بضعة المختار دراسة تحلیلیة جدیدة لتاریخ الزهراء فی مصادر اهل السنة

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق - وزارة الثقافة العراقية 228- لسنة 2019

مصدر الفهرسة:IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda

رقم تصنیف LC:BP27,208 2019

المؤلف الشخصي: الموسوي، فالح عبد الرضا

العنوان: بضعة المختار : دراسة تحليلية جديدة لتاريخ الزهراء في مصادر اهل السنة /

بيان المسؤولية:السيد فالح عبد الرضا الموسوي.

بيانات الطبعة: الطبعة الأولى.

بيانات النشر :كربلاء، العراق : العتبة الحسينية المقدسة قسم الشؤون الدينية، شعبة النشاطات الدينية، 2019 / 1440 للهجرة.

الوصف المادي:586 صفحة ؛ 24 سم.

سلسلة النشر :العتبة الحسينية المقدسة ؛ 568).

سلسلة النشر:(قسم الشؤون الدينية ؛ 79).

تبصرة ببليوجرافية:يتضمن هوامش، لائحة المصادر الصفحات 533-567).

موضوع شخصي:فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) ، 8 قبل الهجرة – 11 للهجرة – سيرة .

موضوع شخصي:فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، 8 قبل الهجرة - 11 للهجرة - فضائل - احاديث اهل السنة.

موضوع شخصي:فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، 8 قبل الهجرة - 11 للهجرة - زواج - احاديث اهل السنة.

موضوع شخصي: فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، 8 قبل الهجرة - 11 للهجرة - تعقيب وإيذاء - احاديث اهل السنة.

موضوع شخصي:أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، 68 - 3 قبل الهجرة - سيرة.

مصطلح موضوعي :فدك (السعودية) - تاريخ.

مصطلح موضوعي:واقعة احراق باب دار فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، 11 للهجرة - احاديث اهل السنة.

اسم هيئة اضافي:العتبة الحسينية المقدسة قسم الشؤون الدينية شعبة النشاطات الدينية جهة مصدرة.

اشارة

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق - وزارة الثقافة العراقية 228- لسنة 2019

مصدر الفهرسة:IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda

رقم تصنیف LC:BP27,208 2019

المؤلف الشخصي: الموسوي، فالح عبد الرضا

العنوان: بضعة المختار : دراسة تحليلية جديدة لتاريخ الزهراء في مصادر اهل السنة /

بيان المسؤولية:السيد فالح عبد الرضا الموسوي.

بيانات الطبعة: الطبعة الأولى.

بيانات النشر :كربلاء، العراق : العتبة الحسينية المقدسة قسم الشؤون الدينية، شعبة النشاطات الدينية، 2019 / 1440 للهجرة.

الوصف المادي:586 صفحة ؛ 24 سم.

سلسلة النشر :العتبة الحسينية المقدسة ؛ 568).

سلسلة النشر:(قسم الشؤون الدينية ؛ 79).

تبصرة ببليوجرافية:يتضمن هوامش، لائحة المصادر الصفحات 533-567).

موضوع شخصي:فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) ، 8 قبل الهجرة – 11 للهجرة – سيرة .

موضوع شخصي:فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، 8 قبل الهجرة - 11 للهجرة - فضائل - احاديث اهل السنة.

موضوع شخصي:فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، 8 قبل الهجرة - 11 للهجرة - زواج - احاديث اهل السنة.

موضوع شخصي: فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، 8 قبل الهجرة - 11 للهجرة - تعقيب وإيذاء - احاديث اهل السنة.

موضوع شخصي:أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، 68 - 3 قبل الهجرة - سيرة.

مصطلح موضوعي :فدك (السعودية) - تاريخ.

مصطلح موضوعي:واقعة احراق باب دار فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، 11 للهجرة - احاديث اهل السنة.

اسم هيئة اضافي:العتبة الحسينية المقدسة قسم الشؤون الدينية شعبة النشاطات الدينية جهة مصدرة.

تمت الفهرسة قبل النشر في شعبة الفهرسة

بعضة المختار

الشرفاوي

دراسة تحليليَّةٌ جَدِيدَةٌ لتاريخ الزهراء في مصادر اهل السنة

تأليف :السَّيِّد فالِح عَبد الرِّضَا المُوسَوِي

العتبة الحسینةالمقدسة قسم الشؤون الدينية النشاطات الدینیة

طبع برعاية

العتبة الحسينية المقدسة

الامانة العامة

السّلام عَلیَ الحُسَین (علیه السلام) وعَلی عَلِیِ ابن الحُسَین (علیه السلام) وعَلی اوْلادِ الحُسَین (علیه السلام) و عَلی اَصحابِ الحُسَین (علیه السلام)

المقدسة.

العراق:كربلاء المقدسة - العتبة الحسينية المقدسة

تنويه: إن الأفكار والآراء المذكورة في هذا الكتاب تعبر عن وجهة نظر كاتبها،

ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العتبة الحسينية المقدسة

الاهداء

إلى العبد الصالح المطيع الله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين

(صلوات الله عليهم).

إلى من آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه، فأبدله الله

عزّ وجلَّ بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة.

إلى حامل راية الحسين عليه السلام.

إلى كافل بنات الزهراء البتول عليها السلام.

إلى ساقي عطاشا كربلاء.

أهديك جهدي هذا... كما وعدتك.

أقل خدامك :فالح

السلام علیک یاامراالائمة یا فاطمه الزهراء

مقدمة الكتاب

بِسْمِ الله وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِي لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْرُسُلُ رَبَّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُ وا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (1)، وأزكى الصلاة

وأتم السلام على أشرف الأنام؛ الهادي البشير والسراج المنير، محمد الأمين، الذي مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(2)، وعلى عترته وورثته وحملة علمه، الذين أوجب الله مودتهم، وفرض على الخلق طاعتهم وولايتهم.

أما بعد..

فهذه دراسة تحليلية توثيقية لحياة سيّدة نساء العالمين، بضعة المصطفى صلى الله عليه وآله وقرة عينه وروحه التي بين جنبيه، وقد اعتمدنا في جميع ما أوردناه فيها على المصادر السنية المعتبرة، بأسلوب قائم على الدليل والبرهان، وأسمينا


1) الاٴعراف:43.

2) النجم:3-4.

ب(بضعة المختار - دراسة تحليلية جديدة لتأريخ الزهراء عليها السلام في مصادر أهل

السنة)، وقد توصلنا فيه إلى جملة من النتائج المهمة، منها:

1- كشف اللثام عن العديد من الحقائق المتعلقة بحياة الصديقة الكبرى عليها السلام بالاعتماد على مصادر الطرف الآخر، ليكون ذلك أبلغ في مقام الاحتجاج والبرهنة على الفضائل.

2- البرهنة على أنَّ ما يقول به الشيعة الإمامية بحق الزهراء البتول عليها السلام إنَّما هو الحق الذي نطقت به مصادر المسلمين على اختلاف مذاهبهم وتباين مشاربهم، وإنَّ الشيعة لم يتفردوا بذلك.

3- تقديم قراءة جديدة تمثل فهماً مشتركاً اتفقت عليه الأمة الإسلامية بكلّ مذاهبها، الأمر الذي يمكن أن يلعب دوراً محورياً في إرساء دعائم الوحدة للأمة الاسلامية والالتفاف حول من اتفقت كلمةُ العلماء على تقديسهم وطهارتهم.

4- الوقوف على الكمّ الهائل من الأكاذيب والأباطيل التي اختلقتها يدُ السياسة وألصقتها بسيدة النساء عليها السلام، ضمن محاولات بائيسة لإقصاء أهل البيت عليهم السلام والحطّ من منزلتهم ومساواتهم مع غيرهم.

5- تزييف ما روّج له وعاظ السلاطين وطلاب المال وعشاق الجاه وعبيد

لدنيا، مما أفرزته مصانع الكذب وجادت بها ماكنة الاختلاق فألصقهتا بالعظماء من أفذاذ هذه الأمة بغية النزول بهم إلى مستوى المناوئين.

6- قطع الطريق على من يحاول التشكيك بما يرويه الشيعة الإمامية من فضائل سيّدة النساء عليها السلام ومناقبها، معتبراً ذلك من الغلو والإفراط في الحبّ.

وكنا قد خصصنا أحد الفصول لبيان مناقبها (الخاصة والمشتركة) من القرآن والسنة، إلا أننا عدلنا عن إدراجه ضمن الكتاب وجعلناه مصنفاً مستقلاً.

وقد قسمنا الدراسة على خمسة فصول رئيسية، تندرج تحت كل فصل منها جملة من البحوث الفرعية، آملين من الباري تبارك وتعالى أنْ ينفعنا فيه يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالُ وَلَا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(1).

والحمد لله ربّٙ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

فالح بن عبد الرضا الموسوي

البصرة الفيحاء / 10 صفر 1440 ھ


1) الشعراء:88-89.

الفصل الأول : الزهراء عليها السلام من الولادة وحتى الزواج

اشارة

الفصل الأول

الزهراء عليها السلام من الولادة وحتى الزواج

وفيه أربعة بحوث:

البحث الأول: خصائص خديجة عليها السلام ومكانتها

البحث الثاني: ولادة الزهراء عليها السلام ونشأتها

البحث الثالث: أسماء الزهراء عليها السلام وألقابها

البحث الرابع: كناها

المدخل

الحمد لله ربّ العالمين وأزكى الصلاة وأتم السلام على سيد الأنام، محمد الأمين وآله الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم وسار على نهجهم الى قيام يوم الدين.

وبعد، فهذه دراسة تحليلة مختصرة لأقدس شخصية في عالم المرأة أعني سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها أفضل الصلاة وأزكى السلام، وقد أقتصرنا في جميع ما أوردناه فيها على المصادر السنية حصراً، وقد سلطنا الضوء على مواضيع حساسة ومحورية في حياتها عليها السلام، وجئنا من سبأ بنبأ يقين.

وقبل الدخول في حياة الزهراء عليها السلام رأينا أنَّ نمهد ببحث نذكر فيه تعريفاً مختصراً بالسيدة خديجة الكبرى عليها السلام، فهي الرّحم النقي الذي غُرست فيه الزهراء عليها السلام، والثّدي الزّكي الذي تذوقت منه طعم ،والصفاء، والحجر الذي استنشقت منه عبير القيم والمثل.

البحث الأول خصائص خديجة عليها السلام ومكانتها

تمهید

وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي. وأمها : فاطمة بنت زائدة بن الأصم ( والأصم اسمه جندب) بن رواحة بن هرم ابن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب(1).

تلتقي مع النبي صلى الله عليه وآله من جهة الأب في قصي، ومن جهة الأم في لؤي بن غالب، وبذلك تكون أقرب نسائه إليه نسباً، ومن ثَمَّ ودَّاً وحبَّاً، ولم يتزوّج من ذرية قصي غيرها إلا أم حبيبة.

عاشت خديجة عليها السلام في مجتمع كانَ يمثلُ بؤرةً من بؤرِ الانحطاط والتّدنّي على مستوى القيم والأخلاق والعادات والعبادات، دون أن يخدش ذلك طهرَها، أو يدنّس ،عفتَها، ولم يكن حائلاً بينها وبين ارتقاءِ سُلّم العظمة والتربع على عرش السيادة في عالم المرأة لا تحظى به من مؤهلات وخصائص، جعلتها فريدة


1) الاستیعاب،ابن عبدالبر:ج4،ص1817.

عصرها ووحيدةَ دهرها، فبسبب ما تمتلكه من خصائص العظمة ومؤهلات السيادةِ كانتْ تُدعَى بالكبرى، وبسبب نقاء جيبها وصفاء قلبها وطهارة طينتها وسلامة دينها، كانت تُدعَى بالطَّاهرةِ(1)، وناهيك بهذه السِّمَةِ الجليلة التي حَلَّقَتْ بها في سماء المكارم ،وذُرى الطهرِ فلم تُدَنّس فطرتها عبادة الأصنام والخضوع للأوثان، بل كانت مفطورةً على النّسك والتدين والنقاء والطهر، وكانت تدين بالحَنِيْفِيَّةِ السَّمحة، وقد جمعت إلى ذلك رجاحة العقل وحسن الهيئة وكمال الخلقة، فكانت «حازمةً رشيدةً في جميع أمورها، حسنةَ التدبير والتصرُّفِ في جميع شؤونها، ذاتَ فراسة قويَّة، وهمة عليَّة، لها نظر ثاقب، ومعرفة دقيقة بالعواقب»(2).

وسوف نذكر شيئاً يسيراً عنها على نحو الإشارات الموجزة:

اٴولاً:خصائص خديجة عليها السلام

اشارة

تميّزت خديجة عليها السلام عن غيرها من نساء النبي صلى الله عليه وآله بالعديد من المميزات والخصائص، جعلتها تتسنَّمُ ذروة العلياء وتطال سنام المجد وتتربع عرش الفضل والسؤدد ، ومن هذه الخصائص الجليلة:


1) فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص 100 .

2) مناقب خديجة الكبرى، محمد بن علوي المالكي: ص5-6.

1-أول الناس إسلاما

إِنَّ الإيمان برسولِ الله صلى الله عليه وآله شرفٌ لم تُغْلَبْ عليه خديجة عليها السلام، فلا خلاف بين أهل الإسلام في أنَّها أوَّلُ من فاز بقصب السبق إلى الإسلام، قال ابنُ إسحاق : «كانتْ خديجة بنت خويلد أوَّلَ مَن آمنت بالله ورسولِهِ وصدقت [ بما] جاءَه من الله عزّ وجلَّ، ووازرته على أمره، فخفَّف الله بذلك عن رسولِهِ، وكان لا يسمع شيئاً يكرهه [ من رد عليه] وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها؛ إذا رجع إليها [ تثبته ] وتخفّفُ عليه وتصدقه، وتهون عليه أمر الناس، حتى ماتت، رحمها الله تعالى(1)، وقال أبو الحسن بن الأثير : خديجة أوَّلُ خلق الله أسلم بإجماع المسلمين، لم يتقدَّمها رجلٌ ولا امرأة، وأقره الذهبي، وكذا قال محمدُ بنُ و كعب القرظي(2)، ورووا:أنَّ جبريل عليه السلام علَّمه الوضوء والصلاةَ في يو الثلاثاء، وأقرأه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خلٙقٙ (3)، فأتى خديجة رضي الله عنها فأخبرها بما أكرمه الله وعلمها الوضوء والصلاة فصلَّتْ معه، فكانتْ أَوَّلَ خَلْقٍ صلَّى معه(4)، فهي أول من آمن وصلَّى حتى عدَّ هذا الشرف العظيم من أجل.


1) السيرة النبوية ابن هشام الحميري : ج 1، ص 158 ؛ الذرية الطاهرة النبوية، الدولابي: ص 60 - 61 .

2) اجع سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 2، ص 300.

3) سورة العلق: 1.

4) إمتاع الأسماع، المقريزي: ج 1، ص 32.

خصائصها، قال ابن حجر العسقلاني: «و مما اختصت به [خديجة ] سبقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان، فسنَّتْ ذلك لكل من آمنت بعدها، فيكون لها مثل أجرهن؛ لما ثبتَ أَنَّ مَن سنَّ سنّةً حسنة ...)(1)

2-من أفضل نساء أهل الجنة

ومن خصائصها الجليلة التي لا يرقى إليها أحد، أنّها - مع ابنتها الزهراء صلى الله عليه وآله - انفردت من بين نساء هذه الأمة بخصيصة الأفضلية على نساء أهل الجنَّةِ، الأمر الذي يجعلها في مكانة يعجز القلم عن وصفها وإطرائها وبيانها. أخرج النسائي وأحمد والطبراني وابن حبان والحاكم والهيثمي، وغيرهم بسند صحيح عن ابن عباس قال - واللفظ لابن حبان : «خط رسول الله صلى الله عليه وآله في الأرض خطوطاً أربعةً، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ، فقال رسول الله : أفضلُ نساء أهل الجنَّةِ: خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت ،عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)(2)

فضائل الصحابة، النسائي: ص 74؛ المستدرك، الحاكم النيسابوري : ج 2، ص 497 ؛ المعجم الكبير،

الطبراني: ج 11 ، ص 266 ؛ مجمع الزوائد الهيثمي : ج 9، ص 223؛ فتح الباري، ابن حجر: ج 6، ص 321؛ تحفة لأحوذي، المباركفوري: ج 10 ، ص 265؛ الآحاد والمثاني، الضحاك : ج 5، ص 364؛ مسند أبي يعلى، أبو يعلى الموصلي: ج 5، ص 110؛ الاستيعاب، ابن عبد البر: ج 4، ص 1821.

.

1) فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص 104 . وما بين العضادتين منا للتوضيح.

2) صحیح ابن حبان، ابن حبان : ج 15 ، ص 470؛ مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 1 ، ص 316؛

3-مواساة النبي صلى الله عليه وآله

تؤكّد مصادر المسلمين من مختلفِ الطوائف والفِرَقِ : إِنَّ خديجةَ عليها السلام ضربت المثل الأعلى في مواساة رسول الله صلى الله عليه وآله، في الرخاء والشدة على حد سواء، ومن المتَّفق عليه أنَّها كانتْ من أغنى نساء أهل زمانها، فوظفتْ ثروتها الطائلة في سبيل دعم رسالة النبي صلى الله عليه وآله، الأمر الذي لَعِبَ دوراً كبيراً في إنجاح مشروعه الرسالي، وكان النبيُّ صلى الله عليه وآله يثني عليها ويشيدُبمواقفها وإيثارها، فطالما كان يقول لنسائِهِ :

(والله ! لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، وآوتني حين طردني الناس، وأعطتني مالها فأنفقته في سبيل الله ورزقني الله منها الولد وما رزقني من واحدة منكن)(1)،وفي رواية ابن حجر: «وواستني بمالها إذ حرمني الناس(2)، وفي رواية عن عائشة : وأشركتني في مالها حين حرمني الناس»(3)

النبوية ابن كثير : ج 2، ص 135 ، سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 9، ص 386

، وفي الخطيب البغدادي: «وأعطتني مالها

1) كنز العمال المتقي الهندي: ج 12، ص 132 - 133.

2) فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص 103.

3) الاستيعاب، ابن عبد البر: ج 4، ص 1824؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 2، ص117؛ وانظر: السيرة

فأنفقته في سبيل الله(1)، وغير ذلك من الروايات الصحيحة الكثيرة.

ولم تقتصر مواساتها على الجانب المالي فحسب، بل واسته بكلّ وجودها وحياتها، فتركت حياة الرفاه وأبتْ إلا أن تكونَ إلى جنبه في شعب أبي طالب، فاستبدلت اللين بالخشونة والنعومة بالشظف لتشاركه المحن، وتقاسمه البلاء، فوقفت إلى جنبه تقاسي الشدّة وتصارع الألم وتتحدّى الصعاب، ولم تأبه بما تجده من البؤس والشقاء، رغم كونها سليلة مجدٍ وربيبة نعمةٍ؛ لم تألف الشقاء ولم تخض حياة الخشونة والعناء، ولكنها أبت إلا أن تنصر النبيَّ صلى الله عليه وآله وتؤازره في محنته، فكانت من أقوى الناس إيماناً، وأشدّهم عزماً، وأكملهم يقيناً، وأقربهم إلى رضوان الله، وأحسنهم به ظناً، وأقدرهم على التضحية وأصبرهم على البلاء، فما وهنت عزيمتها ولا لانت قناتها. وهذا من أهم دواعي العظمة ومحطات السّمو في حياتها عليها السلام.

ثانيا مكانتها عند النبي صلى الله عليه وآله

اشارة

يُعْرَفُ من خلالِ ما ذكرناه من خصائصها أنها استحوذت على قلب النبي صلى الله عليه وآله ومشاعره، وكانتْ لذلك أهل، ولو أردنا إشباع هذا البحث


1) اريخ بغداد الخطيب البغدادي: ج 12، ص 135.

1-حب النبي صلى الله عليه وآله لها

لخرجنا كثيراً عن موضوعنا الأصلي، ولكننا نقتصر على بيان أربعة أمور رئيسية يتبين من خلالها المكانة الكبيرة لها عند النبي الأكرم صلى الله عليه وآله.

أكدت المصادرُ السنيّةُ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله كان يحبُّ خديجة عليها السلام حبَّاً يفوق حبَّ الأزواج لزوجاتهم، وكان يصرح بأنَّ الله تعالى رزقه ذلك، روى مسلم النيسابوري في صحيحه وجماعة عن عائشة قالت: «ما غرتُ على نساء النبي صلى الله عليه وآله إلا على خديجة، وإني لم أدركها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ذبح الشاة فيقول : أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة، قالت: فأغضبته يوماً فقلتُ: خديجة ؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّي قد رُزِقْتُ حبها(1)

ص 170 ؛ صحيح ابن حبان ابن حبان : ج 15 ، ص 467 ؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي:

ج 10، ص 327؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي : ج 2، ص 51.

، قال النووي في شرح قوله صلى الله عليه وآله : (رُزِقْتُ حبَّها ) : فيه إشارةً إلى أن حبّها فضيلة حصلت.(2)

وقد ترجمَ هذا الحبّ الجمّ بصورة عملية فلم يتزوج غيرها في حياتها(3)، وهذا


1) صحیح مسلم، مسلم النيسابوري: ج 7، ص 134؛ فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي : ج 5،

2) شرح مسلم، النووي: ج 15 ، ص 201 .

3) : صحیح مسلم مسلم النيسابوري: ج 7، ص 134 ؛ تاريخ مدينة دمشق ابن عساکر: ج 3، ص190.

ممّٙا لا خلاف فيه بين أهل العلم بالسِّيَرِ ،والأخبار، قال ابن حجر في التعقيب على رواية عائشة بهذا الشأن: « وفيه دليل على عظم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها؛ لأنّها أغنته عن غيرها، واختصت به بقدر ما اشترك فيه غيرُها مرتين؛ لأنَّه صلى الله عليه وآله عاشَ بعدَ أنْ تزوَّجَهَا ثمانية وثلاثين عاماً، انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاماً وهي نحو الثلثين من المجموع،ومع طولِ المدَّةِ فصانَ قلبها فيها مِن الغيرة ومن نكد الضرائرِ الذي ربّما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك، وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها).(1)

2-ثناء النبي صلى الله عليه وآله عليها

من الواضح أنَّ ثناءَ النبي صلى الله عليه وآله لا يُعْدَل بثناء غيره من البشر؛

لأَنَّهُ يمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(2)ولأنَّه لا يخرج من فمه المبارك إلا الصدق والحق(3).


1) فتح الباري، ابن حجر : ج 7، ص 104 .

2) سورة النجم: 3 - 4 .

3) عن عبد الله ابن عمرو، قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله بشر، يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: «اكتب، فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق». سنن أبي داود، ابن الأشعث السجستاني: ج 2، ص176؛ الاستذكار، ابن عبد البر: ج 1، ص71؛ وانظر:لمستدرك ، الحاكم : ج 1 ، ص 104؛ فتح الباري، ابن حجر : ج 1 ، ص 158.

وثناء النبي صلى الله عليه وآله لها وإشادته بمواقفها، ومداومته على ذلك أشهر من أنْ يُذكر، ففي الإصابة عن عائشة قالت:(كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يكادُ يُخرجُ من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوماً من الأيام فأخذتني الغيرة، فقلتُ: هل كانت إلا عجوزاً قد أبدلك الله خيراً منها ؟! فَغَضِبَ، ثم قال: لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذَّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء. قالت عائشة: فقلتُ في نفسي لا أذكرها بعدها بسبة أبداً). (1)

وأخرج الطبراني وجماعةٌ عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ذَكَرَ خديجة لم يكن يسأم من ثناء عليها والاستغفار لها، فذكرها ذات يوم واحتملتني الغيرة إلى أن قلت قد عوّضكَ اللهُ من كبيرة السن، قالت: فرأيتُ رسول الله صلى الله عليه وآله غَضِبَ غضباً سقط في جلدي، فقلتُ في نفسي:

اللهم ! إِنَّكَ إِنْ أذهبتَ عنّي غضبَ رسولِ الله صلى الله عليه وآله لم أذكرها بسوء ما بقيت، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله الذي قد لقيت، قال: كيفٙ


1) لإصابة، ابن حجر، ج 8، ص 103 .

قلت؟ والله! لقد آمنت بي إذْ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذَّبني الناس، ورزقت

مني الولد إذ حرمتيه منّي، فغدا بها على وراح شهراً.(1)

ص 195؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج 2، ص112؛ الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي: ج 1، ص677.

3-تعاهد النبي صلى الله عليه وآله صديقاتها بالبر

من أهم ما يؤكّد منزلة خديجة عليها السلام عند النبي صلى الله عليه وآله ومكانتها عنده، ما روي أنَّه كان يتعاهد صديقاتها بالبر والصلة إكراماً لها، وتأكيداً على فضلها. أخرج البخاري والحاكم، وغيرهما عن أنس قال: «كان النبيُّ صلى الله عليه وآله إذا أُتِيَ بشيء يقول : اذهبوا به إلى فلانة، فإنّها كانت صديقة خديجة، اذهبوا به إلى فلانة، فإنَّها كانت تحبُّ خديجة (2)، وروي عن عائشة قالت: «جاءتْ عجوز إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: من أنت؟ قالت : أنا جَثَّامة المزنية، قال: بل أنت حَسَّانة، كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت : بخير، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خرجت، قلتُ: يارسول الله، تُقْبِلُ على هذه العجوز كلَّ هذا الإقبال؟!


1) لمعجم الكبير، الطبراني : ج 23، ص 13 ؛ الذرية الطاهرة، الدولابي: ص 53 ؛ تاریخ دمشق، ابن عساکر : ج3،

2) الأدب المفرد، البخاري : ص 58 ؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري: ج 4 ، ص 175 ؛ إمتاع الأسماع، المقريزي: ج 2، ص 225 و 227؛ سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 9، ص387؛ أسد الغابة، ابن الأثير : ج 5 ، ص 425؛ ينابيع المودة لذوي القربي، القندوزي: ج 2، ص 335؛ وفي صحيح ابن حبان، ابن حبان : ج 15 ، ص 467 مختصراً.

قال : إنّها كانت تأتينا زمان خديجة، وإنَّ حُسْنَ العهدِ من الإيمان (1)، بل روي أكثر من ذلك فإنَّه صلى الله عليه وآله - كما في الخبر الصحيح . كان يذبح الشاةَ فيتتبع بها صدائق خديجةبنت خويلدعليهاالسلام.(2)

ثالثا: خديجة أفضل نساء النبي صلى الله عليه وآله

اشارة

احتلت مسألة المفاضلة بين أزواج النبي صلى الله عليه وآله مساحةً كبيرةً

من الجدل الفكري بين علماء المذاهب الإسلامية المختلفة، وكان الجدل في إحدى مفاصله منصباً حول السيدة خديجة وعائشة، فذهب الشيعة الإمامية وجمع غفير من علماء أهل السُّنة إلى تفضيل السيّدة خديجة الكبرى عليها السلام على سائر أزواج النبيِّ صلى الله عليه وآله فضلاً عن عائشة ، بينما ذهبَ النزر القليل من علماء


1) أسد الغابة ابن الأثير : ج 5 ، ص 424 - 425؛ الوافي بالوفيات، الصفدي: ج 11، ص 284؛ وأخرجه الحاكم مع اختلاف يسير جداً في اللفظ، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا على الاحتجاج برواته في أحاديث كثيرة وليس له علة» المستدرك الحاكم النيسابوري: ج 1، ص16. وأخرجه العجلوني وأضاف له نظائر ثم عقب عليه بقوله: «العهد في اللغة بمعنى المراعاة واليمين والأمان والموثق والذمة والوصية والحفظ، وأظهرها هنا أولها . كشف الخفاء العجلوني: ج 1، ص 316.

2) المستدرك الحاكم النيسابوري: ج 4 ، ص 175 . وانظر: مسند ابن راهويه ابن راهويه : ج 2، ص213؛ صحيح البخاري، البخاري : ج 4 ، ص 231؛ مسند أحمد أحمد بن حنبل : ج 6 ، ص 279 ؛ المعجم الكبير، الطبراني: ج 23، ص11؛ الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1823؛ رياض الصالحين، النووي: ص 210.

المذاهب الأخرى إلى تفضيل عائشة بنت أبي بكر.

مع أنَّ النظرة الفاحصة في الصّحاحِ السنية كفيلة ببيان حقيقة الحال، والتمعن العميق في الكتب الحديثية المعتبرة كافية في إزالة نُكتِ الإبهام عن الحقيقة، فإنَّ المصادر السنيّة حافلة بالعديد من الأحاديث الصحيحة والروايات المعتبرة التي تؤكّدُ أفضليَّةَ السيدة خديجة بنت خويلد عليها السلام. ونحن نورد طرفاً يسيراً منها، بإذن الله تعالى :

الحديث الأول: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، وجماعةٌ من أصحاب

السنن والمسانيد، عن عبد الله بن جعفر، قال: سمعتُ علياً رضي الله عنه يقول:

سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وآله يقول: خير نسائها مريم ابنة عمران، وخير

نسائها خديجة) (1)


1) صحيح البخاري، البخاري: ج 4 ، ص 138 ؛ صحیح مسلم، مسلم النيسابوري: ج 7، ص 132؛ فضائل الصحابة ، النسائي : ص 74؛ المستدرك الحاكم النيسابوري: ج 2، ص 497 ؛ السنن الكبرى، البيهقي: ج6، ص 367؛ عمدة القاري، العيني: ج 16، ص278؛ المصنف، عبد الرزاق الصنعاني: ج7، ص 492 - 493 ؛ الآحادوالمثاني، الضحاك : ج 5 ، ص 380 - 381؛ السنن الكبرى، النسائي: ج ه ، ص 93؛ مسند أبي يعلى، أبو يعلى الموصلي : ج 1، ص 399؛ الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي : ص 62 ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج 23، ص8؛ الاستيعاب، ابن عبد البر: ج 4 ، ص 1824 ؛ الجامع الصغير، جلال الدين السيوطي: ج 1، ص 629؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 12، ص144؛جامع البيان إبن جرير الطبري : ج 3، ص 357؛ تفسير البغوي، البغوي: ج 1، ص 300؛ المحرر الوجيز، ابن عطية الأندلسي: ج 1 ، ص 433 ؛ تفسير ابن كثير، ابن كثير : ج 1، ص 370؛ الدرالمنثور، جلال الدين السيوطي: ج 2، ص 23 ؛ فتح القدير الشوكاني : ج 1 ، ص 340؛ علل الدارقطني الدار قطني : ج 3، ص 115 ؛ تاریخ مدينة دمشق ابن عساكر : ج 36 ، ص 130 ؛ أسد الغابة ابن الأثير : ج 3، ص 134 ؛ الإصابة، ابن حجر : ج 8، ص102؛ البداية والنهاية، ابن كثير : ج 2، ص71؛ إمتاع الأسماع، المقريزي: ج 10 ، ص 268 ؛ السيرة النبوية، ابن كثير : ج 2، ص 137؛ سبل الهدى والرشاد،الصالحي الشامي:ج 10، ص327؛ ينابيع المودة لذوي القربى، القندوزي: ج2، ص92.

وقوله:(نسائها) أي نساء الدنيا، ويؤيده ما في ذيل رواية مسلم في الصحيح قال: قال أبو كريب وأشار وكيع إلى السَّماء والأرض»، وقد شرحه النووي قائلاً: «أرادَ وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في (نسائها)، وأنَّ المراد به جميع نساء الأرض، أي كلّ مَن بين السماء والأرض من النساء، والأظهر أنَّ معناه أنَّ كلَّ واحدة منهما خير نساء الأرضِ في عصرها.(1)

ويعضد ذلك ما ذكره ابن حجر في فتح الباري، حيث قال: «قوله وخير نسائها خديجة، أي نساء هذه الأمة(2)، وبه جزم القرطبي، فقال: «الضمير عائد على غير مذكور، لكنه يفسّره الحال والمشاهدة، يعني به الدنيا»(3)، وإرجاعه الضمير على الدنيا ظاهر في تفضيل خديجة عليها السلام كما هو واضح . وكذا الأمر بالنسبة


1) النووي شرح مسلم : ج 15، ص198.

2) فتح الباري، ابن حجر : ج 6، ص 339 .

3) فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص101.

للطيبي، حيث قال: «الضمير الأوَّلُ يعود على الأمة التي كانت فيها مريم، والثاني على هذه الأمة»، وقال: «أراد أنها خيرُ مَن َتحتَ السماء وفوق الأرض من النساء، قال : ولا يستقيم أنْ يكونَ تفسيراً لقوله نسائها، لأنَّ هذا الضمير لا يصلحُ أنْ يعود إلى السماء [كذا قال] ويُحتمل أن يريد أنَّ الضمير الأوَّلَ يرجع إلى السماء، والثاني إلى الأرض، إنْ ثبتَ أنَّ ذلك صَدَرَ في حياة خديجة، وتكون النكتة في ذلك: أنَّ مريم ماتتْ فعرج بروحها إلى السماء، فلما ذكرها أشار إلى السماء، وكانت خديجة إذ ذاك في الحياة فكانتْ في الأرض، فلما ذكَرَها أشار إلى الأرض، وعلى تقدير أن يكون بعد موتِ خديجة، فالمراد: أنها خيرُ مَن صَعَدَ بروحِهِنَّ إلى السماء، وخيرُ مَن دُفِنَ جسدُهُنَّ في الأرض.(1)

أقول: وبعد هذا كله فلا شك في دلالة هذا الحديث الصحيح وفق المباني السنيّة على أفضليّة خديجة الكبرى عليها السلام على سائر نساء النبي صلى الله عليه وآله فضلاً عن عائشة، كما هو مختارُ جماعةٍ من علماء أهل السنة، وكما قرر ذلك القاضي أبو بكر بن العربي حيث ذهب إلى الأفضليَّةِ المطلقة لخديجة على نساء الأمَّةِ فضلاً عن نساء النبي صلى الله عليه وآله.(2)


1) فتح الباري، ابن حجر : ج 7، ص101.

2) فتح الباري ابن حجر : ج 6 ، ص 340.

وممن اختار هذا الرأي ابن حجر العسقلاني، فقد تعقب الحديث الأنف الذكربقوله: «دلّ هذا الحديث على أنَّ مريم أفضل من آسية، وأنَّ خديجة أفضل نساء هذه الأمَّةِ»(1)، ثم أيده بحديثين صحيحين:

أحدهما: عند النسائي وأحمد والطبراني ،وغيرهم، بإسناد صحيح عن ابنِ عباس،قال: «خط رسول الله صلى الله عليه وآله في الأرض أربعة خطوط، قال: تدرون ما هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفضل نساء أهلِ الجنَّةِ خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية.(2)

وقد نصَّ على تصحيحه - إضافةً لابن حجر العسقلاني - جماعة من العلماء، منهم: الحاكم النيسابوري على شرط الشيخين، قائلاً: «هذا حديث صحيح الإسنادِ ولم يخرجاه».(3)ومنهم الهيثمي في مجمع الزوائد، ونصُّ كلامه: «رواه أحمد وأبو يعلى


1) فتح الباري ابن حجر : ج 6 ، ص 340.

2) مسند أحمد أحمد بن حنبل : ج 1، ص 293؛ فضائل الصحابة، النسائي : ص 74 ؛ السنن الكبرى، النسائي: ج 5 ، ص 95؛ المستدرك الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 160 ؛ مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص 223 ؛ عمدة القاري، العيني: ج 16، ص 24 ؛ الآحاد والمثاني، الضحاك : ج 5 ، ص 364؛ مسند أبي يعلى، أبو يعلى الموصلي: ج 5، ص 110؛ صحيح ابن حبان، ابن حبان: ج 15، ص 470؛ المعجم الكبير، الطبراني : ج 11 ، ص 266؛ الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1822.

3) لمستدرك ، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 160.

والطبراني، ورجاهم رجال الصحيح.(1)ومنهم شعيب الأرنؤوط، قال: «إسناده صحيح، وأخرجه أحمد وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في المجمع، وزاد نسبته إلى أبي يعلى والطبراني، وقال: ورجالهم رجال الصحيح»(2)، ومنهم الإمام الصالحي الشامي.(3)

والحديث الآخر عند الترمذي بإسناد صحيح أيضاً عن أنس: «أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله قال: «حسبُكَ من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنتُ خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون»، وتعقبه بالنَّص على صحتِهِ قائلاً: هذا حديث صحيحٌ.(4)


1) مجمع الزوائد، الهيثمي: ج 9، ص 223.

2) حاشية سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج 2، ص 124.

3) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 10 ، ص326.

4) سنن الترمذي، الترمذي : ج 5 ، ص367؛ مسند أحمد، أحمد بن حنبل: ج3، ص135؛ المستدرك، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص158؛ المصنف، عبد الرزاق الصنعاني : ج 11، ص 430 ؛ الآحاد والمثاني، الضحاك : ج 5 ، ص 363؛ مسند أبي يعلى، أبو يعلى الموصلي : ج 5 ، ص 380؛ صحیح ابن حبان، ابن حبان : ج 15، ص 464؛ المعجم الكبير، الطبراني: ج 22، ص 402؛ الاستيعاب، ابن عبد البر: ج4، ص1822؛ الجامع الصغير، جلال الدين السيوطي: ج 1، ص 574؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج12، ص 143 ؛ البداية والنهاية، ابن كثير : ج 2، ص71؛ إمتاع الأسماع، المقريزي : ج 4، ص 195؛ الفصول المهمة، ابن الصباغ المالكي: ج 1 ، ص 660 ؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي : ج 2، ص 47 ؛ تفسير السمرقندي، أبو الليث السمرقندي: ج 3، ص 449؛ تفسير البغوي، البغوي : ج 1، ص 301:الجامع أحكام القرآن، القرطبي: ج 18، ص 204؛ تفسير ابن كثير، ابن كثير : ج 1، ص 370.

وأخرجه الحاكم في المستدرك مؤكّداً صحّٙته على شرط الشيخين ، قال : «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، فإنَّ قوله صلى الله عليه وآله حسبك من نساء العالمين يسوي بين نساء الدنيا.(1)

الحديث الثاني: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنَّه قال: «لقد فُضّلَتْ خديجة على نساء أمَّتِي كما فُصِّلَتْ مريم على نساء العالمين»(2)

المباركفوري: ج 10، ص 265؛ المحرر الوجيز، ابن عطية الأندلسي: ج 1، ص 434؛ كنز العمال،

المتقي الهندي: ج 12، ص 132؛ تفسير البحر المحيط، أبي حيان الأندلسي: ج2، ص477؛ ينابيع

المودة ، القندوزي: ج 2، ص331.

، وقد أخرجه ابن حجر في فتح الباري، والمباركفوري في تحفة الأحوذي، والمناوي في فيض القدير، ونعتوه بحُسنِ الإسناد، نعم قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني والبزار، وفيه أبو يزيد الحميري، ولم أعرفه، وبقيَّةُ رجالِهِ وثقوا».(3)

أقول: وأبو يزيد الحميري الذي لم يعرفه الهيثمي، هو نوفُ بن فضالة الحميري البكالي،

أبو يزيد، ويقال أبو رشيد. أدرجه ابن حبان في مشاهير علماء


1) المستدرك الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 158.

2) فتح الباري، ابن حجر : ج 7، ص101؛ الدر المنثور، جلال الدين السيوطي: ج 2، ص23؛ تفسير الآلوسي، الآلوسي : ج 3، ص 156؛ فيض القدير شرح الجامع الصغير المناوي : ج 3، ص 575 ؛ تحفة الأحوذي،

3) مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص 223.

الأمصار، وقال: «من صالحي أهل مصر(1)، وذكره أيضاً في كتابه الذي خصَّصه لذكرِ الثقات(2)، وقال الرازي في الجرح والتعديل: يُقال إنَّه كان أحد الحكماء"(3)،وقال المزي في تهذيب الكمال: ذكره خليفة بن خياط في الطبقة الأولى من أهلِ الشامات...وقال جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني: كان نوفُ أحد العلماء... وقال ضمرة بن ربيعة عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني: كان نوفُ البكالي إماماً لأهل دمشق ...له ذكر في الصحيحين في حديث سعيد بن جبير، عن ابنِ عباس، عن أبي بن كعب(4)،وقال ابن حجر في تقريب التهذيب : شامي مستور(5).

فليس إنكار الهيثمي لنوف البكالي ناشئاً من جهالة حاله، فهو أشهر من نار على عَلَم، ثم أنَّ كلماتِ علماء الجرح والتعديل خالية مما يقدح بوثاقته، وعليه فليسَ إنكار الهيثمي له قادحاً بروايته، كما هو غير قادح بسند الحديث، سيما مع تصريح جماعة من العلماء كابن حجر وغيره،بأنه حديثٌ حَسَنٌ ، كما عرفت آنفاً.

وأمَّا الاستدلال بهذا الحديث على تفضيلها عليها السلام فلا يحتاج إلى مزيد


1) مشاهير علماء الأمصار ابن حبان ص 196.

2) الثقات، ابن حبان : ج 5 ، ص 483.

3) الجرح والتعديل، الرازي: ج 8، ص 505 .

4) تهذيب الكمال ، المزي: ج 30 ، ص 65 - 66 .

5) تقريب التهذيب ابن حجر : ج 2، ص 255.

عناء، فقد أخبر الذي«وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى»(1)، بأنَّ خديجة عليها السلام أفضل نساء هذِهِ الأُمَّةِ على الإطلاق، كأفضلية مريم عليها السلام على نساء تلك الأمّة،

وقد اشتمل الإخبارُ على (قد) الموجبة لتحقيق الخبر، فأفاد تفضيل خديجة عليها السلام على سائرِ نساء النبي صلى الله عليه وآله فضلاً عن عائشة على نحو الجزم والقطع. سيما مع الأخذ بعين الاعتبار عصمة المخبر صلى الله عليه وآله. وقد استدلَّ بهذا الحديثِ على تفضيلها على عائشة ثلة من العلماء، ذكرهم ابن حجر العسقلاني في فتح الباري.(2)

نعم حاول ابنُ التين إخراج عائشة من عموم اللاتي تفضلهنَّ خديجة عليها السلام فقال: « ويُحتمل أن لا تكون عائشة دخلت في ذلك؛ لأنها كان لها عند موتِ خديجة ثلاث سنين، فلعل المراد النساء البوالغ».(3)

وهي محاولةٌ قاصرة ولم تلقى قبولاً عند أهل العلم؛ لأنَّ لفظ النساء مطلق يشمل البوالغَ ومَن لم تبلغ ، ومَن كانتْ موجودةً حال الإخبار، ومَن ستوجد فيما بعد(4)، كما هو واضح.


1) سورة النجم: 3-4 .

2) فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص101 .

3) فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص 101

4) قد يقال : بناءً على هذا القول تكون خديجة أفضل من ابنتها سيدة النساء، قلنا: إنّ فاطمة عليها السلام خرجت من هذا الإطلاق بنص خاص، فيبقي من عدها داخلاً تحت إطلاق اللفظ.

ثم إنَّ للحديثِ قرائن قويَّةً تؤيّد عموم أفضليتها عليها السلام، وقد مرَّ عليك أنَّ النسائي والحاكم وغيرهما أخرجوا بإسناد صحيح، من حديث ابن عباس مرفوعاً: «أفضل نساء أهل الجنَّةِ خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية»، وهذا نص صحيح صريح ،ليس فيه إبهام ولا تلويح ، ولا يحتمل القدح والتأويل والتجريج.

الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة قالت: استأذنت هالةُ بنت خويلد، أختُ خديجة، على رسولِ الله صلى الله عليه وآله، فعَرَفَ استئذان خديجة، فارتاعَ لذلك، فقال: «اللهم هالة»(1)

محذوف :أي: هذه هالة. وأما قولها ارتاع من الروع ، بفتح الراء، أي فزع والمراد من الفزع لازمه

وهو التغير.

، قالت فغرتُ، فقلتُ: ما تذكرُ من عجوزمن عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيراً منها».(2)

أقول: والحديث له تتمَّةٌ مهمَّةٌ، اقتطعها البخاري ولم يوردها، وهي موضع الشاهد كما سيأتي، وقد اقتصر ابنُ التين على نقل النَّصِ الواردِ في البخاري، الذي يوهم بظاهره سكوتَ النبي صلى الله عليه وآله عن عائشة وعدم إنكاره عليها،


1) بالنصب تقديره : إجعلها هالةً، فتكون هالة منصوباً على المفعولية، ويجوز رفعها على أنه خبر مبتدأ

2) صحيح البخاري، البخاري: ج 4 ، ص 231 .

فحاول انتزاع أفضليّةً عائشة على خديجة الكبرى عليها السلام مستدلاً بسكوته صلى الله عليه وآله وإقراره(1)، ولا أدري كيف تغافل عن أن للحديث زيادةً مهمَّةً

أخرجها الهيثمي، والذهبي، وابن حجر، والحلبي، وابن كثير، وابن عبد البر،والقندوزي الحنفي، وابنُ الأثير عن عائشة قالت - واللفظ للأخير - : «كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يكاد يخرجُ من البيتِ حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناءَ عليها، فذكرها يوماً من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلتُ: هل كانت إلا عجوزاً فقد أبدلك الله خيراً منها، فغضبَ حتى اهتز مقدَّمُ شعره من الغَضَبِ، ثم قال : « لا والله ما أبدلنيالله خيراً منها؛ آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذَّبني الناس، وواستني في مالها

إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء قالت عائشة:فقلتُ في

نفسي: لا أذكرها بسيئة أبداً.(2)

وهذه الزيادة تقطع الطريق على ابن التين ومَن يقولُ بمقالته، وتثبت خلافَ


1) انظر: عمدة القاري العيني: ج 16 ، ص 282 .

2) مجمع الزوائد، الهيثمي، ج 9، ص 224 ؛ السيرة الحلبية، الحلبي، ج 3، ص 401؛ كنز العمال، المتقي الهندي، ج 12، ص 132 ؛ أسد الغابة ابن الأثير ، ج 5 ، ص 438 - 439؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج 2، ص 117 ؛ الإصابة، ابن حجر ، ج 8، ص 103 ؛ البداية والنهاية، ابن كثير، ج 3، ص 158؛ السيرة النبوية، ابن كثير، ج 2، ص 135؛ سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي، ج 9، ص 386؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي، ج 2، ص 51 ؛ الاستيعاب، ابن عبد البر، ج 4 ، ص 1823 - 1824 .

مايروم اثباته، وقد ردَّ عليه العيني، بقوله: سكوته صلى الله عليه وآله على المقالة المذكورة لا يدلُّ على أفضلية عائشة على خديجة، على أنَّه جاءتْ روايةُ بالرَّدَّ هذِهِ المقالة، وهي ما رواه أحمد والطبراني من رواية ابن أبي نجيح عن عائشة، أنها قالت: قد أبدلك الله بكبيرة السن، حديثةَ السِّن، فَغَضِبَ، حتى قلتُ: والذي بعثك بالحق لا أذكرُها بعد هذا إلا بخير.(1)

أقول: وأحاديثُ إنكاره صلى الله عليه وآله على عائشة كثيرة، فبالإضافة لما ذكرنا أخرج الحلبي في سيرته، قال: «اتَّفَقَ له صلى الله عليه وآله أنَّه أرسل لحماً لامرأة ، تَنَاوَلَهُ صلى الله عليه وآله وَدَفَعَهُ لآخر يدفعه لها، فقالت له عائشة :لم تحرزيدك(2)، فقال : إنَّ خديجة أوصتني بها فقالت عائشة : لكأنَّها ليسَ في الأرضِ امرأةٌ

إلا خديجة، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله مغضباً، فلبثَ ما شاء الله، ثم رجع فإذا أمُّ رُوْمان أمّ عائشة، فقالت: يا رسول الله، مالك ولعائشة، إنّها حديثةُ السِّنِ، وأنتَ أحقُّ مَن يتجاوز عنها. فأخذ بشِدْق عائشة(3)وقال : أليست القائلة كأنها ليس


1) عمدة القاري، العيني: ج 16 ، ص 282.

2) یقال: أَخْرَزْت الشيء أُخْرِزُه إخرازاً إِذا حفظته و ضممته إليك و صُنته عن الأخذ. (لسان العرب، ابن منظور : ج 5 ، ص 333؛ النهاية في غريب الحديث ابن الأثير : ج 1 ، ص 366).

3) الشَّدْق : جانب الفم.

على وجه الأرض امرأةٌ إلا خديجة ؟ والله لقد آمنت بي إذ كفرَ بي قومك، ورُزقتُ منها الوُلْد وحرمتموه(1)ولو أردنا استقصاء روايات هذا الباب لاحتجنا إلى

رسالة مفردة.

وعلى كلّ حالٍ فدلالة هذه الأحاديثِ على أفضلية خديجة عليها السلام ظاهرة، خصوصاً قوله صلى الله عليه وآله: « لا والله، ما أبدلني الله خيراً منها».

الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين، وأحمد والحاكم النيسابوري،

وجماعة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: «أتى جبريلُ النبي صلى الله عليه وآله

فقال : يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه أدام، أو طعام، أو شراب،

فإذا هي أتَتْكَ، فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشّرها بيتٍ في الجنَّةِ من قَصَب ، لا صَخَب فيه ولا نَصَب .(2)


1) السيرة الحلبية، الحلبي: ج 3، ص 401.

2) صحیح البخاري، البخاري: ج 4 ، ص 231؛ صحيح مسلم، مسلم النيسابوري: ج7، ص133؛ مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 2، ص 231؛ المستدرك الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 185 ؛ المصنف ابن أبي شيبة الكوفي: ج 7، ص 529 ؛ الآحاد والمثاني، الضحاك : ج 5 ، ص 382؛ شرح مسند أبي حنيفة، ملا علي القاري : ص 466 ؛ تاريخ مدينة دمشق ابن عساكر: ج 50 ، ص 11 ؛ البداية والنهاية، ابن كثير : ج 3، ص 157؛ أعلام النبلاء، الذهبي : ج 2، ص 113؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج13، ص 692؛ أسد الغابة ابن الأثير : ج 5 ، ص 438 ؛ شرح مسلم، النووي : ج 15 ، ص 200 ؛ السيرة النبوية، ابن كثير : ج 2،ص 133؛ ينابيع المودة لذوي القربي، القندوزي: ج2، ص 47.

وصحة الحديث عند أهل السنة واضحة لوروده في الصحيحين، فإن قيل: أنَّه من مراسيل الصحابة، قلنا: إنَّ الإرسال غير قادح بصحة الاستدلال به وفق المباني الحديثية السنيّة، فمراسيل الصحابة حجَّةٌ بإجماع علماء أهل السنَّةِ، ولا عبرة عندهم بمَن شذَّ وذهب إلى عدم الحجية، فهم نزرّ قليل لا يُعتد بمخالفتهم.

أما كونها قال السرخسي: « لا خلاف بين العلماء في مراسيل الصحابة، حُجَّةٌ ، لأنَّهم صَحِبُوا رسول الله صلى الله عليه وآله، فما يروونه عن رسولِ الله عليه السلام مطلقاً، يُحمل على أنَّهم سَمِعُوْهُ منه، أو من أمثالهم، وهم كانوا أهل الصدق والعدالة»(1)، وقال الجصاص : «القول في الخبر المرسل : قال أبو بكر رحمه الله: مذهب أصحابنا: أنَّ مراسيل الصحابة والتابعين مقبولة. وكذلك عندي قبوله في أتباع التابعين، بعد أن يعرف بإرسال الحديث عن العدول الثقات».(2)

وقال أبو إسحاق الشيرازي: «باب القول في المراسيل، والمرسل: ما انقطعَ إسناده... فإنْ كانَ من مراسيل الصحابة وجبَ العمل به؛ لأنَّ الصحابة مقطوع بعد التهم(3)


1) أصول السرخسي، أبو بكر السرخسي : ج 1، ص 359 .

2) الفصول في الأصول الجصاص : ج 3، ص 145.

3) اللمع في أصول الفقه، أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي: ص218.

أقول: ولهذا السبب أخرجه الشيخان في الصحيحين، ولم يقدح به أحد من علماء السنة، بل قال الذهبي: «متفق على صحته»(1)

وبعد الفراغ من صحته وحجّية الاستدلال به لا يبقى شك في دلالته على أفضليّة خديجة الكبرى عليها السلام على نساء النبي صلى الله عليه وآله، إذ لم يرد بحقهنَّ شيءٌ من ذلك، لذا قال ابن حجر: «إِنَّ اختصاص خديجة بهذه البشرى مشعر بمزيد محبَّةِ من النبي صلى الله عليه وآله فيها، ووقع عند الإسماعيلي من رواية الفضل بن موسى، عن هشام بن عروة، بلفظ : «ما حسدتُ امرأةً قط ما حسدتُ خديجة حين بشَّرها النبيُّ صلى الله عليه وآله ببيتٍ من قَصَب.(2)

وقفة وتنبيه

لا بأس بالإشارة إلى أنَّ البعضَ عَدَّ من فضائل عائشة أنَّ جبرئيل أقرأها السَّلامَ أيضاً، مستدلاً يذلك على ما أخرجه الترمذي عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « يا عائشة ، هذا جبرئيل، وهو يقرأ عليكِ السَّلام ،قالت:قلت:وعليه السَّلامُ ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا نرى؟».

أقول: وعلى فرض صحة الحديث، فإنَّ خديجة حازت شرفَ السَّلامِ من الله


1) سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج 2، ص 113.

2) فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص 102.

وجبرئيل، بخلافِ عائشة، والفرقُ بين السَّلامين ما بين السماوات والأرضين، قال السهيلي: «استَدَلَّ بهذه القصَّة أبو بكر بن داود على أنَّ خديجة أفضل من عائشة؛ لأنَّ عائشةَ سلَّمَ عليها جبرئيل من قبل نفسه، وخديجة أبلغها السَّلام من ربها(1)، ولما سئل أبو داود: أيُّهما أفضل، خديجة أم عائشة؟ فقال: خديجة أقرأها النبيُّ صلى الله عليه وآله، السَّلامَ من ربِّها وعائشة أقرأها السَّلامَ من جبريل، فالأُوْلَى أفضل.(2)

ولم ترد رواية بتسليم الله على عائشة، نعم قال ابن حجر: وقع عند الطبراني من رواية أبي يونس عن عائشة، أنَّها وقع لها نظيرُ ما وقع لخديجة من السَّلام والجواب، ولكنَّه علّق عليها بقوله: «وهي رواية شاذة(3)، والذي ورد هو السَّلامُ من جبرئيل، وهو على فرض صحته لا يُضاهي ما ورد بالسَّلام على خديجة عليها السلام من الله تعالى ومن جبريل عليه السلام معاً.

على أنَّ التمعن في ألفاظ الرواية يفضي إلى ذم عائشة والقدح بها، خصوصاً قولها «ترى ما لا نرى؟»، فإنَّه إما على نحو التعجب أو الاستفهام، والقدح بعائشة


1) فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص 105.

2) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 11 ، ص 161.

3) فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص 106.

على كلا الاحتمالين ظاهر ، كما لا يخفى

أسرار السلام على خديجة عليها السلام

إن بشارة خديجة عليها السلام والسلام عليها لم تنشأ من فراغ، بل هنالك العديد من المناشئ والأسرارِ جعلت خديجة عليها السلام تختص بشرفِ السَّلام والبشرى، أشار السهيلي إلى بعضها قائلاً: «وإنَّما بشَّرَها (ببيت في الجنَّة من قَصَب)، يعني قَصَب اللؤلؤ؛ لأنَّها حازتْ قَصَبَ السّبقِ إلى الإيمان، (لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب)؛ لأنَّها لم ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وآله، ولم تتعبه يوماً من الدهر فلم تصخب عليه يوماً، ولا آذتْهُ أبدا»(1)، وقد أشار بذلك إلى أنَّها عليها السلام على خلاف غيرها من نساءه التي وردَ النَّصُّ الصحيحُ بإيذائهن للنبي صلى الله عليه وآله وتأله منهن،حتى شكى ذلك لأهلهن، وقد أوردنا بعضاً من ذلك في الدليل الثالث فراجع.

وبعد ذلك كله كيف يصح ادّعاء المساواة بينهنَّ فضلاً عن المفاضلة؟

قال ابن حجر في فتح الباري بعد إيرادِ حديثِ فاطمة عليها السلام الذي أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط، عنها عليها السلام، قالت: قلتُ: يا رسولَ


1) السيرة النبوية ابن كثير : ج 2، ص 133.

الله، أين أمّي خديجة؟ قال: في بيتٍ من قَصَب . قلت أمِن هذا القَصَب؟ قال: لا، من القَصَبِ المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت»، ثم شرع في بيانِ النُّكتة التي من أجلها قال النبي صلى الله عليه وآله في وصف بيتِ خديجة عليها السلام أنَّه من قَصَب ولم يقل : من لؤلؤ، فقال: «النكتة في قوله : (مِن قَصَب) ولم يقل : من لؤلؤ، إِنَّ في لفظ القَصَبِ مناسبة، لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها، ولذا وقعت هذه المناسبة في جميعِ ألفاظ هذا الحديث» . ثم بيَّن مناسبةً أخرى تُظهرُ

فضل خديجة عليها السلام على بقية نساء النبي صلى الله عليه وآله، فقال: «وفي القَصَب مناسبةٌأخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها، إذ كانت حريصةً على رضاه بكلّ ممكن، ولم يصدر منها ما يغضبه قط، كما وقع لغيرها(1)، أي من نسائه كعائشة وحفصة.»

الحديث الخامس: أخرج مسلم في صحيحه، والحاكم والصنعاني والطبراني، وغيرهم عن عروة، عن عائشة قالت: «لم يتزوج النبيُّ صلى الله عليه وآله علىخديجة حتى ماتت(2)

المصنف عبد الرزاق الصنعاني : ج 7، ص 493 ؛ منتخب مسند عبد بن حميد، عبد بن حميد بن نصر :ص 429 ؛ المعجم الكبير ، الطبراني: ج 22 ، ص 450 ؛ المنتخب من ذيل المذيل، الطبري: ص 105.

، وفي ذلك فضيلةٌ ظاهرة، ومزيَّةٌ فاخرة، انفردت بها عن نساء

1) فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص 104.

2) صحیح مسلم مسلم النيسابوري: ج 7، ص 134 ؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 186؛

النبي صلى الله عليه وآله، وفيها خير دليل على جلالة قدرها وإكرام النبي صلى الله عليه وآله لها، بترك التزويج عليها حال حياتِها.

قال ابن حجر في فتح الباري: «وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار، وفيه دليل على عظم قدرها عنده، وعلى مزيد فضلها؛ لأنها أغنته عن غيرها، واختصَّتْ به بقدر ما اشترك فيه غيرُها مرَّتين؛ لأنَّه صلى الله عليه وآله عاشَ بعدَ أنْ تزوَّجها ثمانية وثلاثين عاماً ، انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاماً، وهي نحو الثلثين من المجموع، ومع طولِ المدَّة فصانَ قلبها فيها من الغيرة، ومن

نكدِ الشَّرائر، الذي ربّما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك، وهي فضيلةٌ لم يشاركها فيها غيرها.(1)

والكلام يطول بذكر فضائل خديجة عليها السلام، والأدلة على تفضيلها، غير أننا أردنا بهذا القدر من الكلام التمهيد للقول بأنَّ خديجة عليها السلام بما تمثله من حجر طاهر، ورحم زكي، وثدي طاهر،ووعاء كان قمَّةَ النقاء قد أنجبت للبشرية ريحانة النبي صلى الله عليه وآله، ولا شكٍّ في أنَّ الذي ينحدر عن هذين العظيمين سوفَ يكونُ عظيماً، وهكذا كانت الزهراء عليها السلام.


1) فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص 103.

البحث الثاني ولادة الزهراء عليها السلام ونشأتها

تمهید:

لم تكن ولادة الزهراء عليها السلام ونشأتها اعتيادية كبقية نساء العالمين، لأنها كانت تجسّد الألق والعظمة في كلّ مفصل من مفاصل حياتها المقتضبة.

أولاً: الزهراء عليها السلام في عالم الأنوار

إنَّ قلَّةَ التحرُّج في الدين، وعدم الالتزام بالضوابط الشرعية، وسوء الفهم واللجاج، حوّلت الاختلاف في بعض القضايا الجزئية بين الطوائف الإسلامية إلى وسيلة من وسائل القدح والتشهير والخصام وذريعة لتوجيه القيل والقال، ولم يقف الأمرعند هذا الحد حتى صارَ البعضُ منهم يتّهم الآخر بالغلو لمجرَّد نقل بعض فضائلِ السَّلف، دونما أدنى تثبت أو رويَّة، والحال أنَّ مصادر المسلمين من مختلفِ الطوائف

طافحة بروايات تؤكّد الأمر ذاته، فأصبحَ إطلاق الغلو كشرب الماء البارد في اليوم القائظ، وكان لشيعة أهل البيت السهم الأوفر من هذا الاتهام بسبب ما يروونه من مآثر أئمتهم وفضائلهم، الأمر الذي حدا بنا أن نسلك هذا

المنحى الجديد فنورد ما يقول به الشيعةُ من الفضائل والمناقب بالاعتماد على مصادر الطوائف الإسلامية الأخرى، لنقطعَ بذلك ذريعة القيل ونضع القارئ اللبيب أمامَ حقيقة ناصعة، وهي أنَّ جميع ما يقولُ به الشيعة مسطور في كتب شانئيهم، ومن تلك القضايا المهمَّةِ ما يتعلَّق بخلق أنوار أهل البيت وانعقاد نطفة الزهراء عليها السلام من ثِمارِ الجَنَّةِ، والحال أنَّ ما يقول به الشيعة الإمامية هو عين ما روته المصادرالسنية فقد روى الحمويني بإسناده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنَّه قال: «لما خلق الله تعالى أبا البشر، ونفخ فيه من روحه، التفتَ آدم يمنةَ العرش فإذا نور خمسة أشباح سُجَّداً ورُكَعَاً، قال آدم : يا رب هل خلقت أحداً من طين قبلي؟ قال: لا، یا آدم.

قال: فمَن هؤلاء الخمسة الذين أراهم في هيئتي وصورتي ؟

قال: هؤلاء خمسةٌ من ولدك، لولاهم ما خلقتك، ولولاهم ما خلقتُ الجنَّةَ ولا النار ولا العرش ولا الكرسى ولا السماء ولا الأرضَ ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجنّ، هؤلاء خمسة شققتُ لهم خمسة أسماء من أسمائي: فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العالي وهذا على، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا الإحسان وهذا الحسن، وأنا المحسن وهذا الحسين آليتُ بعزّتي أنه لا يأتيني أحد بمثقال حبة من خردل من

بغض أحدهم إلا أدخلتُه ناري ولا أبالی.

يا آدم!هؤلاء صفوتي من خلقي، بهم أنجيهم وأهلكهم، فإذا كان لك إليَّ حاجة فبهؤلاء توسل . فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله: نحن سفينةُ النَّجَاةِ، مَن تعلَّقَ بها نجا ومن حادَ عنها هلك، فَمَن كان له إلى الله حاجة فليسأل بنا أهل البيت»(1)، وقد اشتملت الرواية على العديد من الأمور المهمة، لا نتوقف عندها لظهورها ووضوحها، غير أننا أردنا الإشارة إلى أنّ الله تعالى خلقَ أنوارَ أهل البيت عليهم السلام - ومنهم الزهراء عليها السلام - قبلَ أنْ يخلق أحداً من البشر .

وللرواية شواهد كثيرة، منها ما أورده الخوارزمي والذهبي وابن حجر عن جابرِ بنِ عبدِ الله الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «لما خلق الله آدمَ وحواء تبخترا في الجنة، وقالا : مَن أحسن منَّا ؟ فبينما هما كذلك إذ هما بصورة جارية لم يُر مثلها، لها نور شعشعاني يكاد يطفئ الأبصار ، قالا: يا ربّ، ما هذه؟ قال: صورة فاطمة سيدة نساء ولدك... وُجِدَ ذلك في غامض علمي قبل أنْ أخلقَكَ بألفي عام.(2)


1) فرائد السمطين الحمويني: ج 1 ، ص 36.

2) مقتل الحسين عليه السلام ، الموفق بن أحمد الخوارزمي: ص 65؛ ميزان الاعتدال، الذهبي: ج2،ص 496 ؛ لسان الميزان ، ابن حجر : ج 3، ص 346.

ومن الشواهد التي ذكرتها المصادر السنيَّةُ مما يتعلق بالنشأة النورانية لأئمة أهل البيت عليهم السلام عموماً:

1- حديث سلمان المحمدي: أخرج الموفق الخوارزمي والحافظ ابن عساكر والذهبي وابن حجر، كلّهم عن سلمان، قال - واللفظ لابن عساكر -:« سمعتُ حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كنتُ أنا وعلى نوراً بين يدي الله، مطيعاً، يسبِّحُ الله ذلك النور ويقدِّسُهُ قبلَ أنْ يُخْلَقَ آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلقَ اللهُ آدم ركز ذلك النور في صُلبه، فلم نَزَلْ في شيءٍ واحد، حتى افترقنا في صلب عبدِ

المطلب، فجزء أنا وجزء علي».(1)

2۔ حدیث ابن عباس: روى الزرندي الحنفي في معارج الوصولِ ونظمِ دررِؚِالسمطين، والقاضي عياض في الشفا - واللفظ للزرندي - عن ابن عباس قال: «سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله يقول: كنتُ أنا وعلي نوراً بين يدي الله عزّ وجل،من قبل أنْ يُخلَقَ آدم عليه السلام بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم


1) المناقب، الموفق الخوارزمي، ص 145؛ تاريخ مدينة دمشق ابن عساكر، ج 42، ص 67؛ ميزان الاعتدال ، الذهبي، ج 1، ص 507 ؛ لسان الميزان ابن حجر، ج 2، ص 22. وأخرجه ابن الدمشقي، وقال:أخرجه أحمد في المناقب جواهر المطالب ابن الدمشقي : ج 1 ، ص 61

عليه السلام سلك ذلك النور في صُلبِهِ، ولم يَزَل الله ينقله من صلب إلى صلب، حتى أقره في صلب عبد المطلب، ثم أخرجه من صلب عبد المطلب، فقسمه قسمين : قسماً في صلب عبد الله، وقسماً في صلب أبي طالب، فعلي منّي وأنا منه.(1)

بتعريف حقوق المصطفى القاضي عياض : ج 1، ص 82 - 83.

3- حديث أبي جعفر الباقر عليه السلام: أخرج الحافظ ابن مردويه الأصفهاني والموفق الخوارزمي، وجماعة عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «كنتُ أنا وعلي نوراً بين يدي الله تعالى من قبل أنْ يُخْلَقَ آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خَلَقَ الله تعالى آدم سلك ذلك النور في صلبه، فلم يَزَل الله تعالى ينقله من صلب إلى صلب حتى أقره في صلب عبد المطلب، فقسمه قسمين: قسماً في صلب عبد الله، وقسماً في صلب أبي طالب، فعلي منّي وأنا منه، لحمه لحمي، ودمه دمي، فَمَن أحبَّه فبحبّي أحبَّه، ومن أبغضه فيبغضي أبغضه»(2)

نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج 9، ص 171؛ كشف الخفاء، العجلوني، ج 2، ص130؛ جواهر المطالب،

ابن الدمشقي : ج 1 ، ص 61 ؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي، ج 2، ص 490 - 491.

وهذه الأحاديث - وغيرها مما تركناه خوف الإطالة - بمجموعها تؤكّد أسبقة

النشأة النورانيَّة لأهل البيت عليهم السلام ومنهم فاطمة الزهراء عليها السلام.


1) معارج الوصول الزرندي الحنفي : ص 33؛ نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي: ص79؛ الشفا

2) المناقب، ابن مردويه الأصفهاني: ص 286 ؛ المناقب، الموفق الخوارزمي : ص 145 – 146؛ وانظر : شرح

هم النور نور الله جل جلاله*** هم التين والزيتون والشفعُ والوَتْرُ

مهابط وحي الله خزان علمه*** ميامينُ في أبياتهم نزلَ الذكرُ

وأسماؤهم مكتوبةٌ فوق عرشِهِ***ومكنونة من قبل أن يُخلق الذر

ولولاهم لم يخلق الله آدماً*** ولا كان زيد في الأنام ولا عمرو

ولا سطحتْ أرضٌ ولا رُفعت سما*** ولا طلعت شمس ولا أشرق البدرُ

ثانیا: انعقاد نطفه الزهراء علیها السلام

تتفق روايات أهل السُّنةِ مع ما رُوي عن أهل بيتِ العِصمةِ والطَّهارة عليهم السلام في نقطة محوريّة مفادها أنَّ نطفة الزهراء عليها السلام تكونت من ثمار الجنَّة، وعللت تلك الروايات كثرة تقبيل النبي صلى الله عليه وآله لها بأنَّه يشم منها رائحةَ الجنَّة، كما عللت السبب في تسميها بالحوراء الإنسية؛ بأنَّها خُلِقَتْ من ثمار الجنّة وإليك بعض ما رواه أهل السنّة في ذلك:

الأولى: رواية ابن عباس

روى محبُّ الدين الطبري والقرماني والذهبي وسبط ابن العجمي والحضرمي وغيرهم عن ابن عباس قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وآله يُكثرُ القُبَلَ لفاطمة، فقالتْ له عائشة : إِنَّكَ تُكثر تقبيل فاطمة ؟ فقال صلى الله عليه وآله : إِنَّ جبرئيل ليلة أسري بي أدخلني الجنة فأطعمني من جميع ثمارها، فصار ماء في صلبي

فَحَمَلتْ خديجةُ بفاطمة، فإذا اشتقتُ لتلك الثمار قبلتُ فاطمة فأصبتُ من رائحتها جميع تلك الثّمار التي أكلتُها.(1)

الثاني: رواية سعيد بن مالك

روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين والسيوطي والخوارزمي والمتقي الهندي عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عن سعد بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتاني جبرائيل عليه الصلاة والسلامُ بسَفَرجلة من الجنَّةِ فأكلتُها ليلة أسري بي فعلقت خديجة بفاطمة، فكنتُ إذا اشتقتُ إلى رائحةِ الجنَّة شممت رقبة فاطمة.(2)

الثالث: رواية عمر بن الخطاب

روى الخوارزمي والذهبي وسبط ابن العجمي عن عمر بن الخطاب قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله لما أنْ ماتَ وُلدي من خديجة أوحى الله إلى أنْ أمسك عن خديجة، وكنت لها عاشقاً، فسألتُ اللهَ أنْ يجمع بيني وبينها، فأتاني جبرئيل في شهر رمضان ليلة جمعة لأربع وعشرين، ومعه طبق من رَطَبِ الجنَّةِ،


1) ذخائر العقبى محب الدين الطبري : ص 36 ؛ أخبار الدول القرماني: ص 87؛ ميزان الاعتدال، الذهبي: ج 1 ، ص 541 ؛ الكشف الحثيث سبط ابن العجمي: ص 100 ؛ لسان الميزان ابن حجر: ج 2، ص 297؛ وسيلة المآل الحضرمي: ص79.

2) المستدرك، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص156؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج12، ص109؛ الدر المنثور السيوطي: ج 4 ، ص 153 ؛ مقتل الحسين عليه السلام ، الخوارزمي: ص64.

فقال: يا محمد! كُل هذا وواقع خديجةَ الليلة، ففعلتُ فَحَمَلَتْ بفاطمة، فما لثمتُ فاطمة إلا وجدتُ ريحَ ذلك الرَّطَبِ، وهو في عترتها إلى يوم القيامة.(1)

الرابع: رواية عائشة

روى جماعة منهم الحافظ البغدادي والأصفهاني والحضرمي والذهبي . واللفظ له - عن عروة، عن عائشة : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله كانَ كثيراً ما يقبل نحر فاطمة، فقلتُ: يا رسول الله، أراك تفعل شيئاً لم أكن أراك تفعله؟ قال: أو ما علمت يا حميراء إنَّ الله لما أسري بي إلى السماء أمر جبرائيل فأدخلني الجنة وأوقفني على شجرة ما رأيتُ أطيب رائحة منها ولا أطيب ثمراً، فأقبل جبرائيل يفرك ويطعمني، فخلق الله منها في صلبي نطفةً، فلما صرتُ إلى الدنيا واقعتُ خديجة فحملت، وإنّي كلَّما اشتقتُ إلى رائحة تلك

الشَّجرةِ شممت نحر فاطمة فوجدتُ رائحة تلك الشَّجرة منها، وإنَّها ليست من نساء أهل الدنيا ولا تعتلُّ كما يعتلُّ أهل الدنيا(2)

و في المعجم الكبير للطبراني ومجمع الزوائد للهيثمي، عن عائشة قالت: كنتُ


1) مقتل الحسين عليه السلام ، الخوارزمي: ص 64 ؛ لسان الميزان ابن حجر : ج 4 ، ص 365؛ ميزان الاعتدال، الذهبي : ج 3، ص 261 ؛ الكشف الحثيث ، سبط ابن العجمي: ص 202.

2) تاريخ بغداد، البغدادي: ج 5 ، ص 293؛ ذكر أخبار أصفهان، الحافظ الأصفهاني: ج 1، ص78؛ ذخائر العقبى، محب الدين الطبري : ص 36؛ مقتل الحسين عليه السلام ، الموفق الخوارزمي: ص 63؛ ميزان الاعتدال، الذهبي : ج 2، ص 518 ؛ وسيلة المآل الحضرمي: ص78.

أرى رسول الله صلى الله عليه وآله يقبلُ فاطمة، فقلتُ: يا رسول الله، إني كنتُ أراك تفعل شيئاً ما كنتُ أراك تفعله من قبل، قال لي: يا حميراء، إنَّه لما كان ليلة أسري بي إلى السماء أدخلتُ الجنَّةَ، فوقفتُ على شجرة من شجرِ الجنَّة لم أرَ في الجنَّةِ شجرةً هي أحسن منها ولا أبيض منها ورقة ولا أطيب منها ثمرة، فتناولتُ ثمرةً من ثمرتها فأكلتها فصارت نطفةٌ من صلبي، فلما هبطت إلى الأرض واقعتُ خديجة فحملت بفاطمة، فإذا أنا اشتقتُ إلى رائحةِ الجنَّةِ شممت ريحَ فاطمة، يا حميراء! إنَّ فاطمةَ ليست كنساء الآدميين، ولا تعتلُّ كما يعتلون»(1). وقال الهيثمي معقباً عليه: رواه الطبراني وفيه أبو قتادة الحراني وثقه أحمد، وقال: كان يتحرى الصدق، وأنكر على مَن نسبه إلى الكذب.

تعقيب وبيان

هذه جملة من الرواياتِ السنيّة الصريحة في أن نطفتها عليها السلام تكوَّنتْ من ثمار الجنّة، ومع ذلك فقد حاولَ الذهبي جاهداً في ردّ تلك الأحاديث الكثيرة، وحجَّتُهُ الوحيدة في ذلك القول بأنَّ فاطمة عليها السلام وُلِدَتْ قبل البعثة، مدعياً أنَّ هذه الحادثة جرت بعد البعثة.


1) المعجم الكبير، الطبراني : ج 22 ، ص 401 ؛ مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص 202.

وسوف يأتيك جلياً أن ولادة الزهراء عليها السلام كانت بعد البعثة، وهذه الأحاديث وغيرها - مما سنورده - خير دليل على أن ولادتها كانت بعد البعثة، وبعد حادثة الإسراء تحديداً، وعليه فلا وجة لكلام الذهبي، ولا قيمة لقدحه بهذه الروايات؛ لأنَّها تتماشى تماماً مع القول الصحيح في ولادتها، بل تكون دليلاً على

صحته كما قلنا .

ثالثا الزهراء عليها السلام في عالم الأرحام

لما تزوج النبي صلى الله عليه وآله خديجة عليها السلام هجَرَتْها نسوة مكة، فكنَّ لا يدخلنَ عليها، ولا يسلّمنَ عليها، ولا يتركنَ امرأةً تدخل عليها، فاستوحشت لذلك، وكان أكثر جزعِها وغمّها حذراً على رسولِ الله صلى الله عليه وآله، فلما حملت بفاطمة كانتْ عليها السلام تحدِّثُها في بطنها وتصبّرهاوتؤنسها، وذلك من أبرز محطّاتِ الألق وعلاماتِ السمو في حياة الصدِّيقة الزهراء عليها السلام، فقد خصَّها الله تعالى من بين نساء العالمين بهذه الخصيصة، فجعلها أنساً لوحشة أمها، وكانت خديجة عليها السلام تكتمُ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى دخل عليها يوماً فسمعها تكلّم شخصاً وليس في البيتِ غيرها، فسألها، فأخبرته بأنَّ الجنينَ يحدثُها ويؤنسها :

كانت تحدّث أمها وأمها ***تک تكتمه إذا النبي دخلا

فقال يا بنت خویلد لمن*** تحدثين والبیت خلا

فقالت الجنين في بطني غدا*** يؤنسني قال بلا

هي ابنتي الأنثى التي*** قد فقدت في فضلها المائلا

وقد روى ذلك جماعةٌ من أعلام السنة، منهم القندوزي الحنفي في ينابيع المودَّةِ عن خديجة عليها السلام: «إِنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله قال: أتاني جبرائيل بتفاحةٍ من الجنَّةِ فأكلتُها وواقعتُ خديجة فحملت بفاطمة. فقالت : ما حملت بفاطمة حملت حملاً خفيفاً، وتحدّثني في بطني.(1)

وروى العمراوي في الروض الفائقِ قائلاً :

لا سأله الكفّارُ أنْ يريهم انشقاق القمر، وقد بانَ لخديجة حملها بفاطمة وظهر، قالت خديجة: وا خيبةَ مَن كذَّبَ محمداً وهو خير رسول ونبي، فنادتْ فاطمة من بطنها : يا أماه لا تحزني ولا ترهبي، فإنَّ الله مع أبي، فلما تمَّ أمدُ حملها وانقضى وضعتُ فاطمةَ فأشرقَ بنور وجهها الفضاء.(2)

وقال العظيم آبادي - مؤكّداً ذلك ومصرحاً به : «لما حملت خديجة بفاطمة


1) ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي: ج 2، ص 134 ؛ نزهة المجالس الصفوري الشافعي: ج 2، ص227.

2) الروض الفائق، العمراوي: ص 255.

كانتْ تكلّمُها في بطنها، وكانتْ تكتمُها عن النبي صلى الله عليه وآله فدخل عليها يوماً ووجدها تتكلَّم وليس معها غيرُها ، فسألها عمَّن كانتْ تخاطبه، فقالت: مع ما في بطني، فإنَّه يتكلم معي، فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله: أبشري يا خديجة، هذه بنت جعلها الله أم أحد عشر من خلفائي، يخرجون بعدي وبعد أبيهم.(1)

رابعا: تاريخ ولادتها

اشارة

تضاربت كلماتُ علماء أهل السنة في ولادةِ سيّدة النساء عليها السلام واختلف اختلافاً ذريعاً (2)، وسبب الاختلاف يؤول إلى تعمُّدِهم الإعراض عن أقوال أهل البيت فهم أولادها عليها السلام وأقرب الناس إليها وأعرفهم بولادتها. وكما يقال : أل مكة أدرى بشعابها، إلا أنَّ التعصب البغيض قاد العديد الكتاب إلى الإعراض عما يُروى عن أهل بيت النبوة وإن كان مقطوعاً بصحته عندهم، والحال أنَّ أهل البيت عليهم السلام أجمعت كلمتهم على القول بأنَّ الزهراء عليها السلام ولدت بعدالبعثةالنبوية، وفي مصادر الشيعة العديد مما يروى عنهم بهذا الشأن، والأكثر أنَّ ولادتها عليها السلام كانت يوم الجمعة في العشرين من شهر جمادي


1) تجهيز الجيش العظيم آبادي: ص99.

2) إتحاف السائل المناوي : ص 21

الثانية من السنة الخامسة بعد البعثة النبوية، وبعد الإسراء والمعراج لا قبله(1).

إلا أنَّ أغلبَ علماء السنَّةِ أصرُّوا على كونِ ولادتِها قبل البعثة، فذهبَ جمع منهم إلى أنَّ ولادتها كانت قبل البعثة بخمس سنين، ومنهم من قال: قبلها بسنتين، ومنهم من قالَ : بسبع سنين وستة أشهر، ومنهم من قال: بعد البعثة بسنة، ولا يهمنا البحث في هذه الأقوال وإيرادِها ما دام الأئمة من أهل البيت عليهم السلام مجمعون على ردّها وتخطئتها، وقديماً قيل: أهل البيت أدرى بما فيه، ولكن الشيء الأهم من ذلك هو إيراد ما يكون دليلاً على ولادتها بعد البعثة النبوية الشريفة ومن المصادر السنية تحديداً.

أدلة القول بولادتها بعد البعثة هنالك العديد من الأدلة القطعية والقرائن القويّة في المصادر السنيّة، تدلّ على ولادةِ البَضعةِ الزَّكَيَّة عليها السلام بعد البعثة النبوية، منها:
1-تسميتها بأمر الله تعالى

روى جماعة من علماء أهل السنَّةِ : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله سماها فاطمة


1) : الكافي، الشيخ الكليني: ج 1 ، ص 457؛ مناقب آل أبي طالب، ابن شهر أشوب : ج 3، ص 132؛ بحار الأنوار ، العلامة المجلسي- : ج 43 ، ص 6 ؛ الحدائق الناضرة المحقق البحراني: ج 17، ص 426 - 427 ؛ مستدرك سفينة البحار،النمازي الشاهرودي : ج 8، ص 242 .

بأمرٍ من الله أو بإلهام منه تعالى(1)، وهذا خير دليل على كونِ ولادتها بعد نزولِ الوحي، أي بعد بعثة أبيها المصطفى صلى الله عليه وآله، إذ لا وحي قبل البعثة ولا شيء من هذا القبيل.

2-انعقاد نطفتها من ثمار الجنة

تضافرت الروايات السنية على أنَّ نطفة الزهراء عليها السلام خُلقت من ثمرِ الجنَّةِ، ومن المؤكَّد أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله إنَّما أكل من ثمرِ الجنَّةِ ليلةَ الإسراءِ والمعراج لا قبلها كما هو صريح تلك الروايات، وهذا خير دليل على ولادتها بعد البعثة، وبعد حادثة الإسراء تحديداً، وعلى ذلك إجماع أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فيكون القول بولادتها بعد البعثة النبوية الشريفة هو الصحيح الموافق لروايات الفريقين. وقد تبين إلى هنا أنَّ القول بولادتها بعد البعثة النبوية أوضحُ من الشمس في رابعة النهار ، فلا نطيل الكلام فيه، بل نكتفي بهذا القدر، وفيما أوردنا كفاية لمن تمعّن وتدبّر.

تساؤل وجواب:

قد يقول قائل : بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله تزوّج خديجة عليها السلام وهي


1) إتحاف السائل المناوي : ص 23 . وسوف يأتي كلامه مفصلاً.

في عمرِ الأربعين، وعاش معها قبل البعثة خمسة عشر عاماً، فلو قيل بولادة الزهراء عليها السلام بعد البعثةبخمسةأعوام،يكون

عمر خديجة حينئذ ستين سنة، ومن البعيد جداً أن تلد المرأة في مثل هذا السن.

أقول: هذا أحد الوجوه التي اعتمدعليها القائلون بولادتها قبل البعثة، ولكن ما ذُكر لا يصمد أمام النقد العلمي الموضوعي، إذ يرد عليه:

1-أنه مخالف لصريح القرآن

إِنَّ الذي ذُكِرَ استبعاد محضّ، وليس قاعدة كلية لا يمكن تجاوزها أو القول بخلافها، وقد أثبتت الروايات السنية بأنَّ سارة ولدت إسحاق وكانت أكبر من ذلك بنحو ثلاثين سنة، ففي رواية الطبري والسيوطي والشوكاني عن مجاهد : أنّها كانت ابنة بضع وتسعين سنة وكان إبراهيم إبن مائة سنة (1)، وقد قال تعالى حكايةً عنها : ( قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزُ وَهَذَا بَعْلِي شَيْئًا إن هذا لشيء عَجِيب‪(2)وفي آية أخرى: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ لَشَيءٍ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ )(3)، فليست ولادة

خديجةعليها


1) جامع البيان، الطبري: ج 12، ص 93؛ الدر المنثور السيوطي: ج 3، ص 340؛ فتح القدير، الشوكاني: ج 2، ص 512 .

2) سورة هود72

3) سورة الذاريات: 29 .

السلام في مثل هذا السن مستحلية، كي تُرَدّ الرواياتُ المعتبرة لأجلها.

2- اختلاف العلماء في عمر خديجة عليها السلام

إنَّ الكثير من رواياتِ أهلِ السنَّةِ صَرَّحت بأنَّ عمر خديجة عليها السلام حين تزوّجت برسولِ الله صلى الله عليه وآله كانت ثمانية وعشرين سنة، وهو مختار أغلب علمائهم، وعليه فيكون عمر خديجة حين ولادة الزهراء عليها السلام ثمانية وأربعين سنة لا غير، وبذلك يرتفع الإشكال .(1)

مغلطاي، علاء الدين مغلطاي الحنفي : ص 12؛ تهذیب تاریخ دمشق عبد القادر بدران : ج 1 ، ص 303 (4) : إنَّ زواجها كان في الخامسة والثلاثين. (البداية والنهاية، ابن كثير : ج 2، ص 295؛ السيرة النبوية، ابن كثير : ج 1 ، ص 265 ؛ السيرة الحلبية، الحلبي : ج 1 ، ص 140 ) . (5): إن عمرها كان أربعين . ن عمرها كان أربعين سنه . (أنساب الأشراف ( حياة النبي ) ، البلاذري : ص 98؛ سيرة مغلطاي علاء الدين مغلطاي الحنفي : ص 12؛ المحبر، البغدادي: ص 49؛ المواهب اللدنية، ابن عساكر : ج 1 ص 38؛ شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي: ج1 ص14؛ تاريخ الخميس، الديار بكري: ج 1 ، ص 264 ؛ السيرة الحلبية، الحلبي: ج 1 ، ص 140؛ السيرة النبوية، دحلان : ج 1 ، ص 55 ؛ تاريخ الإسلام الذهبي : ج 2، ص 152 ؛ الطبقات الكبرى، ابن سعد: ج1، ص 132؛ تهذیب تاریخ دمشق عبد القادر بدران : ج 1، ص 303). (6): إنَّ زواجها كان في الرابعة والأربعين. (المستدرك، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 182) (7) : إنَّه كان في الخامسة والأربعين. (السيرة الحلبية، الحلبي : ج 1 ، ص 138) . (8) : إنَّه كان في السادسة والأربعين. (الأوائل، أبو هلال العسكري: ج 1 ، ص 160 - 161).


1) اختلاف العلماء في عمرها عند زواجها بالنبي على النحو التالي: (1): إنَّ زواجها كان في الخامسة والعشرين من عمرها، وصححه البيهقي. (دلائل النبوة، البيهقي : ج 2، ص71؛ البداية والنهاية ، ابن كثير : ج 2، ص 294 - 295؛ السيرة النبوية، ابن كثير : ج 1 ص 265؛ السيرة الحلبية، الحلبي: ج 1 ص 140). (2) : إنَّ زواجها كان في الثامنة والعشرين هو ما رجحه كثيرون (شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي: ج 1 ص 14؛ بهجة المحافل عماد الدين الشافعي: ج 1 ، ص 48 ؛ أنساب الأشراف (حياة النبي عليها السلام)، البلاذري: ص 98؛ تهذیب تاریخ دمشق، عبد القادر بدران: ج 1، ص 303؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي ج 2، ص111؛ المستدرك، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص182؛ المحبر، البغدادي: ص79؛ تاريخ الخميس، الديار بكري: ج 1، ص 264؛ السيرة الحلبية، الحلبي: ج 1، ص 140). (3): إنَّ عمرها كان ثلاثين سنة . (راجع: السيرة الحلبية، الحلبي: ج 1، ص 140؛ تاريخ الخميس، الديار بكري: ج 1، ص 264، سيرة

3- القرشية تلد في الستين

لو سلَّمنا أنَّ عمر السيّدة خديجة عليها السلام كان ستين سنة، فإنَّ الحمل غير متعدّرٍ على القرشيّة والنبطية في مثل هذا السن، وقد روي: «أنَّ القرشيّة من النساء، والنبطيّة تريان الدم إلى ستين سنة.»(1)

يضاف إلى ذلك أنّ علماء العامَّة : اختلفوا في سن اليأس على ستة أقوال:

أشهرها اثنان وستون سنة، وقيل: ستون وقيل خمسون وقيل سبعون، وقيل:

خمسة وثمانون وقيل تسعون وقيل غير العربية لا تحيض بعد الخمسين ولا تحيض بعد الستين إلا قرشية . ولو رأت امرأة الدَّم بعد سن اليأس صار أعلى اليأس آخر ما رأته فيه، ويعتبر بعد ذلك بها غيرها. (2)


1) المقنعة المفيد: ص 532 ؛ الحدائق الناظرة ، البحراني : ج 3، ص 172 ؛ مستند الشيعة، النراقي: ج 2، ص 376؛ العروة الوثقى، اليزدي: ج 6 ، ص 87؛ وسائل الشيعة، الحر العاملي: ج 2، 337؛ جامع الأحاديث، البروجردي: ج 2، ص 507. وانظر حواشي الشرواني، الشرواني والعبادي: ج 7، ص238؛ مغني المحتاج الشربيني: ج 3، ص 388؛ كشف القناع، البهوتي: ج 5 ، ص490 .

2) مغني المحتاج الشربيني : ج 3، ص388. وانظر : حواشي الشرواني، الشرواني والعبادي: ج 7،ص 238 ؛ كشف القناع البهوتي : ج 5 ، ص 490 .

ولعدم وجودِ قاعدة ثابتة عندهم في اليأس قال ابن تيمية: «اليأس مختلف باختلافِ النساء، وليس له حد يتفق عليه النساء، والمراد بالآية(1)أن إياس كل امرأة من نفسها؛ لأنَّ اليأس ضد الرجاء، فإذا كانت المرأة قد يئست من المحيض ولم ترجه آيسة، وإنْ كانَ لها أربعونَ أو نحوها، وغيرها لا تيأس منه وإنْ كانَ لها خمسون(2)، وعيه فلا مانع من أن تلد خديجة عليها السلام في مثل هذا السن.

4- إنها حملت بها قبل الستين

لو قلنا أنَّ سنَّ اليأس ستون سنة، ولا يزيد على ذلك، أمكن القول بأنَّ خديجة إنّما أنجبت الزهراء عليها السلام في الستين بمعنى ذلك أنها حملت بها في التاسعة والخمسين، والحمل في هذا السن ليس بمتعذِّر ؛ لأنها تكون قد حملت بها قبل سن اليأس. وخلاصة الكلام: أنَّ الزهراء عليها السلام ولدت بعد البعثة النبوية الشريفة، وكلُّ الأدلّةِ التي أقيمت على خلاف ذلك قاصرة الدلالة وعاجزة عن مقاومة ما دلَّ على ولادتها بعد البعثة النبوية الشريفة.


1) أي قوله تعالى: وَاللَّائِي يَنِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْيَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا . الطلاق : 4.

2) فقه السنة، سيد سابق : ج 2، ص 330

خامسا: حضور نساء الجنة عند ولادتها

شاءت الإرادة الإلهية أن تغادر الزهراء عليها السلام عالم الأرحام لتتشرف دنيا الوجود بطلعتها البهيّة وتتزين الأرجاء بإشراقتها القدسيّة، وليكونَ محفل الولادة متناسباً مع قدسيتها وعظمتها، ولكن الظرف الذي ولدت به الزهراء عليها السلام لم يكن عادياً، فقد اعتاد نسوة القرشيين عند الولادة أنْ تتسارع إليهنَّ القوابل من قريش، وليس الأمر كذلك بالنسبة لخديجة عليها السلام فقد كانت تعيشُ المقاطعة من نساء قريش لاقترانها بيتيم أبي طالب، فلم يحضر عندها أحدٌ منهنَّ فتلي منها ما تلي النساء من النساء عند الولادة بغياً لها وحقداً عليها، وقد غابَ عنهنَّ أنّها ترفلُ بعناية الله تعالى، وتزخر بعميم فيضِهِ ولطفِهِ، مع ما تملكُهُ

ثقة عالية بمبدأ الفيض والعطاء.

وقد شاءت الإرادة الإلهيَّةُ أنْ تكونَ تلك المقاطعة سبباً لبيان مكانة خديجة ووليدتِها، وكرامتهما على الله تعالى، ففي ذخائر العقبى لمحبّ الدين الطبري: أنَّ خديجة عليها السلام لما أرادت أن تضع بعثت إلى نساء قريش ليأتينها فيلين منها ما يلي النساء ممن تلد، فلم يفعلن وقلن: لا نأتيك وقد صرتِ زوجةً محمد صلى الله عليه وآله، فبينما هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة عليهنَّ من الجمال والنور ما

لا يوصف، فقالت لها إحداهن أنا أمُّك حواء، وقالت الأخرى: أنا آسية بنتُ ،مزاحم، وقالت الأخرى أنا كلثم أخت ،موسى وقالت الأخرى: أنا مريم بنتُ عمران أم عيسى جئنا لنلي من أمرك ما يلى النساء قالت: فولدت فاطمة فوقعت حين وقعت على الأرض ساجدةً. (1)

وفي ينابيع المودة ونزهة المجالس عنها عليها السلام قالت . واللفظ للأول : « لما حملتُ بفاطمة كانت حملاً خفيفاً، وتحدثني في بطني، فلما قربت ولادتها بعثتُ إلى نساء قريش ليأتينها، فيلين منها ما يلي النساء ممن تلد فلم يفعلن وقلن: لا نأتيك

وقد صرت زوجة محمد صلى الله عليه وآله، فبينما هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة...». وساق الحديث الماضي بتمامه.(2)فبهذا المحفل الرباني الفريد وُلدت الزهراء عليها السلام، واستقبلتها تلك الأناملُ الطاهرة، وبهذه الطريقة الإعجازيَّةِ تمت مباركةُ الزهراء عليها السلام، لتتجلى عظمتها وكرامتها على الله تعالى، وأنها كما يصرّح عنها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ليست كنساء الآدميين، فهي - بحق - غرسة ربانيةٌ في التُربةِ المحمدية.


1) ذخائر العقبى محب الدين الطبري : ص 45 ؛ وسيلة المآل الحضرمي: ص 77.

2) ينابيع المودة، القندوزي الحنفي : ج 2، ص 135؛ نزهة المجالس الصفوري الشافعي: ج 2، ص227.

من مثل فاطمة الزهراء في نسب ***من مثل فاطمة الزهراء في نسب

واللهُ شرَّفها حقاً وفضلها إذ كانت ***ابنة خير العجم والعرب

سادسا: ملامحها وشمائلها

تمهيد

كانت الزهراء عليها السلام أنقى الناس فطرةً، وأطيبهم مَغْرِسَاً، وأكملهم ،عقلاً، وأزكاهم نفساً، وأحلمهم حلماً، وأجودهم ،كفاً، كما كانت أحسنهم خلقاً، وأنظرهم وجهاً، فهي نسخة من شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله(1)، تحكيه خلقاً كما تحكيه خُلقاً، وقد كان صلى الله عليه وآله - كما يصفه أنس - أحسنُ الناس قِواماً،وأحسن الناس وجهاً، وأحسن الناس لوناً، وأطيب الناس ريحاً، وألين الناس كفاً، ما شممت رائحةً قط مسكةً ولا عنبرةً أطيب رائحةً منه، ولا مسست خزّة ولا حريرةً ألين من كفّه صلى الله عليه وآله»، وهكذا كانت الزهراء عليها السلام ؛

لأنّها بضعةٌ منه، بل هي قلبه وروحه التي بين جنبيه:

1-صفة مشيتها

إِنَّ كلَّ من ذكر صفة الزهراء عليها السلام صرَّح بأنَّ مشيتها لا تَخْرِمُ من مشيةِ


1) تاریخ دمشق ابن عساکر : ج 3، ص 278 .

رسول الله صلى الله عليه وآله شيئاً، ففي مسند أحمد والبخاري والطبرني والنسائي وغيره عن عائشة قالت في وصفِ مِشيتها : «كأنَّ مِشيتها مشيةُ رسولِ الله صلى الله عليه وآله(1)

القاري العيني: ج 22 ، ص 265 - 266؛ مطالب السؤول، محمد بن طلحة الشافعي : ص 36 .

، وفي صحيح مسلم عنها أيضاً، قالت: «كنَّ أزواج النبي عنده مرض، لم يغادر منهنَّ واحدةٌ، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطى مشيتها مشيةَ رسولِ الله صلى الله عليه وآله»(2)

ص 367؛ مطالب السؤول، محمد بن طلحة الشافعي: ص 36 .

.

1) مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 6 ، ص 282 ؛ الأدب المفرد، البخاري: ص 221؛ السنن الكبرى، النسائي: ج 5 ، ص 146؛ خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ، النسائي : ص118 119؛ کتاب الأوائل الطبراني : ص 84 ؛ المعجم الكبير، الطبراني : ج 22، ص 418؛ أسد الغابة، ابن الأثير : ج 5، ص 522 ؛ الإصابة، ابن حجر : ج 8، ص 265؛ عمدة القاري العيني: ج 16، ص 153؛ مسند أبي يعلى، أبو يعلى الموصلي: ج 12، ص111؛ إمتاع الأسماع، المقريزي: ج 14، ص 270؛ مسانيد أبي يحيى الكوفي، فراس بن يحيى الكوفي ص79. وانظر : صحيح البخاري، البخاري: ج 7، ص 141؛ سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني: ج 1، ص518؛ فضائل الصحابة، النسائي: ص77؛ السنن الكبرى، النسائي: ج ه ، ص 96 ؛ السنن الكبرى، النسائي : ج 5 ، ص 146 ؛ الطبقات الكبرى محمد بن سعد : ج 2، ص 247؛ الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي ص 143؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ج3، 155 ؛ السيرة النبوية ابن كثير : ج 4 ، ص 448 ؛ ذخائر المواريث، الدمشقي: ج 4 ، ص 270 ؛ البداية والنهاية، ابن كثير : ج 5، ص 246؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج2، ص120 وص130؛ تخريج الأحاديث والآثار الزيلعي: ج 4 ، ص 322؛ رياض الصالحين، يحيى بن شرف النووي: ص344؛ عمدة

2) صحیح مسلم، مسلم النيسابوري: ج 7، ص 142 وص 143 ؛ الآحاد والمثاني، الضحاك : ج 5،

2-صفة كلامها

وإذا كانت الزهراء عليها السلام قد أشبهتُ أباها في مشيته، فإِنَّ كلامها لا يعدو كلامه، ونبرات صوتها تُعيدُ للأسماع نبرات صوته، فإنْ تكلَّمتْ فكأَنَّها تُفرغ عن لسان أبيها صلى الله عليه وآله صوتاً ومحتوى، وهذا ما روته مصادر العامة عائشة قالت: «ما رأيتُ أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله صلى الله عليه وآله؛من فاطمة»(1)، وفي مستدرك الحاكم وصححه بطريقين: «ما رأيتُ أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة برسول الله صلى الله عليه وآله»(2).

3-هديها وسمتها

روى الترمذي، والزيلعي والأحوذي والحاكم وصححه على شرط عائشة قالت: «ما رأيتُ أحداً أشبه سَمْتاً ودَلاً وهَدياً برسولِ الله في

الشيخين، عن عائشه قالت:(ما رٲیت احداً أشبه سٙمتاً ودٙلاً وهٙدیاً(3)

وهما من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك». لسان العرب، ابن منظور:

ج 11، ص 248 .

برسولِ الله في

1) سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 2، ص 127 ؛ الاستيعاب، ابن عبد البر: ج 4 ، ص 1896 .

2) السنن الكبرى، البيهقي: ج 7، ص 101 ؛ وانظر : صحيح ابن حبان ابن حبان : ج 15 ، ص 403 - 40 ؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 154 ، ج 3، ص 159 - 160 .

3) يقال: «دلت المرأة تدلُّ ، بالكسر ، وتدللت وهي حسنة الدَّل والدلال. والدل قريب المعنى من الهدي،

قيامها وقعودها من فاطمة بنتِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله)(1)

عن مسروق عن عائشة.

.
4-جلستها وحديثها

روى ابن راهويه والبخاري والطبراني وجماعةٌ عن عائشة، قالت: «ما رأيتُ أحداً من الناس أشبه كلاماً برسول الله صلى الله عليه وآله ولا حديثاً ولا جلسةً من فاطمة»(2)

الطبراني: ج 4 ، ص 242 ؛ مسند ابن راهويه ، إسحاق بن راهويه : ج 5 ، ص 8 .

، وفي رواية أنس بن مالك - كما في مسند أحمد - قال: «لم يكن أحدٌ أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله من الحسن بن علي وفاطمة، صلوات الله عليهم أجمعين ) (3).
5-نور وجهها

في أخبار الدول وآثارِ الملل عن عائشة قالت: «كنا نخيط ونغزل وننظمُ الإبرة بالليل في ضوء وجهِ ،فاطمة وقالت إذا أقبلت فاطمةُ كانت مِشيتُها مشيةَ


1) سنن الترمذي، الترمذي : ج 5 ، ص 361 ، ح 3964؛ نصب الراية الزيلعي: ج 6، ص 156؛ تحفة الأحوذي، المباركفوري: ج 8، ص 26؛ المستدرك، الحاكم النيسابوري: ج 4، ص 272 - 273، وعقب عليه بقوله : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما اتفقا على حديث الشعبي

2) الأدب المفرد، البخاري : ص 202؛ السنن الكبرى النسائي: ج 5 ص 39 - 392؛ المعجم الأوسط،

3) مسند أحمد أحمد بن حنبل : ج 3، ص 164 .

رسولِ الله صلى الله عليه وآله ، وكانتْ لا تحيضُ قط؛ لأنّها خُلِقَتْ من تفاحة الجنَّةِ، ولقد وضعت الحسن والحسين بعد العصر، وطهرت من نفاسها فاغتسلت وصلت لمغرب؛ ولذلك سميت الزهراء»(1).

6-بهاءها وجمال طلعتها

روى السهمي والخوارزمي عن أنس بن مالك، قال: سألت أمّي، عن فاطمة بنتِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله فقالت: كانتْ كالقمر ليلة البدر، أو كالشمس إذا خرجت من السحاب، بيضاء مُشْرَبَة حُمرة، لها شعر أسود، من أشد الناس برسول الله صلى الله عليه وآله شبهاً، كانت - والله - كما قال الشاعر :

بيضاء تسحب من قيام شعرها ***وتغيب عنه وهو جثل أسحم

فكأنّها فيه نهار مشرق ***وكأنّه ليل عليها مظلم (2)


1) أخبار الدول وآثار الملل، القرماني : ص 87 .

2) تاريخ جرجان، السهمي : ص128؛ مقتل الحسين عليه السلام ، الخوارزمي ص 70 .

البحث الثالث أسماء الزهراء وألقابها

اشارة

إنَّ للسيدة الزهراء عليها السلام جملة من الأسماء، وخلف كل اسم من أسمائها سر من الأسرار نطقت به جملة من الأخبار، ولكلّ واحدٍ منها دلالة أوضحها صاحب الرسالة، ونحن نذكرُ بعضَ هذه الأسماء مع ذكر شيء يسير من الأخبار الواردة فيها:

أولاً: فاطمة

اشارة

لما ولدت الزهراء عليها السلام سماها رسول الله صلى الله عليه وآله - بإلهام الله عزّ وجل (1)- فاطمة ، وفاطمة اسم مشتق من الفَطْمِ وهو الفصل والقَطع والمنع ومنه: فَطْمُ الصبي: إذا قُطِعَ عنه اللبن عنه اللبن. يُقال: لأفطمنك منك عن كذا أي لأمنعك عنه(2)، والفاعل منه: فَاطِمٌ وفَاطِمَةٌ. ولهذا المعنى أشار النبيُّ صلى الله عليه وآله عندما سماها فاطمة، كما صرَّحت بذلك الروايات السنية المتضافرة، والتي


1) إتحاف السائل المناوي : ص 23 .

2) انظر إتحاف السائل المناوي : ص 24 .

أشارَ بعضُها إلى سبب تلك التسمية والعلة من ورائها، ومن هذه الروايات المبينة لعلل التسمية وأسبابها:

الأولى : إن الله فطمها وذريتها من النار

روى المقريزي والقندوزي الحنفي عن أمير المؤمنين صلى الله عليه وآله مرفوعاً: يا ،فاطمة، تدرينَ لم سمَّيْتُكِ فاطمة؟ قال على: قلتُ: يا رسول الله، لمَ سُمَّيَتْ فاطمة ؟ قال : إِنَّ الله - تعالى - قال : قد فطمتُها وذريَّتَها عن النار يوم القيامة(1)

الدلائل، أحمد بن عبد الله الشافعي الحسيني الشيرازي: ص 326.

، وعن أمير المؤمنين عليه السلام - باختلاف يسير جداً - قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فاطمة، تدرين لم سَمَّيْتُكِ فاطمة؟ قالت: لا، يا رسول الله. قال علي: لم سُمِّيَتْ فاطمة يا رسول الله ؟ قال : إنَّ اللهَ قد فطمك وذريتك من النار»(2).

وأخرجَ الحافظ أبو نعيم، وأبو القاسم الدمشقي، عنه صلى الله عليه وآله قال: يا فاطمة، لم سُمِّيْتِ فاطمة؟ قال علي: لم سُمِّيَتْ فاطمة يا رسول الله؟ قال : إِنَّ اللهَ قد فَطَمَها وذريَّتَها من النار)(3).


1) فضل آل البيت المقريزي : ص 98؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي : ج 2، ص 121؛ توضیح

2) ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2 ص 353 - 354 .

3) ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2، ص 450 .

وقال المناوي الشافعي: «بِمَ سماها النبيُّ وما سرُّ هذه التسمية؟ وسماها فاطمة بإلهام من الله تعالى؛ لأنَّ اللهَ فَطَمَها من النار. وقد روى الديلمي عن أبي هريرة والحاكم عن عليّ: «إنَّه صلى الله عليه وآله قال : إِنَّما سُمِّيَتْ فاطمة؛ لأنَّ اللهَ فَطَمَها وحَجَبَها عن النار»(1).

الثانية: إن الله فطمها وولدها ومحبيهم عن النار

روى المقريزي عن الإمام علي بن موسى الرّضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنَّ اللهَ فَطَمَ ابنتي فاطمة وولدها ومن أحبّهم من النار (2)، وأخرجه محبُّ الدين الطبري الشافعي ،والقندوزي الحنفي ،وأحمد الشافعي بزيادة، ولفظه : إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «إنَّ الله - تعالى- فَطَمَ ابنتي فاطمة وولدها ومن أحبَّهم عن النار ، فلذلك سُمِّيت فاطمة)(3).


