنا هذه الحرب و لا نرى البقاء إلّا في الموادعة.(3)

هذه الحوادث المؤلمة التي أسفرت عن مؤامرة خبيثة يراد منها إيقاع الفتنة و الخلاف في جيش علي عليه السلام إلى النزول إلى حكم القوم كرهاً بلا اختيار، و اضطراراً لا عن طيب نفس.

فبعث علي قرّاء أهل العراق، و بعث معاوية قرّاء أهل الشام، فاجتمعوا بين الصفّين فنظروا فيه و تدارسوه و أجمعوا على أن يحيوا ما أحياه القرآن، و أن يميتوا ما أمات القرآن، ثمّ رجع كل فريق إلى أصحابه، و قال الناس: «قد رضينا بحكم القرآن».


1) . وقعة صفّين: 560-564.

2) . شرح نهج البلاغة: 219/2-220؛ وقعة صفّين: 553.

3) . وقعة صفّين: 554.

فرض التحكيم أوّلاً، و فرض المحكّم ثانياً:

و لقد بلغ القوم في قلّة الحياء و شكاسة الخلق إلى حدّ أنّهم فرضوا نفس التحكيم على الإمام المفترض طاعته ببيعة المهاجرين و الأنصار، و لم يبق بينه و بين الفتح و الظفر على العدو إلّا قاب قوسين أو أدنى أو بمقدار عدوة الفرس كما قاله الأشتر.

إنّهم - قبّح اللّٰه وجوههم - لم يكتفوا بهذا الحد في قلّة الأدب، بل فرضوا عليه المحكّم، فإنّ الإمام لمّا لَم يرَ بدّاً من قبول التحكيم فاقترح عليهم أن يكون الحكم من جانبه أحد الرجلين: ابن عمّه - عبد اللّه بن عباس - أو الأشتر.

و لكنّهم رفضوا كل ذلك و أبوا إلّا نيابة أبي موسى الأشعري الذي خذل عليّاً عليه السلام في بداية خلافته، و لم يبايعه إلّا بإكثار الناس و لم يشجّع أهل الكوفة على نصره بل سكت.

يقول ابن مزاحم: قال أهل الشام: فإنّا قد رضينا و اخترنا عمرو بن العاص، فقال الأشعث و القرّاء الذين صاروا خوارج فيما بعد: فانّا قد رضينا و اخترنا أبا موسى الأشعري، فقال لهم علي عليه السلام: «إنّي لا أرضىٰ بأبي موسى و لا أرى أن أولِّيه» فقال الأشعث و زيد بن حصين و مسعر بن فدكي في عصابة من القرّاء: انّا لا نرضى إلّا به، فإنّه قد حذّرنا ما وقعنا فيه، فقال علي عليه السلام: «فإنّه ليس لي برضى و لكن هذا ابن عباس أُوليه ذلك»، قالوا: و اللّٰه

ما نبالي أ كنت أنت أو ابن عباس، و لا نريد إلّا رجلاً هو منك و من معاوية سواء، قال علي: «فإنّي أجعل الأشتر»، فقال الأشعث: و هل سعّر الأرض علينا غير الأشتر.

حتى أنّ عليّاً اقترح عليهم الأحنف بن قيس فأبوا أن يقبلوه، و قالوا: لا يكون ألّا أبا موسى، و قد كان معروفاً بأنّه قريب القعر، كليل الشفرة، فلم ير علي عليه السلام بداً من قبول أبي موسى، و قد كان الإمام عارفاً ببساطته و سذاجته، و كانت في ذلك خسارة عظمى لحزب علي عليه السلام و أشياعه إلى حدّ وصفها الشاعر بقوله:

لو كان للقوم رأي يُعْصمونَ به *** من الضلال رَمَوكم بابن عباس

للّٰه درُّ أبيه أيُّما رجل *** ما مثله لفصال الخطب في الناس

لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن *** لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس

أن يخلُ عمرو به، يقذفه في لجج *** يَهوي به النجمُ تَيْساً بين أتياس

ابلغ لديك عليّاً غير عاتِبِه *** قول امرئ لا يرى بالحقِّ من بأسٍ‌(1)


1) . وقعة صفّين: 575-576

لقد كان عليّ عليه السلام واقفاً على انحراف أبي موسى عنه، و انّ هواه مع غيره، و مع ذلك لم يجد بدّاً عن الرضا بما فرض عليه البسطاء من جيشه، و هذا هو الأحنف بن قيس من أصدقاء علي عليه السلام و خُلّصِ شيعته، فقد امتحن أبا موسى بعد ما نُصِبَ حكماً من قبل علي عليه السلام فقال له ممتحناً: «فإن لم يستقم لك عمرو على الرضا بعلي، فخيّره أن يختار أهل العراق من قريش الشام من شاءوا فإنّهم يولّونا الخيار فنختار من نريد، و إن أبوا فليختر أهل الشام من قريش العراق من شاءوا، فإن فعلوا كان الأمر فينا، فقال أبو موسى: قد سمعت ما قلت، و لم ينكر ما قاله من زوال الأمر عن علي عليه السلام، فرجع الأحنف إلى علي عليه السلام فقال له: أخرج أبو موسى و اللّٰه زبدة سقائه في أوّل مخضه. لا أرانا إلّا بعثنا رجلاً لا ينكر خلعك، فقال علي عليه السلام: «اللّٰه غالب على أمره».(1)

إنّ الإمام خاطب أبا موسى - عند ما بعثه إلى دُومَةِ الجندل حكماً - بقوله: «احكم بكتاب اللّٰه و لا تجاوزه»، و لمّا ودّع أبا موسى و غادر المجلس، قال الإمام: «كأنّي به و قد خدع»، فقال عبيد اللّٰه بن أبي رافع: لما ذا تبعثه و هو على هذه الفكرة؟ فقال الإمام عليه السلام: «لو عمل اللّٰه في خلقه بعلمه، ما احتجّ عليهم بالرسل».(2)


1) . وقعة صفّين: 617؛ شرح نهج البلاغة: 249/2.

2) . مناقب آل أبي طالب: 261/2.

صياغة اتفاقية الصلح:

إنّ القوم فرضوا على الإمام التحكيم و المحكّم، و لم يكتفوا بذلك بل فرضوا عليه ما كان الخصم يطلبه في تحرير و صياغة اتفاقية الصلح، و لمّا اتّفق الطرفان على كتابة الصلح و إيقاف الحرب إلى أن يحكم الحكمان دعا علي عليه السلام كاتبه ليكتب صحيفة الصلح على النحو الذي يمليه الإمام، فقال الإمام: اكتب: «هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين» فقال معاوية: بئس الرجل أنا إن أقررت أنّه أمير المؤمنين ثمّ قاتلته، و قال عمرو: اكتب اسمه و اسم أبيه، إنّما هو أميركم، و أمّا أميرنا فلا. فلمّا أُعيد إليه الكتاب أمر بمحوه، فقال الأحنف: لا تمح اسم إمرة المؤمنين عنك، فإنّي أتخوّف إن محوتها ألّا ترجع إليك أبداً لا تمحها، و إن قتل الناس بعضهم بعضاً. فأبى مليّاً من النهار أن يمحوها، ثمّ إنّ الأشعث بن قيس جاء، فقال: امح هذا الاسم. فقال علي: «لا إله إلّا اللّٰه و اللّٰه أكبر، سنّة بسنّة، أما و اللّٰه لعلى يدي، دار هذه الأمر يوم الحديبية حين كتبت الكتاب عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «هذا ما تصالح عليه محمّد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و سهيل بن عمرو» فقال سهيل: لا أُجيبك إلى كتاب تسمّي (فيه) رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و لو أعلم أنّك رسول اللّٰه لم أُقاتلك إنّي إذاً ظلمتك إن منعتك أن تطوف ببيت اللّٰه و أنت رسول اللّٰه، و لكن اكتب «محمّد ابن عبد اللّه» أجبك، فقال محمّد صلى الله عليه و آله و سلم: «يا علي إنّي لرسول اللّٰه، إنّي لمحمّد ابن عبد اللّه، و لن يمحو عنّي الرسالة كتابي إليهم «محمّد بن عبد اللّه»، فاكتب:

محمّد بن عبد اللّه، فراجعني المشركون في هذا إلى مدّة، فاليوم اكتبها إلى أبنائهم كما كتبها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم إلى آبائهم سنّة و مثلاً». فقال عمرو بن العاص: سبحان اللّٰه، و مثل هذا شبّهتنا بالكفّار و نحن مؤمنون؟ فقال له علي عليه السلام: «يا ابن النابغة، و متى لم تكن للكافرين وليّاً و للمسلمين عدوّاً، و هل تشبه إلّا أُمّك التي وضعت بك». فقام عمرو فقال: «و اللّٰه لا يجمع بيني و بينِك مجلس أبداً بعد هذا اليوم، فقال علي: و اللّٰه إنّي لأرجو أن يظهر اللّٰه عليك و على أصحابك».(1)

اتفاقية الصلح أو وثيقة التحكيم:

تنازل عليّ عليه السلام عن حقّه المشروع و رضى، كما رضي رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أن يكتب اسمه مجرّداً عن توصيفه بإمرة المؤمنين، فأملى عليّ صحيفة الصلح بالنحو التالي، و فيها عبر و نكات و تشتمل على بنود ربّما نرجع إليها في المستقبل:

1 - هذا ما تقاضىٰ عليه علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان و شيعتهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب اللّٰه و سنّة نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم قضية علي على أهل العراق و من كان من شيعته من شاهد أو غائب، و قضية معاوية على أهل الشام و من كان من شيعته من شاهد أو غائب. إنّا رضينا أن ننزل عند حكم القرآن فيما حكم، و أن نقف عند أمره فيما أمر، و انّه لا يجمع بيننا إلّا ذلك، و انّا جعلنا كتاب اللّٰه فيما بيننا حكماً فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى


1) . وقعة صفّين: 582-583.

خاتمته، نحيي ما أحيا و نميت ما أمات، على ذلك تقاضيا، و به تراضيا.

2 - إنّ علياً و شيعته رضوا أن يبعثوا عبد اللّه بن قيس(1)ناظراً و محاكماً، و رضى معاوية و شيعته أن يبعثوا عمرو بن العاص ناظراً و محاكماً.

3 - على أنّهما أخذوا عليهما عهد اللّٰه و ميثاقه و أعظم ما أخذ اللّٰه على أحد في خلقه، ليتّخذان الكتاب إماماً فيما بعثا له، لا يعدوانه إلى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطوراً. و ما لم يجداه مسمّى في الكتاب ردّاه إلى سنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم الجامعة، لا يتعمّدان لهما خلافاً، و لا يتّبعان في ذلك لهما هوى، و لا يدخلان في شبهة.

4 - و أخذ عبد اللّه بن قيس و عمرو بن العاص على عليّ و معاوية عهد اللّٰه و ميثاقه بالرضا بما حكما به من كتاب اللّٰه و سنّة نبيه صلى الله عليه و آله و سلم و ليس لهما أن ينقضا ذلك و لا يخالفاه إلى غيره، و انّهما آمنان في حكومتهما على دمائهما و أموالهما و أهلهما ما لم يعدوا الحق، رضى بذلك راض أو أنكره منكر و انّ الأُمّة أنصار لهما على ما قضيا به من العدل.

5 - فإن توفّى أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة فأمير شيعته و أصحابه يختارون مكانه رجلاً، لا يألون عن أهل المعدلة و الاقساط، على ما كان عليه صاحبه من العهد و الميثاق، و الحكم بكتاب اللّٰه و سنّة رسوله صلى الله عليه و آله و سلم و له مثل شرط صاحبه، و إن مات أحد الأميرين قبل القضاء فلشيعته أن يولّوا مكانه يرضون عدله. و قد وقعت القضية و معها الأمن و التفاوض و وضع السلاح و السلام و الموادعة.


1) . هو أبو موسى الأشعري.

6 - و على الحكمين عهد اللّٰه و ميثاقه ألّا يألوا اجتهاداً، و لا يتعمّدا جوراً، و لا يدخلا في شبهة، و لا يعدوا حكم الكتاب و سنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم. فإن لم يفعلا برئت الأُمّة من حكمهما، و لا عهد لهما و لا ذمّة. و قد وجبت القضية على ما قد سُمِّي في هذا الكتاب من مواقع الشروط على الأميرين و الحكمين و الفريقين، و اللّٰه أقرب شهيداً، و أدنى حفيظاً، و الناس آمنون على أنفسهم و أهليهم و أموالهم إلى انقضاء مدّة الأجل، و السلاح موضوع، و السبل مخلاة، و الغائب و الشاهد من الفريقين سواء في الأمن.

7 - و للحكمين أن ينزلا منزلاً عدلاً بين أهل الطرق و أهل الشام و لا يحضر هما فيه إلّا من أحبّا، عن ملأ منهما و تراض. و انّ المسلمين قد أجّلوا القاضيين إلى انسلاخ رمضان(1)، فإن رأى الحكمان تعجيل الحكومة فيما وجها له عجّلاها، و إن أرادا تأخيرها بعد رمضان إلى انقضاء الموسم فإنّ ذلك إليهما.

8 - فإن هما لم يحكما بكتاب اللّٰه و سنّة نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم إلى انقضاء الموسم فالمسلمون على أمرهم الأوّل في الحرب. و لا شرط بين واحد من الفريقين. و على الأُمّة عهد اللّٰه و ميثاقه على التمام و الوفاء بما في هذا الكتاب. و هم يد على من أراد فيه إلحاداً و ظلماً أو حاول له نقضاً. ثمّ إنّه شهد بما في الكتاب من أصحاب الطرفين أكابرهما فمن أصحاب علي، عبد اللّه بن عباس، و الأشعث بن قيس، و الأشتر مالك بن الحارث، و الحسن


1) . أي رمضان سنة تحرير الاتفاقية و هي سنة 37، و قد كتب الكتاب في صفر هذه السنة كما سيوافيك.

و الحسين ابنا عليّ و طائفة أُخرى يبلغ عدد الشهود سبعاً و عشرين شخصاً و فيهم من الصحابة الكبار، نظير خبّاب بن الأرت و سهل بن حنيف و عمرو بن الحمق الخزاعي، و حجر بن عدي، كما شهد من أصحاب معاوية أبو الأعور و بسر بن أرطاة و عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص، و كتبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة 37.(1)

و نلاحظ أنّ في الميثاق تصريحاً بأنّه من اللازم على الحكمين الإدلاء برأيهما إلى انقضاء موسم الحج من عام 37 و هما أدليا برأيهما في شعبان تلك السنة كما سيوافيك.

و ما نقله الطبري عن الواقدي أنّ اجتماع الحكمين كان في شعبان سنة 38 من الهجرة غير صحيح.(2)

صورة أُخرى لوثيقة التحكيم:

ثمّ إنّ ابن مزاحم نقل صورة أُخرى لوثيقة التحكيم يتّحد مع ما سبق لبّاً و يختلف في بعض الموارد عبارة فمن أراد فليرجع إلى مصدره و في ذيلها: «و كتب عميرة يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة سبع و ثلاثين و اتَّعد الحكمان (اذرح)»(3)و أن يجيء علي بأربعمائة من أصحابه، و يجيء معاوية بأربعمائة من أصحابه فيشهدون الحكومة.


1) . وقعة صفّين: 582.

2) . تاريخ الطبري: 52/4.

3) . اذرح - بضم الراء - بلد في أطراف الشام مجاور لأرض الروم.

الفصل الثالث: نشوء الخوارج عند مخالفتهم لمبدإ التحكيم

اشارة

إنّ الذين حملوا عليّاً عليه السلام على الموادعة و الرضوخ للتحكيم، رجعوا عن فكرتهم و زعموا أنّ أمر التحكيم على خلاف الذكر الحكيم حيث يقول «إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاّٰ لِلّٰهِ»(1)، فحاولوا أن يفرضوا على عليّ عليه السلام أمراً رابعاً و هو القيام بنقض الميثاق و رفض كتاب الصلح بينه و بين معاوية، فجاء هؤلاء قائلين: لا حكم إلّا للّٰه، الحكم للّٰه يا علي لا لك، لا نرضى بأن يحكم الرجال في دين اللّٰه. إنّ اللّٰه قد أمضى حكمه في معاوية و أصحابه أن يقتلوا و أن يدخلوا في حكمنا عليهم و قد كانت منّا زلّة حين رضينا بالحكمين، فرجعنا و تبنا، فارجع أنت يا علي كما رجعنا و تب إلى اللّٰه كما تبنا، و إلّا برئنا منك. فقال علي: «وَيْحكم، أبعد الرضا (و الميثاق) و العهد نرجع؟ أو ليس اللّٰه تعالى قال: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»(2)و قال:

«وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اَللّٰهِ إِذٰا عٰاهَدْتُمْ وَ لاٰ تَنْقُضُوا اَلْأَيْمٰانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهٰا وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اَللّٰهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اَللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا تَفْعَلُونَ»(3): فأبى علي أن يرجع، و أبت الخوارج إلّا تضليل التحكيم و الطعن فيه، و برئت من علي عليه السلام، و برئ منهم.(4)


1) . الأنعام: 57. و قد ورد في سورة يوسف أيضاً مرّتين، لاحظ الآية 40 و 67 من هذه السورة.

2) . المائدة: 1.

3) . النحل: 91.

4) . وقعة صفّين: 589-590.

و قال الطبري: لمّا أراد عليّ أن يبعث أبا موسى إلى الحكومة أتاه رجلان من الخوارج: زرعة بن برج الطائي و حرقوص بن زهير السعدي(1)، فدخلا عليه فقالا له: «لا حكم إلّا للّٰه»، فقال علي عليه السلام: لا حكم إلّا للّٰه، فقال له حرقوص: تب من خطيئتك و ارجع عن قضيتك و اخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم حتى نلقى ربّنا، فقال لهم علي: «قد أردتكم على ذلك فعصيتموني و قد كتبنا بيننا و بينهم كتاباً و شرطنا شروطاً و أعطينا عليها عهودنا و مواثيقنا، و قد قال اللّٰه عزّ و جل: «وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اَللّٰهِ إِذٰا عٰاهَدْتُمْ وَ لاٰ تَنْقُضُوا اَلْأَيْمٰانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهٰا وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اَللّٰهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اَللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا تَفْعَلُونَ»». فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال علي: «ما هو ذنب و لكنّه عجز من الرأي و ضعف من الفعل و قد تقدّمت إليكم فيما كان منه و نهيتكم عنه»، فقال له زرعة بن البرج: أما و اللّٰه يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب اللّٰه عز و جل قاتلتك أطلب بذلك وجه اللّٰه و رضوانه، فقال له علي: «بؤسا لك ما أشقاك كأنّي بك قتيلاً تسفى عليك الريح». قال: وددت أن قد كان ذلك، فقال له علي: «لو كنت محقّاً كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا. إنّ الشيطان قد استهواكم فاتّقوا اللّٰه عزّ و جلّ إنّه لا خير لكم في دنيا تقاتلون عليها» فخرجا من عنده يُحكِّمان(2).


1) . إنّ الاباضية - الفرقة الباقية من الخوارج - يقولون المحكمة الأُولى نظراء: زرعة، و حرقوص، و الراسبي مُحِقون بحجة أنّهم أرادوا أن لا يحكم الرجال فيما حكم فيه سبحانه و هو قتال أهل البغي حتى يفيئوا، و لكنّهم لا يذكرون شيئاً من أنّهم كانوا هم الأساس لمسألة التحكيم، و هم الذين فرضوا على الإمام هذا الأمر. فلتكن على ذكر من هذا النقل حتى يحين وقت دراسة الموضوع.

2) . تاريخ الطبري: 52/4-53.

روى ابن مزاحم عن شقيق بن سلمة قال: جاءت عصابة من القرّاء قد سلّوا سيوفهم واضعيها على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين ما تنتظر بهؤلاء القوم إن نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم اللّٰه بيننا و بينهم بالحق؟ فقال لهم عليّ: «قد جعلنا حكم القرآن بيننا و بينهم و لا يحلّ قتالهم حتى ننظر بِمَ يحكم القرآن».(1)

و هذا يعرب عن أنّ الأكثرية الساحقة كانت مصّرة على التصالح و انّ عصابة منهم، كانوا متوقّفين في بدء الأمر، ثمّ بدا لهم أن ينصروا الإمام في وقت، تمّت الاتّفاقية بين الطرفين و أعطى الإمام العهد بالعمل بها.

هذه الكلمة الجارحة التي صدرت من زرعة الطائي و حرقوص بن زهير السعدي و نظائرها كانت تصدر من الخوارج آونة بعد أُخرى، و ذلك لأنّهم يتّهمون عليّاً بارتكاب الإثم و لزوم التوبة بنقض الصحيفة، و في مقابل ذلك سطّر التاريخ مواقف جريئة و حرّةً صدرت عن ثلّة من أصحاب علي عليه السلام.

هذا هو سليمان بن صرد من أصحاب علي أتاه بعد كتابة الصحيفة و وجهه مضروب بالسيف فلمّا نظر إليه علي عليه السلام قال: «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مٰا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً»(2)فأنت ممّن ينتظر و ممّن لم يبدل، فقال يا أمير المؤمنين: أما لو وجدتُ أعواناً ما كتبت هذه الصحيفة


1) . وقعة صفّين: 569.

2) . الأحزاب: 23.

أبداً. أما و اللّٰه لقد مشيتُ في الناس ليعودوا إلى أمرهم الأوّل فما وجدت أحداً عنده خير إلّا قليلاً. و قام إلى علي عليه السلام محرز بن جريش بن ضليع، فقال: يا أمير المؤمنين: ما إلى الرجوع عن هذا الكتاب سبيل؟ فإنّي لأخاف أن يُورث ذلاً، فقال علي عليه السلام: «أبعد أن كتبناه ننقضه؟ إنّ هذا لا يحلّ».

و قام فضيل بن خديج مخاطباً عليّاً لمّا كتبت الصحيفة: إنّ الأشتر لم يرض بما في هذه الصحيفة و لا يرى إلّا قتال القوم، فقال علي عليه السلام:

«بلى إنّ الأشتر ليرضى إذا رضيت، و قد رضيت و رضيتم، و لا يصلح الرجوع بعد الرضا و لا التبديل بعد الإقرار إلّا أن يعصى اللّٰه و يتعدّى ما فيه كتابه».

فلمّا رأى علي عليه السلام تكرّر تلك المواقف قام خطيباً ليزيل الشكوك و الأوهام عن قلوب شيعته فخطب و قال: «إنّ هؤلاء القوم لم يكونوا ليفيئوا إلى الحق، و لا ليجيبوا إلى كلمة السواء، حتى يُرْموا بالمناسر، تتبعها العساكر، و حتى يُرجَموا بالكتائب تقفوها الجلائب، و حتى يجر ببلادهم الخميس، يتلوه الخميس، و حتى يدعوا الخيل في نواحي أرضهم، و بأحناء مساربهم و مسارحهم و حتى تشن عليهم الغارات من كل فج، و حتى يلقاهم قوم صُدُق صُبُر، لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم و موتاهم في سبيل اللّٰه إلّا جداً في طاعة اللّٰه، و حرصاً على لقاء اللّٰه، و لقد كنّا مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم نقتل آباءنا و أبناءنا و اخواننا و أعمامنا. ما يزيدنا ذلك إلّا إيماناً و تسليماً، و مُضيّاً على اللقم و صبراً على مضَض الألم، و جداً في جهاد العدو، و لقد كان

الرجل منّا و الآخر من عدوّنا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون، مرّة لنا من عدوّنا و مرة لعدوّنا منّا، فلمّا رأى اللّٰه صدقنا أنزل بعدونا الكبت، و أنزل علينا النصر، حتى استقرّ الإسلام ملقياً جِرَانه، و متبوّئاً أوطانه، و لعمري لو كنّا نأتي ما أتيتم، ما قام للدين عمود، و لا اخضرّ للإيمان عود، و ايم اللّٰه لتحتلبنّها دماً و لتُتْبِعنَّها ندماً».(1)

و قد أعرب الإمام في خطبته هذه عن السبب الحقيقي للفصل و الوهن الذي واجه جيشه مع كثرة عددهم و عدّتهم، و ما هذا إلّا لأنّهم عصوا إمامهم، و اغترّوا بظواهر الأُمور، و حسبوا أنّ اللجوء إلى كتاب اللّٰه شيء يدين به الخصم، ففرضوا على علي عليه السلام التحكيم و الحكم، إلى غير ذلك من الأُمور التي ذكرناها آنفاً، فصار القائد مقوداً و الإمام مأموماً و المطاع مطيعاً.

تنبّؤ النبي صلى الله عليه و آله و سلم بفتنة الخوارج:

روى ابن هشام عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنّه قال: جاء رجل من بني تميم - في غزوة هوازن - يقال له ذو الخويصرة فوقف عليه و هو يعطي النّاس فقال: يا محمّد، قد رأيتُ ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «أجل، فكيف رأيت؟» فقال: لم أرك عدلت، قال: فغضب النبي، ثمّ قال: «ويحك، إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟» فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّٰه أ لاٰ أقتله؟ فقال: «لا دعه فإنّه سيكون له شيعة


1) . نهج البلاغة: الخطبة 56؛ وقعة صفّين: 597-598 و بين المنقول في المصدرين اختلاف في اللفظ، و رجّحنا نقل الرضي.

يتعمّقون(1)

و يظهر ذلك ممّا روي عن علي من قصار الكلمات قال: «الكفر على أربع دعائم: على التعمّق، و التنازع، و الزيغ، و الشقاق. فمن تعمّق لم ينب إلى الحق، و من كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق». نهج البلاغة: قسم الحكم 31. فمعنى التعمّق هنا لا يتنافى مع ما سنذكره من أنّ البساطة و السذاجة و الظاهرية كانت سمة من سماتهم.

في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية».(2)

تحليل لكارثة التحكيم:

اشارة

إنّ هناك أسئلة تطرح نفسها و نحن نجيب عنها مستندين إلى متون الروايات الواردة حولها:

[الأوّل: لما ذا اغتر المحكّمة بظواهر الأمر؟]

الأوّل: لما ذا اغتر المحكّمة بظواهر الأمر و زعموا أنّ رفع المصاحف على رءوس الأسنّة لأجل اللجوء إلى القرآن، و اجراء حكمه بين الطرفين، مع أنّ عليّاً و كثيراً من أصحابه نبّههم على أنّ ذلك خدعة و مكيدة. و الجواب: انّ الذي حملهم على قبول التحكيم في بادئ ذي بدء أمران:

1 - إنّ الخسارة البشرية الفادحة التي ألحقتها الحرب بالعراقيين (مع أنّ خسائر الشاميين كانت أكثر) كانت عاملاً نفسيّاً مهمّاً لقبول التحكيم و دافعاً لهم إليه و في كلام الإمام علي عليه السلام إشارة إلى ذلك.


1) . المراد من التعمق كثرة السؤال و الاعتراض على الأوامر الصادرة من القيادة، و يؤيّد ذلك الحديث المشهور: سأل رجل الإمام موسى بن جعفر عليه السلام و قال: رجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء، و لا يدري أ ذكية هي أم غير ذكية؟ أ يصلّي فيها؟ فقال: «نعم ليس عليكم المسألة. انّ أبا جعفر عليه السلام كان يقول: إنّ الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم، انّ الدين أوسع من ذلك». (من لا يحضر الفقيه: 167/1، الباب 39، الحديث 38).

2) . السيرة النبوية: 496/4؛ الكامل لابن الأثير: 184/2. و رواه البخاري في باب «المؤلفة قلوبهم على وجه التفصيل، فمن أراد فليرجع إلى صحيحه».

قال ابن مزاحم: ذكروا أنّ الناس ماجوا و قالوا: أكلتنا الحرب و قتلت الرجال، و قال قوم: نقاتل القوم على ما قاتلناهم عليه أمس، و لم يقل هذا إلّا قليل من الناس، ثمّ رجعوا عن قولهم مع الجماعة و ثارت الجماعة بالموادعة فقام علي أمير المؤمنين فقال: «إنّه لم يزل أمري معكم على ما أحبّ إلى أن أخذت منكم الحرب، لقد و اللّٰه أخذت منكم و تركت، و أخذت من عدوّكم فلم تترك، و انّها فيكم أنكىٰ و أنهك.... و قد أحببتم البقاء و ليس لي أن أحملكم على ما تكرهون».(1)

و لعل النجاشي يشير إلى ذلك العامل في قصيدته إذ يقول:

غشيناهم يومَ الهرير بِعُصبة *** يمانيّة كالسيل سيل عِرانِ

فأصبح أهل الشام قد رفعوا القنا *** عليها كتاب اللّٰه خير قرآن

و نادوا(2): عليّاً، يا ابن عمّ محمّد *** أما تتقي أن يهلك الثقلان

فمن للذراري بعدها و نسائنا *** و من للحريم أيّها الفَتَيان(3)


1) . وقعة صفّين: 553-554.

2) . يعني أهل العراق

3) . وقعة صفّين: 602.

2 - إنّ البساطة و السذاجة من الأُمور التي تسود أهل البادية حيث لا يملكون الوعي الفكري و التجربة الاجتماعية، و جلّ القبائل التي كانت تحارب تحت لواء عليّ من القاطنين في البادية غير متمدّنين، فطبيعة عيشهم هو الصدق و الصفاء و الإيمان بظواهر الأُمور دون أن يتعمّقوا فيها لمعرفة ما يدور خلف الستار من خفايا، و لأجل ذلك اغترّوا بظاهر الأمر و زعموا أنّ رفع المصاحف على الأسنّة لأجل الاستظلال في ظلّه و العيش تحت رايته.

غير أنّ الإمام و الواعين من قادة جيشه علموا أنّ خلف هذا العمل مؤامرات و تفرّسوا بأنّه ما وراء هذا إلّا الفتنة، و لأجل ذلك لمّا بعث علي عليه السلام أحد النخعيين إلى الأشتر لإيقاف الحرب و رجوعه إلى معسكر الإمام، فسأله الأشتر عن سبب الفتنة، و قال: «أ لِرَفع هذه المصاحف؟» قال نعم، قال: أما و اللّٰه لقد ظننت أنّها حين رفعت ستوقد اختلافاً و فرقة.(1)

3 - إنّ عيشة القوم كانت عيشة قبيلة و النظام القبلي يفرض على كافة أفراد القبيلة، الطاعة العمياء لرئيسها، فإذا أصحر الرئيس بالرأي، فالباقون بحكم الأغنام يتبعونه من دون تفكّر و وعي، و لمّا كان في جيش علي رءوس البطون، و خضعوا للتحكيم، لم يبق مجال لغيرهم في القبول و الرفض، و لأجل ذلك صار التحكيم فرضاً من جانب عشرين ألفاً مقنّعين بالحديد، و من البعيد جداً أن يكون حكم كلّ واحد من هؤلاء صادراً عن وعي و إمعان.


1) . وقعة صفّين: 562.

الثاني: لما ذا رجعوا عن التحكيم بعد فرضه على علي عليه السلام؟

إنّ القوم لم يكونوا أهل فكر و اجتهاد، و ما كانوا يصدرون عن مبدأ عقلي في المواقف الصعبة و الحَرِجةِ، فكما أنّهم اغترّوا برفع المصاحف على الأسنّة، اغترّ الكثير برأي بعض القرّاء حيث ردّ التحكيم بقوله سبحانه: «إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاّٰ لِلّٰهِ».

قال ابن مزاحم: إنّ الأشعث خرج في الناس بذلك الكتاب يقرأه على الناس و يعرضه عليهم و يمرّ به على صفوف أهل الشام، و راياتهم فرضوا بذلك، ثمّ مرّ به على صفوف أهل العراق و راياتهم يعرضوه عليهم، حتى مرّ برايات عنزة فقرأه عليهم. قال فتيان منهم: لا حكم إلّا للّٰه، ثمّ حملا على أهل الشام بسيوفهما (فقاتلا) حتى قتلا على باب رواق معاوية، و هما أوّل من حكم (أي أنكر مبدأ التحكيم)، ثمّ مرّ بها على مراد فقال صالح بن شقيق و كان من رؤسائهم:

ما لعلي في الدماء قد حكم *** لو قاتل الأحزاب يوماً ما ظلم

لا حكم إلّا للّٰه و لو كره المشركون.

ثمّ مرّ على رايات بني راسب فقرأها عليهم، فقالوا: لا حكم إلّا للّٰه و لا نرضى و لا نحكّم الرجال في دين اللّٰه، ثمّ مرّ على رايات بني تميم فقرأها عليهم، فقال رجل منهم: لا حكم إلّا للّٰه، يقضي بالحق و هو خير الفاصلين،

و خرج عروة بن أُديَّة فقال: أ تحكّمون الرجال في أمر اللّٰه؟ لا حكم إلّا للّٰه: فأين قتلانا يا أشعث؟(1)

فزعموا أوّلاً: أنّ حكم اللّٰه مضى في معاوية و أصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا في حكمهم و انّ إيقاف الحرب و التنازل إلى الموادعة خلاف حكم اللّٰه سبحانه.

ثانياً: أنّ هذا تحكيم للرجال في دين اللّٰه، و هو يضادّ النصّ الصريح في الذكر الحكيم، أعني قوله تعالى: «إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاّٰ لِلّٰهِ» و كلا الوجهين موجود ان في كلامهم يوم حاولوا فرض نقض الميثاق و طلبوه من علي عليه السلام يقول ابن مزاحم: فنادت الخوارج في كلّ ناحية:

لا حكم إلّا للّٰه، لا نرضى بأن يحكّم الرجال في دين اللّٰه.

قد أمضى اللّٰه حكمه في معاوية و أصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا في حكمنا عليهم(2).

ثالثاً: زعموا أنّ قبول التحكيم يستلزم أنّهم كانوا ضالّين في نضالهم و جهادهم ضد معاوية طيلة شهور، و نتيجة ذلك أنّ ما أُريقت منهم من الدماء، و ما قدموا في ذلك الطريق من الشهداء كانت على غير وجه الحق، و لأجل ذلك لمّا قرأ الأشعث صحيفة الصلح على تميم، قالوا:

أ تحكّمون


1) . وقعة صفّين: 588. و جاء في ذيل كلامه انّ هؤلاء المخالفين أو بعضهم كانوا من المصرّين على التحكيم في بدء الأمر و انّما رجعوا عن فكرتهم عند عرض الكتاب.

2) . وقعة صفّين: 594.

الرجال في أمر اللّٰه لا حكم إلّا للّٰه، فأين قتلانا يا أشعث(1).

رابعاً: قالوا: إنّك نهيت عن الحكومة أوّلاً ثمّ أمرت بها ثانياً، فإن كانت قبيحة كنت بنهيك عنها مصيباً، و بأمرك مخطئاً، و إن كانت حسنة كنت بنهيك عنها مخطئاً و بأمرك بها مصيباً، فلا بد من خطئك على كلّ حال.

هذه الوجوه الأربعة ممّا اغترّ به القوم، و أرادوا فرض نقض التحكيم و الميثاق على علي عليه السلام و هي تكشف عن بساطة القوم في المقام، و إليك تحليل كلّ واحد من هذه الوجوه:

أمّا الوجه الأوّل: فإنّه و إن كان قد مضىٰ حكم اللّٰه في معاوية و أصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا في حكم الإمام المفترض طاعته، و كان الواجب على الإمام محاربتهم حتى تتحقّق إحدى الغايتين و لكن التكليف بالمحاربة، مرهون بالقدرة و عدم المانع من تحقيق التكليف، و القوم سلبوا القدرة عن الإمام القائد، حيث جاءوا إليه في عشرين ألفاً مقنّعين في الحديد، شاكي سيوفهم على عواتقهم يدعونه باسمه و يقولون: أجب إلى كتاب اللّٰه إذ دعيت إليه، و إلّا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فو الله لنفعلنّها إن لم تجبهم.

أ في هذا الموقف الحرج يتصوّر أن تكون المحاربة تكليفاً شرعيّاً على الإمام أو يكون الحكم مرفوعاً بارتفاع قدرته على مواصلة الحرب، إذ كانت نتيجة مواصلة الحرب هو قتل الإمام أو تسليمه إلى العدو مكتوف اليدين، و لكان الذل و الوهن عندئذ أكبر و أفدح.


1) . وقعة صفّين: 588.

نعم، رجعت القدرة إلى الإمام بعد ندامتهم على التحكيم و استعدادهم لمواصلة الحرب بعد الصلح و أخذ المواثيق، و لكن كانت الندامة في غير محلّها و ندموا و لم ينفعهم الندم حيث ضاعت الفرصة الذهبية، إذ كما أنّ من حكمه سبحانه مواصلة حرب الطغاة و قد نطق بها الذكر الحكيم، كذلك الإيفاء بالمواثيق، و احترام العقود و العهود من أحكام القرآن و السنّة المطهّرة. و لأجل ذلك أجاب علي عن إصرارهم على مواصلة الحرب بقوله: «ويحكم، أبعد الرضا و الميثاق و العهد نرجع؟ أ و ليس اللّٰه تعالى قال: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و قال: «وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اَللّٰهِ إِذٰا عٰاهَدْتُمْ وَ لاٰ تَنْقُضُوا اَلْأَيْمٰانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهٰا وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اَللّٰهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اَللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا تَفْعَلُونَ».(1)

و لكن القوم كانوا بعيدين عن المنطق، قريبي القعر، سمعوا أدلّة الإمام و لم يجيبوا عنها بشيء إلّا بتضليله و البراءة منه. و سوف نرجع إلى تحليل هذا الوجه عند البحث عن الاباضيّة.

و أما الوجه الثاني: أعني كون هذا تحكيماً للرجال في دين اللّٰه: و هو خطأ. إنّ الإمام و أصحابه لم يحكّموا الرجال في دين اللّٰه بل حكّموا القرآن و الذكر الحكيم فيما اختلفوا فيه و لكن القرآن شجرة يانعة و حجة صامتة لا تجتني ثمرته و لا يعلم مقاصده إلّا بمن ينطقه و إلى ذلك يشير الإمام في بعض خطبه:

«إنّا لم نحكّم الرجال و إنّما حكّمنا القرآن، هذا القرآن انّما هو خط


1) . وقعة صفّين: 589. و الآية 91 من سورة النحل.

مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان و لا بدّ له من ترجمان، و انّما ينطق عنه الرجال، و لمّا دعانا القوم إلى أن نحكّم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولّي عن كتاب اللّٰه سبحانه و تعالى، و قد قال اللّٰه سبحانه: «فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللّٰهِ وَ اَلرَّسُولِ» فردّه إلى اللّٰه أن نحكم بكتابه، و ردّه إلى الرسول أن نأخذ بسنّته، فإذا حكم بالصدق في كتاب اللّٰه فنحن أحق النّاس و أولاهم بها».(1)

و في كلام آخر له:

«فإنّه حكم الحكمان ليُحييا ما أحيا القرآن و يميتا ما أمات القرآن، و إحياؤه الاجتماع عليه، و إماتته الافتراق عنه، فإن جرّنا القرآن إليهم، اتبعناهم، و إن جرّهم إلينا اتبعونا، فلم آت - لا أباً لكم - بُجراً و لاٰ خَتلْتكم عن أمركم، و لاٰ لبّستُه عليكم، انّما اجتمع رأي مَلَئكم على اختيار رجلين أخذنا عليهما ألّا يتعدَّيا القرآن.(2)

و قد جاء في نفس الميثاق الذي أملاه على التصريح بأنّ الحكم هو القرآن، و انّ دور الحكمين هو انطاق القرآن في محلّ النزاع و قد جاء في الميثاق قوله:

«و ان كتاب اللّٰه سبحانه و تعالى بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيا القرآن و نميت ما أمات القرآن فإن وجد الحكمان ذلك في كتاب اللّٰه


1) . نهج البلاغة: الخطبة 125. و الآية 59 من سورة المائدة.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 127.

اتّبعناه، و إن لم يجداه أخذا بالسنّة العادلة غير المفرقة».(1)

و بعد هذه الكلم الواضحة، المعربة عن حقيقة الحال، كان إصرارهم على نقض الميثاق صادراً عن جهل و عجز في الرأي.

و أما الوجه الثالث: أي أنّه يستلزم من قبول التحكيم كونهم ضالّين في نضالهم و جهادهم طيلة شهور، و انّ الدماء التي أُريقت، انّما أُريقت في غير وجه الحق، فهو أوهن من الوجهين السابقين، و ذلك لأنّه سبحانه كما أمر بالقتال و النضال في كتابه و قال:

«قٰاتِلُوا اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لاٰ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ....»(2).

و قال سبحانه:

«وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لاٰ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلّٰهِ...»(3).

كذلك أمر بالصلح و السلم في غير واحد من آياته، و قال:

«وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهٰا وَ تَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ....»(4).

و قال سبحانه:

«وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى اَلْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اَللّٰهِ فَإِنْ فٰاءَتْ


1) . تاريخ الطبري: 38/4.

2) . التوبة: 29.

3) . الأنفال: 39.

4) . الأنفال: 61.

فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ»(1)

الصلح و الإيقاف ليسا دليلاً على أنّ الدماء الّتي أُرقيت إنّما أُرقيت في غير وجه الحقّ، و على ذلك فكل من الحرب و الصلح، و النضال و الموادعة حكم من أحكام القرآن، يطبّق كلّ في مورده و ذلك حسب ما يراه الحاكم الإسلامي و على ذلك جرت سيرة الرسول الأكرم، فقد ناضل قريشاً في بدر و أُحد و قاتلهم في الأحزاب، و قد أُريقت من دماء المسلمين ما لا يستهان بها، و مع ذلك فقد صالح قريشاً في الحديبية، و كتب بينه و بينهم ميثاق الصلح على ما مرّ الإيعاز إليه في كلام علي عليه السلام حتّى أنّ قريشاً أبوا أن يكتب «رسول اللّٰه» إلى جانب اسمه، و ألزموه بتجريد اسمه عن الرسالة كما أبىٰ معاوية و عمرو بن العاص إلّا أن يكتب اسم عليّ مجرّداً عن الإمارة، فكان في ذلك اقتداء بالنبي، فالدماء التي أُرقيت في ساحات القتال إذا كانت لوجه اللّٰه فلا تنقلب عمّا عليه، و أصحابها شهداء، أحياء عند ربهم يُرزقون، و لا يأبى ذلك أن يصالح القائد الإسلامي إذا اقتضت المصلحة لظروف مختلفة، مع العدو و كلا الحكمين حكم اللّٰه.

و أمّا الوجه الرابع: فقد أجاب عنه الإمام بعد ما قام إليه رجل من أصحابه فقال: نهيتنا عن الحكومة ثمّ أمرتنا بها فلم ندر أيّ الأمرين أرشد؟ فصفق عليه السلام إحدى يديه على الأُخرى ثمّ قال:


1) . الحجرات: 9.

«هذا جزاء من ترك العُقْدة(1)أما و اللّٰه لو انّي حين أمرتكم به، حملْتُكم على المكروه الذي يجعل اللّٰه فيه خيراً، فان استقمتم هديتكم، و إن اعوججتم قوّمتكم، و إن أبيتم تداركتم، لكانت الوثقى، و لكن بِمَنْ و إلى مَنْ؟ أُريد أن أُداوي بكم و أنتم دائي».(2)

أقول: إنّ القوم كانوا بُعَداء عن التفكير الصحيح فزعموا أنّ هنا تناقضاً في الرأي، مع أنّه لا منافاة بينهما بعد فرض اختلاف ظرف الحكمين، ففيما كان الإمام قائداً مُطاعاً، كان الحق هو مواصلة الحرب، و لذاك كان يصرّ على المواصلة، و عند ما عُصِيَ، و خُولِفَ، لم يكن بدّ من التنازل إلى الحكم الآخر، فلا الإيقاف يبطل حكم القتال و أجر الشهداء و لا الحكم بالقتال يلازم بطلان الهدنة و عدم صحّته إذا اقتضت المصلحة ذلك وفقاً لاختلاف الظروف.



1) . العقدة: الرأي الوثيق.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 121.

الفصل الرابع: تحرّكاتهم السياسيّة بعد مبدأ التحكيم

اشارة

لمّا تمّت الاتّفاقية، و شهد عليها شهود، و قُرِئت على الناس، انسحب معاوية إلى جانب الشام، و توجّه الإمام نحو الكوفة مع جيشه و أصحابه و رافقه المعترضون على التحكيم الذين عرفوا بالمحكِّمة، فدخل الإمام الكوفة دار هجرته و امتنعت المحكِّمة عن الدخول، و ذهبوا إلى قرية «حروراء» كما ذهب قسم منهم إلى معسكر نخيلة اعتراضاً على عليّ و حكْمهِ. و قد أعربوا بعملهم هذا أنّهم متخلِّفون عنه، و عن أوامره، و خارجون عن طاعته، و لقد كان لهم ألوان متفاوتة في مخالفتهم و لكن الجميع يشتركون في كونها ردود فعل لما آل له التحكيم و نذكر أبرزها:

1 - التظاهر ضد علي عليه السلام بقولهم: «لا حكم إلّا للّٰه» في المسجد و خارجه خصوصاً عند قيام الإمام بإلقاء الخطب.

2 - تكفير عليّ عليه السلام و أصحابه الذين وفوا بالميثاق.

3 - تأمين أهل الكتاب و إرهاب المسلمين و قتل الأبرياء.

و أمّا ما قام به الإمام في مقابل هذه المواقف فكلّها ينبع عن عطفه و حنانِه على الأعداء و صبره الجميل تجاه المآسي، و إليك بيانه:

1 - قام عليّ عليه السلام بتبيين موقفه من كتاب الصلح و انّه ما أمضاه إلّا بإصرار منهم و إرهاب ضدّه.

2 - التعامل معهم كسائر المسلمين في الجوائز و العطايا.

3 - بعث شخصيات كبيرة لهدايتهم، و إرجاعهم عن غيّهم.

4 - محاولة أخذ الثأر من قتلة عبد اللّه بن خباب بن الأرت و زوجته عند ما قتلا بأيدي سفلة الخوارج. و إليك بيان الجميع:

الف - التظاهر ضدّ عليّ عليه السلام:

روى الطبري: «لمّا وقع التحكيم و رجع عليّ من صفّين، رجعوا متباينين له، فلمّا انتهوا إلى النهر أقاموا به، فدخل عليّ في الناس الكوفة و نزلوا بحروراء و بعث إليهم عبد اللّه بن عباس فرجع و لم يصنع شيئاً، فخرج إليهم عليّ فكلّمهم(1)حتى وقع الرضى بينه و بينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجل فقال، إنّ النّاس قد تحدّثوا أنّك رجعت لهم عن كفرك، فخطب الناس في صلاة الظهر فذكر أمرهم فعابه، فوثبوا من نواحي المسجد يقولون: لا حكم إلّا للّٰه، و استقبله رجل منهم واضعاً إصبعه في أُذنيه، فقال: «وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخٰاسِرِينَ»(2). فقال عليّ: «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اَللّٰهِ حَقٌّ وَ لاٰ يَسْتَخِفَّنَّكَ اَلَّذِينَ لاٰ يُوقِنُونَ»(3).(4)


1) . سيوافيك ما تكلم به معهم في خاتمة المطاف.

2) . الزمر: 65.

3) . الروم: 60.

4) . تاريخ الطبري: 54/4.

و ببالي ورد في بعض المصادر: انّ الرجل صاح بالآية و الإمام في أثناء الصلاة، فأجابه الإمام بتلاوة الآية التي عرفتها.

ب - تكفير عليّ و أصحابه:

أكبر كلمة كانت تصدر من أفواه الخوارج هو تكفير عليّ لأجل قبول التحكيم و كأنّه خطيئة و ارتكاب الخطيئة عندهم كفر، كما هو أحد أُصولهم التي نبحث عنها عند عرض عقائدهم، و يكفي في ذلك ما نقله الطبري في مذاكرة علي مع حرقوص بن زهير السعدي، و زرعة بن برج الطائي و مرّ النصّ في أوّل الفصل السابق.

و إلى هذا يشير الإمام في بعض كلامه حيث قال لهم:

«أصابكم حاصِب(1)و لا بقى منكم آبِر(2)، أبعد إيماني باللّٰه، و جهادي مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أشْهَدُ على نفسي بالكفر؟! لقد ضللت إذاً و ما أنا من المهتدين، فأوبوا شرّ مآب، و ارجعوا على أثر الأعقاب، أما إنّكم ستلقون بعدي ذلاً شاملاً و سيفاً قاطعاً و أثرة(3)يتخذها الظالمون فيكم سنّة».(4)


1) . الحاصب: الريح الشديدة التي تثير الحصباء.

2) . الآبر: الذي يؤبّر النخل أي يصلحه.

3) . الاثرة: الاستبداد عليهم بالفيء و الغنائم، قال: النبي للأنصار: «ستلقون بعدي إثرة فاصبروا حتى تلقوني».

4) . نهج البلاغة: الخطبة 58.

ج - قتل الأبرياء:

اشارة

و المدهش من أخبارهم أنّهم كانوا يقتلون المسلمين و يجيرون المشركين و أهل الكتاب.

روى المبرّد في كامله: إنّ القوم مضوا إلى النهروان، و قد كانوا أرادوا المضي إلى المدائن فأصابوا في طريقهم مسلماً و نصرانياً، فقتلوا المسلم، لأنّه عندهم كافر، إذ كان على خلاف معتقدهم، و استوصوا بالنصراني و قالوا:

احفظوا ذمّة نبيّكم.

قال المبرّد: و حدثت أنّ واصلَ بن عطاء أقبل في رفقةٍ فأحسُّوا بالخوارج، فقال واصل لأهل الرفقة: إنّ هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا ودعوني و إيّاهم، و كانوا قد أشرفوا على العطب. فقالوا: شأنك، فخرج إليهم، فقالوا: ما أنت و أصحابك فقال: قوم مشركون مستجيرون بكم ليسمعوا كلام اللّٰه، و يفهموا حدوده. قالوا: قد أجرناكم، قال: فعلِّمُونا، فجعلوا يعلِّمُونَهم أحكامَهم، و يقول واصل: قد قبلت أنا و من معي. قالوا:

فامضوا مصاحبين فقد صرتم إخواننا. فقال: بل تبلغوننا مأمننا. لأنّ اللّٰه تعالى يقول: «وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ اِسْتَجٰارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّٰى يَسْمَعَ كَلاٰمَ اَللّٰهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ»(1)فنظر بعضهم إلى بعض، ثمّ قالوا: ذاك لكم، فصاروا معهم بجمعهم حتّى أُبلغوهم المأمن.(2)


1) . التوبة: 6.

2) . الكامل للمبرّد: 122/2، مكتبة المعارف، بيروت؛ شرح نهج البلاغة: 281/2. و المبرد متهم - عند ابن أبي الحديد - بالميل إليهم، و لكنا سبرنا كامله، فلم نر شيئاً يدلّ عليه، غير أنّه سرد تاريخهم و في بعض الموارد طعن بهم.

و مع ذلك قتلوا عبد اللّه بن خباب بن الأرت - كما سيوافيك بيانه في الفصل القادم - و بقروا بطن زوجته المتم.

و أمّا السياسة الحكيمة التي مارسها الإمام ازاء أعمالهم قبل تحركاتهم العسكرية فقد وقفت على رءوسها، و إليك الإيعاز إليها ثانياً ليقع مقدمة للشرح و التبيين.

1 - تبيين موقفه في مسألة التحكيم، و انّه لم يكن راضياً به و فرض عليه بإرهاب.

2 - التعامل معهم كسائر المسلمين.

3 - بعث الشخصيات لإرجاعهم عن غيّهم.

و إليك بيان كلّ ذلك.

1 - الإمام يبيّن موقفه من التحكيم:

قام الإمام بتبيين موقفه في مسألة التحكيم و انّه لم يكن ضلالاً في نفسه و لا كان الإمام مخادعاً، فقال في بعض كلماته:

«فلم آت لا أباً لكم بُجْراً، و لاٰ خَتَلْتُكم عن أمركم، و لا لبَّستُه عليكم، و إِنّما اجتمع رأي مَلَئِكُم على اختيار رجلين...»(1).


1) . نهج البلاغة: الخطبة 127.

هذا نموذج من كلماته حول التحكيم حيث بيّن فيها موقفه في هذه المسألة و انّه كان طبق الكتاب و السنّة فلنكتف بذلك و لنرجع إلى ما بقي من السياسة الحكيمة التي مارسها معهم.

2 - التعامل معهم كسائر المسلمين:

تعامل الإمام مع الخوارج كسائر المسلمين و لم ينقص من حقوقهم شيئاً ما دام لم يشنّوا الحرب عليه، روى الطبري عن كثير الحضرمي قال: قام عليّ في الناس يخطبهم ذات يوم، فقال رجل من جانب المسجد: لاٰ حكم إلّا للّٰه، و قام آخر فقال مثل ذلك، ثمّ توالى عدّة رجال يحكمون، فقال عليّ: «اللّٰه أكبر كلمة حقّ يراد بها باطل أما إنّ لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد اللّٰه أن تذكروا فيها اسمه، و لا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، و لا نقاتلكم حتّى تبدءونا»، ثمّ رجع إلى مكانه الذي كان من خطبته.(1)

3 - بعث الشخصيات لإرجاعهم عن غيّهم:

قام الإمام بإرسال أكابر أصحابه رجاء هداية بعضهم، فبعث عبد اللّه بن عبّاس الى معسكرهم فجرى بينه و بينهم مفاوضات ذكرها المؤرّخون، قال المبرّد: إنّ أمير المؤمنين لمّا وجّه إليهم عبد اللّه بن عبّاس ليناظرهم قال لهم: ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين، قالوا له: قد كان للمؤمنين أمير، فلمّا حكم


1) . تاريخ الطبري: 53/4.

في دين اللّٰه خرج من الإيمان، فليتب بعد إقراره بالكفر نَعُدْ إليه، قال ابن عباس: ما ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه بشك أن يقر على نفسه بالكفر، قالوا: إنّه حكّم، قال: إنّ اللّٰه أمر بالتحكيم في قتل صيد فقال: «يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ»(1)فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين؟ فقالوا: إنّه حكم عليه فلم يرض، فقال: إنّ الحكومة كالإمامة، متى فسق الإمام وجبت معصيته، و كذلك الحكمان لمّا خالفا نبذت أقاويلهما، فقال بعضهم لبعض: اجعلوا احتجاج قريش حجّة عليهم، فإنّ هذا من الذين قال اللّٰه فيهم «بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ»(2)و قال جلّ ثناءه: «وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا»(3).

إنّ حوار ابن عباس معهم كان حجّة دامغة فقد احتجّ عليهم بالقرآن فما أجابوه بشيء.

و العجب أنّهم كانوا يرون التحكيم على خلاف الكتاب و السنّة و انّ الرضا به بمنزلة الكفر، و مع ذلك كانوا يصرّون على أنّه يجب على الإمام أن يخضع لنتيجة التحكيم، فإنّ الحكمين لمّا عزلاه عن مقام الحكومة يجب عليه التنازل. فما هذا التناقض بين المبدأ و النتيجة، و التحكيم عندهم كفر و زندقة و لكن الأخذ بنتيجته عين التوحيد و التديّن، كل ذلك يعرب عن وجود العمى في القلوب و الصمم في الأسماع.

ثمّ إنّ الإمام لم يكتف ببعث ابن عمه، بل قام بنفسه بهذا الأمر الخطير،


1) . المائدة: 95.

2) . الزخرف: 58.

3) . مريم: 97.

فركب علي عليه السلام إلى حروراء، فخاطبهم بقوله: «أ لا تعلمون أنّ هؤلاء القوم لمّا رفعوا المصاحف، قلت لكم إنّ هذه مكيدة و وهن، و انّهم لو قصدوا إلى حكم المصاحف لآتوني و سألوني التحكيم؟ أ فتعلمون أنّ أحداً كان أكره للتحكيم منّي؟» قالوا: صدقت، قال: «فهل تعلمون أنّكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم إليه، فاشترطت أنّ حكمهما نافذ ما حكما بحكم اللّٰه، فمتى خالفاه، فأنا و أنتم من ذلك براء، و أنتم تعلمون أنّ حكم اللّٰه لا يعدوني»، قالوا: اللّٰهم نعم، قال: و كان معهم في ذلك الوقت ابن الكواء (قال: و هذا من قبل أن يذبحوا عبد اللّه بن خباب، و انّما ذبحوه في الفرقة الثانية ب «كسكرة») فقالوا له: حكمت في دين اللّٰه برأينا و نحن مقرّون بأنّا كنّا كفرنا، و لكنّا الآن تائبون فَأَقِرّ بمثل ما أقررنا به، و تب ننهض معك إلى الشام، فقال: «أما تعلمون أنّ اللّٰه تعالى قد أمر بالتحكيم في شقاق بين رجل و امرأته، فقال سبحانه: «فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا»(1)و في صيد أُصيب كأرنب يساوي نصف درهم فقال «يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ»(2)».

فقالوا له: فإنّ عمراً لمّا أبى عليك أن تقول في كتابك: «هذا ما كتبه عبد اللّه علي أمير المؤمنين» محوت اسمك من الخلافة و كتبت «علي بن أبي طالب» فقد خلعت نفسك، فقال: «لي في رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أُسوة حين أبى عليه سهيل بن عمرو أن يكتب: «هذا كتاب كتبه محمّد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و سهيل بن عمرو» و قال له: لو أقررت بأنّك رسول اللّٰه ما خالفتك، و لكنّي


1) . النساء: 35.

2) . المائدة: 95.

أُقدّمك لفضلك، فاكتب «محمّد بن عبد اللّه» فقال لي: يا علي، امح «رسول الله» فقلت: يا رسول اللّٰه لا تسخو نفسي على محو اسمك في النبوّة فقال: قفني عليه، فمحاه بيده، ثمّ قال: «اكتب محمّد بن عبد اللّه» ثمّ تبسّم إليّ و قال: يا عليّ، أما إنّك ستسامُ مثلها فتعطي»، فرجع معه منهم ألفان من حروراء و قد كانوا تجمّعوا بها فقال لهم علي: ما نسمّيكم؟ ثمّ قال: «أنتم الحرورية، لاجتماعكم بحروراء».(1)

و للإمام خطبة أُخرى بيّن فيها شبهة الخوارج و أجاب عنها بشكل واضح، فمن أراد فليرجع إلى «نهج البلاغة».(2)

هذا بعض ما مٰارَسَه الإمام تجاه غيّهم و كلّها تكشف عن سعة صدره، و قوّة صبره، و إخلاصه في الدين، و لكنّ القوم تمادوا في طغيانهم و أعادوا في خواتيم أمرهم، ما تظاهروا به في بدء غوايتهم، غير أنّهم لم يكتفوا به فأراقوا دماء طاهرة، فلم يكن بدّ للإمام من قطع مادة الفساد، فما قام بالمواجهة المسلَّحة إلّا بعد ما بذل كلّ ما في وسعه من النصح و الإرشاد، و بعد أن بلغ السيل الزبىٰ، فردّ الحجر من حيث جاء.



1) . الكامل للمبرّد: 135/2-136، و له كلام معهم ذكره المبرّد أيضاً في 156/2. نأتي به عند محاكمة الأشعث؛ شرح نهج البلاغة 274/2-275.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 127.

الفصل الخامس: موقف الإمام من رأي الحكمين

اشارة

لقد صالح الإمام معاوية و أوكل الأمر إلى الحكمين في ثلاثة عشر خلت من شهر صفر عام 37 من الهجرة، و اتّفقا على أنّ الحكمين يجتمعان بدومة الجندل ليرفعا ما رفع القرآن، و يُخَفِّضا ما خفّض القرآن، و قد اجتمعا هناك في شعبان ذلك العام، و كانت النتيجة أن خلع أبو موسى الإمام عن الخلافة، و نصب عمرو بن العاص معاوية بن أبي سفيان إماماً للمسلمين، كل ذلك بخداع معروف في التاريخ، حيث اتّفقا سرّاً على أن يخلعا علياً و معاوية عن الحكم حتى يولّي المسلمون لأنفسهم والياً، و لمّا أرادا الإدلاء برأيهما خدع عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري فقال له: تقدَّم و أدل برأيك، فقال: يا أيّها الناس إنّا قد نظرنا في أمر هذه الأُمّة فلم نر أصلح لأمرها، و لا ألمّ لشعثها من أمر قد جمع رأيي و رأي عمرو عليه، و هو أن نخلع علياً و معاوية و تستقبل هذه الأُمّة الأمر فيولّوا منهم من أحبّوا عليهم، و انّي قد خلعت علياً و معاوية فاستقبلوا أمركم و ولّوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلاً. ثمّ تنحّى و أقبل عمرو بن العاص فقام مقامه فحمد اللّٰه و أثنى عليه و قال: إنّ هذا قد قال ما سمعتم و خلع صاحبه و أنا أخلع صاحبه كما خلعه و أُثبِتُ صاحبي معاوية فإنّه ولي عثمان بن عفان رضى الله عنه و الطالب بدمه و أحقّ

الناس بمقامه. فقال أبو موسى: مالك لا وفّقك اللّٰه غدرتَ و فجرت(1)إنّما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، قال عمرو: إنّما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً، و حمل شريح بن هاني على عمرو فقنعه بالسوط و حمل على شريح ابن لعمرو فضربه بالسوط، و قام الناس فحجزوا بينهم، و كان شريح بعد ذلك يقول: ما ندمت على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط إلا أكون ضربته بالسيف آتياً به الدهر ما أتى، و التمس أهل الشام أبا موسى فركب راحلته و لحق بمكّة. قال ابن عباس: قبّح اللّٰه رأي أبي موسى حذّرته و أمرته بالرأي فما عقل، فكان أبو موسى يقول: حذّرني ابن عباس غدرة الفاسق و لكنّي اطمأننت إليه و ظننت أنّه لن يؤثِرَ شيئاً على نصيحة الأُمّة، ثمّ انصرف عمرو و أهل الشام إلى معاوية و سلّموا عليه بالخلافة، و رجع ابن عباس و شريح بن هاني الى علي عليه السلام و كان إذا صلّى الغداة يَقْنُتُ فيقول: «اللّٰهمّ العن معاوية و عمراً و أبا الأعور السلمي و حبيباً و عبد الرحمن بن خالد و الضحاكَ بن قيس و الوليد»، فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنتَ لعن علياً و ابن عباس و الأشتر و حسناً و حسيناً.

و زعم الواقدي انّ اجتماع الحكمين كان في شعبان سنة 38 من الهجرة.(2)لمّا بلغ علياً ما جرى بين الحكمين من الحكم على خلاف كتاب


1) . هذا من الصحابة العدول عند القوم، فاقض ما أنت قاض فهذا الصحابي يصف زميله بالفجور و الغدر، و الجمهور يصفون الجميع بالتقى و العدل.

2) . تاريخ الطبري: 51/4-52. و ما نقله عن الواقدي غير صحيح لما عرفت سابقاً: انّه كان اللازم على الحكمين الإدلاء برأيهما قبل انقضاء موسم الحج و قد اتفق الطرفان في صفر عام 37. فكيف يكون الاجتماع عام 38؟.

اللّٰه و سنّة رسوله و غدر عمرو بن العاص و انخداع أبي موسى قام خطيباً، رافضاً ما حكم به الحكمان الجائران، و قال:

«الحمد للّٰه و إن أتى الدهر بالخطب الفادح، و الحدث الجليل، و أشهد أن لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له، ليس معه إله غيره، و أنّ محمّداً عبده و رسوله، صلّى اللّٰه عليه».

أمّا بعد: فإنّ معصية الناصح، الشفيق العالم، المجرّب، تورث الحسرةَ، و تَعْقِب الندامة، و قد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، و نخلت لكم مخزون رأيي، لو كان يطاعُ لقصير أمر، فأبيتم عليّ اباء المخالفين الجفاة، و المنابذين العصاة، حتّى ارتاب الناصحُ بِنُصحه، و ضنَّ الزنْدُ بقَدْحِه، فكنت أنا و إياكم كما قال أخو هوازن:

أمرتكم أمري بمنعَرَج اللّوىٰ *** فلم تستبينوا النصح إلّا ضحى الغد(1)

صدق الإمام، انّ من الخطب الفادح، و الحدث الجليل، خلع صدّيق الأُمّة و أوّل من آمن برسالة النبي الأكرم و صدّق به و بات في فراشه، دفعاً لريب المنون، و جاهد في سبيل اللّٰه بنفسه و نفيسه و شهد المعارك كلها إلّا تبوك (و كان ذلك بأمر النبي)، إلى غير ذلك من فضائل و مناقب و مآثر جمّة اعترف بها الصديق و العدوّ و القريب و النائي.

إنّه من المصائب العظام نصب معاوية بن أبي سفيان الطليق بن


1) . نهج البلاغة: الخطبة 35

الطليق، ابن آكلة الأكباد، للخلافة و الزعامة الإسلامية، و أنّى هو من الإسلام، و هو ثمرة الشجرة الخبيثة الملعونة في القرآن، أو ليس هذا من أدهى الدواهي؟ و لأجل ذلك نرى أنّ الإمام يصف تلك الحادثة المريرة، بالخطب الفادح و الحدث الجليل.

هذا ما يرجع إلى نفس الخلع و النصب و أمّا ما كان يرجع الى الحكمين فكان عليهما قبل إدلاء الرأي في حقّ عليّ و معاوية، دراسة الأسباب التي أدّت الى إشعال نار الفتنة و إراقة الدماء الطاهرة حيث أسفرت حرب صفين عن مقتل خمسة و أربعين ألف نفر من جيش معاوية، و شهادة خمسة و عشرين ألف نفر من جيش الإمام علي بن أبي طالب.(1)كلّ ذلك لأجل الأخذ بثأر شخص واحد، أ فيصح في ميزان العدل و النصفة أن تزهق هذه النفوس كلّها مقابل ذلك؟! فهل كان الأساس لشنّ الحروب على عليّ عليه السلام هو حكم القرآن الكريم و السنّة النبويّة؟ و هل هما يسوّغان لأخذ ثأر إنسان واحد، ارتكاب تلك الجنايات الهائلة؟ أو أنه كان أخذ الثأر واجهة لما يطمح إليه معاوية من دفع الإمام عن مقامه و ركوبه منصّة الخلافة، أو إلجاء عليّ إلى إبقاء ابن الطلقاء في المقام الذي كان يشْغِلُه طيلة خلافة الخليفتين كما طلبه من الإمام قبل الحرب و خلالها؟

كان على الحكمين دراسة المواضيع التالية حتى يتبين من له الحق عمّن عليه و هي:


1) . وقعة صفّين: 643.

1 - دراسة الأسباب التي أدّت إلى قتل الخليفة عثمان، و هل كان هناك مبرر لقتله أو لاٰ؟

2 - إنّ قيادة الإمام بعد قتل عثمان هل كانت قيادة قانونية و شرعية، حيث بايعه المهاجرون و الأنصار و تمت البيعة له في مسجد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم بمرأى و مسمع من الناس من دون أيّ جبر و إكراه؟! أو لم تكن هناك بيعة أصلاً، أو كانت البيعة عن إكراه لاعن اختيار؟

3 - إذا خرج الباحث من دراسة الأمر الثاني بأنّ قيادة الإمام كانت قيادة شرعية هل كان هناك مبرّر لمعاوية لرفض بيعة المهاجرين و الأنصار، و تأخير بيعته الى أن يقوم بأخذ الثأر، و يدفع الإمام إليه قتلة الخليفة و كأنّه هو الخليفة - معاوية -؟ و هل يكون معاوية بعمله و رفضه و خروجه باغياً على الإمام المفترض طاعته و قد جاء حكم الباغي في الذكر الحكيم(1).

أو كان على معاوية أن يدخل في جماعة المسلمين و لا يشقُّ عصاهم بالتقاعس عنه، ثمّ يرفع الخصومة إلى صاحب البيعة فيرى رأيه.

4 - إذا ثبت أنّ عثمان قتل مظلوماً في عقر داره و انّه يجب أخذ ثاره من قتلته، فعندئذ يقع الكلام في أنّ أخذ الثار هل هو وظيفة الخليفة أو وظيفة معاوية أو لا هذا و لا ذاك، و إنّما هو راجع إلى ولد عثمان؟

5 - نفترض أنّ أخذ الثار وظيفة الإمام، فهل كان - صلوات اللّٰه عليه - قادراً على تنفيذ حكم القصاص أو كانت الظروف السائدة لا تسمح بذلك؟


1) . الحجرات: 9.

6 - إذا كان طلحة و الزبير في نكث البيعة، و في اخراج زوجة الرسول من بيتها - و قد أُمرت بالمكث فيه - و في إخراج عامل الإمام من البصرة و قتل حرسه إلى غير ذلك من الأُمور التي أدّت إلى حرب الجمل، إذا كانا في هذه الأُمور معذورين، مجتهدين، و إن كانا مخطئين، فهل يصحّ تبرير عمل قتلة عثمان بالخطإ في الاجتهاد أو لٰا؟

7 - و على فرض لزوم الاقتصاص و رفض اجتهادهم فهل لخليفة العصر، العفو عن القصاص و إبداله بالدية كما فعله عثمان في حقّ عبيد اللّٰه بن عمر حين قتل هرمزان، و جفينة بنت أبي لؤلؤ بلا ذنب؟(1)

هذه هي المواضع الهامّة التي كانت دراستها أمراً مفروضاً على الحكمين حتّى يخرجا مرفوعي الرأس محيين ما أحياه القرآن و مميتين ما أمات، غير أنّ الحكمين - يا للأسف - لم يَنْبَسا فيها ببنت شفة و مرّا عليها مرور اللئام و لكن لا محيص للباحث المحقّق عن قيمة رأي الحكمين من دراستها، و لأجل ذلك نبحث عنها بإيجاز، حتّى يقف القارئ على أنّ رأي الحكمين كما وصف أمير المؤمنين كان خطباً فادحاً. و إليك دراستها:

إنّ دراستها على وجه التحقيق تحوجنا إلى تأليف مفرد لا يناسب وضع الكتاب، غير أنّا نشير إليها إشارة عابرة، و نلمع إليها إلماعاً بسيطاً.

أوّلاً: قد تعرّفت على بعض الأسباب التي أدّت الى قتل الخليفة و الفتك به، و انّ الاستبداد بالرأي، و تسليط بني أُميّة على رقاب الناس،


1) . تاريخ الطبري: 305/3.

و تخصيص كميّة هائلة من بيت المال لأصحاب الترف و البذخ من أبناء بيته، و تسيير صلحاء الأُمّة من الصحابة و التابعين عن المدينة المنوّرة إلى منافيهم، و أخيراً تعدّي عمّاله و ولاته في العراق و مصر على الطبقات الوسطى، و الفقيرة من المجتمع و.... كل هذه أدّت إلى انتشار السخط و الغضب على الخليفة و عُمّاله إلى أن جنى ثمرة عمله فقتل في عقر داره و بين أبنائه و نسائه بمرأى و مسمع من المهاجرين و الأنصار، و هم بين مجهز عليه، و مؤلّب و راض و محايد. و القضاء في مثل هذه المسألة من صلاحية لجنة عارفة بالكتاب و السنّة، واقفة على حياة الخليفة و ما قام به من الأعمال، و ما نقم عليه من الأفعال حتى تصدر - بعد سماع حجج الثائرين - عن مصدر قويم و مثل هذه المشكلة لا تحل عقدتها في ساحة الحرب، بل في جوّ هادئ، يكون القاضي فيه مستقلّاً في الرأي، و حرّاً في التفكير و التعبير، و نحن لا ندخل في هذه المعركة الخطيرة، و نترك القضاء فيها إلى تلك اللجنة الخبيرة و نعطف عنان البحث إلى الموضوع الثاني.

ثانياً: إنّ من سبر التاريخ يقف على أنّ بيعة الإمام كانت بيعة شعبية جماهيرية، و لم يكن لها مثيل في تاريخ الخلافة الإسلامية، فلو قلت:

لم يكن لها مثيل في تاريخ الخلافة فإنّما اقولها عن بيّنة و دليل، فإنّ الخليفة الأوّل قد خرج عن السقيفة ببيعة لفيف من المهاجرين و طائفة من الأنصار و تخلّف عن بيعته بنو هاشم و الخزرجيون عامة.

كما أنّ عمر بن الخطاب تسنّم منصة الخلافة بإيصاء من الخليفة و لم يكن هناك للناس أيّ رأي و لا اختيار.

و قد كانت خلافة عثمان بانتخاب الشورى التي عَيَّنَ أعضاءها الخليفة الثاني و لم يكن للمهاجرين و الأنصار أيّ نظر في تعيين تلك الشورى.

فإذا كان كلّ ذلك معطياً للخلافة، الصبغة القانونية، فبيعة المهاجرين و الأنصار عليّاً هاتفين بأنّهم لا يختارون غيره و فيهم الرعيل الأوّل من صحابة الرسول و التابعين لهم بإحسان، أولى بأن تكون شرعية و قانونية. و اتّفق الباحثون عن كيفية انعقاد الإمامة لرجل، على أنّ بيعة أهل الحل و العقد من أهل المدينة حجّة على عامّة المسلمين.

يروي الطبري عن محمّد بن الحنيفة قال: كنت مع أبي حين قتل عثمان رضى الله عنه فدخل منزله فأتاه أصحاب رسول اللّٰه فقالوا: إنّ هذا الرجل قد قتل، و لا بدّ للناس من إمام، و لا نجد اليوم أحداً أحق بهذا الأمر منك، و لا أقدمَ سابقة و لا أقرب من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فقال: «لا تفعلوا، فإنّي أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً» فقالوا: لا و اللّٰه ما نحن بفاعلين حتّى نبايعك، قال: «ففي المسجد، فإنّ بيعتي لا تكون خفيّة، و لا تكون إلّا عن رضى المسلمين» قال: سالم بن أبي الجعد: فقال عبد اللّه بن عبّاس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يشغب عليه، فأبى هو إلّا المسجد، فلمّا دخل، دخل عليه المهاجرون و الأنصار فبايعوه ثمّ بايعه الناس.(1)

و قد حفظ التاريخ أسماء المتخلّفين عن بيعة علي، و هم نفر يسير لا يتجاوز العشرة، و هذا يدل على أنّ جوّ البيعة كان هادئاً حراً، و لم يكن هناك أيّ ضغط و إجبار، فبايعت الجماهير، و تخلّفت عدة قليلة كانت عثمانية


1) . تاريخ الطبري: 450/3.

الهوى كحسان بن ثابت، و كعب بن مالك، و مسلمة بن مخلد، و زيد بن ثابت، و النعمان بن البشير، و محمّد بن مسلمة، و رافع بن خديج، و فضالة بن عبيد، و كعب بن عجرة.

يقول الطبري: أمّا حسّان فقد كان شاعراً لا يبالي ما يصنع، و أمّا زيد بن ثابت فولاه عثمان الديوان و بيت المال فلمّا حصر عثمان قال: يا معشر الأنصار، كونوا أنصار اللّٰه مرتين، فقال أبو أيّوب: ما تنصره إلا انّه أكثر لك من العضدات، فأمّا كعب بن مالك فاستعمله على صدقة المدينة و ترك ما أخذ منهم له.(1)

و لا أظن انّه يوجد على أديم الأرض انتخاب جماهيري لقائد، لا يوجد فيه مخالف شاذ يأبى عن البيعة لدوافع شخصيّة.

و قد تعرفت فيما سبق على كلمات الإمام و نزيد في المقام قوله مخاطباً طلحة و الزبير: «و اللّٰه ما كانت لي في الخلافة رغبة، و لا في الولاية إربة، و لكنّكم دعوتموني إليها و حمّلتموني عليها»(2).

ثالثاً: إذا خرجنا بهذه النتيجة: إنَّ بيعة الإمام كانت بيعة شرعية و قانونية أطبق عليها المهاجرون و الأنصار، فلأيّ مبرّر يرفض معاوية عليّ و يؤخّر البيعة و يرفع قميص عثمان مطالباً بالثار؟ و لأجل ذلك نرى الإمام يُنَدِّد به و يبيّن موقفه من بيعته و يكتب إليه قائلاً: إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، و لا للغائب


1) . تاريخ الطبري: 452/3.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 200.

أن يرد، انّما الشورى للمهاجرين و الأنصار، فإن اجتمعوا على رجل و سمّوه إماماً كان ذلك للّٰه رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة رَدّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، و ولاه اللّٰه ما تولّى.(1)

رابعاً: لو خرج الباحث بهذه النتيجة و هو أنّ عثمان قتل مظلوماً في عقر داره، و أنّه يجب أخذ ثأره من قَتَلته، فلا شك انّ ذلك حقّ وليّ الدم، قال سبحانه: «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً فَلاٰ يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ إِنَّهُ كٰانَ مَنْصُوراً»(2)فهل كان معاوية وليّ الدم، أو أنّ وليّ الدم أولاد المقتول و إن نزلوا. إِنَّ معاوية حسب المقاييس الشرعية لم يكن وليّ الدم و إنّما أولياؤه ولده فلهم حق القصاص، و لكن لا ينالون حقّهم إلّا برفع الأمر إلى المحكمة الصالحة لتنظر في أمرهم. و لو عجزت المحكمة، فلهم الاستنجاد بغيرهم، لا في بدء الأمر، و لأجل ذلك نرى أنّ الإمام يُندّد بقيامه بأخذ الثأر و لا يراه صالحاً لهذا الأمر و يكتب إلى معاوية: «زعمت أنّك انّما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان، و لعمري ما كنت إلّا رجلاً من المهاجرين أوْرَدْتُ كما أوردوا، و أصدرتُ كما أصدروا، و ما كان اللّٰه ليجمعهم على ضلال، و لا ليضربهم بالعمى و بَعْد فما أنت و عثمان، إنّما أنت رجل من بني أُميّة، و بنو عثمان أولى بمطالبة دمه، فإن زعمت أنّك أقوى


1) . نهج البلاغة: قسم الكتب برقم 6 و في ذيل الكتاب إشارة إلى قوله سبحانه «وَ مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ» النساء: 115.

2) . الإسراء: 33.

على ذلك فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثمّ حاكم القوم إليّ».(1)

و في لفظ ابن قتيبة: أمّا قولك ادفع إليَّ قتلة عثمان، فما أنت و ذاك؟ و هاهنا بنو عثمان، و هم أولى بذلك منك، فإن زعمت أنّك أقوىٰ على طلب دم عثمان منهم فارجع إلى البيعة التي لزمتك و حاكم القوم إليَّ.(2)

خامساً: إذا خرجنا بهذه النتيجة، أنّ أخذ الثأر و إن كان حقّاً ثابتاً لأولياء الدم، لكنّهم لا يقومون بأخذ حقّهم مباشرة، بل اللازم عليهم رفع الشكوى إلى المحاكم الصالحة التي أقامها وليّ المسلمين، أعني: الخليفة المفترض طاعته، و إلّا فلو قام وليّ الدم بالقصاص و أخذ الحق مباشرة، لزم الفوضى في المجتمع، كما هو واضح لكلّ من له إلمام بالمسائل الاجتماعية، فإذا كان هذا حقّاً ثابتاً للإمام، فهل كان الإمام قادراً على تنفيذ حكم القصاص في حق أُولئك الثائرين، أو كانت الظروف لا تساعد على إجراء الحكم، و لا تعلم حقيقة الحال إلّا بدراسة الموضوع تاريخياً، فإنّه يشهد على أنّ الثائرين لم يكونوا أشخاصاً معيّنين، بل كانت هناك انتفاضة شعبية مختلطة من الكوفيين و البصريين و المصريين و المدنيين، و قد حاصروا بيت الخليفة قرابة أربعين يوماً، و لم يكن في وسع أصحاب النبي رفع هذا الحصار أو تقويضه إلى أن حدثت حوادث مريرة أدّت إلى الهجوم العنيف على داره، و قد بلغ المهاجمون من الكثرة ما لا يحصيه أحد، و يعلم صحّة ذلك من الأمر التالي:


1) . الكامل للمبرّد: 194/1 مكتبة المعارف بيروت.

2) . الإمامة و السياسة: 88/1.

إنّ أبا مسلم الخولاني قام إلى معاوية في أُناس من قرّاء أهل الشام قبل مسير أمير المؤمنين إلى صفين فقالوا له: يا معاوية علامَ تقاتل عليّاً و ليس لك مثل صحبته و لا هجرته و لا قرابته و لا سابقته؟ قال معاوية لهم: ما أُقاتل علياً و أنا أدعي أنّ لي في الإسلام مثل صحبته و لا هجرته و لا قرابته و لا سابقته و لكن خبّروني عنكم: أ لستم تعلمون أنّ عثمان قتل مظلوماً؟ قالوا: بلى. قال: فلْيَدَع إلينا قتلته، فنقتلهم به، و لا قتال بيننا و بينه.

قالوا: فاكتب إليه كتاباً يأتيه به بعضنا، فكتب إلى عليّ هذا الكتاب مع أبي مسلم الخولاني فقدم به على عليّ ثمّ قام أبو مسلم خطيباً فحمد اللّٰه و أثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد فإنّك قد قمت بأمر و تولّيته، و اللّٰه ما أحبُ أنّه لغيرك، أن أعطيت الحق من نفسك، إنّ عثمان قتل مسلماً، محرماً(1)، مظلوماً، فادفع إلينا قتلته، و أنت أميرنا، فإن خالفك أحد من الناس كانت أيدينا لك ناصراً، و ألسنتنا لك شاهداً، و كنت ذا عذر و حجة.

فقال له علي: «اغدُ عَليّ غداً، فخذ جواب كتابك»، فانصرف ثمّ رجع من الغد ليأخذ جواب كتابه فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء فيه، فلبست الشيعةُ أسلحتها ثمّ غدوا فملئوا المسجد و أخذوا ينادون: كلّنا قتل ابن عفان، و أكثروا من النداء بذلك، و أُذن لأبي مسلم فدخل على عليّ أمير المؤمنين فدفع إليه جواب كتاب معاوية، فقال له أبو مسلم: قد رأيت قوماً مالك معهم أمر. قال: «و ما ذاك؟» قال: بلغ القوم إنّك تريد أن تدفع إلينا


1) . محرماً: أي له حرمة و ذمّة، أو أراد أنّهم قتلوه في آخر ذي الحجة، و قال أبو عمرو: أي صائماً. لسان العرب: 123/12، مادة «حرم».

قتلة عثمان، فضجّوا و اجتمعوا و لبسوا السلاح و زعموا أنّهم كلّهم قتلة عثمان، فقال علي: «و اللّٰه ما أردت أن أدفعهم إليك طرفة عين، لقد ضربت هذا الأمر أنفه و عينيه، ما رأيته ينبغي لي أن أدفعهم إليك و لا إلى غيرك».(1)

نحن نفترض أنّ بعض من لبس السلاح في هذه الواقعة لم يكونوا من المهاجمين، أو المؤلّبين، أو المجهزين، لكن تواجد هذه الكميّة الهائلة من المتبنّين لهذه الفكرة في الكوفة، فضلاً عن أبناء جلدتهم في البصرة و المدينة، المؤيّدين المتفرقين في بلادهم، يدلّ على أنّ المسألة صارت أزمة اجتماعيةً معقّدةً، و لم يكن الإمام متمكّناً من دفع من قام بالقتل إلى وليّ الدم.

و يعرب عن ذلك كلام الإمام للناكثين، فقد دخل طلحة و الزبير في عدة من الصحابة، فقال: يا عليّ إنّا قد اشترطنا إقامة الحدود، و إنّ هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل و أحلّوا بأنفسهم، فقال لهم: «يا إخوتاه، إنّي لست أجهل ما تعلمون، و لكنّي كيف أصنع بقوم يملكونا، و لا نملكهم، ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، و ثابت إليهم أعرابكم، و هم خلالكم، يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعاً لقدرة على شيء ممّا تريدون؟» قالوا: لا. قال: «فلا، و اللّٰه لا أرى إلّا رأياً ترونه إن شاء اللّٰه».(2)

فعلى هذا فلم تكن للإمام يوم بويع و لا بعده و لا بعد شهور، أيّة مقدرة


1) . وقعة صفّين: 95-97.

2) . تاريخ الطبري: 458/3.

على إلقاء القبض على القاتلين، و إلّا لثارت تلك الجماهير على عليّ و خلافته الفتيَّة، و كانت المصيبة أعظم.

سادساً: لا شكّ أنّ طلحة و الزبير نكثا البيعة و أخرجا زوجة رسول اللّٰه من بيتها، و قد دخلوا البصرة بعنف و قتلوا حرس القصر، إلى غير ذلك من الأُمور التي لا يشكّ فيها أيّ ملمّ بالتاريخ، و لكن القوم يذكرون الرجلين بخير و صلاح و يسترحمون عليهما و يرونهما من العشرة المبشّرة بالجنّة و لا يرون أعمالهم الإجرامية مخالفة لطهارتهما، و يبرّرون أعمالهم بالاجتهاد كما يبرّرون به عمل معاوية و غيرهم من المجرمين الطغاة حتى عمل مسلم بن عقبة ذلك الطاغي الذي أباح أعراض نساء المدينة لجيشه ثلاثة أيّام.

فلو صحّ ذلك التبرير فلما ذا لا يصحّ في حقّ هؤلاء الذين هاجموا بيت الخليفة و أجهزوا عليه؟ فكانوا مجتهدين في الرأي، مخطئين في النتيجة، فلهم أجر واحد، كما أنّ للمصيب أجرين؟. و لكن لا نرى أيّة كلمة حول هؤلاء يبرّر بها عملهم، فما هذا التفريق بين المتماثلين؟ و لما ذا تُقيَّمُ الأُمور بمكيالين.

سابعاً: نقل المؤرّخون انّه لمّا قتل عمر، وثب عبيد اللّٰه بن عمر فقتل الهرمزان و ابنة أبي لؤلؤ، فلمّا بلغ الخبر عمر، قال: إذا أنا متّ فاسألوا عبيد اللّٰه البيّنة على الهرمزان، هل هو قتلني؟ فإن أقام البيّنة فدمه بدمي، و إن لم يقم البيّنة فأقيدوا عبيد اللّٰه من الهرمزان، فلمّا ولي عثمان رضى الله عنه قيل له: أ لاٰ تمضي وصيّة عمر رضى الله عنه في عبيد اللّٰه؟ قال: و من وليّ الهرمزان؟ قالوا:

أنت يا أمير المؤمنين قال: قد عفوت عن عبيد اللّٰه بن عمر.(1)

إنّي لا أُريد أن أحوم حول هذه القصّة، كيف و قد نقم به على الخليفة حيث عطّل القصاص إذ قتل عبيد اللّٰه رجلاً يصلّي و صبية صغيرة، و مع ذلك عفا عنه الخليفة لسبب عاطفي أو غيره، فَلِمَ لا يجوز ذلك للإمام علي عليه السلام و قد رأى أنّ في القَوَد مفسدةً عظمىٰ على الإسلام و المسلمين؟ و انّ جبر دم الخليفة بالدية أصلح من القصاص و القود.

هذه هي المواضيع الهامّة التي كانت من المفترض دراستها و القضاء فيها، ثمّ الخروج بنتيجة صحيحة عن الحكومة، غير أنّ الحَكَمين جعلاها وراء ظهورهما، و لم ينبسا فيها ببنت شفة، بل كان هوى أبي موسى الأشعري مع عبد اللّه بن عمر، و كان هوى عمرو بن العاص مع معاوية، فلنتعرف على عبد اللّه بن عمر، ثمّ عمرو بن العاص:

أمّا عبد اللّه بن عمر فكفى في ضعف نفسه أنّه لمّا ولي الحجاج الحجاز من قبل عبد الملك بن مروان جاءه ليلاً ليبايعه، فقال له الحجّاج ما أعجلك؟ فقال: سمعت رسول اللّٰه يقول: من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية.(2)فقال له: إنّ يدي مشغولة عنك، و كان يكتب، فدونك رجلي، فمسح على رجله و خرج، فقال الحجاج: يا أحمق. تترك بيعة علي بن أبي طالب و تأتيني مبايعاً في ليلة؟! و ما هذا إلّا أنّ الخوف من السيف جاءك إلى هنا.(3)


1) . السنن الكبرى: 61/8. و لاحظ تاريخ الطبري: 303/3.

2) . مجمع الزوائد: 218/5؛ مسند الطيالسي: 259. و للحديث صور أُخرى.

3) . المعيار و الموازنة: 24؛ شرح نهج البلاغة: 242/13؛ تنقيح المقال برقم 6989.

و أمّا عمرو، و ما أدراك ما عمرو؟ ذلك الإنسان الذي عرّفه الإمام بقوله:

«متى لم تكن للكافرين وليّاً و للمسلمين عدوّاً»(1)، فكان هواه مع معاوية لموعدة وعدها إيّاه و هي ولاية مصر، و قد تحدّث عنها المؤرّخون في قصّة طويلة حيث قال معاوية له: و هلم فبايعني، فقال عمرو: لا و اللّٰه لا أعطيك من ديني حتى آخذ من دنياك. قال معاوية: سل، تعط، قال: مصر طعمة.(2)

و روى ابن مزاحم قال: قال معاوية لعمرو: إنّي أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربّه، و قتل الخليفة و أظهر الفتنة و فرّق الجماعة و قطع الرحم.

قال عمرو: إلى من؟ قال: إلى جهاد عليّ، قال: فقال عمرو: و اللّٰه يا معاوية ما أنت و علي بعكمي بعير، مالك هجرته و لا سابقته، و لا طول جهاده، و لا فقهه، و لا علمه، و اللّٰه إنّ له مع ذلك حدّاً و جدّاً و حظّاً و حُظوةً، و بلاءً من اللّٰه حسناً، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه، و أنت تعلم ما فيه من الغرر و الخطر؟ قال: حكمك. قال: مصر طعمة، قال: فتلكّأ عليه معاوية.

قال نصر: و في حديث آخر، قال: قال له معاوية: يا أبا عبد اللّٰه، إنّي أكره أن يتحدّث العرب عنك انّك إنّما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا. قال: دعني عنك. قال معاوية: إنّي لو شئت أن أُمنّيك و أخدعك لفعلت. قال عمرو: لا لعَمر اللّٰه، ما مثلي يخْدَع، لأنا أكيس من ذلك. قال له معاوية: أدن


1) . وقعة صفّين: 583.

2) . الإمامة و السياسة: 91/1. مضى النص فلاحظ تعليقتنا عليه.

منِّي برأسك أُسارّك. قال: فدنا منه عمرو يسارُّه. فعضَّ معاوية اُذنه و قال: هذه خدعة، هل ترى في بيتك أحداً غيري و غيرك؟(1).

قال ابن أبي الحديد بعد هذا: «قلت: قال شيخنا أبو القاسم البلخي رحمهم الله: قال عمرو: «دعنا عنك» كناية عن الإلحاد بل تصريح به، أي دع هذا الكلام الذي لا أصل له فإنّ الاعتقاد بالآخرة و أنّها لا تباع بعرض من الدنيا، من الخرافات. قال رحمه الله: و ما زال عمرو بن العاص ملحداً ما تردّد قط في الإلحاد و الزندقة، و كان معاوية مثله و يكفي في تلاعبهما بالإسلام حديث السرار المروي(2)و انّ معاوية عضَّ أُذن عمرو، أين هذا من أخلاق علي عليه السلام و شدّته في ذات اللّٰه، و هما مع ذلك يعيبانه بالدعابة.(3)

خلاصة البحث:

ما كانت دراسة جميع هذه المواضيع أمراً صعباً على الحكمين، بل في دراسة الموضوع الأوّل من المواضيع السبعة كفاية للإدلاء بالحق، و ذلك إنّه إذا كانت خلافة الإمام خلافة قانونية شرعية، فالخارج عليها باغ على الإمام يجري عليه حكم البغاة أوّلاً و تابع لغير سبيل المؤمنين، و خارق للإجماع ثانياً، و قد قال سبحانه في حقّ هؤلاء:

«وَ مَنْ يُشٰاقِقِ اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدىٰ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ


1) . وقعة صفّين: 43.

2) . المراد ما سبق في كلام ابن مزاحم.

3) . شرح نهج البلاغة: 64/2-65.

اَلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً»(1).

«وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى اَلْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اَللّٰهِ»(2)

و لا عجب بعد ذلك أنا نرى أنّ الإمام يصف حكم الحكمين بقوله: «فقد خالفا كتاب اللّٰه و اتّبعا أهواءهما بغير هدى من اللّٰه فلم يعملا بالسنّة و لم ينفذا للقرآن حكماً».(3)



1) . النساء: 115

2) . الحجرات: 9.

3) . تاريخ الطبري: 57/4.

الفصل السادس: تحرّكاتهم العسكرية بعد صدور رأي الحكمين

اشارة

و لمّا بلغ الإمام ما حكم به الحكمان من الحكم الجائر، قام خطيباً و قال: «ألا أنّ هذين الرجلين الذين اخترتموهما حكمين، قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما و أحييا ما أمات القرآن، و اتّبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من اللّٰه، فحكما بغير حجّة بيّنة، و لا سنّة ماضية، و اختلفا في حكمهما، و كلاهما لم يرشدا، فبرئ اللّٰه منهما و رسوله و صالح المؤمنين. استعدّوا و تأهّبوا للمسير إلى الشام، و اصبحوا في معسكركم إن شاء اللّٰه». ثمّ نزل و كتب إلى الخوارج بالنهر: «بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ. من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين(1)و عبد اللّٰه بن وهب و من معهما من الناس. أمّا بعد فإنّ هذين الرجلين الذين ارتضينا حكمهما، قد خالفا كتاب اللّٰه، و اتّبعا أهواءهما بغير هدى من اللّٰه، فلم يعملا بالسنّة، و لم ينفّذا للقرآن حكماً، فبرئ اللّٰه و رسوله منهما و المؤمنون. فإذا بلغكم كتابي هذا فاقبلوا، فإنّا صائرون إلى عدوّنا و عدوّكم، و نحن على الأمر الذي كنّا عليه، و السلام».(2)


1) . و هذا الرجل من الذين فرضوا التحكيم على الإمام و جاء هو مع مسعر بن فدكي بزهاء عشرين ألفاً مقنّعين في الحديد، شاكي السلاح، سيوفهم على عواتقهم و قد اسودّت جباههم من السجود... نادوا الامام باسمه لا بإمرة المؤمنين: يا علي أجب القوم إلى كتاب اللّٰه إذا دُعيت إليه... لاحظ: وقعة صفّين: 560 و قد مرّ النصُّ أيضاً.

2) . تاريخ الطبري: 57/4.

كان المترقّب من الخوارج إجابة علي عليه السلام و الخروج معه إلى قتال معاوية لأنّهم هم الذين كانوا يقولون لعلي عليه السلام: «تب من خطيئتك و ارجع عن قضيتك، و اخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم حتى نلقى ربّنا».(1)

و لكنّهم - يا للأسف - لم يستجيبوا إلى دعوة علي عليه السلام و كتبوا إليه: «أمّا بعد فإنّك لم تغضب لربّك، إنّما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر، و استقبلت التوبة، نظرنا بيننا و بينك و إلّا فقد نابذناك على سواء. إنّ اللّٰه لا يحبّ الخائنين». فلمّا قرأ كتابهم آيس منهم فرأى أن يدعهم و يمضي بالناس إلى أهل الشام حتّى يلقاهم فيناجزهم، فنزل بالنخيلة، و قام فحمد اللّٰه و أثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد فإنّه من ترك الجهاد في اللّٰه، و ادهن في أمره كان على شفا هلكة، إلّا أن يتداركه اللّٰه بنعمة، فاتّقوا اللّٰه و قاتلوا من حادّ اللّٰه و حاول أن يطفئ نور اللّٰه. قاتلوا الخاطئين، الضالّين، القاسطين، المجرمين، الذين ليسوا بقرّاء للقرآن، و لا فقهاء في الدين، و لا علماء في التأويل، و لا لهذا الأمر بأهل في سابقة الإسلام، و اللّٰه لو ولّوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرىٰ و هرقل. تيسّروا و تهيّئوا للمسير إلى عدوّكم من أهل المغرب، و قد بعثنا إلى اخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم، فإذا قدموا فاجتمعتم شخصنا إن شاء اللّٰه، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّٰه.(2)

ثمّ إنّه لبّى دعوته من البصرة و حوالي الكوفة جمع كبير، و قد اجتمع تحت رايته ثماني و ستّين ألفاً و مائتي رجل، و استعدّ للمسير إلى الشام.

استعدّ الإمام لمواجهة العدوّ بالشام، لكنّه فوجئ بما بلغ إليه من الناس


1) . المصدر نفسه: 52.

2) . المصدر نفسه: 58.

أنّهم يقولون: لو سار الإمام بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم. فقام في الناس و حمد اللّٰه و أثنى عليه، فأجاب دعوتهم خصوصاً بعد ما بلغ إليه أنّهم ذبحوا عبد اللّه بن خباب على ضفة النهر، و بقروا بطن أُمّ ولده، و هم على أُهْبَة الخروج، و إليك تفصيله:

إنّ الخوارج اجتمعوا في منزل عبد اللّه بن وهب الراسبي، فقال في خطبة له: أمّا بعد فو الله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، و ينيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا التي الرضا بها و الركون إليها و الايثار إيّاها عناءً و تباراً(1)آثر عندهم من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و القول بالحق و... فاخرجوا بنا اخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه البدع المضرّة.

ثمّ خطب بعده، حرقوص بن زهير و قال بمثل ما قال.

و قال حمزة بن سنان الأسدي: يا قوم: إنّ الرأي ما رأيتم، فولّوا أمركم رجلاً منكم، فإنّه لا بدّ لكم من عماد و سناد، و راية تحفّون بها، و ترجعون إليها. فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبىٰ، و عرضوها على حرقوص بن زهير فأبىٰ، و على حمزة بن سنان و شريح بن أوفى العبسي فأبيَا، و عرضوها على عبد اللّه بن وهب فقال: هاتوها، أما و اللّٰه لا آخذها رغبة في الدنيا، و لا أدعها فرقاً من الموت، فبايعوه لعشرٍ خلون من شوّال، و كان يقال له: ذو الثفنات.


1) . التبار: الهلاك.

ثمّ اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي فقال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكم اللّٰه فإنّكم أهل الحق. قال شريح: نخرج إلى المدائن فننزلها و نأخذ بأبوابها و نخرج منها سكّانها و نبعث إلى إخواننا من أهل البصرة، فيقدمون علينا. فقال زيد بن حصين:

إنّكم إن خرجتم مجتمعين أُتْبِعْتُم و لكن اخرجوا وحداناً مستخفّين، فأمّا المدائن فإن بها من يمنعكم، و لكن سيروا حتى تنزلوا جسر النهروان و تكاتبوا إخوانكم من أهل البصرة، قالوا: هذا هو الرأي.

و كتب عبد اللّه بن وهب إلى من بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه، و يحثّهم على اللحاق بهم و أرسل الكتاب إليهم، فأجابوه أنّهم على اللحاق به.

فلمّا عزموا على المسير(1)، تعبّدوا ليلتهم و كان ليلة الجمعة، و يوم الجمعة، و ساروا يوم السبت فخرج شريح بن أوفى العبسي، و هو يتلو قول اللّٰه: «فَخَرَجَ مِنْهٰا خٰائِفاً يَتَرَقَّبُ قٰالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظّٰالِمِينَ * وَ لَمّٰا تَوَجَّهَ تِلْقٰاءَ مَدْيَنَ قٰالَ عَسىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوٰاءَ اَلسَّبِيلِ»(2).

ثمّ إنّ الخوارج تقاطرت من البصرة و الكوفة حتى نزلوا جسر نهروان، فصاروا جيشاً عظيم العدد و العُدَّة، و كانت الأخبار عن أفعالهم الشنيعة تصل إلى الناس ففشى الرعب فيهم، و لأجل ذلك ألحّ الواعون من أمراء جيش


1) . المقصود الخوارج المتواجدون في الكوفة و أطرافها، أعني: الحرورية.

2) . تاريخ الطبري: 54/4-55. و الآيتان 21-22 من سورة القصص.

علي على مناجزة هؤلاء ثمّ المسير إلى الشام، فأجابهم الإمام، و إليك بيان ما ارتكبوا من الجرائم.

روى الطبري عن أبي مخنف عن حميد بن هلال: انّ الخارجة التي أقبلت من البصرة جاءت حتىٰ دنت من إخوانها بالنهر فخرجت عصابة منهم، فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار، فعبروا إليه فدعوه فتهدّدوه و أفزعوه و قالوا له: من أنت؟ قال: أنا عبد اللّه بن خباب صاحب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ثمّ أهوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض و كان سقط عنه لمّا أفزعوه، فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم. قالوا له: لا روع عليك، فحدثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبي صلى الله عليه و آله و سلم لعلّ اللّٰه ينفعنا به. قال: حدثني أبي عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّ فتنة تكون، يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يمسي فيها مؤمناً و يصبح كافراً، و يُصْبح فيها كافراً و يمسي فيها مؤمناً. فقالوا: لهذا الحديث سألناك.

