ghaemiyeh.com
نام كتاب: البرهان في علوم القرآن
نويسنده: محمد بن عبد الله الزركشى
موضوع: دانشنامه علوم قرآن
تاريخ وفات مؤلف: 794 ق
زبان: عربى
تعداد جلد: 4
ناشر: دار المعرفة
مكان چاپ: بيروت
سال چاپ: 1410 / 1990
نوبت چاپ: اوّل
الجزء الثالث
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
القسم الثاني (1): الصفة
و هي مخصصة إن وقعت صفة للنكرة، و موضحة للمعرفة، و تأتي (2)لأسباب:
(أحدها): لمجرد المدح و الثناء، و منه صفات اللّه تعالى، كقوله: بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (الفاتحة:1) فليس ذكر الوصف هنا للتمييز لأنه ليس له مثل-تعالى [اللّه] (3)عن ذلك-حتى يوضّح بالصفة. و أخذ أبو الطيب هذا المعنى فذكر أسامي بعض ممدوحه، ثم قال:423/2
أساميا لم تزده معرفة و إنّما لذّة ذكرناها (4)
فقوله:«لم تزده» بيان أنها للإطناب و الثناء، لا للتعريف و التبيين.
و قيل: إنّ الصفات (5)الجارية على القديم (6)سبحانه المراد بها التعريف، فإنّ تلك الصفات حاصلة له، لا لمجرد الثناء، و لو كانت للثناء لكان الاختيار قطعها؛ و منه قوله تعالى:
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا (المائدة:44) فهذا الوصف للمدح ليس غير؛ لأنه ليس (7)يمكن أن يكون ثمّة (8)نبيّون غير مسلمين، كذا قاله الزمخشري (9).قال:«و أريد بها التعريض باليهود، و أنهم بعداء من ملّة الإسلام التي (10)
(11-11) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
هي دين الأنبياء (11)[كلهم، و أن اليهود بمعزل عنها» و التحقيق أن هذه الصفة للتمييز، و قد أطلق اللّه وصف الإسلام على الأنبياء] (11)و أتباعهم؛1) هذا القسم تابع للنوع السادس و الأربعين في أساليب القرآن و فنونه البليغة، و قد تقدم القسم الأول، و هو التوكيد الصناعي ص 486.
2) في المخطوطة (أو).
3) لفظ الجلالة ليس في المخطوطة.
4) البيت في ديوانه 275/4 (بشرح أبي البقاء العكبري)، من قصيدة له يمدح فيها عضد الدولة أبا شجاع.
5) في المخطوطة (صفاته).
6) تصحفت في المخطوطة إلى (التقديم).
7) في المخطوطة (لا).
8) في المخطوطة (ثم).
9) الكشاف 340/1-341.
10) في المخطوطة (الذي هو).
و الأصل في المدح التمييز بين الممدوح و غيره بالأوصاف الخاصة، و الإسلام وصف عام، فوصفهم بالإسلام، إما باعتبار الثناء عليه أو الثناء عليهم بعد النبوة تعظيما و تشريفا (1)،أو باعتبار أنهم بلغوا من هذا الوصف غايته؛ لأن معنى (2)ذلك يرجع إلى معنى الاستسلام و الطاعة الراجعين إلى تحقيق معنى العبودية، التي هي أشرف أوصاف العباد، فكذلك يوصفون [144/ب] بها في أشرف حالاتهم، و أكمل أوقاتهم.
و قوله تعالى حكاية عن إبراهيم و إسماعيل: رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ (البقرة:128) أي، مستسلمين لأمرك، لقضائك، و كذا قول يوسف: تَوَفَّنِي مُسْلِماً (يوسف:101) [و كذلك] (3)
(4-4) ليست في المخطوطة.
(6-6) ساقطة من المخطوطة.
قوله: اَلنَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا 4[لِلَّذِينَ هادُوا] (4) (المائدة:44) تنويه بقدر الإسلام، و تنبيه على عظم أمره، فإن الصفة تعظم بعظم موصوفها كما وصفت الملائكة المقربون بالإيمان في قوله [تعالى] (6)يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ [بِهِ] (6) (غافر:7) تنويها بقدر الإيمان، و حضّا للبشر على التحلّي به، ليكونوا كالمقربين في وصف الإيمان، حتى قيل:أوصاف الأشراف؛ أشرف الأوصاف.
(الثاني): لزيادة البيان،[كذا] قاله ابن مالك (4)و مثّله بقوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ (الأعراف:158)، و ليس ما قاله بواضح؛ فإن «رسول اللّه» كما يستعمل في نبينا صلوات اللّه و سلامه عليه (5)،يستعمل في غيره بطريق الوضع، و تعريفه إنما حصل بالإضافة.
(فإن قال): قد كثر استعماله في نبينا صلّى اللّه عليه و سلّم حتى إنه لم يبق الذهن يتبادر إلا إليه!(قلنا):
ليس هذا من وضعه بل ذلك من الاستعمال و قد استعمل في غيره، قال تعالى: فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ (الأعراف:158) و في موضع آخر: رُسُلُ اللّهِ (الأنعام:124) و في حق عيسى:ر.
وَ رَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ (آل عمران:49) و في حق موسى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (المزمل:15).
ثم إن الصفة إنما تكون مثل الموصوف أو دونه في التعريف، و أمّا أن تكون فوقه فلا؛425/2 لأنها على كل حال تابعة و التابع دون المتبوع.(فإن قيل): كيف يصحّ أن يزال إبهام الشيء بما هو أبهم منه؟(فالجواب): أن التعريف لم يقع بمجرد الصفة؛ و إنما حصل بمجموع الصفة و الموصوف، لأنهما كالشيء الواحد.
(الثالث): لتعيينه (1)للجنسية، كقوله تعالى: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ (الأنعام:38) لأن المعنيّ بدابة و الذي (2)سيق له الكلام الجنسية لا الإفراد، بدليل قوله تعالى: إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ فجمع أُمَمٌ محقّق إرادة الجنس من الوصف اللازم للجنس المذكور، و هو كون الدابة غير منفكة عن كونها في الأرض، و كون الطائر غير منفك كونه طائرا بجناحيه، لينتفي توهم الفرديّة، هذا معنى ما أشار إليه السكاكيّ (3)في «المفتاح».
و حمل بعضهم كلامه على أنه إنما ذكر الوصف ليعلم أن المراد ليس دابّة مخصوصة، و هو بعيد، لأن ذلك معلوم قطعا بدون الوصف، لأنّ النكرة المنفية-لا سيما مع «من» الاستغراقية-قطعية. و قال الزمخشريّ (4):إن معنى زيادة فِي الْأَرْضِ و يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ يفيد زيادة التعميم (5)و الإحاطة؛ حتى كأنه قيل:«و ما من دابة من جميع ما في الأرض، و ما من 426/2 طائر من جميع ما يطير بجناحيه».
و يحتمل [أن] (6)يقال: إن الطّيران لما كان يوصف به من يعقل كالجانّ و الملائكة، فلو لم يقل: بِجَناحَيْهِ لتوهّم الاقتصار على جنسها ممّن يعقل، فقيل: بِجَناحَيْهِ ليفيد إرادة).
هذا الطير المعتقد فيه عدم المعقولية بعينه. و قيل: إن الطيران يستعمل لغة في الخفة، و شدة الاسراع في المشي، كقول الحماسي (1):
طاروا إليه زرافات و وحدانا
فقوله: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ رافع (2)لاحتمال هذا المعنى. و قيل: لو اقتصر على ذكر الطائر فقال: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ لكان ظاهر العطف يوهم (3):«و لا طائر في الأرض»؛ لأن المعطوف عليه إذا قيّد بظرف أو حال يقيّد به المعطوف، و كان ذلك يوهم اختصاصه بطير الأرض (4)الذي لا يطير بجناحيه، كالدجاج و الإوز[145/أ] و البط و نحوها، فلما قال: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ زال هذا الوهم، و علم أنه ليس بطائر (5)مقيّد؛ إنما (6)تقيدت به الدابة.
و أما قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ (البقرة:11) مع أن المعلوم أن الفساد لا يقع إلا في الأرض، قيل: في ذكرها تنبيه (7)على أن [هذا] (8)المحلّ الذي فيه شأنكم و تصرفكم و منه مادة حياتكم-و هي سترة أموالكم-جدير ألاّ يفسد فيه، إذ محل الإصلاح لا ينبغي أن يجعل محلّ الإفساد.
و هذا بخلاف قوله تعالى في سورة براءة: وَ ما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ (التوبة:74) لأن المراد نفي النصير عنهم في جميع الأرض، فلو لم يذكر لاحتمل [أن يكون] (9)ذلك خاصّا ببعضها.
و أما قوله تعالى: ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ (التوبة:30)[و قوله تعالى] (10): إِنَّماة.
1) هو أنيف بن قريط العنبري و صدر البيتكنّا إذا ما أتانا صارخ فزعو انظر ديوان الحماسة 22/1 (بشرح المرزوقي).
2) في المخطوطة (راجع).
3) في المخطوطة (يفهم).
4) في المخطوطة (بطيران الطير) بدل (بطير الأرض).
5) في المخطوطة (كطائر) بدل (ليس بطائر).
6) تصحفت في المخطوطة إلى (أحيا).
7) في المخطوطة (تنبيها).
8) ساقطة من المطبوعة.
9) ساقط من المخطوطة.
10) ليست في المخطوطة.
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً (النساء:10) و قوله تعالى: وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج:46) و نحوها من المقيّد-إذ القول لا يكون إلاّ بالفم، و الأكل إنما يكون في البطن- ففوائده مختلفة:
-فقيل: بِأَفْواهِهِمْ للتنبيه على أنه قول لا دليل عليه؛ بل ليس فيه إلا مجرد اللسان، أي لا يعضده حجة و لا برهان، و إنما هو لفظ فارغ من معنى تحته، كالألفاظ المهملة التي هي أجراس و نغم، لا تدلّ (1)على شيء مؤثر؛ لأن القول الدال على معنى قول بالفم و مؤثر في القلب، و ما لا (2)معنى له مقول بالفم لا غير؛ أو المراد بالقول المذهب؛ أي هو مذهبهم بأفواههم لا بقلوبهم؛ لأنه لا حجة عليه توجب اعتقاده بالقلب.
-و قيل: إنه رافع لتوهم إرادة حديث النفس؛ كما في قوله تعالى: وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ (المجادلة:8).
-و قيل: لأن القول يطلق على الاعتقاد، فأفاد بِأَفْواهِهِمْ التنصيص على أنه باللسان 428/2 دون القلب، و لو لم يقيّد لم يستفد هذا المعنى؛ و يشهد له: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ [إِنَّكَ] 3... (المنافقون:1) الآية فلم يكذّب ألسنتهم، بل كذّب ما انطوى عن ضمائرهم؛ من خلافه (3)،و إنما قال (4): فِي بُطُونِهِمْ ناراً (النساء:10) لأنه (5)يقال: أكل في بطنه، إذا أمعن، و في بعض بطنه، إذا اقتصر، قال:
كلوا في بعض بطنكم تعفّوا فإنّ زمانكم زمن خميص (6)
فكأنه قيل: يأكلون ما يجرّ-إذا امتلأت (7)بطونهم-نارا. و إنما قال: اَلَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج:46) فإنه سبحانه لما دعاهم إلى التفكر و التعقل و سماع أخبار من مضى من).
الأمم، و كيف أهلكهم بتكذيبهم رسله و مخالفتهم لهم قال: أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها (الحج:46).
قال ابن قتيبة (1):و هل شيء أبلغ في العظمة و العزّة من هذه الآية! لأن اللّه تعالى أراد:
أ فلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى آثار قوم أهلكهم اللّه بالكفر و العتوّ فيروا بيوتا خاوية قد سقطت على عروشها، و بئرا يشرب أهلها فيها (2)قد عطلت، و قصرا بناه ملكه بالشّيد خلا (3)من 429/2 السكن، و تداعى بالخراب، فيتعظوا بذلك، و يخافوا من عقوبة اللّه، مثل الذي نزل بهم! ثم ذكر (4)
(5-5) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
تعالى أن أبصارهم الظاهرة لم تعم عن النظر و الرؤية و إن عميت قلوبهم التي في صدورهم.-و قيل: لما كانت (5)[العين قد يعنى بها القلب، في نحو قوله تعالى: اَلَّذِينَ كانَتْ] 5أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي (الكهف:101) جاز أن يعنى بالقلب العين، فقيد القلوب بذكر محلّها رفعا لتوهم إرادة غيرها.
-و قيل: ذكر محل العمى الحقيقيّ الذي هو أولى باسم العمى من عمى البصر، كما قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم:«ليس الشديد بالصّرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (5)،أي هذا أولى[145/ب] بأن يكون شديدا منه، فعمى القلب هو الحقيقيّ لا عمى البصر، فأعمى القلب أولى أن يكون أعمى من أعمى العين، فنبّه بقوله: [الَّتِي] 8فِي الصُّدُورِ (الحج:
1) هو عبد اللّه بن مسلم، أبو محمد ابن قتيبة، تقدم التعريف به في 160/1.
2) في المخطوطة (منها).
3) في المخطوطة (قد خلت) بدل (خلا).
4) في المخطوطة (دل).
5) الحديث متفق عليه من رواية أبي هريرة رضي اللّه عنه، أخرجه البخاري في الصحيح 518/10، كتاب الأدب(78)، باب الحذر من الغضب... (76)، الحديث(6114). و أخرجه مسلم في الصحيح 2014/4، كتاب البر... (45)، باب فضل من يملك نفسه... (30)، الحديث(3609/107).
6) في المخطوطة (الذي).
(الأولى): اعلم أن الصفة العامة لا تأتي بعد الصفة الخاصة؛ لا تقول: هذا رجل فصيح متكلم، لأن المتكلم أعمّ من الفصيح؛ إذ كل فصيح متكلّم و لا عكس. و إذا تقرر هذا أشكل قوله تعالى: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولاً نَبِيًّا 430/2 (مريم:54)[إذ لا يجوز أن يكون] (1)نَبِيًّا (2)صفة ل (رسول)، لأن النبيّ أعمّ من الرسول، إذ كل رسول من الآدميين نبيّ و لا عكس. و الجواب أن يقال: إنه حال من الضمير في رَسُولاً و العامل في الحال ما في «رسول» من معنى «يرسل» (3)،أي كان إسماعيل مرسلا في حال نبوته، و هي حال مؤكدة، كقوله: وَ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً (البقرة:91).
(الثانية): تأتي الصفة لازمة لا للتقييد [فلا مفهوم لها] (4)كقوله تعالى: وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ (المؤمنون:117) قال الزمخشريّ (5):هي كقوله: وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً (الأعراف:33) و هي صفة لازمة [نحو قوله: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ] (6)(الأنعام:38) جيء بها للتوكيد؛ لا أن يكون في الآلهة ما يجوز [إلاّ] (7)أن يقوم عليه برهان.
و يجوز (8)أن يكون اعتراضا بين الشرط و الجزاء، كقولك: من أحسن إلى زيد-لا أحقّ بالإحسان منه-فاللّه مثيبه. و قال الماتريديّ (9):هذا لبيان خاصة الإشراك باللّه ألاّ تقوم (10)على صحته حجة، لا بيان أنه نوعان، كما في قوله: وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ (الأنعام:38) هو بيان خاصة الطيران، لا أنه نوعان.
1) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
2) في المخطوطة (فنبيّا).
3) في المخطوطة (مر قبل).
4) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
5) الكشاف 58/3.
6) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
7) في المخطوطة (إلا أن يقوم).
8) في المخطوطة (و يحتمل).
9) هو محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي، نسبة إلى «ما تريد» و هي محلّة بسمرقند كان إمام علم الكلام في وقته، و ناصر أهل السنّة، ألّف كتبا كثيرة منها «التفسير» و «أوهام المعتزلة» و «التوحيد» و «الردّ على القرامطة». ت 333 ه (الفوائد البهية:195).
10) في المخطوطة:(يقوم).
و قوله: سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ (الأنعام:140) و السّفه لا يكون إلا عن جهل. و قيل بِغَيْرِ عِلْمٍ بمقدار قبحه. و قوله: وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ (البقرة:61) و لا يكون قتلهم إلا كذلك لأن (1)معناه «بغير الحق» في اعتقادهم؛ لأن التصريح بصفة فعلهم القبيح أبلغ في ذمّهم و إن كانت تلك الصفة لازمة للفعل، كما في عكسه: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ (الأنبياء:
و كقوله تعالى (4)
(5-5) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
: فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ (البقرة:197) (5)[مع أن ذلك منهيّ عنه في غير الحج أيضا، لكن خصص بالذكر هنا لتأكيد الأمر و خطره في الحج] (5)، و أنه لو قدّر جواز مثل ذلك في غير الحج لم يجز في الحج، كيف و هو لا يجوز مطلقا! و قوله تعالى: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّهِ (البقرة:196) و لم يذكر مثل ذلك في قوله [تعالى] (5):ثُمَّ أَتِمُّوا 8الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ (البقرة:187) لأن الرياء يقع في الحج كثيرا، فاعتنى فيه بالأمر بالإخلاص.
و قوله تعالى: وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّهِ (القصص:50) و اتباع الهوى لا يكون إلا كذلك. و قيل: بل يكون الهوى في الحق، فلا يكون من هذا النوع. و قوله تعالى: وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (المائدة:50) فإن حكمه تعالى حسن لمن يوقن و لمن لا يوقن، لكن لما كان القصد ظهور حسنه و الاطلاع عليه وصفه بذلك؛ لأن الموقن هو الذي يطلع على ذلك دون الجاهل.).
و قوله [تعالى] (1)فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ (البقرة:79) و الكتابة لا تكون (2)إلا باليد؛ ففائدته مباشرتهم ذلك التحريف بأنفسهم، و ذلك زيادة في[146/أ] تقبيح فعلهم؛ فإنه يقال: كتب فلان كذا و إن لم يباشره بل أمر به، كما في قول عليّ:«كتب النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم [يوم] (3)الحديبية» (4)ليست في المخطوطة.(5).
(الثالثة): قد تأتي الصفة بلفظ و المراد غيره، كقوله تعالى: صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها (البقرة:69) قيل: المراد:«سوداء ناصع» (6)و قيل: بل على بابها و منه قوله تعالى: كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (المرسلات:33) قيل: كأنه أينق سود، و سمي الأسود من الإبل أصفر، لأنه سواد تعلوه صفرة.
(الرابعة): قد تجيء للتنبيه على التعميم، كقوله تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ (الأنعام:141) مع أن المعلوم أنما يؤكل إذا أثمر، فقيل: فائدته نفي توهم توقّف الإباحة على 433/2 الإدراك و النضج بدلالته على الإباحة من أول إخراج الثمرة. و قوله [تعالى] (6): وَ مِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (الفلق:5) و قوله: وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (الأنعام:
(الخامسة): قد يحتمل اللفظ كثيرا من الأسباب السابقة، و له أمثلة، منها قوله تعالى:ة.
1) ليست في المخطوطة.
2) في المخطوطة (و الكتاب لا يكون).
3) ليست في المخطوطة.
4) الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري في الصحيح 303/5، كتاب الصلح(53)، باب كيف يكتب هذا ما صالح...
5) ، الحديث(2699). و أخرجه مسلم في الصحيح 1410/3، كتاب الجهاد و السير (32)، باب صلح الحديبية... (34)، الحديث(1783/92). و في كتابة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بيده الشريفة يوم الحديبية خلاف بين العلماء.
6) قال ابن قتيبة في تفسير الغريب ص 53: و قد ذهب قوم إلى أن الصفراء: السوداء، و هذا غلط في نعوت البقر. و إنما يكون ذلك في نعوت الإبل، يقال: بعير أصفر أي أسود.
وَ قالَ اللّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ (النحل:51) فإن (1)ابن مالك (2)و غيره من النحويين جعلوه نعتا، قصد به مجرد التأكيد (3).و لقائل (4)أن يقول:[إن] (5)إِلهَيْنِ مثنّى و ال اِثْنَيْنِ (6)للتثنية، فما فائدة الصفة؟ و فيه وجوه:
-أحدها (7):قاله ابن الخباز (8):«إن فائدتها توكيد نهي الإشراك باللّه سبحانه، و ذلك لأن العبرة في النهي عن اتخاذ الإلهين (9)إنما هو لمحض كونهما اثنين فقط، و لو وصف إِلهَيْنِ بغير ذلك من الصفات، كقوله:«لا تتخذوا إلهين عاجزين» لأشعر بأن القادرين يجوز أن يتخذا، فمعنى التثنية شامل لجميع الصفات؛ فسبحان من دقت حكمته في كل شيء». و نظير هذا ما قال الأخفش في قوله: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ (النساء:176).
-الثاني: أن الوحدة تطلق و يراد بها النوعية، و منه قوله صلّى اللّه عليه و سلّم:«إنما نحن و بنو عبد المطلب شيء واحد» (10)،و تطلق و يراد بها العدد، نحو (11)«إنما زيد رجل واحد»، فالتثنية باعتبارها.
فلو (12)قيل: لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ فقط لصحّ في موضوعه (13)أن يكون نهيا عن اتخاذ جنسين آلهة؛ و جاز أن (14)يتخذ من نوع واحد أعداد آلهة (15)لأنه يطلق عليهم أنهم واحد، لا سيما و قد).
1) في المخطوطة (قال).
2) هو محمد بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن مالك جمال الدين أبو عبد اللّه، تقدم في 381/1.
3) في المخطوطة (التوكيد).
4) في المخطوطة (لأن لقائل).
5) ساقطة من المخطوطة.
6) في المطبوعة (و الاثنان).
7) في المطبوعة (أحدهما).
8) هو أحمد بن الحسين بن أحمد الإربلي، شمس الدين، ابن الخباز، النحوي الضرير. كان أستاذا بارعا علاّمة زمانه في النحو و اللغة و الفقه و العروض و الفرائض. و له المصنفات المفيدة منها:«النهاية في النحو و «شرح ألفيّة ابن معطي» ت 637 ه في الموصل (بغية الوعاة 304/1).
9) في المخطوطة (إلهين).
10) الحديث من رواية جبير بن مطعم رضي اللّه عنه، أخرجه البخاري في الصحيح 244/6، كتاب فرض الخمس(57)، باب و من الدليل على أن الخمس للإمام و أنه... (17)، الحديث(3140).
11) في المخطوطة (مثل).
12) في المخطوطة (فإن قيل).
13) في المخطوطة (موضعه).
14) في المخطوطة (و إن جاز) بدل (و جاز أن).
15) في المخطوطة (الآلهة).
يتخيّل أن الجنس الواحد لا تتضادّ مطلوباته، فيصح، فلما قال: اِثْنَيْنِ بيّن فيه قبح التعديد للإله، و أنه منزّه عن العددية. و قد أومأ إليه الزمخشري [بقوله] (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ليس من المطبوعة، و انظر قول الزمخشري في الكشاف 332/2.
.(2) [و كذا القول في إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فيتبع كل واحد مما يؤكد فيه العدد ليدلّ على أن القصد إليه-قال الزمخشري-] (2)«أ لا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله و لم تصفه بواحد لم يحسن، و قيل لك: إنك نفيت الإلهية لا الوحدانية».
-الثالث: أنّه لما كان النهي واقعا على التعدّد و الاثنينيّة دون الواحد أتى بلفظ الاثنين، لأن قولك:«لا تتخذ ثوبين» يحتمل النهي عنهما جميعا، و يحتمل النهي عن الاقتصار عليهما، فإذا قلت:«ثوبين اثنين» علم المخاطب أنك نهيته عن التعدد و الاثنينيّة دون الواحد، و أنّك إنما أردت منه الاقتصار على [ثوب] (2)واحد، فتوجه النفي إلى نفس التعدد و العدد، فأتى باللفظ 435/2 الموضوع له، الدالّ عليه فكأنه قال:«لا تعدّد الآلهة[146/ب]، و لا تتخذ عددا تعبده، إنما هو إله واحد».
-الرابع: أن «اتخذ» هي التي تتعدى إلى مفعولين، و يكون اِثْنَيْنِ مفعولها الأول و إِلهَيْنِ مفعولها الثاني؛ و أصل الكلام:«لا تتخذوا اثنين إلهين» ثم قدم المفعول الثاني على الأول. و يدلّ على التقديم و التأخير أنّ إِلهَيْنِ أخصّ من اِثْنَيْنِ و اتخاذ اثنين يقع على ما يجوز؛ و [على] (3)ما لا يجوز؛ و أما اتخاذ اثنين إلهين (4)فلا يقع إلا على ما لا يجوز.
و قدم إِلهَيْنِ على اِثْنَيْنِ إذ المقصود بالنهي اتخاذهما إلهين؛ فالنهي وقع على معنيين:
الآلهة المتخذة، و على هذا فلا بدّ من ذكر «الاثنين» و «الإلهين» (5)إذ هما مفعولا الاتّخاذ.
قال صاحب (6)«البسيط»: «و هذا الوجه هو الجيّد، ليخرج بذلك على التأكيد؛ و أما إذا جعل إِلهَيْنِ مفعول تَتَّخِذُوا و اِثْنَيْنِ صفة، فإنه أيضا لا يخرج عن الوصف إلى2.
التأكيد؛[لأنه] (1)لا يستفاد من اِثْنَيْنِ ما استفيد من إِلهَيْنِ لأن الأول يدلّ على العدد و الجنس، و الثاني على مجرد الاثنينية.
قال: و هذا الحكم في قوله تعالى: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ (هود:40) في دخول اِثْنَيْنِ في حد الوصف إلاّ أنّ من قرأ بتنوين «كلّ» فإنه حذف المضاف إليه، و جعل التنوين عوضا عنه، و زَوْجَيْنِ مفعول اِحْمِلْ (هود:40) أو فَاسْلُكْ (2)و اِثْنَيْنِ (المؤمنون:27) نعت. و مِنْ يحتمل أنه متعلق بفعل الأمر، و يحتمل أن يتعلق بمحذوف، لكونه حالا من نكرة تقدم عليها؛ و التقدير: احمل أو اسلك فيها زوجين اثنين من كل صنف.
و من قرأ بإضافة كُلٍّ (3)احتمل وجهين: أحدهما أن تجعل: اِثْنَيْنِ (4)المفعول، و الجار 436/2 و المجرور متعلق بفعل الأمر المحذوف كما تقدم. و الثاني جعل مِنْ زائدة على رأي الأخفش، و كُلٍّ هي المفعول و اِثْنَيْنِ صفة».
-الخامس: أنه بدل، و ينوى بالأول الطّرح، و اختاره النّيلي (5)في «شرح الحاجبية» قال:
لما فيه من حسم مادة التأويل. و نظير السؤال في الآية قوله [تعالى] (6): فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ (النساء:176) فإن مروان بن سعيد (7)المهلّبي سأل أبا الحسن الأخفش، فقال: ما الفائدة في هذا الخبر؟ أراد مروان أن لفظ كانَتَا تفيد التثنية، فما فائدة تفسيره الضمير المسمى باثنتين، مع أنه لا يجوز «فإن كانتا ثلاثا» و لا فوق ذلك، فلم يفصّل الخبر الاسم في شيء؟ فأجاب (8)أبو الحسن؛ بأنه أفاد العدد المحض مجردا عن الصفة (9)،أي قد كان يجوز).
1) ساقطة من المخطوطة.
2) في المخطوطة (اسلك).
3) قرأ حفص (من كل) بالتنوين في (كل) و قرأ الباقون بغير تنوين فيهما (مكي، التبصرة:223)
4) في المخطوطة (الاثنين).
5) هو محمد بن الحسن الرؤاسي النيلي، تقدم التعريف به في 402/2.
6) ليست في المخطوطة.
7) تصحف الاسم في المخطوطة و المطبوعة إلى مروان بن سعد، و التصويب من معجم الأدباء 146/19، و هو مروان بن سعيد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة المهلبي، أحد أصحاب الخليل بن أحمد المتقدمين في النحو المبرّزين فيه. و ما جرى بينه و بين الأخفش نقله الحريري في درة الغواص ص 17.
8) في المخطوطة (و أجاب).
9) في المخطوطة (القصة).
أن يقال:«فإن كانتا صغيرتين فلهما كذا» أو «كبيرتهن فلهما كذا» أو «صالحتين» أو غير ذلك من الصفات، فلما قال: اِثْنَتَيْنِ أفهم أن فرض الثلثين (1)تعلق بمجرد كونهما اثنتين فقط (2)، و هي فائدة لا تحصل من ضمير المثنى. و معناه أنهم كانوا في الجاهلية يورّثون البنين دون البنات، و كانوا يقولون: لا نورّث إلا من يحمل الكلّ و ينكئ العدوّ؛ فلما جاء الإسلام بتوريث البنات أعلمت الآية (3)أن العبرة في أحد الثلثين من الميراث منوط بوجود اثنتين من الأخوات، من غير اعتبار أمر زائد على العدد. قال الحريري (4):و لقد (5)أبدع مروان في استنباطه و سؤاله، و أحسن أبو الحسن في كشف إشكاله! و لقد (6)نقل ابن الحاجب في «أماليه» (7)هذا الجواب عن أبي علي الفارسي (8)-و قد بيّنا أنه من كلام الأخفش-ثم اعترض عليه بأنّ اللفظ و إن كان صالحا لإطلاقه [على المثنى] (9)437/2 مجردا عن الصفات لا يصحّ إطلاقه خبرا دالا على التجريد من الصفات، و إنما يعنى باللفظ ذاته الموضوعة له؛ أ لا ترى أنك إذا قلت:«جاءني رجل»، لا يفهم إلا ذات، من غير أن يدلّ على تجريد[147/أ] عن مرض أو جنون أو عقل، فكذلك «اثنين» لا تدل إلا على مسمى «اثنتين» فقط فلم يستفد (10)
(11-11) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
منه شيء زائد على المستفاد من ضمير التثنية.ثم لو سلم صحة إطلاق اللفظ كذلك فلا يصحّ هاهنا؛ إذ لو صحّ لجاز أن يقال:«فإن (11)[كانتا على أي صفة حصل» و لو قيل ذلك لم يصحّ، لأن تثنية الضمير في] (11)كانَتَا عائد (11)).
1) العبارة في درة الغواص:(الثلثين للاختين).
2) عبارة الحريري:(فقط على أي صفة...).
3) في المخطوطة (علمت الأمة).
4) هو القاسم بن علي بن محمد الحريري، تقدمت ترجمته في 164/1. و انظر قوله في كتابه درة الغواص ص 17.
5) عبارة الحريري:(و لعمري قد...).
6) في المخطوطة (و قد).
7) كتاب «الأمالي النحوية» لابن الحاجب أبي عمرو عثمان بن عمر بن يونس تقدم التعريف به في 511/1.
8) هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو علي الفارسي، تقدم ذكره في 375/1.
9) ساقطة من المخطوطة.
10) تصحفت في المخطوطة إلى (يفسد).
11) في المخطوطة (عائدا).
على الكلالة [و الكلالة] (1)تكون واحدا و اثنين و جماعة (2)فإذا أخبر باثنتين حصلت به فائدة.
ثم لما كان الضمير (3)الذي في «كانتا» العائد (4)
(5-5) ساقط من المخطوطة.
على الكلالة هو في معنى اثنين صحّ أن [تثنيه لأن] (5) تثنيته فرع عن الإخبار [باثنين] (5)؛إذ لو لاه لم يصح أنه لم تستفد التثنية إلا من اثنين.و قد أورد على ذلك اعتراض آخر؛ و هو أن هذه الآية مماثلة لقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ (النساء:11) ثم قال: فَإِنْ كُنَّ نِساءً (النساء:11) وَ إِنْ كانَتْ واحِدَةً (النساء:11) و لو كان على ما ذكرتم لوجب أن يصح إطلاق الأولاد على الواحد كما في الكلالة، و إلا لكان الضمير لغير مذكور! و الجواب بشيء يشمل (5)الجميع؛ و هو أن الضمير قد يعود على الشيء باعتبار المعنى الذي سيق إليه و نسب إلى صاحبه؛ فإذا قلت: إذا جاءك رجال، فإن كان واحدا (6)فافعل به كذا، و إن كان اثنين فكذا؛ صح إعادة الضمير باعتبار المعنيين؛ لأن المقصود الجائي، و كأنك قلت: و إن كان الجائي من الرجال؛ لأنه علم من قولك:«إذا جاءك» (7)
(10-10) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
و الآية سيقت لبيان 438/2 (10)[الوارثين الأولاد؛ فكأنه قيل:«فإن كان] (10) الوارث من الأولاد»؛ لأنّه المعنى الذي سيق له الكلام، فقد دخلت «الاثنان» باعتبار هذا المعنى.و يجوز أن تبقى الآية الأولى على ما ذكرنا و يختص هذا الجواب بهذه.
(قلت): و في هذه الآية ثلاثة أجوبة [أخر] (8):
-أحدها: أنه كلام محمول على المعنى أي:«فإن كان من ترك اثنتين» و هذا مقيّد؛ة.
فأضمره على ما بعده، و «من» يسوغ معها ذكر الاثنين؛ لأنه لفظ مفرد يعبّر به عن الواحد و الاثنين و الجمع؛ فإذا وقع (1)الضمير موقع «من» جرى مجراها في جواز الاخبار عنها بالاثنين.
-الثاني: أن يكون من الأشياء التي جاءت على أصولها المرفوضة؛ كقوله تعالى:
اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ (المجادلة:19) و ذلك أنّ حكم الاعداد فيما دون العشرة أن تضاف إلى المعدود؛ كثلاثة رجال، و أربعة أبواب (2)،فكان القياس أن يقول: اثنين (3)رجل، و واحد رجل؛ و لكنهم رفضوا ذلك لأنك تجد لفظة تجمع العدد و المعدود، فتغنيك عن إضافة أحدهما إلى الآخر؛ و هو قولك (4):رجلان و رجل؛ و ليس كذلك [لأنك تجد] (5)ما فوق الاثنين؛ أ لا ترى أنك إذا قلت: ثلاثة، لم يعلم المعدود ما هو؟ و إذا قلت: رجال، لم يعلم عددهم ما هو؟ فأنت مضطر إلى ذكر [العدد] (6)و المعدود، فلذلك (7)قيل: كان (8)الرجال ثلاثة و لم يقل: كان الرجلان اثنين، و لا الرجلان كانا اثنين، فإذا استعمل (9)شيء من ذلك كان استعمالا للشيء المرفوض؛ كقوله:
ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل (10)
(فإن قيل): كيف يحمل القرآن عليه؟ و إنما هو في الشعر؟(قيل): إنا وجدنا في القرآن 439/2 أشياء جاءت على الأصول المرفوضة «كاستحوذ»[و نظائرها] (11).
-الثالث: أن المراد «فإن كانتا اثنتين فصاعدا»، فعبّر بالأدنى عنه و عما فوقه. قاله ابنة.
1) في المخطوطة (فأوقع) بدل (فإذا وقع).
2) في المخطوطة (أثواب).
3) في المخطوطة (اثني).
4) في المخطوطة (كقولك).
5) ساقطة من المطبوعة.
6) ساقطة من المخطوطة.
7) في المخطوطة (فكذلك).
8) في المخطوطة (لو كان).
9) في المخطوطة (استعملت).
10) هذا عجز بيت لشمّاء الهذلية، و صدره:«كأنّ خصييه من التّدلدل» و هو من شواهد الزمخشري في المفصل ص 184. باب و من أصناف الاسم المثنى و ابن هشام في شذور الذهب ص 599، باب العدد.
11) ساقطة من المخطوطة.
الضائع (1)النحويّ.(قلت): و نظائرها قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ (البقرة:282) فإن الرجولية المثنّاة فهمت من الضمير؛ بدليل: وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ (البقرة:
و أورد بعضهم السؤال في الأول؛(فقال): الضمير في يَكُونا للرّجلين، لأن (الشّهيدين) قيّدا بأنهما من[147/ب] الرجال؛ فكأنّ (4)الكلام:«فإن لم يكن الرجلان رجلين»، و هذا محال.(و أجاب بعضهم) بما أجاب به الأخفش في آية المواريث (5):إنّ الخبر هنا أفاد العدد المجرّد عن الصفة. و هذا ضعيف؛ إذ وضع فيه «الرّجلين» موضع «الاثنين»، و هو تجوّز بعيد؛ و الذي ذكره الفارسيّ المجرّد منهما (6)،الرّجولية أو الأنوثية أو غيرها من الصفات؛ فكيف يكون لفظ موضوع لصفة ما دالا على نفيها (7)! 440/2 على أنّ في جواب الفارسي هناك نظرا؛ فإنه لم يزد على أن جعل نفس السؤال جوابا! كأنه قيل: لم ذكر العدد و هو متضمّن للضمير؟ فقال: لأنه يفيد العدد المجرد، فلم يزد الألفاظ تجردا.(قال): و أمّا من أجاب بأن رَجُلَيْنِ منصوب على الحال المبيّنة و «كان» تامة فهو أظرف من الأول، فإنه سئل عن وجه النظم، و أسلوب البلاغة و نفي ما لا يليق بها من الحشو، فأجاب بالإعراب، و لم يجب عن السؤال بشيء؛ و الذي يرد عليه و هو خبر يرد عليه و هو حال، و ما زادنا إلا التكلّف في جعله حالا.
و الذي يظهر في جواب السؤال هو أن شَهِيدَيْنِ لما صحّ أن يطلق على المرأتين بمعنى «شخصين شهيدين» قيده بقوله تعالى: مِنْ رِجالِكُمْ (البقرة:282) ثم أعاد الضمير في قوله).
[تعالى] (1): فَإِنْ لَمْ يَكُونا على «الشهيدين المطلقين»، و كان عوده عليهما أبلغ ليكون نفي الصفة عنهما كما كان إثباتها لهما، فيكون الشرط موجبا و نفيا على الشاهدين (2)المطلقين لأن قوله: مِنْ رِجالِكُمْ كالشرط؛ كأنه قال:«إن كانا رجلين»، و في النظم على هذا الأسلوب من الارتباط و جري الكلام على نسق واحد ما لا خفاء به.
و أما في آية المواريث؛ فالظاهر أنّ الضمير وضع موضع الظاهر اختصارا لبيان المعنى؛ بدليل أنه لم يتقدمه ما يدل عليه لفظا، فكأنه قال:«فإن كان الوارث اثنين»، ثم وضع ضمير الاثنين موضع الوارث الذي هو جنس (3)،لمّا كان المراد به منه «الاثنان» (4).و أيضا فإنّ الإخبار عن الوارث-و إن كان جمعا-باثنين ففيه تفاوت ما (5)لكونه مفرد اللفظ، فكان الأليق بحسن النظم وضع المضمر موضع الظاهر، ثمّ يجري الخبر على من حدث عنه-و هو الوارث- فيجري الكلام في طريقه، مع الإيجاز في وضع (6)المضمر موضع الظاهر، و السلامة من تفاوت اللفظ، في الإخبار عن لفظ مفرد بمثنى.
و نظير هذا-ممّا وقع فيه [اسم موضع] (7)
(8-8) ليست في المخطوطة.
غيره إيجازا ثم جرى الكلام مجراه في الحديث 441/2 عمّن هو له، و إن لم يذكر-قوله [تعالى] (8): وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (الأعراف:4) فعاد هذا الضمير و الخبر على أهل القرية الّذين أقيمت القرية في الذكر [مقامهم] (8)،فجرى الكلام مجراه مع حصول الإيجاز في وضع القرية موضع أهلها، و فهم المعنى بغير (8)كلفة؛ و هذه الغاية في البيان يقصّر عن مداها [بيان] (9)الإنسان.و منها قوله تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (الحاقة:13) قال ابنة.
عمرون (1):[لما] (2)فهم منها التأكيد ظنّ بعضهم أنها ليست بصفة. و ليس بجيّد؛ لأنها دلالة (3)على بعض أحوال الذات، و ليس في واحِدَةٌ دلالة على نفخ، فدلّ على أنها ليست تأكيدا (4)[148/أ][انتهى] (5)
(6-6) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
.و في فائدة واحِدَةٌ خمسة أقوال:
-أحدها: التوكيد، مثل قولهم:«أمس الدابر».
-الثاني: وصفها ليصح أن تقوم مقام الفاعل (6)[لأنها مصدر و المصدر لا يقوم مقام الفاعل] (6) إلا إذا وصف. و ردّ بأن تحديدها بتاء التأنيث مصحّح لقيامها مقام الفاعل.
-الثالث: أن الوحدة لم تعلم من «نفخة» إلا ضمنا و تبعا، لأن قولك:«نفخة» يفهم منه أمران: النفخ و الوحدة، فليست «نفخة» موضوعة للوحدة، فلذلك صحّ وصفها.
-الرابع: وصفه النفخة بواحدة لأجل توهم (6)
(9-9) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
الكثرة، كقوله تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّهِ لا تُحْصُوها (إبراهيم:34) فالنعمة في اللفظ واحدة و قد علّق عدم الإحصاء بعدّها.-الخامس: أتى بالوحدة ليدلّ على أن النفخة لا اختلاف في حقيقتها، فهي واحدة بالنوع، كقوله: وَ ما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ (القمر:50) أي لا اختلاف في حقيقته. و منها قوله تعالى: وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ (البقرة:163)، (9)[قيل: ما فائدة إِلهٌ ؟و هلاّ جاء «و إلهكم واحد»] (9)و هو أوجز؟ قيل: لو قال:«و إلهكم واحد» لكان ظاهره إخبارا عن كونه واحدا في إلهيته، يعني لا إلهة.
1) هو محمد بن محمد بن أبي علي جمال الدين بن عمرون، أبو عبد الله الحلبي النحوي. ولد سنة 596 ه. و سمع من ابن طبرزد، و أخذ النحو عن ابن يعيش و غيره، و برع فيه و تصدر لإقرائه، و تخرّج به جماعة، و جالس ابن مالك، و أخذ عنه البهاء بن النحاس، و روى عنه الشرف الدمياطي. من تصانيفه: «شرح المفصّل». ت 649 ه (بغية الوعاة 231/1).
2) ساقطة من المخطوطة.
3) في المخطوطة (دالا).
4) في المخطوطة توكيدا.
5) ساقطة من المخطوطة.
6) كذا عبارة الأصول، و لعل العبارة تقتضي وجود كلمة (نفي) قبل (توهم) كي يستقيم المعنى، فتأمّل.
غيره و [إن] (1)لم يكن إخبارا عن توحده في ذاته، بخلاف ما إذا كرّر ذكر الإله (2)،و الآية إنما سيقت لإثبات أحديّته في ذاته، و نفي ما يقوله النصارى: إنه إله واحد و الأقانيم ثلاثة، أي الأصول، كما أن زيدا واحدا و أعضاؤه متعدّدة، فلما قال: إِلهٌ واحِدٌ دلّ على أحدية الذات و الصفة. و لقائل أن يقول: قوله: واحِدٌ يحتمل الأحدية في الذات و الأحدية في الصفات، سواء ذكر «الإله» أو لا، فلا يتم الجواب.
و منهما قوله [تعالى] (3): وَ مَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى (النجم:20) و معلوم بقوله: اَلثّالِثَةَ أنها اَلْأُخْرى ،و فائدته التأكيد. و مثله على رأي الفارسي: وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (النجم:50).
و أما قوله: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ (النحل:26)(قيل): بمعنى «عن» أي خرّ (4)عن كفرهم باللّه؛ كما تقول: اشتكى فلان عن دواء شربه؛ أي من أجل كفرهم. أو بمعنى اللام، أي فخرّ لهم،(و قيل): لأن العرب لا تستعمل لفظة «على» في مثل هذا الموضع إلا في الشرّ و الأمر المكروه، تقول: خربت على فلان ضيعته، كقوله: وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ (البقرة:102) وَ يَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ (آل عمران:78) أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (الأعراف:28) و قيل: لأنه يقال: سقط عليه موضع كذا، إذا كان يملكه، و إن لم يكن من فوقه بل تحته، فدلّ قوله تعالى: مِنْ فَوْقِهِمْ (النحل:26) على الفوقية الحقيقية؛ و ما أحسن هذه المقابلة بالفوقية بما (5)تقدم من قوله: فَأَتَى اللّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ (النحل:26) كما تقول: أخذ برجله فسقط على رأسه.
(السادسة) (6):إذا اجتمع مختلفان في الصراحة و التأويل قدّم (7)الاسم المفرد، ثم الظرف أو عديله، ثم الجملة، كقوله تعالى: اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* وَ يُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلاً وَ مِنَ الصّالِحِينَ (آل عمران:46،45) فقوله وَجِيهاً حال، و كذلك مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ،و قوله يُكَلِّمُ و قوله: مِنَ الصّالِحِينَ ،فهذه).
أربعة أحوال انتصبت عن قوله:(كلمة) (1)و الحال (2)الأولى جيء بها على الأصل اسما صريحا، و الثانية في تأويله (3)،جار و مجرور، و جيء بها هكذا لوقوعها فاصلة في الكلام؛ و لو جيء بها اسما صريحا لناسبت الفواصل، و الثالثة (4)جملة فعلية،[و الرابعة جار و مجرور] (5).
و منه قوله تعالى: وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ (غافر:28)، [148/ب] قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا (المائدة:23) و لمّا كان الظرف فيه شبه من المفرد و شبه من الجملة جعل بينهما. و قد أوجب ابن عصفور (6)ذلك، و ليس كما قال،[فقد قال] (7)تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (المائدة:54) و لا يقال: إن أَذِلَّةٍ بدل لأنه مشتق، و البدل إنما يكون في الجوامد، كما نص عليه هو و غيره. و أما (8)قوله تعالى: وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ (الأنعام:155) فقيل: إنه من تقديم الجملة على المفرد، و يحتمل أن يكون مُبارَكٌ خبرا لمحذوف، فلا يكون من هذا الباب.
(السابعة): في اجتماع التابع و المتبوع أنهم يقدمون المتبوع، فيقولون:«أبيض ناصع» و «أصفر فاقع» و «أحمر قان» (9)و «أسود غربيب»، قال اللّه تعالى: صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها (البقرة:69) و المعنى أن التبع فيه [معنى] (10)زيادة الوصف، فلو قدّم لكان ذكر الموصوف (11)بعده عيبا (12)إلا أن يكون لمعنى أوجب [تقديمه] (13).ة.
1) في المخطوطة (يكلم).
2) في المخطوطة (فالحال).
3) في المخطوطة زيادة كلمة و هي (و الثالثة).
4) في المخطوطة (و الرابعة).
5) العبارة بين الحاصرتين ساقطة من المخطوطة.
6) هو علي بن مؤمن بن محمد، أبو الحسن بن عصفور، تقدم التعريف به في 466/1.
7) ساقط من المخطوطة.
8) في المخطوطة (أما).
9) في المخطوطة (قاني).
10) ساقطة من المخطوطة.
11) في المخطوطة (المتبوع).
12) في المخطوطة (عيالا) بدل (عيبا إلا).
13) ساقطة من المخطوطة.
و قد أشكل على هذه القاعدة قوله تعالى: وَ غَرابِيبُ سُودٌ (فاطر:27) و هي من الآيات التي صدئت (1)فيها الأذهان الصقيلة، و عادت بها أسنّة الألسنة مفلولة؛ و من جملة العجائب أن شيخا أراد أن يحتج على مدرس لما ذكر له هذا السؤال، فقال: إنما ذكر السّواد لأنه قد يكون في الغربان (2)ما فيه بياض، و قد رأيته ببلاد المشرق (3)!فلم يفهم من الآية إلا أن الغرابيب هو الغراب، و لا قوة إلا باللّه! و الذي يظهر في ذلك أن الموجب لتقديم (الغرابيب) هو تناسب الكلم و جريانها على 445/2 نمط (4)متساوي التركيب، و ذلك أنه لمّا تقدم البيض و الحمر دون إتباع كان (5)كان الأليق بحسن النّسق و ترتيب النظام أن يكون «السود» كذلك؛ و [لكنه] (6)لما كان في [هذا] (7)«السّود» هنا زيادة الوصف، كان الأليق في المعنى أن يتبع بما يقتضي ذلك، و هو الغرابيب، فيقابل حظ (8)اللفظ و حظ المعنى، فوفّى (9)الخطاب و كمل الغرضان جميعا؛ و لم يطرح أحدهما الآخر، فيقع (10)النقص من جهة الطرح، و ذلك بتقديم «الغرابيب» على «السود» فوقع (11)في لفظ «الغرابيب» حظ المعنى في زيادة الوصف. و في ذكر «السود» مفردا من الإتباع حظّ اللفظ؛ إذ جاء مجردا عن صورة البيض و الحمر؛ فاتسقت الألفاظ كما ينبغي، و تمّ المعنى كما يجب، و لم يخلّ بواحدة من الوجهين، و لم يقتصر على «الغرابيب» و إن كانت متضمنة لمعنى «السود» لئلا (12)[تتنافر] (13)الألفاظ،[فإن ضمّ] (14)الغرابيب إلى البيض و الحمر و لزّها (15)في قرن واحد:
كابن اللبون إذا ما لزّ في قرن (16)
ذات المواعيس (الديوان:250).
).1) في المخطوطة (صدت).
2) تصحفت في المخطوطة إلى (الغربان سود ما).
3) في المخطوطة (الشرق).
4) في المخطوطة (لفظ).
5) في المخطوطة (و كان).
6) ساقطة من المخطوطة.
7) ساقطة من المطبوعة.
8) تصحفت في المخطوطة إلى (غيظ).
9) في المخطوطة (فقوى).
10) في المخطوطة (فوقع).
11) في المخطوطة (فوفى).
12) في المخطوطة (دليلا).
13) ساقطة من المخطوطة و في موضعها بياض.
14) ساقطة من المخطوطة.
15) في المخطوطة (ذكرها).
16) صدر بيت عجزه لم يستطع صولة البزل القناعيس و هو لجرير من قصيدة مطلعها: حيّ الهذملة من
[و ذلك] (1)غير مناسب لتلاؤم الألفاظ و تشاكلها، و بذكر (2)السود وقع الالتئام و اتّسق نسق النظام، و جاء اللفظ و المعنى في درجة التمام، و هذا لعمر اللّه من العجائب التي تكلّ (3)دونها العقول؛ و تعيا بها الألسن لا تدري ما تقول! و الحمد [للّه] (4).
ثم رأيت أبا القاسم السهيلي (5)،أشار إلى معنى غريب، فنقل عن أبي حنيفة الدينوريّ (6)أن «الغربيب» اسم لنوع من العنب و ليس بنعت، قال: و من هذا يفهم معنى الآية، و سُودٌ عندي بدل لا نعت، و إن كان «الغربيب» إذا أطلق لفظه و لم [يقيد] (7)بذكر (8)شيء موصوف قلّما يفهم منه العنب الذي هو اسمه خاصة، فمن ثمّ حسن التقييد.
(الثامنة): إذا تكررت النعوت لواحد، فتارة يترك العطف، كقوله: وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ* هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ (القلم:10-11) و تارة تشترك بالعطف كقوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوّى* وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (الأعلى:1-3)[149/أ] و يشترط في ذلك اختلاف معانيها (9)،قال الزمخشري و أبو البقاء (10)
(11-11) ساقطة من المخطوطة.
:دخول العاطف يؤذن بأنّ كلّ صفة مستقلة [انتهى] (11).و العطف أحسن [إن] (11)تباعد معنى الصفات نحو: [هُوَ] 13الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّاهِرُ وَ الْباطِنُ (الحديد:3) و إلا فلا.(التاسعة): فصل الجمل في مقام المدح و الذمّ أبلغ من جعلها نمطا واحدا قال أبوة.
1) ساقطة من المطبوعة.
2) في المخطوطة (و ذكر).
3) في المخطوطة (تكمل).
4) لفظ الجلالة ليس في المخطوطة.
5) هو عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي تقدّم في 242/1.
6) هو أحمد بن داود بن وتند، أبو حنيفة الدّينوريّ: أديب نحوي أخذ عن البصريين و الكوفيين، و أكثر أخذه عن ابن السكيت و كان نحويا مهندسا منجما حاسبا راوية، ثقة فيما يرويه و يحكيه. من تصانيفه كتاب «النبات» و «الشعر و الشعراء» و «الفصاحة» ت 282 ه (معجم الأدباء 26/3).
7) ساقطة من المخطوطة.
8) في المخطوطة (يذكر).
9) في المخطوطة (معانيهما).
10) هو عبد الله بن الحسين بن عبد الله، أبو البقاء العكبري، تقدم في 159/1.
علي الفارسيّ: إذا ذكرت صفات في معرض المدح و الذم، فالأحسن أن يخالف في إعرابها؛ لأن المقام يقتضي الإطناب، فإذا خولف في الإعراب كان المقصود أكمل لأنّ المعاني عند الاختلاف تتنوع (1)و تتفتن، و عند الإيجاز تكون نوعا واحدا.
و مثله (2)في المدح قوله: وَ الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ 447/2 وَ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَ الْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ (النساء:162) فانتصب اَلْمُقِيمِينَ على القطع، و هو من صفة المرفوع الذي هو اَلْمُؤْمِنُونَ .و قيل: بل انتصب بالعطف على قوله: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ (النساء:162) و هو مجرور، و كأنه قال:«يؤمنون بالذي أنزل إليك و بالمقيمين» أي بإجابة المقيمين، و الأوّل أولى، لأن الموضع للتفخم فالأليق به إضمار الفعل، حتى يكون الكلام جملة لا مفردا.
و مثله قوله تعالى: وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ إلى قوله: وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصّابِرِينَ (البقرة:177) نصّ عليه سيبويه (3).و جوّز السّيرافي (4)أن يحمل على قوله: وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى (البقرة:177) إلى أن قال: وَ الصّابِرِينَ و ردّه الصفّار (5)بأنه لا يعطف على الموصول قبل تمام الصلة (6)،و إن كان وَ الصّابِرِينَ معطوفا على وَ السّائِلِينَ فهو من صلة «من» فكذلك المعطوف عليه (7).
و الصواب أن يكون المعطوف من صلة «من» (8)،و تكون الصلة كملت (9)عند قوله 448/2 تعالى: وَ آتَى الزَّكاةَ (البقرة:177) ثم أخذ في القطع. و مثاله في الذم: وَ امْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ (المسد:4) بنصب حَمّالَةَ .).
1) تصحفت في المخطوطة إلى (تينون).
2) في المخطوطة (و مثاله).
3) انظر الكتاب 63/2 (بتحقيق عبد السلام محمد هارون)، باب ما ينتصب على التعظيم و المدح.
4) هو الحسن بن عبد الله بن المرزبان، أبو سعيد السيرافي تقدم التعريف به في 414/1.
5) هو القاسم بن علي البطليوسي الصفّار، تقدم التعريف به في 451/2.
6) في المخطوطة (صلته).
7) هذه المسألة وردت في إعراب القرآن للنحاس 281/1، يردّ فيها النحاس على الكسائي.
8) تصحفت في المخطوطة إلى (شيء).
9) في المخطوطة (كما كانت).
*(الأول): إنما يحسن القطع بشرطين:
(أحدهما): أن يكون [الموصوف] (1)معلوما، أو منزّلا منزلة المخاطب لا يتصور عنده البناء على مجهول. و قولنا «أو منزّلا منزلة المعلوم» لا بد منه. و قال الزمخشري (2)في قوله تعالى: اَلَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ (الفرقان:2): رفع على الإبدال من اَلَّذِي نَزَّلَ (الفرقان:1) أو رفع على المدح، أو نصب عليه. قال الطيبي (3):«و الإبدال أولى، لأنّ من حقّ صلة الموصول أن تكون معلومة عند المخاطب، و كونه تعالى: نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ (الفرقان:1) لم يكن معلوما للعالمين، فأبدل بقوله: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ بيانا و تفسيرا و تبيّن (4)
(5-5) عبارة المطبوعة (أن المنزل بمنزلة المعلوم منزلة المعلوم).
لك المدح».(و جوابه): ما ذكرنا أن (5) المنزّل منزلة المعلوم بمنزلة المعلوم (5)،و هاهنا لقوة دليله أجري مجرى المعلوم، و جعلت صلة (5)،نص عليه سيبويه و الجمهور.
(و ثانيهما): أن يكون الصفة للثناء و التعظيم.
(و شرط بعضهم ثالثا): و هو تقدم الإتباع،[حكاه] (6)ابن بابشاذ (7).
و زيّفه الأستاذ أبو جعفر بن الزّبير (8)،و قال: إنما يتمّ ذلك إذا كان الموصوف يفتقر إلى
1) ساقطة من المخطوطة.
2) الكشاف 88/3.
3) هو الحسن بن محمد بن عبد الله الطّيبي-بكسر الطاء-الإمام المشهور، العلامة في المعقول و العربية و المعاني و البيان، قال ابن حجر:«كان آية في استخراج الدقائق من القرآن و السنن» صنف «شرح الكشاف» و «التبيان في المعاني و القرآن» و «شرح المشكاة». ت 743 ه (بغية الوعاة 522/1).
4) في المخطوطة (و بين ذلك) بدل (و تبين لك).
5) في المخطوطة (صلته).
6) ساقطة من المخطوطة.
7) هو طاهر بن أحمد بن بابشاذ أبو الحسن المصري النحوي اللغوي. ولّي متأمّلا-مصحّحا-في ديوان الإنشاء يتأمل ما تصدر منه من السجلات و الرسائل فيصلح ما فيها من خطأ، تزهّد في آخر عمره. من تصانيفه «شرح جمل الزجاجي» و «شرح النخبة» و «التعليق في النحو» ت 469 ه (معجم الأدباء 17/12).
8) هو أحمد بن إبراهيم أبو جعفر بن الزبير، تقدم التعريف به في 130/1، و انظر قوله في ملاك التأويل 20/1 في الحاشية.
زيادة بيان، فحينئذ يتقدم الإتباع ليستحكم العلم بالموصوف؛ أما إذا كان معلوما فلا يفتقر إلى زيادة بيان. قال: و الأصل-فيما الصفة فيه مدح أو ذم و الموصوف معلوم-قطع الضمير، و هو (1)الأفصح، و لا يشترط غير ذلك.
و قد أورد على دعوى أفصحيّة (2)القطع عند ذلك إجماع[149/ب] القراء السبعة على الإتباع في قوله تعالى: اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* اَلرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، فضعّفوا قراءة النصب (3)على القطع مع حصول شرطي القطع. و أجاب ابن الزبير (4)بأنّ اختيار القطع مطّرد ما لم تكن الصفة خاصّة بمن جرت عليه! لا يليق و لا يتّصف بها سواه. و لا شكّ أن هذا الضرب قليل جدّا، فكذلك لم يفصح سيبويه باشتراطه، فإذا كانت الصفة ممن (5)لا يشارك فيها الموصوف غيره، و كانت مختصة بمن جرت عليه، فالوجه فيها الإتباع.
و نظير ذلك في صفات اللّه سبحانه و تعالى مما يتصف به غيره؛ فلذلك (6)لم يقطع، و عليه ورد السماع لهذه الآيات الشريفة. و كذلك قوله [تعالى] (7): حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ (غافر:1-3) لمّا (8)كان وصفه تعالى ب غافِرِ الذَّنْبِ و ما بعده لا يليق بغيره، لم يكن فيه إلا الإتباع، و الإتباع لا يكون إلا بعد القطع (9)،و يلزم الإتباع في الكل. و هذا مع تكرر الصفات، و ذلك من مسوّغات القطع على صفة ما، و عند بعضهم من غير تقييد بصفة.
و أما الإتباع فيما لم يقع فيه الاختصاص من صفته تعالى فكثير؛ فهذا هو السماع،450/2 و له وجه في القياس، و هو شبيه بالوارد في سورة و النجم، في قوله [تعالى]: وَ أَنَّهُ هُوَ).
1) في المخطوطة (إنه).
2) في المخطوطة (فصحه).
3) و هي قراءة المطوعي، قرأ:(مالك) نصبا على القطع أو منادى مضافا توطئة لإياك نعبد و الجمهور بالكسر (اتحاف فضلاء البشر:122).
4) انظر ملاك التأويل 21/1 في الحاشية.
5) تصحفت في المخطوطة إلى (تمكن).
6) في المخطوطة (فكذلك).
7) ليست في المخطوطة.
8) في المخطوطة (فمن).
9) في المخطوطة (قطع).
أَضْحَكَ وَ أَبْكى* وَ أَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَ أَحْيا (النجم:44،43) ثم قال بعد: وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَ أَقْنى* وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (النجم:49،48) فورد في هذه الجمل الأربع الفصل بالضمير المرفوع بين اسم إنّ و خبرها، ليتحدّد (1)بمفهومه نفي الاتصاف عن غيره تعالى (2)بهذه الأخبار، و كان الكلام في قوة (3)أن لو قيل «و أنه هو لا غيره». و لم يرد هذا الضمير في قوله (4)تعالى: وَ أَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى (النجم:45) لأن ذلك مما لا يتعاطاه أحد، لا حقيقة و لا مجازا و لا ادعاء، بخلاف الإحياء و الإماتة، فيما حكاه اللّه تعالى عن نمروذ.
(قلت): و ما ذكره في الجواب يرد عليه قوله تعالى: اَلتّائِبُونَ الْعابِدُونَ... الآية (التوبة:112) و قوله تعالى: أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ... (التحريم:5) الآيات و مما يرد عليه بالنسبة لأوصاف الذم قوله: وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ* هَمّازٍ [مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ] (5)الآية (القلم:10-11) قد (6)جرت كلّها على ما قبلها بالاتباع، و لم يجيء فيها القطع. و قرأ الحسن (7): عُتُلٍّ (القلم:13) بالرفع على الذم، قال الزمخشريّ (8):و هذه القراءة تقوية لما يدلّ عليه بعد ذلك.
*(الثاني): قد يلتبس المنصوب على المدح بالاختصاص، و قد فرّق سيبويه بينهما فيما بيّن؛ و الفرق أنّ المنصوب على المدح أن يكون المنتصب لفظا (9)يتضمن نفسه مدحا؛ نحو «هذا زيد عاقل قومه» و [في] (10)الاختصاص لا يقتضي (11)اللفظ ذلك، كقوله تعالى: رَحْمَتُ اللّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ (هود:73) فيمن نصب أَهْلَ (12).5.
1) في المخطوطة (ليحترز).
2) تصحفت في المخطوطة إلى (قال تعالى).
3) في المخطوطة (فتراه).
4) في المخطوطة (و قوله) بدل (في قوله تعالى).
5) تمام الآية ليس في المطبوعة.
6) في المخطوطة (فقد).
7) في المخطوطة (و قيل حكى الحسن)، و المقصود به الحسن بن يسار البصري، و انظر (إتحاف فضلاء البشر: 421).
8) الكشاف 127/4.
9) في المخطوطة (نظما).
10) ساقطة من المخطوطة.
11) في المخطوطة (إذا لم يقتض) بدل (لا يقتضي).
12) راجع البحر المحيط 245/5.
(العاشرة): يوصف الجمع بالمفرد (1)،قال تعالى: مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَ السَّماواتِ الْعُلى (طه:4) فوصف الجمع بالمفرد. و قال تعالى: وَ لِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (الأعراف:
و إنما حسن وصف الجمع بالمفرد؛ لأن اللفظ المؤنث يجوز إطلاقه على[150/أ] جماعة المؤنث؛ بخلاف [لفظ] (2)
(3-3) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
المذكر (3)[يرد إلى لفظ جماعة المؤنث] (3) و أما قوله تعالى:وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (الفرقان:18) و البور: الفاسد، فقال الرمّاني (3):«هو بمعنى الجمع إلا أنه ترك جمعه في اللفظ؛ لأنه مصدر وصف».
و قد يوصف الجمع بالجمع، و لا يوصف مفرد كل منهما بالمفرد و منه: فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ (القصص:15) فثنى الضمير، و لا يقال في الواحد «يقتتل». و منه: وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ (آل عمران:7) و لا يقال «و أخرى متشابهة».
(الحادية عشرة): قد تدخل الواو على الجملة الواقعة صفة تأكيدا، ذكره الزمخشريّ (4)،و جعل منه قوله تعالى: وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَ لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (الحجر:
و زعم بعضهم أنه لا يؤتى بالواو في الصفات إلا إذا تكررت (6)النعوت، و ليس كذلك،).
و منه قوله تعالى: وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ (الكهف:22) و قوله [تعالى] (1): آتَيْنا مُوسى [وَ هارُونَ] 1الْفُرْقانَ وَ ضِياءً وَ ذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (الأنبياء:48) و تقول: جاءني (1)
(4-4) هو محمد بن محمد بن أبي علي، و قد تقدم التعريف به في 22/3.
زيد و العالم.(الثانية عشرة): الصفة لا تقوم مقام الموصوف إلا على استكراه؛ لأنها إنما يؤتى بها للبيان و التخصيص، أو المدح و الذم، و هذا في موضع الإطالة لا الاختصار، فصار من باب نقص الغرض. و قال ابن عمرون (4):«عندي أن البيان حصل بالصفة و الموصوف معا، فحذف الموصوف ينقص الغرض، و لأنه ربما أوقع لبسا (2)،أ لا ترى أن قولك:«مررت بطويل» يحتمل أنه رجل أو قوس (3)أو غير ذلك، إلا (4)إذا ظهر أمره ظهورا يستغنى به عن ذكره، كقوله تعالى: وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (الصافات:48) قال السخاوي (5):«و لا فرق في صفة النكرة بين أن يذكر معها أو لا». قال ابن عمرون (4):
«و ليس قوله بشيء».
البدل
و القصد به الإيضاح بعد الإبهام، و هو يفيد البيان و التأكيد، أما البيان فإنك إذا قلت:
454/2 «رأيت زيدا أخاك» بيّنت أنك تريد بزيد الأخ لا غير، و أما التأكيد فلأنه على نية تكرار العامل، أ لا ترى إذا قلت:«ضربت زيدا» جاز أن تكون ضربت رأسه أو يده أو جميع بدنه؛
فإذا قلت:«يده» فقد رفعت ذلك الإبهام، فالبدل جار مجرى التأكيد، لدلالة الأول عليه، أو المطابقة (1)كما في بدل الكلّ، أو التضمن كما في بدل البعض، أو الالتزام (2)كما في بدل الاشتمال؛ فإذا قلت:«ضربت زيدا رأسه» فكأنك قد ذكرت الرأس مرتين، مرة بالتضمن و أخرى بالمطابقة، و إذا قلت:«شربت ماء البحر بعضه» فإنه مفهوم من قولك:«شربت ماء البحر» أنك لم تشربه كله فجئت بالبعض تأكيدا.
و هذا معنى قول سيبويه، و لكنه ثنّى (3)الاسم تأكيدا، و جرى (4)مجرى الصفة في الإيضاح، لأنك إذا قلت:«رأيت أبا عمرو زيدا»، «و رأيت غلامك زيدا»، «و مررت برجل صالح زيد»، فمن الناس من يعرفه بأنه غلامك، أو بأنه رجل صالح، و لا يعرف أنه زيد، و على العكس، فلمّا ذكرتهما أثبتّ باجتماعهما المقصود. و هذا معنى قول الزمخشري (5):و إنما يذكر الأول لتجوز التوطئة، و ليفاد (6)بمجموعهما فضل تأكيد و تبيين [150/ب] لا يكون في الإفراد.
و قال ابن السيّد (7):ليس كلّ بدل يقصد به رفع الإشكال الذي يعرض في المبدل (8)منه، بل من البدل ما يراد به التأكيد، و إن كان ما قبله غنيا عنه، كقوله تعالى: وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* صِراطِ اللّهِ (الشورى:53،52)، أ لا ترى أنه لو لم يذكر «الصراط» الثاني لم يشكّ أحد أن الصراط المستقيم هو صراط اللّه. و قد نصّ سيبويه على أن من البدل ما الغرض منه التأكيد، و لهذا جوزوا بدل المضمر من المضمر، كلقيته إياه (9).
انتهى.ن.
1) في المخطوطة (بالمطابقة).
2) في المخطوطة (بالالتزام).
3) تصحفت في المخطوطة و المطبوعة إلى (بنى). و الصواب من كتاب سيبويه 150/1، باب من الفعل يستعمل في الاسم ثم يبدل مكان ذلك الاسم...
4) تصحفت في المخطوطة إلى (أو جاء).
5) انظر المفصّل ص 121. باب البدل.
6) تصحفت في المخطوطة إلى (و ليتفادى).
7) هو عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي تقدم التعريف به في 343/1.
8) في المخطوطة (البدل).
9) تصحفت في المطبوعة إلى (أباه)، و انظر كتاب سيبويه 386/2، باب ما تكون فيه أنت و أنا و نحن.
455/2 و الفرق بينه و بين الصفة أن البدل في تقدير تكرار العامل، و كأنه في التقدير (1)من جملتين؛ بدليل تكرر حرف الجرّ في قوله: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ (الأعراف:75)، و بدليل بدل النكرة [من المعرفة] (2)و المظهر (3)من المضمر، و هذا مما يمتنع في الصفة، فكما أعيدت اللام الجارة في الاسم، فكذلك تكرار العامل الرافع أو الناصب في تقدير التكرار (4)،و هو إن كان كذلك فلا يخرج عن أن يكون فيه تبيين للأول كالصفة.
و قيل لأبي عليّ (5):كيف يكون البدل إيضاحا للمبدل (6)منه، و هو من غير جملته؟ فقال (7):لما لم يظهر العامل في البدل، و إنما دل عليه العامل في المبدل منه، و اتصل البدل بالمبدل منه في اللفظ، جاز أن يوضّحه.
و من فوائد البدل التبيين على وجه المدح فقولك: هل أدلّك على أكرم الناس و أفضلهم؟ فلان، أبلغ من قولك: فلان الأكرم و الأفضل، بذكره مجملا ثم مفصّلا. و قال الأخفش و الواحديّ (8)في بدل البعض من الكلّ، نحو: وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً (آل عمران:97) يسمى هذا بدل البيان؛ لأن الأوّل يدلّ على العموم ثم يؤتى بالبدل إن أريد (9)البعض.
و أعلم أن في كلا البدلين-أعني بدل البعض و بدل الاشتمال-بيانا و تخصيصا للمبدل منه، و فائدة البدل أنّ ذلك الشيء يصير مذكورا مرتين: إحداهما بالعموم، و الثانية بالخصوص.).
و من أمثلته قوله تعالى: اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِراطَ الَّذِينَ (الفاتحة:
6-7).
آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ* رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ (الشعراء:47-48). 456/2 و قوله: لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ* ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ (العلق:15-16) و فائدة الجمع بينهما أن الأولى ذكرت للتنصيص على «ناصية»، و الثانية على علة السفع (1)،ليشمل بذلك ظاهر كلّ ناصية (2)هذه (3)صفتها.
و يجوز بدل المعرفة من المعرفة؛ نحو: اَلصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِراطَ الَّذِينَ (الفاتحة:6-7).
و بدل النكرة من المعرفة، نحو: بِالنّاصِيَةِ* ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ (العلق:15-16).
قال ابن يعيش (4):و لا يحسن بدل النكرة من المعرفة حتى توصف كالآية؛ لأن البيان مرتبط بهما جميعا.
و النكرة من النكرة كقوله [تعالى: إِنَّ] 5لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً* حَدائِقَ وَ أَعْناباً* وَ كَواعِبَ أَتْراباً* وَ كَأْساً دِهاقاً (النبأ:31-34)، فحدائق و ما بعدها (5)بدل من «مفازا».
و منه قوله تعالى: وَ غَرابِيبُ سُودٌ (فاطر:27)، فإن «سود» بدل من «غرابيب» لأن الأصل «سود غرابيب» فغرابيب في الأصل صفة لسود (6)،و نزع الضمير منها، و أقيمت مقام الموصوف، ثم أبدل منها الذي كان موصوفا بها، كقوله تعالى: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً (آل عمران:85). و قوله: وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ (يوسف:20) فهذا بدل نكرة (7)موصوفة من أخرى موصوفة فيها بيان الأولى.).
[151/أ] و مثل (1)إبدال النكرة المجردة من مثلها مجردة و بدل المعرفة من النكرة:
وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* صِراطِ اللّهِ (الشورى:52-53) لأن «صراط اللّه» مبين إلى الصراط المستقيم؛ فإن مجيء الخاص و الأخص بعد العام و الأعم كثير؛ و لهذا المعنى قال الحذّاق في قوله تعالى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ (ق:18): إنه لو عكس فقيل:
«ما يقول من لفظ» لم يجز، لأن القول أخصّ من اللفظ، لاختصاصه بالمستعمل، و اللفظ يشمل (2)المهمل الذي لا معنى له.
و قد يجيء للاشتمال، و الفرق بينه و بين بدل البعض، أن البدل في البعض جرّ في الاشتمال وصفا، كقوله: وَ ما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ (الكهف:63) فإن أَذْكُرَهُ بمعنى «ذكره»؛ و هو بدل من الهاء في (3)أَنْسانِيهُ العائدة إلى الحوت، و تقديره:«و ما أنساني ذكره إلا الشيطان».
و قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ (البقرة:217) ف قِتالٍ بدل من «الشهر» بدل الاشتمال، لأن الشهر يشتمل على القتال و على غيره؛ كما كان زيد يشتمل على العقل و غيره؛ و هو مؤكد لأنهم لم يسألوا عن الشهر الحرام فإنهم يعلمونه، و إنما سألوا عن القتال فيه، فجاء به تأكيدا.
و قوله: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ* اَلنّارِ (البروج:4-5)، فالنار بدل من «الأخدود» بدل اشتمال؛ لأنه يشتمل على النار و غيرها، و العائد محذوف تقديره:«الموقدة فيه».
و من بدل البعض قوله [تعالى] (4): وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً (آل عمران:97) فالمستطيعون بعض الناس، لا كلّهم.
و قال ابن برهان (5):بل هذه بدل كلّ من كلّ، و احتج بأن اللّه لم يكلّف الحج من لا يستطيعه فيكون المراد بالناس بعضهم؛ على حدّ قوله: اَلَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ2.
جَمَعُوا لَكُمْ (آل عمران:173)؛ في أنه لفظ عام أريد به خاص، لأن اَلنّاسُ 458/2 [في] (1)اللفظ الأول لو كان المراد به الاستغراق لما انتظم قوله بعده: إِنَّ النّاسَ ؛فعلى هذا هو عنده مطابق لعدة المستطيعين في كميّتهم، و هم بعض الناس لا جميعهم.
و الصحيح ما صار إليه الجمهور؛ لأن باب البدل أن يكون في الثاني بيان ليس في الأول؛ بأن يذكر الخاصّ بعد العام مبيّنا و موضحا.
و لا بدّ في إبدال البعض من ضمير، كقوله: وَ لَوْ لا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ (البقرة:251). وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ (الأنفال:37).
و قد يحذف لدليل، كقوله: وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ (آل عمران:97)، «منهم»، و هو مراد بدليل ظهوره في الآية الأخرى؛ و هي (2)قوله:
وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ (البقرة:126)، ف مَنْ آمَنَ بدل من أَهْلَهُ ،و هم بعضهم.
و قد يأتي البدل لنقل الحكم عن مبدله (3)،نحو:«جاء القوم أكثرهم (4)،و أعجبني زيد ثوبه». و قال ابن عصفور (5):و لا (6)يصح «غلمانه».
و عدل عن البدل في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (الحجرات:4)، لأنه أريد الاخبار عنهم كلهم في الحال الثاني و هو وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا» (الحجرات:5)، فلو أبدل لأوهم، بخلاف:«إنك أن تقوم خير لك». البدل أرجح.
و البدل في تقدير تكرير العامل و ليس كالصفة، و لكنه في تقدير جملتين بدليل تكرير حرف الجرّ.).
قد (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
(4-4) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
يكرر عامله إذا كان حرف جر، كقوله: وَ مِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ (الأنعام:99)، ف طَلْعِها بدل اشتمال من اَلنَّخْلِ و كرر العامل فيه؛ و هو مِنَ (2)[أول ما يخرج النخل] (2) و قوله تعالى: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا 4[لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ (الأعراف:75)، لِمَنْ آمَنَ ،بدل بعض من كل، من لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ] (4)لأن المؤمنين بعض[151/ب] المستضعفين، و قد كرر اللام.و قوله: وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ (الزخرف:33)، فقوله: لِبُيُوتِهِمْ بدل اشتمال من قوله: لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ .و جعل ابن عطية (2)اللام الأولى للملك و الثانية للاختصاص، فعلى هذا يمتنع البدل لاختلاف معنى الحرفين.
و قوله تعالى: تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا (المائدة:114)، [ف لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا ] (3)بدل من الضمير في لَنا ؛و قد أعيد معه العامل مقصودا به التفصيل.
و منه قراءة يعقوب (4): وَ تَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً، كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا (الجاثية:
28)، قال أبو الفتح:«جاز إبدال الثانية من الأولى، لأن في الثانية ذكر سبب الجثو».
قيل: و لم يظهر عامل البدل إذا كان حرف جرّ، إيذانا بافتقار الثاني إلى الأول، فإن حروف الجر مفتقرة، و لم يظهروا الفعل، إذ لو أظهروه لانقطع الثاني عن الأول بالكلية؛ لأن الكلام مع الفعل قائم بنفسه.
و اعلم أنه لا خلاف في جواز إظهار العامل في البدل إذا كان حرف جرّ كالآيات السابقة؛ فإن كان رافعا أو ناصبا ففيه خلاف، و المجوّزون احتجوا بقوله [تعالى] (5): فَاتَّقُوا اللّهَ وَ أَطِيعُونِ* وَ اتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ* أَمَدَّكُمْ (الشعراء:131-133) فيجوز أنة.
يكون أَمَدَّكُمْ الثاني بدلا من أَمَدَّكُمْ الأول. و قد يكون من إبدال الجملة من الجملة، و تكون الثانية [صلة] (1)«الذي» كالأولى. و يجوز أن تكون الثانية شارحة للأولى، كقولك:«ضربت رأس زيد قذفته (2)بالحجر». ثم (3)
(4-4) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
(7-7) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
قوله تعالى: يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ* اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ (يس:20-21) (4)[أبدل قوله: اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ ] (4)(يس:21) من قوله: اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (يس:20) لأنه أكثر تلطفا في اقتضاء اتباعهم. و قوله تعالى: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً* يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ (الفرقان:68-69) ف يَلْقَ مجزوم بحذف الألف لأنه جواب الشرط، ثم أبدل منه:يُضاعَفْ [لَهُ الْعَذابُ 4] (الفرقان:69) فبيّن بها «الأثام» ما هو.
و ينقسم البدل باعتبار آخر إلى بدل مفرد من مفرد، و جملة، من جملة و قد سبقا، و جملة من مفرد، كقوله تعالى: كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ (آل عمران:59) و قوله:
ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَ ذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (فصلت:
و من إبدال الجملة من المفرد قوله (4)
(10-10) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
تعالى: 10[وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا] 10هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (الأنبياء:3) قال الزمخشري (5):«هذا 461/2 الكلام كلّه في محل نصب (6)،بدلا من اَلنَّجْوَى ».و يبدل الفعل من الفعل الموافق له في المعنى مع زيادة بيان، كقوله تعالى: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً* يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ... (الفرقان:68-69) الآية.).
و الرابع: بدل المفرد من الجملة، كقوله: أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (يس:31)، ف أَنَّهُمْ بدل؛ لأن الإهلاك و عدم الرجوع بمعنى واحد.
فإن قلت: لو كان بدلا لكان معه الاستفهام.
قيل: هو بدل معنويّ.
و قد يكرر البدل كقوله: إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ (التوبة:40)، فقوله: إِذْ هُما [152/أ] بدل من قوله: إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا (التوبة:40)، و قوله: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ (التوبة 40) بدل من [قوله] (1)إِذْ هُما فِي الْغارِ (التوبة:40).
أعربوا آزَرَ من قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ (الأنعام:74) بدلا.
قال ابن عبد السلام: و البدل لا يكون إلا للبيان، و الأب لا يلتبس بغيره، فكيف حسن البدل؟.
و الجواب أن الأب يطلق على الجدّ، بدليل قوله: آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ (يوسف:38)، فقال:«آزر» (2)لدفع توهم المجاز.
هذا كله إذا قلنا: إن «آزر» اسم أبيه لكن في «المعرّب» للجواليقي (3)عن الزّجاج:
1) ليست في المطبوعة.
2) في المخطوطة (إنه).
3) هو موهوب بن أحمد بن محمد أبو منصور الجواليقي إمام في اللغة و النحو و الأدب و هو من مفاخر بغداد، قرأ الأدب على أبي زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي و لازمه و تلمذ له حتى برع في فنه سمع من شيوخ زمانه و أخذ الناس عنه علما جما و له من التصانيف «شرح أدب الكاتب» و «المعرب» و «تتمة درة الخواص» و غيرها ت 539 ه (القفطي، إنباه الرواة 335/3). و كتابه «المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم» طبع بتحقيق إدوارد سخاو في ليبسك عام 1293 ه/1876 م، و طبع بتحقيق أحمد شاكر في القاهرة بدار الكتب المصرية عام 1361 ه/1942 م و أعيد طبعه عام 1390 ه/1969 م. و أعيد نشر الطبعة الأولى بالأوفست في طهران عام 1387 ه/1966 م.(ذخائر التراث العربي 456/1 و انظر قوله في كتابه ص 28-29.
«لا خلاف أن اسم أبي إبراهيم «تارح» و الذي في القرآن يدلّ على أن اسمه آزر و قيل:
«آزر» ذمّ في لغتهم، و كأنه:«يا مخطئ» و هو من العجميّ الذي وافق لفظه لفظ العربيّ، نحو الإزار و الإزرة، قال تعالى: أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ »(الفتح:29).
و على هذا فالوجه الرفع، في قراءة (1)آزَرَ .
عطف البيان
و هو كالنعت في الإيضاح و إزالة الاشتراك الكائن فيه.
و شرط صاحب «الكشاف» فيه أن يكون وضوحه زائدا على وضوح (2)متبوعه (3).
و ردّ ما قاله بأن الشرط حصول زيادة الوضوح بسبب انضمام عطف البيان مع متبوعه؛ لا 463/2 أن (4)الشرط كونه أوضح و أشهر من الأول؛ لأن من الجائز أن يحصل باجتماع الثاني مع الأول زيادة وضوح لا تحصل حال انفراد كل واحد (5)منهما، كما في «خالي» (6)أبو عبد اللّه زيد» مع [أنّ] (7)اللقب أشهر؛ فيكون في كلّ واحد منهما خفاء بانفراده و يرفع بالانضمام (8).
و قال (9)سيبويه: جعل «يا هذا ذا الجمة» (10)عطف بيان مع أن اسم الإشارة أعرف من المضاف إلى ذي اللام.
1) في المخطوطة (القراءة). و هي قراءة يعقوب على أن (آزر) منادى. انظر إتحاف فضلاء البشر ص 211.
2) في المخطوطة (وضوحه).
3) انظر المفصل ص 122-عطف البيان.
4) في المخطوطة (لأن).
5) في المخطوطة (واضح أحد) بدل (واحد).
6) في المخطوطة (جاءني).
7) ساقطة من المخطوطة.
8) في المخطوطة (بانضمام).
9) في المخطوطة (و بأن). تصحيف.
10) تصحفت في المخطوطة إلى (هذه الجملة)، و في المطبوعة إلى (يا هذا الحمد) و التصويب من كتاب سيبويه 189/2-190. باب لا يكون الوصف المفرد فيه إلا رفعا...
و قيل: يشترط أن يكون عطف البيان معرفة.
و الصحيح أنه ليس بشرط، كقولك:«لبست ثوبا جبّة».
و قد أعرب الفارسي: مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ (النور:35) و كذا: فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ (المائدة:89)، و كذلك صاحب (1)«المفتاح» في لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ (النحل:51).
فإن قلت: ما الفرق بينه و بين الصفة؟ قلت: عطف البيان وضع ليدلّ (2)
(3-3) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
على الإيضاح باسم يختص به، و إن استعمل في غير الإيضاح، كالمدح في قوله تعالى: جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ (المائدة:97) (3)[فإنّ اَلْبَيْتَ الْحَرامَ ] (3)عطف بيان جيء به للمدح لا للإيضاح، و أما الصفة فوضعت لتدل على معنى حاصل في متبوعه، و إن كانت في بعض الصور مفيدة للإيضاح للعلم بمتبوعها من غيرها.و كقوله تعالى: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ (سبأ:46)، و قوله [تعالى] (3)آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ (آل عمران:97).
و زعم الزمخشريّ (3)
(7-7) ليست في المخطوطة.
في قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ (الطلاق:6) (7)[أن مِنْ وُجْدِكُمْ ] (7) عطف بيان.و هو مردود؛ فإن العامل إنما يعاد في البدل لا في عطف البيان.
فإن قلت: ما الفرق بينه و بين البدل؟.
قلت: قال أبو جعفر النحاس:«ما علمت أحدا فرّق بينهما إلا ابن كيسان (4)فإن الفرق).
1) هو يوسف بن أبي بكر السكاكي و انظر مفتاح العلوم ص 190.
2) في المخطوطة (البدل).
3) الكشاف 110/4.
4) هو محمد بن أحمد بن كيسان أبو الحسن النحوي، أحد المذكورين بالعلم الموصوفين بالفهم و كان يحفظ مذهب البصريين في النحو و الكوفيين لأنه أخذ عن المبرد و ثعلب، و كان أبو بكر بن مجاهد يقول: أبو الحسن بن كيسان أنحى من الشيخين. يعني ثعلبا و المبرد، و تصانيفه كثيرة منها «غريب الحديث» و «المهذب» و «الوقف و الابتداء» و «القراءات» و غيرها ت 299 ه (القفطي، إنباه الرواة 57/3).
بينهما أن البدل يقرر الثاني في موضع الأول، و كأنك لم تذكر الأول، و عطف البيان أن تقدّر (1)أنك إن ذكرت الاسم الأول لم يعرف إلا بالثاني[152/ب]، و إن ذكرت الثاني لم يعرف إلا بالأول، فجئت بالثاني مبيّنا للأول، قائما له مقام النعت و التوكيد.
قال: و تظهر فائدة هذا في النداء، تقول:«يا أخانا زيد أقبل»، على البدل، كأنك رفعت الأول و قلت:«يا زيد أقبل»، فإن أردت عطف البيان قلت:«يا أخانا (2)زيدا أقبل».
ذكر الخاصّ بعد العام
فيؤتى به معطوفا عليه بالواو للتنبيه على فضله؛ حتى كأنه ليس من جنس العام؛ تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات، و على هذا بنى المتنبي قوله:
فإن تفق الأنام و أنت منهم فإنّ المسك بعض دم الغزال (3)
و ابن الرومي أيضا حيث قال:
كم من أب قد علا بابن ذرا شرف (4)كما علت (5)برسول اللّه عدنان (6)
و حكى الشيخ أثير الدين (7)عن شيخه أبي جعفر بن الزبير (8)أنه كان يقول:«إن هذا العطف يسمى بالتجريد، كأنه جرّد من الجملة و أفرد بالذكر تفصيلا».
و له شرطان ذكرهما ابن مالك: أحدهما كون العطف بالواو، و الثاني كون المعطوف ذا
1) في المخطوطة (يقدر).
2) في المخطوطة (أخا).
3) البيت ختم به قصيدة يرثي بها والدة سيف الدولة و يعزيه بها سنة 337 ه، مطلعها: نعدّ مشرفيّة و العوالي و تقتلنا المنون بلا قتال و هي في ديوانه ص 265-268.
4) تصحفت في المخطوطة إلى (ذي سرف)، و التصويب من مغني اللبيب 118/1.
5) تصحفت في المخطوطة إلى (علا).
6) تصحفت في المخطوطة إلى (عدنانا): و البيت من شواهد مغني اللبيب 118/1 رقم(175). باب حرف الثاء (ثم).
7) هو أبو حيان الأندلسي صاحب تفسير البحر المحيط.
8) هو أحمد بن إبراهيم أبو جعفر بن الزبير تقدم التعريف به في 130/1.
مزية (1)،و حكى قولين في العام المذكور: هل يتناول الخاص المعطوف عليه، أو لا (2)
(3-3) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
(5-5) سقط من المخطوطة.
يتناوله؟ فعلى القول الأول يكون (3)[هذا نظير مسألة:«نعم الرجل زيد» على المشهور فيه؛ و هو الظاهر من لفظ العام، و على الثاني يكون] (3) عطف الخاص قرينة دالة على إرادة التخصيص في العام، و أنه لم يتناوله، و هو نظير بحث الاستثناء في نحو قولك:«قام القوم إلا زيدا» (5)[من أن «زيدا»] (5) لم يدخل في القوم، و قد يتقوى هذا بقوله:يا حبّ (3)ليلى لا تغيّر و ازدد و انم كما ينمو الخضاب في اليد (4)
و إن كان هذا ليس من العطف العام.
و قد أشار الزمخشري (5)إلى القولين في سورة الشعراء. في قوله: فِي جَنّاتٍ وَ عُيُونٍ* وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (الشعراء:147-148).
466/2 و قد يقال: آية الشعراء إنما جاز فيها الاحتمالان (6)من جهة أن لفظ «جنات» وقع بلفظ التنكير، و لم يعم الجنس؛ و أما الآية [السابقة] (7)فالإضافة تعمّ. و [لذلك] (8)لا ينبغي أن يجعل من هذا قوله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمّانٌ (الرحمن:68) أما على قول أبي حنيفة و محمد فواضح، لأنهما يقولان: إن النخل و الرمان ليسا بفاكهة، و أما على قول أبي يوسف فقوله:«فاكهة» مطلق و ليس بعام.
و من أمثلته قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى (البقرة:238)، على القول بأنها إحدى (9)الصلوات الخمس.).
قلنا (1):إن المراد غيرها كالوتر و الضحى و العيد (2)
(3-3) ليست في المخطوطة.
،فليس من هذا الباب.و قوله [تعالى] (3): وَ الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ (الأعراف:170)، مع أن التمسك بالكتاب يشمل كلّ عبادة، و منها الصلاة، لكن خصها بالذكر إظهارا لمرتبتها لكونها عماد الدين.
و قوله [تعالى] (3): مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ (3)(البقرة:
98)، فإن عداوة اللّه راجعة إلى عداوة حزبه، فيكون جبريل كالمذكور أربع مرات، فإنه اندرج تحت عموم ملائكته، و تحت عموم رسله، ثم عموم حزبه، ثم خصوصه بالتنصيص عليه.
و يجوز أن يكون عومل معاملة العدد، فيكون الذّكر ثلاثا، و ذكرهما بعد الملائكة-مع كونهما من الجنس-دليل على قصد التنويه بشرفهما. على أن التفصيل إن كان بسب الإفراد فقد 467/2 عدل (4)للملائكة مثله بسبب الإضافة، و قد يلحظ شرفهما على غيرهما.
و أيضا فالخلاف السابق في أنّ ذكر بعض أفراد العام[153/أ] بعد العام؛ هل يدل على أنه لم يدخل في العامّ فرارا من التكرار أو يدخل؟ و فائدته التوكيد، و [قد] (5)حكاه الروياني (6)في «البحر» من كتاب الوصية. و خرّج عليه ما إذا أوصى لزيد بدينار و بثلث ماله للفقراء، و زيد فقير، فهل يجمع له بين ما أوصى لديه (7)و بين شيء من الثلث على ما أراد الوصيّ؟ وجهان، و الأصح أنه لا يعطى غير الدينار: لأنّه بالتقدير قطع اجتهاد الوصيّ.).
1) في المخطوطة (فإن قلنا).
2) في المخطوطة (أو العيد).
3) الآية في المطبوعة (قل من كان...) و في المخطوطة ضرب على لفظة (قل) و هو الصواب الموافق للقرآن الكريم.
4) في المخطوطة (عدد).
5) ساقطة من المطبوعة.
6) هو عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد أبو المحاسن الروياني ولد سنة 415 ه الفقيه الشافعي، من رءوس الأفاضل في أيامه مذهبا و أصولا و خلافا سمع عبد الفاخر بن محمد الفارسي و تفقه على أبي عبد اللّه الكازوني على مذهب الشافعي، و كان له الجاه العظيم و الحرمة الوافرة، من مصنفاته «بحر المذهب» و «الكافي» و «حلية المؤمن» و غيرها مات شهيدا قتله الملاحدة سنة 502 ه (ابن خلكان، وفيات الأعيان 198/3). و كتابه «بحر المذهب في الفروع» ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون 226/1. و قال:«هو بحر كاسمه».
7) في المخطوطة (له).
قلت: و القول بعدم دخوله تحت اللفظ هو قول أبي علي الفارسيّ و تلميذه ابن جني، و على هذا القول فلا (1)يحسن عدّ هذه الآية من هذا النوع.
و أيضا فإذا اجتمع في الكلام معطوفان (2):هل يجعل الآخر معطوفا على الأول؟ أو على ما يليه؟ وقع في كلام الزمخشري في مواضع من الكشاف تجويز الأمرين.
فذكر (3)في قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ (الأنعام:95)، أن «مخرجا» معطوف على فالِقُ لا على يُخْرِجُ ، فرارا من عطف الاسم على الفعل، و خالفه ابن مالك و أوّله.
و ذكر (4)أيضا في قوله تعالى: إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ (البقرة:210)، على هذه القراءة (5)أنه معطوف على اَللّهُ لأن قضاءه قديم.
و ذكر (6)أيضا في قوله تعالى: اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً (النساء:1)، حاصله أن قوله: يا أَيُّهَا النّاسُ إذا أريد به العموم كان قوله: وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها عطفا على مقدر؛ أي أنشأها و أوجدها، وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً ،يعني خلقكم من نفس هذه صفتها. و إن أريد به المخاطبون بمكة كان قوله: وَ خَلَقَ عطفا على خَلَقَكُمْ ،و موجب ذلك الفرار (7)من التكرار.
و على هذا فيجوز أن يكون «جبريل» معطوفا على لفظ الجلالة، فلا تكون الآية من هذا النوع. و لو سلمنا بعطفه على «رسله» فكذلك؛ لكن الظاهر أن المراد بالرسل من بني آدم لعطفهم على الملائكة، فليسوا منه.
و في الآية سؤالان:).
أحدهما: لم خصّ جبريل و ميكائيل بالذكر؟ الثاني: لم قدّم جبريل عليه؟ و الجواب عن الأول أنه سبحانه و تعالى خصّهما بالحياة، فجبريل بالوحي الذي هو حياة القلوب، و ميكائيل بالرزق الذي هو حياة الأبدان، و لأنهما كانا سبب النزول في تصريح اليهود بعداوتهما.
و [عن] (1)الثاني: أن حياة القلوب أعظم من حياة الأبدان؛ و من ثم قيل:
عليك بالنفس فاستكمل (2)فضائلها فأنت بالنّفس لا بالجسم إنسان 469/2
و منه قوله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمّانٌ (الرحمن:68)، و غلّط بعضهم من عدّ هذه الآية من هذا النوع، من جهة أن «فاكهة» نكرة في سياق الإثبات فلا عموم لها. و هو غلط لأمرين:
أحدهما: أنها في سياق الإثبات، و هو مقتضى العموم؛ كما ذكره القاضي أبو الطيب الطبريّ (3)
(4-4) عبارة المخطوطة (بل كل ما كان في الأول فيه شامل للثاني).
.و الثاني: أنه ليس المراد بالخاص و العام هاهنا المصطلح عليه في الأصول، (4)بل كلّ ما كان الأول فيه شاملا للثاني (4).
و هذا الجواب أحسن من الأول، لعمومه بالنسبة إلى كل مجموع يشتمل على متعدّد.
و لما لمح أبو حنيفة معنى العطف و هو المغايرة لم يحنّث الحالف على أكل الفاكهة بأكل الرمان.
و منه قوله تعالى: وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ [153/ب] إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (آل عمران:104)، إذ الأمر و النهي من جملة الدعاء إلى الخير.).
1) ساقطة من المخطوطة.
2) في المخطوطة (فاستعمل).
3) هو طاهر بن عبد الله بن طاهر. أبو الطيب الطبري القاضي الفقيه الشافعي ولد سنة 348 ه كان ثقة صادقا دينا ورعا عارفا بأصول الفقه و فروعه محققا في علمه. تفقه على أبي علي الزجاجي و أدرك أبا علي الماسرجسي فصحبه و تفقه عليه و حضر مجلس الشيخ أبا حامد الأسفراييني من مصنفاته «شرح مختصر المزني» و صنف في الأصول و المذهب و الخلاف و الجدل. ت 450 ه (ابن خلكان، وفيات الأعيان 512/2).
و قوله تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ،(محمد:
و قوله: وَ لَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَ مَشارِبُ (يس:73).
و قوله: وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا (البقرة:96)، ففائدة قوله: وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا مع دخولهم في عموم الناس، أنّ حرصهم على الحياة أشدّ، لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث.
و قوله: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (البقرة:3)، فهذا عام، وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (البقرة:4)، و إن كان الإيمان بالغيب يشملها، و لكن خصها لإنكار المشركين لها في قولهم ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا (الجاثية:24)، فكان في تخصيصهم بذلك مدح لهم.
و قوله: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (العلق:1)، فعمّ بقوله: خَلَقَ جميع مخلوقاته، ثم خصّ فقال: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (العلق:2).
و قوله تعالى: إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ (الأنعام:145)، فإنه عطف «اللحم» على «الميتة» مع دخوله في عموم الميتة، لأن الميتة كلّ ما ليس له ذكاة شرعية، و القصد به التنبيه على شدة التحريم فيه.
ظاهر كلام الكثيرين تخصيص هذا العطف بالواو، و قد سبق عن ابن مالك و آخرين مجيئه في «أو» في قوله [تعالى]: وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ (النساء:110) (1)[مع أن ظلم 471/2 النفس من عمل السوء؛ فقيل هو بمعنى الواو، و المعنى يظلم نفسه] (1)بذلك السوء حيث دسّاها بالمعصية.
و قوله تعالى: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ (الأنعام:93)؛ فإن الوحي مخصوص بمزيد قبح من بين أنواع الافتراء، خصّ بالذكر تنبيها على مزيد العقاب فيه و الإثم.
(1-1) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
و قوله تعالى: وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ (آل عمران:135)، مع أن فعل الفاحشة داخل فيه، قيل: أريد به نوع من أنواع ظلم النفس؛ و هو الربا، أو كل كبيرة، فخص بهذا الاسم تنبيها على زيادة قبحه؛ و أريد بظلم النفس ما وراء ذلك من الذنوب.
ذكر العام بعد الخاص
و هذا أنكر بعض الناس وجوده؛ و ليس بصحيح.
و الفائدة في هذا القسم واضحة، و الاحتمالان المذكوران في العامّ قبله ثابتان هنا أيضا.
و منه قوله: إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي [وَ مَحْيايَ] (1) (الأنعام:162): و النّسك العبادة؛ فهو أعمّ من الصلاة.
و قوله: أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ وَ أَنَّ اللّهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (التوبة:
78).
و [منه] (1)قوله: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (الحجر:87).
و قوله [تعالى] (1)،إخبارا عن نوح: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ (نوح:28).
و قوله: فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ 472/2 (التحريم:4).
و جعل الزمخشريّ (1)منه قوله تعالى: وَ مَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ (يونس:31) بعد قوله: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ (يونس:31).
و اعلم أن هذين النوعين يقعان في الأفعال و الأسماء (2)لكن وقوعهما في الأفعال لا يأتي إلا في النفي، و أما في الإثبات فليس من هذا الباب؛ بل من عطف المطلق على المقيّد، أو المقيّد على المطلق.
عطف أحد المترادفين على الآخر أو ما هو قريب منه
في المعنى، و القصد منه التأكيد
و هذا إنما يجيء عند اختلاف اللفظ؛ و إنما يحسن[154/أ] بالواو، و يكون في الجمل كقوله: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى* ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (القيامة:35،34).
و يكثر في المفردات كقوله: فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَ ما ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكانُوا (آل عمران:146).
و قوله: فَلا يَخافُ ظُلْماً وَ لا هَضْماً (طه:112)، لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى (طه:
77).
و قوله: ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ (المدثر:22).
و قوله: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللّهِ (يوسف:86).
و قوله: لا تُبْقِي وَ لا تَذَرُ (المدثر:28).
و قوله وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ (النساء:171).
و قوله: لا تَرى فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً (طه:107)؛ قال الخليل: العوج و الأمت بمعنى واحد. و قيل: الأمت أن يغلظ مكان و يرقّ مكان، قاله ابن فارس (1)في «المقاييس» (2)،و هو راجع لما قاله الخليل.
و قوله: أَنّا لا نَسْمَعُ 3سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ (الزخرف:80).
و قوله: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً (المائدة:48).
و قوله: إِلاّ دُعاءً وَ نِداءً (البقرة:171).
1) «معجم مقاييس اللغة» لابن فارس طبع بتحقيق عبد السلام محمد هارون في القاهرة بدار إحياء الكتب العربية عام 1366-1371 ه/1946-1952 م، و أعيد طبعه عام 1389-1392 ه/1969- 1972 م. و عنه صورة بالأوفست بدار الكتب العلمية قم إيران (ذخائر التراث العربي 200/1). و انظر قوله في 137/1 من الكتاب. مادة (أمت).
2) تصحفت إلى (المقابلين).
و فرّق الراغب (1)بين النداء، و الدعاء (2)بأن النداء، قد يقال إذا قيل «يا» أو «أيا» و نحوه من غير أن يضمّ (3)إليه الاسم، و الدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم؛ نحو:«يا فلان».
و قوله: إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا (الأحزاب:67).
و قوله: وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (الأحزاب:12).
و قوله: لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (فاطر:35)، فإن «نصب» مثل 474/2 «لغب» وزنا و معنى و مصدرا.
و قوله: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ (البقرة:157)، على قول من فسّر الصلاة بالرحمة، و الأحسن خلافه، و أن الصلاة للاعتناء و إظهار الشرف، كما قاله الغزاليّ (4)و غيره، و هو قدر مشترك بين الرحمة و الدعاء و الاستغفار، و على هذا فهو من عطف المتغايرين (5).
و قال الزمخشريّ (6)في قوله [تعالى] (7)
(8-8) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
: وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (البقرة:4): إنّهم هم المذكورون أولا؛ و هو من عطف الصفة على الصفة.(8) [و اعترض عليه بأن شرط عطف الصفة على الصفة] (8)تغاير الصفتين في المعنى، تقول:«جاء زيد العالم و الجواد و الشجاع» أي الجامع لهذه المعاني الثلاثة المتغايرة، و لا تقول:«زيد العالم و العالم» فإنه تكرار؛ و الآية من ذلك؛ لأن (8)المعطوف عليه قوله [تعالى] (9): اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (البقرة:3)، و المعطوف قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ (البقرة:4)، و المنزل هو الغيب بعينه.ة.
و يحتمل أن يقال: المعطوف عليه مطلق الغيب، و المعطوف غيب خاصّ، فيكون من عطف الخاصّ على العام.
و جعل منه بعضهم قوله [تعالى] (1): وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ 475/2 رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (فاطر:25)، فإن المراد بالكتاب المنير هو الزّبور، و نقله عن إجماع المفسرين لما تضمنه من النعت، كما تعطف النعوت بعضها على بعض؛ و هذا يردّه تكرار الباء، فإنه يشعر بالفصل، لأن فائدة تكرار العامل بعد حرف العطف إشعار بقوة الفصل من الأول و الثاني، و عدم التجوز في عطف الشيء على نفسه.
و الذي يظهر أنه للتأسيس (2)،و بيانه وجوه:
أحدها أن قوله تعالى: جاءَتْهُمْ يعود الضمير فيه على المكذبين للنّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و على (3)
(4-4) ليست في المخطوطة.
الذين من قبلهم، فيكون النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم داخلا في المرسلين المذكورين، و الكتاب المنير هو القرآن، و قوله [تعالى] (4): ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا (فاطر:26)، معطوف على قوله [تعالى] (4): فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (فاطر:25) أي كذبوا ثم أخذتهم (4)بقيام الحجة عليهم بِالْبَيِّناتِ وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (فاطر:25). و جاء تقديم قيام الحجة عليهم قبل العطف اعتراضا للاهتمام به، و هو من أدق وجوه البلاغة. و مثله في آية آل عمران قوله (5)[تعالى] (6): [وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ] 9فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ الآية(7)(آل عمران:184)، و قوله: جاؤُ انصراف (10) من الخطاب إلى الغيبة، كأنه قال:«جاء هؤلاء المذكورون»، فيكون النبي صلّى اللّه عليه و سلّم داخلا في الضمير؛ و هو في موضع «جئتم بالبينات» فأقام الإخبار[154/ب] عن الغائب مقام المخاطب، كقوله [تعالى] (8): وَ جَرَيْنَ 12 بِهِمْ).
(يونس:22)، و فيه وجه من التعجب؛ كأنّ المخاطب إذا استعظم الأمر رجع إلى الغيبة ليعم الإخبار به جميع الناس، و هذا موجود في الآيتين.
و الثاني: أن يكون على حذف مضاف؛ كأنه قيل:«الكتاب المنير» يعني القرآن، فيكون مثل قوله: وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (الصف:6). 476/2 و هذا وجه حسن.
الأول: أنكر المبرّد هذا النوع، و منع (1)عطف الشيء على مثله؛ إذ لا فائدة فيه، و أوّل ما سبق باختلاف المعنيين؛ و لعله ممن ينكر أصل الترادف في اللغة كالعسكري (2)و غيره.
الثاني: ما ذكرناه من تخصيص هذا النوع بالواو هو المشهور، و قال ابن مالك: و قد أنيبت «أو» عنها، كما في قوله تعالى: نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً (النساء:128)، وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً (النساء:112).
قال شيخنا:«و فيه نظر؛ لإمكان أن يراد بالخطيئة ما وقع خطأ، و بالإثم ما وقع عمدا.
قلت: و يدلّ له قوله [تعالى] (3)قبل ذلك: وَ مَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ (النساء:111).
و جعل (4)منه بعضهم قوله صلّى اللّه عليه و سلّم:«اللّهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك،
1) في المخطوطة (مع).
2) هو الحسن بن عبد الله بن سهل أبو هلال العسكري الفاضل الكامل صاحب التصانيف الأدبية صحب خاله أبا أحمد-و يعرف بالعسكري أيضا-و أخذ عنه فأكثر، و أخذ عن غيره و كان تاجرا كانت له نفس طاهرة ذكية، و تصانيفه في غاية الجودة فمن تصانيفه «الصناعتين» في النظم و النشر و «الفروق» و «النظائر» و غيرها عاش إلى بعد سنة 400 ه (القفطي، إنباه الرواة 189/4) و انظر قوله في كتابه الفروق اللغوية ص 12، في الباب الأول في الإبانة عن كون اختلاف العبارات موجبا لاختلاف المعاني في كل لغة.
3) ليست في المخطوطة.
4) تصحفت في المخطوطة إلى (فإن قيل).
أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك (1)».
قلت: ما ذكره ابن مالك قد سبقه به (2)ثعلب، فيما حكاه ابن سيده (3)في «المحكم»، فقال ثعلب في قوله تعالى: عُذْراً أَوْ نُذْراً (المرسلات:6)[فقال] (4):
العذر و النذر واحد.
قال اللّحياني (5):و بعضهم يثقّل (6).
و عن الفراء: أنه يجرى في العطف بثم، و جعل منه قوله: وَ يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ (هود:52)، قال: معناه: و توبوا إليه، لأن التوبة الاستغفار.
و ذكر بعضهم أنه قد تجرد عن العطف، و جعل منه قوله تعالى: وَ غَرابِيبُ سُودٌ (فاطر:27) و الغرابيب هي السود سُبُلاً فِجاجاً (7)(نوح:20)، اَلرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (الفاتحة:3)، و غير ذلك.
الثالث: مما يدفع و هم التكرار في مثل هذا النوع، أن يعتقد أن مجموع المترادفين).
1) الحديث ورد من طريقين: الأولى عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أخرجه أحمد في المسند 391/1 و 452، و أبو يعلى في المسند 198/9، الحديث 5297/331، مسند عبد الله بن مسعود و ابن السني في عمل اليوم و الليلة ص 133 الحديث(342)، و ابن حبان ذكره ابن بلبان في الإحسان 159/2، ذكر الأمر لمن أصابه حزن... الحديث(968). و الطبراني في كتاب الدعاء، دعاء يذهب الهم و الحزن. و أخرجه البزار (عزاه له الهيثمي في مجمع الزوائد 138/10 و 186). و الحاكم في المستدرك 509/1. و الثانية عن أبي موسى الأشعري أخرجها ابن السني في عمل اليوم و الليلة ص 133(341) باب ما يقول إذا أصابه هم أو حزن.
2) في المخطوطة (إليه).
3) هو علي بن إسماعيل الضرير تقدم التعريف به و بكتابه في 159/1.
4) ساقطة من المطبوعة.
5) هو علي بن المبارك الأحمر اللّحياني النحوي صاحب علي بن حمزة الكسائي كان مؤدب الأمين. و هو من اشتهر بالتقدم في النحو و اتساع الحفظ و جرت بينه و بين سيبويه مناظرة لما قدم بغداد، قال أبو العباس أحمد بن يحيى: كان علي بن المبارك يحفظ أربعين ألف بيت شاهد في النحو سوى ما كان يحفظ من القصائد و أبيات الغريب ت 194 ه (القفطي إنباه الرواة 313/2).
6) في المخطوطة (ينقل).
7) تصحفت في المخطوطة إلى (فجاجا سبلا).
يحصّل معنى لا يوجد عند انفراد أحدهما، فإن التركيب يحدث معنى زائدا؛ و إذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى، فكذلك كثرة الألفاظ.
الإيضاح بعد الإبهام
ليرى المعنى في صورتين، أو ليكون بيانه بعد التشوف إليه، لأنّه يكون ألذّ للنفس و أشرف (1)عندها، و أقوى لحفظها و ذكرها، كقوله تعالى: وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (الحجر:66).
و قوله [تعالى] (2)
(3-3) عبارة المخطوطة (فكفوا فيها ثم فسروا).
: قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ (الإخلاص:1) فإنّ وضع الضمير موضع 478/2 الظاهر معناه البيان أو الحديث، أو الأمر للّه أحد (3)مكفوا بها ثم فسّر (3)،و كان أوقع في النفس من الإتيان به مفسرا من أول الأمر، و لذلك وجب تقديمه. و تفيد به الجملة المراد، تعظيما له (3).و سيأتي عكسه في وضع الظاهر موضع المضمر.
و مثله التفصيل بعد الإجمال، كقوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (التوبة:36).
و عكسه كقوله تعالى: ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (البقرة:196).
و قوله [تعالى] (4): وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (الأعراف:142)، و أعاد قوله: أَرْبَعِينَ و إن كان معلوما من «الثلاثين» و «العشر» أنها أربعون لنفي اللّبس؛ لأن العشر لما أتت بعد الثلاثين، التي هي نصّ في
المواعدة دخلها الاحتمال أن تكون من غير المواعدة، فأعاد ذكر «الأربعين» نفيا لهذا الاحتمال، و ليعلم أن جميع العدد للمواعدة.
و هكذا قوله [تعالى] (1): فَصِيامُ ثَلاثَةِ [155/أ] أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (البقرة:196) أعاد ذكر العشرة، لما كانت الواو تجيء في بعض المواضع للإباحة، و قوله: كامِلَةٌ تحقيق لذلك و تأكيد له.
فإن قلت: فإذا كان زمن المواعدة أربعين فلم كانت «ثلاثين» ثم عشرا؟ أجاب ابن عسكر (2)في «التكميل و الإتمام» (3)بأن العشر إنما فصل من أولئك؛ ليتحدّد قرب انقضاء المواعدة (4)،و يكون فيه متأهبا مجتمع الرأي، حاضر الذهن؛ لأنه لو ذكر «الأربعين» أولا لكانت متساوية؛ فإذا جعل العشر فيها إتماما لها استشعرت النفس قرب التمام، و تجدّد بذلك عزم لم يتقدم.
قال: و هذا شبيه بالتلوم الذي جعله الفقهاء في الآجال المضروبة في الأحكام، و يفصلونه من أيام الأجل؛ و لا يجعلونها شيئا واحدا؛ و لعلهم استنبطوه من هذا.
فإن قلت: فلم ذكر في هذه السورة-أعني الأعراف-الثلاثين ثم العشر، و قال في البقرة: وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (البقرة:51) و لم يفصل العشر منها؟ و الجواب، و اللّه أعلم: أنه قصد في الأعراف ذكر صفة المواعدة و الإخبار عن كيفية وقوعها فذكر على صفتها، و في البقرة إنما ذكر الامتنان (5)على بني إسرائيل بما أنعم به عليهم، فذكر نعمه عليهم مجملة، فقال: وَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ (البقرة:50)، وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ 6مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ (البقرة:49).).
و اعلم أنه يخرج لنا مما سبق جوابان في ذكر العشرة بعد الثلاثة و السبعة؛ إما الإجمال بعد التفصيل، و إما رفع الالتباس، و يضاف إلى ذلك أجوبة:
ثالثها: أنه قصد رفع ما قد يهجس في النفوس، من أنّ المتمتع إنما عليه صوم سبعة 480/2 أيام لا أكثر (1)،ثلاثة منها في الحج، و يكمل سبعا إذا رجع.
رابعها: أن قاعدة الشريعة أن الجنسين في الكفارة لا يجب على المكفّر الجمع بينهما، فلا يلزم الحالف أن يطعم المساكين و يكسوهم؛ و لا المظاهر العتق و الصوم؛ فلما اختلف محلّ هذين الصومين فكانت ثلاثة في الحج و سبعة إذا رجع، صارا باختلاف المحلّين كالجنسين، و الجنسان لا يجمع بينهما. و أفادت هذه الزيادة-و هي قوله: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (البقرة:
196)-رفع ما قد يهجس في النفوس (2)،من أنه إنما (3)عليه أحد النوعين: إما الثلاث و إما السبع.
الخامس: أن المقصود ذكر كمال لا ذكر العشرة، فليست العشرة مقصودة بالذات، لأنها لم تذكر إلا للإعلام بأن التفصيل المتقدّم عشرة، لأن ذلك من المعلوم بالضرورة، و إنما ذكرت لتوصف بالكمال الذي هو مطلوب في (4)القصة.
السادس: أن في الكلام تقديما و تأخيرا، و التقدير: فصيام عشرة أيام: ثلاثة في الحج، و سبعة إذا رجعتم؛ و هذا و إن كان خلاف الأصل، لكنّ الإشكال ألجأنا إليه.
السابع: أن الكفارات في الغالب إنما تجب متتابعة ككفارات الجنايات، و لما فصل هاهنا بين صوم هذه الكفارة بالإفطار قبل صومها بذكر الفدية (5)ليعلم (6)أنها و إنما كانت منفصلة فهي كالمتصلة.
فإن قلت: فكفارة اليمين لا تجب متتابعة، و من جنس هذه الكفارة ما يجب على).
481/2 المحرم إذا حلق ثلاث شعرات، و من عجز عن الفدية فإنه يصوم ثلاثة أيام و لا يشترط التتابع.
قلت: هي في حكم المتتابعة بالنسبة إلى الثواب؛ إلا أن الشرع خفّف بالتفريق.
ثامنها (1):أن السبع قد تذكر و المراد به الكثرة لا العدد؛ و الذي (2)فوق الستة (3)و دون الثمانية، و روى أبو عمرو بن العلاء و ابن الأعرابي عن العرب: سبّع اللّه لك الأجر، أي أكثر ذلك، يريدون التضعيف.
و قال الأزهري (4)في قوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً (التوبة:80):
«هو جمع السبع، الذي يستعمل (5)[155/ب] للكثرة، و إذا كان كذلك فاحتمل أن يتوهم أن المراد بالسبع ما هو أكثر من السبع؛ و لفظها معطوف على الثلاثة بآلة الجمع، فيفضي إلى الزيادة في الكفارة على العدد المشروع، فيجب حينئذ رفع [هذا] (6)الاحتمال بذكر الفذلكة؛ و للعرب مستند قويّ في إطلاق السبع و السبعة، و هي تريد الكثرة ليس هذا موضع ذكره».
تاسعها (7):أن الثلاثة لما عطف عليها السبعة احتمل أن يأتي بعدها ثلاثة أو غيرها من الأعداء، فقيّد بالعشرة ليعلم أن المراد كمل، و قطع الزيادة المفضية للتسلسل.
عاشرها (8):أن السبعة المذكورة عقب الثلاثة يحتمل أن تكون الثلاثة داخلة فيها، كما في قوله: وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ (فصلت:10)، أي مع اليومين اللذين خلق الأرض فيهما، فلا بدّ من اعتقاد هذا التأويل ليندفع ظاهر التناقض، فجاء التقييد بالعشرة لرفع توهم التداخل.
و هذا الجواب أشار إليه الزمخشري (9)و نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام3.
ترجيحه؛ و ردّه (1)ابن أبي الإصبع (2)لأن (3)احتمال التداخل لا يظن إلا بعددين منفصلين لم يأت بهما جملة، فلو اقتصر على التفصيل احتمل ذلك؛ فالتقييد مانع من هذا الاحتمال.
و هذا أعجب منه، فإن مجيء الجملة رافع لذلك الاحتمال.
الحادي عشر: أن حروف السبعة و التسعة مشتبهة، فأزيل الإشكال بقوله: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (البقرة:196) لئلاّ يقرءوها «تسعة»، فيصير العدد اثنى عشر. و نظير هذا قوله صلّى اللّه عليه و سلّم:«إن للّه تسعة و تسعين اسما، مائة إلا واحدا» (4).فإن (5)التأكيد بمائة إلا واحدا (6)،لإزالة إلباس التسعة و التسعين بالسبعة و السبعين لكن مثل هذا مأمون في القرآن؛ لأن اللّه حفظه.
وضع الظاهر موضع المضمر
لزيادة التقرير؛ و العجب أن البيانيين لم يذكروه في أقسام الإطناب.
و منه بيت «الكتاب (7):
إذا الوحش ضمّ الوحش في ظللاتها (8)سواقط من حرّ و قد كان أظهرا (9).
1) في المخطوطة (و ردده).
2) هو عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر الأديب أبو محمد زكي الدين ابن أبي الأصبع العدواني المصري شاعر مشهور إمام في الأدب له تصانيف حسنة في الأدب و شعره رائق من تصانيفه «بدائع القرآن»، و «تحرير التحبير» في علم البديع و «خواطر السوانح في أسرار الفواتح» و غير ذلك ت 654 ه بمصر (الكتبي، فوات الوفيات 363/2).
3) في المطبوعة (بأن).
4) متفق عليه من حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري في الصحيح 377/13، كتاب التوحيد(97)، باب إن لله مائة اسم إلا... (12)، الحديث(7392). و أخرجه مسلم في الصحيح 2063/4، كتاب الذكر... (48)، باب في أسماء الله تعالى... (2)، الحديث(2677/6).
5) تصحفت في المطبوعة إلى (فائدة).
6) تصحفت في المخطوطة إلى (واحد).
7) كتاب سيبويه 63/1. باب ما أجري مجرى ليس في بعض المواضع بلغة أهل الحجاز ثم يصير إلى أصله و البيت للنابغة الجعدي انظر ديوانه ص 74.(طبعة المكتب الإسلامي).
8) في المخطوطة (طلالتها).
9) في المخطوطة (أظهر).
و لو أتى على وجهه لقال:«إذا الوحش ضمّها».
و إنما يسأل عن حكمته إذا وقع في الجملة الواحدة، فإن كان (1)في جملتين مستقلتين كالبيت سهل الأمر، لكنّ الجملتين فيه كالجملة الواحدة، لأن الرافع للوحش الأول فعل محذوف كما يقول (2)البصريون، و الفعل المذكور ساد (3)مسدّ الفعل المحذوف؛ حتى كأنه هو؛ و لهذا لا يجتمعان، و إن قدر رفع الوحش بالابتداء فالكلام جملة واحدة.
و يسهل عند اختلاف اللفظين كقوله:
إذا المرء لم يغش الكريهة أو شكت حبال الهوينى بالفتى أن تقطّعا (4).
فاختلاف لفظين ظاهرين (5)أشبها لفظي الظاهر و المضمر في اختلاف اللفظ؛ و عليه قوله تعالى: وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ (التوبة:61) ثم قال: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ (التوبة:61). و لم يقل:«يؤذونه» مع ما في ذلك من التعظيم، فالجمع بين الوصفين، كقوله في الحديث:«نبيك الذي أرسلت (6)»، و قوله: أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ... (البقرة:106) الآية؛ فإنه قد تكرّر اسم اللّه ظاهرا في هذه الجمل الثلاث، و لم يضمر لدلالته على استقلال كل جملة منها، و أنّها لم تحصل (7)مرتبطة ببعضها ارتباط ما يحتاج فيه إلى إضمار.
و قوله: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ (النساء:
484/2 76)، و فيه (8)دلالة على أن الطاغوت هو الشيطان، و حسن ذلك هنا تنبيها على تفسيره.).
1) في المخطوطة (كانا).
2) في المخطوطة (تقول).
3) في المخطوطة (شاد مثل).
4) البيت للكلحبة اليربوعي انظر المفضليات بشرح ابن الانباري ص 23.
5) عبارة المخطوطة (لفظي الظاهرين).
6) قطعة من حديث عن البراء بن عازب رضي الله عنه، أخرجه البخاري في الصحيح 357/1، كتاب الوضوء(4)، باب فضل من بات على الوضوء(75)، الحديث(247). و أخرجه مسلم في الصحيح 2081/4، كتاب الذكر و الدعاء... (48)، باب ما يقول عند النوم و أخذ المضجع(17) الحديث (56-2710/57).
7) في المخطوطة (يحصل).
8) في المخطوطة (و منه).
و قال ابن السيّد (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
:«إن كان في جملتين حسن الإظهار و الإضمار؛ لأن كلّ جملة تقوم بنفسها، كقولك:«جاء زيد، و زيد رجل فاضل» (2)[و إن شئت قلت:«و هو رجل فاضل»] (2).و قوله: مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ [156/أ] رِسالَتَهُ (الأنعام:
124). و إن كان في جملة واحدة قبح الإظهار؛ و لم يكد يوجد إلا في الشعر (2)كقوله:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغّص الموت ذا الغنى و الفقيرا (3)
قال: و إذا اقترن بالاسم الثاني حرف الاستفهام بمعنى التعظيم و التعجب كان المناسب الإظهار؛ كقوله [تعالى] (4): اَلْحَاقَّةُ* مَا الْحَاقَّةُ (الحاقة:1-2) و اَلْقارِعَةُ* مَا الْقارِعَةُ (القارعة:2،1)، و الإضمار جائز كقوله تعالى: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ* وَ ما أَدْراكَ ما هِيَهْ (القارعة:10،9).
و اعلم أن الأصل في الأسماء أن تكون ظاهرة، و أصل المحدّث عنه كذلك. و الأصل أنه إذا ذكر ثانيا أن يذكر مضمرا للاستغناء عنه بالظاهر السابق، كما أن الأصل في الأسماء الإعراب، و في الأفعال البناء، و إذا جرى (5)
(8-8) ليست في المخطوطة.
المضارع مجرى الاسم أعرب، كقوله [تعالى] (8):فَابْتَغُوا عِنْدَ اللّهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (العنكبوت:17).
و قوله [تعالى] (8): فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ 485/2 (الشورى:40).
و قوله [تعالى] (6): فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً (النصر:3).ة.
1) هو عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي تقدم التعريف به في 343/1.
2) بعد هذا الموضع زيادة في المخطوطة كما يلي (كقولك جاء زيد) و لا محل لها هنا.
3) البيت من شواهد سيبويه في الكتاب 62/1، و نسبه لسواد بن عدي، باب ما أجري مجرى ليس في بعض المواضع بلغة أهل الحجاز...
4) ليست في المخطوطة.
5) في المخطوطة (أجرى).
6) ليست في المخطوطة.
كقوله [تعالى]: وَ اتَّقُوا اللّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة:282).
و قوله [تعالى]: أُولئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (المجادلة:
22).
و قوله [تعالى]: وَ اتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (الحشر:18).
و قوله [تعالى] (1): لكِنَّا هُوَ اللّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (الكهف:38).
فأعاد ذكر الرب (1)»لما فيه من التعظيم و الهضم للخصم.
و قوله [تعالى] (1): اَللّهُ أَحَدٌ* اَللّهُ الصَّمَدُ (الإخلاص:1-2).
وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (غافر:44).
هُوَ اللّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي (الكهف:38).
كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (الإسراء:
20).
بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَ أَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً (الفرقان:11).
وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (الإسراء:78).
وَ كَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ (آل عمران:37).
و قوله تعالى: اَلْحَاقَّةُ* مَا الْحَاقَّةُ (الحاقة:1-2)، اَلْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ (القارعة:1-2)، كان القياس-لو لا (2)
(6-6) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
ما أريد به من التعظيم و التفخيم-«الحاقة ما هي».و مثله: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ 6[ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ* وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ] (6)(الواقعة:8-9) تفخيما لما ينال (3)الفريقين من جزيل الثواب و أليم العقاب.
(1) [و منه قول النبي صلّى اللّه عليه و سلّم «قل و من يعص اللّه و رسوله» (1)فلا يرد،«كان اللّه و رسوله أحب إليه مما سواهما» (2)
(5-5) ليست في المخطوطة.
لأن المعنى في نهي الخطيب عن عدم الإفراد احتمال عدم التعظيم و هو سيّئ في حقه صلّى اللّه عليه و سلّم، و لأن كلام الخطيب في جملتين فلا بد من إعادته بخلافه في الآخر] (1).كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَ مَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ (النور:21).
[و قوله تعالى] (5): أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ (المجادلة:
19).
و قوله: إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (الإسراء:
53).
و قوله [تعالى] (5): وَ كَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَ صُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَ ما كَيْدُ فِرْعَوْنَ (غافر:37).
و قول الشاعر:487/2
فما للنّوى لا بارك اللّه في النّوى و عهد النّوى عند الفراق ذميم
1) قطعة من حديث عن عدي بن حاتم رضي اللّه عنه أخرجه مسلم في الصحيح 594/2 كتاب الجمعة(7)، باب تخفيف الصلاة و الخطبة(13)، الحديث(870/48). و في بيان معنى الحديث ما ذكره النووي في شرح صحيح مسلم 159/6:(قال القاضي و جماعة من العلماء: إنما أنكر عليه لتشريكه في الضمير المفضي للتسوية، و أمره بالعطف تعظيما لله تعالى بتقديم اسمه كما قال صلّى اللّه عليه و سلّم في الحديث الآخر:«لا يقل أحدكم ما شاء اللّه و شاء فلان و لكن ليقل ما شاء الله ثم شاء فلان»). و قد تقدم تخريج الحديث مع بعض التفصيل في 499/1، معرفة الوقف و الابتداء.
2) قطعة من حديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أخرجه البخاري في الصحيح 60/1، كتاب الإيمان (2)، باب حلاوة الإيمان(9)، الحديث(16). و أخرجه مسلم في الصحيح 66/1، كتاب الإيمان (1)، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان(15)، الحديث(67-43/68). و انظر كلام ابن حجر في سياق شرحه للحديث في فتح الباري 61/1-62، و ما نقله من أقوال العلماء في هذا الشأن.
و سمع الأصمعيّ من ينشد:
فما للنوى جدّ النوى قطع النوى كذاك (1)النوى قطاعة للقرائن (2)
فقال: لو قيّض لهذا البيت شاة لأتت عليه.
كقوله تعالى: وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ (الإسراء:105)، إن كان «الحق» الثاني هو الأول.
و قوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً (فاطر:10).
و قوله تعالى: وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ (الزمر:74)، و لم يقل:«منها» و لهذا عدل عن ذكر الأرض إلى الجنة؛ و إن كان المراد بالأرض الجنة؛ و للّه درّ القائل:
كرّر على السمع منّي أيها الحادي ذكر المنازل و الأطلال و النادي
و قوله:
يا مطر بي بحديث من سكن[156/ب] الغضى (3)هجت الهوى و قدحت فيّ حراق
كرّر حديثك يا مهيّج لوعتي إنّ الحديث عن الحبيب تلاق
كقوله تعالى: وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ (الإسراء:105).
و قوله: اَللّهُ الصَّمَدُ (الإخلاص:2)، بعد قوله: اَللّهُ أَحَدٌ ؛ (الإخلاص:1)؛ و يدل على إرادة التقدير سبب نزولها، و هو ما نقل عن ابن عباس (4)أن قريشا قالت: يا محمد؛ صف لنا ربّك الذي تدعوننا (5)إليه، فنزل اَللّهُ أَحَدٌ
(الإخلاص:1)، معناه أن الذي سألتموني وصفه هو اللّه ثم لما أريد تقدير كونه «اللّه» أعيد بلفظ الظاهر دون ضميره.
و قوله: إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (غافر:
61).
و قوله [تعالى] (1): وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَ ما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ (آل عمران:
78).
يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَ ما هُوَ مِنَ الْكِتابِ (آل عمران:78).
كقوله تعالى: قُلِ اللّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ (آل عمران:26)، لو قال:«تؤتيه» لأوهم أنه الأول، قاله ابن الخشاب (2).