1) إتحاف السائل المناوي : ص 24 .

2) فضل آل البيت المقريزي : ص 98.

3) ذخائر العقبى، محب الدين الطبري : ص 26؛ ينابيع المودة لذوي القربى، القندوزي: ج 2، ص121؛ توضيح الدلائل، أحمد بن عبد الله الشافعي الحسيني : ص 326؛ مختصر - المحاسن المجتمعة في فضائل الخلفاء الأربعة، العلامة الصفوري: ص 182

الثالثة أنها لم ترَ طمثا أو حمرة

روى القندوزي الحنفي وجماعة من علماء العامة عن جابر بن عبد الله الأنصاري مرفوعاً: «ابنتي فاطمة حوراء آدميَّةٌ ، لَم تَحِضْ ولم تَطمث، وإِنَّما سماها اللهُ فاطمة، لأنَّ اللهَ َعزَّ وجلَّ فَطَمَها وولدها ومحبّيها عن النار»(1)، وفي لفظ الغساني: «ابنتي فاطمة حوراء آدميَّةٌ، لم تَحِضُ ولم تطمث، إنَّما سماها فاطمة، لأنَّ الله - تعالى - فَطَمَها ونجاها ومحبّيها عن النار »(2). وأخرجه الخطيب البغدادي والمتقي الهندي عن ابن عباس بهذا اللفظ(3)، وفي لفظ الآلوسي البغدادي: «إنَّ ابنتي فاطمة حوراء آدمية، لم تحض ولم تطمث، وإنَّما سُمِّيت فاطمة؛ لأنَّ الله تعالى فَطَمَها وذريَّتها . وفي رواية - ومحبّيها من النار ) (4).

الرابعة أن الله فطمها ومحبيها من النار

أخرج المقريزي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «إنَّما سُمِّيت


1) ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2، ص 121 ؛ الدرر المكنونة، محمد الفاسي : ص 236 ؛ أهل البيت، توفيق أبو علم: ص112.

2) ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي : ج 2، ص 450 .

3) تاريخ بغداد الخطيب البغدادي : ج 12، ص328؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 12، ص109، ح34226

4) غالية المواعظ ، نعمان الآلوسي : ج 2، ص 95

فاطمة؛ لأنَّ اللهَ فَطَمَ مَن أحبَّها من النَّار(1)، وفي مسند فاطمة عليها السلام وكتاب الإشراف على فضل الأشرافِ : «إِنَّما سُمِّيَتْ فاطمة؛ لأنَّ اللَّهَ فَطَمَها ومحبّيها عن النار»(2)، وفي عيون الأخبار في مناقب الأخيار والدرر المجموعة بترتيب أحاديثِ اللآلي المصنوعة والتذكرة المشفوعةِ: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنَّما سُمِّيَتْ فاطمة؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ فَطَمَ محبّيها من النار» (3)، وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وآله، قال: «إِنَّما سمِّيَتْ بنتي فاطمة؛ لأنَّ اللهَ فَطَمَها وفَطَمَ محبّيها عن النار»(4).

الخامسة: أن الله غير معذبها ولا ولدها

في عيون الأخبار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة: «إِنَّ اللهَ غير معذَّبك، ولا ولدك »(5)، ورواه الهيثمي والإمام الصالحي


1) إمتاع الأسماع، المقريزي : ج 4 ، ص 196 .

2) كنز العمال المتقي الهندي: ج 12، ص 109، ح 34227؛ مسند فاطمة عليها السلام السيوطي ص 51؛ الإشراف على فضل الأشراف، إبراهيم السمهودي: ص 44 .

3) عيون الأخبار ، البغدادي : ص 44 ؛ الدرر المجموعة، رياض عبد الله عبد الهادي: ص 54 ؛ التذكرة المشفوعة، صالح يوسف معتوق : ص 24 .

4) فردوس الأخبار، الديلمي : ج 1 ، ص 346.

5) المعجم الكبير، الطبراني: ج 11، ص 210 ؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 12 ، ص 110 ، ح 34236؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2، ص 354 وص 450؛ مسند فاطمة عليها السلام السيوطي: ص 29 .

الشامي ومحمد مبين الهندي، ووثقوا ورجاله (1). ومنع العذابِ هنا أعم من منع العقابِ بالنارِ الذي أشارت إليه الروايات السابقة.

خلاصة واستنساج

هذه جملة من الأخبار الواردة في المقام، وقد تلخص منها عدة وجوه لتسميتها عليها السلام بفاطمة، ولا تضارب بين تلك الأخبار؛ لأنَّ للفطم معنى يصدُقُ على كل الوجوه المذكورة، كفطم نفسها بالعلم، وفطمها عن الشر، وفطمها عن الطمث، وفطم ذريتها وشيعتها من النار ، وكذلك فطم من تولاها وأحبَّها من العذاب، ونحو ذلك . ولا يلزم من ذلك استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحدٍ، لأنَّ فاطمة مشتق من الفَطْمِ بمعنى الفصل، وليس مخصوصاً بالفَصْلِ عن اللبن، وإِنْ كَثُر استعماله فيه، بل هو مطلق الفصل عن الشيء، ومعنى القطع والمنع راجع إليه أو متفرّع منه، فيكون معنى فاطمة فاصلةً أو قاطعةً أو مانعةً، وكلّ منها معنى كلّي مطلق يصدق مع القيود الكثيرة، فسميت من عند الله بها.

وخلاصة القول: إِنَّ اختلاف الأخبار في بيانِ وجه التسمية إشارة إلى عدم انحصارها في شيء، أو كون معناها معنى كلياً يشتمل على وجوه كثيرة، فيحتمل


1) مجمع الزوائد الهيثمي : ج 9، ص 202؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي: ج 11، ص 50؛ وسيلة النجاة، محمد مبين الهندي: ص 206 .

احتمالاً ظاهراً أنْ يكونَ ملحوظاً في وجهِ التسمية أمورٌ على حدة أيضاً، كفطمها عن الأخلاق الرذيلة بالأخلاق الفاضلة، وعن الأحوال الخبيثة بالأحوالِ الطَّيِّبةِ الزَّكَيَّةِ، وعن الأفعالِ القبيحةِ بالأفعال الحسنة وعن الظلمانية بالنورانية، وعن السهو والغفلة بالذكر والمعرفة، وعن اجتراح المعصية بالعصمة، و - بالجملة - عن جميعِ جهات النقيصة بالكمالاتِ العقلانية والروحانية والنفسانية والجسمانية ولوازمها الظاهرية والباطنية.

تعقيب وتنبيه

ينبغي الإشارة إلى بعض المسائل المتفرّعةِ على معطياتِ تسميتها عليها السلام بفاطمة، وعلى نحو الإجمال والإيجاز :

أولاً: قد يقال : إنَّ الذي أشارت إليه الرواياتُ ينسجم مع ورودِ فاطمة بصيغة المفعول، والحال أنَّها واردةٌ بصيغة الفاعل، فكيف يتوجه ذلك؟

نقول : جواب ذلك يتضح عبر النقاط التالية :

إنَّ إطلاق اسم الفاعل وإرادة المفعول أمر مشهور في لغة العرب، وهو من الشهرة بمكان بحيث لا يحتاج إلى الاستدلال عليه وإقامة الحجة لإثباته، وقد ورد

في القرآن الكريم بكثرة، ومن ذلك قوله تعالى: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ }(1)، بمعنى مرضية. ومنه قوله {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِق}(2)، أي مدفوق. وقوله تعالى: {يَقُولُونَ أَإِنَّا مَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} (3)أي محفورة (4). وفيما أوردناه من الأحاديث والروايات ورد اسم فاطمة بصيغة الفاعل وأريد به المفعول أي فاطمة بمعنى (مفطومة)، نظير قول الشاعر :

بطيء القيام رخيم الكلام ***أمسى فؤادي به فاتنا

أي مفتوناً.

يمكن القول بأن فاطمة في جميع الوجوه بمعنى المفعول، لكنّ المراد بصيغة المفعول هنا الصفة بحال المتعلّق بلحاظ المآل والحقيقة، أو جعله بمعنى ذات الفطم من المصدر المبني للفاعل أو المفعول، لكن على سبيل القضية الكلية لا الجزئية. ثانياً قد يقال: إنَّ معنى الفطم يستلزم ثبوت المفطوم عنه في المفطوم، بل


1) سورة الحاقة: 21 .

2) سورة الطارق :6 .

3) سورة النازعات: 10 .

4) مجمع البيان، الطبرسي: ج 10، ص 252؛ إملاء ما من به ،الرحمن أبو البقاء العكبري: ج2، ص39؛ جامع البيان، الطبري : ج 30 ، ص 44 ؛ معاني القرآن، النحاس : ج 3، ص 353؛ تفسير الثعلبي، الثعلبي: ج 10، ص 179 .

رسوخه حتى يُفطم عنه بشيء آخر يُجعل بدله واعتبار هذا المعنى يستلزم عدم العصمة في الحالة السابقة. ووجه دفع الإشكال على نحو الإجمال: إن معنى الفطم وإن كان كذلك في أصل اللغة إلا أنه يستعمل كثيراً- ولو من جهة القرائن الخارجية - فيما كان ثبوت هذا المعنى فيه بالشأن والقوة لا بالفعل كما هو واضح.

ثانيا الزهراء

اشارة

ومن أسماء سيدة النساء وألقابها عليها السلام: الزَّهراء (1)، ولمعرفةِ السِّر في تسميتها بذلك ينبغي الرجوع إلى معاجم اللغة، للوقوفِ على ما يحمله اللفظ من معانٍ عظيمة ودلالات جليلة، فقد ورد في بيانه عدة معان:

1-النور والحسن

قال الخليل الفراهيدي : « الزَّهْرَة: نورُ كل نبات وزهرة الدنيا حسنها وبهجتها ... والأزهر لكل لون أبيض كالذرة الزهراء ، والحوار الأزهر(2)» ، وقال أبو حنيفة: «أَزْهَرَ


1) تهذيب التهذيب ابن حجر : ج 12، ص391؛ إمتاع الأسماع، المقريزي : ج 5، ص 351؛ مقاتل ،الطالبيين، الأصفهاني : ص 75؛ عمدة القاري العيني: ج 2، ص 147؛ عون المعبود العظيم آبادي: ج8، ص 339؛ صحيح ابن حبان، ابن حبان : ج 15 ، ص 401 ؛ الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1893؛ الفائق، الزمخشري : ج 2 ، ص 174 .

2) كتاب العين الخليل الفراهيدي: ج 4 ، ص 13 .

النبتُ، بالألف ، إذا نَوَّرَ وظهر زَهْرُهُ، وزَهُرَ ، بغير ،ألف إذا حَسُنَ (1)، وقال ابن منظور: الزُّهْرَة : الحسن والبياض ، وقد زَهِرَ زَهَراً. والزَّاهِر والأزهر: الحسن الأبيض من الرجال، وقيل: هو الأبيض فيه حُمرة. ورجل أزهر أي أبيض مُشْرِقُ الوجه والأزهر: الأبيضُ المستنير. والزُّهْرَةُ: البياضُ النيّر، وهو أحسن الألوان(2)، وقال أيضاً: «الأزهَرُ من الرجال الأبيضُ العتيق البياض النيّرُ الحَسَنُ، وهو أحسن البياض، كأنَّ له بَرِيقاً ونُوراً، يُزْهِرُ كما يُزْهِرُ النجم والسراج)(3).

ومنه ما ورد في صفة النبي صلى الله عليه وآله أنه كان أَزْهَرَ اللون، فشر ابن قتيبة

الأَزْهَر ب-«الأبيض المستنير والزهر والزهرة البياض النير ، وهو أحسن الألوان»(4).

قال الشاعر أحمد الحلواني الكبير :

هم الدين والدنيا لعمري هم هم ***فقل فيهم ما شئتَ لا ترهبن نكرا

بدورٌ سَمَتْ عن شمس أكرم مرسل ***أناروا دياجي الكون بالطلعةِ الغَرَّا

وبالبر والتقوى وبالحلم والندى ***و بالعلم والفتوى وبالذكر والذكرى (5)


1) لسان العرب، ابن منظور : ج 4، ص 333.

2) لسان العرب، ابن منظور : ج 4 ، ص 333.

3) لسان العرب، ابن منظور : ج 4 ، ص 333 .

4) النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير : ج 2، ص321

5) السيدة نفيسة، توفيق أبو علم ص 63 .

2-كثرة الخير والبركة

فسّر ابن الأثير الزَّهْرَةَ في قول النبي صلى الله عليه وآله: «إنَّ أخوَفَ ما أخاف عليكم ما يفتح عليكم من زَهْرَةِ الدنيا وزينتها، قال: أي حُسْنُها وبَهْجَتُها وكَثرةُ خيرها(1)، ومنه سمي الشمس والقمر بالأزهرين، لنورهما وكثرة خيرهما ونفعهما.

3-التلألؤ والإشراق

قال الخليل ابن أحمد: «الزُّهور تلألؤ السراج الزَّاهر. وزَهَرَ السراجُ زُهُوراً، أي تلألؤاً... والأزهر: القمر ، زَهَر يَزْهَرُ زَهْرَاً، وإذا نعته بالفعل اللازم قلت : زَهِرَ یَزْهَرُ زَهَراً(2).

وقال الزبيدي: «الأزْهَر من الرجال: الأبيضُ العتيق البياض ، النَّيّرُ الحَسَنُ ، وهو أحسن البياض ، كأَنَّ له بَريقاً ونُوراً، يُزْهِرُ كما يُزْهِرُ النَّجم والسراج. وقال غيره: الأزهر : هو الأبيض المستنير المشرق الوجه»(3)، وقال: الزهراء: المرأة المشرقة الوجه والبيضاء المستنيرة المشربة بحمرة (4)، ومنه قول رؤبة بن العجاج يصف سحابة:


1) النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير : ج 2، ص322.

2) كتاب العين الخليل الفراهيدي : ج 4 ، ص 13 .

3) تاج العروس، الزبيدي : ج 6 ، ص 485 .

4) تاج العروس الزبيدي : ج 6 ، ص 486.

شادِحَة الغُرّة زهراء الضحك ***تَبَلّج الزهراء في جنح الدلك(1)

يريد: سحابة بيضاء برقت بالعشي، لاستنارتها وقال الحموي في معجم البلدان: «الزهراء: ممدود تأنيث الأزهر، وهو الأبيض المشرق، والمؤنثة زهراء، والأزهر النيّر ، ومنه سمي القمر الأزهر(2)، وقال ابن الأثير: «الزهراء تأنيث الأزهر، وهو النيّر المشرق من الألوان، ويُراد به إشراق نور إيمانها، وإضاءته على إيمان غيرها(3).

وإلى ذلك أشارتْ حفصةُ زوج النبي صلى الله عليه وآله في أرجوزتها المشهورة عند زفاف الزهراءعليها السلام:

فاطمة خير نساء البشر ***ومن لها وجه كوجهِ القَمَر

فضَّلك الله على كلّ الورى*** بفضلِ مَن خُصَّ بآي الزُّمَر (4)

و إلى نفس المعنى أشار السيّد محمد جمال الشيعي إذ يقول :

شعتْ فلا الشمس تحكيها ولا القمرُ ***زهراء من نورها الأكوان تزدهر


1) تاج العروس الزبيدي: ج 6 ، ص 486 .

2) الحموي، معجم البلدان : ج 3، ص 161 .

3) ابن الأثير، منال الطالب ص 508 .

4) أهل البيت عليهم السلام ، توفيق أبو علم: ص148 - 149.

الخلاصة

سمّيت سيدة النساء عليها السلام بالزهراء؛ لأنها حوت جميع تلك المعاني، أما النور والحسن فقد كانت من أحسن الناس وجهاً وقد أشرنا إلى ذلك عند البحث عن شمائلها، وأمَّا الخير والبركة فليس في الوجودِ أعظم بركةٍ منها بعد أبيها

وبعلها، ولو لم يكن من بركتها إلا المهديه الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت جوراً لكفى، وأمَّا التلألؤ والإشراق فيكفي في إثباته ما روي عن عائشة، قالت: «كنا نخيط ونغزل وننظم الإبرة بالليل في ضوء وجه فاطمة... ولذلك

سميَّتْ الزهراء(1)، وقد سئل صاحب العسكر عليه السلام ، فقيل له: لم سميت فاطمة عليها السلام الزهراء؟ فقال: «كان وجهها يزهر لأمير المؤمنين من أوَّل النَّهارِ كالشَّمسِ الضَّاحيةِ، وعند الزَّوالِ كالقمرِ المنير، وعند الغروب (غروب (الشمس) كالكوكبِ الدُّرِّي.(2)

ويؤيد ذلك ما دلّ على أنّها الزهرة الزاهرة ، روى الحاكم الحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «اهتدوا بالشمس ، فإذا غابت الشمس فاهتدوا بالقمر، فإذا غاب القمر


1) أخبار الدول وآثار الملل، القرماني: ص 87 .

2) ابن شهر أشوب، مناقب آل أبي طالب : ج 3، ص 111؛ المجلسي، بحار الأنوار: ج 43، ص16.

فاهتدوا بالزهرة، فإذا غابت الزهرة فاهتدوا بالفرقدين. فقيل: يا رسول الله ما الشمس وما القمر وما الزهرة وما الفرقدان؟ قال: الشمس أنا، والقمر علي والزهرة فاطمة، والفرقدان الحسن والحسين عليهم السلام.(1)

ثالثا البتول

اشارة

اتَّفق العلماء على أنَّ البتول من أبرز ألقاب سيّدة النساء عليها السلام وأ سمائها(2)، وهو من البتل أي القطع، قال ابن منظور: «البتل: القطع. بتله يبتله ويبتله بتلاً، وبتله فانبتل وتبتل : أبانه من غيره، ومنه قولهم: طلقها بتة بتلة(3). فهي فهي عليها السلام البتول أي المنقطعة، وقد ذكر العلماء في حقيقة التبتل العديد من المعاني، منها:

1-انقطاعها إلى الله تعالى

قال الفراهيدي: «البتل .... أصله القطع، وبتلته، قطعته، وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا (4)فالتبتل الانقطاع إلى الله تعالى، أي أخلص إليه إخلاصاً»(5). وقال ابن منظور:)


1) شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج 1، ص 77 .

2) الفائق، الزمخشري : ج 2، ص 174 ؛ نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي : ص 17؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد : ج 1، ص 22 ؛ الجوهرة في نسب علي وآله البري: ص31.

3) لسان العرب، ابن منظور : ج 11 ، ص 43 .

4) سورة المزمل: 8.

5) كتاب العين الخليل الفراهيدي : ج 8، ص 124 .

وتبتل إلى الله تعالى : انقطع وأخلص . وفي التنزيل : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا جاء المصدر فيه على غير طريق الفعل، وله نظائر، ومعناه أخلص له إخلاصا . والتبتل : الانقطاع عن الدنيا إلى الله تعالى، وكذلك التبتيل. يقال للعابد إذا ترك كلّ شيء وأقبل على العبادة: قد تبتل أي قطع كلّ شيء إلا أمر الله وطاعته. وقال أبو إسحق: وتبتل إليه، أي انقطع إليه في العبادة ... وسئل أحمد بن يحيى عن فاطمة رضوان الله عليها، بنت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله : لم قيل لها البتول؟... قيل: لانقطاعها عن الدنيا إلى الله عزّ وجلَّ»(1.)وبهذا المعنى ورد التبتل في القرآن قال الطريحي عند : «قوله تعالى: ﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تبتيلا أي انقطع إلى الله تعالى وانفرد والتبتل : الانقطاع إلى الله تعالى وإخلاص .النية. وأصل ذلك من البتل وهو القطع ، كأنَّه قطع نفسه عن الدنيا. يقال: بتلت)الشيء أبتله بالكسر : إذا قطعته وأبنته من غيره ومنه قوله: «طلقها بتة بتلة»(2.)ومنه سُمِّيَتْ الزهراء عليها السلام بالبتول؛ لانقطاعها إلى الله تعالى في عبادتِها، وإخلاصها، وصبرها، وطهارتها، وعفتها، وهذا ما سنتعرض له عند البحث في مكارم أخلاقها عليها السلام إن شاء الله تعالى.


1) لسان العرب، ابن منظور: ج 11 ، ص 42 - 43 .

2) مجمع البحرين الشيخ الطريحي : ج 1 ، ص 151 - 152.

##### 2-انقطاعها بالفضلوسُمِّيَتْ البتول؛ لانقطاعها بالفضل على من سواها من نساء العالمين، قال ثعلب في تعليل تسميها بذلك أنّها سميت بذلك : « لانقطاعها عن نساء زمانها ديناً وفضلاً وحسباً»(1.)وقال المقريزي : فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين... وسُمِّيَتْ البتول أيضاً لأنها منقطعة القرين»(2. وقال ابنُ منظور: «سُئل أحمد بن يحيى عن فاطمة، رضوان الله عليها، بنتِ سيدنا رسولِ الله صلى الله عليه وآله : لِمَ قِيلَ لها البتول ؟ فقال : لانقطاعها عن نساء أهل زمانها ونساء الأمة عفافاً وفضلاً وديناً وحسباً (3).)أما انقطاع الزهراء عليها السلام بالفضل فيكفيها ما قاله النبيُّ صلى الله عليه وآله بشأنها في الحديثين الصحيحين: أنّها سيّدة نساء العالمين، وأنَّ الله تعالى يرضى لرضاها ويغضب لغضبها. وسوف يأتي ذلك مفصلاً.


1) المجموع محيى الدين النووي : ج 17، ص 103 ؛ وانظر: حاشية رد المحتار، ابن عابدین : ج 3، ص329 تحفة الأحوذي، المباركفوري: ج 4 ، ص 171؛ النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير : ج 1، ص 94 .

2) إمتاع الأسماع، المقريزي : ج 5 ، ص 351 - 355.

3) لسان العرب، ابن منظور : ج 11 ، ص 43 .

##### 3-انقطاعها في النسبروى الطبراني والسيوطي والهيثمي والمتقي الهندي، وغيرهم، عن ابن عباس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «كلّ سبب ونسب منقطع يومَ القيامةِ إلا سببي ونسبي(1، قال أبو نصر البخاري في التعقيب على الحديث: «ومعرفة نسب آلِ الرسولِ عليهم السلام لها أهميةٌ كُبرى لوجوب إجلاليم وإعظامهم، كيف لا؟! ، وهم خيرةُ الله التي اختارها، ورفع في العباد والبلاد منارها.(2))وقال ابن الآبار : «إنَّ أمَّ أبيها لا تجد لها شبيهاً؛ نثرةُ النبي، وطله الوصي، وذات الشرف المستولي على الأمد القصي. كلُّ وُلْدِ الرسولِ دَرَجَ في حياتِهِ، وحملت في ما حملت من آياته، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ (3، لا فرع للشجرة المباركة من سواها، فهل جدوى أوفر من جدواها ؟ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ (4)، حُفَّتْ)


1) راجع المعجم الكبير، الطبراني : ج 22، ص 397؛ الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1899 ؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 2، ص 119؛ درر السمط في أخبار السبط ابن الأبار: ص77؛ التعديل والتجريح الباجي : ج 3، ص 1498؛ تاریخ دمشق ابن عساکر : ج 3، ص 158؛ أسد الغابة، ابن الأثير : ج 5، ص 520؛ تهذيب الكمال، المزي: ج 35، ص 247؛ الكاشف، الذهبي : ج2، ص 514؛ الإصابة، ابن حجر : ج 8، ص 262 تهذيب التهذيب ابن حجر : ج 12، ص391؛ المنتخب من ذيل المذيل، الطبري : ص 6 ؛ تاريخ بغداد البغدادي: ج 14 ، ص 445 .

2) سر السلسلة العلوية، أبو نصر البخاري: ص 12.

3) سورة الجمعة 4 .

4) سورة الأنعام: 124 .

بالتطهير والتكريم، زُفَّتْ إلى الكفء الكريم، فوردا صفو العارفة والمنَّة، وولدا سيدي شباب أهل الجنة .....(1))##### 4- انقطاعها عن الخبث###### اشارةأشارت العديد من روايات أهل السنة إلى أنّها عليها السلام لم ترَ حُمرةً قط ، لما في ذلك من نقصان العبادة والابتعاد عن الذكر والطاعة، الأمر الذي لا ينسجم ومكانة الصديقة الزهراء عليها السلام.روى المتقي الهندي والخطيب البغدادي والحضرمي، وتوفيق أبو علم، عن ابن عباس رفعه، قال: «ابنتي فاطمة حوراء آدمية، لم تحض ولم تطمث»(2، وأخرجه القندوزي الحنفي عن جابر بن عبد الله الأنصاري باللفظ المذكور في موضعين.(3))وفي الحديث إشارة إلى أنَّ الزهراء عليها السلام، كانت إلى جانب إنسانيتها، تحمل صفات الملائكة وصفات الحور العين فكانت إنسانة وحوراء، فقيل لها:حوراء إنسية، أو حوراء آدمية.


1) درر السمط في خبر السبط ابن الأبار : ص 77 - 78.

2) كنز العمال، المتقي الهندي: ج 12، ص109؛ تاریخ بغداد الخطيب البغدادي : ج 12، ص328؛ الحضرمي،رشفة الصادي : ص 47 ، الطبعة المصرية؛ توفيق أبو علم أهل البيت عليهم السلام : ص 112 .

3) ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي : ج 2، ص 121 وج 2 ، ص 450 .

ويتفق هذا ما رواه الخوارزمي في مقتل الحسين عليه السلام عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث طويل جاء فيه: «إنَّ فاطمة ليست كنساءالآدميين ولا تعتل كما يعتللن (1)، إشارة إلى ما يعتريهن من الضعف عند الحيض. قال المناوي: « وفي الفتاوى الظهيرية للحنفية أنَّ فاطمة لم تحض قط، وما ولدت طهرت من نفاسها بعد ساعة؛ لئلا تفوتها صلاة»(2).)###### استثنائها من حرمة دخول المسجد عند عدم الطهارةمما تتفرع على كونها عليها السلام لا ترى ما تراه النساء من الدم،استثنائها من حرمة الدخول إلى المسجد في حال الحدث الأكبر، وهو مما شاركت فيه الزهراء عليها السلام أباها وبعلها صلى الله عليه وآله، فقد أخرج ابن عساكر والحافظ الأصبهاني وغيرهم عن أم سلمة قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صرحة هذا المسجد، فقال: «ألا لا يحل هذا المسجد الجنب ولا لحائض إلا لرسولِ الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين، ألا قد بيّنتُ لكم الأسماء أنْ تضلّوا (3وأخرجه البيهقي والمقريزي والمتقي الهندي وفيه بدل (صرحة) كلمة (فوجه).(4))


1) الخوارزمي مقتل الحسين عليه السلام: ص 63 ، طبعة الغري.

2) فيض القدير شرح الجامع الصغير المناوي : ج 4 ، ص 555 .

3) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ج 14، ص 166 ؛ ذكر أخبار أصبهان، الحافظ الأصفهاني: ج1، ص291.

4) السنن الكبرى البيهقي : ج 7، ص 65 ؛ إمتاع الأسماع، المقريزي : ج 10، ص183؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 12، ص 101 .

ولعمري إنَّ في هذا الحديث من بيان فضلها والإشادة بمكانتها ما لو تدبّر به المنصفُ اللبيب وخلع لجام التعصب المذهبي الأعمى لأغناه في الوقوف على فضل الزهراء عليها السلام وسموّ مقامها وعلو شأنها ولأذعن أنَّها من الرفعة بمكان حتى صارت تضاهي الأنبياء في منازلهم، وتشاركهم في خصائصهم ومناقبهم.##### 5-انقطاعها في الحسن وكمال الخلقةقال ابن منظور تبتيل خلقها انفراد كلُّ شيء منها بحسنه، لا يتكل بعضُه على بعض. قال ابن الأعرابي : المبتلة من النساء: الحسنة الخلق لا يقصر شيء عن شيء، لا تكون حسنة العين سمجة الأنف، ولا حسنة الأنف سمجة العين، ولكنتكون تامة. قال غيره : هي التي تفرَّدَ كلّ شيءٍ منها بالحُسنِ على حدته، والمبتلة من النساء: التي بتل حسنها على أعضائها أي قطع.(1)وبناءً على ذلك فيكون في الحديث إشارة إلى أنها جمعت الحُسنَ المعنوي والمادي، والجمال الباطني والظاهري، وأنَّها منزّهةً من العيوب الخلقية والخلقية؛الظاهريَّةِ منها والباطنيَّة، وكفاها بذلك فضلاً وشرفاً وسؤدداً.


1) لسان العرب، ابن منظور : ج 11 ، ص 43 .

#### رابعا الصديقة##### اشارةالصدّيقة من أبرز الألقاب والأسماء التي انفردت بها سيدة النساء عليها السلام كما أثبته الأثرُ عن أبيها سيد البشر صلى الله عليه وآله، فهي كما كمريم العذراء عليها السلام صديقة من غير أن تكون نبيَّة، قال تعالى: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَإِنَّا رَسُولُ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمَّهُ صِدِّيقَةً (1)، والصديق : مبالغة من الصدق(2)، ولا يكون المرء صديقاً حتى يحوي جميع مراتب الصدق، ومنه الصدق في القول والفعل والعزم والإرادة والعهد، مع مطابقة الظاهر للباطن. أما صدقُ القولِ فمطابقته لما في الواقع حقاً، وصدق الفعل مطابقته للقول بمعنى أن لا يكون صاحبه ممن يقولون ما لا يفعلون، والصدقُ في الوعد والعهد أن لا يخلف وعداً ولا ينقض عهداً، والصدقُ في العزم والإرادة تحقيق المراد دون الاكتفاء بالأماني، وأما مطابقة الظاهر للباطن أن لا يتجلبب جلباب الدين وليس هو من أهله، أو يتظاهر بالنُّسكِ وهو بخلافه.

وللوقوف على حقيقة الصدقِ بجميع مراتبه يُعرف أنَّ الصدِّيقَ حقيقة هو


1) سورة المائدة 75 .

2) تفسير الثعالبي، الثعالبي : ج 2، ص 408 ؛ أضواء البيان الشنقيطي : ج 3، ص 424؛ سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 1 ، ص 481 - 482 .

المعصوم، والصدق بجميع مراتبه يساوق العصمة، ولذا جاء في الحديث الصحيح أن علياً هو الصديق الأكبر، فقد أخرج الطبراني والهيثمي والمتقي الهندي عن أبي ذر وسلمان قالا: «أخذ النبيُّ صلى الله عليه وآله بيدِ عليّ فقال : إنّ هذا أَوَّل مَن آمن بي وهذا أوَّل مَن يصافحني يومَ القيامة، وهذا الصدِّيقُ الأكبر، وهذا فاروقُ هذه الأمة، يفرِّقُ بين الحق والباطل ، وهذا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظالمين»(1).

وأخرج ابن ماجة والنسائي والضحاك والحاكم وغيرهم عن عبادِ بنِ عبدِ الله ، قال : قال علي عليه السلام: «أنا عبد الله، وأخو رسوله صلى الله عليه وآله، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كذَّاب، صليت قبل الناس لسبع سنين»، وفي الزوائد: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. ورواه الحاكم في المستدرك عن المنهال، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»(2).

وكما نطقت روايات أهل السنة بأنَّ علياً عليه السلام هو الصديق الأكبر


1) المعجم الكبير، الطبراني، ج 6 ، ص 269؛ مجمع الزوائد، الهيثمي، ج 9، ص 102؛ كنز العمال، المتقي الهندي، ج 11 ، ص 616 ؛ الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1744 - 1745 ؛ ذخائر العقبی، احمد بن عبد الله الطبري، ص 56 .

2) السنن الكبرى النسائي: ج 5 ، ص 106 - 107 ؛ سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني: ج 1 ، ص 44 ؛ المصنف، ابن أبي شيبة الكوفي : ج 7، ص 498 ؛ الآحاد والمثاني، الضحاك : ج 1 ، ص 148؛ المستدرك، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 112 ؛ كتاب السنة، عمرو بن أبي عاصم : ص 584؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد : ج 13، ص228؛ كنز العمال، المتقي الهندي : ج 13، ص122.

صرَّحت بأنَّ الزهراء عليها السلام هي الصدِّيقة الكبرى، فقد روى القندوزي الحنفي في ينابيع المودة عن المناقب: بالإسناد عن أبي الزبير المكي عن جابر بنِ عبدِ الله الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنَّ الله - تبارك وتعالى .اصطفاني واختارني وجعلني رسولاً، وأنزل على سيد الكتب، فقلت:إلهي وسيدي، إنَّك أرسلت موسى إلى فرعون ،فسألك أن تجعل معه أخاه هارون وزيراً، یشد به عضده، ويصدق به قوله، وإني أسألك يا سيدي وإلهي أنْ تجعل لي من أهلي وزيراً تشدُّ به ،عضدي فاجعل لي علياً وزيراً وأخاً، واجعل الشَّجاعة في قلبه، وألبسه الهيبةَ على عدوه، وهو أوّل من آمن بي وصدقني، وأوَّل مَن وحد الله معي. وإنِّي سألتُ ذلك ربّي عزَّ وجلَّ فأعطانيه، فهو سيّد الأوصياء؛ اللحوقُ به سعادة، والموتُ في طاعتِه شهادة، واسمه في التوراة مقرون إلى اسمي، وزوجته الصدّيقة الكبرى ابنتي، وابناه سيّدا شباب أهلِ الجنَّة ابناي، وهو وهما الأئمة من بعدي، هم حجج الله على خلقه بعد النبي، وهم أبواب العلم في أمتي، من تبعهم نجا من النَّار ومَن اقتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم، لم يهب الله محبتهم لعبد إلا أدخلَهُ الله الجنّة»(1).


1) ينابيع المودة لذوي القربي، القندوزي: ج 1، ص197 --- 198؛ آل محمد، حسام الدين المردي الحنفي: ص 114 ، عنه شرح إحقاق الحق المرعشي : ج 22 ، ص 284 .

وفي المطالب العالية لابن حجر العسقلاني عن عمرو بن دينار قال: قالتْ عائشة: «ما رأيتُ أحداً قط أصدق من فاطمة غير أبيها - وكان بينهما شيء (1). فقالت:يا رسول الله ، سَلها فإنّها لا تكذب (2).

وروى ابن عبد البر والبري والذهبي ومحبّ الدين الطبري عن يحيى بن عباد،عن أبيه، عن عائشة، قالت: «ما رأيتُ أحداً كانَ أصدق لهجة من فاطمة، إلا أنْ يكون الذى وَلَدَها»(3).

وقال الإمام الصالحي الشامي في سبل الهدى والرشاد: «العاشر: في أنَّها أصدقُ الناس لهجة: روى أبو يعلى برجال الصحيح عن عائشة، قالت: ما رأيتُ أحداً قط أصدق من فاطمة رضي الله تعالى عنها، إلا أنْ يكونَ أباها صلى الله عليه وآله)(4).

وأخرج أبو يعلى الموصلي، والطبراني، والهيثمي ،وصححه، والمناوي معترفاً


1) أي بين عائشة والنبي .

2) المطالب العالية، ابن حجر العسقلاني: ج 4 ، ص 70؛ أهل البيت عليهم السلام ، توفيق أبو علم : ص 133 .

3) الاستیعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1896 ؛ الجوهرة في نسب الإمام علي وآله البري : ص 16 ؛ سیر أعلام النبلاء، الذهبي: ج 2، ص131؛ ذخائر العقبی، محب الدين الطبري: ص 44.

4) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 11، ص 47 .

بصحتِهِ - واللفظ للهيثمي - عن عائشة قالت: «ما رأيتُ أفضل من فاطمة غير أبيها ، قالت : - وكان بينهما شيءٌ - فقالت : يا رسول الله ! سَلها فإنَّها لا تكذب». رواه الطبراني في الأوسط وأبو يعلى، إلا أنّها قالت: «ما رأيتُ أحداً قط أصدق من

فاطمة . ورجالهما رجال الصحيح (1).

سرقة الألقاب واختلاس المناقب

ظهر مما مضى اتفاق المخالفِ والمؤالفِ على أنَّ فاطمة الزهراء عليها السلام هي الصدِّيقة الكبرى سماها بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله؛ لأنها صديقة في قولها، وإيمانها، وعبادتها، وعزمها، ونيَّتها، وإرادتها؛ لم تكذب قط، ولم تتخلف في

أداء تكليف أو تتوانى عن امتثال أمر الله فيه رضا، وكان لها في ذلك صدق نيَّة وعزم وثبات ومداومة ومراقبة تامة.

غير أنَّ المتصفّحَ لمصنفاتِ غيرِ الشيعةِ يجدُ أنَّ هذه السمة العظيمة والخلعة الجليلة قد اختُلِسَتْ من الزهراء عليها السلام ومُنحت لغيرها، ولعائشة بالخصوص، وقد تتبعنا أصلَ ذلك ومنشأه فقادنا البحثُ إلى الوقوف على جذور


1) مسند أبي يعلى، أبو يعلى الموصلي: ج 8، ص 153؛ المعجم الأوسط، الطبراني: ج 3، ص 137؛ مجمع الزوائد الهيثمي : ج 9، ص 201 ؛ إتحاف السائل المناوي : ص 28 .

تلك التسمية.

فإننا على الرغم من كثرة التتبع والبحث لم نعثر على رواية واحدة - ولو ضعيفة عن رسولِ الله صلى الله عليه و آله تثبت أنه صلى الله عليه وآله سمّى زوجته عائشة : صديقةً، ولكننا وجدنا محدّثي أهل السنة يعزون ذلك إلى مسروق بن الأجدع الوادعي الهمداني الكوفي(1)، فهو الأصل لتلك التسمية، والأساس لإطلاق اسم الصديقة على عائشة، وهو الذي تبنته عائشة، وسمّى ابنته باسمها، وكان من أحبّ الناس إليها، وموافقةً لها في آرائها، وكان منحرفاً عن عليّ وأهل بيته عليهم السلام ، روى ابن سعد والذهبي عنه قال: كنتُ مع أبي موسى أيام الحكمين، وفسطاطي إلى جانب فسطاطه، فأصبح الناسُ ذات يوم قد لحقوا بمعاوية من الليل، فلما أصبح أبو موسى رفع رفرف فسطاطه، فقال: يا مسروق بن الأجدع قلتُ: لبيك يا أبا موسى، قال: إنَّ الإمرة ما اؤتمر فيها، وإنَّ الملك ما غلب عليه بالسيف.(2)


1) راجع: مسند ابن راهويه، إسحاق بن راهويه: ج 2، ص21؛ أسد الغابة، ابن الأثير : ج 5، ص 504؛ السيرة النبوية، ابن كثير : ج 4 ، ص 561 ؛ تفسير السمعاني السمعاني : ج 3، ص 516 ؛ البداية والنهاية، ابن كثير : ج 5 ، ص 304؛ مسند أبي حنيفة، أبو نعيم الأصبهاني : ص 54 ؛ تفسير البغوي، البغوي: ج 3، ص 335.

2) الطبقات الكبرى، ابن سعد : ج 4 ، ص 113؛ تاریخ دمشق، ابن عساكر: ج57، ص 397؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 4 ، ص 65 - 66 ؛ تاريخ الإسلام، الذهبي : ج 5 ، ص 236 .

وعلى كل حال فمسروق هو من سرق لقب الصدِّيقة وأنحله لعائشة، فكان إذا حدَّثَ عنها يقول: « حدثتنى الصديقة بنتُ الصديق، حبيبة حبيب الله، المرأة من فوق سبع سماوات، فلم أكذبها». وقد روى ذلك شيخ البخاري: ابن راهويه، وابنُ

سعد، والطبراني عن مسلم بن صبيح(1)، ورواه الذهبي عن علي بن الأقمر(2)، ورواه ابن حجر وابن كثير عن الشَّعْبي(3)، ورواه أحمد بن حنبل والأصبهاني عن أبي الضُّحى.(4)

خامسا: المحدثة

اشارة

ومن أشهر ألقابها عليها السلام المُحَدَّثة. والمُحَدَّث - كما قال العلامة المناوي في فيض القدير حكاية عن القرطبي -:(اسم مفعول، جمع محدّث بالفتح - أي ملهم أو صادق الظَّن، وهو من ألقي في نفسه شيء على وجه الإلهام والمكاشفة من الملا


1) مسند ابن راهويه، إسحاق بن راهويه : ج 3، ص 813؛ الطبقات الكبرى، محمد بن سعد :ج 8، ص 66؛ المعجم الكبير، الطبراني : ج 23، ص181 .

2) سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج2، ص181؛ تاريخ الإسلام، الذهبي: ج 4، ص 247.

3) تهذيب التهذيب، ابن حجر: ج 12، ص 385؛ البداية والنهاية، ابن كثير : ج 8 ، ص .

4) لعلل، أحمد بن حنبل : ج 2، ص 411 ؛ ذكر أخبار إصبهان، الحافظ الأصبهاني: ج 2، ص 244 . وانظر : مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 6 ، ص 241 ؛ التمهيد ابن عبد البر : ج 13، ص 35؛ السنن الكبرى، البيهقي : ج 2، ص 458 ؛ المصنف ابن أبي شيبة الكوفي : ج 2، ص 248 .

الأعلى، أو مَن يجري الصواب على لسانه بلا قصد أو تكلّمه الملائكةُ بلا نبوَّة، أو من إذا رأى رأياً أو ظن ظناً أصابَ كأَنَّه حُدّث به وألقي في روعه من عالم الملكوت فيظهر على نحو ما وقع له، وهذه كرامة يكرم الله بها مَن شَاءَ مِن صالح عبادِهِ، وهذه منزلةٌ جليلةٌ من منازل الأولياء.(1)

وقد أجمع علماء الأمَّةِ من الفريقين على أنَّ في هذه الأمَّةِ جماعةً تحدِّثُهم الملائكة، كما هو الحال في الأمم السابقة، وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وآله بذلك وأثبتته الأخبار الصحيحة عند الفريقين، وهذا أمر معروف عند أهل العلم متفق عليه، وإن اختلفوا في مصداق المحدثين فأهل السنة يثبتونه لجماعة، بينهما أثبته الشيعة للأئمة الأطهارعليهم السلام،

وغيرهم، وحجّتهم في ذلك الأخبار الصحيحةُ المتواترة، وممن قامَ الدليل على أنّهم من المحدثين فاطمة الزهراء عليها السلام حتى صارَ ذلك من أشهر ألقابها وأبرز أسمائها، غير أنَّ مَن لا يروق له ذلك استبعد - من غير دليل - أن تكلّم الملائكةُ غير الأنبياء عليهم السلام .

هل تحدث الملائكة غير الأنبياء؟

لم يقل أحدٌ مِن المسلمين بأنَّ الملائكة لا تحدِّثُ إلا الأنبياء عليهم السلام ، بل


1) فيض القدير في شرح الجامع الصغير، المناوي : ج 4، ص 664 .

يجوز أن تحدّثَ غيرهم من الأولياء، وقد صرّح القرآن بذلك في عدة مواضع ، منها :

1- قوله تعالى في قصَّةِ إبراهيم عليه السلام: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةً فَضَحِكَتْ فَبَشِّرْنَاهَا بِإِسْحَاق وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاق يَعْقُوبَ(1)، والآيةُ صريحةٌ في أنَّ الملائكةَ حدثتها وبشرتها بإسحاق ومن بعده يعقوب صلى الله عليه وآله.

2 - قوله تعالى في قصَّةِ أم موسى عليه السلام: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمَّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ (2).

فقد ذهب جماعةٌ من مفسري أهل السنَّةِ إلى أن جبريل أتاها وأخبرها بذلك عن الله تعالى، قاله مقاتل وقطرب وجماعة. وهو مختار أبي حيان الأندلسي، والغرناطي الكلبي، والآلوسي، قال: «والظاهر أنَّ الإيحاء إليها كان بإرسال مَلَكِ ولا ينا في حكاية أبي حيان الإجماع على عدم نبوّتها، لما أنَّ الملائكة عليهم السلام قد تُرْسَلُ إلى غير الأنبياء وتكلّمُهُم، وإلى هذا ذهب قطرب وجماعةٌ. وقال مقاتل: إنَّ الملك المرسل إليها هو جبريل عليه السلام (3).


1) سورة هود 71 .

2) سورة القصص: 7 .

3) تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي-: ج 7، ص 100؛ التسهيل لعلوم التنزيل، الغرناطي الكلبي: ج 3، ص 102؛ تفسير الآلوسي، الآلوسي: ج 20، ص 45 .

3- قوله تعالى في قصَّةِ مريم عليها السلام : وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾ (1)، وقال تعالى في موضع آخر من سورة آل عمران: إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَحِيهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (2). وعليه فكلام الملائكة مع غيرِ الأنبياء عليهم السلام ليس ممكناً فحسب، بل هو قطعي الوقوع، ودليله ما أوردناه من الآياتِ الصريحة.)


1) سورة آل عمران: 42 .

2) سورة آل عمران : 45 .

### البحث الرابع كناها عليها السلام#### اشارةالكنية من مفاخر العرب وعاداتهم، ولم تكن معروفةً عند غيرهم من الأممِ السابقة، وهم يستعملونها توقيراً وتعظيماً وتكريماً للمكنّى، وكانوا يكثُونَ أبناءهم وبناتهم بأحسنِ الكُنَى تفاؤلاً بالخير، ويفضّلون الكنيةَ على اللقب، حتى قالَ شاعرهم :أكنّيه حين أناديه لأكرمه*** ولا ألقبه واسوءة اللقباكذاك أدبت حتى صار من خلقي*** إنّي وجدت ملاك الشيمة الأدباوقد ندبَ الشرعُ إليها ونصَّ على استحبابها، وهي للمولود في الصغر علامة الشرف، وقد عُرِفَتْ الزهراء عليها السلام بجملة من الكُنى، كأم الحسنين، وأمّ السبطين، وأم الأبرار، وأمّ الأخيار، وأم الأئمة، ولعل من أشرفها رتبةً، وأعظمهامضموناً ومغزى ما كان النبيُّ صلى الله عليه وآله يكنّيها به، أعني كنيتها بأم أبيها، وسوف نتعرَّضُ لهذه الكنية بشيءٍ من التفصيل؛ لأنَّ معرفة مثل هذه المحطات المضيئة في حياةِ الزهراء عليها السلام من شأنه أن يجعلنا نقترب من أسرارِ القداسة

التي تكمن في شخصيَّة قدّيسة عالم الإمكان، ونتقدَّمُ خطوةً إلى الأمام في استكشافِ غوامض حياتها وأسرار شخصيتها.#### فاطمة الزهراء عليها السلام أم أبيها##### اشارةانفردت الزهراء عليها السلام من بين بنات الأنبياء بجملة من الأوسمة الخالدة والألقاب الرائدة، ولعلّ من أجلها شأناً وأعلاها مضموناً: تكنيتها بأمّ أبيها(1، وتلك صفةٌ عظيمةٌ وخِلعةٌ جليلةٌ لم تُمنح . باستحقاق - لغيرها من نساء العالمين، وإنْ سُمِّينَ بها، والجدير بالذكر أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله الذي (مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (2)، لم يمنح هذه الخِلْعَةَ الفريدة والسِّمَةَ الحميدة للزهراء عليها السلام لكونها ابنته فحسب، كما أنَّه لا يريدُ بذلك مجرَّدَ إظهارِ المحبَّةِ)وإبراز شفقة الأبوة، كما فسرها بعضُ الأعلام قائلاً: إنَّ السّر في هذه التكنية إنَّما هو


1) راجع المعجم الكبير، الطبراني : ج 22 ، ص 397؛ الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1899؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 2، ص 119 ؛ درر السمط في أخبار السبط ابن الأبار: ص77؛ التعديل والتجريح الباجي : ج 3، ص 1498؛ تاریخ دمشق ابن عساکر : ج 3، ص 158 ؛ أسد الغابة ابن الأثير : ج 5 ، ص 520 ؛ تهذيب الكمال المزي: ج 35 ، ص 247 ؛ الكاشف ، الذهبي : ج 2، ص 514؛ الإصابة، ابن حجر : ج 8 ، ص 262 تهذيب التهذيب ابن حجر : ج 12، ص391؛ المنتخب من ذيل المذيل، الطبري : ص 6 ؛ تاريخ بغداد البغدادي: ج 14 ، ص 445 .

2) سورة النجم: 3 - 4 .

محض إظهار المحبَّة، وقال: إنَّ الإنسان إذا أحبّ ولده أو غيره وأرادَ أنْ يُظهر في حقه غاية المحبَّة، قال: يا أماه في خطاب المؤنث، ويا أباه في خطاب المذكر ، تنزيلاً لهما بمنزلة الأم والأب في المحبة والحرمة، على ما هو معروفٌ في العُرفِ والعادةِ.والذي ذُكِرَ لا يمكن أن يُصار إليه للأسباب التالية:1- إنَّ المتعارف عليه عند أهل العُرف لا يتفق مع ما ذكره، فلا يخاطب العربي ابنته ب( يا أماه ، كما لا يخاطب ولده ب( يا أباه،بل الأصحُ أنْ يقول في خطابهما : يا أبتاه؛ للذكر والأنثى معاً، أو يا بنتاه للمؤنت.)2 - إذا كان مؤدَّى الكنية مجرَّدُ إظهارِ المحبَّةِ ، لم يكن للزهراء عليها السلام 2- خصيصةٌ زائدة، فكلُّ أب يحبُّ أولاده، وهذا من الأمور الفطرية في النفس الإنسانيّة التي يتّصفُ بها كلُّ مَن كان صحيحَ المزاج، خالياً من العاهات النفسية.3- إن الإشارة بهذه الكنية إلى المحبَّة تحصيل حاصل، وإرشاد إلى معلوم بالقطع واليقين، فهل كان حبُّ النبي صلى الله عليه وآله للزهراء عليها السلام، خافياً على أحد من المسلمين كي يحتاج إلى تكنيتها بأم أبيها ليعرف الناس أنَّه يُحِبُّابنته الزهراء عليها السلام؟ لا أظنُّ ذلك.

وعلى كل حال فلا يُراد من الكنية محضُ إظهار المحبة وإن كان النبيُّ صلى الله عليه وآله يحبها حبَّاً جماً، كما نطقت بذلك الأخبار الصحيحة، فلابدَّ أنْ يكونَ هنالك مغزى آخر غير ما ذكر ، والحق ان هنالك العديد من المزايا أراد النبي صلى الله عليه وآله بيانها من خلال تكنيتها بأم أبيها. ذكر أهل العلم طرفاً منها وأطنبوا في بيانها وأسهبوا في توضيحها، وسوف نتعرّض لأهمها مع الإذعان مسبقاً بأنَّ هذه الكنية من أفضل ما نطق به لسان النبي صلى الله عليه وآله وتفوَّه به فمه الشريف،وأنَّها تتضمن من معاني الحنانِ ما يعجز عن وصفه اللسان، فهي تحكي الرّقة إلى جانبِ العذوبة، والحبَّ إلى جانب القداسة، والعطف إلى جانب الوقار، ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك بل هو أسمى منه بكثير، لذا قيل في بيانها عدَّةُوجوه، منها:##### 1-الأم هي الأصلللأم في اللغة معان متعددة، منها : (أ الأصل: فأمُّ الشيء: أصله، ومنه سميت مكة : أم القرى والأمّ العَلَم)الذي يتبعه الجيش. وأمّ التنائف المفازة البعيدة. وأمّ مثواك : صاحبة منزلك، ورئيس القوم : أمهم . وأمّ النجوم المجرة. وأمّ الدّماع الجلدة التي تجمع الدماغ

ويقال أيضاً: أمّ الرأس.(1قال ابن حجر والمباركفوري: أم الشيء ابتداؤه وأصله، ومنه سميت مكة أم القرى؛ لأنَّ الأرضَ دُحيت من تحتها. (2))فمعنى الأم هو الأصل، كما هو معروف عند أهل اللغة، وبه نطق القرآن الكريم حيث عبّر عن مكة المكرمة بذلك في قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا (3)أي أصل القرى، ومنها هب نسيم الهداية، وانطلقت صرخة الإيمان، وأشرقت شمس التوحيد، فهي قطبُ الرَّحى لجميع المدن والقرى. فالزهراء عليها السلام هي الأصل بمعنى أنّها مصدرُ الذريَّةِ الطاهرة للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله والتي تمثل الامتداد الروحي والفكري والرسالي لوجوده صلى الله عليه وآله، ومما يصلح أن يكون مؤيداً لذلك قوله صلى الله عليه وآله:

«حسين منّي وأنا من حسين،(4)فهو يحدد المفهوم الذي أراده من هذه الكنية بدقّةٍ


1) راجع:الصحاح، الجوهري : ج5 ، 1863 - 1864.

2) فتح الباري ابن حجر : ج 8، ص118؛ تحفة الأحوذي، المباركفوري: ج8، ص 439.

3) سورة الشورى: 7 .

4) سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني: ج 1، ص51؛ سنن الترمذي، الترمذي: ج 5، ص324؛ مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 4 ، ص 172؛ المستدرك الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 177؛ مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص 181 ؛ المصنف ابن أبي شيبة الكوفي : ج 7، ص 515 ؛ الأدب المفرد، البخاري: ص 85؛صحیح ابن حبان، ابن حبان: ج 15 ، ص 428 ؛ المعجم الكبير ، الطبراني: ج 3، ص 32؛ موارد الظمآن الهيثمي: ج 7، ص 196 – 197 ؛ الجامع الصغير، جلال الدين السيوطي: ج 1، ص 575 ؛ ذخائر العقبی، الطبري: ص133؛ نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي : ص 208 209؛ خلاصة تذهيب تهذيب الكمال الخزرجي الأنصاري: ص 83 .

متناهية، ولو تمعنا الحديث لرأينا أن استمرار الرسالة السماوية وإحياء معالم الدينِ والعقيدةِ إنَّما هو ببركة ما قام به الحسين السبط عليه السلام وذرية فاطمة من الأئمة المعصومين عليهم السلام ، ولهذا قيل : إنَّ الدين الإسلامي محمدي الوجود حسيني البقاء، وإذا كان الحسين عليه السلام غصناً من أغصانها، ونسمةً من ربيع فيضها،

وغرفة من بحر جودها، فهي بحق أم أبيها .

وهذا ينسجم مع إرادة المعنى المجازي للأم، فهي عليها السلام أمُّ أبيها بلحاظ الرسالة، أي الأصل لحياة الوجود الرسالي للنبي صلى الله عليه وآله بمعنى أن بقاء الرسالة ،واستمرارها وفاعلية المبادئ والمثل والقيم الرسالية، إنّما يكون بواسطة الزهراء عليها السلام؛ لأنّها منحت الوجود الرسالي للنبي صلى الله عليه وآله ديمومةً واستمراريةً، بسبب كونها الوعاء الأقدس للإمامة العظمى والولاية الكبرى، والتي حفظت مبادئ الرسالة وقيمها ومثلها، بالإضافة أنها سوف تجسّد

ذلك الوجود الرسالي بكل قِيَمِهِ ومُثْلِهِ في جميع ربوع المعمورة وأصقاعها، حتى لا

يبقى بيتُ حجر ولا وبر ولا مدر إلا ويدخله نداء لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، وذلك على يد المنقذ الأعظم من آل محمده، الذي هو غصن من أغصانها، ونفحة من فيض وجودها.

(ب) أورد الجصاص للأم معنى آخر ، قال : وأمُّ الشيء ما منه ابتداؤه وإليه مرجعه، ومنه قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُ الْكِتَابِ وَأَحْرُ مُتَشَابِهَاتُ (1)قال: «أمر الله تعالى برد المتشابه إلى المحكم؛ لأنَّ وصفه للمحكم بأنَّه أم الكتاب يقتضي أن يكون غيره محمولاً عليه ومعناه معطوفاً عليه، إذ كان أم الشيء ما منه ابتداؤه وإليه مرجعه».(2))وعليه فتكون فاطمة والأئمة من ذريتها عليهم السلام هم المرجع والفصل في كلّ ما اختلف فيه من أمور الشرع مما أخذ عن النبي صلى الله عليه وآله، وذلك ينسجم تماماً مع القول بعصمتهم عن الخطأ وكونهم الطريق المهيع والسبيل الآمنللوصول إلى جوهر الرسالة المحمدية، وهذا معنى حسن ولطيف، لا يخفى على القارئ الحصيف.


1) سورة آل عمران: 7.

2) أحكام القرآن الجصاص : ج 1، ص188 .

للأم معنى آخر أشار إليه أبو فاختة عند تعرّضه لبيان معنى أم الكتاب قائلاً: « أم الكتاب يُراد به فواتح السور، إذ منها يُستخرج القرآن،(1)ويتوجه نفسيرُ الأم على هذا القول بأنَّ الزهراء عليها السلام مفتاح العلوم المحمدية، والأسرار المصطفوية والمعارف الربانية، ويؤيده قوله (د) أشار الثعلبي إلى معنى آخر في تفسير الأم : وهو ما به قوام الشيء، واستدل له بأنَّ عيسى عليه السلام كان يقول للماء: هذا أبي، وللخبز هذه أمي؛ لأنَّ قوام الأبدان بهما،(2)وإذا كان الخبز قوام الحياة المادية فإنَّ قوام الحياة المعنوية بموالاة الزهراء عليها السلام والأئمة من ولدها عليهم السلام .)##### 2-إنّها تعامل أباها معاملة الأم الحنونتؤكّد المصادر التاريخيةُ أنَّ الزهراء عليها السلام كانت تعامل أباها المصطفى صلى الله عليه وآله معاملة الأم الشفيقة، وترعاه رعاية الوالدة الرحيمة، وقد وُفِّقَتْ لملازمته والتشرف بخدمته وسعادة مرافقته لمدة ثمان سنوات في مكة المكرمة وعشر سنوات في المدينة الطيبة، وشاهدت مضايقات أعداء الدين لخاتم المرسلين،


1) جامع البيان، الطبري: ج 3، ص 239؛ تفسير الثعلبي، الثعلبي : ج 3، ص 12؛ المحرر الوجيز، ابن عطية الأندلسي، ج 1، ص 401 ؛ الدر المنثور السيوطي: ج 2، ص 4 .

2) تفسير الثعلبي، الثعلبي : ج 3، ص 9 .

وعاشت معه - بصدق وإخلاص - كل المصاعب والمصائب، ورافقته في ازدحامِ البلايا واقتحام الرزايا، فتجلبيت بالصبر والشكيمة والتحمل، وذلك مما لا يجده المرء في امرأةٍ غير أمَّه وأقرب الناس إليه، نعم لا ينبغى القول أنها عرّضت له عاطفةً افتقدها أو كملت له نقصاً كان يعاني منه، فلم يكن النبيُّ صلى الله عليه وآله يعاني من عقدة نقص بسبب فقد أمه فاحتاج إلى مَن يعوّضه ما فقده، بل بمعنى أنها كانت تهتم به اهتمام الأم بولدها، فهي إشارة إلى طبيعة تعامل الزهراء عليها السلام مع أبيها، وإليك بعض النماذج من تعاملها مع أبيها :(1 كانت تؤثره على نفسها: روى الهيثمي والحلبي وجماعةٌ عن أنس قال: جاءت فاطمة رضي الله عنها بكسرة خبز إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما هذه الكسرة يا فاطمة؟ قالت: قرص خبزتُهُ فلم تطب نفسي حتى آتيتُك بهذه الكسرة، فقال صلى الله عليه وآله : أما إنَّه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام.(1))(2 عطفها وشفقتها عليه: روى الحاكم النيسابوري عن أبي ثَعْلَبة الخُشَنِي)


1) مجمع الزوائد الهيثمي : ج 10، ص 312؛ السيرة الحلبية الحلبي : ج 3، ص 451؛ المعجم الكبير، الطبراني: ج 1 ، ص 258 ؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد : ج 11، ص 129؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 6 ، ص 491 ؛ الطبقات الكبرى ابن سعد : ج 1 ، ص 400 ؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر : ج 4 ، ص 122 ؛ سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 7، ص 94 .

قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا رجع من غزاة أو سفر دخل المسجد فصلّى فيه ركعتين، ثم ثنَّى بفاطمة رضي الله عنها، ثم يأتي أزواجه، فلما خرج من المسجد تلقته فاطمة عند باب البيت تلثم فاه وعينيه وتبكي، فقال لها : يا بنيّة ما يبكيك؟ قالت : يا رسول الله، ألا أراك شعثاً ،نصباً، قد اخلولقت ثيابك؟ قال: فلا تبكي، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ بعث أباك لأمر لم يبقَ على ظهر الأرض بيتُ مدرٍ ولا شعرٍ إلا أدخل الله به عزاً أو ذلاً حتى يبلغ حيث بلغ الليل.(1)

(3 مواساتها له في النوائب ووقوفها إلى جنبه في الشدائد روى مسلم النيسابوري والبيهقي وابن حبان والطبراني، وجماعة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه : أنَّه سمع سهل بن سعد يُسأل عن جُرح رسولِ الله صلى الله عليه وآله يومَ أحد، فقال: جُرِحَ وجه رسولِ الله صلى الله عليه وآله وكُسِرَتْ رُباعيتُه وهُشمتْ البيضةُ على رأسِهِ، فكانت فاطمة بنت رسولِ الله صلى الله عليه وآله تغسل الدم، وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجن، فلما رأتْ فاطمة أنَّ الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصيرفأحرقته حتى صار رماداً ثم ألصقته بالجرح)


1) المستدرك، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 155؛ مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 8، ص 262؛ المعجم الكبير، الطبراني: ج 22، ص 225؛ مسند الشاميين، الطبراني: ج 1، ص 298 - 299؛ فيض القدير، المناوي: ج 5 ، ص 196 - 197؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساکر : ج 40 ، ص 537 .

فاستمسك الدم.(1)(4 برها بأبيها صلى الله عليه وآله قال الإمام الصالحي الشامي: روى أبو يعلي عن جابر، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شق عليه ، فطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئاً، فأتى فاطمة فقال : يا بنية، هل عندك أكلة، فإنّي جائع ؟ فقالت : لا والله، بأبي أنت وأمي، فلما خرج من عندها بعثت إليها جارةٌ لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها فوضعته في جفنة لها، وغطّت عليها قالت والله لأؤثرنّ بهذا رسول الله صلى الله عليه وآله على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعاً محتاجين إلى شعبة طعام، فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فرجع إليها، فقالت له : بأبي أنت وأمي قد أتى الله بشيء فخبأته لك، قال: هلمي، فأتته فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً،فلما نظرت إليها بهتتْ، وعرفت أنَّها بركة من الله، فحمدت الله وصلَّت على نبيه وقدَّمته إلى النبي صلى الله عليه وآله، فلما رآه حمد الله، وقال: من أين لك هذا يا بنية؟)


1) صحیح مسلم، مسلم النيسابوري: ج 5 ، ص 178 ؛ السنن الكبرى البيهقي : ج 9، ص 30؛ منتخب مسند عبد بن حمید، عبد بن حميد : ص 167؛ صحيح ابن حبان، ابن حبان : ج 14، ص 540 ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج 6 ، ص 172؛ تفسير ابن كثير، ابن كثير : ج 1 ، ص 426 ؛ السيرة الحلبية، الحلبي : ج 2، ص 519؛ تخريج الأحاديث والآثار الزيلعي : ج 1، ص 223.

فقالت: يا أبت، هو من عند الله، إنَّ الله يرزق من يشاء بغير حساب، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عليّ، ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته جميعاً حتى شبعوا وبقيت الجفنة كما هي قالت: فأوسعت ببقيتها على جميع جيرانها، وجعل الله فيه بركةً وخيراً كثيراً .(1)ونظائر تلك المواقف كثيرة، يجدها المتتبع في كتب التاريخ والسيرة، والتي اتفقت على أنَّ الزهراء عليها السلام كانت بمثابة الأم التي تروم السعادة بالوقوف إلى جنب ولدها، فتفديه بنفسها، وتدفع عنه الأذى، وتميط عنه الكرب، وتشاطره الألم، وتقاسمه المحن، وتؤثره على نفسها، وغير ذلك مما جسَّدته الزهراء عليها السلام بسيرتها النموذجية، حتى جعلت النبيَّ صلى الله عليه وآله يجد فيها ما يجده الولد عند أمه الوفيّة المتفانية، من العطف والشفقة واللين والرأفة، والمواساةوالإخلاص، وغيرها من المعاني، فكانتْ أمَّ أبيها بهذا الاعتبار، ويكون إطلاقُ الأمومة حينئذٍ أطلاقاً مجازياً وليس حقيقياً.


1) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 11، ص 47 ؛ تفسير الثعلبي، الثعلبي : ج 3، ص 57 .

##### 3-إنَّ النبي كان يجلها إجلال الأمكما ذكرت المصادرُ أنَّ الزهراء عليها السلام تعامل أباها معاملة الأمّ الشفيقة، أكَّدتْ بنفس الوقت على أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله كان يعاملها بكلّ إجلال واحترام وهيبة ووقار، حتى كأنها الأم، فقد روى الذهبي وابن عبد البر عن عائشة قالت: «كانت [فاطمة ] إذا دخلت عليه قام إليها، فقبلها، ورحب بها،(1وفي رواية أخرى للبيهقي، والحاكم وصححه عنها قالت:كانت إذا دخلت عليه رحب بها، وقام إليها، فأخذ بيدها، فقبلها، وأجلسها في مجلسه،(2)وأخرج الحاكم في مستدركه وصححه عن عائشة أيضاً قالت: «كانت إذا دخلت عليه، قام إليها فقبَّلها، ورحّب بها، وأخذ بيدها، فأجلسها في مجلسه»(3)، وغيرها من الروايات الكثيرة التي أشارت إلى الأسلوب الأمثل في تعامل النبي صلى الله عليه وآله مع)


1) سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 2، ص 127 ؛ الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1896 .

2) السنن الكبرى البيهقي : ج 7، ص 101 ؛ المستدرك، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 154 . وانظر : ، صحیح ابن حبان ابن حبان : ج 15 ، ص 403 - 404 .

3) المستدرك ، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 159 - 160؛ وانظر : سنن الترمذي، الترمذي: ج 5 ، ص 361، ح 3964؛ نصب الراية الزيلعي : ج 6 ، ص 156؛تحفة الأحوذي، المباركفوري: ج8، ص 26؛ الأدب المفرد، البخاري : ص 202؛ السنن الكبرى، النسائي : ج 5 ، ص 391 - 392؛ المعجم الأوسط، الطبراني: ج 4 ، ص 242؛ مسند ابن راهويه، إسحاق بن راهويه : ج 5، ص8.

بضعته سيدة نساء العالمين عليها السلام، وأنَّه كان يقدِّم لها ضروبَ الاحترامِ وألوان التعظيم، حتى وصل الأمر إلى أن يقوم لها إجلالاً وتعظيماً، ويأخذ بيدها، ويقبلها ، ثم يجلسها إلى جنبه أو في مكانه، ويُقبل عليها بوجهه وروحه وكل وجوده،ويعاملها في غاية الاحترام والتوقير، بما تُضاهي أو يفوق معاملة الولد البارِ بأمه الكبيرة، من البرّ بها وتوقيرها والحنو عليها.وبالإضافة إلى ذلك فقد روي أنه صلى الله عليه وآله كان يخصها بالزيارة عند إيابه من السفر، ويودّعها في كل منطلق فيه، حتى كأنه يتزود منها كما يتزود الولد البار من أمه حين يفارقها. (1)##### 4-بيان قدرها ومنزلتهالما نزل قوله تعالى: ﴿ النَّي أُولَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ(2)في المدينة، وتكنَّتْ كلُّ واحدة من أزواج سيد الكائنات بأم المؤمنين وافتخرن بأنَّهنَّ صرنَ أمهات المؤمنين والمؤمنات اعتباراً ومجازاً لا حقيقة وواقعاً، أراد النبي صلى الله عليه)


1) انظر المستدرك الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 155 ؛ مجمع الزوائد الهيثمي : ج 8، ص 262 ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج 22 ، ص 225 ؛ مسند الشاميين، الطبراني : ج 1، ص 298 --- 299؛ فيض القدير، المناوي : ج 5 ، ص 196 - 197 ؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر : ج 40 ، ص 537 .

2) سورة الأحزاب 6 .

وآله أنْ يخلع على سيدة النساء خلعةً من الكرامة، ويقلّدها وساماً من القداسة، ويمنحها جلباباً من العظمة، تفوقُ به أزواجه صلى الله عليه وآله؛ لأنّها الأصل الأصيل والمصدرُ النبيل، فضمها النبيُّ المختار صلى الله عليه وآله إلى صدره كما يضم روحه، وقبلها وشمَّها وكنَّاها بأم أبيها، حتى كأَنَّه يقول: إن كنَّ نسائي أمهات أمتي فأنتِ أعلى قدراً وأجل رتبةً؛ لأنك أمّ سيّد الكائنات وأشرف المخلوقات، وقد أراد خلال ذلك التأكيد على أنَّ الزهراء عليها السلام جوهرة فريدة لا ندَّ لها ولا نظير في دنيا المرأة من ذوات الشأن الرفيع والمقام البديع، وأنها اختصت بأعلى مراقي الشرف النبيل، وتسنّمتْ ذرى المجدِ الأثيل، ويعضد ذلك ما سطرته الآثار الصحيحة الدلة على انها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.كما أراد صلى الله عليه وآله مع ذلك كلّه أن يشير إلى أنَّ شرف الاقتران به لا يضاهي شرفَ الانتماء النسبي المقترن بالاندماج الروحي والمعنوي، فأين مكانة الزوجة التي تكون مع الرجل العصر من الدهرِ ثم يطلقها فتذهب إلى أهلها، منبَضعته الزَّكية التي جمعت خلال النفوس القدسية ومآثر الأعراق الزكية وثمار الأخلاق الرضية، وهي مع ذلك روحُهُ التي بين جنبيه وثمرة فؤادِهِ على ما نطقت به الآثار الصحيحة.

## الفصل الثاني : الزهراء عليها السلام في بيت الزوجية### اشارةوفيه أربعة بحوثالبحث الأول : زواج الزهراء عليها السلامالبحث الثاني: مكارم أخلاقها عليها السلامالبحث الثالث: تفضيل الزهراء عليها السلامالبحث الرابع: أكذوبة خطبة علي عليه السلاملبنت أبي جهل

### البحث الأول زواج الزهراء عليها السلام#### تمهیدتعتبر مرحلةُ اقتران الزهراء بأمير المؤمنين صلى الله عليه وآله من المراحل المهمة في حياة هذين ! لما فيها من محطات الألق والعظمة، وسنتيمن بذكر شيء منها مع مراعاة الترتيب الزمني:#### أولاً: شرف مصاهرة النبي صلى الله عليه وآلهلا شكّ أنَّ الاقتران بسيدة نساء العالمين عليها السلام، شرفٌ عظيم، وعزّكبير، وفخر فريد، وجاه عريض لا يليقُ به إلا من افترع غارب المجد، وجمع شمل السؤدد، وطالَ هضبة العزّ، واعتلى مراقي الشرف.ومن حَظِيَ به نال الشرف الأعلى، وفاز بالفخر الأقصى، قال ابنُ الدمشقي

پفي وصف مصاهرة عليّ للنبي صلى الله عليه وآله، بأنَّه زواج: «انعقد على شرفِهِ الإجماع، وانقطعت عن إدراك شأوه الأطماع، حازَ من الفخار الطرف الأقصى، وحوى من العظمة والعزّةِ والفخرِ ما لا يُستَقصى، ما عُقِدَ لأحدٍ نظيره من الأولين والآخرين، ولا فازَ بمثلِهِ أحدٌ من العالمين، الآذنُ فيه الملك المعبود، وجبريل والملائكة الشهود، وعاقده سيد [عالم] الوجود [الذي روي [عنه] أنَّه قال له: يا علي ! أعطيت ثلاثَ مفاخر عظام، لم يُعطَهنَّ أحد سواك: صهراً مثلي، وزوجةً مثلفاطمة، وولدين مثل الحسن والحسين.(1)وكان الصحابة يعدّون هذه المصاهرة من مفاخره التي تفوق العدّ والإحصاء، ومآثره التي يعجز عنها الحصر والاستقصاء، فعن عبد الله بن أبي نجيح عن أبيه : أنَّ معاوية ذكرَ على بن أبي طالب عليه السلام ، فقال سعد بن أبي وقاص: والله لئن تكونَ لي إحدى خلاله الثلاث أحبّ إليَّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس؛ لئن يكون قال لي ما قاله له حين رده من تبوك: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. أحبُّ إليَّ أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ولئن يكون قال لي ما قال في يوم خيبر : لأعطينَّ الرايةَ رجلاً يحبُّ الله


1) جواهر المطالب، ابن الدمشقي : ج 1 ، ص 149 - 150 .

ورسولَه ويحبُّه الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار، أحبُّ إليَّ من أنْ يكون لي ما طلعت عليه الشمس ولئن أكون كنتُ صهره على ابنته، لي منها من الولد ما له، أحبُّ إليَّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس(1.)وروى ابن عبد البر عن عبد الله بن عباس، وقد سُئل عن علي عليه السلام ، فقال: «ما شئت من ضرس قاطع في العلم بكتاب الله، والفقه في سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت له مصاهرة النبي صلى الله عليه وآله والتبطنُ فيالعشيرة، والنجدة في الحرب، والبذل للماعون»(2، فعدَّ من أوسمة شرفه مصاهرة النبي صلى الله عليه وآله والاقتران بسيدة النساء عليها السلام.)بل الأكثر من ذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله كان يعد الفوز بشرف مصاهرته صلى الله عليه وآله من أبرز مآثر علي عليه السلام ومزاياه التي لم يُعطَ أحدٌ مثلها، روى ابن مردويه الأصفهاني والخوارزمي وجماعةٌ من محدّثي أهل السنة أنَّهصلى الله عليه وآله قال لعلي عليها السلام يا علي ! أعطيت ثلاثاً لم أعطهنَّ، فقال: يا رسول الله ! وما أعطيت ؟ قال : أعطيت صهراً مثلي، وأعطيت مثل زوجتك


1) السنن الكبرى النسائي : ج 5 ، ص 144 .

2) بهجة المجالس وأنس المجالس ابن عبد البر : ج 1، ص 499 .

فاطمة ولم أعطها، وأعطيت مثل الحسن والحسين.(1))ونظراً لما في مصاهرة سيّد الكائنات من الشرف والسؤدد كان أكابر الصحابة یَتُوقُونَ إلى الاقتران بسيدة النساء عليها السلام، وكان النبيَّ صلى الله عليه وآله يجابه المتقدمين لخطبتها بالرفض وعدم القبول، وقد ردَّ أبا بكر ثم عمر لما جاءا لخطبتها،وهذا أمر مشهور مسطور.(2)#### ثانيا:النبي صلى الله عليه وآله يرد خطبة الشيخينأكدت مصنفات العامة في السيرة والتاريخ والحديث : انَّ أبا بكر وعمر خطبا فاطمةَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وآله، كما أكّدت رفض النبي صلى الله عليه وآله تزويجهما رفضاً قاطعاً، غير أنها لم تسلّط الضوء على السبب الذي حدا بالنبي صلى


1) المناقب ابن مردويه الأصفهاني : ص 179 - 180 ؛ المناقب، الموفق الخوارزمي: ص 294؛ معارج الوصول الزرندي الشافعي: ص 47 ؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2، ص 304؛ نظم درر السمطين الزرندي الحنفي : ص 113 - 114؛ مقتل الحسين عليه السلام ، الخوارزمي: ص109.

2) قد يقال: بأنَّ ما ذكرتموه من شرف مصاهرة النبي لم ينفرد به علي عليه السلام بل كان لعثمان مثله حين تزوج من بنات النبي. نقول: (1): نحن لا نسلَّم أن تكون للنبي بنات من صلبه غير الزهراء البتول عليها السلام، وأدلتنا في ذلك واضحة وحججنا قاطعة، ومن أراد الوقوف عليها فعليه بمراجعة كتاب بنات النبي أم ربائبه) للعلامة السيد جعفرمرتضى العاملي. (2): إنَّ فاطمة عليها السلام ليست كغيرها من نساء العالمين، فلو فرضنا جدلاً أنَّ للنبي بنات غيرها، فلا يمكن أن يُقاس بها أحد من النساء، مهما كانت أو تكون كيف وهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.

الله عليه وآله ودفعه إلى ذلك الرفض الذي يبدو على المتقدم للخطوبة قاسياً، ففسّره البعض بصغر سنّ الزهراء عليها السلام، وفشره آخرون بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله ينتظر بها القضاء؛ لأنها ليست كبقية النساء، ولا بد أن يكون زواجها بأمر إلهي ووحي سماوي وفرض رباني، بينما ذكر جماعةٌ من المؤرّخين بعض الأسباب التي تتضمن التّعريض بالشيخين والقدحَ بهما، وأنهما لم يكونا مؤهلين لنيل شرف تلك المصاهرة، وإليك نماذج يسيرةً من تلك الروايات الكثيرة، وعلى نحو الاختصار: أخرج النسائي والهيثمي وابن حبان والحاكم وصححه عن عبد الله عبدِ الله بن بريدة عن أبيه قال: «خطب أبو بكر وعمر فاطمة، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وآله: إنّها صغيرة، فخطبَ علي فزوَّجَها منه».(1)وروى ابن الأثير والدولابي عن الحارث عن عليّ عليه السلام قال: «خطب أبو بكر وعمر - يعني فاطمة إلى رسولِ الله صلى الله عليه وآله - فأبى رسول الله صلى


1) السنن الكبرى، النسائي : ج 3، ص 265، وج 5، ص 143؛ صحيح ابن حبان، ابن حبان: ج15، ص399؛ موارد الظمآن الهيثمي: ج 7، ص170؛ خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ، النسائي: ص 114؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري: ج 2، ص 167 - 168 ؛ وانظر : كنز العمال، المتقي الهندي: ج 13، ص 114؛ أسد الغابة ابن الأثير : ج 5 ، ص 520 ؛ الطبقات الكبرى، محمد بن سعد: ج 8، ص19؛ المعجم الكبير، الطبراني : ج 4 ، ص 34 ؛ أسد الغابة ابن الأثير : ج 1 ، ص 386؛ مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص 204، سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي: ج 11، ص38.

الله عليه وآله عليهما، فقال عمر : أنت لها يا علي....(1))وفي مواردِ الظمآن للهيثمي عن أنس بن مالك قال: جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وآله فقعد بين يديه، فقال: يا رسول الله ! قد علمت مناصحتي، وقدمي في الإسلام ،وأنّي وأنّي ... قال: وما ذاك؟ قال: تزوّجني فاطمة، قال:فسكت عنه، فرجع أبو بكر إلى عمر فقال له : هلكت وأهلكت، فقال: وما ذاك؟ قال: خطبتُ فاطمةَ إلى النبي صلى الله عليه وآله فأعرضَ عنّي، فقال: مكانك حتى آتي النبي صلى الله عليه وآله فأطلب مثل الذي طلبت، فأتى عمر النبيَّ صلى الله عليه وآله فقعد بين يديه، فقال: يا رسول الله ! قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وأنّي، وأنّي ... قال : وما ذاك؟ قال: تزوّجني فاطمة، فسكت عنه، فرجع عمر إلى أبي بكر، فقال: ... قُم بنا إلى علي حتى نأمره يطلب مثل الذي طلبنا...».(2)وبعد رفض النبي صلى الله عليه وآله لخطبة الشيخين تقدم علي عليه السلام لخطبنها، روى ابن سعد في الطبقات عن حجر بن عنبس، قال: «خطب أبو بكر وعمر فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال النبيُّ


1) أسد الغابة ابن الأثير : ج 5 ، ص 520 - 521 ؛ الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي: ص93.

2) موارد الظمآن الهيثمي : ج 7، ص171 - 173 .

صلى الله عليه وآله : هي لك يا علي لست بدجّال».(1)وقفة قصيرة مع رواية ابن سعديمكن أن يُقال في مقام التعقيب على هذه الرواية أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله أراد نفي أن يكون قد زوّج فاطمة رجلاً دجّالاً، كما هو صريح الرواية، وهذا تعريض سافر ، وقدحٌ ظاهر بمن سبق علياً عليه السلام لخطبتها، ولكن ابن سعدتلاعب بالرواية وأضاف لها زيادةً؛ ليوهم القارئ أنها من متن ،الحديث، أو من كلام الراوي، فقال: «وذلك أنَّه كان قد وعدَ علياً بها قبل أن يخطب إليه أبو بكر وعمر،(2ليجعل بذلك الضمير في (لست) للمتكلم لا للمخاطب.)ولاشك أنَّ ما أضافه اجتهادٌ ،خاو، وتخرُّص ،واه، لا يعضده دليل، ولا يسنده ،برهان بل هو محاولة فاشلة لصرف الحديث عن معناه ظاهرة الخلل والبطلان وذلك للأسباب التالية:(1 تأكيد المصادر السنيّة على أن علياً عليه السلام لم يكن يخطر بباله الزواج من الزهراء عليها السلام، وأنَّه صَرَّح : انَّ أبا بكر وعمر - عندما اقترحا عليه خطبة)


1) الطبقات الكبرى، ابن سعد : ج 8، ص 20 .

2) الطبقات الكبرى ابن سعد : ج 8، ص20.

فاطمة عليها السلام - نبّهاه لأمر كان عنه غافلاً،(1وهذا ما رواه جمع من المحدثين، وهو يدلُّ على عدم وجودِ وعد من النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام ، وبذلك يسقط التوجيه الذي ذكره ابن سعد.)(2 تصريح الروايات السنيّة بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله قال لأبي بكر وعمر: «إنّي أنتظر بها القضاء»، ولو كان قد وعد بها علياً عليه السلام لما صح الاعتذرُ لهما بذلك الوعد.)(3 ورود الحديثِ بألفاظ أخرى لا يمكن توجيهها بالذي ذكره ابن سعد، فقد روى العقيلي والسيوطي الحديثَ بلفظ : « غير دجّال،(2)وهذا يسقط التوجيه الذي ذكره ابن سعد، محاولاً إبدال تاءِ المخاطب في قوله: «لستَ بدجّال»،)بتاء المتكلّم.(4 إذعان جماعة من علماء أهل السنة بأنَّ الحديث وارد في مقام الذَّم والتعريض بالشيخين (13)، ولكنَّهم حين أعيتهم الحيلة في ردّه، وتقطَّعت بهم أسباب)


1) روى الحلبي وغيره أنَّه عليه السلام قال: «نبهاني لأمر كنت عنه غافلاً» . السيرة الحلبية، الحلبي: ج2، ص 471 ؛ أهل البيت، توفيق أبو علم: ص 146 .

2) العقيلي الضعفاء : ج 4 ، ص 165 ؛ الآلئ المصنوعة، السيوطي: ج 1، ص 365. (13): قال ابن الجوزي: «وقد غمض في هذه المديحة لعلي أبا بكر وعمر». الموضوعات، ابن الجوزي: ج1، ص 382.

توجيهه، وكبر عليهم تقبل مضمونه، حاولوا الطَّعنَ في أصل الحديث بغية تكذيبه وصرف الأنظار عنه، فابن الجوزي - مثلاً - لما تفطّن لنكتة التعريض حاول جاهداً إسقاط الحديث، وقد استساغ مجانبة الأسس العلمية في تناول الحديث، فصنفهضمن الموضوعات، ضمن محاولة فاشلة لا تستند على القواعد العلمية الحديثية؛ لأنَّ الطبراني أخرجه برجال كلهم ثقات، كما صرح بذلك الهيثمي في زوائده.(1)#### ثالثا خطبة علي لفاطمة عليها السلامروى الطبري عن علي عليه السلام قال: قالت مولاة لي: هل علمتَ أنَّ فاطمة قد خُطِبَتْ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وآله فما يمنعك أنْ تأتى رسول الله صلى الله عليه وآله يزوجك،(2وفي رواية الدولابي عن بريدة: انَّ الذي أشار عليه جماعة من الأنصار،(3)وفي مناقب الخوارزمي عن ابن عباس قال: كانت فاطمةً تُذكرُ تُذكر لرسول الله فلا يذكرها أحد إلا صد عنه حتى يئسوا منها، فلقي سعد بن معاذ)


1) مجمع الزوائد الهيثمي : ج 9، ص 204 .

2) انظر : سيرة ابن إسحاق، محمد بن إسحاق : ج 5 ، ص 230؛ السنن الكبرى، البيهقي : ج 7، ص234؛ المناقب، الموفق الخوارزمي: ص 335؛ البداية والنهاية، ابن كثير : ج 3، ص 418 ؛ تاريخ الإسلام، الذهبي : ج 2، ص 141؛ ؛ أسد الغابة ابن الأثير : ج 5 ، ص 520 ، 521 ؛ الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي: ص 94؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 13 ، ص 682 ؛ ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري: ص 27 .

3) انظر الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي: ص 95-96 .

علياً فقال: إنّي والله ما أرى رسول الله صلى الله عليه وآله يحبسها إلا عليك، ثم قال: فإنّي أعزم عليك لتفرّجنّها عنّي فإنَّ لي في ذلك فَرَحَاً، قال: فأقول ماذا؟ قال تقول: جئتُ خاطباً إلى الله وإلى رسوله فاطمة بنت محمد ، قال : فانطلق علي عليه السلام .(1)وذكر توفيق أبو علم وجهاً آخر فقال : لقد خطبها أبو بكر وعمر، فقال لهما الرسول صلى الله عليه وآله : إن أمرها إلى الله تعالى. وفي يوم اجتمع أبو بكر وعمر وسعد بن معاذ في مسجد الرسول، فتذاكروا أمرَ فاطمة عليها السلام فقال أبوبكر:قد خطبها الأشرافُ فردَّهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: أمرها إلى الله عزّ وجلَّ، وإن كان علياً لم يذكرها إلى الآن فما يمنعه من ذلك إلا قلة ذات اليد، فانطلق أبو بكر، فلما رآه قال له : ما وراءك من الأخبار؟فقال أبو بكر : لم يبق خصلةٌ من خصال الخير إلا ولك فيها سابقةً وفضل، وأنت من رسولِ الله صلى الله عليه وآله بالمكان الذي عرفت من القرابة، وقد خطب الأشرافُ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ابنته فاطمة الزهراء فردَّهم وقال : إِنَّأمرها إلى الله تعالى، فما يمنعك أن تذكرها وتخطبها أنت، فإنّي أرجو أن يكون الله عزّ وجلَّ ورسوله يحبُّ أنَّها لك، فقال: يا أبا بكر ! لقد أيقظتني لأمر كنت عنه


1) المناقب الموفق الخوارزمي: ص338 - 339.

غافلاً، والله ما يمنعني من ذلك إلا قلة ذات اليد.فقال أبو بكر: لا تَقُل كذا، فإنَّ الدنيا وما فيها عند الله ورسوله كهباء منثور.(1)وكان حينها قد نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله يأمره بأن يزوّج النور من النور، فعن أنس بن مالك قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله فغشيه الوحي فلما أفاق، قال لي يا أنس أتدري ما جاءني به جبرئيل من عند صاحب العرش؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أمرني أن أزوج فاطمة من علي.(2)فدخل علي عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله مثقل الخطى غارق الجبين يتصبب عرقاً من الحياء، فجلس عنده مطرقاً، روى ذلك البيهقي، عنه عليه السلام قال: «فلما جلست بين يديه ألجمت حتى ما استطعتُ الكلام، فقال: هل لك من حاجة ؟ فسكت، فقالها: ثلاث مرات، قال: لعلك جئتَ تخطب فاطمة؟ قلت: نعم يا رسول الله (3، فسُرَّ النبيُّ صلى الله عليه وآله واستبشر، وتهلل وجهه فرحاً، فقال: «مرحباً وأهلاً»(4).)


1) انظر أهل البيت توفيق أبو علم : ص 145 - 146 .

2) المناقب، الموفق الخوارزمي : ص 336 - 337.

3) السنن الكبرى البيهقي : ج 7، ص 234 .

4) الذرية الطاهرة النبوية محمد بن أحمد الدولابي : ص 96.

ثم دخل على فاطمة عليها السلام وأخبرها بخطبة علي عليه السلام ، قال الحافظ ابن عساكر: «دخل عليها وقال : إنَّ ابنَ عمّك قد خطبك ... والذي بعثني بالحقِّ ما تكلمت في هذا حتَّى أذن الله فيه من السماء، فقالت فاطمة رضيتُ بما رضي الله لي ورسوله فخرج من عندها(1، وقال ابن إسحاق والدولابي والقندوزي: لما خطبَ على فاطمة صلى الله عليه وآله سأل رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فسكتت(2)، حياءً وعفّة.)فخرج النبيُّ صلى الله عليه وآله من عندها وأمر أنس بن مالك أنْ يدعو له جمعاً من المهاجرين والأنصار ، فلما حضروا عنده، و «أخذوا مجالسهم، قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله: الحمد الله المحمودِ بنعمته المعبودِ بقدرته، المطاع بسلطانه، المرهوبِ من عذابِهِ ، المرغوب إليه فيما عنده النافذ أمره في أرضه وسمائه، الذي خلق الخلق بقدرته وميزهم بأحكامه، وأعزّ هم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد، ثم إنَّ الله جعل المصاهرة نسباً لاحقاً وأمراً مفترضاً وشجّ بها الأرحام وألزمها الأنام فقال تبارك اسمه وتعالى جده: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ


1) تاريخ مدينة دمشق ابن عساكر : ج 42 ، ص 125 .

2) سيرة ابن إسحاق، محمد بن إسحاق : ج 5، ص 230؛ الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي: ص 95؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي : ج 2، ص 125 .

قَدِيرًا (1)، فأمر الله يجري إلى قضائه وقضاؤه يجري إلى قدره، فلكل قضاء قدر، ولكل قدرٍ أجلّ، ولكل أجل كتابٌ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكتاب ، (2)ثم إنّي أشهدكم إنّي زوجتُ فاطمة من على...).(3)

رابعا: تزويجها بأمر من الله

اشارة

لم تتدخل الإرادة الإلهية بتزويج النساء بصورة مباشرة إلا في ثلاثة موارد؛ أولاهن حواء عليها السلام، والثانية : زينب بنت جحش الأسدية لظرف خاص خال من دواعي التكريم،بل الحكمة فيه أنْ يلَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاج أَدْعِيَانِهِمْإِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا (4).

وتمن تولّت السماء تزويجها فاطمة الزهراء عليها السلام، التي كان زواجها فريداً، لما فيه من دلائل العظمة، وآثار الكرامة، وأسرار القداسة، وليس ذلك بعزيز على سيّدة النساء عليها السلام، بالمقارنة مع مكانتها المرموقة ومنزلتها السامية.

وكون زواجها بأمر الله عزّ وجل ثما أجمعت عليه كلمة علماء الإسلام من


1) سورة الفرقان 54 .

2) سورة الرعد: 39 .

3) المناقب، الموفق الخوارزمي: ص 336 .

4) سورة الأحزاب : 37.

المذاهب الإسلامية المختلفة، ولم تنفرد الشيعة الإمامية - أعلى الله كلمتهم . بنقله، وإليك بعض الرواياتِ المصرحة بذلك:

1-حديث أنس بن مالك

قال الإمام الصالحي الشامي: روى البيهقي والخطيب وابن عساكر عن أنس قال: كنت قاعداً عند رسولِ الله فغشيه الوحي فلما سري عنه، قال: يا أنس أتدري ما جاءني به جبريل من عند صاحب العرش؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: إنَّ الله تعالى أمرني أنْ أزوج فاطمة من علي.(1)

وأخرج ابنُ الدمشقي عنه، قال: خطب أبو بكر فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له النبيُّ صلى الله عليه وآله : يا أبا بكر ، لم ينزل القضاء، ثم خطبها عمر مع عدَّةٍ من قريش فَرَدَّه، كلهم يقول له مثل ذلك، فقيل لعلي: هلا خطبت من

رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة، فأنتَ خليق أن يزوجكها، قال: وكيف، وقد خطبها أشرافُ قريش فلم يزوّجها منهم ؟ قال علي : فخطبتها فقال صلى الله عليه وآله قد أمرني ربي عزَّ وجلَّ بذلك.(2)


1) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي : ج 11، ص38.

2) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي عليه السلام ، ابن الدمشقي: ج 1 ، ص 150 .

وفي مناقب الخوارزمي عنه قال: «قال [ صلى الله عليه وآله]: يا علي، إنَّ الله أمرني أنْ أزوجك فاطمةَ ، وقد زوجتكها على أربعمائة مثقال فضة، أرضيت؟ فقال: قد رضيتُ يا رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قام على فخر الله ساجداً شكراً(1).

2-حديث عبد الله بن مسعود

أخرجَ الهيثمي عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إِنَّ اللهَ أمرني أنْ أزوج فاطمة من علي (2)، وأخرجه الطبراني برجال كلُّهم ثقات، ولفظه : عن عبد الله بن مسعودٍ قال : كنتُ قاعداً عند رسولِ الله فقال: «إنَّ اللهَ تعالى أمرني أنْ أزوّج فاطمةً من علي(3).

وأخرج محبُّ الدين الطبري والحافظ ابن عساكر والقندوزي الحنفي عنه أيضاً، قال: «لما أراد النبيُّ صلى الله عليه وآله أن يوجّه فاطمة إلى على أخذتها رعدة، فقال: بنيّة لا تجزعي إنّي لم أزوِّجُكِ من على إنَّ الله أمرني أن أزوجك منه (4).


1) المناقب، الموفق الخوارزمي : ص 337 .

2) مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص 204 .

3) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 11، ص 38 .

4) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساکر : ج 42 ، ص 128 ؛ ذخائر العقبى محب الدين الطبري: ص 31؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي : ج 2، ص 124 .

3-حديث جابر بن عبد الله الأنصاري

أخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق والفقيه ابنُ المغازلي الشافعي عن جابرِ بنِ عبدِ الله - مع اختلافِ يسير في اللفظ - قال : ... قال النبي صلى الله عليه وآله - في حديث طويل يأتي بتمامه - يا أم أيمن فو الذي بعثني بالكرامة واستخصني بالرّسالة ما أنا زوجته ولكنَّ اللهَ ،زوجه ما رضيتُ حتى رَضِيَ عليٌّ، وما رَضِيَتْ فاطمة حتى رَضِيَ اللهُ ربُّ العالمين(1)، وأخرجاه عنه من طريق آخر، قال: «لما زوَّجَ رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة من عليّ أتاه الناس من قريش، فقالوا: إنَّك زوّجت علياً بمهر خسيس، فقال: ما أنا زوَّجتُ علياً ولكنَّ اللهَ زَوَّجَه (2).

4-حديث الهلالي عن أبيه

أخرج الطبراني والهيثمي والحافظ ابن عساكر ومحبّ الدين الطبري، والقندوزي، عن علي بن الهلالي عن أبيه قال - واللفظ لابن عساكر : دخلت على رسول الله في شكاته التي قُبض فيها، فإذا فاطمة عند رأسه، قال: فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله طرفه إليها، فقال: حبيبتي !فاطمة ما


1) تاريخ مدينة دمشق ابن عساکر : ج 42 ، ص 126 - 127؛ المناقب ابن المغازلي الشافعي: ص 184 .

2) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر : ج 42 ، ص 127 ؛ المناقب، ابن المغازلي الشافعي: ص 342.

الذي يبكيك؟ قالت : أخشى الضيعة من بعدك، فقال: أما علمت أنَّ الله أطَّلع على الأرض اطلاعةً فاختار منها أباك يبعثه وبعثه] برسالته، ثم اطلع اطلاعةً فاختار منها بعلك وأوحى إليَّ أنْ أنكحكِ إيَّاه، يا فاطمة، نحن أهلُ بيتٍ قد أعطانا الله سبعَ

خصال لم يُعط أحدٌ قبلنا ولا يُعطى أحدٌ بعدنا، أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على الله وأحبُّ المخلوقين إلى الله وأنا أبوك، ووصيي خير الأوصياء وأحبُّهم إلى الله وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وأحبُّهم إلى الله وهو حمزة بن عبد المطلب وهو عم

أبيك وعم بعلك، ومنا من له جناحان أخضر ان يطير في الجنَّةِ مع الملائكة حيث شاء وهو ابن عمّ أبيك وأخو ،بعلك، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك؛ الحسن الحسين وهما سيدا شباب أهلِ الجنَّةِ وأبوهما . والذي بعثني بالحق .خيرٌ منها...)(1).

5-حديث أبي أيوب الأنصاري

أخرجه ابن شاهين وابن عساكر والفقيه ابن المغازلي الشافعي عن أبي أيوب قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعليّ : أمرتُ بتزويجك من السَّماء، وقتلت المشركين يوم بدر، وتقتل من بعدي على سنتي، وتبرئ ذمتي).(2)


1) المعجم الأوسط، الطبراني : ج 6 ، ص 327؛ مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص 165؛تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر : ج 42 ، ص 130؛ محب الدين الطبري، ذخائر العقبي : ص 103 ؛ ينابيع المودة لذوي القربي، القندوزي : ج 2، 209؛ وأخرجه ابن الأثير مختصراً في أسد الغابة : ج 4، ص 42 .

2) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساکر : ج 42 ، ص 131؛ فضائل فاطمة ابن شاهين : ص 48 ، المناقب، ابن المغازلي: ص 100 .

6-حديث عمر بن الخطاب

أخرجه الطبري والبكري عن عمر ، وقد ذكر عنده على فقال: «ذلك صهرُ رسولِ الله صلى الله عليه وآله نزل جبريلُ، فقال: يا محمد! إِنَّ اللهَ يأمرُكَ أَنْ تزوّجَ فاطمة ابنتك من علي).(1)

تلخيص وتذييل

إنَّ تزويج الزهراء البتول عليها السلام بأمر إلهي ووحي سماوي ظاهر للعيان، ثابت بالدليل والبرهان، وقد اتفقت على صحته كلمةُ الشيعة، تبعاً لتصريح صاحبِ الشريعة صلى الله عليه وآله، وأصبحَ عندهم من المسلّمات التاريخية، وتابعهم على ذلك جمع غفير من علماء المذاهب السنية، استناداً إلى ما أكدته النصوص الصريحة، ونطقت به الأحاديثُ الصحيحة، وبذلك صرَّح جماعةٌ منهم، قال الدميري: والصحيح أن تزويج أنَّ تزويج فاطمةَ من عليّ كان بأمر من الله ووحي منه إليه» (2).


1) ذخائر العقبى محب الدين الطبري : ص 31؛ من حياة الخليفة عمر بن الخطاب البكري : ص 518.

2) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي عليه السلام ابن الدمشقي: ج 1 ، ص 150 .

خامسا:مهر الزهراء وصداقها

كلمةُ الصداق مشتقّةٌ من مادة صدق وبه يسمَّى ما يُعطى للزوجة من المهر؛ لدلالته على صدق العلاقة للرّجل مع المرأة، وقد أكَّد الإسلام على اشتراطه في الزواج، كما أكد على ضرورة عدم المغالاة بالمهور، حرصاً منه على إتاحة فرص الزواج وتذليل العقبات أمامه، ولا يتمُّ ذلك إلا إذا كانتْ وسيلته مذللةً، وطريقتُهُ ميسرةً، حتى يقدر عليه الفقراء الذين يجهدهم بذلُ المالِ الكثير، وهم الأكثرية في الغالب. فكره الإسلام المبالغة في المهور والمغالاة بها، وشجع على التقليل منها،

وجعلها من أسباب البركة في الزواج واليمن في المرأةِ.

مهرها من علي عليه السلام

جسَّد النبيُّ صلى الله عليه وآله ما كان يدعو إليه من عدم المبالغة في المهور بصورةٍ عمليّة، فلما جاءه على عليه السلام خاطباً، دخل على ابنته الزهراء عليها السلام، فقال: «إنَّ ابنَ عمّك قد خطبك ... والذي بعثني بالحق ما تكلمت في هذا حتّى أذن الله فيه من السماء،فقالت فاطمة رضيتُ بما رضي الله لي ورسوله فخرج من عندها(1)،فرجع إلى عليّ عليه السلام وقال: «هل عندك من شيء تستحلُّها به؟


1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساکر : ج 42 ، ص 125 .

قلت: لا والله يا رسول الله، فقال: ما فعلت الدرع التي سلّحتكها، فقلت: عندي، والذي نفس علي بيده إنَّها مُطَمِيَّة ما ثمنها أربعمائة درهم، قال: قد زوجتكها، فابعث بها(1). ولما اجتمع المهاجرون والأنصار عنده . وكان قد أرسل أنس بن مالك يدعوهم ليحضروا خطبة علي عليه السلام - خطبهم بما أوردناه سابقاً، ثم قال: «أشهدكم إنّي زوجتُ فاطمة من علي [ صلى الله عليه وآله] على أربعمائة مثقال فضة، إنْ رضيَ بذلك على»، ثم قال: يا علي إنَّ الله أمرني أن أزوجك فاطمة، وقد زوجتكها على أربعمائة مثقال فضة، أرضيت ؟ فقال : قد رضيتُ يا رسول الله [ صلى الله عليه وآله]، ثم قام على فخر الله ساجداً شكراً (2).

قال ابنُ عبد البر في الاستيعاب : واختلف في مهره إياها، فروي أنَّه أمهرها درعه وانه لم يكن له في ذلك الوقت صفراء ولا بيضاء، وقيل: إنَّ علياً تزوَّج فاطمة رضي الله عنها على أربعمائة وثمانين فأمر النبيُّ صلى الله عليه وآله أنْ يُجعل ثلثها في الطيب.(3)


1) سيرة ابن إسحاق، محمد بن إسحاق : ج 5 ، ص 230 ؛ السنن الكبرى البيهقي : ج 7، ص 234 ، المناقب، الموفق الخوارزمي : ص 335؛ البداية والنهاية ابن كثير : ج 3، ص 418 ؛ تاريخ الإسلام الذهبي : ج 2، ص 141؛ أسد الغابة ابن الأثير : ج 5 ، ص 520 ، 521؛ الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي: ص 94؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 13 ، ص 682 ؛ ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري : ص 27.

2) المناقب، الموفق الخوارزمي: ص 336 - 337.

3) الاستيعاب ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1894 .

وفي فضائل فاطمة عليها السلام لابن شاهين عن علي عليه السلام قال: «ما تزوَّجتُ فاطمةَ رضي الله عنها قلت: يا رسول الله، ما أبيع: فرسي أو درعي؟ قال: و بع درعك، فباعها باثنتي عشرة أوقية(1)، فكان ذلك مهر فاطمة عليها السلام)(2)،

والأوقية الشرعية تعدل أربعين درهماً، فيكون مهرها أربعمائة وثمانين درهماً، وهذا قريب جداً مما روي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ، حيث صرحوا بأن صداقها كان خمسمائة درهم أي اثنتي عشرة أوقية ونصف، ويؤيده ما رواه المقدسي في

الأحاديث المختارة، قال: «فباع علي درعاً له وباع من متاعه(3)، فتكون قيمة الدرع أربعمائة وثمانين در هماً كما صرحت به الروايات، وعشرون درهماً قيمة المتاع.

صداقها ومهرها من الله تعالى

لم تُصدق من النساء صداقين إلا الزهراء عليها السلام، فقد أصدقها بعلها أمير المؤمنين عليه السلام صداق السنّة وهو خمسمائة درهم، وقد مر ذكره، وقد


1) الأوقية بضم الهمزة وتشديد الياء وجمعها أواقي بتشديد الياء وتخفيفها وأواق بحذفها، والأوقية الشرعية تعادل أربعين درهماً. انظر : سنن أبي داود ابن الأشعث السجستاني: ج 1، ص 367؛ السنن الكبرى، البيهقي: ج 4 ، ص 134 ؛ الأحكام الإمام يحيى بن الحسين : ج 2، ص 75؛ المجموع، محيى الدين النووي: ج 6 ، ص 15 ؛ المغني، عبد الله بن قدامه : ج 2، ص 524 ؛ المحلى ابن حزم: ج 6، ص 153؛ نيل الأوطار، 6، ج6،الشوكاني: ج 4 ، ص199؛ شرح مسلم، النووي: ج 7، ص 51 ؛ فتح الباري، ابن حجر : ج 3، ص 246 .

2) فضائل فاطمة عليها السلام، عمر بن شاهين : ص 43 .

3) الأحاديث المختارة، المقدسي : ج 2، ص 307 .

أتحفها الله تعالى بصداق الكرامة؛ ليكون ذلك مناراً لعظمتها وشعاراً لفضلها وعلامة لتكريمها، ودلالةً على قدسيتها، وقد روى ذلك جماعة من علماء أهل السنة وجهابذتهم، وإليك ما بعض رووه في ذلك:

(أ) صداقها الأرض

روى القندوزي الحنفي في ينابيع المودة عن ابن عباس رفعه: «يا على، إنَّ الله تبارك وتعالى زوجك فاطمة، وجعل صداقها الأرضَ ، فمن مشى عليها مبغضاً لك مشى حَراماً ) (1).

(ب) صداقها الجنة

روى الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق عن مسروق قال: لما قَدِمَ عبد الله بن مسعود الكوفة قلنا له: حدثنا حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر الجنة، ثم قال: سأحدثكم حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله... سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في غزوة تبوك ونحن نسير معه، فقال: إِنَّ اللهَ لا أمرني أنْ أزوج فاطمةَ من علي ففعلت ثم قال لي جبريل : إِنَّ الله بنى جَنَّةٌ من لؤلؤ وقَصَبَ بين كلّ قصبة إلى قصبة لؤلؤة من ياقوت مشددة بالذهب، وجعل سقوفها


1) ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي : ج 2، ص 335 ، ح 975 .

زبر جداً أخضراً، وجعل فيها طاقات من لؤلؤ مكللة بالياقوت، ثم جعل عليها غُرفاً من فضة، ولبنةً من ذهب ولبنة من ياقوت ولبنة من زبرجد، ثم جعل فيها عيوناً تنبع من نواحيها وحفَّتْ بالأنهار، وجعل على الأنهار قباباً من در قد شعبت بالسلاسل من الذهب وحفت بأنواع الشجر، وجعل في كل بيت مفرش، وجعل في كلّ قبَّةٍ أريكةً من درَّةٍ بيضاء غشاؤها السندس والإستبرق، وفَرَشَ أرضَها بالزعفران، وفتق المسك والعنبر، وجعل في كل قبة حوراء، والقبة لها مائة بابٍ، على کل بابِ جاريتان وشجرتان، في كلّ قبة مفرش مكتوب حول القباب آية الكرسي، فقلت لجبريل : مَنْ بنى الله هذه الجنَّةَ ؟ فقال : هذه جَنَّةٌ بناها الله لعلي وفاطمة، تُحفة أتحفها الله تبارك وتعالى وأقر عينك يا رسول الله صلى الله عليه وآله»(1).