فما تقول في أبي بكر و عمر؟ فأثنى عليهما خيراً. قالوا: ما تقول في عثمان في أوّل خلافته و في آخرها؟ قال: إنّه كان محقّاً في أوّلها و في آخرها. قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم و بعده؟ قال: إنّه أعلم باللّٰه منكم، و أشدّ توقّياً على دينه، و أنفذ بصيرة. فقالوا: إِنّك تتبع الهوى و توالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها، و اللّٰه لنقتلنّك قتلة ما قتلناها أحداً. فأخذوه فكتّفوه ثمّ أقبلوا به و بامرأته و هي حُبلى متمٌّ، حتى نزلوا تحت نخلة مواقر، فسقطت منه رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه، فقال أحدهم: بغير حلّها و بغير ثمن؟ فلفظها و ألقاها من فمه، ثمّ أخذ سيفه فأخذ يمينه، فمرّ به خنزير

لأهل الذمّة فضربه بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض، فأتى صاحب الخنزير فأرضاه من خنزيره.

فلمّا رأى ذلك منهم ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى، فما عَلَيَّ منكم بأس إنّي لمسلم ما أحدثت في الإسلام حدثاً و لقد آمنتموني. قلتم: لا روع عليك. فجاءوا به فأضجعوه فذبحوه، و سال دمه في الماء و أقبلوا إلى المرأة، فقالت: إنّما أنا امرأة أ لا تتّقون اللّٰه؟ فبقروا بطنها.

و قتلوا ثلاث نسوة من طيّ و قتلوا أُمّ سنان الصيداوية، فبلغ ذلك عليّاً و من معه من المسلمين من قتلهم عبد اللّه بن خباب و اعتراضهم الناس، فبعث إليهم الحارث بن مرّة العبدي ليأتيهم فينظر فيما بلغ عنهم و يكتب به إليه على وجهه و لا يكتمه، فخرج حتى انتهى إلى النهر ليسألهم، فخرج القوم إليه فقتلوه، و أتى الخبر أمير المؤمنين و الناس، فقام إليه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين عَلامَ تدع هؤلاء يخلفوننا في أموالنا و عيالنا؟ سر بنا إلى القوم، فإذا فرغنا ممّا بيننا و بينهم صرنا إلى عدوّنا من أهل الشام، فقبل علي فنادى بالرحيل، و لمّا أراد علي المسير إلى أهل النهر من الأنبار، قدم قيس بن سعد بن عبادة و أمره أن يأتي المدائن فينزلها حتى يأمره بأمره، ثمّ جاء مقبلاً إليهم و وافاه قيس و سعد بن مسعود الثقفي بالنهر و بعث إلى أهل النهر: «ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثمّ أنا تارككم و كاف عنكم حتى نلقى أهل الشام، فلعلّ اللّٰه يقلب قلوبكم، و يردّكم إلى خير ممّا أنتم عليه من أمركم»، فبعثوا إليه و قالوا: كلّنا قتلناهم و كلّنا نستحلّ دماءهم و دماءكم. و لمّا وصل على جانب النهر وقف عليهم فقال:

«أيّتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء و اللجاجة، و صدّها عن الحقّ الهوى... إنّي نذيركم أن تصبحوا تلفيكم الأُمّة غداً صرعى بأثناء هذا النهر، و بأهضام هذا الغائط بغير بيّنة من ربّكم و لا برهان بيّن، أ لم تعلموا أنّي نهيتكم عن الحكومة، و أخبرتكم أنّ طلب القوم إيّاها منكم دهن و مكيدة لكم، و نبّأتكم أنّ القوم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن، و انّي أعرف بهم منكم، عرفتهم أطفالاً و رجالاً، فهم أهل المكر و الغدر، و انّكم إن فارقتم رأيي، جانبتم الحزم، فعصيتموني حتى إذا أقررت بأن حكمت، فلمّا فعلت شرطت و استوثقت، فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن و أن يميتا ما أمات القرآن، فاختلفا و خالفا حكم الكتاب و السنّة، فنبذنا أمرهما و نحن على أمرنا الأوّل فما الذي بكم؟ و من أين أتيتم؟» قالوا: إنّا حكمنا فلمّا حكمنا أثمنا و كنّا بذلك كافرين، و قد تبنا فإن تبت كما تبنا فنحن منك و معك و إن أبيت فاعتزلنا، فانّا منابذوك على سواء، إنّ اللّٰه لا يحب الخائنين، فقال عليّ: «أصابكم حاصب، و لا بقي منكم وابر. أ بَعْد إيماني برسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و هجرتي معه و جهادي في سبيل اللّٰه أشهد على نفسي بالكفر؟ لقد ضللت إذاً و ما أنا من المهتدين» ثمّ انصرف عنهم.(1)

و لم يكتف الإمام بهذا الأمر، بل كلّمهم في معسكرهم بما يلي: «أ كلّكم شهد معنا صفّين؟» فقالوا: منّا من شهد و منّا من لم يشهد. قال:

«فامتازوا فرقتين، فليكن من شهد صفّين فرقة، و من لم يشهدها فرقة، حتى أُكَلِّم كلّاً منكم بكلامه» و نادى الناس، فقال:


1) . تاريخ الطبري: 60/4-63؛ مروج الذهب: 156/3؛ نهج البلاغة: الخطبة 36.

«امسكوا عن الكلام، انصتوا لقولي، و اقبلوا بأفئدتكم إليّ، فمن نشدناه شهادة فليقل بعلمه فيها».

ثمّ كلّمهم عليه السلام بكلام طويل، من جملته: «أ لم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلةً و غيلةً و مكراً و خديعةً: إخواننا و أهل دعوتنا، استقالونا و استراموا إلى كتاب اللّٰه سبحانه، فالرأي القبول منهم، و التنفيس عنهم؟ فقلت لكم: هذا أمر ظاهره إيمان، و باطنه عدوان، و أوّله رحمة، و آخره ندامة. فأقيموا على شأنكم، و ألزموا طريقتكم و عضّوا على الجهاد بنواجذكم، و لا تلتفتوا إلى ناعق نعق، إن أُجيب أضلّ و إن ترك ذلّ».(1)

و لمّا أتمّ الإمام الحجة عليهم، و رأى أنّ آخر الدواء الكي، فعبّأ الناس فجعل على ميمنته حجر بن عدي، و على ميسرته شبث بن ربعي، أو معقل بن قياس الرياحي، و على الخيل أبا أيّوب الأنصاري، و على الرجالة أبا قتادة الأنصاري، و على أهل المدينة و هم سبعمائة أو ثمانمائة رجل، قيس بن سعد بن عبادة.

و عبّأت الخوارج فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصين الطائي، و على الميسرة شريح بن أوفى العبسي، و على خيلهم حمزة بن سنان الأسدي و على الرجّالة حرقوص بن زهير السعدي.

الحرص على صيانة نفوسهم:

ثمّ إنّ الإمام توخّياً لحفظ الدماء و صيانة الأنفس، بعث الأسود بن


1) . نهج البلاغة: الخطبة 121.

يزيد في ألفي فارس حتى أتىٰ حمزة بن سنان و هو في ثلاثمائة فارس من خيلهم و رفع عليّ راية أمان، مع أبي أيوب فناداهم أبو أيوب:

من جاء هذه الراية منكم ممّن لم يقتل و لم يستعرض فهو آمن، و من انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن و خرج من هذه الجماعة فهو آمن، أنّه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم.

لقد كان هذا التخطيط و السياسة الحكيمة مؤثّراً في تفرّق القوم و صيانة دمائهم فانصرف فروة بن نوفل الأشجعي(1)في خمسمائة فارس، و خرجت طائفة أُخرى متفرّقين، فنزلت الكوفة، و خرج إلى علي عليه السلام منهم نحو من مائة، و كانوا أربعة آلاف و كان الذين بقوا مع عبد اللّه بن وهب منهم ألفين و ثمانمائة، و زحفوا إلى علي عليه السلام.

و قدم على الخيل دون الرجال و صفّ الناس وراء الخيل صفّين، و صفّ المرامية أمام الصفّ الأوّل، و قال لأصحابه: «كفّوا عنهم حتىٰ يبدءوكم».(2)

قال المبرّد: لمّا وافقهم عليّ عليه السلام بالنهروان، قال: «لا تبدءوهم بقتال حتى يبدءوكم». فحمل منهم رجل على صف عليّ عليه السلام فقتل منهم ثلاثة، فخرج إليه عليّ عليه السلام فضربه فقتله... و مال ألف منهم إلى جهة أبي أيوب الأنصاري، و كان على ميمنة عليّ، فقال عليّ عليه السلام لأصحابه:

«احملوا عليهم، فو الله لا يقتل منكم عشرة، و لا يسلم منهم عشرة». فحمل عليهم فطحنهم طحناً قتل من


1) . سيأتي خروجه على معاوية في الفصل الثامن فانتظر.

2) . تاريخ الطبري: 64/4.

أصحابه عليه السلام تسعة، و أفلت من الخوارج ثمانية.(1)

قال ابن الأثير: لمّا قال عليّ لأصحابه «كفّوا عنهم حتى يبدءوكم» نادت الخوارج: الرواح إلى الجنة، و حملوا على الناس، و افترقت خيل(2)علي فرقتين، فرقة نحو الميمنة و فرقة نحو الميسرة و استقبلت الرماة وجوههم بالنبل، و عطفت عليهم الخيل من الميمنة و الميسرة، و نهض إليهم الرجال بالرماح و السيوف، فما لبثوا أن أناموهم.

ثمّ إنّ علياً يحدّث أصحابه قبل ظهور الخوارج انّ قوماً يخرجون يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، علامتهم رجل مُخدج(3)اليد، سمعوا ذلك منه مراراً، فلمّا فرغ من قتالهم، أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج، فوجدوه في حفرة على شاطئ النهر في خمسين قتيلاً، فلمّا استخرجوه نظروا إلى عضده فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة، و حلمة عليها شعرات سود... فلمّا رآه قال: «اللّٰه أكبر لا كَذبْتُ و لا كذّبت».

و قال حينما مرّ بهم و هم صرعى: «بؤساً لكم لقد ضرّكم من غرّكم»، قالوا: يا أمير المؤمنين: من غرّهم، قال: «الشيطان و النفس الأمّارة بالسوء، غرّتهم بالأماني، و زينت لهم المعاصي، نبّأتهم أنّهم ظاهرون».(4)


1) . الكامل للمبرّد: 139/2-140؛ تاريخ الطبري: 63/4-64؛ مروج الذهب: 157/3 و قال: و كان من جملة من قتل من أصحاب عليّ، سبعة، و لم يفلت من الخوارج إلا عشرة و أتى على القوم و هم أربعة آلاف. و لعل لفظة «إلّا» زائدة.

2) . هكذا في الأصل و قد سقط لفظ «عليّ».

3) . كلّ مشوه الخلق في أحد أعضائه فهو مخدج.

4) . مروج الذهب: 158/3؛ الكامل لابن الأثير: 175/3-176.

قال علي: «خذوا ما في عسكرهم من شيء، قال: فأمّا السلاح و الدواب و ما شهدوا به عليه الحرب فقسمة بين المسلمين، و أمّا المتاع و العبيد و الإماء فإنّه حين قدم، ردّه على أهله.

و نقل الطبري أيضاً: انّ علياً أمر بطلب من به رمق منهم، فكانوا أربعمائة، فأمر بهم عليّ، و دفعوا إلى عشائرهم، و قال: «احملوهم معكم فداووهم، فإذا برءوا، فوافوا بهم الكوفة».(1)

فَقْ‌ءُ عينِ الفتنة:

كانت الخوارج من أهل القبلة و أهل الصلاة و العبادة، و كان الناس يستصغرون عبادتهم عند صلواتهم، فلم يكن قتالهم و استئصالهم أمراً هيّناً، و لم يكن يجترئ عليه غير عليّ عليه السلام و لأجل ذلك قال بعد قتالهم: «أمّا بعد حمد اللّٰه و الثناء عليه، أيّها الناس فإنّي فَقَأتُ عين الفتنة، و لم يكن ليجترئَ عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها و اشتدّ كلَبُهُا»(2).(3)

قال ابن أبي الحديد: إنّ الناس كلّهم كانوا يهابون قتال أهل القبلة، و لا يعلمون كيف يقاتلونهم، هل يتبعون مولِّيهم أم لا؟ و هل يجهزون على جريحهم أم لا؟ و هل يقسمون فيئهم أم لا؟ و كانوا يستعظمون قتال من


1) . تاريخ الطبري: 66/4.

2) . الغيهب: الظلمة و المراد بعد ما عمّ ظلالها فشمل فكنّى عن الشمول بالتموّج، لأن الظلمة إذا تموّجت شملت أماكن كثيرة، كما أنّ المراد من قوله: و اشتدّ كلبها، أي شرّها و أذاها.

3) . نهج البلاغة: الخطبة 93.

يؤذّن كأذاننا، و يصلّي كصلاتنا، و استعظموا أيضاً حرب عائشة و حرب طلحة و الزبير لمكانتهم في الإسلام، و توقّف جماعة منهم عن الدخول في تلك الحرب، كالأحنف بن قيس و غيره، فلو لا أنّ عليّاً اجترأ على سلّ السيف فيها ما أقدم أحد عليها.(1)

تنبّؤ للإمام بعد استئصال الخوارج:

لمّا قتل الخوارج و أفلت منهم من أفلت، قال بعض أصحاب الإمام: يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم، فقال:

«كلّا و اللّٰه إنّهم نطف في أصلاب الرجال و قرارات النساء، كلّما نجم منهم قرن قطع، حتّى يكون آخرهم لصوصاً سلّابين».(2)

ذكر المؤرّخون قضايا و حوادث تعرب عن أنّ القوم صاروا بعد ذلك لصوصاً سلّابين، فإن دعوة الخوارج اضمحلّت، و رجالها فنيت حتى أفضى الأمر إلى أن صار خلفهم قطّاع طرق متظاهرين بالفسوق و الفساد في الأرض، و إليك نماذج:

خرج في أيام المتوكّل، ابن عمرو الخثعمي بالجزيرة، فقطع الطريق و أخاف السبيل، فحاربه أبو سعيد الصامتي فقتل كثيراً من أصحابه، و أسر كثيراً منهم، فمدحه أبو عبادة البحتري و قال:


1) . شرح نهج البلاغة: 46/7.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 59.

كنّا نكفر عن أُمية عصبةً *** طلبوا الخلافة فجرةً و فسوقاً

و نلوم طلحة و الزبير كليهما *** و نعنّف الصديق و الفاروقا

و نقول تيم أقربت و عديّها *** أمراً بعيداً حيث كان صعيقا

و هم قريش الأبطحون إذا انتموا *** طابوا أُصولاً في العلا و عروقا

حتّى غدت جشم بن بكر تبتغي *** ارث النبي و تدعيه حقوقا

جاءوا براعيهم ليتّخذوا به *** عمداً إلى قطع الطريق طريقا(1)

ثمّ ذكر أنّه خرج بأعمال كرمان و جماعة أُخرى من أهل عمان لا نباهة لهم، و قد ذكرهم أبو إسحاق الصابي في الكتاب «التاجي» و كلّهم بمعزل عن طرائق سلفهم و انّما وكدهم، و قصدهم، إخافة السبيل و الفساد في الأرض، و اكتساب الأموال من غير حلّها.

ثمّ أتى بذكر المشهورين بنظر الخوارج الذين تمّ بهم صدق قول أمير المؤمنين عليه السلام: «إنّهم نطف في أصلاب الرجال و قرارات النساء» و أشهرهم:

1 - عكرمة مولى ابن عباس.

2 - مالك بن أنس الأصبحي.

3 - المنذر بن الجارود العبدي.


1) . شرح نهج البلاغة: 74/5. لاحظ بقيّة الأبيات

4 - يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج.

5 - صالح بن عبد الرحمن صاحب ديوان العراق.

6 - جابر بن زيد(1).

7 - عمرو بن دينار.

8 - مجاهد.

9 - أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي.

10 - اليمان بن رباب.

11 - عبد اللّه بن يزيد.

12 - محمّد بن حرب.

13 - يحيى بن كامل.

و هؤلاء الثلاثة الأخيرة كانوا من الأباضية، كما أنّ اليمان كان من البيهسيّة، و أبو عبيدة من الصفريّة.(2)و سيوافيك أسماء مشاهيرهم في فصل خاص.


1) . كونه منهم موضع تأمّل و إن كانت الاباضية ترى أنّه الأصل لهم في الحديث و الفقه، تولّد بين عامي 18-22 و توفّي في العقد الأخير من القرن الأوّل أو أوائل الثاني، تقرأ ترجمته في فصل خاص.

2) . شرح نهج البلاغة: 74/5-76.

كلمة أخيرة للإمام في حقّ الخوارج:

و للإمام عليّ كلمة في حق الخوارج ألقاها بعد القضاء عليهم و قال:

«لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه».(1)

هذه الكلمة تعرب عن أنّ انحراف الخوارج عن الحق لم يكن شيئاً مدبّراً من ذي قبل، و إنّما سذاجة القوم و قرب قعرهم، جرّهم إلى تلك الساحة، و كانوا جاحدين للحق عن جهل ممزوج بالعناد، فكانوا يطلبون الحق من أوّل الأمر، لكن أخطئوا في طلبه و دخلوا في حبائل الشيطان و النفس الأمّارة، و هذا بخلاف معاوية و جيشه، فإنّهم كانوا يطلبون الباطل و يركبون الغيّ عن تقصير و علم، و قد عرفت أنّه لم يكن لمعاوية مرمى من أوّل الأمر سوى إزاحة عليّ عن منصبه و غصب الخلافة، و انّ دم عثمان و قميصه و كونه قتل مظلوماً في عقر داره كانت واجهة استخدمها لجلب العواطف، يطلب بها إغواء رعاع الناس، و لأجل ذلك لمّا قتل عليّ و صالحه الحسن و أخذ بزمام الأمر، لم يبحث عن قتلة عثمان.

قال ابن أبي الحديد في شرحه:

«مراده أنّ الخوارج ضلّوا بشبهة دخلت عليهم، و كانوا يطلبون الحق،


1) . نهج البلاغة: الخطبة 60.

و لهم في الجملة تمسّك بالدين، و محاماة عن عقيدة اعتقدوها، و إن اخطئوا فيها، و أمّا معاوية فلم يكن يطلب الحق، و إنّما كان ذا باطل لا يحامي عن اعتقاد قد بناه على شبهة، و أحواله كانت تدلّ على ذلك، فإنّه لم يكن من أرباب الدين، و لا ظهر عنه نسك، و لا صلاح حال، و كان مترفاً يذهب مال الفيء في مآربه، و تمهيد ملكه، و يصانع به عن سلطانه، و كانت أحواله كلّها مؤذنة بانسلاخه عن العدالة، و إصراره على الباطل، و إذا كان كذلك لم يجز أن ينصر المسلمون سلطانه، و تحارب الخوارج عليه، و إن كانوا أهل ضلال، لأنّهم أحسن حالاً منه، فإنّهم كانوا ينهون عن المنكر و يرون الخروج على أئمّة الجور واجباً.(1)



1) . شرح نهج البلاغة: 78/5.

الفصل السّابع: انتفاضات الخوارج بعد حرب النهروان في العهد العلوي

اشارة

كانت حرب الإمام في النهروان، حرباً طاحنةً، قتل رجال العيث و الفساد، و استأصل شافتهم، و قضى على رءوسهم، و لكن لم يكن الخوارج كلّهم متواجدين فيها، بل كانوا متفرّقين في البصرة، و النقاط المختلفة من العراق، فقاموا بانتفاضات ضدّ عليّ و عمّاله، و كانت الحسرة و الخيبة نصيبهم، و إليك ما وقعت منها في العهد العلوي صلوات اللّٰه عليه.

1 - خروج الخريت بن راشد الناجي(1):

جاء الخريت بن راشد الناجي إلى عليّ فقال له - و قد جرّده من إمارة المؤمنين -: «يا عليّ، و اللّٰه لا أُطيع أمرك و لا أُصلّي خلفك، و إنّي غداً مفارق لك، و ذلك بعد تحكيم الحكمين». فناظره علي و حاول إقناعه، فلم يرتدع. و سار بجمع من أصحابه فالتقى في طريقه رجلاً مسلماً فسأله عمّا يقوله في علي، فأثنى عليه و قدّمه. فحملت عليه عصابة من أصحاب الخريت فقطّعوه


1) . ذكر خروج الخريت الناجي، الطبري في تاريخه: 86/4-100، و ابن هلال الثقفي في غاراته: 21، و المسعودي في مروجه: 159/3، و الجزري في تاريخه: 183/3-187، و ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 128/3-148. و لمّا كانت القصة طويلة لا تناسب بحث الملل و النحل نقلناها ملخّصاً و قد لخّصها الدكتور نايف معروف في كتابه: الخوارج في العصر الأموي: 100-101، و اتبعنا تلخيصه.

بأسيافهم، بينما التقوا يهودياً فخلّوا سبيله. أرسل عليّ في أثرهم زياد بن خصفة البكري في عدد قليل من العساكر فأدركهم في أرض المذار، فدعا زياد صاحبهم الخريت، فسأله عمّا نقمه من أمير المؤمنين، فأخبره بأنّه لا يرضى بعليّ إماماً، فطلب إليه تسليمه قتلة الرجل المسلم، فأبى عليه ذلك. فاقتتلوا قتالاً شديداً دون أن يتمكّن أحدهما من الآخر، حتى جاء الليل فحجز بينهما، و تحت جنح الظلام تنكّر الخريت و أصحابه و اتّجهوا صوب الأهواز، و كتب زياد إلى عليّ بما جرى بينهما. فانتدب عليّ معقل بن قيس الرياحي في جيش قوامه أربعة آلاف رجل، و بعث به في طلب الخريت الذي كان قد اجتمع إليه كثير من قطّاع الطرق و الخارجين على النظام ممّن كسروا الخراج كما انضمّت إليه طائفة من الأعراب كانت ترى رأيه، و تمكّنوا من بعض مناطق فارس و أخرجوا عاملها لعلي سهل بن حنيف، ثمّ كان اللقاء بين الفريقين قرب جبل من جبال رامهرمز، فخرج الخريت من المعركة منهزماً حتى لحق بساحل بحر فارس.

و لكنّ الخريت لم يلق سلاحه، بل استمرّ بجمع الناس حوله، فكان يأتي من يرى رأي الخوارج فيسر إليهم: «إنّي أرى رأيكم، و انّ عليّاً ما كان ينبغي له أن يحكّم الرجال في دين اللّٰه» ثمّ يأتي لمن يرى رأي عثمان و أصحابه، فيقول لهم: «أنا على رأيكم، و انّ عثمان قتل مظلوماً معقولاً» كما كان يجيء مانعي الصدقة فيقول: «شدّوا على صدقاتكم ثمّ صلوا بها أرحامكم، و عودوا إن شئتم على فقرائكم، و هكذا كان يعمل على إرضاء كلّ طائفة من الناس بضرب من القول يتّفق و هواهم. و بذلك استطاع أن

يستهوي كثيراً من الأقوام من مختلف الميول و الاتجاهات. و لمّا علم معقل بموقعه بساحل البحر بفارس، عبّأ جنده و زحف نحو الخريت و أصحابه، و هزمهم هزيمة منكرة قتل فيها الخريت، و تفرّق من بقي من أتباعه هنا و هناك.

هكذا، انتهت حياة الخريت الناجي الذي لم تعرف هويّته الفكرية على حقيقتها، إذ وجدناه تارة يحارب إلى جانب علي عليه السلام و طوراً يخرج على إمامته و يشدّد النكير عليه، و مرّة يزعم أنّه من الخوارج و أُخرى يتآمر على حياة زعمائهم فيستعدي عليّاً على عبد اللّه بن وهب الراسبي و زيد بن حصين ليقتلهما، و يقول المسعودي: إنّ الخريت ارتدّ مع أصحابه إلى النصرانية.(1)

2 - لمّا خرج أهل النهروان خرج أشرس بن عوف الشيباني على عليّ «بالدسكرة» في مائتين ثمّ سار إلى الأنبار، فوجّه إليه علي عليه السلام الأبرش بن حسان في ثلاثمائة و واقعه فقتل أشرس في ربيع الآخر سنة ثمان و ثلاثين.

3 - ثمّ خرج هلال بن علفة و معه أخوه مجالد فأتى «ماسبذان» و وجّه إليه علي معقل بن قيس الرياحي فقتله و قتل أصحابه و هم أكثر من مائتين، و كان قتلهم في جمادى الأُولى سنة ثمان و ثلاثين.


1) . مروج الذهب: 59/3؛ المطبوع في سبعة أجزاء، و يظهر منه أنّه كان من أصحاب عليّ و لم يكن من الخوارج و إنّما انفصل عنه، عند ما عسكر الإمام بالنخيلة ليذهب بالناس إلى حرب معاوية ثانيا فعند ذلك جعل أصحابه يتسلّلون و يلحقون بأوطانهم فلم يبق منهم إلّا نفر يسير، و مضى الخريت بن راشد الناجي في ثلاثمائة من الناس فارتدّوا إلى دين النصرانية.....

4 - ثمّ خرج الأشهب بن بشر و قيل الأشعث و هو من «بجيلة» في مائة و ثمانين رجلاً، فأتى المعركة التي أُصيب فيها هلال و أصحابه فصلّى عليهم و دفن من قدر عليه منهم، فوجّه إليهم علي جارية بن قدامة السعدي و قيل حجر بن عدي، فأقبل إليهم الأشهب فاقتتلا ب «جرجرايا» من أرض «جوخا» فقتل الأشهب و أصحابه في جمادى الآخرة سنة ثمان و ثلاثين.

5 - ثمّ خرج سعيد بن قفل التميمي في رجب ب «البندجين» و معه مائتا رجل فأتى «درزيجان» و هي من المدائن على فرسخين، فخرج إليهم سعد بن مسعود فقتلهم في رجب سنة ثمان و ثلاثين.

6 - ثمّ خرج أبو مريم السعدي التميمي فأتى «شهرزور» و أكثر من معه من الموالي، و قيل لم يكن معه من العرب غير ستة نفر هو أحدهم، و اجتمع معه مائتا رجل و قيل أربعمائة، و عاد حتى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة، فأرسل اليه عليّ يدعوه إلى بيعته و دخول الكوفة، فلم يفعل، قال: ليس بيننا غير الحرب، فبعث إليه عليّ شريح بن هاني في سبعمائة، فحمل الخوارج على شريح و أصحابه فانكشفوا، و بقي شريح في مائتين فانحاز إلى قرية، فتراجع بعض أصحابه، و دخل الباقون الكوفة، فخرج عليّ بنفسه و قدم بين يديه جارية بن قدامة السعدي، فدعاهم جارية إلى طاعة عليّ، و حذّرهم القتل فلم يجيبوا، و لحقهم عليّ أيضاً فدعاهم فأبوا عليه و على أصحابه، فقتلهم أصحاب علي و لم يسلم منهم غير خمسين رجلاً استأمنوا فأمنهم، و كان في الخوارج أربعون رجلاً جرحى فأمر عليّ بادخالهم الكوفة و مداواتهم حتى برءوا، و كان قتلهم في شهر رمضان سنة ثمان و ثلاثين،

و كانوا من أشجع من قاتل من الخوارج و لجرأتهم قاربوا الكوفة(1).

جريمتهم الكبرى أو آخر سهم في كنانة الخوارج:

قتل الإمام رءوس الخوارج و استأصلهم، و قد نجت فئة منهم و تواروا في البلاد، كما أنّ من كان به رمق منهم، دفعهم الإمام إلى عشائرهم ليداووهم، و لكن كان للقوم في البصرة و نواحيها أنصار و موالون في الطريقة و كان للهالكين في ساحة القتال من ينتمي إليهم بشيء من النسب و السبب، فكانوا ينتهزون الفرصة لأخذ ثأرهم من الإمام عليّ عليه السلام.

قال: المبرّد: فلمّا قتل عليّ أهل النهروان و كان بالكوفة زهاء ألفين ممّن لم يخرج مع عبد اللّه بن وهب و قوم ممّن استأمن إلى أبي أيّوب الأنصاري، فتجمّعوا و أمّروا عليهم رجلاً من طي، فوجّه إليهم علي عليه السلام رجلاً و هم بالنخيلة فدعاهم و رفق بهم، فأبوا فعاودهم، فأبوا فقتلوا جميعاً، فخرجت طائفة منهم نحو مكة فوجّه معاوية من يقيم للناس حجّهم فناوشه هؤلاء الخوارج فبلغ ذلك معاوية، فوجّه بسر بن أرطاة أحد بني عامر بن لؤي، فتوافقوا و تراضوا بعد الحرب بأن يصلّي بالناس رجل من بني شيبة لئلّا يفوت الناس الحج، فلمّا انقضى نظرت الخوارج في أمرها، فقالوا: إنّ عليّاً و معاوية قد أفسدا أمر هذه الأُمّة، فلو قتلناهما لعاد الأمر إلى حقّه، و قال رجل من أشجع: و اللّٰه ما عمرو دونهما، و انّه لأصل هذا الفساد، فقال عبد الرحمن بن ملجم: أنا أقتل عليّاً، فقالوا: و كيف لك به؟ قال: أغتاله. فقال


1) . الكامل، لابن الأثير: 187/3-188.

الحجاج بن عبد اللّه الصريمي و هو البرك: و أنا أقتل معاوية، و قال زادويه مولى عمرو بن تميم: و أنا اقتل عمرو، فأجمع رأيهم على أن يكون قتلهم في ليلة واحدة فجعلوا تلك الليلة ليلة إحدى و عشرين(1)من شهر رمضان، و خرج كل واحد إلى ناحية، فأتى ابن ملجم الكوفة، فأخفىٰ نفسه و تزوّج امراةً يقال لها قطام بنت علقمة من تيم الرباب و كانت ترى رأي الخوارج، و يروى أنّها قالت: لا أقنع منك إلّا بصداق أُسمّيه لك، و هو ثلاث آلاف درهم و عبدٌ و أمة، و أن تقتل علياً، فقال لها: لك ما سألت. فكيف لي به؟ قالت: تروم ذلك غيلة، فإن سلمت أرحت الناس من شرّ و أقمتَ مع أهلك، و إن أصبتَ صرتَ إلى الجنة و نعيم لا يزول فانعم لها. و في ذلك يقول:

ثلاثة آلاف و عبد و قَيْنَةٌ *** و ضرب عليّ بالحسام المصمّم

فلا مهر أغلى من عليّ و إن غلى *** و لا فتك إلّا فتك ابن ملجم

و يروى أنّ الأشعث نظر إلى عبد الرحمن متقلّداً سيفاً في بني كندة فقال: يا عبد الرحمن أرني سيفك. فأراه فرأى سيفاً حديداً، فقال: ما تقلّدك السيف و ليس بأوان حرب؟ قال: فقال: إنّي أردت أن أنحر به جزور القرية. فركب الأشعث بغلته و أتى عليّاً فخبّره، فقال له: قد عرفت بسالة ابن ملجم و فتكه، فقال علي: ما قتلني بعد.

و يروى أنّ عليّاً رضى الله عنه كان يخطب مرّة و يذكر أصحابه، و ابن ملجم تلقاء المنبر، فسمع و هو يقول: و اللّٰه لأريحنّهم منك، فلمّا انصرف علي - صلوات


1) . تفرّد المبرد بنقله، و الصحيح: الليلة التاسعة عشرة.

اللّٰه عليه - إلى بيته أتى به ملبباً(1)فأشرف عليه، فقال علي: «ما تريدون؟» فخبّروه بما سمعوا، فقال: «ما قتلني بعد» فخلّوا عنه.

و يروى أنّ علياً كان يتمثّل إذا رآه ببيت عمرو بن معدي كرب في قيس بن مكشوح المرادي:

أُريد حياته و يريد قتلي *** عَذِيرَك من خليلكَ من مراد

فقيل لعليّ: كأنّك قد عرفته و عرفت ما يريد بك. أ فلا تقتله؟ فقال: «كيف أقتل قاتلي؟».

فلمّا كان ليلة إحدى و عشرين من شهر رمضان خرج ابن ملجم و شبيب الأشجعي فاعتورا الباب الذي يدخل منه عليّ - رضي اللّٰه عنه - و كان مُغَلِّساً و يُوقظ الناس للصلاة، فخرج كما كان يفعل فضربه شبيب فأخطأه و أصاب سيفه الباب، و ضربه ابن ملجم على صَلْعَتِه(2)فقال علي:

«فزت و رب الكعبة، شأنكم بالرجل». فيروى عن بعض من كان بالمسجد من الأنصار، قال: سمعت كلمة عليّ و رأيت بريق السيف، فأمّا ابن ملجم فحمل على الناس بسيفه فأفرجوا له و تلقّاه المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب بقطيفة فرمى بها عليه، و احتمله فضرب به الأرض، فقعد على صدره، و أما شبيب فانتزع السيف منه رجل من حضرموت و صرعه و قعد على صدره و كثر الناس فجعلوا يصيحون: عليكم صاحب السيف، فخاف


1) . أي مأخوذا بتلابيه.

2) . العبارة تعرب عن كونه مقتولاً في باب المسجد، و لكنّه مردود بقول أئمة أهل البيت على أنّه قتل في محراب عبادته.

الحضرميّ أن يكنُّوا عليه و لا يسمعوا عذره فرمى بالسيف، و انسلّ شبيب بين الناس فَدُخِلَ على عليّ فأُومر فيه، فاختلف الناس في جوابه فقال علي: «إن أعش فالأمر إليّ، و ان أُصب فالأمر لكم، فإن آثرتم أن تقتصّوا فضربة بضربة و إن تعفوا أقرب للتقوى».... و مات عليّ - صلوات اللّٰه و رضوانه عليه و رحمته - في آخر اليوم الثالث [و اتّفقوا على القصاص] فدعا به الحسن - رضي اللّٰه عنه - [فقال ابن ملجم له]: إنّ لك عندي سرّاً فقال الحسن - رضوان اللّٰه عليه -: «أ تدرون ما يريد؟ يريد أن يقرب من وجهي فيعضّ أُذني فيقطعها». فقال: أما و اللّٰه لو أمكنني منها لاقتلعتها من أصلها. فقال الحسن: «كلّا و اللّٰه لأضربنّك ضربة تؤدّيك إلى النار».(1)

هذا ما ذكره المبرّد في كامله و وافقه عدّة من المؤرّخين غير أنّ أهل البيت أدرىٰ بما في البيت، و الصحيح أنّه قتل في المحراب و هو يصلّي الفجر و انّه ضرب في الليلة التاسعة عشرة من شهر رمضان و استشهد في ليلة الحادية و العشرين منه: و إليك كلمة عن الإمام الرضا عليه السلام في ذلك المجال لمّا ضرب ابن ملجم - لعنه اللّٰه - أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كان معه آخر فوقعت ضربته على الحائط، و أمّا ابن ملجم فضربه فوقعت الضربة و هو ساجد على رأسه.(2)



1) . الكامل للمبرّد: 148/2؛ تاريخ الطبري: 110/4-112؛ الكامل لابن الأثير: 194/3-195؛ الأخبار الطوال: 214؛ مروج الذهب: 166/4.

2) . أمالي الطوسي: 233؛ البحار: 205/42-206.

خاتمة المطاف:

ما هي أسباب النكسة في أعقاب حرب صفّين؟

اشارة

لم يختلف اثنان في أنّ النصر كان حليف الإمام طوال مدّة الحرب، و لكن لمّا طرأت فتنة التحكيم و اغترّ بها بعض قادة جيشه و خاصة قرّاؤهم، بدأ الضعف يدبّ في معسكر الإمام، و اختلفوا إلى فرقتين: فرقة تنادي بالصلح و الموادعة، و فرقة أُخرى - و كانت في الظاهر قليلة - تصرّ على مواصلة الحرب، و لا جرم أنّ الغلبة كانت للطائفة الأُولى، ثمّ إنّ نفس تلك الطائفة تراجعت عن فكرتها و حاولت أن تفرض على علي عليه السلام نقض ميثاق التحكيم، و لكنّها لم تنجح و انتهى إلى ما عرفت من خروج المحكِّمة بصورة قوّة معارضة للإمام إلّا أنّ الإمام استأصل شأفتهم، و قطع جذورهم، فلم يبق في القوم إلّا حشاشات شكّلت نواة للانتفاضات و الأعمال الإجرامية حيث استطاعت اغتيال الإمام و إعطاء الفرصة لمعاوية، لتحقيق طموحاته التي طالما راودته في حياته السياسية.

و كان من نتائج تلك الفتنة، أنّ الإمام لم يتمكّن من عزل معاوية عن سلطته في الشام، و ضمّ الشامات إلى حكومته، بل خرجت بعض المناطق التي كانت تحت يده عن سلطته، فاستولى عمرو بن العاص على مصر، و قتل عامل الإمام محمّد بن أبي بكر فيها حتى أصبح العراق مطمعاً لمعاوية

من خلال الغارات التي قامت بها كتائبه.

كلّ ذلك، ما نصفه بالنكسة تارة، و الهزيمة أُخرى، و يطيب لنا بيان أسبابه في خاتمتنا هذه، و ربّما يتخيّل القارئ أنّ هذا البحث خارج عن موضوع هذا الجزء (الخوارج)، و لكنّه إذا اطّلع عليه يقف على أنّ له الصلة التامّة بالموضوع و إليك البيان.

إنّ السبب الحقيقي لوقوع النكسة كان أمرين:

الأوّل: سيادة نزعة الاعتراض على قرّاء الكوفة:

كان جيش الإمام خليطاً من طائفتين طائفة صالحة مطيعة لأمر القيادة إلى حدّ التضحية بكلّ ما تملك لتنفيذ أوامرها من دون أيّ اعتراض، و من نماذج تلك الطائفة مالك الأشتر، وعدي بن حاتم و عبد اللّٰه بن عباس، و عمار بن ياسر، و عمرو بن الحمق الخزاعي، و حجر بن عدي الكندي، و سهل بن حنيف، و سليمان بن صرد، إلى غير هؤلاء من صلحاء الأُمّة و أتقيائها التابعين للإمام تبعية الظل لذي الظل.

وطائفه تطغىٰ عليها نزعةُ الاعتداد بالرأي و الاستبداد في الأمر، و التدخّل في شئون القيادة، و كانوا يتصوّرون أنّه ليس بينهم و بين القائد، فرق حتى بقدر الأنملة، و هذا الشعور كان ظاهراً منهم في جميع مواقفهم من حين انضمامهم لراية الإمام إلى خروجهم عليه، و من نماذج هؤلاء، حرقوص بن زهير المعروف بذي الثدية، و مِسْعر بن فدكي، و زيد بن حصين، و شريح بن أوفى بن يزيد بن ظاهر العبسي، و نافع بن الأزرق،

و عبد اللّٰه بن وهب الراسبي إلى غير ذلك من رءوس تلك الطائفة الذين صاروا خوارج من بعد.

و بما أنّ أصحاب هذه الطائفة كانوا يكثرون قراءة القرآن و الصّلاة و التهجّد في الليل حتى اسودّت جباههم من السجود، و أصبحت لهم ثفنات كثفنات البعير، فكان لكلامهم نفوذ و تأثير كبير في جيش الإمام، خاصّة أُولئك الذين كانوا من قبائلهم و كتائبهم، و هم كثيرون.

و الذي يدلّنا على سيادة تلك النزعة فيهم (نزعة الاعتراض على القيادة و المتولّين لشئون الحكومة) ما نقرؤه في تاريخ حياتهم و إليك بيانه:

1 - ما سمعت من حديث النبي في حقّ رأس الخوارج (ذي الخويصرة) حيث وقف على رسول اللّٰه و هو يقسّم غنائم خيبر فقال له: ما عدلت منذ اليوم، فقال رسول اللّٰه: «ويحك من يعدل إذا لم أعدل؟!» فقال عمر: أ لا أقتله يا رسول اللّٰه؟ فقال رسول اللّٰه: إنّه سيكون لهذا و لأصحابه نبأ، و قال: تحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم، وصوم أحدكم في جنب صيامهم، و لكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم، و قال سيخرج من ضئضئ هذا الرجل، قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة(1).

2 - ما رواه الطبري عن محمّد بن راشد عن أبيه في حرب الجمل قال: كان من سيرة عليّ: أن لا يقتل مدبراً و لا يذفف على جريح و لا يكشف ستراً و لا يأخذ مالاً، فقال قوم يومئذٍ: ما يحلّ لنا دماءهم و يحرّم علينا


1) . نقله أهل السير و نقله أصحاب الصحاح و المسانيد، و رواه البخاري أيضاً في صحيحه لاحظ الجزء 67/6، تفسير سورة البراءة تفسير قوله سبحانه: «وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ».

أموالهم؟ فقال عليّ: «القوم أمثالكم من صفح عنّا فهو منّا و نحن منه، و من لجَّ حتى يصاب، فقتاله منّي على الصدر و النحر، و إنّ لكم في خمسه لغنى»، فيومئذ تكلّمت الخوارج.(1)

و قد ذكر الطبري قصّة الاعتراض على وجه الإجمال و لكن غيره ذكره على وجه التفصيل، قالوا: نقمت الخوارج على عليّ عند ما قرب منهم في النهروان و أرسل إليهم أن سلّموا قاتل عبد اللّه بن خباب، فأجابوه بأنّا كلّنا قتله، و لئن ظفرنا بك قتلناك، فأتاهم عليّ في جيشه، و برزوا إليه بجمعهم، فقال لهم قبل القتال: ما ذا نقمتم منيّ؟ فقالوا له: أوّل ما نقمنا منك انّا قاتلنا بين يديك يوم الجمل، فلمّا انهزم أصحاب الجمل، أبَحْتَ لنا ما وجدنا في عسكرهم من المال، و منعتنا من سبي نسائهم و ذراريهم، فكيف استحللت مالهم دون النساء و الذريّة؟ فقال: «إنّما أبحتُ لكم أموالهم بدلاً عمّا كانوا أغاروا عليه من بيت مال البصرة قبل قدومي عليهم، و النساء و الذرية لم يقاتلونا، و كان لهم حكم الإسلام، بحكم دار الإسلام، و لم يكن منهم ردّة عن الإسلام و لا يجوز استرقاق من لم يكفر، و بعد لو أبحت لكم النساء، أيّكم يأخذ عائشة في سهمه؟» فخجل القوم من هذا.(2)

و ما ذكره الطبري، و إن وقع في سنده سيف بن عمر، و هو ضعيف في الرواية، و لكن ما نقله البغدادي نقيّ السند مضافاً إلى أنّه تضافرت الروايات على نقله من الفريقين.


1) . تاريخ الطبري: 545/3.

2) . الفَرق بين الفِرق: 78.

روى الشيخ الطوسي في تهذيبه عن مروان بن الحكم قال: لمّا هزمنا عليّ بالبصرة ردّ على الناس أموالهم، من أقام بيّنة أعطاه، و من لم يقم بيّنة أحلفه، قال: فقال له قائل: يا أمير المؤمنين اقسم الفيء بيننا و السبي، قال: فلمّا أكثروا عليه، قال: «أيّكم يأخذ اُمّ المؤمنين في سهمه؟» فكفّوا(1).

3 - روى الطبري أيضاً: لمّا فرغ عليّ من بيعة أهل البصرة، نظر في بيت المال فإذا فيه ستمائة ألف و زيادة، فقسّمها على من شهد معه، فأصاب كلّ رجل منهم خمسمائة و قال: لكم إن أظفركم اللّٰه عزّ و جلّ بالشام مثلها إلى أعطياتكم، و خاض في ذلك السبائية و طعنوا على عليّ من وراء وراء.(2)

كل ذلك يعرب عن طغيان نزعة الاعتراض على القوم، و أنّهم كانوا يرون لأنفسهم حق التدخل في شئون القيادة.

4 - إنّا نرى أنّ الأشعث لمّا قرأ وثيقة التحكيم على الشاميين، استقبلوه برضى و لمّا عرضها على رايات عنزة و غيرهم من العراقيين، قابلوه بالاعتراض و السيف.

قال ابن مزاحم: إنّ الأشعث خرج في الناس بذلك الكتاب يقرأه على الناس و يعرضه عليهم، و يمرّ به على صفوف أهل الشام و راياتهم، فرضوا بذلك، ثمّ مرّ به على صفوف أهل العراق و راياتهم يعرضه عليهم حتى مرّ برايات عنزة - و كان مع عليّ من عنزة بصفين أربعة آلاف مجفف - فلمّا مرّ


1) . وسائل الشيعة: 58/11، الباب 25 الحديث 5 و 7.

2) . تاريخ الطبري: 544/3. و المراد من السبائيّة: الخوارج، فإنّه كثيراً ما يطلقها عليهم.

بهم الأشعث فقرأه عليهم، قال فتيان منهم: لا حكم إلّا للّٰه. ثمّ حملا على أهل الشام بسيوفهما (فقاتلا) حتى قتلا على باب رواق معاوية.

و هما أوّل من حكم، و اسماهما معدان و جعد، اخوان، ثمّ مرّ بها على مراد، فقال صالح بن شقيق و كان من رؤسائهم:

ما لعليّ في الدماء قد حكم *** لو قاتل الأحزاب يوماً ما ظلم

لا حكم إلّا للّٰه و لو كره المشركون. ثمّ مرّ على رايات بني راسب فقرأه عليهم فقالوا: لا حكم إلّا للّٰه، لا نرضى و لا نحكّم الرجال في دين اللّٰه، ثمّ مرّ على رايات بني تميم فقرأها عليهم فقال رجل منهم: لا حكم إلّا للّٰه يقضي بالحق و هو خير الفاصلين، فقال رجل منهم لآخر: أمّا هذا فقد طعن طعنة نافذة. و خرج عروة بن اديّة أخو مرداس بن اديّة التميمي، فقال: أ تحكّمون الرجال في أمر الله، لا حكم إلّا للّٰه، فأين قتلانا يا أشعث. ثمّ شدّ بسيفه ليضرب به الأشعث، فأخطأه و ضرب به عجز دابّته ضربة خفيفة فاندفعت به الدابة و صاح به الناس: أن امسك يدك. فكفّ و رجع الأشعث إلى قومه.(1)

5 - إنّ بعض من صار من الخوارج كانوا متواجدين في الكوفة أيّام خلافة عثمان، و كانوا يعترضون على عمّاله مثل سعيد بن العاص، فكتب سعيد بن العاص بذلك إلى عثمان فأمر بتسييرهم من الكوفة، و نرى بين المعترضين، حرقوص بن زهير السعدي، و شريح بن أوفى بن يزيد بن ظاهر العبسي، و زيد بن حصين الطائي و هم رءوس الخوارج و كانوا ملتفّين


1) . وقعة صفّين: 587-588.

حول الأشتر النخعي، و كانوا يعدّون من أصحابه، حتى كتب سعيد بن العاص بذلك إلى عثمان و قال: إنّي لا أملك من الكوفة مع الأشتر و أصحابه الذين يدعون القرّاء - و هم السفهاء - شيئاً فكتب إليه: أن سيّرهم إلى الشام.(1)

نعم اجتمع مع الأشتر غيرهم، من الرجال الصالحين و العبّاد الناسكين كزيد و صعصعة بن صوحان و كعب بن عبده وعدي بن حاتم الطائي، و يزيد بن قيس الأرحبي (الذي كان له مواقف مشكورة في حرب صفّين)، و عمرو بن الحمق، و كميل بن زياد النخعي، و حارث بن عبد اللّه الأعور الهمداني، و غيرهم من الصلحاء، و ذلك يكشف عن وجود نزعة الاعتراض في قرّاء الكوفة و رؤسائهم، نعم كون هؤلاء محقّين في اعتراضهم على عامل الخليفة الثالث و حتى الخليفة نفسه لا يكون دليلاً على أنّهم محقّون كذلك في مسألة التحكيم و ما خلّف من الآثار السيّئة، و لا دليل على تلك الملازمة، فربّ إنسان يكون محقّاً في دعوىٰ و مبطلاً في دعوىٰ أُخرى، و الإمعان في حقيقة الاعتراضين - الاعتراض على عامل الخليفة الثالث و الاعتراض على أمير المؤمنين علي يكفي في تصديق ما ذكرنا.

نعم إنّ الإسلام لا يخالف سياسة الانتقاد و حرية التعبير عن الرأي، و لا يريد للأُمّة أن تكون كقطيع من الماشية، بل أنّه يدعو إلى النقد إذا كان لأجل طلب الحق، مثلاً إذا بدا للإنسان أنّ قول القائد لا يماثل عمله فله


1) . الغدير: 31/5 نقلاً عن الأنساب للبلاذري: 39/5.

السؤال و النقاش و لكن بأُسلوب بنّاء، لغاية الوصول إلى الحق، و هذا ما يدعو إليه الإسلام خصوصاً فيما إذا كان القائد إنساناً غير معصوم، بل نجد ذلك في عصر المعصوم أيضاً، روى أصحاب السيرة لمّا توفّي عبد اللّه ولد النبي بكىٰ عليه و جرت دموعه على خدّيه، فاستظهر بعض الصحابة أنّ عمل النبي هذا ينافي ما أوصى به من عدم البكاء على الميّت، فأجابه النبي و أرشده إلى الحق و قال صلى الله عليه و آله و سلم: «لا، و لكنّي نهيت عن صوتين أحمقين و آخرين: صوت عند مصيبة، و خمش وجوه، و شق جيوب، و رنة شيطان، و صوت عند نغمة لهو، و هذه رحمة و من لا يَرْحَم لا يُرْحَم».(1)

نعم إذا كانت الغاية مجرّد إبداء الرأي، و حبّ الاعتراض، فهذا ما يعدّه الكتاب و السنّة من المجادلة بالباطل «مٰا يُجٰادِلُ فِي آيٰاتِ اَللّٰهِ إِلاَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَلاٰ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي اَلْبِلاٰدِ»(2)، و قال سبحانه: «وَ يُجٰادِلُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبٰاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ اَلْحَقَّ».(3)

نحن نرى تلكما النزعتين متجسّدتين في الأشتر و الملتفّين حوله من الصلحاء من جهة، و حرقوص و زملائه من جهة أُخرى، و إن اشتركوا في حقبة من الزمن في صبغة الاعتراض.

فالنزعة الأُولى: كانت نابعة عن روح صادقة لاعن هوى نفسي، و لأجل ذلك بقوا على اعتراضهم و مخالفتهم لعامل الخليفة إلى أن قُتِلَ


1) . السيرة الحلبية: 395/3.

2) . غافر: 4.

3) . الكهف: 56.

عثمان، لأنّهم أدركوا أنّ عمل الخليفة و عمّاله يفارق مبادئ الإسلام، و تحمّلوا التسيير و التبعيد عن الوطن، و لكن لمّا واجهوا عليّاً و وجدوا فيه ضالّتهم المنشودة من أنّه القائد الإلهي الذي يعمل لأجل اللّٰه، سلّموا إليه مقاليد أُمورهم.

و النزعة الثانية: كانت نابعة عن روح مكابرة تريد فرض ما تحبّ و ترى، سواء أ كان حقّاً أم باطلاً، و نذكر هنا نموذجاً للقسمين:

قال ابن مزاحم: قيل لعلي لمّا كتبت الصحيفة: إنّ الأشتر لم يرض بما في هذه الصحيفة و لا يرى إلّا قتال القوم، فقال علي: بلى إنّ الأشتر ليرضىٰ إِذا رَضيتُ، و قد رضيتُ و رضيتُم، و لا يصلح الرجوع بعد الرضا، و لا التبديل بعد الإقرار، إلّا أن يُعْصى اللّٰه و يتعدّى ما في كتابه.(1)

و أي تسليم أعلى و أنبل من تسليم الأشتر لأمر القيادة، فقد كان النصر حليفاً له و لم يبق بينه و بين تحقّقه إلّا عدوة الفرس، أو قاب قوسين أو أدنى، فلمّا وقف على أنّ مواصلة الحرب و لو فترة قليلة سيؤدّي إلى القضاء على حياة الإمام، تراجع عن ساحة القتال، و رجع طائعاً مذعناً لما أمره به الإمام عليه السلام و خاطب أُولئك الذين وقفوا بوجه الإمام، و قال: خُدِعتم و اللّٰه فانخدعتم، و دُعِيْتُم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباة السود كنّا نظنّ أنّ صلاتكم زهادة في الدنيا، و شوقاً إلى لقاء اللّٰه، فلا أرى فراركم إلّا إلى الدنيا من الموت، ألا فقبحاً يا أشباه النِّيب الجلّالة، ما أنتم براءين بعدها عزّاً أبداً، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون.(2)


1) . وقعة صفّين: 598.

2) . وقعة صفّين: 563.

هذا هو الأشتر و هذه طاعته للإمام الحق، و أمّا الخوارج فسَلْ عن عنادهم و لجاجهم في وجه الحق، فقد احتجّ عبد اللّه بن عباس على صحّة مبدأ التحكيم بقوله: «إنّ اللّٰه أمر بالتحكيم في قتل صيد» فقال: «يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ» فكيف في الإمامة...، فلمّا سمعت الخوارج تلك المعارضة قال بعضهم لبعض: اجعلوا احتجاج قريش حجّة عليهم، فإنّ هذا من الذين قال اللّٰه فيهم: «بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ»، و قال عزّ و جلّ:

«وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا».(1)

إلى هنا وقفت على العامل الأوّل لظهور هذه النكسة، و إليك بيان العامل الثاني.

الثاني: وجود العملاء في جيش الإمام:

كان في جيش الإمام عملاء لمعاوية يعملون لصالحه، حيث كانوا يضمرون العداء لعليّ، و يتحيّنون الفُرصَ للقضاء على حكومته و حياته، كأمثال الأشعث بن قيس، و قد عرفت أنّه خطب في أوان طلوع فكرة إنهاء الحرب و قال: من لذرارينا و نسائنا إن قُتِلْنا؟ يقول هذا و الخوارج بمرأىٰ و مسمع منه، و في ذلك يقول ابن أبي الحديد: «كلّ فساد كان في خلافة عليّ عليه السلام و كلّ اضطراب حدث فأصله الأشعث».(2)

و إليك الشواهد على صحّة تلك النظرية:

1 - كان الأشعث عاملاً لعثمان على آذربايجان، و قد كان عمرو بن


1) . الكامل للمبرّد: 122/2.

2) . شرح نهج البلاغة: 279/2.

عثمان تزوّج ابنة الأشعث بن قيس، و لمّا بويع عليّ عليه السلام كتب إليه مع زياد ابن مرحب الهمداني رسالة ذكر فيها بيعة طلحة و الزبير و نقضهما البيعة و قال: «و إنّ عملك ليس لك بطعمة و لكنّه أمانة، و في يديك مال من مال اللّٰه، و أنت من خزّان اللّٰه عليه حتى تسلّمه إليّ». فلمّا قرأ كتاب علي قال لبعض أصحابه: «إنّه قد أوحشني و هو آخذ بمال آذربايجان» و أراد اللحوق بمعاوية فمنعه بعض أصحابه حتى قدم على عليّ، و هو معزول عن الولاية(1).

قال المسعودي: و بعث إلى الأشعث بن قيس يعزله عن آذربايجان و أرمينية و كان عاملاً لعثمان عليها، و كان في نفس الأشعث على عليّ ما ذكرنا من العزل و ما خاطبه به حين قدم عليه فيما اقتطع هنالك من الأموال.(2)

2 - كانت رئاسة قبيلتي كندة و ربيعة للأشعث فانتزعها عليّ عليه السلام منه و ولّى حسان بن مخدوع عليهما، ثمّ بعد هنٍ وهنات أشركه في الرئاسة.(3)و قد أثار ذلك حفيظة الأشعث على عليّ و إن لم يظهر ذلك.

3 - كان الأشعث متّهماً بالتنسيق مع معاوية خلال فترة الحرب، يقول ابن مزاحم: إنّ ابن ذي الكلاع أرسل إلى الأشعث رسولاً فقال له: «إنّ ابن عمّك ذي الكلاع يقرئك السلام و رحمة اللّٰه، و إن كان ذو الكلاع قد أُصيب


1) . وقعة صفّين: 29.

2) . مروج الذهب: 117/3.

3) . وقعة صفّين: 153.

و هو في الميسرة، فتأذن لنا فيه» فقال له الأشعث: اقرأ صاحبك السلام و رحمة اللّٰه، و قل له: إنّي أخاف أن يتهمني علي، فاطلبه إلى سعيد بن قيس فإنّه في الميمنة، فذهب إلى معاوية فأخبره و كان منع ذلك منهم، و كانوا في اليوم و الأيام يتراسلون.(1)

4 - أرسل معاوية بن أبي سفيان أخاه عتبة بن أبي سفيان، فقال: الق الأشعث، فإنّه إن رضي رضيت العامّة، فخرج عتبة فنادي الأشعث بن قيس، فقال الناس: هذا الرجل يدعوك، فقال الأشعث: سلوه من هو؟ فقال: أنا عتبة بن أبي سفيان، فقال الأشعث: غلام مترف و لا بدّ من لقائه، فخرج إليه، فأبلغه دعوة معاوية.(2)

و هذا يعرب أنّ معاوية كان يحاول إيجاد موطأ قدم له في ساحة علي عليه السلام من خلال كسب رضا الأشعث، و قد نجح الرجل في ذلك بعض النجاح، و قد كانت نتيجة هذه الدعوة أنّه قال في جواب معاوية: أمّا البقية فلستم بأحوج إليها منّا، و سنرى رأينا فيها إن شاء اللّٰه.

فلمّا بلغ معاوية كلام الأشعث، أيقن بأنّ الأشعث قد جنح للسلم، و شاعت نتيجة المفاوضة في صفوف الجيشين، إلى أن اجترأ الأشعث على إبداء رأيه في الحرب و الطلب من عليّ إنهائها رحمة بالذراري و النساء. و هذا ما تقرؤه فيما يلي:


1) . وقعة صفّين: 341.

2) . وقعة صفّين: 465.

5 - إنّ الأشعث قام ليلة الهرير في أصحابه من كندة، فألقى خطاباً يتوخّى منه تثبيط العزائم و إيقاف الحرب لصالح معاوية، و كانت أمارات النصر لعلي ظاهرة، و قد رفعوا المصاحف على رءوس الأسنّة في نهار تلك الليلة، فقال في خطابه: «قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، و ما قد فني فيه من العرب، فو الله لقد بلغت من السن ما شاء اللّٰه أن أبلغ، فما رأيت مثل هذا اليوم قط، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب، انّا إن نحن توافقنا غداً انّه لفناء العرب وضيعة الحرمات، أما و اللّٰه ما أقول هذه المقالة جزعاً من الحتف و لكنّي رجل مسنّ أخاف على النساء و الذراري غداً إذا فنينا.

قال صعصعة: فانطلقت عيون معاوية إليه بخطبة الأشعث، فقال: أصاب و ربّ الكعبة، لئن نحن التقينا غداً لتميلنّ الروم على ذرارينا و نسائنا، و لتميلنّ أهل فارس على نساء أهل العراق و ذراريهم، و أنّما يبصر هذا ذوو الأحلام و النهى، اربطوا المصاحف على أطراف القنا.

فصار أهل الشام فنادوا في سواد الليل: يا أهل العراق من لذرارينا إن قتلتمونا و من لذراريكم إن قتلناكم، اللّٰه اللّٰه في البقية. فأصبح أهل الشام و قد رفعوا المصاحف على رءوس الرماح و قلَّدوها الخيل...(1).

6 - إنّ رفع المصاحف أوجد الفوضى في جيش علي عليه السلام و فرّقهم إلى فرقتين، فمنهم من يطلب مواصلة الحرب كعمرو بن الحمق و غيره، و منهم


1) . وقعة صفّين: 549-550.

من يصرّ على إنهائها، و منهم الأشعث فقام خطيباً مغضباً فقال: يا أمير المؤمنين أجب القوم إلى كتاب اللّٰه فإنّك أحقّ به منهم، و قد أحبّ الناس البقاء و كرهوا القتال.(1)

7 - و بعد ما رضي الإمام بالتصالح لأُمور تقدّمت، و توافق الطرفان على أن يبعث كلّ واحد حكماً، اختار الإمام أن يكون الحكم من قِبَلِه، ابن عباس، فلم يقبله الأشعث، و قال: و اللّٰه ما نبالي أ كنتَ أنت أو ابن عباس و لا نريد إلّا رجلاً هو منك و من معاوية سواء ليس إلى واحد منكما بأدنى من الآخر، قال علي: «إنّي اجعل الأشتر»، قال الأشعث: و هل سعّر الأرض علينا غير الأشتر.(2)

8 - كان الأشعث يتبجّح بكتاب الصلح و لمّا تمّت كتابته و شهد عليه شهود من الطرفين أخذ به و مرّ به على صفوف أهل الشام و العراق يعرضه عليهم، و استقبله أهل الشام بالرضا، و أمّا أهل العراق فقد أوجد فيهم فوضى فمنهم من رضى و منهم من حمل عليه هاتفاً بقوله: لا حكم إلّا للّٰه.(3)

و ممّا ذكرنا يظهر أنّ الرجل و إن لم يكن من الخوارج لكنّه إمّا كان عميلاً لمعاوية، كما هو الظاهر ممّا سردناه عليك، أو كان في نفسه شيء يجرّه إلى أن يتّخذ موقفاً خاصّاً مناوئاً لعليّ عليه السلام و لأجل ذلك كان ما ألقاه من كلام حول إيقاف الحرب فرصة لما يرومه معاوية من إنهاء الحرب و إيجاد


1) . وقعة صفّين: 551.

2) . وقعة صفّين: 572.

3) . وقعة صفّين: 588.

الفوضى، و بذلك تقف على صحّة ما ذكره ابن أبي الحديد: من أنّ كل فساد كان في خلافة عليّ فأصله الأشعث.

يقول اليعقوبي: لمّا رفعوا المصاحف و قالوا: ندعوكم إلى كتاب اللّٰه، فقال علي: إنّها مكيدة و ليسوا بأصحاب قرآن، فاعترض الأشعث بن قيس الكندي، - و قد كان معاوية استماله و كتب إليه و دعاه إلى نفسه فقال: قد دعوا القوم إلى الحقّ، فقال عليّ عليه السلام إنّهم إنّما كادوكم و أرادوا صرفكم عنهم، فقال الأشعث: و اللّٰه لئن لم تجبهم انصرفتُ عنك، و مالت اليمانية مع الأشعث، فقال الأشعث: و اللّٰه لتجيبنّهم إلى ما دعوا إليه أو لندفعنّك إليهم برمّتك.(1)

و يؤيّد ذلك ما ذكره المبرّد في كامله: لمّا استقرّت الخوارج في حروراء بعث علي عليه السلام إليهم صعصعة بن صوحان العبدي و زياد بن النضر الحارثي مع عبد اللّه بن عباس فقال لصعصعة: بأي القوم رأيتهم أشدَّ إطاقة؟ فقال: يزيد بن قيس الأرحبيّ، فركب علي إليهم إلى حروراء، فجعل يتخلّلهم حتى صار إلى مَضْرب يزيد بن قيس، فصلّى فيه ركعتين، ثمّ خرج فاتّكأ على قوسه، و أقبل على الناس، فقال: هذا مقام من فلج(2)فيه فلج يوم القيامة، ثمّ كلّمهم و ناشدهم، فقالوا: أنّا أذنبنا ذنباً عظيماً بالتحكيم، و قد تبنا، فتب إلى اللّٰه كما تبنا نعدلك، فقال علي عليه السلام: «أنا استغفر اللّٰه من كلّ ذنب»، فرجعوا معه و هم ستّة آلاف، فلمّا استقرّوا بالكوفة أشاعوا أنّ عليّاً عليه السلام رجع


1) . تاريخ اليعقوبي: 178/2 طبعة النجف.

2) . فلج فيه، من الفلج: و هو الظفر.

عن التحكيم، و رآه ظلالاً و قالوا: إنّما ينتظر أمير المؤمنين أن يسمن الكراع(1)و تجنى الأموال، ثمّ ينهض بنا إلى الشام، فأتى الأشعث عليّاً عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الناس قد تحدّثوا أنّك رأيت الحكومة ضلالاً و الإقامة عليها كفراً، فقام عليّ عليه السلام يخطب، فقال: «من زعم أنّي رجعت عن الحكومة فقد كذب، و من رآها ضلالاً فقد ضلّ»، فخرجت حينئذ الخوارج من المسجد فحكَّمت.(2)

قال ابن أبي الحديد: إنّ الخوارج لمّا قالوا لعليّ: تب إلى اللّٰه ممّا فعلت كما تبنا، ننهض معك إلى حرب الشام، فقال لهم عليّ: كلمة مجملة مرسلة يقولها الأنبياء و المعصومين، و هي قوله:

«استغفر اللّٰه من كلّ ذنب» فرضوا بها و عدّوها إجابة لهم إلى سؤالهم، وصفت له عليه السلام نيّاتهم، و استخلص بها ضمائرهم، من غير أن تتضمّن تلك الكلمة اعترافاً بكفر أو ذنب فلم يتركه الأشعث، و جاء إليه مستفسراً و كاشفاً عن الحال و هاتكاً ستر التورية و الكناية، فانتقض ما دبّره، و عاد الخوارج إلى شبهتهم الأُولىٰ، و راجعوا التحكيم و المروق.(3)


1) . الكراع: اسم للخيل.

2) . الكامل للمبرّد: 155/2، و في المصدر: فقال الصعصعة و الصحيح ما أثبتناه.

3) . شرح نهج البلاغة: 280/2.

هل العصبية القبلية دفعت الأشعث إلى المخالفة؟

من هذا البحث إنصافاً تقف على قيمة ما يذكره البعض و هو أنّ العصبية القبلية أثّرت في انحراف الأشعث عن علي، بل مهّدت لنشوء الخوارج و ظهورهم في الساحة، و ذلك بحجة أنّ الأشعث اعترض على ترشيح عبد اللّه بن عباس ممثّلاً لعليّ، و قال: لا و اللّٰه لا يحكم فيها مُضريان حتى تقوم الساعة، و لكن اجعله من أهل اليمن، إذا جعلوا (أهل الشام) رجلاً من مضر. فقال علي: «إنّي أخاف أن يُخْدَع يَمَنِيَّكُم، فإنّ عمراً ليس من اللّٰه في شيء إذا كان له في أمر هوى»، فقال الأشعث: و اللّٰه لأن يحكما ببعض ما نكرهه و أحدهما من أهل اليمن أحبّ إلينا من أن يكون بعض ما نحبّ في حكمهما و هما مضريان.(1)

إنّ تحليل انحراف الأشعث عن عليّ عليه السلام و إيجاده الفوضىٰ في قسم كبير من جيشه بهذا العامل النفسي ضعيف جداً، و لا ننكر أن يكون لهذا العامل أيضاً رصيداً في ما كان يضمره و يعمله.

و أبعد من ذلك تحليل نشوء الخوارج في ساحة القتال بالعصبية القبلية، انّها أنجبت حركة الخوارج فصارت عصبيتهم الموجّهة ضدّ قريش و سلطانها المتجسّد في الحكومة العلوية يومذاك، سبباً لتلك الحركة الهدّامة


1) . الخوارج في العصر الأُموي: 25. و ما نقله عن الأشعث، ذكره ابن مزاحم في وقعة صفّين: 500.

بشهادة أنّا لا نجد في صفوف الخوارج قرشياً واحداً بل على العكس من ذلك فإنّهم كانوا يحملون لواء التمرّد على قيادتها.(1)

إنّ تحليل هذه الحركة الكبيرة من بدئها إلى نهايتها بهذا العامل النفسي أشبه بتعليل الهزّة الكبيرة الموجبة لانهدام المدن و القرى، بسقوط صخرة من أعلى الجبل إلى هوّة سحيقة، نعم لا يمكن إنكار العصبية القبلية بين جميع القبائل العربية، خصوصاً بين قبيلتي تميم و قريش، و لكنّه ليس بمعنى أنّه الباعث و العامل المحدِث لهذه الضجّة الكبيرة التي شغلت بال المسلمين و الخلفاء طوال قرون، بل العامل لحدوث هذه الحركة هو ما عرفته في المقام و في الفصل الثالث عند البحث عن نشوء الخوارج.



1) . الخوارج في العصر الأُموي: 28.

الفصل الثامن: الخوارج في عصر معاوية بن أبي سفيان

اشارة

قد تعرّفت على مأساة التحكيم و ما خلّف من آثار و نتائج سيّئة في جيش الإمام و أصحابه حيث فرّقهم و شقَّ شملهم، فانقلب الإخوان أعداءً، و أصبح الأنصار معارضين، إلى أن أدّى ذلك إلى حروب دامية ضدّ إمامهم أمير المؤمنين و لم يبرحوا حتىٰ قضوا على حياته حيلة و غيلة.

لقد بذر معاوية تلك البذرة في جيش الإمام، و لم يدر بخلده أنّ هذه البذرة سوف تنمو و تكون أشواكاً تعكّر عليه صفو خلافته، و تشغل باله عشرين سنة إلى العام الذي هلك فيه، فحصد ما زرع و وقع بالحفرة التي حفرها، و سوف نذكر الحروب و الانتفاضات التي جرت في عهد معاوية بعد أن تسنّم عرش الخلافة من عام 41 إلى 60 من الهجرة.

نعم لم تقف انتفاضاتهم بهلاك معاوية، بل استمرّت بعد هلاكه، و على طول عهد بني أُميّة، غير انّا نكتفي بما جرى في عهد معاوية و بعده بقليلٍ، ليكون نموذجاً لسائر الثورات التي قاموا بها إلى أواخر العصر الأموي. فكانوا مثلاً لقوله سبحانه: «أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذٰاقُوا وَبٰالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ»(1).

و قبل ذلك نلفت نظر القارئ إلى هذه الانتفاضات من زاوية أُخرى،


1) . التغابن: 5.

فالخوارج و إن قاموا في وجه الطغاة اللئام من بني أُميّة فثاروا عليهم هنا و هناك بصورة عشوائية و متفرّقة، فأسهروا عيونهم و زعزعوا كيانهم، و لكنّهم أيضاً ذاقوا وبال أمرهم لأنّهم عصوا إمامهم، و قلّبوا الأُمور عليه، و أوجدوا الفوضى في عصره، فصدق فيهم قول الإمام و هو يخاطبهم: «أما إنّكم ستلقون بعدي ذلاً شاملاً، و سيفاً قاطعاً، يتّخذها الظالمون فيكم سنّة».(1)

و هذا الكلام تنبّؤ من الإمام عن مستقبلهم المظلم، و يحقّ له هذا التنبّؤ، كيف و هو باب علم النبي صلى الله عليه و آله و سلم، نعم احتمل ابن أبي الحديد أن يكون دعاءً أيضاً و قال: و هذه المخاطبة لهم و هذا الدعاء عليهم، و هذه الأخبار عن مستقبل حالهم، و قد وقع ذلك، فإنّ اللّٰه تعالى سلّط على الخوارج بعده الذلّ الشامل، و السيف القاطع، و الاثرة من السلطان، و ما زال حالهم يضمحل حتى أفناهم اللّٰه تعالى و أفنى جمهورهم.

ثمّ إنّ ابن أبي الحديد ذكر في أخبارهم شيئاً كثيراً و أطنب الكلام في سيف المهلّب بن أبي صفرة و بنيه على الخوارج، و انّ نتيجته كانت الحتف القاضي، و الموت الزءوم للخوارج.

إنّ موسوعتنا هذه موسوعة تاريخ العقائد، لا تاريخ الأقوام، و لأجل ذلك ضربنا صفحاً عن نقل جميع الانتفاضات التي أقامها الخوارج في الشهود المختلفة، و في أماكن متفرّقة، و اكتفينا بما قاموا به في العصر الأموي،


1) . نهج البلاغة: الخطبة 58.

و خصّصنا بالذكر خصوص ما يرجع إلى عهد معاوية بن أبي سفيان زارع هذه البذرة، و حاصد نتائجها الدنيوية، و حافر تلك الحفرة و الواقع فيها، و طلباً للإكمال نشير إلى الانتفاضات الواقعة بعد عهد معاوية بوجه موجز.

اغتيل الإمام علي عليه السلام بيد أشقىٰ الأوّلين و الآخرين على ما وصفه الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم في حديثه(1)و قضى نحبه فبويع الحسن خليفة بعد أبيه و تمّت له البيعة في رمضان سنة أربعين، و كان معاوية يتحيّن الفرص ليسيطر على العراق كما سيطر على مصر و يأخذ بمقاليد الحكم، و قد أعطاه قتل الإمام فرصة لبسط نفوذه على العراق و خلع الحسن عن الحكم، فقدّم أمامه عبد اللّه بن عامر ليفتح الطريق إلى معاوية، ثمّ غادر هو الشام متوجّهاً إلى العراق.

و لمّا وقف الحسن على خطّة معاوية و انّه بصدد مواجهته بالقوّة العسكرية قدّم كتائب من جيشه و على رأسهم كتيبة قيس بن سعد بن عبادة، و خرج هو من الكوفة حتى نزل المدائن مستعدّاً لمواجهة معاوية، غير أنّ الحوادث المريرة - التي ليس المقام مناسباً لذكرها - خيَّبتْ أمله، فلم يرَ بدّاً من التنازل عن الحكم و تسليم الأمر إلى معاوية من خلال وثيقة الصلح، و كيف لا يكون مضطرّاً إلى التصالح و قد أعرب عن اضطهاده و تخاذل أصحابه و نهب ماله قبل مواجهة العدوّ، فقام خطيباً و قال: «يا أهل العراق إنّه


1) . تذكرة الخواص: 158.

سخّى بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، و طعنكم إيّاي، و انتهابكم متاعي».(1)

أخذ معاوية بمقاليد الحكم و كان يتبجّح بأنّه أزال جميع الموانع التي كانت تقف في طريقه لتولّي سدّة الحكم، لكنّه كان غافلاً عن أنّ البذرة التي بذرها في صفّين لأجل إيجاد الفرقة في صفوف جيش عليّ سوف تنمو و يأكل من ثمرها و تكون عليه ضدّاً، فإن تسليم الحسن الحكم لمعاوية، و مبايعة أهل العراق له قد أغضب رءوس الخوارج المختفين في جيش الحسن و المتفرّقين في البلاد، إذ شعروا أنّ هذا التصالح خطر على كيانهم و وجودهم، و لأجل ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم لمحاربة النظام الجديد كما حاربوا النظام السابق، فالخوارج كانوا ينظرون إلى عليّ عليه السلام و معاوية بمنظار واحد بعد قضية التحكيم و إن كان عليّ عليه السلام في نظرهم إماماً عادلاً محقّاً قبل التحكيم.

و إليك بعض حروبهم في عصر معاوية على وجه الإجمال:

1 - خروج فروة بن نوفل: يقول الطبري: و في هذه السنة سنة 41 خرجت الخوارج التي اعتزلت أيام عليّ عليه السلام ب «شهرزور» على معاوية، فلمّا قدم معاوية العراق قبل أن يبرح الحسن من الكوفة حتى نزل النخيلة فقالت الحرورية الخمسمائة التي كانت اعتزلت ب «شهرزور» مع فروة بن نوفل الأشجعي: قد جاء الآن ما لا شكّ فيه، فسيروا إلى معاوية نجاهده، فأقبلوا


1) . تاريخ الطبري: 122/4. و قد ذكر الطبري صورة وثيقة الصلح في ذلك المقام و لكن ما ذكره لا يشتمل على جميع بنود الصلح. و من أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب «صلح الحسن» للشيخ راضي آل ياسين.

و عليهم فروة بن نوفل حتى دخلوا الكوفة فأرسل إليهم معاوية خيلاً من خيل أهل الشام فكشفوا أهل الشام، فقال معاوية لأهل الكوفة:

لا أمان لكم و اللّٰه عندي حتى تكفّوا بوائقكم، فخرج أهل الكوفة إلى الخوارج فقاتلوهم، فقالت لهم الخوارج: ويلكم ما تبغون منّا، أ ليس معاوية عدوّنا و عدوّكم، دعونا حتى نقاتله و إن أصبناه كنّا قد كفينا كم عدوّكم، و إن أصابنا كنتم قد كفيتمونا، قالوا: لا و اللّٰه حتى نقاتلكم، فقالوا: رحم اللّٰه إخواننا من أهل النهر هم كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة، و أخذت أشجع(1)صاحبهم فروة و كان سيد القوم و استعمل الخوارج عليهم عبد اللّه بن أبي الحر(2)، رجلاً من طيّ، فقاتلوهم، فقتلوا.(3)

و ممّا يذكره المؤرّخون من حديث معركة النخيلة: انّ قبيلة أشجع تمكّنت من أخذ فروة بن نوفل من بين أصحابه الخوارج، فولّى الخوارجُ عليهم عبد اللّه بن أبي الحرباء، فقتل في أثناء المعركة، فولّى الخوارج عليهم حوثرةَ بن وداع بن مسعود الأسدي، فعاد إلى النخيلة، فأرسل إليه معاوية أباه، لعلَّه يردُّه و قال له:

اخرج إلى ابنك فلعلَّه يرقُّ إذا رآك.

فخرج إليه و كلّمه و ناشده و قال:


1) . اسم قبيلة من قبائل الكوفة، و المراد أنّ القبيلة التي كانت تحمي معاوية أخذت فروة بن نوفل رئيس الخوارج.

2) . و في الكامل لابن الاثير: 305/3-306: (عبد اللّه بن أبي الهوساء).

3) . تاريخ الطبري: 126/4.

أ لا أجيئك بابنك؟ فلعلّك إذا رأيتَه كرهتَ فراقه.

فقال حوثرة: إنّي إلى طعنة من يد كافر يرمح القلب فيها ساعة، أشوق منّي إلى ابني.

فرجع أبوه و أخبر معاوية بقوله.

فأرسل معاوية إليهم جنداً فقتلوهم جميعا.(1)

2 - خروج شبيب بن بجرة: كان شبيب مع ابن ملجم حين قتل عليّاً، فلمّا دخل معاوية الكوفة أتاه شبيب متقرّباً و قال: أنا و ابن ملجم قتلنا عليّاً، فوثب معاوية من مجلسه مذعوراً حتىٰ دخل منزله و بعث إلى أشجع، فقال: لئن رأيت شبيباً أو بلغني أنّه ببابي لأهلكنّكم، أخْرِجوه من بلدكم، و كان شبيب إذا جنّ عليه الليل خرج فلم يلق أحداً إلّا قتله، فلمّا ولي المغيرة بن شعبة الكوفة، خرج عليه بالطفّ قريب الكوفة، فبعث إليه المغيرة خيلاً عليها خالد بن أرفطة، و قيل معقل بن قيس، فاقتتلوا فقتل شبيب و أصحابه.(2)

هذه عبرة خاطفة عن ثورات الخوارج في الكوفة، قبل أن يولّى المغيرة بن شعبة من قبل معاوية، و بعد ما تولّى هو الكوفة كانت لهم ثورات أخمدها المغيرة بدهائه و سيفه و إليكها مجملة:


1) . الخوارج في الإسلام: 31.

2) . الكامل لابن الأثير: 206/3.

الخوارج و المغيرة بن شعبة والي معاوية في الكوفة:

غادر معاوية الكوفة إلى الشام و استعمل عبد اللّه بن عمرو بن العاص على الكوفة، فأتاه المغيرة بن شعبة فقال له: استعملت عبد اللّه على الكوفة، و أباه على مصر، فتكون أميراً بين نابي الأسد، فعزله عنها و استعمل المغيرة على الكوفة، و لمّا بلغ عمرو ما قاله المغيرة، دخل على معاوية فقال: استعملت المغيرة على الخراج فيغتال المال و لا تستطيع أن تأخذه منه، استعمل على الخراج رجلاً يخافك و يتّقيك، فعزله عن الخراج و استعمله على الصلاة.

فلقى المغيرة عمرو، فقال عمرو: أنت المشير على أمير المؤمنين بما أشرت به في عبد اللّه؟ قال: نعم. قال: هذه بتلك.(1)و كان المغيرة يمثّل سياسة معاوية مع الخوارج فيقاتلهم تارة و يعفو عنهم أُخرى، يقول الطبري: بعث معاوية المغيرة بن شعبة والياً على الكوفة، فأحبّ العافية و أحسن في الناس السيرة و لم يفتّش أهل الأهواء عن أهوائهم، و كان يؤتى فيقال له: إنّ فلاناً يرى رأي الشيعة، و إنّ فلاناً يرى رأي الخوارج، فكان يقول: قضى اللّٰه أن لا تزالون مختلفين، و سيحكم اللّٰه بين عباده في ما كانوا فيه يختلفون، فأمنه الناس.(2)و إليك بعض مواجهاته مع الخوارج.


1) . تاريخ الطبري: 127/4؛ الكامل لابن الأثير: 206/3. هؤلاء هم الصحابة العدول الذين يؤخذ عنهم الدين و الفتوى!!.

2) . تاريخ الطبري: 132/4.

3 - خروج معين الخارجي: بلغ المغيرة أنّ معين بن عبد اللّه يريد الخروج فأرسل إليه و عنده جماعة فأُخذ و حبس، و بعث المغيرة إلى معاوية يخبره أمره، فكتب إليه: إنْ شهد أنّي خليفة فخلّ سبيله، فأحضره المغيرة و قال له: أتشهد أنّ معاوية خليفة و أنّه أمير المؤمنين؟ فقال: أشهد أنّ اللّٰه عزّ و جلّ حقّ و أنّ الساعة آتية لا ريب فيها و أنّ اللّٰه يبعث من في القبور، فأمر به فقتل.(1)

4 - خروج أبي مريم مولى بني الحرث بن كعب: ثمّ خرج أبو مريم مولى بني الحرث بن كعب و معه امرأتان قطام و كحيلة، و كان أوّل من أخرج معه النساء، فعاب ذلك عليه أبو بلال بن أدية، فردّه أبو مريم بأنّه قد قاتل النساء مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و مع المسلمين بالشام، و سأردّهما، فردّهما، فوجّه إليه المغيرة جابر البجلي، فقاتله فقتل أبو مريم و أصحابه ب «بادوريا».(2)

5 - خروج أبي ليلى: و كان أبو ليلىٰ رجلاً أسود طويلاً، فأخذ بعضادتي باب المسجد بالكوفة و فيه عدّة من الأشراف، و حكم بصوت عال، فلم يعرض له أحد، فخرج و تبعه ثلاثون رجلاً من الموالي، فبعث إليه المغيرة معقل بن قيس الرياحي فقتله بسواد الكوفة سنة اثنتين و أربعين.(3)

6 - خروج المستورد: إنّ الخوارج في أيّام المغيرة بن شعبة فزعوا


1) . الكامل لابن الأثير: 206/3.

2) . الكامل لابن الأثير: 206/3-207.

3) . الكامل: 207/3.

إلى ثلاثة نفر: 1 - المستورد بن علفة التيمي 2 - حيان بن ظبيان السلمي 3 - معاذ بن جوين الطائي، فاجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان فتشاوروا في مَن يولّون عليهم، فبايعوا المستورد لأنّه أسنّ الثلاثة و استعدّوا للخروج في غرّة هلال شعبان سنة 43.(1)

ثمّ إنّ قبيصة بن الدمون أتى المغيرة و كان على شرطته، فأخبر أنّ الخوارج قد اجتمعوا في منزل حيّان بن ظبيان، و قد اتّعدوا أن يخرجوا إليك في غرة شعبان، فقال المغيرة: سِرْ بالشرطة حتّى تحيط بدار حيّان بن ظبيان فأتني به، و هم لا يرون إلّا أنّه أمير تلك الخوارج، فسار قبيصة بالشرطة و في كثير من الناس، فلم يشعر حيّان بن ظبيان إلّا و الرجال معه في داره نصف النهار و إذا معه معاذ بن جوين و نحو من عشرين رجلاً من أصحابهما، فاستسلموا فانطلق بهم إلى المغيرة بن شعبة، فقال لهم المغيرة: ما حملكم على ما أردتم من شقّ عصا المسلمين، قالوا له: أمّا اجتماعنا في هذا المنزل فإنّ حيّان بن ظبيان أقرأنا القرآن، فنحن نجتمع عنده في منزله، فنقرأ القرآن عليه، قال: فاذهبوا بهم إلى السجن، فلم يزالوا فيه نحواً من سنة.(2)

و أمّا المستورد، فقد ذكر الطبري في تاريخه(3)و ابن الأثير في كامله(4)ثورته على وجه التفصيل و نحن نذكر ملخّصها حسب ما قام به


1) . تاريخ الطبري: 133/4-134.

2) . تاريخ الطبري: 138/4؛ الكامل: 210/3-212.

3) . تاريخ الطبري: 138/4-161.

4) . الكامل: 212/3-217.

الدكتور نايف معروف في كتابه «الخوارج في العصر الأموي»: و أمّا المستورد، فإنّه نزل داراً في الحيرة بعيداً عن أعين الحرّاس. و لكن لمّا أخذت الخوارج تفد عليه، و انكشف أمره، أمر أصحابه بالرحيل عنها، فتحوّلوا إلى دار سليم بن مخدوج العبدي، في بني سلمة من عبد القيس، و كان صهراً للمستورد لا يرى رأيه في الخروج. و لمّا شاع خبر تحرّك الخوارج، أدرك المغيرة خطورة الأمر، فجمع رؤساء القبائل و خطبهم فقال: فليكفين كلّ امرئ من الرؤساء قومه، و إلّا فو الذي لا إله غيره لأتحولنّ عمّا كنتم تعرفون إلى ما تنكرون، و عمّا تحبّون إلى ما تكرهون فلا يلم لائم إلّا نفسه، و قد أُعذر من أنذر.

أخذ زعماء القبائل إنذار المغيرة موضع جدّ و اهتمام، فعادوا إلى قبائلهم و بادروا في البحث عن مثيري الفتنة في صفوفهم، و جاء صعصعة بن صوحان إلى عبد القيس، فحذّرهم من إيواء هؤلاء المارقة، فتراجع كثيرون عن اللحاق بالخوارج.

و لمّا علم المستورد بتهديد المغيرة لرؤساء القبائل، و تجنباً لإحراج أصهاره، أمر أصحابه بالرحيل، فخرجوا عن ديار عبد القيس، و ساروا إلى الصراة و منها إلى «بهرسير» و عزموا على دخول المدينة العتيقة التي كانت بها منازل كسرىٰ فردّهم عنها عاملها سماك بن عبيد الأزدي العبسي. ثمّ حاول أن يردّهم عن خروجهم، و يأخذ لهم الأمان، فأبى المستورد، و عبر «جراجرايا» و مضى بأصحابه إلى أرض جوخى، حتى بلغ المذار، و نزلوا هناك.

فبعث إليهم المغيرة جيشاً، قوامه ثلاثة آلاف رجل من نقاوة الشيعة، على رأسهم معقل بن قيس الرياحي التميمي الشيعي، فأرسل معقل في أثرهم أبا الرواغ الشاكري في ثلاثمائة من الفرسان، فلحقهم حتى أدركهم في أرض المذار. و حينذاك استشار أصحابه في قتالهم أو انتظار قدوم معقل عليه، فاختلف أصحابه بين مؤيّد و معارض. و أخيراً تنحّى جانباً. ثمّ تقدم معقل في سبعمائة من فرسانه و التقى الخوارج فانهزم كثيرون من أصحابه و لم يثبت سوى معقل و أبي الرواغ في نحو مائتين من الفرسان. و وصلت مؤخّرة الجيش و توافقوا للقتال. و في تلك الأثناء جاءت الخوارج الأخبار بأنّ شريك بن الأعور قد أقبل في ثلاثة آلاف من أهل البصرة، فاقترح المستورد على أصحابه أن ينحازوا ثانية، عن أرض البصرة و أن يعودوا إلى أرض الكوفة، لأن البصريين لا يحاربون خارج دائرتهم، فانسحبوا من مواقعهم و تسلّلوا إلى أرض الكوفة حتى بلغوا جراجرايا، و قد أصاب حدسُهم، فإنّ البصريين رفضوا اللحاق بهم، فمضى الخوارج في طريقهم و عبروا دجلة و نزلوا في أرض بهرسير.

و هناك بالقرب من ساباط كان اللقاء الحاسم فاشتدّ القتال بين الفريقين، و كادت الدائرة تدور على أهل الكوفة لو لا ثبات معقل في عدد من فرسانه، و نجدة أبي الرواغ الذي كان أبعده المستورد عن ساحة المعركة بحيلة حربية، أمّا المستورد، فإنّه نادى معقلاً و دعاه للمبارزة، فحاول أصحابه منعه من ذلك، فأبى و خرج إليه معقل، فاختلفا ضربتين، فقتل كل واحد منهما صاحبه. و كان قد أوصى بالإمارة من بعده إلى عمرو بن محرز ابن شهاب التميمي، الذي أخذ الراية بعد مقتله

و حمل على الخوارج فقتلوهم و لم ينج منهم إلّا بضعة رجال فرّوا من أرض المعركة.(1)

7 - خروج الموالي لصالح الخوارج: إنّ الموالي في العصر الأموي كانوا تحت الضغط يحقّرون بأنّهم غير عرب، فلأجل ذلك لا عجب إذا رأينا صلة بينهم و بين الخوارج فإنّهم و إن كانوا لا يتبنّون مبادئ الخوارج و لكن كانوا يلتقون معهم بعدائهم للحكومة الأموية، و لأجل ذلك نجد أنّ عصابة من الموالي خرجت من الكوفة فبعث إليهم المغيرة رجلاً من بجيلة، فقاتلهم و قضى عليها، و هؤلاء أوّل خارجة خرج فيها الموالي.(2)

8 - خروج حيان بن ظبيان السلمي: و في سنة خمسين توفّي المغيرة بن شعبة، و هو ابن سبعين، و قد سجن كثيراً من الخوارج و قد أفرج عنهم بعد موته، و لمّا ولي على الكوفة عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عثمان بن ربيعة الثقفي، و هو ابن أُمّ الحكم، أُخت معاوية بن أبي سفيان عادوا للخروج. يقول الطبري: إنّ حيان بن ظبيان السلمي، جمع إليه أصحابه، فدعاهم إلى الجهاد، و أدعم رأيه معاذ بن جوين الطائي، و بايع القوم حيان بن ظبيان، ثمّ اجتمعوا في منزل معاذ بن جوين بن حصين الطائي، فقال لهم حيان: عباد اللّٰه أشيروا برأيكم أين تأمروني أن أخرج؟ فقال له معاذ: إنّي أرى أن تسير بنا إلى «حلوان» فلم يقبله حيان، فقال له: عدوّك معاجلك قبل اجتماع الناس إليك، و رأى الخروج إلى جانب الكوفة، و لم يرض به أصحابه، فقال لهم


1) . الخوارج في العصر الأُموي: 118-119.

2) . تاريخ اليعقوبي: 221/2.

معاذ بن جوين: سيروا بنا فلننزل ب «انقيا» فخرجوا فبُعِثَ إليهم جيش فقتلوا جميعاً، و ذلك في عام تسعة و خمسين.

و يقول الطبري: و في هذه السنة اشتدّ عبيد اللّٰه بن زياد على الخوارج و قتل منهم صبراً جماعة كثيرة، و في الحرب جماعة أُخرىٰ، و ممّن قتل منهم صبراً: عروة بن ادية أخو أبي بلال مرداس بن ادية.(1)

الخوارج في البصرة:

لم تكن الكوفة و ضواحيها هي المركز الوحيد لحركة الخوارج و ثوراتهم في أوائل العصر الأموي، فقد كانت البصرة مثل الكوفة مركزاً لنشاطهم و خروجهم.

فقد خرج حمران بن أبان على البصرة في عام 41 فبعث معاوية بسر بن أرطاة فقتله و أخمد الثورة، ثمّ عزله معاوية و استعمل مكانه عبد اللّه بن عامر فخرج في عصره سهم بن غالب الهجيني في سبعين رجلاً، فخرج إليه ابن عامر ففرّق شملهم حتّى اضطرّوا إلى الأمان.

و لمّا ولّى معاوية زياداً على البصرة في سنة 45، فوجدها تعج من الخوارج، و كانت لهم انتفاضات واحدة بعد أُخرى و لكن لم يكن النجاح حليفاً لهم.(2)و نذكر هنا أهمّها على وجه الإجمال:


1) . تاريخ الطبري: 231/4.

2) . تاريخ الطبري: 172/4.

9 - خروج الخطيم الباهلي و سهم بن غالب الهجيني: خرج سهم إلى الأهواز فأحدث و حكم ثمّ رجع فاختفى و طلب الأمان، فلم يؤمنه زياد و طلبه حتى أخذه و قتله و صلبه على بابه.

و أمّا الخطيم فسيّره إلى البحرين، ثمّ أذن له فقدم، و لمّا أخلّ بما أمره به زياد أمر بقتله و أُلقي في عشيرته (باهلة).(1)

10 - خروج قريب بن مرة و زحّاف الطائي: خرج هذان الرجلان في إمارة زياد بالبصرة فاعترضا الناس فلقيا شيخاً ناسكاً من بني ضبيعة فقتلاه، فخرج رجل من بني قطيعة من الأزد و في يده السيف، فناداه الناس من ظهور البيوت الحرورية: اُنج بنفسك، فنادوه (قريب و زحاف و من معهما): لسنا حرورية، نحن الشرط، فوقف فقتلوه. ثمّ جعلا لا يمرّان بقبيلة إلّا قتلا من وجدا.

حتّى مرّا على بني علي بن سود من الأزد و كانوا مائة فرموهم رمياً شديداً فصاحوا: يا بني علي، البُقْيا، لا رمَاء بيننا، قال رجل من بني علي :

لا شيء للقوم سوى السهام *** مشحوذةً في غلس الظلام

ففرّ عنهم الخوارج، إلى أن واجهوا بنو طاحية من بني سود، و قبائل من مزينة و غيرها، و وقع الحرب، فقتل الخوارج عن آخرهم، و قتل قريب و زحاف و قد كان عمل هؤلاء منفِّراً على حدّ، تبرّأ عنهم بعض الخوارج، و نقل ابن أبي الحديد عن أبي بلال مرداس بن أُدَيَّة انّه قال: قريب، لا قرّبه


1) . تاريخ الطبري: 172/4؛ الكامل في التاريخ: 225/3.

اللّٰه، و زحاف لا عفا اللّٰه عنه، ركباها عشواء مظلمة - يريد اعتراضهما الناس -. و نسب الطبري هذا القول إلى سعيد بن جبير.(1)

و قال الجزري: و اشتد زياد في أمر الخوارج فقتلهم، و أمر سمرة بذلك فقتل منهم بشراً كثيراً، و خطب زياد علىٰ المنبر و قال: و اللّٰه لتكفّننّي هؤلاء، أو لأبدأنَّ بكم، و اللّٰه لإن أُفلِتَ منهم رجل، لا تأخذون العام من عطياتكم درهماً، فثار الناس بهم فقتلوهم.(2)

11 - خروج زياد بن خراش العجلي: خرج زياد بن خراش العجلي في ثلاثمائة فارس فأتى أرض مسكن من السواد فسيَّر إليه زياد خيلاً عليها سعد بن حذيفة أو غيره فقتلوهم، و قد صاروا إلى مائة.(3)

12 - خروج معاذ الطائي: و خرج على زياد أيضاً رجل من طي يقال له معاذ، فأتىٰ نهر عبد الرحمن بن أُمّ الحكم في ثلاثين رجلاً في سنة 51، فبعث إليه زياد من قتله و أصحابه، و قيل بل حلّ لواءه و استأمن.(4)

13 - خروج طواف بن غلاق: توفّي زياد بن أبيه بالكوفة في شهر رمضان سنة 53، ثمّ إنّ معاوية ولّى ابنه عبيد اللّٰه بن زياد على البصرة عام 55 فكانت سيرته مع الخوارج نفس سيرة أبيه، فاشتدّ عليهم و قتل منهم جماعة كثيرة، فقد بلغه أنّ قوماً من الخوارج بالبصرة يجتمعون إلى رجل اسمه


1) . تاريخ الطبري: 176/4-177؛ شرح نهج البلاغة: 135/4؛ الكامل للمبرّد: 180/2.

2) . الكامل في التاريخ: 229/3.

3) . الكامل في التاريخ: 244/3.

4) . الكامل في التاريخ: 244/3.

«جدار» فيتحدّثون عنده و يعيبون السلطان، فأخذهم ابن زياد فحبسهم، ثمّ دعا بهم و عرض عليهم أن يقتل بعضهم بعضاً و يخلّي سبيل القاتلين، ففعلوا، فأطلقهم، فكان ممّن قتل طواف، فعذلهم أصحابهم و قالوا: قتلتم إخوانكم؟ قالوا: أُكْرِهْنٰا و قد يكره الرجل على الكفر و هو مطمئن بالإيمان، و ندم طواف و أصحابه، فقال طواف: أما من توبة؟ فكانوا يبكون و عرضوا على أولياء من قتلوا، الدية، فأبوا، و عرضوا عليهم القود، فأبوا.

ثمّ لقى طواف، ابن ثور السدوسي، فقال له: أ ما ترى لنا من توبة؟ فقال: ما أجد لك إلّا آية في كتاب اللّٰه عزّ و جلّ: «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هٰاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مٰا فُتِنُوا ثُمَّ جٰاهَدُوا وَ صَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهٰا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ»(1).

فدعا طواف أصحابه إلى الخروج و إلى أن يفتكوا بابن زياد، فبايعوه في سنة ثمان و خمسين، و كانوا سبعين رجلاً من بني عبد القيس بالبصرة، فسعى بهم رجل من أصحابهم إلى ابن زياد فبلغ ذلك طوافاً، فعجّلوا الخروج فخرجوا من ليلتهم، فقتلوا رجلاً و مضوا إلى الجلحاء، فندب ابن زياد الشرط البخارية، فقاتلوهم فانهزم الشرط حتّى دخلوا البصرة و ذلك يوم عيد الفطر و كثّرهم الناس فقاتلوا فقتلوا، و بقى طواف في ستة نفر و عطش فرسه فأقحمه الماء فرماه البخارية بالنشاب حتّى قتلوه و صلبوه ثمّ دفنه أهله.(2)


1) . النحل: 110.

2) . الكامل في التاريخ: 254/3.

14 - خروج عروة بن أُديّة: إنّ عبيد اللّٰه بن زياد خرج في رهان له، فلمّا جلس ينتظر الخيل، اجتمع الناس و فيهم عروة بن أُدية، فأقبل على ابن زياد فقال: خمس كن في الأُمم قبلنا، فقد صرن فينا: «أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَ تَتَّخِذُونَ مَصٰانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَ إِذٰا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّٰارِينَ»(1).

و خصلتين أُخريين لم يحفظهما جرير (الراوي)، فلمّا قال ذلك ظنّ ابن زياد انّه لم يجتر على ذلك إلّا و معه جماعة من أصحابه، فقام و ركب و ترك رهانه. فقيل لعروة: ما صنعت تعلمنّ و اللّٰه ليقتلنك، فتوارى فطلبه ابن زياد، فأتىٰ الكوفة، فأخذ بها، فقدم به على ابن زياد، فأمر به فقطعت يداه و رجلاه، ثمّ دعا به فقال: كيف ترى؟ قال: أرى أنَّك أفْسدتَ دنياي و أفسدتُ آخرتك، فقتله و أرسل إلى ابنته فقتلها.(2)

15 - خروج مرداس به أُديَّة: قال الطبري: حبس ابن زياد فيمن حبس مرداس بن ادية، فكان السجَّان يرى عبادته و اجتهاده، و كان يأذن له في الليل فينصرف فإذا طلع الفجر أتاه حتى يدخل السجن، ثمّ إنّه أُفرج عنه بشفاعة السجّان.(3)

يقول المبرّد: كان مرداس قد شهد صفّين مع علي بن أبي طالب - صلوات اللّٰه عليه - و أنكر التحكيم، و شهد النهر، و نجا فيمن نجا، و بعد ما


1) . الشعراء: 128-130.

2) . تاريخ الطبري: 231/4-232؛ الكامل في التاريخ: 255/3.

3) . تاريخ الطبري: 232/4.

