ghaemiyeh.com
كتاب الاجاره
المؤلف: آیة الله الحاج السید حسن النبوي الچاشمي(رحمه اللّه)
تحقیق: السیدمحمد رضا و السید محمدحسین النبوی الچاشمی
منشورات : نورالحیات
الطبعة الاولی : 1446 ه. ق- 1403 ه.ش
تنضید الحروف: امید كاظمی
ردمك: 1-97-5985-622-978
محرر الرقمي:محمد المنصوري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تأليف:
آیة الله الحاج السید حسن النبوی الچاشمی(رحمه اللّه)
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله رب العالمین والصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرین و لعنة الله على أعدائهم أجمعین إلى یوم الدین.
«كتاب الاجارة»
«و هی تملیك عمل أو منفعة بعوض و یمكن أن یقال: إن حقیقتها التسلیط على عین للانتفاع بها بعوض» (1)
(1) الإجارة اسم من آجر یأجر أو آجر یؤجر ایجار كما فی لسان العرب و عن بعض أنها مصدر قیاسی من أجر، فالإجارة كالكتابة من كتب وهو المحكی عن صرف الرضی وكیف كان فلا یهمنا البحث عن ذلك فلنصرف الكلام إلى معناها عند الفقهاء، فالمشهور بین الأصحاب أنها تملیك منفعة بعوض معلوم، وفی قبال هذا التعریف قول بأنها إضافة خاصة بین المستأجر و العین كما نقل عن السید البروجردی(رحمه اللّه)، و عن ثالث جعل العین فی الكراء كما نقل عن الشهید(رحمه اللّه) فی القواعد و مال إلیه المحقق الإصفهانی(رحمه اللّه) و عن الشیخ المدقق الطهرانی قول رابع وهو أنها تملیك عین فی جهة خاصة.
و هذه هی الأقوال فی المسألة لكن الصحیح ماهو المشهور و إن كان كل من الأقوال له جهة خاصة موجبة لتصحیحه و على أیة حال فقد أورد على مقالة المشهور بأمور:
الأول: إن المنفعة لیست موجودة بالفعل والمعدوم غیر قابل للتملیك و بعد وجودها تدریجاً متصرمة غیر قابلة للتسلیم فلا معنى لتعلقها على التملیك.
الثانی: إن لفظة الإجارة قد تتعلق بالدار فیقال: آجرت هذه الدار لا آجرت منفعة هذه الدار مع أن هذا التعبیر صحیح على مقتضى التعریف المشهور.
الثالث: إن متعلق الإجارة قد یكون عمل الحر والحال أن عمله لا یكون مملوكة لعدم كونه مملوكة.
الرابع: إن منفعة الدار هی سكناها وهی من أعراض الساكن لا المسكون وعرض الساكن تابع لموضوعه فلا ربط لصاحب الدار حتى یملكه إلى الغیر.
و الجواب:
أما عن الإول: فضعیف غایته إذ الملكیة من الامور الإعتباریة و الأمر الإعتباری قابل لأن یفرض وجوده و بعد فرض وجوده قابل للتملیك فی مقام الإنشاء، نعم لابد من المصحح حتى یصح اعتباره عند العقلاء و من الممكن أن یكون حیث القائم بالعین مصححة لاعتباره كحیثیة الارتضاع القائمة بالمرأة فتكون موجودة بالوجود الاستعدادی و كذا قابلیة السكنی للدار القائمة بها فلا محذور فی البین.
و أما عن الثانی: فلأن الإجارة إنما هی حصة خاصة من التملیك و هی التملیك المتعلق بالمنفعة لا التملیك المطلق فالتملیك الخاص أشرب فی مفهومها، وما هذا شأنه لا مناص من تعلقه بالعین و لا معنى لتعلقه بالمنفعة وإلا یرجع معنى الإجارة إلى تملیك منفعة المنفعة ولا محصل له، فالتملیك المتعلق بالمنفعة متعلق بالعین لا محالة، فیقال: آجر تك العین لا منفعة العین.
و أما عن الثالث: فلان مقتضى الحریة هو السلطنة المطلقة (أی الاضافة الاشراقیة) على نفسه بحیث یكون زمام أمره بیده و الحر كما أنه مالك لنفسه بالملكیة الحقیقیة كذلك مالك لعمله بالملكیة الاعتباریة ولذا قال بعض الأعلام: أنه لولا التعبد الشرعی یمكن أن یقال: أنه یجوز للشخص أن یبیع نفسه كما أنه یجوز أن یشتری نفسه فی بعض المقامات.
و أما عن الرابع: فلأن السكنى كما أنه مبدأ لعنوان الساكنیة كذلك مبدأ لعنوان المسكونیة وهذا العنوان منتزع عن الدار كما هو كذلك فی جمیع الأمور الإضافیة وهی موجودة بالوجود الاستعدادی.
و أما القول الثانی: ففیه أن هذه الاضافة إن كان المراد منها هو النتیجة الحاصلة من عمل المؤجر، فهذا لیست اجارة بالمعنى المصدری الذی یكون فعل المؤجر و إن كان المراد الایجار أی ایجاد الاضافة بین العین و المستأجر فهذا وإن كان معقولاً لكن الملكیة لیست من الامور الاضافیة بل هی من الأمور الاعتباریة، یعتبرها المعتبر باللفظ أو بأمر أخرى وهذه الملكیة المنشأة تارة یعتبرها العقلاء وأخرى لم یعتبرها، و على الاعتبار تارة یعتبرها الشارع و أخرى لم یعتبرها بمعنى لم یمضها الشارع.
وأما القول الثالث: فإن كان المراد بجعل العین فی الكراء أن الاجارة بما لها من المعنى
الانشائی تتعلق بالعین لا المنفعة بمعنى: أن العین جعلت قبال الاجرة، فهذا خلاف الوجدان اذ العین لم تنتقل إلى المستأجر و إن كان المراد أن الاجرة لم تقع قبال شیء فهذا أردء من الأول، و إن كان المراد جعل الأجرة قبال المنفعة فهذا عین مقالة المشهور.
وأما القول الرابع: الذی ذهب إلیه المحقق الطهرانی فقد أورد علیه المحقق الإصفهانی بأن معروض الملكیة إن كان نفس تلك الجهة، عاد المحذور لأن المنفعة لیست هذه الجهة المذكورة، و إن كان المراد أن المعروض هو العین لكن متحیثة بحیثیة خاصة فیلزم اجتماع المالكین المستقلین على مملوك واحد وهذا و إن كان معقولاً من جهة أن الملكیة من الامور الاعتباریة وهی خفیفة المؤنة، لكن لا مصحح لهذا الاعتبار فیكون لغواً.
فأحسن التعاریف هو تعریف المشهور، و أما ما أفاده الماتن(رحمه اللّه) فی آخر كلامه من أنها «نحو تسلیط» فغیر صحیح إذ السلطنة من الأحكام المترتبة على الاجارة الصحیحة لا نفسها.
و فیه فصولٌ:
«و هی ثلاثة: الأول: الایجاب و القبول، و یكفی فیهما كل لفظ دال على المعنى المذكور، و الصریح منه آجرتك أو أكریتك الدار مثلاً، فیقول: قبلت أو استأجرت أو استكریت و یجری فیها المعاطاة كسائر العقود ویجوز أن یكون الایجاب بالقول، و القبول بالفعل، ولا یصح أن یقول فی الایجاب بعتك الدار مثلاً و إن قصد الاجارة، نعم لو قال: بعتك منفعة الدار أو سكنی الدار مثلاً بكذا لا یبعد صحته إذا قصد الاجارة» (1)
(1) لا إشكال فی أنّ الاجارة من العقود فیحتاج إلى الایجاب والقبول بل المستفاد من بعض الروایات أنها من العقود اللازمة لاحظ ما رواه علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن الرجل يتكارى من الرجل البيت أو السفينة سنةً أو أكثر من ذلك أو أقل قال الكراء لازمٌ له إلى الوقت الذي تكارى إليه و الخيار في أخذ الكراء إلى ربها إن شاء أخذ و إن شاء ترك.(1)
نعم لا یختص بصیغة خاصة فیتحقق بجملة «آجرت» أو «اكتریت» كما أن القبول یتحقق بقوله «قبلت» أو «استأجرت» أو «استكریت» بل بأی لفظ كان، یتحقق به الانشاء المحقق بالابراز.
و أما جریان المعاطاة فیها فالبحث فیه هو البحث فی البیع لعدم اشتراط اللفظ فیها، لكن قد أفاد المحقق النائینی بأن جریان المعاطاة فیها مشكلٌ، من جهة أن الاجارة فی غیر منافع الأموال لا تجری فیها المعاطاة إذ لا تعاطی من قِبل الأجیر إلّا تسلیم نفس العمل وهو وفاء بمقتضى الاجارة بعد تحققها فلیس التسلیم نفس الاجارة ولا محققها بل هو من أحكامها فكیف یمكن أن تنشأ الاجارة به؟
1) الوسایل، الباب 7 من أبواب كتاب الاجارة، الحدیث: 1
«الثانی: المتعاقدان» (1) و یشترط فیهما البلوغ» (2)
أجاب عنه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن هذا إما یتم إذا قلنا بلزوم التعاطی من الطرفین فی باب المعاطاة و أما إذا قلنا بأن الاعطاء من ناحیة واحدة كاف فی تحقق المعاطاة، فلا إشكال فی البین لتصوره فی المقام.
(1) لا ریب فی أنهما من أركان العقد و قوامه بالطرفین فلا إشكال فی اشتراطه.
(2) و البحث فیه تارة یقع فی استقلال الصبی بالعقد بحیث یكون هو البایع و الموجب، سواء كان مأذونة من قبل ولیه أم لا، و أخرى یقع فی اجراء عقده فقط فالكلام فیه یقع فی مقامین:
أما المقام الأول: فقد استدل على عدم نفوذ معاملاته بامور:
الأول: الإجماع و فیه: أن المنقول منه غیر مقبول و المحصل منه غیر حاصل.
الثانی: حدیث الرفع، لاحظ ما رواه عمار الساباطي عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة فقال إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنةً فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة و جرى عليه القلم و الجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنةً أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة و جرى عليها القلم.(1)
بتقریب: أن المستفاد من الحدیث عدم جریان القلم علیه تكلیفیاً كان أو وضعیاً فمقتضی الاطلاق عدم نفوذ معاملاته حتى مع إذن الولی.
الثالث: و ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: عمد الصبي و خطؤه واحدٌ.(2)
بتقریب: أن المعاملة إذا صدرت من الصبی فهی بمنزلة صدورها عن البالغ خطأ فكما أن العقد الخطائی لا أثر له إذا صدر من البالغ كذلك لا أثر له إذا صدر من الصبی عمداً فهو غیر نافذ.
أورد علیه بامور:
الأول: أن مقتضى الإطلاق لو التزمنا به عدم ترتب الأثر إذا أفطر عمد و عدم بطلان صلاته إذا أخل بجزء أو شرط عمداً وهذا خلاف الضرورة.
الثانی: أن تنزیل العمد منزلة الخطاء إنما یتصور إذا كان لكل من العنوانین حكم مخصوص من ناحیة الشرع و هذا إما ینطبق على باب الجنایات والدیات، و یؤیده أنّ فی بعض الروایات زید فیها قوله: «تحمله العاقلة» و أما ما نحن فیه فلا معنی لتنزیل إذ لا یكون للخطاء فی باب المعاملات حكم حتى یجری فی الصبی إذا صدرت منه عمده.
الثالث: ما أفاده المحقق الإصفهانی(رحمه اللّه) من أنّ المقابلة إنما هی بین العمد و الخطاء لا القصد و عدمه و هذا إنما یتصور فیما أمكن انقسامه إلیهما بأن یكون وقوع مسیبه علیه قهراً، معقولاً وحینئذٍ تارة یصیب القصد بالاضافة إلى ما یترتب علیه و أخرى یخطىء عنه كالرمی الذی یترتب علیه القتل فإنه تارة یكون مقصود و أخرى غیر مقصود ولا یترتب على أسباب المعاملة شیء قهراً حتى یكون تارة مقصودة من السبب وأخرى غیر مقصود منه لیوصف المترتب علیه بأنه عمدی تارة وخطأی أخرى.
أقول: هذا كله إذا كان الحدیث لسانه لسان الحكومة و هو عمد الصبی خطأ و أما إذا كان لسانه عمد الصبی و خطأه واحد فمعنى ذلك أنه لا فرق بین عمده و خطائه، فحاصل مضمون الجملة عدم الاعتبار بعمده كما أنه لا اعتبار بخطائه فیكون مفاده مفاد حدیث الرفع. فتأمل، إذ مقتضاه هو التسویة ولابد فیها من الاتحاد فی الحكم و مقتضى المقابلة ما أفاده المحقق الإصفهانی(رحمه اللّه).
الرابع: ما في الخصال، عن أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سأله أبي و أنا حاضرٌ عن اليتيم متى يجوز أمره قال حتى يبلغ أشده قال و ما أشده قال احتلامه قال قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنةً أو أقل أو أكثر و لم يحتلم قال
إذا بلغ و كتب عليه الشيء جاز أمره إلّا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً.(1)لكنه ضعیف بأبی الحسین و احتمال أنه هو «الآدم المتوكل» لم یثبت.
الخامس: قوله تعالی: {ابتلوا الیتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إلیهم أموالهم}(2)بتقریب أن المستفاد من الآیة الكریمة عدم جواز دفع المال إلى الصبی حتى اونس منه الرشد والبلوغ.
وفیه: أن عدم جواز دفع المال إلى الصبی أمر و عدم نفوذ تصرفاته حتى باذن الولی أمر آخر.
والحاصل أن مقتضى حدیث الرفع عدم جواز تصرفاته.
لكن مع ذلك كله فقد استدل على الجواز بأمور:
الأول: الآیة الشریفة(3)بتقریب أن المستفاد منها كون المدار هو الرشد لا البلوغ فلا أثر للبلوغ.
أورد علیه بأن جعل البلوغ امارة على الرشد، دعوی بلا برهان فتأمل.
الثانی: الروایات الواردة فی جواز وصیة الصبی لاحظ ما رواه محمد بن مسلم قال سمعت أبا عبدالله (علیه السلام) يقول إن الغلام إذا حضره الموت فأوصى و لم يدرك جازت وصيته لذوي الأرحام و لم تجز للغرباء(4).
و ما رواه أبو بصير يعني المرادي عن أبي عبدالله (علیه السلام) أنه قال: إذا بلغ الغلام عشر سنين و أوصى بثلث ماله في حق جازت وصيته و إذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حق جازت وصيته.(5)
وفیه: أن التخصیص لیس بعزیز.
«و العقل» (1)
«والاختیار» (2)
الثالث: السیرة الخارجیة من المتشرعة.
و فیه: أن تحققها منهم بما أنهم من المتشرعة المبالین للأحكام الشرعیة أول الكلام والإشكال، نعم لایبعد ذلك فی الأشیاء المحقرة.
(1) لا كلام فی اشتراطه لأنه مقوم لقصد الذی یكون من أركان الإنشاء.
(2) و البحث فیه تارة یكون من حیث أنه مكره فی أصل المعاملة، وأخرى من جهة مجرد اجراء الصیغة.
أما الجهة الأولى فاستدل على ذلك بامور:
الأول: أن المستفاد من الآیة الشریفة: {ولا تأكلوا أموالكم بتكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم}(1)اشتراط الرضا و من المعلوم أن المكره لارضاء له فی المعاملة فلا یترتب علیها أثر.
الثانی: ما رواه سماعة عن أبي عبدالله (علیه السلام) في حديث أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال من كانت عنده أمانةٌ فليؤدها إلى من ائتمنه عليها فإنه لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله إلّا بطيبة نفسه.(2)و المكره لا طیب له بالنسبة إلیها، لكن هذا التقریب متفرع على أن یكون المراد من الحرمة، الوضعیة وشمول الروایة لتصرفات الاعتباریة وهذا غیر ظاهر إذ الظاهر من الروایة الحكم التكلیفی بالنسبة إلى التصرفات الخارجیة على ما استظهره المحقق الأصفهانی إذ الظاهر أن الشارع الأقدس أوجد المانع عن التصرفات المذكورة.
لكن یمكن أن یقال أن الحلّیة فی الروایة هو الارسال فعدم الحلّیة بمعنی عدم الارسال فكما أن الظاهر من الارسال هو الأعم من التصرفات الخارجیة فكذلك عدم الحل، فلا یكون الشخص مرسلاً بالنسبة إلى أموال الغیر فلا یكون تصرفاته جائزة سواء كانت من الأمور
الخارجیة أو الاعتباریة.
الثالث: ما رواه حريز بن عبدالله عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) رفع عن أمتي تسعة أشياء الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلوة ما لم ينطقوا بشفة.(1)
فإن المستفاد منه عدم تركیب الأثر على فعل المكره و مقتضى الاطلاق عدم نفوذ تصرفاته الاعتباریة خصوصاً مع ملاحظة تطبیق الامام (علیه السلام) كلام النبی الاكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) على الامور الوضعیة لاحظ ما روی عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك أ يلزمه ذلك فقال لا ثم قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه و ما لم يطيقوا و ما أخطئوا.(2).
بل یمكن أن یقال أنّ عدم ترتب الأثر على فعل المكره على مقتضی القاعدة الأولیة على ما أفاده المیرزا النائینی(رحمه اللّه) فإن المراد بالرفع بمقتضى الحدیث هو الرفع التشریعی بمعنى أن الشارع الأقدس رفع واقعاً فی عالم التشریع الأثر عن فعل المكره فكأنه لم یقع فی ذلك العالم، فتأمل.
و أما الجهة الثانیة وهی كونه مسلوب العبارة بحیث لو اوجد العقد ولو وكالة عن الغیر فهل یترتب على عقده أثر أم لا؟
ربما یقال كما عن بعض الأعلام، عدم كونه مسلوب العبارة ضرورة عدم ترتب أی أثر على عقد المكره بالنسبة إلى العاقد المكره كی یرتفع بالحدیث، نعم الأثر مترتب على من یقع العقد له و هو الأصیل فمن هو مكره لا أثر فی العقد له و من له الأثر، لا إكراه بالنسبة إلیه.
وفیه أولاً: أنّ العاقد المكره لم یقصد من المعاملة وقوع مضمون العقد فی ظرفه و من المعلوم أنه إذا كان الأمر كذلك لم یتحقق العقد المؤثر فكأنه لم یتحقق العقد، نعم إذا قلنا بأن المراد
«و عدم الحجر لفلس أو سفه أو رقّیة» (1)
من طیب النفس الوارد فی الروایة هذا المعنى كما قواه بعض المحققین (ایروانی) من المحشین على المكاسب فلما افید وجه.
و ثانیاً: وهو العمدة، أنّ حدیث الرفع بإطلاقه یشمل المقام فان الظاهر من الحدیث كما ذكرنا أن الشارع الغی الأمر الإكراهی فی دائرة الشرع و جعله كأن لم یكن فهو كالعدم فی نظره، فمن أی شخص صدر، لم یكن مؤتمر سواء كان مالكاً أم وكیلا فلیكن فی ذكرك حتى ینفعك فی ما سیأتی من بحث الرضا، و أما كون الرفع لابد أن یكون امتنانیة بالنسبة إلى مورده ففیه إشكال كبرویة وصغرویة ذكره الاستاذ فی الغایة الغصوی(1)فراجع كما أن التحقیق فی حقیقة الإكراه، موكول إلى محله فراجع.
(1) یقع البحث فی الحجر من جهات:
أما الجهة الأولى: ففی مانعیة المفلس فتارة یؤجر الشخص الأموال التی متعلقة لحق الغرماة و أخرى یؤجر نفسه للأعمال، أما الجهة الاولى فالظاهر أنه غیر جائز إذ المفلس ممنوع من التصرف بعد حجر الحاكم فلا تكون معاملته مؤثرة، و أما بالنسبة إلى أعماله فالظاهر أنه لا مانع منه إذا أنه ممنوع التصرف فی أمواله لا فی أعماله كی لا یكون مؤثرة، هذا كله بالنسبة إلى أصالته فی التصرفات، و أما بالنسبة إلى وكالته فقد ظهر حكمه من أنه بالنسبة إلى أعماله لا یكون محجوراً.
وأما الجهة الثانیة: و هی عدم كونه سفیهاً فنقول: تارة نبحث على طبق القاعدة و أخرى على طبق الروایة الخاصة. أما الأولى فربما یقال -كما عن السید الخوئی (قدس سره )- أنّ السفیه محجور بالنسبة إلیها كالأموال لأن السفیه غیر المفلس إذ المفلس إنما منع من التصرفات رعایة الحق الغرماء و إن كان المقتضی بالنسبة إلیها موجود فیه بخلاف السفیه إذ لا اقتضاء فیه لقصور عقله وشعوره فلا فرق فیه بین الأموال والأعمال لوحدة الملاك، مضافاً إلى أنّ عدم جعل الولایة له فی الأموال، كاشف عن عدم نفوذ تصرفاته فی الأموال والأعمال.