(ج) صداقها الشفاعة

قال أحمد بن يوسف القرماني الدمشقي في أخبار الدول: «قد ورد في الخبر أنّها لما سمعت بأنَّ أباها زوجها، وجعل الدراهم مهراً لها، فقالت: يا رسول الله، إنَّ بنات الناس يتزوجنَ بالدراهم، فما الفرق بيني وبينهن أسألك تردّها وتدعو الله تعالى أن يجعل مهري الشّفاعة في عصاة أمتك، فنزل جبريل عليه السلام ومعه بطاقة من حرير


1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساکر : ج 42 ، ص 129 .

مكتوب فيها : جعل الله مهر فاطمة الزهراء شفاعة المذنبين من أمة أبيها، فلما احتضرت أوصتْ بأنْ توضعَ تلك البطاقة على صدرها تحت الكفن فوُضِعَت، وقالت: إذا حُشِرْتُ يوم القيامة رفعت تلك البطاقة بيدي وشفعتُ في عصاة أمة أبي(1).

وفي نزهة المجالس: «قال النسفي : سألت فاطمة رضي الله عنها النبيَّ صلى الله عليه وآله أنْ يكون صداقها شفاعةً لأمته يوم القيامة، فإذا صارت على الصراط طلبت صداقها )(2).

سادسا: نثار الزهراء عليها السلام

النّثار بكسر النون المشددة، اسم مصدر من نثرت الشيء إذا رميت به متفرقا ويُطلقُ النثارُ على كل ما تطاير من الشيء، وأشهر مصاديقه ما ينثر على الحاضرين أو على خصوص العريسين في حفلات الأفراح والأعراس من النقود أو الحلوى ونحوه.

(أ) نثار شجرة طوبى

اعتاد نسوة الأنصار في المدينة أن يُنثر عليهنَّ شيء من اللوز أو الجوز ونحوه


1) أخبار الدول وآثار الأول، أحمد بن يوسف القرماني الدمشقي: ص 88 .

2) نزهة المجالس، عبد الرحمن الصفوري الشافعي: ج 2، ص 225 .

عند الزواج، خلافاً لسيدة النساء عليها السلام، فإنّها لم يُنثر عليها شيء من ذلك، فتألت أم أيمن من غير اعتراض، وتحسّرت من غير شكوى، وقصدت النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته عما يدور في خلدها ويجول في خاطرها، فطمئنها النبيُّ صلى الله عليه وآله بأنَّ الله تعالى قد أمر ملائكته فأقاموا لسيدة نساء العالمين محفلاً ونثاراً في حضيرة ،القدس، وقصَّ لها ما أخبره به جبرئيل من الشرف العظيم والعزّ الذي لا يُضاهي، والفخر الذي لا يُجارى روى الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلت أم أيمن على النبي صلى الله عليه وآله وهي

تبكي، فقال لها : ما يُبكيك لا أبكى الله عينيك؟ .

قالت: بكيت يا رسول الله لأني دخلتُ منزل رجل من الأنصار قد زوج ابنته رجلاً من الأنصار فنثر على رأسها اللوز والشكر فذكرتُ تزويجك فاطمة من عليّ بن أبي طالب ولم ينثر عليها شيء.

فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله لا تبكي يا أم أيمن، فو الذي بعثني بالكرامة واستخصني بالرسالة... إنَّ الله لما أن زوج فاطمة من علي أمر الملائكة المقربين أنْ يحدقوا بالعرش فيهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، وأمرَ الجنانَ أنْ تُزَخْرَفَ فَتَزخرفت، وأمرَ الحور العين أنْ يتزين فتزين، وكان الخاطب الله، وكان الملائكةُ

الشهود، ثم أمر شجرة طوبي أن تنثر، فنثرت عليهم اللؤلؤ الرطب مع الدُّرِ الأبيض مع الياقوتِ الأحمر مع الزَّبَرْجَدِ الأخضر، فابتدر حور العين من الجنان يرفلن في الحلى والحلل يلتقطنَه ويَقُلْنَ هذا مِن نثارِ فاطمةَ بنت محمد فهُنَّ يتهادينه بينَهُن إلى يوم القيامة(1)، و «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»(2)".

وروى ابن حجر في الإصابة، وابن مردويه الأصفهاني بإسناده عن سنان بن شفعلة الأوسي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «حدثني جبريل، أنَّ الله تعالى لما زوَّج فاطمة علياً أمر رضوان فأمر شجرة طوبى، فحملت رقاقاً بعددِ محبّي آلِ بیتِ محمد صلى الله عليه وآله).(3)

وروى ابن مردويه الأصفهاني أيضاً عنه عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (حدثني جبرئيل، انَّ الله تعالى لما زوّج فاطمة علياً صلى الله عليه وآله أمرَ رضوان فأمر شجرة طوبى، فحملت رقاعاً لمحبّي أهل بيتِ محمد، ثم أمطرها ملائكةً من نور بعددِ تلك الرقاع، فأخذ تلك الملائكة الرقاع، فإذا كان يوم القيامة واستوت


1) تاريخ مدينة دمشق ابن عساكر : ج 42 ، ص 126 - 127.

2) سورة الحديد: 21.

3) انظر المناقب، أبو بكر ابن مردويه الأصفهاني : ص 194؛ الإصابة، ابن حجر : ج 3، ص 157؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2، ص 66.

بأهلها أهبط الله الملائكة بتلك الرقاع، فإذا لقي ملك محبّي آلِ بيتِ محمد دفع إليه رقعة براءة من النار.(1)

وفي ينابيع المودة عن بلال بن حمام قال: طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم متبسماً ضاحكاً، وجهه كدائرة القمر ليلة البدر، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسولَ الله ما هذا النورُ الذي رأينا في وجهك المكرَّم؟ قال: بشارة أتتني من ربّي في أخي وابن عمي وفي ابنتي بأنَّ الله تبارك وتعالى زوج علياً بفاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان بهز شجرة طوبى، فهزها، فحملت رقاقاً . يعني صكاكاً . بعددِ محبّي أهل البيت وأن شاء الله تحتها ملائكة خلقها من النور،

وأصاب لكل ملك صكّاً، فإذا قامت القيامة نادتْ الملائكة في الخلائق، فلا يبقى محب لأهل بيتي إلا دفعت إليه الملائكة صكاً فيه فكاكه من النار، فصار ابنُ عمّي وابنتي سبب فكاكِ رقابِ الرجال والنساء من أمتي من النار.(2)

(ب) نثار سدرة المنتهى:

روى الحافظ ابن عساكر والفقيه ابنُ المغازلي الشافعي عن جابر بن عبد الله


1) المناقب، أبو بكر ابن مردويه الأصفهاني : ص 194؛ أسد الغابة، ابن الأثير : ج 2، ص358.

2) ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2 ، ص 66 - 67.

قال - واللفظ لابن عساكر - : لما زوَّج رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة من عليّ أتاه الناسُ من قريش، فقالوا: إنَّك زوجت علياً بمهر خسيس، فقال: ما أنا زوجتُ علياً ولكنَّ الله َزوَّجَه ليلة أسري بي عند سدرة المنتهى، أوحى الله إلى السدرة أنْ انثري ما عليكِ فنثرت الدرّ والجوهر والمرجان، فابتدر الحور العين فالتقطنَ فهُنَّ يتهادينَهُ ويتفاخَرْنَ ويَقُلْنَ هذا من نثارِ فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله .(1)وسيأتي الحديث بتمامه.

(ج) نثار أشجار الجنة:

روى الحافظ ابن جميع الصيداوي، وابن عساكر - واللفظ له - عن علقمة عبد الله قال : لما أراد النبيُّ صلى الله عليه وآله أن يوجّه فاطمة إلى عليّ أخذتها رِعْدَةٌ، فقال: بنيَّة لا تجزعي، إني لم أزوجك من على إنَّ اللهَ أمرني أن أزوجك منه، إن الله لما أمرني أنْ أزوجك مِن عليّ أمر الملائكة أنْ يصطفوا صفوفاً في الجنّة ثم أمرَ شجرَ الجنان أن تحمل الحلى والحلل ، ثم أمر جبريل فنصبَ في الجنّة منبراً ثم صعد جبريل فخطبَ، فلمَّا أَنْ فَرِغَ نثرَ عليهم من ذلك، فَمَن أخذَ أحسنَ أو أكثر من صاحبه افتخر به إلى يوم القيامة، يكفيك هذا يا بنيَّة.(2)


1) تاريخ مدينة دمشق ابن عساكر : ج 42 ، ص 127 ، المناقب، ابن المغازلي: ص 344 - 345.

2) معجم الشيوخ ابن جميع الصيداوي: ج 1، ص193؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساکر : ج 42 ، ص 128.

سابعا:زفاف الزهراء عليها السلام

لقد باركت السماء زواج الزهراء عليها السلام قبل مباركة أهل الأرض، واحتفت به الملائكة قبل احتفاء أهل المدينة، وزُيّنت له الجنانُ قبل أنْ تُزيَّنَ الزهراء لزوجها صلى الله عليه وآله، كل ذلك إرشاد لعظمتها، وتدليل على كرامة عنصرها، وعزّةِ جانبها، وسموّ ،نفسها، وكرامة جنابها، وكفاها برهاناً على قدسيتها حضور الملائكة حفل زفافها.

1 - الملائكة في موكب الزفاف

إِنَّ أحد محطات العظمة في حياة الزهراء عليها السلام حضور الملائكة ومرافقتهم موكب زفافها، فإنَّه وإن كان ذلك عظيماً، إلا أنه ليس بأعظم من حضور سيّد عالم الإمكان صلى الله عليه وآله غير أن اجتماعهم معاً في موكب زفافها يجعل المحفل في قمَّة العظمة ، ولم ترَ البشرية موكباً حُفَّ بالعظمة مثله.

أخرج الحافظ ابن مردويه الأصفهاني والخوارزمي والقندوزي عن ابن عباس قال: « لما أن كانت الليلةُ التي زُفّت فيها فاطمة إلى عليّ بن أبي طالب صلى الله عليه وآله ، كان النبيُّ صلى الله عليه وآله أمامها، وجبرئيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف مَلَكِ من ورائها، يسبحون الله ويقدسونه حتى طلع الفجر».(1)


1) المناقب، ابن مردويه الأصفهاني : ص 199 ؛ المناقب، الموفق الخوارزمي: ص 342؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2، ص 129.

وروى الحافظ ابن عساكر والفقيه ابنُ المغازلي الشافعي عن جابر بن عبد الله قال - واللفظ لابن عساكر : ... لا كانت ليلةُ الزَّفاف أتى النبيُّ صلى الله عليه وآله ببغلتِهِ الشَّهباء وثنى عليها قطيفةً، وقال لفاطمة اركبي، وأمرَ سلمانَ أنْ يقودها، النبيُّ صلى الله عليه وآله يسوقها، فبينا هو في بعض الطريق إذ سَمِعَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وَجْبَةً، فإذا بجبريل في سبعين ألفاً وميكائيل في سبعين ألفاً، فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله: ما أهبطكم إلى الأرض؟ قالوا: جئنا نزفُ فاطمةَ إلى زوجها عليّ بن أبي طالب، فكبّر جبريل وكبر ميكائيل، وكبرت الملائكة، وكبر محمد صلى الله عليه وآله، فوقع التكبير على العرائس من تلك الليلة(1)، وأصبح سنة مشروعةً.

وكان النبيُّ صلى الله عليه وآله قد أمر أزواجه وبنات عبد المطلب أن يرافقنَ فاطمة، ويفرحنَ ويرجزنَ ويكبّرنَ ، ولا يقلن إلا ما يرضي الله تعالى، فخرجن في موكب زفافها، فأنشأت أم سلمة ترتجز وتقول:

سرن بعون الله جاراتي*** وأشكرنه في كل حالاتِ

واذكرنّ ما أنعم ربُّ العُلى*** من كشف مكروه وآفاتِ

فقد هدانا بعد كفر***وقد أنعشنا ربُّ السماواتِ


1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر : ج 42 ، ص 127 ، المناقب، ابن المغازلي: ص344 - 345.

وسرنَ مع خير نساء الورى*** تفدى بعمات وخالات

يا بنت من فضَّله ذو العُلى*** بالوحي منه والرسالات

ثم قالت حفصة بنت عمر:

فاطمةٌ خير نساء البشر*** ومَن لها وجةٌ كوجهِ القَمَر

فضَّلك الله على كلّ الورى ***بفضلِ مَن خُصَّ بآي الزُّمَر

زوجكِ الله فتى فاضلاً*** أعني علياً خيرَ مَن في الحضر

فسرن جاراتي بها فإنَّها*** كريمة عند عظيمِ الخَطَر

يابنت من فضله ذو العُلى*** بالوحي منه والرسالات

ثم قالت معاذة، واسمها كبشة بنت رافع، وهي أم سعد بن معاذ الأنصاري الأوسى:

أقولُ قولاً فيه ما فيه*** وأذكر الخير وأبديه

محمد خير بني آدم ***مافيه من كبر ولا تيه

بفضله عرفنا رشدنا***فالله بالخير يجازيه

ونحن مع بنتِ نبي الهدى*** ذو شرفِ قد مكنت فيه

في ذروة شامخة أصلها*** فما أرى شيئاً يدانيه(1)


1) أهل البيت عليهم السلام ، توفيق أبو علم: ص148 - 149.

2- دعاء النبي صلى الله عليه وآله لهما

انتهى موكبُ الزّفاف إلى بيت في منتهى التواضع يختلف تماماً عن بيوت بنات الملوك وقصور بنات الرؤساء، وأدخِلَتْ الزهراء عليها السلام على زوجها، ليكون وفودها بمثابة إطلالة نورانية، وإشراقة قدسية مباركة. فتشكلت النواة الأولى لبيت جمعَ الصدق بالأمانة، والحنان بالقداسة، والنقاء بالطهارة، والجود بالسماحة، والصبر بالقناعة، والحياء بالعصمة، والعلم بالحكمة، والورع بالعفة، والنسك بالمروءة، والزهد بالقناعة، واليقين بالاستقامة، حتى صار مثلاً أعلى في الاندماج الروحي والانصهار العاطفي والوئام النفسي، وقد أنتج ذلك نواةً ما عرفت الدنيا أقدسَ ولا أشرفَ منها ، وكيف لا تكون كذلك، وقد تعطرت أرجاؤه بإطلالة الزهراء عليها السلام وكان النبيُّ صلى الله عليه وآله أمامها ، وجبرئيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها وسبعون ألف مَلَكِ من ورائها، يسبحون الله ويقدسونه حتى طلع الفجر(1)

ومع ذلك كلّه فقد بارك النبيُّ صلى الله عليه وآله هذه البداية بدعاءه المبارك، فحينما أوصل الزهراء إلى بيتِ عليّ صلى الله عليه وآله قال لها - كما روى الطبراني


1) المناقب ابن مردويه الأصفهاني : ص 199؛ المناقب، الموفق الخوارزمي: ص 342؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2، ص129.

والهيثمي - : ائتيني بماء، فقامت إلى قعب في البيت فجعلت فيه ماءً فأتته به، فَمَجَّ فيه، ثم قال لها: قومي فَنَضَح بين ثدييها وعلى رأسها ، ثم قال: اللهم أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، ثم قال لها : أدبري فأدبرت فنضح بين كتفيها، ثم قال: اللهم إنّي أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ثم قال: ائتيني بماء، فعملت الذي يريده، فملأت القعب ماءً فأتيته به، فأخذ منه بفيه ثم مجه فيه ثم صبّ على رأس علي وبين يديه، ثم قال: اللهم إنّي أعيذه وذريته من الشيطان الرجيم، ثم قال : أدخل على

أهلك بسم الله والبركة.(1)

3-وليمة العرس ودعاء آخر

لم تكن وليمة العرس مسنونةٌ قبل زواج عليّ والزهراء صلى الله عليه وآله، ولكنّها أصحبت فيما بعد من سنن الإسلام المؤكَّدة، فقد روي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله دعا بلالاً فقال : يا بلال! إنّي قد زوَّجتُ ابنتي ابنَ عمّي، وأنا أحبُّ أَنْ يكون من سنَّةِ أمتي الطعام عند النكاح، فائت الغنم فخُذْ شاةً وأربعة أمداد، واجعل لي قصعةً أجمعُ عليها المهاجرين والأنصار، فإذا فرغت فأذنّي، فانطلق ففعل ما أمره و به، ثم أتاه بقصعة فوضعها بين يديه، فطعن رسول الله صلى الله عليه وآله في رأسها،


1) المعجم الكبير، الطبراني: ج 22 ، ص 410 ، مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص 205 -- 206؛ إتحاف السائل المناوي : ص 35 .

وقال: أدخل الناسَ عليَّ زُفَةً زُفَةً(1)، ولا تغادرن زُفةً إلى غيرها - يعنى إِذا فَرِغَت زُفةٌ فلا يعودون ثانيةً - فجعل الناسُ يَرِدُون كلَّما فَرِغَت زُفَةٌ وَرَدَتْ أخرى، حتى فَرِغَ الناسُ، ثم عمد النبيُّ صلى الله عليه وآله إلى ما فضل منها، فتفل فيه وبارك، وقال: يا بلال، احملها إلى أمَّهاتِك، وقل لهنَّ : كُلن وأطعمن من غشيكنَّ، ثم قام النبي صلى الله عليه وآله حتى دخل على النساء، فقال: إنّي زوَّجت بنتي ابن عمّي وقد علمتُنَّ منزلتها منّي، وأنا دافعها إليه فدونكن، فقمن النساء فغلفنها من طيبهنَّ، وألبسنها من ثيابهنَّ، وحلّينها من حليهن، ثم إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله دخل فلما رأينه النساء ذهبنَ ،وبين النبي صلى الله عليه وآله ستر و تخلفت أسماء، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله: على رسلك من أنت؟ قالت أنا التي أحرس ابنتك، إنَّ الفتاة ليلة بنائها لابدَّ لها من امرأة قريبة منها، إن عرضت لها حاجة، أو أرادت أمراً أفضت بذلك إليها، قال: فإنّي أسأل إلهي أن يحرسك من بين يديك ومن يمينك وعن شمالك من الشيطان الرجيم... فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله يا أسماء ! ائتيني بالمخضب فاملئيه ماءً، فأتته أسماء بالمخضب ، فملأته ماءً فمج النبيُّ صلى الله عليه وآله وغسل فيه قدميه ووجهه، ثم دعا فاطمة فأخذ كفَّاً من ماءٍ فضرب به على


1) الزفة الطائفة والزمرة والجماعة، سميت بذلك لزفيفها في مشيها وإقبالها بسرعة. (انظر: النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير : ج 2، ص 305).

رأسها وكفَّاً بين ثدييها ثم رشَّ جلده وجلدها، ثم التزمها، فقال: اللهم إنّها منّي وأنا منها، اللهم فكما أذهبتَ عني الرّجسَ وطهَّرتني فطهرها، ثم دعا بمخضب آخر، ثم دعا علياً فصنع به مثل ما صنع بها، ثم دعا له كما دعا لها، ثم قال: قوما إلى بيتكما جمع الله بينكما وبارك في سير كما وأصلح بالكما، ثم قام.

قال ابن عباس وأخبرتنى أسماء أنَّها رمقت رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يزَل يدعو لهما خاصَّةً لا يُشركهما في دعائه أحداً حتى توارى في حجرته».(1)

وفي المصادر الشيعية أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله قال لعلي من عندنا اللحم والخبز، وعليك التمر والسمن، وما ذكرناه وإن كان مفصلاً إلا أنَّه خالٍ من الإشارة إلى بعض تفاصيل الحادثة، وقال المناوي في الجمع بين أحاديث الوليمة، بأنَّ الوليمة تعددت، فما أشارت إليه رواية أسماء هو ما قام به علي عليه السلام وهو غير ما جاء به الأنصار.(2)


1) المصنف عبد الرزاق الصنعاني: ج 5 ، ص 488 - 489 ؛ المعجم الكبير ، الطبراني : ج 22، ص 411 - 412 ، وج 24، ص 133 - 135؛ الأحاديث الطوال، الطبراني: ص 140 - 141؛ مجمع الزوائد، الهيثمي: ج 9، ص 207 - 208 ؛ المناقب، الموفق الخوارزمي : ص 337 - ص 340.

2) إتحاف السائل المناوي : ص 40. بقي شيء ينبغي التنبيه عليه، وهو أنَّ أغلب الروايات التي تعرضت لذكر زواج علي والزهراء ذكرت حضور أسماء بنت عميس الخثعمية زوجة جعفر عليه السلام ، وهذا لا ينسجم مع القول المتفق عليه من أنها كانت من ضمن المهاجرين للحبشة، وقد أجاب المجلسي بأنَّ التي حضرت في عرسهما هي أسماء بنت يزيد ابن السكن الأنصاري، بينما ذهب القزويني إلى أنها أسماء الخثعمية لا غيرها، ولعل سفرها إلى الحبشة تكرر ، بينما رجح الإربلي في كشف الغمة أن التي حضرت زفاف الزهراء عليها السلام هي سلمى بنت عميس أخت أسماء، وهي زوجة حمزة بن عبد المطلب، وحصول الخلط ناشي من كون أسماء أشهر منها ، وهذا هو الذي رجحه الرحماني.

وعلى كل حال فلم ير المسلمون عرساً أحسن من عرس علي والزهراء صلى الله عليه وآله ولا مائدة أو وليمة هي أعظم بركة من وليمة عرسهما، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: حضرنا عرس عليّ رضي الله عنه وفاطمة رضي الله عنها فما رأينا عرساً كان أحسن منه.(1)

ولما تمت مراسيم الوليمة، وانصرف الناس، «دعا النبيُّ صلى الله عليه وآله بابنته فاطمة ودعا بعلي صلى الله عليه وآله فأخذ علياً بيمينه وأخذ فاطمة بشماله فجمعهما إلى صدره فقبَّل بين أعينهما ودفع فاطمة إلى عليّ صلى الله عليه وآله، وقال: يا علي ! نعم الزوجة زوجتك، ثم أقبل على فاطمة فقال لها : يا فاطمة! نعم البعل بعلك، ثم قام معهما يمشي بينهما حتى أدخلهما بيتهما الذي هيأ لهما، ثم خرج من عندهما فأخذ بعضادتي الباب، وقال: طهَّر كما الله وطهَّر نسلكها، أنا سلم لمن سالمكما وحرب لمن حاربكما استودعكم الله واستخلفه عليكما.(2)


1) مجمع الزوائد الهيثمي : ج 9، ص 209 ؛ إتحاف السائل المناوي : ص 41.

2) المناقب، الخوارزمي : ص 325.

4 - أثاث بيت الزهراء عليها السلام

ذكرنا فيما سبق أن علياً عليه السلام أصدق فاطمة عليها السلام درعه الحُطَميّة، فباعها وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسكب الدراهم في حجره، فقبض النبيُّ صلى الله عليه وآله منها قبضةً وأعطاها بلالاً، وقال: ابتع بها لفاطمة طيباً .

وروي أنَّه صلى الله عليه وآله أعطاها لأم أيمن أو لأسماء، وأعطى قبضةً أخرى لأمّ سلمة لتشتري بعض ما يصلح للمرأة، وقبض قبضتين أعطاهما أبا بكر وقال: ابتع لفاطمة ما يصلحها من الثياب وأثاث البيت وغيرها، وأتبعه بسلمان وعمار بن ياسر وبعدة من أصحابه، قال أبو بكر: وكان الدراهم التي أعطانيها النبيُّ صلى الله عليه وآله في هذه المصلحة ثلاثة وستين درهماً، أو تسعة وستين. فحضروا السوق واشتروا ما أمروا به فكان مما اشتروه قميص بسبعة ،دراهم وخمار بأربعة دراهم، وقطيفة سوداء خيبرية، وسرير مزمل بشريط، وفراشان من خيش مصر، حشو أحدهما ليف، وحشو الآخر جز الغنم، وأربع مرافق من أدم الطائف حشوها إذخر، وستر من ،صوف، وحصير هجري، ورحا لليد، ومخضب من نحاس، وسقاء من أدم، وقعب للبن، وشن للماء، ومطهرة

مزفتة، وجرّة خضراء، وكيزان خزف، ونطع من أدم ، وعباء قطواني.(1)

فحمل أبو بكر بعض المتاع وسائر الأصحاب البعض الآخر، فجاءوا بها إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو في حجرة أم سلمة، فلما وضع الأمتعة عنده، جعل يقلب المتاع بيده، ويقول: بارك الله لأهل البيت فيه، ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهم بارك لقوم جل آنيتهم الخزف.(2)


1) الإِذْخِرُ : حشيش طيب الريح أطول من اللَّيْلِ ينبت على نبتة الكَوْلانِ، واحدتها إِذْخِرَةٌ، وهي شجرة صغيرة، يطحن فيدخل في الطيب، وهي تنبت في الحُرُونِ والسُّهول. والمِخْضَبُ، بالكسر : شبه الإجانة، يُغْسَلُ فيها الشَّيابُ والقَعْبُ : القَدَح الضَّخْمُ، الغليظُ، الجافي؛ وقيل : قَدَح من خَشَبٍ مُقَعَّر؛ وقيل: هو قدح إلى الصِّغَر ، يُشَبَّه به الحافرُ ، وهو يُرْوِي الرجل. والجمع القليل : أَقْعُبٌ . والكيزان جمع كُوزُ، وهو نوع من الآنية ،معروف، والجمع أَكْواز وكيزانٌ وكِوَزَةٌ، مثل عُودٍ وعِيدان وأعوادٍ وعِوَدَةٍ. والمِطْهَرَةُ: الإِناء الذي يُتَوَضَّأُ به ويُتَطَهَّر وبه . الشَّنُ والشَّنَّةُ: الخَلَقُ من كل آنية صُنِعَتْ من جلد، وجمعها شِنَانُ.

2) انظر المناقب الموفق الخوارزمي : ص 348 - 349.

البحث الثاني مكارم أخلاقها

تمهید

أنَّى للقلم أن يبلغ مدى سيدة النساء عليها السلام، أو يصف مكارم الإنسية الحوراء، وهي مجمع الفضائل وملتقى المكارم، قد اعتلت عتبة المجد، وطالت تلعة العزّ، ونالت ذروة الفخر، وامتطت غارب السؤدد . وقد جبلت طينتها على الكمال، فكانت كريمة الخليقة شريفة ،الطبع، غراء المكرمات، زهراء المأثرات، صاغها الله تعالى من معدن كريم، وأنبتها نباتاً حسناً، فجمعت خلال الفتوّة والمروءة، وكيف

لا تكون كذلك، وهي شعلة نورانيةٌ مقتبسة من أبيها المصطفى صلى الله عليه وآله صاحبِ الخُلُقِ العظيم. ينبيك عن ذلك كلّه ما ستقرأه من خصائصها ومكارمها:

أولاً: عبادة الزهراء عليها السلام

اشارة

ضربت الزهراء عليها السلام المثل الأعلى بالعبادة والانقطاع إلى الله تعالى، حتى كانت أعبد أهل زمانها على ما أقرَّ به المخالفون فضلاً عن شيعتها ومحبيها، وقد مرّ علينا في الحديث عن أسمائها : أنّها سمّت البتول لانقطاعها إلى الله تعالى.

ومن مظاهر عبادتِها التي بلغت فيها ذروة الخشوع وقمَّةَ الخضوع، ما رواه الخوارزمي والزمخشري عن الحسن البصري، قال: ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة، كانت تقوم حتى تتورّمَ قدماها (1)، فليس لعبادتها نظير، ولا لطاعتها مثيل، إلا ما روي عن أبيها المصفى صلى الله عليه وآله وبعلها المرتضى عليه السلام.

وروى الديلمي في أحوالها عليها السلام قائلاً: «روي أنَّ فاطمة عليها السلام كانت تنهج في صلاتها من خيفة الله تعالى (2)، ذلك مع ثبوت طهارتها وعصمتها عن الذنب والمعصية.

فقد فازت بقصب السبق في ميدان الطاعة، وضربت المثل الأعلى في المسارعة إلى محراب التهجد، وأضحت مضرب المثل في الخضوع والخشية، وذلك من أبرز محطات العظمة في حياتها عليها السلام، روي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله زارها في صبيحة عرسها، فسلم عليها واستأذنهما بالدخول فدخل، ثم قال لعلي: كيف وجدت أهلك ؟ فقال : نعم العون على طاعة الله تعالى.(3)

وهذا يتفق تماماً مع ما قاله الصادق من أولادها عليهم السلام في وصف


1) ربيع الأبرار الزمخشري : ج 2، ص 104؛ فضل آل البيت عليهم السلام ، المقريزي : ص 25.

2) إرشاد القلوب، الديلمي : ص 105 منشورات الرضي - قم المقدسة.

3) حياة فاطمة عليها السلام، محمود شلبي: ص 128 ، بيروت، دار الجيل.

عبادتها كانت لأمي فاطمة عليها السلام ركعتان تصليها... تقرأ في الأولى الحمد مرةً، وإ«ِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» مائة مرة، وفي الثانية الحمد مرة، ومائة مرة «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، فإذا سلَّمت سبحت التسبيح، وهو سبحانَ ذي العزّ الشامخ المنيفِ، سبحان ذي الجلال الباذخ العظيمِ، سبحان ذي الملكِ الفاخر القديمِ، سبحان من لبس البهجة والجمال، سبحان من تردّى بالنور والوقار، سبحان من يرى أثر النمل في الصفاء، سبحان مَن يَرى وقعَ الطيرِ في الهواء، سبحان من هو هكذا لا هكذا غيره، ولا عجب في ذلك ما دامت الزهراء عليها السلام أعبد أهل زمانها كما يصفها الحسن البصري.

تسبيح الزهراء عليها السلام

يعتبر تسبيح الزهراء عليها السلام من الهبات الإلهية والمنح الربانية للبضعة الزكية عليها السلام، ليكون وسامَ تكريم خُصَّتْ به عوضاً عما تلاقيه من مشقة العمل، ففي مسند أحمد - في خبر طويل أنَّ الزهراء عليها السلام ذهبت إلى أبيها تطلب منه خادماً وقد جاءه سبي كثير، فلما وصلت إليه استحيت منه فكرت إلى بيتها راجعةً تسرع الخطى، لتعود هي وعلي صلى الله عليه وآله بأمره، فاشتكيا ما يلقيان من جهد العمل، فقال لهما : ألا أخبر كما بخير مما سألتماني ؟ قالا: بلى، فقال:

كلمات علمنيهنَّ جبريل عليه السلام(1)، ليدلل فهما على أهمية هذا التسبيح، وأنَّه هدية ربّ العالمين، وتحفة جبريل الأمين، إلى حضرة سيّد المرسلين، وإنَّه مع ذلك خير لهما من الخادم فتطاولا لسماع تلك الكلمات، حتى كأنّ الزمن قد طال، فقال صلى الله عليه وآله لهما: «سبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبّرا أربعاً وثلاثين.(2)

وفي رواية ابن أبي شيبة وابن بشكوال القرطبي والزرندي: قال: «إنَّكما جئتماني لأخدمكما خادماً، وإني سأخبر كما بما هو خير لكما من الخادم: تسبّحانه دبر كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثين وتحمدانه ثلاثاً وثلاثين وتكبرانه أربعاً وثلاثين، وإذا أخذتما مضاجعكما من الليل. فتلك مائة.(3)

أقول: والرواية صريحة في استحباب تسبيح الزهراء عليها السلام بعد كل صلاة، كما هو واضح، وأما استحبابه قبيل النوم وعند المضاجع فالروايات الدالة على استحبابه كثيرة وقد وردت في أمهات مصادر أهل السنة بأسانيده صحيحة،


1) مسند أحمد أحمد بن حنبل : ج 1، ص 106 - 107؛ مجمع الزوائد، الهيثمي: ج 10، ص 100.

2) مسند أحمد أحمد بن حنبل : ج 1 ، ص 106 - 107.

3) المصنف ابن أبي شيبة : ج 7، ص 38؛ غوامض الأسماء المبهمة ابن بشكوال : ج 1 ، ص 254؛ نظم درر السمطين ، الزرندي الحنفي : ص189 - 190.

ففي صحيح البخاري أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال لها: «ألا أخبركِ ما هو خير لك منه تسبّحين الله عند منامك ثلاثاً وثلاثين وتحمدين الله ثلاثا وثلاثين وتكبرين الله أربعاً وثلاثين.(1)

وفي سنن الترمذي وسنن النسائي أنه صلى الله عليه وآله قال لهما معاً: «ألا أدلُّكما على ما هو خير لكما من الخادم؟ إذا أخذتما مضجعكما تقولان ثلاثاً وثلاثين وثلاثاً وثلاثين وأربعاً وثلاثين من تحميد وتسبيح وتكبير.(2)

وفي لفظ الهيثمي : «إذا آويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا أربعاً وثلاثين.(3)

ورووا أن علياً عليه السلام قال: «ما أعلمني تركتها بعد، فقال له ابنُ الكَوَّاء: ولا ليلة صفين، فقال له علي عليه السلام : ولا ليلة الصفين».(4)

ولهذا التسبيح آثار جمة؛ أخروية ودنيوية، أشار إليها بعض من تناول


1) صحيح البخاري، البخاري: ج6 ، ص 193.

2) سنن الترمذي، الترمذي : ج 5 ، ص 142 ؛ وانظر: السنن الكبرى، النسائي: ج 5 ، ص 374.

3) مجمع الزوائد، الهيثمي: ج 10، ص 100.

4) مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 1، ص 107؛ المصنف ابن أبي شيبة : ج 7، ص38؛ غوامض الأسماء المبهمة ابن بشكوال : ج 1 ، ص 254؛ نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي : ص 190.

الحديث، قال القسطلاني: «قال ابن تيميّة فيه : مَن واظب على هذا الذكر عند النوم لم يصبه أعباء؛ لأنَّ فاطمة رضي الله عنها شكت التّعب من العمل، فأحالها صلى الله عليه وآله على ذلك».(1)

ثانيا إيثار الزهراء عليها السلام

اشارة

الإيثار أرقى الخصال الكريمة، وأرفع الصفات الحميدة، وأفضل الخلال الحسنة، وهو أعلى درجات السَّخاء، وأسمى درجات الكرم، كما هو دليل علوّ الهمة والتحرر من قيود الأنا الدّميمة، وهو التجسيد الخارجي للحبّ الصادق والوفاءِ الخالص للقيم والمبادئ، وهو من أحمد خصال الصديقين وأجمل خلال المخلصين وأفضل مراقي المقربين، فلا يتحلى به إلا من بلغ قمَّة السَّخاء، ولا يتجمل به إلا من

تحرر من ربقة الأنانية الضيقة، ولا يتزيَّن به إلا من قطع شوطاً كبيراً في تربية النفس وتزكيتها، وقد عرَّفه العلماء بأنَّه : «تقديمُ الغير على النّفس في حظوظها الدّنيويّة رغبةً في الحظوظ الدّينيّة، وذلك ينشأ عن قوّة اليقين وتوكيد المحبّة، والصبرعلى المشقة».(2)


1) إرشاد الساري، ابن حجر القسطلاني: ج 6 ، ص 117.

2) أحكام القرآن ابن العربي: ج 4 ، ص 220؛ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي : ج 18 ، ص 26 .

وهو من أرقى ما ثمَّنته السماء من فضائل الزهراء عليها السلام، التي قدَّمت أروع نماذجه وصوره في التاريخ البشري، وسطرت بسيرتها ما يعجزُ الزَّمانُ أنْ يأتي بمثله، قال تعالى:«وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً»(1)

نعم فقد ثمَّنت السماء موقفها المثالي الفريد، حينما آثرت المسكين واليتيم والأسير على نفسها وصبيتها، روى ذلك الزمخشري والثعلبي والموفق الخوارزمي والحاكم الحسكاني وابن عبد البر والفخر الرازي والآلوسي وغيرهم، عن ابن عباس، قال: «إنَّ الحسن والحسين ،مرضا، فعادهما رسول الله صلى الله عليه وآله في معه فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرتَ على ولدك، فنذر على وفاطمة وفضة -

ناس جارية لهما - إنْ بَرِءا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض علي من شمعون الميبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً، واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت ،محمد مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا


1) سورة الإنسان : 8-9.

صياماً، فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك، فلما أصبحوا أخذَ علي رضي الله عنه بيدِ الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وآله، فلا أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، قال: ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبريل وقال: خُذْهَا يا محمد! هناك الله في أهل بيتك، فأقرأه السورة.(1)

وأخرجه الثعلبي ، وفيه شعر كثير أعرضنا عن إيراده خوف الإطالة، ومطلعه قولُ عليّ عليه السلام:

فاطم ذات المجد واليقين يا ابنة خير الناس أجمعين

ومن جواب فاطمة عليها السلام

أمرك فرض يا ابن عم وطاعة ما بي من لؤم ولا وضاعة


1) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل الزمخشري: ج 4 ، ص 197 ؛ المناقب، الموفق الخوارزمي: ص 268؛ أسد الغابة ابن الأثير : ج 5 ، ص 531 ؛ شواهد التنزيل الحاكم الحسكاني: ج 2، ص 397؛ مفاتيح الغيب، الرازي: ج 30، ص 244؛ تفسير البيضاوي، البيضاوي: ج 5، ص428؛ تفسير الآلوسي، الآلوسي: ج 29، ص 157.

غذيت من خبز له صناعة أطعمه ولا أبالي الساعة أرجو إذ أشبعت ذا المجاعة أن ألحق الأخيار والجماعة(1)

معطيات الآية ودلالاتها

بعد أن عرفنا أنَّ آية النذر من الآيات النازلة بشأن إيثارِ أهل البيت عليهم السلام ، والواردة في مقام المدح والثناء، كما صرحت بذلك المصادر السنية على ما عرفت، ينبغي لنا أن نتدبر في مدلولاتها، لعلنا نقتبس شيئاً من معطياتها، وهي كثيرة بلا شك، ولكننا نشير إلى بعضها على نحو الإجمال، فنقول: إنَّ من الدلالات الظاهرة لآية النذر:

1-تألق الزهراء عليها السلام في سماء الفضيلة

دلّت الآية المباركة على تألّق سيّدة النساء عليها السلام في دنيا الفضائل، حتى استحقَّتْ المدحَ العظيم في الذكر الحكيم، قال ابنُ طلحة الشافعي: «فكفى بهذه عبادة، وبإطعام هذا الطعام مع شدَّةِ حاجتهم إليه منقبة، ولولا ذلك لما عظمت هذه القصّة شأناً وعلت مكاناً، ولما أنزلَ اللهُ تعالى فيها على رسول الله صلى الله


1) تفسير الثعلبي الثعلبي: ج 10، ص 99 - 102.

عليه وآله قرآناً.(1)

فإنّها قد أحسنت الطاعة الله تعالى، فمدحها بأشرف المدائح وأثنى عليها غاية الثناء، ونعتها بأفضل ما نعت به الرجال والنساء، وعظَّم لها هذه الخلة الجميلة والمأثرة الجليلة تحريضاً لغيرها باقتفاءأثرها، وسلوك منهجها، والتدبّر في مكارم أخلاقها، والتزوّد من معين عطاءها، فجعلها قدوة الأنام ومفخرة الإسلام، وناهيك به من فضل لا يرقى إليه أحد.

قال شهاب الدين الآلوسي: «ومن اللطائف : أنه سبحانه لم يذكر فيها الحور العين، وإنّما صرَّح عزّ وجل بولدان مخلدين رعايةً لحرمة البتول وقرة عين الرسول؛ لئلا تثور غيرتها الطبيعة إذا أحست بضرة وهي في أفواه تخيّلات الطباع البشرية ولو في الجنّة مرة.(2)

2-إخلاص الزهراء عليها السلام

ومن أهم دلالاتِ آية النَّذرِ الإشادة الواضحة بإخلاص أهل البيت عليهم السلام ، وفي طليعتهم الزهراء البتول عليها السلام، قال تعالى: «إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ


1) مطالب السؤول، محمد بن طلحة الشافعي : ص 175.

2) تفسير الآلوسي، الآلوسي : ج 29، ص158.

لِوَجْهِ الله»(1)، فإنَّ رضا الله تعالى منتهى غاية الطالبين، وموضع رغبة المخلصين،

وغاية آمال العارفين فليس إطعامهم لأجل الأهداف الرخيصة، أو الغايات الحقيرة، أو الرغبات الفانية، وليس في سائر عباداتهم غرضُ من أغراض النفس وحظ من حظوظها. وذلك ذروة الإخلاص، وقمة الإيمان، من ظفر بالحظ الأوفر منه فقد فاز يخير الدنيا والآخرة، ولا يرغب - حينئذ - بثناء المخلوقين، ولا يطمع بمكافأة الآدميين، ولا يرجو العوض إلا من عند ربّ العالمين، وهكذا كانت الزهراء عليها السلام، فإنَّها لمكارم أخلاقها وشرف نفسها ونوعية عبادتها وقمّة معرفتها؛ صغرت الدنيا في عينها، فلم تطمح لنيل ما ينظر إليه الرّعاع من المكافأة على العطاء، والثناء على السخاء، وهذا قمَّة الألق الذي صرح به الكتاب العزيز : «لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ».

3-الوفاء للمبادئ

إنَّ الوفاء للمبادئ ترجمةٌ حقيقية لما يحمله أتباع الرسالات من قيم، وتجسيد حي لما يعتقدون به من مثل، وهو يحكي جانباً من الإيمان الخالص بأنَّ ما يُقدَّم لوجه الله تعالى من أعمال البر - ومن جملتها الإيثار - من المنجيات من من المنجيات من أهوال يوم القيامة،


1) سورة الإنسان : 9.

وعليه فإنَّ مَن تيقن حقيقة الآخرة بأحوالها، وتحقَّق شدائد أهوالها، وأنَّ كلَّ نفس عند مردها ومآلها تلزم بتبرير أعمالها، وتجثو بين يدي خالقها لجدالها، وتُجازَى على ما أسلفته من أفعالها، أما بنعيمها وأما بنكالها، خليقٌ أنْ يكون عن ساق جدّه في عبادته مشمراً، وأن يجعل وقته على اكتساب طاعة ربه متوفّراً، فإنَّه لا يقصر في العبادة إلا من فقد اليقين، ولا يبخل بما آتاه الله إلا مَن عُدِمَ اليقين، وقد كانت الزهراء عليها السلام منطويةً على يقين لا غاية لمداه ولا نهاية لمنتهاه، فأصبحت في

طليعة الذين «يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةُ»(1)

4-الصبر على المكاره

ومن أهم دلالاتِ آية النَّذرِ التأكيد على صبر الزهراء عليها السلام، وهذا ما سنفصله في الأسطر التالية.

ثالثا صبر الزهراء عليها السلام

اشارة

الصبر من معالم العظمة وشارات الكمال، ودلائل الهيمنة على ميول النفس والأساس الأكبر لكل خلق جميل، والتنزّه عن كل خلق رذيل، وهو دليل رجاحة العقل، وسعة الأفق، وسمو الخلق، وعظمة الجلد، كما هو معراج طاعة الله تعالى


1) سورة الحشر : 9.

ورضوانه، وسبب الظفر والنجاح، وناهيك بشرف الصبر، وجلالة الصابرين، أنّ الله عزّ وجل أشاد بهم وباركهم في نيف وسبعين موطناً من كتابه الكريم.

وكان الصبر من أبرز ما عرفت به الزهراء البتول عليها السلام، فقد واكبت المصائب منذ نعومة أظفارها، وتسارعت إليها النوائب في بواكير صباها، فوقفت أمام المحن المترادفة والمصائب المختلفة كجبل من الصبر والاستقامة، دون أنْ ينالَ ذلك منها، أو ينتزع منها كلمة جزع أو شكوى، فكانت إذا استحكمت الأزمات وتعقدتْ حبالها، وترادفتْ الضوائقُ وطال ليلها؛ تجلبيت جلباب الصبر، فاحتملت مکارهها دون ضجر، وواجهت أعباءها دون سأم، وقابلتها بقوة اليقين؛ موفورةَ الثّقة، بادية الثبات، صابرةً ،محتسبةً، فلم تندهش للصعاب، ولم تتبرم من الآلام، فمهما أحرجتها الأمور، وصدمتها المصائب، ونزلت بها الكوارث، وضاقت عليه الأيام، امتطت مطية الصبر، وتدرّعت بدرع الجلد، وتجلبيت جلباب الصمود والمقاومة حتى غدت أسطورة الصبر والاستقامة، دون أن تمتد إلى ساحتها ذرَّةٌ من الجزع والسخط.

وقد أشاد الذكر الحكيم بصبرها، وأثنى على صمودها، ففي شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني، عن عبد الله بن مسعود في قول الله تعالى: «إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ

بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ»(1)، يعني جزيتهم بالجنَّةِ اليوم بصبر عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسينِ في الدنيا على الطاعاتِ وعلى الجوع والفقر، وبما صبروا عن المعاصي، وصبروا على البلاء الله في الدنيا، «أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ»والنَّاجونَ من الحساب».(2)

وقد مرَّ علينا في دلالات آية النذر أنَّ الله تعالى أشاد بصبر أهل البيت - عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام - وأثنى عليهم غاية المدح الثناء، فقال تعالى: «وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً»(3)

وعلى كل حال، فإن كان الصبرُ رأسَ طاعة الله، فإنَّ الزهراء عليها السلام قد حازت قصب السبق فيها ، وإذا كان من حقيقة الصبرِ حبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله، فيكفي الزهراء عليها السلام صبراً أنَّ زوجها لم يجد لها شكوى، رغم اشتداد البلوى، فقد دخل عليها علي عليه السلام يوماً فلم يجد عندها شيئاً، فقال: ألا أعلمتني حتى أبغيكم شيئاً؟ فقال: إنّي أستحى من الله أنْ أكلفك ما لا تقدر»


1) سورة المؤمنون: 111.

2) شواهد التنزيل الحاكم الحسكاني: ج 1 ، ص 531.

3) سورة الإنسان : 12.

تقدر(1)

وإذا كان توطين النفس على الاجتهاد في الطاعة من الصبر ، فيكفي الزهراء عليها السلام أنها ضربت المثل الأعلى في الانقطاع إلى الله تعالى، فكانت تقف بين يدي ربّها حتى تورّمت قدماها .

وإذا كان من الصبر مقاومة النفس والهوى لئلا تنقاد لقبائح اللذات، فإنَّ الزهراء عليها السلام قد شهد القرآن بعصمتها وطهارتها عن دنس اللذائذ ولوث المعايب، كل ذلك يجعل من الزهراء عليها السلام أسطورةً في ميدان الصبر وآيةً في التحمّل والتجلّد وذروةً في القناعة.

نماذج من صبرها
1-صبرها على الرزايا والمصائب

إن من أعظم الرزايا التي تواكبت على الزهراء البتول عليها السلام؛ رحيل أبيها المصطفى صلى الله عليه وآله، ثم لم تكد تنتهي من محنة فقده ومفارقته حتى أقبلت عليها المحن وترادفت عليها الرزايا وتسابقت إليها المصائب كقطع الليل


1) ذخائر العقبى محب الدين الطبري : ص 45 ؛ المعيار والموازنة، أبو جعفر الإسكافي : ص 236؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي : ج 2، ص 135.

المظلم، فما راعها إلا والصحابة ببابها كأنّهم يتسارعون إلى نهب، فأضرموا بابها، وكسروا ،ضلعها واقتادوا بعلها وأسقطوا جنينها. ومن أعظم الدواهي التي عانتها، أنها ترى انتقاض مبادئ الإسلام بعد رحلة قائده الأعظم صلى الله عليه وآله، وما مني به المسلمون من انقلاب على الأعقاب، فنكثوا بيعة الوصي، فتجرَّعت مرارة الصبر على الرّغم من قصر مكثها بعد أبيها، وقد عبّرت عن شدّة معاناتها، بقولها : صُبَّت عليَّ مصائب لو أنَّها صُبَّتْ على الأيام صِرْنَ لياليا(1)

إِنَّ أيَّ واحدةٍ من رزاياها لو ابتلى بها أي إنسان من ذوي الصبر والعزم وقوة النفس لأوهنت قواه واستسلم أمام أعاصيرها الجارفة.

2-صبرها على مرارة الدنيا

روى المتقي الهندي وجماعة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله على فاطمة كساءً من أوبارِ الإبل وهي تطحن، فبكى وقال: يا فاطمة اصبري على مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غداً، قال[جابر]: فنزلت


1) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 12، ص 337؛ تفسير الآلوسي، الآلوسي: ج 19، ص 149؛ الفصول المهمة، ابن الصباغ: ج 1، ص 672؛ عيون الأثر، ابن سيد الناس: ج2، ص 434، 435؛ نظم درر السمطين الزرندي الحنفي : ص 181؛ دستور معالم الحكم ابن سلامة: ص199؛ مغني المحتاج، محمد بن أحمد الشربيني: ج 1 ، ص 356؛ حواشي الشرواني، الشرواني والعبادي: ج 3، ص 180؛ الشرح الكبير، عبد الرحمن بن قدامه : ج 2، ص 430.

عند ذلك الآية: «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى»(1)(2)

وفي شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني عن جابر، قال: دخل النبيُّ صلى الله عليه وآله على فاطمة وعليها كساء من جلد الإبل وهي تطحن، فدمعت عيناه فقال : يا فاطمة! تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة. قال : فأنزل الله:«وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى».(3)

3-صبرها على الفقر والفاقة

روى محبُّ الدين الطبري في ذخائر العقبى عن عمران بن حصين قال: خرجت يوماً فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وآله قائم، فقال لي: يا عمران ! إِنَّ فاطمة مريضة، فهل لك أن تعودها، قال: قلت فداك أبي وأمي ، وأيُّ شرفٍ أشرف هذا ؟ قال : فانطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وانطلقت معه، حتى أتى من ،الباب فقال: السلام عليكم، أدخل ؟ قالت : وعليكم السلام، ادخل، فقال صلى الله عليه وآله: أنا ومن معي ؟ قالت : والذي بعثك بالحق نبياً ما عليَّ إلا هذه العباءة،


1) سورة الضحى 5.

2) كنز العمال المتقي الهندي: ج 12، ص 422 ؛ أهل البيت، توفيق أبو علم: ص 61.

3) شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج 2 ، ص 445.

قال: ومع رسولِ الله صلى الله عليه وآله ملاءةٌ خَلِقَة، فرمى بها إليها، فقال: شدّي بها رأسك ففعلت ثم قالت ادخل فدخل ودخلت معه، فقعد عند رأسها، وقعدت قريباً منه فقال: أي بنيّة ! كيف تجدينك؟ قالت : والله يا رسول الله، إنّي لَوَجعَة، وإنَّه ليزيدني وجعاً إلى وجعي إنّي ليس عندي ما آكل، قال: فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وبكتْ، وبكيتُ معهما، فقال لها : أي بنية ! تصبّري، مرتين أو

ثلاثاً، ثم قال لها : أي بنية ! أما ترضين أنَّ تكوني سيّدة نساء العالمين، قالت: يا ليتها ماتت وأين مريم بنت عمران؟ قال لها : أي بنيّة تلك سيّدة نساء عالمها، وأنت سيّدة نساء عالمك، والذي بعثني بالحقِّ لقد زوجتك سيّداً في الدنيا والآخرة، لا يبغضه إلا منافق»(1)، وأخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب، وأسقط منه قوله صلى الله عليه وآله : «لا يبغضه إلا منافق»(2)، ولا أدري لماذا.

وفي العهود المحمدية للشعراني ما نصّه: وروى الطبراني وابن حبان في صحيحه: إِنَّ النبي صلى الله عليه وآله خرج وأبو بكر وعمر إلى دار أبي أيوب الأنصاري، فذكر الحديث بطوله إلى أن قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله


1) ذخائر العقبى محب الدين الطبري: ص 43 - 44 ، وانظر : نظم درر السمطين، الزر ندي الحنفي ص179؛ تاریخ دمشق، ابن عساکر : ج 42، ص 134؛ الإصابة، ابن حجر: ج 8، ص102.

2) الاستيعاب ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1895.

شيئاً من لحم الجدي، فوضعه في رغيف، وقال: يا أبا أيوب! أبلغ هذا فاطمة، فإنّها لم تصب مثل هذا منذ أيام، فذهب به أبو أيوب إلى «فاطمة»(1)

وفي السيرة الحلبية : أنَّ الزهراء عليها السلام قالت لأبيها ذات يوم: «يا رسولَ الله ! ما لنا فراش إلا جلد ،كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه ناضحنا بالنهار، فقال لها رسولُ الله صلى الله عليه وآله : يا بنيّة ! اصبري فإنَّ موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام أقام مع امرأته عشر سنين ليس لهم إلا عباءة قطوانية»(2)

4-صبرها على مشاق العمل

أخرج أحمد بن حنبل والطبراني والمتقي الهندي وغيرهم، عن علي عليه السلام أنه قال لابن أم عبد: ألا أحدثك عني وعن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت من أكرم أهله عليه، وكانت زوجتي، فجرَّت بالرَّحى حتى الرّحى في يدها، واستقت بالقربة حتى أثرت القربة بنحرها، وقمت(3)البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها، وأصابها من ذلك الضر».(4)


1) العهود المحمدية الشعراني : ص 377.

2) السيرة الحلبية، الحلبي : ج2، ص 473.

3) قَمَّتْ البيت : كَنَسَتْه والقمامة : الكُناسة أي ما كُسِحَ منه من التراب.

4) كتاب الدعاء، الطبراني ص 95؛ مسند أحمد أحمد بن حنبل : ج 1 ، ص 153 ؛ ذخائر العقبی محب الدين لطبري: ص 50 ؛ سنن أبي داود ابن الأشعث السجستاني: ج 2، ص 29؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 15 ، ص 508؛ نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي : ص193؛ تهذيب الكمال، المزي: ج 20، ص 322.

وفي مسند أحمد ومجمع الزوائد وسبل الهدى والرشاد وذخائر العقبى عن أنس مالك: «إنَّ بلالاً أبطأ عن صلاة الصبح، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وآله: ما حَبَسَك ؟ قال : مررتُ بفاطمة تطحن، والصبي يبكى، فقلت لها: إن شئتِ كفيتك الصبي وكفيتيني الرحا، وإن شئت كفيتك الرحا وكفيتيني الصبي، فقالت:

أنا أرفق بابني منك، فذاك الذي حبسني، قال صلى الله عليه وآله فرحمتها رحمك الله»(1)

وروى الطبري في ذخائر العقبى عن صفوة الصفوة لابن الجوزي قال: وعن عطاء، قال: إن كانت فاطمة لتعجن وإن قصتها تكاد تضرب الجفنة.(2)

5-صبرها على الجوع

روى المقريزي والصالحي الشامي والحلبي والزرندي الحنفي أن فاطمة عليها


1) مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 3، ص 150 ؛ مجمع الزوائد الهيثمي : ج 10، ص316؛ ذخائر العقبی، محب الدين الطبري : ص 51 ؛ سبل الهدى والرشاد ، الصاحي الشامي: ج 11 ، ص 49.

2) ذخائر العقبى محب الدين الطبري: ص 51.

السلام أقبلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فوقعت بين يديه من شدة الجوع، فنظر إليها وقد غلبت الصفرة على وجهها، وذهب الدّم من شدة الجوع، فقال:

ادني يا فاطمة ،فدنت ثم قال : ادني يا فاطمة فدنت حتى وقفت بين يديه، فوضع يده على صدرها في موضع القلادة، وفرج بين أصابعه، ثم قال: «اللهم، مشبع الجاعة، ورافع الوضيعة لا تجع فاطمة بنت محمد ...»(1)

رابعا: صدق لهجتها

الصدق أشرف الفضائل النفسية، وأنبل المزايا الخلقية، بل هو رئيس الصفات الحميدة، كما أنه دليل الاتزان وعلامة الثقة بالنفس، ورمز الاستقامة والصلاح، وسبب النجاة والنجاح، ودليل السعادة والفلاح، ونظراً لما فيه من الخصائص الجميلة والمآثر الجليلة، أصبح من أبرز صفات الزهراء عليها السلام فقد روى جماعةٌ من أعلام أهل السنة منهم الطبري وابن عبد البر والذهبي والبري والصالحي الشامي وغيرهم عن عائشة قالت: «ما رأيتُ أحداً كان أصدق لهجة


1) إمتاع الأسماع، المقريزي : ج 11، ص 277 ؛ سبل الهدى والرشا، الصالحي الشامي: ج 10، ص 201؛ السيرة الحلبية : ج 3، ص 364؛ نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي: ص119.

من فاطمة، إلا أنْ يكونَ الذي ولدها صلى الله عليه وآله».(1)

خامسا: زهد الزهراء عليها السلام

اشارة

إِنَّ الزّهد في الدّنيا ميزة المصطَفَين، وشعار القديسين، وسمة المقربين، وهو خيرُ معين على التفرغ للعظائم، وأقوى العوامل المساعدة على صفاء القلب، وأدعى شيء إلى الترفع عن السفاسف، وهو لا يستقيم إلا لذوي النفوس الكبيرة والهمم العالية، وقد كانت سيّدةُ النساء عليها السلام المثل الأعلى في الزُّهد في الدنيا؛ مُعْرِضةً عن الحياة ومفاتنها، زاهدةً بالدنيا ومباهجها، تؤمن بمنهج الزّهدِ وتُمارس

كمنهج حياتي ثابت، فقد كفَّت نفسها وقلبها ولسانها وجميع جوارحها عن الأمور الدنيوية، فلم تَمِل لزَخارِفِ الدنيا، ولم تغتر بشيء من زينتها، وكان رائدها في ذلك أباها الأعظم، الذي ترعرت بين أحضانه واغترفتُ من معين سيرته، ونهلت من عذب ،مشربه واستقتْ من نمير أخلاقه، فكان مرشدها ومعلّمها، به اقتدت


1) ذخائر العقبى محب الدين الطبري : ص 44 ؛ الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1896 ؛ سير النبلاء، الذهبي: ج 2، ص 131؛ الجوهرة البري: ص 16؛ سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي ج 11، ص 47 .

وبسيرته احتذت فمالت منذ الصغر إلى حياة بعيدة عن زخرف الدنيا وزينتها، بالرّغم من أن أباها كان أمير القلوب والأبدان، وكان لا شك . بإمكانها أن تعيش حياةً رغدة هنيئةً، ولكنَّها لم تكن تستشرفُ إلى لذة من لذائذ الدنيا وشهواتها، فاختارت حياة الزهادة والتقشف، حتى صارت ألقَاً في سماء الفضيلةِ ليس في الزَّهد فحسب بل في كل كمال .

صور من زهد الزهراء عليها السلام
اشارة

كانت الزهراء عليها السلام تتزين بأغلى الزينة وأثمن الحلي، ولا أعني ما يتزين بها الأعم الأغلب من النساء، من الجواهر والحلي، بل أنها كانت تتزين بزينة التَّقى والعفاف وتتجلبب بجلباب الدين والطهر، وهو ما أهلها أنْ تكون معدنَ النقاء والعفة، ومثلاً أعلى في الطهر والعظمة، وإذا كان لا بد للمرأة أن ترتدي ثوباًفإنَّ الزهراء عليها السلام أقنعت نفسها بثوب الكفاف، وإذا كان لا بد لها من الحلي فإِنَّ الزهراء عليها السلام استبدلت الذهب بالعَصَب، وإليك أربع صور من زهدها على نحو الاختصار:

1-حليتها من العصب

روى البيهقي وأحمد والطبراني والذهبي وابن حجر وغيرهم عن ثوبان مولى

رسولِ الله صلى الله عليه وآله قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وآله إذا سافر آخر عهده بإنسان من أهله: فاطمة، وأوَّل مَن يدخل عليه إذا قدم: فاطمة، فَقَدِمَ من غزاةٍ له فأتاها فإذا هو بمسح على بابها، ورأى على الحسن والحسين قلبين(1)" من فضَّة، فرجع ولم يدخل عليها، فلما رأت ذلك فاطمة ظنَّتْ أَنَّه لم يدخل عليها من أجل ما رأى، فهتكت الستر، ونزعت القلبين من الصبيين، فقطعتها، فبكى ،الصبيَّان فقسمته بينهما، فانطلقا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وآله وهما يبكيان، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله منهما ، فقال : يا ثوبان، اذهب بهذا إلى بني فلان، واشتر لفاطمة قلادةً من عصب وسوارين من عاج، فإنَّ هؤلاء أهل بيتي ولا أحبُّ أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا.(2)

2-فراش بيتهما من الرمل


1) أي سوارين.

2) السنن الكبرى، البيهقي : ج 1 ، ص 26؛ مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 5، ص 275؛ المعجم الكبير، الطبراني: ج 2، ص103؛ تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق الذهبي : ج 1، ص33؛ نصب الراية، الزيلعي : ج 1 ، ص 185؛ الدراية في تخريج أحاديث الهداية ابن حجر، ج 1، ص 58؛ عمدة القاري، العيني: ج 3، ص 282؛ تركة النبي، حماد بن زيد البغدادي : ص 58 ؛ ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري : ص 51 - 52 ؛ المجموع، محيى الدين النووي: ج 1، ص238؛ المغني، عبد الله بن قدامه : ج1، ص 60؛ الشريح الكبير ، عبد الرحمن بن قدامه : ج 1، ص 74؛ سنن أبي داود ابن الأشعث السجستاني: ج 2، ص 292؛ نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي : ص 177.

كانت الزهراء عليها السلام تسكن في بيتٍ محاط بالقداسة مغمور بالرّوحانية، مليء بالنور مكتظ بالتبجيل ،والتجليل فيا ترى ماهو مصدر تلك القداسة ومنبع تلك العظمة، فليس للزهراء عليها السلام بيت فحم كبنات الملوك، وليس لها منزل واسع كبنات الأمراء، فقد كان بيتها - كما تصفه الروايات والأخبار- صغيراً متواضعاً مفروشاً بالرّمل، لا بالحرير والديباج.

إنّ القيمة المادية لبيت الزهراء عليها السلام لا تتعدى عتبة دراهم معدودة، إلا أنَّ قيمتة المعنوية عديمة النظير؛ لأنه مهبط الملائكة المقربين، ومختلفُ الروح الأمين، ومشرِقُ شمس الهداية الكبرى، ومركز إشعاع الإمامة العظمى، وبالإضافة إلى ذلك كلّه فهو بقعةٌ شرَّفها الله تعالى بسكنى صفوة الخلق، وفي قوله تعالى: «في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ»(1)، إشارة إلى بيان القيمة الحقيقية لبيت سيّدة النساء عليها السلام، فقد روى الثعلب والحاكم الحسكاني وابن مردويه والسيوطي والآلوسي : لما نزلت الآية قال أبو بكر: يا رسول الله هذا البيت - وأشار إلى بيت علي وفاطمة صلى الله عليه وآله - منها؟ قال: نعم


1) سورة النور: 36.

من أفاضلها».(1)

3-فراشها مسك كبش

أما عن فراش هذا البيت فقد روى ابن ماجه والدارقطني والحافظ ابن عساكر والمتقي الهندي والحربي وغيرهم عن علي عليه السلام قال : أهديت إلى ابنه رسولِ الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فما كان فراشنا ليلة أهديت إلا مسك(2)كبش.(3)

وروى ابن سعد وابن كثير وابن الجوزي وجماعةٌ غيرهم عن عامر الشعبي قال: قال علي عليه السلام: «لقد تزوّجت فاطمة وما لي ولها فراس غير جلد كبش، ننام عليه بالليل ونعلف عليه الناضح بالنهار، وما لي ولها خادم غيرها.(4)


1) تفسير الثعلبي، الثعلبي : ج 7، ص 107 ؛ شواهد التنزيل الحاكم الحسكاني: ج 1، ص 533؛ الدر المنثور، السيوطي : ج 5 ، ص 50 المناقب ابن مردويه : ص 284؛ تفسير الآلوس الآلوسي: ج 18، ص 174.

2) مسك كبش جلده.

3) سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني: ج 2، ص1391؛ علل الدارقطني، الدار قطني: ج3، ص 166 ؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر : ج 42 ، ص 376؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 13، ص179؛ غريب الحديث، الحربي: ج 2، ص 563 ؛ النهاية في غريب الحديث ابن الأثير : ج 4 ، ص 331؛ لسان العرب، ابن منظور: ج 10، ص 486.

4) الطبقات الكبری، محمد بن سعد : ج 8، ص 22 ؛ البداية والنهاية، ابن كثير : ج 7، ص378؛ التبصرة، أبو :الفرج بن الجوزي الحنبلي: ج 1 ، ص 449 ، طبعة عيسى الحلبي بالقاهرة التذكرة، سبط بن الجوزي: ص 317 ، ط الغري؛ وانظر كنز العمال المتقي الهندي: ج 13، ص 179 - 180.

4-وسادتها الليف

وأما الوسادة التي يتوسدانها فكانت محشوَّةً بالليف، روى ذلك أحمدُ بنُ حنبل في مسنده والحاكم والمنذري والهيثمي وجماعة عن عطاء بن السائب عن أبيه عن علي عليه السلام ، قال: «جهز رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة رضي الله عنها في خميل وقربة ووسادة من أدم حشوها ليف».(1)

وفي تاريخ الخميس عن أنس قال: لما تزوج علي بفاطمة قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله لأسماء بنت عميس : اذهبي فهيئي منزلهما، فجاءت أسماء إلى البيت فعملت فراشاً من رمل والثاني من أدم حشوها ليف، ومرقعة من أدم حشوها ليف".(2)

وفي الترغيب والترهيب عن عبد الله بن عمر :قال : لما جهَّز رسول الله صلى الله

عليه وآله فاطمة إلى عليّ بعث معها بخميل - قال عطاء: ما الخميل؟ قال: قطيفة . ووسادة


1) مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 1 ، ص 84؛ الترغيب والترهيب، المنذري : ج 6، ص 44 ، طبعة بيروت؛ المستدرك الحاكم النيسابوري : ج 2، ص 185 ؛ وانظر : مجمع الزوائد الهيثمي : ج 9، ص 205؛ صحيح ابن حبان ابن حبان : ج 15 ، ص 394؛ المعجم الكبير، الطبراني : ج 22، ص 409؛ نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي: ص:188؛ موارد الظمآن الهيثمي : ج 7، ص 172؛ تغليق التعليق، ابن حجر: ج3، ص 470 ؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 13 ، ص 685.

2) تاريخ الخميس، الدياربكري: ج 1، ص 411.

من أدم حشوها ليف، وأذخر، وقربة. كانا يفترشان الخميل ويلتحفان بنصفه.(1)

وعن الحسن :قال كان لعلي وفاطمة رضي الله عنهما قطيفة إذا لبساها بطول انكشفت ظهورهما وإذا لبساها بالعرض انكشفت رؤوسها.(2)

تعقيب وإلفات نظر

بقي شيءٌ يتعلق بزهد الزهراء عليها السلام نود أن نلتفت إليه نظر القارئ الكريم، وبه يتم الكلام؛ ربّما يقال : إنَّ علياً وفاطمة صلى الله عليه وآله لم يملكا شيئاً من حطام الدنيا، ولا يُوصف بالزّهد من هو كذلك.

نقول: إنَّهما كانا ممن يملك الشيء دون أن يملكه شيء من حطام الدنيا، فقد طلقوها ثلاثاً، وفرق كبير بين المعدَم الذي لا يملك شيئاً وبين من يملك الشيء، إلا أنه لم يكن أسيراً لما يملك، وقد كانت الزهراء عليها السلام على الرغم من قلة ذات يدها . كثيرة الخير والبر ، تواسي أهل البؤس، وتُعين ذوي والحاجة، وتُسعف الملهوف، وتُفرّج عن المكروب، عطوفةً رحيمةً، تحنو على الضعفاء وتمهد لهم مهاد عطفها، وتعطف على الفقراء فتؤيهم إلى ظلّ جودها وكرمها، والذي يؤكد لك ذلك


1) الترغيب والترهيب، المنذري: ج 6 ، ص 44.

2) اريخ الخميس، الديار بكري: ج 1 ، ص 411.

ما رواه ابن أبي الحديد المعتزلي والقندوزي الحنفي وجماعة: إنَّ علياً عليه السلام أعتق ألف نسمةٍ من كيد يده(1)، ومن يستطيع أن يعتق هذا العدد الكبير من العبيد ليس بفقير، غاية الأمر أنه ما كان يخضع لزينة الدنيا أو يطمع بنعيمها أو يستهويه زخرفها، وقد روى ابن كثير والمتقي الهندي عن محمد بن كعب القرظي عن عليّ عليه السلام قال: «لقد رأيتني مع رسولِ الله صلى الله عليه وآله] وسلم وإنّي لأربط الحجر على بطني من الجوع وإن صدقتي اليوم لتبلغ أربعين ألفاً»، وعن شريك عنه قال: «إنَّ صدقتي لتبلغ أربعين ألف دينار»(2)

سادسا: إنفاقها في سبيل الله تعالى

اشارة

الإنفاق لوجه الله عزَّ وجل تجارة الصديقين، ووسيلة المتقين، وهو أرقى مصاديق الإحسان، وأقوى دلائل الإيمان، وأبرز علائم الإيقان، كما أنه من مكفرات الذنوب، ومطهرات دنس القلوب، وسبب النماء والبركة، وسلَّم الإرتقاء والرفعة، وهو يعكس النظرة الإنسانية للشرائع السماوية، وإن من ثماره المحبّة

والتراحم، ومن آثاره التقارب والتلاحم؛ لأنه يقضي على غلّ القلوب، ويُذهب


1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد : ج 2، ص 202 ؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 1 ، ص 446.

2) لبداية والنهاية، ابن كثير : ج 7، ص 368؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 13، ص 179.

بالشحناء ويقطع دابر البغضاء.

وهو من أرَقّ خصال المؤمنين، وأرفع خلال الموقنين، لا يعتاده إلا من عظمت بالله ثقته، واطمأنت بالخلف نفسه، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعطى عطاءَ مَن لا يخاف الفقر، ولا يخشى الفاقة، فكان يُطعم العاني، ويُكرم الضيف، ويعطف على المسكين، ويجود على الضعيف، ويصل أهل الفقر والمجاعة، ويواسي أهل البؤس والفاقة، وقد حذت الزهراء عليها السلام حذوه. وقد حفظت لنا مصادر أهل السنة العديد من الأمثلة الراقية التي تبرهن على نوعية إنفاقها، وتؤكّد نموذجية عطائها، وإليك بعض ذلك:

1-عقتها غلاما بسلسة الذهب

أخرج الحاكم في المستدرك بسند صحيح عن ثوبان، قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على فاطمة وأنا معه قد أخذت من عنقها سلسلةً من ذهب، فقالت: هذه أهداها إلي أبو الحسن، وفي يدها السلسلة... فعمدت فاطمة إلى السلسلة فاشترت بها غلاماً فأعتقته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فقال:

«الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار.(1)

وأخرجه أحمد بن حنبل في المسند مع زيادة، وهي: «إنَّ ابنة هبيرة دخلت على رسولِ الله صلى الله عليه وآله وفي يدها خواتيم من ذهب، يقال لها : الفتح، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يقرع يدها بعصيّة معه، يقول لها: أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار، فأتت فاطمة، فشكتْ إليها ما صَنَعَ بها رسول الله صلى الله عليه وآله».(2)

والذي يظهر أنَّ ما رواه أحمد في قصة بنت هبيرة حادثة أخرى، وقد حشرت في الحديث خطأ، وقد رواه جماعة من طريق أسماء بنت عُميس وليس فيه تلك الزيادة، كما سنورده، ولهذا تعقبه ابن حزم قائلاً: «أمّا ضرب رسولِ الله صلى الله عليه وآله يدي بنت هبيرة فليس فيه أنه عليه الصلاة والسلام إِنَّما ضربها من أجل الخواتم ولا فيه أيضاً: أنَّ تلك الخواتم كانت من ذهب، ومن زاد هذين المعنيين في الخبر فقد كذب بلا شك، وَقَفَا ما لا عِلْمَ له به، وما لم يخبر به راوي الخبر، وهذا


1) المستدرك على الصحيحين الحاكم: ج 3، ص 152؛ المحلى ابن حزم: ج 10، ص 84؛ السنن الكبرى، البيهقي : ج 4 ، ص 141؛ مسند أبي داود الطيالسي أبو داود الطيالسي : ص133؛ مسند ابن راهويه، إسحاق بن راهويه : ج 5، ص 10؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج 2، ص123.

2) مسند أحمد أحمد بن حنبل : ج 5 ، ص 278.

حرام ،بحت، وقد يمكن أن يكون عليه الصلاة والسلام ضرب يديها؛ لأنها أبرزت عن ذراعيها ما لا يحل لها إبرازُهُ، أو لغير ذلك مما هو عليه الصلاة أعلم به.(1)

وعن أسماء بنت عُميس أنها كانت عند فاطمة عليها السلام إذ دخل عليها النبيُّ صلى الله عليه وآله وفي عنقها قلادة من ذهب أتى بها علي بن أبي طالب عليه السلام من سهم صار إليه، فقال لها :«يا بنيَّة لا تغتري بقول الناس: فاطمة بنت محمد، وعليك لباسُ الجبابرة، فقطعتها لساعتها، وباعتها ليومها، واشترت بالثمن رقبةً مؤمنةً فأعتقتها، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فَسُرَّ بعتقها، وبارك على فعلها»(2)

2-إنفاقها ثوب عرسها

روي أنّه كان للزهراء عليها السلام قميص ،بال فاشترى لها النبيُّ صلى الله عليه وآله ليلة عرسها وزفافها قميصاً جديداً، فإذا بسائل على الباب، يطلب ثوباً ولو كان خلقاً، فأرادت أن تدفع إليها ثوبها الخلق، غير أنها تذكرت قول الله تعالى: «لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ»(3)، فناولتها ثوب عرسها، فلما قَرُبَ الزّفاف


1) المحلى ابن حزم: ج 10، ص 84.

2) ذخائر العقبى محب الدين الطبري: ص 51.

3) سورة آل عمران: 92.

نزل جبريل، وقال: يا محمد! إنَّ الله يقرؤك السلام، وأمرني أن أسلم على فاطمة، وقد أرسل لها معي هدية من ثياب الجنّة من السندس الأخضر، فلما بلغها السلام، وألبسها القميص الذي جاء به لفها رسول الله صلى الله عليه وآله بالعباءة، ولفّها جبريل بأجنحته، حتى لا يأخذ نور القميص بالأبصار، فلما جلست بين النساء الكافرات ومع كلّ واحدة شمعةً، ومع فاطمة رضي الله عنها سراج، رفع جبريل جناحه، ورفع العباءة، وإذا بالأنوار قد طبقت المشرق والمغرب، فلما وقع النور على أبصار الكافرات خرج الكفر من قلوبهن وأظهرن الشهادتين.(1)

3-صدقتها على بني هاشم

روى الشافعي والبيهقي والمزني عن زيد بن عليّ، قال: «إنَّ فاطمة بنت رسولِ الله صلى الله عليه وآله تصدقت بمالها على بني هاشم وبني المطلب، وإنَّ علياً رضي الله عنه تصدَّق عليهم، وأدخل معهم غيرهم». (2)


1) أهل البيت، توفيق أبو علم : ص 138.

2) كتاب الأم، الشافعي: ج 4 ، ص 58 ؛ مختصر المزني، إسماعيل المزني : ص133؛ السنن الكبرى، البيهقي: ج 6 ، ص 161؛ وج 6 ، ص 183 ؛ معرفة السنن والآثار، البيهقي : ج 5 ، ص 20.

4-إنفاقها العقد على الأعرابي

روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة العصر فلما انفتل جلس في قبلته والناس حوله، فبينا هم كذلك إذ أقبل إليه شيخ من مهاجرة العرب عليه سمل (1)قد تهلل من قولهم تهلل وجهه إذا استنار وظهر فيه آثار السرور، أو الثوب كناية عن انخراقه.(2)أر شني: قال الجزري: يقع الرياش على الخصب والمعاش والمال المستفاد ومنه حديث عائشة: ويريش مملقها أي يكسوه ويعينه، وأصله من الريش، كأنَّ الفقير المملق لا نهوض به كالمقصوص الجناح، يقال: راشه يريشه إذا أحسن إليه. ()

فقال صلى الله عليه وآله : ما أجد لك شيئاً ولكنَّ الدال على الخير كفاعله، انطلق إلى منزل مَن يحبُّ الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله، ويؤثر الله على نفسه، انطلق إلى حجرة فاطمة، وكان بيتها ملاصق بيت رسول الله صلى الله عليه وآله الذي ينفرد به أزواجه، وقال: يا بلال! قم فقف به على منزل فاطمة، فانطلق الأعرابي مع لنفسه من بلال، فلما وقف على باب فاطمة نادى بأعلى صوته: السلام عليكم يا أهلَ بيتِ النبوة


1) السمل بالتحريك : الثوب الخلق. قد تهلل وأخلق

2) ، وهو لا يكاد يتمالك كبراً وضعفاً، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله يستحثّه الخبر، فقال الشيخ: يا نبي الله أنا جائع فأطعمني، وعاري الجسد فاكسني، وفقير فأرشني

) .

ومختلف الملائكة، ومهبط جبرئيل الروح الأمين بالتنزيل، من عند رب العالمين. فقالت فاطمة : وعليك السلام فمَن أنت يا هذا ؟ قال : شيخ من العرب، أقبلت على أبيك سيد البشر مهاجراً من شقّة، وأنا -يا بنت محمد - عاري الجسد، جائع الكبد، فواسيني يرحمك الله، وكان لفاطمة وعلي ورسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث ما طعموا فيها طعاماً، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك من شأنهما. فعمدت فاطمة إلى جلدِ كبش مدبوغ بالقرظ

لقرظ : ورق السلم يدبغ به. كان ينام عليه الحسن والحسين، فقالت: خُذ هذا أَيُّها الطارق! فعسى الله أن يرتاح(1)لك ما هو خير منه، قال الأعرابي: يا بنت محمدشكوت إليك الجوع فناولتيني جلد كبش ما أنا صانع به مع ما أجد من السغب.(2)

قال: فعمدت لما سمعت قوله إلى عِقْدِ(3)كان في عنقها أهدته لها فاطمة بنتُ عمها حمزة بن عبد المطلب، فقطعته ونبذته إليه، قائلةً: خُذه وبعه، فعسى الله أنْ يعوّضك به ما هو خير منه، فأخذه الأعرابي وانطلق إلى مسجد النبي، والنبيُّ صلى الله عليه وآله جالس في أصحابه، فقال: يا رسول الله أعطتني فاطمة [بنت محمد]


1) یقال: ارتاح الله لفلان أي رحمه.

2) السغب الجوع.

3) العقد بكسر العين وسكون القاف القلادة

هذا العقد فقالت: بعه فعسى الله أن يصنع لك. قال: فبكى النبي صلى الله عليه وآله وقال: وكيف لا يصنع الله لك وقد أعطتكه فاطمة بنت محمد سيدة بنات آدم.

فقام عمار بن ياسر ، فقال : يا رسول الله أتأذن لي بشراء هذا العِقْد ؟ قال : اشتره با عمار فلو اشترك فيه الثقلان ما عذبهم الله بالنار، فقال عمار : بكم العقد يا أعرابي ؟قال: بشبعة من الخبز واللحم، وبردةٍ يمانية أستر بها عورتي وأصلّي فيها لربّي، ودينار يبلغني إلى أهلي، وكان عمار قد باع سهمه الذي نفله رسول الله صلى الله عليه وآله من خيبر ولم يبق منه شيئاً، فقال: لك عشرون ديناراً ومائتا درهم هجرية وبردة يمانية وراحلتي تبلغك أهلك وشبعك من خبز البر واللحم.

فقال الأعرابي: ما أسخاك بالمال أيُّها الرجل، فانطلق به عمار فوفاه ما ضمن له.

وعاد الأعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أشبعت واكتسيتَ ؟ قال الأعرابي : نعم واستغنيت بأبي أنت وأمي، قال: فأجز فاطمة بصنيعها، فقال الأعرابي : اللهم إنَّك إله ما استحدثناك، ولا إله لنا نعبده سواك، وأنت رازقنا على كل الجهات، اللهم أعط فاطمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. فأمن النبيُّ صلى الله عليه وآله على دعائه وأقبل على أصحابه فقال:

إِنَّ الله قد أعطى فاطمة في الدنيا ذلك : أنا أبوها وما أحد من العالمين مثلي، وعلي

بعلها، ولولا على ما كان لفاطمة كفؤ أبداً، وأعطاها الحسن والحسين وما للعالمين ،مثلهما، سيّدا شباب أسباط الأنبياء وسيّدا شباب أهل الجنة - وكان بإزائه مقداد وعمار وسلمان - فقال : وأزيدكم؟

قالوا: نعم يا رسول الله ... فعمد عمار إلى العقد، فطيَّبه بالمسك، ولفّه في بردةٍ يمانية، وكان له عبد اسمه سهم ابتاعه من ذلك السَّهم الذي أصابه بخيبر، فدفع ، العِقْد إلى المملوك وقال له: خذ هذا العقد فادفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت له، فأخذ المملوكُ العقد فأتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره بقول عمار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: انطلق إلى فاطمة فادفع إليها العِقْد وأنت لها، فجاء المملوك بالعقد وأخبرها بقول رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذت فاطمة عليها السلام العِقْد وأعتقت المملوك، فضحك الغلام، فقالت: ما يضحكك يا غلام؟ فقال : أضحكني عظم بركة هذا العقد، أشبع جائعاً، وكسى عرياناً، وأغنى فقيراً، وأعتق عبداً، ورجع إلى أهله.(1)

سابعا: مكانتها العلمية

اشارة

كان النبيُّ صلى الله عليه وآله يقرأ الدور المستقبلي لابنته الزهراء عليها السلام


1) أهل البيت، توفيق أبو علم : ص139.

وأهميته في الأمة، فأولاها اهتماماً بالغاً، وأعدها إعداداً خاصاً، فقد كانت تتراءى له في وجودها أغصان الإمامة، وفروع الولاية، فأخذ يغمرها بمعين علمه، ويسقيها من عذب مشربه، ويغدق عليها من عميم ما منّ الله عليه، حتى صارت آيةً؛ ليس في العلم وحده بل في كل كمال. وبالإضافة إلى ذلك فقد نشأت عليها السلام آيةً من آيات الله تعالى في قوّة الذاكرة وصفاء النفس ونقاء الحدس، وقد اتجهت بكلّ قواها إلى كتاب الله، فألت بتفسيره وتأويله، وخاضت عبابه، فاستجلت غوامضه، وأحاطت بمضامينه، حتى كان أنيسها في الوحشة، ورفيقها في الوحدة. وكانت وهي تنمو جسماً وروحاً وعقلاً، يحدوها الشغف إلى التزود من حديث أبيها صلى الله عليه وآله، الذي ما كان يظنُّ به إن وجد له طالباً، فحظيت منه بالحظ الأكبر، ونالت منه السَّهم الأوفر.

وإذا كان لصفاء النفس وسلامة النية دور في تحصيل علوم الشريعة، فإنَّ الزهراء عليها السلام كانت النموذج الأمثل في صفاء القلب وطهارة النفس وإخلاص النية وتصفية الباطن، وتنقية المحتوى، فهي الصورة التي تألقت وتقدَّست في سماء الأنوثة الكاملة، وقد قيل عنها:

«في كلّ دين صورة للأنوثة الكاملة المقدَّسة، يتخشَّع بتقديسها المؤمنون،

كأنَّما هي آية الله فيما خلق من ذكر وأنثى، فإذا تقدَّست في المسيحية صورة مريم العذراء، ففي الإسلام لا جَرَمَ تتقدَّس صورة فاطمة البتول.(1)

وكيف لا تكون آيةً عظمى وحجةً كبرى فيما خلق الله وبرى، وقد ولدت في مجتمع كان يرى الأنوثة عيباً، ويعدها نقصاً، بل ويعتبرها عاراً، حتى بلغ الحال ببعضهم أنهم لا يأكلون طعام صاحب البنت. ولكن الأنوثة لم تقعد بالزهراء عليها السلام عن النُّحوقِ بركب العظماء، ولم تكن حائلاً بينها وبين الكون في مصاف الأولياء، فقد بلغتِ قمة الهرم في المناقب، ونالت ذُرى المجدِ في المكارم، فهي كما وصفت:

ولو أن النساء كمثل هذي*** لفُضّلَتْ النساء على الرجال

فما التأنيتُ لاسم الشمس عيب*** ولا التذكير فخر للهلال

كلُّ ذلك جعل منها النموذج الأكمل للمرأة العالمة، ولو علم [ النبي صلى الله عليه وآله أنّها تبقى بعده زمناً طويلاً لربّما قال خذوا كل دينكم عن الزهراء عليها السلام)»(2)


1) أهل البيت، توفيق أبو علم: ص128.

2) تفسير الآلوسي : الآلوسي: ج 3، ص156

ويكفي في التدليل على غزارة علمها، ما روي عنها من خطب جمعت فيها إلى غزارة العلم والثقة بالنفس : قوَّة البيان، ومتانة البرهان، ووضوح الهدف، وحسن الأسلوب، وجودة السبك، وسلاسة التعبير، وسلامة المنطق، وقوَّة الحجة، وعمق الأدلة، مع براعة التحليل وبداعة التمثيل والإحاطة بأحكام الشريعة، والمعرفة بأسرارها، وقد أعطت الحقيقة حقها، وردّت الحجر من حيث أتى، وكشفت عما للقوم من جهالات وأخطاء، وسوف يأتي ذلك عند التعرّض لخطبتيها، وقد أرجأنا البحث عنهما مراعاة لتسلسل الأفكار.

مصحف فاطمة عليها السلام
اشارة

من أهم الآثار العلمية الراقية والمآثر الجليلة الخالدة التي خلفتها الزهراء عليها السلام والذي يعتبر من أقوى الشواهد على مكانتها العلمية الفائقة: ما عرَف في لسان الروايات ب- مصحف فاطمة عليها السلام»، فإن ما يتركه الإنسان الآثار يُعَدَّ من أفضل ما يُستدل به على مكانته وسعة علمه وكثرة اطلاعه من ورصانة فكره؛ لأنّها مرآة لما كان ينطوي عليه من المواهب والطاقات. وقد الزهراء عليها السلام أثراً خالداً عبر القرون والأجيال، يتداوله الأئمة عليهم السلام من ذريتها كمصدر للعلم والمعرفة.

ولكن المصادر السنية أهملت ذكره ولو على نحو الإشارة المختصرة، بينما انتهج البعض أسلوب التهريج والطعن متّهاً الشيعة بأنَّ لهم قرآناً غير ما هو متداول بين المسلمين.

حقيقة مصحف فاطمة عليها السلام

ظنَّ بعضُ أهل السنة أنَّ مصحف فاطمة عليها السلام الذي يُصرُّ الشيعة على وجوده عند أئمتهم عليهم السلام ، هو قرآن ككتاب الله المنزل على نبيه المرسل، وأنَّه يشتمل على الآيات القرآنية الشريفة، فرموا من يقول بهذه المقالة بكل قيل، ونسبوه إلى سفاهة العقل، واتهموه بالزندقة والخروج عن الإسلام، والأصل في ذلك - بالإضافة إلى التسرع في الحكم - هو المشابهة في الاسم، فإنَّهم لما سمعوا كلمة المصحف تبادر القرآن الكريم إلى أذهانهم، والواقع أن كلمة المصحف لا تختص بالقرآن الكريم أبداً، فكما تُطلق عليه يصح إطلاقها على غيره، وإليك بعضُ كلمات أئمة اللغة في بيان معنى المصحف:

قال الزبيدي : «الصحيفة الكتاب، ج: صحائف على القياس، وصُحف، كَكُتُب(1)، وقال ابن منظور: الصحيفة: التي يُكتب فيها، والجمع صحائف


1) تاج العروس الزبيدي : ج 12 ، ص 315.

وصُحُف وصُحف. وفي التنزيل : «إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى»(1)، يعني الكتب المنزلةعليهما.(2)

وأما المصحف فهو كما قال ابن منظور وغيره من أئمة العربية: «المُصْحَفُ والمِصْحَفُ : الجامع للصحف المكتوبة بين الدفتين ... قال الأزهري: وإِنَّما سُمِّي المصحف مصحفاً؛ لأنَّه أُصحِفَ أي جُعِلَ جامعاً للصحف المكتوبة بين الدفتين وقال الفراء : يقال مُصْحَفٌ ومِصْحَفٌ كما يقال مُطْرَفٌ ومِطْرَفٌ ؛ قال : وقوله مُصْحف من أُصْحِفَ أَي جُمِعَتْ فيه الصُّحف.(3)

فيكون معنى المصحف: كلُّ كتاب جامع يشتمل على مجموعة من المدوَّنات. وعلى هذا فيصحّ أنْ يُقال للقرآن : مصحف، كما يصح أن يُقال لغيره: مصحف أيضاً، ويؤيد ذلك ما قاله عبد الحليم الجندي في معرض كلامه عن مصحففاطمة: «فليس هذا مصحفاً بالمعنى الخاص بكتاب الله تعالى، وإنما هو

أحد المدوّنات».(4)


1) سورة الأعلى : 18 - 19.

2) لسان العرب، ابن منظور: ج 9، ص 186.

3) لسان العرب، ابن منظور: ج 9، ص 186.

4) الإمام جعفر الصادق عبد الحليم الجندي ص 199 ، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة.

مصحف فاطمة عليها السلام ليست قرآنا آخر

قلنا فيما سبق: إنَّ من القضايا الحساسة التي حولها سوء الفهم تارةً، واللجاج والعناد تارةً أخرى، إلى قضية من قضايا التشنيع والتشهير، والانتقاص من الشيعة الإمامية، هو أنَّ لديهم قرآناً آخر، وهذه فريةٌ ؛ الشيعةُ منها براء كبراءة الذئب من دم يوسف عليه السلام ، ولا نريد الاستدلال على عدم وجودِ مصحف بهذا المعنى عند الشيعة بلسان المقال، بل إنَّ مكتباتنا العامة والخاصة مشرعة الأبواب بوجه

الروّاد، وليس فيها كتابٌ يحمل هذا الإسم والعنوان، فمن أراد أن يعرف حقيقةً الحال فدونه المكتبات والمطابع، فإنَّه ليس للشيعة مصحف غير ما هو متداول عند جميع المسلمين، بل أنَّ أغلب المصاحف المتداولة عند الشيعة هي من مطابع أهل السنة، وبالتحديد هي النسخة المعرفة بخط عثمان طه السوري، وكل من يقول بغير ذلك فقد جاء ببهتان عظيم.

وأما مضمون مصحف فاطمة عليها السلام الذي كان مثار الجدل، فقد فسّره الأئمة عليهم السلام ب- أنَّ فاطمة مكثت بعد رسولِ الله صلى الله عليه وآله خمسةً وسبعين يوماً، وقد كان دخلها حزن شديدٌ على أبيها ، وكان جبرئيل يأتيها، فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون

بعدها في ذرّيتها، وكان علي يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة»(1). فليس هو قرآن كما يدعيه البعض. وهذا كلام أهل البيت عليهم السلام وهم أدرى بما فيه، وكلامهم منقول عند الشيعة والسنة، قال عبد الرزاق محمد ناقلاً قول الصادق عليه السلام: «مصحف فاطمة، ما أزعم أنَّ فيه قرآناً»(2)، وقال عبد الحليم الجندي: ومن التراث العلمي عند الشيعة ما يُسمَّى ب-«مصحف فاطمة»، حدَّثوا عن الصادق إذ سئل عنه : إنَّ فاطمة مكثت بعد رسول الله خمسةً وسبعين يوماً، وكان قد دخلها حزن على أبيها، وكان جبريل يأتيها فيحسن عزاءها ويطيب نفسها، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة. فليس هذا مصحفاً بالمعنى الخاص بكتاب الله تعالى، وإنَّما هو أحد المدوّنات». (3)

المنصفون ومصحف فاطمة عليها السلام

جمعتني الصدفة مع أحد المنصفين من أهل السنة قبل تدوين هذا الكتاب، وهو من المصريين المتنورين فتجاذبنا أطراف الحديث، وكان من أهم محطات


1) بصائر الدرجات الصفار : ص 174 ؛ الكافي، الكليني : ج 1 ، ص 242.

2) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب عبد الرزاق محمد : ج 3، ص 82 ، عنه : شرح إحقاق الحق، المرعشي : ج 28 ، ص 512.

3) الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، عبد الحليم الجندي: ص199.

حديثنا حول مصحف فاطمة عليها السلام، فقال بالحرف الواحد: كنت أعتقد جازماً بأنَّ للشيعة قرآناً غير ما هو معروف عندنا، وكنت ممن لا يطيب لهم نفساً، لكثرة ما أسمعه عنهم من كلام غيرهم إلى أن سافرت إلى بلاد الشيعة، فاغتنمت الفرصة للوقوف على حقيقة ذلك المصحف الذي أغرم به الشيعة، فقمت بالبحث منه في كلّ مكتبة أراها، سواء في مكتبات المساجد أو ما يُعرض في مكتبات بيع الكتب أو المكتبات الخاصة في البيوت التي أدخلها، حتى سئمت البحث وأعياني الطلب فلم أظفر بما أريد، وكررت البحث مع تكرار أسفاري ولأكثر من مرة، ولكن دون جدوى، فقررت أن أسأل العلماء، والعامة على حدٍ سواء، فرأيت الاستغراب على وجه كل من أوجّه إليه السؤال، وأتفقت كلمتهم على القول بعدم وجوده عند أحد منهم، فقطعت على نحو الجزم واليقين : إنّه ليس للشيعة قرآن كما يدَّعي خصومهم، وحصل لي اليقين بأنَّ أكثر ما يُقال عن الشيعة يفتقر إلى الدقة والموضوعية، وإنَّ الهدف من وراء أغلب هذه التقوّلات هو التشنيع على الشيعة، وتصغيرهم بأعين أهل السنة لقطع صلات التقارب والتفاهم فيما بينهم، فرجعت إلى مصر وكتبت مقالاً في جريدة الأهرام المصرية، وأدرجت فيه ما عانيته من البحث غير المجدي، وأعلنت في نهاية المقال: إنّ من عثر على كتاب مصحف فاطمة

فهذه شقتي (وكانت من أرقى شقق القاهرة له، وأدرجت رقم هاتفي ضمن المقال، فلم يراجعني أحد.

أسباب التعتيم على مصحف فاطمة

الذي يغلب على الظن أنَّ هنالك أمرين لا ثالث لهما وراء التعتيم على مصحف فاطمة عليها السلام، وهما:

1 - إِنَّ في مصحف فاطمة عليها السلام دلالةً كبيرةً على اختصاص أئمة أهلِ البيت عليهم السلام بوراثة النبي صلى الله عليه وآله، بالإضافة إلى ما فيه من التدليل على مكانتهم المرموقة والتي تصنفهم في مصاف الأنبياء، الأمر يفتقر إليه المناوئون.

2 - التعتيم على جهل الخلفاء بالمسائل المحورية في الإسلام، التي تضمنها مصحف فاطمة عليها السلام.

البحث الثالث تفضيل الزهراء عليها السلام

اشارة

ذكرنا - وبالأدلة - في كتاب مفصل خصصناه لبيان فضائلها ومناقبها: إنَّها سيّدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وإنَّها بضعة من النبي صلى الله عليه وآله،

بل هی شجنةٌ منه، وقلبه وروحه التي بين جنبيه، وإنَّها الطاهرة المطهرة بنص آية التطهير، وسوف نكتفي بذلك ولن نتعرض لبيان أدلَّة تفضيلها، حذراً من التكرار لكون أفضليتها أوضح من الشمس في رابعة النهار، وسنقتصر في هذا البحث على إيرادِ ما استُدِلَّ به على أفضلية غيرها من النّساء ثم مناقشته بصورة سريعة وعابرة؛ لأنَّ الاسترسال في مثل هذه البحوث قد يخرجنا من الغرض الأصلي للكتاب.

الأول: أفضليتها على نساء النبي عموما

يمكن إثباتُ أفضلية الزهراء عليها السلام على نساء النبي صلى الله عليه وآله من خلال بيان بطلان الأدلّة التي تمسك بها القائلون بأفضليَّتِهِنَّ على مَن سواهنَّ من النساء، أعني قوله تعالى: يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (1)، حيث قيل: أنَّ الآية ظاهرةٌ في أنهن أفضل من غيرِهن.)إِنَّ البحث والتدقيق في الاستدلال بهذه الآية يوصلك إلى نتيجة قطعية مفادها: إنَّ الاستدلال بالآية على التفضيل كلام خال من الدقة وبعيد عن الموضوعية، وذلك؛ لأنَّ الآية أجنبيَّةٌ عن التعرُّض لمقام الأفضلية، وعلى فرض


1) سورة الأحزاب: 32.

ورودِها فيها، فإنّها صريحةٌ في أنَّ سببَ الأفضلية ليس هو الزوجية كي يستفاد منه إطلاق الحكم على أزواجه، ولا الأمومة الاعتبارية للمسلمين كما هو واضح، بل سببها التقوى كما هو صريح قوله : إن اتَّقَيْتُن ، إذ الزوجية والأمومة المجردة عن دواعي التكريم الأخرى لا تستتبع فضلاً وكرامةً عند الله تعالى، وعليه فَمَن ثبت بحقها أنّها الأتقى كانتْ الأفضل سواء أكانت من نساء النبي صلى الله عليه وآله أو من غيرهن.ثم إِنَّ الاتِّقاءَ المشروط في الآية ليس المراد به حصوله ابتداءً فحسب، بل ابتداءً واستدامةً. أي إنْ دمتُنَّ على ذلك الاتقاء، وليس هذا كقوله صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام والذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما: «ألا ترضي أن تكوني سيّدةَ نساء المؤمنين، أو سيّدةَ نساء هذه الأمة(1، فإنَّه مطلق وصريح كما هو واضح، وهذا القدر البسيط وإن كان كافياً في إسقاط الاستدلال بالآية على تفضيل نساء النبي عليه السلام على الزهراء عليها السلام، ولكننا نضيف)إليه شيئاً يسيراً، فنقول:قد أثبت الدليل القطعي بحقِّ بعض نساء النبي صلى الله عليه وآله انتفاءَ


1) صحيح البخاري، البخاري: ج 7، ص 142؛ صحیح مسلم مسلم النيسابوري: ج 7، ص 144.

شرط الأفضلية - على فرض ورود الآية في التفضيل كما قلنا . أعنى الانقاء، ودليله من المصادر السنية ما يلي: مخالفة بعضهن لقوله تعالى: ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً)(1): ففي سبل الهدى والرشاد للإمام الصالحي الشامي ما نصه: «قال ابنُ عساكر عن عائشة أنَّه كان بينها الخطاب؟ قالت لا عمر، وبين رسول الله صلى الله عليه وآله كلام فقال لها من ترضين بيني وبينك؟ أترضين بعمر بن فطّ غليظ، قال صلى الله عليه وآله: أترضين بأبيك بيني وبينك ؟ قالت: نعم، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : إنَّ هذه من أمرها كذا ومن أمرها كذا قالت: فقلت: اتَّقِ الله، ولا تقل إلا حقاً !)قالت: فرفع أبو بكر يده فرشم أنفي، وقال: أنت لا أم لك يابنة أم رومان تقولين الحق أنت وأبوك ولا يقوله رسول الله صلى الله عليه وآله؟! فابتدر منخريّ كأنها عزلاوان(2، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنا لم ندعك لهذا !)


1) سورة الأحزاب: 32.

2) العزلاوان مثنى العزلاء بالمد وهو مصب الماء من الراوية، وجمعه العزالي بكسر اللام.انظر: شرح ،مسلم، النووي: ج 5 ، ص 191؛ تاج العروس الزبيدي: ج 15 ، ص 483).

قالت: ثم قام إلى جريدة في البيت فجعل يضربني بها، فولَّيتُ هاربةً منه فلزقتُ برسولِ الله صلى الله عليه وآله فقال صلى الله عليه وآله : أقسمتُ عليك لما خرجت فإنا لم ندعك لهذا.فلما خرج فأبيتُ أنْ أفعل، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: لقد كنتِ من قبل قمتُ فتنحيتُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله فقال: ادني شديدةَ اللصوق لي بظهري (1.)ولا أظنُّ منصفاً يجترئ ويقول أن خطابها مع رسول الله صلى الله عليه وآله: تكلَّم أنتَ ولا تَقُل إلا حقَّاً» من المعروف الذي أمرت به الآية.وفي السيرة الحلبية وتفسير السمعاني عن ابن عباس، في سبب اعتزال النبي صلى الله عليه وآله نسائه، قال: «شجرَ بين النبي صلى الله عليه وآله وبين حفصة أمرٌ ، فقال لها : اجعلي بيني وبينك رجلاً، قالت نعم قال : فأبوك إذن، فأرسلت إلى عمر فجاء، فلما دخل عليها، قال لها النبيُّ صلى الله عليه وآله: تكلمي، فقالت: بل أنت يا رسول الله تكلَّم، ولا تقل إلا حقاً، فرفع عمر يده فوجأها في وجهها.فقال له النبيُّ صلى الله عليه وآله کف یا عمر، فقال عمر : يا عدوَّة الله، النبيُّ


1) سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي: ج 11، ص 173 .

لا يقول إلا الحق؟! والذي بعثه بالحقِّ لولا مجلسه ما رفعت يدي حتى تموتي. فقام النبي صلى الله عليه وآله فصعد إلى الغرفة فمكث فيه شهراً لا يعرف شيئاً من نسائه، ونزلت آية التخيير (1.) مخالفة بعضهن لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيُّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تشْعُرُونَ)(2).)أخرج إمام الحنابلة أحمد بن حنبل في مسنده والعلامة الصالحي الشامي في سبل الهدى والرشاد عن النعمان بن بشير قال: جاء أبو بكر يستأذن على النبي صلى الله عليه وآله فسمع عائشة وهي رافعة صوتها على رسول الله صلى الله عليه وآله، فأذِنَ له فدخل فقال : يا ابنة أم ،رومان وتناولها، أترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وآله ؟! قال: فحال النبي صلى الله عليه وآله بينه وبينها (3. مخالفة بعضهن لقوله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ)


1) السيرة الحلبية، الحلبي : ج 3، ص 407؛ تفسير السمعاني السمعاني: ج 4 ، ص 75.

2) سورة الحجرات : 2 .

3) مسند أحمد، أحمد بن حنبل: ج 4 ، ص 272؛ سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 11، ص172 - 173 .)

الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى(1. روى الزمخشري في الفائق و ابنُ أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وابن قتيبة الدينوري في الإمامة والسياسة وشمس الدين أبو البركات، و محمد بن أحمد الدمشقي الباعوني الشافعي في جواهر المطالب، وغيرهم من أعلام أهل السُّنَّة، عن أم سلمة رضى الله عنها - واللفظ للزمخشري - أتت عائشة لما أرادت الخروج إلى البصرة، فقالت لها : إِنَّكِ سدَّة بينَ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وأمَّتِهِ (2)، وحجابكِ مضروب على حرمته، وقد جمع القرآن ذيلَكِ فلا تندحيه(3)، وسكّن عقيراك فلا تصحريها(4)، الله من وراء هذه الأمَّة، لو أرادَ رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعهد إليك عَهداً علت علت(5)، بل قد نهاك رسول الله صلى الله عليه وآله عن


1) سورة الأحزاب : 33 .

2) إنَّك سدّة بين رسول الله وأمته : أي إنَّك باب بينه وبين أمته في حريمه وحوزته فاستبيح ما حماه، فلا تكوني أنت سبب ذلك بالخروج الذي لا يجب عليك، لتحوجي الناس إلى أن يفعلوا مثل ذلك. (معاني الأخبار، الصدوق : ص 376).

3) قولها: قد جمع القرآن ذيلك إشارة إلى قول الله عز وجل: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولى ، وقولها فلا تندحيه : أي لا تفتحيه فتوسعيه بالحركة والخروج إلى البصرة. يقال: ندحت الشيء، إذا وسعته، ومنه يقال : أنا في مندوحة عن كذا، أي في سعة.

4) العقيرة - في غريب الحديث - الصوت، وتصحريها ترفعيها . وفي معاني الأخبار - عقيراك من عقر الدار وهو أصلها... وقولها : (فلا تصحريها): أي لا تبرزيها وتباعديها وتجعليها بالصحراء، يقال: أصحرنا، إذا أتينا الصحراء. (معاني الأخبار الصدوق ص 377؛ غريب الحديث ابن قتيبة : ج 2، ص 183. )

5) عملت علت : أي مالت إلى غير الحق والعول: الميل والجور، قال الله عز وجل: ﴿ ذَلِكَ َدْنَى أَلاتَعُولُوا) سورة النساء : 3 . يُقال: عال يعول عولاً، إذا جاز ومال.

القُرطة في البلاد(1)، إنَّ عمودَ الإسلام لا يُثاب بالنّساءِ إِنْ مال(2)، ولا يرأب بهنَّ إنْ صدع(3)، حُمَادَيات النِّسَاء(4)غَضُّ الأطرافِ وَخَفرُ الأعراض(5)، وَقَصْرُ الوِهازة(6)، ما كنتِ قائلةً لو أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله عارضكِ ببعض الفلواتِ ناصّة قلوصاً من منهل إلى آخر، إن بعين الله مهواك، وعلى رسوله تردين، قد وجهت سدافته [وروي: سجافته ](7)، وتركت عهيداه(8)، لو سرتُ مسيرَكِ هذا ثم قيل:


1) الفُرْطَةُ بالضم: اسم للخروج والتقدم. والفَرْطَةُ بالفتح: المرة الواحدة منه.والفَرَطُ بالتحريك: الذي يتقدَّم الواردة فيهيء لهم الأرسان والدِلاءَ، ويَمْدُرُ الحياض ويستقي لهم. يقال: رجلٌ فَرَطٌ وقومٌ فَرَطٌ أيضاً. وفي الحديث: «أنا فَرَطُكُمْ على الحوض». ومنه قيل للطفل الميت: "اللهم اجعله لنا فَرَطاً" أي أجراً يتقدَّمنا حتَّى نَرِدَ عليه.

2) أي لا يُرَدُّ بِهِنَّ إلى استوائه، يقال: ثبت إلى كذا أي عدتُ إليه.

3) أي لا يُسَدَّ بهنّ.

4) حماديات: جمع حمادي أي محامد النساء. تريد: غاية ما يُحمد منهن هذا.

5) الخَفَر ، بالتحريك شدّة الحياء . تقول منه : خَفِر بالكسر، وجاريةٌ خَفِرَةٌ ومُتَخَفْرَةٌ.

6) الوهازة الخطو. يقال للرجل هو متوهّز ومتوهّس إذا وطئ وطأ ثقيلاً. قال ابن مقبل يصف النساء : يمحن بأطراف الذيول عشية كما وهز الوعث الهجان المزنما شبَّه مشيهُنَّ بمشي إبل في وعث قد شقّ عليهن.