خرج من حبس ابن زياد عزم الخروج، فقال لأصحابه: إنّه و اللّٰه ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانبين للعدل، مفارقين للفصل، و اللّٰه إنّ الصبر على هذا لعظيم، و إنّ تجريد السيف و إخافة السبيل لعظيم، و لكنّا ننتبذ عنهم و لا نجرّد سيفاً و لا نقاتل إلّا من قاتلنا. فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلاً، فلمّا مضى بأصحابه لقى عبد اللّه بن رباح الأنصاري، و كان له صديقاً فقال له: أين تريد؟ قال:

أُريد أن أهرب بديني و أديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة، فقال له: أعلم بكم أحد؟ قال: لا. قال: فارجع، قال: أو تخاف عليّ مكروهاً؟ قال:

نعم و أن يؤتىٰ بك، قال: لا تخف فإنّي لا أُجرّد سيفاً و لا أُخيف أحداً و لا أُقاتل إلّا من قاتلني، ثمّ مضى حتى نزل «آسك» و هي ما بين رامهرمز و ارجان، فمرّ به مال يحمل لابن زياد، و قد قارب أصحابه الأربعين، فحطّ ذلك المال، و أخذ منه عطاءه و أعطيات أصحابه، و ردّ الباقي على الرسل و قال: قولوا لصاحبكم: إنّما قبضنا أعطياتنا، فقال بعض أصحابه: فعلام ندع الباقي؟ فقال: إنّهم يقسمون هذا الفيء، كما يقيمون الصلاة فلا نقاتلهم.

كل ذلك دليل على عدم تطرّفه و اعتداله و انّه أحسّ بعقله أو بدينه أن مآل التطرّف هو الموت و الزوال.

و ممّا يدل على اعتداله - خلافاً لمن سبق عليه - أنَّ رجلاً من أصحاب ابن زياد، قال: خرجنا في جيش نريد خراسان، فمررنا ب «آسك» فإذا نحن بهم ستة و ثلاثين رجلاً، و صاح بنا أبو بلال: أ قاصدون لقتالنا أنتم؟

و كنت أنا و أخي قد دخلنا زربا(1)، فوقف أخي ببابه و قال: السّلام عليكم، فقال مرداس: و عليكم السّلام، فقال لأخي: أ جئتم لقتالنا؟ فقال له: لا إنّما نريد خراسان، قال: فأبلغوا من لقيكم انّا لم نخرج لنفسد في الأرض، و لا لنروّع أحداً و لكن هرباً من الظلم و لسنا نقاتل إلّا من يقاتلنا، و لا نأخذ من الفيء إلّا أعطياتنا، ثمّ قال: أ نَدِب إلينا أحد؟ قلنا: نعم، أسلم بن زرعة الكلابي. قال: فمتى ترونه يصل إلينا؟ قلنا: يوم كذا و كذا، فقال أبو بلال: حسبنا اللّٰه و نعم الوكيل.

فلمّا سار إليهم أسلم، صاح به أبو بلال: اتّق اللّٰه يا أسلم، فإنا لا نريد قتالاً، و لا نَحْتَجِن فيئاً، فما الذي تريد؟ قال: أُريد أن أردّكم إلى ابن زياد، قال مرداس: إذاً يقتلنا، قال: و إن قتلكم؟ قال: تشركه في دمائنا، قال: إنّي ادين بأنّه محقّ و أنّكم مبطلون، فصاح بن حريث بن جحل (من أصحاب أبي بلال): أ هو محق و هو يطيع الفجرة و هو أحدهم، و يقتل بالظِنَّة، و يخص بالفيء، و يجور في الحكم؟ أما علمت أنّه قتل بابن سُعادَ، أربعة براء؟ ثمّ حملوا عليه حملة رجل واحد و كان معبد أحد الخوارج قد كاد يأخذه فانهزم هو و أصحابه من غير قتال، فلمّا ورد أسلم على ابن زياد، غضب عليه غضباً شديداً، قال: ويلك أ تمضي في ألفين فتنهزم لحملة أربعين؟.... و كان إذا خرج إلى السوق، أو مرّ بصبيان، صاحوا به: أبو بلال وراءك، و ربّما صاحوا به: يا مَعْبد خذه، حتى شكا ذلك إلى ابن زياد، فأمر ابن زياد الشرط أن يكفّوا النّاس عنه، ففي ذلك يقول عيسى بن فاتك من بني تيم:


1) . الزرب: جمع الزرب و هو مسيل الماء، حظيرة المواشي و عرين الأسد.

أ ألفا مؤمن فيما زعمتم *** و يهزمهم بآسك أربعونا

كذبتم ليس ذاك كما زعمتم *** و لكن الخوارج مؤمنونا

هم الفئة القليلة غير شك *** على الفئة الكثيرة ينصرونا

ثمّ ندب لهم عبيد اللّٰه بن زياد الناس و اختار عباد بن أخضر، فوجّهه في أربعة آلاف و كان التقاؤهم في يوم الجمعة فناداه أبو بلال: اخرج إليّ يا عباد فإنّي أُريد أن أُحاورك، فخرج إليه، فقال: ما الذي تبغي؟ قال: آخذ بأقفائكم فأردَّكم إلى الأمير عبيد اللّٰه بن زياد، قال: أو غير ذلك؟ قال:

و ما هو؟ قال: أن ترجع، فإنّا لا نخيف سبيلاً و لا نحارب إلّا من حاربنا، و لا نجبي إلّا ما حمينا، فقال له عباد: الأمر ما قلت لك، فقال له حريث بن حجل: أ تحاول أن ترد فئة من المسلمين إلى جبّار عنيد؟ قال لهم: أنتم أولى بالضلال منه، و ما من ذاك بدّ.

و قدم القعقاع بن عطية الباهلي من خراسان يريد الحجّ فلمّا رأىٰ الجمعين، قال: ما هذا؟ قالوا: الشراة فحمل عليهم، فأُخِذَ القعقاع أسيراً، فَأُتي به أبو بلال، فقال: ما أنت؟ قال: لست من أعدائك، و أنّما قدمت للحج فجهلت و غررت، فأطلقه....

فلم يزل القوم يجتلدون، حتى جاء وقت الصّلاة يوم الجمعة، فناداهم أبو بلال: يا قوم هذا وقت الصلاة، فوادعونا حتى نصلّي و تصلّوا، قالوا: لك ذاك، فرمى القوم أجمعون أسلحتهم و عمدوا للصّلاة، فأسرع عباد و من معه، و الحروريّة مبطئون، فهم من بين راكع و قائم و ساجد في الصلاة و قاعد،

حتى مال عليهم عباد و من معه فقتلوهم جميعاً، و أتى برأس أبي بلال.(1)

هذا أبو بلال و هذه مرونته و اعتداله، فعدّ الاباضية مبدأ الاعتدال ليس بقوي، بل الحق أنّه مبدأ للطريق الذي سلكه عبد اللّه بن اباض، و لأجل ذلك نرى لمّا خرج قريب و زحاف الطائي فاعترضا الناس فقتلا شيخاً ناسكاً إلى آخر ما مرّ في خروجهم، انّه لمّا بلغ أعمالهم أبا بلال اعترض عليهم، فقال: قريب لاٰ قرّبه اللّٰه، و زحاف لاٰ عَفٰا اللّٰه عنه، ركباها عشواء مظلمة (يريد اعتراضهما الناس).

مخطّط زياد لاستئصال الخوارج:

كان لزياد بن أبيه أُسلوباً في استئصال الخوارج و هو يتلخّص في أمرين:

1 - إذا وقف على خارجي في قبيلة وثب على جميعهم، و قد خطب يوماً و قال: أ لا ينهى كلّ قوم سفهاءهم، يا معشر الأزد لو لاٰ أنّكم أطفأتم هذه النائرة لقلت إنّكم أرّثتموها(2)، فكانت القبائل إذا أحسّت بخارجيّ فيهم شدّتهم و أتت بهم زياداً.

2 - خرجت طائفة من الخوارج و أخرجوا معهم امرأة، فظفر بها فقتلها، ثمّ عرّاها، فلم تخرج النساء بعد على زياد، و كنّ إذا دعين إلى الخروج قلن: لو لا التعرية لسارعنا.


1) . الكامل للمبرّد: 186/2؛ تاريخ الطبري: 232/4؛ الكامل لابن الأثير: 256/3.

2) . أرّث: أوقد نار الفتنة.

كان الحافز لتلك الثورات و الانتفاضات - التي كانت تتضمّن التضحية بالنفس و النفيس - هو الاعتقاد الجدّي، بأنّ الحكومات القائمة، حكومات كافرة، أُسّست باسم الإسلام و لكن انحرفت عن الخط الصحيح له، فالأمويّون باعتبار إشاعة الظلم و الفساد بينهم، خرجوا عن ربقة الإسلام، و دخلوا في الكفر، و هم كافرون، كما أنّ المؤيّدين لهم مثلهم أيضاً كفرة، فالحكّام و الحكومات كلّها كافرة، و الدار دار كفر، و يجب عليهم جهاد الكفّار(1).

كان هذا هو الحافز لتلك الثورات و الانتفاضات الفاشلة، فلو وجدنا في صحيفة حياة الخوارج نقطة بيضاء فهذه النقطة المشعّة التي اعترف بها الإمام عليّ عند توصيفهم بقوله: «لا تقتلوا الخوارج من بعدي، فإنّه ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه».(2)

فإنّهم كانوا يرون بأُمّ أعينهم، كيف شاع الفساد، و دبّ العيث بين الحكّام، فركبت أُغيلمة بني أُميّة على رقاب الناس، و استأثروا بالفيء، فكان ذلك هو السبب لقيام لفيف منهم ضدّ الحكومات، و أمّا مسألة التحكيم التي كانت هي المستمسك الأوّل للمخالفة فكأنّها صارت منسية أو تناساها القوم، فكانوا يبرّرون قيامهم بأنّهم بصدد بسط العدل و القسط و إزالة الظلم و الجور عن المجتمع و إعادة الصلاح و الفلاح إلى الساحة الإسلامية.


1) . يعلم ذلك من خطب أمرائهم و رؤسائهم.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 61.

و لكن لم يكن النجاح حليفاً لهم، لأنّهم راهنوا في الساحة السياسية على جوادين خاسرين:

أحدهما: الاعتماد على الأساليب الاجرامية للنيل بالهدف، و كأنّهم كانوا ينتحلون مبدأ «الغايات تبرّر الوسائل».

الثاني: المظاهرة بالعداء لعليّ و أهل بيته.

أمّا الأوّل: فكانوا يستعرضون الناس و يفتّشون عن عقائدهم، ثمّ يقتلون الأبرياء، بحجّة أنّهم لم يكفّروا عثمان و عليّاً، أو غيرهما ممّن كانوا يخالفونهم، و هذا هو الذي صار سبباً لرغبة الناس عنهم، و عدم إيوائهم، بل طردهم و التعاون مع الحكومات ضدّهم في بعض الموارد، إذ كيف يصحّ لمسلم أن يشهر سيفه، و يعترض الطريق، و يفتّش عن العقائد التي لا صلة لها بالإسلام الذي جاء به النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، و لا الإسلام معقود بها، و لا هي حد الكفر و الإسلام، فاتّخاذ هذه الأساليب الشريرة، التي تعرّفت عليها في بعض الانتفاضات، صار سبباً لخسرانهم و خيبتهم و إن كان بعض الفرق بريئاً منها، لكن الكلّ أخذ بجرم الجزء، و الجار بذنب الجار.

و قد كان لهذه الأعمال الإجرامية آثار سيّئة، فصار لفظ «الحرورية» مساوياً لسفك الدم و قطع الطريق، و كان الناس يتوسّلون للإخافة بهذا اللفظ و يقولون: حروري!! مكان الحرامي!!

و أمّا الثاني: فلأنّ المظاهرة ضدّ عليَّ، و نصب عدائه و أهل بيته ليس بأمر هيّنٍ، و كيف لا يكون كذلك، و قد عجنت دماء و نفوس المسلمين

بحبّهم، فهم كانوا يتلون قول اللّٰه سبحانه في الذكر الحكيم: «قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ»(1). فهل يمكن لجماعة تتظاهر بكفر عليّ و أولاده، و تنصب عدائهم، أن يكون لهم رصيد شعبي؟ كلّا، و لاٰ، فلأجل ذلك خسروا في انتفاضاتهم، حتى بوجه الطغاة.

تعرب انتفاضاتهم عن أنّ الحكومة الأموية كانت تستخدم شيعة العراق في بعض الأحيان لقتال الخوارج، فكأنّها كانت تضرب عصفورين بحجر واحد، فإنّ الطائفتين كانا من أعداء الحكومة الأموية، فضرب أحدهما بالأُخرى كان متنفّساً لها.(2)

و مع الاعتراف ببراعتهم في النقد و الاعتراض، و تملّكهم القدرة على التنظيم و التخطيط، لكن كانت انتفاضاتهم المتفرّقة و المبعثرة في الرقعة الإسلامية، كانت أشبه بالثورات العشوائية، إذ لم تكن هناك قيادة موحّدة تنبثق منها الثورات، و تستثمر هذا الجمهور لتحقيق النصر النهائي، فالحجر الأساس في نجاح الثورة و الانتفاضة و إن طالت مدّتها، هو وجود قيادة موحّدة سرّية، ينبعث منها الأمر و النهي، و قد كان القوم يفقدون ذلك الأمر المهمّ.

هذه نبذة خاطفة عن انتفاضات هؤلاء في عصر معاوية، و أمّا ما قاموا به في عصر عبد اللّه بن الزبير، و خلافة عبد الملك، و خلافة هشام بن عبد الملك، إلى أواخر العهد الأموي، فحدّث عنه و لا حرج، فهي مليئة


1) . الشورىٰ: 23.

2) . لاحظ خروج فروة بن نوفل في تاريخ الطبري: 126/4.

بالانتفاضات و المعارك الدموية المريرة بين فترة و أُخرى، و من أراد الإحاطة بها فليرجع إلى مظانّها في كتب التاريخ.

إلّا أنّا نشير إلى بعض الانتفاضات التي قام بها بعض رؤسائهم بعد عصر معاوية كنافع بن الأزرق و نجدة بن عامر الحنفي، و غيرهم ممّن صاروا من رؤساء المذهب، و أصحاب المنهج بين الخوارج، فإنّ هؤلاء و إن كانوا قادة عسكريين إلّا أنّهم كانوا أيضاً مرشدين لأتباعهم، و لهم آراؤهم في المذهب، و ندرس كلّ ذلك ببيان فرقهم الكثيرة في الفصل القادم. و بذلك بيّنا الظروف التي كانت سبباً لنشوء المذاهب في هذه الفرقة .


الفصل التاسع: ألقاب الخوارج و فرقهم

اشارة

للخوارج ألقاب عديدة فمن ألقابهم «الخوارج» لخروجهم على عليّ بن أبي طالب، و «المحكِّمة»، لكون شعارهم: «لاٰ حكم إلّا للّٰه»، و «الحرورية» لنزولهم بحروراء في أوّل أمرهم، و «الشُّراة» لقولهم: شرينا أنفسنا في طاعة اللّٰه أي بِعْنٰاها بالجنّة، و «المارقة» لأنّهم مرقوا من الدين كما يَمْرق السهم من الرميّة - حسب توصيف الرسول لهم - و خرجوا منه، و الفرقة الباقية اليوم أعني الاباضية يفسّرون الخروج بالخروج عن الدين و يخصّون اللقب بالطوائف المنحرفة الذين خرجوا في عصر الأمويين، و كانوا يعترضون الطريق و يقتلون الأبرياء من غير جرم و سيوافيك أنّ التخصيص بلا وجه.

و أمّا فرقهم، فقد ذكر البغدادي لهم عشرين فرقة، بل أزيد، و هذه أسماؤها:

1 - المحكّمة 2 - الأزارقة 3 - النجدات 4 - الصفرية 5 - العجاردة، المفترقة إلى: 6 - الخازنية 7 - الشعيبية 8 - المعلومية 9 - المجهولية 10 - أصحاب طاعة لا يراد اللّٰه تعالى بها 11 - و الصلتية 12 - الاخنسية 13 - الشبيبية 14 - الشيبانية 15 - المعبدية 16 - الرّشيدية 17 - المكرمية 18 - الحمزية 19 - الشمراخية 20 - الإبراهيمية 21 - الواقفية 22 - الاباضية.(1)


1) . الفرق بين الفرق: 72.

و لا يخفى أنّ الفرق حسب ما ذكرها تزيد على عشرين، و لو لم تعد العجاردة فرقة مستقلّة باعتبار أنّها مقسّمةً لأقسام كثيرة يكون عدد الفرق «21» فرقة.

ثمّ قال البغدادي: «الاباضية» منهم افترقت فرقاً، معظمها فريقان: «حفصية» و «حارثية»، و قال: فأمّا «اليزيدية» من الاباضية، و «الميمونية» من العجاردة، فهما فرقتان من غلاة الكفر الخارجين عن فرق الأُمّة.

و أمّا الأشعري فقد ذكر لهم خمس عشرة فرقة ثمّ ذكر الفرق المتشعّبة منها و هي فرق كثيرة.(1)

و قد ذكر المقريزي في خططه للقوم ستاً و عشرين فرقة(2).

و ذكر الشهرستاني لهم ثماني فرق، و إليك أسماؤها:

1 - المحكّمة الأُولى 2 - الأزارقة 3 - النجدات 4 - البيهسية 5 - العجاردة 6 - الثعالبة 7 - الاباضية 8 - الصفرية.(3)

و لكن الحق، إنّ أُصول الفرق قليلة جدّاً، و قد ذكر الأشعري أنّ الأُصول أربعة و هي: الأزارقة، النجدية، الاباضية، و الصفرية، و الأصناف الأُخرى تفرّعوا من الصفرية.(4)

و يظهر من المبرّد في كامله، أنّ أُصول الفرق هي ثلاثة:


1) . مقالات الإسلاميّين: 86/1-131.

2) . الخطط: 254/2-255.

3) . الملل و النحل: 114/1-138.

4) . مقالات الإسلاميّين: 101/1.

الأزارقة، الاباضية، البيهسية، و أمّا الصفرية و النجدية فكانوا يقولون بقول ابن أباض.(1)

و لعلّ ما ذكره الأشعري في بيان أُصول فرقهم أقرب، كما يظهر من دراسة مذهبهم و نحن نذكر الفرق الأربعة التي ذكرها الأشعري، و نحيل بيان سائر الفرق إلى كتب المقالات و الفرق، خصوصاً «المقالات» للأشعري، و «الفَرق بين الفِرق» للبغدادي، و «الملل و النحل» للشهرستاني، و انّا ضربنا الصفح عن بيان فرقهم عامّة لأنّهم قد هلكوا و لم يبق منهم على أديم الأرض سوى فرقة واحدة هي الاباضية و أقاويلها أقرب إلى أقاويل سائر المسلمين. و لأجل ذلك نرى أنّ أبا بيهس يصف نافعاً بأنّه غلى، و يصف عبد اللّٰه بن اباض بأنّه قصَّر، و سوف يظهر غلوّ الأوّل و تقصير الثاني حسب تعبير أبي بيهس، و سيوافيك نصّه في محلّه.

و العجب أنّ هذه الفرق ظهرت في زمان واحد، فصار للقوم أئمّة أربعة، كلّ يدعو إلى نفسه.

و كانت الخوارج على رأي واحد إلى عصر ابن الزبير و بعد افتراقهم عنه حصل هناك اختلاف بين الأزارقة و النجدية كما ستعرف و صارت فرقتين ذاتي إمامين، و لم يكن لهم إلى عهد عبد اللّه بن الزبير إلّا أُصول بسيطة و هي:

1 - إكفار مرتكب الكبيرة.


1) . الكامل: 214/2.

2 - إنكار مبدأ التحكيم.

3 - تكفير عثمان و عليّ و معاوية و طلحة و الزبير و من سار على دربهم و رضى بأعمال عثمان و تحكيم عليّ. على هذه الأُصول نشئوا إلى عهد ابن الزبير.

قال الكعبي: إنّ الذي يجمع الخوارج إكفار عليّ و عثمان و الحكمين و أصحاب الجمل و كلّ من رضى بتحكيم الحكمين، و الخروج على الإمام الجائر و إكفار من ارتكب الذنوب.(1)

و قال الأشعري: أجمعت الخوارج على إكفار عليّ بن أبي طالب - رضي اللّٰه عنه - لأنّه حكّم، و هم مختلفون هل كفره شرك أم لا؟ و أجمعوا على أنّ كلّ كبيرة كفرٌ إلّا النجدات، فإنّها لا تقول بذلك، و أجمعوا على أنّ اللّٰه سبحانه يعذّب أصحاب الكبائر عذاباً دائماً إلّا النجدات.(2)

و ما ذكره من الاستثناء دليل على أن أكثر هذه الأُصول برزت بينهم في العصر الزبيري و ما بعده، لا في عهد الإمام علي و لا في عهد معاوية.

إذا وقفت على ذلك فلنشرع في بيان الفرق الأربعة التي ذكرها الأشعري و نترك بيان عداها إلى الكتب المعدّة لذلك.



1) . الفرق بين الفِرق: 73/1 نقلاً عن الكعبي.

2) . مقالات الإسلاميّين: 86/1.

الفرقة الأُولى: الأزارقة

أتباع نافع بن الأزرق المقتول سنة 65 ه:

لمّا هلك معاوية، تنفّس أهل الكوفة الصعداء، فاجتمعت شيعتهم على تسليم مقاليد الخلافة للحسين عليه السلام فبايعوه و كاتبوه، و استقدموه حتى يتسلّم الأمر، فلمّا غادر الحسين المدينة و مكّة، متوجّهاً إلى العراق خذلته الشيعة و قصّروا في نصرته، فلمّا بلغهم قتل الحسين و استشهاده، قام أهل المدينة بخلع يزيد عن الخلافة و أخرجوا واليه مروان بن الحكم عن المدينة، ثمّ إنّ عبد اللّه بن الزبير استغلَّ الظروف، فدعا إلى البيعة لنفسه من داخل البيت الحرام، و كانت نتيجة ذلك أن طرد عمّال يزيد من أرض الحجاز، فخضعت المنطقة كلّها لعبد اللّٰه بن الزبير، ثمّ إنّ يزيد بن معاوية لمّا وقف على خطورة الموقف بعث بأشقى عُمّالِه و أغلظهم «مسلم بن عقْبَة» إلى المدينة فلمّا ورد مدينة الرسول، استباح أموالهم و نفوسهم و أعراضهم ثلاثة أيام، فقتل في ذلك آلافاً من الأبرياء و نهبت الأموال و استبيحت الأعراض إلى درجة لم يذكر التاريخ إلى يومه مثيلاً لها، ثمّ توجّه مسلم إلى مكّة للسيطرة عليها، فلم يصل إليها حيّاً. و مات في أثناء الطريق، فتولّى القيادة بعده الحصين بن

النمير السكوني، و حاصر مكّة، و في أثناء المحاصرة ورد نعي يزيد في ربيع الآخر عام 64، فاضطرّ الحصين إلى العودة إلى الشام.

و لمّا هلك يزيد، قام بأعباء الخلافة معاوية بن يزيد، و لكنّه مات بعد أن خلع نفسه عن الخلافة، فرأى البيت الأموي خطورة الموقف، فأجمعوا على البيعة لمروان بن الحكم، و انتقل الملك من البيت السفياني إلى البيت المرواني عام 65، و كان ابن الزبير مستولياً على الحجاز عامّة و في ضمن ذلك، الحرمان الشريفان.

استغلال الخوارج الظروف الحَرِجَة:

و قد استغلّت الخوارج تلك الظروف الحرجة بعد ما لاقوا من عبيد اللّٰه بن زياد ما لاقوا و قرّروا الانضمام لعبد اللّٰه بن الزبير لمحاربة الشاميين:

قال الطبري: لمّا ركب ابن زياد من الخوارج بعد قتل أبي بلال ما ركب، و قد كان قبل ذلك لا يكف عنهم و لا يستبقيهم، غير أنّه بعد ما قتل أبا بلال، تجرّد لاستئصالهم و هلاكهم و اجتمعت الخوارج حين ثار ابن الزبير بمكة... فقال نافع بن الأزرق للخوارج: إنّ اللّٰه قد أنزل عليكم الكتاب، و فرض عليكم فيه الجهاد، و احتجّ عليكم بالبيان، و قد جرّدَ فيكم السيوف أهلُ الظلم، و أُولو العدىٰ و الغشم، و هذا من قد ثار بمكة، فاخرجوا بنا نأتي البيت، و نلقي هذا الرجل فإن يكن على رأينا جاهدنا معه العدو، و إن كان على غير رأينا، دافعنا عن البيت ما استطعنا، و نظرنا بعد ذلك في أُمورنا،

فخرجوا حتى قدموا على عبد اللّه بن الزبير، فسر بمقدمهم و نبَّأهم أنّه على رأيهم، و أعطاهم الرضا من غير توقّف و لا تفتيش، فقاتلوا معه حتى مات يزيد بن معاوية و انصرف أهل الشام عن مكّة.

ثمّ إنّ القوم لقى بعضهم بعضاً فقالوا: إنّ الذي صنعتم أمس بغير رأي و لا صواب من الأمر، تقاتلون مع رجل لا تدرون لعلّه ليس على رأيكم، إنّما كان أمس يقاتلكم هو و أبوه ينادي: يا لثارات عثمان، و سلوه عن عثمان، فإن برئ منه كان وليّكم، و إن أبىٰ كان عدوّكم. فمشوا له فقالوا له: أيّها الإنسان إنّا قاتلنا معك و لم نفتّش عن رأيك، أمنّا أنت أم من عدوّنا فأخبرنا: ما مقالتك في عثمان؟

فنظر فإذا من حوله من أصحابه قليل، فقال لهم: إنّكم أتيتموني، فصادفتموني حين أردت القيام، و لكن روحوا إليّ العشيّة، حتى أُعلمكم من ذلك الذي تريدون، فانصرفوا، و جاءت الخوارج و قد أقام أصحابه حوله و عليهم السلاح، و قامت جماعة منهم عظيمة على رأسه، بأيديهم الأعمدة، فقال ابن الأزرق لأصحابه: خشى الرجل غائلتكم و قد أزمع بخلافكم، و استعدّ لكم ما ترون. فدنا منه ابن الأزرق فقال له: يا ابن الزبير اتّق اللّٰه ربّك و ابغض الخائن المستأثر، و عادِ أوّل من سنّ الضلالة و أحدث الأحداث، و خالف حكم الكتاب، فإنّك إن تفعل ذلك، ترض ربّك، فتنج من العذاب الأليم نفسك، فإن تركت ذلك، فأنت من الذين استمتعوا بخلاقهم و أذهبوا في الحياة الدنيا طيّباتهم.

ثمّ أمر ابن الأزرق عبيدة بن هلال أن يتكلّم عنهم بما يريدون، فقال:

إنّ الناس استخلفوا عثمان بن عفان فحمى الحمى، فآثر القربى، و استعمل الفتى، و رفع الدرة، و وضع السوط، و مزّق الكتاب، و حقَّر المسلم، و ضرب منكري الجور، و آوىٰ طريد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، و ضرب السابقين بالفضل و سيّرهم و حرمهم، ثمّ أخذ فيء اللّٰه الذي أفاءه عليهم فقسّمه بين فسّاق قريش، و مُجّان العرب، فصارت إليه طائفة من المسلمين أخذ اللّٰه ميثاقهم على طاعته، لا يبالون في اللّٰه لومة لائم، فقتلوه، فنحن لهم أولياء، و من ابن عفان و أوليائه براء، فما تقول أنت يا ابن الزبير؟

و روى المبرّد في الكامل: انّ ابن الأزرق سأل ابن الزبير في الغداة الذي جاء إليه و قال: ما تقول في الشيخين؟ قال: خيراً، قالوا: فما تقول في عثمان الذي أحمى الحمى، و آوى الطريد، و أظهر لأهل مصر شيئاً، و كتب بخلافه، و أوطأ آل أبي معيط رقاب الناس و آثرهم بفيء المسلمين؟

و ما تقول في الذي بعده، الذي حكّم في دين اللّٰه الرجال و أقام على ذلك غير تائب و لا نادم؟

و ما تقول في أبيك و صاحبه و قد بايعا عليّاً و هو إمام عادل مرضي لم يظهر منه كفر، ثمّ نكثا بِعَرَض من أعراض الدنيا و أخرجا عائشة تقاتل، و قد أمرها اللّٰه و صواحبها أن يقرن في بيوتهن، و كان لك في ذلك ما يدعوك إلى التوبة، فإن أنت كما نقول فلك الزلفة عند اللّٰه.

ثمّ إنّ ابن الزبير ترك التقية و أصحر بالعقيدة بما يخالف عليه الخوارج في حق عثمان و حق أبيه، فلمّا سمع ذلك الخوارج تفرّقوا عنه.(1)


1) . تاريخ الطبري: 436/4-438؛ الكامل للمبرّد: 203/2-208.

فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي و عبد اللّٰه بن صفار السعدي من بني صريم، و عبد اللّٰه بن اباض أيضاً من بني صريم، و حنظلة بن بيهس، و بنو الماحوز، عبد اللّه و عبيد اللّٰه و الزبير من بني سليط، حتى أتوا البصرة.

و انطلق أبو طالوت و عبد اللّٰه بن ثور (أبو فديك) و عطية بن الأسود اليشكري إلى اليمامة فوثبوا باليمامة مع أبي طالوت، ثمّ أجمعوا بعد ذلك على إمامة نجدة بن عامر الحنفي و ذلك في سنة 64.(1)

و قال الشهرستاني: كان نجدة بن عامر و نافع بن الأزرق قد اجتمعا بمكّة مع الخوارج على ابن الزبير ثمّ تفرّقا عنه، فذهب نافع إلى البصرة ثمّ الأهواز، و ذهب نجدة إلى اليمامة. قال نافع: التقيّة لا تحلّ، و القعود عن القتال كفر، فخالفه نجدة، و قال بجواز التقية متمسّكاً بقوله تعالى: «إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً»(2). و بقوله تعالى: «وَ قٰالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمٰانَهُ»(3). و قال: القعود جائز و الجهاد إذا أمكنه أفضل. قال اللّٰه تعالى: «وَ فَضَّلَ اَللّٰهُ اَلْمُجٰاهِدِينَ عَلَى اَلْقٰاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً»(4).(5)

و لمّا أظهر نافع آراء شاذّة عن الكتاب و السنّة و الفطرة الإنسانية، فارقته جماعة كانوا معه، منهم «أبو فديك» و عطية الحنفي و راشد الطويل،


1) . تاريخ الطبري: 438/4.

2) . آل عمران: 28.

3) . غافر: 28.

4) . النساء: 95.

5) . الملل و النحل: 125/1.

و توجّهوا شطر اليمامة، فأخبروا نجدة بإحداثه و بدعه. فكتب إليه نجدة بكتاب نَقِمَ عليه إحداثه و استدلّ بآيات واضحة المعنى، و أجاب نافع بكتاب و أوّل ما استدلّ به زميله من الآيات، و كان هو هذا انشقاقاً عظيماً بين الخوارج، و يعرب عن وحشيّة الأزارقة، و جمود قلبهم، و نزع الرحمة منهم، فكأنّهم جمادات متحرّكة شريرة سجّلوا لأنفسهم في التاريخ أكبر العار، و أفظع الأعمال إلى حدّ تبرّأ عنهم، سائر الفرق و ليس ذلك ببعيد، فهؤلاء أتباع المحكّمة الأُولى الذين ذبحوا عبد اللّه بن خباب و بقروا بطن زوجته المقرب المتم، تلمس حدّ الشقاء من كتاب نجدة إلى نافع و من إجابة الثاني.

قال المبرّد: إنّ أصحاب «نجدة» رأوا أنّ نافعاً قد كفَّر القعدة و رأى الاستعراض و قتل الأطفال، انصرفوا مع نجدة، فلمّا صار نجدة باليمامة كتب إلى نافع.

كتاب نجدة إلى نافع:

أمّا بعد: فإنّ عهدي بك و أنت لليتيم كالأب الرحيم، و للضعيف كالأخ البر - تعاضد قوي المسلمين، و تصنع للأخرق منهم - لا تأخذك في اللّٰه لومة لائم، و لا ترى معونة ظالم، كذلك كنت أنت و أصحابك. أو ما تذكر قولك: لو لا انّي أعلم أنّ للإمام العادل أجر رعيّته، ما تولَّيتُ أمر رجلين من المسلمين. فلمّا شريت نفسك في طاعة ربّك ابتغاء مرضاته، و أصبت من الحق فصّه(1)، و ركبت مُرّه، تجرّد لك الشيطان، و لم يكن أحد أثقل عليه


1) . فصّه: كنهه.

وطأةً منك و من أصحابك، فاستمالك و استهواك و أغواك، فغُوِيتَ، و أكفرت الذين عذرهم اللّٰه تعالى في كتابه، من قعدة المسلمين و ضَعَفَتهم، قال اللّٰه عزّ و جلّ، و قوله الحق، و وعده الصدق: «لَيْسَ عَلَى اَلضُّعَفٰاءِ وَ لاٰ عَلَى اَلْمَرْضىٰ وَ لاٰ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذٰا نَصَحُوا لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ»(1): ثمّ سمّاهم تعالى أحسن الأسماء فقال: «مٰا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ»(2)، ثمّ استحللت قتل الأطفال، و قد نهى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم عن قتلهم، و قال اللّٰه جلّ ثناؤه: «وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ»(3)، و قال سبحانه في القعدة خيراً، فقال:

«وَ فَضَّلَ اَللّٰهُ اَلْمُجٰاهِدِينَ عَلَى اَلْقٰاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً»(4)، فتفضيله المجاهدين على القاعدين لا يدفع منزلة من هو دون المجاهدين، أو ما سمعت قوله تعالى: «لاٰ يَسْتَوِي اَلْقٰاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ»(5)، فجعلهم من المؤمنين و فضّل عليهم المجاهدين بأعمالهم، ثمّ إنّك لا تؤدّي أمانةً إلى من خالفك، و اللّٰه تعالى قد أمر أن تؤدّي الأمانات إلى أهلها، فاتّق اللّٰه في نفسك، و اتّق يوماً لا يجزي فيه والد عن ولده، و لا مولود هو جاز عن والده شيئاً، فإنّ اللّٰه بالمرصاد، و حكمه العدل، و قوله الفصل، و السَّلام.


1) . التوبة: 91.

2) . التوبة: 91.

3) . الإسراء: 15.

4) . النساء: 95.

5) . النساء: 95.

إجابة نافع عن كتاب نجدة:

أمّا بعد: أتاني كتابك تعظني فيه، و تذكّرني و تنصح لي و تزجرني، و تصف ما كنتُ عليه من الحق، و ما كنتُ أُؤثره من الصواب، و أنا أسأل اللّٰه أن يجعلني من القوم الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه.

و عبت علي ما دِنْتُ، من إكفار القعدة و قتل الأطفال، و استحلال الأمانة من المخالفين، و سأُفسّر لك لِمَ ذلك إن شاء اللّٰه....

أمّا هؤلاء القعدة، فليسوا كمن ذكرت ممّن كان على عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، لأنّهم كانوا بمكّة مقهورين محصورين لا يجدون إلى الهرب سبيلاً، و لا إلى الاتّصال بالمسلمين طريقاً، و هؤلاء قد تفقّهوا في الدين، و قرءوا القرآن، و الطريق لهم نهج واضح. و قد عرفت ما قال اللّٰه تعالى فيمن كان مثلهم، قالوا: «كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي اَلْأَرْضِ»(1). فقال: «أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا»(2)و قال سبحانه: «فَرِحَ اَلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاٰفَ رَسُولِ اَللّٰهِ وَ كَرِهُوا أَنْ يُجٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ»(3)، و قال: «وَ جٰاءَ اَلْمُعَذِّرُونَ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ»(4)فخبّر بتعذيرهم، و أنّهم كذبوا اللّٰه و رسوله، ثمّ قال: «سَيُصِيبُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ


1) . النساء: 97.

2) . النساء: 97.

3) . التوبة: 81.

4) . التوبة: 90.

عَذٰابٌ أَلِيمٌ»(1)، فانظر إلى أسمائهم و سماتهم.

و أمّا الأطفال، فإنّ نوحاً نبيّ اللّٰه، كان أعلم باللّٰه منّي و منك، و قد قال: «رَبِّ لاٰ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكٰافِرِينَ دَيّٰاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبٰادَكَ وَ لاٰ يَلِدُوا إِلاّٰ فٰاجِراً كَفّٰاراً»(2)، فسمّاهم بالكفر و هم أطفال، و قبل أن يولدوا، فكيف كان ذلك في قوم نوح، و لا تقوله في قومنا؟ و اللّٰه تعالى يقول: «أَ كُفّٰارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولٰئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرٰاءَةٌ فِي اَلزُّبُرِ»(3)، و هؤلاء كمشركي العرب، لا يقبل منهم جزية و ليس بيننا و بينهم إلّا السيف، و الإسلام.

و أمّا استحلال أمانات من خالفنا فإنّ اللّٰه تعالى أحلّ لنا أموالهم، كما أحلّ دماءهم لنا، فدماؤهم حلال طلق(4)و أموالهم فيء للمسلمين، فاتّق اللّٰه و راجع نفسك، فإنّه لا عذر لك إلّا بالتوبة، و لن يسعك خذلاننا و القعود عنّا و ترك ما نهجناه لك من مقالتنا، و السلام على من أقرّ بالحق و عمل به.(5)

هذا هو نافع بن الأزرق، و هذا غلو منهجه و تطرّفه الفكري، حيث يجوّز استعراض الناس و التفتيش عن عقائدهم و قتل الأطفال إلى غير ذلك.

و أمّا خروجه فقد بسط الكلام فيه المؤرّخون(6)على وجه لا يسعنا نقله و إنّما نكتفي بما لخّصه البغدادي.


1) . التوبة 90.

2) . نوح: 26-27.

3) . القمر: 43.

4) . يقال: حلال طلق، أي حلال طيّب.

5) . الكامل للمبرّد: 210/2-212. و نقلهما ابن أبي الحديد في الشرح: 137/4-139 فلاحظ.

6) . ذكر ابن أبي الحديد مفصّل حروب الأزارقة في شرحه، لاحظ 136/4-278.

قال البغدادي: ثمّ الأزارقة بعد اجتماعها على البدع التي حكيناها عنهم بايعوا نافع بن الأزرق و سمّوه أمير المؤمنين، و انضمّ إليهم خوارج عمان و اليمامة فصاروا أكثر من عشرين ألفاً، و استولوا على الأهواز و ما وراءها من أرض فارس و كرمان و جبوا خراجها.

رسالة نافع إلى محكّمة البصرة:

رسالة نافع إلى محكّمة البصرة(1):

و كتب إلى من بالبصرة من المحكِّمة: أمّا بعد فإنّ اللّٰه اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلّا و أنتم مسلمون، إنّكم لتعلمون أنّ الشريعة واحدة، و الدين واحد، ففيم المقام بين أظهر الكفّار، ترون الظلم ليلاً و نهاراً، و قد ندبكم اللّٰه عزّ و جلّ إلى الجهاد، فقال: «وَ قٰاتِلُوا اَلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً»(2)، و لم يجعل لكم في التخلّف عذراً في حال من الأحوال فقال: «اِنْفِرُوا خِفٰافاً وَ ثِقٰالاً»(3)و إنّما عذر الضعفاء و المرضى، و الذين لا يجدون ما ينفقون، و من كانت إقامته لعلّة، ثمّ فضّل عليهم مع ذلك المجاهدين فقال: «لاٰ يَسْتَوِي اَلْقٰاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ وَ اَلْمُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ»(4)، فلا تغترّوا و تطمئنّوا إلى الدنيا، فإنّها غرّارة مكّارة، لذّتها نافدة، و نعيمها بائد، حُفَّتْ بالشهوات اغتراراً، و أظهرت حَبْرةً‌(5)و أضمرت عبرة،


1) . الكامل للمبرّد: 213/2.

2) . التوبة: 36.

3) . التوبة: 41.

4) . النساء: 95.

5) . الحبرة: النعمة.

فليس آكلُ منها أكلةً تَسرّه، و لا شاربُ منها شربةً تونقه(1)إلّا دنا بها درجةً إلى أجله، و تباعد بها مسافة من أمله، و إنّما جعلها اللّٰه دار المتزوّد منها، إلى النعيم المقيم، و العيش السليم، فليس يرضى بها حازم داراً و لا حليم قراراً، فاتّقوا اللّٰه و تزوّدوا، فإنّ خير الزاد التقوى، و السلام على من اتّبع الهدى.

قال المبرّد: لمّا ورد كتابه عليهم و في القوم يومئذ أبو بيهس هيصم بن جابر الضبعيّ، و عبد اللّٰه بن إباض المري، فأقبل أبو بيهس على ابن إباض فقال: إنّ نافعاً غلا فكفر، و انّك قصّرت فكفرت تزعم أنّ من خالفنا ليس بمشرك، و انّما كفّار النعم، لتمسّكهم بالكتاب، و إقرارهم بالرسول، تزعم أنّ مناكحهم و مواريثهم و الإقامة فيهم حلّ طلق، ثمّ أدلى أبو بيهس برأيه و سيوافيك في محلِّه.

و يظهر من هذا الكتاب و الكتاب الذي كتبه إلى عبد اللّه بن الزبير(2): إنّ نافع بن الأزرق كان من المتطرّفين بين الخوارج، و لم نجد في تاريخ الخوارج أشدّ تطرّفاً منه.

ثمّ إنّ عامل البصرة يومئذٍ عبد اللّه بن الحارث الخزاعي من قبل عبد اللّه بن الزبير، فأخرج عبد اللّه بن الحارث جيشاً مع مسلم بن عبس بن كريز بن حبيب بن عبد شمس لحرب الأزارقة، فاقتتل الفريقان بدولاب الأهواز، فقتل مسلم بن عبس و أكثر أصحابه، فخرج إلى حربهم من البصرة عمر بن


1) . تونقه: تعجبه.

2) . الكامل: 212/2.

عبيد اللّٰه بن معمر التميمي في ألفي فارس، فهزمته الأزارقة، فخرج إليهم حارثة بن بدر الغداني في ثلاثة آلاف من جند البصرة، فهزمتهم الأزارقة، فكتب عبد اللّه بن الزبير من مكّة إلى المهلّب بن أبي صفرة(1)و هو يومئذ بخراسان يأمره بحرب الأزارقة و ولّاه ذلك، فرجع المهلّب إلى البصرة، و انتخب من جندها عشرة آلاف، و انضمّ إليه قومه من الأزد فصار في عشرين ألفاً، و خرج و قاتل الأزارقة و هزمهم عن دولاب الأهواز إلى الأهواز، و مات نافع بن الأزرق في تلك الهزيمة و بايعت الأزارقة بعده عبيد اللّٰه بن مأمون التميمي، و قاتلهم المهلَّب بعد ذلك بالأهواز فقتل عبد اللّه بن مأمون في تلك الواقعة، و قتل أيضاً أخوه عثمان بن مأمون مع ثلاثمائة من أشدّ الأزارقة، و انهزم الباقون منهم إلى إيدج و بايعوا قطريّ بن الفجاءة(2)و سمّوه أمير المؤمنين، و قاتلهم المهلّب بعد ذلك حروباً سجالاً(3)، و انهزمت الأزارقة في آخرها إلى سابور من أرض فارس،


1) . هو أبو سعيد: المهلب بن أبي صفرة - و اسم أبي صفرة ظالم بن سراق، الأزدي، من أزد العتيك. كان المهلّب من أشجع الناس. و هو الذي حمى البصرة من الخوارج حتى سمّاها الناس بصرة المهلّب. ولّاه عبد اللّه بن الزبير خراسان في سنة 65، فحارب الأزارقة و أفنى منهم عدداً كثيراً، ثمّ ولي قتالهم في عهد عبد الملك بن مروان، و في شهر ذي الحجة من سنة 82 مات (المعارف: 399، العبر: 72/1-75-77-88-92-95).

2) . هو أبو نعامة: قطري بن الفجاءة، أحد بني حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، خرج في أيام عبد اللّه بن الزبير و بقي عشرين سنة يسلّم عليه بالخلافة، و في أيام عبد الملك بن مروان وجّه إليه الحجاج جيشاً بعد جيش، و كان آخرها بقيادة سفيان بن الأبرد الكلبي، فقتله - و يقال: عثرت به فرسه فمات - و أتى الحجاج برأسه، و ذلك في سنة 79. (المعارف: 411، العبر: 90/1).

3) . تقول: «كانت الحرب بين الفريقين سجالاً» تعني أنّ النصر يكون لهذا الفريق مرّة و لذلك مرّة أُخرى، و أصل السجال جمع سجل و هو الدلو.

و جعلوها دار هجرتهم، و ثبت المهلَّب و بنوه و أتباعهم على قتالهم تسع عشرة سنة، بعضها في أيام عبد اللّه بن الزبير، و باقيها في زمان خلافة عبد الملك بن مروان و ولاية الحجّاج على العراق، و قرّر الحجّاج المهلَّب على حرب الأزارقة، فدامت الحرب في تلك السنين بين المهلّب و بين الأزارقة و فرّوا فيما بين فارس و الأهواز، إلى أن وقع الخلاف بين الأزارقة ففارق عبد ربّه الكبير قطرياً و صار إلى واد بجيرفت كرمان في سبعة آلاف رجل، و فارقه عبد ربّه الصغير في أربعة آلاف، و صار إلى ناحية أُخرى من كرمان، و بقي قطري في بضعة عشر ألف رجل بأرض فارس، و قاتله المهلّب بها، و هزمه إلى أرض كرمان، و تبعه و قاتله بأرض كرمان و هزمه منها إلى الري، ثمّ قاتل عبد ربّه الكبير فقتله، و بعث بابنه يزيد بن المهلّب إلى عبد ربّه الصغير فأتى عليه و على أصحابه، و بعث الحجّاج سفيان بن الأبرد الكلبي في جيش كثيف إلى قطري بعد أن انحاز من الري إلى طبرستان فقتلوه بها، و أنفذوا برأسه إلى الحجّاج و كان عبيدة بن هلال اليشكري(1)قد فارق قطريّاً و انحاز إلى قومس، فتبعه سفيان بن الأبرد و حاصره في حصن قومس إلى أن قتله و قتل أتباعه، و طهّر اللّٰه بذلك الأرض من الأزارقة، و الحمد للّٰه على ذلك.(2)

و في الختام نقول: يظهر من كتبه و رسائله أنّ الرجل كان حافظاً للقرآن، و مقرئاً له، و يؤيّد ذلك ما نقله السيوطي أنّ نافع بن الأزرق لمّا رأى


1) . عبيدة بن هلال: أحد بني يشكر بن بكر بن وائل.

2) . تاريخ الطبري: 476/4؛ الكامل في التاريخ: 349/3؛ العقد الفريد: 95/1-121.

عبد اللّه بن عباس جالساً بفناء الكعبة، و قد اكتنفه الناس و يسألونه عن تفسير القرآن، فقال لنجدة بن عويمر الحروري: قم بنا إلى هذا الذي يجتري على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب اللّٰه، فتفسّرها لنا و تأتينا بمصادقه من كلام العرب، فإنّ اللّٰه تعالى أنزل القرآن بكتاب عربي مبين، فقال ابن عباس: سلاني عمّا بدا لكم، فقال نافع: أخبرني عن قول اللّٰه تعالى: «عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمٰالِ عِزِينَ»(1).

قال: العزون حلق الرقاق، فقال: هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص و هو يقول:

فجاءوا يهرعون إليه حتى *** يكونوا حول منبره عزينا

ثمّ سألاه عن أشياء كثيرة عن لغات القرآن الغريبة، ففسّرها مستشهداً بالشعر الجاهلي، و ربّما تبلغ الأسئلة و الأجوبة إلى مائتين، و لو صحّت تلك الرواية لدلّت على صلة السائلين بالقرآن صلة وثيقة، كما تدلّ على نبوغ ابن عباس في الأدب العربي و إلمامه بشعر العرب الجاهلي حيث استشهد على كل لغة فسّرها بشعر عنهم، فجاءت الأسئلة و الأجوبة في غاية الإتقان.(2)

إنّ ابن الأرزق كان يتعلّم من ابن عباس ما يجهله من مفاهيم القرآن، نقل عكرمة عن ابن عباس انّه بينما كان يحدّث الناس إذ قام إليه نافع بن الأزرق، فقال له: يا ابن عباس تفتي الناس في النملة و القملة؟ صف لي إلهك الذي تعبد، فأطرق ابن عباس إعظاماً لقوله، و كان الحسين بن عليّ جالساً


1) . المعارج: 27.

2) . الإتقان: 382/1-416، ط دار ابن كثير، تحقيق الدكتور مصطفى.

ناحية فقال: إليّ يا ابن الأزرق، قال ابن الأزرق: لست إيّاك أسأل، قال ابن عباس: يا ابن الأزرق، إنّه من أهل بيت النبوّة و هم ورثة العلم، فأقبل نافع نحو الحسين، فقال له الحسين: «يا نافع إنّ من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في الالتباس، سائلاً ناكباً عن المنهاج، ظاعناً بالاعوجاج، ضالاًّ عن السبيل، قائلاً غير الجميل.

يا ابن الأزرق أصف إلهي بما وصف به نفسه و أُعرّفه بما عرّف به نفسه: لا يدرك بالحواس، و لا يقاس بالناس، قريب غير ملتصق، و بعيد غير منقص، يوحّد و لا يتبعّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلّا هو الكبير المتعال».

فبكى ابن الأزرق، و قال: يا حسين ما أحسن كلامك؟ قال له الحسين: «بلغني أنّك تشهد على أبي و على أخي بالكفر و عليّ؟» قال ابن الأزرق: أما و اللّٰه يا حسين لئن كان ذلك لقد كنتم منار الإسلام و نجوم الأحكام. فقال له الحسين: «إنّي سائلك عن مسألة». قال: اسأل، فسأله عن هذه الآية: «وَ أَمَّا اَلْجِدٰارُ فَكٰانَ لِغُلاٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي اَلْمَدِينَةِ»(1).

يا ابن الأزرق من حفظ في الغلامين؟ قال ابن الأزرق: أبوهما. قال الحسين: «فأبوهما خير أم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم؟» قال ابن الأزرق: قد أنبأنا اللّٰه تعالى أنّكم قوم خصمون.(2)


1) . الكهف: 82.

2) . تاريخ مدينة دمشق: قسم حياة الإمام الحسين: 158. بتحقيق محمد باقر المحمودي؛ بحار الأنوار: 297/4.

آراء الأزارقة و عقائدهم:

إنّ للأزارقة أهواء متطرّفة و بدعاً فظيعة و قد تشترك في بعضها مع سائر الفرق:

1 - قولهم: إنّ مخالفيهم من هذه الأُمّة مشركون، و كانت المحكّمة الأُولى يقولون: إنّهم كفرة لا مشركون.

2 - قولهم: إنّ القعدة - ممّن كان على رأيهم - عن الهجرة إليهم مشركون.

3 - أوجبوا امتحان من قصد عسكرهم إذا ادّعى أنّه منهم: أن يدفع إليه أسيراً من مخالفيهم و يأمره بقتله، فإن قتله صدَّقوه في دعواه أنّه منهم، و إن لم يقتله قالوا: هذا منافق مشرك، و قتلوه.

4 - إباحة قتل أطفال المخالفين و نسائهم، و المقصود: المسلمون، و زعموا أنّ الأطفال مشركون، و قطعوا بأنّ أطفال مخالفيهم مخلّدون في النار مع آبائهم.

5 - إسقاط الرجم عن الزاني، إذ ليس في القرآن ذكره، و إسقاط حدّ القذف عمّن قذف المحصنين من الرجال(1)مع وجوب الحدّ على قاذف المحصنات من النساء.


1) . بحجّة أنّه سبحانه قال: «و الّذين يَرْمُونَ المحَصَنات» (النور: 4) و لم يقل: و الذين يرمون المحصنين.

6 - إنّ التقيّة غير جائزة في قول و لا عمل.

7 - تجويزهم أن يبعث اللّٰه نبيّاً يعلم أنّه يكفر بعد نبوّته، أو كان كافراً قبل البعثة.

8 - اجتمعت الأزارقة على أنّ من ارتكب الكبيرة كفر كفر ملّة، خرج به عن الإسلام جملة، و يكون مخلّداً في النار مع سائر الكفّار، و استدلّوا بكفر إبليس و قالوا: ما ارتكب إلّا كبيرة، حيث أُمر بالسجود لآدم عليه السلام فامتنع، و إلّا فهو عارف بوحدانيّة اللّٰه تعالى.(1)

9 - إنّ دار مخالفيهم دار كفر، و قالوا: إنّ مخالفيهم مشركون فلا يلزمنا أداء أماناتهم إليهم، و سيوافيك تحليل عقائدهم في فصل خاص.



1) . الفَرق بين الفرق: 83؛ الملل و النحل: 121/1-123.

الفرقة الثانية: النجديَّة

و هم أتباع نجدة بن عامر الحنفي، و من الغريب أنّه كان للخوارج إمامان في وقت واحد، إمام في البصرة و هو نافع بن الأزرق، و إمام في اليمامة و أطرافها و هو نجدة بن عامر، و ذلك انّه لمّا أظهر نافع آراءه المستهجنة الشاذّة كالبراءة من القعدة حتّى سمّاهم مشركين، و استحلّ قتل أطفال مخالفيه و نسائهم، تبرّأ منه عدّة من الخوارج، منهم أبو فديك، و عطية الحنفي، و راشد الطويل، و مقلاص، و أيّوب الأزرق، فذهبوا إلى اليمامة، فاستقبلهم نجدة بن عامر في جند من الخوارج يريدون اللحوق بعسكر نافع، فأخبروهم باحداث نافع و ردّوهم إلى اليمامة، و بايعوا بها نجدة بن عامر، و كفّروا من قال بإكفار القعدة منهم عن الهجرة إليهم، و أكفروا من قال بإمامة نافع، و أقاموا على إمامة نجدة إلى أن اختلفوا عليه في أُمور نقموها منه.

ثمّ الذين اختلفوا عليه بعد ما اجتمعوا حوله صاروا ثلاث فرق:

1 - فرقة صارت مع عطيّة بن الأسود الحنفي ففارقهم إلى سجستان، و تبعهم خوارج سجستان، و لهذا قيل لخوارج سجستان في ذلك الوقت: عطويّة.

2 - فرقة صارت مع أبي فديك و هم الذين قتلوا نجدة.

3 - و فرقة عذروا نجدة في ما أحدثه من البدع و أقاموا على إمامته.

و الذين خالفوه نقموا عليه الأُمور التالية:

الف - إنّه بعث جيشاً في غزو البرّ و جيشاً في غزو البحر، ففضّل الذين بعثهم في البرّ على الذين بعثهم في البحر في الرزق و العطاء.

ب - بعث جيشاً فأغاروا على مدينة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و أصابوا منها جارية من بنات عثمان، فكتب إليه عبد الملك في شأنها، فاشتراها نجدة من الذي كانت في يديه، و ردّها إلى عبد الملك بن مروان، فقالوا له: إنّك رددت جارية لنا على عدوّنا.

ج - عذر أهل الخطأ في الاجتهاد إذا كان سببه الجهل و ذلك يعود إلى الحادثة التالية:

بعث ابنه المضرج مع جند من عسكره إلى القطيف، فأغاروا عليها، و سبوا منها النساء و الذرّية و قوَّموا النساء على أنفسهم، فنكحوهنّ قبل إخراج الخمس من الغنيمة، و قالوا: إن دخلت النساء في قسمنا فهو مرادنا، و إن زادت قيمتهنّ على نصيبنا من الغنيمة غرمنا الزيادة من أموالنا، فلمّا رجعوا إلى «نجدة» و سألوه عمّا فعلوا من وطء النساء، و من أكل طعام الغنيمة قبل إخراج الخمس منها، و قبل قسمة أربعة أخماسها بين الغانمين، قال لهم: لم يكن لكم ذلك، فقالوا: لم نعلم أنّ ذلك لا يحلّ لنا، فعذَّرهم بالجهالة. ثمّ قال: إنّ الدين أمران:

أحدهما: معرفة اللّٰه تعالى، و معرفة رسله - عليهم الصلاة و السلام -، و تحريم دماء المسلمين - يعنون موافقيهم - و الإقرار بما جاء من عند اللّٰه جملة، فهذا واجب على الجميع، و الجهل به لا يعذر فيه.

و الثاني: ما سوى ذلك، فالناس معذورون فيه إلى أن تقوم عليهم الحجّة في الحلال و الحرام.

قالوا: و من جوّز العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام قبل قيام الحجّة عليه فهو كافر.

د - تولّى أصحاب الحدود من موافقيه و قال: لعلّ اللّٰه يعذّبهم بذنوبهم في غير نار جهنّم و يدخلهم الجنّة، و زعم أنّ من خالفه في دينه يدخل النار.

ه - أسقط حدّ الخمر.(1)

و - من نظر نظرة صغيرة، أو كذب كذبة صغيرة، و أصرّ عليها فهو مشرك، و من زنىٰ و سرق و شرب الخمر غير مصرّ عليه فهو مسلم، إذا كان من موافقيه على دينه.

و لهذه البدع، استتابه أكثر أتباعه و قالوا: اخرج إلى المسجد، و تب من إحداثك في الدين، ففعل ذلك.

ثمّ إنّ قوماً منهم ندموا على استتابته، و انضمّوا إلى العاذرين له، و قالوا له: أنت الإمام و لك الاجتهاد و لم يكن لنا أن نستتيبك، فتب من توبتك،


1) . هذا ما يقوله البغدادي، و يقول الشهرستاني: غلظ على الناس من حد الخمر تغليظاً شديداً، و الظاهر صحّة الثاني لكون نجدة من الخوارج.

و استتب الذين استتابوك و إلّا نابذناك، ففعل ذلك، فافترق عليه أصحابه، و خلعه أكثرهم، و قالوا له: اختر لنا إماماً، فاختار «أبا فديك».

و صار «راشد الطويل» (أحد رؤساء الخوارج) مع «أبي فديك» يداً واحدة، فلمّا استولى أبو فديك على اليمامة علم أنّ أصحاب نجدة إذا عادوا من غزواتهم أعادوا نجدة إلى الإمارة فطلب نجدة ليقتله فاختفى نجدة في دار بعض عاذريه، ينتظر رجوع عساكره الذين كان قد فرّقهم في سواحل الشام و نواحي اليمن، و نادى منادي «أبي فديك»: من دلّنا علىٰ «نجدة» فله عشرة آلاف درهم، و أي مملوك دلَّنا عليه فهو حر، فدلّت عليه أمة، فأنفذ أبو فديك «راشد الطويل» في عسكر إليه فكبسوه و حملوا رأسه إلىٰ «أبي فديك».

و لما قُتِلَ نجدة صارت النجدات بعده ثلاث فرق:

1 - فرقة أكفرته و صارت إلى أبي فديك، كراشد الطويل، و أبي بيهس، و أبي الشمراخ و أتباعهم.

2 - فرقة عذرته فيما فعل، و هم النجدات.

3 - و فرقة من النجدات هاجروا من اليمامة، و كانوا بناحية البصرة شكّوا فيما حكي من إحداث نجدة و توقّفوا في أمره و قالوا: لا ندري هل أحدث تلك الاحداث أم لا؟ فلا نبرأ منه إلّا باليقين.

و بقى أبو فديك بعد قتل نجدة إلى أن بعث إليه عبد الملك بن مروان، عمر بن عبيد اللّٰه بن معمر التميمي في جند فقتلوا أبا فديك، و بعثوا برأسه إلى

عبد الملك بن مروان، فهذه قصة النجدات.(1)

و بالإمعان فيما نقلنا عنه من الآراء يظهر مذهب النجدية، و أنّهم كانوا أخف وطأة من الأزارقة و تتلخّص الأفكار التي امتازوا بها عن غيرهم من فرق الخوارج في الأُمور التالية:

1 - التقيّة جائزة(2).

2 - تعذير قَعَدة المسلمين و ضَعَفَتهم.

3 - تحريم قتل الأطفال.

4 - لزوم رد أمانة المخالف(3).

5 - لا حاجة للناس إلى إمام قط، و إنّما عليهم أن يتناصحوا فيما بينهم، فإن هم رأوا أنّ ذلك لا يتم إلّا بإمام يحملهم عليه فأقاموه، جاز(4).

6 - تولّي أصحاب الحدود و الجنايات من موافقيه.

7 - من نظر نظرة صغيرة، أو كذب كذبة صغيرة و أصرّ عليها فهو مشرك (و لعلّه في حقّ مخالفيهم) و من زنى، و سرق، و شرب الخمر غير مصرّ عليه فهو مسلم، إذا كان من موافقيه على دينه.(5)


1) . الفَرق بين الفِرق: 87-90؛ مقالات الإسلاميين: 89/1؛ الملل و النحل: 122/1-125.

2) . و لو صحّ ذلك كما هو صريح كتاب نجدة لا يصحّ ما نسب إليهم الأشعري في مقالاته من أنّهم استحلّوا دماء أهل المقام و أموالهم في دار التقيّة و برءوا ممّن حرّمها، مقالات الإسلاميين: 91/1.

3) . لاحظ في هذا الأُصول الأربعة كتاب نجدة إلى نافع تجد فيه تلك الآراء.

4) . الملل و النحل: 124/1.

5) . مقالات الإسلاميين: 91/1.

هذه آراؤهم و سوف نرجع إلى دراسة هذه الموضوعات في فصل خاص.

و أخيراً نعيد ما ذكرناه: انقسمت النجدية بعد «نجدة» إلى ثلاث فرق هم: النجدية و الفديكية، و العطوية.(1)

و هذا يدل على أنّ كثيراً من الفرق كانت فرقاً سياسية، لا دينية.


1) . مقالات الإسلاميين: 92/1.

الفرقة الثالثة: البيهسية

البيهسية من الخوارج ينسبون إلى أبي بيهس و اسمه هيصم بن جابر و هي فرقة مستقلّة، لا صلة لها بالإبراهيمية و الميمونية، و إنّما تدخّلت في الخلاف الذي حدث بين تلك الفرقتين، و الفرقتان من الإباضية كما سنبيّن:

قد وقفت عند الكلام في الأزارقة على أنّ أبا بيهس هيصم بن جابر الضبعي و عبد اللّٰه بن إباض كانا في وقت واحد، و كان لنافع قيادة روحية مثلما كان لعبد اللّٰه بن إباض أو أقوى، و إنّما خرج أبو بيهس بمنهج عند ما ظهر له غلوّ نافع و تقصير عبد اللّه بن إباض، حيث إنّ نافع غلا في البراءة من المسلمين و جوّز استعراضهم و التفتيش عن عقائدهم و استحلّ أماناتهم و قتل أطفالهم.

بينما عبد اللّه بن إباض قد قصّر (أي في التطرّف) حيث إنّ المخالفين عندهم كفّار و لكن كفّار في النعم كما عدّ سبحانه و تعالى تارك الحج مع الاستطاعة كافراً و قال: «وَ لِلّٰهِ عَلَى اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعٰالَمِينَ»(1)، و جوّز مناكحهم و مواريثهم و الإقامة في بلدهم.


1) . آل عمران: 97.

عند ذلك أدلى أبو بيهس بأوّل رأيه حيث اعتبر أنّ هناك إفراطاً و تفريطاً و الحق الوسط، يقول: إنّ أعداءنا كأعداء رسول اللّٰه، تحلّ لنا الإقامة فيهم، خلافاً لنافع كما فعل المسلمون خلال إقامتهم بمكة و أحكام المسلمين تجري عليهم، و زعم أنّ مناكحهم و مواريثهم تجوز لأنّهم منافقون يظهرون الإسلام، و انّ حكمهم عند اللّٰه حكم المشركين.

قال المبرّد: فصارت الخوارج في هذا الوقت على ثلاثة أقاويل:

1 - قول نافع في البراءة و الاستعراض و استحلال الأمانة و قتل الأطفال.

2 - قول أبي بيهس الذي ذكرناه.

3 - و قول عبد اللّه بن إباض و هو أقرب الأقوال إلى السنّة من أقاويل الضلال.(1)

ثمّ إنّ البيهسية انقسمت إلى فرق:

1 - العوفية.

2 - أصحاب التفسير.

3 - أصحاب السؤال، و هم أصحاب شبيب النجراني.

و لنذكر المشتركات بين هاتيك الفرق، ثمّ نذكر المميّزات، أمّا الأُولى فقال أبو بيهس: لا يسلم أحد حتّى يقرّ بمعرفة اللّٰه، و معرفة رسوله، و معرفة


1) . الكامل: 214/2 و أضاف انّ الصفرية و النجدية في ذلك الوقت يقولون بقول ابن إباض.

ما جاء به محمّد جملة، و الولاية لأولياء اللّٰه سبحانه، و البراءة من أعداء اللّٰه و ما حرّم اللّٰه سبحانه ممّا جاء فيه الوعيد، فلا يسع الإنسان إلّا علمه و معرفته بعينه، و تفسيره.

و منه ما ينبغي أن يعرفه باسمه و لا يبالي أن لا يعرف تفسيره و عينه حتى يبتلى به، و عليه أن يقف عند ما لا يعلم، و لا يأتي شيئاً إلّا بعلم.

و في مقابل البيهسية من قال: قد يسلم الإنسان بمعرفة وظيفة الدين، و هي شهادة أن لا إله إلّا اللّٰه، و أنّ محمداً صلى الله عليه و آله و سلم عبده و رسوله، و الإقرار بما جاء من عند اللّٰه جملة(1)، و الولاية لأولياء اللّٰه، و البراءة من أعداء اللّٰه و إن لم يعرف ما سوى ذلك فهو مسلم.

ثمّ إنّه مسلم حتى يبتلى بالعمل، فمن واقع شيئاً من الحرام، ممّا جاء فيه الوعيد، و هو لا يعلم أنّه حرام، فقد كفر، و من ترك شيئاً من كبير ما افترضه اللّٰه سبحانه عليه و هو لا يعلم فقد كفر، فإن حضر أحد من أوليائه مواقعة من واقع الحرام و هو لا يدري أ حلال أم حرام، أو اشتبه عليه، وقف فيه، فلم يتولّه و لم يبرأ منه حتى يعرف أ حلال ركب أم حرام؟.

قالت البيهسية: الناس مشركون بجهل الدين(2)، مشركون بمواقعة الذنوب، و إن كان ذنب لم يحكم اللّٰه فيه حكماً مغلظاً و لم يوقفنا على


1) . الفرق بين الفرقتين: هو أنّ البيهسية التزموا بالمعرفة جملة، و هؤلاء اكتفوا بالاقرار جملة، و الفرق بينهما واضح، فإنّ المعرفة تستلزم المعرفة التفصيلية دون الإقرار.

2) . ذلك لازم الأصل الأوّل من اشتراط تحقّق الإسلام بمعرفة ما جاء به محمّد صلى الله عليه و آله و سلم.

تغليظه فهو مغفور، و لا يجوز أن يكون أخفى أحكامه عنّا في ذنوبنا، و لو جاز ذلك جاز في الشرك.(1)

و قالوا: التائب في موضع الحدود، و في موضع القصاص، و المقرّ على نفسه يلزمه الشرك إذا أقرّ من ذلك بشيء و هو كافر، لأنّه لا يحكم بشيء من الحدود و القصاص إلّا على كلّ كافر يشهد عليه بالكفر عند اللّٰه(2).

هذه هي الأحكام المشتركة بين جميع فرق البيهسية و لب الجميع عبارة عن أمرين:

1 - لزوم معرفة ما جاء به النبي على وجه التفصيل.

2 - إنّ مرتكب الكبائر مشرك خصوصاً فيما إذا كان في موضع الحد.

نعم هناك فِرق من البيهسية اختصّوا ببعض الأحكام، نذكر منها ما يلي:

الف - العوفية: و هم فرقتان: فرقة تقول: من رجع من دار هجرتهم و من الجهاد إلى حال القعود نبرأ منهم.

و فرقة تقول: لا نبرأ منهم، لأنّهم رجعوا إلى أمر كان حلالاً لهم. و كلا الفريقين من العوفية يقولون: إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعية، الغائب منهم و الشاهد.

و البيهسية يبرءون، منهم و هم جميعاً يتولّون أبا بيهس، و قالت العوفية: السكر كفر، و لا يشهدون أنّه كفر حتى يأتي معه غيره كترك الصلاة، و ما أشبه


1) . يريد أنّ المعاصي الكبيرة لا تكون خفيّة علينا، و لو جاز خفاؤها لجاز خفاء حكم الشرك.

2) . و هذا مبني على كون ارتكاب الكبائر كفراً.

ذلك، لأنّهم إنّما يعلمون أنّ الشارب سكر إذا ضمّ إلى سكره غيره ممّا يدلّ على أنّه سكران(1).

ب - أصحاب التفسير: كان صاحب بدعتهم رجل يقال له الحكم بن مروان من أهل الكوفة، زعم أنّه من شهد على المسلمين لم تجز شهادتهم إلّا بتفسير الشهادة كيف هي. قال: و لو أنّ أربعة شهدوا على رجل منهم بالزنا لم تجز شهادتهم حتى يشهدوا كيف هو، و هكذا قالوا في سائر الحدود، فبرأت منهم البيهسية على ذلك و سمّوهم أصحاب التفسير.

ج - أصحاب السؤال: و هم الذين زعموا أنّ الرجل يكون مسلماً إذا شهد أن لا إله إلّا اللّٰه و أنّ محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم عبده و رسوله، و تولّى أولياء اللّٰه و تبرّأ من أعدائه، و أقرّ بما جاء من عند اللّٰه جملة، و إن لم يعلم سائر ما افترض اللّٰه عليه ممّا سوى ذلك، أفرض هو أم لا؟ فهو مسلم حتى يبتلى بالعمل به (فيسأل)(2)

ثمّ إنّ الفرق بينهم و بين الفرقة المخالفة للبيهسية التي أوعزنا إليها في صدر البحث هو أنّهم يحكمون بالكفر إذا ابتلى بالعمل و هو لا يعلم أنّه حرام، و هذا بخلاف أصحاب السؤال فهم لا يحكمون بكفره بل يحكمون عليه بالسؤال.

.

و قالوا: في أطفال المؤمنين: إنّهم مؤمنون أطفالاً و بالغين، حتى يكفروا، و إنّ أطفال الكفّار كفّار، أطفالاً و بالغين حتى يؤمنوا.


1) . إنّ العلم بالسكر يعلم بأدنىٰ شيء و لا يتوقّف على ترك الصلاة.

2) . قد عرفت أنّ القدر المشترك بين البيهسية هو لزوم معرفة ما جاء به محمّد صلى الله عليه و آله و سلم تفصيلاً، و لكن أصحاب السؤال اكتفوا بالإقرار الإجمالي، فعدّهم من البيهسية موضع تأمّل، و إن عدّهم منهم الأشعري في مقالاته.

و قالوا بقول المعتزلة في القدر (أي كون الأفعال منسوبةً إلى الإنسان دونه سبحانه).

هذه هي البيهسية و هذه الفرق المتشعّبة عنها.

و هاهنا آراء تنسب إلى بعض البيهسيين و لم يعرف قائلها.

منها قول بعض البيهسية: من واقع زنا، لم يُشهد عليه بالكفر حتى يرفع إلى الإمام أو الوالي و يحد، فوافقهم على ذلك طائفة من الصفرية، إلّا أنّهم قالوا: نقف فيهم و لا نسمّيهم مؤمنين و لا كافرين.

منها قول بعضهم: إذا كفر الإمام كفرت الرعية، و إنّ الدار دار شرك و أهلها جميعاً مشركون، و لا يصلّى إلّا خلف من يعرف، و قالوا:

بقتل أهل القبلة و أخذ الأموال و استحلال القتل و السبي على كل حال.

منها: السكر من كل شراب، حلال موضوع عمّن سكر منه، و كل ما كان في السكر من ترك الصلاة أو شتم اللّٰه سبحانه موضوع فيه، لا حدّ فيه، و لا حكم، و لا يكفّر أهله بشيء من ذلك ما داموا في سكرهم، و قالوا: إنّ الشراب حلال الأصل، و لم يأت فيه شيء من التحريم لا في قليله و لا في إكثار أو سكر.(1)

و أمّا تدخّل أبي بيهس في الخلاف الذي حدث بين الإبراهيمية و الميمونية فحاصله: أنّ رجلاً من الإباضية يعرف بإبراهيم، دعا قوماً من أهل مذهبه إلى داره، و أمر جارية له كانت على مذهبه بشيء، فأبطأت عليه


1) . مقالات الإسلاميين: 113/1-118؛ الملل و النحل: 125/1-127.

فحلف ليبيعنّها في الأعراب، فقال له رجل منهم اسمه ميمون: كيف تبيع جارية مؤمنة إلى الكفرة؟ فقال له إبراهيم: إنّ اللّٰه تعالى قد أحلّ البيع و قد مضى أصحابنا و هم يستحلّون ذلك، فتبرّأ منه ميمون و توقّف آخرون منهم في ذلك و كتبوا بذلك إلى علمائهم، فأجابوهم بأنّ بيعها حلال، و بأنّه يستتاب ميمون، و يستتاب من توقّف في إبراهيم، فصاروا في هذا ثلاث فرق: إبراهيمية، و ميمونية، و واقفة.

ثمّ إنّ البيهسية قالوا: إنّ ميموناً كفر بأن حرّم الأمة في دار التقية من كفّار قومنا، و كفرت الواقفة بأن لم يعرفوا كفر ميمون و صواب إبراهيم، و كفر إبراهيم بأن لم يبرأ من الواقفة.(1)

و أمّا مصير أبي بيهس، فقد طلبه الحجاج أيّام الوليد فهرب إلى المدينة، فطلبه بها عثمان بن حيّان المزني فظفر به و حبسه، و كان يسامره إلى أن ورد كتاب الوليد بأن يقطع يديه و رجليه ثمّ يقتله، ففعل ذلك به.(2)



1) . الفرق بين الفرق: 107-108.

2) . الملل و النحل: 125/1.

الفرقة الرابعة: الصفرية

اشارة

اختلفت كلمة أصحاب المقالات في مؤسّس هذه الفرقة، فنرى أنّ المبرّد يعرّفهم بأنّهم أصحاب ابن صفار، و أنّهم إنّما سمّوا بصفرة لصفرةٍ عَلَتْهم، و يستشهد على ذلك بقول ابن عاصم الليثي، و كان يرى رأي الخوارج و صار مرجئاً.

فارقتُ نجدة و الذين تزرّقوا *** و ابن الزبير و شيعة الكذّاب

و الصفر الآذان(1)الذين تخيّروا *** ديناً بلا ثقة و لا بكتاب

بينما الأشعري و الشهرستاني ينسبانها إلى زياد بن أصفر.(2)

و لكن يقول المقريزي: إنّهم أتباع زياد بن الأصفر و يضيف، ربّما يقال: إنّهم أتباع النعمان بن الصفر، و قيل: بل نسبوا إلى عبد اللّه بن صفار، و يقال لهم أيضاً: الزيادية... و يقال لهم أيضاً: النُّكّار من أجل أنّهم ينقصون نصف علي و ثلث عثمان و سدس عائشة.(3)


1) . قال المبرّد: خفف الهمزة من الاذان و لولاه لانكسر الشعر. (الكامل: 214/2)

2) . مقالات الإسلاميين: 101؛ الملل و النحل: 137/1.

3) . الخطط المقريزية: 354/2. و النكّار جمع ناكر.

و على كل تقدير فهم كالإباضية أقرب الفرق إلى المسلمين:

1 - يخالفون الأزارقة في عذاب الأطفال، فإنّهم لا يجيزون ذلك و لا يكفّرونهم و لا يخلّدونهم في النار.

2 - لم يكفّروا القعدة عن القتال - و المراد قعدة الخوارج -.

3 - لم يسقطوا الرجم.

4 - التقية جائزة في القول دون العمل عندهم.

5 - و أمّا إطلاق الكافر و المشرك على مرتكبي الكبائر، فقد قالوا فيه بالتفصيل الآتي:

ما كان من الأعمال عليه حدّ واقع فلا يتعدّى بأهله، الاسمُ الذي لزمه به الحدّ كالزنا و السرقة، و القذف، فيسمّى زانياً سارقاً، قاذفاً، لا كافراً مشركاً.

و ما كان من الكبائر ممّا ليس فيه حدّ لعظم قدره مثل ترك الصلاة و الفرار من الزحف، فإنّه يكفّر بذلك.

6 - و نقل عن الضحّاك منهم انّه جوّز تزويج المسلمات من كفّار قومهم (يريد سائر المسلمين) في دار التقيّة دون دار العلانية.

7 - و نقل عن زياد بن الأصفر انّ الزكاة سهم واحد في دار التقيّة(1).

8 - و يحكى عنه أنّه قال: نحن مؤمنون عند أنفسنا و لا ندري أنّنا خرجنا من الإيمان عند اللّٰه!


1) . يريد أنّه لا يجب صرف الزكاة على الأصناف الثمانية الواردة في آية الصدقات، لعدم بسط اليد في دار التقيّة بل تصرف في مورد واحد.

9 - الكفر كفران: كفر بإنكار النعمة، و كفر بإنكار الربوبية.

10 - البراءة براءتان: براءة من أهل الحدود، سنّة؛ و براءة من أهل الجحود، فريضة.(1)

و على ما ذكره الشهرستاني فهم لا يرون ارتكاب الكبيرة موجباً للشرك و الكفر إلّا فيما إذا لم يرد فيه حدّ كترك الصلاة.

لكن الظاهر ممّا نقله البغدادي في الفرق انّ بين الصفرية قولين آخرين:

الف - إنّ صاحب كل ذنب مشرك، كما قالت الأزارقة.

ب - إنّ صاحب الذنب لا يحكم عليه بالكفر حتى يرفع إلى الوالي فيحدّه.(2)

و كل الصفرية بل جميع فرق الخوارج حتى الإباضية الذين يتحرّجون من تسميتهم خوارج، يقولون بموالاة عبد اللّه بن وهب الراسبي و حرقوص بن زهير و أتباعهما من المحكّمة الأُولىٰ.

و يقولون بإمامة أبي بلال مرداس، الخارج بعد المحكّمة الأُولى، و بإمامة عمران بن حطان السدوسي بعد أبي بلال.

أمّا أبو بلال فقد مرّت ترجمته و أنّه خرج في أيّام يزيد بن معاوية


1) . الملل و النحل: 137/1؛ الفَرق بين الفِرق: 90؛ مقالات الإسلاميّين: 101.

2) . الفَرق بين الفِرق: 91.

بناحية البصرة، فبعث إليه عبيد اللّٰه بن زياد، عبّاد بن أخضر التميمي، فقتله مع أتباعه.

و أمّا الثاني فهو من شعراء الخوارج و خطبائهم، مات سنة 84، و بلغ من خبثه في بغض علي عليه السلام أنّه رثا عبد الرحمن بن ملجم و قال في ضربه عليّاً:

يا ضربة من منيب ما أراد بها *** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إنّي لأذكره يوماً فأحسبه *** أوفىٰ البرية عند اللّٰه ميزانا

قال عبد القاهر (البغدادي): و قد أجبناه عن شعره هذا بقولنا:

يا ضربة من كفور ما استفاد بها *** إلّا الجزاء بما يصليه نيرانا

إنّي لألعنه ديناً، و ألعن من *** يرجو له أبداً عفواً و غفرانا

ذاك الشقي لأشقى الناس كلّهم *** أخفّهم عند ربّ الناس ميزانا(1)


1) . الفَرق بين الفِرق: 93

أُصول الفرق للخوارج:

هذه هي أُصول فرق الخوارج المتطرّفين و أمّا سائر الفرق فكلّها مشتقّة منها بسبب اختلاف غير هامّ في التخطيط و التطبيق، لا في المبدأ و الأصل، و أمّا الإباضية، فلم يكونوا بهذا التطرّف، و لأجل ذلك أسماهم سائر الفرق باسم «القعدة»، لأنّهم قعدوا عن الجهاد في سبيل اللّٰه بمحاربة الولاة و الحكّام الظالمين.

يقول «الدكتور رجب محمّد عبد الحليم (أُستاذ التاريخ بجامعة القاهرة و جامعة السلطان قابوس)»: قد تطوّرت الأحوال في جماعة المحكّمة الذين ظلّوا على عدائهم و صدامهم مع الدولة الأموية إلى الانقسام إلى فرق ثلاث: هي الأزارقة، و النجدات، و البيهسية منذ عام 64، و أُضيفت إليها الفرقة الرابعة و هي الفرقة المعروفة باسم الصفرية منذ عام 75، و اتّفقت هذه الفرق الأربع فيما بينهم على آراء، و كفّر بعضهم بعضاً، و اصطدموا بالدولة الأموية مرّات عديدة، و تصدّت لهم قوات الخلافة و أخضعت شوكتهم و قضت على زعمائهم، و كان ذلك على يد المهلّب بن أبي صفرة العماني و على يد قومه من الأزد العمانيين، و عند ما حاول بعض زعمائهم اللجوء إلى عمان، تصدّى لهم العمانيون و قاتلوهم و قتلوهم.(1)


1) . الإباضية في مصر و المغرب: 14.

و على كل تقدير فالفرقة الباقية من الخوارج تلعن الفرق الأربع و تتبرّأ منها، و إليك نصّ بعضهم في هذا الشأن:

لقد حرص ابن إباض في رسالته إلى عبد الملك بن مروان أن يقرّر رأيه بصراحة في ابن الأزرق... فذكر فيها قوله:

«أنا براء إلى اللّٰه من ابن الأزرق و صنيعه و أتباعه. لقد كان حين خرج على الإسلام فيما ظهر لنا، و لكنّه أحدث و ارتدّ و كفر بعد إسلامه فنبرأ إلى اللّٰه منهم».(1)

و قد عرض القلهاتي بالتحليل لآراء الأزارقة:

«الأزارقة إمامهم أبو راشد نافع بن الأزرق، و هو أوّل من خالف اعتقاد أهل الاستقامة، و شقّ عصى المسلمين، و فرّق جماعتهم، و انتحل الهجرة، و سبى أهل القبلة، و غنم أموالهم، و سبى ذراريهم، و سنَّ تشريك أهل القبلة، و تبرأ من القاعد و لو كان عارفاً لأمره تابعاً لمذهبه، و استحلّ اعتراض الناس بالسيف، و حرّم مناكحتهم و ذبائحهم و موارثتهم، و ابتدع اعتقادات فاسدة و آراء حائدة خالف فيها المسلمين أهل الاستقامة في الدين»(2).

و قد تعرَّض كذلك لسائر فرق الخوارج الأُخرى فقال:

«و جميع أصناف الخوارج - غير أهل الاستقامة (الإباضية) - اجتمعوا على تشريك أهل القبلة، و سبي ذراريهم، و غنيمة أموالهم، و منهم من


1) . الجواهر المنتقاة للبرادي (رسالة ابن إباض): 156-167. و يأتي نصّ الرسالة في محلّها.

2) . الكشف و البيان: 423/2.

يستحل قتل السريرة و العلانية، و اعتراض الناس بالسيف على غير دعوة، و منهم من يستحلّ قتل السريرة، و هم مختلفون فيما بينهم، يقتل بعضهم بعضاً، و يغنم بعضهم مال بعض، و يبرأ بعضهم من بعض، و انتحلوا الهجرة، و حرّموا موارثتهم، و مناكحتهم، و أكل ذبائحهم».(1)

الخوارج قد شوّهوا محاسن الدين:

إنّ الخوارج قد شوّهُوا محاسنَ الدين الإسلامي تشويهاً غريباً، فإنَّ هذا الإغراق في التأويل و الاجتهاد أخرجهم عن روح الإسلام و جماله و اعتداله، و هم في تعمّقهم قد سلكوا طريقاً ما قال به محمّد صلى الله عليه و آله و سلم و لا دعا إليه القرآن، و أمّا التقوىٰ التي كانوا يَظْهرون بها فهي من قبيل التقوىٰ العمياء، و الصلاح، الذي كانوا يتزينون به في الظاهر، كان ظاهر التأويل بادئ الزخرفة، و قد طمعوا في الجنة و أرادوا السعي لها عن طريق التعمق و التشدّد و الغلوّ في الدين، غلوّاً أخرجهم منه، و مجاوزة الحدِّ، تُوقع في الضد.(2)



1) . الإمام جابر بن زيد العماني لصالح بن أحمد الصوافي: 215-216.

2) . الخوارج في الإسلام لعمر ابو النضر: 111.

الفرقة الخامسة: الإباضية

أتباع عبد اللّه بن إباض المتوفّى 86 ه

أتباع عبد اللّه بن إباض(1)المتوفّى 86 ه

وصفت الاباضية في كلام غير واحد بأنّهم أقرب الناس إلى أهل السنّة.(2)و أنّهم هم الفرقة المعتدلة من الخوارج، و لأجل هذا أُتيح لهم البقاء إلى يومنا هذا، فهم متفرّقون في عمان و زنجبار و شمال إفريقيا، فإذا كان البحث في سائر الفرق بحثاً في طوائف أبادهم الدهر و صاروا خبراً لِكانَ، فالبحث عن الاباضية بحث عن فرقة موجودة من الخوارج و يعتبر مذهبهم، المذهب الرسمي في عُمان، و قد ذكرنا في بداية الكتاب النشاط الثقافي التي تقوم به وزارة الأوقاف عندهم. فنبحث أوّلاً عمّا يقول عنهم أصحاب المقالات و التاريخ، ثمّ نرجع إلى كتبهم المنتشرة في هذه الأيام لغاية التعريف بهم.


1) . إنّ اباضية عمان يقرءونه - بالفتح - خلافاً لإباضية شمال إفريقيا فيقرءونه - بالكسر و على كل تقدير و اباض - بضم الهمزة - فهي قرية أو واحة باليمامة.

2) . الكامل للمبرّد: 214/2.

الاباضية في كتب المقالات و التاريخ:

عبد اللّه بن اباض المقاعسي المرّي التميمي من بني مرّة بن عبيد بن مقاعس، رأس الاباضية و إليه نسبتهم، و قد عاصر معاوية و عاش إلى أواخر أيّام عبد الملك بن مروان، و كان ممّن خرج إلى مكّة لمنع حرم اللّٰه من مسلم بن عقبة المرّي(1)عامل يزيد بن معاوية.

اتّفق عبد اللّه بن اباض مع نافع و أصحابه على أن يسألا عبد اللّه بن الزبير عن رأيه في عثمان، لأنّ الخوارج يومذاك كانوا ملتفِّين حول عبد اللّه بن الزبير، فلمّا سألوه وجدوه مخالفاً للعقيدة فتفرّقوا من حوله، و ذهبت طائفة من الخوارج إلى اليمامة و عدّة أُخرىٰ إلى البصرة، منهم ابن الأزرق و عبد اللّٰه بن اباض و عبد اللّٰه بن الصفار.(2)

ثمّ إنّ ابن الأزرق خرج على ثلاثمائة رجل عند و ثوب الناس بعبيد اللّٰه بن زياد، و تخلّف عنه عبد اللّه بن صفّار و عبد اللّٰه بن اباض و رجال معهما علىٰ رأيه، و كتب إليهما ما ألقاه لأصحابه في خطابته و هو:

«إنّ اللّٰه قد أكرمكم بمخرجكم، و بصَّركم ما عمى عنه غيركم. أ لستم تعلمون أنّكم إنّما خرجتم تطلبون شريعته و أمره، فأمره لكم قائد، و الكتاب لكم إمام، و إنّما تتّبعون سننه و أثره؟ فقالوا: بلى، فقال: أ ليس حكمكم في


1) . تاريخ الطبري: 438/4.

2) . تاريخ الطبري: 438/4.

وليّكم حكم النبي صلى الله عليه و آله و سلم في وليّه، و حكمكم في عدوّكم حكم النبي صلى الله عليه و آله و سلم في عدوّه، و عدوّكم اليوم عدوّ اللّٰه و عدوّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم كما أنّ عدوّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم يومئذ هو عدوّ اللّٰه و عدوّكم اليوم؟ فقالوا: نعم، قال: فقد أنزل اللّٰه تبارك و تعالى: «بَرٰاءَةٌ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى اَلَّذِينَ عٰاهَدْتُمْ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ»(1)و قال: «لاٰ تَنْكِحُوا اَلْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ»(2)فقد حرّم اللّٰه ولايتهم، و المقام بين أظهرهم، و إجازة شهادتهم، و أكل ذبائحهم، و قبول علم الدين عنهم، و مناكحتهم و مواريثهم. قد احتجّ اللّٰه علينا بمعرفة هذا، و حقّ علينا أن نعلم هذا الدين الذين خرجنا من عندهم، و لا نكتم ما أنزل اللّٰه، و اللّٰه عزّ و جلّ يقول: «إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ اَلْبَيِّنٰاتِ وَ اَلْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي اَلْكِتٰابِ أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاّٰعِنُونَ»(3).

فبعث بالكتاب إلى عبد اللّه بن صفار و عبد اللّٰه بن اباض، فأتيا به، فقرأه عبد اللّه بن صفار، فأخذه، فوضعه خلفه فلم يقرأه على الناس خشية أن يتفرّقوا و يختلفوا، فقال له عبد اللّه بن اباض: مالك للّٰه أبوك؟ أيّ شيء أُصبت؟ أن قد أُصيب اخواننا؟ أو أُسر بعضُهم؟ فدفع الكتاب إليه، فقرأه، فقال: قاتله اللّٰه، أيّ رأي رأى. صدق نافع بن الأزرق (لكن) لو كان القوم مشركين، كان أصوب الناس رأياً و حكماً فيما يشير به، و كانت سيرته كسيرة النبي صلى الله عليه و آله و سلم في المشركين.


1) . التوبة: 1.

2) . البقرة: 221.

3) . البقرة: 159.

و لكنّه قد كذب و كذبنا فيما يقول: إنّ القوم كفّار بالنعم و الأحكام، و هم براء من الشرك، و لا يحلّ لنا إلّا دماؤهم، و ما سوى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام.(1)

ثمّ إنّ المبرّد نقل كتاب ابن الأزرق إليهما بغير هذه الصورة، و النقلان متّفقان في المادة، و أضاف أنّ الكتاب ورد إلى أبي بيهس و عبد اللّٰه بن اباض، فأقبل أبو بيهس على ابن اباض فقال: إنّ نافعاً غلا فكفر و انّك قصّرت فكفرت.(2)

هذا هو عبد اللّه بن إباض، و هذه زمالته مع نافع بن الأزرق و هذا فراقه له في مسألة تكفير المسلمين كفر ملّة و دين، و هذه إباحته دماء المسلمين (بعد إتمام الحجّة) و لأجل هذه المرونة بين الاباضية، يقول المبرّد: إنّ قول عبد اللّه بن اباض أقرب الأقاويل إلى أهل السنّة من أقاويل الضلال.

أوهام حول مؤسّس المذهب:

ثمّ إنّ هناك أوهاماً حول الرجل في كتب الفِرق و التواريخ:

1 - خرج ابن اباض في أيام مروان بن محمّد.(3)و هذا وهم فقد مات قبل أيام مروان بأربعين عاماً.

2 - و قال الزبيدي: كان مبدأ ظهوره في خلافة مروان الحمار.(4)


1) . تاريخ الطبري: 438/4-440.

2) . الكامل: 213/2-214 و قد مرّ كتاب ابن الأزرق إليهما عند البحث عن البيهسية، فلاحظ.

3) . نقله خير الدين الزركلي في الأعلام 184/4، عن هامش الأغاني: 330 من المجلد السابع.

4) . الزبيدي: تاج العروس، مادة ابض.

3 - و قال المقريزي: إنّه من غلاة المحكّمة و انّه خرج في أيام مروان، ثمّ قال: و يقال: إنّ نسبة الاباضية إلى اباض - بضم الهمزة - و هي قرية باليمامة نزل بها نجدة بن عامر.(1)

و كلا الأمرين يدلّان على أنّه ظهر بين سنتي 127-132، أيام حكم مروان و هو لا يتّفق مع ما عليه الاباضية على أنّ وفاته كانت في أيام عبد الملك بن مروان.

و قال الشهرستاني: عبد اللّه بن اباض الذي خرج في أيام مروان بن محمّد.(2)

و لعلّ وجه اشتباههم هو: وقوع فتنة الاباضية في أواخر حكومة مروان بن محمّد، و كان في رأس الفتنة عبد اللّه بن يحيى الجندي الكندي الحضرمي طالب الحق و كان اباضياً.

قال ابن العماد: و في سنة 130 كانت فتنة الاباضية و هم المنسوبون إلى عبد اللّه بن اباض. قال: مخالفونا من أهل القبلة كفّار، و مرتكب الكبيرة موحّد غير مؤمن، بناءً على أنّ الأعمال داخلة في الإيمان، و كفّروا عليّاً و أكثر الصحابة، و كان داعيتهم في هذه الفتنة عبد اللّه بن يحيى الجندي الكندي الحضرمي (طالب الحق)، و كانت لهم وقعة بقديد مع عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان فقتل عبد العزيز و من معه من أهل المدينة، فكانوا سبعمائة أكثرهم من قريش منهم: مخرمة بن سليمان الوالبي، روى عن


1) . الخطط المقريزية: 355/2.

2) . الملل و النحل: 134/1.

عبد اللّه بن جعفر و جماعة، و بعدها سارت الخوارج إلى وادي القرى و لقيهم عبد الملك السعدي فقتلهم و لحق رئيسهم إلى مكّة فقتله أيضاً، ثمّ سار إلى تبالة - وراء مكّة بستّ مراحل - فقتل داعيتهم الكندي.(1)

و من الأوهام ما ذكره ابن نشوان الحميري عن أبي القاسم البلخي المعتزلي: انّ عبد اللّه لم يمت حتىٰ ترك قوله أجمع، و رجع إلى الاعتزال.(2)و الرجل توفّي و لم يكن للاعتزال أي أثر، فإنّ رأس الاعتزال هو واصل بن عطاء الذي ولد عام 80.

ثمّ إنّ الاباضية انقسمت إلى فرق خرجوا عن الاعتدال و المرونة و مالوا إلى التطرّف و الشدّة، و لكن جمهور الاباضية على الاعتدال.

يقول الأشعري:

و جمهور الاباضية يتولّى المحكّمة كلّها إلّا من خرج، و يزعمون أنّ مخالفيهم من أهل الصلاة كفّار، و ليسوا بمشركين، حلال مناكحتهم و موارثتهم حلال غنيمة أموالهم من السلاح و الكراع عند الحرب، حرام ما وارء ذلك، و حرام قتلهم و سبيهم في السر، إلّا من دعا إلى الشرك في دار التقيّة ودان به، و زعموا أنّ الدار - يعنون دار مخالفيهم - دار توحيد إلّا عسكر السلطان، فإنّه دار كفر - يعني عندهم -.

و حكي عنهم أنّهم أجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم، و حرّموا


1) . شذرات الذهب: 177/1.

2) . الحور العين: 173.

الاستعراض إذا خرجوا، و حرّموا دماء مخالفيهم حتّى يدعوهم إلى دينهم، فبرأت الخوارج منهم على ذلك، و قالوا: إنّ كل طاعة إيمان و دين، و إنّ مرتكبي الكبائر موحّدون و ليسوا بمؤمنين.(1)

و قريب من ذلك ما ذكره البغدادي في كتابه، يقول: افترقت الاباضية فيما بينها فرقاً يجمعها القول بأنّ كفّار هذه الأُمّة - يعنون بذلك مخالفيهم من هذه الأُمّة - براء من الشرك و الإيمان، و انّهم ليسوا مؤمنين و لا مشركين و لكنّهم كفّار، و أجازوا شهادتهم و حرّموا دماءهم في السرّ و استحلّوها في العلانية، و صحّحوا مناكحتهم، و التوارث منهم، و زعموا أنّهم في ذلك محاربون للّٰه و لرسوله، لا يدينون دين الحق، و قالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض، و الذي استحلّوه الخيل و السلاح، فأمّا الذهب و الفضة فإنّهم يردّونهما إلى أصحابهما عند الغنيمة.

ثمّ افترقت الاباضية فيما بينهم أربع فرق: الحفصية، و الحارثية، و اليزيدية، و أصحاب طاعة لا يراد اللّٰه بها.

ثمّ قال: و اليزيدية، منهم غلاة لقولهم بنسخ شريعة الإسلام في آخر الزمان.(2)

و لأجل تصريح عبد اللّه بن اباض بأنّ المراد من الكفر هو الكفر بالنعم لا محيص عن تفسير الكفر فيما نقله البغدادي عنه بالكفر بالنعم، نعم بعض


1) . مقالات الإسلاميين: 104-105.

2) . الفَرق بين الفِرق: 103. ثمّ ذكر عقائد فرق الاباضية تبعاً للشيخ الأشعري في المقالات: 102-111، و من أراد التفصيل فليرجع إليهما.

الفرق منهم خرجوا عن الاعتدال و حكموا بكفر المسلمين كفراً حقيقياً.

هذا ما يقوله أصحاب المقالات عنهم و لكنّهم في كتبهم المنتشرة في السنوات الأخيرة يقولون خلاف ذلك، و انّهم لا يختلفون مع جماهير المسلمين إلّا في مسألة التحكيم، و أمّا ما سواه فهم و غيرهم سواسية، و ينكرون وجود هذه الفرق التي نسبها إليهم الأشعري ثمّ البغدادي(1). و لأجل ذلك يجب دراسة مذهبهم من كتبهم.

الاباضية في كتب أعلامهم:

قد تعرّفت على المذهب الاباضي و ترجمة مؤسّسه على ما في كتب الفرق و التاريخ، غير أنّ كُتّاب الاباضية في العصر الحاضر و ما قبله يتحرّجون من أن يُعَدُّوا من فرق الخوارج، و إن كانوا يتّفقون معهم في بعض المبادئ و لكن يخالفونهم في كثير من المبادئ و العقائد، و يعتقدون أنّه مذهب نجم في أواخر القرن الأوّل بيد مؤسّسه عبد اللّه بن اباض و جابر بن زيد العماني، فكأنّ الأوّل قائداً مخطّطاً و الثاني قائداً دينياً، و انّ الخوارج هم المتطرّفون كالأزارقة الذين كانوا يكفّرون المسلمين و يعدّونهم مشركين و يستبيحون أموالهم و يستحيون نساءهم و يقتلون أولادهم، و أمّا غيرهم الذين لا يعتنقون هذا المبدأ و ما شابه فليسوا من الخوارج.

و قد بذلت الاباضية في هذه العصور الأخيرة جهوداً في تنزيههم عن


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 21/1-28.

كونهم من هذه الطائفة و انّ المقصود منه غيرهم، و إليك بعض نصوصهم و تحليلاتهم:

هل الاباضية من الخوارج؟

1 - قد عمد البعض من الخوارج بعد وقعة النهروان إلى سلوك طريق لا يتّفق مع الأُصول الصحيحة للشريعة الغرّاء و أحدثوا في الإسلام حدثاً كبيراً بما استحلّوا من استعراض المسلمين بالسيف و تكفير أهل القبلة الذين لا يذهبون مذهبهم، و تفرّق هؤلاء الخارجون إلى فرق عديدة كان منها الأزارقة و النجدات و الصفرية... و هؤلاء هم الذين أصبحوا يعرفون بالخوارج، و يعني وصفهم بذلك أنّهم خارجون عن الدين و مارقون بما استحلّوا من المحرّمات و ما خالفوا فيه من الأحكام الصحيحة للإسلام.

أمّا الاباضية - و هم عرفوا بجماعة المسلمين أهل الحقّ و الاستقامة - فهم لا يرون رأي هؤلاء الخوارج بل يرونهم مارقين خارجين عن الدين، و رغم أنّهم يوالون المحكّمة الأُولى - و على رأسهم عبد اللّه بن وهب الراسبي - إلّا أنّهم لم يوافقوا الأزارقة و من والاهم من بعده، بل تبرّءوا منهم و لم يذهبوا مذهبهم.

و على ذلك فالخوارج هم غير الاباضية و لا يمكن اعتبار الاباضية إحدى فرقهم، و إلّا فكيف نجمع بين النقيضين في صعيد واحد؟! و كيف نصف من يتمسّك بصحيح الإسلام، و لا يكفّر أصحاب القبلة، و لا يستحلّ دماء المسلمين و لا أموالهم إلّا دفعاً لبغي أو ردّاً لعدوان؟.... كيف نصف

هؤلاء بأنّهم من الخوارج الذين أبوا إلّا مفارقة الجماعة و الخروج عليهم و استعراض المسلمين بالسيف، و استحلال دمائهم و أموالهم بغير حقّها، و ذهابهم إلى تكفير هؤلاء، و إذا كانت الاباضية قد والوا المحكّمة الأُولى إلّا أنّ ولاءهم لم يكن لمن خرج من بعد ذلك على الدين، و كان سلوكهم مروقاً و عصياناً.(1)

2 - الاباضية لم يجمعهم جامع بالصفرية و الأزارقة و من نحا نحوهم إلّا إنكار الحكومة بين علي و معاوية، و أمّا استحلال الدماء و الأموال من أهل التوحيد، و الحكم بكفرهم كفر شرك، فقد انفرد به الأزارقة و الصفرية و النجدية، و به استباحوا حمى المسلمين و لمّا كان مخالفونا لا يتورّعون، و لا يكلِّفون أنفسهم مئونة البحث عن الحق، ليقفوا عنده، خلطوا بين الاباضية الذين لا يستبيحون قطرة من دم موحّد بالتوحيد الذي معه، و بين ما استحلّوا الدماء بالمعصية الكبيرة حتى قتلوا الأطفال تبعاً لآبائهم، مع أنّ الفرق كبير جداً كالفرق بين المستحل و المحرّم.