و قوله تعالى: اَلظّانِّينَ 4 بِاللّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ (الفتح:6)، (كرر السوء) (3)لأنه 489/2 [لو] (4)قال:«عليهم دائرته» لالتبس بأن يكون الضمير عائدا إلى اللّه تعالى. قاله الوزير المغربي (5)في «تفسيره».
و نظيره: اَللّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً (الروم:54)، و تبيينه: الأول النطفة أو التراب، و الثاني الوجود في الجنين أو الطفل، و الثالث الذي بعد الشيخوخة و هو أرذل العمر؛ و القوة الأولى التي تجعل للطفل
1) ليست في المخطوطة.
2) هو عبد اللّه بن أحمد أبو محمد، ابن الخشاب تقدم التعريف به في 163/1.
3) ساقط من المخطوطة.
4) زيادة يقتضيها السياق.
5) هو الحسين بن علي بن الحسين المعروف بالوزير المغربي، استظهر القرآن العزيز و عدة من الكتب المجردة في النحو و اللغة و نحو خمسة عشر ألف بيت شعر من مختار الشعر القديم، و نظم الشعر و الصّرف في النثر، و كان من الدهاة العارفين من مصنفاته «الشعر و النثر» و «مختصر إصلاح المنطق» و «الإيناس» ت 418 ه (ابن خلكان، وفيات الأعيان 172/2). و كتابه ذكره الداودي في طبقات المفسرين 156/1 و اسمه «إملاءات عدة في تفسير القرآن العظيم و تأويله».
التحرك و الاهتداء للثدي، و الثانية بعد البلوغ، قاله ابن الحاجب (1)،و يؤيد الغيرية (2)التنكير.
و نحوه قوله تعالى: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً... (الإسراء:
و قوله [تعالى] (3): يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها (النحل:111)، فلم يقل «عنها» لئلا يتحد الضميران فاعلا و مفعولا؛ مع أن المظهر (4)السابق لفظ النفس، فهذا أبلغ من «ضرب زيد نفسه».
و كقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ (يوسف:76)، و إنما حسن إظهار الوعاء مع أنّ الأصل «فاستخرجها منه» لتقدم ذكره، لأنه لو قيل ذلك لأوهم عود الضمير على الأخ، فيصير كأن الأخ مباشر لطلب (5)خروج الوعاء؛ و ليس كذلك لما في المباشرة من الأذى (6)الذي تأباه النفوس (7)الأبية، فأعيد لفظ الظاهر لنفي هذا.
و إنما لم يضمر الأخ فيقال:«ثم استخرجها من وعائه» لأمرين.
أحدهما: أن ضمير الفاعل في اِسْتَخْرَجَها ليوسف عليه السلام، فلو قال:«من وعائه» لتوهم أنه يوسف، لأنه أقرب مذكور فأظهر لذلك.
و الثاني: أن الأخ مذكور مضاف إليه؛ و لم يذكر فيما تقدم مقصودا بالنسبة الإخبارية، فلما احتيج إلى إعادة ما، و أضيف إليه أظهره أيضا.
و قوله [تعالى] (8): يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ وَ كانَتِ الْجِبالُ (المزمل:14)ة.
وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللّهِ (العنكبوت:10).
بذكر الاسم المقتضي لذلك، كما يقول الخليفة لمن يأمره بأمر:«أمير المؤمنين يأمرك بكذا» مكان:«أنا آمرك بكذا».
و منه قوله (1)تعالى: اَلْحَاقَّةُ* مَا الْحَاقَّةُ (الحاقة:1-2).
و قوله: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها (النساء:58) إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ (النحل:90).
و قوله: وَ قالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ (غافر:49)، و لم يقل:
«لخزنتها».
491/2 كقوله تعالى: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (آل عمران:
159)، و لم يقل «عليّ» و حين قال: عَلَى اللّهِ لم يقل[157/أ]: «إنه يحب»، أو «إني أحبّ» تقوية لداعية المأمور بالتوكّل بالتصريح باسم المتوكّل عليه.
و قوله [تعالى] (2): وَ اتَّقُوا اللّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة:
282).
كقوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ* قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ (العنكبوت:19-20).
و قوله: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً* إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ (الإنسان:1-2) و لم يقل «خلقناه» للتنبيه على عظم خلقه للإنسان.
و قوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ وَ كانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (المزمل:14)؛ فإنما أعيد لفظ اَلْجِبالُ و القياس الإضمار لتقدم (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة، و كتب مكانها عبارة (من غم).
(4-4) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
ذكرها؛ مثل ما ذكرنا في الم السجدة 492/2 في أحد القولين؛ و هو قوله: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها 2[أُعِيدُوا فِيها وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ] (2) (السجدة:20)؛ و هو أن الآيتين سيقتا للتخويف و التنبيه على عظم الأمر؛ فإعادة الظاهر أبلغ.و أيضا فلو لم يذكر اَلْجِبالُ لاحتمل عود الضمير إلى الأرض.
كقوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ كَلِماتِهِ (الأعراف:
كقوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ (البقرة:59).
و قوله: فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (البقرة:98) أعلمنا أنه من كان عدوا لهؤلاء فهو كافر؛ هذا إن خيف الإلباس لعوده للمذكورين.
و كذا قوله: فَإِنَّ اللّهَ [دون] (2)«فإنه».
و كقوله (3)تعالى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ (البقرة:59)، و لم يقل
«عليهم» لأنه ليس في الضمير ما في قوله: اَلَّذِينَ ظَلَمُوا من ذكر الظلم المستحق به العذاب.
و جعل منه الزمخشري (1)قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (الكهف:30).
و قوله تعالى: فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (البقرة:89) و الأصل «عليهم» للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم.
و ليس من ذلك قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (يوسف:90)؛ فإنّ العلة قد تقدمت في الشرط؛ و إنما فائدة ذلك إثبات صفة أخرى زائدة. و قال الزمخشري (2):فائدته اشتماله على المتقين و الصابرين.
و منه قوله: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ (النساء:64) لأن شفاعة (3)من اسمه الرسول من اللّه بمكان عظيم.
و قوله: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (الأنعام:21)؛ و القياس «أنهم لا يفلحون»، و لو ذكر الظاهر لقال:«لا يفلح المفترون» أو «الكاذبون» لكن صرّح بالظلم تنبيها على أن علّة عدم الفلاح الظلم.
و قوله: وَ الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (الأعراف:170)، و لم يقل:«أجرهم» تنبيها على أنّ صلاحهم علّة لنجاتهم.
و قوله: إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ (الكوثر:2،1) و لم يقل:
«لنا»؛ لينبه على أنه أهل لأن يصلّى له؛ لأنه ربه الذي خلقه و أبدعه و ربّاه بنعمته.494/2 و كقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (البقرة:98) قال الزمخشري (4):أراد «عدوا لهم»، فجاء بالظاهر ليدل على أن اللّه1.
إنما عاداهم لكفرهم؛ و أن عداوة الملائكة كفر، و إذا كانت عداوة الأنبياء كفرا، فما بال [157/ب] الملائكة و هم أشرف!. و المعنى: و من عاداهم عاداه اللّه و عاقبه أشد العقاب [المهين] (1).[انتهى] (2).
و قد أدمج في هذا الكلام (3)مذهبه، في تفضيل الملك على النّبيّ و إن لم يكن مقصودا فهو كما قيل:
و ما كنت زوّارا و لكنّ ذا الهوى إلى حيث يهوى القلب تهوى به الرّجل
و مثله قول مطيع:
أمّي الضريح الذي أسمّي (4)ثم استهلّ (5)على الضريح
أ لا ترى أنه لم يقل:«عليه» لأنه باك بذكر الضريح الذي من عادته أن يبكي عليه و يحزن لذكراه (6).
كقوله تعالى: حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها (الكهف:77) و لم يقل:
«استطعمهم (7)للإشعار بتأكيد العموم؛ و أنهما لم يتركا أحدا من أهلها إلا استطعماه و أبى، 495/2 و مع ذلك قابلهم بأحسن الجزاء. و فيه التنبيه على محاسن الأخلاق، و دفع السيئة بالحسنة.
و قوله [تعالى] (8): وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ (يوسف:53) فإنه لو قيل:«إنها لأمارة» لاقتضى تخصيص ذلك؛ فأتى بالظاهر ليدلّ على أن المراد التعميم؛
مع أنه بريء من ذلك بقوله بعده إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي (يوسف:53)، و قوله: إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (يوسف:53) و لم يقل:«إنه» إما للتعظيم و إما للاستلذاذ.
و قوله تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (النجم:
28).
و قوله تعالى: وَ إِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها (الشورى:48)[ثم] (1)قال: فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (الشورى:48) و لم يقل:«فإنه» مبالغة في إثبات أنّ هذا الجنس شأنه كفران النعم.
كقوله تعالى: وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ (الأحزاب:50)، و لم يقل:
«لك» لأنه لو أتى بالضمير لأخذ جوازه لغيره، كما في قوله تعالى: وَ بَناتِ عَمِّكَ (الأحزاب:50)، فعدل عنه إلى الظاهر للتنبيه على الخصوصية و أنه ليس لغيره ذلك.
496/2 و منه: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ... السورة (الناس:1)، ذكره (2)
(3-3) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
الشيخ عز الدين ابن عبد السلام رحمه اللّه.كقوله: أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها (الكهف:77).
كقوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (البقرة:282). و قال بعضهم: إنما أعيدت إِحْداهُما لتعادل الكلم و توازن الألفاظ (3)[في التركيب؛ و هو المعنى في الترصيع البديعيّ بل هذا أبلغ من الترصيع، فإن الترصيع توازن الألفاظ] (3) من حيث صيغها، و هذا من حيث تركيبها؛ فكأنه ترصيع معنويّ، و قلما يوجد إلا في نادر من الكلام، و قد استغرب أبو الفتح (3)ما حكي عن المتنبي في قوله:
و قد صارت الأجفان قرحى من البكا و صار بهارا في الخدود الشقائق (1).
497/2 قال: سألته: هل هو «قرحى (2)
(3-3) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
»أو «قرحا» منوّن؟ (3)[فقال لي:«قرحا» منوّن] (3)،أ لا ترى أن بعدها «و عادت بهارا»! قال: يعني أن «بهارا»: جمع بهار، و قرحى: جمع قرحة، ثم أطنب في الثناء على المتنبي، و استغرب فطنته لأجل هذا.و بيان ما ذكرت في الآية أنها متضمنة لقسمين: قسم الضلال و قسم التذكير، فأسند الفعل الثاني إلى ظاهر حيث أسند الأول، و لم يوصل بضمير مفصول لكون الأول لازما، فأتى بالثاني على صورته من التجرد عن المفعول، ثم أتى به خبرا بعد اعتدال الكلام و حصول التماثل في تركيبه.
و لو قيل: إن المرفوع حرف لكان أبلغ في المعنى المذكور، و يكون الأخير بدلا أو نعتا على وجه (3)البيان، كأنه (4)قال:«إن كان ضلال من إحداهما (5)كان تذكير من الأخرى»، و قدم على «الأخرى» لفظ «إحداهما» ليسند[158/أ] الفعل الثاني إلى مثل ما أسند إليه الأول لفظا و معنى. و اللّه أعلم.
كقوله: رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ (الأنعام:124)، و كقول الشاعر:
تبكي على زيد و لا زيد مثله بريء من الحمّى سليم الجوانح (6).
1) البيت تصحف صدره و عجزه في المطبوعة إلى( و قد عادت... و عادت بهارا... )و التصويب من الديوان بشرح أبي البقاء العكبري 342/2. و تجد في الشرح ما جرى بينه و بين ابن جني. و البهار. زهر أصفر، و الشقائق: جمع شقيقة و هي زهر أحمر ينسب إلى النعمان. و قرحى: بغير تنوين جمع قريح كجرحى و جريح.
2) تصحفت في المخطوطة إلى (فرحي).
3) في المخطوطة (جهة).
4) في المخطوطة (فإنه).
5) في المخطوطة (أحدهما).
6) البيت في خزانة الأدب للبغدادي 98/2. و لم ينسبه لأحد.
في حكم الأولى
كقوله تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَ يَمْحُ اللّهُ الْباطِلَ (الشورى:24) في سورة الشورى، فإن يَمْحُ استئناف و ليس عطفا على الجواب؛ لأن المعلّق على الشرط عدم قبل وجوده؛ و هذا صحيح في يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ و ليس صحيحا في يَمْحُ اللّهُ الْباطِلَ (الشورى:24) لأنّ محو الباطل ثابت؛ فلذلك أعيد الظاهر، و أما حذف الواو من الخط فللفظ، و أما حذفها في الوقف كقوله تعالى: يَدْعُ الدّاعِ (القمر:6) و سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (العلق:18) فللوقف؛ و يؤكد ذلك وقوف يعقوب عليها بالواو.
و هذا ملخص (1)كلام عبد العزيز (2)في كلامه على البزدويّ (3)،و فيما ذكره نزاع، و هذا أنا لا نسلم أن المعلّق هاهنا بالشرط هو موجود قبل الشرط؛ لأن الشرط هنا (4)المشيئة و ليس المحو ثابتا قبل المشيئة؛ فإن قيل (5):إن الشرط هنا مشيئة خاصة و هي مشيئة الختم، و هذا و إن كان محذوفا فهو مذكور بالقوة. شائع في كثير من الأماكن؛ كقوله [تعالى] (6)
(7-7) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
: وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى (الأنعام:35)، (7)[ وَ لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكُوا ] (7)(الأنعام:107)، وَ لَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا (البقرة:253) (7)[المعنى «و لو شاء اللّه جمعهم لجمعهم» و «لو شاء اللّه عدم ما أشركوا»] (7)و «لو شاء اللّه عدم قتالهم ما اقتتلوا».
قيل: لا يكاد يثبت مفعول المشيئة إلا نادرا كما سيأتي في الحذف إن شاء اللّه تعالى، و إذا 499/2 ثبت هذا صحّ ما ادعيناه، فإن محو اللّه ثابت قبل مشيئة اللّه الختم.
فإن قلت: سلّمنا أنّ الشرط مشيئة خاصة؛ لكنها إنما تختص بقرينة الجواب.
و الجواب: هنا شيئان (7)فالمعنى: إن يشأ اللّه الختم و محو الباطل يختم على قلبك، و يمح الباطل، و حينئذ لا يتم ما ادّعاه.
1) في المخطوطة (يلحظ).
2) هو عبد العزيز بن أحمد البخاري تقدم التعريف به في 96/2.
3) هو علي بن محمد بن عبد الكريم البزدوي الإمام الكبير الجامع بين أشتات العلوم إمام الدنيا في الفروع و الأصول له تصانيف معتبرة منها «المبسوط» و «الأصول» ت 482 ه (الفوائد البهية:124).
4) في المخطوطة (هو).
5) في المخطوطة (قال).
6) ليست في المخطوطة.
7) في المخطوطة (سياق).
و جوابه أنّ الشرط لا (1)بد أن يكون غير ثابت و غير ممتنع، و «يمحو الباطل» كان ثابتا فلا يصحّ دخوله في جواب (2)الشرط. و هذا أحسن جدّا.
بقي أن يقال: إن الجواب ليس كلاّ من الجملتين؛ بل مجموع الجملتين و المجموع معدوم قبل وجود الشرط؛ و إن كان أحدهما ثابتا.
الأول: قد سبق أنه لا يشترط في وضع الظاهر موضع المضمر أن يكون بلفظ الأول؛ ليشمل مثل قوله تعالى: إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (الكهف:30).
و قوله [تعالى] (3): ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ لاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ اللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ (البقرة:105)؛ لأنّ إنزال الخير هنا سبب للربوبية، و أعاده بلفظ «اللّه» لأن تخصيص الناس بالخير دون غيرهم مناسب للإلهية؛ لأن دائرة الربوبية أوسع.
و مثله: وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ (الزمر:74) كما سبق.
و من فوائده: التلذذ بذكره و تعظيم المنّة (4)بالنعمة.
و من فوائده: قصد الذمّ (5)،و جعل [منه] (6)الزمخشري (7)قوله تعالى: يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَ يَقُولُ الْكافِرُ (النبأ:40)، فقال: المرء هو الكافر و هو ظاهر، وضع موضع الضمير لزيادة الذم.
و قال ابن عبد السلام في قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ
يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (المنافقون:6). إنّ «الفاسقين» يراد بهم (1)المنافقون، و يكون قد أقام الظاهر مقام المضمر،[158/ب] و التصريح بصفة الفسق سبب لهم. و يجوز أن يكون المراد العموم لكل فاسق، و يدخل فيه المنافقون دخولا أوليّا، و كذا سائر هذه النظائر.
و ليس من هذا الباب قوله تعالى: إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ (الإسراء:25)-أي في معاملة (2)«الأبوين» (3)فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُوراً (الإسراء:25).
و قوله [تعالى] (4): مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ (البقرة:97) إلى قوله: فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (البقرة:98).
و كذلك كل ما (5)
(6-6) عبارة المخطوطة (و لا يكون إحسان الوالدين لوالديهم سبب...).
فيه شرط فإن الشروط أسباب (6) و لا يكون الإحسان للوالدين سببا (6)لغفران اللّه لكل تائب، لأنه يلزم أن يثاب غير الفاعل بفعل (6)غيره؛ و هو خلاف الواقع.و كذلك معاداة بعض الكفرة لا يكون سببا لمعاداة كلّ كافر، فتعيّن (7)في هذه المواضع أن يكون من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ليس إلا.
الثاني: قد مرّ أن سؤال وضع الظاهر موضع المضمر حقه أن يكون في الجملة الواحدة؛501/2 نحو: اَلْحَاقَّةُ* مَا الْحَاقَّةُ (الحاقة:2،1) فأما إذا وقع في جملتين فأمره سهل و هو أفصح من وقوعه في الجملة الواحدة، لأن الكلام جملتان، فحسن فيهما ما لا يحسن في الجملة الواحدة، أ لا ترى إلى قوله:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغّص الموت ذا الغنى و الفقيرا (8)
.3.
فتكرار «الموت» في عجز البيت أوسع من تكراره في صدره (1)لأنا إذا عللنا هذا انما (2)نقول: أعاد الظاهر موضع المضمر لما أراد من تعظيم الموت و تهويل أمره، فإذا علّلها مكررة (3)
(4-4) العبارة ساقطة من المخطوطة.
في عجزه عللناه بهذا، و بأن الكلام جملتان.إذا علمت هذا، فمثاله في الجملتين كقوله تعالى: وَ اتَّقُوا اللّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللّهُ (البقرة:282)، و قوله: إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (العنكبوت:31).
(4) [و قد أشكل الإظهار هاهنا] (4)و الإضمار في المثل قوله: إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (القصص:32).
و أجيب بأنه لما كان المراد في مدائن لوط إهلاك القرى صرح في الموضعين بذكر القرية التي يحلّ بها (4)الهلاك؛ كأنها اكتسبت الظلم معهم و استحقت الهلاك معهم؛ إذ للبقاع تأثير في الطباع، و لما كان المراد في قوم فرعون إهلاكهم بصفاتهم، حيث كانوا و لم (5)
(8-8) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
يهلك بلدهم، أتى بالضمير العائد على ذواتهم، من حيث هي من غير تعرض للمكان.502/2 و اعلم أنه (8)[متى طال الكلام حسن إيقاع الظاهر موضع المضمر كيلا يبقى الذهن متشاغلا بسبب ما يعود عليه اللفظ فيفوته ما شرع] (8)فيه، كما إذا كان ذلك في ابتداء آية أخرى، كقوله تعالى: قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَ مَنْ أَظْلَمُ... (البقرة:140) الآية.
و قوله: وَ ما كانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنّاسِ [لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ] (6)(البقرة:
143).
و قوله: يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَضْرِبُ اللّهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ (النور:35).
و قوله: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ... (النور:37) الآية.ة.
تجيء اللفظة الدالة على التكثير (1)و المبالغة بصيغ من صيغ المبالغة
كفعّال و فعيل و فعلان؛ فإنه أبلغ من «فاعل». و يجوز أن يعدّ هذا من أنواع الاختصار؛ فإن أصله وضع لذلك، فإن «ضروبا» ناب عن قولك:«ضارب و ضارب و ضارب».
أما «فعلان» فهو أبلغ من «فعيل»، و من ثمّ قيل: الرحمن أبلغ من الرحيم-و إن كانت صيغة «فعيل» (2)-من جهة أن «فعلان» من أبنية المبالغة؛ كغضبان للممتلئ غضبا؛ و لهذا لا يجوز التسمية به، و حكاه الزّجاج في تأليفه (3)المفرد على البسملة.
و أما قول شاعر اليمامة:
و أنت غيث الورى (4)لا زلت رحمانا (5)503/2
فهو من كفرهم و تعنتهم كذا أجاب به الزمخشري (6).
و ردّه[159/أ] بعضهم بأن التعنت لا يدفع وقوع إطلاقهم؛ و غايته أنّه ذكر السبب الحامل لهم على الإطلاق؛ و إنما الجواب أنهم لم يستعملوا الرحمن المعرّف بالألف و اللام؛ و إنما استعملوه مضافا و منكّرا، و كلامنا إنّما هو في المعرّف باللام.
و أجاب ابن مالك بأن الشاعر أراد:«لا زلت ذا رحمة»؛ و لم يرد الاسم المستعمل بالغلبة.
و يدلّ على أن العرب كانت تعرف هذا الاسم قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا
1) في المخطوطة (التكرر).
2) في المخطوطة (فقيل).
3) ألف الزجاج كتابا عن معاني البسملة سماه «الإبانة و التفهيم عن معاني بسم الله الرحمن الرحيم» و هو مخطوط بمكتبة جوتا بألمانيا رقم 727.(بروكلمان مترجم 172/2).
4) في المخطوطة (الذرى).
5) عجز بيت صدره: سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا* كذا في «مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف» ص 125 قافية النون. و نسبه لرجل من بني حنيفة يمدح مسيلمة الكذاب.
6) انظر الكشاف 6/1.
اَلرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (الإسراء:110). و أما قوله: قالُوا] 1وَ مَا الرَّحْمنُ (الفرقان:60)، فقال (1)ابن العربيّ: إنما جهلوا الصفة دون الموصوف، و لذلك لم يقولوا:«و من الرحمن».
[و ذكر] (2)البرزاباذاني (3)أنهم غلطوا في تفسير «الرحمن» حيث جعلوه بمعنى المتصف بالرحمة.
قال: و إنما معناه الملك العظيم العادل (4)،بدليل: اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ (الفرقان:26) إذ الملك يستدعي العظمة و القدرة و الرحمة لخلقه؛ لا أنه يتوقّف عليها.
وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ (الفرقان:60) و إنما يصلح السجود لمن له العظمة و القدرة؛ و إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ (مريم:18) و لا يعاذ إلا بالعظيم القادر على الحفظ و الذبّ.
504/2 وَ ما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (مريم:92)، أي و ما ينبغي للعظيم القادر على كل شيء المستغني عن معاونة الولد و غيره أن يتخذ ولدا.
اَلرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (النبأ:37).
وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ (طه:108).
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ (الأنبياء:42) و لا يحتاج الناس إلى حافظ يحفظهم من ذي الرحمة الواسعة.
إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (مريم:93).).
1) في المخطوطة (قال).
2) ساقطة من المخطوطة.
3) البرزاباذاني-بضم الباء و فتحها و سكون الراء و فتح الزاي-في لسان الميزان 437/4. هو الفضل بن أحمد اللؤلؤي روى عن أبي حاتم الرازي و لعله واضع حديث الأعرابي على إسماعيل بن عمرو البجلي، و في الأنساب للسمعاني 146/2 هو الفضل بن أحمد أبو العباس القرشي البرزاباذاني و هي قرية من قرى أصبهان قال ابن مردويه ضعيف جدا، و في أخبار أصبهان لأبي نعيم 154/2، الفضل بن أحمد المديني أبو العباس من قرية برزفاذان يروي عن إسماعيل بن عمرو البجلي خلّط في آخر عمره فترك حديثه.
4) في المخطوطة (القادر).
إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ (مريم:45).
وَ رَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ (الأنبياء:112).
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ (ق:33).
و لا مناسبة لمعنى الرحمة في شيء من هذه المواضع، و أما «رحيم» فهو من صفات الذات، كقولهم:«كريم».
و ما ذكرناه من أن «الرحمن» أبلغ ذهب إليه أبو عبيد (1)و الزمخشري (2)و غيرهما، و حكاه ابن عسكر (3)في «التكميل و الإفهام» عن الأكثرين.
و في كلام ابن جرير (4)ما يفهم حكاية الاتفاق عليه. و نصره السهيلي (5)بأنّه ورد على لفظ 505/2 2لتنبيه، و التنبيه تضعيف. و كأن البناء تضاعفت فيه الصفة.
و قال قطرب (6):المعنى فيهما واحد؛ و إنما جمع بينهما في الآية للتوكيد.
و كذلك قال ابن فورك: قال: (7)
(8-8) عبارة المخطوطة (أن من زعم).
و ليس قول (8)من زعم أن (8)«رحيما» أبلغ بجيّد؛ إذ لا فرق بينهما في المبالغة. و لو قيل «فعلان» أشد مبالغة كان أولى؛ و لهذا خصّ (8)باللّه فلا يوصف به غيره؛ و لذلك (9)قال بعض التابعين: الرحمن اسم ممنوع؛ و أراد به منع الخلق أن يتّسموا به، و لا وجه لهذا الكلام إلا التوكيد و إتباع الأول ما هو في معنى الثاني.و قال ابن عباس:«هما اسمان رقيقان؛ أحدهما أرقّ من الآخر» (10).1.
1) هو القاسم بن سلام الهروي تقدم في 119/1.
2) انظر الكشاف 6/1.
3) تصحف الاسم في المطبوعة إلى ابن عساكر، و التصويب من المخطوطة، تقدم التعريف به و بكتابه في 243/1.
4) انظر تفسير الطبري 42/1-43.
5) هو أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي تقدم التعريف به في 242/1.
6) هو محمد بن المستنير، أبو علي تقدم التعريف به في 176/2.
7) في المخطوطة (قاله ابن فورك)، و هو محمد بن الحسن تقدم في 324/1.
8) في المخطوطة (اختص).
9) في المخطوطة (و كذلك).
10) أخرجه الطبري في التفسير 44/1.
و عن الخطابي (1)استشكال هذا، و قال: لعله أرفق، كما جاء في الحديث «إن اللّه رفيق يحبّ الرّفق في الأمر كله» (2)تصحفت في المطبوعة إلى (ابن عساكر).(3).
و قال ابن الأنباري (4)في «الزاهر»: الرحيم أبلغ من الرحمن.
و رجّحه ابن عسكر (4)بوجوه: منها أن الرحمن جاء متقدما على الرحيم؛ و لو كان أبلغ [منه] (5)لكان متأخرا عنه، لأنهم في كلامهم إنما يخرجون من الأدنى إلى الأعلى؛ فيقولون: فقيه عالم، و شجاع باسل، و جواد فياض، و لا يعكسون هذا لفساد المعنى؛ لأنه لو تقدم الأبلغ لكان الثاني داخلا تحته، فلم (6)يكن لذكره[159/ب] معنى.
[و هذا] (7)قد ذكره الزمخشريّ (8)و أجاب عنه بأنه من باب الإرداف، و أنه أردف الرحمن الذي يتناول جلائل النعم و أصولها بالرحيم، ليكون كالتتمة و الرديف، ليتناول ما رق منها و لطف.
506/2 و فيه ضعف لا سيّما إذا قلنا: إن الرحمن علم لا صفة، و هو قول الأعلم (9)و ابن مالك.
و أجاب الواحديّ (10)في «البسيط» بأنه لما كان الرحمن كالعلم-إذ لا يوصف [به] (11)إلا اللّه-ة.
1) هو حمد بن محمد أبو سليمان الخطابي تقدم التعريف به في 343/1.
2) قطعة من حديث عن عائشة رضي الله عنها، أخرجه البخاري في الصحيح 280/12، كتاب استتابة المرتدين... (88)، باب إذا عرض الذمي أو غيره بسب النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و لم يصرح...
3) ، الحديث (6927). و أخرجه مسلم في الصحيح 2003/4، كتاب البر و الصلة و الآداب(45)، باب فضل الرفق (23)، الحديث(2593/77).
4) هو أبو بكر محمد بن القاسم، ابن الأنباري تقدم التعريف به في 299/1، و كتابه «الزاهر في معاني كلمات الناس» طبع بتحقيق حاتم الضامن في بغداد-وزارة الثقافة و الإعلام-عام 1400 ه/1979 م، و عنه صورة في بيروت بمؤسسة الرسالة عام 1405 ه/1984 م.(ذخائر التراث العربي 47/1).
5) ساقطة من المطبوعة.
6) في المخطوطة (لكن لم) بدل (فلم).
7) ساقطة من المخطوطة.
8) الكشاف 7/1.
9) هو يوسف بن سليمان بن عيسى النحوي الشنتمري تقدم التعريف به في 453/2.
10) هو علي بن أحمد تقدم التعريف به و بكتابه في 105/1.
11) ساقطة من المخطوطة.
قدّم، لأنّ حكم الأعلام و غيرها من المعارف أن يبدأ بها، ثم يتبع الأنكر (1)،و ما كان [في] (2)التعريف أنقص.
قال: و هذا مذهب سيبويه و غيره من النحويين، فجاء هذا على منهاج كلام العرب.
و أجاب الجوينيّ (3)بأن الرحمن للخلق، و الرحيم لهم بالرزق، و الخلق قبل الرزق.
و منها أن أسماء اللّه تعالى إنما يقصد بها المبالغة في حقه، و النهاية في صفاته؛ و أكثر صفاته سبحانه جارية على «فعيل»، كرحيم، و قدير، و عليم، و حكيم، و حليم، و كريم؛ و لم يأت على «فعلان» إلا قليل. و لو كان «فعلان» أبلغ لكان صفات الباري تعالى عليه أكثر.
قلت: و جواب هذا أن ورود «فعلان» بصيغة التكثير (4)كان في عدم تكرار الوصف به، بخلاف «فعيل» فإنه لمّا لم يرقّ في الكثرة رقته كثر في مجيء الوصف.
و منها: أنه إن كانت المبالغة في «فعلان» من جهة موافقة التثنية-كما زعم السهيلي- ففعيل (5)من أبنية جمع الكثرة كعبيد. و كليب؛ و لا شك أن الجمع أكثر من التثنية-و هذا أحسنها.
قال: و قول قطرب (6)
(7-7) كتب هذا العنوان على هامش المخطوطة.
«إنهما بمعنى واحد» فاسد، لأنه لو كان كذلك لتساويا في التقديم و التأخير، و هو ممتنع.(7)[صيغ المبالغة في أسماء اللّه] (7)
الأول: نقل [عن] (7)الشيخ برهان الدين الرشيدي [رحمه اللّه] (8)أن صفات اللّه التي
هي صيغة المبالغة كغفار و رحيم و غفور و منان كلّها مجاز، إذ هي موضوعة للمبالغة؛ و لا مبالغة فيها، لأن المبالغة هي أن تثبت للشيء أكثر مما له، و صفات اللّه (1)[متناهية في الكمال، لا يمكن المبالغة فيها، و المبالغة أيضا تكون في صفات تقبل الزيادة و النقصان، و صفات اللّه] (1)تعالى منزّهة عن ذلك. انتهى.
و ذكر هذا للشيخ ابن (1)الحسن السّبكي فاستحسنه، و قال: إنه صحيح إذا قلنا: إنها صفات.
فإن قلنا: أعلام زال ذلك.
قلت: و التحقيق أنّ صيغ المبالغة على قسمين:
أحدهما: ما تحصل المبالغة فيه بحسب زيادة الفعل.
و الثاني: بحسب تعدّد المفعولات.
و لا شك أن تعدّدها لا يوجب للفعل زيادة، إذ الفعل الواحد قد يقع على جماعة متعدّدين.
و [على] (2)هذا التقسيم (3)يجب تنزيل جميع أسماء اللّه تعالى التي وردت على صيغة المبالغة كالرحمن و الغفور و التواب و نحوها، و لا يبقى إشكال حينئذ، لهذا (4)قال بعض المفسرين في حكيم (5)معنى المبالغة فيه تكرار (6)حكمه بالنسبة إلى الشرائع.
508/2 و قال الزمخشري (7)في سورة الحجرات: المبالغة في التواب للدلالة على كثرة من يتوب إليه (8)من عباده، أو لأنه بليغ في قبول التوبة، نزّل صاحبها منزلة من لم يذنب (9)قط لسعة كرمه.ف.
و قد أورد بعض الفضلاء سؤالا في قوله تعالى: وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (البقرة:
284)، و هو أن «قديرا» (1)من صيغ المبالغة يستلزم الزيادة على معنى «قادر»، و الزيادة على معنى «قادر» محال، إذ الاتحاد من واحد لا يمكن فيه التفاضل، باعتبار كلّ فرد فرد.
و أجيب عنه بأن المبالغة لما لم يقدر حملها على كلّ فرد وجب صرفها إلى مجموع الأفراد التي دلّ السياق عليها، و المبالغة إذن بالنسبة إلى تكثير التعلق لا بالنسبة إلى تكثير الوصف.
و كذلك قوله تعالى: وَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة:282)، [160/أ] يستحيل عود المبالغة إلى نفس الوصف، إذ العلم بالشيء لا يصح التفاوت فيه، فيجب صرف المبالغة فيه إلى المتعلق، إما لعموم كل أفراده، و إما لأن يكون المراد الشيء و لواحقه، فيكون من باب إطلاق الجزء و إرادة الكل.
الثاني: سئل أبو علي الفارسيّ: هل تدخل المبالغة في صفات اللّه تعالى فيقال:
«علاّمة»؟ فأجاب بالمنع؛ لأن اللّه تعالى ذمّ من نسب إليه الإناث لما فيه من النقص، فلا يجوز إطلاق اللفظ المشعر بذلك.
حكاه الجرجاني (2)في «شرح الإيضاح».
الثالث: أنه لو جرّد عن الألف و اللام لم يصرف (3)لزيادة الألف و النون في آخره مع 509/2 العلمية أو الصفة.
و أورد الزمخشريّ (4)بأنه لا يمنع «فعلان» صفة من الصرف إلا إذا كان مؤنثة،«فعلى» كغضبان و غضبى، و ما لم يكن مؤنثة «فعلى» ينصرف، كندمان و ندمانة (5)و تبعه (6)ابن عسكر (7)بأن «رحمن» و إن لم يكن له [مؤنث] (8)على «فعلى» فليس له مؤنث علىة.
1) في المخطوطة (قدير).
2) تقدم التعريف به في 420/2، و كتابه «شرح الإيضاح و التكملة» مخطوط بالإسكوريال ثاني 44، و في بايزيد 4015، و في القاهرة ثاني 163/2.(بروكلمان مترجم 191/2).
3) في المخطوطة (يعرف).
4) انظر الكشاف 6/1-7.
5) تصحفت في المخطوطة إلى (و ندمان).
6) زيادة في المخطوطة كما يلي (و أجاب و تبعه).
7) تصحف الاسم في المطبوعة إلى (عساكر).
8) ساقطة من المخطوطة.
«فعلانة» لأنه اسم مختص باللّه تعالى فلا مؤنث له من لفظه، فإذا عدم ذلك رجع فيه إلى القياس، و كلّ ألف و نون زائدتان فهما محمولتان على منع الصرف.
قال الجوينيّ (1):«و هذا فيه ضعف في الظاهر، و إن كان حسنا في الحقيقة، لأنه إذا لم يشبه «غضبان» و لم يشبه «ندمان» من جهة التأنيث فلما ذا ترك صرفه، مع أن الأصل الصرف، بل كان ينبغي أن يقال: ليس هو كغضبان؛ فلا يكون غير منصرف، و لا يصحّ أن يقال: ليس هو كندمان فلا يكون منصرفا، لأنّ الصرف ليس بالشبه، إنما هو بالأصل و عدم الصّرف بالشبه و لم يوجد».
قلت: و التقدير الذي نقلناه عن ابن عسكر (2)يدفع هذا عن الزمخشريّ، نعم أنكر ابن مالك على ابن الحاجب تمثيله ب «رحمن» لزيادة الألف و النون في منع الصرف، و قال: لم يمثل به غيره، و لا ينبغي التمثيل به، فإنه اسم علم بالغلبة للّه [تعالى] (3)مختص به، و ما كان كذلك لم يجرّد من «أل» و لم يسمع مجردا إلا في النداء قليلا، مثل يا رحمن الدنيا، و رحيم الآخرة.
قال: و قد أنكر على الشاطبي:[رحمه اللّه] (4).
تبارك رحمانا رحيما و موئلا (5)
أوّلا انظر ص 9 بشرح أبي شامة.
(6-6) ليست في المخطوطة.
لأنّه أراد الاسم المستعمل بالغلبة.
و لم يحضر الزمخشري هذا الجواب؛ فذكر انه من تعنتهم في كفرهم كما سبق.
و أما «فعيل» فعند النحاة أنّه من صيغ المبالغة و التكرار، كرحيم، و سميع، و قدير، و خبير، و حفيظ، و حكيم،[و حليم] (6)و عليم؛ فإنه محوّل عن «فاعل» بالنسبة، و هو إنما (6)[يكون] (6)كذلك للفاعل لا للمفعول (7)به، بدليل قولهم: قتيل و جريح، و القتل لا يتفاوت.).
و قد يجيء في معنى الجمع كقوله تعالى: وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (النساء:69)، و قوله: وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (التحريم:4)، و قوله: خَلَصُوا نَجِيًّا (يوسف:
80)، و غير ذلك.
و من المشكل: وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (مريم:64)، فإن النفي متوجّه (1)على الخبر و هو صيغة مبالغة، و لا يلزم من نفي المبالغة نفي أصل الفعل؛ فلا يلزم نفي أصل النسيان، و هو كالسؤال الآتي في (ظلام للعبيد).
و يجاب عنه بما سيأتي من الأجوبة. و يختص هذا بجواب آخر؛ و هو مناسبة رءوس الآي قبله.
و أما فعّال، فنحو: غفّار، و منان، و توّاب، و وهّاب، فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (البروج:511/2 16). عَلاّمُ الْغُيُوبِ (المائدة:116)، و نحو: لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (إبراهيم:
5)، و نحو: نَزّاعَةً لِلشَّوى (المعارج:16).
و من المشكل قوله تعالى: وَ ما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (فصلت:46) و تقريره (2)أنه لا يلزم[160/ب] من نفي الظلم بصيغة المبالغة نفي أصل الظلم، و الواقع نفيه، قال اللّه تعالى: إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً (يونس:44)، إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ (النساء:40).
و قد أجيب عنه باثني عشر جوابا (3):
أحدها: أن «ظلاما» و إن كان يراد (4)
(5-5) ساقطة من المخطوطة.
به الكثرة لكنه [جاء] (5) في مقابلة العبيد و هو جمع كثرة، إذا قوبل بهم [الظلم] (5) كان كثيرا.و يرشح هذا الجواب أنّه سبحانه و تعالى قال في موضع آخر: عَلاّمُ الْغُيُوبِ (المائدة:116)، فقابل صيغة[«فعال»] (5) بالجمع، و قال في موضع آخر: عالِمُ الْغَيْبِ (الجن:26) فقابل صيغة (5)«فاعل» الدالة على أصل الفعل بالواحد.).
و هذا قريب من الجواب عن قوله تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَ لاَ الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ (النساء:172) حيث احتج به المعتزلة على تفضيل الملائكة على الأنبياء.
512/2 و جوابه أنه قابل عيسى بمفرده بمجموع الملائكة، و ليس النزاع في تفضيل الجمع على الواحد.
الثاني: أنه نفى الظلم الكثير (1)
(2-2) ساقطة من المطبوعة.
،فينتفي القليل ضرورة، لأن [القليل] (2)الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم، فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة ظلمه في حق من يجوز عليه النفع [و الضر] (2)،كان الظلم القليل في المنفعة (2)أكثر.الثالث: أنه على النسب، و اختاره ابن مالك (3)،و حكاه في «شرح الكافية» عن المحققين، أي ذا ظلم كقوله:
«و ليس بنبّال» (4)أي بذي نبل. أي لا ينسب إلى الظلم فيكون من باب بزّاز، و عطار.
الرابع: أن فعّالا قد جاء غير مراد به الكثرة كقول طرفة:
و لست بحلاّل التّلاع (5)مخافة و لكن [متى] (6)يسترفد القوم أرفد (7)).
1) في المخطوطة (الكبير).
2) في المخطوطة (نفعه).
3) هو محمد بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن مالك، العلامة جمال الدين الطائي الشافعي، تقدم التعريف به في 381/1. و أما كتابه «شرح الكافية في النحو» فقد ذكر صاحب كشف الظنون في 1369/2 «أن الكافية الشافية في النحو» كتاب منظوم لخّص منه ألفيته ثم شرحها و سمى هذا الشرح «الوافية شرح الكافية» و طبع شرح المؤلف باسم «شرح الكافية الشافية» بتحقيق عبد المنعم هريدي بدمشق دار المأمون للتراث (فهرس الكتب النحوية ص 124).
4) قطعة من عجز بيت لامرئ القيس و هو بتمامه: و ليس بذي رمح فيطعنني به و ليس بذي سيف و ليس بنبّال ديوانه ص 142 (طبعة دار صادر).
5) تصحفت في المخطوطة إلى (البلاغ).
6) ساقطة من المخطوطة.
7) البيت من معلقته انظر ديوانه ص 29 (طبعة دار صادر).
لا يريد أنّه يحل التلاع قليلا، لأن ذلك يدفعه قوله:«يسترفد القوم أرفد»، هذا يدل على نفي الحال في كلّ حال، لأن (1)تمام المدح لا يحصل بإيراد (2)الكثرة.
الخامس: أن أقل القليل لو ورد منه سبحانه-و قد جلّ عنه-لكان كثيرا، لاستغنائه عنه كما يقال:«زلة العالم كبيرة».
ذكره الحريري (3)
(4-4) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
في «الدرّة»، قال: و إليه أشار المخزوميّ في قوله:كفوفة الظّفر تخفى من حقارتها و مثلها في سواد العين مشهور
(4) [فوقة الظفر شين في ظفر الأحداث] (4).
السادس: أن نفي المجموع يصدق بنفي واحد، و يصدق بنفي كل واحد، و يعيّن الثاني 513/2 في الآية للدليل الخارجيّ، و هو قوله: إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ (النساء:40).
السابع: أنه أراد:«ليس بظالم، ليس بظالم،[ليس بظالم] (4)»فجعل في مقابلة ذلك وَ ما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ (فصلت:46).
الثامن: أنه جواب لمن قال: ظلاّم، و التكرار إذا ورد جوابا لكلام خاص لم يكن له مفهوم كما إذا خرج مخرج الغالب.
التاسع: أنه قال:«بظلاّم»، لأنه قد يظن أن من يعذّب غيره عذابا شديدا ظلاّم قبل الفحص عن جرم الذنب.ة.
1) في المخطوطة (و إن).
2) في المخطوطة (بإرادة).
3) هو القاسم بن علي الحريري تقدم التعريف به في 164/1، و كتابه «درة الغواص في أوهام الخواص» طبع بتحقيق دي ساسي باريس عام 1244 ه/1828 م و طبع في القاهرة طبعة حجر عام 1273 ه/1856 م، و طبع في القسطنطينية بمطبعة الجوائب عام 1296 ه/1878 م، و طبع بتحقيق نوربك في ليبسك عام 1389 ه/1968 م، و أعادت طبعه بالأوفست مكتبة المثنى في بغداد عام 1389 ه/1968 م، و طبع بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم القاهرة بمطبعة نهضة مصر عام 1396 ه/1975 م (ذخائر التراث العربي:470/1) و انظر درة الغواص ص:54.
4) ساقطة من المخطوطة.
العاشر: أنه لما كان صفات اللّه تعالى صيغة المبالغة [فيها و غير المبالغة] (1)سواء في الإثبات جرى النفي على ذلك.
الحادي عشر: أنه قصد التعريض بأن ثمة ظلاّما للعبيد من ولاة الجور.
و أما «فعال» بالتخفيف و التشديد، نحو عجاب و كبار، قال تعالى: إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (ص:5)، و قال: وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً (نوح:22)، قال المعري (2)في «اللاّمع العزيزي»: (3)«فعيل» إذا أريد به المبالغة نقل به إلى «فعال» و إذا أريد به الزيادة شدّدوا فقالوا:«فعّال»، ذلك من عجيب و عجاب و عجّاب، و قرأ أبو عبد الرحمن السلمي:
514/2 إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (ص:5) بالتشديد، و قالوا: طويل و طوّال؛ و يقال: نسب قريب، و قراب، و هو أبلغ، قال الحارث بن ظالم (4)
(5-5) ساقطة من المخطوطة.
:و كنت إذا رأيت بني لؤيّ عرفت الودّ و النسب القرابا
و أما فعول: كغفور، و شكور، و ودود، فمنه قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ [161/أ] كَفّارٌ (5)(إبراهيم:34).
و قوله تعالى في نوح: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (الإسراء:3).
و قد أطربني قوله تعالى: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (سبأ:13) فقلت:
الحمد للّه الذي [ما] (5)قال:«الشاكر».
فإن قيل: قوله تعالى: إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَ إِمّا كَفُوراً (الإنسان:3)، كيف غاير بين الصفتين و جعل المبالغة من جانب الكفران؟.ة.
1) ساقطة من المخطوطة.
2) أبو العلاء، و كتابه قال القفطي عنه في إنباء الرواة 100/1 «كتاب الفتحي و يعرف «باللامع العزيزي» في شرح غريب شعر المتنبي، عمل للأمير عزيز الدولة، أبي الدوام ثابت بن الأمير تاج الأمراء...، مقداره مائة و عشرون كراسة». و انظر (معجم الأدباء 162/3).
3) زيادة في المخطوطة في هذا الموضع لا محل لها و هي (فعول).
4) هو الحارث بن ظالم بن غيظ المري أبو ليلى، أشهر فتاك العرب في الجاهلية نشأ يتيما قتل أبوه و هو طفل، و شب في نفسه أشياء من قاتل والده و آلت إليه سيادة غطفان و كان له في كل حي يأوي إليه حادثة و شاع خبره في القبائل فتحامت العرب شره، و انطلق فجعل يطوف في البلاد حتى وصل إلى الشام فقتل في حوران نحو 22 ق ه.(الأعلام 156/2).
قلت: هذا سأله الصاحب بن عباد للقاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي، فأجاب بأن نعم اللّه على عباده كثيرة، و كلّ شكر يأتي في مقابلتها قليل، و كلّ كفر يأتي في مقابلتها عظيم، فجاء شكور (1)بلفظ «فاعل» و جاء كفور (2)[بلفظ] (3)
(4-4) ليست في المخطوطة.
«فعول» على وجه المبالغة.فتهلّل وجه الصاحب.
و أما فعل: فكقوله تعالى: وَ إِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (الشعراء:56).
و قوله [تعالى] (4): كَذّابٌ أَشِرٌ (القمر:25)، قرن «فعلا» بفعّال.
و أما فعل: فيكون صفة، كقوله تعالى: أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (البلد:6)، [اللّبد] (4):الكثير (4)
(8-8) ليست في المخطوطة.
(10-10) ليست في المخطوطة.
.و قوله [تعالى] (4): إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (المدثر:35).
و يكون [مصدرا] (8)كهدى و تقى، و يكون معدولا عن أفعل من كذا، كقوله تعالى:
وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ (آل عمران:7) و قوله [تعالى: فَعِدَّةٌ] 8مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ (البقرة:184)، كما قال: أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرى (الأنعام:19).
و أما فعلى: فيكون اسما، كالشّورى و الرجعى، قال اللّه تعالى: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (العلق:8)، و قال تعالى: وَ كَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيا (التوبة:40).
و يكون صفة كالحسنى في تأنيث الأحسن، و السوأى في تأنيث الأسوأ، قال [تعالى] (10): ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى [أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللّهِ] (10) (الروم:
10).
قال الفارسيّ: يحتمل السوأى تأويلين.
أحدهما: أن يكون تأنيث «الأسوأ»، و المعنى كان عاقبتهم لخلة (5)السوأى، فتكون [«السوأى»] (6)على هذا خارجة من الصلة، فتنصب على الموضع، و موضع «أن»516/2ة.
نصب، فإنه مفعول له، أي كان عاقبتهم الخصلة (1)السوأى لتكذيبهم.
الثاني: أن يكون السّوأى مصدرا مثل الرّجعى، و على هذا فهي داخلة في الصلة، و منتصبة بأساءوا، كقوله تعالى: وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (المزمل:8)، و يكون أَنْ كَذَّبُوا نصبا، لأنه خبر كان.
و يجوز في إعراب اَلسُّواى وجه ثالث؛ و هو أن يكون في موضع رفع صفة «العاقبة»؛ و تقديرها: ثم كان عاقبتهم المذمومة التكذيب.
و «الفعلى» في هذا الباب و إن كانت في الأصل صفة، بدليل قوله تعالى: وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى (الأنفال:42)، و قوله [تعالى] (2): فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (النازعات:20)، فجرت صفة على موصوفها، فإنها في كثير من الأمور تجرى مجرى الأسماء؛ كالأبطح، و الأجرع، و الأدهم.
[إطلاق] (3)المثنى و إرادة الواحد.
كقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ (الرحمن:22)؛ و إنما يخرج من أحدهما.
و نظيره قوله تعالى: وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ، (فاطر:12)، و إنما تخرج الحلية من الملح، و قد غلط في هذا المعنى أبو ذؤيب الهذليّ (4)
(5-5) العبارة في المخطوطة:(فاجأها من لطمه).
حيث، قال يذكر الدّرة:(5) فجاء بها ما شئت من لطميّة (5) يدوم الفرات فوقها و يموج (5).
1) في المخطوطة (الخلة).
2) ليست في المخطوطة.
3) ساقطة من المطبوعة.
4) هو خويلد بن خالد بن محرث، أبو ذؤيب الهذلي، كان فصيحا، كثير الغريب متمكنا في الشعر، و عاش في الجاهلية دهرا، و أدرك الإسلام فأسلم، و عامة ما قال من الشعر في إسلامه، توفي في خلافة عثمان، و قيل استشهد غازيا بأرض الروم (ابن حجر الإصابة في تمييز الصحابة 66/4).
5) البيت في ديوان الهذليين 57/1.
و الفرات لا يدوم فوقها؛ و إنما يدوم الأجاج.
و قال أبو عليّ (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
في قوله تعالى: عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (الزخرف:31): « (2)[إن ظاهر اللفظ يقتضي أن يكون من مكة و الطائف جميعا؛ و لما لم يمكن أن يكون منهما، دلّ المعنى على تقدير:«رجل من إحدى القريتين».
و قوله [تعالى]: وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً (نوح:16) (2)». أي في إحداهنّ.
و قوله تعالى: نَسِيا حُوتَهُما (الكهف:61)، و الناسي كان يوشع (2)
(5-5) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة و هو في المطبوعة.
،بدليل قوله 4/3 لموسى: فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ (الكهف:63)؛ و لكن أضيف النّسيان لهما جميعا لسكوت موسى عنه.و قوله [تعالى]: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ 5فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ (5). و التعجيل يكون في اليوم الثاني، و قوله: وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ (البقرة:203)، قيل: إنه من هذا أيضا، و إن موضع الإثم و التعجيل يجعل [المتأخر] (3)الذي لم يقصّر مثل ما جعل للمقصّر. و يحتمل أن يراد: لا يقولنّ أحدهما لصاحبه: أنت مقصّر؛ فيكون المعنى: لا يؤثّم أحدهما صاحبه.
و قوله [تعالى]: وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ (النساء:11).
و قوله [تعالى]: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ (الأعراف:190)، أي أحدهما، على أحد القولين.
و قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (البقرة:
229). فالجناح على الزّوج لأنه أخذ ما أعطى؛ قال أبو بكر الصيرفي (4)المعنى: فإن1.
1) هو أبو علي الفارسي، كما في الاتقان للسيوطي 118/3 في النوع الثاني و الخمسين في حقيقته و مجازه. تقدم ذكره في 375/1.
2) هو فتى موسى عليه السلام، و هو من ذرية النبي يوسف عليه السلام، قال ابن الأثير:«و ولد يوسف افرايم و منشا فولد لافرايم نون و لنون يوشع»(الكامل في التاريخ 88/1).
3) في المخطوطة «التأخير».
4) هو محمد بن عبد اللّه، أبو بكر الصيرفي تقدم ذكره في 380/1.
[161/ب] خيف من [أحدهما] (1)ذلك جازت الفدية، و ليس الشرط أن يجتمعا على عدم الإقامة.
و قوله تعالى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ (ق:24)، قيل هو خطاب للملك. و قال المبرد (2):
ثنّاه على «ألق»، و المعنى: ألق ألق، و كذلك القول في «قفا» و خالفه أبو إسحاق (3)،و قال:
بل هو مخاطبة للملكين.
و قال الفراء (4)
(5-5) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة و هو في المخطوطة.
(7-7) في المخطوطة «الجنتين ما لا عين رأت».
في قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (الرحمن:13) قال:يخاطب الإنسان مخاطبه بالتثنية. و جعل منه قوله تعالى: وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (الرحمن:46): و قوله تعالى: [لِأَحَدِهِما] 5 جَنَّتَيْنِ (الكهف:32) فقيل:
[المراد] (5) جنة واحدة بدليل قوله تعالى آخر الآية: وَ دَخَلَ جَنَّتَهُ (الكهف:35) فأفرد بعد ما ثنى.
و قوله: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها (الكهف:33) فإنه ما ثنى هنا إلا للإشعار بأن لها وجهين، و أنك إذا نظرت عن يمينك و يسارك رأيت في كلتا (7) الناحيتين ما يملأ عينك قرّة (7)،و صدرك مسرّة.
و قوله تعالى: أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ (المائدة:
1) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة و هو في المخطوطة.
2) هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر، أبو العباس المبرّد، تقدم ذكره في 497/2.
3) هو إبراهيم بن السّري بن سهل، أبو اسحاق الزجاج، تقدمت ترجمته في 105/1.
4) هو يحيى بن زياد بن عبد اللّه الديلمي، أبو زكريا الفراء، تقدمت ترجمته في 159/1.
5) من بيت للفرزدق تمامه: أخذنا بآفاق السّماء عليكم لنا قمراها و النّجوم الطّوالع و البيت في ديوانه (طبعة دار صادر بيروت 419/1) من قصيدة «أولئك آبائي».
الحسن (1)،و حكاه عنه ابن جني (2)في كتاب «القدّ» و عليه حمل ابن جني و غيره قول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل (3)
و يؤيده قوله بعده:
أ صاح ترى برقا أريك وميضه (4).
و قول الفرزدق:
عشيّة سال المربدان كلاهما سحابة موت بالسّيوف الصّوارم (5)
و إنما هو مربد البصرة فقط.
و قوله:«و دار لها بالرقمتين» (6).
و قوله:«ببطن المكتين» (7).خل
1) هو سعيد بن مسعدة المجاشعي البلخي البصري، تقدمت ترجمته (في 134/1).
2) هو عثمان بن جنّي، أبو الفتح النحوي تقدم ذكره في 361/1. و كتابه «ذي القدّ في النحو» ذكره (ياقوت الحموي في معجم الأدباء 113/12). و قول ابن جنّي ذكره (السيوطيّ في الاتقان 118/3).
3) من بيت لامرئ القيس تمامه: قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل و البيت في ديوانه (طبعة دار صادر. بيروت ص:29) من معلقته «قفانبك».
4) صدر بيت له من آخر المعلقة، و تمامه: أ صاح ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في حبيّ مكلّل (ديوان امرئ القيس ص:59).
5) البيت في ديوانه (طبعة دار صادر بيروت 319/2) من قصيدة عنوانها «حقّنا دماء المسلمين». و في الديوان «عجاجة موت».
6) من بيت لزهير بن أبي سلمى. من معلقته و تمامه: و دار لها بالرّقمتين كأنّها مراجيع و شم في نواشر معصم و البيت في ديوانه (طبعة دار صادر بيروت ص:74).
7) أورد المرتضى في (أماليه 184/2) بيتا قال فيه: فقولا لأهل المكّتين تحاشدوا و سيروا إلى آطام يثرب و النّخل
و قول جرير:
لما مررت بالدّيرين أرقني صوت الدّجاج و قرع بالنّواقيس (1)
ص:249 من قصيدة عنوانها «نحمي و نغتصب الجبار» و في الديوان «لما تذكّرت بالدّيرين». انظر (معجم البلدان لياقوت 540/2).
.قالوا: أراد «دير الوليد» (2)فثناه باعتبار ما حوله.
إطلاق الجمع و إرادة الواحد
كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ (المؤمنون:51)، إلى قوله:
7/3 فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ (المؤمنون:54)، قال أبو بكر الصيرفي (3)
(4-4) اضطربت العبارة في المخطوطة.
:فهذا خطاب للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم وحده؛ إذ لا نبيّ معه و لا بعده.و مثله: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا... (الزخرف:32) الآية، و هذا مما لا شريك فيه، و الحكمة في التعبير بصيغة الجمع أنه لما كانت تصاريف أقضيته سبحانه و تعالى تجري على أيدي خلقه (4) نزّلت أفعالهم منزلة قبول القول بمورد الجمع (4).
و جعل منه ابن فارس (4)قوله تعالى: وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (النمل:35)، و الرسول كان واحدا، بدليل قوله تعالى: اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ (النمل:37).
و فيه نظر؛ من جهة أنه يحتمل مخاطبة رئيسهم، فإنّ العادة جارية-لا سيّما من الملوك ألاّ يرسلوا واحدا.
و منه: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ (الشعراء:21) و غير ذلك، و قد تقدم في وجوه المخاطبات (5).
و منه: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ (النحل:2)، و المراد جبريل.
و قوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ (النساء:54)؛ و المراد محمد صلّى اللّه عليه و سلّم.
و قوله: اَلَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ (آل عمران:173)؛ و المراد بهم ابن مسعود الثقفي (1)و إنما جاز إطلاق لفظ «الناس» على الواحد؛ لأنه إذا قال الواحد قولا و له أتباع 8/3 يقولون مثل قوله، حسن إضافة ذلك الفعل إلى الكل، قال اللّه تعالى: وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها (البقرة:72)، وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً (البقرة:
إطلاق لفظ التثنية و المراد الجمع
كقوله تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ (الملك:4) فإنّه و إن كان لفظه (3) لفظ التثنية فهو جمع، و المعنى «كرات» لأنّ البصر لا يحسر إلا بالجمع (3).
و جعل منه بعضهم قوله تعالى: اَلطَّلاقُ مَرَّتانِ (البقرة:229).
التكرار على وجه التأكيد
و هو مصدر كرر إذا ردّد و أعاد؛ هو «تفعال» بفتح التاء؛ و ليس بقياس، بخلاف التفعيل.
1) هو نعيم بن مسعود بن عامر، أبو سلمة الأشجعي رضي اللّه عنه. صحابي مشهور. له ذكر في البخاري أسلم ليالي الخندق، و هو الذي أوقع الخلاف بين الحيّين قريظة و غطفان في وقعة الخندق، قتل في أول خلافة الامام علي رضي اللّه عنه قبل قدومه البصرة في وقعة الجمل، و قيل في خلافة عثمان (ابن حجر الإصابة في تمييز الصحابة 538/3).
2) الخبر ورد ذكره في السيرة النبوية لابن هشام 103/3 (بتحقيق مصطفى السقا و آخرين). عقب غزوة أحد.
(3-3) في المخطوطة(... التثنية على معنى كرات لأنّ البصر لا يحسر إلا بالجمع).
9/3 و قال الكوفيون: هو مصدر «فعّل» و الألف عوض من الياء في التفعيل.[162/أ] و الأول مذهب سيبويه.
و قد غلط من أنكر كونه من أساليب الفصاحة، ظنا أنه لا فائدة له؛ و ليس كذلك بل هو من محاسنها، لا سيما إذا تعلّق بعضه ببعض؛ و ذلك أنّ عادة العرب في خطاباتها إذ أبهمت بشيء إرادة لتحقيقه و قرب وقوعه، أو قصدت الدعاء عليه، كرّرته توكيدا، و كأنها تقيم تكراره مقام المقسم عليه، أو الاجتهاد في الدعاء عليه، حيث تقصد الدعاء؛ و إنما نزل القرآن بلسانهم، و كانت مخاطباته جارية فيما بين بعضهم و بعض، و بهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة. و على ذلك يحتمل ما ورد من تكرار المواعظ و الوعد و الوعيد، لأنّ الإنسان مجبول من الطبائع المختلفة، و كلّها داعية إلى الشهوات، و لا يقمع ذلك إلا تكرار المواعظ و القوارع، قال تعالى: وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ (القمر:17) قال في «الكشاف»: «أي سهّلناه للادّكار و الاتعاظ بأن شحنّاه (1)بالمواعظ الشافية و صرّفنا فيه من الوعد و الوعيد (2)».
ثم تارة يكون التكرار مرتين؛ كقوله: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (المدثر:19-20).
و قوله: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى* ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (القيامة:34-35).
و قوله: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ* ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (التكاثر:6-7).
و قوله: كَلاّ سَيَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (النبأ:4-5).
و قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَ ما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَ ما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ (آل عمران:78).
و قوله: فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ (التوبة:69).
و فائدته العظمى (3)التقرير، و قد قيل: الكلام إذا تكرّر تقرر.».
و قد أخبر اللّه سبحانه بالسبب الذي لأجله كرّر الأقاصيص و الأخبار في القرآن فقال:
وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (القصص:51).
و قال: وَ صَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (طه:113).
و حقيقته إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى؛ خشية تناسي الأول، لطول العهد به.
فإن أعيد لا لتقرير المعنى السابق لم يكن منه، كقوله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ* وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ* قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي* فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ (الزمر:11 -15).
فأعاد قوله: قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (الزمر:14) بعد قوله: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ،لا لتقرير الأول؛ بل لغرض آخر؛ لأن معنى الأول الأمر بالإخبار أنه مأمور بالعبادة للّه و الإخلاص له فيها، و معنى الثاني أنه يخصّ اللّه وحده دون غيره بالعبادة و الإخلاص؛ و لذلك قدّم المفعول على فعل العبادة في الثاني، و أخّر في الأول؛11/3 لأن الكلام أولا في الفعل؛ و ثانيا فيمن فعل لأجله الفعل.
و اعلم أنّه إنما يحسن سؤال الحكمة عن التكرار إذا خرج عن الأصل، أما إذا وافق الأصل فلا؛ و لهذا لا يتجه سؤالهم: لم كرر «إياك» في قوله: إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة:5).
فقيل: إنما كررت للتأكيد، كما تقول:«بين زيد و بين عمرو مال».
و قيل: إنما كررت لارتفاع أن يتوهم-إذا حذفت-أنّ مفعول «نستعين» ضمير متصل واقع بعد الفعل، فتفوت إذ ذاك الدلالة على المعنى المقصود، بتقديم المعمول على عامله.
و التحقيق أنّ السؤال غير متجه؛ لأنّ هنا عاملين متغايرين، كلّ منهما يقتضي معمولا، فإذا ذكر معمول كلّ واحد منهما بعده فقد جاء الكلام على أصله، و الحذف خلاف الأصل، فلا وجه للسؤال عن سبب ذكر ما الأصل ذكره، و لا حاجة إلى تكلّف الجواب عنه، و قس بذلك نظائره.
و له فوائد:
أحدها: التأكيد؛ و اعلم أنّ التكرير أبلغ من التأكيد، لأنه وقع في تكرار[162/ب] التأسيس؛ و هو أبلغ من التأكيد، فإنّ التأكيد يقرر إرادة معنى الأول و عدم التجوز، فلهذا قال الزمخشري في قوله تعالى: كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (التكاثر:
3-4): «إنّ الثانية تأسيس لا تأكيد؛ لأنه جعل الثانية أبلغ في الإنشاء فقال: و في ثُمَّ تنبيه على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول» (1).
12/3 و كذا قوله: وَ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ* ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (الانفطار:
17-18)، و قوله: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (المدثر:19-20) يحتمل أن يكون منه، و أن يكون من المتماثلين.
و الحاصل أنه: هل هو إنذار تأكيد، أو إنذاران؟ فإن قلت:«سوف تعلم، ثم سوف تعلم» كان أجود منه بغير عطف؛ لتجريه على غالب استعمال التأكيد، و لعدم احتماله لتعدد المخبر به.
و أطلق بدر الدين بن مالك (2)في «شرح الخلاصة» أن الجملة التأكيدية قد توصل بعاطف، و لم تختص بثم، و إن كان ظاهر كلام والده التخصيص؛ و ليس كذلك؛ فقد قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا اللّهَ (الحشر:
18)، فإن المأمور فيهما واحد، كما قاله النّحاس (3)و الزمخشري و الإمام فخر الدين و الشيخ عزّ الدين (4)
(5-5) اضطربت العبارة في المخطوطة على الشكل التالي «فمرادهم تأكيد المأمور به بتأكيد الانشاء، لا أنه تكرير لفظي...».
،و رجّحوا ذلك على احتمال أن تكون «التقوى» الأولى مصروفة لشيء غير «التقوى» الثانية مع شأن إرادته.و قولهم: إنه تأكيد، (5)فمرادهم تأكيد المأمور به بتكرير الإنشاء، لا أنّه تأكيد لفظيّ (5)، و لو كان تأكيدا لفظيا لما فصل بالعطف، و لما فصل بينه و بين غيره: وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ (الحشر:
18).».
1) ذكره الزمخشري في الكشاف 231/4 «بتصرف».
2) هو محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك، الشافعي النحوي، تقدم التعريف به و بكتابه في 188/2، و انظر قوله في كتابه «شرح الألفية» ص 509 عند كلامه عن التوكيد.
3) هو أحمد بن محمد بن إسماعيل تقدمت ترجمته في 356/1.
4) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي، تقدمت ترجمته في 132/1.
فإن قلت:«اتقوا» الثانية معطوفة على «و لتنظر».
أجيب بأنهم قد اتفقوا على أنّ: وَ قُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً (البقرة:83)، معطوف 13/3 على لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ (البقرة:83)، لا على قوله: وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً (البقرة:
83)؛ و هو نظير ما نحن فيه.
و قوله تعالى: يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (آل عمران:42)، و قوله: فَاذْكُرُوا اللّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ (البقرة:
و كقوله تعالى حكاية عن موسى: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً* وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً (طه:
33-34). [و لم يقل «نسبّحك و نذكرك كثيرا»] (1)و قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ (الرعد:5)، كرر «أولئك».
و كذلك قوله: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (البقرة:5).
و كذا قوله: فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي [هُوَ عَدُوٌّ لَهُما] 2... (القصص:
و قوله: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ* وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (الزمر:11-12).
الثاني: زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة، ليكمل تلقّي الكلام بالقبول، و منه قوله تعالى: وَ قالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ* يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا 14/3 مَتاعٌ [وَ إِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ*] (2)،(غافر:38-39)، فإنه كرر فيه النداء لذلك.ة.
الثالث: إذا طال الكلام و خشي تناسي الأول أعيد ثانيا تطرية له، و تجديدا لعهده (1)، كقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (النحل:119).
و قوله: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا... [النحل:110] الآية.
و قوله: وَ لَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ (البقرة:89) ثم قال: فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا فهذا تكرار للأول، أ لا ترى أن لما لا تجيء بالفاء! و مثله: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ (آل عمران:188)، ثم قال: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ (آل عمران:188).
و قوله: وَ لَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ (البقرة:253)، ثم قال: وَ لَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا (البقرة:253).
و منه قوله: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (يوسف:4).
و قوله: أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَ كُنْتُمْ تُراباً وَ عِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (المؤمنون:35) فقوله: أَنَّكُمْ الثاني بناء على الأول، إذكارا (2)به خشية[163/أ] تناسيه.
و قوله: وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (الروم:7).
و كذلك قوله: إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ* وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (الصافات:105 إلى 107) إلى قوله: كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (الصافات:105).
بغير إِنّا و في غيره من مواضع ذكر إِنّا كَذلِكَ ،لأنه يبنى على ما سبقه في هذه الصّفة (3)من قوله إِنّا كَذلِكَ ؛فكأنه صرّح (4)فيما اكتفى بذكره أولا عن ذكره ثانيا. و لأن التأكيد بالنسبة، فاعتبر اللفظ من حيث هو دون توكيده (5).».
و يحتمل أن يكون من باب الاكتفاء؛ و هذا أسلوب غريب، و قلّ في القرآن وجوده، و أكثر ما يكون عند تقدم مقتضيات الألفاظ، كالمبتدإ، و حروف الشرطين الواقعين (1)في الماضي و المضارع. و يستغنى عنه عند أمر محذور (2)التناسي.
و قد يرد منه شيء يكون بناؤه بطريق الإجمال و التفصيل بأن تتقدم (3)
(4-4) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
التفاصيل و الجزئيات في القرآن، فإذا خشي عليها التناسي لطول العهد بها بنى على ما سبق بها بالذكر الجمليّ، كقوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللّهِ وَ قَتْلِهِمُ 4[الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً* وَ بِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ] (4) (النساء:155) إلى قوله: وَ أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (النساء:161) فقوله فَبِظُلْمٍ بيان لذكر الجمليّ على ما سبق في القول من التفصيل، و ذلك أن الظلم جمليّ على ما سبق من التفاصيل من النقض و الكفر و قتل الأنبياء، وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ (النساء:شَهِيداً (النساء:159) و [دون] (4)أنه لما ذكر بالبناء جمليّ الظلم من قوله فَبِظُلْمٍ لأنه يعم على كل ما تقدم و ينطوي عليه ذكر حينئذ متعلق الجملي من قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ (النساء:155) عقب الباء لأن العامل في الأصل حقه أن يلي معموله، فقال:
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا (النساء:160) هو متعلق بقوله: فَبِظُلْمٍ (النساء:16/3 160)، و قد اشتمل الظلم على كلّ ما تقدم قبله، كما أنه أيضا اشتمل على كل ما تأخر من المحرّمات الأخر التي عددت بعد ما اشتملت على ذكر الشيء بالعموم و الخصوص؛ فذكرت الجزئيات الأولى بخصوص كلّ واحد، ثم ذكر العام المنطوي عليها؛ فهذا تعميم بعد تخصيص. ثم ذكرت جزئيات أخر بخصوصها، فتركيب الأساليب من وجوه كثيرة في الآية؛ و هو التعميم بعد التخصيص، ثم التخصيص بعد التعميم، ثم البناء بعد الاعتراض.ة.
و منه قوله تعالى: وَ لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِساءٌ مُؤْمِناتٌ (الفتح:25) إلى قوله:
عَذاباً أَلِيماً (الفتح:25)، فقوله: وَ لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ (الفتح:25) إلى قوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ (الفتح:25) هو المقتضي الأول المتقدم، و قوله لَوْ تَزَيَّلُوا (الفتح:25) هو المقتضي الثاني و هو البناء، لأنه المذكّر بالمقتضي الأول الذي هو «لو لا» خشية تناسيه، فهو مبني على الأول، ثم أورد مقتضاها من الجواب بقوله: لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ (الفتح:25) ورودا واحدا من حيث أخذا معا، كأنهما مقتضى منفرد، من حيث هما واحد بالنوع؛ و هو الشرط الماضي. فقوله: لَوْ تَزَيَّلُوا (الفتح:25) بناء على قوله: وَ لَوْ لا رِجالٌ (الفتح:25) نظر في المضارعة. و أما قوله: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (النحل:119) فيجوز أن يكون تكريرا، و يجوز أن يكون الكلام عند قوله: وَ أَصْلَحُوا و يكون الثاني بيانا لمجمل لا تكريرا.
و قد جعل ابن المنيّر (1)من هذا القسم قوله[163/ب] تعالى. مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ (النحل:106) ثم قال: مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً (النحل:106).
17/3 و قوله: وَ لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ... (الفتح:25) ثم قال: لَوْ تَزَيَّلُوا (الفتح:
الرابع: في مقام التعظيم و التهويل؛ كقوله تعالى: اَلْحَاقَّةُ* مَا الْحَاقَّةُ (الحاقة:
1-2) اَلْقارِعَةُ* مَا الْقارِعَةُ (القارعة:1-2). إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (القدر:1-2).
و قوله: وَ أَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (الواقعة:27).).
1) هو أحمد بن محمد بن منصور الجذامي، تقدمت ترجمته في 176/1.
2) هو عبد الكريم بن علي بن عمر الأنصاري، علم الدين العراقي، خطيب جامع مصر، ولد سنة(622 ه) اعتنى علم الدين بالعلوم الشرعية فمهر في الفقه و الأصول و العربية، و مهر في الكتابة و الحساب و له نظم و نثر، كان حسن الفكاهة متواضعا لا يسأم من المذاكرة، له من التصانيف «الانتصار للزمخشري من ابن المنير» أخذ عنه أبو حيّان و السبكي و آخرون توفي سنة(704 ه)(ابن حجر، الدرر الكامنة 399/2).
و قوله: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ* وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (الواقعة:8-9).
و قوله: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ (المدثر:31).
الخامس: في مقام الوعيد و التهديد، كقوله تعالى: كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (التكاثر:4-5) و ذكر ثُمَّ في المكرر دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول، و فيه تنبيه على تكرر ذلك مرة بعد أخرى، و إن تعاقبت عليه الأزمنة لا يتطرّق إليه تغيير، بل هو مستمر دائما.
السادس: التعجّب، كقوله تعالى: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (المدثر:18/3 19-20)، فأعيد تعجّبا من تقديره و إصابته الغرض، على حدّ: قاتله اللّه ما أشجعه! السابع: لتعدد المتعلق، كما في قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (الرحمن:
13)، فإنها و إن تعدّدت؛ فكلّ واحد منها متعلق بما قبله، و إنّ اللّه تعالى خاطب بها الثّقلين من الإنس و الجن، و عدّد عليهم نعمه التي خلقها لهم، فكلّما ذكر فصلا من فصول النّعم طلب إقرارهم و اقتضاهم الشكر عليه، و هي أنواع مختلفة، و صور شتى.
فإن قيل: فإذا كان المعنىّ في تكريرها عدّ النعم و اقتضاء الشكر عليها، فما معنى قوله:
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَ نُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (الرحمن:35)؟ و أيّ نعمة هنا! و إنما هو وعيد.
قيل: إن نعم اللّه فيما انذر به و حذّر من عقوباته على معاصيه ليحذروها فيرتدعوا عنها، نظير أنعمه على ما وعده، و بشر من ثوابه على طاعته؛ ليرغبوا فيها، و يحرصوا عليها؛ و إنما تتحقق معرفة الشيء بأن تعتبره بضدّه، و الوعد و الوعيد و إن تقابلا في ذواتهما، فإنهما متقاربان في موضع النعم بالتوقيت على ملاك الأمر منها، و عليه قول بعض حكماء الشعراء:
و الحادثات و إن أصابك بؤسها فهو الذي أنباك كيف نعيمها
و إنما ذكرنا هذا، لتعلم الحكمة في كونها زادت على ثلاثة، و لو كان عائدا لشيء واحد لما زاد على ثلاثة؛ لأن التأكيد لا يقع به أكثر من ثلاثة.
فإن قيل: فإذا كان المراد بكلّ ما قبله، فليس ذلك بإطناب، بل هي ألفاظ أريد بها غير ما أريد بالآخر.
19/3 قلت إن قلنا: العبرة بعموم اللفظ؛ فكل واحد أريد به غير ما أريد بالآخر.
و قد تكلف لتوجيه العدّة التي جاءت عليها هذه الآية مكررة، قال الكرمانيّ (1):جاءت آية واحدة في هذه السورة كرّرت نيّفا و ثلاثين مرة، لأن ست عشرة راجعة إلى الجنان، لأن لها ثمانية أبواب، و أربعة عشر منها راجعة إلى النعم و النقم، فأعظم النقم جهنم، و لها سبعة أبواب. و جاءت سبعة في مقابلة تلك الأبواب، و سبعة عقب كل نعمة ذكرها للثّقلين.
و قال غيره: نبّه في سبع منها على ما خلقه اللّه للعباد من نعم الدنيا المختلفة على عدّة أمهات النعم[164/أ] و أفرد سبعا منها للتخويف، و إنذارا على عدة أبواب المخوف منه، و فصل بين الأول و السبع الثواني بواحدة سوّى فيها بين الخلق كلهم فيما كتبه عليهم من الفناء، حيث اتصلت بقوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (الرحمن:26)، فكانت خمس عشرة، أتبعت بثمانية في وصف الجنان و أهلها على عدة أبوابها، ثم بثمانية أخر في وصف الجنتين اللتين من دون الأوليين لذلك أيضا فاستكملت إحدى و ثلاثين.
و من هذا النوع قوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (الآية:15)، في سورة المرسلات عشر مرات، لأنه سبحانه ذكر قصصا مختلفة، و أتبع كلّ قصة بهذا القول، فصار كأنه قال عقب كل قصة:«ويل للمكذبين بهذه القصة! و كل قصة مخالفة لصاحبتها»، فأثبت الويل لمن كذّب بها.
و يحتمل أنه لما كان جزاء الحسنة بعشر أمثالها، و جعل للكفّار في مقابلة كلّ مثل من الثواب ويل.
20/3 و منها في سورة الشعراء قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (الآية:8-9) في ثمانية مواضع؛ لأجل الوعظ، فإنه قد يتأثر بالتكرار من لا يتأثر بالمرة الواحدة.
و أما قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً ،فذلك لظهور آيات الأنبياء عليهم السلام، و العجب من تخلّف من لا يتأملها مع ظهورها.
و أما مناسبة قوله: اَلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ فإنه تعالى نفى الإيمان عن الأكثر؛ فدلّ بالمفهومف.
1) هو محمود بن حمزة بن نصر، تقدمت ترجمته في 206/1. و انظر قوله في كتابه البرهان في توجيه متشابه القرآن (بتحقيق: عبد القادر أحمد عطا) ص:179، بتصرّف.
على إيمان الأقلّ، فكانت العزة على من لم يؤمن، و الرحمة لمن آمن، و هما مرتبتان كترتيب الفريقين. و يحتمل أن يكون من هذا النوع قوله تعالى: كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ... (التكاثر:4-5) الآية، لأنّ علمهم يقع أولا و ثانيا على نوعين مختلفين بحسب المقام؛ و هذا أقرب للحقيقة الوضعية و حال المعبر عنه؛ فإن المعاملات الإلهيّة للطائع و العاصي متغيّرة الأنواع [الدنيوية] (1)ثم البرزخية، ثم الحشرية، كما أن أحوال الاستقرار بعد الجميع في الغاية؛ بل كل مقام من هذه أنواع مختلفة، و في «ثم» دلالة على الترقي، إن لم يجعل الزمان مرتبا في الإنذار على التكرار، و في المنذر به على التنويع.
و منه تكرار: فَذُوقُوا عَذابِي وَ نُذُرِ (القمر:39)، قال الزمخشري: كرّر ليجدوا عند سماع كل نبإ منها اتعاظا و تنبيها، و أن كلا من تلك الأنباء مستحق باعتبار يختص به، و أن يتنبهوا كيلا يغلبهم السرور و الغفلة (2).
و منه قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ* لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ... (الكافرون:
1-2) إلى آخرها يحكى أن بعض الزنادقة سأل الحسن بن عليّ رضي اللّه عنهما عن هذه الآية 21/3 فقال:«إنّي أجد في القرآن تكرارا و ذكر له ذلك، فأجابه الحسن بما حاصله: إن الكفار قالوا:
نعبد إلهك شهرا و تعبد آلهتنا شهرا»، فجاء النفي متوجها إلى ذلك. و المقصود أن هذه [الآية] (3)ليست من التكرار في شيء، بل هي بالحذف و الاختصار أليق؛ و ذلك لأن قوله:
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (الكافرون:2)؛ أي لا أعبد في المستقبل [ما تعبدون في المستقبل] (4)،و قوله: وَ لا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (الكافرون:4)، أي و لا أنا عابد في الحال ما عبدتم في المستقبل،[ وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ (الكافرون:3) في الحال ما أعبد في المستقبل] (5).
و الحاصل أن القصد نفي عبادته لآلهتهم في الأزمنة الثلاثة: الحال، و الماضي،ة.
و الاستقبال؛ و المذكور في الآية النفي في الحال و الاستقبال، و حذف الماضي من جهته و من جهتهم؛ و لا بد من نفيه، لكنه حذف لدلالة الأولين عليه.
و فيه تقدير آخر؛ و هو أن الجملة الأولى فعلية، و الثانية اسمية، و قولك:[164/ب] «لا أفعله و لا أنا فاعله» أحسن من قولك:«لا أفعله و لا أفعله»؛ فالجملة الفعلية نفي لإمكانه، و الاسمية نفي لاتّصافه، كما في قوله تعالى: وَ ما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ (الروم:53)، وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (فاطر:22). و المعنى أنه تبرّأ من فعله و من الاتّصاف به، و هو أبلغ في النفي؛ و أما المشركون فلم ينتف عنهم إلا بصيغة واحدة؛ و هي قوله: وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (الكافرون:3) في الموضعين.
و فرق آخر، و هو أنه قال في نفيه الجملة الاسمية: وَ لا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (الكافرون:4)، و قال في النفي عنهم: وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (الكافرون:3) عائد في حقه بين الجملتين، و قال: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (الكافرون:2) بالمضارع، و في الثاني: وَ لا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (الكافرون:4) بالماضي، فإن المضارع يدل على الدوام، بخلاف الماضي، فأفاد ذلك أنّ ما عبدتموه و لو مرّة ما أنا عابد له البتّة، ففيه كمال 22/3 براءته و دوامها ممّا عبدوه و لو مرّة؛ بخلاف قوله: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (الكافرون:2)، فإن النفي من جنس الإثبات، و كلاهما مضارع يظهران جملة و منفردا.
و منه تكرير الأمر بالتوجه إلى البيت الحرام في ثلاث آيات من سورة البقرة؛ لأن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة أصناف من الناس: اليهود؛ لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم. و أهل النفاق أشدّ إنكارا له، لأنه كان أول نسخ نزل. و كفار قريش قالوا: ندم محمد على فراق ديننا فيرجع إليه كما رجع إلى قبلتنا، و كانوا قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون: يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملّة إبراهيم و إسماعيل؛ و قد فارق قبلتهما و آثر عليها قبلة اليهود؛ و قال اللّه تعالى حين أمره بالصلاة إلى الكعبة: لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ (البقرة:150) و الاستثناء منقطع، أي لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون و لا يهتدون. و قال سبحانه: اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (البقرة:147) أي الذين أشركوا فلا تمتر في ذلك، و قال تعالى: وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (البقرة:146)، أي يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء.
و منه قوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ* وَ أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (الصافات:
174-175:) و قال صاحب «الينبوع» (1):لم يبلغني عن المفسرين فيه شيء.
و قال المفسرون في غريب القرآن: هما في المعنى كالآيتين المتقدمتين، فكرّر (2)23/3 للتأكيد و تشديد الوعيد.
و يحتمل أن يكون «الحين» في الأوليين يوم بدر، و «الحين» في هاتين يوم فتح مكة.
و من فوائد قوله تعالى في الأوليين:(و أبصارهم) و في هاتين:(فأبصر) أن الأولى بنزول العذاب بهم يوم بدر قتلا و أسرا و هزيمة و رعبا، فما تضمنت التشفّي بهم قيل له:
(أبصارهم)، و أما يوم الفتح فإنه اقترن بالظهور عليهم الإنعام بتأمينهم و الهداية إلى إيمانهم فلم يكن وفقا للتشفي بهم، بل كان في استسلامهم، و إسلامهم لعينه قرّة، و لقلبه مسرّة، فقيل له:
(أبصر).
و يحتمل على هذا-إن شاء اللّه-أن يكون من فوائد قوله تعالى في هذه: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أي يبصرون منك عليهم بالأمان، و مننّا عليهم بالإيمان.
و منه قوله تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ (الممتحنة:10).
و للتكرار فائدتان:
إحداهما: أنّ التحريم قد يكون في الطرفين؛ و لكن يكون المانع من إحداهما؛ كما لو [165/أ] ارتدّت الزوجة قبل الدخول؛ يحرم النكاح من الطرفين؛ و المانع من جهتهما (3)،فذكر اللّه سبحانه الثانية، ليدل على أن التحريم كما هو ثابت في الطرفين كذلك المانع منهما.
و الثانية: أنّ الأولى دلّت على ثبوت التحريم في الماضي؛ و لهذا أتى فيها بالاسم الدّال على الثبوت؛ و الثانية في المستقبل، و لهذا أتى فيها بالفعل المستقبل.
و منه تكرار الإضراب.».
و اعلم أن «بل» إذا ذكرت بعد كلام موجب فمعناها الإضراب.
و هو إما أن يقع في كلام الخلق؛ و معناه إبطال ما سبق على طريق الغلط من المتكلم؛ أو أنّ الثاني أولى.
و إما أن يقع في كلام اللّه تعالى، و هو ضربان:
أحدهما: أن يكون ما فيها من الردّ راجعا إلى العباد؛ كقوله تعالى: قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ (الأنبياء:5).
و الثاني: أن يكون إبطالا؛ و لكنه على أنه قد انقضى وقته؛ و أن الذي بعده أولى بالذكر، كقوله تعالى: بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ [بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ] (1)(النمل:66) و قوله: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ (ص:
8).
و زعم ابن مالك في شرح «الكافية» (2)أن «بل» حيث وقعت في القرآن فإنها للاستئناف لغرض آخر لا لإبطال الأول؛ و هو مردود بما سبق، و بقوله: وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (الأنبياء:26)؛ فأضرب بها عن قولهم، و أبطل كذبهم.
و قوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (الشعراء:166)، أضرب بها عن حقيقة إتيانهم الذكور و ترك الأزواج.
و منه قوله تعالى: وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ (الطلاق:2)، 25/3 فالأول للمطلّقين و الثاني للشهود؛ نحو: وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ...] (3)(البقرة:232)، [أوّلها للأزواج] (4)و آخرها للأولياء.
و منه تكرار الأمثال، كقوله تعالى: وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ* وَ لاَ الظُّلُماتُ وَ لاَ النُّورُ* وَ لاَ الظِّلُّ وَ لاَ الْحَرُورُ* وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لاَ الْأَمْواتُ (فاطر:
19-20-21-22).ة.
و كذلك ضرب مثل المنافقين أول البقرة (1)ثنّاه اللّه تعالى.
قال الزمخشريّ:«و الثاني [أبلغ (2)من الأول لأنه أدلّ على فرط الحيرة، و شدّة الأمر و فظاعته»، قال:«و لذلك أخّر]، و هم يتدرّجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ».
و منه تكرار القصص في القرآن؛ كقصة إبليس في السجود لآدم، و قصة موسى و غيره من الأنبياء، قال بعضهم: ذكر اللّه موسى في مائة و عشرين موضعا من كتابه، قال ابن العربي (3)في «القواصم»: ذكر اللّه قصة نوح في خمسة و عشرين آية، و قصة موسى في سبعين آية.
انتهى.
و إنما كررها لفائدة خلت عنه في الموضع الآخر و هي أمور:
أحدهما: أنه إذا كرّر القصة زاد فيها شيئا، أ لا ترى أنه ذكر الحية في عصا موسى عليه 26/3 السّلام، و ذكرها في موضع آخر ثعبانا، ففائدته أن ليس كل حية ثعبانا، و هذه عادة البلغاء، أن يكرر أحدهم في آخر خطبته أو قصيدته كلمة [لصفة] (4)زائدة.
الثانية: أن الرجل كان يسمع القصة من القرآن ثم يعود إلى أهله، ثم يهاجر بعده آخرون يحكون عنه ما نزل بعد صدور الأولين؛ و كان أكثر من آمن به مهاجريا؛ فلولا تكرر القصة لوقعت قصة موسى إلى قوم، و قصة عيسى إلى آخرين، و كذلك سائر القصص، فأراد اللّه سبحانه و تعالى اشتراك الجميع[165/ب] فيها، فيكون فيه إفادة القوم، و زيادة تأكيد و تبصرة لآخرين و هم الحاضرون، و عبّر عن هذا ابن الجوزي (5)و غيره.[بأن يقال كل من الصادرين عنه صلّى اللّه عليه و سلّم] (6).ة.
1) يشير المؤلف إلى قوله تعالى مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ... الآية.(البقرة: 17-19).
2) ذكره الزمخشري في الكشاف 41/1.
3) هو محمد بن عبد اللّه بن محمد، الإمام أبو بكر ابن العربي الاندلسي الاشبيلي (ت 543 ه) تقدمت ترجمته في 109/1. و أما كتابه «القواصم» فقد طبع باسم «العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم» طبعة أولى في الجزائر باشراف (عبد الحميد بن باريس) سنة 1346 ه/1927 م. و طبع ثانيا بتحقيق (محب الدين الخطيب) و نشرته لجنة الشباب عام 1371 ه/1951 م في(295) ص. و طبع بتحقيق (عمار الطالبي) بدار الغرب الإسلامي في بيروت عام 1405 ه/1985 م. و لم نجد قوله في الكتاب المطبوع.
4) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
5) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج بن الجوزي، تقدمت ترجمته في 182/1.
6) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
الثالثة:[تسليته لقلب النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم] (1)مما اتفق للأنبياء مثله مع أممهم قال تعالى:
وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ (هود:120).
الرابعة: أن إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة و أساليب مختلفة لا يخفى ما فيه من الفصاحة.
الخامسة: أن الدّواعي لا تتوفر على نقلها [كتوفرها على نقل] (2)الأحكام، فلهذا كررت القصص دون الأحكام.
27/2 السادسة: أن اللّه تعالى أنزل هذا القرآن، و عجز القوم عن الإتيان بمثل آية، لصحّة نبوّة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، ثم بين و أوضح الأمر في عجزهم؛ بأن كرر ذكر القصة في مواضع، إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأيّ نظم جاءوا، بأي عبارة عبّروا، قال ابن فارس (3):و هذا هو الصحيح.
السابعة: أنه لما سخر العرب بالقرآن قال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (البقرة:23)، و قال في موضع [آخر: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ (هود:13)، فلو ذكر قصة آدم مثلا في موضع واحد و اكتفى بها لقال العربيّ بما قال اللّه تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ] (4)،(البقرة:
23)، «ايتونا أنتم بسورة من مثله»، فأنزلها سبحانه في تعداد السور، دفعا لحجّتهم من كل وجه.
الثامنة: أنّ القصة الواحدة من هذه القصص؛ كقصة موسى مع فرعون و إن ظنّ أنها لا تغاير الأخرى فقد يوجد في ألفاظها زيادة و نقصان و تقديم و تأخير، و تلك حال المعاني الواقعة بحسب تلك الألفاظ؛ فإن كلّ واحدة لا بدّ و أن تخالف نظيرتها من نوع معنى زائد فيه، لا يوقف عليه إلا منها دون غيرها؛ فكأنّ اللّه تعالى فرّق ذكر ما دار بينهما و جعله أجزاء، ثم قسّم تلك الأجزاء على تارات التكرار لتوجد متفرقة فيها؛ و لو جمعت تلك القصص في موضع واحد لأشبهت ما وجد الأمر عليه من الكتب المتقدمة؛ من انفراد كل قصة منها بموضع؛ كما وقع في القرآن بالنسبة ليوسف عليه السلام خاصّة، فاجتمعت في هذه الخاصية؛ من نظم القرآن عدة معان عجيبة:ة.
منها: أن التكرار فيها مع سائر الألفاظ لم يوقع في اللفظ هجنة، و لا أحدث مللا، فباين بذلك كلام المخلوقين.
و منها: أنه ألبسها زيادة و نقصانا و تقديما و تأخيرا؛ ليخرج بذلك الكلام أن تكون ألفاظه 28/3 واحدة بأعيانها، فيكون شيئا معادا؛ فنزّهه عن ذلك بهذه التغييرات.
و منها: أن المعاني التي اشتملت عليها القصة الواحدة من هذه القصص صارت متفرقة في تارات التكرير فيجد البليغ لما فيها من التغيير ميلا إلى سماعها، لما جبلت عليه النفوس من حبّ التنقل في الأشياء المتجددة التي لكل منها حصة من الالتذاذ به مستأنفة.
و منها: ظهور الأمر العجيب في إخراج صور متباينة في النظم بمعنى واحد؛ و قد كان المشركون في عصر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يعجبون من اتساع الأمر في تكرير هذه القصص و الأنباء مع تغاير أنواع النظم، و بيان وجوه التأليف، فعرّفهم اللّه سبحانه أن الأمر بما يتعجبون منه مردود إلى قدرة من لا يلحقه نهاية، و لا يقع على كلامه عدد؛ لقوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي [166/أ] وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (الكهف:
و كقوله: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ... (لقمان:
الآية.
و قال القفّال في تفسيره (1):ذكر اللّه في أقاصيص بني إسرائيل وجوها من المقاصد:
أحدها: الدلالة على صحة نبوّة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم؛ لأنه أخبر عنها من غير تعلّم؛ و ذلك لا يمكن إلا بالوحي.
الثاني: تعديد النعم على بني إسرائيل، و ما منّ اللّه على أسلافهم من الكرامة و الفضل؛ كالنجاة من آل فرعون، و فرق البحر لهم، و ما أنزل عليه في التيه من المنّ و السلوى، و تفجّر الحجر و تظليل الغمام.
الثالث: إخبار اللّه نبيّه بتقديم كفرهم و خلافهم و شقاوتهم و تعنتهم على الأنبياء، فكأنه تعالى 29/32.
1) هو محمد بن علي بن إسماعيل القفّال، تقدمت ترجمته في 96/2. و تفسيره ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء 285/16 و قال:«قال أبو الحسن الصّفّار: سمعت أبا سهل الصعلوكي و سئل عن تفسير أبي بكر القفّال، فقال: قدّسه من وجه، و دنّسه من وجه، أي دنّسه من جهة نصره للاعتزال». و التفسير ذكره أيضا البغدادي في هدية العارفين 48/2.
يقول: إذا كانت هذه معاملتهم مع نبيّهم الذي أعزهم اللّه به، و أنقذهم من العذاب بسببه؛ فغير بدع ما يعامله به أخلافهم محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم.
الرابع: تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم من نزول العذاب بهم؛ كما نزل بأسلافهم.
و هنا سؤالان:
أحدهما: ما الحكمة في عدم تكرر قصة يوسف عليه السلام، و سوقها مساقا واحدا في موضع واحد، دون غيرها من القصص؟ و الجواب من وجوه:
الأول (1):[ما] (2)فيها من تشبيب النسوة به، و تضمن الإخبار عن حال امرأة و نسوة افتتنّ بأبدع الناس جمالا، و أرفعهم مثالا، فناسب عدم تكرارها لما فيها من الإغضاء و الستر عن ذلك. و قد صحح الحاكم في «مستدركه» (3)حديثا مرفوعا: النهي عن تعليم النساء سورة يوسف.
الثاني (4):أنها اختصت بحصول الفرج بعد الشدة، بخلاف غيرها من القصص، فإنّ مآلها إلى الوبال، كقصة إبليس، و قوم نوح، و قوم هود، و قوم صالح؛ و غيرهم، فلما اختصّت هذه القصة في (5)سائر القصص، بذلك اتفقت الدّواعي على نقلها لخروجها عن سمت (6)القصص.
الثالث (7):قاله الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني (8)إنما كرر اللّه قصص الأنبياء، و ساق2.
1) في المخطوطة «أحدها».
2) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
3) هو محمد بن عبد اللّه بن حمدويه بن الحاكم النيسابوري ت(405 ه). و أما كتابه «المستدرك على الصحيحين» فقد طبع بحيدرآباد عام 1343 ه/1924 م في أربع مجلدات كبار.
4) في المخطوطة «ثانيها».
5) في المخطوطة «من بين».
6) في المخطوطة «سمة».
7) في المخطوطة «ثالثها».
8) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الأسفراييني تقدم في 179/2.
قصة يوسف مساقا واحدا، إشارة إلى عجز العرب، كأنّ النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال لهم: إن كان من تلقاء 30/3 نفسي تصديره على الفصاحة، فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت في قصص سائر الأنبياء.
السؤال الثاني: أنّه سبحانه و تعالى ذكر قصة قوم نوح، و هود، و صالح، و شعيب، و لوط، و موسى، في سورة الأعراف و هود و الشعراء، و لم يذكر معهم قصة إبراهيم، و إنّما ذكرها في سورة الأنبياء، و مريم، و العنكبوت، و الصافات.
و السرّ في ذلك أن تلك السّور الأول ذكر اللّه فيها نصر رسله بإهلاك قومهم، و نجاء الرسل و أتباعهم، و هذه السور لم يقتصر فيها على ذكر من أهلك من الأمم؛ بل كان المقصود ذكر الأنبياء و إن لم يذكر قومهم؛ و لهذا سميت سورة الأنبياء؛ فذكر فيها إكرامه للأنبياء؛ و بدأ [فيها] (1)بقصة إبراهيم، إذ كان المقصود ذكر كرامته الأنبياء قبل محمد، و إبراهيم أكرمهم على اللّه، و هو خير البرية، و هو أب أكثرهم، و ليس هو أب نوح و لوط؛ لكن لوط من أتباعه، و أيوب من ذريته، بدليل قوله تعالى في سورة الأنعام: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ (الآية:84).
و أما سورة العنكبوت؛ فإنه سبحانه و تعالى ذكر فيها امتحانه للمؤمنين، و نصره لهم، و حاجتهم إلى الجهاد؛ و ذكر فيها حسن العاقبة لمن صبر، و عاقبة من كذب الرسل؛ فذكر قصة إبراهيم؛ لأنها من النّمط الأول.
و كذلك في سورة الصافات قال[166/ب] فيها: وَ لَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ* وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (الآيات:71-72-73)؛ و هذا يقتضي أنها عاقبة رديئة؛ إما بكونهم غلبوا و ذلّوا؛ و إما بكونهم أهلكوا، و لهذا ذكر قصة إلياس دون غيرها و لم يذكر إهلاك قومه، بل قال: فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (الصافات:127).
و قد روي أن اللّه رفع إلياس؛ و هذا يقتضي عذابهم في الآخرة؛ فإن إلياس لم يقم 31/13 بينهم، و إلياس المعروف بعد موسى من بني إسرائيل، و بعد موسى لم يهلك المكذبين بعذاب الاستئصال؛ و بعد نوح لم يهلك جميع النوع، و قد بعث اللّه في كلّ أمة نذيرا، و اللّه سبحانه لم يذكر عن قوم إبراهيم أنهم أهلكوا كما ذكر ذلك عن غيرهم؛ بل ذكر أنّهم ألقوه في النار فجعلها بردا و سلاما، و في هذا ظهور برهانه و آياته؛ حيث أذلّهم و نصره؛ فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (الصافات:98) و هذا من جنس المجاهد الذي [يعرض عدوّه،ة.
1) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
و القصص الأول من جنس المجاهد الذي] (1)قتل عدوه، و إبراهيم بعد هذا لم يقم بينهم بل هاجر و تركهم؛ و أولئك الرسل لم يزالوا مقيمين بين أظهرهم حتى هلكوا، و لم يوجد في حق إبراهيم سبب الهلاك؛ و هو إقامته فيهم، و انتظار العذاب النازل؛ و هكذا محمد صلّى اللّه عليه و سلّم مع قومه، لم يقم فيهم، بل خرج عنهم حتى أظهره اللّه عليهم بعد ذلك؛ و محمد و إبراهيم أفصل الرسل؛ فإنهم إذا علموا حصل المقصود، و قد يتوب منهم من تاب، كما جرى لقوم يونس؛ فهذا و اللّه أعلم هو السرّ في أنّه سبحانه لم يذكر قصة إبراهيم مع هؤلاء؛ لأنها ليست من جنس واقعتهم.
فإن قيل: فما وجه الخصوصية بمحمد و إبراهيم بذلك؟ فالجواب: أمّا حالة إبراهيم فكانت إلى الرحمة أميل؛ فلم يسع في هلاك قومه [لا بالدعاء و لا بالمقام و دوام] (2)إقامة (3)الحجة عليهم؛ و قد قال اللّه تعالى: وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ* وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ (إبراهيم:13-14)، و كان كلّ قوم يطلبون هلاك نبيّهم فعوقبوا؛ 32/3 و قوم إبراهيم و إن أوصلوه إلى العذاب؛ لكن جعله اللّه عليه بردا و سلاما، و لم يفعلوا بعد ذلك ما يستحقون به العذاب؛ إذ الدنيا ليست دار الجزاء العام؛ و إنما فيها من الجزاء ما تحصل به الحكمة و المصلحة؛ كما في العقوبات الشرعية، فمن أرادوا عداوة [أحد] (4)من أتباع الأنبياء ليهلكوه فعصمه اللّه، و جعل صورة الهلاك نعمة في حقه؛ و لم يهلك أعداءه بل أخزاهم و نصره؛ فهو أشبه بإبراهيم عليه السلام؛ إذ عصمه اللّه من كيدهم، و أظهره حتى صارت الحرب بينهم و بينه سجالا، ثم كانت له العاقبة فهو أشبه بحال محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، فإن محمدا سيد الجميع، و هو خليل اللّه، كما أن إبراهيم عليه السلام خليله، و الخليلان هما أفضل الجميع، و في طريقهما من الرأفة و الرحمة ما ليس في طريق غيرهما، و لم يذكر اللّه عن قوم إبراهيم ذنبا غير الشرك، و كذلك عن قوم نوح، و أما عاد فذكر عنهم التجبّر، و عمارة الدنيا، و قوم صالح ذكر عنهم الاشتغال بالدنيا عن الأنبياء، و أهل مدين الظلم في الأموال مع الشرك، و قوم لوط استحلال الفاحشة، و لم يذكر أنهم أقروا بالتوحيد، بخلاف سائر الأمم، و هذا يدل[167/أ] على أنهم لم يكونوا مشركين، و إنما كان دينهم استحلال الفاحشة و توابع ذلك، و كانت عقوبتهم أشدّ.ة.
و هذه الأمور تدل على حكمة الرب و عقوبته لكل قوم بما يناسبهم؛ و لما لم يكن في قوم نوح خير يرجى غرق الجميع. و اللّه المستعان.
فتأمل هذا الفصل و عظم فوائده و تدبر حكمته، فإنه سر عظيم من أسرار القرآن العظيم، كقوله تعالى: أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَ أَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَ أَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ، وَ أَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى (محمد:15)، فأعاد ذكر «الأنهار» مع كل صنف؛ و كان يكفي أن يقال فيها:«أنهار من ماء، و من لبن، و من خمر، و من عسل»؛ لكن لما 33/3 كانت الأنهار من الماء حقيقة؛ و فيما عدا الماء مجازا للتشبيه؛ فلو اقتصر على ذكرها مع الماء و عطف الباقي عليه لجمع بين الحقيقة و المجاز.
فإن قلت: فهلاّ أفرد ذكر الماء و جمع الباقي صيغة واحدة؟ قيل: لو فعل ذلك لجمع بين محامل من المجاز مختلفة في صيغة واحدة، و هو قريب في المنع من الذي قبله.
قد يستثقلون تكرار اللفظ فيعدلون [عنه] (1)لمعناه؛ كقوله تعالى: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (الطارق:17)؛ فإنه لما أعيد اللفظ غيّر «فعّل» إلى «أفعل» فلما ثلّث ترك اللفظ أصلا، فقال:«رويدا».
و قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (الكهف:74)، ثم قال: إِمْراً (الكهف:71).
قال الكسائي (2):معناه شيئا منكرا كثير الدهاء من جهة الإنكار؛ من قولهم: أمر القوم إذا كثروا.
قال الفارسيّ (3):و أنا أستحسن قوله هذا.
و قوله تعالى: اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ (الحديد:13)، قال الفارسي: وَراءَكُمْ (الحديد:13) في موضع فعل الأمر أي تأخروا؛ و المعنى ارجعوا تأخروا؛ فهو تأكيد و ليست ظرفا؛ لأن الظروف لا يؤكّد بها.
34/3 و إذا تكرر اللفظ بمرادفه جازت الإضافة؛ كقوله تعالى: عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (سبأ:5)، و القصد المبالغة، أي عذاب مضاعف، و بالعطف كقوله تعالى: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللّهِ (يوسف:86)، و قوله: فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا (البقرة:109).
الزيادة في بنية الكلمة
و أعلم أنّ اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر أعلى منه؛ فلا بدّ أن يتضمّن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا؛ لأن الألفاظ أدلّة على المعاني؛ فإذا زيدت في الألفاظ وجب زيادة المعاني ضرورة.
و منه قوله تعالى: فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (القمر:42)؛ فهو أبلغ من «قادر» لدلالته على أنه قادر متمكّن القدرة؛ لا يردّ شيء عن اقتضاء قدرته؛ و يسمى هذا قوة اللفظ لقوة المعنى.
و كقوله تعالى: وَ اصْطَبِرْ (القمر:27) فإنّه أبلغ من الأمر بالصبر من «اصبر».
و قوله: لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ (البقرة:286) لأنه لما كانت السيئة ثقيلة و فيها تكلّف زيد في لفظ فعلها.
و قوله تعالى: وَ هُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها (فاطر:37)؛ فإنّه أبلغ من «يتصارخون».
و قوله تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيها (الشعراء:94) و لم يقل «و كبوا» قال الزمخشري (1):و الكبكبة تكرير الكبّ، جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في 35/3 المعنى، كأنه إذا ألقي في جهنم كبه مرة بعد أخرى حتى يستقرّ في قعرها، اللّهم أجرنا منها خير مستجار! و قريب من هذا قول الخليل (2)في قول العرب: صرّ الجندب، و صرصر البازي،
كأنهم توهموا في صوت[167/ب] الجندب استطالة، فقالوا: صرّ صريرا، فمدوا و توهموا في صوت البازي تقطيعا، فقالوا:«صرصر».
و منه الزيادة بالتشديد أيضا؛ فإنّ «ستّارا» و «غفّارا» أبلغ من «ساتر» و «غافر»؛ و لهذا قال تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً (نوح:10)؛ و من هذا رجّح بعضهم معنى «الرحمن» على معنى «الرحيم»؛ لما فيه من زيادة البناء، و هو الألف و النون، و قد سبق في السادس.
و يقرب منه التضعيف-و يقال التكثير-و هو أن يؤتى بالصيغة دالة على وقوع الفعل مرة بعد مرة. و شرطه أن يكون في الأفعال المتعدّية قبل التضعيف؛ و إنما جعله متعديا تضعيفه؛ و لهذا ردّ على الزمخشري في قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا (البقرة:23)؛ حيث جعل نَزَّلْنا ؛هنا للتضعيف.
و قد جاء التضعيف دالا على الكثرة في اللازم قليلا، نحو: موّت المال.
و جاء حيث لا يمكن فيه التكثير، كقوله تعالى: لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ (الرعد:7) لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً (الإسراء:95).
فإن قلت: فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً (البقرة:126) مشكل على هذه القاعدة، لأنه إذا كان «فعّل» للتكثير، فكيف جاء «قليلا» نعتا لمصدر «متّع» و هذا وصف كثير بقليل، و إنه ممنوع.
قلت: وصف بالقلّة من حيث صيرورته إلى نفاد و نقص و فناء.36/3 و اعلم أن زيادة المعنى في هذا القسم مقيد بنقل صيغة الرباعيّ غير موضوعة لمعنى؛ فإنه لا يراد به ما أريد من نقل الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة؛ فقوله تعالى: وَ كَلَّمَ اللّهُ مُوسى تَكْلِيماً (النساء:164)؛ لا يدلّ على كثرة صدور الكلام منه؛ لأنه غير منقول عن ثلاثيّ.
و كذا قوله: وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (المزمل:4)[لا] (1)يدلّ على كثرة القراءة على هيئة التأني و التدبّر.ة.
1) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
و كذا قوله تعالى: وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ (يس:69) ليس النفي للمبالغة؛ بل [نفي] (1)أصل الفعل.
التفسير
و تفعله (2)العرب في مواضع التعظيم، كقوله تعالى: اَللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ (البقرة:255)، قال البيهقي (3)في شرح الأسماء الحسنى:«قرأت في تفسير الجنيدي (4)أن قوله: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ (البقرة:255)، تفسير للقيّوم».
و قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (المعارج:19-20-21).
و قوله تعالى: وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ (المائدة:9) فإن هذا تفسير للوعد.
37/3 و قوله تعالى: وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ (النور:
55)[فقوله ليستخلفنهم] (5)تفسير للوعد و تبيين له، لا مفعول ثان؛ فلم يتعدّ الفعل منها إلا إلى واحد.
و قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ (آل عمران:
59). ف «خلقه» تفسير للمثل.
1) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
2) في المخطوطة «و تفضّله».
3) هو الإمام أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر البيهقي النيسابوري، تقدمت ترجمته في 100/1 و أما كتابه «شرح الأسماء الحسنى» ذكره حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون 1032/2.
4) هو أبو بكر محمد بن عبدوس بن أحمد بن الجنيد المقرئ المفسّر الواعظ الجنيدي، من أهل نيسابور، كان إماما فاضلا بالقراءات عالما بمعاني القرآن، سمع «الحسين بن الفضل» و السريّ بن خزيمة و غيرهما و سمع منه «الحاكم الحافظ» و ذكره في التاريخ و قال:«أبو بكر المفسر الواعظ، كان إمام خراسان بلا مدافعة في القراءات و معاني القرآن». توفي في شهر ربيع الأول سنة(338 ه). (السمعاني، الأنساب 327/3).
5) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
و قوله تعالى: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ (البقرة:49)، ف «يذبّحون» و ما بعده تفسير للسّوم، و هو في القرآن كثير.
قال أبو الفتح بن جني (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
:«و متى كانت الجملة تفسيرا لم يحسن الوقف على ما قبلها دونها لأن تفسير الشيء لاحق به، و متمّم له، و جار مجرى بعض أجزائه؛ كالصلة من الموصول، و الصفة من الموصوف».و قد يجيء لبيان العلّة و السبب، كقوله تعالى: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ (يس:76)؛ و ليس هذا من قولهم، (2)[و إلاّ لما حزن الرسول؛ و إنما يجيء به لبيان السبب في أنه لا يحزنه قولهم.
و كذلك قوله: وَ لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ] 2إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً (يونس:65).
و لو جاءت الآيتان على حد ما جاء قوله تعالى: وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [168/أ] [وَ عَمِلُوا] 4الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ (المائدة:9)، لكانت «أن» مفتوحة، لكنها جاءت على حد قوله...
38/3 قيل: الجملة التفسيرية لا موضع لها من الإعراب. و قيل: يكون لها موضع إذا كان للمفسّر موضع؛ و يقرب منها ذكره تفصيلا، كما سبق في قوله: وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (الأعراف:142).
و مثل: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ (البقرة:196).
خروج اللفظ مخرج الغالب
كقوله تعالى: وَ رَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ (النساء:23)، فإن
1) هو أبو الفتح، عثمان بن جنّي النحوي. تقدمت ترجمته في 361/1.
الحجر ليس بقيد عند العلماء؛ لكنّ فائدة التقييد تأكيد الحكم في هذه الصورة مع ثبوته عند عدمها؛ و لهذا قال بعده: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ (النساء:23) و لم يقل:« فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (النساء:23) و لم يكنّ في حجوركم» فدلّ على أن الحجر خرج مخرج العادة.
و اعترض بأن الحرمة إذا كانت بالمجموع فالحلّ يثبت بانتفاء المجموع، و المجموع ينتفي بانتفاء جزئه، كما ينتفي بانتفاء كل فرد من المجموع.
و أجيب بأنه إذا نفي أحد شطري العلّة كان جزء العلة ثابتا؛ فيعمل عملها.
فإن قيل: لما قال: مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (النساء:23)، (1)[قال في 39/3 الآية بعدها] (1): وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ (النساء:24) علم من مجموع ذلك أن الربيبة لا تحرم إذا لم يدخل بأمّها؛ فما فائدة قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ (النساء:23)؟ قيل: فائدته ألاّ يتوهم أن قيد الدخول خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط؛ كما في الحجر المفهوم إذا خرج مخرج الغالب، فلا تقييد فيه عند الجمهور، خلافا لإمام الحرمين (1)و الشيخ عز الدين بن عبد السلام (2)و العراقي (3)،حيث قالوا:«إنه ينبغي أن يكون حجة بلا خلاف إذا لم تغلب»؛ لأن الصفة إذا كانت غالبة دلّت العادة عليها؛ فاستغنى المتكلم بالعادة عن ذكرها، فلما ذكرها مع استغنائه عنها دلّ ذلك على أنه لم يرد الإخبار بوقوعها للحقيقة؛ بل ليترتب عليها نفي الحكم من المسكوت (4)أما إذا لم تكن غالبة أمكن أن يقال: إنما ذكرها ليعرف السامع أن هذه الصفة تعرض لهذه الحقيقة.
و منه قوله تعالى: وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ (الإسراء:31).
و قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَ لَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ (البقرة:
283)، و جوّزوا أنّ الرهن لا يختصّ بالسفر، لكن ذكر لأن فقد الكاتب يكون [فيه] (5)ة.
1) هو عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي تقدمت ترجمته في 118/1.
2) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي تقدمت ترجمته في 132/1.
3) هو عبد الكريم بن علي بن عمر الأنصاري، علم الدين العراقي، تقدمت ترجمته في 102/3.
4) في المخطوطة «عن السكوت».
5) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
غالبا، فلما كان السفر مظنة إعواز الكاتب و الشاهد الموثوق بهما، أمر على سبيل الإرشاد بحفظ مال المسافرين بأخذ الوثيقة الأخرى؛ و هي الرهن.
و قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ (النساء:
101)، و القصر جائز مع أمن السفر، لأن ذلك خرج مخرج الغالب لا الشرط، و غالب أسفار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أصحابه لم تخل من خوف العدوّ.
و منهم من جعل الخوف هنا شرطا إن حمل القصر على ترك الركوع و السجود و النزول عن الدابّة و الاستقبال و نحوه؛ لا في عدد الركعات، لكن ذلك شدة خوف لا خوف، و سبب 40/3 النزول لا يساعده.
و كقوله تعالى: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً (النور:33).
القسم
و هو عند النحويين جملة يؤكد بها الخبر، حتى إنهم جعلوا قوله تعالى: وَ اللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (المنافقون:1) قسما و إن كان فيه إخبار، إلا أنه لما جاء توكيدا للخبر سمّي قسما.
[168/ب] و لا يكون إلا باسم معظم، كقوله: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ (الذاريات:23).
و قوله: قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ (يونس:53).
و قوله: قُلْ بَلى وَ رَبِّي لَتُبْعَثُنَّ (التغابن:7).
و قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ (مريم:68).
و قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (الحجر:92).
و قوله: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (النساء:65).
و قوله: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ (المعارج:40).
فهذه سبعة مواضع أقسم اللّه فيها بنفسه و الباقي كله أقسم بمخلوقاته.
كقوله: وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ (التين:1).
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ* وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (الواقعة:75-76).
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ* اَلْجَوارِ 1الْكُنَّسِ (التكوير:15-16).
و إنما يحسن في مقام الإنكار.
فإن قيل: ما معنى القسم منه سبحانه؟ فإنه إن كان لأجل المؤمن، فالمؤمن يصدّق مجرّد (1)الإخبار؛ و إن كان لأجل الكافر فلا يفيده.
[فالجواب] (2):قال الأستاذ أبو القاسم القشيريّ (3):«إنّ اللّه ذكر القسم لكمال الحجة و تأكيدها، و ذلك أن الحكم يفصل باثنين: إمّا بالشّهادة، و إمّا بالقسم، فذكر اللّه تعالى [في كتابه] (4)
(6-6) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
(8-8) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
النوعين حتى لا يبقي لهم حجة» (6)[فقال: شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ [آل عمران:18] و قال قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ] (6)(يونس:53).(8) [و قوله: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (الحجر:72).
و عن بعض الأعراب أنه لما سمع قوله تعالى: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ* فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ ] (8)(الذاريات:22-23) صاح و قال: من الذي أغضب الجليل حتى ألجأه إلى اليمين؟ قالها ثلاثا، ثم مات.
فإن قيل: كيف أقسم بمخلوقاته و قد ورد النهي علينا ألاّ نقسم بمخلوق؟ قيل: فيه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنّه حذف مضاف، أي «و رب الفجر» و «رب التين»، و كذلك الباقي.
و الثاني: أن العرب كانت تعظّم هذه الأشياء و تقسم بها؛ فنزل القرآن على ما يعرفون.
42/3 و الثالث: أن الأقسام إنما تجب بأن يقسم الرجل بما يعظّمه، أو بمن يجلّه؛ و هو فوقهة.
و اللّه تعالى ليس شيء فوقه؛ فأقسم تارة بنفسه، و تارة بمصنوعاته، لأنها تدلّ على بارئ و صانع؛ و استحسنه ابن خالويه (1).
و قسمه بالنبي صلّى اللّه عليه و سلّم في قوله: لَعَمْرُكَ (الحجر:72) ليعرّف الناس عظمته عند اللّه، و مكانته لديه، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في «كنز اليواقيت» (2):«و القسم بالشيء لا يخرج عن وجهين: إما لفضيلة أو لمنفعة؛ فالفضيلة كقوله تعالى: وَ طُورِ سِينِينَ* وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (التين:2-3)، و المنفعة نحو: وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ »(التين:
1).
و أقسم سبحانه بثلاثة أشياء:
أحدها: بذاته، كقوله تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ (الذاريات:23) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (الحجر:92).
و الثاني: بفعله، نحو: وَ السَّماءِ وَ ما بَناها* وَ الْأَرْضِ وَ ما طَحاها* وَ نَفْسٍ وَ ما سَوّاها (الشمس:5-6-7).
و الثالث: مفعوله، نحو: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى (النجم:1)، وَ الطُّورِ* وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ (الطور:1-2).
و هو ينقسم باعتبار آخر إلى مظهر و مضمر:
فالمظهر كقوله تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ (الذاريات:23) و نحوه.
و المضمر على قسمين: قسم دلّت عليه لام القسم، كقوله: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ 43/3 وَ أَنْفُسِكُمْ (آل عمران:186) و قسم دلّ عليه المعنى، كقوله تعالى: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها (مريم:71) تقديره «و اللّه».
و قد أقسم تعالى بطوائف [من] (3)الملائكة في أول سورة الصافات، و المرسلات، و النازعات.ة.
الأولى: أكثر الأقسام المحذوفة الفعل في القرآن؛ لا تكون إلا بالواو، فإذا ذكرت الباء أتي بالفعل؛ كقوله تعالى: وَ أَقْسَمُوا بِاللّهِ [جَهْدَ أَيْمانِهِمْ] (1)(النحل:38) و يَحْلِفُونَ بِاللّهِ (التوبة:62). و لا تجيء (2)
(3-3) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
الباء و الفعل محذوفا إلا قليلا؛ و عليه حمل 44/3 بعضهم قوله: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللّهِ (لقمان:13) (3)[و قال: الباء باء القسم؛ و ليست متعلّقة ب «تشرك»، و كأنّه يقول: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ ثم] (3) ابتدأ فقال: بِاللّهِ لا تشرك؛ و حذف «لا تشرك» لدلالة الكلام عليه: و كذلك قوله: اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ (الزخرف:49)؛ قيل: إن قوله:[169/أ] «بِما عَهِدَ» قسم؛ و الأولى أن يقال: إنه سؤال لا قسم.و قوله: ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ (المائدة:116) فتقف على لِي و تبتدئ بِحَقٍّ فتجعله قسما.
هذا مع قول النحويين: إن الواو فرع الياء؛ لكنه قد يكثر الفرع في الاستعمال و يقلّ الأصل.
الثانية: قد علمت أن القسم إنما جيء به لتوكيد المقسم عليه؛ فتارة يزيدون فيه للمبالغة في التوكيد، و تارة يحذفون منه للاختصار و للعلم بالمحذوف.
فما زادوه لفظ «إي» بمعنى «نعم» كقوله تعالى: قُلْ إِي وَ رَبِّي (يونس:53).
و مما يحذفونه فعل القسم و حرف الجر، و يكون الجواب مذكورا، كقوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ (الأحزاب:21) أي «و اللّه».
و قوله: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ (الشعراء:49)، لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ (العلق:
15)، لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ الصّاغِرِينَ (يوسف:32).
45/3 و قد يحذفون الجواب و يبقون القسم للعلم به، كقوله تعالى: ص وَ الْقُرْآنِ ذِي
اَلذِّكْرِ (ص:1) على أحد الأقوال؛ أن الجواب حذف لطول الكلام؛ و تقديره «لأعذّبنهم على كفرهم».
و قيل: الجواب: إن ذلك لحق.
و مما حذف فيه المقسم به قوله تعالى: قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ (المنافقون:
1)، أي نحلف إنك لرسول اللّه؛ لأن الشهادة بمعنى اليمين، بدليل قوله: أَيْمانَهُمْ جُنَّةً (المنافقون:2).
و أما قوله تعالى: فَالْحَقُّ وَ الْحَقَّ أَقُولُ (ص:84) (1)[فالأول قسم بمنزلة، «و الحقّ» و جوابه «لأملأنّ»، و قوله: وَ الْحَقَّ أَقُولُ ] (1)(ص:84) توكيد للقسم.
و أما قوله: وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (البروج:1)، ثم قال: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (البروج:4) قالوا: و هو جواب القسم، و أصله «لقد قتل» ثم حذف اللام و قد.
الثالثة: قال الفارسي (1)في «الحجّة»: «الألفاظ الجارية مجرى القسم ضربان:
أحدهما: ما تكون جارية كغيرها من الأخبار التي ليست بقسم، فلا تجاب بجوابه، كقوله تعالى: وَ قَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (الحديد:8)، وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ (البقرة:63)، فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ (المجادلة:18)؛ فهذا و نحوه يجوز أن يكون قسما و أن يكون حالا لخلوّه من الجواب.
و الثاني: ما يتعلق بجواب القسم، كقوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ (آل عمران:187)، وَ أَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ (النحل:38). 46/3 الرابعة: القسم و الشرط، يدخل كلّ منهما على الآخر؛ فإن تقدم القسم و دخل الشرط بينه و بين الجواب كان الجواب للقسم؛ و أغنى عن جواب الشرط؛ و إن عكس فبالعكس؛ و أيهما تصدّر كان الاعتماد عليه و الجواب له.1.
1) هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار تقدمت ترجمته في 375/1.
و من تقدّم القسم قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ (مريم:46)، تقديره «و اللّه لئن لم تنته»، فاللام الداخلة على الشرط ليست بلام القسم، و لكنها زائدة، و تسمى الموطّئة للقسم و يعنون بذلك أنها مؤذنة بأن جواب القسم منتظر؛ أي الشرط لا يصلح أن يكون (1)[جوابا؛ لأن الجواب لا يكون إلا خبرا] (1).
و ليس دخولها على الشرط بواجب، بدليل حذفها في قوله تعالى: وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (المائدة:73).
و الذي يدلّ على الجواب للقسم لا للشرط دخول اللام فيه؛ و أنه ليس بمجزوم، بدليل قوله تعالى: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ (الإسراء:88) و لو كان جواب الشرط لكان مجزوما.
و أما قوله تعالى: وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللّهِ تُحْشَرُونَ (آل عمران:158)؛ فاللام في «و لئن» هي الموطّئة للقسم، و اللام في لَإِلَى اللّهِ هي لام القسم؛ و لم تدخل نون التوكيد على الفعل للفصل بينه و بين اللام بالجار و المجرور. و الأصل «لئن متم أو قتلتم لتحشرون إلى اللّه» فلما قدم معمول الفعل عليه حذف منه.
47/3
[169/ب] إبراز الكلام في صورة المستحيل على طريق المبالغة ليدل على
بقية جمله.
كقول العرب: لا أكلمك حتى يبيض القار، و حتى يشيب الغراب، و كقوله تعالى:
وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ (الأعراف:40)، يعنى و الجمل لا يلج في السّم، فهؤلاء (1)لا يدخلون، فهو في المعنى متعلق بالحال، فالمعنى أنهم لا يدخلون الجنة أصلا، و ليس للغاية هنا مفهوم، و وجه التأكيد فيه كدعوى الشيء ببينة، لأنه جعل ولوج الجمل في السّم غاية لنفي دخولهم الجنة، و تلك غاية لا توجد، فلا يزال دخولهم الجنة منتفيا.
1) في المخطوطة «فهم».
و غالى بعض الشعراء في وصف جسمه بالنحول، فجاء بما يزيد على الآية، فقال:
و لو أنّ ما بي من جوى و صبابة على جمل لم يبق في النّار خالد
و هذا على طريقة الشعراء في اعتبار المبالغة، و إلا فمعارضات القرآن لا تجوز، كما سبق التنبيه عليه.
و منه قوله تعالى: وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ (النساء:
22). فإن المعنى: إن كان ما سلف في الزمن السالف يمكن رجوعه فحلّه ثابت، لكن لا يمكن رجوعه أبدا، و لا يثبت حلّه أبدا، و هو أبلغ في (1)النهي المجرد.
و منه قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (الزخرف:81)، أي و لكن ليس له ولد، فلا أعبد سواه.
و قوله تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً (مريم:62)، أي إن كان تسليم 48/3 بعضهم على بعض، أو تسليم الملائكة عليهم لغوا، فلا يسمعون لغوا إلا ذلك؛ فهو من باب قوله:
و لا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب (2).
و منه قوله: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى (الدخان:56)، فإن الناس استشكلوا وجه الاستثناء، مع أنهم لا يذوقون فيها الموت مطلقا. و مقتضى استثنائها من النفي أنهم يذوقونها في الجنة و ليس كذلك.
و وجهه الزمخشري «بأنه من التوكيد في الدلالة، و الموتة الأولى لا يذوقونها أصلا؛ إذ يستحيل عود ما وقع؛ فلا يذوقون فيها الموت أصلا، أي إن كانوا يذوقون فلا يكون ذلك إلا الموتة الأولى، و إن [كان] (3)إيقاع الموتة الأولى في الجنة مستحيلا، فعرّض بالاستثناء إلى استحالة الموت فيها» (4).ف.
هذا إن جعلنا الاستثناء متصلا، فإن كان منقطعا، فالمعنى:«لكن الموتة الأولى قد ذاقوها».
و يحتمل على الاتصال أن يكون المعنى فيها، أي في مقدّماتها، لأن الذي يرى مقامه في الجنة عند الجنة عند موته ينزّل منزلة من هو فيها، بتأويل الذوق على معنى المستحيل.
فهذه ثلاثة أوجه.
الاستثناء و الاستدراك
49/3 و وجه التأكيد فيه أنه ثنّى ذكره مرتين، مرة في الجملة و مرة في التفصيل. فإذا قلت: قام القوم إلا زيدا، فكأنه كان في جملتهم، ثم خرج منهم؛ كقوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلاّ إِبْلِيسَ (الحجر:30-31)؛ فإنّ فيه معنى زائدا على الاستثناء، هو تعظيم أمر الكبيرة التي أتى بها إبليس، من كونه خرق إجماع الملائكة، و فارق جميع الملأ الأعلى بخروجه مما دخلوا فيه من السجود لآدم؛ و هو بمثابة قولك: أمر الملك بكذا فأطاع أمره جميع الناس، من أمير و وزير إلا فلانا، فإن الإخبار عن معصية الملك بهذه الصيغة، أبلغ من قولك:[أمر الملك] (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
فعصاه فلان.و في ضمن ذلك[170/أ] وصف اللّه سبحانه بالعدل فيما ضربه على إبليس من خزي الدنيا، و ختم عليه من عذاب الآخرة.
و منه قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً (العنكبوت:14) فإنّ في الإخبار عن المدة بهذه الصيغة (2)[تهويلا على السامع؛ ليشهد عذر نوح عليه السلام في الدعاء على قومه. و حكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة] (2)تعظيم للمدّة؛ ليكون أوّل ما يباشر السمع ذكر «الألف» و اختصار اللفظ؛ فإنّ لفظ القرآن أخصر من «تسعمائة و خمسين عاما»؛ و لأن لفظ القرآن يفيد حصر العدد المذكور و لا يحتمل الزيادة عليه و لا النقص.
و منه قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ* خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ (هود:106-107) فإنه سبحانه لما علم أن
1) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
وصف الشقاء يعمّ المؤمن العاصي و الكافر، استثنى من حكم بخلوده في النار بلفظ مطمع، حيث أثبت الاستثناء المطلق، و أكده بقوله: إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (هود:107)؛ أي أنه لا اعتراض عليه في إخراج أهل الشقاء من النار. و لما علم أنّ أهل السعادة لا خروج لهم من الجنة أكّد خلودهم بعد الاستثناء بما يرفع أصل الاستثناء، حيث قال: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (هود:108) أي غير منقطع؛ ليعلم أن عطاءه لهم الجنة غير منقطع. و هذه 50/3 المعاني زائدة على الاستثناء اللغويّ.