وفیه: أن ملاكات الأحكام لیست عندنا لعدم وصول العقول إلیها و إن دین الله تعالى لا
1) الغایة القصوی صفحه 23
یصاب بالعقول مع أن السفاهة بالنسبة إلى الأموال أیضاً لا مانع منه لو لم یدل دلیل فی الخارج، هذا على حسب القاعدة الأولیة.
و أما الثانیة: فاستدل على عدم نفوذ تصرفاته بامور: الأول: الاجماع، وفیه ما عرفت فی نظائره.
الثانی: قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}(1)حیث أن الكریمة تدل على أن السفیه محجور فی تصرفاته فلا تكون نافذة.
وقوله تعالى: {فإن آنستم منهم رشداً}(2)فإن المستفاد منها أن جواز الدفع انما هو فیما إذا اونس منهم الرشد فهو بمفهومه یدل على عدم الجواز فی غیر هذه الصورة أی حال كونهم سفهاء لكن فی النفس بالنسبة الى دلالتهما شیء، فتأمل.
الثالث: الروایات الواردة فی المقام منها ما رواه أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سأله أبي و أنا حاضرٌ عن اليتيم متى يجوز أمره قال حتى يبلغ أشده قال و ما أشده قال احتلامه قال قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنةً أو أقل أو أكثر و لم يحتلم قال إذا بلغ و كتب عليه الشيء جاز أمره إلا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً.(3)
و منها ما رواه عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سأله أبي و أنا حاضرٌ عن قول الله عزوجل {حتى إذا بلغ أشده} قال الاحتلام قال فقال يحتلم في ست عشرة و سبع عشرة سنةً و نحوها فقال لا إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنةً كتبت له الحسنات و كتبت عليه السيئات و جاز أمره إلا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً فقال و ما السفيه فقال الذي يشتري الدرهم بأضعافه قال و ما الضعيف قال الأبله.(4)
هاتان الروایتان تدلان على المقصود بلا كلام، نعم العمدة الأشكال فی سندهما حیث أن
الأولى منهما فی سندها آدم بن متوكل و الرجل و إن وثقه المحقق الخوئی (قدس سره ) لكن قال سیدنا الاستاذ القمی دام ظله فی العمدة المطالب: فإن النجاشی وثق آدم بن المتوكل أبا الحسین بیاع اللؤلؤ و المذكور فی السند أبو الحسین الخادم بیّاع اللؤلؤ و من الممكن عدم انطباق من وثق على المذكور فی السند فلاحظ.(1)
و ادعاء الاتحاد كما فی كلام المحقق المذكور عهدته على مدعیه. و أما الثانیة فباسناد الشیخ إلى الحسن بن علی بن فضال كما ذكرنا عن سیدنا الاستاذ دام ظله.
و على أی حال المستفاد من كلمات الأعلام كان الأمر متسالم عندهم فی عدم نفوذ تصرفاته، لكن كونه على نحو یكون مسلوب العبارة بحیث لا یمكن أن یعامل حتى اوتى الثمن أو المثمن إلى ولیه مشكلٌ جدأ. نعم إذا قلنا باعتبار الروایة الأولى فیإطلاقه تشمل المقام والله العالم بحقائق الأحكام
و أما الرقیة فحیث أنه غیر مبتلی به فی زماننا فلا ثمر للبحث فیها فلا نتعرض و إن شئت فارجع الی الجواهر و أمثاله.
1) عمدة المطالب جلد 2 صفحه 232
«الثالث: العوضان و یشترط فیهما امور: الاول: المعلومیة و هی فی كل شیء بحسبه بحيث لا يكون هناك غرر فلو آجره داراً أو حماراً من غير مشاهدة و لا وصف رافع للجهالة بطل و كذا لو جعل العوض شيئا مجهولاً»(1)
(1) جعل(رحمه اللّه) من أركان الإجارة العوضین وهذا لا إشكال فیه لأن قوامها تملیك المنفعة أو العمل بعوض و من المعلوم أن هذا التملیك منقوم بعوضین.
و أما الشروط فمنها كون العوضین معلومین بحیث یكون رافعة للغرر و استدل على ذلك بامور:
الأول: الإجماع و فیه أنه محتمل المدرك.
الثانی: الروایات منها: ما روی عن النبی (صلی الله علیه و آله و سلم) نهى النبی عن الغرر(1)
و ما رواه الصدوق في عيون الأخبار بأسانيد تقدمت في إسباغ الوضوء عن الرضا عن آبائه عن علي نحوه و زاد و قد نهى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عن بيع المضطر و عن بيع الغرر.(2)
و ما رواه أبي الربيع الشامي عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته عن أرض يريد رجلٌ أن يتقبلها فأي وجوه القبالة أحل قال يتقبل الأرض من أربابها بشيء معلوم إلى سنين مسماة فيعمر و يؤدي الخراج فإن كان فيها علوجٌ فلا يدخل العلوج في قبالته فإن ذلك لا يحل.(3)
و البحث فیه تارة من حیث السند وأخرى من حیث الدلالة:
أما الأول: فقد یقال: - كما عن سیدنا الاستاذ دام ظله- أن الرجل لم یوثق وإنما وثق أبو الربیع بلا توصیف بالشامی ولعله غیر من وثق وأما دعوی الإنصراف إلى الفرد المشهور بلا دلیل فإن الإنصراف إما یجری فی مورد یكون الاسم لشخصین أحدهما موثق دون الآخر
والمشهور فی الروایات هو الموثق وحینئذ اذا ذكر و تردد أمره بین الأمرین یحمل على الموثق وأما مع تغایر اللفظ و تعدده كما فی المقام فلا یجری ما ذكر إذ لا جامع بین الفردین كی یؤخذ بالانصراف لكن الظاهر أن دعوى الانصراف فی مورده حیث ان المنشأ له كون الشخص صاحب الكتاب وكونه مشهور بین الروات و الرجل كذلك ثم ان الصدوق ذكر الحدیث و نقل عن ابن جریر مباشرة ومن الممكن أنه روی ابن الجریر الحدیث تارة بلا واسطة وأخرى معها فلا یبقى اشكال فی البین لكن الكلام فی خالد بن جریر حیث ورد فی حقه أنه صالح لا كما فی كلام الكشی.
وأورد على هذا سیدنا الاستاذ دام ظله بأن كلمة صالح لا یدل على الوثاقة إذ لا وجه لعدول الرجالین عن التصریح بكلمة موثق إلى كلمة صالح فیكون المحتمل أن المراد كون الشخص ظاهر الصلاح وهذا لا یدل على وثاقته لكن للتأمل فی ما أفاده مجال واسع.
وأما الثانی: أعنی من حیث الدلالة فیشكل تارة بأن الروایة واردة فی بیان حكم المزارعة فلا ترتبط بالاجارة و أخرى بأن الظاهر منها كون المعلومیة أفضل و أحل فلا تعنین فی البین لكن یمكن الجواب عن الأول بأن قوله (علیه السلام) بشیء معلوم قرینة على كون المراد بالقبالة الاجارة لا المزارعة إذ لا یعتبر فی المزارعة معلومیة العرض بل هی تقبل الأرض بازاء الكسر المشاع من النماء الحاصل من الأرض.
وأما الجواب عن الثانی فلأن الأحلیة بالنسبة إلى الأحكام الوضعیة لا نتصورها.
ویؤید ذلك أن الامام (علیه السلام) جعل فی قبالها فی آخر الحدیث عدم الحلیة مع كون الاحلیة فی كلام الراوی لا الامام (علیه السلام) نعم یمكن یرد على الاستدلال بها بأن الروایة فی مقام بیان معلومیة العرض و أما المعوض فلا تكون متعرضة له.
و منها: ما رواه الحسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن آبائه (علیهم السلام) في حديث المناهي قال: نهى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يستعمل أجيرٌ حتى يعلم ما أجرته.(1)و التقریب واضح لكن السند مخدوش فإن حسین بن زید لم یوثق.
ومنها: ما رواه القاسم بن سلام بإسناد متصل إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه نهى عن المنابذة و
1) الوسایل، الباب 3 من أبواب كتاب الاجارة، الحدیث: 3
الملامسة و بيع الحصاة المنابذة يقال إنها أن يقول لصاحبه انبذ إلي الثوب أو غيره من المتاع أو أنبذه إليك و قد وجب البيع بكذا و يقال إنما هو أن يقول الرجل إذا نبذت الحصاة فقد وجب البيع و هو معنى قوله إنه نهى عن بيع الحصاة و الملامسة أن يقول إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع بكذا و يقال بل هو أن يلمس المتاع من وراء الثوب و لا ينظر إليه فيقع البيع على ذلك و هذه بيوعٌ كان أهل الجاهلية يتبايعونها فنهى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عنها لأنها غررٌ كلها.(1)وهذه الروایة دال استند إلیها سیدنا الاستاذ لكنها لا یرتبط بالمقام حیث علل بطلان بعض البیوع لأنه غرر لكنه مرسل هذا إذا قلنا بأن الغرر بمعنى الخطر أما إذا قلنا بأن الغرر بمعنى الخدعة فلا یرتبط بما نحن فیه لأن النهی عن الخدعة حرام تكلیفا لا وضعاً.
ومنها: ما رواه سليمان بن جعفر الجعفري قال: كنت مع الرضا (علیه السلام) في بعض الحاجة فأردت أن أنصرف إلى منزلي فقال لي انطلق معي فبت عندي الليلة فانطلقت معه فدخل إلى داره مع المغيب فنظر إلى غلمانه يعملون بالطين أواري الدواب و غير ذلك و إذا معهم أسود ليس منهم فقال ما هذا الرجل معكم قالوا يعاوننا و نعطيه شيئاً قال قاطعتموه على أجرته فقالوا لا هو يرضى منا بما نعطيه فأقبل عليهم يضربهم بالسوط و غضب غضباً شديداً فقلت جعلت فداك لم تدخل على نفسك فقال إني قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرة أن يعمل معهم أجيرٌ حتى يقاطعوه أجرته و اعلم أنه ما من أحد يعمل لك شيئاً بغير مقاطعة ثم زدته لذلك الشيء ثلاثة أضعافه على أجرته إلا ظن أنه قد نقصته أجرته فإذا قاطعته ثم أعطيته أجرته حمدك على الوفاء فإن زدته حبةً عرف ذلك و يرى أنك قد زدته.(2)بتقریب أنه لا یجوز الاستیجار إلا بتعیین اجرته.
و فیه: أنه لا یستفاد منه عدم صحة الاجارة بعدم تعیین الاجرة بل الامام (علیه السلام) أمر بالاجارة الصحیحة لا الإعانة من دون تعیین أجرته، فتأمل.
الثالث: أن أساس المعاملات العقلائیة من البیع والاجارة و نحوهما مبنی على الحفظ على
أصول الأموال و التبدل فی أنواعها ولو تصدی شخص لتبدیل عین أو منفعة بعوض یرى التساوی بین مالیة العوضین وهذا أمر ارتكازی عندهم بحیث یغنی وضوحه عن التصریح فی متن العقد فعلى هذا فالمعاملة التی تكون مجهولة منضمة للخطر كبیع شیء أصفر مردد بین الذهب والنحاس أو جعل اجرة غیر معلومة من حیث التساوی بینه وبین العمل، لا یقدمون العقلاء علیها فتكون خارجة عن حدود المعاملات العقلائیة وما هذا شأنه لا یكون مشمولاً لدلیل النفوذ و الامضاء من وجوب الوفاء بالعقود و التجارة عن تراض، فدعوى الانصراف فی محله.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله: أولاً: بأنه یمكن أن یكون العقد فی مورد غرریاً مع ذلك یكون عقلائیاً كما اذا آجر داره بشیء مجهول من شخص یكون مورد حبه وعلاقته بحیث لا یهمه عدم التساوی بین العوضین ولو كان التفاوت فاحشاً، و ثانیاً: أنه لا وجه للإنصراف عن المورد إذ الاطلاق هو رفض القیود فیكون الدلیل شاملاً لجمیع الأفراد.
لكن یمكن الجواب عن الأول أن تقبل الشخص الاجارة المجهولة لحبه لا یوجب أن تكون المعاملة عقلائیة كما قد نری لبعض أعمال السفیه.
وأما عن الثانی فلأن العمومات إذا كانت ناظرة إلى المعاملات العقلائیة لا تشمل المعاملات السفهیة فی حد نفسها من باب «ضیق فم الركیة» فلا اطلاق فی البین لا أنه بعد تحقق الاطلاق ینصرف إلى الفرد العقلائی حتى یقال بأنه لا وجه للإنصراف.
«الثانی: أن یكونا مقدوری التسلیم، فلا تصح أجارة العبد الآبق و فی كفایة ضم الضمیمة هنا كما فی البیع إشكال» (1)
(1) و استدل على ذلك بأمرین:
الأول: أن المنفعة لا تكون من الامور القارة بل هی أمر تدریجی الحصول توجد و تنصرم و حینئذ اذا كان المالك قادراً على الاستیفائها صح اعتبار الملكیة لها، و أما إذا لم تكن قابلة للاستیفاء لإباق أو مرض فلا یكون المالك مالكاً لهذه المنفعة التی تتلف بنفسها فكیف یملكها من الغیر إذ العقلاء لا یعتبرون الملكیة بالاضافة إلى تلك المنافع.
والحاصل تعذر التسلیم مانع عن صدق عنوان التملیك بالمنفعة المأخوذ فی مفهوم الاجارة فلابد من اعتبار القدرة علیه.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأنه لا اشكال فی أن مالك العین، مالك للمنفعة والدلیل علیه أن الغاصب للعین ضامن للمنافع فمع عدم كون المالك مالكاً لها كیف یتصور الضمان؟
الثانی: حدیث الغرر الذی ذكره الشهید و الشیخ(رحمه اللّه) فی كتاب الشركة من الخلاف و قد یجاب أنه لم یذكر فی كتب الحدیث لا من العامة و لا من الخاصة.
لكنه غیر صحیح حیث نقل عن مسند أحمد أنه روی أن النبی (صلی الله علیه و آله و سلم) نهی عن بیع السمك فی الماء لأنه غرر(1)
و أما من طرقنا فقد روى الصدوق(رحمه اللّه) فی معانی الأخبار بإسناد متصل عن النبی الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه نهى عن المنابذة و الملامسة و بیع الحصاة -و هذه البیوع كان أهل الجاهلیة یتبایعونها فنهى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عنها لأنها غرر كلها (2)- لكنه ضعیف السند كما تقدم هذا كله إذا لم یكن مقدوری التسلیم قطعاً.
و أما إذا شك فی ذلك فإن وقعت الاجارة مطلقة من غیر تقیید بالقدرة على التسلیم فقد أفاد المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن الاجارة فاسدة لعدم كون المالك مالكاً للمنفعة.
لكن قد تقدم الاشكال فیه كما أفاده سیدنا الاستاذ دام ظله.
و أما إذا خصها بالقدرة على التسلیم بمعنى أن الاجارة و إن وقعت مطلقة إلا أن صحتها مراعی بامكان الاستیفاء فهو وإن كان ممكناً ثبوتاً لكنه لا دلیل على صحتها لعدم شمول ادلة الصحة هذا المورد إذ ما وقع لم یقصد و ما قصد لم یقع و المفروض أن العقود تابعة للقصود فلا محالة تكون فاسدة.
و أما إذا علقها على القدرة على التسلیم بأن المنشیء أنشأ الاجارة مقیدة بالقدرة على التسلیم فقد یدعی أنها فاسدة لوجهین:
الأول: أنها غرریة، و فیه: أن الاجارة على هذا التقدیر لم تكن غرریة لعدم الخطر على هذا الفرض.
الثانی: أن التعلیق موجب للفساد، و فیه: أن الدلیل على مفسدة التعلیق إنما هو الاجماع و القدر المتیقن منه كون المعلق علیه من أركان العقد و أما إذا كان كذلك كما إذا قال البایع إن كنت مالكاً لهذه العین فقد بعتك إیاه فلا مانع منه والقدرة على التسلیم كذلك، فإنها من مقومات الاجارة.
لكن هذا الجواب متین بنائاً علی كون القدرة على التسلیم دخیلة فی مالكیة المالك و أما إذا لم تكن كذلك فلا وقع لهذا الجواب.
تتمة: هل المراد بالقدرة على التسلیم قدرة الموجر علی التسلیم مباشرة أو المدار قدرة المستأجر وإمكانه على الاستیفاء، و الظاهر هو الثانی لأن الغرض منها هو إمكان استیفاء المستأجر من العین و لذا لو كانت العین فی غاصب والمستأجر یمكنه أن یأخذها منه فالظاهر صحة الاجارة بلا كلام.
«الثالث: أن یكونا مملوكین، فلا تصح اجارة مال الغیر، ولا اجارة بمال الغیر إلّا مع الاجازة من المالك» (1)
«الرابع: أن تكون عین المستأجرة مما یمكن الانتفاع بها مع بقائها، فلا تصح إجارة الخبز للأكل مثلاً، و لا الحطب للإشعال و هكذا» (2)
«الخامس: أن تكون المنفعة مباحة فلا تصح إجارة المساكن لإحراز المحرمات أو الدكاكین لبیعها، أو الدواب لحملها، أو الجاریة للغناء، أو العبد لكتابة الكفر و نحو ذلك، و تحرم الأجرة علیها» (3)
(1) كما هو المشهور بینهم بل عن الریاض دعوى عدم الخلاف فی ذلك بل فی بعض الكلمات ادعاء الاجماع والضرورة فیه حتى ادعى البداهة، هذا مع ما دل على عدم جواز تصرف مال الغیر إلا بطیب نفسه الشامل للتصرفات الخارجیة والاعتباریة و أما توقف صحة الاجارة إذا صدر من الفضولی على الاجازة فسیأتی الكلام فی ذلك عند تعرض الماتن(رحمه اللّه) ان شاء الله تعالی.
(2) هذا الشرط فی الحقیقة شرط مقوم للاجارة إذ الكلام فی الاجارة بالمعنى المتقدم لا تتحقق إلّا ببقاء العین فما یكون انتفائه منه باعدامه لا یمكن أن تتعلق به الاجارة.
(3) ما قیل أو یمكن أن یقال فی اعتبار هذا الشرط امور:
الامر الأول: ما ذكره المیرزا النائینی(رحمه اللّه) فی هامش المتن بأن حرمة المنفعة مخرجة لها عن المملوكیة بل عن المالیة أیضا فاشتراط مملوكیتها یغنی عن هذا الشرط ولا موجب للتكلیف بحمل المملوكیة المعتبرة فی العوضین على ما یقابل الفضولیة العارضة من جهة المتعاقدین، هذا الدلیل ینحل فی الواقع إلى أمرین: الأول: أن الحرمة موجبة السلب الملكیة عن المنفعة المحرمة. الثانی: أنها موجبة لسلب المالیة أیضا فلابد من البحث فی هذا الدلیل فی موردین:
أما الأول: فقد أورد علیه المحقق الإصفهانی(رحمه اللّه) بأنه قد تقدم ما فی تعریف الاجارة أن للدار مثلا حیثیتین: الأولى حیثیة الساكنیة و الأخرى حیثیة المسكونیة وهی موجودة بوجود الدار على حد وجود المقبول بوجود القابل و لا معنى لتحریمه فما هو قابل للتحریم هو
حیثیة الساكنیة التی تكون من أعراض الساكن و الاجارة قد تعلق بالحیثیة الأولى فلا معنى لتحریمها فما هو محرم غیر متعلق للاجارة، وما هو متعلق بها لم یكن محرمة هذا أولاً، و ثانیاً: أن الحرمة لا تضاد الملكیة حتى لا یمكن اجتماعها فی محل واحد.
و أما الثانی: فقد ظهر الاشكال فیه ما ذكر فی الأول حیث أن متعلق الاجارة لم یكن محرم بل لا معنى لتحریمه و ما هو محرم لیس متعلقاً للاجارة.
أجاب عن الأول سیدنا الاستاذ دام ظله فی الشرح أنّ احراز الخمر فی مكان إذا لم یكن جائزاً للمستأجر لا یكون جائزاً للموجر أیضا فلا یكون مالكة لهذه الحصة من المنفعة و مع عدم كونه مالكا عاد المحذور.