ثمّ قال: إنّ تسمية الخوارج لم تكن معهودة في أوّل الأمر، و إنّما هي انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة، و لم تعرف هذه التسمية في أصحاب عليّ، المنكرين للتحكيم و الراضين به، و لعلّ أوّل ما ظهر هذا اللفظ بعد ثبوت الأمر لمعاوية و الاستقرار و لم يفرّقوا في ذلك بين المتطرف و غيره.(2)

3 - إنّ الاباضية رغم اعتدالهم من الناحية المذهبية و الفقهية إلّا أنّهم


1) . الإمام جابر بن زيد العماني لصالح بن أحمد الصوافي: 212.

2) . الإمام جابر بن زيد العماني: 213-214.

كانوا في عداء سياسي مع دولة بني أُمية و دولة بني العباس، لأنّهم كانوا يقولون بأنّ الإمامة أو الخلافة حق لأيّ مسلم صالح، فلا تكون قاصرة على قريش، و لا على بطونها المختلفة من الأمويين أو العباسيين أو العلويين، و لمّا كان هذا الموقف السياسي للاباضية يلتقي من الناحية النظرية و من الناحية الفكرية البحتة مع الخوارج: الأزارقة و النجدات و الصفرية، فقد عمّم كُتّاب الفرق القول و وضعوا الاباضية ضمن هؤلاء الخوارج و اعتبروهم فرقة رابعة من فرقهم، و الاباضية أنفسهم كما هو موجود في كتبهم القديمة و الحديثة يتبرّءون من هؤلاء الخوارج كل البراءة بل و يقاتلونهم بأشدّ قتال.

إنّ المذهب الاباضي لم يعرف بهذا الاسم إلّا منذ الربع الأخير من القرن الثالث للهجرة حينما غلب على أصحابه هذا الاسم و اشتهروا به، و انّما أصحابه قبل ذلك يعرفون باسم جماعة القعدة و هو اسم له دلالته السياسية، و قد أطلقه عليهم جماعات الخوارج من الأزارقة و غيرهم احتقاراً لهم و رفضاً لمبدئهم: ذاك في القعود، فقد وضع هؤلاء القعدة لأنفسهم مبدأ المسالمة و عدم إشهار السيف في وجه اخوانهم من المسلمين، و أجازوا لأنفسهم البقاء تحت حكم الجبابرة، و قالوا بعدم جواز قتل أطفال مخالفيهم و لا قتل نسائهم و لا استحلال أموالهم، و أخذوا يعملون على نشر مبادئهم السياسية في سرّيّة و كتمان، و دخلوا في مرحلة كتمان طويلة امتدّت منذ أن تأسّس المذهب على يد جابر بن زيد في أواخر القرن الأوّل للهجرة حتى هاجر معظم علماء المذهب و آخر أئمة الكتمان أبو سفيان محبوب بن

الرحيل إلى عمان في أواخر القرن الثاني للهجرة.(1)

4 - إنّ مذهب الاباضية لم يعرف بهذا الاسم في المصادر الاباضية إلّا في الربع الأخير من القرن الثالث للهجرة، و قد قبلت الاباضية بهذا الاسم منذ ذلك التاريخ لأنّه غلب عليهم بمرور الزمن و صار علماً يلتفّون حوله، و إنّما يطلقون على أنفسهم قبل ذلك اسم «جماعة المسلمين» أو «أهل الدعوة» أو «أهل الاستقامة»، و قد سمّاهم أعداؤهم من الخوارج المتطرّفين باسم «القعدة» احتقاراً لهم، لأنّهم طبقاً لوجهة نظر هؤلاء الخوارج، قعدوا عن الجهاد في سبيل اللّٰه بمحاربة الولاة و الحكّام الظالمين.

و كان هؤلاء القعدة قد رأوا القعود عن الحرب، و عن رفع السيف ضد اخوانهم المسلمين عقب موقعة النهروان التي وقعت بين الإمام علي بن أبي طالب و جماعة المحكّمة الذين عارضوه لقبوله التحكيم، و قالوا: «لا حكم إلّا للّٰه» و اشتهروا باسم «المحكّمة» أو «الشراة» أو «الحرورية» و أطلق عليهم خصومهم من أرباب الدولة الأمويّة اسم الخوارج.(2)

5 - إنّ الصفريّة اتّخذت الخروج بالسيف على الدولة وسيلة لتحقيق أهدافهم، فإنّ الصفريّة في بلاد المغرب اتّبعوا هذا الاسلوب في هذه المنطقة النائية، و لذلك رفعوا لواء الثورة ضدّ بني أُميّة منذ عام 122.

و قد أظهر هؤلاء الصفرية من تطرّف شديد في معاملتهم لخصومهم سواء كانوا من العرب أم من البربر، فكانوا يستحلّون سبي النساء،


1) . الاباضية في مصر و المغرب: 54-56.

2) . الاباضية في مصر و المغرب: 12-13.

و يستحلّون الأموال، يسفكون الدماء، و كانوا في حركتهم في بلاد المغرب أقسى على الناس من حركة الأزارقة في بلاد المشرق، و قد وصل تطرّف البربر الصفرية إلى غايته عند ما داهموا القيروان في عام 139، و احتلّوها و فعلوا بأهلها و بمساجدها ما تقشعرّ له الأبدان على يد قبيلة «ورفجومة» التي كان أهلها من غلاة الصفرية.

ثمّ بعد فترات تنقّلت قيادة البربر من الصفرية إلى الاباضية بعد أن ضاق البربر بعنف الصفرية و تطرفهم المقيت، فضعف أمر الصفرية منذ ذلك الحين و ذاب أغلبهم في الاباضية.(1)

6 - المذهب الاباضي يعتمد في أُصوله على الكتاب و السنّة و يتّفق في كثير من أُصوله و فروعه مع مذهب أهل السنّة، و لا يختلف معها إلّا في مسائل قليلة، اختلاف مذاهب السنّة فيما بينها، فلا يخلو منها مذهب لا يخالف غيره في قليل أو كثير من المسائل، و ما كان اعتماد المذهب الاباضي على الكتاب و السنّة و عدم تباعده عن مذاهب السنّة، إلّا لأنّ مؤسّسه جابر بن زيد قد أخذ عن الصحابة الذين أخذ عنهم أصحاب هذه المذاهب من الحنفية و الشافعية و المالكية و الحنابلة، بل انّه يمتاز على أصحاب هذه المذاهب، في أنّه أخذ عن الصحابة مباشرة بينما هم لم يأخذوا في معظمهم إلّا من التابعين، كما أنّ الأحاديث التي جمعها هو و غيره من علماء و فقهاء و جمّاع الأحاديث من الاباضية كالربيع بن حبيب


1) . نفس المصدر: 53.

و غيره، ليست إلّا أحاديث وردت عند البخاري و مسلم و غيرهم من أئمّة الحديث كأبي داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و الدارقطني و الطبراني و البيهقي و غيرهم من أهل السنّة و الجماعة.(1)

7 - إطلاق لفظ الخوارج على الاباضية من الدعايات الفاجرة التي نشأت عن التعصّب السياسي أوّلاً ثمّ عن المذهبي ثانياً، لمّا ظهر غلاة المذاهب و قد خلطوا بين الاباضية و الأزارقة و الصفرية و النجدية.

إنّ لإطلاق الخوارج على الاباضية سببين:

الف - اشتراكهم مع سائر الخوارج في إنكار التحكيم، فصار ذلك سبباً للجمع بين كل منكر للتحكيم في صعيد واحد.

ب - إنّ تسمية الخوارج لم تكن معهودة في أوّل الأمر و إنّما انتشرت بعد استشراء أمر الأزارقة، و لم تعرف هذه التسمية في أصحاب عليّ المنكرين للتحكيم و الراضين به، و لعلّ أوّل ما ظهر هذا الأمر بعد ثبوت الأمر لمعاوية، فإنّ الأمويين أطلقوا هذه التسمية على كل من يعارض ملكهم العضوض(2)، و لم يفرّقوا بين الاباضية و بين سواهم من متطرّفي الخوارج.(3)

8 - إنّ ابن اباض تبرّأ من الأزارقة في الرسالة التي كتبها إلى عبد الملك


1) . الاباضية في مصر و المغرب: 60.

2) . لازم ذلك أن يسمّوا الشيعة أيضاً باسم الخوارج.

3) . الإمام جابر بن زيد العماني: 213-214. و الكاتب غفل عن القريض المعروف في شأن أبي بلال المنتصر كما سيوافيك، و كانت الحادثة سنة 60 قبل فتنة الأزارقة.

و جاء فيها: أنا براء إلى اللّٰه من ابن الأزرق و ضيعه و إيقاعه، لأنّه خرج عن مبادئ الإسلام فيما ظهر لنا و أحدث و ارتدّ و كفر بعد إسلامه فنبرأ إلى اللّٰه منهم.(1)

نَظرُنا في الموضوع:

هذه كلمات القوم و هي تعبّر عن كونهم مصرّين على أنّهم ليسوا بخوارج و من سمّاهم بذلك فقد ظلمهم، و بما أنّ الخوارج لم يكونوا ذوي سمعة حسنة، و كان المسلمون يتبرّءون من عقائدهم و أعمالهم، صار هذا هو الحافز لعلماء الاباضية على السعي البالغ من اخراج أنفسهم عن صفوفهم، و انّهم فرقة مستقلّة لا صلة لهم بالخوارج إلّا كونهم مشتركين في أصل واحد و هو إنكار التحكيم.

و لعلّ القارئ، يتعجّب من الإطناب و الإفاضة في المقام، و ما هذا إلّا لأجل إراءة منطق القوم فيما يتبنّونه لئلّا نبخس حقوقهم، فإنّهم كما عرفت يتّهمون المخالفين بعدم التورع في البحث و عدم تكليف الأنفس مئونة الفحص عن الحق، و لكنّها غير لاصقة بنا، فإنّا كلّفنا أنفسنا مئونة البحث و يشهد بذلك نقل كلماتهم، و مع هذا كلّ ما ذكروه أشبه بالخطابة، و ذلك:

أوّلاً: إنّ هذه الكلمات تحكي أنّ الاباضية أوّل من خطّ خطّ الاعتدال و مشى على ضوئه، و اكتفى بالعزلة و القعود و لم يحارب الناس، و لم


1) . الإمام جابر بن زيد العماني: 224، و نقلاً عن الجواهر المنتقاة للبرادي: 156-167.

يعترضهم. و لكنّه في غير محلّه إذ لو صحّ كلّ ذلك في عبد اللّه بن اباض فراسم هذا الخط هو أبو بلال مرداس بن جدير، فإنّه أوّل من ندّد بعمل الخوارج في اعتراضهم الناس و نهب أموالهم، و كان ينادي بأعلى صوته بأنّه لا يحارب إلّا من حاربه و لا يروّع أحداً و لاٰ... و لا... فعلى ذلك يجب أن يقال: إنّ مبدئ هذه الكفرة هو أبو بلال المقتول عام «60» و قد كان أبو بلال قد شهد صفّين مع علي بن أبي طالب - صلوات اللّٰه عليه - و أنكر التحكيم و شهد النهر و نجا فيمن نجا.(1)

ثانياً: إنّ الحجر الأساس لفرقة الخوارج هو التطرّف و الخروج عن الاعتدال، و إن كان للتطرّف مدارج و مراحل، فالقوم من بدو الخروج على علي و إنكار التحكيم عليه بعد ما فرضوه عليه، كانوا متطرّفين، لا يحترمون دماً و لا عرضاً. إنّ تخصيص التطرّف بالأزارقة، و النجدات، و الصفرية بزعم أنّهم هم الذين كانوا يستعرضون المسلمين، و يستحلّون دماءهم، و يكفّرون أهل القبلة، كلام فارغ عن الحجّة، بل الحجة على خلافه، فإنّ المحكّمة الأُولى و على رأسهم عبد اللّه بن وهب الراسبي أيضاً كانوا من المتطرّفين، و يظهر ذلك من خطب هذا الراسبي و كلماته التي ألقاها في الحروراء، و قد نقلنا بعض كلماته في الفصل السادس، و إليك لقطات منها:

قال مخاطباً إخوانه عند الشخوص من الحروراء إلى النهروان: فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو


1) . الكامل للمبرّد: 183/2 و مرّ تفصيله.

بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضرّة.(1)

ما ذا يريد من قوله: الظالم أهلها، و هل يريد بلدة الكوفة و أهلها الملتفّين حول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام؟ و الحال انّ الآية نزلت في حق المشركين قال سبحانه: «وَ مٰا لَكُمْ لاٰ تُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجٰالِ وَ اَلنِّسٰاءِ وَ اَلْوِلْدٰانِ اَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنٰا أَخْرِجْنٰا مِنْ هٰذِهِ اَلْقَرْيَةِ اَلظّٰالِمِ أَهْلُهٰا وَ اِجْعَلْ لَنٰا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اِجْعَلْ لَنٰا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً»(2).

إنّ المحكّمة الأُولى هم الذين بقروا بطن زوجة عبد اللّه بن خباب بن الأرت، ذلك التابعي العظيم، و لم يكتفوا بذلك، فذبحوا زوجها كما يذبح الكبش، بعد ما أعطوه الأمان، و هم الذين قتلوا ثلاث نسوة من طي، و قتلوا أُمّ سنان الصيداوية، كل ذلك ارتكبوه بعد ما انتقلوا من الحروراء إلى النهروان، و لمّا بلغ عليّاً هذه الجنايات المروِّعة عمد إلى مقاتلتهم بعد ما أتمّ الحجّة عليهم.

و أيّ دليل على تطرّفهم أتقن من توصيف الإمام إيّاهم بقوله: «سيوفكم على عواتقكم، تضعونها مواضع البُرء و السقم، و تخلطون من أذنب بمن لم يذنب».(3)

أبعد هذا يصحّ للاُستاذ صالح بن أحمد الصوافي تخصيص التطرّف بالخوارج الذين جاءوا بعدهم.


1) . مرّ المصدر في الفصل السادس.

2) . النساء 75.

3) . نهج البلاغة: الخطبة 127.

هذا هو شبيب، مساعد ابن ملجم في قتل علي، دخل على معاوية في الكوفة بعد قتل عليّ، و لمّا وقف معاوية على أنّه فيها، بعث إلى الأشجع لأن يخرجه من الكوفة، و كان شبيب إذا جنّ عليه الليل خرج فلم يلق أحداً إلّا قتله.(1)

و هذا هو قريب بن مرّة و زحاف الطائي قد خرجا في امارة زياد بن أبيه فاعترضا الناس، فلقيا شيخاً ناسكاً من بني ضبيعة فقتلاه، فخرج رجل من بني قطيعة من الأزد و في يده السيف، فناداه الناس من ظهور البيوت: «الحرورية»!!!

انج بنفسك، فنادوه (قريب و زحاف و من معهما): لسنا حرورية، نحن الشرط، فوقف فقتلوه، ثمّ جعلا لا يمرّان بقبيلة إلّا قتلا من وجدا حتى مرّا على بني علي بن سود من الأزد، و كانوا رماة فرموهم رمياً شديداً، فصاحوا: يا بني علي! البقيا! لا رماء بيننا. قال رجل من بني علي:

لا شيء للقوم سوى السهام *** مشحوذة في غلس الظلام

ففرّ عنهم الخوارج إلى أن واجهوا بنو طاحية من بني سود، و قبائل من مزينة و غيرها، و وقعت الحرب فقتل الخوارج عن آخرهم، و قتل قريب و زحاف.(2)

ما ذكرنا نماذج من استعراضهم للناس و قتلهم الأبرياء، قبل قيام ابن


1) . الكامل لابن الأثير: 206/3.

2) . الكامل للمبرّد: 180/2.

الأزرق بالدعوة، فإنّ ما ذكرنا يرجع إلى عهد علي و ما بعده بقليل، و أمّا فتنة الأزارقة و النجدات فهي راجعة إلى عصر يزيد بن معاوية فهي من حوادث بعد الستين.

ثالثاً: إنّ تخصيص اسم الخوارج بالمتطرّفين منهم كالأزارقة و النجدات تخصيص بلا وجه، فقد أُطلق هذا اللفظ في عصر عليّ على هؤلاء أي على عبد اللّه بن وهب الراسبي وذي الخويصرة و من قتل معهما في وقعة النهروان:

هذا هو الإمام علي بن أبي طالب - بعد ما خرج من قتال الخوارج في ضفة النهر مرفوع الرأس - قال: لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه».(1)فلو كانت هذه الكلمة لعلي كما هو المقطوع لكان دليلاً على أنّ القوم في بدء نشوئهم كانوا مسمّين بهذا الاسم، و إن كان لغيره فالظاهر أنّ ذلك الغير هو الموالي للخوارج بقرينة مدحهم في ذيل الجملة، فكان شاهداً على أنّ القوم كانوا مسمّين بهذا الاسم منذ البداية.

و يظهر ممّا نظمه نفس الخوارج من الأشعار أنّ تسميتهم بها كان رائجاً في عصر معاوية أي قبل الستين و قبل أنّ يتسنّم الأزارقة و النجدات منصّة القيادة يقول عيسى بن فاتك من بني تميم تأييداً لموقف أبي بلال مرداس به ادية الذي قتل عام 60 في أبيات:


1) . نهج البلاغة: الخطبة 60.

أ ألفا مؤمن فيما زعمتم *** و يهزمهم بآسك أربعونا؟

كذبتم ليس ذاك كما زعمتم *** و لكن الخوارج مؤمنونا

هم الفئة القليلة غير شكّ *** على الفئة الكثيرة ينصرونا(1)

و يُستنتج من ذلك الأمرين: أنّ الخوارج أُطلق يوم أُطلق على من خرج عن طاعة أمير المؤمنين و أنكروا التحكيم عليه من غير فرق بين أوائلهم و من بعدهم.

رابعاً: لا شك إنّ المحكّمة الأُولى كانوا يبغضون عليّاً و يكفّرونه، و تشهد بذلك كلماتهم و أشعارهم خصوصاً في مفاوضاتهم مع عليّ، و قد تضافرت الروايات أنّ حبّه آية الإيمان و بغضه آية النفاق، و لا يمكن لعالم ملمّ بالأحاديث إنكار ذلك.

هذا هو مسلم روىٰ في صحيحه عن زر بن حبيش قال: قال عليّ: «و الذي خلق الجنّة و برأ النسمة أنّه لعهد النبيّ الأُميّ إليّ لا يحبّني إلّا مؤمن و لا يبغضني إلّا منافق».(2)

و روى الإمام أحمد في فضائل الصحابة عن زرّ بن حبيش، عن علي قال: «عهد النبي إليّ أنّه لا يحبّك إلّا مؤمن و لا يبغضك إلّا منافق».(3)


1) . الكامل للمبرّد: 186/2؛ بدء الإسلام و شرائع الدين لابن سلّام: 111، مرّت قصة أبي بلال

2) . صحيح مسلم: 60/1، كتاب الايمان.

3) . مسند أحمد: 127/1، الحديث 948؛ و فضائل الصحابة 563/2، و نقله في كتابه الأخير في غير واحد من المواضع، لاحظ الأحاديث: 979، 1059، 1086، 1146.

و رواه النسائي في خصائصه بعدّة طرق.(1)

و رواه الحافظ ابن عساكر في تاريخه بأسانيد تربو على 18 طريقاً.(2)

و على ضوء ذلك فهؤلاء محكومون بالنفاق و الخلود في النار، فيشملهم قول النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في شأن ذي الخويصرة الذي كان في الرعيل الأوّل من المحكّمة: فإنّه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرميّة.(3)

روى المبرّد في «الكامل» أنّ عليّاً عليه السلام وجّه إلى رسول اللّٰه مذهّبة من اليمن فقسّمت أرباعاً فأعطى ربعاً للأقرع بن حابس المجاشعي، و ربعاً لزيد الخيل الطائي، و ربعاً لعيينة بن حصن الفزاري، و ربعاً لعلقمة بن علاثة الكلابي، فقام إليه رجل مضطرب الخلق غائر العينين ناتئُ الجبهة فقال: لقد رأيت قسمة ما أُريد بها وجه اللّٰه، فغضب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم حتى تورّد خداه، ثمّ قال: «أ يأمنني اللّٰه عزّ و جلّ على أهل الأرض و لا تأمنوني؟» فقام إليه عمر فقال: أقتله يا رسول اللّٰه؟ فقال صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّه سيكون من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية تنظر في النصل فلا ترى شيئاً، و تنظر في الرصاف فلا ترى شيئاً، و تتمارى في الفوق».(4)

إنّ المحكّمة الأُولى كفّروا من طهّره اللّٰه سبحانه في كتابه و قال: «إِنَّمٰا


1) . الخصائص: 187.

2) . تاريخ مدينة دمشق، ترجمة الإمام علي بن أبي طالب: 190/2-199.

3) . السيرة النبوية: 496/4؛ الكامل لابن الأثير: 164/2.

4) . الكامل: 142/2.

يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(1)، و قد أصفقت الأُمّة إلّا الشواذ من الخوارج كعكرمة على نزول الآية في حقّ العترة الطاهرة، هذا هو مسلم يروي في صحيحه عن عائشة، قالت: خرج النبي غداة و عليه مرط مرجّل من شعر أسود و جاء الحسن بن علي فأدخله، ثمّ جاء الحسين بن علي فأدخله، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء علي فأدخله، ثمّ قال: «إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً».(2)

و روى إمام الحنابلة في مسنده نزول الآية في شأن الخمسة الطاهرة، فمن أراد فليرجع إلى مظانّه(3).

إلى غير ذلك من الآيات النازلة في حقّ أهل البيت.

أ فيصحّ لنا الحكم بإسلام من يكفّر و يبغض و يقاتل من طهّره اللّٰه في نصّ كتابه، و محكم ذكره؟!

و لأجل ذلك فالمحكّمة الأُولى محكومون بالكفر و النفاق و إن افترضنا أنّهم اكتفوا بإنكار التحكيم فقط، و لم يستعرضوا المسلمين بالسيف و لم يقتلوا النساء و لا الأطفال و لا كفّروا المسلمين.

و في كلمات أئمّة أهل البيت إشارة إلى هذا النوع.


1) . الأحزاب: 33.

2) . صحيح مسلم: 130/7.

3) . مسند أحمد: 107/4 و 292/6، 296 و 323.

كان عبد اللّه بن نافع بن الأزرق يقول: لو عرفت أنّ بين قطريها أحداً تبلغني إليه الإبل يخصمني بأنّ عليّاً عليه السلام قتل أهل النهروان و هو غير ظالم، لرحلتها إليه، فقيل له: ائت ولده محمّد الباقر عليه السلام فأتاه فسأله، فقال بعد كلام: «الحمد للّٰه الذي أكرمنا بنبوّته، و اختصّنا بولايته، يا معشر أولاد المهاجرين و الأنصار من كان عنده منقبة في أمير المؤمنين، فليقم و ليحدّث»، فقاموا و نشروا من مناقبه فلمّا انتهوا إلى قوله: لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّه اللّٰه و رسوله و يحبّ اللّٰه و رسوله، سأله أبو جعفر عن صحّته؟ فقال: هو حقّ لا شكّ فيه، و لكن عليّاً أحدث الكفر بعد!!

فقال أبو جعفر عليه السلام: «أخبرني عن اللّٰه أحبّ علي بن أبي طالب يوم أحبّه و هو يعلم أنّه يقتل أهل النهروان، أم لم يعلم، إن قلت: لا، كفرت»، فقال: قد علم، فقال: «فأحبّه على أن يعمل بطاعته أم على أن يعمل بمعصيته؟» قال: على أن يعمل بطاعته، فقال أبو جعفر: «قم مخصوماً»، فقام عبد اللّه بن نافع بن الأزرق و هو يقول: حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود، اللّٰهُ يَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسٰالَتَه.(1)

روى الشريف المرتضى عن الشيخ المفيد: أحبّ الرشيد أن يسمع كلام هشام بن الحكم مع الخوارج، فأمر بإحضار هشام بن الحكم و إحضار عبد اللّه بن يزيد الاباضيّ‌(2)و جلس بحيث يسمع كلامهما و لا يرى القوم


1) . مناقب آل آبي طالب: 289/2، كما في البحار: 158/10.

2) . ترجمه ابن حجر في لسان الميزان: 387/3 بقوله: عبد اللّه بن يزيد الفزاري الكوفي المتكلّم، ذكره ابن حزم في النحل: انّ الاباضية من الخوارج أخذوا مذهبهم عنه.

شخصه، و كان بالحضرة يحيى بن خالد، فقال يحيى لعبد اللّٰه بن يزيد: سل أبا محمّد - يعني هشاماً عن شيء؟ فقال هشام: لا مسألة للخوارج علينا، فقال عبد اللّه بن يزيد: و كيف ذلك؟ فقال هشام: لأنّكم قوم قد اجتمعتم معنا على ولاية رجل و تعديله و الإقرار بإمامته و فضله، ثمّ فارقتمونا في عداوته و البراءة منه، فنحن على إجماعنا و شهادتكم لنا، و خلافكم علينا غير قادح في مذهبنا، و دعواكم غير مقبولة علينا، إذ الاختلاف لا يقابل الاتّفاق، و شهادة الخصم لخصمه، مقبولةٌ، و شهادته عليه مردودة.

قال يحيى بن خالد: لقد قرَّبت قطعه يا أبا محمّد، و لكن جاره شيئاً، فإنّ أمير المؤمنين أطال اللّٰه بقاءه يحبّ ذلك، قال: فقال هشام: أنا أفعل ذلك، غير أنّ الكلام ربّما انتهى إلى حدّ يغمض و يدق على الأفهام، فيعاند أحد الخصمين أو يشتبه عليه، فإن أحبّ الإنصاف فليجعل بيني و بينه واسطة عدلاً، إن خرجت عن الطريق ردَّني إليه، و إن جار في حكمه شهد عليه، فقال عبد اللّه بن يزيد: لقد دعا أبو محمّد إلى الإنصاف، فقال هشام:

فمن يكون هذه الواسطة؟ و ما يكون مذهبه؟ أ يكون من أصحابي، أو من أصحابك، أو مخالفاً للملّة أو لنا جميعاً؟ قال عبد اللّه بن يزيد: اختر من شئت فقد رضيت به، قال هشام: أمّا أنا فأرى أنّه إن كان من أصحابي لم يؤمن عليه العصبيّة لي، و إن كان من أصحابك لم آمنه في الحكم عليَّ، و إن كان مخالفاً لنا جميعاً لم يكن مأموناً عليّ و لا عليك، و لكن يكون رجلاً من أصحابي، و رجلاً من أصحابك، فينظران فيما بيننا و يحكمان علينا بموجب الحقّ و محض الحكم بالعدل، فقال عبد اللّه بن

يزيد: فقد أنصفت يا أبا محمّد، و كنت أنتظر هذا منك.

فأقبل هشام على يحيى بن خالد فقال له: قد قطعته أيّها الوزير، و دمّرت(1)على مذاهبه كلّها بأهون سعي، و لم يبق معه شيء، و استغنيت عن مناظرته، قال: فحرّك الرشيد الستر، فأصغى يحيى بن خالد فقال له: هذا متكلّم الشيعة وافق الرجل موافقة لم تتضمّن مناظرة، ثمّ ادّعى عليه أنّه قد قطعه و أفسد عليه مذهبه، فمره أن يبيّن عن صحّة ما ادّعاه على الرجل، فقال يحيى بن خالد لهشام: إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن تكشف عن صحّة ما ادّعيت على هذا الرجل، قال: فقال هشام رحمه اللّٰه: إنّ هؤلاء القوم لم يزالوا معنا على ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام حتّى كان من أمر الحكمين ما كان، فأكفروه بالتحكيم و ضلّلوه بذلك، و هم الّذين اضطرّوه إليه، و الآن فقد حكّم هذا الشيخ و هو عماد أصحابه مختاراً غير مضطرّ رجلين مختلفين في مذهبهما: أحدهما يكفّره، و الآخر يعدّله، فإن كان مصيباً في ذلك فأمير المؤمنين أولى بالصواب، و إن كان مخطئاً كافراً فقد أراحنا من نفسه بشهادته بالكفر عليها، و النظر في كفره و إيمانه أولى من النظر في إكفاره عليّاً عليه السلام قال: فاستحسن ذلك الرشيد و أمر بصلته و جائزته.(2)

إنّ عداء القوم بالنسبة إلى الإمام أمير المؤمنين كانت ظاهرة في كتب أوائلهم، هذا هو محمّد بن سعيد الكدمي أحد علماء المذهب الاباضي


1) . دمّر عليه: هجم عليه هجوم الشر. دمّر عليه: أهلكه.

2) . الفصول المختارة: 26/1.

بعمان، حتى لُقّب بإمام المذهب في القرن الرابع الهجري يذكر عليّاً في كتابه و يقول:

«إنّ علي بن أبي طالب استخلف على الناس، و نقض عهد اللّٰه و حكم في الدار غير حكم كتاب اللّٰه، و قتل المسلمين، و سار بالجور في أهل رعيّته، فعلى الذي قد صحّت منه سعادة عليّ بن أبي طالب أن يتولّى للّٰه علي بن أبي طالب على سفكه لدماء المسلمين و على تحكيمه في الدماء غير حكم كتاب اللّٰه، و سيرته القبيحة، لا يحلّ له الشك في ولايته، و عليه أن يبرأ للّٰه من باطله و من سفك دمه إن قدر على ذلك، و ليس له أن ينكر على المسلمين البراءة منه».(1)

و هذا هو ابن سلّام الاباضي (المتوفّى بعد عام 273 ه) يقول: «و حكّموا الحكمين خلافاً لكتاب اللّٰه، و حكّموا الحكمين في أمر قضاه اللّٰه، و اختلفت الأُمّة و تفرّقت الكلمة، و صار الناس شيعتين مفترقتين، و ظهر أهل الباطل من أصحاب معاوية على أهل الحق، فاختفى المسلمون بالحقّ الذي تمسّكوا به فاختلفت عليهم كلمة المختلفين، يقتلونهم على دين اللّٰه الحنيف و الملّة الصادقة «مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً وَ مٰا كٰانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ»(2). يبصّرون الناس دينهم في السرّ و يصبرون في اللّٰه على الأذى و القتل، و احتقروا ذلك في ذات اللّٰه».(3)


1) . المعتبر: 41/2.

2) . البقرة: 135.

3) . بدء الإسلام و شرائع الدين: 106.

يا ليت ابن سلّام يشير إلى الذين حكّموا الحكمين خلافاً لكتاب اللّٰه، إلى الذين فرضوا التحكيم على الإمام المفترض طاعته في أمر قضاه اللّٰه. أو ليس هؤلاء أشياخه و أولياءه الذين كانوا مقنّعين في الحديد يدعون إمامهم باسم عليّ لا بإمرة المؤمنين، و يقولون: «أجب القوم إلى كتاب اللّٰه و إلّا قتلناك كما قتلنا ابن عفان»؟!

إنّ الكاتب نسى أو تناسى الجرائم المريرة التي ارتكبتها المحكّمة الأُولى حين تنقّلهم من حروراء إلى النهروان. فكان الأولى له التنويه بذلك، لكنّه شطب على هذه الحقائق التاريخية بقلم عريض، و إلى اللّٰه المشتكى.

يقول بعض فقهائهم في مسألة «الولاية و البراءة».

فإن قالوا: فما تقولون في علي بن أبي طالب؟ قلنا له: إنّ علي بن أبي طالب مع المسلمين في منزلة البراءة.

فإن قال: من أين وجبت عليه البراءة و قد كان إماماً للمسلمين و هو ابن عم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و ختنه(1)، مع فضائله المشهورة و قتاله بين يدي النبي صلى الله عليه و آله و سلم المشركين؟

قلنا له: أوجبنا عليه البراءة من وجوه شتّى، أحدها أنّه ترك الحرب التي أمر اللّٰه بها للفئة الباغية قبل أن تفيء إلى اللّٰه، و أحدها تحكيم الحكمين في دماء المسلمين و فيما لم يأذن اللّٰه به المضلّين الذين كان النبي صلى الله عليه و آله و سلم يحذّرهما و يخوّفهما أصحابه.


1) . الختن: الصهر، زوج الابنة، و الجمع: أختان.

و أحدهما بقتله أهل النهروان و هم الأفضلون من أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم و هم الأربعة آلاف رجل من خيار الصحابة رحمهم اللّٰه.

و الأخبار بذلك تطول و يضيق بها الكتاب و يتّسع بها الجواب و لم نعدّ كتابنا هذا لشرح جميع أخبارهم، و إنّما أردنا أن نلوّح لكم و نذكر بعض الذي كان من أحداثهم، لتكونوا من ذلك على علم و معرفة لتعلموا ضلال من ضلّ و خالف و شغب عليكم و باللّٰه التوفيق.

فإن قالوا: فما تقولون في طلحة بن عبيد اللّٰه و الزبير بن العوام؟

قلنا له: إنّهما عند المسلمين بمنزلة البراءة.

فإن قال: من أين وجبت عليهما البراءة؟

قلنا له: بخروجهما على علي بن أبي طالب و المسلمين و طلبهما بدم عثمان بن عفان بإرادتهما إزالة علي بن أبي طالب عن إمامته، و قالا:

حتى يكون الأمر شورى بين المسلمين يختارون لأنفسهم إماماً غيره، بعد رضائهما به و بيعتهما له و أعطيا صفقة أيديهما(1)على طاعة اللّٰه و طاعة رسوله و على قتال من خرج يطلب بدم عثمان بن عفان.

فإن قال: فما تقولون في الحسن و الحسين ابني علي؟

قلنا له: هما في منزلة البراءة.

فإن قال: من أين أوجبتم عليهما البراءة و هما ابنا فاطمة ابنة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم؟!


1) . صفقة الأيدي تعني توكيد البيعة.

قلنا له: أوجبنا عليهما البراءة بتسليمهما الإمامة لمعاوية بن أبي سفيان و ليس قرابتهما من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم تغني عنهما من اللّٰه، لأنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال في بعض ما أوصىٰ به قرابته: يا فاطمة بنت رسول اللّٰه، و يا بني هاشم، اعملوا لما بعد الموت، فإنّي ليس أغني عنكم شيئاً، أو نحو ذلك من الخطاب. فلو كانت القرابة من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم تغني عن العمل لم يقل ذلك لهم النبي. فهذا نقض لقول من يقول: إنّ القرابة من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم مغفور لها. و قد وجدنا اللّٰه يهدّد نبيه بقوله: «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ اَلْأَقٰاوِيلِ * لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنٰا مِنْهُ اَلْوَتِينَ * فَمٰا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حٰاجِزِينَ»(1). فقد بطل ما خاصمت به أيّها الخصم و احتججت به من قبل القرابة للنبي صلى الله عليه و آله و سلم.(2)

إنّ الخوارج في مصطلح القوم مفهوم سياسي و في الوقت نفسه مفهوم ديني، فيراد من الأوّل خروجهم عن طاعة الإمام المفترض طاعته، و يحكم عليهم بما يحكم على البغاة؛ و يراد من الثاني خروجهم من الدين و الملّة، و صيرورتهم كفّاراً.

و على كلا المفهومين، فالمحكّمة الأُولى خوارج، حيث خرجوا عن طاعة الإمام و بقوا عليه في أثناء المعركة، و خارجون عن الدين حيث أبغضوا من بغضه نفاق و كفر و حبّه دين و إيمان.


1) . الحاقة: 44-47.

2) . السير و الجوابات لبعض فقهاء الاباضية: 375-377، تحقيق الأُستاذة الدكتورة «سيدة إسماعيل كاشف» أُستاذة التاريخ الإسلامي في كلية البنات جامعة عين شمس؛ القاهرة ط 1410 ه - 1989 م.

و قال عمر أبو النصر:

و تعاليم الخوارج منذ ظهورهم مزيج من السياسة و الدين، فشعارهم «الحكم للّٰه» شيء يمتزج بالدين و السياسة معاً، فلا يصحّ و الحالة هذه أن يقال: إنّ دعوتَهم هذه كانت دينيّة محضة أو سياسية محضة، و ظلت دعوتهم بسيطة حتى خلافة عبد الملك بن مروان حيث خرجوا فيها كثيراً عن التعاليم الجديدة، و ذهبوا يتأوّلون الأحكام الدينية تأويلاً فيه كثير من الإغراق و التعقيد، فقالوا: إنّ العمل بأوامر الدين من الإيمان، فمن اعتقد التوحيد و الرسالة و ارتكب الكبائر فهو كافر.(1)

هذا ما يرجع إلى المحكّمة الأُولى و من جاء بعدهم من الأوائل المنتمين إلى الاباضية.

و أمّا اباضية اليوم المنتشرة في عمان و المغرب العربي - أعني: ليبيا و الجزائر و تونس و كذلك مصر - فلم يظهر لنا من كتبهم المنتشرة اليوم إلّا تخطئة التحكيم و تصويب المحكّمة الأُولى من دون نصب عداء للوصيّ أو بذاءة في اللسان بالنسبة إليه - إلا ما نقلناه أخيراً - فلا يمكن الحكم في حقّهم إلّا بالمقدار الذي ظهر لنا، و لكن لا يمكن الوثوق به، لأنّ للقوم في الدين مسالك أربعة، منها مسلك الكتمان كما سيوافيك توضيحه عند البحث عن التّقية، فإنّ القوم من أصحابها و مجوّزيها و العاملين بها طيلة قرون، و في ظلّها عاشوا و مهّدت لهم الطريق، و قامت لهم دول في عمان، و في أقصٰى المغرب العربي.


1) . الخوارج في الإسلام: 102.

نظرية أُخرى في مفهوم الخوارج:

المتبادر من الخوارج لدى المسلمين هو المحكّمة الأُولى الذين ثاروا على عليّ في ثنايا حرب صفّين و خرجوا عن الطاعة بوجه و عن الدين بوجه آخر، غير أنّ بعض الاباضيين في العصر الحاضر يفسّره بالخروج عن الدين و يصرّ على أنّ المراد منه هو أصحاب الردّة بعد وفاة رسول اللّٰه أو الثورات الأُخرى التي وقعت إلى انتهاء خلافة الإمام علي عليه السلام.

قال علي يحيى معمر:

«كان الأمويّون و الشيعة يحاولون بكل ما استطاعوا أن يلصقوا هذا اللقب لقب الخوارج - بعد أن فسّر بالخروج من الدين - بهؤلاء الثائرين الذين ينادون في إصرار و شدّة بالمبادئ العادلة في الخلافة، و كان الشيعة يحاولون بما أُوتوا من براعة أن يحصروها في بيت علي، كما كان غيرهم من الطامعين فيها، يشترط لها الهاشمية أو القرشية أو العروبة، حسب المصلحة السياسية لأصحاب الآراء في ذلك الحين، و كلّ هذه الاتّجاهات تجتمع على محاربة الاتّجاه الذي اتجه إليه أتباع عبد اللّه بن وهب الراسبي. ذلك الاتّجاه العادل الذي يرى أن المسلمين متساوون في الحقوق و الواجبات. «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ»(1). «لاٰ فضل لِعربيّ على أعجميّ إلّا بالتقوى».(2)


1) . الحجرات: 13.

2) . الاباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأُولى: 27.

يلاحظ عليه:

أنّ النبيّ الأكرم لم يتكلّم عن الخوارج بوصف كلّي و إنّما عيّن إمامهم و أشار إلى قائدهم، و قد رواه المحدّثون في صحاحهم و مسانيدهم و أطبق على نقله الفريقان، فلا يمكن لمحدّث واعٍ إنكاره، و لا التشكيك في صحّة أسانيده، فما ظنّك بحديث رواه البخاري و مسلم و ابن ماجة و أحمد بن حنبل و غيرهم، و لأجل إيقاف القارئ على نصّ الرواية نذكرها عن تلك المصادر و نشير إلى محلّها:

1 - روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: بينا النبي يقسّم ذات يوم قسماً، فقال ذو الخويصرة - رجل من بني تميم -: يا رسول اللّٰه أعدل. قال: «ويلك! من يعدل إذا لم أعدل؟» فقال عمر: ائذن لي فلأضرب عنقه؟ قال: «لٰا إنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم و صيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كمروق السهم من الرميّة، ينظر إلى نصله(1)فلا يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى نضيّه(2)فلا يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى قذذه(3)فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث و الدم، يخرجون على حين فرقة من الناس، آيتهم رجل إحدى يديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر(4)». قال أبو سعيد: أشهد لسمعته عن


1) . هي عصية تلوى فوق مدخل النصل.

2) . هو القدح في عود السهم.

3) . جمع القُذّة و هي ريش السهم.

4) . تضطرب و تتحرك.

النبي و أشهد أنّي كنت مع عليّ حين قاتلهم فالتمس في القتلى فأُتي به على النعت الذي نعت النبي.(1)

و رواه بنصّه بلا تفاوت مسلم في صحيحه.(2)

2 - روى ابن ماجة عن جابر بن عبد اللّه، قال: كان رسول اللّٰه بالجعرانة، و هو يقسّم التبر و الغنائم، و هو في حجر بلال، فقال رجل: أعدل يا محمّد، فإنّك لم تعدل، فقال: «ويلك و من يعدل بعدي إذا لم أعدل؟» فقال عمر: دعني يا رسول اللّٰه حتى أضرب عنق هذا المنافق؟ فقال رسول اللّٰه: «إنّ هذا في أصحاب أو اصيحاب له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة».(3)

و الرسول و إن لم يسمّ الرجل أو لم يجيء اسمه في الرواية، و لكن علم المقصود منه بفضل الروايتين السابقتين.

3 - روى أحمد بن حنبل في مسنده بالنصّ الذي رواه البخاري و مسلم بتفاوت طفيف في آخره، حيث جاء فيه: رجل أسود في إحدى يديه أو قال إحدى ثدييه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فترة من الناس، فنزلت فيهم: «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي اَلصَّدَقٰاتِ...»(4).


1) . صحيح البخاري: 70/8، الحديث 186 من باب ما جاء في قول الرجل ويلك.

2) . صحيح مسلم: 112/3، طبعة محمّد على صبيح.

3) . سنن ابن ماجة: 171/1، الباب 12، باب في ذكر الخوارج.

4) . التوبة: 58.

ثمّ نقل ما ذكره أبو سعيد من سماعه عن رسول اللّٰه و مشاهدته في عصر عليّ.(1)

كيف يفسّر حديث ذي الخويصرة بأصحاب الردّة، فقد أشار النبيّ الأكرم إليه، و قال: «سيخرج من ضئضئ هذا الرجل قوم يمرقون من الدين...» و لم يكن هو من أصحاب الردّة، بل كان من المحكّمة الأُولى. كيف يفسّر هذا المفهوم بالثورات التي وقعت إلى انتهاء خلافة الإمام عليّ مع أنّ النبي الأكرم قال: «أنت يا علي قاتل الناكثين و القاسطين و المارقين»، و لم يقاتل الإمام بعد أصحاب الجمل (الناكثين) و أصحاب معاوية (القاسطين) إلّا المحكّمة الأُولى.

أظنّ انّ هذه الاستدلالات الواهية أشبه بتمسّك الغريق بالطحلب، فالأولى على علماء الاباضية المفكّرين، و العائشين في عصر ظهرت البواطن، و طلعت الحقائق، و انقشع غمام الجهل عن سماء المعرفة، أن يعرضوا عقائدهم على الكتاب و السنّة، و على المقاييس الصحيحة من الإجماع و العقل، فلربّما عادوا إلى الطريق المهيع، و تنكّبوا عن سبيل الغواية، فلهم أن يعملوا بما وصل إليهم من الكتاب و السنّة في ضوء الاجتهاد الصحيح، و يجدّدوا النظر في مسألة التحكيم كما لهم أن يجدّدوا النظر في حق المحكّمة، و ربّما اختاروا طريقاً واضحاً لا تعصّب فيه و لا تساهل.


1) . مسند أحمد: 56/3. و سيوافيك مجموع ما رواه أهل السنّة عن النبي و الصحابة و التابعين في آخر الكتاب فانتظر.

«وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مٰا يُوعَظُونَ بِهِ لَكٰانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً»(1).



1) . النساء: 66.

الفصل العاشر: عقائد الاباضية و أُصولهم الثمانية

اشارة

[مشتركات الاباضية مع سائر فرق الخوارج]

إنّ الاباضية تشترك مع سائر فرق الخوارج في أمرين بلا شك و لا شبهة، و لا يمكن لأحد منهم إنكاره.

1 - تخطئة التحكيم.

2 - عدم اشتراط القرشية في الإمام.

و في ظل الأصل الأوّل يوالون المحكِّمة الأُولى كعبد الله بن وهب الراسبي و حرقوص بن زهير السعدي و غيرهما.

و في ظل الأصل الثاني، اعترفوا بإمامة عبد اللّه بن وهب الراسبي و من جاء بعده من المحكِّمة.

[مفارقات الاباضية من اهل السنة]

اشارة

ثمّ إنّ لهم أُصولاً خاصّة يتميّزون بها عن أهل السنّة (الأشاعرة) و إن كانوا يلتقون فيها مع غيرهم، فتجب علينا دراسة تلك الأُصول التي يعتقدون بها، و ربّما يكون بعضها أصلاً لامعاً و رصيناً يدعمه الكتاب و العقل.

1 - صفات اللّٰه ليست زائدة على ذاته:

إذا كانت الأشاعرة قائلة بأنّ صفات اللّٰه تعالى غير ذاته، و كان

المنسوب إلى الماتريدية من أهل السنّة انّ الصفات ليست شيئاً غير الذات، فهي ليست صفات قائمة بذاتها و لا منفكّة عن الذات فليس لها كينونة مستقلّة عن الذات، فهذا هو ما يقوله الاباضية في الصفات أيضاً، و ربّما يلتقي الاباضية و الماتريدية في هذه المسألة حتى في التعبير و اختيار الكلمات.(1)

إنّ البحث عن الصفات من أهم المسائل الكلامية، فقد طال النقاش فيها قروناً، و أوّل من أصحر بالحقيقة، و صوّر التوحيد بأعلى مظاهره هو الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فنفى زيادة صفاته على ذاته، و إنّه عين ذاته، لا بمعنى نفي صفاته، تعالى عنه علوّاً كبيراً، بل بمعنى أنّ الذات بلغت من الكمال و العلو مرتبة صارت نفس العلم، و القدرة، و الحياة، و ليس هناك صفات قديمة وراء الذات حتى يناقض التوحيد و يكون هناك قدماء كثيرة وراء الذات، و كون العلم و القدرة و الحياة فينا أُموراً قائمة بالمادة أو بالموضوع، لا يكون دليلاً على كونها كذلك في جميع المراتب، إذ كما أنّ من العلم ممكناً، فكذا منه واجباً، فلو لم يكن الممكن قائماً بالذات، فلا يكون دليلاً على كونه كذلك عند ما كان واجباً، و الحكم بالتوحيد و انّه لا واجب سواه، يجرّنا إلى القول بعينية صفاته مع ذاته، و قد أوضحنا الحال فيها في الجزء الثالث من هذه الموسوعة عند البحث عن عقائد المعتزلة، و لا يبعد أن يتأثّر الخوارج في هذه المسألة بالمعتزلة كما أنّ المعتزلة أخذت هذا الأصل من خطب الإمام أمير المؤمنين و كلماته، بل لا


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 295/1.

يبعد أن يكون الجميع قد أخذوا من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

و العجب انّ هذه النقطة من النقاط الوضّاءة في عقائد الاباضية، مع أنّهم لا يركّزون على ذلك الأصل خوفاً من مخالفة الأشاعرة، و طفقوا يبحثون بين الكتب الإسلامية حتى يجدوا موافقاً لهم من أهل السنّة حتى استبان لهم أنّ الماتريدية من أهل السنّة يوافقونهم.

إنّ الرجل الواعي الطالب للحقيقة لا يخاف من لومة لائم، و لا من مخالفة فئة، فكان على الاباضية أن يرفعوا علم المخالفة في هذه المسألة، و في مسألة الرؤية، و خلق القرآن، و يندّدوا بالمخالفين سواء أ كانوا من السنّة أو غيرهم، فالحق أحق أن يتّبع، كيف يصحّ لموحّد أن يقيس الواجب بالممكن فيصوّر له ذاتاً و صفة قائمة بها، و يحكم بالتعدّد و يخرج في النتيجة بالقدماء الثمانية ثمّ يدّعي التوحيد و يخطّئ النصارى القائلين بالتثليث.

ثمّ إنّ من يرى أنّ مرجع عينية الصفات إلى نفي حقائقها عن ذاته، (كما عليه الزنادقة) رأي باطل صدر ممّن لا قدم له في المباحث العقلية، و ليس له مصدر إلّا قياس الممكن بالواجب، فإذا رأىٰ أنّ القول بالعينيّة ينتج نفيها في الممكنات، عاد يخطّئ القائل بالعينيّة في الواجب بأن معناها نفي حقائقها عن ذاته سبحانه.

2 - امتناع رؤية اللّٰه سبحانه في الآخرة:

إنّ امتناع رؤية اللّٰه سبحانه من الأُصول التي استقاها الوعاة من المسلمين من القرآن الكريم و خطب سيّد الموحّدين أمير المؤمنين عليه السلام إذ

قال عزّ من قائل: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ»(1).

و هذا الأصل أيضاً من الأُصول اللامعة في عقائد الاباضية، و الأسف انّ الكُتّاب المتأخّرين منهم يُقلِّلون من أهمية هذا الأصل، توخّياً لتقريب عقائدهم من أهل السنّة. حتى أنّ علي يحيى معمَّر يُعَنْوِنُ المسألةَ بقوله: هل رؤية الباري جلّ و علا في الآخرة ممكنة؟ و العنوان يحكي عن وجود تردد و شك في نفس الكاتب، و لا أقل يطرح المسألة على شكل غير قطعي و على خوف و وجل، و ليس كتابه كتاباً دراسياً يطلب فيه طرح المسائل على وجه السؤال و الاستفهام.

ثمّ إنّه يكتب: قد كان في الرؤية طرفان متطرّفان و وسط معتدل هو كان اللقاء بين المذهبين، و ذلك إنّ طرف الاثبات يبالغ حتى يصل به التطرّف إلى حدّ التشبيه و التمثيل و التحديد، و طرف النفي يبالغ حتّى يصل به التطرّف إلى حد نفي حصول كمال العلم، و بينهما يقف أصحاب التحقيق في الجوانب المتقاربة التي تلتقي في المعنى الواحد لقاءً كاملاً أو لقاءً متقارباً، و هذه الصورة تتمثّل فيما ذهب إليه بعض علماء أهل السنّة من أنّ الرؤية معناها حصول كمال العلم باللّٰه تبارك و تعالى، و عبَّر عنها آخرون منهم بأنّ الرؤية تقع بحاسّة سادسة هي كمال العلم، و اختلفت تعابير الكثير منهم و لكنّها تتلاقى في النهاية على نفي كامل الصورة التي


1) . الأنعام: 103.

يتخيّلها الإنسان لصورة راء و مرئيّ و ما تستلزمه من حدود و تشبيه، و تتّفق في النهاية على الابتعاد عمّا يشعر بأيّ تشبيه في أيّ مراتبه، و بالمحدودية في أيِّ أشكالها، و ليس لنا أن نخوض فيه بغير القدر التي جاءت به النصوص.

و المعتدلون من الاباضية لا يمنعون أن يكون معنىٰ الرؤية هو كمال العلم به تعالى و يمنعون الرؤية بالصورة المتخيّلة عند الناس.(1)

عزب عن الكاتب انّ محلّ النزاع من القرن الأوّل إلى القرون المتأخّرة ليس إلّا الرؤية بالأبصار لا بحاسّة سادسة سمّاها كمال العلم، فإنّ القائلين بالرؤية يستندون إلى ما رواه البخاري و أمثاله من أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إنّكم ترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر غير متضامّين»، فليس للمحقّق الكلامي إلّا موافقة هذا الأصل أو طرده من الرأس، فاللجوء إلى الرؤية بحاسّة سادسة بمعنى كمال العلم تفسير بأمر بائن و خروج عن محطّ البحث.

و أظن و ظن الألمعي يقين أنّ الكاتب توخّياً لإيجاد القرب بين الاباضية و أهل السنّة تنازل إلى حدّ غير مطلوب، و لم يقم بالدفاع عن مذهبه بحماس.

نعم قد أحسن في المقام صالح بن أحمد الصوافي، فقد طرح المسألة بشكل رصين، و دفع شبهة القائلين في المقام، ترى أنّه قام بتفسير قوله


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية 291/1-292.

سبحانه: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ * إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ»(1)، الذي هو من أهم أدلّة القائلين بالرؤية، فقال:

«أوّلاً: النظر في اللغة غير الرؤية، و لذا يقال: نظرت إلى الهلال فلم أره، و لا يصحّ أن يقال رأيته فلم أره، و اطلاقه على الرؤية مجاز، لا يصحّ إلّا لقرينة، و العدول عن الحقيقة إلى المجاز خلاف الظاهر.

ثانياً: إنّ سياق الآية دال على انتظار رحمة اللّٰه تعالى بدليل أنّه عطف عليها قوله: «وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بٰاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهٰا فٰاقِرَةٌ»(2)فلو فسّر النظر في الآية بالرؤية لارتفعت المناسبة بين الجملتين و لتداعى بناؤها و اختلّ نظمها، إذ لا مناسبة بين عيون رائية ربّها و وجوه باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة(3).

ثالثاً: إنّ النظر في الآية انتظار ما لهم عند اللّٰه من الثواب، و منه قول الشاعر:

فإن يك صدر هذا اليوم ولّى *** فإنّ غداً لناظره قريب

و قول الآخر:

كلّ الخلائق ينظرون سجاله *** نظر الحجيج إلى طلوع هلال


1) . القيامة: 22-23.

2) . القيامة: 24-25.

3) . صالح بن أحمد الصوافي: الإمام جابر بن زيد العماني: 238 و قد أوضحنا هذا الوجه في الجزء الثاني من هذه الموسوعة (لاحظ ص 202-208).

و قول الآخر:

و كنّا ناظريك بكل فجّ *** كما للغيث ينتظر الغماما

و قال امرؤ القيس:

و قد نظرتكم أعشى بخامسة *** للورد طال بها حبّي و تبساسي(1)


3 - القرآن حادث غير قديم:

إنّ المترقّب من الأباضية الذين رفضوا القشرية، و خضعوا للعقل، أن يكون موقفهم في خلق القرآن موقف العدلية و يصرّحوا بأنّ القرآن مخلوق للّٰه سبحانه و حادث بعد أن لم يكن، لكونه حادثاً و مخلوقاً للّٰه سبحانه غير أنّ الظاهر من بعض كتّابهم أنّهم يتحرّجون من التصريح بخلق القرآن و إن كانوا بعداء عن القول بكونه قديماً غير مخلوق. و ننقل في المقام نصّين من كتّابهم، حتى تلمس الحقيقة.

1 - يقول الدكتور رجب: و بالنسبة لمشكلة خلق القرآن نراهم يقفون أمام هذا القول الذي فرضه المأمون على العالم الإسلامي فرضاً بتأثير من المعتزلة، ممّا أدّى إلى تمزيق وحدة الأُمّة الفكرية، و إلى اضطهاد كثير من العلماء و الفقهاء، و لذلك توقّف العمانيون عن القول بخلق القرآن، و قالوا في


1) . المصدر نفسه، و قد اغرق نزعاً في التحقيق في اثبات القول الحق و تنزيهه، و التبساس: هو الشوق الشديد

صراحة واضحة في واحد من أهمّ كتبهم الفقهية: «لا يلزم الناس معرفة هذه المسألة» و كتب أبو عبد اللّه القلهاتي الذي عاش في القرن الرابع للهجرة - العاشر للميلاد - أكثر من عشرين صفحة في مناقشة القول بخلق القرآن و الردّ على من قال بذلك، كما كتب أحمد بن نظر العماني الذي عاش في القرن الخامس للهجرة - الحادي عشر للميلاد في كتابه «دعائم الإسلام» خمسة و سبعين بيتاً من الشعر، فندّد القول بهذه المسألة و استنكرها كل الاستنكار.

و في العصر الحديث نجد الشيخ نور الدين السالمي يعبّر عن هذا الموقف قائلاً: «إنّ الأشياخ توقّفوا عن إطلاق القول بخلق القرآن و أمروا بالشدة على من أطلق القول في هذه المسألة، حتى لا يفتتن الناس في دينهم».(1)

ترى في هذا الكلام التناقض، فبينما ينقل عن بعضهم الرد على من قال بخلق القرآن ينقل عن الأشياخ انّهم توقّفوا عن إطلاق القول بخلق القرآن، و أمروا بالشدّة على من أطلق القول في هذه المسألة.

لا شكّ إنّ القرآن ليس بمخلوق أي ليس بمختلق للبشر كما قال سبحانه حاكياً عن بعض المشركين: «إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ قَوْلُ اَلْبَشَرِ»(2)، و لكنّه مخلوق للّٰه سبحانه، إذ لا يتجاوز كون القرآن فعله، و فعله كلّه حادث غير


1) . الأباضية في مصر و المغرب: 70-71.

2) . المدثر: 25.

قديم، و إلّا يلزم تعدّد القدماء، و أمّا علمه سبحانه بما في القرآن من المضامين و المعارف و الحوادث فلا شك إنّه قديم، و هو غير كلامه.

فاللائق بمن يصف نفسه بأنّه أهل تقييد لا تقليد أن يصرّح بموقفه في مسألة خلق القرآن، اللّهم إلّا إذا كان موجباً للفتنة، أو كانت عقول الناس بعيدة عن درك الحقيقة، فحينئذ الأولى عدم البحث و الطرح.

و نؤكّد من جديد أنّ القول بعدم قِدم القرآن هو من الأُصول الوضّاءة في عقائد الاباضية، و هم في الاعتقاد بها عيال على المعتزلة، فاللائق بالكاتب الواعي أن يجهر بالحق و يحدّد محل النزاع، و يا للأسف انّ بعضهم - مثل الكاتب السابق - بدل أن يخرج من المسألة مرفوع الرأس، و يحقّقها على ضوء القرآن و العقل، طفق يطلب من يقول بكون القرآن مخلوقاً من بين أهل السنّة.

2 - يقول علي يحيى معمّر: إنّ من علماء أهل السنّة من يقول دون تحرّج أو احتراز: «القرآن مخلوق» فقد ذكر الخطيب البغدادي من طرق متعدّدة عن أبي يوسف انّ أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق، أمّا أبو منصور الماتريدي، فقد كان يقول: إنّه محدث، و لم يحفظ عنه أنّه قال:

مخلوق، و قد كان أبو النضر العماني من أئمّة الاباضية يقول: إنّ القرآن غير مخلوق، و أنكر إنكاراً شديداً على من يقول بخلق القرآن، و ذهب القطب من أئمّة الاباضية انّ هذه المسألة ليست من الأُصول، و قال أبو إسحاق طفيش: إنّ الخلاف فيها لفظي، و هذا القدر كاف للدلالة على اللقاء بين

المذهبين، و يكفي أن يلتقي المسلمون على حقيقتين في هذا الموضوع: هي أنّ اللّٰه تبارك و تعالى سميع بصير متكلّم و انّ القرآن الكريم كلام اللّٰه عزّ و جلّ أنزله على رسوله.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره ناش من توخّي إيجاد اللقاء بين المذهبين: الأشاعرة و الاباضية، فلأجل ذلك ذهب ليجد من أهل السنة من يقول بأنّ القرآن مخلوق، و من أئمّة الاباضية من يقول: بأنّ القرآن غير مخلوق، و هذا يعرب عن أنّه لم يتّخذ الكاتب في هذا الموقف رأياً حاسماً، أو ليس للأباضية فيه رأي جازم، مع أنّ المنقول منهم كونه حادثاً أو غير قديم أو مخلوقاً بمعنى أنّه أنزله اللّٰه سبحانه و أوجده من العدم.

فكان من الواجب على الكاتب أن يدافع عن عقيدته و عقيدة طائفته و يطرحها بوضوح و يذبَّ عنها ذبّاً علميّاً تحقيقياً متحريّاً للواقع.

ثمّ إنّ ما ذكره في ذيل كلامه من أنّه «يكفي أن يلتقي المسلمون على أنّ القرآن الكريم كلام اللّٰه عزّ و جلّ أنزله على رسوله». و إن كان كلاماً صحيحاً، إذ ليس الاعتقاد بالحدوث و القدم في القرآن من الأُصول العقائدية التي يناط بها الإسلام و الكفر، غير أنّه لو كان هذا هو الأصل الثابت في جميع المواقف فليضرب هذا الكاتب الاباضي صفحاً على الأُصول التي اتّخذها أُصولاً لمذهبه كمسألة التحكيم و ولاء المحكّمة الأُولى، أو ليس ذلك أوفق بالتقريب و توحيد الأُمّة و جعلهم صفّاً واحداً في مقابل الأعداء؟!

إنّ البحث عن التحكيم و المحكّمة و خلق القرآن و عدمه و ما يأتي من


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 291/1.

الأُصول الأُخرى للاباضية من خلود الفاسق في النار و عدمه، و كونه كافراً كفر النعمة، بحوث علمية يختصّ فهمها بالمحقّقين و الوعاة من علماء الإسلام، فالتحيّز إلى هذه الأُصول و جعلها محاور للحقّ و الباطل و الإسلام و الكفر، لا يدعمه الكتاب و لا يوافقه العقل، فليكن شعار الجميع ما سمحت به قريحة شاعر الأهرام:

إنّا لتجمعنا العقيدة أمّة *** و يُضمّنا دين الهدى أتباعا

و يؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعا

و الحق إنّ الخوارج بالمعنى العام الذي يعمّ الاباضية لم يكن يوم ظهورها إلّا حزباً سياسيّاً يهدف إلى تخطئة مسألة التحكيم مع عزل علي عن الحكومة و الدعوة إلى بيعة رئيس المحكّمة الأُولى عبد اللّه بن وهب، و لم يكن لهم يومذاك أي شأن في المسائل العقائدية الماضية، و لمّا قضى عليٌ نحبه و استولت الطغمة الغاشمة من الأمويين و المروانيين على منصَّة الحكم، صار الخوارج يكافحون الحكومات، و يصارخون في وجوههم للقضاء عليهم و لم يكن لهم في هذه الأيّام أيضاً إلّا هذا الأصل، غير أنّ مرور الزمن و تلاقي الخوارج مع المعتزلة و غيرهم من الطوائف الإسلامية، ألجأهم إلى أن يتّخذوا في بعض المسائل موقفاً فكريّاً، فعند ذلك أصبحوا جمعيّة دينية و فرقة كلامية بعد ما كانوا حزباً سياسياً بحتاً فتلاقوا في هذه المسائل مع المعتزلة بل تأثّروا بهم كما هو الحال في المسألة التالية، فقد تأثرت الاباضية فيها عن المعتزلة و خالفوا الشيعة و غيرهم من الطوائف الإسلامية.

4 - الشفاعة: دخول الجنّة بسرعة:

إنّ مرتكبي الكبيرة عند الاباضية إذا ماتوا بلا توبة، محكومون بالخلود في النار، فلأجل هذا الموقف المسبق في هذه المسألة فسّروا الشفاعة بدخول المؤمنين الجنّة بسرعة، و في الحقيقة خَصُّوها بغير المذنبين من الأُمّة، و هذا التفسير يوافق ما عليه المعتزلة من أنّ الغاية من الشفاعة هو رفع الدرجة لا مغفرة الذنوب.

إنّ الشفاعة أمر مسلّم عند جميع المسلمين غير أنّهم اختلفوا في تفسيرها، و هؤلاء كالمعتزلة ذهبوا إلى أنّ شفاعة النبيّ بل شفاعة جميع الشفعاء لا تنال أهل الكبائر متمسّكاً بقوله صلى الله عليه و آله و سلم: «ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أُمّتي».

يقول السالبي في كتابه شرح أنوار العقول: «فإن قيل: المؤمنون مستوجبون للجنّة بأعمالهم فلا معنى للشفاعة، فالجواب أنّ الشفاعة لهم هي طلب تنقلهم من المحشر، و دخولهم الجنّة بسرعة»(1).

يلاحظ عليه: أنّ الشفاعة مسألة قرآنية، و في الوقت نفسه مسألة روائية و حديثية، فلا يجوز لمسلم الإدلاء برأي إلّا بعد الرجوع إلى المصدرين الرئيسيّين مجرّداً عن كل رأي، و أمّا تفسيرها على ضوء الرأي المسبق فهو من قبيل التفسير بالرأي الذي حذَّر عنه النبي في الحديث


1) . الإمام جابر بن زيد العماني: 256، نقلاً عن مشارق أنوار العقول: 294.

المتواتر عنه و قال: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».(1)

إنّ مسألة الشفاعة ليست مسألة جديدة ابتكرها الإسلام و انفرد بها، بل كانت فكرة رائجة بين أُمم العالم من قبل، و خاصّة بين الوثنيين و اليهود، فلو ذكرها القرآن فإنّما يذكرها بالمفهوم الرائج عندهم، لا بمفهوم مغاير، فلو أمضاها، فإنّما أمضاها بهذا المفهوم، و لو هذّبها من الخرافات و حدّدها في إطار خاص فإنّما هذّب ذلك المفهوم و حدّده، و من المعلوم أنّ الشفاعة عندهم إنّما هو لغفران الذنوب لا لرفع الدرجة أو سرعة التنقّل إلى الجنّة، و لأجل ذلك كانوا يرجون لصلتهم بالأنبياء حطَّ ذنوبهم، و غفران آثامهم، و كان المتطرّفون منهم يرتكبون الذنوب تعويلاً على الشفاعة.

و في هذا الموقف و ردّاً على ذلك التطرّف الباعث للجرأة، يقول سبحانه: «مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّٰ بِإِذْنِهِ»(2)، و يقول أيضاً رفضاً لتلك الشفاعة المقترنة بالخرافة: «وَ لاٰ يَشْفَعُونَ إِلاّٰ لِمَنِ اِرْتَضىٰ»(3).

و من تدبّر في الآيات الواردة حول الشفاعة إيجاباً و سلباً، يقف على أنّ الإسلام قَبِلَ الشفاعة بنفس المفهوم الرائج بين الأُمم، لكن حدّدها بشروط و جعل لها إطاراً خاصّاً، و على ضوء ذلك فتفسير الشفاعة بدخول الجنّة بسرعة، نبع من العقيدة بخلود العصاة في النار إذا ماتوا بلا توبة، فلأجل ذلك التجئوا إلى تفسير الشفاعة بغير المعنى المعروف.


1) . حديث متّفق عليه. رواه الفريقان.

2) . البقرة: 255.

3) . الأنبياء: 28.

نعم يجب إلفات نظر القارئ إلى أمر هامّ:

إنّ بعض الذنوب الكبيرة ربّما تقطع العلائق الإيمانية باللّٰه سبحانه كما تقطع الأواصر الروحية بالشفيع فمثل هذا الشخص لا ينال الشفاعة، و لا يرضى الرب بشفاعة الشفيع في حقّه، و قد أوضحنا حقيقة الشفاعة و شروطها في موسوعتنا التفسيرية، و قمنا بالذّبّ عن الإشكالات التي تثار حولها من جانب المعتزلة أو بعض المفكّرين الجدد.(1)

5 - مرتكب الكبيرة كافر نعمة لا كافر ملّة:

اتّفقت الخوارج حتى الاباضية على أنّ ارتكاب الكبيرة موجب للكفر، و لكن المتطرّفين يرونه خروجاً عن الملّة، و دخولاً في الكفر و الشرك، و لكن الاباضية لاعتدالهم، يرونه كفر النعمة، فالمسلم الفاسق كافر عندهم لكن كفر النعمة، و لأجل التعرّف على حقيقة مرامهم نأتي بنص بعض كُتّابِهم، و إن كان طويلاً مفصّلاً:

يقول علي يحيى معمّر:

«يحسب كثير ممّن لا علم له أنّ الاباضية ممّن يتّفقون مع الخوارج في تكفير العصاة كفر شرك، و لا يعرفون أنّ الاباضية يطلقون كلمة الكفر على عصاة الموحّدين الذين ينتهكون حرمات اللّٰه، و يقصدون بذلك كفر النعمة، أخذاً من الآيات الكريمة التي أطلقتها في أمثال هذه المواضيع و استناداً إلى أحاديث الرسول صلى الله عليه و آله و سلم:


1) . لاحظ: مفاهيم القرآن 156/4-279.

«وَ لِلّٰهِ عَلَى اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعٰالَمِينَ»(1).

«لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ»(2).

«وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْكٰافِرُونَ»(3).

سأل الأقرع بن حابس رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «الحج علينا كلّ عام يا رسول اللّٰه؟ فقال صلى الله عليه و آله و سلم: لو قلت نعم لوجب، و لو وجب لما قدرتم عليه، و لو لم تفعلوا لكفرتم، و قال: من ترك الصلاة كفر، و قال: ليس بين العبد و الكفر إلّا تركه الصلاة، و قال: ألاٰ لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض و قال: الرشا في الحكم كفر».

و خلاصة البحث انّ الأباضية عند ما يطلقون كلمة الكفر على أحد من أهل التوحيد فهم يقصدون كفر النعمة، و هو ما يطلق عليه غيرهم كلمة الفسوق و العصيان، و المعنى الذي يطلق عليه الاباضية كفر النعمة و يطلق عليه المعتزلة(4)الفسوق، و يطلق عليه غيرهم النفاق أو العصيان فهو معنى واحد.


1) . آل عمران: 97.

2) . النمل: 40.

3) . المائدة: 44.

4) . إطلاق الفاسق على مرتكب الكبيرة غير مختصّ بالمعتزلة، بل الأشاعرة و الإمامية في ذلك أيضاً سواء، بل الفرقتان الأخيرتان أولى بهذا الاصطلاح من المعتزلة، لأنّه عندهما مؤمن، لا كافر و لا مشرك بخلاف المعتزلة فإنّه عندهم لا كافر و لا مؤمن بل منزلة بين المنزلتين.

و السبب الذي دعا الاباضية إلى إطلاقهم هذه الكلمة على العصاة بدلاً من كلمة النفاق أو الفسوق أمران:

أوّلهما: إنّها الكلمة التي أطلقها الكتاب الكريم و السنّة القويمة عليهم في كثير من المواضيع و المناسبات.

ثانيهما: إنّ لكلمة النفاق أثراً خاصّاً في تاريخ الإسلام، فقد اشتهر بها عدد من الناس في زمن رسول اللّٰه، آمنوا ظاهراً، و لكن قلوبهم لم تطمئن بالإيمان، فكان القرآن الكريم ينزل بتقريعهم، و يفضح بعضهم، و يتوعّدهم بالعذاب الأليم في الدنيا و الآخرة حتى اشتهروا بهذا الاسم و عرفوا به، قال اللّٰه تعالى:

«اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلْمُنٰافِقٰاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اَللّٰهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ هُمُ اَلْفٰاسِقُونَ»(1)حتى صارت هذه الكلمة تشبه أن تكون علماً لهم، فإذا أُطلقت انصرفت إليهم.

و النقاش في هذا الموضوع نقاش لغويّ و الاختلافات لفظي، و النتيجة انّ من يصرّ على معصية اللّٰه يلاقي نفس الجزاء الذي يلاقيه من يكفر باللّٰه، أمّا معاملة المسلمين لمن يفسق عن أمر اللّٰه، أو ينافق في دين اللّٰه، أو يكفر بنعمة اللّٰه، فإنّها معاملة للعاصي المنتهك الذي تجب محاولة إرشاده إلى وجوب الاستمساك بدينه و رجوعه إلى أوامر ربّه، و إقلاعه عن محادة اللّٰه


1) . التوبة: 67.

و رسوله، فإن أصرّ و استكبر و تغلّب عليه الشيطان، بُرِئ منه.(1)

يلاحظ عليه

أوّلاً: أنّ المحكّمة الأُولى كانوا لا يريدون من الكفر إلّا الخروج عن الدين، و كانوا يقولون للإمام أمير المؤمنين: تب من كفرك، و كان يجيبهم: «أ بعد ايماني باللّٰه، و جهادي مع رسول اللّٰه أشهد على نفسي بالكفر؟ لقد ضللت إذاً و ما أنا من المهتدين».(2)

فلمّا أحسّ عبد اللّه بن اباض أو من قبله بتطرّف هذه الفكرة عاد بتأويله إلى كفر النعمة تحرّزاً عن ردّ فعل للنظرية الأُولى.

ثانياً: لو فرضنا إنّ القرآن الكريم استعمل الكفر في كفر النعمة أو استعمله الحديث في حق تارك الصلاة، و لكن هذا الاستعمال طفيف جدّاً، فقد ورد لفظ الكفر و مشتقّاته في القرآن قريباً من 450 مرّة و أُريد في أغلبها كفر الملّة و الخروج عن الدين، و لو استعمل في كفر النعمة فانّما استعمل في مورد أو موردين، هذا من جانب، و من جانب آخر انّ لفظ الكفر و الكافر يعطيان مفهوماً خاصّاً يهزّ القلوب و يروّعها، إذ لا يقصد منه إلّا الخروج عن الدين فاستعمال ذلك في كلّ معصية كبيرة، يقلّل من شدّة خطره و يُصغّر أمره العظيم. و الأثر الخاص الذي ادّعاه لكلمة النفاق، موجود في كلمة الكفر بوجه أشدّ. فلو عدلوا عن إعماله، فليعدلوا عن اطلاق كلمة الكفر لأجله و الكلمتان مشتركتان في أثر السيّئ.


1) . الاباضية في موكب التاريخ: 89-92، الحقلة الأُولى.

2) . نهج البلاغة، الخطبة 58.

أ و ليس الأولى للاباضية أن ينتهجوا نهج جميع المسلمين فيختاروا لفظاً غيره في مورد ركوب الكبيرة؟!

و قد تنبّه لما ذكرناه الكاتب الاباضي حيث علّق على ما ينسب إلى الاباضية: «المخالفون كفّار نعمة لا كفّار في الاعتقاد» قوله: لا شكّ انّ أيّ مسلم إذا قيل له: «إنّ الاباضية يعتبرونك غير مسلم، و يرونك كافراً» يتملّكه الغضب و يعتبرهم فرقة ضالّة ظالمة تستحقّ اللعن، و لن ينتظر منك أن تشرح له الفرق بين معاني الكفر.(1)

و لكن اللوم متوجّه عليه و على أسلافه لا لأصحاب المقالات فإنّهم استعملوا لفظ الكفر في حق المخالفين غير أنّ المتطرّفين فسّروه بالكفر في الاعتقاد و غيرهم فسّروه بكفر النعمة مستشهدين بأنّه ورد لفظ الكفر في مورد المرتكبين للكبائر، و نقلوا عن الرسول الأعظم أنّه قال:

الرشوة في الحكم كفر، و قوله من أتى كاهناً أو عرّافاً فصدّقه فيما يقال فقد كفر بما أُنزل على محمّد.(2)

6 - الخروج على الإمام الجائر:

يقول أبو الحسن الأشعري: «و الاباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف، لكنّهم يرون إزالة أئمّة الجور و منعهم من أن يكونوا أئمّة بأيّ شيء قدروا عليه بالسيف أو بغيره».(3)


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 103/1.

2) . الإمام جابر بن زيد: 123.

3) . مقالات الإسلاميين: 189.

و ربّما ينسب إليهم أمر غير صحيح، و هو أنّ «الاباضية لا يرون وجوب إقامة الخلافة».(1)

إنّ وجوب الخروج على الإمام الجائر أصل يدعمه الكتاب و السنّة النبوية و سيرة أئمّة أهل البيت إذا كانت هناك قدرة و منعة، و هذا الأصل الذي ذهبت إليه الاباضية بل الخوارج عامّة، هو الأصل العام في منهجهم، و لكن نرى أنّ بعض الكتّاب الجدد من الاباضية الذين يريدون ايجاد اللقاء بينهم و بين أهل السنّة يطرحون هذا الأصل بصورة ضئيلة.

يقول علي يحيى معمر: إنّ الاباضية يرون أنّه لا بدّ للأُمّة المسلمة من إقامة دولة و نصب حاكم يتولّى تصريف شئونها، فإذا ابتليت الأُمّة بأن كان حاكمها ظالماً، فإنّ الاباضية لا يرون وجوب الخروج عليه لا سيّما إذا خيف أن يؤدّي ذلك إلى فتنة و فساد أو أن يترتّب على الخروج ضرر أكبر ممّا هم فيه، ثمّ يقول: إذا كانت الدولة القائمة جائرة و كان في إمكان الأُمّة المسلمة تغييرها بدولة عادلة دون إحداث فتن أكبر تضرّ بالمسلمين فإنّهم ينبغي(2)لهم تغييرها. أمّا إذ كان ذلك لا يتسنّى إلّا بفتن و أضرار فإنّ البقاء مع الدولة الجائرة و مناصرتها في حفظ الثغور و محاربة أعداء الإسلام، و حفظ الحقوق، و القيام بما هو من مصالح المسلمين و إعزاز كلمتهم، أوكد و أوجب.(3)


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 53/2-54.

2) . إنّ الرجل لتوخّي المماشاة مع أهل السنّة يعبّر عن مذهبه بلفظ لا يوافقه، بل عليه أن يقول مكان «ينبغي» «يجب».

3) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 53/2-54.

إنّ ما ذكره لا تدعمه سيرة الأباضية في القرون الأُولى و يكفي في ذلك ما ذكره المؤرّخون في حق أبي يحيى عبد اللّه بن يحيى طالب الحق، قالوا: إنّه كتب إلى عبيدة بن مسلم بن أبي كريمة و إلى غيره من الاباضية بالبصرة يشاورهم بالخروج، فكتبوا إليه: إن استطعت ألّا تقيم إلّا يوماً واحداً فافعل، فأشخص إليه عبيدةُ بن مسلم أبا حمزة المختار بن عوف الأزدي في رجال من الاباضية فقدموا عليه حضرموت، فحثّوه على الخروج، و أتوه بكتب أصحابه، فدعا أصحابه فبايعوه فقصدوا دار الامارة إلى آخر ما سيوافيك بيانه من حروبه مع المروانيين و تسلّطه على مكّة و المدينة.

و أظنّ انّ ما يكتبه علي يحيى معمّر في هذا الكتاب و في كتاب «الاباضية في موكب التاريخ» دعايات و شعارات لصالح التقارب بين الاباضية و سائر الفرق خصوصاً أهل السنّة، و لأجل ذلك يريد أن يطرح اُصول الاباضية بصورة خفيفة حتى يتجاوب مع شعور أهل السنّة، تلك الأكثرية الساحقة، و أوضح دليل على أنّهم يرون الخروج واجباً مع القدرة و المنعة بلا اكتراث، إنّهم يوالون المحكّمة الأُولى و يرون أنفسهم اخلافهم و السائرين على دربهم، و هم قد خرجوا على عليٍّ بزعم أنّه خرج بالتحكيم عن سواء السبيل.

و أظنّ انّ هذا الأصل أصل لامع في عقيدة الخوارج و الاباضية بشرطها و شروطها، و أنّ التخفيض عن قوّة هذا الأصل دعاية بحتة.

و العجب أنّه يعترف بهذا الأصل في موضع آخر من كتابه و يقول: إنّ الثورة على الظلم و الفساد و الرشوة و ما يتبع ذلك من البلايا و المحن، إنّما هو

المنهج الذي جاء به الإسلام و دعا إليه المسلمين، و دعا المسلمون إليه، و قاموا به في مختلف أدوار التاريخ، و لم تسكت الألسنة الآمرة بالمعروف، الناهية عن المنكر، و لم تكفّ الأيدي الثائرة في أيّ فترة من فترات الحكم المنحرف.... و قد استشهد في هذا السبيل عدد من أفذاذ الرجال، و يكفي أن أذكر الأمثلة لأُولئك الثائرين على الانحراف و الفساد: شهيد كربلاء الإمام الحسين سبط رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و عبد اللّٰه بن الزبير نجل ذات النطاقين، و سعيد بن جبير، و زيد بن علي بن الحسين، و كلّ واحد من هؤلاء يمثّل ثورة عارمة من الأُمّة المسلمة على الحكم الظالم، و الخروج عليه و مدافعته حتى الاستشهاد(1).

7 - التولّي و التبرّي و الوقوف:

اشارة

قد اتّخذ الاباضيون «التولّي» و «التبرّي» نحلة و لهما أصل في الكتاب و السنّة، و هما ممّا يعتنقه كلّ مسلم إجمالاً، و لكن التفسير الاباضي لهذين المفهومين يختلف تماماً مع تفسير الجمهور، و إليك بيانه بنقل نصوصهم من كتبهم:

«أصل الولاية، الموافقة في الدين، فكل من وافقك في الدين فهو وليّك، سواء علمت بموافقته أو جهلتها، أو برئتَ منه بالظاهر، لحدث عرفته منه و هو قد تاب و رجع عنه، فالملائكة عليهم السلام أولياؤنا لأنّهم موافقونا في أصل الامتثال، و كذلك أهل الطاعة من الأُمم السالفة، فإنّه و إن


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 183/1.

اختلفت الأوامر بالنظر لاختلاف الشرائع، فالدين عند اللّٰه الإسلام أي الانقياد لأحكامه مطلقاً.

فاعلم انّ ممّا يدين به المسلمون و هو لازم لهم، الولاية لأولياء اللّٰه و الحب لهم، و البغض لأعداء اللّٰه و البراءة منهم. فولاية من اتّصف بالإيمان فرض واجب، ثبت وجوبه بأدلّة قطعية، و أمّا البراءة فهي مثل الولاية فتجب البراءة من الفاسقين مطلقاً سواء كانوا من المشركين أو كانوا أهل كفر نعمةٍ، فالبراءة منهم واجب بنصّ الكتاب العزيز و السنّة المطهّرة.

ثمّ إنّهم ذكروا للولاية و البراءة أقساماً نوردها فيما يلي:

1 - أن يرد الكتاب بما يوجب ولاية أحد، أو البراءة منه، كالأنبياء المذكورين بأسمائهم في الولاية و كإبليس في البراءة.

2 - ما نطق فيه رسول من رسل اللّٰه انّ فلاناً من أهل السعادة، أو من أهل الشقاء، بشرط أن يسمع السامع من لسان الرسول ذلك الكلام حين نطقه.

3 - ولاية الجملة و براءة الجملة، و صورتها أن يعتقد المكلّف ولاية أهل طاعة اللّٰه من الأوّلين و الآخرين إنسهم و جنِّهم و ملائكتِهم، و أن يعتقد البراءة من جميع أهل معصية اللّٰه من الأوّلين و الآخرين إنسِهِم و جنِّهم إلى يوم الدين.

و هذا القسم هو الذي يعبّر عنه بعقيدة الإنسان، لأنّه لا بدّ لكل مكلّف أن يعتقده ديناً.

4 - نعم يجب الوقوف فيمن لم يعلم فيه موجب الولاية و لا البراءة لقوله تعالى: «وَ لاٰ تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»(1)، و قال صلى الله عليه و آله و سلم:

المؤمن وقّاف، و المنافق وثّاب.(2)

قال أبو سعيد الكدمي: و اعلموا رحمنا اللّٰه و إيّاكم: انّ الولاية و البراءة فريضتان و قد نطق بذلك القرآن و أكّدته السنّة، و نسخته آثار الأئمّة الذين هم حجّة اللّٰه في دينه، فمن ذلك قوله تعالى: «قَدْ كٰانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرٰاهِيمَ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قٰالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّٰا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمّٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ كَفَرْنٰا بِكُمْ وَ بَدٰا بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدٰاوَةُ وَ اَلْبَغْضٰاءُ أَبَداً حَتّٰى تُؤْمِنُوا بِاللّٰهِ وَحْدَهُ»(3).

و يقول أيضاً: لا يجوز له أن يتولّى أحداً من علماء أهل الخلاف و لا من أفضلهم، و لو جهل أمرهم، و لو ظنّ أنّهم أهل الحقّ و أهل الفضل، ما جاز أن يتولّى أحداً منهم بدين.(4)

و يقول أيضاً: البراءة حكم من أعظم أحكام الإسلام.(5)

و يقول: و اعلموا انّه ممّا يلزم المسلمون و يدينون به: الولاية لأولياء


1) . الإسراء: 36.

2) . الإمام جابر بن زيد: 258-263 بتلخيص، و كان عليه أن يذكر قسماً خامساً و هو تولّي شخص معيّن لكونه مطيعاً و التبرّي منه لكونه عاصياً إذا لمسنا شخصيّاً منهما الطاعة أو العصيان، و لعلّه لم يذكره لكونه مستفاداً من القسم الأوّل.

3) . المعتبر: 134/2. و الآية 4 من سورة الممتحنة.

4) . المصدر نفسه: 95/1.

5) . المصدر نفسه: 135/1.

اللّٰه و الحبّ لهم، و البغض لأعداء اللّٰه و البراءة منهم، و من أحبَّ عبداً في اللّٰه فكأنّما أحبّ اللّٰه، و ذلك من أشرف أعمال البر.(1)

و قد حرّر هذه المسألة أحد المعاصرين من علماء الاباضية و قال:

ولاية الجملة و براءتها فريضتان بالكتاب و السنّة و الإجماع على كلّ مكلّف عند بلوغه إن قامت عليه الحجّة، و أمّا ولاية الأشخاص و براءتها فواجبتان قياساً عليهما.

إنّ محبّة المؤمن الموفي بدينه، الحريص على واجباته، المبتعد عن المحارم، المتخلِّق بأخلاق الإسلام، المتّبع لهدى محمّد صلى الله عليه و آله و سلم وجبت محبّته على المؤمنين، و أُعلِنَت ولايته بين المسلمين، و طلبت له المغفرة و الرحمة من ربّ العالمين.

فإذا نزغ أحدهم من الشيطان نزغ، و لم يستعذ باللّٰه من الشيطان، فأقدم على المعصية و لم يُسارع إلى التوبة، انفصم هذا الرباط الذي يربطه بالمؤمنين، و تهدَّمَتْ هذه الأُخوّة التي قامت على الدين حتى يجدّد إيمانه بربّه، و يستغفر اللّٰه من ذنبه، و يصل حبال قلبه بفاطر السموات و الأرض، فإذا فعل ذلك، رجعت منزلته بين إخوانه كما كانت، و عزَّتْ نفسه بينهم بعد أن هانت «وَ لِلّٰهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ».(2)

إنّ المسلم الذي يعلن بين الملأ قول: «لا إله إلّا اللّٰه، محمّد رسول اللّٰه»، ثمّ يجترئ على أوامر اللّٰه فيتخلّى عن واجباته، أو يقدم على ارتكاب


1) . المصدر نفسه: 137/1.

2) . المنافقون: 8.

المحظورات... لا يحقّ أن يكرم بالتساوي مع الصادقين و لا يمكن أن تشمله المحبّة في الدين، بل يجب أن يجد الغلظة من المؤمنين و أن يسمع التقريع و التوبيخ، و أن يُطْلب الابتعاد عنه، و أن يُعْلَنَ البراءة منه، و يُقلَّلَ التعامل معه حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت، و لا يجد ملجأ من اللّٰه إلّا إليه، فأمّا أن يشرح اللّٰه صدره للإسلام، و أن يفتح قلبه للإيمان و أن يسخّر أعضاءه للعبادة، و أن يباعد بينه و بين المعصية فيتوب ممّا ارتكب و يعود إلى حظيرة الإسلام بالعمل الصالح، و الجهاد المتواصل، جهاد النفس و الهوى، فترتبط أواصره حينئذ بأواصر الناس، و يصبح بعد الهداية و التوفيق أخاً في اللّٰه.

و أمّا أن يرتكس إلى الشيطان، و يصرّ على العصيان، و يبتعد عن محاسبة النفس، و يستمرّ في الغواية و الضلال، و حينئذ لا يمكن لأولياء اللّٰه أن يحبّوا عدوّ اللّٰه، و لا أن يرضوا عمّن جاهره بالمعصية، و انّ القلوب المؤمنة لتستحي أن تتّجه إلى المليك الديّان لتطلب منه الرحمة و الغفران، لعبيد الشهوات و أغوياء الشيطان.

إنّ العصاة الذين يصرّون على ما فعلوا و يجاهرون اللّٰه و الناس بما ارتكبوا، انفصلوا بكبريائهم عن ربّهم، و ابتعدوا عن محبّة إخوانهم، و حادوا اللّٰه و رسوله.

«لاٰ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ....»(1). «إِنَّ اَلَّذِينَ يُحَادُّونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ أُولٰئِكَ فِي اَلْأَذَلِّينَ»(2).


1) . المجادلة: 22.

2) . المجادلة: 20.

«إِنَّ اَلَّذِينَ يُحَادُّونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ كُبِتُوا كَمٰا كُبِتَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ»(1).

إنّ المجتمع الإسلامي أنظف من أن تقع فيه المعصية من مسلم، ثمّ يسكتون عنه، فيدعونه فيهم محبوباً قبل أن يبادر إلى التوبة و الاستغفار و التكفير إن كانت المعصية ممّا يتحلّل منه بالتكفير.

إنّ هذه القضيّة من القضايا التي يكاد ينفرد بها الاباضية(2)عن غيرهم من الفرق الإسلامية فلم يساووا بين مؤمن تقيّ و عاص شقيّ في المعاملة، و قالوا: يجب على المجتمع المسلم أن يُعْلِنَ كلمة الحق في كلّ فرد من أفراده، و أن يتولّى تهذيب الناشزين، و تقويم المنحرفين و تربية المتذرّعين بالوسائل التي شرعها الإسلام للتربية الجماعية من أمر بمعروف و نهي عن منكر، و اعراض عمّن يتولّى عن اللّٰه.

و ليس من الحق أبداً أن نتغاضى عن أُولئك الذين يرتكبون المعاصي، و نضعهم في صفّ واحد مع المؤمنين الموفين، بل يجب أن نزجر العاصي عن معصيته، و أن نعالِنَه بالعداوة، ما دام منحرفاً عن سبيل اللّٰه، و أن لا نساوي في المعاملة بينه و بين الموفي، و أن لا نعطيه من المحبّة و طلب المغفرة، و حسن التعامل، ما نعطيه للذي يراقب اللّٰه في الخفاء و العلانية، و يرجع إليه في كلّ كبيرة و صغيرة، و يقف عند حدوده التي رسمها لا يتخطّاها، «وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً»(3)، و الاباضية لا يخرجون العصاة من الملّة


1) . المجادلة: 5.

2) . ستعرف ضعفه و انّه ممّا أصفقت عليه الأُمّة الإسلامية اجمالاً، نعم انفردت الاباضية بالغلظة و الشدّة في المسألة.

3) . التوبة: 123.

و لا يحكمون عليهم بالشرك، و لكن يوجبون البراءة منهم و بغضهم و إعلان ذلك لهم حتى يقلعوا عن معصيتهم و يتوبوا إلى ربّهم.(1)

هذا عصارة ما ذكروه في هذه المسألة، أي الولاية و البراءة و الوقوف.

يلاحظ عليه: لا أظنّ أنّ من أحاط بالكتاب و السنّة أو ألم بهما أن ينكر وجوب التولّي و التبرّي، فإنّ المصدرين الأساسيّين مملوءان بالأمر بتولّي الرسول، و المؤمنين، و التبرّي من المشركين و أهل الكتاب و العصاة، و إليك رشحة من ذلك فيكفي فيه قوله سبحانه: «لاٰ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ»(2)، و قوله عزّ و جلّ: «وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ»(3)، و قوله عزّ و جلّ: «فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبٰاءَهُمْ فَإِخْوٰانُكُمْ فِي اَلدِّينِ وَ مَوٰالِيكُمْ»(4)، و قوله عزّ و جلّ: «لاٰ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كٰانُوا آبٰاءَهُمْ أَوْ أَبْنٰاءَهُمْ أَوْ إِخْوٰانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمٰانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا رَضِيَ اَللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولٰئِكَ حِزْبُ اَللّٰهِ أَلاٰ إِنَّ حِزْبَ اَللّٰهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ».(5)

و أمّا السنّة فيكفي في ذلك الأحاديث التالية:


1) . الاباضية في موكب التاريخ: 83-87، الحقلة الأُولى.

2) . آل عمران: 28.

3) . التوبة: 71.

4) . الأحزاب: 5.

5) . المجادلة: 22.

قال علي بن أبي طالب عليه السلام: «من ترك انكار المنكر بقلبه و لسانه فهو ميّت بين الأحياء».(1)

و قال عليه السلام: «أمَرَنا رسول اللّٰه أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرَّة».(2)

و قال عليه السلام: «أدنىٰ الإنكار أن تلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة».

و عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «حسب المؤمن غيرة إذا رأى منكراً أن يَعْلَم اللّٰه عزّ و جلّ من قلبه إنكاراً».(3)

إنّ الحب و البغض من الظواهر و الحالات النفسية، و لهما آثار على الأعضاء و الجوارح في حياة الإنسان، فلقاء أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة من آثار تلك الظاهرة، هذا كلّه ممّا لا إشكال فيه.

إنّما الكلام في موضع آخر يجب إلفات النظر إليه و هو أنّ التبرّي من عصاة المسلمين ليس شيئاً مطلوباً بالذات، و إنّما الغاية منه إرجاع العاصي إلى حظيرة الطاعة، و إلحاقه بأصفياء الأُمّة، و على ذلك فهو من مراتب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فيدور وجوبه مدار وجود شرائطهما: منها كون التبرّي مؤثّراً في كبح جماح العاصي و تماديه في الغي، و لأجل ذلك جوّز الإسلام غيبة المتجاهر بالفسق و ربّما أوجب الوقيعة في أهل البدع، و إكثار الوقيعة فيهم، و قال صلى الله عليه و آله و سلم: «أربعة ليس غيبتهم غيبة: الفاسق المعلن بفسقه، و الإمام الكذّاب إن أحسنت لم يشكر و إن أسأت لم يغفر،


1) . وسائل الشيعة: 404/11.

2) . المصدر نفسه: 409/11.

3) . المصدر نفسه: 413/11.

و المتفكّهون بالأُمّهات، و الخارج من الجماعة الطاعن على أُمّتي، الشاهر عليها بسيفه».(1)

و قال صلى الله عليه و آله و سلم: «لا غيبة لثلاث: سلطان جائر، و فاسق معلن، و صاحب بدعة».(2)

فعلى ذلك فوجوب التبرّي رهن شروط نشير إليها:

1 - أن يحتمل كون التبرّي مؤثّراً في إرجاعه عن المعصية كما عرفت، و إلّا فلا يجب كما هو الحال في جميع مراتب الأمر بالمعروف.

2 - أن لا يكون إظهار التبرّي موجباً لتماديه في الغي، و انكبابه على الإثم، فإنّ إيجاب التبرّي في ذلك ينتج نقيض المطلوب.

3 - يكفي في التبرّي، الاعراب عمّا في ضمير المتبرّي من كونه كارهاً لعمله، بلا حاجة إلى إعمال الغلظة و الشدّة كما في كلام القائل.

ثمّ الآيات و الروايات الدالّة على التبرّي واردة في حقّ الكفّار و العصاة المتمادين في الغي، لا من عصى مرّة واحدة و يبدو أنّه سوف يرجع و يستغفر.

و أمّا ما ذكره القائل في كيفية التبرّي فليس عليه دليل بل الدليل على خلافه، لأنّ المعاملة مع العصاة على النحو الذي ذكره القائل لم يكن رائجاً في عصر الرسول، إلّا في حقّ العتاة المتمادين في الغي، أو المتخلّفين عن


1) . مستدرك الوسائل: الجزء 9، الباب 134 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 2.

2) . المستدرك: الجزء 9، الباب 134 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 1.

الزحف، و قد ورد في حقّهم قوله سبحانه: «وَ عَلَى اَلثَّلاٰثَةِ اَلَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّٰى إِذٰا ضٰاقَتْ عَلَيْهِمُ اَلْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ وَ ضٰاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لاٰ مَلْجَأَ مِنَ اَللّٰهِ إِلاّٰ إِلَيْهِ ثُمَّ تٰابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلتَّوّٰابُ اَلرَّحِيمُ»(1). ترى أنّ الغلظة و الشدّة كانت في حقّ هؤلاء الثلاثة الذين تخلّفوا عن الجهاد في الوقت الذي كان الرسول في أشدّ الحاجة إلى المجاهد الصادق، فنزل الوحي بالضغط و إيجاد الضيق عليهم حتى يصلوا إلى مرتبة تضيق عليهم أرض المدينة بما رحبت.

و أمّا المعاملة لكلّ عاص و لو مرّة واحدة بهذا النحو و الضغط عليه حتى تضيق عليه الأرض، فهو بعيد عن سماحة الإسلام، كيف و قد قال سبحانه حاكياً عن حملة العرش الذين يستغفرون للذين تابوا و اتّبعوا سبيله: «رَبَّنٰا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ رَحْمَةً»(2)، و قال سبحانه: «وَ لاٰ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اَللّٰهِ إِنَّهُ لاٰ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللّٰهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكٰافِرُونَ»(3)، و قال سبحانه: «قٰالَ وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ اَلضّٰالُّونَ»(4)، و قال سبحانه: «قُلْ يٰا عِبٰادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ»(5).

فأين هذه الوعود و دعوة العصاة إلى حظيرة الغفران و النهي عن اليأس من روح اللّٰه ممّا جاء في كلام هذا القائل؟ فالاباضية و إن كانوا غير متطرّفين في مسلكهم لكن في التبرّي عن العاصي في جميع الأحوال


1) . التوبة: 118.

2) . غافر: 7.

3) . يوسف: 87.

4) . الحجر: 56.

5) . الزمر: 53.

و الظروف على النحو الذي سمعت نوع تطرّف كما لا يخفى.

على أنّ هذا النحو من التبرّي الوارد في كلام القائل يناسب العيشة القبلية، و الاجتماعات الصغيرة، و لا يتمشّى أبداً مع الاجتماعات الكبيرة التي تضم الفسّاق، إلى العدول في جميع الأندية و المجالس كما لا يخفى.

اكمال:

ثمّ إنّه لو ثبت كون رجل عدوّاً من أعداء اللّٰه لارتكابه الكبائر أو لارتداده عن الدين، فليس لآحاد الأُمّة القيام بإجراء الحدّ عليه، و إنّما واجب الآحاد هو التبرّي منه، و من فعله، روحاً و جسداً، و أمّا إجراء الحدّ عليه فإنّما هو على القويّ المطاع في الأُمّة و هو الحاكم الإسلامي، و لأجل ذلك ينقسم الأمر بالمعروف إلى قسمين: قسم يُعَدُّ واجباً فردياً، يقوم به آحاد الأُمّة، و قسم يعدّ رسالة اجتماعية تقوم به القوّة التنفيذية في الدولة الإسلامية، و نأتي هنا بكلمة قيّمة للإمام الصادق عليه السلام عند ما:

سئل عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أ واجب هو على الأُمّة جميعاً؟ فقال: «لا». فقيل له: و لم؟ قال: «إنّما هو على القويّ المطاع، العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلاً إلى أيٍّ، مِنْ أيّ؟ يقول من الحق إلى الباطل، و الدليل على ذلك من كتاب اللّٰه عزّ و جلّ قوله: «وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ» فهذا خاصّ غير عام».(1)


1) . وسائل الشيعة: 400/11. و الآية 104 من سورة آل عمران.