و قيل: وجه الاستثناء فيه الخروج من الجنة إلى منزلة أعلى كالرضوان و الرؤية و يؤيّده قول بعض الصحابة (1)
بلغنا السّماء مجدنا و جدودنا و إنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم «لا يفضض اللّه فاك» فبقي عمره لم تنقضّ له سنّ.(ابن قتيبة، الشّعر و الشّعراء أو طبقات الشّعراء ص:177).
(2-2) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
:و إنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
و صوبه النبي صلّى اللّه عليه و سلّم؛ و جعل الزمخشري الاستثناء الأول لخروج أهل النار إلى الزمهرير، أو إلى نوع آخر من العذاب (2)[بناء على مذهبه من تخليد أهل الكبائر في النار، و جعل الاستثناء الثاني دالاّ على نجاة أهل الكبائر من العذاب] (2)،فكأنه تصوّر أن الاستثناء الثاني لمّا لم يحمل على انقطاع النعيم، لقوله تعالى: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (هود:108) فكذا الاستثناء الأول لا يحمل على انقطاع عذاب الجحيم لتناسب أطراف الكلام. و قال: معنى قوله: إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (هود:107) عقب الاستثناء الأول في مقابلة قوله:
عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (هود:108) عقب الثاني، أنّ اللّه تعالى يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب، كما يعطي لأهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له (2).
قيل: و ما أصدق في سياق الزمخشري في هذا الموضع قول القائل:
حفظت شيئا و غابت عنك أشياءف.
51/3 و ذلك لأن ظاهر الاستثناء؛ هو الإخراج عن حكم ما قبله، و لا موجب للعدول عن الظاهر في الاستثناء الأول، فحمل على النجاة. و لما كان إنجاء المستحق العذاب (1)محلّ تعجب و إنكار، عقّبه بقوله: إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (هود:107)؛ أي من العذاب و الإنجاء منه، بفضله، و لا (2)
(3-3) في المخطوطة «للتوبة دفع النعيم عنهم».
يتوجّه عليه اعتراض أحد؛ يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد.و أما الاستثناء الثاني فلما لم يكن على ظاهره، كان إخراج أهل الجنة المستحقين (3)[للثواب و قطع النعيم] (3)لا يناسب إنجاء أهل النار المستحقين للعذاب، فلذا (3)عقّب بقوله: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (هود:108) بيانا للمقصود.
و رعاية هذا الباب أولى من رعاية الباب الذي توهم (4)الزمخشري؛ فإنّ حاصله يرجع إلى أن الاستثناء الثاني لمّا لم يكن على ما هو الظاهر في باب الاستثناء، ينبغي ألاّ يكون الاستثناء الأول أيضا على ما هو الظاهر. و لا يخفى على المنصف أنّه تعسّف.
و أما قوله تعالى: لَيْسَ لَهُمْ [170/ب] طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ (الغاشية:6) فالمعنى لا طعام لهم أصلا؛ لأن الضريع ليس بطعام البهائم فضلا عن الإنس؛ و ذلك كقولك: ليس لفلان ظل إلا الشمس؛ تريد بذلك نفي الظلّ عنه على التوكيد، و الضريع نبت ذو شوك يسمى الشّبرق في حال خضرته و طراوته، فإذا يبس سمّي الضريع، و الإبل ترعاه طريّا لا يابسا.
و قريب منه تأكيد المدح بما يشبه الذمّ، بأن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح، بتقدير دخولها فيها، كقوله تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا تَأْثِيماً* إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (الواقعة:25-26) التأكيد فيه من وجهين: على الاتصال في الاستثناء و الانقطاع.».
المبالغة
و هي أن يكون للشيء صفة ثابتة؛ فتزيد في التعريف بمقدار شدته أو ضعفه؛ فيدّعى له 52/3 من الزيادة في تلك الصفة ما يستبعد عند السماع (1)أو يحيل عقله ثبوته.
و من أحسنها قوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ (النور:40)، و هي ظلمة البحر و ظلمة الموج فوقه و ظلمة السحاب فوق الموج.
و قوله تعالى: بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ (الأحزاب:10)، أي كادت تبلغ؛ لأن القلب إذا زال عن موضعه مات صاحبه.
و قيل: هو حقيقة، و إن الخوف و الروع يوجب للخائف أن تنفخ رئته، و لا يبعد أن ينهض بالقلب نحو الحنجرة. ذكره الفراء (2)و غيره.
أو أنها لما اتصل وجيبها و اضطرابها بلغت الحناجر.
و ردّ ابن الأنباري (3)تقدير «كادت» فإنّ «كاد» لا تضمر.
و قوله تعالى: وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (إبراهيم:46).
و قوله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (مريم:90-91).
و منه المبالغة في الوصف بطريق التشبيه؛ كقوله تعالى: إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ* كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (المرسلات:32-33).
و قد يخرج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة و هو مجاز، كقوله تعالى:53/3 وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (الفجر:22)، فجعل مجيء جلائل آياته، مجيئا له سبحانه، على المبالغة.
و كقوله سبحانه: وَ وَجَدَ اللّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ (النور:39)؛ فجعل نقله بالهلكة من دار العمل إلى دار الجزاء وجدانا للمجازي.
و منه ما جرى مجرى الحقيقة، كقوله تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (النور:43)، فإن اقتران هذه ب «يكاد صرفها إلى الحقيقة، فانقلب من الامتناع إلى الإمكان.
و قد تجيء المبالغة مدمجة، كقوله تعالى: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَ سارِبٌ بِالنَّهارِ (الرعد:10)، فإن المبالغة في هذه الآية مدمجة في المقابلة، و هي بالنسبة إلى المخاطب، لا إلى المخاطب؛ معناه أن علم ذلك متعذّر عندكم؛ و إلا فهو بالنسبة إليه سبحانه ليس بمبالغة.
و أما قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي... (الكهف:109) الآية، فقيل: سببها أن اليهود جاءوا إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فقالوا له: كيف عنّفنا بهذا القول:
وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً (الإسراء:85)، و نحن قد أوتينا التوراة، و فيها كلام اللّه و أحكامه، و نور و هدى! فقال لهم النبي صلّى اللّه عليه و سلّم:«التوراة قليل من كثير» (1)
ص:223 و 260، و ذكره السيوطي في الدر المنثور 199/4 عند تفسير قوله تعالى وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ... الآية.
،و نزلت (2)هذه الآية.54/3 و قيل: إنما نزلت: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ (لقمان:27).
قال المفسرون: و الغرض من ذلك الإعلام بكثرة كلماته؛ و هي في نفسها غير».
1) أخرجه من رواية عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنه: ابن جرير الطبري في تفسيره 51/22 عند تفسير قوله تعالى وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ... الآية، و أخرجه بلفظ مقارب من رواية عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنه: أحمد بن حنبل في المسند 255/1، و الترمذي في السنن كتاب(48) باب(18) «و من سورة بني إسرائيل» الحديث(3140)، و أخرجه النسائي في السنن الكبرى كتاب التفسير عزاه له المزّي في تحفة الاشراف 133/5 الحديث(6083)، و أخرجه ابن حبان ذكره ابن بلبان في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 155/1 الحديث(99)، و أخرجه الحاكم في المستدرك 531/2 كتاب التفسير، و ذكره الواحدي في أسباب النزول بدون إسناد
2) في المخطوطة «فنزلت».
[171/أ] متناهية و إنما قرّب الأمر على أفهام البشر (1)[بما يتناهى؛ لأنه غاية ما يعهده البشر] (1) من الكثرة.
و قال بعض المحققين: إن ما تضمنت الآية أن كلمات اللّه تعالى لم تكن لتنفذ، و لم تقتض الآية أنها تنفذ بأكثر من هذه الأقلام و البحور؛ و كما قال الخضر عليه السلام:«ما نقص علمي و علمك من علم اللّه إلا كما نقص هذا العصفور من ماء البحر حين غمس (1)منقاره فيها (2).
و عدّ بعضهم من هذا القبيل ما جاء من المبالغة في القرآن من الإغضاء عن العيوب، و الصفح عن الذنوب، و التغافل عن الزلات، و الستر على أهل المروءات، كقوله تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و سلّم: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (الأعراف:199).
و قيل في تفسيره: أن تصل من قطعك، و تعطي من حرمك و تعفو عمن ظلمك.
و قوله تعالى: اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ... (فصلت:34) الآية.
55/3 تحصّل مما سبق أن قصد المبالغة يستلزم في الحال الإيجاز؛ إما بالحذف، و إما بجعل الشيء نفسي (3)الشيء، أو بتكرر لفظ يتم بتكرره التهويل و التعظيم، و يقوم مقام أوصاف، كقوله تعالى: اَلْحَاقَّةُ* مَا الْحَاقَّةُ (الحاقة:1-2).
و قد نص سيبويه على هذا كله في مواضع شتى من كتابه لافتراقها في أحكام.
و الثاني: أنها الغاية في الحسن؛ و أعذب الكلام ما بولغ فيه؛ و قد قال النابغة:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن في الضّحى و أسيافنا يقطرن من نجدة دما (1)
و الثالث: و هو الأصح؛ أنها من محاسن الكلام؛ و لا ينحصر الحسن فيها فإن فضيلة الصدق لا تنكر و لو كانت معيبة لم ترد في كلام اللّه تعالى؛ و لها طريقان:
[أحدهما] (2):أن يستعمل اللفظ في غير معناه لغة، كما في الكناية و التشبيه و الاستعارة و غيرها، من أنواع المجاز.
و الثاني: أن يشفع ما يفهم المعنى بالمعنى على وجه يقتضي زيادة؛ فتترادف (3)56/3 الصفات بقصد التهويل، كما في قوله تعالى: فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ (النور:40).
الاعتراض
و أسماه [قدامة] (4):«التفاتا»، و هو أن يؤتى [في أثناء] (5)كلام أو كلامين متصلين معنى، بشيء يتم الغرض الأصلي بدونه، و لا يفوت بفواته، فيكون فاصلا بين الكلام و الكلامين، لنكتة.
و قيل: هو إرادة وصف شيئين: الأول منهما قصدا، و الثاني بطريق الانجرار؛ و له تعليق بالأول بضرب (6)من التأكيد.
1) عزو هذا البيت للنابغة خطأ لأنه من شعر حسان بن ثابت رضي اللّه عنه و قد أورده الزركشي في كتابه ثانية في 417/3 مع عزوه إلى حسان و لكن عقب عليه باعتراض للنابغة على حسان و هذا هو الصواب و انظر البيت في ديوانه 35/1، في قصيدة مطلعها: أ لم تسأل الرّبع الجديد التّكلّما...
2) ساقط من المخطوطة.
3) في المخطوطة «فتزداد».
4) هو قدامة بن جعفر بن قدامة أبو الفرج الكاتب توفي سنة(337) تقدمت ترجمته في 156/1 و ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
5) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
6) في المخطوطة «لضرب».
و عند النحاة جملة صغرى تتخلل جملة كبرى على جهة التأكيد.
و قال الشيخ عز الدين في [أماليه] (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
:«الجملة المعترضة تارة تكون مؤكدة، و تارة تكون مشددة، لأنها إمّا ألاّ تدلّ على معنى زائد (2)[على ما دل عليه الكلام بل دلت عليه فقط، فهي مؤكدة. و إمّا أن تدل عليه و على معنى زائد] (2)،فهي مشدّدة». انتهى.و ذكر النحاة مما تتميز به الجملة الاعتراضية عن الحالية كونها طلبيّة، كقوله تعالى:
وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ (آل عمران:135)، فإنه معترض بين: فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ 57/3 (آل عمران:135)، و بين: وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا (آل عمران:135).
و له أسباب:
منها تقرير الكلام، كقولك: فلان أحسن بفلان و نعم ما فعل. و رأى من الرأي كذا و كان صوابا.
و منه قوله تعالى: تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ (يوسف:73)، لَقَدْ عَلِمْتُمْ اعتراض؛ و المراد تقرير إثبات البراءة من تهمة السرقة.
و قوله: وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (محمد:2). وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (النمل:34)، و اعترض بقوله: وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (النمل:
34)، بين كلامها.
و قوله: وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً (البقرة:25)..
1) ساقط من المخطوطة. و الشيخ عز الدين هو عبد العزيز بن عبد السلام السلمي تقدمت ترجمته في 132/1 و أما كتابه أمالي عز الدين بن عبد السلام فهو مخطوط يوجد منه خمس نسخ: نسخة في المتحف البريطاني بعنوان (مسائل و أجوبة في علوم متعددة من القرآن و الحديث و الفقه) رقم 570/7713، و نسخة في المتحف البريطاني بدون عنوان، رقم-9691- add و نسخة في دار الكتب المصرية رقم(77 تفسير م) عنوانها (فوائد العز بن عبد السلام، و تسمى أيضا إعجاز القرآن)166 ورقة. و نسخة في الخزانة الآلوسية في مكتبة المتحف العراقي و عنوانها (فوائد في علوم القرآن) رقم 8754-234 صفحة. و نسخة في مكتبة كوبرللي باستنبول رقم 44-93 صفحة.(العز بن عبد السلام حياته للوهيبي ص:119).
[171/ب] و منها قصد التنزيه، كقوله تعالى: وَ يَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (النحل:57)، فاعتراض (1)سُبْحانَهُ لغرض التنزيه و التعظيم، و فيه الشناعة على من جعل البنات للّه.
و منها قصد التبرك، و كقوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنِينَ (الفتح:27).
و منها قصد التأكيد: كقوله: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ* وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (الواقعة:75-76).
و فيها اعتراضان؛ فإنه اعترض بقوله؛ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ (الواقعة:76) بين القسم و جوابه، و اعترض بقوله: لَوْ تَعْلَمُونَ (الواقعة:76) بين الصفة و الموصوف؛ و المراد تعظيم شأن ما أقسم به من مواقع النجوم، و تأكيد إجلاله في النفوس، لا سيما بقوله: لَوْ تَعْلَمُونَ (الواقعة:
76).
و قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً* أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ (الكهف:30-31) ف «أولئك» الخبر و «إنّا لا نضيع» اعتراض.
و منها كون الثاني بيانا للأول، كقوله تعالى: إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (البقرة:222)، فإنه اعتراض وقع بين قوله: فَأْتُوهُنَّ (البقرة:222)، و بين قوله:
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (البقرة:223)، و هما متصلان معنى؛ لأنّ الثاني بيان للأول؛ كأنه قيل: فأتوهنّ من حيث يحصل منه الحرث. و فيه اعتراض بأكثر من جملة.
و منها تخصيص أحد المذكورين بزيادة التأكيد على أمر علق بهما، كقوله تعالى:
وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ (لقمان:14)، فاعترض بقوله: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ (لقمان:14) بين و وصّينا، و بين الموصّى به، و فائدة ذلك إذكار الولد بما كابدته أمه من المشقة في حمله و فصاله، فذكّر الحمل و الفصال يفيد زيادة التوصية بالأم، لتحمّلها من المشاق و المتاعب في حمل الولد ما لا يتكلفه الوالد، و لهذا جاء في الحديث التوصية بالأم ثلاثا، و بالأب مرة.».
1) في المخطوطة «فاعترض».
و منها زيادة الردّ على الخصم، كقوله تعالى: وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها... (البقرة:59/3 72) الآية فقوله: وَ اللّهُ مُخْرِجٌ (البقرة:72) اعتراض بين المعطوف و المعطوف عليه.
و فائدته أن يقرّر (1)[في أنفس المخاطبين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك] (1)الأنفس (1)لم يكن نافعا لهم في إخفائه و كتمانه، لأن اللّه تعالى مظهر لذلك و مخرجه، و لو جاء الكلام خاليا من هذا الاعتراض لكان وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها (البقرة:72) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها (البقرة:73).
و قوله: وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَ اللّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ (النحل:
101)، فاعترض بين «إذ» و جوابها بقوله: وَ اللّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ (النحل:101)؛ فكأنه أراد أن يجيبهم عن دعواهم فجعل الجواب اعتراضا.
قوله (2): وَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ (الزمر:45) إلى قوله: بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (الزمر:49).
و قوله: قُلِ اللّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ (الزمر:46) إلى قوله: وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (الزمر:48) اعتراض في أثناء الكلام. و هو قوله: وَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ (الزمر:45) الآية، و ذلك لأن قوله: فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ (الزمر:49) سبب عن قوله: وَ إِذا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ (الزمر:45) على معنى أنهم يشمئزّون من توحيد اللّه تعالى، و يستبشرون بالشرك الذي هو ذكر الآلهة؛ فإذا مسّ أحدهم ضرّ أو أصابته شدّة تناقض في دعواه، فدعا من اشمأز من ذكره و انقبض من توحيده و لجأ إليه دون الآلهة، فهو اعتراض بين السبب و المسبب، فقيّد القول بما فيه من دعاء النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بأمره بذلك، و بقوله أَنْتَ تَحْكُمُ [172/أ] بَيْنَ عِبادِكَ (الزمر:46) ثم عقبه من الوعيد العظيم أشدّ التأكيد و أعظمه و أبلغه؛ و لذلك كان اتصال قوله: وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ (الزمر:8) للسبب الواقع 60/3 فيها، و خلوّ الأول، منه من الأمر اشتراك (3)جملة مع جملة، و مناسبة أوجبت العطف بالواو الموضوعة لمطلق الجمع، كقولهم: قام زيد و عمرو. و تسبيب السبب مع ما في ظاهر الآية من».
اشمئزازهم ليس يقتضي التجاءهم إلى اللّه تعالى، و إنما يقتضي إعراضهم عنه من جهة أن سياق الآية يقتضي إثبات التناقض؛ و ذلك أنك تقول: زيد يؤمن باللّه تعالى: فإذا مسه الضرّ لجأ إليه (1)[فهذا سبب ظاهر مبنيّ على اطراد الأمر و تقول: زيد كافر باللّه، فإذ مسّه ضر لجأ إليه] (1)، فتجيء بالفاء هنا كالأول لغرض التزام التناقض، أو العكس، حيث أنزل الكافر كفره منزلة الإيمان في فصل سبب الالتجاء؛ فأنت تلزمه (1)العكس؛ بأنك (2)إنما تقصد بهذا الكلام الإنكار و التعجب من فعله.
و قوله: وَ يُنَجِّي اللّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (الزمر:
و بضدها تتبين الأشياء
و منها الإدلاء بالحجة؛ كقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ (النحل:43-44)، فاعترض بقوله:
فَسْئَلُوا بين قوله نُوحِي إِلَيْهِمْ (النحل:43) و بين قوله: بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ (النحل:
61/3 و بهذه الآية ردّ ابن مالك (4)على أبي علي الفارسيّ (5)قوله:«إنه لا يعترض بأكثر من جملة واحدة».ح.
و ردّ: بأن جملة الأمر دليل [على] (1)للجواب عند الأكثرين و نفسه عند آخرين، فهو (2)مع جملة الشرط، كالجملة الواحدة. نعم جوّزوا في قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ (الرحمن:54)، أن يكون حالا من قوله: وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (الرحمن:46)، فلزم الاعتراض بسبع جمل مستقلّات؛ إن كان: ذَواتا أَفْنانٍ (الرحمن:
48)، خبر مبتدأ محذوف؛ و إلا فيكون بست جمل.
و قال الزمخشري في قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ* أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى...
(الأعراف:96-97) الآية:«إن في هذه الآية الكريمة سبع جمل معترضة: جملة الشرط، و «اتقوا» و «فتحنا» و «كذّبوا» و «أخذناهم» و «بما كانوا يكسبون». و زعم أن أَ فَأَمِنَ (الأعراف:97) معطوف على فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً »(الأعراف:95)، و كذا نقله ابن مالك عن الزمخشري و تبعه أبو حيان (3)،و لم يوجد ذلك في كلام الزمخشريّ! قال ابن مالك:«ورد عليه من ظن أن الجملة و الكلام مترادفان، قال: و إنما (4)اعترض بأربع جمل؛ و زعم أنّ من عند وَ لَوْ أَنَّ (الأعراف:96) إلى وَ الْأَرْضِ (الأعراف:96) جملة؛ لأن الفائدة إنما تتم بمجموعه». [انتهى] (5).
و في القولين نظر؛ أما على قول ابن مالك فينبغي أن يكون بعدها ثمان جمل؛ أحدها:
وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (الأعراف:95) و أربعة في حيّز «لو» و هي آمَنُوا و اِتَّقَوْا و «فتحنا»، 62/3 و المركبة مع أنّ وصلتها مع «ثبت» مقدرا على الخلاف في أنها فعلية أو اسمية، و السادسة وَ لكِنْ كَذَّبُوا (الأعراف:96) و السابعة فَأَخَذْناهُمْ (الأعراف:96) و الثامنة بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (الأعراف:96).
(6)[و أما قول المعترض فلأنه كان من حقه أن يعدها ثلاث جمل؛ أحدها: وَ هُمْ لاة.
يَشْعُرُونَ (الأعراف:95)؛ لأنها حال مرتبطة بعاملها و ليست مستقلة برأسها؛ و الثانية «لو» و ما في حيّزها، جملة واحدة فعلية إن قدر:«و لو ثبت أنّ أهل القرى آمنوا و اتقوا»، أو اسمية و فعلية إن قدر إيمانهم، و اتقوا ثابتان، و الثالثة وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ] (الأعراف:96) كله جملة.
و ينبغي على قواعد البيانيين أن يعدّوا لكل جملة واحدة لارتباط بعضها ببعض، و على رأي النحاة ينبغي أن يكون وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا (الأعراف:96) جملة [172/ب] واحدة (1)[لأن جملة «و اتقوا» معطوفة على خبر «أنّ» و «لفتحنا» جملة ثانية و ما بعدها جملة واحدة] (1)لارتباط الشرط بالجزاء لفظا، وَ لكِنْ كَذَّبُوا (الأعراف:96) ثانية أو ثالثة فَأَخَذْناهُمْ (الأعراف:96) ثالثة أو رابعة، و بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (الأعراف:96) متعلق ب «أخذناهم» فلا يعدّ اعتراضا.
و قوله: وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ (هود:44)، فهذه ثلاث جمل معترضة بين وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ (هود:44) و بين وَ قِيلَ بُعْداً (هود:44).
و فيه اعتراض في اعتراض، فإنّ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ (هود:44) معترض بين وَ غِيضَ الْماءُ (هود:44) و بين وَ اسْتَوَتْ (هود:44).
و لا مانع من وقوع الاعتراض في الاعتراض، كقوله: وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (الواقعة:76).
63/3 و منه قوله تعالى في سورة العنكبوت ذاكرا عن إبراهيم قوله: اُعْبُدُوا اللّهَ وَ اتَّقُوهُ (الآية:16) ثم اعترض تسلية لقلب النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بقوله: وَ إِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (العنكبوت:18)، و ذكر آيات، إلى أن قال: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ (العنكبوت:24) يعني قوم إبراهيم، فرجع إلى الأول.
و جعل الزمخشريّ (1)قوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ (الصافات:149)، و في آخر الصافاتف.
1) ذكر قوله في الكشاف 312/3 عند تفسير قوله تعالى فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ... الآية[149: الصافات]، بتصرف.
معطوفا على فَاسْتَفْتِهِمْ (الآية:11) في أول السورة؛ و قال في قول بعضهم [في] (1):
نَذِيراً لِلْبَشَرِ (المدثر:36): إنه حال من فاعل قُمْ (المدثر:2) في أول هذه السورة، هذا من بدع التفاسير و هذا الذي ذكره في الصافات منه.
و من العجب دعوى بعضهم كسر همزة «إن» في قوله تعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ (ص:64) على جواب القسم في قوله تعالى: وَ الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (ص:1)، حكاه الرمانيّ (2).
فإن قيل: أين خبر «إن» في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ...
[الآية] (3)(فصلت:41) قيل الخبر: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (فصلت:44).
64/3 قال ابن عمرون (4)
(5-5) اضطربت العبارة في المخطوطة كما يلي (و أو لأنّ أو لا يقمن معا بأنفسهنّ).
(7-7) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
:لا يجوز وقوع الاعتراض بين واو العطف و ما دخلت عليه؛ و قد أجازه قوم في (5)«ثم» و «أو» (5)فتقول:«زيد قائم ثم و اللّه عمرو».و قوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللّهُ أَوْلى بِهِما 7[فَلا تَتَّبِعُوا. (النساء:135) جواب الشرط فقوله: فَاللّهُ أَوْلى بِهِما ] (7)(النساء:135) اعتراض بين الشرط و جوابه مع أن فيه فاء و الجملة مسندة ل «يكن».
قال الطيبي (5):سئل الزمخشريّ عن قوله تعالى: فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (المدثر:55): أ هو
1) ساقط من المخطوطة.
2) هو علي بن عيسى بن علي، أبو الحسن النحوي المعروف بالرّماني تقدمت ترجمته في 111/1.
3) ساقط من المطبوعة.
4) هو محمد بن محمد بن أبي علي، جمال الدين، ابن عمرون، تقدم التعريف به في 22/3.
5) هو الحسين بن محمد بن عبد اللّه الطيبي الإمام المشهور، كان ذا ثروة من الإرث و التجارة فلم يزل ينفق ذلك في وجوه الخيرات إلى أن كان في آخر عمره فقيرا، و كان كريما متواضعا حسن المعتقد شديد الردّ على الفلاسفة و المبتدعة مظهرا فضائحهم، كثير الحياء ملازما للجماعة من تصانيفه «شرح المشكاة» و «شرح الكشاف» و غيرها توفي سنة(743 ه)(ابن حجر، الدرر الكامنة 68/2).
اعتراض؟ قال: لا، لأن من شرط الاعتراض أن يكون بالواو و نحوها؛ و أما بالفاء فلا. و فهم صاحب «فرائد القلائد» (1)من هذا اشتراط الواو، فقال: و قد ذكر الزمخشري: إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (مريم:41 و 56) هذه الجملة اعتراض بين البدل و بين المبدل منه، أعني «إبراهيم» و «إذ» قال: هذا معترض لأنه اعتراض (2)بدون الواو بعيد عن الطبع و عن الاستعمال، و ليس كما قال، فقد يأتي بالواو كما سبق في الأمثلة، و بدونها (3)كقوله سبحانه: وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (النحل:57). و قد اجتمعا في قوله: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ* وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ* إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (الواقعة:75-76-77).
الاحتراس
65/3 و هو أن يكون الكلام محتملا لشيء بعيد، فيؤتى بما يدفع ذلك الاحتمال؛ كقوله تعالى:
اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ (القصص:32)، فاحترس سبحانه بقوله:
مِنْ غَيْرِ سُوءٍ (القصص:32) عن إمكان أن يدخل في ذلك البهق (4)و البرص.
و قوله تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ (المائدة:54) فإنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة و هو السهولة لتوهّم أن ذلك لضعفهم، فلما قيل: أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ (المائدة:54) علم أنها منهم تواضع؛ و لهذا عدّى «الذل» بعلى لتضمنه معنى العطف.
1) هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، البدر أبو محمد العيني، الحلبي الأصل العينتابي المولد ثم القاهري الحنفي ولد في السابع عشر من رمضان سنة(762 ه) في عينتاب فنشأ بها و قرأ القرآن، و أكمل الدين و نظر في الصرف و العربية و المنطق، و سمع عن العسقلاني «الشاطبية» و على الزين العراقي «صحيح مسلم» و «الإلمام»، و هو إمام عالم فاضل مشارك في علوم و عنده حشمة و مروءة و عصبية و ديانة و لم يزل ملازما للجمع و التصنيف حتى مات سنة(855 ه) من مصنفاته «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» و «فرائد القلائد»(السخاوي، الضوء اللاّمع 131/5) و أما كتابه فقد طبع في مصر باسم «فرائد القلائد في مختصر شرح الشواهد» و هو المعروف بالشواهد الصغرى، سنة 1297 ه/1879 م (سركيس، معجم المطبوعات ص:1404).
2) في المخطوطة «لأن الاعتراض».
3) في المخطوطة «و بدونه».
4) البهق: بياض دون البرص، يعتري الجسد بخلاف لونه ليس من البرص (ابن منظور، لسان العرب 29/10).
و كذلك قوله تعالى[173/أ]: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (الفتح:29).
و قوله تعالى: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (النمل:18) فقوله:
وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (النمل:18) احتراس بيّن أنّ من عدل سليمان و فضله و فضل جنوده أنّهم لا يحطمون نملة فما فوقها إلا بألاّ يشعروا بها.
و قد قيل: إنما كان تبسم سليمان سرورا بهذه الكلمة منها؛ و لذلك أكّد التبسم بالضحك؛ لأنهم يقولون: تبسّم كتبسم الغضبان، لينبه على أن تبسمه تبسم سرور.
و مثله قوله تعالى: فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ (الفتح:25) التفات إلى أنهم لا يقصدون ضرر مسلم.
و قوله تعالى: وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (هود:44)؛ فإنه سبحانه لما أخبر بهلاك من هلك بالطوفان، عقّبهم (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
(4-4) ساقط من المخطوطة.
بالدعاء عليهم، و وصفهم بالظلم، ليعلم أن جميعهم كان مستحقّا للعذاب، احتراس من ضعف يوهم أنّ الهلاك بعمومه ربما شمل من لا يستحق العذاب؛ فلما 66/3 دعا على الهالكين، و وصفهم بالظلم علم استحقاقهم لما نزل بهم و حل بساحتهم، مع قوله أولا: وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (هود:37).و أعجب احتراس (2)[وقع في القرآن] (2)قوله تعالى مخاطبا لنبيّه عليه السلام: وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ... الآية (القصص:44).
و قال حكاية عن موسى: وَ نادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ (مريم:52)، فلما نفى سبحانه عن رسوله أن يكون بالمكان الذي قضى لموسى فيه الأمر عرّف المكان بالغربيّ و لم يقل في هذا الموضع اَلْأَيْمَنِ كما قال: وَ نادَيْناهُ مِنْ جانِبِ 4[الطُّورِ الْأَيْمَنِ] (4) (مريم:
(7-7) اضطربت العبارة في المخطوطة.
لموسى؛ فراعى في المقامين حسن الأدب معهما، تعليما للأمة، و هو أصل (1)عظيم في الأدب في الخطاب.
و قوله: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَ اللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (المنافقون:1) فإنه لو اختصر لترك: وَ اللّهُ يَعْلَمُ ؛لأن سياق الآية لتكذيبهم في دعوى الإخلاص في الشهادة، لكن حسن ذكره رفع توهم أن التكذيب للمشهود به في نفس الأمر.
و قوله حاكيا عن يوسف عليه السلام: وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ (يوسف:
67/3 أحدهما: لئلا يستحيي إخوته، و الكريم يغضي؛ و لا سيّما في وقت الصفاء.
و الثاني: لأن السجن كان باختياره، فكان الخروج منه أعظم، بخلاف الجب.
و قوله: تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلاً (المائدة:110)؛ و إنما ذكر الكهولة مع أنه لا إعجاز فيه؛ لأنه كان في العادة، أنّ من يتكلم في المهد أنه لا يعيش و لا يتمادى به العمر، فجعل الاحتراس بقوله: وَ كَهْلاً (المائدة:110).
و منه قوله: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ (النحل:26)، و السقف لا يكون إلا من فوق؛ لأنه سبحانه رفع الاحتمال الذي يتوهم من أن السقف قد يكون من تحت بالنسبة؛ فإن كثيرا من السقوف يكون أرضا لقوم و سقفا لآخرين؛ فرفع تعالى هذا الاحتمال بشيئين و هما قوله: عَلَيْهِمُ (النحل:26)، و لفظة (خر) لأنها لا تستعمل إلا فيما[173/ب] هبط أو سقط من العلوّ إلى سفل.
و قيل: إنما أكد ليعلم أنهم كانوا حالّين (3)
(4-4) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
تحته، و العرب تقول: خرّ علينا سقف و وقع علينا حائط، (4)[فجاء بقوله: مِنْ فَوْقِهِمْ (النحل:26)، ليخرج هذا الشك الذي في كلامهم، فقال: مِنْ فَوْقِهِمْ ،أي عليهم وقع] (4)؛و كانوا تحته، فهلكوا و ما قتلوا.ة.و قوله تعالى: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ (البقرة:223)؛ لأنه لمّا كان يحتمل معنى «كيف» و «أين» احترس بقوله: حَرْثَكُمْ ؛لأن الحرث لا يكون إلا حيث [تنبت] (1)البذور، و ينبت الزرع، و هو المحل المخصوص.
و قوله: وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (الزخرف:
39)؛ و ذلك لأن الاشتراك في المصيبة يخفف منها، و يسلي عنها؛ فأعلم سبحانه أنه لا ينفعهم ذلك.
68/3 عاب قدامة (2)على ذي الرّمة (3)قوله:
ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلى و لا زال منهلاّ بجرعائك القطر
فإنه لم يحترس، و هلاّ (4)قال كما قال طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها [صوب الغمام و ديمة تهمي] (5)
و أجيب بأنه قدّم الدعاء بالسلامة للدار.
و قيل: لم يرد بقوله:«و لا زال منهلاّ» اتصال الدوام بالسّقيا من غير إقلاع، و إنّما ذلك بمثابة من يقول: ما زال فلان يزورني، إذا كان متعاهدا له بالزيارة.
1) ساقط من المخطوطة.
2) هو قدامة بن جعفر بن قدامة الكاتب، تقدمت ترجمته في 156/1.
3) هو غيلان بن عقبة بن بهيس بن مسعود العدوي من مضر، أبو الحارث ذو الرمة شاعر من فحول الطبقة الثانية في عصره، قال أبو عمرو بن العلاء:«فتح الشعر بامرئ القيس و ختم بذي الرمّة» و كان شديد القصر دميما يضرب لونه إلى السواد، أكثر شعره تشبيب و بكاء أطلال، و امتاز بإجادة التشبيه. توفي بأصبهان و قيل بالبادية سنة(117-ه)(ابن قتيبة، الشعر و الشعراء ص:350) و (الزركلي، الأعلام 124/5)
4) في المخطوطة «و هذا».
5) هو طرفة بن العبد بن سفيان و هو صاحب المعلقة المشهورة و مطلعها «لخولة أطلال ببرقة ثمهد» و له بعدها شعر حسن و ليس عند الرواة من شعره إلا القليل و كان في حسب من قومه جريئا على هجائهم و هجاء غيرهم، و كان قد تناول بهجائه عمرو بن هند فأرسل إليه و كتب إلى عامله في البحرين فقتله (ابن قتيبة، الشعر و الشعراء 103 و أما بيت الشّعر في (ديوانه، طبعة دار صادر ص:88).
التذييل
مصدر «ذيّل» للمبالغة؛ و هي لغة، جعل الشيء ذيلا للآخر. و اصطلاحا أن (1) يؤتى بعد تمام (1) الكلام بكلام مستقل في معنى الأول؛ تحقيقا لدلالة منطوق الأول، أو مفهومه؛ ليكون معه كالدليل ليظهر المعنى عند من لا يفهم؛ و يكمل عند من فهمه.
كقوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا (سبأ:17)، ثم قال عز من قائل:
69/3 وَ هَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (سبأ:17)، أي هل يجازي ذلك الجزاء الذي يستحقه الكفور إلا الكفور؛ فإن جعلنا الجزاء عاما كان الثاني مفيدا فائدة زائدة.
و قوله: وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (الإسراء:81).
و قوله: وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (الأنبياء:
34).
و قوله: وَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ* إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَ لَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَ لا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (فاطر:
13-14).
فقوله: وَ لا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (فاطر:14) تذييل لاشتماله على... (1)
و قوله (2): فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً عالِينَ (المؤمنون:46).
و قوله: فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (الأعراف:133).
و جعل القاضي أبو بكر في كتابه «الإعجاز» (3)منه قوله تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (القصص:4).
و قوله؛ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (القصص:8).
و يحتمل أن يكون من التعليل.
و قوله: إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (الزخرف:22)، فقوله: وَ كَذلِكَ (الزخرف:23)، تذييل، أي فذلك شأن الأمم مع الرسل، و قوله:70/3 ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ (الزخرف:23)[تفسير للتذييل] جعل (1)التذييل هنا من التفسير.
التتميم
و هو أن يتم الكلام، فيلحق به ما يكمّله، إما مبالغة، أو احترازا، أو احتياطا.
و قيل: هو أن يأخذ في معنى فيذكره غير مشروح؛ و ربما كان السامع لا يتأمله ليعود المتكلّم إليه شارحا؛ كقوله تعالى: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (الإنسان:8)، فالتتميم في قوله: عَلى حُبِّهِ (الإنسان:8)، جعل الهاء كناية عن الطعام مع اشتهائه.
و كذلك قوله: وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ (البقرة:177).
و كقوله تعالى[174/أ]: وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ (النساء:124)، فقوله: وَ هُوَ مُؤْمِنٌ (النساء:124) تتميم في غاية الحسن.
الزيادة
و الأكثرون ينكرون إطلاق هذه العبارة في كتاب اللّه، و يسمونه التأكيد. و منهم من يسميه بالصلة. و منهم من يسميه المقحم.
قال ابن جني:«كل حرف زيد في كلام العرب فهو قائم مقام إعادة الجملة مرة 71/3 أخرى. و بابها الحروف و الأفعال».
1) في المخطوطة «فجعل» و ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
كقوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ (المائدة:13). فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ (آل عمران:159).
و قوله: قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (مريم:29) (1)[قيل: كانَ هاهنا زائدة؛ و إلا لم يكن فيه إعجاز؛ لأن الرجال كلهم كانوا في المهد،] (1) و انتصب صَبِيًّا على الحال.
و قال ابن عصفور (1):هي في كلامهم زيدت في وسط الكلام للتأكيد؛ و هي مؤكدة للماضي في قالُوا .
و منه زيادة «أصبح»، قال حازم (2):«إن كان الأمر الذي ذكر أنه أصبح فيه [لم] (3)يكن أمسى فيه، فليست زائدة، و إلا فهي زائدة؛ كقولك: أصبح العسل حلوا».
و أجاب الرمّاني (4)عن قوله: فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (المائدة:53)، «فإن العادة أن من به علة تزاد عليه بالليل يرجو الفرج عند الصباح، فاستعمل «أصبح» لأن الخسران جعل لهم في الوقت الذي يرجون فيه الفرج، فليست زائدة».
و هو معنى قول غيره:«إنها تأتي للدوام و استمرار الصفة، كقوله تعالى: فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ (الأحقاف:25)، وَ أَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ (القصص:
82).
و أما قوله تعالى: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ (النحل:58)[فهو على] (5)الأصل، لظهور الصفة نهارا، و المراد الدوام أيضا، أي استقرت له الصفة نهاره.
72/3 و اعلم أن الزّيادة و اللغو من عبارة البصريين، و الصلة و الحشو من عبارة الكوفيين،».
قال سيبويه عقب قوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ (النساء:155): إن «ما» لغو، لأنها لم تحدث شيئا.
و الأولى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب اللّه تعالى، فإنّ مراد النحويين بالزائد من جهة الإعراب، لا من جهة المعنى، فإن قوله: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ (آل عمران:
و كذا قوله تعالى: إِنَّمَا اللّهُ إِلهٌ واحِدٌ (النساء:171) ف «إنّما» هاهنا حرف تحقيق و تمحيق، إنّ هنا للتحقيق، و ما للتمحيق فاختصر، و الأصل:«ما اللّه اثنان فصاعدا، و أنه إله واحد».
و قد اختلف في وقوع الزائد في القرآن؛ فمنهم من أنكره، قال الطرطوشي في «العمد» (1):«زعم المبرّد (2)و ثعلب (3)ألاّ صلة في القرآن، و الدّهماء من العلماء و الفقهاء و المفسّرين على إثبات الصّلات في القرآن، و قد وجد ذلك على وجه لا يسعنا إنكاره فذكر كثيرا».
و قال ابن الخباز في «التوجيه» (4):«و عند ابن السراج (5)أنه ليس في كلام العرب زائد، لأنه تكلّم بغير فائدة، و ما جاء منه حمله على التوكيد».
و منهم من جوّزه و جعل وجوده كالعدم؛ و هو أفسد الطرق.73/3 و قد ردّ على فخر الدين الرازي (6)قوله: إنّ المحققين على أن المهمل لا يقع في كلامف.
1) تصحفت عبارة المطبوعة إلى (الطرطوسي في العمدة). و التصويب من المخطوطة، و هو محمد بن الوليد الطرطوشي تقدم التعريف به في 113/2، و بكتابه في 412/2.
2) هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر أبو العباس المبرد تقدم ذكره في 497/2.
3) هو أحمد بن يحيى بن يسار أبو العباس ثعلب تقدمت ترجمته في 309/1.
4) ابن الخباز هو أحمد بن الحسين بن أحمد الإربلي تقدم ذكره في 14/3. و أما كتابه «التوجيه» فقد ذكره صاحب كشف الظنون 504/1 باسم «التوجيه في النحو».
5) هو محمد بن السري تقدمت ترجمته في 438/2.
6) هو محمد بن عمر بن الحسين الرازي الشافعي، تقدمت ترجمته في 116/1. و انظر قوله في التفسير 62/9 عند قوله تعالى فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ... الآية. بتصرف.
اللّه سبحانه؛ (1)[فأما في قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ (آل عمران:159) فيمكن أن تكون استفهامية للتعجب، و التقدير «فبأي رحمة»؟ فجعل الزائد مهملا،] (1)و ليس كذلك، لأن الزائد ما أتي [به] (1)لغرض التقوية و التوكيد، و المهمل ما لم تضعه العرب، و هو ضدّ المستعمل، و ليس المراد من الزيادة [ما أتى] (2)حيث ذكرها النحويون إهمال اللفظ، و لا كونه لغوا فتحتاج إلى التنكّب (3)
(6-6) عبارة المخطوطة «ما سمّوها».
عن التعبير بها إلى غيرها؛ فإنّهم (6)إنما سمّوا «ما» (6)زائدة هنا لجواز تعدّي العامل قبلها إلى ما بعدها،[لا] (4)لأنها ليس لها معنى.و أما ما قاله في الآية: إنّها للاستفهام[174/ب] التعجّبي، فقد انتقد عليه بأن قيل:
تقديره «فبأي رحمة» دليل على أنه جعل «ما» مضافة للرحمة، و أسماء الاستفهام التعجبي لا يضاف منها غير «أيّ»؛ و إذا لم تصح الإضافة كان ما بعدها بدلا منها، و المبدل من اسم الاستفهام يجب معه ذكر همزة الاستفهام، و ليست الهمزة مذكورة، فدل على بطلان هذه الدعوى؛ و سنبين في فصل زيادة الحروف الفائدة في إدخال «ما» هاهنا، فانظره هناك.
الأول: أهل الصناعة يطلقون الزائد على وجوه: منها ما يتعلق به هنا و هو ما أقحم تأكيدا (5)،نحو: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ (آل عمران:159) إِنَّ اللّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً (البقرة:26) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الشورى:11).
74/3 و معنى كونه زائدا أنّ أصل المعنى حاصل بدونه دون التأكيد؛ فبوجوده حصل فائدة التأكيد، و الواضع الحكيم لا يضع الشيء إلا لفائدة.
و سئل بعض العلماء عن التوكيد بالحرف، و ما معناه؛ إذ إسقاط الحرف لا يخلّ بالمعنى؟ فقال: هذا يعرفه أهل الطباع إذ يجدون أنفسهم بوجود الحرف على معنى زائد لا
يجدونه بإسقاط الحرف، قال: و مثال ذلك مثال العارف بوزن الشعر طبعا؛ فإذا تغير البيت بزيادة أو نقص أنكره و قال: أجد نفسي على خلاف ما أجده بإقامة الوزن، فكذلك هذه الحروف تتغير نفس المطبوع عند نقصانها، و يجد نفسه بزيادتها على معنى بخلاف ما يجدها بنقصانه.
الثاني: حق الزيادة أن تكون في الحرف (1)و في الأفعال كما سبق؛ و أما الأسماء فنصّ أكثر النحويين على أنها لا تزاد. و وقع في كلام كثير من المفسّرين الحكم عليها في بعض المواضع بالزيادة، كقول الزمخشري في قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا (البقرة:9) إن اسم الجلالة (2)مقحم، و لا يتصوّر مخادعتهم للّه تعالى.
الثالث: حقها أن تكون آخرا و حشوا؛ و أما وقوعها أوّلا فلا لما فيه من التناقض، إذ قضية الزيادة إمكان اطّراحها، و قضية التصدير الاهتمام، و من ثم ضعّف قول بعضهم [بزيادة «لا»] (3)في قوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (القيامة:1). و أبعد منه قول آخر:
إنها بمعنى «إلاّ»، و الظاهر أنها ردّ لكلام تقدّم في إنكار البعث، أي ليس الأمر كما تقولون، ثم قال بعده: أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (القيامة:1)، و عليه فيجوز الوقف على «لا» و فيه بعد.
75/3 الزيادة إما أن تكون لتأكيد النفي، كالباء في خبر ليس و ما، أو لتأكيد الإيجاب كاللام الداخلة على المبتدإ.
و حروف الزيادة سبعة: إنّ، و أن، و لا، و ما، و من، و الباء، و اللام. بمعنى أنها تأتي في بعض الموارد زائدة؛ لا أنّها (4)لازمة للزيادة. ثم ليس المراد حصر الزوائد (5)فيها، فقد زادوا الكاف و غيرها؛ بل المراد أن الأكثر في الزيادة أن تكون بها.
فأما إن الخفيفة فتطّرد زيادتها مع ما النافية، كقول امرئ القيس (1)
ص:141 طبعة دار صادر. بيروت.
:حلفت لها باللّه حلفة فاجر لناموا فما إن من حديث و لا صال
أي فما حديث. فزاد «إن» للتوكيد، قال الفراء (2):إن الخفيفة زائدة، فجمعوا بينها و بين ما النافية، تأكيدا للنفي، فهو بمنزلة تكرارها (3)،فهو عند الفراء من التأكيد اللفظي، و عند سيبويه من [التأكيد] (4)المعنوي.
[و قيل] (5):قوله تعالى: وَ لَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ (الأحقاف:26):
أنها زائدة. و قيل نافية؛ و الأصل «في الذي ما مكناكم فيه» بدليل: مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ (الأنعام:6)؛ و كأنه إنما عدل عن «ما» لئلا تتكرر فيثقل اللفظ.
و وهم ابن الحاجب (6)حيث زعم أنها تزاد بعد «لما» الإيجابية؛ و إنما تلك في «أن» المفتوحة.
76/3 و أما أن المفتوحة[175/أ] فتزاد بعد لما الظرفية، كقوله تعالى: وَ لَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ ،(العنكبوت:33) و إنما حكموا بزيادتها؛ لأن «لما ظرف زمان؛ و معناها وجود الشيء لوجود غيره؛ و ظروف الزمان غير المتمكنة لا تضاف إلى المفرد «و أن» المفتوحة تجعل الفعل بعدها في تأويل المفرد، فلم تبق «لمّا» مضافة إلى الجمل (7)فلذلك حكموا بزيادتها.
و جعل الأخفش (8)من زيادتها قوله تعالى: وَ ما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ1.
1) هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو الكندي و هو من أهل نجد من الطبقة الأولى قال لبيد بن ربيعة:«أشعر الناس ذو القروح» يعني امرأ القيس (الترجمة وافية في «الشعر و الشعراء» لابن قتيبة الدينوري ص:49). و أما بيت الشّعر فهو من قصيدة مطلعها «ألا عم صباحا» في ديوانه
2) هو يحيى بن زياد بن عبد اللّه الفرّاء تقدمت ترجمته في 159/1.
3) في المخطوطة «تكررها».
4) ساقطة من المخطوطة.
5) ساقطة من المخطوطة.
6) هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو بن الحاجب الكردي، تقدمت ترجمته في 466/1.
7) في المخطوطة «الجملة».
8) هو الأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي تقدم ذكره في 134/1.
(إبراهيم:12)، وَ ما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ (البقرة:246). و قيل: بل هي مصدرية؛ و الأصل «و ما لنا في ألاّ نفعل كذا»! فليست زائدة؛ لأنها عملت النصب في المضارع.
و أما «ما» فتزاد بعد خمس كلمات من حروف الجر؛ فتزاد بعد «من» و «عن» غير كافة لهما عن العمل، و تزاد بعد الكاف، و ربّ، و الباء؛ كافة تارة و غير كافة أخرى.
[فأما] (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
الكافة إما أن تكفّ عن عمل النصب و الرفع؛ و هي المتصلة بإنّ و أخواتها؛ نحو: إِنَّمَا اللّهُ إِلهٌ واحِدٌ (النساء:171). كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ (الأنفال:6). و جعلوا منها: إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (فاطر:28)؛ و يحتمل أن تكون موصولة بمعنى «الذي» و «العلماء» خبر، و العائد مستتر في «يخشى»، و أطلقت «ما» على جماعة العقلاء، كما في قوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ (النساء:3). 77/3 و إما أن تكفّ عن عمل الجر، كقوله تعالى: اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ (الأعراف:
و غير الكافة تقع بعد الجازم؛ نحو [قوله تعالى] (2): وَ إِمّا يَنْزَغَنَّكَ (الأعراف:200)، أَيًّا ما تَدْعُوا (الإسراء:110)، أَيْنَما تَكُونُوا (النساء:78).
و بعد الخافض؛ حرفا كان [نحو] (3)
(6-6) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ (آل عمران:159). فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ (المائدة:13) عَمّا قَلِيلٍ (المؤمنون:40)، مِمّا خَطِيئاتِهِمْ (نوح:25)، أو اسما، نحو: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ (القصص:28).
«و تزاد بعد أداة الشرط؛ جازمة كانت، نحو: (6)[ أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ (النساء:78). أو غير جازمة، نحو] (6): حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ (فصلت:
20).ة.
و بين المتبوع و تابعه؛ نحو: مَثَلاً ما بَعُوضَةً (البقرة:26)، قال الزّجاج (1):«ما حرف زائد للتوكيد عند جميع البصريين»[انتهى] (2).و يؤيّده سقوطها في قراءة ابن مسعود و «بعوضة» بدل. و قيل «ما» اسم نكرة صفة ل «مثلا»، أو بدل و «بعوضة»[عطف بيان]» (3)و قيل في قوله: فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (البقرة:88) بأنها زائدة لمجرد تقوية الكلام؛ نحو:
78/3 فَبِما رَحْمَةٍ (آل عمران:159) و «قليلا» في معنى النفي، أو لإفادة التقليل كما في نحو أكلت أكلا ما»، و على هذا فيكون «فقليلا بعد قليل» (4).
و أما «لا» فتزاد مع الواو بعد النفي، كقوله تعالى: وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لاَ السَّيِّئَةُ (فصلت:34)؛ لأن «استوى» من الأفعال التي تطلب اسمين أي لا تليق بفاعل واحد؛ نحو «اختصم»، فعلم أن «لا» زائدة. و قيل: دخلت في السيئة لتحقّق أنه (5)
(6-6) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
لا تساوي الحسنة (6)[السيئة، و لا السيئة الحسنة] (6).و تزاد بعد «أن» المصدرية؛ كقوله: لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ (الحديد:29)؛ أي ليعلم؛ و لو لا تقدير الزيادة لانعكس المعنى، فزيدت «لا» لتوكيد النفي. قاله ابن جني (6).
و اعترضه ابن ملكون (7):«بأنه ليس هناك نفي حتى تكون هي مؤكدة له». ورد عليه الشّلوبين (8):«بأن هنا ما معناه النفي»؛ و هو ما وقع عليه العلم من قوله: أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى2.
1) هو إبراهيم بن السري بن سهل تقدم ذكره في 105/1.
2) ساقط من المطبوعة.
3) هذا كلام ابن هشام في كتابه مغني اللبيب 314/1 (بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد). و ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوط.
4) مغني اللبيب لابن هشام 316/1، و عبارة المخطوط «تقليلا بعد تقليل» و هو الصواب.
5) في المخطوطة «أنها».
6) هو عثمان بن جنّي، أبو الفتح النحوي تقدم ذكره في 361/1.
7) هو إبراهيم بن محمد بن منذر بن سعيد بن ملكون، أبو إسحاق الحضرمي، قال ابن الزبير:«أستاذ نحوي جليل» روى عن أبي الحسن شريح و أبي مروان بن محمد، و أجاز له القاسم بن بقي روى عنه ابن حوط اللّه و ابن خروف و الشلوبين من تصانيفه «شرح الحماسة» و «النكت على تبصرة الصّيمري». توفي سنة(584 ه)(السيوطي، بغية الوعاة 431/1).
8) عبارة المطبوع «السّكوني» و التصويب ما جاء في المخطوطة. و الشلوبين تقدم ذكره في 364/2.
شَيْءٍ (الحديد:29)؛ و يكون هذا من وقوع النفي على العلم، (1)[و المراد ما وقع عليه العلم] (1)كقوله:«ما علمت أحدا يقول ذلك إلا زيدا» فأبدلت من الضمير الذي في «يقول» ما بعد «إلا»؛ و إن كان البدل لا يكون إلا في النفي؛ فكما كان النفي هنا واقعا على العلم، و حكم لما وقع عليه العلم (3)[بحكمه، كذلك يكون تأكيد النفي أيضا على ما وقع عليه العلم، و يحكم للعلم بحكم النفي، فيدخل على العلم توكيد النفي، و المراد تأكيد نفي ما دخل عليه العلم] (3).
و إذا كانوا قد زادوا «لا» في الموجب المعنى لما توجه عليه فعل منفيّ في المعنى؛ كقوله 79/3 تعالى: ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ (الأعراف:12)، المعنى «أن تسجد»، فزاد «لا» تأكيدا للنفي المعنوي الذي تضمنه «منعك»؛ فكذلك تزاد «لا» في العلم الموجب توكيدا للنفي الذي تضمنه الموجّه عليه.
قال الشّلوبين (1):و أما زيادة[175/ب]«لا» في قوله: لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ (الحديد:29)؛ فشيء متفق عليه؛ و قد نصّ عليه سيبويه، و لا يمكن أن تحمل الآية إلا على زيادة «لا» فيها، لأن ما قبله من الكلام و ما بعده يقتضيه.
و يدل عليه قراءة ابن عباس و عاصم الجحدري (2)
ص:153 قال:«ليي يعلم بياءين الجحدري كأنه قلب الهمزة ياء» انتهى. و ذكره أبو حيّان في البحر المحيط 229/8 عند تفسير قوله تعالى لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ... الآية قال:«... و الجحدري لينيعلم أصله «لأن يعلم» قلب الهمزة ياء لكسرة ما قبلها و أدغم النون في الياء بغير غنة».
:«ليعلم أهل الكتاب» و قرأ ابن مسعود و ابن جبير «لكي يعلم» (3)و هاتان القراءتان تفسير لزيادتها؛ و سبب النزول يدل على ذلك أيضا؛ و هو أن المشركين كانوا يقولون: إن الأنبياء منّا، و كفروا مع ذلك بهم (4)،فأنزل اللّه تعالى:لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ... (الحديد:29) الآية.ب.
1) تقدم ذكره في 364/2.
2) في المطبوعة «عاصم و الحميدي» و التصويب ما ورد في المخطوطة «عاصم الجحدري» و الجحدري هو: عاصم بن أبي الصباح العجاج تقدم ذكره في 347/1. ذكر قراءته ابن خالويه في كتابه «مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع»
3) ذكرها ابن خالويه في كتابه «مختصر في شواذ القرآن» ص:152.«شواذ سورة الحديد» و أبو حيّان في «البحر المحيط»229/8. آخر تفسير سورة الحديد.
4) أورد سبب النزول بمعناه الطبري في جامع البيان 143/27 عند تفسير الآية. و القرطبي أيضا في تفسيره الجامع لأحكام القرآن 268/17، و لكن ورد في الموضعين أن اليهود هم الذين قالوا ذلك و هو الصواب.
و [منه] (1): ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ (الأعراف:12)، بدليل الآية الأخرى: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ (ص:75)؛ و ليس المعنى: ما منعك من ترك السجود؟ فإنه ترك، فلا يستقيم التوبيخ عليه.
و قيل: ليست بزائدة من وجهين:
أحدهما: أنّ التقدير ما دعاك إلى ألاّ تسجد؟ لأنّ الصارف عن الشيء داع إلى تركه، فيشتركان في كونهما من أسباب عدم الفعل.
80/3 الثاني: أنّ التقدير ما منعك من ألاّ تسجد، و هذا أقرب مما قبله؛ لأن فيه إبقاء المنع على أصله، و عدم زيادتها أولى؛ لأن حذف حرف الجر مع «أن» كثير كثرة لا تصل إلى المجاز، و الزيادة في درجته.
قالوا: و فائدة زيادتها تأكيد الإثبات؛ فإن وضع «لا» نفي ما دخلت عليه، فهي معارضة للإثبات؛ و لا يخفى أنّ حصول الحكم مع المعارض أثبت مما إذا لم يعترضه المعارض، أو أسقط معنى ما كان من شأنه أن يسقط.
و منه: ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا* أَلاّ تَتَّبِعَنِ (طه:92-93).
و قيل: و قد تزاد قبل القسم، نحو: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ (المعارج:
و ضعّف في الأخيرة، بأنها (2)وقعت صدرا، بخلاف ما قبلها، لوقوعها بين الفاء و معطوفها.
و قيل: زيدت توطئة لنفي الجواب؛ أي لا أقسم بيوم القيامة، فلا يتركون سدى.
ورد بقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ... (البلد:1) الآيات، فإن جوابه مثبت، و هو: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (البلد:4).
و قيل غير زائدة.».
و قيل: هي ردّ لكلام قد تقدّم من الكفّار، فإنّ القرآن كلّه كالسورة الواحدة، فيجوز أن يكون الادّعاء في سورة، و الردّ عليهم في أخرى؛ فيجوز الوقف على «لا» هذه.
و اختلف في قوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ (الأنعام:81/3 151).
فقيل: زائدة ليصحّ المعنى؛ لأنّ المحرّم الشّرك.
و قيل: نافية أو ناهية.
و قيل: الكلام تمّ عند قوله: حَرَّمَ رَبُّكُمْ (الأنعام:151)، ثم ابتدأ: عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ (الأنعام:151).
و قوله تعالى: وَ ما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (الأنعام:109)؛ فيمن فتح الهمزة (1)،فقيل «لا» زائدة، و إلا لكان عذرا للكفار.
و ردّه الزّجاج (2)بأنها نافية في قراءة الكسر، فيجب ذلك في قراءة الفتح.
و قيل: نافية و حذف المعطوف؛ أي و أنهم يؤمنون.
و قوله تعالى: وَ حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (الأنبياء:95).
و قيل:«لا» زائدة، و المنع (3):ممتنع على أهل قرية قدّرنا إهلاكهم [لكفرهم] (4)أنهم لا يرجعون عن الكفر إلى قيام الساعة.
و على هذا ف «حرام» خبر مقدم وجوبا لأن المخبر عنه «أن وصلتها».
و قوله تعالى: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا 82/3 عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللّهِ وَ لكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ* وَ لاة.
1) قرأ ابن كثير و أبو عمرو و أبو بكر بخلاف عنه أَنَّها إِذا جاءَتْ... بكسر الهمزة، و الباقون بفتحها. (الداني، التيسير ص:106).
2) هو إبراهيم بن السري بن سهل تقدمت ترجمته في 105/1. و قوله ورد في كتابه إعراب القرآن 132/1. و انظر تفصيلا للمسألة في المغني لابن هشام 251/1.
3) في المخطوطة «و المعنى».
4) ساقط من المخطوطة.
يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْباباً (آل عمران:79-80) على قراءة من نصب يَأْمُرَكُمْ (1)عطفا على يُؤْتِيَهُ ف «لا» زائدة مؤكّدة لمعنى النفي السابق.
و قيل: عطف على يَقُولَ ،و المعنى: ما كان لبشر أن ينصبه اللّه للدعاء إلى عبادته و ترك الأنداد، ثم يأمر الناس[176/أ] بأن يكونوا عبادا له، و يأمركم أن تتخذوا الملائكة و النبيين أربابا.
و قيل: ليست زائدة لأنه عليه الصلاة و السلام كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة، و أهل الكتاب عن عبادة عزير و عيسى؛ فلما قالوا له: أ نتخذك ربّا؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يؤتيه اللّه الكتاب و الحكمة، ثم يأمر الناس بعبادته، و ينهاهم عن عبادة الملائكة و الأنبياء.
و أما «من» فإنّها تزاد في الكلام الوارد بعد نفي أو شبهه؛ نحو: وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها (الأنعام:59). ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (الملك:3). مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ (المؤمنون:91).
83/3 و جوّز الأخفش (2)
(3-3) اضطربت العبارة في المخطوطة.
زيادتها مطلقا؛ محتجّا بنحو قوله تعالى: وَ لَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (الأنعام:34). يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ (نوح:4). يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ (الحج:23، الكهف:31). وَ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ (البقرة:271).و أما «ما» في نحو قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ (آل عمران:159)، و قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ (المائدة:13) ف «ما» في هذين الموضعين زائدة؛ إلاّ أنّ فيها فائدة جليلة؛ و هي أنه لو قال: فبرحمة (3)[من اللّه لنت لهم، و بنقضهم لعنّاهم، جوّزنا أنّ اللين و اللعن كانا للسببين المذكورين و لغير ذلك، فلما أدخل «ما» في الموضوعين قطعنا بأن اللين لم يكن إلاّ للرحمة، و أن اللعن لم يكن إلا لأجل نقض الميثاق] (3).
و أما الباء فتزاد في الفاعل؛ نحو «كفى باللّه»، أي كفى اللّه، و نحو «أحسن بزيد»! إلا أنها في التعجب لازمة. و يجوز حذفها في فاعل كَفى بِاللّهِ شَهِيداً (الرعد:43)، وَ كَفى بِناة.
حاسِبِينَ (الأنبياء:47) و إنما هو «كفى اللّه» و «كفانا» (1).و قال الزجاج (2):«دخلت لتضمّن «كفى» معنى اكتفي؛ و هو حسن».
و في المفعول، نحو: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (البقرة:195)؛ لأن الفعل يتعدّى بنفسه؛ بدليل قوله: وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ (الحجر:19)، و نحو: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ (مريم:25). أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللّهَ يَرى (العلق:14). فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ (الحج:15)، وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ (الحج:25). فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ 84/3 وَ الْأَعْناقِ (ص:33)، أي يمسح السوق مسحا.
و قيل في الأول: ضمّن «تلقوا» معنى «تفضوا».
و قيل: المعنى لا تلقوا أنفسكم بسبب أيديكم؛ كما يقال: لا تفسد أمرك برأيك.
و قيل في قوله تعالى: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ (المؤمنون:20): إن الباء زائدة؛ و المراد:
«تنبت الدهن».
و في المبتدإ؛ و هو قليل؛ و منه عند سيبويه: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (ن:6).
و قال أبو الحسن (3): بِأَيِّكُمُ متعلّق باستقرار محذوف مخبر عنه بالمفتون؛ ثم اختلف فقيل:«المفتون» مصدر بمعنى الفتنة، و قيل: الباء ظرفية، أي في أيّكم الجنون».
و في خبر المبتدإ؛ نحو: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها (يونس:27). و قال أبو الحسن:«الباء زائدة، بدليل قوله في موضع آخر: وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها »(الشورى:40).
و في خبر ليس؛ كقوله تعالى: أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (القيامة:
40). أَ لَيْسَ اللّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ (الزمر:36).».
1) في المخطوطة «وكيلا».
2) هو إبراهيم بن السري تقدم ذكر ترجمته في 105/1 و قوله ورد في كتابه إعراب القرآن 855/3. و انظر المغني لابن هشام 106/1.
3) هو سعيد بن مسعدة المجاشعي، أبو الحسن الأخفش تقدمت ترجمته في 134/1 و أما قوله فقد أورده ابن هشام في كتاب مغني اللبيب 110/1-111، و عبارة المغني جاءت على الشكل التالي«... فقيل المفتون مصدر بمعنى الفتنة، و قيل الباء ظرفية، أي في أيّ طائفة منكم المفتون».
و قال ابن عصفور في «المقرّب» (1):و تزاد في نادر كلام لا يقاس عليه، كقوله تعالى:
بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (القيامة:40) و (الأحقاف:33) انتهى.
85/3 و مراده الآية التي أولها: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ (الأحقاف:33)، و لذا (2)صرّح به ابن أبي الربيع (3)في القراءتين. و يدلّ على الزيادة الآية التي في (الاسراء) (4): أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَ جَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ (الآية:99).
و زعم (5)ابن النحاس (6)أنه أراد الآية الأولى، أعني قوله: أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (القيامة:40)، فاعتذر عنه بأنه: إنما قال ذلك و إن كان في خبر ليس لأن «ليس» هنا بدخول الهمزة عليها لم يبق معناها من النفي، فصار الكلام تقريرا و يعني بقوله:«في نادر» في القياس لا في الاستعمال.
و أما اللام، فتزاد معترضة بين الفعل و مفعوله؛ كقوله:
و ملكت ما بين العراق و يثرب ملكا أجار لمسلم و معاهد (7)ج-
1) هو علي بن مؤمن بن محمد أبو الحسن بن عصفور الاشبيلي تقدمت ترجمته في 466/1. و أما كتابه «المقرب» فقد طبع (بتحقيق أحمد عبد الستار الجواري و عبد اللّه الجبوري) بغداد رئاسة ديوان الأوقاف 1392 ه/1972 م، و حققه أيضا برسالة ماجيستير (يعقوب يوسف الغنيم) دار العلوم، جامعة القاهرة. (عبد الجبار، ذخائر التراث العربي 190/1).
2) في المخطوطة «و كذلك».
3) هو أحمد بن سليمان بن أحمد أبو جعفر الكناني الأندلسي الطنجي، المقرئ المعروف بابن أبي الربيع، مسند القراء بالأندلس، رحل و قرأ الروايات على أبي أحمد السامري و أبي بكر الأذفوني، و أبي الطيب بن غلبون، و أقرأ الناس ببجّانة و المرّية، و عمّر دهرا طويلا توفي قبل سنة(144 ه)(الذهبي، معرفة القراء الكبار 398/1) و أما القراءتان فقد ذكرهما ابن جرير في تفسيره جامع البيان 23/26، و القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 219/16، و أبو حيّان في البحر المحيط 68/8 عند تفسير سورة الأحقاف.
4) ساقطة من المخطوطة.
5) في المخطوطة «و ظن».
6) هو محمد بن إبراهيم، ابن النحاس، سيأتي التعريف به ص 343.
7) البيت لابن ميّادة، الرّماح بن أبرد بن ثوبان بن سراقة بن حرملة، من قصيدة يمدح مطلعها: من كان أخطأه الرّبيع فإنّما نصر الحجاز بغيث عبد الواحد فيها أمير المدينة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك. انظر أخبار ابن ميّادة في كتاب الأغاني لأبي الفرج-
و جعل منه المبرّد (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
،قوله تعالى: رَدِفَ [176/ب] لَكُمْ (النمل:72)، و الأكثرون على أنه ضمّن رَدِفَ معنى:«اقترب»؛ كقوله: اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ (الأنبياء:1).و اختلف في قوله تعالى: يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ (النساء:26) (2)[ وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ] (2)(الأنعام:71)، فقيل زائدة، و قيل للتعليل و المفعول محذوف، أي يريد اللّه التبيين و ليبيّن لكم و يهديكم، أي فيجمع لكم بين الأمرين.
و قال الزمخشري (2)في قوله تعالى: وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (الآية:12)، 86/3 في سورة الزمر:«لك أن تجعل اللام مزيدة مثلها في «أردت لأن أفعل»، و لا تزاد إلا مع «أن» خاصة دون الاسم الصريح؛ كأنها زيدت عوضا من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه؛ كما أتت (3)السين في «أسطاع»-يعني بقطع الهمزة- (4)عوضا من ترك الأصل الذي هو «أطوع» و الدليل على هذا مجيئه بغير لام؛ في قوله تعالى: وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (الزمر:12).
انتهى.
و زيادتها في «أردت لأن أفعل» لم يذكره أكثر النحويين؛ و إنما تعرّضوا لها (5)في إعراب:
يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ (النساء:26).
و تزاد لتقوية العامل الضعيف إما لتأخّره (6)،نحو: هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (الأعراف:154)، و نحو: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (يوسف:43). أو لكونه فرعا في العمل، نحو: مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ (البقرة:91)، فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (البروج:16) نَزّاعَةً لِلشَّوى (المعارج:16).».
1) هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر أبو العباس المبرد، تقدم ذكره في 497/2.
2) في الكشاف عند تفسير قوله تعالى وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ 342/3.
3) في الكشاف «كما عوض السين».
4) ليس من قول الزمخشري.
5) الأصفهاني 88/1-120، و قد ورد البيت في مغني اللبيب، لابن هشام 215/1، و فرائد العقود، للعيني 278/3، المطبوع على هامش خزانة الأدب و همع الهوامع، للسيوطي 33/2، و شرح شواهد المغني، للسيوطي 580/2.
6) في المخطوطة «لتأخيره».
و قيل منه: إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ (طه:117)، و قيل: بل يتعلق بمستقرّ محذوف صفة لعدوّ؛ و هي للاختصاص.
و قد اجتمع التأخر (1)و الفرعية، في نحو: وَ كُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (الأنبياء:78).
87/3 و أما قوله تعالى: نَذِيراً لِلْبَشَرِ (المدثر:36)، فإن كان «نذيرا» (2)بمعنى المنذر، فهو مثل: فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (البروج:16)، و إن كان بمعنى الإنذار، فاللام مثلها في:«سقيا لزيد».
و قد تجيء اللام للتوكيد بعد النفي، و تسمّى لام الجحود، و تقع بعد «كان» مثل:
وَ ما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ (الأنفال:33)، اللام لتأكيد النفي، كالباء الداخلة في خبر «ليس»، و معنى قولهم:«إنها للتأكيد» (3)أنك إذا قلت:«ما كنت أضربك» بغير لام، جاز أن يكون الضرب مما يجوز كونه: فإذا قلت:«ما كنت لأضربك»، فاللام جعلته بمنزلة ما لا يكون أصلا.
و قد تأتي مؤكدة في موضع، و تحذف في آخر لاقتضاء المقام ذلك.
و من أمثلته قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (المؤمنون:15-16)، فإنه سبحانه أكّد إثبات الموت الذي لا ريب فيه تأكيدين، و أكّد إثبات البعث الذي أنكروه تأكيدا واحدا، و كان المتبادر العكس، لأن التأكيد إنما يكون حيث الإنكار؛ لكن في النّظم وجوه:
أحدها: أنّ البعث لما قامت البراهين القطعية عليه صار المنكر له كالمنكر للبديهيات؛ فلم يحتج إلى تأكيد؛ و أمّا الموت فإنه و إن أقروا به لكن لمّا لم يعلموا ما (4)بعده نزّلوا منزلة من لم يقرّ به؛ فاحتاج إلى تأكيد ذلك؛ لأنه قد ينزّل المنكر كغير المنكر إذا كان معه ما لو تأمّله ارتدع من (5)الإنكار. و لمّا ظهر على المخاطبين من التمادي في الغفلة و الإعراض عن العمل».
لما بعده و الانهماك في الدنيا، و هي من أمارات إنكار الموت، فلهذا قال:«ميتون» و لم يقل: تموتون؛ و إنما أكّد إثبات البعث الذي أنكروه تأكيدا واحدا، لظهور أدلته المزيلة للإنكار، إذا تأملوا فيها، و لهذا قيل:«تبعثون» على الأصل، و هو الاستقبال بخلاف «تموتون».
الثاني: أنّ دخول اللام على «ميتون» أحق؛ لأنه تعالى يردّ على الدّهرية (1)القائلين ببقاء النوع الإنساني[177/أ]، خلفا عن سلف، و قد أخبر تعالى عن البعث في مواضع من القرآن،[و أكّده] (2)و كذّب منكره؛ كقوله: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَ رَبِّي لَتُبْعَثُنَّ (التغابن:7) قاله الشيخ تاج الدين بن الفركاح (3)
(4-4) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
(6-6) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
.الثالث: أنه لما كان العطف يقتضي الاشتراك في الحكم استغني (4)[به عن إعادة لفظ اللاّم؛ و كأنه قيل:«لتبعثون» و استغني] (4)بها في الثاني لذكرها في الأول.
الرابع: قال الزمخشري: بولغ في تأكيد الموت؛ تنبيها للإنسان (6)[أن يكون الموت نصب عينيه، و لا يغفل عن ترقبه؛ فإن مآله إليه؛ فكأنه أكّدت جملته ثلاث مرات؛ لهذا المعنى، لأن الإنسان] (6)في الدنيا يسعى فيها غاية السعي؛[حتى] (4)كأنه مخلّد، و لم يؤكّد جملة البعث إلا ب «إنّ» لأنه أبرز بصورة (5)المقطوع به الذي لا يمكن فيه نزاع، و لا يقبل إنكارا.».
1) الدّهريّة هم الذين أنكروا الاعتقاد في اللّه، و أنكروا خلق العالم و العناية الإلهية. و لم يسلموا بما جاءت به الأديان الحقّة كالشرائع السماوية و البعث و العقاب، و قالوا بقدم الدهر و أنّ المادة لا تفنى، و أن كل ما حدث في العالم إنما يرد إلى فعل القوانين الطبيعية. أي إلى حركة الأفلاك، و قولهم بقدم الدهر هو أبرز أقوالهم.(الخوارزمي، مفاتيح العلوم ص 25) بتصرف.
2) ساقط من المخطوطة.
3) هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء بن سباع الفزاري، تاج الدين المعروف بالفركاح فقيه أهل الشام كان إماما مدققا نظارا تفقه على شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام. و روى البخاري عن ابن الزبيدي و سمع من ابن اللّتي و ابن الصلاح، حدث عنه جماعة من تصانيفه كتاب «الإقليد لذوي التقليد» و شرحا على «التنبيه» لم يسمّه، و له على «الوجيز» مجلدات توفي سنة(690 ه)(السبكي، طبقات الشافعية 60/5).
4) ساقط من المطبوعة.
5) في المخطوطة «في صورة».
قلت: هذه الأجوبة من جهة المعنى؛ و أما الصناعة فتوجب (1)ما جاءت الآية الشريفة عليه و هو حذف اللام في «تبعثون» لأن اللام تخلّص المضارع للحال؛ فلا يجاء [به] (2)مع يوم القيامة، لأنه مستقبل، و لأن «تبعثون» عامل في الظرف المستقبل.
و أما قوله: وَ إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ (النحل:124)؛ فيمكن تأويلها بتقدير عامل.
89/3 و نظير هذا آية الواقعة؛ و هي قوله سبحانه: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (الآية:65). و قال سبحانه في الماء: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً (الواقعة:70) بغير لام؛ و الفرق بينهما من أربعة أوجه:
أحدها: أن صيرورة الماء ملحا أسهل و أكثر من جعل الحرث حطاما، إذ الماء العذب يمرّ بالأرض السبخة فيصير ملحا، فالتوعّد به لا يحتاج إلى تأكيد، و هذا كما أنّ الإنسان إذا توعد عبده بالضرب بعصا و نحوه لم يحتج إلى توكيد، و إذا توعّد بالقتل احتاج إلى تأكيد.
و الثاني: إنّ جعل الحرث حطاما، قلب للمادّة و الصورة، و جعل الماء أجاجا قلب للكيفية فقط، و هو أسهل و أيسر (3).
الثالث: أن «لو» لمّا كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعليق الجزاء أتى باللام علما على ذلك، ثم حذف الثاني للعلم بها، لأن الشيء إذا علم لم يبال بإسقاطه عن اللفظ و يساوي لشهرته حذفه و إثباته، مع ما في حذفه من خفّة اللفظ و رشاقته (4)لأن تقدّم ذكرها و المسافة قصيرة يغني عن ذكرها ثانيا.
الرابع: أن اللام أدخلت في آية المطعوم؛ للدّلالة على أنه يقدّم على أمر المشروب، و أن الوعيد بفقده أشدّ و أصعب، من قبل أنّ المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم؛ و لهذا قدّمت [في] (5)آية المطعوم على آية المشروب، ذكرها (6)و الذي قبله الزمخشري (7).ة.
و من ذلك حذف اللام في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَ الرَّسُولِ (الأنفال:1) و إثباتها بعد قوله: فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ... (الأنفال:90/3 41) الآية، و الجواب أنك إذا عطفت على مجرور.
باب الاشتغال
فإنّ الشيء إذا أضمر ثم فسّر كان أفخم مما إذا لم يتقدم إضمار؛ أ لا ترى أنك تجد اهتزازا في نحو قوله تعالى: وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ (التوبة:6).
و في قوله: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي (الإسراء:100).
و في قوله: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (الإنسان:
31).
و في قوله: فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ (الأعراف:30) لا تجد مثله فإذا قلت: و إن استجارك أحد من المشركين فأجره. و قولك: لو تملكون خزائن رحمة ربي.
و قولك: يدخل من يشاء في رحمته و أعدّ للظّالمين عذابا أليما، و قولك: هدى فريقا و أضلّ فريقا؛ إذ الفعل المفسّر في تقدير المذكور مرتين.
و كذا قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (الانشقاق:1)، إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (الانفطار:1)، و نظائره، فهذه فائدة اشتغال الفعل عن المفعول بضميره[177/ب].
التعليل
بأن يذكر الشيء معلّلا؛ فإنّه أبلغ من ذكره بلا علة، لوجهين:
أحدهما: أن العلّة المنصوصة قاضية بعموم المعلول؛ و لهذا اعترفت الظاهرية بالقياس في العلّة المنصوصة (1).
الثاني: أن النفوس تنبعث إلى نقل الأحكام المعلّلة، بخلاف غيرها؛ و غالب التعليل
1) أورد ابن حزم هذا الكلام في كتابه المحلّى 57/1.
في القرآن، فهو على تقدير جواب سؤال اقتضته الجملة الأولى، و هو سؤال عن العلّة.
منه: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ (يوسف:53). إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (الحج:1). إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (التوبة:103).
و توضيح التعليل أن الفاء السببية لو وضعت مكان «إنّ» لحسن.
و الطرق الدالة على العلة أنواع:
الأول: التصريح بلفظ الحكم، كقوله تعالى: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ (القمر:5).
و قال: وَ أَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ (النساء:113)، و الحكمة هي العلم النافع و العمل الصالح.
92/3 الثاني: أنه فعل كذا لكذا، أو أمر بكذا لكذا، كقوله تعالى: ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ (المائدة:97).
و قوله تعالى: اَللّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا (الطلاق:12).
جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ (المائدة:97).
لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ (الحديد:29).
وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ (البقرة:143).
وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (الأنفال:11).
وَ ما جَعَلَهُ اللّهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ (آل عمران:126)، و هو كثير.
فإن قيل: اللام فيه للعاقبة، كقوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً (القصص:8)، و قوله: لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً (الحج:53)، و إنما قلنا ذلك لأنّ أفعال اللّه تعالى لا تعلّل.
فالجواب أن معنى قولنا: إن أفعال اللّه تعالى لا تعلّل، أي لا تجب؛ و لكنها لا تخلو عن الحكمة، و قد أجاب الملائكة عن قولهم: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها (البقرة:30) بقوله: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (البقرة:30).
و لو كان فعله (1)سبحانه مجردا عن الحكم و الغايات لم يسأل (2)الملائكة عن حكمته و لم يصحّ الجواب بكونه يعلم ما لا يعلمون من الحكمة و المصالح، و فرق بين العلم و الحكمة؛ و لأنّ لام العاقبة إنما تكون في حق من يجهل العاقبة، كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ 93/3 عَدُوًّا وَ حَزَناً (القصص:8)؛ و أما من هو بكل شيء عليم فمستحيلة في حقه؛ و إنما اللام الواردة في أحكامه و أفعاله لام الحكمة و الغاية المطلوبة من الحكمة. ثم قوله: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً (القصص:8) هو تعليل لقضاء اللّه بالتقاطه و تقديره لهم، فإن التقاطهم له إنما كان بقضائه و قدره، و ذكر فعلهم دون قضائه؛ لأنه أبلغ في كونه حزنا لهم و حسرة عليهم.
حيث دخلت (3)واو العاطف على لام التعليل فله وجهان:
أحدهما: أن يكون تعليلا معلّله محذوف، كقوله تعالى: وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً (الأنفال:17)؛ فالمعنى و للإحسان إلى المؤمنين فعل ذلك.
[و قوله] (4)الثاني: أن يكون معطوفا على علة أخرى مضمرة، ليظهر صحة العطف، كقوله تعالى: وَ خَلَقَ اللّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ لِتُجْزى (الجاثية:22)؛ التقدير: ليستدلّ بها المكلف على قدرته تعالى و لتجزى. و كقوله: وَ كَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ (يوسف:21) التقدير: ليتصرف فيها و لنعلمه.
و الفرق بين الوجهين أنه في الأول عطف جملة على جملة، و في الثاني عطف مفرد على مفرد.
و قد يحتملهما الكلام، كقوله تعالى: وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ (البقرة:259)، فالتقدير على الأول، و لنجعله آية فعلنا ذلك، و على الثاني: و لنبين للناس (5)قدرتنا و لنجعله آية. و يطّرد الوجهان في نظائره، و يرجّح كل واحد بحسب المقام، و حذف المعلّل هاهنا
أرجح، إذ لو فرض علة أخرى لم يكن بدّ من معلّل محذوف، و ليس قبلها ما يصلح له.
94/3 فإن قلت: لم قدّر المعلّل مؤخرا؟ قلت: فائدة هذا الأسلوب هو أن يجاء بالعلّة بالواو للاهتمام بشأن العلة المذكورة؛ لأنه إمّا أن يقدّر علة أخرى ليعطف عليها، فيكون اختصاص ذكرها لكونها أهمّ، و إما أن يكون على تقدير معلل؛ فيجب أن يكون مؤخرا ليشعر تقديمه بالاهتمام.
الثالث: الإتيان بكي؛ كقوله تعالى: ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ (الحشر:7)، فعلّل سبحانه قسمة الفيء بين هذه الأصناف كيلا يتداوله الأغنياء دون الفقراء.
و قوله: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ* لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (الحديد:
22-23)، و أخبر سبحانه أنه قدّر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن تبرأ الأنفس أو المصيبة أو الأرض أو المجموع، ثم أخبر أن مصدر ذلك قدرته عليه و أنّه هين عليه، و حكمته البالغة التي منها ألاّ يحزن عباده على ما فاتهم، و لا يفرحوا بما آتاهم، فإنهم إذا علموا أنّ المصيبة فيه مقدّرة كائنة، و لا بدّ قد كتبت قبل خلقهم هان عليهم الفائت،[178/أ] فلم يأسوا عليه و لم يفرحوا.
الرابع: ذكر المفعول له و هو علة للفعل المعلّل به، كقوله: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً (النحل:89).
و نصب ذلك على المفعول له أحسن من غيره، كما صرح به في قوله: لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (النحل:44).
و قوله: وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (البقرة:150).
و قوله: وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ (القمر:17)، أي لأجل الذكر؛ كما قال تعالى: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (الدخان:58).
و قوله: فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً* عُذْراً أَوْ نُذْراً (المرسلات:5-6)، أي للإعذار و الإنذار.
و قد يكون معلولا بعلّة أخرى، كقوله تعالى يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (البقرة:19)، ف «من الصواعق» يحتمل أن تكون فيه «من» لابتداء الغاية فتتعلّق بمحذوف، أي خوفا من الصواعق، و يجوز أن تكون معلّلة بمعنى اللام كما في قوله تعالى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ (الحج:22)، أي لغمّ.
و قد يكون معلولا بعلّة أخرى، كقوله تعالى يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (البقرة:19)، ف «من الصواعق» يحتمل أن تكون فيه «من» لابتداء الغاية فتتعلّق بمحذوف، أي خوفا من الصواعق، و يجوز أن تكون معلّلة بمعنى اللام كما في قوله تعالى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ (الحج:22)، أي لغمّ.
و على كلا التقديرين ف «من الصواعق» في محل نصب على أنه مفعول له، و العامل فيه يَجْعَلُونَ .و حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول له أيضا فالعامل فيه مِنَ الصَّواعِقِ ،ف «من الصواعق» علة ل «يجعلون». معلول لحذر الموت، لأن المفعول الأول الذي هو «من الصواعق» يصلح جوابا لقولنا: (1)[لم يجعلون أصابعهم في آذانهم؟ و المفعول الثاني الذي هو «حذر الموت» يصلح جوابا لقولنا] (1):لم يخافون من الصواعق؟ فقد ظهر ذلك.
الخامس: اللام في المفعول له، و تقوم مقامه الباء، نحو: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا (النساء:160).
[و من] (1)،نحو: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا (المائدة:32). 96/3 و الكاف، نحو: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ (البقرة:151)، و قال:
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (البقرة:152)، و قال: فَاذْكُرُوا اللّهَ كَما عَلَّمَكُمْ (البقرة:
239)، أي لإرسالنا و تعليمنا.
السادس: الإتيان بإنّ، كقوله تعالى: وَ اسْتَغْفِرُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المزمل:
20).
وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (التوبة:103).
وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ (يوسف:53).
فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً (طه:10).
و كقوله: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ (يس:76)، و ليس هذا من قولهم، لأنه لو كان قولهم لما حزن الرسول، و إنما جيء بالجملة لبيان العلة و السبب [178/ب] في أنه لا يحزنه قولهم.ة.
1) ساقطة من المخطوطة.
و كذلك قوله تعالى: وَ لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً (يونس:65) و الوقف على القول في هاتين الآيتين و الابتداء بإنّ لازم.
و قد يكون علة [لعلّة] (1)كقوله: إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً* إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً (الفرقان:65-66).
و فيها وجهان لأهل المعاني.
97/3 أحدهما: أن سؤالهم لصرف العذاب معلّل بأنه غرام، أي ملازم الغريم، و بأنها ساءت مستقرا و مقاما.
الثاني: أنّ «ساءت». تعليل لكونه غراما.
السابع: أن و الفعل المستقبل بعدها؛ تعليلا لما قبله، كقوله تعالى: أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا (الأنعام:156).
و قوله تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ (الزمر:56).
و قوله: تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (التوبة:92) كأنه قيل: لم فاضت أعينهم من الدمع؟ قيل: للحزن، فقيل: لم حزنوا؟ فقيل: لئلا يجدوا.
و قوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (البقرة:282).
و نظائره كثيرة. و في ذلك طريقان:
أحدهما: للكوفيين، أنّ المعنى لئلاّ يقولوا، و لئلاّ تقول نفس.
الثاني: للبصريين، أنّ المفعول له محذوف؛ أي كراهة (2)أن يقولوا، أو حذار أن يقولوا.
فإن قيل: كيف يستقيم الطريقان في قوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ؟(البقرة:282) فإنك إذا قدرت:«لئلا تضلّ إحداهما» لم يستقم عطف «فتذكر» عليه؛ و إن قدّرت «حذار أن تضل إحداهما» لم يستقم العطف أيضا؛ لأنه لا يصحّ أن تكون الضلالة علّة لشهادتهما.
98/3 قيل: بظهور المعنى يزول الإشكال، فإن المقصود إذكار إحداهما الأخرى إذا ضلّت».
و نسيت؛ فلما كان الضلال سببا للإذكار جعل موضع العلة [كما] (1)
(2-2) اضطربت عبارة المخطوطة كما يلي:«و إن أعددت من هذا الدواء أن أمرض فيما يداوى و نحوه من هذا القول سيبويه و البصريين».
،تقول:«أعددت هذه الخشبة أن تميل الحائط فأدعم بها»؛ فإنما أعددتها للدّعم لا للميل؛ و (2)أعددت هذا الدواء أن أمرض فأداوى به و نحوه، هذا قول سيبويه و البصريين (2).و قال الكوفيون: تقديره في «تذكّر إحداهما الأخرى» إن ضلّت، فلمّا تقدم الجزاء اتصل بما قبله، ففتحت أن.
الثامن:«من أجل» في قوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ (المائدة:32) فإنه لتعليل الكتب، و على هذا فيجب الوقف على: مِنَ النّادِمِينَ (المائدة:31). و ظن قوم أنه تعليل لقوله: مِنَ النّادِمِينَ ؛أي من أجل قتله لأخيه؛ و هو غلط، لأنه يشوّش صحّة النظم و يخلّ بالفائدة.
فإن قلت: كيف يكون قتل أحد ابني آدم للآخر علة للحكم على أمّة أخرى بذلك الحكم؟ و إذا كان علّة فكيف كان قتل (2)نفس واحدة بمنزلة قاتل الناس كلّهم؟ قيل: إن اللّه-سبحانه-يجعل أقضيته و أقداره عللا لأسبابه الشرعية و أمره، فجعل حكمه الكوني القدريّ علة لحكمة أمره الديني (3)لأن القتل لما كان من أعلى أنواع الظلم و الفساد،99/3 فخم أمره، و عظم شأنه، و جعل إثمه أعظم من إثم غيره، و نزّل قاتل النّفس الواحدة منزلة قاتل الأنفس كلّها في أصل العذاب؛ لا في وصفه.
التاسع: التعليل بلعلّ، كقوله تعالى: اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة:21)، قيل: هو تعليل لقوله: اُعْبُدُوا (البقرة:21)، و قيل لقوله:
خَلَقَكُمْ .
و قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة:
183)؛ حيث لمح فيها معنى الرجاء رجعت (4)إلى المخاطبين.».
العاشر: ذكر الحكم الكونيّ أو الشرعيّ عقب الوصف المناسب له، فتارة يذكر بأن، و تارة بالفاء[179/أ]، و تارة يجرّد.
فالأول: كقوله تعالى: وَ زَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (الأنبياء:89) إلى قوله: خاشِعِينَ (الأنبياء:90). و قوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَ عُيُونٍ* آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (الذاريات:15-16).
و الثاني: كقوله: وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (المائدة:38). اَلزّانِيَةُ وَ الزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (النور:2).
و الثالث: كقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَ عُيُونٍ* اُدْخُلُوها بِسَلامٍ (الحجر:45- 100/3 46). إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة:277).
الحادي عشر: تعليله سبحانه عدم الحكم بوجود المانع منه؛ كقوله تعالى: وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ... (الزخرف:33) الآية.
و قوله: وَ لَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ (الشورى:27)، وَ ما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ (الإسراء:59)، أي آيات الاقتراح، لا الآيات الدالّة على صدق الرسل التي تأتي منه سبحانه ابتداء.
و قوله: وَ لَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ (فصلت:44).
و قوله: لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ (الأنعام:8)، فأخبر سبحانه عمّا يمنع من إنزال الملك (1)[عيانا بحيث يشاهدونه، و إنّ عنايته و حكمته بخلقه اقتضت منع ذلك؛ بأنه لو أنزل عليه الملك] (1)ثم عاينوه و لم يؤمنوا به لعوجلوا بالعقوبة، و جعل الرسول بشرا ليمكنهم التّلقّي عنه و الرجوع إليه، و لو جعله ملكا؛ فإمّا أن يدعه على هيئته الملكية، أو يجعله على هيئة البشر؛ و الأول يمنعهم من التلقّي عنه، و الثاني لا يحصل مقصوده (1)إذا كانوا يقولون: هو بشر لا ملك.
***».
1) في المخطوطة «مقصودهم».
الثاني عشر: إخباره عن الحكم و الغايات التي جعلها في خلقه [و أمره] (1)،كقوله:
اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً... الآية (البقرة:22). 101/3 و قوله: أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً... الآيات (النبأ:6).
و قوله: وَ اللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً... الآية (النحل:80).
و كما يقصدون البسط و الاستيفاء يقصدون الإجمال و الإيجاز، كما قيل:
يرمون بالخطب الطّوال و تارة وحي الملاحظ خيفة الرّقباء (2)
(3-3) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
(3) [و قوله: وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ] (3)(الروم:21).
102/3 و هو لغة الإسقاط؛ و منه حذفت الشعر إذا أخذت منه.
و اصطلاحا إسقاط جزء الكلام أو كله لدليل. و أما قول النحويين: الحذف لغير (3)دليل، و يسمى اقتصارا؛ فلا تحرير فيه، لأنه [لا حذف فيه] (4)بالكلية كما سنبينه فيما (5)يلتبس به الإضمار و الإيجاز.
و الفرق بينهما أن شرط الحذف و الإيجاز (6)أن يكون ثمّ مقدّر؛ نحو: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (يوسف:82) بخلاف الإيجاز؛ فإنه عبارة عن اللفظ القليل الجامع للمعاني الجمة بنفسه.
[و الفرق] (7)بينه و بين الإضمار أنّ شرط المضمر بقاء أثر المقدّر [في اللفظ] (8)،نحو:
يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (الإنسان:31) أي و يعذّب
الظالمين (1). اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (النساء:171). [أي ائتوا أمرا خيرا لكم] (2)و هذا لا يشترط في الحذف.
و يدلّ على أنه لا بدّ في الإضمار (3)من ملاحظة المقدّر باب (4)الاشتقاق؛ فإنه من أضمرت الشيء، أخفيته، قال:
سيبقى (5)لها في مضمر القلب و الحشا (6)
103/3 و أما الحذف (7)فمن حذفت (8)الشيء قطعته؛ و هو يشعر بالطرح، بخلاف الإضمار، و لهذا قالوا:«أن» تنصب ظاهرة (9)و مضمرة.
و ردّ ابن ميمون (10)قول النحاة: إن (11)الفاعل يحذف في باب المصدر، و قال: الصواب أن يقال: يضمر و لا يحذف؛ لأنه عمدة في الكلام.
و قال ابن جني (12)في «خاطرياته»: من اتصال الفاعل بالفعل (13)أنّك تضمره في لفظ إذا عرفته نحو [قم] (14)و لا تحذفه كحذف المبتدإ[179/ب]؛ و لهذا لم يجز عندنا ما ذهب إليه الكسائيّ في «ضربني، و ضربت قومك».ة.
1) تصحفت في المطبوعة إلى (المنافقين).
2) العبارة ساقطة من المخطوطة.
3) في المخطوطة (الإفراد).
4) العبارة في المخطوطة (في باب الاشتقاق).
5) في المخطوطة (سنبقي).
6) البيت في لسان العرب 492/4 مادة (ضمر) و نسبه إلى الأحوص بن محمد الأنصاري.
7) في المخطوطة (الحرف).
8) في المخطوطة (حذف).
9) في المخطوطة (مظهره).
10) هو محمد بن عبد اللّه بن ميمون أبو بكر العبدري، استوطن مراكش و كان عالما بالقراءات ذاكرا للتفسير حافظا للفقه و اللغة و الأدب شاعرا كاتبا مبرّزا في النحو حسن الخلق متواضعا روى عن أبي بكر بن العربي و شروع و أبي الوليد بن رشد و لازمه عشر سنين من مصنفاته «شرح أبيات الإيضاح» و «شرح المقامات» و له شرحين على «الجمل» و غيرها ت 567 ه بمراكش (السيوطي، بغية الوعاة 147/1).
11) في المخطوطة (بأن).
12) تقدم التعريف به في 361/1، و بكتابه 436/2.
13) تقديم و تأخير في المخطوطة (الفعل بالفاعل).
14) ساقطة من المخطوطة.
المشهور أن الحذف مجاز؛ و حكى إمام الحرمين (1)في «التلخيص» عن بعضهم: أن الحذف ليس بمجاز، إذ هو استعمال اللفظ في غير موضعه (2)،و الحذف ليس كذلك.
و قال ابن عطية (3)في تفسير سورة يوسف: و حذف المضاف هو عين المجاز أو معظمه (4)و هذا (5)مذهب سيبويه و غيره من أهل النظر، و ليس كلّ حذف مجازا. انتهى.
و قال الزنجاني (6)في «المعيار»: إنما يكون مجازا إذا تغيّر [بسببه] (7)حكم؛ فأما إذا 104/3 لم يتغير به حكم، كقولك: زيد منطلق و عمرو (8)،بحذف الخبر؛ فلا يكون مجازا إذا لم يتغير حكم ما بقي من الكلام.
و التحقيق أنه إن أريد بالمجاز استعمال اللفظ في غير موضعه فالمحذوف ليس كذلك، لعدم استعماله، و إن أريد بالمجاز [استعمال] (9)إسناد الفعل إلى غيره-و هو المجاز العقلي- فالحذف كذلك.
1) تقدم التعريف به في 118/1. و كتابه قال عنه حاجي خليفة في كشف الظنون 466/1، كتاب التقريب في الفروع لقاسم بن محمد، ابن القفال الشاشي، لخصه إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد اللّه الجويني ا. ه بتصرف. و الكتاب قام بتحقيق الجزء الأول منه عبد اللّه جولم بالمدينة المنورة الجامعة الإسلامية كرسالة دكتوراه، و قام بتحقيق الجزء الثاني شبير أحمد العمري بالمدينة المنورة الجامعة الإسلامية كرسالة ماجستير (أخبار التراث العربي 20/25).
2) في المخطوطة (موضوعه).
3) هو عبد الحق بن غالب الغرناطي تقدم التعريف به في 101/1.
4) في المخطوطة (و معظمه).
5) في المخطوطة (هذا).
6) هو عبد الوهاب بن إبراهيم بن عبد الوهاب بن أبي المعالي الزنجاني صاحب «شرح الهادي» المشهور أكثر الجاربردي من النقل عنه في «شرح الشافية» و من مصنفاته أيضا «متن الهادي» و «التصريف» المشهور بتصريف العزّي و له مؤلفات في العروض و القوافي ت 660 ه (السيوطي، بغية الوعاة 122/1).
7) ساقطة من المخطوطة.
8) في المخطوطة (و عمرو منطلق).
9) ساقطة من المخطوطة.
و الحذف خلاف الأصل؛ و عليه ينبني فرعان:
أحدهما: إذا دار (1)
(3-3) ساقطة من المخطوطة.
الأمر بين الحذف و عدمه كان الحمل على عدمه، أولى، لأن الأصل عدم التغيير.و الثاني: إذا دار الأمر بين قلة المحذوف و كثرته؛ كان الحمل على قلّته أولى.
و يقع الكلام [في الحذف من] (3)[على] (2)خمسة أوجه: في فائدته، و في أسبابه، ثم في أدلته، ثم في شروطه، ثم في أقسامه.
الوجه الأول في فوائده:
فمنها التفخيم و الإعظام؛ لما فيه من الإبهام، لذهاب الذهن في كلّ مذهب، و تشوّقه (3)إلى ما هو المراد، فيرجع قاصرا عن إدراكه، فعند ذلك يعظم شأنه، و يعلو في النفس مكانه. أ لا ترى أن المحذوف إذا ظهر في اللفظ زال ما كان يختلج في الوهم من المراد، و خلص للمذكور (3)! 105/3 و منها: زيادة لذة بسبب استنباط الذهن للمحذوف (4)،و كلّما (5)كان الشعور بالمحذوف أعسر (6)،كان الالتذاذ (7)به أشدّ و أحسن.
و منها: زيادة الأجر بسبب الاجتهاد في ذلك؛ بخلاف غير المحذوف، كما تقول في العلّة المستنبطة و المنصوصة.
و منها: طلب الإيجاز و الاختصار، و تحصيل المعنى الكثير في اللفظ القليل.
و منها: التشجيع على الكلام؛ و من ثم سماه ابن جني (8):«شجاعة العربية».
و منها: موقعه في النفس في موقعه (9)على الذكر؛ و لهذا قال شيخ الصناعتين عبد القاهر
الجرجاني (1):ما من اسم حذف في الحالة التي (2)ينبغي أن يحذف فيها إلاّ و حذفه أحسن من ذكره. و للّه در القائل:
إذا نطقت جاءت بكلّ مليحة و إن سكتت جاءت بكل مليح
الثاني في أسبابه:
فمنها: مجرد الاختصار و الاحتراز عن العبث بناء على الظاهر، نحو: الهلال و اللّه، أي هذا، فحذف المبتدأ استغناء (3)عنه بقرينة شهادة الحال، إذ لو ذكره مع ذلك لكان عبثا من القول.
و منها: التنبيه على أن الزمان يتقاصر عن الإتيان بالمحذوف، و أن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهمّ، و هذه هي فائدة باب التحذير؛ نحو: إياك (4)و الشرّ، و الطريق الطريق و اللّه (5)اللّه. و باب الإغراء هو لزوم (6)
(7-7) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
أمر يحمد به، و قد اجتمعا في قوله تعالى:ناقَةَ اللّهِ وَ سُقْياها [الشمس:13) (7)[على التحذير؛ أي احذروا ناقة اللّه فلا تقربوها، و «سقياها»] (7)إغراء بتقدير الزموا [ناقة اللّه] (7).
و منها التفخيم و الإعظام؛ قال حازم (8)في «منهاج البلغاء»: إنما يحسن الحذف (9)ما لم يشكل (10)به المعنى، لقوة الدلالة عليه، أو يقصد به تعديد أشياء، فيكون في تعدادها طول 106/3 و سآمة، فيحذف (11)و يكتفي بدلالة الحال عليه، و تترك النفس تجول في الأشياء المكتفى بالحال [180/أ] عن ذكرها على الحال. قال: و بهذا القصد يؤثّر في المواضع التي يراد بها التعجب و التهويل على النفوس، و منه قوله تعالى في وصف أهل الجنة: حَتّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها (الزمر:73) فحذف الجواب؛ إذ كان وصف ما يجدونه و يلقونه عند ذلك لا يتناهى، فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه، و تركت النفوس تقدّر ما شأنه،).
1) تقدم التعريف به في 420/2.
2) في المخطوطة (الذي).
3) في المخطوطة (للاستغناء).
4) في المخطوطة (إياي).
5) في المخطوطة (اللّه اللّه).
6) في المخطوطة (بلزوم) بدل (هو لزوم).
7) ليست في المخطوطة.
8) تقدم التعريف به و بكتابه في 155/1.
9) في المخطوطة (الفعل).
10) في المخطوطة (يشتمل).
11) في المخطوطة (يحذف).
و لا يبلغ مع ذلك كنه ما هنالك (1)،لقوله (2)عليه [الصلاة] (3)و السلام:«لا عين رأت؛ و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر» (4)في المخطوطة (زيد).(5).
قلت: و منه: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (طه:78) ما لا يعلم كنهه إلا اللّه، قال الزمخشري (6):و هذا من باب الاختصار و من جوامع الكلم المتحملة مع قلّتها للمعاني الكثيرة.
و منها: التخفيف؛ لكثرة دورانه في كلامهم، كما [في] (7)حذف حرف النداء! في نحو:
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا (يوسف:29) و غيره. قال سيبويه: العرب تقول لا أدر؛ فيحذفون الياء، و الوجه «لا أدري»، لأنه رفع، و تقول:«لم أبل»، فيحذفون الألف، و الوجه «لم أبال».
و يقولون:«لم يك» (8)فيحذفون النون؛ كلّ ذلك يفعلونه استخفافا لكثرته في كلامهم.
و منها: حذف نون التثنية و الجمع و أثرها باق، نحو «الضاربا زيدا» و «الضاربو زيدا» (8)و قراءة من قرأ (9): وَ الْمُقِيمِي الصَّلاةِ (الحج:35) كأن النون ثابتة، فعلوا ذلك لاستطالة 107/3 الموصول في الصلة، نحو: وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (الفجر:4) حذفت الياء للتخفيف.
و يحكى عن الأخفش أن المؤرّج السّدوسيّ (10)سأله: فقال: لا أجيبك حتى تنام على).
1) في المخطوطة (هناك).
2) في المخطوطة (كقوله).
3) ليست في المخطوطة.
4) قطعة من حديث عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أخرجه البخاري في الصحيح 319/6، كتاب بدء الخلق (59)، باب ما جاء في صفة الجنة و أنها مخلوقة
5) ، الحديث(3244). و أخرجه مسلم في الصحيح 2174/4، كتاب الجنة و صفة نعيمها و أهلها(51)، الحديث 2824/2.
6) الكشاف 442/2.
7) ساقطة من المطبوعة.
8) في المخطوطة (أك).
9) و هي قراءة أبي عمرو، في رواية و الحسن، و ابن أبي إسحاق (البحر المحيط 369/6)، و انظر الكتاب 181/1-202.
10) هو مؤرج بن عمرو بن الحارث السدوسي البصري من أعيان أصحاب الخليل، عالم بالعربية و الحديث و الأنساب سمع الحديث من شعبة بن الحجاج و أبي عمرو بن العلاء و غيرهما، و أخذ منه أحمد بن محمد اليزيدي و غيره، و كان قد رحل مع المأمون إلى خراسان فسكن مدينة مرو من تصانيفه «غريب القرآن» و «الأنواء» و «المعاني» و غيرها (ياقوت، معجم الأدباء،196/19).
بأبي ليلة، ففعل (1)،فقال له: إن عادة العرب إذا عدلت بالشيء عن معناه نقصت حروفه، و الليل لما كان لا يسري، و إنما يسرى فيه، نقص منه حرف، كما في قوله: وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (مريم:28)، الأصل «بغيّة» فلما حوّل (2)و نقل عن فاعل نقص منه حرف.
انتهى.
و منها: رعاية الفاصلة، نحو: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى (الضحى:3).
وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (الفجر:4) و نحوه. و قال (3)الرّماني (4):إنما حذفت الياء في الفواصل لأنها على نية الوقف، و هي في ذلك كالقوافي التي لا يوقف عليها بغير ياء.
و منها: أن يحذف صيانة له؛ كقوله تعالى: قالَ فِرْعَوْنُ وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ (الشعراء:23) إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (الشعراء:28)؛ حذف المبتدأ في ثلاثة مواضع: قبل (5)ذكر الرب، أي هو رب السموات. و اللّه ربكم. و اللّه رب المشرق؛ لأن موسى عليه السلام استعظم حال فرعون و إقدامه على السؤال تهيّبا و تفخيما، فاقتصر على ما يستدلّ به من أفعاله الخاصة به، ليعرّفه أنه ليس كمثله شيء و هو السميع البصير.
و منها: صيانة اللسان عنه، كقوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ (البقرة:18)، أي [هم] (6).
و منها: كونه لا يصلح إلا له، كقوله تعالى؛ عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ (المؤمنون:108/3 92). فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (البروج:16).
و منها؛ شهرته حتى يكون ذكره و عدمه سواء، قال الزمخشريّ: و هو نوع من دلالة الحال التي لسانها أنطق من لسان المقال، كقول رؤبة: خير،[جواب] (7)لمن (8)قال؛).
كيف أصبحت؟ فحذف الجارّ، و عليه حمل قراءة حمزة (1): تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ (النساء:1) لأن هذا مكان شهر بتكرير الجار، فقامت الشهرة مقام الذكر.
و كذا (2)قال الفارسيّ متخلصا من عدم إعادة حرف الجر في المعطوف على الضمير (3)المجرور: إنه مجرور بالجار المقدّر، أي و «بالأرحام» و إنما حذفت استغناء به في المضمر المجرور [قبله] (4).
فإن قلت: هذا المقدّر يحيل المسألة؛ لأنه يصير من عطف الجار و المجرور [180/ب] على مثله! قلت: إعادة الجارّ شرط لصحة العطف؛ لا أنه مقصود لذاته (5).
[الوجه] (6)الثالث في أدلته:
و لما كان الحذف لا يجوز إلا لدليل احتيج إلى ذكر دليله (7).
[و الدليل] (8)تارة يدلّ على محذوف مطلق، و تارة على محذوف معيّن.
فمنها: أن يدلّ عليه العقل حيث تستحيل (9)
(10-10) العبارة ليست في المخطوطة، و كتب مكانها (لنبيه).
صحة الكلام عقلا إلا بتقدير محذوف، كقوله تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (يوسف:82)؛ فإنه يستحيل (10)[عقلا تكلم الأمكنة إلا] (10)معجزة.و منها: أن تدلّ عليه العادة الشرعية، كقوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ (10)109/3 (النحل:115) فإن الذات، لا تتّصف بالحلّ و الحرمة شرعا، إنما هما (11)من صفات الأفعال الواقعة على الذوات، فعلم أن المحذوف التناول؛ و لكنه لما حذف و أقيمت الميتة مقامه أسند).
1) انظر إتحاف فضلاء البشر:185.
2) في المخطوطة (قد).
3) في المخطوطة (المضمر).
4) ساقطة من المخطوطة.
5) في المخطوطة (بالعطف).
6) ساقطة من المخطوطة.
7) في المخطوطة (الدليل).
8) ساقطة من المخطوطة.
9) في المخطوطة (يستحيل).
10) الآية في المخطوطة إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ [الأعراف:33].
11) في المخطوطة (و أنهما) بدل (إنما هما).
إليها الفعل و قطع (1)النظر عنه، فلذلك (2)أنّث الفعل في بعض الصور، كقوله تعالى:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (المائدة:3)، و قول صاحب (3)«التلخيص»: إن هذه الآية من باب دلالة العقل ممنوع (4)،لأن العقل لا يدرك محل الحلّ و لا الحرمة، فلهذا جعلناه من دلالة العادة الشرعية.
و منها: أن يدلّ العقل عليهما، أي على الحذف و التعيين، كقوله تعالى: وَ جاءَ رَبُّكَ (الفجر:22)، أي أمره أو عذابه أو ملائكته؛ لأن العقل دلّ على أصل الحذف، و الاستحالة مجيء البارئ عقلا؛ لأن المجيء من سمات الحدوث. و دل العقل أيضا على التعيين، و هو الأمر و نحوه، و كلام الزمخشريّ (5)يقتضي أنه لا حذف البتة؛ فإنه قال: هذه الآية الكريمة تمثيل؛ مثّلت حاله سبحانه و تعالى في ذلك (6)
(7-7) ما بين الحاصرتين ليس في المطبوعة.
بحال الملك الملك إذا حضر بنفسه.و كقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ 7[لَفَسَدَتا (الأنبياء:22)؛ المقدمة الثانية و هو لكنها لم تفسد فلم يكن فيها آلهة إلا اللّه] (7)؛لأنه في معرض التوحيد، فعدم الفساد دليل على عدم تعدد الآلهة، و إنما حذف لأن انتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم ضرورة، و لذلك لم يذكر المقدمة الثانية عند استعمال الشرط بلوغا لها (7).
و منها: أن يدلّ العقل على أصل الحذف، و تدلّ عادة الناس على تعيين المحذوف،).
1) في المخطوطة (وقع).
2) في المخطوطة (فلذا).
3) هو محمد بن عبد الرحمن بن عمر قاضي القضاة جلال الدين القزويني قدم دمشق من بلاده هو و أخوه قاضي القضاة إمام الدين، ثم ناب في القضاء بدمشق عنه، ثم عن قاضي القضاء نجم الدين ابن صصرى ثم ولي خطابة دمشق، و كان رجلا فاضلا متفننا له مكارم و سؤدد و هو مصنف كتاب «التلخيص في المعاني و البيان» و «الإيضاح (السبكي، طبقات الشافعية 238/5-239) و كتابه طبع بشرح عبد الرحمن البرقوقي بالقاهرة بمطبعة النيل عام 1322 ه/1904 م و أعيد طبعه في القاهرة عام 1350 ه/1932 م، و صور في بيروت بدار الكتاب العربي عام 1400 ه/1980 م و 1404 ه/1984 م، و بدار الفكر عام 1401 ه/1981 م و انظر قوله ص 220، الإيجاز و الإطناب و المساواة.
4) في المخطوطة (مضمون) تصحيف.
5) انظر الكشاف 211/4.
6) تصحفت في المخطوطة إلى (القمر) و التصويب من الكشاف.
7) في المخطوطة (يكون غالبا) بدل (بلوغا لها).
كقوله تعالى: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ (يوسف:32)؛ فإن يوسف عليه السلام ليس ظرفا للومهنّ (1)فتعيّن أن يكون غيره؛ فقد دلّ العقل على أصل الحذف. ثم يجوز أن يكون الظرف حبّه، بدليل: شَغَفَها حُبًّا (يوسف:30)، أو مراودته (2)بدليل:
110/3 تُراوِدُ فَتاها (يوسف:30)، و لكن (3)العقل لا يعيّن واحدا منها (4)بل العادة دلّت على أن المحذوف هو الثاني، فإن الحبّ لا يلام (5)عليه صاحبه؛ لأنه (6)يقهره و يغلبه، و إنما (7)اللوم فيما للنفس (8)فيه اختيار، و هو المراودة، لقدرته على دفعها.
و منها: أن تدلّ العادة على تعيين المحذوف، كقوله تعالى: [قالُوا] 9لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً (آل عمران:167)، أي مكان قتال، و المراد مكانا صالحا للقتال، لأنهم كانوا أخبر الناس بالقتال؛ و العادة تمنع أن يريدوا: لو نعلم حقيقة القتال؛ فلذلك قدّره مجاهد:
«مكان قتال».
و قيل: إنّ تعيين المحذوف هنا من دلالة السياق لا العادة.
و منها: أن يدلّ اللفظ على الحذف، و الشروع في الفعل على تعيين المحذوف كقوله:
بِسْمِ اللّهِ (الفاتحة:1) فإن اللفظ يدل على أن فيه حذفا؛ لأنّ حرف الجر لا بدّ له من متعلق و دلّ الشروع على تعيينه؛ و هو الفعل الذي جعلت (9)التسمية في مبدئه؛ من قراءة، أو أكل أو شرب و نحوه، و يقدر في كل موضع ما يليق، ففي القراءة: أقرأ، و في الأكل: آكل؛ و نحوه.
و قد اختلف: هل يقدّر الفعل أو الاسم[181/أ]؟ و على الأول، فهل يقدّر عام كالابتداء أو خاص كما ذكرنا؟ و منها اللغة كضربت؛ فإن اللغة قاضية أن الفعل المتعدّي لا بدّ له من مفعول؛ نعم هي تدلّ على أصل الحدث لا تعيينه. و كذلك حذف المبتدإ و الخبر (10).).
و منها: تقدم ما يدلّ على المحذوف و ما (1)في سياقه، كقوله (2): وَ أَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (الصافات:179)، و في (3)موضع آخر نحو: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ (ص:75). و في موضع: أَلاّ تَسْجُدَ (الأعراف:12). و كقوله: لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ 111/3 ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ (الأحقاف:35) أي هذا، بدليل ظهوره في سورة إبراهيم، فقال تعالى: هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ (إبراهيم:52)، و نظائره.
و منها اعتضاده بسبب النزول؛ كما في قوله (4)تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ (المائدة:6)، فإنه لا بدّ فيه من تقدير فقال زيد بن أسلم (5):أي قمتم من المضاجع-يعني النوم-و قال غيره: إنما يعني إذا قمتم محدثين.
و احتجّ لزيد بأن [هذه] (6)الآية إنما نزلت بسبب فقدان (7)عائشة رضي اللّه عنها عقدها، فأخّروا الرحيل إلى أن أضاء الصبح، فطلبوا الماء عند قيامهم من نومهم فلم يجدوه؛ فأنزل اللّه هذه الآية (8).
و بما رجّح من طريق النظر بأن الأحداث المذكورة (9)بعد قوله: إِذا قُمْتُمْ (المائدة:6) الأولى أن يحمل قوله: إِذا قُمْتُمْ معنى غير الحدث، لما فيه من زيادة الفائدة، فتكون الآية جامعة للحدث و لسبب الحدث؛ فإن النوم ليس بحدث بل سبب للحدث.).
1) في المخطوطة (أما).
2) في المخطوطة (كقوله له).
3) في المخطوطة (أو في).
4) في المخطوطة (كقوله).
5) هو الإمام الحجة القدوة أبو عبد اللّه العدوي العمري حدث عن والده أسلم مولى عمر، و عن عبد اللّه بن عمر، و مسلمة بن الأكوع و غيرهم، و عنه سفيان الثوري، و الأوزاعي، و ابن عيينة، و كان له حلقة للعلم في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ت 136 ه (الذهبي، سير أعلام النبلاء 316/5)، و قوله أخرجه الطبري في التفسير 72/6.
6) ساقطة من المخطوطة.
7) في المخطوطة (بفقدان) بدل (بسبب فقدان).
8) من حديث عن عائشة رضي اللّه عنها أوله «خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء انقطع عقد لي...» الحديث أخرجه البخاري في الصحيح 431/1، كتاب التيمم(7)، باب (1)، الحديث(334)، و مسلم في الصحيح 279/1، كتاب الحيض(3)، باب التيمم(28) الحديث (367/108).
9) في المخطوطة (مذكورة).
الوجه الرابع في شروطه:
فمنها: أن تكون (1)في المذكور دلالة على المحذوف؛ إما من لفظه أو من سياقه، و إلا لم يتمكّن (2)من معرفته، فيصير اللفظ مخلاّ بالفهم. و لئلا يصير الكلام لغزا فيهجّن في الفصاحة، و هو معنى قولهم: لا بد (3)أن يكون فيما أبقي دليل (4)على ما ألقي.
و تلك الدلالة مقالية و حالية.
فالمقالية قد تحصل من إعراب اللفظ، و ذلك كما إذا كان منصوبا، فيعلم أنّه لا بدّ 112/3 [له] (5)
(6-6) ليست في المخطوطة.
من ناصب، و إذا لم يكن ظاهرا لم يكن بدّ من أن يكون مقدّرا، نحو: أهلا و سهلا و مرحبا، أي وجدت أهلا، و سلكت سهلا، و صادفت رحبا. و منه قوله [تعالى] (6):اَلْحَمْدُ لِلّهِ (6) (الفاتحة 2) على قراءة النصب (6).و كذلك قوله: وَ اتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ (النساء:1) و التقدير: احمدوا الحمد، و احفظوا الأرحام؛ و كذلك قوله تعالى (7): [صِبْغَةَ اللّهِ] 10وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً (البقرة:138). مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ (الحج:78).
و الحالية (11)قد تحصل من النظر إلى المعنى و العلم (11)؛فإنه لا يتمّ إلا بمحذوف، و هذا يكون أحسن حالا من [النظم] (13)الأول لزيادة عمومه، كما في قولهم: فلان يحلّ و يربط، أي يحلّ الأمور و يربطها، أي ذو تصرّف.
و قد تدل الصناعة النحوية على التقدير؛ كقولهم في: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (القيامة:1): [إن] (13) التقدير لأنا (8)أقسم لأنّ فعل (9)الحال لا يقسم عليه. و قوله تعالى:).
1) في المخطوطة (يكون).
2) في المخطوطة (تتمكن).
3) في المخطوطة (إلا) بدل (لا بد).
4) في المخطوطة (دليلا).
5) ساقطة من المخطوطة.
6) و هي قراءة هارون العتكي، و رؤية، و سفيان بن عيينة (أبو حيان، البحر المحيط،18/1).
7) في المخطوطة (و قوله) بدل (و كذلك قوله تعالى).
8) في المخطوطة (لا أنا).
9) في المخطوطة (فعله).
[تَاللّهِ] 1 تَفْتَؤُا 2[تَذْكُرُ يُوسُفَ] (2) (يوسف:85)، التقدير: لا تفتأ؛ لأنه لو كان الجواب مثبتا (1)لدخلت اللام و النون، كقوله: بَلى وَ رَبِّي لَتُبْعَثُنَّ (التغابن:7).
و هذا كلّه عند قيام دليل واحد، و قد يكون هناك أدلة يتعدّد التقدير بحسبها، كما في قوله تعالى: أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً (فاطر:8)، فإنه يحتمل [تقدير] (2)ثلاثة أمور:
أحدها: كمن لم يزيّن له سوء عمله، و المعنى: أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً 113/3 (فاطر:8) من الفريقين اللذين تقدم ذكرهما، كمن لم يزين له»! ثمّ كأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لما قيل له ذلك، قال: لا، فقيل: فَإِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ (فاطر:8).
ثانيها: تقدير: ذهبت نفسك عليهم حسرات فحذف الخبر لدلالة فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ (فاطر:8).
ثالثها: تقدير:«كمن هداه اللّه»، فحذف لدلالة: فَإِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ (فاطر:8).
و اعلم أنّ هذا[181/ب] الشرط إنما يحتاج إليه إذا كان المحذوف الجملة بأسرها؛ نحو: قالُوا سَلاماً (هود:69)، أي سلّمنا سلاما، أو أحد ركنيها نحو: قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (الذاريات:25) أي «سلام عليكم أنتم قوم منكرون»، فحذف خبر الأولى و مبتدأ الثانية.
و أمّا إذا كان المحذوف فضلة فلا يشترط لحذفه دليل؛ و لكن يشترط ألاّ يكون في حذفه إخلال بالمعنى أو اللفظ، كما في حذف العائد المنصوب و نحوه.
و شرط ابن مالك في حذف (3)[الجار] (4)أيضا أمن اللبس، و منع الحذف في نحو:
رغبت [في] (5)أن تفعل، أو عن أن تفعل، لإشكال المراد بعد الحذف.ة.
و أورد عليه وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ (النساء:127)، فحذف الحرف.
و جوابه أنّ النساء يشتملن على وصفين، وصف الرغبة فيهنّ و عنهنّ، فحذف للتعميم.
114/3 و شرط بعضهم في الدليل اللفظيّ أن يكون على وفق المحذوف. و أنكر قول الفرّاء في قوله تعالى: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ* بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (القيامة:
3-4) أن التقدير: بلى حسبنا قادرين، و الحساب المذكور بمعنى الظنّ، و المحذوف [بمعنى] (1)العلم؛ إذ التردد في الإعادة كفر، فلا يكون مأمورا به.
و يجاب بأن الحساب المقدّر بمعنى الجزم و الاعتقاد؛ لا بمعنى الظنّ، و تقديره بذلك أولى، لموافقته الملفوظ.
و قد يدلّ على المحذوف ذكره في مواضع أخر:
منها: و هو أقواها، كقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ (2)(الأنعام:158) أي أمره، بدليل قوله: أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ (النحل:33).
و قوله في آل عمران: وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ (آل عمران:133)، أي كعرض؛ بدليل التصريح به في آية الحديد (3)
(4-4) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة. و البيت في الأغاني لأبي الفرج 27/12، ينسبه لعبد اللّه بن الحجاج. و عجزه في الأغاني: على الخائف المطرود كفة حابل.
.و فيه إيجاز بليغ؛ فإنه إذا كان العرض كذلك. فما ظنك بالطول! كقوله: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ (الرحمن:54).
و قيل: إنما أراد التعظيم و السّعة (4)[لأحقيّة العرض، كقوله:
كأنّ بلاد اللّه و هي عريضة على الخائف المظلوم كفّة حابل] (4)
و منها: ألاّ يكون الفعل طالبا له بنفسه، فإن كان امتنع حذفه كالفاعل، و مفعول ما لم يسم فاعله، و اسم كان و أخواتها، و إنما لم يحذف لما في ذلك من نقض الغرض.ل.
و منها: قال أبو الفتح بن جني (1):«و من حق الحذف أن يكون في الأطراف لا في 115/3 الوسط؛ لأن طرف الشيء أضعف من قلبه و وسطه، قال تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها (الرعد:41)، و قال الطائي الكبير (2):
كانت هي الوسط الممنوع فاستلبت ما حولها الخيل حتى أصبحت طرفا»
فكأنّ الطرفين سياج للوسط و مبذولان للعوارض دونه، و لذلك تجد الإعلال عند التصريفيّين، بالحذف منها، فحذفوا الفاء في المصادر من باب وعد، نحو العدة و الزنة و الهبة و اللام في نحو اليد و الدم و الفم و الأب و الأخ، و قلّما تجد الحذف في العين لما ذكرنا، و بهذا يظهر لطف هذه اللغة العربية (3).
الأول: قد توجب صناعة النحو التقدير و إن كان المعنى غير متوقف عليه؛ كما في قوله:«لا إله إلا اللّه» فإن الخبر محذوف، و قدّره النحاة ب «موجود» أو «لنا».
و أنكره الإمام فخر الدين (4)،و قال: هذا كلام (5)لا يحتاج إلى تقدير، و تقديرهم فاسد، لأن نفي الحقيقة مطلقة أعمّ من نفيها مقيّدة، فإنها إذا انتفت مطلقة كان ذلك دليلا على سلب الماهية مع القيد، و إذا انتفت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر.
و لا معنى لهذا الإنكار؛ فإن تقدير «في الوجود»، يستلزم نفي كلّ إله غير اللّه قطعا فإنّ العدم لا كلام فيه، فهو في الحقيقة نفي للحقيقة مطلقة (6)لا مقيّدة (7).ثم لا بدّ من تقدير خبر لاستحالة مبتدأ بلا خبر، ظاهرا أو مقدرا؛ و إنما يقدّر النحويّ القواعد[182/أ] حقها و إن
1) انظر الخصائص 166/2 باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني.
2) هو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، أبو تمام، الشاعر الأديب أحد أمراء البيان ولد في جاسم من قرى حوران بسورية و رحل إلى مصر... ثم ولي بريد الموصل فلم يتم سنين حتى توفي 231 ه (الأعلام 165/2). و البيت في ديوانه 374/2.
3) في المخطوطة (الغريبة).
4) في التفسير الكبير 174/4 (المسألة الثامنة).
5) في المخطوطة (الكلام).
6) في المخطوطة (مطلقا).
7) في المخطوطة (مقيد).
116/3 كان المعنى مفهوما، و تقديرهم هنا أو غيره ليروا صورة التركيب من حيث اللفظ مثالا، لا من حيث المعنى، و لهم تقديران: إعرابيّ، و هو الذي خفي [على المعترض] (1)،و معنويّ و هو الذي ألزمه، و هو غير لازم.
و من المنكر في هذا أيضا قول ابن الطّراوة (2):إن (3)الخبر في هذا «إلا اللّه»، و كيف يكون المبتدأ نكرة و الخبر معرفة! الثاني: اعتبر أبو الحسن (4)في الحذف التدريج حيث أمكن؛ و لهذا قال في قوله تعالى: وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً (البقرة:48): إن أصل الكلام:
«يوم لا تجزي فيه» فحذف حرف الجرّ، فصار «تجزيه»، ثم حذف [حرف] (5)الضمير فصار «تجزي».
و هذا ملاطفة في الصناعة، و مذهب سيبويه أنه حذف فيه دفعة واحدة.
و قال (6)أبو الفتح في «المحتسب» (7):و قول أبي الحسن أوثق في النفس و آنس من أن يحذف الحرفان معا في وقت واحد.
الثالث: المشهور في قوله تعالى: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ (البقرة:60)، أنه معطوف على جملة محذوفة، التقدير:«فضرب فانفجرت»، و دلّ «انفجرت» على المحذوف، لأنه يعلم من الانفجار أنه قد ضرب.
و كذا: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ (الشعراء:63)، إذ لا جائز أن يحصل الانفجار و الانفلاق دون ضرب.ة.
1) العبارة ساقطة من المخطوطة و كتب مكانها (المعنى).
2) هو أبو الحسين سليمان بن عبد اللّه المالقي، تقدم التعريف به في 326/2.
3) في المخطوطة (لأن).
4) انظر معاني القرآن 88/1، باب إضافة الزمان إلى الفعل.
5) ساقطة من المطبوعة.
6) في المخطوطة (قال).
7) تقدم التعريف بالكتاب في 481/1. و انظر قوله في الخصائص 473/2 باب في ملاطفة الصيغة.
و ابن عصفور يقول في [مثل] (1)
(2-2) العبارة ساقطة من المخطوطة.
هذا: إنّ حرف العطف المذكور مع المعطوف (2)[هو الذي كان مع المعطوف] (2)عليه، و إنّ المحذوف هو المعطوف عليه، و حذف حرف العطف من المعطوف، فالفاء في «انفلق» هو (2)فاء الفعل المحذوف و هو «ضرب» فذكرت فاؤه 117/3 و حذف فعلها و ذكر فعل «انفلق» (3)و حذفت فاؤه ليدلّ المذكور على المحذوف؛ و هو تحيّل (4)غريب.الخامس في أقسامه:
الأول: الاقتطاع، و هو ذكر حرف من الكلمة و إسقاط الباقي، كقوله:
درس المنا بمتالع فأبان
أي المنازل، و أنكر صاحب (5)«المثل السائر» ورود هذا النوع في القرآن العظيم، و ليس كما قال.
و قد جعل منه بعضهم فواتح السور؛ لأن كل حرف منها يدلّ على اسم من أسماء اللّه).
1) ساقطة من المخطوطة.
2) في المخطوطة (هي).
3) في المخطوطة (الفلق).
4) في المخطوطة (تخيل).
5) هو نصر اللّه بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد ضياء الدين أبو الفتح الشيباني الخزرجي المعروف بابن الأثير ولد بجزيرة ابن عمر عام 558 ه، مهر في النحو و اللغة و علم البيان، و استكثر من حفظ الشعر، و زر للأفضل على ابن السلطان صلاح الدين، من مصنفاته «المثل السائر في أدب الكاتب و الشاعر» و «الوشي المرقوم في حل المنظوم» و «المعاني المخترعة في صناعة الإنشاء» ت 637 ه (السيوطي، بغية الوعاة 315/2). و كتابه طبع في القاهرة ببولاق عام 1282 ه/1865 م في بيروت عام 1292 ه/1875 م، و في القاهرة بالمطبعة البهية و بهامشه أدب الكاتب 1312 ه/1894 م، و في القاهرة بمطبعة مصطفى الحلبي عام 1935 ه/1939 م بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، و طبع في القاهرة بتحقيق أحمد الحوفي و بدوي طبانة بمكتبة نهضة مصر عام 1371 ه/1951 م، و 1379 ه/1959 م و في الرياض بدار الرفاعي عام 1404 ه/1984 م (ذخائر التراث العربي 41/1). و انظر قوله في 113/2 (طبعة مصطفى الحلبي).