7) السدافة الحجاب والستر، من أسدف الليل إذا ستر بظلمته كأنه أرخى سدولاً منالظلام، والمعنى: أنَّك هتكت الستر الذي ضربه عليك.

8) عهيداه بضم العين وتشديد الهاء مفتوحة وسكون الياء العهد.

ادخلي الفردوس لاستحييتُ أنْ ألقى محمداً هاتكةً حجاباً قد ضربه عليّ. اجعلي حصنَكِ بيتكِ، ووقاعة [ وروي ورباعة ] الستر ،قبرك ، حتى تلقينه وأنت على تلك أطوع ما تكونين الله ما لزمته، وأنصر ما تكونين للدين ما جلست عنه، لو ذكَّرْتُكِ

قولاً تعرفينه نهشتني نهش الرقشاء المطرق(1).

فقالت عائشة ما أقبلني لوعظك، وليس الأمر كما تظنين، ولنعم المسير مسير فزعتُ فيه إلى فئتان متناجزتان أو متناحرتان، إن أقعد ففي غير حرج، وإن أخرج فإلى مالا بد من الازدياد منه(2).

وأخيراً: إنَّ شرط الأفضلية (أعني قوله: إن اتَّقَيْتُن)) منتف بحق بعضهن قطعاً على ما صرح به أهل العلم من علماء السنة، فلا يصلحن لمساواة من خصّها الله تعالى بالطهارة والسيادة المطلقة على نساء العالمين، فضلاً عن المفاضلة.


1) الرَّقشاء الأفعى، سُمِّيَتْ بذلك للترقيش في ظهرها، وهو النقط ، وقيل : التي في لونها سواد وكدورة. قال النابغة من بحر الطويل فبتُ كأني ساورتني ضئيلةٌ من الرّقش في أنيابها السم ناقع والمطرق: المسترخي جفون العين.

2) الفائق في غريب الحديث، جار الله الزمخشري : ج 2، ص 132 - 133 ؛ الإمامة والسياسة ابن قتيبة الدينوري: ج 1، ص 55 ؛ غريب الحديث ابن قتيبة : ج 2، ص182 ؛ جواهر المطالب، ابن الدمشقي ج 2، ص 11 ؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج 6 ، ص 220 - 221 .

الثاني: أفضلية الزهراء عليها السلام على عائشة

اشارة

إنَّ الحجج القاطعة والأدلة الساطعة والبراهين اللامعة تثبت أنَّ الزهراء عليها السلام عديمة النظير في عالم الإمكان ودنيا،المرأة، وقد صرحت بذلك روايات مصادر أهل السنة قبل غيرهم، ومما يُؤسف له أنَّ البعض تجاهل ما صرحت به تلك الروايات الصحيحة رغم وفرتها وكثرتها ووردها في أمهات المصادر، فقال إنَّ عائشة أفضل من فاطمة ملتمساً بعض الحجج الواهية والأدلّة الموبوءة، ومتمسّكاً بكل ما هو غثٌ وسمين من أجل تفضيل عائشة على سيدة نساء العالمين عليها السلام.

أدلة تفضيل عائشة
اشارة

عمدة ما استدل به لتفضيل عائشة :

الحديث المنسوب لرسولِ الله صلى الله عليه وآله: «خذوا ثلثي دينكم عن هذه الحميراء».

وما رووه عنه صلى الله عليه وآله فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام .

قولهم: إنَّ عائشة يوم القيامة في الجنّة مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، وفاطمة يومئذ فيها مع زوجها عليّ صلى الله عليه وآله، وفرق بين مقام النبي صلى الله عليه وآله ومقام علي عليه السلام.

وقفة مع أدلة تفضيل عائشة

سوف نقف مع تلك الأدلة وقفةً موضوعية مختصرةً، ونعتمد في مناقشتها على خصوص ما أفادته المصادر السنية نفسها، لئلا نخرج عن منهج الكتاب، فنقول :

أولاً: وقفة سريعة مع حديث الحميراء

كان يدور في خلدي وأنا أروم البحث عن حديث الحميراء، من أي نقطة أبدأ، وإلى أين سوف أنتهي، وكنت أظن أن حديث الحميراء من الأحاديث النبوية الشريفة، ولم يكن يخطر ببالي أبداً أنه من الأحاديث المنتحلة، والأكاذيب المفتعلة،والأساطير المفبركة، حتى وقفت على ما نقله جهابذة العلم من أهل السنة، فرأيتهم قد قدَّموا الخطى لمن أراد دراسة الحديث وبيان قيمته العلمية، ورأيتُ جلهم قد يسقط تلك (الفرية) عن الاعتبار، ويسد بوجه من تمسك بها كلَّ الأعذار، ودونك بعضُ كلماتهم إن شئت أن تقف على حقيقة الحال، وأنت أيُّها القارئ الحصيف كن

حكماً، وقل لي : هل أنَّ هذا الحديث يحلُّ شرعاً نسبته إلى ساحة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، فضلاً عن الاستدلال به على تفضيل عائشة ؟ وهل يملك الأهليَّةَ لمعارضة الأحاديث الصحيحة الواردة عن سيّد النبيين بالجزم والقطع واليقين بشأن سيدة نساء العالمين؟ وسوف اكتفي بإيراد تلك الكلمات تاركاً التعليق لمن له مسكة في فهم الأخبار:

1 - الحافظ ابن حجر العسقلاني: قال: «لا أعرف له إسناداً ولا روايةً في شيء من كتب الحديثِ إلا في النهاية لابن الأثير، ولم يذكُرُ مَن خرَّجه (1).

2 - الحافظ ابن كثير الدمشقي قال في البداية والنهاية ما هذا نصه: «فأمَّا ما يلهج به كثير من الفقهاء وعلماء الأصول من إيرادِ حديث: «خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء»، فإنَّه ليس له أصل، ولا هو مثبت في شيء من أصول الإسلام،

وسألتُ عنه شيخنا أبا الحجاج المزي، فقال : لا أصل له(2).

3-السخاوي: قال: «ذكره في الفردوس بغير إسناد وبغير هذا اللفظ، ولفظه : خذوا ثلث دينكم من بيتِ الحميراء. وبيَّضَ له صاحب مسند الفردوس:


1) تحفة الأحوذي، المباركفوري : ج 10، ص 259 ؛ كشف الخفاء، العجلوني: ج 1 ، ص 374 .

2) البداية والنهاية ابن كثير : ج 8، ص 100 .

ولم يخرج له إسنادا(1).

4 - المزي: قال صاحبُ كشف الخفاء للعجلوني: إنَّ الحافظ ابن كثير سأل المزي عن الحديثِ فلم يعرفه، وقال: لم أقف له على سند إلى الآن(2)، ونقل عنه قوله : كلّ حديث فيه يا حميراء، فهو موضوع، إلا حديث عن النسائي(3).

5-الزركشي : قال في الإصابة: لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة في أثناء تعديد خصائصها: (السابعة والعشرون) جاء في حقها: «خذوا شطرَ دينكم عن الحميراء ، وسألتُ شيخنا الحافظ عماد الدين ابن كثير رحمه الله عن ذلك، فقال:

كان شيخنا حافظ الدنيا أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالى يقول: كل حديث فيه ذكرُ الحميراء ،باطل إلا حديث في الصوم في سندِ النسائي (4).

6- الإمام السيوطي: قال الإمام السيوطي عند ذكر حديث الحميراء: «لم


1) تحفة الأحوذي، المباركفوري: ج 10 ، ص 259 .

2) كشف الخفاء العجلوني : ج 1، ص 374.

3) تعليقة عادل أحمد وعلى معوض على سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 2، ص 22 الحاشية.

4) تعليقة عادل أحمد وعلى معوض على سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 2، ص 122، الحاشية.

أقف عليه(1)، وهو على الرغم من تبحره في العلم وكثرة مصنفاته، لم يعثر على الحديث، ولو كان له أصل معروف لما خفي عليه.

7-الملا علي القاري : قال : وقد اشتهر أيضاً حديثُ كلمتين يا حميراء، وليس له أصل عند العلماء(2). فكيف يكون من لا أصل له عند أهل العلم دليلاً لقضيّة من أهم القضايا التي لا ينبغي للنبي صلى الله عليه وآله إهمالها وترك أمرها

للوضاعين والمختلقين؟.

8-ابن القيم الجوزية وابن الغرس: قال ابن الغرس: رأيتُ في الأجوبة على الأسئلة الطرابلسية لابن قيم الجوزية: إنّ كلّ حديث فيه يا حميراء أو ذكرُ الحميراء فهو كاذب مختلق، كحديث: يا حميراء ، لا تأكلي الطين، فإنَّه يورث كذا وكذا»،

وحديث : «خذوا شطر دينكم عن الحميراء(3).

أقول: وكلامه في بطلان كل حديث بلفظ الحميراء ليس صحيحاً على إطلاقه، فقد صحح علماء السنة بعض الأحاديث بلفظ الحميراء، منها: ما في سنن ابن ماجة، قال: استثنى من ذلك ما أخرجه الحاكم من طريق عبد الجبار بن الورد،


1) تحفة الأحوذي، المباركفوري: ج 10، ص 259؛ كشف الخفاء، العجلوني: ج 1، ص 374 - 375.

2) كشف الخفاء العجلوني : ج 1 ، ص 374 - 375.

3) كشف الخفاء العجلوني: ج 1 ، ص 374 - 375 .

عن عمار الذهبي عن سالم بن أبي الجعد، عن أم سلمة، قالت: ذكر النبيُّ صلى الله عليه وآله خروج بعض أمَّهاتِ المؤمنين لحرب أمير المؤمنين عليه السلام، فضحكت عائشة، فقال: «انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت. ثم التفت إلى علي فقال: «إن وليت من أمرها شيئاً، فارفق بها». قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم(1).

وصحح الحاكم حديثاً عند حذيفة رضي الله عنه، ورد فيه لفظ الحميراء ونصُّ الحديث: «عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: كنا عند حذيفة رضي الله عنه ،فقال بعضنا : حدثنا يا أبا عبد الله ما سمعت من رسولِ الله صلى الله عليه وآله، قال: لو فعلتُ لرجمتموني، قال: قلنا سبحان الله أنحن نفعل ذلك؟! قال : أرأيتكم لو حدثتكم أنَّ بعض أمهاتكم تأتيكم في كتيبة، كثير عددها، شديد بأسها، صدقتم به؟ قالوا: سبحان الله، ومن يُصدِّق بهذا؟ ثم قال حذيفة: أتتكم الحميراء في كتيبة

يسوقها أعلاجها حيث تسوء وجوهكم، ثم قام فدخل مخدعاً له». هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه(2).


1) سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني: ج 2، ص 827.

2) المستدرك الحاكم النيسابوري: ج 4 ، ص 471 ؛ المعجم الأوسط، الطبراني: ج 2، ص 35.

9- المزني والذهبي : قال الفتني في تذكرة الموضوعات بشأن الحديث: «سُئل المزني والذهبي فلم يعرفاه »(1)، ونقل في كشف الخفاء للعجلوني عن الحافظ ابن كثير أنَّه قال:وقال شيخُنا الذهبي: «هو من الأحاديث الواهية التي لا يُعرفُ لها سند»(2).

10-الفتني: أدرج الحديثَ في الموضوعات، وعقب عليه بقولة: «(خذوا شطر دينكم عن الحميراء)، قال شيخُنا: لا أعرف له إسناداً، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في نهاية ابن الأثير ، وإلا في الفردوس بغير إسناد، ولفظه: (خذوا

ثلث دينكم من بيت الحميراء)، وسئل المزني والذهبي فلم يعرفاه(3).

11 - العلامة محمود أبو رية استعرض في باب الحديث الموضوع جملةً من الأحاديث الموضوعة، منها حديث الحميراء، وقال وهذا باب واسع لا يمكن إحصاء كلّ ما فيه(4).

وأخيراً : فأنت أيُّها القارئ اللبيب تعرف من ألسنة القوم قيمة الحديث، وهل


1) تذكرة الموضوعات، الفتني : ص 100 .

2) كشف الخفاء العجلوني : ج 1 ، ص 374 - 375 .

3) تذكرة الموضوعات الفتني : ص 100 .

4) أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو رية : ص 127.

يصح الاعتماد عليه في تفضيل عائشة على سيدة النساء عليها السلام التي وردت في إثبات أفضليتها عشرات الأحاديث الصحاح، فضلاً عن الآياتِ القرآنية.

ثم إنني لا أرى من الضرورةِ صرف الوقتِ في إبطال هذا الحديث، بعد ما علمت ما قال فيه جهابذة العلم وروّاد النَّقدِ من علماء العامة، ولكن مع ذلك نقول:لو سدلنا ثوباً على جميع ما قيل بشأن حديث الحميراء من النقد والقدح، وتغافلنا عن كلّ ما نُسِبَتْ له من العلل، وغضضنا الطرف عما ذُكرت بحقه من القوادح ، يبقى القول بأنه لا يصلح لإثبات الأفضلية، وذلك: «لأن قصارى ما في الحديث - على تقدير ثبوته - إثباتُ أنّها عالمة إلى حيث يؤخذ منها ثلثا الدّين، وهذا لا يدلّ على نفي العلم المماثل لعلمها عن بضعتِهِ عليه الصلاة والسلام، ولعلمه صلى الله عليه وآله أنّها لا تبقى بعده زمناً معتداً به يمكن أخذُ الدِّين منها فيه ... ولو عَلِمَ لربَّما قال : خُذُوا كلَّ دينكم عن الزّهراء، وعدم هذا القول في حقٌّ من دلَّ العقلُ والنقل على علمه لا يدلُّ على مفضوليته، وإلا لكانتْ عائشة أفضل من أبيها [بل ولكانت أفضل من عمر وعثمان] لأنه لم يرو عنه في الدين إلا قليل؛ لقلة لبثه، وكثرة غائلته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله [ خصوصاً وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله لم

يقل بحقِّ أي منهم: خُذُوا شَيئاً من دينكم عنهم ، على أنَّ قوله صلى الله عليه وآله:

إنّي تركت فيكم الثقلین :کتاب الله تعالی و عترتی لن یفترنا حتی یردا علی الحوض»، يقوم مقام ذلك الخبر [أي خبر الحميراء] وزيادة [لأن حديث الثقلين ثابت ومتواتر ،وصحيح، ولم يقدح فيه أحدٌ من العلماء، على العكس من حديث

كتاب الله تعالى وعترتي لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحميراء الذي صرّح بسقوطه من عرفت آنفاً ] كما لا يخفى، كيف لا وفاطمة رضي الله تعالى عنها سيدة تلك العترة ؟!)(1).

ثانياً: وقفة قصيرة مع حديث الثريد

ثاني الأدلَّةِ التي اعتمدها القائلون بتفضيل عائشة ما نسب للنبي صلى الله عليه وآله: «فضل عائشة على النساء كفضل الثّريد على الطعام»، والحديث قاصر عن إفادة الأفضلية، وذلك:

1 - إِنَّ حديثَ الثريد لا دلالة له على التفضيل، وقد صرّح جماعةٌ من علماء - السُّنَّة بعدم دلالةِ حديثِ الثَّريد على المدعى، قال المناوي في شرحه: «لا تصريح فيه بأفضلية عائشة على غيرها، لأنَّ فضلَ الشَّريدِ على غيره إنَّما هو لسهولةمساغِهِ،

وتيسر تناوله، وكان يومئذٍ جل طعامِهِم»(2). وقال القاضي عياض في التعقيب على الحديث: ليس فيه ما يشعر بتفضيلها على فاطمة، إذ قد يكون تمثيل تفضيل فاطمة


1) انظر: تفسير الآلوسي الآلوسي: ج 3، ص 156 . وما بين العضادتين منا تتميماً للفائدة.

2) فيض القدير شرح الجامع الصغير المناوي : ج 5 ، ص 66 .

لو مثلها مما هو أرفع من هذا (1).

2- إن حديث الثريد - على فرض وروده في التفضيل - مُعَارِضٌ بما دلّ على تفضيل غيرها صراحةً، وإليك تصريح جماعة من أكابر علمائهم، وتأكيدهم على أنَّ الحديثَ مُعارَضُ بما دلّ على تفضيل غيرها عليها صراحةً، واعترافهم بسقوطه وتقديم تلك الأحاديثِ عليه عند التعارض، فهذا الآلوسي - وهو من عرفت - يقول بشأن الحديث : إنَّه «مُعارَضُ بما يدلُّ على أفضليَّةِ غيرها عليها، فقد أخرج ابن جرير عن عمار بن سعد، أنَّه قال : قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وآله : (فُضّلَتْ خديجة على نساء أمتي كما فُصِّلَتْ مريم على نساء العالمين). بل هذا الحديث أظهر في الأفضلية وأكمل في المدح عند من انجاب عن عين بصيرتهِ عينُ التَّعصُّبِ والتَّعسُّفِ؛ لأنَّ ذلك الخبر [أي خبر الثريد] وإن كان ظاهراً في الأفضلية، لكنه قيل

-ولو على بعد - : إنَّ (أل) في النساء فيه للعهد والمراد بها الأزواج الطاهرات الموجودات حين الإخبار ، ولم يقل مثل ذلك في هذا الحديث»(2).

3-تصريح جماعة من علماءِ السُّنَّةِ ومحققيهم بأن حديث الثريد من وضع


1) إمتاع الأسماع، المقريزي : ج 10، ص 273.

2) تفسير الآلوسي، الآلوسي: ج 3، ص 156 .

الوضاعين وانتحال المبطلين واختلاق المرجفين ، وممن صرَّح بذلك علامة الأزهر الشيخ محمود أبو ريه، فإنَّه عندما تعرَّض لوضع الأحاديث وأسباب الدَّس والاختلاق فيها، وركَّز على دورِ السّياسَةِ الكبير في الترويج لذلك، قال: «إنَّ السياسة قد دخلت في هذا الأمر وأثَرَتْ فيه تأثيراً بالغاً، فسخَّرته ليؤيدها في حكمها، وجعلته من أقوى الدعائم لإقامة بنائها. وقد علا موجُ هذا الوضع السياسي وطغى ماؤه في عهدِ معاوية، الذي أعانَ عليه وساعده بنفوذه وماله... ومن أمثلة هذا الوضع ... أنَّ رسولَ الله قال: فَضْلُ عَائِشَة عَلَى النِّسَاءِ كَفَضلِ الشَّرِيدِ على سائرِ الطَّعام...)(1).

وقد أكد العلامة الحلي القول بوضع الحديث معتمداً على ما أفاده علماء السنة، فقال: «ذكرَ الحاكم : إنَّ مسلماً أخرجَ حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله: (خَيْرُ نِسَاءِ العَالَمينَ أرْبَع، ولم أجده في صحيح مسلم، لا في فَضائل خَديجةً، ولا في فَضائل فاطمة صلى الله عليه وآله. نعم روى في فضائل خديجة (ج) ص (123) عن أبي موسى: لم يكمل من النِّساءِ غير مريم وآسية، وإن فضل عائشة على النساء كفضلِ الشَّرِيدِ على سائرِ الطَّعام). فلعل النساخَ حرَّفوا الحديث إيثاراً


1) أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو رية : ص 126 - 127 .

لعائشة بالفضل، كما يشهد له أنَّ هذا الحديث لم يشمل على ذكر خديجة، فكيف أخرجه مسلم في فضائلها ؟؟؟ ولو لم يكن أصل لما ذكره الحاكم، لتعقبه الذهبي في تلخيصه)(1).

ومع ذلك فإنَّ رائحة الوضع تفوح من الحديث، حيث ركاكةُ اللَّفظِ وَهَشاشة المعنى، كلُّها تَدلَّ عَلى أنَّ الحديث مكذوبٌ مُنتحل ، ولذا قال العلامة الحلي في سياق كلامِهِ السَّابق: «وَقَد رَغَبَ بعضُ القومِ أَنْ يُعارِضَ حديث سيادة الزهراء عليها السلام بما وَضَعَهُ عَلى لِسانِ النَّبي صلى الله عليه وآله أنَّه قال: (فَضْلُ عائشة على النِّساء كفضلِ الشَّريدِ على سَائِرِ الطَّعام)، وهو ظاهرُ الوَضْعِ، إذ لا يَحسُن نسبةُ هذا التشبيه الواهي إلى مَن أُعطيَ جَوامِعَ الكَلِم، وكانَ أفصحَ مَن نَطَقَ بِالضَّادِ، وكيفَ لا يَجْزِمُ بِكذِبِهِ مَنْ عَرَفَ طريقة النّبي صلى الله عليه وآله في لُطْفِ كَلامِهِ، وَحُسنِ بيانِهِ، وَبَديعِ تَشبيهاته؟ وأين هو من قوله : (فاطمة سيّدةُ نِساء العالمين ) ؟»(2).

4 -إِنَّ أفضليَّةَ الشَّريد على الطَّعام مطلقاً غيرُ مُسلَّمة، ولو سُلّمت فهي مَعارضةٌ بما رواه الطبراني، والسيوطي، وابن حجر، والهيثمي، والمناوي، وغيرهم،


1) نهج الحق وكشف الصدق، العلامة الحلي : ص 443

2) نهج الحق وكشف الصدق، العلامة الحلي : ص 445 .

عن النبي صلى الله عليه وآله أنَّه قال: «سيّدُ الإِدَامِ (1)في الدُّنيا والآخرة اللحم، وسيّدُ الشَّراب في الدُّنيا والآخرة الماء...)(2). فما دام النَّرِيدُ مَفضُولاً لا يُستفاد منه التفضيل.

5-على فرض ثبوتِ الحديثِ، أمكن القول: بأنَّه يتضمَّنُ القَدْحَ بسائر النِّساءِ، وذلك بالتقرير التالي : لقد ثبت بحقِّ عائشة تطاولها على حدودِ الشّريعة ولمرات عديدة - وإنْ اعتذر لها العامَّةُ بأعذارٍ واهية - منها: خروجُها على إمام زمانها(3)، فقُتِل بسببها عشرون ألفاً أو يزيدون، ودعوى توبتها مُنتَقَضة بفرحها وشماتتِها عند وصولِ خبر شهادته عليه السلام (4).

ومنها ما أثبته علماء أهل السنة أنّها كانت تؤذي النبي صلى الله عليه وآله وتؤله، حتى شكاها لأبي بكر، فقد روى ابن سعد في الطبقات عن الزهري عن ابن


1) والإدامُ : ما يؤتَدَمُ به. تقول منه : أَدَمَ الخبز باللحم يَأدِمُهُ ، بالكسر.

2) المعجم الأوسط، الطبراني: ج 7، ص 271 ؛ الجامع الصغير ، جلال الدين السيوطي: ج2، ص 57 ؛ فتح الباري، ابن حجر : ج 9، ص 482 ؛ مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 5 ، ص 35 ، تحفة الأحوذي، المباركفوري: ج 10 ، ص 261 ؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 15 ، ص 281 ؛ فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي : ج 4 ، ص 156 ؛ كشف الخفاء، العجلوني: ج 1، ص 154؛ أضواء البيان، الشنقيطي: ج ه ، ص 80؛ سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 12 ، ص 225 .

3) الذي أجمع أهل القبلة على صحة إمامته، من غير فرق بينَ أهلِ النَّص والشُّورى.

4) تاريخ الطبري، الطبري: ج 4 ، ص 115؛ مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني: ص 26 .

المُسَيَّب قال: «قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله لأبي بكر : يا أبا بكر، ألا تعذرني من عائشة قال فرفع أبو بكر يدَه فضرب صدرها ضربةً شديدةً، فجعل رسول الله يقول: غفر الله لك يا أبا بكر ، ما أردتُ هذا(1). وأورد الحلبي الشافعي في سيرته،

والهيثمي في مجمع الزوائد، وأبو يعلى الموصلي، والإمام الصالحي الشامي، واللفظ له قال: روى أبو يعلى بسند لا بأس به، وأبو الشيخ بن حيان بسند جيد قوي عن عائشة قالت: كانَ في متاعي خف، وكان على جمل ناج، وكان متاع صفية فيه ثقل، وكان على جمل ثقال، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : حَوِّلوا متاع عائشة على جمل صفيّة، وحَوِّلوا متاعَ صفيّة على جمل عائشة حتى يمضي الرَّكب، قلت: يا لعباد الله، غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أمّ عبد الله، إنَّ متاعك فيه خف، وكان متاعُ صفية فيه ثقل، فأبطأ الرَّكب فحوَّلنا متاعها على بعيرك وحوّلنا متاعك على بعيرها، قالت: فقلت: ألست تزعم أنَّكَ رسول الله؟؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: أوَ في شكٍّ أنتِ يا أمّ المؤمنين، يا أم عبد الله ، قلت : ألستَ تزعم أنَّك رسول الله صلى الله عليه وآله، فهلًا عَدَلْتَ؟!وسمعني أبوبكر ، وكان فيه غرب ( أي حدة)، فأقبل عليَّ فلطم وجهي».


1) الطبقات الكبرى محمد بن سعد : ج 8، ص80 - 81 .

ورواه الإمام أحمد بإسناده عن صفيّة(1).

وأمثال ذلك في المصادر السُّنية كثيرٌ يفوق حد الحصر، وبناءً عليه أقول: إنْ كانت هذه فضلى النساء فما بالك بغيرها، ولو صدق الحديثُ فَعَلَى عالم المرأةِ السَّلام.

6-تصريح جماعة من علماء أهل السنة بأنَّ لفظ النساء في هذا الحديث منصرف إلى خصوص نساء النبي صلى الله عليه وآله حال الخطاب، وعليه فتنتفي دلالته على تفضيلها على سيدة النساء عليها السلام، قال ابنُ أبي الحديد المعتزلي:

وأصحابنا يحملون لفظة النساء في هذا الخبر على زوجاته، لأنَّ فاطمة عليها السلام عندهم أفضلُ منها، لقوله صلى الله عليه وآله: «إنّها سيدة نساء العالمين»(2).

ثالثاً: مناقشة الاستدلال بأنها مع النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة:

ومما استُدِلَ به لتفضيل عائشة وتقديمها على سيّدة النساء عليها السلام، قولهم: إن عائشة يوم القيامة في الجنَّةِ مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، وفاطمة يومئذٍ فيها مع زوجها عليّ صلى الله عليه وآله، وفرق بين مقام النبي صلى


1) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 9، ص71؛ السيرة الحلبية، الحلبي : ج 3، ص313؛ مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 4 ، ص 322؛ مسند أبي يعلى، أبو يعلى الموصلي: ج 8، ص129 - 130 .

2) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ج 14 ، ص 23 .

الله عليه وآله ومقام علي عليه السلام.

وهذا الكلام من أوهن ما استدل به لتفضيل عائشة، ومع ذلك نقولفي جوابه:

1-أثبتت الأخبار والروايات السنيّة بكل تأكيد أنَّ دارَ عليّ عليه السلام في الجنّة نفس دارِ النبي صلى الله عليه وآله، فلا فرق بين مقام علي عليه السلام ومقامِ النبي صلى الله عليه وآله ومن تلك الروايات ما رواه الخزرجي «عن عليّ: إن رسول الله قال لابنته فاطمة : إنّي وإياك وهذين وهذا الرائد [الراقد] والدهما علياً في الجنة في مكان واحد . رواه أبو داود الطيالسي(1).

ومنها ما رواه الحاكم الحسكاني والثعلبي والقرطبي والقندوزي والصفوري وغيرهم عن أبي جعفر قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن قوله: (طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبِ )(2)، فقال: «شجرة أصلها في داري وفرعُها على أهلِ الجنَّة».

ثم سُئل عنها مرةً أخرى، فقال: «شجرةً في الجنَّةِ أصلها في دار علي وفرعها


1) سورة الرعد 29 .

2) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال الخزرجي الأنصاري : ص83.

علی أهل الجنَّةِ»

فقيل له: سألناك عنها يا رسول الله ! فقلت: «أصلها في داري»، ثم سألناك عنها مرَّةً أخرى فقلت: «شجرةً في الجنَّةِ أصلها في دار على وفرعها على أهل الجنَّةِ»، فقال: «إنَّ داري ودار علي واحدة(1).

ومنها ما رواه الحاكم الحسكاني والبكري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله يوماً لعمر بن الخطاب: «إنَّ في الجنَّةِ لشجرة ما في الجنَّة قصر ولا دارٌ ولا منزل ولا مجلس إلا وفيه غصن من أغصان تلك الشجرة [ و ] أصل تلك الشجرة في داري.

ثم مضى على ذلك ثلاثة أيام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عمر! إنَّ في الجنَّةِ لشجرة ما في الجنَّةِ قصر ولا دارٌ ولا منزل ولا مجلس إلا وفيه غصن من أغصان تلك الشجرة، أصلها في دارِ عليّ بن أبي طالب.

قال عمر: يا رسول الله ! قلت ذلك اليوم: إنَّ أصل تلك الشجرة في داري واليوم قلت: إنَّ أصل تلك الشجرة في دار عليّ؟! فقال رسول الله : أما علمتَ أنَّ منزلي ومنزل عليّ في الجنَّةِ واحد، وقصري وقصر عليّ في الجنة واحد، وسريري


1) شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني : ج 1، ص 398؛ تفسير الثعلبي، الثعلبي : ج 5 ، ص 290 - 291؛ نزهة المجالس، الصفوري: ج 2، ص 209؛ الجامع لأحكام القرآن القرطبي: ج9، ص317؛ تنزيل الآيات، الحبري : ص 15؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي : ج 1، ص 287 ، وج 1، ص 394.

وسرير علي في الجنة واحده(1).

ومنها ما روي عن عليّ عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «في الجنّة درجةً تُدعَى الوسيلة، فإذا سألتموا الله فسلوالي الوسيلة قالوا يا رسول الله ! من يسكنُ معك فيها ؟ قال علي وفاطمة والحسن والحسين(2).

فتكون فاطمة عليها السلام مع النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة، فيبطل ما تمسّك به المرجفون، خصوصاً من أنّ النبى صلى الله عليه وآله سئل في الحديث آنف الذكر عمن يسكن معه في الوسيلة، فذكر علياً وفاطمة والحسنين عليهم السلام ولم يذكر عائشة منهم، ثم إنّي لأعجب ممن يقول أنَّ فاطمة عليها السلام في القيامة أقل منزلاً ومنزلة من غيرها، فما معنى كونها سيدة نساء العالمين؟

2- ما أجاب به الآلوسي وهو دليل ليس فوقه دليل، بأنَّ الذي قالوه في تفضيلها أي كونها مع النبي يوم القيامة يستدعي أنْ يكونَ سائر زوجات النبي صلى الله عليه وآله أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام لأَنَّ


1) شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج 1، ص 398 399؛ من حياة الخليفة عمر بن الخطاب، عبد الرحمن البكري: ص318 - 319 .

2) المناقب، ابن مردويه الأصفهاني : ص188 ؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير: ج2، ص56؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 12، ص 103؛ وج 13 ، ص 639 - 640 .

مقامهم بلا ريب ليس كمقامِ صاحب المقام المحمودِ صلى الله عليه وآله، فلو كانت الشركةُ في المنزل مستدعيةً للأفضليَّةِ لزمَ ذلك قطعاً ولا قائل به (1).

3-إنَّ القول بكون عائشة مع النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة لمجرد كونها زوجته في الدنيا أمرُ مناقش فيه على إطلاقه، فليست الزوجية هي مناط الدخول إلى الجنّة والكون مع النبي صلى الله عليه وآله، بل الاعتقاد السليم والعمل

الصالح المقرون بالنية الخالصة، المصحوب بالمداومة، لا الزوجية وحدها.

وقد صرّح القرآن الكريم بأن بعض نساء الأنبياء عليهم السلام لسن معهم في الجنَّة، قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الداخلين) (2)، فليس كلُّ مَن كانت زوجةً لنبي من الأنبياء فهي معه في الجنة.

الثالث: بعض من قال بتفضيل الزهراء عليها السلام من علماء السنة

بعد أن ذكرنا سقوط الأدلّة التي اعتمد عليها القائلون بتفضيل عموم نساء


1) تفسير الآلوسي، الآلوسي: ج 3، ص 156 .

2) سورة التحريم: 10 .

النبي صلى الله عليه وآله أو خصوص عائشة ، على سيّدة النساء عليها السلام نختم البحث بذكرِ جماعة من علماء أهل السنة ممن صرَّح بالأفضلية المطلقة لسيّدةِ نساء العالمين عليها السلام:

1- الإمام مالك بن أنس : قال الأهدل: «نقل عن مالك أنَّه قال: لا أفضّل على بَضعة النبي صلى الله عليه وآله أحداً»(1).

2- العلامة المناوي : قال في التعقيب على قول النبي صلى الله عليه وآله: «فاطمة سيّدة نساء أهل الجنة»، قال: فعلِمَ أنَّها أفضل من عائشة لكونها بضعة منه(2)، وقال في موضع آخر عند ذكر مرورها على الصراط: «وفيه إشعار أنَّها أفضل النساء مطلقاً(3).

3- الإمام السبكي قال: «الذي نختاره وندين الله به: أنَّ فاطمةَ أفضل ثم خديجة (4)، وقال الإمام الصالحي الشامي في عرض الآراء: «قلت: وحاصل الكلام السابق أن السبكي اختار أنَّ السيدة فاطمة أفضل من أمها، وأنَّ أمَّها أفضل


1) الخصائص النبوية، الأهدل ص 240 .

2) فيض القدير شرح الجامع الصغير المناوي : ج 4 ، ص 555 .

3) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي : ج 1، ص 530 .

4) فيض القدير شرح الجامع الصغير المناوي : ج 4 ، ص 555 ؛ تفسير الآلوسي الآلوسي: ج 3، ص 156 .

عائشة (1).

4-ابن حجر العسقلاني: قال: «ولوضوح ما قاله السبكي تبعه عليه المحققون»، ثم قال: «أفضلهن فاطمة فخديجة، ثم قال: «وظاهر الأحاديث أفضليتها على أخواتها ؛ لكونه خصَّها بالبضعة منه ،دونهن، ولتجرعها ألم فقده دونهن لموتهن في حياته(2)، وقال في فتح الباري: «قال السبكي الكبير : الذي ندين الله به أنَّ فاطمة أفضل ثم خديجة... والخلاف شهير، ولكن الحق أحقُّ أنْ يُتَّبع(3).

5- السهيلي: قال في التعقيب على حديث: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ما نصه: تكلَّم الناسُ في المعنى الذي سادتْ به غيرها دون أخواتها وأمها؛ لأنَّهُنَّ متن في حياةِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله فكن في صحيفته، ومات سيد العالمين في حياتها فكان رزؤه في صحيفتها ومميزاتها، وقد روى البزار عن عائشة أنَّه صلى الله عليه وآله قال لها : (هي خير بناتي؛ لأنّها أصيبت بي) ، ومن سؤددها أيضاً أنَّ المهدي المبشر به في آخر الزمان من ذريَّتها مخصوصة بذلك كله (4).


1) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 11، ص 162 .

2) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي: ج 4، ص 555.

3) فتح الباري ابن حجر العسقلاني: ج 7، ص 84 .

4) فيض القدير شرح الجامع الصغير المناوي : ج 4 ، ص 555 .

6-الإمام علم الدين العراقي: قال المناوي في فيض القدير : وذكر العلم العراقي أنَّ فاطمةَ وأخاها إبراهيم أفضل من الخلفاء الأربعة بالاتفاق(1). فتكون أفضل من بنات الخلفاء وزوجاتهم وفق المباني السنية القائلة بأفضلية الخلفاء على غيرهم من آحاد الأمة.

7-شهاب الدين الآلوسي : قال بعد عرض ما قيل في التفضيل: «وبعد هذا كلّه الذي يدور في خلدي أنَّ أفضل النساءفاطمة، ثم أمها»، ثم ترقى فقال: «بل لو قال قائل : إِنَّ سائرَ بناتِ النبي صلى الله عليه وآله أفضل من عائشة لا أرى عليه بأساً(2). ثم قال بعد عرض الأحاديث الصحيحة المصرَّحة بأفضليها عليها السلام الذي أميل إليه : انَّ فاطمة البتول أفضل النساءِ المتقدّمات والمتأخرات من حيث إنَّهَا بَضعةُ رسولِ الله صلى الله عليه وآله، بل ومن حيثياتٍ أخر أيضاً ... إذ البضعيّة من روح الوجود وسيد كل موجود لا أراها تُقابل بشيء، وأين الثريا من المتناول، ومن هنا يُعلم أفضليّتُها على عائشة(3).

8- القاضي الخضري: وقال القاضي قطب الدين الخضري في الخصائص


1) فيض القدير شرح الجامع الصغير المناوي : ج 4 ، ص 555 ؛ الخصائص النبوية، الأهدل: ص 240 .

2) تفسير الآلوسي، الآلوسي: ج 3، ص156.

3) تفسير الآلوسي، الآلوسي: ج 3، ص 155 .

بعد أن ذكر في التفضيل بين خديجة ومريم: إذا علمت ذلك فينبغي أنْ يُستثنى من إطلاق التفضيل سيدتنا فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله، فهي أفضلُ نساء العالم، لقوله صلى الله عليه وآله : فاطمة بضعة مني ، ولا يُعدل ببضعة رسول الله صلى الله عليه وآله أحد (1).

9- الزركشي: نقل قوله الإمام الصالحي الشامي في سبل الهدى والرشاد فقال: «قال الزركشي في الخادم - عند قول الرافعي والنووي: وتفضيل زوجاته صلى الله عليه وآله على سائر النساء - ما نصه : هل المراد نساء هذه الأمة أو النساء كلهن ؟ فيه خلاف، حكاه الروياني ويُستثنى من الخلاف سيدتنا فاطمة، فهي أفضلُ نساء العالم، لقوله صلى الله عليه وآله : ( بضعة منّي ) ، ولا يُعدل ببضعة من رسول الله صلى الله عليه وآله أحدٌ، وفي الصحيح: أما ترضين أن تكوني خير نساء هذه الأمة»(2).

10- الإمام السيوطي وابن المغربي: نقل كلامهما الإمام الصالحي قائلاً: «قال شيخنا [ أي الإمام السيوطي]: الصواب: القطع بتفضيل فاطمة، وصححه السبكي، قال في الحلبيات: قال بعضُ مَن يعتد به: بأنَّ عائشة أفضل من فاطمة،


1) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 11 ، ص 162 .

2) سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي: ج 11 ، ص 163 .

وهذا قول مَن يرى أنَّ أفضل الصحابة زوجاته؛ لأنهن معه في درجته في الجنَّة التي هي أعلى الدرجات، وهو قول ساقط مردود وضعيف، لا سند له من نظر ولا نقل، والذي نختاره وندين الله تعالى به : أنَّ فاطمة أفضل، ثم خديجة ثم قال: «وبه جزم ابنُ المغربي في روضته(1).

11- أبو حيان الأندلسي: قال في البحر المحيط: «قال بعض شيوخنا : والذي رأيتُ ممن اجتمعت عليه من العلماء، أنّهم ينقلون عن أشياخهم : أنَّ فاطمة أفضل النساء؛ المتقدمات والمتأخرات؛ لأنها بضعة من رسول الله صلى الله عليه وآله»(2).

12- محمود بن أحمد العيني: قال في عمدة القاري: «والذي أراه أنَّ فاطمةَ أفضلُ ؛ لأنَّها بَضعة منه، ولا يعدل ببضعته (3).

الرابع: بعض مرويات السنة في أفضلية الزهراء عليها السلام

اشارة

إنَّ فيما ذكرناه كفايةً في إسقاط القول بتفضيل عائشة على سيّدة النّساء عليها السلام، ولكننا نضيف إليه بعض ما ورد في إثبات أفضلية الزهراء عليها السلام،


1) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 11، ص 161 .

2) تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي: ج 2، ص 477 .

3) عمدة القاري العيني: ج 21 ، ص 54 .

تعميماً للفائدة وقطعاً للعذر

1-أخرج الحاكم في مستدركه وابن حجر والزيلعي،عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:«أفضل نساء العالمين خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ، ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون».

هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا اللفظ(1).

وقال الزيلعي روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث:ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أفضل نساء العالمين أربع ...»،فذكرهن، وصححه الحاكم(2).

2- أخرج ابن عساكر والذهبي وابن عبد البر وغيرهم عن قتادة عن أنس - واللفظ لابن عساكر - إِنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله قال: «حسبك من نساء العالمين مريم بنت - وقال ابن المقرئ ابنة - عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون (3).


1) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج 2، ص 594 - 595 وانظر : فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص 105 .

2) (2) تخريج الأحاديث والآثار الزيلعي: ج 4 ، ص 67 .

3) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساکر : ج 70، ص 109 ، ح 13807؛ سير أعلام النبلاء،الذهبي :ج 2، ص 126؛ : الاستیعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1822 ؛ ينابيع المودة لذوي القربي، القندوزي: ج 2، ص 54 .

3-روى ابن حجر وابنُ عبد البر والقندوزي والقرطبي - واللفظ له - قال: روي من طرق صحيحة أنه صلى الله عليه وآله قال - فيما رواه عنه أبو هريرة -: خيرُ نساء العالمين أربع؛ مريم بنت ،عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد(1)، وأخرجه ابن عبد البر والذهبي من طريق أنس أيضاً(2).

4- أخرج ابن عساكر والسيوطي من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: «أربع نسوة سادات عالمهن؛ مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه

وآله، وأفضلهن عالماً فاطمة»(3).

التنبيه على نقطتين

قبل ختام البحث لابد من الإشارة إلى مسالتين، هما في غاية الأهمية : الأولى إنَّ ما ذكرنا من الروايات المعتبرة وارد في مقام إثبات الأفضلية


1) الإصابة، ابن حجر : ج 8، ص 264 ؛ الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1820؛ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: ج 4 ، ص 83؛ ينابيع المودة لذوي القربي، القندوزي: ج 2، ص58 .

2) الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1822 ؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 2، ص 126 .

3) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساکر : ج 70، ص108؛ الدر المنثور، جلال الدين السيوطي: ج 2، ص 23 .

وحصرها بأربع نسوة لم تكن عائشة ،إحداهن فليس من الإنصاف القولُ بمضاهاتها للزهراء عليها السلام فضلاً عن تفضيلها عليها .

الثانية: إنَّ الأحاديث الواردة في أثبات أفضليّة الزهراء عليها السلام من الأحاديث التي اعترف بصحتها كبار علماء أهل السنة، وهذا ينسجم تماماً مع إجماع العترة الطاهرة على تفضيلها.

خلاصة واستنتاج

تبين من خلال هذا العرض المقتضب أن الزهراء عليها السلام سيدة عالم الإمكان، وليس هنالك من يملك الأهليَّة لمنافستها، وإنَّ كلَّ ما التمسه القومُ لتفضيل بعض النساء وتقديمهنَّ عليها محاولات فاشلة ومجازفات بائسة، وسعي

لإبطالِ الحقِّ وإطفاء منار الصدق، ولعمري إنَّ السَّعي لردّ مثل هذه الأحاديثِ الصحيحة الصريحة الواردة بشأن الزهراء عليها السلام بهذه الحجج الواهية والأدلة الخاوية سعي لإقامة باطل بدعائم هي أوهن من بيوت العنكبوت، ولا يصير إلى ذلك إلا مَن به جُنَّة، أو أصيب بداء التعصب البغيض.

وما أدري لماذا اجتهدوا في إثباتِ فضيلة لعائشة، قد أثبتتها هي لغيرها صراحة، ونفتها عن نفسها التزاماً، وقد نقلوها بأحاديثهم الصحيحة، ففي المعجم

الأوسط للطبراني عن عمر بن دينار، قال : قالت عائشة: «ما رأيتُ أفضل من فاطمةَ غير أبيها»(1).

وأخرجه الهيثمي معترفاً بصحته، قال : رواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى... ورجالهما رجال الصحيح..(2)، وأورده الإمام الصالحي الشامي مؤكداً صحته، قال: وروى الطبراني برجال الصحيح عن عائشة... وذكر الحديث بتمامه(3)، وكذا فعل ابن حجر في الإصابة، ولفظه : «ما رأيتُ قط أفضل من فاطمةَ غير أبيها»، ثم قال: «أخرجه الطبراني في ترجمة إبراهيم بن هاشم من المعجمِ الأوسط، وسنده صحيح على شرط الشيخين(4).


1) المعجم الأوسط، الطبراني: ج 3، ص 137.

2) مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص201.

3) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 11 ، ص 46 .

4) الإصابة، ابن حجر : ج 8، ص 264 .

البحث الرابع أكذوبة خطبة علي عليه السلام لبنت أبي جهل

اشارة

لا شك في أنَّ يدَ الاختلاق والافتراء قد عبثت بالتراث منذ زمن النبي صلى الله عليه وآله، الأمر الذي حدا به صلى الله عليه وآله أن يرتقي المنبر ويعلنها أمام الملأ من أصحابه، قائلاً: «مَن كذب علي متعمداً، فليتبوء مقعده من النار»(1). وقد اشتدت حملة الكذب والاختلاق بعد وفاته صلى الله عليه وآله؛ وأصبحت أحد المناهج الرسمية التي اتخذها الأمويون وسيلةً لتثبيت سلطانهم، وسلَّماً للوصول إلى أهدافهم وتحقيق مآربهم، فوظفوا من يجيد الاختلاق ويستسيغ الكذب، للنيل من غرمائهم الذين يرون في وجودهم تهديداً للمصالح الأموية، وحائلاً دون مطامعهم السلطوية ، فأصبح أهل البيت عليهم السلام ضحية الاختلاق، وفريسة الافتراء،وطعمة الكذب، فرووا فيهم كلَّ قبيح ونسبوهم إليهم كلَّ شين، وكان معاويةُ بنُ أبي سفيان قائد حملة الاختلاق، ورائد سياسة الافتراء، قال أبو جعفر الاسكافي المعتزلي: «إنَّ معاوية حمل قوماً من الصحابة، وقوماً من التابعين على رواية أخبار


1) صحیح مسلم مسلم النيسابوري: ج 1، ص8؛ سنن الترمذي، الترمذي: ج 4، ص 142؛ مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 1، ص 78؛ المستدرك ، الحاكم: ج 1، ص 77؛ السنن الكبرى، البيهقي: ج 4، ص 72.

قبيحة في عليّ عليه السلام تقتضي الطعن فيه والبراءةَ منه، وجعل لهم على ذلك جعلاً، فاختلقوا له ما أرضاه»(1).

وقال المدائني في كتاب الأحداث : كتب معاوية نسخةً واحدةً إلى عماله بعد عام الجماعة: (أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تُراب، وأهل بيته)... وكتب إلى عماله في جميع الآفاق: (أن) انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه، وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا إليَّ بكل ما يروي كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه، وعشيرته).

ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعث إليهم معاويةً من الصلات، والكساء والحباء والقطايع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحدٌ مردود من الناس

عاملاً من عمال ،معاوية، فيروي في عثمان فضيلةً أو منقبةً، إلا كتب اسمه وقربه وشفّعه ...

وكتب إلى عماله: ( ولا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تُراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنَّ هذا أحبّ إليَّ، وأقرّ إلى عيني، وأدحض لحجّةِ


1) أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو ريه : ص 216 .

أبي تُراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله)، فقُرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرةٌ في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها. وجد الناسُ في رواية ما يجري هذا المجرى، حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقي إلى معلمي الكتاتيب، فعلَّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتى رووه وتعلموه كما يتعلّمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ... فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة،وكان أعظم الناس في ذلك القرّاء والمراءون والمستضعفون...»(1).

ولعل من أهم الأحاديث التي تفوح منها رائحة الكذب والافتراء، ما رواه بعضُ علماء أهل السنة، انَّ علياً عليه السلام استأذن النبي صلى الله عليه وآله في التزوج بابنة أبي جهل، فضجر النبيُّ صلى الله عليه وآله وقال: «لا آذن، لا آذن، لا

آذن، إِنَّ فاطمة بضعةٌ منّي، يؤذيني ما يؤذيها، ويسرني ما يسرُّها، والله لا يجمع بين بنتِ عدو الله، وبنتِ حبيب الله»(2).

وقد أخرجه البخاري في أربعة طرق كلُّها تنتهي إلى المسور بن مخرمة وأخرجه مسلم بأربعة طرق تنتهي كلُّها إلى المِسْوَر نفسه، وأخرجه الترمذي


1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج 11، ص 44 - 45 .

2) مفاتيح الغيب الرازي: ج 32 ، ص 141 .

بطريقين ينتهي أحدهما إلى المِسْوَر نفسه والثاني إلى عبد الله بن الزبير، وأخرجه ابنُ ماجة بثلاثة طرق تنتهي إلى المسور بن مخرمة، وأخرجه أحمد بن حنبل بخمسة طرق تنتهي أربعة منها إلى المِسْوَر بن مخرمة والخامس إلى عبد الله بن الزبير.

أقول: إنّي لم اتتبع جميع طرق هذه الفرية والبهتان العظيم)، ولكن روايات الصحاح جعلت المدار فيها على رجلين: وهما المسور بن مخرمة وعبد الله بن الزبير.

والقارئ اللبيب إذا عرف من هما أصل هذه الفِرية) يقطع بأنّها من مصانع الدجل والافتراء، ونحن نذكر شيئاً يسيراً من أحوال هذين الرجلين، ليعرف القارئ الكريم القيمة العلمية لما أخرجه أصحاب الصحاح عنهما:

1-عبد الله بن الزبير :

إِنَّ أشهر ما عُرف عن ابن الزبير التجاهر ببغض أهل البيت عليهم السلام ، الذين قال فيهم النبيُّ صلى الله عليه وآله: «ألا ومن مات على بغض آلِ محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومَن ماتَ على بغض آلِ محمدٍ

مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آلِ محمد لم يشم رائحة الجنة(1). قال المسعودي:


1) الكشاف الزمخشري : ج 3، ص 467 ؛ مفاتيح الغيب ، الرازي: ج 27 ، ص 166؛ تفسير ابن عربي، ابن العربي: ج 2، ص 219؛ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: ج16، ص 23؛ وانظر: تفسير الثعالبي، ص219؛الثعالبي : ج 5 ، ص 157 ؛ المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ابن عطية الأندلسي: ج 5 ، ص 34 .

وكان ابن الزبير لا يخفي كراهية لأهل البيت فقد قال ذات مرّة لعبد الله بن العباس: إنّي لا أكتم بغضَكم أهل البيت منذ أربعين سنة.(1)

وقد بلغ من بغضه لأهل بيت النبوة عليهم السلام أنه ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله بغضاً وحسداً وحقداً، قال ابن أبي الحديد: روى عمر بن شبه وابن الكلبي والواقدي وغيرهم من رواة السير: إنَّه مكث أيامَ ادّعائه الخلافةَ أربعين جمعة لا يصلّي فيها على النبي صلى الله عليه وآله، وقال: لا يمنعني من ذكره إلا أن تشمخ رجالٌ بآنافها»، وفي رواية محمد بن حبيب وأبي عبيدة معمر بن المثنى : إنَّ له أهيل سوء ينغضون رؤوسهم عند ذكره(2).

وكان ينعتهم بالسحرة الكفرة، ويدعوا عليهم، ويصفهم بأهل بيت السوء، وقد ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي طرفاً من أخباره منها قوله : «والله لقد هممتُ أنْ أحظر لهم حظيرة ثم أضرمها عليهم ناراً، فإنّي لا أقتل منهم إلا آثماً كفاراً سحاراً، لا أنماهم الله ولا بارك عليهم بيت سوء لا أوّل لهم ولا آخر، والله ما ترك نبي الله فيهم خيراً، استفرع نبي الله صدقهم فهم أكذب الناس(3).


1) مروج الذهب، المسعودي: ج 3، ص 80 .

2) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد: ج 4 ، ص 62.

3) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد: ج 20، ص128 .

واتَّفق المؤرخون على أنَّه حبس محمد بن الحنفية ومَن معه من أهلِ بيته ... وتوعدهم بالقتل والإحراق، وأعطى الله عهداً إن لم يبايعوا أن ينفّذ فيهم ما توعدهم به وضرب لهم في ذلك أجلاً(1)، فأنقذهم المختار قبل حلول الأجل.

وهو الذي أخرج عبد الله بن عباس إلى الطائف فمات بها (2)، وأظهر السرور والفرح بقتل الحسين عليه السلام ، قال المزي: وكان المِسْوَر بن مَحرَمة بمكة حين جاء نعي الحسين بن علي فلقي ابن الزبير ،فقال : قد جاء ما كنتَ تمنى موت حسين بن علي (3).

ومع غض النظر عن ذلك كله فيكفيه ذماً خروجه على إمام زانه في الجمل، والتي قتل بها ما ينيف على عشرين ألفاً، وكان يُدعى المحل؛ لإحلاله القتال في الحرم»(4).


1) تاريخ الطبري، الطبري : ج 4 ، ص 544 ؛ الكامل في التاريخ ابن الأثير : ج 4، ص 250؛ الجوهرة، : البري : ص 58 .

2) الاستيعاب ابن عبد البر : ج 3، ص 934 .

3) تهذيب الكمال، المزي: ج 6 ، ص 440 .

4) الجوهرة البري : ص 59 .

2- المسور بن مخرمة:

وإذا عرفنا الرّكيزة الأولى لهذه الفرية، وأحطنا بموقفه من أهل البيت عليهم السلام خُبرا، هان علينا الخطب؛ لأنَّ المِسْوَر بن مخرمة ما هو إلا سيئة من سيئاته، وأداة من أدواته، ويكفي من معرفة حاله ما أكّده علماء الأنساب والجرح والتعديل،

من انقطاعه وموالاته له، وكان يأتمُّ به في الصلاة، وكان موثوقاً عند ابن الزبير إلى درجةٍ أنَّه كان يشركه في كل صغيرة وكبيرة ولا يقطع أمراً دون مشورته، ملازماً له في حلّه وترحاله، إلا أنه لم يشهد الجمل.

قال الذهبي: وكان [ابن الزبير] لا يقطع أمراً دون المسور بن مخرمة، ومصعب بن عبد الرحمن وجبير ابن شيبة، وعبد الله بن صفوان بن أمية، فكان يشاورهم في أمره كلّه، ويريهم أنَّ الأمر شورى بينهم لا يستبد بشيء منه دونهم، ويصلّي بهم الجمعة، ويحجُّ بهم(1).

وقد وظف جميع إمكاناته في خدمة المشروع الزبيري فعن أبي عون، قال: لما دنا الحصين بن نمير لحصار مكة، أخرج المسور سلاحاً قد حمله من المدينة ودروعاً، ففرَّقها في مواليه له فرس ،جلد فلما كان القتال أحدقوا به، ثم انكشفوا عنه،


1) سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 3، ص372 - 373.

والمِسْوَرُ يضرب بسيفه وابن الزبير في الرعيل الأول(1)، وَقُتِلَ مع ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين (2)، وهو الذي ولي غسله، وَحَمَلَه إلى الحجون(3).

ومع ذلك قيل عنه : كان ممن يلزم عمر، ويحفظ عنه(4)، وقيل : كانت الخوارج تغشاه وتعظمه وتبجّل رأيه(5).

الخلاصة

إنَّ من عرف هذين الرجلين يقطع بأنَّ الهدف من وراء هذه (الفرية العظيمة) هو النيل من النبي صلى الله عليه وآله أولاً، ووصفه بالإنسان العاطفي الذي يندفع بشدّة لمصلحة بناته دون أن يكثرت بحدود الشريعة المقدسة، أو أنْ يراعي الأعراف

المنطقيّة، ثم الوقيعة بعلي عليه السلام وتصغير شأنه ومنزلته، وتشبيهه بمَن لا همَّ له إلا السعي وراء إشباع رغباته وغرائزه.


1) سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 3، ص393.

2) تهذيب الكمال، المزي: ج 27، ص 583 ؛ وانظر : سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج 3، ص391؛ الإصابة، ابن حجر : ج 6 ، ص 95؛ الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 3، ص 1399 ؛ الأعلام، خير الدين الزركلي: ج7، ص 225 .

3) سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 3، ص 394؛ تهذيب الكمال، المزي: ج 27 ، ص 583 .

4) سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 3، ص391.

5) الاستيعاب ابن عبد البر : ج 3، ص 1399

أننا لا نشك أبداً في أنّها من مصانع الاختلاق، ولكننا نسجل عليها بعض الملاحظات إتماماً للبحث ودفاعاً عن رموز الإسلام وأفذاذه.

وقفة نقدية

مع غضّ النظر عن سندِ هذه الكذبة البيضاء، فإنَّها مما لا يمكن قبوله بحال من الأحوال، وذلك لعدة أسباب، منها:

أولاً: إنَّ التي خطبها على عليه السلام على فرض صحة الخبر. إما أن تكون مشركة، أو مسلمة.

فإنْ كانت مسلمةً فمن المستبعد جداً بل المستحيل أن يقول النبيُّ صلى الله عليه وآله بشأنها: «لا تجتمع بنت عدو الله» ؛ لأنَّ:

(1) هب أنَّ أباها كان مشركاً، فما شأنها بكفره؟! ألم يَقُلْ القرآن الكريم وفي أربعة مواضع: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (1).

(2) متى نَبَزَ النبيُّ صلى الله عليه وآله أحداً، كي يُنسب له هذا النبز الشنيع: « لا تجتمع بنتُ عدو الله مع بنتِ حبيب الله ؟ وهل يمكن صدوره ممن مَا يَنطِقُ


1) سورة الزمر : 7؛ سورة الأنعام: 164؛ سورة الإسراء : 15؛ سورة فاطر : 18 .

عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ؟ ، ألم يكن عالماً به أنَّ الله تعالى ذكره نهى المؤمنين أنْ يتنابزوا بالألقاب، والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعم الله بنهيه ذلك، ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحدٍ من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفة يكرهها(1)، كما قال الله تعالى:( وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (2)و فسّٙره مجاهد بدعوة المسلم بالكفر بعد الإسلام (3)، وقال مقاتل: «لا يعيّر الرجل أخاه المسلم بالملة التي كان عليها قبل الإسلام، ولا يسميه بغير أهل دينه، فكيف جوّز هؤلاء للنبي صلى الله عليه وآله أنْ يسمّي مسلمةً بغير أهل دينها، وهو من النبز القبيح والمحرّم على عامة المسلمين؟)(3 إِنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله نفسه تزوج ممن كان أبوها وأهلها على الشرك والوثنية، فما الضير في ذلك؟ وإذا كان ذلك سائغاً مباحاً له، فَلِمَ لم يجز لغيره، سيّما إذا لم يكن من خصائصه. هذا كلة لو كانت مسلمة.)


1) جامع البيان، الطبري: ج 26 ، ص 172 .

2) سورة الحجرات: 11 .

3) تفسير مجاهد، مجاهد بن جبر : ج 2، ص 607 . (4) تفسير مقاتل، مقاتل بن سليمان : ج 3، ص 262 .

وإن كانت مشركة فالأمر في غاية البعد، إذ حاشا لعلي عليه السلام أن يتقدَّمَ لخطبة امرأة مشركة، أو يلتمس الزواج بالكافرة ، فهذا مما لا ينسجم مع طموحاتِ عليّ عليه السلام ومبادئه وأهدافه التي رسمها منذ نعومة أظفاره، بل لا يجوزلكل مسلم.ثانياً: إنَّ الرواية تتنافى مع ما أجمع عليه المؤرخون من سيرة علي عليه السلام وبيان حاله عند خطوبة فاطمة عليها السلام، فإنّه كان لا يجرأ أنْ يكلَّمَ النبيَّ صلى الله عليه وآله لشدّة حياءه واحترامه له صلى الله عليه وآله، فكيف يصح القول بأنَّه خلعَ ثوبَ الحياءِ وجاء للنبي صلى الله عليه وآله يطلب منه الإذنَ في الزواج من امرأةٍ مشركةٍ، وكأنه رجلٌ ليس له همُّ إلا إشباع غرائزه، وإطفاء شهواته - معاذ الله - وهل يمكن أن يقال هذا بحقِّ عليّ عليه السلام الذي ضرب المثل الأعلى في مجانبة اللذات والانقطاع إلى الآخرة بكل وجوده؟!ثالثاً: إنَّ التي قيل : إنَّ علياً عليه السلام خطبها هي جويرية بنت أبي جهل بن هشام بن المغيرة(1، القائلة يوم الفتح، لما أذن بلال وبلغ إلى قوله: «أشهدُ أنَّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله» قالت: والله لا نحبُّ مَن قتل الأحبَّة أبداً، ولقد)


1) الطبقات الكبرى محمد بن سعد : ج 8، ص 262 .

كان جاء أبي الذي جاء محمداً من النبوة، فردّها ولم يرد خلاف قومه»(1، وقالتْ أيضاً: «لقد أكرمَ اللهُ أبي حين لم يشهد نهيق بلال فوق الكعبة»(2)، وقد أثبت المؤرخون أنَّ عِدائها للبيتِ النبوي بقي متجدّراً في نفسها، فعندما تزوجت عتاب بنَ أسيد بن أبي العيص الأموي وأولدها عبد الرحمن كان في طليعة أصحاب الجمل مع عائشة ، بل كان إمامهم في الصلاة، وقتِل يومئذ (3). فليس بين علي عليه السلام وبين هذه البيوتات نقطة التقاء تدفعُهُ لخطبة جويرية ومَنْ هي على شاكلتها.)رابعاً: ذكرت بعضُ الروايات أن بنى هشام هم الذين استأذنوا النبي صلى الله عليه وآله في تزويج ابنتهم من علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهذا مما لا يُمكنُ تصديقه أبداً، فلم نسمع يوماً أنَّ عربياً خطبَ لابنته زوجاً؟ أليس هذا من أعظم ما يستهجنه العربي، ويأنفُ عنه، ويعدُّه عاراً ومثلبَةٌ؟خامساً: لم يرد في الشرع تخصيص لعموم النص القرآني القائل بجواز نكاح الأربع من النساء، كي يُمنَعَ منه علي عليه السلام ، ولو فُرِضَ وجود التخصيص،


1) السيرة الحلبية، الحلبي : ج 3، ص 55 ؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج1،ص283؛ إمتاع الأسماع، المقريزي : ج 1، ص 396، وج 13، ص 385.

2) الكامل في التاريخ، ابن الأثير : ج 2، ص 254 .

3) تاريخ الإسلام الذهبي : ج 3، ص 531 .

ينبغي الجزم بأنَّ علياً صلى الله عليه وآله أعلم الناس به؛ لأنَّه باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله كما شهد له النبيُّ صلى الله عليه وآله بذلك.سادساً: إنّ الرواية تتصادم مع خُلق النبيّ العظيم صلى الله عليه وآله، فإنّ الاعتراض - وبهذه الكيفية والألفاظ - مما يصدرُ غالباً ممن يُنسب إلى الضّعة وسوءِ الخلق، وما عرف عن النبي صلى الله عليه وآله من الخلق العظيم يجعلنا نقطع بكذبالخبر واختلاقه.سابعاً: تضاربُ الرواياتِ التي ذُكِرَتْ في المقام، ففي بعضها: إنَّ علياً عليه السلام جاءَ يستأذنُ النبى صلى الله عليه وآله في خطبتها، وفي بعضها: إنَّ بني المغيرة جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله يستأذنوه في زواج ابنتهم من علي عليه السلام ، وفي بعضها : إنّ فاطمة عليها السلام سمعت بذلك فاشتكت عند النبي صلى الله عليه وآله فغضب لها، وفي بعضها إنّ النبيَّ صلى الله عليه وآله سمع فصعد المنبر وقال ما قال. وبين هذه الروايات اختلاف كبير، يجعلها تُصنف ضمن الأكاذيب التي لم يتقن مختلقوها صناعة الكذب وصياغة الدجل.

#### خلاصة البحثإِنَّ خطبة علي عليه السلام لبنت أبي جهل واعتراض النبي صلى الله عليه وآله على ذلك ومنعه منه، فريةً صاغتها مصانع الدجل، وكذبة نمت بين أحضان سياسة البغض لأهل البيت عليهم السلام ، ما أريد بها إلا الانتقاص من أهل بيت النبوة، والحطّ من منزلتهم، وتصغير شأنهم، كما أريد بها صرف حديث البضعة - أعنّي قوله صلى الله عليه وآله: «فاطمة بضعة منّي، يؤذيني ما يؤذيها» - عن معناه العام، وإفراغه من ،محتواه وجعله مختصاً بحادثة معينة لتطييب خاطر من غصبوا حقها، واستباحوا حرمتها، وأسقطوا جنينها، وماتت وهي غاضبة عليهما ولم تكلّمها.

## الفصل الثالث : نحلة الزهراء عليها السلام وميراثها### اشارةوفيه أربعة بحوثالبحث الأول : فدك منحتها ومصاردرتهاالبحث الثاني: مصالبة الزهراء عليها السلام بفدكالبحث الثالث إسقاط ذريعة المصادرةالبحث الرابع: خطبة الزهراء صلى الله عليه وآلهوالإعلان بمظلوميتها

### تمهیدنظراً للموقع المتميز والمكانة الاقتصادية المرموقة التي تحظى بها فدك، حيث تتوزع فيها الأودية والواحات، التي تحوي بعض مياه الأمطار والسيول في أكثر من مكان منها، فقد تميّزت هذه المدينة بخصوبة تربتها وغزارة محاصيلها، بالإضافة إلى وجود الكثير من الآبار والعيون والوديان التي تعتمد على المطر، والتي أفضت كنتيجة طبيعية إلى خلقِ زراعة حسنة الإنتاج منتظمة.كل ذلك جعل من فدك منطقةً غنيةً بالمحاصيل الزراعية، وكان أكثر أهلها أصحاب حوائط ونخيل وزرع، فكانت تشكل مورداً اقتصادياً مهماً، وحظيت باهتمام بالغ، وقد أضاف الصراع السياسي الذي شهده الصدر الأول لتلك المدينة أهميةً أخرى، فغدت تشكّل ركيزة أساسيةً ومحطةً جوهريةً من محطات البحث حول صراعات تلك الفترة، وسوف نفصل الكلام في ذلك في المباحث الآتية، إن شاء الله.

### البحث الأول فدك منحتها ومصاردرتها#### أولاً:موقع فدك وسنة فتحها«فدك قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة، أفاءها الله على رسوله صلى الله عليه وآله(1، في سنة سبع صلحاً، وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله، لما نزل خيبر وفتح حصونها ولم يبق إلا ثلث، واشتدَّ هم الحصار راسلوا رسول الله صلى الله عليه وآله، يسألونه أنْ يُنزلهم على الجلاء وفعل، وبلغ ذلك أهل فدك فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم، فأجابهم إلى ذلك ... وفيها عين فوارة ونخيل كثيرة(2).)وأما عن سنة فتحها ،وكيفيته، فقد قال ابن حجر: وكان من شأنها ما ذكر أصحاب المغازي قاطبة أنَّ أهلَ فدك كانوا من اليهود، فلما فُتِحَتْ خيبر أرسلَ أهل فدك يطلبون من النبي صلى الله عليه وآله الأمان على أن يتركوا البلد ويرحلوا»(3.)


1) عون المعبود العظيم أبادي : ج8، ص133.

2) معجم البلدان الحموي : ج 4، ص238.

3) فتح الباري ابن حجر : ج 6 ، ص 140 .

ومن طريق محمد ابن إسحاق عن الزهري وغيره قالوا: «بقيت بقية من خب-تحصَّنوا فسألوا النبيَّ صلى الله عليه وآله أن يحقن دماءهم ويسيرهم، ففعل، فسمع بذلك أهلُ فدك فنزلوا على مثل ذلك(1.)وفي تاريخ الطبري: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله «حاصر أهل خيبر في حصنهم الوطيح والسلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيّرهم ويحقن لهم دماءهم، ففعل، وكان رسول الله قد حاز الأموال كلَّها الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين فلما سم سمع بهم أهلُ فدك قد صنعوا ما صنعوا، بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يسألونه أنْ يسيّرهم ويحقن دماءهم لهم ويخلوا الأموال، ففعل، وكان فيمن مشى بينهم وبين رسول الله في ذلك، محيصةٌ مسعود، أخو بني حارثة، فلما نزل أهل خيبر على ذلك، سألوا رسول الله أنْ يعاملهم بالأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وآله على النصف على أنَّا إِذا شئنا أن نخرجكم أخر جناكم، وصالحه أهلُ فدك على مثل ذلك»(2.)بنُ وقال في معجم البلدان: « وأصح ما ورد عندي في ذلك ما ذكره أحمد بن جابر


1) فتح الباري، ابن حجر : ج 6 ، ص 140؛ تاريخ المدينة، ابن شبة النميري: ج 1، ص 193.

2) تاريخ الطبري، الطبري : ج 2، ص302.

البلاذري في كتاب الفتوح له فإنَّه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله، بعد منصرفه من خيبر إلى أرض فدك محيصة بن مسعود - ورئيس فدك يومئذ يوشع بن نون اليهودي - يدعوهم إلى الإسلام، فوجدهم مرعوبين خائفين لما بلغهم من أخذ خیبر، فصالحوه على نصف الأرض بتربتها، فقبل ذلك منهم، وأمضاه رسول الله صلى الله عليه وآله(1.)وفي تاريخ المدينة عن حسيل بن خارجة قال: بعث يهودُ فدك إلى رسولِ الله صلى الله عليه وآله حين افتتح خيبر : « أعطنا الأمان منك وهي لك ، فبعث إليهم محيصة بن حرام ، فقبضها للنبي صلى الله عليه وآله»(2.)أقول: وقد تبين أنَّ فدك من مدن الحجار الغنية، والتي تحظى بمكانة اقتصادية مرموقة، نظراً لما تتميز به من خصوبة أرضها وكثرة محاصيلها واختلاف ثمارها، كل ذلك يجعلها ضمن قائمة اهتمامات السلطة لما فيها من النفع الكثير والفوائد الجليلة، وقد فتحت في السنة السابعة من الهجرة، وبعد فتح خيبر تحديداً.


1) تاريخ المدينة ابن شبة النميري: ج 1، ص 193 .

2) تاريخ المدينة ابن شبة النميري: ج 1، ص 193 .

#### ثانيا: هل كانت فدك فيئا للمسلمين؟يُعتبر هذا البحث نقطةً فارقةً في موضوع فدك، وبه يُفرَّقُ بين أموال المسلمين العامة، أو التي تعود إلى خزينة الدولة، وبين الأموال الشخصية التي من تطاول عليها مقراً بحُرمة الغصب فقد انتهك حداً من حدود الشرع وكان مذنباً، فإن كان مستحلاً خرج من الإسلام، فنقول:إنَّ كلَّ من تعرّض لقضية فدك من المؤرخين صرّح بأنها فُتِحَتْ صُلحاً، ولم يُوجَف عليها بخيل ولا ركاب، وهذا أمر عليه إجماع المسلمين بمختلف طوائفهم و اختلافِ مشاربهم، وتباين آرائهم، غير أن الأمر الأهم من ذلك، هو اتفاق كلمة العلماء على أنَّ فدكاً كانتْ خالصةً لرسولِ الله صلى الله عليه وآله، وليست من الأموال العامَّةِ، فلم تخضع لملكيَّةِ الدولة بحالٍ من الأحوال، ولم أقف على مَن صرَّحَ بخلافِ ذلك على الرّغم من كثرة البحث والاستقصاء، وإليك نماذج من كلمات أعلام أهل السنة:قال البلاذري وابن حجر العسقلاني وابن شبة: «كانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله (1النميري: ج 1، ص 193. (2). وقال الحموي الشافعي: هي مما لم يوجف عليه بخيل ولا)


1) فتوح البلدان البلاذري: ج 1، ص 34؛ فتح الباري، ابن حجر : ج 6 ، ص 140؛ تاريخ المدينة، ابن شبة

2)

ركاب فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله»(1. وقال المسعودي: «كانت فدك خالصةً لرسول الله صلى الله عليه وآله؛ لأنَّ المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب»(2). وفي عون المعبود: «قال محمد بن إسحاق فكانت له خاصة؛ لأنَّه يوجف عليها بخيل ولا ركاب(3).)وفي تاريخ الطبري: «لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من خيبر، قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك، حين بلغهم ما أوقع الله بأهل خيبر، فبعثوا إلى رسولِ الله يصالحونه على النصف من فدك، فقدمت عليه رسلهم بخيبر، أو بالطريق، أوبعد ما قدم المدينة، فقبل ذلك منهم، فكانت فدك لرسولِ الله صلى الله عليه وآله خاصَّة؛ لأنَّه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب(4، وقال في موضع آخر: «فكانت خيبر فيئاً للمسلمين، وكانت فدك خالصةً لرسول الله صلى الله عليه وآله؛ لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا (كاب)(5).)


1) معجم البلدان الحموي : ج 4 ، ص238.

2) التنبيه والإشراف المسعودي: ص 224 .

3) عون المعبود العظيم آبادي : ج8، ص 175 .

4) تاريخ الطبري، الطبري: ج 2، ص 306.

5) تاريخ الطبري الطبري: ج 2، ص 302 - 303.

وفي تاريخ ابن الأثير : ولما نزل أهل خيبر على ذلك، سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعاملهم في الأموال على النصف، وأن يخرجهم إذا شاء، فساقاهم على الأموال على الشّرط الذي طلبوا، وفعل مثل ذلك أهلُ فدك، وكانت خيبر فيئاًللمسلمين، وكانت فدك خالصةً لرسولِ الله صلى الله عليه وآله؛ لأنّهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب»(1.)وقال الذهبي: «وصالحه أهلُ فدك على مثل ذلك، فكانت أموال خيبر فيئاً بين المسلمين، وكانت فدك خالصةً لرسولِ الله صلى الله عليه وآله؛ لأنَّ المسلمين لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب(2.)وقد تبيَّن إلى هنا أنّ فدك لم تكن من الأموال العامة التي تؤول إلى خزينة الدولة العامة، بل هي من الأموال الشخصية الخاصة، والسبب في ذلك أنَّ كلَّ أرض استسلم أهلها على هذا النحو، من غير أن يوجَفَ عليها بخيل ولا ركاب، فهي خالصةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وآله، لا يشركه بها أحد، وقد نص على ذلك الذكر الحكيم ، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا


1) الكامل في التاريخ ، ابن الأثير : ج 2، ص221 .

2) تاريخ الإسلام الذهبي : ج 2، ص 422 .

رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلَّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ (1، فجعل كلَّ ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب خالصاً لرسوله، وهذا بخلاف خيبر، التي فتحت بإيجاف الخيل والركاب، فكانت فيئاً لعموم المسلمين، وليست ملكاً خاصاً لأحد منهم.)#### ثالثا: النبي أغل فدكا لفاطمةتبيَّن إلى هنا أنَّ فدكاً كانتْ خالصةً لشخص رسول الله صلى الله عليه وآله، وليست هي من أموال الخزينة العامَّةِ للدولة الإسلامية، ولا مِن الفيء العامّ للمسلمين، وعليه فللنبي صلى الله عليه وآله أن يفعل بها ما يشاء، ويضعها حيث يرتأي، وقد أحدث الرواياتُ المعتبرة عند أهل السنة، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وهبها لفاطمة عليها السلام وجعلها نحلةً لهاولذريَّتِها، فانتقلت فدك من الملكيَّةِ الخاصة للنبي صلى الله عليه وآله إلى ملكية فاطمة عليها السلام، ولم يكن ذلك باجتهاد شخصي أو تصرف عاطفي من قبل النبي صلى الله عليه وآله، بل أنَّ الله عزّ وجلَّ أمر نبيه الكريم صلى الله عليه وآله على نحو الإلزام بإعطاءها لفاطمة عليها السلام، وقد طفحت المصادر السنيَّةُ بالعديد من الروايات المصرحة بذلك، ونحن


1) سورة الحشر : 6 .

نشير إلى بعضها على نحو الإيجاز :الأولى: رواية ابن عباسأخرج الحافظ ابن مردويه الأصفهاني والإمام السيوطي والإمام الشوكاني عن ابن عباس، قال : لما نزلت : ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ (1)، أقطع رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة فدكاً (2). الثانية: رواية الإمام الصادق عليه السلام

أخرج الحاكم الحسكاني عنه عليه السلام قال : لما نزلتُ هذه الآية: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمةَ فأعطاها فدك . قال أبانُ بنُ تغلب قلتُ لجعفر بن محمد: من رسول الله أعطاها ؟ قال : بل [من ] الله أعطاها»(3).

الثالثة: رواية أبي سعيد الخدري أخرج الحافظ ابن مردويه الأصفهاني والحاكم الحسكاني والقندوزي الحنفي


1) سورة الإسراء : 26 .

2) الدر المنثور، جلال الدين السيوطي: ج 4، ص 177؛ فتح القدير، الشوكاني: ج 3، ص 224؛ تاريخ الأحمدي، أحمد حسين الحنفي : ص 84 .

3) شواهد التنزيل الحاكم الحسكاني : ج 1، ص 443 .

عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت على رسول الله: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ، دعا ،فاطمةً، فأعطاها فدكاً والعوالي، وقال: هذا قسم قسمه الله لك ولعقبك(1.)رابعاً رواية أمير المؤمنين عليه السلامأخرج الحاكمُ ،الحسكاني عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي عليهم السلام ، قال: «لما نزلتْ: ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ، دعا رسول الله فاطمة صلى الله عليه وآله فأعطاها فدكاً (2).

خامساً: رواية أبي سعيد أيضاً

أخرج البزار وأبو يعلى وابن أبي حاتم والحافظ ابن مردويه الأصفهاني، عن أبي سعيد، قال: لما نزلت هذه الآية: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة فأعطاها فدك(3.)


1) المناقب، ابن مردويه : ص 169؛ شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني: ج 1 ، ص 441؛ ينابيع المودة لذوي القربى، القندوزي : ج 1 ، ص 359.

2) شواهد التنزيل الحاكم الحسكاني : ج 1، ص 442 .

3) المناقب، ابن مردويه الأصفهاني: ص 196؛ المطالب العالية، ابن حجر : ج 3، ص 367؛ الدر المنثور، جلال الدين السيوطي: ج 4، ص 177؛ فتح القدير، الشو كاني: ج3،ص224؛ تفسير الآلوسي، الآلوسي: ج 15 ، ص 62.

طعن الهيثمي في رواية أبي سعيد وجوابهأقول: أخرج الهيثمي رواية أبي سعيد الآنفة، وعقب عليها بقوله: «رواه الطبراني، وفيه عطية العوفي وهو ضعيف متروك (1،وإنَّما أتينا بكلامه ليعرف القارئ حجم التّحامل على الروايات المتضمنة لفضائل أهل البيت عليهم السلام ومناقبهم، فإن الهيثمي نفسه خرَّج لعطية العوفي العديد من الأحاديث، نصَّ فيها على توثيق يحيى بن معين لعطية، منها:حديث في الصوم، تعقبه بالتأكيد على توثيقه، فقال: «رواه أحمد، وفيه عطية بن سعد، وفيه كلام كثير، وقد وثّق(2)، وخرَّج له حديثاً آخر في باب ما يُفعلُ بالمولود، فقال: « وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف قد وثق(3)، وأخرج له حديثاً في آخر باب الاقتصاد في الرزق، ووثقه قائلاً: « وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف قد وثق(4)، وأخرج له حديثاً في باب الصداق، ووثقه، فقال: وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف قد وثق(5)، وكذا فعل في باب إظهار النعم.)


1) مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 7 ، ص 49 .

2) مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 3، ص 180 .

3) مجمع الزوائد، الهيثمي: ج 4 ، ص 59 .

4) مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 4 ، ص 70 .

5) مجمع الزوائد، الهيثمي :ج 4 ، ص 282 .

ووثّقه بعين الكلمة السابقة(1، وفي باب ما جاء في المهديه، أخرج له حديثاً، وقال: « رواه أحمد وفيه عطية العوفي وهو ضعيف، ووثقه ابن معين (2)، وكذا في باب المزاح، وقال: «وفيه عطية العوفي، وثقه ابن معين (3)، وفي باب النهي عن الضرب على الوجه، قال: وفيه عطية العوفي ضعفه جماعة، ووثقه ابن معين(4).)لكنه عاد هنا ليناقض قوله ويصرح بعدم وثاقته، وكأنَّ الوثاقة حكرٌ على من لا يروي فضائل أهل البيت عليهم السلام أو ما يتعلق بهم، ومع ذلك نحن نأتي بكلام بعض أئمة الجرح والتعديل بشأنه، كي تتبين للقارئ حقيقةً حاله، ومدى تحامل القوم على من يروي فضائل أهل البيت عليهم السلام:توثيق عطية العوفي:عطية بن سعد العوفي الجدلي الكوفي، روى له أحمدُ بنُ حنبل في المسند، وابنُ ماجة في سننه، والبيهقي في سننه، والطبراني في الأوسط والكبير، والدراقطني في سننه ،وغيرهم، قال العباسُ بنُ محمدِ الدوري: قيل ليحيى بن معين كيف حديث


1) مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 5 ، ص 132 .

2) مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 7، ص 314.

3) مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 8، ص89.

4) مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 8، ص 6 .

عطية ؟ قال : صالح(1، وقال ابن حجر : «عطية بن سعد... صدوق(2)، وقال ابنُ سعد: «كان ثقةً إن شاء الله، وله أحاديث صالحة (3)، بالإضافة إلى توثيق الهيثمي نفسه وقد مضى، فالرجل من ثقات الرواة، غير أنه يروي فضائل أهل البيت عليهم السلام ، وهذا أمرٌ لا تطيب له نفوس البعض.)طعن ابن كثير في رواية أبي سعيد وجوابهلايختلف أمر ابن كثير عن الهيثمي، فقد خرج الرواية نفسها عن أبي سعيد الخدري قال لما نزلت: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة فأعطاها فدكاً(4)، ثم قال : لا نعلم حدَّث به عن فضيل بن مرزوق إلا أبو يحيى التيمي وحميد بن حماد بن الخوار، وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده؛ لأنَّ الآية مكية، وفدك إنَّما فُتِحَتْ مع خيبر سنة سبع من الهجرة. أقول: إنَّ ما علّق به على الحديث أمر يثير الدهشة والاستغراب، وذلك: ولاً: إنَّ قوله: «ولا نعلم حدث به عن فضيل إلا أبو يحيى التيمي وحميد بن


1) الجرح والتعديل، الرازي: ج 6 ، ص 383.

2) تقريب التهذيب ابن حجر: ج 1 ، ص 678 .

3) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد : ج 6 ، ص 304 .

4) تفسير ابن كثير، ابن كثير: ج 3، ص 39 .

حماد، عثرة لا تُقال، وخطأ لا يُغتفر ، فإنَّ الحاكم الحسكاني خرَّج له في شواهدِ التنزيل العديد من الطرق، وفي بعضها : داود الطاني، عن فضيل بن مرزوق، وفي آخر سعيد بن خثيم عن فضيل، وفي ثالث : علي بن مسهر، عن فضيل بن مرزوق، وفي رابع: عبد الله بن داود عن فضيل، وفي خامس : معاوية بن هشام القصار، عن فضيل بن مرزوق، وفي سادس عند الذهبي وابن عدي(1): علي بن عابس، عن فضيل، فكيف يصح بعد ذلك أنْ يجترئ أحدٌ ويُدعى أنَّه لم يحدّث به عن فضيل إلا أبو يحيى وحميد بن حماد؟ ثم أنَّ الحديث وارد من غير طريق فضيل كما ذكرنا ذلك آنفاً.

وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ كلامه مشعر بتوهين فضيل بن مرزوق والقدح فيه كما صنع غيره، ونحن ننقل طرفاً يسيراً من كلماتِ علماء الجرح والتعديل لإظهار حقيقة الحال.

توثيق فضيل بن مرزوق

أقول: لا مجال للطعن بوثاقة الفضيل بن مرزوق بعد أنْ وثَّقه يحيى بن معين كما في رواية الدوري عنه قال: سمعت يحيى يقول : فضيل بن مرزوق ثقة(2)،


1) الكامل، عبد الله بن عدي: ج 5 ، ص 190؛ ميزان الاعتدال الذهبي: ج 3، ص 135 .

2) تاريخ ابن معين يحيى بن معين : ج 1 ، ص 200 .

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : سمعت يحيى بن معين يقول : فضيل بن مرزوق ثقة(1)، وقال العجلى في معرفة الثقات: فضيل بن مرزوق جائز الحديث ثقة، وكان فيه تشيع، وهو كوفي (2)، وقال إمام الجرح والتعديل الرازي: سُئل «سفيانُ (یعنی) الثوري عن فضيل بن مرزوق فقال : ثقة(3)، وسئل عنه أحمد بن حنبل، فقال: «لا أعلم إلا خيراً (4)، ووثقه الذهبي في الكاشف (5)، وقال في ميزان الاعتدال: «وثّقه سفيان بن عيينة، وابن معين، وقال ابن عدي أرجو أنَّه لا بأس به (6)، وقال الهيثم بن جميل : كان فضيل بن مرزوق من أئمة الهدى؛ زهداً وفضلاً(7)، وقال ابن حجر في التقريب: «فضيل بن مرزوق الأغر بالمعجمة والراء، الرقاشي الكوفي أبو عبد الرحمن صدوق(8).

وبناءً على ذلك فلا أعتقد أنَّ الطعن بروايته والقدح بوثاقته يوافقُ الإنصاف،


1) الجرح والتعديل، الرازي: ج 7، ص 75 .

2) معرفة الثقات العجلي: ج 2، ص 208 .

3) الجرح والتعديل، الرازي: ج 7، ص 75 .

4) الجرح والتعديل،الرازي: ج 7، ص 75.

5) الكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة، الذهبي : ج 2، ص 125 .

6) ميزان الاعتدال الذهبي:ج 3، ص 362.

7) انظر: میزان الاعتدال الذهبي: ج 3، ص 362 .

8) تقريب التهذيب ابن حجر ج 2، ص 15 .

سيَّما ممن خرَّج للنواصب والخوارج وتحرَّج عن مثل الفضيل من أئمة الزهدِ والصلاح.

وثانياً : قوله : «إنَّ الآيةَ مكيةٌ وفدك إنَّما فُتِحَتْ مع خيبر سنة سبع من الهجرة»، وكأنه نسي أن لا دليل قطعي على مكية هذه الآية، بل الدليل قائم على مدنيتها، إذ الروايات الواردة في المقام تؤكد نزولها في المدنية وليس في مكة، ولهذا نظائر كثيرة، فقد ذهب المفسرون إلى أنَّ سورة (يس) مكيَّةٌ ، ولكنَّهم رجعوا فحكموا بمدنيَّةِ آية من آياتها وهي قوله تعالى: ِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى...لا لشيء إلا لأنَّ الترمذي والحاكم أخرجا روايةً بشأنها تؤيد نزولها في المدينة، فلماذا (1)يختلفُ الأمر هنا عند ابن كثير؟؟

وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ الروايات التى تؤكّد كونها مدنية أخرجها كبار المحدثين من العامَّةِ، كالحاكم الحسكاني والبزار، والحافظ ابن مردويه، والحافظ أبي يعلي الموصلي، وابن أبي حاتم والإمام السيوطي، والقندوزي الحنفي، والإمام الشوكاني والحافظ ابن عدي، والإمام ابن حجر العسقلاني، والهيثمي، وغيرهم، وهم ممن يُعوّل عليهم في هذا الفن وليسوا بأقل شأناً من ابن كثير الدمشقي الأموي.


1) الإتقان في علوم القرآن، السيوطي: ج 1 ، ص 52 .

والخلاصة : تبيَّن إلى هنا أنَّ فدكاً أصحبت من الأموال الخاصَّةِ لفاطمة عليها السلام منذ زمن النبي صلى الله عليه وآله وذلك بأمر الله تعالى ووحيه إلى نبيه.

رابعا: الأهداف السياسية لمصادرة فدك

تحصل لنا من المباحثِ السَّابقةِ أنَّ فدكاً افتُتحَتْ من غير إيجافِ خيلٍ ولا ركاب، فكانت خالصةً لرسول الله صلى الله عليه وآله بحكم الكتاب المبين، وإنَّ الله عزّ وجل أمر نبيه بهبتها لفاطمة عليها السلام،فأصبحت من الممتلكاتِ الخَاصَّةِ السيّدةِ النّساء عليها السلام،وكانت تحت إدارتها وتصرفها طيلة مدة بقاء النبي صلى الله عليه وآله،وبعد وفاتِهِ مباشرةً قرّرتْ السُّلطة القائمة مصادرتها، والاستيلاء عليها، وإخراجَ مَن يقوم عليها من قِبَل فاطمة عليها السلام، وقد أكّدت الوثائق

التاريخية ذلك، ففي تاريخ المدينة والصواعق المحرقة: «إنَّ أبا بكر انتزع من فاطمة فدكاً(1)، ومن الواضح أنَّ الانتزاع لا يحصل إلا بعد كونها تحت تصرف الزهراء عليها السلام .

وذكر الجوهري في كتاب السَّقيفةِ كلام عمر بن عبد العزيز، وفيه: «قد صح عندي وعندكم: إنّ فاطمة بنت رسولِ الله صلى الله عليه وآله ادعت فدكا، وكانت


1) تاريخ المدينة، ابن شبة النميري: ج 1، ص 199 ؛ الصواعق المحرقة ابن حجر ص31.

في يدها، وما كانتْ لتكذب على رسولِ الله صلى الله عليه وآله مع شهادة عليّ، وأمّ أيمن، وأمّ سَلَمَة، وفاطمة عندي صادقةٌ فيما تدَّعى»(1).

فهذا نصّ صريح في أنها كانت في يدها، ويؤيد ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام: «بلى، كانتْ في أيدينا فدك، من كلّ ما أظلَّته السَّماءُ، فَشَحَّتْ عليها نُفوسُ،قوم، وسَخت عنها نُفوسُ آخرين، ونِعْمَ الحَكَمُ الله(2).

وبين ليلة وضحاها أصبحت فدك من الممتلكاتِ العَامَّة للدولة، ولمعرفةِ الأسباب الحقيقية لذلك نقول:

إنَّ المتمعّن في حقيقة الأحداث التي جرت بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله يرى . وبكل وضوح - أنها أخذتْ بُعْداً سياسياً بحثاً، ولم تكن فدك فيها إلا حلقة من حلقاتِ الصّراع بين أصحاب السقيفة وأهل البيت عليهم السلام المعارضينَ لها بقيادةِ علي وفاطمة صلى الله عليه وآله، وكان بيتُ فاطمة ملتقى المعارضة، وطالما سَمِعَ أبو بكر هتافاً تصدح به حناجربعض المسلمين ينادون باسمِ علي عليه السلام ، وأنه صاحبُ الحقِّ الشَّرعي، والأولى بقيادةِ الأمَّة، والأجدر


1) السقيفة وفدك، الجوهري : ص 148.

2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج 16 ، ص 208.

بزعامتها، فكان ذلك مثارُ قلقِ السُّلطة، التي تدرك مغزى هذه الهتافات ومدى خطورتها على العرش، وتعي جيداً أنها لم تصل إلى ما وصلت إليه لولا انشغاله بتجهيز جثمان النبي صلى الله عليه وآله وعليه فلا بدَّ من احترازتِ تبدّدُ هذه المخاوف، وتمنح الحكومة المزيد من الثّقة بالنفس، وتجعلها واثقة بعض الشيء من المحافظة على مكاسبها وامتيازاتها، فوجهتْ أنظارها نحو مصدر القلق الأصلي، فأنتج لها الفكر: الاتفاق على توجيه ضربة استباقية لذلك الخصم القوي، كي تجعل منه ومن أتباعه كياناً ضعيفاً عاجزاً عن تدبير نفسِهِ فضلاً عن التفكير بمواجهة السلطة، أو التفكير بالتمرد عليها. فكانت مصادرة جميع أموال الحزبِ المعارض هي الطريقة الاحترازية المثلى التي تحقق غاية السُّلطة، شأنها في ذلك شأن كلّ الانقلاباتِ التي تحدثُ في العالم، حيث تتم مصادرة أملاكِ الزعماء السابقين، بقصدِ إبعادهم عن مسرح النزاع نهائياً .

والذي يَفْهَمُ آلياتِ السياسةِ القائمةِ آنذاك يُدْرِكُ تماماً مغزى مصادرة فدك وإخراج عمال فاطمة عليها السلام منها، والاستيلاء عليها بالقهر والقوَّةِ، فلا شك في أنَّ الخلافة القائمة آنذاك لم تندفع نحو الاستيلاء على فدك بدافعِ أنَّ الأنبياء لا يورثون؛ الخروج فدك من موضوع الإرث، كما قرَّرنا ذلك سابقاً، فالذي دفعها

لمصادرة فدك والعوالي وإضافتهما إلى الخزينة العامَّةِ، أو بالأحرى تحت تصرف الحاكم الجديد، هو توجيه ضربة قاصمةٍ لعليّ وأتباعه الموتورين بفقدِ النبي صلى الله عليه وآله وغصب الخلافة، والقضاء على مصادر التمويل التي تُساعدهم في

المستقبل على توظيفها في سبيل استعادةِ الخلافة المنتَهَبَة، وتلك حقيقةٌ واضحةٌ كوضوح الشمس في رابعةِ النَّهار، قال علي بن مهناً مخاطباً ابن أبي الحديد المعتزلي: فاطمة فدك ؟ قلت [ ابن أبي الحديد]: ما قصَدا؟ ما تظنُّ قصد أبي بكر وعمر بمنعِ قال: أرادا ألا يُظهرا لعلي - وقد اغتصباه الخلافة - رِقَةً وليناً وخُذلاناً، ولا يَرى عندهما خوراً ، فأَتْبَعَا القَرحَ بالقرح (1).

وبه أجاب على بن تقي لما قيل له : هل كانتْ فدك إلا نخلاً يسيراً وعقاراً، ليس بذلك الخطير ! فقال: ليس الأمر كذلك، بل كانت جليلةً جداً، وكان فيها من فاطمة عنها النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل، وما قصد أبو بكر وعمر مر بمنع إلا ألا يتقوى علي بحاصلها وغلَّتِها على المنازعة في الخلافة، ولهذا أتْبَعَا ذلك بمنعِ فاطمة وعلي وسائر بني هاشم وبنى المطلب حقهم في الخمس، فإنَّ الفقير الذي لا مال له تضعُفُ همته، ويتصاغرُ عند نفسه، ويكون مشغولاً بالاحتراف والاكتساب


1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد : ج 16 ، ص 236 - 237 .

عن طَلَبِ الملكِ والرياسة»(1).

ولم يكن ذلك سرّ من الأسرار الغامضة للعبة القرشية، بل يعرفه كل من تمعن في مجريات الأحداث، شريطة أن يتحلى بشيء من الإنصاف والموضوعية، قال ابنُ أبي الحديد: «سألتُ عليَّ بنَ الفارقي مدرِّسَ المدرسة الغربية ببغداد، فقلتُ له: أكانتْ فاطمة صادقةً؟ قال : نعم ، قلت : فَلِمَ لم يدفع إليها أبو بكر فدك، وهي عنده صادقة؟ فتبسم، ثم قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته، قال : لو أعطاها اليوم فدك بمجرَّدِ دعواها لجاءتْ إليه غداً وادَّعت لزوجها الخلافةَ وزحزحته عن مقامه، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيء؛ لأنَّه يكون قد أسجل على نفسه أنّها صادقةٌ فيما تدَّعي، كائناً ما كان، من غير حاجة إلى بينة ولا شهود.

وهذا كلام صحيح، وإنْ كان أخرجَه مخرجَ الدُّعابَةِ والهَزَل»(2).

وروى الطبراني والهيثمي ما يؤيده عن عمر نفسه، قال: «لما قبض رسول الله قُبِضَ صلى الله عليه وآله جئتُ أنا وأبو بكر إلى على فقلنا : ما تقول فيما ترك رسول الله


1) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد: ج 16، ص 236 - 237.

2) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد المعتزلي : ج 16، ص 284.

صلى الله عليه وآله؟ قال: نحنُ أحقُّ الناس برسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فقلتُ والذي بخيبر ؟ قال : والذي بخيبر، قلتُ : والذي بفدك ؟ قال : والذي بفدك، فقلتُ: أما والله حتى تحرُّوا رقابنا بالمناشير (فلا)(1).

فإِنَّ الذي يصلح كتفسير منطقي لاستياء أبي بكر وانزعاجه إلى هذا الحد؛ هو أنَّ إبقاء هذه الأموال بيد علي عليه السلام بمثابة التَّفريط بالسلطة،وإتاحة الفرصة له عليه السلام لاستردادِ حقه الأكبر،ومعنى ذلك السَّماحُ بتكرارِ التَّجربةِالهاشمية، وهذا أمرٌلا يمكن الإغضاء عنه مهما كانت العواقبُ والتَّبِعَات بحسبِ منطق السلطة الجديدة.

وقد صرح بذلك عمر بن الخطاب أيَّامِ خلافتِهِ، لما قالَ لا بن عباس:«إِنَّ قومكم كرهوا أنْ تجتمع لكم النَّبوَّةُوالخلافة،فتذهبونَ في السَّماءِ بَذخاً وشمخاً، لعلكم تقولون : إنَّ أبا بكر أراد الإمرة عليكم، وهضمكم ! كلا، لكنَّه حضرَهُ أمرٌ لم يكنْ عندَهُ أَحزم مما فَعَل(2).

فالهدفُ إذن! هو تجريد الإمام علي عليه السلام من حقه في زعامة الأمة،


1) المعجم الأوسط، الطبراني : ج 5 ، ص 288 ؛ مجمع الزوائد، الهيثمي: ج 9، ص 40 .

2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج 1، ص 19 .

وعزل البيتِ الهاشمي عن مركز القَرارِ ، وإقصاؤهم عن المسرح السياسي، ولا يتمُّ ذلك إلا بحرمانهم من امتيازات القرابة حرماناً كاملاً، ولم يكن هذا التجريد والحرمان محصوراً بزمن أبي بكر وعمر، بل أردوا منه أن يستمر إلى الأبد.

البحث الثاني مطالبة الزهراء عليها السلام بفدك

تمهید

ما تم الأمر لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة، امتنع عليّ عليها السلام وسائر بني هاشم من مبايعة الحاكم الجديد، والتف حولهم جماعة من المهاجرين والأنصار، فقرر الحزب الحاكم أن يظهر بمظهر القوة؛ ويقمع كلّ الحركات التي من شأنها أن تكون مصدر قلق لمستقبل السلطة، غير أنَّ علياً عليه السلام ومن حوله يمتلكون من الشعبية ما لا يسمح لأعدائهم - حسب التصور التصور الأولي للسلطة - بمواجهتهم علناً، فقرروا - وكخطوة أولية - مصادرة موارد التمويل لهذا الحزب ذي القاعدة الشعبية العريضة، وتأميم الأرصدة الاقتصادية له، الأمر الذي أثار حفيظة أهل البيت عليهم السلام، وأحسوا بخطورة الموقف ووعوا عمق المؤامرة على الإسلام بأسره، فقررت الزهراء عليها السلام كشف مخططات السلطة الجديدة، واتخذت

من المطالبة بحقوقها المنتهبة، ونحلتها المُصَادَرة وسيلة لذلك.

أولاً كيفية المطالبة:

اشارة

لم تنص المصادر التاريخية على عدد المرات التي خرجت فيها الزهراء عليها السلام إلى المطالبة بفدك، غير أنَّ الذي يمكن استفادته من الروايات أنها طالبت بها ثلاث مرّات من غير خطبتها في المسجد. وكانت المطالبة في بعضها على سبيل النحلة، وفي بعضها على سبيل الإرث، وسوف تعرف سبب الاختلاف في أسلوب

مطالبتها في السطور الآتية:

1-المطالبة بها على نحو الإرث

في هذه المرة طالبت الزهراء عليها السلام بفدك على أنها إرثها من أبيها المصطفى صلى الله عليه وآله، ولم يكن ينقدح في ذهن السلطة فكرة أنَّ الأنبياء لا يورثون، ولم يجري حينذاك ذكر الحديث: «لا نورث»، فأظهر أبو بكر نوعاً من اللين

والتعاطف مع الزهراء عليها السلام، فأجابها لما طلبت من إرجاع ما اعْتُصِبَ منها، فكتب لها كتاباً بخَطّه يتضمن الأمر بإرجاعها، وناولها إياه، ولم يكن يعي حينها عمق المؤامرة ودقة المخطط القرشي، الذي كان يهدف إلى إقصاء البيت العلوي وإبعاده عن مسرح الزعامة والقيادة إلى الأبد، وما فدك - بحسب هذا المخطط -إلاخطوة من الخطوات الدقيقة في بداية طريق تلك المسيرة، التي خُطّط لها أن تكون

طويلة وشائكة .

ولكنّ عمر بن الخطاب الذي يُعتبر العقل المدبر لكلّ ذلك، والرجل الذي لا تُحسم الأمور بغير رأيه ومشورته، أبطل ذلك، إذ استقبل فاطمة عند خروجها، فأخذ منها كتابَ أبي بكر وخرَّقه ورماه بوجهها، ودخل بعدها على أبي بكر وأخذ يلومه ويؤنبه، بما عُرف عنه من خشونة الطبع وغلظة الأسلوب، قال الحلبي الشافعي: وفي كلام سبط ابن الجوزي رحمه الله :أنه كتب لها بفدك ودخل عليه عمر، فقال: ما هذا؟ فقال: كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها،فقال:لماذا تنفقُ على المسلمين؟ وقد حاربتك العرب كما ترى، ثم أخذ عمرُ الكتابَ فَشَقَّه(1)، فقالت له الزهراء عليها السلام : «بقر الله بطنك كما بقرتَ صحيفتي(2).

والذي يظهر من ملاحظة روايات هذه القصة أنَّ رواية ابن الجوزي قد مرّت بمراحل من الصيانة والتهذيب اللفظي، وأدخِلَتْ في مصانع التحسين، وإلا ففي شرح نهج البلاغة عن المرتضى، قال: روى إبراهيم بن السعيد الثقفي عن إبراهيم

بن ميمون، قال: حدثنا عيسى بنُ عبدِ الله بن محمدِ بنِ علي بن أبي طالب عليه السلام عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام ، قال : جاءت فاطمة عليها السلام .


1) السيرة الحلبية، الحلبي الشافعي : ج 3، ص 488 ؛ فلك النجاة، الحنفي: ص 160 .

2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد : ج 16 ، ص 235 .

إلى أبي بكر، وقالت : إنَّ أبي أعطاني فدك وعلي وأم أيمن يشهدان، فقال: ما كنت لتقولي على أبيك إلا الحق، قد أعطيتكها، ودعا بصحيفة من أدم، فكتب لها فيها، فخرجت فلقيت ،عمر، فقال: من أين جئت يا فاطمة؟ قالت: جئت من عند أبي بكر، أخبرته أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني فدك وأنَّ علياً وأم أيمن يشهدان لي بذلك فأعطانيها، وكتب لي بها.

فأخذ عمر منها الكتاب، ثم رجع إلى أبي بكر، فقال: أعطيت فاطمة فدك وكتبت بها لها؟ قال: نعم، فقال: إنَّ علياً يجرُّ إلى نفسه، وأم أيمن امرأة، وبصق في الكتاب فمحاه وخرقه (1).

2-المطالبة بها على سبيل النحلة

وفي المرة الثانية جاءت عليها السلام - وهي مثقلة الخطى خائرة القوى - تطالب أبا بكر بفدك، وأنَّها نحلة أنحلها رسول الله صلى الله عليه وآله لها ولذريتها، ولكن التيار القرشي . بكر رجلاً قوي القرار صارم الرأي، بغية توظيف قرار الدولة لخدمة الحزب الحاكم حاضراً في ميدان المخاصمة وبكل قواه، ليجعل من أبي مهما كانت التبعات، ولكن الزهراء عليها السلام التي كانت آية في الحكمة والبلاغة


1) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد: ج 16، ص 274 .

وقوة المنطق ورصانة التعبير وقوة الحجة، مع ما تمتلكه من هيبة ومكانة استطاعت أن تنتزع منه إقراراً بأحقيتها بنحلة أبيها، وتمهد بذلك لإعادة كرة المطالبة، والإمعان في الإصرار روى الجوهري وابن أبي الحديد المعتزلي عن ابن عائشة، قال: حدثني أبي، عن عمه قال: لما كلمت فاطمة أبا بكر بكي، ثم قال: يا ابنة رسول الله، والله ما ورث أبوك ديناراً ولا درهماً ... فقالت: أنَّ فدك وهبها لي رسول الله صلى الله عليه وآله قال : فَمَن يشهد بذلك، فجاء علي بن أبي طالب عليه السلام فشهد، وجاءت أم أيمن فشهدت أيضاً، فجاء عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، فشهد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقسمها ، قال أبو بكر صدقتِ يا ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وصدق على وصدقت أم أيمن، وصدق عمر، وصدق عبد الرحمن بن عوف، وذلك أن مالك لأبيك، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأخذ من فدك قوتكم، ويقسم الباقي ، ويحمل منه في سبيل الله)(1).

فقد اعترف أبو بكر بصدقها وأقر بأنَّ فدكاً من ممتلكاتها الخاصة، دون أن ينفي ذلك بل قال: صدقتِ يا ابنة رسولِ الله صلى الله عليه وآله»، وقال: مَالَكِ، فهي من أموالها الخاصة، غاية الأمر أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يأخذ منها


1) السقيفة وفدك، الجوهري : ص 105 ؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج 16 ، ص 216 .

قوتهم، وينفق من فائض واردها في سبيل الله، ولعل هذا قبل أن يهبها لها، أو أنَّه كان يفعل ذلك برضاها وبمشورتها، أو بحكم ولايته المطلقة على الأموال والأنفس، وإن كنا نرجح الأول، أي أنَّ ذلك قبل أن يهبها لها، ثم إنّه ليس في شهادة

عمر وعبد الرحمن ما يناقض دعوى الزهراء عليها السلام؛ لأنّهما شهدا بأنّ النبي كان يقسمها، وليس فيه دلالة على أنها لم تكن للزهراء عليها السلام، ونحن لم ندع أنها كانت تستأثر بها لنفسها ، فما كان النبي يفعله - على حد زعمها - كان مورد رضا الزهراء عليها السلام قطعاً، وعلى كل حال فقد رجعت الزهراء عليها السلام إلى بيتها دون أن تسترجع شيئاً من حقوقها المصادرة بقوة السيف، وقهر السلطان.

وهنا لاحت في الأفق بوادر لنظرية جديدة، وهي أنَّ النبيَّ لا يورث، وإن أقر أبا بكر بملكية فاطمة لفدك، وأنها كانت نحلتها من أبيها، والذي يظهر أنَّ حديث «لانورث ما تركناه صدقة»، بعد في ماكنة صنع الأحاديث، ولم يرى النور لهذه اللحظة، بل لم تكن الأفكار قد صاغته الصياغة النهائية.