8 - آراء الاباضية في الصحابة:

اشارة

قد طرحنا مسألة عدالة الصحابة في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة عند البحث عن عقائد أهل الحديث، و المعروف بين كتّاب الفرق انّ الاباضية يحبّون الشيخين و يبغضون الصهرين، غير أنّ كتّاب الاباضية في هذا العصر ينكرون هذه النسبة و يقولون إنّ الدعاية التي سلّطها المغرضون على الاباضية نبذتهم بهذه الفرية، و ذهب علي يحيى معمّر في نقد النسبة و تزييفها إلى نقل الكلمات التي فيها الثناء البالغ على الصهرين، ينقل عن أبي حفص عمرو بن عيسى قوله:

و على الهادي صلاة نشرها *** عنبرٌ ما خبّ ساع و رمل

و سلام يتوالى و على *** آله و الصحب ما الغيث هطل

سيما الصديق و الفاروق و الجامع *** القرآن و الشهم البطل

و ينقل عن ديوان البدر التلاتي ما يلي:

بنت الرسول زوجها و ابناها *** أهل لبيت قد فشا سناها

رضى الإله يطلب التلاتي *** لهم جميعاً و لمن عناها(1)

نحن نرحّب بهذا الود الذي أمر اللّٰه سبحانه به في كتابه بالنسبة إلى العترة الطاهرة إذ قال: «قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ»(2).


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 50/2

2) . الشورى: 23.

و لكن لا يمكننا التجاهل بأنّهم يحبّون المحكّمة الأُولى، و يعتبرونهم أئمّة، و هم قُتلوا بسيف علي، و هل يمكن الجمع بين الحبّين و الودّين؟! قد قال اللّٰه سبحانه: «مٰا جَعَلَ اَللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ»(1)و هل يجتمع حبّ علي و ودّه و حبّ من كان يكفّر عليّاً و يطلب منه التوبة؟ كيف و هؤلاء هم الذين قلّبوا له ظهر المجنَ و ضعّفوا أركان حكومته الراشدة.

نرى أنّ الاباضية يعدّون عمران بن حطان من القعدة، و هو إمام لهم بعد أبي بلال، و هو القائل في حق عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي، شقيق عاقر ناقة ثمود، قوله:

يا ضربة من تقي ما أراد بها *** إلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إنّي لأذكره يوماً فأحسبه *** أوفى البريّة عند اللّٰه ميزانا(2)

و مع هذا السعي لكتمان الحقيقة فالظاهر أن للشهرة حقيقة: أمّا حبّهما للشيخين فليس مجال شك و أمّا بغضهما للصهرين فقد وقفت في الفصل التاسع على نظر قدمائهم في حق الإمام علي عليه السلام و إليك نظرهم في حق عثمان، ليعلم مدى صحّة النسبة:

فإن قال: فما قولكم في عثمان بن عفان؟ قلنا له: في منزلة البراءة عند المسلمين.

فإن قال: من أين وجبت البراءة من عثمان بن عفان و قد تقدمت


1) . الأحزاب: 4.

2) . مرّ مصدر البيتين

ولايته و صحّت عقدة إمامته مع فضائله المعروفة في الإسلام، و في تزويج النبي له عليه السلام بابنتيه واحدة بعد واحدة؟ قلنا: إن الولاية و البراءة هما فرضان في كتاب اللّٰه لا عذر للعباد في جهلهما، و قد أمرنا اللّٰه تبارك و تعالى أن نحكم و ندين له في عباده بما يظهر لنا في أُمورهم و لم يكلّفنا علم الغيب. ثمّ وجدنا أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم قد قدّموا عثمان إماماً لهم بعد عمر بن الخطاب - رحمه اللّٰه -، ثمّ قصدوا إليه فقتلوه على ما استحقّ عندهم من الأحداث التي زايل بها الحق و سبيله، فمن قال إنّ عثمان قتل مظلوماً كان قد أوجب على أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم البراءة بقتلهم لعثمان بن عفان و إلزام البراءة من علي بن أبي طالب لأنّه وضعه المسلمون بعد عثمان إماماً لهم.

و على الإمام إقامة الحدود و لم يغيّر ذلك علي بن أبي طالب و لم ينكره و لم يقم الحد على من قتل عثمان، و حارب من طلب بدمه و هو طلحة بن عبيد اللّٰه و الزبير بن العوام، و لو لم يكن مستحقاً للقتل و أنّه مظلوم لكان علي قد كفر لقتاله لمن طلب بدم عثمان بن عفّان. فلما قاتل علي و المسلمون من طلب بدم عثمان و صوّبوا من قتله و أقرّهم علي بين يديه و كانوا أعوانه و أنصاره، كان دليلاً على أنّهم محقّون في قتله، لأنّ إجماعهم على ذلك حجّة لغيرهم و دليل. و أمّا قولك زوّجه النبي بابنتيه واحدة بعد واحدة فإنا لا ننكر ذلك و لا يكون عثمان مستوجباً للولاية بتزويج النبي صلى الله عليه و آله و سلم له بابنتيه. و لو كان عقد النبي له بالنكاح موجباً للرجل المشرك الذي كان النبي صلى الله عليه و آله و سلم قد زوّجه بابنته زينب قبل التحريم بين المسلمين و المشركين مع

قول اللّٰه تبارك و تعالى: «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ»(1)، فهذا مبطل لاحتجاجك علينا بتزويج النبي صلى الله عليه و آله و سلم له بابنتيه.

و أمّا قولك: إنّه كانت له فضائل في الإسلام متقدّمة، فإن الأعمال بالخواتم في الآخرة، لا بالفضائل الأُولى.(2)

و على كل تقدير فما يذكره هذا الكاتب و غيره هو الحق الذي يجب أن تمشي عليه الاباضية في حياتهم الدينية و يجب علينا احترام الصحابة و ودّهم على الموازين التي وردت في الكتاب و السنّة، و لا أظنّ مسلماً على أديم الأرض يبغض الصحابي بما هو صحابي أو بما أنّه رأى النبي أو بما أنّ له صلة به، و لو كان هناك استنكار فإنّما لبعض الصحابة أمثال المغيرة بن شعبة و بسر بن أرطاة، و عمرو بن العاص، و سمرة بن جندب لما قاموا به من سفك الدماء البريئة و الظلم في الأحكام، و الطلب الحثيث بلذائذ الدنيا، كيف لا يصحّ التبرّي منهم؟ و قد قال عمرو بن العاص لمعاوية عند ما دعاه للمشاركة في الحرب ضدّ علي أبياتاً أوّلها:

معاوية لا اعطيك ديني و لم أنل *** به منك دنياً فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصراً فأربح بصفقةٍ *** أخذتَ بها شيخاً يضرّ و ينفع(3)



1) . النساء: 48 و 116.

2) . السير و الجوابات لعلماء و أئمة عمان 374/1-375 طبع وزارة التراث القومي و الثقافة، تحقيق سيدة إسماعيل كاشف.

3) . تاريخ الطبري: 558/3؛ تاريخ اليعقوبي: 175/2، طبع النجف الأشرف

الفتاوى الشاذّة عن الكتاب و السنّة

المذهب الاباضي يدّعي أنّه يعتمد في أُصوله على الكتاب و السنّة و يتّفق في كثير من أُصوله و فروعه مع مذاهب أهل السنّة، و لا يختلف معها إلّا في مسائل قليلة اختلاف مذاهب السنّة نفسها في ما بينها.

و ما كان اعتماد المذهب الاباضي على الكتاب و السنّة و عدم تباعده عن مذاهب السنّة إلّا لأنّ مؤسّسه جابر بن زيد قد أخذ عن الصحابة الذين أخذ عنهم أصحاب هذه المذاهب من الحنفيّة و الشافعيّة و المالكيّة و الحنابلة، بل أنّه يمتاز على أصحاب هذه المذاهب في أنّه أخذ عن الصحابة مباشرة بينما هم لم يأخذوا في معظمهم إلّا من التابعين.

كما أنّ الأحاديث التي جمعها هو و غيره من علماء و فقهاء و جمّاع الأحاديث من الاباضية كالربيع بن حبيب و غيره، ليست إلّا أحاديث وردت عن البخاري و مسلم و غيرهم من أئمّة الحديث كأبي داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و الدارقطني و الطبراني و البيهقي و غيرهم من أهل السنّة و الجماعة.

إنّ الاباضية لا يعترفون بالتقليد فيما يأخذون أو يدّعون حتى لفقهائهم أنفسهم، و المشهور عنهم أنّهم يقولون: إنّهم رجال تقييد لا تقليد، أي أنّهم يتقيّدون بالكتاب و السنّة، و بما تقيّد و التزم به السلف الصالح، و لا

يقلّدون أصحاب المذاهب أو أصحاب الأقوال إلّا إذا كانت أقوالهم موافقة للكتاب و السنّة.(1)

إنّ المذهب الاباضي كما وصفه الكاتب يستند إلى الأدلّة الشرعية و العقلية، فالعقل عندهم حجّة كالكتاب و السنّة، و ليس ذلك أمراً خفيّاً على من سبر كتبهم العقائدية و الفقهية، و قد كان ذلك معروفاً عنهم في القرون الأُولى حتى بين مخالفيهم على وجه قالوا: بإغناء العقل عن السمع في أوّل التكليف. يقول المفيد شيخ الشيعة في القرن الرابع:

«اتفقت الإمامية على أنّ العقل يحتاج في علمه و نتائجه إلى السمع و أنّه غير منفك عن سمع ينبّه الغافل على كيفيّة الاستدلال، و أنّه لا بدّ في أوّل التكليف و ابتدائه في العالم من رسول، و وافقهم في ذلك أصحاب الحديث، و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية على خلاف ذلك، و زعموا أنّ العقول تعمل بمجرّدها من السمع و التوقّف، إلّا أنّ البغداديين من المعتزلة خاصّة يوجبون الرسالة في أوّل التكليف».(2)

و هذا النحو من الاعتماد على العقل يعد نوع مغالاة في القول بحجيّته إلّا في مورد لزوم أصل المعرفة، لاستقلاله عليه دفعاً للضرر المحتمل و غيره ما حرّر في محلّه.(3)

إنّ القول بحجّية العقل لا يعني منها إلّا حجّيته في موارد يستقلّ


1) . الاباضية في مصر و المغرب و علاقتهم بأباضية عمان و البصرة: 58-61.

2) . أوائل المقالات: 11-12.

3) . لاحظ محاضراتنا في الإلهيات بقلم الشيخ حسن مكّي العاملي: 24/1.

بحكمها العقل على وجه اللزوم و القطع كالملازمات العقليّة، مستقلّة كانت أو غير مستقلّة، و الأوّل كاستقلاله بالبراءة عن أيّ تكليف فيما إذا لم يرد من الشارع فيه بيان، و لزوم الفحص عن بيّنة مدّعي النبوّة، و النظر في دعواه و برهانه، و الثاني كالمسائل المعروفة بباب «الملازمات العقلية» في أُصول الفقه، كادّعاء الملازمة بين وجوب الشيء و وجوب مقدّمته، أو نقيضه (الضد العام) إلى غير ذلك ممّا هو مذكور في محلّه، و لا يحتجّ به الّا فيما إذا لم يرد من الشرع حكم في مورده، و إلّا فلا يقام له وزن، و لأجل الغلوّ الموجود في كلماتهم التي ترتبط بالعقل نجد لهم فتاوى فقهية لا توافق الكتاب و السنّة، و قد أعطوا للعقل العاطفي فيها قيمة أكثر ممّا أعطوه للكتاب و السنّة، فقدّموا حكم العقل الظنّي على الحكم الشرعي القطعي، و إليك نماذج:

1 - قد بلغت السماحة و حب السلام لدى الاباضية أنّ فقهاءهم فضّلوا الصلح بين أي فئتين من المؤمنين وقع القتال بينهما، و أنّه لا ينبغي لأحد أن يفضّل أيّ فئة منهما على الأُخرى، حتى لا تحدث فتنة، و في ذلك قال أحد شيوخهم من المغاربة: «إنّه إذا وقعت الفتنة بين فئتين من المؤمنين فالأحبّ إليّ أن يصطلحوا، فإن لم يفعلوا فالأحبّ إليّ أن لا تغلب فئة فئة، فإنّ من أحبّ أن تغلب أحدهما الأُخرى فقد دخل في الفتنة و لزمه ما لزمه أهل تلك، و كان سيفه يقطر دماً، و السلامة عندي أن يكونا في البراءة سواء، لا يرجّح إحدى الطائفتين، فإنّه متى رجّح أُثم».(1)


1) . الاباضية في مصر و المغرب: 61، نقلاً عن طبقات المشايخ بالمغرب للدارجيني: 491/2.

لا شك انّ هذه الفتوى صدرت عن عاطفة القائل و كونه محبّاً للوئام و السلام، لكنّها عاطفة في غير محلّها و ربّما تتم لصالح الظالمين و الفئات الباغية، و الذكر الحكيم يصرّح بخلافه و انّه يجب مقاتلة الباغي إن لم يرجع إلى أمر اللّٰه، قال سبحانه: «وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى اَلْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اَللّٰهِ فَإِنْ فٰاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ»(1).

و على ضوء ما ذكره القائل، فالواجب على المسلمين في الفتنة التي أثارها طلحة و الزبير في خلافة علي عليه السلام أو الفتنة التي أثارها ابن أبي سفيان بعد حرب الجمل، أن لا تفضّل أي فئة على الأُخرى حتى لا تحدث فتنة، و هذا النوع من حبّ الصلح و السلام أشبه بالخضوع لعاطفة عشواء و لو كان في ذلك ركوب الباطل.

2 - اتّفقت الأُمّة الإسلامية على أنّ الزنا بمجرّده لا ينشر الحرمة بين الفاعلين إلّا في موارد خاصّة كما إذا كانت الزانية مزوّجة، و يسمى في مصطلح الفقه «الزنا بذات الإحصان» و روت عائشة: أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: الحرام، لا يحرّم الحلال.

و مع ذلك فقد جاءت الاباضية بفتوى شاذّة حسبها أنّها صيانة لكرامة المرأة حتى أنّ بعض المتأخّرين منهم صاغها في قالب اجتماعي


1) . الحجرات: 9.

حسب أنّه ينطلي على أصحاب الفقه، قال:

«لقد كانت بيئة الحياة في الأُمّة المسلمة لا تبيح للمرأة أن تخلى برجل أجنبي و لا تبيح لرجل أن يختلي بامرأة أجنبية عنه، و ذلك خوفاً من الفتنة، لأنّ الدوافع الجنسية قد تتغلّب على النفس عند الرجل أو عند المرأة و هما مختليان، فيصلان إلى المحذور، و يقع السوء الذي منه يحذران. و لقد درس الاباضية هذه المشكلة منذ خير القرون و انتهوا فيها إلى رأيهم الذي ينفردون به فيما أعرف، فحرّموا الزواج بين من ربطت بينهما علاقة إثم، و قد كانوا في تحريمهم لهذا الزواج يستندون إلى روح الإسلام الذي يحارب الفاحشة.

روت أُمّ المؤمنين عائشة - رضى اللّٰه عنها عن رسول اللّٰه أنّه قال: «أيّما رجل زنا بامرأة ثمّ تزوّجها فهما زانيان إلى يوم القيامة»(1).

يلاحظ عليه

أوّلاً: أنّ الخضوع للعاطفة و التمسّك بهذه الذرائع إنّما يجوز إذا لم يكن في المسألة دليل من الشرع و إلّا فيضرب بها عرض الجدار، و إن نبع عن مبدأ عقلي!!! أو عاطفي، فإذا كان الكتاب و السنّة و إجماع الأُمّة حاكماً بجواز التزويج فلا يسوغ لنا التمسّك بهذه الوجوه، و يكفي في ذلك إطلاق قوله سبحانه: «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوٰالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ»(2)، نعم عن بعض الفقهاء اشتراط


1) . الاباضية في موكب التاريخ: 111-112، الحلقة الأُولى.

2) . النساء: 24.

الجواز بالتوبة، و على كلّ تقدير فليس في الأُمّة من يحرّم إلّا الحسن البصري، و قوله شاذّ مخالف للكتاب و اتّفاق الأُمّة.

قال الشيخ الطوسي: إذا زنى بامراة جاز له نكاحها فيما بعد، و به قال عامّة أهل العلم، و قال الحسن البصري:

لا يجوز، و قال قتادة و محمّد (و في نسخة أحمد): إن تابا جاز و إلّا لم يجز، و روي ذلك في أخبارنا.(1)

و قال ابن قدامة: «و إذا زنت المرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلّا بشرطين:

1 - انقضاء العدّة.

2 - التوبة. و إذا وجد الشرطان حلّ نكاحها للزاني و غيره في قول أكثر أهل العلم، منهم: أبو بكر و عمر و ابنه و ابن عباس و جابر بن زيد و عطاء و الحسن و عكرمة و الزهري و الثوري و الشافعي و ابن المنذر و أصحاب الرأي، و روي عن ابن مسعود و البراء بن عازب و عائشة: انّها لا تحلّ للزاني بحال، و يحتمل انّهم أرادوا بذلك ما كان قبل التوبة أو قبل استبرائها فيكون كقولنا، فأمّا تحريمها على الاطلاق فلا يصحّ لقول اللّٰه تعالى: «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوٰالِكُمْ...»، لأنّها محلّلة لغير الزاني فحلّت له كغيرها.(2)


1) . الخلاف: 378/2، كتاب النكاح، المسألة 71.

2) . المغني: 64/7-65.

ثانياً: إنّ صيانة كرامة المرأة إنّما هو في تجويز الزواج لا في التحريم لأنّ الزواج - بعد الإثم - يغطّي الفاحشة التي صدرت منهما عن جهالة، و يصير الفاعلان في المجتمع الإسلامي كزوجين شرعيّين يتعامل الناس معهما معاملة صحيحة و واقعية، و أمّا إذا أفتينا بحرمة الزواج، فالمرأة المخدوعة المحكومة بحكم العاطفة ربّما تلتحق بالغانيات إذا انتشر أمرها و ظهر سرّها، و رغب عنها كلّ شابّ غيور.

3 - «قد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن الاستجداء و المسألة، و اعتمد الاباضية تلك الأحاديث الشريفة فمنعوا المسلم من إراقة ماء الوجه و التعرّض لمذلّة السؤال، فإذا هانت عليه كرامته، و ذهب يسأل الناس الزكاة، حرم منها عقاباً له على هذا الهوان، و تعويداً له على الاستغناء عن الناس، و الاعتماد على الكفاح».(1)

لا شك أنّ السؤال و الاستجداء حرام شرعاً و مكروه في بعض الموارد، غير أنّ الإفتاء بتحريم الزكاة بحجّة صيانة ماء وجه السائل فتوى على خلاف الكتاب و السنّة، و لو كان ذلك موجباً للتحريم لصدر فيه نصّ عن رسول اللّٰه لكثرة الابتلاء بها.

أضف إلى ذلك انّه سبحانه يأمر باعطاء السائل و عدم نهره، يقول سبحانه:

«وَ اَلَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسّٰائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ»(2).


1) . الاباضية في موكب التاريخ: 116، الحلقة الأُولى.

2) . المعارج: 24-25.

و قال سبحانه:

«وَ أَمَّا اَلسّٰائِلَ فَلاٰ تَنْهَرْ»(1).

و قال سبحانه:

«وَ آتَى اَلْمٰالَ عَلىٰ حُبِّهِ ذَوِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينَ وَ اِبْنَ اَلسَّبِيلِ وَ اَلسّٰائِلِينَ وَ فِي اَلرِّقٰابِ وَ أَقٰامَ اَلصَّلاٰةَ وَ آتَى اَلزَّكٰاةَ»(2)، و الآية مطلقة تعم مورد الزكاة و غيره لو لم نقل بورودها فيها.



1) . الضحى: 10.

2) . البقرة: 177.

خاتمة المطاف

اشارة

قد تعرّفت في ما سبق على عقائد الاباضية و خصائصهم و قد اخترنا منها أُموراً ثمانية بقي هنا أمرٌ يطيب لنا أن نلفت نظر القارئ إليه:

أ - إنّ الاباضية لتجويزهم التقيّة جعلوا مسالك الدين أربعة تنتهي في المرحلة الرابعة إلى الكتمان المساوق للتقيّة، فقالوا: مسالك الدين أربعة:

1 - الظهور 2 - الدفاع 3 - الشراء 4 - الكتمان.

إنّ للاباضية لجنة تقوم بالاشراف الكامل على شئون المجتمع الاباضي تسمّى ب «العزّابة» و لأجل إيقاف القارئ على خصوصيّات و صلاحيّات هذه اللجنة و شئونها نأتي بنصّ كتابهم، فإليك البيان:

مسالك الدين عند الاباضية:

إنّ المجتمع الإسلامي إمّا أن يكون ظاهراً على أعدائه، حرّاً في أراضيه، مستقلّاً بأحكامه، عاملاً بكتاب اللّٰه و سنّة رسوله، منفّذاً لأحكام الدين، لا يخضع لأجنبيّ بوجه من الوجوه، و لا يستبدّ به حاكم، و لا يطغى عليه ذو سلطان، فهذه الحالة هي حالة الظهور، و هي أكمل الحالات للمجتمع المسلم، و عليها يجب أن تكون الأُمّة، لأنّها المنزلة التي ارتضاها اللّٰه للمؤمنين «وَ لِلّٰهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ»(1). فإذا انحدر المسلمون


1) . المنافقون: 8.

عن هذا المقام، و تضاءلوا عن هذا الشرف، و نزلوا عن هذه المرتبة التي رفعهم إليها الإيمان باللّٰه، و الثقة فيه، فيجب أن لا يهادنوا الظلم، و أن لا يستكينوا للطغيان، و أن لا يسمحوا للأيدي العابثة، أن تعبث بمقدّرات الأُمّة، فتنتهك حرماتهم، و تحول دون أُمور دينهم، و تتحكّم في أعمالهم و عباداتهم، و تتصرّف في أموالهم بغير التشريع الذي وضعه عالم الغيب و الشهادة، و الهدى الذي تركه محمّد صلى الله عليه و آله و سلم لأبناء الإسلام.

إذا انحدرت الأُمّة إلى هذه الوهدة، فيسيطر عليها عدوّ أجنبي، أو تخلّى - من أولته الأُمّة ثقتها، و أسلمته مقاليدها، و وضعت بين يديه رعايتها - عن الأمانة، و حاد بها عن الطريق، و خان اللّٰه و رسوله و المسلمين فيما وضع بين يديه، وجب حينئذ أن يقف المسلمون في طريق تلك الدولة الباغية، يأمرونها بالمعروف، و ينهونها عن المنكر، و يلزمونها أن تسلك بهم طريق الصواب، فإذا اعتزّت بالإثم، و استمرأت طعم الظلم، و استكبرت أن تخضع لأمر اللّٰه، و أن ترجع إلى سبيل اللّٰه، فحينئذ يأتي القسم الثاني من التنظيم الإسلامي و هو الدفاع، و الدفاع في مسالك الدين يرادف ما يعبّر عنه في العصر الحاضر بالثورة... الثورة على الاستعمار الأجنبي، أو الثورة على الاستعمار الداخلي: كالثورة على الظلم، و الثورة على الاقطاع، و الثورة على الفساد، و الثورة على الانحراف عن دين اللّٰه في كلّ مظاهره و أشكاله. و الزعيم الذي يقود هذه الثورة يسمّى «إمام الدفاع» و له على الأُمّة الثائرة حق الطاعة و الامتثال، ما دامت الثورة قائمة، فاذا استقرّت الأُمور، و رجعت إلى الهدوء و الاستقرار، أصبح واحداً من أفراد الأُمّة، له حقوقهم، و عليه

واجباتهم، و رجوع الأُمور إلى نصابها يكون بأحد أمرين: إمّا نجاح الثورة، و إمّا فشلها، و نجاحها يكون بأحد أمرين: إمّا استجابة الدولة لمطالب الأُمّة، و رجوعها إلى أحكام اللّٰه، و في هذه الحالة ينتهي عمل الثورة إلى هذا الحد. و إمّا الإطاحة بالنظام الفاسد، و قلب الحكم الظالم، و تغييره إلى نظام إسلامي، يتمشّىٰ مع التشريع الذي جاء به كتاب اللّٰه الكريم، و عندئذٍ أيضاً لا يكون لزعيم الثورة أو أمير الدفاع، أيّ حق في الحكم، إلّا إذا اختارته الأُمّة، لشروط توفّرت فيه بعد الهدوء و الاجتماع و التفكير و المفاضلة، حسب الشروط المتبعة في اختيار أمير للمؤمنين.

فإذا ضعف المسلمون حتى عن هذا الموقف، و أصبحوا لا يستجيبون لداعي الثورة، و يفضّلون طريق السلامة، و يركنون إلى الدعة و الاستراحة، جاء المسلك الثالث من مسالك الدين، و هو الشراء: فحق لقلّة منهم إذا بلغوا أربعين شخصاً أن يعلنوا الثورة على الفساد، و بما أنّ هذه الثورة التي يقوم بها عدد قليل، لا يتوقّع لها النجاح في كفاحها ضدّ دولة ظالمة مسلّحة، و أُمّة مسالمة راضية بالذل، فإن هذا التنظيم يشبه أن يكون شغباً على دولة ظالمة حتى لا تطمئنّ إلى تنفيذ خططها الجائرة، و قد لا تكون لها نتائج غير هذا القلق الذي يخيّم على الظالمين، و التوجّس و الخوف الذي يسود أعمالهم و حركاتهم، و لذلك فقد اشترط لهذا التنظيم، شروط قاسية لا يقبلها إلّا الفدائيّون، الذين وهبوا حياتهم لحياة الأُمّة، و ذلك أنّه لا يحلّ لهم بعد أن ينخرطوا في هذه المؤسّسة، أن يعودوا إلى بلادهم، أو يستقرّوا في أمكنتهم، أو يتخلّوا عن رسالتهم، حتى ينتهي بهم الأمر إلى النجاح أو القتل، و القتل

أقرب الأمرين إليهم، و عند ما تضطرّ الظروف أحدهم إلى منزله لشأن من شئون تمديد الثورة، كالتزوّد، فإنّه يعتبر في منزله غريباً مسافراً يقصر الصلاة. و لكنّه عند ما يكون في شعف الجبال، أو بطون الأدوية، يقطع المواصلات على الطغاة، أو يهدم الجسور التي تمرّ بها القطر الظالمة، أو يقتلع أُسس القلاع التي تجمع ذخيرة الجبابرة، حينئذ يعتبر في منزله و بين أهله، و هم في كلّ ذلك لا يحلّ لهم أن يروّعوا الآمنين، أو أن يسيئوا إلى المسالمين. إنّه تنظيم رائع للفدائية في الإسلام عند ما يتحكّم الظلم، و يستعلي عبيد الشيطان، و تعطّل أحكام اللّٰه بأحكام الإنسان، يقول أبو إسحاق: «الشراء من أخص أوصاف الاباضية».

فإذا رضيت الأُمّة بالذل، و استسلمت للظلم، و جرى عليها حكم الطغاة، و لم يقم فيها من يثور لكرامة الإسلام المهدرة، و لا لشرف الرسالة التي أعزّت الإنسانية، و تغلّب حبّ الدعة على كلّ فرد، و ركن الجميع إلى الراحة، فلم تتكوّن حتى الفدائية التي تقضّ مضاجع الظالمين، و تذكّرهم أنّ حكمهم لن يقر، و أنّ كراسيهم لن تستقر، و أنّ المقاومة لا تزال هي أمل المؤمنين، و انّهم سوف يحاسبون أمام اللّٰه، و الأُمّة حساباً عسيراً.

إذا ضعفت الأُمّة حتى عن هذه المرتبة، أصبحت تحت التنظيم الأخير، تنظيم الكتمان. و عندئذ يجب أن يبتعد المؤمنون عن مساعدة الظالمين بتولّي الوظائف الظالمة، و أن تتولّى شئونهم جمعيات تبثّ فيهم هداية اللّٰه، و تملأ قلوبهم بالإيمان باللّٰه، و تنشر فيهم المعرفة و الثقافة الإسلامية التي تبصّرهم بدين اللّٰه، فلا تكون علاقتهم بالظالمين إلّا في أيسر

طريق، و أضيق مجال، فيما يتعلّق بجباية الأموال المفروضة عليهم للحاكمين، و هي الجمعيّات، أو ما يسمّى في التنظيم الاباضي «بحلقة العزّابة».(1)

العزّابة:

تعريف العزّابة: العزّابة هيئة محدودة العدد، تمثّل خيرة أهل البلد علماً و صلاحاً، و هذه الهيئة تقوم بالإشراف الكامل على شئون المجتمع الاباضي، الشئون الدينية، و الشئون التعليمية، و الشئون الاجتماعية، و الشئون السياسية. و هي في زمن الظهور و الدفاع تمثّل مجلس الشورى للإمام أو عامله و من ينوب عنه. أمّا في زمني الشراء أو الكتمان فهي تمثّل الإمام و تقوم بعمله.

تختار هيئة العزّابة من بينها شيخاً يسمّى «شيخ العزّابة» يكون أعلمهم و أكثرهم كفاءة، و لا يشترط فيه أن يكون أكبرهم سنّاً، و الشيخ يرأس الهيئة في جلساتها، و يمثّلها في جميع أعمالها، و يتكلّم باسمها، و ينفّذ قراراتها، و يتولّى الإشراف المباشر على جميع شئون البلد أو الأُمّة، و يجب أن تعرض عليه جميع المشاكل و الأحداث، و حكمه بعد قرار الهيئة نافذ في جميع الأحكام.

اشتقاق كلمة العزّابة: اشتقّت هذه الكلمة من العزوب أو العزابة،


1) . الاباضية في موكب التاريخ: 93-96، الحلقة الأُولى.

و هي تعني العزالة، و الغربة، و التصوّف و التهجّد، و الانقطاع في رءوس الجبال، و يقصد بها في هذا الاستعمال الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة، و الإعراض عن حظوظ النفس، و البعد عن مشاغل الحياة، من أهل و مال و ولد، فإنّ العزّابي لا يعطي لهؤلاء من جهده و وقته إلّا القليل، أمّا أعظم طاقته فيجب أن يصرفها للّٰه في خدمة المسلمين، دون مقابل يتقاضاه على عمله، أو أجرٍ يرجوه منهم، لأنّ أجره و حسابه على اللّٰه.

معنى كلمة الحلقة: كلمة الحلقة استعمال ثان يقصد به هيئة العزّابة، فهي مرادفة لها، و قد أُخذت هذه الكلمة من التحليق، و هو الاستدارة، و ذلك انّ العزّابة في اجتماعاتهم الرسمية يجلسون على هيئة حلقة أو دائرة، و هو أنسب وضع لتبادل الآراء، و دارسة و جهات النظر المختلفة.

كما أنّ الجلوس على هذا الوضع أفضل حال عند الدراسة، أو تلاوة القرآن الكريم، و الاتجاه إلى اللّٰه بالدعاء.

مقرّ العزّابة: المقرّ الرسمي للعزّابة يكون في المسجد، و لذلك فلازم أن يكون في جانب من جوانب المسجد بيت خاص بالعزّابة، و يستحسن أن يكون بعيداً عن مجالس الناس، حتى لا تسمع المداولات التي تجري فيه، و هذا البيت الخاص بهم لا يجوز لغيرهم الدخول إليه مطلقاً، و يتحتّم على الجدد منهم أن يقوموا بتنظيفه و مراقبته و فرشه و ملاحظة جميع ما يلزمه، و فيه تحفظ وثائقهم فلا يطّلع عليها أحد غيرهم.

و جميع المداولات و المناقشات و المباحث التي تجري داخله تعتبر سرّيّة، لا يجوز

إخراجها و إفشاؤها لأيّ سبب من الأسباب، ما عدا القرارات التي تتخذ للتنفيذ فيتولّى الشيخ إعلانها، و قد ينوب عنه أحد الأعضاء الآخرين، و لا يجوز للعزّابة أن يناقشوا أي موضوع في غير مقرّهم الرسمي، و بعد أن ينتهوا إلى قرار في أي موضوع يحق لهم أن ينتقلوا إلى مكان آخر لتنفيذ ذلك القرار، إذا كان تنفيذه يقتضي منهم الانتقال، و إذا أصدروا أمراً في شأن من الشئون الاجتماعية للبلد، كتحديد المهور، أو تحديد الأسعار، أو بدء العمل في المواسم الزراعية، أو ما شاكل ذلك، فلم يستجب الجمهور لقرارهم، اعتصموا في مقرّهم، و لزموا المسجد دون أن يقوموا بأعمالهم المعتادة، و امتنعوا من دخول الأسواق و البلد، حتى يستجيب الناس للحكم، و يقوموا بتنفيذ الأمر، و لم تحدث مثل هذه الحالة عند الاباضية في ليبيا، إلّا عدداً قليلاً من المرّات، استجاب فيها الناس لأمر العزّابة بأسرع ما يمكن، بل لقد كان الناس يسارعون حين يسمعون بمثل هذا الموقف من العزّابة، فيقنعون بعضهم، و يبلّغون موافقتهم إلى المجلس قبل حضور وقت الصلاة الثانية، فتسير الأُمور في معتادها.

عدد أعضاء الحلقة: يتراوح عدد أعضاء الحلقة بين عشرة أعضاء و ستة عشر عضواً، يوزّع عليهم العمل كما يأتي:

1 - شيخ العزّابة: و يكون أعلم القوم، و أقواهم شخصية، و أقدرهم على حلّ المشاكل.

2 - المستشارون: و يكون عددهم أربعة لا يزيدون و لا ينقصون،

و يلزمون الشيخ، و لا يقطع أمراً دون موافقتهم.

3 - الإمام: شخص واحد، يقوم بصلاة الجماعة، و يجوز أن يكون أحد الأربعة المستشارين.

4 - المؤذّن: و هو شخص واحد مسئول عن تحرّي أوقات الصلاة، و القيام بمهمّة الأذان، و يصحّ أن يكون أحد الأربعة المستشارين.

5 - وكلاء الأوقاف: يخصّص عضوان للإشراف على الأوقاف، و على ميزانيّة الحلقة، و ضبط الواردات و الصادرات، و طريقة إصلاح و تنمية الأوقاف، و يشترط في هذين العضوين بالإضافة إلى الشروط العامّة لأعضاء الحلقة، أن لا يكونا من الأغنياء المكثرين، و لا من الفقراء المعوزين، و لكن من متوسّطي الحال المستورين.

6 - المعلّمون: يخصّص ثلاثة أعضاء أو أكثر أو أقلّ حسب الحاجة، للإشراف على التربية و التعليم، و تنظيم الدراسة، و مراقبة التلاميذ في المحاضر، و هي دور التعليم، أو في الأقسام الداخلية، و ما إلى ذلك من شئون التعليم.

7 - حقوق الموتى: يخصّص أربعة أعضاء أو خمسة للإشراف على حقوق الموتى، فيتولّون الإشراف على غسلهم، و تجهيزهم، و الصلاة عليهم، و دفنهم و مراقبة تنفيذ وصاياهم، و تقسيم تركاتهم حسب الفرائض في أحكام الإسلام.

و إذا توفّي شخص و هو في براءة المسلمين بأن مات على معصية، فإنّ

هؤلاء العزّابة لا يقومون بحقوقه، لأنّ العاصي لا حقّ له على المؤمنين، و لكنّهم يسمحون لمن شاء من غير أعضاء الحلقة أن يقوم بتلك الحقوق، ذلك أنّ القيام بأُمور الميّت فرض على الكفاية، إذا قام به البعض أجزى عن الباقين.

شروط العضوية: يشترط في أعضاء العزّابة عدّة شروط، منها:

1 - أن يكون حافظاً لكتاب اللّٰه.

2 - أن يمرّ بمراحل الدراسة مرحلة مرحلة، و يستوفي الدراسة فيها.

3 - أن يكون محافظاً على الزّي الرسمي للطلبة عند ما كان في الدراسة، و للزّي الرسمي للعزّابة عند ما يدخل الحلقة.

4 - أن يكون أديباً كيّساً فطناً، ذا لباقة و مهارة في تصريف الأُمور.

5 - أن يكون محبّاً للدراسة راغباً فيها، مواصلاً للتعلّم و التعليم.

6 - أن لا تكون له مشاغل دنيوية كثيرة تحمله على كثرة التردّد على الأسواق، و الاختلاط بالعامّة و السَّوَقة، اختلاطاً يزري بمقامه، و يذهب بهيبته.

7 - أن يغسل جسده بماء و يغسل قلبه بماء و سدر، و هذه عبارة اصطلاحية، يقصد منها أن يكون الإنسان نظيف اليد، و البطن، و العين من أموال الناس، و أن يكون نظيف القلب من جميع أمراض القلوب، أي أن يكون طاهر الباطن و الظاهر.

و قد شرح أبو عمار عبد الكافي هذه العبارة، بقوله: «أمّا الجسد فيغسله من الدنس في الناس، و أمّا القلب فيغسله من الغش و التكبّر و ما أشبه ذلك ممّا يوجب حبط العمل» و العبارة كما ترى في غاية الدقّة، و هي تحتمل أكثر ممّا أشرت إليه و أشار إليه العلّامة أبو عمار فتأمّلها، فكلّما تأمّلتها وجدت فيها معنى جديداً....

و لقد شدّد المشايخ في تنظيف المؤمن لقلبه، لأنّ أدران القلوب أشدّ قذارة من أدران الأبدان، و لذلك أوجبوا عليه أن يغسل جسده بالماء، و أن يغسل قلبه بماء و سدر، و هي كناية تفيد الحرص الشديد على نظافة الباطن أكثر من نظافة الظاهر، فإنّ من طهرت سريرته حسنت سيرته، و استقامت أُموره، و كثرت محاسبته لنفسه، و رعايته لسلوكه، و في ذلك النجاح.

واجبات الحلقة: على هيئة العزّابة واجبات أكيدة هي مسئولة عنها باعتبارها هيئة، و تتلخّص هذه الواجبات فيما يلي:

1 - الإشراف على التعليم و تهيئة الوسائل لذلك، و تيسير السبل أمام جميع الأطفال لينالوا قسطاً من الدراسة، و يتعلّموا جزءاً من القرآن الكريم و ما يعرفون به أُمور دينهم، و هذا أقل ما يمكن أن يتاح للطفل، فإذا كانت أُسرة الطفل فقيرة بحيث لا تستغني عن مجهوده الضعيف، أو ليس لها ما تموّنه به أوقات الدراسة، وجب أن تقدّم له مساعدة، و ذلك بالإنفاق عليه.

2 - مراعاة الحالة الاجتماعية للناس، و تيسير سبل الحياة للفقير و الضعيف و إيجاد العمل للجميع، و ذلك بمطالبة الأغنياء و أصحاب اليسار

أن يستعينوا بالفقراء في إنجاز أعمالهم مقابل أُجور، كثيراً ما يعيّنها أعضاء العزّابة.

3 - حلّ المشاكل التي تنجم بين الناس، و الفصل في قضاياهم، و الحكم بينهم في خصوماتهم و إيصال الحقوق إلى أصحابها.

4 - الإشراف على أوقاف المساجد، و على ميزانية الحلقة أو ضبط الصادر و الوارد، و إنفاق جميع ذلك في وجوهه، و العمل على تنمية الأوقاف الثابتة، و إصلاحها، و استغلالها أحسن استغلال.

5 - حفظ الأسواق و مراقبتها من أن تقع فيها معاملات لا يبيحها الشرع، أو أن ترد إليها أموال مسترابة أو مشبوهة.

6 - تنظيم الحراسة البلدية على أموال الناس من زراعة و ماشية حتى لا تصل إليها أيدي الغارة و السرقة و الاضرار.

7 - الحكم على العصاة و المجرمين و تأديبهم، و إعلان البراءة منهم، و قطع التعامل معهم حتى يتوبوا و يرجعوا إلى اللّٰه.

8 - القيام بالعلاقات الخارجية و تنظيمها، سواء كانت علاقات حرب أو سلام.

هذه بعض المهام التي تناط بمجلس العزّابة باعتباره هيئة مسئولة عن المجتمع أمام اللّٰه و أمام الناس، و على الهيئة أن توزّع الأعمال على الأعضاء حسب الكفاءة و المقدرة، و الذي يقوم بذلك إنّما هو الشيخ بعد اتّفاق الحلقة.

أين تنشأ حلق العزّابة: تنشأ حلق العزّابة في كل بلد أو قرية، و حلقة العزّابة هم الذين يشرفون على أُمور البلد أو القرية الخاصّة، فإذا كان هنالك أمر هام، أو حدث أكبر من مستوى القرية أو البلد رفع إلى المجلس الأعلى للعزّابة الذي يرأسه الشيخ الأكبر، أو حاكم الجبل حسبما كان في جبل نفوسة، و ذلك كمسائل إيقاع الحدود، و ما يتعلّق بالأمن العام، و ما إلى ذلك من المشاكل التي تكون أكبر من المستوى المحلّي للقرية، و الهيئة الكبرى للعزّابة أو الهيئة العامة لهم هي الهيئة التي يرأسها الشيخ الأكبر، و لا بدّ أن يكون شيخاً للعزّابة في بلده و يقوم مقام الإمام في أزمنة الكتمان، أمّا أعضاء العزّابة الذين يكونون معه فهم المستشارون، و يكونون من شيوخ حلق العزّابة في بلدانهم. و مقرّهم هو مركز البلاد و عاصمتها، و لهم مع الشيخ اجتماعات دورية، مرة في كلّ ثلاثة أشهر، و متى دعت الحاجة. و أحكام هذا المجلس نافذة على جميع البلاد، و كل الحلق خاضع مادّيّاً و أدبيّاً لهذا المجلس، و يعتبر السلطة الحقيقية للمجتمع الاباضي، أمّا بقية الحلق فهي مساعدة له، منفّذة لأعماله، و يجب على الشيخ الأكبر للعزّابة أن يكون مقر حكمه في مركز البلاد، فإذا اختار السكن في غير ذلك المكان فعليه أن يباشر الأحكام في مركز الحكم لا في محل السكن كما كان يفعل أبو هارون موسى بن هارون، و أبو عبد اللّه بن جلداسن اللالوتي، و أبو يحيى الارّجاني، و غيرهم.

إنّ شيخ العزّابة في المجتمع الاباضي يمثّل سلطة الإمام العادل، و يقوم بجميع مهامه في النطاق الذي تسمح به ظروف الحياة في زمن كل واحد

منهم. و هو مقيّد بمجلس الشورى الذي لا يحق له أن يصدر رأياً قبل موافقته، اللّهمّ إلّا في الأحكام الثابتة في الدين الإسلامي، و له أن يستعين بشخص يقوم له مقام المفتي، و القصد من هذا المفتي هو تحرير نصوص الحكم المستمدّة من الشرع الشريف، أو المساعدة على ترجيح الأقوال في المسائل الخلافية التي تتعدّد فيها و جهات أنظار الفقهاء. و ليس المقصود من وجود المفتي أن يبصر الشيخ بأحكام لا يعرفها، لأنّ شيخ العزّابة يشترط فيه أن يكون من أعلم المشايخ، إذا لم يكن أعلمهم.

و في الاجتماعات الدورية التي تعقد في ثلاثة أشهر، أو في ستّة أشهر، يحضر ممثّلون عن جميع حلق العزّابة، و يستعرضون ما لديهم من مشاكل، و يدرسون معاً وضع المجتمع، و يتّخذون في ذلك القرارات اللازمة، و يرسمون خطط السير في المستقبل، على أنّه يحق لكل حلقة أن تتّصل بالمجلس الأعلى و تدعوه للانعقاد إذا كانت هنالك أسباب تدعو إلى ذلك، كما أنّ لها الحق أن تعرض مشاكلها الخاصة على الشيخ الأكبر، و تقتبس منه الرأي و النصيحة.

و يمثّل كلّ حلقة من حلق العزّابة شيخها و بعض مستشاريه، إلّا في أحوال الضرورة التي يتعذّر فيها عليه أن يقوم بهذه المهمّة.

اختيار أعضاء الحلقة: يراعى في اختيار العزّابة بالإضافة إلى الشروط التي يجب أن تتوفّر في كل شخص أن يكونوا ممثّلين للقبائل أو الجهات التي يشتمل عليها البلد، و لا يشترط تساوي العدد، كما أنّه إذا لم يوجد في قبيلة ما، من تتوفّر فيه الشروط الشخصية أُخذ من غيرها، و عند ما يحتاج

العزّابة إلى إضافة عضو جديد إلى الحلقة يأخذونه عن أحد طريقين:

إمّا أن يطلبوا من القبيلة التي يراد أخذ العضو منها أن ترشّح عدداً ممّن تتوفّر فيهم شروط العضوية و الكفاءات المطلوبة مع الشهرة بالصلاح، و التقوى، و العفاف، و النزاهة، و حب الخير، و الإيثار، و التضحية، و العمل للصالح العام، فتختار الهيئة واحداً منهم، و إمّا أن يطلبوا إلى منظمة «إيرْوان» أن يقدّموا إليهم واحداً ممّن يملأ ذلك الفراغ.

حين يتعيّن العضو لأن يشغل مركزاً في العزّابة، يدعى إلى مقرّهم الرسمي و يتولّى الشيخ تعريفه بالسيرة التي يجب عليه أن يسيرها، و بالأدب الذي يلتزمه، و يؤكّد عليه أن يعرف أنّ من أوكد الواجبات عليه أن يحافظ على آداب الإسلام، و يتخلّق بأخلاقه الحميدة، من الاستقامة و النزاهة، و العفّة، و الانقطاع إلى خدمة الأُمّة، و التزام المسجد، و الإعراض عن حظوظ الدنيا إلّا بمقدار الضرورة، و الاجتهاد في العبادة، و التواضع للمؤمنين، و الغلظة على العصاة و المجرمين، و أن يكون قدوة حسنة للناس في قوله و في عمله، و أن يتحرّى في رزقه التحرّي الكامل، و يختار له أن يكون مجال احترافه الزراعة، لأنّ التجارة تسبّب له احتكاكاً مباشراً بالناس، فيغلب أن لا يسلم منها بالحق أو بالباطل، و هم يلخّصون هذا الموقف في عبارة مشهورة متداولة هي:

«أن لا يكون في مسجده، أو حقله أو بيته» و بعد أن يعرّف بجميع ما يترتّب عليه من حقوق و واجبات، و ما يلقى عليه من مهام و مسئوليات، يطلب إليه أن يعلن عن قبوله أو رفضه، فإذا أعلن قبوله - و هذا ما يحدث

فعلاً - أُسندت إليه المهامّ العملية، كأن يقوم بالتدريس أو وكالة المسجد، أو الاشتراك في الإشراف على حقوق الموتى، ثمّ اعلم أنّه يعتبر أصغر العزّابة، و لو كان أكبر من بعضهم سنّاً، و عليه أن يتولّى خدمتهم، و يطلب إلى سلفه - أي العزّابي الذي كان أصغرهم قبل هذا العضو الجديد أن يبقى معه ثلاثة أيّام، يدرّبه فيها على آداب خدمة العزّابة، لأنّه يعتبر رئيسه المباشر، و عند ما يجلس العزّابة يتحتّم أن يكون مجلسه بعده...

و ترتيب مجالس العزّابة ضروري، فلا يجوز للمتأخّر أن يسبق المتقدّم، و العزّابي يعتبر رئيساً في أي مكان يوجد فيه، و له وحده حق افتتاح الكلام في المجالس العامّة، و كذلك اختتامه، و إدارة المناقشات، و ما إلى ذلك، فلا يجوز لتلميذ أو عامي أن يتولّى شيئاً من ذلك إلّا بإذنه.

عقوبة العزّابي:

المطلوب من العزّابي أن يكون قدوة و مثلاً للاستقامة، و لذلك فإنّ ما يعتبر من غيره أخطاء صغيرة يعتبر منه أخطاء كبيرة يجب عليه الاحتراس منها، و الابتعاد عنها، و هذا حتى في مكارم الأخلاق، و معاملة الناس، فإذا قدّر عليه فأخطأ، نظر مجلس العزّابة في موضوعه:

فإن كان الخطأ كبيراً يتّصل بمعصية اللّٰه، و يسيء إلى سمعة العزّابة، أو يلحق إهانة بالمسجد أو استخفافاً بالحق، أو ما أشبه ذلك، وجب عليهم أن يحكموا عليه بالبراءة على الأشهاد، كما يقع بالنسبة لغيره من الناس، و لا يرفع عنه حكم البراءة حتى يتوب علناً، و ليس له بعد ذلك حق الرجوع

إلى مجلس العزّابة أبداً، فإنّ من أُخرج من هذا المجلس بطريق البراءة لا يحق له دخوله مرّة ثانية، و إن تاب و نصحت توبته، و يبقى كسائر المسلمين له حقوقهم و عليه واجباتهم.

أمّا إذا كان الخطأ صغيراً لا يقتضي التوبة، فإنّهم يعقدون له مجلس تأديب سرّي، و قد يحكمون عليه بالإبعاد عن مجلس العزّابة لمدة طويلة أو قصيرة حسب الخطأ الذي ارتكبه، و ستروا عليه ذلك عن الناس.

و بسبب هذا الحكم كان العزّابة من أشد المحافظين على الإسلام و آدابه، و قد لخّص أحد المشايخ هذه السيرة في عبارة لطيفة فقال: «إنّ متولّي الناس مثل اللبن يغيّره أي شيء يقع عليه».

كيف تكون نظام العزّابة؟

في أواخر القرن الثالث الهجري وقعت حادثتان كبيرتان، و كان لهما أثر كبير على الاباضية، في ليبيا و تونس و الجزائر:

الأُولى: الحرب الطاحنة بين الأغالبة و الاباضية في قصر مانو، و قد تلقّى فيها الاباضية ضربة عنيفة من يد الطاغية أحمد بن الأغلب.

أمّا الثانية: فهي تغلّب الشيعة على الدولة الرستمية في الجزائر، و قضائهم على هذه الدولة.

و إذا كانت كلتا الدولتين الأغلبية و الشيعية لا تتبعان أحكام الإسلام، و لا تعملان بها، فقد فكّر علماء الاباضية في جعل نظام يسيرون عليه،

يحفظون به أحكام اللّٰه في مواطنهم، و يسيّرون به الأُمّة في الوجهة الصالحة، دون أن يلتجئوا إلى إعلان دولة جديدة، أو يتعلّقوا بدولة ظالمة مستبدّة.

فاهتدوا إلى وضع هذا النظام، و قد كان في أوّل الأمر عرفاً يسير عليه الناس، حتى جاء الإمام الكبير أبو عبد اللّه محمد بن بكر في أواخر القرن الرابع، فحرّره على شكل قانون يشتمل على مواد، ثمّ طبّقه تطبيقاً كاملاً في مواطن الاباضية، في ليبيا، ثمّ في تونس، ثمّ في الجزائر، حيث لا يزال يطبّق بدقّة، و على هذا الأساس اعتبر المؤرّخون أنّ الإمام أبا عبد اللّه هو واضع نظام العزّابة، و الحق أنّه يعتبر واضعاً لهذا النظام، فلولاه لما وصل إلينا على تلك الطريقة المنسّقة، و قد جاء بعد أبي عبد اللّه عدد من العلماء الكبار عنوا بدراسة هذا النظام عناية خاصّة، و أضافوا إليه بعض المواد، و أطلق عليه بعضهم لفظ «سيرة العزّابة» و من العلماء الذين عنوا به، و كتبوا عنه: أبو زكريا يحيى بن بكر، و أبو عمّار عبد الكافي، و أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، و قد حرص المتأخّرون منهم أن يضيفوا إليه جملاً في آداب العالم و المتعلّم، و آداب حلقة العزّابة و ما يجب أن تتنزّه عنه.

و الذي يدرس هذا النظام كما شرحه أُولئك الأئمّة الأعلام يخرج بقانون فذّ لنظم التربية و التعليم من جهة، و للسيرة الصالحة التي يجب أن يسير عليها المسلمون، فتحفظ عليهم خلقهم و دينهم، عند ما تسيطر عليهم دول البغي و العدوان.

هذا ملخّص يسير مختصر عن نظام العزّابة الذي بقي يسير به

الاباضية في المغرب الإسلامي مُدّة طويلة.(1)

و قد ارتفع حكم العزّابة من مواطن الاباضية، في ليبيا و تونس في القرن الأخير، و منذ ارتفع نظام العزّابة في هذه المواطن تسرّب الفساد إلى المجتمع، و لن يستطيع الاباضية أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من دين و خلق و استقامة ما لم يعودوا إلى الاستمساك بدين اللّٰه و اللياذ به، و انّ المسلمين جميعاً ما أُصيبوا به إلّا لانحرافهم عن دين اللّٰه، و خروجهم عن منهاجه.

و لن يصلح آخر هذه الأُمّة إلّا بما صلح به أوّلها.



1) . لمزيد من التفصيل راجع كتاب «تطور الفكر التربوي الاباضي في الشمال الأفريقي» لعبد الرحمن عثمان حجازي: 146 و ما بعدها، المكتبة العصرية، بيروت - 1421 ه.

نصيحة للاباضية

أظن أنّ العالم الاباضي إذا قرأ فصول هذا الجزء لا يرمينا بالبخس لحقّه، و التجاهل لمذهبه، و التساهل في نقل عقائده بعدم الرجوع إلى المصادر الأصيلة لهم، كما اتّهم به غيرنا من كتّاب المقالات.(1)

و ذلك لأنّا كما رجعنا إلى كتب المخالفين رجعنا إلى مصادرهم أيضاً، و لنا هنا موقف خاص و هو موقف الناصح الشفيق لإخوانه في الدين، لا يريد من إلقاء هذا النصح سوى وجه اللّٰه - تبارك و تعالى - و دعم وحدة الأُمّة و قطع جذور الاختلاف بقدر الإمكان.

إنّ كتّاب الاباضية اليوم و أمس خرجوا بهذه النتيجة أنّه لا فرق بينهم و بين جميع فرق المسلمين إلّا في أمرين:

1 - تخطئة التحكيم.

2 - نفي لزوم القرشيّة في الإمام.

و أمّا سائر الأُصول التي يعتقدون بها فهم يلتقون فيها مع بعض الفرق الإسلامية، مثلاً يلتقون في القول بعدم زيادة صفاته على ذاته، و امتناع رؤية اللّٰه سبحانه في الآخرة، و تنزيهه سبحانه عن وصمة التشبيه بتأويل الصفات الخبرية تأويلاً تؤيّده قواعد الأدب و المحاورة و حدوث القرآن، ففي هذه


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 19/1-20.

الأُصول يلتقون مع المعتزلة و الشيعة الإمامية، و في تفسير الشفاعة بمعنىٰ ترفيع الدرجة، أو سرعة الدخول إلى الجنّة و خلود أهل المعاصي في النار يلتقون مع المعتزلة، و في تفسير القدر و كون أفعال الإنسان مخلوقة للّٰه سبحانه فهو خالق و العبد كاسب يلتقون مع الأشاعرة.(1)

إذا سلّمنا أنّ هذه الأُصول من عقائدهم و سلّمنا أنّ ما كتبه كتّاب الفرق و رموهم به فرية بلا مرية، نرى أنّ من الواجب أن تقوم الطائفة الاباضية بالأُمور التالية حتى يدعم الوئام و يملأ الفراغ و تصبح الأُمّة يداً واحدة، و هي:

1 - إنّ الإيمان بصحّة كل ما يكتبونه عن منهجهم و يفسّرون به عقائدهم مشكلٌ جدّاً لما وافاك من أنّ لهم في تبيين الدين مسالك أربعة و من بين تلك المسالك: «الكتمان و السر» فعندئذٍ انّه من المحتمل أن تكون كل هذه المناشير مستقاة من هذا المبدأ و أنّها دعايات برّرتها التقيّة، و سوّغتها المصالح الزمنيّة.

فلأجل استقطاب قلوب الناس، حان حين الشطب على هذه المسالك في تبيين الدين، خصوصاً انّ القوم يعيشون في عصر الحريّة، و عندئذ لا مبرّر لهم للتقيّة، لأنّ التقيّة شأن من يخفي عقيدته من مخالفه، و يخاف من إبداء موقفه من الهجوم و القتل و الضرب، و أنتم بحمد اللّٰه أيّها الاباضيّون ملتقون مع الفرق الإسلامية في جميع المسائل إلّا مسألتين غير


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 289/1-297.

هامّتين، فأجهروا بالحقيقة و اشطبوا على هذه المسالك و اتّخذوا مسلكاً واحداً.

2 - إذا كان الحدّ الفاصل بينكم و بين سائر المسلمين هو الأمران المذكوران، فمن الجدير شطب القلم على هذين الأمرين أيضاً: أمّا مسألة القرشية فلو كان شرطاً فإنّما هو شرط في الخلافة الإسلامية و الإمامة الدينية، و أين المسلمون من هذه المنى؟ و أين هم به من إقامة صرح الإمامة، و هم يعيشون في سحيق القومية البغيضة النامية في أقوام المسلمين، و العجب انّ الشيخ علي يحيى معمّر قد تنبّه بما ذكرنا، و قال:

«و الآن قد ألغت الحياة بعض تلك الاعتبارات التي أدخلتها السياسة على الموضوع، و اتّضح للناس جميعاً انّ الصراع الذي وقع بسبب اشتراط الوصية، أو الهاشمية أو القرشية، أو العروبة أو اعتبار الإمام معصوماً، أو لا يجوز إسقاطه و لو كان منحرفاً، كل هذه الجوانب التي كان الخلاف بسببها بين فرق الأُمّة ثبت اليوم أنه صراع على تفصيلات لا تدخل في أصل الموضوع».(1)

إنّ فيما ذكره و إن كان إغراقاً حيث إنّ البحث عن الوصاية ليس بالمرتبة التي تخيّلها، لأنّه كان يجب على المسلمين بعد رحلة النبي أن يبحثوا عن كيفيّة الاستخلاف، و انّه هل هو أوصى برجل أو أدلىٰ الأمر إلى الأُمّة؟ و لكن وراء ذلك كلّه مشاغبات حدثت بين المسلمين، لا تمت إلى


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 150/2.

الإسلام بصلة، فإذا كان شرط القرشية و عدمها هذا فما هو المبرّر لجعله أصلاً دينياً؟!

أما مسألة التحكيم، فقد عرفت الحقّ فيه، و لكنّه ليس أصلاً من أُصول الدين يناط به الإسلام و الإيمان و قد عاش المسلمون في عصر النبي و بعده إلى أواسط خلافة الإمام علي عليه السلام و لم تكن هذه المسألة مطروحة. أ فهل يصحّ أن نتّخذه شعاراً و أصلاً أصيلاً من الأُصول كالتوحيد، و النبوّة، و المعاد، و ما جاء به النبي في مجال المعاش و الحياة؟

إنّ مسألة التحكيم مسألة تاريخية اختلف فيها الناس من حيث التصويب و التخطئة، فإذا لم تكن الإمامة عند أهل السنّة، أصلاً من الأُصول فكيف يكون فرعه أصلاً منها؟ و أقصى ما عند أهل السنّة قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» و هو لا يدل على أزيد من لزوم معرفة الإمام الحي، فالاعتقاد بوصف فعل الإمام (صحّة التحكيم و عدمه) الذي مضى قبل أربعة عشر قرناً لا يكون أصلاً من الأُصول حتى تلزم الأُمّة بالاعتقاد بأحد الطرفين. نعم إنّ ذلك لا يمنع عن طرح الموضوع على بساط البحث بين العلماء و بين المدارس و الصفوف العلمية من دون أن يكون تحيّز كل فئة في المسألة سبباً للتفرقة.

3 - إنّ الاباضية يثنون على المحكّمة الأُولى كعبد الله بن وهب، و حرقوص بن زهير السعدي، و زيد بن الحصين الطائي، و من لفّ لفّهم من المحكِّمة الأُولى و لا يذكرون عنهم شيئاً سوى أنّهم خالفوا التحكيم، و انّ

عليّاً حكَّم الرجال في موضوع له حكم في الكتاب و السنّة و هو قتال أهل البغي...

يذكرون ذلك و يطرون عليهم و لا يذكرون من عملهم الإجرامي شيئاً و هو أنّ هؤلاء هم الذين فرضوا التحكيم على الإمام، و انّ زيد بن الحصين الطائي جاء مع زهاء عشرين ألف رجل مقنّعين في الحديد و نادوا الإمام باسمه لا بإمرة المؤمنين، و قالوا له: لا بد من الموافقة على وضع الحرب، و إلّا نقتلك كما قتلنا عثمان، فاضطرّ الإمام إلى التنازل و الموافقة بعد ما خالفهم و احتجّ عليهم بأنّ رفع المصاحف خدعة و مكيدة، و انّه يعرف هؤلاء و انّهم كانوا شرّ أطفال فصاروا شرّ رجال.

هذا هو زيد بن الحصين الطائي فهو بعد فترة قصيرة أصبح مخالفاً للتحكيم إلى حدّ كان هو المرشَّح الأوّل للخوارج في قضية سوق المحكّمة إلى النهروان، و لمّا امتنع من قبول القيادة اقترح على حرقوص بن زهير السعدي، ثمّ على غيره فقبل القيادة في النهاية عبد اللّه بن وهب الراسبي.(1)

فكيف يتولّون جماعة متسرّعين في القضاء تسمّونهم أئمّة و شهداء و لا تذكرون من عملهم الإجرامي شيئاً؟! شهد اللّٰه انّي لم أر كلمةً في كتبهم تذكر عملهم الإجرامي في أمر التحكيم.

4 - إنّ الاباضية وصلت في ضوء الاجتهاد المطلق مرتبة جديرة بالذكر و آية ذلك انّهم التقوا في مسألة الرؤية، و عينيّة الصفات، و حدوث


1) . تاريخ الطبري: 5/4.

القرآن، و تفسير الصفات الخبرية، مع أهل الوعي و العقل و التفكير من المسلمين، و لا شكّ إنّهم وصلوا إلى هذه الأُصول بعد موت عبد اللّه بن اباض، و جابر بن زيد، و مسلم بن أبي كريمة، و الربيع بن حبيب، لأنّ هذه الأُصول إنّما صفت و تنوّرت و تلألأت بفضل البحوث الجبّارة من أهل الفكر و التحقيق و من فضل ما ورث علماء أهل البيت من خطب الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام حتى صقلوها ببراهينهم الجليّة، فإذا كان هذا حال مذهبهم فلأي مبرّر يسندون مذهبهم إلى واحد من التابعين كعبد الله بن اباض و جابر بن زيد و تلاميذه؟! مع أنّهم لم يكونوا بالنسبة إلى هذه المسائل في حلّ و لا مرتحل.

أضف إلى ذلك أنّ الرجلين كانا من التابعين أخذوا عن الصحابة و بلغوا إلى ما بلغوا من العلم، و لكن بين علماء الأُمّة من كان أعلم منهما - أعني: أُستاذه ابن عباس - ذلك البحر الموّاج - حسب تعابير القوم -، بل و بينهم الإمامان الحسن و الحسين، و السجاد، و باقر العلوم، و جعفر الصادق عليهم السلام و غيرهم فلو كان هناك ملزم للانتساب، فالانتساب إلى الأعلم و الأتقى و من نصّ الكتاب على وجوب ودّه، أولى و ألزم، فإن كان هذا الانتماء غير ممكن فالانتماء إلى جميع الصحابة و التابعين بلا رفع واحد و خفض آخر، أولى و أحق.

5 - إذا كان الكتاب و السنّة هما المصدران الرئيسيان لدى المسلمين و لديكم فنحن نحبّذ لكم دراسة حال حياة الإمام علي عليه السلام و مناقبه الواردة

في السنّة النبوية، و لعلّكم عند ذلك سترجعون عن ولاء المحكّمة الأُولى، و تخطّئون منهجهم و أعمالهم.

هذه أُمنيتي و أُمنية كلّ ناصح مشفق، عسى اللّٰه أن يجمع كلمة المسلمين و يلمَّ شعثهم، و يجعلهم يداً واحدة قبال المعتدين و المستعمرين، و اللّٰه رءوف رحيم.


الفصل الحادي عشر: مؤسس المذهب الاباضي و دعاته في العصور الأُولى

اشارة

قد تعرّفت على عقائد الاباضية و شيئاً من أُصولهم و فقههم و سيرتهم و المسالك الأربعة عندهم، فحان التعرّف على أئمّتهم و دعاتهم في القرون الأُولى، خصوصاً أنّ الاباضية هي الفرقة الوحيدة الباقية من الخوارج المنتشرة في مناطق مختلفة، أعني: عمان، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، المغرب و زنجبار.

1 - عبد اللّه بن اباض، مؤسّس المذهب:

اشارة

هو عبد اللّه بن اباض المقاعسي، المري، التميمي - من بني مرّة - ابن عبيد ابن مقاعس من دعاة الاباضية بل هو مؤسّس المذهب.

قد اشتهرت هذه الفرقة بالاباضية من أوّل يوم، و هذا يدل على أنّه كان لعبد اللّٰه بن اباض دور في نشوء هذه الفرقة و ازدهارها، و إن كانت الفرقة يطلقون على أنفسهم أسماء أُخرى يشترك فيها سائر المسلمين كأهل الإسلام و أهل الحق أو جماعة المسلمين، و غير ذلك، غير أنّ هذه الأسماء لم تكن وافية بالتعرّف عليهم بل كان المعرّف لهم عنوانين: 1 - القعدة 2 - الاباضية.

كلّ ذلك يشرف الإنسان على الاطمئنان بأنّ لابن اباض تأثيراً هامّاً في نشوء هذه الفرقة، و إليك البيان:

ظهور خط الاعتدال بعد مقتل الإمام:

قد عرفت أنّ عليّاً عليه السلام قد قضى على الخوارج الذين كانوا يثيرون الشغب، و يستعرضون الناس بالسيف، فلمّا مضى علي عليه السلام وضع معاوية بن أبي سفيان السيف في الخوارج و استأصل شأفتهم لما كانوا يرتكبون من الأعمال الإجرامية التي عبّر عنها علي عليه السلام في خطبة له: «كلّا و اللّٰه إنّهم نطف في أصلاب الرجال و قرارات النساء. كلّما نجم منهم قرن قطع، حتى يكون آخرهم لصوصاً سلّابين».(1)

و قال عليه السلام مخطاباً لهم:

«أما إنّكم ستلقون بعدي ذلاً شاملاً، و سيفاً قاطعاً، و أثرة يتّخذها الظالمون فيكم سنّة».(2)

ففي هذه الظروف القاسية وجد بينهم رجل يملك شيئاً من العقل، و رأى أنّ تلك الأعمال الإجراميّة تسقطهم عن العيون و لا تُبْلِغُهم إلى الهدف، و هو «أبو بلال مرداس بن حدير» و نقطة البداية في دعوة أبي بلال كانت هي إنكار مسلك العنف و ما يذهبون إليه من قتل المخالفين و استعراض الناس، فأمر أتباعه أن لا يُجرِّدوا سلاحاً، و لا يقاتلوا مسلماً إلّا إذا تعرّضوا لعدوان، أو واجهوا قتالاً، فكان عليهم حمل السلاح دفاعاً عن النفس، و ينقل البلاذري عنه قوله: «إنّ تجريد السيف و إخافة السبيل لأمر


1) . نهج البلاغة: الخطبة 60.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 58.

عظيم، و لكنّا نشذّ عنهم و لا نجرّد سيفاً و لا نقاتل إلّا من قاتلنا».(1)

و يؤيّد الكاتب انّ خط الاعتدال، ظهر بعد مقتل الإمام علي عليه السلام بقوله:

«إنّ هذا المسلك (التطرّف) منهم، دعا بعض من كانوا يوازرونهم، إلى مخالفتهم، و الافتراق عنهم، بل و توجيه شديد النقد عليهم،... هذا البعض - الذي تشدّد بعد أن كانوا لهم مؤيّدين - بدا لهم رأي غير الذي ارتأوه جميعاً و رأوا أنّ عليّاً و إن أخطأ في قبول التحكيم، و إن لم ينزل عند طلبهم عليه التوبة ممّا فعل، و كذلك سائر أهل القبلة الذين ما زالوا على الشهادتين، إنّما هم مسلمون لا يجوز قتالهم، و لا سبي نسائهم، و ليست أموالهم غنيمة، و انّ قتالهم لا يكون إلّا في حالة بغي و عدوانٍ منهم، فهنا يجب القتال بمقدار ما يلزم لدفع العدوان و ردّ البغي.(2)

و يقول: إنّ المحكّمة بعد واقعة النهروان افتقدوا وحدة الصف، و شاعت فيهم الفرقة، وساد الاضطراب، ممّا دفع بعضهم إلى الغلو في التطرّف، و تنكُّبِ الطريق السوي، و وجد بينهم من استنكره و لم يجد بداً من الافتراق عن هؤلاء الذين عرفوا بالخوارج، إيماناً منهم بأنّ طريق الاستعراض بالسيف، ليس هو طريق الإسلام، و قد كان على رأس هؤلاء - الذين عرفوا بالقعدة - أبو بلال مرداس و من خلفه من الدعاة الذين عرفوا فيما بعد بالاباضية.(3)


1) . الإمام جابر بن زيد العماني: 138 و ما نقله عن البلاذري مذكور في الأنساب: 94/5.

2) . الإمام جابر بن زيد العماني: 105 و 131-132.

3) . نفس المصدر.

و قد تأثّرت عدّة من الخوارج بهذه الفكرة و استفحلت دعوة أبي بلال، و ظهرت معالمها، غير أنّ بني أُميّة لم يكونوا يرضون بوجود قدرة ماثلة أمامهم، فلأجل ذلك استعمل ابن زياد (والي البصرة) بعد موت أبيه زياد بن أبيه، الشدّة و القسوة على جميع المحكِّمة متطرّفيهم و معتدليهم، فقتل أبا بلال مرداس بن حدير في منطقة نائية عن البصرة(1)كما قتل أخاه عروة بن ادية(2)في البصرة فقطّع أيديه ثمّ صلبه.

ففي البصرة اتّبع عمّال الأمويين سياسة البطش و التعذيب و النفي و القتل ضدّ معارضيهم بصفة عامّة، و لم يستثنوا من هذه السياسة جماعة القعدة، و رغم انّ هذه الجماعة لم تأخذ بأسلوب الخوارج في التطرّف و العدوان، و ترويع الآمنين، و رفع السيف في وجه الدولة، إلّا أنّ عمّال بني أُميّة في بلاد العراق، شدّدوا عليها خوفاً من دعوتها التي كانت تستسري بين الناس، و تحاشياً للشرّ قبل وقوعه، و قمعاً للنفاق قبل أن ينجم.

و ازاء هذا الاضطهاد لجأت القعدة إلى السرّية و الكتمان، و ظلّوا على هذا الأمر (إلّا في فترة ثورة ابن الزبير) حتى جاء عصر الحجاج بن يوسف الذي قام بدوره في اضطهاد من ينكشف لديه أمره.(3)

و بعد ما ثار عبد اللّه بن الزبير على عمّال يزيد، و دانت له الحجاز و العراق، فعند ذلك اجتمعت الخوارج و على رأسهم نافع بن الأزرق


1) . قتل أوائل خلافة «يزيد» في منطقة «آسك» قريبة من الأهواز عام 60.

2) . و هو الذي سلّ السيف على الأشعث بعد عقد التحكيم كما عرفت تفصيله.

3) . الاباضية في مصر و المغرب: 32-33.

و عبد اللّٰه بن صفّار و عبد اللّٰه بن اباض، فزعموا أنّه ربّما يوجد عنده أُمنيتهم، و لكن بعد ما وقفوا على عقائده في حق عثمان و أصحاب الجمل تفرّقوا عنه، و غادروا مكّة المكرّمة، فمنهم من ذهب إلى البصرة، و منهم من ذهب إلى حضرموت.

و في هذه اللحظة الحسّاسة بدأ الخلاف بين ابن الأزرق و عبد اللّٰه بن اباض فاختار الأوّل الخروج و سلّ السيف، و قتل المخالفين و سبي النساء و أنكر الثاني هذا التطرّف، كل ذلك حوالي عام 64 إلى 65 من الهجرة، فقتل الأوّل بسبب تطرّفه في ناحية الأهواز و بقي الثاني يعيش في ظل الاعتدال و التقيّة.

كل ذلك يعرب عن أنّ عبد اللّه بن اباض كان في تلك الفترة رجلاً كاملاً لا يقلّ عمره عن عمر الدعاة الذين يقودون أُمّة و يتأمّرون عليهم، و لعلّه كان في تلك الأيام من أبناء الأربعين لو لم يكن أكثر، فعلى ذلك نخرج بهذه النتيجة انّه كان من مواليد سنة 24 من الهجرة فيكون أصغر بسنتين من جابر بن زيد على رواية أو ستّ سنوات على رواية أُخرىٰ.

هذا من جانب، و من جانب آخر نرى أنّه يخاطب عبد الملك بن مروان في رسالة إليه بقوله: «فلا تسأل عن معاوية و لا عن عمله و لا عن صنعته غير انّا قد أدركناه و رأينا عمله و سيرته في الناس، و لا نعلم أحداً اترك للقسمة التي قسم اللّٰه، و لا لحكم حكمه اللّٰه، و لا أسفك لدم حرام منه».(1)


1) . العقود الفضية للحارثي: 122 كما في «الإمام جابر بن زيد» و سيوافيك نصّ الرسالة برمّتها عن مصدر آخر.

كل ذلك يعرب عن أنّ عبد اللّه بن اباض كان رجلاً كاملاً و داعياً قويّاً إلى خط الاعتدال و كان هو الناطق باسم هذه الجماعة، فنسب المذهب إليه لأجل ذلك، فكونه هو المؤسّس للمذهب أو الداعي القوي إلى خط الاعتدال الذي أسّسه أبو بلال هو الأقوى بالنظر إلى النصوص التاريخية، و الناظر إلى رسالته التي كتبها إلى عبد الملك بن مروان يجده مناظراً قويّاً ينقض دليل خصمه بحجّة أقوى من حجّته، و نذكر منه نموذجاً:

احتجّ عبد الملك على صلاح معاوية بقوله: «إنّ اللّٰه قام معه و عجّل نصره و بلّج حجّته و أظهره على عدوّه بالطلب لدم عثمان....» فأجابه في ذلك عبد اللّه بن اباض بقوله: «فإن كنت تعتبر الدين من قبل الدولة و الغلبة في الدنيا فإنّنا لا نعتبره من قبل ذلك، فقد ظهر المسلمون على الكافرين لينظر كيف يعملون(1)و ظهر المشركون على المؤمنين ليبلي المؤمنين و يُعلي الكافرين... فلا تعتبر الدين من قبل الدولة...».

و لو كان هو الكاتب لتلك الرسالة(2)و لم تكن مملاة عليه، لدلّ على إحاطته بالآيات القرآنية و الأحاديث النبوية. كل ذلك يؤيّد انّه هو المؤسّس الثاني للمذهب بعد انطماس خط أبي بلال. و بما أنّ في تلك الرسالة احتجاجات على الطغمة الأمويّة، و في الوقت نفسه، تعكس الأحوال


1) . لعلّه إشارة إلى قوله سبحانه في حقّ بني اسرائيل قال: «عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» - الأعراف: 129 -.

2) . قد نقل البرّادي في كتاب الجواهر المنتقاة رسالة ابن اباض: 156-167، و الكتاب مطبوع بمصر طبعة حجرية؛ كما نقلها مؤلف السير و الجوابات لبعض أئمة الاباضيّة.

السائدة في تلك الأيّام، نأتي بنصّها في آخر هذا الفصل، و هي من المواثيق التاريخية.

هذا ما وقفنا عليه بعد الغور في التاريخ.

رأي آخر في المؤسّس:

هناك رأي آخر هو أنّ المؤسّس هو جابر بن زيد التابعي، تلميذ ابن عبّاس و غيره كما سيوافيك، و أنّ عبد اللّه بن اباض كان ناطقاً عن الجماعة التي كان يرأسها و يقودها ذلك التابعي سرّاً و خفاء.

يقول علي يحيى معمّر:

«و بعد وفاة جابر بن زيد ظهر عبد اللّه بن اباض بأجلى مظاهر الغيرة الدينية و لقّن أصحابه مبدأ الإقدام في تقرير الحق، و قمع أهل الجور و الظلم، المنحرفين عن جادة الصواب، حتى ظهرت هذه الفرقة الناجية المحقّة الصادقة في أدوارها الوجودية في حالتي الكتمان و الظهور».(1)

و قال أيضاً: «فقد كان يحضر مجلس جابر بن زيد عدد من الطلاب كقتادة، و أيّوب، و ابن دينار، و حيّان الأعرج، و أبي المنذر تميم بن حويص، و منهم من يأخذ عنه أكثر ممّا يأخذ من غيره، أو يكاد يختصّ بمجلسه، كأبي عبيدة بن مسلم، و ضمام، و أبي نوح الدهان، و الربيع بن حبيب، و عبد اللّٰه بن اباض، و من هؤلاء الطلاب من كان يشتغل أثناء التحصيل


1) . الاباضية في موكب التاريخ: 151، الحلقة الأُولى.

و بعده بالشئون العامة، و منهم من اشتغل بالمسائل السياسية و مطارحاتها مع حكّام الدولة الأموية في ميدان الكلمة دون استعمال السيف كعبد الله بن اباض، و منهم من جلس للتدريس و أخذ مكان الإمام كأبي عبيدة أبي نوح الدهان و قام بنفس الدور و تخصّص فيه.(1)

إنّ ما ذكره بصورة أمر قاطع غير ثابت في التاريخ، كيف و أغلب الظن انّ عبد اللّه بن اباض مات قبل جابر و انّه كان يقود أمر القعدة في حياة جابر، و إن كانت الأقوال في زمان حياته مختلفة، فمن قائل إنّه مات عام 80 إلى آخر إنّه مات قرابة 86، إلى ثالث بأنّه مات سنه 100 بالمغرب و دفن في جبل نفوسه، كما أنّه اختلفت الأقوال في حق جابر و أكثر الأقوال إنّه مات عام 94، ذكر بعض المؤرّخين انّه مات عام 104، فكيف يمكن أن يكون عبد اللّه هو القائم بالأمر بعد وفاة جابر؟

و يظهر تقدّم قيادة عبد اللّه بن اباض على جابر، من الدكتور رجب محمّد عبد الحليم: قال: إنّ القعدة أو جماعة المسلمين هم الذين انضمّوا إلى جابر بن زيد، و انضووا تحت قيادته بعد أن انتهى دور عبد اللّه بن اباض، فبعد أن رأوا مدى القوَّة التي ينعم بها هذا الفقيد الأزدي بسبب مساندة الأزد له، لدرجة انّ الحجّاج المشهور بالبطش و العنف لم يجرأ على قتله عند ما عرف صلته بالاباضية و اكتفى بنفيه إلى بلدة عمان، و لم يلبث أن عاد منها إلى البصرة مرّة أُخرى، و لم يتعرّض له الحجاج في كثير أو قليل.(2)


1) . الاباضية بين الفرق الإسلاميّة: 135/2-136.

2) . الاباضية في مصر و المغرب: 200.

و يقول في موضع آخر: و لمّا أحسّ الحجاج بنشاط جابر بن زيد الذي تولّى أمر جماعة القعدة بعد عبد اللّه بن اباض، ألقى به في السجن ثمّ نفاه إلى عمان، و لمّا عاد منها، ألقى به في السجن مرّة ثانية، كما سجن قيادات القعدة الآخرين.(1)

و هناك نظرية ثالثة و هي أنّ الرجلين كانا متعاصرين، غير أنّ المصلحة الزمنية كانت توجب اختفاء جابر و ظهور عبد اللّه بن اباض في الساحة. يقول الدكتور صالح بن أحمد الصوافي: «لقد آثرت الجماعة أن يظل أمر جابر مستوراً، و لعلّ مرجع ذلك ما رأوه من عظم الخسارة فيما لو اشتهر أمر جابر و أخذوه بالشدّة، فإنّ ذلك يفقد الجماعة عقلها المدبّر و زعيمها الحقيقي، و لقد بالغ جابر في التخفّي حتى قدّم سواه للتحدّث باسم الجماعة و مُناظرة خصومه، و كان عبد اللّه بن اباض أحد أُولئك الذين تحدَّثوا كثيراً باسمهم حتى لقد ظن انّه الزعيم الحقيقي للجماعة فنسبها الآخرون إليه، و عرفوها بأنّها جماعة الاباضية مع أنّ عبد اللّه بن اباض لم يكن إلّا واحداً من أفرادها قدّمه زعيمها - جابر بن زيد - للتحدّث عنهم و مناظرة خصومهم».(2)

يلاحظ عليه: أنّه مجرد استحسان و تحليل حدسي لم يقترن بدليل، و قد عرفت اقتران الرجلين في الولادة و الوفاة و ظهور عبد اللّه بن اباض في الدعوة أيّام يزيد بن معاوية، و لم يكن يومذاك اسم من جابر و لا خبر.

ثمّ إنّ الكاتب لمّا رأى أنّ المذهب منتمٍ إلى ابن اباض طيلة قرون،


1) . الاباضية في مصر و المغرب: 33.

2) . الإمام جابر بن زيد العماني: 153.

حاول أن يصحّح وجه النسبة إليه و إنّه كان فرداً واحداً من القعدة، و ذلك بوجهين:

1 - إنّ هذه الجماعة لم تطلق على نفسها اسم الاباضية بل كانوا يسمّون أنفسهم أهل الدعوة أو جماعة المسلمين.

2 - إنّ تسمية الاباضية إنّما أطلقها على هذه الجماعة مخالفوهم في فترات تالية، و ربّما كان الأمويّون كما يرى البعض هم الذين أطلقوا عليهم هذا الاسم نسبة إلى عبد اللّه بن اباض لأنّ الأخير كان من علمائهم و شجعانهم و المناظر باسمهم، كما أنّ الأمويّين لا يريدون نسبة هذه الفرقة إلى جابر حتى لا يجذبوا إليه الأنظار، و لا يبدو في حياة جابر المشرقة، فتميل إليهم النفوس، فنسبوهم إلى عبد اللّه بن اباض و هو أقلّ منزلة من جابر في العلم و إن كان لا يقلّ عنه في التقوى و الورع و الصلاح.(1)

و لا يخفى ضعف الوجهين:

أمّا الأوّل: فلأنّ الهدف من التسمية هو التعرّف على المسمّى، و من المعلوم أنّ اللفظين المذكورين لفظان عامّان لا يكونان مشيرين إليه.

و أمّا الثاني: فمجرّد حدس لا دليل عليه، و لم يكن جابر بن زيد من المشاهير و الأعلام بين العلماء و المحدّثين حتى تكون التسمية باسمه موجباً للانجذاب، بشهادة انّه ليس لجابر روايات وافرة في الصحاح و المسانيد.


1) . الإمام جابر بن زيد: 161-162 نقلاً عن تاريخ المغرب الكبير، لمحمّد علي دبوز: 298/2.

و لعلّ القول الحق ما يذكره الصوافي في آخر كلامه و يقول: إنّ جماعة الاباضية كانت حريصة على التخفّي و التستّر و لم تبد كجماعة خارجة، و كان أوّل ظهور لها عند ما راح عبد اللّه بن اباض يتحدّث باسمها و يبعث برسائل إلى الأمير الأموي عبد اللّه بن مروان، فكان من الطبيعي أن تنسب هذه الجماعة إلى من أبدىٰ للخليفة نفسه على أنّه صاحب الرأي و الكلمة.(1)

أضف إلى ذلك أنّه لم يثبت كون جابر بن زيد من الاباضية، و سيوافيك انّه كان يصلّي خلف الحجاج و يأخذ جوائزه.

2 - جابر بن زيد العماني الأزدي:

اشارة

و هو الشخصية الثانية التي تتبنّاها الاباضية زعيماً و مؤسّساً لمذهبهم و قد أَطروه في كتبهم، و قد تعرّفت على الاختلاف في ميلاده و وفاته، فهو من رجال النصف الثاني من القرن الأوّل، و قد طلع نجمه في هذه الفترة، و هو عماني عاش في العراق و أمضى أكثر عمره في البصرة إحدى عواصم العراق العلمية، و إليك كلمات أهل الرجال في حقّه.

1 - قال أبو حاتم الرازي: جابر بن زيد أبو الشعثاء الأزدي اليحمدي روى عن ابن عباس و الحكم بن عمرو و ابن عمر، روى عنه عمرو بن دينار و قتادة و عمرو بن هرم. سمعت أبي يقول ذلك.

و عن عطاء انّ ابن عباس قال: لو أنّ أهل البصرة نزلوا عند قول جابر


1) . الإمام جابر بن زيد: 162-163.

بن زيد لأوسعهم علماً عن كتاب اللّٰه عزّ و جلّ، و قال عكرمة: كان ابن عباس يقول: هو أحد العلماء، و عن تميم بن حدير عن الرباب قال:

سألت ابن عباس عن شيء، فقال: تسألونني و فيكم ابن زيد؟

و عن أبي هلال، عن داود، عن عذرة قال: دخلت على جابر بن زيد، فقلت: إنّ هؤلاء القوم ينتحلونك - يعني الاباضية -، قال: أبرأ إلى اللّٰه عزّ و جلّ من ذلك، و عن يحيى بن معين يقول: أبو الشعثاء جابر بن زيد روى عنه قتادة، بصري، ثقة. و قال أبو زرعة: إنّه بصري أزدي، ثقة.(1)

2 - و قال أبو زكريا النووي بمثل ما قاله الرازي و أضاف: قال أحمد بن حنبل و عمرو بن علي و البخاري: توفّي سنة ثلاث و تسعين، و قال محمّد بن سعد: سنة ثلاث و مائة، و قال الهيثم: سنة أربع و مائة.(2)

3 - و قال ابن حجر العسقلاني بمثل ما قالا، و أضاف: و قال العجلي: تابعي ثقة، و في تاريخ البخاري عن جابر بن زيد قال: لقيني ابن عمر فقال: جابر! إنّك من فقهاء أهل البصرة، و قال ابن حبان في الثقات: كان فقيهاً، و دفن هو و أنس بن مالك في جمعة واحدة، و كان من أعلم الناس بكتاب اللّٰه، و في كتاب الزهد لأحمد: لمّا مات جابر بن زيد، قال قتادة: اليوم مات أعلم أهل العراق.

و قال اياس بن معاوية: أدركت الناس و ما لهم مفت غير جابر بن زيد.


1) . الجرح و التعديل: 494/2، رقم 2032.

2) . تهذيب الأسماء و اللغات: 142/1، رقم 98.

و في تاريخ ابن أبي خيثمة: كان الحسن البصري إذا غزا أفتى الناس جابر بن زيد.

و في الضعفاء للساجي: عن يحيى بن معين: كان جابر اباضياً، و عن عكرمة: صفرياً، و أغرب الأصيلي فقال: هو رجل من أهل البصرة لا يعرف، انفرد عن ابن عباس بحديث: «من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل» و لا يعرف هذا الحديث بالمدينة(1).

4 - و قال أيضاً: جابر بن زيد، أبو الشعثاء الأزدي الجوفي(2)- بفتح الجيم و سكون الواو بعدها فاء - البصري، مشهور بكنيته، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة 93، و يقال: و مائة.(3)

و لم يذكره الذهبي في ميزان الاعتدال و لا ابن حجر في لسانه.

و قال الأوّل في «سير أعلام النبلاء»: روى جابر عن ابن عباس، قال: آخى النبي بين الزبير و ابن مسعود. و في موضع آخر منه روى قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد يحدّث عن ابن عباس قال: تقطع الصلاة الحائض.(4)

هذا ما وقفت عليه في كتب الرجال من أحوال الرجل، و قد قامت الاباضية في العصور الأخيرة بترجمته ترجمة وافية، و قد أطروه و إليك نبذاً من كلماتهم في حقّه:


1) . تهذيب التهذيب: 34/2، رقم 61.

2) . ينسب إلى درب الجوف و هي محلّة بالبصرة.

3) . تقريب التهذيب: 122/1، رقم 5.

4) . سير أعلام النبلاء: 490/1 و 252/10.

كلمات الاباضية في حقّ جابر:

هذه نصوص علماء الرجال من أهل السنّة و لا عتب علينا أن نشير إلى كلمات أتباع الرجل و إن طال بنا المقام.

1 - لم يكن جابر بن زيد ممّن عرف عنهم الميل إلى التمرّد أو الثورة، فلم يُعرف عنه أنّه كان ضمن الذين خرجوا على الإمام علي بن أبي طالب، أو اعتزلوه أو تمرّدوا عليه، إذ أنّه ولد في عمان في الفترة ما بين عامي 18 و 22 ه، ثمّ رحل إلى البصرة يطلب العلم، و هو شاب في زمن لا نعرفه، و لا يمكن تحديده، و غلب انّه رحل إليها بعد سنّ العشرين حيث كان شابّاً يستطيع تحمّل مشقّة السفر و الترحال. و المعروف أنّ التحكيم الذي أدّى إلى انفصال جزء من جيش علي عنه، و قيامهم بمعارضته و الخروج عليه، كان في رمضان من عام 37، و حدثت معركة النهروان التي أكّدت هذا الانفصال و كرّسته في عام 38 ه.

و على ذلك فإنّ جابر بن زيد إمّا أنّه لم يكن موجوداً في البصرة عند وقوع هذه الأحداث، أو انّه كان موجوداً، و لكنّه لم يشارك فيها على أي نحو من الأنحاء، لأنّ كتب التاريخ السنّية و الشيعية و الاباضية لم يرد فيها ذكر لأي شيء يتعلّق به، أو حتى مجرّد ذكر اسمه في تلك الفترة، و لم يسمع أحد شيئاً عن جابر بن زيد إلّا بعد انتهاء هذه الأحداث لحوالي أربعين عاماً عند ما أتى الحجاج بن يوسف الثقفي إلى العراق والياً عليه

من قبل عبد الملك بن مروان في عام 75(1).

2 - إنّ مؤسّس مذهب الاباضي لم يكن ممّن شهدوا حرب الجمل أو صفّين أو النهروان، و لم يكن ضمن هؤلاء الذين رفعوا السيف في وجه الدولة أو حاربوها من الخوارج و غيرهم، بل كان يأتلف معها، فقد كان يأخذ عطاءه من الحجاج بن يوسف الثقفي، كما كان يأخذ جائزته و يحضر مجلسه و يصلّي خلفه.

و لذلك كان من مبادئ الاباضية بعد جابر، جواز الصلاة خلف أهل القبلة كلّهم، و خلف الجبابرة في أي بلد غلب عليه الجبابرة، و يجيزون الغزو معهم أيضاً، كما كانوا يأخذون بأحكامهم، و لا يرون في ذلك بأساً طالما أنّ أحكامهم كانت موافقة للحقّ و العدل، و كانوا يستحسنون أفعالهم إذا جاءت على هذه الصفة.

من ذلك: ما حدث عند ما عرض على عبد الملك بن مروان أمر رجل تزوّج من امرأة أبيه ظنّاً منه انّها تجوز له، فأمر عبد الملك بقتله على جهله فيما لا يجوز الجهل به، و قال: لا جهل في الإسلام و لا تجاهل، فاستحسن جابر بن زيد هذا العمل من عبد الملك و قال عنه: إنّه أحسن و أجاد. و ما ذاك إلّا لما تميّز به هذا الفقيه الكبير، تميّز مذهبه من صفة التسامح و الاعتدال، و لما قام عليه هذا المذهب من أُسس و أُصول.(2)


1) . الاباضية في المصر و المغرب: 15.

2) . الاباضية في مصر و المغرب: 57-58.

3 - إنّ جابراً كان يصلّي الجمعة في المسجد الجامع في البصرة خلف عبيد اللّٰه بن زياد، و كان يقول لهم: إنّها صلاة جامعة و سنّة متّبعة.

و ذكروا: انّه كان يتناول من الحجاج عطاء مقداره ستمائة أو سبعمائة درهم و يصلّي خلفه، و عرض عليه الحجاج أن يولّيه القضاء و لكن جابراً رفض هذا العرض.(1)

4 - إنّ العلم مثله مثل طائر باض في المدينة المنوّرة، و فرّخ بالبصرة، و طار إلى عمان.(2)

يريد انّه فرّخ بالبصرة بيد جابر، و لمّا مات جابر انتقل العلم إلى عمان، و ذلك قبيل نهاية القرن الثاني للهجرة حيث قامت الإمامة الاباضية في عمان عام 177، و صارت هذه البلاد حجر الزاوية و مركز الثقل السياسي بالنسبة إلى المذهب و الدعوة.

5 - إنّ جابر بن زيد الأزدي من أهل البصرة، يروي عن عبد اللّه بن عباس، و قد لقي جابر بن زيد عائشة أُمّ المؤمنين و سألها عن بعض مسائل، فلمّا خرج عنها قالت: لقد سألني عن مسائل لم يسألني عنها مخلوق قط، و إنّما توفّي جابر رضى الله عنه سنة ثلاث سنين و مائة.(3)

6 - اشتهر انّه لا يماكس في ثلاث: في كراء إلى مكّة، و في عبد يشترىٰ ليعتق، و في شاة التضحية، و كان يقول: لا نماكس في شيء نتقرّب إليه.


1) . الاباضية في مصر و المغرب: 16، 19، 32.

2) . يكرّرون هذا التعبير في غير واحد من كتبهم و هو من المغالاة في القول.

3) . بدء الإسلام و شرائع الدين: 108.

روي أنّه رأىٰ أحد الحجبة يصلّي فوق الكعبة، فنادى: يا من يصلّي فوق الكعبة لا قبلة لك.(1)

7 - إنّ جابراً أحد المؤلّفين في الإسلام و قد كان لديوانه رنّة، و كان موضع تنافس بين دور الكتب الإسلامية، و استطاعت مكتبة بغداد أن تحصل عليه و أن تبخل به عن غيرها من المكتبات.

يقول علي يحيى معمر:

كان لهذا الكتاب قيمة كبرى لما فيه من علم و هدى، و لقربه من عصر النبوّة، و لأخذ مؤلّفه عن الصحابة - رضوان اللّٰه عليهم -، و كانت له قيمة أُخرى أثرية و هي أنّه أوّل كتاب ضخم أُلّف في الإسلام.

و إنّه لمن المؤسف أن يضيع هذا التراث العظيم من مكتبة بغداد عند ما أُحرقت تلك المكتبة العظيمة. و ضاعت منها آلاف النفائس، كما أنّه من المؤلم المُرّ أن تضيع النسخة التي وصلت إلى ليبيا، فيما ضاع من التراث الإسلامي العظيم بسبب الجهل و الحقد و طلب الرفعة عند الناس، و ليس أعظم محنة من ضياع التراث العلمي و الخلقي و الديني لأُمّة مسلمة لا يستقيم حاضرها إلّا على القواعد المتينة التي ابتنى عليها ماضيها، و لن يصلح حاضر هذه الأُمّة إلّا بما صلح به أوّلها.(2)

8 - إنّ جابراً أخذ عن عبد اللّه بن مسعود و جابر بن عبد اللّه و أبي هريرة


1) . الاباضية في موكب التاريخ: 148، الحلقة الأُولى.

2) . الاباضية في موكب التاريخ: 150، الحلقة الأُولى.

و أبي سعيد الخدري، و قال: كان جابر بن زيد يلتقي بأُمّ المؤمنين عائشة و يأخذ عنها العلم و يسألها عن سنّة الرسول، و قد سألها يوماً عن جماع النبي و كيف كان يفعل، و انّ جبينها يتصبّب عرقاً و تقول عائشة: سل يا بُنيّ، ثمّ قالت له: ممّن أنت؟ قال: من أهل المشرق من بلد يقال لها عُمَان.

و لمّا كان هذا السؤال بظاهره بمعزل عن الوقار علّق عليه صاحب «تحفة الأعيان» بقوله: المراد انّه سألها عن مقدّمات الجماع التي يجوز السؤال عنها حرصاً منه - رضى اللّٰه عنه - على نقل السنّة و جمعها كي يكون المسلم مقتدياً برسول اللّٰه في كل أعماله دقيقها و جليلها.

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ السؤال لما نفع هذا التعليق و أمثاله ممّا حشدها مؤلّف الكتاب و هو يعرب عن سذاجة الرجل و عدم عرفانه بموضع السؤال و المسئول، و العجب انّ جواب أُمّ المؤمنين لم يذكر في هذه الكتب و لم تصل السنّة إلى أيديهم، و لعلّ تكذيب أصل القضية أولى من توجيهها.

و هناك ملاحظة حول حياة جابر و هو أنّ صلاته خلف الحجاج تبرّرها التقية، و أمّا أخذ الجوائز الذي هو بمعنى دعم ولايته و إضفاء المشروعية عليها، فهل تبرّره التقيّة؟ أو كان من واجبه التخلّي عنها كما تخلّى عن قبول القضاء؟

إنّ ما جاء في هذه الكلمات من كون الرجل اباضياً مدعماً لمبدئه قاصر عن إفادة الاطمئنان و الإذعان، فإنّ التقيّة أمر مشترك بين الاباضية

و غيرهم، فالذي يوجب تقدير الرجل بل تقدير تلك الطائفة، انّهم يملكون الشجاعة الأدبية في الإجهار بجواز التقية و السلوك عليها في حياتهم، بينما يفقدها غيرهم من فرق أهل السنّة، فهم يعملون بالتقية في حياتهم السياسية و الاجتماعية و لكن لا يجاهرون بجوازها لو لم يكونوا مجاهرين بحرمتها!

فقه جابر بن زيد:

قد قام «يحيى محمّد بكوش» بجمع أقوال و آراء جابر من بطون الكتب، و هو يقول في مقدّمة الكتاب: «فقد وجدت في بطون الكتب أقوالاً عديدة للإمام جابر بن زيد سواء ذلك في كتب الاباضية أو في غيرها، من كتب المذاهب الأُخرى، ثمّ رجعت إلى كتب الحديث فالتقيت برواياته منبثّة من هنا و هناك فانقدحت في ذهني فكرة أجمع ما يتيسّر لي جمعه و ضمّه في مجموعة أُخرجها للناس... و في أثناء بحثي ظهر للأُستاذ الصوافي كتاب يتناول هذا الجانب فاطّلعت عليه و استفدت منه كما اطّلعت أثناء ذلك على كتاب للأُستاذ «عوض خليفات» الذي درس نشأة الحركة الاباضية في المشرق فاستفدت منه أيضاً... و قد قسّمت الكتاب إلى أبواب بلغت أحد عشر باباً، و كل باب يشتمل على مسائل متفرّقة قد لا يجمع بينها سوى أنّها تنسب إلى ذلك الباب، و إليك فهرس الأبواب:

1 - في حياة الإمام جابر بن زيد، فيه 13 مسألة.

2 - في مسائل القرآن و علومه، فيه 41 مسألة.

3 - في الطهارات، فيه 19 مسألة.

4 - في الصلاة، فيه 44 مسألة.

5 - في الزكاة، فيه 12 مسألة.

6 - في مسائل الصوم، فيه 18 مسألة.

7 - في مسائل الحج، فيه 30 مسألة.

8 - في مسائل النكاح و الطلاق، فيه 61 مسألة.

9 - في المعاملات، فيه 21 مسألة.

10 - في الأقضية و الأحكام، فيه 15 مسألة.

11 - في الزكاة و الأطعمة و الكفّارات و النذور و الوصايا و المواريث، فيه 31 مسألة.(1)

ثمّ إنّ الكتاب خرج في 728 صفحة، و ربّما يتخيّل القارئ في بادئ النظر أنّ أكثر ما جاء فيها يرجع إلى آراء جابر و أقواله و أفكاره، و لكنّه بعد ما سبر الكتاب سرعان ما يرجع و يقف انّ مجموع ما روي عنه في تلك الأبواب - لو جمع في محل واحد - لا يتجاوز عن عشر صفحات، و لكن المؤلّف اتّخذ طريقة المقارنة الفقهية و طلب لآراء المذاهب دليلها، فجاء الكتاب كتاباً ضخماً في الفقه، هو لا يمت إلى جابر بصلة إلّا قليلاً.

هذا و قد بسط المؤلّف الكلام في ترجمة جابر في الباب الأوّل، و من أراد التبسّط فليرجع إليه.


1) . فقه الإمام جابر بن زيد: 7-8 و فهرس الكتاب.

3 - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (المتوفّى حوالي 158 ه):

اشارة

هذا هو الشخصية الثالثة لفرقة الاباضية و له ترجمة في كتب الرجال و التاريخ، كما له ترجمة مفصّلة في كتب الاباضية، و نذكر ما وقفنا عليه في القسم الأوّل ثمّ نردفه بكلمات الاباضية.

قال الحافظ الرازي: مسلم بن أبي كريمة روى عن علي - رضي اللّٰه عنه -، روى عنه... (كذا)، سمعت أبي يقول ذلك و يقول: هو مجهول.(1)

و لو كان المقصود من العنوان هو المترجم فيروي عن علي عليه السلام بواسطة أو واسطتين كما لا يخفى.

و عنونه ابن حبّان في الثقات، و اكتفى بنقل اسمه فقط و قال: مسلم بن أبي كريمة.(2)

و قال ابن الجوزي: مسلم بن أبي كريمة، قال الرازي: مجهول.(3)

و لم أجد له ترجمة في الكتب الرجالية، و أمّا كلمات الاباضية في حقّه، فإليك بيانها:

يقول علي يحيى معمّر: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي


1) . الجرح و التعديل: 193/8 برقم 845.