تعالى، كما روى ابن عباس «الم» معناه:«أنا اللّه أعلم و أرى» (1)،و «المص» أنا اللّه أعلم و أفصّل (2)و كذا الباقي.
و قيل في قوله: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ (المائدة:6): إن الباء هنا أول كلمة «بعض» ثم حذف الباقي (3)،كقوله:
قلت لها قفي [لنا] (4)قالت قاف (5)
أي وقفت، و في الحديث:«كفى بالسيف شا» (6)أي شاهدا.
118/3 و قال الزمخشري (7)في قوله:«م (8)اللّه» في القسم: إنها «أيمن» (9)التي تستعمل في القسم، حذفت نونها.
و من هذا الترخيم، و منه: قراءة بعضهم (10): يا مال (الزخرف:77) على لغة من ينتظر، و لمّا سمعها بعض السلف قال: ما أشغل (11)أهل النار عن الترخيم! و أجاب بعضهم بأنهم لشدة ما هم فيه عجزوا عن إتمام الكلمة.
الثاني: الاكتفاء و هو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم و ارتباط؛ فيكتفى بأحدهما عن الآخر، و يخصّ بالارتباط العطفيّ غالبا؛ فإن الارتباط خمسة أنواع: و جوديّ، و لزوميّ، و خبريّ، و جوابيّ، و عطفيّ.).
1) أخرجه الطبري في التفسير 67/1، و ذكره السيوطي في الدر المنثور 22/1 و قال:«أخرجه وكيع و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و النحاس».
2) أخرجه الطبري في التفسير 85/8، و ذكره السيوطي في الدرّ المنثور 67/3 قال:«أخرجه ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبو الشيخ، و ابن مردويه و البيهقي في الأسماء و الصفات.
3) في المخطوطة (الباء).
4) ساقطة من المخطوطة.
5) البيت للوليد بن عقبة ذكره ابن جني في الخصائص 30/1. و عجزه لا تحسبينا قد نسينا الإيجاف و قد تقدم ذكر هذه الشطرة في 262/1.
6) أخرجه بلفظه عبد الرزاق في المصنف 434/9، عن الحسن مرسلا كتاب العقول، باب الرجل يجد على امرأته رجلا، الحديث(17918).
7) في المفصل ص 344-346.
8) في المطبوعة (من). تصحيف.
9) في المخطوطة (من).
10) و هي قراءة ابن مسعود، انظر الكشاف 426/3.
11) في المخطوطة (أغنى).
ثم ليس المراد الاكتفاء بأحدهما كيف اتفق؛ بل لأنّ فيه نكتة تقتضي الاقتصار عليه.
و [العلم] (1)المشهور في مثال هذا النوع قوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ (النحل:
و الحقّ[182/ب] أن الآية ليست من هذا القسم، فإنّ البرد ذكر الامتنان (3)بوقايته قبل ذلك صريحا في قوله: وَ مِنْ أَصْوافِها وَ أَوْبارِها وَ أَشْعارِها (النحل:80) و قوله: وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً (النحل:81)، و قوله في صدر السورة: وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ 119/3 (النحل:5).
فإن قيل: فما الحكمة في ذكر الوقايتين بعد قوله: وَ اللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً (النحل:81)، فإن هذه وقاية الحرّ، ثم قال: وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً (النحل:
81)، فهذه وقاية البرد على (4)عادة العرب؟ قيل: لأنّ ما تقدم بالنسبة إلى المساكن، و هذه إلى الملابس [نعم اعملوا في الآية] (5)
(6-6) تصحفت في المطبوعة إلى (و لم يذكره السهيلي).
، و قوله: وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً (النحل:81) (6)و لم يقل السهل (6)و فيه الجوابان السابقان.و أمثلة هذا القسم كثيرة؛ كقوله تعالى: وَ لَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهارِ (الأنعام:13) فإنّه قيل: المراد:«و ما تحرك»، و إنما آثر ذكر السكون لأنه أغلب الحالين على (6)المخلوق من (7)الحيوان و الجماد، و لأن الساكن أكثر عددا من المتحرك. أو لأنّ (8)[كل] (9)متحرك (10)يصير إلى السكون، و لأن السكون هو الأصل، و الحركة طارئة.).
و قوله: بِيَدِكَ الْخَيْرُ (آل عمران:26) تقديره «و الشرّ» إذ مصادر الأمور كلها بيده جلّ جلاله؛ و إنما آثر ذكر الخير؛ لأنه مطلوب [العباد] (1)و مرغوبهم إليه؛ أو لأنه أكثر وجودا في العالم من الشر؛ و لأنه يجب في باب الأدب (2)ألاّ يضاف إلى اللّه تعالى، كما قال صلّى اللّه عليه و سلّم:«و الشرّ ليس إليك» (3)في المخطوطة (أمدح).(4).
و قيل: إن الكلام إنما ورد ردّا على المشركين فيما أنكروه مما وعده اللّه به على لسان جبريل، من فتح بلاد الروم و فارس؛ و وعد (5)النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أصحابه بذلك؛ فلما كان الكلام في الخير خصّه بالذكر باعتبار الحال [بالذكر] (6).
120/3 و قوله: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (البقرة:3) أي و الشهادة؛ لأن الإيمان بكلّ منهما واجب، و آثر الغيب لأنه أبدع (6)،و لأنه يستلزم الإيمان بالشهادة من غير عكس.
و مثله: أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً* عالِمُ الْغَيْبِ (الجن:25-26)، أي و الشّهادة، بدليل التصريح به في موضع آخر.
و قوله: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ (البقرة:20)؛ فإنه سبحانه ذكر أولا الظلمات و الرعد و البرق، و طوى الباقي.
و منه قوله تعالى: وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ (الإسراء:67) أي و البرّ، و إنما آثر ذكر البحر لأن ضرره أشدّ.
و قوله: وَ ما بَيْنَهُما وَ رَبُّ الْمَشارِقِ (الصافات:5)، أي و المغارب.
و قوله: لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً (البقرة:273)، أي و لا غير إلحاف.
و قوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ (آل عمران:113)، أي و أخرى غير قائمة.).
و قوله: وَ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (الأنعام:55)، أي و المؤمنين.
و قوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة:2)، أي و الكافرين. قاله ابن الأنباري، و يؤيده قوله:
هُدىً لِلنّاسِ (البقرة:185).
و قوله: وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ (البقرة:41)، قيل: المعنى و آخر كافر به، فحذف 121/3 المعطوف لدلالة قوة الكلام، من جهة أن أول الكفر و آخره سواء، و خصّت الأولوية بالذكر لقبحها بالابتداء.
و قوله: أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَ يَقْبِضْنَ [ما يُمْسِكُهُنَّ] (1)(الملك:
19)، أي و يبسطن، قاله الفارسيّ.
و حكى في «التذكرة» (2)
(3-3) ليست في المخطوطة.
(5-5) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
(9-9) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
(13-13) عبارة المخطوطة (لا يستكبر و لا يستخسر).
عن بعض أهل التأويل في قوله [تعالى] (3): أَكادُ أُخْفِيها [لِتُجْزى] (3) (طه:15) (5)[أنّ المعنى:«أكاد أظهرها أخفيها لتجزى»، فحذف «أظهرها» لدلالة «أخفيها» عليه.قال: و عندي] (5)أن المعنى:«أزيل خفاءها»، فلا حذف.
و قوله: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ (البقرة:285)، أي بين أحد و أحد.
و قوله: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ ،(الحديد:10) (5)[أي و من أنفق بعده و قاتل] (5)،لأن الاستواء يطلب اثنين؛ و حذف المعطوف لدلالة الكلام عليه؛ أ لا تراه قال بعده: (9)[ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ] 9وَ قاتَلُوا (الحديد:10).
و قوله: وَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ 9[وَ يَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً] (9) (النساء:
172)، أي و من لا (13)يستنكف و لا يستكبر (13)؛بدليل التقسيم بعده[183/أ] بقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا (النساء:173) وَ أَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا (3)(النساء:173).).
و قوله: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ (الأعراف:17)، فاكتفى هنا بذكر الجهات الأربع عن الجهتين.
و قوله: إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ (فصلت:14)، الاكتفاء بجهتين عن سائرها.
و قوله: وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (الشعراء:22)، أي و لم تعبدني.
و قوله: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ (النساء:176)[و المعنى] (1)أي و لا والد؛ بدليل أنه أوجب للأخت النصف؛ و إنما يكون ذلك مع فقد الأب؛ فإن الأب يسقطها.
و قوله: فَأَمّا 2مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (القصص:
و قوله: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ (البقرة:59)، أي و فعلا غير الذي أمروا [به] (4)
(6-6) تقديم و تأخير في المخطوطة إلى (حطة حنطة).
لأنهم أمروا بشيئين: بأن يدخلوا الباب سجّدا، و بأن يقولوا حطّة، فبدّلوا القول في« (6)حنطة»«حطة» (6)و بدّلوا الفعل بأن دخلوا يزحفون على أستاههم؛ و لم يدخلوا ساجدين؛ و المعنى: إرادتنا حطة، أي حط عنّا ذنوبنا.123/3 و قوله: وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ* وَ لاَ الظُّلُماتُ وَ لاَ النُّورُ* وَ لاَ الظِّلُّ وَ لاَ الْحَرُورُ).
(فاطر:19-20-21)، قال (1)ابن عطية: دخول «لا» على نية التكرار كأنه قال: و لا الظلمات [و النور] (2)
(3-3) عبارة المطبوعة (لدلالة الكلام ثم عليه و لوقوع الفجر).
،و لا النور و الظلمات، و استغنى بذكر الأوائل عن الثواني؛ و دلّ بمذكور الكلام على متروكه.و قوله: حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (البقرة:187).
فإن قيل: ليس للفجر خيط أسود، إنما الأسود من الليل.
فأجيب: إن مِنَ الْفَجْرِ (البقرة:187) متصل بقوله: اَلْخَيْطُ الْأَبْيَضُ (البقرة:
الثالث: من هذا قسم يسمى الضمير و التمثيل؛ و أعني بالضمير أن يضمر من القول المجاور [به] (5)لبيان (6)أحد جزءيه؛ كقول الفقيه: النبيذ مسكر فهو حرام، فإنّه (7)أضمر «و كل مسكر حرام».
و يكون في القياس الاستثنائي، كقوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا (الأنبياء:
22).
و قوله: وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (آل عمران:159)؛ و قد شهد الحسّ و العيان أنهم ما انفضوا من حوله (8)و هي المضمرة؛ و انتفى عنه صلّى اللّه عليه و سلّم أنه فظّ غليظ [القلب] (9).ة.
124/3 و قوله: وَ لَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ (الأنفال:
23)؛ المعنى لو أفهمتهم لما أجدى فيهم التّفهيم؛ فكيف و قد سلبوا القوة الفاهمة! فعلم بذلك أنهم مع انتفاء الفهم أحقّ بفقد القبول و الهداية.
الرابع: أن يستدلّ بالفعل لشيئين و هو في الحقيقة لأحدهما؛ فيضمر للآخر (1)[183/ب] فعل يناسبه؛ كقوله تعالى: وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَ الْإِيمانَ (الحشر:9) أي و اعتقدوا الإيمان.
و قوله [تعالى] (2): سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً (الفرقان:12)، أي و شمّوا لها زفيرا.
و قوله تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَواتٌ (الحج:40)، و الصلوات لا تهدّم؛ فالتقدير: و لتركت (3)صلوات.
و قوله: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ [الآية] (4)(الواقعة:17) فالفاكهة و لحم الطير و الحور العين لا تطوف، و إنما يطاف بها.
و أما قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ (يونس:71)، فنقل ابن فارس (5)عن البصريين أن الواو بمعنى «مع» أي [مع] (6)شركائكم، كما يقال: لو تركت الناقة و فصيلها لرضعها؛ أي مع فصيلها.
و قال الآخرون: أجمعوا أمركم و ادعوا شهداءكم (7)
(8-8) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
،اعتبارا بقوله تعالى: وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ (هود:13).و اعلم أن تقدير فعل محذوف للثاني ليصحّ العطف (8)[هو قول الفارسي و الفراء و جماعة من البصريين و الكوفيين لتعذّر العطف] (8).و ذهب أبو عبيدة (8)و الأصمعي و اليزيدي (9)و غيرهم إلى أن ذلك من عطف المفردات، و تضمين العامل معنى ينتظم (10)المعطوف و المعطوف عليه).
جميعا؛ فيقدّر آثروا الدار و الإيمان، و يبقى النظر في أنه: أيهما (1)أولى؟ ترجيح الإضمار أو 125/3 التضمين؟ و اختار الشيخ أبو حيّان (2)تفصيلا حسنا و هو: إن كان العامل الأول تصحّ نسبته إلى الاسم الذي يليه حقيقة كان الثاني محمولا على الإضمار؛ لأنه أكثر من التضمين؛ نحو «يجدع اللّه أنفه و عينيه، أي و يفقأ عينيه فنسبة الجدع إلى الأنف حقيقة؛ و إن كان لا يصحّ فيه ذلك كان العامل مضمّنا معنى ما يصحّ نسبته إليه؛ لأنه لا يمكن الإضمار؛ كقولهم:
علفتها تبنا و ماء باردا (3)
و جعل ابن مالك من هذا القبيل قوله تعالى: اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ (البقرة:35) قال: لأنّ فعل أمر المخاطب لا يعمل في الظاهر؛ فهو (4)على معنى «اسكن أنت و لتسكن زوجك»، لأن شرط المعطوف أن يكون صالحا لأن يعمل فيه ما عمل في المعطوف عليه، و هذا متعذر هنا؛ لأنه لا يقال:«اسكن زوجك».
و منه قوله تعالى: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ (البقرة:233) و لا يصحّ أن يكون «مولود» معطوفا على «والدة» لأجل تاء المضارعة، أو للأمر؛ فالواجب في ذلك أن نقدّر مرفوعا بمقدر من جنس المذكور، أي و لا يضارّ مولود [له] (5).
و قوله تعالى: وَ الطَّيْرَ (سبأ:10)، قال الفراء (6):التقدير:«و سخرنا له الطير» عطفا على قوله: فَضْلاً و قيل: هو مفعول معه، و من رفعه فقيل: على المضمر في أَوِّبِي (7)، و جاز ذلك لطول الكلام بقوله: مَعَهُ ،و قيل: بإضمار فعل أي و لتؤوب معه الطير.126/3 الخامس: أن يقتضي الكلام شيئين فيقتصر على أحدهما؛ لأنه المقصود؛ كقوله تعالى).
1) في المخطوطة (أيما).
2) انظر البحر المحيط 247/8 بتصرف.
3) البيت لذي الرمّة و صدره: لما حططت الرّحل عنها واردا كذا في خزانة الأدب للبغدادي 499/1، و في الإنصاف 613/2، صدر البيت عجزه حتى شتت همالة عيناها.
4) في المخطوطة (فهي).
5) ساقطة من المخطوطة.
6) في معاني القرآن 355/2.
7) تصحفت في المطبوعة إلى (آتي).
حكاية عن فرعون: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (طه:49)، و لم يقل:«و هارون» (1)لأن موسى المقصود المتحمل أعباء الرسالة، كذا قاله ابن عطية.
و غاص الزمخشريّ فقال (2):أراد أن يتم الكلام فيقول:«و هارون»، و لكنه تكل عن خطاب هارون توقيا لفصاحته و حدّة جوابه و وقع خطابه؛ إذ الفصاحة تنكّل الخصم عن الخصم للجدل (3)،و تنكّبه عن معارضته.
السادس: أن يذكر شيئان، ثم يعود الضمير إلى أحدهما دون الآخر، كقوله تعالى:
وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها (الجمعة:11)، قال الزمخشريّ (4):تقديره: إذا رأوا تجارة [انفضوا إليها] (5)،أو لهوا انفضوا إليه؛ فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه.
و يبقى عليه سؤال؛ و هو أنه: لم أوثر ذكر التجارة (6)؟و هلاّ أوثر اللهو؟ و جوابه ما قاله الراغب (7)في تفسير سورة البقرة[184/أ]: إن التجارة لما كانت [سبب] (8)انفضاض الّذين نزلت فيهم هذه الآية أعيد الضمير إليها. و لأنه قد تشغل التجارة عن العبادة ما لا يشغله اللهو.
و اختلف في مواضع: منها قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي 127/3 سَبِيلِ اللّهِ (التوبة:34)، فإنه سبحانه ذكر الذهب و الفضة، و أعاد الضمير على الفضة وحدها؛ لأنها أقرب المذكورين؛ و لأنّ الفضّة أكثر وجودا في أيدي الناس؛ و الحاجة إليها أمسّ، فيكون كنزها أكثر، و قيل أعاد الضمير على المعنى؛ لأن المكنوز دنانير و دراهم و أموال.
و نظيره: وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (الحجرات:9)؛ لأنّ الطائفة جماعة. و قيل: من عادة العرب إذا ذكرت شيئين مشتركين في المعنى تكتفي بإعادة (9)الضمير على أحدهما استغناء بذكره عن الآخر اتكالا (10)على فهم السامع، كقول حسّان.).
إن شرخ الشّباب (1)و الشّعر الأس ود ما لم يعاص كان جنونا (2)
و لم يقل «يعاصا».
و منها قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها (الأحزاب:9) و قد جعل ابن الأنباري (3)في كتاب «الهاءات» ضمير لَمْ تَرَوْها راجعا إلى الجنود.
و نقل عن قتادة قال:«هم الملائكة» (4)،و الأشبه أن يأتي هنا بما سبق.
و منها قوله تعالى: وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (التوبة:62) فقيل:
«أحقّ» خبر عنهما، و سهل إفراد الضمير بعدم إفراد «أحقّ» و أنّ إرضاء اللّه سبحانه إرضاء لرسوله.
و قيل:«أحق» خبر عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و حذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
و قيل: العكس، و إنما أفرد (5)الضمير لئلا يجمع بين اسم اللّه و رسوله في ضمير واحد، كما جاء في الحديث:«قل و من يعص اللّه و رسوله (6)»قال الزمخشري (7):قد يقصدون ذكر الشيء فيذكرون قبله ما هو سبب منه، ثم يعطفونه عليه مضافا إلى ضميره،128/3 و ليس [لهم] (8)قصد إلى الأول كقوله: سرّني زيد و حسن حاله؛ و المراد حسن حاله. و فائدة هذا الدلالة على قوة الاختصاص بذكر المعنى، و رسول اللّه أحق أن يرضوه. و يدلّ عليه ما تقدمه من قوله: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ (التوبة:61)؛ و لهذا وحد الضمير، و لم يثنّ.
و منها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَوَلَّوْا عَنْهُ (الأنفال:ة.
1) في المخطوطة (النبات).
2) البيت في الديوان 236/1. مطلع القصيدة رقم(113).
3) هو محمد بن القاسم أبو بكر بن الأنباري النحوي تقدم التعريف به 209/1. و كتابه الهاءات ذكره البغدادي في تاريخ بغداد 184/3، و قال:«إنه في ألف ورقة»، و قال بروكلمان في دائرة المعارف الإسلامية-الترجمة العربية الأولى-: «كتاب في الآيات القرآنية التي استبدلت الهاء فيها تاء» مخطوط بباريس انظر: فهرس دار الكتب الوطنية بباريس:651 و 652 و من المحتمل أن يكون هذا الكتاب ملخصا من كتاب الهاءات في كتاب اللّه.
4) أخرجه الطبري في التفسير 81/21.
5) في المخطوطة (أفردوا).
6) تقدم تخريج الحديث في 343/1، معرفة الوقف و الابتداء.
7) في الكشاف 160/2، بتصرف.
8) ساقطة من المخطوطة.
الضمير للصلاة لأنها أقرب المذكورين. و قيل: أعاده على المعنى؛ و هو الاستعانة المفهومة من استعينوا. و قيل: المعنى على التثنية؛ و حذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
و منها قوله تعالى: وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً (النساء:112)؛ و هو نظير آية الجمعة كما سبق.
و في هاتين الآيتين لطيفتان: و هما (1)أنّ الكلام لما اقتضى إعادة الضمير على أحدهما أعاده في آية الجمعة على التجارة، و إن كانت أبعد، و مؤنثة أيضا؛ لأنها أجذب للقلوب عن طاعة اللّه من اللهو؛ لأن المشتغلين بالتجارة أكثر من المشتغلين باللهو؛ أو لأنها أكثر نفعا من اللهو، أو لأنها كانت أصلا و اللهو تبعا، لأنه ضرب بالطبل لقدومه (2)،كما جاء في «صحيح البخاري»: «أقبلت عير يوم الجمعة (3)
(4-4) ما بين الحاصرتين ليس بالمطبوعة.
»، و أعاده في قوله: وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً (النساء:112) على الإثم رعاية لمرتبة القرب و التذكير؛ فتدبر ذلك.و أما قوله تعالى: (4)وَ اللّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ (المزمل:20) [184/ب] فقيل الأصل تحصوها و قوله] (4)فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (يونس:58)، أي بذلك القول.
129/3 السابع: الحذف المقابليّ: و هو أن يجتمع في الكلام متقابلان، فيحذف من [كل] (4)واحد منهما مقابله؛ لدلالة الآخر عليه، كقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَ أَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ (هود:35)، الأصل: فإن (5)افتريته فعليّ إجرامي و أنتم برآء منه، و عليكم إجرامكم و أنا بريء مما تجرمون فنسبة قوله تعالى:«إجرامي»، و هو الأوّل إلى قوله:«و عليكم إجرامكم»-و هو الثالث-كنسبة قوله:«و أنتم برآء منه»-و هو الثاني (6).إلى قوله تعالى: وَ أَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ (هود:35)، و هو الرابع، و اكتفى من كلّ متناسبين بأحدهما.).
و منه قوله تعالى: فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (الأنبياء:5)، (1)[تقديره: إن أرسل فليأتنا بآية كما أرسل الأولون] (1) فأتوا بآية.
و قوله تعالى: وَ يُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ (الأحزاب:24) (3)[تقديره كما قال المفسرون:«و يعذب المنافقين إن شاء فلا يتوب عليهم، أو يتوب عليهم] (3) فلا يعذّبهم»، عند ذلك يكون مطلق قوله: فلا يتوب عليهم أو يتوب عليهم مقيّدا (1)
(6-6) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
بمدة الحياة الدنيا.و قوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ 6[مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ (البقرة:222)؛ فتقديره: لا تقربوهنّ حتى يطهرن و يطّهرن، فإذا طهرن و تطهّرن فأتوهنّ] (6)؛و هو قول مركب من أربعة أجزاء؛[نسبة] (2)الأول إلى الثالث كنسبة الثاني إلى الرابع؛ و يحذف من أحدهما لدلالة الآخر عليه.
و اعلم أن دلالة السياق قاطعة بهذه المحذوفات؛ و بهذا التقدير يعتضد القول بالمنع من وطء الحائض إلا بعد الطهر و التّطهر جميعا؛ و هو مذهب الشافعيّ.
و منه قوله تعالى: وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ (النمل:130/3 12)، تقديره:«أدخل يدك تدخل (3)
(10-10) العبارة في المخطوطة (الأول دون الثاني إلى الرابع على حاله الأكثرية).
،و أخرجها تخرج»؛ إلا أنه قد عرض في هذه المادة تناسب بالطباق؛ فلذلك بقي القانون فيه، الذي هو نسبة (10) الأول إلى الثالث، و نسبة الثاني إلى الرابع على حالة الأكثرية (10)؛فلم يتغيّر عن موضعه (4)و لم يجعل بالنسبة التي بين الأول و الثاني، و بين الثالث و الرابع و هي نسبة النّظير (5)،كقوله:).و إنّي لتعروني لذكراك هزّة كما انتفض العصفور بلّله القطر (1)
أي هزة بعد انتفاضة، كما انتفض العصفور بلله القطر، ثم [اهتزّ] (2).كذا قاله جماعة. و أنكره ابن الصائغ (3)،و قال: هذا التقدير لا يحتاج إليه و لو يكون لكان خلفا؛ و إنّما أحوجهم إليه أنهم رأوا أنه لا يلزم من إدخالها خروجها؛ و «يخرج» مجزوم على الجواب، فاحتاج أن نقدّر جوابا لازما، و شرطا [ملزوما] (4)حذفا لأنهما نظير (5)ما ثبت؛ لكن وقع في تقدير ما لا يفيد؛ لأنه معلوم أنه إن أدخلها تدخل، لكنّه قد يقدّره تقديرا بعيدا؛ و هو: أدخلها تدخل [كما هي] (6)،و أخرجها تخرج بيضاء؛ و هو بعد (7)ذلك ضعيف، فيقال له: لا يلزم في الشرط و جوابه أن يكون اللزوم بينهما ضروريّا بالفعل (8)
(9-9) ساقطة من المخطوطة.
فإذا قيل: إن جاءني زيد أكرمته؛[فهذا] (9) اللازم بالوضع؛ و ليس بالضرورة، و الإكرام لازم للمجيء، بل لوضع المتكلم فالموضوع [هنا] (9) أن الإدخال سبب في خروجها بيضاء بقدرة اللّه تعالى؛ أ لا ترى أنه لا يلزم من إخراجها أن تخرج بيضاء لزوما (9)ضروريّا إلا بضرورة صدق الوعد. فإن قال: لم أرد هذا؛ و إنما أردت أنها لا تخرج إلا حتى تخرج. قيل:هذا (10)
(13-13) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
من المعلوم الذي لا معنى للتنصيص عليه.[185/أ] و منه قوله تعالى: وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَ آخَرَ 131/3 سَيِّئاً (التوبة:102)، (13)[أصل الكلام: خلطوا عملا صالحا بسيّئ، آخر سيئا] (13)بصالح؛ لأن الخلط يستدعي مخلوطا و مخلوطا به؛ أي تارة أطاعوا و خلطوا الطاعة بكبيرة، و تارة عصوا و تداركوا المعصية بالتوبة.ة.
1) البيت لأبي صخر الهذلي انظر الأمالي لأبي على القالي 149/1 (طبعة دار الكتب)، و هو من شواهد ابن عقيل الشاهد رقم(207) حروف الجر. و الإنصاف 253/1. المسألة(32).
2) ساقطة من المخطوطة.
3) علي بن محمد الكتامي تقدم التعريف به في 364/2.
4) ساقطة من المخطوطة.
5) في المخطوطة (نظيرا).
6) ساقطة من المخطوطة.
7) في المخطوطة (مفيد).
8) في المخطوطة (بالعقل).
9) في المخطوطة (لضرر ما).
10) في المخطوطة (هاهنا).
و قوله: فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ... (طه:123) الآية، فإنّ مقتضى التقسيم اللفظيّ: من اتبع الهدى فلا خوف و لا حزن يلحقه، و هو صاحب الجنة، و من كذب يلحقه الخوف و الحزن و هو صاحب النار؛ فحذف من كلّ ما أثبت نظيره في الأخرى.
قيل: و منه قوله [تعالى] (1): وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَ نِداءً (البقرة:171)، قال سيبويه (2):في «باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى»: «لم يشبّهوا بالناعق؛ و إنما شبّهوا بالمنعوق به؛ و إنما المعنى: و مثلكم (3)و مثل الذين كفروا كمثل الناعق و المنعوق به الذي لا يسمع إلا دعاء؛ و لكنه جاء على سعة الكلام و الإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى». انتهى.
و الذي أحوجه إلى هذا التقدير، أنّه لمّا شبّه (4)الذين كفروا بالنّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم،-و هذا بناه على أن الناعق بمعنى الداعي؛ و ليس بمتعين؛ لجواز ألاّ يراد به الداعي؛ بل الناعق من الحيوان- شبّههم في تألّفهم و تأتّيهم بما ينعق من الغنم بصاحبه؛ من أنهم يدعون ما لا يسمع و لا يبصر و لا يفهم ما يريده، فيكون (5)ثمّ حذف.
و قيل: ليس من هذا النوع إلا الاكتفاء من (6)الأول بالثالث؛ لنسبة بينهما؛ و ذلك أنه اكتفى بالذي ينعق-و هو الثالث المشبه به-عن المشبّه، و هو الكناية (7)المضاف إليها في قوله: و مثلك، و هو الأول و أقرب إلى هذا التشبيه المركب و المقابلة؛ و هو الذي غلط من وضعه في هذا النوع؛ و إنما هو من نوع الاكتفاء للارتباط العطفي؛ على ما سلف. و قد قال 132/3 الصّفار (8):هذا الذي صار إليه سيبويه-من أنه حذف من الأول المعطوف عليه، و من الثاني المعطوف-ضعيف لا ينبغي أن يصار إليه إلا عند الضرورة، لأنّ فيه حذفا كثيرا مع إبقاء حرف2.
العطف؛ و هو الواو. أ لا ترى أن ما قبلها مستأنف، و الأصل مثلك و مثلهم؛ إلا أن يدّعي أنّ الأصل و مثلك و مثلهم، ثم حذف «مثلك» و الواو التي عطفت ما بعدها، و بقيت الواو الأولى؛ و يزعم أنّ الكلام ربط مع ما قبله بالواو؛ و ليس بينهما ارتباط. و فيه ما ترى (1).
و قال ابن الحاج (2):عندي [أنه] (3)لا حذف في الآية، و القصد تشبيه الكفّار في عبادتهم لأصنام (4)بالذي (5)ينعق بما لا يسمع؛ فهو تمثيل داع بداع محقق لا حذف فيه؛ و الكفار على هذا داعون؛ و على التأويل الأول مدعوّون (6).
و نظيرها قوله تعالى: أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (الملك:22) فإن فيه جملتين؛ حذف نصف كل واحدة منهما (7)اكتفاء (8)بنصف الأخرى. و أصل الكلام: أ فمن يمشي مكبّا على وجهه أهدى ممّن (9)يمشي سويّا على صراط مستقيم، أمّن (10)يمشي سويّا على صراط مستقيم أهدى ممن يمشي مكبّا! و إنما قلنا: إن أصله هكذا؛ لأن أفعل التفضيل لا بدّ في معناه من المفضّل [185/ب] عليه. و هاهنا وقع السؤال عمّن في نفس الأمر: هل هذا أهدى من ذلك أم ذاك (11)أهدى من هذا؟ فلا بد من ملاحظة أربعة أمور، و ليس في الآية إلا نصف إحدى الجملتين و نصف الأخرى، و الذي حذف من هذه مذكور في تلك، و الذي حذف من تلك).
1) في المخطوطة (نرى).
2) تصحفت في المطبوعة إلى (الحجاج)، و ابن الحاج هو أحمد بن محمد بن أحمد الأزدي أبو العباس الإشبيلي، عرف بابن الحاج قرأ على أبي علي الشلوبين مقرئ، أصولي، محدث، أديب، لم يكن في أصحاب الشلوبين مثله و له على كتاب سيبويه إملاء غريب و مصنف في علم القوافي، و مختصر لخصائص ابن جني ت 647 ه (الفيروزآبادي، البلغة:63).
3) ساقطة من المخطوطة.
4) في المخطوطة (للأصنام).
5) في المخطوطة (للذي).
6) في المخطوطة (يدعون).
7) في المخطوطة (منها).
8) في المخطوطة (فاكتفى).
9) في المخطوطة (أمّن).
10) في المخطوطة (أو من).
11) في المخطوطة (ذلك).
مذكور في هذه، فحصل المقصود مع الإيجاز و الفصاحة. ثم ترك أمر آخر لم يتعرّض له؛ و هو الجواب الصحيح لهذين (1)الاستفهامين، و أيّهما (2)هو الأهدى؟ لم يذكره في الآية أصلا، اعتمادا على أن العقل يقول: الذي يمشي على صراط مستقيم أهدى ممن يمشي مكبّا على وجهه.
و هذا كقوله تعالى: أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ (النحل:17). و قوله: قُلْ 133/3 هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (الزمر:9).
(3)قد يحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، و قد يعكس، و قد يحتمل اللفظ الأمرين (4).
فالأول كقوله تعالى: إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ (5)(الأحزاب:56) في قراءة (5)[من] (5) رفع «ملائكته»، [أي] (5) إن اللّه يصلي، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، و ليس عطفا عليه.
و الثاني كقوله [تعالى] (6): يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ [وَ يُثْبِتُ] (7)،(الرعد:39) أي ما يشاء.
و قوله: أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ (التوبة:3)، أي بريء أيضا.
و قوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ (إبراهيم:48).
و قوله: [وَ اللاّئِي] 11 يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَ اللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ (الطلاق:4)، أي كذلك.
و جعل منه أبو الفتح قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ (مريم:38) التقدير: و أبصر بهم؛ لكنه حذف لدلالة ما قبله عليه؛ حيث كان بلفظ الفضلة؛ و إن كان ممتنعا في الفاعل.
و هذا التوجيه إنما يتم إذا قلنا: إن الجارّ و المجرور؛ في «أسمع بهم و أبصر» في محل الرفع:
فإن قلنا في محل النصب فلا.
134/3 و قوله (1)تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ 2اللّهُ (الزمر:
38)، [و التقدير خلقهنّ اللّه] (2)،فحذف «خلقهنّ» لقرينة تقدمت في السؤال.
و قوله: سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ* كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (الصافات:
109-110)، و لم يقل:«إنا كذلك» اختيارا و استغناء عنه (3)بقوله فيما سبق: إِنّا كَذلِكَ (الصافات:105).
و الثالث كقوله [تعالى] (4): وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ (التوبة:62)، فقد قيل: إن «أحقّ» خبر عن اسم اللّه [تعالى] (5)،و قيل بالعكس.
و أما قوله تعالى: وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللّهِ يُكْفَرُ بِها وَ يُسْتَهْزَأُ بِها (النساء:140)، فالفائدة في إعادة الجار و المجرور؛ أعني «بها». لأنه لو حذف من الثاني لم يحصل الربط لوجوب الضمير فيما وقع مفعولا ثانيا، أو كالمفعول الثاني ل «سمعتم»، و لو حذف من الأول لم يكن نصّا على أن الكفر يتعلق بالإثبات؛ لجواز أن يكون متعلق الأول غير متعلق الثاني...
الثامن الاختزال؛ و هو الافتعال؛ من خزله، قطع وسطه، ثم نقل في الاصطلاح إلى حذف كلمة أو أكثر. و هي إما اسم، أو فعل، أو حرف.ة.
فمنه حذف المبتدإ، كقوله تعالى[ سَيَقُولُونَ] 1ثَلاثَةٌ (2)[و خَمْسَةٌ و سَبْعَةٌ (الكهف:22)، أي] (2) هم ثلاثة، و هم خمسة، و هم سبعة.
و قوله: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ (آل عمران:13)، أي إحداهما (1)،بدليل قوله بعده (2): وَ أُخْرى 6كافِرَةٌ (آل عمران:13).
و قوله: بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ (الأحقاف:35)، أي هذا بلاغ.
و قوله[186/أ]: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (الأنبياء:26)، أي هم عباد.
و على هذا قال أبو عليّ: قوله تعالى: بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ (الحج:72)، أي هي النار.
و قوله: وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ* 7[ اَلنّارُ (غافر:45-46)، أي هو النار.
و يمكن أن يكون «النار» في الآيتين مبتدأ و الخبر الجملة التي بعدها، و يمكن في الثانية أن تكون النار بدلا من «سوء العذاب»] (7).
و قوله: فَقالُوا 9ساحِرٌ كَذّابٌ (غافر:24)، أي [هذا] (3)ساحر.136/3 و قوله: إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (الذاريات:52). وَ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (الفرقان:5).
وَ قُلِ 11 الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ (الكهف:29)، أي هذا الحق من ربكم؛ و ليس هذا
كما يظنّه بعض الجهّال، أي قل القول الحق؛ فإنه لو أريد هذا لنصب «الحق»؛ و المراد إثبات أن القرآن حقّ، و لهذا قال: مِنْ رَبِّكُمْ ؛و ليس المراد هنا قول حق مطلق؛ بل هذا المعنى مذكور في قوله: وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا (الأنعام:152)، و قوله: أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ (الأعراف:169).
و قوله: سُورَةٌ أَنْزَلْناها (النور:1)؛ أي هذه سورة.
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها (فصلت:46)، أي فعمله لنفسه و إساءته عليها.
و قوله: وَ إِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (فصلت:49) أي [فهو] (1)يئوس.
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ* مَتاعٌ قَلِيلٌ (آل عمران:196-197)، أي تقلّبهم متاع، أو ذاك (2)متاع.
وَ ما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ* نارُ اللّهِ الْمُوقَدَةُ (الهمزة:5-6)، [أي و الحطمة نار اللّه] (3).
إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (المرسلات:32)، أي كلّ واحدة منها (4)كالقصر؛ فيكون من باب قوله: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً (النور:4)، أي كلّ واحد منهم، و المحوج إلى ذلك أنه لا يجوز أن يكون الشّرر كله كقصر واحد؛ و القصر هو البيت من أدم، 137/3 كان يضرب على المال و يؤيده (5)قوله: جِمالَتٌ صُفْرٌ (المرسلات:33)، أ فلا تراه (6)كيف شبّهه بالجماعة! أي كلّ واحدة من الشّرر كالجمل لجماعاته، فجماعاته إذن مثل الجمالات الصّفر، و كذلك الأول، شررة منه كالقصر. قاله أبو الفتح بن جني (7).
و أما قوله: وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ (النساء:171)، فقيل: إن «ثلاثة» خبر مبتدإ محذوف تقديره:«آلهتنا ثلاثة».7.
و اعترض باستلزامه إثبات الإلهية لانصراف النفي الداخل على المبتدإ أو الخبر إلى المعنى المستفاد من الخبر لا إلى معنى المبتدأ، و حينئذ يقتضي نفي عدة الآلهة لا نفي وجودهم.
قيل: و هو مردود؛ لأنّ [نفي] (1)كون آلهتهم ثلاثة (2)يصدق بألاّ (3)يكون للآلهة الثلاثة وجود بالكليّة؛ لأنه من السالبة المحصلة، فمعناه: ليس آلهتكم ثلاثة، و ذلك يصدق بألاّ (4)يكون لهم آلهة و إنما حذف إيذانا بالنهي عن مطلق العدد المفهم للمساواة بوجه ما (5)
(6-6) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
فما ظنّك بمن صرّح بالشركة؛ كما قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ (المائدة:73)، و قال سبحانه: وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ (المائدة:73) (6)[فأفهم أنه لو وجد الإله يكون غيره معه خطأ لإفهامه مساواة ما، كقوله تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (الأنعام:1)، و لزم من نفي الثلاثة لامتناع المساواة المعلومة عقلا، و المدلول عليها بقوله: إِنَّمَا اللّهُ إِلهٌ واحِدٌ ] (6)(النساء:171)، نفي الشركة مطلقا؛ فإنّ تخصيص [النهي] (6)وقع في مقابلة الفعل، و دليلا عليه: فإنهم كانوا يقولون في اللّه و عيسى و أمه: ثلاثة.و نحوه في الخروج على السبب: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً (آل عمران:138/3 130). و قال صاحب (7)«إسفار الصباح»: «الوجه تقدير كون ثلاثة، أو «في الوجود»،ا.
1) ساقطة من المخطوطة.
2) في المخطوطة (منه).
3) في المخطوطة (بأن لا).
4) في المخطوطة (بأن لا).
5) في المخطوطة (يوجد) بدل (بوجه ما).
6) ساقطة من المخطوطة.
7) هو محمد بن يعقوب بن إلياس (ابن النحوية) بدر الدين الدمشقي، قال الذهبي في «معجمه»: «الإمام البارع بدر الدين أبو عبد اللّه النحوي، أخذ عن القاضي نجم الدين البارزي و جمال الدين ابن واصل و غيرهما و صار رأسا في العربية و المعاني و البيان خيرا كيسا متواضعا وقورا مقتصدا...، ت 718 ه (ابن حجر الدرر الكامنة 286/4)، و كتابه ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون 85/1 و 1707/2 و 1764 ضمن كلامه عن «مفتاح العلوم» للسكاكي 626 ه فقال (اختصره بدر الدين محمد بن محمد بن مالك الدمشقي ت 686 ه و سماه «المصباح في اختصار المفتاح»... ثم اختصر هذا المختصر بدر الدين محمد بن يعقوب الحموي المعروف بابن النحوية سماه «ضوء المصباح» ثم شرحه في مجلدين و سماه «إسفار الصباح عن ضوء المصباح» و انظر الدرر الكامنة أيضا.
ثم حذف الخبر الذي هو «لنا»، أو «في الوجود» الحذف المطّرد، و ما دلّ عليه توحيد لا إله إلا اللّه».
ثم حذف المبتدإ حذف الموصوف كالعدد؛ إذا كان معلوما. كقولك: عندي ثلاثة.
أي دراهم؛ و قد علم بقرينة قوله [تعالى] (1): إِنَّمَا اللّهُ إِلهٌ واحِدٌ (النساء:171).
و قد عورض هذا بأن نفي وجود ثلاثة لا ينفي وجود إلهين. و أجيب (2)بأن تقديره (3)«آلهتنا ثلاثة» يوجب ثبوت الآلهة؛ و تقدير «لنا آلهة» لا يوجب ثبوت إلهين.
فعورض بأنه كما لا يوجبه فلا ينفيه.
فأجيب بأنه إذا لم ينفه فقد[186/ب] نفاه ما بعده من قوله: إِنَّمَا اللّهُ إِلهٌ واحِدٌ (النساء:171).
فعورض بأنّ ما بعده إن (4)نفي ثبوت إلهين فكيف ثبوت آلهة! فأجاب بأنه (5)لا ينفيه، و لكن يناقضه، لأن تقدير آلهتنا ثلاثة يثبت وجود إلهين (6)
(7-7) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
لانصراف النفي (7)[في الخبر عنه، بخلاف تقدير:«لنا آلهة ثلاثة»، فإنه لا يثبت وجود إلهين لانصراف النفي] (7) إلى أصل الإثبات للآلهة.و في أجوبة هذه المقدمات نظر.
قلت: و ذكر ابن جنّي أن الآية من حذف المضاف؛ أي ثالث ثلاثة لقوله (7)في موضع آخر: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ (المائدة:73).
139/3
نحو: أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها (الرعد:35)، أي [و ظلها] (8)دائم.
و قوله في سورة ص بعد ذكر من اقتص ذكره من الأنبياء، فقال: هذا ذِكْرٌ (ص:
مَآبٍ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ* هذا (ص:55-56-57) قد أشارت الآية إلى مآل [أمر] (1)الطاغين، و منه يفهم الخبر.
و قوله: أَ فَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ (الزمر:22) أي أ هذا (2)خير أمّن جعل صدره ضيقا حرجا و قسا قلبه، فحذف بدليل قوله: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ (الزمر:22).
و قوله تعالى: قالُوا لا ضَيْرَ (الشعراء:50).
وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ (سبأ:51).
و قوله: وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا (المائدة:38) قال سيبويه (3):الخبر محذوف، أي فيما أتلوه السارق و السارقة، و جاء فَاقْطَعُوا جملة أخرى (4).و كذا قوله:
اَلزّانِيَةُ وَ الزّانِي (النور:2)[أي] (5)فيما نقصّ [لكم] (6).
و قال غيره: السارق مبتدأ، فاقطعوا (7)خبره؛ و جاز ذلك لأن الاسم عام؛ فإنه لا يريد به سارقا مخصوصا، فصار كأسماء الشرط؛ تدخل الفاء في خبرها لعمومها؛ و إنما قدّر سيبويه 140/3 ذلك لجعل الخبر أمرا؛ و إذا ثبت الإضمار فالفاء داخلة في موضعها، تربط بين الجملتين.
و مما يدلّ على أنه على الإضمار إجماع القراء على الرفع؛ مع أن الأمر الاختيار فيه النصب.
قال: و قد قرأ ناس بالنصب (8)ارتكانا (9)للوجه القويّ في العربية؛ و لكن أبت العامة إلا الرفع. و كذا قال في قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ (الرعد:35): مثل،).
1) ساقطة من المخطوطة.
2) في المخطوطة (هذا).
3) في الكتاب 142/1-144. و قد نقل قوله أبو حيان في البحر المحيط 476/3.
4) في المخطوطة (واحدة).
5) ساقطة من المطبوعة.
6) ساقطة من المخطوطة.
7) في المخطوطة (و فاقطعوا).
8) و هي قراءة عيسى بن عمرو بن أبي عبلة و السارق و السارقة بالنصب على الاشتغال (أبو حيان، البحر المحيط،476/3).
9) في المخطوطة (ارتكابا).
هنا خبر مبتدأ محذوف؛ أي فيما نقصّ عليكم مثل الجنّة. و كذا قال أيضا في قوله تعالى:
وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما (النساء:16): إنه على الإضمار.
و قد ردّ بأنّه أيّ ضرورة تدعو إليه هنا؟ فإنّه إنما صرنا إليه في السارق و نحوه لتقديره (1)دخول الفاء في الخبر، فاحتيج للإضمار حتى تكون الفاء على بابها في الربط؛ و أما هذا فقد وصل بفعل هو بمنزلة: الذي يأتيك فله درهم.
و أجاب الصفار (2)بأنّ الذي حمله على هذا أنّ الأمر دائر مع الضرورة كيف كان؛ لأنه إذا أضمر فقد تكلّف [كما قلت] (3)،و إن لم يضمر كان الاسم مرفوعا و بعده الأمر، فهو قليل بالنظر إلى «للذين (4)يأتيانها» فكيفما (5)عمل [لم] (6)يخل من قبح.
و إن قدّر منصوبا، و جاء القرآن بالألف على لغة من يقول «الزيدان» (7)في جميع الأحوال وقع أيضا في محذور (8)آخر؛ فلهذا قدّره هذا التقدير، لأن الإضمار مع الرفع يتكافآن (9).
و قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ (فصلت:41)، الخبر محذوف، أي يعذّبون. و يجوز أن يكون الخبر: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (فصلت:44).
141/3 و قوله: لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ (سبأ:31)؛ فأنتم مبتدأ و الخبر محذوف؛ أي حاضرون؛ و هو لازم الحذف هنا.).
و قوله [تعالى] (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
: وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ 2[حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ] 2 مِنْ قَبْلِكُمْ (المائدة:5)؛ أي حلّ لكم[187/أ][كذلك] (2).و أما قوله تعالى: وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ (التوبة:30)، أمّا على قراءة التنوين (3)فلا حذف لأنه يجعله مبتدأ؛ و «ابن اللّه» خبر؛ حكاية عن مقالة اليهود؛ و أما على قراءة من لم ينوّن؛ فقيل: إنه صفة و الخبر محذوف؛ أي عزير ابن اللّه إلهنا، و قيل: بل المبتدأ محذوف، أي إلهنا عزير، و ابن صفة.
و ردّ بوجهين:
أحدهما: أنه لا يطابق: وَ قالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ (التوبة:30).
و الثاني: أنه يلزم عليه أن يكون التكذيب ليس عائدا إلى النبوّة، فكذّب لأنّ صدق الخبر و كذبه راجع إلى نسبة الخبر لا إلى الصفة. فلو قيل: زيد القائم فقيه،[فكذب] (4)انصرف التكذيب لإسناد فقهه؛ لا لوصفه بالقائم.
و فيه نظر؛ لأن الصّفة ليست إنشاء فهي خبر؛ إلاّ أنها غير تامة الإفادة، فيصحّ تكذيبها. و الأولى تقويته، و أن يقال الصفة و الإضافة و نحوهما في المسند إليه لواحق بصورة الإفراد (5)أي يريد أن يصوّره بهيئة خاصّة؛ و يحكم عليه كذلك؛ لكن لا سبيل إلى كذبها، مع أنها تصوّرت، فالوجه أن يقال: إن كذب الصفة بإسناد مسندها إلى معدوم الثبوت. و نظير 142/3 هذه المسألة في (6)الفقه ما لو قال: و اللّه لا أشرب ماء هذا الكوز؛ و لا ماء فيه.
و قال بعضهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ (التوبة:30) خبر الجملة، أي حكى فيه لفظهم، أي قالوا هذه العبارة القبيحة؛ و حينئذ فلا يقدّر خبر و لا مبتدأ.).
و قيل:«ابن اللّه» خبر و حذف التنوين من «عزير» للعجمة و العلمية.
و قيل: حذف تنوينه لالتقاء الساكنين؛ لأن الصفة مع الموصوف كشيء واحد، كقراءة (1):
قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ* اَللّهُ الصَّمَدُ (الإخلاص:1-2)، على إراد التنوين؛ بل هنا أوضح؛ لأنه في جملة واحدة.
و قيل:«ابن اللّه» نعت و لا محذوف؛ و كأنّ اللّه تعالى حكى أنهم ذكروا هذا اللفظ إنكارا عليهم؛ إلا أن فيه بعدا (2)،لأن سيبويه قال: إن قلت وضعته العرب لتحكي به ما كان كلاما لا قولا. و أيضا إنه لا يطابق قوله: وَ قالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ (التوبة:
و الصحيح في هذه القراءة أنه ليس الغرض إلا أن اليهود قد بلغوا في رسوخ الاعتقاد في هذا الشيء إلى أن يذكرون هذا النكر (3)،كما تقول في قوم تغالوا في تعظيم صاحبهم:
أراهم اعتقدوا فيه أمرا عظيما ثابتا، يقولون: زيد الأمير!
قوله تعالى: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (يوسف:18) يحتمل حذف الخبر، أي أجمل، أو حذف (4)المبتدأ، أي فأمري صبر جميل. و هذا أولى لوجود قرينة حالية-هي قيام الصبر به- 143/3 دالة على المحذوف، و عدم قرينة حالية أو مقالية تدلّ على خصوص الخبر، و أنّ الكلام مسوق للإخبار بحصول الصبر له و اتصافه به، و حذف المبتدأ يحصّل (5)ذلك دون حذف الخبر؛ لأن معناه أن الصبر الجميل؛ أجمل ممن (6)لأن المتكلم متلبس به.
و كذلك يقوله من لم يكن وصفا له؛ و لأن الصبر مصدر، و المصادر معناها الإخبار؛ فإذا حمل على حذف المبتدأ فقد أجري على أصل معناه؛ من استعماله خبرا، و إذا حمل على حذف الخبر فقد أحرج عن أصل معناه.
و مثله (1)قوله: طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ (2)(النور:53) أي أمثل، أو أولى لكم من هذا، أو أمركم الذي يطلب منكم.
و مثله قوله [في] (3)سُورَةٌ أَنْزَلْناها (النور:1)[187/ب]؛ إما أن يقدر: فيما أوحينا إليك سورة، أو هذه سورة.
و قد يحذفان جملة، كقوله تعالى: وَ اللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ... (الطلاق:4) الآية.
المشهور امتناعه إلا في ثلاثة مواضع:
أحدها: إذا بني الفعل للمفعول.
ثانيها: في المصدر، إذا لم يذكر معه الفاعل؛ مظهرا يكون محذوفا، و لا يكون مضمرا، نحو أَوْ إِطْعامٌ (البلد:14).
ثالثها (4):إذا لاقى الفاعل ساكنا من كلمة أخرى، كقولك للجماعة: اضرب القوم،144/3 و للمخاطبة: اضرب القوم.
و جوز الكسائيّ حذفه مطلقا إذا وجد ما يدلّ عليه؛ كقوله تعالى: كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (القيامة:26) أي بلغت الروح.
و قوله: حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (ص:32) أي الشمس.
فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ (الصافات:177) يعني العذاب، لقوله قبله: أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (الصافات:176).
فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ (النمل:36) تقديره: فلما جاء الرسول سليمان.
و الحق أنه في المذكورات مضمر لا محذوف، و قد سبق الفرق بينهما.
أما حذفه و إقامة المفعول مقامه، مع بناء الفعل للمفعول فله أسباب:
منها العلم به، كقوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ (الأنبياء:37).
وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (النساء:28)، و نحن نعلم أن اللّه خالقه.
قال ابن جني (1):و ضابطه أن يكون الغرض إنما هو الإعلام بوقوع الفعل بالمفعول؛ و لا غرض في إبانة الفاعل من هو.
و منها تعظيمه، كقوله: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (يوسف:41)، إذ كان الذي قضاه عظيم القدر.
و قوله: وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ (هود:44).
145/3 و قوله: وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ (البقرة:4) قال الزمخشري في «كشافه القديم»: هذا أدلّ على كبرياء المنزّل و جلالة شأنه من القراءة الشاذة «أنزل» (2)مبنيّا للفاعل، كما تقول: الملك أمر (3)
(4-4) ساقطة من المخطوطة.
بكذا،[و رسم بكذا] (4)؛و خاصّة إذا كان الفعل فعلا لا يقدر [عليه] (4)إلا اللّه، كقوله: وَ قُضِيَ الْأَمْرُ (هود:44) قال: كأن طيّ ذكر الفاعل كالواجب؛ لأمرين:أحدهما: أنه إن تعيّن الفاعل و علم أن الفعل مما لا يتولاّه إلاّ هو وحده، كان ذكره فضلا و لغوا.
و الثاني: الإيذان بأنه منه؛ غير مشارك و لا مدافع عن الاستئثار به و التفرّد بإيجاده.
و أيضا فما في ذلك من مصير أن اسمه جدير بأن يصان و يرتفع (4)به عن الابتذال و الامتهان. و عن الحسن: لو لا أني مأذون لي في ذكر اسمه لربأت به عن مسلك الطعام و الشراب.
و منها مناسبة الفواصل، نحو: وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (الليل:19)، و لم يقل يجزيها (5).).
و منها مناسبة ما تقدمه، كقوله في سورة براءة: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (التوبة:87)؛ لأنّ قبلها: وَ إِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ (التوبة:
164/3 و هو كثير، قال ابن جنّي (1):و في القرآن منه زهاء ألف موضع. و أما أبو الحسن (2)، فلا يقيس عليه؛ ثم ردّه بكثرة المجاز في اللغة، و حذف المضاف مجاز. انتهى.
و شرط المبرّد في كتاب «ما اتّفق لفظه و اختلف معناه» (3)لجوازه وجود دليل على المحذوف من عقل أو قرينة، نحو: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (يوسف:82)، أي أهلها، قال:
«و لا يجوز على هذا أن نقول: جاء زيد، و أنت تريد غلام زيد؛ لأنّ المجيء يكون [188/أ] له، و لا دليل على المحذوف».
و قال الزمخشريّ في «الكشاف القديم»: لا يستقيم تقدير حذف المضاف في كل موضع؛ و لا يقدم عليه إلا بدليل واضح و في غير ملبس؛ كقوله: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (يوسف:82)[ وَ جاءَ رَبُّكَ ] (4)(الفجر:22) و ضعّف بذلك قول من قدّر في قوله: وَ هُوَ خادِعُهُمْ (النساء:142)، أنّه على حذف مضاف.
فإن قلت: كما لا يجوز مجيئه لا يجوز خداعه؛ فحين جرّك إلى تقدير المضاف امتناع مجيئه، فهلاّ (5)جرّك إلى مثله امتناع خداعه!
1) في الخصائص 362/2، حذف الاسم على أضرب.
2) الأخفش.
3) «ما اتفق لفظه و اختلف معناه» طبع بتحقيق عبد العزيز الميمني الراجكوتي، القاهرة بالمطبعة السلفية عام 1350 ه/1931 م (معجم مصنفات القرآن 215/4، معجم الدراسات القرآنية:259) ذكره ابن النديم في الفهرست:64 و انظر قوله ص 33 من الكتاب.
4) ليست في المطبوعة.
5) في المخطوطة (فهل).
قلت: يجوز في اعتقاد المنافقين تصوّر خداعه؛ فكان الموضع ملبسا فلا يقدّر.
انتهى.
فمنه قوله تعالى: لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ (الأحزاب:21)، أي رحمة (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ليس في المطبوعة.
(2)[اللّه، و قوله: يَخافُونَ رَبَّهُمْ (النحل:50) أي عذاب ربهم، و قد ظهر من هذا أن المضافان من قوله تعالى: يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخافُونَ عَذابَهُ ] (2).(الإسراء:57).
147/3 حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ (الأنبياء:96) أي سدّ يأجوج و مأجوج.
وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (مريم:4)، أي شعر الرأس.
وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها (الإسراء:110)، أي بقراءة صلاتك، و لا تخافت بقراءتها.
وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ (البقرة:177)، أي برّ من آمن [باللّه] (2).
فَلَمّا أَتاها نُودِيَ (طه:11) أي ناحيتها، و الجهة التي هو فيها.
و هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (الشعراء:72) أي هل يسمعون دعاءكم، بدليل الآية الأخرى.
إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ (فاطر:14).
عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِمْ (يونس:83)، أي من آل فرعون.
إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ (الإسراء:75)، أي ضعف عذابهما.
وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ (البقرة:171)، أي و مثل واعظ الذين كفروا كناعق الأنعام.
وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ (الأحزاب:6)، أي مثل أمهاتهم.
وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (الواقعة:82)، أي شكر رزقكم. و قيل تجعلون التكذيب شكر رزقكم.ة.
(1) [و قوله: وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ (آل عمران:194)، أي على ألسنة رسلك] (1).
و قوله: وَ تَخُونُوا أَماناتِكُمْ (الأنفال:27)، أي ذوي أماناتكم، كالمودع و المعير و الموكّل و الشريك، و من يدك في ماله أمانة لا يد ضمان، و يجوز أن لا حذف فيه؛ لأن «خنت»148/3 من باب «أعطيت»؛ فيتعدّى إلى مفعولين، و يقتصر على أحدهما.
[و قوله] (1): وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً (هود:84)، أي أهل مدين؛ بدليل قوله:
وَ ما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ (القصص:45).
وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها [وَ الْعِيرَ] (2)(يوسف:82)، أي أهل القرية؛ و أهل العير.
و قيل: فيه وجهان: أحدهما أنّ القرية يراد بها نفس الجماعة، و الثاني أنّ المراد [سؤال] (3)
(6-6) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
الأبنية نفسها؛ لأنّ المخاطب نبيّ صاحب معجزة.اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ (البقرة:197)، و يجوز أن يقدر: الحج حجّ أشهر معلومات.
وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ (الفجر:22)، أي أمر ربك.
وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ (البقرة:93) (6)[أي حب العجل؛ قال الراغب (4):إنه على بابه؛ فإنّ في ذكر العجل] (6)تنبيها على أنّه لفرط محبّتهم صار صورة العجل في قلوبهم لا تمحي (5).
و قوله: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ* إِرَمَ (الفجر:6-7)؛ فإرم اسم لموضع (6)[و هو] (7)في موضع جرّ؛ إلاّ أنه منع الصرف للعلمية و التأنيث؛ أما العلمية فواضح، و أما التأنيث فلقوله: ذاتِ الْعِمادِ (الفجر:7).
و قوله: قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (المائدة:102) أي بسؤالها؛ة.
فحذف المضاف (1)[و قدرت بالمصدر المحذوف الاضافة إلى المفعول به] (1)؛و لم يكفروا بالسؤال؛ إنما كفروا بربّهم المسئول عنه، فلما كان السؤال سببا للكفر فيما سألوا عنه نسب الكفر إليه على الاتساع.
149/3 و قيل: الهاء عائدة على غير ما تقدّم لقوة هذا الكلام؛ بدليل أنّ الفعل تعدّى (1)بنفسه و الأول بغيره (2)و إنما هذه الآية كناية عما سأل قوم[188/ب] موسى، و قوم عيسى [من الآيات] (3)،ثم كفروا، فمعنى السؤال الأول و الثاني الاستفهام، و معنى الثالث طلب الشيء (4)
(7-7) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
.و قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (المائدة:3)، أي تناولها، لأنّ الأحكام لا تتعلق بالأجرام إلا بتأويل الأفعال.
و قيل: إنّ الميتة يعبّر بها عن تناولها فلا حذف؛ و لو كان ثمّ حذف لم يؤنث الفعل؛ و لأن المركب إنما يحذف إذا كان للكلام دلالة غير الدلالة الإفرادية؛ و المفهوم من هذا التركيب التناول من غير تقدير، فيكون اللفظ موضوعا له، و المشهور في الأصول أنه من محال الحذف.
و قوله تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ (العنكبوت:
9)، (7)[فهاهنا إضمار؛ لأنّ قائلا لو قال:«من عمل صالحا جعلته في جملة الصالحين» لم يكن فيه فائدة؛ و إنما المعنى لندخلنّهم في زمرة الصالحين] (7).
و قوله: تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ (الأنعام:91)، أي ذا قراطيس، أو مكتوبا في قراطيس، تُبْدُونَها (الأنعام:91)، أي تبدون مكتوبها.
و قوله: وَ تُخْفُونَ كَثِيراً (الأنعام:91)؛ ليس المعنى تخفونها إخفاء كثيرا؛ و لكنّ التقدير: تخفون كثيرا من إنكار ذي القراطيس، أي يكتمونه فلا يظهرونه، كما قال تعالى: إِنَّة.
اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ (البقرة:3/ 159). و يدلّ له قوله: قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ (المائدة:15).
و قوله: فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها (الرعد:17)؛ أي بقدر مياهها.
و قوله: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها (يوسف:24)، أي هم بدفعها، أي عن نفسه في هذا التأويل بتنزيه يوسف صلّى اللّه عليه و سلّم عما لا يليق به؛ لأنّ الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليهم معصومون من الصغائر و الكبائر (1)،و عليه فينبغي الوقف على قوله: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ (يوسف:24).
أعلم أنّ المضاف إذا علم جاز حذفه مع الالتفاف إليه؛ فيعامل معاملة الملفوظ به؛ من عود الضمير عليه [و غير ذلك] (2)،و مع اطّراحه يصير (3)
(4-4) ما بين الحاصرتين ليس في المطبوعة.
الحكم في عود الضمير للقائم مقامه.فمثال استهلاك حكمه و تناسي أمره قوله تعالى: (4)[ وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (يوسف:82) إذ لو راعى المحذوف لجرّ القرية، و جوزوا أيضا مراعاة المحذوف بدليل قوله تعالى] (4)أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ (النور:40)؛ فإن الضمير في يَغْشاهُ عائد على المضاف المحذوف بتقدير أو كذي ظلمات.
و قوله: أَوْ كَصَيِّبٍ (البقرة:19) أي كمثل ذوي صيّب؛ و لهذا رجع الضمير إليه مجموعا في قوله [تعالى] (4): يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ [فِي آذانِهِمْ] (7) (البقرة:19)؛ [و لو] (5)
(7-7) عبارة المخطوطة (لأفرده و كثيره أيضا).
لم يراع لأفراده (7)أيضا.151/3 و قوله: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ (الشعراء:105)، و لو لا ذلك لحذفت التاء؛ لأنّ القوم مذكّر، و منه قول حسّان [رضي اللّه عنه] (1):
يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل (2).
بالياء، أي ماء بردى (3)
(4-4) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
،و لو راعى المذكور لأتى بالتاء.قالوا: و قد جاء في آية واحدة مراعاة التأنيث و المحذوف، و هي قوله تعالى: وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ](الأعراف:4) (4)[أنث الضمير في أَهْلَكْناها ؛و فَجاءَها ؛لإعادتهما على القرية المؤنثة، و هي الثابتة، ثم قال: أَوْ هُمْ قائِلُونَ ] (4)فأتى بضمير من يعقل حملا على «أهلها» المحذوف.
و في تأويل إعادة الضمير على التأنيث وجهان: أحدهما أنه لما قام مقام المحذوف صارت المعاملة معه. و الثاني أن يقدّر في الثاني حذف المضاف؛ كما قدر في الأول. فإذا قلت:
سألت القرية و ضربتها، فمعناه: و ضربت أهلها، فحذف[189/أ] المضاف كما حذف من الأول إذ وجه الجواز قائم.
و قيل: هنا مضاف محذوف، و المعنى (4)أهلكنا أهلها. و بياتا، حال (5)منهم، أي مبيّتين و أَوْ هُمْ قائِلُونَ (الأعراف:4) جملة معطوفة عليها، و محلها النصب.
و أنكر الشّلوبين (6)مراعاة المحذوف، و أوّل ما سبق على أنه من باب الحمل على المعنى و نقله عن المحققين؛ لأن القوم جماعة و لهذا يؤنث (7)تأنيث الجمع، نحو هي الرجال؛ و جمع).
التكسير عندهم مؤنث و أسماء الجمع تجري مجراها، و على هذا (1)جاء التأنيث، لا على الحذف؛ و كذا القول في البيت.
و في قراءة بعضهم: وَ اللّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ (الأنفال:67)[بالجر] (2)،قدّروه «عرض 152/3 الآخرة». و الأحسن أن يقدّر:«ثواب الآخرة»؛ لأن العرض لا يبقى، بخلاف الثواب.
و هو أقلّ استعمالا، كقوله: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (الأنبياء:33).
و قوله: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ (البقرة:253).
و كذا (3)كل ما قطع عن الإضافة؛ ممّا وجبت إضافته معنى لا لفظا، كقوله تعالى: لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ (الروم:4)، أي من قبل ذلك و من بعده.
قد يضاف المضاف إلى مضاف؛ فيحذف الأول و الثاني و يبقى الثالث، كقوله تعالى:
وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ (الواقعة:82) أي بدل شكر رزقكم.
و قوله: تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ (الأحزاب:19)، أي كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت.
و قيل: الرزق في الآية الأولى الحظّ و النصيب (4)فلا حاجة إلى تقدير. و كذلك، إذا قدرت في الثانية «كالذي» حالا من الهاء و الميم في «أعينهم»، لأن المضاف بعض فلا تقدير.
و قوله: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ (البقرة:175)، و قدّره أبو الفتح في «المحتسب» (5)153/3 على أفعال أهل النار.
و أما قوله: مِنَ الْمَوْتِ (الأحزاب:19) فالتقدير [من] (1)مداناة الموت أو مقاربته (2)و لا ينكر (3)عسره (4)
(5-5) ساقطة من المطبوعة.
على الإنسان [من خوفه] (5)و لكن إذا دفع إلى أمر يقاربه (5)[أو يشارفه] (5).و مثله الآية الأخرى: يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ (محمد:20).
و قوله: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ (طه:96)، أي من أثر حافر فرس الرسول.
و قوله: ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى (الحشر:7)، أي من أموال كفار أهل القرى.
و قوله: فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (الحج:32)، أي من أفعال ذوي تقوى القلوب.
و قوله: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ... (البقرة:19) الآية، فإنّ التقدير كمثل ذوي صيّب، فحذف المضاف و المضاف إليه، أما حذف المضاف فلقرينة عطفه على: كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً (البقرة:17) و أما المضاف إليه فلدلالة: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ (البقرة:19) عليه فأعاد (6)الضمير عليه مجموعا، و إنما صير إلى هذا التقدير؛ لأن التشبيه بين صفة المنافقين و صفة ذوي الصيّب، لا بين صفة المنافقين و ذوي الصيّب.
كقوله [تعالى] (7): خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً (التوبة:102)، أي بسيئ وَ آخَرَ سَيِّئاً 154/3 (التوبة:102) أي بصالح. و كذا بعد أفعل التفضيل، كقوله تعالى: وَ لَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ (العنكبوت:45)، أي من كلّ شيء.
فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى (طه:7) أي من السرّ، و كلام الزمخشريّ في «المفصّل» (8)يقتضي أنه مما قطع فيه عن متعلّقه قصدا لنفي الزيادة، نحو فلان يعطي، ليكون كالفعل المتعدّي. إذا جعل قاصرا للمبالغة؛ فعلى هذا لا يكون من الحذف، فإنه قال: أفعل التفضيل
له معنيان: أحدهما أن يراد أنه زائد على المضاف إليه في الجملة التي هو و هم فيها شركاء.
و الثاني أن يوجد[189/ب] مطلقا له الزيادة فيها إطلاقا، ثم يضاف للتفضيل على المضاف إليه؛ لكن بمجرد التخصيص كما يضاف ما لا تفضيل فيه، نحو قولك: الناقص و الأشجّ أعدلا بني مروان كأنك قلت: عادلا. انتهى.
يشترط فيه أمران:
أحدهما: كون الصفة خاصة بالموصوف؛ حتى يحصل العلم بالموصوف؛ فمتى كانت الصفة عامة امتنع حذف الموصوف. نص عليه سيبويه (1)في آخر باب ترجمة «هذا باب مجاري أواخر الكلم العربيّة». و كذلك نص عليه أرسطاطاليس (2)ليس في كتابه «الخطابة» (3).
الثاني: أن يعتمد على مجرد الصفة [من حيث هي] (4)،لتعلق غرض السياق، كقوله تعالى: وَ اللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (آل عمران:115)، وَ اللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (البقرة:95)؛ فإن الاعتماد في سياق القول على مجرد الصفة لتعلّق غرض القول من المدح أو الذم (5)بها.
كقوله تعالى: وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ (الصافات:48)، [أي حور قاصرات] (6)
(7-7) ليست في المخطوطة.
.و قوله: وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها (الإنسان:14)، أي و جنّة دانية.
و قوله: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (سبأ:13)، أي العبد الشكور.
و قوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة:2)، أي القوم المتقين.
و قوله: وَ حَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ [وَ دُسُرٍ] (7) (القمر:13)، أي سفينة ذات ألواح.
[و قوله] (7): ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (البينة:5)، أي الأمة القيمة.
[و قوله: أَنِ] 7 اعْمَلْ سابِغاتٍ (سبأ:11)، أي دروعا (7)سابغات.
و قوله: يا أَيُّهَا السّاحِرُ (الزخرف:49)، أي يا أيها الرجل الساحر.
[و قوله] (1): أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ (النور:31)، أي القوم المؤمنون.
[و قوله] (1): وَ عَمِلَ صالِحاً (القصص:67)، أي عملا صالحا.
و أكثر ما يرد للتفخيم و التعظيم في النكرات، و كأنّ التنكير حينئذ علم عليه، كقوله تعالى:
فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (الكهف:105) أي وزنا نافعا.
و قوله: اَلَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (قريش:4)، أي من جوع شديد و خوف عظيم.
156/3 و قوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ (المائدة:68)، أي شيء نافع.
و قوله: ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ [أَتَتْ عَلَيْهِ] (1)(الذاريات:42)، أي سلطت عليه.
و قوله: وَ أَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً (النساء:79)، أي جامعا لأكمل [كل] (2)صفات الرسل.
و قوله: يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (الكهف:79)، أي صالحة. و قيل: إنها قراءة ابن عباس (3).و فيه بحث و هو أنا لا نسلّم الإضمار، بل هو عام (4)مخصوص.
و قوله: بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَ شَرابٍ (ص:51)، أي كثير، بدليل ما قبله.
و يجيء في العرف، كقوله تعالى: اَلْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ (البقرة:71)، أي المبين.
و قوله: اَلَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ (آل عمران:173)، أي الناس الذين يعادونكم.
و قوله: [إِنَّهُ] 7لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ (هود:46)؛ أي الناجين (5).
و قوله: وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ [وَ هُوَ الْحَقُّ] (1)
(2-2) ليست في المخطوطة.
(الأنعام:66)؛ أي قومك المعاندون.و منه: فَضَّلَ اللّهُ الْمُجاهِدِينَ [بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ] 2عَلَى الْقاعِدِينَ [دَرَجَةً] (2) (النساء:95)، أي من أولي الضرر، وَ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ (النساء:
95)، أي من غير أولي الضرر.
قاله (2)ابن مالك و غيره، و بهذا التقدير يزول إشكال التكرار (3)من الآية.
و قوله تعالى: فَقَدْ 6لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ (يونس:16) أي لم أتل عليكم فيه شيئا، فحذفت الصفة أو الحال، قيل و العمر هنا أربعون (4)سنة.
قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا (الأعراف:185)، أَ فَلَمْ يَسِيرُوا (يوسف:109)، أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ (يونس:51) التقدير: أعموا! أ مكثوا! أكفرتم! و قوله: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ (النمل:49)، أي ما شهدنا مهلك أهله و مهلكه،157/3 بدليل قوله: لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ (النمل:49)؛ و ما روي أنهم كانوا عزموا على قتله و قتل أهله؛ و على هذا فقولهم: وَ إِنّا لَصادِقُونَ (النمل:49) كذب في الإخبار، و أوهموا قومهم أنهم [إذا] (5)قتلوه و أهله سرّا و لم يشعر بهم أحد؛ و قالوا تلك المقالة[190/أ] [يوهمون] (6)أنهم صادقون، و هم كاذبون.
و يحتمل أن يكون من حذف المعطوف عليه؛ أي ما شهدنا مهلكه و مهلك أهله.
و قال بعض المتأخرين: أصله ما شهدنا مهلك أهلك بالخطاب؛ ثم عدل عنه إلى الغيبة، فلا حذف.
و قد يحذف المعطوف مع حرف العطف، مثل: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ (الحديد:10).
و قوله تعالى: وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها 1[فَفَسَقُوا فِيها (الإسراء:
16)؛ أي أمرنا مترفيها] (1)،فخالفوا (1)الأمر، ففسقوا. و بهذا التقدير يزول الإشكال من الآية؛ و أنه ليس الفسق مأمورا به. و يحتمل أن يكون: أَمَرْنا مُتْرَفِيها (الإسراء:16) صفة للقرية لا جوابا لقوله: وَ إِذا أَرَدْنا (الإسراء:16)، التقدير: و إذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها؛ و يكون إذا على هذا لم يأت لها جواب ظاهر استغناء بالسياق، كما في قوله:[تعالى] (2)
(5-5) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
حَتّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها (الزمر:73).
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ افْتَدى بِهِ (آل عمران:91)، (5)[أي لو ملكه و لو افتدى به] (5).
158/3 و يجوز حذفه مع حرف العطف، كقوله [تعالى] (3): فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ [مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ] (4)(البقرة:184)، أي فأفطر فعدة.
و قوله: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ (الشعراء:63) التقدير: فضرب فانفلق، فحذف المعطوف عليه، و هو «ضرب»، و حرف العطف و هو الفاء المتصلة ب «انفلق» فصار:«فانفلق» فالفاء الداخلة، على «انفلق» (5)هي الفاء التي كانت متصلة ب (ضرب) و أما المتصلة ب «انفلق» فمحذوفة (6).
كذا زعم ابن عصفور و الأبّذيّ (7)قالوا: و الذي دل على ذلك أنّ حرف العطف إنما نوى
به مشاركة الأول للثاني؛ فإذا حذف أحد اللفظين-أعني لفظ المعطوف أو المعطوف (1)عليه- ينبغي ألاّ يؤتى به ليزول ما أتى به من أجله.
و قال (2)ابن الضائع (3):ليس هذا من الحذف بل من إقامة المعطوف مقام المعطوف عليه؛ لأنه سببه، و يقام السبب كثيرا (4)مقام مسبّبه؛ و ليس (5)[ما] (6)بعدها معطوفا على الجواب؛ بل صار (7)هو الجواب؛ بدليل (8)فَانْبَجَسَتْ هو جواب الأمر.
اختلفوا فيه، و خرّج عليه قوله: وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ [هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ] (9)(النحل:116).
قوله: آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ (العنكبوت:46)، أي (10)و الذي أنزل إليكم؛ لأن «الذي أنزل إلينا» ليس هو الذي أنزل إلى من قبلنا؛ و لذلك (11)أعيدت «ما» بعد «ما» في قوله: قُولُوا آمَنّا بِاللّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ (البقرة:136). 159/3
1) في المخطوطة (و المعطوف).
2) في المخطوطة (قال).
3) في المخطوطة (الصائغ) و ابن الضائع هو علي بن محمد الكتامي تقدم التعريف به في 364/2.
4) في المخطوطة (كثير).
5) في المخطوطة (فليس).
6) ساقطة من المخطوطة.
7) في المخطوطة (هو صار).
8) في المخطوطة (و بدليل).
9) ليست في المخطوطة.
10) في المخطوطة (لأن).
11) المعجمة من أبذة بليدة بالأندلس (ابن حجر، تبصير المشتبه 32/1 و معجم البلدان لياقوت 64/1)، كان نحويا ذاكرا للخلاف في النحو، من أحفظ أهل وقته لخلافهم، من أهل المعرفة بكتاب سيبويه و الواقفين على غوامضه، أقرأ بمالقة و قرأ عليه ابن الزبير، ولي إمامة جامع القيسارية، انتقل إلى غرناطة فأقرأ بها حتى مات سنة 680 ه (السيوطي، بغية الوعاة 199/2).
و هو نظير قوله. (1)[ آمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ (النساء:136).
و قوله: وَ مَنْ هُوَ] 1مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَ سارِبٌ بِالنَّهارِ (الرعد:10).
و قوله: وَ ما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (الصافات:164) أي من له.
و شرط ابن مالك في بعض كتبه لجواز (1)الحذف كونه معطوفا على موصول آخر؛ و يؤيده (2)هذه الآية. قال: و لا يحذف موصول حرفيّ إلا «أن» كقوله تعالى: وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ (الروم:24).
إذا علم من سياق الكلام
كقوله تعالى (3): نِعْمَ الْعَبْدُ [إِنَّهُ أَوّابٌ] (4)(ص:30) التقدير: نعم العبد أيوب، أو نعم العبد هو، لأن القصة في ذكر أيوب؛ فإن قدرت: نعم العبد هو؛ لم يكن «هو» عائدا (5)على العبد بل على أيوب.
و كذلك قوله تعالى: وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ (ص:30)، فسليمان هو المخصوص الممدوح، و إنما لم يكرر لأنه تقدم منصوبا.
و كذلك قوله تعالى: فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (المرسلات:23)، أي نحن.
و قوله تعالى: وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (النحل:30)، أي الجنة، أو دارهم.
فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ (الرعد:24)، أي عقباهم.
160/3 وَ نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (آل عمران:136)، أي أجرهم.
و قال[190/ب]: لَبِئْسَ الْمَوْلى وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ (الحج:13) أي من ضرّه أقرب من نفعه.
و قال تعالى: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ (البقرة:93)، أي إيمانكم بما أنزل عليكم، و كفركم [بما] (1)وراءه.
و قد يحذف الفاعل و المخصوص، كقوله تعالى: بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً (الكهف:
50)، أي بئس البدل إبليس و ذريّته، و منه قوله صلّى اللّه عليه و سلّم:«فبها و نعمت» (2)،أي و نعمت الرخصة.
يقع في أربعة أبواب:
أحدها: الصلة، كقوله تعالى: أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللّهُ رَسُولاً (الفرقان:41).
الثاني: الصفة، كقوله تعالى: وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً (البقرة:48)، أي فيه، بدليل قوله: وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ (البقرة:
وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (البقرة:48) فيه.
ثم اختلفوا، فقال الأخفش: حذفت على التدريج؛ أي حذف (3)العطف فاتصل الضمير فحذف. و قال سيبويه (4):حذفا معا لأول وهلة.
و قيل: عدّي الفعل إلى الضمير أولا اتساعا، و هو قول الفارسي.161/3 و جعل الواحديّ (5)من هذا قوله تعالى: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً (الدخان:41)، أي منه: و قوله: ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لا شَفِيعٍ يُطاعُ (غافر:
18)، أي ما للظالمين منه.
1) ساقطة من المخطوطة.
2) قطعة من حديث أوله «من توضأ يوم الجمعة...»، أخرجه أحمد في المسند 22،16/5. مسند سمرة بن جندب رضي اللّه عنه، و الدارمي في السنن 362/1، كتاب الصلاة، باب الغسل يوم الجمعة، و أبو داود في السنن 251/1، كتاب الطهارة(1)، باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة(130)، الحديث(354)، و الترمذي في السنن 369/2، كتاب الصلاة(2)، باب في وضوء يوم الجمعة (357)، الحديث(497)، و النسائي في المجتبى من السنن 94/3، كتاب الجمعة(14)، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة(9).
3) في المخطوطة (حرف).
4) في الكتاب 386/1 (باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال...).
5) هو علي بن أحمد الواحدي تقدم في 105/1.
و فيه نظر؛ أما الأولى فلأنّ يُغْنِي جملة قد أضيف إليها اسم الزمان، و ليست صفة.
و قد [نصّوا] (1)على أنّ عود ضمير إلى المضاف من الجملة التي أضيف إليها الظرف غير جائز؛ حتى قال ابن السراج (2):فإن قلت: أعجبني يوم قمت فيه امتنعت الإضافة؛ لأن الجملة حينئذ صفة، و لا يضاف موصوف إلى صفته. قال ابن مالك: و [هذا] (3)مما خفي على أكثر النحويين. و أما الثانية؛ فكأنه يريد أن ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ (غافر:18) صفة ليوم، المضاف إليها الأزمنة؛ و ذلك متعذر؛ لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة، و الظاهر أن الجملة حال [منه] (4)،ثم حذف العائد المجرور ب «في»، كما يحذف من الصفة.
الثالث: الخبر، كقوله تعالى: وَ كُلاًّ 5وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنى (النساء:95) في قراءة ابن عامر.
الرابع: الحال.
قال ابن الشّجري (5):أقوى هذه الأمور في الحذف (6)الصلة، لطول الكلام فيها؛ لأنه أربع كلمات؛ نحو: جاء الذي ضربت؛ و هو: الموصول، و الفعل، و الفاعل، و المفعول.
ثم الصفة؛ لأنّ الموصوف قائم بنفسه، و إنما أتى بالصفة للتوضيح. ثم الخبر؛ لانفصاله عن المبتدأ باعتبار أنه محكوم عليه.
162/3 و وجه التفاوت أن الصفة رتبة متوسطة بين الصلة و الخبر؛ لأن الموصول و صلته (7)كالكلمة الواحدة، و لهذا لا يفصل بينهما؛ و الصفة دونها في ذلك؛ و لهذا يكثر حذف
الموصوف و إقامة الصفة مقامه، و الخبر دون ذلك، فكان الحذف آكد في الصلة من الصفة، لأن هناك شيئين يدلاّن على الحذف؛ الصفة تستدعي موصوفا، و العامل يستدعيه أيضا.[ثم الخبر] (1)و يستحسن (2)ابن مالك هذا الكلام، و لم يتكلّم على الحال لرجوعه إلى الصفة.
و هو ضربان:
أحدهما: أن يكون مقصودا مع الحذف فينوى لدليل؛ و يقدّر في[191/أ] كلّ موضع ما يليق به؛ كقوله تعالى: فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (البروج:16)، أي يريده.
فَغَشّاها ما غَشّى (النجم:54) أي غشاها إياه.
اَللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ (الرعد:26).
لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ (هود:43).
وَ سَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى (النمل:59).
[و] (3)
(4-4) تقديم و تأخير في المخطوطة و هو (الضمير و هو المفعول).
أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (القصص:62).و كلّ هذا على حذف ضمير المفعول، و هو مراد، حذف تخفيفا لطول الكلام بالصفة؛ و لو لا إرادة (4)المفعول-و هو الضمير (4)-لخلت الصلة من ضمير يعود على الموصول؛ و ذلك لا يجوز؛ و كان في حكم المنطوق به؛ فالدلالة عليه من وجهين: اقتضاء الفعل له، و اقتضاء 163/3 الصلة إذا كان العائد.
و منه قوله تعالى: و ما عملت أيديهم (يس:35) في قراءة حمزة و الكسائي (4)بغيرها، أي [ما] (5)عملته، بدليل قراءة الباقين، ف «ما» في موضع خفض للعطف (6)على (ثمره) (7).
و يجوز أن تكون «ما» نافية، و المعنى: ليأكلوا من ثمره و لم تعمله أيديهم؛ فيكون أبلغ في الامتنان. و يقوّي ذلك قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ* أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ (الواقعة:63-64)؛ و على هذا فلا تكون الهاء مرادة، لأنها غير موصولة.
و جعل بعضهم منه قوله تعالى: وَ يَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ (1)(المؤمنون:33)، و هو فاسد، لأن «شرب» يتعدّى بنفسه.
و الغرض حينئذ بالحذف أمور:
منها: قصد الاختصار عند قيام القرائن؛ و القرائن إما حالية كما في قوله تعالى: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ (الأعراف:143)، لظهور [أن] (2)
(3-3) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
المراد: أرني ذاتك. و يحتمل أن يكون هاب المواجهة بذلك، ثم براه الشوق. و يجوز أن يكون أخّر ليأتي به مع الأصرح؛ لئلا يتكرّر هذا المطلوب العظيم على المواجهة إجلالا.و منه قوله تعالى: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي (القصص:27)؛ (3)[الظاهر أنه متعدّ حذف مفعوله؛ أي تأجرني] (3)نفسك.
و جعل منه السكاكيّ (3)قوله تعالى: وَ لَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ 164/3 وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ (القصص:23) فمن قرأ بكسر الدال (4)من يُصْدِرَ فإنه حذف المفعول في خمسة مواضع، و الأقرب أنه من الضرب الثاني كما سنبيّنه (5)فيه إن شاء اللّه [تعالى] (6).
و قوله: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ (البقرة:198)، أي أنفسكم.ة.
1) تصحفت في المخطوطة إلى (تشربون منه).
2) ساقطة من المخطوطة.
3) هو يوسف بن أبي بكر السكاكي تقدم في 163/1، و انظر مفتاح العلوم:229-ترك المفعول «دلائل الإعجاز» للجرجاني ص 124.
4) قراءة ابن عامر و أبي عمرو «يصدر» بفتح الياء و ضم الدال، و الباقون بضم الياء و كسر الدال (التيسير: 171).
5) في المخطوطة (سنذكره).
6) ليست في المخطوطة.
و قوله: فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا (السجدة:14)، أي فذوقوا العذاب.
و قوله: إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي (إبراهيم:37)، أي ناسا أو فريقا.
و قوله: فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا (البقرة:61)، أي شيئا.
و قوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ (إبراهيم:48)، أي غير السموات. و قوله: قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ (الإسراء:110)؛ على أن الدعاء بمعنى التسمية؛ التي تتعدى (1)إلى مفعولين؛ أي سمّوه اللّه، أو سموه الرحمن؛ أيّا ما تسمّوه (2)،فله الأسماء الحسنى، إذ لو كان المراد بمعنى الدعاء المتعدي لواحد لزم الشرك إن كان مسمّى اللّه غير مسمّى الرحمن؛ و عطف الشيء على نفسه إن كان عينه.
و منها قصد الاحتقار كقوله: كَتَبَ اللّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي (المجادلة:21)؛ أي الكفار.
و منها قصد التعميم؛ و لا سيما إذا كان في حيّز النفي، كقوله تعالى: وَ ما تُغْنِي الْآياتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (يونس:101). و كذا وَ ما كانُوا مُؤْمِنِينَ (3)(الأعراف:72) و كثيرا ما يعتري الحذف في رءوس الآي نحو: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (البقرة:102).
و لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (الأعراف:58).
أَ فَلا [191/ب] تَسْمَعُونَ (القصص:71).
أَ فَلا تُبْصِرُونَ (القصص:72).
أَ وَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ (البقرة:77).
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (البقرة:14).
فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة:22).
و كذا (4)كلّ موضع كان الغرض (5)إثبات المعنى الذي دلّ عليه الفعل لفاعل غير متعلّق بغيره.).
و منه قوله تعالى: وَ اللّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ (يونس:25)، أي كلّ أحد (1)، لأن الدعوة عامة و الهداية خاصة.
و أما قوله تعالى: وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (المطففين:3)، فكال و وزن يتعديان إلى مفعولين: أحدهما باللام، و التقدير: كالوا لهم و وزنوا لهم، و حذف المفعول الثاني لقصد التعميم.
و ما ذكرناه من كون «هم» منصوبا في الموضع بعد اللام هو (2)الظاهر، و قرره ابن الشجري في «أماليه (3)»، قال:«و أخطأ بعض المتأولين حيث زعم أن (4)[«هم»] (5)ضمير مرفوع أكدت به الواو كالضمير في قولك:«خرجوا هم»، ف «هم» على هذا التأويل عائد على المطفّفين.
و يدلّ على بطلان هذا القول أمران:
166/3 أحدهما: عدم ثبوت الألف [بعد الواو] (6)في «كالوهم» و «وزنوهم»؛ و لو كان كما قال لأثبتوها في خط المصحف؛ كما أثبتوها في قوله تعالى: خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ (البقرة:243) قالُوا 7 لِنَبِيٍّ لَهُمُ (البقرة:246) و نحوه.
و الثاني أن تقدم ذكر «النّاس» يدلّ على أنّ الضمير راجع إليهم؛ فالمعنى: إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ (المطففين:2) و إذا كالوا للناس أو وزنوا للناس يخسرون».
و جعل الزمخشريّ (7)من حذف المفعول قوله (8)تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ).
فَلْيَصُمْهُ (البقرة:185)؛ أي في المصر. و عند أبي عليّ أن الشهر ظرف، و التقدير فمن شهد منكم [المصر] (1)في الشهر.
و منها تقدم مثله في اللفظ؛ كقوله تعالى: يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ (الرعد:
39)، أي و يثبت ما يشاء.
فلما كان المفعول الثاني بلفظ الأول في عمومه و احتياجه إلى الصلة (2)جاز حذفه، لدلالة ما ذكر عليه، كقوله: اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ (المؤمنون:96).
و قوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ (إبراهيم:48) أي غير السموات.
و قوله: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ (الحديد:10)، أي و من (3)أنفق من بعده و قاتل؛ بدليل ما بعده.
و قوله: وَ أَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (الصافات:179) أي أبصرهم، بدليل قوله:
وَ أَبْصِرْهُمْ (الصافات:175). و سبق عن ابن ظفر (4)السرّ في ذكر المفعول في الأول و حذفه في الثاني في هذه الآية الشريفة أن الأولى اقتضت نزول العذاب بهم يوم بدر، فلما تضمنت 167/3 التشفّي قيل: أَبْصِرْهُمْ .و أما الثاني فالمراد بها يوم الفتح؛ و اقترن بها مع الظهور عليهم تأمينهم و الدعاء إلى إيمانهم؛ فلم يكن وقتا للتشفّي بل للبروز؛ فقيل له: أَبْصِرْ ، و المعنى: فسيبصرون منّك عليهم.
و قوله: فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ (الأعراف:44)، أي وعدكم ربكم؛ فحذف لدلالة قوله قبله: ما وَعَدَنا رَبُّنا (الأعراف:44)، قاله الزمخشري (5).
و قد يقال: أطلق ذلك ليتناول كلّ ما وعد اللّه من الحساب و البعث و الثواب و العقاب و سائر أحوال القيامة؛ لأنهم كانوا يكذّبون [بذلك] (6)أجمع، و لأن الموعود كلّه مما ساءهم؛ة.
و ما نعيم أهل الجنة إلا عذاب لهم، فأطلق لذلك ليكون (1)
(2-2) ليست في المخطوطة.
من الضرب الآتي.و قوله: أَ فَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ (الزمر:
22).
و منها رعاية الفاصلة، نحو: وَ الضُّحى* وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى* ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى (الضحى:1-2-3)[192/أ][أي ما قلاك] (2)،فحذف [المفعول] (2)،لأن فواصل الآي على الألف.
و يحتمل أنه للاختصار لظهور المحذوف [فيما] (2)قبله؛ أي أ فمن (3)شرح اللّه صدره للإسلام كمن أقسى قلبه؛ فحذف لدلالة: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ (الزمر:22).
و منها البيان بعد الإبهام كما في مفعول المشيئة و الإرادة، فإنهم لا يكادون يذكرونه، كقوله تعالى: وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ (البقرة:20).
وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى (الأنعام:35).
168/3 وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (النحل:9).
فَإِنْ يَشَإِ اللّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ (الشورى:24).
مَنْ يَشَأِ اللّهُ يُضْلِلْهُ (الأنعام:39).
وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها (السجدة:13).
التقدير: لو شاء اللّه أن يفعل [ذلك] (4)لفعل.
و شرط ابن النحوية (5)في حذفه دخول أداة الشرط عليه كما سبق من قوله (6): فَإِنْ 9يَشَإِ اللّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ (الشورى:24).).
[و] (1)لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا (الأنفال:31).
مَنْ يَشَأِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (الأنعام:39).
و الحكمة في كثرة حذف مفعول المشيئة المستلزمة لمضمون الجواب لا يمكن أن تكون إلا مثيلة (2)الجواب؛ و لذلك كانت الإرادة كالمشيئة في جواز اطّراد حذف مفعولها؛ صرح به الزمخشريّ في تفسير سورة البقرة (3)،و ابن الزّملكاني (4)في «البرهان»، و التنوخي (5)في «الأقصى»: كقوله:[تعالى]: (6)يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ (الصف:
8)، و إنما حذفه لأن في الآية قبلها ما يدلّ على أنهم أمروا لكذب؛ و هو بزعمهم (7)إطفاء نور اللّه، فلو ذكر أيضا لكان كالمتكرر؛ فحذف و فسّر بقوله: لِيُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ 169/3 (الصف:8)؛ و كان في الحذف تنبيه على هذا المعنى الغريب.
و ينبغي أن يتمهل في تقدير مفعول المشيئة؛ فإنه يختلف المعنى بحسب التقدير؛ أ لا ترى إلى قوله تعالى: وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها (السجدة:13)؛ فإن التقدير كما قاله عبد القاهر [الجرجاني] (8):و لو شئنا أن نؤتي كلّ نفس هداها لآتيناها، لا يصحّ إلا على ذلك؛ لأنه إن لم يقدر [ل شِئْنا ] (9)هذا المفعول أدّى و العياذ باللّه إلى أمر عظيم، و هو نفي أن يكون للّه مشيئة على الإطلاق؛ لأن من شأن «لو» أن يكون الإثبات بعدها نفيا، أ لا ترى أنك إذا قلت: لو جئتني أعطيتك، كان المعنى على أنه لم يكن مجيء و لا إعطاء؛ و أما قوله تعالى: وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها (الأعراف:176)؛ فقدّره النحويون: فلم نشأ فلم نرفعه.ة.
1) ساقطة من المخطوطة.
2) في المخطوطة (مشيئة).
3) الكشاف 43/1.
4) هو محمد بن علي بن عبد الواحد تقدم التعريف به في 135/1، و بكتابه في 228/2.
5) هو محمد بن محمد التنوخي تقدم التعريف به و بكتابه في 448/2.
6) ليست في المطبوعة.
7) في المخطوطة (يزعم).
8) ساقط من المخطوطة، و انظر كتابه دلائل الإعجاز ص 126، حذف المفعول به باب من الإضمار و الحذف بابا يسمى الإضمار على شريطة التفسير. مع تصرف في النقل.
9) ليست في المطبوعة.
و قال ابن الخبّاز (1):«الصواب أن يكون التقدير «فلم نرفعه فلم نشأ»، لأنّ نفي اللازم يوجب نفي الملزوم، فوجود (2)الملزوم يوجب وجود اللازم؛ فيلزم من وجود المشيئة وجود الرفع، و من نفى الرفع نفى المشيئة؛ و أما نفي الملزوم فلا يوجب نفي اللازم، و لا وجود اللازم وجود الملزوم». انتهى.
و يؤيده قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا (الأنبياء:22)، فإن المقصود [منه] (3)انتفاء وجود الآلهة لانتفاء لازمها و هو الفساد.
و يمكن توجيه كلام النحويين بأنهم جعلوا الأوّل شرطا للثاني، لأنّهم عدوّا «لو» من حروف الشرط، و انتفاء الشرط يوجب انتفاء المشروط. و قد يكون الشرط مساويا للمشروط؛ بحيث يلزم من وجوده وجود المشروط، و من عدمه عدمه. و المقصود في الآية تعليل عدم الرفع بعدم المشيئة لا العكس.
170/3 و أوضح منه قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [192/ب](الأعراف:
96)، جعل انتفاء الملزوم سببا لانتفاء اللازم؛ لأن «كذبوا» ملزوم عدم الإيمان و التقوى؛ فأخذهم (4)بذلك ملزوم عدم فتح بركات السماء و الأرض عليهم. و الفاء في قوله فَأَخَذْناهُمْ للسببية، و جعل التكذيب سببا لأخذهم بكفرهم؛ و لعلّ ذلك يختلف باختلاف المواد و وقوع الأفراد، مع أن القول ما قاله ابن الخباز. و أما ما جاء على خلافه فذلك من خصوص المادة، و ذلك لا يقدح في القضية الكلية؛ أ لا ترى أنا نقول: الموجبة الكلية لا تنعكس كلية [مع أنها تنعكس كليّة] (5)في بعض المواضع، كقولنا: كل إنسان ناطق، و لا يعدّ ذلك مبطلا للقاعدة.ة.
يستثنى من هذه القاعدة ثلاثة أمور: أحدها ما إذا كان مفعول المشيئة عظيما أو غريبا؛ فإنه لا يحذف، كقوله تعالى: [لَوْ أَرادَ اللّهُ] 2 أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاَصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ... (الزمر:4) الآية (1)،أراد ردّ قول الكفار:«اتخذ اللّه [ولدا] (2)»بما يطابقه في اللفظ؛ ليكون أبلغ في الردّ، لأنه لو حذفه فقال:«لو أراد اللّه لاصطفى» لم يظهر المعنى المراد؛ لأن الاصطفاء قد لا يكون بمعنى التبنّي، و لو قال: لو أراد اللّه لاتخذ ولدا لم يكن فيه ما في إظهاره من تعظيم جرم قائله.
و مثله [الإمام أبو العباس الحلبي] (2)
(6-6) عبارة المخطوطة (و يجيء المذكر في مفعول أراد إذا...).
صاحب كتاب «القول الوجيز في استنباط علم البيان من الكتاب العزيز» بقوله تعالى: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا (الأنفال:31). 171/3 و قوله: فَإِنْ يَشَإِ اللّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ (الشورى:24). و مَنْ يَشَأِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (الأنعام:39). و فيما ذكره نظر.قلت: (6)يجيء الذكر في مفعول الإرادة أيضا، إذا كان (6)[غريبا] (3)كقوله تعالى:
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً (الأنبياء:17).
الثاني: إذا احتيج لعود الضمير عليه، فإنه يذكر، كقوله [تعالى] (4): لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ (الأنبياء:17)، فإنه لو حذف لم يبق للضمير ما يرجع عليه.
1) في المخطوطة (إلا أنه).
2) الكنية ساقطة من المطبوعة، و هو أحمد بن يوسف بن عبد الدائم بن محمد أبو العباس الحلبي شهاب الدين المقرئ النحوي المعروف بالسّمين، نزيل القاهرة تعاني النحو فمهر فيه و لازم أبا حيان إلى أن فاق أقرانه، و أخذ القراءات عن التقي الصائغ و مهر فيها، من تصانيفه «تفسير القرآن» و «الدر المصون في إعراب- علوم-الكتاب المكنون» و شرح التسهيل و الشاطبية ت 756 ه (ابن حجر، الدرر الكامنة 339/1) و كتابه مخطوط منه نسخة بالمكتبة الأزهرية (معجم مصنفات القرآن الكريم 116/1).
3) ساقطة من المطبوعة.
4) ليست في المطبوعة.
و قد يقال: الضمير لم يرجع عليه و إنما عاد على معمول معموله.
الثالث: أن يكون السامع (1)منكرا لذلك، أو كالمنكر، فيقصد إلى إثباته عنده، فإن لم يكن منكرا، فالحذف.
و الحاصل أن حذف مفعول «أراد» و «شاء» لا يذكر إلا لأحد هذه الثلاثة.
أنكر الشيخ أبو حيّان في باب عوامل الجزم من شرح «التسهيل» (2)هذه القاعدة و قال:
غلط (3)البيانيون في دعواهم لزوم حذف مفعول المشيئة؛ إلا فيما إذا كان مستغربا؛ و في القرآن: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (التكوير:28). لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (المدثر:37). و لهم أن يقولوا: إن المفعول هاهنا عظيم؛ فلهذا صرّح به فلا 172/3 غلط على القوم؛ و أما قوله تعالى: فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللّهُ بِهذا مَثَلاً (البقرة:26)؛ فإذا جعلت «ما ذا» بمعنى «الذي»؛ فمفعول «أراد» متقدّم عليه، و إن جعلت «ذا» [وحدها] (4)بمعنى «الذي» فيكون مفعول «أراد» محذوفا؛ و هو ضمير «ذا» و لا يجوز أن يكون «مثلا» مفعول «أراد» لأنه أحد معموليه و لكنه حال.
و قد كثر حذف مفعول أشياء غير ما سبق؛ منها الصبر، نحو: فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا (الطور:16)، [و] (5)اِصْبِرُوا وَ صابِرُوا (آل عمران:200).
و قد يذكر، نحو: وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ (الكهف:28) قال الزمخشري في تفسير سورة الحجرات (6):قولهم: صبر عن كذا (7)،محذوف منه المفعول؛ و هو النفس.
1) في المخطوطة (للسامع).
2) كتاب «تسهيل الفوائد و تكميل المقاصد لابن مالك الطائي شرحه العلامة أثير الدين، أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي المتوفى سنة 745 ه و سماه «التذييل و التكميل» و هو شرح كبير في مجلدات (حاجي خليفة، كشف الظنون 405/1).
3) في المخطوطة (قال و غلط).
4) ساقطة من المخطوطة.
5) ليست في المطبوعة.
6) الكشاف 8/4.
7) في المخطوطة (هذا).
و منها مفعول «رأى»، كقوله: أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (النجم:35).
قال الفارسيّ: الوجه أنّ «يرى» هنا للتعدية (1)لمفعولين؛ لأن رؤية الغائب لا تكون إلا علما، و المعنى عليه قوله: عالِمُ الْغَيْبِ (2)(الجن:26)[193/أ] و ذكره العلم، قال:
و المفعولان محذوفان؛ فكأنه (3)
(4-4) عبارة المخطوطة (و حذفا كما حذفا).
قال: فهو يرى الغائب حاضرا، (4)أو حذف؛ كما حذف (4)في قوله: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (4)(الأنعام:22)، أي تزعمونهم إياهم.و قال ابن خروف (5):هو من باب الحذف لدليل، لأن المعنى دالّ (6)على المفعولين؛173/3 أي فهو يعلم ما يفعله و يعتقده حقّا و صوابا، و لا فائدة في الآية مع الاقتصار، لأنه لا يعلم منه (7)المراد. و قد ذهب إليه بعض المحققين و عدل عن الصواب.
و منها وعد يتعدى إلى مفعولين؛ و يجوز الاقتصار على أحدهما كأعطيت، قال تعالى:
وَ واعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ (طه:80)، ف «جانب» مفعول ثان، و لا يكون ظرفا لاختصاصه. و التقدير: واعدناكم (8)إتيانه أو مكثا (9)فيه.
وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ (المائدة:9).
وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ (الأنفال:7)، فإحدى الطائفتين في موضع نصب؛ بأنه المفعول الثاني؛ و أنها لكم، بدل منه، و التقدير: و إذ يعدكم اللّه ثبات إحدى الطائفتين أو ملكها.
و قال تعالى: وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ (النور:55)، فلم يتعدّ (10)الفعل فيها إلا إلى واحد، و لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ تفسير).
1) في المخطوطة (المتعدية).
2) تكررت في هذا الموضع عبارة (قال الفارسي إن يرى).
3) في المخطوطة (و كأنه).
4) الآية في المخطوطة أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:74].
5) هو علي بن محمد بن علي أبو الحسن تقدم التعريف به في 497/2.
6) في المخطوطة (دل).
7) في المخطوطة (معه).
8) في المخطوطة (وعدناكم).
9) في المخطوطة (مكناكم).
10) في المطبوعة (يعدّ).
للوعد و مبين له، كقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (النساء:11)، فالجملة الثانية تبيين للوصية، لا مفعول ثان.
و أما قوله: أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً (طه:86)، إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ (إبراهيم:22) فإن هذا و نحوه يحتمل أمرين: انتصاب الوعد بالمصدر، و بأنه المفعول الثاني على تسمية الموعود به وعدا.
و أما قوله تعالى: وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (البقرة:51) فمما (1)تعدّى 174/2 [فيه] (2)«وعد» إلى اثنين، لأن «الأربعين» لو كان ظرفا لكان الوعد في جميعه؛ يعني من حيث إنه معدود، فيلزم وقوع المظروف في كل فرد من أفراده، و ليس الوعد واقعا في «الأربعين» [بل] (3)و لا في بعضها.
ثم قدّر الواحديّ و غيره محذوفا [مضافا] (4)إلى «الأربعين»، و جعلوه المفعول الثاني، فقالوا: التقدير: و إذ واعدنا موسى انقضاء أربعين [ليلة] (5)،أو تمام أربعين، ثم حذف و أقيم المضاف إليه مقامه.
قال بعضهم: و لم يظهر لي وجه عدولهم عن كون «أربعين» هو نفس المفعول إلى تقدير هذا المحذوف؛ إلا أن يقال: نفس الأربعين ليلة لا توعد (6)لأنها واجبة الوقوع، و إنما المعنى على تعليق الوعد بابتدائها و تمامها، ليترتب على [ذلك] (7)الانتهاء شيء.
قلت: و قال أبو البقاء (8)
(9-9) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
:ليس أربعين ظرفا؛ (9)[إذ ليس المعنى وعده في أربعين.و قال غيره: لا يجوز أن يكون ظرفا] (9)؛لأنه لم يقع الوعد في كل من أجزائه، و لا [في] (9)بعضه.ة.
و منها «اتخذ» تتعدى لواحد أو لاثنين، فمن الأول قوله تعالى: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا (الأنبياء:17)، وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً (الفرقان:3)، أَمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ (الزخرف:16)، يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (الفرقان:27). و من الثاني: اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً (المنافقون:2)، لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ (الممتحنة:1)، فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا (المؤمنون:110) و الثاني من المفعولين هو الأول في المعنى.
قال الواحدي (1)فأما قوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ (البقرة:51)175/3 و قوله: بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ (البقرة:54) اِتَّخَذُوهُ وَ كانُوا ظالِمِينَ (الأعراف:148) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ (الأعراف:152)، فالتقدير في هذا كلّه: اتخذوه إلها، فحذف المفعول الثاني.
و الدليل على ذلك أنه لو كان على ظاهره؛ لكان من صاغ عجلا أو نحوه، أو عمله بضرب من الأعمال، استحقّ الغضب من اللّه، لقوله (2): سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ [وَ ذِلَّةٌ] (3)(الأعراف:152).
و فيما قاله[193/ب] نظر؛ لأن الواقع أن أولئك عبدوه؛ فالتقدير على هذا في المتعدي لواحد (4)أنّ الذين اتخذوا العجل و عبدوه؛ و لهذا جوّز الشيخ أثير الدين (5)في هذه الآيات كلّها أن تكون (6)«اتخذ» فيها (7)
(8-8) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
متعدّية (8)[إلى واحد، قال: و يكون ثمّ جملة محذوفة؛ تدل على المعنى؛ و تقديره:«و عبدتموه إلها» و رجّحه على القول الآخر بأنها لو كانت متعدّية] (8) في هذه القصة لاثنين لصرّح بالثاني و لو في موضع واحد.ة.الضرب الثاني:
ألاّ يكون المفعول مقصودا أصلا؛ و ينزّل الفعل المتعدّي (1)منزلة القاصر (2)
(3-3) ساقطة من المخطوطة.
[و ذلك] (3) عند إرادة وقوع نفس (3)الفعل فقط؛ و جعل (4)المحذوف نسيا منسيّا، كما ينسى الفاعل عند بناء الفعل، فلا يذكر المفعول، و لا يقدّر؛ غير أنه لازم الثبوت عقلا لموضوع كلّ فعل متعدّ؛[لأن الفعل] (3) لا يدرى تعيينه.و بهذا يعلم أنه ليس كلّ ما [هو] (5)لازم من موضوع (6)الكلام مقدرا فيه، كقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا (البقرة:24).
و قوله: كُلُوا وَ اشْرَبُوا (البقرة:60)، لأنه لم يرد الأكل من معيّن، و إنما أراد وقوع (7)هذين الفعلين.
176/3 و قوله: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (الزمر:9)، و يسمّى المفعول حينئذ مماتا.
و لما كان التحقيق أنه لا يعدّ هذا من المحذوف، فإنه لا حذف فيه بالكلّيّة؛ و لكن تبعناهم في العبارة؛ نحو فلان يعطي؛ قاصدا (8)أنه يفعل الإعطاء. و توجد هذه الحقيقة إيهاما للمبالغة بخلاف ما يقصد فيه تعميم الفعل؛ نحو: هو يعطي و يمنع؛ فإنه أعمّ تناولا؛ من قولك: يعطي الدرهم و يمنعه؛ و الغالب أنّ هذا يستعمل في النفي، كقوله: وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (البقرة:17)، و الآخر في الإثبات، كقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (الروم:24).).
و من أمثلة هذا الضرب قوله تعالى: يُحْيِي وَ يُمِيتُ (البقرة:258).
و قوله: لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ (مريم:42).
و قوله: وَ لَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ (القصص:23)[الخ الآية] (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ليس في المطبوعة.
حذف منها المفعول خمس مرات؛ لأنه غير مراد؛ و هو قوله يَسْقُونَ ،و قوله تَذُودانِ ،و قوله: لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ (القصص:23) (2)[فيمن قرأ بكسر الدال و قوله فَسَقى لَهُما و التقدير «يسقون مواشيهم و تذودان عنهما و لا نسقي عنها حتى يصدر] (2) الرّعاء مواشيهم فسقى لهما غنمهما.و قوله: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ (الأعراف:88) قيل: لو ذكر المفعول فيها نقص المعنى؛ و المراد أن اللّه تعالى له الإحياء و الإماتة؛ و أن إلههم ليس له سمع و لا بصر، و أن 177/3 موسى عليه السلام وجد قوما يعانون السقي، و امرأتين تعانيان الذّود، و أخبرتاه أنّا لا نستطيع السقي؛ فوجدا (2)من موسى عليه السلام لهما (3)السقي، و وجد من أبيهما مكافأة على السقي. و هذا مما حذف لظهور المراد؛ و أن القصد (4)الإعلام بأنه كان من الناس في تلك الحالة سقي، و من المرأتين ذود، و أنهما (5)قالتا: لا يكون منّا سقي حتى يصدر الرعاء، و أنّ موسى سقى بعد ذلك؛ فأمّا أنّ المسقي (6)غنم أو إبل أو غيره فخارج عن المقصود؛ لأنه لو قيل: يذودان غنمهما لجاز أن يكون الإنكار لم يتوجه من موسى [عليه السلام] (7)
(10-10) ليست في المخطوطة.
على الذّود [من حيث هو ذود] (10)؛بل من حيث هو ذود (8)غنم؛ حتى لو كان ذود إبل [لم] (10)ينكره.و اعلم أنّا جعلنا هذا من الضرب الثاني موافقة للزمخشري (9)فإنه قال: ترك المفعول لأن الغرض هو الفعل لا المفعول، أ لا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذياد و هم على السقي، و لم يرحمهما لأن مذودهما غنم و مسقيّهم إبل (10)[194/أ]، و كذلك قولهما: لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ (القصص:23) المقصود منه السقي لا المسقيّ.).
و جعله السكاكي (1)من الضرب الأول؛ أعني مما حذف [فيه] (2)للاختصار مع الإرادة.
و الأقرب قول الزمخشريّ، و رجح الحريريّ (3)قول السكاكي أنه للاختصار، فإن (4)الغنم ليست ساقطة (5)عن الاعتبار بالأصالة؛ فإن فيها ضعفا عن المزاحمة، و المرأتان فيهما ضعف، فإذا انضمّ إلى ضعف المسقيّ (6)ضعف الساقي، كان ذلك أدعى للرحمة و الإعانة.
و كقوله تعالى: فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَ اتَّقى (الليل:5).
و قوله: وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَ أَقْنى (النجم:48).
178/3 و قوله: وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى* وَ أَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَ أَحْيا (النجم:43-44).
و إنما ذكر المفعول في قوله: وَ أَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ [الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى] (7)(النجم:
45)؛ لأن المراد جنس الزوجين فكأنه قال: يخلق كلّ ذكر و [كل] (8)أنثى، و كان ذكره هنا أبلغ ليدلّ على عموم ثبوت الخلق له بالتصريح.
و ليس منه قوله تعالى: وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي (الأحقاف:15)، لوجود العوض من المفعول به لفظا، أو هو المفعول به و هو قوله: فِي ذُرِّيَّتِي (الأحقاف:15)، و معنى الدعاء به قصر الإصلاح [له] (9)على الذرية؛ إشعارا بعنايته بهم.
و قوله: كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (التكاثر:3-4)، أي عاقبة أمركم؛ لأن سياق القول في التهديد و الوعيد.ة.
1) انظر مفتاح العلوم:229. فصل اعتبارات الفعل و ما يتعلق به (ترك مفعوله).
2) ساقطة من المخطوطة.
3) تصحفت في المطبوعة إلى (الجزري). و الحريري هو القاسم بن علي بن محمد بن عثمان تقدم في 164/1.
4) في المخطوطة (فإنه).
5) في المخطوطة (ما قطعه) بدل (ليست ساقطة).
6) في المخطوطة (السقي).
7) ليست في المطبوعة.
8) ساقطة من المخطوطة.
9) ساقطة من المخطوطة.
و اعلم أن الغرض حينئذ بالحذف في هذا الضرب أشياء:
منها البيان بعد الإبهام كما في فعل المشيئة على ما سبق؛ نحو (1):أمرته فقام؛ أي بالقيام. و عليه قوله تعالى: أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها (الإسراء:16) أي أمرناهم بالفسق؛ و هو مجاز عن تمكينهم و إقدارهم.
و منها: المبالغة بترك التقييد؛ نحو: هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ (يونس:56)، و قوله:
فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (يس:9) و نفي الفعل غير متعلق أبلغ من نفيه متعلقا به؛ لأن المنفيّ في الأول نفس الفعل، و في الثاني متعلّقه.
179/3 قد يلحظ (2)الأمران؛ فيجوز الاعتباران؛ كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَ رَسُولِهِ (الحجرات:1) أجاز الزمخشريّ (3)في حذف المفعول منه الوجهين (4).
و كذلك في قوله في آخر سورة (5)[الحج] (6): وَ جاهِدُوا فِي اللّهِ (الحج:
78).
كقوله تعالى: وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ (الرعد:
23-24)، أي قائلين سلام عليكم.
قال ابن أبي الربيع (7)
(8-8) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
:اعلم أنّ العرب قد تحذف الحال إذا كانت بالفعل لدلالة مصدر الفعل عليه؛ فتقول: قتلته صبرا، و أتيته ركضا (8)[و التقدير أتيته أركض ركضا] (8)،قالتعالى: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً (يوسف:47)، فدأبا يقدر بالفعل؛ تقديره:
«تدأبون»[و يدأبون] (1)في موضع الحال.
قال أبو عليّ: لا خلاف بين سيبويه و أبي العباس في الحال المحذوف (2)الذي المصدر منصوب به، و إنما الخلاف بينهما في القياس، فسيبويه يذهب إلى السماع و لا يقيس، و الأخفش و المبرّد يقيسان (3).
قوله تعالى: ألا ياسجدوا (النمل:25) على قراءة الكسائيّ (4)بتخفيف «ألا» على أنها تنبيه و «يا» نداء، و التقدير ألا يا هؤلاء اسجدوا للّه. و يجوز أن يكون «يا» تنبيها و لا منادى هناك، و جمع بينهنّ تأكيدا؛ لأنّ الأمر قد يحتاج إلى استعطاف المأمور و استدعاء إقباله على الأمر.
و أما على قراءة الأكثر بالتشديد؛ فعلى أنّ أن الناصبة (5)للفعل دخلت عليها لا النافية، و الفعل المضارع بعدها منصوب؛ و حذفت النون علامة النصب، فالفعل هنا معرب [194/ب]، و في تلك القراءة مبنيّ (6)،فاعرفه.
كثر في القرآن حذف الياء من المنادى المضاف إلى [ياء] (7)المتكلم؛ نحو يا ربّ، يا قوم؛ و علّل ذلك بأن النداء باب حذف؛ أ لا ترى أنه يحذف منه التنوين (8)و بعض الاسم للترخيم؛ و جاء فيه إثباتها ساكنة، كقراءة من قرأ (9): يا عبادي فاتّقون (الزمر:16)،
و محركة بالفتح؛ كقراءة من قرأ (1): قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ (الزمر:
53)، و منقلبة عن الياء (2)في قوله تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى [عَلى ما فَرَّطْتُ] (3)(الزمر:56).
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ (إبراهيم:31)؛ أي إن قلت لهم: أقيموا يقيموا.
و جعل منه الزمخشريّ [منه] (4)[قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللّهِ عَهْداً] 5فَلَنْ يُخْلِفَ اللّهُ 181/3 عَهْدَهُ (البقرة:80). (6)[فقال يتعلق بمحذوف تقديره: إن اتخذتم عند اللّه عهدا فلن يخلف اللّه عهده] (6).
و جعل أبو حيان (5)منه قوله تعالى: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (البقرة:91)، أي إن كنتم آمنتم بما أنزل إليكم فلم تقتلون؟ و جواب [الشرط] (6)«إن كنتم» محذوف دلّ عليه ما تقدم، أي فلم فعلتم؟ و كرر الشرط و جوابه مرتين للتأكيد، إلا أنه حذف الشرط من الأول و بقي جوابه، و حذف الجواب من الثاني و بقي شرطه. انتهى.
و هو حسن، إلا أنه قد كان خالف الزمخشريّ؛ و أنكر قوله بحذف الشرط في: فَتابَ عَلَيْكُمْ (البقرة:54) و في: فَانْفَجَرَتْ (7)(البقرة:60)، و قال: إنّ الشرط لا يحذف في غير الأجوبة، و الآن قد رجع إلى موافقته.
و قوله: وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَ لكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (الروم:56)، تقديره: إن كنتم منكرين فهذا يوم البعث؛ أي فقد تبيّن بطلان إنكاركم.
و قوله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ (الأنفال:17)، بمعنى إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم، فعدل عن الافتخار بقتلهم، فحذف لدلالة الفاعلية.
و قوله: فَاللّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (الشورى:9) (1)[تقديره: إن أرادوا أولياء] (1)فاللّه هو الوليّ بالحق، لا وليّ سواه.
182/2 قوله: إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ. فَآمَنَ وَ اسْتَكْبَرْتُمْ (الأحقاف:10)؛ أي أ فلستم (1)ظالمين؟ بدليل قوله عقبه: إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (الأحقاف:10) و قدّره البغويّ (2):من المحق (3)منّا و من المبطل؟ و نقله عن أكثر المفسرين.
و من حذف جواب الفعل: اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ (الفرقان:36)، تقديره:«فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم»، و الفاء العاطفة على الجواب المحذوف هي المسمّاة عندهم بالفاء الفصيحة.
و قال صاحب (4)
(7-7) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
«المفتاح»: و انظر إلى الفاء الفصيحة في قوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ (البقرة:54)، (7)[كيف أفادت:«ففعلتم فتاب عليكم»] (7)!و قوله: اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها (البقرة:73)؛ تقديره: فضربوه فحيي كَذلِكَ يُحْيِ اللّهُ الْمَوْتى (البقرة:73).
و قال صاحب (1)«الكشاف» في قوله تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً وَ قالاَ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا [عَلى كَثِيرٍ] (2)(النمل:15) تقديره: فعملا به و علّماه، و عرفا حق النّعمة فيه و الفضيلة وَ قالاَ الْحَمْدُ لِلّهِ (النمل:15).
و قال السكاكيّ (3):هو إخبار عمّا صنع بهما و عمّا قالاه (4)،حتى كأنه قيل: نحن فعلنا إيتاء العلم؛ و هما فعلا (5)الحمد (6)،تعريضا (7)لاستثارة الحمد على إيتاء العلم إلى فهم السامع، مثله «قم يدعوك» بدل «قم فإنه يدعوك».
183/3 و يكثر ذلك في جواب لو، و لو لا، كقوله تعالى: وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ (الأنعام:
27).
و قوله: وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا [195/أ] عَلى رَبِّهِمْ (الأنعام:30).
و قوله: وَ لَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ (سبأ:31).
و قوله: وَ لَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ [وُجُوهَهُمْ] (8)(الأنفال:50).
و قوله: وَ لَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ (السجدة:12).
و قوله: وَ لَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ (الأنعام:93)، تقديره في هذه المواضع «لرأيت عجبا» أو «أمرا عظيما»، و لرأيت (9)سوء منقلبهم»، أو «لرأيت سوء حالهم».
و السرّ في حذفه في هذه المواضع أنها لما ربطت إحدى الجملتين بالأخرى حتى صارا
جملة واحدة، أوجب ذلك لها فضلا و طولا؛ فخفف بالحذف؛ خصوصا مع الدلالة على ذلك.
قالوا: و حذف الجواب يقع في مواقع التفخيم (1)و التعظيم، و يجوز حذفه لعلم المخاطب به، و إنما يحذف لقصد المبالغة، لأن السامع مع أقصى تخيّله (2)يذهب منه الذهن كلّ مذهب، و لو صرّح بالجواب لوقف الذهن عند المصرّح به فلا يكون له ذلك الوقع، و من ثمّ لا يحسن تقدير الجواب مخصوصا إلا بعد العلم بالسياق، كما قدر بعض النحويين في قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ... (الرعد:31) الآية، فقال: تقديره: لكان 184/3 هذا القرآن و حكاه أبو عمر (3)
(4-4) عبارة المخطوطة (ما سيقت للقرآن) بدون (لتفضيل).
الزاهد في «الياقوتة» عن ثعلب و المبرّد. و هو مردود، لأن الآية (4)ما سيقت [لتفضيل] القرآن (4)،بل سيقت في معرض ذم الكفار، بدليل قوله قبلها:وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ مَتابِ (الرعد:30).
و بعدها: أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللّهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً (الرعد:31) فلو قدر الخبر «لما آمنوا به» لكان أشدّ.
و نقل الشيخ محيي الدين النووي في كتاب «رءوس المسائل» (4)كون الجواب «[كان] (5)هذا القرآن»، عن (6)الأكثرين. و فيه ما ذكرت.
و قيل تقديره: لو قضيت أنه لا يقرأ القرآن على الجبال إلاّ سارت و رأوا ذلك، لما آمنوا.
و قيل: جواب «لو» مقدّم، معناه: يكفرون بالرحمن و لو أن قرآنا سيرت به الجبال، و هذا قول الفراء.).
و قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ (لقمان:27)، [جواب لو] (1)محذوف، و التقدير: لنفدت (2)هذه الأشياء و ما نفدت كلمات اللّه. و يحتمل أن يكون «ما نفدت» هو الجواب مبالغة في نفي النفاد؛ لأنه إذا كان نفي النفاد لازما على تقدير كون ما في الأرض من شجرة أقلاما (3)و البحر مدادا لكان (4)لزومها على تقدير عدمها أولى.
و قوله تعالى: وَ لَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ (النساء:
113). فإنه قد قيل: ظاهره نفي وجود الهمّ منهم بإضلاله، و هو خلاف الواقع؛ فإنهم همّوا و ردّوا 185/3 القول (5).
و قيل: قوله: لَهَمَّتْ ليس جواب[«لو»] (6)بل هو كلام تقدم على «لو»، و جوابها مقول على طريق القسم، و جواب «لو» محذوف تقديره لَهَمَّتْ 7 طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ (النساء:113)، لو لا (7)
(9-9) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
فضل اللّه عليك لأضلّوك.و قوله: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ (يوسف:24)، (9)[أي همت بمخالطته، و جواب «لو لا» محذوف؛ أي لو لا أن رأى برهان ربه] (9)لخالطها.
و قيل: لو لا أن رأى برهان ربه لهمّ بها؛ و الوقف على هذا وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ (يوسف:24)، و المعنى أنه لم يهمّ بها.
و لا يجوز (1)تقديم جواب «لو» عليها لأنه في حكم الشرط، و للشرط (2)
(3-3) ليست في المطبوعة.
صدر الكلام.و قوله: وَ إِنّا إِنْ شاءَ اللّهُ لَمُهْتَدُونَ (البقرة:70) جواب الشّرط محذوف؛ يدلّ عليه قوله: إنا لمهتدون أي إن شاء اللّه اهتدينا. و قد توسّط الشرط هنا بين جزأي[195/ب] الجملة بالجزاء؛ لأن التقديم على الشرط، فيكون دليل الجواب متقدما على الشرط؛ و الذي حسّن تقديم الشرط عليه الاهتمام بتعليق الهداية بمشيئة اللّه تعالى.
و قوله تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ (الأنبياء:
39)، تقديره: لما استعجلوا فقالوا متى هذا الوعد.
186/3 و قال الزجاج: تقديره «لعلموا صدق الوعد» لأنهم قالوا: متى هذا الوعد، و جعل اللّه [تعالى] (3)الساعة موعدهم فقال تعالى: بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً (الأنبياء:40).
و قيل: تقديره:«لما أقاموا على كفرهم [و لندموا] (3)أو تابوا (4)».
و قوله [تعالى] (3)في سورة التكاثر: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (التكاثر:5) تقديره لما: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (التكاثر:1).
و قيل تقديره: لشغلكم ذلك عمّا أنتم فيه.
و قيل: لرجعتم عن كفركم أو لتحققتم (5)مصداق ما تحذرونه.
و قوله: قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً [وَ لا يَهْتَدُونَ] (6)(البقرة:170)، أي لا يتبعونهم.
و قوله: قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (المؤمنون:114) تقديره:
«لآمنتم» أو «لما كفرتم» أو «لزهدتم (7)في الدنيا» أو «لتأهبتم للقائنا».
و نحوه: وَ قِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَ رَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (القصص:64)، أي يهتدون في الدنيا لما رأوا العذاب في الآخرة، أو لما اتبعوهم.).
و قوله: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (هود:80)، قال محمد بن إسحاق (1):معناه لو أنّ لي قوة لحلت بينكم و بين المعصية.
و قوله تعالى: وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ (سبأ:51)، أي رأيت ما يعتبر به عبرة عظيمة.
و قوله [تعالى] (2)عقب آية اللّعان (3): وَ لَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنَّ اللّهَ تَوّابٌ 187/3 حَكِيمٌ (النور:10)، قال الواحدي (4):قال الفراء: جواب «لو» محذوف لأنه معلوم المعنى، و كلّ ما (5)علم فإن العرب تكتفي بترك جوابه؛ أ لا ترى أن الرجل يشتم الرجل، فيقول المشتوم: أما و اللّه لو لا (6)أبوك... فيعلم أنك تريد (7):لشتمتك.
و قال (8)المبرّد: تأويله و اللّه أعلم: لهلكتم، أو (9)لم يبق لكم باقية، أو لم يصلح أمركم، و نحوه من الوعيد الموجع، فحذف لأنه لا يشكل.
و قال الزجاج: المعنى لنال الكاذب منكم أمر عظيم؛ و هذا أجود مما قدّره المبرد.
و كذلك «لو لا» التي بعدها في قوله تعالى: وَ لَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنَّ اللّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (النور:20)، جوابها محذوف؛ و قدّره بعضهم في الأولى: لافتضح (10)فاعل ذلك؛ و في الثانية: لعجّل عذاب فاعل ذلك؛ و سوّغ الحذف طول الكلام بالمعطوف، و الطول داع للحذف.
و قوله: وَ لَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ (القصص:47) جوابها محذوف، أي لو لا احتجاجهم بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة.).
1) هو محمد بن إسحاق صاحب المغازي و السيرة و قوله أخرجه الطبري في التفسير 53/12 عنه تفسيره للآية.
2) ليست في المطبوعة.
3) تصحفت في المخطوطة إلى (للعالمين).
4) هو علي بن أحمد الواحدي تقدمت ترجمته في 105/1. و انظر قول الفراء في معاني القرآن 247/2.
5) في المخطوطة (و كلما).
6) في المخطوطة (إلا).
7) عبارة المخطوطة (فتعلم أنه يريد).
8) في المخطوطة (قال).
9) في المخطوطة (و لم).
10) في المخطوطة (لفضح).
و قال مقاتل (1):تقديره لأصابتهم مصيبة.
و قال الزجاج: لو لا ذلك لم يحتج إلى إرسال الرسول و مواترة الاحتجاج.
و قوله: وَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها (القصص:10)، أي لأبدت.
188/3 و قوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي (الإسراء:100)، تقديره:
لو (2)تملكون،[تملكون] (3)،فأضمر «تملك» (4)الأولى على شريطة التفسير و أبدل من الضمير المتصل، الذي هو «الواو» ضمير منفصل (5)،و هو «أنتم» لسقوط ما يتصل به من الكلام، ف «أنتم» فاعل الفعل المضمر،«و تملكون» تفسيره.
قال الزمخشريّ (6):هذا ما يقتضيه الإعراب؛ فأما ما يقتضيه علم البيان، فهو أنّ (7)أنتم تملكون فيه دلالة على الاختصاص، و أن الناس هم المختصون بالشحّ المتتابع؛ و ذلك لأن الفعل[196/أ] الأول لما سقط لأجل المفسّر برز (8)الكلام في صورة المبتدأ و الخبر.