توضیح ذلك: أنّ المنفعة و إن كانت من الحیثیة القائمة بالدار لكن تلك الحیثیة تتحصص بحصص مختلفة إذ لا إهمال فی الواقع و لذا وقعت الاجارة تارة على نحو الاطلاق و أخرى على نحو المقید فإذا كان متعلق الاجارة الحصة المضافة إلى فعل الحرام تكون حراماً فلا یكون ملكا له.
و یمكن أن یجاب عن الثانی أیضاً كما فی كلمات سیدنا الاستاد الفانی(رحمه اللّه) بأن الملكیة أمر اعتباری و هذا یحتاج إلى امضاء الشارع ولا أقل من عدم ردعه فإذا حرمت منفعة تكلیفاً كیف یعقل أن یعتبر ملكیتها وهل یتصور أن یحرم الشارع عن أكل المیتة و مع ذلك اعتبر ملكیتها؟
الامر الثانی: أن المنفعة المحرمة و إن كانت ملكاً أو مالاً لكن الشارع أهدرهما بسبب عدم إحترامهما و المال الغیر المحترم لا یعوض بشیء.
فخلاصة الكلام أن الشارع أسقط المنفعة المحرمة عن الملكیة و المالیة بتحریمها.
أورد علیه المحقق الأصفهانی(رحمه اللّه) أیضاً بأن هدر المال غیر هدر المالیة إذ یمكن أن یسقط الشارع شیئا لكن یكون له المالیة، مثلاً: أموال الكافر الحربی یمكن أن یؤخذ منه حیث أهدر الشارع الكافر عن المالكیة لكن لا مانع أن یعامله مع ذلك الكافر و یعوض فی مقابل عینه وهذا كاشف عن أنّ العین لها المالیة.
وفیه: أنّ المالیة هی ما یبذل بازائه المال عند العقلاء، فهذا كالملكیة لابد أن یكون معتبراً
عندهم و من المعلوم أن اعتبار العقلاء الملكیة أو المالیة لا یلازم تحققها عند الشارع و حینئذ إذا أسقط الشارع مالیة شیء لا یبذل بازائه مال عند الشارع وإن كان مالاً عند العقلاء كالخمر وهذا معنى عدم تأثیر المعاملة عند الشارع، لكن إسقاط الشارع مالیة مال الكافر بحیث یكون كالخمر، فی غایة الأشكال.
الامر الثالث: أن مالكیة التصرف معناها السلطنة علیه، هذا من ناحیة ومن ناحیة أخرى أن السلطنة شرط لنفوذ المعاملة، ومن ناحیة ثالثة أن الممتنع شرعا كالممتنع عقلاً فالحرمة سالبة للقدرة و السلطنة على التصرف.
أورد علیه المحقق المذكور أن الحرمة التكلیفیة لا تنافی السلطنة الوضعیة والسلطنة التكلیفیة المنتزعة عن الترخیص فی العمل لیست من شرائط نفوذ المعاملة.
لكن بما ذكرنا من الجواب عن الثانی یظهر الحال فی هذا الاستدلال أیضا.
الامر الرابع: عدم القدرة على التسلیم شرعاً حیث انه ممنوع شرعاً والممنوع شرعاً كالممنوع عقلاً و الحال أن القدرة على التسلیم شرط فی نفوذ المعاملة.
وفیه: أولاً: أن هذا الاشتراط لا دلیل علیه حتى نبحث عنه كما تقدم. و ثانیاً: لو سلّم فغایة ما فی الباب أن عدم القدرة یوجب الغرر، لكن الحرمة لا ترتبط بالغرر و الخطر، مضافاً إلى أن الملازمة المذكور لا دلیل علیه.
قد یقال -كما عن المحقق الخوئی (قدس سره )- بأن الصحیح فی وجه الاشتراط أن أدلة الصحة قاصرة عن الشمول للمقام حیث أن مقتضى {أوفوا بالعقود}(1)ترتب آثار العقد من التسلیم والتسلم علیه و مع فرض عدم مشروعیة الآثار فلابد إما أن یقال تعاقد على أن المنفعة تتلف بنفسها من غیر استیفاء وهذا أمر غیر عقلائی أو نقول بجواز ملكیة منفعة لابد من تفویتها و إعدامها و لیس للمؤجر تسلیمها للمستأجر لینتفع بها.
أقول: إن كان المراد به أن هذا التسلیم إعانة على الأثم، فیرد علیه: انه لا دلیل على ذلك كما اعترف به، و إن كان المراد منه أن الحرمة مانعة عن الملكیة فتقدم الجواب أن الحرمة غیر مانعة عن الملكیة، نعم إذا قلنا بأن القدرة على التسلیم من مقومات ملكیة المنفعة كما
1) سورة المائدة/1
تقدم منه(رحمه اللّه) و أن الممتنعة شرعا كالممتنعة عقلا فلا كلام فی ذلك، لكن الكلام فی إثبات الأمرین كما تقدم.
الامر الخامس: النصوص الواردة فی المقام، منها: ما رواه صابر أو جابر قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر قال حرامٌ أجره.(1)
لكن یعارضه ما رواه ابن اذینة قال: كتبت إلى أبي عبدالله (علیه السلام) أسأله عن الرجل يؤاجر سفينته و دابته ممن يحمل فيها أو عليها الخمر و الخنازير قال لا بأس.(2)و حینئذ فلابد من العلاج فإن قلنا فی باب التعارض أنّ المرجع الأول مخالفة العامة، فنقول ان المرجح حینئذ حدیث ابن اذینة لكن ذكر فی مورده أن الروایات الواردة فی ذلك المرجح كلها ضعاف لا یمكن الإستناد الیه كما ذكره سیدنا الاستاد القمی دام ظله (و إن كان فی النفس بالنسبة إلى ذلك شیء) حیث أن الراوی الوارد فی السند هو أبو البركات وقد قیل فی حقه كما عن صاحب الوسائل(رحمه اللّه) أنه صالح وهذا العنوان یمكن أن یقال أنه دال على وثاقته حیث أن الصالح على الاطلاق یستفاد منه ذلك وإن استشكل علیه سید الاستاذ حیث أن دیدن الرجالیین فی مقام التوثیق التوصیف بكلمة «ثقة» «عین» أو «موثق» و حینئذ یشكل الحكم بالوثاقة بالنسبة إلى الرجل فالمرجع الوحید فی باب المرجحات هو الأحدثیة، هذا من ناحیة، ومن ناحیة أخرى أن الأحدث فی المقام غیر معلوم فیكون المورد من باب اشتباه الحجة بلا حجة فلا أثر لهما وبعد التساقط تصل النوبة إلى العمومات أو الاطلاقات الواردة فی المعاملات و مقتضاها عدم الاشتراط إلّا أن یقال بأنه لا تعارض فی البین حیث أن الظاهر من روایة ابن اذینة أن ایجار السفینة و الدابة من یحمل فیهما الخمر لا بأس به لا أن متعلق الاجارة هذه المنفعة فهذا یكون من باب بیع العنب ممن یعلم أنه یجعله خمراً، فتأمل.
الامر السادس: التسالم الذی ادعى فی بعض الكلمات بحیث یكون خلافه مستنكراً عند المتشرعة.
«السادس: أن تكون العین مما یمكن استیفاء المنفعة المقصودة بها، فلا تصح إجارة أرض للزراعة إذا لم یمكن ایصال الماء إلیها مع عدم إمكان الزراعة بماء السماء أو عدم كفایته» (1)
«السابع: أن یتمكن المستأجر من الانتفاع بالعین المستأجرة، فلا تصح إجارة الحائض لكنس المسجد مثلاً» (2)
(1) الوجه فیه ظاهر حیث أن المنفعة التی لا یمكن أن تتحقق لا تكون مملوكة المالك العین فكیف یمكنه تملیك تلك المنفعة و من المعلوم أن الاجارة قائمة بذلك وبانتفاء الملكیة تنتفی.
(2) ما یمكن أن یكون دلیلاً لهذا الشرط امور:
الأول: ما عن المیرزا النائینی (رحمه اللّه) وهو أن الحرام لا یكون مملوكاً فاشتراط المملوكیة فی المنفعة و إباحتها كافیة فلا تحتاج إلى هذا الشرط.
و فیه: أنّ الكنس بما هو لیس من تروك الحائض بل المحرم لبثها فی المسجد فیكون اللبس مقدمة لكنس ولا تسری حرمة المقدمة إلى ذیها نعم فی عكس ذلك كلام فی محله لا ترتبط بالمقام.
الثانی: أن المانع شرعا كالمانع عقلاً، أورد علیه المحقق الإصفهانی بأن القدرة على التسلیم لیست بعنوانها شرطة واقعة بل اللازم عدم الغرر ولا غرر ولا خطر الإمكان التسلیم ولذا لو فعلت محرمة لعدم مبالاتها استحقت الأجرة بل یمكن أن یقال بأنّ الكنس فی نفسه مقدور و إنما الحرام مقدمته شرعاً.
الثالث: ما عن المحقق الخوئی (قدس سره ) من أن هذه المعاملة غیر ممضاة من ناحیة الشارع حیث أن دلیل الامضاء كقوله تعالى: {أوفوا بالعقود}(1)قاصرة عن شمول ذلك العقد إذ مقتضی شموله تجویز دخول الحائض المسجد وهذا ترخیص فی المعصیة وهو كما ترى.
وفیه: أن الآیة الشریفة إرشاد إلى اللزوم ولا یفهم منها الحكم التكلیفی فصحة الاجارة لا
1) سورة المائدة/1
تدور مدار وجوب الوفاء لعدم انتزاعها منه بل هو مترتب علیها وحینئذ یمكن أن یقال أن الاجارة صحیحة بمقتضى القاعدة الأولیة لكن للاجیر أن یمتنع عن العمل لحرمته و للمستأجر المطالبة باجرة المثل أو الخیار إذا كان العمل شخصیاً و أما إذا كان كلیاً فعدم إمكان ایجاده فی الخارج لا یوجب الخیار فإن التعذر بالنسبة إلى تسلیم العمل الكلی كالبیع الكلی المتعدر ایجاده لا یوجب الخیار بل إما أن یصبر إلى أن یقدر أو المطالبة بمالیة العمل.
«مسألة 1: لا تصع الاجارة إذا كان المؤجر أو المستأجر مكرهاً علیها إلا مع الاجازة اللاحقة، بل الأحوط عدم الإكتفاء بها، بل تجدید العقد إذا رضیا» (1)
(1) أما بطلان العقد بالاكراه فقد تقدم الكلام فیه و قلنا أن مقتضى حدیث الرفع بطلان الاجارة كما أن مقتضى الآیة {تجارة عن تراض}(1)اشتراط العقد بالرضا فلا یصح من دونه، و أما تصحیح العقد بالاجازة اللاحقة فقد أفاد الماتن(رحمه اللّه) بأنه یصححه وإن احتاط فی آخر كلامه بتجدید العقد بعد الرضا.
و أما وجه الصحة فقد أفاد المحقق الخوئی (قدس سره ) فی وجهه أن الاجازة اللاحقة توجب استناد العقد إلى المجیز بعدها، بتقریب: أن الرضا لا یقاس بسائر الشروط إذ هو كما یتعلق بالأمر الحالی یتعلق بالأمر الماضی بنمط واحد ولا یعتبر فی صحة العقد سوى وجوده وكونه عن رضا المالك أما لزوم حصوله حینه فلم یدل علیه أی دلیل فمتى تحقق وصدرت الاجازة من المالك، صح انتساب العقد السابق إلیه فعلاً فإذا كان العقد السابق منتسباً إلیه فلا جرم یشمله إطلاق الأدلة، وبعبارة أخرى أن العقد لم یكن عقده قبل الاجازة و بعده صار عقد المالك فیجب الوفاء به فكما أن الأمر فی البیع كذلك یكون فی الاجارة أیضا كذلك لعدم الفرق بینهما لاتحاد المناط فمن ثم كانت صحة الفضولی على مقتضى القاعدة الأولیة فما دام العقد یكون مكرها لا أثر له ومتى ارتفع الاكراه وانقلب إلى الرضا صح إسناد العقد السابق إلى العاقد فتشمله الإطلاقات.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله أولاً: بأن إسناد العقد الصادر عن الغیر إلى نفسه بالاجازة لا یمكن، لأن الشیء لا ینقلب عما هو علیه. و ثانیاً: أنّ القیاس مع الفارق بأنّا لو قلنا بصحة العقد فی الفضولی بالاجازة اللاحقة لا نقول به فی المقام إذ العقد كان مستنداً إلیه سابقاً فإسناده ثانیاً بالاجازة تحصیل للحاصل وهو محال، بعبارة واضحة: أن العقد فی المقام كان منتسباً إلى المالك لكنه حیث صدر عنه اكراهاً كان باطلاً فتصحیحه بالاجازة
1) سورة النساء/29
اللاحقة یحتاج إلى دلیل مفقود فی المقام و إنقلاب الصادر عن اكراه إلى الآخر غیر معقول، و بعبارة أوضح یمكن الفرق بین بیع المكره و بیع الفضولی بأنّ البیع المكره من حین صدوره كان مستنداً إلى المالك فإذا خرج عن عموم {أوفوا بالعقود}(1)بالتخصیص فعوده إلیه بعد لحوق الرضا یحتاج إلى دلیل هذا، بخلاف العقد الفضولی فإنه إنما یستند إلى المالك فیدخل فی موضوع الآیة حین لحوق الاجازة فیثبت لدى الحكم ویترتب علیه الأثر.
إن قلت: مقتضى قوله تعالى: {تجارة عن تراض}(2)صحة العقد مع الرضا سواء كان حالیاً أو استقبالیاً أو ماضیاً و المفروض تعلق الرضا لاحقاً فیصح.
قلت: مقتضی مانعیة دلیل الاكراه بطلان العقد مطلقأ و مقتضى كفایة الرضا مطلقا صحته فتقع المعارضة بینهما لكن الترجیح مع دلیل الاكراه لأنه حاكم على الأدلة الأولیة و مع الإغماض عما ذكرنا فنتیجة التعارض التساقط والرجوع إلى الأصل و مقتضاه الفساد.
اللهم إلا أن یقال: أنّ التعارض إذا كان بین الكتاب و الروایة بالعموم من وجه یقدم الكتاب فلاحظ. هذا كله إذا قلنا بصحة الفضولی بالاجازة اللاحقة على طبق القاعدة الاولیة و أما إذا قلنا بصحته لأجل النص فهل یمكن تصحیح الاجارة بسبب التعلیل الوارد فی الروایة أم لا؟ الظاهر هو الثانی لأن المراد بالعصیان عدم تحقق العقد على نحو المقرر الشرعی والظاهر أنه تحقق علی خلاف المقرر الشرعی فلا ینقلب عما هو علیه و لذا لو تحقق العقد غرریاً ثم زال الغرر بأمر بعد ذلك فهل یمكن أن یقال أنه یصیر صحیحة بازالته أو عقد الصبی ثم بعد البلوغ أجازه فهل یمكن تصحیحه بذلك ؟ كلا ثم كلا.
لكن مع ذلك كله فللمحقق الخوئی (قدس سره ) بیان آخر فی تصحیح العقد بلحوق الاجازة -على ما فی التقریر(3)
«نعم، تصح مع الاضطرار، كما إذا طلب منه ظالم مالاً فاضطر إلى اجارة دار سكناه لذلك فإنها تصح حینئذ كما أنه إذا اضطر إلى بیعها صح» (1)
زمانی فورد علیه المختص فی مقدار من الزمان لا مانع من التمسك به فی الزائد على ذلك المقدار من الزمان.
أقول: یلزم على ذلك ترتب الأثر من حین الرضا لا من الأول مع أنه اختار الكشف لا النقل فلاحظ.
(1) مقتضی حدیث رفع الاضطرار عدم صحة الاجارة لكن حیث أن حدیث الرفع امتنانی و رفع الأثر عن العمل الاضطراری فی الموارد المذكورة فی المتن خلاف الامتنان لا یجری الحدیث فی المقام.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله أولاً: بأنه امتنان بالنسبة إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حیث رفع عن امته أی هذه الكرامة لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لا للاُمة. و ثانیاً: أن الرفع لا ینافی المنة فإن ولی الأمر یرى مصلحة العباد ولا یكون بصدد تحصیل اغباتهم ولذا نرى أنه نهى عن دفع مال السفیه إلیه و الغی التصرفات الصادرة عن الصبی والمجنون.
أقول: الظاهر أن الامتنان یكون على الأمة وهذا لا ینافی أن یكون ذلك لكرامة النبی الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) بمعنى أن الله تبارك و تعالی كرامة لنبیه (صلی الله علیه و آله و سلم) امتن على أمته و رفع عنهم الاضطرار، و أما حدیث الاكراه فیمكن أن یقال بأنه لا موضوع لجریانه لأن دلیل مانعیة الاكراه یختص بما إذا كان الإكراه على خصوص العقد فلا یشمل صورة ما إذا كان الاكراه على الغایة.
«مسألة 2: لا تصح إجارة المفلس بعد الحجر علیه داره أو عقاره نعم تصح أجارته نفسه لعمل أو خدمة» (1)
(1) أما عدم صحة تصرفاته فی أمواله فالظاهر أنه لا اشكال فیه وادعى علیه الاجماع لأن كونه محجوراً مع كونه قادراً على التصرف، متضادان، و أما استفادة ذلك من بعض الروایات فلم نجده، و أما بالنسبة إلى أعماله فهل الاجارة بالنسبة إلیها صحیحة أم لا؟ ففیه خلاف و المشهور هو الأول، و استدل على ذلك بأن الحجر إنما یكون بالنسبة إلى أمواله الخارجیة و أما أعماله فهی وإن كانت متصفة بالمال لكن لا ملكیة لها فعلا ولذا لو حبسه شخص لا یكون ضامناً خصوصاً إذا لم یكن كسوباً ولذا لم یعده مستطیعاً إذا كان قادرة على الكسب بل یعدونه من تحصیل الاستطاعة فتعلق الحجر بالأموال، لا یستدعی تعلقه بالأعمال لعدم احتسابها ملكاً للحر فی اعتبار العقلاء هذا على مقتضى القاعدة الأولیة.
وأما النص فقد یدعی أن ذلك یستفاد من بعض الروایات لاحظ ما رواه السكونی عن جعفر عن أبيه أن علياً (علیهم السلام) كان يحبس في الدين ثم ينظر فإن كان له مالٌ أعطى الغرماء و إن لم يكن له مالٌ دفعه إلى الغرماء فيقول لهم اصنعوا به ما شئتم إن شئتم آجروه و إن شئتم استعملوه و ذكر الحديث.(1)
و فیه أولاً: أن حدیث سكونی ضعیف سنداً.
و ثانیاً: انه معارض بحدیث غیاث: (غیاث بن ابراهیم عن جعفر عن أبيه) أن علياً (علیه السلام) كان يحبس في الدين فإذا تبين له حاجةٌ و إفلاسٌ خلى سبيله حتى يستفيد مالاً.(2)
و ثالثاً: أنه لا یرتبط بالحجر بل فرض فیه أن الشخص لا مال له فیحمل على مدین یتمكن من الاكتساب باجارة نفسه فإنه یجب علیه حینئذ اجارة نفسه تمهیداً لاداء دینه و لو امتنع اجبره الحاكم على ذلك فما أفاده الماتن(رحمه اللّه) هو الصحیح.
«و أما السفیه فهل هو كذلك، أی تصح اجارة نفسه للاكتساب مع كونه محجوراً عن اجارة داره مثلاً أو لا؟ وجهان: من كونه من التصرف المالی و هو محجور و من أنه لیس تصرفاً فی ماله الموجود بل هو تحصیل للمال ولا تعد منافعه من أمواله خصوصاً إذا لم یكن كسوباً» (1)
(1) أما عدم نفوذ تصرفاته فی الأموال فللآیة الشریفة فإنها بمفهومها دالة على عدم النفوذ و نطقت به الروایات كما تقدم.
و أما أعماله فالماتن(رحمه اللّه) ذكر فیه الوجهین لكن الظاهر أن أعماله كأمواله خلاف المحجور إذ الملاك فی عدم نفوذ تصرفاته المالیة جار فی الأعمال فإن المناط عدم شعوره و قصوره فی ذاته من أجل سفاهته و ربما یبیع ما هو یسوی خمسین درهماً بعشرین و هذا جار فی أعماله فربما یؤجر نفسه بازاء درهم لعمل كان أجرة مثله خمسین درهم هذا، مضافاً إلى إطلاق بعض النصوص لاحظ ما رواه أبی الحسین الخادم بياع اللؤلؤ عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سأله أبي و أنا حاضرٌ عن اليتيم متى يجوز أمره قال حتى يبلغ أشده قال و ما أشده قال احتلامه قال قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنةً أو أقل أو أكثر و لم يحتلم قال إذا بلغ و كتب عليه الشيء جاز أمره إلا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً.(1)
و ما رواه عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سأله أبي و أنا حاضرٌ عن قول الله عز و جل {حتى إذا بلغ أشده} قال الاحتلام قال: فقال يحتلم في ست عشرة و سبع عشرة سنةً و نحوها فقال لا إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنةً كتبت له الحسنات و كتبت عليه السيئات و جاز أمره إلا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً فقال و ما السفيه فقال الذي يشتري الدرهم بأضعافه قال و ما الضعيف قال الأبله.(2)
والحدیث ضعیف بضعف اسناد الشیخ الی ابن فضال.