2) . الثقات: 354/5 و 401.

3) . كتاب الضعفاء و المتروكين: 118/3 دار الكتب العلمية، بيروت، 1406 ه. و لاحظ بدء الإسلام: 26، 99، 110، 114؛ و لسان الميزان 32/6.

توفّي في ولاية أبي جعفر المنصور (المتوفّى سنة 158 ه)، و قد أدرك من أدركه جابر بن زيد، فروايته عن جابر رواية تابعي عن تابعي.

و قد روى أبو عبيدة أيضاً عن جابر بن عبد اللّه و أنس بن مالك و أبي هريرة و ابن عباس و أبي سعيد الخدري و عائشة أُمّ المؤمنين(1)- رضى اللّٰه عنها - و روايته هذه عنهم موجودة في هذا المسند الصحيح(2)و هي رواية تابعي عن تابعي.

شيوخه:

أخذ أبو عبيدة العلم عمّن لقيه من الصحابة و عن الجابرين: جابر بن عبد اللّه و جابر بن زيد، و عن ضمار السعيدي و جعفر السماك و غيرهم.

تلاميذه:

و حمل العلم عن أبي عبيدة خلق كثير، منهم الربيع بن حبيب الفراهيدي صاحب المسند، و فيهم: حملة العلم إلى المغرب و هم: أبو الخطاب المعافري، و عبد الرحمن بن رستم و عاصم السدراتي، و إسماعيل بن درار العذامسي، و أبو داود القبلي النفراوي، و كان الإمام أبو الخطاب المعافري قد جاء من اليمن فرافق الأربعة من أهل المغرب فخرج معهم إلى بلادهم، فنصّبوه عليهم بأمر شيخهم أبي عبيدة. و بأمره نُصّب الإمام عبد اللّه بن يحيى الكندي في أرض اليمن، و جمعت إمارته اليمن و الحجاز، و أقام


1) . سماعه عن أُمّ المؤمنين عائشة و أبي هريرة بعيد جداً إلّا أن يكون الرجل من المعمّرين.

2) . إشارة إلى مسند الربيع بن حبيب، و الصحيح أن يقال: الجامع الصحيح، كما سيوافيك.

حملة العلم عنده خمس سنين فلمّا أرادوا الوداع سأله إسماعيل بن درار عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام. فقال له أبو عبيدة:

«أ تريد أن تكون قاضياً مع ابن درار؟ قال: أ رأيت ان ابتليت بذلك.(1)

و قد روي عنه أنّه قال: من لم يكن له أُستاذ من الصحابة فليس هو على شيء من الدين، و قد منَّ اللّٰه علينا بعبد اللّٰه بن عباس، و عبد اللّٰه بن مسعود، و عبد اللّٰه بن سلّام.(2)

4 - أبو عمرو ربيع بن حبيب الفراهيدي:

اشارة

إنّ الربيع من أئمّة الاباضية و هو صاحب المسند المطبوع، و لم نجد له ترجمة وافية في كتب الرجال لأهل السنّة.(3)و نكتفي في المقام بما ذكره الأُستاذ التنوخي في مقدّمته على شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب:

«و من يمن الطالع عن الحديث أن يكون الربيعان: الربيع بن صبيح و الربيع بن حبيب في طليعة ركب الجامعين للحديث، و المصنفين فيه، و من الأسف أن لا ندري شيئاً عن مصير مسند ابن صبيح و عسى أن يهتم بذلك الباحثون عن نفائس المخطوطات، و من لطف الباري أن أبقى لنا مسند


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 166/1-167.

2) . الإمام جابر بن زيد العماني، و قد ترجم له ترجمة مفصّلة و ذكر مواقفه في تنظيم الدعوة و مجالها، و الانتهاز من مواسم الحج لنشر المذهب و اعمال السياسة السرّية و الأخذ بالتقيّة، فمن أراد فليراجع ص 169-175.

3) . له ترجمة في بدء الإسلام: 110، و الأعلام: 13/3.

الربيع بن حبيب، ثمّ من نعمه عليّ أن وفّقني لإعادة نشره مع شرح علّامة عمان عبد اللّه بن حميد السالمي، و لم يطّلع على المسند و شرحه في علماء مصر و الشام و العراق إلّا قليل.

الثلاثيات:

قد ذكر أئمّة الحديث أنّ رتب الصحيح تتفاوت تفاوت الأوصاف المقتضية للصحيح، و انّ المرتبة العليا ما أطلق عليه بعض رجال الحديث أنّه أصح الأسانيد الثلاثية كسند الزهري عن سالم بن عبد اللّه بن عمر عن أبيه، و سند إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود، و سند مالك عن نافع عن ابن عمر، و هو قول البخاري لأنّ هذه الأسانيد قصيرة السند و قريبة الاتصال بالينبوع المحمّدي صلى الله عليه و آله و سلم.

و يشبه هذه الثلاثة الذهبية سلسلة مسند الربيع بن حبيب و ثلاثياته... أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس، و رجال هذه السلسلة الربيعية من أوثق الرجال و أحفظهم و أصدقهم، لم يشب أحاديثها شائبة إنكار و لا إرسال و لا انقطاع و لا إعضال.

و لمزايا هذه الثلاثيات اهتمّ كثير من أئمّة الحديث بتأليف الثلاثيات.

1 - ثلاثيات الإمام أحمد المطبوعة أخيراً بدمشق سنة 1380 ه، و شرحها في جزءين الإمام محمّد السفاريني، و عدد ثلاثياته خمسة و ستون و مائة حديث.

2 - ثلاثيات البخاري و هي في صحيحه اثنان و عشرون حديثاً.

3 - ثلاثيات الدارمي و هي خمسة عشر حديثاً وقعت في مسنده بسنده.

4 - ثلاثيات الربيع بن حبيب الأزدي، و أحاديثها في مسنده، و رجال سلسلتها الثلاثية هم أبو عبيدة التميمي، و جابر بن زيد الأزدي، و البحر عبد اللّه بن عباس - شيخ جابر -، و غيره من الصحابة.

و قد طبع هذا المسند القديم مع شرحه للإمام عبد اللّه السالمي في أربعة مجلدات طبع اثنان منها في مصر و الثالث بدمشق، و لقد سبرته و لمست أنّ الرجل كان يملك شيئاً من الإنصاف، فلا بأس بالإشارة إلى بعض خصوصياته.

انطباعات عن الجامع الصحيح:

اشارة

هذا الجامع: مسند الربيع بن حبيب الأزدي البصري رتّبه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني و طبع في أربعة أجزاء تبلغ عدد صفحاته 302 صفحة، طبع بدمشق سنة 1388 ه بتقديم عبد اللّه بن حميد السالمي و أشرف على طبعه محمود غيران.

أكثر المؤلّف في هذا المسند الروايات عن ضمام بن السائب البصري العثماني عن جابر.

ثمّ عن أبي عبيدة (مسلم بن أبي كريمة).

ثمّ عن أبي نوح (صالح بن نوح).

ثمّ عن سائر مشايخه.

و أكثر الروايات في الكتاب موقوفات تنتهي إلى الصحابة الّا قليل منها مسند إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم و ممّا يشهد على كون الرجل موضوعياً أنّه نقل الروايات عن علي بن أبي طالب عليه السلام. و إليك رواياته عنه:

«الباب (9) ما روى عن علي بن أبي طالب»:

«في التعظيم للّٰه عزّ و جلّ

و نفي التشبيه له سبحانه عن الأشباه»

قال الربيع: بلغني عن أبي مسعود، عن عثمان بن عبد الرحمن المدني، عن أبي إسحاق و الشعبي قال: كان علي بن أبي طالب يقول في تمجيد اللّٰه عزّ و جلّ: الحيّ القائمُ الواحدُ الدائمُ فكَّاك المقادِمِ و رزّاقُ البهائم، القائمُ بغير منصبة، الدائم بغير غاية، الخالق بغير كلفة، فأعرَفُ العباد به الذي بالحدود لا يصفُهُ و لا بما يوجد في الخلق يتوهّمه، لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار.

«الباب (10) خطبة علي»:

قال الربيع: و أخبرنا أبان قال: حدثنا يحيى بن إسماعيل، عن الحارث الهمداني قال: بلغ عليّاً أنّ قوماً من أهل عسكره شبّهوا اللّٰه و أفرطوا، قال: فخطب علي الناس فحمد اللّٰه و أثنى عليه ثمّ قال: يا أيّها الناس اتّقوا هذا العارقة(1)فقالوا: يا أمير المؤمنين و ما العارقة؟ قال: الذين يشبّهون اللّٰه


1) . و في نسخة الفارقة.

بأنفسهم، فقالوا: و كيف يشبّهون اللّٰه بأنفسهم؟ قال: يضاهئون بذلك قول الذين كفروا من أهل الكتاب إذ قالوا: خلق اللّٰه آدم على صورته، سبحانه و تعالى عمّا يقولون، سبحانه و تعالى عمّا يشركون، بل هو اللّٰه الواحد الذي ليس كمثله شيء، استخلص الوحدانية و الجبروت، و أمضى المشيئة و الإرادة و القدرة و العلم بما هو كائن، لا منازع له في شيء، و لا كفؤ له يعادله، و لا ضد له ينازعه، و لا سمي له يشبهه، و لا مثل له يشاكله، و لا تبدو له الأُمور، و لا تجري عليه الأحوال، و لا تنزل به الأحداث، و هو يجري الأحوال و ينزّل الأحداث على المخلوقين، لا يبلغ الواصفون كنه حقيقته و لا يخطر على القلوب مبلغ جبروته لأنّه ليس له في الخلق شبيه و لا له في الأشياء نظير، لا تدركه العلماء بألبابها و لا أهل التفكير بتدبيرها و تفكيرها إلا بالتحقيق إيماناً بالغيب لأنّه لا يوصف بشيء من صفات المخلوقين و هو الواحد الذي لا كفؤ له «وَ أَنَّ مٰا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ اَلْبٰاطِلُ وَ أَنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلْعَلِيُّ اَلْكَبِيرُ»(1).

«الباب (11) قصة اليهودي مع علي بن أبي طالب»:

قال: و أخبرنا إسماعيل بن يحيى قال: حدثنا سفيان(2)عن الضحّاك قال: جاء يهودي إلى علي بن أبي طالب فقال: يا علي متى كان ربّنا؟ فقال علي: إنّما يقال متى كان لشيء لم يكن فكان، و هو كائن بلا كينونة، كائن بلا كيفية، و لم يزل بلا كيف، ليس له قبل و هو قبل القبل، بلا غاية و لا منتهى


1) . الحج: 62.

2) . خ سنان.

غاية تنتهي إليها غايته انقطعت الغايات عنده و هو غاية الغايات.

«الباب (12) قصة القصاب مع علي بن أبي طالب»:

أخبرنا أبو قبيصة، عن عبد الغفار الواسطيّ، عن عطاء: انّ علي بن أبي طالب مرّ بقصّاب يقول: لا و الذي احتجب بسبع سماوات لا أزيدُك شيئاً، قال: فضرب علي بيده على كتفه فقال: يا لحّام إنّ اللّٰه لا يحتجب عن خلقه و لكن(1)حجب خلقه عنه، فقال: أُكفّر عن يميني؟ فقال: لا، لأنّك إنّما حلفت بغير اللّٰه(2).

و قال علي بن أبي طالب لمّا وجّه رسله إلى معاوية بن أبي سفيان: صلّوا في رحالكم و اجعلوا صلاتكم معهم سبحة فإنّ اللّٰه لا يتقبّل إلا من المتّقين.

قال: و حدثني موسى بن جبير، عن عبد المجيد و الفضيل بن عياض، عن منصور بن المعتمر، عن الحكم بن عيينة، عن علي بن أبي طالب قوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اَلْحُسْنىٰ وَ زِيٰادَةٌ»(3).

قال: غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب.(4)


1) . خ و لكنّه.

2) . قوله: انّما حلفت بغير اللّٰه، هذا منه اعتبار بظاهر اللفظ إنكاراً لما سمع و تغليظاً على القائل، و إلّا فإنّ الحالف إنّما قصد الحلف باللّٰه عزّ و جلّ و إن أخطأ في وصفه و اللّٰه أعلم.

3) . يونس: 26.

4) . مسند ربيع بن حبيب: 217-219 و ص 205.

5 - أبو يحيى عبد اللّه بن يحيى الكندي (طالب الحق):

اشارة

كان عبد اللّه بن يحيى بن عمر الكندي من حضرموت، و كان قاضياً لإبراهيم بن جبلة عامل القاسم بن عمر على حضرموت، و هو عامل مروان على اليمن.(1)

إنّ عبد اللّه بن يحيى الكندي أحد بني عمرو بن معاوية كان من حضرموت، و كتب إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة و إلى غيرهم من الاباضية بالبصرة، يشاورهم بالخروج، فكتبوا إليه: إن استطعت أن لا تقيم يوماً واحداً فافعل، و أشخص إليه أبو عبيدة، أبا حمزة المختار بن عوف الأزدي في رجال من الاباضية فقدموا عليه حضرموت، فحثّوه على الخروج و أتوه بكتب أصحابه، فدعا أصحابه فبايعوه فقصدوا دار العمارة و على حضرموت: إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، فأخذوه فحبسوه يوماً ثمّ أطلقوه، فأتىٰ صنعاء و أقام عبد اللّه بن يحيى بحضرموت، و كثر جمعهم، و سمّوه «طالب الحق»، ثمّ استولى على صنعاء فأخذ الضحّاك بن الزمل و إبراهيم بن جبلة بن مخرمة فحبسهما، و جمع الخزائن و الأموال فأحرزها ثمّ أرسل إلى الضحّاك و إبراهيم فأرسلهما، و قال لهما: حبستكما خوفاً عليكما من العامة و ليس عليكما مكروه فأقيما إن شئتما أو أشخصا، فخرجا.


1) . الإمام جابر بن زيد: 176، نقلاً عن العقود الفضية للحارثي: 187.

فلمّا استولى عبد اللّه بن يحيى على بلاد اليمن خطب الناس و قال: إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّٰه تعالى و سنّة نبيّه و إجابة من دعا إليهما. الإسلام ديننا، و محمّد نبيّنا، و الكعبة قبلتنا، و القرآن إمامنا. رضينا بالحلال حلالاً لا نبغي به بدلاً، و لا نشتري به ثمناً قليلاً؛ و حرّمنا الحرام و نبذناه وراء ظهورنا، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّٰه و إلى اللّٰه المشتكى و عليه المعوّل، من زنا فهو كافر، و من سرق فهو كافر، و من شرب الخمر فهو كافر، و من شكّ في أنّه كافر فهو كافر، ندعوكم إلى فرائض بيّنات، و آيات محكمات، و آثار مقتدى بها، و نشهد أنّ اللّٰه صادق فيما وعد، عدل فيما حكم، و ندعو إلى توحيد الرب و اليقين بالوعيد و الوعد، و أداء الفرائض، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و الولاية لأهل ولاية اللّٰه، و العداوة لأعداء اللّٰه.

كلّ ذلك كان في سنة ثمان و عشرين و مائة.(1)

ثمّ إنّه استولى على مكّة ثمّ المدينة و ذلك في الوقت الذي بدأت ثورة بني العباس في خراسان، فكانت الدولة المركزية المروانية مشغولة بإخماد الثورة، فانتهز طالب الحق الفرصة و بسط سيطرته على الحجاز كلّه، و لكن في سنة ثلاثين و مائة جهّز مروان بن محمّد جيشاً مع عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي فلقى الخوارج بوادي القرى فقتل بلج بن عقبة، و فرّ أبو حمزة في بقيّتهم إلى مكة، فلحقهم عبد الملك فكانت بينهم وقعة قتل فيها أبو حمزة و أكثر من كان معه من الخوارج، و صار عبد الملك في جيش


1) . الأغاني لأبي الفرج الاصفهاني: 224/23-256. و قد بسط الكلام في خبر عبد اللّه بن يحيى و خروجه و مقتله.

مروان من أهل الشام يريد اليمن. و خرج عبد اللّه بن يحيى الكندي الخارجي من صنعاء فالتقوا بناحية الطائف و أرض جرس، فكانت بينهم حرب عظيمة قتل فيها عبد اللّه بن يحيى و أكثر من كان معه من الاباضية، و لحق بقيّة الخوارج ببلاد حضرموت.

يقول المسعودي: فأكثرها اباضية إلى هذا الوقت و هو سنة 332 ه، و لا فرق بينهم و بين من بعمان من الخوارج في هذا المذهب.(1)

أئمّة الاباضية في القرون الأُولى:

اشارة

قد تعرّفت على الشخصيات البارزة للاباضية في القرن الأوّل و بداية القرن الثاني، غير أنّ أئمّتهم و شخصياتهم لا تحصر فيما ذكرنا، و نحن نأتي بقائمة أسمائهم، فمن أراد التوسّع فليرجع إلى تراجمهم في الكتب المعدّة، فقد ذكروا أنّ لهم وراء من ذكرنا ترجمتهم، أئمّة بالأسماء التالية:

القرن الأوّل:

1 - جعفر بن السماك العبدي.

2 - أبو سفيان قنبر.

3 - الصحار العبدي.


1) . مروج الذهب و معادن الجوهر: 242/3 طبع دار الأندلس؛ تاريخ الطبري: 41/6 و 394/7-400؛ الكامل لابن الأثير: 351/5 دار صادر.

القرن الثاني:

4 - صمّام بن السائب.

5 - أبو نوح صالح الدهان.

6 - الجلندي بن مسعود العماني.

7 - أبو الخطاب عبد الأعلى المعافري.

8 - هلال بن عطية الخراساني.

9 - أبو سنيان محبوب بن الرحيل.

10 - أبو صفره عبد الملك بن صفره.

11 - عبد الرحمن بن رستم.

12 - محمّد بن يائس.

13 - أبو الحسن الأيدلاتي.

القرن الثالث:

14 - أفلح بن عبد الوهاب.

15 - عبد الخالق القزاني.

16 - محكم الهواري.

17 - المهتا بن جيفر.

18 - موسى بن علي.

19 - أبو عيسى الخراساني.

20 - محمّد بن محبوب.

21 - محمّد بن عباد.

22 - الصلت بن مالك.

23 - أبو اليقظان بن أفلح.

24 - أبو منصور الياس.

25 - عمروس بن فهد.

26 - هود بن محكم.

القرن الرابع:

27 - أبو الخضر يعلى بن أيّوب.

28 - أبو القاسم يزيد بن مخلد.

29 - أبو هارون موسى بن هارون.(1)

إنّ الكاتب المعاصر علي يحيى معمّر، ترجم جابر بن زيد و أبا عبيدة مسلم في الجزء الأوّل من كتابه «الاباضية في موكب التاريخ» تحت عنوان


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 27/1-28.

الاباضية في قيادة الأُمّة: 145-155، ثمّ خصّ الجزء الثاني بترجمة أئمّتهم و ذكر كثيراً منهم القاطنين في «ليبيا» بعد البحث عن «دخول المذهب الاباضي إلى ليبيا» و من أراد الوقوف فليرجع الى هذا الجزء: 21-197.

دول الاباضية:

اشارة

قد قام باسم الاباضية عدد من الدول في أربعة مواضع من البلاد الإسلامية:

1 - دولة في عمان استقلّت عن الدولة العباسية في عهد أبي العباس السفّاح سنة 132، و لا تزال إلى اليوم.

2 - دولة في ليبيا سنة 140، و لم تعمّر طويلاً فقد انتهت بعد نحو ثلاث سنوات.

3 - دولة قامت في الجزائر سنة 160، و قد بقيت إلى حوالي 190، ثمّ قضت عليها الدولة العبيدية.

4 - دولة قامت في الأندلس و لا سيّما في جزيرتي «ميورقة» و «مينورقة»، و «ليس لدينا من أخبارهم الكثير و قد انتهت يوم انتهت الأندلس و أطفأ التعصّب الغربي شعلة الإسلام في تلك الديار».(1)

هذه الاباضية، و هذا ماضيهم و حاضرهم، و قد قدّمنا إليك صورة موجزة من تاريخهم، و نشوئهم و حروبهم و شخصياتهم و عقائدهم، و قد


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 92/1-93.

جرّدنا أنفسنا عن كل نزعة نفسانية تعرقلنا عن الوصول إلى الحق، و اللّٰه وراء القصد.

و الآن نستعرض رسالة «عبد اللّه بن اباض» إلى عبد الملك بن مروان، كما وعدناك:

رسالة عبد اللّه بن أباض إلى عبد الملك بن مروان

بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ

من عبد اللّه بن أباض إلى عبد الملك بن مروان: سلام عليك. فإنّي أحمد إليك اللّٰه الذي لا إله إلّا هو، و أُوصيك بتقوى اللّٰه فإنّ العاقبة للتقوى و المرد إلى اللّٰه، و اعلم أنّه إنّما يتقبّل اللّٰه من المتّقين.

أمّا بعد، جاءني كتابك مع سنان بن عاصم، و إنّك كتبت إليَّ أن أكتب إليك بكتاب، فكتبت به إليك، فمنه ما تعرف و منه ما تنكره، زعمت أنّما عرفت منه ما ذكرت به من كتاب اللّٰه و حضضت عليه من طاعة اللّٰه، و اتّباع أمره، و سنّة نبيّه، و أمّا الذي أنكرت منه فهو عند اللّٰه غير منكر. و أمّا ما ذكرت من عثمان و الذي عرضت به من شأن الأئمّة و أنّ اللّٰه ليس ينكر عليه أحد شهادته في كتابه بما أنزله على رسوله أنّه من لم يحكم بما أنزل اللّٰه فأُولئك هم الظالمون و الكافرون و الفاسقون(1). و انّي لم أكن أذكر لك شيئاً من شأن


1) . قال اللّٰه تعالى في سورة المائدة 44-45 و 47. «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولئِكَ هُمُ الكافِرُونَ». «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ اللّٰه فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُون». «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّٰه فَأُولئكَ هم الفاسِقُونَ».

عثمان و الأئمّة إلّا و اللّٰه يعلمه أنّه الحق، و سأنزع لك من ذلك البيّنة من كتاب اللّٰه الذي أنزله على رسوله، و سأكتب إليك في الذي كتبت به، و أخبرك من خبر عثمان و الذي طعنّا عليه فيه، و أُبيّن شأنه و الذي أتى عثمان.

لقد كان كما ذكرت من قدم في الإسلام و عمل به و لكنّ اللّٰه لم يجر العباد من الفتنة و الردّة عن الإسلام، و إنّ اللّٰه بعث محمّداً بالحق صلى الله عليه و آله و سلم و أنزل الكتاب فيه بيّنات كل شيء يحكم بين الناس فيما اختلفوا «هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»(1). فأحلّ اللّٰه في كتابه حلالاً و حرّم حراماً و فرض فيه حكماً و فصّل فيه قضاءه و بيّن حدوده فقال: «تِلْكَ حُدُودُ اَللّٰهِ فَلاٰ تَقْرَبُوهٰا»(2). و قال: «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللّٰهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ»(3). و قسم ربّنا قسماً و ليس لعباده فيه الخيرة، ثمّ أمر نبيّه باتّباع كتابه، فقال للنبي صلى الله عليه و آله و سلم: «وَ اِتَّبِعْ مٰا يُوحىٰ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ»(4). و قال:

«فَإِذٰا قَرَأْنٰاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنٰا بَيٰانَهُ»(5). فعمل محمّد صلى الله عليه و آله و سلم بأمر ربّه و معه عثمان و من شاء اللّٰه من أصحابه لا يرون رسول اللّٰه يتعدّى من قبله شيئاً، و لا يبدّل فريضة، و لا يستحلّ شيئاً حرّمه اللّٰه، و لا يحرّم شيئاً أحلّه اللّٰه، و لا يحكم بين الناس إلّا بما أنزل اللّٰه، فكان يقول: «إِنِّي أَخٰافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذٰابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ»(6). فسّر صلى الله عليه و آله و سلم ما شاء اللّٰه تابعاً لما أمر اللّٰه، يتبع ما جاء من اللّٰه، و المؤمنون معه يعلّمهم و ينظرون إلى عمله حتى توفّاه اللّٰه عليه الصلاة و السلام و هم عنه راضون،


1) . الأعراف: 52، و يوسف 111.

2) . البقرة: 187.

3) . البقرة: 229.

4) . الأحزاب: 2.

5) . القيامة: 18-19.

6) . الأنعام: 15، و يونس: 15.

فنسأل اللّٰه سبيله و عملاً بسنّته. ثمّ أورث اللّٰه عباده الكتاب الذي جاء به محمّد و هداه و لا يهتدي من اهتدى من الناس إلّا باتّباعه و لا يضلّ من ضلّ من الناس إلّا بتركه.

ثمّ قام من بعده أبو بكر على الناس فأخذ بكتاب اللّٰه و سنّة نبيّه، و لم يفارقه أحد من المسلمين في حكم حكمه، و لا قسم قسّمه حتى فارق الدنيا و أهل الإسلام عنه راضون و له مجامعون.

ثمّ قام من بعده عمر بن الخطاب قويّاً في الأمر، شديداً على أهل النفاق، يهتدي بمن كان قبله من المؤمنين، يحكم بكتاب اللّٰه، و ابتلاه اللّٰه بفتوح من الدنيا ما لم يبتل به صاحباه، و فارق الدنيا و الدين ظاهر و كلمة الإسلام جامعة و شهادتهم قائمة، و المؤمنون شهداء اللّٰه في الأرض.

و كذلك قال اللّٰه: «جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى اَلنّٰاسِ وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً»(1). ثمّ أشار المؤمنون فولّوا عثمان، فعمل ما شاء اللّٰه بما يعرف أهل الإسلام حتى بسطت له الدنيا و فتح له من خزائن الأرض ما شاء اللّٰه. ثمّ أحدث أُموراً لم يعمل به صاحباه قبله، و عهد الناس يومئذ قريب بنبيّهم حديث. فلمّا رأىٰ المؤمنون ما أحدث عثمان أتوه فكلّموه و ذكّروه بكتاب اللّٰه و سنّة من كان قبله من المؤمنين.

و قال اللّٰه: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيٰاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهٰا إِنّٰا مِنَ اَلْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ»(2). فسفَّه أن ذكّروه بآيات اللّٰه و أخذهم بالجبروت،


1) . البقرة: 143.

2) . السجدة: 22.

و ضرب منهم من شاء اللّٰه و سجن و نفاهم في أطراف الأرض من شاء اللّٰه منهم نفياً أن ذكّروه بكتاب اللّٰه و سنّة نبيّه و من كان قبله من المؤمنين، و قال اللّٰه: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيٰاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهٰا وَ نَسِيَ مٰا قَدَّمَتْ يَدٰاهُ»(1).

و إنّي أُبيّن لك يا عبد الملك بن مروان الذي أنكر المؤمنون على عثمان و فارقناه عليه فيما استحلّ من المعاصي عسى أن تكون جاهلاً عنه غافلاً و أنت على دينه و هواه!! لا يحملنّك يا عبد الملك هوى عثمان أن تجحد بآيات اللّٰه و تكذّب بها!!! فإنّ عثمان لا يغني عنك من اللّٰه شيئاً، فاللّٰه، اللّٰه يا عبد الملك بن مروان قبل التناوش من مكان بعيد، و قبل أن يكون لزاماً، و أجل مسمّىٰ!! و إنّه كان ممّا طعن المؤمنون عليه و فارقوه و فارقناه فيه، فإنّ اللّٰه قال: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسٰاجِدَ اَللّٰهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ وَ سَعىٰ فِي خَرٰابِهٰا أُولٰئِكَ مٰا كٰانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهٰا إِلاّٰ خٰائِفِينَ لَهُمْ فِي اَلدُّنْيٰا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ»(2). فكان عثمان أوّل من منع مساجد اللّٰه أن يقضى فيها بكتاب اللّٰه. و ممّا نقمناه عليه و فارقناه عليه أنّ اللّٰه قال لمحمّد صلى الله عليه و آله و سلم «لاٰ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مٰا عَلَيْكَ مِنْ حِسٰابِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ وَ مٰا مِنْ حِسٰابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ اَلظّٰالِمِينَ»(3).

فكان أوّل(4)هذه الأُمّة طردهم و نفاهم، فكان ممّن نفاهم من أهل


1) . الكهف: 57.

2) . البقرة: 114.

3) . الأنعام: 52.

4) . في نسخة: «خيار».

المدينة أبو ذَرّ الغفاري، و مسلم الجهني، و نافع بن الحطام(1)، و نفى من أهل الكوفة كعب بن أبي الحلمة، و أبي الرحل الوجاج، و جندب بن زهير(2)، و جندب هو الذي قتل الساحر الذي كان يلعب به الوليد بن عقبة(3)، و نفى عمرو بن زرارة، و زيد بن صوحان(4)، و أسود بن ذريح، و يزيد بن قيس الهمداني، و كردوس بن الحضرمي، في ناس كثير من أهل الكوفة.

و نفى من أهل البصرة عامر بن عبد اللّه القشري، و مذعور العبدي و لا أستطيع لك عددهم من المؤمنين.

و ممّا نقمنا عليه أنّه أمر أخاه الوليد بن عقبة على المؤمنين، و كان يلعب بالسحرة و يصلّي بالناس سكران، فاسق في دين اللّٰه، أمّره من أجل قرابته، على المؤمنين المهاجرين و الأنصار، و إنّما عهدهم حديث بعهد اللّٰه و رسوله و المؤمنين.

و ممّا نقمنا عليه إمارته قرابته على عباد اللّٰه و جعل المال دولة بين الأغنياء، و قال اللّٰه: «كَيْ لاٰ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ اَلْأَغْنِيٰاءِ»(5). و بدّل كلام اللّٰه و بدَّل القول و اتّبع الهوى.


1) . ورد الاسم أيضاً: «نافع بن الحطامي».

2) . جندب بن زهير الأزدي: ذكر الطبري أنّه قتل في صفّين و هو يحارب مع عليّ بن أبي طالب.

3) . الوليد بن عقبة، أخ عثمان بن عفان لأُمّه، و روي أنّه و هو أمير على الكوفة، صلّى بالناس الصبح و هو سكران، ثمّ قال لهم: إن شئتم أن أزيدكم ركعة زدتكم، فلمّا بلغ عثمان ذلك لم يسرع إلى إقامة الحدّ عليه، بل أخّر ذلك. (انظر: الإمامة و السياسة: 36/1).

4) . زيد بن صوحان: قتل شهيداً يوم الجمل.

5) . الحشر: 7.

و ممّا نقمنا عليه أنّه انطلق إلى الأرض ليحميها لنفسه و لأهله(1)حمى حتى منع قطر السماء و الرزق الذي أنزله اللّٰه لعباده، لأنفسهم و أنعامهم. و قد قال اللّٰه: «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرٰاماً وَ حَلاٰلاً قُلْ آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللّٰهِ تَفْتَرُونَ * وَ مٰا ظَنُّ اَلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللّٰهِ اَلْكَذِبَ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ»(2).

و ممّا نقمنا عليه أنّه أوّل من تعدّىٰ في الصدقات و قد قال اللّٰه: «إِنَّمَا اَلصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اَلْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ اَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي اَلرِّقٰابِ وَ اَلْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»(3). و قال اللّٰه: «وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاٰلاً مُبِيناً»(4).

و أحدث عثمان منه فرائض كان فرضها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رحمة اللّٰه عليه -، و انتقص أصحاب بدر ألفاً من عطائهم، و كنز


1) . يقال حمى فلان الأرض يحميها حمى حتى لا يقرب. و الحمى موضع فيه كلأ يحمى من الناس أن يرعى. و قال الإمام الشافعي في تفسير قوله صلى الله عليه و آله و سلم «لا حمى إلّا للّٰه و لرسوله»: كان الشريف من العرب في الجاهلية إذا نزل بلداً في عشيرته استعوى كلباً فحمى لخاصّته مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره، فلم يرعه معه أحد، و كان شريك القوم في سائر المراتع حوله، فنهى النبي صلى الله عليه و آله و سلم أن يحمى على الناس حمى كما كانوا في الجاهلية يفعلون. (انظر: دكتور حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي: 1 / هامش صفحة 273).

2) . يونس: 59-60.

3) . التوبة: 60.

4) . الأحزاب: 36.

الذهب و الفضة و لم ينفقها في سبيل اللّٰه، و قال اللّٰه: «وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاٰ يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمىٰ عَلَيْهٰا فِي نٰارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هٰذٰا مٰا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مٰا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ»(1).

و ممّا نقمنا عليه أنّه كان يضمّ كلّ ضالّة إلى إبله و لا يردّها و لا يعرّفها، و كان يأخذ من الإبل و الغنم ممّن وجد ما عنده من الناس و إن كانوا قد أسلموا عليها(2)، و كان لهم في حكم اللّٰه أنّ لهم ما أسلموا عليه. و قال اللّٰه: «وَ لاٰ تَبْخَسُوا اَلنّٰاسَ أَشْيٰاءَهُمْ وَ لاٰ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ»(3).

و قال: «لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ وَ لاٰ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوٰاناً وَ ظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نٰاراً وَ كٰانَ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيراً»(4).

و ممّا نقمنا عليه أنّه أخذ خمس اللّٰه لنفسه و يعطيها أقاربه و يجعل منهم عمّالاً على أصحابه و كان ذلك تبديلاً لفرائض اللّٰه، و فرض اللّٰه الخمس للّٰه و لرسوله: «وَ لِذِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ اَلْفُرْقٰانِ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعٰانِ وَ اَللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ»(5).

و ممّا نقمنا عليه أنّه منع أهل البحرين و أهل عُمان أن يبيعوا شيئاً من


1) . التوبة: 34-35.

2) . أسلموا عليها: تصالحوا عليها.

3) . هود: 85.

4) . النساء: 29-30.

5) . الأنفال: 41.

طعامهم حتى يباع طعام الإمارة، و كان ذلك تحريماً لما أحلّ اللّٰه: «وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا»(1).

فلو أردنا أن نخبر بكثير من مظالم عثمان لم نحصها إلّا ما شاء اللّٰه، و كل ما عددت عليكم من عمل عثمان يُكفّر الرجل أن يعمل ببعض هذا.

و كان من عمل عثمان أنّه يحكم بغير ما أنزل اللّٰه و خالف سنّة نبي اللّٰه و الخليفتين الصالحين أبي بكر و عمر و قد قال اللّٰه: «وَ مَنْ يُشٰاقِقِ اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدىٰ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً»(2).

و قال: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ».(3)، «أَلاٰ لَعْنَةُ اَللّٰهِ عَلَى اَلظّٰالِمِينَ»(4)، «وَ مَنْ يَلْعَنِ اَللّٰهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً»(5)، و قال: «لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ»(6)، و قال: «وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنّٰارُ وَ مٰا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مِنْ أَوْلِيٰاءَ ثُمَّ لاٰ تُنْصَرُونَ»(7).

و قال: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ»، و الفاسقون(8)و الكافرون(9)و قال: «أَلاٰ لَعْنَةُ اَللّٰهِ عَلَى اَلظّٰالِمِينَ».


1) . البقرة: 275.

2) . النساء: 115.

3) . المائدة 45.

4) . هود: 18.

5) . النساء: 52.

6) . البقرة: 124.

7) . هود: 113.

8) . و في سورة المائدة: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ اللّٰه فَأُولئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ» آية 47.

9) . و في سورة المائدة: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ اللّٰه فَأُولئِكَ هُمُ الكافِرُونَ» آية 44.

و قال: «وَ مَنْ يَلْعَنِ اَللّٰهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً». و قال: «وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنّٰارُ». و قال: «كَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى اَلَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لاٰ يُؤْمِنُونَ»(1). فكل هذه الآيات تشهد على عثمان، و إنّما شهدنا بما شهدت هذه الآيات: «اَللّٰهُ يَشْهَدُ بِمٰا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَ اَلْمَلاٰئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً»(2).

و قال: «فَوَ رَبِّ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مٰا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ»(3).

فلمّا رأى المؤمنون الذي نزل به عثمان من معصية اللّٰه، و المؤمنون شهداء اللّٰه ناظرون أعمال الناس، و كذلك قال اللّٰه: «اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلىٰ عٰالِمِ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهٰادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(4).

و ترك خصومة الخصمين في الحق و الباطل و دفع ما وعد اللّٰه من الفتن، و قال اللّٰه: «الم * أَ حَسِبَ اَلنّٰاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّٰا وَ هُمْ لاٰ يُفْتَنُونَ * وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكٰاذِبِينَ»(5).

فعلم المؤمنون أنّ طاعة عثمان على ذلك طاعة إبليس، فساروا إلى


1) . يونس 33.

2) . النساء: 166.

3) . الذاريات: 23.

4) . التوبة: 105.

5) . العنكبوت: 1-3.

عثمان من أطراف الأرض، و اجتمعوا في ملأ من المهاجرين و الأنصار و عامّة أزواج النبي عليه الصلاة و السلام - فأتوه فذكّروه اللّٰه و أخبروه الذي أتى من معاصي اللّٰه، فزعم أنّه يعرف الذي يقولون، و أنّه يتوب إلى اللّٰه منه و يراجع الحق فيقبلوا منه الذي اتّقاهم به من اعتراف الذنب و التوبة و الرجوع إلى أمر اللّٰه، فجامعوه و قبلوا منه، و كان حقّاً على أهل الإسلام إذا اتّقوا بالحق أن يقبلوه و يجامعوه ما استقام على الحق.

فلمّا تفرّق الناس على ما اتّقاهم به من الحق نكث عن الذي عاهدهم عليه و عاد فيما تاب منه، فكتب في أدبارهم أن تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف. فلمّا ظهر المؤمنون على كتابه و نكثه على العهد الذي عاهدهم عليه رجعوا فقتلوه بحكم اللّٰه، و قال اللّٰه: «وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمٰانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقٰاتِلُوا أَئِمَّةَ اَلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاٰ أَيْمٰانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ»(1). فجامع أهل الإسلام ما شاء اللّٰه، و عمل بالحق، و قد يعمل الإنسان بالإسلام زماناً ثمّ يرتد عنه. و قال اللّٰه: «إِنَّ اَلَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمُ اَلْهُدَى اَلشَّيْطٰانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلىٰ لَهُمْ»(2).

فلمّا استحلّ معصية اللّٰه و ترك سنّة من كان قبله من المؤمنين، علم المؤمنون أنّ الجهاد في سبيل اللّٰه أولى، و أنّ الطاعة في مجاهدة عثمان على أحكامه. فهذا من خبر عثمان و الذي فارقناه فيه، و نطعن عليه اليوم، و طعن عليه المؤمنون قبلنا، و ذكرت أنّه كان مع رسول اللّٰه و ختنه(3)، فقد كان عليّ


1) . التوبة: 12.

2) . محمّد: 25.

3) . الختن: زوج الابنة. الجمع أختان.

بن أبي طالب أقرب إلى رسول اللّٰه و أحبّ إليه منه، و كان ختنه و من أهل الإسلام. و أنت تشهد عليه بذلك و أنا بعد على ذلك، فكيف تكون قرابته من محمّد صلى الله عليه و آله و سلم نجاةً إذا ترك الحق و ضلّ كفراً(1).

و اعلم، إنّما علامة كفر هذه الأُمّة كفرها الحكم بغير ما أنزل اللّٰه، ذلك بأنّ اللّٰه قال: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْكٰافِرُونَ»(2). فلا أصدق من اللّٰه قيلاً، و قال: «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اَللّٰهِ وَ آيٰاتِهِ يُؤْمِنُونَ»(3).

فلا يغرّنّك يا عبد الملك بن مروان، عثمان عن نفسك، و لا تسند دينك إلى الرجال يتمنّون و يريدون و يستدرجون من حيث لا يعلمون ، فإنّ أملك الأعمال بخواتمها، و كتاب اللّٰه جديد ينطق بالحق أجارنا اللّٰه باتباعه أن نضل أو نبغي(4)فاعتصم بحبل اللّٰه يا عبد الملك و اعتصم باللّٰه، و إنّه من يعتصم باللّٰه يهده صراطاً مستقيماً. و هو حبل اللّٰه الذي أمر المؤمنين أن يعتصموا به و لا يتفرّقوا. و ليس حبل اللّٰه الرجال من أيّهم حَسُنَ ينهبون و يطعنون، فأُذكّرك اللّٰه لما أن تدبّرت القرآن فإنّه حق. و قال اللّٰه: «أَ فَلاٰ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا»(5). فكن تابعاً لما جاء من اللّٰه تهتدي، و به تخاصم من


1) . قال سبحانه لنبيّه: «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» الزمر / 65. و لكن الكلام في وقوع الشرط. إنّ الإمام لم يشرك، و لم يضل أبداً. إنّما ترك الحق أُولئِكَ الذين ألجئوه إلى إجابة دعوة الشاميين، و حذّروه من مواصلة الحرب و قد كان الامام على أعتاب النصر، و قد بلغوا في اللجاج و العناد إلى حدّ لم يمهلوا القائد لقواته - الأشتر - عدوة فرس أو فواق ناقة، فلاحظ.

2) . المائدة: 44.

3) . الجاثية: 6.

4) . و في نسخة: «أن نبغي أو نضل».

5) . محمّد: 24.

خاصمك من الناس، و إليه تدعو و به تحتجّ، فإنّه من يكن القرآن حجّته يوم القيامة به يخاصم من خاصمه و يفلح في الدنيا و الآخرة. فإنّ الناس فقد اختصموا «إِنَّكُمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ»(1)فتعمل لما بعد الموت و لا يغرّنّك باللّٰه الغرور.

و أَمّا قولك في شأن معاوية بن أبي سفيان أنّ اللّٰه قام معه و عجّل نصره و أفلح حجّه و أظهره على عدوّه بطلب دم عثمان، فإن يكن يعتبر الدين من قبل الدولة أن يظهر الناس بعضهم على بعض في الدنيا فإنّا لا نعتبر الدين بالدولة، فقد ظهر المسلمون على الكافرين لينظر كيف يعملون، و قد ظهر الكفّار على المسلمين ليبتلي المسلمين بذلك و يعلى الكافرين(2). و قال: «وَ تِلْكَ اَلْأَيّٰامُ نُدٰاوِلُهٰا بَيْنَ اَلنّٰاسِ وَ لِيَعْلَمَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدٰاءَ وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ اَلظّٰالِمِينَ * وَ لِيُمَحِّصَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ اَلْكٰافِرِينَ»(3).

فإن كان الدين إذا ظهر الناس بعضهم على بعض فقد سمعت الذي أصاب المشركون من يوم أُحُد، و قد ظهر الذين قتلوا ابن عفان عليه و على شيعته يوم الدار(4)و ظهر أيضاً عليّ، على أهل البصرة و هم شيعة عثمان(5)،


1) . الزمر: 31.

2) . و في نسخة: «و يملأ الكافرين».

3) . آل عمران: 140-141.

4) . اقتحم الثوار على عثمان بن عفان داره، بعد أن نشب القتال بينهم و بين من تصدّى للدفاع عنه و ذلك في الثامن عشر من ذي الحجّة سنة 35 ه و قتلوه و عرف ذلك اليوم ب «يوم الدار».

5) . يشير إلى انتصار الإمام علي بن أبي طالب في وقعة الجمل، التي دارت بينه و بين عائشة و طلحة و الزبير و ذلك في جمادى الآخرة سنة 36 ه.

و ظهر المختار على ابن زياد(1)، و أصحابه و هم شيعتهم، و ظهر مصعب الخبيث على المختار(2)و ظهر ابن السجف على أخنس بن دلجة و أصحابه، و ظهر أهل الشام على أهل المدينة(3)، و ظهر ابن الزبير على أهل الشام بمكة يوم استفتحوا منها ما حرّم اللّٰه عليكم و هم شيعتكم.

فإن كان هؤلاء على الدين فلا يعتبر الدين من قبل الدولة، فقد يظهر الناس بعضهم على بعض و يعطي اللّٰه رجالاً ملكاً في الدنيا، فقد أعطى فرعون ملكاً و ظهر في الأرض، و قد أعطى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه، و قد أعطى فرعون ما سمعت.

ثمّ إنّما اشترى معاوية(4)الإمارة من الحسن بن علي، ثمّ لم يف له بالذي عاهده عليه، و قال: «وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اَللّٰهِ إِذٰا عٰاهَدْتُمْ وَ لاٰ تَنْقُضُوا اَلْأَيْمٰانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهٰا وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اَللّٰهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اَللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا تَفْعَلُونَ * وَ لاٰ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهٰا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكٰاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمٰانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبىٰ مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمٰا يَبْلُوكُمُ اَللّٰهُ بِهِ


1) . أرسل المختار بن أبي عبيدة الثقفي، جيشاً بقيادة إبراهيم بن الأشتر لقتال عبيد اللّٰه بن زياد عامل الأمويين. و سار إبراهيم بن الأشتر حين لقى ابن زياد و من معه من أهل الشام على نهر الخازر (نهر بين اربيل و الموصل و يصب في دجلة) فدارت الدائرة على ابن زياد و قتل هو و كثير من أهل الشام و حمل رأسه إلى المختار.

2) . هزم المختار و قتل في الكوفة سنة 67 ه في الحرب التي دارت بينه و بين مصعب بن الزبير.

3) . حاضر مسلم بن عقبة المري، المدينة المنورة، من ناحية الحرة و فتحها و أباحها، و ذلك في أثناء حكم يزيد بن معاوية.

4) . تعبير خاطئ و الصحيح: تصالح الإمام مع معاوية بعد ما أتمّ الحجّة على الأُمّة.

وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ مٰا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ»(1).

فلا تسأل عن معاوية و لا عن عمله و لا صنيعه، غير أنّا قد أدركناه و رأينا عمله و سيرته في الناس و لا نعلم من الناس أحداً(2)أترك للقسمة التي قسمها اللّه، و لا لحكم حكمه اللّٰه، و لا أسفك لدم حرام منه، فلو لم يصب من الدماء إلّا دم ابن سمية(3)لكان في ذلك ما يكفّره.

ثمّ استخلف ابنه يزيد فاسقاً من الناس لعيناً يشرب الخمر المكفر فيكفيه من السوء، و كان يتبع هواه بغير هدى من اللّٰه و قال اللّٰه: «وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اِتَّبَعَ هَوٰاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظّٰالِمِينَ»(4). فلم يخف عمل معاوية و يزيد على كل ذي عقل من الناس، فاتّق اللّٰه يا عبد الملك و لا تخادع من نفسك في معاوية!! فقد بلغنا أنّ أهل البيت يطعنون على معاوية و يزيد و عملهما و ما رأى من خبر معاوية من بعدهما، فالذي طعنّا عليهما و عليه و فارقناه عليه، فإنّ منهم فتنة كمن يكون يتولّى عثمان و من بعده. فإنّا نشهد اللّٰه و الملائكة أنّا منهم براء و لهم أعداء، بأيدينا و ألسنتنا و قلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا و نموت عليه إذا متنا، و نبعث عليه إذا بعثنا، نحاسب بذلك عند اللّٰه.


1) . النحل: 91-92.

2) . كتب في المخطوطة: «شيئاً لأحد».

3) . يشير إلى ما عمله معاوية بن أبي سفيان في سنة 45 ه حين ردّ اعتبار زياد بن سمية في نسبه فأحبّ أن يجعله أخاه و أتى بشهود شهدوا بأنّه ابن أبي سفيان، و هذا ما يعبّر عنه بالاستلحاق. و أصبح زياد يعرف باسم زياد بن أبي سفيان بعد أن كان يعرف باسم زياد بن سمية أو زياد بن أبيه. و قد دفع معاوية إلى ذلك الاعتبارات السياسية، و منذ أن اعترف معاوية بن أبي سفيان بزياد أخاً له و ابناً غير شرعي لأبيه، تفانى زياد في خدمة البيت الأموي.

4) . القصص: 50.

و كتبت إليّ تحذّرني الغلو في الدين، و إنّي أعوذ باللّٰه من الغلو في الدين، و سأُبيّن لك ما الغلو في الدين إذا جهلته، فإنّه ما كان يقال على اللّٰه غير الحق و يعمل بغير كتابه الذي بيّن لنا و سنّة نبيه الذي بيّن لنا، اتباعك قوماً قد ضلّوا و أضلّوا عن سواء السبيل. فذلك عثمان و الأئمّة من بعدهم و أنت على طاعتهم و تجامعهم على معصية اللّٰه، و اللّٰه يقول: «يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ لاٰ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لاٰ تَقُولُوا عَلَى اَللّٰهِ إِلاَّ اَلْحَقَّ»(1). فهذا سبيل أهل الغلو في الدين فليس من دعا إلى اللّٰه و إلى كتابه و رضى بحكمه، و غضب للّٰه حين عصي أمره، و أخذ بحكمه حين ضيع و تركت سنّة نبيّه.

و كتبت إليّ تعرض على الخوارج، تزعم أنّهم يغلون في دينهم و يفارقون أهل الإسلام، و تزعم أنّهم يتّبعون غير سبيل المؤمنين، و إنّني أُبيّن لك سبيلهم، إنّهم أصحاب عثمان، و الذي أنكروا عليه ما أحدث من تغيير السنّة، فارقوه حين أحدث و ترك حكم اللّٰه، و فارقوه حين عصى ربّه، و هم أصحاب عليّ بن أبي طالب حين حكّم عمرو بن العاص(2)و ترك حكم اللّٰه، فأنكروه عليه و فارقوه فيه و أبوا أن يقرّوا لحكم البشر دون حكم كتاب اللّٰه، فهم لمن بعدهم أشدّ عداوة و أشدّ مفارقة. كانوا يتولّون في دينهم و سنّتهم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و أبا بكر و عمر بن الخطاب، و يدعون إلى سبيلهم و يرضون بسنّتهم على ذلك، كانوا يخرجون و إليه يدعون و عليه يفارقون. و قد علم من عرفهم من الناس و رأى عملهم أنّهم كانوا أحسن الناس عملاً


1) . النساء: 171.

2) . لم يحكّم عمرو بن العاص، و إنّما حكّم القرآن كما تشهد على ذلك وثيقة التحكيم. فلاحظ.

و أشدّ قتالاً في سبيل اللّٰه. و قال اللّٰه: «قٰاتِلُوا اَلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ اَلْكُفّٰارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللّٰهَ مَعَ اَلْمُتَّقِينَ»(1).

فهذا خبر الخوارج، نشهد اللّٰه و الملائكة انّا لمن عاداهم أعداء و انّا لمن والاهم أولياء، بأيدينا و ألسنتنا و قلوبنا، على ذلك نعيش ما عشنا، و نموت على ذلك إذا متنا، غير أنّا نبرأ إلى اللّٰه من ابن الأزرق و أتباعه من الناس، لقد كانوا خرجوا حين خرجوا على الإسلام فيما ظهر لنا، و لكنّهم ارتدّوا عنه و كفروا بعد إيمانهم(2)فنبرأ إلى اللّٰه منهم.

أمّا بعد فإنّك كتبت إليّ أن أكتب إليك بجواب كتابك، و أجتهد في النصيحة، و إنّي أُبيّن لك إن كنت تعلم و أفضل ما كتبت إليك به، و ذكّرتني باللّٰه أن أُبيّن لك فإنّي قد بيّنت لك بجهد نفسي، و أخبرتك خبر الأُمّة، و كان حقّاً عليّ أن أنصح لك و أُبيّن لك ما قد علمت. إنّ اللّٰه يقول:

«إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ اَلْبَيِّنٰاتِ وَ اَلْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي اَلْكِتٰابِ أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاّٰعِنُونَ * إِلاَّ اَلَّذِينَ تٰابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا اَلتَّوّٰابُ اَلرَّحِيمُ»(3). فإنَّ اللّٰه لم يتَّخذني عبداً و أن أكفر بربّي، و لا أُخادع الناس بشيء ليس في نفسي، و أُخالف إلى ما أنهى عنه، فأمري علانية غير سرّ، أدعو إلى كتاب اللّٰه و ليحلّوا حلاله و يحرّموا حرامه و يرضوا بحكمه و يتوبوا إلى ربّهم و يراجعوا كتاب اللّٰه، و لئن أدعوكم


1) . التوبة: 123.

2) . يشير هنا إلى تبرّؤ الاباضية من نافع بن الأزرق و الأزارقة و ذلك لغلوّهم و تطرّفهم في الدين.

3) . البقرة: 159-160.

إلى كتاب اللّٰه ليحكم بيني و بينكم في الذي اختلفوا فيه، و نحرّم ما حرّم اللّٰه، و نحكم بما حكم اللّٰه، و نبرأ ممّن برئ اللّٰهُ منه و رسوله، و نتولّى من يتولّاه اللّٰه، و نطيع من أحلّ لنا طاعة في كتابه، و نعصي من أمر اللّٰه بمعصيته أن نطيعه فهذا الذي أدركنا عليه نبيّنا صلى الله عليه و آله و سلم. و إنّ هذه الأُمّة لم تحرّم حراماً و لم تسفك دماءً إلّا حين تركوا كتاب ربّهم الذي أمرهم أن يعتصموا به، و يأمنوا عليه، و انّهم لا يزالون مفترقين مختلفين حتى يراجعوا كتاب اللّٰه و سنّة نبيّه، و ينتصحوا كتاب اللّٰه على أنفسهم، و يحكّموه إلى ما اختلفوا فيه. فإنّ اللّٰه يقول: «وَ مَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اَللّٰهِ ذٰلِكُمُ اَللّٰهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ»(1). و إنّ هذا هو السبيل الواضح لا يشبّه به شيء من السبل، و هو الذي هدى اللّٰه به من كان قبلنا، محمّد صلى الله عليه و آله و سلم و الخليفتين الصالحين من بعده، فلا يضلّ من اتّبعه و لا يهتدي من تركه، و قال: «وَ أَنَّ هٰذٰا صِرٰاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاٰ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصّٰاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»(2). فاحذر أن تفرّق بك السبل عن سبيله، و يزيّن لك الضلالة باتّباعك هواك فيما جمعت إليه الرجال، فإنّهم لن يغنوا عنك من اللّٰه شيئاً، إنّما هي الأهواء و الدين. إنّما يتبع الناس في الدنيا و الآخرة إمامين: إمام هدى، و إمام ضلالة. أمّا إمام الهدىٰ فهو يحكم بما أنزل اللّٰه و يقسم بقسمه و يتبع كتاب اللّٰه، و هم الذين قال اللّٰه: «وَ جَعَلْنٰا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا لَمّٰا صَبَرُوا وَ كٰانُوا بِآيٰاتِنٰا يُوقِنُونَ»(3)و هؤلاء أولياء المؤمنين الذين أمر الله بطاعتهم، و نهى عن معصيتهم. و أمّا إمام الضلالة فهو الذي


1) . الشورى: 10.

2) . الأنعام: 153.

3) . السجدة: 24.

يحكم بغير ما أنزل اللّٰه و يقسم بغير ما قسم اللّٰه، و يتبع هواه بغير سنّة من اللّٰه فذلك كفر كما سمّى اللّٰه، و نهى عن طاعتهم و أمر بجهادهم، و قال: «فَلاٰ تُطِعِ اَلْكٰافِرِينَ وَ جٰاهِدْهُمْ بِهِ جِهٰاداً كَبِيراً»(1).

فإنّه حقّ أنزله بالحق و ينطق به، و ليس بعد الحق إلّا الضلال فأنّى تصرفون. و لا يضربن الذكر عنك صفحاً، و لا تشكّنّ في كتاب اللّٰه، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّٰه، فإنّه من لم ينفعه كتاب اللّٰه، لم ينفعه غيره.

كتبت إليّ أن أكتب إليك بمرجوع كتابك، فإنّي قد كتبت إليك، و أنا أُذكّرك باللّٰه العظيم إنّ استطعت باللّٰه لمّا قرأت كتابي ثمّ تدبّر فيه و أنت فارغ ثمّ تدبّره، فقد كتبت إليك بجواب كتابك و بيّنت لك ما علمت و نصحت لك. فإنّي أُذكّرك باللّٰه العظيم لمّا قرأت كتابي و تدبّرته، و اكتب إليّ إن استطعت بجواب كتابي إذا كتبت إليك، إنّما أتنازع فيه أنا و أنت، انزع عليه بيّنة من كتاب اللّٰه أُصدّق فيه قولك، فلا تعرض لي بالدنيا فإنّه لا رغبة لي في الدنيا، و ليست من حاجتي، و لكن لتكن نصيحتك لي في الدين، و لما بعد الموت، فإنّ ذلك أفضل النصيحة، فإنّ اللّٰه قادر أن يجمع بيننا و بينك على الطاعة، فإنّه لا خير لمن لم يكن على طاعة اللّٰه. و باللّٰه التوفيق و فيه الرضى، و السلام عليه، و الحمد للّٰه، و صلّى اللّٰه على نبيّه محمّد و آله و سلّم تسليماً.(2)



1) . الفرقان: 52.

2) . السير و الجوابات لعلماء و أئمّة عمان: 325/2-345، تحقيق الاُستاذة الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف، ط وزارة التراث القومي و الثقافة، سلطنة عمان؛ الجواهر المنتقاة: 156-162؛ إزالة الوعثاء عن اتباع أبي الشعثاء: 86-101.

الفصل الثاني عشر: في عقائد فرق الخوارج و مخطّطاتهم في الحياة

اشارة

ظهرت الخوارج في الساحة الإسلامية بصورة تيار سياسي لا يتبنّون إلّا تطبيق الحكم الشرعي الوارد في الكتاب و السنّة في أمر البغاة (الشاميين) و كان الجميع يحملون شعار «لا حكم إلّا للّٰه» يريدون بذلك انّ حكم اللّٰه في حق البغاة هو القتال، لا تحكيم الرجال، و لم يكن لهم يومذاك منهج كلامي، و لمّا قضى عليّ عليه السلام نحبه، ركّز الخوارج جهدهم على مكافحة الحكّام الظالمين كمعاوية و آله، و مروان بن الحكم و أولاده، و قد حفظ التاريخ انتفاضاتهم في وجه خلفاء بني أُميّة و عمّالهم كما تعرّفت على لفيف منها.

فلا عجب عندئذٍ إذا رأينا أنّ خارجياً يقتفي أصحاب الحديث في العقائد، أو يتبنّىٰ عقيدة المعتزلة في غير مورد من الأُصول، و ما هذا إلّا لأنّ القوم في القرنين الأوّلين كانوا مقاتلين، قبل أن يكونوا أصحاب فكر، و كانوا ثوّاراً في وجه الحكومات، قبل أن يكونوا فرقة دينية تتبنّىٰ أُصولاً عقائدية، و الإمعان في المبدأ الذي اتّخذوه كحجر زاوية (تخطئة التحكيم) أو الأُسس التي تبنّوها في العهد الأموي، أي بعد استيلاء معاوية على الحكم، إلى عهد عبد الملك بن مروان (المتوفّىٰ 75 ه) إلى آخر الدولة المروانية (132 ه) يعرب عن أنّ القوم لم يكن لهم يوم ذاك فكر كلامي و لا فقهي، و أنّ الغاية من تبنّي الأُسس المذكورة في هذا الفصل (تكفير مرتكبي الكبيرة و حرمة

مناكحتهم و لزوم الخروج على الطغاة و...) إنّما هو تمهيد لأساليب توصلهم إلى القضاء على الخلفاء و حكّام الجور، و الاستيلاء على منصَّة الحكم. و لذلك لم يورثوا سوى الشغب و الثورة و الأخذ بزمام الحكم.

نعم الفرقة الباقية منهم - كالاباضية - لمّا استشعروا أنّه لا يصحّ بفريق سياسي أن يعيش بلا مبدأ كلامي أو فقهي، تداولوا بعض الموضوعات الكلامية و الفقهية بالبحث و التمحيص. و يبدو من خلال الرجوع إلى آثار تلك الفرقة أنّ أكثر ما يتبنّونه في مجال العقائد إنّما هو نتاج متأخّر لم يفكّر به مؤسّس الفرقة كعبد الله بن اباض و لا التابعي الآخر كجابر بن زيد، و أكثر ما ورثوا من الأوّل شجاعته الروحية، و صراحته في بيان الحقائق، و من الثاني أحاديث موقوفة، نقلها جابر عن عدّة من الصحابة، و أين هذا من منهج كلامي منسجم، وفقه واسع يتكفّل بيان تكاليف العباد في الحياة في عامّة المجالات. و هذا يؤيّد أنّ الخوارج - ظهرت يوم ظهرت - كفرقة سياسية ثمّ آلت إلى فرقة دينية.

و نحن نمرّ في هذا الفصل على عقائدهم و أُسسهم التي تعرّفت على سماتها و الغايات المتوخّاة منها.


1 - حكم التحكيم في حرب صفّين

اشارة

إنّ تخطئة التحكيم هو الحجر الأساس لقاطبة الخوارج، و قد اتّخذوه شعاراً أيّام حياة الامام علي عليه السلام و بعده، و الخوارج كلّهم، المتطرّف منهم و غيره، أصفقوا على أنّ قبول التحكيم في حرب صفّين كان أمراً مخالفاً للكتاب، و ما كان لعلي عليه السلام أن يُحكِّم الرجال في موضوع ورد فيه حكم إلهي في مصدرين رئيسيين - أعني: الكتاب و السنّة -، و بما أنّا ألمحنا إلى الموضوع و أوضحنا حاله في الفصل الثالث تحت عنوان «تحليل لكارثة التحكيم» فنحيل القارئ الكريم إلى ذاك الفصل و قد ذكرنا هناك وجوهاً مختلفة يحتملها ذلك الشعار، إلّا أنّ الإمعان في كتب القوم يعرب عن أنّهم لا يهدفون منه إلّا أحد الوجهين:

الف - تحكيم الرجال فيما نزل فيه حكم اللّٰه، كفر(1).

ب - لا إمرة إلّا للّٰه تبارك و تعالى.

أمّا الأوّل فيشترك فيه جميع فرقهم، و أمّا الثاني فإنّما يعود إلى بعض فرقهم كما سنذكر، و بما أنّه اعتمد على الوجه الأوّل جميع مفكّريهم و مشايخهم، و بالغ القوم في توضيحه و تنقيحه و تثبيته، فنأتي في المقام ببعض نصوصهم ثمّ نقوم بتحليله حتى يتبيّن الحق بأجلىٰ مظاهره.


1) . هذا هو الوجه الأوّل من بين الوجوه المذكورة في الفصل الثالث وَ وَعدنا هناك القارئ أن نرجع إلى تفصيله و تحليله و ما نذكره هنا إنجاز له.

التحكيم و التدخّل في موضوع له حكم سماوي:

إنّ للكاتب المعاصر: علي يحيى معمّر، مؤلف كتاب «الاباضية في موكب التاريخ» بياناً مفصّلاً حول الموضوع و قد بذل جهده في إثبات أنّ التحكيم كان تدخّلاً في موضوع فيه حكم اللّٰه، و هو مواصلة الحرب و القتال و مكافحة أهل البغي، و أنّ إيقاف القتال و إدلاء الأمر إلى الحكمين كان مخالفاً للتشريع السماوي، يقول:

«بايع المسلمون علي بن أبي طالب أميراً للمؤمنين، و كان أوّل من بايع طلحة بن عبيد اللّٰه، و الزبير بن العوام، و لكن ما كادت تتمّ البيعة، حتى كان طلحة و الزبير يحملان لواء الثورة مع جماعة من كبار الصحابة، و قد استظهروا بأُمّ المؤمنين عائشة، و وقف الخليفة في وجه الثائرين موقفاً حازماً صلباً، و قتل في هذه الثورة الطاحنة عدد غير قليل من المسلمين ذهب فيمن ذهب فيها طلحة و الزبير، و رجع بقيّة الثائرين إلى حظيرة الإمامة و الأُمّة.

لم تكد تنتهي هذه الحرب الطاحنة، و يعود إلى البلاد الهدوء و الاستقرار، و يَعْرف معاوية أنّ الثورة فشلت، و أنّه معزول عن ولاية الشام لا محالة، حتّى أعلن الثورة في الشام و هو حينئذ عامل من عمّال الخليفة، و أظهر أنّه يطالب بدم عثمان و قد استعدّ أمير المؤمنين لإطفاء هذه الثورة كما أطفأ الثورة التي سبقتها و جهّز جيشه القوي و سار به نحو الشام حيث

التقى بالجند الثائر في الموضع المعروف ب «صفّين»، و بدأت المعركة ثمّ استمرّ القتال حتى ظهرت طلائع النصر و أشرف جيش الخليفة على امتلاك زمام المعركة، و لم يبق للقضاء على هذه الثورة الجامحة إلّا لحظات عبّر عنها الأشتر «بفواق الناقة»، التجأ الثائرون إلى الحيلة و الخدعة، و لجئوا إلى المكر و المكيدة و رفعوا المصاحف و هم يصيحون يا أهل العراق بيننا و بينكم كتاب اللّٰه.

طلب الثائرون هدنة، ودعوا الخليفة الشرعي و جيشه إلى تحكيم حكمين، و قد فطن أمير المؤمنين و بعض من جيشه إلى هذه الخدعة، و عرفوا القصد من هذه الهدنة، و لكنّه بدلاً من أن يقف موقفه الحازم، و يوالي حربه ضد الثائرين، حتّى يتحقّق النصر، و قد تحقّقت بشائره، و يُلقي البغاةُ أسلحتَهم، و يعودوا إلى صفّ الأُمّة الذي انشقّوا عنه، و بغوا عليه - بدلاً من أن يقف موقفه الحازم ذلك - استجاب لدعاة الهزيمة و أخذ بنصيحة طلّاب الخدعة و أكثرهم موعود من معاوية أو من عمرو بن العاص، و رضى بالتحكيم وَ قَبِلَ الهدنة و أمر بإيِقاف القتال في الحال.

و هكذا انتهت هذه الثورة إلى هذا الموقف المائع الذي جعل حقّ عليّ في الخلافة، يتساوىٰ مع حقّ معاوية، و جعل نصيب البغاة الثائرين من الثواب، يساوي نصيب جيش الأُمّة الذي يدافع عن خلافة شرعية تمّت بالشورىٰ و انعقدت بالبيعة.

و تداعى الذين فطنوا إلى خدعة الهدنة من أصحاب عليّ و حذَّروه من قبولها، و أخبروه أنّ قبولها يعني الشكّ في خلافته، و التنازل عنها، و كانوا

مصرّين انّ الخلافة الشرعية حقّ لا يتطرّق إليه الشكّ، و لا يجوز فيها الرجوع و لا تقبل فيها المساومة.

و إذ خطر لعلي أن يستجيب لدعاة الهزيمة من جيشه، و الماكرين من عدوّه، و أن يشكّ في نفسه و الحقّ الذي بيده، و يتنازل عن الشرف الذي أولاه المسلمون، و يساوي بينه و بين أحد عمّاله، في قضية أخذ فيها عهداً من الأُمّة و أخذت منه فيها موثقاً و عهداً، و رضخ إلى تحكيم رجال فيما نزل فيه حكم اللّٰه.

حين فعل عليّ ذلك، تداعىٰ أُولئك الذين لم يرتضوا التحكيم و حذّروا عليّاً من قبوله، و هم يرون أنّ معاوية باغ لا حقّ له، و أنّ بيعة علي قد انفسخت بموافقته على الهدنة، و رضاؤه بالتحكيم جبراً، فلم تبق لأحد في أعناقهم بيعة، و ليس لأحد عليهم ميثاق، تداعوا إلى أن يعتزلوا جيش عليّ، و ركنوا إلى موقع يسمّى حروراء، فانعزلوا فيه ينتظرون تجدّد الحوادث، و اتّجاه الأُمّة في قضية الخلافة، و قد جرت الأُمور بأسرع ممّا يتوقّع لها، فما بلغ الموعد الذي حدّده الطرفان لانتهاء الهدنة، حتى اجتمع الناس و أعلن أبو موسى الأشعري مندوب علي، عزلَ عليّ عن الخلافة و ترك الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يشاءُون.

كان هؤلاء المحايدون ينظرون إلى معاوية نظرتهم إلى باغٍ، يحاول أن يفرض نفسه بالمكر و الحيلة، و لذلك فهم لا يقيمون أيّ وزن لدعوىٰ عزله، فهو لم يتولّ أمر الخلافة إلى ذلك الحين، لا بالإكراه، و لا بالشورى، فلا معنى لعزله من منصب ليس هو فيه، كما لا يقيمون أيّ وزن لتولية عمرو بن العاص

له، لأنّ عمراً لم يفوّضه المسلمون في تولية أمير المؤمنين، أمّا نظرتهم إلى علي فقد كانوا يتوقّعون أن يتّفق الحكمان على إقراره في الحكم، و حينئذ ترجع إلى علي الصبغة الشرعية التي تنازل عنها لإثباتها، و يجب على المسلمين حينئذ أن يوحّدوا صفوفهم، تحت طاعته، ما قام فيهم بكتاب اللّٰه، و لكنّ المندوب الذي اختاره علي ليمثّله في هذه القضية الظالمة، أعلن أنّه عزل عليّاً عن أمر المسلمين، و أنّ الأمر أصبح للشورىٰ و الاختيار، و تأيّد موقف هؤلاء المحايدين و انضمّ إليهم عدد آخر ممّن كانوا يقفون إلى جانب عليّ حتى ذلك الحين، و بحثوا الأمر فيما بينهم على أساس أنّ المسلمين أصبحوا دون خليفة.

فهذا معاوية باغٍ ظالم لا يمكن أن يتولّى أمر المسلمين، و هذا عليّ عزله المندوب الذي اختاره للتحكيم، و اذن فليختاروا، و اختاروا عبد اللّه بن وهب الراسبي، فبايعوه أميراً للمؤمنين و خليفة للمسلمين بعد علي بن أبي طالب، فهو الخليفة الشرعي الخامس في نظرهم».(1)

غيري جنىٰ و أنا المعاقبُ فيكم!:

لم أجد عنواناً يعرب عن مظلوميّة الإمام أمير المؤمنين في مسألة التحكيم الذي فرضه عليه الخوارج، ثمّ جاءوا يطالبونه بالجريمة، أحسن من هذا المصراع، و بما أنّا فرضنا على أنفسنا في بدء الكتاب ألّا نقضي على قوم بما كتبه غيرهم في حقّهم، فقد نقلنا هذا الكلام بتفصيله، و الإمعان في أوّله و ثناياه و آخره يدل على أنّ الكاتب أخذ موقفاً مسبقاً في مسألة


1) . الاباضية في موكب التاريخ: 21-34، الحلقة الأُولى.

التحكيم، فأخذ من التاريخ فقرات متناثرة تلائم موقفه، و ترك كل ما يخالفه. و إليك تحليل ما ذكره.

1 - كان من واجبه - قبل كلّ شيء - التعريف بالذين فرضوا التحكيم على عليّ عليه السلام و أجبروه على قبوله، فمن هم الذين أجبروه على التحكيم و على التنازل عن الشرف الذي أولاه المسلمون، و بالتالي ساووا بينه و بين أحد عمّاله؟ فإنّ التعرّف عليهم أساس القضاء الحق فيما رسمه الكاتب و حرّره. الذين فرضوا التحكيم على علي عليه السلام لم يكونوا إلّا رءوس المحكّمة الأُولى الذين اتّخذهم الكاتب أئمّة و أولياء، فإنّ الإمام علي عليه السلام، فوجئ بمجيء زهاء عشرين ألفاً، مقنّعين في الحديد، شاكين سيوفَهم، و قد اسودّت جباههم من السجود يتقدّمهم مِسْعَر بن فدكي، و زيد بن حصين، و عصابة من القرّاء الذين صاروا خوارج من بعدُ، فنادوه باسمه، لا بإمرة المؤمنين، و قالوا: يا عليّ أجب القوم إلى كتاب اللّٰه إذا دُعيتَ، و إلّا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فو الله لنفعلنّها إن لم تجبهم، فقال الإمام لهم: «ويحكم أنا أوّل من دعا إلى كتاب اللّٰه، و أوّل من أجاب إليه، و ليس يحلّ لي و لا يَسَعُني في ديني أن أُدْعىٰ إلى كتاب اللّٰه فلا أقبله، فإنّي إنّما قاتلتهم ليدينوا بحكم القرآن، فإنّهم قد عصوا إليه فيما أمرهم، و نقضوا عهده و نبذوا كتابه، و لكنّي قد أعلمتكم أنّهم قد كادوكم، و أنّهم ليس العمل بالقرآن يريدون».(1)

إنّ حرقوص بن زهير السعدي الذي يُعدّ من الطبقة العليا للمحكّمة


1) . وقعة صفّين: 560-564 و غيرها.

الأُولى و كان مرشَّحاً للبيعة في بيت عبد اللّه بن وهب الراسبي قبله، كان من المصرّين على قبول التحكيم، لكنّه رجع عن رأيه و تاب عن كفره بزعمه، و لمّا دخل على عليّ عليه السلام و معه زرعة بن برج الطائي، فقال له: أُخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم، فعاتبه الإمام و قال: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني و قد كُتِبَ بيننا و بينهم كتاب...(1).

و قد وصل إصرار القوم إلى حدّ هدّدوا حياة الإمام بأنّهم يقضون عليها كما قضوا على حياة عثمان، فلم يجد الإمام بُدّاً من قبول التحكيم، و قد بلغ القوم في قلّة الحياء و شكاسة الخلق إلى حدّ فرضوا التحكيم على الإمام أوّلاً، ثمّ فرضوا عليه صيغة الحكم، و لم يرضوا بمن كان هوى علي عليه السلام معه، و قد كان الإمام يصرّ على بعث عبد اللّه بن عباس أو الأشتر، و لكنّهم ما رضوا إلّا بأبي موسى الأشعري الذي كان يَكنّ عداء عليّ في خُلْده لمّا عزله من ولايته.

أبعد هذا يصحّ للكاتب أن يقول: «و لكنّه - الإمام - بدلَ أن يقف موقفه الحازم و يوالي حربه ضد الثائرين حتى يتحقّق النصر، و قد تحقّقت بشائره، و يُلْقي البغاةُ أسلحتهم، و يعودوا إلى صفّ الأُمّة... بدلاً من أن يقف موقفه الحازم ذلك، استجاب لدعاة الهزيمة و أخذ بنصيحة طلاّب الخدعة...».

إنّ رءوس الخوارج هم الذين كانوا يشكِّلون دعاة الهزيمة، و طلّاب الخدعة، فلو كان التحكيم جناية فهم أولى بأن يجتنوا ثماره، و يحملوا


1) . تاريخ الطبري: 53/4.

أوزاره، لا الإمام الذي أعطى لهم نصحة الخالص، و نبّههم على أنّها خديعة، ظاهره الصلاح و باطنه الفساد و... أو ليس عاراً على جماعة، فرضوا على إمامهم التحكيم، و إدلاء الأمر إلى الحكمين و كتابة ميثاق بين الطرفين، أن يجيئوا شاهرين سيوفهم، يطلبون منه نقض الميثاق و رفض العهد الذي كان عنه مسئولاً، و كأنَّ الخلافة آلة طيّعة بأيديهم يلعبون بها كيف شاءوا.

هؤلاء لم يقدّروا عليّاً، و لا عرفوا مكانته و صموده في طريق العهد و الميثاق، فما دام الحكمان لم يخرجا عن الطريق المستقيم، لا ينقضُ قوله و عهده، و إن بلغ ما بلغ، و إن شهرت الخوارج سيوفهم عليه و على الخُلَّص من جيشه.

2 - إنّ عليّاً لم يستجب لدعاة الهزيمة و لم يأخذ بنصيحة طلّاب الخدعة، إلا بعد ما تحقّق عجزه عن القيام بمواصلة الحرب، و تطبيق حكم اللّٰه على البغاة - أعني: معاوية و أتباعه -... لا شكّ انّ حكم اللّٰه في حق البغاة هو قتالهم إلى أن يرجعوا إلى صفّ الأُمّة الذي انشقّوا عنه، و بغوا عليه، إلّا أنّ التكليف فرع القدرة و هي فرع طاعة الجيش لرأي قائده الحازم الباسل، الذي عرفه التاريخ بالبطولة و البسالة و الصمود و الوقوف في وجه الظالمين، و لكن يا للأسف انّ أغلبية الجيش انخَدَعُوا بخدعة معاوية، و أخذوا بمخالفته على حسب ما عرفت، و عندئذ لا تثريب على الإمام أن يُسلِّم الأمر إلى الحكمين و يقف عن القتال قائلاً: «لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا»(1)،


1) . البقرة: 286.

و «لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ مٰا آتٰاهٰا»(1)و يقول: «لقد كنت أمس أميراً، فأصبحت اليوم مأموراً، و كنت أمس ناهياً، فأصبحت اليوم منهيّاً».(2)

إنّ بعض الكُتّاب الجدد من الاباضية يصرّح بأنّ عليّاً قَبِلَ التحكيم مضطرّاً و يقول: «إنّ هذه الخدعة لم تكن لتجوز على علي بن أبي طالب، و قد أدركها و أدرك حقيقة ما وراءها من الوهلة الأُولى، و أعلن على الفور رفضه لها و عدم قبوله للتحكيم. إنّ علي بن أبي طالب إنّما قبل التحكيم مضطرّاً و رضي به مكرهاً ازاء ضغط من ضعف أفراد جماعته، و من نهضوا بينهم يدعون إلى قبول التحكيم، و انّ الدعوة التي دعا بها معاوية أحدثت أثرها في خداع الجند، كما أنّها كانت نكأة لبعض من ضعفت أنفسهم للجهر بها و الدعوة إلى الكفّ عن القتال، و ازاء ذلك كلّه لم يكن في وسع عليّ إلّا أن يرضى بالتحكيم و إن لم يقتنع به و لم تخف نتائجه».(3)

و قال علي يحيى معمّر:

«كان التحكيم خدعة سياسية يراد بها تفريغ جيش أمير المؤمنين علي عليه السلام و انّه أوّل أو من أوائل من تفطّنوا للمكيدة، و لم يقبل التحكيم إلّا مكرهاً، و أنّه أنكره بشدّة و أبان لجيشه - الذي عمل فيه الطابور الخامس عمله - عواقب تلك المكيدة و أنّه لم يقبل التحكيم إلّا مضطرّاً عند ما وجد جيشه معرّضاً للتفرّق و التمزّق و ربّما للتناحر، و كان على رأي الإمام


1) . الطلاق: 7.

2) . نهج البلاغة: قسم الخطب، الخطبة 208.

3) . الإمام جابر بن زيد العماني: 100.

علي و على رأي أصحابه في اعتبار التحكيم مكيدة لا ينبغي قبولها، أكثر أئمة المسلمين منهم الإمامان العظيمان الحسن البصري و مالك بن أنس حسب ما أورده المبرّد في كامله و ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة بل أستطيع أن أزعم أنّنا اليوم و في هذا العصر و قد مضى على تلك الأحداث ثلاثة عشر قرناً و نصف - عند ما نقرأ أخبارها نشعر بالأسف و الحسرة، لأنّ تلك الخدعة الجريئة قد انطلت على أكثريّة جيش عليّ حتى اضطرّ للاستجابة لها، رغم معرفته القصد منها و تقديره لنتائجها و علمه علم اليقين أنّ القصد من تلك العملية لم يكن مراعاة للمصلحة العامّة و لا نظراً لخير الأُمّة، و لا تحكّماً للكتاب في شيء جهل فيه حكم الكتاب».(1)

و قال أيضاً: «و اختلف أصحاب علي اختلافاً شديداً بين موافق على الطلب، و معارض له، و اضطرّ الإمام إلى الموافقة نزولاً عند رأي الأغلبية و إن كان رأيه هو خلاف ذلك».(2)

نحن نسأل الكاتبين عن مسألة التحكيم المفروض على عليّ من جانب جيشه، فقد اعترفا بأنّ الإمام قبله بعد ما عرفه، دفعاً للتفرقة و التخرّق، بل للتناحر و انّه لو لا قبوله لثاروا على الإمام و قضوا على حياته، و عندئذٍ يصبح ابن أبي سفيان مالكاً لأزمّة الأُمور و متسنّماً على عرش الخلافة من دون منازع، و يصير الطريق لبسط سلطته و سيطرته مُعَبَّداً و مذلّلاً بأيدي خصمائه و أعدائه - أعني: الّذين قبلوا التحكيم و فرضوه على إمامه.


1) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 190/1-191.

2) . الاباضية بين الفرق الإسلامية: 166/2.

و أين ذلك الفرض من فرض قبول التحكيم حتى يرجع الطرفان إلى كتاب اللّٰه فيما اختلفا فيه.... و إن كان حكم الكتاب في ذلك واضحاً - و الخصم و أنصاره الأغبياء كانوا يتخيّلون أنّهم جاهلون بحكمه فيجب أن يرجع إليه بحكمين من الطرفين.

فإذا كان هذا موقف عليّ و المسلمين فلم يكن بُدّ من قبول التحكيم دفعاً للأفسد بالفاسد و هو ليس شيئاً خفيّاً على الكاتبين، و عند ذلك فلما ذا يؤاخذان عليّاً بقبول التحكيم و عدّه ذنباً يحتاج إلى التوبة و الاستغفار؟!

إذا كان قبول التحكيم عن إكراه و اضطرار، و قد قال سبحانه: «فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لاٰ عٰادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(1)أ فيصحّ للمغفّلين الّذين انتبهوا عن غفلتهم، و ضيّعوا الفرص الذهبيّة للقضاء على الطغمة الأموية، أن يصرّوا على عليّ بالتوبة و الاستغفار و إلّا فبالانعزال و الخروج عن تحت رايته بعد ما أخبر سبحانه أنّه غفور رحيم لكلّ مضطرّ ارتكب عملاً لا عادياً و لا باغياً؟

أ فيصحّ لهؤلاء و في رأسهم المحكِّمة الأُولى الذين كانوا أداة طيّعة - بلا وعي - بيد رأس الطابور الخامس الأشعث بن قيس، أن يحتفلوا في الكوفة و يختاروا لأنفسهم أميراً و خليفة، و يتّهموا عليّاً بأنّه عزل نفسه عن الخلافة، ثمّ يخرجوا عن الكوفة و ينزلوا ضفة النهر مُرْهبين و مرعبين و نار الفتنة بعد لم تطفأ و العدو الغاشم - معاوية بن أبي سفيان - على أُهْبَة الهجوم


1) . الأنعام: 145.

و بسط السيطرة و القضاء على الخلافة الشرعية.

إنّ النصوص التاريخية تضافرت على أنّ عليّاً أتمّ عليهم الحجّة قبل نشوب نار الحرب، و قد كان رؤساء المحكّمة - أعني: عبد اللّه بن وهب الراسبي و حرقوص بن زهير السعدي - و من في رتبتهما من المحكّمة، يسمعون كلام عليّ و هو يخاطبهم بأنّهم هم الذين فرضوا على عليّ التحكيم، فلمّا ندموا طلبوا منه نقض العهد و الميثاق المحرّم بنص الذكر الحكيم، و قد ذكرنا نص علي عند عرض التاريخ.

يقول صالح بن أحمد الصوافي: إنّ علي بن أبي طالب قد مضى بنفسه إلى أُولئك الخارجين عنه و قال لهم: من زعيمكم؟! قالوا: ابن الكواء. قال علي: فما أخرجكم عنّا؟ قال: حكومتكم يوم صفّين. قال: أنشدكم باللّٰه أ تعلمون أنّهم حين رفعوا المصاحف، فقلتم: نجيبهم إلى كتاب اللّٰه، قلت لكم: إنّي أعلم بالقوم منكم، إنّهم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن إنّي صحبتهم و عرفتهم أطفالاً و رجالاً، فكانوا شرّ أطفال و شرّ رجال.

اُمْضُوا على حقّكم و صدقكم، فإنّما رفع القوم هذه المصاحف خديعة و دهناً و مكيدة، فرددتم عَلَيّ، و قلتم: لا، بل نقبل منهم، فقلت لكم: اذكروا قولي لكم و معصيتكم إيّاي، فلمّا أبيتم إلّا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، و أن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن، فليس لنا أن نخالف حكماً يحكم به بما في القرآن. و إن أبيا فنحن من حكمهما براء، قالوا له: فخبرنا، أ تراه عدلاً تحكيم الرجل في الدماء؟.... فقال: إنّا لم نُحكِّم الرجال، إنّما حكَّمنا القرآن، و هذا القرآن هو خط مسطور بين دفّتين لا ينطق، إنّما

يتكلّم به الرجل... قالوا: فخبرنا عن الأجل لِمَ جعلته فيما بينك و بينهم؟ قال: ليعلم الجاهل، و يثبت العالم، و لعلّ اللّٰه - عزّ و جلّ - يصلح في هذه الهدنة هذه الأُمّة... ادخلوا مصركم، رحمكم اللّٰه...

قالوا: صدقت، قد كنّا كما ذكرت... و فعلنا ما وصفت، و لكن ذلك كان منّا خلاف القرآن، فقد تبنا إلى اللّٰه عزّ و جلّ منه، فتب كما تبنا، نبايعك، و إلّا فنحن مخالفين. فقال علي: ادخلوا فلنمكث ستة أشهر حتى يجيء المال، و يسمن الكراع، ثمّ نخرج إلى عدوّنا و لسنا نأخذ بقولهم و قد كذبوا...(1).

فهذا الكلام سواء أُلقي في الحروراء أو في ضفة النهر يعرب عن أنّ الأكثرية الساحقة من الخارجين عن طاعة علي - بل يمكن القول كلّهم - كانوا هم الذين فرضوا التحكيم على عليّ عليه السلام و ألجئوه إلى الرضوخ لمكيدتهم، فما ذا يطلبون من عليّ بعد ذلك؟

3 - إنّ ابن أبي سفيان قام لأجل أخذ الثأر من قتلة عثمان و لم يبايع عليّاً بحجّة أنّه كان يحمي الخارجين على عثمان، و الثائرين عليه، و كان الإمام يصرّ عليه أن يدخل أوّلاً فيما دخل فيه المسلمون، ثمّ يعرض المسألة عليه(2)و بما أنّ معاوية اتّخذ جانباً سلبيّاً في هذا الموضع، قام الإمام بتأديب الباغي، و ارجاعه إلى صفوف المسلمين و انتهى الأمر إلى نشوب الحرب بين الطرفين، و لجوء معاوية إلى الخدعة و المكر، و تحكيم الرجلين في


1) . الإمام جابر بن زيد العماني: 110-111.

2) . نهج البلاغة: قسم الرسائل برقم 64.

الموضوع الذي اختلف فيه الفريقان، فلم تكن الغاية من اتفاقية الصلح إلّا تحكيم الكتاب في الموضوع الذي تنازع فيه الطرفان، و أمّا عزل الإمام عن الخلافة و نصب معاوية مكانه فلم يكن في صلاحية الحكمين و إنّما دخلا في موضوع لم يُفَوَّض إليهما أمره. فرأيهما فيها بالعزل و النصب رأي ساقط.

4 - إنّ الإمام لمّا رأى لجاج العدو و عناده في صياغة اتفاقية الصلح حيث لم يرض به إلّا بمحو لقب إمرة المؤمنين عن جنب اسمه، رضى بذلك اقتداءً بالنبيّ الأكرم في صلح الحديبية حيث رضى أن يكتب اسمه و يمحى لفظ رسول اللّٰه، و لم يسمع لقول الأحنف حيث قال: «لا تمح اسم إمرة المؤمنين عنك فإنّي أتخوّف إن محوتها ألّا ترجع إليك أبداً، لا تمحها و إن قتل الناس بعضهم بعضاً، فأبى مليّاً من النهار أن يمحوها».(1)

و لكنّه عليه السلام لم يَرَ بدّاً من القبول و رضى بالمحو تحت ضغط الأشعث و المنخدعين من جيشه، و المقنّعين في الحديد.

و بذلك تقف على قيمة قوله: «و إذ خطر لعلي أن يستجيب لدعاة الهزيمة في جيشه، و الماكرين من عدوّه أن يشكّ في نفسه، و الحق الذي بيده، و يتنازل عن الشرف الذي أولاه المسلمون، ليساوى بينه و بين أحد عمّاله في قضيّة أخذ فيها عهداً من الأُمّة، و أخذت منه فيها موثقاً و عهداً و رضخ إلى تحكيم رجال فيما نزل فيه حكم اللّٰه».

إن فرض التحكيم على علي و قبوله و محو لقبه، تحت ضغط قسم


1) . وقعة صفّين: 582.

كبير من جيشه، لا يعني شكّه في نفسه و الحق الذي بيده، و التنازل الاختياري عن الشرف الذي أولاه المسلمون، بل يعني فسح المجال للتفكّر و التدبر فيما كان يدّعيه معاوية على الإمام من تقدّم أخذ الثأر على البيعة، حتى يقضيا الحكمان فيه برأي بات، و لو دلّ محو اللقب على الشك في الإمرة، فهل يظنّ الكاتب أنّ رسول اللّٰه شكّ في رسالته عند ما رضى بمحو لقبه عن جنب اسمه؟ نعم توهّم ذلك بعض أصحابه و تصوّر أنّ ذلك يساوي اعطاء الدنية في أمر الدين(1)، و لكنّ رسول اللّٰه استقبل الحادث بصدر رحب، و قبل الصلح على النحو الذي كان المشركون يطلبونه، و قد أثبت مرور الزمان صواب رأيه في الصلح، و أنّه كان لصالح المسلمين كما هو المحقّق في السيرة النبوية.

و الحاصل: لم يكن قبول التحكيم و الموافقة على الهدنة لغاية عزل الإمام نفسه عن الخلافة و إدلاء الأمر إلى الحكمين حتى يُخْتٰار للأُمّة الإسلامية خليفة، بل كانت الغاية من قبوله هو فسح المجال للحكمين حتّى يقضوا في ضوء الكتاب و السنّة في حقّ الباغي الوارد في الكتاب العزيز(2)و فيما يدّعيه ابن أبي سفيان في حقّ علي، حيث كان يقول لا يبايع إلّا بعد أخذ الثأر من قتلة عثمان كما صرّح به في بعض رسائله إلى الإمام، يقول الإمام:

«و قد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس، ثمّ حاكم


1) . لاحظ السيرة النبوية لابن هشام: 331/3.

2) . الحجرات: 9.

القوم إليّ أحملك و إيّاهم على كتاب اللّٰه، و أمّا تلك التي تريد فإنّها خدعة الصبي عن اللبن في أوّل الفصال».

و قد جاء في رسالة معاوية إلى الإمام قوله: «و ادفع إليّ قتلة عثمان، فإنّهم خاصّتك و خلصاؤك و المحدقون بك».(1)

فإنّ ابن أبي سفيان كان يطلب في الظاهر قتلة عثمان، و لكنّه في الباطن كان يمهّد الطريق إلى الخلافة، و ربّما كان قانعاً لأن يقرّه الإمام على الشام(2).

و بذلك ظهر بطلان قوله: «إنّ بيعة الإمام قد انفسخت بموافقته على الهدنة، و رضاؤه بالتحكيم جبراً، فلم يبق لأحد في عنقه بيعة» فإنّه تفسير لموقف الإمام بما يتجاوب هوى الكاتب، فإنّ الإمام لم يخلع نفسه عن الخلافة أبداً و لا تردّد في كونه الخليفة الشرعي و القانوني للأُمّة، و لو صحّ ما ذكره الكاتب و أنّ الإمام خلع نفسه عن الخلافة بمرأى و مسمع من جيشه و جيش عدوّه، لما قام أبو موسى بخلعه عن الخلافة، إذ لا معنى لخلع المخلوع لا سيّما من خلع نفسه و اعترف به.

و لو كان قبول التحكيم ملازماً للخلع عن الإمامة فلما ذا كتب الإمام - عند ما وصل إليه نبأ الحكمين و خيانتهما في مورد الوكالة - إلى زعماء الخوارج: زيد بن حصين و عبد اللّٰه بن وهب الراسبي و من معهما من الناس و قال: أمّا بعد فإنّ هذين الرجلين اللّذين ارتضينا حكمهما، قد خالفا كتاب


1) . شرح النهج: 253/17.

2) . المصدر نفسه، و مرّ تفصيله.

اللّٰه و اتّبعا هواهما بغير هدى من اللّٰه، فلم يعملا بالسنّة و لم يُنفِّذا للقرآن حكماً، فبرأ اللّٰه و رسوله منهما و المؤمنون، فإذا بلغكم كتابي هذا فاقبلوا فإنّا صائرون إلى عدوّنا و عدوّكم، و نحن على الأمر الّذي كنّا عليه.(1)

الحقّ إنّ من قرأ تاريخ مأساة التحكيم يقف على مدى الضغط الوارد عليه من جانب أصدقائه الحمقاء، ثمّ يرجع و يترحّم علىٰ الإمام و يبكي عليه ببكاء عال و يقول: «رحم اللّٰه الإمام عاش بين عدوّ غادر، و صديق انوك».

5 - و العجب العجاب أن يصبح عبد اللّه بن وهب الراسبي الخليفة الشرعي و القانوني للمسلمين فيجب على الأُمّة في جميع الأقطار و الأصقاع، إطاعة أمره، بحجة أن نفراً من الخوارج اجتمعوا في منزله فبايعوه، و لعلّ عدد المبايعين لا يتجاوز عن عدد الأصابع أو يزيد بقليل.(2)

إنّ البيعة الشرعيّة و انعقاد الإمامة لواحد من المسلمين رهن شروط و صلاحيات، ذكرها المعنيّون من علماء علم الكلام في كتبهم، و لم يذكر أحد أنّه إذا بايع عدّة من المسلمين شخصاً في صقع من الأصقاع يجب على عامّتهم الاعتراف بإمامته و خلافته.

إنّ معنى ذلك انّه يجوز لآحاد من المسلمين في البدو و القرى، أن يختاروا رجلاً فيبايعوه على الخلافة و إن كان المبايعون بُعَداء عن العاصمة الإسلامية الّتي فيها أهل الحل و العقد.


1) . تاريخ الطبري: 57/4.

2) . نفس المصدر.

لو صحّ أنّ الإمام خلع نفسه - و لن يصحّ حتى و لو صحّت الأحلام - فالواجب على المسلمين طرح الخلافة في شورى إسلامية عالميّة تضمّ إليها أكابر العلماء و الفقهاء، و أهل الحل و العقد من المهاجرين و الأنصار، و من اتّبعهما بإحسان، حتى يختاروا لأنفسهم إماماً، لا طرحها في بيت مسدود ليس فيه إلّا أُناس خرجوا على إمامهم الّذي تمّت البيعة له في مثل تلك الشورىٰ، لأنّ تصحيح ذلك بمعنى تصحيح الفوضىٰ في صفوف المسلمين، و شقّ عصاهم، و فصم عراهم، و غير ذلك ممّا لا يخفى على القارئ الكريم بطلانه.

6 - و العجب انّ الكاتب نقض ما كتبه هنا بما ذكره في الحلقة الثالثة من ذلك الكتاب، فإذا وصف الإمام في المقام، بأنّه استجاب لدعاة الهزيمة و أخذ بنصيحة طلّاب الخدعة، فقد صرّح في المقام الآخر بأنّ الإمام «عرف أنّها إحدىٰ المكائد الّتي تفطّن إليها ذهن عمرو بن العاص، و أصرَّ هو و أصحابه على الجهاد، و كان الإمام و المخلصون من أصحابه يكافحون لإقناع بقيّة الجيش بصواب موقفهم (مواصلة الحرب) و نبذ الاستماع إلى هذه الخدعة الحربية» و إن كنت في شكٍّ ممّا نقلناه عنه فاقرأ نصّه:

خالف معاوية بن أبي سفيان إجماع الأُمّة و أشعل نار الفتنة و جهّز جيشاً لمحاربة الخليفة الشرعي الّذي اختاره المسلمون، و قابله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بما يقابل به خليفة شرعي فئة باغية، فجهّز جيشاً من أبطال الإسلام و قاده بنفسه، و التقى الجيشان في صفّين، و ابتدأ القتال و عرف معاوية أنّه إذا لم يكن يلجأ إلى الحيلة فإنّه سوف يخسر

القضية في أقرب ممّا يتوقّع، و مهّد لذلك بتكوين طابور خامس في جيش علي ثمّ دعا إلى التحكيم.

و عرف علي و عرف أصحابه مقصد معاوية من التحكيم، و أنّها إحدىٰ المكائد الّتي تفتق عنها ذهن عمرو بن العاص، و لذلك قال علي:

إنّما قاتلناهم بكتاب اللّٰه، و أصرّ هو و أصحابه على الجهاد، و لكن الطابور الخامس الّذي كان يقوده أكبر صنايع معاوية: الأشعث بن قيس، كان قد عمل في الجيش، و مالت الأغلبية إلى قبول التحكيم، و حينما كان علي و المخلصون من أصحابه يكافحون لإقناع بقيّة الجيش بصواب موقفهم (مواصلة الحرب) و نبذ الاستماع إلى هذه الخدعة الحربية الّتي لجأ إليها الفريق الباغي، لخّص أحد أصحابه موقفهم هذا في هذه الكلمة المشهورة «لا حكم إلّا للّٰه» و كانوا يصيحون بها في جوانب الجيش و يرددها أنصار علي في كل موقف، و كان علي يستمع إليها راضياً بها و هو يناقش الناس و يدعوهم إلى التمسّك بمضمون هذه الكلمة و عدم الانخداع بحيل معاوية، لأنّ قضيتهم واضحة و قد حكم فيها اللّٰه سبحانه و تعالى من فوق سبع سماوات...

و شاءت إرادة المولىٰ سبحانه و تعالى - لحكمة يعلمها - أن لا تستجيب الأغلبية لعلي و أن تميل أكثريّة الجيش إلى دعاة الهزيمة، و أن يتغلّب الأشعث بن قيس صنيعة معاوية على المناضلين من أجل الحق، فيجد الإمام نفسه مضطرّاً إلى التخلّي، و ترك الصفوة من أصحابه ليحافظ على الأغلبية و يسير معها، فرضىٰ بالتحكيم مرغماً، و إلى هذه اللحظة الّتي رضى علي فيها

بالتحكيم، و موافقة الأغلبية، كانت كلمة «لا حكم إلّا للّٰه» تعبيراً عن موقفه و شعاراً لمبدئه، بل انّها تعبير و شعار لكلّ مؤمن يحكّم كتاب اللّٰه فيما شجر بينه خلاف و بين الناس.(1)

7 - إنّ التعبير عن الخروج على الإمام المفترض طاعته ب «الخلافة»، كما أنّ التعبير عن التمرّد و الشغب ب «تشكيل الدولة» مصادرة على المطلوب و المشي على الدعوى المسبقة بلا برهان، فيطيب لي أن أذكر نصّ الكاتب الّذي يصوَّر أنَّه كان للخوارج دولة بعد رفض التحكيم. قال:

«أصبحت الأُمّة الإسلامية منقسمة إلى ثلاث دول: دولة أسّسها معاوية و إن لم يبايعه عليها أحد إلى ذلك الحين، و دولة يرأسها علي بن أبي طالب بعد أن فشلت في نظره حكومة الحكمين، عاد فاستمسك بالبيعة الأُولىٰ‌(2)دون أن يعترف بعزل أبي موسىٰ الأشعري له مندوبه في قضيّة التحكيم، و دولة يرأسها عبد اللّٰه بن وهب الراسبي بعد أن بايعه جمع كبير من الذين انفصلوا عن علي، عند قبول التحكيم، ثمّ عند إعلان الحكم بعزل علي عن الخلافة، و مع كلّ فرقة من هذه الفرق جمع غير قليل من كبار الصحابة و فيهم بعض المشهود لهم بالجنّة.

على أنّ هناك فريقاً رابعاً اعتزلوا هذا النقاش الّذي وقع بين المسلمين و بعدوا عن قضية الخلافة فلم يطلبوها لأنفسهم، و لم يؤيّدوا واحداً من


1) . الاباضية في موكب التاريخ: 282-283، الحلقة الثالثة.

2) . فأي معنى للاستمساك بالبيعة الأُولى إذا خلع نفسه بمرأى و منظر من الناس يا ترى؟! أو ليس هذا دليلاً على أنّ الإمام لم يخلع نفسه في وجدان الكاتب؟!

طالبيها، و من هذا الفريق السادة سعد بن أبي وقاص و عبد اللّٰه بن عمر، و محمّد بن مسلمة الأنصاري و أُسامة بن زيد».(1)

إنّ الكاتب ادّعىٰ لابن وهب مقاماً ليس له أثر في التاريخ و لا في كلمات الخوارج حتى في نفس المجلس الّذي بايعوه، فإنّ البيعة لم تكن إلّا لأن يكون الرجل أميراً للجهاد و قائداً عسكرياً في القتال لا خليفة شرعياً يملأ الفراغ الحاصل من العزل المزعوم، و الشاهد على ذلك انّ حمزة بن سنان الأسدي أوّل من اقترح هذه الفكرة و قال: «فولّوا أمركم رجلاً منكم فإنّه لا بدّ لكم من عماد و سناد و راية تحفّون بها و ترجعون إليها...».