و من حذف الجواب قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ ما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (يس:45)، أي أعرضوا؟ بدليل قوله بعده: إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (يس:46).
و قوله في قصة إبراهيم في الحجر: فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (الحجر:
52)، و في غيرها من السور: قالُوا سَلاماً (الفرقان:63)، قالَ سَلامٌ (الذاريات:25)، قال الكرمانيّ (9):لأن هذه السورة متأخرة عن الأولى، فاكتفى بما في هذه؛ و لو ثبت تعدّد الوقائع لنزلت على واقعتين.1.
1) هو مقاتل بن سليمان الأزدري. تقدم التعريف به في 98/1.
2) في المخطوطة (لو لا).
3) زيادة من الكشاف يقتضيها السياق.
4) في المخطوطة (تملكون).
5) في المخطوطة (ضميرا منفصلا).
6) في الكشاف 376/2.
7) في المخطوطة (من) بدل (فهو أن).
8) في المخطوطة (صار).
9) هو برهان الدين محمود بن حمزة بن نصر الكرماني تقدمت ترجمته في 206/1.
و كقوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (الانشقاق:1)، قال الزمخشريّ (1):189/3 [في] (2)حذف الجواب، و تقديره مصرّح به في سورتي التكوير و الانفطار، و هو قوله:
عَلِمَتْ نَفْسٌ (التكوير:14).
و قال (3)في: وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (البروج:1): الجواب محذوف، أي أنهم ملعونون، يدلّ عليه قوله: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (البروج:4).
و كقوله تعالى: حَتّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها (الزمر:73)، أي «حتى إذا جاءوها و قد فتحت أبوابها»، و الواو واو حال، و في هذا ما حكي أنه اجتمع أبو عليّ الفارسي مع أبي عبد اللّه الحسين بن خالويه (4)في مجلس سيف الدولة، فسئل ابن خالويه عن قوله تعالى: حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها (الزمر:70)، في النار بغير واو، و في الجنة بالواو! فقال ابن خالويه: هذه الواو تسمّى واو الثمانية لأن العرب لا تعطف الثمانية إلا بالواو، قال: فنظر سيف الدولة إلى أبي عليّ و قال: أحق هذا! فقال أبو عليّ: لا أقول كما قال؛ إنما تركت الواو في النار، لأنها مغلقة، و كان مجيئهم شرطا في فتحها، فقوله: فُتِحَتْ فيه معنى الشرط، و أما قوله: وَ فُتِحَتْ في الجنة، فهذه واو الحال، كأنه قال: جاءوها و هي مفتحة الأبواب؛ أو (5)هذه حالها.
و هذا الذي قاله أبو عليّ هو الصواب، و يشهد له أمران:
أحدهما: أن العادة مطّردة شاهدة في إهانة المعذبين بالسجون، من إغلاقها حتى يردوا عليها، و إكرام المنعمين بإعداد فتح الأبواب لهم مبادرة و اهتماما (6).
و الثاني: النظير في (7)قوله [تعالى] (8): جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (ص:190/3 50).
و للنحويين في الآية ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الواو زائدة، و الجواب قوله «فتحت» و هؤلاء قسمان: منهم من جعل هذه الواو مع أنها زائدة واو الثمانية، و منهم من لم يثبتها.ة.
و الثاني: أن الجواب محذوف عطف عليه قوله: وَ فُتِحَتْ كأنه قال «حتّى إذا جاءوها و فتحت» قال الزجاج و غيره: و في هذا حذف المعطوف و إبقاء المعطوف عليه.
و الثالث: أن الجواب محذوف آخر الكلام؛ كأنه قال بعد الفراغ: استقروا، أو خلّدوا، أو استووا؛ مما يقتضيه المقام؛ و ليس فيه حذف معطوف. و يحتمل أن يكون التقدير: إذا جاءوها أذن لهم في دخولها و فتحت أبوابها؛ المجيء ليس سببا مباشرا للفتح؛ بل الإذن في الدخول هو السبب (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
في ذلك.و كذلك قوله تعالى: حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاّ إِلَيْهِ 2[ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا] (2) (التوبة:118) أي رحمهم ثم تاب عليهم؛ و هذا التأويل أحسن من القول بزيادة «ثم».
و حذف المعطوف عليه و إبقاء المعطوف سائغ، كقوله تعالى: فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (الفرقان:36)، التقدير و اللّه أعلم: فذهبا فبلّغا، فكذّبا فدمّرناهم؛ لأن المعنى يرشد إلى ذلك.
و كذا[196/ب] قوله [تعالى] (2): ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ (البقرة:54) أي فامتثلتم، أو (3)فعلتم فتاب عليكم.
و قوله: فَلَمّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ (الصافات:103)، أي رحما و سعدا و تله.
و ابن عطية (4)يجعل التقدير: فلما أسلما أسلما؛ و هو مشكل.
191/3 و قوله: وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا (الأنبياء:
97)، المعنى: حتى إذا كان ذلك ندم الذين كفروا و لم ينفعهم إيمانهم؛ لأنه من الآيات و الأشراط.
و قد يجيء في الكلام شرطان؛ و يحذف جواب أحدهما اكتفاء بالآخر كقوله تعالى:1.
وَ أَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ*[ فَسَلامٌ] (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ليس في المطبوعة. و انظر الكتاب 79/3، هذا باب يذهب فيه الجزاء من الأسماء.
(4-4) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
(الواقعة:90-91) (2)[فجعل سيبويه الجواب ل «أمّا» و أجرى إن كان من أصحاب اليمين] (2)في الاعتراض به مجرى الظرف؛ لأنّ الشرط و إن كان جملة؛ فإنه لما لم يقم بنفسه جرى مجرى الجزء الواحد، و لو كان عنده جملة لما جاز الفصل به بين «أما» و جوابها، لأنه لا يجوز. أما زيد فمنطلق؛ و ذهب الأخفش إلى أن الفاء جواب لهما.و نظيره: وَ لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا 4[الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ] (4) (الفتح:25)، فقوله: لَعَذَّبْنَا (الفتح:25) جواب للولا و للو (2)
(7-7) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
جميعا.و اختار ابن مالك قول سيبويه أن الجواب «لأمّا» و استغنى به عن جواب «إن» لأن الجواب الأول الشرطين المتواليين في قوله: إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ 7[إِنْ كانَ اللّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ] (7)(هود:34) و نظائره (3).
فإذا كان أول الشرطين «أما» كانت (4)
(11-11) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
أحق بذلك لوجهين:أحدهما: أنّ جوابها إذا انفردت لا يحذف أصلا؛ و جواب غيرها إذا انفرد يحذف كثيرا لدليل؛ و حذف ما عهد حذفه أولى من حذف ما لم يعهد.
و الثاني: أن «أما» قد التزم معها حذف فعل الشرط، (11)[و قامت هي مقامه، فلو حذف 192/3 جوابها لكان ذلك إجحافا، و إن ليست كذلك. انتهى.
و الظاهر أنه لا حذف في الآية الكريمة، و إنما] (11)الشرط الثاني و جوابه جواب الأول، و المحذوف إنما هو أحد الفاءين.ة.
و قال الفارسيّ في قوله تعالى: قُلِ اللّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ... (آل عمران:26) الآية: إنه حذف منه: أعزّنا و لا تذلّنا.
و قال في قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ (النساء:
62)، تقديره:«فكيف تجدونهم مسرورين» أو «محزونين»، ف «كيف»[في] (1)موضع نصب بهذا الفعل المضمر،[و هذا الفعل المضمر] (1)قد سدّ مسدّ جواب إذا.
لعلم السامع (1)المراد منه، كقوله تعالى: وَ النّازِعاتِ غَرْقاً* وَ النّاشِطاتِ نَشْطاً* وَ السّابِحاتِ سَبْحاً* فَالسّابِقاتِ سَبْقاً* فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً* يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ (النازعات:
1-2-3-4-5-6) تقديره: لتبعثنّ و لتحاسبنّ، بدليل إنكارهم للبعث في قولهم (2):
أَ إِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (النازعات:10).
و قيل: القسم وقع على قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (النازعات:26).
و كقوله تعالى: لَنْ نُؤْثِرَكَ (طه:72) و حذف لدلالة الكلام السابق عليه.
193/3 و اختلف في جواب القسم في: ص وَ الْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (ص:1) فقال الزجّاج (3):
إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ (ص:64)، و استبعده الكسائي.
و قال الفراء (4):قد تأخّر كثيرا، و جرت بينهما قصص مختلفة، فلا يستقيم ذلك في العربية.
و قيل: كَمْ أَهْلَكْنا (ص:3)، و معناه: لكم أهلكنا، و ما بينهما اعتراض (5)،و حذفت اللام لطول الكلام.
و قال [الأخفش] (6): إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ (ص:14)، و المعترض بينهما قصة
واحدة. و عن قتادة (1): بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقاقٍ (ص:2)، مثل: ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ* بَلْ عَجِبُوا (ق:1-2).
و قال صاحب (2)«النظم»[في] (3)هذا القول: معنى (4)«بل» توكيد الأمر (5)بعده؛ فصار مثل أنّ الشديدة تثبت ما بعدها، و إن كان لها معنى[197/أ] آخر في نفي خبر متقدم؛ كأنه قال: إن الذين كفروا في عزة و شقاق.
و قال أبو القاسم الزجّاجي (6):إن النحويين قالوا: إن «بل» تقع في جواب القسم كما تقع «إنّ» لأن المراد بها توكيد الخبر؛ و ذلك في ص وَ الْقُرْآنِ... (ص:1) الآية. و [في] (7)ق وَ الْقُرْآنِ... (ق:1) الآية؛ و هذا من طريق الاعتبار، و يصلح أن يكون بمعنى «إنّ» لأنه سائغ في كلامهم؛ أو يكون (8)«بل» جوابا للقسم؛ لكن لما كانت متضمنة (9)رفع خبر و إتيان خبر بعده كانت (10)أوكد من سائر التوكيدات، فحسن وضعها موضع «إن».
و قيل: الجواب محذوف، أي و القرآن المجيد، ما الأمر كما يقول هؤلاء. أو الحق (11)ما 194/3 جاء به النبي صلّى اللّه عليه و سلّم.
و قال الفراء (12)في قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (الانشقاق:1) جوابه محذوف؛ أي فيومئذ يلاقي حسابه.3.
1) أخرجه الطبري في التفسير 76/23. ذكر الاختلاف في الذي وقع عليه اسم القسم.
2) هو الحسن بن يحيى الجرجاني انظر 225/2.
3) ساقطة من المخطوطة.
4) في المخطوطة (بمعنى).
5) في المخطوطة (للأمر).
6) هو عبد الرحمن بن إسحاق أبو القاسم الزجاجي، لزم الزجاج أبا إسحاق و قرأ عليه النحو، و كانت طريقته في النحو متوسطة و تصانيفه يقصد بها الإفادة و قد صنف «الجمل» بمكة حماها اللّه، و كان إذا فرغ من باب طاف به أسبوعا و دعا اللّه أن يغفر له و أن ينتفع به قارئه و له أيضا «الحلل في إصلاح الخلل» و «شرح مقدمة أدب الكاتب» ت 340 ه (القفطي، إنباه الرواة 160/2).
7) ساقطة من المخطوطة.
8) في المخطوطة (تكون).
9) في المخطوطة (متضمنا).
10) في المخطوطة (كان).
11) في المخطوطة (لحق).
12) في معاني القرآن 249/3.
و عن قتادة (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
(2)[أن جوابه: وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ ] (2)(الانشقاق:2) يعني أن الواو فيها بمعنى السقوط، كقوله تعالى: فَلَمّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ* وَ نادَيْناهُ (الصافات:103- 104)، أي ناديناه.هي أقسام: قسم هي مسببة عن المذكور، و قسم هي سبب له، و قسم خارج عنها (2)فالأول: كقوله تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبْطِلَ الْباطِلَ (الأنفال:8) فإن اللام الداخلة على الفعل لا بدّ لها من متعلّق، يكون سببا عن مدخول اللام، فلما لم يوجد لها متعلّق في الظاهر وجب تقديره ضرورة فيقدّر: فعل ما فعل ليحق الحق.
و الثاني (3):كقوله تعالى: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً (البقرة:60)؛ فإن الفاء، إنما تدخل على شيء مسبّب عن شيء، و لا مسبّب إلا له (4)سبب، فإذا وجد المسبب-و لا سبب له ظاهرا-أوجب (5)أن يقدّر ضرورة، فيقدر: فضربه فانفجر.
و الثالث: كقوله تعالى: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (الذاريات:48)، أي نحن هم، أو هم نحو.
و قد يكون المحذوف أكثر من جملة كقوله تعالى: فَأَرْسِلُونِ* يُوسُفُ... (يوسف:
45-46) الآية، فإن التقدير:«فأرسلون إلى يوسف لأستعبره الرؤيا، فأرسلوه إليه لذلك، 195/3 [فجاء] (6)فقال له: يا يوسف» و إنما قلنا: إنّ هذا الكل محذوف؛ لأن قوله: فَأَرْسِلُونِ (7)(يوسف:45) يدل لا محالة على المرسل إليه، فثبت أن «إلى يوسف» محذوف. ثم إنه لما طلب الإرسال إلى يوسف عند العجز الحاصل للمعبّرين عن تعبير رؤيا الملك دلّ (8)ذلك على أن المقصود من طلب الإرسال إليه استعباره الرؤيا التي (9)عجزوا عن تعبيرها و منه قوله تعالى:
اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ... (النمل:28) الآية، فأعقب بقوله حكاية عنها: قالَتْ
يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (النمل:29)، تقديره: فأخذ الكتاب فألقاه إليهم، فرأته بلقيس، و قرأته، و قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ (النمل:29).
و قوله: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (مريم:12)، حذف يطول، تقديره: فلما ولد يحيى و نشأ و ترعرع قلنا: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ (مريم:12).
و منه قوله تعالى حكاية عن قوم موسى: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى* قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا* أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي (طه:93،92،91).
و قوله: فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ (النمل:40) إلى قوله: نَكِّرُوا لَها عَرْشَها (النمل:
41).
و قوله [تعالى] (1): أَ فَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ (الزمر:22) أي كمن قسا قلبه ترك (1)على ظلمه و كفره؛ و دلّ على المحذوف قوله [تعالى] (1): فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ (الزمر:22).
و من حذف الجملة قوله [تعالى] (2): وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها (البقرة:30) قيل: المعنى جاعل في الأرض خليفة يفعل [فيها] (3)كذا و كذا؛ و إلا فمن أين علم الملائكة (4)أنهم يفسدون! و باقي الكلام يدلّ [197/ب] على المحذوف (5).
و قوله: أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ (الحجرات:12)، قال الفارسي (6):المعنى فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة: وَ اتَّقُوا اللّهَ (الحجرات:12)، عطف 196/3 على قوله:«فاكرهوا» و إن لم يذكر لدلالة الكلام عليه؛ كقوله [تعالى] (7): فَانْفَجَرَتْة.
(البقرة:60)، أي فضرب فانفجرت. فقوله: فَكَرِهْتُمُوهُ (الحجرات:12) كلام مستأنف، و إنما دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الجواب؛ لأن قوله: أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ (الحجرات:
قال ابن الشجريّ (1):و هذا التقدير بعيد؛ لأنه قدر المحذوف موصولا، و هو «ما» المصدرية، و حذف الموصول، و إبقاء صلته ضعيف؛ و إنما التقدير: فهذا كرهتموه؛ و الجملة المقدرة المحذوفة ابتدائية لا أمرية، و المعنى: فهذا كرهتموه، و الغيبة مثله؛ و إنما قدرها أمرية ليعطف عليها الجملة الأمرية [التي] (2)في قوله: وَ اتَّقُوا اللّهَ (الحجرات:12).
قد كثر في القرآن العظيم حتى إنه في الإضمار بمنزلة الإظهار، كقوله تعالى: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللّهِ زُلْفى (الزمر:3)، أي يقولون: ما نعبدهم إلا للقربة.
و منه: وَ نَزَّلْنا 3عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى* كُلُوا (طه:80-81)، أي و قلنا كلوا، أو قائلين.
و قوله: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَ اشْرَبُوا [مِنْ رِزْقِ اللّهِ] (3)(البقرة:60)، أي قلنا (4). وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا (البقرة:63)، [أي و قلنا:
197/3 خذوا] (5). وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى (البقرة:
125)، أي و قلنا: اتخذوا.
و قوله: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا] (6)(البقرة:127)، أي يقولان: ربنا. و عليه قراءة عبد اللّه (7).
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ (آل عمران:106)؛ أي فيقال لهم، لأنّ «أمّا» لا بدّ لها في الخبر من فاء، فلما أضمر القول أضمر الفاء.
و قوله: وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ* هذا ما تُوعَدُونَ (ص:52-53)، [أي] (1)
(2-2) ليست في المخطوطة.
يقال لهم هذا.و قوله: وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ*[ سَلامٌ عَلَيْكُمْ] (2) (الرعد:23- 24)، أي يقولون [سلام] (2).
و قوله: وَ تَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [هذا يَوْمُكُمُ] (2)(الأنبياء:103)، أي يقولون لهم ذلك.
و قوله: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ [إِلاّ لِيُقَرِّبُونا] (3)،(الزمر:3) أي يقولون ما نعبدهم (4).
و قوله: فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ* إِنّا لَمُغْرَمُونَ (الواقعة:65-66)؛ أي يقولون إنّا لمغرمون، أي معذّبون، و تفكّهون: تندّمون (5).
و قوله: وَ لَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا] (6)(السجدة:12) أي يقولون: ربنا.
و قوله: ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ [وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ] (7)(سبأ:23)، أي قالوا: قال 198/3 الحق.
و ينقسم إلى عام و خاص:
فالخاص نحو «أعني» مضمرا، و ينتصب المفعول به في المدح؛ نحو وَ الصّابِرِينَ فِي
اَلْبَأْساءِ وَ الضَّرّاءِ (البقرة:177)، و قوله: وَ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَ الْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ (النساء:
162)، أي أمدح.
و اعلم أنه إذا كان المنعوت متعيّنا لم يجز تقدير ناصب نعته بأعني (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
نحو الحمد للّه الحميد؛ بل المقدّر فيه، (2)[و في نحوه أذكر أو أمدح، فاعرف ذلك. و الذم نحو قوله تعالى:وَ امْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ ،(المسد:4) في قراءة] (2)النصب (2)،و الأخفش ينصب في المدح بأمدح، و في الذم بأذمّ.
و اعلم أنّ مراد المادح إبانة الممدوح (3)من غيره، فلا بدّ من إبانة إعرابه (4)[عن] (5)غيره، ليدلّ اللفظ على المعنى المقصود، و يجوز فيه النصب بتقدير أمدح، و الرفع على معنى «هو»؛ و لا يظهران لئلا يصيرا (6)بمنزلة الخبر.
و الذي لا مدح فيه فاختزال العامل فيه واجب، كاختزاله (7)[198/أ] في «و اللّه لأفعلن»؛ إذ لو قيل:«أحلف باللّه» لكان عدة لا قسما.
199/3 و العامّ كلّ منصوب دلّ عليه الفعل لفظا، أو معنى، أو تقديرا. و يحذف لأسباب:
أحدها: أن يكون (8)مفسّرا، كقوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (الانشقاق:1)، وَ إِيّايَ فَارْهَبُونِ (البقرة:40).
و منه: أَ بَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ (القمر:24). وَ السَّماءَ رَفَعَها (الرحمن:7). إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (التكوير:1). وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ (التوبة:6). إِنْ طائِفَتانِ (الحجرات:9) فإنه ارتفع ب «اقتتل» مقدّرا (9).).
قالوا: و لا يجوز حذف الفعل مع شيء من حروف الشرط العاملة، سوى «إن» لأنها الأصل.
و جعل ابن الزملكاني (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
هذا مما هو دائر بين الحذف و الذكر؛ فإن الفعل المفسّر كالمتسلط على المذكور؛ و لكن لا يتعين إلا بعد تقدم إبهام و لقد يزيده الإضمار إبهاما إذا لم يكن المضمر من جنس الملفوظ به؛ نحو: وَ الظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (الانسان:31).(2) [إذ المذكور في حكم الشاهد للمقدر فيلتحق بباب الكناية و التقدير و يعذب الظالمين لأنه أعدّ لهم عذابا أليما] (2).
الثاني: أن يكون هناك حرف جرّ؛ نحو بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (الفاتحة:1) فإنه يفيد أن المراد: بسم اللّه أقرأ أو أقوم، أو أقعد عند القراءة، و عند الشروع في القيام أو القعود،200/3 أيّ فعل كان.
و اعلم أنّ النحاة اتفقوا على أنّ «بسم اللّه» بعض جملة، و اختلفوا.
فقال البصريون: الجملة اسمية؛ أي ابتدائي بسم اللّه.
و قال الكوفيون: الجملة فعلية، و تابعهم الزمخشريّ (2)في تقدير الجملة فعلية؛ و لكن خالفهم في موضعين: أحدهما أنّهم يقدّرون الفعل مقدّما، و هو يقدره مؤخرا. و الثاني: أنّهم يقدرونه فعل البداية (3)،و هو يقدّره في كلّ موضع بحسبه، فإذا قال الذابح: بسم اللّه، كان التقدير: بسم اللّه أذبح، و إذا قال القارئ: بسم اللّه، فالتقدير: بسم اللّه أقرأ.
و ما قال أجود مما قالوا (4)لأن مراعاة المناسبة أولى من إهمالها، و لأنّ اسم اللّه أهمّ من الفعل، فكان أولى بالتقديم؛ و مما يدلّ على ذلك قوله صلّى اللّه عليه و سلّم:«باسمك ربّي وضعت جنبي» (5)، فقدم اسم اللّه على الفعل المتعلق فيه (6)الجار، و هو «وضعت».).
1) هو محمد بن علي بن عبد الواحد، كمال الدين الزملكاني تقدم التعريف به في 135/1.
2) انظر الكشاف 4/1 و 5.
3) في المخطوطة (البداءة).
4) في المخطوطة (قالوه).
5) أخرجه البخاري في الصحيح 378/13، من حديث عن أبي هريرة أوله:«إذا جاء أحدكم فراشه فلينفضه بصنفة ثوبه...» الحديث كتاب التوحيد(97)، باب السؤال بأسماء اللّه تعالى و الاستعاذة بها، الحديث (13).
6) في المطبوعة (ثم).
الثالث: أن يكون جوابا لسؤال وقع، كقوله تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ (لقمان:25).
و قوله: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللّهُ (العنكبوت:63).
و قوله (1): [وَ قالُوا] 2 كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ (البقرة:135) 201/3 أي بل نتبع. أو جوابا لسؤال مقدّر؛ كقراءة (2): يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ* رِجالٌ (النور:36-37) ببناء الفعل للمفعول؛ فإنّ التقدير: يسبّحه [فيها] (3)رجال.
و فيه فوائد: منها الإخبار بالفعل مرّتين. و منها جعل الفضلة عمدة.
و منها: أنّ الفاعل فسّر بعد اليأس منه كضالة وجدها بعد اليأس، و يصحّ أن يكون «يسبّح» بدل من «يذكر» على طريقة: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (الأعلى:1) و «له فيها» خبر مبتدأ هو «رجال».
مثله قراءة من قرأ (4): زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ (الأنعام:
137)، قال أبو العباس: المعنى زيّنه شركاؤهم؛ فيرفع الشركاء بفعل مضمر دلّ عليه «زيّن».
و مثله (5)قوله تعالى: وَ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ (الأنعام:100) إن جعلنا قوله «للّه شركاء» (6)مفعولي «جعلوا»، لأن «للّه» في موضع الخبر[198/ب] المنسوخ، و شركاء (7)
(9-9) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
(9)[نصب في موضع المبتدأ. و على هذا فيحتمل وجهين: أحدهما أن يكون مفعولا بفعل] (9)محذوف دل عليهة.1) زيادة في المخطوطة كلمة (تهتدون) في هذا الموضع.
2) قرأ ابن عامر و أبو بكر بفتح الباء في (يسبّح له). و الباقون بكسرها (التيسير:162).
3) ليست في المطبوعة.
4) قرأ ابن عامر «و كذلك زيّن» بضم الزاي و كسر الياء «قتل» برفع اللام «أولادهم» بنصب الدال «شركائهم» بخفض الهمزة، و الباقون بفتح الزاي و نصب اللام و خفض الدال و رفع الهمزة.(التيسر:107).
5) في المخطوطة (و منه).
6) في المخطوطة (شركاء للّه شركاء).
7) في المخطوطة (و شركاؤكم).
سؤال مقدّر، كأنّه (1)[قيل: أ جعلوا للّه شركاء؟] (1)قيل: جعلوا الجنّ، فيفيد الكلام إنكار الشريك مطلقا، فدخل اعتقاد الشريك من غير الجن (1)في إنكار (2)دخول اتخاذه من الجن.
و الثاني: ذكره الزمخشريّ أنّ الجنّ بدل من «شركاء»، فيفيد إنكار الشريك مطلقا، كما سبق، و إن جعل (3)
(6-6) عبارة المخطوطة (و هذا على خلاف).
«للّه» صلة كان «شركاء الجن» مفعولين، قدم ثانيهما على أولهما (6)؛و على هذا فلا حذف (6).فأما على الوجه الأول فقيل: وَ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ (الأنعام:100)، و لم يقل:
«و جعلوا الجنّ شركاء للّه» تعظيما لاسم اللّه [تعالى] (4)لأنّ شأن اللّه أعظم في النفوس؛ فإذا 202/3 قدم «للّه» و الكلام فيه يستدعي طلب المجعول له ما هو؟ فقيل: شركاء وقع في غاية التشنيع؛ لأنّ النفس منتظرة لهذا المهمّ المعلّق بهذا المعظم نهاية التعظيم؛ فإذا علم أنّه علّق به هذا المستبشع (5)في النهاية، كان أعظم موقعا من العكس؛ لأنّه إذا قيل: و جعلوا شركاء (6)[لم] (7)يعطه تشوف النفوس (8)لجواز أن يكون: جعلوا شركاء في أموالهم و صدقاتهم أو غير ذلك.
الثالث: أنّ الجعل غالبا لا يتعلق باللّه و يخبر به إلا و هو جعل مستقبح كاذب؛ إذ لا يستعمل جعل اللّه رحمة و مشيئة و علما (9)
(14-14) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
و نحوه، لا سيّما بالاستقراء القرآني؛ ك وَ يَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ (النحل:57) وَ يَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ (النحل:62) إلى غير ذلك (14)[فإذا قيل و جعلوا عصبه اقترحوها و افتروها و قصدوا بها تشوّف النفوس إلى ذلك ما لا يحصل في جعلوا شركاء] (14).ة.الرابع: أن أصل الجعل و إن جاز و إسناده إلى اللّه فيما إذا كان الأمر لائقا، فإن بابه مهول؛ لأن اللّه تعالى قد علّمنا عظيم خطره، و ألا (1)نقول فيه إلا بالعلم، كقوله: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (البقرة:169)، وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (النجم:28)، إلى غير ذلك، مع ما دلّ عليه الأدب عقلا، و كان نفس الجعل مستنكرا إن لم يتبع بمجعول (2)لائق، فإذا أتبع بمجعول غير لائق منهم ثم فسّر بخاص مستنكر، صار قوله: وَ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ (الأنعام:100) في قوة إنكار ذلك ثلاث مرات: الأوّل جسارتهم في أصل الجعل (3)،الثاني في كون المجعول شركاء، الثالث في أنهم شركاء جنّ.
الخامس: أن في تقديم «للّه» إفادة تخصيصهم إياه بالشركة على الوجه الثالث، دون جميع ما يعبدون، لأنه الإله (4)
(5-5) العبارة ساقطة من المخطوطة.
الحق.السادس: أنه جيء بكلمة «جعلوا» لا «اعتقدوا» و لا «قالوا» (5)[لأنه أدلّ على إثبات المعتقد] (5)،لأنه يستعمل في الخلق و الإبداع.
203/3 السابع: كلمة «شركاء» و لم يقل «شريكا» وفاقا لمزيد ما فتحوا من اعتقادهم.
الثامن: لم يقل «جنّا»، و إنما قال «الجن»، دلالة على أنهم اتخذوا الجن كلها و جعلوه من حيث هو صالح لذلك؛ و هو أقبح من التنكير الذي وضعه للمفردات المعدولة.
*** الرابع: أن يدلّ عليه معنى (5)
(8-8) تكررت الآية في المخطوطة اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ .
الفعل الظاهر؛ كقوله تعالى: اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (النساء:171)، أي (8) و ائتوا أمرا خيرا لكم (8)؛فعند سيبويه (6)أن «خيرا» انتصب بإضمار «ائت» (7)لأنّه لما نهاه علم أنه يأمره بما هو خير؛ فكأنه قال:«و ائتوا خيرا»؛ لأن النهي عن).الشيء أمر بضدّه؛ و لأنّ (1)النهي تكليف، و تكليف العدم محال؛ لأنه ليس مقدورا، فثبت أنّ متعلّق التكليف أمر وجوديّ، ينافي المنهيّ عنه و هو الضدّ.
و حمله الكسائيّ على إضمار «كان» أي يكن الانتهاء خيرا (2)لكم. و يمنعه إضمار كان، و لا تضمر في كل[199/أ] موضع، و من (3)جهة المعنى إذ من ترك ما نهي عنه فقد سقط عنه اللوم و علم أن ترك المنهيّ عنه خير من فعله، فلا فائدة في قوله «خيرا».
و حمله الفراء على أنه صفة لمصدر محذوف، أي انتهوا انتهاء خيرا [لكم] (4)
(5-5) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
.و قال:إنّ هذا الحذف لم يأت إلا فيما كان أفعل، نحو خير لك، و أفعل.
ورد مذهبه و مذهب الكسائي بقوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (النساء:
و قوله تعالى: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (الصافات:93)، قال ابن الشجري (6):معناه مال عليهم يضربهم ضربا. و يجوز نصبه على الحال؛ نحو أتيته مشيا، [أي ماشيا] (7). ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً (البقرة:260) أي ساعيات. و قوله:ة.
«باليمين» إمّا اليد أو القوة. و جوّز ابن الشجري إرادة القسم و الباء للتعليل؛ أي لليمين التي حلفها، و هي قوله تعالى: [تَاللّهِ] 1لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ (الأنبياء:57).
و زعم النوويّ في قوله تعالى: قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ (النور:53)، أن التقدير ليكن منكم طاعة معروفة.
*** الخامس: أن يدلّ عليه العقل كقوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ [مِنْهُ] (1) (البقرة:60)[أي فضرب فانفجرت] (1).
و قوله: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ* فَفَتَحْنا (القمر:10-11)، قال النحاس (2):التقدير فنصرناه ففتحنا أبواب السماء؛ لأن ما ظهر من الكلام يدلّ على ما حذف.
و قوله: يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ (لقمان:27) أي يكتب بذلك كلمات اللّه ما نفدت، قاله أبو الفتح (3)
(6-6) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
(8-8) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
.و قوله: فَقالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ (البقرة:243).
[فقوله:«ثم أحياهم»] (6)معطوف على فعل محذوف [تقديره] (6)فماتوا ثم 205/3 أحياهم، (8)[و لا يصحّ عطف قوله:«ثم أحياهم»] (8)على قوله:«موتوا» لأنه أمر، و فعل الأمر لا يعطف على الماضي.
و قوله: كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ (البقرة:213)، [أي فاختلفوا فبعث] (4)،و حذف لدلالة قوله [تعالى] (5)لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ (البقرة:213)، و هي في قراءة عبد اللّه كذلك (6).2.
و قيل: تقديره كان الناس أمّة واحدة كفارا، فبعث اللّه النبيين، فاختلفوا و الأول أوجه.
و قوله: أَ وَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ (الأعراف:63)، (1)[فالهمزة للإنكار، و الواو للعطف، و المعطوف عليه محذوف تقديره: أ كذّبتم و عجبتم أن جاءكم] (1).
و قوله: قالَ نَعَمْ وَ إِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (الأعراف:114)، هو معطوف على محذوف سدّ مسدّه حرف الإيجاب؛ كأنّه قال إيجابا لقولهم: إِنَّ لَنا لَأَجْراً (الأعراف:
113)، (3)نعم إن لكم أجرا و إنكم لمن المقربين (3).
و قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ (البقرة:184)، أي فأفطر (1)فعدة، خلافا للظاهرية حيث أوجبوا الفطر على المسافر أخذا من الظاهر (2).
و قوله [تعالى] (3): فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ (البقرة:
196)، أي فحلق ففدية.
و قوله: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها (البقرة:73)، قال الزمخشري (4):التقدير فضربوه فحيي، فحذف ذلك لدلالة قوله: كَذلِكَ يُحْيِ اللّهُ الْمَوْتى (البقرة:73). 206/3 و زعم ابن جني أن التقدير في قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ (النساء:41) أن التقدير فكيف [يكون] (5)إذا جئنا.
*** السادس: أن يدلّ عليه ذكره في موضع آخر، كقوله [تعالى] (6): وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً (البقرة:72)، قال الواحديّ (7):هو بإضمار «اذكر»، و لهذا لم يأت لإذ بجواب. و مثله1.
قوله تعالى: وَ إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً (هود:61)، و ليس شيء قبله تراه ناصبا ل «صالحا» (1)،بل علم بذكر النبي و المرسل إليه أن فيه إضمار «أرسلنا».
و قوله: وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ (الأنبياء:81) أي و سخرنا.
و مثله[199/ب]: وَ نُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ (الأنبياء:76) وَ ذَا النُّونِ (الأنبياء:87).
و كذا: وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ (الأنبياء:78)، أي و اذكر.
قال: و يدل على «اذكر» في هذه الآيات (2)قوله تعالى: وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ (الأنفال:26)، وَ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ (الأعراف:
86).
و ما قاله ظاهر، لأنّ (3)
(4-4) تصحفت عبارة المطبوعة إلى (و اذكروا أخالكم).
مفعول «اذكر» يكون محذوفا أيضا تقديره: (4)«و اذكروا حالكم» (4)و نحوه إذا (4)كان كذا، و ذلك ليكون «إذ» في موضع نصب على الظرف، و لو لم يقدّر (5)ذلك المحذوف لزم وقوع «إذ» مفعولا (6)به؛ و الأصح أنها لا تفارق الظرفية.*** 207/3 السابع: المشاكلة، كحذف (7)الفاعل في «بسم اللّه» لأنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه سوى ذكر اللّه؛ فلو ذكر (8)الفعل و هو لا يستغنى عن فاعله كان ذلك مناقضا للمقصود، و كان في حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى؛ ليكون المبدوء به اسم اللّه كما تقول في الصلاة: اللّه أكبر، و معناه «من كل شيء»، و لكن (9)لا تقول هذا المقدّر ليكون اللفظ في اللسان مطابقا لمقصود الجنان (10)و هو أن يكون (11)في القلب ذكر اللّه [العظيم] (12)وحده. و أيضا فلأنّ الحذف أعمّ من الذكر؛ فإنّ (13)أيّ فعل ذكرته كان المحذوف أعمّ منه؛ لأن التسمية تشرع عند كل فعل.).
1) في المخطوطة (صالح).
2) في المخطوطة (الآية).
3) في المطبوعة (إلا أن).
4) في المخطوطة (إذ).
5) في المطبوعة (يفد).
6) في المخطوطة (محذوفا بها).
7) في المخطوطة (في حذف).
8) في المخطوطة (ذكرت).
9) في المخطوطة (و يمكن).
10) في المخطوطة (الخيال).
11) تصحفت في المخطوطة إلى (لا يكون).
12) ليست في المطبوعة.
13) في المخطوطة (فإذن).
الثامن: أن يكون بدلا من مصدره؛ كقوله تعالى: فَضَرْبَ الرِّقابِ (محمد:
4)، و قوله: فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّا فِداءً (محمد:4)؛ أي فإما [أن] (1)
(2-2) تصحفت عبارة المخطوطة تكرارا كما يلي (بفعل محذوف تقديره فقالوا سلمنا سلاما).
تمنّوا، و إما أن تفادوا.و قد اختلف في نصب «السلام» في قوله تعالى في سورة هود: وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً (هود:69) و في الذاريات: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً (الذاريات:24-25)؛ و في نصبها وجهان:
أحدهما: أن يكون منصوبا (2)بالقول، أي يذكرون قولا «سلاما» (2)فيكون من [باب] (2)قلت حقا و صدقا.
الثاني: أن يكون منصوبا بفعل (3)محذوف تقديره: فقالوا سلّمنا سلاما، أي سلمنا تسليما؛ فيكون قد حكى الجملة بعد القول، ثم حذفها و اكتفى ببعضها.
و الحاصل أنه هل هو منصوب بالقول، أو بكونه مصدرا لفعل محذوف؟.
و مثله قوله تعالى: وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً (النحل:30)، منصوب، ب «قالوا» كقولك فقلت حقا، أو منصوب بفعل مضمر [أي] (4)قالوا: أنزل خيرا،208/3 من باب حذف الجملة المحكيّة و تبقية بعضها.
و أما قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (النحل:
قد يشتبه الحال في أمر (1)المحذوف و عدمه لعدم تحصيل معنى الفعل، كما قالوا في قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (الإسراء:110)، فإنّه قد يظن أن الدعاء فيه بمعنى النّداء؛ فلا يقدّر في الكلام حذف، و ليس كذلك، و إلاّ لزم الاشتراك إن كانا متفاوتين، أو عطف الشيء على نفسه؛ و إنما الدعاء هنا بمعنى التسمية التي تتعدى لمفعولين، أي سمّوه اللّه أو الرحمن.
و قد يشتبه في تعيين المحذوف لقيام قرينتين، كقوله تعالى: بَلى قادِرِينَ (القيامة:4) قدرّه سيبويه (2)ب «بلى (3)نجمعها قادرين»، فقادرين حال و حذف الفعل لدلالة: أَلَّنْ نَجْمَعَ (القيامة:3) عليه.
و قدّره الفرّاء (4)«نحسب» لدلالة أَ يَحْسَبُ 5الْإِنْسانُ (القيامة:3) أي بلى 209/3 نحسبنا قادرين (5).و تقدير سيبويه أولى[200/أ] لأنّ «بلى» ليس جوابا ل «يحسب» إنما هو جواب ل «أن لن نجمع» و قدره بعضهم: بلى نقدر قادرين.
و قيل: منصوب، لوقوعه (6)موقع الفعل (7)،و هو باطل؛ لأنه ليس من نواصب الاسم وقوعه موقع الفعل.
إنّ الحذف على ضربين: أحدهما ألاّ يقام شيء مقام المحذوف كما سبق. و الثاني:
أن يقام مقامه ما يدل عليه، كقوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ
(هود:57)؛ ليس الإبلاغ هو الجواب لتقدّمه على قولهم؛ فالتقدير (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ليس في المطبوعة.
:فإن تولّوا فلا ملام عليّ، لأنّي قد أبلغتكم (2)[أو: فلا عذر لكم عند ربكم لأني أبلغتكم] (2).و قوله: وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ (فاطر:4) فلا تحزن و اصبر.
و قوله: وَ إِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (الأنفال:38)، أي يصيبهم ما (2)أصاب الأولين.
قال أبو الفتح في «المحتسب (3)»: أخبرنا أبو عليّ قال: قال أبو بكر ابن السّرّاج (4):
حذف الحرف ليس يقاس، و ذلك لأن الحرف نائب عن الفعل بفاعله، أ لا تراك إذا قلت: ما قام زيد، فقد نابت «ما» عن «أنفي» كما نابت «إلا» عن «أستثني»، و كما نابت الهمزة و هل عن «أستفهم»، و كما نابت حروف العطف عن «أعطف»، و نحو ذلك. فلو ذهبت تحذف الحرف؛ لكان ذلك اختصارا، و اختصار المختصر إجحاف (5)به؛ إلا [أنه] (6)إذا 210/3 صحّ التوجّه [إليه، و قد] (7)جاز في بعض الأحوال حذفه لقوة الدلالة عليه. انتهى.
فمنه الواو، تحذف لقصد البلاغة؛ فإنّ في إثباتها ما يقتضي تغاير المتعاطفين فإذا حذفت أشعر بأن الكلّ كالواحد: كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ [أَكْبَرُ] (8)(آل عمران:118)؛ تقديره: و لا يألونكم (9)[خبالا] (10).
و قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (الغاشية:8)، أي و وجوه.
و خرّج عليه الفارسيّ قوله تعالى: وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا... (التوبة:92) الآية. و قال: تقديره:«و قلت لا أجد» فهو معطوف على قوله:«أتوك» لأن جواب «إذا» قوله: تَوَلَّوْا .
و منعه ابن الشجريّ (1)في «أماليه»؛ و على هذا فلا موضع له من الإعراب، لأنه معطوف على الصلة؛ و الصلة لا موضع لها من الإعراب، فكذلك ما عطف [عليها] (2).
و قال الزمخشريّ (3):هي حال من الكاف في «أتوك»، «و قد» قبله مضمرة كما في قوله [تعالى] (4)أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (النساء:90)، أي إذا ما أتوك (5)قائلا: لا أجد تولوا و على هذا فله موضع من الإعراب لأنه [حال] (6).
قال السهيليّ (7)في «أماليه»: ليس معنى الآية كما قالوا (8)لأنّ رفع الحرج (9)عن القوم ليس مشروطا بالبكاء عند التولّي؛ و إنما شرطه عدم الجدة، و [الآية] (10)نزلت في السبعة الذين سماهم (11)ابن (12)إسحاق؛ و لو كان جواب «إذا أتوك» في قوله: تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ (التوبة:92) لكان من لم تفض عيناه من الدمع هو الذي حرج و أثم؛ 211/3 و ما (13)رفع اللّه الحرج عنهم إلا لأن الرسول لم يجد ما يحملهم عليه. و إذا عطفت (14)«قلت لا).
1) هو هبة اللّه بن علي تقدم التعريف به في 376/2.
2) ساقطة من المخطوطة.
3) في الكشاف 167/2.
4) ليست في المطبوعة.
5) في المخطوطة (إذا أتوك).
6) ساقطة من المخطوطة.
7) هو عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أحمد السهيلي تقدم التعريف به في 242/1. و كتابه «الأمالي في النحو و اللغة و الحديث و الفقه» طبع بتحقيق محمد إبراهيم البنا بمطبعة السعادة في القاهرة عام 1390 ه/1970 م (معجم المنجد 99/3 و ذخائر التراث 583/1 و فهرس الكتب النحوية:45).
8) في المخطوطة (تأوّلوا).
9) في المخطوطة (الجزع).
10) ليست في المطبوعة.
11) في المطبوعة (سمّى).
12) تصحفت في المطبوعة إلى (أبو). و سبب ذكره ابن هشام في السيرة النبوية 518/4 عن ابن اسحاق في (غزوة تبوك، شأن البكائين).
13) في المخطوطة (ما رفع).
14) في المخطوطة (عطف الحرج).
أجد» على «أتوك» كان (1)الحرج غير مرفوع عنهم حتى يقال: وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ (التوبة:92)، فجواب «إذا» في قوله «لا أجد» و ما بعد ذلك خبر و نبأ على هؤلاء السبعة الذين كانوا سبب نزول هذه الآية ففضيلة البكاء مخصوصة بهم، و رفع الحرج بشرط عدم الجدة عامّ فيهم و في غيرهم.
و قال الواحديّ (2)في قوله تعالى: قالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً (البقرة:116): آية البقرة في مصاحف الشام بغير واو-يعني قراءة ابن عامر (3)-لأن هذه الآية ملابسة لما قبلها من قوله:
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللّهِ (البقرة:114) لأن القائلين:«اتخذ اللّه[200/ب] ولدا» من جملة المتقدم ذكرهم، فيستغنى عن ذكر الواو لالتباس الجملة بما قبلها، كما استغنى عنها في نحو قوله [تعالى] (4): وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (البقرة:39)، و لو كان «و هم» (5)كان حسنا؛ إلا أنّ التباس إحدى الجملتين بالأخرى و ارتباطها بها أغنى (6)
(7-7) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
عن الواو.و مثله: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ (الكهف:22) (7)[و لم يقل:«و رابعهم»] (7)كما قال:
وَ ثامِنُهُمْ و لو حذف الواو منها كما حذف من التي قبلها و استغنى عن الواو بالملابسة التي بينهما [كان حسنا] (7) و يمكن أن يكون حذف الواو (7)[لاستئناف الجملة، و لا يعطف على ما تقدم. انتهى.
و حصل من كلامه أنه عند حذف الواو] (7) يجوز أن يلاحظ معنى العطف، و يكتفي للرّبط بينها و بين ما قبلها بالملابسة كما ذكر. و يجوز ألاّ يلاحظ (7)ذلك؛ فتكون الجملة مستأنفة.
قال ابن عمرون (8):و حذف الواو في الجمل أسهل منه في المفرد، و قد كثر حذفها في3.
212/3 الجمل في الكلام المحمول بعضه على بعض، نحو قوله تعالى: قالَ فِرْعَوْنُ وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ* قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ* قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ* قالَ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ* قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ* قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ (الشعراء:23 إلى 28) كله محمول بعضه على بعض، و الواو مزيدة (1)
(2-2) ليست في المخطوطة.
،حذفت لاستقلال الجمل بأنفسها بخلاف المفرد؛ و لأنه في المفرد ربّما أوقع لبسا في نحو «رأيت زيدا و رجلا عاقلا»؛ و لو جاز حذف الواو احتمل أن يكون «رجلا» بدلا بخلاف الجملة.و قريب منه قوله [تعالى] (2): فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ (القصص:79)، أي: و قال.
و منه الفاء في جواب الشرط على رأي، و خرّج [عليه] (2) قوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ (البقرة:180)[أي] (2)فالوصية.
و الفاء في العطف كقوله [تعالى] (2): إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (البقرة:67)، تقديره «فقال أعوذ باللّه»، ذكره ابن الشجري في «أماليه» (3)
(7-7) العبارة في المخطوطة كتبت كما يلي (و اتقوا اللّه، و كذلك قال الملأ، و أخاهم عطف على قوله نوحا. و هودا عطف بيان).
(9-9) ليست في المخطوطة.
.و قوله تعالى: وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ (الأعراف:65) (7)حذف حرف العطف من قوله: قالَ و لم يقل:«فقال» كما في قصة نوح؛ لأنه على تقدير سؤال سائل قال: ما قال لهم هود؟ فقيل: قال يا قوم اعبدوا اللّه و اتقوه (7).
213/3 و منه حذف همزة الاستفهام، كقوله تعالى: فَلَمّا [جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ] 9 رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي (الأنعام:76)، أي أ هذا [ربي] (9)؟ة.
و قوله: وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (النساء:79)[أي أ فمن نفسك] (1)! و قوله: وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ [تَمُنُّها عَلَيَّ] (2)(الشعراء:22) أي أو تلك نعمة! و قوله: إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ (يوسف:90) على قراءة ابن كثير (3)بكسر الهمزة، على خلاف في ذلك جميعه.
و منه حذف ألف ما الاستفهامية مع حرف الجر للفرق بين الاستفهامية و الخبرية كقوله [تعالى] (4): فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللّهِ (البقرة:91)، فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (النازعات:
43)، عَمَّ يَتَساءَلُونَ (النبأ:1)، و مِمَّ خُلِقَ (الطارق:5).
و منه حذف الياء في وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (الفجر:4) للتخفيف و رعاية الفاصلة.
و منه حذف حرف النداء، كقوله: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ (آل عمران:66)، [أي يا هؤلاء] (5).
و قوله: يُوسُفُ (يوسف:29)، أي يا يوسف.
و قوله: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ (مريم:4)، أي يا رب.
و يكثر في المضاف نحو: فاطِرَ السَّماواتِ (يوسف:101). رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً (المائدة:114).
و كثر ذلك في نداء الربّ سبحانه [و تعالى] (6)و حكمة ذلك دلالته على التعظيم و التنزيه؛ لأن النداء يتشرّب معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد، فمعناه أدعوك يا زيد، فحذفت «يا» من نداء الرب؛ ليزول معنى الأمر، و يتمحّض التعظيم (7)و الإجلال.
و قال الصفار (8):يجوز حذف حرف النداء من المنادى، إلاّ إذا كان المنادى نكرة مقبلا 214/3 عليها [أولا] (9)إذ لا دليل عليه؛ و إلا إذا كان اسم إشارة.ة.
1) ليست في المخطوطة. و انظر البحر المحيط لأبي حيان 301/3.
2) ليست في المخطوطة.
3) قرأ ابن كثير إنك لأنت بكسر الهمزة على الخبر، و الباقون على الاستفهام (التيسير:130).
4) ليست في المخطوطة.
5) ليست في المخطوطة.
6) ليست في المطبوعة.
7) في المخطوطة (للتعظيم).
8) هو القاسم بن علي البطليوسي، تقدم في 451/2.
9) ساقطة من المطبوعة.
و منه حذف «لو» في قوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ (المؤمنون:91)، تقديره[201/أ] لو كان معه إله لذهب كلّ إله بما خلق.
و قوله: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتابَ الْمُبْطِلُونَ (العنكبوت:48)، معناه لو كان كذلك لارتاب المبطلون.
و منه حذف «قد» في قوله [تعالى] (1): أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (الشعراء:
111)، أي و قد اتبعك؛ لأن الماضي لا يقع موقع (2)الحال إلا و «قد» معه ظاهرة أو مقدرة.
و مثلها: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً [فَأَحْياكُمْ] (3)(البقرة:28)[أي و قد كنتم] (4)
(5-5) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
.و قوله: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (النساء:90) (5)[قيل معناه «قد حصرت» بدلالة قراءة يعقوب (5).«حصرة صدورهم». و قال الأخفش: الحال محذوفة، و «حصرت صدورهم»] (5)صفتها؛ أي جاءوكم يوما حصرت [صدورهم] (6)دعاء عليهم (5)[بأن تحصر صدورهم عن قتالهم لقومهم] (5)على طريقة (7)قاتلهم اللّه. و ردّه أبو عليّ بقوله «أي قاتلوا قومهم» فلا يجوز أن يدعى عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالهم لقومهم؛ لكن بقول: اللهم ألق (8)
(13-13) ليست في المخطوطة.
بأسهم بينهم.و منه [حذف] (13)«أن» في قوله تعالى: وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ [خَوْفاً وَ طَمَعاً] (13) (الروم:24)، المعنى أن يريكم.ة.
و حذف «لا» في قوله: تَاللّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ (يوسف:85)، أي لا تفتأ، لأنها ملازمة للنفي 215/3 و معناها لا تبرح.
قوله: وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ (النحل:15)، أي لا تميد.
و قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ (المائدة:29)، أي لا تبوء.
و بهذا [التقدير] (1)يزول الإشكال من الآية: وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ (البقرة:
كثر في القرآن حذف الجار، ثم إيصال الفعل إلى المجرور به، كقوله تعالى: وَ اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ (الأعراف:155)، أي من قومه.
وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ (البقرة:253).
لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ (البقرة:235)، أي على عقدة.
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ،أي يخوفكم بأوليائه، و لذلك قال: فَلا 3تَخافُوهُمْ (آل عمران:175).
وَ يَبْغُونَها عِوَجاً (الأعراف:45)، أي يبغون لها.
وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ (يس:39) أي قدرنا له.
سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا (طه:21)[أي على سيرتها] (2).
من الأنواع ما حذف في آية، و أثبت في أخرى؛ و هو قسمان:
أحدهما: أن يكون ما حذف منه محمولا على المذكور؛[و هذا] (1)كالمطلق في الرقبة في كفارة الظهار (2)،مقيّدا بالمؤمنة [كما] (3)في كفارة القتل (4).
و كقوله: وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ (آل عمران:133)، قيدت بالتشبيه في موضع آخر (5).
و منه قوله تعالى في سورة البقرة: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ (البقرة:210)، و قوله في سورة النحل: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ (النحل:33)، فإن هذه تقتضي أن الأولى على حذف مضاف.
*** 217/3 و القسم الثاني: لا يكون مرادا. فمنه قوله تعالى في سورة المؤمنين: لَكُمْ 6فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ (المؤمنون:19)، و في الزخرف: [لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ] 7مِنْها 8تَأْكُلُونَ (الزخرف:73).
و قوله في [سورة] (6)البقرة: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الآية:5) و في سورة الأعراف: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (الآية:179).
و حكمته أنه قد اختلف الخبران في سورة البقرة؛ فلذلك دخل العاطف، بخلاف الخبرينة.
1) ساقطة من المطبوعة.
2) من قوله تعالى في سورة المجادلة وَ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ... [الآية:3].
3) ليست في المطبوعة.
4) من قوله تعالى في سورة النساء وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [الآية:92].
5) و هو قوله تعالى في سورة الحديد سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ [الحديد:21].
6) ليست في المطبوعة.
في الأعراف، فإنهما متفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة و تشبيههم بالبهائم واحد؛ فكانت (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
الجملة الثالثة مقرّرة ما في الأولى فهي من العطف بمعزل.و منه قوله تعالى في البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ (البقرة:6) و قال في يس:
وَ سَواءٌ 2[عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ] (2) (يس:10) مع العاطف، و حكمته أنّ ما في يس و ما بعده جملة معطوفة على جملة أخرى، فاحتاجت إلى العاطف. و الجملة هنا ليست معطوفة، فهي من العطف بمعزل.
و منه قوله تعالى: وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى 2[لا يَتَّبِعُوكُمْ] (2) (الأعراف:193) فأثبت الواو في الأعراف، و حذفها في الكهف، فقال: وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى (الكهف:
و منه في آل عمران: جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ وَ الْكِتابِ الْمُنِيرِ (آل عمران:184) و في فاطر: جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (فاطر:25) و الفرق [بينهما] (4)أن 218/3 الأولى حذفت الباء فيها للاختصار استغناء بالتي قبلها، و [الثانية] (5)
(10-10) عبارة المخطوطة (عن أن الأصل التوكيد).
خرجت عن (10)الأصل للتوكيد (10)،و تقدير المعنى كما تقول: مررت بك و بأخيك و بأبيك؛ إذا اختصرت.[و منه] (6)قوله في قصة ثمود: ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا (الشعراء:154)، و في قصة شعيب: وَ ما أَنْتَ (الشعراء:186) بالواو، و الفرق أن الأولى جرى على انقطاع الكلام عند النحويين، و استئناف ما أَنْتَ (الشعراء:154)، فاستغنى عن الواو لما تقرّر من الابتداء،ة.
و في الثانية جرى في العطف (1)،و أن يكون قوله: وَ ما أَنْتَ (الشعراء:186) معطوفا على إِنَّما أَنْتَ (الشعراء:185).
و منه (2)
(3-3) ليست في المخطوطة.
قوله [تعالى] (3)في سورة النحل: وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (الآية:127)، و في سورة النمل وَ لا تَكُنْ [فِي ضَيْقٍ] (3) (الآية:70)، بإثبات النون، و حكمته أن القصة لما طالت في سورة النحل ناسب التخفيف بحذف النون، بخلافه في سورة النمل؛ فإنّ الواو استئنافية، و لا (3)(6-6) ليست في المخطوطة.
تعلّق لها بما قبلها.و قوله [في البقرة] (6): فَلا 7تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (الآية:147)، و في آل عمران:
فَلا تَكُنْ [مِنَ الْمُمْتَرِينَ] (6) (الآية:60)؛ و حكمته أنّ الخطاب في البقرة لليهود و هم (4)أشدّ جدالا (5).
(13-13) ليست في المخطوطة.
[في الأعراف] (13): أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا [بَلى] 13شَهِدْنا (الآية:172) و في الأنعام: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا (الآية:130).219/3 و منه قوله تعالى في سورة البقرة: وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ (الآية:61)، و في سورة آل عمران: بِغَيْرِ حَقٍّ (الآية:21). و الحكمة فيه أن الجملة في آل عمران خرجت (8)مخرج الشرط، و هو عام، فناسب أن يكون النفي بصيغة التنكير؛ حتى يكون عاما،).
و في سورة البقرة جاء عن أناس معهودين؛ و هو قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ (الآية:61)، فناسب أن يؤتى بالتعريف، لأن الحق الذي كان يستباح به قتل الأنفس (1)[عندهم كان معروفا، كقوله تعالى: وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (المائدة:45)، فالحقّ هنا الذي تقتل به الأنفس] (1)معهود معروف، بخلاف ما في سورة آل عمران.
و [منه] (1)قوله تعالى في [سورة] (1)
(5-5) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
هود حاكيا عن شعيب: وَ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (الآية:93)، (5)[و أمر نبينا صلّى اللّه عليه و سلّم أن يقول لقريش: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ] (5).(النحل:55).و يمكن أن يقال: لما كررت مراجعته (2)لقومه، ناسب اختصاص قصته بالاستئناف الذي هو أبلغ في الإنذار و الوعيد؛ و أما نبينا صلّى اللّه عليه و سلّم فكانت مدة إنذاره لقومه قصيرة، فعقّب عملهم على مكافأتهم بوعيدهم بالفاء؛ إشارة إلى قرب نزول الوعيد لهم بخلاف شعيب، فإنه طالت مدته في قومه، فاستأنف لهم ذكر (3)الوعيد.
و لعلّ قوم شعيب سألوه السؤال المتقدم، فأجابهم بهذا الجواب، و الفاء لا تحسن فيه، و النبي صلّى اللّه عليه و سلّم لم يقل ذلك جوابا للسؤال (4)
(10-10) وقع تقديم و تأخير في المخطوطة و جاءت العبارة فيها كالتالي:(و اتقوا اللّه و أطيعون يغفر لكم من ذنوبكم)، (يا قومنا أجيبوا داعي اللّه و آمنوا يغفر لكم من ذنوبكم)، يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ .
،و لا يحسن معه الحذف.و منه أنه تعالى قال في خطاب المؤمنين: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ 220/3 أَلِيمٍ (الصف:10)، إلى أن قال: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (الصف:12)، و قال في خطاب الكافرين: (10)يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ (إبراهيم:10)، يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللّهِ وَ آمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ [202/أ] مِنْ ذُنُوبِكُمْ (10)(الأحقاف:31). .
قال الزمخشريّ (1)في تفسير سورة إبراهيم: ما علمته (2)
(3-3) عبارة المخطوطة (على هذا الوجه).
جاء الخطاب هكذا في القرآن إلاّ (3)في خطاب الكافرين (3)،و كان ذلك للتفرقة بين الخطابين، و لئلا يسوّى (3)بين الفريقين في الميعاد.و اعترض الإمام فخر الدين (4)بأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب، و إن لم يحصل كان هذا الكلام فاسدا.
و قال الشيخ أثير الدين (5)أبو حيان في «تفسيره»: و يقال: ما فائدة الفرق في الخطاب و المعنى مشترك؟ إذ الكافر إذا آمن و المؤمن إذا تاب مشتركان في الغفران، و ما تخيلت فيه مغفرة (6)بعض الذنوب من الكافر إذا هو آمن (7)موجود في المؤمن إذا تاب. و سيأتي بسط الكلام على ذلك في آخر الكتاب (8)[عند الكلام على «من».
و من لواحق ذلك الإدغام في موضع و تركه في آخر، في سورة النساء وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ (الآية:115)، و في الأنفال: وَ مَنْ يُشاقِقِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ (الآية:13)، و جاء بالإدغام في الحشر ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشَاقِّ اللّهَ (الآية:4)، و ذلك لأن الإدغام تخفيف و ليس بالأصيل فورد في النساء على الأصل، و لم يقترن به ما يقتضي تخفيفه، و لما تقدم في سورة الحشر قوله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ و تقدم الماضي مدغما و لم يسمع في الماضي فجيء بما حمل عليه من قوله وَ مَنْ يُشَاقِّ اللّهَ مدغما ليحصل التناسب.
و أما سورة الأنفال فتعارض فيها شيئان مجيء الإدغام قبله في الماضي من قوله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللّهَ و عطف وَ رَسُولَهُ على اسم اللّه و قد وردت نسبة المشاقة للّه و رسوله ورد ذلك بالعطف بالواو الجامعة و هو مما يناسب الشك فاستدعى الموضع داعيان، أحدهما ما قبل من الإدغام، و الثاني ما بعده من العطف المشبه للفظ، فروعي البعديّ لأنه أقوى من القبلي كما فعلوا في «الأمام» فلم يميلوا نحو «مناشيط» و نحوه مما تأخر فيه حرف الاستعلاء، و إن حال بينه و بين الألف حرفان و مع ذلك فإنه ينفع الإمالة و ليس ذلك في قوة المنع إذا تقدم مع حائل.
و منه في الأنعام فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (الآية:42) بالإدغام و وجّه أن العرب تراعي مجاورة الألفاظ فيحمل اللفظ على مجاورة المشاكلة للمشاكلة القطعية، و فيه الاتباع في «نسوك و بنوك» و الأصل بنيك، و ماضي الفعل من الضراعة لا إدغام فيه إنما نقول «يضرع» إذ لا حرف مضارعة فيه يسوغ الإدغام فلما أورد الماضي فيما بني على آية الأنعام من قوله فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا (الآية:43) و لا إدغام فيه ورد الأول مفكوكا غير مدغم دعيا للمناسبة بخلاف آية الأعراف، إذا لم يرد فيه ما يستدعي هذه المناسبة فجاء مدغما على الوجه الأخف إذ لا يقتضي بخلافه.
و منه فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ في البقرة(38)، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ في طه(123) و كذلك في الأنعام: وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمّانَ مُشْتَبِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ (الآية:99) و قال بهذه في هذه السورة وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمّانَ مُتَشابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشابِهٍ (الآية:141) فورد في آخر الأمر على أخف التباين و في الثاني على أثقلهما دعيا للترتيب].
و هو قسم من الحذف، و يسمى إيجاز القصر؛ فإن الإيجاز عندهم قسمان: و جيز بلفظ، و وجيز بحذف.
فالوجيز باللفظ (1)أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقلّ من القدر المعهود عادة؛122/3 و سبب[202/ب] حسنه أنه يدلّ على التمكن في الفصاحة، و لهذا قال صلّى اللّه عليه و سلّم:«أوتيت جوامع الكلم (2)».
و اللفظ لا يخلو إما أن يكون مساويا لمعناه و هو المقدر؛ أو أقل منه و هو المقصور.
أما المقدّر فكقوله تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ... (النحل:90) الآية. و قوله: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (عبس:17)، و هو كثير.
و أما المقصور؛ فإما أن يكون نقصان لفظه عن معناه لاحتمال لفظه لمعان كثيرة، أو لا.
*** الأول (1)كاللفظ المشترك الذي (2)في المخطوطة (الثاني).(3)له مجازان (4)،أو حقيقة و مجاز إذا أريد معانيه؛ كما في قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ (الأحزاب:56)؛ فإن الصلاة من اللّه مغايرة للصلاة من الملائكة، و الحق أنه من القدر المشترك و هو الاعتناء و التعظيم.
و كذلك قوله [تعالى] (5): أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ...
(الحج:18) الآية؛ فإن السجود في الكل يجمعه معنى واحد؛ و هو الانقياد.
*** و الثاني (5) كقوله: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (الأعراف:
199).
و قوله: أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ (الأنعام:82).
222/3 و كذلك قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (البقرة:179)، إذ معناه كبير (6)
(7-7) ليست في المخطوطة.
،و لفظه يسير.و قد نظر لقول العرب:«القتل أنفى للقتل»؛ و هو بنون ثم فاء، و يروى (7)[بتاء ثم قاف و يروى] (7)«أوقى». و المعنى أنه إذا أقيم و تحقق حكمه خاف من يريد قتل أحد أنة.
يقتصّ منه، و قد حكاه الحوفيّ (1)في «تفسيره» عن علي بن أبي طالب [رضي اللّه عنه] (2)، و قال: قول عليّ في غاية البلاغة؛ و قد أجمع الناس على بلاغته و فصاحته (3)و أبلغ منه قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (البقرة:179) انتهى (4)و قد تكلّموا في وجه الأبلغية.
و قد أشار صاحب (5)«المثل السائر» إلى إنكار ذلك، و قال: لا نسبة بين كلام الخالق عزّ و جل و كلام المخلوق؛ و إنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك. و هو كما قال، و كيف يقابل المعجز بغيره مفاضلة، و هو منه في مرتبة العجز (6)عن إدراكه:
و ما ذا يقول القائلون إذا بدا جمال خطاب فات (7)فهم الخلائق
و جملة ما ذكروا في ذلك وجوه (8)
(9-9) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
:أحدها أن قوله: اَلْقِصاصِ حَياةٌ (البقرة:179) أوجز؛ فإن حروفه عشرة، و حروف «القتل أنفى للقتل» أربعة عشر حرفا، و التاء و ألف الوصل ساقطان لفظا، و كذا التنوين لتمام الكلام المقتضي للوقف.
الثاني: أن قولهم فيه كلفة بتكرير القتل، و لا تكرير في الآية.
الثالث: أنّ لفظ «القصاص» فيه حروف متلائمة؛ لما فيه من الخروج من القاف إلى الصاد، إذ القاف من حروف الاستعلاء، (9)[و الصاد من حروف الاستعلاء] (9) و الإطباق؛ بخلاف الخروج من القاف إلى التاء، التي هي حرف منخفض، فهو غير ملائم [للقاف] (9)،و كذا 223/3 الخروج من الصاد إلى الحاء أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبعد ما دون (10)طرف اللسان و أقصى الحلق.).
1) هو أبو الحسن علي بن إبراهيم تقدم التعريف به و بكتابه في 409/1.
2) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
3) تقديم و تأخير في المخطوطة.(بلاغته و فصاحته).
4) تأخرت في المطبوعة بعد قوله (وجه الأبلغية).
5) هو ضياء الدين محمد بن محمد، ابن الاثير الجزري تقدم التعريف به و بكتابه 189/3.
6) في المخطوطة (المعجوز).
7) في المخطوطة (ذات).
8) في المخطوطة (وجوها).
9) ساقطة من المطبوعة.
10) في المخطوطة (بين).
الرابع: في النطق بالصاد و الحاء و التاء حسن الصوت، و لا كذلك تكرير القاف و الفاء.
الخامس: تكرير ذلك في (1)كلمتين [متماثلتين] (2)بعد فصل (3)طويل، و هو ثقل في الحروف أو الكلمات.
السادس: الإثبات أوّل و النفي ثان عنه؛ و الإثبات أشرف.
السابع: أنّ القصاص المبنيّ على (4)
(5-5) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
المساواة أوزن في المعادلة من مطلق القتل، و لذلك يلزم التخصيص، بخلاف الآية.الثامن: الطباع أقبل للفظ «الحياة» (5)[من كلمة «القتل»، لما فيه من الاختصار، و عدم تكرار الكلمة، و عدم تنافر الحروف، و عدم تكرار الحرفين؛ و قبول الطبع للفظ «الحياة»] (5) و صحة الإطلاق.
التاسع: أنّ نفي القتل لا يستلزم الحياة، و الآية ناصّة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه.
العاشر: أن قولهم لا يكاد يفهم إلا بعد فهم أن القصاص هو الحياة، و قوله: فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (البقرة:179) مفهوم لأوّل (5)وهلة[203/أ].
الحادي عشر: أنّ قولهم خطأ؛ فإن القتل كلّه ليس نافيا للقتل؛ فإنّ القتل العدوانيّ (6)224/3 لا ينفي القتل، و كذا القتل في الرّدة و الزنا لا ينفيه؛ و إنما ينفيه قتل خاص و هو قتل القصاص؛ فالذي في الآية تنصيص على المقصود، و الذي في المثل لا يمكن حمله على ظاهره.
الثاني عشر: فيه دلالة على ربط المقادير بالأسباب، و إن كانت الأسباب أيضا بالمقادير، و كلام العرب يتضمنه؛ إلاّ أنّ فيه زيادة و هي الدلالة على ربط الأجل في الحياة؛ بالسبب، لا (7)من مجرد نفي القتل.
الثالث عشر: في تنكير «حياة» نوع تعظيم؛ يدلّ على أنّ في القصاص حياة متطاولة،).
كقوله: وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ (البقرة:96) و لا كذلك المثل؛ فإنّ اللام فيه للجنس؛ و لهذا فسروا الحياة فيها بالبقاء.
الرابع عشر: فيه بناء أفعل التفضيل من [فعل] (1)متعد، و الآية سالمة منه.
الخامس عشر: أنّ «أفعل» في الغالب تقتضي الاشتراك؛ فيكون ترك القصاص نافيا القتل؛ و لكن القصاص أكثر نفيا، و ليس الأمر كذلك، و الآية سالمة من هذا.
السادس عشر: أنّ اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكّن اللسان من النطق، و ظهرت فصاحته، بخلافه (2)إذا تعقب كل حركة سكون، و الحركات تنقطع بالسكنات نظيره:
إذا تحركت الدابة أدنى حركة، فخنست، ثم تحركت فخنست، لا يتبين انطلاقها (3)،و لا تتمكن من حركتها على ما نختاره؛ و هي كالمقيّدة، و قولهم:«القتل [أنفى للقتل] (4)»، حركاته متعاقبة بالسكون بخلاف الآية.
السابع عشر: الآية اشتملت على فنّ بديع؛ و هو جعل أحد الضدين الذي هو الفناء و الموت محلا و مكانا لضدّه الذي هو الحياة، و استقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة. ذكره في «الكشاف (5)».
الثامن عشر: أنّ في الآية طباقا؛ لأنّ القصاص (6)مشعر بضدّ الحياة، بخلاف المثل.225/3 التاسع عشر: القصاص في الأعضاء و النفوس، و قد جعل في الكلّ حياة؛ فيكون جمعا بين حياة النفس و الأطراف، و إن فرض قصاص بما لا حياة فيه كالسنّ؛ فإن مصلحة الحياة تنقص بذهابه، و يصير (7)كنوع آخر؛ و هذه اللطيفة لا يتضمنها المثل.
العشرون: أنها أكثر فائدة لتضمنه القصاص في الأعضاء، و أنه نبّه على حياة النفس من وجهين: من وجه به القصاص صريحا، و من وجه القصاص في الطرف؛ لأن أحد أحوالها أن يسري إلى (8)النفس فيزيلها، و لا كذلك المثل.).
و قد قيل غير ذلك.
و أما زيادة (لكم) ففيها (1)لطيفة؛ و هي بيان (2)العناية بالمؤمنين على الخصوص، و أنهم المراد حياتهم (3)لا غيرهم، لتخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمن سواهم [من غير حذف] (4).
و الحاصل أنّ هذا من البيان الموجز الذي لا يقترن به شيء.
*** و من بديع الإيجاز قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ* اَللّهُ الصَّمَدُ... (الإخلاص:
1-2) الآية، فإنها نهاية التنزيه.
و قوله: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَ عُيُونٍ* وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ (الدخان:
25-26)، و هذا بيان عجيب يوجب التحذير من الاغترار بالإمهال.
و قوله: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (الدخان:40).
و قوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (الدخان:51)، و هذا من أحسن الوعد و الوعيد.
226/3 و قوله: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ (الحجر:94)، فهذه ثلاث كلمات اشتملت على جميع[203/ب] ما في (5)الرسالة.
و قوله: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (الأعراف:199)، فهذه جمعت مكارم الأخلاق كلّها؛ لأن في خُذِ الْعَفْوَ (الأعراف:199) صلة القاطعين، و الصفح عن الظالمين، و في الأمر بالمعروف تقوى اللّه و صلة الأرحام، و صرف اللسان عن الكذب، و في الإعراض عن الجاهلين الصبر و الحلم، و تنزيه النفس عن مماراة السفيه.
و قوله (6): مُدْهامَّتانِ (الرحمن:64)، معناه مسودّتان من شدة الخضرة.
و قوله: لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ (البقرة:
286).).
و قوله: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها (النازعات:31)، فدلّ بأمرين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا و متاعا للأنام، من العشب، و الشجر، و الحبّ، و الثمر، و العصف، و الحطب، و اللباس، و النار، و الملح؛ لأن النار من العيدان، و الملح من الماء.
و قوله: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ (الرعد:4)، فدلّ على نفسه و لطفه و وحدانيته و قدرته، و هدى للحجة على من ضلّ عنه؛ لأنه لو كان ظهور الثمرة بالماء و التربة، لوجب في القياس ألاّ تختلف الطعوم و الروائح، و لا يقع التفاضل في الجنس الواحد إذا نبت في مغرس واحد؛ و لكنّه صنع اللطيف الخبير.
و قوله: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَ لا يُنْزِفُونَ (الواقعة:19)، كيف نفى [عنها] (1)بهذين جميع عيوب الخمر،[و جمع بقوله] (2): لا يُنْزِفُونَ عدم العقل و ذهاب (3)المال و نفاد الشراب.
و قوله: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ* وَ مِنْهُمْ مَنْ 227/3 يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَ لَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (يونس:42-43) فدلّ على فضل السمع [على] (4)البصر، حيث جعل مع الصّمم فقدان العقل، و لم يجعل مع العمى إلا فقدان البصر وحده.
[و قوله] (5): وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (هود:44) كيف أمر و نهى، و أخبر و نادى، و نعت و سمّى، و أهلك و أبقى، و أسعد و أشقى، قصّ (6)من الأنباء ما لو شرح ما اندرج في هذه الجملة من بديع اللفظ و البلاغة و الإيجاز و البيان لجفّت الأقلام و انحسرت الأيدي.
و قوله تعالى عن النمل (7): يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ (النمل:18) فجمع في هذه اللفظة أحد عشر جنسا من الكلام، نادت، و كنت، و نبهت و سمّعت (8)،و أمرت، و قضت و حذّرت، و خصت، و عمّت، و أشارت، و غدرت؛ فالنداء «يا»، و الكناية «أيّ»، و التنبيه «ها»، و التسمية النمل، و الأمر،«ادخلوا»، و القصص «مساكنكم»،).
و التحذير «لا يحطمنكم»، و التخصيص سليمان؛ و التعميم جنوده، و الإشارة «و هم»، و العذر (1)«لا يشعرون». فأدّت خمس حقوق: حق اللّه، و حق رسوله، و حقها، و حق رعيتها و حق جنود سليمان. فحقّ اللّه أنها استرعيت (2)على النمل فقامت بحقهم، و حق سليمان أنها نبهته على النمل، و حقها إسقاطها حق اللّه عن الجنود في نصحهم، و حق الجنود بنصحها لهم 228/3 ليدخلوا مساكنهم، و حق الجنود إعلامها إياهم و جميع الخلق أن من استرعى (3)رعيّة فواجب (4)عليه حفظها و الذبّ عنها (5)و هو داخل في الخبر المشهور:«كلّكم راع و كلكم مسئول عن رعيته (6)ليست في المخطوطة.(7)».
و يقال: إن سليمان عليه السلام لم يضحك في عمره إلا مرة واحدة، و أخرى حين أشرف على[204/أ] وادي النمل فرآها على كبر الثعالب (8)،لها خراطيم و أنياب، فقال رئيسهم (9):ادخلوا مساكنكم، فخرج كبير النمل في عظم الجواميس، فلما نظر إليه (10)سليمان هاله، فأراه الخاتم، فخضع له، ثم قال: أ هذه كلها نمل؟ فقال: إن النمل لكبير (11)،إنها ثلاثة أصناف: صنف في الجبال، و صنف في القرى، و صنف في المدن.
فقال سليمان عليه السلام: اعرضها عليّ، فقال له: قف. فبقى [سليمان] (11)عليه السلام تسعين يوما واقفا، يمرّ (12)عليه النمل؛ فقال: هل انقطعت عساكركم، فقال ملك النمل:
لو وقفت إلى يوم القيامة ما انقطعت. و ذكر الجنيد (13)أنّ سليمان عليه السلام قال لعظيم2.
1) في المطبوعة (الغدر).
2) في المخطوطة (استرعت).
3) في المطبوعة (استرعاه).
4) في المطبوعة (فوجب).
5) في المخطوطة (عليها).
6) غرّة حديث متفق عليه عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، أخرجه البخاري في الصحيح 380/2، كتاب الجمعة
7) ، باب الجمعة في القرى و المدن(11)، الحديث(893). و أخرجه مسلم في الصحيح 1459/3، كتاب الإمارة(33)، باب فضيلة الإمام العادل... (5)، الحديث 1829/20.
8) في المخطوطة (البغال).
9) في المخطوطة (رائسهم).
10) في المخطوطة (رآه) بدل (نظر إليه).
11) في المخطوطة (كثير).
12) في المخطوطة (تمر).
13) ترجمته في 217/2.
النمل: لم قلت للنمل: ادخلوا مساكنكم! أخفت عليهم من ظلمنا؟ قال: لا، و لكن خفت أن يفتتنوا بما رأوا (1)من ملكك، فيشغلهم ذلك عن طاعة اللّه [تعالى] (2).
و قوله: وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ] (3)(يس:78-79)، و هذا أشد (4)ما يكون من الحجاج.
و قوله: وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (الزخرف:
39)، و هذا أعظم ما يكون من التحسير (5)
(6-6) ما بين الحاصرتين ليس في المطبوعة.
.و قوله: اَلْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (الزخرف:67)، و هذا أشدّ ما يكون من التنفير عن الخلة إلا على التقوى.
و قوله: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ (الزمر:56)، 229/3 و هذا أشدّ ما يكون من التحذير من التفريط.
و قوله: أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ (فصلت:40)، و هذا أشدّ ما يكون من التبعيد.
و قوله: اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ (فصلت:40)؛ فهذا أعظم ما يكون من التخيير.
و قوله: 6[وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ* وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ*] 6وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ* لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (ق:19-22)، و هذا أبلغ ما يكون من التذكير.
و قوله: كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ* أَ تَواصَوْاة.
بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (الذاريات:52-53)، و هذا أشدّ ما يكون في التقريع على التمادي في الباطل.
و قوله: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ* يَطُوفُونَ بَيْنَها وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (الرحمن:43-44)، و هذا أشدّ ما يكون من التقريع.
[و قوله] (1)وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (آل عمران:185)، و هذا غاية الترهيب.
و قوله: وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ 2وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (فصلت:31)، و هذه غاية الترغيب.
230/3 و قوله: مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ (المؤمنون:91).
و قوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا (الأنبياء:22)، و هذا أبلغ ما يكون من الحجاج؛ و هو الأصل الذي عليه أثبتت دلالة التمانع في علم الكلام.
و قوله: فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَ أَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (الزخرف:71)، و هذا أبلغ ما يكون من الوصف بكل ما تميل إليه النفس من الشهوات، و تلذّ الأعين من المرئيات، ليعلم أن هذا اللفظ القليل جدّا، حوى معاني (2)كثيرة لا تنحصر عددا (3).
و قوله: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ (المنافقون:4)، و هذا أشدّ ما يكون من الخوف.
و قوله: وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ (فاطر:43).
[204/ب] و قوله: إِنَّما بَغْيُكُمْ [عَلى أَنْفُسِكُمْ] (4)(يونس:23).ة.
و قوله: وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (سبأ:51).
و قوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة:2).
و قوله: ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لا شَفِيعٍ يُطاعُ (غافر:18).
و قوله: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ (الأنفال:58)، معناه قابلهم بما يفعلونه معك، و عاملهم مثل معاملتهم لك سواء مع ما يدلّ عليه «سواء» من الأمر بالعدل.
و قوله: وَ غِيضَ الْماءُ [وَ قُضِيَ الْأَمْرُ] (1)(هود:44)، فإنه أشار به إلى انقطاع مدة (2)الماء النازل من السماء و النابع من الأرض. و قوله: وَ قُضِيَ الْأَمْرُ (هود:44) أي هلك من 231/3 قضى هلاكه، و نجا من قدرت نجاته، و إنما عدل عن لفظه إلى لفظ التمثيل؛ لأمرين: اختصار اللفظ، و كون الهلاك و النجاة كانا بأمر مطاع، إذ الأمر يستدعي آمرا و مطاعا، و قضاؤه يدلّ على قدرته.
*** و من أقسام الإيجاز الاقتصار على السبب الظاهر للشيء؛ اكتفاء بذلك عن جميع الأسباب، كما يقال: فلان لا يخاف الشجعان، و المراد لا يخاف أحدا.
و منه قوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ (البقرة:228)، و لا شك أنّ من فسخت النكاح أيضا تتربص، لأن السبب الغالب للفراق الطلاق.
و قوله (3): أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ (النساء:43)، و لم يذكر النوم و غيره؛ لأنّ السبب الضروريّ الناقض خروج الخارج: فإن النوم الناقض ليس بضروريّ، فذكر السبب الظاهر، و علم منه الحكم في الباقي.
و منه قوله: يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى (طه:7)، أي و هو ما لم يقع في و هم الضمير من الهواجس، و لم يخطر على القلوب من مخيّلات الوساوس.).
و منه: (1)[ إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ (الأحزاب:56)، و نظائره.
و كذلك] (1)زيد (3)و عمرو قائم (3)،على القول بأن «قائم» خبر عن أحدهما، و استغنى به عن (5)[خبر الآخر.
و منها الاقتصار على المبتدأ و إقامة الشيء مقام الخبر نحو: أ قائم الزيدان، فإن «قائم» مبتدأ] (5)لا خبر له.
232/3 و منها باب «علمت أنك قائم»، إذا جعلنا (1)الجملة سادة مسدّ المفعولين؛ فإن الجملة محلّة لاسم واحد سدّ مسدّ اسمين مفعولين من غير حذف.
و منه باب النائب عن الفاعل، في «ضرب زيد»، ف «زيد» دلّ على الفاعل بإعطائه حكمه، و على المفعول بوضعه.
و منها جميع أدوات الاستفهام و الشرط؛ فإنّ «كم مالك» (2)؟يغني عن عشرين أو ثلاثين، و «من يقم أكرمه» يغني عن زيد و عمرو (3)،قاله ابن الأثير (4)في «الجامع».
و منه الألفاظ اللازمة للعموم، مثل أحد و ديّار، قاله ابن الأثير أيضا.
و منه لفظ الجمع؛ فإن «الزيدين» يغني عن زيد و زيد [و زيد] (5)،و كذا التثنية أصلها رجلة.
1) في المخطوطة (جعلت).
2) في المخطوطة (ملك).
3) في المخطوطة (و عمر).
4) هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم، أبو السعادات الشيباني الملقب بمجد الدين المعروف بابن الأثير كان عالما فاضلا و سيدا كاملا قد جمع بين علم العربية و القرآن و النحو و اللغة و الحديث و شيوخه و صحته و سقمه و الفقه و كان شافعيا من تصانيفه «الباهر في الفروق في النحو» و «الإنصاف في تفسير القرآن» و «غريب الحديث» ت في 606 ه (ياقوت، معجم الأدباء 71/17). و كتابه «جامع الأصول من أحاديث الرسول» طبع في القاهرة بالمطبعة الجمالية عام 1331 ه/1912 م، و طبع بتحقيق محمد حامد الفقي بمطبعة السنة المحمدية في القاهرة عام 1377 ه/1955 م، و طبع بتحقيق عبد القادر الأرناءوط بدمشق مكتبة الحلواني عام 1391 ه/1971 م، و صور في بيروت بدار إحياء التراث عن طبعة حامد الفقي عام 1400 ه/1980 م، و في دار الفكر عن طبعة عبد القادر الأرناءوط-مع فهارس (ذخائر التراث العربي 39/1، دليل المطبوعات المصرية لعام 1940-1956، معجم المنجد 5/1).
5) ساقطة من المخطوطة.
و رجل، فحذفوا العطف و المعطوف، و أقاموا حرف الجمع و التثنية مقامهما اختصارا و صحّ ذلك لاتفاق الذاتين في التسمية بلفظ واحد، فإن اختلف لفظ الاسمين رجعوا إلى التكرار بالعطف؛ نحو مررت بزيد و بكر.
و منه (1)باب الضمائر على ما سيأتي بيانه، في قاعدة الضمير.
و منه لفظ «فعل» فإنه يجيء كثيرا كناية عن أفعال متعددة، قال تعالى: لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (المائدة:79) وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ (النساء:66).
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا (البقرة:24)، أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله، و لن تأتوا بسورة من مثله.
233/3 هو أحد أساليب البلاغة؛ فإنهم أتوا به دلالة على تمكنهم في الفصاحة، و ملكتهم في الكلام و انقياده لهم. و له في القلوب أحسن موقع، و أعذب مذاق.
و قد اختلف[205/أ] في عدّه من المجاز؛ فمنهم من عدّه منه؛ لأنه (2)تقديم ما رتبته التأخير، كالمفعول، و تأخير ما رتبته التقديم، كالفاعل [على] (3)،نقل كل واحد منهما عن رتبته و حقه.
و الصحيح أنّه ليس منه؛ فإنّ المجاز نقل ما وضع له إلى ما لم يوضع.
و يقع الكلام فيه في فصول:
الأول: في أسبابه، و هي كثيرة:
أحدها: أن يكون أصله التقديم، و لا (5)مقتضى للعدول عنه (5)،كتقديم الفاعل على المفعول، و المبتدأ على الخبر، و صاحب الحال عليها؛ نحو جاء زيد راكبا.
و الثاني: أن يكون في التأخير إخلال ببيان المعنى، كقوله تعالى: وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ (غافر:28)، فإنّه لو أخر قوله: مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ (غافر:28)، (1)[عن قوله يَكْتُمُ إِيمانَهُ لتوهم أنه من صفة يكتم فيكون المعنى: إن الرجل يكتم إيمانه من آل فرعون] (1) فلا يفهم أنه منهم.
234/3/و جعل السكاكي (1)من (2)الأسباب كون التأخير مانعا، مثل الإخلال بالمقصود، كقوله تعالى: [وَ قالَ الْمَلَأُ] 5 مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَ أَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (المؤمنون:33) بتقديم الحال أعني مِنْ قَوْمِهِ (المؤمنون:33) على الوصف، أعني اَلَّذِينَ كَفَرُوا (المؤمنون:33) و لو تأخر لتوهّم أنه من صفة الدنيا؛ لأنها هاهنا اسم تفضيل؛ من الدنو، و ليست اسما، و الدنوّ يتعدّى ب «من»، و حينئذ يشتبه الأمر في القائلين أنهم (3)أهم: من قومه أم لا؟ فقدّم لاشتمال (4)التأخير على الإخلال ببيان المعنى المقصود؛ و هو كون القائلين من قومه. و حين أمن (5)هذا الإخلال بالتأخير قال (6)
(10-10) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
(12-12) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
تعالى في موضع آخر من هذه السورة. فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ 10[ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ] (10) (المؤمنون:24)، بتأخير المجرور عن صفة المرفوع.*** الثالث: أن يكون في التأخير إخلال بالتناسب، فيقدّم لمشاكلة الكلام و لرعاية الفاصلة، كقوله: 12[وَ اسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ] 12 إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (فصلت:37)، بتقديم «إياه» على «تعبدون» لمشاكلة رءوس الآي؛ و كقوله: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (طه:ة.
و كقوله: وَ تَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ (إبراهيم:50)؛ فإن تأخير الفاعل عن المفعول لمناسبته لما بعده.
و كقوله: إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (إبراهيم:51)، و هو أشكل بما قبله، لأن قبله:
مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (إبراهيم:49).
و جعل منه السكاكي (1): آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَ مُوسى (طه:70)، بتقديم 235/3 هارُونَ (طه:70) مع أن مُوسى (طه:70) أحقّ بالتقديم.
*** الرابع: لعظمه (2)و الاهتمام به؛ و ذلك أنّ من عادة العرب الفصحاء، إذا أخبرت عن مخبر ما-و أناطت (3)به حكما-و قد يشركه غيره في [ذلك] (4)الحكم، أو فيما أخبر به عنه، و قد عطفت أحدهما على الآخر بالواو المقتضية عدم الترتيب فإنهم مع ذلك إنما (5)يبدءون بالأهم و الأولى. قال سيبويه (6):«كأنهم يقدّمون الذي بيانه (7)أهمّ لهم، و هم ببيانه أعنى، و إن كانا جميعا يهمّانهم و يعنيانهم». انتهى.
قال تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ (البقرة:43)، فبدأ بالصلاة لأنها أهمّ.
و قال [سبحانه] (8): وَ أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ (التغابن:12).ة.
1) انظر مفتاح العلوم:239، النوع الثالث من أنواع باب التقديم و التأخير مع الفعل.
2) في المخطوطة (للعظمة).
3) في المخطوطة (أو أناطت).
4) ساقطة من المخطوطة.
5) في المخطوطة (كذا).
6) انظر الكتاب 34/1 باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعول.
7) تصحفت في المخطوطة و المطبوعة إلى (شأنه) و ما أثبتناه من الكتاب.
8) ليست في المخطوطة.
(1) [و قال تعالى: فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ (الأعراف:158).
و قال تعالى: وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ (التوبة:62)] (1).
و قال تعالى: إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ [205/ب]؛ (الفاتحة:5)؛ فقدّم العبادة للاهتمام بها.
و منه تقدير المحذوف في بسم اللّه مؤخّرا.
و أوردوا: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (العلق:1)؛ و أجيب بوجهين:
أحدهما: أنّ تقديم الفعل هناك أهمّ، لأنها أول سورة نزلت.
و الثاني [أن] (1): بِاسْمِ رَبِّكَ (العلق:1) متعلق ب اِقْرَأْ الثاني، و معنى الأول: أوجد القراءة، و القصد التعميم.
*** 236/3 الخامس: أن يكون الخاطر ملتفتا إليه و الهمة معقودة به؛ و ذلك كقوله تعالى: وَ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ (الأنعام:100)، بتقديم المجرور على المفعول الأول؛ لأن الإنكار متوجّه إلى الجعل للّه، لا إلى مطلق الجعل.
*** السادس: أن يكون التقديم لإرادة التبكيت و التعجيب من حال المذكور، كتقديم المفعول الثاني على الأول في قوله تعالى: وَ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ (الأنعام:100)، و الأصل «الجنّ شركاء»؛ و قدّم، لأنّ المقصود التوبيخ، و تقديم الشركاء أبلغ في حصوله.
و منه قوله تعالى في سورة يس: وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى (يس:20)، و سنذكره.
*** السابع: الاختصاص، و ذلك بتقديم المفعول، و الخبر، و الظرف، و الجار و المجرور،ة.
1) ساقطة من المخطوطة.
و نحوها [تقديم المفعول] (1)على الفعل، كقوله تعالى: إِيّاكَ نَعْبُدُ (الفاتحة:5)، أي نخصّك بالعبادة فلا نعبد غيرك.
و قوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (النحل:114)، أي إن كنتم تخصّونه بالعبادة.
و الخبر كقوله [تعالى] (2): [قالَ] 3أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي (مريم:46)، و قوله: وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللّهِ (الحشر:2).
و أما تقديم الظرف؛ ففيه تفصيل، فإن كان في الإثبات دلّ على الاختصاص، كقوله [تعالى] (3): إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (الغاشية:25-26)، و كذلك:
لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ (التغابن:1)، فإن ذلك يفيد اختصاص ذلك باللّه تعالى: و قوله:
لَإِلَى اللّهِ تُحْشَرُونَ (آل عمران:158) أي لا إلى غيره، و قوله: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى 327/3 النّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (البقرة:143)، أخّرت صلة الشهادة في الأوّل و قدمت في الثاني؛ لأنّ الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، و في اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم.
و قوله: وَ أَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً (النساء:79)، أي لجميع الناس من العجم و العرب (4)،على أن التعريف للاستغراق.
و إن كان في النفي فإن تقديمه يفيد تفضيل المنفيّ [عنه] (5)
(7-7) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
،كما في قوله تعالى (7)[ لا فِيها غَوْلٌ وَ لا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (الصافات:47)، أي ليس في خمر الجنة ما في خمرة غيرها من الغول.و أما تأخيره فإنها تفيد النفي فقط، كما في قوله] (7): لا رَيْبَ فِيهِ (البقرة:2) فكذلك إذا قلنا لا عيب في الدار؛ كان معناه: نفي العيب في الدار، و إذا قلنا لا في الدار عيب، كان معناه: أنها تفضّل على غيرها بعدم العيب.ة.
ما ذكرناه من أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص، فهمه الشيخ أبو حيان في كلام الزمخشري و غيره، و الذي عليه محققو البيانيين أن ذلك غالب لا لازم، بدليل قوله تعالى:
كُلاًّ هَدَيْنا وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ (الأنعام:84)، و قوله: أَ فِي اللّهِ شَكٌّ (إبراهيم:
(10)، إن جعلنا ما بعد الظرف مبتدأ.
و قد ردّ صاحب (1)«الفلك الدائر» القاعدة بالآية الأولى، و كذلك ابن الحاجب (2)و الشيخ 238/3 أبو حيان، و خالفوا البيانيين في ذلك، و أنت إذا علمت أنهم ذكروا في ذلك قيد الغلبة سهل الأمر. نعم له شرطان:
أحدهما: ألا (3)يكون المعمول مقدما بالوضع؛ فإن ذلك لا يسمى تقديما حقيقة، كأسماء الاستفهام، و كالمبتدإ عند من يجعله معمولا لخبره.
و الثاني: ألاّ يكون التقديم لمصلحة التركيب، مثل: وَ أَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ (فصلت:
و قد اجتمع الاختصاص و عدمه في آية واحدة؛ و هي قوله [تعالى]: أَ غَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ [206/أ] فَيَكْشِفُ (الأنعام:40-41)، التقديم في الأول قطعا ليس للاختصاص، بخلاف الثاني.
في أنواعه
و هي إما أن يقدّم و المعنى عليه، أو يقدّم و هو في المعنى مؤخر، أو بالعكس.
1) هو عبد الحميد بن هبة اللّه، ابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي تقدم ذكره في 251/2. و كتابه «الفلك الدائر على المثل السائر» و هو نقد لكتاب المثل السائر لضياء الدين ابن الأثير الجزري، طبع في بومبايي بالهند عام 1309 ه/1891 م، و طبع بتحقيق د. بن بدوي طبانة و أحمد الحوفي في الرياض-بدار الرفاعي-عام 1404 ه/1984 م (معجم سركيس:30 أخبار التراث 26/16).
2) هو أبو عمرو عثمان بن عمر بن يونس ابن الحاجب تقدم التعريف به في 466/1.
3) في المخطوطة (أن).
4) بدون تنوين، ممنوعا من الصرف و هي قراءة الحسن،(البحر المحيط:491/7).
ما قدم و المعنى عليه
و مقتضياته كثيرة، قد يسر اللّه خمسا و عشرين، و للّه درّ ابن عبدون (1)في قوله:
سقاك الحيا من مغان سفاح (2)فكم لي بها من معان فصاح
السبق
و هو أقسام: منها السبق بالزمان و الإيجاد، كقوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ (آل عمران:68) قال ابن عطية (3):المراد بالذين اتبعوه في زمن الفترة.
و قوله: اَللّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَ مِنَ النّاسِ (الحج:75)؛ فإن (4)مذهب أهل السنة تفضيل البشر، و إنما قدّم الملك لسبقه في الوجود.
و قوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَ بَناتِكَ (الأحزاب:59)؛ فإنّ الأزواج أسبق بالزمان؛ لأن البنات أفضل منهنّ، لكونهنّ بضعة منه صلّى اللّه عليه و سلّم.
و قوله: هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ (الفرقان:74).
1) هو عبد المجيد بن عبدون أبو محمد الفهري، روى عن أبي عاصم بن أيوب و الأعلم الشنتمري و ابن سراج و كان أديبا شاعرا كاتبا عالما بالخبر و الأثر و معاني الحديث ت 520 ه (فوات الوفيات 388/2، الترجمة رقم 301، و البيت ذكره ابن شاكر ضمن ترجمته، و جاء صدر البيت عنده: سقاها الحيا من مغان فساح
2) في المخطوطة (فساح).
3) هو عبد الحق بن غالب الغرناطي صاحب «المحرر الوجيز» تقدمت ترجمته في 101/1.
4) في المخطوطة (قال).
و اعلم أنه ينضم إليه مع ذلك التشريف، كقوله: إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ [وَ آلَ عِمْرانَ] (1) (آل عمران:33).
[و قوله] (1): وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسَى (الأحزاب:7).
[و قوله] (1)صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى (الأعلى:19).
و أما [قوله] (2): أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى* وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى (النجم:
36-37) فإنما قدم ذكر موسى لوجهين: أحدهما أنه في سياق الاحتجاج عليهم بالمنزّل (3)و كانت صحف موسى (4)منتشرة أكثر انتشارا من صحف إبراهيم، و ثانيهما مراعاة رءوس الآي.
240/3 و قد ينضم إليه التحقير، كما في قوله [تعالى] (5): غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ الضّالِّينَ (الفاتحة:7)؛ تقدّم اليهود لأنهم كانوا أسبق من النصارى، و لأنهم كانوا أقرب إلى المؤمنين بالمجاورة.
و قد لا يلحظ هذا كقوله تعالى: وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ (العنكبوت:38) و قوله: وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى* وَ ثَمُودَ فَما أَبْقى (النجم:50- 51).
و من التقديم بالإيجاد تقديم السّنة على النوم في قوله [تعالى] (6): لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ (البقرة:255) لأن العادة في البشر أن تأخذ (7)العبد السنة قبل النوم، فجاءت العبارة على حسب هذه العادة.
ذكره السهيلي (8)و ذكر معه وجها آخر؛ و هو أنها وردت في معرض (9)التمدح [و الثناء] (10)و الثناء (11)السّنة أبلغ في التنزيه فبدىء (12)بالأفضل؛ لأنه إذا استحالت عليه السّنة فأحرى أن يستحيل عليه النوم.).
1) ليست في المطبوعة.
2) ليست في المخطوطة.
3) في المطبوعة (بالترك).
4) زيادة كلمة (منه) بعد (موسى).
5) ليست في المطبوعة.
6) ليست في المطبوعة.
7) في المخطوطة (يأخذ).
8) هو عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أحمد السهيلي تقدم التعريف به في 242/1.
9) في المخطوطة (عرض).
10) ليست في المخطوطة.
11) في المطبوعة (و افتقاد).
12) في المخطوطة (فبدأ).
و منه تقديم الظّلمة على النور في قوله تعالى: وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ (الأنعام:1) فإنّ الظلمات سابقة على النور في الإحساس، و كذلك الظلمة المعنوية سابقة على النور المعنوي؛ قال تعالى: وَ اللّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ (النحل:78) فانتفاء العلم ظلمة، و هو متقدم بالزمان على نور الإدراكات.
و منه تقديم الليل على النهار: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ (الإسراء:12) سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيّاماً آمِنِينَ (سبأ:18). بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ (سبأ:33). حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ (الروم:17) و لذلك اختارت العرب التاريخ بالليالي دون الأيام؛241/3 و إن كانت الليالي مؤنثة و الأيام مذكّرة، و قاعدتهم تغليب المذكّر إلا في التاريخ.
فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى: لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لاَ اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ (يس:40).
قلت: استشكل الشيخ [أبو] (1)محمد بن عبد السلام (2)في «قواعده»[ذلك] (3)بالإجماع على سبق الليلة (4)[206/ب] على اليوم. و أجاب بأن المعنى: تدرك القمر في سلطانه، و هو الليل، أي لا تجيء الشمس في أثناء الليل، فقوله بعده: وَ لاَ اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (يس:40)، أي لا يأتي [الليل] (5)في بعض سلطان الشمس و هو النهار. و بين الجملتين مقابلة.
فإن قيل: قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ (الحديد:
قلت: المشهور في معنى (6)الآية أن اللّه يزيد في زمن الشتاء مقدارا من النهار، و من (7)النهار في الصيف مقدارا من الليل؛ و تقدير الكلام: يولج بعض مقدار الليل في النهار، و بعض مقدار النهار في الليل. و على غير المشهور، يجعل (8)الليل في المكان الذي كان فيه).
النّهار و يجعل النهار في المكان الذي كان فيه الليل، و التقدير: يولج الليل في مكان النهار و يولج النهار في مكان الليل.
و منه تقديم المكان على الزمان في قوله: خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ 242/3 وَ النُّورَ (الأنعام:1)، أي الليل و النهار، و قوله: وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ* وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (الأنبياء:32-33).
و هذه مسألة مهمة قلّ من تعرّض لها، أعني سبق المكان على الزمان، و قد صرّح بها الإمام أبو جعفر الطبري في أول «تاريخه (1)،و احتج على ذلك بحديث ابن عباس: إن اللّه خلق التربة يوم السبت، و خلق الشمس و القمر؛ و كان ذلك كلّه و لا ليل و لا نهار؛ إذ كانا إنما هما أسماء لساعات معلومة من قطع الشمس و القمر و إذا كان (2)ذلك صحيحا و أنه لا شمس و لا قمر، كان معلوما (3)أنه لا ليل و لا نهار. قال: و حديث أبي هريرة-يعني في صحيح مسلم- صريح فيه؛ فإن فيه:«و خلق [اللّه] (4)النور يوم الأربعاء» (5)،قال: و يعني به الشمس إن شاء اللّه.
و الحاصل أنّ تأخر خلق الأيام عن بعض الأشياء المذكورة في الخبر لازم.
فإن قلت: الحديث كالمصرّح بخلافه؛ فإنه قال: خلق اللّه التربة يوم السبت، حين خلق البرية و هي أول المخلوقات المذكورة، فلا يمكن أن يكون خلق الأيام كلّها متأخرا عن ذلك.
قلت: قد نبّه الطبريّ على جواب ذلك بما حاصله: أن (6)اللّه تعالى سمّى أسماء الأيام قبل خلق التربة، و خلق الأيام كلّها، ثم قدّر كل يوم مقدارا، فخلق التربة في مقدار يوم).
السبت قبل خلقه يوم السبت، و كذا الباقي.
و هذا و إن كان خلاف الظاهر لكن أوجبه ما قاله الطبري؛ من أنه يتعين (1)تأخير [خلق] (2)
(3-3) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
الأيام لما ذكرناه من الدليل المستفاد من الخبرين.و الحاصل أن الزمان قسمان: تحقيقيّ و تقديريّ؛ و المذكور في الحديث التقديريّ.
و منه قوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (الرحمن:17). مَشارِقَ 243/3 الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا (الأعراف:137)؛ و لذلك لما استغنى عن أحدهما ذكر المشرق فقط، فقال: وَ رَبُّ الْمَشارِقِ (الصافات:5). إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا (الصافات:6).
و منه قوله تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ (الملك:2)، و قوله[207/أ]:
(3) [ وَ أَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَ أَحْيا (النجم:44). وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ (البقرة:28).
و يمكن فيه وجوه أخر:
منها أن فيه قهرا للخلق، و المقام يقتضيه.
و منها أنّ حياة الإنسان كلا حياة، و مآله إلى الموت] (3)،و لا حياة إلا بعد الموت.
و منها (3)أن الموت تقدم (4)في الوجود، إذ (5)الإنسان قبل (6)نفخ الروح فيه [كان] (7)
(10-10) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
ميتا لعدم الروح و هذا إن أريد بالموت عدم الوجود؛ بدليل: وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ (البقرة:28)، و إن أريد به بعد الوجود، فالناس متنازعون في الموت: هل هو أمر وجوديّ (10)[كالحياة أولا؟ و قيل بالوقف، فقالت الفلاسفة: الموت عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيّا.
و الجمهور على أنه أمر وجوديّ] (10)يضادّ الحياة، محتجين بقوله: اَلَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَة.
1) تكررت العبارة في المخطوطة كما يلي(... يتعين خلق الأيام كلها ثم قدّر كل يوم مقدارا فخلق التربة في مقدار يوم السبت قبل خلقه يوم السبت و كذا الباقي و هذا و ان كان خلاف الظاهر...) الخ.
2) ساقطة من المطبوعة.
3) في المخطوطة (و منه).
4) في المخطوطة (يقدم).
5) في المخطوطة (إن).
6) في المخطوطة (كان قبل).
7) ساقطة من المخطوطة.
وَ الْحَياةَ (الملك:2)، و الحديث في الإتيان بالموت في صورة كبش و ذبحه (1)في المخطوطة (فجاء).(2).
و أجيب عن الآية بأن الخلق بمعنى التقدير، و لا يجب في المقدّر أن يكون وجوديّا، و عن الثاني بأنّ ذلك على طريق التمثيل؛ لبيان انقطاع الموت و ثبوت الخلود.
فإن قلنا: عدميّ، فالتقابل بينه و بين الحياة تقابل العدم [و الملكة] (3)و على الصحيح تقابل التضاد. و على القول بأنه وجوديّ يجب أن يقال: تقديم (4)الموت الذي هو عدم 244/3 الوجود؛ لكونه (5)سابقا أو معدوم (6)الحياة، الذي هو مفارقة الروح البدنيّ يجوز أن يكون لكونه الغاية التي يساق إليها [الإنسان] (7)في دار الدنيا؛ فهي العلّة الغائبة بعدم تحقيقها (8)
(8-8) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
،لتحققه، (8)[فخص العلة العامة] (8)كما وقع تأكيده في قوله: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (المؤمنون:15)، أو تزهيدا في الدار الفانية، و ترغيبا فيما بعد الموت.فإن قيل: فما وجه تقدّم (9)«الحياة» في قوله: قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَ فِيها تَمُوتُونَ (الأعراف:25) و قوله: وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (الأنعام:162).
قلنا: إن كان الخطاب لآدم و حواء، فلأنّ حياتهما [في الدنيا] (10)سبقت الموت، و إن كان للخلق بالخطاب لمن هو حيّ يعقبه (11)الموت، فما (13)التقديم بالترتيب، و كذا الآية بعده.).
1) من حديث عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:«يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد...» الحديث. أخرجه البخاري في الصحيح 428/8، كتاب التفسير 65، السورة (19) باب(1)، الحديث(4730). و مسلم في الصحيح 188/4 كتاب الجنة و صفة نعيمها و أهلها (51)، باب النار يدخلها الجبارون...
2) ، الحديث 2849/40.
3) ساقطة من المخطوطة.
4) في المخطوطة (يقدم).
5) في المخطوطة (و لكونه).
6) في المخطوطة (تقدم).
7) ساقطة من المطبوعة.
8) في المخطوطة (بعد ما تحقيقا).
9) في المخطوطة (تقديم).
10) ساقطة من المخطوطة.
11) في المخطوطة (يقتضيه).
فإن قيل: فما وجه تقديم الموت على الحياة في الحكاية عن منكر البعث (1)[في قوله وَ قالُوا] 1ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا (الجاثية:24) (3)[فإن التقدير نحيا و نموت] (3).
قلت: لأجل مناسبة رءوس الآي.
فإن قلت: فما وجه تقدم التوفّي على الرفع في قوله: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ إِلَيَّ (آل عمران:55) مع أنّ الرفع سابق؟ قيل: فيه جوابان:
أحدهما: المراد بالتوفّي [في] (5) النوم، كقوله تعالى: يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ (الأنعام:60).
و ثانيهما: أن التاء في «متوفّيك» زائدة، أي موفيك عملك.
و منها سبق إنزال، كقوله [تعالى] (5): وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ* مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ (آل عمران:3-4). و قوله: اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ (الأعراف:157).
و أما قوله: وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ (آل 245/3 عمران:199)، فإنّما (1)قدم القرآن منبّها (2)له على فضيلة المنزّل إليهم.
و منها سبق وجوب، كقوله تعالى: اِرْكَعُوا وَ اسْجُدُوا (الحج:77)، و قوله:
تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً (الفتح:29).
فإن قيل: فقد قال: وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي 9 مَعَ الرّاكِعِينَ (آل عمران:43).
قيل: يحتمل أنه كان في شريعتهم السجود قبل الركوع، و يحتمل أن يراد بالركوع ركوع الركعة الثانية.).
و قيل: المراد ب «اركعي» اشكري.
و قيل: أراد ب «اسجدي» صلّي وحدك، و ب «اركعي» صلّي في جماعة، و لذلك قال: مَعَ الرّاكِعِينَ .(آل عمران:43).
و منها سبق تنزيه، كقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ [وَ رُسُلِهِ] (1)(البقرة:285)، فبدأ بالرسول قبل المؤمنين، ثم قال: كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَ مَلائِكَتِهِ (البقرة:285)، فبدأ بالإيمان باللّه؛ لأنه قد يحصل بدليل العقل، و العقل[207/ب] سابق (2)في الوجود على الشرع، ثم قال: وَ مَلائِكَتِهِ مراعاة لإيمان الرسول، فإنه يتعلق بالملك الذي هو جبريل [أوّلا] (3)ثم بالكتاب الذي نزل به جبريل، ثم بمعرفة نفسه أنه رسول. و إنما عرف نبوة نفسه بعد معرفته بجبريل (4)
(5-5) ليست في المخطوطة.
عليه السلام و إيمانه، فترتب الذكر المنزل عليه بحسب ذلك، فظهرت الحكمة و الإعجاز، فقال: كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ (البقرة:285)؛ لأن الملك هو النازل بالكتاب، و إن كان الكتاب أقدم من الملك، و لكن رؤية النبي صلّى اللّه عليه و سلّم للملك كانت قبل سماعه الكتاب. و أما إيماننا 246/3 نحن بالعقل، آمنا باللّه، أي بوجوده، و لكن الرسول صلّى اللّه [تعالى] (5)عليه و سلّم عرفنا اسمه و وجوب النظر المؤدي إلى معرفته، فآمنا بالرسول ثم بالكتاب المنزل عليه، و بالملك النازل به، فلو ترتب اللفظ على حسب إيماننا لبدأ بالرسول قبل الكتاب؛ و لكن إنما ترتب على حسب إيمان الرسول صلّى اللّه [تعالى] (5)عليه و سلّم، الذي هو إمام المؤمنين. ذكره السهيليّ (5)في «أماليه».و قال غيره: في هذا الترتيب سرّ لطيف، و ذلك لأن النور و الكمال و الرحمة و الخير كلّه مضاف إلى اللّه تعالى، و الوسائط في ذلك الملائكة، و المقابل لتلك الرحمة هم الأنبياء و الرسل، فلا بدّ أولا من أصل، و ثانيا من وسائط، و ثالثا من حصول تلك الرحمة، و رابعا من وصولها إلى المقابل لها؛ و الأصل المقتضي للخيرات و الرحمة هو اللّه، و من أعظم رحمة رحم بها عباده إنزال كتبه إليهم، و الموصل لها هم الملائكة، و المقابل لها المنزلة عليهم هم الأنبياء؛ فجاء الترتيب على ذلك بحسب الوقائع.3.
بالذات
كقوله تعالى: مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ (النساء:3). و نحوه ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ (المجادلة:7)، و قوله: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ (الكهف:22) و كذلك جميع الأعداد كلّ مرتبة هي متقدمة على ما فوقها بالذات.
و أما قوله تعالى: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَ فُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ [مِنْ جِنَّةٍ] (1)(سبأ:46) فوجه تقديم المثنى أن المعنى حثّهم على القيام بالنصيحة للّه، و ترك الهوى، مجتمعين متساويين أو منفردين متفكرين. و لا شك أنّ الأهمّ حالة الاجتماع فبدأ بها.
بالعلّة و السببية
247/3 كتقديم «العزيز» على «الحكيم»، لأنه عزّ فحكم، و تقديم «العليم» على «الحكيم»، لأن الإتقان ناشئ [عن العلم] (2)،و كذا أكثر ما في القرآن من تقديم وصف العلم على الحكمة: قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (البقرة:32).
و يجوز أن يكون قدّم وصف العلم هنا ليتّصل بما يناسبه (3)
(4-4) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
،و هو لا عِلْمَ لَنا (البقرة:32)، (4)[و يجوز أن يكون قدم وصف العلم هنا] (4) و في غيره من نظائره، لأنه صفات (4)ذات فيكون من القسم قبله.و منه قوله: إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة:5)، قدمت العبادة لأنها سبب حصول الإعانة.
و قوله: إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (البقرة:222)؛ فإنّ التوبة سبب الطهارة.
و كذا: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (الجاثية:7) لأن (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
الإفك سبب الإثم.و كذا: (2)[ وَ ما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ] 2كُلُّ [208/أ] مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (المطففين:12).
و قوله: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً* لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَ نُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَ أَناسِيَّ كَثِيراً (الفرقان:48-49) قدم إحياء الأرض؛ لأنّه سبب إحياء الأنعام [و الأناسيّ] (2)، و قدّم إحياء الأنعام؛ لأنّه مما يحيا به الناس، بأكل لحومها و شرب ألبانها.
248/3 و كذا كل علة مع معلولها، كقوله (2): وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ (الأنفال:
28)، قيل: قدّم الأموال من باب تقديم السبب؛ فإنه إنّما شرع النكاح عند قدرته على مئونته، فهو سبب التزويج، و التزويج سبب للتناسل؛ و لأنّ المال سبب للتنعيم بالولد، و فقده سبب لشقائه (3)
(7-7) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
.و كذا تقديم البنات على البنين في قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ (آل عمران:14) (7)[و أخّر ذكر الذهب و الفضة] (7)عن النساء و البنين لأنهما أقوى في الشهوة الجبلّيّة (4)من المال، فإن الطبع يحث [على] (5)بذل المال، فيحصل (6)النكاح، و النساء أقعد من الأولاد في الشهوة الجبليّة (7)
(13-13) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
، (13)[و البنون أقعد من الأموال، و الذهب أقعد من الفضة، و الفضة أقعد (13)من الأنعام؛ إذ هي وسيلة إلى تحصيل النّعم، فلما صدّرت الآية بذكر الحب، و كان المحبوب مختلف المراتب، اقتضت حكمة الترتيب أن يقدّم ما هو الأهمّ فالأهمّ، في رتبة المحبوبات.ة.و قال الزمخشريّ (1)في قوله تعالى: ما يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ (النساء:147)، قدّم الشكر على الإيمان؛ لأنّ العاقل ينظر ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه و تعريضه للمنافع، فيشكر شكرا مبهما؛ فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن (2)به، ثم شكر شكرا منفصلا (3)فكان الشكر متقدما على الإيمان؛ و كأنه أصل التكليف و مداره. انتهى.
و جعله غيره من عطف الخاص على العام؛ لأن الإيمان من الشكر، و خصّ بالذكر لشرفه.
بالرتبة
249/3 كتقديم «سميع» على «عليم» فإنه يقتضي التخويف و التهديد، فبدأ بالسميع لتعلقه بالأصوات، و إنّ من سمع حسك فقد يكون أقرب إليك في العادة ممن يعلم، و إن كان علم اللّه تعلق بما ظهر و ما بطن.
و كقوله: غَفُورٌ رَحِيمٌ (البقرة:173)، فإن المغفرة سلامة، و الرحمة غنيمة، و السلامة مطلوبة قبل الغنيمة؛ و إنما تأخرت في آية سبأ في قوله: اَلرَّحِيمُ الْغَفُورُ (سبأ:
2)؛ لأنها منتظمة في سلك تعداد أصناف الخلق من المكلّفين و غيرهم، و هو قوله: ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها وَ هُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (سبأ:
2)، فالرحمة شملتهم (4)جميعا، و المغفرة تخصّ بعضا، و العموم قبل الخصوص بالرتبة.
و قوله تعالى: هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ (القلم:11) فإن الهمّاز هو المغتاب؛ و ذلك لا يفتقر إلى شيء بخلاف النميمة.
و قوله [تعالى] (5)
(6-6) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
يَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى كُلِّ ضامِرٍ (الحج:27) (6)[فإنّ الغالب أنّ الذين يأتون رجالا من مكان قريب، و الذين يأتون على الضامر] (6)من البعيد. و يحتمل أنيكون من التقديم بالشرف (1):لأن الأجر في المشي مضاعف.
و أما قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً (البقرة:239) مع أنّ الراكب متمكن من الصلاة أكثر من الماشي، فجبرا (2)له في باب الرخصة.
250/3 و منه قوله تعالى: وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (3)(الحج:
26)، فقدّم الطائفين لقربهم من البيت؛ ثم ثنّى[208/ب] بالقائمين و هم العاكفون؛ لأنهم يخصّون موضعا بالعكوف و الطواف بخلافه فكان أعمّ منه، و الأعمّ قبل الأخصّ [بالمرتبة] (4)،ثم ثلث بالرّكوع، لأنّ الركوع لا يلزم أن يكون في البيت و لا عنده.
ثم في هذه الآية [ثلاثة] (5)أسئلة:
الأول: كيف جمع الطائفين و القائمين جمع سلامة، و الرّكع جمع تكسير؟ و الجواب أنّ جمع السلامة أقرب إلى لفظ الفعل، فطائفون بمنزلة يطوفون، ففي لفظه إشعار بصلة (6)التطهير، و هو حدوث الطواف و تجدّده، و لو قال: بالطواف لم يفد (7)ذلك، لأن لفظ المصدر يخفي ذلك؛ و كذا القول في القائمين، و أمّا الراكعون فلما سبق أنه لا يلزم كونه في البيت و لا عنده؛ فلهذا لم يجمع جمع سلامة (8)إذ لا يحتاج فيه إلى بيان الفعل الباعث على التطهير، كما احتيج فيما قبله.
الثاني: كيف وصف الركّع بالسجود، و لم يعطف بالواو؟ و الجواب، لأن الركّع هم السّجود، و الشيء لا يعطف على نفسه؛ لأن السجود يكون عبارة عن المصدر، و هو هنا عبارة عن الجمع، فلو عطف بالواو لأوهم إرادة المصدر دون اسم).
1) في المخطوطة (من الشرف).
2) اضطربت العبارة في المخطوطة إلى (جوابه في باب الرخصة) أو (جيء به في).
3) الآية في المطبوعة أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ... (البقرة:125).
4) ساقطة من المطبوعة.
5) ساقطة من المخطوطة.
6) في المخطوطة (بقلة).
7) في المخطوطة (يقبل).
8) في المخطوطة (السلامة).
الفاعل؛ لأن الراكع إن لم يسجد فليس براكع شرعا، و لو (1)عطف بالواو لأوهم أنه مستقلّ، كالذي قبله.
الثالث: هلاّ قيل: السّجّد كما قيل الرّكّع، و كما جاء في آية أخرى: تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً (الفتح:29)، و الركوع (2)قبل السجود! و الجواب أنّ السجود يطلق على وضع الجبهة بالأرض و على الخشوع، فلو قال: السجّد، لم يتناول إلا المعنى الظاهر، و منه:
تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً (الفتح:29)، و هو من رؤية العين،[و رؤية العين] (3)لا تتعلّق 251/3 إلا بالظاهر، فقصد بذلك الرمز إلى السجود المعنويّ و الصوري (4)بخلاف الركوع، فإنّه ظاهر في أعمال الظاهر التي يشترط فيها البيت كما في الطواف و القيام المتقدم، دون أعمال القلب، فجعل السجود وصفا للركوع و تتميما له؛ لأنّ الخشوع روح الصلاة و سرّها الذي شرعت له.
بالداعية
كتقدم الأمر بغضّ الأبصار على حفظ الفروج في قوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ (النور:30)، لأن البصر داعية إلى الفرج، لقوله صلّى اللّه عليه و سلّم:
«العينان تزنيان و الفرج يصدّق ذلك أو يكذبه» (5).
التعظيم
كقوله: وَ مَنْ يُطِعِ اللّهَ وَ الرَّسُولَ (النساء:69).
و قوله: إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ (الأحزاب:56).
شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ (آل عمران:18).
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا (المائدة:55).
252/3
الشرف و هو أنواع
منها شرف الرسالة، كقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا [مِنْ قَبْلِكَ] 1مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ (الحج:
52)، فإنّ الرسول أفضل من النبي؛ خلافا لابن عبد السلام (1).
و قوله: اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ (الأعراف:157)[و قوله] (2)
(4-4) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
: وَ كانَ رَسُولاً نَبِيًّا (مريم:54).و منها شرف الذكورة:
كقوله تعالى (4)[ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ (الأحزاب:35).
و قوله: أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى (النجم:21).
و قوله: رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً (النساء:1).
و أما تقديم الإناث في قوله تعالى] (4): يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً (الشورى:49)، فلجبرهنّ، إذ هنّ موضع الانكسار، و لهذا جبر الذكور بالتعريف، للإشارة إلى ما فاتهم من فضيلة التقديم.
و يحتمل أنّ تقديم الإناث، لأن المقصود بيان أن الخلق كلّه بمشيئة اللّه تعالى، لا [على] (3)وفق غرض العباد.
و منها شرف الحريّة، كقوله تعالى: اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ [209/أ] وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ (البقرة:
178)، و من الغريب حكاية بعضهم قولين في أن الحرّ أشرف من العبد أم لا، حكاه [عنه] (4)القرطبي، في تفسير سورة النساء (5)فلينظر فيه.
و منها شرف العقل، كقوله [تعالى] (1)
(2-2) تصحفت في المطبوعة إلى (و أصحاب اليمين عن أصحاب الشمال) و التصويب من المخطوطة.
: يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ 253/3 صَافّاتٍ (النور:41).و قوله: مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ (النازعات:33).
و أما تقديم الأنعام عليهم في قوله: تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ (السجدة:27)، فمن باب تقديم السّبب، و قد سبق.
و منها شرف الإيمان، كقوله تعالى: وَ إِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَ طائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا (الأعراف:87)، و كذلك تقديم المسلمين على الكافرين في كلّ موضع، و الطائع على العاصي (2)وَ أَصْحابُ الْيَمِينِ ثم قال وَ أَصْحابُ الشِّمالِ (2)[الواقعة:27 و 41].
و منها شرف العلم، كقوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (الزمر:9).
و منها شرف الحياة، كقوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (الروم:19).
و قوله: وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لاَ الْأَمْواتُ (فاطر:22). و أما تقديم الموت في قوله تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ (الملك:2)، فمن تقدّم السبق بالوجود، و قد سبق.
و منها شرف المعلوم؛ نحو عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ (المؤمنون:92)، فإن علم الغيبيّات أشرف من المشاهدات.
و منه: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ (الأنعام:3). وَ يَعْلَمُ 4ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ (التغابن:4) و أما قوله: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى (طه:7)، أي من السرّ، فعن ابن 254/3).
1) ليست في المخطوطة.
عباس (1)و غيره: السرّ: ما أسررت في نفسك، و أخفى منه ما لم تحدّث به نفسك، مما (2)يكون في عدّ (3)علم اللّه فيهما سواء، و لا شكّ أن الآتي أبلغ، و فيه (4)وجهان:
أحدهما: أنه أفعل تفضيل يستدعي مفضلا عليه، علم حتى يتحقق في نفسه، فيكون حينئذ تقديم السرّ من النوع الأول.
و ثانيهما: مراعاة رءوس الآي.
و منها شرف الإدراك، كتقديم السّمع على البصر، و السميع على البصير (5)
(6-6) ليست في المخطوطة.
لأنّ السمع أشرف على أرجح القولين عند جماعة، و قدم القلب عليهما في قوله [تعالى] (6):خَتَمَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ [غِشاوَةٌ] (6) (البقرة:7)، لأن الحواسّ خدمة القلب، و موصلة إليه؛ و هو المقصود؛ و أما قوله: وَ خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ (الجاثية:23)، فأخّر القلب فيها؛ لأن العناية هناك بذمّ المتصامّين عن السماع؛ و منهم الذين كانوا يجعلون القطن في آذانهم حتى لا يسمعوا (6)،و لهذا صدرت (7)السورة بذكرهم في قوله: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ* يَسْمَعُ آياتِ اللّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها (الجاثية:7-8).
و منها شرف المجازاة، كقوله: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ (الأنعام:160).
و منها شرف العموم؛ فإنّ العامّ أشرف من الخاص، كتقديم العفوّ على الغفور؛ أي عفوّ عمّا لم يؤاخذنا به مما (8)نستحقّه بذنوبنا، غفور (9)لما و اخذنا به في الدنيا، قبلنا و رجعنا).
1) أخرجه البيهقي في الأسماء و الصفات:151. باب ما جاء في إثبات صفة العلم و أخرجه الحاكم في المستدرك 378/2-379، كتاب التفسير، تفسير سورة طه، باب بيان معنى السر و أخفى. و ذكره السيوطي في الدر المنثور 290/4 و عزاه لابن المنذر و ابن أبي حاتم.
2) في المخطوطة (ما).
3) في المخطوطة (عند) بدل (في عدّ).
4) في المخطوطة (ففيه).
5) العبارة في المخطوطة (و سميع على بصير).
6) في المخطوطة (لا يسمعون) بدل (حتى لا يسمعوا).
7) في المخطوطة (صدّر).
8) في المخطوطة (فيما).
9) في المخطوطة (غفورا).
إليه؛ فتقدم العفوّ على الغفور، لأنه أعمّ، و أخّرت المغفرة لأنها أخصّ.
و منها شرف الإباحة للإذن بها، كقوله تعالى: وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ 255/3 هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ (النحل:116)، و إنما تقديم الحرام في قوله: فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالاً (يونس:59) فللزيادة في التشنيع عليهم، أو لأجل السياق؛ لأن قبله:
فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّباً (النحل:114). ثم إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ (البقرة:173).
و منها الشّرف بالفضيلة، كقوله تعالى: مَعَ 1 الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ [209/ب] وَ الصّالِحِينَ (النساء:69).
و قوله: وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ (الأحزاب:7).
و قوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ 2[رُحَماءُ بَيْنَهُمْ] 2...
(الفتح:29) الآية.
و قوله: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَ هارُونَ الْفُرْقانَ (الأنبياء:48).
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَ هارُونَ (يونس:75).
و قوله: رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ (الأعراف:122-الشعراء:48) في الأعراف و الشعراء، فإنّ موسى استأثر باصطفائه تعالى له بتكليمه، و كونه من أولي العزم.
فإن قلت: فقد جاء هارون و موسى في سورة طه بتقديم هارون؟ قلنا: لتناسب رءوس الآي.
و منه تقديم جبريل على ميكائيل في قوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ (البقرة:98) لأن جبريل صاحب الوحي و العلم، و ميكائيل صاحب 256/3 الأرزاق، و الخيرات النفسانية أفضل من الخيرات الجسمانية.
و منه تقديم المهاجرين في قوله تعالى: لَقَدْ تابَ اللّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ (التوبة:117).ة.
و قوله: وَ السّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ (التوبة:100)، و يدلّ على فضيلة الهجرة (1)[قوله صلّى اللّه عليه و سلّم:«لو لا الهجرة] (1)لكنت امرأ من الأنصار» (1)،و بالآية احتجّ الصّدّيق على تفضيلهم و تعيين الإمامة فيهم.
و منه قوله: صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (الأحزاب:56)، فإن الصلاة أفضل من السلام.
و قوله: وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينَ (البقرة:177)، قدم القريب لأن الصدقة عليه أفضل من الأجنبي.
و منه تقديم الوجه في قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ (المائدة:6).
و تقديم اليمين على الشمال في نحو: جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ (سبأ:15)، عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ (2)(المعارج:37).
و منه تقديم الأنفس على الأموال في قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ (التوبة:111). و أما تقديم الأموال في سورة الأنفال [في قوله] (3):
وَ جاهَدُوا 6بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ (الأنفال:72)، فوجه التقديم أنّ الجهاد يستدعي تقديم إنفاق الأموال (4)،فهو من باب السبق بالسببية.
و منه (5): مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ (الفتح:27)، فإن الحلق أفضل من التقصير.).
1) أخرجه بلفظه الكامل من رواية عبد اللّه بن زيد بن عاصم رضي اللّه عنه، البخاري في الصحيح 48/8، كتاب المغازي(64)، باب غزوة الطائف... (56)، الحديث(4330)، و مسلم في الصحيح 738/2-739، كتاب الزكاة(12)، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم... (46)، الحديث (1061/139).
2) الآية في المخطوطة عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً (النحل:48).
3) ليست في المخطوطة.
4) في المخطوطة (المال).
5) في المخطوطة (و منهم).
و منه تقديم السّماوات على الأرض،[كقوله] (1): خَلَقَ اللّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ (العنكبوت:44) و هو كثير، و كذلك كثيرا ما يقع[«السموات»] (1)بلفظ الجمع، و «الأرض» لم تقع إلا مفردة.
و أما تأخيرها عنها (1)في قوله [تعالى] (2): وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ (يونس:61)؛ فلأنه (3)لما ذكر المخاطبين، و هو قوله: وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ (يونس:61)، و هو خطاب لأهل الأرض، و عملهم يكون في الأرض؛ و هذا بخلاف الآية التي في سبأ (4)
(7-7) ما بين الحاصرتين ليس في المطبوعة و كتب مكانه (كذا).
فإنها منتظمة في سياق علم الغيب.و كذلك قوله: إِنَّ اللّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ (آل عمران:5).
و أما تأخيرها عنها في قوله: وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ (الزمر:67)؛ فلأن الآية في سياق الوعد و الوعيد؛ و إنما هو لأهل الأرض. (7)[و علمهم يكون في الأرض، و هذا بخلاف الآية] (7).
قوله [تعالى] (5)
(10-10) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ (إبراهيم:48).و منه تقديم الإنس على الجن في قوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ 10[لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ] 10... (الإسراء:88) الآية.
و قوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌّ 210/أ.
و قوله: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانٌّ (6)(الرحمن:56).
و قوله: وَ أَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى اللّهِ كَذِباً (الجن:5).).
و قوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ* وَ خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (الرحمن:14-15).
و أما تقديم الجن في مواضع أخر، كقوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ (الأنعام:
130)؛ فلأنّهم أقدم في الخلق، فيكون من النوع الأول (1)-أعني التقديم بالزمان-و لهذا لمّا أخّر (2)في آية الحجر (3)صرّح بالقبلية بذكر [خلق] (4)الإنسان، ثم قال: وَ الْجَانَّ 5خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ (الحجر:27).
و يجوز أن يكون في الأمثلة السالفة (5)من باب تقديم الأعجب؛ لأنّ خلقها أغرب (6)، كقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ (النور:45).
أو لأنهم أقوى أجساما، و أعظم أقداما و لهذا قدّموا في: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ (الرحمن:33)، و في: وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ (النمل:17).
و منه تقديم السّجّد على الراكعين (7)في قوله: وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ (آل عمران:43)، و سبق فيه شيء آخر.
و منه تقديم الخيل على البغال، و البغال على الحمير في قوله تعالى: وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها (النحل:8).
و منه تقديم الذهب على الفضة في قوله: وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ (التوبة:
34).).
فإن قلت: فهل يجوز [فيه] (1)أن يكون من تقديم المذكر على المؤنث؟ قلت: هيهات، الذهب أيضا مؤنث، و لهذا يصغّر (2)على ذهيبة ك «قدم» (3).
و منه تقديم الصّوف في قوله: وَ مِنْ أَصْوافِها وَ أَوْبارِها وَ أَشْعارِها (النحل:80)؛ و لهذا احتجّ به بعض الصوفية على اختيار لبس الصوف على غيره من الملابس: و أنه شعار الملائكة في قوله: مُسَوِّمِينَ (آل عمران:125) قيل: سيماهم يومئذ الصّوف. و عن عليّ؛ الصوف الأبيض: رواه أبو نعيم في [كتاب] (4)«مدح الصوف» (5)،و قال: إنه شعار الأنبياء. و قال (6)ابن مسعود:«كانت الأنبياء [عليهم السلام] (7)قبلكم يلبسون الصوف» (8)و في الصحيح في موسى عليه السلام:«عليه عباءة» (9).
و منه تقديم الشمس على القمر في قوله تعالى: وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ (الحج:18)، و قوله: وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً وَ قَمَراً مُنِيراً (10)(الفرقان:61)، و لهذا قال تعالى: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً (يونس:5)؛ و الحكماء يقولون: إن نور القمر مستمدّ من نور الشمس، قال الشاعر:
يا مفردا بالحسن و الشّكل من دلّ عينيك على قتلي
البدر من شمس الضّحى نوره و الشّمس من نورك تستملي
و أما قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً* وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (نوح:15-16) فيحتمل وجهين: مناسبة رءوس الآي أو أنّ (11)).
1) ساقطة من المطبوعة.
2) في المخطوطة (تصغر).
3) في المخطوطة (فتقدم).
4) ساقطة من المطبوعة.
5) الكتاب ذكره في حلية الأولياء 20/1 و سماه «كتاب لبس الصوف»، و الأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور 70/2 و عزاه لابن أبي شيبة و ابن المنذر و ابن أبي حاتم.
6) في المخطوطة (قال).
7) ليست في المطبوعة.
8) أخرجه أحمد بن حنبل في كتاب الزهد:78 من مواعظ عيسى عليه السلام.
9) أخرجه مسلم من حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما بلفظ «و عليه جبة صوف»، و أوله «أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم مر بوادي الأزرق فقال...» «الصحيح»152/1، كتاب الإيمان(1)، باب الإسراء... (74)، الحديث (166/268)، و لكن الحكاية عن سيدنا يونس عليه السلام، و هي ضمن حديث عن موسى عليه السلام.
10) تصحفت في المخطوطة إلى (و جعلنا فيها سراجا وهاجا).
11) في المخطوطة (و أن).
انتفاع أهل السموات به أكثر. قال ابن الأنباري: يقال: إن القمر وجهه يضيء لأهل الشمس، و ظهره إلى الأرض (1)
(2-2) ليست في المخطوطة.
(4-4) ليست في المخطوطة.
،و لهذا قال تعالى: فِيهِنَّ لما كان أكثر نوره يضيء إلى أهل السماء.الغلبة و الكثرة
كقوله [تعالى] (2): فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [بِإِذْنِ اللّهِ] (2) (فاطر:32)، قدم الظالم لكثرته، ثم المقتصد، ثم السابق.
و قوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ (هود:105).
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [210/ب](آل عمران:152).
اَلْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ 4[وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ] 4وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ (النور:26).
و جعل منه الزمخشريّ (2): فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ (التغابن:2) يعني بدليل قوله [تعالى] (3)
(8-8) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
وَ ما أَكْثَرُ النّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (يوسف:103) و حديث بعث النار.و أما قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً (آل عمران:56)، قدّم ذكر العذاب لكون الكلام مع اليهود الذين كفروا بعيسى و راموا قتله (8)[و لأن ما قبله من ذكر حكمه فقال نبيهم هو على سبيل التهديد و الوعيد لهم فناب العداة منهم] (8).
و جعل من هذا النوع قوله تعالى: وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ (المائدة:38)؛ لأنّ السرقة في الذكور أكثر.
و قدم في الزنا المرأة في قوله: اَلزّانِيَةُ وَ الزّانِي (النور:2) لأن الزنا فيهنّ (4)
أكثر. و أما قوله: اَلزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ (النور:3). فقال الزمخشريّ (1):سيقت الآية التي قبلها لعقوبتهما على ما جنيا؛ و المرأة هي المادة التي نشأت (2)منها الجناية (3)لأنها لو لم تطمع الرجل، و تمكّنه لم يطمع و لم يتمكّن، فلما كانت أصلا و أوّلا في ذلك بدأ بذكرها (4)،و أما الثانية فمسوقة لذكر النكاح، و الرجل أصل، لأنّه هو الراغب و الخاطب (5)[و منه] (6)يبدأ الطلب.
و منه قوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ (النور:
30)، قال الزمخشريّ (7):«قدم غضّ البصر؛ لأن النظر بريد (8)الزنا، و رائد الفجور، و البلوى به أشدّ و أكثر، و لا يكاد يقدر على الاحتراس منه».
و منه تقديم الرحمة على العذاب حيث وقع في القرآن، و لهذا ورد:«إن رحمتي غلبت غضبي» (9)
(10-10) ما بين الحاصرتين ليس في المطبوعة.
.و أما تقديم التعذيب على المغفرة في آية المائدة فللسياق (10)[لأنه قوبل بذكر تقدم السرقة على التوبة] (10).
و منه قوله تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ (التغابن:14)، قال ابن الحاجب (10)في «أماليه»: إنّما قدّم الأزواج لأنّ المقصود الإخبار أن فيهم أعداء، و وقوع (11)).
1) الكشاف 61/3-62.
2) في المخطوطة (منها نشأت).
3) في المطبوعة (الخيانة).
4) في المخطوطة (بها).
5) في المخطوطة (الخاطب و الراغب).
6) ليست في المطبوعة.
7) الكشاف 261/3.
8) تصحفت العبارة في المخطوطة إلى (يزيد الزنا و أزيد).
9) أخرجه البخاري في الصحيح 287/6، كتاب بدء الخلق(59)، باب ما جاء في قول اللّه تعالى وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (الروم:27). (1)، الحديث(3194). و أخرجه مسلم في الصحيح 2108/4، كتاب التوبة(49)، باب في سعة رحمة اللّه تعالى... (4) الحديث(2751/15). عن أبي هريرة رضي اللّه عنه.
10) هو أبو عمرو عثمان بن عمر بن يونس تقدم التعريف به في 466/1 و بكتابه في 511/1.
11) في المخطوطة (و أوقع).
ذلك في الأزواج أقعد (1)منه في الأولاد؛ فكان (2)أقعد في المعنى المراد فقدّم، و لذلك قدمت الأموال في قوله: إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ (التغابن:15)، لأن الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة (3): إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (العلق:6-7).
أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها (الإسراء:16)، و ليست (4)الأولاد في استلزام الفتنة مثلها (5)،و كان تقدّمها أولى.
سبق ما يقتضي تقديمه
و هو دلالة السياق، كقوله تعالى: وَ لَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ (النحل:6)؛ لمّا كان إسراحها و هي خماص، و إراحتها و هي بطان، قدم الإراحة لأنّ الجمال بها حينئذ أفخر (6).
و قوله: وَ جَعَلْناها وَ ابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (الأنبياء:91)، لأن السياق في ذكر مريم [في] (7)قوله [تعالى] (8)وَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها (الأنبياء:91)، و لذلك قدّم الابن في غير هذا المكان، قال تعالى: وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً (المؤمنون:50).
و قوله: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً (الأنبياء:79)؛ فإنه قدّم الحكم مع أن العلم لا بدّ من سبقه للحكم؛ و لكن لما كان السياق في الحكم قدّمه، قال تعالى: وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (الأنبياء:78)، و يحتمل أن [يكون] (9)المراد بالحكم الحكمة، و بها فسر الزمخشريّ (10)قوله تعالى في [سورة] (11)يوسف: وَ لَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً (يوسف:22)؛ و أما[211/أ] تقديم الحكيم على العليم في سورة الأنعام، فلأنه مقام تشريع الأحكام، و أما في أول سورة يوسف فقدّم (12)العليم على الحكيم، لقوله في آخرها:
وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ (يوسف:101).
و منه تقديم المحو (1)على الإثبات في قوله [تعالى] (2): يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ (الرعد:39)، فإنّ قبله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (الرعد:38). و يمكن أن يقال: ما يقع عليه المحو أقلّ مما يقع عليه غيره، و لا سيما على قراءة تشديد «يثبّت» (3)فإنها ناصّة على الكثرة، و المراد به الاستمرار لا الاستئناف.
و قوله: وَ يَمْحُ 4اللّهُ الْباطِلَ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ (الشورى:24).
و منه قوله تعالى: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً (الرعد:38)، قدّم «رسلا» هنا على «من قبلك» و في غير هذه بالعكس؛ لأن السياق هنا في الرسل.
و منه قوله [تعالى] (4): وَ اللّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ (البقرة:245)، قدم القبض لأن قبله (5)مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً (البقرة:245)، و كان هذا بسطا، فلا يناسب تلاوة البسط، فقدّم القبض لهذا، و للترغيب (6)في الإنفاق؛ لأن الممتنع منه سببه خوف القلّة، فبيّن أنّ هذا لا ينجيه، فإن القبض مقدر و لا بدّ.
مراعاة اشتقاق اللفظ
كقوله [تعالى] (7)
(9-9) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (المدثر:37).عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ (الانفطار:5).
يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ (القيامة:13).
قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ* لَمَجْمُوعُونَ 9[إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ] (9) (الواقعة:49-50).
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَ ثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (الواقعة:39-40).
وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (الحجر:24).
و أما قوله: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا [يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا] 1يَسْتَقْدِمُونَ (النحل:
و كقوله: [إِنَّهُ هُوَ] 8يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ (البروج:13).
و قوله: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (الأعراف:29).
لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ (الروم:4).
لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَ الْآخِرَةِ (القصص:70).
و قوله: [هُوَ] 9الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ (الحديد:3).
فِي الدُّنْيا 10وَ الْآخِرَةِ (البقرة:220).
فإن قلت قد جاء: [فَأَخَذَهُ اللّهُ] 11نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى (النازعات:25).
أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنّى* فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَ الْأُولى (النجم:24-25).
قلت: لمناسبة رءوس الآي.
و مثله: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَ الْأَوَّلِينَ (المرسلات:38)، و لأنّ الخطاب لهم، فقدّموا.
للحث عليه خيفة من التهاون به
كتقديم تنفيذ الوصية على وفاء الدين، في قوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ
1) في المخطوطة (تقدم).
(5-5) في المطبوعة (التقدم).
2) ليست في المخطوطة.
(النساء:11)، فإن وفاء الدّين سابق على الوصية، لكن قدّم الوصيّة، لأنهم كانوا يتساهلون بتأخيرها، بخلاف الدّين.
و نظيره: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً 1[وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ] (1) (الشورى:49)، قدّم الإناث حثّا على الإحسان إليهم.
و قال السهيلي في (1)
(4-4) ليست في المخطوطة.
«النتائج»: إنما قدّمت الوصية لوجهين:أحدهما: أنها قربة إلى اللّه [تعالى] (4) بخلاف [الدّين] (4) الذي تعوّذ الرسول (2)منه (3)،فبدىء (4)بها للفضل.
و الثاني: أنّ الوصية للميت، و الدّين لغيره، و نفسك قبل نفس غيرك، تقول: هذا لي و هذا لغيري، و لا تقول في فصيح الكلام: هذا لغيري و هذا لي.
لتحقق ما بعده و استغنائه هو عنه في تصوّره
كقوله: [إِنَّ] 9 الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ (مريم:96).
و قوله: وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللّهِ وَ عَمِلَ صالِحاً (فصلت:33).
[211/ب] و قوله: وَ الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا (الأعراف:153).
1) هو عبد الرحمن بن عبد اللّه السهيلي تقدم التعريف به في 242/1 و كتابه «نتائج الفكر في النحو» طبع بتحقيق د. محمد إبراهيم البنا في القاهرة بدار الاعتصام عام 1406 ه/1985 م (أخبار التراث العربي 20/33).
2) تصحفت في المخطوطة إلى (الرسل).
3) إشارة إلى حديث النبي صلّى اللّه عليه و سلّم القائل في أوله «اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن... الحديث أخرجه عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه، البخاري في الصحيح 173/11، كتاب الدعوات(80)، باب التعوذ من غلبة الرجال(36)، الحديث(6363).
4) في المخطوطة (فبدأ).
الاهتمام عند المخاطب
كقوله فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها (النساء:86).
و نظيره قوله عليه السلام:«و أن تقرأ السلام على من عرفته و من لم تعرفه» (1).
و قوله: وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ (الأنفال:41) لفضل الصدقة على القريب.
و كقوله (2)
(3-3) عبارة المطبوعة( ... فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ و قوله وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ فقدم...) و التصويب من المخطوطة.
: وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً 3فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ (النساء:92)، فقدم (3)الكفارة على الدّية، و عكس في قتل المعاهد حيث قال: وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (النساء:92).قال الماورديّ (3)في «الحاوي»: و وجهه أنّ المسلم يرى تقديم حقّ اللّه على نفسه و الكافر يرى تقديم نفسه على حق اللّه، قال: و قال ابن أبي هريرة (4):إنما خالف بينهما و لم يجعلهما (5)على نسق واحد، لئلا يلحق بهما ما بينهما من قتل المؤمن في دار الحرب في قوله:
فَإِنْ 8كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (النساء:92)، فضم إليه الدّية إلحاقا بأحد الطرفين، فأزال هذا الاحتمال باختلاف اللفظين.
1) أخرجه من حديث عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما، البخاري في الصحيح 21/11، كتاب الاستئذان (79)، باب السلام للمعرفة و غير المعرفة(9)، الحديث(6236).
2) في المخطوطة (و قوله).
3) هو أبو الحسن علي بن حبيب الشافعي تقدم التعريف به في 274/1، و كتابه «الحاوي الكبير» في الفروع حقق كتاب القضاء فيه د. محيي الدين السرحان بالعراق عام 1404 ه/1984 م و حقق كتاب الزكاة فيه ياسين ناصر محمود الخطيب كرسالة دكتوراه بمكة المكرمة جامعة أم القرى كلية الشريعة عام 1404 ه/1984 م، و حقق كتاب الحج غازي طه خصيفان، و كتابه البيوع محمد عبد القادر الكفراوي، و كتاب الجنايات يحيى أحمد الجردي، و كتاب الحدود إبراهيم علي صندقجي، و كتاب السير محمد رويد المسعودي، و حقق كتاب التفليس عبد الفتاح محمود إدريس بالقاهرة كرسالة ماجستير بجامعة الأزهر كلية الشريعة عام 1401 ه/1981 م (أخبار التراث العربي:16/13 و 21/5 و 13/14 و 20/5 و 12/1).
4) هو الحسن بن الحسين الشافعي تقدم التعريف به في 177/2.
5) في المخطوطة (يجعلها).
و قال الفقيه نجم الدين بن الرّفعة (1):يحتمل أن يقال: إنه لما كان الكفر يهدر (2)167/3 الدماء (3)و هو موجود، كان الغاية ببذل الدم عند العصمة (4)لأجل الميثاق أتمّ، لأنّه يغمض حكمه، فلذلك قدمت الدّية فيه، و أخّرت الكفارة، لأنّ (5)حكمها قد سبق. و لما كانت عصمة المسلم ثابتة، و قياس الأصول [أنّه] (6)لا تجب الكفارة (7)في قتل الخطإ، لأنّه لا إثم فيه، خصوصا على المسلمين لرفع القلم عن الخطإ، كانت العناية بذكر الكفارة فيه (8)أتمّ؛ لأنها التي تغمض، فقدّمت.
و من هذا النوع قوله تعالى: فَأَتْبَعَ 9 سَبَباً* حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ (الكهف:85-86) قيل: لما ذا (9)بدأ بالمغرب قبل المشرق، و كان مسكن ذي القرنين من ناحية المشرق؟ قيل: لقصد الاهتمام (10)،إما لتمرّد أهله و كثرة طغيانهم في ذلك الوقت، أو غير ذلك ممّا لم ينته (11)إلينا علمه.
و من هذا أنّ تأخر المقصود بالمدح و الذم أولى من تقدّمه؛ كقوله: نعم الرجل، زيد (12)
(14-14) ليست في المخطوطة.
،أحسن من قولك: زيد نعم الرجل، لأنهم يقدّمون الأهمّ، و [هم] (14) في هذا [بذكر] (14) المدح و الذمّ أهمّ.فأما (13)تقديمه في قوله تعالى: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ (ص:30 و 44)، فإن (14)).
1) هو أحمد بن محمد بن علي بن الرفعة نجم الدين، أبو العباس، شافعي زمانه تفقه على السديد و الظهير التزمنتي و الشريف العباسي، و لقب بالفقيه لغلبة الفقه عليه، و سمع الحديث من محيي الدين الدميري، و له من التصانيف «شرح الوسيط» و «الكفاية في شرح التنبيه» ت 710 ه (السبكي، طبقات الشافعية 177/5).
2) في المخطوطة (بهذا).
3) في المخطوطة (و الدنيا).
4) في المخطوطة (العظمة).
5) في المخطوطة (و لأن).
6) ليست في المخطوطة.
7) في المخطوطة (كفارة).
8) في المخطوطة (فيها).
9) في المخطوطة (لم).
10) عبارة المخطوطة (لفقد اهتمام).
11) في المخطوطة (لما ينته).
12) في المخطوطة (زيدا).
13) في المخطوطة (و أما).
14) في المخطوطة (فلأن).
الممدوح هنا ب «نعم العبد» هو سليمان عليه السلام، و قد تقدّم ذكره، و كذلك أيوب في الآية الأخرى و المخصوص بالمدح في الآيتين ضمير سليمان و أيوب، و تقديره: نعم العبد هو إنه أوّاب.
للتنبيه (1)على أنه مطلق لا مقيد
كقوله تعالى: وَ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ (الأنعام:100)، على القول بأن «اللّه» في موضع المفعول الثاني ل «جعل»، و «شركاء» مفعول أول، و يكون «الجن» في كلام 268/3 ثان مقدر، كأنه قيل: فمن جعلوا شركاء؟ قيل: الجن؛ و هذا يقتضي وقوع الإنكار على جعلهم (2)«للّه شركاء» على الإطلاق، فيدخل مشركة (3)غير الجنّ [و لو أخّر] (4)فقيل:
و جعلوا الجنّ شركاء للّه، كان الجنّ مفعولا أولا، و شركاء ثانيا، فتكون الشركة مقيّدة غير مطلقة؛ لأنه جرى على الجنّ، فيكون الإنكار توجه لجعل المشاركة للجن خاصة، و ليس كذلك و فيه زيادة سبقت.
للتنبيه على أن السبب مرتب
كقوله تعالى: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ [212/أ] وَ ظُهُورُهُمْ (التوبة:35) قدّم الجباه ثم الجنوب؛ لأن مانع الصدقة في الدنيا كان يصرف وجهه أولا عن السائل، ثم ينوء بجانبه، ثم يتولّى بظهره.
التنقل
و هو أنواع: إما من الأقرب إلى الأبعد، كقوله [تعالى] (5): يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا
رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً (البقرة:21-22) قدّم ذكر المخاطبين على من قبلهم، و قدم الأرض على السماء.
و كذلك قوله: إِنَّ اللّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ (آل عمران:5)، لقصد (1)الترقي.
و قوله: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (المؤمنون:86). 269/3 و إمّا بالعكس كقوله في أول الجاثية: إِنَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ* وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ ما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ (الآية:3-4).
و إما من الأعلى، كقوله: شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ (آل عمران:18).
و قوله: ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ (هود:49).
و [إما] (2)من الأدنى، كقوله [تعالى] (3): وَ لا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً (التوبة:121).
و قوله: ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً (الكهف:49).
و قوله: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ (البقرة:255).
فإن قلت: لم لا اكتفى بنفي الأدنى، ليعلم منه نفي الأعلى بطريق الأولى؟ قلت:
[يعلم] (4)جوابه ممّا سبق من التقديم بالزمان.
و كقوله: وَ لا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ... (المدثر:31) الآية، و بهذا يتبين فساد استدلال المعتزلة على تفضيل الملك على البشر بقوله: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ (النساء:172) فإنّهم زعموا أنّ سياقها يقتضي الترقّي من الأدنى إلى الأعلى، إذ لا يحسن أن يقال:[لا] (5)
(6-6) عبارة المخطوطة (يستنكف المسيح فلان عن حديثك).
يستنكف (6)فلان عن خدمتك (6)،و لا من دونه بل و لا من فوقه.و جوابه أن هؤلاء لمّا عبدوا المسيح، و اعتقدوا فيه الولديّة لما فيه من القدرة على).
270/3 الخوارق و المعجزات، من إحياء الموتى، و إبراء الأكمه و الأبرص و غيره؛ و لكونه خلق من غير تراب. و التزهيد في الدنيا و غالب هذه الأمور هي للملائكة (1)أتمّ، و هم فيها أقوى، فإن كانت هذه الصفات أوجبت عبادته، فهو مع هذه الصفات لا يستنكف عن عبادة اللّه، بل و لا من هو أكبر منه في هذه الصفات، للترقي (2)
(3-3) ليست في المطبوعة.
من الأدنى إلى الأعلى في المقصود، و لم يلزم منه الشرف المطلق و الفضيلة على المسيح.الترقي
كقوله [تعالى] (3): أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها...
(الأعراف:195) الآية؛ فإنه سبحانه بدأ منها بالأدنى لغرض الترقي؛ لأن منفعة [الوصف] (3) الرابع أهمّ من منفعة الثالث، فهو أشرف منه، و منفعة الثالث أعم من منفعة الثاني، و منفعة الثاني أعم من منفعة الأول، فهو أشرف منه.
و قد قرن السمع بالعقل و لم يقرن به البصر في قوله: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ* وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَ لَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (يونس:42-43)، و ما قرن بالأشرف كان أشرف؛ و حكي ذلك عن علي بن عيسى الربعيّ (3).
قال الشيخ أبو الفتح القشيريّ (4):
فإن قيل: قد كان الأولى أن يقدّم الوصف الأعلى، ثم ما دونه، حتى (5)ينتهي إلى
1) في المخطوطة (في الملائكة).
2) في المخطوطة (يرقى).
3) هو علي بن عيسى بن الفرج أبو الحسن الربعي النحوي صاحب أبي علي الفارسي درس ببغداد الأدب على أبي سعيد السيرافي و أقام على أبي النحوي عشرين سنة يدرس فقال أبو علي: ما بقي له شيء يحتاج أن يسأل عنه من تصانيفه «شرح البلغة» و «البديع في النحو» و «شرح مختصر الجرمي» و غيرها ت 420 ه (القفطي، إنباه الرواة 297/2).
4) هو محمد بن علي بن وهب، أبو الفتح تقي الدين بن دقيق العيد القشيري تقدم التعريف به في 117/1 و (338/2).
5) في المخطوطة (ثم).
أضعفها؛ لأنّه إذا بدا بسلب الوصف الأعلى، ثم بسلب (1)ما دونه، كان ذلك أبلغ في الذمّ؛ لأنه لا يلزم من سلب الأعلى سلب ما دونه، كما تقول: ليس زيد بسلطان[212/ب]، و لا 271/3 وزير، و لا أمير، و لا وال، و الغرض من الآية المبالغة (2)في الذم.
قلت: ما ذكرته طريقة حسنة في علم المعاني، و المقصود من الآية طريقة أخرى، و هي أنه تعالى أثبت [أنّ] (3)
(4-4) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
الأصنام التي تعبدها الكفار (4)[أمثال الكفار، في أنها مقهورة مربوبة، ثم حطّها عن درجة المثلية بنفي هذه الصفات الثابتة للكفار] (4)عنها. و قد علمت أن المماثلة بين الذوات المتنائية (4)إنما تكون (5)باعتبار الصفات الجامعة بينهما؛ إذ هي أسباب في ثبوت المماثلة بينها، و تقوى المماثلة بقوة أسبابها، و تضعف بضعفها، فإذا سلب وصف ثابت لإحدى الذاتين عن الأخرى انتفى وجه (6)(9-9) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
من المماثلة (9)[بينهما، ثمّ إذا سلب وصف من الأول انتفى وجه من المماثلة] (9)أقوى من الأول،[ثم لا يزال] (9)يسلب أسباب المماثلة، أقواها [فأقواها] (9)؛حتى تنتفي المماثلة كلّها بهذا التدريج. و هذه الطريقة ألطف من سلب أسباب المماثلة؛ أقواها ثم أضعفها فأضعفها.مراعاة الإفراد
فإن المفرد سابق على الجمع، كقوله تعالى: اَلْمالُ وَ الْبَنُونَ (الكهف:46).
و قوله: مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ (المؤمنون:55)؛ و لهذا لما عبّر عن المال بالجمع أخّر عن البنين في قوله: زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ 14[وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ] (14) (آل عمران:14).
272/3 و منه تقديم الوصف بالمفرد على الوصف بالجملة، في قوله: وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ (غافر:28)، و قوله: وَ هذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ (الأنبياء:
50).
التحذير منه و التنفير عنه
كقوله [تعالى] (1): اَلزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً (النور:3)، قرن الزنى بالشرك و قدّمه.
و قوله: زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ (آل عمران:14)، قدّمهن في الذّكر؛ لأنّ المحنة بهن (2)أعظم من المحنة (3)بالأولاد، و في «صحيح مسلم»: «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء» (4).و من الحكمة العظيمة أنه بدأ بذكر النساء في الدنيا، و ختم ب «الحرث» و هما طرفان متشابهان، و فيهما الشهوة و المعاش الدنيويّ، و لمّا ذكر بعد ذلك ما أعدّه للمتقين أخّر ذكر الأزواج كما يجب في الترتيب الأخرويّ، و ختم بالرضوان. و كم في القرآن من مثل هذا العجب (5)إذا حضر له الذهن، و قرع له الذهن (6).
و منه تقديم نفي الولد على نفي الوالد، في قوله [تعالى] (7)لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ (الإخلاص:
3)؛ فإنه لما وقع في الأول منازعة الكفرة (8)و تقوّلهم اقتضت (9)الرتبة بالطبع تقديمه في الذكر، اعتناء به، قبل التنزيه عن الوالد الذي لم ينازع (10)فيه أحد من الأمم.
1) ليست في المخطوطة.
2) في المخطوطة (المحبة بهم).
3) في المخطوطة (المحبة).
4) أخرجه البخاري في الصحيح 137/9، كتاب النكاح(67)، باب ما يتّقى من شؤم المرأة... (17)، الحديث(5096). و مسلم في الصحيح 2097/4، كتاب الرقاق(48)، باب أكثر أهل الجنة الفقراء... (26)، الحديث(2740/97)، عن أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما.
5) في المخطوطة (التعجب).
6) عبارة في المخطوطة (و فرغ له الفهم).
7) ليست في المطبوعة.
8) في المخطوطة (الكفر).
9) في المخطوطة (اقتضاء).
10) في المخطوطة (يزاع).
التخويف منه
كقوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ (هود:105)، و نظائره السابقة في الثامن.
التعجيب (1)من شأنه.
كقوله تعالى: وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ [وَ الطَّيْرَ] (2)(الأنبياء:79).
قال الزمخشريّ (3):«قدم الجبال على الطير؛ لأن تسخيرها له و تسبيحها أعجب و أدلّ على القدرة، و أدخل في الإعجاز؛ لأنها جماد، و الطير حيوان ناطق».
قال ابن النحاس (4):و ليس مراد الزمخشريّ ب «ناطق» ما يراد به في حدّ الإنسان.
كونه أدلّ على القدرة
كقوله [تعالى] (5): فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ (النور:45).
1) في المخطوطة (التعجب).
2) ليست في المخطوطة.
3) الكشاف 17/3.
4) هو محمد بن إبراهيم بن محمد بهاء الدين ابن النحاس، النحوي، أخذ العربية عن ابن عمرون و القراءات عن الكمال الضرير، و الحديث من ابن اللّتي و ابن يعيش و هو شيخ الديار المصرية في علم اللسان و المنطق من تصانيفه «شرح المقرب» لابن عصفور ت 698 ه (السيوطي، بغية الوعاة 13/1).
5) ليست في المخطوطة.
قصد الترتيب
كما في آية الوضوء، فإن إدخال المسح بين الغسلين، و قطع النظر عن النظير مع مراعاة ذلك في لسانهم، دليل على قصد الترتيب.
274/3 و كذلك (1)البداءة في الصفا بالسعي. و مثله الكفارة المرتبة في الظهار و القتل.
و هنا قاعدة ذكرها أصحابنا، و هي أن الكفارة[213/أ] المرتبة بدأ اللّه فيها بالأغلظ، و المخيّرة بدأ فيها بالأخفّ، كما في كفارة اليمين، و لهذا حملوا آية المحاربة في قوله (2):
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا...
(المائدة:33)، الآية على الترتيب لا التخيير؛ لأنه بدأ فيها بالأغلظ طردا للقاعدة، خلافا لمالك حيث جعلها على التخيير.
خفة اللفظ
كما في قولهم: ربيعة و مضر؛[مع أنّ مضر] (3)أشرف لكون النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم منهم، لأنهم لو قدّموا مضر لتوالى حركات كثيرة، و ذلك يثقل (4)،فإذا قدّموا ربيعة و وقفوا على مضر، بسكون الراء، نقص الثّقل لقلة الحركات المتوالية.
و قد يكون تقديم الإنس على الجنّ من ذلك؛ فالإنس [أخفّ] (5)لمكان النون و السين المهموسة.
رعاية (6)الفواصل
كتأخير الغفور في قوله: لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (الحج:60)، و قوله وَ كانَ رَسُولاً نَبِيًّا
(مريم:54)، و إن كانت القاعدة في علم البيان تأخير ما هو الأبلغ، فإنه يقال: عالم 275/3 نحرير، و شجاع باسل، و سبق له نظائر.
و كقوله: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ*[ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ] (1)(الحاقة:30-31)، و لو قال:
صلّوه الجحيم لأفاد المعنى، و لكن يفوت الجمع.
و قيل: فائدته الاختصاص.
و قوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (النحل:114)، فقدم «إياه» على «تعبدون» لمشاكلة رءوس الآي.
قد يكون في كلّ واحد مما ذكرنا من الأمثلة سببان فأكثر للتقديم، فإمّا أن يعتقد إعادة (2)الكلّ، أو يرجح بعضها لكونه أهمّ في ذلك المحلّ. و إن كانت الأخرى أهمّ (3)في محلّ (4)آخر. و إذا تعارضت (5)الأسباب روعي أقواها، فإن تساوت كان المتكلم بالخيار في تقديم أيّ الأمرين شاء.
مما قدم النية (1)به التأخير
فمنه ما يدل على ذلك (2)الإعراب، كتقديم المفعول على الفاعل في نحو قوله [له] (3): إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (فاطر:28)، و لَنْ يَنالَ اللّهَ لُحُومُها 276/3 وَ لا دِماؤُها (الحج:37)، وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ [بِكَلِماتٍ] (4)(البقرة:124).
و نحوه ممّا يجب في الصناعة النحوية كذلك (5)،و لكن [ذلك] (6)لقصد (7)الحصر كتقديم المفعول. كقوله (8): أَ فَغَيْرَ اللّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ [أَيُّهَا الْجاهِلُونَ] (9)(الزمر:
64). [ قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ ] (10)(الزمر:14).
و كتقديم الخبر على المبتدأ في قوله: وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللّهِ (الحشر:2) و لو قال «و ظنوا أنّ حصونهم ما نعتهم» لما أشعر بزيادة وثوقهم بمنعها إياهم.
و كذا (11): أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي [يا إِبْراهِيمُ] (12)(مريم:46)، و لو قال:«أ أنت (13)
(14-14) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
راغب عنها»؟ ما أفادت زيادة الإنكار على إبراهيم.و كذلك: وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ 14[أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا (الأنبياء:97) و لم يقل:«فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة»] (14)،و كان يستغني عن الضمير، لأن هذا لا يفيد اختصاص الذين كفروا بالشخوص.
1) في المخطوطة (و النية).
2) في المخطوطة (عليه) بدل (على ذلك).
3) ساقطة من المخطوطة.
4) ليست في المطبوعة.
5) في المخطوطة (ذلك).
6) ساقطة من المخطوطة.
7) في المخطوطة (القصد به).
8) في المخطوطة (لقوله).
9) تمام الآية ليس في المطبوعة.
10) الآية ليست في المخطوطة.
11) في المخطوطة (و كذلك).
12) ليست في المطبوعة.
13) في المخطوطة (أنت).
و منه ما يدلّ على (1)المعنى، كقوله [تعالى] (2): وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها (البقرة:72)، قال البغويّ (3):هذا أول القصة، و إن كانت مؤخّرة في التلاوة.
و قال الواحدي (4):كان الاختلاف في القاتل قبل ذبح البقرة، و إنما أخّر في الكلام لأنه سبحانه لما قال: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ... (البقرة:67) الآية علم المخاطبون أنّ البقرة لا تذبح إلا للدلالة (5)على قاتل خفيت عينه عليهم، فلما استقرّ [علم] (6)
(7-7) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
هذا في نفوسهم أتبع بقوله: وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها (البقرة:72) (7)[على جهة التوكيد، لا أنه عرّفهم الاختلاف في القاتل بعد أنّ دلّهم على ذبح البقرة. و قيل: إنه من المؤخر الذي يراد به التقدم، و تأويله: و إذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها] (7)فسألتم (7)موسى فقال [لكم] (8): إِنَّ 277/3 اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (البقرة:67).و أما الزمخشري (9)ففي كلامه ما يدلّ على أن إيرادها إنما كان يتأتّى على الوجه الواقع في القرآن، لمعنى حسن لطيف استخرجه و أبداه.
و منه قوله[213/ب] تعالى: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ (الجاثية:23)، و أصل الكلام:«هواه إلهه»، كما تقول: اتخذ الصنم معبودا، لكن قدّم المفعول الثاني على الأول للعناية، كما تقول: علمت منطلقا زيدا، لفضل عنايتك بانطلاقه.
و منه قوله تعالى: اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ... (الكهف:1) الآية، أي أنزله قيّما و لم يجعل له عوجا. قاله جماعة منهم الواحديّ.
و ردّه فخر الدين في (10)«تفسيره» بأن قوله: وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً* قَيِّماً (الكهف:ف.
1) في المخطوطة (عليه).
2) ليست في المخطوطة.
3) هو الحسين بن مسعود الفراء البغوي و انظر تفسيره 84/1.
4) هو علي بن أحمد تقدم التعريف به في 105/1.
5) في المخطوطة (لدلالة).
6) ليست في المخطوطة.
7) في المخطوطة (فسألهم).
8) ليست في المخطوطة.
9) الكشاف 277/3.
10) انظر التفسير الكبير 75/21 البحث الثالث من المسألة الثالثة من مسائل الآية بتصرف.
1-2)، معناه أنّه كامل في ذاته، و أن «قيّما»، معناه أنه مكمّل لغيره، (1)و كونه كاملا في ذاته، سابق على كونه مكمّلا (1)لغيره؛ لأن معنى كونه «قيّما (1)»[أنه قائم] (2)بمصالح الغير. قال: فثبت بالبرهان العقليّ أن الترتيب الصحيح ما ذكر (3)في الآية، و ما ذكر من التقديم و التأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه. انتهى.
و هذا فهم عجيب من الإمام، لأنّ القائل بالتقديم و التأخير لا يقول بأن كونه غير ذي عوج متأخّر عن كونه «قيّما» في المعنى، و إنما الكلام في ترتيب اللفظ لأجل الإعراب. و قد يكون أحد المعنيين ثابتا قبل الآخر و يذكر بعده.
و أيضا فإن هذا البحث إنّما هو على تفسير القيم بالمستقيم، فأما إذا فسّر بالقيام على غيره فلا نسلّم أنّ [هذا] (4)القائل يقول بالتقديم و التأخير، و هاهنا أمران:
*** 278/3 أحدهما: أنّ الأظهر جعل هذه الجملة-أعني قوله: وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً* قَيِّماً (الكهف:1 -2) من جملة صلة «الذي» و تمامها، و على هذا (5)لا موضع لها من الإعراب لوجهين: أحدهما أنها في حيّز الصلة؛ لأنها معطوفة عليها. و الثاني أنها اعتراض بين الحال و عاملها. و يجوز في الجملة المذكورة أن يكون موضعها النصب؛ على أنها حال من «الكتاب» و العامل فيها «أنزل».
قاله جماعة، و فيه نظر.
و أما قوله:«قيّما» فيجوز في نصبه وجوه:
أحدها-و هو قول الأكثر-أنّه منصوب على الحال من «الكتاب» و العامل فيه «أنزل»، و في الكلام تقديم و تأخير، و تقديره (6):«الحمد للّه الّذي أنزل على عبده الكتاب قيما، و لم يجعل له عوجا» فتكون الجملة على هذا اعتراضا.).
و الثاني أن يكون منصوبا بفعل (1)[مقدّر، و تقديره:«و لكن جعله قيما»، فيكون مفعولا للفعل المقدّر.
و الثالث: أن يكون حالا] (1)من الضمير في قوله: وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً*[ قَيِّماً] (1)(الكهف:1-2) و تكون حالا مؤكدة (2).
و اختار صاحب «الكشاف» (3)أن يكون «قيّما» مفعولا لفعل مقدّر كما ذكرناه (4)لأن الجملة التي قبلها عنده معطوفة على الصلة، و «قيّما» من تمام الصلة، و إذا كان حالا يكون (5)فيه فصل بين بعض الصلة و تمامها، فكان الأحسن جعله معمولا لمقدر.
و قال جماعة منهم ابن المنيّر (6)في «تفسير البحر» بعد نقله كلام الزمخشري: و عجيب من كونه لم يجعل الفاصل المذكور حالا أيضا، و لا فصل، بل هما حالان متواليان من شيء واحد و التقدير: أنزل الكتاب غير معوجّ.
و هذا القول-و هو جعل الجملة حالا-قد ذكره جماعة قبل ابن المنيّر. و الظاهر أن (7)
(10-10) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
279/3 (10)[الزمخشريّ لم يرتض هذا القول، لأنّ جعل الجملة حالا لا يفيده ما يفيد العطف، من نفي العوج عن الكتاب مطلقا، غير مقيد] (10) بالإنزال و هو المقصود. فالفائدة التي هي أتمّ إنما تكون على تقدير استقلال الجملة، كيف و القول بالتقديم و التأخير منقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما نقله الطبري (8)و غيره.و قال الواحدي (9):هو قول جميع أهل[214/أ] اللغة و التفسير. و الزمخشريّ ربما (10)لاحظ هذا المعنى، و لم يمنع جواز غير (11)ما قال، لكنّ ما قال هو الأحسن.).
1) ليست في المطبوعة.
2) زيادة في المخطوطة بعد هذا الموضع و هي (من قوله وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ).
3) الكشاف 379/2. بتصرف.
4) في المخطوطة (ذكرنا).
5) تصحفت في المخطوطة إلى (لا يكون).
6) هو أحمد بن محمد بن منصور الجذامي تقدم التعريف به و بكتابه في 176/1.
7) في المخطوطة (أنه).
8) انظر تفسيره جامع البيان 126/15-127.
9) هو علي بن أحمد الواحدي تقدم التعريف به في 105/1.
10) في المخطوطة (و لما).
11) في المخطوطة (غيرها).
و قال غير ابن المنيّر في الاعتراض على الزمخشريّ: إن الجملة و إن كانت مستقلّة (1)فهي في حيّز الصلة للعطف، فلم يقع فصل، و يؤيد ما ذكره صاحب «الكشاف» أنّ بعض القراء يسكت عند قوله:«عوجا» و يفصل بينه و بين «قيّما» بسكتة لطيفة، و هي رواية حفص (2)عن عاصم، و ذلك يحتمل أن يكون لما ذكرنا من تقدير الفصل و انقطاع الكلام عمّا قبله.
قال ابن المنيّر: و تحتمل السكتة وجها آخر، و هو أن يكون ذلك لرفع توهّم أن [يكون] (3)«قيما» نعتا للعوج؛ لأن النكرة تستدعي النعت غالبا، و قد كثر في كلامهم (4)إيلاء النكرة الجامدة نعتها، كقوله: صِراطاً مُسْتَقِيماً (النساء:68)، و قُرْآناً عَرَبِيًّا (يوسف:2)، فإذا ولي (5)
(6-6) ساقطة من المخطوطة.
النكرة الجامدة اسم مشتق نكرة ظهر فيه معنى الوصف، فربما خيف اللبس في جعل «قيّما» نعتا ل «عوج» فوقع اللبس بهذه السكتة.و هذا أيضا فيه نظر، لأن ذلك إنما يتوهم [فيما] (6)يصلح أن يكون وصفا، و لا يصلح [«قيما»] (6)أن يكون وصفا ل «عوج» فإنّ الشيء لا يوصف بضده؛ لأن العوج (6)لا يكون قيما، و الأولى ما ذكرناه أولا.
280/3 الثاني: نقل الإمام (7)عن بعضهم أن «قيّما» بدل من قوله:«عوجا»، و هو مشكل، لأنه لا يظهر له وجه.
*** و قوله تعالى: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها (يوسف:24)، قيل: التقدير: لقد همّتة.
به لو لا أن رأى برهان ربه و همّ بها. و هذا أحسن؛ لكن في تأويله قلق، و لا يحتاج إلى هذا التأويل إلاّ على قول من قال: إنّ الصغائر يجوز وقوعها منهم.
و قوله: فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ (هود:71) قيل: أصله: فبشرناها [بإسحاق] (1)فضحكت. و قيل: ضحكت أي حاضت بعد الكبر عند البشرى، فعادت إلى عادات النساء من الحيض و الحمل و الولادة.
و قوله [تعالى] (2): فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها (الكهف:79)، قدّم على ما بعده، و هو مؤخّر عنه في المعنى؛ لأنّ ذلك يحصل للتوافق.
و قوله: فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (الأعلى:5)، [أي أحوى غثاء] (3)،أي أخضر، يميل إلى السواد، و الموجب لتأخير أَحْوى (الأعلى:5) رعاية الفواصل.
و قوله: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً (آل عمران:85)، قال ابن برهان النحوي (4)
(5-5) تصحفت في المخطوطة تكرارا وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً .
:أصله: (5)و من يبتغ دينا غير الإسلام (5).و قوله: وَ غَرابِيبُ سُودٌ (فاطر:27)، قال أبو عبيد (5):الغربيب: الشديد السواد، ففي الكلام تقديم و تأخير. و قال صاحب (6)«العجائب و الغرائب»: قال ابن عيسى (7):
الغربيب: الذي لونه لون الغراب، فصار كأنه غراب. قال: و الغراب يكون أسود و غير أسود،281/3 و على هذا فلا تقديم و لا تأخير فيه.
و قوله: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ (الأنبياء:105) على قول من يقول: إنّ الذّكر هنا القرآن.
و قوله: حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها (النور:27).1.
1) ليست في المخطوطة.
2) ليست في المطبوعة.
3) العبارة ليست في المخطوطة.
4) هو أبو الفتح أحمد بن علي بن برهان تقدم التعريف به في 208/2.
5) هو القاسم بن سلام تقدم في 119/1.
6) هو برهان الدين محمود بن حمزة بن نصر الكرماني تقدم التعريف به في 206/1 و بكتابه في 254/1.
7) هو علي بن عيسى الرمّاني تقدم في 111/1.
و قوله: اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ (القمر:1).
و قوله: فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها (الشمس:14) أي فعقروها ثم كذبوه في عقرها و في إجابتهم.
و قوله: ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ (الأنعام:2)[تقديره: ثم قضى أجلا و عنده أجل مسمى] (1)،أي وقت مؤقت.
و قوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ (الحج:30) أي الأوثان من الرجس.
هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (الأعراف:154)، أي يرهبون ربهم (2).
وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (المؤمنون:5)، أي الذين هم حافظون لفروجهم.
فَلا تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ (إبراهيم:47) أي مخلف رسله وعده.
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (القيامة:14)، أي بل الإنسان بصير (3)على نفسه في شهود جوارحه عليه.
[214/ب] خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ (الأنبياء:37)[أي] (4)خلق العجل من الإنسان.
282/3 وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى (طه:129)، أي و لو لا كلمة سبقت من ربك و أجل مسمّى لكان العذاب لازما (5)لهم.
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ (الفرقان:45)، [أي] (6)كيف مدّه ربك.
وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (العاديات:8) أي لشديد لحبّ الخير.
وَ كَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ (الأنعام:137) أي زيّن للمشركين شركاؤهم قتل أولادهم؛ لأن الشياطين كانوا يحسّنون لهم قتل بناتهم خشية العار.ة.
و قوله: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ 1[لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً (النساء:83) تقديره لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا منهم] (1).
و قوله: إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (التوبة:55)، أي فلا تعجبك أموالهم و لا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد اللّه ليعذّبهم بها في الآخرة.
و قوله: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ (إبراهيم:
18)، [تقديره] (1):مثل [أعمال] (2)
(5-5) ليست في المخطوطة.
الذين كفروا بربهم كرماد اشتدت به الريح.و قوله: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ (الشعراء:77)، أي فأنا عدوّ آلهتهم و أصنامهم، و كلّ معبود يعبدونه من دون اللّه.
و قوله: وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا (سبأ:51)، أي فزعوا [و أخذوا] (5)،فلا فوت،[لأن الفوت] (5)يكون بعد الأخذ.
و قوله: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (الغاشية:1)، يعني القيامة. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (الغاشية:2)؛ و ذلك يوم القيامة. ثم قال: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (الغاشية:3)، 283/3 و النصب و العمل يكونان في الدنيا، فكأنه على التقديم و التأخير (3)،معناه: وجوه عاملة ناصبة [في الدنيا] (4)و يوم القيامة خاشعة، و الدليل عليه قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (الغاشية:
8).
و قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (غافر:10)، تقديره: لمقت اللّه إياكم في الدنيا حين دعيتم إلى (5)الإيمان فكفرتم، و مقته إياكم اليوم أكبر من مقتكم أنفسكم إذ دعيتم إلى النار (6).).
و قوله: حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (البقرة:
187)، لأن الفجر ليس له سواد (1)،و التقدير (2):حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض (3)من الفجر من الخيط الأسود من الليل؛ أي [حتى] (4)يتبين لكم بياض (5)الصبح من بقية سواد الليل.
و قوله: وَ لَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ (النساء:
73).
و قوله: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ (النساء:73) منظوم بقوله: قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ (النساء:72)، لأنه موضع الشماتة.
و قوله: وَ قالَ اللّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ (النحل:51)، [أي اثنين إلهين] (6)،لأن اتخاذ اثنين يقع على ما يجوز و ما لا يجوز، و «إلهين» لا يقع إلا على ما لا يجوز، ف «إلهين» أخصّ، فكان جعله صفة أولى.ة.
ما قدّم في آية و أخّر في أخرى
فمن ذلك قوله في فاتحة الفاتحة: اَلْحَمْدُ لِلّهِ (الفاتحة:2) و في خاتمة [الجاثية] (1)فَلِلّهِ الْحَمْدُ (الآية:36)، [فتقديم «الحمد»] (1) في الأول (1)جاء على الأصل، و الثاني على تقدير الجواب، فكأنه قيل عند وقوع الأمر: لمن الحمد؟ و من أهله؟ فجاء الجواب على ذلك، نظيره: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ (غافر:16)، ثم قال:
لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ (غافر:16).
و [و قوله] (2)في سورة يس: وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى (الآية:20)، قدّم المجرور على المرفوع، لاشتمال ما قبله من سوء معاملة أصحاب القرية الرسل، و إصرارهم على تكذيبهم، فكان مظنّة التتابع على مجرى العبارة، تلك القرية، و يبقى مخيّلا[215/أ] في فكره: أ كانت (3)
(6-6) العبارة مضطربة و هي ساقطة من المطبوعة.
(8-8) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
كلّها كذلك، أم كان فيها (6)[فنطر أن أفاض] (6).. على خلاف ذلك، بخلاف ما في سورة القصص.و منها قوله في سورة النمل: لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَ آباؤُنا 8[مِنْ قَبْلُ (الآية:68)، و في سورة المؤمنين: لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَ آباؤُنا] 8 هذا [مِنْ قَبْلُ] (8) (المؤمنون:
83)، فإنّ ما قبل الأولى أَ إِذا كُنّا تُراباً وَ آباؤُنا (النمل:67)، و ما قبل الثانية: أَ إِذا مِتْنا وَ كُنّا تُراباً وَ عِظاماً ،(المؤمنون:82)[فالجهة] (8) المنظور فيها هناك كون أنفسهم و آبائهم ترابا، و الجهة المنظور فيها [هنا] (8) كونهم ترابا و عظاما، و لا شبهة أنّ (4)الأولى أدخل عندهم في تبعيد (5)البعث.
285/3 و منها قوله في سورة المؤمنين: وَ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا (الآية:33)، فقدّم المجرور على الوصف؛ لأنه لو أخبر عنه-و أنت تعلم أن تمام الوصف بتمام ما يدخل عليه الموصوف (1)،و تمامه: وَ أَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (المؤمنون:
33)-لاحتمل أن يكون من نعيم الدنيا. و اشتبه الأمر في القائلين: أهم من قومه، أم لا؟ بخلاف قوله في موضع آخر منها: فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ (المؤمنون:24)؛ فإنه جاء على الأصل.
و منها قوله في سورة طه: آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَ مُوسى (طه:70). بخلاف قوله في سورة الشعراء: رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ (الشعراء:48).
و منها قوله: وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ [مِنْ إِمْلاقٍ] 2نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّاهُمْ (الأنعام:
151)، و قال في سورة الإسراء: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيّاكُمْ (الإسراء:31)، قدم المخاطبين في الأولى دون الثانية، لأنّ الخطاب في الأولى في الفقراء، بدليل قوله: مِنْ إِمْلاقٍ (الأنعام:151)، فكان رزقهم عندهم أهمّ من رزق أولادهم، (3)[فقدّم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم، و الخطاب في الثانية للأغنياء؛ بدليل خَشْيَةَ إِمْلاقٍ (الإسراء:31) فإن الخشية إنما تكون مما لم يقع، فكان رزق أولادهم] (3) هو المطلوب، دون رزقهم، لأنّه حاصل، فكان أهمّ، فقدّم الوعد (5)[برزق أولادهم على الوعد] (5) برزقهم.
و منها ذكر اللّه في أواخر سورة الملائكة: إِنَّ اللّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ (فاطر:38)، فقدّم ذكر السموات؛ لأن معلوماتها أكثر، فكان تقديمها أدلّ على صفة العالمية، ثم قال: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ 7 مِنْ دُونِ اللّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ 286/3 الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ (فاطر:40) فبدأ بذكر الأرض، لأنه في سياق تعجيز الشركاء عن الخلق و المشاركة، و أمر الأرض في ذلك أيسر من السماء بكثير؛ فبدأ بالأرض).
1) في المخطوطة (الموصول).
مبالغة في بيان عجزهم؛ لأن من عجز عن أيسر الأمرين كان عن أعظمهما (1)أعجز، ثم قال سبحانه: إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا (فاطر:41)، فقدّم السموات تنبيها على عظم قدرته سبحانه؛ لأنّ خلقها أكبر من خلق الأرض، كما صرّح به في سورة المؤمن؛ و من قدر على إمساك الأعظم كان على إمساك الأصغر أقدر.
فإن قلت: فهلاّ اكتفى [به] (2)عن (3)ذكر الأرض بهذا التنبيه البيّن، الذي لا يشكّ فيه أحد! قلت: أراد ذكرها مطابقة؛ لأنه على كلّ حال أظهر و أبين؛ فانظر أيها العاقل حكمة القرآن، و ما أودعه من البيان و التبيان، تحمد عاقبة النظر، و تنتظر (4)خير منتظر!.
*** و من أنواعه أن يقدم (5)اللفظ في الآية و يتأخر فيها؛ لقصد أن يقع البداءة و الختم به، للاعتناء بشأنه، و ذلك كقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ (آل عمران:106).
و قوله: وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها... (الجمعة:11) إلى قوله:
[قُلْ] 6ما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ (الجمعة:11) و كذلك (6)
(8-8) في المخطوطة (ما تبدون و تكتمون).
قوله: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ [215/ب] وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (البقرة:33) فإنه لو لا ما أسلفناه، لقيل: (8)ما تكتمون و تبدون (8)؛لأنّ الوصف بعلمه أمدح، كما قيل: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ (الأنعام:3)، و عالِمُ الْغَيْبِ 278/3 وَ الشَّهادَةِ (الرعد:9) وَ اللّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ (النحل:19).).فإن قلت: فقد قال تعالى: يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى (طه:7)، قلت: لأجل تناسب رءوس الآي.
و منها أن يقع (1)التقديم في موضع و التأخير في آخر، و اللفظ واحد، و القصة واحدة؛ للتفنن في الفصاحة، و إخراج الكلام على عدة أساليب، كما في قوله تعالى: وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ (البقرة:58)، و قوله: وَ قُولُوا حِطَّةٌ وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً (الأعراف:161).
و قوله: خَتَمَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ (البقرة:7)، و قوله: وَ خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ (الجاثية:23)، قال الزمخشريّ في «كشافه القديم (2)»: علم بذلك أنّ [كلا] (3)الطريقين (4)داخل تحت الحسن؛ و ذلك لأنّ العطف في المختلفين، كالتثنية في المتفقين، فلا عليك أن تقدّم (5)أيّهما شئت، فإنه حسن مؤدّ إلى الغرض. و قد قال سيبويه: و لم يجعل للرجل منزلة بتقديمك إياه، بكونه (6)أولى [بها] (7)من الجائي (8)كأنك قلت: مررت بهما، يعني في قولك: مررت برجل و جاءني، إلاّ أنّ الأحسن تقديم الأفضل، فالقلب رئيس الأعضاء، و المضغة لها الشأن، ثم السمع طريق إدراك وحي اللّه، و كلامه الذي قامت [به] (9)السماوات و الأرض، و سائر العلوم التي هي الحياة كلها.
قلت: و قد سبق توجيه كل موضع بما ورد فيه من الحكمة.
288/3
و في كونه من أساليب البلاغة خلاف، فأنكره جماعة، منهم حازم في (10)في كتاب «منهاج البلغاء» و قال: إنه مما يجب أن ينزّه كتاب اللّه عنه؛ لأن العرب إن صدر ذلك منهم فبقصد (11)العبث أو التهكّم أو المحاكاة أو حال اضطرار، و اللّه منزّه عن ذلك.
و قبله جماعة مطلقا، بشرط عدم اللّبس كما قاله المبرّد في كتاب «ما اتفق لفظه و اختلف معناه (1)».
و فصّل آخرون بين أن يتضمن اعتبارا لطيفا (2)،فبليغ و إلا فلا؛ و لهذا قال ابن الضائع (3):يجوز القلب على التأويل، ثم قد يقرب التأويل فيصحّ في فصيح الكلام، و قد يبعد فيختص بالشعر.
و هو أنواع:
قلب الإسناد
و هو أن يشمل الإسناد إلى شيء و المراد غيره، كقوله تعالى: [ما إِنَّ] 4مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ (القصص:76)، إن لم تجعل الباء للتعدية؛ لأن ظاهره أن المفاتح تنوء بالعصبة، و معناه أنّ العصبة تنوء بالمفاتح لثقلها، فأسند «لتنوأ» (4)[إلى] (5)«المفاتح»، و المراد إسناده إلى العصبة لأن الباء للحال و العصبة مستصحبة (6)المفاتح، لا تستصحبها (7)289/3 المفاتح. و فائدته المبالغة، بجعل المفاتح كأنها مستتبعة للعصبة القوية بثقلها.
و قيل: لا قلب فيه (8)،و المراد-و اللّه أعلم-أنّ المفاتح تنوء بالعصبة، أي تميلها من ثقلها. و قد ذكر هذا الفرّاء (9)و غيره.
و قال ابن عصفور (10)
(12-12) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
:و الصحيح ما ذهب إليه الفارسيّ أنّها بالنقل و لا قلب، و الفعل غير متعدّ، فصار متعدّيا بالباء، لأن «ناء» غير متعدّ، يقال: ناء النجم، أي نهض، و يقال:ناء، أي مال للسقوط. (12)[فإذا نقلت الفعل بالباء قلت: نؤت به، أي أنهضته و أملته للسقوط،] (12)فقوله: لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ (القصص:76)، أي تميلها المفاتح للسقوط لثقلها.
1) تقدم الكلام عن الكتاب في 217/3، حذف المضاف.
2) في المخطوطة (لفظيّا).
3) في المخطوطة (الصائغ) و ابن الضائع هو علي بن محمد، تقدم التعريف به في 364/2.
4) في المخطوطة (لتوالي).
5) ساقطة من المخطوطة.
6) في المخطوطة (مستحقة).
7) في المخطوطة (لاستصحابها).
8) في المخطوطة (عنه).
9) انظر معاني القرآن 310/2.
10) هو علي بن مؤمن بن محمد، تقدم ذكره في 466/1.
قال: و إنما كان مذهب الفارسيّ أصحّ، لأن نقل (1)الفعل غير المتعدي بالباء مقيس، و القلب غير مقيس، فحمل الآية على ما هو مقيس أولى.
و منه[216/أ] قوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ (الأنبياء:37)، أي خلق العجل من الإنسان. قاله ثعلب و ابن السكيت (2).
قال الزجّاج (3):و يدلّ على ذلك [قوله تعالى] (4)وَ كانَ 5الْإِنْسانُ عَجُولاً (الإسراء:11).
قال ابن جنّي (5):«و الأحسن أن يكون تقديره: خلق الإنسان من العجلة، لكثرة فعله إياه، و اعتماده له، و هو أقوى في المعنى من القلب، لأنه أمر قد اطّرد و اتسع، فحمله على القلب يبعد في الصنعة، و يضعف (6)المعنى. و لمّا خفي هذا على بعضهم قال: إنّ العجل هاهنا الطين، قال: و لعمري إنه في اللغة كما ذكر، غير أنه ليس هنا إلا نفس العجلة (7)[و السرعة] (8)،أ لا ترى إلى قوله عقبه: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (الأنبياء:
37)، و نظيره (9)قوله: وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (الإسراء:11)، وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ 290/3 ضَعِيفاً (النساء:28) لأن العجلة ضرب من الضعف، لما تؤذن به الضرورة و الحاجة.
و قيل في قوله: وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ (ق:19)، [أي] (10)إنه من المقلوب، و أنه (11)و جاءت سكرة الحق بالموت (12)،و هكذا في قراءة أبي بكر (13).).
1) في المخطوطة (ثقل).
2) هو يعقوب بن إسحاق تقدم التعريف به في 402/1.
3) انظر معاني القرآن و إعرابه 392/3.
4) ليست في المطبوعة.
5) الخصائص 204/2. بتصرف.
6) في المخطوطة (و يصغر).
7) في المطبوعة (العجل) و التصويب من الخصائص و المخطوطة.
8) ساقطة من المطبوعة.
9) في المخطوطة (فنظيره).
10) ساقطة من المخطوطة.
11) في المخطوطة (القلوب أي).
12) تصحفت في المخطوطة إلى (الموت بالحق).
13) و هي قراءة أبي بكر الصديق و أبيّ رضي اللّه عنهما (ابن خالويه مختصر في شواذ القراءات:144).
و مثله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (الرعد:38)، قال الفرّاء (1):أي لكل أمر كتبه اللّه أجل مؤجّل.
و قيل في قوله: وَ إِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ (يونس:107): هو من المقلوب (2)،أي يريد بك الخير، و يقال: أراده بالخير و أراد به الخير.
و جعل ابن الضائع (3)منه: فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ (البقرة:37)، قال: فآدم صلوات اللّه على نبينا و عليه هو المتلقّي للكلمات حقيقة، و يقرب أن ينسب التلقي للكلمات؛ لأن من تلقّى شيئا، أو طلب أن يتلقّاه (4)فلقيه كان (5)الآخر [أيضا] (6)قد طلب ذلك؛ لأنه قد لقيه (7)،قال: و لقرب هذا المعنى قرئ بالقلب (8).
و جعل الفارسيّ منه قوله تعالى: فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ (هود:28)، أي فعميتم (9)عليها.
و قوله: فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ (يونس:24).
و قوله: وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (مريم:8)، وَ قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ (آل عمران:40)، [أي بلغت الكبر] (10).
و قوله: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ (الجاثية:23)، و قوله: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ (الشعراء:77)؛ فإن الأصنام لا تعادي، و إنما المعنى: فإني (11)عدوّ لهم،).
1) انظر معاني القرآن 65/2-66.
2) في المخطوطة (القلوب).
3) في المخطوطة (ابن الصائغ)، و ابن الضائع هو علي بن محمد، تقدم التعريف به في 364/2.
4) في المخطوطة (يلقاه).
5) في المخطوطة (فكان).
6) ساقطة من المخطوطة.
7) عبارة المخطوطة (قد طلب لقيه).
8) و هي قراءة ابن كثير (فتلقى آدم) بالنصب (كلمات) بالرفع و الباقون برفع آدم، و كسر التاء في (كلمات) (التيسير:73).
9) في المخطوطة (فعميت).
10) العبارة ساقطة من المخطوطة.
11) في المخطوطة (فإنهم).
مشتقّ من عدوت الشيء، إذا جاوزته (1)و خلفته، و هذا لا يكون إلا فيمن له إرادة، و أمّا «عاديته» فمفاعلة لا يكون إلا من اثنين.
و جعل منه بعضهم: وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (العاديات:8)، أي إنّ حبّه للخير لشديد.
و قيل: ليس منه، لأنّ المقصود منه أنه لحبّ المال [لبخيل] (2)،و الشدة: البخل، أي من أجل حبّه للمال يبخل.
و جعل الزمخشريّ (3)منه قوله تعالى: وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ (الأحقاف:20)، كقوله (4):عرضت النّاقة على الحوض، لأنّ المعروض ليس له اختيار، و إنما الاختيار للمعروض عليه؛ فإنّه قد يفعل و يريد (5)و على هذا فلا قلب في الآية؛ لأنّ الكفار مقهورون (6)فكأنهم لا اختيار لهم، و النار متصرفة فيهم، و هو كالمتاع الذي يقرب منه من يعرض عليه، كما قالوا: عرضت الجارية على البيع.
و قوله: وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ (القصص:12)، و معلوم أنّ التحريم لا يقع إلا على المكلّف، فالمعنى: و حرّمنا على المراضع أن ترضعه. و وجه تحريم إرضاعه عليهنّ ألاّ يقبل إرضاعهنّ حتى يردّ إلى أمّه.
و قوله تعالى: وَ ما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ (7)(البقرة:9)، و قيل: الأصل و ما تخدعهم (8)إلاّ أنفسهم، لأنّ الأنفس هي المخادعة و المسوّلة، قال تعالى: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ (يوسف:18).
و ردّ بأن الفاعل في مثل هذا هو المفعول في المعنى، و أنّ التغاير في اللفظ فقط، فعلى هذا يصحّ إسناد الفعل إلى كلّ منهما؛ و لا حاجة إلى القلب.).
قلب المعطوف
إما بأن تجعل المعطوف[216/ب] عليه معطوفا و المعطوف معطوفا عليه، كقوله تعالى: فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ (النمل:28) (1)[حقيقته: فانظر ما ذا يرجعون] (1)ثم تولّ عنهم، لأنّ نظره (1)،ما يرجعون من القول غير متأتّ مع تولّيه عنهم.
و ما يفسّر (2)به التولّي من أنه يتوارى في الكوّة التي ألقي منها الكتاب مجاز و الحقيقة راجحة (3)
(6-6) ليست في المخطوطة.
عليه.و قوله: ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى (النجم:8)، [أي تدلّى] (6)فدنا؛[لأنه] (6)بالتدلّي، نال الدنوّ و القرب إلى المنزلة الرفيعة و إلى المكانة، لا إلى المكان.
و قيل: لا قلب، و المعنى: ثم أراد الدنوّ [فتدلى] (4)،و في «صحيح البخاري»:
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ (النحل:98)[إن] (5)المعنى فإذا استعذت فاقرأ (6).
و قوله: وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا (الأعراف:4)، و قال صاحب «الإيضاح» (7):لا قلب فيه؛ لعدم تضمّنه اعتبارا لطيفا.
1) في المخطوطة (لا نظير).
2) في المخطوطة (يقربه).
3) في المخطوطة (فالحقيقة راجعة).
4) ليست في المطبوعة.
5) ليست في المخطوطة.
6) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري 384/8، كتاب التفسير(65)، تفسير سورة النحل(16).
7) هو محمد بن عبد الرحمن جلال الدين القزويني تقدم التعريف به في 181/3، و كتابه «الإيضاح في علوم البلاغة» أو «الإيضاح في المعاني و البيان» كما في كشف الظنون أو «إيضاح المعاني و البيان» كما في النسخ الخطية في دار الكتب المصرية طبع في بولاق عام 1317 ه/1899 م،(معجم سركيس: 1509)، و طبع بتحقيق عبد المنعم خفاجي في القاهرة بمطبعة الحسين التجارية عام 1370 ه/1950 م (دليل المطبوعات المصرية:1940،114-1956) و صور بدار الكتاب اللبناني في بيروت عام 1400 ه/1980 م، و في بيروت بدار الجيل (معاينة). و انظر قوله في كتابه:47، القول في أصول المسند إليه.
و ردّ بتضمنه المبالغة في شدة سورة البأس؛ يعني هلكت بمجرد توجّه الناس إليها، ثم جاءها.
العكس
العكس؛ و هو أمر لفظيّ، كقوله [تعالى] (1): ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ (الأنعام:52).
293/3 و قوله: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ (البقرة:187).
لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ (الممتحنة:10).
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ (الحج:61).
المستوى
و هو أنّ الكلمة أو الكلمات تقرأ من أوّلها إلى آخرها، و من آخرها إلى أوّلها، لا يختلف لفظها و لا معناها، كقوله: وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ (المدثر:3).
كُلٌّ فِي فَلَكٍ (الأنبياء:33).
مقلوب البعض
و هو أن تكون الكلمة الثانية مركبة من حروف الكلمة الأولى، مع بقاء بعض حروف الكلمة الأولى، كقوله تعالى: فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ (طه:94)، ف «بني» مركّب من حروف «بين» و هو مفرّق، إلا أن الباقي بعضها في الكلمتين، و هو أولها.
294/3
هذا النوع سمّيته بهذه التسمية، بنظير المدرج من الحديث، و حقيقته في أسلوب القرآن
1) ليست في المطبوعة.
أن تجيء الكلمة إلى جنب (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ليس في المطبوعة.
أخرى كأنها في الظاهر معها، و هي في الحقيقة غير متعلّقة بها، كقوله تعالى ذاكرا عن بلقيس: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (النمل:34) (2)[فقوله وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ ] (2)،هو من قول اللّه لا من قول المرأة.و منه قوله تعالى: اَلْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (يوسف:51)، انتهى قول المرأة، ثم قال يوسف عليه السلام: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ (يوسف:52)، معناه ليعلم الملك أني لم أخنه.
و منه: يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا (يس:52)، [تمّ الكلام] (2)،فقالت (3)الملائكة: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (يس:52).
و قوله: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (الأعراف:201) فهذه صفة لأتقياء المؤمنين، ثم قال: [وَ إِخْوانُهُمْ] 6 يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ (الأعراف:202)، فهذا يرجع إلى كفار مكة تمدهم إخوانهم من الشياطين في الغيّ.
و قوله: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ (الشعراء:35)، ثم أخبر عن 295/3 فرعون متّصلا: فَما ذا تَأْمُرُونَ (الشعراء:35).
و قوله: هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ (ص:59)، فالظاهر أنّ الكلام كلّه من كلام الزبانية، و الأمر ليس كذلك.
و قوله: إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (الصافات:84) من كلامه تعالى، و قال: إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (الشعراء:89).ة.
كقوله تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ (البقرة:255)، لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً (الكهف:49).
فإن قيل: فقد ورد: فَلا يَخافُ ظُلْماً وَ لا هَضْماً (طه:112)، و الغالب أن يقدّم [فيه] (1)القليل على الكثير؛ مع أن الظّلم منع للحق من أصله، و الهضم منع له من وجه كالتطفيف (2)فكان يناسبه تقديم الهضم.
قلت: لأجل فواصل الآي؛ فإنه تقدم قبله: وَ قَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ [217/أ] ظُلْماً (طه:111)، فعدل عنه في الثاني، كيلا يكون أبطأ (3)،و قد سيقت أمثلة الترقّي في أسباب التقديم.
ذكره أبو الحسين بن فارس (4)
(5-5) ليست في المخطوطة.
،و هو أن يكون كلام في سورة مقتصّا [من كلام] (5) في سورة أخرى، أو في السورة نفسها، و مثّله بقوله تعالى:[ وَ آتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (العنكبوت:27)، و الآخرة دار ثواب لا عمل فيها، فهذا مقتصّ من قوله:] (5)وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (طه:75).
و منه قوله تعالى: وَ لَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (الصافات:57)، مأخوذ من قوله تعالى: فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (الروم:16).
و قوله: ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (مريم:68).
فأما قوله تعالى: وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (غافر:51)، فيقال: إنها مقتصّة من أربع آيات؛ لأنّ الأشهاد أربعة:
الملائكة عليهم السلام في قوله [تعالى]: وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ (ق:21).
و الأنبياء عليهم السلام لقوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (النساء:41).
و أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلّم لقوله: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ (البقرة:143).
و الأعضاء لقوله: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (النور:24).
و منه قوله تعالى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (غافر:32)، و قرئت مخففة و مثقلة، فمن شدد فهو [من] (1)«ندّ» إذا نفر؛ و هو مقتصّ من قوله: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ [ وَ أُمِّهِ] 2... (عبس:34-35) الآية، و من خفّف فهو تفاعل من النداء، مقتصّ من قوله تعالى؛ وَ نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ (الأعراف:44).
و اللّغز الطريق المنحرف، سمّي به لانحرافه عن نمط ظاهر الكلام، و يسمّى أيضا أحجيّة؛ لأنّ الحجا هو العقل؛ و هذا النوع يقوّي [العقل] (1)عند التمرّن و الارتياض (2)بحلّه و الفكر فيه.
و ذكر بعضهم أنه وقع في القرآن العظيم، و جعل منه ما جاء في أوائل السّور من الحروف المفردة و المركّبة التي [جهل] (1)معناها، و حارت العقول في منتهاها.
و منه قوله تعالى في قصة إبراهيم لما سئل عن كسر الأصنام؛ و قيل له: أنت فعلته؛ فقال:
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا (الأنبياء:63)، قابلهم بهذه المعارضة ليقيم عليهم الحجة، و يوضّح لهم المحجة.
و كذلك قول نمرود: أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ (البقرة:258)، أتى باثنين فقتل أحدهما، و أرسل الآخر، فإن هذا مغالطة.
و هو التعريض بعيب انسان بذكر عيب غيره، كقوله تعالى: وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ (إبراهيم:45).
و كقوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ (فصلت:13).
و قوله: أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (هود:95).
و هو أن يعلّق المتكلم لفظة من الكلام [بمعنى] (1)ثم يردّها بعينها، و يعلّقها بمعنى آخر، كقوله [تعالى]: حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ، اللّهُ أَعْلَمُ... (الأنعام:
124)، الآية؛ فإنّ الأول مضاف إليه، و الثاني مبتدأ.
و قوله: وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ* يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا (الروم:
6-7).
و قوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ (التوبة:108).
و قد يحذف أحدها و يضمر، أولا يلاحظ (2)على الخلاف في قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة:2).
و حقيقته إعطاء الشيء حكم غيره. و قيل ترجيح أحد المغلوبين على الآخر، أو إطلاق لفظة عليهما؛ إجراء للمختلفين مجرى المتفقين.
[و هو أنواع:] (1)
تغليب المذكّر
كقوله تعالى: وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ (القيامة:9) غلّب المذكر؛ لأن الواو جامعة؛ لأن لفظ الفعل مقتض، و لو أردت العطف امتنع.
و قوله: وَ كانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (التحريم:12).
و قوله: إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (الأعراف:83)، و الأصل «من القانتات و الغابرات» فعدّت الأنثى من المذكّر بحكم التغليب (2).
هكذا قالوا؛ و هو عجيب؛ فإنّ العرب[217/ب] تقول: نحن من بني فلان؛ لا تريد إلاّ موالاتهم، و التصويب لطريقتهم؛ و في الحديث الصحيح في الأشعريين:«هم مني و أنا منهم» (3)فقوله سبحانه: مِنَ الْقانِتِينَ (التحريم:12) و لم يقل:«من القانتات»؛ إيذانا بأن وضعها في العبّاد جدّا و اجتهادا، و علما و تبصّرا و رفعة من اللّه لدرجاتها في أوصاف الرجال القانتين و طريقهم.
و نظيره، و لكن (4).........
1) ليست في المخطوطة.
2) انظر مفتاح العلوم للسكاكي ص 242 تقييد الفعل.
3) أخرجه من رواية أبي عامر الأشعري رضي اللّه عنه، أحمد في المسند 129/4، و الترمذي في السنن 731/5، كتاب المناقب(50)، باب مناقب ثقيف... (74)، الحديث(3947)، و الطبراني في الكبير، و أبو يعلى، و البغوي، ذكره المتقي الهندي في كنز العمال 58/12 الحديث(33983)، و الحاكم في المستدرك 138/2 كتاب قسم الفيء، باب النهي عن بيع المغانم...، و قال (صحيح الإسناد) و وافقه الذهبي، و بدايته «نعم الحيّ الأسد و الأشعريون...
4) في المخطوطة (و لكن على العكس).
بالعكس قول عقبة بن أبي معيط (1)لأميّة بن خلف (2)لما أجمع القعود عن وقعة بدر؛ لأنه كان شيخا فجاء بمجمرة، فقال: يا أبا عليّ استجمر، فإنما أنت من النساء؛ فقال: قبحك اللّه و قبح ما جئت به! ثم تجهّز (3).
و نازع بعضهم في ذلك من وجه آخر، فقال: يحتمل ألا تكون «من» للتبعيض بل لابتداء الغاية، أي كانت ناشئة من القوم القانتين، لأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليه السلام.
تغليب المتكلم على المخاطب و المخاطب على الغائب
فيقال: أنا و زيد (4)فعلنا، و أنت و زيد تفعلان. و منه قوله تعالى: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (النمل:55)، بتاء الخطاب، غلّب جانب «أنتم» على جانب «قوم»، «و القياس أن يجيء بالياء؛ لأنه وصف (5)القوم، و قوم اسم غيبة، و لكن حسن آخر الخطاب، وصفا ل «قوم» لوقوعه خبرا عن ضمير المخاطبين». قاله ابن الشجري (6).
و لو قيل: إنه حال ل فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً (النمل:52)؛ لأنّ في ضمير الخطاب معنى الإشارة لملازمته لها، أو لمعناها لكان متجها و إن لم تساعده الصناعة، لكن يبعده أن المراد وصفهم بجهل (7)مستمر، لا مخصوص بحال الخطاب، و لم يقل «جاهلون»، إيذانا بأنهم يتجددون عند كل مصيبة لطلب آيات جهلهم.
1) هو عدو اللّه أبو الوليد عقبة بن أبي معيط، و كان من أشد الناس أذى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و عداوة له و للمسلمين، و أسر عقبة ببدر فقتل صبرا و صلب، و هو أول مصلوب في الإسلام (ابن الأثير الكامل في التاريخ 50/2).
2) تقدم التعريف به في 251/1.
3) انظر الخبر في الكامل في التاريخ 81/2-82 ذكر غزوة بدر الكبرى.
4) في المخطوطة (أنا و أنت).
5) في المخطوطة (صفة لقوم).
6) هو هبة اللّه بن علي بن محمد العلوي تقدم التعريف به في 475/2، و انظر قوله في الأمالي الشجرية 27/1-28 المجلس الرابع باب يشتمل على تفسير أبيات إعرابا و معنى. و انظر أيضا مفتاح العلوم للسكاكي ص 242 تقييد الفعل.
7) في المخطوطة (بوجه مستمر).
و قال أبو البركات بن الأنباري (1):و لو قيل: إنما قال: تَجْهَلُونَ (النمل:52) [بالتاء-لأن «قوم» هو «أنتم» في المعنى فلذلك، قال:«تجهلون»] (2)حملا على المعنى-لكان حسنا، و نظيره قوله:
أنا الذي سمّتني أمّي حيدرة (3)
بالياء حملا على «أنا» لأن «الذي» هو «أنا» في المعنى.
و منه قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ (هود:112)، غلّب فيه جانب «أنت» على جانب «من» فأسند إليه الفعل، و كان تقديره: فاستقيموا، فغلّب الخطاب على الغيبة، لأن حرف العطف فصل بين المسند إليهم الفعل، فصار كما ترى. قال صاحب «الكشاف» «تقديره فاستقم كما أمرت و ليستقم كذلك من تاب معك» (4).
و ما قلنا أقل تقديرا من هذا فاختر أيّهما شئت.
و قوله تعالى: اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ (الإسراء:63)، فأعاد الضمير بلفظ الخطاب، و إن كان «من تبعك» يقتضي الغيبة، تغليبا للمخاطب و جعل الغائب تبعا (5)له، كما كان تبعا له في المعصية و العقوبة، فحسن أن يجعل تبعا له في اللفظ، و هو من محاسن ارتباط اللفظ بالمعنى.
و كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة:21)، فإنّ الخطاب في لَعَلَّكُمْ (البقرة:21) متعلق بقوله:ة.
1) هو عبد الرحمن بن أبي الوفاء محمد بن عبيد اللّه بن أبي سعيد الأنباري الملقب كمال الدين، النحوي كان من الأئمة المشار إليهم في النحو، سكن بغداد من صباه إلى أن مات، و صنف في النحو و كتبه كلها نافعة، و كانت ولادته سنة(513) ه و توفي سنة(577) ه (ابن خلكان، وفيات الأعيان 139/3).
2) ليست في المخطوطة.
3) قاله سيدنا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه يوم خيبر حين خرج لمبارزة اليهودي مرحب، و تمامه: أنا الذي سمّتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة أوفيهم بالصاع كيل السندرة ذكره ابن الشجري في الأمالي الشجرية 152/2 في المجلس الموفي الستين، و ذكره المحب الطبري في الرياض النضرة 149/3 ذكر اختصاصه بإعطائه الراية يوم خيبر و بفتحها.
4) ذكره الزمخشري في الكشاف 236/2-237 تفسير الآية 112 من سورة هود.
5) في المخطوطة (و جعل الغائب تغليبا له) و الصواب ما في المطبوعة.
خَلَقَكُمْ (البقرة:21) لا بقوله: اُعْبُدُوا (البقرة:21) حتى يختص بالناس المخاطبين، إذ لا معنى لقوله:«اعبدوا لعلكم تتقون».
و منه قوله تعالى: [وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ] 1عَمّا تَعْمَلُونَ (هود:123)، فيمن قرأ بالتاء. و يجوز أن يكون المراد ب «ما تعملون» الخلق كلهم، و المخاطب النبي صلّى اللّه عليه و سلّم (1)و كلّ سامع أبدا، فيكون تغليبا، و لا يجوز أن يعتبر (2)خطاب من سواه بدونه من غير اعتبار التغليب، لامتناع (3)أن يخاطب[218/أ] في كلام واحد اثنان أو أكثر من غير عطف أو تثنية أو جمع.
و منه قوله [تعالى] (4)...
تغليب العاقل على غيره
بأن يتقدم لفظ يعم من يعقل و من لا يعقل فيطلق اللفظ المختص بالعاقل على الجميع، كما تقول:«خلق اللّه الناس و الأنعام و رزقهم»، فإن لفظ «هم» مختصّ بالعقلاء.[و منه قوله تعالى] (5): وَ اللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ (النور:45)، لمّا تقدم لفظ الدابة، و المراد بها عموم من يعقل و من لا يعقل غلّب من يعقل، فقال: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي (النور:45).
فإن قيل: هذا صحيح في «فمنهم» لأنّه لمن يعقل؛ و هو راجع إلى الجميع، فلم قال:
«من» و هو لا يقع على العامّ، بل خاصّ بالعاقل؟ قلت:«من» هنا بعض «هم» و هو ضمير من يعقل.
فإن قلت: فكيف يقع على بعضه لفظ ما لا يعقل؟ قلت:«من» هنا قال أبو عثمان (6):إنه تغليب من غير عموم لفظ متقدّم، فهو بمنزلة من يقول: رأيت ثلاثة: زيدا و عمرا و حمارا.
و قال ابن الضائع (1):«هم» لا تقع إلا على من يعقل، فلما أعاد الضمير على كل دابة غلب من يعقل، فقال:[«هم»] (2)،و «من» بعض هذا الضمير؛ و هو للعاقل، فلزم أن يقول «من» فلما قال:[«من»] (3)لوقوع التغليب في الضمير، صار ما يقع عليه حكمه حكم العاقلين؛ فتمّم ذلك بأن أوقع «من».
و كقوله تعالى حاكيا عن السماء و الأرض: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (فصلت:11)، [إنما جمعهما جمع السلامة، و لم يقل «طائعين»] (4)و لا «طائعات»، لأنه أراد: ائتيا بمن فيكم من الخلائق طائعين، فخرجت الحال على لفظ الجمع، و غلّب من يعقل من الذكور.
و قال بعض النحويين: لما أخبر عنهما أنهما يقولان كما يقول الآدميون أشبهتا الذكور من بني آدم، و إنما قال:«طائعين» و لم يقل:«مطيعين»، لأنه من طعنا [أي] (5)انقدنا، و ليس من أطعنا؛ يقال: طاعت الناقة تطوع طوعا، إذا انقادت.
و قوله تعالى: بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (البقرة:116)، قيل: أوقع «ما» لأنها تقع على أنواع من يعقل؛ لأنه (6)إذا اجتمع من يعقل و ما لا يعقل فغلّب ما لا يعقل؛ كان الأمر بالعكس؛ و يناقضه: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (البقرة:116).
و قال الزمخشري:«جاء ب «ما» تحقيرا لشأنهم و تصغيرا (7)،قال:«له قانتون» تعظيم.
و ردّ عليه ابن الضائع بصحة وقوعها على اللّه عز و جلّ، قال: و هذا غاية الخطأ؛ و قوله في دعاء الأصنام: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (الشعراء:72).
و قوله: وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا (فصلت:21).
و أما قوله: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (الشعراء:4)، و قوله [تعالى]: فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (يس:40) لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (الأنبياء:65).ة.
إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (يوسف:4)، لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها (الأنبياء:99). يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ (النمل:18)[لأنه سبحانه] (1)
(2-2) ليست في المخطوطة.
(4-4) ليست في المطبوعة.
لما أخبر عنها بأخبار الآدميين جرى ضميرها على حدّ من يعقل، و كذا البواقي.فإن قيل: فقد غلّب غير العاقل [على العاقل] (2) في قوله: وَ لِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ (النحل:49)، فإنه لو غلّب العاقل على غير العاقل لأتى ب «من».
فالجواب أنّ هذا الموضع غلّب فيه من يعقل، و عبّر عن ذلك [ب «ما»] (2)،لأنها واقعة على أجناس من يعقل [و من لا يعقل، و قد يقع على أجناس من يعقل] (4)خاصة، كهذه الآية.
[و] (4)قوله: لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما فِيهِنَّ (المائدة:120)، و لم يقل «و من فيهن» قيل: لأن كلمة «ما» تناول الأجناس كلّها تناولا عاما بأصل الوضع، و «من» لا تتناول غير العقلاء بأصل الوضع، فكان استعمال «ما» هنا أولى.
و قد يجتمع في لفظ واحد تغليب المخاطب على الغائب، و العقلاء[218/ب] على غيرهم، كقوله: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَ مِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ (الشورى:11)، أي خلق لكم أيها الناس من جنسكم ذكورا و إناثا، و خلق الأنعام أيضا من أنفسها ذكورا و إناثا، يذرؤكم، أي ينبتكم و يكثركم أيها الناس و الأنعام، في هذا التدبير و الجعل، فهو خطاب للجميع؛ للناس المخاطبين و للأنعام المذكورة بلفظ الغيبة، ففيه تغليب المخاطب على الغائب، و إلا لما صحّ ذكر الجميع (2)-أعني الناس و الأنعام-بطريق الخطاب؛ لأن الأنعام غيب، و تغليب العقلاء على غيرهم؛ و إلاّ لما صح خطاب الجمع بلفظ [«كم»] (3)المختص بالعقلاء، ففي لفظ «كم» تغليبان، و لو لا التغليب لكان القياس أن يقال: يذرؤكم و إياها. هكذا قرره السكاكيّ (4)و الزمخشريّ.،-
و نوزعا فيه؛ بأن جعل الخطاب شاملا للأنعام تكلّف لا حاجة إليه؛ لأن الغرض إظهار القدرة و بيان الألطاف في حق الناس؛ فالخطاب مختص بهم، و المعنى: يكثركم أيها الناس في التدبير حيث مكّنكم من التوالد و التناسل، و هيّأ لكم من مصالحكم ما تحتاجون إليه في ترتيب المعاش و تدبير التوالد،[و الأنعام خلقها لكم فيها دفء و منافع و منها تأكلون] (1)
(2-2) ليست في المخطوطة.
(5-5) ليست في المطبوعة.
و جعلها أزواجا تبقى ببقائكم، و على هذا يكون التقدير: و جعل لكم من الأنعام أزواجا؛ و هذا أنسب بنظم الكلام مما قرروه، و هو جعل الأنعام أنفسها أزواجا.و قوله: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ (الشورى:11) أي في هذا التدبير؛ كأنه محلّ لذلك، و لم يقل «به» كما قال: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (البقرة:179)؛ لأنه مسوق لإظهار الاقتدار مع الوحدانية، فأسقط السببية، و أثبت «في» الظرفية، و هذا وجه من إعجاز قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (البقرة:179)؛ لأن الحياة من شأنها الاستناد إليه سبحانه لا إلى غيره، فاختيرت «في» على «الباء»؛ لأنه مسوق لبيان الترغيب و المعنى مفهوم، و القصاص مسوق للتجويز و حسن المشروعية، وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (البقرة:237).
تغليب المتّصف بالشيء على ما لم يتصف به
كقوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى [عَبْدِنا] (2) (البقرة:23)، قيل:
غلّب [غير] (2) المرتابين [على المرتابين] (2)،و اعترض بقوله تعالى: وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (البقرة:23)، و هذا خطاب للكفار فقط قطعا، فهم المخاطبون أوّلا بذلك؛ ثم «إن كنتم صادقين» لا يتميز فيها التغليب، ثم هي شاهدة بأن المتكلّم معهم يخصّ الجاحدين بقوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (البقرة:23)، و إذا لم يكن الخطاب إلا فيهم، فتغليب حال من لم يدخل في الخطاب، لا عهد به في مخاطبات العرب، (5)[ثم أوضح لبعضها هنا لأن جواز أن يتناول المشكوك و غير المرتابين عالمين، فلا يستحق حالهم «إن» و يحتمل أن يكون للتهيج زيادة في التعجيز] (5).
1) ليست في المطبوعة.
تغليب الأكثر على الأقل
بأن ينسب إلى الجميع وصف يختصّ بالأكثر، كقوله تعالى: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا (الأعراف:88)، أدخل شعيب عليه السلام في قوله: لَتَعُودُنَّ (الأعراف:88) بحكم التغليب؛ إذ لم يكن في ملّتهم أصلا حتى يعود إليها. و مثله قوله: إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ (1)،(الأعراف:89)، و اعترض بأن «عاد» بمعنى «صار» لغة معروفة، و أنشدوا:
فإن تكن الأيام أحسن مرّة إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب
و لا حجة فيه؛ لجواز أن[219/أ] يكون ضمير «الأيام» فاعل «عادت»؛ و إنما الشاهد في قول أمية (2):
تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
و يحتمل جوابا ثالثا؛ و هو أن يكون قولهم لشعيب ذلك، من تعنتهم و بهتانهم و ادّعائهم أنّ شعيبا كان على ملّتهم، لا كما قال فرعون لموسى. و قوله: [وَ ما يَكُونُ لَنا] 3أَنْ نَعُودَ فِيها (الأعراف:89) كناية عن أتباعه لمجرّد فائدتهم، و أنه صلّى اللّه عليه و سلّم إن قال ذلك عن نفسه و أتباعه فقد استثنى، و المعلّق بالمشيئة لا يلزم إمكانه شرعا تقديرا، و الاعتراف بالقدرة و الرجوع لعلمه سبحانه، و أنّ علم العبد عصمة نفسه أدبا مع ربّه لا شكّا.
و يجوز أن يراد بالعود في ملّتهم مجرد المساكنة و الاختلاط، بدليل قوله: إِذْ نَجّانَا اللّهُ مِنْها (الأعراف:89) و نظيره: وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا (آل عمران:55)، و يكون ذلك إشارة إلى الهجرة عنهم، و ترك الإجابة لهم، لا جوابا لهم، و فيه بعد.
1) انظر مفتاح العلوم للسكاكي ص 242 تقييد الفعل.
2) هو أمية ابن أبي الصلت بن أبي ربيعة، و كان قد قرأ الكتب المتقدمة من كتب اللّه عز و جل و رغب عن عبادة الأوثان، و كان يخبر بأن نبيا يبعث قد أظلّ زمانه و يؤمّل أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم كفر حسدا له (ابن قتيبة الشعر و الشعراء:300-301) و انظر البيت في شرح ديوان أمية بن أبي الصلت ص 66 ضمن قافية الكلام.
تغليب الجنس الكثير الأفراد على فرد من غير هذا الجنس
مغموز فيما بينهم بأن يطلق اسم [ذلك] (1)الجنس على الجميع
كقوله: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلاّ إِبْلِيسَ (2)،(ص:73-74)، و أنّه عدّ منهم؛ مع أنه كان من الجنّ، تغليبا لكونه جنّيا واحدا فيما بينهم، و لأنّ حمل الاستثناء على الاتصال هو الأصل. و يدلّ على كونه من غير الملائكة ما رواه مسلم في «صحيحه»: «خلقت الملائكة من نور و الجن من النار» (3).
و قيل: إنه كان ملكا فسلب الملكيّة، و أجيب عن كونه من الجن بأنه اسم لنوع من الملائكة.
قال الزمخشريّ: كان مختلطا بهم، فحينئذ عمّته الدعوة [بالخلطة] (4)لا بالجنس؛ فيكون من تغليب الأكثر.
هذا إن جعلنا الاستثناء متصلا؛ و لم يجعل «إلا» بمعنى «لكن».
و قال ابن جنّي في «القد» (5):قال أبو الحسن في قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ اللّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ (المائدة:116)، و إنما المتّخذ [إلها] (6)عيسى دون أمه؛ فهو من باب:
لنا قمراها و النجوم الطوالع (7)
ص:419 ضمن قصيدته (أولئك آبائي) و صدر البيت: أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها و النجوم الطوالع
1) ليست في المطبوعة.
2) انظر مفتاح العلوم للسكاكي ص 242 تقييد الفعل.
3) أخرجه من رواية عائشة رضي اللّه عنها، مسلم في الصحيح 2294/4 كتاب الزهد... (53)، باب في أحاديث متفرقة(10)، الحديث(2996/60) و لفظه «خلقت الملائكة من نور، و خلق الجان من مارج من نار...»
4) ليست في المخطوطة و انظر قول الزمخشري في «الكشاف»334/3 ضمن تفسير الآية من سورة ص.
5) هو عثمان بن جني أبو الفتح تقدم التعريف به في 361/1، و كتابه «القد» تقدم التعريف به في 399/2، و أبو الحسن هو الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة تقدم التعريف به في 134/1.
6) ليست في المطبوعة.
7) هذا عجز بيت للفرزدق، انظر ديوان الفرزدق
تغليب الموجود على ما لم يوجد
كقوله [تعالى]: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ (البقرة:4) قال الزمخشريّ:«فإن المراد المنزّل كلّه، و إنما عبّر عنه بلفظ المضيّ و إن كان بعضه مترقّبا، تغليبا للموجود على ما لم يوجد» (1).
تغليب الإسلام
كقوله تعالى: وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ (الأحقاف:19) قاله الزمخشريّ:«لأن الدّرجات للعلوّ و الدركات للسفل، فاستعمل الدرجات في القسمين تغليبا» (2).
تغليب ما وقع بوجه مخصوص على ما وقع بغير هذا الوجه
كقوله تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ (آل عمران:182)«ذكر الأيدي [لأنّ أكثر الأعمال] (3)تزاول بها، فحصل الجمع بالواقع (4)بالأيدي، تغليبا» أشار إليه الزمخشري في آخر آل عمران.
و يشاكله ما أنشده الغزنويّ في اَلْعادِياتِ (5)لصفية بنت عبد المطلب:
فلا و العاديات غداة جمع بأيديها إذا سطع الغبار (6)
1) انظر الكشاف 23/1 عند تفسير الآية من سورة البقرة.
2) انظر الكشاف 447/3 عند تفسير الآية من سورة الأحقاف، و ما ذكره الزركشي ملخص لعبارة الكشاف، أما نصها وَ لِكُلٍّ من الجنسين المذكورين دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا أي منازل و مراتب من جزاء ما عملوا من الخير و الشر، و من أجل ما عملوا منهما، فإن قلت كيف قيل دَرَجاتٌ و قد جاء «الجنة درجات و النار دركات»؟ قلت: يجوز أن يقال ذلك على وجه التغليب لاشتمال كل على الفريقين).
3) ليست في المخطوطة.
4) تصحفت في المخطوطة إلى (بالواو)، و عبارة الزمخشري (فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب) الكشاف 234/1.
5) تصحفت في المطبوعة (العامريات)، و قوله (لصفية بنت عبد المطلب) تصحفت في المخطوطة إلى (لطيفة بنت عبد الملك).
6) البيت ذكره أبو حيان في البحر المحيط 503/8 عند تفسير سورة العاديات، و صفية هي عمة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم-
تغليب الأشهر
كقوله تعالى: يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ (الزخرف:38) أراد المشرق و المغرب، فغلّب المشرق، لأنه أشهر الجهتين (1)،قاله ابن الشجري (2)و سيأتي فيه وجه آخر.
إحداهما:
جميع باب التغليب من المجاز، لأن اللفظ لم يستعمل فيما وضع له، أ لا ترى أن القانتين موضوع للذكور الموصوفين بهذا الوصف، فإطلاقه على الذكور و الإناث على غير ما وضع له، و قس على هذا جميع الأمثلة السابقة.
الثانية:
الغالب من التّغليب أن يراعى الأشرف كما سبق، و لهذا قالوا في تثنية الأب و الأم:
أبوان، و في تثنية المشرق و المغرب:[219/ب] المشرقين، لأن الشرق دالّ على الوجود، و الغرب دالّ على العدم، و الوجود لا محالة أشرف، و كذلك القمران، قال:
لنا قمراها و النجوم الطوالع
أراد الشمس و القمر، فغلّب القمر لشرف التذكير. و أما قولهم سنّة العمرين، يريدون أبا بكر و عمر، قال ابن سيده في «المحكم» (3):إنما فعلوا ذلك إيثارا للخفّة، أي غلّب الأخفّ على الأثقل، لأن لفظ «عمر» مفرد و لفظ أبي بكر مركب.
1) انظر المحيي في كتابه جنى الجنتين في تمييز نوعي المثنيين ص 128 في تثنية (المشرقين) و ص 126 في تثنية (القمرين).
2) انظر الأمالي الشجرية 14/1 المجلس الثاني في تقاسيم التثنية، و كذلك ما سيذكره الزركشي عن تغليب «العمران» عند ابن الشجري.
3) هو علي بن أحمد بن إسماعيل تقدم التعريف به و بكتابه «المحكم» في 159/1.
و ذكر أبو عبيد في «غريب الحديث» أن ذلك للشهرة و طول المدة.
و ذكر غيرهما أن المراد به عمر بن الخطاب و عمر بن عبد العزيز (1)،و على هذا فلا تغليب.
و ردّ بأنهم نطقوا بالعمرين قبل أن يعرفوا عمر بن عبد العزيز، فقالوا يوم الجمل لعليّ بن أبي طالب:[أعطنا] (2)سنّة العمرين.
و فيه مباحث:
و هو نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب آخر تطرية و استدرارا (3)للسامع، و تجديدا لنشاطه، و صيانة لخاطره من الملال و الضجر، بدوام (4)الأسلوب الواحد على سمعه، كما قيل:
لا يصلح النّفس إن (5)كانت مصرّفة إلاّ التنقل من حال إلى حال
قال حازم في «منهاج البلغاء» (6):و هم يسأمون (7)الاستمرار على ضمير متكلم أو ضمير مخاطب، فينتقلون من الخطاب إلى الغيبة، و كذلك أيضا يتلاعب المتكلم بضميره، فتارة يجعله ياء على جهة الإخبار عن نفسه، و تارة يجعله كافا [أو تاء] (8)فيجعل نفسه مخاطبا و تارة يجعله هاء، فيقيم نفسه مقام الغائب. فلذلك كان الكلام المتوالي فيه ضمير المتكلم و المخاطب لا يستطاب؛ و إنما يحسن الانتقال من بعضها إلى بعض، و هو نقل معنويّ لا
1) ذكر هذه الأقوال المحبي في كتابه جنى الجنتين في تمييز نوعي المثنيين ص 81 و ص 125.
2) ليست في المطبوعة.
3) في المخطوطة (استجرارا للسامع و تسديدا).
4) في المخطوطة (و أما الاسلوب الواحد).
5) في المخطوطة (لا يصلح النفس إن كانت مصرفة إلى التنقل...).
6) هو أبو الحسن حازم بن محمد بن حسين القرطاجني تقدم التعريف به و بكتابه في 155/1.
7) تصحفت في المخطوطة إلى (يسمعون).
8) ليست في المطبوعة.
لفظيّ، و شرطه أن يكون الضمير في المتنقّل إليه عائدا في نفس الأمر إلى الملتفت عنه، ليخرج نحو أكرم زيدا، و أحسن إليه، فضمير «أنت» الذي هو في (1)«أكرم» غير الضمير في «إليه».
*** و اعلم أنّ للتكلم و الخطاب و الغيبة مقامات، و المشهور أنّ الالتفات هو الانتقال من أحدها إلى الآخر بعد التعبير بالأول.
و قال السكاكيّ (2):إما ذلك، و إما التعبير بأحدهما فيما حقه التعبير بغيره.
و هي كثيرة:
الالتفات من التكلم إلى الخطاب
و وجهه حثّ السامع و بعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، و أنّه أعطاه فضل عناية و تخصيص بالمواجهة، كقوله تعالى: وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (3)(يس:22)، الأصل (4):«و إليه أرجع»، فالتفت من التكلم إلى الخطاب، و فائدته أنّه أخرج الكلام في معرض مناصحته لنفسه، و هو يريد نصح قومه، تلطّفا و إعلاما أنه [يريد لهم ما] (5)يريده لنفسه، ثم التفت إليهم لكونه في مقام تخويفهم و دعوتهم إلى اللّه.
و أيضا فإنّ قومه لما أنكروا عليه عبادته للّه، أخرج الكلام معهم بحسب حالهم، فاحتجّ عليهم بأنّه يقبح منه أنّه لا يعبد فاطره و مبدعه؛ ثم حذّرهم بقوله: وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (يس:
22).
لذا جعلوه (6)من الالتفات، و فيه نظر، لأنه إنّما يكون منه إذا كان القصد الإخبار عن نفسه في كلتا الجملتين، و هاهنا ليس كذلك، لجواز أن يكون أراد بقوله: وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
(يس:22) المخاطبين؛ و لم يرد نفسه، و يؤيده ضمير الجمع، و لو أراد نفسه لقال:
«ترجع».
و أيضا فشرط الالتفات أن يكون في جملتين[220/أ] و «فطرني» و«[و إليه] (1)ترجعون» كلام واحد.
و أجيب بأنه لو كان المراد بقوله: تُرْجَعُونَ (يس:22) ظاهره لما صحّ الاستفهام الإنكاريّ؛ لأنّ رجوع العبد إلى مولاه ليس بمعنى (2)
(3-3) ليست في المطبوعة.
أن يعيده غير ذلك الراجع. فالمعنى:كيف [لا] (3)أعبد من إليه رجوعي؛ و إنما ترك «و إليه أرجع» إلى وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (يس:22) لأنه داخل فيهم. و مع ذلك أفاد فائدة حسنة؛ و هي أنه نبّههم أنّهم مثله في وجوب [عبادة] (3)
(6-6) ليست في المخطوطة.
من إليه الرجوع؛ فعلى هذا، الواو [واو الحال] (3) للحال، و على الأول واو العطف.و منه قوله: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ (الكهف:82) عدل [عن قوله:«رحمة] (6)منّا» إلى قوله: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ (الكهف:82)؛ لما فيه من الإشعار بأنّ ربوبيته تقتضي رحمته؛ و أنّه رحيم بعبده، كقوله: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ (سبأ:15).
و قوله: اُدْعُوا رَبَّكُمْ (الأعراف:55)[ وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ ] (6)(الحج:
77). و هو كثير.
و قوله: إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ (الفتح:1-2) و لم يقل:
«لنغفر لك» تعليقا لهذه المغفرة التامة باسمه المتضمّن لسائر أسمائه الحسنى، و لهذا علّق به النصر، فقال: وَ يَنْصُرَكَ اللّهُ نَصْراً عَزِيزاً (الفتح:3).
من التكلم إلى الغيبة
و وجهه أن يفهم السامع أنّ هذا نمط المتكلم و قصده من السامع، حضر أو غاب، و أنّه
في كلامه ليس ممّن يتلوّن و يتوجّه، فيكون في المضمر و نحوه ذا لونين، و أراد بالانتقال إلى الغيبة الإبقاء على المخاطب؛ من قرعه في الوجه بسهام الهجر، فالغيبة أروح له، و أبقى على ماء وجهه أن يفوت، كقوله: إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ [وَ انْحَرْ] (1)
(2-2) ليست في المخطوطة.
(الكوثر:1-2)، حيث لم يقل «لنا» تحريضا على فعل الصلاة لحقّ الربوبية.
و قوله: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ* أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ* رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (الدخان:4-5-6).
و قوله: يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً... (الأعراف:158) إلى قوله: فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ (الأعراف:158)، و لم يقل:[«بي»] (2).
و له فائدتان: إحداهما دفع التهمة عن نفسه بالعصبيّة لها، و الثاني تنبيههم على استحقاقه الاتباع بما اتّصف به من الصفات المذكورة، من النبوّة و الأميّة، التي هي [أكبر دليل على] (2)صدقه، و أنّه لا يستحق الاتباع لذاته، بل لهذه الخصائص.
من الخطاب إلى التكلم
كقوله: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا* إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا (طه:
72-73)؛ و هذا إنما يتمشّى على قول من لم يشترط أن يكون المراد بالالتفات واحدا؛ فأما من اشترطه فلا (2)يحسن أن يمثّل به، و يمكن أن يمثل بقوله تعالى: قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (يونس:21) على أنه سبحانه نزّل نفسه منزلة المخاطب.
من الخطاب إلى الغيبة
كقوله تعالى: حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ (يونس:22)، فقد التفت عن كُنْتُمْ (يونس:22) إلى جَرَيْنَ بِهِمْ (يونس:22)، و فائدة العدول عن
خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم، لتعجّبه من فعلهم و كفرهم، إذ لو استمرّ على خطابهم لفاتت تلك الفائدة.
و قيل: لأنّ الخطاب أوّلا كان مع الناس: مؤمنهم و كافرهم؛ بدليل قوله: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ (يونس:22)، فلو قال:«و جرين بكم» للزم الذمّ للجميع، فالتفت عن الأول للإشارة إلى الاختصاص بهؤلاء الذين شأنهم ما ذكره عنهم في آخر الآية، فعدل عن الخطاب العامّ إلى الذمّ الخاصّ ببعضهم، و هم الموصوفون بما أخبر به عنهم.
و قيل: لأنهم وقت الركوب [حصروا] (1)لأنّهم خافوا الهلاك و تقلّب الرياح، فناداهم نداء الحاضرين. ثم إن الرياح لما جرت بما تشتهي النفوس، و أمنت الهلاك لم يبق حضورهم كما كان، على ما [هي عادة الإنسان؛ أنّه إذا] (1)[220/ب] أمن غاب، فلما غابوا عند جريه بريح طيبة فكّرهم (1)اللّه بصيغة الغيبة؛ فقال: وَ جَرَيْنَ بِهِمْ (يونس:22).
و قوله: اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ أَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (الزخرف:70) ثم قال: يُطافُ عَلَيْهِمْ (الزخرف:71)، فانتقل من الخطاب إلى الغيبة، و لو ربط بما قبله لقال:
«يطاف عليكم»، لأنه مخاطب لا مخبر، ثم التفت فقال: وَ أَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (الزخرف:71) فكرّر الالتفات.
و قوله: وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (الروم:
39).
و قوله: وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ (الحجرات:
7).
و قوله: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ* وَ تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ (الأنبياء:92-93)، و الأصل «فقطعتم» عطفا على ما قبله، لكن عدل من الخطاب إلى الغيبة، فقيل؛ إنّه سبحانه نعى (2)عليهم ما أفسدوه من أمر دينهم إلى قوم آخرين، و وبخهم (3)عليه قائلا: أ لا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين اللّه [لم] (4)!ة.
و جعل منه ابن الشجريّ (1): ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى (الضحى:3)، و قد سبق أنه على حذف المفعول، فلا التفات (2).
من الغيبة إلى التكلم
كقوله: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ (الإسراء:1).
وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا (فصلت:12).
وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (مريم:88-89).
و قوله: [وَ] 3 اللّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ (فاطر:9) و فائدته أنّه لما كان سوق السحاب إلى البلد [الميت] (3)إحياء للأرض بعد موتها بالمطر، دالا على القدرة الباهرة، و الآية العظيمة التي لا يقدر عليها غيره، عدل عن لفظ الغيبة إلى التكلم؛ لأنه أدخل في الاختصاص، و أدلّ عليه و أفخم.
و فيه معنى آخر، و هو أنّ الأفعال (4)المذكورة في هذه [الآية] (5)،منها ما أخبر به سبحانه بسببه (6)و هو سوق السحاب، فإنه بسوق الرياح، فتسوقه الملائكة بأمره، و إحياء الأرض به بواسطة إنزاله، و سائر الأسباب التي يقتضيها حكمه و علمه، و عادته سبحانه في كلّ هذه الأفعال أن يخبر بها بنون التعظيم، الدالة على أن له جندا و خلقا (7)قد سخرهم في ذلك، كقوله تعالى:
فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (القيامة:18)، أي إذا قرأه رسولنا جبريل. و قوله: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَ نَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (طه:102).
1) انظر الأمالي الشجرية 322/1 فصل في الحذوف الواقعة بالأسماء و الأفعال، و في 327/1 المجلس الموفي الأربعين.
2) في المخطوطة زيادة في هذا الموضع هي (و قوله يا أيها الناس).
3) ليست في المطبوعة.
4) في المطبوعة (الأقوال).
5) ليست في المخطوطة.
6) في المخطوطة (سبحانه، أنه بسبب، و هو...).
7) في المخطوطة (الدالة على أنه خلقا و جندا).
و أما إرسال السحاب فهو سحاب يأذن في إرسالها، و لم يذكر له سببا، بخلاف سوق السحاب، و إنزال المطر فإنه قد ذكر أسبابه: 1[وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ (الأنعام:99)، أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً (الحج:63)، أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ] 1أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها (فاطر:27). أَمَّنْ خَلَقَ 3السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ (النمل:60).
و جعل الزمخشريّ منه قوله: في سورة طه: وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً [مِنْ نَباتٍ شَتّى] (4) (طه:53): و زعم الجرجاني أن في هذه الآية التفاتا، و جعل قوله:
وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً (طه:53) آخر كلام موسى، ثم ابتدأ اللّه تعالى فأخبر عن نفسه بأوصافه لمعالجتها.
و أشار الزمخشري (4)إلى أن فائدة الالتفات إلى التكلم في هذه المواضع التنبيه على التخصيص بالقدرة؛ و أنه لا يدخل تحت قدرة واحد، و هو معنى قول غيره: إن الإشارة إلى حكاية الحال و استحضار تلك الصورة البديعة الدالّة على القدرة. و كذا يفعلون لكلّ فعل [221/أ] فيه نوع تمييز و خصوصية بحال تستغرب،[أو تهمّ المخاطب] (1)و إنما قال:
فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً (الحج:63)، لإفادة بقاء المطر زمانا بعد زمان.
و مثله: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ (فصلت:12)، عدل عن الغيبة في «قضاهنّ» و «سواهنّ» إلى التكلم في قوله: وَ زَيَّنَّا (فصلت:12)، فقيل للاهتمام بذلك، و الإخبار عن نفسه، بأنّه جعل الكوكب زينة السماء الدنيا، و حفظا؛ تكذيبا لمن أنكر ذلك.
و قيل: لما كانت الأفعال المذكورة في هذه الآية نوعين:
أحدهما: وجه الإخبار عنه بوقوعه في الأيام المذكورة، و هو خلق الأرض في يومين، و جعل (2)الرواسي من فوقها و إلقاء البركة فيها، و تقدير الأقوات في تمام أربعة أيام؛ ثم الإخبار).
بأنّه استوى إلى السماء، و أنّه أتمّها و أكملها سبعا في يومين؛ فأتى في هذا (1)[النوع بضمير الغائب، عطفا] (1)على أول الكلام في قوله: 1[قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ] 1فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ* وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ [مِنْ فَوْقِها] (1)
(6-6) ليست في المخطوطة.
(8-8) ليست في المخطوطة.
(فصلت:9-10) إلى قوله: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ... (فصلت:12) الآية.و الثاني: قصد به الإخبار مطلقا، من غير قصد مدة خلقه، و هو تزيين سماء الدنيا بمصابيح، (6)[و جعلها حفظا؛ فإنه لم يقصد بيان مدّة ذلك؛ بخلاف ما قبله؛ فإن نوع الأول يتضمن إيجادا لهذه المخلوقات العظيمة في هذه المدة اليسيرة، و ذلك من أعظم آثار قدرته.
و أما تزيين السماء الدنيا بالمصابيح] (6)فليس المقصود به الإخبار عن مدة خلق النجوم، فالتفت من الغيبة إلى التكلم، فقال: زَيَّنَّا .
و قد تكرر الالتفات في قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الإسراء:1) في أربعة مواضع؛ فانتقل عن الغيبة في قوله: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى [بِعَبْدِهِ] (8) (الإسراء:1)، إلى التكلم في قوله: بارَكْنا حَوْلَهُ (الإسراء:1)، ثم عن التكلم إلى الغيبة في قوله: (8)[ لِيُرِيَهُ (الإسراء:1)، بالياء على قراءة الحسن (2)،ثم عن الغيبة إلى التكلم في قوله: آياتِنا (الإسراء:1)؛ ثم عن التكلم إلى الغيبة في قوله] (8): إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الإسراء:1).
و كذلك في الفاتحة، فإنّ من أولها إلى قوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (الفاتحة:4) أسلوب [غيبة] (3)،ثم التفت بقوله: إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة:5) إلى أسلوب خطاب في قوله (4): أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (الفاتحة:7)، ثم التفت إلى الغيبة بقوله: غَيْرِ
اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (الفاتحة:7)، و لم يقل «الذين غضبت» كما قال: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (الفاتحة:7).
من الغيبة إلى الخطاب
كقوله: وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (مريم:88-89)، و لم يقل:«لقد جاءوا» للدلالة على أنّ من قال مثل قولهم ينبغي أن يكون موبّخا عليه، منكرا عليه قوله، كأنه يخاطب به [قوما] (1)
(2-2) ليست في المخطوطة.
حاضرين.و قوله: وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ (مريم:39)، ثم قال: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها (مريم:71).
و قوله: وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً* إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً (الإنسان:21-22).
و قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ (آل عمران:106).
و قوله: فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ (التوبة:35).
و قوله: أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ (الفرقان:45)، ثم قال: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (الفرقان:45).
و قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [سَواءٌ عَلَيْهِمْ] 2أَ أَنْذَرْتَهُمْ... (البقرة:6) الآية.
و قوله: وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى [كُلُوا] (2) (البقرة:
57).
و قوله: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ (الأحزاب:
50).
و قوله: أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ (الأنعام:6).
و قوله حكاية عن الخليل: اُعْبُدُوا اللّهَ وَ اتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* إِنَّما
1) ليست في المخطوطة.
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أَوْثاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً (العنكبوت:16-17)، إلى قوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ (العنكبوت:24).
و قوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ 1وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ [221/ب] جَدِيدٍ* وَ ما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ* وَ بَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً (إبراهيم:19-20-21).
و قوله: وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها (الأعراف:175) إلى قوله:
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ (الأعراف:176).
و قوله: وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللّهِ وَ اللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ [فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ] 2... الآية (المائدة:38- 39).
و جعل بعضهم منه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ [إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا] (3) (المائدة:6)، و هو عجيب لأن «الذين» موصول لفظه [للغيبة] (3)و لا بدّ له من عائد و هو الضمير في «آمنوا»، فكيف يعود ضمير مخاطب على غائب! فهذا مما لا يعقل.
و قوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إِيّاكَ نَعْبُدُ (الفاتحة:4-5)؛ فقد التفت عن الغيبة و هو مالِكِ (الفاتحة:4) إلى الخطاب و هو: إِيّاكَ نَعْبُدُ (الفاتحة:5).
و لك أن تقول: إن كان التقدير: قولوا الحمد للّه، ففيه التفاتان-أعني في الكلام المأمور به:
أحدهما: في لفظ الجلالة، فإن اللّه تعالى حاضر، فأصله الحمد لك.
و الثاني: إِيّاكَ (الفاتحة:5) لمجيئه على خلاف الأسلوب السابق و إن لم يقدّر:
«قولوا» كان في «الحمد للّه» التفات عن التكلم إلى الغيبة؛ فإنّ اللّه سبحانه حمد نفسه، و لا يكون في إِيّاكَ نَعْبُدُ (الفاتحة:5) التفات؛ لأن «قولوا» مقدرة معها قطعا؛ فإمّا أن يكون في الآية التفاتين (1)،أو لا التفات بالكلية.).
1) في المطبوعة (فإما أن يكون في الآية التفات).
بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أو تكلمه
فيكون التفاتا عنه، كقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (الفاتحة:7) بعد أَنْعَمْتَ (الفاتحة:7)؛ فإن (1)المعنى «غير الذين غضبت عليهم» ذكره التنوخي (2)في «الأقصى القريب» و الخفاجي (3)،و ابن الأثير (4)و غيرهم.
و اعلم أنّه على رأي السكاكي (5)تجيء الأقسام الستة في القسم الأخير، و هو الانتقال التقديريّ.
و زعم صاحب «ضوء المصباح» (6)أنه لم يستعمل منها إلا وضع الخطاب و الغيبة موضع التكلم، و وضع التكلم موضع الخطاب، و مثّل الثالث بقوله: وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي (يس:22)، مكان «و ما لكم لا تعبدون الذي فطركم».
و جعل بعضهم من الالتفات قوله تعالى: وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ (البقرة:177) ثم قال: وَ الصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرّاءِ (البقرة:177)، و قوله: وَ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَ الْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ (النساء:162).
اعلم أن للالتفات فوائد عامة و خاصة؛ فمن العامة التفنّن و الانتقال من أسلوب إلى آخر
1) في المخطوطة (فالمعنى).
2) هو محمد بن محمد التنوخي زين الدين تقدم التعريف به و بكتابه في 448/2.
3) هو عبد اللّه بن محمد بن سعيد تقدم التعريف به في 153/1.
4) هو نصر اللّه بن محمد بن محمد بن عبد الكريم ضياء الدين تقدم التعريف به في 189/3.
5) هو يوسف بن أبي بكر أبو يعقوب السكاكي تقدم التعريف به في 163/1.
6) هو محمد بن يعقوب بن إلياس المعروف بابن النحوية تقدم التعريف به في 209/3، و كذلك ذكر ضمن الحاشية التعريف بكتابه «ضوء المصباح» و لكن مما يقتضي التنويه وجود كتاب ثان بهذا العنوان هو «ضوء المصباح» للأسفراييني تاج الدين محمد بن محمد (ت 684 ه) و لكنه شرح «المصباح» للمطرزي ملخصا، و للأسفراييني أيضا شرح أوفى «للمصباح» هو «المفتاح» ثم اختصره فسماه «ضوء المصباح» المتقدم ذكره (حاجي خليفة كشف الظنون 1708/2)، و هناك كتاب عنوانه:«ضوء المصباح» لأبي عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن الضرير المراكشي، و هو شرح «المصباح في اختصار المفتاح» أي «مفتاح العلوم» للسكاكي.
لما في ذلك من تنشيط السامع، و استجلاب صفائه، و اتساع مجاري الكلام، و تسهيل الوزن و القافية [شعرا و نثرا] (1).
و قال البيانيون: إن الكلام إذا جاء على أسلوب واحد و طال حسن تغيير الطريقة.
و نازعهم القاضي شمس الدين الخوييّ (2)و قال: الظاهر أنّ مجرّد هذا لا يكفي في المناسبة، فإنّا رأينا كلاما أطول في هذا، و الأسلوب محفوظ، قال تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ... (الأحزاب:35) إلى [أن] (3)ذكر عشرة أصناف، و ختم ب اَلذّاكِرِينَ اللّهَ كَثِيراً وَ الذّاكِراتِ (الأحزاب:35)، و لم يغيّر الأسلوب؛ و إنما المناسبة أن الإنسان كثير التقلب، و قلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن، و يقلّبه كيف يشاء، فإنه يكون غائبا فيحضر بكلمة واحدة، و آخر يكون حاضرا فيغيب، فاللّه تعالى لما قال:
اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (الفاتحة:2) تنبه السامع و حضر قلبه (4)،فقال: إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة:5) و أمّا الخاصة فتختلف باختلاف محالّه و مواقع الكلام فيه على ما يقصده المتكلم.
*** فمنها قصد تعظيم شأن المخاطب، كما في: اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (الفاتحة:
2)، فإنّ العبد إذا افتتح حمد مولاه بقوله:«الحمد للّه» الدالّ على اختصاصه بالحمد وجد من نفسه التحرّك[222/أ] للإقبال عليه سبحانه؛ فإذا انتقل إلى قوله: رَبِّ الْعالَمِينَ (الفاتحة:2) الدالّ على ربوبيته لجميعهم قوي تحرّكه، فإذا قال: اَلرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (الفاتحة:3) الدالّ على أنه منعّم بأنواع النعم؛ جليلها و حقيرها تزايد التحرّك عنده، فإذا وصل ل مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (الفاتحة:4) و هو خاتمة الصفات الدالّة على أنه مالك الأمر يوم الجزاء،[فيتأهّب قربه] (5)و تيقّن الإقبال عليه بتخصيصه بغاية الخضوع و الاستعانة في المهمات.ة.
[و قيل] (1)إنما اختير للحمد لفظ الغيبة، و للعبادة الخطاب، للإشارة إلى أن الحمد دون العبادة في الرتبة؛ فإنّك تحمد نظيرك و لا تعبده، إذ الإنسان يحمد من لا يعبده، و لا يعبد من لا يحمده (2)،فلما كان كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة في الخبر فقال: اَلْحَمْدُ لِلّهِ و لم يقل«[الحمد] (3)لك»، و لفظ العبادة مع الخطاب فقال: إِيّاكَ نَعْبُدُ (الفاتحة:5) لينسب إلى العظيم حال المخاطبة و المواجهة، على ما هو أعلى رتبة؛ و ذلك على طريق التأدب. و على نحو من ذلك جاء آخر السورة فقال: اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (الفاتحة:7) مصرّحا (4)بذكر المنعم، و إسناد الإنعام إليه لفظا و لم يقل «صراط المنعم عليهم»؛ فلما صار إلى ذكر الغضب روى عنه لفظ (5)الغضب في النسبة إليه لفظا، و جاء باللفظ متحرفا عن ذكر الغاضب؛ فلم يقل «غير الذين غضبت عليهم»، تفاديا عن نسبة الغضب في اللفظ حال المواجهة.
و من هذا قوله: اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً (الإسراء:111)؛ فإنّ التأدب في الغيبة دون الخطاب.
و قيل: لأنه لما ذكر الحقيق بالحمد، و أجرى عليه الصفات العظيمة من كونه ربّا للعالمين و رحمانا و رحيما، و مالكا ليوم الدين، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بأن يكون معبودا دون غيره، مستعانا به، فخوطب بذلك لتميّزه بالصفات المذكورة، تعظيما لشأنه [كلّه] (6)حتى كأنه قيل: إياك، يا من هذه صفاته نخصّ بالعبادة و الاستعانة لا غيرك.
قيل: و من لطائفه (7)التنبيه على أنّ مبتدأ الخلق الغيبة منهم (8)عنه سبحانه، و قصورهم عن محاضرته و مخاطبته، و قيام حجاب العظمة عليهم، فإذا عرفوه بما هو له، و توسلوا للقرب بالثناء عليه، و أقروا بالمحامد له و تعبّدوا له بما يليق بهم، تأهّلوا لمخاطباته و مناجاته فقالوا:
إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة:5).).
1) ليست في المخطوطة.
2) تصحفت العبارة في المخطوطة إلى (و لا يعبد إلا من يحمده) و الصواب ما في المطبوعة.
3) ليست في المخطوطة.
4) في المخطوطة (معرجا).
5) في المخطوطة (ذكر الغضب).
6) ليست في المخطوطة.
7) في المطبوعة (و من لطائف).
8) في المخطوطة (مبتدأ الخلق إليه منه عنه سبحانه، و قصورهم عن مخاطرته...).
و فيه أنّهم يبدون بين يدى كلّ دعاء له سبحانه و مناجاة له صفات عظمته لمخاطبته على الأدب و التعظيم، لا عن الغفلة و الإغفال، و لا عن اللعب و الاستخفاف، كمن يدعو بلا نيّة أو على تلعب و غفلة، و هم كثير.
و منه أن مناجاته لا تصعد (1)
(2-2) ليست في المطبوعة.
إلا إذا تطهر [له] (2)من أدناس الجهالة به، كما لا تسجد الأعضاء إلا بعد التطهير من حدث الأجسام؛ و لذلك قدمت الاستعاذة على القرآن.قال الزمخشريّ: و كما في قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ (النساء:64)، و لم يقل «و استغفرت لهم» لأنّ في [هذا] (2)الالتفات بيان تعظيم استغفاره، و أنّ شفاعة من اسمه الرسول بمكان (2)
(5-5) ليست في المخطوطة.
.*** و منها: التنبيه على ما حق الكلام أن يكون واردا عليه، كقوله تعالى: وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (يس:22)، أصل الكلام «و ما لكم لا تعبدون الذي فطركم» و لكنه أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه، و هو يريد مناصحتهم؛ ليتلطّف بهم، و يريهم [222/ب] أنه لا يريد لهم، إلا ما يريد لنفسه، ثم لما انقضى غرضه [من ذلك] (5)قال: وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (يس:22) ليدلّ على ما كان من أصل الكلام، و مقتضيا [له] (5)،ثم ساقه هذا المساق إلى أن قال: آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (يس:25).
*** و منها: أن يكون الغرض به التتميم لمعنى مقصود للمتكلم؛ فيأتي به محافظة على تتميم ما قصد إليه من المعنى المطلوب له، كقوله: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ* أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ* رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (الدخان:6،5،4)، أصل الكلام «إنا [كنا] (3)مرسلين رحمة منّا»، و لكنه وضع الظاهر موضع المضمر (4)،للإنذار بأنّ الربوبية تقتضي الرحمة للمربوبين، للقدرة عليهم، أو لتخصيص النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بالذكر، أو الإشارة).
إلى أنّ الكتاب (1)إنما هو إليه دون غيره، ثم التفت بإعادة الضمير إلى الربّ الموضوع موضع المضمر، للمعنى المقصود من تتميم المعنى.
و منها: قصد المبالغة، كقوله تعالى: حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ (يونس:22) كأنّه يذكر لغيرهم حالهم، ليتعجّب منها و يستدعي منه (2)
(3-3) ليست في المخطوطة.
الإنكار و التقبيح لها؛ إشارة منه على سبيل المبالغة إلى [أنّ] (3) ما يعتمدونه بعد الإنجاء من البغي في الأرض بغير الحقّ، ممّا ينكر و يقبح.*** [و] (3) منها: قصد الدلالة على الاختصاص، كقوله: [وَ] 3 اللّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا [بِهِ] (3) (فاطر:9) فإنه لما كان سوق السحاب إلى البلد الميت و إحياء الأرض بعد موتها بالمطر دالاّ على القدرة الباهرة التي لا يقدر عليها (3)غيره، عدل عن لفظ الغيبة إلى التكلم؛ لأنه أدخل في الاختصاص و أدلّ عليه:
[قال] (4)«سقنا» و «أحيينا».
*** و منها: قصد الاهتمام، كقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ* فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (فصلت:
11-12)، فعدل عن الغيبة في (5)«قضاهن» وَ أَوْحى إلى التكلم في وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا للاهتمام بالإخبار عن نفسه، فإنه تعالى جعل الكواكب في سماء الدنيا للزينة و الحفظ؛ و ذلك لأن طائفة اعتقدت في النجوم أنها ليست في [سماء] (6)الدنيا، و أنها ليستة.
حفظا و لا رجوما، فعدل إلى التكلّم و الإخبار عن ذلك، لكونه مهمّا من مهمات الاعتقاد، و لتكذيب الفرقة المعتقدة بطلانه.
*** و منها: قصد التوبيخ، كقوله [تعالى] (1): وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (مريم:88-89)، عدل عن الغيبة إلى الخطاب، للدلالة على أنّ قائل مثل قولهم (2)، ينبغي أن يكون موبّخا و منكرا عليه؛ و لما أراد توبيخهم على هذا أخبر (3)عنه بالحضور، فقال: لَقَدْ جِئْتُمْ (مريم:89)، لأن توبيخ الحاضر أبلغ في الإهانة له.
و منه قوله تعالى: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ* وَ تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ (الأنبياء:92-93)؛ [قال: تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ] (4)(الأنبياء:93) دون «تقطّعتم أمركم بينكم»، كأنّه ينعي عليهم ما أفسدوه من أمر دينهم إلى قوم آخرين و يقبّح عندهم ما فعلوه، و يوبخهم عليه قائلا: أ لا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين اللّه، فجعلوا أمر دينهم به قطعا، تمثيلا لاختلافهم (5)في الدين.
اختلف في قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (آل عمران:9) بعد رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ (آل عمران:9).
فقيل: إن الكلام تمّ عند[223/أ] قوله: لا رَيْبَ فِيهِ (آل عمران:9)، و هذا الذي بعده من مقول اللّه تصديقا لهم.
و قيل: بل هو من بقية كلامهم الأول على طريقة (6)الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، كقوله [تعالى]: حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ (يونس:22).
فإن قلت: قد قال [تعالى] (7)[في] (8)آخر السورة: وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا
تُخْلِفُ الْمِيعادَ (آل عمران:194)، فلم عدل (1)عن الخطاب هنا؟ قلت: إنما جاء الالتفات في صدر السورة، لأن المقام يقتضيه، فإن الإلهية تقتضي الخير و الشر لتنصف المظلومين من الظالمين، فكان العدول إلى ذكر الاسم الأعظم أولى. و أما قوله تعالى في آخر السورة: إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (آل عمران:194)؛ فذلك المقام مقام الطلب للعبد من ربه أن ينعم عليه بفضله، و أن يتجاوز عن سيئاته، فلم يكن فيه ما يقتضي العدول عن الأصل المستمرّ.