3-المطالبة على سبيل الإرث

وفي المرة الثالثة قررت الزهراء عليها السلام تحشيد قواها، والتهيؤ لتلك النظريات الجديدة التي بدأت تصوغها المصالح السلطوية، فجاءت بعلي والحسنين

عليهم السلام وأم أيمن، وفي رواية البلاذري والحاكم رباح مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي رواية الجوهري: أم سلمة، غير أنَّ السلطة ظهرت بمظهر المستبد المتمادي، الذي استعد للمعركة استعداداً تاماً، وقد أكمل الصياغة النهائية لنظريته الجديدة، التي تحمل طابعاً اقتصادياً سياسياً مزدوجاً، فقال أبو بكر سمعت النبي يقول : >إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة <(1)، فردوا شهادة سيد الوصيين وسيدي شباب أهل الجنة عليهم السلام ، وشهادة أم أيمن التي شهد له النبي صلى الله عليه وآله بأنها من أهل الجنة.

فأعلنت الزهراء عليها السلام عن موقفها النهائي، مبدية سخطها وغضبها، غير أنَّ التيار السلطوي الذي أسكرته نشوة الحكم، وثمالة القوة ولذَّة السلطان، لم يكن يعي عواقب غضبها وقيمته في الميزان الإيماني، فليست فاطمة كبقية النساء، وليس غضبها وسخطها وليد المنافع الشخصية، أوأنَّه تعبير عن موقف شخصي، بل يعني غضب النبي عليها السلام وغضب الله تعالى، فقررت الزهراء عليها السلام - وبعد أن ألقت الحجة بما فيه الكفاية - أن تخرج للملأ من أتباع أبيها، من الذين بذلوا الغالي والنفيس من أجل نصرة مبادئه لتقول كلمتها لِيَهْلِكَ مَنْ


1) فيض القدير، المناوي : ج 2، ص 166 ؛ عمدة القاري، العيني: ج 8، ص 167 .

هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (1)، فخرجت مع لمةٍ من حفدتها، قاصدةً المسجد النبوي، وألقت فيه خطبةً، أظهرت الحقائق المكنونة في نفوس القوم، وأزالت نُكَتَ الإبهام عمَّا ربّما لا يعرفه السطحيون والسذج من المسلمين، وسوف

ننقل خطبتها بتمامها في الصفحات الآتية، ولكن بعد مناقشة حديث: «لا نورث»، وتبيين الأسباب الحقيقية التي دفعت بالزهراء عليها السلام للمطالبة بفدك مع أنّها أزهد الناس بحطام الدنيا.

ثانياً: السر في مطالبة الزهراء عليها السلام بفدك

لم يكن الهدف من مطالبة الزهراء عليها السلام بفدك مادياً بحتاً، لوضوح أنَّ الدنيا وما فيها لا تعدل عندها جناح بعوضة، بل الذي دفعها نحو ذلك أكبر بكثير مما يتصَورُهُ ذووا النَّضرة الضيقة، والفكرة القاصرة، فإنَّ الهدف الذي حدا بها للمطالبة ثم الخصام والمجادلة كان دينياً سياسياً، فليس الهدف الرئيس إلا المطالبة بالخلافة المغتصبة، والولاية المنتهبة، وكلامها في ذلك ظاهر وصريح، فأنها عليها السلام لما خطبتْ في نساء الأنصارِ ، قالت: «وَيْحَهُم أَينَ زَحْزَحُوْهَا عَن رَوَاسِي الرَّسَالَةِ، وَقَواعِدِ النُّبُوَّةِ، وَمَهْبِطِ الرُّوحِ الأمين، والطَّبين بأمرِ الدُّنيا والدين، ألا


1) سورة الأنفال: 42 .

ذلك هو الخسْرَانُ المبين !

وَمَا الذي نَقَمُوا مِن أبي الحسن 14 نَقَمُوا . والله - نكير سَيفِهِ، وَشِدَّةِ وَطأتِهِ، وَنَكالَ وَقْعَتِهِ، وَتَنَمُّرِهِ في ذاتِ الله، والله لو تكافُّوا عن زمامٍ نبدَهُ إِليه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله لاعْتَلَقَه، ولسارَ إليهم سيراً سُجُحاً، لا تُكلم خَشَاشَتُهُ، ولا يُتعتَعُ

راكبة، ولأورَدَهم مَنْهَلاً نَميراً فَضْفَاضَاً تَطفَحُ ضفتاه، ولأصدَرَهم بطاناً، قد تحرَّى بهم الري، غير متحلّ بِطائِل، إلَّا بِغَمرِ النَّاهل ، وَردعَة سَوْرة السَّاعَبِ، ولَفُتحتْ عليهم بركات من السماء والأرض، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون، ألا هلم فاستمع، وما عشتَ أراكَ الدَّهرُ عَجَبَه، وإن تعجب فقد أعجبك الحادث، إلى أى لجأ استندوا، وبأيّ عُروة تمسكوا لَبِئْسَ المَوْلَى وَلَبِئْسَ العشير، ولَبِئْسَ للظالمين بدلاً!

استبدلوا - والله - الذُّنَابى بالقَوَادِم، والعَجْزِ بالكَاهِلِ، فَرَغْماً لَمَعَاطِسِ قومِ يَحْسَبُونَ أَنَّهم يُحْسِنون صُنْعَاً، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَ يَشْعُرُونَ(1)،ويحهمأَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لا يَهِدَيَ إِلا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(2)....(3)


1) سورة البقرة: 12 .

2) سورة يونس: 35 .

3) السقيفة وفدك الجوهري : ص 120 - 121 .

فإنَّ معظم كلامها منصب على المطالبة بالحقِّ الأكبر لأهل البيت عليهم السلام وهو الإمامة العظمى، بما تمثله من امتدادِ طبيعي لرسالة المصطفي صلى الله عليه وآله، وبما تتضمنه من تجسيد للحاكميَّة الحقة العادلة، وإلا فالرئاسة والإمْرَةُ المجرَّدة عن ذينك الأمرين لا تعدل عند أهل البيت عليهم السلام شيئاً، بل هي أقل من قيمةِ شِراكِ النَّعل الواحدة، وقد روي صريح قولهم في ذلك، فحينما كان أمير المؤمنين عليه السلام بذي قار، دخلَ عليه ابن عباس فوجده يخصفُ نَعْلَه، فلما رآه قال عليه السلام : «ما قيمة هذا النَّعل ؟ فقلتُ: لا قيمة لها، فقال عليه السلام : والله هي أحبُّ إليَّ من إمْرَتِكم، إلا أنْ أقيم حقاً، أو أدفع باطلاً(1).

فالذي ابتر من أهل البيت عليهم السلام : حقهم الشَّرعي في الخلافة، الثابتُ لهم بالنَّص والتّعيين، غير أنَّ عوامل الشَّره ونهمةَ الحاكمية وحبَّ الرئاسة الباطلة حَدَتْ بالحزبِ القرشي إلى بخس هذا الحق واضطهاد أهله، وسعى بكل قواه

للحيلولة بين الأمة وبين التنعم بظلال حكومة العدل والانتشاء بنسيم سلطة الحق، التي تمثل الضمانةَ الحقيقية لصيانة التجربة الرسالية، وضمان استمراريتها وديمومتها، وسلامة الأمة الرسالية من التميع والتذلّل والتحوّل والانحراف،


1) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد: ج 2، ص 185.

وهذا مؤدَّى حديثُ الثقلين، الذي صرَّح النبيُّ صلى الله عليه وآله فيه قائلاً: «مَا إِنْ تمسكتم بهما لن تضلوا بعدى أبداً .

فالذي يَصْلُحُ تفسيراً منطقياً لمطالبة الزهراء عليها السلام ومخاصمتها وإصرارها، أنّها مُطَالَبَةٌ بقضية تمثل وسيلة لإحقاق الحق، وإحياء الكتاب والسنة، وتجسيد الحاكميَّةِ المطلقة الله تعالى، وكون تلك المطالبة نابعة من الحرص على سلامة

منجزات الرّسالة الخاتمة،وسدّ الطريق أمامَ الحركاتِ الرَّجعيّة التي أرادت العودةَ بالمجتمع الإسلامي إلى أحضانِ الجاهلية المقيتة، التي وأدها الإسلام بجهاد المخلصين من أبناءه، فإنَّ الذي حدث بعد رحلة النبي صلى الله عليه وآله كان يمثل

انقلاباً سافراً على الخطّ الرّسالي، ومصادرة ظاهرةً لمنجزاته، وانتصاراً علنياً لمبادئ الجاهلية، ومحاولةً جادة لاستعادة قيم البداوة.

ومما يؤكد ما ذكرناه من أنَّ الخلافة كانتْ الهدف الأساسي في مطالبتها، ما جاء في الإمامة والسياسة لابن قتيبة، قال: «وخرجَ عليَّ كَرَّم الله وجهَه يَحملُ فاطمةَ بنت رسولِ الله صلى الله عليه وآله على دابة ليلاً في مجالس الأنصارِ تساهم النُّصرةَ، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله ! لقد مضت بيعتُنا لهذا الرَّجل، ولو أنَّ زوجك وابنَ عمّك سبقَ إلينا قبل أبي بكر، ما عدلنا به فقال على كرَّمَ اللهُ وجهَه : أفكنتُ

أدع رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته لم أدفنه، وأخرجُ أنازعُ الناسَ سلطانه؟ فقالت فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صَنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم (1).

فليس الهدفُ من وراء هذه المحاجَّة والمُخَاصَمة أرضُ أو عقار - وإن كان ذلك حقها المشروع - كما يحاول بعضُ السّطحيين تفسيره، وهذا ما يَصْلُحُ تفسيراً لردّة فعل أبي بكر غير المنضبطة ومهاجمته علياً عليه السلام ، وسبه، والتطاول على سيدة نساء العالمين عليها السلام، ثم نعتهما بكل قبيح من القول، ووصفهما بالسُّعاة للفتنة.

وهذا ما توصَّلَ إليه المتنوّرون من حملة العلم، قال الشهيد الصدر + في التَّعقيب على كلام أبي بكر : والذي يهمنا الآن ما يوضّحه من أمر هذه المنازعة وانطباعاتِ أبي بكر عنها، فإنَّه فَهِمَ حقّ الفَهم أنَّ احتجاجَ الزهراء عليها السلام لم يكن حول الميراث أو النِّحلةِ، وإنَّما كان حرباً سياسيةً كما نسميها اليوم. تظلُّمها لقرينها العظيم، الذي شاءَ أبو بكر وأصحابه أنْ يُبعدوه عن المقامِ الطبيعي له في دنيا الإسلام، فلم يتكلم إلا عن علي عليه السلام ] فوصفه بأنَّه ثُعالة، وإنَّه مربّ


1) الإمامة والسياسة، ابن قتيبة : ج 1، ص 29 .

لكلّ فتنة، وإنَّه كأم طحال، وإنَّ فاطمةَ ذنبُهُ التابع له، ولم يذكر عن الميراث قليلاً أو كثيراً(1).

وقال في موضع آخر: «فالممعنُ في دراسة خطوات النزاع وتطوراته والأشكال التي اتَّخذها لا يفهم منه ما يفهم من قضية مطالبة بأرض، بل يتجلّى له منها مفهوم أوسع من ذلك، ينطوي على غرض طموح يبعثُ إلى الثَّورة ويهدفُ إلى استرداد؛ عرش مسلوب، وتاج ضائع ومجد عظيم، وتعديل أمة انقلبت على أعقابها .

وعلى هذا كانت فدك معنى رمزياً يرمز إلى المعنى العظيم، ولا يعني تلك الأرض الحجازية المسلوبة، وهذه الرمزية التي اكتسبتها فدك هي التي ارتفعت بالمنازعة من مخاصمةٍ عاديَّةٍ منكمشة في أفقها محدودة في دائرتها إلى ثورةٍ واسعة

النطاق، رحيبة الأفق.

أدرس ما شئت من المستندات التاريخية الثابتة للمسألة، فهل ترى نزاعاً مادياً، أو ترى اختلافاً حول فدك بمعناها المحدود وواقعها الضيق، أو ترى تسابقاً على غلاتِ أرض مهما صعد بها المبالغون وارتفعوا؟ فليست شيئاً يحسب له


1) فدك في التاريخ السيد محمد باقر الصدر: ص 67 .

المتنازعون حساباً. كلا! بل هي الثورة على أسس الحكم، والصرخة التي أرادت فاطمة أن تقتلعَ بها الحجر الأساسي الذي بني عليه التاريخ بعد يوم السقيفة، ويكفينا لإثبات ذلك أن نلقى نظرةً على الخطبة التي خطبتها الزهراء في المسجد أمام الخليفة وبين يدي الجم المحتشد من المهاجرين والأنصار(1)، وسوف نوردها، مع توضیح مفرداتها، ولكن بعد مناقشة حديث لا نورث.


1) فدك في التاريخ السيد محمد باقر الصدر: ص 63 - 64 .

البحث الثالث إسقاط ذريعة المصادرة

اشارة

تمهید

إنَّ الدعامة الأساسية التي اعتمد عليها الحزب الحاكم في منع الزهراء عليها السلام عن استعادة حقوقها والحيلولة بينها وبين أموالها، هو ما نسبه أبو بكر للنبي صلى الله عليه وآله، أنَّه قال بحسب زعمه: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة»، والحديث يخضع للعديد من المناقشات التي تجعله قاصراً عن تحقيق الغاية التي تطمح السلطة القائمة إلى توظيفه من أجلها، ونحن نسجل بعض الملاحظات على نحو السرعة، ومن أراد المزيد فعليه بمراجعة مفصلات الإمامية بهذا الشأن(1).

الملاحظة الأولى: نحن معاشر الشيعة لا نشك في أنَّ الحديث من اختراع أبي بكر وبطانته، ولم يتفوه به النبي صلى الله عليه وآله. فإنَّه وإنْ وظفت السلطة الأموية - فيما بعد - الأموال في سبيل الارتقاء بالحديث إلى مستوى الشهرة، إلا أنّ جميع طرقه إلا إليه، ولم يصدر عن غيره، وهذا ما صرحت به مصادر أهل السنة، روى لا تنتهي


1) راجع كتاب فدك في التاريخ للسيد محمد باقر الصدر (قدس)، ففيه البغية وشفاء الغليل.

الحافظ ابن عساكر، والمتقي الهندي، والسيوطي، وابن حجر عن عائشة قالت: اختلفوا في ميراثه فما وجدوا عند أحدٍ من ذلك علماً، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة(1)، وقد أكد ذلك جماعةٌ من كبار أعلام السنة، فقالوا: «لم يرو حديث انتفاء الإرث إلا أبوبكر وحده(2).

وقال ابن أبي الحديد مصدّقاً قول السيد المرتضى فيما ذهب إليه من القول بأنَّ الحديث لم يُعرف إلا من طريق أبي بكر، قال: قلت: صدق المرتضى رحمه الله فيما قال، أما عقيب وفاة النبي صلى الله عليه وآله ومطالبة فاطمة عليها السلام

بالإرث، فلم يرو الخبر إلا أبو بكر وحده(3).

ولهذا السبب حاول ابن بطال التنصّل عن الحديث وتبرئة أهل السنة من التمسك به، فنسبه - من غير دليل - إلى الشيعة الذين هم ضحيته والموتورون به،


1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساکر : ج 30، ص311؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 12، ص 488. وانظر: تاريخ الخلفاء، السيوطي : ص73؛ الصواعق المحرقة، ابن حجر : ص 35 ، الخطط السياسية، أحمد حسين يعقوب: ص 316. .

2) السقيفة وفدك، الجوهري : ص 111 ؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج 16، ص 221؛ فلك النجاة الحنفي : ص 157 ؛ الخطط السياسية، أحمد حسين يعقوب: ص 317

3) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي : ج 16، ص 245 .

قال العيني: حكى ابن بطال أنَّ طائفة من الشيعة تزعم أنه لا يورث، قالوا: ولم تطالب فاطمة بالميراث، وإنَّما طالبت بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نحلها من غير علم أبي بكر ، وأنكر هذا(1).

ولا أريد مناقشة هذه التفاهات أو التعقيب عليها، فإنّ الشيعة شنّوا على هذا الحديث هجوماً ضارياً، وأقاموا معه معركةً فكريةً لا هوادة فيها، ومن ظريف ما وقفت عليه في هذا المجال كلام الأميني في الغدير قال : لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله قال ذلك، لوجب أن يفشيه إلى آله وذويه، الذين يدعون الوراثة منه؛ ليقطع معاذيرهم في ذلك بالتمسُّكِ بعموماتِ الإرث من آي القرآن الكريم والسنة الشريفة، فلا يكون هناك صخب وحوار، تتعقبهما محن وإحن، ولا تموتُ بَضعتُهُ الطاهرة وهي واجدة على أصحاب أبيها، ويكون ذلك كلُّه مثاراً للبغضاء والعداء في الأجيال المتعاقبة بين أشياع كل من الفريقين، وقد بُعِثَ هو صلى الله عليه وآله لكسحِ تلكم المعرَّات وعقد الإخاء بين الأمم والأفراد.

ألم يكن صلى الله عليه وآله على بصيرة مما يحدث بعده من الفتن الناشئة من عدم إيقاف أهله وذويه على هذا الحكم المختص به صلى الله عليه وآله المخصص


1) عمدة القاري العيني: ج 15، ص 19 - 20.

الشرعة الإرث؟ حاشاه. وعنده علم المنايا والبلايا والقضايا والفتن والملاحم(1).

الملاحظة الثانية: لو كان للحديث أصل لَعَلِمَ به أهل البيت عليهم السلام،ولما كان خافياً عليهم، ولاستحال أن يطالبوا أبا بكر بإرث النبي صلى الله عليه وآله مادام لا يورث. ولا أعتقد أنَّ يتطرّق إلى ذهن أي مسلم منصفٍ : إِنَّ علياً وسيّدةَ

النساء صلى الله عليه وآله - اللذين هما مضرب المثل بالزهد والقناعة - طالبا أبا بكر بعد علمها بهذا الحديث، وأعراضا عن العمل بمؤدَّاه من أجل الحصول على شيءٍ من حطام الدنيا، أو أنَّ مطالبتهما كانتْ عن جهل به، مع علم أبي بكر، لا أظنُّ

منصفاً أو عاقلاً يرضى بذلك أو ينزل إلى هذا المستوى من الفهم القاصر.

الملاحظة الثالثة: إنَّ أهل السنة رووا في سيرة عمر بن الخطاب ما يوجّه ضربةً قاصمةً لرأي أبي بكر، فقد نصُّوا على أنَّه أرجع فدكاً إلى عليّ والعباس، قال الحموي: «ثم أدَّى اجتهاد عمر ابن الخطاب بعده ، لما ولي الخلافة وفتحت الفتوح

واتسعت على المسلمين أن يردها إلى ورثةِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله، فكان على بن أبي طالب رضي الله عنه، والعباس بن عبد المطلب يتنازعان فيها، فكان علي يقول : إنّ النبيَّ صلى الله عليه وآله جعلها في حياته لفاطمة، وكان العباس يأبى


1) انظر: الغدير ، الأميني: ج 7، ص190 - 191 .

ذلك، ويقول : هي ملك لرسول الله صلى الله عليه وآله، وأنا وارثُه، فكانا يتخاصمان إلى ،عمر فيأبى أن يحكم بينهما، ويقول: أنتما أعرف بشأنكما، أما أنا فقد سلمتها إليكما (1).

أقول: وإنْ كنَّا لا نتفاعل مع مضمون كلامه، فأنَّى لعلي والعباس أن يتنازعا في شيء من حُطام الدنيا وعرضها الزائل ، ولكنَّ الشيء المهم الذي ينبغي التوقف عنده، ذلك الذي فعله عمر، وهو إرجاع فدك لورثة النبي صلى الله عليه وآله، فإنَّه يوجه ضربة قاصمةً للحديث الواهي، الذي اعتمد عليه الحليفة الأول في حرمانِ سيّدة النساء من حقها المشروع.

الملاحظة الرابعة: إِنَّ حديث لا نورث مخالف لصريح القرآن بتوريث الأنبياء

عليهم السلام ، فإن صريح القرآن يقتضي دخول النبي صلى الله عليه وآله تحت عموم آيات الإرثِ قال تعالى: لِلرِّجَالِ نَصِيبُ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبُ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا.(2)

ونصَّ في أكثر من موضع على توارث الأنبياء بالخصوص، فقال تعالى:


1) معجم البلدان، الحموي: ج 4 ، ص 239 .

2) سورة النساء : 7 .

وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ(1)، وقال عن زكريا عليه السلام : إِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَانِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيَّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضيّاً(2)، فكيف بعد ذلك يُدعى أنَّ الأنبياء لا يورثون؟ والعجيب أنَّ الذين أصروا على تصحيح نظرية أبي بكر القائلة بحرمان ورثة الأنبياء من الإرث خرّجوا العديد من الروايات في إرث زكريا، قال ابن كثير: «قال جابر بن نوح، ويزيد بن هارون كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح، في قوله: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ، قال: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة (3.)وقال ابن جرير الطبري في تفسيره: «وقوله: ﴿ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ، يقول : يرثني من بعد وفاتي مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وذلك أنَّ زكريا كان من ولد يعقوب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل»(4.)ثم ساق العديد من الروايات الدالة على ذلك صراحةً، منها ما عن أبي


1) سورة النمل: 16 .

2) سورة مريم: 5 - 6.

3) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير : ج 3، ص 118 .

4) جامع البيان، الطبري: ج 16، ص 60 .

صالح في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ، قال : يرث مالي، ويرث من آل «في يعقوب النبوة(1.)ومنها ما رواه عن الحسن قال :قال رسول الله صلى الله عليه وآله : رحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من وراثة ماله حين يقول: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيَّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (2. وقال الإمام عز الدين السلمي الدمشقي : « يَرِثُنِي مالي، وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوة(3).)وعليه فلا يصح القول بأنه أراد وراثة العلم؛ والحال أنَّه أمر يحصل بالاكتساب لا بالتوارث، والتوارث على سبيل الحقيقة لا يحصل إلا في المال، لذا أكَّد كثير من المفسرين إرادة الوراثة المالية.محاولة قاصرة للقرطبي:لا شك في أن ظاهر آياتِ الإرثِ عام وشامل للجميع، وليس في القرآن ما يدل على استثناء أحد من فريضة الإرث العامة. غير أنّ القرطبي حاول حمل


1) جامع البيان، الطبري: ج 16 ، ص 60.

2) جامع البيان، الطبري: ج 16 ، ص 61 ؛ تاريخ دمشق ابن عساکر : ج 64 ، ص 17؛تفسير القرآن العظيم ابن كثير : ج 3، ص118 .

3) تفسير العز بن عبد السلام الإمام عز الدين بن عبد العزيز : ج 2، ص 269 .

الحديث على الأغلب، فقال: قوله عليه السلام: إِنَّا معشر الأنبياء لا نورث. أنْ يريد: أنَّ ذلك من فعل الأنبياء وسيرتهم، وإن كان فيهم من ورث ماله كزكريا، على أشهر الأقوال فيه، وهذا كما تقول: إنا معشر المسلمين إنَّما شغلتنا العبادة، والمراد أنذلك فعل الأكثر . ومنه ما حكى سيبويه : إنَّا معشر العرب أقرى الناس للضيف (1. ومراده إنَّ عدم التوارث هو الغالب في الأنبياء فإنَّهم - على حدزعمه -في- الغالب لا يورثون. وعلى الرغم من ركاكة الاستدلال وانعدام ما يؤيده، فهو تخرّص محض. إلا أنَّه يتضمن الإقرار بتوريث الأنبياء في الجملة، وإنَّ زكريا عليه السلام قد ورث المال، وهذا ما أثبتته أقوال المفسرين المتقدمة، وهو كاف في إثبات بطلان حديث أبي بكر المزعوم.)ثم إنَّ غير القرطبي أقرَّ بوراثة جميع الأنبياء عليهم السلام ، غاية الأمر أنَّه قال بخروج النبي الخاتم صلى الله عليه وآله من هذا الحكم العام لا لسبب مقنع بل لأنَّ أبا بكر روى عنه أنه لا يورث، قال النووي في شرح مسلم: وحكى القاضي عن الحسن البصري، أنَّه قال : عدم الإرث بينهم مختص بنبينا صلى الله عليه وآله؛ لقوله تعالى عن زكريا : ﴿ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ، وزعم أنَّ المراد وراثةُ المال، وقال:


1) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: ج 13، ص 164 .

ولو أراد وراثة النبوَّةِ لم يقل: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَانِي(1)، إذ لا يخافَ الموالي على النبوة (2).

الملاحظة الخامسة: كان ينبغي على أبي بكر - بناءً على ذلك - أن يحرم جميع الورثة من تركة النبي صلى الله عليه وآله وينتزعَ دُور نساء النبي، ويضمها إلى الخزينة العامة كما فعل مع الزهراء عليها السلام ، فلِمَ تتمتع عائشة ببيت النبي صلى الله عليه وآله بحجة أنَّه سهمها من إرثه صلى الله عليه وآله وتُمنع الزهراء عليها السلام بحجَّةِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله لا يورث؟ فهل كان الحكم بعدم التوريث مختصاً بِبَضعةِ النبي صلى الله عليه وآله؟

ومما يضحك الثكلى إنَّ أبا بكر أوصى أنْ يُدفن إلى جوار رسولِ الله صلى الله عليه وآله واستأذن ابنته عائشة في أنْ يُجعل قبره فيما ورثته من أرض حجرة النبي صلى الله عليه وآله - طبعاً لو صح أنَّ للزوجة نصيب من الأرض أو أن نصيبها يسع -

لذلك - وعلى كل حال فلا يصح منه ذلك إلا مع القول بأنَّه كان يعتقد بأنّ الرواية لا تمثل مدركاً شرعياً في منع التوارث، وهذا ما يجب أن يُصار إليه ويُحكم به، وإنْ


1) سورة مريم: 5 .

2) شرح مسلم، النووي : ج 12، ص 81 .

كان فيه قدح ظاهر بأبي بكر، فإنَّ الحقِّ أحقُّ أَنْ يُتَّبَع.

الملاحظة السادسة: يمكن أنْ يقال: إنَّ الصدقة في الحديث منصوبة (1)، أي: لانورثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةً»، فيكون معنى الحديث حينئذ: الذي تركناه بعنوان الصدقة لا يرثه أحدٌ خلافاً لبقيَّة أموالنا غير المتصدق بها، وبعبارة أخرى : إنَّ الذي تصدَّقنا به لا يُورث، وأما ما تركناه ولم نتصدق به فهو لورثتنا. والذي يصحح هذه القراءة - على فرض صحة الحديث - إنَّها مطابقة لظاهر القرآن، وهو الأولى أنْ يُصار إليه لو قيل بصحة الحديث.

وحكم عدم توريث الصدقات وإن كان عاماً في الأنبياء وغيرهم، ولكن الذي يصحح تأكيد النبي صلى الله عليه وآله على ذلك؛ هو كثرة صدقته، أو أنه أراد استبعاد ما من شأنه أن يكون مصدر قلق لمن يعتاش على صدقته، فيجره إلى النفرة من أهل بيته الذين أوجب الله مودتهم، كما هي طبيعة النفوس في الأعم الأغلب، أو للتأكيد على أولوية الأنبياء بالعمل على مؤدَّى الخبر.

الملاحظة السابعة: إنّ نساء النبي صلى الله عليه وآله أرسلن عثمان بن عفان للمطالبة بسهمهن من تركة النبي صلى الله عليه وآله وهذا يدلّ على أنهن كنَّ


1) أفاد هذا الوجه الشيخ المفيد& في رسالته بعنوان : نحن معاشر الأنبياء لا نورث: ص 20.

يعتقدنَ بعدم صحة ما قاله أبو بكر في عدم إرث النبي صلى الله عليه وآله، وإلا لما جازت لهن المطالبة، والحال هنَّ أزواجه وأقرب الناس إليه، ولو كان النبي صلى الله عليه وآله لا يورث لأعلمهنَّ بذلك، فمن أين علم أبو بكر بالحكم، والحال أنه لا

يخصه ولا يتعلق به، أليس من واجب النبي صلى الله عليه وآله أنْ يُبلّغ بذلك الحكم نساءه وابنته؛ لتعلق الحكم بهنَّ مباشرة، فكيف سوّغتم للنبي صلى الله عليه وآله أنْ يترك البلاغ ببعض ما يوحى إليه، مع تشديد القرآن في ذلك، حتى قال تعالى: فَلَعَلَّكَ تَارِكُ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقُ بِهِ صَدْرُكَ ... إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلُ ﴾ (1)؟ أليس هذا من القدح الظاهر بسيد المرسلين صلى الله عليه وآله، والانتقاص السافر لساحته المقدَّسة ؟ أم أنَّ ذلك مغتفراً ما دام الغرض تبرئة ساحة الحاكم وتوجيه تصرفاته.

الملاحظة الثامنة: إِنَّ حديثَ لا نورث منقوض بفعل أبي بكر نفسه، فقد روي أنَّه ردَّ فدكاً لها في المطالبة الأولى، فاعتراض عليه عمر بن الخطاب، وشقّ الكتاب فأفسد الأمر ، قال الحلبي: «في كلام سبط ابن الجوزي رحمه الله : أنه كتب لها بفدك ودخل عليه عمر ، فقال : ما هذا؟ فقال: كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من


1) سورة هود 12 .

أبيها ، فقال : مماذا تنفقُ على المسلمين؟ وقد حاربتك العرب كما ترى، ثم أخذ عمرُ الكتابَ فَشَقَّه(1)، وفي شرح النهج للمعتزلي: «جائت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر وقالت: إنَّ أبي أعطاني فدك ، وعلي وأم أيمن يشهدان. فقال: ماكنت لتقولي على أبيك إلا الحق قد أعطيتكها، ودعى بصحيفة من أدم فكتب لها فيها، فخرجت فلقيت عمر، فقال: من أين جئت يا فاطمة؟ قالت عليها السلام:جئت من عند أبي بكر ... فأخذ عمر منها الكتاب... وبصق في الكتاب فمحاه وخرَّقه(2).

وفي أعلام النساء: «إنَّ أبا بكر رقّ لها حيث لم يكن عمر حاضراً فكتب لها بفدك كتاباً، فلما خرجت به وجدها ،عمر ، فمد يده إليه مغالبةً فمنعته، فدفع بيده في ،صدرها، وأخذ الصحيفة فحرقها بعد أن تفل فيها فمحاها، وإنها دعت عليه فقالت بقر الله بطنك كما بقرت صحيفتي (3)، وبناءً على ذلك كله؛ فلو كان أبو بكر يعتقد بصحة الحديث، وأحقية الحكم بالمصادرة لم يرد إليها فدكاً في المرة الأولى.

الملاحظة التاسعة: إنَّ الشيء الذي لا غبار عليه إجماع أهل البيت عليهم السلام واتفاق كلمتهم على تكذيب خبر أبي بكر، وعليه فليس قول أبي بكر بأولى


1) السيرة الحلبية، الحلبي الشافعي: ج 3، ص 488 ؛ فلك النجاة، الحنفي : ص 160 .

2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي : ج 16، ص 274 .

3) أعلام النساء، محمد رضا كحالة : ج 4 ، ص 124 .

من قولهم عليهم السلام ، وليس رأيه مقدَّماً على رأيهم وليس رأيه مقدَّماً على رأيهم عند حصول النزاع والاختلاف، فإنَّ الاحتياط يوجب الأخذ بكلامهم، لا سيما وأنَّ ما اتفقوا عليه موافق لظاهر الكتاب، بالإضافة إلى أنَّ الأحاديث الصحيحة صرحت بأنهم مع القرآن وأنَّ القرآن معهم لن يفترقا حتى يردا الحوض.

الملاحظة :العاشرة: إن المنع من التوارث الذي حكم به أبو بكر لم يشمل جميع الأموال التي خلفها النبيُّ صلى الله عليه وآله، فقد جاء في بعض روايات أهل السنة: أنَّه أعطى علياً عليه السلام ناقةَ النبي صلى الله عليه وآله وحذاءه(1)، وفي بعضها: ناقة النبي صلى الله عليه وآله وحذائه وسيفه، وعمامته، فَحَكَم بذلك ميراثاً لعلي عليه السلام ، ولو كانت القضية على ما قال من منع التوارث، لما صح منه ذلك، ولكان يجب عليه انتزاعها منه، كما انتزع فدكاً، فلماذا لم تصادر الناقة كما صودرت فدك، هل لأنَّ الناقة في الحسابات الاقتصادية لا تعدل شيئاً بالمقارنة مع فدك، أم أنَّ هنالك تخصيصاً وارداً بشأن الناقة والسيف والعمامة ؟

والخلاصة : كل ذلك يثبت أن حديث لا نورث لعبة سياسية أنتجتها مصانعُ الحزب القرشي، المتألقة في ميادين إنتاج الأحاديث المزورة، وكان الهدف


1) السقيفة وفدك، الجوهري : ص 103 ؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد : ج 16 ، ص 214؛ السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، محمد بيومي: ص144

من وراءه أبعاد أهل البيت عليها السلام عن المسرح القيادي لا غير.

دفاعيات واهية

حاول بعض علماء أهل السنة التماس الذرائع لتصحيح موقف أبي بكر من نحلة الزهراء عليها السلام، وترقيع المخالفة العلنية لحكم القرآن، قائلاً: «لعل الخليفة كان من اجتهاده عدم قبول الشاهد الواحد، وإن كان يعلم بصدق هذا الشاهد (1). وهذا توجيه أوهن من بيت العنكبوت والمخالفات الصارخة للكتاب والسنة لا تُوجَّه ب(لعل)و(ليت) وأمثال ذلك، ثم وأي قيمة لاجتهاد الحاكم أو أي شخص آخر في قبال صريح القرآن؟ ومع غض النظر عن ذلك، فالذي قاله لا يصمد أمام النقد العلمي، وذلك لعدة وجوه :

الوجه الأول: إن الحكم بالشاهد الواحد ليس فيه مخالفة للأسس الإسلامية مطلقاً فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله أنه حكم بالشاهد الواحد، على ما تضافرت به الروايات السنية الصحيحة وفق مبانيهم في الحديث والدراية، وقد أخرج ذلك البخاري في مسنده وهو أصح الكتب عندهم بعد كتاب الله، اللهم إلا أنْ يقال: إنَّ أبا بكر أكثر احتياطاً من النبي صلى الله عليه وآله وأشدُّ حريجة في الدين منه.


1) شرح المواقف، الجرجاني: ج8، ص356.

الوجه الثاني: إنَّ الحاكم في الشرع الإسلامي لا يجوز له إغلاق الدعوى إلا بعد استيفاء الحجج واستقصاء ما يتعلّق بها من ملابسات واستجلاء الحقيقة إيجاباً أو سلباً، ومن ضمن ذلك ما لو أتى المدعي بشاهدٍ واحدٍ، فليس للحاكم إغلاق والدعوى بحجَّةِ عدم اكتمال البيّنة الشَّرعيةِ، بل عليه مطالبةُ المدَّعي - مع الشاهد -باليمين،فإن حلف قضى له، وإن نكل صرفه وأغلق الدعوى، وبناءً على ذلك كان -ينبغي على أبي بكر مطالبة الزهراء عليها السلام بضمّ اليمين مع الشاهد،لا أن يحول بين الحق ومدَّعيه لمجرد عدم حصولِ شاهد آخر ، وهذا ما قرر في كتب الفقه السنية وغيرها، قال في فقه السنة:«إذا لم تكن للمدعي بيّنةٌ سوى شاهد واحد، فإنَّه يُحكم في الدعوى بشهادة هذا الشاهد ويمين المدَّعي؛ لما رواه الدارقطني من حديثِ عمروبن شعيب عن أبيه عن جده :أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الحقِّ بشاهدين،فإن جاءبشاهدين أخذ حقه، وإنْ جاءَ بشاهدٍ واحدٍ حَلَفَ مع شاهدِهِ.

وإِنَّما يُحكم بالشاهد مع اليمين في جميع القضايا إلا الحدود والقصاص، وقصر بعضُ العلماء الحكم بالشاهد واليمين في الأموال وما يتعلَّقُ بها، وأحاديثُ القضاء بالشاهد واليمين رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نيف وعشرون شخصاً.

قال الشافعي: القضاء بشاهد ويمين لا يُخالف ظاهر القرآن؛ لأنَّه لا يمنعُ أنْ

يجوز أقل مما نصَّ عليه. وبهذا قضى أبو بكر وعلي وعمر بن عبد العزيز وجمهور السَّلف والخلف ومنهم مالك وأصحابه،والشافعي وأتباعه، وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وداود وهو الذي لا يجوز خلافه (1).

أقول: إذا كان القضاء بالشاهد واليمين هو حكم الشريعة الثابت، وهو المروي عن النبي صلى الله عليه وآله، والذي كان عليه عمل الخلفاء، ومن بعدهم الفقهاء، والمصرح بعدمِ جواز مخالفته، فلم صححتم للخليفة أن يبطل دعوى سيّدة نساء العالمين عليها السلام، ولم يضم إلى شاهدها اليمين؟ هذا إذا كان الشاهد واحداً، وسوف يأتي أنَّ الشهود كانوا أكثر من ذلك.

الوجه الثالث: إنَّ ما قالوه يبتني على أساس أنَّ الشاهد كان واحداً لا غير ونحن لا نسلّم بذلك، لتصريح المصادر السنية على إنَّ الذي شهد للزهراء عليها السلام علي والحسن والحسين عليهم السلام ، وأم أيمن، ورباحُ مولى رسولِ الله صلى الله عليه وآله، وأمّ سلمة.

أما شهادة علي عليه السلام وأم أيمن، فقد وردت الرواية بها عند أكثر المحدثين والمؤرخين قال البلاذري: «أخبرنا الفضيل بن عياض عن مالك ابن


1) فقه السنة، الشيخ سيد سابق : ج 3، ص 453 - 454 .

جعونة، عن أبيه قال: قالت فاطمة لأبي بكر : إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله جعل لي فدك فاعطني إياها. وشهد لها علي بن أبي طالب، فسألها شاهداً آخر، فشهدت لها أمُّ ،أيمن ، فقال : قد علمت يا بنتَ رسولِ الله، أنَّه لا تجوز إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين»(1).

وأما شهادة رباح مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقد صرح بها جماعة من أعلام أهل السنة، منهم البلاذري في فتوح البلدان والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل، قالا: «أنَّ فاطمة رضي الله عنها قالت لأبي بكر الصديق : أعطني فدك فقد جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لي. فسألها البينة، فجاءت بأم أيمن ورباح مولى النبي صلى الله عليه وسلم، فشهدا لها بذلك، فقال: إنَّ هذا الأمر لا تجوز فيه إلا شهادة رجل وامرأتين(2).

وأما شهادةً علي والحسن والحسين عليهم السلام مع أم أيمن، فقد أثبتها جماعةٌ منهم، على الرّغم من التَّعتيم على الحادثة، وممن روى ذلك اليعقوبي في ،تاريخه قال: «رفع جماعةً من ولد الحسن والحسين إلى المأمون يذكرون أن فدكاً كان


1) فتوح البلدان البلاذري: ج 1، ص 35؛ شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني : ج 1، ص 444 .

2) فتوح البلدان البلاذري: ج 1 ، ص 35؛ شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني: ج 1 ، ص 444 .

وهبها رسول الله لفاطمة، وأنّها سألت أبا بكر دَفْعَها إليها بعد وفاة رسول الله، فسألها أنْ تُحضر على ما ادعت شهوداً، فأحضرت علياً والحسن والحسين وأم أيمن فأحضر المأمونُ الفقهاء، فسألهم عن...(1)، رووا أنَّ فاطمة قد كانت قالت هذا، وشهد لها هؤلاء، وإنَّ أبا بكر لم يجز شهادتهم.

فقال لهم المأمون: ما تقولون في أم أيمن ؟ قالوا: امرأة شهد لها رسول الله بالجنة، فتكلَّم المأمون بهذا بكلام كثير، ونصحهم إلى أن قالوا: إنَّ علياً والحسنَ والحسين لم يشهدوا إلا بحق، فلما أجمعوا على هذا ردَّها على ولد فاطمة،وكتب بذلك»(2).

وأما شهادة أمّ سلمة معهم، فقد رواها الجوهري عند إيراد كلام عمر بن عبد العزيز، قال: «قد صح عندي وعندكم أنَّ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ادَّعت فدك، وكانت في يدها، وما كانت لتكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، مع شهادة عليّ، وأم أيمن، وأم سلمة، وفاطمة عندي صادقة فيما تدعي، وإن لم تقم البينة، وهي سيدة نساء أهل الجنة، فأنا اليوم أردُّها على ورثتها أتقرب بذلك إلى


1) بياض في أصل النسخة.

2) تاريخ اليعقوبي، اليعقوبي: ج2، ص 469 .

رسول الله وأرجو أن تكون فاطمة والحسن والحسين، يشفعون لي في يوم القيامة ولو كنت بدل أبي بكر ، وادَّعت فاطمة كنت أصدقها على دعواها(1).

أقول: والذي تؤكّده هذه الروايات أنَّ هنالك إصراراً متعمَّداً لمصادرة الحقوق المالية لأهل البيت عليهم السلام ، وليس القدحُ بالشَّهادةِ إلا حجة وذريعة اُرِيْدَ بها إسكاتُ الزهراء عليها السلام، وإرضاء الرأي العام، وإلا فلو شهد لها الثقلان لما أصغت لها الآذان.

الوجه الرابع: إنَّ فدكاً كانت بيد الزهراء عليها السلام وتحت تصرفها، ومن المعروفِ في أصول المحاكمات الإسلامية عند كلّ المذاهب والفرق، أن صاحب اليد لا يُطالب بالبينة؛ لأنَّ اليد إمارة الملكية، ولو جاز مطالبة صاحب اليد بالبينة لا نهدمت أسس البنيان الاجتماعي، وأصبحت الحياة طعمة الهرج والمرج، ومآل ذلك سيادة الفوضى واستفحال الفساد، فلا يسلم ملك لمالكه، ولا يبقى مال لصاحبه، ولغدا كل ملك في معرض الانتهاب، وكلُّ مالٍ مهدداً بالاستلاب.

الوجه الخامس: إن الحاكم الإسلامي في النظرية الإسلامية يجوز له أن يحكم بعلمه، ولا شك في أنَّ أبا بكر كان على يقين تام في أنَّ الزهراء عليها السلام ما كانت


1) السقيفة وفدك، الجوهري : ص 148 .

تدَّعي إلا الحق، ولا تقول إلا الصدق، وهذا ما أكده حماد ابن اسحاق، بقوله: كان أبو بكر]...لا يشكُ في أنّها تقول الصدق والحق، وأنَّه يعمل بروايتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقبل قولها، وينتهي إليه(1).

أقول: ولعل القارئ اللبيب ملتفت إلى ما تضمَّنه كلامه من التناقض البين، والتهافت الظاهر ، فأما قوله : كان أبو بكر لا يشكُ في أنّها تقولُ الصدقَ والحقّ»فصحيح، بل في غاية الصحة؛ لأنَّه لو لم يكن معتقداً ذلك لخرج من الدين بحكمِ أهل السنة، إذ يكون قد ردَّ شهادة الله عزّ وجلَّ لها بالتطهير.

وأما قوله: «أنَّه يعمل بروايتها ويقبل قولها وينتهي إليه، فهذا من خطل الرأي وزلَّةِ القول، وهو تخرُّص محضّ، وقولٌ عار عن الصحة، فإنَّ الوثائق التاريخية تُثبت عكس ذلك تماماً، فلا هو يعمل بروايتها، ولا يقبل قولها، ولا ينتهي إليه. ومتى عَمِلَ برأيها ؟ وقد أقامت الدنيا ولم تقعدها في المطالبة بحقها المسلوب وإرثها المغصوب ونحلتها المنتهبة دون أن يصغي لها، أو يقابلها بما يليق وشأنها ؟! وإذا كان أبو بكر لا يجيد معاملة سيدة نساء العالمين، إلا بهذا الأسلوب، فعلى أهل المكارم السلام.


1) تركة النبي صلى الله عليه وآله حماد بن اسحاق: ص89 .

واعلم إنَّ القول بيقين الخليفة بصدقها وأحقية دعوتها، هو ما صرح به أعلام أهل السنة وأثبتوه في أمهات مصنفاتهم، قال ابن أبي الحديد المعتزلي: «سألت عليّ بنَ الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد»،وهو من أكابر متكلمي أهل السنة،والمبرزين بالفضل عندهم ، فقلت له : أكانت فاطمة صادقة؟»، أي هل كانت صادقة حقاً وواقعاً، وهل كان أبو بكر يرى أنّها صادقة؟ أم يتوقع أنها ربّما مخطئة في دعواها، قال: نعم»، فإنَّه على يقين تام لا يخالطه أدنى شك أنَّ الزهراء عليها السلام ما كانت تفتري على الله الكَذِب - والعياذ بالله - ولكن ابن أبي الحديد تصوّر أنَّ الأمر سطحياً ومتعلقاً بقضايا مادية لا غير، فسأل أستاذه: «قلت: فلِمَ لم يدفع إليها فدك وهي عنده صادقة؟ فتبسم...(1)، أقول : وكان الأجدر به أن يبكي!!.

الوجه السادس: إنَّ أبا بكر نفسه حكم في القضايا المالية بمجرد الدعوى، دون أنْ يُلزم المدعى بشاهد واحد، فضلاً عن البيئة أو اليمين، ولم يكن الذين حكم لهم من غير شاهد ويمين بأفضل من عليّ والزهراء صلى الله عليه وآله. فقد نصَّ البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل والبيهقي وابن حجر وجماعةٌ من محدثي أهل السنة، عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال -واللفظ للبخاري -: «كان


1) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد المعتزلي: ج 16 ، ص 284 .

رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي : لو قد جاءنا مالُ البحرين قد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، وجاء مال البحرين، فقال أبو بكر: من كانت له عند رسولِ الله صلى الله عليه وآله عِدَةٌ فليأتني، فقلتُ: إِنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد كان قال لي : لو قد جاءنا مالُ البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، فقال لي : أحثه، فحثوتُ حثيةً، فقال لي: عدَّها، فعددتُها فإذا هي خمسمائة(1)، فأعطاني ألفاً وخمسمائة ، فأعطاه ذلك لمجرد قوله ودعواه.

وينتابك العجب والاستغراب إذا رأيتَ تعليقة الكرماني(2)على هذه الرواية،


1) صحيح البخاري، البخاري : ج 4 ، ص 64 - 65 وج 3، ص 58 وج 3، ص 137 وج 4 ، ص 55 - 56 ؛ صحیح مسلم، مسلم النيسابوري: ج 7، ص 75 76؛ مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 3، ص 307 - 308؛ السنن الكبرى البيهقي : ج 6 ، ص 302؛ فتح الباري، ابن حجر : ج 1، ص 432 ؛ عمدة القاري، العيني: ج 12، ص 120؛ مسند الحميدي، عبد الله بن الزبير الحميدي: ج 2، ص 517؛ تركة النبي صلى الله عليه وآله حماد بن زيد البغدادي : ص 89؛ معرفة السنن والآثار البيهقي: ج 5 ، ص 115؛ الاستذكار، ابن عبد البر : ج 5 ، ص 159 ؛ رياض الصالحين، يحيى بن شرف النووي: ص 346؛ كنز العمال المتقي الهندي : ج 5 ، ص 626 ؛ تفسير ابن كثير، ابن كثير : ج 3، ص 132؛ الطبقات الكبرى، محمد بن سعد : ج 2، ص 317 - 318؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر : ج 4 ، ص 27 - 28 .

2) محمد الكرماني ( 717 - 786 ه-) : محمد بن يوسف بن علي بن سعيد الكرماني، ثم البغدادي ( شمس الدين ): فقيه، أصولي، محدث، مفسر، متكلّم، نحوي، بياني. ولد في 16 جمادى الآخرة وتوفي بطريق الحج في 16 المحرم، فنقل إلى بغداد من تصانيفه: شرح الفوائد الغياثية في المعاني والبيان وسماه تحقيق . الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، حاشية على أنوار التنزيل للبيض----اوي، شرح المواقف للإيجي في علم الكلام . (بغية الوعاة، السيوطي: ص 120 120 - 121 ؛ الدرر الكامنة، ابن حجر : ج 4 ؛ ص 310 - 311؛ البدر الطالع ، الشوكاني : ج 2، ص 292 ؛ هداية العارفين البغدادي: ج 2، ص172).

فإنَّه قال: «وأما تصديقُ أبي بكر جابراً في دعواه، فلقوله صلى الله عليه وآله: مَن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. فهو وعيد، ولا يظنُّ بأن مثله [أي مثل جابر ] يقدم على هذا(1).

وهل فهل معنى ذلك أنّ أبا بكر كان يظنُّ أنَّ الزهراء عليها السلام تتعمد الكذب فيما تقول؟ - معاذ الله - وإن كان يظنُّها صادقة ،فلِمَ لم يُعطها حقها كما أعطى جابراً؟ أن الزهراء عليها السلام التي شهدت القرآن بطهارتها، والتي يرضى الله الرضاها ويغضب لغضبها، أقل شأناً من جابر بن عبد الله؟ وإذا كان ذلك وارد بحقها، فلِمَ تُرَد شهادة علي عليه السلام الذي يدور الحقِّ معه حيثما دار؟ كل ذلك يضعُ أهل السنة أمامَ حقيقة ناصعة لا يحتاجُ اللإقرار بها سوى شيء من الشَّجاعة

في الرأي، والتَّحرر من قيود التعصب المذهبي البغيض.


1) الكواكب الدراري، الكرماني: ج 10 ، ص 152 .

البحث الرابع خطبة الزهراء عليها السلام والإعلان بمظلوميتها

اشارة

مرَّ عليك تأكيد الروايات السنية على مطالبة الزهراء عليها السلام بحقها المهتضم وإرثها المغتصب، واحتجت على غاصبيها بأبلغ الحجج، وقدَّمت أقوى الأدلة بأبلغ كلامٍ وأجلى بيان؛ لإثباتِ أحقيتها بفدك على سبيل النحلة تارةً، والإرث تارةً أخرى، ولكنَّها . للأسف . لم تجد آذاناً صاغية وقلوباً واعية، ولما رأت إصرار القوم على غصب حقها، وتكاتفهم على الاستهانة بمطالبتها، وتعمّدهم في تجاهل قدرها ووقفت على خطورة المؤامرة، قررت الإعلان عن مظلوميتها أمام الملأ، لتضمن وصول صوتها إلى الأجيال المتعاقبة.

فاختارت المسجد ليكون محلاً لإعلان احتجاجها وبيان مظلوميتها، وألقت فيها خطبة وضعت فيها النقاط على الحروف وأزاحت الستار عن الحقيقة الموءودة، وقد تكفّلت المصادر السنيَّةُ بنقلها على الرّغم مما اشتملت عليه من قضايا تمسُّ الخلافة القائمة آنذاك بالصميم، وسوف نأتي بها بعد ذكر بعض مصادرها :

مصادر خطبة الزهراء عليها السلام ورواتها من السنة

لا شك في شدَّةِ حرص حفَّاظِ آلِ أمية وأنصارِ الظالمين على ستر تلك الخطب وإبادة الكتب المؤلفة فيها، ومع ذلك فقد وصلت إلينا من خلال ما سجّلته بعض الأقلام السنية، وممن رووا هذه الخطبة:

1- عمر بن شيبة (ت 262ه-)، وهو عند العامة أشهر من نار على علم، فقد ترجم له ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب فقال: «هو صدوق صاحب عربية وأدب. وقال الدارقطني : ثقة، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وقال: مستقيم الحديث، وكان صاحب أدب وشعر وأخبار ومعرفة بأيام الناس. وقال أبو بكر الخطيب كان ثقةً، عالماً بالسير وأيام الناس(1).

2- أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر المعروف بابن طيفور (ت 280ه-)، في بلاغات النساء، قال عنه الزركلي: «مؤرّخ من الكتاب البلغاء الرواة، أصله من مرو الروذ ومولده ووفاته ببغداد... له نحو خمسين كتاباً»(2).

3-أبو بكر الجوهري (ت) 323ه-)، روى الخطبة في كتابه السقيفة وفدك،


1) تهذيب الكمال، المزي: ج 21 ، ص390.

2) الأعلام، خير الدين الزركلي: ج 1، ص 141 .

قال فيه ابن أبي الحديد: «هو من الثقات الأمناء عند أصحاب الحديث(1).

4- الوزير الكاتب أبو سعد منصور بن الحسين الآبي (ت 421ه)، في كتابه - نثر الدرر، وغيرهم.

5-الموفق بن أحمد الخوارزمي (ت 568ه-) في مقتل الحسين عليه السلام ، الذهبي: «أبو المؤيد المكي، العلامة، خطيب خوارزم. كان أديباً، فصيحاً، مفوّهاً، خطب بخوارزم دهراً، وأنشأ الخطب وأقرأ الناس، وتخرج به جماعة، وهو قال عنه الذي يقال له: خطیب خوارزم (2).

6-المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير (ت 606ه-) في كتابه منال الطالب في شرح طوال الغرائب.

7-سبط ابن الجوزي (ت 654ه- ) ، روى الخطبة في تذكرة الخواص، وهو من كبار علمائهم، وممن أطرى عليه الذهبي بأجمل ما قيل في مدح أهل العلم، فقال: الشيخ العالم المتفنن الواعظ البليغ المؤرّخ الاخباري، واعظ الشام... انتهت إليه

رئاسة الوعظ وحسن التذكير ومعرفة التاريخ، وكان حلو الإيراد، لطيف الشمائل،


1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج 16، ص 234.

2) تاريخ الإسلام الذهبي : ج 39، ص 327 .

مليح الهيئة، وافر ،الحرمة له قبول زائد وسوق نافق بدمشق... وكان كيساً ظريفاً متواضعاً كثير المحفوظ، طيّب النغمة، عديم المثل(1).

8-عبد الحميد بن هبة الله بن محمد المعروف بابن أبي الحديد (ت 655 ه-)،في شرح نهج البلاغة.

نص الخطبة كما في بلاغات النساء

اشارة

أورد ابن طيفور روايتين الخطبة الزهراء عليها السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وآله :

الرواية الأولى

قال أبو الفضل [ ابن طيفور ] ذكرتُ لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسينِ بنِ علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم، كلام فاطمة عليها السلام عند منع أبي بكر إيَّاها فدك، وقلتُ له: إِنَّ هؤلاء (2)يزعمونَ أَنَّه مصنوع وأنَّه من كلام أبي العيناء (3)

قبل وقت أبي العيناء.


1) سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 23، ص 297 .

2) يشير إلى قوم في عصره كانوا يغضون من قدر آل البيت كلام المحقق في الحاشية من نفس الكتاب).

3) أبو العيناء محمد بن قاسم بن خلاد الضرير مولى أبي جعفر المنصور، كان من الحفاظ، وكان صاحب نوادر وشعر وأدب. قيل : إن أبا العيناء ادّعى هذه الخطبة، ولكنه قول فاسد؛ فقد رواها قوم وصححوها

«الخبر منسوق البلاغة على الكلام (1). فقال لي: رأيتُ مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم، ويعلمونه أبناءهم، وقد حدثنيه أبي عن جدي يبلغ به فاطمة عليها السلام على هذه الحكاية، ورواه مشايخ الشيعة وتدارسوه بينهم قبلَ أنْ يُولَدَ جدُّ أبي العيناء، وقد حدث به الحسن بن علوان عن عطية العوفي : أنه سمع عبد الله بن الحسن يذكره عن أبيه، ثم قال أبو الحسين وكيف يُذْكَرُ هذا من كلام فاطمة فينكرونه، وهم يرون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة يتحققونه لولا عداوتُهم لنا أهل البيت. ثم ذكر الحديث قال: «لما أجمع أبو بكر على مَنْع فاطمة بنتَ رسولِ الله صلى الله عليه وآله فدك، وبلغ ذلك فاطمةَ لاتَتْ خِمَارَها(2)على رأسها، وأقبلت في لمةٍ(3)من حَفَدَتِها (4)تَطأ ذُيُوْلهَا (5)، ما تَخْرِمُ من مِشْيَةِ رسولِ الله صلى الله عليه


1) يعني أنَّ الطعن في نسبة هذا الكلام البليغ إلى فاطمة عليها السلام، أما نفس الواقعة وهي منع الإرث فهي صحيحة ومثبوتة في كتب التاريخ . كلام) المحقق في حاشية باغات النساء).

2) لاثت المرأة خمارها : إذا لوته على وجهها ورأسها ، ولاث الرجل عمامته : إذا أدارها على رأسه. وقد فعلت الزهراء عليها السلام ذلك بما يتلاءم وعفتها وشدة تحجبها، فهي ربيبة الخدر ومثال الطهر .

3) اللُّمَّة الجماعة من النساء، وأصلها فُعْلَة، من الملائمة وهي الموافقة والاجتماع.

4) الحَفَدَة : الأتباع والخَوَل، جمع حافد وحافدة، سُمُّوا به من الحفد وهو الإسراع في الخدمة والعمل. وإنّما وإنّما خرجت عليها السلام بهذه الهيئة لتلفت أنظار أهل المدينة، فيلتحقوا بها في المسجد، لإيصال رسالتها إلى أكبر عدد ممكن. وليكون من معها من النسوة شاهداً على مظلوميتها وعدالة قضيتها.

5) وطؤ الذيل كناية عن الحياء والخفر والعفة.

عليه وآله شيئاً(1)، حتى دخلت على أبي بكر، وهو في حَشْدٍ (2)من المهاجرينَ والأنصارِ، فَنِيْطَتْ دُونَها مُلاءةٌ (3)، ثم أَنَّتْ أَنَّةً(4)أَجْهَشَ القَومُ(5)لها بالبُكاءِ، وارتج المجلس، فأمْهَلَتْ حَتَّى سَكَنَ نَشِيجُ القَومِ (6)وَهَدَأَتْ فَوْرَتُهم(7)، فافتتحت الكلام بحمدِ الله والثَّناءِ عليه والصلاة على رسولِ الله صلى الله عليه وآله، فعاد القومُ في بكائهم، فلما أمسكوا عادتْ في كلامها، فقالتْ: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمُ (8)، فَإِنْ تَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أَبي دونَ آبائِكُم، وأخا ابنِ عَمِّي دونَ رجالِكم، فَبَلَّغَ النَّدَارَةَ(9)، صَادِعاً بالرسالةِ(10)، مَائِلاً على


1) ما تخرم أي لا تترك ولا تخالف، فكأنَّ مشيتها مشيته.

2) الحشد الجمع، يقال: احتشد القوم إذا تجمعوا.

3) نیطت دونها : أي عُلقت دونها ملاءة. والملاءة: الإزار، وهذا دليل آخر على شدّة تحجبها. كيف لا وهي التي دخل عليها ابن أم مكتوم، فتحجبت عنه وكان أعمى، فقال لها رسول الله : إِنَّه أعمى، فقالت: إِنَّه يشم الريح.

4) الأنين صوت المتوجع المتألم الشاكي. وكان أنينها لفقد أبيها وتكاتف القوم على غصب حق بعلها عليه السلام وهتك حرمتها.

5) جَهَش للبكاء يجهَش جهشاً، استعد له واسْتَعْبَرَ، والمُجْهِش: الباكي نفسه.

6) يقال: نشج الباكي إذا غصَّ بالبكاء في حلقه.

7) الفورةُ: أوّل الشيء وحِدَّته، ومنه فوران القدر، وغَلَيانها .

8) سورة التوبة : 128 .

9) النذارة: الإنذار ، يقال : أنذر ينذر إنذاراً ونذارةً : إذا أعلم بالأمر، والإنذار أيضاً: التخويف.

10) الصدع في الأصل : الشَّق، وصادعاً بالرسالة: أي مبلغاً بها على أكمل وجه وأتمه، ومنه قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . سورة الحجر : 94.

مدرَجةِ المشركينَ، ضَارِباً لِتَبجهم(1)، آخذاً بِكَظْمِهم(2)، يَشمُ الأصنام، ويَنكُتُ الهام (3)، حتى هُزِمَ الجمعُ ووَلُّوا الدُّبُرَ (4)، وتَعَرَّى الليل عن صُبْحِهِ (5)، وأَسْفَرَ الحَقُّ عن تَحْضِه(6)، ونَطَقَ زَعيمُ الدِّينِ، وخَرِسَتْ شَقَاشِقُ الشَّياطين(7)، (وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ)(8)، مَذْقَةَ الشَّاربِ(9)، ونُهْزَةَ الطامع(10)، وقَبْسَةَ العَجْلانِ (11)، ومَوْطِئ


1) وفي رواية: وضارباً لأثباجهم والأثباج : جمع ثَبَج وهو الوسط، وما بين الكتفين من الظهر.

2) الكظم: مخرج النفس من الخلق.

3) أصل النكث : النقض. والهام الرؤوس، جمع الهامة. وفي نسخة : « ويفضّ الهام والفض الفتح والكسر.

4) الجمع الجيش، وولوا الدبر : انهزموا .

5) تفرّى الليل عن صبحه : أي انكشف وانشق، يقال : فريت الشيء إذا شققته للإصلاح، وأفريته : إذا شققته للإفساد.

6) الإسفار : الإضاءة والظهور، ومنه قوله تعالى : ( والصبح إِذَا أَسْفَرَ) . سورة المدثر: 34. والمحض: الخالص.

7) شقاشق الشياطين ما يتكلمون به، وأصله من الشَّقْشِقَة التي يخرجها الجمل من جوفه.

8) سورة آل عمران: 103 . وشَفا كلّ شيء: حرفُهُ وجانبه.

9) المذقة : الشربة أو الجرعة اليسيرة من اللبن الممذوق أي المخلوط بالماء.

10) النَّهزة الفرصة، وأخذُ الشيء مبادرة، وأصل النُّهز : الدفع .

11) القبسة: المرة من اقتباس النار، وبالضم وهي الشُّعلة. ومعنى ذلك: إنَّكم كنتم على حرفٍ من الهلاك الموقع في النار، وكنتم مُهملين كالذي يأخذه ذائقُ اللبن ليختبره، وكنتم فُرصة للطامع فيكم، وبمنزلة اقتباس المستعجل لأخذ الشعلة من النار، لا تدفعون الضيم ولا تحمون الذمار.

الأقدام، تشربون الطَّرْقَ (1)، وتَقْتَاتُوْنَ القِدَّ والوَرَقَ(2)، أَذِلَّةٌ خاشِعِينَ (3)، تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكم الناسُ مِن حولكم(4)، فأنقذكم الله برسولِهِ صلى الله عليه وآله، بعدَ اللَّتَيَّا والتي(5)، وبعد ما مُني ببهم الرِّجالِ(6)وذُوْبَانِ العرب(7)، (وَمَرَدَةِ أهل الكتاب)(8)،

كلَّما حَشوا ناراً للحرب أطفأها (9)، ونَجَمَ قَرْنٌ للضَّلال(10)وفَغَرَتْ فاغرة(11)من


1) الطَّرق : الماء الكَدِر ، الذي خاضته الإبل، وبالت فيه وبَعَرَتْ.

2) الاقتات أكلُ القُوت والقَدَّ: وهو الجلد غير المدبوغ، كانوا يأكلونه في الجدب والمجاعة، وقيل: هو جلد السَّخْلَةِ والمَاعِز.

3) الخُشُوع: الذُّل والخُضُوع، تريد: أنكم كنتم أذلاء خاضعين لغيركم.

4) التَّخَطَّفَ : الاستلاب، وأخذ الشيء بسرعة. فهي عليها السلام تذكرهم بالماضي المقيت، وما كانوا عليه من الحال السيئة، وتريد منهم المقارنة بينه وبين ما صاروا إليه من العزة والسعة والرخاء بفضل الإسلام.

5) اللَّتيَّا والتي أي بعد الشدائد والأمور الصعاب العظيمة، وهي تُقال في الأمر الصَّعب المُستبعَد . واللتيا: تصغير التي ولم يستعملوا معها الصلة والعائد، ليفهموا أنَّ الأمر بلغ من الشِّدَّة ما تقصُرُ العبارة عن وصفه.

6) ومني الرجل بكذا : بلي به ، يقال : مَنَيْتُهُ ومَنَوْتُهُ. والبُهَمُ : جمع بهمة، وهي مشكلات الأمور.

7) الذوبان : جمع ذئب، وتريد به لصوص العرب وأشرارهم.

8) المَرَدَة : جمع مَارِد، وهو الشيطان الداهي من الجن والإنس.

9) يُقال : حشَّ النَّارِ يَحْشُها إذا أوقدها.

10) يُقال: نَجَمَ القرن والنَّبت إذا طلعا ، وفي الكلام استعارة تريد به من يخرج من الناس يبتغي الفتنة والشر، ويطلبهما، ولذلك جعلته للضلالة.

11) فَغَرَ فاه يَفْغَرُة: إذا فتحه.

المشركينَ قَذَفَ بأخيهِ في هَوَاتِها(1)، فلا ينكفى حتى يطأ صِمَاخَهَا بأَخْمَصِه(2)، ويُخْمِدُ هَبَهَا بحده، مَكدُوداً في ذاتِ الله(3)، قريباً من رسول الله سيّداً في أولياء الله، وأنتم في بُلَهْنِيَّةِ وادِعُونَ (4)،آمنونَ، حتى إذا اختار الله لنبيه دارَ أنبيائه(5)، ظَهَرَتْ خلةٌ (حَسِيْكَةُ) (6)النّفاقِ، وَسَمَلَ جِلْبَابُ الدِّينِ (7)، وَنَطَقَ كاظمُ الغَاوِينَ (8)، ونَبَغَ خامل الأفلينَ (الأقلينَ) (9)، وهَدَرَ فَنِيْقُ الْمُبْطِلِينَ(10)، فَخَطَرَ فِي عَرَصَاتِكُم(11)، وأطْلَعَ


1) القذف: الرَّمي والإلقاء بقوة، واللَّهَوَات جمع هاة، وهي سقفُ أقصى الفم، فاستعارتها لغاية الحرب وشدّتِها.

2) الانكفاء الرجوع. والصماخ : الأذن، وقيل : ثَقبها، فكنت به عن الرأس؛ لأنَّه منه . والأخمص : المتقعر من أسفل القدم ، تريد : أنَّه كلّما ظهر صاحب ضلالة، أو طلع للمشركين طالع، وجّه له أخاه علياً عليه السلام ، فلا يرجع حتى يطأ رؤوسهم بقدمه، ويطفئ نيران حربهم بسيفه، وسبب ،بسيفه وسبب تأكيدها على خصوص عليّ عليه السلام واضح فهو بطل الإسلام الذي ما فرَّ في موطن قط، ولا برز له أحد إلا أرداه صريعاً. ومع ذلك تريد التأكيد على أنَّ من أقصته السياسة هو فارس الإسلام، والذي لولا سيفه ما قامت للإسلام قائمة.

3) المكدود : المتعب، من كَدَّ يَكُدُّ كَدَّاً.

4) البُلَهَنيَّة : الرّاحة وسَعَة العيش والوادع : السَّاكن، ومنه الدَّعة، والهاء فيها عوض عن الواو المحذوفة.

5) دار أنبياءه أي جنة الخلد خصَّتهم بها؛ لأنهم أحق بها .

6) الحَسِيكَة : العداوة، والحقد يقال : هو حَسيكُ الصَّدر، وحَسِيْكُهُ.

7) سَمَلَ الثوب: صار خَلِقَاً بالياً. والجلباب الإزار.

8) الكاظم: المُمْسِك عن الكلام على غيظ.

9) نبع الشيء: إذا طلع وظهر والخامل : الوضيع، الذي لا يكاد يُعرف.

10) الفنيق الفَحل من الإبل والهدير: ترديد صوته في حنجرته .

11) خَطَرَ : تبختر في مشيته. والعرصات : جمع عَرَصة وهي الفُسحة من الدار لا بناء فيها .

الشَّيطانُ رأسَهُ من مَغْرِزِهِ(1)، صَارِخاً بكم، فوجدكم لدعائِهِ مُستجيبين، وللغرَّةِ فيه ملاحظين(2)، فاسْتَنْهَضَكم فَوَجَدَكم خِفَافاً، وأحْمَشَكم فَأَلْفَاكم غِضَابَا(3)، فَوَسِمْتُم غير إبلِكُم(4)، وأوْرَدْتُموها غير شربكم، هذا والعهد قريب، والكَلْمُ رَحِيبٌ (5)، والجُرْحُ لما يَندَمِلْ(6)، بِدَارَاً (إِنَّما) زَعَمْتُم خَوفَ الفِتنةِ، أَلا فِي الفِتْنَةِ (7)سَقَطُوا، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لمُحيطة بالكافِرينَ، فَهَيْهَات منكم وأنَّى بكُم وأَنَّى تُؤْفَكُونَ(8)، وهذا كتاب الله


1) مَغْرِزُ الرَّأْس : منتهى العنق من أعلاه، كأنَّ رأسه كان منخفضاً فأطلعه .

2) الغِرَّة: الغَفلة. والملاحظة: النظر بلحاظ العين وهي مؤخرها، ولا تكون الملاحظة إلا ترقب وتَوَقَّع.

3) أَحْمَشَكم: أغضبكم. يقال: أحمشت الرجل إذا أغضبته. تريد أنَّ الشيطان حملكم على الغضب فوجدكم مندفعين فوجهكم حيث يريد.

4) الوسم: الكي، أي أخذتم غير حقكم؛ لأنَّ الإنسان إنَّما يَسمُ من الإبل ما هو له، ولذلك قالت: وأورَدْتموها غيرَ شِربكم : أي جمعتم بين اغتصابها وسقيها غير مائكم . تريد أنكم لم تكتفوا بغصب الخلافة، بل أضفتهم لها تجريد أهل البيت عليهم السلام من جميع حقوقهم وامتيازاتهم.

5) الكلم الجُرْح والرَّحيب: الواسع.

6) اندمال الجرح : بُرؤه وصلاحه. وفي رواية: «والرسول لما يُقْبَر» : تقريب لزمن وفاته. فلا زال تراب قبر النبي لم يُنفض من الأيدي حتى أحدثتم ما أحدثتم من غصب الخلافة والإغارة على عترته وسلب حقوقهم.

7) البدار السرعة والعَجَلَة تريد أنَّهم إنَّما عقدوا البيعة لأبي بكر خوفاً من الفتنة -- بزعمهم --- واختلاف المسلمين في طلب الخلافة، ولكنهم سقطوا فيها فروا منه، فجانبوا الحقَّ، ومالوا بالخلافة إلى غير أهلها، فأحدثوا الفتن والخلاف.

8) تؤفكون: بمعنى تُصرَفون، ويُذْهَب بكم.

بينَ أَظْهُرِكُم، وزَوَاجِرُهُ بَيَّنَةٌ (1)، وشَواهِدُهُ لائحةٌ ، وأوَامِرُهُ وَاضِحَةٌ، أَرَغْبَةً عنه تدبِرُونَ، أَمْ بِغيرِهِ تَحكمونَ، بِئسَ ِللظَّالِمِينَ بَدَلاً.( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسلام ديناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (2)،ثم لم تَرِيْثُوا إلا ريثَ أنْ تَسكن نَعْرَتُها (3)، تَشربونَ حَسْوَاً، وتُسِرُّونَ فِي ارْتِغَاء(4)، ونَصبرُ منكم على مثلِ حَزَ المدى(5)، وأنتم الآن تزعُمُونَ أَنْ لَا إِرثَ لَنَا (6)(7)أَفَحُكْمَ الجاهلية


1) الزواجر النواهي.

2) سورة آل عمران: 85 .

3) الريث : الإبطاء، يقال: راث الأمر يريث، ويضاف إليها (ما) ليصدَّ وقوع الفعل بعدها. ونَغَرَ الدَّم: انفجر. فقد تركوا النبي لم يُقبر ، وأقبلوا يتسارعون لسقيفة بني ساعدة لطلب السلطة والإمرة.

4) الارتغاء : شُرب رغوة البن. وأصله الرجل يؤتى باللَّبَن فَيُظهر أنَّه يُريد الرغرة خاصةً لا يريد غيرها، وهو مع ذلك يَحِسُّو من اللَّبَن سِرَّاً. وفي رواية: «تُسِرُّون حَسْواً في ارتغاء» وهو مثل قديم، ومعناه: تُظهرون خلاف ما تُضمرون. وفي هذا إشارة إلى أنَّ الهدف الحقيقي لهؤلاء ليس هو درء الفتنة كما يزعمون، بل إقصاء أهل البيت عليها السلام عن حقهم المشروع، وتحصيل السلطان والامرة.

5) الخز: قطع الشيء من غير أن يبين والمدى: جمع مدية، وهي السكين.

6) أشرنا في البحوث السابقة أنَّها عليها السلام طالبت بفدك على سبيل النحلة والإرث، فمنعت منها. وهنا تريد القول: أنَّكم لم تكتفوا بما فعلتموه من الأعمال المخالفة للشرع، حتى زعمتم أن لا إرث لنا من رسول الله، فأنكرتم أوضحات الأمور.

7) وفي السقيفة للجوهري: «أفعَلَى عَمْدِ تَركتُم كتابَ الله ونبذ تُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُم، يقولُ اللهُ جَلَّ ثناؤه:وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ، واختصَّ من خبر يحيى وزكريا إذْ قَالَ : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيَا ، وَقَالَ تبارَكَ وَتَعَالَى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ» مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيْن، فَزَعَمتُم أن لاحظ لي ولا إرثَ لي من أبيه. أَفَحَكَم الله بآيةٍ أخرجَ أبي منها، أمْتقولونَ أهلَ ملَّتينِ لا يَتَوارَثان؟ أمْ أنْتُم أعلمُ بِخُصُوص القرآنِ وعُمُومِهِ مِن أبي». السقيفة و فدك، الجوهري : ص 144 .

يَبْغُونَ (1؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمَا لِقَوْمٍ يُوقِنُون). وَيْهاً (2)مَعْشَرَ المهاجرين، أبْتَزُ ارْتَ أبي (3)؟ أفي الكتابِ أنْ تَرِثَ أباك ولا أرثَ أبي (4)؟لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيَّاً (5)، فَدُوْنَكَهَا مَحْطُوْمَةً مَرْحُوْلَةٌ (6)،تَلقاكَ يَوْمَ حَشْرِك ، فَنِعْمَ الحَكَمُ اللهُ، وَالزَّعِيْمُ محمدٌ ، وَالمَوْعِدُ القِيَامَة، وعند السَّاعَةِ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُوْنَ ، ولَكُل


1) تريد إنَّ منع الأنثى من الإرث هو حكم جاهلي أبطله الإسلام.

2) وَيْهاً كلمة يقولها المغْرِي بالشيء والمنكر له ويروى «إيها» : وهي كلمة تحريض وحثّ واستزاده.

3) الابتزاز السلب والأخذ تعني أنَّها سُلبت حقها عَلَناً وجهاراً.

4) هذا استفهام إنكاري والمخاطب به أبو بكر. أي هل يُعقل أن كل إنسان يرث أباه إلا فاطمة عليها السلام، فلا ترث من أبيها شيئاً، فبأي قانون يرث أبو بكر أباه ولا ترث الزهراء عليها السلام أباها؟ هل صرَّح القرآن بذلك، أم أثبت عكسه تماماً حين صرح بعموم التوارث بين الآباء والأبناء؟

5) الأمر الفري العظيم. وبعدها في رواية أخرى: «جُراةٌ منكُم على قطيعة الرَّحِم، ونَحْثِ العَهْدِ، فَعَلَى عَمْدِ ما تركتم كتاب الله وراءَ ظُهُوركم ونبذتموه». ونكث العهد نقضه، والنبذ: الرمي والإلقاء، تريد: مخالفتهم لكتاب الله المصرح بعموم حكم الإرث، وما يتضمنه هذا الإجراء من الجرأة على تغيير أحكام الله والتلاعب بها .

6) فدونكها: راجعة إلى فدك. والمخطومة المرحولة : الناقة التي شُدَّ عليها رَحْلُها، ووضع في رأسها خطامها، فهي مُعَدَّ للركوب والقود. وهذا من الكلام الموجّه إلى أبي بكر خاصة، وهو خارج مخرج التهديد، كما يقال للمعتدي: انهب ما شئت هنيئاً مريئاً، ولهذا أردفته بقولها : «تلقاك يوم حشرك»، إشارة إلى أنَّ الانسان سوف يرى عاقبة فعله في الآخرة ، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَبُّ وفُ بِالْعِبَادِ . سورة آل عمران 30

نَيَا مُسْتَقَرُّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾(1).

ثمَّ انْحَرَفَتْ إِلى قَبْرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وآله وَهي تَقُوْاْ:

قَدْ كَانَ بَعْدَكَ أَنْبَاءُ وَهَنبَتَةٌ(2)لَوْ كُنْتَ شَاهِدَهَا لَمْ تُكثِرِ الخَطب إِنَّا فَقَدْنَاكَ فَقْدَ الأَرْضِ وَابِلَهَا (3)وَاخْتَلَّ قَوْمُكَ فَأَشْهِدْهُم وَلا تَعْب قال : فَمَا رَأَيْنَا يَومَا كانَ أَكثَر بَاكياً ولا باكيةً مِن ذَلك اليوم(4).

الرواية الثانية

رواها ابن طيفور أيضاً باسناه عن زينب بنت الحسين صلى الله عليه وآله قالت: «لما بلغ فاطمة عليها السلام إجماع أبي بكرٍ على منعِها فدك، لاثَتْ خِمَارَها، وخرجت مع حشدة نسائها، ولةٍ من قومها، تجر أذرعها، ما تخرم من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله شيئاً، حتى وقفت على أبي بكر ، وهو في حشد من المهاجرين و والأنصار، فأنَّتْ أَنَّةً أجهشَ لها القومُ بالبكاء، فلما سَكَنَتْ فورتُهم(5)، قالت : أبد326


1) سورة الأنعام 67 .

2) الهنبثة الأمور الشديدة، والاختلاط في القول. والخطب والخطوب: الأمور الشديدة.

3) الوابل المطر الغزير .

4) بلاغات النساء ابن طيفور : ص 23 - 26 .

5) أي هدأ روعهم من البكاء.

بحمد الله، ثم أسبَلتْ بينها وبينهم سجفا(1)، ثم قالت :

«الحَمْدُ اللهُ عَلى ما أَنْعَمَ ، وَلَهُ الشُّكْرُ على ما أَهُمَ، وَالثّناءُ بِما قَدَّم، مِنْ عُمُومِ نِعَمِ ابْتَدَأها، وسبوغ آلاء أسداها(2)، وَإحسانِ مِنَنِ أوْلاها؛ جَمَّ عَنِ الإِحْصَاءِ عَدَدُها؛ وَنَأَى عَنِ الجَزاءِ (المجازاةِ) أَمَدها؛ وَتَفاوَتَ عَنِ الإدارك آمالها، وَاسْتَتْنِ الشُّكْرَ بفضائلها، وَاسْتَحْمَدَ إِلَى الْخَلائِقِ بِإِجْزالِها، وثَنَى بِالنّدبِ إِلى أَمْثَالِها .

وأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا الله كَلِمَةً جَعَلَ الإخلاص تَأْوِيلَها، وَضَمَّنَ الْقُلوبَ مَوْصُولها؛ وأنارَ في التَفَكَّرِ مَعْقُوهَا. المُمْتَنعُ عَنِ الأَبْصارِ رُؤيَتُهُ، وَمِنَ الأَوْهام الإحَاطَةُ به، ابْتَدَعَ الأشياءَ لا مِنْ شَيْءٍ قَبْلَهُ كانَ قَبْلَهَا)، وَاحْتَذَاهَا بِلا مِثالٍ لغيرِ ( فَائِدة زادَتْه، إلا إظهاراً لقُدْرَتِهِ، وَ تَعَبداً لِبَريَّتِهِ، وإعْزَازَاً لِدَعوَتِه، ثمّ جَعَلَ الثّوابَ عَلى طَاعَتِهِ، وَالعِقَابَ على مَعْصِيته، زيادةً(3)لِعِبادِهِ على نِقْمَتِهِ وَجِياشَاً لَهُم إِلى جَنَّتِهِ. وَأشْهَدُ أنَّ أي مُحَمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اخْتارَهُ قَبلَ أَنْ يَجتَبلَهُ، وَاصْطَفَاهُ قَبْلَ أنابْتَعَثَهُ، وَسَمَّاه قَبلَ أَن استَنْجَبَه، إِذِ الْخَلائِقُ بِالغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَبِسِتْرِ الْأَهَاوِيلِ مَصُونَةٌ،


1) أرخت ستراً .

2) سبوغ النعم اتساعها. والإسداء: الإحسان.

3) الذيادة: الدفع والإبعاد.

وَمِنهَايَةِ الْعَدَمِ (القِدم) مَقْرُوَنَةٌ عِلْاً مِنَ اللَّهُ بِمَآيِلِ الْأُمُورِ، وَإِحَاطَةٌ بِحَوادِثِ الدُّهورِ، وَمَعْرفةً بِمَواقع المَقْدُورِ.

إبْتَعَثَهُ الله عزَّ وَجَلَّ إتماماً لأمْرِهِ وَعَزِيمَةٌ عَلى إِمْضَاءِ حُكْمِهِ، فَرَأَى صلى الله عليه وآله الأُمَمَ فِرَقاً في أديانها، عُكَفاً عَلى نيرانها، عابدَةً لأَوْتَانها، مُنْكِرَةٌ لله مَعَ عِرفانها، فَأَنارَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِمُحَمّدٍ صلى الله عليه وآله ظُلَمَها، وَفَرَّجَ عَنِ الْقُلُوبِ

بهمها(1)، وَجلَّى عَن الأَبْصارِ غَمَمَها(2).

ثُمَّ قَبَضَ اللهُ نَبِيَّهِ قَبْضَةَ رَأفَةٍ وَاختِيارِ وَرَغْبَةٍ بأبي صلى الله عليه وآله عَن هَذه الدّيَارِ، مَوْضُوع عَنْهُ العِبء والأَوْزَارِ ، مُحتف بِالمَلائِكَةِ الْأَبْرارِ وَمُجَاوِرةِ الملك الجَبَّارِ وَرِضوانِ الرَّبَّ الْغَفَّارِ، صَلَّى الله عَلى مُحَمَّدٍ نَبِي الرَّحمَةِ، وَأَمِينِهِ عَلَى وَحَيْهِ، وَصَفِيهِ مِنَ الخَلائِقِ وَرَضيّهِ، وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ.

ثمّ أَنْتُمْ عِبادَ اللهِ (تريد أهل المجلس) نُصْبُ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْهِ، وَحَمَلَةٌ دِينِهِ وَوَحَيْهِ، وَأَمَناءُ الله عَلى أَنْفُسِكُمْ، وَبُلَغاؤُهُ إلى الأمم، زَعَمْتُم حَقًّا لكم(3)، الله فيكم عَهْدٌ قدَّمه


1) البهم - بالضم - جمع بهمة المبهمات والمعضلات من الأمور.

2) الغُمم - بالضم - جمع غمة : المشكل والملتبس.

3) أي زعمتم أنَّ لكم حقاً في الخلافة أو في منعنا الإرث فأين عهد الله لكم بذلك؟

إليكم، ونحنُ بَقِيَّةٌ اسْتَخْلَفَنا عَلَيْكُمْ، وَمَعَنا كِتابُ اللهِ؛ بَيِّنَةٌ بِصائره، وآي فينا مُنْكَشِفَةٌ سَرائِرُهُ، وبُرهانٌ مُتَجَلَّيةٌ ظَواهِرُهُ، مديمُ البَريَّةِ اسماعه، قائِدٌ إلى الرّضْوانِ اتِّباعُهُ، مُؤَدَّ إلى النّجاةِ اسْتِماعُهُ فِيهِ بَيَانُ حُجَج الله المُنَوَّرَةِ وَعَزائِمِهِ المَفَسَّرَةِ، وَحارِمِهِ المُحَذَرةِ، وَبَيِّنَاتِهِ الجاليَةِ، وَجُمَلِهِ الْكافِية، وفضائِلِهِ المَنْدُوبَةِ، وَرُخَصِهِ الْمَوْهُوبَةِ، وَشَرائِعِهِ الْمَكْتُوبَةِ. فَفَرَضَ اللهُ الأيمانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشَّرْكِ، وَالصّلاة تَنْزيهاً لَكُمْ عَنِ الْكِبْرِ، وَالصيام تثبيتاً للإخلاص، وَالزَّكاةَ تَزييداً في الرِّزْقِ، وَالْحَجَّ تَشْييداً

لِلدّين، وَالْعَدَلَ تنسُّكاً (تَنْسيقاً) لِلْقُلُوبِ، وَطاعَتَنا نِظاماً [الْمِلَّة]، وَإِمَامَتَنا أمناً مِنَ الْفُرْقَةِ، وَحُبَّنا عِزَّاً للإسلام، وَالصَّبرَ مِنْجَاةَ، وَالْقصاص حقناً للدماء، والوفاء بِالنَّذْرِ تَعْرِيضاً للمَغْفِرَةِ، وَتَوْفِيَةَ المكاييلِ وَالموازينِ تَعْبيراً للنّحْسَة (تَغْييراً للْبَخْسَةِ)، وَالنَّهْيَ عَنِ شُربِ الخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَاجْتِنابَ] قَذْفِ المُحصنات اجتناباً للعنة، وَتَرْكَ الشرق (السَّرِقَةِ) إيجاباً لِلعِفَّةِ، وَحَرَّمَ اللهُ عزَّ وجلَّ الشِّرْكَ إخلاصاً لهُ بِالرُّبُوبيَّةِ ، ف- اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (1)، وَأَطِيعُوه فِيها أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، فَإِنَّهُ إِلَمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ (2).


1) سورة آل عمران: 102 .

2) سورة فاطر: 28 .

ثم قالت : أَيُّها النَّاسُ اعْلَمُوا أَنّي فاطِمَةُ وأَبي مَحَمّد صلى الله عليه وآله، أَقُولُ عَوْداً وَبَدْءً، لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمُ(1). [ثم ساق الكلام على نحو ما رواه زيدُ بنُ علي عليه السلام في رواية أبيه](2).

ثم قالت في متصل كلامها :

أَفَعَلى عَمْدِ تَرَكْتُمْ كِتابَ الله وَنَبَذْ تُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، إِذْ يَقُولُ اللهُ تبارك وتعالى: إوَوَرت سُلَيْمَانُ دَاوُودَ(3)، وَقَالَ فِيمَا اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيَا: فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ وليا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ(4)، وَقالَ : ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَولَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ )(5)، وَقالَ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيْن(6)، وَقَالَ: إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ(7).


1) سورة التوبة : 128 .

2) أي ما في الخطبة التي أوردناها بالرواية الأولى.

3) سورة النمل: 16 .

4) سورة مريم: 6 .

5) الأنفال: 75 .

6) سورة النساء:11.

7) سورة البقرة: 180 .

وَزَعَمْتُمْ أنْ لا حَقَّ (حَظْوَةَ) لي وَلا إِرْثَ مِنْ أَي وَلا رَحِمَ بَيْنَنَا، أَفَحَصَّكُمُ اللهُ بِآيَةٍ أَخْرَجَ نبيَّهُ مِنها ؟

أَمْ تَقُولُونَ: أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لَا يَتَوارَثَانِ؟

أَوَلَسْتُ أَنا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ واحدةٍ؟

لَعَلَّكُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ النبي؟

أفَحُكم الجاهلية تبغون وَمَن أحسنُ مِن الله حكماً لقوم يُوقنون، أأغلب على إرثي جَوراً وَظُلماً، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَي مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (1).

قال ابن طیفور : وذُكر أنا لما فَرِغَت من كلام أبي بكر والمهاجرين عَدَلتْ إلى مجلس الأنصار فقالت:

«يا مَعْشَرَ الْفِتْيَةِ وَأَعْصَادَ الْمِلَّةِ، وَحصونَ الإِسْلامِ، ما هذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي وَالسَّنَةُ عَنْ ظُلامتي (2)؟ أما كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله يَقُولُ: المرءُ يُحْفَظُ في وُلْدِهِ؟ سَرْعانَ ما أَجدبتُم وأكْديتُم؟ وَعَجْلان ذا أهالةٍ (3)، تَقُولُونَ: مات رسول الله


1) سورة الشعراء: 227 .

2) السنة : النوم الخفيف.

3) أي ما أعجلكم في إهانتكم إياي بما فعلتم معي .

صلى الله عليه وآله، فَخَطْبُ جَلِيلٌ، اسْتَوْسَعَ وَهْيُهُ، وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ(1)، وَبَعْدَ وقتُهُ، وَأَظْلَمَتِ الأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وَاكْتَابَتْ خيرةُ الله يُصِيبَتِهِ، وَخَشَعَتِ الْجِبالُ، وَأَكْدَتِ الآمالُ، وَأُضِيعَ الحَريمُ، وَأُدِيلَتِ الحَرْمَةُ عِنْدَ تَمَاتِهِ صلى الله عليه وآله، وتلْكَ نازِلةٌ علينا بها كِتابُ الله في أفنيتكم؛ تمساكُمْ وَمَصْبَحِكُمْ ، يَهتفُ بها في أَسماعِكُم، وَقَبْلَهُ حَلَّتْ بِأنبياء الله - عزَّ وجلَّ - وَرُسُلِهِ، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولُ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنَّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(2).

إِيهاً بَنِي قَيْلَةَ، أَعْظَمُ تُراثَ أَبِيهِ(3)، وَأَنْتُمْ بَمَرْأَى وَمَسْمَعِ، تَلْبِسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وَتَثْلِمُكُم تَشْمَلَكُمُ الْخِبْرَةُ، وَفِيكُم العَددُ وَالْعِدَّةُ، وَلكم الدّارُ وَعندكم الجنن، وَأنتم نُخْبَةُ الله التي انتخب لدينه، وأنصار رسولِه، وأهل الإسلام، وَالخَيَرَةُ الَّتي واختار اللهُ لَنَا أَهْل الْبَيْتِ . فباديتُمُ الْعَرَبَ وَناهضتُمُ الأُمَمَ وكافَحْتُمُ الْبُهَمَ: لا نَبْرَحُ نَأْمُرُكُمْ وتَأْتَمِرُونَ، حَتَّى دارَتْ لكم بِنا رَحَى الإِسلامِ، وَدَرَّ حَلْبُ الأنام (الأيام)(4)،


1) الوهي: الخرق. استنهر اتسع .

2) سورة آل عمران : 144.

3) إيهاً كلمة إغراء بني قيلة : الأوس والخزرج، نسبة إلى أمهم قيلة بنت كاهل بن عذرة. أأهضم ويروى : أأهتضم: من هضمه غصبه أو ظلمه . والهاء في (أبيه): هاء السكت.

4) درّ :اللبن جرى وكثر والحلب اللبن المحلوب من الضرع.

وَخضَعَتْ نَعْرَةُ الشِّرْكِ (1)وَباخَتْ نِيرانُ الحرب(2)، وَهَدَأَتْ دَعْوَةُ الْهُرَجِ(3)، وَاسْتَوَسَقَ نظام الدين(4)، فأنى حرْتُم (جُرْتُمْ) بَعْدَ الْبَيانِ (5)، وَنَكَصْتُمْ بَعْدَ الإقدام(6)، وَأَشْركْتُمْ بَعْدَ الإيمانِ، بُؤْساً لِقَوْمِ (نَكَثُوا إيمانَهُمْ وَهَمُّوا بإخراجِ الرَسُولِ وَهُمْ بَدءُ وكُمْ أَوَلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَق أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(7).

ألا قَدْ أرى أنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ إلى أخَفْضِ ، وَرَكَنْتُمْ إِلَى الدَّعَةِ، فعجتُمْ عن الدين وَبِحَجْتُمْ الذي وَعيْتُمْ(8)، وَدَسَعْتُمُ الذي سَوَّغْتُمْ (9)ف (إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَنْ فِي


1) الثغرة: نقرة النحر بين الترقوتين كناية عن العنق، والمقصود خضوع رقاب أهل الشرك على سبيل المبالغة، أو أنّ خضوع نقرة الشرك كناية عن سقوطها على الأرض أي محقه وسقوطه كالحيوان الساقط على الأرض.

2) باخ الحر والنار والغضب والحمى أي سكن وفتر.

3) الهرج - بالفتح - الفتنة والإختلاط.

4) استوسق أي اجتمع وانضم من الوسق - بالفتح - وهو ضم الشيء إلى الشيء،واتساق الشيء: انتظامه.

5) أنى ظرف مكان بمعنى أين، وقد يكون بمعنى كيف. والمعنى: أين حرتم وكيف تحيرتم بعد بيان الحال ووضوح سبيل المبدأ والمآل وروى (جرتم) : من الجور، وهو الميل من القصد والعدول عن الطريق، أي لماذا تركتم سبيل الحق بعد ما تبين لكم؟

6) نكصتم من النكوص بمعنى الرجوع إلى خلف أي رجعتم القهقرى عن الإسلام، أو عن مجاهدة أعداء الله تعالى بعد أن أقدمتم على ذلك في عهد رسول الله.

7) سورة التوبة : 13 .

8) ويروى مججتم الذي وعيتم ومج الشراب إذا رمى به.

9) الدسع: القيء وتسوغ الشراب : شربه بسهولة.

الأرض جميعاً فَإِن الله لَغَنِي حَمِيدٌ)(1).

أَلا وَقَدْ قُلْتُ ما قُلتُ عَلى مَعْرِفَةٍ مِنِّي بِالخذلانِ الذي خامَرَ صدوركُمْ، وَاسْتَشْعَرَتْه قُلوبُكُمْ، وَلكِن [ما] قلتُه فَيضَةُ النَّفْسِ، وَنَفْتَةُ الْغَيْظِ، وَبَيَّةُ الصَّدر، وَمَعذرة الحجَّةِ، فَدُونَكُمُوها فَاحْتَقِبُوها مُدبَرَةَ (دَبِرَةَ) الظَّهْرِ(2)، نَاكِبَةَ الحَقِّ (3)، بَاقِيةَ العار، موسومةً بشنارِ الأبد(4)، مَوْصُومَةً ب(نارُ اللهِ المَوقَدَةِ التي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةً)(5)، فَبِعَيْنِ الله ما تَفْعَلُونَ، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَي مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ )(6). وَأَنَا ابنةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَاعْمَلُوا إِنَّا عَامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) (7).

خطبتها في نساء الأنصار

قال ابن طيفور وحدثني هارون بن مسلم بن سعدان عن الحسن بن علوان


1) سورة إبراهيم 6 .

2) دبرة الظهر : الجراحة التي تظهر على ظهر البعير من الرّحل .

3) ویروى ناقبة الخفّ وهو أليق بسياق الخطبة. ونقب خف البعير رقّ وتثقب.

4) الشنار: العيب والعار .

5) سورة الهمزة: 6 - 8 .

6) سورة الشعراء: 227 .

7) بلاغات النساء ابن طيفور : ص 18 .

عن عطية العوفي قال : لما مرضت فاطمة عليها السلام المرضة التي توفيت بها، دخل النساء عليها، فقلن : كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول الله ؟

قالت: «أصبحتُ والله عائفةً لدنياكم، قاليةً لرجالكم(1)، لفظتهم بعد أن ،عجمتُهُم وشنتِتُهُم بعد أن سبرتُهم(2)، فقُبحاً لفلول الحد(3)، وخورِ القنا، وخطل الرأي(4)، وبئسما قدَّمتْ لهم أنفسهم، أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون لا جَرَمَ لقد قلّدتهم رِبقتها(5)، وشننت عليهم ،عارَها، فجدعاً وعقراً (6)وبعداً للقوم الظالمين.

ويحهم أَنَّى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، ومهبط الروح


1) القلى البغض، فإن فتحت القاف مددت. تقول: قلاه يقليه قلى وقلاء. قال تعالى: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى.

2) شنئتهم أبغضتهم يقال : شنئته أشنؤه شنئاً وشنآناً. تريد : أبغضتهم وكرهتهم بعد أن اختبرتهم.

3) يقال: سيف مفلول، إذا انثلم حده. ويقال أيضاً : جاء فل القوم، أي منهزموهم، يستوى فيه الواحد والجمع ، ويقال : رجل ،فل، وقوم فل وربّما قالوا فلول وفلال. وفللت الجيش: هزمته.

4) الخور: الضعف. والخطل بالتحريك : المنطق الفاسد المضطرب، وخطل الرأي فساده واضطرابه.

5) الربقة: الحبل والخلقةُ تشدّ بها الغنم الصغار لئلا تَرضَع، والجمع أَرباقٌ ورباقٌ ورِبَقٌ .

6) جدعاً له : دعاء معناه ألزمه الله الجدع ، أي قطع عنه الخير وجعله ناقصاً معيباً من الجدع وهو قطع الأنف أو الأذن أو الشفة. والعقر - بالفتح فسكون - : القتل والهلاك.

الأمين، الطبن(1)بأمور الدنيا والدين، الا ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نَقِمُوا من أبي الحسن ؟ نَقِمُوا والله منه نكير سيفه، وشدَّةَ وطأته، ونَكال وقعته، وتنمره في ذات الله.

و يا الله لو تكافئوا على زمام نبذه رسول الله صلى الله عليه وآله، لسار بهم سيراً سجحاً (2)، لا يُكلم خشاشه (3)، ولا يتمتع راكبه (4)، ولأوردهم منهلاً روياً فضفاضاً، تطفح ضفتاه، ولأصدرهم بطاناً (5)، قد تحرّى بهم الري غير متجل منهم بطائل بعمله الباهر، وردعه سورة الساغب، وَلَفُتِحَت عليهم بركات من السماء، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون، ألا هلمن (6)فاسمعن وما عشتن أراكن الدهر عجباً، إلى أيّ لجأوا وأسندوا؟ وبأي عروة تمسكوا؟ ولبئس المولى ولبئس العشير.

استبدلوا والله الذنابي بالقوادم، والعجز بالكاهل، فرغماً لمعاطس قوم(7)


1) الطبن العالم الفطن الحاذق. ويروى الطبين.

2) السُّجُح اللين السهل.

3) الكلم: الجرح. والخشاش بكسر الخاء: ما يجعل في أنف البعير، ويُشدّ به الزمام ليكون أسرع لانقياده.

4) لا يقلقه ولا يزعجه.

5) بَطِنَ كَعَلِمَ : عظم بطنه من الشبع، ومنه الحديث : «تغدو خماصاً وتروح بطاناً».

6) هَلمَّ يا رجل بفتح الميم: بمعنى تعال يستوي فيه الواحد والجمع والتأنيث.

7) رغم الأنف يستعمل في الذل والعجز عن الانتصار، والانقياد على كره. والمعاطس جمع معطس وهو الأنف.

يحسبون أنَّهم يحسنون صنعاً، ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، ويحهم أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَنْ لَا يَهِدِي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(1).

أما لعمر إلهكنَّ(2)لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً(3)، وذعافاً ممقراً، هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غبّ ما أسس الأولون، ثم أطيبوا عن أنفسكم نفساً، وطامنوا للفتنة جأشاً، وابشروا بسيف صارم، وبقرح شامل، واستبداد من الظالمين؛ يدع فيئكم زهيداً، وجمعكم حصيداً، فيا حسرةً لكم، وأنى بكم وقد عميت عليكم أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ كَارِهُونَ (4)، ثم أمسكت عليها السلام»(5).


1) سورة يونس: 35.

2) العمر بالفتح والضم بمعنى العيش الطويل، ولا يستعمل في القسم إلا العمر بالفتح، ورفعه بالابتداء، أي عمر الله قسمي ومعنى عمر الله بقاؤه ودوامه.

3) القعب قدح من خشب واحتلاب طلاع العقب: هو أن يمتلئ من اللبن حتى يطلع عنه ويسيل. والعبيط: الطري.

4) سورة هود 28 .

5) بلاغات النساء ابن طیفور : 32-33.

رد أبي بكر على الزهراء عليها السلام

اشارة

روت المصادر السنية خطبتين لأبي بكر على خلفية كلام الزهراء عليها السلام في المسجد : الأولى منهما كانت عند حضورها عليها السلام في المسجد، وبعد انتهاء خطابها الأول مباشرةً، وقد غلب على هذه الخطبة الطابع السياسي فاتّصفت برقة الكلام، وعذوبة الألفاظ، واشتملت على كلماتِ الإطراء على أهل البيت عليهم السلام ، وذَكَرهم بما هم أهله من التوقير والإجلال، والإشادة ببعض فضائلهم، محاولاً بذلك امتصاص غضب الجماهير، وتفويت الفرصة على أهل البيت عليهم السلام ، وسدّ الباب على التمرّد الذي كان محتملاً جداً.

وأما الخطبة الثانية، والتي كانت بعد خروجها من المسجد، فقد اتّسمت بالشِّدَّة والتّحامل على أهل البيت عليهم السلام ، وأظهرت ما في مكامن النفوس الحقد والحسد لهم عليهم السلام ، وقد تضمنت من الكلام القبيح ما لا يُحْتَمَلُ سماعه، وسوف نورد كلا الخطبتين مع ما فيهما من ألفاظ، رغم عدم مطاوعة القلم لليراع لتسطير ما فيها من بذاءة وقبح، ولكننا نوردهما لبيان الحق لاغير.

1-أبو بكر يرد بلين ودهاء
اشارة

لما أتمت كلامها عليها السلام، أجابها أبو بكر: يا ابنة رسول الله، لقد كان

أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً رؤوفاً رحيماً، وعلى الكافرين عذاباً أليماً وعقاباً عظيماً، فإن عزوناه وجدناه أباك دون النساء، وأخاً لبعلك دون الأخلاء، آثره على كلّ حميم(1)، وساعده في كلّ أمرٍ جسيم(2)، لا يُحبُّكم إلا كلُّ سعيد، ولا يبغضُكُم إلا كلُّ شقي(3)، فأنتم عترةُ رسول الله صلى الله عليه وآله الطيبون والخيرة المنتجبون، على الخير أدِلَّتنا(4)، وإلى الجنَّة مسالكُنا(5)، وأنتِ يا خيرةَ النساء وابنة خير الأنبياء، صادقةٌ في قولك (6)، سابقةٌ في وفور عقلك، غيرُ مردودة عن حقك، ولا مصدودة عن


1) أي أنَّ رسول الله كان يفضّل علياً عليه السلام على كل حميم قريب، فضلاً عن البعيد.

2) إشارة إلى مواساة علي عليه السلام لرسول الله في كل أمر عظيم، كالمبيت على فراشة ليلة الهجرة، وإرجاعه ودائعه في مكة، وحمله الفواطم في الهجرة، ووقوفه إلى جنبه في الغزوات، وتبليغه سورة براءة بعد صرف أبي بكر عنها، ولم يسجل التاريخ أنه تراجع أو فرَّ في موطن قط كما فرَّ غيره

3) هذا مضمون كلام النبي، وهو إقرار فريد من أبي بكر واعتراف بحقيقة كبرى، ولكن لا أدري ما علامات الحب والبغض عند أبي بكر ، وبماذا يتميّز المحبّ من المبغض عنده؟

4) أدلتنا: جمع دليل وهو الهادي، قال الله تعالى: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ . الرعد: 7. فالنبي المنذر وعلي الهادي عليه السلام ، على ما صرحت به مصادر أهل السنة . انظر : الطبري، جامع البيان: ج 13، ص 142 ؛ الثعلبي، تفسير الثعلبي : ج 5 ، ص 272؛ ابن حجر، فتح الباري: ج 8، ص 285 ؛ الحاكم النيسابوري، المستدرك : ج 3، ص 129 – 130 ؛ السيوطي، الدر المنثور: ج 4 ، ص 45 ؛ الزرندي الحنفي، نظم درر السمطين : ص 89 - 90 ؛ الشوكاني، فتح القدير : ج 3، ص 70 .

5) المسالك الطرق، فَهُم الطرق المؤدية للنجاة في الدارين والمعنى قريب من قوله في حديث السفينة، إنَّما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى».

6) أي أعلم أنّها صادقة في ادعاء النحلة والوراثة من أبيها، كما هي صادقة في جميع ما قالته في أحقية بعلها بالخلافة، وماصرحت به من انحراف السلطة القائمة عن المنهج الذي رسمه النبي للأمة، إلا أنّ كلامه :(صادقة في قولك): ما هو إلا مناورة سياسية، لتهدئة الأوضاع.

صدقك (1)، والله ما عدوتُ رأي رسولِ الله صلى الله عليه وآله يقول نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضةً ولا داراً ولا عقاراً، وإنما نورث الكتاب والحكمة، والعلم والنبوة(2)، وما كان لنا من طعمة فلولي الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه، وقد

جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح، يقاتل به المسلمون ويجاهدون الكفار، ويجالدون المردة الفجار، وذلك بإجماع من المسلمين لم أنفرد به وحدي(3)، ولم أستبد بما كان الرأي فيه عندي، وهذه حالي ومالي هي لك وبين يديك، لا نزوي عنك،


1) الصدّ المنع، أي أنك غير ممنوعة عما تريدين، وهذا من التناقض الظاهر، والقول الذي يكذبه العمل.

2) وهذا من عجيب القول وغريب الكلام فإذا كان النبي يورث الكتاب، فلِمَ لم تقبل الخلافة القائمة بمصحف عليّ الذي كتبه بعيد وفاة رسول الله؟ وإذا كان يورث العلم، فلماذا لم تكتب صحاح السنة فاطمة عليها السلام إلا أربعة أحاديث، وليس منها حديث متفق عليه عندهم إلا واحد من تلك الأربعة، فهل الذي ورثته فاطمة عليها السلام من أبيها حديث واحد ؟؟ وإذا كان النبي يورث الحكمة لكان ينبغي على أبي بكر أن لا يرد كلام ابنته في باب القضاء ودعوى فدك، لأنها تكون حينئذ وريثة حكمة أبيها وعلمه باعتراف الخليفة نفسه.

3) لا أعلم، هل أن أبا بكر يحكي عن إجماع الأمة الإسلامية أم عن إجماع الحزب القرشي، والذي يظهر أنَّه يقصد بالإجماع اتفاق رأي الحزب القرشي لا غير، إذ لم يثبت أنه استشار أهل الفضل والرأي والسابقة من عموم الصحابة في جميع ما فعله، ولو أخضع الأمور المهمة للتشاور مع من هم أهل للتشاور ولم يستبد بها لآلت الأمور إلى غير ما آلت إليه . ثم كيف يتحدث عن إجماع الأمة والحال أنَّ جميع بني هاشم وجماعة من أعيان المهاجرين والأنصار لا زالوا مجتمعين في بيت علي عليه السلام ، معلنين رفض بيعته . وأي قيمة لذلك الإجماع مع مخالفة أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة؟!

ولا نذخر دونك، وأنتِ سيدة أمة أبيك، والشجرة الطيبة لبنيك، لا يُدفَعُ ما لَكِ من فضل، ولا يُوضَعُ من فرعك وأصلك، حُكمك نافذ في ما ملكت يدي، فهل ترين أن أخالف في ذلك أباك ؟(1).