«و من هنا یظهر النظر فی ما ذكره بعضهم من حجر السفیهة من تزویج نفسها، بدعوى أن منفعة البضع مال فإنه أیضاً محل اشكال» (1)
(1) أفاد المحقق الخوئی (قدس سره ) بأنه من غرائب كلامه مع تضلعه فی الروایات لأن بعض الروایات یدل على استثناء النكاح من الأعمال وإن قلنا بأن السفیه غیر محجور بالنسبة إلى أعماله وان اجارته صحیحة لاحظ ما رواه الفضلاء عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: المرأة التي قد ملكت نفسها غير السفيهة و لا المولى عليها تزويجها بغير ولي جائزٌ.(1)
بتقریب أن الوصف و إن لم یكن له مفهوم فی نفسه لكن إذا كان فی مقام التحدید فله مفهوم وإلّا یكون ذكر الوصف لغواً فالسفیهة تحتاج فی نكاحها إلى اجازة الولی.
و ما رواه زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إذا كانت المرأة مالكةً أمرها تبيع و تشتري و تعتق و تشهد و تعطي من مالها ما شاءت فإن أمرها جائزٌ تزوج إن شاءت بغير إذن وليها و إن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلّا بأمر وليها.(2)
لكنه ضعیف بعلی بن اسماعیل مضافاً إلى أن طریق الشیخ إلى علی بن اسماعیل المیثمی مجهول، لكن یمكن أن یكون المنشأ للاشكال، المناقشة فی دلیله، من أنّ البضع مال، لعدم الدلیل علیه.
أضف إلى ذلك كله أن مقتضى إطلاق حدیث ابن سنان عدم نفوذ أمره مطلقا حتى بالنسبة إلى تزویجه فالسفیه و السفیهة لا یجوز أمرهما إلّا بإذن الولی.
«مسألة 3: لا یجوز للعبد أن یؤجر نفسه أو ماله أو مال مولاه إلّا باذنه أو اجازته» (1)
«مسألة 4: لابد من تعیین العین المستأجرة فلو آجره أحد هذین العبدین أو إحدى هاتین الدارین لم یصح» (2)
«ولابد أیضا من تعیین نوع المنفعة إذا كانت للعین منافع متعددة» (3)
(1) لأنه عبد مملوك لا یقدر على شیء كما أنه مورد التسالم على ما قیل.
(2) فی هذا الفرع صور:
الأولى: أن یؤجر الفرد المردد ففی هذه الصورة لا اشكال فی بطلانها إذ الفرد المردد لا واقع له فی أی وعاء من الوجود.
الثانیة: أن یكون مورد الاجارة معلومة واقعاً و غیر معلوم عند المتعاقدین كما إذا كان أحدهما أكبر و أجّر الاكبر وإن لم یعلم انه أیهما أكبر، وفی هذه الصورة لو قلنا باشتراط عدم الغرر فی الاجارة وكان الجهل بالعین موجباً للغرر تكون الاجارة فاسدة و إن لم نقل بذلك أو لم یكن العقد بذلك غرریا تصح لوجود المقتضی و عدم المانع.
الثالثة: أن یكون متعلق الاجارة كلیاً فی المعین كبیع الصاع من الصبرة وحینئذ إذا كان أفراد الكلی متساویة فی الصفات فلا مانع من الالتزام بالصحة كما ذهب إلیه سیدنا الاستاذ دام ظله تبعا للمحقق الخوئی (قدس سره ) لوجود المقتضی وعدم المانع، وأما إذا كان متفاوت الأوصاف بحیث یكون التفاوت موجباً للاختلاف فی الرغبات على نحو موجب للغرر فالكلام فیه هو الكلام فی الثانیة و إذا لم یوجب ذلك فالاجارة صحیحة.
(3) لاشتراط معلومیة العوضین كما تقدم ولأجل ذلك قلنا بأن یجب تعیین العین المستأجرة.
«نعم تصح اجارتها بجمیع منافعها مع التعدد فیكون المستأجر مخیراً بینها» (1)
«مسألة 5: معلومیة المنفعة إما بتقدیر المدة كسكنی الدار شهراً و الخیاطة یوماً أو منفعة ركوب الدابة إلى زمان كذا، و إما بتقدیر العمل كخیاطة الثوب المعلوم طوله و عرضه و رقته و غلظته، فارسیة أو رومیة، من غیر تعرض للزمان، نعم یلزم تعیین الزمان الواقع فیه هذا العمل كأن یقول إلى یوم الجمعة مثلاً» (2)
«و إن أطلق اقتضى التعجیل على الوجه العرفی، و فی مثل استئجار الفحل للضراب یعین بالمرة و المرتین، و لو قدّر المدة و العمل على وجه التطبیق فإن علم سعة الزمان له صح وإن علم عدمها بطل و إن احتمل الأمران ففیه قولان» (3)
(1) هذا مبنی على ما سیأتی من أن المالك للعین مالك لجمیع منافعه ولو كانت متضادة و أما إذا قلنا بأن المنافع المتضادة یمتنع أن تكون مملوكة إذ القدرة علیها بدلیة و الملكیة تابعة لها فلا تكون الملكیة عرضیة.
(2( إذ معلومیة العوضین معتبرة فی صحة الإجارة وهذه تتحقق بالنسبة إلى المنفعة بأحد هذین النحوین إما بتقدیر العمل أو بتقدیر الزمان كما اعترف به سید الماتن(رحمه اللّه)
(3) توضیح ذلك: أن المتعاملین قد یقید العمل بزمانین شروعاً و ختاماً وأخرى أطلقا، و على التقدیر قد یكون الزمان قابلاً للعمل و أخرى غیر قابل له و ثالثة یشك و أما إذا أطلق ولم یعین الزمان ثبت طبیعی العمل فی ذمة الأجیر فوجب علیه التسلیم فی أقرب فرصة ممكنة كما یجب على الآخر تسلیم الأجرة ولا یجوز لهما التأخیر إلّا إذا كان الآخر ممتنعا و أما إذا قید العمل بزمان فإن كان الزمان بنحو الظرفیة لا التقیید الخاص فهنا یجری ما أفاده الماتن(رحمه اللّه) من الصحة مع سعة الوقت والبطلان مع العلم بالعدم، و القولین مع احتمال الأمرین، و أما إذا قیده بزمان خاص على نحو التطبیق شروعاً و ختاماً و حینئذ
تارة یعلم سعة الزمان للعمل وهذا لا اشكال فی صحة الإجارة بعد فرض قدرة الأجیر على العمل و أما مع العلم بعدم سعة الزمان للعمل فأیضاً لا اشكال فی بطلانها لعدم كون الاجیر مالكاً لهذه المنفعة فكیف یملكها للغیر كالاجارة على الأمر المستحیل، و أما إذا شك فی سعة، الموجب للشك فی القدرة و حینئذ یشك فی مالكیته العمل ففی صحة هذه الاجارة و عدمها اشكال من جهة الغرر الناشی من الشك فی القدرة على التسلیم و أنه لا یدری أنه مالك حتى یملكه أم لا؟ نعم، إذا أنشأ العقد على نحو التعلیق فقد یقال بصحتها نظراً إلى أن المنشأ للبطلان إما أن یكون هو التعلیق وإما أن یكون هو الغرر، أما الأول فلا مانع منه إذ الدلیل على بطلان العقد بالتعلیق هو الإجماع ولا اجماع فیما إذا كان التعلیق على ما هو مقوم للعقد كقوله: «إن كان هذا ملكی فقد بعته» و ما نحن فیه من هذا القبیل لاختصاص ملكیة المنفعة بصورة القدرة على التسلیم، و أما الثانی فلعدم الغرر بعد عدم كونه ملزم بهذا العمل المشكوك قدرته علیه بعد فرض تعلیق العقد وحینئذ یحاول على الشروع فإن قدر فهو المطلوب و إلّا كشف البطلان وكان عمله هدراً ولا ضیر فیه بعد أن كان العمل باختیاره لا بالزام من غیره و إنما یتحقق الغرر إذا كان الزام فی البین بالنسبة إلى العمل و على ذلك یقوی الصحة فی هذه الصورة و بما ذكرنا یظهر الحال بالنسبة إلى الفرع السادس والسابع والثامن والتاسع فلاحظ.
«مسألة 6: إذا استأجر دابة للحمل علیها لابد من تعیین ما یحمل علیها بحسب الجنس إن كان یختلف الأغراض باختلافه، وبحسب الوزن و لو بالمشاهدة و التخمین إن ارتفع به الغرر، و كذا بالنسبة إلى الركوب لابد من مشاهدة الراكب أو وصفه، كما لابد من مشاهدة الدابة أو وصفها حتى الذكوریة و الانوثیة إن اختلفت الأغراض بحسبهما، و الحاصل أنه یعتبر تعیین الحمل و المحمول علیه و الراكب و المركوب علیه من كل جهة یختلف غرض العقلاء باختلافهما»
«مسألة 7: إذا استأجر دابة لحرث جریب معلوم فلابد من مشاهدة الأرض أو وصفها على وجه یرتفع الغرر»
«مسألة 8: إذا استأجر دابة للسفر مسافة لابد من بیان زمان السیر من لیل أو نهار إلّا إذا كان هناك عادة متبعة» (1)
(1) لاختلاف الأغراض بالنسبة إلى زمان السیر لكن لقائل أن یقول: ان بیان زمان السیر لیس بلازم لأن الموجر ملك منفعة الدابة وعیّن المنفعة بالمسافة فیستحق المستأجر المنفعة فمتى طلب یجب علیه تحویلها فی أول زمان الإمكان كالبیع الكلی الحالی لأن البایع حینئذ استحق الثمن والمشتری العین لكن تكون فی ذمة البایع تحویل العین إذا طلب المشتری.
«مسألة 9: إذا كانت الأجرة مما یكال أو یوزن لابد من تعیین كیلها أو وزنها و لا تكفی المشاهدة، و إن كانت مما یعد لابد من تعیین عددها، و تكفی المشاهدة فیما یكون اعتباره بها»
«مسألة 10: ما كان معلومیته بتقدیر المدة لابد من تعیینها شهراً أو سنة أو نحو ذلك، و لو قال: آجرتك إلى شهر أو شهرین بطل، و لو قال: آجرتك كل شهر بدرهم مثلاً، ففی صحته مطلقا أو بطلانه مطلقا أو صحته فی شهر و بطلانه فی الزیادة، فإن سكن فاجرة المثل بالنسبة إلى الزیادة، أو الفرق بین التعبیر المذكور و بین أن یقول: آجرتك شهراً بدرهم فإن زدت فبحسابه بالبطلان فی الأول و الصحة فی شهر فی الثانی، أقوال: أقواها الثانی و ذلك لعدم تعیین المدة الموجب لجهالة الاجرة بل جهالة المنفعة أیضاً، من غیر فرق بین أن یعیّن المبدأ أو لا، بل على فرض عدم تعیین المبدأ یلزم جهالة أخرى إلا أن یقال: إنه حینئذ ینصرف إلى المتصل بالعقد هذا إذا كان بعنوان الاجارة» (1)
(1) أما بطلان الاجارة فی الصورة الاولى فلأن المردد لا واقع له و المفروض أن المنفعة مرددة، و أما لو قال آجرتك كل شهر بدرهم ففی صحته مطلقا كما نقل عن الشیخ أو بطلانه كما عن الجواهر و مال إلیه المصنف بل نقل عن المشهور ذلك أو التفصیل بین الشهر الأول فیصح، دون ما زاد أو التفصیل بین التعبیرین المذكورین فالبطلان فی التعبیر الأول و الصحة فی التعبیر الآخر، أقوال أربعة.
واستدل للقول الأول: بأن المانع عن الصحة لیس إلا الغرر و هو منفی فی المقام لأن كلما سكن فهو یعطى بازاء كل شهر درهماً فلا غرر فی البین بالنسبة إلى الموجر ولا المستأجر.
و الثانی: إن دلیل القائل بالبطلان الجهالة فی نفسها المانعة من الصحة لإشتراط المعلومیة فی الأجرة والمنفعة كما تقدم لروایة أبی الربیع الشامی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته عن
«و أما إذا كان بعنوان الجعالة فلا مانع منه لأنه یغتفر فیها مثل هذه الجهالة» (1)
أرض يريد رجلٌ أن يتقبلها فأي وجوه القبالة أحل قال يتقبل الأرض من أربابها بشيء معلوم إلى سنين مسماة فيعمر و يؤدي الخراج فإن كان فيها علوجٌ فلا يدخل العلوج في قبالته فإن ذلك لا يحل.(1)
و الثالث و الرابع: أن التحقیق یقتضی أن یقال بأن المستفاد من بعض الروایات مع ضم بعضها إلى بعض هو التفصیل بین الجملتین من البطلان فی التعبیر الأول و الصحة فی التعبیر الثانی، أما وجه البطلان فی الأول فلما ذكر من الجهالة، و أما الصحة فی الثانی فلما رواه أبوحمزة (الظاهر أنه ثمالی) عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل يكتري الدابة فيقول اكتريتها منك إلى مكان كذا و كذا فإن جاوزته فلك كذا و كذا زيادةً يسمي ذلك قال لا بأس به كله.(2)
(1) كما فی الجواهر حیث قال: أما لو فرض بوجه یكون كالجعالة بأن یقول الساكن مثلاً جعلت لك على كل شهر أسكنه درهماً لم یبعد الصحة لعدم اعتبار العلم فیها أزید من ذلك انتهى.
وهذا بظاهره لا ینطبق على الجعالة حیث أنها عبارة عن جعل الجاعل شیئاً على نفسه قبال ما یصدر من العامل من العمل كقوله «من رد ضالتی فله كذا» و أما ما أفاد فقد جعل المستأجر شیئاً على نفسه للمالك بازاء السكنی التی هی عمل یصدر من نفس الجاعل دون المجعول له، لكن یمكن توجیه كلامه بحیث ینطبق على عنوان الجعالة بأن یكون الجعل قبال الإسكان الذی هو عمل قائم بالمالك فیكون الجعل بازاء الإذن من ناحیة المالك الذی لا اشكال فی أنه عمل محترم صادر منه.
لكن الظاهر من عبارة المتن افتراض الجعالة من جانب المؤجر أی المالك لا المستأجر فیجعل المؤجر شیئاً على المستأجر بازاء سكناه و حینئذ یشكل تصویر الجعالة و لذا أشكل علیه
«و كذا إذا كان بعنوان الإباحة بالعوض» (1)
المحقق النائینی(رحمه اللّه) حیث قال: لا خفاء فی تقوم الجعالة بأن یكون تعیین الجعل والإلتزام به ممن یبذله دون الطرف الآخر وأن یكون بازاء عمل محترم دون منافع الأموال.
توضیح ذلك: أن الجعالة متقومة بأمرین: الأول: فرض عمل محترم من شخص، و الثانی: جعل الباذل شیئاً على نفسه بازاء هذا العمل فیقول من رد ضالتی فله علىّ كذا، وفی المقام لا یتحقق ذلك بل الذی یتحقق هو أخذ الأجرة شیئا بازاء ما یستوفیه المستأجر من المنافع.
لكن أجاب عنه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأنه یمكن أن یوجه كلام الماتن بأمر غیر ما ذكر وهو أن یجعل المالك شیئاً على نفسه و هو دفع المنفعة لمن یعمل عملاً و هو بذل الدرهم فیجعل منفعة الدار لمن أعطاه الدرهم، مثلاً یقول من أعطانی درهماً فقد أسلمته منفعة الدار فالعمل هو اعطاء الدرهم الذی یصدر من المستأجر والجعل هو المنفعة فبهذا یكون المورد من الجعالة.
(1) قال صاحب الجواهر(رحمه اللّه): كما انه لا یبعد الصحة لو جعل من قبیل الإباحات بأعواض معلومة تلزم بالتلف انتهى.
أشكل علیه المحقق النائینی(رحمه اللّه) بأن عوضیة المسمى تتوقف على عقد المعاوضة الصحیحة وإلا كان ما أباحه المالك بعوضه مضموناً بالمثل أو القیمة دون المسمى.
أجاب عنه المحقق الخوئی بأن ما أفاد إنما یصح لو ارید من عوضیة المسمی على نحو الملكیة بحیث یكون الطرف المبیح مالكاً لهذا العوض ومطالباً إیاه الطرف الآخر على حد مطالبة الملاك أموالهم فی باب المعارضات، و أما إذا فسرت الإباحة المذكورة فی كلام الماتن(رحمه اللّه) بأمر آخر فلا إشكال وهو أن المبیح بمقتضی عموم سلطنته على أمواله ربما لا یبیح المنفعة لكل أحد أو لهذا الشخص على سبیل الاطلاق بل لطائفة خاصة وهم الذین یبذلون هذا العرض الخاص فالمبیح یبیح ملكه لمن اعطى إلیه فی كل شهر عشرین دینار بحیث لا یرضى بغیر ذلك و هذا أمر متعارف كالحمامی حیث یبیح البقاء فی الحمام وصرف الماء فیه على وجه المتعارف لكل داخل باذل لمبلغ معین بحیث یكون الإباحة مشروطة بهذا الشرط فلو
«مسألة 11: إذا قال إن خطت هذا الثوب فارسیاً أی بدرز فلك درهم، و إن كان خطته رومیاً أی بدرزین فلك درهمان، فإن كان بعنوان الاجارة بطل لما مر من الجهالة» (1)
اعطى فهو وإلّا یكون ضامناً للمثل أو القیمة.
(1) تارة یفرض انحلال هذه الاجارة إلى اجارتین متفاوتتین على عملین فی عرض واحد فیستأجر لخیاطة هذا الثوب فی هذا الیوم فی وقت خاص خیاطة فارسیة وفی عین الوقت یستأجره لخیاطته رومیة فهذه الاجارة باطلة لعدم قدرته على التسلیم لأنه یرجع إلى الجمع بین المنفعتین المتضادتین فی زمان واحد فلا یشملها أدلة الصحة لأنه یرجع إلى لزوم الجمع بین الضدین. و أخرى یفرض على نحو الفرد المردد و هذه أیضاً باطلة لعدم واقع للفرد المردد كما مر مراراً و التعین الخارجی فی أحدهما بعد العقد لا حینه لا ینفع فی صحة الاجارة. و ثالثة على نحو الأقل و الأكثر كالمثال المذكور فی المتن من الخیاطة المردة بین الدرز و الدرزین فیمكن تصحیحها بتعلق الاجارة بالاصل و یشترط علیه أنه إن زاد فله درهم آخر لتلك الزیادة بل یمكن أن یقال ان حدیث أبی حمزة الثمالی المتقدم ذكره(1)
شامل لهذا الفرض.
1) الوسایل، الباب 8 من أبواب كتاب الاجارة، الحدیث: 1
«و إن كان بعنوان الجعالة كما هو ظاهر العبارة صح» (1)
«و كذا الحال إذا قال إن عملت العمل الفلانی فی هذا الیوم فلك درهمان، و إن عملته فی الغد فلك درهم و القول بالصحة اجارة فی الفرضین ضعیف» (2)
«و أضف منه القول بالفرق بینهما بالصحة فی الثانی دون الاول»(3)
(1) بأن جعل الجعلین على عملین وانشاء جعالتین متغایرتین فالنتیجة یختار العامل أیهما من العملین فیستحق الاجرة ولا یضر الجهالة فیها و أما إذا جعلنا المورد من موارد الأقل والأكثر فالأمر أوضح، نعم فی المتباینین لابد من القول بالبطلان لما تقدم.
(2) للجهالة المانعة من الصحة كما تقدم.
(3) هذا التفصیل بهذه الخصوصیة لم نقف علیه، نعم نقل عن المبسوط والتحریر و الكفایة، التأمل فی الثانی مع الجزم بالصحة فی الأول، وعن جامع المقاصد بعد أن جزم بالصحة فی الأول، قال فی الثانی: «فیه تردد» ثم قال: أظهره الجواز و قد یوجه الصحة فی الأول و عدمها فی الثانی بأن الأول یرجع إلى الأقل والأكثر فیمكن تصحیحها بالروایة أعنی حدیث أبی حمزة بخلاف الثانی فإنه یرجع إلى المتباینین إذ الزمان بالنسبة إلى العمل یعد كالمقوم بنظر العرف وإن أمكن ارجاع الفرض الثانی إلى الأقل و الأكثر أیضاً بأن یجعل درهماً بازاء طبیعی الخیاطة الجامعة ما بین الیوم والغد و درهم آخر بازاء خصوصیة الایقاع فی هذا الیوم فیكون الدرهم قبال الخیاطة والدرهم الآخر قبال هذه الخصوصیة.