و لمّا قبلها عبد اللّٰه بن وهب، قال: أما و اللّٰه لا آخذها رغبة في الدنيا و لا أدعها فرقاً من الموت.(2)

8 - لم يكن محاربة الإمام للخوارج و على رأسهم عبد اللّٰه بن وهب الراسبي إلّا لأجل أعمالهم الإرهابيّة الّتي بلغت الإمام، فقال بعض المخلصين له: على ما ندع هؤلاء يخلّفوننا في أموالنا و عيالنا؟ سر بنا إلى القوم، فإذا فرغنا ممّا بيننا و بينهم صرنا إلى عدوّنا من أهل الشام، فقبل علي، فنادى بالرحيل.

كان من المظنون جداً أن يقوم عبد اللّٰه بن وهب الراسبي بسبي النساء و قتل الذراري، إذا رأوا أنّ العاصمة الإسلامية (الكوفة) خالية من زعيمها


1) . الاباضية في موكب التاريخ: 24، الحلقة الأُولى.

2) . تاريخ الطبري: 55/4.

و جيشها خصوصاً انّ علياً و مواليه كانوا عندهم مشركين كافرين تحلّ أموالهم و تجوز إراقة دمائهم و سبي نسائهم، فلأجل ذلك قلع الإمام عين الفتنة قبل أن يبادر بمحاربة عدوّ اللّٰه في الشام.

كلّ ذلك يدلّ على بطلان قول الكاتب: «بعد أن جمع الإمام علي جيشه و من بقي تحت طاعته من الجند، فكّر في إعادة الكرّة على معاوية و إخماد ثورته و محاولة إخضاعه من جديد، و لكن بعض أصحابه أشاروا عليه بمحاربة عبد اللّه بن وهب الراسبي هذا الخليفة الجديد الّذي وصل إلى منصب الخلافة عن طريق البيعة، و هو الطريق الشرعي للخلافة. و اقتنع علي بصواب هذا الرأي و عدل عن محاربة معاوية إلى محاربة عبد اللّٰه بن وهب، و كان أتباع عبد اللّه يعتقدون أنّ إمامهم هو الإمام الحق و انّ كلّاً من علي - بعد التحكيم و العزل - و معاوية، ثائران يجب عليهما الرجوع إلى حظيرة الإمامة».(1)

9 - روايات شاذة في أمر التحكيم:

الف - اعتمد الدكتور صالح الصوافي في تحليله مسألة التحكيم على رواية شاذّة ذكرها ابن قتيبة في تاريخ الخلفاء و قال: «لمّا لم يبق إلّا الكتاب، قال الأحنف بن قيس لعلي: يا أمير المؤمنين انّ أبا موسى رجل يماني و قومه مع معاوية فابعثني معه فو الله لا يُحِلّ لك عقدة إلّا عقدت لك أشدّ منها، فإن قلت إنّي لست من أصحاب رسول اللّٰه - صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم - فابعث


1) . الاباضية في موكب التاريخ: 24-25، الحلقة الأُولى.

ابن عباس و ابعثني معه، فقال علي: إنّ الأنصار أتوني بأبي موسى فقالوا: ابعث هذا فقد رضيناه و لا نريد سواه و اللّٰه بالغ أمره».(1)

إنّ هذه الرواية شاذّة غير معروفة و قد اتّفق المؤرّخون على أنّ عليّاً كان يصرّ على بعث ابن عباس أو الاشتر و لم يكن له أيّ هوى مع أبي موسى الأشعري، لما كان يستشف منه أنّ هواه مع غيره، و كيف لاٰ؟! و هو الّذي خذّل الناس عن مساعدة الإمام القائم يوم كان والياً على الكوفة، و تقاعد عن نصرته، و لم ينفّر الناس إلى ساحة قتال الناكثين بل دعاهم إلى البقاء في منازلهم بحجّة أنّها فتنة، القاعد فيها خير من القائم.(2)

كيف يعتمد على تلك الرواية الشاذّة مع أنّ ابن قتيبة، نقل خلافها في موضع آخر عند البحث عن ظهور المحكّمة، و نقلها الدكتور أيضاً في كتابه، قال: اتّضحت معالم المسألة واضحة، و بدا لكل ذي عينين أنّ التحكيم لم يكن سوى خديعة لم يبغ من طلبها سوى العدول عن الطريق السوي، و صحّ كل ما توقّعه علي بن أبي طالب حتى حقّ له أن يقول و قد وقع ما وقع: «أما إنّي قد أخبرتكم أنّ هذا يكون بالأمس، و جهدت أن تبعثوا غير أبي موسى فأبيتم عَلَيّ».(3)

أ فيصحّ بعد هذا، قوله إنّ الأنصار أتوني بأبي موسى فقالوا: ابعث هذا فقد رضيناه و لا نريد سواه؟! مع أنّه لم يرده أبداً و إنّما فرض عليه من فرض.


1) . الإمام جابر بن زيد العماني: 99 نقلاً عن الإمامة و السياسة: 114.

2) . تاريخ الطبري: 497/3.

3) . الإمام جابر بن زيد: 102 نقلاً عن الإمامة و السياسة لابن قتيبة: 119.

ب - إنّ الكتّاب الجدد لمّا واجهوا أنّ التحكيم سيّئة من سيّئات المحكّمة و أنّهم هم المسئولون عن عواقبه الوبيلة، عمدوا إلى الروايات الشاذّة و مخالقات أعداء الإمام. قالوا: إنّ عليّاً ظلّ يكاتب معاوية سرّاً من دون المسلمين، فكتب إلى معاوية: من عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: لو أعلم أنّك أمير المؤمنين لم أُقاتلك، فامح اسم أمير المؤمنين، ففعل علي ذلك فبلغ ذلك المسلمين، فقالوا له: يا علي ما حملك أن تخلع نفسك من اسم سمّاك به المسلمون؟ أ لست أمير المؤمنين و معاوية أمير المخالفين؟ فتب عمّا صنعت...، ثمّ إنّهم يذكرون أنّه بعد أن تاب عدل عن توبته و أمضى الحكومة أي التحكيم.(1)

إنّ ما ذكره من المكاتبة السرّية ليس له مسحة من الحقّ و لا لمسة من الصدق و لا يوجد في كتب القصاصين فضلاً عن التواريخ و السير، و ما ذكره ليس إلّا قصة التحكيم الّذي شهد عليه الطرفان على وجه التفصيل، و الإمام امتنع عن محو إمرة المؤمنين عن نفسه، و قد أمضى مليّاً من النهار، و هو يدفع ذلك الاقتراح غير أنّ المحكّمة و الطابور الخامس الذين فرضوا على عليّ نفس التحكيم، فرضوا عليه صيغته أيضاً، و لم يكن شيئاً خفيّاً من الناس بل كان على مشهد منهم، و قد ذكر الإمام ما جرى على النبي الأكرم في صلح الحديبية و أنّه سيبتلى بما اُبتلي به رسول اللّٰه، و أمّا قصة التوبة فقد مضىٰ الكلام فيها.


1) . الإمام جابر بن زيد: 112 نقلاً عن القلهاتي: في الكشف و البيان: 237/2.

ج - رووا عن علي عليه السلام أنّه بعد ما قتل الخوارج جعل يمرّ عليهم و هو يستغفر لهم و يقول: بئس ما صنعنا قتلنا خيارنا و فقهاءنا... فقال له بعض أصحابه: يا أمير المؤمنين قتلنا المشركين. قال: من الشرك فرّوا. قال: أمن المنافقين؟ قال إنّ المنافقين لا يذكرون اللّٰه إلّا قليلاً و هؤلاء يذكرون اللّٰه كثيراً.(1)

إنّ ما ذكره انما هو من مخاريق الخوارج، حاولوا أن يبرّروا أعمال أسلافهم فالقوم كانوا بغاة على الإمام المفترض طاعته، و مَنْ حبّه إيمان و بغضه كفر.(2)و القوم لم يكونوا مشركين و لا منافقين، و لكن كانوا بغاة، و لم يكونوا خيار القوم و لا فقهاءهم بل كانوا من أهل البادية الذين تسيطر عليهم السذاجة و يغترّون بالظواهر من دون التعمّق في البواطن. و أسوأ من ذلك ما نقله في ذيل كلامه و نحن نطهر قلمنا عن ذكره و الردّ عليه، فلم يكن الإمام نادماً من عمله لأنّه حقّق ما تنبّأ به النبي الأكرم في حقّه و أنّه سيقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين.(3)و آية ذلك انّه كانت للخوارج انتفاضات بعد وقعة النهروان، فلم يزل علي عليه السلام يبعث السرايا لإطفاء فتنتهم، و إخماد ثائرتهم إلىٰ أن اُغتيل بيد أشقاهم شقيق عاقر ناقة ثمود.(4)


1) . الإمام جابر بن زيد: 125، نقلاً عن القلهاتي في الكشف و البيان: 252/2-254.

2) . مرّ مصدره.

3) . مرّ مصدره.

4) . مرّ مصدره.

10 - لا إمرة إلّا للّٰه:

هذا هو الوجه الثاني لتفسير شعارهم «لا حكم إلّا للّٰه» و لكن الخوارج رفضوه عملاً و اختاروا عبد اللّٰه بن وهب خليفة لهم إلّا أنّه كانت توجد بين المتطرّفين منهم تلك النظرية. يقول الكاتب المعاصر علي يحيى معمر:

«انعزل معارضو التحكيم إلى جانب، و استمسكوا بموقفهم الّذي كانت تعبّر عنه هذه الكلمة أصدق تعبير، و نشأ عن هذا الموقف موقف آخر متطرّف كل التطرّف، فإنّ الكلمة حينما أُطلقت و قصد منها أنّه لا يجوز للناس أن يحكِّموا فيما نزل فيه حكم اللّٰه، و ذلك ما فهمه الإمام علي و رضى به، و فهمه المعارضون و عملوا به».

و لكن أُناساً من المتطرّفين فيما بعد زعموا أنّه لا حاجة إلى الإمارة و أنّه لا داعي لأن يكون للمسلمين حكومة و حملوا كلمة «لا حكم إلّا للّٰه» هذا المقصد الهدّام، و هذا التطرّف هو ما سخطته الأُمّة و ردّته عنهم، و تولى الإمام علي شرحه بإسهاب و إيضاح لا يبقى بعده إشكال.

قال الإمام علي و هو يردّ على أُولئك المتطرّفين الذين خرجوا بكلمة «لا حكم إلّا للّٰه» عن معناها الّذي وضعت له: «كلمة حق يراد بها الباطل، نعم لا حكم إلّا للّٰه، و لكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلّا للّٰه، و انّه لا بد للناس من أمير برّ أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، و يستمتع فيها الكافر، يبلّغ اللّٰه فيها الأجل، و يجمع بها الفيء، و يقاتل العدو، و تؤمن به السبل،

و يؤخذ به للضعيف من القويّ حتى يستريح برّ و يستراح من فاجر».(1)

الخوارج أنصار عليّ و شيعته؟!

إنّ الخوارج يعدّون أنفسهم شيعة الإمام علي - عليه السلام - و أنصاره و انّهم كانوا سواعده القويّة في قتال الناكثين و القاسطين، و انّهم هم الذين أعاروا جَماجمَهم لعليّ في القتالين، ثمّ يشكون عليّاً بأنّه ما أنصف في حقّ أنصاره و أعوانه، حيث قتلهم و هم براء من الذنب.

و ممّن صبّ الشكوى في قالب الشعر، هو أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي يقول في قصيدة له:

ارقتَ دماء المؤمنين بريئة *** لهن بزيزاء(2)الحراء(3)خرير(4)

عليّاً أمير المؤمنين بقيّة! *** كأنّ دماء المؤمنين خمور

سمعناك تنفي شركهم و نفاقهم *** فأنت على أيّ الذنوب نكير؟!

و ما الناس إلّا مؤمن أو منافق *** و منهم جحود بالإله كفور

و قد قلت ما فيهم نفاق و لا بهم *** جحود و هذا الحكم منك شهير

فهل أوجب الإيمان سفك دمائهم؟ *** و أنت بأحكام الدماء بصير!


1) . الاباضية في موكب التاريخ: 284، الحلقة الثالثة.

2) . الزيزاء: الاكمة الصغيرة

3) . الحراء: الحرّة: أرض ذات حجارة سود كأنّها أُحرقت بالنار.

4) . صوت الماء.

تركتَهم جزر السباع، عليهم *** لفائف من إيمانهم و ستور

مصاحفهم مصبوغة بدمائهم *** عليهن من كتب السهام سطور

و كنتَ حفياً يا بن عمّ محمّدٍ *** بحفظ دماء ما لهن خطير

و كنتَ حفياً أن يكونوا بقيّة *** لنصرك حيث الدائرات تدور

أما و الّذي لا حكم من فوق حكمه *** على خلقه ورد به و صدور

تنادي: أعيروني الجماجم كرّة *** فقد قدموها و الوطيس سعير

لَقِدْماً أعاروك الجماجم خشّعاً *** عليهنّ من قرع الصفاح فتور

فقصعتها إذ حَكَّمت حكم ربّها *** فما بقَّيْتَ عارية و معير(1)

و الحقّ إنّ هذه الأبيات تثير العواطف العمياء ضدّ الإمام، و يتخيّل صاحبها أنّ الإمام قد جحد حقّهم و تساهل، و لكنّه إذا رجع إلى غضون التاريخ، سرعان ما يرجع عن قضائه و يلوم نفسه على التسرّع، و إن كنت في شكّ من ذلك فارجع إلى ما ذكرناه من تاريخهم و أعمالهم الإجرامية حين التحكيم و بعده، و هنا نشير إلى نكات:

1 - إنّ قوله: سمعناك تنفي شركهم و نفاقهم يشير إلى ما رواه عن علي أنّه قال له بعض أصحابه: يا أمير المؤمنين قتلنا المشركين. قال: من الشرك فرّوا. قال: أمن المنافقين؟ قال إنّ المنافقين لا يذكرون اللّٰه إلّا قليلاً و هؤلاء يذكرون اللّٰه كثيراً.(2)


1) . الإمام جابر بن زيد العماني: 127-128

2) . الإمام جابر بن زيد العماني: 125، نقلاً عن القلهاتي في الكشف و البيان: 251/2-254.

يلاحظ عليه

أوّلاً: أنّ المروي عن علي - عليه السلام - في حقّ هؤلاء هو ما ذكره الطبري بقوله: بؤساً لكم لقد ضرّكم من غرّكم، فقالوا: يا أمير المؤمنين من غرّهم؟ قال: الشيطان، و أنفس بالسوء أمّارة، غرّتهم بالأماني، و زيّنت لهم المعاصي و نبّأتهم أنّهم ظاهرون(1).

ثانياً: نفترض صحّة الحديث و لكن القوم كانوا عصاة و بغاة، خارجين على الإمام المفترض عليهم طاعته، و العصاة عندكم كفّار، و عندنا فسّاق و لا حرمة للكافر، و الفاسق يقتل في ظروف خاصّة، خصوصاً إذا بغىٰ على الإمام الّذي أصفقت الأُمّة على إمامته و خلافته، قال سبحانه: «وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى اَلْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اَللّٰهِ فَإِنْ فٰاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ»(2).

فقد برّر سفك دمائهم بغيهم و خروجهم على الإمام المفترض طاعته، و على ضوء ذلك فلا معنى لقوله: «فهل أوجب الإيمان سفك دمائهم؟...».

2 - إنّ الشاعر في قوله: تركتهم جزر السباع...» يشير إلى أنّ الإمام قتلهم ثمّ تركهم مثل من تفتكه السباع و تتركه، و لكن التاريخ يشهد على خلافه. يقول الطبري:

«طلب عديّ بن حاتم ابنه طرفة فوجده فدفنه، ثمّ قال: الحمد للّٰه الّذي ابتلاني بيومك على حاجتي إليك، و دفن رجال من الناس قتلاهم...».


1) . تاريخ الطبري: 66/4.

2) . الحجرات: 9.

بل الإمام قام بعطف إنساني قدير. يقول الطبري:

«و طلب من به رمق منهم فوجدوهم أربعمائة رجل، فأمر بهم عليّ فدفعوا إلى عشائرهم، و قالوا: احملوهم معكم، فداووهم، فإذا برءوا فوافوا بهم الكوفة، و خذوا ما في عسكرهم من شيء، قال: و أمّا السلاح و الدواب و ما شهدوا عليه الحرب فقسّمه بين المسلمين، و أمّا المتاع و العبيد و الإماء فإنّه حين قدم ردّه على أهله»(1).

3 - يشير الشاعر بقوله: «تنادي اعيروني الجماجم كرّة - فقد قدّموها و الوطيس سعير» إلى ما خدموا عليّاً - عليه السلام - في الجمل و في صفّين قبل رفع المصاحف و هو صادق في هذا العزو و النسبة، و لكنّهم يا للأسف بخلوا بها في الموقف الحاسم الّذي كان بينه و بين النصر خطوة، و ذلك عند ما رفع أهل الشام المصاحف. قال الإمام: «عباد اللّٰه، إنّي أحق من أجاب إلى كتاب اللّٰه، و لكن معاوية و عمرو بن العاص و ابن أبي معيط و حبيب بن مسلمة، و ابن أبي سرح، ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن، إنّي أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالاً، و صحبتهم رجالاً، فكانوا شرّ أطفال و شرّ رجال. إنّها كلمة حق يراد بها باطل. انّهم و اللّٰه ما رفعوها انّهم يعرفونها و يعملون بها، و لكنّها الخديعة و الوهن و المكيدة. أعيروني سواعدكم و جماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحق مقطعة، و لم يبق إلّا أن يقطع دابر الذين ظلموا» فجاء زهاء عشرين ألفاً مقنّعين في الحديد شاكي السلاح، سيوفهم على عواتقهم، و قد اسودّت جباههم من السجود، يتقدّمهم مسعر بن فدكي، و زيد بن


1) . تاريخ الطبري: 66/4.

حصين، و عصابة من القرّاء الذين صاروا خوارج من بعد، فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين: يا علي، أجب القوم إلى كتاب اللّٰه إذا دعيت إليه، و إلّا قتلناك كما قتلنا ابن عفّان، فو الله لنفعلنها إن لم تجبهم فقال لهم: ويحكم، أنا أوّل من دعا إلى كتاب اللّٰه و أوّل من أجاب إليه، و ليس يحلّ لي و لا يسعني في ديني أن أُدعى إلى كتاب اللّٰه فلا أقبله، إنّي انّما أُقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن، فإنّهم قد عصوا اللّٰه فيما أمرهم، و نقضوا عهده، و نبذوا كتابه، و لكنّي قد أعلمتكم أنّهم قد كادوكم، و أنّهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون. قالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتيك و قد كان الأشتر صبيحة ليل الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله...

و قد بلغ بخلهم و ضنتهم بإعارة جماجمهم إلى حدٍّ طلب منهم الأشتر أن يمهلوه فواقَ ناقة أو عدوة الفرس فما أمهلوه. قال لهم: امهلوني فواقاً فإنّي قد أحسست بالفتح. قالوا: لا. قال: فأمهلوني عدوة الفرس، فإنّي قد طمعت في النصر، قالوا: اذن ندخل معك في خطيئتك. قال:

و حدثوني عنكم - و قد قتل أماثلكم و بقي أرذالكم.(1)

فالحقّ إنّ الخوارج كانوا أنصار عليّ في البداية و إلى أثناء حرب صفّين ثمّ انقلبوا.

و ممّا يندي الجبين انّ زيد بن حصين الطائي قد قدم إلى عليّ و معه عصابة من القرّاء فنادوه كما عرفت(2)لا بإمرة المؤمنين بل باسمه و فرضوا عليه قبول التحكيم، و هو بعد أيّام قلائل كان المرشّح الأوّل في أخذ البيعة


1) . وقعة صفّين: 489.

2) . وقعة صفّين: 489.

لواحد من المحكّمة في الحروراء، يقول الطبري:

قال حمزة بن سنان الأسدي: إنّ الرأي ما رأيتم، فولّوا أمركم رجلاً منكم فإنّه لا بدّ لكم من عماد و سناد، و راية تحفّون بها و ترجعون إليها، فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبىٰ، و عرضوها على حرقوص بن الزهير فأبى، و على حمزة بن سنان و شريح بن أوفىٰ العبسي فأبيا، و عرضوها على عبد اللّٰه بن وهب، فقال: هاتوها...(1)

فالرجل ذو طبيعة متسرّعة في القضاء، فيوماً يفرض التحكيم على علي و يوماً آخر يستنكر التحكيم و يُرشَّح لقيادة الثورة على علي لأجل قبول التحكيم!!

4 - قد جادت قريحة العلاّمة الفقيه السيد محمود البغدادي - دامت معاليه - بقصيدة ضافية فنّد فيها ما جاء في الأبيات السابقة نقتطف منها ما يلي:

تراءت(2)فقلتُ الشمسُ حيثُ تنيرُ *** ففي القلب منها لوعةٌ و سعيرُ

و لستَ ترىٰ في الخلق مثلَ عقيدةٍ *** جمالاً يرد الطرفَ و هو حسيرُ

ادافع عنها من أراد مساءةً *** و اقمع من قد صدَّ و هو جَسورُ


1) . تاريخ الطبري: 55/4.

2) . ضمير التأنيث يرجع إلى العقيدة المعلومة من سياق القصيدة

و ليس محبّاً من يُخلّي عداتَه *** تشنُّ على أحبابه و تُغير

أَ مِثْلُ عليّ في عدالةِ حكمه *** يُردُّ... و عشّاقُ الجمالِ حضور

عليٌّ عليٌّ بابُ علمِ محمّد *** و ذاك حديث كالبدور شهير

أ إنْ زار بالجيش العرمرم ثُلَّة *** يُعَبْ زائر أوْ يُمدَحنَّ مَزورُ

و قد فارقوه بعد نصر مؤَزَّر *** و لم يُلف منهم بعد ذاك ظهير

و قِدماً أعاروه الجماجم خُشّعاً *** و ما كلُّ من وافىٰ الحروب يعير

و هل ينفع النصر القديم إذا امّحىٰ *** بحقد، و فارت بالعداء قدور

همُ قد أثاروا الحرب حين تنكّبوا *** سلاحاً كثيفاً و السلاحُ يثير

و هم مرقوا كالسهم من دين أحمدٍ *** و ذلك أمرٌ ما عليه ستورُ

لَعَمري لَنعمَ الصحْبُ كانوا لصاحب *** و لكنّما الدنيا الفتون غرور

إذا هُمُ بعد الحبّ لُدّاً تأَلّبوا *** و دارت رحاهم و الزمانُ يدور

أ إِنْ رفع القرآنُ خدعةَ خادع *** أُجيب صغيرٌ و اسْتُضِلَّ كبيرُ

فقال علي لا تجيبوه للتي *** أراد فدعوىٰ من دعاكمُ زور

أ إن قد حملتم حملة حيدريّة *** و رفرف لي نصر و قام بشير؟!

يُرِدْكُمُ للإذلال بعد تعزّز *** و هل عزّة كالنصر حين يمور

أعيروني للّٰه الجماجم ساعة *** فإنّ عدوّي حين ذاك فَرور

أ لا تمهلوني - يا رفاقَ مسيرةٍ - *** فُواقَ انتصار و الفواقُ يسير؟

إذا كنتُ بالأحكام أبصرَ باصر *** دعوني و ما قد أرتئي و أُشير

و لا خيرَ في نسكٍ بغير بصيرةٍ *** و أجدر من خاض الحروب بصير

فقالوا أجبهم للّتي قد دعوا لها *** فَثمَّ كتابٌ حاكم و أمير

و إلّا تجبهم يا عليُّ فإنّنا *** عداةٌ أشداءٌ عليك نسور

و ساروا إلى أرض الحروراء و اَغْتَدوا *** لحرب عليّ و الزمان غَدور

فقال لهم هيّا أنيبوا إلى الهدىٰ *** و هيّا معي نحو العداة فسيروا

أطيعوني ما كنت التبيع لأحمد *** فإن أنا لم اتبع خُطاه فثوروا

فقالوا له أنت الكَفورُ فتُبْ و ثُبْ *** فما قادنا نحو الجهاد كفور

و حجّوني بالقرآن إنْ كنُتُم علىٰ *** مقاطع حقّ فالحقيقةُ نور

و لمّا تنادوا للقتال تقدّموا *** كآساد خفان لهنّ زئير

فأَرداهُم صُنْو النبي محمّد *** بلا ندمٍ و العزمُ منه مرير

فيا عجباً كيف ابن وهب(1)يثيرها *** و لم تختصر و الرأي منه أسير

و كان قئولاً: خمّروا الرأي تُفلحوا *** فأكرم آراء الرجال خمير(2)

فإن له في عتبة بن ربيعة مشابه *** حال تلتقي و تجور(3)

إلّا أنّها الأَقدارُ إنْ حانَ حينها *** يُغلَّب فِكِّيرٌ(4)بها و خطيرُ

و يا ربَّ علمٍ مثل جهل مركب *** قليلٌ به الإنسان و هو كثير

و يا ربَّ علمٍ يُحمَدُ الجهلُ عندَهُ *** و تُعزى له تمجِيدَةٌ و شُكورُ



1) . المراد: عبد اللّٰه بن وهب الراسبي رأس المحكّمة

2) . إشارة إلى ما أُثر عنه: دعوا الرأي حتى يختمر فلا خير في الرأي الفطير.

3) . تميل.

4) . فكّير: كثر التفكير. خطير: عظيم الشأن.

2 - حكم مرتكب الكبيرة من الجهات الثلاث

اشارة

إنّ أوّل مسألة - بعد الإمامة - أثارت ضجّة كبرىٰ بين المسلمين و فرّقتهم إلى فرقتين بل إلى فرق هي: مسألة حكم مرتكب الكبيرة، فقد وقع البحث فيها في جهات ثلاث:

الجهة الأُولىٰ: هل مرتكب الكبيرة مؤمن أو مشرك؟

الجهة الثانية: هل مرتكب الكبيرة مؤمن أو كافر؟

الجهة الثالثة: هل مرتكب الكبيرة محكوم بالخلود في النار أو لا؟

و أساس المسألة هو أنّ العمل هل هو جزء من الإيمان أو لا؟: فعلى الأوّل فإذا أخلَّ بحكم من أحكام الإسلام كما إذا ارتكب الحرام أو ترك الواجب لا جاحداً لحرمته أو وجوبه، بل لغلبة هواه على عقله، يخرج عن دائرة الإيمان، و على الثاني يبقى مؤمناً و يوصف بالفسق و الخروج عن الطاعة، و لأجل إيضاح المقام نشير إلى الآراء المختلفة في هذا الباب:

ذهبت الأزارقة إلى أنّ مرتكب المعاصي مشرك فضلاً عن كونه كافراً من غير فرق بين الكبيرة و الصغيرة، و ذهبت النجدية إلى أنّ مرتكب الكبيرة مشرك، و أمّا الصغائر فلا، فهاتان الطائفتان من متطرّفة الخوارج، تتّفقان في كون ارتكاب الكبائر موجباً للشرك و الكفر، و يختلفان في الصغائر، فتراها الأزارقة مثل الكبائر دون النجدية.

و ذهبت الاباضية إلى كون الارتكاب كفراً لا شركاً، و الكفر عندهم أعم، من كفر الجحود و كفر النعم، فمرتكبها من المؤمنين كافر كفر النعمة لا كفر الجحود.

و ذهبت المعتزلة إلى أنّ مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن و لا كافر فضلاً عن كونه مشركاً. نعم اتّفقت المعتزلة و الخوارج على كونه مخلَّداً في النار إذا مات غير تائب، و ذهبت الإمامية و الأشاعرة و أهل الحديث إلى كون مرتكب الكبيرة مؤمناً فاسقاً غير مخلّد في النار.

هذه هي الأقوال و الآراء البارزة في المقام، و لنركّز البحث في الجهات الثلاثة و نجعل الجميع مسألة واحدة، فإنّ كلّ واحدة، وجه لعملة واحدة، و إن كان للعملة الرائجة وجهان.

الجهة الأُولىٰ - هل مرتكب المعاصي مشرك؟

اشارة

قد عرفت أنّ الأزارقة ذهبت إلى أنّ المعاصي كلّها شرك و مرتكبها مشرك.(1)و لأجل تحليل هذا القول نذكر ما هو حدّ الشرك و محقّقه، فنقول: لو افترضنا أنّ مرتكب الكبيرة كافر، لا يصحّ لنا توصيفه بالشرك، فإنّ للشرك معنىً محدّداً لا ينطبق على مرتكب الكبيرة إلّا في ظروف خاصّة و هي خارجة عن موضوع البحث، و توضيح ذلك بوجهين:

1 - إنّه سبحانه قسّم الكافر إلى مشرك و غيره و قال: «لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ


1) . الإمام جابر بن زيد العماني: 252.

كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّٰى تَأْتِيَهُمُ اَلْبَيِّنَةُ»(1)، و قال سبحانه: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ اَلنّٰاسِ عَدٰاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا»(2)، كلّ ذلك يدلّ على أنّ للمشرك معنىً محدداً لا ينطبق على الكافرين من أهل الكتاب فضلاً على المسلم المعتقد بكل ما جاء به الرسول، إذا ارتكب كبيرة لا لاستهانة بالدين بل لغلبة الهوىٰ علىٰ العقل، فكيف يمكن أن نعدّ كلّ كافر مشركاً، فضلاً أن نعدّ المسلم المرتكب للكبيرة مشركاً؟

ثمّ لو افترضنا صحّة كون أهل الكتاب مشركين في الحقيقة و في الواقع، كما هو غير بعيد لقوله سبحانه: «لَقَدْ كَفَرَ اَلَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اَللّٰهَ ثٰالِثُ ثَلاٰثَةٍ وَ مٰا مِنْ إِلٰهٍ إِلاّٰ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ»(3)، و لكنّه اصطلاح ثانوي لا يكون منافياً لما جرى عليه القرآن من عدّ أهل الكتاب في مقابل المشركين.

و يظهر ذلك من الروايات الواردة حول الرياء فإنّ المرائي، قد وصف بالشرك، و لكنّه شرك خفي لا صلة له بالشرك المصطلح في القرآن الكريم.

روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبي جعفر الباقر قال: سئل رسول اللّٰه عن تفسير قوله اللّٰه عزّ و جل: «فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صٰالِحاً وَ لاٰ يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً»(4)؟ فقال: «من صلّى مراءاة الناس


1) . البينة: 1.

2) . المائدة: 82.

3) . المائدة: 73.

4) . الكهف: 110.

فهو مشرك - إلى أن قال - و من عمل عملاً ممّا أمر اللّٰه به مراءاة الناس، فهو مشرك، و لا يقبل اللّٰه عمل مراءٍ».(1)

و لكن ذلك مصطلح آخر، أو استعارة له للمورد لتأكيد الأمر لما عرفت من أنّ المشرك في القرآن الكريم يطلق على غير المعتنقين لإحدى الشرائع السماوية، من غير فرق بين اليهود و النصارى و غيرهم.

2 - إنّ الشرك عبارة عن تصوّر ندٍّ و ثان للّٰه سبحانه في ذاته أو صفاته أو أفعاله، قال سبحانه: «فَلاٰ تَجْعَلُوا لِلّٰهِ أَنْدٰاداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ»(2)، و قال سبحانه: «وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ أَنْدٰاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اَللّٰهِ»(3)، و قال تعالى: «وَ جَعَلُوا لِلّٰهِ أَنْدٰاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ»(4)، إلى غير ذلك من الآيات الّتي تشرح لنا حقيقة الشرك و خصوصياته(5).

و لأجل تصوّر الندِّ و المثل للّٰه سبحانه في الذات أو الصفات أو الأفعال، كانوا يعبدون الأصنام بحكم انّها أنداد للّٰه تبارك و تعالى، فكانوا يساوونها باللّٰه تعالى في العقيدة و العبادة، قال تعالى: «تَاللّٰهِ إِنْ كُنّٰا لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ»(6).

فعلى ضوء ذلك فلا يصحّ لنا توصيف إنسان بالشرك و عدّه من


1) . وسائل الشيعة: 1، الباب 11 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 13.

2) . البقرة: 22.

3) . البقرة: 165.

4) . إبراهيم: 30.

5) . لاحظ: سورة سبأ: 33، الزمر: 8، فصّلت: 9.

6) . الشعراء: 97-98.

المشركين إلّا إذا اعتقد بندٍّ للّٰه تبارك و تعالى و لو في مرحلة من المراحل، و لأجل هذه العقيدة كان المشركون يفرّون من كلمة «لاٰ إِلٰهَ إِلاَّ اَللّٰهُ» لكونها على جانب النقيض من عقيدتهم، قال سبحانه: «إِنَّهُمْ كٰانُوا إِذٰا قِيلَ لَهُمْ لاٰ إِلٰهَ إِلاَّ اَللّٰهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَ يَقُولُونَ أَ إِنّٰا لَتٰارِكُوا آلِهَتِنٰا لِشٰاعِرٍ مَجْنُونٍ»(1).

و قال تعالى: «وَ إِذٰا ذُكِرَ اَللّٰهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ إِذٰا ذُكِرَ اَلَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذٰا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ»(2)، و قال تعالى:

«ذٰلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذٰا دُعِيَ اَللّٰهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّٰهِ اَلْعَلِيِّ اَلْكَبِيرِ»(3).

فهذه الآيات تحدّد حقيقة الشرك و تُعرِّف المشرك بمضامينها، فهل يمكن توصيف المسلم المؤمن الموحّد، بالشرك مع أنّه لم يتّخذ أي ندٍّ و مثل في مجال الذات و الصفات و الأفعال، و لم يعبد غيره، و إنّما وحّده في الذات، و الصفات، و الأفعال، و في مقام القيام بوظائف العبوديّة لم يعبد إلّا اللّٰه سبحانه. نعم غلبت عليه - أحياناً - شقوته، و سيطرت عليه نفسه الأمّارة فركب الحرام مع وجل و خوف.

و بذلك ظهر أنّ الكفر أعم من الشرك، فمن لم يتّخذ ندّاً و مثلاً للّٰه سبحانه، و لكنّه كفر برسله و كتبه و ما نزّل اللّٰه سبحانه، فهو كافر لا مشرك، و أوضح منه من آمن باللّٰه و لم يكفر بشيء ممّا أنزله و أرسله غير أنّه صار


1) . الصافّات 35-36.

2) . الزمر: 45.

3) . غافر: 12.

مقهوراً فارتكب شيئاً حرّمه اللّٰه أو ترك فريضة أوجبها اللّٰه سبحانه.

فاتّضح بذلك بطلان قول الأزارقة من أنّ المعاصي كلّها شرك، كبطلان قول النجدية بأنّ الكبائر كلّها شرك و أمّا الصغائر فلا، إذ لا ينطبق معيار الشرك على مجرّد ارتكاب المعصية، صغيرة كانت أو كبيرة.

أدلّة الأزارقة على أنّ المعاصي شرك:

استدلّت الأزارقة على أنّ المعاصي كلّها شرك بآيات و المهم فيها آيتان و إليك البيان:

1 - «وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاٰلاً بَعِيداً»(1).

يلاحظ عليه: أنّ ظاهر الآية أنّ المشرك ممّن «ضَلَّ ضَلاٰلاً بَعِيداً»، فلو فرضنا أنّ مرتكب الكبيرة من مصاديق تلك الضابطة فلا تدلّ الآية على أنّه مشرك، لأنّ ظاهر الآية أنّ المشرك من مصاديق «فَقَدْ ضَلَّ ضَلاٰلاً بَعِيداً» لاٰ أنّ «كلّ من ضلّ ضلالاً بعيداً فهو مشرك»، إذ من المحتمل أن تكون الضابطة أعم من الشرك، فمثل الآية مثل قولنا: «كل جوز مدوّر لا أنَّ كل مدوّر جوز».

أضف إلى ذلك: انّ مرتكب الكبيرة إذا كان موحّداً مؤمناً بما أنزل اللّٰه تعالى، ليس من جزئيات قوله: «ضَلَّ ضَلاٰلاً بَعِيداً»، لأنّ القرآن إنّما يستعمله في المشرك و الكافر الجاحد، لا المؤمن المعتقد الّذي غلبه هواه، و يعلم ذلك بالتتبع في موارد وروده في الذكر الحكيم.


1) . النساء: 116.

قال سبحانه «وَ وَيْلٌ لِلْكٰافِرِينَ مِنْ عَذٰابٍ شَدِيدٍ * اَلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا عَلَى اَلْآخِرَةِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ يَبْغُونَهٰا عِوَجاً أُولٰئِكَ فِي ضَلاٰلٍ بَعِيدٍ»(1).

و قال سبحانه: «مَثَلُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمٰالُهُمْ كَرَمٰادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ اَلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عٰاصِفٍ لاٰ يَقْدِرُونَ مِمّٰا كَسَبُوا عَلىٰ شَيْ‌ءٍ ذٰلِكَ هُوَ اَلضَّلاٰلُ اَلْبَعِيدُ»(2).

و قال تعالى: «يَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مٰا لاٰ يَضُرُّهُ وَ مٰا لاٰ يَنْفَعُهُ ذٰلِكَ هُوَ اَلضَّلاٰلُ اَلْبَعِيدُ»(3).

و قال تعالى: «بَلِ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي اَلْعَذٰابِ وَ اَلضَّلاٰلِ اَلْبَعِيدِ»(4).

و قال تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ يُمٰارُونَ فِي اَلسّٰاعَةِ لَفِي ضَلاٰلٍ بَعِيدٍ»(5).

و قال تعالى: «اَلَّذِي جَعَلَ مَعَ اَللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ... وَ لٰكِنْ كٰانَ فِي ضَلاٰلٍ بَعِيدٍ»(6).

فظهر من ذلك أنّ الضلال البعيد مفهوم ينطبق على الجاحد مشركاً


1) . إبراهيم: 2-3.

2) . إبراهيم: 18.

3) . الحج: 12.

4) . سبأ: 8.

5) . الشورىٰ: 18.

6) . ق: 26-27.

كان أم كافراً غير مشرك، و لا ينطبق على المؤمن بكل ما أنزل اللّٰه غير أنَّه غلب عليه هواه فركب الكبيرة.

2 - قال سبحانه: «وَ لاٰ تَأْكُلُوا مِمّٰا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اَللّٰهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ وَ إِنَّ اَلشَّيٰاطِينَ لَيُوحُونَ إِلىٰ أَوْلِيٰائِهِمْ لِيُجٰادِلُوكُمْ وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ»(1).

قالوا: إنّ معنى الآية انّكم إن أطعتموهم بأكل الميتة فأنتم أيضاً مشركون.

يلاحظ عليه: أنّ المراد هو الإطاعة في استحلال الميتة لا في أكلها، و لا شك انّ المستحلّ لما حرّم اللّٰه مشرك، و ذلك لما قرّرنا في محلّه انّ التقنين و التشريع من فعله سبحانه و ليس في عالم التشريع مشرّع سواه، فالمستحلُّ للميتة يصوّر ندّاً للّٰه سبحانه، لا في الذات و الصفات، بل في الأفعال و يشرك الغير معه في إعطاء فعله لغيره.

و يوضحه قوله سبحانه: «اِتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَ اَلْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ»(2)فقد ورد في تفسيره انّهم ما صلّوا و لا صاموا للأحبار و الرهبان، بل أطاعوهم في تحليلهم الحرام و تحريمهم الحلال.(3)



1) . الأنعام: 121.

2) . التوبة: 31.

3) . مجمع البيان: 23/3.

الجهة الثانية - هل مرتكب المعاصي مؤمن أو كافر؟:

اشارة

قد عرفت أنّ الأزارقة و النجدية قالوا إنّ المعاصي شرك، و خالفهم الاباضية، فوصفوها بالكفر، و مرتكبها بالكافر، و يقع الكلام في الجهة الثانية في هذا الجانب، و قبل الخوض في تحليل دلائلهم نذكر ما هو حقيقة الإيمان و الكفر، فنقول:

إنّ حقيقة الإيمان هي التصديق القلبي، و القلب هو مرتكز لوائه، و أمّا العمل فهو من مظاهره لا من مقوّماته، و يظهر ذلك من غير واحد من الآيات. قال سبحانه:

«أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمٰانَ»(1)، و قال سبحانه: «وَ لَمّٰا يَدْخُلِ اَلْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ»(2)، و قال تعالى: «وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ»(3).

و تؤكّد آيات الطبع و الختم على أنّ محلّ الإيمان هو القلب، قال سبحانه: «أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ طَبَعَ اَللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصٰارِهِمْ وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْغٰافِلُونَ»(4)، و قال سبحانه «وَ خَتَمَ عَلىٰ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلىٰ بَصَرِهِ غِشٰاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اَللّٰهِ أَ فَلاٰ تَذَكَّرُونَ»(5)، و الختم على السمع و البصر لكونهما من أدوات المعرفة الّتي يستخدمها القلب.


1) . المجادلة: 22.

2) . الحجرات: 14.

3) . النحل: 106.

4) . النحل: 108.

5) . الجاثية: 23.

نعم كون القلب مركزاً للإيمان و خروج العمل عن كونه عنصراً مقوّماً للإيمان، لا يعني أنّ التصديق القلبي يكفي في نجاة الإنسان في الحياة الأُخروية، بل يعني أنّه يكفي في خروج الإنسان عن زمرة الكافرين - الذين لهم خصائص و أحكام - التصديق القلبي، فيحرم دمه و ماله و تحلّ ذبيحته و تصحّ مناكحته إلى غير ذلك من الأحكام الّتي تترتّب على التصديق القلبي إذا أظهره بلسانه أو وقف عليه الغير بطريق من الطرق، و أمّا كون ذلك موجباً للنجاة يوم الحساب فلا، فإنّ للنجاة في الحياة الأُخروية شرائط أُخرى تكفّل ببيانها الذكر الحكيم و السنّة الكريمة.

و بذلك يفترق عن قول المرجئة الذين اكتفوا بالتصديق القلبي أو اللساني و استغنوا عن العمل، و بعبارة أُخرى قدَّموا الإيمان و أخَّروا العمل، فهذه الطائفة من أكثر الطوائف خطراً على الإسلام و أهله، لأنّهم بإذاعة هذا التفكير بين الشباب، يدعونهم إلى الإباحية و التجرّد عن الأخلاق و المثل الإسلامية، و يعتقدون أنّ الوعيد خاص بالكفّار دون المؤمنين، فالجحيم و نارها و لهيبها لهم دون المسلمين، و معنى هذا أنّه يكفي في النجاة الإيمان المجرّد عن العمل، و أيّ خطر أعظم من ذلك؟

و على ضوء ذلك يظهر المراد ممّا رواه البخاري عن عبد اللّٰه بن عمر، قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إلٰه إلّا اللّٰه و أنّ محمّداً رسول اللّٰه، و إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و الحج وصوم رمضان(1).


1) . صحيح البخاري: 14/1، كتاب الإيمان.

فإنّ المراد من الإسلام، ليس هو الإسلام المقابل للإيمان في قوله سبحانه: «قٰالَتِ اَلْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ اَلْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ»(1)، و لا الإسلام و الإيمان بأقل درجاتهما الّذي له أحكام خاصّة، بل الإيمان المنجي لصاحبه من العذاب الأليم. و هذا لا يضر بما قلنا من أنّ مقوّم الإيمان، هو العقيدة القلبية. و إليه ينظر ما روي عن الإمام الصادق من أنّ الإسلام يحقن به الدم و تؤدّى به الأمانة، و يستحلّ به الفرج، و الثواب على الإيمان.(2)

و بالجملة انّ كون التصديق القلبي مقياساً للإيمان غير القول بأنَّ التصديق القولي أو القلبي المجرّدين عن العمل كاف للنجاة، و لأجل ذلك تركّز الآيات على العمل بعد الإيمان و تقول: «إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ اَلْبَرِيَّةِ»(3)، و قال تعالى: «وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصّٰالِحٰاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ»(4)، و قال تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ كُونُوا مَعَ اَلصّٰادِقِينَ»(5)، فلو كان العمل عنصراً مقوّماً لحقيقة الإيمان فما معنى الأمر بالتقوى بعد فرض الإيمان، لأنّه يكون أشبه بطلب الأمر الموجود و تحصيل الحاصل.


1) . الحجرات: 14.

2) . المحاسن: 285/1.

3) . البيّنة: 7.

4) . طه: 112.

5) . التوبة: 119.

أدلّة الخوارج على أنّ ارتكاب المعاصي كفر:

هناك آيات تتمسّك بها الخوارج على أنّ العمل عنصر مقوّم لحقيقة الإيمان حتّى المرتبة الضعيفة، نشير إلى بعضها:

1 - «وَ لِلّٰهِ عَلَى اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعٰالَمِينَ»(1)، فسمّى سبحانه تارك الحج كافراً.

يلاحظ عليه: أنّ المراد كفر النعمة، حيث إنّ ترك فريضة الحج مع الاستطاعة كفران لنعمته سبحانه و قد استعمل الكفر في مقابل شكر النعم، إذ قال سبحانه: «وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ»(2).

على أنّه يحتمل أن يكون المراد من توصيف تارك الحج بالكفر، هو كونه كافراً لجحد وجوبه، فيرجع الأمر إلى جحد الرسالة و يؤيّده صدر الآية «وَ لِلّٰهِ عَلَى اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ» فأنبأ عن اللزوم ثمّ قال: «وَ مَنْ كَفَرَ» بلزوم ذلك و من المعلوم أنّ من أنكر لزومه فهو كافر.

2 - «فَلاٰ وَ رَبِّكَ لاٰ يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاٰ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»(3)قيل: إنّه


1) . آل عمران: 97.

2) . إبراهيم: 7.

3) . النساء: 65.

سبحانه أقسم بنفسه انّهم لا يؤمنون إلّا بتحكيم النبي و التسليم بحكمه، و عدم وجدان الحرج في قضائه، و التحكيم غير التصديق، بل هو عمل خارجي(1).

يلاحظ عليه: أنّ الآية وردت في شأن المنافقين، فإنّهم كانوا يتركون النبي و يرجعون في دعاويهم إلى الأحبار، و هم مع ذلك يدّعون الإيمان بالنبي و الإذعان و التسليم له - صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم - فنزلت الآية بأنّه لا يقبل منهم ذلك الادّعاء حتى يُرىٰ أثر الإيمان في حياتهم، و هو تحكيم النبي، في المرافعات و المنازعات و التسليم المحض أمام قضائه، و عدم إحساسهم بالحرج، و هذا هو الظاهر من الآية، لا أنّ التحكيم بما أنّه عمل، جزء من الإيمان، و هذا نظير ما إذا ادّعىٰ إنسان حبّاً لرجل فيقال له: إن كنت صادقاً فيجب أن يرى أثر الحب في حياتك، فاعمل له كذا و كذا.

3 - «إِنَّهُ لاٰ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللّٰهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكٰافِرُونَ»(2)بادّعاء أنّ الفاسق بفسقه و إصراره عليه، آيس من روح اللّٰه فكان كافراً.

و الجواب: انّ المدعى ممنوع: فإنّ فسّاق المؤمنين ليسوا بآيسين بل يرجون رحمة ربّهم بالتوبة أو الشفاعة، أضف إليه: المراد من «الروح» هذا، الفرج بعد الشدّة، و مثل هذا اليأس من الكبائر الموبقة، و لكنّه لا يوجب كفراً، و ذلك لأنّ النهي في الآية نهي تشريعي، و معناه أنّ اليأس من روح اللّٰه شأن الكافر دون المؤمن، نظير قوله سبحانه: «وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ


1) . الفصل: 195/3.

2) . يوسف: 87.

مُؤْمِناً إِلاّٰ خَطَأً»(1)أي ليس شأن المؤمن أن يقتل مؤمناً إلّا عن خطإٍ خارجاً عن اختياره لا أنّ المؤمن لا يقتل المؤمن عمداً أبداً، و على ضوء ذلك فلو حصل اليأس من مؤمن فهو ركب الكبيرة الموبقة، و مع ذلك فليس بكافر.

4 - «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْكٰافِرُونَ»(2).

يلاحظ عليه: أنّه سبحانه وصف من لم يحكم بما أنزل اللّٰه بأوصاف ثلاثة:

أ - «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْكٰافِرُونَ»(3).

ب - «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ»(4).

ج - «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْفٰاسِقُونَ»(5).

و الآيتان الأوّليتان نزلتا في حق اليهود، كما هو لائح من صدريهما.

و الآية الثالثة في مورد النصارىٰ، و مع ذلك لا يكون المورد مخصّصاً للآيات بهما، و المقصود هو أنّ من لم يحكم بما أنزل اللّٰه سواء أ كان من أهل الكتاب أو غيرهم، فهو ظالم و فاسق و كافر، أمّا كونه ظالماً، فلأنّه تعدّىٰ عن الحقّ، فترك حكم اللّٰه، و حكم بحكم الجاهلية، فإنّ الحكم حكمان: إمّا الهّي و إمّا جاهلي، فإذا ترك الأوّل يكون من قبيل الثاني، قال سبحانه: «أَ فَحُكْمَ


1) . النساء: 92.

2) . المائدة: 44.

3) . المائدة: 44.

4) . المائدة: 45.

5) . المائدة: 47.

اَلْجٰاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»(1).

و أمّا كونه فاسقاً، فإنّ الفسق هو الخروج عن طاعة اللّٰه، يقال: فسقت التمرة: إذا خرجت قشرتها، فالحاكم بغير ما أنزل اللّٰه خرج عن طاعة اللّٰه.

و أمّا كونه كافراً، فلأنّ الآية حسب شأن نزولها وردت في قوم ينكرون الرجم في توراتهم، و لأجله يحكمون بغير ما أنزل اللّٰه، فيكون هذا قرينة على أنّ الكفر لأجل إنكار ما أنزل اللّٰه في الكتب السماوية، و إلى ذلك ينظر ما نقله الرازي عن بعضهم: انّ قوله «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ» إنّما يتناول من أنكر بقلبه و جحد بلسانه، أمّا مَن عرف بقلبه كونه حكم اللّٰه، و أقرّ به بلسانه، إلّا أنّه أتىٰ بما يضاده، فهو حاكم بما أنزل اللّٰه تعالى و لكنّه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية.(2)

و على ضوء ذلك فالآية تختصّ بالجاحد لحكم اللّٰه الوارد في كتابه، المستلزم لإنكار رسوله الّذي أتى به في الكتاب.

5 - «فَأَنْذَرْتُكُمْ نٰاراً تَلَظّٰى * لاٰ يَصْلاٰهٰا إِلاَّ اَلْأَشْقَى * اَلَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلّٰى»(3).

وجه الاستدلال: أنّ الآية تحصر الداخل في النار في الكافر، حيث يقول: «إِلاَّ اَلْأَشْقَى * اَلَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلّٰى» فبما أنّ المسلمين اتّفقوا على دخول الفاسق في النار، يلزم أن يكون الفاسق كافراً.


1) . المائدة: 50.

2) . مفاتيح الغيب: 421/3.

3) . اللّيل: 14-16.

يلاحظ عليه: أنّ الآية تحصر الخلود في النار و المقيم فيها في المكذّب المتولّي لا مجرّد الداخل فيها و تقول: «لاٰ يَصْلاٰهٰا إِلاَّ اَلْأَشْقَى * اَلَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلّٰى» و ذلك لأن قوله «لاٰ يَصْلاٰهٰا»، من قوله صلى الرجل النار، يصلاها أي لزمها(1)، و هي عبارة أُخرى عن الخلود في النار، فالآية لا تدل إلّا على أنّ الخلود في النار من خصائص الكافر المكذّب المتولّي و أمّا المؤمن الفاسق فخارج عن حدود و دلالة الآية.

هذا و ربّما يستدلّ بالآية على قول المرجئة القائلة بالنار للكافرين دون المؤمنين، و ذلك لأنّه سبحانه يقول: لا يدخل النار إلّا الكافر، و المؤمن الفاسق ليس كافراً، و أجاب عنه القاضي المعتزلي على ما نقل عنه: بأنّ (ناراً) نكرة في سياق الاثبات، و إنّما تعمّ النكرة في سياق النفي نحو قولك: ما في الدار رجل، و غير ممتنع أن تكون في الآخرة نار مخصوصة لا يصلاها إلّا الذين كذبوا و تولّوا و يكون للفسّاق نار أُخرى غيرها.(2)

و أوضحه الطبرسي في مجمعه و قال: إنّه سبحانه نكّر النار المذكورة و لم يُعرّفْها، فالمراد بذلك انّ ناراً من جملة النيران لا يصلاها إلّا من هذه حاله، و النيران درجات على ما بيّنه سبحانه في سورة النساء(3)، فمن أين عرف أنّ غير هذه النار لا يصلاها قوم آخرون.(4)و لكن الاستدلال و الجواب


1) . يقال صلى فلاناً النار: أدخله إيّاها و أثواه فيها.

2) . شرح نهج البلاغة: 115/8.

3) . النساء: 145: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَ لَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً».

4) . مجمع البيان: 502/5.

مبنيان على أنّ «الصلي» بمعنى الدخول، و لكنّه غير صحيح لما عرفت من أنّه الدخول الملازم للبقاء.

أضف إلى ذلك: انّه لو دلّ على أنّ النار مختصّة بالكافرين يلزم منه الإغراء بالمعاصي، لأنّه بمنزلة أن يقول اللّٰه تعالى لمن صدّق باللّٰه و رسوله و لم يكذّب و لم يتولّ: أي معصية أقدمتَ عليها فلن يضرّك. و هذا هو الإغراء الّذي لا يصدر من الحكيم.

على أنّه سبحانه يقول بعدها «وَ سَيُجَنَّبُهَا اَلْأَتْقَى * اَلَّذِي يُؤْتِي مٰالَهُ يَتَزَكّٰى»(1)، و يحصر المجنّب عن النار في الأتقى، و معلوم أنّ الفاسق ليس بأتقى، لأنّ «أتقى» مبالغة في التقوى و من يرتكب عظائم الكبائر لا يوصف بأنّه أتقىٰ.

6 - «إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكٰافِرِينَ»(2).

قالوا: و الفاسق تحيط به جهنّم فوجب أن يكون كافراً.

يلاحظ عليه: أنّه من غرائب الاستدلالات، فإنّه لم يقل سبحانه: و انّ جهنّم لا تحيط إلّا بالكافرين، حتّى يلزم أن يكون الفاسق من أقسام الكافر، باعتبار كونها محيطة به أيضاً و لا يلزم من كونها محيطة بقوم، ألّا تحيط بقوم سواهم.

7 - «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا اَلَّذِينَ اِسْوَدَّتْ


1) . الليل: 17-18.

2) . التوبة: 49.

وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمٰانِكُمْ فَذُوقُوا اَلْعَذٰابَ بِمٰا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ»(1).

وجه الاستدلال: أنّ الفاسق لا يجوز أن يكون ممّن ابيضّت وجوههم، فوجب أن يكون ممّن اسودّت و إذا دخل فيه يكون كافراً لقوله: «بِمٰا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ».

يلاحظ عليه: أنّ الآية تخبر عن وجود صنفين: صنف تبيضّ وجوههم، و صنف تسودّ وجوههم، فالأوّل من سمات المؤمن الّذي لم يخالط إيمانه بإثم، و الثاني من سمات الكافر الّذي لم يؤمن باللّٰه أو صفاته أو أفعاله، في النبوّة و الخاتميّة. و أمّا انّه ليس هنا صنف ثالث و يحشرون بغير هاتين السمتين، فلا تدلّ الآية عليه، و المؤمن الّذي ركب الكبيرة هو من هذا القسم الثالث الّذي لم تتكفّل الآية ببيان حكمه.

و الحاصل انّ الآية تبحث عن المؤمن الخاص، و الكافر المطلق، و تذكر سماتهما و حالاتهما، و أمّا القسم الثالث فهو خارج عن تقسيم الآية و لعلّ له سمة و علامة أُخرى غير بياض الوجه و سواده لم تذكرها الآية.

قال الطبرسي: استدلّت الخوارج بذلك على أنّ من ليس بمؤمن فلا بد أن يكون كافراً فإنّ اللّٰه سبحانه قسّم الوجوه إلى هذين القسمين.

و لا تعلّق لهم به، لأنّه سبحانه ذكر هنا قسمين من الوجوه متقابلين، وجوه المؤمنين (غير العاصين) و وجوه الكفّار، و لم يذكر وجوه الفسّاق من أهل الصلاة، فيجوز أن يكون لها صفة أُخرى بأن يكون عليها غبرة لا تغشاها قترة أو يكون عليها صفرة أو لون آخر.(2)


1) . آل عمران: 106.

2) . مجمع البيان: 441/5.

8 - «فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ سَيْلَ اَلْعَرِمِ وَ بَدَّلْنٰاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوٰاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‌ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذٰلِكَ جَزَيْنٰاهُمْ بِمٰا كَفَرُوا وَ هَلْ نُجٰازِي إِلاَّ اَلْكَفُورَ»(1).

و الفاسق لا بد أن يجازى، فوجب أن يكون كفوراً.

يلاحظ عليه: أنّ المراد من قوله: «وَ هَلْ نُجٰازِي» ليس مطلق المجازاة، بل مجازاة الاستئصال، و الآية وردت في قصة أهل سبأ و هم استؤصلوا بالعقوبة، فالمجازاة المقترنة بالاستئصال من خصائص الكفّار، لا كل مجازاة.

9 - «إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ إِلاّٰ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْغٰاوِينَ»(2).

و فسّر الغاوون في آية أُخرى بالمشركين، قال سبحانه: «إِنَّمٰا سُلْطٰانُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ اَلَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ»(3).

و على ضوء هذا فمرتكب الكبائر من الغاوين لأجل سلطة الشيطان عليه و هو حسب تعبير الآية الثانية من المشركين فينتج أنّ مرتكب الكبيرة مشرك.

يلاحظ عليه: أنّ الآية فسّرت الغاوين بصنفين: صنف يتولّونه،


1) . سبأ: 16-17.

2) . الحجر: 42.

3) . النحل: 100.

و صنف به مشركون، و مرتكب الكبيرة داخل في الصنف الأوّل لا في الصنف الثاني.

10 - «وَ أَمَّا اَلَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوٰاهُمُ اَلنّٰارُ كُلَّمٰا أَرٰادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهٰا أُعِيدُوا فِيهٰا وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذٰابَ اَلنّٰارِ اَلَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ»(1).

وجه الدّلالة: أنّه سبحانه جعل الفاسق مكذّباً.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على تفسير الفاسق بالمعنى الرائج في أعصارنا، أي المؤمن باللّٰه و صفاته و رسالاته المرتكب لكبيرة، و هو غير صحيح، إذ ليس كل فاسق بهذا المعنىٰ مكذّباً، فتعيّن أن يكون المراد من الفاسق في الآية من خرج عن الطاعة بتكذيبه، و من المعلوم أنّ مثله كافر، قال سبحانه: «أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً لاٰ يَسْتَوُونَ»(2).

و بالجملة: المقصود من الفاسق في الآية من عصىٰ عن طريق التكذيب الّذي يساوق الكفر، لا من فسق - و هو مؤمن بقلبه و لسانه - بالخروج عن الطاعة لارتكابه المعاصي.

11 - «هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ»(3).

وجه الدلالة: أنّ من لم يكن مؤمنا فهو كافر، و الفاسق ليس بمؤمن، فوجب أن يكون كافراً.


1) . السجدة: 20.

2) . السجدة: 18.

3) . التغابن: 2.

يلاحظ عليه: أنّ الفاسق، أي المسلم المعتقد باللّٰه سبحانه و رسله و كتبه، المرتكب لبعض المحرّمات، مؤمن ليس بكافر، فقوله:

الفاسق ليس بمؤمن، ممنوع، فإنّ الفاسق على قسمين، قسم يخرج عن طاعة اللّٰه سبحانه بالتكذيب و الإنكار، و قسم يؤمن به، و لكن لا يقوم في مقام العمل ببعض الوظائف، فالأوّل كافر دون الثاني.

و أمّا الشارح ابن أبي الحديد فبما أنّه من المعتزلة، و مرتكب الكبيرة عندهم لا مؤمن و لا كافر بل في منزلة بين المنزلتين، أجاب بأنّ (من) هاهنا للتبعيض و ليس في ذكر التبعيض نفي الثالث (و لعلّ هنا من ليس بمؤمن و لا كافر)(1)و هو كما ترى، لأنّ الآية في مقام الحصر.

12 - «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ اَلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاٰ يُكَذِّبُونَكَ وَ لٰكِنَّ اَلظّٰالِمِينَ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ يَجْحَدُونَ»(2).

وجه الدلالة: أنّ مرتكب الكبائر ظالم، و الظالم بحكم الآية جاحد، و الجاحد كافر، و إلى ذلك يرجع استدلالهم حيث يقولون:

13 - الفاسق ظالم لغيره، أو لنفسه، و كلّ ظالم كافر، قال تعالى:

«أَنْ لَعْنَةُ اَللّٰهِ عَلَى اَلظّٰالِمِينَ * اَلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ يَبْغُونَهٰا عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ كٰافِرُونَ».(3)


1) . شرح النهج: 118/8.

2) . الأنعام: 33.

3) . الإمام جابر بن زيد العماني: 253. و الآيتان 44-45 من سورة الأعراف.

يلاحظ عليه: أنّ الكبرى ممنوعة، و هي أنّ كل ظالم جاحد بآيات اللّٰه كما استظهره المستدل من الآية الأُولى، أو أنّ كلّ ظالم كافر كما استظهره من الآية الثانية، و ذلك لأنّ المراد من الظالمين في كلتا الآيتين ليس هو مطلق الظالم و لو بمجرّد ارتكاب الكبيرة فقط، بل المراد هو المكذّب بلقاء الآخرة.

أمّا الآية الأُولى: فيشهد على ذلك سياق الآية: قبلها و بعدها حيث جاء في الآية المتقدّمة قوله: «قَدْ خَسِرَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقٰاءِ اَللّٰهِ...» و جاء في الآية المتأخّرة عنها: «وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ».

و أمّا الآية الثانية: فذيلها شاهد على أنّ المراد هو الجاحد بالآخرة.

أضف إلى ذلك: انّه كيف يمكن أن يعدّ كل ظالم و لو ظلم نفسه كافراً؟

هذا هو نبيّنا آدم يقول: «قٰالاٰ رَبَّنٰا ظَلَمْنٰا أَنْفُسَنٰا»(1)، و قال تعالى حكاية عن موسى: «إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي»(2)، و قال حكاية عن يونس: «إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظّٰالِمِينَ»(3).

14 - «وَ أَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِشِمٰالِهِ فَيَقُولُ يٰا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتٰابِيَهْ * وَ لَمْ أَدْرِ مٰا حِسٰابِيَهْ»(4)... إلى قوله: «إِنَّهُ كٰانَ لاٰ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ اَلْعَظِيمِ»(5).


1) . الأعراف: 23.

2) . القصص: 16.

3) . الأنبياء: 87.

4) . الحاقة: 25-26.

5) . الحاقّة: 33.

و الفاسق لا يؤتى كتابه بيمينه بل يؤتى بشماله، إذ لا ثالث فيدخل تحت قوله «إِنَّهُ كٰانَ لاٰ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ اَلْعَظِيمِ» الّذي هو وصف عامّ لكل من أُوتي كتابه بشماله، و لو أردنا صوغ الاستدلال في قالب علمي نقول: مرتكب الكبيرة يؤتى كتابه بشماله، و كلّ من كان كذلك فهو ممّن لا يؤمن باللّٰه العظيم، فينتج: انّ مرتكب الكبيرة ممّن لا يؤمن باللّٰه العظيم.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على أنّ المراد من الموصول في قوله: «وَ أَمّٰا مَنْ...» كل من يؤتى كتابه بشماله سواء كان جاحداً أو غير جاحد ليشمل المسلم المؤمن المرتكب للكبيرة، و لكن المراد منه القسم الخاص من هذه الطائفة - أعني: الجاحد باللّٰه العظيم - أي من لم يوحّد اللّٰه سبحانه في دار التكليف، و الدليل على ذلك هو التعليل الوارد في الآية الأُخرىٰ، أعني قوله: «إِنَّهُ كٰانَ لاٰ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ اَلْعَظِيمِ»، فذيل الآية قرينة على اختصاص الموصول مع صلته، بالجاحد، لا المؤمن المذعن بكلّ الشرائع، لوضوح انّه ليس كلّ مرتكب الكبيرة غير مؤمن باللّٰه العظيم، و ليس ارتكاب الكبيرة دليلاً على عدم الإيمان به لقضاء الضرورة على بطلانه.

و يؤيّد ذلك انّه علّل دفع الكتاب وراء الظهر في بعض الآيات الّذي هو بمنزلة دفعه إلى شماله بأنّه كان غير مؤمن بالآخرة، قال سبحانه:

«وَ أَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ وَرٰاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً... إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ»(1)، و معنى قوله: «لَنْ يَحُورَ» إنّه لا يرجع إلى الحياة في الآخرة.


1) . الانشقاق: 10-11 و 14.

15 - «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوٰازِينُهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ * وَ مَنْ خَفَّتْ مَوٰازِينُهُ فَأُولٰئِكَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خٰالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ اَلنّٰارُ وَ هُمْ فِيهٰا كٰالِحُونَ * أَ لَمْ تَكُنْ آيٰاتِي تُتْلىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهٰا تُكَذِّبُونَ»(1).

وجه الاستدلال: أنّ الفاسق ممّن خفّت موازينه، و من خفّت موازينه فهو مكذّب حسب ظاهر الآية، و المكذّب كافر بالاتّفاق.

يلاحظ عليه: أنّ المراد من الموصول في قوله «و من خفَّت موازينه» ليس كل من خفّت موازينه سواء كان مكذّباً بآيات اللّٰه أم مصدّقاً بها حتى يعمّ المؤمن الفاسق، بل المراد هو القسم الخاص، أعني: الذين خفّت موازينهم لأجل التكذيب، لا لأجل أمر آخر، أعني: ارتكاب الكبيرة مع التصديق، و يوضّح هذا الجواب، ما ذكرناه في الآية المتقدّمة، فلاحظ.(2)

16 - «وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْفٰاسِقُونَ»(3).

يلاحظ عليه: أنّ الآية، دليل على أنّ كلّ كافر فاسق، و لا تدلّ على العكس كما هو واضح.

ثمّ إنّ الإمام علي عليه السلام ردّ على قول الخوارج بأنّ المسلم بارتكاب المعصية يصير كافراً بكلام منه موضع الحاجة:


1) . المؤمنون: 102-105.

2) . راجع الآية 9-11 من سورة القارعة.

3) . النور: 55.

قال مخاطباً الخوارج: «فإن أبيتم إلّا أن تزعموا أنّي أخطأتُ و ضللتُ، فلم تُضلّون عامّة أُمّة محمّد صلى الله عليه و آله و سلم، بِضَلالي، و تأخذونهم بخطئي، و تكفّرونهم بذنوبي! سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء و السقم، و تخلطون من أذنب بمن لم يذنب، و قد علمتم أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم رجم الزاني المحصن، ثمّ صلّى عليه، ثمّ ورّثه أهله، و قتل القاتل و ورّث ميراثه أهله، و قطع السارق، و جلد الزاني غير المحصن، ثمّ قسم عليهما من الفيء، و نكحا المسلمات، فأخذهم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بذنوبهم، و أقام حقّ اللّٰه فيهم، و لم يمنعهم سهمهم من الإسلام و لم يخرج أسماءهم من بين أهله».(1)

و حاصل كلام الإمام: انّه لو كان صاحب الكبيرة كافراً لما صلّى عليه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و لا ورّثه من المسلم، و لا مكّنه من نكاح المسلمات، و لا قسَّم عليه من الفيء و لأخرجه عن لفظ الإسلام.(2)

إلى هنا تمّ البحث عن كون مرتكب الكبيرة مؤمناً أو كافراً، فحان الآن البحث عن الجهة الثالثة و هي: انّ مرتكب الكبيرة هل هو مخلّد في النار - إن لم يتب - أو أنّه يخرج منها بعد دخوله فيها و إنّما التأبيد للكافرين؟



1) . نهج البلاغة: الخطبة 127.

2) . شرح نهج البلاغة: 113/8-114.

الجهة الثالثة - صاحب الكبيرة و خلوده في النار:

اشارة

ذهب جمهور المسلمين إلى أن الخلود يختصّ بالكافر دون المسلم و إن أثم و ركب الكبيرة، و ذهبت الخوارج و المعتزلة إلى خلوده في النار إذا مات بلا توبة. و بما أنّ المقام مختصّ بدراسة أدلّة الخوارج في المسألة، نكتفي ببيان أدلّتهم و أمّا ما استدلّ به جمهور المسلمين على عدم الخلود فيطلب من محلّه. فنقول: استدلّوا بآيات:

1 - قوله سبحانه: «وَ مَنْ يَعْصِ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نٰاراً خٰالِداً فِيهٰا وَ لَهُ عَذٰابٌ مُهِينٌ»(1)، و لا شكّ انّ الفاسق ممّن عصىٰ اللّٰه و رسوله بترك الفرائض و ارتكاب المعاصي.

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع ليس مطلق العصيان، بل العصيان المنضم إليه التعدّي عن حدود اللّٰه، و من المحتمل جدّاً أن يكون المراد من التعدّي، رفض أحكامه سبحانه و عدم قبولها.

بل يمكن أن يقال: إنّ قوله «وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ» ظاهر في تعدّي جميع حدود اللّٰه و هذه صفة الكفّار، فالآية خاصّة بهم لا بمرتكب الكبيرة.

و أمّا المؤمن الفاسق فإنّما يتعدّى بعض الحدود.

2 - «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا وَ غَضِبَ اَللّٰهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذٰاباً عَظِيماً»(2)، فعدّ قاتل المؤمن من المخلّدين في


1) . النساء: 14.

2) . النساء: 93.

النار من غير فرق بين أن يكون القاتل مسلماً أو كافراً.

يلاحظ عليه: أنّ الآية ناظرة إلى القاتل المستحل قتل المؤمن أو قتله لأجل إيمانه و مثله كافر و يدلّ عليه ما قبلها، قال سبحانه:

«سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَ يَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمٰا رُدُّوا إِلَى اَلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهٰا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَ يُلْقُوا إِلَيْكُمُ اَلسَّلَمَ وَ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أُولٰئِكُمْ جَعَلْنٰا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطٰاناً مُبِيناً»(1).

ثمّ يقول: «وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّٰ خَطَأً وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ...»(2).

ثمّ يقول: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ...» فالآية حسب السياق تختصّ بالمستحلّ الكافر، خصوصاً بالنظر إلى قوله «وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً» و النفي و إن كان نفياً تشريعياً (ليس شأن المؤمن أن يقتل مؤمناً إلّا خطأ) لا تكوينيّاً (لا يصدر من المؤمن قتل المؤمن) و لكنّه يصحّ أن يقع قرينة على اختصاص الآية الثالثة بالكافر.

3 - «بَلىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحٰاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ»(3).

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع للحكم بالخلود ليس مطلق من كسب


1) . النساء: 91.

2) . النساء: 92.

3) . البقرة: 81.

السيّئة، بل من اكتسب السيّئة و أحاطت به خطيئته، و المسلم المؤمن مهما كان عاصياً لا تحيط به خطيئته، فإنّ في قلبه نقاطاً بيضاء يشع منها إيمانه و اعتقاده باللّٰه سبحانه و أنبيائه و كتبه.

4 - «إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي عَذٰابِ جَهَنَّمَ خٰالِدُونَ * لاٰ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَ مٰا ظَلَمْنٰاهُمْ وَ لٰكِنْ كٰانُوا هُمُ اَلظّٰالِمِينَ»(1). بحجّة أنّ المجرم أعم من الكافر و المؤمن الفاسق، و قد حكم عليه على وجه الإطلاق، بالخلود في النار.

يلاحظ عليه: أنّ الآية واردة في حقّ الكفّار بشهادة سياقها، قال سبحانه قبل هذه الآية: «اَلَّذِينَ آمَنُوا بِآيٰاتِنٰا وَ كٰانُوا مُسْلِمِينَ * اُدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ أَزْوٰاجُكُمْ تُحْبَرُونَ»، ثمّ يقول: «إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي عَذٰابِ جَهَنَّمَ خٰالِدُونَ» فبحكم المقابلة مع قوله: «اَلَّذِينَ آمَنُوا» فالمقصود من المجرمين هو الكفّار.

هذه هي الآيات استدلّت بها الخوارج ثمّ المعتزلة على تأبيد صاحب الكبيرة في النار.

فلنكتف بهذا المقدار، و من أراد التفصيل فليرجع إلى محاضراتنا الكلاميّة.(2)


1) . الزخرف: 74-76.

2) . محاضرات الاستاذ العلاّمة جعفر السبحاني بقلم الشيخ حسن محمد مكي: الإلهيات: 910/2-912.

المخالفون عند الخوارج:

إنّ الخوارج يعدّون جميع المسلمين كفّاراً، لارتكابهم الكبائر و لا أقل لتصويبهم مبدأ التحكيم، و أكثرهم على أنّ الكفر كفر الملّة، أي الخروج عن الدين إلّا القليل منهم، كالاباضية فإنّهم يعدّونه كفراً لنعمه مثلما مرّ في قوله سبحانه في مورد الحجّ: «وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعٰالَمِينَ»(1).

فإذا كانت سائر الفرق محكومة بالكفر، فتكون دارهم دار الكفر، لا دار الإسلام، و قد أوجبت بعض الفرق منهم (كالأزارقة) لزوم الهجرة عنها، للمعتنقين لمبادئ الخوارج. و على كلّ تقدير فهذه المسألة من شعب المسألة الثانية و هي أنّ مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق، أو كافر، و لمّا ذهبت الخوارج إلى كونه كافراً فيكون جميع المسلمين المخالفين لهم في المبادئ، كفّاراً.

و بما أنّك عرفت أنّ مقوّم الإيمان عنصر قلبي، فلا يضرّ ارتكاب الكبيرة بالإيمان، لا بمعنى أنّ الإيمان القلبي و إن لم يقترن بالعمل موجب للنجاة في الآخرة، بل بمعنى أنّه يكفي في خروج الإنسان من عداد الكافرين و الدخول في عداد المسلمين: الإيمان القلبي بوحدانية اللّٰه سبحانه، و كتبه، و رسله، و لهذا الإيمان آثار في الدنيا و الآخرة، و كان النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم يكتفي بالحكم في إيمان الرجل بإظهار الشهادتين، و هناك روايات متواترة بل متضافرة تدلّ على ذلك.


1) . آل عمران: 97.

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لعلي عليه السلام: «قاتل أهل خيبر حتى يشهدوا أن لا إلٰه إلّا اللّٰه و أنّ محمّداً رسول اللّٰه، فإذا فعلوا ذلك، فقد منعوا منك دماءهم و أموالهم، إلّا بحقّها و حسابهم على اللّٰه»(1).

روى الشافعي في كتاب «الأُم» عن أبي هريرة: أنّ رسول اللّٰه قال: «لا أزال أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إلٰه إلّا اللّٰه، فإذا قالوا: لا إله إلّا اللّٰه فقد عصموا منّي دماءهم و أموالهم إلّا بحقّها و حسابهم على اللّٰه».

ثمّ قال: فأعلم رسول اللّٰه انّ فرض اللّٰه أن يقاتلهم حتى يظهروا أن لا إله إلّا اللّٰه، فاذا فعلوا منعوا دماءهم و أموالهم إلاّ بحقّها، يعني بما يحكم اللّٰه عليهم فيها، و حسابهم على اللّٰه بصدقهم و كذبهم و سرائرهم، اللّٰه العالم بسرائرهم، المتولّي الحكم عليهم، دون أنبيائه و حكّام خلقه، و بذلك مضت أحكام رسول اللّٰه فيما بين العباد من الحدود و جميع الحقوق، و أعلمهم أنّ جميع أحكامه على ما يظهرون، و أنّ اللّٰه يدين بالسرائر.(2)

نعم ورد في بعض الروايات، إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و الحجّ وصوم رمضان: روى البخاري عن عبد اللّٰه بن عمر: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم:

«بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلّا اللّٰه، و أنّ محمّداً رسول اللّٰه، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و الحجّ، وصوم رمضان».(3)و لكنّها من مظاهر العلم بالإيمان لا من مقوّماته لأنّ إيمان الإنسان يتوقّف على مظهر له في حياته، و الواجبات الواردة فيها مظاهر لهذا الإيمان.


1) . صحيح مسلم: 121/7؛ ترجمة الإمام علي: 159/1 ح 222؛ خصائص أمير المؤمنين: 57.

2) . الأُم: 4/6. انظر موسوعة الإمام الشافعي: 241/7.

3) . صحيح البخاري: 9/1، كتاب الإيمان.

الإيمان يزيد و ينقص:

ثمّ إنّه مع القول بأنّ العنصر المقوّم للإيمان هو الاعتقاد القلبي نقول: الإيمان يزيد و ينقص في كلا الجانبين: العقيدة، و العمل، أمّا من جانب العقيدة: فأين إيمان الأولياء و الأنبياء باللّٰه و رسله من إيمان سائر الناس؟! و أمّا من جانب العمل، فأين إيمان من لا يعصي اللّٰه سبحانه طرفة عين بل لا يخطر بباله العصيان، من المؤمن التارك للفرائض و المرتكب للكبائر؟!

نعم لا ننكر انّه ربّما يؤدّي ترك الفرائض، و ركوب المعاصي، مدّة طويلة إلى الإلحاد و الإنكار و التكذيب و الجحد قال سبحانه: «ثُمَّ كٰانَ عٰاقِبَةَ اَلَّذِينَ أَسٰاؤُا اَلسُّواىٰ أَنْ كَذَّبُوا بِآيٰاتِ اَللّٰهِ وَ كٰانُوا بِهٰا يَسْتَهْزِؤُنَ»(1).

إنّ وزان «العقيدة و العمل الصالح» وزان الجذور و السيقان في الشجرة فكما أنّ تقوية الجذور مؤثّرة في قوّة السيقان، و كمال الشجرة وجود ثمرتها، فكذلك تهذيب السيقان و رعايتها بقطع الزوائد عنها و تشذيبها، و تعرّضها لنور الشمس، مؤثّرة في قوّة الجذور، إنّها علاقة تبادليّة بين العمل و العقيدة كالعلاقة التبادليّة بين الجذور و السيقان.

أجل ذلك هو الحال بالنسبة إلى تأثير الإيمان في العمل، و هكذا الحال بالنسبة إلى تأثير العمل في الاعتقاد، فإنّ الّذي ينطلق في ميدان الشهوة بلا قيد، و يمضي في إشباع غرائزه إلى أبعد الحدود، يستحيل عليه أن يبقى


1) . الروم: 10.

محافظاً على أفكاره و اعتقاداته الدينية و قيمه الروحية.

إنّه كلّما ازداد توغّلاً في المفاسد ازداد بعداً عن قيم الدين، لأنّها تمنعه عن المضي في سبيله و تجعله يتمادى في عصيانه، و هكذا يتجرّد عن تلك المعتقدات شيئاً فشيئاً و ينسلخ منها و ينبذها وراءه ظهرياً.

و قد أشارت الآية الكريمة إلى هذه الحقيقة أيضاً.

و بهذا يعتبر الفصل بين العمل، و الكفر، بين العقيدة و السلوك، نظرية خاطئة ناشئة من الغفلة عن التأثير المتقابل بين هذين البعدين.

و لهذا يسعى المستعمرون دائماً إلى إفساد الأجواء الاجتماعية بهدف إفساد الأخلاق و السلوك تمهيداً لتغيير الأفكار و القضاء على المعتقدات.(1)



1) . محاضرات الأُستاذ جعفر السبحاني بقلم جعفر الهادي: اللّٰه خالق الكون: 636-637.

3 - في الخروج على الحاكم الجائر

اشارة

اتّفقت الخوارج على لزوم الخروج على الحاكم الجائر، و جعلوه فرعاً من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، بشرط القدرة و المنعة عليه، و يظهر ذلك من خطبهم و رسائلهم أوان قيامهم، و هذا عبد اللّٰه بن وهب الراسبي عند ما غارد مع جماعته الحروريّة، متوجّهاً إلى النهروان، خطب قومه و قال «أمّا بعد فو الله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمٰن، و ينيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا - الّتي الرضا بها و الركون إليها و الإيثار إيّاها عناء و تبار آثر عندهم من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و القول بالحقّ، إلى أن قال: فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكِرين لهذه البدع».

و قال حرقوص بن زهير: «إنّ المتاع بهذه الدنيا قليل، و إنّ الفراق لها وشيك، فلا تدعونّكم زينتها و بهجتها إلى المقام بها، و لا تُلفتنّكم عن طلب الحق و إنكار الظلم، فإنّ اللّٰه مع الَّذين اتّقَوْا و الّذين هم محسنون».(1)

و هذا نافع بن الأزرق يقول لأصحابه عند خروجه: «إنّ اللّٰه قد أكرمكم بمخرجكم، بصّركم عمّا عمي عنه غيركم، أ لستم تعلمون أنّما خرجتم تطلبون شريعته و أمره، فأمره لكم قائد، و الكتاب لكم إمام، و إنّما تتبعون


1) . تاريخ الطبري: 54/4-55.

سننه و أثره...»(1). إلى غير ذلك من كتب القوم و رسائلهم و خطبهم الّتي يرون فيها الخروج على الإمام غير العادل واجباً.

أقول: الكلام في الإمام الجائر يقع في مقامين:

الأوّل: في لزوم إطاعته و عدمه.

الثاني: في وجوب الخروج عليه و عدمه.

[الأوّل: في لزوم إطاعة الإمام الجائر و عدمه.]

اشارة

أمّا الأوّل: لا شكّ أنّ إطاعة الإمام العادل من صميم الدين فلا يشكّ في وجوب إطاعته اثنان، إنّما الكلام في إطاعة الحاكم الجائر، فقد ذهب أهل السنّة إلى وجوب طاعته مطلقاً سواء أمر بالمعروف أو أمر بالمنكر، أو في خصوص ما لم يأمر بالمعصية، و لكلٍّ من القولين قائل و نذكر بعض كلماتهم في المقام:

1 - قال أحمد بن حنبل في رسالة ألّفها لبيان عقائد أهل السنّة: «السمع و الطاعة للأئمّة و أمير المؤمنين البرّ و الفاجر، و مَنْ ولي الخلافة، فأجمع الناس و رضوا به، و من غلبهم بالسيف، و يُسمّى أمير المؤمنين».(2)

2 - و قال الشيخ أبو جعفر الطحاوي الحنفي (المتوفّىٰ 321 ه) في رسالته المسمّاة «بيان السنّة و الجماعة، المشهورة بالعقيدة الطحاوية»:

«و نرى الصلاة خلف كل برّ و فاجر من أهل القبلة.. إلى أن قال: و لا ننزع يداً


1) . تاريخ الطبري: 439/4.

2) . تاريخ المذاهب الإسلامية: 322/2، نقلاً عن إحدى رسائل إمام الحنابلة، و كلامه مطلق يعم ما إذا أمر بالطاعة أو بالمعصية.

من طاعتهم، و نرى طاعتهم من طاعات اللّٰه عزّ و جلّ فريضة علينا ما لم يأمروا بمعصية».(1)

3 - و قال أبو اليُسر محمّد بن عبد الكريم البزدوي: «الإمام إذا جار أو فسق لا ينعزل. عند أصحاب أبي حنيفة بأجمعهم، و هو المذهب المروي».(2)

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي وقفت على بعضها في الجزء الأوّل - من هذه الموسوعة - عند البحث عن طاعة السلطان الجائر و هي بين مطلق و مقيّد فيما إذا لم يأمر بمعصية.

و هذه النظرية حيكت على طبق الروايات الواردة في الصحاح و المسانيد، و إليك بعضها:

أ - روى مسلم في صحيحه: بسنده عن حذيفة بن اليمان قال: قلت: «يا رسول اللّٰه، إنّا كنّا بشرٍّ فجاء اللّٰه بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شرّ؟ قال: نعم، قلت: هل وراء ذلك الشرّ خير؟ قال: نعم، قلت: فهل وراء ذلك الخير شرّ؟ قال: نعم، قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي و لا يستنّون بسنّتي و سيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول اللّٰه إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع و تطيع للأمير، و إن ضرب ظهرك و أخذ مالك فاسمع و أطع».(3)


1) . شرح العقيدة الطحاوية: 110، طبع دمشق.

2) . أُصول الدين للبزدوي: 190، طبع القاهرة.

3) . صحيح مسلم: 1476/3، كتاب الإمارة، الباب 13، الحديث 1847.

ب - روى أيضاً عن سلمة بن يزيد الجعفي، أنّه سأل رسول اللّٰه، فقال: «يا نبيّ اللّٰه، أ رأيت إن قامت علينا أُمراء يسألونا حقّهم و يمنعونا حقّنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثمّ سأله فأعرض عنه، ثمّ سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس و قال: «اسمعوا و أطيعوا، فإنّما عليهم ما حمّلوا و عليكم ما حمّلتم».(1)

و في رواية أُخرى فيه: «فجذبه الأشعث بن قيس فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «اسمعوا و أطيعوا، فإنّما عليهم ما حمّلوا و عليكم ما حمّلتم».(2)

ج - و روى عن عبادة بن الصامت «قال: دعانا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع و الطاعة في منشطنا و مكرهنا و عسرنا و يسرنا و اثره علينا و أن لا ننازع الأمر أهله. قال: «إلّا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من اللّٰه فيه برهان».(3)

تحليل هذه النظرية:

إنّ هذه النظرية لا يصدّقها الكتاب العزيز و لا السنّة النبويّة و لا سيرة أئمّة المسلمين، كيف يجوز إطاعة أمر الجائر مطلقاً، أو فيما إذا لم يأمر بمعصيته؟! و قد قال سبحانه: «وَ لاٰ تُطِيعُوا أَمْرَ اَلْمُسْرِفِينَ * اَلَّذِينَ


1) . صحيح مسلم: 1474/3، كتاب الامارة، الباب 12، الحديث 1846.

2) . صحيح مسلم: 1475/3، كتاب الامارة، الباب 12، ذيل حديث 1846.

3) . صحيح مسلم: 1470/3، كتاب الامارة، الباب 8 ذيل حديث 1840 (الرقم 42). و لاحظ في الوقوف على سائر الروايات في هذا المجال كتاب دراسات في فقه الدولة الإسلامية: 580/1-587 فإنّه بلغ النهاية في جمع الروايات و الكلمات الصادرة عن الفقهاء في المقام.

يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ يُصْلِحُونَ»(1)، و قد نقل سبحانه اعتذار بعض أهل النار بقوله: «وَ قٰالُوا رَبَّنٰا إِنّٰا أَطَعْنٰا سٰادَتَنٰا وَ كُبَرٰاءَنٰا فَأَضَلُّونَا اَلسَّبِيلاَ»(2). و قد تضافر عن رسول اللّٰه أنّه قال: «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق».(3)

و روى الإمام الرضا عن آبائه قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «من أرضى سلطاناً بما أسخط اللّٰه خرج عن دين اللّٰه».(4)

و روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر أنّه قال: «على المرء المسلم السمع و الطاعة فيما أحبّ و كره إلّا أن يؤمر بمعصية فلا سمع و لا طاعة».(5)

إلى غير ذلك من الروايات الناهية عن إطاعة الإمام الجائر مطلقاً أو فيما يأمر بمعصية. و الإمعان فيها و في غيرها يعرب عن حرمة الإطاعة مطلقاً، كيف و قد روى المتّقي الهندي في «كنز العمّال» عن أَنس قال: «لا طاعة لمن لم يطع اللّٰه».(6)نعم كل ما ذكرنا من حرمة الطاعة، مشروط بالقدرة و المنعة، و إلّا ففيه كلام آخر ليس المقام محل تفصيله.

و أمّا السيرة فيظهر حالها عند الكلام في المقام الثاني:


1) . الشعراء: 151-152.

2) . الأحزاب: 67.

3) . الوسائل: 11، الباب 11 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 7. و نقله الرضي في نهج البلاغة قسم الحكم برقم 165.

4) . المصدر نفسه برقم 9.

5) . صحيح مسلم: ج 3، كتاب الامارة، الباب الثامن، الحديث 1839.

6) . كنز العمال: 67/6، الباب 1 من كتاب الامارة، الحديث 14872.

الثاني: في لزوم الخروج على الحاكم الجائر:

1 - ذهب أكثر أهل السنّة إلى حرمة الخروج، و هذا هو إمام الحنابلة يقول في رسالته السابقة: «و الغزو ماضٍ مع الأُمراء إلى يوم القيامة، البرّ و الفاجر، و إقامة الحدود إلى الأئمة، و ليس لأحدٍ أن يطعن عليهم و ينازعهم».(1)

2 - و قال الشيخ أبو جعفر الطحاوي: «و لا نرى الخروج على أئمّتنا و لا ولاة أمرنا و إن جاروا».(2)

3 - و قال الإمام الأشعري عند بيان عقيدة أهل السنّة: «و يرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح و أن لا يخرجوا عليهم بالسيف».(3)

4 - و قال الإمام البزدوي: «إذا فسق الإمام يجب الدعاء له بالتوبة، و لا يجوز الخروج عليه لأنّ في الخروج إثارة الفتن و الفساد في العالم».(4)

5 - و قال الباقلاني بعد ما ذكر فسق الإمام و ظلمه بغصب الأموال، و ضرب الأبشار، و تناول النفوس المحرّمة، و تضييع الحقوق، و تعطيل الحدود: «لا ينخلع بهذه الأُمور، و لا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه و تخويفه، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي اللّٰه».(5)


1) . تقدم مصدره.

2) . أشرنا إلى مصدره.

3) . مقالات الإسلاميين: 323.

4) . أُصول الدين: 190.

5) . التمهيد: 186، طبع القاهرة.

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي فيما ذكرنا غنىً عنها.

نعم هناك شخصيات لامعة أصحروا بالحقيقة و جاءوا بكلامٍ حاسمٍ، و إليك بعض من ذهب إلى وجوب الخروج على الحاكم الجائر:

1 - قال أبو بكر الجصّاص في «أحكام القرآن»: «كان مذهب أبي حنيفة مشهوراً في قتال الظلمة و أئمّة الجور، و لذلك قال الأوزاعي:

احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف - يعني: قتال الظلمة - فلم نحتمله، و كان من قوله: وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فرض بالقول، فإن لم يؤتمر له فبالسيف على ما روي عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم.

و سأله إبراهيم الصائغ و كان من فقهاء أهل خراسان و رواة الأخبار و نسّاكهم عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فقال: هو فرض، و حدّثه بحديث عن عكرمة عن ابن عباس أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب و رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف و نهاه عن المنكر فقتل».(1)

2 - و قال ابن حزم: «و الواجب إن وقع شيء من الجور و إن قلّ، أن يكلّم الإمام في ذلك و يمنع منه، فإن امتنع و راجع الحقّ و أذعن للقود من البشرة أو من الأعضاء، و لإقامة حدّ الزنا و القذف و الخمر عليه فلا سبيل إلى خلعه، و هو إمام كما كان، لا يحلّ خلعه. فإن امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه و لم يراجع، وجب خلعه و إقامة غيره ممّن يقوم بالحقّ، لقوله


1) . أحكام القرآن: 81/1.

تعالى: «تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَ اَلتَّقْوىٰ وَ لاٰ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ» و لا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرائع».(1)

3 - و قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح قول أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي» قال:

«و عند أصحابنا انّ الخروج على أئمّة الجور واجب، و عند أصحابنا أيضاً انّ الفاسق المتغلّب بغير شبهة يعتمد عليها، لا يجوز أن يُنْصَر على من يخرج عليه ممّن ينتمي إلى الدين، و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، بل يجب أن ينصر الخارجون عليه، و إن كانوا ضالّين في عقيدة اعتقدوها بشبهة دينية دخلت عليهم، لأنّهم أعدل منه و أقرب إلى الحقّ، و لا ريب في تلزّم الخوارج بالدين، كما لا ريب في أنّ معاوية لم يظهر عنه مثل ذلك»(2).

4 - و قال إمام الحرمين: «إنّ الامام إذا جار، و ظهر ظلمه و غيّه و لم يرعو لزاجر عن سوء صنيعة فلأهل الحل و العقد، التواطؤ على ردعه و لو بشهر السلاح و نصب الحروب».(3)

إذا وقفت على هذه النقول، فالحقّ هو وجوب الخروج على الحاكم الجائر إذا كان في ركوبه منصّةَ الحكم خطراً على الإسلام و المسلمين.

و يكفي في ذلك ما ورد حول الأمر بالمعروف و النهي عن


1) . الفصل في الملل و الاهواء و النحل: 175/4. و الآية 2 من سورة المائدة.

2) . شرح نهج البلاغة: 78/5.

3) . شرح المقاصد: 272/2 نقلاً عن إمام الحرمين.

المنكر، فإنّ الخروج على السلطان الجائر من مراتب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و لا يقوم به إلّا أصحاب القدرة و المنعة، الذين لديهم امكانية الكفاح المسلّح.

و أمّا الروايات فيكفي في ذلك ما نذكر:

1 - روى الطبري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: إنّي سمعت علياً عليه السلام يقول - يوم لقينا أهل الشام -: «أيّها المؤمنون، إنّه من رأى عدواناً يُعمل به و منكراً يُدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد سلم و برئ، و من أنكره بلسانه فقد أُجر، و هو أفضل من صاحبه، و من أنكره بالسيف لتكون كلمة اللّٰه العليا و كلمة الظالمين السفلى فذلك الّذي أصاب سبيل الهدى و قام على الطريق و نوّر في قلبه اليقين».(1)

2 - و في مسند أحمد عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يقول: «إنّ اللّٰه عزّ و جلّ لا يعذّب العامّة بعمل الخاصّة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، و هم قادرون على أن ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذّب اللّٰه الخاصّة و العامّة».(2)

فالقدرة، و منطق القوة يستعان به إذا لم تثمر المراتب السابقة، و في بعض الروايات إلماعات إليه، و هي بين كونها نقيّة السند و ضعيفته، و لكن المجموع يفيد اليقين بالمقصود.

3 - قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: «فأنكروا بقلوبكم و الفظوا بألسنتكم


1) . الوسائل: 405/11، الباب 3 من أبواب الأمر و النهي و...، الحديث 8. و رواه أيضاً في نهج البلاغة: فيض 1262، عبدة 243/3، صالح 541، الحكمة 373.

2) . مسند أحمد: 192/4.

و صكّوا بها جباههم، و لا تخافوا في اللّٰه لومة لائم».(1)

4 - إنّ الحسين خطب أصحابه و أصحاب الحرّ، فحمد اللّٰه و أثنى عليه ثمّ قال:

«أيّها الناس إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم اللّٰه، ناكثاً لعهد اللّٰه، مخالفاً لسنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يعمل في عباد اللّٰه بالإثم و العدوان، فلم يُغَيِّر عليه بفعل و لا قول كان حقّاً على اللّٰه أن يدخله مدخله. ألا و إن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان و تركوا طاعة الرحمن، و أظهروا الفساد و عطّلوا الحدود، و استأثروا بالفيء، و أحلّوا حرام اللّٰه و حرّموا حلاله، و أنا أحقّ من غيّر».(2)

5 - روى الصدوق باسناده عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «إنّ اللّٰه لا يعذّب العامّة بذنب الخاصّة إذا عملت الخاصّة بالمنكر سرّاً من غير أن تعلم العامّة، فإذا عملت الخاصّة بالمنكر جهاراً فلم تغيّر ذلك العامة، استوجب الفريقان العقوبة من اللّٰه - عزّ و جلّ -» قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ المعصية إذا عمل بها العبد سرّاً لم تُضرَّ إلّا عاملها، فإذا عمل بها علانية و لم يغيّر عليه أضرّت بالعامة».

و قال جعفر بن محمّد عليه السلام: «و ذلك انّه يذلّ بعمله دين اللّٰه و يقتدي به أهل عداوة اللّٰه»(3).


1) . الوسائل: 403/11، الباب الثالث من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 1.

2) . تاريخ الطبري: 304/4.

3) . الوسائل: 407/11، الباب 4 من أبواب الأمر و النهي و...، الحديث 1.

و فيما ذكرنا من الروايات كفاية.

أمّا السيرة فحدّث عنها و لا حرج، ففي ثورة الإمام الطاهر الحسين سيّد الشهداء، و ثورة أهل المدينة على زيد الطاغية، و ثورة أهل البيت في فترات خاصة، كفاية لطالب الحق و كلّها تؤيّد نظرية لزوم الخروج على الحاكم الجائر بشروط خاصة مبيّنة في الفقه.

و نكتفي في المقام بما ذكره صاحب المنار قال:

«و من المسائل المجمع عليها قولاً و اعتقاداً: «إنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، و إنّما الطاعة في المعروف»، و إنّ الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتدّ عن الإسلام واجب، و إنّ اباحة المجمع على تحريمه كالزنا و السكر و استباحة إبطال الحدود و شرع ما لم يأذن به اللّٰه، كفر و ردّة، و انّه إذا وجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع، و حكومة جائرة تعطله، وجب على كلّ مسلم نصر الأُولى ما استطاع، و انّه إذا بغت طائفة من المسلمين على أُخرى، و جرّدت عليها السيف، و تعذّر الصلح بينهما، فالواجب على المسلمين قتال الباغية المعتدية حتى تفيء إلى أمر اللّٰه.

و ما ورد في الصبر على أئمّة الجور إلّا إذا كفروا، معارض بنصوص أُخرى، و المراد به اتّقاء الفتنة و تفريق الكلمة المجتمعة، و أقواها حديث: «و أن لا تنازع الأمر أهله إلّا أن تروا كفراً بواحاً». قال النووي: المراد بالكفر هنا المعصية. و مثله كثير. و ظاهر الحديث انّ منازعة الإمام الحق في إمامته ننزعها منه لا يجب إلّا إذا كفر كفراً ظاهراً و كذا عمّاله و ولاته.

و أمّا الظلم و المعاصي فيجب إرجاعه عنها مع بقاء إمامته و طاعته في المعروف دون المنكر، و إلّا خلع و نصب غيره.

و من هذا الباب خروج الحسين سبط رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم على إمام الجور و البغي، الّذي ولَّي أمر المسلمين بالقوّة و المكر: يزيد بن معاوية خذله اللّٰه، و خذل من انتصر له من الكرامية و النواصب الذين لا يزالون يستحبون عبادة الملوك و الظالمين، على مجاهدتهم لإقامة العدل و الدين.

و قد صار رأي الأُمم الغالب في هذا العصر وجوب الخروج على الملوك المستبدّين المفسدين. و قد خرجت الأُمّة العثمانية على سلطانها عبد الحميد خان فسلبت السلطة منه و خلعته بفتوى من شيخ الإسلام».(1)



1) . تفسير المنار: 367/6. و يا ليت صاحب المنار (المتوفّىٰ 1354 ه) يمشي على هذا الخطّ إلى آخر عمره و القصة ذو شجون. و من أراد التفصيل فليرجع إلى المناظرات الّتي دارت بينه و بين السيد محسن الأمين (المتوفّىٰ 1371 ه) فقد أماط الستر عن حياته و تلوّنه فيها، و لاحظ أيضاً كشف الارتياب: 64-77.

4 - التقية قولاً و عملاً

ذهبت الأزارقة إلى حرمة التقيّة في القول و العمل، بينما ذهبت النجدية إلى جوازها(1)، و ربّما تنسب حرمة التقيّة إلى جميع الخوارج و إن أُكره المؤمن و خاف القتل.(2)

يلاحظ عليه: أنّ التقيّة تنقسم حسب انقسام الأحكام إلى خمسة، فمنها واجب، و منها حرام، فإنّها تجب لحفظ النفوس، و الأعراض، و الأموال الطائلة؛ كما إنّها تحرم إذا ترتّبت عليها مفسدة أعظم كهدم الدين و خفاء الحقيقة على الأجيال الآتية.

قال الشيخ المفيد: التقيّة جائزة في الدين عند الخوف على النفس، و قد يجوز في حال دون حال للخوف على المال، و لضروب من الاستصلاح.

و أقول: إنّها قد تجب أحياناً و يكون فرضاً، و تجوز أحياناً من غير وجوب، و تكون في وقت أفضل من تركها، و يكون تركها أفضل و إن كان فاعلها معذوراً و معفوّاً عنه، متفضّلاً عليه بترك اللوم عليها.