الزهراء عليها السلام ترد على أبي بكر

لم يكن الهدف من خطبة أبي بكر إلا الظهور بمظهر المحبّ لأهل البيت عليهم السلام ليوهم الرأي العام، ويمتص غضب الجماهير، ويسارع إلى تفويت الفرصة على الزهراء عليها السلام وإجهاض محاولتها، إلا أنها لم تسكت فبادرت إلى إسقاط ذلك المخطط، والتأكيد على عدالة قضيتها، وانسجامها مع ثوابت الشريعة انسجاماً كاملاً، فقالت عليها السلام: «سبحان الله ! ما كان رسول الله عن كتاب صادفاً، ولا لأحكامِهِ مُخالفاً، بل كان يتبع أثره، ويقفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور، وهذا بعد وفاته، شبيه بما بقي له من الغوائل في حياته، هذا كتابُ الله حَكَماً عدلاً، وناطقاً فَصْلاً يقول: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (2)، ﴿ وَوَرِتْ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ )(3)، فبيّن عزّ وجلَّ ما وزع عليه من الأقساط، وشرع من الفرائض)


1) الخطط السياسية، أحمد حسين يعقوب : ص 330 .

2) سورة مريم: 6 .

3) سورة النمل: 16 .

والميراث، وأباح من حظ الذكران ،والإناث، ما أزاح علة المبطلين، وأزال التظنّي والشبهات في الغابرين ولا (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرُ جَمِيلُ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (1).(2))##### 2-أبو بكريرد مرة أخرى###### اشارةأكدت الزهراء عليها السلام في ردّها على أبي بكر أنّ ما تكلم به أبو بكر لم يكن إلا مكراً وخداعاً وحيلةً ودهاء، ولم يبق أمامه إلا امتصاص الغضب مرّة أخرى، والحيلولة دون خروج الأمور عن السيطرة ، فرد قائلاً: «صدق الله وصدقرسوله وصدقت ابنته أنتم معدن الحكمة، وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين، وعين الحجة، لا أبعد صوابك، ولا أنكر خطابك، هؤلاء المسلمون بيني وبينك قلدوني ما تقلدت، وبإتفاق منهم أخذت ما أخذت غير مكابر ولا مستبد ولامستأثر وهم بذلك شهود(3.)


1) سورة يوسف : 18 .

2) الخطط السياسية، أحمد حسين يعقوب : ص329 . وانظر: بلاغات النساء ابن طیفور: ص 31 - 32.

3) الخطط السياسية، أحمد حسين يعقوب : ص 329.

###### الزهراء عليها السلام تستنكر تخاذل الأمةولما أتمّ أبو بكر كلامه، ورأت السكوت المخجل والتخاذل غير المبرر الذي يخيّم على الصحابة، التفتت إليهم وقالت: «معاشر الناس المسرعة الى قيل الباطل، المغضية إلى الفعل الخاسر، أفلا تتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟ كلا بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما توليتم، وساء ما به أشرتم، وشر ما منه اغتصبتم لتجدن والله محمله ثقيلاً، وغبه وبيلا، إذا كشف لكم الغطاء، وبان ما وراء الضراء، وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، وخسر هنالك المبطلون.ثم عطفت على قبرِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وقالت:قد كان بعدك أنباء وهنبثة*** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطبإنا فقدناك فقد الأرض وابلها ***واختل قومك فاشهدهم و قد نكبواأبدت رجال لنا نجوى صدورهم ***لما مضيت وحالت دونك التربتجهمتنا رجالٌ واستخف بنا ***لما فقدت وكلّ الأرض مغتصبوكنت بدراً ونوراً يستضاء به ***عليك تنزل من ذي العزّة الكتبوكان جبريل بالآيات ينبئنا ***فقد فقدت، فكل الخير محتجب

إنّا رزئنا بما لم يُرز ذو شجن ***من البريّة لا عجم ولا عرب(1.)##### 3-أبو بكر ينال من علي وفاطمة عليها السلاملم يعد أبو بكر يحتمل ما في كلام الزهراء عليها السلام من حقائق دامغة، كادت تطيح به لو وجدت آذانا صاغية وقلوباً واعية، فانتظر بالزهراء عليها السلام، حتى خرجت ليبوح ببعض ما يكتمه، ويحذر الصحابة من نتائج التفاعل مع قضية الزهراء عليها السلام، ويبعث - بنفس الوقت - رسالةً إلى عليّ عليه السلام ، ويحذره من مغبة المساس بالسلطة والاعتراض على قراراتها، مهما كانت تلك القرارات. متهماً إياه بالتحريض على الخلافة القائمة وتأليب الرأي العام ضدها، فقال - كما في رواية الجوهري - فقال: «أيُّها الناس ما هذه الرّعة إلى كلّ قالة ! أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، ألا مَن سَمِعَ فليقُل، ومَن شَهِدَ فليتكلم ، إِنَّما هو ،ثُعالة، شهيدُهُ ذنبه ، مربّ لكل فتنة، هو الذي يقول: كرُّوها جذعةً بعد ما هر مت، يستعينون بالضَّعَفَة، ويستنصرون بالنساء، كأمّ طَحال، أحبُّأهلها إليها البغي ألا إنّي لو أشاء أن أقول لقلت : ولو قلت لبحت، إنّي ساكت ما تُركت.


1) الخطط السياسية، أحمد حسين يعقوب : ص 331 .

ثم التفت إلى الأنصار فقال: قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم، وأحقِّ مَن لزم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أنتم ، فقد جاءَكم فآويتُم ونصرتُم، ألا إني لست باسطاً يداً ولا لساناً على من لم يستحق ذلك منا . ثم نزل(1.)قال ابن أبي الحديد المعتزلي في تعليقه على الخطبة: «قرأتُ هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري، وقلت له: مَن يعرض؟يقوله؟! :فقال : بل يُصَرِّح قلت: لو صرح لم أسألك.فضحك، وقال: بعلي بن أبي طالب عليه السلام . قلت هذا الكلام كُلَّهُ لعليّ قال: نعم، إنَّه الملك يا بني. قلت: فما مقالة الأنصار؟قال هتفوا بذكر عليّ، فخاف من اضطراب الأمر عليهم ، فنهاهم (2.)وهذا - كما يرى القارئ الحصيف - إقرار من عالم سني بأمورٍ خطيرة، منها: الإقرار بتطاول أبي بكر على أمير المؤمنين وسيدة النساء صلى الله عليه وآله وسبّهما علناً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الحديث الصحيح: «مَن سبّ علياً


1) السقيفة ،وفدك الجوهري : ص 104 - 105 .

2) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد المعتزلي: ج 16، ص 215 .

فقد سبني»، كما روى أحمد والنسائي والذهبي وابن كثير والقندوزي الحنفي والحاكم في المستدرك والهيثمي وغيرهم(1، وأخرجه السيوطي والمتقي الهندي، بإضافة: «ومن سبني فقد سب الله، وشرحه المناوي قائلاً: «مَن سبّ علياً بن أبي طالب (فقد سبَّني فقد سبّ الله) (2)ومَن سب الله فهو أعظم الأشقياء، وفيه إشارة إلى كمال الاتحاد بين المصطفى والمرتضى، بحيث أنَّ محبَّةَ الواحد توجب محبة الآخر، وبغضه يوجب بغضه (3).)أقول:ولذلك روى ابن مردويه الأصفهاني والموفّق الخوارزمي وابن الصباغ المالكي وابنُ الدمشقي، كلهم عن سعيد بن جبير قال : بلغ ابن عباس أنَّ قوماًيقعون في عليّ عليه السلام ، فقال لابنه علي بن عبد الله: خُذْ بيدي فاذهب بي إليهم، فأخذ بيده حتى انتهى إليهم، فقال: أيكم السابُّ الله؟


1) مسند أحمد أحمد بن حنبل : ج 6 ، ص 323؛ السنن الكبرى النسائي : ج 5 ، ص 33؛ تاريخ الإسلام، الذهبي : ج 3، ص 634 ؛ مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص 130 ؛ البداية والنهاية ابن كثير: ج 7، ص391؛ خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ، النسائي : ص99؛ ينابيع المودة لذوي القربي، القندوزي: ج 1 ، ص 152 ؛ المستدرك الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 121، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ؛ مجمع الزوائد الهيثمي : ج 9، ص 130 ، وقال : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الجدلي وهو ثقة .

2) الجامع الصغير، جلال الدين السيوطي: ج 2، ص 608؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 11 ، ص 602 .

3) فيض القدير شرح الجامع الصغير المناوي : ج 6 ، ص 190 .

فقالوا: سبحان الله من سب الله فقد أشرك . فقال : أيكم السابّ رسول الله ؟ فقالوا : مَن سبّ رسول الله فقد كفر . فقال :أيكم السابّ لعليّ؟ قالوا : قد كان ذاك. قال:فاشهد لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «مَن سبّ علياً فقدسبني، ومن سبني فقد سب الله، ومن سب الله أكبه الله على وجهه في النار»، ثم عنهم، ولَّى فقال لابنه عليّ: كيف رأيتهم فأنشأ يقول:نظروا إليك بأعين محمرة ***نظر التيوس إلى شفار الجازر:قال زدني، فداك أبوك. قال:خزر الحواجب ناكسي أذقانِهم ***نظر الذليل إلى العزيز القاهرقال: زدني فداك أبوك، قال: ما أجد مزيداً، قال: لكنّي أجد:أحياؤهم خزي على أمواتهم ***والميتون فضيحة للغابر(1


1) المناقب، ابن مردويه الأصفهاني : ص 81 - 82؛ المناقب، الموفق الخوارزمي: ص137؛ الفصول المهمة في معرفة الأئمة ابن الصباغ: ج 1 ، ص 590 - 591 ؛ جواهر المطالب، ابن الدمشقي : ج 1 ، ص 65 .)

## الفصل الرابع : ظلامات الزهراء عليها السلام ومأساتها### اشارةوفيه أربعة بحوث:البحث الأول: مأساتها بولدها المحسن عليها السلامالبحث الثاني: الهجوم على دار الزهراء عليها السلامالبحث الثالث: غضب الزهراء عليها السلام علىالشيخين بين الواقع والتجاهلالبحث الرابع: إجابة عن تساؤلات

### تمهید

احتلت مأساة الزهراء عليها السلام مساحةً واسعةً من الدراسات التي عنيت بحياتها عليها السلام، وربما زلت فيها قدم الكثيرين ممن تعاملوا مع روايات المأساة بناءً على أساس حسن الظن بظالميها ، أو التعامل غير العلمي مع روايات المأساة، أو عدم الإلمام بالموروث الروائي.وماسنقوم به يمثل استنطاقاً لبعض الروايات والنصوص وبعض كلمات الإعلام من أهل السنة لا بقصد البحث عن تخطئة أحد أطراف المأساة وتسجيل الإدانة فهو أثر ونتيجة وليس هو الغاية في البحث، بل لأجل كشف الحقيقة وبيان اللبس ورفع الإبهام، وسنقسم الكلام على عدة مباحث:

### البحث الأول مأساتها بولدها المحسن#### اشارةوسنمهد لبيان تلك المأساة ببعض المسائل التي توصلنا إلى مجموعة من الحقائق المهمة:#### أولاً:خصائص أولاد الزهراء عليها السلام##### اشارةطفحت المصادرُ السنية بالعديد من الإشاراتِ الواضحة والصريحة التي أثبتت بعض الخصائص والمميزاتِ النَّسَبِيَّة لذريَّةِ الصديقة الزهراء عليها السلام، مما جعلتهم يتفرَّدونَ بها وينقطعونَ بها على غيرهم من ذوي الفضائل والمناقب، ونحن نورد شيئاً يسيراً من تلك الخصائص على نحو الاختصار، تاركين التفصيل لدراسة أخرى حذراً من الخروج عن الغرض الأصلي للكتاب:##### الأولى:اختصاصهم بالانتساب إلى النبي صلى الله عليه وآلهإن الانتماء الحقيقي لشخص رسولِ الله صلى الله عليه وآله شرفٌ لا يضاهيه شرف، وفضل لا يرقى إليه فضل، وسؤدد ليس فوقه سؤدد، كيف وهو الوجود

الذي شرف عالم الإمكان بأسره ، والنورُ الذي أكحل عين المكارم والمناقب فأذهب عنها الرمد والعمى، والقائد الذي أوصل ركب الإنسانية المتثاقل إلى غايته العظمى، حتى صارت ترقى إلى مستوى تتصاغر عنده مراتب الملائكة .ولاشكَّ في أنَّ المعصومين من ذريته -الذين أكَّد انتمائهم لشخصه ونسبهم لنفسهم، وجعلهم شجنةً منه، وبضعةً من كيانه،وامتداداً لفيض وجوده، ووسيلةً السلوك ،صراطه وباباً للدخول إلى أعتاب قدسه -حازوا على حقيقة شرفِ الانتساب وكماله، وقد جمعوا إلى ذلك أسباب السؤدد، وأخذوا بمجامع الفضل كلّه، فما تركوا عتبة مجد إلا طالوها ولا تلعة فضل إلا اعتلوها، ولا سنامَ عزّ إلا تسنموه، ولا غارب شرف إلا افترعوه، الأمر الذي أهلهم أن يكون في قمَّةِ المجدِ وذرى الفضل؛ كيف لا؟ شعلة من نورِ النبي الخاتم صلى الله عليه وآله،ومشكاة من فيض قدسه صلى الله عليه وآله. وهذه خصيصةٌ ومنزلةٌ امتاز بها أولاد الزَّهراء عليها السلام دون سواهم من بني البشر، وناهيك بها من منزلة تؤكدها الأحاديث المعتبرة، التي تضافرت بها المصادر السنية قبل الشيعية، والتي منها لا على سبيل الحصر:

1-حديث جابر الأنصاري:روى الحاكم النيسابوري عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «لكل بني أمّ عصبةٌ ينتمون إليهم إلا ابني فاطمة فأنا وليهما وعصبتُهما . ثم تعقبه بالنَّص على صحته على شرط البخاري ومسلم، قائلاً: «هذا حديث صحيح الإسنادِ ولم يخرجاه»(1. وأخرجه الإمام الصالحي الشامي، والمتقي الهندي، والشريف عباس أحمد صقر وأحمد عبد الجواد(2). وأخرجه أيضاً كلّ من الحافظ ابن عساكر الشافعي والمتقي الهندي، والحافظ جلال الدين الخضري السيوطي، بلفظ قريب منه، ونصه: «إنَّ لكلّ بني أب عصبة ينتمون إليها، إلا ولدفاطمة، فأنا وليهم، وأنا عصبتهم وهم عترتي خُلِقُوا من طينتي، ويلٌ للمكذبين بفضلهم، من أحبهم أحبَّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله(3).وفي الرواية درر ،نظيمة، ومعان عظيمة ، منها:


1) المستدرك ، الحاكم النيسابوري: ج3، ص 164 .

2) سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي: ج 10، ص 459 ؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 12، ص 113 - 114؛ الشريف عباس أحمد صقر وأحمد عبد الجواد : ج 5 ، ص319.

3) تاريخ مدينة دمشق ابن عساکر : ج 36، ص 313؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 12، ص98؛ مسند فاطمة عليها السلام الحافظ جلال الدين الخضري السيوطي: ص 45 .)

(1 إثبات خصّيصة الانتساب، وتأكيد النبي صلى الله عليه وآله عليها في أكثر من فقرة، ففي قوله صلى الله عليه وآله: «أنا وليُّهم»، إشارة إلى الانسجام الروحي والانتماء الفكري، وفي قوله صلى الله عليه وآله «أنا عصبتهم»، إشارة إلى الانتماء النسبي والجسماني، وفي قوله صلى الله عليه وآله «خلقوا من طينتي»، إشارة إلى ما يجمع المعاني السابقة أعني الانتماء الروحي والفكري والنسبي.)(2 الإشارة إلى بعض لوازم الانتساب، فإنّ للانتماء إلى رسولِ الله صلى الله عليه وآله العديد من اللوازم يأتي الحب والبغضُ في مقدمتها، فمن أحبَّ ذريَّة فاطمة عليها السلام فقد أحبَّه الله تعالى، ومن أبغضهم فقد أبغضه الله تعالى، وهذا)صريح الرواية.(3 إِنَّ تكذيب مناقبهم عليهم السلام ، والرَّد على فضائلهم، والطعن في مكارمهم، من موجبات العذاب، وإنَّ قوله صلى الله عليه وآله: «ويلٌ للمكذبين بفضلهم، صريح في ذلك؛ لأنَّ « ويل : كلمةٌ مثل ويح، إلا أنها كلمه عذاب، يقال: ویله وويلك وويلي وفي الندبة ويلاه ... قال عطاء بن يسار الويل واد في جهنم)لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حرّه» (1.)


1) الصحاح، الجوهري : ج 5 ، ص 1846 .

2۔حدیث عمر بن الخطابروى الهيثمي في مجمع الزوائد عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كلُّ بني أنثى فإنَّ عصبَتَهُم لأبيهم ما خَلا بني فاطمةَ فإنّي أنا عصبَتُهُم وأنا أبوهم (1. وفي سبل الهدى والرشاد للإمام الصالحي الشامي، قال: روى أبو نعيم في ترجمة عمر في أثناء حديث رفقة، قال: «وكلُّ ولدِ آدم كان عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة، فإنّي أنا أبوهم وعصبتهم». قال الحافظ أبوالخير السخاوي في فتاويه رجاله موثقون،وللحديث،شواهد، رواه الطبراني في (الكبير))من طريق عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن شيبة بن نعامة عن فاطمة ابنة الحسين عن جدتها فاطمة الكبرى والخطيب من طريق محمد أحمد بن بن يزيد بن أبي العوام، قال حدثنا أبي قال: حدثنا جرير قال رسول الله صلى الله عليهوآله ... فذكره(2.)وقد عدَّ العلامة القفطيُّ الشافعي قول عمر هذا، من أكبر دلائل تفضيل العترة على غيرهم فقال: «ومنها قوله [عمر] في تفضيله [علي عليه السلام]


1) مجمع الزوائد، الهيثمي: ج 4 ، ص 224 ؛ إحياء الميت بفضل أهل البيت السيوطي: ص 26 . تحقيق: عباس أحمد صقر الحسینی، ط1 ، 1420ق، نشر: دار المدينة المنورة.

2) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 10، ص 458 .

وتفضيل ولده: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله يقول: كلّ قوم فعصبتُهُم لأبيهم إلا أولاد فاطمة فأنا عصبتهم وأنا أبوهم»(1.)3-حديث الزهراء عليها السلامأخرج الطبراني والهيثمي وأبو يعلى الموصلي والمتقي الهندي والقندوزي الحنفي وغيرهم من علماء أهل السنة عن فاطمة الزهراء عليها السلام عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله قال - واللفظ للقندوزي - : «لكل بني أنثى عصبة ينتمون إليه، إلا ولد فاطمة، فأنا وليُّهم، وأنا عصبتهم، وأنا أبوهم(2.)أقول : وفي هذا الباب روايات كثيرةٌ، رُويت عن جماعة من الصحابة تركنا إيرادها ، وأعرضنا عن إدراجها، إذ ليس الهدفُ من الكتاب استقصاء الروايات بل الإتيان بزهرة من كل بستان، ونموذج من كل باب.


1) الأنباء المستطابة، القفطي الشافعي : ص 67.

2) المعجم الكبير، الطبراني : ج 22 ، ص 423 ؛ مجمع الزوائد، الهيثمي: ج 4 ، ص 224؛ مسند أبي يعلى، أبو يعلى الموصلي : ج 12، ص 109 ؛ كنز العمال المتقي الهندي : ج 12، ص 113 - 114؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي : ج2، ص 476 .

##### الثانية:انقطاع الانساب والأسباب يوم القيامة إلا نسبهمإنّ من أجل ما خصَّ الله تعالى به ذريَّةَ الصدّيقة الزهراء عليها السلام من المراتب العلية وأتحفهم به من المناقب السَّنية، انَّ كلَّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببهم ونسبهم، فإنَّه موصول بنسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسببه، ولن ينقطع أبداً، الأمر الذي أثبتته الروايات بكل تأكيد، فقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : كلُّ سبب ونسب منقطع يومَ القيامة إلا نسبي وسببي». وقد روى هذا الحديث ثلَّةٌ من الصحابة، منهم:1-عمر بن الخطاب:أخرج الهيثمي والدولابي عن جابر أنه سمع عمر بن الخطاب يقول للناس: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله يقول : ينقطع يوم القيامة كل سبب ونسب إلا سببي ونسبي . ورواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، ورجالها رجالالصحيح، غير الحسن بن سهل وهو ثقة (1.)


1) مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص 173 ؛ الطبراني، المعجم الكبير : ج 3، ص 46 ؛ وانظر :الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي: ص 160 .

2-عبد الله بن عباس:روى الهيثمي عن ابن عباس: انَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كلُّ سبب ونسب منقطع يومَ القيامة إلا سببي ونسبي . رواه الطبراني ورجاله ثقات(1.)وفي نظم درر السمطين ان ابن عباس قال بحضرةِ عمرِبنِ الخطاب: «قام النبيُّ صلى الله عليه وآله فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام يزعمون أنَّ قرابتي لا تنفع، إنَّ كلَّ سببٍ ونسب منقطع إلا سببي ونسبي ورحمي، وإنَّ رحمي موصلة في الدنيا والآخرة ...(2).)3-المسور بن مخرمةأخرج الهيثمي عن أم بكر بنتِ المسور بن مخرمة أنَّ الحسن بن علي خطب إلى المسور بن مخرمة ابنته فزوجه، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كلُّ سببٍ ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي(3.)


1) مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص 173.

2) نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي: ص 235 .

3) مجمع الزوائد الهيثمي : ج 9، ص 173 - 174 .

4-جابر بن عبد الله الأنصاريأخرج الطبراني عن جابر بن عبد الله، قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله يقول : ينقطعُ يومَ القيامةِ كل سبب ونسب إلا سببي ونسبي(1.)5- أبو سعيد الخدريعن حمزة بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول - على هذا المنبر - : ما بال رجال أو أقوام يقولون: إنَّ رحمي لا ينفع يوم القيامة، بلى والله إنَّ رحمي لموصلةٌ في الدنيا والآخرة(2.)قال المناوي: «وعُلِمَ بهذا الحديث ونحوه عظيم نفع الانتساب إليه عليه السلام ، ولا يعارضه ما في أخبار أخر من حنّه لأهل بيته على خشية الله واتقائه وطاعته، وأنَّه لا يُغنى عنهم من الله شيئاً؛ لأنه لا يملك لأحدٍ نفعاً ولا ضراً، لكن الله يملكه نفع أقاربه، فقوله: (لا أغني عنكم شيئاً. أي بمجرد نفسي من غير ما يكرمني الله به من نحو شفاعة ،ومعفرة، فخاطبهم بذلك رعاية لمقام التخويف(3).)


1) المعجم الأوسط، الطبراني: ج 5 ، ص 376 .

2) نظم درر السمطين الزرندي الحنفي : ص 235 .

3) فيض القدير في شرح الجامع الصغير، المناوي : ج 5 ، ص 46 .

وقال الآلوسي في تفسيره مبيناً بعض لوازم هذا الانتساب: «إنَّ أشرفَ العرب نسباً أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها؛ لأنهم يُنسبون إلى النبي صلى الله عليه وآله كما صرَّحَ به جمع من الفقهاء، وأخرج الطبراني عن فاطمة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كلُّ بني آدم ينتمون إلى عصبة، إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم. وفي رواية له عن عمر بن الخطاب: (كل ابن أنثى كان عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة، فأنا عصبتهم وأنا أبوهم)... وقد أخرج أحمد، والحاكم في المستدرك عن المِسْوَر بن مَحرمة ولا كلام فيه - قال :(قال صلى الله عليه وآله فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها، وأنَّ الأنساب كلها تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري). وحديث بضعية فاطمة رضي الله تعالى عنها مخرج في صحيح البخاري أيضاً، قال الشريف السمهودي: ومعلوم أنَّ أولادَها بضعةٌ منها فيكونون بواسطتها بضعةً منه صلى الله عليه وآله، وهذا غاية الشَّرفِ لأولادها. وعدم انقطاع نسبه صلى الله عليه وآله جاء أيضاً في حديثٍ أخرجه ابن عساكر عن عمر مرفوعاً، بلفظ : (كل نسبٍ وصهرٍ ينقطع يومَ القيامةِ إلا نسبي وصهري) (1).)


1) تفسير الآلوسي، الآلوسي : ج 26، ص 164 - 165 .

جواب على إشكال :قد يقال: ما هو وجه الجمع بين ما ذكرتموه وبين قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (1) أقول :لنا في الجمع وجهان

الوجه الأول: يمكن القول أن المراد بقوله تعالى: فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ أي لايتفاخرون بالأنساب يومئذٍ كما كانوا يتفاخرون في الدنيا، أو أنهم لا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا: من أنت؟ ومن أي قبيلةٍ أنت؟ ولم يرد أنَّ الأنساب تنقطع إطلاقاً، بدليل قوله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيه.(2)

الوجه الثاني: يمكن القول إنَّ ما ذكر تموه من انقطاع الانتساب هو المنفي عن عامة الخلق، وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وآله: «كل سبب ونسب منقطع يومَ القيامةِ»، وقد استثنى النبيُّ صلى الله عليه وآله من ذلك جماعةً اختصهم الله تعالى بكرامته وأفاض عليهم مزيد عنايته، فجعل انتسابهم باقياً، وهم محمد وآل

(24)

(25)

Q@..


1) سورة المؤمنون: 101 .

2) سورة عبس : 34 - 46 .

محمد صلى الله عليه وآله، فلا منافاة في المقام.

ثانيا:عدد أولادها الذكور

ذكر جمع غفير من علماء السنة وأكابرهم ، أنَّ لعلي عليه السلام منها ثلاثةً من الأولاد الذكور، وممن نصَّ على ذلك . وهم كُثر.:

النسابة والمؤرخ الشهير، أحمد بن يحيى البغدادي البلاذري (ت/ 279ه-)، قال في أنساب الأشراف: «ولد علي بن أبي طالب: الحسن، والحسينُ، ومُحسن درج صغيراً ...)(1).

2-ابن قتيبة الدينوري (ت 276ه-)، قال في المعارف: «أما فاطمة، فتزوَّجَها علي بن أبي طالب بالمدينة بعد سنة من مقدمه، وابتني بها بعد ذلك بنحوِ من سنة، وماتت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله بمائة يوم، وولدت لعلي : الحسن

والحُسينَ ومُحسناً ...)(2).

3-الإمام الحافظ محمد ابن حبان (ت/ 456ه- ) ، قال : « وكان لعلي بن أبي طالب خمسةٌ وعشرون ولداً من الولد الحسن والحسين ومُحسن... وهؤلاء


1) أنساب الأشراف البلاذري: ص189 .

2) المعارف ابن قتيبة : ص 142 .

الخمسة من فاطمةَ بنتِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله»(1).

4- الحافظ محمد بن محمد بن عبد الله المعروف بابن سيد الناس (ت/ 734ه-)، قال: «وأما فاطمة، فتزوجها على، وبنى بها مرجعهم من بدر، فولدت له حسناً وحُسيناً ومحسناً مات صغيراً...»(2).

5- شمس الدين الذهبي (ت / 748ه-)، قال في ترجمة الزهراء عليها السلام فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله سيّدة نساء العالمين في زمانها، البَضعةُ النَّبوية، والجهة المصطفوية، أمُّ أبيها ... تزوجها الإمام علي بن أبي طالب في ذي القعدة، أو قبيلة من سنة اثنتين بعد وقعة بدر. وقال ابنُ عبد البر : دخل بها بعد وقعة أحد. فولدت له الحَسَنَ، والحُسَيْنَ، ومُحسناً ...»(3).

6 -الحافظ أبو الفداء ابن كثير الدمشقي (ت 774ه-)، قال: «أما فاطمة، فتزوجها ابنُ عمّه، علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، فدخل بها بعد وقعة بدر كما قدَّمنا، فولدت له حسناً، وبه كان يُكنّى، وحسيناً، وهو المقتول شهيداً بأرضِ

العراق. قلت: ويُقال: ومحسناً...»(4). وقال في موضع آخر: «قد تزوجها ابن عمها


1) الثقات، ابن حبان : ج 2، ص 304.

2) عيون الأثر ابن سيد الناس : ج 2، ص 365 .

3) سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 3، ص118 .

4) البداية والنهاية ابن كثير : ج 5 ، ص 314 .

علي بن أبي طالب بعد الهجرة، وذلك بعد بدر ، وقيل : بعد أحد، وقيل: بعد تزويج رسول الله صلى الله عليه وآله عائشة بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد ذلك بسبعة أشهر ونصف، فأصدقها درعه الحطمية وقيمتها أربعمائة درهم ... فولدت له حَسناً وحسيناً ومُحسناً ...)(1).

7- محمد بن أبي بكر الأنصاري التاهساني المعروف بالبري (ت/ قرنه-)، قال في الجوهرة: «وولدت فاطمةُ لعلي رضي الله عنهما: الحَسنَ، والحسين، ومُحسناً درج صغيراً...»(2).

8- محب الدين الحنفي الزبيدي (ت / 1205ه-)، قال في تاج العروس: وشَبّر كَبَقٌم ، وشَبِّير كقَمِّير ، أي مصغراً، وفي التكملة مثل أمير، كذا وُجِدَ مضبوطاً في نسخة صحيحة، ومُشَبِّر ، كَمُحَدِّث : أسماء أبناء هارون النبي صلى الله عليه وآله

وقيل: وبأسمائهم سمّى النبيُّ صلى الله عليه وآله أولادَه : الحسن والحسين والمحسن الأخير بالتشديد كذا جاء في بعض الروايات (3).

9-ابن بري : ووجدتُ ابنَ خَالَوَيْه قد ذكر شرحَ هذه الأَسْماءِ فقال: شَبَّرٌ


1) البداية والنهاية ابن كثير : ج 6 ، ص 365 .

2) الجوهرة في نسب الإمام علي وآله البري: ص 19.

3) تاج العروس الزبيدي: ج 7، ص 4 .

وشَبِيرُ ومُشَبّرٌ: هم أولاد هارون عليه السلام ، ومعناها بالعربية: حَسن وحسين ومُحسن، قال: وبها سمَّى علي رضي الله عنه أولاده: شَبَّرَ وشَبِيراً ومُشَبراً، يعني حَسَناً وحُسَيْناً ومُحسناً رضي الله عنهم(1).

أقول: ومن خلال هذا العرض السريع لبعض الوثائق الموجزة نكون قد حصلنا على فائدتين

الفائدة الأولى: أنَّ للزهراء عليها السلام ثلاثة من الأولاد الذكور، وهم الحسن والحسين والمحسن

الفائدة الثانية: إنَّ المحسن مات صغيراً، دون أن تحدد تلك المصادر كيفية موته.

ثالثا:المحسن عليه السلام مات سقطا

إنَّ الكثير من المصادر السنيّة غضّت الطرف عن السبب الذي أودى بحياة سبط النبيّ الأصغر : المحسن عليه السلام ، غير أن بعضها صرحت بكيفية موته وأنَّه مات سقطاً، بل أشار بعضها إلى السبب الذي أدى إلى موته بتلك الكيفية.


1) لسان العرب، ابن منظور : ج 4 ، ص 393؛ تاج العروس، الزبيدي: ج 7، ص 4 .

وسوف نستعرض بعض كلمات أعلام أهل السنة التي صرّحت بالكيفية الذي مات سبط النبي صلى الله عليه وآله بها، ثم نتبعها بذكر مَن صرَّح بالسبب الحقيقي الذي كان السبب في اسقاطه، فنقول:

تبيَّن إلى هنا أنَّ المحسن هو السبط الأصغر للنبي صلى الله عليه وآله، والثالث من أولاد فاطمة عليها السلام الذكور ، مات صغيراً، وقد صرّح جمع من علماء أهل السنة، أنَّه مات سقطاً، وأنه لم يمت حتف أنفه، منهم لا على سبيل الحصر:

1-الحافظ جمال الدين المزي (ت 742ه- ) قال: «وكان له من الولد الذكور أحد وعشرون : الحسن والحسين ... والذين لم يعقبوا مُحسن درج سقطا (1)». ويقصد من عبارته الأخيرة : (درج سقطاً) أي مات سقطاً؛ لأنَّ درج بمعنى مات.

2-محمد بن طلحة الشافعي (ت / 652 ه-) قال: «إِنَّ أقوال الناس اختلفت في عدد أولاده، ذكوراً وإناثاً، فمنهم من أكثر فعدَّ فيهم السّقط، ولم يُسقط ذِكرَ نَسبِهِ ... وذكروا فيهم مُحسناً شقيقاً للحسن والحسين عليهم السلام كان سقطاً(2).

3-عبد الرحمن بن عبد السلام بن عبد الرحمن الصفوري الشافعي


1) تهذيب الكمال، المزي: ج 20، ص 479 .

2) مطالب السؤول، محمد بن طلحة الشافعي: ص313.

ت/ 894 ه- قال: «أولاد فاطمة خمسة: الحسن والحسين والمحسن كان سقطا ...).(1)

4- الفقيه ابن الصباغ المالكي (ت 855 ه-) قال: «واعلم أنَّ الناس قد اختلفوا في عدد أولاده ذكوراً وإناثاً، فمنهم من أكثر ومنهم من اختصر، والذي نقله صاحب كتاب الصفوة: أنَّ أولاده الذكور أربعة عشر ذكراً، وأولاده الإناث تسعة عشر إناثاً. وهذا تفصيل أسمائهم رضوان الله عليهم أجمعين. الذكور: الحسن، والحسين ... وذكروا أنَّ فيهم مُحسناً شقيقاً للحسن والحسين صلى الله عليه وآله ذكرته الشيعة، وأنه كان سقطاً. فهؤلاء أولاده عليه وعليهم السلام (2).

5-محمد بن أحمد البغدادي المعروف بابن أبي الثلج (3)(ت/ 325 ه-)، قال: «وُلِدَ لأمير المؤمنين عليه السلام من فاطمة عليها السلام: الحسن، والحسين،


1) نزهة المجالس، نزهة المجالس، عبد الرحمن الصفوري : ج 2 ، ص 184.

2) الفصول المهمة في معرفة الأئمة ابن الصباغ : ج 1 ، ص 646 - 647 .

3) إبن أبي الثلج (ت 325 ه-):محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل البغدادي، المعروف بابن أبي الثلج محدّث، مؤرّخ . روى عنه أبو المفضل الشيباني وأبو محمد هارون التلعكبري. من تصانيفه: تاريخ الأئمة، أخبار النساء المحمودات أخبار فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، وكتاب من قال بالتفضيل من الصحابة (الرجال النجاشي: ص 270 ؛ منتهى المقال : ص258؛ مصفى المقال:

محسن سقط)(1).

6-حسين بن حمدان الخصيبي ( ت / 334ه- ) قال: «والذي ولدت فاطمةُ عليها السلام من أمير المؤمنين عليه السلام الحسن والحسين ومُحسناً سقطاً ...)(2).

7-محمد بن يوسف الكنجي الشافعي (ت 685ه-)، قال: «إنّ فاطمة عليها السلام أسقطت بعد النبي ذَكَراً، كان سماه رسول الله صلى الله عليه وآله مُحسناً )(3).

وبهذه العجالة والعرض المختصر نكون قد توصلنا إلى نتيجتين :

الأولى: أنَّ لفاطمة ولد يقال له : المحسن، وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله سماه بذلك، وهو في بطن أمه.

والثانية : أنّه عليه السلام مات سقطاً، وبعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله تحديداً.

وسوف نبيّن - وبالاعتماد على روايات أهل السنة وكلماتِ علمائهم - أنَّ السبب


1) تاريخ الأئمة ابن أبي الثلج البغدادي: ص 16 .

2) الهداية الكبرى الخصيبي : ص 180 .

3) كفاية الطالب الكنجي الشافعي : ص 413 . المطبعة الحيدرية، النجف، بدون تاريخ.

في إسقاط المحسن عليه السلام لم يكن حالةً مرضيَّةً ،عارضةً، أو سبباً اعتيادياً، فذلك فرضٌ لم يقل به أحد أبداً، بل السبب وراء ذلك هو جناية سافرة، ارتكبت بحقِّ العترة الطاهرة، في حادثة هجوم القوم على بيت الزهراء عليهاالسلام، وأنّه من ضربة عمر بن الخطاب، وهذه حقيقة تمثل مفصلاً رئيسياً من مفاصل مأساة الزهراء عليها السلام.

رابعا:سبب سقاط المحسن

حفلت المصادر السنية بمجموعة من الوثائق والاعترافات على لسان جماعةٍ من علماء أهل السنة تؤيد القول بأنَّ المحسن عليه السلام كان ضحية هجوم القومِ على بيتِ فاطمة عليها السلام، لإرغام علي بن أبي طالب عليه السلام على مبايعة أبي بكر . ذلك لأنَّ بني هاشم وجمعاً من الصحابة ما لم يروا شرعيّة خلافة أبي بكر أجمعوا على مقاطعته، والامتناع عن مبايعته، فاجتمعوا في بيتِ فاطمة عليها السلام ليس احتماء به بل تأييداً لصاحب الحق الشرعي، أعني : علي بن أبي طالب عليه السلام ، إذ كان « عامَّةُ المهاجرين وجلُّ الأنصارِ لا يَشكُون أن علياً هو صاحب الأمرِ بعد رسولِ الله صلى الله عليه وآله(1)، فأحستْ الخلافةُ القائمةُ بخطورة


1) الموفقيات، الزبير بن بكار : ص 580 ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد: ج 6 ، ص 21 .

الموقف، فأرسل أبو بكر جماعةً من أتباعه لمحاصرة بيت الرسالة، وإضرامه ناراً إنْ اقتضى الأمر، وأؤكل زعامة هذه المهمَّةِ لعمر بن الخطاب، الذي داهم بيت النبوة ونادى بأعلى صوته - كما روى الطبري - : والله لأحرقنَّ عليكم أو لتخرجن إلى البيعة(1)، فكلَّمته الزهراء عليها السلام من وراء الباب، فصبّ عليها جام غضبه ،وحقده، فضربها - وبحسب تعبير بعض الروايات السنية فرفسها على بطنها فأسقطت جنينها - واقتُحِمَت عليهم الدار، وأخْرِجُوا منها بأسوأ حال، وإليك بعض النصوص من كلمات أعلام السنة المصرحة بذلك، رغم اتفاقهم على التعتيم على الحادثة، وتواطئهم على طمس بكل ما يمتُ لها بصلة:

1-قال الذهبي في ترجمة الإمام ابن أبي دارم: «إنَّه الإمام الحافظ الفاضل، أبو بكر أحمد بن محمد السري بن يحيى بن السري بن أبي دارم... قال محمد بن حماد الحافظ : كان مستقيم الأمر عامَّةَ دهره، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يُقرأ عليه المثالب حضرتُهُ ورجلٌ يقرأ عليه : إنَّ عمر رفس فاطمة حتى أسقطت محسناً (2).

2- قال الصفدي في ترجمة النظام واستعراض أقواله وآراءه: «النظام المعتزلي،


1) تاريخ الأمم والملوك، ابن جرير الطبري: ج 2، ص 443 .

2) سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 15، ص 577 - 578 .

إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري المعروف بالنظام...قال:نصَّ النبيُّ صلى الله عليه وآله على أنَّ الإمام علي،وعيَّنه وعرفت الصحابة ذلك، ولكن كتمه عمر لأجل أبي بكر. وقال :إنَّ عمر ضربَ بطنَ فاطمة يومَ البيعة حتى ألقتْ المحسنَ

من بطنها(1).

3-قال ابن حجر العسقلاني: قال محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ بعد أن أرخ موته [أي موت ابن أبي دارم]: كان مستقيم الأمر عامة دهره...حضرته ورجل يقرأ عليه : إنَّ عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن(2).

4-قال الشهرستاني في الملل والنحل، عن النظام قوله: «إنَّ عمر ضرب بطن- فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح أحرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين(3).

5-قال ابنُ أبي الحديد المعتزلي وهو بصدد بيانِ رأي أبي جعفر النقيب قرأت {خبر هبَّار بن الأسود، الذي روّع زينب ربيبة النبي صلى الله عليه وآله فأهدر دمه لذلك }على النقيب أبي جعفر رحمه الله، فقال: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله


1) الوافي بالوفيات الصفدي: ج 6 ، ص 12 - 15.

2) لسان الميزان، ابن حجر : ج 1 ، ص 268 .

3) الملل والنحل الشهرستاني : ص 61 .

أباحَ ِدمَ هبَّارِ بنِ الأسود؛ لأنَّه روّع زينب فألقتْ ذا بطنها، فظاهرُ الحالِ أَنَّه لو كان حيَّاً لأباحَ دمَ مَن روّع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها...)(1).

هذه جملةٌ يسيرةٌ من أقوال علماء السنة، والمبرزين بالفضل عندهم، تؤكّد الحقيقة التي لم يستطع التعتيم أن ينال منها، أو يجعلها في طور النسيان.

وفي البحث القادم - إن شاء الله - سنضيف إلى تلك الوثائق اعترافاً خطيراً سجله أبو بكر بن أبي قحافة عند موته، وهو يؤكد حادثة الهجوم على الدَّارِ وكشفها أو كبسها كما تُعبّر بعضُ الرّوايات.

وإنَّ ما حاولت الأقلام التعتيم عليه قد جهر به صاحبه وكشف اللثام عنه، فصرَّح عما أحجموا عنه، واعترف بما حاولوا نفيه عنه، وندم على ما صنفوه من بطولاته، كلُّ ذلك من الحقائق التي حاول القوم إخفاءها، تعصباً للباطل، وعناداً للحق وتلبيساً على العامة، ولكنها تسللت من بين مجريات الأحداث وظهرت على صفحة التاريخ نقطة سوداء في جبين الأمة.


1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد : ج 14 ،ص 193 .و ما بين العضادتين أضفناها لتوضيح العبارة، فلاحظ.

البحث الثاني الهجوم على دار الزهرا عليها السلام

اشارة

إنَّ اثبات الهجوم على بيت الزهراء عليها السلام بالاعتماد على ما ورد في المصادر السنية يعتبر خطوةً كبيرةً في استكشاف غوامض مظلوميتها عليها السلام، وهذا ما سنثبته من خلال نقطتين:

الأولى: أبو بكر يأمر بالهجوم على الدار وعمر يقتحمها

لم يذكر المؤرخون أنَّ للشيخين دوراً واضحاً في الغزوات، ولم يتقلدوا موقعاً قيادياً بارزاً في الحروب مع المشركين طيلة الفترة التي عاشها النبيُّ صلى الله عليه وآله، وهذا من مسلّمات التاريخ الإسلامي، وما أن رحل النبي صلى الله عليه وآله حتى بادر أبو بكر إلى تجهيز سَرية تزعمها عمربن الخطاب،لا لمقاتلة المشركين ولا لأجل إعلاء كلمة الله،بل للإغارة على بيت النبوة ومهبط الوحي والتنزيل، فأسرع جمع من (الصحابة) للاشتراك بهذا البعث (النوعي) كعبد الرحمن بن عوف، وزياد ابن لبيد وزيد بن ثابت ومسلمة بن أسلم وخالد بن الوليد، وثابت بن قيس

ومحمد بن مسلمة، وسلمة بن سالم، وأسيد بن حضير، فأقبلوا حتى أحاطت جموعهم ببيت الرسالة، وفيه بضعة النبي؛ معصبة الرأس، ناحلة الجسم، منهدة الركن خائرة القوى، لم تجف عيناها من البكاء على أبيها المصطفى صلى الله عليه وآله، ففوجئت بصوت عمر: «والله لأحرقنّ عليكم أو لتخرجن إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه(1). وامتنع علي عليه السلام من البيعة، فأمر عمر بإحضار الحطب، ليحرق عيهم الدار كلُّ ذلك والعبرات على النبي صلى الله عليه وآله لم ترق، والدموع لم تجف.

والغريب في الأمر تنكّر جماعة من المتأخرين لمثل هذه الحقائق، وتصنيفها ضمن الأكاذيب التي يُراد بها - حسب زعمهم -الانتقاص من الصحابة، مع المصادر السنية التي تعرّضت لبيان مجريات الأحداث بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله تتَّفق على أنَّ الهجوم على بيت الزهراء عليها السلام تمَّ، وبأمر أبي بكر وقيادة عمر بن الخطاب، وليست ساحتهما مبرئة من ذلك أبداً، وإن حاولت بعضُ الأقلام إظهار أبا بكر بمظهر المسالم الذي يحبُّ العافية في الدين، إلا أنَّ البعض منها

دون ما فيه الكفاية في اثبات الجناية، وإليك بعض الكلمات التي أرخت حادثة


1) تاريخ الأمم والملوك ، ابن جرير الطبري : ج 2 ص 443 .

الهجوم المریرة:

1-قال ابن قتيبة الدينوري: فأتى عمر أبا بكر، فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة؟ فقال أبو بكر لقنفد - وهو مولى له -: اذهب فادع لي علياً، قال : فذهب إلى عليّ، فقال له : ما حاجتك؟ فقال : يدعوك خليفة رسول الله، فقال

ثم علي السريع ما كذبتم على رسول الله»(1). فقد بدأ تحرّك القوم بإرسال قنفذاً، أعاد أبو بكر الكرّة فبعث إليهم ،عمر، فجاء فناداهم وهم في دار عليّ، فأبوا أنْ يخرجوا فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص، إنَّ فيها فاطمة ؟ فقال: وإن»(2).

وهذه ثيقةٌ صريحة تثبت أن صاحب الأمر بالهجوم على بيت فاطمة عليها السلام هو أبو بكر نفسه، وإنَّ عمراً هو من قاد الجمع ونفّذ الهجوم على بيتها، وهدّد أهله بالإحراق، وأمر بالحطب فجمع وأضرم . والروايات في ذلك كثيرة، وسيأتيك

الشيء الكثير منها تباعاً.

2-قال ابن عبد ربه الأندلسي واسماعيل ابن كثير: «الذين تخلفوا عن بيعة أبي


1) الإمامة والسياسة ابن قتيبة الدينوري: ج 1، ص 19 . تحقيق الزيني.

2) الإمامة والسياسة ابن قتيبة الدينوري: ج 1، ص 19 . تحقيق الزيني.

بكر عليّ ،والعباس والزبير، وسعد بن عبادة، فأما عليّ والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم...)(1).

نعم فقد بعث أبو بكر عمر بن الخطاب، وفوَّض إليه الأمر، وأعطاه كلّ الصلاحيات في التعامل مع خصومه، وأطلق له العنان في التصرف مع العدو الجديد، حتى وإنْ أدّى ذلك إلى مقاتلته وسفك دمه.

5-أورد البلاذري وثيقةً مهمةً تؤكّد أنَّ أبا بكر لم يقتصر على إعطاء كافة الصلاحيات لعمر بن الخطاب ويخوّله تخويلاً تاماً فحسب، بل أكَّد عليه بضرورة اعتماد العنف في مهمته؛ لأنَّ الجبهة الهاشمية لا تنصاع بسهولة، والحكومة الفتية

بحاجة إلى الظهور بمظهر الحازم القوي الذي لا يابه بحج المعارضين، ولا يكترث بقوَّتهم، وإنْ كان الخصم هو أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله،فقال له:«ائتني به بأعنف العنف(2)، الأمر الذي صب الزيت على النار، فمن جهةٍ كان عمرُ

بنُ الخطاب « صعباً عظيم الهيئة شديد السياسة لا يحابي أحداً، ولا يراقب شريفاً ولا


1) العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي: ج 3، ص 64. طبع مصر-؛ تاريخ أبي الفداء،إسماعيل بن كثير : ج 1، ص 156 . طبع بيروت.

2) أنساب الأشراف، البلاذري: ج 1 ، ص 587 .

مشروفاً، وكان أكابر الصحابة يتحامون ويتفادون من لقائه»(1)، ومن جهة أخرى أعطى له أبو بكر الضوء الأخضر باستخدام العنف، فلا غرابة إذن في حدوث ما حدث من فضائع الأمور، على أهل بيت النبوة وموضع الرسالة.

3-قال ابن عبد ربه الأندلسي: «بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من نار على أنْ يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة، فقالت : يا ابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا؟! قال:نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة»(2). والرواية صريحة في تطبيق العنف وانتهاج أسلوب القوة وتفعيل القررات الصارمة التي أصدرها أبو بكر.

4-قال عبد الفتاح عبد المقصود تطالعنا صحائف ما أورد المؤرخون بالكثير من أشباه هذه الأخبار المضطربة التي لا نعدم أن نجد من بينها من عنف عمر ما يصل به إلى الشروع في قتل عليّ، أو إحراق بيته على مَن فيه ...فلقد ذُكر أنَّ أبابكر أرسل عمر بن الخطاب، ومعه جماعة بالنار، والحطب إلى دار علي وفاطمة، والحسن والحسين ليحرقوه بسبب الامتناع عن بيعته (3). ولم يكن الهجوم ولا


1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 173.

2) العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي: ج 3، ص 64 . طبع مصر.

3) السقيفة ،والخلافة عبد الفتاح عبد المقصود: ص 14.

الإحراق حادثاً عرضياً ، إنما كان مخططاً له مسبقاً، كما يلمح هذا النص والذي سبقه.

7- قال عمر رضا كحالة وتفقد أبو بكر قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّ بنِ أبي طالب، كالعباس والزبير وسعد بن عبادة فقعدوا في بيت فاطمة. فبعث أبو بكر عمر بن الخطاب فجاءهم عمر فناداهم وهم في دار فاطمة، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب، وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على مَن فيها. فقيل له :يا أبا ،حفص، إنّ فيها فاطمة قال:وإن(1).

والنتيجة: إنَّ حادثة الهجوم على بيت الزهراء عليها السلام حقيقيةٌ تاريخية ثابتةٌ من طريق السنة والشيعة على حدّ سواء، ولا يمكن التشكيك بها بحال من الأحوال أبدا، ولذا لما عجز البعض عن إنكارها حاول تحريفها ليجعل منها منقبةً

للخليفة عمر، وإنَّها من علامات شجاعة الرجل وبسالته وصلابته في الدين، فنظمها:

وقولة لعلي قالها عمر*** أكرم بسامعها أعظم بلمقيها

حرقت دارك لا أبقي عليك بها ***إن لم تبايع، وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص يفوه بها***أمام فارس عدنان وحاميها(2)


1) أعلام النساء عمر رضا كحالة : ج 4 ، ص 114 .

2) ديوان حافظ إبراهيم: ج 1 ، ص 75، تحت عنوان عمر ،وعلي طبع دار الكتب المصرية بالقاهرة.

وكأنَّ شاعر النيل نسي أو بالأحرى تناسى أنَّ هذا البطل الجديد ليس له موقف يُذكر في غزوات المسلمين، إلا فراره يوم أحد وخيبر.

الثانية: اعتراف أبي بكر بالهجوم وتأسفه عليه

اشارة

أخرجت المصادر السنية العديد من الروايات المصرحة بأنَّ أبا بكر أسف .عند موته-على أمور فعلها تمنّى لو أنه لم يفعلها،كان الهجوم على بيتِ فاطمة عليها السلام في طليعتها. روى ذلك جماعة من علماء السنة في مصنّفاتِهم، كالجوهري والطبري وابن عساكر والذهبي وابن حجر وابن أبي الحديد المعتزلي والمتقي الهندي، وغيرهم، عن أبي بكر أنّه قال: ليتني لم أكشف بيتَ فاطمة، ولو أعلنَ على الحرب(1).

وفي رواية عبد الرحمن بن عوف - بلفظ المتقي الهندي - أنَّ أبا بكر قال له في مرض موته: «إنّي لا آسي على شيءٍ إلا على ثلاث فعلتُهُنَّ وددتُ أني لم أفعلهن... فوددت أني [ل] أكن أكشف بيتَ فاطمة وتركتُهُ، وإنْ كانُوا قد غَلَقُوه ع

کی الحرب»(2).


1) السقيفة وفدك الجوهري: ص 75 ؛ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد: ج 6 ، ص 51 .

2) تاريخ الأمم والملوك، الطبري: ج 2، ص 619 ؛ كنز العمال، المتقي الهندي : ج 5 ، ص 631 - 632 ؛ تاريخ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساکر : ج 30، ص 419 - 420 ؛ ميزان الاعتدال، الذهبي: ج 3، ص109؛ لسان الميزان، ابن حجر : ج 4 ، ص 189 . أقول : ولا يخفى أنَّ في قوله: (وإن كانوا قد غلّقوه على الحرب»، دلالة واضحة على أنَّ أبا بكر كان على علم بأنَّ المجتمعين في دار الزهراء عليها السلام لم يكن هدفهم إعلان الحرب وإثارة الفوضى، وإلا فلو وصل الأمر إلى القتال والنزال، فلعل أحداث كربلاء قد حدثت في المدينة حينذاك، والأمر عندها لا يحتاج إلى الندم وهذا واضح لمن عرف مغزى كلامه.

تبريرات واهية

حاول جماعة(1)من أعمتهم العصبية وكبّلتهم العنصرية تبرير الأسف وتوجيه القلق الذي ساور أبا بكر عند موته نتيجة الهجوم على دار فاطمة عليها السلام، بأنَّه ناتج عن لين أبي بكر وتحرُّجه الشديد وحبه لأهل البيت عليهم السلام ، كما هي عادة وعاظ السلاطين في توجيه المثالب الثابتة، ولكنَّ الحقيقةَ أكبر من أنْ تُكتم وأوضحُ من أن ينال منها التعتيم ، فليس اللين والشَّفقةُ ولا الحبُّ والمودَّةُ ولا شيء آخر من هذا القبيل، بل هناك حقيقة أشار إليها النبيُّ صلى الله عليه وآله وجعلها فاصلاً أساسياً تدور عليه مسيرة الصراع السياسي بعد رحيله، وهي ما يُعبر عنها تارةً بقوله لعلي وفاطمة وابنيهما عليهم السلام : «أَنَا حَرْبٌ لَنْ حَارَبَكُم وَسِلْمٌ لَمَنْ سَألَكُم (2).


1) انظر صفحات من تاريخ الجزيرة العربية، أسعد محمود: ص 280.

2) مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 2، ص 442 ؛ مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص 169؛ المصنف، ابن أبي شيبة الكوفي: ج 7،ص 512 ؛أمالي المحاملي الحسين بن إسماعيل المحاملي : ص 447؛ صحيح ابن حبان،ابن حبان: ج 15 ، ص 434 ؛ المعجم الأوسط، الطبراني : ج 3، ص 179 ؛ موارد الظمآن، الهيثمي : ج7، 201 ؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 12، ص97؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج2، ص122؛ المستدرك الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 149 .

وأخرى بقوله لهم عليهم السلام كما في الحديث الصحيح على شرط مسلم : فلو أنَّ رجلاً صَفَنَ بين الرُّكنِ والمَقامِ فصلَّى وصامَ، ثم لقي الله وهو مُبغضٌ لأهلِ بيتِ محمد دخلَ النَّارَ (1).

وهذا ما أشار اليه الدكتور أحمد حسين يعقوب بقوله: «يبدو أنَّ أبا بكر قد تنبَّه في لحظة من لحظاتِ استيقاظ الضمير إلى شناعة ما ارتكبه بحق آل محمد، فاعتراه الندم، ولكن بعد فوات الأوان»(2).

استنطاق روايات الندم

يمكن أنْ يُستفاد من كلام أبي بكر وندمه الشديد على أسلوب المواجهة مع أهل بيت النبوة عليهم السلام أيام خلافته مجموعة من الحقائق الهامة والمتعلقة

بحياةِ الصّدّيقة الزهراء عليها السلام:

الأول: إِنَّ أبا بكر كان صاحب القرار والأمر بالهجوم على بيتِ فاطمة عليها السلام وكشفِهِ، وهو السبب في جميع ما نجم عن ذلك من مأساة كسر الضّلع


1) المستدرك الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 149 .

2) خلاصة المواجهة أحمد حسين يعقوب : ص 128 .

وإسقاط الجنين والاعتداء على قدسيّة بيت النبوة وانتهاك حرمتهم و والتجاسر عليهم، وغيرها.

الثاني: إنَّ كشف البيتِ والدخول عليه أمر واقع قطعاً ومتحقق حتماً، وإنْ حاولت الأقلام الرخيصة التعتيم عليه، وتصنيفه ضمن قائمة الأساطير المغرضة، في محاولة بائسة لتبرئة ساحة الشيخين.

الثالث: تيقن أبي بكر بخطأ السياسة التي بنى عليها خلافته، فلو كان مطمئناً بحُسنِ السيرة وصلاح المسيرة لم يأسَ أو يجزع كجزعه، ألا ترى قول أمير المؤمنين عليه السلام عند موته:«فزت ورب الكعبة»(1)؟ذلك لأنَّ علياً عليه السلام على يقين لا يخالطه أدنى شكٍّ بحُسن العاقبة والمُنقَلَب،والفوز بالجنة التي وُعِد المتقون. لقد صوّر المحامي الإردني حالة أبي بكر حين موته، قائلاً: «لقد تذكَّر فاطمةَ تنادي بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة. واستعاد ما قالته فاطمة شخصيّاً له ولعمر بن الخطاب وجهاً لوجه:أرأيتكما إنْ حدَّثتكما حديثاً عن رسول الله تعرفانه و تفعلان به؟ قالا: نعم، فقالت: نشد تکما


1) انساب الأشراف البلاذري : ص 488 ؛ الاستيعاب ابن عبد البر : ج 3، ص 1125؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد : ج 9، ص 207؛ أسد الغابة ابن الأثير : ج 1، ص 395؛ الجوهرة: البري، ص114؛ الوافي بالوفيات، الصفدي: ج18، ص 173 .

الله، ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبَّ فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومَن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟ قالا : نعم سمعناه من رسول الله، فقالت الزهراء فإنّي أشهد الله أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيتُ النبي لأشكونكما إليه ... [ثم] أنتحب أبو بكر حتى كادت نفسه أن تزهق، وهي تقول: والله لأدعون عليك في كلّ صلاةٍ أصليها»(1).


1) خلاصة المواجهة أحمد حسين يعقوب: ص128.

البحث الثالث غضب الزهراء على الشيخين بين الواقع والإنكار

إِنَّ رضا الزهراء عليها السلام وغضبها يُعَدُّ أمراً مفصلياً في تقييم الحالة الإيمانية للفرد المسلم، وهذا ما تكفلت الروايات الصحيحة بيانه وأكدت عليه بكل وضوح، ولم يكن خافياً على أحدٍ من المسلمين، وليس هو محل بحثنا، وما نريد تسليط الضوء عليه طبيعة العلاقة بين سيّدة النساء عليها السلام والشيخين، فهل رحلت عن الدنيا وهي راضية عنهما مذعنة بصواب فعلهما، مقرّة بخطئها، معترفة بأنها ما كان ينبغي لها أن تقوم بما قامت به؟ أم أنَّ الواقع يتقاطع مع ذلك تماماً، وينفيه نفياً قاطعاً ويثبت العكس تماماً؟

إنَّ روايات أكابر علماء أهل السنة تنفي ما قيل بشأن رضاها عن الشيخين نفياً قاطعاً، وتؤكّد أنَّها عليها السلام كانت ساخطةً عليهما أشدَّ السخط، واجدةً عليهما قمة الوجد، وهجرتهما ولم تكلّمها، ولم تأذن لهما بالدخول إلى دارها، ولم ترد السلام عليهما، بل أنّها أقسمت أن تدعو عليهما في كلّ صلاةٍ تصليها، وأوصت أنْ لا يحضرا جنازتها، فضلاً عن الصلاة عليها. وسوف نورد طرفاً يسيراً من الروايات

بشأن طبيعة العلاقة بينها عليها السلام وبين الخليفتين، لنترك للقارئ فرصة المقارنة بين ما قلناه وما قيل بخلاف ذلك، ليجيب بنفسه عن السؤالين السابقين:

الحديث الأول :روى البخاري ومسلم وابن حبان والطبراني وابن سعد وابن شبة النميري والمقريزي، وغيرهم عن عائشة قالت - واللفظ للبخاري -:«إنَّ فاطمة عليها السلام بنتَ النبي صلى الله عليه وآله أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسولِ الله صلى الله عليه وآله، مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ... فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فَهَجَرَتْهُ فلم تُكَلِّمْهُ حتى توفيت... فلما تُوفيت دفنها زوجها علي ليلاً، ولم يُؤذن بها أبا بكر)(1).

والرواية صريحة في إثبات الوجد والغضب والهجر ، بل في استمرار وجدها وغضبها حتى الوفاة، ومن ثمّ دفنها علي عليه السلام سراً ولم يؤذن أبا بكر أو يخبره، كلّ ذلك بوصية منها، كما سنثبته عن البحث عن وصيتها عليها السلام.


1) صحيح البخاري، البخاري : ج 5 ، ص 82 ؛ صحيح مسلم مسلم النيسابوري: ج 5 ، ص 153 - 154؛ صحیح ابن حبان ابن حبان : ج 11، ص 152 - 153؛ مسند الشاميين، الطبراني : ج 4 ، ص 198؛ الطبقات الكبرى، ابن سعد : ج 2، ص 315؛ تاریخ المدينة، ابن شبة النميري: ج 1 ، ص 196 – 197؛ إمتاع الأسماع، المقريزي : ج 13 ، ص 158 - 160 .

وقفة مع شرح العيني للحديث:

قال العيني في شرح الحديث: «فوجدت أي: غضبت من المَوْجِدَة، وهو الغَضَب، وكان ذلك أمر حصل على مقتضى البشرية ثم سكن بعد ذلك، والحديث كان مؤولاً عندها بما فضلَ عن ضرورات معاش الورثة» . ثم قال: «قوله: فهجرته

أي: هجرت فاطمة أبا بكر... ومعنى هجرانها : انقباضها عن لقائِهِ وعدم الانبساطِ لا الهجران المحرَّم من ترك السَّلام...)(1).

أقول:أما كلامه في بيان معنى الوجد والهجران وأنَّه بمعنى الغضب، ثم اعترافه بوقوع الغضب منها على أبي بكر فصحيح. وأما قوله: «ثم سكن بعد ذلك»، فهذا كذب محضّ، يكذبه الحديث الذي هو بصدد شرحه، والذي يصرح أنَّها

هجرته فلم تكلّمه حتى توفيت، فمن أين استفاد رضاها وسكون غضبها؟!

قال: «ومعنى هجرانها : انقباضها عن لقاءه لا الهجران المحرم من ترك السَّلام) .

أقول: وهذه زلَّة أخرى، وسوف نثبت عند إيرادِ الحديث الخامس: أنّها هجرته ولم ترد السلام عليه، بل وأقسمت أن تدعو عليه في كل صلاة تصلّيها. وعليه فتفسير الهجران بعدم الانبساط والانقباض عن اللقاء سفسطة لا يعضدها


1) عمدة القاري العيني: ج 17، ص 258 .

دليلٌ، بل قام الدليل على خلافها تماماً.

ثم متى كانت الزهراء عليها السلام من أهل اللقاءات والندوات مع أبي بكر أو غيره حتى يُفسّر هجرائها بالانقباض عن اللقاء؟! بالإضافة إلى ذلك فإنَّ هذا الحديث ليس الوحيد الوارد في باب الهجران حتى يفسر بمثل هذه الترهات التي

لا تمرُّ إلا على الساذج ومَن لا معرفة له بالحديثِ ومغزى كلام العرب، وسوف نوافيك بالعديد من الروايات المعتبرة في إثبات الهجران إلى الممات.

الحديث الثاني: روى المقريزي في إمتاع الأسماع والألباني وغيرهما، عن سنن الترمذي، بإسناده عن أبي هريرة: «إنَّ فاطمةَ جاءت أبا بكر وعمر تسأل ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إني لا أورث قالت: والله لا أكلمكما أبداً، فماتت ولا تكلّمها»(1).

أقول: وهنا ينبغي الإشارة إلى ثلاثة أمور:

الأمر الأول: إنَّ المقريزي وابن حجر العسقلاني (2)والألباني، رووا الحديث


1) إمتاع الأسماع، المقريزي : ج 13، ص 158؛ ضعيف الترمذي، الألباني: ص534؛ آل بيت الرسول، عبد المعطي قلعجي: ص 512 .

2) فتح الباري ابن حجر : ج 6 ، ص139 .

عن سنن الترمذي، وقد ذكر الألباني رقم الحديث 1823 في سنن الترمذي، ولكننا عندما راجعنا النسخة التي حققها عبد الرحمن محمد عثمان والمطبوعة في دار الفكر ببيروت لم نجد للحديث أثراً ولا عيناً، والذي يغلب على الظن أنّ المحقق تعمَّد إسقاط الحديث من النسخة وتلاعب بها. وهذا بالإضافة إلى منافاته للأمانة العلمية فهو كتم للحقائق بغية تجهيل الأمة، ومما يؤسف له أنَّ إخفاء الحقائق أصبح منهجاً متّبعاً في تحقيق كتب التراث الإسلامي في العصر الحاضر، وقد سجلت الدراسات له نظائر كثيرة .

الأمر الثاني: الحديث صريح في بيانِ شدَّةِ غضب الزهراء عليها السلام على خصومها، وقد أقسمت أن لا تكلّمها حتى الممات، وقد فارقت الدنيا وهي واجدة وساخطة عليهما. والحديث يشتمل على العديد من علامات الاستفهام الحائرة

والتي تبحث عن جواب مقنع ، ولكنك - أيها القارئ الحصيف - لن تجد ذلك إلا عند أهل البيت عليهم السلام ، أو رواة حديثهم وحملة فكرهم، ولصراحة الرواية في ما لا يمكن دفعه وتوجيهه تعمَّد جماعةً من الأعلام إسقاط كلامها من الحديث وإيراده مبتوراً ، ليحفظوا بذلك ماء وجه الشيخين، ويصونوا (حرمتهما)، فأخرجه بهذا الشكل : «إنَّ فاطمة جاءت أبا بكر وعمر تطلب ميراثها من رسولِ الله صلى

الله عليه وآله فقالا لها سَمِعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إني لا أورث دون أن يذكر وا تتمة الحديث.

الأمر الثالث: حاول عليُّ بنُ عيسى البغدادي - شيخ الترمذي - المجازفة في بيان معنى الحديث بما ينسجم مع متبنياته الفكرية والعقدية فقال:«معنى لا أكلمكما: يعني في هذا الميراث. أنتما صادقان»، وهو كما يراه الملم بأساليب الخطاب عند العرب ومجازفةٌ خاسرة، أردنا التَّعقيب عليها ونقضها، ولكننا وجدنا المقريزي قد ردَّ عليه رداً شافياً فاكتفينا بما سطّره، قال: «تأويل علي بن عيسى بن يزيد البغدادي هذا غير موافق عليه، فقد روى... عن عروة، عن عائشة : طلبت فاطمةُ ميراثها في أبيها من أبي بكر . وفي الحديث فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت اتَّفق البخاري ومسلم على إخراج هذا الحديث وهذه اللفظة فيه...»(1)، أي أنّ الصحاح أثبتت هجرانها وموجدتها وسخطها على أبي بكر، وأنها ماتت وهي ساخطة عليهما فلم تكلّمهما أبداً، فكيف ساغ لك أن تُفسّر الحديث بهذا التفسير الواهي؟


1) إمتاع الأسماع، المقريزي: ج 13، ص 158 .

وردَّ عليه الشاشي - كما نقل ذلك ابن حجر العسقلاني - قال: «نقل الترمذي عن بعض مشايخه: إن معنى قول فاطمة لأبي بكر وعمر : لا أكلمكما أي في هذا الميراث. وتعقبه الشاشي: بأنَّ قرينة قوله: (غَضبتْ) يدلُّ على أنَّها امتنعت من الكلام جملةً، وهذا صريح الهجر»(1).

وعلى كلّ حالٍ فما قاله على بن عيسى رأي تفرد به ولم يُتابع عليه، وأنَّى للعربي أنْ ينزل إلى هذا المستوى المتدني في فهم الكلام وتفسيره، ثم إِنَّا لا نريد من خلال نقل هذا الرأي الضحل إلا الإشارة إلى الأسلوب الملتوي الذي تعامل به البعض مع مظلومية الزهراء عليها السلام، وتعمّدهم تحريف كلامها، وإظهار غضبها بحلّة الرّضا، وعرض وجدها بثوب الأنس، وهجرانها بزي الوصل كلّ ذلك مما لأةً للباطل ومجانبة للحق والانصاف.

الحديث الثالث: أخرج البخاري، وأحمد بن حنبل، وابن كثير، والمقريزي، وجماعة، عن عروة بن الزبير - واللفظ للبخاري - : «إنَّ عائشة أم المؤمنين أخبرته : أنَّ فاطمة عليها السلام ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسولِ الله صلى الله عليه وآله أنْ يُقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله صلى الله


1) فتح الباري، ابن حجر : ج 6 ، ص 139 .

عليه وآله مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال لا نورث ما تركنا صدقة ، فغضبتْ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت(1).

وقفة مع المتلاعبين بالحديث :

قال العيني في التعقيب على الحديث: «قال المهلب : إِنَّا كان هجرها انقباضاً عن لقائه وترك مواصلته، وليس هذا من الهجران المحرَّم، وأما المحرم من ذلك أن يلتقيا فلا يسلّم أحدهما على صاحبه، ولم يرو أحدٌ أنّهما التقيا وامتنعا من التسليم، ولو فعلا ذلك لم يكونا متهاجرين إلا أن تكون النفوس مظهرةً للعداوة والهجران، وإِنَّما لازمتْ بيتها، فعبّر الراوي عن ذلك بالهجران(2).

أقول: أما قوله: «إنَّما كان هجرها انقباضاً عن لقائه وترك مواصلته»، فهذا لم یرد به ،نص ولا يعضده دلیل، بل الدليل قائم على خلافه، وقد أشرنا إلى ذلك في التعقيب على الحديث الأول فراجعه.


1) صحيح البخاري، البخاري: ج 4 ، ص 42 ؛ مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 1 ، ص6 ؛ البداية والنهاية، ابن كثير : ج 5 ، ص 306؛ السيرة النبوية ابن كثير : ج 4 ، ص 567 ؛ إمتاع الأسماع، المقريزي : ج 13، ص 159 ؛ السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام محمد بيومي : ص139 .

2) عمدة القاري، العيني: ج 15، ص 20 .

وأما قوله: «ولم يرو أحد أنهما التقيا وامتنعا من التسليم». نقول: هذا كذب وافتراء فقد روى ذلك جماعةٌ من أعلام أهل السنة، منهم ابن قتيبة في الإمامة والسياسة، وهو الحديث الخامس وسوف يأتي أنّهما التقيا وسلَّما عليها فما ردّت

السلام عليهما. وينبغي للعالم أن لا ينفي ما لا يعلم وإلا فالسكوت به أحرى وإظهار عدم العلم أولى.

وأما قوله: «ولو فعلا ذلك لم يكونا متهاجرين إلا أن تكون النفوس مظهرةً للعداوة والهجران». نقول: وأى إظهار للعداوة والهجران أشدّ من قولها لأبي بكر: «والله لأدعون عليك في كل صلاة أصليها»، حتى خرج أبو بكر باكياً؟! وسوف

ننقل الحديث بنصه في التسلسل الخامس.

وأما قوله لازمتْ بيتها فعبَّر الراوي عن ذلك بالهجران». فهذا من الإجحاف الظاهر والظلم السافر والخيانة المعلنة للقلم والفكر، فإنّ الهجران وإظهار الوجد والشكوى والامتناع عن ردّ السلام على الشيخين والدعاء عليهما ليس من كلام الرواة وتعبيراتهم واستنتاجاتهم بل هي عليها السلام بنفسها عبرت عما يختلج في صدرها من الغضب والوجد عليه وصرّحت بكل ذلك. وخطبتها خير شاهد على ما نقول، وكأنَّ المهلب لم يرى شيئاً مما رواه مشايخه في بيان

مظلوميتها وهجرانها .

الحديث الرابع: روى أبو بكر الجوهري وابن أبي الحديد المعتزلي والشناوي عن الشعبي، قال: «سأل أبو بكر فقال : أين الزبير ؟ فقيل: عند عليّ وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، قم يا خالد بن الوليد انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج ، فقال عمر للزبير : ما هذا السيف؟ فقال: نبايع علياً، فاخترطه عمر فضرب به حجراً فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه...ورأت فاطمة ما صُنِعَ بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر! أسرع ما أغَرْتم على أهل بيت رسول الله والله لا أكلّم عمر حتى ألقى الله...)(1).

كلام المعتزلة في المقام ونقده قال ابن أبي الحديد بعد إيراد الحديث: والصحيح عندي أنّها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر، وأنّها أوصت ألا يصلّيا عليها، وذلك عند أصحابنا من الأمور المغفورة لهما، وكان الأولى بهما إكرامها واحترام منزلها لكنهما خافا الفرقة،وأشفقا من الفتنة(2).


1) السقيفة وفدك، أبو بكر الجوهري : ص 53 ؛ شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد المعتزلي: ج 2، ص 57، وج 6 ، ص 49 ؛ سيدات نساء أهل الجنة، الشناوي: ص148.

2) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد المعتزلي : ج6 ، ص 50 .

أقول: قوله في تصحيح القول بوجد الزهراء عليها السلام وسخطها على الشيخين حتى مماتها، وأنَّها أوصت ألا يصلّيا عليها، فهذا هو الحق، واعترافه في محلّه.

أما قوله: «ذلك عند أصحابنا من الأمور المغفورة لهما، فإنه رجم بالغيب، ولا يمكن لغير المعصوم معرفته، فلم تنزل آيةٌ بالعفو عنهما كما نزلت بالعفو عن أبي لبابة، فمن أين علم ابن أبي الحديد وأشياخُه بذلك؟ وعلى كل حال، فالذنب معلوم والسخط ثابتٌ والوجد ،واقع، والرضا معدوم، وأما المغفرة فمجهولةٌ، إن لم نقل منتفية.

وليس هذا بغريب من علامة المعتزلة، فإنّ له من ذلك الشيء الكثير، ولكن الذي يثير الاستغراب قوله : « وكان الأولى بهما إكرامها واحترام منزلها لكنّها خافا الفرقة، وأشفقا من الفتنة». فهل أنَّ إكرامَ بَضعة النبي صلى الله عليه وآله واحترام سيّدة النّساء، التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، من الأمور المندوبة ليعبر عنه بقوله : (الأولى بهما إكرامها واحترام منزلتها ؟ أم هو من الواجبات القطعية الثابتة في محكم الكتاب العزيز ؟ إذ لاشك في وجوب مودّتها ومحبتها وإكرامها،وبه قال علماء الإسلام على اختلافِ مذاهبهم وتعددِ مشاربهم، بل عدها بعضهم من

ضروريات الدين، مستنداً إلى أي الكتاب الذي فرض مودتها على كل حال وفي كلّ آن وحين قال تعالى: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنَّا الْمَوَدَّةٌ فِي الْقُرْبَى(1). ولم يخالفهم في وجوب ذلك إلا النواصب.

فكان الأجدر به - إن أراد الصواب - أن يقول : « وكان الواجب عليها إكرامها واحترام منزلتها». فليس ذلك من المندوبات التي يسوغ إهمالها، قال أبو نصر البخاري: «معرفة نسب آل الرسول صلى الله عليه وآله لها أهمية كبرى لوجوب

إجلالهم وإعظامهم، كيف لا وهم خيرة الله التي اختارها، ورفع في العباد والبلاد منارها(2).

والأغرب من كلّ ذلك قوله : «لكنهما خافا الفرقة، وأشفقا من الفتنة»، معاذ الله، وأيُّ فرقة أو فتنة في إكرام الزهراء

عليها السلام والإحسان إليها وأداء حقوقها التي فرضها الله لها؟وهل أوجب الله المودَّةَ والإكرامَ لَمَن في مودَّتها وإكرامها فتنةٌ وفرقةُ ؟ معاذ الله : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِالْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمُ وَتَحْسَبُونَهُ هَيَّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمُ(3).


1) سورة الشورى 23.

2) سر السلسلة العلوية، أبو نصر البخاري: ص 12 .

3) سورة النور: 15 .

الحديث الخامس: روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة، قال: «قال عمر لآبی بكر: انطلق بنا إلى فاطمة فإنَّا قد أغضبناها، فانطلقا جميعاً، فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا علياً فكلماه، فأدخَلَهما عليها، فلما قعَدا عندها، حوَّلَتْ وجهها إلى الحائط، فَسَلَّما عليها، فلم ترد عليهما السلام، فَتَكَلَّمَ أبو بكر، بكلام ...فقالت: أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله تعرفانه وتفعلان به؟ قالا : نعم.

فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمَن أحبَّ فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمةَ فقد أرضاني ، ومَن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟ قالا : نعم، سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله.

قالت : فإِنِّي أَشْهِدُ الله وملائكتهُ أَنَّكُما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيتُ النبيَّ لأَشْكُوَنَّكُما إليه. فقال أبو بكر: أنا عائد بالله تعالى من سَخَطِهِ وسَخَطِكِ يا فاطمة. ثم انتحب أبو بكر يبكي، حتى كادت نفسُهُ أنْ تزهق، وهي تقول: والله لأدْعُوَنَّ الله عليك في كلّ صلاة أصليها، ثم خرج باكياً(1)

الخطاب البكري: ص 143 ، الحاشية).

.

1) الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري: ج 1، ص 20؛ من حياة الخليفة عمر بن الخطاب، البكري:ص 142 143. وقال البكري معلّقاً على الحديث بما نصه: يقول مؤلف هذا الكتاب: قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُالتوبة : 61 . وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا الأحزاب : 57 . (من حياة الخليفة عمر بن

بیان دلالات الحديث:

أقول: لهذا الحديث مجموعة من الدلالات ينبغي بيانها :

الأولى: قوله: «فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا علياً فكلَّماه، فأدخَلَهما عليها، وهنا أمران ينبغي إيضاحها باختصار:

الأول: سبب امتناع الزهراء عليها السلام وعدم السماح لهما بالدخول إلى بيتها ومواجهتها .

والثاني: السّر الذي جعل عليّاً عليه السلام يأذن لهما بالدخول وهو لم يبايع أبا بكر بعد.

أما الأمر الأول: فيُستفاد منه عدم إقرار الزهراء عليها السلام بصحة إمامتهما وبطلان خلافتهما، إذ لولا ذلك لما كان ينبغي لها أن تردَّهما أو تصدّهما عن الدخول على بيتها أو تعصي لهما أمراً، لأنَّ للإمام الحقِّ من الولاية ما للنبي صلى الله عليه وآله ، و النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ (1)، فلا تجوز معصيته ولا ردُّ أمره، فلا يوجّه


1) سورة الأحزاب: 6 .

منعها إلا بانتفاء إمامتهما في نظرها.

وأمَّا الأمر الثاني: فإنَّ علياً عليه السلام أراد من الإذن للشيخين كشفَ المؤامرة وتسجيل الاعتراف بوقوعها ومحاولة الشيخين التخلّص من تبعاتها، بالإضافة إلى إيصال صوتِ الزهراء عليها السلام وبيان موقفها من الخلافة القائمة

للأجيال اللاحقة من خلال توثيق مجريات اللقاء الذي لم يكن عادياً ليطويه النسيان.

فمما لا شك فيه أنَّ علياً عليه السلام كان حريصاً على عقد هذا المؤتمر الكبير الذي تترقب الأمة نتائجه وتنتظر ما يتمخض عنه ، وأنَّه - عند انعقاده وتناقل أحداثه - سيساهم في تصدير ظلامة الزهراء عليها السلام للأجيال، وقد نجح علي عليه السلام في ذلك أيما نجاح، فأدخلهما على فاطمة عليها السلام وخاصمتها فَخَصمتهما وأكّدت أحقيتها وأثبتت مظلوميتها، وسجّلت سخطها وأعلنت غضبها وصرّحت بعدم الرضا عنهما، ليخرج أبو بكر من بيتها باكياً أمام الملأ .

الثانية: قوله : «فلما دخلا عليها أدارت بوجهها إلى الحائط، من أقوى الأدلّة على أنّها عليها السلام كانت في قمة الغضب والوجد والسخط عليهما، والحال أننا نعرف أنّها ليست كبقية النسوة، فلا يمكن التقليل من خطورة غضبها وسخطها؛

عن غضبه

لأنّ رضاها كاشف عن رضا الله عزّ وجل، كما أن غضبها كاشف سبحانه كما نصت على ذلك الروايات السنية المعتبرة، والتي منها ما رواه الإمام الصالحي الشامي، قال: روى الطبراني بإسناد حسن، وابن السني في معجمه، وأبو سعيد النيسابوري في الشرف، عن علي عليه السلام: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال لفاطمة : إنَّ الله تعالى يغضب لغضبك ويرضي لرضاك(1).

الثالثة: قوله:«فسلّمها عليها فلم ترد عليهما السلام». إن عدم ردّ الزهراء عليها السلام للسلام على الشيخين أمرٌ جديرٌ بالتوقف عنده كثيراً والبحث عن دوافعه ومعطياته.

وسأستعرض جميع الاحتمالات في توجيهه من الناحية الفقهية، بالاعتماد على المدونات الفقهية السنية، وأترك للقارئ اللبيب حرية الرأي في اختيار ما يراه مناسباً لتوجيه عدم ردّها للسلام

الاحتمال الأول: إنَّ الزهراء عليها السلام لم تكن تدرك وجوب ردّ السلام. وسقوط هذا الاحتمال بديهي، لا يقول به أحد.


1) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 11، ص 44 ؛ وانظر: الإصابة، ابن حجر : ج 8، ص 265؛ تهذيب الكمال، المزي: ج 35 ، ص 250؛ ينابيع المودة، القندوزي الحنفي: ج 2، ص58 .

الاحتمال الثاني: إنَّ علياً عليه السلام هو من بادر إلى رد السلام. ووجوب ردّ السَّلامِ كفائي فسقط عن الزهراء عليها السلام فلم ترد السَّلام، وهذا احتمال ضعيف ومردود؛ لأنه:

1-ليس في الرواية ما يثبت أنَّ علياً عليه السلام ردَّ السَّلام.

2-إنَّ علياً عليه السلام دخل معهما، ولو فرضنا أنَّه ردَّ السَّلام، فرده لا يُسقط الوجوب بناءً على الفتاوى السنيّة، يقول الإمام النووي في الأذكار النووية: اتَّفق أصحابنا على أنَّه لو سلَّم على جماعة مخصوصة فردَّ غيرهم، لم يسقط الرَّد، بل يجب عليهم أن يردُّوا، فإن اقتصروا على ردّ ذلك الأجنبي أثمواه(1). ومن المعلوم أنَّ فاطمة هي المقصودة بسلام الشيخين لا غير، فلم يسقط الوجوب عنها بردّ عليّ عليه السلام .

الاحتمال الثالث:إِنَّ الحَسنَ والحسين صلى الله عليه وآله بادرا بردّ السلام فسقط الوجوب عن أمهما، وهذا الاحتمال تبطله فتاوى الفقه السني أيضاً، ودليل بطلانه ما قال الإمام النووي: «لو سلَّم بالغ على جماعة فيهم صبي ، فردَّ الصبي ولم يرد منهم غيره، فهل يسقط عنهم ؟ فيه وجهان: أصحهما - وبه قال القاضي حسين


1) انظر الأذكار النووية، النووي : ص 246 .

وصاحبه المتولي - لا يسقط ؛ لأنَّه ليس أهلاً للفرض، والردُّ فرض فلم يسقط به، كما

لا يسقط به الفرض في الصَّلاة على الجنازة»(1).

الاحتمال الرابع: ذكر الإمام النووي: قال: «فصل: وأما المبتدعُ ومَن اقترف ذنباً عظيماً ولم يَتُبْ منه، فينبغي أن... لا يُرَدُّ عليهم السّلام، كذا قاله البخاري وغيره من العلماء» . ثم ساق عليه دليلاً روائياً من البخاري(2).

وأنت أيها القارئ اللبيب اختر ماتراه من الاحتمالات الآنفة الذكر مناسباً.

الرابعة: قوله: «فخرج أبو بكر باكياً، وهي تقول: والله لأدعون عليك في صلاة أصليها».

فهل يجوز الدعاء على المؤمن البريء في الصلاة؟ وإن لم يجز فهل تبطل به الصلاة أم لا؟

وهل ينسجم هذا مع قول بعض أعلام أهل السنة أنَّ الزهراء عليها السلام رضيت عنهما ؟ كيف تكون راضيةً وقد أقسمت أن تدعو عليهما في كلّ صلاة، ثم أوصتْ أنْ لا يصلّيا عليها أو يحضرا جنازتها ؟ كل ذلك يؤكّد ما قاله ابن أبي الحديد


1) الأذكار النووية، النووي : ص 248 .

2) الأذكار النووية، النووي : ص 255 .

الفصل الرابع ظلامات الزهراء عليها السلام ومأساتها في عبارة السابقة : والصحيح عندي أنها ماتت وهي غاضبة على أبي بكر».

الخامسة:كيف يُجمع بين ماذكرناه من سخط الزهراء عليها السلام وغضبها وامتناعها عن ردّ السلام والدعاء على أبي بكر في الصلاة وبين قول النبي صلى الله عليه وآله : من مات ولم يعرف إمامَ زمانِهِ ماتَ ميتةً جاهليّةً(1)؟

فهل كانت الزهراء عليها السلام تقول بإمامة شخص وهي تدعو عليه في كلّ صلاةٍ تصليها، ولم ترد عليه سلامه، ثم ماتت وهي ساخطة عليه؟ أم أنها ماتت ميتة جاهلية؛ من غير إمام - معاذ الله ؟ أم أن الذي تقول بإمامته ليس هو أبو بكر

وعمر؟ ومن هو ذلك الذي تقول بإمامته ؟ أترك الجواب للقارئ اللبيب.


1) الوافي بالوفيات الصفدي: ج 9، ص 63 ؛ الملل والنحل الشهرستاني : ج 1، ص 192؛ شرح المقاصد في علم الكلام التفتازاني : ج 2، ص 275 ؛ ينابيع المودة ، القندوزي:ج 3، ص 372.

البحث الرابع إجابة عن تساؤلات

تمهید

اجتهد البعض في الدفاع عن الشيخين وتبرئة ساحتهما من التعدي على الزهراء عليها السلام والتجاسر على قدسيتها، ملتمساً لهم الأعذار، وقادحاً بالأخبار التي سجلت عليهما مؤاخذة واضحةً وإدانة صريحة، محاولاً إثارة جملة من التساؤلات والشبهات لإضعاف الإدانة ونحن نحاول عرض عمدة تلك التساؤلات والشبهات والإجابة عنها حسب المنهج المتبع في هذا الكتاب.

أولاً:لماذا ترك على فاطمة صلى الله عليه وآله تجيب القوم ولم يُجب بنفسه ؟

أقول: توجد مجموعة من الأسرار الخفية وراء موقف الزهراء عليها السلام وتصديها لإجابة المهاجمين على بيتها، نجمل بعضها بالنقاط التالية:

1-لو أقدم علي عليه السلام على أجابة المهاجمين وبادر إلى فتح الباب، لالتبس الحق على الكثيرين ممن لم يحضروا الواقعة، ولتصوروا أنَّ الصراع الذي شهده صدر الإسلام إنما كان بين رجلين من قريش؛ أحدهما هاشمي والآخر تيمي، ومن أجل

السلطة لا غير. إلا أن الورقة الثمينة والنافذة القوية القادرة على كشف زيف المهاجمين، ومعرفة المحق من المبطل، والظالم المجترئ من المظلوم، هي الزهراء عليها السلام، فما كان ينبغي لعلي عليه السلام أن يسدَّ على الأمة تلك النافذة التي تمثل الطريق الأخصر لمعرفة حقيقة الصراع الدائر آنذاك، لا سيما مَن بَعُدَ عن المدينة أو مَن يأتي من الأجيال. فعلي عليه السلام هو المسؤول عن تحصين الأمة في وجه التضليل والتزوير الذي يلفّ العديد من القضايا المحورية والمهمة، فكان من الصحيح جداً أن يمنح الأجيال فرصةً لاكتشاف الحقيقة وتمييزها من الدجل والخداع، وذلك من خلال نافذة الزهراء عليها السلام.

2-إن صوت الزهراء عليها السلام - بصفتها سيدة نساء العالمين والبنت الوحيدة التي خلَّفها النبيُّ صلى الله عليه وآلهفي أمته-يملك قابليةً فريدةً في اختراق حجب التعتيم والتضليل، ويستطيع البقاء على مر الأجيال صادعاً بمظلومية أهل البيت عليهم السلام ، أفلا ترى أنَّ أعداء الإسلام حاولوا - بكل ما أوتوه من قوة-طمس ما من شأنه أن يكون علامة من علامات الإجرام بحق أهل البيت عليهم السلام ، ولكنّهم لم يستطيعوا وأدَ صوت الزهراء عليها السلام المدوّي عبر الأجيال، فإنَّهم وإن استطاعوا أن يزوّروا رفضَ علي عليه السلام للبيعة، فموّهوا

على العامة بأنَّه كان مهموماً لفقد النبي صلى الله عليه وآله، أو أنه كان مشغولاً بجمع القرآن ولكن ماذا بإمكانهم أن يقولوا للأجيال عن صرخة الزهراء عليها السلام المدوية: «يا أبت يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة؟؟(1)، وماذا يقولوا عن جريمة إسقاطِ السِّبطِ الأصغر للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله هل يقولوا : قتلته الجن كما قتلت سعد بن عبادة؟

3-إن الزهراء عليها السلام لم تنطلق بموقفها مرغمة، بل انطلقت من الإحساس بالمسؤولية الشرعية الملقاة على عاتقها، ونهوضاً بدورها الرئيسي في حفظ أساس الإسلام الذي لولاه لاندثرت معالم الدين وضاعت أسسه، فكما أنَّ

موقف الحسين عليه السلام ضَمِنَ للإسلام الأصيل ديمومته وحيويته كذلك موقف الزهراء عليها السلام، فلولا موقفها ومظلوميتها لاندثرت معالم الإسلام المحمدي الأصيل ولما رأينا إلا إسلاماً قرشياً زائفاً.

ونستطيع أن نلخص ذلك بكلمة واحدة، فنقول: إنَّ السبب الذي دفع الزهراء عليها السلام إلى خيار المواجهة هو نفس السبب الذي من أجله حمل الحسين عليه السلام عياله ونساءه لكربلاء، فإنَّ مواقف بنات رسول الله صلى الله


1) الإمامة والسياسة ابن قتيبة : ج 1، ص 20؛ خلاصة المواجهة، محمد حسين يعقوب: ص128.

عليه وآله وما جرى عليهنَّ في السبي استطاعت أنْ تُصدر الثورة الحسينية للآفاق وتجعلها مدوية عبر الأجيال، ولولا ذلك لاستطاع الأمويون التعتيم على أصل الواقعة، بل ربّما يدعى الأمويون أنَّ اللصوص وقطاعي الطرق هم من قتل الحسين

عليه السلام في طريقه إلى الكوفة، ولأفرغوا نهضته من محتواها، ولما بقي لها أثر يُذكر، ولطواها النسيان كما طوى غيرها من الحوادث الكثيرة.

والنتيجة:إنَّ خطة الزهراء عليها السلام كانت تهدف إلى إفسادِ ما كان المهاجمون يريدون تحقيقه في محاولتهم تلك، وقد نجحت عليها السلام في ذلك أيما نجاح رغم كل ما تعرضت له.

ثانياً:لماذا لم يلجأ علي عليه السلام إلى خيار المواجهة المسلحة؟

نجيب هذا التساؤل عبر النقاط التالية :

1-إنَّ المواجهة كانت هى الخيار الأول لعلى عليه السلام إلا أنها كانت خياراً مشروطاً بوجود الناصر، ولكنه عدل عنه حين لم يجد ناصراً، قال ابن قتيبة الدينوري: وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أنّ زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر

ما عدلنا به، فيقول علي كرم الله وجهه أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه ؟ فقالت فاطمة ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم(1).

2-منشأ هذا الاعتراض الجهل بمقام علي عليه السلام ومكانته، فمن كان عارفاً بمكانته وأنَّه المعصوم الذي يدور الحق معه حيثما دار(2). كما صرح بذلك النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وآله - لا ينقدح في ذهنه مثل تلك الاعتراضات الفارغة، لا

سيّما وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله جعل موقف علي عليه السلام أحد المعايير الأساسية التي يتمّ من خلالها تشخيص الحق من الباطل، قال أبي الحديد المعتزلي حكمه في ذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وآله ؛ لأنَّه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنه قال: علي مع الحقِّ، والحق مع عليّ، يدور حيثما داره. وقال صلى الله عليه وآله لعمار بن ياسر: «يا عمار إنّه سيكون بعدي هنات حتى يختلف السيف فيما بينهم وحتى يقتل بعضُهم بعضاً وحتى يبرأ بعضُهم من بعض، فإذا رأيت ذلك


1) الإمامة والسياسة ابن قتيبة الدينوري: ج1، ص19 .

2) شرح نهج البلاغة ابن ابي الحديد : ج 2، ص 297 وج 18 ، ص 72؛ وانظر: المناقب، ابن مردويه الأصفهاني: ص 113 ؛ الإمامة والسياسة ابن قتيبة الدينوري: ج 1، ص 73؛ ربيع الأبرار، الزمخشري: ج 2، ص 173؛ المعيار والموازنة، أبو جعفر الاسكافي: ص 36؛ مجمع الزوائد، الهيثمي: ج7، ص 235؛ تاريخ بغداد الخطيب البغدادي: ج 14 ، ص 322؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر : ج 42 ، ص 449 .

فعليك بهذا الأصلع عن يميني؛ علي بن أبي طالب، فإن سلك الناسُ كلَّهم وادياً وسلك على وادياً فاسلك وادي عليّ، وخلّ الناس. يا عمار إنَّ علياً لا يردّك عن هوى ولا يدلك على ردى، يا عمار طاعةً على طاعتي وطاعتي طاعة الله(1).

3-اِنَّ موقف على عليه السلام حينذاك لم يكن موقفاً شخصياً، كما أنه لم يلجأ إلى اختيار ما يحقق مصالحه الشخصية أو يضمن منافعه الفردية، بل كان يتوخى الموقف الذي فيه مصلحة الإسلام، ولا شكّ في أنَّ المواجهة المسلحة لا تعود على

الإسلام الفتي إلا بالضرر ، لا سيّما مع وجود المتربصين من المنافقين وأعداء الإسلام الذين يتحينون الفرص، ويتربصون به الدوائر، كما صرح عليه السلام بذلك للزهراء عليها السلام ولغيرها.

وللسبب نفسه ردَّ على أبي سفيان عندما عرض عليه النّصرة - ولغاية خبيثة . وقال: «والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً، فقال علي: لطال ما عاديت الإسلام وأهله (2)، فرده وامتنع عن إجابته.


1) التفسير الحديث، دروزة: ج 7، ص 29 .

2) المستدرك الحاكم : ج 3، ص 78؛ وانظر المصنف الصنعاني : ج 5 ، ص 451؛ تاريخ الأمم والملوك، الطبري : ج 2، ص 449 ؛ الاستيعاب ابن عبد البر : ج 3، ص 974 ؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج ه ، ص 657 ؛ تاریخ دمشق ابن عساکر : ج 23، ص 465 ؛ الوافي بالوفيات الصفدي: ج 17، ص 167 .

ولا يقال : أنَّكم أقررتم بأن مجابهة الشيخين فيها ضرر على الإسلام؛ لأنها نقول: إنَّ السكوت عنهما ضررٌ على الإسلام أيضاً، إلا أنَّه أقل ضرراً من المواجهة، وإنَّ تبعات المواجهة أشدّ على الإسلام من تبعات السكوت بحسب الظروف الذي

يمر بها الإسلام آنذاك، فما اختاره علي عليه السلام بعد خذلان الصحابة هو أقل الضررين.

4-اِنَّ المواجهة المسلحة من شأنها أن تهيئ للمهاجمين فرصة القضاء على آل البيت عليهم السلام وتعطيهم الذريعة لإبادة المعارضين لها من أتباع علي عليه السلام بحجة التمرد المسلح وشق الصف والسعي للفتنة، وما إلى ذلك، كما

تعطيهم المبرر لتزييف شرعية موقف عليّ عليه السلام من الخلافة القائمة، وسيكون عليه السلام متهماً بالبغي والخروج على الخلافة، ولن تفهم الأجيال مستقبلاً إلا صراعاً تاريخياً دار بين طرفين، انتصر فيه القويُّ على الضعيف، وهذا ما كان النبي صلى الله عليه وآله يقرأه بظهر الغيب فشدد الوصية لخليفته الشرعي وحذره من مغبة الركون لخيار المواجهة.

5-وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام بأمر من جبرئيل، فقد،« أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وضع رأسه في صدر عليّ ثم بكى، فقال

علي : يا رسول الله ! ما يبكيك؟ لا يبكي الله عينيك . قال : ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى أفارقك. فقال علي: يا رسول الله فما أصنع؟ قال: اصبر. قال: فإنْ لم اصبر؟ قال: تلق جهداً. قال: في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك.

يقولها ثلاث مرات(1). وفي رواية طويلة عن أم سلمة، ومنها قول علي عليه السلام :فداك أبي وأمي يا رسول الله، إذا كان كذا وكذا فما تأمرني به؟ قال: آمرك بالصبر، ثم أعاد عليه القول ثانية فأمره بالصبر.

وقد صبر علي عليه السلام على شدّة المحنة وعظم الكارثة حيطةً على الإسلام وعملاً بوصية النبي صلى الله عليه وآله وكان شعاره في ذلك: «صبرتُ وفي العين قذى وفي الحلق شجا»(2).

فما اختاره علي عليه السلام من عدم اللجوء إلى المواجهة المسلحة كان تقييداً بالوظيفة الشرعية، ولو فعل خلاف ذلك لكان مفرّطاً ومخالفاً للحكم الشرعي، وليس التفريط والمخالفة من قبل الخلافة القائمة مبرراً لعلي عليه السلام في مخالفة تكليفه، وتجاهل المسؤولية الملقاة على عاتقه.


1) المناقب، محمد بن سليمان الكوفي : ج 1، ص231.

2) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج 1 ، ص 151 . والشجا: ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه.

ثالثاً: هل كانت بيوت المدينة فيها أبواب من خشب حتى يقال: إن عمر أحرق على الزهراء عليها السلام بابها ؟

أقول: إنَّ وجود الأبواب في المدينة المنورة آنذاك الأمور المسلَّمة، وقد صرَّحت بذلك الروايات الكثيرة، ونحن نكتفي بإيراد صنفين منها :

1-ما دل على وجود الأبواب في المدينة بصورة عامة

أكَّدت مجموعة من الروايات على وجود أبواب ومصاريع لبيوت المدينة، بل وحوائطها، منها ما رواه الطبري في ذخائر العقبى عن أنس بن مالك: قدَّمتُ لرسول الله صلى الله عليه وآله طيراً، فسمّى وأكل لقمةٌ، ثم قال: اللهم اثتني بأحب الخلق إليك وإليَّ، فأتى علي فضرب الباب، فقلتُ: مَن أنت؟ قال: عليّ، قلت: إِنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله على حاجة، ثم أكل لقمةً، وقال مثل الأولى، فضرب عليّ، فقلت: مَن أنت؟ قال: عليّ، قلت: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله على حاجة، ثم أكل لقمةً، وقال مثل الأولى، فضرب عليّ، فقلت: من أنت؟ قال عليّ، قلت : إنَّ رسولَ الله على حاجة، ثم أكل لقمةً، وقال مثل ذلك، قال: فضرب علي، ورفع صوته فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أنس! افتح الباب، قال:

فدخل...)(1).


1) ذخائر العقبى الطبري: ص 63 .

وفي وفاء الوفاء للسمهودي: «كان لبيت عائشة مصراع واحد من عرعر أو ساج(1).

وروى المسعودي في مروج الذهب وابن قتيبة في أحوال عثمان، أنه اتخذ الدور الفخمة والمنازل المميزة، حتى عُدّ له في المدينة سبع دور(2)، وشيّد بعض قصوره بالحجر والكلس، وجعل أبوابها من الساج (3)والعرعر (4).

وفي شرح نهج البلاغة عند ذكر حديث المغيرة وأبي موسى الأشعري مع عمر بن الخطاب قال: فقام [عمر ] إلى الباب ليغلقه، فإذا آذنه الذي أذن لنا عليه في الحجرة، فقال: امض عنا لا أم لك. فخرج، وأغلق الباب خلفه ثم جلس...)(5).

2-ما دل على وجود باب لبيت الزهراء عليها السلام

نكتفي من هذا الصنف بذكر ثلاث روايات فقط، وإلا فهي أكثر من ذلك بكثير :


1) وفاء الوفا، السمهودي: ج 2 ، ص 458 - 449 .

2) الإمامة والسياسة ابن قتيبة : ج 1 ، ص 50 .

3) الساج خشب أسود عظيم من الشجر يجلب من الهند العرعر السرو . ( سبل الهدى والرشاد، الصالحي .: الشامي: ج 12 ، ص 76).

4) انظر : مروج الذهب، المسعودي: ج 1، ص 349.

5) شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد : ج 2، ص32.

الأولى:ما ذكرناه في البحث عن زواج علي عليه السلام ودعاء النبي صلى الله عليه وآله لهما عند زفافهما. قال الخوارزمي وهو يذكر ذلك وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله دعا فاطمة وعوَّذها ودعا لها، قال: «ثم دعا علياً عليه السلام فصنع به كما صنع بها، ثم دعا له كما دعا لها، ثم قال: قوما إلى بيتكما جمع الله بينكما وبارك في سركما وأصلح بالكما، ثم قام فأغلق عليه بابه بيده(1). وفي رواية المجلسي والإربلي: «ثم قام فأغلق عليهما الباب بيده (2). والرواية صريحة في وجودِ باب لبيت علي والزهراء صلى الله عليه وآله .

الثانية:روى الكنجي الشافعي في كفاية الطالب: «فأقبلا (يعني علياً وفاطمة حتى جلسا مجلسهما، وعندهما أمهات المؤمنين من وراء حجاب، ثم أقبل النبي صلى الله عليه وآله حتى دقّ الباب، فقالت أم أيمن: من هذا؟ فقال: أنا رسولُ

الله، ففتحت له الباب...)(3). ودلالة هذه الرواية على وجودِ باب لبيت الزهراء

عليها السلام ظاهرة في أكثر من موضع.

الثالثة:في خصائص النسائي : عن أسماء قالت: «كنت في زفاف فاطمة بنت


1) المناقب، الخوارزمي: ص 340 .

2) بحار الأنوار المجلسي : ج 43 ، ص 142؛ كشف الغمة، الإربلي: ج 2، ص101 .

3) كفاية الطالب الكنجي الشافعي: ص 307.

رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما أصبحنا جاء النبيُّ صلى الله عليه وآله فضرب الباب ففتحت له أم أيمن...)(1).

وما استعرضناه من النصوص التي هي غيض من فيض تدل بالصراحة أو ، بالظهور على وجود الأبواب والمصاريع، وأنها تفتح وتغلق، وتُقرع وتُطرق، وجميع ما ذكرناه إنَّما يتحدث عن خصوص أبواب بيوت المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وآله، أو خصوص بيت عليّ والزهراء صلى الله عليه وآله.


1) خصائص النسائي، النسائي: ص 114.

الفصل الخامس: أقول شمس الزهراء عليها السلام

اشارة

وفيه أربعة بحوث

البحث الأول:رحيل الزهراء عليها السلام

البحث الثاني:كرامات الزهراء عليها السلام

البحث الثالث:الزهراء عليها السلام في عالم الحشر

البحث الرابع:روايات الزهراء عليها السلام في

المصادر السنية

البحث الأول رحيل الزهراء عليها السلام

تمهید

اشارة

لم تتعرّض المصادرُ السنية إلى الظروفِ التي رافقت شهادة الزهراء عليها السلام بشكل دقيق، ولم تُمعن النظر في الملابسات التي أحاطت بشهادتها عليها السلام، بل تجاهلت ذلك تجاهلاً ملفتاً وراحت تركّز على القضايا الهامشية، وتبرّر موقف الخلافة السلبي مع سيدة النساء عليها السلام، كما أنها تعاملت مع ظلاماتها بسطحية مثيرة للدهشة، وأجحفت في أغلب الأحيان عند التعرّض لبيان الحقائق المهمة والأساسية المتعلقة بذلك، وأخفقت في هذا المجال إخفاقاً واضحاً رغم كثرة الأدلة ووضوح الحجج. وسنشير إلى بعض ما ذكرته تلك المصادر على نحو الإيجاز، ونحاول التوقف عند بعض القضايا الحساسة والمهمة:

1-أول القرابين

لم يكن رحيل الزهراء عليها السلام - رغم عمرها القصير وحياتها المقتضبة - أمراً مفاجئاً لأهل البيت عليهم السلام ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله أخبرهم بالكثير من الأمور المستقبلية، وأطلعهم على ما ينتظرهم من النوائب والرزايا، وهيأهم لمواجهة ما سيلاقونه من ظلم السياسة واضطهاد السلطة على طول الخط، فأخبر علياً عليه السلام بما سيلاقيه من المارقين والناكثين والقاسطين، كما أخبر الإمامين الحسنين صلى الله عليه وآله بالآلام التي تعرضا لها لاحقاً.

ولعل من أهم ما كان يبتغيه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنه أراد أن يعد أهل بيته إعداداً نفسياً بما يتلاءم ومتطلبات المرحلة المقبلة، لضمان سلامة المسيرة الرسالية، والحيلولة دون تأثير الصدمات التي ستصيبها بالصميم، وكذا الأمر

بالنسبة لابنته الصديقة الطاهرة عليها السلام، فقد روي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله أخبرها قبل رحيله بأمرين مهمين:

الأول: أنّها أوّل أهل بيته لحوقاً به، بمعنى أنها القربان الأول الذي يقدمه بيت النبوة لضمان ديمومة الرسالة.

والثاني:أنها سيدة نساء العالمين، ليضعها أمام واقع المسؤولية الثقيلة الملقاة

على عاتقها، والتي سوف تتحملها بعد أبيها، على الرّغم من قصر المدة وقلة اللبث بعده.

وقد أشارت الروايات السنية إلى تلك الوصية المهمة، ومن تلك الروايات:

رواية عروة عن عائشة : أخرج مسلم وأحمد بن حنبل وأبو يعلى الموصلي والطبراني والذهبي، وغيرهم عن عروة: أنَّ عائشة حدثته أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله دعا فاطمة ابنته، فسارّها ،فبكت ثم سارها فضحكت، فقالت عائشة: فقلتُ لفاطمة ما هذا الذي سارك به رسولُ الله صلى الله عليه وآله فبكيت، ثم سارك فضحكتِ؟ قالت : سارَّني فأخبرني بموته فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أوّل مَن يتبعه من أهله فضحكت(1).