«و على ما ذكرنا من البطلان فعلی تقدیر العمل یستحق اجرة المثل و كذا فی المسألة السابقة إذا سكن الدار شهر أو أقل أو أكثر» (1)
(1) أما استقرار اجرة المثل فلأن عمل العامل محترم ولا یذهب هدراً ومن ناحیة أخرى أن العمل قد وقع بأمر المستأمر وهو الذی استوفاه و أتلفه فلا جرم یضمن لصاحبه اجرة المثل.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن احترام المال و إن استوجب الضمان لكنه مراعی بعدم كون المالك بنفسه مقدماً على الغائه ولذا لو أمر زیداً أن یعمل له العمل مجاناً ففعل لم یكن له عندئذ مطالبة الآمر بالاجرة فاقدام الأجیر نفسه بالعمل اقدام بالغاء مالیة عمله فالمیزان فی عدم الضمان و وجوده الالغاء وعدمه فتارة یلغی حرمة عمله أو ماله على الاطلاق كما لو عمل عملاً مجاناً و أخرى یلغی مقداراً منه كما لو آجر داره فی كل شهر مأة دینار والحال أن أجرة داره ألف دینار و على هذا الأساس نقول لو فرض كون الاجارة فاسدة فتارة تكون الأجرة المسماة مطابقة مع اجرة المثل و أخرى تكون أقل و ثالثة أكثر، أما على الأول فیكون ما فی الذمة الأجرة المسماة المطابقة لاجرة المثل، و أما على التانی فلابد من الاقتصار على الاجرة المسماة لأن المالك الغی الزائد، و أما على الثالث فلابد من أخذ أجرة المثل إذ المفروض أن الاجارة باطلة فلا مقتضی لثبوت الأجرة المسماة، و أما ثبوت اجرة المثل فهو على طبق القاعدة.
والحاصل أنه لا یضمن للمالك أو العامل إلّا أقل الأجرتین من المثل أو المسماة وإن كان الظاهر أن كل من تعرض للمسألة خص الضمان باجرة المثل.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله أولاً: بالنقض فی المقبوض بالعقد الفاسد فی باب البیع حیث قالوا بضمان المثل أو القیمة والظاهر أنه التزم بذلك هناك فما الفارق بین المقامین.
و ثانیاً: بالحل وهو أن المؤجر فی المقام لم یلغ احترام ماله بل بدّل ماله بشیء آخر و المفروض أن ما صدر عنه باطل شرعاً فلا وجه الامضاء العقد بالمقدار الخاص وأما أصل الضمان فالارتكاز المتشرعی یقتضی الضمان.
أقول: لا فرق فیما أفاده بین كون المالك عالماً بالحال أو جاهلاً به إذ على كلا التقدیرین لم یكن المالك مقدماً على العمل على نحو المجانیة.
«مسألة 12: إذا استأجره أو دابته لیحمله أو یحمل متاعه إلى مكان معین فی وقت معین باجرة معینة، كأن استأجر منه دابة لإیصاله إلى كربلاء قبل لیلة النصف من شعبان و لم یوصله، فإن كان ذلك لعدم سعة الوقت و عدم إمكان الایصال فالاجارة باطلة» (1)
«و إن كان الزمان واسعاً و مع هذا قصّر و لم یوصله فإن كان ذلك على وجه العنوانیة و التقیید لم یستحق شیئاً من الاجرة لعدم العمل بمقتضى الاجارة أصلا، نظیر ما اذا استأجره لیصوم یوم الجمعة فاشتبه و صام یوم السبت، و إن كان ذلك على وجه الشرطیة بأن یكون متعلق الاجارة الایصال إلى كربلاء، و لكن اشترط علیه الایصال فی ذلك الوقت، فالاجارة صحیحة و الأجرة المعینة لازمة، لكن له خیار الفسخ من جهة تخلف الشرط و معه یرجع إلى اجرة المثل» (2)
(1) لعدم القدرة على التسلیم وقد مر أنها شرط فی صحة الاجارة.
(2) قد فصل الماتن(رحمه اللّه) بین القید و الشرط فحكم بالبطلان فی الاول و الصحة فی الثانی فعلینا أن نتكلم فی بیان الشرط و القید و الفرق بینهما فنقول ان للشرط اطلاقات،كما فی كلام المحقق الخوئی (قدس سره ).
الأول: ما عنونه الفلاسفة فهو ما یكون دخیلاً فی قابلیة القابل أو فاعلیة الفاعل.
الثانی: ما یطلق فی باب الاحكام سواء كان فی الأحكام الوضعیة أو الأحكام التكلیفیة و المراد به هناك أخذ الشیء فی الموضوع مثلاً یقال الدلوك شرط لوجوب الصلاة معناه أنه موضوع لهذا الوجوب كما أنه یقال البلوغ شرط للعاقد فی حصول الملكیة فالبلوغ شرط لحصولها و معناه أنه جعل مفروض الوجود عند تعلق الحكم و أنه لم ینشأ على نحو الاطلاق بل على تقدیر خاص فهذا الشرط یرجع إلى الموضوع كما أن الموضوع فی القضایا الحقیقیة یرجع الى الشرط.
الثالث: ما یقال فی باب المتعلقات كالطهارة فی الصیام و الصلاة فیراد منه فی هذا المقام
أن المتعلق لیس مطلقا بل مقیداً بقید خاص فكما أن القسم الثانی قید للحكم، هذا قید للمتعلق أو الموضوع.
الرابع: الشروط المجعولة من ناحیة المتعاقدین لا المعتبرة شرعاً فالشرط فی هذا القسم یراد به الالتزام فی ضمن التزام والمراد به لیس مجرد الظرفیة بل المراد الارتباط بین الالتزامین بحیث یجب الوفاء بهما وهذا الارتباط و العلقة یرجع إلى أحد المعنیین:
أحدهما تعلیق الالتزام بالعقد على تقدیر خاص بمعنى أن العاقد الشارط التزم بالعقد على تقدیر تحقق أمر خاص فلو باع العبد بشرط أن یكون كاتباً یكون كیفیة ارتباط العقد أی البیع بكتابة العبد التی تكون من الطوارىء لا المقوم له معناه أن البایع لا یعلق أصل البیع علیها ولا یجعل الانشاء معلقا علیها بل إنما یعلق التزامه بالعقد المفروض وقوعه و تحققه على كل تقدیر على وجود هذه الصفة فالالتزام بالعقد معلق لا نفس العقد فیرجع هذا الكلام إلى جعل الخیار على تقدیر عدمه.
ثانیهما تعلیق نفس العقد على التزام طرف المقابل بشیء فإن التزم فهو وإلّا فلا عقد كما أن الأمر واضح فی مثل النكاح الذی لا یقبل الفسخ بالخیار وإن یقبل بالعیوب كالطلاق و حینئذ إذا زوجت المرأة نفسها بشرط الاستقلال فی السكنی أو طلق زوجته بشرط أن تفعل المرأة أمر كذائیاً معناه أنّ أصل الطلاق أو النكاح معلق لكن لا على نحو تحقق هذا الشرط فی الخارج حتى یكون من التعلیق المبطل بل بمعنى أن التزامه بالعقد من الطرف المقابل، فنتیجة ذلك أنه إن لم یلتزم به فعلاً فلا موضوع فلم ینعقد الانشاء من أصله و إن التزم به حالاً فهو بمنزلة الموضوع لهذا الانشاء فالمعلق و المعلق علیه قد تحققا معا فی آن واحد و على كل حال فان التزم بالشرط یجب علیه الوفاء -بمقتضی عموم قوله (علیه السلام) «المؤمنون عند شروطهم» فی روایة منصور بزرج عن عبد صالح (علیه السلام) قال: قلت له إن رجلًا من مواليك تزوج امرأةً ثم طلقها فبانت منه فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلا أن يجعل لله عليه أن لا يطلقها و لا يتزوج عليها فأعطاها ذلك ثم بدا له في التزويج بعد ذلك فكيف يصنع فقال بئس ما صنع و ما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل و النهار
قل له فليف للمرأة بشرطها فإن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال المؤمنون عند شروطهم.(1)-
نعم ربما یجتمعان هذا المعنیان فی مورد واحد وهو ما لو كان الملتزم به فعلا اختیاریة فی عقد قابل للفسخ مثل ما لو باع بشرط الخیاطة فللشارط المطالبة بمقتضی العموم المذكور و له الخیار بمقتضى جعل الخیار لو تخلف، فقد ظهر ما ذكرنا أن الشرط بالمعنى الثانی والثالث یرجع إلى القید فی الموضوع أو المتعلق و بمعنی الرابع یرجع إلى التعلیق فی نفس العقد أو الالتزام به هذا كله فی الشرط.
و أما القید فالأقسام فیه ثلاثة إذ القید إما أن یكون مورده العین الخارجیة و إما أن یكون فی الكلی و إما أن یكون فی الأعمال و إما فی الأعیان كما إذا قال بعتك هذه العین الشخصیة بشرط كذائی أو آجرتك على كذا وهذا الشرط یتصور على ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن یكون الشرط من مقومات الموضوع كما لو باعه هذا الجسم الأصفر على أن یكون ذهباً فی مثل ذلك یرجع الشرط إلى التقیید بمعنى تعلیق البیع بهذا العنوان فلا یبیع إلا المتصف بهذا الوصف العنوانی ففی مثل ذلك لا مانع من هذا التقیید فإذا تخلف یكون العقد باطلاً لأنه غیر ما وقع علیه العقد لأن القید بهذا المعنى یرجع فی الحقیقة إلى الموضوع.
الوجه الثانی: أن یكون من أعراض الموضوع كاشتراط العبد أن یكون كاتباً لكن حیث أن هذا الشرط لا یعقل أن یرجع إلى التقیید حیث أن الأعیان الشخصیة لاسعة فیه حتى یقید فلابد أن یرجع إلى التعلیق المستلزم للبطلان حینئذ، لقیام الإجماع علیه.
الوجه الثالث: ما إذا كان الشرط أمراً خارجیة لكن لم یكن من قبیل الصفات والأعراض للمبیع بل فعلاً خارجیة كالخیاطة فی بیع الدار مثلا وهذا الاشتراط لا یرجع إلى التقیید أیضاً فلا مناص من الرجوع إلى التعلیق المستوجب للبطلان و حینئذ فحل المشكلة لابد أن نقول أنّ الاشتراط فی الموردین الآخرین معناه تعلیق الالتزام بالعقد على تقدیر وجود الوصف خارجاً الراجع إلى جعل الخیار أو تعلیق العقد على الالتزام بهذا الشرط بمعنی جواز المطالبة والالتزام بالوفاء به.
1) الوسایل، الباب 20 من أبواب المهور، الحدیث: 4
والحاصل: أن التقیید فی العین الخارجیة ینحصر فیما اذا كان القید من المقومات، أما إذا كان من الأعراض المفارقة أو الأمور الخارجیة فلابد من أن یرجع إلى الاشتراط و ترتب آثاره من جعل الخیار أو لزوم الوفاء به.
أما فی الكلی تاماً بالنسبة إلى الأوصاف المعدودة من عوارض الكلی فالظاهر من الاشتراط رجوعه إلى التقیید بمعنى أن المبیع هو صنف خاص منه و لذا لو دفع المشتری غیره لا یجب علیه القبول مدعیاً أن هذا الفرد غیر ما تعلق به العقد فلو باع عبداً كلیاً على أن یكون كاتباً فإن المتفاهم العرفی دخل وصف الكتابة فی المبیع على نحو التقیید، هذا بالنسبة إلى الأوصاف المفارقة.
و أما بالنسبة إلى الأمور الخارجیة فالظاهر أنها شرط فی المبیع لا قید، ضرورة أن مثل هذه الامور لا توجب تقسیم المبیع إلى قسمین و مقتضى الاشتراط الراجع إلى جعل الخیار ثبوته له و وجوب قبول المبیع لو تخلف عن الشرط.
و أما بالنسبة إلى الأعمال فالأمر أیضا كذلك كما لو أجره على عمل مشروط بشیء فإن كان ذلك الشیء من صفات العمل و عوارضه القائمة به بحیث یوجب تقسیمه إلى قسمین رجع ذلك إلى التقیید فلو تخلف لم یستحق شیئاً و إن كان من الأمور الخارجیة المفارقة غیر المعدودة من العوارض لهذا العمل فهذا یرجع إلى الاشتراط.
و خلاصة الكلام: إذا عرفت موارد الشرط والقید و أن الاشتراط فی غیر الأعیان الخارجیة یرجع إلى التقیید إن كان من قبیل الأوصاف للمبیع أو المستأجر علیه كما أن التقیید یرجع إلى الاشتراط إن كان من الأمور الخارجیة، یتضح لك الحال بالنسبة إلى المثال الذی ذكره الماتن(رحمه اللّه) فإن المستأجر علیه قد یكون هو العمل أی الایصال الخاص و حینئذ یرجع الشرط إلى التقیید لأنه یعد من عوارض هذا العمل و أوصافه فیكون مقسماً بالنسبة و وقعت الاجارة على قسم خاص منه فإذا لم یسلمه لم یستحق شیئاً من الأجرة كما لو استأجر شخصاً أن یصوم یوم الجمعة فاشتبه فصام یوم السبت و أما إذا كان مصب الاجارة منفعة الدابة لا العمل فی مثل ذلك یرجع القید إلى الاشتراط إذ الایصال الخاص لا یكون قیداً فی الدابة و عرضاً قائماً به فلا محالة یرجع إلى الاشتراط فالاجارة صحیحة، غایة الأمر
«و لو قال: و إن لم توصلنی فی وقت كذا فالاجرة كذا أقل مما عیّن أولاً، فهذا أیضاً قسمان قد یكون ذلك بحیث یكون كلتا الصورتین من الایصال فی ذلك الوقت و عدم الایصال فیه مورداً للاجارة فیرجع إلى قوله: آجر تك باجرة كذا إن أوصلتك فی الوقت الفلانی، و باجرة كذا إن لم اوصلك فی ذلك الوقت، و هذا باطل للجهالة، نظیر ما ذكر فی المسألة السابقة من البطلان إن قال: إن عملت فی هذا الیوم فلك درهمان،الخ» (1)
یكون للمشروط له الخیار هذا كله بالنسبة إلى ما أفاده فی المتن.
و حاصله: أنه(رحمه اللّه) فصل بین ما إذا كان الأخذ على وجه التقیید فإنه لم یستحق شیئا وبین ما إذا كان على نحو الإشتراط فالاجارة صحیحة غایة الأمر للمشروط له الخیار فإن فسخ یرجع إلى اجرة المثل.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بالنسبة إلى القسم الأول و أفاد فی وجهه أن صحة الاجارة غیر منوطة بوقوع العمل خارجاً بل الاجارة إذا تحققت مستجمعة للشرائط محكومة بالصحة سواء وفی الأجیر بمقتضاها أم لا، فبعد تحقق الاجارة صحیحة یكون الأجیر مالكاً للاجرة و المستأجر مالكاً للعمل أو المستأجر یصیر مالكاً للمنفعة و المؤجر مالكاً لمال الاجارة فإن وفی بذلك الأجیر أو المؤجر فهو وإلّا فلا یستحق الأجیر شیئاً من الأجرة بالنسبة إلى العمل الذی أتى به لأنه غیر ما تعلق به الاجارة فإن اوجر أن یصوم یوم الجمعة فصام یوم السبت لا یكون مستحقاً لشیء بالنسبة إلى یوم السبت، و أما بالنسبة إلى یوم الجمعة فمن جهة الاجارة یملك الأجرة المسماة و أما العمل فقد أتلفه فعلیه الأجرة المثل لمالك المنفعة أو العمل، و أما قاعدة «التلف قبل القبض من مال بایعه» التی یقتضی انفساخ العقد بنفسه، فهی مخصوصة بالتلف لا الإتلاف المبحوث عنه فی المقام.
(1) و الوجه فی البطلان لیس هو الجهالة كما تقدم بل من جهة امتناع الجمع لا بین المنفعتین المتضادتین فی زمان واحد و بطلان الترجیح بلا مرجح و أن المردد لا واقع له فالاجارة محكومة بالبطلان كما تقدم.
«و قد یكون مورد الإجارة هو الایصال فی ذلك الوقت و یشترط علیه أن ینقص من الاجرة كذا على فرض عدم الایصال و الظاهر الصحة فی هذه الصورة لعموم {المؤمنون عند شروطهم} و غیره مضافاً إلى صحیحة محمد الحلبی» (1)
(1) تارة نتكلم فی هذا الفرع على مقتضى القاعدة الأولیة وأخرى على مقتضى النص:
أما الأولى: فالظاهر أن الشرط المذكور باطل إذ دلیل الشرط لا یكون مشرعة فلابد من مشروعیة مورد الشرط فی الرتبة السابقة ولا وجه لنقصان الاجرة بالتخلف فالشرط باطل إذ الشرط إما أن یرجع إلى نقصان الاجرة بلا موجب و إما أن یرجع إلى أن المستأجر یشترط عدم الدفع مع كونه واجباً علیه و إما أن یرجع إلى اشتراط الإسقاط على الطرف المقابل، أما الأول فیكون الشرط منافیة لمقتضى الشرع، و أما الثانی فیكون الشرط عبارة عن عدم قیام المستأجر بواجبه إلا أن یرجع إلى اذن المؤجر للمستأجر فی عدم الدفع فیكون الاذن لازماً علیه، و أما الثالث فإما أن یكون المراد شرط النتیجة وإما أن یكون المراد شرط الفعل أعنی اشتراط الإسقاط، فالأول یرجع إلى إسقاط ما لم یجب وأما الثانی فغایته وجوب الإسقاط علیه وحینئذ لو عصی ولم یسقط یكون ذمة المستأجر مشغولة له.
أما الثانیة: على مقتضى النص فقد استدل على ذلك بما رواه محمد الحلبي قال: كنت قاعداً إلى قاض و عنده أبو جعفر (علیه السلام) جالسٌ فجاءه رجلان فقال أحدهما إني تكاريت إبل هذا الرجل ليحمل لي متاعاً إلى بعض المعادن فاشترطت عليه أن يدخلني المعدن يوم كذا و كذا لأنها سوقٌ أخاف أن يفوتني فإن احتبست عن ذلك حططت من الكراء لكل يوم احتبسته كذا و كذا و إنه حبسني عن ذلك اليوم كذا و كذا يوماً فقال القاضي هذا شرطٌ فاسدٌ وفه كراه فلما قام الرجل أقبل إلي أبو جعفر (علیه السلام) فقال شرطه هذا جائزٌ
«و لو قال: إن لم توصلنی فلا أجرة لك، فإن كان على وجه الشرطیة بأن یكون متعلق الاجارة هو الایصال الكذائی فقط و اشترط علیه عدم الاجرة على تقدیر المخالفة صح و یكون الشرط المذكور مؤكداً لمقتضى العقد» (1)
ما لم يحط بجميع كراه.(1)، فإن الظاهر منه صحة الاجارة.
(1) إن الایصال الكذائی تارة یكون متعلق للشرط و أخرى یكون بنفسه متعلقة للاجارة فالبحث یقع فی موردین:
أما المورد الأول: بأن آجر دابته للركوب إلى كربلاء بكذا واشترط علیه الایصال فی وقت خاص و أنه إن لم یوصله فلا اجرة له بتاتاً فهو واضح إذ التخلف لا ینتج إلا الخیار لكن العقد صحیح لعدم إناطة صحة العقد بالوفاء خارجاً و یترتب على ذلك مالكیة المتعاقدین للعوضین و حینئذ یكون معنى اشتراط العدم عدم الاجرة على تقدیر المخالفة یكون على خلاف مقتضی العقد فیكون فاسداً و على القول بأنه مفسد للعقد یصیر سبباً لفساد العقد كما ذهب إلیه المحقق الخوئی (قدس سره ) واستدل على ذلك بلزوم التهافت فی مقام الانشاء إذ الموجبة الكلیة یناقض السالبة الجزئیة و لعل المشهور القائلین بفساد العقد یریدون هذا الفرض إذ مقتضى العقد ملكیة الأجرة فاشتراط عدم الاجرة لو لم یعمل مناف لمقتضاه بل یمكن الاستدلال على ذلك بمفهوم روایة الحلبی(2)
المتقدمة.