و أقول: إنّها جائزة في الأقوال كلّها عند الضرورة، و ربّما وجبت فيها


1) . لاحظ فصل عقائد الخوارج و آرائهم.

2) . تفسير المنار: 280/3، بقلم السيد محمّد رشيد رضا، و ما ذكره إنّما هو مذهب الأزارقة لا النجدية، و ستعرف أنّ التقيّة من تعاليم الاباضية و كانت هي السبب في بقائهم.

لضرب من اللطف و الاستصلاح، و ليس يجوز من الأفعال في قتل المؤمنين و لا فيما يُعْلَم أو يُغْلَب انّه استفساد في الدين، و هذا مذهب يخرج عن أُصول أهل العدل و أهل الإمامة خاصّة دون المعتزلة و الزيدية و الخوارج و العامة المتسمّية بأصحاب الحديث.(1)

و يكفي في جواز ذلك:

1 - قوله سبحانه: «لاٰ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللّٰهِ فِي شَيْ‌ءٍ إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اَللّٰهِ اَلْمَصِيرُ»(2).

فقوله: «إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا» استثناء من أهم الأحوال، أي أنّ ترك موالاة الكافرين حتم على المؤمنين في كلّ حال، إلّا في حال الخوف من شيء يتّقونه منهم، فللمؤمنين حينئذ أن يوالوهم بقدر ما يتّقى به ذلك الشيء، لأنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح.

و الاستثناء منقطع، فإنّ التقرّب من الغير خوفاً، بإظهار آثار التولّي، ظاهراً من غير عقد القلب على الحبّ و الولاية، ليس من التولّي في شيء، لأنّ الخوف و الحب أمران قلبيّان و متنافيان أثراً في القلب، فكيف يمكن اجتماعهما، فاستثناء الاتّقاء استثناء منقطع.


1) . أوائل المقالات: 96-97. قوله: «و العامة المتسمّية بأصحاب الحديث» يعرب عن أنّ غير المعتزلة من أهل السنّة كانوا معروفين في عصر الشيخ (326-413 ه) بأصحاب الحديث، و أمّا تسمية طائفة منهم بالأشاعرة فإنّما حدث بعد ذلك العصر.

2) . آل عمران: 28.

2 - قوله سبحانه: «مَنْ كَفَرَ بِاللّٰهِ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِهِ إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ * وَ لٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اَللّٰهِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ»(1)، فترى أنّه سبحانه يجوّز إظهار الكفر كرهاً و مجاراة الكافرين خوفاً منهم، بشرط أن يكون القلب مطمئنّاً بالايمان. فلو كانت مداراة الكافرين في بعض الظروف حراماً، فلما ذا رخّصه الإسلام و أباحه، و قد اتّفق المفسّرون على أنّ الآية نزلت في جماعة أُكرهوا على الكفر، و هم عمّار و أبوه «ياسر» و أُمّه «سميّة»، و قتل أبو عمّار و أُمّه، و أعطاهم عمّار بلسانه، ما أرادوا منه. ثمّ أخبر سبحانه بذلك رسول اللّٰه، فقال قوم: كفر عمّار، فقال صلى الله عليه و آله و سلم: «كلّا، إنّ عمّاراً مُلِئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، و اختلط الإيمان بلحمه و دمه». و جاء عمّار إلى رسول اللّٰه و هو يبكي، فقال: «ما وراءك»؟ فقال: «شرّ يا رسول اللّٰه، ما تركت حتى نلت منك، و ذكرت آلهتهم بخير». فجعل رسول اللّٰه يمسح عينيه و يقول: «إن عادوا فعدلهم بما قلت» فنزلت الآية.(2)

و بذلك يظهر، أنّ تحريم التقيّة على وجه الإطلاق اجتهاد في مقابل النصّ، فإنّ الآية تصرّح بأنّ من نطق بكلمة الكفر مُكْرَهاً وقاية لنفسه من الهلاك، لا شارحاً بالكفر صدراً، و لا مستحسناً للحياة الدنيا على الآخرة، لا يكون كافراً، بل يعذر.

3 - «وَ قٰالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمٰانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ


1) . النحل: 106.

2) . مجمع البيان: 388/3 و نقله غير واحد من المفسرين.

يَقُولَ رَبِّيَ اَللّٰهُ وَ قَدْ جٰاءَكُمْ بِالْبَيِّنٰاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَ إِنْ يَكُ كٰاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صٰادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ اَلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّٰابٌ»(1)، و يقول أيضاً: «وَ جٰاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى اَلْمَدِينَةِ يَسْعىٰ قٰالَ يٰا مُوسىٰ إِنَّ اَلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ اَلنّٰاصِحِينَ»(2).

نعم لوجوب التقيّة أو جوازها شروط و أحكام ذكرها العلماء في كتبهم الفقهية، و لأجل ذلك حرّموا التقيّة في موارد، كقتل المؤمن تقيّة، أو ارتكاب محرّم يوجب الفساد الكثير، و لأجل ذلك نرى أنّ كثيراً من عظماء الشيعة و أكابرهم رفضوا التقيّة في بعض الأحايين و تهيّئوا للشنق على حبال الجور، و الصلب على أخشاب الظلم. و كلّ من استعمل التقيّة أو رفضها، له الحسنى، و كلّ عمل بوظيفته الّتي عيّنتها ظروفه.

إنّ التاريخ يحكي لنا عن الكثير من رجالات الشيعة الذين تركوا التقيّة و قدَّموا نفوسهم المقدَّسة قرابين للحقّ، و منهم شهداء «مرج العذراء» و قائدهم الصحابيّ العظيم الّذي أنهكته العبادة و الورع، حجر بن عدي الكندي، الّذي كان من قادة الجيوش الإسلامية الفاتحة للشام.

و منهم ميثم التمّار، و رشيد الهجري، و عبد اللّٰه بن يقطر الذين شَنَقهم ابن زياد في كناسة الكوفة، هؤلاء و المئات من أمثالهم هانت عليهم نفوسهم


1) . غافر: 28.

2) . القصص: 20.

العزيزة في سبيل الحقّ، و نطحوا صخرة الباطل، بل وجدوا العمل بالتقيّة حراماً، و لو سكتوا و عملوا بها و أصبح دين الإسلام دينَ معاوية و يزيد و زياد و ابن زياد، دينَ المكر، و دينَ الغدر، و دينَ النفاق، و دينَ الخداع، دين كل رذيلة، و أين هو من دين الإسلام الحقّ، الّذي هو دين كل فضيلة، أُولئك هم أضاحي الإسلام و قرابين الحق.

و فوق أُولئك، إمام الشيعة، أبو الشهداء الحسين و أصحابه الذين هم سادة الشهداء وقادة أهل الإباء.

و بذلك ظهر أنّ إيجاب التقيّة على الإطلاق و تحريمها كذلك، بين الإفراط و التفريط. و القول الفصل هو تقسيم التقيّة إلى الواجب و الحرام، أو إلى الجائز - بالمعنى الأعم - و الحرام.

و بما أنّ الشيعة اشتهرت بالتقيّة بين سائر الفرق، و ربّما تُزرىٰ بها و تُتَّهم بالنفاق فقد أشبعنا الكلام فيها، و بيّنّا، الفرق بين التقيّة و النفاق في أبحاثنا الكلامية(1).

و هناك كلمة للعلّامة المحقّق السيد الشهرستاني نأتي بها هنا:

قال: المراد من التقيّة إخفاء أمر ديني لخوف الضرر من إظهاره، و التقيّة بهذا المعنى، شعار كلّ ضعيف مسلوب الحرية، إلّا أنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقيّة أكثر من غيرها، لأنّها منيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أيّ أُمّة أُخرى، فكانت مسلوبة الحرية في عهد الدولة الأمويّة كلِّه، و في عهد


1) . لاحظ الإلهيّات: 925/2-933 بقلم حسن محمد مكي العاملي.

العباسيين على طوله و في أكثر أيام الدولة العثمانية و لأجله استشعروا شعار التقيّة أكثر من أيّ قوم، و لمّا كانت الشيعة تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهم من الاعتقادات في أُصول الدين، و في كثير من المسائل الفقهية، و تستجلب المخالفة (بالطبع) رقابة و حزازة في النفوس، و قد يجرّ إلى اضطهاد أقوى الحزبين لأضعفه، أو اخراج الأعزّ منهما الأذلّ كما يتلوه علينا التاريخ و تصدّقه التجارب، لذلك أضحت شيعة الأئمّة من آل البيت تضطرّ في أكثر الأحيان إلى الكتمان لصيانة النفس و النفيس، و المحافظة على الوداد و الأُخوّة مع سائر اخوانهم المسلمين، لئلاّ تنشق عصا الطاعة، و لكيلا يحسّ الكفّار بوجود اختلاف ما في الجامعة الإسلامية فيوسّعوا الخلاف بين الأُمّة المحمّدية(1).



1) . تعاليق أوائل المقالات: 96 نقلاً عن مجلّة المرشد 252-256.

5 - ما تجب معرفته بالتفصيل

اشارة

إنّ هذه المسألة تفترق عن المسألة الثانية، أعني: تحديد حقيقة الإيمان، و انّ العمل هل هو مقوّم لأقلّ مراتب الإيمان أو لا (وجه الفرق)؟ انّ روح البحث في المقام عن تحديد ما تجب معرفته في مجالي العقيدة و الشريعة، بخلاف المسألة السابقة فإنّ موضوعه تحديد مفهوم الإيمان و انّه هل هو متقوّم بالعقيدة فقط، أو مركّب منها و من العمل؟ فالمسألتان مختلفتان جوهراً فنقول:

الإسلام عقيدة و شريعة، و المطلوب من الأُولى، المعرفة ثمّ الالتزام القلبي، كما أنّ المطلوب من الثانية المعرفة ثمّ الالتزام العملي، و هذا ممّا لم يختلف فيه اثنان، إلّا أنّه وقع الاختلاف في تحديد المقدار الّذي تجب معرفته تفصيلاً مقدمة للالتزام القلبي، كما وقع الخلاف في المقدار الأدنى الّذي تجب معرفته تفصيلاً مقدمة للالتزام العملي، و نحن نبحث عن كلا الأمرين.

الأمر الأوّل: ما تجب معرفته في مجال العقيدة:

الّذي يظهر من الطائفة البيهسيّة من الخوارج، لزوم معرفة جميع العقائد الإسلامية تفصيلاً و انّه لو لا هذه المعرفة لما دخل الإنسان في عداد المسلمين، قالوا: لا يسلِم أحد حتى يُقر بمعرفة اللّٰه، و بمعرفة رسوله صلى الله عليه و آله و سلم

و بمعرفة ما جاء به محمّد صلى الله عليه و آله و سلم جملة، و الولاية لأولياء اللّٰه سبحانه، و البراءة من أعداء اللّٰه - جلّ و علا - و ما حرّم اللّٰه سبحانه ممّا جاء فيه الوعيد فلا يسع الإنسان إلّا علمه و معرفته بعينه و تفصيله.(1)

و يظهر هذا القول من بعض علمائنا الإمامية. قال العلاّمة الحلّي: أجمع العلماء على وجوب معرفة اللّٰه و صفاته الثبوتية و ما يصحّ عليه و ما يمتنع عنه و النبوّة و الإمامة و المعاد بالدليل لا بالتقليد.(2)

و في الوقت نفسه هناك من قال منهم بكفاية الاقرار (الا المعرفة) بما جاء من عند اللّٰه جملة.(3)

و يظهر هذا القول من الاباضية، قال محمّد بن سعد الكدمي - و هو من علماء الاباضية في القرن الرابع -: «اعلموا أنّ الجملة الّتي دعا إليها محمّد صلى الله عليه و آله و سلم و كذلك من دعا إلى دين اللّٰه بعد موت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، ممّا لا يسع الناس جهله، و هو الإقرار باللّٰه، أنّه واحد، و انّه ليس كمثله شيء، و انّ محمّداً عبده و رسوله، و انّ جميع ما جاء به محمّد عن اللّٰه فهو الحق، فهذا الّذي لا يسع جهله في حال من الأحوال.(4)

و أضاف البعض الآخر من الاباضية تبعاً لأهل الحديث ثمّ الأشاعرة،


1) . يراجع الفصل التاسع: الفرقة الثالثة: البيهسية.

2) . الباب الحادي عشر: 2.

3) . لاحظ عقائد الفرقة البيهسية المنسوبة لأبي بيهس في هذا الفصل و يحتمل أن يكون المراد من «جملة» هو الاعتقاد الإجمالي بما جاء به الرسول فلا يدل على لزوم المعرفة التفصيلية و لكن يخالفه ذيله الصريح في لزومها.

4) . المعتبر: 145/1 من منشورات وزارة التراث القومي و الثقافة لسلطنة عمان.

الإيمان بالقدر خيره و شرّه (فيجب معرفتهما) قال ابن سلام: الإيمان أن تؤمن باللّٰه و ملائكته و كتبه و رسله و البعث و اليوم الآخر و الموت و القدر خيره و شرّه من اللّٰه عزّ و جلّ.(1)

و لأجل وجود التطرّف في القول الأوّل قال شيخنا المرتضى الأنصاري عند البحث عن حجّية الظن في أُصول الدين:

«لقد ذكر العلامة قدس سره في الباب الحادي عشر في ما يجب معرفته على كلّ مكلّف من تفاصيل التوحيد و النبوّة و الإمامة و المعاد أُموراً لا دليل على وجوبها مطلقاً، مدعياً انّ الجاهل بها عن نظر و استدلال خارج عن ربقة الإسلام مستحقّ للعقاب الدائم و هو في غاية الإشكال».(2)

و لأجل تحقيق الحال نبحث عن الموضوع على وجه الإيجاز فنقول: إنّ المسائل الأُصولية الّتي لا يطلب فيها أوّلاً و بالذات إلّا الاعتقاد، على قسمين:

الأوّل: ما وجب على المكلّف الاعتقاد و التديّن به غير مشروط بحصول العلم، فيكون تحصيل العلم من مقدّمات ذلك الواجب المطلق فيجب تحصيل مقدّمته (المعرفة).

الثاني: ما يجب الاعتقاد و الالتزام إذا اتّفق حصول العلم به، و هذا كبعض تفاصيل المعارف الإسلامية الراجعة إلى المبدأ و المعاد.


1) . بدء الإسلام و شرائع الدين: 60.

2) . الرسائل للشيخ الأنصاري: 170.

أمّا القسم الأوّل: أعني ما يجب الاعتقاد به مطلقاً و لأجل كون وجوبه غير مشروط بشيء يجب تحصيل مقدّمته. فهذا لا يتجاوز عن الاعتقاد بالشهادتين: بشهادة أن لا إله إلّا اللّٰه و شهادة أنّ محمّداً رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و هذه الشهادة تتضمّن الاعتقاد الاجمالي بصحّة كلّ ما جاء به النبي في مجال العقيدة.

و الدليل على كفاية ذلك ما يلي:

إنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم كان يقبل إسلام من أقرَّ بالشهادتين لفظاً حاكياً عن الاعتقاد به، و هذا يدلّ على أنّه يكفي في دخول الإنسان في عداد المسلمين، الإقرار بهما و لا تجب معرفة تفاصيل المعارف و العقائد.

قال أبو جعفر الباقر عليه السلام:

إنّ اللّٰه عزّ و جل بعث محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم و هو بمكة عشر سنين(1)، و لم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا اله إلّا اللّٰه و أنّ محمّداً رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم إلّا أدخله اللّٰه الجنة بإقراره و هو إيمان التصديق.(2)

فهذا الاستدلال يعطي أنّ حقيقة الإيمان الّتي يخرج الإنسان بها عن حدّ الكفر، الموجب للخلود في النار، لم تتغيّر بعد انتشار الشريعة، و بعد هجرة النبيّ إلى المدينة المنوّرة.

نعم ظهرت في الشريعة أُمور صارت ضرورية الثبوت من النبي صلى الله عليه و آله و سلم


1) . يريد الدعوة العلنية فإنّها كانت عشر سنين و كانت في السنين الثلاثة الأُولى سرّية.

2) . الكافي: 29/2 برقم 1510.

فيعتبر في تحقّق الإسلام عدم إنكارها (لا لزوم التصديق بها تفصيلاً) و لكن هذا لا يوجب التغيّر في ما يقوم الإيمان به، فإنّ المقصود انّه لا يعتبر في الإيمان أزيد من التوحيد و التصديق بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم و انّه كان رسولاً صادقاً فيها يبلّغ، و لا تلزم معرفة تفاصيل ذلك و إلّا لزم أحد الأمرين:

1 - أن لا يكون من آمن بمكة من أهل الجنّة لعدم إيمانهم.

2 - أن تكون حقيقة الإيمان بعد انتشار الشريعة تختلف عن صدر الإسلام و كلا الأمرين كما ترى.

نعم لمّا كان الاعتقاد بالمعاد و الحياة الآخرة يمثّل البُنْية التحتية للدعوة الإسلامية، بل لجميع الشرائع السماوية على وجه لا تتّصف الدعوة بالإلهية بدون الاعتقاد بها. لا بدّ من الاعتقاد بها في إطار الشهادتين فإنّه ينطوي في طيّاتهما يوم بعث النبيّ الأكرم بالهداية.

و يؤيّد ما ذكرنا ما رواه البخاري في ذلك المجال و إليك نصّه:

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يوم خيبر: لأُعطينّ غداً هذه الراية رجلاً يحبّ اللّٰه و رسوله يفتح اللّٰه على يديه. قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلّا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن أُدعى لها، قال: فدعا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم علي بن أبي طالب فأعطاه إيّاها و قال:

امش و لا تلتفت حتى يفتح اللّٰه عليك. فسار علي شيئاً ثمّ وقف و لم يلتفت و صرخ: «يا رسول اللّٰه على ما ذا أُقاتل الناس؟».

قال صلى الله عليه و آله و سلم: «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلّا اللّٰه و أنّ محمّداً رسول

اللّٰه، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم و أموالهم إلّا بحقّها، و حسابهم على اللّٰه».(1)

فإذا كان الإقرار بالشهادتين كافياً في توصيف المقر مسلماً و مؤمناً، فيدلّ بالملازمة على عدم لزوم معرفة ما سواهما.

و يوضّح ذلك أيضاً ما رواه الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه عن علي عليه السلام: قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا اللّٰه فإذا قالوها فقد حرم عليّ دماءهم و أموالهم».(2)

و روى أبو هريرة: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا اللّٰه فإذا قالوا لا إلّا اللّٰه عصموا منّي دماءهم و أموالهم إلّا بحقّها و حسابهم على اللّٰه».(3)و الاستدلال بالروايتين حسب ما مرّ في غيرهما من الدلالة الالتزامية على عدم لزوم معرفة غيرهما.

و أمّا معرفة ما عدا ذلك من المعارف فلم يدلّ دليل على وجوب معرفتها بل الأصل المحكم عدم الوجوب إلّا ما دلّ الدليل الثانوي على وجوبه(4).


1) . صحيح مسلم: 121/7؛ ترجمة الإمام علي: 159/1 ح 222؛ خصائص أمير المؤمنين 57.

2) . البحار: 242/68.

3) . البحار: 242/68 نقله عن مشكاة المصابيح في التعليقة.

4) . كمعرفة الامام الّتي دلّت الأدلّة على وجوب معرفته. نعم إنّ ما رواه البخاري في الصحيح: 14/1 كتاب الإيمان عن النبي الأكرم من بناء الإسلام على خمس و أضاف بعد الشهادتين: إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و الحج، وصوم شهر رمضان، فهو خارج عن موضوع البحث و داخل في البحث الآتي: «ما يجب تعلّمه في مجال الشريعة».

هذا كلّه في المعارف الّتي تجب معرفتها بلا قيد، و لأجل ذلك يجب تحصيل معرفتها.

أمّا القسم الثاني: أعني ما يجب الاعتقاد به لو وصل العلم به، فهذا كمعرفة صفات الربّ و أوصافه و المعرفة التفصيلية للمعاد و الحياة الأُخروية، كلّ ذلك يجب الاعتقاد به إذا حصل العلم و المعرفة و لكن لا يكون ذلك دليلاً على اعتباره في الإسلام أو الإيمان بأدنى مراتبه.

الأمر الثاني: ما يجب تعلّمه في مجال الشريعة:

هذا كلّه في مجال العقيدة و أمّا مجال الشريعة فتجب معرفة ما يبتلى به المكلّف في حياته من الأحكام الفرعية.

فالحق، التفصيل بين ما تعم البلوى بها و غيره، أمّا الأوّل فتجب معرفة أحكامه فلا يجوز للمكلّف الدخول في العمل مع الظن بالابتلاء بما لا يعلم حكمه كأحكام الخلل، الشائع وقوعه في الصلاة. و أمّا الثاني أعني ما لا يتّفق الابتلاء به إلّا نادراً فلا يجب تعلّم حكمه قبل الابتلاء للوثوق بعدم الابتلاء به غالباً، و على ذلك جرت السيرة بين المسلمين مضافاً إلى أنّ إيجاب معرفة جميع الأحكام تفصيلاً ممّا يوجب العسر و الحرج و يوجد الفوضى في الحياة.

و هذا هو الظاهر أيضاً من بعض علماء الاباضية: قال: إذا لزمه شيء من ذلك ممّا يفوت مثل الصلاة، و الصوم، أو ممّا يفوت وقته من جميع الفرائض اللازمة له، ممّا يفوت وقته و يبطل و حضر وقته و وجب العمل به،

فمعنى انّه قيل إنّ عليه طلب العلم، من جميع ما جهل من ذلك.(1)

فما ورد في الشريعة الإسلامية من الحق الأكيد على تحصيل العلم كآية أهل الذكر (النحل: 46). و الأخبار الدالّة على وجوب طلب العلم و التفقّه كلّها منصرفه إلى الموارد المبتلى بها، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى محلّه(2).



1) . المعتبر: 70/1.

2) . لاحظ الرسائل للشيخ مرتضى الأنصاري: 400 آخر مبحث الاشتغال.

6 - حكم الدار

وصف الدار بكونها دار إسلام أو إيمان، أو دار كفر، هو من جهة لحوق بعض الأحكام الشرعية بالمقيمين فيها، مثل جواز المناكحة و التوارث إذا لم يعرف حاله، و الصلاة خلفه أو عليه إذا مات، و الدفن في مقابر المسلمين، و موالاته و معاداته، إلى غير ذلك من الأحكام، و قد اختلفت الآراء في الأمر الّذي يصير سبباً لوصف الدار بكونها دار إسلام أو كفر.

منهم من اعتبر الكثرة، فإذا كان الأكثر من أهل الدار على دين الإسلام فهي دار إسلام و إلّا فدار كفر.

و منهم من اعتبر مع الكثرة، الغلبة أيضاً، بأن يكون غالبين قاهرين على الأُمور.

و منهم من اعتبر زوال التقية، فمتى لم يكن أهل الدار في تقيّة من السلطان في إظهار شعائر الدين فهي دار إسلام.

و منهم (كثير من الزيدية و المعتزلة) ذهب إلى أنّ المناط في ذلك، بما يظهر في الدار و يوجد المقيم بها من الحال، فإذا كانت الدار بحيث يظهر فيها الشهادتان ظهوراً، لا يمكن المقام فيها إلّا بإظهارهما أو الكون في ذمّة و جوار من مظهرهما، و لا يتمكّن المقيم من إظهار خصلة من خصال الكفر

فهي دار إسلام، و إن لم تكن الدار بهذا الوصف الّذي ذكرناه فهي دار كفر. و لا اعتبار عندهم مع ذلك بما يكون عليه أهلها من المذاهب المختلفة بعد تحقّق ما ذكرناه.(1)

و قال شيخنا المفيد: إنّ الحكم في الدار على الأغلب فيها، و كلّ موضع غلب فيه الكفر فهو دار كفر، و كلّ موضع غلب فيه الإيمان فهو دار إيمان، و كلّ موضع غلب فيه الإسلام فهو دار إسلام، قال اللّٰه تعالى في وصف الجنّة: «وَ لَنِعْمَ دٰارُ اَلْمُتَّقِينَ»(2)و إن كان فيها أطفال و مجانين(3).

و قال في وصف النار: «سَأُرِيكُمْ دٰارَ اَلْفٰاسِقِينَ»(4)و إن كان فيها ملائكة اللّٰه مطيعون. فحكم على كلتا الدارين حكم الأغلب فيها.(5)

هذه هي الأقوال الدارجة في حكم الدار، و المعروف عن الخوارج رأيان:

1 - كلّ بلد ظهر فيه الحكم بغير ما أنزل اللّٰه فهو دار كفر.

2 - إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعيّة، الغائب منهم و الشاهد(6).

و في الرأي الثاني تطرّف واضح، إذ كيف يكون كفر الإمام سبباً لكفر


1) . التعليقة على أوائل المقالات للزنجاني: 70.

2) . النحل: 30.

3) . فيه و ما بعده تأمّل واضح.

4) . الأعراف: 145.

5) . أوائل المقالات: 70-71.

6) . لاحظ ما ذكرناه في حقّ البيهسيّة.

الرعيّة، أما سمعوا قول اللّٰه سبحانه: «أَلاّٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ»(1). و كان يقول علي عليه السلام في هذا الشأن مخاطباً الخوارج: «فإن أبيتم إلّا أن تزعموا أنّي أخطأت، و ضللت، فلم تُضلِّلون عامّة اُمّة محمّد صلى الله عليه و آله و سلم بضلالي و تأخذونهم بخطئي، و تكفّرونهم بذنوبي».(2)



1) . النجم: 38.

2) . نهج البلاغة: الخطبة 127.

7 - في حكم الزاني المحصن

قد عرفت أنّ الأزارقة لا تقول برجم الزاني إذا كان محصناً بحجّة أنّه ليس في ظاهر القرآن، و لا في السنّة المتواترة، و لكن المسألة من المسائل الفقهية، و اتّفق الفقهاء، على رجم الزاني المحصن بلا فرق بين الرجل و المرأة، و إنّما اختلفوا من جهة أُخرى.

1 - قال داود و أهل الظاهر عليهما الجلد و الرجم من غير فرق بين الشابِّ و الشيخ، و الشابّة و الشيخة، و هو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، كما في «المغني» لابن قدامة.

2 - قالت الإمامية - بالتفصيل و هو أنّه -: إذا كان المحصن شيخاً أو شيخة فعليهما الجلد و الرجم، و إن كانا شابّين فعليهما الرجم بلا جلد.

3 - قال فقهاء أهل السنّة: ليس عليهما إلّا الرجم دون الجلد، و به قال بعض الإمامية.(1)

و لسنا بصدد تحقيق المسألة من حيث السعة و الضيق و إنّما نبحث عن ثبوت الرجم في الإسلام على وجه الإجمال، و ذلك لثبوته بفعل النبي و الخلفاء و الصحابة، أمّا النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقد رجم ماعز حينما زنى، و رجم العامرية، كما رجم يهوديين زنيا(2)، و روي عن عمر، أنّه قال: «إنّ اللّٰه بعث


1) . الخلاف ج 3، كتاب الحدود، المسألة 1 و 2؛ المغني: 5/9، كتاب الحدود.

2) . لاحظ تفسير قوله سبحانه: «وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيهَا حُكْمُ اللّٰهِ» - المائدة: 43 -.

محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم بالحق و أنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأتها و عقلتها و وعيتها، و رجم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و رجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب اللّٰه، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها اللّٰه تعالى، فالرجم حقّ على من زنى إذا أحصن من الرجال و النساء إذا قامت البيّنة، أو كان الحبل أو الاعتراف و قد قرأ بها «الشيخ و الشيخة إذا زنيا فأرجموهما البتّة نكالاً من اللّٰه و اللّٰه عزيز حكيم».(1)

نحن لا نوافق الخليفة على كون آية الرجم من كتاب اللّٰه العزيز، فكيف يمكن لنا أن نعدّ كلاماً تعلو عليه الصناعة البشرية - و قد سرق جزءاً من الذكر الحكيم الوارد في حد السرقة و ركّبه مع كلامه فعاد كلاماً مغسولاً عن الفصاحة - من كلام اللّٰه العزيز، لكنّا نوافق الخليفة على ثبوت الرجم في الإسلام، هذا هو الإمام علي بن أبي طالب جلد سراجة يوم الخميس و رجمها يوم الجمعة و قال: جلدتها بكتاب اللّٰه، و رجمتها بسنّة رسول اللّٰه.

و أمّا قوله سبحانه: «اَلزّٰانِيَةُ وَ اَلزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ»(2). فلا ينافي ثبوت الرجم مع الجلد في بعض الموارد، فإنّه لا ينفي غير الجلد من سائر العقوبات، هذا إذا قلنا بثبوت الجلد و الرجم مطلقاً على المحصن، و أمّا إذا خصصنا الجمع بالشيخ و الشيخة، و أخرجنا الشاب و الشابة، فتكون السنّة مخصّصة لآية الجلد، فإنّ عموم القرآن يخصّص بالدليل القطعي، و ليس هذا نسخاً بل تخصيصاً، و كم من فرق بين


1) . المغني: 4/9.

2) . النور: 2.

التخصيص و النسخ يقف عليه المعنيّون بعلم الأُصول.

و أمّا الخوارج فقالوا بالجلد دون الرجم و احتجّوا بالوجهين التاليين:

1 - قوله سبحانه: «اَلزّٰانِيَةُ وَ اَلزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ» قالوا: لا يجوز ترك كتاب اللّٰه الثابت بطريق القطع و اليقين لأخبار آحاد يجوز الكذب فيها.

2 - إنّ هذا يفضي إلى نسخ الكتاب و السنّة و هو غير جائز.(1)

يلاحظ على كلا الوجهين:

أمّا الأوّل: فلأنّ القول بالرجم مضافاً إلى الجلد لا يستلزم ترك كتاب اللّٰه، لأنّ إثبات الشيء أي الجلد لا يكون دليلاً على نفي غيره، فأيّ مانع من أن تكون العقوبة في مطلق الزنا هي الجلد، و في خصوص المحصن، الجلد مع الرجم؟

هذا إذا قلنا بجلد المحصن مطلقاً، و أمّا إذا خصصنا الجمع بالشيخ و الشيخة، و قلنا بكفاية الرجم في غير الشاب و الشابّة، فأقصى ما يلزم تخصيص الكتاب بالسنّة القطعية و هو ليس بأمر شاذ، كيف لا يكون كذلك و قد اشتهر «و ما من عام إلّا و قد خصّ».

أمّا الثاني: فلأنّه خلط بين نسخ حكم الكتاب و تخصيصه، و الفرق بينهما واضح لا يخفى.

هذا و قد نقل ابن قدامة: انّ رسل الخوارج جاءوا عمر بن عبد العزيز فكان من جملة ما عابوا عليه الرجم و قالوا: ليس في كتاب اللّٰه إلّا الجلد،


1) . المغني: 4/9.

و قالوا: الحائض أوجبتم عليها قضاء الصوم دون الصلاة، و الصلاة أوكد. فقال لهم عمر: و أنتم لا تأخذون إلّا بما في كتاب اللّٰه؟ قالوا: نعم، قال: فأخبروني عن عدد الصلوات المفروضات و عدد أركانها، و ركعاتها، و مواقيتها، أين تجدونه في كتاب اللّٰه تعالى؟ و أخبروني عمّا تجب الزكاة فيه و مقاديرها و نُصُبها؟ فقالوا: انظرنا، فرجعوا يومهم ذلك فلم يجدوا شيئاً ممّا سألهم عنه في القرآن، فقالوا: لم نجده في القرآن. قال:

فكيف ذهبتم إليه؟ قالوا: لأنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم فعله، و فعله المسلمون بعده، فقال لهم: فكذلك الرجم و قضاء الصوم فإنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم رجم و رجم خلفاؤه بعده و المسلمون، و أمر النبي صلى الله عليه و آله و سلم بقضاء الصوم دون الصلاة، و فعل ذلك نساؤه و نساء أصحابه.(1)



1) . المغني: 5/9.

خاتمة المطاف

اشارة

إلى هنا قد تعرّفت على عقائد الخوارج معتدليهم و متطرّفيهم، غير أنّ هناك مسائل فقهيّة ثلاث نطرحها في المقام:

1 - حكم أولاد المشركين.

2 - حكم تزويج المشركات.

3 - حكم تزويج الكافرة غير المشركة.

و لعل القارئ الكريم يتعجّب من طرح هذه المسائل في الموسوعة التاريخية للعقائد قائلاً بأنّ البحث عن مثل هذه الموضوعات من واجبات الفقيه لا مؤرّخ العقائد، و لكنّه يزول تعجّبه إذا وقف على أنّ الخوارج المتطرّفين، يزعمون أنّ مخالفيهم من المسلمين مشركون أو كافرون، لارتكاب الكبيرة من المعاصي، و بما أنّ للمشرك و الكافر الواقعيين أحكاماً خاصّة في الفقه الإسلامي من حيث صيانة الدماء و إراقتها و جواز تزويجهم و حرمته، فهؤلاء كانوا يرتّبون على المسلمين و أولادهم، أحكام المشركين و الكافرين و أولادهم، فيبيحون قتل أولاد المخالفين، و يحرّمون مناكحتهم بحجّة أنّهم مشركون، فناسب البحث عن هذه الأحكام الكليّة مع غضّ النظر عن عدم الموضوع في المقام، لأنّ أهل القبلة و القرآن كلّهم موحدون لا مشركون، مؤمنون لا كافرون، إلّا من قام الدليل على شركه و كفره كالغلاة و النواصب.

و بما أنّ الأزارقة و أمثالهم أخطئوا في حكم المسألة حتى في مواردها الواقعيّة فجوزوا قتل أولاد المشركين و حرّموا إنكاح الكافر غير المشرك، فلأجل إيقاف القارئ على مظان خطئهم في هذه المسائل نوالي البحث فيها واحدة بعد أُخرى و نقول:

1 - أولاد المشركين:

إنّ الأصل الرصين في الدماء هو الحرمة، و لزوم صيانتها من الإراقة، فالإنسان - على وجه الإطلاق - هو خليفة اللّٰه في أرضه يحرم دمه و عرضه و ماله للغير، فلا يجوز التعدّي على شيء منها إلّا بدليل، و لأجل ذلك يقول سبحانه حاكياً عن نبيّه موسى: «أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً»(1)، و قال سبحانه: «فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ اَلْخٰاسِرِينَ»(2)، و قال تعالى: «قَدْ خَسِرَ اَلَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاٰدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ»(3)، و قال سبحانه: «وَ لاٰ تَقْتُلُوا أَوْلاٰدَكُمْ مِنْ إِمْلاٰقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّٰاهُمْ»(4)، و قال تعالى: «وَ لاٰ تَقْتُلُوا اَلنَّفْسَ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللّٰهُ إِلاّٰ بِالْحَقِّ»(5)، و قال سبحانه: «مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسٰادٍ فِي اَلْأَرْضِ فَكَأَنَّمٰا قَتَلَ اَلنّٰاسَ جَمِيعاً»(6)، إلى غير ذلك من الآيات الناصّة على أنّ الأصل القويم


1) . الكهف: 74.

2) . المائدة: 30.

3) . الأنعام: 140.

4) . الأنعام 151.

5) . الأنعام: 151.

6) . المائدة: 32.

و المرجع، في الدماء هو الحرمة، فلا يجوز قتل الإنسان على الإطلاق إلّا بمسوّغ شرعي ورد النص بجواز قتله في الذكر الحكيم و السنّة النبوية.

و على ضوء ذلك فالإسلام حرّم دم المسلم، و دم الذمّي، و الكافر المهادن، و من يمتُّ إليهم بصلة، فإنّ أولادهم و إن كانوا غير محكومين بشيء من التكاليف إلّا أنّ الولد يتبع الوالدين في الأحكام، و هذا ممّا لا يختلف فيه اثنان من الفقهاء.

و أمّا الكافر الحربي فهو مهدور الدم لاٰ دم أطفاله و ذراريه، إلّا في مواضع خاصّة.

قال ابن قدامة: إنّ من أُسر من أهل الحرب على ثلاثة أضرب: النساء و الصبيان، فلا يجوز قتلهم و يصيرون رقيقاً للمسلمين بنفس السبي، لأنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم نهى عن قتل النساء، و الولدان، (متّفق عليه) و كان صلى الله عليه و آله و سلم يسترقّهم إذا سباهم.(1)

هذا فقيه أهل السنّة، و أمّا الشيعة، فقال الشيخ الطوسي: الآدميون على ثلاثة أضرب: نساء و ذريّة و مشكل و بالغ غير مشكل، فأمّا النساء و الذرية فإنّهم يصيرون مماليك بنفس السبي.(2)

و قال المحقّق الحلي: الطرف الرابع في الأُسارى و هم ذكور و إناث، فالإناث يملكن بالسبي و لو كانت الحرب قائمة، و كذا الذراري.(3)


1) . المغني: 400/10.

2) . المبسوط: 19/2.

3) . شرائع الإسلام: 317/1.

إلى غير ذلك من الفتاوى المستفيضة من فقهاء الإسلام، و هم يتبعون في ذلك، النصوص الواردة عن النبي و خلفائه.

روى الكليني عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه قال: «كان رسول اللّٰه إذا أراد أن يبعث سريّة، دعاهم فأجلسهم بين يديه ثمّ يقول: سيروا بسم اللّٰه و باللّٰه و في سبيل اللّٰه و على ملّة رسول اللّٰه، لا تغلوا، و لا تُمثِّلوا و لا تغدروا، و لا تقتلوا شيخاً فانياً، و لا صبيّاً، و لا امرأة، و لا تقطعوا شجراً إلّا أن تضطرّوا إليها».(1)

و قد تضافرت الروايات عن أئمة الشيعة في ذلك.

روى البيهقي بسنده عن ابن عمر: أجلى رسول اللّٰه بني النضير، و أقرّ قريظة و منَّ عليهم حتّى حاربت قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم، و قسم نساءهم، و أولادهم، و أموالهم بين المسلمين، إلّا بعضهم لحقوا برسول اللّٰه فآمنهم و أسلموا.(2)

و روى أيضاً النافع أنّ عبد اللّٰه بن عمر أخبره أنّ امرأة وجدت في بعض مغازي رسول اللّٰه مقتولة، فأنكر رسول اللّٰه قتل النساء و الصبيان.(3)

هذا هو حكم الإسلام في صبيان الكفّار و المشركين و نسائهم، فهلم معي ندرس فتوى الأزارقة في نساء الكفّار و أولادهم فقد استحلّ زعيمهم


1) . الوسائل: ج 11، الباب 15 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2.

2) . سنن البيهقي: 323/6، كتاب قسم الفيء و الغنيمة.

3) . المصدر نفسه: 77/9، كتاب السير.

قتل الأطفال... قائلاً: إنّ نوحاً نبيّ اللّٰه كان أعلم بأحكام اللّٰه قال: «رَبِّ لاٰ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكٰافِرِينَ دَيّٰاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبٰادَكَ وَ لاٰ يَلِدُوا إِلاّٰ فٰاجِراً كَفّٰاراً»(1)، فسمّاهم بالكفّار و هم أطفال، و قبل أن يولدوا، فكيف ذلك في قوم و لا في قومنا؟ و اللّٰه تعالى يقول:

«أَ كُفّٰارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولٰئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرٰاءَةٌ فِي اَلزُّبُرِ»(2)و هؤلاء كمشركي العرب، لا يقبل منهم جزية و ليس بيننا و بينهم إلّا السيف أو الإسلام.(3)

عزب عن المسكين، أوّلاً: إنّ تسميتهم بالكفّار ليس باعتبار أنّهم في حال كونهم معدومين كفّاراً فإنّ ذلك باطل بالاتّفاق، إذ كيف يوصف الشيء المعدوم بوصف من الأوصاف الوجودية، بل المراد انّ الأبناء بعد خروجهم إلى عالم الوجود سيصيرون كفّاراً لنشوئهم في أحضان آبائهم الكافرين و أُمّهاتهم الكافرات، فللوراثة و البيئة تأثيرهما في الأولاد، فلا يلدون في المستقبل إلّا أُناساً يصيرون كفّاراً نظير توصيف الأشجار بالمثمرة في فصل الشتاء، و المراد: المثمرة في فصل الثمر.

و ثانياً: إنّ الذراري و النساء و إن كانت محكومات بالكفر و لكن علمت أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم حرّم دماءهم و انّما سوّغ سبيهم و استرقاقهم، فليس كلّ كافر يجوز قتله. فما ذكره من الاستدلال أوهن من بيت العنكبوت.

و ثالثاً: إنّ كلّ ذلك في حق المشركين و الكفّار الحقيقيين، فما معنى


1) . نوح: 26-27.

2) . القمر: 43.

3) . لاحظ رسالة ابن الأزرق في جواب رسالة نجدة بن عامر، و قد مرّت في الفصل التاسع.

تسرية هذه الأحكام إلى أهل القبلة و المسلمين الذين يشهدون بتوحيده و رسالة نبيّه و يقيمون الصلاة و يعطون الزكاة و يصومون شهر رمضان و يحجّون البيت. أ فيصحّ لنا تسمية هؤلاء كفّاراً، بحجّة ارتكابهم معصية كبيرة؟!

2 - في نكاح المشركات:

اشارة

قد تعرّفت على أنّ الخوارج يعدّون مخالفيهم مشركين و كافرين، فعلى قول الأزارقة جماهير المسلمين رجالاً و نساءً مشركون و مشركات، و على قول غيرهم فهم كافرون و كافرات، فحكم تزويج حرائرهم حكم تزويج الوثنيات و الكتابيات، و لأجل ذلك نذكر بعض كلماتهم ثمّ نعرض المسألة على الكتاب و السنّة.

كتب ابن الأزرق إلى عبد اللّٰه بن صفار و عبد اللّٰه بن اباض كتاباً جاء فيه:

و قال تعالى «لاٰ تَنْكِحُوا اَلْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ» فقد حرّم اللّٰه ولايتهم و المقام بين أظهرهم و اجازة شهادتهم و أكل ذبائحهم و قبول علم الدين عنهم و مناكحتهم و مواريثهم.(1)

و قد تقدّم في بيان عقائد الصفرية أنّه نقل عن الضحاك الّذي هو منهم أنّه جوّز تزويج المسلمات من كفّار قومهم في دار التقيّة دون دار العلانية.


1) . تاريخ الطبري: 438/4-440.

و يريد من المسلمات: الحرائر من الخوارج. و من «كفّار قومهم»: رجال سائر الفرق الإسلامية.

و يظهر من الخلاف الّذي حدث بين الإبراهيمية و الميمونية أنّه يجوز بيع الجارية المؤمنة (الخارجية) من الكفرة أي المسلمون من سائر الفرق.

هذا ما وقفنا عليه من كلماتهم و نبحث عن المسألة بكلتي صورتيها:

نكاح المشركة:

اتّفق علماء الإسلام على تحريم تزويج المشركات. قال ابن رشد: «و اتّفقوا على أنّه لا يجوز للمسلم أن ينكح الوثنية لقوله تعالى: «وَ لاٰ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ اَلْكَوٰافِرِ»(1)و اختلفوا في نكاحها بالملك».(2)

و قال الشيخ الطوسي في «المبسوط»: «الضرب الثاني، الذين لا كتاب لهم و لا شبهة كتاب، و هم عبدة أوثان فلا يحلّ نكاحهم و لا أكل ذبائحهم، و لا يقرّون على أديانهم ببذل الجزية، و لا يعاملون بغير السيف أو الإسلام بلا خلاف».(3)

هذا كلّه حول المشركات، فلو صحّ كون جماهير المسلمات من الفرق الإسلامية مشركات عند الأزارقة، لصحّ ما قال و لكنّه لم يصح - و إن


1) . الممتحنة: 10، و الأولى أن يستدل بآية صريحة، أعني قوله سبحانه: «وَ لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ...» - البقرة: 221 -.

2) . بداية المجتهد: 43/2.

3) . المبسوط: 210/4.

صحّت الأحلام - لما عرفت أنّ للشرك حدّاً منطقياً في القرآن الكريم، و ابن الأزرق و أتباعه و إن كانوا قرّاء و لكنّه لم يتجاوز القرآن - حسب تنصيص النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم - عن تراقيهم، و لم يصل إلى دماغهم و مراكز أفكارهم، فكيف يصحّ تسمية من ارتكب الكبيرة مشركاً؟! و لو صحّ لما وجد في أديم الأرض مسلماً إلّا إذا كان معصوماً.

3 - نكاح الكافرة غير المشركة:

اشارة

اختلفت كلمة فقهاء الإسلام في نكاح الكافرة غير المشركة و يراد منها الكتابية لأنّها كافرة غير مشركة، قال ابن رشد: اتّفقوا على أنّه يجوز أن ينكح الكتابية الحرّة.(1)

هذا ما لدى السنّة و أمّا ما لدى الشيعة فالمشهور عدم الجواز دواماً. قال الشيخ الطوسي: عند المحصّلين من أصحابنا لا يحلّ أكل ذبائح أهل الكتاب كاليهود و النصارى، و لا تزوّج حرائرهم، بل يقرّون على أديانهم إذا بذلوا الجزية، و فيه خلاف بين أصحابنا، و قال جميع الفقهاء (أهل السنّة): يجوز أكل ذبائحهم و نكاح حرائرهم.(2)

و قال في «الخلاف»: المحصّلون من أصحابنا يقولون لا يحلّ نكاح من خالف الإسلام، لا اليهود، و لا النصارى، و قال قوم من أصحاب الحديث من أصحابنا: يجوز ذلك، و أجاز جميع الفقهاء التزويج بالكتابيات و هو


1) . بداية المجتهد: 43/2.

2) . المبسوط: 210/4.

المروي عن عمر و عثمان و طلحة و حذيفة، و جابر، و روي أنّ عمّاراً نكح نصرانية، و نكح حذيفة يهودية، و روي عن ابن عمر كراهة ذلك و إليه ذهب الشافعي.(1)

قال ابن قدامة: ليس بين أهل العلم - بحمد اللّٰه - اختلاف في حلّ حرائر نساء أهل الكتاب، و ممّن روي عنه ذلك: عمر و عثمان و طلحة و حذيفة و سلمان و جابر و غيرهم.(2)

و على ضوء ذلك انّ فقهاء أهل السنّة ذهبوا إلى الجواز، و أمّا الشيعة فهم بين مانع و مجوّز، و نحن نعرض المسألة على الكتاب.

استدلّ المانع بآيات:

1 - قال تعالى: «وَ لاٰ تَنْكِحُوا اَلْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَ لاٰ تُنْكِحُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَتّٰى يُؤْمِنُوا وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى اَلنّٰارِ وَ اَللّٰهُ يَدْعُوا إِلَى اَلْجَنَّةِ وَ اَلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَ يُبَيِّنُ آيٰاتِهِ لِلنّٰاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ»(3).

2 - قال تعالى: «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنٰاتِ اَلْمُؤْمِنٰاتِ فَمِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ مِنْ فَتَيٰاتِكُمُ اَلْمُؤْمِنٰاتِ وَ اَللّٰهُ أَعْلَمُ


1) . الخلاف: 282/2، المسألة 84 من كتاب النكاح. و قد نسب إلى فقهاء الشيعة أقوال أُخرى ذكرناها في محاضراتنا الفقهية في النكاح، لاحظ: مختلف الشيعة: 71/7.

2) . المغني: 52/5.

3) . البقرة: 221.

بِإِيمٰانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»(1).

استدلّ بالآية على المنع بوجهين:

أ - إنّ الآية تأمر من لم يجد ما يتزوّج به الحرائر المؤمنات من المهر و النفقة، أن ينكح الإماء المؤمنات فإنّ مهور الإماء أقلّ و معونتهنّ أخف عادة، فلو جاز نكاح الكافرة في هذه الحالة لزم جواز نكاح الأمة المؤمنة مع الحرّة الكافرة، و لم يقل به أحد، لأنّه من قبيل الجمع بين الحرّة و الأمة.

ب - إنّ التوصيف بالمؤمنات في قوله: «مِنْ فَتَيٰاتِكُمُ اَلْمُؤْمِنٰاتِ» يقتضي أن لا يجوز نكاح الفتيات الكافرات مع انتفاء الطول، و ليس إلّا لامتناع نكاحهنّ مطلقاً، للإجماع على انتفاء الخصوصية بهذا الوجه.(2)

يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّ أقصى ما يستفاد من الآية على القول بمفهوم الوصف أنّه لا يجوز عند عدم الطول، نكاح الأمة الكافرة مع وجود الأمة المسلمة، و أمّا عدم جواز تزويج الحرّة الكافرة مع الطول أو عدمه، فلا تدلّ عليه الآية، لأنّ المفهوم ينفي الحكم عن الموضوع الفاقد للوصف لا عن موضوع آخر، و الموضوع للجواز هو ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات، فمقتضى المفهوم عدم جواز نكاح الأمة الكافرة في هذه الحال، و أمّا الحرّة الكافرة، فهو خارج عن موضوع البحث نفياً و إثباتاً.


1) . النساء: 25.

2) . جواهر الكلام: 28/3.

و يلاحظ على الوجه الثاني: أنّ التوصيف بالمؤمنات يقتضي أن لا يجوز نكاح الكافرة من الإماء مع انتفاء الطول و لكن لم يعلم انّ وجه حرمتها هو امتناع نكاحها مطلقاً، سواء كانت أمة أم حرّة، و من أين يدعى الإجماع على انتفاء خصوصية في الأمة؟ إذ من الممكن أن لا يجوز نكاح الأمة الكافرة مع وجود الأمة المسلمة دون الكافرة الحرّة فيجوز نكاحها حتى مع التمكّن من الأمة المسلمة.

3 - قال تعالى: «لاٰ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كٰانُوا آبٰاءَهُمْ أَوْ أَبْنٰاءَهُمْ أَوْ إِخْوٰانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمٰانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ»(1).

يلاحظ عليه: أنّ الآية واردة في حقّ الضعفاء من المسلمين، و لا صلة لها بالكفرة، فهؤلاء كانوا يوالون اليهود و يفشون إليهم أسرار المؤمنين، و يجتمعون معهم على ذكر مساءة النبي و أصحابه، ففي هذه الظروف نزل قوله سبحانه: «لاٰ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ»، أي لا تجتمع موالاة الكفّار مع الإيمان، أي موالاتهم بما هم كفّار، و أمّا حبّهم لأجل أُمور أُخرى فلا صلة له بالآية، و لا يتزوّج المسلم من الكافرة لأجل موالاة الكافرة، بل لأجل دفع الشهوة أو تعبئة وسائل الحياة.

و أضعف منه الاستدلال بقوله سبحانه:

4 - قال تعالى: «لاٰ يَسْتَوِي أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ وَ أَصْحٰابُ اَلْجَنَّةِ أَصْحٰابُ


1) . المجادلة: 22.

اَلْجَنَّةِ هُمُ اَلْفٰائِزُونَ»(1)، إذ لا صلة بين الآية و موضوع البحث فإنّها تنفي كون المؤمن و الكافر عند اللّٰه سيّان، و أمّا عدم جواز المعاملة و المناكحة فلا تدلّ عليه.

5 - استدلَّ أيضاً: انّ أهل الكتاب مشركون لقوله سبحانه: «وَ قٰالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللّٰهِ وَ قٰالَتِ اَلنَّصٰارىٰ اَلْمَسِيحُ اِبْنُ اَللّٰهِ»(2)حيث جعلوا الابن المزعوم شريكاً للأب في الألوهية، و قال سبحانه: «لَقَدْ كَفَرَ اَلَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اَللّٰهَ ثٰالِثُ ثَلاٰثَةٍ»(3).

و قال: «اِتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَ اَلْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَ مٰا أُمِرُوا إِلاّٰ لِيَعْبُدُوا إِلٰهاً وٰاحِداً لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ»(4)فهذه الآيات تثبت الصغرى، أي كونهم مشركين، و أمّا ما يدلّ على الكبرى أي عدم جواز نكاح المشركات، فقد مرّ في كلام المانع.

يلاحظ عليه أنّ هنا أمرين:

أ - كون النصارى و اليهود مشركين في عقيدتهم، و هذا لا كلام فيه.

ب - كون المشرك الوارد في قوله «وَ لاٰ تَنْكِحُوا اَلْمُشْرِكٰاتِ» عامّاً يعمّ الوثنيّين و غيرهم، و لكنّ هذا غير ثابت فإنّ عنوان المشرك في القرآن


1) . الحشر: 20.

2) . التوبة: 30.

3) . المائدة: 73.

4) . التوبة: 31.

يختصّ بغير أهل الكتاب بشهادة المقابلة في كثير من الآيات بينهم و بين أهل الكتاب، و إليك بعضها:

«مٰا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ وَ لاَ اَلْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ»(1)، و قد عرفت تحقيق ذلك عند البحث عن حدّ الشرك و الإيمان، فلا نعيد(2).

فهذه الآية و غيرها تثبت أنّ الشرك المتّخذ موضوعاً لكثير من الأحكام لا يشمل أهل الكتاب في مصطلح القرآن و إن كانوا مشركين حسب الواقع، فالكلام في سعة موضوع الحكم (تحريم نكاح المشركات) و ضيقه حسب اصطلاح القرآن.

6 - قال تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا جٰاءَكُمُ اَلْمُؤْمِنٰاتُ مُهٰاجِرٰاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اَللّٰهُ أَعْلَمُ بِإِيمٰانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنٰاتٍ فَلاٰ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى اَلْكُفّٰارِ لاٰ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لاٰ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَ آتُوهُمْ مٰا أَنْفَقُوا وَ لاٰ جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذٰا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ لاٰ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ اَلْكَوٰافِرِ وَ سْئَلُوا مٰا أَنْفَقْتُمْ وَ لْيَسْئَلُوا مٰا أَنْفَقُوا ذٰلِكُمْ حُكْمُ اَللّٰهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»(3).

وجه الاستدلال انّ الكوافر جمع كافرة، و العصمة المنع، و سمّي النكاح عصمة لأنّ المنكوحة تكون في حبال الزوج و عصمته، و يكون


1) . البقرة: 105.

2) . لاحظ الآيات: آل عمران 186. المائدة 82 و غيرهما أيضاً.

3) . الممتحنة: 10.

إطلاقها دليلاً على حرمة عقد الكافرة مشركة أو ذمية.

يلاحظ عليه: أنّ الآية ظاهرة في الوثنية بشهادة سياق الآيات، و سبب نزولها فإنّها نزلت بعد التصالح في الحديبية حيث تصالح رسول اللّٰه أن يردّ كل من أتى من قريش إلى جانب المسلمين من دون عكس، و بعد ما ختم الكتاب جاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية و قد أسلمت، فأقبل زوجها في طلبها و كان كافراً، فنزلت الآية، فكان رسول اللّٰه يردّ من جاءه من قريش من الرجال، و لا يردّ من جاءته من النساء قائلاً بأنّ التصالح لا يشمل إلّا الرجال.

على أنّ ظاهر الآية هو المنع من الإقامة مع الزوجة الكافرة، و هذا لا يتمّ في الذمّية لصحّة نكاحهنّ استدامة إذا أسلم أحد الزوجين، إجماعاً و إن لم نقل بالصحّة ابتداء، و هذا قرينة على انصراف الآية عن الذمّية إلى الوثنية، و بذلك يظهر ضعف ما أفاده الطبرسي حيث ادّعى دلالة الآية على عدم جواز العقد على الكافرة مطلقاً، بحجّة أنّ الآية عامّ و ليس لأحد أن يخصّ الآية بعابدة الوثن لنزولها بسببهن، لأنّ المعتبر عموم اللفظ، لا السبب.(1)

إلى هنا تمّ ما يمكن الاستدلال به من الآيات على تحريم نكاح الكافرات، و إليك ما استدلّ به القائل بالجواز من الذكر الحكيم، أعني قوله سبحانه: «اَلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبٰاتُ وَ طَعٰامُ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعٰامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَ اَلْمُحْصَنٰاتُ مِنَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ وَ اَلْمُحْصَنٰاتُ مِنَ اَلَّذِينَ


1) . مجمع البيان: 274/5.

أُوتُوا اَلْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذٰا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ وَ لاٰ مُتَّخِذِي أَخْدٰانٍ»(1).

الآية صريحة في جواز نكاح المحصنات من أهل الكتاب، و المتيقّن منها هو الذمّية أو من هو في حكمها كالمهادنة، لا الحربية.

و حمل الآية على النكاح المؤقّت بقرينة ورود لفظ «الأُجور» في الآية مكان «المهور» ليس بتام، لأنّها وردت في غير موضع من القرآن، و أُريد منه المهر في النكاح الدائم. قال سبحانه في تزويج الإماء عند عدم الطول: «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»(2)، و قال تعالى و هو يخاطب النبي: «إِنّٰا أَحْلَلْنٰا لَكَ أَزْوٰاجَكَ اَللاّٰتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ»(3)، و من المعلوم أنّ المراد هو التزويج الدائم، إذ لم يكن بين أزواج النبي من تزوّج بها متعة. نعم المراد من قوله سبحانه: «فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً»(4)هو النكاح المؤقّت، بقرينة قوله: «فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ» مضافاً إلى الروايات المتضافرة في المقام.

و ربّما يحتمل كون الآية منسوخة لما ورد من النهي في آيتي البقرة و الممتحنة، و لكن قد عرفت عدم دلالة الآيتين على مورد البحث فضلاً عن كونهما ناسختين.


1) . المائدة: 5.

2) . النساء: 25.

3) . الأحزاب: 50.

4) . النساء: 24.

على أنّ سورة المائدة آخر ما نزل على رسول اللّٰه، فهي تنسخ ما قبلها، و لا تُنسخ، روى العياشي عن علي قال: كان القرآن ينسخ بعضه بعضاً و إنّما يؤخذ من أمر رسول اللّٰه بآخره، و كان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها و لم ينسخها شيء.(1)

إلى هنا تمّ ما يرجع إلى المسألة من القرآن الكريم، و أمّا البحث عنها من جانب السنّة فهو موكول إلى محلّه، و قد أوضحنا الكلام فيها في مسفوراتنا الفقهية.

هذا آخر الكلام في عقائد الخوارج و أُصولهم. بقي الكلام في التعرّف على شخصيّاتهم في العصور الأُولىٰ و هذا ما يوافيك في البحث الآتي الّذي عقدناه بعنوان «خاتمة المطاف».



1) . نور الثقلين: 483/1.

خاتمة المطاف:

رجال الخوارج في العصور الأُولى

اشارة

قد تعرّفت فيما سبق علىٰ الشخصيات البارزة للاباضيّة، و لا بد من التطرّق إلىٰ رجال الخوارج من غيرهم، و نذكر في المقام المعروفين منهم، و إن كان الحكم بكونهم من الخوارج يحتاج الىٰ تتبّع وافر، فإنّ الشهرة في المقام لا تفيد إلّا الظن. و ربّما يكون رميهم بأنّهم منهم صدر من غير أهله تعنّتاً و حقداً، و على كل تقدير فقد ذكر ابن أبي الحديد لفيفاً ممّن كان يرىٰ رأي الخوارج، و نذكر بعض ما ذكر(1):

1 - عكرمة البربري (المتوفّىٰ 105 ه):

وصفه الذهبي بقوله: «أحد أوعية العلم، تُكلّم فيه لرأيه لا لحفظه، فاتّهم برأي الخوارج، و قد وثّقه جماعة و اعتمده البخاري، و أمّا مسلم فتجنّبه و روى له قليلاً مقروناً بغيره، و أعرض عنه مالك، و تحايده إلّا في حديث أو حديثين. و عن عمرو بن دينار، قال: رُفع إلىٰ جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة، فجعل جابر بن زيد يقول: هذا مولىٰ ابن عباس، هذا البحر فَسَلوه. و قد وصفه شهر بن حوشب و جابر بن زيد بأنّه حبر هذه الأُمّة


1) . شرح نهج البلاغة: 76/5.

و أعلم الناس، و مع ذلك فقد ضعّفه يحيىٰ بن سعيد الأنصاري و أيّوب و ذكرا عكرمة، فقال يحيىٰ: كذّاب، و قال أيّوب، لم يكن بكذّاب.

و عن زيد بن أبي زياد، عن عبد اللّٰه بن الحارث قال: دخلت علىٰ علي بن عبد اللّٰه فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش، فقلت له: أ لا تتّق اللّٰه، فقال:

إنّ هذا الخبيث يَكذِب علىٰ أبي. و قال محمّد بن سيرين عن عكرمة، فقال: ما يسوؤني أن يكون من أهل الجنّة و لكنّه كذّاب. و قال ابن أبي ذئب:

رأيت عكرمة، و كان غير ثقة. و قال محمّد بن سعد: كان عكرمة كثير العلم و الحديث، بحراً من البحور، و ليس يُحتَجّ بحديثه، و يتكلّم الناس فيه.

هذه أقوال الناس في حقّه، و إليك قول نفسه في حقّه:

قال: كان ابن عباس يضع في رجلي الكَبْلَ علىٰ تعليم القرآن و الفقه، و قال: طلبت العلم أربعين سنة، و كنت أُفتي بالباب و ابن عباس في الدار.

و هذا قوله في حقّ نفسه، و لا يحتجّ بقول الإنسان في حقّه إذا كان مدحاً، و يؤيّد كون الرجل خارجيّاً ما رواه خالد بن أبي عمران قال: كنّا بالمغرب و عندنا عكرمة في وقت الموسم فقال: وددت أنّ بيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يميناً و شمالاً، و عن يعقوب الحضرمي عن جدّه قال: وقف عكرمة علىٰ باب المسجد فقال: ما فيه إلّا كافر، قال: و كان يرىٰ رأي الاباضيّة. و عن يحيىٰ بن بكير قال: قدم عكرمة مصر و هو يريد المغرب، قال: فالخوارج الذين هم بالمغرب عنه أخذوا.

قال ابن المديني: كان يرىٰ رأي نجدة الحروري. و قال مصعب

الزبيري: كان عكرمة يرىٰ رأي الخوارج. قال: و ادّعىٰ علىٰ ابن عباس أنّه كان يرىٰ رأي الخوارج.

و عن خالد بن نزار: حدثنا عمر بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح: انّ عكرمة كان اباضياً، و عن أبي طالب: سمعت أحمد بن حنبل يقول:

كان عكرمة من أعلم الناس، و لكنّه كان يرىٰ رأي الصفريّة، و لم يدع موضعاً إلا خرج إليه: خراسان و الشام و اليمن و مصر و إفريقيا، كان يأتي الأُمراء فيطلب جوائزهم، و أتى الجَنَدَ إلىٰ طاوس، فأعطاه ناقةً.

و قال مصعب الزبيري: كان عكرمة يرىٰ رأي الخوارج فطلبه متولّي المدينة فتغيّب عند داود بن الحصين حتىٰ مات عنده. و روى سليمان بن معبد السنجي قال: مات عكرمة و كُثير عَزَّة في يوم، فشهد الناس جنازة كثير، و تركوا جنازة عكرمة. و قال عبد العزيز الدراوردي: مات عكرمة و كثير عَزَّة في يوم، فما شهدهما إلّا سُودان المدينة. و عن إسماعيل بن أبي أُويس، عن مالك، عن أبيه، قال: أُتي بجنازة عكرمة مولىٰ ابن عباس و كثير عزّة بعد العصر، فما علمت أنّ أحداً من أهل المسجد حلّ حبوته إليهما. و قال جماعة: مات سنة خمس و مائة، و قال الهيثم و غيره:

سنة ست، و قال جماعة: سنة سبع و مائة. و عن ابن المسيب أنّه قال لمولاه بُرْد: لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة علىٰ ابن عباس. و يروى ذلك عن ابن عمر قاله لنافع.(1)

و قد روي شيء كثير منه في التفاسير و هي مليئة بأقواله، و يظهر ممّا نقل عنه أنّه يرىٰ الحلف بالطلاق باطلاً، روىٰ الذهبي عن عاصم الأحول،


1) . ميزان الاعتدال: 93/3-97 برقم 5714.

عن عكرمة في رجل قال لغلامه: إن لم اجلدك مائة سوط فامرأتي طالق. قال: لا يجلد غلامه و لا تطلّق امرأته، هذه من خطوات الشيطان.(1)

و ترجمه أبو حاتم الرازي في «الجرح و التعديل» بذكر نقول مختلفة عنه(2).

و قد ترجمه ابن حجر العسقلاني في «تهذيب التهذيب» مفصّلاً، و ذكر أيضاً الأقوال المتضاربة في حقّه(3). و ممّا قال فيه، قال علي بن المديني: كان عكرمة يرىٰ رأي نجدة، و قال يحيىٰ بن معين: إنّما لم يذكر مالك بن أنس عكرمة لأنّ عكرمة كان ينتحل رأي الصفريّة، و قال عطاء:

كان اباضياً، و قال الجوزجاني: قلت لأحمد: عكرمة كان اباضياً؟ فقال: يقال إنّه كان صفريّاً. و قال خلاد بن سليمان، عن خالد بن أبي عمران: دخل علينا عكرمة إفريقيا وقت الموسم فقال: وددت أنّي اليوم بالموسم بيدي حربة أضرب بها يميناً و شمالاً. قال: فمن يومئذ رفضه أهل إفريقيا، و قال مصعب الزبيري: كان عكرمة يرىٰ رأي الخوارج و زعم أنّ مولاه كان كذلك، و قال أبو خلف الخزاز عن يحيىٰ البكّاء: سمعت ابن عمر يقول لنافع: اتّق اللّٰه ويحك يا نافع، و لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة علىٰ ابن عباس.(4)


1) . ميزان الاعتدال: 97/3 برقم 5714، إشارة إلى قوله تعالى «وَ لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ» - البقرة: 208 -.

2) . الجرح و التعديل: 6/7-11.

3) . تهذيب التهذيب: 234/7-242 برقم 476، و لكنّه لم يترجمه في لسان الميزان مع وروده في الميزان للذهبي كما عرفت.

4) . المصدر نفسه: 237/7.

2 - قطري بن الفجاءة (المتوفّىٰ 78 ه):

أبو نعامة: قطري بن الفجاءة، و اسمه جعونة، المازني الخارجي، خرج في زمن مصعب بن الزبير لمّا ولي العراق نيابة عن أخيه: عبد اللّٰه بن الزبير، و كانت ولاية مصعب في سنة ست و ستين للهجرة، قيل: بقي قطري عشرين سنة يقاتِل و يسلم عليه بالخلافة و هو يستظهر عليهم. و لم يزل إلى أن توجّه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي فظهر عليه و قتله في سنة ثمان و سبعين للهجرة.

و هو معدود في جملة الخطباء العرب المشهورين بالبلاغة و الفصاحة.(1)

نقل الجاحظ خطبة واحدة منه، و التأمّل فيها يعرب أنّه كان منطيقاً ذلق اللسان، قال فيها: أمّا بعد فإنّي أُحذّركم الدنيا، فإنّها حلوة خضرة، حُفَّت بالشهوات، و راقت بالقليل، و تحبّبت بالعاجلة، و حُلِيتْ بالآمال، و تزيّنت بالغرور، لا تدوم حبرتها، و لا تؤمن فجعتها، غرّارة ضرّارة، خوَّانة غدّارة.(2)

روي أنّ الحجاج قال لأخيه: لأقتلنّك، فقال: لم ذلك؟ قال: لخروج أخيك، قال فإنّ معي كتاب أمير المؤمنين (يريد عبد الملك) أن لا تأخذني بذنب أخي، قال: هاته، قال: فمعي ما هو أوكد منه، قال: ما هو؟ قال: كتاب


1) . وفيات الأعيان: 94/4-95.

2) . البيان و التبيين: 112/2.

اللّٰه عزّ و جل يقول: «وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ»(1)فعجب منه و خلّى سبيله.(2)

و ترجمه خير الدين الزركلي في «الأعلام».(3)و يظهر فيما نقله من تاريخ الطبري أنّه توفّي سنة 77 ه. و اللّٰه العالم.

3 - عمران بن حطّان السدوسي البصري (المتوفّىٰ 84 ه):

عمران بن حطّان السدوسي البصري الخارجي، روىٰ عن عائشة، و عنه صالح بن سَرج، لا يتابع علىٰ حديثه، قاله العقيلي، قال: و كان خارجياً. روى موسىٰ بن إسماعيل عن عمرو بن العلاء و لقبه جرز، حدثنا صالح بن سرج، عن عمران بن حطّان، عن عائشة في حساب القاضي العادل. قلت كان الأولىٰ أن يلحق الضعف في هذا الحديث بصالح أو بمن بعده، فإنّ عمران صدوق في نفسه، قد روى عنه يحيىٰ بن أبي كثير، و قتادة، و محارب بن دثار. و قال العجلي: تابعي ثقة. و قال أبو داود: ليس في أهل الأهواء، أصحّ حديثاً من الخوارج، فذكر عمران بن حطان و أبا حسان الأعرج. و قال قتادة كان لا يتهم في الحديث. و روى يعقوب بن شيبة أنّه بلغه أنّ عمران بن حطّان كانت له بنت عم كانت ترىٰ رأي الخوارج فتزوّجها ليردّها عن ذلك فصرفته إلىٰ مذهبها. و كان عمران من نظراء جرير و الفرزدق في الشعر، و هو القائل:


1) . الأنعام: 164.

2) . وفيات الأعيان: 94/4-95.

3) . الأعلام: 200/5.

حتىٰ متىٰ تُسقىٰ النفوس بكأسها *** ريب المنون و أنت لاهٍ ترتع

الأبيات.

مات سنة أربع و ثمانين(1).

و ترجمه ابن حجر في «تهذيب التهذيب» و قال: ذكر أبو زكريا الموصلي في تاريخ الموصل عن محمّد بن بشر العبدي الموصلي قال:

لم يمت عمران بن حطّان حتىٰ رجع عن رأي الخوارج انتهىٰ. هذا أحسن ما يعتذر به عن تخريج البخاري له، و أمّا قول من قال: إنّه خرج ما حمل عنه قبل أن يرىٰ ما رأىٰ ففيه نظر، لأنّه اخرج له من رواية يحيىٰ بن أبي كثير عنه، و يحيى إنّما سمع منه في حال هربه من الحجاج و كان الحجاج يطلبه ليقتله من أجل المذهب، وقصته في هربه مشهورة. و قال العقيلي: عمران بن حطّان لا يتابع و كان يرىٰ رأي الخوارج يحدّث عن عائشة و لم يتبيّن سماعه منها.

و قال ابن حبّان في «الثقات»: كان يميل إلىٰ مذهب الشراة. و قال ابن البرقي: كان حرورياً. و قال الدارقطني: متروك لسوء اعتقاده و خبث مذهبه. و قال المبرد في «الكامل»: كان رأس القعدة من الصفرية و فقيههم و خطيبهم و شاعرهم، و القعدة: الخوارج، كانوا لا يرون بالحرب بل ينكرون امراء الجور حسب الطاقة و يدعون إلىٰ رأيهم و يزيّنون مع ذلك الخروج و يحسّنونه. لكن ذكر أبو الفرج الاصبهاني انّه إنّما صار قعدياً لما عجز عن


1) . ميزان الاعتدال: 235/3-236 برقم 6277.

الحرب و اللّٰه أعلم. قلت: و كان من المعروفين في مذهب الخوارج، و كان قبل ذلك مشهوراً بطلب العلم و الحديث ثمّ ابتلي، و أنشد له من شعره:

لا يعجز الموت شيء دون خالقه *** و الموت يفني إذا ما ناله الأجل

و كل كرب أمام الموت منقشع *** و الكرب و الموت ممّا بعده جلل(1)

و في الأغاني إنّما صار ابن حطّان من القعدية لأنّ عمره طال و كبر و عجز عن الحرب و حضورها، فاقتصر علىٰ الدعوة و التحريض بلسانه، و كان أوّلاً مشمّراً بطلب العلم و الحديث ثمّ بلي بذلك المذهب، و قد أدرك صدراً من الصحابة و روى عنهم و روى عنه أصحاب الحديث.

و له شعر في مدح عبد الرحمن بن ملجم المرادي - لعنه اللّٰه - قاتل أمير المؤمنين و قائد الغر المحجّلين زوج البتول و صهر الرسول صلى الله عليه و آله و سلم:

للّٰه در المرادي الّذي سفكت *** كفّاه مهجة شر الخلق إنسانا

أمسىٰ عشية غشاه بضربته *** معطىٰ مناه من الآثام عريانا

يا ضربة من تقي ما أراد بها *** إلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إنّي لأذكره حيناً فأحسبه *** أوفىٰ البريّة عند اللّٰه ميزانا

و قد أجابه عنها السيد الحميري الشيعي و هي:

قل لابن ملجم و الأقدار غالبة *** هدّمت ويلك للإسلام أركانا

قتلت أفضل من يمشي علىٰ قدم *** و أوّل الناس إسلاماً و إيمانا


1) . تهذيب التهذيب: 113/8-114 برقم 223. راجع الإصابة: 178/3

و أعلم الناس بالإيمان ثمّ بما *** سنّ الرسول لنا شرعاً و تبيانا

صهر الرسول و مولاه و ناصره *** أضحت مناقبه نوراً و برهانا

الأبيات.(1)

و قد ناضله أصحاب الولاء لآل الرسول باشعار كثيرة مضت بعضها فلاحظ.

و في الختام: من أراد التبسّط في ترجمة الرجال فليرجع إلى «الخوارج في العصر الأموي» للدكتور نايف معروف فقد ذكر قسماً كثيراً من أشعاره و حياته قبل أن يلحق بالخوارج فلاحظ.

4 - الطرماح بن حكيم (المتوفّىٰ 125 ه):

الطرماح بن حكيم الطائيّ الخارجي. وصفه الجاحظ في «البيان و التبيين» أنّه كان خارجيّاً من الصفرية، ولد و نشأ في الشام، و انتقل إلى الكوفة، فكان معلّماً فيها. و اتصل بخالد بن عبد اللّٰه القسري فكان يكرمه و يستجيد شعره، و كان هجّاءً، معاصراً للكميت صديقاً له لا يكادان يفترقان، و ذكر شيخنا في الذريعة أنّ المرزباني عمل كتاباً باسم «أخبار الطرمّاح» كما عمل كتاباً آخر باسم «أخبار أبي تمام».(2)


1) . خزانة الأدب: 436/2-437.

2) . الأعلام: 225/3؛ الذريعة: 238/1 برقم 1764.

5 - الضحّاك بن قيس:

الضحاك بن قيس الشيباني، و كان قائداً عسكرياً دوّخ الدولة الأموية في عصره، و لم يوصف بشيء من العلم و الشعر و الأدب سوى القيادة، و قد نقل ابن الأثير حروبه مع الأمويين و إليك خلاصة ما ذكره في تاريخه على نحو يوقفنا على ترجمة الرجل على نحو الإجمال:

أرسل مروان بن محمد - آخر الخلفاء الأمويين - جيشاً لحرب الضحاك سنة سبع و عشرين و مائة، فالتقوا بالنخيلة فاقتتلوا قتالاً شديداً و انتصر الضحاك عليهم، و دخل الضحاك الكوفة مستولياً عليها.(1)

ثمّ سار الضحاك من الكوفة إلى واسط يريد حرب فلول المنهزمين، و كانوا قد استعدّوا لحربه، فتحاربوا شعبان و شهر رمضان و شوال و القتال بينهم متواصل.

ثمّ اصطلحوا و ذهب الضحاك إلى الكوفة.(2)و كاتب أهل الموصل ليقدم عليهم ليمكّنوه منها فسار بجماعة من جنوده بعد عشرين شهراً حتى انتهى إليها ففتح أهل البلد، فدخلها الضحاك و قتل الوالي عليها من قبل مروان و عدّة يسيرة كانوا معه و ذلك بعد أن حاربوه.

و بلغ مروان خبره و هو محاصر حمص، مشتغل بقتال أهلها، فكتب


1) . الكامل في التاريخ: 332/5-336.

2) . الكامل في التاريخ: 349/5.

إلى ابنه عبد اللّٰه و هو خليفته في الجزيرة، يأمره أن يسير إلى نصيبين في من معه يمنع الضحاك من توسّط الجزيرة، فسار إليها في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف، و سار الضحّاك و معه ما يزيد على مائة ألف. و وجّه قائدين من قواده إلى الرقة في أربعة آلاف أو خمسة آلاف، فقاتله بها، فوجّه إليهم مروان من أبعدهم عن الرقة.

و سار مروان إلى الضحاك فالتقوا بنواحي كفر قوتا من اعمال ماردين فقاتله يومه أجمع، فلمّا كان عند المساء ترجّل الضحاك و معه من ذوي الثبات و البصائر نحو من ستّة آلاف، و لم يعلم أكثر أهل عسكره بما كان، فأحدقت بهم خيول مروان و ألحوا عليهم في القتال حتى قتلوهم عند العتمة.

و انصرف من بقي من أصحاب الضحاك عند العتمة إلى معسكرهم و لم يعلموا بقتل الضحاك و لم يعلم به مروان أيضاً، و جاء بعض من عاينه من أصحابه فبكوا و ناحوا عليه، و جاء قائد من قواده إلى مروان فأخبره بقتله فأرسل معه النيران و الشمع، فطافوا عليه فوجدوه قتيلاً و في وجهه و رأسه أكثر من عشرين ضربة فكبّروا فعرف عسكر الضحاك انّهم قد علموا بقتله.

و بعث مروان رأسه إلى مدائن الجزيرة فطيف به فيها.(1)


1) . الكامل في التاريخ: 349/5.

6 - معمر بن المثنىٰ (110-213 ه):

أبو عبيدة، التيمي(1)البصري، يصفه الخطيب في تاريخه بالنحويّ العلاّمة، يقال: إنّه ولد سنة 110 في الليلة الّتي ولد فيها الحسن البصري، و نقل عن الجاحظ أنّه قال: لم يكن في الأرض خارجي و لا جماعيّ أعلم بجميع العلوم منه.(2)

قال ابن قتيبة: كان الغريب(3)أغلب عليه و أخبار العرب و أيّامها، و كان مع معرفته ربّما لا يقم البيت إذا أنشده، حتى يكسره، و كان يخطأ إذا قرأ القرآن الكريم نظراً، و كان يبغض العرب، و ألّف في مثالبها كتباً، و كان يرى رأي الخوارج.(4)

و نقل ابن خلكان عن بعضهم: أنّ هارون الرشيد أقدمه من البصرة إلى بغداد سنة 188، و قرأ عليه بها أشياءً من كتبه، و أسند الحديث إلى هشام بن عروة و غيره و روى عنه علي بن المغيرة الأثرم، و أبو عبيد القاسم بن سلام، و أبو عثمان المازني، و أبو حاتم السجستاني و عمر بن شبة و غيرهم.

و لأجل إلمام القارئ على نموذج من تفسيره نأتي بما يلي:

سأله رجل عن قوله سبحانه: «أَ ذٰلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ اَلزَّقُّومِ * إِنّٰا


1) . كان تيميّاً بالولاء.

2) . تاريخ بغداد: 252/13 برقم 7210.

3) . المراد غريب اللغة أو غريب القرآن و الحديث.

4) . المعارف: 243.

جَعَلْنٰاهٰا فِتْنَةً لِلظّٰالِمِينَ * إِنَّهٰا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ اَلْجَحِيمِ * طَلْعُهٰا كَأَنَّهُ رُؤُسُ اَلشَّيٰاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهٰا فَمٰالِؤُنَ مِنْهَا اَلْبُطُونَ »(1).

سأله عن قوله: «طَلْعُهٰا كَأَنَّهُ رُؤُسُ اَلشَّيٰاطِينِ» و قال: إنّما يقع الوعد و الإيعاد بما عرف مثله، و هذا لم يعرف فأجاب: إنّما كلّم اللّٰه العرب على قدر كلامهم. أما سمعت قول امرئ القيس:

أ يقتلني و المشرفيّ مُضاجعي *** و مسنونة زرقٌ كأنياب أغوال

و هم لم يروا الغول قطّ، و لكنّه لمّا كان أمر الغول يهولهم، أوعدوا به.

ثمّ يقول: و أزمعت منذ ذلك اليوم أن أضع كتاباً في القرآن لمثل هذا و أشباهه و لما يحتاج إليه من علمه، و لمّا رجعت إلى البصرة عملت كتابي الّذي سمّيته المجاز.(2)

و قد ذكر ابن خلّكان أنّه لم يزل يصنّف حتّى مات، و تصانيفه تقارب مائتي تصنيف، فمنها كتاب «مجاز القرآن الكريم» و كتاب «غريب القرآن» و كتاب «معاني القرآن» و كتاب «غريب الحديث»...(3)و يبدو من فهرس تصانيفه أن أكثرها يدور بين اللغة و الشعر و التاريخ و ما يشابهها، و الّذي أثار عواطف الأُمّة العربية ضدّه أنّه ألّف كتاب «لصوص العرب» و كتاب «فضائل الفرس»، و من المعلوم أنّ العصبية العمياء لا تحبّ كلا التأليفين.


1) . الصافات: 62-66.

2) . وفيات الأعيان: 236/5 تحقيق الدكتور إحسان عباس. و لاحظ: مجاز القرآن لأبي عبيدة ج 2.

3) . وفيات الأعيان: 238/5 تحقيق الدكتور إحسان عباس.

يقول ابن خلكان: لمّا جمع كتاب المثالب، و لعلّ مراده هو «لصوص العرب»، قال له رجلٌ مطعون النسب: بلغني أنّك عبت العرب جميعها، فقال: «و ما يضرّك، أنت من ذلك بريء»! يعني أنّه ليس منهم، و يذكر ابن خلكان أيضاً: أنّه لا يقبل أحد من الحكّام شهادته لأنه كان يتّهم بالميل إلى الغلمان. قال الأصمعي: دخلت أنا و أبو عبيدة يوماً المسجد فإذا على الاسطوانة الّتي يجلس إليها أبو عبيدة مكتوب على نحو من سبعة أذرع.

صلّى الإله على لوطٍ و شيعته *** أبا عبيدة قل باللّٰه آمينا

فقال لي: يا أصمعي! امحُ هذا، فركبت على ظهره و محوته بعد أن أثقلته إلى أن قال: أثقلتني و قطعت ظهري، فقلت له: قد بقي الطاء. فقال: هي شرّ حروف هذا البيت!(1).

أقول: إنّ الأصمعي كان ممّن ينصب العداء لعليّ، و أبا عبيدة كان من الخوارج، و الجنس إلى الجنس يميل «و المرء على دين خليله و قرينه» و قال سبحانه حاكياً عن المجرمين «يٰا وَيْلَتىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاٰناً خَلِيلاً»(2)و قال سبحانه: «اَلْأَخِلاّٰءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ»(3)، و مع ذلك كلّه فيحتمل أن تكون القصّة مختلقة من جانب الأعداء، لأنّهم كانوا يرون أمثال أبي عبيدة من المبتدعة الذين تجوز مباهتتهم إبعاداً للناس عن ضلالهم.


1) . المصدر نفسه: 242.

2) . الفرقان: 28.

3) . الزخرف: 67.

مجاز القرآن لأبي عبيدة:

لم يصل إلينا من كتب أبي عبيدة مع كثرتها غير كتاب مجاز القرآن، و قد عرفت أنّ ابن خلّكان ذكر له أسماء كتب ثلاثة حول القرآن و زاد ابن النديم كتاب «اعراب القرآن» و هل ألّف أبو عبيدة كتباً بهذه الأسماء، أو هي أسماء متعدّدة و المسمّى واحدٌ؟ فقد رجّح محقّق كتاب مجاز القرآن الثاني و قال: «و الّذي نظنّه أن ليس هناك لأبي عبيدة غير كتاب المجاز»، و أنّ هذه الأسماء أُخذت من الموضوعات الّتي تناولها «المجاز» فهو يتكلّم في معاني القرآن، و يفسّر غريبه، و في أثناء هذا يعرض لإعرابه، و يشرح أوجه تعبيره، و ذلك ما عبّر عنه أبو عبيدة بمجاز القرآن، فكلّ سمّى الكتاب بحسب أوضح الجوانب الّتي تولّى الكتاب تناولها، و لفتت نظره أكثر من غيرها، و لعلّ ابن النديم لم ير الكتاب، و سمع هذه الأسماء من أشخاص متعدّدين فذكر لأبي عبيدة في موضوع القرآن هذه الكتب المختلفة الأسماء.

ثمّ إنّ التأليف في غريب القرآن كثير، و ربّما يعبّر عن بعضه بمعاني القرآن، كما هو الحال في كتاب الفرّاء، و ربما يعبّر عنه بمجازات القرآن كما هو الحال في تأليف الشريف الرضي. و أمّا الفرق بين كتاب أبي عبيدة و كتاب الرضيّ و قد اشتهر الأوّل بمجاز القرآن، و الثاني بمجازات القرآن، هو أنّ الأوّل يستعمل لفظ المجاز بمعنى مفهوم الكلمة و الآية، بخلاف الثاني فإنّه يستعمله في الجامع بين المجاز اللغويّ و الكناية و الاستعارة، و لكل مزية، و على كلّ تقدير فأثر أبي عبيدة أثر متقن مفيد جدّاً، و قد قام بتحقيقه

الدكتور محمّد فؤاد سزگين في جزءين، و قد طبع للمرّة الثانية في سنة 1401 ه.

و قد اختلفت الأقوال في تاريخ وفاته، فنقل الخطيب عن بعضهم أنّه مات سنة 209 ه، و عن آخر سنة 211 ه، و عن ثالث 210 ه، و قيل:

سنة 213، و اللّٰه العالم.

و لنكتف بما ذكر من رجال الخوارج في العصور الأُولىٰ و قد تعرّفت على عدّة من رجالهم في ثنايا الكتاب لا سيّما القادة العسكريين.

بقيت هنا كلمة و هي أن نعطف نظر القارئ إلى ما روي عن النبي الأكرم في حقّ المحكّمة الأُولىٰ و أُثر في حقّهم عن الصحابة و التابعين لهم بإحسان، و قد جمعها إمام الحنابلة أحمد بن حنبل و رواه عنه ابنه عبد اللّٰه في كتاب «السنّة».(1)و إليك متونها مع أسانيدها:

بما أنّ الاباضية لا يرون أنفسهم خوارج و نحن أيضاً نربأ بهم عن كونهم منهم على الشروط الّتي قدّمناها في الكتاب، فلا أراهم متضايقين من هذه الآثار الّتي لو تدبّر فيها القارئ يراها من قسم المتواتر المعنوي و لا يحقّ لأحد أن يشكّ في ما يهدف إليه جمعها.

تمّ الكتاب و آخر دعوانا

أن الحمد لله رب العالمين


1) . السنّة 267-286.

الفهارس

1.

فهرس المصادر

2.

فهرس المحتويات

فهرس المصادر

حرف الألف

1 - الاباضية بين الفرق الإسلامية: علي يحيى معمر، عمان - 1406 ه.

2 - الاباضية في مصر و المغرب: دكتور رجب محمد عبد الحليم، مسقط - 1410 ه.

3 - الاباضية في موكب التاريخ: علي يحيى معمر، دار الكتاب العربي، القاهرة - 1384 ه.

4 - الاتقان: جلال الدين السيوطي (849-911 ه) تحقيق الدكتور مصطفى، دار ابن كثير، بيروت.

5 - أحكام القرآن: الجصاص: أحمد بن علي (المتوفّىٰ 370 ه) دار الكتاب العربي، بيروت - 1406 ه.

6 - الاخبار الطوال: الدينوري: أبو حنيفة أحمد بن داود (المتوفّىٰ

282 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1960 م.

7 - الإصابة: العسقلاني: أحمد بن علي بن حجر (المتوفّىٰ 852 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1358 ه.

8 - أُصول الدين: البزودي: أبو اليسر محمّد بن عبد الكريم (421-493 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1383 ه.

9 - الاعلام: خير الدين الزركلي (المتوفّىٰ 1396 ه) دار العلم للملايين، بيروت - 1404 ه، الطبعة السادسة.

10 - الأغاني: أبو الفرج الاصفهاني: علي بن الحسين (المتوفّىٰ 356 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

11 - اللّٰه خالق الكون: جعفر الهادي (المعاصر) من محاضرات العلّامة الأُستاذ جعفر السبحاني، دار الأضواء، بيروت - 1406 ه.

12 - الإلهيات: محمد مكي العاملي من محاضرات العلّامة الأُستاذ جعفر السبحاني، الدار الإسلامية، بيروت - 1410 ه.

13 - الأمالي: الشيخ الطوسي: محمد بن الحسن (385-460 ه) مؤسسة البعثة، قم - 1414 ه.

14 - الإمام جابر بن زيد العماني: الصوافي: الدكتور صالح بن أحمد، عمان - 1409 ه، الطبعة الثانية.

15 - الإمامة و السياسة: الدينوري: أبو محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة

(المتوفّىٰ 276 ه) مطبعة مصطفى محمد، مصر.

16 - الأنساب: البلاذري: أحمد بن يحيى (من أعلام القرن الثالث الهجري) مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1394 ه.

17 - أوائل المقالات: الشيخ المفيد: محمد بن محمد النعمان (336-413 ه)، مكتبة الحقيقة، تبريز - 1371 ه.

حرف الباء

18 - الباب الحادي عشر: العلّامة الحلي: حسن بن يوسف بن مطهر (648-726 ه) ط طهران.

19 - بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي (1037-1110 ه) مؤسّسة الوفاء، بيروت - 1403 ه.

20 - بدء الإسلام و شرائع الدين: ابن سلام الاباضي (المتوفّىٰ 273 ه).

21 - بداية المجتهد: ابن رُشد القرطبي (520-595 ه) دار المعرفة، بيروت - 1403 ه.

22 - البيان و التبيين: الجاحظ: أبو عثمان عمرو بن بحر (المتوفّىٰ 255 ه) دار الفكر للجميع، بيروت - 1968 م.

حرف التاء

23 - تاج العروس: الزبيدي: محمد مرتضى، دار الفكر، بيروت - 1414 ه.

24 - تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي: أبو بكر أحمد بن علي (المتوفّىٰ 463 ه) المكتبة السلفية، المدينة المنوّرة.

25 - تاريخ الخلفاء: السيوطي: جلال الدين (849-911 ه) مطبعة المدني، القاهرة - 1383 ه.

26 - تاريخ الطبري: الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير (المتوفّىٰ 310 ه) مؤسّسة الأعلمي، بيروت.

27 - تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر: علي بن الحسن بن هبة اللّٰه (500-573 ه) دار التعارف، بيروت - 1395 ه.

28 - تاريخ المذاهب الإسلامية: محمد أبو زهرة (المتوفّىٰ 1396 ه) طبع القاهرة.

29 - تاريخ المغرب الكبير: محمد علي دبوز.

30 - تاريخ اليعقوبي: اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب (من علماء القرن الثالث) المكتبة الحيدرية، النجف - 1384 ه.

31 - تحفة الأعيان: أبو إسحاق السالمي.

32 - تذكرة الخواص: سبط ابن الجوزي (581-654 ه) مؤسسة أهل البيت، بيروت - 1401 ه.

33 - تفسير المنار: محمد رشيد رضا (المتوفّىٰ 1354 ه) دار المنار، مصر - 1373 ه.

34 - تقريب التهذيب: العسقلاني: أحمد بن علي بن حجر (773-852 ه) دار المعرفة، بيروت - 1395 ه.

35 - التمهيد: القاضي أبو بكر: محمد بن الطيب الباقلاني (المتوفّىٰ 403 ه)، طبع القاهرة - 1366 ه.

36 - تنقيح المقال: عبد اللّه المامقاني، إيران، طبعة حجر.

37 - تهذيب الأسماء و اللغات: أبو زكريا النووي (المتوفّىٰ 676 ه) دار الكتب العلمية، بيروت.

38 - تهذيب التهذيب: العسقلاني: أحمد بن علي بن حجر (773-852 ه) دار الفكر، بيروت - 1404 ه.

حرف الجيم

39 - الجامع الصحيح (مسند الربيع بن حبيب الأزدي): تقديم عبد اللّه بن حميد السالمي، طبع دمشق - 1388 ه.

40 - الجرح و التعديل: أبو حاتم الرازي (المتوفّىٰ 327 ه) دار إحياء

التراث العربي، بيروت - 1371 ه.

41 - جواهر الكلام: النجفي: محمد حسن (المتوفّىٰ 1266 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1981 م.

42 - الجواهر المنتقاة: البرادي، طبع القاهرة - 1884 م.

حرف الحاء

43 - الحور العين: الحميري: سعيد بن نشوان، طهران - 1394 ه بالأُفسيت.

حرف الخاء

44 - خزانة الأدب: البغدادي: عبد القادر بن عمر (1030-1093 ه) دار صادر، بيروت.

45 - الخصائص: النسائي: أبو عبد الرحمن أحمد (215-303 ه) منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف - 1388 ه.

46 - الخطط: تقي الدين المقريزي (المتوفّىٰ 845 ه) دار صادر، بيروت.

47 - الخلاف: الشيخ الطوسي: محمد بن الحسن (385-460 ه) دار الكتب العلمية، قم - إيران.

48 - الخوارج في العصر الأموي: الدكتور نايف معروف، دار الطليعة، بيروت - 1401 ه.

حرف الذال

49 - الذريعة: آقا بزرگ الطهراني (1293-1389 ه) دار الأضواء، بيروت - 1403 ه.

حرف الراء

50 - الرسائل: مرتضى الأنصاري (المتوفّىٰ 1282 ه) مطبعة پيروز، قم - 1390 ه.

حرف السين

51 - سنن ابن ماجة: ابن ماجة: أبو عبد اللّه محمد بن يزيد القزويني (207-275 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1395 ه.

52 - السنن الكبرى: البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين (المتوفّىٰ 458 ه) دار المعرفة، بيروت - 1406 ه.

53 - سير أعلام النبلاء: الذهبي: شمس الدين محمد بن أحمد (المتوفّىٰ 748 ه) مؤسّسة الرسالة، بيروت - 1409 ه.

54 - السيرة الحلبية: الحلبي: برهان الدين علي بن إبراهيم (المتوفّىٰ

1044 ه) المكتبة الإسلامية، بيروت.

55 - السيرة النبوية: ابن هشام: ابو محمد عبد الملك بن أيوب الحميري (المتوفّىٰ 213 أو 218 ه) دار التراث العربي، بيروت.

56 - السير و الجوابات: لبعض فقهاء الاباضية، تحقيق الدكتورة سيدة إسماعيل الكاشف، طبع وزارة التراث القومي، سلطنة عمان.

حرف الشين

57 - شذرات الذهب: ابن عماد الحنبلي (1032-1089 ه) دار الفكر، بيروت - 1399 ه.

58 - شرائع الإسلام: المحقّق الحلي: أبو القاسم جعفر بن الحسن (602-676 ه) دار الأضواء، بيروت - 1403 ه.

59 - شرح العقيدة الطحاوية: صدر الدين علي بن أبي العز الحنفي (من أعلام القرن الثامن) المكتب الإسلامي، بيروت - 1404 ه.

60 - شرح المقاصد: سعد الدين التفتازاني (المتوفّىٰ 792 ه) طبع مصر.

61 - شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد (المتوفّىٰ 655 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1378 ه.

حرف الصاد

62 - صحيح البخاري: البخاري: أبو عبد اللّٰه محمد بن إسماعيل (المتوفّىٰ 256 ه) مكتبة عبد الحميد أحمد حنفي، مصر - 1314 ه.

63 - صحيح مسلم: أبو الحسين: مسلم بن الحجاج القشيري (المتوفّىٰ 261 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

حرف الضاد

64 - الضعفاء و المتروكين: عبد الرحمن بن الجوزي (المتوفّىٰ 597 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1406 ه.

حرف العين

65 - العقد الفريد: ابن عبد ربّه الأندلسي (246-328 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1404 ه.

66 - العقود الفضية: الحارثي، طبع دار اليقظة.

حرف الغين

67 - الغارات: ابن هلال الثقفي (المتوفّىٰ 283 ه) دار الكتاب

الإسلامي، قم - 1411 ه.

68 - الغدير: الأميني: عبد الحسين أحمد النجفي (1320-1390 ه) دار الكتاب العربي، بيروت - 1387 ه.

حرف الفاء

69 - الفصل في الملل و الأهواء و النحل: ابن حزم الأندلسي (المتوفّىٰ 456 ه دار المعرفة، بيروت - 1395 ه.

70 - الفَرق بين الفِرق: البغدادي: عبد القاهر بن طاهر بن محمد (المتوفّىٰ 429 ه) دار المعرفة، بيروت.

71 - فقه الإمام جابر بن زيد: يحيى محمد بكوش، دار الغرب الإسلامي، بيروت - 1407 ه.

حرف الكاف

72 - الكافي: الكليني: محمد بن يعقوب (المتوفّىٰ 329 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران - 1388 ه.

73 - الكامل في اللغة و الأدب: المبرّد النحوي: أبو العباس محمد بن يزيد (المتوفّىٰ 285 ه) مكتبة المعارف، بيروت.

74 - الكامل في التاريخ: ابن الأثير الجزري: محمد بن محمد

(المتوفّىٰ 630 ه) دار الكتاب العربي، بيروت.

75 - الكشف و البيان: القلهاتي: تحقيق د. سيدة إسماعيل الكاشف - 1980 م.

76 - كنز العمال: المتّقي الهندي (المتوفّىٰ 975 ه) مؤسسة الرسالة، بيروت - 1405 ه.

حرف اللام

77 - لسان الميزان: العسقلاني: شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر (المتوفّىٰ 852 ه) مؤسّسة الأعلمي، بيروت.

حرف الميم

78 - المبسوط: الطوسي: أبو جعفر محمد بن الحسن (385-460 ه) طبع طهران - 1387 ه.

79 - مجمع البيان: الطبرسي: الفضل بن الحسن (471-548 ه) مطبعة العرفاني، صيدا - 1354 ه.

80 - مجمع الزوائد: الهيثمي: الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر (735-807 ه) دار الكتاب العربي، بيروت - 1402 ه.

81 - المحاسن: البرقي: أحمد بن محمد (المتوفّىٰ 274 ه) طبع

طهران.

82 - المستدرك: النوري الطبرسي: الحسين بن محمد تقي (1254-1320 ه) مؤسسة آل البيت، قم - 1407 ه.

83 - المسند: أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 ه) دار الفكر، بيروت.

84 - المسند: الطيالسي: سليمان بن داود الجارود (المتوفّىٰ 204 ه) دار المعرفة، بيروت.

85 - مروج الذهب: المسعودي: علي بن الحسين (المتوفّىٰ 345 ه) منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت - 1965 م.

86 - المعارف: ابن قتيبة الدينوري (المتوفّىٰ 276 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1407 ه.

87 - المعتبر: محمد بن سعيد الكدمي، منشورات وزارة التراث القومي و الثقافة، سلطنة عمان.

88 - المعيار و الموازنة: أبو جعفر الاسكافي (المتوفّىٰ 240 ه) تحقيق محمد باقر المحمودي، الطبعة الأُولى - 1412 ه.

89 - المغني: عبد اللّه بن قدامة (541-620 ه) مطبعة الإمام، مصر.

90 - مفاتيح الغيب: الرازي: فخر الدين محمد بن عمر (544-606 ه) طبع مصر.

91 - مفاهيم القرآن: السبحاني: جعفر بن محمد حسين (مؤلف هذا الكتاب) قم - 1404 ه.

92 - مقالات الإسلاميين: الأشعري: أبو الحسن علي بن إسماعيل (المتوفّىٰ 324 ه) الطبعة الثالثة - 1400 ه.

93 - الملل و النحل: الشهرستاني: محمد بن عبد الكريم (479-548 ه) دار المعرفة، بيروت - 1402 ه.

94 - مناقب آل أبي طالب: ابن شهرآشوب: أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي المازندراني (488-588 ه) المطبعة العلمية، قم - إيران.

95 - ميزان الاعتدال: محمد بن أحمد الذهبي (المتوفّىٰ 748 ه) دار المعرفة، بيروت.

حرف النون

96 - نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي: أبو الحسن محمد بن الحسن (359-406 ه) بيروت - 1387 ه.

97 - نور الثقلين: العروسي الحويزي: عبد علي بن جمعة (المتوفّىٰ 1112 ه) مطبعة الحكمة، قم - إيران.

حرف الواو

98 - وسائل الشيعة: الحر العاملي: محمد بن الحسين (1033-1104 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1403 ه.

99 - وفيات الأعيان: ابن خلّكان: أحمد بن محمد (608-681 ه) منشورات الرضي، قم - 1364 ه.

100 - وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري (المتوفّىٰ 212 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1365 ه.

فهرس الكتاب

الصورة

E01

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة

الصورة