تقدم أنّ شرط الالتفات أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائدا في نفس الأمر إلى المنتقل عنه؛ و شرطه أيضا أن يكون في جملتين، أي كلامين مستقلين، حتى يمتنع بين الشرط و جوابه.
و في هذا الشرط نظر! فقد وقع في القرآن مواضع، الالتفات فيها وقع في كلام واحد؛ و إن لم يكن بين جزأي الجملة، كقوله تعالى: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللّهِ وَ لِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي (العنكبوت:23).
و قوله: وَ ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا (القصص:59).
و قوله: [وَ امْرَأَةً] 3 مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ (الأحزاب:50)، بعد قوله:
إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ (الأحزاب:50)، التقدير: إن وهبت امرأة نفسها للنّبيّ (2)إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ (الأحزاب:50)، و جملتا الشرط و الجزاء كلام واحد.
و قوله: وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَقُولُ (الفرقان:17).
و قوله: إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً* لِتُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ (الفتح:
8-9)؛ و فيه التفاتان: أحدهما بين «أرسلنا» و الجلالة، و الثاني بين الكاف في «أرسلناك» «و رسوله» و كلّ منهما في كلام واحد.
و قوله: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللّهِ (آل عمران:
151).
و قوله: فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (الإسراء:63)، [و] (1)جوز الزمخشري فيه أن يكون ضمير «جزاؤكم» يعود على «التّابعين» على طريق الالتفات (1).
و قوله: و اتّقوا يوما يرجعون فيه إلى اللّه (2)(البقرة:281)، على قراءة [الياء] (1).
و قوله: وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً (المائدة:12)، قال التنوخي في «الأقصى القريب» (3)
(6-6) ليست في المخطوطة.
:الواو للحال.و قوله: [وَ] 6ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (يس:22).
أنه يقرب من الالتفات نقل الكلام إلى غيره
و إنما يفعل ذلك إذا ابتلي العاقل بخصم جاهل متعصّب، فيجب أن يقطع الكلام [معه] (6)في تلك المسألة؛ لأنه كلّما كان خوضه معه أكثر، كان بعده عن القبول [أشدّ] (6)،فالوجه حينئذ أن يقطع الكلام معه في تلك المسألة، و أن يؤخذ في كلام آخر أجنبي و يطنب [فيه] (6)،بحيث ينسى الأول، فإذا اشتغل خاطره به أدرج له أثناء الكلام الأجنبيّ مقدمة تناسب ذلك المطلب الأول، ليتمكن من انقياده.
و هذا ذكره الإمام أبو الفضل في كتاب «درة التأويل» (4)،و جعل منه قوله [تعالى]:
1) الكشاف 366/2 عند تفسير الآية(63) من سورة الإسراء.
2) انظر القراءة في الكشاف 167/1 عند تفسير الآية(281) من سورة البقرة.
3) هو محمد بن محمد زين الدين تقدم التعريف به و بكتابه في 448/2.
4) في المطبوعة (التنزيل)، و الكتاب تقدم التعريف به في 206/1 و هو للفخر الرازي، و لكن؟ لم نقف على هذه الكنية للفخر الرازي (أبو الفضل) فيما لدينا من مصادر ترجمته، و إنما أفدنا من محقق «التكملة لوفيات النقلة» في 187/2 ضمن حاشيته على الترجمة(1121) و هي ترجمة الفخر الرازي قوله:(و مما يستفاد أن شخصا توفي في هذه السنة-606 ه يتفق مع المترجم في الاسم و اسم الأب و النسبة و المعاصرة، هو فخر الدين أبو الفضائل! محمد بن عمر الرازي الحنفي، لم يذكره المنذري).
اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ (ص:17)، قال: إن قوله: وَ اذْكُرْ ليس متصلا بما قبله، بل نقلا لهم عما هم عليه، و المقدمة المدرجة قوله: وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلاً (ص:27) إلى قوله: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (ص:29).
و هذا الذي قاله يخرج الآية عن الاتصال[223/ب] مع أنّ في الاتصال وجوها مذكورة في موضعها.
و ألحق به الأستاذ أبو جعفر بن الزبير (1)قوله تعالى: ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ* بَلْ عَجِبُوا... (ق:1-2) الآية؛ فهذا إنكار منهم للبعث و استبعاد، نحو الوارد في سورة «ص»؛ فأعقب ذلك بما يشبه الالتفات بقوله: أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها... (ق:6) إلى قوله [في ماء السماء] (2): وَ أَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (ق:11)، فبعد العدول عن مجاوبتهم، في قولهم: ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (ق:3)، و ذكر اختلافهم المسبّب عن تكذيبهم، في قوله: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (ق:5)، صرف تعالى الكلام إلى نبيّه و المؤمنين، فقال: أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها... (ق:6) إلى قوله: وَ أَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً (ق:11)، و ذلك حكمة تدرك مشاهدة، لا يمكنهم التوقف في شيء منه و لا حفظ عنهم إنكاره، فعند تكرر هذا، قال تعالى: كَذلِكَ الْخُرُوجُ (ق:11).
و مما يقرب من الالتفات أيضا الانتقال من خطاب الواحد و الاثنين و الجمع إلى خطاب آخر؛ و هو ستة أقسام، كما سبق تقسيم الالتفات:
[المشهور] (3)أحدها: الانتقال من خطاب الواحد لخطاب الاثنين، كقوله تعالى:
أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَ تَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ (يونس:78).
الثاني: من خطاب الواحد إلى خطاب الجمع: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ (الطلاق:1).ة.
الثالث: من الاثنين إلى الواحد، كقوله: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (طه:49)، فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (طه:117).
الرابع: من الاثنين إلى الجمع، كقوله: وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ [قِبْلَةً] 1وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (يونس:87)، و فيه انتقال آخر من الجمع [إلى] (2)الواحد، فإنه ثنّى ثم جمع، ثم وحّد، توسعا في الكلام.
و حكمة التثنية أنّ موسى و هارون هما اللذان يقرران قواعد النبوة، و يحكمان في الشريعة، فخصمهما بذلك، ثم خاطب الجميع باتخاذ البيوت قبلة للعبادة؛ لأن الجميع مأمورون بها، ثم قال لموسى [وحده] (2): وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (يونس:87)، لأنه الرسول الحقيقي الذي إليه البشارة و الإنذار.
الخامس: من الجمع إلى الواحد، كقوله [تعالى] (2): وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (يونس:87) و قد سبق حكمته. و من نظائره قول بعضهم في قوله تعالى:
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً (البقرة:38)، ثم قال: فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً (البقرة:
38)، و لم يقل «منّا» مع أنه للجمع أو للواحد المعظم نفسه، و حكمته المناسبة للواقع، فالهدى لا يكون إلا من اللّه، فناسب الخاص للخاص.
السادس: من الجمع إلى التثنية، كقوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا... (الرحمن:33) إلى قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (الرحمن:34).
السابع (1):ذكر بعضهم من الالتفات تعقيب الكلام بجملة مستقلة ملاقية له في المعنى على طريق المثل أو الدعاء، فالأول كقوله: وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (الإسراء:81)؛ و الثاني كقوله [تعالى]: ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ (التوبة:
127).
الثامن: من الماضي إلى الأمر، كقوله [تعالى]: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ ادْعُوهُ (الأعراف:29) و قوله: وَ أُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما».
1) هذه الأقسام الآتية زيادة على التقسيم المذكور أولا حيث جعلها «ستة أقسام».
يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ*[ حُنَفاءَ لِلّهِ] (1)(الحج:
30-31).
التاسع: من المستقبل إلى الأمر، تعظيما لحال من أجري عليه المستقبل (2)
(3-3) ليست في المخطوطة.
.و بالضد من ذلك في حق من أجري عليه الأمر، كقوله تعالى: يا هُودُ ما جِئْتَنا [224/أ] بِبَيِّنَةٍ... (هود:53) إلى قوله: بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (هود:54)، فإنه إنما قال أُشْهِدُ اللّهَ (هود:54)، و اِشْهَدُوا (هود:54) و لم يقل:«و أشهدكم» ليكون موازنا له؛ و لا شك أنّ معنى إشهاد اللّه على البراءة صحيح في معنى يثبت التوحيد؛ بخلاف إشهادهم؛ فما هو [إلا تهاون بدينهم] (3)،و دلالة على قلة المبالاة به، فلذلك عدل عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما، و جيء به على لفظ الأمر، كما تقول للرجل منكرا: اشهد عليّ أني أحبّك.العاشر: من الماضي إلى المستقبل، نحو: [وَ] 3اللّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ (فاطر:9)، فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ (الحج:31)، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ (الحج:25).
و الحكمة في هذه أن الكفر لما كان من شأنه إذا حصل أن يستمر حكمه عبّر عنه بالماضي، ليفيد ذلك مع كونه باقيا أنه قد مضى عليه زمان؛ و لا كذلك الصدّ عن سبيل اللّه، فإن حكمه إنما ثبت حال حصوله مع أن في الفعل المستقبل إشعارا بالتكثير، فيشعر قوله:
«و يصدون»، أنه في [كلّ] (3)وقت بصدد ذلك، و لو قال:«و صدّوا» لأشعر بانقطاع صدّهم (4).
الحادي عشر: عكسه، كقوله: وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ (النمل:87)، وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَ تَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَ حَشَرْناهُمْ (الكهف:47).
قالوا: و الفائدة في الفعل الماضي إذا أخبر به عن المستقبل الذي لم يوجد أنه أبلغ).
و أعظم موقعا، لتنزيله منزلة الواقع. و الفائدة في المستقبل [إذا] (1)أخبر (2)به عن الماضي لتتبين هيئة الفعل باستحضار صورته، ليكون السامع كأنه شاهد، و إنما عبر (3)
(4-4) ليست في المخطوطة.
في الأمر بالتوبيخ بالماضي بعد قوله: يُنْفَخُ (النمل:87) للإشعار بتحقيق الوقوع و ثبوته، و أنه كائن لا محالة، كقوله: وَ بَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً (إبراهيم:21)، و المعنى:«يبرزون»، و إنما قال: وَ حَشَرْناهُمْ (الكهف:47) بعد نُسَيِّرُ (الكهف:47) وَ تَرَى (الكهف:47)، و هما مستقبلان، لذلك.و هو إعطاء الشيء معنى الشيء، و تارة يكون في [الأسماء، و في] (4):الأفعال، و في الحروف، فأمّا في الأسماء فهو أن تضمّن اسما معنى اسم؛ لإفادة معنى الاسمين جميعا، كقوله [تعالى]: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ (الأعراف:105)، ضمّن «حقيق» معنى «حريص» ليفيد أنه محقوق بقول الحقّ و حريص عليه.
و أما الأفعال فأن تضمّن فعلا [معنى فعل] (4)آخر، و يكون فيه معنى الفعلين جميعا؛ و ذلك بأن يكون الفعل يتعدّى بحرف، فيأتي متعديا بحرف آخر ليس من عادته التعدّي به، فيحتاج إمّا إلى تأويله أو تأويل الفعل، ليصحّ تعدّيه به.
و اختلفوا أيّهما أولى؟ فذهب أهل اللغة و جماعة من النحويين إلى أنّ التوسع في الحرف و أنه واقع موقع غيره من الحروف أولى.
و ذهب المحققون إلى أن التوسع في الفعل و تعديته بما لا يتعدى لتضمّنه معنى ما يتعدى بذلك الحرف أولى؛ لأن التوسع في الأفعال أكثر.
مثاله قوله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللّهِ (الإنسان:6)، فضمّن «يشرب» معنى «يروى»، لأنّه يتعدى (4)بالباء، فلذلك دخلت الباء، و إلا ف «يشرب» يتعدّى بنفسه، فأريد باللّفظ الشرب و الريّ معا، فجمع بين الحقيقة و المجاز في لفظ واحد.
و قيل: التجوّز في الحرف؛ و هو الباء؛ فإنها بمعنى «من».
و قيل: لا مجاز أصلا، بل العين هاهنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه الماء، لا إلى الماء نفسه، نحو نزلت بعين، فصار كقوله: مكانا يشرب به.
و على هذا: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ (آل عمران:188)، قاله الراغب (1)
(2-2) ليست في المخطوطة.
.و هذا بخلاف المجاز؛ فإنّ فيه العدول عن مسمّاه بالكليّة، و يراد[224/ب] به غيره، كقوله [تعالى]: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ (الكهف:77)، [فإنّه] (2)استعمل «أراد» في معنى مقاربة السقوط؛ لأنه من لوازم الإرادة، و إنّ من أراد شيئا فقد قارب فعله، و لم يرد باللفظ هذا المعنى الحقيقيّ الذي هو الإرادة البتة. و التضمين [أيضا مجاز؛ لأنّ اللفظ لم يوضع للحقيقة و المجاز معا، و الجمع بينهما مجاز خاصّ يسمونه بالتضمين] (2)،تفرقة بينه و بين المجاز المطلق.
و من التضمين قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ (البقرة:
187)؛ لأنه لا يقال: رفثت [إلى] (2)المرأة: لكن لما كان بمعنى الإفضاء ساغ ذلك.
و هكذا قوله: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى (النازعات:18)؛ و إنما يقال: هل لك في كذا؟ لكن المعنى أدعوك إلى أن تزكّى.
و قوله: وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ (الشورى:25)، فجاء ب «عن»، لأنه ضمّن التوبة معنى العفو و الصفح.
و قوله: وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ (البقرة:14)، و إنما يقال: خلوت به، لكن ضمّن «خلوا» معنى «ذهبوا» و انصرفوا»، و هو معادل لقوله: لَقُوا (البقرة:14)؛ و هذا أولى من قول من قال: إنّ «إلى» هنا بمعنى الباء، أو بمعنى «مع».ة.
1) انظر قول الراغب في المفردات ص 355 كتاب العين، و في 387 كتاب الفاء، و الراغب هو أبو القاسم الحسين بن محمد تقدم التعريف به في 218/1.
و قال مكّي (1):إنما [لم] (2)تأت الباء؛ لأنه يقال: خلوت به إذا سخرت منه، فأتى ب «إلى» لدفع هذا الوهم.
و قوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (الأعراف:16)، قيل: الصراط منصوب على المفعول به، أي لأكرّهنّ لهم (3)صراطك، أو لأملّكنّه لهم، و «أقعد» و إن كان غير متعدّ ضمّن معنى فعل متعدّ.
و قوله: وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ (الكهف:28)، ضمّن «تعد» معنى «تنصرف» فعدّى ب «عن». قال ابن الشجريّ (4):«و من زعم أنه كان حق الكلام؛«لا تعد عينيك عنهم» بالنصب؛ لأن «تعد» متعدّ بنفسه فباطل، لأن عدوت و جاوزت بمعنى واحد، و أنت لا تقول: جاوز فلان عينيه (5)عن فلان، و لو كانت التلاوة بنصب العينين (6)لكان اللفظ بنصبهما (7)محمولا أيضا على: لا تصرف عينيك (8)عنهم، و إذا كان كذلك، فالذي وردت [به] (9)
(10-10) في المطبوعة و المخطوطة (العين) و الصواب من الأمالي.
التلاوة من رفع العينين (10)يؤول إلى معنى النصب فيها؛ إذ كان لا تَعْدُ عَيْناكَ بمنزلة «لا تنصرف» و معناه لا تصرف عينيك (10)عنهم، فالفعل مسند إلى العينين (10)،و هو في الحقيقة موجّه إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، كما قال: وَ لا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ (التوبة:85)، أسند الإعجاب إلى الأموال، و المعنى لا تعجب بأموالهم» (11).و قوله: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا (إبراهيم:13)، ضمّن معنى «لتدخلنّ» أو «لتصيرنّ»؛ و أما قول شعيب: وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها [إِلاّ أَنْ يَشاءَ] (12)(الأعراف:ة.
1) هو مكي بن حموش بن محمد بن مختار القيسي تقدم التعريف به في 278/1.
2) ليست في المخطوطة.
3) عبارة المطبوعة (لألزمنّ لك صراطك).
4) هو أبو السعادات هبة اللّه بن علي بن حمزة، تقدم التعريف به في 376/2 و انظر قوله في كتابه «الأمالي الشجرية»148/1 المجلس الثاني و العشرون.
5) في المطبوعة و المخطوطة تحرفت إلى (عينه) و التصويب من الأمالي الشجرية.
6) في المطبوعة و المخطوطة (العين) و الصواب من الأمالي.
7) في المطبوعة و المخطوطة (يتضمنها) و الصواب من الأمالي.
8) في المطبوعة و المخطوطة (عينك) و الصواب من الأمالي.
9) ليست في المخطوطة.
10) في المطبوعة و المخطوطة (عينك) و الصواب من الأمالي.
11) هنا ينتهي قول ابن الشجري.
12) ليست في المطبوعة.
و قوله: أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً (الحج:26)، ضمّن «لا تشرك» معنى «لا تعدل» و العدل: التسوية، أي لا تسوّي به شيئا.
[و قوله] (1): وَ أَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ (هود:23) ضمّن معنى «أنابوا» فعدّى بحرفه.
و قوله: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها (القصص:10) ضمّن لَتُبْدِي بِهِ (القصص:10) معنى «تخبر به» أو «لتعلم» ليفيد الإظهار معنى الإخبار (1)لأن الخبر قد يقع سرّا غير ظاهر.
و قوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (الإسراء:79)، جوّز الزمخشري (2)نصب مَقاماً ،على [الظرف على] (1) تضمين يَبْعَثَكَ [معنى «يقيمك»] (1).
و قوله: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ (يونس:71)، قال الفارسي (3):و من قرأ «فأجمعوا» بالقطع أراد فأجمعوا أمركم و [اجمعوا] (4)شركاءكم، كقوله:
متقلّدا سيفا و رمحا
و قوله: حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ (سبأ:23)، قال ابن سيده (5):عدّاه: ب «عن» لأنه في معنى كشف الفزع.
و قوله: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ (المائدة:54)، فإنه يقال: ذلّ له، لا عليه، و لكنه هنا ضمّن معنى التعطف و التحنّن.
و قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ (البقرة:226) ضمن[ يُؤْلُونَ ] (6)(البقرة:
1) عبارة المخطوطة (ليفيد الإخبار معنى الخبر).
2) انظر قوله في الكشاف 372/2 عند تفسير الآية(79) من سورة الإسراء.
3) انظر الكشاف 197/2 عند تفسير الآية(71) من سورة يونس، و الفارسي هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار تقدم التعريف به في 375/1 و انظر إتحاف فضلاء البشر» ص 253 سورة يونس.
4) ليست في المطبوعة.
5) هو علي بن أحمد بن إسماعيل تقدم التعريف به في 159/1.
6) ليست في المخطوطة.
و قوله: لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى (الصافات:8) أي لا يصغون.
[225/أ] إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ (القصص:85)، أي أنزل.
فِيما فَرَضَ اللّهُ لَهُ (الأحزاب:38)، أي أحلّ له.
وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا (آل عمران:55) أي مميّزك.
إِنَّ اللّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (يونس:81) أي لا يرضى.
فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ (فصلت:6)، أي أنيبوا [إليه] (1)و ارجعوا.
هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (الحاقة:29)، أي زال.
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ (النور:63)، فإنه يقال (2):خالفت زيدا، من غير احتياج لتعديه بالجارّ، و إنما جاء (3)محمولا على «ينحرفون» أو «يزيغون».
و مثله تعدية «رحيم» بالباء في نحو: وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (الأحزاب:43) حملا على «رءوف»، في نحو: رَؤُفٌ رَحِيمٌ (التوبة:128)، أ لا ترى أنك تقول:
رأفت به، و لا تقول: رحمت به، و لكن لما وافقه في المعنى تنزّل منزلته في التعدية.
و قوله: إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (القصص:24)، ضمّن معنى «سائل».
اَلَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ [يَسْتَوْفُونَ] (4)(المطففين:2)، قال الزمخشري:
ضمن معنى «تحاملوا» فعداه ب «على» و الأصل فيه «من» (5).
الأول: الأكثر أن يراعى في التعدية ما ضمّن منه، و هو المحذوف لا المذكور، كقوله تعالى: اَلرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ (البقرة:187)، أي الإفضاء.
و قوله: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللّهِ (الإنسان:6)، أي يروى [بها] (6)،و غيره مما سبق.
و لم أجد مراعاة الملفوظ به إلا في موضعين: أحدهما قوله تعالى: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (الأنبياء:60) على قول ابن الضائع (1)أنّه ضمن «يقال» معنى «ينادي» و «إبراهيم» نائب عن الفاعل؛ و أورد على نفسه:[كيف] (2)عدّي باللام، و النداء لا يتعدى به؟ و أجاب بأنه روعي الملفوظ به؛ و هو القول؛ لأنه يقال: قلت له الثاني: قوله: وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ (القصص:12)؛ فإنه قد يقال: كيف يتعلّق التكليف بالمرضع؟ فأجيب بأنّه ضمن «حرّم» المعنى اللغوي، و هو المنع. فاعترض كيف عدّي ب «على» و المنع لا يتعدى به؛ فأجيب بأنه روعي صورة اللفظ.
*** الثاني: أن التضمين يطلق على غير ما سبق؛ قال القاضي أبو بكر في كتاب «إعجاز القرآن» (3):«هو حصول معنى فيه من غير ذكر له باسم [أو صفة] (4)هي عبارة عنه، ثم قسمه إلى قسمين: أحدهما ما يفهم من البنية، كقولك: معلوم، فإنه يوجب أنه لا بد من عالم.
و الثاني من معنى العبارة كالصفة، فضارب يدل على مضروب. قال: و التضمين كله إيجاز، قال: و ذكر أن بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (الفاتحة:1) من باب التضمين؛ لأنّه تضمن تعليم الاستفتاح في الأمور باسمه على جهة التعظيم للّه تعالى، أو التبرّك باسمه».
*** و ذكر ابن الأثير في كتاب «المعاني المبتدعة» (5):أنّ التضمين واقع في القرآن خلافا لما أجمع عليه أهل البيان؛ و جعل منه قوله تعالى في الصافات: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ* لَكُنّا عِبادَ اللّهِ الْمُخْلَصِينَ (الصافات:168-169).
*** و يطلق التضمين أيضا على إدراج كلام الغير في أثناء الكلام لتأكيد المعنى، أو لترتيب النظم؛ و يسمى الإبداع، كإبداع اللّه تعالى في حكايات أقوال المخلوقين، كقوله [تعالى]3.
1) هو علي بن محمد بن علي بن يوسف تقدم التعريف به في 364/2.
2) ليست في المخطوطة.
3) انظر قوله في كتابه «إعجاز القرآن» ص 272-273 فصل في وصف وجوه من البلاغة، و منها: التضمين.
4) زيادة من كتاب الباقلاني يقتضيها النص لاستقامة سياقه.
5) هو نصر اللّه بن أبي الكرم محمد بن محمد الموصلي تقدم التعريف به و بكتابه في 189/3.
حكاية عن قول الملائكة: قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ (البقرة:30).
و مثل ما حكاه عن المنافقين: قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (البقرة:11).
و قوله: قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ (البقرة:13).
[ وَ قالَتِ الْيَهُودُ ] (1)(البقرة:113).
[و مثله] (1)وَ قالَتِ النَّصارى (البقرة:113)، و مثله في القرآن كثير.
و كذلك ما أودع في القرآن من اللغات الأعجمية.
*** و يقرب من التضمين في إيقاع فعل موقع آخر إيقاع الظن موقع اليقين في الأمور المحققة؛ كقوله تعالى: (1)[ اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ (البقرة:46).
اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ] 1أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللّهِ كَمْ [مِنْ] فِئَةٍ [قَلِيلَةٍ] (1) (البقرة:249).
وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها (الكهف:53).
وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ (ص:24).
[225/ب] وَ ظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (فصلت:48).
و شرط ابن عطية في ذلك ألا يكون متعلّقه حسيّا، كما تقول العرب في رجل يرى حاضرا:
أظن هذا إنسانا، و إنما يستعمل ذلك فيما لم يخرج إلى الحسّ بعد، كالآيات السابقة.
قال الراغب في «الذريعة» (2):«الظنّ إصابة المطلوب بضرب من الأمارة متردّد بين يقين و شك، فيقرب تارة من طرف اليقين، و تارة من طرف الشك، فصار أهل اللغة يفسّرونه بهما؛ فمتى رئي إلى طرف اليقين أقرب استعمل معه «أنّ» المثقلة و المخففة فيهما، كقوله).
1) ليست في المطبوعة.
2) قول الراغب موجود أيضا في كتابه المفردات في غريب القرآن ص 317 مادة (ظنّ) بمعناه، و بلفظه في كتابه «الذريعة إلى مكارم الشريعة» ص 185-186 توابع العقل، و قد طبع كتاب الذريعة في القاهرة مطبعة الوطن سنة 1299 ه/1881 م، و سنة 1308 ه/1890 م، و طبع في القاهرة المطبعة الشرفية سنة 1324 ه/1906 م، و طبع في القاهرة سنة 1334 ه/1915 م، و في القاهرة المطبعة الأزهرية و راجعه طه عبد الرءوف سعد سنة 1399 ه/1979 م (معجم سركيس ص 922)، و طبع بالأوفست في بيروت بدار الكتب العلمية سنة 1401 ه/1981 م، و طبع في القاهرة بتحقيق أبو اليزيد العجمي دار الصحوة سنة 1405 ه/1985، و حققه عبد المجيد النجار (أخبار التراث العربي 16/19).
تعالى: اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ (1)(البقرة:46) وَ ظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ (الأعراف:171). و متى رئي إلى الشك أقرب استعمل معه «أن» التي للمعدومين من الفعل، نحو ظننت أن يخرج.
قال: و إنما استعمل الظن بمعنى العلم في قوله: اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ (البقرة:46) لأمرين:
أحدهما: للتنبيه على أنّ علم أكثر الناس في الدنيا بالنسبة إلى علمهم في الآخرة (2)، كالظنّ في جنب العلم.
و الثاني: أن العلم الحقيقيّ في الدنيا لا يكاد يحصل إلا للنّبيّين و الصديقين المعنيين بقوله [تعالى]: اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا (الحجرات:15)، و الظنّ متى كان عن أمارة قوية فإنه يمدح به، و متى كان عن تخمين لم يمدح، كما قال تعالى: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ » (3)(الحجرات:12).
و جوّز أبو الفتح في قوله: أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (المطففين:
4-5) أن يكون المراد بها اليقين، و أن تكون على بابها، و هو أقوى في المعنى، أي فقد يمنع من هذا التوهم، فكيف عند تحقيق الأمر، فهذا أبلغ كقوله:«يكفيك من شرّ سماعه» أي لو توهم البعث و النشور و ما هناك من عظم الأمر و شدته لاجتنب المعاصي، فكيف عند تحقق الأمر! و هذا أبلغ.
و قيل: آيتا البقرة بمعنى الاعتقاد، و الباقي بمعنى اليقين، و الفرق بينهما أن الاعتقاد يقبل التشكيك بخلاف اليقين، و إن اشتركا جميعا في وجوب الجزم بهما.
و كذلك قوله: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (الحاقة:20).
و قد جاء عكسه و هو التجوّز عن الظن بالعلم، كقوله تعالى: وَ ما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا (يوسف:81)، و لم يكن ذلك علما جازما بل اعتقادا ظنيّا.».
و قوله: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (الإسراء:36)، و كان يحكم بالظن و بالظاهر.
و قوله: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ (الممتحنة:10) و إنما يحصل بالامتحان في الحكم، و وجه التجوز أنّ بين الظن و العلم قدرا مشتركا و هو الرجحان، فتجوّز بأحدهما عن الآخر.
[أي] (1)في الأمر و النهي
كقوله تعالى: وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ [حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ] (1) (البقرة:233).
وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ (البقرة:228).
[و قوله] (1)سَلامٌ عَلَيْكُمْ (الرعد:24).
اَلْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ [لَكُمْ] (1)(يوسف:92).
و قوله: فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ... (المائدة:89) الآية؛ و لهذا جعلها العلماء من أمثلة الواجب [المخير] (1).
فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ (البقرة:197) على قراءة الرفع (2)،أي لا ترفثوا و لا تفسقوا.
وَ ما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللّهِ (البقرة:272) قالوا: هو خبر، و تأويله نهي، أي لا تنفقوا إلا ابتغاء وجه اللّه، كقوله: لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (الواقعة:79) و كقوله: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها (البقرة:233)، على قراءة الرفع. و قيل: إنه نهي مجزوم-أعني قوله:
لا يَمَسُّهُ (الواقعة:79)-و لكن ضمّت اتباعا للضمير، كقوله صلّى اللّه عليه و سلّم:«إنّا لم نردّه عليك إلا أنّا حرم» (3).
1) ليست في المخطوطة.
2) ذكر مكي الآية في الكشف عن وجوه القراءات السبع 285/1 فقال:(قوله فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ قرأهما ابن كثير و أبو عمرو بالتنوين و الرفع، و قرأ الباقون بالفتح من غير تنوين)، و كلمة (الرفع) تصحفت في المطبوعة إلى (نافع).
3) متفق عليه من رواية الصعب بن جثّامة الليثي رضي اللّه عنه، أخرجه البخاري في الصحيح 31/4 كتاب جزاء الصيد(28)، باب إذا أهدي للمحرم حمارا وحشيا... (6)، الحديث(1825)، و أخرجه مسلم في الصحيح 850/2 كتاب الحج(15)، باب تحريم الصيد للمحرم(8)، الحديث(1193/50)،-
و قوله: وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ (البقرة:83)، ضمّن لا تَعْبُدُونَ معنى «لا تعبدوا بدليل قوله بعده: وَ قُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً (البقرة:83)، و به يزول (1)الإشكال في عطف[226/أ] الإنشاء على الخبر؛[لكن] (2)إن كان حُسْناً معمولا لأحسنوا، فعطف قُولُوا عليه أولى لاتفاقهما لفظا و معنى، و إن كان التقدير و «يحسنون» فهو كالذي قبله، و العطف على القريب أولى. و قيل [إن] (3): لا تَعْبُدُونَ (البقرة:83) أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أن المنهيّ يسارع إلى الانتهاء، فهو مخبر عنه.
و كذا قوله: وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ (البقرة:84) في موضع «لا تسفكوا».
و قوله في سورة الصف: وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (الآية:13) عطفا على قوله:
تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ (الصف:11)، و لهذا جزم الجواب.
و قوله:« إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (يس:55) إلى قوله:
وَ امْتازُوا الْيَوْمَ (يس:59):؛ فإن المقام يشتمل على تضمين إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ (يس:55) معنى الطلب، بدليل ما قبله: فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً (يس:
54)، فإنه كلام وقت الحشر لوروده معطوفا بالفاء، على قوله: إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (يس:53) و عامّ لجميع الخلق لعموم قوله: لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً (يس:54)، و إن الخطاب الوارد بعده على سبيل الالتفات، و هو قوله: وَ لا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (يس:54)، خطاب [عام] (4)لأهل المحشر، فيكون قوله: إِنَّة.
أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (يس:55) إلى قوله: أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (يس:
قيل: و فيه نظر؛ لأنها إذا كانت طلبية و معناها أمر المؤمنين بالذهاب إلى الجنة، فليكن الخطاب معهم لا مع أهل المحشر [لأن الخطاب في التحيير هنا هو المأمور فيها] (3)
(4-4) ليست في المطبوعة.
.و لهذا قال بعضهم: إن تضمين أصحاب أهل الجنة للطّلب ليس المراد منه أن الجملة نفسها طلبية، بل معناه أن يقدر جملة إنشائية بعدها، بخلاف قوله: وَ قُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً (البقرة:83).
و منه قوله تعالى: تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (الصف:11-12)، فإنه يقال:
كيف جاء الجزم في جواب الخبر؟ و جوابه أنه لمّا كان في معنى الأمر جاز ذلك، إذ المعنى:
آمنوا و جاهدوا.
و قال ابن جنّي: لا يكون يَغْفِرْ [لَكُمْ] (4) (الصف:12) جوابا ل هَلْ أَدُلُّكُمْ (الصف:10) و إن كان أبو العباس قد قاله،[قال أبو علي] (4)لأن المغفرة تحصل بالإيمان لا بالدلالة. انتهى. و قد يقال الدلالة: سبب السبب.
إذا علمت هذا؛ فإنما يجيء الأمر بلفظ الخبر الحاصل تحقيقا لثبوته؛ و أنه مما ينبغي أن يكون واقعا و لا بد، و هذا هو المشهور.ة.
و فيه طريقة أخرى نقلت عن القاضي أبي بكر و غيره؛ و هي أنّ هذا خبر حقيقة غير مصروف عن جهة الخبرية؛ و لكنه خبر عن حكم اللّه و شرعه ليس خبرا عن الواقع؛ حتى يلزم ما ذكره من الإشكال؛ و هو احتمال عدم وقوع مخبره؛ فإن هذا إنما يلزم الخبر عن الواقع؛ أما الخبر عن الحكم فلا؛ لأنه لا يقع خلافه أصلا.
كقوله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا (مريم:75).
و قوله: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً (التوبة:53).
[226/ب] و قوله: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى (البقرة:125).
و قوله:« فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَ مَنْ حَوْلَها وَ سُبْحانَ اللّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* وَ أَلْقِ عَصاكَ (النمل:8-9-10) فقوله: وَ أَلْقِ معطوف على قوله. أَنْ بُورِكَ ف أَلْقِ و إن كان إنشاء لفظا، لكنه خبر معنى. و المعنى: فلما جاءها قيل بورك من [في] (1) النار، و قيل: ألق.
و الموجب لهذا قول النحاة (1)[إن] (1)«أن» هذه مفسّرة لا تأتي إلا بعد فعل في معنى القول، و إذا قيل: كتبت إليه أن ارجع، و ناداني أن قم، كلّه (2)بمنزلة: قلت له [ارجع] (3)،و قال لي قم» كذا قاله صاحب «المفتاح» (4).
و ما ذكره من أن بُورِكَ خبرية لفظا و معنى ممنوع (5)لجواز أن يكون دعاء و هو إنشاء؛ و قد ذكر هذا التقدير، الفارسي و أبو البقاء (6)،فتكون الجملتان متفقتين في معنى الإنشاء؛ فتكون مثل لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ (البقرة:83).
و قوله: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ [بِآياتِ رَبِّنا] (1)(الأنعام:27) إلى قوله:
وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (الأنعام:28)؛ فإنه يقال: كيف ورد التمني على التكذيب و هو إنشاء؟.
و أجاب الزمخشري (2)أنه ضمّن معنى العدة، و أجاب غيره بأنه محمول على المعنى من الشرط و الخبر؛ كأنه قيل: إن رددنا لم نكذّب و آمنّا. و الشرط خبر، فصحّ ورود التكذيب عليه.
و قوله: اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ (العنكبوت:12)، أي و نحن حاملون، بدليل قوله: إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (العنكبوت:12) و الكذب إنما يرد على الخبر.
و قوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ (مريم:38)؛ تقديره: ما أسمعهم و أبصرهم! لأنّ اللّه تعالى لم يتعجّب منهم، و لكنّه دلّ المكلّفين على أن هؤلاء قد نزّلوا (3)
(4-4) ليست في المخطوطة.
منزلة من يتعجب منه.و ممّا يدلّ على كونه ليس [أمرا] (4)حقيقيا ظهور الفاعل الذي هو الجار و المجرور في الأول، و فعل الأمر لا يبرز فاعله أبدا.
و وجه التجوّز في هذا الأسلوب أنّ الأمر شأنه أن يكون ما فيه داعية للأمر؛ و ليس الخبر كذلك، فإذا عبّر عن الخبر بلفظ الأمر أشعر ذلك بالدّاعية، فيكون ثبوته و صدقه [أقرب] (4).
هذا بالنسبة لكلام العرب لا لكلام اللّه؛ إذ يستحيل في حقه سبحانه الداعية للفعل.
بقي الكلام في أيّهما أبلغ؟ هذا القسم أو الذي قبله؟.
قال الكواشي (4)في قوله تعالى: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا (مريم:75)، الأمر بمعنى الخبر؛ لتضمنه [معنى] (5)اللزوم؛ نحو إن زرتنا فلنكرمك، يريدون تأكيد إيجاب الإكرام عليهم.ة.
و قال الزمخشريّ (1)في قوله تعالى: لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ (البقرة:83)، ورود الخبر؛ و المراد الأمر أو النهي، أبلغ من صريح الأمر و النهي؛ كأنّه سورع فيه إلى الامتثال و الخبر عنه.
و قال النّوويّ في «شرح مسلم» (2)في باب تحريم الجمع بين المرأة و عمتها و خالتها [في النكاح] (3):و قوله صلّى اللّه عليه و سلّم:(«لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، و لا يسوم على سوم أخيه»، هكذا هو في جميع النسخ،«و لا يسوم» بالواو «و لا يخطب» بالرفع، و كلاهما لفظه لفظ الخبر؛ و المراد به النهي و هو أبلغ في النهي، لأن خبر الشارع لا يتصور وقوع خلافه، و النهي قد تقع مخالفته، فكأن المعنى: عاملوا هذا النهي معاملة خبر الحتم، ثم قال صلّى اللّه عليه و سلّم:«و لا تسأل المرأة طلاق أختها» يجوز في «تسأل» الرفع و الكسر، و الأول على الخبر الذي يراد به النهي، و هو المناسب لقوله قبله:«لا يخطب و لا يسوم»، و الثاني على النهي الحقيقي) انتهى.
كقوله[227/أ] تعالى: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ (يس:30)، قال الفراء:
«معناه: فيا لها من حسرة» (4)!و الحسرة في اللغة أشدّ الندم؛ لأن القلب يبقى حسيرا.
و حكى أبو الحسين بن خالويه في كتاب «المبتدأ» (5)عن البصريين أن هذه من أصعب مسألة في القرآن، لأن الحسرة لا تنادى، و إنما تنادى الأشخاص؛ لأن فائدته التنبيه، و لكن المعنى على التعجب، كقوله: يا عجبا لم فعلت! يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ (الزمر:
56)[و هو] (6)أبلغ من قولك: العجب. قيل: فكأنّ التقدير يا عجبا احضر، يا حسرة احضري!
1) انظر الكشاف 78/1-79 عند تفسير الآية(83) من سورة البقرة.
2) انظر قول النووي في «شرح صحيح مسلم»192/9 كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة و عمتها و خالتها.
3) ليست في المطبوعة.
4) انظر قوله في معانى القرآن 375/2 عند تفسير الآية(30) من سورة يس.
5) هو الحسين بن خالويه تقدم التعريف به و بكتابه «المبتدأ» في 369/2.
6) ليست في المخطوطة، و عبارة المخطوطة (في هذا أبلغ).
و قرأ الحسن: يا حسرة العباد (1).
و منهم قال: الأصل «يا حسرتاه» ثم أسقطوا الهاء تخفيفا، و لهذا قرأ عاصم يا أسفاه على يوسف (يوسف:84).
و قال ابن جني في كتاب «الفسر» (2)معناه أنه لو كانت الحسرة مما يصحّ نداؤه لكان هذا وقتها.
و أما قوله تعالى: يا بُشْرى (يوسف:19)، فقالوا: معنى النداء فيما لا يعقل تنبيه المخاطب و توكيد القصة؛ فإذا قلت: يا عجبا! فكأنك قلت: اعجبوا، فكأنه قال: يا قوم أبشروا.
قال أبو الفتح في «الخاطريات» (3):و قد توضع الجملة من المبتدأ و الخبر موضع المفعول به، كقوله تعالى: [وَ لَكُمْ] 4فِيها مَنافِعُ (غافر:80) بعد قوله: [اللّهُ] 5354/3 الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها (غافر:79)، المعنى: و لتنتفعوا بها، عطفا على قوله: (4)
(7-7) ليست في المخطوطة.
لِتَرْكَبُوا مِنْها (غافر:79) و على هذا قال: [وَ] 7لِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ (غافر:80). و كذلك قوله: وَ مِنْها تَأْكُلُونَ (غافر:79)، أي و لتأكلوا منها. و لذلك أتى: وَ عَلَيْها وَ عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (غافر:80)، فعطف الجملة من الفعل و مرفوعه على المفعول له.و نظيره قوله تعالى: وَ إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ [فَاتَّقُونِ] (5)(المؤمنون:52)، [أي و لأنّي ربّكم فاتقون] (7)،فوضع الجملة من المبتدأ و الخبر موضع المفعول له.
و بهذا يبطل تعلّق [من تعلق] (7) على ثبوته في قوله تعالى: وَ أَذانٌ مِنَ اللّهِ وَ رَسُولِهِة.
إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ (التوبة:3)، و قوله:
إن هذا ليس من مواضع الابتداء لجواز تقدير: و أذان بأن اللّه بريء، و بأنّ رسوله كذلك.
لأن الجموع يقع بعضها موقع بعض، لاشتراكها في مطلق الجمعية، كقوله تعالى:
وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (سبأ:37)، فإن المجموع بالألف و التاء للقلة، و غرف الجنة لا تحصى.
و قوله: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللّهِ (آل عمران:163)، و رتب الناس في علم اللّه أكثر من العشرة لا محالة.
و قوله: اَللّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ (الزمر:42).
و قوله: وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ (النمل:14)، و هو كثير.
[و] (1)قيل:[سبب] (1)ذلك في الآية الأولى دخول الألف و اللام الجنسية؛ فيكون ذلك تكثيرا لها، و كان دخولها على جمع القلة أولى من دخولها على جمع الكثرة، إشارة إلى قلة من يكون فيها، أ لا ترى أنّه لا يكون فيها إلا المؤمنون! و قد نصّ سبحانه على قلّتهم بالإضافة إلى غيرهم في قوله تعالى: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ (ص:24)، فيكون التكثير الداخل في قوله: وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ (سبأ:37)، لا من جهة [وضع جمع القلة موضع جمع الكثرة؛ و لكن من جهة] (1)ما اقتضته الألف و اللام للجنس.
و اعلم أن جموع التكثير الأربعة و جمعي التصحيح (1)-أعني جمع التأنيث و جمع التذكير-كل ذلك للقلّة؛ أما جموع التكسير فبالوضع، و أمّا جمعا التصحيح؛ فلأنهما (2)[أقرب] (1)إلى التثنية؛ و هي أقل العدد، فوجب أن [يكون] (3)الجمع المشابه لها بمنزلتها في القلّة، و ما عداها من الجموع فيرد تارة للقلة و تارة للكثرة بحسب القرائن، قال تعالى:
اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ الضّالِّينَ (الفاتحة:7). هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة:2). وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (البقرة:5)، إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (البقرة:11). أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (البقرة:12). مُسْتَهْزِؤُنَ (البقرة:14)[227/ب] وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ (البقرة:16). وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً (البقرة:28). وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها (البقرة:31). فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (البقرة:31). بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ (البقرة:20). أَ تَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (البقرة:44). إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ (الطلاق:1).
وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (التوبة:70). ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ (البقرة:85). وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ (البقرة:154).
وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى (البقرة:185). وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (البقرة:197).
بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ (المائدة:89). أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ (البقرة:232).
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ (البقرة:238). فإن قلت: ليس هذا منه، بل هي للقلة، لأنها خمس.
قلت: لو كان كذلك لما صحّ: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ (البقرة:
236). فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ (البقرة:235)؛ فالمراد منها واحد، و الجواب عن أحدهما الجواب عن الآخر.
و قوله تعالى: مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ (البقرة:266). إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ (البقرة:271)، اَلصّابِرِينَ وَ الصّادِقِينَ (آل عمران:17) الآية. وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ (1)(الأحزاب:35) الآية. و لا تحصى كثرة.
و من شواهد مجيء جمع القلة مرادا به الكثرة قول حسان رضي اللّه عنه:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن (2)في الضّحى و أسيافنا يقطرن من نجدة دما
و طعن الفارسي (1)
(2-2) ليست في المطبوعة.
في هذه الحكاية لوجود وضع جمع القلة موضع الكثرة فيما له جمع كثرة، و فيما لا جمع له كثرة في كلامهم. و صحّحها بعضهم قال: يعني أنه كان ينبغي لحسان تجنّب اللفظ الذي أصله أن يكون في القلة، و إن كان جائزا في اللسان وضعه لقرينة إذا كان الموضع موضع مدح، أو أنّه و إن كانت القلة [توضع] (2)لمعنى الكثرة، لكن ليس في كل مقام.و من المشكل قوله تعالى: فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً (البقرة:245) فإن أَضْعافاً جمع قلّة فكيف جاء بعده كثرة! و الجواب أن جمع القلة يستعمل مرادا به الكثرة، و هذا منه.
الأول: إنما يسأل عن حكمة ذلك حيث كان له جمع كثرة، فإن لم يكن [له] (2) فلا، كقوله [تعالى]: أَيّاماً مَعْدُوداتٍ (البقرة:184)؛ فإنّ أَيّاماً أفعال مع أنها ثلاثون، لكن ليس لليوم جمع غيره؛ و من ثم أفرد السّمع و جمع (2)الأبصار في قوله: [وَ] 5عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ (البقرة:7) لأن «فعلا» ساكن العين صحيحها لا يجمع على «أفعال» غالبا؛ و ليس له جمع تكسير؛ فلما كان كذلك اكتفى بدلالة الجنس على الجمع.
و جعل بعضهم من هذا «أنفسكم» على كثرتها في القرآن؛ و ليس كذلك، فقد جاء وَ إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (التكوير:7)، و حكمته هنا ظاهرة، لأنّ المراد استيعاب جميع الخلق في المحشر.
و نظيره: مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ (البقرة:266) لإمكان «الثمار» و ليس رأس آية.
و منه: آياتٌ مُحْكَماتٌ (آل عمران:7) لإمكان «آي»، و لا يقال إنه لطلب المشاكلة فقد قال تعالى بعده (1): وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ (آل عمران:7)، فدل على عدم المشاكلة لإمكان «أخريات».
و كذلك (2)قوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (البقرة:25)، و ليس رأس آية، و لا فيه مشاكلة، لإمكان «الأنهر».
و قد جاء أنفس للقلة، كقوله: وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ (آل عمران:61)، و قيل:
المراد نفسان من باب: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما (التحريم:4).
*** الثاني: إنما يتم في المنكّر أما المعرّف فيستغنى بالعموم عن ذلك، و بهذا يخدش في كثير (3)
(4-4) ليست في المخطوطة.
مما سبق جعله [من] (4)هذا النوع. و قد قال الزمخشري في قوله تعالى: مِنَ الثَّمَراتِ (البقرة:22): إنه جمع قلة، وضع موضع جمع الكثرة (4)،و ردّ عليه بأن [«أل»] (4)في «الثمرات» للعموم فيصير كالثمار، و لا حاجة إلى ارتكاب وضع جمع قلة موضع جمع [كثرة] (4)،و كذلك بيت حسان السابق فإن الجفنات[228/أ] معرّفة ب «أل» «و أسيافنا» مضاف، فيعمّ.يكثر في تأويله بمذكر، كقوله تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ (البقرة:275)، على تأويلها بالوعظ.
و قوله: وَ أَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً (ق:11)، على تأويل البلدة بالمكان، و إلا لقال:
«ميتة».
و قوله: فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي (الأنعام:78)، أي الشخص أو الطالع.
و قوله: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ (الأعراف:85)، أي بيان و دليل و برهان.
و قوله: وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً (الأنعام:6).
و إنما يترك التأنيث كما يترك في صفات المذكر، لا كما في قولهم: امرأة معطار؛ لأن السماء بمعنى المطر، مذكر، قال:
إذا نزل السّماء بأرض قوم رعيناه و إن كانوا غضابا (1)
و يجمع على أسمية و سمّي، قال العجاج:
تلفّه الأرواح و السميّ (2)
و قوله: وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ (النساء:8)، إلى قوله: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ (النساء:
8)، ذكّر الضمير؛ لأنه ذهب بالقسمة إلى المقسوم.
و قوله: وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ (النحل:66)، ذهب بالأنعام إلى معنى النعم، أو حمله على معنى الجمع.
و قوله: إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (الأعراف:56)، و لم يقل «قريبة» قال الجوهري: ذكّرت (3)على معنى الإحسان. و ذكر الفراء (4)أن العرب تفرق بين النسب، و القرب من المكان، فيقولون: هذه قريبتي من النسب، و قريبي من المكان، فعلوا ذلك فرقا بين قرب النسب و المكان.
قال الزجاج: و هذا غلط (5)لأنّ كلّ ما قرب من مكان و نسب، فهو جار على ما يقتضيه).
1) البيت ذكره ابن منظور في لسان العرب 399/14 مادة (سما) و عزاه لمعاوية بن مالك، معوّد الحكماء، قال: (و سمّي معود الحكماء لقوله في هذه القصيدة: أعوّد مثلها الحكماء بعدي إذا ما الحق في الحدثان نابا)
2) ذكره ابن منظور في المصدر نفسه و عزاه لرؤية، و تمام البيت: في دفء أرطاة لها جنيّ، و قد تصحف اسم (العجاج) في المخطوطة إلى (الحجاج).
3) انظر الصحاح 198/1.
4) تصحف اسمه في المخطوطة إلى الغزي، و الصواب ما في المطبوعة، و انظر قوله في معاني القرآن 380/1 عند تفسير الآية(56) من سورة الأعراف.
5) في المخطوطة (و هذا أقرب).
من التذكير و التأنيث؛ يريد أنّك إذا أردت القرب من المكان، قلت: زيد قريب من عمرو، و هند قريبة من العباس، فكذا في النسب.
و قال أبو عبيدة (1):ذكّر «قريب» لتذكير المكان، أي مكانا قريبا. و ردّه ابن الشجري (2)بأنه لو صحّ لنصب «قريب» على الظرف.
و قال الأخفش: المراد بالرحمة هنا المطر؛ لأنه قد تقدم ما يقتضيه، فحمل المذكّر عليه.
و قال الزّجاج: لأن الرحمة و الغفران بمعنى واحد؛ و قيل: لأنها و الرحم سواء.
و منه: وَ أَقْرَبَ رُحْماً (الكهف:81)، فحملوا الخبر على المعنى، و يؤيده قوله تعالى: [هذا] 3رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي (الكهف:98).
و قيل: الرحمة مصدر، و المصادر كما لا تجمع لا تؤنث.
و قيل:«قريب» على وزن «فعيل» و «فعيل» يستوي فيها المذكر و المؤنث حقيقيّا كان أو غير حقيقي. و نظيره قوله تعالى: وَ هِيَ رَمِيمٌ (يس:78).
و قيل: من حذف المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه، مع الالتفات إلى المحذوف، فكأنه قال: و إنّ مكان رحمة اللّه قريب، ثم حذف المكان و أعطى الرحمة إعرابه و تذكيره.
و قيل: من حذف الموصوف و إقامة الصفة مقامه، أي إنّ رحمة اللّه شيء قريب أو لطيف، أو برّ أو إحسان.
و قيل: من باب إكساب المضاف حكم المضاف إليه؛ إذا كان صالحا للحذف و الاستغناء عنه بالثاني، و المشهور في هذا تأنيث المذكر لإضافته إلى مؤنث، كقوله:
مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت أعاليها مرّ الرياح النّواسم (3)
فقال:«تسفهت» و الفاعل مذكر؛ لأنه اكتسب تأنيثا من الرياح، إذ الاستغناء عنه جائز، و إذا كانت الإضافة على هذا تعطي المضاف تأنيثا لم يكن له. فلأن تعطيه تذكيرا لم يكن له-ه.
كما في الآية الكريمة-أحقّ و أولى؛ لأنّ التذكير[228/ب] أولى و الرجوع إليه أسهل من الخروج عنه.
و قيل: من الاستغناء بأحد المذكورين لكون الآخر تبعا له، و معنى من معانيه.
و منه في أحد الوجوه قوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (الشعراء:4)، فاستغنى عن خبر الأعناق بخبر أصحابها؛ و الأصل هنا إن رحمة اللّه قريب (1)،و هو قريب من المحسنين، فاستغنى بخبر المحذوف عن خبر الموجود (2)،و سوغ ظهور ذلك المعنى.
و نظير هذه الآية الشريفة قوله تعالى: وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ (الشورى:
17)، قال البغويّ (3):«لم يقل «قريبة» لأن تأنيثها غير حقيقيّ، و مجازها الوقت، و قال الكسائيّ: إتيانها قريب».
و قيل في قوله تعالى: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ (الحاقة:6)، و لم يقل:«صرصرة» كما قال: بِرِيحٍ [صَرْصَرٍ] 4عاتِيَةٍ (الحاقة:6) لأنّ الصرصر وصف مخصوص بالريح لا يوصف به غيرها، فأشبه باب «حائض» و نحوه؛ بخلاف «عاتية» فإن غير الريح من الأسماء المؤنثة يوصف به.
و أما قوله تعالى: اَلسَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ (المزمل:18)، ففي تذكير «منفطر» خمسة أقوال:
أحدها: للفراء (4)،أن السماء تذكر و تؤنث، فجاء «منفطر» على التذكير.
و الثاني: لأبي علي أنّه من باب اسم الجنس الذي بينه و بين واحدة التاء، مفرده سماءة؛ و اسم الجنس يذكر و يؤنث، نحو: أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (القمر:20).
و الثالث: للكسائيّ، أنه ذكّر حملا على معنى السقف.ل.
1) في المخطوطة (قريبة).
2) في عبارة المخطوطة زيادة في هذا الموضع و هي (عن خبر الموجود إليه أسهل من الخروج عنه، و سوغ ذلك ظهور المعنى).
3) ذكره البغوي في معالم التنزيل 123/4 عند تفسير الآية(17) من سورة الشورى، و تمام عبارته (و مجازه: الوقت قريب، و قال الكسائي: إتيانها قريب).
4) انظر معاني القرآن 199/3 عند تفسير الآية(18) من سورة المزمل.
و الرابع: لأبي عليّ (1)أيضا على معنى النسب؛ أي ذات انفطار؛ كقولهم: امرأة مرضع، أي ذات رضاع.
و الخامس: للزمخشريّ (2)،أنه صفة لخبر محذوف مذكّر، أي شيء منفطر.
و سأل أبو عثمان المازنيّ (3)بحضرة المتوكل (4)قوما من النحويّين، منهم ابن السّكيت (5)و أبو [بكر] (6)بن قادم (7)عن قوله تعالى: وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (مريم:28): كيف جاء بغير هاء. و نحن نقول: امرأة كريمة إذا كانت هي الفاعل [و بغي هنا الفاعل] (8)و ليست بمنزلة «القتيل» التي هي بمعنى «المفعول»؟ فأجاب ابن قادم و خلّط، فقال له المتوكّل:
أخطأت، قل يا بكر (9)-للمازني، قال:«بغيّ» ليس ل «فعيل» و إنما هو «فعول» و الأصل فيه «بغوي»، فلما التقت واو و ياء، و سبقت إحداهما بالسكون أدغمت الواو في الياء، فقيل:
«بغيّ» كما تقول: امرأة صبور، بغير هاء؛ لأنها بمعنى صابرة؛ فهذا حكم «فعول» إذا عدل عن فاعله، فإن عدل عن مفعوله جاء بالهاء، كما قال.
منها اثنتان و أربعون حلوبة (10)7.
1) انظر قولي أبي علي و قول الكسائي عند أبي حيان في البحر المحيط 365/8-366 عند تفسير سورة المزمل.
2) قول الزمخشري في الكشاف 155/4 سورة المزمل.
3) هو بكر بن محمد بن بقية أبو عثمان المازني تقدم التعريف به في 365/2.
4) هو جعفر بن محمد بن هارون الرشيد، لقبه المتوكل على اللّه بن المعتصم بالله، خليفة عباسي ولد ببغداد و بويع له بعد وفاة أخيه الواثق سنة(232 ه) و كان جوادا محبا للعمران، من آثاره «المتوكلية» ببغداد أنفق عليها أموالا كثيرة، ثم أقام في سامراء إلى أن اغتيل فيها ليلا بإغراء ابنه المنتصر سنة 247 ه (الأعلام للزركلي 127/2).
5) هو يعقوب بن إسحاق أبو يوسف تقدم التعريف به في 402/1.
6) كذا ورد في المطبوعة و المخطوطة، و الصواب في كنيته (أبو جعفر) كما جاء في مصادر ترجمته.
7) هو محمد بن عبد اللّه بن قادم أبو جعفر النحوي، كان حسن النظر في علل النحو و كان من أعيان أصحاب الفراء و أخذ عنه ثعلب، و كان ابن قادم يعلّم «المعتز» قبل الخلافة و كان قد حقد عليه بطريق تأديبه له، فلما ولي بعث إليه فقيل له: أجب أمير المؤمنين فقال لعياله: عليكم السلام فخرج و لم يرجع إليهم و ذلك في سنة 251 ه (ياقوت معجم الأدباء 207/18).
8) ليست في المطبوعة.
9) في المخطوطة (يا أبا بكر) و الصواب ما في المطبوعة.
10) صدر بيت لعنترة من المعلقة عجزه:(سودا كخافية الغراب الأسحم)، انظر ديوان عنترة ص 17.
بمعنى «محلوبة» حكاه التوحيدي في «البصائر» (1).
و قال البغويّ في قوله تعالى: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ (يس:78)«و لم يقل «رميمة»، لأنه معدول عن فاعله، و كلما كان معدولا عن جهته و وزنه كان مصروفا عن فاعلة، كقوله: وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (مريم:28)، أسقط الهاء؛ لأنها مصروفة عن «باغية» (2).
و قال الشريف المرتضى (3)في قوله تعالى: وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ (هود:118-119) إن الضمير في ذلك يعود للرحمة، و إنما لم يقل و «لتلك» (4)لأنّ تأنيث الرحمة غير حقيقي، كقوله [تعالى]: هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي (الكهف:98) و لم يقل «هذه»؛ على أن قوله: إِلاّ مَنْ رَحِمَ (هود:119)، كما يدل [229/أ] على الرحمة يدل على «أن (5)يرحم» و يجوز رجوع الكتابة إلى قوله إلا أن يرحم، و التذكير في موضعه.
قال: و يجوز أن يكون قوله: وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ (هود:119) كناية عن اجتماعهم على الإيمان، و كونهم فيه أمة واحدة، و لا محالة أنه لهذا خلقهم.
و يطابق هذه [الآية] (6)قوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ (الذاريات:56)، قال: فأما قوله: وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (هود:118) فمعناه الاختلاف في الدين و الذهاب عن الحق فيه بالهوى، و الشبهات، و ذكر أبو مسلم بن بحر (7)فيه معنى غريبا، فقال: معناه أنّ خلف هؤلاء الكفار (8)يخلف سلفهم في الكفر، لأنه سواء قولك: خلف).
1) هو أبو حيان علي بن محمد بن العباس التوحيدي تقدم التعريف به في 342/1 و كتابه «البصائر» تقدم التعريف به في 414/1.
2) ذكره البغوي في تفسيره معالم التنزيل 20/4 تفسير سورة يس.
3) هو علي بن الحسين بن موسى أبو القاسم الشريف المرتضى، ولد سنة(355 ه)، و كانت إليه نقابة الطالبيين و كان شاعرا مشتهرا يعرف النحو و اللغة، روى عن جماعة من النحاة و روي عنه، و له الكثير من المصنفات أهمها «الغرر و الدرر»(القفطي إنباه الرواة 249/2)، و قوله في كتابه «أمالي المرتضى» 70/1 نقله الزركشي مع تصرف و اختصار.
4) في الأصول (و تلك) و التصويب من «أمالي المرتضى».
5) في المخطوطة زيادة في العبارة هي (أن الرحمة يرحم، فيجوز).
6) ليست في المخطوطة.
7) هو محمد بن بحر الأصفهاني تقدم التعريف به في 377/2.
8) في المخطوطة (الكافرين).
بعضهم بعضا، و قولك اختلفوا كما سواء قولك: قتل بعضهم بعضا، و قولهم: اقتتلوا. و منه قولهم: لا أفعله ما اختلف العصران، أي [جاء] كل واحد منهم بعد الآخر.
و اختلف في قوله: وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ (النحل:
66)، فقال الكسائيّ، أي من بطون ما ذكرنا.
و قال الفراء (1):ذكّر لأنه ذهب إلى المعنى؛ يعني معنى النّعم، و قيل: الأنعام تذكر و تؤنث.
و قال أبو عبيدة (2):أراد البعض، أي من بطون أيها كان ذا لبن.
و أنكر أبو حاتم (3)
(4-4) ليست في المخطوطة.
تذكير الأنعام، لكنه أراد معنى النعم.كقوله تعالى: اَلَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها (المؤمنون:11)؛ فأنث «الفردوس»، و هو مذكّر، حملا على معنى الجنة.
و قوله: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (الأنعام:160)؛ [فأنّث «عشر»] (4)حيث جرّدت من الهاء مع إضافته (4)[إلى الأمثال، و واحدها مذكر، و فيه أوجه:
أحدها: أنّث لإضافة] (4) الأمثال إلى مؤنث؛ و هو ضمير الحسنات، و المضاف يكتسب (4)أحكام المضاف إليه، فتكون كقوله: يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ (يوسف:10).
و الثاني: هو من باب مراعاة المعنى؛ لأنّ الأمثال في المعنى مؤنثة؛ لأن مثل الحسنة حسنة لا محالة، فلما أريد توكيد الإحسان إلى المطيع، و أنه لا يضيع شيء من عمله؛ كأنّ الحسنة المنتظرة واقعة، جعل التأنيث في أمثالها منبهة (5)على ذلك الوضع، و إشارة إليه، كما جعلت الهاء في قولهم: راوية و علامة (6)،تنبيها على المعنى المؤنث [المراد] (7)في أنفسهم،
1) انظر قول الكسائي و الفراء في معاني القرآن 108/2-109 تفسير سورة النحل.
2) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 362/1.
3) هو سهل بن محمد بن عثمان أبو حاتم السجستاني تقدم التعريف به في 309/1.
4) في المخطوطة (يكتسي).
5) في المخطوطة (شبهة على ذلك).
6) في المخطوطة (سرا و علانية) و الصواب ما في المطبوعة.
7) ليست في المخطوطة.
و هو الغاية و النهاية؛ و لذلك أنث المثل هنا توكيدا لتصوير الحسنة في نفس المطيع؛ ليكون ذلك أدعى له إلى الطاعة، حتى كأنه قال:«فله عشر حسنات أمثالها» حذف و أقيمت صفته مقامه، و روعي ذلك المحذوف الذي هو المضاف إليه، كما يراعى المضاف في نحو قوله: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ (النور:40)، [أي «أو كذي ظلمات»] (1)،و راعاه في قوله:
يَغْشاهُ مَوْجٌ (النور:40)، و هذا الوجه هو الذي عوّل عليه الزمخشري (2)،و لم يذكر سواه.
و أما ابن جني فذكر في «المحتسب» (3)
(4-4) ليست في المخطوطة.
الوجه الأول، و قال: فإن قلت: فهلا حملته على حذف الموصوف، (4)[فكأنه قال:«فله عشر حسنات و أمثالها»؟ قيل: حذف الموصوف] (4)و إقامة الصفة (4)مقامه ليس بمستحسن في القياس؛ و أكثر ما أتى في الشعر، و لذلك حمل دانِيَةً من قوله: وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها (الإنسان:14)؛ على أنه وصف جنة أو «و جنة دانية» عطف على «جنة» من قوله (5): وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً (الإنسان:12)؛ لما قدّر حذف الموصوف و إقامة الصفة مقامه، حتى عطف على قوله: مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ (الإنسان:13) فكانت حالا معطوفة على حال.
و في «كشف المشكلات» (6)
(9-9) ليست في المطبوعة.
(12-12) ليست في المخطوطة.
للأصبهاني، حذف الموصوف هو اختيار سيبويه، و إن كان لا يرى حسن «ثلاثة مسلمين» بحذف الموصوف (9)[لكن المثل[229/ب] و إن كان معنى جرى مجرى الاسم في «مررت بمثلك» و لا يستقل به الموصوف] (9).و قوله تعالى حكاية عن لقمان: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ [مِنْ خَرْدَلٍ] (9) (لقمان:16) فأنث الفعل المسند ل مِثْقالَ و هو مذكّر،[و لكن] (12) لما أضيف إلى «حبّة» اكتسب منه [التأنيث] (12)،فساغ تأنيث فعله.ة.
1) ليست في المخطوطة.
2) انظر الكشاف 50/2 عند تفسير الآية(160) من سورة الأنعام.
3) هو أبو الفتح عثمان بن جني تقدم التعريف به في 361/1، و تقدم التعريف بكتابه «المحتسب» في 481/1.
4) تصحفت عبارة المطبوعة إلى (و إقامة الموصوف مقامه).
5) في المطبوعة (من قولهم).
6) ذكره في كشف الظنون 1495/2 و عنوانه «كشف مشكلات القرآن».
و ذكر أبو البقاء في (1)قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ (آل عمران:185) أنّ التأنيث [في] (2)«ذائقة» باعتبار معنى «كلّ»[لأن معناها التأنيث، قال: لأن كلّ نفس نفوس و لو ذكّر على (3)لفظ «كلّ»] جاز-يعني أنه لو قيل: كلّ نفس ذائق [كذا] (4)،جاز.
و هو مردود؛ لأنه يجب اعتبار ما يضاف إليه «كلّ» إذا كانت نكرة، و لا يجوز أن يعتبر كلّ.
و قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ (البقرة:271)؛ فإنّ الظاهر عود الضمير إلى الإبداء؛ بدليل قوله: وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (البقرة:
و منه (5)سَعِيراً (الفرقان:11) و هو مذكر، ثم قال: إِذا رَأَتْهُمْ (الفرقان:
و أما قوله: لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ وَ اسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي [خَلَقَهُنَّ] (6)(فصلت:37)، فقيل: الضمير عائد على الآيات المتقدمة في اللفظ.
و قال البغويّ (7)إنما قال خَلَقَهُنَّ بالتأنيث، لأنه أجري على طريق جمع التكسير، و لم يجر على طريق التغليب للمذكر على المؤنث»؛ لأنه فيما لا يعقل.
و قيل في قوله: اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ (النساء:1)، إن المراد آدم فأنثه ردّا إلى النفس. و قد قرئ شاذّا «من نفس واحد» (8).).
1) انظر إملاء ما من به الرحمن 94/1 تفسير الآية(185) من سورة آل عمران.
2) ليست في المخطوطة.
3) عبارة المخطوطة (في لفظ).
4) ليست في المطبوعة.
5) عبارة المخطوطة (و قوله سعيرا).
6) ليست في المخطوطة.
7) انظر معالم التنزيل 115/4 عند تفسير الآية(37) من سورة فصلت.
8) ذكره أبو حيان في البحر المحيط 154/3 عند تفسير الآية(1) من سورة النساء، فقال:(و المراد بقوله من نَفْسٍ واحِدَةٍ آدم، و قرأ الجمهور واحِدَةٍ بالتاء...، و قرأ ابن أبي عبلة «واحد» على مراعاة المعنى).
و حكى الثعلبي في تفسيره (1)في سورة «اقترب» (2)بإسناده إلى المبرّد (3)سئل عن ألف مسألة، منها: ما الفرق بين قوله تعالى: جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ (يونس:22)، و قوله:
وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً (الأنبياء:81) و قوله: أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (الحاقة:7)، و كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (القمر:20)، فقال: كلّ ما ورد عليك من هذا الباب، فلك أن تردّه إلى اللفظ تذكيرا، و لك أن تردّه إلى المعنى تأنيثا؛ و هذا من قاعدة أن اسم الجنس تأنيثه غير حقيقي، فتارة يلحظ معنى الجنس فيذكّر، و تارة معنى الجماعة فيؤنث؛ قال تعالى في قصة شعيب: وَ أَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ (هود:94)، و في قصة صالح: وَ أَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ (هود:67) و قال: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا (البقرة:70)، و قرئ:
«تشابهت» (4).
و أبدى السّهيلي (5)للحذف و الإثبات معنى حسنا فقال: إنما حذفت منه؛ لأن «الصيحة» فيها [بمعنى] (6)العذاب و الخزي، إذ كانت منتظمة بقوله [سبحانه] (7): وَ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ (هود:66)، فقوي التذكير؛ بخلاف قصة شعيب، فإنّه لم يذكر فيها ذلك.
و أجاب غيره: بأنّ الصيحة يراد بها المصدر بمعنى الصياح، فيجيء فيها التذكير، فيطلق و يراد بها الوحدة من المصدر، فيكون التأنيث أحسن.
و قد أخبر سبحانه عن العذاب الذي أصاب به قوم شعيب بثلاثة أمور، كلّها مفردة اللفظ:
أحدها: الرجفة، في قوله: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ (العنكبوت:37).
و الثاني: الظّلة، في قوله: فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ (الشعراء:189).
و الثالث: الصيحة، و جمع لهم الثلاثة؛ لأن الرجفة بدأت بهم فأصحروا في الفضاء، خوفا من سقوط الأبنية عليهم، فضربتهم الشمس[230/أ] بحرّها، و رفعت لهم الظّلة،ة.
1) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم تقدم التعريف به في 105/1، و تفسيره المسمى «الكشف و البيان في تفسير القرآن» مطبوع في اسطنبول سنة 1350 ه/1931 م (ذخائر التراث العربي 428/1)، و حققه عبد اللّه أبو السعود بدر سنة 1403 ه/1983 (أخبار التراث العربي 16/8).
2) هي سورة الأنبياء(21).
3) عبارة المخطوطة (أن المبرد).
4) ذكره أبو حيان في البحر المحيط 254/1 عند تفسير الآية(70) من سورة البقرة، فقال:(و قرأ أبي «تشابهت»).
5) هو أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أحمد تقدم التعريف به في 242/1.
6) ليست في المخطوطة.
7) ليست في المطبوعة.
فهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس، فنزل عليهم [فيها] (1)العذاب و فيه الصيحة؛ فكان ذكر الصيحة مع الرجفة و الظلّة أحسن من ذكر الصياح، فكان ذكر التاء أحسن.
فإن قلت: ما الفرق بين قوله سبحانه: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللّهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ (النحل:36)، و بين قوله: فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ (الأعراف:30).
قيل: الفرق بينهما من وجهين:
لفظي و معنويّ:
أما اللفظي، فهو أن الفصل بين الفعل و الفاعل في قوله: حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ (الأعراف:30)، أكثر منها في قوله: حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ (النحل:36)، و الحذف مع كثرة (2)الحواجز أحسن.
و أما المعنويّ فهو أنّ «من»[في] (3)قوله: وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ (النحل:36)، راجعة على الجماعة، و هي مؤنثة لفظا؛ بدليل: وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً (النحل:36)، ثم قال: وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ (النحل:36)، أي من تلك الأمم، و لو قال «ضلت» لتعينت التاء-و الكلامان واحد و إن كان معناهما واحدا-فكان إثبات التاء أحسن من تركها، لأنها ثابتة فيما هو من معنى الكلام المتأخر.
و أما فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ (الأعراف:30)، فالفريق مذكّر، و لو قال (4):«ضلّوا» لكان بغير تاء، و قوله: حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ (الأعراف:30) في معناه، فجاء بغير تاء، و هذا اسلوب لطيف من أساليب العرب، أن يدعوا حكم اللفظ [الواجب] (5)في قياس لغتهم، إذا كان في مركّبه كلمة لا يجب لها حكم ذلك الحكم.ة.
جاء عن ابن مسعود:«ذكّروا القرآن» (1).ففهم منه ثعلب أنّ ما احتمل تأنيثه و تذكيره كان تذكيره أجود.
و ردّ بأنه يمتنع إرادة تذكير غير الحقيقي التأنيث، لكثرة ما في القرآن منه بالتأنيث:
اَلنّارُ وَعَدَهَا اللّهُ (الحج:72). وَ الْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ (القيامة:29).
قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ (إبراهيم:11) و إذا امتنع إرادة غير الحقيقي، فالحقيقيّ أولى.
قالوا: و لا يستقيم إرادة أن ما احتمل التذكير و التأنيث غلّب فيه التذكير، لقوله تعالى:
وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ (ق:10). أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (الحاقة:7)، فأنّث مع جواز التذكير، قال تعالى: أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (القمر:20)، مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ (يس:80). قال: فليس المراد ما فهم، بل المراد الموعظة و الدعاء، كما قال تعالى:
فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ... (ق:45) إلاّ أنّه حذف الجارّ، و المقصود ذكّروا الناس بالقرآن، أي ابعثوهم على حفظه كيلا ينسوه.
و قال الواحدي (2):إنّ قول ابن مسعود على ما ذهب إليه ثعلب، و المراد أنه إذا احتمل اللفظ التذكير و التأنيث و لم يحتج في التذكير إلى مخالفة المصحف ذكّر، نحو: وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ (البقرة:48).
قال: و يدلّ على إرادته هذا أن أصحاب عبد اللّه من قراء الكوفة كحمزة و الكسائي ذهبوا إلى هذا فقرءوا ما كان من هذا القبيل بالتذكير، نحو: يوم يشهد عليهم ألسنتهم (3)(النور:24). و هذا في غير الحقيقي.
ضابط التأنيث ضربان:
حقيقيّ و غيره، فالحقيقي لا يحذف التأنيث من فعله غالبا إلا أن يقع فصل، نحو: قام
1) ذكره ابن منظور في لسان العرب 310/4 مادة «ذكر» فقال (و في الحديث: القرآن ذكر فذكروه، أي أنه جليل خطير فأجلّوه).
2) هو علي بن أحمد بن محمد تقدم التعريف به في 105/1.
3) ذكره البناء في إتحاف فضلاء البشر ص 324 سورة النور فقال:(و اختلف في يَوْمَ تَشْهَدُ فحمزة و الكسائي و خلف بالياء من تحت، و الباقون بالتاء من فوق، وجه التذكير أن التأنيث مجازي).
اليوم هند، و كلما كثر الفصل حسن الحذف، و الإثبات مع الحقيقي أولى ما لم يكن جمعا.
و أمّا غير الحقيقي فالحذف فيه مع الفصل حسن، قال تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ (البقرة:275)، فإن كثر الفصل ازداد حسنا، و منه: وَ أَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ (هود:67) و يحسن الإثبات أيضا؛ نحو: وَ أَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ (هود:
و أشار بعضهم إلى ترجيح الحذف، و استدلّ عليه بأن اللّه[230/ب] تعالى قدّمه عليه حيث جمع بينهما في سورة واحدة. و فيما قاله نظر.
قد سبق منه كثير في نوع الالتفات؛ و يغلب ذلك فيما إذا كان مدلول الفعل من الأمور الهائلة المهدّدة المتوعّد بها، فيعدل فيه إلى لفظ الماضي تقريرا و تحقيقا لوقوعه، كقوله تعالى: [وَ] 1يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ (النمل:87).
و قوله في الزمر: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ (الزمر:68).
و قوله: وَ بَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً (إبراهيم:21).
و قوله: وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَ تَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَ حَشَرْناهُمْ (الكهف:47)؛ أي نحشرهم.
و قوله: وَ نادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً (الأعراف:48). ثم تارة يجعل المتوقع فيه كالواقع، فيؤتى بصيغة الماضي مرادا به المضيّ، تنزيلا للمتوقّع منزلة ما وقع، فلا يكون تعبيرا عن المستقبل بلفظ الماضي، بل جعل المستقبل ماضيا مبالغة.
و منه: أَتى أَمْرُ اللّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ (النحل:1). وَ نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ (الأعراف:44) و نحوه.
*** و قد يعبّر عن المستقبل بالماضي مرادا به المستقبل؛ فهو مجاز لفظي، كقوله تعالى:
وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ (النمل:87)؛ فإنه لا يمكن أن يراد به المضيّ، لمنافاة
يُنْفَخُ الذي هو مستقبل في الواقع. و فائدة التعبير عنه بالماضي (1)[الإشارة إلى استحضار التحقق، و إنه من شأنه لتحققه أن يعبّر عنه بالماضي] (1) و إن لم يرد معناه. و الفرق بينهما أنّ الأول مجاز، و الثاني لا مجاز فيه إلا من جهة اللفظ فقط.
*** و قوله: وَ إِذْ قالَ اللّهُ يا عِيسَى (المائدة:116)؛ أي يقول، عكسه لأن المضارع يراد به الديمومة و الاستمرار، كقوله [تعالى]: أَ تَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ (البقرة:44).
و قوله: ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (آل عمران:59)، أي فكان استحضارا لصورة تكوّنه.
و قوله: وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ (البقرة:102) أي ما تلت.
و قوله تعالى: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ (الحجر:97)، أي علمنا.
فإن قيل: كيف يتصور التقليل في علم اللّه؟ قيل: المراد أنهم أقل معلوماته؛ و لأن المضارع هنا بمعنى الماضي ف «قد» فيه للتحقيق لا التقليل.
و قوله: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللّهِ (البقرة:91)، أي فلم قتلتم! و قوله: حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (البينة:1) أي لم يتفارقوا (1)حتى تأتيهم.
و قوله: مُنْفَكِّينَ (البينة:1)، قال مجاهد (2):«منتهين» و قيل: زائلين من الدنيا.
و قال الأزهري (3):«ليس هو من باب «ما انفك» و «ما زال» إنما هو من انفكاك الشيء إذا انفصل عنه».1.
1) في المطبوعة (يتعارفوا) و الصواب ما في المخطوطة، كما نقله الأزهري أيضا في تهذيب اللغة 458/9 فقال (و قال ابن عرفة الملقب بنفطويه: معنى قوله «منفكين» مفارقين).
2) انظر تفسير مجاهد 774/2 تفسير سورة البينة.
3) انظر تهذيب اللغة 459/9 مادة «فك» ثم عقب بقوله (كما فسّره ابن عرفة)، و الأزهري هو أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر، تقدم التعريف به في 309/1.
و قوله: وَ قالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللّهِ وَ أَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ [بِذُنُوبِكُمْ] (1)(المائدة:18)، المعنى: فلم عذّب آباءكم بالمسخ و القتل؟ لأن النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لم يؤمر بأن يحتجّ عليهم بشيء لم يكن [بعد] (2)لأن الجاحد يقول: إني لا أعذّب، لكن احتجّ عليهم بما قد كان.
و قوله: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً (الحج:
63). فعدل عن لفظ «أصبحت» إلى «تصبح»، قصدا للمبالغة في تحقيق اخضرار الأرض لأهميته؛ إذ (3)هو المقصود بالإنزال.
فإن قلت: كيف قال النحاة: إنه يجب نصب الفعل المقرون بالفاء إذا وقع في جواب الاستفهام، كقوله [تعالى]: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا (الأعراف:53) و «فتصبح» هنا مرفوع؟ قلت: لوجوه:
أحدها: أنّ شرط الفاء المقتضية للنصب أن تكون سببية، و هنا ليست كذلك، بل هي للاستئناف (4)لأن الرؤية ليست سببا للإصباح.
الثاني: أن شرط النصب أن ينسبك من الفاء و ما قبلها شرط و جزاء، و هنا ليس كذلك؛ لأنه لو قيل: إن تر أن اللّه أنزل [ماء] (5)تصبح؛ لم يصح؛ لأن إصباح (6)الأرض حاصل؛ سواء رئي أم لا.
فإن قيل: شاع في كلامهم إلغاء فعل الرؤية، كما في قوله:«و لا تزال-تراها-ظالمة» أي و لا تزال ظالمة؛ و حينئذ فالمعنى منصبّ إلى الإنزال [لا إلى الرؤية] (7)و لا شك أنّه يصحّ أن[231/أ] يقال:«إن أنزل تصبح»، فقد انعقد الشرط و الجزاء.ة.
قلت: إلغاء فعل الرؤية في كلامهم جائز لا واجب؛ فمن أين لنا ما يقتضي تعيين حمل الآية عليه؟ الثالث: إن همزة الاستفهام إذا دخلت على موجب تقلبه (1)إلى النفي، كقوله تعالى:
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ [مِنْ دُونِ اللّهِ] (1)(المائدة:116)، و إذا دخلت على نفي تقلبه (1)إلى الإيجاب؛ فالهمزة في الآية للتقرير، فلما انتقل الكلام من النفي إلى الإيجاب لم ينتصب الفعل، لأن شرط النصب (2)كون السابق منفيّا محضا: ذكره العزيزي في «البرهان» (3).
و نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة السجدة: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً (السجدة:27).
الرابع:«أنه لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض لأن معناه إثبات الاخضرار، فكان ينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار، مثاله أن تقول لصاحبك: أ لم تر أني أنعمت فتشكر! إن نصبت فأنت ناف لشكره، شاك تفريطه، و إن رفعت فأنت مثبت لشكره. ذكر هذا الزمخشري في «الكشاف» (4)،قال: و هذا و مثاله مما يجب أن يرغب له من اتّسم بالعلم في علم الإعراب و توقير أهله».
و قال ابن الخباز (5):النصب يفسد المعنى؛ لأنّ رؤية المخاطب الماء الذي أنزله اللّه ليس سببا للاخضرار؛ و إنما الماء نفسه هو سبب الاخضرار.
و منه قوله تعالى: وَ اللّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ (فاطر:9)، فقال:«تثير» مضارعا، و ما قبله و ما بعده ماضيا، مبالغة في تحقيق إثارة الرياح السحاب للسامعين و تقدير تصوّره في أذهانهم.3.
1) ليست في المطبوعة.
2) في المطبوعة (لأن شرط النفي) و ما أثبتناه من المخطوطة.
3) هو أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك المعروف بشيذلة تقدم التعريف به في 112/1، و تقدم التعريف بكتابه في 224/2.
4) انظر الكشاف 39/3 عند تفسير الآية(63) من سورة الحج.
5) هو أحمد بن الحسين بن أحمد الإربلي شمس الدين، تقدم التعريف به في 14/3.
فإن قيل: أهمّ الأفعال المذكورة في الآية إحياء الموتى، و قد ذكر بلفظ الماضي، و ما ذكرته يقتضي أولويّة ذكره بلفظ المضارع، إذ هو أهمّ، و إثارة السحاب سبب أعيد على قريب.
قيل: لا نسلم بأهميّة إحياء الأرض بعد موتها؛ فالمقدّمات المذكورة أهمّها و أدلها على القدرة أعجبها و أبعدها عن قدرة البشر، و إثارة السحاب أعجبها؛ فكان أولى بالتخصيص بالمضارع؛ و إنما قال: إن إثارة السحاب أعجب لأن سببها أخفى؛ من حيث أنّا (1)نعلم بالعقل (2)أن نزول الماء سبب في اخضرار الأرض، و إثارة السحاب و سوقه (3)سبب نزول الماء. فلو خلّينا و ظاهر العقل لم نعلم (4)
(5-5) ليست في المطبوعة.
:إن الرياح سببها؛ لعدم إحساسنا بمادّة السحاب و جهته [و لطافة الريح عن إدراك الحس] (5).و من لواحق ذلك العدول عن المستقبل إلى اسم المفعول، لتضمّنه معنى الماضي، كقوله [تعالى ذلِكَ] 5 يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ (هود:103)، تقريرا للجمع فيه، و أنّه لا بد أن يكون [معادا] (5)للناس، مضروبا لجميعهم، و إن شئت فوازن بينه و بين قوله: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ [ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ] (5) (التغابن:9)، لتعرف (6)صحة هذا المعنى.
فإن قلت: الماضي أدلّ على [هذا] (5)المقصود من اسم المفعول، فلم عدل عنه إلى ما دلالته أضعف؟ قلت: لتحصل المناسبة بين «مجموع» و «مشهور» في استواء شأنهما طلبا للتعديل في العبارة.
و منه العدول عن المستقبل إلى اسم الفاعل، كقوله تعالى: وَ إِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ الذاريات:6)، فإن اسم الفاعل ليس حقيقة في الاستقبال، بل في الحال.).
هي قسمان: أحدهما-و هو الأكثر-المشاكلة بالثاني للأول؛ نحو «أخذه ما قدم و ما حدث». و قوله تعالى: وَ امْسَحُوا [231/ب] بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ (المائدة:6)؛ على مذهب الجمهور و أن الجرّ للجوار: وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ* وَ السَّماءَ رَفَعَها (الرحمن:6-7).
و قد تقع المشاكلة بالأول للثاني كما في قراءة إبراهيم بن أبي عبلة (1): اَلْحَمْدُ لِلّهِ (الفاتحة:2) بكسر الدال، و هي أفصح من ضم اللام للدال (2).
و متى كان اللفظ جزلا كان المعنى كذلك، و منه قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ (آل عمران:59)، و لم يقل من «طين» كما أخبر به سبحانه في غير موضع: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (ص:71)[ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (ص:76)] (3)إنما عدل عن الطين الذي هو مجموع الماء و التراب إلى ذكر مجرّد التراب لمعنى لطيف؛ و ذلك أنّه أدنى العنصرين و أكثفهما، لما كان المقصود مقابلة من ادّعى في المسيح الإلهية أتى بما يصغّر أمر خلقه عند من ادعى ذلك؛ فلهذا كان الإتيان بلفظ التراب
1) تصحفت في المطبوعة إلى (عبيلة)، و هو إبراهيم بن أبي عبلة شمر بن يقظان ثقة كبير تابعي، له حروف في القراءات و اختيار خالف فيه العامة، أخذ القراءة عن أم الدرداء الصغرى هجيمة بنت يحيى و عن غيرها، و أخذ عنه الحروف موسى بن طارق و روى عنه مالك بن أنس و ابن المبارك و خلق، و من كلامه:«من حمل شاذ العلماء حمل شرا كبيرا»(ت 153 ه)(الجزري طبقات القراء 19/1).
2) عزو الزركشي القراءة بكسر الدال إلى ابن أبي عبلة مجانب للصواب، إذ هو مخالف لما جاء في المصادر، فالقراءة معزوة للحسن البصري، و قراءة ابن أبي عبلة هي ضم اللام تبعا للدال، قال ابن خالويه في مختصر شواذ القرآن ص 1 شواذ سورة الفاتحة (الحمد لله الحسن البصري و رؤبة، الحمد لله إبراهيم بن أبي عبلة)، و قال أبو حيان في البحر المحيط 18/1 تفسير سورة الفاتحة (و الجمهور قرءوا بضم دال اَلْحَمْدُ و اتبع إبراهيم بن أبي عبلة ميمه لام الجر لضمة الدال، كما أتبع الحسن و زيد بن على كسرة الدال، كما أتبع الحسن و زيد بن علي كسرة الدال لكسرة اللام)، و قال البناء في إتحاف فضلاء البشر ص 122 (و عن الحسن الحمد لله حيث وقع بكسر الدال اتباعا لكسرة لام الجر بعدها).
3) ليست في المطبوعة.
أمسّ في المعنى من غيره من العناصر؛ و لما أراد سبحانه الامتنان على [بني] (1) إسرائيل [بعيسى عليه السلام] (2) أخبرهم أنه (1)يخلق [لهم] (1) من الطين كهيئة الطير، تعظيما لأمر ما يخلقه بإذنه؛ إذ كان [المعنى] (2) المطلوب الاعتداد عليهم بخلقه (2)ليعظّموا قدر النعمة به.
و منه قوله تعالى: وَ اللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ (النور:45)[فإنه] (1)سبحانه إنما اقتصر على ذكر الماء دون بقية العناصر؛ لأنّه أتى بصيغة الاستغراق، و ليس في العناصر الأربع ما يعمّ جميع المخلوقات إلا الماء ليدخل الحيوان البحريّ فيها.
و منه قوله تعالى: [تَاللّهِ] 8تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (يوسف:85)؛ فإنه سبحانه أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنسبة إلى أخواتها؛ فإنّ «و اللّه» و «باللّه» أكثر استعمالا و أعرف من «تاللّه» لما كان الفعل الذي جاور القسم أغرب الصيغ التي في بابه؛ فإنّ «كان» و أخواتها أكثر استعمالا من «تفتأ» و أعرف عند العامة؛ و لذلك أتى بعدها بأغرب ألفاظ الهلاك بالنسبة، و هي لفظة «حرض»: و لما أراد غير ذلك [قال] (3): وَ أَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ (فاطر:42)، لما كانت جميع الألفاظ مستعملة.
و منه قوله تعالى: وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ (هود:113)؛ فإنه سبحانه لما نهى عن الركون إلى الظالمين، و هو الميل إليهم و الاعتماد عليهم، و كان دون ذلك (4)مشاركتهم في الظلم، أخبر أنّ العقاب [على ذلك دون العقاب] (5)على الظلم؛ و هو مسّ النار الذي هو دون الإحراق و الاضطرام؛ و إن كان المسّ قد يطلق و يراد به الإشعار بالعذاب.
و منه قوله تعالى: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ (المائدة:28)؛ فإنه نشأ في الآية سؤال، و هو أن الترتيب في الجمل الفعلية تقديم الفعل و تعقيبه بالفاعل، ثم بالمفعول، فإن كان في الكلام مفعولان: أحدهما تعدّى وصول الفعلة.
إليه بالحرف (1)
(2-2) ليست في المطبوعة.
،و الآخر [تعدى] (2) بنفسه، قدم ما تعدّى إليه الفعل بنفسه؛ و على ذلك جاء قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ (2)(الفتح:24).إذا ثبت هذا، فقد يقال: كيف توخّى حسن الترتيب في عجز الآية دون صدرها؟ و الجواب أنّ حسن الترتيب منع منه في صدر الآية مانع أقوى، و هو مخافة أن يتوالى ثلاثة أحرف متقاربات المخرج؛ فيثقل الكلام بسبب ذلك؛ فإنه لو قيل «لئن بسطت يدك إليّ» و الطاء و التاء [و الياء] (2)متقاربة[232/أ] المخرج؛ فلذلك حسن تقديم المفعول الذي تعدّى الفعل إليه بالحرف على [الفعل] (3)الذي تعدى إليه بنفسه؛ و لمّا أمن هذا المحذور في عجز الآية لما اقتضته البلاغة من الإتيان باسم الفاعل موضع الجملة الفعلية، لتضمّنه معنى الفعل الذي تصحّ به المقابلة، جاء الكلام على ترتيبه: من تقديم المفعول الذي تعدّى الفعل إليه بنفسه، على المفعول الذي تعدى إليه بحرف [الجرّ] (4).و هذا أمر يرجع إلى تحسين اللفظ؛ و أما المعنى فعلى نظم الآية؛ لأنه لما كان الأول حريصا على التعدّي على الغير قدّم المتعدي [إليه] (5)على الآلة، فقال: إِلَيَّ يَدَكَ و لما كان الثاني غير حريص على ذلك، لأنه نفاه عنه، قدّم الآلة فقال: يَدِيَ إِلَيْكَ ؛و يدل لهذا أنه عبّر عن (6)الأول بالفعل و في الثاني بالاسم.
و يؤيد ذلك أيضا قوله [تعالى] في سورة الممتحنة: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [وَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ] (7)(الممتحنة:2)؛ لأنه لمّا نسبهم للتعدي (8)الزائد قدّم ذكر المبسوط [إليهم] (9)على الآلة؛ و ذلك الجواب السابق لا يمكن في هذه الآية.
و مثله قوله [تعالى]: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (النجم:31)؛ مقتضى الصناعة أن يؤتى بالتجنيس للازدواج في صدر الآية،ة.
كما أتي به في عجزها، لكن منعه توخّي الأدب و التهذيب في نظم الكلام؛ و ذلك أنه لما كان الضمير الذي في «يجزي» عائدا على اللّه سبحانه، وجب أن يعدل عن لفظ المعنى الخاصّ إلى رديفه، حتى لا تنسب السيئة إليه (1)سبحانه، فقال في موضع السيئة بِما عَمِلُوا فعوض عن تجنيس المزاوجة بالإرداف لما فيه من الأدب مع اللّه بخلاف قوله: وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها (الشورى:40)، فإن هذا المحذور منه مفقود، فجرى (2)الكلام على مقتضى الصناعة.
و منه قوله تعالى: وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (النجم:49)؛ فإنّه سبحانه خصّ الشّعرى بالذّكر دون غيرها من النجوم؛ و هو ربّ كلّ شيء، لأن العرب ظهر فيهم رجل يعرف بابن أبي كبشة (3)
(4-4) ليست في المخطوطة.
عبد الشّعرى، و دعا خلقا إلى عبادتها.و قوله [تعالى]: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (الإسراء:44)، و لم يقل:«لا تعلمون» لما في الفقه من الزيادة على العلم.
و قوله حكاية عن إبراهيم: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ (مريم:
فما يوجع الحرمان من كفّ حازم كما يوجع الحرمان من كفّ رازق
و منه قوله تعالى: وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ 4[ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (الأنعام:10) فإنه قد يقال: ما الحكمة في التعبير بالسخرية دون الاستهزاء؟ و هلاّ قيل:«فحاق بالذين استهزءوا بهم»] (4)ليطابق ما قبله؟ة.
1) عبارة المخطوطة (حتى لا تنسب السيئة إلى اللّه تعالى سبحانه).
2) عبارة المخطوطة (في الكلام).
3) كذا في المطبوعة و المخطوطة، و لكن قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 119/17 (أول من عبده أبو كبشة، أحد أجداد النبي صلّى اللّه عليه و سلّم من قبل أمهاته، و لذلك كان مشركو قريش يسمون النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ابن أبي كبشة)، فالصواب أنه «أبو كبشة».
و الجواب أن الاستهزاء هو إسماع الإساءة، و السخرية قد تكون في النفس [غير ممنوع] (1)
(2-2) عبارة المخطوطة في الموضعين (تقول).
(4-4) ليست في المخطوطة.
و لهذا يقولون (2):سخرت منه كما يقولون (2):عجبت منه؛ و لا يقال: تجنّب ذلك [لما في ذلك] (4)من تكرار الاستهزاء [ثلاث] (4)مرات؛ لأنه قد كرر السخرية ثلاثا في قوله تعالى:إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (هود:38)، و إنما لم يقل:«نستهزئ بكم» لأن الاستهزاء ليس من فعل الأنبياء.
[232/ب] و أما قوله: اَللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (البقرة:15) فالعرب تسمي الجزاء على الفعل باسم الفعل، كقوله: نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ (التوبة:67)؛ و هو مجاز حسن؛ و أما الاستهزاء الذي نحن بصدده فهو استهزاء حقيقة، لا يرضى به إلا جاهل.
ثم قال سبحانه: فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ (الأنعام:10)، أي حاق بهم من اللّه الوعيد البالغ لهم على ألسنة الرسل ما كانوا به يستهزءون بألسنتهم، فنزّلت كلّ كلمة منزلتها.
و قوله [تعالى]: وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (البقرة:
إذا اجتمع الحمل على اللفظ و المعنى، بدئ باللفظ ثم بالمعنى، (7)[هذا هو الجادّة في القرآن، كقوله تعالى: وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا (البقرة:8)، أفرد أوّلا باعتبار اللفظ، ثم جمع ثانيا باعتبار المعنى] (7)،فقال: وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (البقرة:8) فعاد الضمير (7)[مجموعا؛ كقوله تعالى: وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللّهِ وَ يَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (الطلاق:11)، فعاد الضمير] (7)من «يدخله» مفردا على لفظ «من»،
(7-7) ليست في المخطوطة.
ثم قال:«خالدين» و هو حال من الضمير.
و قوله: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ (الأنعام:25).
و [قوله] (1): وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا (التوبة:
49).
و [قوله] (1): وَ مِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ [لَنَصَّدَّقَنَّ] 3...
(التوبة:75) إلى قوله: فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ (التوبة:76).
و قد يجري الكلام على أوله في الإفراد، كقوله تعالى: وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ... (البقرة:204) الآيتين، فكرر فيها ثمانية ضمائر، كلّها عائد على لفظ «من»، و لم يرجع منها شيء على معناها، مع أن المعنى على الكثرة.
و قد يقتصر على معناها في الجميع، كقوله تعالى في سورة يونس: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ (يونس:42). و ما ذكرنا من البداءة باللفظ عند الاجتماع هو الكثير، قال الشيخ علم الدين العراقي (1):و لم يجيء في القرآن البداءة بالحمل على المعنى إلا في موضع واحد؛ و هو قوله تعالى: وَ قالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَ مُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا (الأنعام:139) فأنث «خالصة» حملا على معنى «ما»، ثم راعى اللفظ فذكّر؛ و قال: وَ مُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا .
و اعترض بعض الفضلاء و قال: إنما يتمّ ما قاله من البداءة بالحمل على المعنى في ذلك؛ إذا كان الضمير الذي في الصّلة التي [هي] (2)في بطون هذه الأنعام يقدر مؤنثا؛ أما (3)إذا قدر مذكّرا فالبداءة إنما هو بالحمل على اللفظ.
و أجيب بأنّ اعتبار اللفظ و المعنى أمر يرجع إلى الأمور التقديرية؛ لأن اعتبار الأمرين أو).
أحدهما إنما يظهر في اللفظ؛ و إذا كان كذلك صدق أنّه إنما بدئ في الآية بالحمل على المعنى؛ فيتم كلام (1)العراقيّ.
و نقل الشيخ أبو حيان في «تفسيره» (2)عن ابن عصفور (3):أن الكوفيّين لا يجيزون الجمع بين الجملتين إلا بفاصل بينهما؛ و لم يعتبر البصريون الفاصل، قال: و لم يرد السماع إلا بالفاصل، كما ذهب إليه الكوفيون. و نازعه الشيخ أثير الدين (4)بقوله تعالى: وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى (البقرة:111)، و قال: أ لا تراه كيف جمع بين الجملتين دون فصل! انتهى.
و الذي ذكره ابن عصفور في «شرح المقرب» (5)[له] (6):شرط الكوفيون في جواز اعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى الفصل؛ فيجوّزون: من يقومون اليوم و ينظر في أمرنا إخوتنا، [و لا يجوّزون: من يقومون و ينظر في أمرنا إخوتنا؛] (7)لعدم الفصل، و إنما[233/أ] ورد السماع بالفصل. انتهى.
و هذا يقتضي أنّ الكوفيين لا يشترطون الفصل عند اجتماع الجملتين؛ إلا أن يقدّم اعتبار المعنى و يؤخّر اعتبار اللفظ كما في قوله تعالى: وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى (البقرة:111) إنما بدئ فيه بالحمل على اللفظ.
و قال ابن الحاجب (8):إذا حمل على اللفظ جاز الحمل بعده على المعنى؛ و إذا حمل على المعنى ضعف الحمل بعده على اللفظ؛ لأن المعنى أقوى، فلا يبعد الرجوع إليه بعد اعتبار اللفظ، و يضعف بعد اعتبار المعنى القويّ الرجوع إلى الأضعف (9).).
1) عبارة المخطوطة (بالحمل على معنى كلام العراقي).
2) انظر البحر المحيط 350/1 عند تفسير الآية(111) من سورة البقرة، و في 232/4 عند تفسير الآية(139) من سورة الأنعام، فقد ذكر قول شيخه علم الدين العراقي، الذي أورده الزركشي آنفا.
3) هو علي بن مؤمن تقدم التعريف به في 466/1.
4) هو محمد بن يوسف بن علي الغرناطي أثير الدين، أبو حيان الاندلسي صاحب «البحر المحيط» السابق ذكره.
5) حققه عبد الرحمن محمد العمار كرسالة ماجستير بجامعة الإمام محمد بن سعود كلية اللغة العربية بالرياض سنة 1401 ه/1981 م (النشرة الإخبارية 7/3).
6) ليست في المطبوعة.
7) ليست في المخطوطة.
8) هو عثمان بن عمر بن أبي بكر تقدم التعريف به في 466/1.
9) عبارة المخطوطة (الرجوع إلى ضعف).
و هذا معترض بأن الاستقراء دلّ على أن اعتبار اللفظ أكثر من اعتبار المعنى، و كثرة موارده تدل على قوله؛ و أما العود إلى اللفظ بعد اعتبار المعنى فقد ورد به (1)التنزيل، كما ورد باعتبار المعنى بعد اعتبار اللفظ، فثبت أنه يجوز الحمل على كل واحد منهما، بعد الآخر من غير ضعف.
و أما قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صالِحاً [نُؤْتِها] (2)(الأحزاب:31) فقرأه الجماعة بتذكير «يقنت» حملا على لفظ «من» في التذكير «و تعمل» بالتأنيث، حملا على معناها؛ لأنها للمؤنث. و قرأ حمزة و الكسائي «يعمل» (3)بالتذكير فيهما حملا على لفظها رعاية للمناسبة في المتعاطفين. و توجيه الجماعة أنّه لما تقدم على الثاني صريح التأنيث في «منكنّ» حسن الحمل على المعنى.
و قال أبو الفتح في «المحتسب» (4):لا يجوز مراجعة اللفظ بعد انصرافه عنه إلى المعنى. و قد يورد عليه قوله: وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ* وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (الزخرف:36-37) ثم قال:
حَتّى إِذا جاءَنا (الزخرف:38)، فقد راجع (5)اللفظ بعد الانصراف عنه إلى المعنى؛ إلا أن يقال: إن الضمير في «جاء» يرجع إلى الكافر لدلالة السياق عليه؛ لا إلى «من».
و منه الفرق بين «أسقى» و «سقى» بغير همز؛ لما [لا] (6)كلفة معه في السقيا؛ و منه قوله تعالى: وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (الدهر:21) فأخبر أن السقيا في الآخرة لا يقع فيها كلفة، بل جميع ما يقع فيها من الملاذّ يقع فرصة و عفوا، بخلاف «أسقى» بالهمزة،ة.
1) في المخطوطة (بها).
2) ليست في المطبوعة.
3) قال البنا في إتحاف فضلاء البشر ص 355 عند سورة الأحزاب:(و اختلف في و يعمل صالحا نؤتها فحمزة و الكسائي و خلف بياء التذكير فيهما، على إسناد الأول إلى لفظ «من»، و الثاني لضمير الجلالة لتقدمها و وافقهم الأعمش؛ و الباقون بتاء التأنيث في «يعمل» على إسناده لمعنى «من» و هن النساء).
4) انظر «المحتسب» لابن جني 179/2 عند سورة الأحزاب، و لكن نص هذه العبارة أقرب ما يكون من عبارة «الخصائص» له 420/2 فصل في الحمل على المعنى، و قد تقدم التعريف «بالمحتسب» في 481/1.
5) في المخطوطة (فراجع).
6) ليست في المخطوطة.
فإنه لا بدّ فيه من الكلفة بالنسبة للمخاطبين (1)كقوله تعالى: وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (المرسلات:27)، لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (الجن:16)، لأن الإسقاء في الدنيا لا يخلو من الكلفة أبدا.
و [منه] (2)قوله تعالى: وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (الحجر:19)، قال أبو مسلم (3)محمد بن بحر الأصبهاني في «تفسيره» (4)إنما خصّ الموزون بالذكر دون المكيل، لأمرين:
أحدهما: أن غاية المكيل ينتهي إلى الموزون، لأن سائر المكيلات إذا صارت قطعا دخلت في باب الموزون و خرجت عن المكيل، فكان الوزن أعمّ من المكيل.
و الثاني: أن في الموزون معنى المكيل؛ لأن الوزن هو طلب مساواة الشيء بالشيء و مقايسته و تعديله به، و هذا المعنى ثابت في المكيل، فخصّ الوزن بالذكر لاشتماله على معنى المكيل.
و قال الشريف المرتضى في «الغرر» (5):هذا خلاف المقصود؛ بل المراد بالموزون القدر (6)الواقع بحسب الحاجة، فلا يكون ناقصا عنها و لا زائدا عليها زيادة مضرّة.
و منه قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً (العنكبوت:14)، فذكر في مدة اللّبث السنة، و في الانفصال العام؛ للإشارة إلى (7)أنه كان في شدائد في مدته كلّها،).
1) عبارة المخطوطة (إلى المخاطبين).
2) ليست في المخطوطة.
3) تصحفت كنيته في المطبوعة إلى (أبو سلمة)، و في المخطوطة (أبو مسلمة) تقدم التعريف به في 377/2.
4) ذكره ياقوت في معجم الأدباء 36/18 فقال (و له من الكتب: كتاب «جامع التأويل لمحكم التنزيل» على مذهب المعتزلة أربعة عشر مجلدا)، و قد طبع قسم منه باسم «ملتقط جامع التأويل لمحكم التنزيل» عنى بترتيبه سعيد الأنصاري كلكتا 1348 ه/1929 م (معجم الدراسات القرآنية ص 591).
5) هو علي بن الحسين بن موسى تقدم التعريف به في 124/3، و كتابه «غرر الفوائد و درر القلائد» المعروف «بأمالي المرتضى» طبع في الهند سنة 1272 ه/1855 م، ثم طبع في القاهرة مطبعة السعادة سنة 1325 ه/1907 م (معجم سركيس:1124)، ثم طبع في القاهرة بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم مطبعة عيسى البابي الحلبي سنة 1374 ه/1954 م (معجم المنجد 81/1)، ثم صورته دار الكتاب العربي عن طبعة محمد أبو الفضل إبراهيم سنة 1400 ه/1980 م.
6) في المخطوطة (المقدار).
7) في المخطوطة (إلا أنه).
إلا خمسين عاما قد جاءه الفرج و الغوث؛ فإن السّنة تستعمل غالبا في موضع الجدب؛ و لهذا سمّوا شدة القحط سنة.
قال السّهيليّ (1):و يجوز أن يكون اللّه سبحانه قد علم أن عمره كان ألفا؛ إلا أن الخمسين منها كانت أعواما، فيكون (2)عمره ألف[233/ب] سنة ينقص منها ما بين السنين الشمسية و القمرية في الخمسين خاصة؛ لأن الخمسين عاما بحسب الأهلّة أقل من خمسين سنة شمسية، بنحو [من] (3)عام و نصف.
و ابن على هذا المعنى قوله: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (المعارج:4) و قوله: أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (السجدة:5)؛ فإنه كلام ورد في موضع التكثير و التتميم بمدّة ذلك اليوم، و السنة أطول من العام.
نحو الحوقلة و البسملة، جعله ابن الزملكاني (4)من نظوم القرآن، و مثّله بقوله: وَ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً (النساء:79)، قال: و كفى (5)،من كفيته الشيء؛ و لم يجيء للعرب كفيته بالشيء، فجعل بين الفعلين الفعل المذكور؛ و هو متعدّ، و خصّ من الفعل اللازم و هو اكتفيت به، بالباء، و كذلك انتصب «شهيدا» على التمييز أو الحال؛ كأنه قيل: كفى باللّه [فاكتف به] (6)،فاجتمع فيه الخبر و الأمر.
من كلامهم إبدال الحروف، و إقامة بعضها مقام بعض؛ يقولون: مدحه و مدهه، و هو كثير، ألف فيه المصنفون، و جعل منه ابن فارس (7)«قوله تعالى: فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ
1) هو أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أحمد تقدم التعريف به في 242/1.
2) عبارة المخطوطة (مكان ألفا إلا خمسين منها كانت أعواما، فكان عمره ألف، ينقص منها...).
3) ليست في المطبوعة.
4) هو عبد الواحد بن عبد الكريم تقدم التعريف به في 135/1.
5) في المخطوطة (كيف من كفيته).
6) ليست في المخطوطة.
7) هو أحمد بن فارس بن زكريا تقدم التعريف به في 191/1 و انظر قوله في كتابه «الصاحبي» ص 173 باب الإبدال.
كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (الشعراء:63)، فقال: فالراء و اللام متعاقبان، كما تقول العرب: فلق الصبح و فرقه. قال: و ذكر عن الخليل-و لم أسمعه سماعا-أنه قال في قوله تعالى: فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ (الاسراء:5)، [إنما أراد «فحاسوا»] (1)فقامت الجيم مقام الحاء.
قال ابن فارس: و ما أحسب الخليل قال هذا، و لا أحقّه عنه».
قلت: ذكر ابن جني في «المحتسب» (2):«أنها قراءة أبي السّمال (3)،و قال: قال أبو زيد (4)-أو غيره: قلت له: إنما هو «فجاسوا»، فقال: حاسوا و جاسوا واحد. و هذا يدل على أنّ بعض القراء يتخير بلا رواية! و لذلك نظائر». انتهى.
و هذا الذي قاله ابن جني غير مستقيم، و لا يحلّ لأحد أن يقرأ إلا بالرواية. و قوله:«إنهما بمعنى واحد» لا يوجب القراءة بغير الرواية كما ظنه أبو الفتح و قائل ذلك، و القارئ به هو أبو السّوّار الغنويّ لا أبو السّمال فاعلم ذلك. كذلك أسنده الحافظ أبو عمرو الداني (5)،فقال:
حدثنا المازنيّ، قال: سألت أبا السّوار الغنوي، فقرأ:«فحاسوا» بالحاء غير الجيم، فقلت:
إنما هو «فجاسوا» قال: حاسوا و جاسوا واحد، يعني أن اللفظين بمعنى واحد؛ و إن كان أراد أن القراءة بذلك تجوز في الصلاة، و الغرض كما جازت بالأولى، فقد غلط في ذلك و أساء (6).
389/3 و زعم الفارسيّ في «تذكرته» (7)في قوله: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ (ص:32)، أنه2.
1) ساقطة من المخطوطة.
2) انظر «المحتسب»15/2 سورة بني إسرائيل، و «البحر المحيط» لأبي حيان 10/6 سورة الإسراء.
3) قعنب بن أبي قعنب أبو السّمّال بفتح السين و تشديد الميم و باللام العدوي البصري، له اختيار في القراءة شاذ عن العامة رواه عنه أبو زيد، سعيد بن أوس، و أسند الهذلي قراءة أبي السمال عن هشام البربري عن عباد بن راشد عن الحسن عن سمرة عن عمر، و هذا سند لا يصح.(ابن الجزري، غاية النهاية 27/2)، و عبارة المطبوعة (قراءة أبو السّمّال).
4) هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري تقدم التعريف به في 470/1.
5) هو عثمان بن سعيد تقدم التعريف به في 149/1.
6) و انظر لابن خالويه «مختصر في شواذ القرآن» ص 75 شواذ سورة الإسراء حيث قال(«فحاشوا خلال الديار» بالحاء و الشين أبو السّمّال،«فجوّسوا خلال الديار» بتشديد الواو في بعض المصاحف)، و قال الزمخشري في «الكشاف»352/2 (و قرأ طلحة «فحاسوا» بالحاء، و قرئ «فجوّسوا»)، و قال القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن»216/10 (و قرأ ابن عباس «حاسوا» بالحاء المهملة)، فهذه القراءة من الشواذ حيث لم يوردها البنا في «إتحاف فضلاء البشر» و عن حكم القراءة بالشواذ في الصلاة انظر ما ذكره الزركشي سابقا في 481/1.
7) هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار أبو علي الفارسي تقدم التعريف به في 375/1، و تقدم التعريف بكتابه «التذكرة» في 394/2.
بمعنى حبّ الخيل؛ و سميت الخيل خيرا لما يتصل بها من العز و المنعة كما روي:«الخيل معقود بنواصيها الخير» (1)،و حينئذ فالمصدر مضاف إلى المفعول به.
و قيل في قوله تعالى: وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ (الحجر:22): إن أصله «ملاقح»، لأنه يقال: ألقحت الريح السحاب، أي جمعته، و كل هذا تفسير معنى، و إلا فالواجب صون القرآن أن يقال فيه مثل ذلك.
و ذكر أبو عبيدة (2)في قوله: إِلاّ مُكاءً وَ تَصْدِيَةً (الأنفال:35)، معناه «تصددة»، فأخرج الدال الثانية ياء لكسرة الدال الأولى، كما حكاه صاحب «الترقيص» (3).
و حكي عن أبي رياش في قول امرئ القيس (4):
فسلّي ثيابي من ثيابك تنسلي
معناه «تنسلل» فأخرج اللام الثانية ياء لكسرة اللام الأولى؛ و مثله قول الآخر:
و إنّي لأستنعي و ما بي نعسة لعلّ خيالا منك يلقى خياليا (5)
أراد[234/أ] أستنعس؛ فأخرج السين ياء.».
1) في المخطوطة (الخير معقود بنواصي الخيل)، و نص الحديث كما هو في المطبوعة، أخرجه من رواية جرير بن عبد اللّه رضي اللّه عنه، مسلم في الصحيح 1493/3 كتاب الإمارة(33)، باب الخيل في نواصيها الخير... (26)، الحديث(1872/97).
2) هو معمر بن المثنى تقدم التعريف به في 383/1، و انظر كتابه «مجاز القرآن»246/1 سورة الأنفال، و لم نجد عبارة الزركشي عنده، و لعل صاحب «الترقيص» تصرف في العبارة و نقل عنه الزركشي
3) هو محمد بن المعلى بن عبد اللّه الأزدي النحوي أبو عبد اللّه، روى عن الفضل بن سهل و أبي كثير الأعرابي، و له «شرح ديوان تميم بن مقبل و غير ذلك»(ياقوت، معجم الأدباء 55/19)، و كتابه «الترقيص» ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون 401/1.
4) عجز بيت من ديوان امرئ القيس ص 37 و صدره: و إن تك قد ساءتك مني خليقة...، و هو من معلقته و مطلعها: قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل أما أبو رياش فهو أحمد بن إبراهيم الشيباني اللغوي من أهل اليمامة، روى عن مشايخ زمانه بالبصرة، و كان فصيح اللسان روى عنه عبد السلام البصري و طبقته ت(339 ه)(القفطي إنباء الرواة 60/1).
5) البيت للمجنون، ذكره الجرجاني في أسرار البلاغة ص 259 فصل و هذا نوع آخر في التعليل، و فيه «و إني لأستغشي».
و قال الفارسيّ في «التذكرة»: قرأ الحسن (1)-أو من قرأ له-قوله تعالى: فيما حكى عن يعقوب (2)
(3-3) ليست في المطبوعة.
في القلب و الإبدال: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ (الأنعام:145)، «غير 390/3 عائد»، و استحسنه الفارسي ألاّ يعود إليه كما يعود في حال السعة من العشاء إلى الغداء.و قيل في قوله تعالى: وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَناتٍ [بِغَيْرِ عِلْمٍ] (3) (الأنعام:100): إنّ خرقه و اخترقه، و خلقه، و اختلقه بمعنى [واحد] (3)؛هو قول أهل الكتابين في المسيح و عزير (3)،و قول قريش في الملائكة.
و جوّز الزمخشري كونه (4)من خرق الثوب؛ إذا شقّه أي أنهم اشتقوا له بنين و بنات.
391/3
ذكره ابن فارس (5)،و حقيقته أن يؤتى باللفظ على وزن الآخر لأجل انضمامه (6)إليه؛ و إن كان لا يجوز فيه ذلك لو استعمل منفردا؛ كقولهم: أتيته الغدايا و العشايا، فقالوا: الغدايا لانضمامها إلى العشايا.
قيل: و من هذا كتابة المصحف، كتبوا: وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى (الضحى:2) بالياء؛ و هو من ذوات الواو (7)لما قرن بغيره مما يكتب بالياء.
و منه قوله تعالى: لَسَلَّطَهُمْ [عَلَيْكُمْ] (8)(النساء:90) فاللام التي [في] (9)لَسَلَّطَهُمْ جواب لَوْ .ثم قال: فَلَقاتَلُوكُمْ فهذه حوذيت بتلك اللام؛ و إلا فالمعنى: لسلّطهم عليكم فقاتلوكم (10).
1) عبارة المطبوعة (قرأ أبو الحسن) و الصواب ما أثبتناه من المخطوطة، و هو الحسن البصري.
2) هو يعقوب بن إسحاق الحضرمي أبو محمد المقرئ تقدم التعريف به في 470/1.
3) عبارة المخطوطة (في العزير و المسيح)، و الإشارة هنا إلى قوله تعالى في سورة التوبة وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَ قالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ... الآية(30) و انظر في قصة العزير تفسير ابن كثير 361/2-362.
4) انظر الكشاف 31/2 عند تفسير الآية(100) من سورة الأنعام.
5) هو أحمد بن فارس و انظر قوله في كتابه «الصاحبي» ص 195-196 باب المحاذاة.
6) عبارة المخطوطة (بانضمامه).
7) في المخطوطة (من ذوات الياء) و الصواب ما في المطبوعة.
8) ليست في المطبوعة.
9) ليست في المخطوطة.
10) في المخطوطة (فلقاتلوكم) و الصواب ما في المطبوعة.
و مثله: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ (النمل:21) فهما لا ما قسم-ثم قال:
أَوْ لَيَأْتِيَنِّي [بِسُلْطانٍ مُبِينٍ] (1)،فليس ذا موضع قسم؛ لأنه حذر (2)الهدهد؛ فلم يكن ليقسم على الهدهد أن يأتي بعذر، لكنه لما جاء به على أثر ما يجوز فيه القسم أجراه مجراه.
و منه الجزاء على (3)الفعل بمثل لفظه نحو: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ* اَللّهُ يَسْتَهْزِئُ 392/3 بِهِمْ (البقرة:14-15) أي مجازيهم جزاء الاستهزاء.
و قوله: وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللّهُ (آل عمران:54) فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ (التوبة:79). وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها (الشورى:40).
قد تقدّم في شرح معاني الكلام جمل من قواعده؛ و نذكر هاهنا زيادات.
اعلم أنّ نفي الذات الموصوفة قد يكون نفيا للصفة دون الذات، و قد يكون نفيا للذات.
و انتفاء النهي (4)عن الذات الموصوفة قد يكون نهيا عن الذات، و قد يكون نهيا عن الصفة دون الذوات، قال اللّه تعالى: وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ (الإسراء:33)، فإنه نهى عن القتل بغير الحق. و قال [تعالى]: وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ (الأنعام:
151).
و من الثاني قوله: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ (المائدة:95)، وَ لا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران:102)، أي فلا يكون موتكم إلا على حال كونكم ميّتين على الإسلام، فالنهي في الحقيقة [عن كونهم] (5)على خلاف حال الإسلام؛ كقول القائل: لا تصلّ إلا و أنت خاشع، فإنه ليس نهيا عن [الصلاة، بل عن] (6)ترك الخشوع.
و قوله: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى... (النساء:43) الآية.
و قد ذكروا أن النفي بحسب ما يتسلّط عليه يكون أربعة أقسام:
الأول: بنفي المسند نحو، ما قام زيد بل قعد، و منه قوله تعالى: لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً (البقرة:273) فالمراد نفي السؤال من أصله؛ لأنهم متعفّفون؛ و يلزم من نفيه نفي الإلحاف.
الثاني: أن ينفى المسند إليه، فينتفي المسند، نحو ما قام زيد [إذا كان زيد غير موجود؛ لأنه يلزم من عدم زيد] (1)نفي القيام. و منه قوله تعالى: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ (المدثر:48)، أي لا شافعين لهم فتنفعهم شفاعتهم.
و منه قول الشاعر (2):
على لاحب لا يهتدى بمناره (3)
أي: على طريق لا منار له، فيهتدى به؛ و لم يكن مراده أن يثبت المنار فينتفي الاهتداء به.
الثالث: أن ينفى المتعلق دون المسند[234/ب] و المسند إليه، نحو ما ضربت زيدا بل عمرا.
الرابع: أن ينفى قيد المسند إليه أو المتعلق؛ نحو ما جاءني رجل كاتب بل شاعر، و ما رأيت رجلا كاتبا بل شاعرا؛ فلما كان النفي قد ينصبّ على المسند و قد ينصبّ على المسند إليه أو المتعلق، و قد ينصبّ على القيد احتمل في قولنا: ما رأيت رجلا كاتبا. أن يكون المنفيّ هو القيد؛ فيفيد الكلام رؤية غير الكاتب (4)و هو احتمال مرجوح؛ و لا يكون (5)المنفيّ المسند؛ أي الفعل، بمعنى أنه لم يقع منه رؤية عليه؛ لا على رجل و لا على غيره؛ و هو في المرجوحية كالذي قبله.
لأنه عدم كمال وصفه أو لانتفاء ثمرته، كقوله تعالى في صفة أهل النار: لا يَمُوتُ فِيها
1) ليست في المخطوطة.
2) صدر بيت لامرئ القيس عجزه: إذا سافه العود النّباطي جرجرا. انظر ديوانه ص 95 من قصيدة مطلعها: سما لك شوق بعد ما كان أقصرا*و حلّق سليمى بطن قوٍّ فعرعرا
3) في المطبوعة (لمناره) و ما أثبتناه من المخطوطة و الديوان.
4) في المخطوطة هنا زيادة هي (للمفهوم، و هذا الاحتمال راجح أن يكون المنفي الواقع عليه الفعل و هو الرجل، و يلزم من ذلك انتفاء رؤية الكاتب)
5) في المخطوطة (و أن يكون).
وَ لا يَحْيى (طه:74) فنفى عنه الموت، لأنه ليس بموت صريح، و نفى عنه الحياة، لأنها ليست بحياة طيبة و لا نافعة، كقوله تعالى: وَ تَرَى النّاسَ سُكارى وَ ما هُمْ بِسُكارى (الحج:
و قوله: لا يَنْطِقُونَ* وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (المرسلات:35-36)، و هم قد نطقوا بقولهم: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا (الأنعام:27)، و لكنهم لما نطقوا بما لم ينفع فكأنهم لم ينطقوا.
و قوله: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها (الأعراف:179).
و قوله: لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (الملك:10).
و [منه] (1)قوله: وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ (الأعراف:198)، فإنّ المعتزلة احتجوا [به] (1)على نفي الرؤية، لأنّ النظر لا يستلزم الإبصار، و لا يلزم من قوله: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (القيامة:23) إبصار.
و هذا وهم، لأن الرؤية تقال (1)
(4-4) ليست في المطبوعة.
على أمرين: أحدهما الحسبان [كقوله: وَ تَرَى النّاسَ سُكارى وَ ما هُمْ بِسُكارى (الحج:2) أي تحسبهم] (4)،الثاني العلم،[ ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى (غافر:و منه: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ (التوبة:12).
و منه قوله تعالى: وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (البقرة:102)؛ فإنّه وصفهم أولا بالعلم على سبيل التوكيد القسميّ، ثم نفاه أخيرا عنهم لعدم جريهم على موجب العلم؛ كذا قاله السكاكي (3)و غيره.
و قد يقال: لم يتوارد النفي و الإثبات على محلّ واحد، لأنّ المثبت أولا نفس العلم، و المنفي إجراء (4)العمل بمقتضاه، و يحتمل حذف المفعولين أو اختلاف أصحاب الضميرين.).
قال: و نظيره في النفي و الإثبات قوله: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللّهَ رَمى (الأنفال:17).
قلت: المنفيّ أولا التأثير، و المثبت ثانيا نفس الفعل.
و من هذه القاعدة يزول الإشكال في قوله: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ (المائدة:67) و المعنى: إن لم تفعل بمقتضى ما بلغت فأنت في حكم غير المبلّغ، كقولك لطالب العلم إن لم تعمل بما علمت فأنت لم تعلم شيئا، أي في حكم من لم يعلم.
*** و منه نفي الشيء مقيدا و المراد نفيه مطلقا؛ و هذا من أساليب العرب يقصدون به المبالغة في النفي و تأكيده، كقولهم: فلان لا يرجى خيره، ليس المراد أن فيه خيرا لا يرجى، [و إنما] (1) غرضهم أنه (1)لا خير فيه على وجه من الوجوه.
و منه: وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ (آل عمران:21) فإنه يدلّ أنّ قتلهم لا يكون إلا بغير حقّ، ثم وصف القتل بما لا بد أن يكون [عليه] (1)من الصفة،[235/أ] و هي وقوعه (2)على خلاف الحق.
و كذلك قوله: وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ (المؤمنون:117) إنها وصف لهذا الدعاء، و أنه لا يكون إلا [عن] (3)غير برهان.
و قوله: وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ (البقرة:41)، تغليظ و تأكيد في تحذيرهم الكفر.
و قوله: وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً (البقرة:41)؛ لأنّ كلّ ثمن لها لا يكون إلا قليلا، فصار نفي الثمن القليل نفيا لكل ثمن.
و قوله تعالى: لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً (البقرة:273)، فإنّ ظاهره نفي الإلحاف في المسألة، و الحقيقة نفي المسألة البتة؛ و عليه أكثر المفسرين، بدليل قوله: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ (البقرة:273)، و من لا يسأل لا يلحف قطعا؛ ضرورة أنّ نفي الأعمّ يستلزم نفي الأخصّ.ة.
و مثله قوله: ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لا شَفِيعٍ [يُطاعُ] (1)(غافر:18)، ليس المراد نفي الشفيع بقيد الطاعة؛ بل نفيه مطلقا؛ و إنما قيّده بذلك لوجوه:
أحدها: أنه تنكيل بالكفار؛ لأنّ أحدا لا يشفع إلا بإذنه؛ و إذا شفّع يشفّع، لكن الشفاعة مختصّة بالمؤمنين، فكان نفي الشفيع المطاع تنبيها على حصوله لأضدادهم؛ كقولك لمن يناظر شخصا ذا صديق نافع: لقد حدّثت صديقا نافعا، و إنما تريد التنويه بما حصل لغيره، لأنّ له صديقا و لم ينفع.
الثاني: أنّ الوصف اللازم للموصوف ليس بلازم أن يكون للتقييد؛ بل بدل الأعراض (2)من تحسينه أو تقبيحه، نحو: له مال يتمتع به، و قوله تعالى: وَ ما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها (سبأ:44) وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (البقرة:174).
الثالث: قد يكون الشفيع غير مطاع في بعض الشفاعات، و قد ورد في بعض الحديث ما يوهم صورة الشفاعة من غير إجابة، كحديث الخليل مع والده يوم القيامة (3)و إنما دلّ على التلازم دليل الشرع.
و قوله: وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ (الإسراء:111) أي [من] (4)خوف الذلّ، فنفى الوليّ لانتفاء خوف الذلّ؛ فإن اتخاذ الوليّ فرع عن خوف الذل و سبب عنه.
و قوله [تعالى]: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ (البقرة:255)، نفى الغلبة؛ و المراد نفي أصل النوم [لا النوم] (5)و السّنة عن ذاته؛ ففي الآية التصريح بنفي النوم وقوعا و جوازا، أمّاة.
1) ليست في المخطوطة.
2) في المطبوعة (بل يدلّ لأغراض).
3) إشارة إلى حديث أخرجه البخاري في الصحيح 387/6 كتاب الأنبياء(60)، باب قول اللّه تعالى وَ اتَّخَذَ اللّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (النساء:165)...، الحديث(3350) و نصّه: عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة و على وجه آزر قترة و غيرة، فيقول له إبراهيم: أ لم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إنّك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأيّ خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول اللّه تعالى: إني حرّمت الجنة على الكافرين. ثمّ يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك، فينظر فاذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار» و الذيخ: ذكر الضباع، و أراد بالتلطخ: برجيعة أو بالطين.
4) ليست في المخطوطة.
5) ليست في المطبوعة.
وقوعا فبقوله: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ (البقرة:255)، و أما جوازا فبقوله: اَلْقَيُّومُ ، و قد جمعهما قوله صلّى اللّه عليه و سلّم:«إن اللّه لا ينام و لا ينبغي له أن ينام» (1).
(2) [و قوله: قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللّهَ بِما لا يَعْلَمُ (يونس:18)؛ أي بما لا وجود له، لأنه لو وجد لعلمه موجودا لوجوب (2)
(2-2) ليست في المخطوطة.
تعلق علم اللّه تعالى بكل معلوم] (2).و قوله تعالى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ (آل عمران:90)، على قول من نفى القبول لانتفاء سببه، و هو التوبة، لا يوجد توبة فيوجد قبول.
و عكسه: وَ ما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ (الأعراف:102)، فإنّه نفي لوجدان العهد؛ لانتفاء سببه، و هو الوفاء بالعهد.
[و قوله] (2)ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ (يوسف:40)، أي من حجّة، أي لا حجة عليها، فيستحيل إذن أن ينزل بها حجة. و نظيره من السنة قوله صلّى اللّه عليه و سلّم:«الدجّال أعور و اللّه ليس بأعور» (3)،أي بذي جوارح كوامل بتخيل [له أن له] (4)جوارح نواقص.
و نظيره قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي (الكهف:109) ليس المراد أن كلمات اللّه تنفد بعد نفاد البحر؛ بل لا تنفد أبدا، لا قبل نفاد البحر و لا بعده. و حاصل الكلام: لنفد البحر و لا تنفد كلمات ربي.
و وقع في شعر جرير قوله (5):له
1) أخرجه من رواية أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه، مسلم في الصحيح 162/1 كتاب الإيمان(1)، باب في قوله عليه السلام: إن اللّه لا ينام... (79)، الحديث(179/293).
2) العبارة في المطبوعة (بوجود الوجوب، تعلق علم اللّه...) و الصواب ما أثبتناه من المخطوطة.