و أما المورد الثانی: بأن یكون الایصال الكذائی مورداً للاجارة فعلى ما رامه الماتن(رحمه اللّه) من عدم الاستحقاق أصلا لو لم یتحقق الایصال الواقع متعلقة للاجارة یكون الشرط مؤكداً للاجارة كما أفاده(رحمه اللّه) لكون الحكم على مبناه كذلك سواء شرط أم لا، و أما على ما سلكناه سابقة من صحة العقد غایة الأمر أن الخیار ثابت له عند عدم الایصال فالشرط المزبور خلاف مقتضى العقد إذ كما ذكرنا یكون الشخص مالكاً للاجرة فیكون مستحقاً لها فینافی عدم الاستحقاق فیبنی فساد العقد بمفسدیة الشرط فإن قلنا بها یكون العقد
«و إن كان على وجه القیدیة بأن جعل كلتا الصورتین مورداً للاجارة إلا أن فی الصورة الثانیة بلا أجرة یكون باطلا، و لعل هذه الصورة مراد المشهور القائلین بالبطلان دون الاولى حیث قالوا: و لو شرط سقوط الأجرة إن لم یوصله لم یجز» (1)
أیضاً باطلا وتظهر الثمرة حینئذ بین ما ذهب إلیه الماتن و ما ذهب إلیه هذا القائل فإن سلك مسلك الماتن فإن أوصله إلى المقصود و أتی بمتعلق الاجارة فیكون مستحقاً للاجرة على مسلك الماتن(رحمه اللّه) و أما على مسلك فساد العقد یستحق أجرة المثل و لا یستحق الأجرة المسماة، نعم على تقدیر عدم الایصال لا ثمرة بین القولین.
(1) قد تقدم مراد المشهور من أنه من باب كون الشرط على خلاف مقتضی العقد و أما ما أفاد من تعدد الاجارتین و الحكم بالبطلان لأجل الجهالة فقد مر الكلام فی ذلك بأن المنشأ للبطلان إما أنه من باب الفرد المردد أو كونهما اجارتین فی عرض واحد و عدم القدرة على الجمع بینهما بعد فرض المزاحمة بالفعل فلا یمكن الحكم بصحتهما و ان أحدهما معینا ترجیح بلا مرجح، لكن یمكن أن یقال انه لا مزاحمة فی البین إذ احدى الاجارتین محكومة بالبطلان لأجل اشتراط عدم الاجرة عند عدم الایصال.
«مسألة 13: إذا استأجر منه دابة لزیارة النصف من شعبان مثلاً و لكن لم یشترط على المؤجر ذلك، و لم یكن على وجه العنوانیة أیضاً و اتفق أنه لم یوصله لم یكن له خیار الفسخ، و علیه تمام المسمى من الاجرة، وإن لم یوصله إلى كربلاء أصلاً سقط من المسمى بحساب ما بقى، و استحق بمقدار ما مضى، و الفرق بین هذه المسألة و ما مر فی المسألة السابقة أن الایصال هنا غرض و داع، و فیما مر قید أو شرط» (1)
(1) فی هذه المسألة فروع:
الفرع الأول: أنه لو استأجر دابته لزیارة النصف من شعبان لكن كان على نحو الداعی فلا یكون مورد للاجارة ولا قید و شرطة لها حینئذ اذا لم یوصله فی ذلك الوقت فلا خیار للمستأجر و الوجه فیه واضح لعدم تخلف فی الغرض.
الفرع الثانی: أنه یستأجر دابته كذلك لكن لم یوصله إلیه بل أوصله إلى بلدة قریبة من كربلاء وكان المنشأ لعدم الایصال عدم القدرة علیه فربما یقال بأن الاجارة تكون باطلة فی هذا المقدار وصحیحة فی المقدار الآخر فیكون للمستأجر خیار تبعض الصفقة كما هو كذلك فی البیع لكنه خلاف التحقیق إذ هذا متین على انحلال العقد الواحد إلى عقود متعددة والحال أنه لا یمكن الالتزام به لأنه یلزم أن یقع بیوع متعددة إلى ما لا نهایة له وقد حقق فی محله استحالة الجزء الذی لا یتجزی و سیلزم أیضاً الخیارات المتعددة بالنسبة إلى كل جزء من المبیع وهذا كما ترى لا یمكن الالتزام به، نعم فی باب البیع قد دل النص الخاص على صحة بیع ما یملك وما لا یملك لاحظ ما رواه محمد بن الحسن الصفار أنه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري (علیه السلام) في رجل باع قطاع أرضين فيحضره الخروج إلى مكة و القرية على مراحل من منزله و لم يكن له من المقام ما يأتي بحدود أرضه و عرف حدود القرية الأربعة فقال للشهود اشهدوا أني قد بعت فلاناً يعني المشتري جميع القرية التي حد منها كذا و الثاني و الثالث و الرابع و إنما له في هذه القرية قطاع أرضين فهل يصلح للمشتري ذلك و إنما له بعض هذه القرية و قد أقر له بكلها فوقع (علیه السلام)
لا يجوز بيع ما ليس يملك و قد وجب الشراء من البائع على ما يملك.(1)
الفرع الثالث: أنه لو فرض الاجارة للایصال إلى كربلاء مثلا وكان متعلق الاجارة قابلاً للتحقق لكن مع ذلك قصر المؤجر ولم یوصله إلى مقصده فعلى هذه الصورة یمكن للمستأجر ابقاء العقد بحاله و مطالبة المؤجر باجرة المثل لأنه فرط علیه كما أن له الفسخ بمقتضى الشرط الإرتكازی.
ثم إنه هل یمكن أن یقال إنه یلزم علیه دفع أجرة المثل بالنسبة إلى المقدار الذی استفاد أم لا؟ اختار المحقق الخوئی (قدس سره ) وجوب الدفع تبعاً للسید الماتن(رحمه اللّه) لكن فیما إذا لم یستند عدم الوصول إلى المؤجر نفسه بل لأمر خارجی و عائق غیر اختیاری كموت الدابة إذ الاجارة حینئذ تنحل بطبیعة الحال وینكشف أن الباقی لم یكن یستحقه المستأجر من الأول لعدم كون المؤجر مالكاً لهذه المنفعة فتبطل الاجارة بالنسبة إلى المقدار الباقی، لكن حیث أن الاجارة وقعت على المجموع وقد تبعضت فلا جرم یثبت للمستأجر خیار الفسخ فله أن یفسخ العقد من أصله و یضمن اجرة المثل لما مضى لأنه عمل محترم قد وقع بأمره.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأن المفروض وحدة العقد و قد فرض انفساخ العقد بالخیار فلا وجه لثبوت اجرة المثل فی ذمته لكن أنكره ذلك باستنكار المتشرعة و انه لا یمكن الالتزام بهذا اللازم.
1) الوسایل، الباب 2 من أبواب عقد البیع و شروطه، الحدیث: 1
فصلٌ:
«الاجارة من العقود اللازمة لا تنفسخ إلّا بالتقایل أو شرط الخیار لأحدهما أو كلیهما إذا اختار الفسخ، نعم الاجارة المعاطاتیة جائزة یجوز لكل منهما الفسخ ما لم تلزم بتصرفهما أو تصرف أحدهما فیما انتقل إلیه» (1)
(1) قد تعرض فی المقام لفروع:
الفرع الأول: أن الاجارة من العقود اللازمة وما یمكن أن یستدل علیه امور:
الأول: قوله تعالى: {أوفوا بالعقود}(1)فإنه إرشاد إلى اللزوم كما حقق فی محله.
الثانی: ما رواه محمد بن عيسى اليقطيني أنه كتب إلى أبي الحسن علي بن محمد العسكري (علیه السلام) في رجل دفع ابنه إلى رجل و سلمه منه سنةً بأجرة معلومة ليخيط له ثم جاء رجلٌ فقال سلم ابنك مني سنةً بزيادة هل له الخيار في ذلك و هل يجوز له أن يفسخ ما وافق عليه الأول أم لا فكتب (علیه السلام) يجب عليه الوفاء للأول ما لم يعرض لابنه مرضٌ أو ضعفٌ.(2)
الثالث: السیرة الجاریة بین أهل الشرع بل العقلاء.
الرابع: الأصل، فإن مقتضاه عدم جعل الفسخ فی هذا المورد رافع للملكیة الثابتة بالعقد فلیس الشك فی مقدار الملكیة حتى یقال إن استصحاب الملكیة یعارض استصحاب عدم جعل الملكیة الزائدة.
الفرع الثانی: أنه یجوز فی الاجارة التقایل و استدل على ذلك بامور:
الامر الأول: أن العقد عبارة عن الالتزام و بالقایل یرتفع الالتزام.
و فیه أولاً: أن مقتضی وجوب الوفاء الالتزام بالعقد شرعاً فرفع الید من ناحیة المتعاقدین لا أثر له إذا لم یمض الشارع، و ثانیاً: أنه یلزم من ذلك جواز رفع الید منه من قبل أحد الطرفین إذ العقد هو الالتزام من الطرفین وهذا ینحل برفع الید عن أحدهما.
الامر الثانی: ما رواه سماعة بن مهران عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: أربعةٌ ينظر الله عز و جل إليهم يوم القيامة من أقال نادماً أو أغاث لهفان أو أعتق نسمةً أو زوج عزباً.(1)
لكنه ضعیف بالعلوی إلا أن یقال إن مقتضى حدیث من بلغ، استحباب ذلك فیكون مشروعاً.
الفرع الثالث: هل یجوز جعل الخیار فیه بالشرط؟ مقتضى الأصل عدم ذلك، وأما حدیث: «المؤمنون چند شروطهم»(2)فلا یكون مشرعاً بل جعل الخیار مخالف لعموم وجوب الوفاء بالعقد، نعم السیرة الخارجیة جاریة ظاهراً بین أهل الشرع، و أما جعل الخیار لشخص ثالث فمشكلٌ.
الفرع الرابع: أن الاجارة المعاطاتیة هل هی لازمة أم جائزة؟ المشهور بین الأصحاب هو الثانی بل ادعى علیه الاجماع وان الملزم إما التلف أو التصرف المغیر للعین لا مطلقا كما هو مقتضى إطلاق كلام الماتن(رحمه اللّه) فلو سكن فی الدار المستأجرة مدة ولم یغیرها لم یكن له الفسخ إلّا أن یقال إن ذلك موجب لإتلاف مقدار من المنفعة فهو إتلاف بالنسبة إلى المنفعة فتكون ملزمة.
لكن الظاهر أن مقتضی الصناعة هو القول الأول إذ المعاطاة على التحقیق عقد فعلی فمتى تحقق ترتب علیه الأثر وهو الملك فالرد یحتاج إلى دلیل ومع عدمه فمقتضى القاعدة هو اللزوم والدلیل علیه مضافاً إلى السیرة العقلائیة القائمة على نفوذ المعاملة بعد تحقق العقد و انها لازمة بعد تمامیته والشارع الأقدس لم یردعها، یكفینا قوله تعالى: {أوفوا بالعقود}(3)كما بیناه، فإن الوفاء هو الانهاء والاتمام و البقاء على الالتزام و عدم رفع الید عنه و العقد بمعناه العرفی یصدق على المعاطاة، فیلزم.
أضف إلى ذلك وجود عدة روایات تدل على المقصود لاحظ ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) البيعان بالخيار حتى يفترقا و صاحب الحيوان
«مسألة 1: یجوز بیع العین المستأجرة قبل تمام مدة الإجارة ولا تنفسخ الإجارة به فتنتقل إلى المشتری مسلوبة المنفعة مدة الاجارة» (1)
بالخيار ثلاثة أيام.(1)
و ما رواه زرارة عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال سمعته يقول قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) البيعان بالخيار حتى يفترقا الحديث.(2)
و غیرهما من الروایات لصدق البیع على المعاطاة عرفاً، فبعد الإفتراق وجب البیع فإذا ثبت اللزوم فی البیع ففی الاجارة بطریق اولى.
بتقریب: أن البیع یتضمن نقل الأعیان والمنافع ففی مورد یكون نقل المنافع فقط یكون أولى فلیس لقول المشهور دلیل إلّا الإجماع المدعی فی المقام على عدم اللزوم مع أنه یمكن توجیه كلمات المشهور بما لا ینافی ما ذكرنا حیث أن المشهور قائلون بأن المعاطاة لا توجب الملكیة بل هی لا تفید إلّا الإباحة فلا ملكیة حتى یقال إنها لازمة أو جائزة فعدم اللزوم من باب السالبة بانتفاء الموضوع و حمل الإباحة على الملكیة المتزلزلة، فی غایة البعد بل هو خلاف صریح بعض الكلمات لاحظ ما ذكره الشیخ الأنصاری(رحمه اللّه) فی مكاسبه فادعاء الإجماع على الملكیة الجائزة فی مورد المعاطاة مشكلٌ فالاجارة المعاطاتیة لازمة بحسب القواعد و إن كان الالتزام به مع ذهاب المشهور إلى الإباحة أشكل فالإحتیاط لا یترك.
(1) ما أفاده تام فإن اجارة العین لا تكون مانعة عن بیعها كما أن بیعها لا یوجب بطلان اجارتها إذ المالك للعین مالك لمنافعها لأن ملكیة العین و ملكیة المنفعة ملكیتان مستقلتان عرضیتان لا ملازمة بینهما فی الثبوت والسقوط و لذا یمكن التفكیك بینهما فإذا باعها و العین كذلك تنتقل العین إلى المشتری غایة الأمر مسلوبة المنتفعة مدة الاجارة، هذا.
مضافاً إلى وجود عدة روایات تدل على ذلك، لاحظ ما رواه حسين بن نعيم عن أبي الحسن موسى (علیه السلام) قال: سألته عن رجل جعل داراً سكنى لرجل أيام حياته أو جعلها له و لعقبه من بعده هل هي له و لعقبه من بعده كما شرط قال نعم قلت له فإن احتاج
«نعم للمشتری مع جهله بالاجارة خیار فسخ البیع لأن نقص المنفعة عیب، و لكن لیس كسائر العیوب مما یكون المشتری معه مخیراً بین الرد و الأرش فلیس له أن لا یفسخ و یطالب بالأرش فإن العیب الموجب للأرش ما كان نقص فی الشیء فی حد نفسه، مثل العمى و العرج، وكونه مقطوع الید، أو نحو ذلك، لا مثل المقام الذی العین فی حد نفسها لا عیب فیها، و أما لو علم المشتری أنها مستأجرة ومع ذلك أقدم على الشراء فلیس له الفسخ أیضأ» (1)
يبيعها قال نعم قلت فينقض بيع الدار السكنى قال لا ينقض البيع السكنى كذلك سمعت أبي (علیه السلام) يقول قال أبو جعفر (علیه السلام) لا ينقض البيع الإجارة و لا السكنى و لكن تبيعه على أن الذي اشتراه لا يملك ما اشترى حتى تنقضي السكنى كما شرط و كذا الإجارة، قلت: فإن رد على المستأجر ماله و جميع ما لزمه من النفقة و العمارة فيما استأجر قال على طيبة النفس و برضا المستأجر بذلك لا بأس.(1)
(1) أما أصل ثبوت الخیار فالظاهر أنه لا اشكال فیه إما الكلام فی نوعه بأنه هل هو خیار عیب أو خیار آخر؟
مال الماتن(رحمه اللّه) إلى الأول لكن لیس هذا العیب كسائر العیوب حتى یوجب الأرش نظرة إلى عدم كون نقص المنفعة وصفاً مخالفاً للخلقة الأصلیة كالعمى و العرج لیثبت الأرش بل هو عیب حكمی یوجب الخیار فقط.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأنّ العیب الحكمی لم یقع موضوعاً لأی حكم فی شیء من الأدلة، فتعلیل الخیار بالعیب فی غیر محله.
و الحاصل أن ثبوت الخیار بالعیب الحكمی لا دلیل علیه.
ثم بعد ذلك استدل على الخیار بتخلف الشرط الإرتكازی، بتقریب: أن بناء العقلاء فی مقام البیع على اتصاف المبیع بكونه مرسلاً و مطلقاً بحیث یتمكن المشتری من التصرف
1) الوسایل، الباب 24 من أبواب كتاب الاجارة، الحدیث: 3
«نعم لو اعتقد كون مدة الإجارة كذا مقداراً فبان أنها أزید، له الخیار أیضاً» (1)
«و لو فسخ المستأجر الاجارة رجعت المنفعة فی بقیة المدّة إلى البایع لا إلى المشتری» (2)
فی المبیع كیفما شاء وأی وقت شاء فإذا تخلف ذلك ولم یتمكن من التصرف كذلك باعتبار كونه مسلوب المنفعة مدة معینة لكونه متعلقاً للاجارة فلا جرم قد تخلف الشرط الارتكازی المستلزم لثبوت الخیار.
والظاهر أن ما أفاده لا بأس به فإن الظاهر من أدلة خیار العیب تحقق ما یخالف الخلقة الأصلیة و كون العین من المستأجر علیها لا یكون من ذلك فراجع. هذا كله فی صورة الجهل.
و أما مع العلم بأن العین مستأجرة، ومع ذلك أقدم على الشراء، فلیس له خیار الفسخ لأنه بنفسه أقدم على ذلك ومع الإقدام لا یكون بناء العقلاء جاریاً علیه.
(1) لعین الملاك المتقدم ذكره فإن بناء العقلاء على ذلك لاینكر، نعم إذا كانت المدة یسیرة فثبوت البناء المذكور مشكل جداً.
(2) إذ المفروض أن المنفعة كانت للبایع و هو ملّكها من غیره هذا من ناحیة ومن ناحیة أخرى أن الفسخ عبارة عن حل العقد بقاء، فالنتیجة على ضوء هاتین الناحیتین انتقال المنفعة إلى البایع، وأما ما قیل من أن مقتضى القاعدة انتقالها إلى المشتری إذ المنفعة تابعة للعین، و لازم ذلك الإنتقال إلى المشتری إذ هو مالك العین فمخدوش، بأنه لا دلیل على التبعیة على الاطلاق بل مقتضى السیرة العقلانیة والارتكاز أنه لو ملّك شخص العین و لم تكن منفعة لتلك العین لأحد، تكون مملوكة لمالك العین.
والحاصل أن مقتضى انحلال العقد رجوع كل ملك إلى مالكه حین ما خرج عن ملكه و حیث أن المنفعة خرجت عن ملك البایع فلا جرم تعود إلیه فإنه هو الذی كان مالكاً لها حال الایجار و قبل البیع والدلیل علیه بناء العقلاء على ذلك و الشارع الأقدس لم یردعه.
«نعم، لو اعتقد البایع و المشتری بقاء مدة الإجارة و أن العین مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا و تبین أن المدة منقضیة فهل منفعة تلك المدة للبایع حیث أنه كأنه شرط كونها مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا أو للمشتری لأنها تابعة للعین ما لم تفرز بالنقل إلى الغیر أو بالاستثناء والمفروض عدمها، وجهان و الأقوى الثانی» (1)
(1) الوجه فی ما أفاده الماتن(رحمه اللّه) أن الخروج عن قانون التبعیة لا یكون إلا فی موردین:
الأول: الافراز و تعین كون المنفعة لشخص خاص كما إذا كانت العین مستأجرة لشخص آخر قبل بیع العین.
الثانی: الاستثناء والإبقاء لنفسه والمفروض أن شیئاً منهما لم یكن فلا تكون للبایع بل بمقتضى قانون التبعیة كونها للمشتری.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) و تبعه سیدنا الاستاذ دام ظله بأن البایع للعین إما أن یقصد فی مقام الانشاء بیع العین مسلوبة المنفعة و إما بوصف كونها ذا منفعة والمفروض أن البایع معتقد أنها مسلوبة المنفعة فطبعاً مع هذا الاعتقاد لا یبیع العین متصفة بهذا الوصف فالمنفعة تبقى فی ملكه إذ لا سبب للانتقال إلى المشتری مع عدم تحقق أی سبب للنقل بالنسبة إلى المنفعة، اللهم إلّا أن ثبت بدلیل خاص مفقود فی المقام فالمقتضى قاصرة للملكیة و هذا كاف فی عدم الانتقال إلى المشتری فلا نحتاج إلى تجشم دلیل فی اثبات أنها باقیة فی ملك البایع.
«نعم لو شرطا كونها مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا بعد اعتقاد بقاء المدة كان لما ذكر وجه» (1)
«ثم بناء على ما هو الأقوى من رجوع المنفعة فی الصورة السابقة إلى المشتری فهل للبایع الخیار أو لا؟ و جهان، لا یخلو أولهما من قوة خصوصاً إذا أوجب ذلك له الغبن» (2)
(1) و الوجه فیه: أن البایع لم یقصد تملیك العین مع المنفعة بل ملكها مسلوبة المنفعة.
أورد علیه المحقق النائینی(رحمه اللّه) بأن الشرط فی المقام بمنزلة التوصیف لا الاستثناء فلا أثر له.