2-رواية عائشة بنت طلحة عن عائشة : أخرج الترمذي والنسائي والحاكم النيسابوري والضحاك وغيرهم عن عائشة بنت طلحة عن عائشة بنت أبي بكر قالت - واللفظ للترمذي - : ما رأيتُ أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله في


1) صحیح مسلم مسلم النيسابوري: ج 7، ص 142؛ مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 6 ، ص 240؛ مسند أبي يعلى، أبو يعلى الموصلي:ج 12، ص 122 ؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج 2، ص 131؛ المعجم الكبير، الطبراني : ج 22، ص 421؛ الجوهرة في نسب الإمام علي وآله البري: ص 17 -- 18؛ دلائل النبوة، إسماعيل الأصبهاني: ج 3، ص 832؛ تهذيب الكمال المزي: ج 35، ص 253 - 254 .

قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسولِ الله صلى الله عليه وآله قالت وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وآله قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبيُّ صلى الله عليه وآله إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها، فلما مرض النبيُّ صلى الله عليه وآله دخلت فاطمة فأكبَّت عليه فقبلته ثم رفعت رأسها فبكت ، ثم أكبَّت عليه ثم رفعت رأسها فضحكت...فلما توفي النبيُّ صلى الله عليه وآله قلت لها: أرأيت حين أكببت على النبي صلى الله عليه وآله فرفعتِ رأسك فبكيت، ثم أكببتِ عليه فرفعت رأسك فضحكت ما حملك على ذلك؟ قالت : إنّي أذن لبذرة، أخبرني أنَّه ميّت من وجعه هذا فبكيت، ثم أخبرني أنّي أسرع أهلِهِ لحوقاً به وذلك حين ضحكت(1).

3-رواية يحيى بن جعده أخرج ابن شاهين والحافظ بن عساكر والمتقي الهندي عن يحيى بن جعدة قال : «دعا النبيُّ صلى الله عليه وآله فاطمة في مرضه الذي تولّي فيه، فسارها بشيء فبكت ثم سارها فضحكت فسألوها فأبت أن تخبر، فلما قبض أخبرتهم، قالت: دعاني فقال : إنَّ الله لم يبعث نبياً إلا وقد عمر الذي بعده


1) سنن الترمذي، الترمذي : ج 5 ، ص 361 - 362؛ فضائل الصحابة النسائي: ص 77 - 78؛ المستدرك، الحاكم النيسابوري: ج 4، ص 272 ---- 27؛ لآحاد والمثاني، الضحاك : ج 5، ص368؛ السنن الكبرى، النسائي: ج 5 ، ص 96 - 97 ؛ الرخصة في تقبيل اليد محمد بن إبراهيم المقرئ: ص 91 - 93 .

نصف عمره، وإنَّ عيسى لبثَ في بني إسرائيل أربعين سنة وهذه توفى لي عشرين، ولا أراني إلا مين في مرضي هذا، وإنَّ القرآن كان يُعْرَض عليَّ في كلّ عامٍ مرَّة، وإنَّه عُرِضَ عليَّ في هذه السنة مرتين فبكيت، ثم دعاني فقال : أَوَّلُ مَن يقدم عليَّ من أهلي أنت، فضحكت(1).

4-رواية فاطمة بنت الحسين عن عائشة : أخرج الطبراني والدولابي عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان: «أنَّ أمَّه فاطمة بنت الحسين حدثته : أنَّ عائشة كانت تقول : إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله - في مرضه الذي قبض فيه - قال

لفاطمة : يا بنيَّة احني عليَّ فأحنتْ عليه فناجاها ساعةً ثم انكشفت عنه وهي تبكي،وعائشة حاضرة.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ذلك بساعة: احني عليَّ يا بنيَّة، فأحنتْ عليه فناجاها ساعةً، ثم انكشفت عنه فضحكت، قالت عائشة: فقلت أي بنية أخبريني ماذا ناجاك أبوك ؟ فقالت فاطمة : ناجاني على حالِ سر ظننتِ إنّي أخبر

بسره وهو حي ؟! فشق ذلك على عائشة أنْ يكونَ سرّاً دونها، فلما قبضه الله، قالت


1) فضائل سيدة النساء عمر بن شاهين: ص19؛ تاریخ مدينة دمشق ابن عساكر : ج 47 ، ص 483؛ كنز العمال المتقي الهندي : ج 13 ، ص 677 .

عائشة : لفاطمة يا بنيّة ألا تخبريني بذلك الخبر، قالت:أما الآن فنعم ناجاني في المرَّة الأولى فأخبرني أن جبريل عليه السلام كان يعارضُهُ بالقرآن في كلّ عام مرَّةً وأنَّه عارضه بالقرآن العام مرَّتين، وأخبرني أنَّه أخبره أنَّه لم يكن نبي إلا عاش نصف عمر الذي كان قبله، وأنَّه أخبرني أن عيسى بن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني ذاهباً على رأس الستين، فأبكاني ذلك، وقال: يا بنيَّة إنَّه ليس من نساء المسلمين امرأة أعظم رزيّة منكن فلا تكوني أدنى من امرأة صبراً، وناجاني في المرّة الآخرة فأخبرني أنّني أوَّلُ أهلِهِ لحوقاً به، وقال: إِنَّكَ سيّدةُ نساء أهل الجنة...)(1).

هذه جملة من الروايات أسهبنا في إيرادها؛ لاحتوائها على جملة من المضامين المهمة، وهي تتفق على أن النبيَّ صلى الله عليه وآله قد أعد فاطمة إعداداً نفسياً، وأخبرها أنّها أوّل من يلحقه من أهل بيته عليهم السلام فكان ما أخبر به.

2-لم تر ضاحكة


1) المعجم الكبير، الطبراني: ج 22 ، ص 417 - 418؛ الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي: ص 146 - 147 .

فهم الحالةِ الدينية والسياسية بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله، ولكنّه سطّر-أحياناً - ما يدلل على عمق مأساتها وشدّة اهتضامها، ومن أهم ذلك ما أثبته المؤرّخون والمحدّثون من أنّها لم تُرَ ضاحكةً بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى فارقت الدنيا، الأمر الذي يحكي عظمة المأساة التي عاشتها الزهراء عليها السلام بعد رحيل أبيها المصطفى صلى الله عليه وآله، فقد روى الطبراني برجال الصحيح، والهيثمي، وابن سعد ،والمزي، والصالحي وغيرهم عن أبي جعفر الباقر عليه السلام ، قال : «مكَثَتْ فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وآله ثلاثة أشهر، وما رؤيت ضاحكةً بعد رسول الله صلى الله عليه وآله(1). وعن تاريخ البلاذري: «أنَّ فاطمة، عليها السلام لم تُر متبسمةً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله»(2).

فيا تُرى ما الذي بلغ بها هذا المدى من الحزن حتى جعلها تتجرع مرارة الألم وترتشف كأس الغصص كلّ حين؟ لم تكن رزيّتها بفراق أبيها المصطفى صلى الله عليه وآله السبب الوحيد في ذلك، فإنّها وإن كانت لا تحتمل ،فراقه، ولا تطيقُ ألم


1) المعجم الكبير، الطبراني: ج 22، ص 399؛ الطبقات الكبرى، محمد بن سعد : ج 2، ص 248؛ مجمع الزوائد، الهيثمي: ج 9، ص 211 - 212؛ تهذيب الكمال المزي: ج 35 ، ص 251؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي: ج 11 ، ص 49 .

2) عنه : الشافي المرتضى : ج 4 ، ص 114؛ بحار الأنوار، المجلسي: ج29، ص390.

بُعدِهِ عنها، ولكنّه ليس السبب في كلّ ذلك؛ لأنه يتنافى مع ما قررناه من شدّة صبرها وتجلّدها، وحسن ظنّها بالله تعالى، ويقينها بأنَّه صلى الله عليه وآله في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، بل أنّ حزنها يحكي توالي الهموم عليها، وتسارع الخطوب إليها،حتى جعلتها مرمى لكلّ ملمة،وغرضاً لكل نائبة فأضحت تعيش اللوعة والأسى فلم تر ضاحكة حتى توفيت.

وقد عبّرت عن لوعتها بشكواها عند قبر أبيها:

قل للمغيّب تحت أطباق الثرى ***إن كنت تسمع صرختي وندائيا

صُبَّت على مصائب لو أنّها*** صُبَّتْ على الأيام عدن لياليا

قد كنتُ ذات حمى بظل محمد*** لا أختشي ضياً وكان جماليا

فاليوم أخشع للذليل وأتقي*** ضيمي وأدفع ظالمي بردائيا

فإذا بكت قمرية في ليلها شجناً*** على غصن بكيت صباحيا

فلأجعلن الحزن بعدك مؤنسي ***ولأجعلن الدمع فيك وشاحيا

ماذا على من شم تربة أحمد*** أنْ لا يشم مدى الزمان غواليا(1)

ولا شك في أنَّ أشدَّ المصائب عليها، وأكثر النوائب إيلاماً لقلبها، تضافرُ الأُمَّةِ على هضمها وانتهاك حرمتها وإسقاط جنينها، هذا والعهد قريب، والجرح لما يندمل.


1) توفيق أبو علم أهل البيت عليهم السلام : ص 192، طبعة السعادة بمصر.

3-ساعة الراحیل

وما دنت وفائها، وشعرت باقتراب لحظة الرحيل، أخذت بيد الحسن والحسين فذهبت بهما إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله فأجلستهما عنده، ثم وقفت فصلت بين المنبر والقبر ركعتين، ثم ضمتهما إلى صدرها والتزمتهما، وقالت:يا ولديّ اجلسا عند أبيكما ساعته، والإمام علي عليه السلام يصلي في المسجد(1)،ثم رجعت إلى بيتها، وقد آذنت شمسها بالمغيب فكانتْ سلمى - امرأة أبي رافع .

تمرّضها في لحظاتِها الأخيرة، فروت لنا قصَّة الرحيل، كما أخرجها أحمد بن حنبل عن عبد الله بنِ عليّ بن أبي رافع، عن أبيه، عنها، قالت:

(اشتكت فاطمة شكواها التي قبضت فيها ، فكنت أمرّضها، فأصبحت يوماً كانت أمثل ما رأيتها في شكواها تلك، وخرج علي لبعض حاجته، فقالت: يا أمه، اسكبي لي غسلاً، فسكبت لها غسلاً فاغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل ثمّ قالت

يا أمه أعطيني ثيابي الجدد، فأعطيتها فلبستها.

ثمّ قالت: يا أمه قدمي لي فراشي وسط البيت، فَفَعَلْت واضطجعت واستقبلت القبلة، وجعلت يدها تحت خدّها.


1) السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، محمد بيومي: ص 175 .

ثمّ قالت: يا أمه، إنّي مقبوضة الآن وقد تطهرت فلا يكشفني أحد. فقبضت مكانها، فجاء علي فأخبرته»(1).

وروى الهمداني عن ابن عباس : لما جاء فاطمة عليها السلام الأجل لم تحم ولم تصدع، ولكن أخذت بيد الحسن والحسين فذهبت بهما إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فصلّت بين القبر والمنبر ركعتين ثم ضمّتهما إلى صدرها وألزمتهما، وقالت:يا أولادي اجلسا عند أبيكما ساعة وأمير المؤمنين عليه السلام يصلّي في المسجد، ثم رجعت من عندهما نحو المنزل فحملت ملاط النبي فاغتسلت ولبست فضل ثوبه .

ثم نادت:يا أسماء . فقالت : لبيك بنت رسول الله، فقالت فاطمة: لا تفاقديني فإنّي في هذا البيت واضعة جنبي ساعة فإذا مضت ساعة ولم أخرج فناديني ثلاثاً فإنْ أجبتك فادخلي وإلا فاعلمي أني ألحقت برسولِ الله صلى الله عليه وآله، ثم قامت مقام رسول الله وصلت ركعتين ثم طالت وبارت وجهها بطرف ردائها - وقيل:بل ماتت في سجودها


1) مسند أحمد أحمد بن حنبل : ج 6 ، ص 461 - 462؛ وانظر : نصب الراية الزيلعي : ج 2، ص 296؛ أسد الغابة ابن الأثير : ج 5 ، ص 590 ؛ مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص 210 - 211؛ القول المسدد في مسند أحمد، أحمد بن علي بن حجر: ص 71.

فلما مضت ساعة أقبلت أسماء بفاطمة الزهراء ونادت ثلاثاً: يا أم الحسن والحسين يا بنت رسول الله، فلم تجب فدخلت البيت فإذا هي ميتة.

ثم شقت أسماء جيبها، وقالت: كيف أخبرني رسول الله بوفاتك، ثم خرجت فلقيها الحسن والحسين فقالا : أين أمنا فسكتت فدخلا البيت فإذا هي ممتدة فحرَّكها الحسين فإذا هي ميتة ، فقال : يا أخا أجرك الله في موت أمنا وخرجا يناديان: وا أحمداه وا محمداه ، اليوم جدد لنا موتك إذ ماتت أمنا.

ثم أخبرا علياً وهو في المسجد فغشي عليه حتى رُش عليه الماء، فجاء على حتى دخل بيت فاطمة، وعند رأسها تبكي أسماء ...)(1).

تعقيب وتنبيه :

قد وقع الوهم في خبر أحمد بن حنبل في اسم (سلمى)، فعبّر عنها ب-(أمّ سلمی)، قال: «عن عبد الله بن علي بن أبي رافع، عن أبيه، عن أم سلمى»، والظاهر أنَّ الأصح : ( عن أمّه سلمى)، وأنَّ الهاء في (أمه) أسقطت من النسخ، والذي يؤيد ذلك . أي القول بأنَّ التي حضرت عند الزهراء عليها السلام سلمى امرأة أبي رافع وليست أمُّ سلمى أو أم سلمة - ما رواه جماعةٌ من محدِّثي أهل السنَّةِ ومؤرّخيهم


1) مورد القربى الهمداني: ص 131.

كابن شبة النميري والدولابي وعمر بن شاهين والزيلعي والذهبي وابن حجر وابن كثير، مصر حين بأنَّ التي حضرت عند وفاة الزهراء عليها السلام هي سلمى أم علي بن أبي رافع، لا غيرها، وهذا يرفع الوهم والخلاف في من حضرت عند سيدة النساء عليها السلام ومرضتها(1).

قال ابن القطان: «أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وآله احتوشته امرأتان، كلَّ واحدة منهما اسمُها سلمى؛ إحداهما أمه والأخرى زوجته، فأمُّهُ سلمى مولاه صفية بنت عبد المطلب، روت عن النبي صلى الله عليه وآله، وكانت خادماً له. روى جارية بن محمد، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن جدَّتِهِ سلمى، قالت: قال النبيُّ صلى الله عليه وآله: «بيت لا تمر فيه جياع أهله». وأما زوجته سلمى فهي مولاة رسولِ الله صلى الله عليه وآله شهدت خيبر وولدت عبيد الله بن أبي رافع كاتب عليّ عليه السلام (2). والتي حضرت الزهراء عليها السلام هي زوجة أبي رافع، كما نصَّ


1) تاريخ المدينة ابن شبة النميري: ج 1، ص 108 - 109 ؛ الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي: الدولابي: ص 155؛ ناسخ الحديث و منسوخه عمر بن شاهين: ص 587 ؛ نصب الراية الزيلعي : ج 2 ، ص 297؛ تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق الذهبي : ج 1 ، ص 305؛ الدراية في تخريج أحاديث الهداية، ابن حجر : ج 1، ص 229 ؛ البداية والنهاية ابن كثير : ج 5 ، ص 350 ؛ السيرة النبوية ابن كثير ج 4 ، ص 648 .

2) انظر نصب الراية الزيلعي : ج 2، ص 297 .

نصَّ على ذلك أغلب المحدثين والحفاظ(1).

واعلم أنَّ هنالك كماً هائلاً من الروايات، تصرّح بأن أسماء بنت عميس كانت تمرّض الزهراء عليها السلام، وهي التي صنعت لها نعشاً(2)، وشقت جيبها عند وفاتها(3).

ويمكن الجمع بين تلك الروايات بالقول: أنَّ أسماء وسلمى كلتاهما كانتا تمرض الزهراء عليها السلام، كما نص على ذلك غير واحد من علماء الشيعة، فلا تعارض أو اختلاف بين الروايات.

4-وصية الزهراء عليها السلام

روى الهمداني في سياق الخبر السابق عن ابن عباس وهو يصف عودة أمير المؤمنين عليه السلام من المسجد بعد أن غشي عليه لما أخبر بوفاتها، ورُش عليه الماء فأفاق، فرجع إلى بيته ودخل عليها: «فكشف أمير المؤمنين عليه السلام عن فإذا وجهها برقعة عند رأسها، فنظر فيها فإذا فيها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه


1) انظر نصب الراية الزيلعي: ج 2، ص 297 .

2) انظر: المنتخب من ذيل المذيل الطبري: ص 92 ؛ أسد الغابة، ابن الأثير : ج 5، ص524؛ عون المعبود، العظيم آبادي: ج 8، ص 337 - 338؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي: ج 11، ص 50 .

3) انظر مورد ،القربي الهمداني: ص 131.

وصية فاطمة بنت رسول الله، وهي تشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنَّ الجنة حق [وأنَّ النار حق ] (1)، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث مَن في القبور.

يا علي أنا فاطمةُ بنتُ رسولِ الله صلى الله عليه وآله زوّجني الله منك لأكونَ لك في الدنيا والآخرة، وأنت أولى بي من غيرك، فغسلني وحنطني واكفني وادفني بالليل، ولا تُعْلِم أحداً ، [و] أستودعك الله واقرأ على ولدي سلاماً إلى يوم القيامة. فلما جاء الليل غسلها عليّ عليه السلام ، ووضعها على السرير، وقال للحسن عليه السلام : ادع [أبا ذر فدعاه فحملاها ] إلى المصلى فصلّى عليها، ورفع يديه إلى السماء فنادى هذه [ بنت نبيك] فاطمة أخرجتها من الظلمات إلى النور فأضائت

الأرض ميلاً في ميل. فلما أرادوا أن يدفنوها نادت بقعة من البقيع [ إليَّ إليَّ ] فقد رفع تربتها فنظروا بقبر محفور، فحملوا السرير إليها فدفنوها، فجلس على شفير القبر فقال يا أرض أستودعك وديعتي هذه بنت رسول الله، فنودي: يا عليّ، أنا أرفق بها منك فارجع ولا تهتم فانسد القبر واستوى [في] الأرض فلم يعلم أين كان إلى يوم القيامة»(2).


1) مابين العضادتين في رواية الخوارزمي.

2) مورد القربى الهمداني ص 131؛ وانظر : مقتل الحسين عليه السلام ، الخوارزمي: ج 1 ، ص 84.

وقد لخصت الرواية مجموعة من وصاياها، منها:

1-أن يتولّى على عليه السلام تجهيزها(1).

2-أنْ يدفنها ليلاً لا نهاراً .

3-لا يُعْلِم بذلك أحداً، لئلا يحضروا تجهيزها أو الصلاة عليها، وهي تعني من ظلموها خاصة بقرينة الأخبار الأخرى، وبقرينة حضور غيرهم كالعباس والفضل (2)وأبي ذر وعمار والمقداد وعقيل والزبير وسلمان وبريدة، ونفر من بني هاشم، وبعض خواص أمير المؤمنين عليه السلام .

ومن وصاياها التي لم تذكرها رواية الهمداني:

4-أن يُجعل لها نعش، وسوف نبينه بشكل مفصل.

5-أن يُعفي قبرها. وهذا وما بعده مما تجاهلته المصادر السنية.

6-أن يتزوج على عليه السلام إمامة بنت زينب ربيبة النبي صلى الله عليه وآله.

7-منع عائشة من الدخول عليها وتأبينها وسيأتي مفصلاً.


1) انظر الذرية الطاهرة الدولابي : ص 152 ؛ الاصابة، ابن حجر : ج 8، ص 266 .

2) انظر تهذيب الأسماء واللغات النووي: ج 2، ص 353.

6-تغسيل الزهراء عليها السلام

من القضايا المهمّة التي أخفقت المصادر السنية في توثيقها، ما يتعلق بتغسيل سيدة النساء عليها السلام، فقد روى بعضُهم أنها صلى الله عليه وآله اغتسلت قبل وفاتها، وأوصت أنْ تُدفَنَ بغسلها هذا ، فدفنها علي عليه السلام بغير غسل(1).

ورغم التصادم الصريح بين هذا الرأي وبين الأحكام الشريعة الواضحة، وعدم انسجامه مع قواعد الفقه الإسلامي المصرحة بعدم جواز الاكتفاء بالغسل قبل الموت إلا لمن حُكم عليه بالقتل . فإنَّه يُؤمَر بالاغتسال قبل إجراء الحدّ عليه. أما في غير هذا المورد فلا يُكتفى بالغسل السابق على الموت ولا يُستغنى به عن تغسيل الميت - وعلى الرّغم من ذلك كله ووضوح الحكم عند عامة المسلمين، إلا أنَّ بعضَ محدِّثي أهل السنة رووا في مصنفاتهم أنّها عليها السلام اغتسلت قبل موتها، وأوصت بأنْ لا تُغَسَّل، ونصُّ الرواية كما في لفظ ابن شاهين: «عن عبد الله بن علي بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله عن أبيه، عن أمّه سلمى أنّها قالت :اشتكت فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله فمرّضتها فقالت يا أمه اسكبي لي غُسلاً، فاغتسَلَتْ كأحسن ما رأيتُها تغتسل... ثم اضطجَعَتْ، واستقبلتْ


1) روى ذلك جماعة من علماء أهل السنة، كما سنذكره في هذا البحث .

القبلة، ووضعَتْ يَدَهَا تحتَ خدها وقالت: يا أمه! إني مقبوضة الآن، وقد تطهرتُ فلا يكشفني أحدٌ ، فَقُبِضَتْ مكانها، فجاء علي عليه السلام فأخبرته، فقال:والله لا يكشفها أحد، فدفنها بغسلها ذلك»(1).

وفي لفظ النميري: «قال: فقُبِضَت مكانها،وجاء علي رضي الله عنه فأخبرته، فقال:لا جرم، والله لا يكشفها أحد. فحملها بغسلها ذلك فدفنها(2). وقد حكم ابن الجوزي على هذه الروايات بالوضع، وأضاف في الردّ عليها وجهاً لطيفاً، فقال: «إِنَّ الغسلَ إِنَّما يكونُ لحدثِ الموتِ فكيف يُغتسل قبل الحدث؟ هذا لا يصح إضافته إلى عليّ وفاطمة رضي الله عنهما ،بل يتنزهون عن مثل هذا(3).

وقد تتبع الذهبي في تنقيح التحقيق طرق رواية الغسل قبل وفاتها، وصرّح بإرسال بعضها، وحكم بوضع الآخر (4)ونكارته(5).

ومع ذلك كلّه فإنَّ الخبر معارض بالأحاديث الصحيحة عند الشيعة والسنة،


1) ناسخ الحديث ومنسوخه عمر بن شاهين: ص 587 ؛ وانظر : تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق، الذهبي: ج 1، ص 305؛ الدراية في تخريج أحاديث الهداية، ابن حجر : ج 1، ص 229 .

2) تاريخ المدينة ابن شبة النميري: ج 1، ص 108 - 109 .

3) الموضوعات ابن الجوزي: ج 3، ص 276 - 278 .

4) تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق، الذهبي: ج 1 ، ص 306

5) سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج 2، ص129.

والدالة صراحةً على أن علياً عليه السلام وأسماء بنت عميس غشلاها بوصية منها، ونحن نكتفي بإيراد شاهد واحد من أخبار الطائفتين:

فمما رواه العامة:روى ابنُ شبة النميري والبيهقي والحاكم النيسابوري في المستدرك، وغيرهم بالإسناد عن أم جعفر، قالت:«حدثتني أسماء بنت عميس قالت:غسلتُ أنا وعلى فاطمة بنت رسولِ الله صلى الله عليه وآله (1)،وكان ذلك

بوصيَّةٍ منها، كما نصت عليه روايات سنية صريحة أخرى(2).

ومما وراه الشيعة روى الصدوق والكليني والطوسي والعلامة والبحراني والراوندي والمجلسي والحر العاملي، عن المفضّل بن عمر ، قال-واللفظ للصدوق:قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام : جُعِلْتُ فداك مَن غَسَّل فاطمة عليها السلام؟

:(1) (2) كتاب الأم، الإمام الشافعي: ج 1، ص 311؛ معرفة السنن والآثار البيهقي : ج 3، ص 131؛ مقتل الحسين عليه السلام ، الخوارزمي: ص82؛ نصب الراية، الزيلعي : ج 2، ص298؛ کنز العمال، المتقي الهندي : ج 13، ص 687 ؛ عمدة القاري العيني : ج 16 ، ص 249 ؛ سبل السلام، الكحلاني : ج 2، ص98 99؛ سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 10 ، ص 486 ؛ سبل فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع أحمد بن عبد الرزاق الدويش : ج 8، ص 436 ، السؤال الثاني من الفتوى رقم.3543


1) تاريخ المدينة ابن شبة النميري: ج 1، ص 109 ؛ السنن الكبرى البيهقي : ج 3، ص 397؛ معرفة السنن والآثار البيهقي: ج 3، ص 131 ؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري : ج 3، ص 163 - 164 ؛ إرواء الغليل، - محمد ناصر الألباني: ج 3، ص 162 .

2) كتاب الأم، الإمام الشافعي: ج 1، ص 311؛ معرفة السنن والآثار البيهقي : ج 3، ص 131؛ مقتل الحسين عليه السلام ، الخوارزمي: ص82؛ نصب الراية، الزيلعي : ج 2، ص298؛ کنز العمال، المتقي الهندي : ج 13، ص 687 ؛ عمدة القاري العيني : ج 16 ، ص 249 ؛ سبل السلام، الكحلاني : ج 2، ص98 99؛ سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 10 ، ص 486 ؛ سبل فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع أحمد بن عبد الرزاق الدويش : ج 8، ص 436 ، السؤال الثاني من الفتوى رقم:3543.

قال:ذاك أمير المؤمنين عليه السلام . قال : فكأنّي استعظمتُ ذلك من قوله. فقال عليه السلام ] كأنك ضقت مما أخبرتك به؟قلت: قد كان ذلك جُعِلْتُ فداك، قال:لا تضيقنَّ فإنّها صدّيقة لا يغسلها إلا صديق، أما علمتَ أنَّ مريم لم يغسلها إلا

عيسى عليه السلام ؟(1).

وخلاصة الكلام: إنَّ علياً عليه السلام هو الذي غسّلها، وأسماء بنت عميس تعينه على ذلك.

5-أول نعش في الإسلام
اشارة

مما لا كلام فيه أنَّ الزهراء عليها السلام قمة الهرم في عالم المرأة؛ طهراً ونقاء، وعفةً ،وحياءٌ، وورعاً وشرفاً، وقد أثر عنها قوفًا:«خير للمرأة أن لا ترى الرجال ولا يروها ، وقد ترجمت ذلك حينما استأذن عليها أعمى، فحجبته فقال لها النبيُّ

صلى الله عليه وآله : لم حجبته، وهو لا يراك؟ فقالت : يا رسول الله، إن لم يكن يراني


1) علل الشرائع، الشيخ الصدوق : ج 1، ص 184؛ الكافي، الشيخ الكليني: ج 1، ص 459؛ ج3، ص 159؛ الاستبصار، الشيخ الطوسي: ج 1، ص 199 - 200؛ تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي: ج1، 44؛ منتهى المطلب (ط. ق) ، العلامة الحلي: ج 1 ، ص 436 ؛ الدعوات، قطب الدين الراوندي: ص 254 --- 255؛ الحدائق الناضرة، المحقق البحراني : ج 3، ص 385 -- 386؛ بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج 14، ص 197 ؛ وسائل الشيعة، الحر العاملي: ج 2، ص 530 .

فأنا أراه، وهو يشم الريح(1).

وحين خروجها إلى المسجد في خطبتها أمام المهاجرين والأنصار حيث أمرَتْ أن تُناطَ دونها ملاءة، على الرّغم من شدّة احتشامها وتحجبها. ولما دخل عليها الشيخان حوّلت وجهها نحو الجدار.

فهي بلا ريب قد ضربت المثل الأعلى في الخدر والتحجب، ومن هذا المنطلق روي عنها أنها لما دنت وفاتها قالت لأسماء بنت عميس(2):«يا أسماء، إني أستقبح ما يفعلُ بالنساءِ، إِنَّه يُطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله ألا أريك شيئاً رأيته بالحبشة (3)، فدعت بجرائد رطبة فَلَوَتْها،ثم طرحت عليها ثوباً، فقالت فاطمة ما أحسن هذا وأجمله، لا تُعرف به المرأة من الرجل(4)، وأمرتها أن تصنع لها نعشاً، فقالت:

«إذا أنا متُ فغسليني أنت وعلي، ولا يدخل على أحد، ثم اصنعي بي هكذا،


1) المناقب ابن المغازلي : ص 289 - 290 .

2) أسماء بنت عميس الخثعمية أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي لأمها، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب عليه السلام فلما نال الشهادة يوم مؤتة تزوجها أبو بكر.

3) لأنّها كانت من مهاجري الحبشة مع جعفر بن أبي طالب عليه السلام .

4) سيدات نساء أهل الجنة عبد العزيز الشناوي ص 151 ؛ وانظر : نصب الراية الزيلعي : ج 2، ص 298 .

فلما توفيت صُنِعَ بها ما أمرت بعد أن غسلتها أسماء وعلي، رضي الله تعالى عنها(1). وفي رواية الطبري أنّها قالت لأسماء: «أتستطيعين أن تواريني بشيء؟ قالت: إنّي رأيتُ الحبشة يعملون السرير للمرأة ويشدُّونَ النعش بقوائم السرير. فأمرتهم

بذلك. قال الحارث وقال المدائني : قال أبو زكريا العجلاني: إنَّ فاطمة عليها السلام عُمِلَ لها نعش قبل وفاتها فنظرت إليه، فقالت: سترتموني، ستركم الله(2)، وبذلك تكون أوّل مَن غُطّي نعشُها في الإسلام على تلك الصفة)(3).

تنبيه ورفع وهم:

قال الشربيني: إنَّ أوَّل مَن جعل لها النعش وغُطّى نعشها على تلك الصورة: زینب زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله (4)، وهذا من الوهم الظاهر والخطأ البين، ولوضوح الخلل فيه تأوّله جماعة من العلماء كالزرقاني: بأنَّ زينب أوَّلُ مَن غطى نعشُها من نساء النبي صلى الله عليه وآله (5)، لا من عموم نساء المسلمين. وجمع ابنُ


1) سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي: ج 11، ص .

2) المنتخب من ذيل المذيل، الطبري: ص 92 .

3) الاستیعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1898 ؛ الجوهرة البري : ص 18؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 2، ص129؛ تاريخ الإسلام، الذهبي: ج3، ص48؛ ذخائر العقبی، محب الدين الطبري: ص54 .

4) مغني المحتاج، الشربيني: ج 1، ص 359؛ وانظر: عون المعبود، العظيم آبادي: ج،ص338.

5) عون المعبود العظيم آبادي: ج8، ص337.

عبد البر بينه وبين ما دلّت عليه روايات هذا الباب جمعاً لطيفاً، فقال: «فاطمة رضي الله عنها أوَّلُ من غطّي نعشُها من النساء في الإسلام على الصفة المذكورة في هذا الخبر، ثم بعدها زينب بنت جحش، صُنع ذلك بها أيضاً»(1).

الزهراء عليها السلام توصي بمنع عائشة

روى جماعة من أعلام أهل السنة بعض الأحداث التي واكبت شهادة الزهراء عليها السلام، منها وصية الزهراء عليها السلام بمنع عائشة من حضور جنازتها، رواه ابن الأثير والعظيم آبادي وجماعة قالوا: «لما توفيت [فاطمة عليها السلام] جاءت عائشة فمنعتها أسماء»، ولم تأن له بالدخول، غير أنَّ عائشة ظنت أنَّ ما فعلته أسماء هو رأي شخصي، فشكتها عائشة إلى أبي بكر، وقالت: هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسولِ الله صلى الله عليه وآله»، فأسرع أبو بكر إلى

بيت فاطمة، ووقف على الباب قائلاً: «يا أسماء! ما حَمَلَكِ على أنْ منعتِ أزواج النبي صلى الله عليه وآله أن يدخلنَ على بنتِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله، وقد صنعتِ لها هو دجاً؟

فأجابته أسماء - وكانت تحضى بقوّة الشخصية ورجاحة العقل ورصانة المنطق


1) الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 4، ص 1898؛ تهذيب الكمال، المزي: ج 35، ص 252.

قائلة: «هي أمرتني أن لا يدخل عليها أحد، وأمرتني أن أصنع لها ذلك»(1).

وقد نقل ابنُ عبد البر في الاستيعاب تلك الحادثة مص- حاً بانفعال عائشة مصر وأنها تفوهت بما هي أهله من الكلام الساخر، قال: «لما توفيت جاءت عائشة تدخل فقالت أسماء : لا تدخلي، فشكت إلى أبي بكر، فقالت: إنّ هذه الخثعمية

تحول بيننا وبين بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر فوقف على الباب فقال:يا أسماء! ما حملك على أن منعت أزواج النبي صلى الله عليه وآله أن يدخلن على بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وجعلت لها مثل هودج العروس ؟ فقالت:أمرتني ألا يدخل عليها أحدٌ وأرَيْتُها هذا الذي صنعت وهي حيَّةٌ، فأمرتني أن أصنع ذلك لها، قال أبو بكر: فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف(2)).

تعقيب وتساؤل:

لم أجد في مصنفات العامة من تحرَّى عن السبب الذي جعل سيدة النساء عليها السلام توصي أسماء بنت عميس الخثعمية بمنع عائشة بنت أبي بكر من


1) أسد الغابة ابن الأثير : ج 5 ، ص 524 . وانظر : عون المعبود العظيم آبادي: ج8، ص337 - 338.

2) الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1897 . وانظر : سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 2، ص128 - 129 .

الدخول عليها، والاشتراك في مراسيم تأبينها. وقد طال هذا الإهمال المتعمد الكثير من القضايا المحورية التي تعامل معها القلم السني بسطحيّة تامة وأهمال سافر، على الرّغم مما لها من الأهمية القصوى في بيان جذور الصراح بين البيت الهاشمي والبيت القرشي في الصدر الأول من الإسلام.

7-دفنها ليلاً
اشارة

نصَّ البخاري وجماعةٌ من علماء أهل السنة كابن حجر العسقلاني، والعيني، والصنعاني وابن حبان وابن كثير الدمشقي وابن شبه النميري وابن جرير الطبري، والمتقي الهندي وابن أبي الحديد، والخزرجي، وغيرهم، على أن علياً دفن الزهراء صلى الله عليه وآله ليلا (1)، ولم نجد من يذهب إلى خلاف ذلك.

وهذا واضح لا غموض فيه، غير أنّ المثير للدهشة والاستغراب الطريقة السطحية التي تعامل بها علماء البلاط السنية مع مسألة دفن الزهراء عليها السلام


1) صحيح البخاري، البخاري: ج 5 ، ص 82؛ المصنف عبد الرزاق الصنعاني : ج 5 ، ص 472 ؛ مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 9، ص 211؛ فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص378؛ الثقات، ابن حبان: ج2، ص170؛ تاريخ المدينة، ابن شبة النميري: ج 1، ص 197؛ تاريخ الطبري، الطبري: ج2، ص 448؛ البداية والنهاية ابن كثير : ج 5 ، ص 307؛ السيرة النبوية ، ابن كثير : ج 4 ، ص 568 ؛ عمدة القاري، العيني: ج 17، ص258؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج6، ص46؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج13، ص 687؛ خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، الخزرجي الأنصاري اليمني: ص494.

بهذه الطريقة السرية، معتبرين ذلك أمراً عادياً وطبيعياً، ورووا أنَّ أبا بكر دُفِنَ ليلاً، وكذا عمر وعثمان(1)، ملمحين من خلال ذلك كله إلى جواز الدفنِ ليلاً، وكأنهم أرادوا:

1-التغطية على مظلومية الزهراء عليها السلام.

2-إهمال ما فيه المؤاخذة على الشيخين.

3-إجهاض المخطط الكبير الذي يسعى علي والزهراء صلى الله عليه وآله إلى تحقيقه من خلال اختيار الدفن بهذه الطريقة.

4-إفراغ حادثة الدفن ليلاً من محتواها، بدعوى أنَّ فاطمة عليها السلام لم تنفرد بالدفن ليلاً، فلا يكون ذلك الأمر مثيراً للتساؤل.

أهداف الدفن ليلاً
اشارة

إنَّ جواز الدفن ليلاً أو عدمه أمر خارج عن موضوع بحثنا ولا نريد الخوض فيه، وما نريد التأكيد عليه أن جواز الدفن ليلاً ليس هو السبب الذي حدا بعليّ


1) حواشي الشرواني، الشرواني والعبادي: ج 3، ص 195؛ وانظر: السنن الكبرى، البيهقي: ج 4، ص 31؛ المصنف الصنعاني : ج 3، ص 520 وص 521 ؛ الاستذكار ابن عبد البر : ج 3، ص 56 ؛ كشف القناع، البهوتي : ج 2، ص 150 .

عليه السلام أن يدفنَ الزهراء عليها السلام ليلاً، بل هنالك العديد من الأسباب كانت تقف وراء دفنها ليلاً لا نهاراً، والكثير من الغايات والأهداف التي كانت الزهراء عليها السلام تطمح لتحقيقها من وراء الدفن ليلاً وفي السّر لا في العلن، وقد بيّنت الروايات السنية بعض تلك الأسباب، نشير إليها وإن كانت متداخلة:

1-لئلا يحضر الشيخان جنازتها

توكّد جملة من الروايات أنَّ علياً عليه السلام يفعل ذلك من عند نفسه بل بوصية منها، فقد أوصته أن يدفنها ليلاً وأن يكون دفنها سراً، كما نصَّ على ذلك الإمام الصنعاني(1)، وصرَّح به في الاستيعاب وتهذيب الكمال مؤكدين على أنّها أشارت عليه أن يدفنها ليلاً(2).

وقد علل الجاحظ وصيتها بمنع الشيخين من الصلاة عليها بشدة الغضب والموجدة، فإنَّه بعد أن ذكر مطالبتها بفدك، قال:

«وقد طالت المناجاة، وكثرت المراجعة والملاحاة، وظهرت الشكيَّة، واشتدت الموجدة، وقد بلغ ذلك من فاطمة عليها السلام حتى إنّها أوصت ألا


1) المصنف عبد الرزاق الصنعاني : ج 3، ص 521 .

2) الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 4، ص 1898؛ تهذيب الكمال، المزي: ج 35، ص 252.

يصلّي عليها أبو بكر(1).

وأصرح منه كلام ابن أبي الحديد المعتزلي حين أورد كلاماً طويلاً للمرتضى

على نحو التأييد، جاء فيه:

أنَّها أوصتْ بأن تُدفنَ ليلاً حتى لا يصلّي الرجلان عليها، وصرحت بذلك وعهدت فيه عهداً، بعد أن كانا استأذنا عليها في مرضها ليعوداها فأبتْ أنْ تأذنَ لهما،فلما طالت عليها المدافعة رغبا إلى أمير المؤمنين عليه السلام في أنْ يستأذن لهما، وجعلاها حاجةً إليه، وكلَّمها عليه السلام في ذلك وألح عليها، فأذنت لهما في الدخول،ثم أعرضت عنهما عند دخولهما ولم تكلّمها، فلما خرجا قالت لأميرِ المؤمنين عليه السلام :

هل صنعتُ ما أردتَ؟ قال: نعم، قالت: فهل أنت صانع ما آمرك به؟ قال:نعم، قالت: فإنّي أنشدك الله ألا يصلّيا على جنازتي ولا يقوما على قبري!»(2).

ثم عقب عليه قائلاً: « وأما إخفاء القبر، وكتمان الموت، وعدم الصلاة، وكلَّ ما ذكره المرتضى فيه، فهو الذي يظهر ويقوى عندي؛ لأنَّ الروايات به أكثرُ وأَصحُ


1) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد: ج 16، ص 264 .

2) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد: ج 16، ص 281.

من غيرها، وكذلك القول في موجدتها وغضبها(1).

والروايات المصرحة بذلك كثيرة نختمها بما رواه الصنعاني بإسناده عن «عمرو بن دينار:أنَّ حسن بن محمد أخبره :أنَّ فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله دُفِنَتْ بالليل،قال: فرَّ بها علي من أبي بكر أن يصلّي عليها، كان بينهما شيء(2)، فإنّها لم تكن ترضى أن يصلّي عليها مَن غَصَبَ حقها ، وانتهك حرمتها، وأسقط جنينها، وانتهبَ إرثها، وبالغ في إذلالها، وسنَّ الجور عليها، وفتح باب الظلم على ذريتها. فهذه الروايات والكلمات تبرهن بمجموعها على أنَّ جواز الدفن ليلاً ليس هو السبب الذي جعل علياً يبادر لدفن الزهراء صلى الله عليه وآله ليلاً وبهذه السرية التامة،بل هنالك غايات وأسباب عديدة، انبثقت من الصراع السياسي المحتدم بين البيت الهاشمي والخلافة القائمة، والذي كانت الزهراء عليها السلام ضحيته الأولى.

2-استنكار تخاذل الأمة عن نصرتها

نستطيع القول وبضرس قاطع أنّ سيّدة النساء عليها السلام لم يكن غاضبةً


1) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد: ج 16، ص 286 .

2) المصنف عبد الرزاق الصنعاني : ج 3، ص 521 .

على الخلافة القائمة فحسب، بل أرادت - من خلال الدفن ليلاً- أن تسجل إدانةً واضحةً على المجتمع الذي تخاذل عن نصرتها، وأن تعبّر عن سخطها وامتعاضها تمن نكث البيعةَ للخليفة الشرعي ونقض العهد يوم غدير خم، فإنّها سبق وأنْ

دعتهم عَلَناً إلى نصرة بعلها، وطافت على بيوتهم فلم ترَ منهم إلا الخذلان وحبَّ العافية والسكون إلى الدعة، كما صرحت بذلك مصادر أهل السنة، قال ابن قتيبة: وخرج على كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنتَ رسولِ الله،قد مضت بيعتنا لهذا الرجل).(1)

ثم كررت دعوتها لهم في الوقوف إلى جانب قضيتها المشروعة عند اجتماعهم في المسجد، وعندهم العدة والعدد، وبإمكانهم أن يغيّروا المعادلة السياسية لصالح الشرعية، ويعيدوا الحقِّ إلى نصابه، ولكنّهم لم يفعلوا، فقالت لهم: « أيهاً بني قيلة،اهتضم تراثي أبي وأنتم بمرأى ومسمع تبلغكم الدعوة،ويشملكم الصوت،وفيكم العدّة ،والعدد ولكم الدار والجنن،وأنتم نخبة الله التي انتخب،وخيرته التي اختار، باديتم العرب وبادتهم الأمور ،وكافحتهم البهم،حتى دارت بكم رحى


1) الإمامة والسياسة ابن قتيبة : ج 1، ص29.

الإسلام ودرّ ،حلبه و خبت نيران الحرب وسكنت فورة الشرك، وهدأت دعوة الهرج واستوثق نظام الدين،أفتأخرتم بعدالإقدام ونكصتم بعد الشدة، وجبنتم بعد الشّجاعة، عن قوم نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم (1). ولكنهم لم يحرّكوا ساكناً، ولم تبدر منهم بادرة النصرة، فأعلنت في خطبتها بنساء الأنصار عن خيبة أمل شديدة من تخاذل الأنصارِ وموقفهم المخجل تجاه قضيتها العادلة.

وهذا يؤكّد أنَّ للدفن ليلاً الكثير من الأهداف والغايات منها توظيفه كوسيلة للاستنكار على القاعدة الشعبية المتخاذلة، التي تخلت عن المبادئ السماوية والقيم الرسالية الأصيلة، ورضخت لانقلاب السقيفة، ومالئت أهل الباطل.

3-ليكون قبرها شعارا للمظلومية على مر التاريخ

كما قررت الزهراء عليها السلام أن يكون خفاء القبرِ شعاراً ورمزاً لمظلوميّة أهل البيت عليهم السلام على مرور الأيام، فإنَّ إخفاء قبر وديعة المصطفى صلى الله عليه وآله وابنته الوحيدة يمكن أن يكون مدعاة لإثارة العديد من علامات الاستفهام والتساؤل عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء إخفائه، والتأمل فيما


1) السقيفة وفدك، الجوهري : ص 102 ؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد : ج 16، ص 213؛ وانظر : بلاغات النساء، ابن طيفور : ص 18 . وقيلة : هي أم الأوس والخزرج وهي قيلة بنت كاهل بن عذرة ابن ، سعد بن هزيم. كشف المشكل من حديث الصحيحين ابن الجوزي: ج 4 ، ص 8)

تزامن معه من الأحداث، بغية استنطاقها لكشف اللثام عن الحقيقة الموءودة كعدم حضور الشيخين عند تشييع جنازتها، والصلاة عليها.

كلُّ ذلك أرادتْ منه الزهراء عليها السلام أن يساهم في تصدير مظلوميتها للأجيال، ولعلَّ المتتبع لدقَّة مخطط الانقلاب القرشي آنذاك يقطع أنَّه لولا مواقف عليّ والزهراء صلى الله عليه وآله وما بذلته من جهودٍ لإفشال ذلك المخطط وإيقافه عند حده، لاندثرت معالم المسيرة الرسالية، ولم تعرف الأجيال غير الإسلام القرشي.

وعلى كل حال فقد اختارت الزهراء عليها السلام أن تدفن ليلاً؛ لتروي لنا قصةً من قصص مأساتها، وتصف لنا شعلةً من نار غصتها وحزنها، وتعبر بذلك عن شيء يسير من آهاتها.

تدليس ابن حجر العسقلاني:

إلى هنا أصبح واضحاً أن قضية دفن الزهراء عليها السلام ليلاً كانت بوصية منها لئلا يشهد أبو بكر وعمر جنازتها ويصليا عليها ، وليكون ذلك استنكاراً على مَن تخاذل عن نصرتها وشعاراً لمظلوميتها على مرّ العصور وتعاقب الدهور، فأنفذ

علي عليه السلام وصيتها ودفنها ولم يُعْلِم الذين ظلموها بذلك، وهذا ما نطقت به

روايات أهل السنة كما بينا، ولم يكن خافياً على من تصفّح كتب التراث الإسلامي، لا سيّما ممن له باعٌ في علم الرواية والحديثِ، غير أنَّ البعض حاول جاهداً أن ينكر واضحاتِ الأمور، ويتجاهل فادحاتِ الخطوب، فحاول تبرير ذلك بما ينسجم مع

هواه، ويحوطه على وفق مبناه ، فقال : روي من عدَّةِ طرق أنَّها دُفِنَتْ ليلاً، وكان ذلك بوصية منها؛ لإرادة الزيادة في التستر، ولعله [أي عليا] لم يُعْلِم أبا بكر بموتها؛ لأنَّه ظنَّ أَنَّ ذلك لا يخفى عنه)(1).

ولعمري ان ذلك من أقبح التبريرات وأوهن التوجيهات وأفسد التأويلات، وما كنتُ أتصور صدوره من رجل كابن حجر، صاحب التأليفاتِ الكثيرة، والباع الطويل في علم الدراية والرواية، ولا أدري كيف غابت عنه الروايات الصحيحةُ وفق المباني السنية والتي صرّحت بأنّها هجرتْ أبا بكر ولم تكلّمه حتى توفيت وأوصتْ أنْ لا يشهد جنازتها ولا يصلّي عليها؟ ثم من أين عَلِمَ ابن حجر أنَّها أرادت من الدفن ليلاً زيادة التستر، ومن أين أتى بهذا التعليل العليل؟ فهل دلّت عليه الروايات أم استشفه من وراء الغيب ؟ ألم تكن الزهراء عليها السلام قد اتخذت نعشاً صنعته لها أسماء بنت عميس لئلا يراها أحد، وهذا كاف في زيادة التستر ؟ أما


1) فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص378 .

كان ينبغي عليه وعلى كل المنصفين الاعتماد على الروايات الصريحة وعدم اللجوء إلى التأويلات الخاوية، والتبريرات العليلة ؟وعلى كل حال فكم من عارف بالحق أعرض عنه وقال بخلافه بسبب صنميّة التعصُّب المذهبي وأحقاد التعنصر الطائفي، وسوف يُسأل عن ذلك يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا(1).

وأما تبريره عدم حضور أبي بكر بعدم علمه، وأن علياً عليه السلام لم يخبره؛ لأنه ظنه يعلم بخبر وفاتها، فلا نراه يستحق الرد ومع ذلك نقول - على نحو الإشارة العابرة -:

1 - الذي ذكره يتّجه فيما لو كانت العلاقة بين أبي بكر وبنت النبي صلى الله عليه وآله طبيعية والحال أنّها لم تكن كذلك، كما أشارت إليه الروايات الصريحة الصحيحة، وقد خرَّجها البخاري وغيره، حيث قال في سرد مطالبتها بفدك: «فأبى أبوبكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت»(2).


1) سورة الفرقان: 27 - 28 .

2) صحيح البخاري، البخاري: ج 5 ، ص 82؛ تاريخ المدينة، ابن شبة النميري: ج 1 ، ص 196؛ صحيح ابن حبان : ج 11 ، ص 153؛ مسند الشاميين الطبراني : ج 4 ، ص 198 ؛ عمدة القاري، العيني: ج 17، ص 258 ؛ إمتاع الأسماع، المقريزي : ج 13، ص 159؛ نهاية الأرب في فنون الأدب، النويري: ج18، ص 397 وانظر : مسند أحمد بن حنبل : ج 1، ص 9 ؛ السنن الكبرى البيهقي : ج 6 ، ص 300؛ سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 12 ، ص 369 .

2-لم يكن بيتُ عليّ عليها السلام خارج المدينة، أو في القرى النائية عنها ليتوجّه القول بعدم علم أبي بكر بموتها، بل كان ملاصقاً لمسجد النبي صلى الله عليه وآله، الذي يؤم أبو بكر الناسَ فيه، فكيف يبرر عدم علمه بموتها؟

3-إنَّ الروايات السنية صرحت أنَّ عائشة أرادت الدخول عليها لحظة تغيسلها فمنعتها أسماء بنت عميس بوصية من الزهراء عليها السلام، فكرت راجعةً، وشكتها عند أبيها، الذي جاء بدوره ووقف على الباب، وكلَّم أسماء في ذلك،فأخبرته أنَّ الزهراء عليها السلام أوصت أن لا يدخل عليها أحد، ودونك الرواية التي أخرجها ابن عبد البر والذهبي، عن عمارة بن مهاجر،عن أم جعفر:أنَّ فاطمة قالت لأسماء بنت عميس ...إذا مت فغسليني أنت وعليّ،ولا يدخلنّ أحدٌ عليَّ. فلما توفيت،جاءتْ عائشة لتدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر. فجاء، فوقف على الباب، فكلَّم أسماء. فقالت: هي أمرتني. قال: فاصنعي ما أَمَرَتُكِ، ثم انصرف(1). فهل يتصور القارئ الحصيف أنَّ القول بعدم علم الخليفة


1) الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 4 ، ص 1897 . وانظر : سير أعلام النبلاء، الذهبي : ج 2، ص128 - 129 .

-بعد هذا كله - وجيهاً ؟ لا أتصور ذلك.

4-ثبت في الروايات أنَّ أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر، غسلت الزهراء عليها السلام، وصنعت لها نعشاً، وكانت إلى جنبها طيلة علّتها، فكيف ينسجم هذا مع القول بعدم علم الخليفة بوفاتها ؟ وقد التفت شعيب الأرنؤوط إلى تلك المغالطة

فتسائل قائلاً: «كيف يمكن أن تغسلها زوجه أسماء وهو لا يعلم، وورع أسماء يمنعها ألا تستأذنه)(1).

والخلاصة:إن ابن حجر كان ملتفتاً إلى أنَّ دفن الزهراء عليها السلام ليلاً يضع على الخلافة القائمة العديد من نقاط الاستفهام، ويكشف الكثير من الدفائن فأراد الدفع عنهما فلم يُوفّق.

8-شكوى علي عند وفاتها عليها السلام

إنَّ المتمعن بطبيعة الأحداث التي أعقبت وفاة النبي صلى الله عليه وآله يرى بكل وضوح - ما حدث من الانقلاب على الأعقاب والالتفاف على الثوابت(2)،


1) سيرة أعلام النبلاء، الذهبي: ج 2، ص 129. حاشية شعيب الأرنؤوط.

2) أخرج البخاري في صحيحه وأحمد بن حنبل في مسنده، والنسائي في سننه، بطرق متعددة عن النبي الأكرم أنه قال: «يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيختلجون عن الحوض، فأقول: ربي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، ارتدوا على أعقابهم القهقرى» . (مسند أحمد، أحمد بن حنبل: ج 5 ،ص 388؛ سنن النسائي النسائي: ج 6 ، ص 409؛ صحيح البخاري، البخاري: ج 7، ص207). ، وأخرج الصنعاني وأحمد بن حنبل والحاكم الحسكاني وأبو يعلى والهيثمي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: تزعمون أنَّ قرابتي لا تنفع قومي، والله إنَّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، إذا كان يوم القيامة يُرفع لي قوم يؤمر بهم إلى اليسار، فيقول الرجل يا محمد أنا فلان بن فلان ويقول الآخر: أنا فلان بن فلان. فأقول: أما النسب فقد عرفت، ولكنكم أحدثتم ،بعدي، وارتددتم على أعقابكم القهقرى». (المصنف، الصنعاني: ج 11، ص 407؛ مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 3، ص18 و 39؛ المستدرك، الحاكم: ج 4، ص 75 ؛ مجمع الزوائد الهيثمي : ج 1، ص 364 ؛ مسند أبي يعلى، أبو يعلي الموصلي: ج 2، ص

وما خلفته السياسة من الحيف والظلم، على الأمة عموماً وعلى أهل بيته خصوصاً. ويستشف من خلال ذلك ما كان يعانيه أمير المومنين عليه السلام من ترادفت المحن وتزايد الإحن، ويفهم - حينئذ - مغزي كلامه في الشقشقية إذ يقول: «فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهباً(1)، فقد كان بركان الشجي يغلي في قلبه، ونار الأسى تضطرم في فؤاده، وكان يكتم ذلك من غير شكوى أو جزع، إلا أنَّه حينما أنزل سيدة النساء عليها السلام في قبرها توجّه إلى النبي صلى الله عليه وآله يشكو له شدَّة الوطأة ويصف له حدة المصيبة، قائلاً:

(السلام عليك يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك، والسريعة اللحاق بك، قل يا رسولَ الله عن صفيتك صبري، ورةً عنها تجلدي(2)، إلا أنَّ لي في


1) المناقب، ابن مردويه الأصفهاني : ص 134 ؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج 1 ، ص 151.

2) التَّجلّد تكلّف الجلادة، والجلد : القوة والصبر. (لسان العرب، ابن منظور : ج 3، ص 126 و 125).

التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعزّ ، فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فلقد استرجعت الوديعةُ، وأخذت الرهينة، أما حُزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد، إلى أنْ يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم،وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها، فأحفها السؤال(1)، واستخبرها الحال هذا ولم يطل العهد، ولم يخلق [ يخل] منك الذكر والسلام عليكما، سلام ،مودّع لا قال ولا سَئِم، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإنْ أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين»(2).

9-علي عليه السلام يرثي الزهراء عليها السلام
اشارة

عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي بن أبي طالب عليه السلام قبل موته بثلاث: سلام الله عليك أبا الريحانتين، أوصيك بريحانتي من الدنيا، فعن قليل ينهد رُكناك، والله خليفتي عليك، قال: فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله قال علي: هذا أحد ركنيَّ الذي قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما ماتت فاطمة قال علي: هذا الركن الثاني


1) أحفاهُ ألَحَ عليه في المسألة. لسان العرب، ابن منظور : ج 14 ، ص 187).

2) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج 10، ص 265 ؛ أعلام النساء، عمر رضا كحالة : ج 3، ص1221؛ سيدات نساء أهل الجنة، الشناوي: ص 152.

الذي قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وآله»(1).

نعم فقد انهد ركن علي عليه السلام بموت سيدة النساء عليها السلام، وكان وقع شهادتها عليه عظيماً، وهو لم يزل يتجرع مرارة فقد النبي صلى الله عليه وآله ففاجئه الخطب الفادح حين أصيب بسيدة النساء عليها السلام، حتى روي انه غشي عليه حين أخبره الحسنان بوفاتها حتى رُشّ عليه الماء(2).

وقد سجّل لوعته وغصته بما رواه ابن عساكر وابن كثير من كلمات ترجمت شدّة المصيبة وهول الفادحة وغصّة المصاب:

روی عمرو بن العلاء عن أبيه قال: وقف علي بن أبي طالب على قبر فاطمة صلى الله عليه وآله فأنشأ يقول:

ذكرت أبا أروى فبتُ كأنني ***برد الهموم الماضيات وكيل

لکل اجتماع من خليلين فرقةً ***وكلُّ الذي قبل الممات قليلُ

وإنَّ افتقادي واحداً بعد واحد*** دليلٌ على أن لا يدوم خليل


1) المناقب ابن مردويه الاصفهاني : ص 204 ؛ المناقب، الخوارزمي: ص 141؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ج 14، ص 166؛ ميزان الاعتدال الذهبي: ج 4 ، ص 76؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج13، ص 663؛ نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي: ص98.

2) مورد القربى الهمداني : ص 131 .

سيُعرض عن ذكري وتُنسى مودتي ***ويحدث بعدي للخليل خليلُ

إذا انقطعت يوماً من العيش مدتي***فإنَّ غناء الناكباتِ قليلُ(1)

وقال ابن الصباغ المالكي: «لما ماتت فاطمةُ وفَرغَ من جهازها ودفنها، رجعَ إلى البيتِ فاستوحش فيه وجزع عليها جزعاً شديداً، ثم أنشأ يقول:

أرى علل الدنيا على كثيرةً ***وصاحبها حتى الممات عليلُ

لكلّ اجتماع من خليلين فرقة ***وكلُّ الذي قبل الممات قليلُ

وإنَّ افتقادي واحداً بعد واحد ***دليل على أن لا يدوم خليل (2)

ولم تمض الأيام حتى أقبل علي عليه السلام ذات يوم فانكب على القبر فبكى، وأنشأ يقول:

مالي مررتُ على القبور مسلماً*** قبر الحبيب فلم يرد جوابي

يا قبر مالك لا تجيب منادياً ***أمللت بعدي خلَّة الأحبابِ


1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساکر : ج 42، ص527؛ البداية والنهاية، ابن كثير: ج8، ص12؛ وانظر: شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج 10، ص 288 ؛ جواهر المطالب، ابن الدمشقي: ج 2، ص 134. :

2) الفصول المهمة في معرفة الأئمة ابن الصباغ : ج 1 ، ص 673 ؛ وانظر : تفسير الثعلبي، الثعلبي: ج 1، ص 259 ؛ الثقات، ابن حبان : ج 9، ص 234 ؛ لسان الميزان، ابن حجر : ج 6 ، ص196؛ المستدرك، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 163؛ دستور معالم الحكم، ابن سلامة : ص 197 - 198؛ مطالب السؤول، محمد بن طلحة الشافعي: ص303. وفي الجوهرة للبري : ص 19: أنَّه عليه السلام لما رأى فاطمة عليها السلام مسجاة بثوبها بكى، حتى رثي له. ثم قال: لكل اجتماع من خليلين فرقه.

فأجابه هاتف يسمع صوته، ولا يرى شخصه، وهو يقول:

قُل للحبيب فكيف لي بجوابكم ***وأنا رهينُ جنادل وترابِ

أكل التراب محاسني فنسيتكم*** وحُجِبْتُ عن أهلي وعن أترابي

فعلیکم مني السلام تقطعت ***مني ومنكم خلَّةُ الأحباب(1)

دلالة بكاء علي عليه السلام

إنَّ بكاء عليّ عليه السلام على الزهراء عليها السلام-وهو أعلم الصحابة بالقرآن والسنة - خير دليل على بطلان الرأي القائل بحرمة البكاء على الميت. وهو دليل واضح وصريح على جوازه ما لم يتضمن الجزع والاعتراض على القضاء، ويؤيده بكاء النبي المختار صلى الله عليه وآله والصحابة الأبرار، الذي أثبتته صحاح الأخبار:

أما بكاء النبي صلى الله عليه وآله، فقد روى الترمذي - بسند صحيح - وابنُ أبي شيبة وابنُ عبد البر والزيلعي والحاكم ،وغيرهم، عن عبد الرحمن بن عوف قال - واللفظ للهيثمي -: «أخذَ النبيُّ صلى الله عليه وآله بيدي فانطلقت معه إلى ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، قال: فأخذه النبيُّ صلى الله عليه وآله ووضعه في حجره


1) الفصول المهمة في معرفة الأئمة ابن الصباغ : ج 1 ، ص 673 - 674 .

حتى خرجت نفسه، قال: فوضعه ثم بكى فقلت تبكي يا رسول الله وأنت تنهى عن البكاء ؟! فقال : إنّي لم أنْهَ عن البكاء، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين؛ صوت عند نعمة لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة لطم وجوه وشق جيوب. وهذه رحمةٌ ، ومَن لا يرحم لا يُرحم، يا إبراهيم لولا أنه وعدٌ صادقٌ وقول حق، وان آخرَنا سيلحق بأوّلنا لحزنًا عليك حزناً أشدَّ من هذا، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الربّ عزّ وجلَّ»(1).

بل الأكثر من ذلك فإنَّ الروايات سجّلت اعتراضه صلى الله عليه وآله على عمر بن الخطاب حين منع النساء عن البكاء على أمواتهن، ف-«لما ماتت زينب ابنة رسولِ الله صلى الله عليه وآله قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحقي بسلفنا


1) سنن الترمذي، الترمذي: ج 2، ص 237؛ المصنف ابن أبي شيبة الكوفي : ج 3، ص 266 ؛التمهيد، ابن عبد البر : ج 17، ص 284 ؛ تخريج الأحاديث والآثار الزيلعي: ج 2 ،ص 176 ؛نصب الراية الزيلعي ج 5، ص 89؛ سيرة ابن إسحاق، محمد بن إسحاق بن يسار:ج 5 ،ص 251 ؛ الطبقات الكبرى، محمد بن سعد : ج 1، ص 138 ؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري:ج 4 ، ص 40 ؛ مجمع الزوائد، الهيثمي: ج 3، ص 17 ؛ أحكام القرآن الجصاص : ج 3، ص 448 ؛ وج 3، ص 589 ؛ شرح معاني الآثار، أحمد بن محمد بن سلمة:ج 4 ، ص 293 ؛ الدراية في تخريج أحاديث الهداية ، ابن حجر : ج 2، ص172 ؛ المغني، عبد الله بن قدامه : ج 2، ص 411 ؛ نيل الأوطار ، الشوكاني : ج 4 ، ص 154 ؛ عون المعبود العظيم آبادي: ج13، ص186؛ شرح السير الكبير، السرخسي-: ج 1، ص109؛ فتوح مصر وأخبارها، القرشي المصري: ص 124 كنز العمال، المتقي الهندي: ج 15 ، ص 611 ، وص 615 ؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي: ج 8، ص 355؛ تحفة الأحوذي، المباركفوري: ج 4، ص 75- 76.

الصالح الخير؛ عثمان بن مظعون، فبكت النساء فجعل عمر يضربهنّ بسوطه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيده، وقال مهلاً يا عمر ثم قال: ابكين، وإياكنّ ونعيق الشيطان، ثم قال : ما كان من العين والقلب فمن الله عزّ وجلَّ ومن الرحمة، وما كان اليد واللسان فمن الشيطان»(1).فاعتراضُه على عمر وأمرُهُ صلى الله عليه وآله النسوة بالبكاء، ونسبته إلى الله عزّ وجل تصريح بالجواز كما هو ظاهر وقوله:«ما كان ... من اللسان فمن الشيطان إشارة إلى النياحة بالباطل والكلام بما لا يجوز وقول الخنا ولا إشكال في عدم جوازه. قال المناوي في شرح الحديث: «(ونعيق الشيطان) يعني الصياح والنوح. وأضيف للشيطان؛ لأنه الحامل عليه»،ثم قال: (وما يكون من اللسان واليد فمن الشيطان) أي هو الآمر والموسوس به، وهو ) مما يحبه ويرضاه(2). قال محمد بن سعد : ذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر، فقال: الثبت عندنا من جميع الرواية أنَّ رقية توفيت ورسول الله ببدر ولم يشهد دفنها، ولعل هذا الحديث في غيرها من بنات النبي صلى الله عليه وآله اللاتي شهد دفنهن، فإن كان في رقية وكان ثبتاً، فلعله أتى قبرها بعد قدومه المدينة، وبكاء النساء


1) مسند أحمد، أحمد بن حنبل : ج 1، ص 238؛ الاستيعاب، ابن عبد البر : ج 3، ص 1056؛ مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 3، ص 17؛ نيل الأوطار ، الشو كاني: ج 4 ، ص 149؛ تحفة الأحوذي، المباركفوري: ج 4، ص 75؛ كنز العمال المتقي الهندي : ج 15 ، ص 608 ، وص 621 ، وص 622 .

2) فيض القدير المناوي : ج 3، ص 167 .

عليها بعد ذلك»(1). أقول : فإنْ كان النبي صلى الله عليه وآله قد حضر دفنها، كان الحديث دالاً على جواز البكاء على الميت، وإن كان صلى الله عليه وآله لم يشهد دفنها ثم أتي قبرها بعد رجوعه، أفاد الحديث جواز البكاء وزيارة القبور معاً، كما هو واضح وأما بكاء الصحابة، وإقرار النبي صلى الله عليه وآله لهم على ذلك فالروايات به كثيرة، منها ما أوردناه في خبر بكاء نساء المؤمنين، ونضيف له ما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري: «أنَّ أباه يوم أحد قتله المشركون، ثم مثلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه، قال جابر: فجعلت أنظر إليه والى ما صنعوا به وصحت فجاءت الأنصار فسجوه بثوب، ثم إنّي كشفت الثوب، فلما رأيتُ ما صُنِعَ به صحت، فجاءت الأنصار فسجّوه بالثوب، قال: وذلك بعين رسول الله صلى الله عليه وآله، فذهب الأنصار حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول


1) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد: ج8، ص37؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج2، ص252. وقد روى ثلة من محدثي أهل السنة ومؤرخيهم عن ابن عباس أنها رقية. وفي الحديث تكملة: «قال: وجعلت فاطمة رضي الله عنها تبكي على شفير قبر رقية، فجعل رسول الله يمسح الدموع عن وجهها باليد أو قال بالثوب . انظر : تاريخ المدينة ابن شبة النميري: ج 1، ص 102 ص 102 - 103؛ مسند أحمد، أحمد بن حنبل: ج 1 ، ص 335؛ الطبقات الكبرى، محمد بن سعد : ج 3، ص 398 - 399 ، وج8، ص37؛ مسند أبي داود الطيالسي سليمان بن داود الطيالسي : ص 351؛ السنن الكبرى البيهقي : ج 4 ، ص 70، 71؛ الجامع الصغير، جلال الدين السيوطي: ج 1، ص 649؛ عمدة القاري، العيني: ج8، ص 75؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي: ج 8، ص 357 .

الله!ألا ترى ما يصنع جابر ؟ قال : دعوه . قلت : وفى الصحيح بعض هذا، رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات)(1).

مواظبة علي عليه السلام على زيارة قبرها

روى ابن الصباغ المالكي عن جعفر بن محمد صلى الله عليه وآله قال: : «لما ماتت فاطمة عليها السلام كان علي عليه السلام يزور قبرها في كل يوم )(2).

قال: وأقبل ذاتَ يومٍ فانكب على القبر فبكى وأنشأ يقول:

مالي مررتُ على القبور مسلماً ***قبر الحبيب فلم يرد جوابي

يا قبر مالك لا تجيب منادياً ***أمللت بعدي خلة الأحبابِ

فأجابه هاتف يسمع صوته، ولا يرى شخصه، وهو يقول:

قُل للحبيب فكيف لي بجوابكم ***وأنا رهينُ جنادل وترابِ

أكل التراب محاسني فنسيتكم ***وحجِبْتُ عن أهلي وعن أترابي

فعليكم مني السلام تقطعت*** مني ومنكم خلةُ الأحباب(3)


1) المعجم الأوسط، الطبراني : ج 2، ص 5 ؛ مجمع الزوائد، الهيثمي : ج 3، ص 19.

2) الفصول المهمة في معرفة الأئمة ابن الصباغ : ج 1 ، ص 673 - 674 .

3) الفصول المهمة في معرفة الأئمة، ابن الصباغ: ج 1 ، ص 673 - 674 .

البحث الثاني كرامات الزهراء عليها السلام

تمهید

اشارة

البحث في كرامات الأولياء من المواضيع التي تثير الحساسية عند بعض أبناء المذاهب الأخرى،فيلجأ إلى التهويل والتهجم على الشيعة،مفترياً عليهم بأنهم يرفعون أئمتهم إلى مرتبة الإلوهية تارةً وإلى مرتبة النبوة تارةً أخرى،وليس شيء من الافتراضين صحيحاً ولا يقول به الشيعة،إنَّما هو سوء الفهم للمتبنّيات الفكرية للشيعة،وعدم التحقيق في معالم أطروحتهم العقائدية، وعدم الرجوع إلى المصادر المعتبرة والتي يُعوّل عليها عندهم.كلُّ ذلك بغية إحداث المزيد من الفرقة والتباعد بين أبناء الطوائف الإسلامية المتعددة، وتفتيت،شملها، وفكّ عرى الإخاء فيما بينها،بيد أنَّ المسلمين بحاجة ماسة إلى التحلّي بالمزيد من الموضوعية في نقد الأفكار،

والتعرُّض للرؤى،وتحليل العقائد،وليس من شيء أنفع للأمة من التركيز على المشتركاتِ الكبيرة التي تجمع أبناءها،والحرص على إبراز تلك المشتركات إلى السطح الاجتماعي بموضوعية وبروح كبيرة تمثل روح الإسلام، لسد الطريق على

العابثين بالفكر، والمتصيدين بالماء العكر، وتفويت الفرصة على أعداء الإسلام.

وبما أن موضوع الكرامة من المواضيع الحساسة، فسوف نبين المراد من الكرامة، والفرق بينها وبين المعجزة، ثم نورد بعض الأدلّة على جوازها، ونبين بعدها آراء علماء أهل السنة فيها، وبعد ذلك نذكر شيئاً من كراماتِ الزهراء عليها السلام، مقتصرين على إيرادِ بعض ما جاء في مصادر أهل السنة.

أولاً: معني الكرامة والأدلة على جوازها

إنَّ الأمور الخارقة على قسمين: الأول: ما تحصل على طبق المراد، وهي صنفان:

1-ما يحصل للأنبياء على الخصوص، فإن حصل قبل البعثة، وقبل ادّعاء النبوة، سمِّي إرهاصاً، أي تأسيساً للرسالة. وإن حصل له بعد البعثة وكان مصحوباً بادعاء النبوة والتحدّي، سمّي معجزة.

2-ما يحصل لغير الأنبياء والرسل عليهم السلام ، من الصالحين، ولم يكن مصحوباً بالتحدّي ولا بادعاء النبوة، فهذا هو الكرامة.

القسم الثاني ما يحصل على خلاف المراد، كما حدث لمسيلمة الكذاب، إذ تفل في بئر فغار ماؤها ملحاً أجاجاً كبول الحمير، ومسح على رأس طفل فسقط شعره(1)،


1) بحار الأنوار، المجلسي: ج 18، ص 28؛ مستدرك سفينة البحار، النمازي: ج 1، ص 272 .

فهذا وإن كان خارقاً لكنَّه ليس معجزة ولا كرامة، بل يقال له: التبكيت أو الإخزاء. فالكرامة «هي أمر خارق للعادة، غير مقرون بدعوى النبوة، ولا هو مقدمة لها ، يظهرُ على يد عبدِ ظاهرِ الصلاح ... عَلِمَ بها أو لم يعلم»(1).

ومن خلال ذلك يتجلى لنا الفرقُ بين المعجزة والكرامة، بأنَّ المعجزة يشترط فيها التحدي،والاقتران بدعوى النبوة، كأن يقول النبيُّ لمن بعث إليهم: إن لم تقبلوا قولي فافعلوا مثل هذا كقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله للمشركين: (فاتوا بعشرِ سُوَرٍ مُثْلِهِ) (2)، وأما الكرامة فلا يشترط فيها التحدّي وليس فيها دعوى النبوة(3)، والأدلة على جوازها بل وقوعها كثيرة،منها:

الأول:قوله تعالى في قصَّةِ مريم بنت عمران عليها السلام:( كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكَ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابِ )(4).

والاستدلال بالآية يبتني على مقدمتين: الأولى: لاشك في أنَّ ما صدر منها


1) رسالة في إثبات كرامات الأولياء، شهاب الدين السجاعي الشافعي: ص3.

2) سورة هود 13 .

3) انظر تفسير الرازي الفخر الرازي: ج 6 ، ص 189 .

4) سورة آل عمران: 37 .

كان خارقاً، والثانية: إنَّ مريم عليها السلام لم تكن نبية، بل من الأولياء الصالحين فثبت صدور الأمور الخارقة من الأولياء والصالحين، وبما أنّ الذي صدر منها من الخوارق لم يقترن بادعاء النبوة والتحدّي، فليس هو معجزة بل كرامة، وبذلك يثبت المطلوب.

ثم إنَّ ما صدر منها من الخوارق كثيرة، منها: إنجابها من غير زوج، وظهور فاكهة الشتاء عندها في الصيف والعكس، ومنها ظهور الرطب الجني من الجذع اليابس حين هزّته، وغيرها(1).

الثاني:قوله تعالى في قصة آصف بن برخيا وصي النبي سليمان عليه السلام: (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ...)(2).

وهو كرامة واضحة، وأمر خارق للعادة، ولم يصدر من نبي حتى حتى يصنف ضمن المعجزات، ولم يكن مقروناً بالتحدي، ولا دعوى النبوة، كما أنه ليس معجزة


1) انظر المواقف، الإيجي: ج 3، ص 464 - 466 ؛ شرح المواقف، القاضي الجرجاني: ج 8، ص 288 - 289؛ الجامع لأحكام القرآن القرطبي : ج 11، ص 28 - 29؛ تفسير الرازي، الرازي: ج 8، ص 32؛ البداية والنهاية، ابن كثير : ج 2 ، ص 57 .

2) سورة النمل: 40 .

السليمان عليه السلام ، إذ لم يظهر على يده مقارناً لدعواه النبوة، وقد استدل به الإيجي في المواقف والقاضي الجرجاني في شرحه، وغيرهم على إمكان صدور الكرامة، بل وقوعها (1)، ومَن أنكر صدورها من غير الأنبياء فقد أنكر القرآن المصرّح بذلك، وهو بمثابة الرد على الله تعالى.

الثالث: ما يقولُ به البعضُ من استحالة صدور الأمور الخارقة من الأولياء لأنَّها بخلافِ قوانين الطبيعة أمرٌ غير صحيح؛ لأن خرق قوانين طبيعة ليس مستحيلاً عقلاً، ولا يترتب عليه مستحيل، خصوصاً إذا قلنا بأنَّ صدور الكرامة خاضع للإرادة الربانية وهي المتصرفة بالكون. وإنَّ أصحابَ الكراماتِ لا ينسبونها لأنفسهم، وإنَّماينسبونها إلى المتفضّل الوهّاب، الذي وسعت قدرتُهُ كلَّ شيء، ولا حول ولا قوة إلا به، وأنَّه على كلّ شيءٍ قدير، ولو قدر لصاحب الكرامةِ أنْ ينسبها لقدرته ونفسه لخرج من الدين وصار في جماعة المارقين.

وأما الروايات الدالة على وقوع الكرامة فكثيرة جداً، نقتصر على إيراد روايتين منها :

الرواية الأولى: أخرج البخاري، وأبو يعلى الموصلي، وابن عساكر، والإمام


1) المواقف، الإيجي : ج 3، ص 464 - 466 ؛ شرح المواقف، القاضي الجرجاني: ج8،ص289.

النووي، والفخر الرازي، وابن كثير، وغيرهم، قالوا - واللفظ للفخر الرازي-: «عن أنس: أنَّ أسيد بن خضير ورجلاً آخر من الأنصار، تحدثا عند رسول الله صلى الله عليه وآله في حاجة لهما حتى ذهب من الليل زمان، ثم خرجا من عنده، وكانت الليلةُ شديدة الظلمة، وفي يدكلّ واحد منهما عصا، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، فلما انفرق بينهما الطريقُ أضاءت للآخر عصاه فمشى في ضوئها حتى بلغ منزله»(1).

الرواية الثانية : روى الفخر الرازي والعلامة النبهاني والحافظ تقي الدين الناشري وغيرهم، قالوا - واللفظ للفخر الرازي - : « وأما علي كرم الله وجهه، فيروي أن واحداً من محبيه سرق، وكان عبداً أسوداً، فأتي به إلى عليّ {عليه السلام }فقال له: أسرقت؟ قال: نعم.

فقطع يده، فانصرف من عند علي عليه السلام ، فلقيه سلمان الفارسي وابن الكَوَّاء، فقال ابن الكَوَّاء : مَنْ قطع يدك ؟ فقال : أمير المؤمنين، ويعسوب المسلمين،


1) صحيح البخاري، البخاري: ج 1، ص 119 ، وج 4 ، ص 186 - 187؛ عمدة القاري، العيني: ج 4 ، ص 242 ، وج 16 ، ص 163؛ مسند أبي يعلى، أبو يعلى الموصلي: ج 5 ، ص 361؛ دلائل النبوة، إسماعيل الأصبهاني : ج 3، ص 1020؛ رياض الصالحين، النووي : ص 591 ؛ تاریخ دمشق، ابن عساکر : ج 9، ص88؛ البداية والنهاية، ابن كثير: ج6، ص 168 ؛ إمتاع الأسماع، المقريزي: ج 5، ص 317؛ تفسير الرازي، الفخر الرازي: ج 21 ، ص 89 .

وختن الرسول، وزوج البتول . فقال : قطع يدك وتمدحه؟ فقال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق، وخلصني من النار!

فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً [ عليه السلام ]، فدعا الأسود، ووضع يده على ساعده، وغطّاه بمنديل، ودعا بدعوات، فسمعنا صوتاً من السماء: ارفع الرداء عن اليد. فرفعناه، فإذا اليد قد برأت بإذن الله تعالى وجميل صنعه (1).

ثانيا:آراء علماء السنة في الكرامات

ما دام القرآن صريحاً في إثبات الكرامة، وقد أكدته الروايات الصحيحة، وليست هي من المستحيلات العقلية، فلا مبرر للقول بعدم جوازها، وعلى هذا اتفقت كلمة الغالبية العظمى من علماء ،المذاهب وكلامهم فيه واضح وصريح، قال القرطبي المالكي: كرامات الأولياء ،ثابتة على ما دلّت عليه الأخبار الثابتة،

والآيات المتواترة ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد، أو الفاسق الحائد»(2).

وقال ابن كثير الدمشقي : عند قوله تعالى : كُلمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا


1) تفسير الرازي الفخر الرازي: ج 21 ، ص 88 - 89؛ جامع كرامات الأولياء، النبهاني : ج 1 ، ص 155 ؛ انتهاز الفرص في الصيد والقنص، تقي الدين الناشري : ص79؛ معجم كرامات الصحابة، محيي الدين الطعمي: ص 92 .

2) تفسير القرطبي القرطبي : ج 11، ص 28 - 29 .

الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾ (1)قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، والسدي: يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف...وفيه دلالة على كرامات الأولياء، وفي السُّنة لهذا نظائر كثيرة»(2).

وصرَّح بجوازها الإيجي والقاضي الجرجاني في المواقف وشرحه، قال: «المقصد التاسع في كرامات الأولياء، وإنَّها جائزة عندنا - خلافاً لمن منع جواز الخوارق - واقعةٌ، خلافاً للأستاذ أبي إسحاق و الحليمي ...)(3). وردَّ الإمام الذهبي على أبي إسحاق الاسفرائيني لعدم قبوله كرامات الأولياء، قائلاً: «وحكى أبو القاسم القشيري عنه أنَّه كان ينكر كرامات الأولياء ولا يجوزها، وهذه زلَّة كبيرة (4). وأكد النفراوي والخليفي جوازها بعد الممات، فضلاً عن الحياة، وقد أجابا على فتوى مكتوبة: «أن كرامات الأولياء لا تنقطع بالموت(5).

تبين إلى هنا أنَّ صدور الكرامة على يد الأولياء أمر طبيعي، وقد وقع من


1) سورة آل عمران: 37.

2) تفسير ابن كثير ابن كثير : ج 1 ، ص 368 .

3) المواقف، الإيجي: ج 3، ص 464 ؛ شرح المواقف، القاضي الجرجاني : ج 8، ص 288 - 289 .

4) سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج 17 ، ص 355.

5) عجائب الآثار الجبرتي: ج 1 ، ص 84.

الكثيرين في زمن النبي صلى الله عليه وآله أو بعده، كما هو أمر ثابت في حق الأحياء والأموات من الأولياء، وأما ما يقوله البعض وينكر فيه على غير أبناء مذهبه فهو جهل ومخالفة لما عليه السواد الأعظم من علماء الأمة.

ثالثا:نماذج من كرامات الزهراء عليها السلام للزهراء عليها السلام كرامات كثيرة، في حياتها وبعد مماتها، وقد أدرجها المسلمون من الطوائف الإسلامية المختلفة في أمَّهاتِ مصنفاتهم إدراج المسلمات، ونحن نذكر بعض كراماتها، في حياتها وبعد مماتها، ليقف القارئ الكريم على حُفَّت الفيوضات الإلهية التي حظيت بها النسمة الطاهرة، والعنايات الربانية التي بهذه الدّرة الفاخرة:
الأولى:نزول مائدة من السماء كرامة لها:

روي عن أبي سعيد الخدري قال: «أصبح علي رضي الله عنه ذات يوم فقال: يا فاطمة! هل عندك شيء تغدّينيه؟ قالت: لا، والذي أكرم أبي بالنبوة، ما عندي شيء أغديكه به، ولا أكلنا بعدك شيئاً، ولا كان شيء منذ يومين من طعمة إلا شيئاً أوثرك به على بطني وعلى ابني هذين.

قال:يا فاطمة، ألا أعلمتني حتى أبغيكم شيئاً؟! قالت: إنّي أستحيي من الله

أن أكلّفك ما لا تقدر عليه.

فخرج من عندها واثقاً بالله وحسن الظن به واستقرض ديناراً، فبينا الدينار بيده أراد أن يبتاع لهم ما يصلح لهم إذ عرض له المقداد في يوم شديد الحرّ، قد لوّحته الشَّمس من فوقه وآذته من تحته فلما رآه أنكره قال: يا مقداد، ما الذي أزعجك من رحلك هذه الساعة ؟

قال: يا أبا حسن، خلّ سبيلي ولا تسألني عما ورائي، فقال: يا ابن أخي إنَّه لا يحل لك أن تكتمني حالك.

قال: أما إذ أبيت فو الذي أكرم محمداً بالنبوة ما أزعجني من رحلي إلا الجهد، ولقد تركت أهلي يبكون جوعاً، فلما سمعت بكاء العيال لم تحملني الأرض فخرجت مغموماً راكباً رأسي، فهذه حالي وقصتي، فهملت عينا عليّ رضي الله عنه بالبكاء حتى بلت دموعه لحيته.

ثم قال: أحلف بالذي حلفت ما أزعجني غير الذي أزعجك، ولقد اقترضت ديناراً فهاك آثرتك به على نفسي فدفع إليه الدينار ورجع حتى دخل مسجد النبي صلى الله عليه وآله فصلّى فيه الظهر والعصر والمغربَ ، فلما قضى النبيُّ صلى الله عليه وآله صلاة المغرب مرَّ بعلي عليه السلام في الصف الأول فغمزه برجله

فسار على خلف النبي صلى الله عليه وآله حتى لحقه عند باب المسجد، فقال: يا أبا الحسن، هل عندك شيءٌ تعشينا به؟ فأطرق على رضى الله عنه لا يحر جواباً حياءً من النبي صلى الله عليه وآله، وقد عرف الحال التي خرج عليها، فلما نظر النبيُّ صلى الله عليه وآله إلى سكوت عليّ، قال: يا أبا الحسن، إما أن تقول لا فننصرف عنك أو نعم، فنجيء معك؟

فقال له:حبَّاً وكرامةً بلى اذهب بنا، وكان الله تعالى قد أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وآله أن تعشّى عندهم، فقال علي: بلى.

فأخذ النبيُّ صلى الله عليه وآله بيده، فانطلقا حتى دخلا على فاطمة عليها السلام في مصلّى لها، وقد صلَّتْ وخلفها جفنةٌ تفور دخاناً، فلما سمعت كلام النبي صلى الله عليه وآله في رحلها خرجت من المصلى فسلمت عليه - وكانت أعزّ الناس عليه - فردَّ السَّلام، ومسح بيدِهِ على رأسها، وقال: كيف أمسيتِ رحمك الله؟ عشينا

غفر الله لك، وقد فعل.

فأخذت الجفنة فوضعتها بين يديه، فلما نظر علي رضي الله عنه وشم ريحه ...فقال:أليس عهدي بك اليوم وأنت تحلفين بالله مجتهدةً ما طعمت طعاماً من يومين، فنظرت إلى السَّماء فقالت: إلهي يعلم في سمائه ويعلم في أرضه أني لم أقل إلا

حقاً، قال: فأَنَّى لك هذا الذي لم أرَ مثله قط، ولم أشم مثل رائحته ولم أكل أطيب منه ؟ فوضع النبي صلى الله عليه وآله كفَّه المباركة بين كتفي علي رضي الله عنه ثم هزّها وقال : يا علي هذا ثواب دينارك ، هذا جزاء دينارك، هذا من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب، ثم استعبر النبيُّ صلى الله عليه وآله باكياً، فقال: الحمد لله الذي أبى لكما أنْ يخرجكما من الدنيا حتى يجريكَ في المجرى الذي أجرى فيه زكريا، ويجريكِ يا فاطمة بالمثال الذي جرت فيه ،مريم، ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ...(1))(2).

الثانية:دوران الرحا بين يديها

في لسان الميزان ، وميزان الاعتدال عن ميمونة، قالت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله بقمح إلى فاطمة لتطحنه ، ثم ردَّني إليها، فوجدتها نائمةً، والرحى تدور، فأخبرتُ النبيَّ صلى الله عليه وآله، فقال: إنَّ الله عَلِمَ ضعفَ فاطمة، فأوحى إلى الرّحى أن تدور فدارت)(3).


1) سورة آل عمران : 37.

2) ذخائر العقبی محب الدين الطبري : ص 45 ؛ فضائل سيدة النساء، عمر بن شاهين: ص 25 - 27 ؛ أهل البيت عليهم السلام ، توفيق أبو علم : ص 12 ؛ السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام محمد بيومي ص 173 .

3) لسان الميزان ابن حجر : ج 5 ، ص 64 ؛ ميزن الاعتدال، الذهبي : ج 3، ص 468 .

وفي رواية الخوارزمي: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله قال لها: اذهبي بهذا الصَّاع إلى فاطمة تطحنه لنا، فبينما هي تطحن إذ غلبتها عينها، فذهب بها النوم، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله : قد أبطأ علينا طعامنا، فانظري ما حبسها، فذهبت ميمونه، فاطلعت من الباب، فإذا الرَّحى تدور وإذا فاطمة نائمة، فرجعت إلى رسولِ الله صلى الله عليه وآله، فقالت: رأيتُ فاطمة نائمةً والرّحى تدور، فقال: ما أحد يديرها؟ قالت : ما أحد يديرها، فقال: رَحِمَ الله جل جلاله أمَتَهُ حيث رأى ضعفها فأوحى إلى الرَّحى ،فدارت، فجائت ميمونة إلى طعامها، وقد فرغ الرَّحى

طحنه(1).

وقال توفيق أبو علم ومن مزيدِ فضلِهم أنَّ الله قد وكَّل بعض الملائكة بمعونتهم . وكما ورد عنه صلى الله عليه وآله : أنَّه أرسل أبا ذر ينادي علياً، فرأى رحى تطحن في بيته، وليس معها أحدٌ، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله بذلك، فقال: يا أبا ذر ، أما علمتَ أنَّ لله ملائكةً سياحين في الأرض قد وكَّلوا بمعونة آلِ محمد صلى الله عليه وآله»(2).


1) مقتل الحسين عليه السلام ، الخوارزمي: ص 68 .

2) السيدة نفيسة عليها السلام، توفيق أبو علم: ص 45 .

الثالثة امتلاء الجفنة خبزا :ولحما

روى الثعلبي وابن كثير والإمام الصالحي الشامي، وجماعة، واللفظ للأخير، قال: «روى أبو يعلي عن جابر، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شقّ عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئاً، فأتى فاطمة فقال :يا بنيَّة، هل عندك أكلة، فإنّي جائع؟ فقالت:لا والله بأبي أنت وأمي، فلما خرج من عندها بعثت إليها جارةٌ لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها فوضعته في جفنة لها،وغطّت عليها قالت والله لأوثرنَّ بهذا رسول الله صلى الله عليه وآله على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فرجع إليها، فقالت له: بأبي أنت وأمي قد أتى الله بشيء فخبأته لك،قال: هلمي، فأتته فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً، فلما نظرت إليها ،بهتت، وعرفت أنّها بركة من الله، فحمدت الله وصلت على نبيه وقدَّمته إلى النبي صلى الله عليه وآله، فلما رآه حمد الله، وقال: من أين لك هذا يا بنية ؟ فقالت: يا أبت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عليّ، ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وآله

وأهل بيته جميعاً حتى شبعوا وبقيت الجفنة كما هي، قال: فأوسعت ببقيتها على جميع جيرانها، وجعل الله فيه بركةً وخيراً كثيراً»(1).

وفي تفسير الكشاف للزمخشري: عن النبي صلى الله عليه وآله أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رضي الله عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها، وقال: هلمي يا بنية، فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله، فقال لها صلى الله عليه وآله: أنَّى لك هذا؟ فقالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فقال عليه الصلاة والسلام الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل، ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وآله عليَّ بن أبي طالب والحسن والحسين وجميعَ أهل بيته فأكلوا عليه حتى شبعوا، وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها»(2).

رابعا امتلاء قدرها طعاما

روى ابن سعد في الطبقات الكبرى، والإمام الصالحي في سبل الهدى


1) تفسير الثعلبي، الثعلبي : ج 3، ص 57 ؛ البداية والنهاية، ابن كثير : ج 6 ، ص 120 - 121؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي، ج 11، ص 47 ، الدر المنثور السيوطي: ج 2، ص20؛ تفسير الآلوسي، الآلوسي: ج 3، ص 141.

2) الكشاف الزمخشري : ج 1، ص 427 .

والرشاد، والشرقاوي في أهل البيت عن علي رضي الله تعالى عنه: بتنا ليلةً بغيرِ عشاء، فأصبحتُ فخرجتُ ثم رجعتُ إلى فاطمة عليها السلام وهي محزونة، فقلت: مالك؟ فقالت: لم نتعشَّ البارحة ولم نتغد اليوم وليس عندنا عشاء، فخرجتُ فالتمستُ فأصبتُ ما اشتريتُ طعاماً ولحماً بدرهم، ثم أتيتها به فخبزت وطبخت، فلما فرغت من إنضاج القدر، قالت: لو أتيتَ أبي فدعوته، فأتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وهو مضطجع في المسجد، وهو يقول: أعوذ بالله من الجوع ضجيعاً، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! عندنا طعام فهلم، فتوكَّأ عليَّ حتى دخل والقدر تفور، فقال: اغرفي لعائشة، فغرفت في صَحْفَة(1)، ثم قال: اغرفي لحفصة فغرفت في صَحْفَة، حتى غرفت لجميع نسائه التسع، ثم قال: اغرفي لأبيك وزوجك فغرفت فقال اغرفي فكلي فغرفت، ثم رفعت القدر، وإنَّها لتفيض، فأكلنا منها ما شاء الله»(2).


1) الصَّحْفَة: القصعة، قال الكسائي : أعظم القصاع الجفْنَةُ ، ثم القضعةُ تليها تشبع العشرة، ثم الصحْفَةُ تشبع الخمسة ونحوهم، ثم المنكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة تشبع الرجل. (لسان العرب، ابن منظور : ج 9، ص187).

2) الطبقات الكبرى ابن سعد : ج 1، ص 186 ؛ سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 9 ، ص 486 ؛أهل البيت الشرقاوي : ص 98 - 99 .

خامسا: تكلّم الناقة معها

في نزهة المجالس للصفوري الشافعي: «قال النسفي : خرجت فاطمة رضي الله عنها، ليلاً فخاطبتها ناقةُ النبي صلى الله عليه وآله العضباء التي أصابها من خيبر، فقالت : السلام عليك يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ألك حاجة إلى أبيك فإنّي ذاهبة إليه، فبكت فاطمة رضي الله عنها، وجعلت رأسَ الناقة في حجرها حتى ماتت في تلك الساعة، فكفَّنتها في عباءة ودفنتها، ثم كشفوا عنها بعد ثلاثة أيام، فلم يجدوا لها أثراً، فنطقها لها من بعض كراماتها، فإنّها لم تنطق إلا لها ولأبيها صلى الله عليه وآله قالت يا رسول الله ، كنت لرجل من اليهود، فكنت أخرج أرعى، فينادي النبات إليَّ إليَّ فإِنَّك لمحمد صلى الله عليه وآله، وإذا كان الليل نادى السباع بعضُهم بعضاً: لا تقربوها فإنَّها لمحمد صلى الله عليه وآله)(1).

سادسا: ما جاعت من دعا لها النبي

روى الزرندي الحنفي أنَّ فاطمة عليها السلام أقبلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فوقعت بين يديه من شدة الجوع، فنظر إليها وقد غلبت الصفرة على وجهها، وذهب الدم من شدة الجوع ، فقال : ادني يا فاطمة، فدنت، ثم قال: ادني يا


1) نزهة المجالس الصفوري: ج 2، ص228.

فاطمة، فدنت حتى وقفت بين يديه، فوضع يده على صدرها في موضع القلادة وفرج بين أصابعه، ثم قال: «اللهم مشبع الجاعة، ورافع الوضعة، لا تجع فاطمة بنت محمد ..». قال عمران بن حصين فسألتها، فقالت ما جعت بعد یا عمران (1)، وفي السيرة الحلبية فذهبت الصفرة عنها حالاً، ولم تشك بعد ذلك جوعاً»(2).

سابعا:نزول مائدة من السماء بدعائها

عن عائشة قالت: بينما النبيُّ صلى الله عليه وآله في مسجد المدينة ومعه المهاجرون والأنصار إذ جاء أعرابي قد صاد ضباً، فقال: يا محمد، ما اشتملت النساء على ذي لهجة هو أكذب منك، ولولا خصلة فيك لملئت سيفي هذا منك، فوثب إليه عمر، فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله: لقد كاد الحليم أنْ يكونَ نبياً، ثم قال: يا أخا بني سليم، والله إني لأمين في السَّماء، محمود عند الملائكة، أمين في الأرض، محمود عند الآدميين، فلا تسمعني في مجلس إلا خيراً، ولا تقل في إلا حقاً، قال : فباللات والعزى لا أو من بك، ولا أصدقك حتى يشهد لك هذا الضب، فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله يا ضب من ربُّك ؟ فقال : الذي في السَّماء عرشه، وفي


1) نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي ص 119 ؛ إمتاع الأسماع، المقريزي: ج 11،ص277؛ سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 10، ص 201 .

2) السيرة الحلبية، الحلبي : ج 3، ص 363 .

الأرض سلطانه، قال: مَن أنا يا ضب ؟ فقال : أنت محمد بن عبد الله، سيّد النبيين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، أفلح من صدَّقك، وخابَ من كذَّبك، فولّى السليمي وهو يضحك، فقال : يا أخا بني سليم أتستهزئ بالله ثم بي، قال : والله يا محمد ما أستهزئ بالله ولا بك، ولقد جئتك وما على وجه الأرض أبغض إلى منك،

والآن ما على وجه الأرض أحبُّ إليَّ منك، قال: أسلم، فأسلم... ثم قال: يا أخا بني سليم! هل لك من شيء من عرض هذه الدنيا؟ قال: لا، والذي بعثك بالحق نبيَّاً ما في بني سليم أفقر مني، فقال: من يضمن للسليمي ناقةً من نُوقِ الدنيا أضمن له على الله ناقةً من نُوقِ الجنَّة، فقال عبد الرحمان بن عوف : يا رسول الله ! ناقة صفتها كذا وكذا، فقال: يا ابن عوف ! وصفت الناقةَ التي عندك، أفلا أصفُ الناقةَ التي عندنا قال نعم قال هي من لؤلؤة بيضاء، عنقها من ياقوتة حمراء، ذنبها من زمردةٍ خضراء، شعرها من الزعفران، سنامها من الكافور،وقوائمها من أنواع الجواهر، رَحلُّها من السندس والإستبرق، ثم قال النبيُّ صلى الله عليه وآله: مَن يتوّج الأعرابي وله على الله تاج الوقار، فأعطاه علي عمامته، ثم قال: من يزوّد الأعرابي وله على الله زاد التقوى، قيل : وما زاد التقوى، قال: إذا كان أوَّلُ يو يوم من أيام الآخرة وآخرُ يومٍ من أَيَّامِ الدنيا لقنه الله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً

رسول الله ، فقام سلمان الفارسي رضي الله عنه، فأتى فاطمة، فأخبرها، فقالت: لنا ثلاثة أيام لم نجد شيئاً، ولكن خُذ درعي، وارهنه عند شمعون اليهودي على صاعين من شعير، وصاع من التَّمر،فلما جاءه، قال شمعون: هذا درع فاطمة؟ قال: نعم، قال: هذا هو الزهد الذي أخبرنا به موسى عليه السلام في التوراة، أشهد أن لا إله

إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله ، ثم ردَّ الدّرعَ ، وأعطاه الشَّعير والتَّمر، فطحنت الشَّعير، وخبزته، ثم قالتْ خُذه يا سلمان فقال: خُذي منه شيئاً لأولادك، فقالت: شيء خرجنا عنه الله، فلا نأخذ من شيئاً، فدفعه للأعرابي، ثم جاء النبيُّ صلى الله عليه وآله ،فاطمة، فوجدها مصفرَّةَ اللون، فسألها، فقالت : من الجوع، فقال: يا ربّ هذه بنت نبيك وابناها، فارحمهم، ثم أمرها أن تدخل المخْدَع(1)، فتوضأت وصلت ركعتين، وقالت: اللهم إنّ فاطمة بنتَ نبيك قد أضرَّ بها الجوع، وهذا عليُّ بن أبي طالب ابنُ عم نبيك، قد أضرَّ به الجوع، فأنزل اللهم علينا مائدةً من السَّماء كما أنزلتها على بني إسرائيل، فكفروا، وإنَّا مؤمنون، وإذا بقصعة فيها ثريد لحم ريحها أطيب من المسك، فخرجت بها، فقال علي: أنَّى لك هذا، قالت: هو من عند الله، فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله : الحمد لله الذي أراني بنتاً مثلها كمثل مريم، كلّما دخل


1) نزهة المجالس ومنتخب النفائس الصفوري: ج 1 ، ص 224 ؛ وانظر : مقتل الحسين عليه السلام ، الخوارزمي : ص 71 .

عليها زكريا المحراب وجدَ عندها رِزْقاً، قال: يا مريمُ أَنَّى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله، الآية، هذا ما تصدَّقتْ به فاطمة على الأعرابي قد أعطاها الله مائة مائدة في الجنَّةِ وهذا منها ، فأكلوا حتى شبعوا ثم ارتفعت (1).

الخلاصة : هذا نزر يسير من كراماتها مما أوردته مصادر أهل السنة، ولو أردنا الاستقصاء لاحتجنا إلى مصنف مستقل.


1) المِخْدَعُ، وهو البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير وتضم ميمه وتفتح. مأخوذ من الخدع وهو إخفاء الشيء. لسان العرب ابن منظور: ج 8، ص 65).

البحث الثالث فاطمة الزهراء عليها السلام في عالم الحشر

تمهید

اشارة

من خلال ما عرضناه في الفصول السابقة من بيان مختصر للمكانة المثلى لسيدة النساء عليها السلام تتجلى أمامنا صورة متألقة في عالم الحشر لتلك الأنوثة الكاملة، والتي تتضح ملامحها عند التدبّر في مضامين بعض الروايات التي حفلت بها مصادر

أهل السنة، وإليك اليسير منها :

أولاً:أنها تبعث أمام رسول الله صلى الله عليه وآله

أخرج الحاكم النيسابوري بسند صحيح على شرط الشيخين، والخوارزمي في مقتل الحسين عليه السلام ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله تُبعث الأنبياء يومَ القيامة على الدواب، ليوافوا بالمؤمنين من قومهم المحشر، ويُبعث صالح على ناقته، وأبعث على البراق خطوها عند أقصى طرفها، وتبعث فاطمة

أمامي . قال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه(1).


1) المستدرك ، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 153 ؛ مقتل الحسين عليه السلام ، الخطيب الخوارزمي: ص 55.

ثانيا:تحشر على ناقة النبي العضباء

أكّدت الروايات السنية ما ورد في مصادر الحديث الشيعية في صفة حضور

الزهراء عليها السلام في عالم الحشر، ومما ورد في هذا الشأن اشتمل على التصريح

بأنها عليها السلام تحشر على ناقة النبي صلى الله عليه وآله العضباء، وقد روى ذلك جماعةٌ من الصحابة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، منهم:

1-سويد بن عمير:

روى المتقي الهندي والعقيلي والذهبي وابن حجر، وجماعة، عن سويد بن عمير عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله قال - واللفظ للمتقي الهندي -:«حوضي أشربُ منه يوم القيامة، ومَن اتَّبعني ومَن استسقاني من الأنبياء، ويبعث الله ناقةَ ثمود لصالح فيحلبها فيشرب من لبنها هو والذين آمنوا معه من قومه، ثم يركبها من قبره حتى يوافي به المحشر ولها ،رغاء، فقيل : يا رسول الله ! وأنت يومئذ على العضباء؟ قال: لا، ابنتي فاطمة على العضباء وأحشر أنا على البراق(1).

وأخرجه ابن مخلد القرطبي، والحافظ ابن بشكوال، وابن حجر في الإصابة،


1) كنز العمال، المتقي الهندي : ج 14، ص 431 - 432؛ ضعفاء العقيلي، العقيلي: ج 3، ص 64 - 65؛ ميزان الاعتدال الذهبي: ج 2، ص 645 ؛ لسان الميزان، ابن حجر : ج 4 ، ص 52 .

ولكنهم اسقطوا منه ما يتعلَّق بفاطمة عليها السلام وما بعده (1).

2-علي عليه السلام

أخرج الحافظ ابن عساكر، والمتقي الهندي والذهبي، وابن حجر، عن علي عليه السلام ، قال - واللفظ لابن عساكر - : «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا القيامة حُمِلْتُ على البراق، وحُمِلَتْ فاطمة على ناقة العضباء، وحمل بلال كان يومُ على ناقة من نوق الجنة، وهو يقول: الله أكبر إلى آخر الأذان، يُسمع الخلائق.(2)

3- بريدة:

أخرج الحافظ ابن عساكر عن بريدة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله يبعث الله ناقة صالح، فيشرب من لبنها هو ومن آمن به من قومه، ولي حوض كما بين عدن إلى عمان، أكوابه عدد نجوم السَّماء فيستسقي الأنبياء، ويبعثُ الله صالحاً على ناقته، قال معاذ بن جبل : يا رسول الله ! وأنت على العضباء؟ قال: أنا على

البراق، يخصني الله به من بين الأنبياء، وفاطمة ابنتي على العضباء(3).


1) ما روي في الحوض والكوثر ، ابن مخلد القرطبي : ص 142؛ جزء بقي بن مخلد، ابن بشكوال : ص 142 ؛ الإصابة ، ابن حجر: ج 3، ص188 .

2) تاريخ مدينة دمشق ابن عساکر : ج 10، ص 459 ؛ كنز العمال المتقي الهندي : ج 11، ص 654 ؛ ميزان الاعتدال الذهبي: ج 3، ص 315؛ لسان المیزان، ابن حجر: ج 4 ، ص 399 .

3) :(35) تاريخ مدينة دمشق ابن عساكر : ج 10 ، ص 458 - 459 .

ثالثا:مطالبتها بدم الحسين عليه السلام

عكست الروايات صورةً مؤلمةً تحكي جانباً من المأساة التي تعرض لها أهل البيت عليهم السلام ، حيث يتراءى للجمع في معالم تلك الصورة: مرور الزهراء عليها السلام على ناقة النبي صلى الله عليه وآله العضباء سالكة طريقها إلى جنة الخلد، وسط مباركة سبعين ألف من الحور ، غير أنّ هذا الركب سرعان ما يتوقف فتقف الزهراء عليها السلام ثم تتعلق بقوائم العرش، وتُخرج قميصاً للحسين عليه السلام ملطخاً بدمه وتنادي: يا حكم احكم بيني وبين من قتل ولدي». فتقتص من قاتليه وتشفع للباكين عليه.

روى الخطيب الخوارزمي، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة، عن علي عليه السلام رفعه: «تُحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة بالدماء، تتعلق بقائمة من قوائم العرش، تقول يا حكم احكم بيني وبين من قتل ولدي، فيحكم الله لابنتي، ورب الكعبة»(1).

وفي ينابيع المودة أيضاً عنه عليه السلام : «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش يا أهلَ القيامة غُضّوا أبصاركم لتجوز فاطمةَ بنتُ محمد ، مع قميص


1) مقتل الحسين، الموفق الخوارزمي : ص 52 ؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2، ص 323.

مخضوب بدم الحسين فتحتوي على ساق العرش، فتقول: أنت الجبارُ العدلُ إقض بيني وبين من قتل ولدي، فيقضي الله لابنتي ورب الكعبة، ثم تقول : اللهم اشفعني فيمن بكى على مصيبته فيشفعها الله فيهم(1).