3) متفق عليه من رواية عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما، أخرجه البخاري في الصحيح 389/13 كتاب التوحيد(97)، باب قول اللّه تعالى وَ لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (طه:39)(17)، الحديث(7407)، و مسلم في الصحيح 2247/4 كتاب الفتن(52)، باب ذكر الدجال و صفته(20)، الحديث (169/100) و لفظه:«إن اللّه تعالى ليس بأعور، ألا و إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى».
4) ليست في المطبوعة.
5) البيت في ديوانه ص 385 (طبعة دار صادر) من قصيدة مطلعها: أ لم تر أنّ الجهل أقصر باطله و أمسى عماء قد تجلّت مخايله
فيا لك (1)يوما خيره قبل شرّه تغيّب واشيه و أقصر عاذله
قال الأصمعيّ: أنشدته (2)كذلك لخلف الأحمر (3)،فقال: أصلحه:
فيا لك[235/ب] يوما (4)خيره دون شرّه
فإنه لا خير لخير (5)بعده شر، و ما زال العلماء يصلحون أشعار العرب، قال الأصمعيّ:
فقلت: و اللّه لا أرويه أبدا إلا كما أوصيتني (6).
نقل ابن رشيق هذه الحكاية في «العمدة» و صوّبها (7)!.ه-
1) في الديوان (و ذلك يوم).
2) تصحفت في المخطوطة إلى (أشبه).
3) هو خلف الأحمر بن حيان بن محرز، أحد رواة الغريب و اللغة و الشعر و نقّاده و العلماء به، و هو أحد الشعراء المحسنين. و كان يبلغ من حذقه و اقتداره على الشعر أن يشبه شعره بشعر القدماء، و وصفه العلماء بعلم الشعر. و كان قد تعبّد في آخر عمره. و كان أبو نواس تلميذا له، و يفتخر به. من مصنفاته «جبال العرب» توفي في حدود(180). (القفطي، إنباه الرواة،383/1).
4) تصحفت في المخطوطة إلى (ذلك يوم).
5) تصحفت العبارة في المخطوطة إلى (فإنه لا خير دون خير بعده شر).
6) الخبر ذكره المرزباني في «المرشح» ص 125.
7) هو الحسن بن رشيق القيرواني، الفاضل الأديب، الجليل القدر. ولد سنة(370). قرأ الأدب بالمحمّديّة، و قال الشعر قبل أن يبلغ الحلم، رحل إلى القيروان و عمره ست عشرة سنة و امتدح بها. و له من التصانيف «العمدة في محاسن الشعر و آدابه»، اشتمل من هذا النوع على ما لم يشتمل عليه تصنيف من نوعه. و له كتاب «الشذوذ» و غيرها. توفي سنة(450). (القفطي، إنباه الرواة 333/1). و كتابه «العمدة في محاسن الشعر و آدابه» طبع في تونس سنة 1283 ه/1865 م، و طبع في القاهرة بمطبعة السعادة بتصحيح محمد بدر النعساني سنة 1326 ه/1907 م، و طبع بالقاهرة بعناية أمين هندية مطبعة السعادة سنة 1344 ه/1925 م، و طبع بتحقيق محيي الدين عبد الحميد الطبعة الأولى بالمطبعة التجارية سنة 1353 ه/1934 م، و الثانية سنة 1374 ه/1955 م، و الثالثة في المكتبة التجارية سنة 1382 ه/1963 م، و الطبعة الرابعة في بيروت دار الجيل سنة 1393 ه/1974، و طبع في بيروت بتحقيق مفيد قميحة دار الكتب العلمية سنة 1403 ه 1983 م، ثم طبع أخيرا في بيروت بتحقيق محمد قرقزان دار المعرفة سنة 1408 ه/1988 م، و قد ساق ابن رشيق قصة الأصمعي مع خلف في «العمدة» 985/2-986 باب في أغاليط الشعراء و الرواة(91)، و هذا نصها: (قال الأصمعي: قرأت على أبي محرز خلف بن حيان الأحمر شعر جرير، فلما بلغت إلى قوله: و ليل كإبهام الحبارى محبّب إليّ هواه غالب لي باطله-
قال ابن المنير (1):و وقع لي (2)أن الأصمعيّ و خلف الأحمر و ابن رشيق أخطئوا جميعا و أصاب جرير وحده؛ لأنه لم يرد إلا «فيا لك يوم خير لا شر فيه»، و أطلق «قبل» للنفي كما قلناها، في قوله تعالى: لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي (الكهف:109)، و قوله تعالى: اَللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها (الرعد:2) و قوله: أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها (الأعراف:195)؛ فإنّ ظاهره نفي هذه الجوارح، و الحقيقة توجب نفي الإله (3)عمّن [يكون له فضلا عمّن] (4)لا يكون له.
و قوله: وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (لقمان:15)، فالمراد لا ذاك و لا علمك به؛ أي كلاهما غير ثابت.
و قوله: بِما أَشْرَكُوا بِاللّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً (آل عمران:151)؛ أي شركاء لاة.
ثبوت لها أصلا، و لا أنزل اللّه بإشراكها حجة [أي تلك] (1)،و إنزال الحجة كلاهما منتف.
و قوله: أَ تُنَبِّئُونَ اللّهَ بِما لا يَعْلَمُ (يونس:18)، أي ما لا ثبوت له و لا علم اللّه متعلقا به؛ نفيا للملزوم و هو النيابة بنفي لازمه، و هو وجوب كونه معلوما للعالم بالذات، لو كان [له] (2)
(3-3) ليست في المخطوطة.
(5-5) ليست في المخطوطة.
ثبوت، بأي اعتبار كان.و قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ (آل عمران:
و قوله: وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً (النور:33) و معلوم أنه لا إكراه على الفاحشة لمن لا يريد تحصنا، لأنها نزلت فيمن يفعل ذلك.
و نظيره: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً (آل عمران:130)، و أكل الربا منهيّ عنه قليلا و كثيرا؛ لكنها نزلت على سبب؛ و هو فعلهم ذلك؛ و لأنه مقام تشنيع عليهم، و هو بالكثير أليق.
و قوله: فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ... (غافر:
[ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ] 5لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا (غافر:85)، بعد إثباته [إيمانهم] (5)، لأنّه ضروري لا اختياري، أوجب (3)ألاّ يكون الكلام مسوقا لنفي أمور يراعى فيها الحصر و التقييد،[كقوله] (5): قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا (الملك:29)، فإنه لم يقدّم المفعول في «آمنا» حيث لم يرد ذلك المعنى، فركّب تركيبا يوهم إفراد الإيمان بالرحمن عن سائر ما يلزم من الإيمان.).
و قوله [تعالى]: يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ (الأعراف:146)، فقيل من هذا الباب، فهي صفة لازمة، و قيل التكبّر قد يكون بحق، و هو التنزه عن الفواحش و الدنايا و التباعد من فعلها.
و أما قوله: وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ (الأعراف:33)، (1)[فإن أريد بالبغي الظلم كان قوله: بِغَيْرِ الْحَقِّ ] (1)تأكيدا، و إن أريد به الطلب كان قيدا.
402/3
اعلم أن نفي العام يدلّ على نفي الخاص، و ثبوته لا يدل على ثبوته، و ثبوت الخاص يدلّ على ثبوت العام، و لا يدل نفيه على نفيه؛ و لا شكّ أن زيادة المفهوم من اللفظ توجب الالتذاذ به، فلذلك كان نفي العام أحسن من نفي الخاص، و إثبات الخاص أحسن من إثبات العام.
*** فالأول: كقوله[236/أ] تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ (البقرة:17)، و لم يقل:«بضوئهم» (1)بعد قوله:
أَضاءَتْ لأن النور أعم من الضوء؛ إذ يقال على القليل و الكثير؛ و إنما يقال الضوء على النور الكثير و لذلك قال [تعالى]: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً (يونس:
و هاهنا دقيقة، و هي أنه قال: ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ (البقرة:17)، و لم يقل:
«أذهب نورهم» لأن الإذهاب بالشيء إشعار له بمنع عودته، بخلاف الذهاب؛ إذ يفهم من الكثير استصحابه في الذهاب، و مقتضى [ذلك] (6)منعه من الرجوع.
و منه قوله تعالى: [يا قَوْمِ] 8لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ (الأعراف:61)، و لم يقل:
(6-6) ليست في المطبوعة.
«ضلال»؛ كما قالوا: إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ (الأعراف:60)، لأنّ نفي الواحد يلزم 403/3 منه نفي الجنس البتة.
و قال الزمخشري:«لأن الضلالة أخصّ من الضلال، فكان أبلغ في نفي الضلال عنه، فكأنّه قال: ليس بي شيء من الضلال، كما لو قيل: أ لك تمرة فقلت: ما لي تمرة» (1).
و نازعه ابن المنيّر (2)و قال: تعليله (3)نفيها أبلغ لأنها (4)أخص [و هذا غير مستقيم، فإنّ نفي الأعم أخصّ من نفي الأخص] (5)
(6-6) ليست في المخطوطة.
،و نفي الأخص أعم من نفي الأعمّ، فلا يستلزمه لأن الأعم لا يستلزم الأخصّ. فإذا قلت هذا ليس بإنسان لم يلزم سلب الحيوانية عنه، و إذا قلت: هذا ليس بحيوان، لم يكن إنسانا، و الحق أن يقال: الضلالة أدنى من الضلال، لأنها لا تطلق إلا على الفعلة منه، و الضلال يصلح للقليل و الكثير، و نفي الأدنى أبلغ من نفي الأعلى [لا] (6)من جهة كونه أخصّ،[بل] (6)من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى».*** و الثاني: كقوله تعالى: وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ (آل عمران:133)، و لم يقل «طولها»، لأن العرض أخصّ، إذ كل ما له عرض فله طول، و لا ينعكس. و أيضا فإذا كان للشيء صفة يغني ذكرها عن ذكر صفة (6)أخرى، تدلّ عليها كان الاقتصار عليها أولى من ذكرها؛ لأن ذكرها كالتكرار، و هو مملّ، و إذا ذكرت فالأولى تأخير الدلالة على الأخرى؛ حتى لا تكون المؤخرة قد تقدمت الدلالة عليها.
و قد يخلّ بذلك مقصود آخر كما في قوله: وَ كانَ رَسُولاً نَبِيًّا (مريم:51) لأجل 404/3 السجع و إذا كان ثبوت شيء أو نفيه يدل على ثبوت آخر أو نفيه، كان الأولى الاقتصار على الدالّ على الآخر، فإن ذكرت فالأولى تأخير الدال.).
1) انظر «الكشاف»67/2 عند تفسير الآية(61) من سورة الأعراف، و عبارة الزمخشري «أ لك تمر؟ فقلت ما لي تمرة».
2) هو أحمد بن محمد بن منصور تقدم التعريف به في 176/1، و قوله في حاشيته على الكشاف المعروفة «بالانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال»67/2.
3) تصحفت في المخطوطة إلى (قوله).
4) عبارة المخطوطة (تعليله نفيها لأنها أبلغ من نفي الأخص).
5) ليست في المخطوطة.
6) في المخطوطة (صفات).
و قد يخلّ بذلك لمقصود آخر؛ كما في قوله تعالى: ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها (الكهف:49) و على قياس ما قلنا ينبغي الاقتصار على صغيرة، و إن ذكرت الكبيرة منها فلتذكر أولا.
و كذلك قوله [تعالى]: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما (الإسراء:23) و على ذلك القياس يكفي «لهما أف» أو يقول «و لا تنهرهما»، «فلا تقل لهما أف»؛ و إنما عدل عن ذلك للاهتمام بالنهي عن التأفيف، و العناية بالنهي؛[حتى] (1)كأنه قال: نهى عنه مرتين: مرة بالمفهوم، و أخرى بالمنطوق.
و كذلك قوله تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ (البقرة:255) فإنّ النوم غشية ثقيلة تقع على القلب تمنعه معرفة الأشياء، و السّنة مما يتقدمه من النعاس، فلم يكتف بقوله: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ (البقرة:255)؛ دون ذكر النوم؛ لئلا يتوهم أن السّنة إنما لم تأخذه لضعفها، و يتوهم أن النوم قد يأخذه لقوته؛ فجمع بينهما لنفي التوهمين، أو السّنة[236/ب] في الرأس، و النعاس في العين، و النوم في القلب؛ تلخيصه هو منزه عن جميع المفتّرات، ثم أكّد نفي السنة و النوم بقوله: [لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ] 2لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ (البقرة:255) لأنّه خلقهما بما فيهما، و المشاركة إنما تقع فيما فيهما، و من يكن له ما فيهما؛ فمحال نومه و مشاركته؛ إذ لو وجد شيء من ذلك لفسدتا بما فيهما.
و أيضا فإنه يلزم من [نفي] (2)السّنة نفي النوم أنه لم يقل: لا ينام (3)
(5-5) ليست في المخطوطة.
و إنما قال: لا 405/3 تَأْخُذُهُ (البقرة:255)[يعني] (5)لا تغلبه؛ فكأنه يقول: لا يغلبه القليل و لا الكثير من النوم. و الأخذ في اللغة بمعنى القهر و الغلبة؛ و منه سمّي الأسير: مأخوذا و أخيذا. و زيدت «لا» في قوله: وَ لا نَوْمٌ (البقرة:255) لنفيهما عنه بكل حال، و لو لاها لاحتمل ان يقال: لا تأخذه سنة و [لا] (5)نوم في حال واحدة، و إذا ذكرت صفات فإن كانت للمدح فالأولى الانتقال فيها من الأدنى إلى الأعلى؛ ليكون المدح متزايدا بتزايد الكلام؛ة.فيقولون (1):فقيه عالم، و شجاع باسل، و جواد فياض، و لا يعكسون هذا لفساد (2)المعنى؛ لأنه لو تقدم الأبلغ لكان الثاني [داخلا] (3)تحته، فلم يكن لذكره معنى؛ و لا يوصف بالعالم بعد الوصف بالعلاّم (4).
و قد اختلف الأدباء (5)في الوصف بالفاضل و الكامل، أيهما أبلغ؟ على ثلاثة أقوال:
ثالثهما أنهما سواء.
قال الأقليشيّ (6)
(7-7) ليست في المخطوطة.
(10-10) ليست في المخطوطة.
:و الحق أنّك مهما نظرت إلى شخص، فوجدته مع شرف العقل و النفس كريم الأخلاق و السجايا، معتدل الأفعال و صفته بالكمال، و إن وجدته وصل إلى هذه الرتب بالكسب و المجاهدة و إماطة الرذائل و صفته بالفضل؛ و هذا يقتضي أنهما متضادان؛ فلا يوصف الشخص الواحد بهما إلاّ بتجوّز.و قال ابن عبد السلام في قوله تعالى: عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ (المؤمنون:92) إنما قدّم الغيب مع أنّ علم المغيّبات أشرف من المشاهدات، و التمدّح به أعظم، و علم البيان يقتضي تأخير الأمدح. و أجاب بأن المشاهدات له أكثر (7)[من الغائب عنّا، و العلم يشرف بكثرة متعلّقاته؛ فكان تأخير الشهادة أولى.
و قول الشيخ: إن المشاهدات له أكثر] (7)،فيه نظر؛ بل في غيبه [ما] (7)لا يحصى وَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (النحل:8)؛ و إنما الجواب أن الانتقال للأمدح ترقّ؛ فالمقصود 406/3 هنا بيان [أن] (10)الغيب و الشهادة في علمه سواء، فنزل الترقي [في] (10)اللفظ منزلة ترقّ في المعنى، لإفادة استوائهما في علمه تعالى. و [يوضحه] (10)قوله تعالى: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ (الرعد:10) فصرح بالاستواء.ة.
1) في المخطوطة (فنقول).
2) في المخطوطة (لتضاد).
3) ليست في المخطوطة.
4) في المخطوطة (بالعلامة).
5) تصحفت في المخطوطة إلى (الآي).
6) أقليش بضم الهمزة و سكون القاف و كسر اللام، مدينة بالأندلس ينسب إليها عدة، و منهم عبد اللّه بن يحيى التجيبي الأقليشي أبو محمد يعرف بابن الوحشي، أخذ القراءة بطليطلة و سمع بها الحديث، و له «مختصر كتاب مشكل القرآن» لابن فورك و غير ذلك، توفي سنة(502 ه)(ياقوت معجم البلدان 237/1) و لعله المعني بعبارة الزركشي.
هذا كلّه في الصفات، و أما الموصوفات فعلى العكس من ذلك؛ فإنّك تبدأ بالأفضل، فتقول: قام الأمير و نائبه و كاتبه؛ قال تعالى:[ وَ] 1الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ [لِتَرْكَبُوها] 1... (النحل:8) الآية، فقدّم الخيل لأنها أحمد و أفضل من البغال، و قدّم البغال على الحمير لذلك أيضا.
فإن قلت: قاعدة الصفات منقوضة بالقاعدة الأخرى؛ و هي أنهم يقدّمون الأهم فالأهم في كلامهم كما نصّ عليه سيبويه و غيره.
و قال الشاعر:
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا و أسعفنا فيمن نحبّ و نكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمّها ودع أمرنا إن المهمّ (1)المقدّم
قلت: المراد بقوله:«فقدم الأهم فالأهم» فيما إذا كانا شيئين متغايرين مقصودين، و أحدهما أهمّ من الآخر؛ فإنه يقدّم، و أما تأخر الأمدح في الصفات فذلك فيما إذا كانتا صفتين لشيء واحد؛ فلو أخرنا الأمدح لكان تقديم الأول نوعا من العبث.
هذا كلّه في صفات المدح؛ فإن كانت للذم فقد قالوا: ينبغي الابتداء بالأشدّ ذمّا كقوله تعالى: مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (النحل:98)؛ قال[237/أ] ابن النفيس (2):في 407/3 كتاب «طريق الفصاحة»: و هو عندي مشكل؛ و لم يذكر توجيهه.
و قال حازم في «منهاجه» (3)يبدأ في الحسن بما ظهور الحسن فيه أوضح، و ما النفس بتقديمه أعنى، و يبدأ في الذمّ بما ظهور القبح فيه أوضح، و النفس بالالتفات إليه أعنى؛ و يتنقّل في (4)الشيء إلى ما يليه من المزية في ذلك، و يكون بمنزلة المصوّر الذي يصور أوّلا ما حلّ من رسوم تخطيط الشيء، ثم ينتقل إلى الأدقّ فالأدق.).
1) في المخطوطة (إن الأهم).
2) تصحفت في المخطوطة إلى (أبو النفيس) و تصحف اسم كتابه إلى (تطريق الفصاحة) و الصواب ما في المطبوعة، و هو علي بن أبي الحزم القرشي الدمشقي المصري المعروف بابن النفيس طبيب مشارك في الفقه و الأصول و الحديث توفي بمصر في ذي القعدة سنة(687 ه)(السبكي طبقات الشافعية 129/5)، و كتابه «طريق الفصاحة» ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون 1114/2 فقال (طريق الفصاحة، لابن النفيس «علي» المصري المتوفي سنة 687 ه).
3) هو حازم القرطاجني تقدم التعريف به و بكتابه «منهاج البلغاء» في 59/1.
4) عبارة المخطوطة (ما لشيء).
نفي الاستطاعة قد يراد به نفي الامتناع، أو عدم إمكان [وقوع] (1)الفعل مع إمكانه؛ نحو هل تستطيع أن تكلّمني؟ بمعنى هل تفعل ذلك و أنت تعلم أنه قادر على الفعل؟ و قد حمل قوله تعالى حكاية عن الحواريين: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ (المائدة:112) على المعنى الأول؛ أي هل يجيبنا إليه؟ أو هل يفعل ربك؟ و قد علموا أن اللّه قادر على الإنزال، و أن عيسى قادر (2)
(3-3) ليست في المخطوطة.
على السؤال، و إنما استفهموا هل هنا صارف أو مانع؟ و قوله: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً (يس:50). فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها (الأنبياء:40). فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (الكهف:97).
و قد يراد به الوقوع بمشقة و كلفة كقوله تعالى: لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (الكهف:
67).
408/3 قوله تعالى: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللّهَ رَمى (الأنفال:17)، قالوا: المجاز يصح نفيه بخلاف الحقيقة، لا يقال للأسد: ليس بشجاع.
و أجيب بأن المراد بالرّمي هنا المرتب عليه، و هو وصوله إلى الكفّار؛ فالوارد عليه السلب هنا مجاز لا حقيقة؛[و التقدير] (3):و ما رميت [خلقا] (3)إذ رميت كسبا، أو ما رميت انتهاء إذ رميت ابتداء؛ و ما رميت مجازا إذ رميت حقيقة.
دون الحقيقة لضرب من المسامحة و حسم العناد
كقوله: وَ إِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (سبأ:24)؛ و هو يعلم أنه على الهدى، و أنّهم على الضلال، لكنه أخرج الكلام مخرج الشك، تقاضيا و مسامحة، و لا شك عنده و لا ارتياب.
و قوله: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (الزخرف:81).
و نحوه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (محمد:
و قد يخرج الواجب في صورة الممكن (3)،كقوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (الإسراء:79).
فَعَسَى اللّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ (المائدة:52).
410/3 و عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ (الإسراء:8).
وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (البقرة:216)[الآية] (4)
(5-5) عبارة المخطوطة (لما كان معلوم لأنه لا يشاؤه) تصحيف.
.و قد يخرج الإطلاق في صورة التقييد كقوله: حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ (الأعراف:40).
و منه قوله تعالى حاكيا عن شعيب: وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ رَبُّنا (الأعراف:89) فالمعنى لا يكون أبدا من حيث علّقه بمشيئة اللّه؛ لما (5) كان معلوما أنه يشاؤه (5)؛إذ يستحيل[237/ب] ذلك على الأنبياء، و كلّ أمر قد علّق بما [لا] (5)يكون فقد نفي كونه على أبعد الوجوه.ة.
و قال قطرب (1):في الكلام تقديم و تأخير، و الاستثناء من الكفار لا من شعيب، و المعنى: لنخرجنّك يا شعيب، و الذين آمنوا معك من قريتنا؛ إلا أن يشاء اللّه أن تعودوا في ملّتهم. ثم قال تعالى حاكيا عن شعيب: وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها (الأعراف:89) على كل حال.
و قيل: الهاء عائدة إلى القرية، لا إلى اللّه.
411/3 كقوله تعالى: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ (النساء:100)، أعرض عن ذكر مقدار الجزاء و الثواب، و ذكر ما هو معلوم مشترك بين جميع أعمال البشر، تفخيما لمقدار الجزاء، لما فيه من إبهام المقدار، و تنزيلا له منزلة ما هو غير محتاج إلى بيانه، على حدّ «فمن كانت هجرته إلى اللّه و رسوله» (2)،أعرض عن ذكر الجزاء إلى إعادة الشرط، تنبيها على عظم ما ينال، و تفخيما لبيان ما أتى به من العمل، فصار السكوت عن مرتبة الثواب أبلغ من ذكرها.
و كقوله (3)تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (الكهف:30)، و هذه الآية تتضمن الرجوع و البقاء و الجمع، أ لا تراه كيف رجع بعد ذكره المبتدأ الذي هو الذين عن ذكر خبره إلى الشروع في كلام آخر، فبنى مبتدأ على مبتدأ و جمع، و المعنى قوله: إِنّا لا نُضِيعُ (الكهف:30) من خبر المبتدأ الأول، و تقديره: إنّا لا نضيع أجرهم، لأنا لا نضيع أجر من أحسن عملا.
412/3 و هو أن يأتي الغير بكلام يتضمن معنى، فتأتي بضده؛ فإنك قد هدمت ما بناه المتكلم الأول؛ كقوله تعالى: وَ قالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللّهِ وَ أَحِبّاؤُهُ (المائدة:18)
1) هو محمد بن المستنير تقدم التعريف به في 176/2.
2) قطعة من حديث عمر رضي اللّه عنه:«إنما الأعمال بالنيات» أخرجه البخاري في الصحيح 9/1، كتاب بدء الوحي(1)، باب كيف كان بدء الوحي... (1) الحديث(1)، و مسلم في الصحيح 1515/3-1516، كتاب الإمارة(33)، باب قوله صلّى اللّه عليه و سلّم «إنما الأعمال بالنية»، الحديث(1907/155).
3) في المخطوطة (و قوله).
هدمه بقوله: مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ (المؤمنون:91)، و بقوله: وَ اللّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (آل عمران:57)، و بقوله (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ (المائدة:18)؛ تقديره إن كنتم صادقين في دعواكم.و منه: وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَ قالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ (التوبة:
و منه: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ (المنافقون:1) هدمه بقوله: وَ اللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (المنافقون:1)، أي في دعواهم الشهادة.
413/3
منه الاستدلال بالنظر في الملكوت، كقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها 2[وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ] 2وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (البقرة:164).
و يكثر ذلك في تقديرات العقائد الإلهية: لتتمكن في النفوس، كقوله [تعالى] (2):
أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (القيامة:40)؛ و ذلك بعد ذكر النطفة و تقلّبها في مراتب الوجود، و تطورات الخلقة.
و كقوله تعالى: وَ ما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (الزمر:67).
و منه التوسّع في ترادف الصفات؛ كقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها (النور:
40)، فإنه لو أريد اختصاره لكان: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ (النور:40) مظلم.
و منه التوسع في الذم كقوله تعالى: وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ* هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ (القلم:10-11) إلى قوله: عَلَى الْخُرْطُومِ (القلم:16).
414/3 اتفق الأدباء على شرفه في أنواع البلاغة، و أنّه إذا جاء في أعقاب المعاني[238/أ] أفادها كمالا، و كساها حلّة و جمالا، قال المبرّد (1)في «الكامل»: «هو جار في كلام العرب حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم لم يبعد».
و قد صنّف فيه أبو القاسم بن البندار البغدادي (2)كتاب «الجمان في تشبيهات القرآن».
و فيه مباحث:
في تعريفه
و هو إلحاق شيء بذي وصف في وصفه.
و قيل: أن [تثبت] (3)للمشبّه (4)حكما من أحكام المشبّه به.
و قيل: الدلالة على اشتراك شيئين في وصف هو من أوصاف الشيء الواحد [في نفسه] (5)كالطّيب في المسك، و الضياء في الشمس و النور في القمر. و هو حكم إضافيّ لا يرد (6)إلا بين الشيئين بخلاف الاستعارة.
1) انظر قوله في الكتاب 996/2.
2) في المطبوعة البنداري البغدادي هو عبد اللّه و قيل عبد الباقي بن محمد بن الحسين بن داود بن ناقيا البغدادي المعروف ببندار، كان أديبا شاعرا لغويا فاضلا بارعا له مصنفات كثيرة منها «ملح الممالحة» و «الجمان في تشبيهات القرآن» و له «ديوان شعر كبير» ت 485 ه (ابن خلكان 98/3-99) بتصرف. و كتابه طبع بتحقيق عدنان زرزور و محمد رضوان الداية بالكويت وزارة الأوقاف عام 1388 ه/1968 م، و بتحقيق أحمد مطلوب و خديجة الحديثي ببغداد وزارة الثقافة عام 1388 ه/1968 م (معجم المنجد 42/3)، و طبع بتحقيق مصطفى الصاوي الجويني بالاسكندرية منشأة المعارف عام 1396 ه/1976 م (دليل الكتاب المصري عام 1976 م ص 63).
3) ساقطة من المخطوطة.
4) في المخطوطة (المشبه).
5) ساقطة من المطبوعة.
6) في المخطوطة (يؤذن).
415/3
[في الغرض منه] (1)
و هو تأنيس النفس بإخراجها من خفيّ إلى جلّي؛ و إدنائه البعيد من القريب؛ ليفيد بيانا.
و قيل: الكشف عن المعنى المقصود مع الاختصار؛ فإنك إذا قلت: زيد أسد (2)،كان الغرض بيان حال زيد، و أنه متصف بقوة البطش و الشجاعة و غير ذلك؛[إلا] (3)أنا لم نجد شيئا يدل عليه سوى جعلنا إيّاه شبيها بالأسد، حيث كانت هذه الصفات مختصة به، فصار هذا أبين و أبلغ من قولنا: زيد شهم شجاع قويّ البطش و نحوه.
في أنه حقيقة أو مجاز
و المحققون على أنّه حقيقة، قال الزنجاني في «المعيار» (4):التشبيه ليس بمجاز؛ لأنه (5)معنى من المعاني؛ و له ألفاظ تدل عليه وضعا؛ فليس فيه نقل اللفظ عن موضوعه؛ و إنما هو توطئة لمن سلك سبيل الاستعارة و التمثيل؛ لأنه كالأصل لهما، و هما كالفرع له.
و الذي يقع منه في حيّز المجاز عند البيانيين هو الذي يجيء على حد الاستعارة.
و توسط الشيخ عز الدين (6)،فقال:«إن كان بحرف فهو حقيقة، أو بحذفه فمجاز، بناء على أن الحذف من باب المجاز».
416/3
فالأسماء: مثل، و شبه، و نحوهما، قال تعالى: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ (آل عمران:117). مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى (هود:
24). وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً (البقرة:25) إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا (البقرة:70).
و الأفعال كقوله [تعالى] (1): يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً (النور:39). يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (طه:66).
و الحروف إما بسيطة كالكاف؛ نحو: كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ (إبراهيم:18) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ (آل عمران:11) و إما مركّبة، كقوله تعالى: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (الصافات:65).
في أقسامه
و هو ينقسم باعتبارات:
أنه إما أن يشبّه (2)بحرف، أو لا.
*** و تشبيه الحرف ضربان:
أحدهما: يدخل عليه حرف التشبيه فقط، كقوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ (النور:35).
و قوله: وَ لَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (الرحمن:24).
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (الرحمن:37).
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ (الرحمن:14).
وَ حُورٌ عِينٌ* كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (الواقعة:22-23).
وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ (الحديد:21).
و ثانيها: أن يضاف إلى حرف التشبيه حرف مؤكّد، ليكون ذلك علما على قوة التشبيه و تأكيده، كقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَ الْمَرْجانُ (الرحمن:58).
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (الصافات:49).
وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ (الأعراف:171).
تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (القمر:20).
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (الحاقة:7).
فإن قيل: كيف استرسل أهل الجنة و قوله [تعالى] (1): كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ (البقرة:25)، و لا شك أنه ليس به، و احترزت بلقيس فقالت: كَأَنَّهُ هُوَ (النمل:42)، و لم تقل: هو [هو] (2)
(3-3) ما بين الحاصرتين ساقطة من المطبوعة.
(5-5) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
؟ قيل: أهل الجنة وثقوا بأن الغرض مفهوم؛ و أن أحدا لا يعتقد في الحاضر أنه عين 418/3 المستهلك الماضي؛ و أما بلقيس فالتبس عليها الأمر، و ظنّت أنه يشبهه، (3)[بل صمّمت في المغايرة مع المشابهة] (3)لأنها بنت على العادة، و هو أن السرير لا ينتقل من إقليم إلى آخر في طرفة عين.*** و أما التشبيه بغير حرف، فيقصد به المبالغة، تنزيلا للثاني منزلة الأول تجوّزا [238/ب] كقوله: وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ (الأحزاب:6).
و قوله: وَ سِراجاً مُنِيراً (الأحزاب:46).
و قوله: وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ (آل عمران:133).
و كذلك: تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ (النمل:88).
و جعل الفارسيّ منه قوله تعالى: قَوارِيرَا* قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ (الإنسان:
15-16)، (5)[أي كأنها في بياضها من فضة، فهو على التشبيه، لا على أن القوارير من فضة] (5)،بدليل قوله: بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ* بَيْضاءَ (الصافات:45-46)، فقوله:
بَيْضاءَ مثل قوله: مِنْ فِضَّةٍ .ة.
الأول: هذا القسم يشبه الاستعارة في بعض المواضع، و الفرق بينهما-كما قاله حازم (1)و غيره-أنّ الاستعارة، و إن كان فيها معنى التشبيه، فتقدير حرف التشبيه لا يجوز فيها، و التشبيه بغير حرف على خلاف ذلك؛ لأنّ تقدير حرف التشبيه واجب فيه.
و قال الرّماني (2)في قوله تعالى: وَ آتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً (الإسراء:59)، أي تبصرة (3)،لأنه لا يجوز تقدير حرف التشبيه فيها.
و قد اختلف البيانيون في نحو قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ (البقرة:18)، إنه 419/3 تشبيه بليغ أو استعارة؟ و المحققون-كما قاله الزمخشري (4)-على الأول، قال:«لأنّ المستعار له مذكور و هم المنافقون-أي مذكور في تقدير الآية-و الاستعارة لا يذكر فيها المستعار له، و يجعل الكلام خلوا عنه، بحيث يصلح لأن (5)يراد به المنقول عنه و إليه لو لا القرينة، و من ثمّ ترى المفلقين السحرة يتناسون التشبيه و يضربون عنه صفحا».
و قال السكاكيّ (6):لأن من شرط الاستعارة إمكان حمل الكلام على الحقيقة في الظاهر، و تناسي التشبيه، و زيد أسد لا يمكن كونه حقيقة، فلا يجوز أن يكون استعارة.
*** الثاني: قد يترك التشبيه لفظا و يراد معنى، إذ لو لم يرد معنى و لم يكن منويّا، كان استعارة.
مثاله قوله تعالى: حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (البقرة:
187)، فهذا تشبيه لا استعارة، لذكر الطرفين: الخيط الأسود، و هو ما يمتدّ [معه] (7)من غسق الليل
1) القرطاجني، صاحب كتاب منهاج البلغاء تقدم التعريف به في 155/1. و ذكر قوله السيوطي في الإتقان 142/3. آخر النوع(53).
2) هو علي بن عيسى الرّماني تقدم في 111/1.
3) عبارة المخطوطة (أي تبصرا أو مبصرة).
4) الكشاف 39/1-40 بتصرف.
5) في المخطوطة (أن).
6) مفتاح العلوم:387. بتصرف، و ذكر قوله السيوطي في الاتقان 142/3 النوع(53) تشبيهه و استعاراته و لتمام الفائدة انظر أسرار البلاغة للجرجاني:278 الفرق بين الاستعارة و التشبيه.
7) ساقطة من المخطوطة.
شبيها بخيط أسود و أبيض، و بيّنا بقوله: مِنَ الْفَجْرِ و الفجر-و إن كان بيانا للخيط الأبيض-لكن لما كان أحدهما بيانا للآخر لدلالته عليه، اكتفي به عنه، و لو لا البيان كان من باب الاستعارة؛ كما أن قولك: رأيت أسدا، استعارة، فإذا زدت «من فلان» صار تشبيها، 420/3 و أمّا أنه لم زيد مِنَ الْفَجْرِ حتى صار تشبيها؟ و هلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ! فلأن شرط الاستعارة أن يدلّ عليه الحال، و لو لم يذكر مِنَ الْفَجْرِ لم يعلم أن الخيطين مستعاران من «بدا الفجر»، فصار تشبيها.
ينقسم باعتبار طرفيه إلى أربعة أقسام، لأنهما:
إما حسيّان، كقوله تعالى: حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (يس:39)، و قوله:
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (القمر:20).
أو عقليان، كقوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (البقرة:74).
و إما تشبيه المعقول بالمحسوس، كقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ (العنكبوت:41)؛ و قوله: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ (إبراهيم:18) و قوله: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (الجمعة:5)، لأن حملهم التوراة ليس كالحمل على العاتق (1)،إنما هو القيام بما فيها.
و أما عكسه فمنعه الإمام، لأن العقل مستفاد من الحس، و لذلك قيل: من [فقد] (2)
(3-3) عبارة المخطوطة(... الفرع أصلا و الأصل فرعا).
حسّا فقد فقد علما؛ و إذا كان المحسوس أصلا للمعقول فتشبيهه به، يستلزم جعل (3)الأصل فرعا و الفرع أصلا (3)،و هو غير جائز.421/3 و أجازه غيره كقوله:
و كأنّ النجوم بين دجاه (3)سنن لاح بينهنّ ابتداع
و ينقسم باعتبار آخر إلى خمسة أقسام:
الأول: قد يشبّه ما تقع عليه الحاسة بما لا تقع، اعتمادا على معرفة النقيض و الضدّ فإنّ إدراكهما أبلغ من إدراك الحاسة، كقوله تعالى: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (الصافات:
65)، [فشبّه] (1)بما [لا] (1)نشكّ أنه منكر قبيح، لما حصل في نفوس الناس من [239/أ] بشاعة صور الشياطين، و إن لم ترها عيانا.
الثاني: عكسه، كقوله [تعالى] (1): وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ (2)، (النور:39)، أخرج ما لا يحسّ-و هو الإيمان-إلى ما يحسّ-و هو السراب-و المعنى الجامع بطلان التوهم بين شدة الحاجة و عظم الفاقة.
الثالث: إخراج ما لم تجر العادة به إلى ما جرت به، نحو: وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ (الأعراف:171)، و الجامع بينهما الانتفاع بالصورة. و كذا (3)قوله: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ (يونس:24)، و الجامع البهجة و الزينة، ثم الهلاك، و فيه العبرة.
الرابع: إخراج ما لا يعرف بالبديهة، إلى ما يعرف بها، كقوله: وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ (آل عمران:133)، الجامع العظم، و فائدته التشويق إلى الجنّة بحسن الصفة.
الخامس: إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة فيها، كقوله: وَ لَهُ الْجَوارِ 422/3 الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (الرحمن:24)، و الجامع [فيهما] (4)العظم، و الفائدة البيان عن القدرة على تسخير الأجسام العظام في أعظم ما يكون من الماء.
و على هذه الأوجه تجري تشبيهات القرآن.ة.
ينقسم إلى مفرد و مركب:
المركّب أن ينزع من أمور مجموع بعضها إلى بعض؛ كقوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً (الجمعة:5) فالتشبيه (1)مركّب من أحوال الحمار؛ و ذلك هو (2)حمل الأسفار التي هي أوعية العلم، و خزائن ثمرة العقول، ثم لا يحسن ما فيها، و لا يفرق بينها و بين سائر الأحمال التي ليست من العلم في شيء، فليس له مما يحمل حظّ سوى أنه يثقل عليه و يتعبه.
و قوله: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً (العنكبوت:
41).
و قوله: وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ (الكهف:45)، قال بعضهم: شبّه الدنيا بالماء، و وجه الشبه أمران: أحدهما أنّ الماء إذا أخذت منه فوق حاجتك تضررت، و إن أخذت قدر الحاجة انتفعت به، فكذلك الدنيا. و ثانيهما (3)أنّ الماء إذا أطبقت كفّك عليه لتحفظه لم يحصل فيه شيء، فكذلك الدنيا، و ليس المراد تشبيهها بالماء وحده؛ بل المراد تشبيهه بهجة الدنيا في قلة البقاء و الدوام بأنيق النبات الذي يصير بعد تلك البهجة و الغضاضة و الطراوة إلى ما ذكر.
423/3 و من تشبيه المفرد بالمركب قوله: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ (النور:35)، فإنه سبحانه أراد تشبيه نوره الذي يلقيه في قلب المؤمن، ثم مثّله بمصباح؛ ثم لم يقنع بكلّ مصباح؛[بل بمصباح] (4)اجتمعت فيه أسباب الإضاءة؛ بوضعه (5)في مشكاة؛ و هي الطاقة غير النافذة؛ و كونها لا تنفذ؛ لتكون أجمع للتبصّر، و قد جعل فيها مصباح في داخل زجاجة، فيه الكواكب الدّريّ في صفائها، و دهن المصباح من أصفى الأدهان و أقواها وقودا، لأنه من زيت شجر في أوسط الزّجاج لا شرقية و لا غربية، فلا تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار بل تصيبها أعدل إصابة.
و هذا مثل ضربه اللّه للمؤمن، ثم ضرب للكافر مثلين: أحدهما: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ (النور:39)، و الثاني: كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ (النور:40)، شبّه في الأول ما يعلمه من لا يقدّر الإيمان المعتبر بالأعمال التي يحسبها بقيعة، ثم يخيب أمله، بسراب يراه الكافر بالمشاهدة (1)،و قد غلبه عطش يوم القيامة، فيجيئه فلا يجده ماء، و يجد زبانية اللّه عنده، فيأخذونه فيلقونه إلى جهنم.
ينتظم قواعد تتعلق بالتشبيه
الأولى: قد تشبّه أشياء بأشياء، ثم تارة يصرح بذكر المشبّهات، كقوله تعالى: وَ ما 424/3 يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ وَ لاَ الْمُسِيءُ (غافر:58)، و تارة لا يصرّح به بل يجيء مطويّا[239/ب] على سنن الاستعارة، كقوله: وَ ما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ (فاطر:12)، ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ... (الزمر:29) الآية.
قال الزمخشريّ (2):و الذي عليه علماء البيان أنّ التمثيلين جميعا من جملة التمثيلات المركّبة لا المفرقة (3)بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى فتشبّهها بنظائرها [كما ذكرنا] (4)، و تشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء تضامّت حتى صارت شيئا واحدا بأخرى، كقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ... (الجمعة:5) الآية.
و نظائره من حيث اجتمعت تشبيهات؛ كما في تمثيل اللّه حال المنافقين أول سورة البقرة، قال الزمخشريّ (5):و أبلغه الثاني؛ لأنه أدلّ على فرط الحيرة، و شدة الأمر و فظاعته؛ و لذلك أخّر، قال: و هم يتدرّجون في نحو هذا، من الأهون إلى الأغلظ.
*** الثانية: أعلى (6)
(7-7) في المخطوطة (فكقولك).
مراتب التشبيه في الأبلغية ترك وجه الشبه و أداته، نحو زيد أسد؛ أما ترك وجهه وحده، فكقوله (7):زيد كالأسد؛ و أما ترك أداته وحدها؛ فكقوله (7):زيد الأسد شدة.و في كلام صاحب (1)«المفتاح» إشارة إلى أن ترك وجه الشبه أبلغ من ترك أداته؛ قال:
لعموم وجه الشبه.
425/3 و خالفه صاحب «ضوء المصباح» (2)لأنه إذا عمّ و احتمل التعدد، و لم تبق دلالته على ما به الاشتراك دلالة منطوق بل دلالة مفهوم؛ فيحتمل أن يكون ما به الاشتراك صفة ذمّ لا مدح، و هو غير لازم في ترك الأداة؛ إلا أن يقال (3):يلزم مثله من تركها، لأن قرينة ترك الأداة، تصرف إرادة المدح دون الذم.
و ذكرهما كقولك: زيد كالأسد شدة.
*** الثالثة: قد تدخل الأداة على شيء و ليس هو عين المشبّه، و لكنه ملتبس به، و اعتمد على فهم المخاطب، كما قال تعالى: كُونُوا أَنْصارَ اللّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ...
(الصف:14) الآية، المراد: كونوا أنصارا (4)للّه خالصين في الانقياد؛ كشأن مخاطبي (5)عيسى إذ قالوا.
و مما دلّ على السياق قوله تعالى: وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ (الأعراف:171)، و فيه زيادة، و هو تشبيه الخارق بالمعتاد.
*** الرابعة: إذا كانت فائدته، إنما هي تقريب الشّبه في فهم السامع و إيضاحه له، فحقّه أن يكون وجه الشبه في المشبّه به أتمّ، و القصد التنبيه بالأدنى على الأعلى، مثل قياس النحوي؛ و لا سيما إذا كان الدنوّ جدا أو العلوّ (6)جدا، و عليه بنى المعرّي قوله:
ظلمناك (7)في تشبيه صدغيك بالمسك و قاعدة التشبيه نقصان ما يحكى
و قول آخر:).
1) هو يوسف بن أبي بكر تقدم التعريف به في 163/1 و انظر المفتاح:355، مراتب التشبيه.
2) هو محمد بن يعقوب بن إلياس بدر الدين ابن النحوية الدمشقي تقدم التعريف به و بكتابه في 209/3 الحاشية رقم(1).
3) في المخطوطة (لا يقال) بدل (إلا أن يقال).
4) في المخطوطة (أنصاري).
5) تصحفت في المخطوطة إلى (مخاطبين).
6) في المخطوطة (و العلو).
7) في المخطوطة (غلطنا).
كالبحر و الكاف أنّى ضفت (1)زائدة فيه فلا تظنّنها كاف تشبيه
و أما قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ (النور:35) فيمكن أن يكون المشبّه به 426/3 أقوى لكونه في الذهن أوضح؛ إذ الإحاطة به أتمّ.
و أما قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ] (2)(آل عمران:
59)؛ فهو من تشبيه الغريب بالأغرب؛ لأن خلق آدم [أغرب] (3)من خلق عيسى ليكون أقطع للخصم، و أوقع في النفس. و فيه دليل على جواز القياس، و هو ردّ فرع إلى أصل لشبه ما؛ لأن عيسى ردّ إلى آدم لشبه بينهما؛ و المعنى أن آدم خلق من تراب و لم يكن له أب و لا أم، فكذلك خلق عيسى من غير أب.
و قوله: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ (المنافقون:4) شبّههم بالخشب، لأنه لا روح فيها، و بالمسنّدة لأنه لا انتفاع بالخشب (4)في حال تسنيده.
*** الخامسة: الأصل دخول أداة التشبيه على المشبّه به، و هو الكامل، كقولك: ليس الفضة كالذهب، و ليس العبد كالحرّ؛ و قد تدخل على المشبه لأسباب:
منها وضوح الحال[240/أ]، كقوله تعالى: وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى (آل عمران:
36)؛ [فإنّ الأصل] (5)و ليس الأنثى كالذكر؛ و إنما عدل عن الأصل؛ لأن معنى (6): وَ لَيْسَ الذَّكَرُ الذي طلبت كَالْأُنْثى التي وهبت لها، لأن الأنثى أفضل منه. و قيل: لمراعاة الفواصل، لأنّ قبله:
إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى (آل عمران:36).
و وهم ابن الزملكاني (7)في «البرهان» حيث زعم أنّ هذا من التشبيه المقلوب، و ليس كذلك لما ذكرنا من المعنى.2.
4273 و قيل: لما كان جعل الفرع أصلا و الأصل فرعا في التشبيه في حالة الإثبات يقتضي المبالغة في التشبيه؛ كقولهم: القمر كوجه زيد، و البحر ككفّيه، كان جعل الأصل فرعا و الفرع أصلا في كماله الذي يقتضي نفي المبالغة (1)[في المشابهة؛ لا نفي المشابهة، و ذلك هو المقصود هنا، لأن المشابهة واقعة بين الذكر و الأنثى في أعمّ الأوصاف و أغلبها، و لهذا يقاد أحدهما بالآخر.
و منها قصد المبالغة] (1)،فيقلب التشبيه، و يجعل المشبه هو الأصل و يسمى تشبيه العكس؛ لاشتماله على جعل المشبّه مشبّها به، و المشبّه به مشبّها؛ كقوله تعالى: قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا (البقرة:275)، كان الأصل أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع؛ لأنّ الكلام في الربا لا في البيع، لكن عدلوا عن ذلك و تجرءوا، إذ جعلوا الربا أصلا ملحقا به البيع في الجواز، و أنه الخليق بالحلّ.
و يحتمل أن يكون المراد إلزام الإسلام، فيحرّم البيع قياسا على الربا، لاشتماله على الفضل طردا لأصلهم؛ و هو في المعنى نقض على علة التحريم؛ و يؤيده قوله تعالى:
وَ أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا (البقرة:275)، و فيه إشارة إلى أنّ الواجب اتباع أحكام اللّه و اقتفاؤها من غير تعرّض لإجرائها على قانون واحد، و أنّ الأسرار الإلهية كثيرا ما تخفى؛ و هو أعلم بمصالح عباده فيسلّم له عنان الانقياد؛ و أنهم جعلوا ذلك من باب إلزام (3)الجدليّ، و جاء (3)الجواب بفكّ الملازمة، و أن الحكمة فرقت بينهما. و فيه إبطال القياس في مقابلة النصّ.
و منه قوله تعالى: أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ (النحل:17)؛ فإن الظاهر 428/3 العكس، لأن الخطاب لعبدة الأوثان؛ و سمّوها آلهة، تشبيها باللّه سبحانه (1)،و قد جعلوا غير الخالق مثل الخالق، فخولف في خطابهم؛ لأنهم بالغوا في عبادتهم و غلوا، حتى صارت عندهم أصلا في العبادة، و الخالق سبحانه فرعا، فجاء الإشكال على وفق ذلك.
و الظاهر أنهم لما قاسوا غير الخالق [بالخالق] (2)خوطبوا بأشد الإلزامين (3)و هو تنقيص المقدّس لا تقديس الناقص.).
قال السكاكيّ (1):«و عندي أن المراد ب «من لا يخلق» الحيّ القادر من الخلق تعريضا بإنكار تشبيه الأصنام باللّه تعالى من طريق الأولى. و جعل منه قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ (الجاثية:23) بدل «هواه إلهه» فإنه جعل المفعول الأول ثانيا و الثاني أولا؛ للتنبيه على أن الهوى أقوى و أوثق عنده من إلهه» (2).
و منه قوله تعالى: أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (القلم:35).
و قوله: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ (ص:28)، فإنّ بعضهم أورد أنّ أصل التشبيه يشبّه الأدنى بالأعلى فيقال:«أ فتجعل المجرمين كالمسلمين، و الفجار كالمتقين»، فلم خولفت القاعدة! و يقال: فيه وجهان:
أحدهما: أنّ الكفار كانوا يقولون: نحن نسود في الآخرة، كما نسود في الدنيا و يكونون أتباعا لنا، فكما أعزنا اللّه في هذه الدار يعزنا في الآخرة، فجاء الجواب على معتقدهم أنهم أعلى، و غيرهم أدنى.
الثاني: لما قيل قبل الآية: وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ 429/3 كَفَرُوا (ص:27)؛ أي يظنون أن الأمر يهمل (3)،و أن لا حشر و لا نشر، أم لم (4)يظنوا ذلك، و لكن يظنون أنا نجعل المؤمنين كالمجرمين، و المتقين كالفجار.
*** السادسة: أن التشبيه (5)[إذا كان] (6)في الذمّ يشبّه الأعلى بالأدنى، لأن (7)الذمّ مقام الأدنى، و الأعلى ظاهر (8)عليه فيشبه (9)به في السلب، و منه قوله: يا نِساءَ النَّبِيِّ [240/ب] لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ (الأحزاب:32)، أي في النزول لا في العلوّ.
و منه: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ (ص:28) أي في سوء (10)[الحال] (11)ة.
و إذا كان في المدح يشبّه الأدنى بالأعلى فيقال (1):تراب كالمسك، و حصى (2)
(3-3) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
كالياقوت، و في الذمّ: مسك كالتراب و ياقوت كالزجاج.*** السابعة: قد يدخل التشبيه على لفظ و هو محذوف لامتناع ذلك، لأنه بسبب المحذوف كقوله تعالى: وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ (البقرة:171). فإنّ التقدير: و مثل واعظ الذين كفروا، فالمشبه الواعظ، (3)[و إلا ما الذي ينعق غير القبيح من الحسن] (3) و المقصود تشبيه حال الواعظ منهم بالناعق للأغنام، و هي لا تعقل معنى دعائه و إنما تسمع صوته و لا تفهم غرضه، و إنما وقع التشبيه على الغنم التي ينعق بها الراعي، و يمدّ صوته إليها، (3)[فلم يحمل التشبيه فيها وصوله إلى الراعي الذي يصيح لما كان من الأمر تشبيه] (3)و فيه وجوه:
أحدها: أن المعنى: مثل الذين كفروا كمثل الغنم لا تفهم نداء الناعق، فأضاف المثل إلى الناعق، و هو في المعنى للمنعوق به، على القلب.
ثانيها: و مثل الذين كفروا و مثلنا و مثلك، كمثل الذي ينعق، أي مثلهم في الإعراض 430/3 و مثلنا في الدعاء و الإرشاد (3)،كمثل الناعق بالغنم، فحذف المثل (4)الثاني اكتفاء بالأول، كقوله: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ (النحل:81).
و ثالثها؛ أن المعنى: و مثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام-و هي لا تعقل و لا تسمع- كمثل الذي ينعق بما لا يسمع؛ و على هذا فالنداء و الدعاء (5)منتصبان ب «ينعق» و «لا» توكيد للكلام، و معناها الإلغاء.
رابعها: أن المعنى و مثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام و عبادتهم لها و استرزاقهم إياها، كمثال الراعي الذي ينعق بأغنامه (6)و يناديها، فهي تسمع نداء و لا تفهم معنى كلامه، فيشبّه من يدعوه الكفار من المعبودات من دون اللّه بالغنم من حيث لا تعقل الخطاب.).
و هذا قريب من الذي قبله، و يفترقان في أن الأول يقتضي ضرب المثل بما لا يسمع الدعاء و النداء جملة، و يجب صرفه إلى [غير] (1)الغنم، و هذا يقتضي ضرب المثل بما لا يسمع الدعاء و النداء جملة، و إن لم يفهمهما، و الأصنام-من حيث كانت (2)لا تسمع الدعاء جملة-يجب أن يكون داعيها و ناديها (3)أسوأ حالا من منادي الغنم. ذكر (4)ذلك الشريف المرتضى (5)
(6-6) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
في كتاب «غرر الفوائد».و منه قوله تعالى؛ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ... (آل عمران:117) الآية، و إنما وقع التشبيه على الحرث الذي أهلكته الريح (6)[يقول أن يجعله على الحرث وصوله إلى الريح التي أهلكت الحرث لما كانت الريح من الأمر بسبب] (6)،قيل فيه إضمار، أي مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك الريح.
قال (6)
(9-9) تصحفت في المخطوطة إلى (اتخذوا من دون).
ثعلب: فيه تقديم و تأخير، أي كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم أصابته ريح فيها صرّ فأهلكته.و أما قوله تعالى: 9 وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ 9 مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ 431/3 (البقرة:165)، فإنّ التقدير: كما يحب المؤمنون اللّه، قال: و حذف الفاعل، لأنه غير ملتبس.
و اعترض عليه بأنه لا حاجة لذلك، فإن المعنى حاصل بتقديره مبنيا للفاعل.
و أجيب بأنه تقدير معنى، لكن محافظة على اللفظ فلا يقدّر الفاعل، إذ الفاعل في باب المصدر فضلة، فلذلك جعله كذلك في التقدير.).
432/3
هي من أنواع البلاغة، و هي كثيرة في القرآن، و منهم من أنكره؛ بناء على إنكار المجاز في القرآن، و الاستعارة مجاز، و قد سبق تقديره. و منع القاضي عبد الوهاب المالكي (1)إطلاق لفظ الاستعارة فيه، لأن فيها إبهاما للحاجة، و هذا كما منع بعضهم لفظ (2)
(3-3) ما بين الحاصرتين ليس في المطبوعة.
:القرآن[241/أ] (3)[أو لفظي بالقرآن] (3) مخلوق، و هو لا ينكر وقوع المجاز، و الاستعارة فيه إنما توقف على إذن الشرع.و لا شك أن المجوّزين للإطلاق شرطوا عدم الإبهام؛ و قد يمنعون الإبهام؛ و قد يمنعون الإبهام المذكور لأنه في الاصطلاح اسم لأعلى مراتب الفصاحة.
و قال الطرطوشي (3):«إن أطلق المسلمون الاستعارة فيه أطلقناها و إن امتنعوا امتنعنا؛ و يكون هذا من قبيل أن اللّه تعالى عالم، و العلم هو العقل، ثم لا نصفه به لعدم التوقيف».
انتهى.
و المشهور تجويز الإطلاق.
ثم فيها مباحث:
433/3 و هي (4)«استفعال» من العارية، ثم نقلت إلى نوع من التخييل لقصد المبالغة في التخييل و التشبيه مع الإيجاز؛ نحو لقيت أسدا، و تعني به الشجاع.
و حقيقتها أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها، و حكمة ذلك
1) هو عبد الوهاب بن علي بن نصر التغلبي الفقيه القاضي المالكي ولد سنة 362 ه كان فقيها أديبا شاعرا حسن النظر جيد العبارة و حدّث بشيء يسير كان ثقة و لم يلق من المالكيين أحدا أفقه منه و له من التصانيف «التلقين» و هو مع صغر حجمه من خيار الكتب و أكثرها فائدة و «المعونة» و «شرح الرسالة» و غيرها ت 462 ه (ابن خلكان، وفيات الأعيان 219/3.
2) في المخطوطة (لفظة).
3) تصحفت في المطبوعة إلى (الطرطوسي) و ما صوبناه من المخطوطة. و هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف الطرطوشي تقدم التعريف به في 113/2.
4) في المخطوطة (هي).
إظهار الخفيّ، و إيضاح الظاهر الذي ليس بجلي، أو بحصول المبالغة أو للمجموع (1).
فمثال إظهار الخفيّ قوله تعالى: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ (الزخرف:4)، فإنّ حقيقته أنه في أصل الكتاب؛ فاستعير لفظ «الأم» للأصل؛ لأن الأولاد تنشأ من الأمّ، كما تنشأ الفروع من الأصول. و حكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئيّ حتى يصير مرئيا، فينتقل السامع من حدّ السماع إلى حدّ العيان؛ و ذلك أبلغ في البيان.
و مثال إيضاح ما ليس بجليّ ليصير جليّا، قوله تعالى: وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ [من الرحمة] (2)(الإسراء:24)؛ لأن المراد أمر الولد بالذلّ لوالديه رحمة؛ فاستعير للذل (3)أولا «جانب» (4)،ثم للجانب «جناح» (5)و تقدير الاستعارة القريبة:«و اخفض لهما جانب الذل»، أي اخفض جانبك ذلا.
و حكمة الاستعارة في هذا جعل ما ليس بمرئيّ مرئيا؛ لأجل حسن البيان، و لما كان المراد خفض جانب الولد للوالدين؛ بحيث لا يبقي الولد من الذلّ لهما و الاستكانة (6)مركبا؛ احتيج من الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى؛ فاستعير الجناح، لما فيه من المعاني التي [لا] (7)
(8-8) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
تحصل من خفض الجناح؛ لأنّ من ميّل جانبه (8)[إلى جهة السفل أدنى ميل، صدق عليه أنه خفض جانبه] (8)؛و المراد خفض يلصق الجنب بالأرض (8)(11-11) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
و لا يحصل ذلك إلا بخفض الجناح كالطائر؛ و أما قول أبي تمام:لا تسقني ماء الملام (11)[فإنّني*صبّ قد استعذبت ماء بكائي (9)فيقال: إنه أرسل إليه قارورة، و قال: ابعث إليّ فيها شيئا من ماء الملام] (11)؛فأرسل0.
1) في المخطوطة (المجموع).
2) ليست في المطبوعة.
3) تصحفت في المطبوعة (للولد) و قد ذكر هذا الفصل السيوطي في الإتقان 134/3، النوع الثالث و الأربعون.
4) في المخطوطة (جانبا).
5) في المخطوطة (جناحا).
6) في المخطوطة (و الاستعانة).
7) ساقطة من المخطوطة.
8) تصحفت في المطبوعة إلى (بالإبط). و ما أثبتناه من المخطوطة و الاتقان.
9) البيت في ديوانه:25/1. و قد ذكر القزويني في الإيضاح:180.
434/3 أبو (1)تمام: أن ابعث لي ريشة من جناح الذّلّ أبعث إليك من ماء الملام.
و هذا (2)لا يصحّ له تعلّق به، و الفرق بين التشبيهين ظاهر؛ لأنه ليس جعل الجناح للذلّ كجعل الماء للملام، فإن الجناح للذلّ مناسب؛ فإن الطائر إذا و هي و تعب بسط جناحه و ألقى نفسه إلى الأرض. و للإنسان أيضا جناح: فإنّ يديه جناحاه، و إذا خضع و استكان يطأطىء من رأسه، و خفض من بين يديه، فحسن عند ذلك جعل الجناح للذلّ، و صار شبها مناسبا، و أما ماء الملام فليس كذلك في مناسبة التشبيه فلذلك استهجن (3)منه. على أنه قد يقال: إنّ الاستعارة التخييلية (4)فيه تابعة للاستعارة بالكناية؛ فإنّ تشبيه الملام بظرف الشراب لاشتماله على ما يكرهه الشارب لمرارته، ثم استعار الملام له كمائه، ثم يخرج منه شيء يشبّه بالماء؛ فالاستعارة في اسم الماء.
في أنها قسم من أقسام المجاز؛ لاستعمال اللفظ في غير ما وضع له.
و قال الإمام فخر الدين: ليس بمجاز لعدم النقل. و في الحقيقة هي تشبيه محذوف الأداة لفظا و تقديرا؛ و لهذا حدّها بعضهم بادعاء معنى الحقيقة في الشيء، مبالغة في التشبيه.
كقولهم: انشقت عصاهم[241/ب]؛ إذا تفرقوا، و ذلك للعصا لا للقوم، و يقولون:
كشفت الحرب عن ساق.
و يفترقان [في] (5)أن التشبيه (6)إذا ذكرت معه الأداة فلا خفاء أنه تشبيه؛ و إن حذفت فهذا يلتبس بالاستعارة؛ فإذا ذكرت المشبه كقولك: زيد الأسد، فهذا تشبيه [بليغ] (7)، كقوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ (البقرة:18)، و إن لم يذكر المشبه به فهو استعارة، كقوله:
1) في المخطوطة (إلى أبي).
2) في المخطوطة (فهذا).
3) في المخطوطة (استحق).
4) اضطربت في المخطوطة إلى (التحها).
5) ساقطة من المخطوطة.
6) في المخطوطة (الشبه).
7) ساقطة من المخطوطة.
8) في المخطوطة (غضنفر).
9) البيت لزهير بن أبي سلمى من معلقته التي مطلعها أ من أمّ أوفي دمنة لم تكلم انظر ديوانه:84 طبعة دار صادر بيروت.
فهذه استعارة نقلت لها وصف الشجاع؛ إلى عبارة صالحة للأسد، لو لا قرينة 435/3 [السلاح] (1)لشككت: هل أراد الرجل الشجاع أو الأسد الضاري؟
لا بدّ فيها من ثلاثة أشياء أصول: مستعار، و مستعار منه، و هو اللفظ؛ و مستعار له و هو المعنى؛ ففي قوله تعالى: وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (مريم:4) المستعار الاشتعال، و المستعار منه النار، و المستعار له الشيب، و الجامع بين المستعار منه و المستعار له مشابهة ضوء النهار لبياض الشيب.
و فائدة ذلك و حكمته وصف ما هو أخفى بالنسبة (2)إلى ما هو أظهر. و أصل الكلام أن يقال: و اشتعل شيب الرأس؛ و إنما قلب للمبالغة؛ لأنه يستفاد منه عموم الشيب لجميع الرأس؛ و لو جاء الكلام [على وجهه] (3)لم يفد ذلك العموم. و لا يخفى أنه أبلغ من قولك:
كثر (4)الشيب في الرأس؛ و إن كان ذلك حقيقة المعنى؛ و الحقّ أن المعنى يعار؛ أولا ثم بواسطته يعار اللفظ، و لا تحسن الاستعارة إلا حيث كان الشبه مقرّرا بينهما ظاهرا؛ و إلاّ فلا بدّ من التصريح بالشبه؛ فلو قلت: رأيت نخلة أو خامة و أنت تريد مؤمنا إشارة إلى قوله:«مثل المؤمن كمثل النخلة» (5)أو «الخامة» (6)لكنت كالملغز (7).
و من أحسن الاستعارة قوله تعالى: وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (التكوير:18)؛ و حقيقته (8)«بدأ انتشاره» و «تنفس» أبلغ؛ فإن ظهور الأنوار في المشرق من أشعة الشمس قليلا قليلا، بينه و بين إخراج النّفس مشاركة شديدة.
1) ساقطة من المخطوطة.
2) في المخطوطة (بالشبه).
3) ساقطة من المخطوطة.
4) في المخطوطة (أكثر).
5) إشارة إلى حديث عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أخرجه مسلم في الصحيح 2164/4-2165 كتاب صفات المنافقين و أحكامهم(50)، باب مثل المؤمن مثل النخلة(15)، الحديث(2811/64).
6) إشارة إلى حديث متفق عليه من رواية كعب بن مالك رضي اللّه عنه أخرجه البخاري في الصحيح 103/10، كتاب المرتضى(75)، باب ما جاء في كفارة المرض... (1)، الحديث(5643)، و مسلم في الصحيح 2163/4، كتاب صفات المنافقين و أحكامهم(50)، باب مثل المؤمن كالزرع... (14) الحديث(2810/59) و (الخامة) هي الطاقة الفضة اللينة من الزرع.(النهاية 89/2) مادة (خوم).
7) في المخطوطة (كاللغز).
8) في المخطوطة (و تحقيقه).
و قوله: اَللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ (يس:37)، لأن انسلاخ [الشيء عن] (1)الشيء أن يبرأ [منه] (1)و يزول عنه حالا فحالا، كذلك انفصال الليل عن النهار؛ و الانسلاخ أبلغ من الانفصال لما فيه من زيادة البيان.
و قوله: أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها (الكهف:29).
سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (القلم:16).
و قوله: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (المدثر:50)، و يقولون للرجل المذموم: إنما هو حمار.
و قوله: وَ الْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ (القيامة:29).
أَ إِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (النازعات:10) أي في الخلق الجديد.
بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ (المطففين:14).
خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (البلد:4) (3)[أي ضيق و شدة] (3).
لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ (العلق:15).
وَ امْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ (المسد:4).
[و قوله] (1)فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ (الدخان:29).
وَ يُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ (العنكبوت:67).
أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (الشعراء:225).
أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللّهِ (الأعراف:131) و المراد حفظهم و ما يحصل لهم.
و قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ (الإسراء:78)، أي أتمها (2)كما أمرت [به] (3).
إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ (الإسراء:60)، أي عصمك منهم، رواه شعبة عن أبي رجاء (4)عن الحسن.).
وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ (الزخرف:4).
وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ (الأنعام:59).
وَ لَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ (الأعراف:154).
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً (الإسراء:12).
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ (الأنبياء:18)، فالدمغ و القذف مستعار.
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ (الكهف:11)، يريد لا إحساس بها، من غير صمم.
و قوله: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ (الحجر:94)، فإنه أبلغ من «بلّغ»، و إن كان بمعناه، لأن تأثير الصّدع أبلغ من تأثير التبليغ؛ فقد لا يؤثّر التبليغ، و الصدع يؤثّر جزما.
438/3 تنقسم إلى مرشّحة-و هي أحسنها-و هي أن تنظر إلى جانب المستعار و تراعيه، كقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ (البقرة:16)، فإن المستعار منه الذي هو الشراء هو المراعى (1)هنا، و هو الذي رشّح لفظتي الربح و التجارة للاستعارة لما بينهما[242/أ] من الملاءمة.
و إلى تجريدية؛ و هي أن تنظر إلى جانب المستعار له، ثم تأتي بما يناسبه و يلائمه، كقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ (النحل:112)، فالمستعار اللباس، و المستعار له الجوع، فجرد (2)الاستعارة، بذكر لفظ الأداة المناسبة (3)للمستعار له و هو الجوع، لا المستعار و هو اللباس، و لو أراد ترشيحها لقال: و كساها لباس الجوع. و في هذه الآية مراعاة المستعار له؛ الذي هو المعنى، و هو الجوع و الخوف؛ لأن ألمهما يذاق و لا يلبس.[و لا يكسى] (4).
و قد تجيء ملاحظة المستعار الذي هو اللفظ، كقوله تعالى: وَ امْرَأَتُهُ حَمّالَةَ
اَلْحَطَبِ (المسد:4)، (1)[إذا حملنا الحطب على النميمة فاعتبر اللفظ فقال:«حمالة»] (1)و لم يقل:«رواية» فيلاحظ المعنى.
و أما الاستعارة بالكناية فهي ألاّ يصرّح بذكر المستعار، بل تذكر بعض لوازمه تنبيها به عليه، كقوله (1):شجاع يفترس أقرانه، و عالم يغترف منه الناس، تنبيها على أن الشجاع أسد و العالم بحر.
و منه المجاز العقلي كلّه عند السكاكي (2).
439/3 و من أقسامها-و هو دقيق-أن يسكت عن ذكر المستعار ثم يومى إليه بذكر شيء من توابعه و روادفه؛ تنبيها عليه، فيقول: شجاع (3)يفترس أقرانه، فنبّهت (4)بالافتراس على أنك قد استعرت له الأسد.
و منه قوله تعالى: اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ (البقرة:27)، فنبّه بالنقض الذي هو من توابع الحبل و روادفه، على أنه قد استعار للعهد الحبل لما فيه من باب الوصلة (5)بين المتعاهدين.
و منها قوله تعالى: وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (الفرقان:
23)، لأن حقيقته «عملنا» لكن قَدِمْنا أبلغ؛ لأنه يدلّ على أنه عاملهم (6)معاملة القادم من سفره؛ لأنه من أجل إمهالهم السابق عاملهم؛ كما يفعل الغائب عنهم إذا قدم فرآهم على خلاف ما أمر به. و في هذا تحذير من الاغترار بالإمهال.
و قوله: إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (الحاقة:11)، لأن حقيقة «طغى» علا، و الاستعارة أبلغ، لأن «طغى»، علا قاهرا (7).).
و كذلك: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (الحاقة:6)، لأن حقيقة «عاتية» شديدة، و العتوّ أبلغ، لأنه شدّة فيها تمرد.
و قوله: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ... (الإسراء:29)، الآية؛ و حقيقته: لا تمنع ما تملك كلّ المنع، و الاستعارة أبلغ، لأنّه جعل منع النائل بمنزلة غلّ [اليدين إلى] (1)العنق، و حال الغلول (2)أظهر.
و قوله تعالى: وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (الزلزلة:2)، قيل: أخرجت ما فيها من 440/3 الكنوز.
و قيل: يحيي به الموتى، و أنها أخرجت موتاها، فسمى الموتى ثقلا تشبيها بالحمل الذي يكون في البطن؛ لأن الحمل يسمى ثقلا، قال تعالى: فَلَمّا أَثْقَلَتْ (الأعراف:
189).
و منها: جعل الشيء للشيء و ليس له من طريق الادعاء و الإحاطة به نافعة في آيات الصفات، كقوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا (القمر:14).
و قوله: وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ (الزمر:
67). و يسمّى التخييل: قال الزّمخشري (3):و لا تجد بابا في علم البيان أدقّ و لا أعون في تعاطي المشبهات منه، و أما قوله تعالى: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (الصافات:65) قال الفرّاء (4):فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه جعل طلعها رءوس الشياطين في القبح.
و الثاني؛ أن العرب تسمي بعض الحيات شيطانا (5)و هو ذو القرن.
و الثالث: أنّه شوك (6)قبيح المنظر، يسمى رءوس الشياطين.
فعلى الأول يكون تخييلا، و على الثاني يكون تشبيها مختصّا.).
الاستعارة فرع التشبيه، فأنواعها كأنواعه خمسة:
441/3 الأول: استعارة حسّيّ لحسّيّ بوجه حسيّ، كقوله تعالى: وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً 242/ب؛ فإن المستعار منه هو النار، و المستعار له هو الشّيب، و الوجه هو الانبساط؛ فالطرفان حسّيان و الوجه أيضا حسّيّ، و هو استعارة بالكناية؛ لأنّه ذكر التشبيه، [و ذكر المشبّه] (1) و ذكر المشبه به مع لازم من لوازم المشبه به؛ و هو الاشتعال.
و قوله: وَ تَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ (الكهف:99)، [أصل] (1)الموج حركة المياه (1)فاستعمل في حركتهم على سبيل الاستعارة.
*** الثاني: حسّي لحسّيّ (2)بوجه عقلي، كقوله تعالى: أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (الذاريات:41) فالمستعار له الريح. و المستعار منه المرأة، و هما حسّيّان، و الوجه المنع من ظهور النتيجة (3)،و الأثر و هو عقلي و هو أيضا استعارة بالكناية.
قال في «الإيضاح» (4):و فيه نظر، لأن العقيم صفة للمرأة لا اسم لها؛ و لهذا جعل صفة للريح، لا اسما. و الحق أن المستعار منه ما في المرأة من الصفة التي تمنع من الحبل و المستعار له ما في الريح من الصفة التي تمنع من إنشاء مطر و إلقاح شجر.
و هو مندفع بالعناية، لأن المراد من قوله:«المستعار منه» المرأة التي عبّر عنها بالعقيم، ذكرها السكاكي (5)
(8-8) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
بلفظ ما صدق عليه. (8)[و الغرض الوصف العنواني] (8).و منه قوله تعالى: وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ (يس:37)، المستعار له ظلمة النهار من ظلمة الليل، و المستعار منه ظهور المسلوخ عند جلدته، و الجامع عقليّ و هو ترتب أحدهما على الآخر.
و قوله: فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ (يونس:24)، أصل الحصيد 442/3 النبات و الجامع الهلاك، و هو أمر عقليّ.
*** الثالث: معقول لمعقول، كقوله تعالى: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [هذا] (1)(يس:
52)، فالرقاد (2)مستعار للموت؛ و هما أمران معقولان، و الوجه عدم ظهور الأفعال؛ و هو عقليّ، و الاستعارة تصريحيّة لكون المشبه به مذكورا.
و قوله: وَ لَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ (الأعراف:154) المستعار السكوت، و المستعار له الغضب، و المستعار منه الساكت، و هذه ألطف الاستعارات، لأنها استعارة معقول لمعقول، لمشاركته في أمر معقول.
*** الرابع: محسوس لمعقول، كقوله تعالى: مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرّاءُ (البقرة:
214)، أصل (3)التماسّ في الأجسام، فاستعير لمقاساة الشدة، و كون المستعار منه حسيّا، و المستعار له عقليا (4)،و كونها تصريحيّة ظاهر (5)،و الوجه اللحوق و هو عقليّ.
و قوله: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ (الأنبياء:18) فالقذف و الدمغ مستعاران.
و قوله: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللّهِ وَ حَبْلٍ مِنَ النّاسِ (آل عمران:112).
و قوله: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ (آل عمران:187).
و قوله: وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ (الأنعام:68) و كلّ 443/3 خوض ذكره اللّه في القرآن فلفظه مستعار من الخوض في الماء.).
و قوله: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ (الحجر:94) استعارة لبيانه عما أوحي إليه، كظهور ماء في الزجاجة عند انصداعها.
و قوله: أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ (التوبة:109)، البنيان مستعار و أصله للحيطان.
و قوله: وَ يَبْغُونَها عِوَجاً (هود:19) العوج مستعار.
و قوله: لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (إبراهيم:1) و كلّ ما في القرآن من الظلمات و النور مستعار.
و قوله: فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (الفرقان:23).
أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (الشعراء:225)؛ الوادي مستعار، و كذلك الهيمان، و هو على غاية الإيضاح.
وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ (الإسراء:29).
*** الخامس: استعارة معقول لمحسوس: إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ (الحاقة:11) المستعار منه التكبّر (1)،و المستعار له الماء، و الجامع الاستعلاء المفرط (2).
و قوله: وَ أَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (الحاقة:6)، العتوّ هاهنا مستعار.
444/3 و قوله: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ (الملك:8) فلفظ الغيظ مستعار.
و قوله: وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً (الإسراء:12)، فهو أفصح[243/أ] من مضيئة.
حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها (محمد:4).
و منها الاستعارة بلفظين، كقوله تعالى: قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ (الإنسان:16)؛ يعني تلك الأواني ليس من الزجاج، و لا من الفضة، بل في صفاء القارورة و بياض الفضة. و قد سبق عن الفارسيّ جعله من التشبيه.).
و مثله: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (الفجر:13)، ينبي عن الدوام و السوط ينبي عن الإيلام؛ فيكون المراد-و اللّه أعلم-تعذيبهم عذابا دائما مؤلما.
445/3 و تسمى الإيهام و التخييل و المغالطة و التوجيه؛ و هي أن يتكلّم المتكلم بلفظ مشترك بين معنيين: قريب و بعيد، و يريد المعنى البعيد، يوهم (1)السامع أنه أراد القريب؛ مثاله قوله تعالى: وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ (الرحمن:6)، أراد بالنجم النبات الذي لا ساق له، و السامع يتوهم أنه أراد الكوكب، لا سيما مع تأكيد الإيهام بذكر الشمس و القمر.
و قوله: وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ (آل عمران:39) و المراد المعرفة.
و قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (الغاشية:8)، أراد بها في نعمة و كرامة، و السامع يتوهم أنه أراد من النعومة.
و قوله: وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ (الذاريات:47) أراد بالأيد القوة الخارجة.
و قوله: وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (الانسان:19)، أي مقرّطون تجعل في آذانهم القرطة، و الحلق الذي في الأذن يسمى قرطا و خلدة، و السامع يتوهم أنه من الخلود.
و قوله: وَ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (محمد:6)، أي علّمهم منازلهم فيها، أو يوهم إرادة العرف، الذي هو الطيّب.
و قوله: وَ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ (المائدة:4) (2).
و قوله: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ وَ جَنّاتٍ (التوبة:21) فذكر «رضوان» مع «الجنات» مما يوهم إرادة خازن الجنات (3).
و كان الأنصار يقولون: راعِنا (البقرة:104) أي أرعنا (4)سمعنا (5)و انظر إلينا 446/3 و الكفار يقولونها «فاعل» من الرعونة. و قال أبو جعفر (6):هي بالعبرانية،[فلما عوتبوا] (7)
قالوا: إنما نقول مثل ما يقول المسلمون، فنهي المسلمون عنها (1).
و قوله: وَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَ هُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (الشورى:28) فقوله:[ اَلْوَلِيُّ هو] (2)من أسماء اللّه [تعالى] (3)،و معناه الوليّ لعباده (4)بالرحمة و المغفرة، و قوله: اَلْحَمِيدُ يحتمل أن يكون من «حامد» لعباده المطيعين، أو «محمود» في السراء و الضراء، و على هذا فالضمير راجع إلى اللّه سبحانه.
و يحتمل أن يكون الوليّ من أسماء المطر (5)،و هو مطر الربيع، و الحميد بمعنى المحمود، و على هذا فالضمير عائد على الغيث.
و قوله: اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ (يوسف:42)، فإن لفظة «ربك» رشحت لفظة «ربّه» لأن تكون (6)تورية؛ إذ يحتمل أنه أراد بها الإله سبحانه و الملك، فلو اقتصر على قوله: فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ (يوسف:42)، و لم تدلّ لفظة «ربه» إلا على الإله فلما تقدمت لفظة «ربك» احتمل المعنيين.
كثيرا ما تلتبس التورية بالاستخدام؛ و الفرق (7)بينهما أن التورية استعمال المعنيين في (8)اللفظ و إهمال الآخر؛ و في الاستخدام استعمالهما معا بقرينتين.
447/3 و حاصله أنّ المشترك إن استعمل في مفهومين (9)معا فهو الاستخدام؛ و إن أريد أحدهما مع لمح الآخر باطنا فهو التورية.
و مثال الاستخدام قوله تعالى: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ* يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ (الرعد:38-39)، فإنّ لفظة «كتاب» يراد بها الأمد المحتوم و المكتوب، و قد توسطت بين
لفظتين، فاستخدمت أحد مفهوميها، و هو الأمد و استخدمت «يمحو» المفهوم الآخر، و هو المكتوب.
و قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ 1[وَ لا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ] (1) (النساء:43)؛ فإن الصلاة تحتمل إرادة نفس الصلاة (1)،و تحتمل إرادة موضعها (2)فقوله: حَتّى تَعْلَمُوا (النساء:43) استخدمت إرادة نفس الصلاة، و قوله [243/ب]: إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ (النساء:43)، استخدمت إرادة موضعها.
448/3 و هو أن تعتقد أن في الشيء من نفسه معنى آخر، كأنه مباين له، فتخرج ذلك إلى ألفاظه بما (3)اعتقدت ذلك، كقولهم: لئن لقيت زيدا لتلقينّ معه (4)الأسد، و لئن سألته لتسألنّ منه البحر. فظاهر هذا أن فيه من نفسه أسدا و بحرا (5)و هو عينه هو (6)الأسد و البحر؛ لا أنّ هناك شيئا منفصلا (7)
(10-10) تكررت هذه العبارة في المخطوطة.
عنه، كقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (آل عمران:190)، فظاهر هذا أن في العالم من نفسه آيات، (10) و هو عينه و نفسه تلك الآيات (10).و كقوله (8)تعالى: وَ اعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (9)(البقرة:260)، و إنما هذا ناب عن قوله:«و اعلم أنّي عزيز حكيم».
و منه قوله (10)تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ] (11)(ق:37).
1) تكررت هذه العبارة في المخطوطة.
2) زيادة عبارة مضطربة في المخطوطة.
3) في المخطوطة (لما).
4) في المخطوطة (منه).
5) في المخطوطة (أسد و نحر).
6) في المخطوطة (و هو).
7) في المخطوطة (منفعلا).
8) في المخطوطة (و قوله).
9) الآية في المخطوطة قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .(البقرة:259).
10) في المخطوطة (و قوله).
11) تمام الآية ليس في المطبوعة.
و قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (الأحزاب:21).
و قوله: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ (فصلت:28)، ليس المعنى أن الجنّة فيها دار خلد و غير دار خلد، بل [كلّها] (1)دار خلد؛ فكأنك (2)لما قلت: في الجنة دار الخلد اعتقدت أن الجنة منطوية على دار نعيم و دار أكل و شرب و خلد، فجردت منها هذا الواحد، كقوله:
و في اللّه إن لم تنصفوا حكم عدل (3)
مروان ظلما دماءنا و هو في لسان العرب 142/12 مادة (حكم).
و قوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ (الأنعام:95)، على 499/3 أحد التأويلات في الآية عن ابن مسعود:«هي النطفة تخرج من الرجل ميّتة، و هو حيّ، و يخرج الرجل منها حيّا و هي ميتة (4)،قال ابن عطية: في تفسيره هذه الآية: إن لفظة الإخراج في تنقل النطفة حتى تكون رجلا، إنما هو عبارة عن تغيير الحال، كما تقول في صبّي جيّد البنية: يخرج من هذا رجل قويّ.
و قد يحتمل قوله: وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ (الأنعام:95)، أي الحيوان كله ميتة، ثم (5)يحييه قال: و هو معنى التجريد.
و ذكر الزمخشريّ (6)أن عمرو بن عبيد (7)
(8-8) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
قرأ في قوله تعالى: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (الرحمن:37)، بالرفع، بمعنى حصلت منها وردة، قال: و هو من التجريد.و قرأ عليّ و ابن عباس في سورة مريم: يرثني وارث من آل يعقوب (مريم:
6)، (8)[قال ابن جنّي (8):هذا هو التجريد، و ذلك أنه يريد: و هب لي من لدنك وليّا يرثني منه وارث من آل يعقوب] (8)،و هو الوارث نفسه، فكأنه جرّد منه وارثا.2.
1) ساقطة من المخطوطة.
2) في المخطوطة (و كأنك).
3) البيت لأبي الخطار الكلبي ذكره ابن جني في الخصائص 475/2، باب التجريد. و صدره أقادت بنو
4) أخرجه الطبري في التفسير 149/3، و هو المرجح عنده.
5) تصحفت في المخطوطة إلى (لم).
6) الكشاف 53/4.
7) تصحف الاسم في المخطوطة إلى (عبيد بن عمير) و هو عمرو بن عبيد أبو عثمان البصري، الزاهد العابد، القدري كبير المعتزلة، روى عن أبي العالية و أبي قلابة، و الحسن البصري و عنه الحمادان، و ابن عيينة. قال النسائي: ليس بثقة. و قال ابن المبارك: دعا إلى القدر فتركوه له كتاب «العدل» و «التوحيد» و غيرهما. ت 144 ه (سير أعلام النبلاء 104/6).
8) انظر المحتسب لابن جني 38/2.
450/3 و هو إمّا بأن تتساوى حروف الكلمتين، كقوله تعالى: وَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ (الروم:55).
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (الصافات:72- 73)، و في ذلك ردّ على من قال (1):ليس منه في القرآن غير الآية الأولى.
و إما بزيادة في إحدى الكلمتين، كقوله تعالى: وَ الْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ* إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (القيامة:29-30).
و إما لاحق، بأن يختلف أحد الحرفين، كقوله: وَ إِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ* وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (العاديات:7-8).
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (القيامة:22-23).
وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ (الأنعام:26).
بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ بِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (غافر:75).
و قوله: وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ [أَوِ الْخَوْفِ] (2)(النساء:83).
و إما في الخطّ، و هو أن تشتبها (3)في الخط لا اللفظ، كقوله تعالى: وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (الكهف:104).
و قوله: وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ* وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (الشعراء:79- 80).
و أما في السمع لقرب أحد المخرجين من الآخر، كقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (القيامة:22-23).
الأول: نازع ابن أبي الحديد (4)في الآية الأولى و قال: عندي أنه ليس بتجنيس أصلا، .
و أن الساعة في الموضعين بمعنى واحد، و التجنيس أن يتفق اللفظ و يختلف المعنى، و ألا تكون إحداهما حقيقة و الأخرى مجازا؛ بل تكونا (1)حقيقتين؛ و إنّ زمان القيامة (2)-و إن طال-لكنّه عند اللّه [تعالى] (3)في حكم الساعة الواحدة؛ لأنّ قدرته (4)لا يعجزها[244/أ] أمر، و لا يطول عندها زمان؛ فيكون إطلاق لفظة «الساعة» على أحد الموضعين حقيقة، و على الآخر مجازا؛ و ذلك يخرج الكلام من التجنيس؛ كما لو قلت (5):ركبت حمارا، و لقيت حمارا، و أردت بالثاني البليد (6).و أيضا لا يجوز (7)أن يكون المراد بالساعة الساعة الأولى خاصّة (8)و زمان البعث، فيكون لفظ الساعة مستعملا في الموضعين حقيقة بمعنى واحد؛ فيخرج عن (9)التجنيس.
*** الثاني: يقرب منه الاقتضاب، و هو أن تكون الكلمات يجمعها أصل واحد في اللغة، كقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ (الروم:43).
و قوله: يَمْحَقُ اللّهُ الرِّبا وَ يُرْبِي الصَّدَقاتِ (البقرة:276).
و قوله: فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ (الواقعة:89).
452/3 و قوله: وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَ نَأى بِجانِبِهِ وَ إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (فصلت:51).
قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (الشعراء:168).
وَ جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (الرحمن:54).
يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ (يوسف:84).
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ (النور:37).).
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ (الأنعام:79).
اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ [أَ رَضِيتُمْ] (1)(التوبة:38).
*** الثالث: اعلم أن الجناس من المحاسن اللفظية لا المعنوية، و لهذا تركوه عند قوة المعنى بتركه؛ و لذلك (2)مثالان:
أحدهما قوله: أَ تَدْعُونَ بَعْلاً وَ تَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (الصافات:125)، فذكر الرازي في «تفسيره» (3):«أن الكاتب الملقب بالرشيد (4)،قال: لو قيل:«أ تدعون بعلا و تدعون أحسن الخالقين». [لكان] (5)تحصل (6)به رعاية معنى التجنيس أيضا؛ مع كونه موازنا ل «تذرون».
و أجاب الرازي: بأن فصاحة القرآن ليست لأجل رعاية هذه التكلّفات، بل لأجل قوة المعاني و جزالة الألفاظ».
و قال بعضهم: مراعاة المعاني أولى من مراعاة الألفاظ، فلو كان «أ تدعون»«و تدعون»453/3 كما قال هذا القائل لوقع الإلباس على القارئ فيجعلهما بمعنى واحد تصحيفا منه، و حينئذ (7)فينخرم اللفظ، إذا قرأ و «تدعون» الثانية بسكون الدال؛ لا سيما و خط المصحف الإمام لا ضبط فيه و لا نقط.
قال: و مما صحّف من القرآن بسبب ذلك و ليس بقراءة قوله تعالى: قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ (الأعراف:156) بالسين المهملة.
و قوله: إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ (التوبة:114) بالباء الموحدة.
و قوله: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (عبس:37) بالعين المهملة.
و قرأ ابن عباس:«من تدعون» (8)على الاستفهام.ق.
قلت: و أجاب الجويني (1)عن هذا بما يمكن أن يتخلّص منه: أن «يذر» (2)أخصّ من «يدع» (3)و ذلك لأن (4)الأول بمعنى ترك الشيء اعتناء (5)،بشهادة الاشتقاق، نحو الإيداع، فإنه عبارة عن ترك الوديعة مع الاعتناء بحالها، و لهذا يختار لها من هو مؤتمن عليها؛ و من ذلك الدّعة بمعنى الراحة (6).و أما «تذر» فمعناها الترك مطلقا، و الترك (7)مع الإعراض و الرّفض (8)الكليّ؛ و لا شكّ أن السياق إنما يناسب هذا دون الأول؛ فأريد هنا تبشيع حالهم في الإعراض عن ربهم، و أنهم بلغوا الغاية في الإعراض.
قلت: و يؤيده قول الراغب (9):يقال: فلان (10)يذر الشيء أي يقذفه لقلة الاعتداد (11)به. و الوذرة (12)قطعة من اللحم لقلة الاعتداد به، نحو (13)قولهم:«هو لحم على وضم»، قال تعالى: أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَ نَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا (الأعراف:70)، و قال تعالى:
وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ (الأعراف:127)، فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ (الأنعام:112) وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا (البقرة:278) و إنما قال: تَذَرُونَ و لم يقل «تتركون» و «تخلّفون» لذلك. انتهى.
و عن الشيخ كمال الدين ابن الزملكانيّ (14)[أنه أجاب] (15)عن هذا السؤال بأنّ التجنيس تحسين، و إنما يستعمل في مقام الوعد و الإحسان؛ و هذا مقام تهويل، و القصد فيه المعنى، فلم يكن لمراعاة اللفظة (16)فائدة.
و فيه نظر، فإنه ورد في قوله: وَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ... [244/ب] [ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ] (17)(الروم:55).ة.
1) كذا في المخطوطة و المطبوعة و في الإتقان 374/3 (الخويي).
2) في المخطوطة (يدع) تصحيف.
3) في المخطوطة (يذر) تصحيف.
4) في المخطوطة (أن).
5) في المخطوطة (اعتنى به).
6) في المخطوطة (الراعة) تصحيف.
7) في المخطوطة (أو الترك).
8) في المخطوطة (و اللفظ).
9) انظر المفردات:518 مادة (وذر).
10) في المطبوعة (فلا) تصحيف.
11) في المخطوطة (اعتياده).
12) في المطبوعة (و الوزرة). و في المخطوطة (و منه الوذرة).
13) في المخطوطة (في نحو).
14) تقدم التعريف به في 135/1.
15) ساقطة من المخطوطة.
16) في المخطوطة (اللفظ).
17) ليست في المطبوعة.
المثال الثاني: قوله تعالى: وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَ لَوْ كُنّا صادِقِينَ (يوسف:17) قال (1):معناه: و ما أنت مصدّق لنا، فيقال: ما الحكمة في العدول عن الجناس، و هلاّ قيل:«و ما أنت بمصدق لنا و لو كنا صادقين»، فإنّه يؤدي معنى الأول مع زيادة (2)رعاية التجنيس اللفظي؟ و الجواب أن في «مؤمن لنا» من المعنى ما ليس في «مصدّق»، و ذلك أنك إذا قلت:
«مصدّق لي» فمعناه. قال لي: صدقت، و أما «مؤمن» فمعناه مع التصديق إعطاء الأمن، و مقصودهم التصديق و زيادة، و هو طلب الأمن؛ فلهذا عدل إليه.
فتأمل هذه اللطائف الغريبة، و الأسرار العجيبة فإنه نوع من الإعجاز!
قال الخفاجي (3):«إذا دخل التجنيس نفي عدّ طباقا، كقوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (الزمر:9)، لأن «الّذين لا يعلمون» هم الجاهلون، قال: و في هذا يختلط (4)التجنيس بالطباق.
455/3 هو أن يجمع بين متضادّين مع مراعاة التقابل، كالبياض، و السواد، و الليل و النهار؛ و هو قسمان: لفظيّ و معنويّ؛ كقوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً (التوبة:
82)، طابق بين الضحك و البكاء، و القليل و الكثير.
و مثله: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (الحديد:23).
وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى* وَ أَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَ أَحْيا .(النجم:43-44).
وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ (الكهف:18).
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَ سارِبٌ بِالنَّهارِ (الرعد:10).
و قوله تعالى: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ... (آل عمران:
وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ* وَ لاَ الظُّلُماتُ وَ لاَ النُّورُ* وَ لاَ الظِّلُّ وَ لاَ الْحَرُورُ* وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لاَ الْأَمْواتُ (فاطر:19 إلى 22).
ثم إذا شرط فيهما (1)شرط وجب أن يشترط في ضدّيهما ضدّ ذلك الشرط، كقوله تعالى: فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَ اتَّقى* وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى... (الليل:5-6) 456/3 الآية، لما جعل التيسير مشتركا بين الإعطاء و التقى و التصديق، و جعل ضدّه و هو التعسير مشتركا بين أضداد تلك الأمور، و هي المنع و الاستغناء و التكذيب.
و منه: فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ* قُطُوفُها دانِيَةٌ (الحاقة:22-23)، قابل بين العلوّ و الدنو.
و قوله: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ* وَ أَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (الغاشية:13-14).
و قوله: وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ (القصص:73)، فذكر الليل و النهار و هما ضدّان، ثم قابلهما بضدّين و هما الحركة و السكون، على الترتيب، ثم عبّر عن الحركة بلفظ «الإرداف» فاستلزم الكلام ضربا من المحاسن زائدا على المبالغة، و عدل عن لفظ الحركة إلى لفظ «ابتغاء الفضل» لكون الحركة تكون للمصلحة دون المفسدة؛ و هي تسير (2)إلى الإعانة بالقوة و حسن الاختيار الدالّ على رجاحة العقل، و سلامة الحسّ، و إضافة الظرف (3)إلى [تلك] (4)الحركة المخصوصة واقعة فيه، ليهتدي المتحرّك (5)إلى بلوغ المأرب.
*** و من الطباق المعنويّ قوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ* قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (يس:15-16)، معناه: ربنا يعلم إنا لصادقون.
و قوله: اَلَّذِي 6جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً (البقرة:22)، قال أبو عليّ في).
«الحجة (1)»: لمّا كان البناء رفعا للمبنيّ قوبل بالفراش الذي هو على خلاف البناء، و من ثمّ وقع البناء على ما فيه ارتفاع في نصيبه إن لم يكن مدرا.
*** و منه نوع (2)يسمى الطباق الخفيّ؛ كقوله تعالى: مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً 457/3 (نوح:25)، لأن الغرق من صفات الماء، فكأنه جمع بين الماء [في النار] (3)و النار، قال ابن منقذ (4):و هي أخفى مطابقة في القرآن.
قلت: و منه قوله تعالى: مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً (يس:80)؛ فكأنه جمع بين الأخضر و الأحمر، و هذا أيضا (5)فيه تدبيج بديعي.
و منه: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ [245/أ] حَياةٌ (البقرة:179)، لأن [معنى] (6)القصاص القتل، فصار القتل سبب الحياة.
قال ابن المعتز (7)و هذا من أملح الطباق و أخفاه.
و قوله تعالى في الزخرف: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا (الآية:17)؛ لأن «ظلّ» لا تستعمل (8)إلا نهارا، فإذا لمح مع ذكر السواد كأنه طباق يذكر البياض مع السواد.).
1) كتاب الحجة لأبي علي الفارسي تقدم التعريف به في 488/1.
2) تصحفت في المخطوطة إلى (و مرفوع) بدل (و منه نوع).
3) ساقطة من المخطوطة.
4) تصحفت في المخطوطة إلى (ابن سعد)، و هو أسامة بن مرشد بن علي بن مقلّد بن نصر بن منقذ الكناني الكلبي الشّيزري من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر و علمائهم و شجعانهم، و يلقب مؤيد الدولة و مجد الدين و له تصانيف حسان منها «لباب الآداب» و «البديع في نقد الشعر» و «الشيب و الشباب» ت 584 ه (ياقوت، معجم الأدباء 188/5). و قد ذكر قوله السيوطي في الاتقان 285/3. النوع الثامن و الخمسون في بديع القرآن.
5) في المخطوطة (فيه أيضا).
6) ساقطة من المخطوطة.
7) هو عبد اللّه بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد الهاشمي ولد سنة 247 ه كان أديبا بليغا شاعرا مخالطا للعلماء و الأدباء أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد و ثعلب و غيرهما، و له من التصانيف «الزهر و الرياض» و «الجوارح و الصيد» و «مكاتبة الإخوان بالشعر» و غيرها ت 296 ه (ابن خلكان، وفيات الأعيان 76/3).
8) في المخطوطة (يستعمل).
و قوله (1): وَ يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَ تَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ (غافر:41).
458/3
و فيها مباحث:
و هي ذكر الشيء مع ما يوازيه (2)في بعض صفاته، و يخالفه في بعضها، و هي من باب «المفاعلة»، كالمقابلة و المضاربة، و هي قريبة من الطباق؛ و الفرق بينهما من وجهين:
الأول: أن الطّباق لا يكون إلا بين الضدّين (3)غالبا، و المقابلة تكون لأكثر (4)من ذلك غالبا.
و الثاني: لا يكون الطباق إلا بالأضداد، و المقابلة بالأضداد و غيرها؛ و لهذا جعل ابن الأثير (5)
(6-6) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
الطّباق أحد أنواع المقابلة.و هي ثلاثة: نظيريّ، و نقيضيّ، (6)[و خلافيّ. و الخلافيّ أتمها في التشكيك، و ألزمها بالتأويل، و النّقيضيّ] (6)ثانيها، و النظيريّ ثالثها.
و ذكر الشيخ أبو الفضل يوسف بن محمد النحوي القلعيّ (6):أن القرآن كلّه وارد عليها بظهور نكته الحكمية العلمية، من الكائنات و الزمانيات و الوسائط الروحانيات و الأوائل الإلهيات؛ حيث اتّحدت من حيث تعددت، و اتصلت من حيث انفصلت؛ و أنها قد ترد على
1) في المخطوطة (و منه).
2) تصحفت في المخطوطة إلى (زيه).
3) في المخطوطة (ضدين).
4) في المخطوطة (الأكثر).
5) هو ابن الأثير الجزري صاحب المثل السائر تقدم التعريف به في 189/3.
6) هو يوسف بن محمد بن يوسف التوزري أبو الفضل المعروف بابن النحوي كان فقيها يميل إلى الاجتهاد من أهل تلمسان أصله من توزر سكن سلجماسة، و له تصانيف، نظم «القصيدة المنفرجة» توفي بقلعة بني حماد سنة 513 ه (التنبكتي، نيل الابتهاج:349) المطبوع على هامش الديباج.
شكل المربع تارة، و شكل المسدس أخرى، و على شكل المثلث، إلى غير ذلك من التشكيلات 459/3 العجيبة، و الترتيبات البديعة، ثم (1)أورد أمثلة من ذلك.
مثال [مقابلة النظيرين] (2)،مقابلة السّنة و النوم في قوله تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ (البقرة:255)؛ لأنهما جميعا من باب الرقاد المقابل باليقظة.
و قوله: وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ (الكهف:18)، و هذه هي مقابلة النقيضين أيضا، ثم السّنة و النوم بانفرادهما متقابلان في باب النظيرين و مجموعهما يقابلان النقيض الذي هو اليقظة.
و مثال مقابلة الخلافين، مقابلة الشرّ بالرشد في قوله تعالى: وَ أَنّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (الجن:10)، فقابل الشرّ بالرشد؛ و هما خلافيان، و ضد الرشد الغيّ، و ضد الشر الخير، و الخير الذي يخرجه لفظ الشر ضمنا نظير الرشد قطعا، و الغي الذي يخرجه لفظ الرشد ضمنا نظير الشر قطعا [فقد] (3)حصل من هذا الشكل أربعة ألفاظ: نطقان و ضمنان؛ فكان بهما رباعيّان.
و هذا الشكل الرباعي يقع في تفسيره على وجوه، فقد يرد و بعضه مفسّر، مثل ما ذكرناه، و قد يرد و كله مفسّر، كقوله تعالى: فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلّى* وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلّى (القيامة:31-32) فقابل «صدّق» ب «كذّب»«و صلّى» الذي هو أقبل ب «تولّى».
قوله (4): لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا تَأْثِيماً* إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (الواقعة:
25-26)، اللغو في الحيثية المنكرة و التأثيم في الحيثية الناكرة، و اللّغو منشأ المنكر و مبدأ درجاته، و التأثيم منشأ التكبّر و مبدأ درجاته، فلا نكير إلا بعد منكر، و لا اعتقاد (5)إنكار إلا (6)بعد اعتقاد تأثيم، و منشأ اللغو (7)في أول طرف (8)المكروهات و آخره في طرف المحظورات و مبدأ التأثيم.).
و من ذلك أيضا قوله تعالى: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ (البقرة:30) فقابل الإفساد بالتسبيح و الحمد، و سفك الدماء 460/3 بالتقديس، فالتسبيح بالحمد إذن ينفي الفساد، و التقديس ينفي سفك الدماء، و التسبيح شريعة للإصلاح، و التقديس شريعة حقن الدماء، و شريعة التقديس أشرف من شريعة التسبيح؛ فإن التسبيح بالحمد للإصلاح لا للفساد (1)،و سفك الدماء للتسبيح لا للتقديس؛ و هذا شكل مربّع، من أرضيّ و هو الإفساد[245/ب] و سفك الدماء،[و سمائي] (2)و هو التسبيح و التقديس، و الأرضيّ ذو فصلين، و السمائيّ ذو فصلين، و وقع النفس من الطرفين المتوسطين؛ فالطرفان الإفساد في الطرف الأول، و التقديس في الطرف الآخر، و الوسطان آخر الأرض، و أول السماء، فالأول متشرف (3)على الآتي و الآخر ملفت (4)إلى الماضي:
و كم في كتاب اللّه من كلّ موجز يدور على المعنى و عنه يماصع (5)
لقد جمع الاسم المحامد كلّها مقاسيمها مجموعة و المشايع
و هذا القدر الذي ذكره هذا الحبر مرمى (6)عظيم، يوصّل إلى أمور غير متجاسر عليها، كما في آية الكرسيّ و غيرها.
*** و قسم بعضهم المقابلة إلى أربع:
أحدها: أن يأتي بكل واحد من المقدمات مع قرينة من الثواني، كقوله تعالى:
وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً* وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (النبأ:10-11).
و الثانية (7):أن يأتي بجميع [المقدمات مع قرينة] (8)الثواني مرتّبة من أولها، كما قال تعالى: وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ (القصص:
73).ة.
و كذلك: وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (البقرة:217).
الثالث: أن يأتي بجميع المقدمات ثم بجميع الثواني مرتبة من آخرها، و يسمى ردّ 461/3 العجز على الصدر، كقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ* وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (آل عمران:106-107).
الرابع: أن يأتي بجميع المقدمات ثم بجميع الثواني مختلطة غير مرتبة، و يسمى اللفّ (1)كقوله تعالى: وَ زُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ (البقرة:214) فنسبة قوله: مَتى نَصْرُ اللّهِ (البقرة:214) إلى قوله:
وَ الَّذِينَ آمَنُوا ،كنسبة قوله: يَقُولَ الرَّسُولُ إلى: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ،لأن القولين المتباينين يصدران عن [مقامين] (2)
(3-3) عبارة المخطوطة (فجمع المقدمتين و جمع التاليين بالتفات).
متباينين.و كما قال تعالى: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ (الأنعام:52) فنسبة قوله: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (الأنعام:52) إلى قوله: فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ (الأنعام:52) كنسبة قوله: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ (الأنعام:52) إلى قوله:
فَتَطْرُدَهُمْ (الأنعام:52) (3)فجمع المقدّمين التاليين بالالتفات (3).
*** و جعل بعضهم من أقسام التقابل مقابلة الشيء بمثله و هو ضربان:
مقابل (3)في اللفظ دون المعنى، كقوله تعالى: وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنا مَكْراً (4)(النمل:50).).
462/3 و مقابل في المعنى دون اللفظ، كقوله تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي (سبأ:50)؛ فإنه لو كان التقابل هنا من جهة اللفظ، لكان التقدير:«و إن اهتديت، فإنما اهتديت لها».
و بيان تقابل هذا الكلام من جهة المعنى، أنّ النفس كلّ ما هو عليها لها، فهو (1)أعني أن كلّ ما هو و بال عليها و صار لها فهو بسببها و منها؛ لأنها أمّارة بالسوء، و كلّ ما هو مما ينفعها فبهداية (2)ربها و توفيقه إياها، و هذا حكم لكلّ مكلف، و إنما [أمر] (3)رسول (4)اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أن يسند إلى نفسه، لأنه إذا دخل تحته (5)
(6-6) ليست في المخطوطة.
مع علو محلّه كان غيره أولى به.و من هذا الضرب قوله تعالى: أَ لَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (النمل:86)، فإنه لم يدع التقابل[246/أ] في قوله:
لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَ [النَّهارَ] 6مُبْصِراً ،لأن القياس يقتضي أن يكون «و النهار لتبصروا فيه»، و إنما هو مراعى من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، لأنّ [معنى] (6)«مبصرا» تبصرون فيه طرق التقلب في الحاجات.
*** و اعلم أنّ في تقابل المعاني بابا عظيما يحتاج إلى فضل تأمّل، و هو يتصل غالبا بالفواصل، كقوله تعالى: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ*[ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ] (6)
(9-9) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.
(البقرة:11-12) إلى قوله لا يَشْعُرُونَ (البقرة:12).(9) [و قوله: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ (البقرة:13) إلى قوله: لا يَعْلَمُونَ (البقرة:13).
فانظر فاصلة الثانية يَعْلَمُونَ و التي قبلها يَشْعُرُونَ ] (9)لأن أمر الديانة و الوقوفة.
على أن المؤمنين: يجتمعون و هم مطيعون يحتاج إلى نظر و استدلال، حتى يكسب الناظر المعرفة و العلم؛ و إنما النفاق-و ما فيه من الفتنة و الفساد-أمر دنيوي مبنيّ على العادات معلوم 463/3 عند الناس، فلذلك قال فيه يَعْلَمُونَ .
و أيضا فإنّه لما ذكر السّفه في الآية الأخرى (1)-و هو جهل-كان ذكر العلم طباقا و على هذا تجيء فواصل القرآن، و قد سبق في بابه.
*** و من المقابلة قوله تعالى: اَلشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَ اللّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلاً (البقرة:268)، فتقدم اقتران الوعد بالفقر و الأمر بالفحشاء، ثم قوبل بشيء واحد و هو الوعد، فأوهم الإخلال بالثاني، و ليس كذلك؛ و إنما لما كان الفضل مقابلا للفقر، و المغفرة مقابلة للأمر بالفحشاء؛ لأن الفحشاء توجب العقوبة، و المغفرة تقابل العقوبة، استغني بذكر المقابل عن ذكر مقابله، لأن ذكر أحدهما ملزوم ذكر الآخر.
464/3 من مقابلة اثنين باثنين: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً (التوبة:82).
و من مقابلة أربعة بأربعة: فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَ اتَّقى... (الليل:5 إلى 10) الآية.
و من مقابلة خمس بخمس قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها (البقرة:26)، للدلالة على الحقير و الكبير (2)
(3-3) ما بين الحاصرتين ليس في المطبوعة.
و هو من الطباق الخفيّ، الثاني:فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ،الثالث: يُضِلُّ [بِهِ كَثِيراً] 3وَ يَهْدِي بِهِ [كَثِيراً] (3) ،و الرابع يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ (البقرة:27)، الخامس يَقْطَعُونَ و أَنْ يُوصَلَ .
و من مقابلة ست (3)[بستّ] (4):قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ
اَلْحَياةِ الدُّنْيا (آل عمران:14)، ثم قال تعالى: قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا 465/3 عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللّهِ (آل عمران:15)، قابل الجنات و الأنهار و الخلد و الأزواج و التطهير و الرضوان بإزاء النساء (1)[و البنين و الذهب و الفضة و الخيل المسومة و الأنعام و الحرث و من الحكمة العظيمة أن بدأ بذكر النساء] (1)في الدنيا، و ختم بالحرث، و هما طرفان متشابهان، و فيهما الشهوة و الانعاش (1)الدنياويّ، و أخّر ذكر الأزواج كما يجب في الترتيب الأخرويّ، و ختم بالرضوان.
قد يجيء نظم الكلام على غير صورة المقابلة في الظاهر؛ و إذا تؤمل (2)كان من أكمل المقابلات؛ و لذلك أمثلة:
منها قوله تعالى: إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى* وَ أَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَ لا تَضْحى (3)(طه:118-119) فقابل الجوع بالعري؛ و الظمأ بالضّحى؛ و الواقف مع الظاهر ربّما يحيل أنّ الجوع يقابل بالظمأ، و العري بالضّحى.
و المدقّق يرى هذا الكلام في أعلى مراتب الفصاحة؛ لأن الجوع ألم الباطن (4)و الضّحى موجب لحرارة الظاهر، فاقتضت الآية نفي جميع (5)الآفات ظاهرا و باطنا؛ و قابل الخلو بالخلوّ، و الاحتراق بالاحتراق. و هاهنا موضع الحكاية المشهورة بين المتنبي و سيف الدولة (6)لما أنشده:
وقفت و ما في [الموت] (7)شكّ لواقف كأنّك في جفن الرّدى و هو نائم
466/3[246/ب] و منها قوله تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَ الْأَصَمِّ وَ الْبَصِيرِ وَ السَّمِيعِ
1) في المطبوعة (و المعاش).
2) في المخطوطة (تأمل).
3) قال الفراء في معاني القرآن 194/2:«و لا تضحى» لا تصيبك شمس مؤذية، و ذكر في بعض التفسير لا تعرق و الأول أشبه بالصواب». انتهى.
4) في المخطوطة (في الباطن).
5) عبارة المطبوعة (جميع نفي).
6) الحكاية بتمامها في التبيان في شرح الديوان للعكبري 386/3.
7) ساقطة من المخطوطة.
(هود:24)؛ فإنه [قد] (1)يتبادر فيه سؤال؛ و هو أنه لم لا قيل:«مثل الفريقين كالأعمى و البصير، و الأصم و السميع»، لتكون (2)المقابلة في لفظ «الأعمى» و ضده بالبصير، و في لفظ «الأصم» و ضده السميع.
و الجواب أنه يقال: لما ذكر انسداد العين أتبعه بانسداد السمع، و بضدّ (3)ذلك لما ذكر انفتاح البصر أعقبه (4)بانفتاح السمع؛ فما تضمّنته الآية الكريمة هو الأنسب في المقابلة و الأتمّ في الإعجاز.
467/3 خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (الأنبياء:37).
وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً (المائدة:96).
و هو أن يقدّم في الكلام جزء ثم يؤخر، كقوله تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ (الممتحنة:10) و قدره الزّمخشري (5)،«أي لاحلّ بين المؤمن و المشرك، و الآية صرّحت بنفي الحلّ من الجهتين، فقد يستدلّ بها من قال: إن الكفار مخاطبون بالفروع.
و مثله (6)قوله تعالى: وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ (المائدة:5) أي ذبائحكم، و هذه رخصة للمسلمين.
468/3 و هو الاحتجاج على المعنى المقصود بحجة (7)عقلية، تقطع المعاند له فيه. و العجب
من ابن المعتز (1)في «بديعه»، حيث أنكر وجود هذا النوع في القرآن، و هو من أساليبه.
و منه قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا (الأنبياء:22) ثم قال النحاة: إنّ الثاني امتنع لأجل امتناع الأول، و خالفهم ابن الحاجب (2)و قال: الممتنع الأول لأجل [امتناع] (3)
(4-4) ما بين الحاصرتين ليس في المطبوعة.
الثاني؛ فالتعدّد منتف لأجل امتناع الفساد.و قوله؛ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ (يس:79).
و قوله: أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ 4[بَلى وَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ] (4) (يس:81).
و قوله حكاية عن الخليل: وَ حاجَّهُ قَوْمُهُ (الأنعام:80) إلى قوله: وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ (الأنعام:83).
و قوله: وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (الروم:27)؛ المعنى أنّ الأهون أدخل في الإمكان من غيره؛ و قد أمكن هو، فالإعادة أدخل في الإمكان من بدء الخلق.
و قوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [وَ لَعَلا] 6... (المؤمنون:91) الآية، و هذه حجة عقلية، تقديرها أنه لو كان خالقان (4)لاستبدّ كل منهما بخلقه، فكان الذي يقدر عليه أحدهما لا يقدر عليه الآخر، و يؤدّي 469/3 إلى تناهي مقدوراتهما (5)و ذلك يبطل الإلهية، فوجب أن يكون الإله واحدا ثم زاد في).
1) تقدم التعريف به في 503/3 و كتابه «البديع» طبع بتحقيق اغناطيوس ترانشكوفسكي بلندن لوزاك عام 1354 ه/1935 م، و أعاد نشره مجمع العلوم الروسي بلننغراد ضمن مجموعة آثار كرانشوفسكي المجلد السادس عام 1380 ه/1960 م و أعادت طبعه بالأوفست مكتبة المثنى ببغداد عام 1387 ه/1967 م، و طبع بتحقيق محمد عبد المنعم خفاجي بالقاهرة بمطبعة مصطفى البابي الحلبي عام 1364 ه/1945 م، و طبع بدار الحكمة بدمشق (ذخائر التراث العربي 243/1).
2) هو أبو عمرو عثمان بن عمر تقدم التعريف به في 466/1.
3) ساقطة من المطبوعة.
4) في المخطوطة (كانا خالقين).
5) في المخطوطة (مقدوريهما).
الحجاج فقال: وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ (المؤمنون:91)، أي و لغلب بعضهم بعضا في المراد، و لو (1)أراد أحدهما إحياء جسم و الآخر إماتته لم يصحّ ارتفاع مرادهما؛ لأن رفع النقيضين محال، و لا وقوعهما للتضادّ، فنفى وقوع أحدها دون الآخر؛ و هو المغلوب (2)و هذه تسمى دلالة التمانع، و هي كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: إِذاً لاَبْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (الإسراء:42).
و قوله: وَ لَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ (الأنفال:23).
و قوله: أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ* أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (الواقعة:58-59) فبيّن أنّا لم نخلق المنيّ (3)لتعذّره علينا، فوجب أن يكون الخالق غيرنا.
*** و منه نوع منطقيّ و هو استنتاج النتيجة من مقدمتين، و ذلك من أول سورة الحج إلى قوله: وَ أَنَّ اللّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (الآية:7)، فنطق على خمس نتائج من عشر مقدمات؛ فالمقدمات من أول السورة [إلى قوله] (4): وَ أَنْبَتَتْ 5مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (الحج:5)، و النتائج من قوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ (الحج:6) إلى قوله: وَ أَنَّ اللّهَ يَبْعَثُ [247/أ] مَنْ فِي الْقُبُورِ (الحج:7).
و تفصيل ترتيب المقدمات و النتائج أن يقول: أخبر اللّه أنّ زلزلة الساعة شيء عظيم، و خبره هو الحق، و من أخبر عن الغيب بالحق فهو حق بأنه هو الحق، و أنه يأتي بالساعة على 470/3 تلك الصفات و لا يعلم صدق الخبر إلا بإحياء الموتى ليدركوا ذلك، و من يأتي بالساعة يحيي الموتى؛ فهو يحيي الموتى. و أخبر أنه يجعل الناس من هول الساعة سكارى لشدة العذاب، و لا يقدر على عموم الناس لشدة العذاب إلا من هو على كل شيء قدير؛ فإنه على كل شيء قدير. و أخبر أنّ الساعة يجازى فيها من يجادل في اللّه بغير علم، و لا بدّ من مجازاته، و لا يجازى حتى تكون الساعة آتية، و لا تأتي الساعة حتى يبعث من [في] (5)القبور، فهو يبعثة.
من في القبور. و اللّه (1)ينزّل الماء على الأرض الهامدة فتنبت من كل زوج بهيج، و القادر على إحياء الأرض بعد موتها يبعث من القبور.
و منه قوله (2)تعالى: وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (ص:26) مقدّمتان و نتيجة، لأن اتباع الهوى يوجب (3)الضلال، و الضلال يوجب سوء العذاب؛ فأنتج أنّ اتباع الهوى يوجب سوء العذاب.
و قوله: فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (الأنعام:76)، أي القمر أفل، و ربي فليس بآفل، فالقمر ليس بربّي، أثبته بقياس اقتراني جليّ من الشكل الثاني، و احتج بالتعبير على الحدوث، و الحدوث (4)
(5-5) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
(7-7) تكرار في المخطوطة.
على المحدث.471/3
و ليس المراد به القسمة العقلية التي يتكلم عليها المتكلم؛ لأنها قد تقتضي أشياء مستحيلة كقولهم: الجواهر لا تخلو إما أن تكون مجتمعة أو متفرقة، أو لا مفترقة و لا مجتمعة، أو مجتمعة و مفترقة معا، أو بعضها مجتمع و بعضها مفترق، فإن هذه القسمة صحيحة عقلا، لكن بعضها يستحيل وجوده (5)[فإن الشيء لا يكون مجتمعا متفرقا في حالة واحدة و إنما المراد هنا بالتقسيم ما يقتضيه المعنى مما يمكن وجوده] (5)،و هو استيفاء المتكلّم أقسام الشيء؛ بحيث لا يغادر شيئا و هو آلة الحصر و مظنة الإحاطة بالشيء، كقوله تعالى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ 7وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ (فاطر:32) فإنه لا يخلو العالم جميعا من هذه الأقسام الثلاثة (7)؛إما [عاص] (5)ظالم نفسه، و إما [سابق] (6)مبادر إلى الخيرات، و إما مقتصد فيها، و هذا من أوضح التقسيمات و أكملها.
و مثله قوله: وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً* فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ* وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ* وَ السّابِقُونَ السّابِقُونَ (الواقعة:7 إلى 10)، و هذه الآية مماثلة في المعنى للتي قبلها، و أصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم، و أصحاب الميمنة هم المقتصدون، و السابقون هم السابقون بالخيرات.
كذلك (1)
(2-2) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة و كتب موضعها(... الآية).
(4-4) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوعة.
قوله تعالى: لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَ ما خَلْفَنا (مريم:64) الآية، فاستوفى أقسام الزمان و لا رابع لها.و قوله: وَ اللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ (النور:45) إلى قوله: ما يَشاءُ (النور:45)، و هو في القرآن كثير، و خصوصا في سورة براءة.
و منه قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً (الرعد:12)، و ليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق و الطمع في الأمطار، و لا ثالث لهما.
و قوله: فَسُبْحانَ اللّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ* 2[ وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ 472/3 وَ الْأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ] (2) (الروم:17-18)، فاستوفت أقسام الأوقات، من طرفي كل يوم و وسطه مع المطابقة و المقابلة.
و قوله: اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ (آل عمران:191)، فلم بترك سبحانه قسما من أقسام الهيئات.
و مثله آية يونس: وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً [247/ب] أَوْ قائِماً (الآية:12).
لكن وقع بين ترتيب الآيتين مغايرة أوجبتها المبالغة، و ذلك أنّ المراد بالذّكر في الأولى الصلاة فيجب فيها تقديم (4)[القيام عند العجز [عن] (2)القعود ثم عند الاضطجاع و هذه بخلاف الضر فإنه يجب فيه تقديم] (4) الاضطجاع، و إذا زال بعض الضرّ قعد المضطجع، و إذا زال كل الضرّ قام القاعد، فدعا لتتم الصحة، و تكمل القوّة.ق.
فإن قلت: هذا التأويل لا يتم إلا إذا كانت الواو عاطفة، فإنها تحصل في الكلام حسن اتّساق، و ائتلاف الألفاظ مع المعاني، و قد عدل عنها إلى «أو» التي سقط معها ذلك.
قلت: يأتي التضرّع على أقسام، فإنّ منه ما يتضرّع المضرور عند وروده، و منه ما يقعده (1)،و منه ما يأتي و صاحبه قائم لا يبلغ به شيئا، و الدعاء عنده أولى من التضرّع (2)،فإن الصّبر و الجزع عند الصدمة الأولى، فوجب العدول عن الواو، لتوخّي (3)الصدق في الخبر، و الكلام [مع ذلك موصوف] (4)بالائتلاف (5)،و يحصل (6)النّسق، و الخبر بذلك التأويل الأول عن شخص [واحد] (7)،و بالثاني عن أشخاص فغلّب الكثرة، فوجب الإتيان ب «أو» و ابتدئ بالشخص الذي تضرع لأن خبره (8)أشدّ فهو أشدّ تضرعا، فوجب تقديم ذكره، ثم القاعد؛ ثم القائم، فحصل حسن الترتيب و ائتلاف الألفاظ و معانيها.
473/3 و قوله: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً (الشورى:49-50)، قسّم سبحانه حال الزّوجين إلى أربعة أقسام اشتمل عليها الوجود، لأنه سبحانه إمّا أن يفرد العبد بهبة الإناث، أو بهبة الذكور، أو يجمعهما له، أو لا يهب شيئا، و قد جاءت الأقسام في هذه الآية (9)
(10-10) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة.
لينتقل منها إلى أعلى منها، (10)[و هي هبة الذكور فيه، ثم انتقل إلى أعلى منها] (10)و هي و هبتهما جميعا (10)،و جاءت كل أقسام العطية بلفظ الهبة، و أفرد معنى الحرمان بالتأخير، و قال فيه يَجْعَلُ فعدل عن لفظ الهبة للتغاير بين المعاني، كقوله [تعالى] (11): أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ* أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ* لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً (الواقعة:63 إلى 65)، فذكر امتداد (12)إنمائه (13)بلفظ الزرع، و معنى الحرمان بلفظ الجعل.ة.1) في المخطوطة (يقصده).
2) في المخطوطة (الصبر).
3) في المخطوطة (و لتوخي).
4) العبارة ساقطة من المطبوعة.
5) في المخطوطة (بائتلاف).
6) في المخطوطة (يحصل).
7) ساقطة من المخطوطة.
8) في المخطوطة (خيره).
9) في المخطوطة (الآيات).
10) في المخطوطة (هبتها جمعا).
11) ليست في المطبوعة.
12) في المخطوطة (الاعتداد).
13) اضطربت في المخطوطة.
و قيل: إنما بدأ سبحانه بالإناث لوجوه غير ما سبق.
أحدها: جبرا لهنّ، لأجل (1)استثقال الأبوين لمكانهنّ (2).
الثاني: أنّ سياق الكلام أنّه فاعل (3)لما يشاء، لا (4)ما يشاء الأبوان، فإن الأبوين لا يريدان [إلا] (5)الذكور غالبا و هو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء؛ فبدأ بذكر الصنف الذي يشاؤه و لا يريده الأبوان غالبا (6).
الثالث: أنّه قدم ذكر ما كانت تؤخره (7)الجاهلية من أمر البنات حتى كانوا يئدونهن (8)، أي هذا النوع الحقير عندكم مقدّم عندي في الذّكر.
الرابع: قدّمهنّ لضعفهنّ، و عند العجز و الضعف (9)تكون العناية أتم.
و قيل: لينقله من الغمّ إلى الفرج (10).
و تأمّل كيف عرّف سبحانه الذكور بعد تنكير، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم، و جبر نقص المتأخر (11)بالتعريف، فإنّ التعريف تنويه.
و هذا أحسن مما ذكره الواحدي (12)أنه عرّف الذكور لأجل الفاصلة.474/3 و لمّا ذكر الصنفين معا قدّم الذكور، فأعطى لكل من الجنسين حقه من التقديم و التأخير.
و اللّه أعلم بما أراد.
بقي سؤال آخر؛ و هو أنه عطف الثاني و الرابع بالواو، و الثالث ب «أو» و لعلّه، لأنّ هبة كلّ من الإناث و الذكور (13)قد لا يقترن بها، فكأنه وهب لهذا الصنف وحده أو مع غيره فلذلك (14)[تعينت] (15)«أو» فتأمل لطائف القرآن و بدائعه!ة.
1) في المخطوطة (لأن أصل).
2) في المخطوطة (مكانهن).
3) زيادة كلمة (على) بعد (أنه) في المخطوطة.
4) في المخطوطة (إلا).
5) ساقطة من المخطوطة.
6) زيادة عبارة (في القدرة) بعد (غالبا) في المخطوطة.
7) في المخطوطة (كان يؤخره).
8) تصحفت في المطبوعة إلى (يئدوهن).
9) في المخطوطة (لضعف).
10) في المخطوطة (فرج).
11) في المخطوطة (التأخير).
12) هو علي بن أحمد الواحدي تقدم التعريف به في 105/1.
13) في المخطوطة (أو الذكور).
14) في المخطوطة (فكذلك).
15) ساقطة من المخطوطة.
و من هذا التقسيم أخذ بعض العلماء أن الخنثى لا وجود له؛ لأنه ليس واحدا من المذكورين[248/أ]، و لا حجّة فيه، لأنه مقام امتنان؛ و المنة بغير الخنثى أحسن و أعظم. أو لأنه باعتبار ما في نفس الأمر؛ و الخنثى لا يخرج عن أحدهما.
475/3
هي إيقاع الألفاظ المبدّدة على سياق واحد؛ و أكثر ما يؤخذ في الصفات؛ و مقتضاها ألاّ يعطف بعضها على بعض لاتحاد محلها، و لجريها (1)مجرى الوصف في الصدق (2)على ما صدق؛ و لذلك يقلّ عطف بعض صفات اللّه [تعالى] (3)على بعض في التنزيل، و ذلك كقوله (4): اَللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (البقرة:255).
و قوله: اَلْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ (الحشر:24).
و قوله: اَلْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ (الحشر:23).
و إنما عطف قوله: هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّاهِرُ وَ الْباطِنُ (الحديد:3)؛ لأنها أسماء متضادّة المعاني في موضوعها (5)،فوقع الوهم بالعطف عمن يستبعد ذلك في ذات واحدة؛ لأن الشيء الواحد لا يكون ظاهرا باطنا من وجه [واحد] (6)،و كان العطف فيه أحسن. و لذلك عطف «الناهون» على «الآمرون»، «و أبكارا» على «ثيّبات» من قوله:
اَلتّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ (التوبة:112).
و قوله: أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَ أَبْكاراً (التحريم:5)، فجاء العطف لأنه لا يمكن اجتماعهما (7)في محل واحد بخلاف ما قبله.
و قوله: غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ (غافر:3)، إنما 476/3 عطف فيه بعضا و لم يعطف بعضا، لأن «غافرا» و «قابلا» يشعران بحدوث المغفرة و القبول، و هما من صفات الأفعال و فعله في غيره لا في نفسه، فدخل العطف للمغايرة لتنزلهما منزلة
الجملتين، تنبيها على أنه سبحانه يفعل هذا و يفعل هذا، و أما شديد العقاب فصفة مشبّهة، و هي تشعر بالدوام و الاستمرار؛ فتدلّ على القوة، و يشبه ذلك صفات الذات.
و قوله: ذِي الطَّوْلِ (غافر:3)، المراد به ذاته، فترك العطف لاتّحاد المعنى.
و قد جاء قليلا في غير الصفات، كقوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ... (الأحزاب:35) الآية، قال الزمخشريّ (1):العطف الأول كقوله:
ثَيِّباتٍ وَ أَبْكاراً ،في أنهما جنسان مختلفان، إذا اشتركا في حكم لم يكن بدّ من توسيط العاطف بينهما، و أمّا العطف الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع؛ فكان معناه: أن الجامعين و الجامعات لهذه (2)الصفات أعدّ لهم مغفرة انتهى.
و قال بعضهم: الصفات المتعاطفة (3)إن علم أن موصوفها واحد من كل وجه، كقوله:
غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ (غافر:3)، فإن الموصوف «اللّه»، و إما في النوع كقوله:
ثَيِّباتٍ وَ أَبْكاراً (التحريم:5) فإن الموصوف الأزواج، و قوله: اَلْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ (التوبة:112)؛ فإن الموصوف النوع الجامع للصفات المتقدّمة.
و إن لم يعلم أن موصوفها واحد من جهة وضع اللفظ. فإن دلّ دليل على أنه من عطف الصفات اتبع كهذه الآية، فإنّ هذه الأعداد لمن جمع الطاعات العشر، لا لمن انفرد بواحدة (4)منها؛ إذ الإسلام و الإيمان كلّ منهما شرطه في الآخر، و كلاهما شرط في حصول الأجر على البواقي، و من (5)كان مسلما مؤمنا فله (6)أجره، و لكن ليس هذا الأجر العظيم الذي أعده اللّه في هذه الآية الكريمة، و قرن (7)به إعداد المغفرة زائدا على المغفرة؛ فلخصوص (8)هذه الآية 477/3 جعل الزمخشريّ ذلك من عطف الصفات، و الموصوف واحد؛ فلو لم يكن كذلك و احتمل تقدير موصوف[248/أ] مع كل صفة و عدمه حمل على التقدير؛ فإن ظاهر العطف التغاير.
و لا يقال: الأصل عدم التقدير؛ لأن الظاهر يقدم على رعاية ذلك الأصل.
و مثاله قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ... (التوبة:60) الآية، و لو كان من عطف الصفات لم يستحقّ الصدقة إلا من جميع الصفات الثمان، و لذلك إذا وقف على الفقهاء و النحاة و الفقراء استحق من فيه إحدى الصفات.ة.