أجاب عنه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن الاشتراط المذكور راجع إلى التصریح بعدم التملیك و أنه باع العین بشرط كونها مسلوبة المنفعة وإن كان الداعی إلى التصریح و الاشتراط اعتقاد كونها مستأجرة و أن المنفعة تكون للغیر و هذا لیس إلّا التخلف فی الداعی و من الواضح أن تخلف الداعی لا یضر إذ البایع بالاخرة لم یملك المنفعة و لو بهذا التخیل فالمدار على تملیكه إیاها فما أفاده موجه بل هذا مؤید لما ذكرناه فی الفرع السابق فلاحظ و تأمل.
(2) و الوجه فیه: أن البائع یبیع العین مسلوبة المنفعة فطبعاً یكون فی ارتكازه أنه لو لم یبق الأمر على طبق اعتقاده یكون له الخیار.
وبعبارة واضحة: أن المتبایعین بعد أن كانا معتقدین بقاء مدة الإجارة و أن العین تكون مسلوبة المنفعة فطبعاً أوقعا العقد مبنیاً على ذلك فبمقتضى الشرط الارتكازی ثبوت الخیار لكل منهما إذا تخلف الآخر فكما أن الخیار ثابت للمشتری إذا تبین أنها مسلوبة المنفعة فكذلك للبایع إذا تبین للبایع أنها ذات المنفعة فالملاك فی الطرفین واحد، هذا فی الغبن واضح و أما فی صورة غیر الغبن، فالظاهر أن الأمر كذلك.
«هذا إذا بیعت العین المستأجرة على غیر المستأجر، أما لو بیعت علیه ففی انفساخ الاجارة وجهان أقواهما العدم» (1)
«فیتفرع على ذلك أمور: منها: اجتماع الثمن و الاجرة علیه حینئذ» (2)
«و منها: بقاء ملكه للمنفعة فی مدة تلك الإجارة لو فسخ البیع بأحد أسبابه بخلاف ما لو قیل بانفساخ الاجارة» (3)
«و منها: إرث الزوجة من المنفعة فی تلك المدة لو مات الزوج المستأجر بعد شرائه لتلك العین و إن كانت مما لا ترث الزوجة منه بخلاف ما لو قیل بالانفساخ بمجرد البیع» (4)
(1) اذا كان المشتری للعین نفس المستأجر فهل یوجب البیع انفساخ الاجارة من زمن البیع أم لا؟ الحق هو الثانی لعدم موجب له، غایة الأمر تكون العین مسلوبة المنفعة فلا تجری علیه قاعدة التبعیة فالبیع تنتقل العین إلى المستأجر مسلوبة المنفعة كما انتقلت المنفعة إلیه بسبب الاجارة فلا تنافی فی البین.
(2) أما الثمن فلأجل تملكه العین و أما الأجرة فلأجل تملكه المنفعة بالاجارة السابقة على البیع.
(3) إذ الاجارة عقد مستقل قبال البیع فكل منهما عقد مستقل، له أحكام مختص به فلا یرتبط أحدهما بالآخر وحینئذ إذا فسخ أحدهما بقى الآخر على حكمه.
(4) إذ المستفاد من النصوص أن الزوجة لا ترث من العقار والمنفعة التابعة لها، لكن هذا إنما یمنع إذا لم تكن المنفعة مملوكة بالأصالة وأما إذا كانت كذلك فبعد أن كانت مملوكة بنفسها مستقلة وقد تركها المیت فلا مانع عن الارث، لوجود المقتضی و عدم المانع.
«و منها: رجوع المشتری بالاجرة لو تلف العین بعد قبضها و قبل انقضاء مدة الإجارة فإن تعذر استیفاء المنفعة یكشف عن بطلان الاجارة و یوجب الرجوع بالعوض و إن كان تلف العین علیه» (1)
(1) أما رجوع المشتری بالاجرة لو تلفت العین بعد قبضها و قبل انقضاء المدة فلأن التلف كاشف عن بطلان الاجارة لأنه لم یكن مالكاً لها حتى یملكها وأما بالنسبة إلى ما مضى فإن قلنا بانحلال الاجارة إلى أجارتین فبالنسبة إلى ما یملك تكون الاجارة صحیحة فعلیه یثبت للمستأجر خیار تبعض الصفقة فله الامضاء والتوزیع فیسترد الأجرة بالنسبة إلى ما بقى كما أن له الفسخ و استرداد تمام الأجرة و أداء أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى، هذا إذا قلنا بعدم الانفساخ بالبیع و أما على القول الآخر فالاجارة منفسخة من حین البیع فیسترد المستأجر الأجرة من الموجر من زمان الانفساخ وهو زمان وقوع البیع و حیث أن العین مضمونة على المشتری لأنها تلفت بعد القبض فتكون المنفعة تابعة لها مضمونة على المشتری.
و أما على القول بعدم الانحلال كما مال إلیه سیدنا الاستاذ دام ظله فتلف المبیع ینكشف بطلان الاجارة فیرجع العوض إلى ملك المستأجر بل لم یخرج عن ملكه لفرض كون الاجارة باطلة و علیه یدفع اجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى إلّا أن یقوم اجماع تعبدی كاشف عن رأی المعصوم (علیه السلام) الدال على صحة الإجارة.
والتحقیق أن الانحلال معقول لكن بالنسبة إلى الجزء الذی یكون له المالیة فلا یلزم من القول بالانحلال الالتزام بالجزء الذی لا یتجری كما أفاده سیدنا الاستاذ دام ظله كما لا نقول بعدم الانحلال محضاً فالقول بالتوسط خیر القولین فی المسألة فیترتب علیه الأثر فیما نحن فیه.
«مسألة 2: لو وقع البیع و الإجارة فی زمان واحد كما لو باع العین مالكها على شخص و آجرها وكیله على شخص آخر و اتفق وقوعهما فی زمان واحد فهل یصحان معاً و یملكها المشتری مسلوبة المنفعة كما لو سبقت الإجارة أو یبطلان معاً للتزاحم فی ملكیة المنفعة أو یبطلان معاً بالنسبة إلى تملیك المنفعة فیصح البیع على أنها مسلوبة المنفعة تلك المدة فتبقى المنفعة على ملك البائع وجوه، أقواها الأول لعدم التزاحم، فإن البایع لا یملك المنفعة، و إنما یملك العین، و ملكیة العین توجب ملكیة المنفعة للتبعیة و هی متأخرة عن الإجارة» (1)
(1) الوجوه المتصورة فی المقام ثلاثة كما أشار إلیها الماتن(رحمه اللّه):
الأول: صحتهما معاً. الثانی: بطلانهما كذلك. الثالث: صحة البیع و بطلان الاجارة.
و استدل للقول الأول: بأنه لا تزاحم بین البیع والاجارة وقد ذكر فی وجه عدم التزاحم والتنافی بینهما تقریبان:
التقریب الأول: أن البیع إنما یوجب انتقال المنفعة إلى المشتری و سبب لملكیة المشتری العین و الاجارة سبب آخر لملكیة المنفعة فهنا سببان و لهما مسببان فلا تهافت بینهما وإن شئت قلت: أن البیع إنما یوجب انتقال المنفعة إلى المشتری إذا لم یكن مانع فی المقام و المانع موجود وهو الاجارة فقانون التبعیة إنما یؤثر حیث لا یكون مقتضیاً لملكیة الأخرى و سبب آخر لملكیة المنفعة فإذا آجر الوكیل كما هو المفروض فقد ملك المستأجر المنفعة فلا موضوع للتبعیة لتقدم الاجارة على البیع فتأثیر الاجارة متقدم رتبة على تأثیر البیع لملكیة المنفعة.
أورد علیه المحقق الإصفهانی(رحمه اللّه) أولاً: بأن التقدم والتأخر المفروضین بین ملك العین و ملك المنفعة طبعی لا زمانی بداهة حصول ملك العین و ملك المنفعة فی زمان واحد وهو زمان تمامیة الایجاب والقبول، فالتقدم والتأخر الطبعی لا ینافی المقارنة الزمانیة بین المتقدم و المتأخر بالطبع، هذا من ناحیة.
و من ناحیة أخرى أن التنافی فی التأثیر لیس إلّا بلحاظ وجود الأثر خارجاً وفی الوجود الخارجی لهما المعیة المقارنة الزمانیة فلا تقدم ولا تأخر فی مقام التأثیر فما فیه التنافی لا تقدم ولا تأخر فیه وما فیه التقدم والتأخر لا تنافی فیه.
و ثانیاً: أن ملك المنفعة بمقتضى التبعیة متأخر عن ملك العین بالبیع لا عن الاجارة و إن كانت فی عرض البیع المتقدم على ملك المنفعة إلّا أن ما مع المتقدم على شیء لیس متقدماً على ذلك الشیء لأن التقدم والتأخر لا یكون إلّا بملاك مخصوص وهو بین نفس المتقدم و المتأخر لا بین ما معه و غیره، ألا ترى أن النار متقدم على الحرارة بملاك العلیة و أما التراب المتقارن للنار لیس متقدماً على الحرارة من باب أن المقارن للمتقدم متقدم على ذلك الشیء و ذلك لعدم وجود ملاك التقدم فی التراب بخلاف النار.
و ثالثاً: أن الاجارة لها المعنیة مع البیع أما من حیث الزمان لا بالطبع فإن المعیة الطبعیة إنما یتصور فیما إذا كانا معلولین لعلة واحدة فالبیع والإجارة لیسا كذلك فلا معیة طبعیة بینهما كما أنه لیس بینهما تقدم و تأخر طبیعی فلو فرضنا أن ما مع المتقدم متقدم فلیس بینهما المعیة حتى تكون الاجارة متقدمة على ملك المنفعة لتقدم البیع علیه.
التقریب الثانی: ما أفاده المحقق الإصفهانی(رحمه اللّه) حیث قال: بأن التحقیق صحتهما معاً و انتقال العین مسلوبة المنفعة إلى المشتری و انتقال المنفعة فی مدة خاصة إلى المستأجر و ذلك لأن مالك العین له مالان و ملكان و له السلطنة على نقل كل منهما بالاستقلال و حیث أن التبعیة لیست بنحو اللزوم بحیث لا ینفك ملك العین عن ملك المنفعة فله السلطنة على نقلهما معاً فی عرض واحد كما له السلطنة على نقل المنفعة قبلا فالإستتباع إنما هو فی فرض عدم إعمال السلطنة فی نقل المنفعة فلیس البیع و الاجارة من باب المتمانعین حتى یتوهم أن مانعیة الاجارة عن اقتضاء تملیك العین على حد مانعیة تملیك العین عن اقتضاء الإجارة بل لا استتباع رأساً مع سلب المنفعة إما حقیقة أو استیفاء اعتباریاً فكما أن الاجارة السابقة لا تبقى مجالاً لأصل الاستتباع كذلك الاجارة المقارنة وكما أن عدم المنفعة حقیقة لیس مانعاً عن اقتضاء ملك العین بل لا اقتضاء له لملك المعدوم كذلك عدمها وسلبها الإعتباری، انتهى موضوع الحاجة.
و الحاصل: أنه لا تمانع بین الاجارة و البیع فلا استتباع مع وجود سبب نقل المنفعة فالنسبة بین الاجارة و البیع فی نقل المنفعة تكون من باب المقتضی و لا اقتضاء فمع وجود المقتضی لا یكون مجال لعدم الاقتضاء و بما ذكر یظهر الحال فیما أفاد المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن المتعین هو الوجه الثالث أی بطلانهما بالنسبة إلى المنفعة و صحة البیع بالنسبة إلى نقل العین لتزاحم العقدین فی تملیك المنفعة فیتساقطان بالإضافة إلى هذا الأثر بعد امتناع الجمع و بطلان الترجیح من غیر مرجح.
و الوجه فیه أن البیع إذا كان بالنسبة إلى نقل المنفعة بلا اقتضاء أعنی إنما یكون سبباً لانتقال المنفعة إذا لم یكن مانع فی البیع وأن الاجارة مقتضیة لنقل المنفعة فلا تزاحم بینهما لعدم التزاحم بین المقتضی و اللا اقتضاء فتأمل فإنه حقیق به.
و استدل للقول الثانی: بأن الوجه فیه أن السببین متزاحمان فی التأثیر ولا یكون بینهما مرجح فی البین فیبطلان.
و فیه: أن التزاحم -لو فرض- إنما یكون بین الاجارة و البیع بالنسبة إلى المنفعة و أما العین فلا تزاحم بینهما مع أنا ذكرنا بأنه لاتزاحم بینهما أصلا.
ومن جمیع ما ذكرنا یظهر الحال بالنسبة إلى القول الثالث الذی ذهب إلیه المحقق الخوئی (قدس سره ).
«مسألة 3: لا تبطل الاجارة بموت المؤجر ولا بموت المستأجر على الأقوى، نعم فی إجارة العین الموقوفة إذا آجر البطن السابق تبطل بموته بعد الانتقال إلى البطن اللاحق، لأن الملكیة محدودة، و مثله ما لو كان المنفعة موصى بها للمؤجر ما دام حیاً، بخلاف ما إذا كان المؤجر هو المتولی للوقف و آجر لمصلحة البطون إلى مدة، فإنها لا تبطل بموته و لا بموت البطن الموجود حال الإجارة، و كذا تبطل إذا آجر نفسه للعمل بنفسه من خدمة أو غیرها، فإنه إذا مات لا یبقى محل للإجارة، و كذا إذا مات المستأجر الذی هو محل العمل من خدمة، أو عمل آخر متعلق به بنفسه، و لو جعل العمل فی ذمته لا تبطل الإجارة بموته، بل یستوفی من تركته، و كذا بالنسبة إلى المستأجر إذا لم یكن محل للعمل، بل كان مالكاً له على المؤجر، كما إذا آجره للخدمة من غیر تقیید بكونها له، فإنه إذا مات تنتقل إلى وارثه، فهم یملكون علیه ذلك العمل، و إذا آجر الدار و اشترط على المستأجر سكناه بنفسه لا تبطل بموته، و یكون للمؤجر خیار الفسخ، نعم إذا اعتبر سكناه على وجه القیدیة تبطل بموته» (1)
(1) فی هذه المسألة فروع:
الفرع الأول: أن الاجارة لا تبطل بموت المؤجر ولا المستأجر.
البحث فیه تارة على مقتضى القاعدة الأولیة وأخرى على مقتضی النص، فنقول: إن مقتضى القاعدة عدم البطلان لأن العقد صدر من أهله و وقع فی محله فلا مقتضى للبطلان فملكیة كل من المؤجر و المستأجر لما انتقل إلیه ازاء ما انتقل عنه ملكیة مطلقة غیر مقیدة بحیاته فإذا مات انتقل إلى وارثه.
و أما على مقتضى النص فربما یقال: إنه یستفاد من حدیث إبراهیم بن محمد الهمذانی بطلان الاجارة، قال: كتبت إلى أبي الحسن (علیه السلام) و سألته عن امرأة آجرت ضيعتها عشر
سنين على أن تعطى الإجارة في كل سنة عند انقضائها لا يقدم لها شيءٌ من الإجارة ما لم يمض الوقت فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها هل يجب على ورثتها إنفاذ الإجارة إلى الوقت أم تكون الإجارة منقضيةً بموت المرأة فكتب إن كان لها وقتٌ مسمى لم يبلغ فماتت فلورثتها تلك الإجارة فإن لم تبلغ ذلك الوقت و بلغت ثلثه أو نصفه أو شيئاً منه فتعطى ورثتها بقدر ما بلغت من ذلك الوقت إن شاء الله.(1)
و الروایة ضعیفة سنداً على ما أفاده المحقق الخوئی (قدس سره ) و تبعه سیدنا الاستاذ دام ظله.
لكن فی الوسائل إبراهیم بن محمد الهمذانی: وكیل ،كان حج أربعین حجة، روی الكشی توثیقه و توثیق جماعة معه و كذا الشیخ فی الكتاب الغیبة و مدحه مدحاً جلیلاً، و نقله العلامة. و ذكر الشیخ: أنه من رجال الرضا و الجواد و الهادی (علیهم السلام).
و لكن الروایة بجمیع طرقها ضیعیفة سنداً، مضافاً الی الضعف الدلالة.
الفرع الثانی: لو آجر البطن الموجود الوقف مدة لكن مات قبل تمام المدة وانتقل الوقف إلى البطن اللاحق فمقتضى القاعدة بطلان الاجارة لأن الموت یكشف عن عدم كونه مالكاً مقداراً من المدة التی استأجر الدار فی ذلك المدة فتكون الاجارة بالنسبة إلى هذه المدة فضولیة فبدون اجازة البطن اللاحق تكون باطلة.
ربما یقال: إن مقتضی مكاتبة الصفار -أنه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري (علیه السلام) في رجل باع قطاع أرضين فيحضره الخروج إلى مكة و القرية على مراحل من منزله و لم يكن له من المقام ما يأتي بحدود أرضه و عرف حدود القرية الأربعة فقال للشهود اشهدوا أني قد بعت فلاناً يعني المشتري جميع القرية التي حد منها كذا و الثاني و الثالث و الرابع و إنما له في هذه القرية قطاع أرضين فهل يصلح للمشتري ذلك و إنما له بعض هذه القرية و قد أقر له بكلها فوقع (علیه السلام) لا يجوز بيع ما ليس يملك و قد وجب الشراء من البائع على ما يملك.(2)- صحتها بالنسبة إلى مقدار الحیاة فینحل العقد بالنسبة إلیها و تكون الاجارة فضولیة بالنسبة إلى بعد الموت من المدة لكن الإستناد إلیها
متوقف على عدم الفرق بین البیع و الاجارة فعهدة هذه الدعوى على مدعیها.
الفرع الثالث: لو آجر متولی الوقف العین الموقوفة أزید من مدة حیاته فهل تبطل الاجارة أم لا؟ الظاهر عدم بطلانها.
و الوجه فیه: أن الأمر بیده فتكون یده كید المالك فصدر العقد من أهله و وقع فی محله.
الفرع الرابع: لو آجر شخص نفسه لعمل مباشرة فمات المؤجر أثناء المدة أو مات الاجیر فی أثنائها فهل تبطل الاجارة أم لا؟ كما لو آجر لحلق الرأس الصادر من خصوص الاجیر أو الواقع على خصوص المستأجر فمات الأول فی الأول أو الثانی فی الفرض الثانی فالظاهر بطلان الاجارة فی المقام لأن طرو الموت یكشف عن عدم قابلیة المحل لتحققه فی الخارج فلا یكون قادراً على العمل لعدم بقاء المحل الملازم لبطلان الاجارة، هذا تقریب ما أفاده الماتن(رحمه اللّه).
لكن المحقق الخوئی (قدس سره ) أورد علیه بأنه على اطلاقه قابل للاشكال إذ قد یفرض تقیید المتعلق بمدة معینة فاتفق الموت أعنی موت المؤجر أو المستأجر قبل حلول المدة أو فی أثنائها و قد یكون مطلقاً من غیر تقیید بزمان خاص إلّا أنه اتفق الموت بعد الاجارة بلا فصل أو مع فصل زمانی لا یسع الوقت لاتیان المتعلق بحیث ینكشف عن عدم قدرته على العمل ففی الفرض تكون الاجارة باطلة لكشف طرو الموت عن عدم كونه مالكاً للعمل بتمامه أو مقدارأ منه و أما إذا فرضنا أن الاجارة كانت مطلقة أو مقیدة بزمان یسع العمل فی ذلك الوقت فطرأ الموت بعد مضی زمان یمكنه أن یعمل هذا العمل فی ذلك الوقت إلّا أنه أخر عمداً ولم یأت به ففی مثل هذا الفرض لا یمكن أن یقال إن الاجارة باطلة لعدم كشفه عن عدم قدرته من دون أی خلل فی أركان الاجارة، فالنتیجة: قد ملك بموجب الاجارة كل من المؤجر و المستأجر ما انتقل إلیه من الآخر فذمة الاجیر حینئذ مشغولة بهذا العمل فإذا تعذر التسلیم بالموت فلا جرم ینتقل إلى البدل فتخرج قیمته من تركته. هذا إذا كانت الاجارة مقیدة بالمباشرة و أما إذا كانت مطلقة و لا تكون مقیدة بالمباشرة فلا یكون المستأجر محلاً لعمل الاجیر فلا تبطل الاجارة لا بموت الأجیر ولا بموت المستأجر بل تنتقل ما فی ذمة الاجیر إلى ورثة المستأجر إن كان المیت هو المستأجر و أما لو كان المیت هو الاجیر یكون
المستأجر مالكاً لما فی ذمته فیكون من دیونه.