وفي نظم درر السمطين: «قال محمد بن سيرين وُجِدَ حجرٌ قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وآله بثلاثمائة سنة ، وقيل : بخمسمائة سنة، عليه مكتوب بالسريانية، فنقلوه إلى العربية، فإذا هو :

أترجوا أمةٌ قتلت حسيناً ***شفاعةً جده يوم الحساب

وقال سليمان بن يسار: وُجِدَ حجرٌ مكتوب عليه :

لابد أن ترد القيامة فاطم ***و قميصها بدم الحسين مُلطَّخ

ويل لمن شفعانه ***خصاؤه والصور في يوم القيامةِ يُنْفَخُ(2)

أقول : ومما يضحك الثكالى ما رواه ابن أبي الحديد المعتزلي، من ترهات السفهاء وضعاف العقول: «إنَّ أحد خطباء المشبّهة من أهل السنة، يقصُّ على الناس بطبرستان، فقال يوماً في قصصه : إنَّ يوم القيامة تجيء فاطمة بنت محمد، معها


1) ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي : ج 2، ص323.

2) نظم درر السمطين الزرندي الحنفي: ص219.

قميص الحسين ابنها تلتمس القصاص من يزيد بن معاوية، فإذا رآها الله تعالى من بعید، دعا يزيد وهو بين يديه فقال له ادخل تحت قوائم العرش، لا تظفر بك فاطمة، فيدخل ويختبئ، وتحضر ،فاطمة، فتتظلم وتبكي، فيقول سبحانه: انظري يا فاطمة إلى قدمي، ويخرجها إليها، وبه جرح من سهم نمرود، فيقول: هذا جرح نمرود في قدمي، وقد عفوت عنه، أفلا تعفين أنت عن يزيد فتقول: اشهد يا رب إنِّي قد عفوت عنه)(1).

وكلامه رغم تفاهته إلا أنه يتضمن الإقرار بمطالبة فاطمة الزهراء عليها السلام يوم القيامة بدم الحسين الشهيد عليه السلام ،ولعمري لقد ضرب الخطيب السفيه الجاهل رأسه بحجر،وخصم نفسه، وسقط فيما أراد الفرار منه.

رابعا:مرورها على الصراط

من أبرز مواقف القيامة التي تشهد احتفاءً خاصاً وفريداً بسيدة النساء عليها السلام، عندما ينادي المنادي من وراء الحجاب ويأمر أهل الجمع أن ينكسوا روؤسهم ويغضوا أبصارهم،فتنحني الرقاب وتُغَضُّ الأبصار وتُطأطأ الرؤوس احتراماً لسيد نساء أهل الجنة عليها السلام على ما تواترت به الأخبار وسطّره


1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد : ج 3، ص 226 - 227 .

علماء الآثار عن النبي المختار صلى الله عليه وآله، ومن تلك الروايات:

1-حديث علي عليه السلام

أخرج السيوطي، والزرندي الحنفي، والمتقي الهندي، والعجلوني،وابنُ الأثير،والذهبي، والحاكم في المستدرك، وصححه على شرط الشيخين، ولفظه: (عن أبي جحيفة عن علي عليه السلام قال سمعت النبيَّ صلى الله عليه وآله يقول: إذا كان يوم القيامةِ نادى منادٍ من وراء الحجاب يا أهل الجمع غضوا أبصاركم عن فاطمةَ بنتِ محمد صلى الله عليه وآله حتى تمر (1). وزاد الشبراوي الشافعي في آخره: « فهى أوَّلُ من يُكْسَى (2)، وقال ابن أبي الحديد المعتزلي معقباً عليه وهذا من الأحاديث الصحيحة، وليس من الأخبار المستضعفة(3)، واستدل به الملا علي القاري على تفضيلها على مريم العذراء عليها السلام قال: « وفي هذه الأحاديث دلالة على تفضيلها على مريم(4).


1) المستدرك ، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 153؛ الجامع الصغير السيوطي: ج 1، ص 127؛ نظم درر ص127؛ السمطين، الزرندي: ص 182 ؛ كنز العمال المتقي الهندي : ج 12، ص 107 ؛ كشف الخفاء، العجلوني: ج 1 ، ص 96؛ أسد الغابة ابن الأثير : ج 5 ، ص 523 ؛ میزان الاعتدال الذهبي : ج 2، ص 382؛ الكشف الحثيث سبط ابن العجمي: ص 148 .

2) الإتحاف بحبّ الأشراف، الشبراوي: ص 256 .

3) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد المعتزلي: ج 9، ص 193.

4) جمع الوسائل الملا علي القاري : ج 2، ص 270 .

وقال المناوي في شرحه: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد» أي من الملائكة ونگره للتعظيم وزاده تبجيلاً بقوله: «من وراء الحجب» أي بحيث لا يبصره أهل الموقف، يا أهل الجمع أي يا أهل الموقف الذي اجتمع فيه الأولون والآخرون، «غضوا أبصاركم »نكسوها، «عن فاطمة بنت محمد حتى تمر» أي تذهب، وتجوز إلى الجنة، فتمرّ في سبعين ألفِ جاريةٍ من الحور كمرّ البرق، وأهل الجمع هم أهل المحشر الذي يجمع فيه الأولون والآخرون، والقصد بذلك إظهار شرفها ونشر فضلها بين الخلائق (1).

وأخرج الطبراني، الهيثمي، والمقريزي، والحاكم وصححه، وغيرهم، ولفظه عند الحاكم : عن علي رضي الله عنه قال:قال النبي صلى الله عليه وآله إذا كان يومُ القيامة قيل: يا أهل الجمع غُضُّوا أبصاركم وتمرُّ فاطمةُ بنتُ رسولِ الله صلى الله عليه وآله، فتمر وعليها ريطتان (2)خضراوان» (3).


1) فيض القدير، المناوي: ج 1 ، ص 549 .

2) الرَّيْطةُ : المُلاءَةُ والمِلْحَفَة، وجمعها رَيْطٌ ورِياطٌ.

3) المعجم الكبير، الطبراني : ج 1 ، ص 108 ؛ ج 22، ص 400 ؛ المستدرك ، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 161؛ مجمع الزوائد، الهيثمي: ج 9، ص 212؛ لسان الميزان ابن حجر : ج 3، ص 395؛ إمتاع الأسماع، المقريزي: ج 4 ، ص 195؛ الفصول المهمة ابن الصباغ المالكي: ج 1 ، ص 661؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي : ج 10، ص 386 .

2- حديث أبي هريرة

أخرجه المقريزي والصالحي الشامي والعجلوني والقندوزي الحنفي، عنه قال -واللفظ للمقريزي -: «سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من وراءِ الحُجُب : يا أَيُّها الناس! غُضُّوا أبصارَكم ونَكْسُوا ، فإِنَّ فاطمة بنت محمدٍ تجوز الصراط إلى الجنَّة»(1).

وفي لفظ المتقي الهندي : «إذا كان يوم القيامة ينادي مناد من بطنان العرش (2)أيُّها الناس! غُضُّوا أبصاركم أيُّها الناس غُضُّوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة إلى الجنة» (3).

واعلم أنَّ الأمر بغض الأبصار في عالم الحشر مع انتفاء التكليف وانشغال الناس، إنّما هو لإظهار فضل سيدة النساء عليها السلام، وإبراز مكانتها للخلق، وقد أشار إلى ذلك المناوي بقوله :(وإنّ المرادَ إظهارُ شرفِ بنتِ خاتم الأنبياء على رؤوس


1) إمتاع الأسماع، المقريزي : ج 4 ، ص 195 ؛ سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 11 ، ص 50 ؛ ينابيع المودة، القندوزي : ج 2، ص 478 ؛ تاج العروس الزبيدي : ج 10، ص320؛ كشف الخفاء، العجلوني : ج 1 ، ص 96 .

2) بطنان العرش وسطه، وكذا بطنان الجنة.

3) كنز العمال المتقي الهندي: ج 12، ص 106 .

الأشهاد في ذلك الموقف، بإسماعهم ذلك، وإن كانوا في شغل شاغل عن النظر)(1).

3-حديث أبي أيوب

روى الذهبي والنقاش والزرندي الحنفي - واللفظ له - عن أبي أيوب الأنصاري، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة جمعَ اللهُ الأولين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ، ثم نادى من بطونِ العرشِ إِنَّ الجليل جلَّ جلاله يقول : نَكْسُوا رؤوسكم وغُضُّوا أبصاركم، فإنَّ هذه فاطمة بنت محمد تريد أنْ تمرَّ على الصراط (2). ورواه المتقي الهندي عن الغيلانيات لأبي بكر ، قال: «إذا كان يوم القيامةِ نادي منادٍ من بطنانِ العرش يا أهلَ الجَمع نَكْسُوا رؤوسكم وغُضُّوا أبصاركم حتى تمرَّ فاطمة بنت محمد على الصراط، فتمرّ مع سبعين ألفِ جارية من الحورِ العِينِ كمرَّ البَرق)(3).

وفي ذخائر العقبى: «قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش يا أهل الجمع ! نَكْسُوا رؤوسَكم وغُضُّوا


1) فيض القدير، المناوي : ج 1، ص 539.

2) نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي: ص 182 - 183 ؛ میزان الاعتدال، الذهبي : ج 1 ، ص 532 ؛ فوائد العراقيين أبو بكر النقاش ص 77 .

3) كنز العمال المتقي الهندي : ج 12 ، ص 105 - 106 .

أبصاركم حتى تمرَّ فاطمة بنت محمد على الصراط، فتمرّ ومعها سبعون ألفِ جارية من الحورِ العِينِ كالبَرقِ اللامع(1).

4-حديث عائشة

روى الذهبي وابن حجر ومحبُّ الدين الطبري عن عائشة - واللفظ للذهبي - إذا كان يوم القيامة نادى مناد : يا معشر الخلائقِ طأطئوا رؤوسكم حتى تجوزَ فاطمة عليها السلام(2)، وفي تاريخ بغداد: «ينادي مناد يوم القيامة غُضُّوا أبصاركم حتى تمرَّ فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله»(3).

وغيرها من الأحاديث، وقد رواها أعلامُ السُّنَّة عن عمرِ بنِ عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأبي سعيد الخدري، وغيرهم، وفيما أوردناه كفاية.

خامساً: أول من يدخل الجنة:

تظافرت روايات أهل السنة على أنَّ أصحاب الكساء الخمسة أوّل مَن يدخل الجنة، روي ذلك بألفاظ مختلفة وطرق متعددة، نصَّ على تصحيح بعضها - وفق


1) ذخائر العقبى محب الدين الطبري: ص 48 .

2) ميزان الاعتدال الذهبي: ج 1 ، ص 548 ؛ لسان الميزان ابن حجر : ج 2، ص 314؛ ذخائر العقبى،الطبري:ص 48 .

3) تاريخ بغداد الخطيب البغدادي : ج 8، ص 136 .

المباني السنية - جملةٌ من الأعلام، ومن تلك الروايات:

الأولى:أخرج السيوطي، ومحبُّ الدين الطبري، والقندوزي، والمتقي الهندي والحاكم النيسابوري ،وصححه، ولفظه عن علي رضي الله عنه قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله : إنَّ أوَّلَ مَن يدخل الجنة أنا وفاطمة والحسن والحسين، قلتُ : يا رسول الله ! فمحبُّونا؟ قال: من ورائكم)(1).

الثانية: في مناقب الخوارزمي : إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي: أنا أَوَّلُ مَن يَدخل الجنَّةَ وأنت معي، تدخلها والحسن والحسين وفاطمة»(2)، وقال في سيدات نساء الجنة: «الزهراء أوَّلُ مَن يدخل الجنَّةَ: يقول على بن أبي طالب أخبرني :رسول الله صلى الله عليه وآله إنَّ أوّل من يدخل الجنة أنا وفاطمة(3). وفي تاريخ دمشق: «قال علي: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله: إِنَّه أَوَّلُ مَن يدخل الجنَّةَ أنا وفاطمة والحسن والحسين قال: قلتُ يا رسول الله ! فذرارينا؟ قال:


1) المستدرك، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 151؛ مسند فاطمة عليها السلام، السيوطي: ص 45؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 12، ص 98 ، وج 13، ص 639 ؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2، ص 445 ؛ ذخائر العقبی، محب الدين الطبري: ص123.

2) المناقب، الموفق الخوارزمي، ص 62 .

3) سيدات نساء أهل الجنة ، عبد العزيز الشناوي : ص 159؛ إتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب والفضائل، المناوي : ص 73 .

ذرارينا من ورائنا (1).

الثالثة:روى الثعلبي، والزمخشري والزيلعي والقرطبي، وابن كرامة، والصاحي الشامي عن علي رضي الله عنه : شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حسد الناس لي، فقال: أما ترضى أن تكونَ رابع أربعة؟ أوّل مَن يدخل الجنَّةَ: أنا وأنت ،والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذريتنا خلفَ أزواجنا»(2)، وأخرجه القندوزي، وقال: «أخرجه الثعلبي، وأخرجه أحمد في المناقب، وذكره سبط ابن الجوزي(3)).

الرابعة:روى الخوارزمي والحنفي عن أبي هريرة: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله قال: «أوَّلُ شخص يدخل عليَّ الجنَّة فاطمة، مثلها في هذه الأمة كمثل مريم بنت عمران في بني إسرائيل (4)، و في سبل الهدى والرشاد روى أبو نعيم عن أبي هريرة،


1) تاريخ مدينة دمشق ابن عساکر، ج 14، ص 169 .

2) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل الزمخشري : ج 3، ص 467 ؛ تفسيرالثعلبي، الثعلبي: ج8، ص311؛ ج 8، ص 311؛ تخريج الأحاديث والآثار الزيلعي : ج 3، ص 335؛ الجامع لأحكام القرآن القرطبي: ج 16، ص 22؛ تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين، المحسن ابن كرامة: ص 153؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي، ج 11، ص 7.

3) ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2 ، ص 354 - 355.

4) مقتل الحسين عليه السلام ، الخوارزمي: ص 76؛ آل محمد، الحنفي: ص 165 .

هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أنا أوَّلُ مَن يدخل الجنَّةَ، وأوَّلُ مَن يدخل عليَّ الجنَّةَ فاطمة، ومثلها في هذه الأمة مثل مريم من بني إسرائيل»(1)، وأخرجه في شرح المواهب اللدنية مختصراً، ولفظه: «أوَّل مَن يدخل على الجنَّةَ ابنتى فاطمة»(2).

والروايات في هذا الباب كثيرة ، وليس الهدف استقصائها.

فائدة في الجمع بين الأحاديث:

قد يتوهّم البعض أنَّ هناك تعارضاً بين هذه الروايات، إذ دلَّ بعضُها على أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله أول من يدخل الجنة، بينما نصَّ بعض منها على أنَّ الزهراء وعلياً وابنيهما عليهم السلام أوَّلُ مَن يدخل الجنَّة. وللجمع بين هذه الروايات نقول:

1-إنَّ الدليلين إذا كانت نسبة أحدهما إلى الآخر قابلة للجمع العرفي، بأن كانت نسبة التخصص أو الورود أو الحكومة أو التخصيص فلا يوجد أي تناف بين مدلوليلها، ويخرجان عن التعارض (3)، وقواعد الجمع العرفي بين هذه


1) سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي، ج 10، ص 386 .

2) شرح المواهب اللدنية، الزرقاني: ج 5 ، ص 345.

3) بحوث في علم الأصول، محمود الهاشمي: ج 7، ص 14 .

الروايات متوفّرة.

2-يمكن القول أنَّ الزهراء عليها السلام أوَّل مَن يدخل الجنَّةَ بعد النبي صلى الله عليه وآله كما هو مختارُ السيوطي وجماعة ، وأقره النبهاني، حيث قال في جواهر البحار: «جزم المؤلفُ - أي الحافظ السيوطي - وغيره، بأنَّ أَوَّلَ مَن يدخلها [ أي الجنة ] بعد النبي صلى الله عليه وآله بنته فاطمة رضي الله عنها، لخبر أبي نعيم: أنا أوَّلُ مَن يدخل الجنَّةَ ولا فخر، وأوَّلُ مَن يدخل الجنة بعدي فاطمة بنتي رضي الله عنها(1).

2- إنَّها أوَّلُ مَن يدخلها من النساء، فكما أنَّ أباها سيد البشر، وهو أوهم دخولاً للجنة، فهي سيدة النساء وأوَّلُهُنَّ دخولاً بعد أبيها المصطفى صلى الله عليه وآله، واختار هذا الوجه الحلبي من أهل السنة، قال: ولا يعارض ذلك أيضاً ما جاء أوَّلُ مَن يدخل الجنَّةَ بنتى فاطمة كما لا يخفى؛ لأنَّ المرادَ أَوَّلُ مَن يدخلها من نساء هذه الأمة، فالأولية إضافية)(2).

3-إنَّ الإشكال الموهوم إنَّما يرد على المتفرقات التي يرويها أهل السنة وأما


1) جواهر البحار النبهاني : ج 2، ص 126 .

2) السيرة الحلبية، الحلبي: ج 1 ، ص 375.

الروايات الشيعية فلا يتطرّق إليها؛ لكونها فصَّلت الحال بما يرفع الإشكال، روى المجلسي في البحار حديثاً طويلاً عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله نقتطف منه موضعَ الحاجة،قال صلى الله عليه وآله:«يا فاطمة، والذي بعثني بالحقِّ لقد حُرِّمَتْ الجنَّةُ على الخلائق حتى أدخلها، وإنَّك لأوّل خلق الله يدخلها بعدي، كاسيةً حاليةً النساء

ناعمةً،يا فاطمة هنيئاً لك، والذي بعثني بالحقِّ إِنَّكِ لسيدة من يدخلها من والذي بعثني بالحق إنَّ جهنم لتزفر زفرةً لا يبقى ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبي مرسل إلا صَعِقَ، فينادي إليها أن يا جهنم ! يقول لك الجبار : اسكني بِعِزِّي، واستقرّي، حتى تجوز فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله إلى الجنان لا يغشاها قترُ ولا ذلَّةٌ،والذي بعثني بالحق ليدخلن حسن وحسين حسن عن يمينك،و حسين عن يسارك، ولتشرفن من أعلى الجنان بين يدي الله في المقام الشريف ولواء الحمد مع علي بن أبي طالب عليه السلام ، يُكسى إذا كُسِيتِ، ويُحْبَى إذا حُبِيتِ»(1)، والحديث صريح لا يحتاج إلى تعقيب،فأوَّلُ مَن يدخل الجنة من الخلائق، إنَّما هم أصحاب الكساء الخمسة،أعني فاطمة وأباها وبعلها وابنيها عليهم السلام ، ويكون دخولهم جملةً واحدة، فيصح أن يوصف كلُّ واحدٍ منهم بأنَّه أوَّلُ من يدخل الجنة، كما هو واضح.


1) بحار الأنوار، المجلسي: ج 22 ، ص 492 .

تنبيه وإلفات نظر:

ذكرنا في الفصل الثاني طرفاً من كلام المدائني فيما أورده ابن أبي الحديد، قال فيه - وهو يتحدث عن اختلاق الأحاديث - : «كتب [معاوية] إلى عماله: (ولا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تُراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنَّ هذا أحبّ إليَّ، وأقرّ إلى عيني، وأدحض لحجّةِ أبي تُراب وشيعته، وأشدّ عليهم من

مناقب عثمان وفضله)،فقرئت كتبه على الناس،فرويت أخبار كثيرة في مناقبِ الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها(1)، ولم نذكر حينها بعض الشواهد،حذراً من الخروج عن موضوع الكتاب،ولعل من أبرز الشواهد على ما قاله المدائني ورواه ابن أبي الحديد موافقاً لرأيه، ما رواه أبو داود عن أبي هريرة،في حديث طويل جاء فيه: إِنَّكَ يا أبا بكر أوَّل مَن يدخل الجنة من أمتي»(2).

ولاشك في أنَّ ما رواه أبو داود من أبرز ثمار تلك السياسة، ومن أقبح ما جادت به مصانع الاختلاق التي وظفها معاوية لمقابلة فضائل أهل البيت عليهم السلام ، وخير شاهد على ذلك سقوطه سنداً ومتناً، فهو بالإضافة إلى كونه معارضاً


1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ج 11، ص 44 - 45 .

2) تاريخ مدينة دمشق ابن عساکر : ج 30، ص 105 .

بالأحاديث المعتبرة، لم يروه أحدٌ من الثقات، ولم يرد في الكتب المعتبرة عند أهل السنة إلا في سنن أبي داود بسند واه جداً ، ونصه : حدثنا هناد بن السرى، عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد السلام بن حرب، عن أبي خالد الدالاني، عن أبي خالد مولى آل جعدة، عن أبي هريرة (1)، وساق الحديث، ودونك نظرة سريعة

في بعض رجال ،سنده، لتعرف حقيقة الحال:

1-المحاربي: هو عبد الرحمن بن محمد المحاربي الكوفي، ترجم له أبو حاتم الرازي، فقال: يروي عن المجهولين أحاديث منكرة (2)، وفي تهذيب التهذيب: «وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه : بلغنا أنَّه كان يُدلّس»(3)، و«قال العجلي: كان يُدلّس، أنكر أحمد حديثه (4)، وأدرجه ابن حجر في كتابه الذي وضعه للمدلّسين، وقال: «عبد الرحمن بن محمد المحاربي محدّث مشهورٌ من طبقة عبد الله بن نمير، وصفه العقيلي بالتدليس)(5).

-2- عبد السلام بن حرب أدرجه العقيلي وابن عدي في الضعفاء(6)، و«قال


1) سنن أبي داود : ج 2، ص 402 .

2) الجرح والتعديل الرازي: ج 5 ، ص 282؛ التعديل والتجريح، سليمان بن خلف الباجي: ج 2 ، ص 961 .

3) تهذيب التهذيب ابن حجر : ج 6 ، ص 239 .

4) تهذيب التهذيب ابن حجر : ج 6، ص239 .

5) طبقات المدلسين ابن حجر ص 40 .

6) ضعفاء العقيلي، العقيلي: ج 3، ص 69 ؛ الكامل في الضعفاء، عبد الله بن عدي: ج 5 ، ص 331.

ابن سعد: فيه ضعف»(1)، وقال ابن حبان: «فاحشُ الوهم، لا يجوز الاحتجاج به(2)، وقال الحسنُ بنُ عيسى: «سألتُ عبد الله بن المبارك عن عبد السلام بن حرب الملائي، فقال : قد عرفته . وكان إذا قال : قد عرفته، فقد أهلكه» (3).

3-أبو خالد الدالاني: هو يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، قال عنه ابن حبان: روى عنه عبد السلام بن حرب وأهل العراق، كان كثير الخطأ، فاحشَ الوهم يخالفُ الثقات في الروايات، حتى إذا سمعها المبتدئ في هذه الصّناعة عَلِمَ أَنَّها معمولةٌ أو مقلوبةٌ، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات، فكيف إذا انفرد عنهم بالمعضلات(4). وعن أحمد بن حنبل : كان يزيدُ بنُ عبدِ الرحمن، أبو خالد الدالاني شيخاً قصيراً مرجئياً»(5)، و «قال شريك : كان أبو خالد - يعني الدالاني - شيخاً قصيراً مرجئاً(6)، وقال البخاري: عن شريك أنَّه قال يوماً: حدثني ذاك الأصلع المصفر


1) ميزان الاعتدال الذهبي: ج 2، ص 615 .

2) ميزان الاعتدال، الذهبي : ج 4 ، ص 432 .

3) تهذيب التهذيب ابن حجر : ج 6 ، ص 283 ؛ تهذيب الكمال المزي: ج 18 ، ص 68 .

4) كتاب المجروحين، ابن حبان: ج 3، ص 105 ؛ عون المعبود العظيم آبادي : ج 12 ، ص 266 .

5) العلل، أحمد بن حنبل : ج 1 ، ص 423 - 424 .

6) العلل، أحمد بن حنبل : ج 3، ص 214؛ میزان الاعتدال، الذهبي: ج 4 ، ص 432 .

المرجئ نعوذ بالله منه (1)، ودرجه ابن عدي في الضعفاء (2)، و«قال الحاكم أبو أحمد لا يتابع في بعض حديثه(3).

4-أبو خالد مولى آل جعدة وهو مجهول لا يُعرَف، قال ابن حجر: «أبو خالد، مولى آل جعدة بن هبيرة المخزومي، لا يُعرف اسمه، روى عن أبي هريرة حديث: أما إنَّك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة)(4).

6-أبو هريرة موقفه من أهل بيت النبوة مشهور، وانقطاعه لمعاوية بن أبي سفيان أشهر، وهو مع ذلك فارس ميدانِ الاختلاقِ كما قاله علامة الأزهر ومن قبله أبو جعفر الإسكافي، قال: «إنَّ معاوية حمل قوماً من الصحابة، وقوماً من التابعين، على رواية أخبار قبيحة على عليّ تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه، وجعل لهم في ذلك جعلاً، فاختلقوا له ما أرضاه، منهم أبو هريرة، وعمرو بن العاص،والمغيرة بن شعبة،ومن التابعين عروة بن الزبير) (5).


1) التاريخ الكبير البخاري: ج 8، ص 346 - 347.

2) الكامل في الضعفاء عبد الله بن عدي: ج 7، ص 277 .

3) تهذيب الكمال، المزي: ج 33، ص 275 .

4) تهذيب التهذيب، ابن حجر: ج 12، ص 74.

5) أضواء على السنة المحمدية محمود أبو ريه : ص 216 . والكلام لأبي جعفر الإسكافي.

هذا حال سند الرواية ورواتها في ميزان الجرح والتعديل السني، ولو ورد فيهم مدح فقد ورد فيهم الدّم، وعند التَّعارض يُقدَّم القادح والجارح على المادح فيسقط الحديث عن الاستدلال، ولا أظنّ أحداً يسوغ لنفسه الاستدلال بحديث يشتمل على المدرّسين والضعفاء ويقدمه على الأحاديث الصحيحة المعتبرة.

نتيجة البحث السندي:

إنَّ الحديث ساقط عن الاعتبار، ولا قيمة له في علم دراية الحديث، ولذا لم يروه من الثقات أحد، ولم يوجد له أثر في المصنفات المعتبرة، فلا شك في كونه من الأحاديث الموضوعة والحكايات المفبركة والروايات المنتحلة، بل هو من أبرز مصاديق الرزية التي ألمت بالإسلام بسبب مصانع اختلاق الحديث الأموية، وقد أجاد الإمام محمد عبده، إذ يقول: «لم يرزأ الإسلام بأعظم مما ابتدعه المنتسبون إليه، وما أحدثه الغلاة من المفتريات عليه، فذلك ما جلب الفساد على عقول المسلمين وأساءَ ظنونَ غيرهم فيما بني عليه الدين. وإنَّ عموم البلوى بالأكاذيب حقّ على الناس بلاؤه في دولة الأمويين فكثر الناقلون،وقل الصادقون، وامتنع كثير من أجلّةِ الصحابة عن الحديث إلا لمن يثقون بحفظه)(1).


1) شيخ المضيرة أبو هريرة، محمود أبو ريه: ص 201.

سادسا: إشراق الجنان بنور ابتسامتها

روى الصفوري الشافعي في نزهة المجالس عن ابن عباس قال: «بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فظنُّوه شمساً ، فقالوا: إِنَّ رَبَّنا يقول : لا يرون فيها شمساً، فيقول رضوان: هذه فاطمة وعلي ضحكا فأشرقت الجنان من نور ضحكهما»(1).

سابعا: كسوتها في الجنة

روى الخطيب الخوارزمي ومحبُّ الدين الطبري وابن حجر مختصراً، والقندوزي الحنفي - واللفظ له - عن علي عليه السلام ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «تُحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة وعليها حلَّةُ الكرامة، قد عُجِنَتْ بماء الحيوان، فتنظر إليها الخلائق فيتعجبون منها، ثم تُكْسَى حلَّةً من حلل الجنَّةِ، تشتمل على

ألفِ حلَّةٍ، مكتوبٌ عليها بخط أخضر : أدْخِلوا فاطمة ابنة محمد صلى الله عليه وآله الجنة على أحسن صورة وأكمل هيئة وأتم كرامة وأوفر حظاً، فَترَفُ إلى الجنَّةِ كالعروس، حولها سبعون ألفِ جارية»(2).


1) نزهة المجالس الصفوري: ج 2، ص 228 .

2) ينابيع المودة، القندوزي الحنفي : ج ، ص137؛ مقتل الحسين عليه السلام ، الخطيب الخوارزمي:ص 52 ؛ ذخائر العقبى محب الدين الطبري : ص 48 ؛ لسان الميزان ، ابن حجر : ج 2، ص 417 .

وأخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق مع اختلاف يسير باللفظ ونصه : «تحشر ابنتي فاطمة وعليها حلّة، قد عُجِنَتْ بماء الحيوان، فينظر الخلائق إليها فيتعجبون منها ، وتُكْسَى أيضاً ألف حلَّةٍ من حلل الجنَّةِ، مكتوبٌ على كلّ حلّة منها بخط أخضر : ادخلوا ابنة نبيي الجنَّةَ على أحسن صورة، وأحسن الكرامة، وأحسن المنظر، فتزف كما تُزَفُّ العروس، وتُتوج بتاجِ العِزَّ، ويكون معها سبعونَ ألفِ جارية حورية عينيّة، في يد كل جارية منديل من استبرق. وقد زُيِّنَ لها تلك الجواري منذ خلقهن الله»(1).

ثامنا:صفة قصرها في الجنة

روى الخطيب الخوارزمي والزرندي الحنفى وتوفيق أبو علم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله :أنَّه مرَّ في السَّماء السابعة، قال: فرأيتُ فيها لمريم ولأم موسى ولآسية امرأة فرعون ولخديجة بنت خويلد قصوراً من الياقوت، ولفاطمة بنت محمد سبعين قصراً من مرجان ،أحمر ، مكللاً باللؤلؤ أبوابها وتكياتها [ أو قال: وتكاياها ] وأسرتها من عودٍ واحدٍ(2)، وأخرجه الفقيه ابن الصباغ المالكي، وعقب


1) تاریخ دمشق ابن عساكر : ج 13 ، ص 334.

2) مقتل الحسين ، الخوارزمي: ص 71؛ نظم درر السمطين ، الزرندي الحنفي : ص183؛ أهل البيت، توفيق أبو علم: ص 156 .

عليه قائلاً:وهذا يسير من بعض مناقبها التي لا تستقصى ومفاخرها التي تجل عن الحصر والعدّ والاستقصاء » (1).

تاسعا:درجتها في الجنة

إنَّ مما استدللنا به سابقاً على أفضلية نساء النساء عليها السلام على جميع نساء الآدميين: أنَّ فاطمة عليها السلام مع النبي صلى الله عليه وآله في درجته يوم القيامة، وعلى ذلك إجماع الشيعة، وقد أثبتته الرواياتُ الكثيرة في المصادر السنية المختلفة، منها ما رواه الحافظ ابن عساكر عن أبي فاخته قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين في بيت، فاستسقى الحسن، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله في جوف الليل فسقاه، فسأله الحسين فأبى أن يسقيه، فقيل : يا رسول الله ، كأَنَّ حسناً أحبُّ إليك من حسين ؟ قال : لا ، ولكنَّه استسقاني قبله. ثم قال النبيُّ صلى الله عليه وآله يا فاطمة، أنا وأنت وهذين وهذا الراقد [ وأشار ] لعليّ في مقام واحد يوم القيامة) (2).


1) الفصول المهمة ابن الصباغ المالكي: ج 1 ، ص 666 .

2) تاريخ مدينة دمشق ابن عساکر : ج 13، ص 227 .

البحث الرابع روايات الزهراء عليها السلام في مصادر أهل السنة

تمهيد

لا نريد الاستدلال بهذا البحث على المكانة العلمية للزهراء عليها السلام فذلك أمر يكفي لإثباته التدبر بمضامين خطبتها في المسجد أمام المهاجرين والأنصار، والتي جمعت فيها أصول العلوم، من الأخلاق وحتى السياسة والفقه، إضافةً إلى الفصاحة والبلاغة، مع حسن الأسلوب وقوّة الحجّة ومتانة الاستدلال، وما أشارت إليه من أسرار بعض العبادات وتعليل جملة من التشريعات يعجز عن

بيانه من لهم اليد الطولى في هذا الميدان، مع الأخذ بعين الاعتبار إنَّ ذلك كله كان منها على نحو الاسترسال.

ولكن الشيء الذي يبدو مستغرباً بكل ما للكلمة من معنى، ويسجّل مؤاخذةً كبيرةً على محدّثي أهل السنة هو إعراضهم غير المبرر عن أحاديثها ورواياتها.

إن قلّة مكثها بعد أبيها لا ترفع علامات الاستفهام عن الطريقة التي دوّن-بها الأحاديث، وكيفية انتقاءها، وأسلوب تصحيحها، كما أنها لا يمكن أن تكونَ مبرراً لتجاهل رواياتها والاعتماد على روايات الغرباء عن مهبط الوحي والتنزيل، فلم يروي لها البخاري ومسلم إلا حديثاً واحداً، بينما يروي عن أبي هريرة الدوسي -الذي أسلم فيشهر صفر من السنة السابعة للهجرة وغادر المدينة إلى البحرين في ذي القعدة من السنة الثامنة، فيكون مكثه في المدينة مع النبي صلى الله عليه وآله سنة وتسعة أشهر لا غير - في صحيحه 446 رواية، وقريب من ذلك رواياته في صحيح مسلم، فهل يُعقل أنَّ ما أخذته الزهراء عليها السلام من أبيها - وقد عاشت معه جلَّ أيامها - لا يعدل ربع الواحد بالمائة مما أخذه عنه أبو هريرة الدوسي؟

إنَّ المسلم ليحير في توجيه هذا التجاهل المتعمد للإرث الحديثي الذي تحمله سيدة نساء العالمين عليها السلام، ويقف على عمق مؤامرة الإقصاء الممنهج لفكر

أهل البيت عليها السلام والحيلولة دون وصول ذلك إلى متناول العامة.

وعلى كل حال فقد بذلنا جهداً مضنياً في البحث عن رواياتها في المصادر السنية، فعثرنا على شيءٍ يسير من ذلك، غير مبالين بدعوى من يقول بعدم وجود ما يزيد على أربع روايات لا غير ، ودونك ما عثرنا عليه من رواياتها :

1-آداب الدخول والخروج من المسجد

أخرجها أحمد بن حنبل وابن ماجة وابن أبي شيبة والطبراني وأبو يعلى الموصلي وجماعة غيرهم عن فاطمة بنت الحسين عن جدتها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل المسجد قال: بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا

خرج قال، بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب

فضلك»(1)، وفي كتاب الشفا عن ابن وهب عن فاطمة عليها السلام(2).

2-الغمر:

أخرج الدولابي والمتقي الهندي، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله قالت قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله: «لا يلومنَّ إلا نفسَه مَن بات وفي يده عمر (3).

3-نسب أولادها:

أخرج الطبراني وأبو يعلى والحافظ ابن عساكر والذهبي والمزي والمتقي الهندي وجماعة، عن شيبة بن نعامة عن فاطمة بنت حسين عن فاطمة الكبرى قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كلُّ بني أم ينتمون إلى عصبة إلا ولد


1) مسند أحمد أحمد بن حنبل : ج 6 ، ص 283 ؛ سنن ابن ماجة محمد بن يزيد القزويني: ج 1 ، ص 253 - 254 ؛ المصنف ابن أبي شيبة الكوفي، ج 1، ص 373، ج 7، ص 123؛ مسند أبي يعلى، أبو يعلى الموصلي: ج 12، ص 121 ؛ المعجم الكبير، الطبراني : ج 22، ص 423 ؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 7، ص 61، ج 8، ص 321؛ تفسيرالقرطبي، القرطبي : ج 12، ص 273 ؛ الدر المنثور، جلال الدين السيوطي: ج ه ، ص 51؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر : ج 58 ، ص 205 - 206 ؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي: ج 9، المنتخب من ذيل المذيل الطبري: ص 109 ؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي ج 8، ص 93 .

2) الشفا بتعريف حقوق المصطفى القاضي عياض : ج 2، ص 87 .

3) الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي : ص 138؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 15 ، ص 242 .

فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم»، وفي لفظ آخر: «الكل بني أنثى ينتمون إليه، وفي لفظ : «كل بني آدم ينتمون إلى عصبة أبيهم(1).

4-التختم بالعقيق:

أخرج الطبراني والعجلوني، عن عمرو بن الشريد، عن فاطمة، عن رسول الله قال مَن تختم بالعقيق لم يزل يرى خيراً(2)، ونسبه الفتني للبخاري، ونصه: وقال البخاري في تاريخه عن فاطمة مرفوعاً: من تختم بالعقيق لم يقض له إلا بالتي هي أحسن أحسن»(3).

5-الدعاء قبل النوم:

روى المتقي الهندي والعجلوني والآلوسي والسيوطي، واللفظ له، قال: أخرج ابن السني والديلمي عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله رضي


1) راجع المعجم الكبير ، الطبراني: ج 3، ص 44 ، وج 22 ، ص 423؛ مسند أبي يعلى، أبو يعلى الموصلي: ج 12، ص 109؛ تاریخ مدينة دمشق ابن عساكر : ج 70 ، ص 14 ؛ میزان الاعتدال الذهبي: ج 3، ص 36؛ تهذيب الكمال المزي: ج 19 ، ص 483 ؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 12 ، ص 114 ، وج 12، ص116؛ ص119؛ ص 116 ؛ كشف الخفاء، العجلوني: ج 2، ص 119؛ تفسير الآلوسي الآلوسي : ج 26 ، ص 164؛ ينابيع المودة لذوي القربي القندوزي: ج 2، ص 98؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي: ج 11 ، ص 56 .

2) المعجم الأوسط، الطبراني: ج 1، ص39؛ كشف الخفاء، العجلوني: ج 1، ص 300.

3) التذكرة الفتني : ص 159 .

الله عنها أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله قال لها : إذا أخذت مضجعك فقولي: الحمد الله الكافي، سبحان الله الأعلى، حسبي الله وكفى، ما شاء الله قضی، سمع الله لمن دعا ليس من الله ملجأ ولا وراء الله ملتجأ، توكلت على ربّي وربّكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إنَّ ربّي على صراط مستقيم، الحمد لله الذي لم يتَّخذ ولداً،

ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولى من الدّلِ وكبره تكبيراً). من يقولها عند منامه ثم ينام وسط الشياطين والهوام فلا تضره (1).

6-فضيلة آخر ساعة من يوم الجمعة:

أخرجه ابن راهويه في المسند، والمتقي الهندي مختصراً، عن عليّ، عن فاطمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «إِنَّ في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يدعو بخير إلا استجيب له . فقالت فاطمة:يا رسول الله:وأيَّةً ساعةٍ هي؟ فقال: «إذا تدلَّتْ الشمس للغروب حتى تغرب»، فكانت فاطمة تقول لغلام يُقالُ له أربد اصعد على الطراب، فإذا رأيتَ الشمس قد تَدلَّتْ للغروب فأخبرني فيخبرها، فكانت تقوم إلى مسجدها فلا تزال تدعو حتى تغرب الشمس،


1) كنز العمال، المتقي الهندي: ج 15 ، ص 513 ، وج 15 ، ص 340 - 341؛ الدر المنثور،جلال الدين :السيوطي: ج 4 ، ص 208؛ كشف الخفاء، العجلوني: ج 1 ، ص 357؛ تفسير الآلوسي، الآلوسي: ج 15 ، ص 196.

ثم تصلي)(1).

7-تقسيم الأرزاق:

أخرج ابن حجر العسقلاني والمباركفوري عن عبد الملك ابن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده عن جده عن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله قالت: مرّ بِي رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا مضطجعة فحرَّكني برجله، وقال: يا بنيَّة! قومي واشهدي رزق ربك ولا تكوني من الغافلين فإنَّ الله تعالى يقسم أرزاق الله ما بينَ طلوع الفجرِ إلى طلوع الشمس»(2)، وأخرجه الشعراني عن وأخرجه الشعراني عن البيهقي(3)، والمتقي الهندي عن ابن النجار(4).

8-فضل أمها خديجة عليها السلام:

أخرجه الطبراني والعيني والقندوزي، عن مهاجر بن ميمون الحضرمي، عن


1) مسند ابن راهويه إسحاق بن راهويه : ج 5 ، ص 13؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 7، ص 766.

2) القول المسدد، ابن حجر: ص 101 ؛ تحفة الأحوذي، المباركفوري: ج 4، ص 339.

3) العهود المحمدية الشعراني ص 295 .

4) كنز العمال المتقي الهندي: ج 15 ، ص 524 - 525 .

فاطمة أنَّها قالت للنبي صلى الله عليه وآله : أين أمنا خديجة؟ قال: في بيت من قصبٍ لا لغو فيه ولا نصب بين مريم وآسية امرأة فرعون فقالت : أمِنَ القَصَب ؟ فقال : لا، بل من القَصَبَ المنظوم بالدر والياقوت واللؤلؤ»(1).

9-قول النبي صلى الله عليه وآله: شاهت الوجوه:

أخرجه الحاكم النيسابوري وصححه على شرط الشيخين: «عن ابن عباس، عن فاطمة رضي الله عنها قالت: اجتمع مشركو قريش في الحجر، فقال رسول الله : يا بنيَّة اسكني، ثم خرج فدخل عليهم المسجد فرفعوا رؤوسهم ثم نكسوا، فأخذ قبضةً من تراب فرمى بها نحوهم، ثم قال شاهتْ الوجوه، فما أصابَ رجلاً منهم إلا قُتِلَ يوم بدر (2)، ورواه ابن حجر في فتح الباري، باختلاف يسير في الألفاظ (3).

10-أحاديث الجريدة:

أخرجه الطبراني والمتقي الهندي، عن عبد الله بن مسعود قال - واللفظ للطبراني -: جاء رجلٌ إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا ابنة


1) المعجم الأوسط، الطبراني: ج 1، ص 139؛ مسند الشاميين الطبراني : ج 2، ص 117 – 118؛ عمدة القاري، العيني: ج 16 ، ص 279 ؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي : ج 2، ص 48 .

2) المستدرك ، الحاكم النيسابوري: ج 3، ص 157 .

3) فتح الباري ابن حجر : ج 7، ص 129 .

رسول الله ! ترك رسول الله صلى الله عليه وآله عندك شيئاً تطرفينيه؟ فقالت: يا جارية! هاتي تلك الجريدة ، فطلبتها فلم تجدها فقالت: ويحك ! اطلبيها فإنّها تعدل حسناً وحسيناً، فطلبتها فإذا هي قد قمتها في قمامتها، فإذا فيها: «قال محمد عندي صلى الله عليه وآله: ليس من المؤمنين مَن لم يأمن جاره بوائقَهُ، مَن كان يؤمن بالله الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جارَه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت، والله يحبُّ الحي الحليم

الضعيف المتعفف، ويبغض الفاحش البذيء السائل الملحف، إن الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة وإن الفحش من البذاء، والبذاء في النار(1)

11-إِنَّ الرجل أحق بصدر دابته والصلاة في بيته:

أخرج الطبراني والمتقي الهندي مختصراً، عن محمد بن علي بن الحسين يقول: خرج الحسين وهو يريد أرضه التي بظاهر الحرّة، ونحن نمشي، إذ أدركنا النعمان بن بشير على بغلة فنزل فقرَّبها إلى الحسين فقال اركب يا عبد الله فكره ذلك،

فلم يزل ذلك من إقسام النعمان عليه حتى أطاع له الحسين بالركوب، قال أما إذ أقسمت فقد كلفتني ما أكره، فاركب على صدرِ دابتك فسأردفك، فإنّي سمعتُ


1) المعجم الكبير، الطبراني : ج 22 ، ص 413 - 414 ؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 15 ، ص 877.

فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله تقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الرجلُ أحقُّ بصدرِ دابَّتِهِ وصدرِ ِفراشِهِ والصلاة في منزله، إلا إماماً يجمع الناس عليه، فقال النعمان: صدقت بنتُ محمد رسولِ الله صلى الله عليه وآله، سمعتُ أبي بشيراً يقول كما قالت فاطمة، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إلا من أذن)، فركب الحسين على السرج وردفه الأنصاري(1).

12 -إنَّ علياً أقرب الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وآله:

رواه المتقي الهندي في كنز العمال ، عن فاطمة الزهراء عن أم سلمة قالت : والذي أحلف به إنْ كان علي لأقرب الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وآله»(2).

13-الفرار من المجذوم:

أخرج عمر بن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه «عن عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله قالت:


1) المعجم الكبير، الطبراني : ج 22، ص 414 ؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 9، ص 65 .

2) كنز العمال المتقي الهندي : ج 13، ص 146 .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا رأيتُم المجذوم (1)ففروا منه كما تفرُّون من الأسد، وإذا كلَّمتموه فكلّموه وبينكم وبينه قيد رمح أو رمحين(2).

14 -حق السائل :

خرَّجه الزيلعي قائلاً: «أما حديث فاطمة الزهراء، فرواه إسحاق بن راهويه في مسنده من حديث مصعب بن محمد بن شرحبيل، ثنى يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين، عن فاطمة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنَّه قال للسائل حق وإن جاء على ظهر فرس (3).

15-شرار هذه الأمة:

أخرجه ابن أبي الدنيا والحافظ ابن عساكر والمتقي الهندي والعجلوني، عن عبد الله بن حسن، عن أمه، عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله رضي الله


1) قال في الطب النبوي: «الجذام: علّة رديئة، تحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيئتها وشكلها، وربما فسد في آخره أوصالها، حتى تتآكل الأعضاء وتسقط. ويسمى: داء الأسد. وفي هذه التسمية ثلاثة أقوال للأطباء : (أحدها ) : أنّها لكثرة ما يعترى الأسد. (والثاني): لأنَّ هذه العلة تجهم وجه صاحبها، وتجعله في سحنة الأسد. (والثالث) : أنَّه يفترس من يقربه أو يدنو منه بدائه، افتراس الأسد» . الطب النبوي ابن القيم الجوزي: ص 116 .

2) ناسخ الحديث ومنسوخه، عمر بن شاهين: ص518.

3) تخريج الأحاديث والآثار، الزيلعي : ج 1 ، ص 105 .

عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : شرارُ أمَّتي الذين غدوا بالنعيم الذين يأكلون ألوان الطعام، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون في الكلام(1).

16-أطهر طعامكم ما مسته النار:

أخرج الدولابي والحافظ ابن عساكر عن الحسن بن الحسن بن علي، عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله...قال : أطهر طعامكم ما مست النار(2).

17-الشقي من أبغض علياً عليه السلام:

أخرج الطبراني والخوارزمي وابن الصباغ المالكي والقندوزي، عن الحسين بن علي، عن أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله قالت خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله عشيَّة عرفة، فقال: إنَّ الله باهى بكم وغفر لكم عامة ولعلي خاصة، وإني رسولُ الله إليكم غير محاب لقرابتي، هذا جبريل يخبرني: أنَّ السعيد حق السعيد من أحبَّ علياً في حياته وبعد موته، وإنَّ الشقي كل الشقي من أبغض


1) کتاب الصمت و آداب اللسان، ابن أبي الدنيا: ص92؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساکر : ج27، ص 366؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 3، ص 561 ؛ كشف الخفاء، العجلوني: ج 2، ص 6 .

2) الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي: ص139؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ج 13 ، ص 62 .

علياً في حياته وبعد موته»(1).

18-علي عليه السلام أوّل القوم إسلاماً:

أخرج الدولابي والطبراني والإمام الصالحي الشامي عن عائشة بنت أبي بكر، قالت - واللفظ للدولابي - : حدثتني فاطمة قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: زوجك أعلمُ الناس علماً وأوَّهُم سلماً وأفضلهم حلاً»(2).

19-فضائل الحسنين عليهما السلام:

أخرج ابن أبي عاصم الضحاك والطبراني والحافظ ابن عساكر والمتقي الهندي، عن زينب بنت أبي رافع عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله: أنها أتت أباها بالحسن والحسين في شكواه التي مات فيها، فقالت: تورثها يا رسول الله شيئاً ! فقال: أما الحسن فله هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فله جرأتي وجودي(3)

ص 113 ، وج 13، ص.

.

1) المعجم الكبير، الطبراني : ج 22 ، ص 415 ؛ الفصول المهمة في معرفة الأئمة ابن الصباغ : ج 1 ، ص 585 - 586 ؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 1، ص 381.

2) الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي: ص 144؛ المعجم الكبير، الطبراني: ج 22، ص 417 ؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي: ج 11، ص 291 .

3) الآحاد والمثاني ابن أبي عاصم الضحاك :ج 1، ص 299 ، وج 5، ص 370؛ المعجم الكبير ، الطبراني :ج 22 ، ص 423 ؛ تاریخ مدينة دمشق ابن عساكر : ج 14، ص 128 ؛ کنز العمال، المتقي الهندي: ج 12،

20-الکلمات الخمس:

روى المتقي الهندي في موضعين من كتابه عن فاطمة رضي الله عنها : أنَّها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله! هذه الملائكة طعامها التهليل والتسبيح والتحميد فما طعامنا ؟ قال : والذي بعثني بالحقِّ ما اقتبس

في بيت آل محمد نار منذ ثلاثين يوماً، فإن شئت أمرتُ لك بخمس أعنز، وإِن شئتِ علمتك خمس كلماتٍ علمنيهن جبريل، فقالت: بل علّمني الخمس كلمات التي علَّمكهُنَّ جبريل، فقال : يا فاطمة قولي : يا أوَّلَ الأولين، ويا آخر الآخرين، ويا ذا

القوَّةِ المتين، ويا راحمَ المساكين، ويا أرحم الراحمين». رواه أبو الشيخ في فوائد الأصبهانيين والديلمي(1).

21-تعويذ المرأة عند الولاة:

أخرجه ابن السني وعنه السيوطي والنووي والثعالبي، ولفظه: «عن فاطمة :


1) كنز العمال، المتقي الهندي : ج 2، ص 670 - 671؛ وج6 ، ص 491 - 492 .

أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله لما دنا ولادها أمر أم سلمة وزينب بنت جحش أن يأتيا فيقرآ عندها آية الكرسي و (إنَّ رَبَّكُم الله ) الآية، ويعوذاها بالمعوذتين(1).

22-إنها سيدة نساء أهل الجنة:

أخرجه ابن أبي عاصم والطبراني والمتقي الهندي والقندوزي والإمام الصالحي الشامي ونصّه عند الأخير: «وروى الطبراني والحاكم والطحاوي والبيهقي بسند صحيح عن فاطمة الزهراء، رضي الله تعالى عنها : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (إنَّه لم يكن نبي إلا عاش من بعده نصف عمر الذي كان قبله، وإنَّ عيسى بن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهباً على رأس الستين يا بنية! إنَّه ليس منا من نساء المسلمين امرأة أعظم ذرية منك، فلا تكوني من أدنى

امرأة صبراً، إنَّك أوَّلُ أهل بيتي لحوقاً بي، وإنَّك سيدة نساء أهل الجنة ...)(2).

23-إنّها أوّل أهل البيت لحوقاًبه:


1) الإتقان في علوم القرآن السيوطي: ج 2، ص 437 ؛ الأذكار النووية ، يحيى بن شرف النووي : ص 285؛ تفسير الثعالبي، الثعالبي : ج 2، ص 36 - 37 .

2) الآحاد والمثاني، ابن أبي عاصم الضحاك : ج 5 ، ص 365 366؛ المعجم الكبير، الطبراني: ج 22، ص 421 ، 422 ؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 11، ص 479 ، وج 12، ص 110؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2، ص 479 ؛ سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي: ج 12 ، ص 230 .

أخرج ابن أبي عاصم الضحاك، ابن أبي شيبة والمتقي الهندي وغيرهم واللفظ لابن أبي شيبة، قال: عن مسروق عن عائشة عن فاطمة : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله قال لها: «إِنَّكَ أَوَّلُ أهل بيتي لحوقاً بي، ونعم السلف أنا لك». وفي بعضها عن أبي سلمة عن عائشة عنها عليها السلام(1).

24-التسبيح:

أخرج الدولابي عن أبي هريرة عن فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وآله : انطلقت إلى النبي صلى الله عليه وآله تسأله خادماً فقال: ألا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ إذا آويت إلى فراشك فسبحي ثلاثاً وثلاثين وأحمدي ثلاثاً وثلاثين

وكبري أربعاً وثلاثين ، فهو خير لك من ذلك، أرضيت يا بنية؟ قالت: قد رضيت»، وفيه أيضاً عن أم سلمة، وقد خرجنا مصادره في بحث تسبيح الزهراء عليها السلام(2).

25-ثواب زيارة المريض:


1) الآحاد والمثاني ابن أبي عاصم الضحاك : ج 5 ، ص 357؛ المصنف ابن أبي شيبةالكوفي: ج8، ص 353، وج 8 ، ص 354؛ كنز العمال المتقي الهندي: ج 12، ص 107، وص110.

2) الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي: ص 138 - 139 ، وص 145 .

أخرج الدولابي عن عبد الله بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عن الكبرى، قالت قال النبيُّ صلى الله عليه وآله : إذا مَرِضَ العبدُ أوحى الله إلى ملائكته: أنْ ارفعوا عن عبدي القلم ما دام في وثاقي، فإنّي أنا حبسته حتى أقبضه أو أخلي سبيله». قال: فذكرت لبعض ولده فقال : كان أبي يقول:أوحى الله إلى ملائكته : اكتبوا لعبدي أجرَ ما كان يعمل في صحته»(1).

26-تعويذ الحسنين عليهما السلام:

أخرج الدولابي عن عبد الله بن الحسن بن الحسنِ بنِ علي بن أبي طالب، قال: حدثتني أمي فاطمة بنت الحسين، عن فاطمة الكبرى بنت محمد: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله كان يعوّذ الحسن والحسين، ويعلّمهما هؤلاء الكلمات كما يعلّمهما السورة من القرآن يقول : أعوذُ بكلماتِ الله التَّامَّةِ من شرّ كلّ شيطانٍ وهامَّةٍ وكلّ عين لامة»(2).

27-شدّة حبّ النبي للحسنين عليهما السلام:


1) الذرية الطاهرة النبوية محمد بن أحمد الدولابي : ص 148 - 149 .

2) الذرية الطاهرة النبوية محمد بن أحمد الدولابي: ص 149 .

أخرج الدولابي والحاكم النيسابوري والطبراني والحافظ ابن عساكر وابن الدمشقي والزرندي الحنفي والمقريزي والقندوزي واللفظ لابن الدمشقي: «عن أسماء بنت عميس عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله : أنَّ رسول الله صلى

الله عليه وآله أتاها يوماً فقال: أين ابناي - يعني حسناً وحسيناً؟ قالت: قلت:أصبحنا وليس في بيتنا شيء. فذهب [علي ] بهما إلى فلان اليهودي.

فتوجه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فوجدهما يلعبان في مشربة، بين أيديهما فضل من تمر، فقال : يا علي ! ألا انقلبت بهما قبل أن يشتد الحرُّ عليها؟ فقال علي: أصبحنا وليس في بيتنا شيء، فلو جلست يا رسول الله ! حتى أجمعَ

لفاطمة تمرات.

فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله حتى اجتمع له شيئاً من التمر، فجعله في حجزته، ثم أقبل، فحمل رسول الله صلى الله عليه وآله أحدهما، وحمل على الآخرة(1).


1) الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي: ص 145 - 146؛ المستدرك، الحاكم النيسابوري: ج3، ص 165؛ المعجم الكبير، الطبراني: ج 22، ص 422 --- 423؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر : ج 14، ص 171 ؛ جواهر المطالب في مناقب الإمام علي عليه السلام ، ابن الدمشقي : ج 1، ص282؛ نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي: ص 192 ؛ إمتاع الأسماع، المقريزي : ج 6 ، ص 9 - 10؛ سبل الهدى والرشاد،الصالحي الشامي: ج 11، ص 48 ؛ ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2، ص 137 - 138 .

28-ثواب قراءة آي القرآن:

روى السيوطي في الجامع الصغير والدر المنثور، والمتقي الهندي والمناوي، «عن فاطمة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قارئ الحديد، وإذا وقعت الواقعة، والرحمن يُدعى في ملكوت السماوات والأرض ساكن الفردوس (1).

29 - حديث الكساء:

أخرجه مختصراً كل من الحاكم الحسكاني والقندوزي الحنفي، ولفظه عند الأول:حدَّثنا ربعي بن حراش: عن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله : أنّها أتت النبي صلى الله عليه وآله فبسط لها ثوباً فأجلسها عليه، ثم جاء ابنها حسن فأجلسه معها، ثم جاء حسين فأجلسه معها، ثم جاء على فأجلسه معهم، ثم ضمَّ عليهم الثوبَ، ثم قال:اللهم هؤلاء منّي وأنا منهم، اللهم ارضِ عنهم كما أنا عنهم راض (2)

ج 2، ص321.

.

30-حديث الثقلين:


1) الجامع الصغير ، السيوطي: ج 2، ص 234؛ الدر المنثور السيوطي: ج 6 ، ص 140؛ فيض القدير شرح الجامع الصغير المناوي : ج 4 ، ص 614 ؛ كنز العمال، المتقي الهندي: ج 1،ص 582.

2) شواهد التنزيل الحاكم الحسكاني: ج 2، ص 84؛ ينابيع المودة لذوي القربي، القندوزي:

رواه القندوزي ،الحنفي، قائلاً: «أخرج ابنُ عقدة: من طريق عروة بن خارجة، عن فاطمة الزهراء (رضي الله عنها قالت: سمعتُ أبي صلى الله عليه وآله في مرضه الذي قُبضَ فيه يقول . وقد امتلأت الحجرة من أصحابه : أيها الناسُ!

يُوشك أنْ أقبض قبضاً سريعاً، وقد قدَّمت إليكم القولَ معذرة إليكم، ألا وإنّي مخلفٌ فيكم كتابَ ربّي عزَّ وجل وعترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد عليّ، فقال: هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض، فأسألكم ما

تخلفوني فيهما(1).

31-حبّ علي عليه السلام

أخرج الحافظ ابن الدمشقي ومحبُّ الدين الطبري، واللفظ له: «عن فاطمة بنت رسولِ الله صلى الله عليه وآله قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنَّ السعيد كل السعيد حق السعيد من أحبَّ علياً في حياته وبعد موته)،أخرجه أحمد(2).


1) ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 1، ص 124 .

2) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي عليه السلام ، ابن الدمشقي: ج 1، ص 253؛ ذخائر العقبی، محم الدين الطبري: ص 92 .

32 _مكارم الأخلاق:

أخرج الخطيب البغدادي والذهبي وجماعة عنها عليها السلام: «خياركم ألينكم مناكب وأكرمكم للنساء (1).

33- إكراء علي عليه السلام:

أخرجه البيهقي عن فاطمة رضي الله عنها في نزع علي رضي الله عنه ليهودي كل دلو بتمرة (2).

34-الاكتحال:

أخرج الطبراني عن جابر بن عبد الله ، قال : دخل علي بن أبي طالب على فاطمة فرآها قد اكتحلت ولبست صبيغاً - يعني في حجهم مع النبي صلى الله عليه وآله - فقال لها: من أمرك بهذا ؟ قالت : رسول الله صلى الله عليه وآله، قال علي: فانطلقت... مستفتياً الرسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : صدقت صدقت(3).


1) الكامل ابن عدي: ج 6 ، ص 89؛ تاریخ بغداد الخطيب البغدادي: ج 12، ص 49؛ میزان الاعتدال، الذهبي:ج 3، ص 422 .

2) السنن الكبرى، البيهقي: ج 6 ، ص 120 .

3) المعجم الكبير، الطبراني : ج 22 ، ص 413 .

34-اقتتال الظلمة:

أخرج الدولابي عن عبد الله بن الحسن عن أمه عن فاطمة الكبرى، قالت قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله: ما التقى جندان ظالمان إلا تخلّى الله منهما، فلم يبال أيهما، وما التقى جندان ظالمان إلا كانت الدائرة على أعتاهما(1).

36-عمر عيسى عليه السلام:

أخرج أبو يعلى الموصلي عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة قال: «قالت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: إنَّ عيسى بن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة(2).

إنّها سيدة نساء المؤمنين:

روى المتقي الهندي في كنز العمال عنها عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «يا فاطمة! ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين»(3).


1) الذرية الطاهرة النبوية محمد بن أحمد الدولابي: ص 149 .

2) مسند أبي يعلى أبو يعلى الموصلي : ج 12، ص 110.

3) كنز العمال المتقي الهندي: ج 12، ص 107 .

38-إنّها أعظم نساء الأمة رزيةً:

قال القندوزي الحنفي في ينابيع المودة: «وأخرج الدولابي عن فاطمة (رضي الله عنها) مرفوعاً: يا بنيَّة! إِنَّه ليس من نساء المسلمين امرأة أعظم رزيَّة منك، فلا تكوني أدنى امرأة صبراً (1).

39-إِنَّ الله تعالى يباهي بهم الملائكة:

أخرج ابن الدمشقي والفقيه ابن الصباغ المالكي، عنها عليها السلام قالت . واللفظ لابن الصباغ - : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله عشيَّة عرفة، فقال: إنَّ الله عزّ وجل باهي بكم [الملائكة عامة] وغفر لكم عامة،وباهى بعلي خاصة

[وغفر له خاصة]، وإنّي رسول الله غير محاب لقرابتي،إنَّ السعيد كلَّ السعيد من أحبَّ عليا في حياته وبعد موته)(2).

40-نعي النبي صلى الله عليه وآله لها نفسه:

أخرج البخاري في صحيحه، وابن حجر في تغليق التعليق، عن مسروق عن


1) ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي: ج 2، ص 132 - 133 .

2) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي عليه السلام ، ابن الدمشقي: ج 1 ، ص 101؛ الفصول المهمة في معرفة الأئمة، ابن الصباغ: ج 1 ، ص 585 .

عائشة فاطمة عليها السلام أسر إلى النبيُّ صلى الله عليه وآله: أنَّ جبريل يعارضني بالقرآن كلَّ سنة، وإنَّه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي(1).

وهو طرف من حديث أوردناه سابقاً، وقد ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري(2).


1) صحيح البخاري، البخاري: ج 6 ، ص 101؛ تغلیق التعليق، ابن حجر : ج 4 ، ص 383؛ عمدة القاري، العيني : ج 20 ، ص 23 .

2) فتح الباري ابن حجر : ج 9، ص39.

المصادر والمراجع

*القرآن الكريم كتاب الله المنزل على نبيّة المرسل صلى الله عليه وآله.

*نهج البلاغة، مجموعة خطب أمير المؤمنين عليه السلام ، بيروت، دار المعرفة، بدون تاريخ.

1.ابن الأبار، أبو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي، درر المسط في خبر السبط، تحقيق: عز الدين عمر موسى، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1987م، الطبعة الأولى.

2.ابن أبي الثلج، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل البغدادي المعروف بابن أبي الثلج ، تاريخ الأئمة عليهم السلام، انتشارات بصيرتي، قم.

3.ابن أبي الحديد المعتزلي، أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، 1378ق، الطبعة الأولى .

4.ابن أبي حاتم الرازي تفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب، صيدا، المكتبة العصرية، بدون تاريخ.

5.ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي العبسي، المصنف، تحقيق: محمد سعيد اللحام، بيروت، دار الفكر ، 1409ق، الطبعة الأولى.

6.ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم الكامل في التاريخ، بيروت دار صادر، 1385ق.

7.ابن الاثير، عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم، أسد الغابة في معرفة الصحابة، بيروت دار الكتاب العربي، بدون تاريخ.

8.ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، منال الطالب في شرح طوال الغرائب مصر - القاهرة، بدون تاريخ.

9.ابن الأثير ، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: محمد طاهر الزاوي ومحمود الطناحي، قم، 1364 ش، الطبعة الرابعة.

10.ابن الدمشقي، شمس الدين أبو البركات محمد بن أحمد الدمشقي الباعوني

الشافعي، جواهر المطالب في مناقب الإمام الجليل علي بن أبي طالب عليه السلام ، تحقيق: محمد باقر المحمودي، قم، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، 1415ق، الطبعة الأولى.

11.ابن الصباغ علي بن أحمد بن محمد المالكي المكي، الفصول المهمة في معرفة الأئمة، تحقيق: سامي الغريري، دار الحديث للطباعة والنشر، 1422 ق، الطبعة الأولى.

12. ابن طلحة الشافعي، كمال الدين محمد بن طلحة، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول عليهم السلام ، تحقيق: ماجد أحمد العطية، بدون تاريخ.

13 .ابن طيفور، أبو الفضل أحمد ابن أبي طاهر المعروف بابن طيفور، بلاغات النساء، قم، مكتبة بصيرتي، بدون تاريخ.

14 .ابن بشكوال، أبو القاسم خلف بن عبد الملك الأنصاري الأندلسي القرطبي، غوامض الأسماء المبهمة، بيروت، لبنان.

15 .ابن حبان محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان تحقيق شعيب الأرنؤوط، نشر - مؤسسة الرسالة، 1414ق، الطبعة الثانية.

16. ابن حبان محمد بن حبان بن أحمد التميمي البست- حمد التميمي البستي، الثقات، حيد آباد الدكن، الهند، مؤسسة الكتب الثقافية، 1393ق، الطبعة الأولى.

17.ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي، مشاهير علماء الأمصار وأعلام فقهاء الأقطار، تحقيق: مرزوق علي إبراهيم، بيروت، دار الوفاء، 1991م،الطبعة الأولى.

18.ابن حجر، شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني،الإصابة في تمييز الصحابة،تحقيق:عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415 ،ق ،الطبعة الأولى.

19.ابن حجر، شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني تهذيب التهذيب، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، 1404 - 1984م، الطبعة الأولى.

20.ابن حجر، شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني، تقريب التهذيب، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415ق، الطبعة الثانية.

21.ابن حجر، شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني، فتح الباري في شرح

صحيح البخاري، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الثانية، بدون تاريخ.

22.ابن حجر، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر، المطالب العالية، طبعة الكويت.

23.ابن حجر، شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني لسان الميزان الناشر: بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1390ق، الطبعة الثانية.

24.ابن خزيمة، أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، صحيح ابن خزيمة، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، 1412ق، الطبعة الثانية.

25.إبن راهويه، إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي، مسند ابن راهويه، تحقيق: عبد الغفور عبد الحق حسين برد البلوسي، المدينة المنورة، مكتبة الإيمان، 1412ق، الطبعة الأولى.

26.ابن سعد، محمود بن منيع الزهري ، الطبقات الكبری، بیروت، دار صادر، بدون تاریخ.

27.ابن شاهين، ابو حفص عمر بن احمد بن عثمان فضائل فاطمة عليها السلام تحقيق: أبو إسحاق الجويني، الطبعة الثانية، 2007 ، مكتبة التوعية الإسلامية، مصر.

28.ابن شبه أبو زيد عمرو بن شبه النميري البصري، تاريخ المدينة المنورة تحقيق فهيم محمد شلتوت، قم، نشر دار الفكر، 1410ق.

29.ابن شهر أشوب، مشير الدين أبي عبد الله محمد بن علي بن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، تحقيق: لجنة من اساتذة النجف النجف الأشرف، 1376 ق.

30.ابن عابدين، محمد أمين، حاشية رد المختار شرح تنویر الابصار، بيروت، دار الفكر، 1415 ق.

31.ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي، الاستذكار، تحقيق : سالم محمد وعلي معوض، بيروت، دار الكتب العلمية، 2000م، الطبعة الأولى.

32.ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق: علي محمد البجاوي بيروت، دار الجيل، 1412ق، الطبعة الأولى.

33.ابن عبد البر، التمهيد تحقيق:مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، المغرب، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، بدون تاريخ.

34.ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري القرطبي،

بهجة المجالس وأنس المجالس، مصر، بدون تاريخ.

35.ابن عدي عبد الله بن عدي الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، محرم 1409ق، الطبعة الثالثة.

36. ابن العربي، أحكام القرآن ،لبنان، دار الفكر للطباعة والنسر، بدون تاريخ.

37.ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله بن عبد الله الشافعي تاريخ مدينة دمشق، تحقيق: علي الشيري، بيروت، دار الفكر، 1415ق .

38.ابن قتيبة الدينوري، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء، تحقيق: علي الشيري، قم، الشريف الرضي، 1371ش، الطبعة الأولى.

39.ابن كثير، أبو الفداء اسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، السيرة النبوية، تحقیق: مصطفى عبد الواحد، بيروت، دار المعرفة، 1396ق، الطبعة الأولى.

40.ابن كثير، أبو الفداء اسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، البداية والنهاية، تحقيق: علي الشيري، بيروت، دار إحياء التراث العربي ، 1408ق، الطبعة الأولى.

41.ابن كثير، أبو الفداء اسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير القرآن العضيم المعروف بتفسير بن كثير، بيروت، دار المعرفة، 1412ق.

42.ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر، بدون تاريخ.

43.ابن مردويه أبو بكر أحمد بن موسى ابن مردويه الأصفهاني، مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام وما نزل من القرآن في علي عليه السلام ، تحقيق: عبد الرزاق محمد حسين حرز الدين، قم، دار الحديث، 1424ق، الطبعة الثانية.

44.ابن معين يحيى بن معين بن عون المري الغطفاني البغدادي، تاريخ يحيى بن معين، بيروت، دار القلم للطباعة والنشر، بدون تاريخ.

45.ابن المغازلي أبو الحسن علي بن محمد الواسطي الجلابي الشافعي الشهير بإبن ،المغازلي، مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام، انتشارات سبط النبي صلى الله عليه وآله، الطبعة الأولى، 1426 ق.

46.ابن منظور، أبو الفضل جمال الدین محمد بن مکرم بن علي، لسان العرب، ،قم، أدب الحوزة ، 1405ق، الطبعة الأولى.

47.أبو البقاء العكبري، عبد الله بن الحسين بن عبد الله، إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن بيروت، دار الكتب العلمية، 1979م، الطبعة الأولى.

48.أبو داود سليمان بن الاشعث، سنن أبي داود، تحقيق: سعيد محمد اللحام، بيروت، دار الفكر ، 140ق، الطبعة الأولى.

49.أبو علم، توفيق، أهل البيت عليهم السلام، القاهرة، السعادة، بدون تاريخ.

59.توفيق أبو علم، السيد نفيسة رضي الله عنها، وزارة الأوقاف المصرية -- لجنة التعريف بالإسلام، القاهرة، 1992م.

51.ابو ريه، محمود، أضواء على السنة المحمدية، دار الكتاب الإسلامي، بدون تاریخ.

52.أبو ريه، محمود، أضواء على السنة المحمدية، دار الكتاب الإسلامي، بدون تاریخ.

53 .أبو حيان الأندلسي، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي الجياني، تفسير البحر المحيط، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد

معوض، بیروت، دار الكتب العلمية ، 1422ه-، الطبعة الأولى.

54.أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين تحقيق كاظم المظفر، منشورات المكتبة الحيدرية، 1965م، الطبعة الثانية.

55.أبو الليث السمرقندي، تفسير السمر قندي، تحقيق محمود مطرجي، بيروت، دار الفكر.

56. أبو يعلي الموصلي، أحمد بن علي بن المثنى التميمي، مسند أبي يعلى الموصلي، تحقيق: حسين سليم أسد، دمشق، دار المأمون للتراث، بدون تاريخ.

57.الآلوسي، شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني، تفسير الآلوسي، بدون تاریخ

58.الآلوسي، خير الدين أبو البركات نعمان أفندي غالية المواعظ ومصباح المتعظ والواعظ القاهرة دار الطباعة المحمدية.

59.الأطرابلسي ، خيثمة بن سليمان القرشي حديث خيثمة، بدون تاريخ .

60. أحمد أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني الوائلي كتاب العلل ومعرفة الرجال،يحقيق: وصي الله الله بن محمد عباس، الرياض، دار الخاني، 1408ق، الطبعة الأولى.

61.أحمد أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني الوائلي مسند أحمد، بيروت، دار صادر، بدون تاریخ.

62.الأهدل، محمد بن أحمد عبد الباري الأهدل الخصائص النبوية المسماة فتح ، الكريم القريب، طبعة مكتبة جدة، بدون تاريخ.

63.الحافظ الأصبهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ذكر أخبار أصبهان، بريل ليدن، 1934م.

64.الحافظ الأصبهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، مسند الإمام أبي حنيفة، يحقيق محمد الفارياني، الرياض، مكتبة الكوثر، 1994م، الطبعة الأولى.

65.الألباني ، محمد ناصر ، ضعيف سنن الترمذي، تحقيق: زهير الشاويش بيروت، المكتب الإسلامي، 1411ق - 1991م، الطبعة الأولى.

66.الأميني، عبد الحسين بن أحمد الأميني النجفي، الغدير في الكتاب والسنة ،والأدب، بيروت، دار الكتاب العربي ، 1397 ق،الطبعة الرابعة .

67.الأندلسي، ابن عطية المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، بيروت، دار الكتب العلمية، 1993م، الطبعة الأولى.

68.الباجي ، أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد الباجي المالكي، الجرح والتعديل لمن خرَّج عنه البخاري في الجامع الصغير، تحقيق: أحمد البزار، مراكش وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بدون تاريخ.

69.البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة، قم، المطبعة العلمية، 1399 ش.

70. البري محمد بن أبي بكر الأنصاري التاهساني، الجوهرة في نسب الإمام علي وآله، تحقيق: دكتور محمد التونجي، دمشق، مكتبة النوري، 1402ق، الطبعة الأولى.

71.البحراني، يوسف بن احمد بن إبراهيم الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة، تحقيق: محمد تقي الإيرواني، قم، جماعة المدرسين التابعة للحوزة العلمية، بدون تاريخ.

72.البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، الأدب المفرد بيروت، مؤسسة الكتب الثقافية، 1986م، الطبعة الأولى.

7.البخاري، أبو عبد الله محمد بن اسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، الكني، مطبعة

جمعية دائرة المعارف العثمانية بعاصمة الدولة الاصفية حيدر آباد الدكن ، 1360ه-، الطبعة الأولى البخاري، أبو عبد الله محمد بن اسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، صحيح البخاري، بيروت، دار الفکر، بدون تاریخ

74.البخاري، أبو نصر سهل بن عبد الله بن داود، سر السلسلة العلوية، تحقيق: محمد صتدق بحر العلوم، قم المقدسة، انتشارات الشريف الرضي، 1413ق، الطبعة الأولى.

75.البغدادي، حماد بن زيد تركة النبي صلى الله عليه وآله، تحقيق: أكرم ضياء العمري ، 1404ق، الطبعة الأولى.

76.البغدادي، أبو المعالي المرتضى محمد بن علي الحسيني البغدادي، عيون الأخبار في مناقب الأخيار، من مصورات مكتبة الفاتيكان.

77.البغوي، تفسير البغوي، تحقيق خالد عبد الرحمن العك، بيروت، دار المعارف، بدون تاريخ.

78.البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي، فتوح البلدان، تحقيق: صلاح الدين المنجد، القاهرة، نشر مكتبة النهضة المصرية، 1956م.

79.البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي، أنساب الأشراف، تحقيق: محمد باقر المحمودي، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1394ق، الطبعة الأولى.

80.البهوتي، منصور بن يونس كشاف القناع، تحقيق: محمد حسن الشافعي، بيروت، دار الكتب العلمية ، 1418ق، الطبعة الأولى.

81.البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، السنن الكبرى، بيروت، دار الفكر، بدون تاريخ.

82. البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي معرفة السنن والآثار تحقيق كسروي حسن بيروت، دار الكتب العلمية بدون تاريخ.

83.بهادر خان، أحمد حسين بهادر خان ،الحنفي، تاريخ الأحمدي، بيرون 1408 ق.

84.الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، العلل الواردة في الأحاديث النبوية، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الدين السلفي، الرياض، دار طيبة 1405ق، الطبعة الأولى.

85. الدارمي عبد الله بن ،بهرام سنن الدارمي دمشق، مطبعة الاعتدال، 1349ق.

86.دحلان، أحمد بن زيني دحلان الشافعي مفتي مكة، السيرة النبوية، طبعة دار المعرفة، بدون تاريخ

87.الدولابي، محمد بن أحمد، الذرية الطاهرة النبوية، تحقيق: سعد المبارك الحسن ، الكويت، الدار السلفية ، 1407ق، الطبعة الأولى.

88.الدهلوي، حسن بن المولوي أمان الله الدهلوي العظيم آبادي، تجهيز الجيش مخطوطات مكتبة المرعشي النجفي.

89.الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف ،بيروت، دار الفكر 1403 ق.

90.الثعالبي، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف تفسير الثعالبي المسمي بالجواهر الحسان في تفسير القرآن، تحقيق: عبد الفتاح أبو سنة وجماعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي ، 1418ق، الطبعة الأولى.

91.الثعلبي، تفسير الثعلبي المسمى تفسير الكشف والبيان عن تفسير القرآن تحقيق : الإمام أبو محمد بن عاشور، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1422ق، الطبعة الأولى.

92.الديلمي، أبو شجاع شيرويه بن شهردار الديلمي فردوس الأخبار، طبع ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1406 ه- .

93.الجوهري، أبو بكر أحمد بن عبد العزيز السقيفة وفدك، تحقيق : الشيخ محمد هادي الأميني، بيروت، شركة الكتبي، 1413ق، الطعة الثانية.

94.الجوهري، اسماعيل بن حماد، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور ،عطار، بيروت، دارالعلم للملايين ، 1407ق، الطبعة الرابعة.

95.حافظ إبراهيم، ديوان حافظ إبراهيم، القاهرة، دار الكتب المصرية، بدون تاريخ.

96.الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري، المستدرك علىالصحيحين، تحقيق: يوسف المرعشلي، بيروت، دار المعرفة، 1406ق.

97.الحاكم الحسكاني، عبيد الله بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني الحذاء الحنفي، شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، تحقيق: محمد باقر المحمودي، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي - مجمع إحياء الثقافة

الإسلامية، 1411ق، الطبعة الأولى.

98.الحضرمي، وسيلة المآل المكتبة الظاهرية، دمشق، بدون تاريخ.

99.الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام، قم، نشر المحقق، 1414ق، الطبعة الثانية

100.الحلبي، علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي، السيرة الحلبية المسماة بإنسان العيون في سيرة الأمين المأمون صلى الله عليه وآله، بيروت، دار المعرفة 1400 ق.

101.الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي معجم البلدان، بيروت، دار إحياء التراث، 1399ق.

102.الحميدي، الحافظ أبو بكر عبد الله بن الزبير، مسند بن الزبير، مسند الحميدي، تحقيق: بيب الرحمن العظمى، بيروت، دار الكتب العلمية، 1409ق، الطبعة الأولى.

103.الحنفي، علي محمد فتح الدين الحنفي، فلك النجاة في الإمامة والصلاة تحقيق: أصغر علي محمد جعفر، مؤسسة دار السلام، 1997م، الطبعة الثانية.

104.الجصاص، أحمد بن علي الرازي الجصاص، أحكام القرآن، تحقيق: عبد

السلام محمد علي شاهين، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415ق، الطبعة الأولى.

105.الجصاص، أحمد بن علي الرازي الجصاص، الفصول في الأصول، تحقيق: عجيل جاسم النمشي، 1985م، الطبعة الأولى.

106.الجندي، عبد الحليم الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، تحقيق وإشراف محمد توفيق عويضة ، القاهرة، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، 1379ق.

107.الخصي- حسين بن حمدان الخصيبي الهداية الكبرى، مؤسسة البلاغ، بيروت.

108.الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي، تاريخ بغداد، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية 1417 - 1997م، الطبعة الأولى.

109.الخزرجي الأنصاري، صفي الدين أحمد بن عبد الله، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق : عبد الفتاح أبو غدة، حلب، دار البشائر الإسلامية، 1411ق، الطبعة الرابعة.

110.الخوارزمي، أبو المؤيد الموفق بن أحمد المكي أخطب خوارزم، مقتل الحسين .

عليه السلام ، مكتبة المفيد، قم المقدسة، طبعة الغري.

111.الخوارزمي، الموفق بن أحمد بن محمد المكي، المناقب، تحقيق : الشيخ مالك المحمودي، قم، مؤسسة النشر - الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1411ق، الطبعة الثانية.

112.الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، جدة، مؤسسة علوم القرآن، 1413،ق، الطبعة الأولى.

113.الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، تاريخ الإسلام، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، بيروت، دار الكتاب العربي، 1407ق، الطبعة الأولى.

114.الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وحسين الأسد، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1413ق، الطبعة التاسعة.

115.الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، تذكرة الحفاظ، مكة، نشر مكتبة الحرم المكي بإعانة وزارة معاف الحكومة العالية الهندية، بدون تاريخ.

116.الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان ميزان الاعتدال، علي محمد البجاوي، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر، 1382 - 1963م، الطبعة الأولى.

117.الرازي أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم التميمي الحنظلي الرازي، كتاب الجرح والتعديل، بيروت، دار احياء التراث العربي، 1371ق، الطبعة الأولى.

118.الرازي، محمد بن عمر بن الحسن التيمي الرازي الشافعي، تفسير الفخر الرازي المسى بمفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ.

119.الراغب الإصفهاني، أبو القاسم حسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، دفتر نشر الكتاب، 1404ق، الطبعة الثانية.

120.الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، بيروت، مكتبة الحياة، بدون تاريخ

121.الزركلي، خير الدين الأعلام، بيروت، دار العلم للملايين، 1980م، الطبعة الخامسة.

122.الزرقاني، شرح المواهب اللدنية، طبعة الأزهرية، مصر، بدون تاريخ.

123.الزرندي الحنفي، جمال الدين محمد بن يوسف بن الحسن، معارج الوصول إلى معرفة آل الرسول، تحقيق: ماجد بن أحمد العطية، بدون تاريخ.

124.الزر ندي الحنفي جمال الدين محمد بن يوسف بن الحسن، نظم درر

السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين، 1377ق، الطبعة الأولى.

125.الزمخشري جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، الفائق في غريب ،الحديث بيروت، دار الكتب العلمية، 1417ق .

126.الزمخشري ، جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، مصر، شركة مصطفى البابي وأولاده وشركاؤه، 1385ق.

127.الزيعلي، أبو محمد جمال الدين عبد الله بن يوسف بن محمد، نصب الراية في تخريج أحاديث الولاية، تحقيق: أيمن صالح شعباني، القاهرة، دار الحديث، 1995م، الطبعة الأولى.

128 . الزيلعي جمال الدين، تخريج الأحاديث والآثار، تحقيق: عبد الله بن عبد .

الرحمن السعد، الرياض، دار ابن خزيمة، 1414 ق، الطبعة الأولى.

129. سبط ابن العجمي برهان الدين الحلبي، الكشف الحثيث عمّن رمي

بوضع الحديث، تحقيق: صبحي السامرائي، بيروت، عالم الكتب، 1987م،

الطبعة الأولى.

مه

554

هه

بضَعَة المختار

عة

130. السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد، أصول السرخسي، تحقيق: أبو الوفاء

الأفغاني، 1414ق ، الطبعة الأولى.

.131 السمعاني، منصور بن محمد، تفسير السمعاني، تحقيق: ياسر بن إبراهيم و

غنيم بن عباس بن غنيم الرياض، دار الوطن، 1418 - 1997م، الطبعة الأولى.

132 . السهمي، أبو القاسم حمزة بن يوسف بن إبراهيم، تاريخ جرجان، طبعة

حیدر آباد، بدون تاریخ.

.133 السمهودي، إبراهيم الحسني المدني السمهودي الشافعي، الإشراف على .

فضل الأشراف، من مصورات المكتبة الظاهرية بدمشق.

134 . السمهودي، أبو الحسن بن عبد الله، وفاء الوفا بأخبار المصطفى، القاهرة،

مطبعة الآداب والمؤيد، 1326ق.

135. سيد سابق، فقه السنة، بيروت، دار الكتاب العربي، 1971م،

الطبعة الأولى.

136 . السيوطي ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر ، الإتقان في علوم القرآن

تحقيق: سعيد المندوب ،لبنان، دار الفكر، 1996م، الطبعة الأولى.

137.السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، بيروت، دار الفكر ، 1401ق، الطبعة الأولى.

138.السيوطي ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، بيروت، دار الفكر، 1365 ق.

139.السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر ابن محمد الخضري السيوطي المصري، مسند فاطمة عليها السلام ، الهند - حیدر آباد، 1406ھ.

140. الشافعي، شهاب الدين أحمد بن عبد الله الشافعي الحسيني الشيرازي توضيح الدلائل، بدون تاریخ .

141.الشربيني، محمد الشربيني الخطيب الشافعي، مغني المحتاج إلى شرح معاني ألفاظ المنهاج، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1958م.

142.الشرواني والعبادي، حواشي الشرواني، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بدون تاريخ.

143.الشعراني، عبد الوهاب، لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية،مصر،شركة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1393ق، الطبعة الثالثة.

144.الشناوي، عبد العزيز، سيدات نساء أهل الجنة، مكتبة التراث الاسلامي، القاهرة.

145.الشنقيطي، أضواء البيان، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر، 1415ق.

146.الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الملل والنحل، تحقيق:،إبراهيم شمس الدين، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 2006م، الطبعة الأولى.

147.الش-و كاني، محمد بن علي بن محمد، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ، بيروت، عالم الكتب، بدون تاريخ.

148.الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار، بيروت، دار الجيل، 1973م .

149.الشيرازي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي اللمع في أصول الفقه، بيروت، عالم الكتب، 1406 ق، تاطبعة الثانية.

150.الشناوي، عبد العزيز، سيدات نساء أهل الجنة، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، بدون تاريخ.

151.الصالحي الشامي، محمد بن يوسف، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير

العباد، تحقيق:الشيخ عادل أحمد والشيخ علي محمد معوض، بيروت، دار الكتب العلمية ، 1414ق، الطبعة الأولى.

152.الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك، الوافي بالوفيات، تحقيق: أحمد الأرنؤوط وتركي مصطفى، بيروت، دار إحياء التراث، بدون تاريخ.

153.الصفوري، محمد خير المقداد، مختصر المحاسن المجتمعة في فضائل الخلفاء الأربعة، بيروت، دار ابن كثير.

154.الصفوري، عبد الرحمن بن عبد السلام بن عبد الرحمن الشافعي نزهة المجالس ومنتخب النفائس نشر مكتبة محمد مصطفی، مصر، بدون تاریخ.

155.الصنعاني عبد الرزاق بن همام المصنف، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، بدون تاریخ.

156.الضحاك ، أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الآحاد والمثاني، تحقيق: باسم فيصل الجوابرة، دمشق، دار الدراية، 1991م، الطبعة الأولى.

157.الضحاك، أبو بكر عمرو بن أبي عاصم بن مخلد الضحاك الشيباني، كتاب السنة، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، بيروت، المكتب الإسلامي، 1413ق.

1993م، الطبعة الثالثة.

158.الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد، كتاب الأوائل، تحقيق: محمد شكور بن محمود الحاجي أمرير، بيروت، مؤسسة الرسالة، دار الفرقان، 1403ق، الطبعة الأولى.

159.الطبراني، سليمان بن أحمد المعجم الأوسط، تحقيق: قسم التحقيق بدار الحرمين دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، 1415ق،

160.الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، تحقيق: حمدي عبدالمجيد السلفي، القاهرة، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الثانية، بدون تاريخ.

161.الطبراني، أبو القا سم سليمان بن أحمد، مسند الشاميين، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، 1417 ،ق، الطبعة الثانية .

162.الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن تحقيق لجنة من العلماء الاخصائيين، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1415ق، الطبعة الأولى.

163.الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، تحقيق: نخبة من

العلماء، بيروت، مؤسسة الأعلمي، بدون تاريخ.

164.الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن تحقيق: صدقي جميل العطار، بيروت، دار الفكر 1415ق.

165.الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير المنتخب من كتاب ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1358 ه- - 1939

166.الطبري، محب الدين أحمد بن عبد الله، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، القاهرة، مكتبة القدسي، 1356

167.الطريحي، فخر الدين بن محمد بن علي بن أحمد الرماحي النجفي، مجمع البحرين تحقيق السيد أحمد الحسيني، قم،مكتبنشرالثقافة الاسلامية،1408 ق، الطبعة الثانية.

168.عبد الرزاق، عبد الرزاق محمد أسود، المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب طبعة الدار العربية للموسوعات.

169. عبد بن حميد، المنتخب من مسند عبد بن حميد، تحقيق : صبحي البدري السامرائي ومحمود محمد الصعيدي، مكتبة النهضة، 1408ق، الطبعة الأولى.
170. عبد الهادي، رياض عبد الله عبد الهادي الدرر المجموعة بترتيب أحاديث اللآلي المصنوعة، طبع دار البشائر الإسلامية، بيروت .

171.العجلوني، اسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي، كشف الخفاء ومزيل الإلباس، بيروت، دار الكتب العلمية، 1408ق، الطبعة الثانية.

172.العجلي، أحمد بن عبد الله معرفة الثقات المدينة المنورة، مكتبة الدار 1405 ق، الطبعة الأولى.

173.

العظيم آبادي، محمد شمس الحق عون المعبود شرح سنن أبي داود بيروت، دار الكتب العلمية 1415ق، الطبعة الثانية.

174.

العقيلي، أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد، كتاب الضعفاء

الكبير، تحقيق: عبد المعطي أمين ،قلعجي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418ق،

الطبعة الثانية.

175.العقاد، محمود، فاطمة الزهراء عليها السلام، مصر، دار المعارف، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ.

176. العمراوي، شعيب المصري العمراوي ،الحريفش، الروض الفائق، مصر،

طبعة مصطفى البابي الحلبي.

177.القاضي عياض، أبو الفضل عياض اليحصبي، الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وآله، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1409 ق - 1988م.

178.العيني، عبد الرحمن بن محمود بن أحمد العيني الحنفي، عمدة القاري في . شرح صحيح البخاري، بيروت، دار احياء التراث العربي، بدون تاريخ.

179.الغرناطي الكلبي، التسهيل لعلوم التنزيل، بيروت، دار الكتاب العربي ، 1983م، الطبعة الرابعة.

180.الفراهيدي، ابو عبد الرحمن الخليل بن أحمد العين، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، مؤسسة دار الهجرة ، 1409ق، الطبعة الثالثة.

181.القارئ، ملا علي القاري الحنفي شرح مسند أبي حنيفة، بيروت، دار الكتب العلمية بدون تاريخ.

182.القاضى الجرجاني، علي بن محمد شرح المواقف، مصر، مطبعة السعادة، 1907م ، الطبعة الأولى.

183.القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، بيروت، مؤسسة التاريخ العربي، 1405ق.

184.القرماني، أحمد بن يوسف بن أحمد الدمشقي الشهير بالقرماني، أخبار الدول، بغداد، بدون تاریخ

185.القفطي، أبو القاسم هبة الله بن سيد الكل القفطي الشافعي، الأنباء المستطابة مصورة من مخطوطة مكتبة جستربيتي بإيرلندا.

186.القندوزي الحنفي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة لذوي القربي، تحقيق: السيد علي جمال أشرف الحسيني، دار الأسوة للطباعة والنشر، 1416.ق.

187.الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق: علي أكبر غفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية ، 1388ق ، الطبعة الثالثة.

188.الكوفي، فراس بن يحيى الكوفي، مسانيد أبي يحيى الكوفي، بجمع الحافظ أبي نعيم الأصبهاني، القاهرة، مطابع ابن تيمية، 1413ق، الطبعة الأولى.

189.المالكي، أبو عبد الله محمد بن المدني جنون المغربي الفاسي المالكي، الدرر المكنونة في النسبة الشريفة المصونة، المطبعة الفاسية، المغرب.

190. المباركفوري، أبو العلاء محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1410ق، الطبعة الأولى.

191.المدني، عباس أحمد صقر والشيخ أحمد عبد الجواد المدني-ان، جامع الأحاديث، طبعة دمشق.

192. معتوق، صالح يوسف التذكرة المشفوعة في ترتيب أحاديث تنزيه الشريعة المرفوعة، طبع دار البشائر الإسلامية، بيروت.

193.مسلم النيسابوري، صحيح مسلم، بيروت، دار الفکر، بدون تاريخ.

194.المتقي الهندي، علاء الدين علي المتقي الهندي البرهان نوري كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق: بكري حياني وصفوة السقا، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1409ق.

195.المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي بن مقصود علي الإصفهاني، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، مؤسسة الوفا، 1403ق، الطبعة الثانية.

196 . محمد عبده، شرح نهج البلاغة، بيروت، دار المعرفة، بدون تاريخ.

197. المزي، جمال الدين أبو الحجاج يوسف، تهذيب الكمال في اسماء الرجال، تحقيق بشار عواد ،معروف ،بغداد، مؤسسة الرسالة، 1406ق، الطبعة الرابعة.

198.المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن على بن عبد الله، التنبيه ،والإشراف، بيروت، دار صعب بدون تاریخ .

199.المفيد، أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، المقنعة، تحقيق ونشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المقدسة، 1410ق، الطبعة الثانية.

200.المقريزي، أحمد بن علي بن عبد القادر، إمتاع الأسماع، تحقيق : محمد عبد الحميد النميسي، بيروت، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية،1420ق – 1999 م، الطبعة الأولى.

201.المقريزي، أحمد بن علي بن عبد القادر ، فضل آل البيت عليهم السلام ، تحقيق: علي عاشور، 1420 ق.

202.المناوي، محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي، فيض القدير في شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير، تحقيق:أحمد عبد السلام، بيروت، دار

الكتب العلمية ، 1415ق، الطبعة الأولى.

203. المناوي، محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي، إتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب والفضائل، تحقيق: عبد اللطيف عاشور، القاهرة، مكتبة القرآن للطبع والنشر والتوزيع.

204.النابلسي، عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي الدمشقي، ذخائر المواريث، القاهرة بدون تاريخ

205.النحاس، أبو جعفر معاني القرآن تحقيق محمد علي الصابوني، المملكة العربية السعودية، جامعة ام القرى، 1408ق، الطبعة الأولى.

206. النراقي، أحمد بن محمد مهدي مستند الشيعة في أحكلم الشريعة، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم المقدسة، 1415ق، الطبعة الأولى.

207.النسائي، أحمد بن شعيب بن علي، سنن النسائي، بيروت، دار الفكر 1348ق، الطبعة الأولى.

208.النسائي، أحمد بن شعيب بن علي، فضائل الصحابة، بيروت، دار الكتب

العلمية بدون تاريخ.

209.

النسائي، أحمد بن شعيب النسائي الشافعي، خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، تحقيق: محمد هادي الأميني، طهران، مكتبة نينوى الحديثة، بدون تاريخ.

210.

النمازي ، علي النمازي الشاهرودي، مستدرك سفينة البحار، تحقيق : الشيخ حسن النمازي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1419ق.

211.النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي ، شرح ،مسلم ،بیروت دار الكتاب العربي ، 1407ق، بدون تاريخ.

212.النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، رياض الصالحين من حديث سيد المرسلين، دار الفكر ، 1411ق، الطبعة الثالثة.

213.النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، المجموع في شرح المهذب، بیروت، دار الفكر للطباعة والنشر، بدون تاريخ

214.الهمداني علي بن شهاب الدين الهمداني الحسيني، مودة القربى الباكستان، لاهور.

215.

الهندي، محمد مبين وسيلة النجاة، الهند، طبع مطبعة گلشن فیض.

216.

الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر ، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، بيروت، دار الكتب العلمية، 1408 ق.

217.

الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر ، موارد الظمآن، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني دار الثقافة العربية، 1990م، الطبعة الأولى.

218.

اليزدي، محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، قم المقدسة، مؤس-------ة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، 1417ق، الطبعة الأولى.

219.

اليعقوبي، أحمد بن يعقوب بن وهب بن واضح، تاريخ اليعقوبي، قم، مؤسسة نشر فرهنك أهل البيت بدون تاريخ

محتويات الكتاب

مقدمة الكتاب...7

الفصل الأول / الزهراء عليها السلام من الولادة وحتى الزواج...13

المدخل ...15

البحث الأول خصائص خديجة عليها السلام ومكانتها...16

تمهيد...16

أولاً:خصائص خديجة عليها السلام ...17

1-أول الناس إسلاما ...18

2-من أفضل نساء أهل الجنة...19

3- مواساة النبي صلى الله عليه وآله...20

ثانيا مكانتها عند النبي صلى الله عليه وآله...21

1-حب النبي صلى الله عليه وآله لها...22

2-ثناء النبي صلى الله عليه وآله عليها...23

3-تعاهد النبي صلى الله عليه وآله صديقاتها بالبر...25

ثالثا:خديجة أفضل نساء النبي صلى الله عليه وآله...26

وقفة وتنبيه ...40

أسرار السلام على خديجة عليها السلام...42

البحث الثاني ولادة الزهراء عليها السلام ونشأتها...45

تمهید...45

أولاً: الزهراء عليها السلام في عالم الأنوار...45

ثانيا:انعقاد نطفة الزهراء عليها السلام ...50

ثالثا:الزهراء عليها السلام في عالم الأرحام...54

رابعا:تاريخ ولادتها ...56

أدلة القول بولادتها بعد البعثة ...57

1-تسميتها بأمر الله تعالى...57

2- انعقاد نطفتها من ثمار الجنة...58

خامسا:حضور نساء الجنة عند ولادتها...63

سادسا:ملامحها وشمائلها...65

تمهيد...65

1-صفة مشيتها:...65

2- صفة كلامها:... 67

3- هديها وسمتها:...67

4- جلستها وحديثها:...68

5- نور وجهها:...78

6- بهاءها وجمال طلعتها:...69

البحث الثالث أسماء الزهراء وألقابها...70

أولاً:فاطمة ...70

الأولى:إن الله فطمها وذريتها من النار...71

الثانية:إن الله فطمها وولدها ومحبيهم عن النار...72

الثالثة:أنها لم ترَ طمثا أو حمرةً ...73

الرابعة:أن الله فطمها ومحبيها من النار...73

الخامسة:أن الله غير معذبها ولا ولدها...74

خلاصة واستنساج...75

تعقيب وتنبيه ...76

ثانيا:الزهراء...78

1-النور والحسن...78

2- كثرة الخير والبركة...80

3- التلألؤ والإشراق...80

الخلاصة...82

ثالثا:البتول...83

1-انقطاعها إلى الله تعالى...83

2-انقطاعها بالفضل... 85

3-انقطاعها في النسب...86

4-انقطاعها عن الخبث...87

استثنائها من حرمة دخول المسجد عند عدم الطهارة...88

5-انقطاعها في الحسن وكمال الخلقة...89

رابعا:الصديقة...90

سرقة الألقاب واختلاس المناقب...94

خامسا:المُحَدَّثَة...96

هل تحدّث الملائكة غير الأنبياء؟...97

البحث الرابع كناها عليها السلام...100

فاطمة الزهراء عليها السلام أم أبيها...101

1-الأم هي الأصل...103

2-إنّها تعامل أباها معاملة الأم الحنون...107

3-إنّ النبي كان يجلها إجلال الأم...112

4-بيان قدرها ومنزلتها...113

الفصل الثاني / الزهراء عليها السلام في بيت الزوجية...115

البحث الأول زواج الزهراء عليها السلام...117

تمهید...117

أولاً:شرف مصاهرة النبي صلى الله عليه وآله ...117

ثانيا:النبي صلى الله عليه وآله يرد خطبة الشيخين...120

ثالثا:خطبة علي الفاطمة عليها السلام ...125

رابعا:تزويجها بأمر من الله...129

1-حديث أنس بن مالك...130

2- حديث عبد الله بن مسعود...131

3- حديث جابر بن عبد الله الأنصاري...132

4-حديث الهلالي عن أبيه...132

5- حديث أبي أيوب الأنصاري... 133

6-حديث عمر بن الخطاب...134

خامسا:مهر الزهراء وصداقها...135

سادسا:نثار الزهراء عليها السلام ...140

سابعا:زفاف الزهراء عليها السلام ...145

البحث الثاني مكارم أخلاقها...155

تمهيد...155

أولاً:عبادة الزهراء عليها السلام...155

تسبيح الزهراء عليها السلام...157

ثانيا:إيثار الزهراء عليها السلام...160

1-تألق الزهراء عليها السلام في سماء الفضيلة...163

2-إخلاص الزهراء عليها السلام...164

3-الوفاء للمبادئ...165

4-الصبر على المكاره...166

ثالثا:صبر الزهراء عليها السلام...166

نماذج من صبرها...169

1-صبرها على الرزايا والمصائب...169

2-صبرها على مرارة الدنيا...170

3-صبرها على الفقر والفاقة...171

4 -صبرها على مشاق العمل...173

5-صبرها على الجوع...174

رابعا صدق لهجتها...175

خامسا:زهد الزهراء عليها السلام ...176

صور من زهد الزهراء عليها السلام ...177

1-حليتها من العصب...177

2-فراش بيتهما من الرمل...178

3- فراشها مسك كبش...179

4-وسادتها الليف...180

سادسا:إنفاقها في سبيل الله تعالى...180

1-عقتها غلاما بسلسة الذهب...184

2-إنفاقها ثوب عرسها...186

صدقتها على بني هاشم...187

4-إنفاقها العِقد على الأعرابي ...187

سابعا:مكانتها العلمية...191

مصحف فاطمة عليها السلام ...193

حقيقة مصحف فاطمة عليها السلام ...194

مصحف فاطمة عليها السلام ليست قرآنا آخر...196

المنصفون ومصحف فاطمة عليها السلام...198

البحث الثالث تفضيل الزهراء عليها السلام ...200

الأول:أفضليتها على نساء النبي عموما...200

الثاني:أفضلية الزهراء عليها السلام على عائشة...208

أدلة تفضيل عائشة...208

وقفة مع أدلة تفضيل عائشة...209

الثالث:بعض من قال بتفضيل الزهراء من علماء السنة...226

الرابع:بعض مرويات السنة في أفضلية الزهراء عليها السلام...231

خلاصة واستنتاج

البحث الرابع أكذوبة خطبة علي عليه السلام لبنت أبي جهل...236

الخلاصة...243

خلاصة البحث ...249

الفصل الثالث/نحلة الزهراء عليها السلام وميراثها...251

تمهيد...253

البحث الأول فدك؛ منحتها ومصاردرتها ...254

أولاً :موقع فدك وسنة فتحها...254

ثانيا:هل كانت فدك فيئا للمسلمين ؟...257

ثالثا:النبي أنحل فدكا لفاطمة ...260

رابعا:الأهداف السياسية لمصادرة فدك...269

البحث الثاني مطالبة الزهراء عليها السلام بفدك...276

تمهيد...276

أولاً: كيفية المطالبة ...277

1- المطالبة بها على نحو الإرث...277

2- المطالبة بها على سبيل النحلة...279

3-المطالبة على سبيل الإرث:...281

ثانياً:السر في مطالبة الزهراء عليها السلام بفدك...283

البحث الثالث إسقاط ذريعة المصادرة...290

تمهيد...290

دفاعيات واهية...303

البحث الرابع خطبة الزهراء عليها السلام والإعلان بمظلوميتها...313

مصادر خطبة الزهراء عليها السلام ورواتها من السنة...314

نصُّ الخطبة كما في بلاغات النساء...316

الرواية الأولى...316

الرواية الثانية...325

خطبتها في نساء الأنصار...333

رد أبي بكر على الزهراء عليها السلام...337

1-أبو بكر يرد بلين ودهاء...337

الزهراء عليها السلام ترد على أبي بكر...340

2-أبوبكر يرد مرة أخرى...341

الزهراء عليها السلام تستنكر تخاذل الأمة...342

3-أبوبكر ينال من علي وفاطمة عليها السلام...343

الفصل الرابع ظلامات الزهراء عليها السلام ومأساتها...347

تمهيد...349

البحث الأول مأساتها بولدها المحسن...350

أولاً:خصائص أولاد الزهراء عليها السلام...350

الأولى:اختصاصهم بالانتساب إلى النبي صلى الله عليه وآله...350

الثانية انقطاع الانساب والأسباب يوم القيامة إلا نسبهم... 356

ثانيا:عدد أولادها الذكور...361

ثالثا:المحسن عليه السلام مات سقطا...364

رابعا:سبب إسقاط المحسن...368

البحث الثاني الهجوم على دار الزهرا عليها السلام...372

الأولى:أبو بكر يأمر بالهجوم على الدار وعمر يقتحمها...372

الثانية : اعتراف أبي بكر بالهجوم وتأسفه عليه...378

تبريرات واهية ...379

استنطاق روايات الندم ...380

البحث الثالث غضب الزهراء على الشيخين بين الواقع والإنكار ... 383

البحث الرابع إجابة عن تساؤلات...402

تمهيد...402

الفصل الخامس / أفول شمس الزهراء عليها السلام...415

البحث الأول رحيل الزهراء عليها السلام...417

تمهید...417

1-أول القرابين...418

2-لم تر ضاحكة بعد أبيها...422

3-ساعة الرحيل...425

4-وصية الزهراء عليها السلام...429

6-تغسيل الزهراء عليها السلام...439

5-أول نعش في الإسلام...435

الزهراء عليها السلام توصي بمنع عائشة...438

7- دفنها ليلاً...440

أهداف الدفن ليلاً... 441

1-لئلا يحضر الشيخان جنازتها...442

2- استنكار تخاذل الأمة عن نصرتها...444

3- ليكون قبرها شعارا للمظلومية على مر التاريخ...446

8-شكوى علي عند وفاتها عليها السلام...451

9-علي عليه السلام يرثي الزهراء عليها السلام...453

دلالة بكاء علي عليه السلام...456

10-مواظبة علي عليه السلام على زيارة قبرها...460

البحث الثاني كرامات الزهراء عليها السلام...461

تمهيد...461

أولاً:معنى الكرامة والأدلة على جوازها...462

ثانيا: آراء علماء السنة في الكرامات ...467

ثالثاً: نماذج من كرامات الزهراء عليها السلام ...469

الأولى: نزول مائدة من السماء كرامة لها:... 469

الثانية: دوران الرحا بين يديها...472

الثالثة: امتلاء الجفنة خبزاً ولحماً:...474

رابعا: امتلاء قدرها طعاما ...475

خامسا : تكلّم الناقة معها ...477

سادسا: ما جاعت مذ دعا لها النبي...477

سابعاً: نزول مائدة من السماء بدعائها...478

البحث الثالث فاطمة الزهراء عليها السلام في عالم الحشر...482

تمهيد...482

أولاً:أنّها تبعث أمام رسول الله صلى الله عليه وآله...482

ثانيا: تحشر على ناقة النبي العضباء...483

ثالثا:مطالبتها بدم الحسين عليه السلام...485

رابعا:مرورها على الصراط...487

سادسا:إشراق الجنان بنور ابتسامتها...502

سابعا:كسوتها في الجنة:...503

ثامنا:صفة قصرها في الجنة...504

تاسعا:درجتها في الجنة ...505

البحث الرابع روايات الزهراء عليها السلام في مصادر أهل السنة ...506

تمهید...506

فهرست المصادر والمراجع...529

محتويات الكتاب...567