ثم إن لمحقق النائینی(رحمه اللّه) تفصیل فی المقام حیث قال: یختص البطلان بما إذا كان متعلق الاجارة هو منفعة نفسه و لو كان المتعلق هو الخدمة و نحوه كلیاً وشرط المباشرة بنفسه فللمستأجر الخیار انتهى. فهو فصل بین القیدیة و الشرطیة فحكم بالبطلان فی الأول و الخیار فی الثانی.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن الشرط فی باب الأعمال والكلیات یرجع إلى التقیید وأما الایجار على النحو الكلی واشتراط المباشرة على سبیل الالتزام فی الالتزام فهو خارج عن محل الكلام فالصحیح هو التفصیل بین ما إذا كان الموت كاشفاً عن عدم قدرته فیحكم بالبطلان وبین ما لم یكشف عن ذلك.
فالحق أن الاجارة صحیحة مع الخیار.
الفرع الخامس: لو آجر داره من غیره و شرط علیه أن یسكن بنفسه فیها لا تبطل الاجارة بموت المستأجر لعدم وجه للبطلان، غایة الأمر یكون للمؤجر خیار تخلف الشرط هذا ما أفاده الماتن(رحمه اللّه).
لكن التحقیق یقتضی أن یقال: إن لحاظ المباشرة تارة یكون على نحو القیدیة بحیث یؤجر المؤجر الدار بالنسبة إلى حصة خاصة من المنفعة أی خصوص السكنی الصادرة من المستأجر و حینئذ لا ریب فی بطلان الإجارة بموت المستأجر لكشفه عن عدم كون هذه المنفعة مملوكة له. وأخرى یكون على نحو الشرطیة بأن یكون متعلق الاجارة هو الدار لكن شرط على المستأجر أن یسكن بنفسه أعنی لا یسكنها غیره سواء أسكنها هو أم تركها خالیة أم جعلها محرزاً و مخزناً وهذا لا تبطل الاجارة بموت المستأجر فإنه أمر مقدور التحقق بعد الموت بأن یسكن عائلته كما أن الشرط نافذ لجواز تحققه فی الخارج فلا مقتضی أیضا لبطلان الشرط ولا لثبوت الخیار للمؤجر، ولعل الماتن أراد هذا الفرض و لذا لو أسكنه غیره یكون له الخیار لتخلف الشرط و ثالثة على نحو الشرطیة لكن بمعنى أن لا یرضى ببقاء الدار فارغة و خالیة عن الساكن كما لا یرضى بسكونة غیر هذا الشخص وحینئذ إذا مات المستأجر یكشف موته بأن الشرط غیر قابلة لتحققه فی الخارج فیكون باطلاً لعدم
«مسألة 4: إذا آجر الولی الوصی الصبی المولى علیه مدة تزید علی زمان بلوغه و رشده بطلت فی المتیقن بلوغه فیه، بمعنى أنها موقوفة على إجازته و صحت واقعاً وظاهراً بالنسبة إلى المتیقن صغره، و ظاهراً بالنسبة إلى المحتمل، فإذا بلغ، له أن یفسخ على الأقوى، أی لا یجیز، خلافاً لبعضهم فحكم بلزومها علیه لوقوعها من أهلها فی محلها فی وقت لم یعلم لها مناف، و هو كما ترى، نعم لو اقتضت المصلحة اللازمة المراعاة إجارته مدة زائدة على زمان البلوغ بحیث یكون إجارته أقل من تلك المدة خلاف مصلحته تكون لازمة لیس له فسخها بعد بلوغه، و كذا الكلام فی إجارة أملاكه» (1)
مقدوریته، وحینئذ یقع البحث فی أن الشرط الفاسد مفسد أم لا؟ فبناء على أن الشرط الفاسد مفسد تكون الاجارة باطلة و إلّا فلا وجه لبطلانها كما لا وجه لثبوت الخیار فإنه لازم الشرط الصحیح لا الباطل الفاسد.
(1) فصل الماتن(رحمه اللّه) فی تصرف الولی أو الوصی فی نفس الصبی أو ماله بین أن یكون التصرف بهذا النحو مصلحة للصبی و بین ما لم یكن كذلك، فعلى الأول یكون صحیح بخلاف الثانی، لكن الظاهر هو التفصیل بین أمواله ونفسه فعلى الأول یكون التصرف صحیحاً لعموم أدلة الولایة، نعم لابد من رعایة الغبطة وملاحظة المصلحة فكما أن له أن یبقى العین ویخرج المنفعة خاصة لمدة قصیرة كذلك بالنسبة إلى مدة طویلة حسبما یجده من المصلحة و إن عمّت بعد البلوغ إذا اقتضت المصلحة، عملاً باطلاق أدلة الولایة هذا كله بالنسبة إلى أمواله وأما بالنسبة إلى الصبی نفسه فلم یدل أی دلیل على ولایة الولی حتى بعد البلوغ، نعم فی خصوص النكاح قام الدلیل على الولایة لاحظ ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) في الصبي يتزوج الصبية يتوارثان فقال إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم قلت فهل يجوز طلاق الأب قال لا.(1)
والحاصل أنه لا دلیل على الولایة على الصبی نفسه فمجرد عدم الدلیل كافی فی عدم نفوذ
1) الوسایل، الباب 12 من أبواب عقد النكاح و أولیاء العقد، الحدیث: 1
«مسألة 5: إذا آجر امرأة نفسها للخدمة مدة معینة فتزوجت قبل انقضائها لم تبطل الاجارة و إن كانت الخدمة منافیة لاستمتاع الزوج» (1)
المعاملة ولو كانت المصلحة موجودة فیها.
ثم إن الماتن(رحمه اللّه) استثنى من ذلك صورة واحدة وهی ما إذا كان ذلك مقتضی المصلحة اللازمة المراعاة فالاجارة فی هذه الصورة نافذة لكنه غیر واضح إذ مجرد وجود المصلحة الملزمة لا یثبت الولایة وإلّا یلزم ثبوت الولایة حتى بالنسبة إلى البالغین فهل یمكن الالتزام به؟ نعم، إذا بلغت المصلحة الملزمة إلى حدّ الوجوب كما إذا توقف حفظ حیاة الطبی على الاجارة مدة تزید على زمان بلوغه فهو داخل فی الامور الحسبیة و رجعت الولایة حینئذ إلى الحاكم الشرعی لو كان وإلّا فإلى العدول من المؤمنین و إلّا فإلى الفساق منهم من غیر فرق بین الصبی و البالغ.
(1) الأمر كذلك فالحق معه(رحمه اللّه) إذ المرأة حین ایجارها كانت مالكة لمنفعتها فاختیارها بیدها و ملكت منفعتها من المستأجر وهی كذلك ثم زوجت مسلوبة المنفعة فلا مزاحمة بینها وبین لزوم الاستمتاع فإن اللزوم إنما یكون فی صورة عدم المانع، و المانع فی المقام موجود.
إن قلت: إن الاجارة توجب و تلزم صرف زمانها لذلك العمل الذی آجرت نفسها له والتزویج یوجب لزوم التمكین فمع التزاحم بین الأمرین لابد من اعمال قانون التزاحم لا ترجیح جانب الاجارة.
قلت: إن الاجارة موجبة لخروج تلك المنفعة عن ملكها ودخولها فی ملك المستأجر فلا تكون مالكة لها حتى یجب صرفها فی استمتاع زوجها فلا موضوع لوجوب التمكین.
«مسألة 6: إذا آجر عبده أو أمته للخدمة ثم أعتقه لا تبطل الاجارة بالعتق و لیس له الرجوع على مولاه بعوض تلك المنفعة فی بقیة المدة لأنه كان مالكاً لمنافعه ابداً و قد استوفاها بالنسبة إلى تلك المدة، فدعوی أنه فوّت على العبد ما كان له حال حریته، كما ترى، نعم یبقى الكلام فی نفقته فی بقیة المدة إن لم یكن شرط كونها على المستأجر، و فی المسألة وجوه:
أحدها: كونها على المولى لأنه حیث استوفى بالإجارة منافعه فكأنه باق على ملكه.
الثانی: أنه فی كسبه إن أمكن له الاكتساب لنفسه فی غیر زمان الخدمة، و إن لم یمكن فمن بیت المال، و إن لم یكن فعلى المسلمین كفایة.
الثالث: أنه إن لم یمكن اكتسابه فی غیر زمان الخدمة ففی كسبه و إن كان منافیاً للخدمة.
الرابع: أنه من كسبه، و یتعلق مقدار ما یفوت منه من الخدمة بذمته.
الخامس: أنه من بیت المال من الأول و لا یبعد قوة الوجه الأول» (1)
(1) أما جواز العتق فلا اشكال فیه لأنه صدر من أهله و وقع فی محله كما لا اشكال فی أن منافع العبد للمولى فلا یبقى موضوع لمطالبته من المولى المنافع التی استوفاها بالایجار لأنه استوفی فی ملكه فقهراً یصیر منعتقاً مسلوبة المنفعة فی هذه المدة، إنما الكلام فی نفقته إذا كانت الاجارة مستوعبة لتمام وقته ولم یشترط على المستأجر أداء نفقته فقد ذكر الماتن(رحمه اللّه) لوجوبها وجوها:
أحدها: أنها على مولاه لأنه هو الذی استوفی منافعه بالاجارة فكأنه مملوكه بعد.
الثانی: أن تكون نفقته على بیت المال لأنه عاجز عن نفقته و عن التكسب لها فإن نفقته على الامام (علیه السلام) الذی هو ولی أمر المسلمین و على تقدیر عدم بیت المال فعلى جمیع المسلمین كبقیة الفقراء الذین لا یقدرون على النقة حفظاً للنفس المحترمة عن الهلكة.
الثالث: أن نفقته علیه حیث أن حفظ النفس المحترمة مقدم على كل واجب فیجب علیه الكسب للنفقة بمقدار الضرورة ویستثنى ذلك من الخدمة التی تكون واجبة علیه بمقتضى الاجارة فلا ضمان علیه.
الرابع: نفس ذلك الوجه مع ثبوت الضمان على العبد كالأكل فی المخمصة من مال الغیر.
أما القول الأول فلا دلیل علیه لأنه بعد أن خرج عن ملكه لا وجه لعده من مملوكه و التنزیل لا دلیل علیه و مجرد استیفاء المنافع حال الرقیة و عروض العتق علیه وهو مسلوب المنفعة لا یصحح التنزیل المزبور.
و أما القول الثالث و الرابع فهو متفرع على عدم طریق آخر لحفظ نفسه وإلّا فلا اضطرار فی البین أما مع وجود الامام (علیه السلام) لا و التمكن من القیام بمصارفته من بیت المال، الظاهر أن نفقته من أظهر مصادیق مصارف بیت المال كما یظهر ذلك من نظائره و إن لم یكن فعلی جمیع المسلمین حفظ نفسه المحترمة و إن لم یكن ذلك ایضاً فیجوز له الأكل من مال الغیر لكنه مع الضمان أم لا؟ فالظاهر ثبوت الضمان لأن الضرورات تتقدر بقدرها بل یمكن أن یقال: إنه إذا بلغ الأمر إلى هذا الحدّ بحیث حرمت علیه الخدمة و وجب الكسب مقدمة لحفظ نفسه یكشف ذلك عن بطلان الاجارة بالنسبة إلى هذا المقدار من المنفعة الغیر القابلة للتسلیم من الأول لعدم سلطنة المولى على تملیك المنفعة التی لا یجوز تسلیمها إلى المستأجر لأدائه إلى تلف النفس ومن الظاهر ان من شرائط صحة الاجارة تمكن المستأجر من استیفاء المنفعة و المنفعة على هذا التقدیر غیر قابلة للاستیفاء فلم تكن للمالك حتی یملكها إلى الغیر فتأمل.
«مسألة 7: إذا وجد المستأجر فی العین المستأجرة عیباً سابقاً على العقد وكان جاهلاً به فإن كان مما تنقص به المنفعة فلا إشكال فی ثبوت الخیار له بین الفسخ و الإبقاء، و الظاهر عدم جواز مطالبته الأرش فله الفسخ أو الرضا بها مجاناً، نعم لو كان العیب مثل خراب بعض بیوت الدار فالظاهر تقسیط الأجرة، لأنه یكون حینئذ من قبیل تبعض الصفقة، و لو كان العیب مما لا تنقص معه المنفعة، كما إذا تبین كون الدابة مقطوع الأذن أو الذنب فربما یستشكل فی ثبوت الخیار معه، لكن الأقوى ثبوته إذا كان مما یختلف به الرغبات، و تتفاوت به الأجرة و كذا له الخیار إذا حدث فیها عیب بعد العقد و قبل القبض، بل بعد القبض أیضاً، و إن كان استوفی بعض المنفعة و مضى بعض المدة، هذا إذا كانت العین شخصیة، و أما إذا كانت كلیة و كان الفرد المقبوض معیباً فلیس له فسخ العقد بل له مطالبة البدل، نعم لو تعذر البدل كان له الخیار فی أصل العقد» (1)
(1) قد تعرض الماتن(رحمه اللّه) فی هذه المسألة لفروع:
الفرع الأول: أنه لو وجد المستأجر عیباً فی العین المستأجرة وكان العیب سابقاً على العقد وكان المستأجر جاهلاً به وكان العیب موجباً لنقص المنفعة المقصودة یكون للمستأجر خیار الفسخ..
و الوجه فیه تخلف الشرط الإرتكازی لاستقرار بناء العقلاء فی مقام المعاوضات على كون العین قابلة للانتفاع منفعة مقصودة سلیمة عن العیب والنقص وهذا الشرط الإرتكازی قد تختلف فی المقام فیثبت له الخیار بین الفسخ و الإمضاء ولا حق له لمطالبة الأرش فإن دلیله مختص بالبیع فلا وجه الإسرائه إلى باب الاجارة إذ وصف الصحة لا تقابل بالمال ولا یقع بازائه جزء من الثمن أو الأجرة نعم هو موجب لإزدیاد بذل المال بازاء العین فیؤثر فی ازدیاد القیمة والرغبة من دون أن یقابل بشیء فی نفسه فلا مقتضى للأرش و المطالبة بالتفاوت
بین القیمتین والأجرتین وإلّا لابد من التقسیط لا الأرش فالحكم بالأرش أمر تعبدی مختص بما ثبت و هو لیس إلّا باب البیع فالاسراء لا دلیل علیه.
الفرع الثانی: أنه لو كان العیب مثل خراب بعض البیوت فحكم الماتن(رحمه اللّه) بالتقسیط كما هو كذلك فی باب البیع بمقتضی تبعض الصفقة فی باب البیع.
لكن یمكن أن یقال: إن الموارد مختلفة إذ تارة تقع الاجارة على كل واحد من البیوت أو الغرف بحیاله و استقلاله فیكون متعلق الاجارة متعددة و أخرى یكون موردها واحداً غایة الأمر تكون الاجارة مشروطة بشرط فإن كان من قبیل الأول فما أفاده من التقسیط صحیح لعدم الارتباط بین الإجارتین مثلاً، نعم یثبت للمستأجر خیار الشرط إذ الإرتكاز یقتضى اشتراط الإنضمام و مع التخلف یكون للمشروط له، الخیار وإن كان من قبیل الثانی فالاجارة صحیحة لكن لا مجال للتقسیط لعدم تعدد الاجارة، غایة الأمر یكون للمستأجر الخیار لتخلف الشرط فله الفسخ كما له الإبقاء و صرف النظر عن الاشتراط.
الفرع الثالث: لو كان العیب لا یوجب نقصاً فی الانتفاع كما لو كانت الدابة مقطوعة الأذن أو الذنب فهل یكون ذلك موجباً للخیار؟ الظاهر أنه فی نفسه لا یوجب الخیار إلّا إذا كان موجباً للنقص فی القیمة وقلة الرغبة فإنه موجب له بمقتضى الشرط الإرتكازی.
الفرع الرابع: لو وجد العیب بعد العقد و القبض فإنه موجب للخیار بمقتضی الشرط الإرتكازی فإن المقصود من الاجارة الانتفاع من العین مع اشتراط كونها صحیحة قابلة للانتفاع بها فإذا لم تكن كذلك یدخل فی باب تخلف الشرط وهذا یوجب الخیار فلا فرق بین العیب السابق والحادث بعد القبض ولا یقاس بباب البیع بعد القبض فإن العیب الحادث بعده إنما حدث فی ملك البایع فلا یتوجه الخسارة إلى غیره بخلاف الاجارة فإن العین مملوكة للمؤجر والعیب قد حدث فی ملكه والمفروض أن العیب الحادث فی العین موجب لانتفاء المنفعة المرغوبة فمقتضى الشرط الإرتكازی تحقق الخیار.
الفرع الخامس: أن مورد الاجارة إذا كان كلیاً وحدث العیب فی الفرد الخارجی لا یكون ذلك موجباً للخیار بل علیه التبدیل بعین أخرى، نعم لو لم یكن التبدیل قابلاً یكون له الخیار بمقتضى الشرط.
«مسألة 8: إذا وجد المؤجر عیباً سابقاً فی الأجرة و لم یكن عالماً به كان له فسخ العقد و له الرضا به و هل له مطالبة الأرش معه؟ لا یبعد ذلك بل ربما یدعی عدم الخلاف فیه، لكن هذا إذا لم تكن الاجرة منفعة عین و إلا فلا أرش فیه مثل ما مر فی المسألة السابقة من كون العین المستأجرة معیباً هذا إذا كانت الأجرة عیناً شخصیة، و أما إذا كانت كلیة فله مطالبة البدل لا فسخ أصل العقد إلّا مع تعذر البدل على حذو ما مر فی المسألة السابقة» (1)
(1) فی هذه المسألة صور ثلاث:
إذ تارة یكون الاجرة منفعة ولم یكن المؤجر عالم بالعیب حین العقد فحكم هذه الصورة مثل ما مر من وجدان العیب فی العین من ثبوت الخیار له من دون أرش، أما الخیار فبمقتضى الشرط الإرتكازی الثابت بین المتعاملین، وأما عدم ثبوت الأرش فلعدم الدلیل على ذلك.
و أخرى تكون الاجرة عین لكن بنحو الكلی و قد سلّمه المستأجر الفرد المعیب و حینئذ فلا خیار للمؤجر بل الثابت فی حقه التبدیل لو كان ممكناً وإلّا فله الخیار بمقتضی الشرط المذكور لتعذر التسلیم.
و ثالثة تكون الاجرة عیناً شخصیاً فقد اختار الماتن(رحمه اللّه) الخیار والأرش معاً و نسب هذا القول إلى المشهور أما الخیار فالظاهر أنه ثابت بمقتضى الشرط الإرتكازی و أما الأرش فحیث أنه خلاف القاعدة كما تقدم لابد من دلیل مفقود فی المقام إذ الأرش إنما یثبت بالمطالبة لا أن وصف الصحة یقع قبال جزء من الثمن إذ لو كان كذلك یلزم أن لا یكون المال مملوكاً للبایع من أول الأمر وهذا كما ترى لم یلتزم به أحد لإناطة الضمان بالمطالبة و عدم جواز الدفع من أی مال كان مع أنه جائز قطعاً فلا جرم إذا كان ثابت فی مورد یكون حكماً تعبدیاً یحتاج إلى دلیل خاص و هو مفقود فی المقام بل الثابت منه هو البیع فالتعدی منه إلى غیره مشكلٌ جداً و یؤید ذلك أن المستفاد من أدلة الأرش أنه إنما یثبت فیما إذا سقط الرد بالتصرف و أمثاله لاحظ ما فی الباب 4و5و6 من أبواب أحكام
مسألة 9: إذا أفلس المستأجر بالاجرة كان للموجر الخیار بین الفسخ و استرداد العین و بین الضرب مع الغرماء نظیر ما أفلس المشتری بالثمن حیث إن للبایع الخیار إذا وجد عین ماله» (1)
العیوب.
منها ما رواه زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: أيما رجل اشترى شيئاً و به عيبٌ و عوارٌ لم يتبرأ إليه و لم يبين له فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئاً ثم علم بذلك العوار و بذلك الداء إنه يمضى عليه البيع و يرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء و العيب من ثمن ذلك لو لم يكن به.(1)
فإن المستفاد منه ثبوت الأرش فی الموارد الخاصة فالتعدی فی غایة الإشكال.
و لعل المنشأ لكلام الماتن(رحمه اللّه) أنه یرى بأن الأرش على مقتضى القاعدة الأولیة.
لكن التحقیق خلاف ذلك كما حقق فی محله.
(1) أما ما أفاده فی البیع من الخیار بین الفسخ و استرداد العین و بین الضرب مع الغرماء فلا إشكال فیه، و قد دلت علیه جملة من الأخبار لاحظ ما رواه أبو بصیر عن أبي عبدالله (علیه السلام) أنه سئل عن رجل كانت عنده مضاربةٌ و وديعةٌ و أموال أيتام و بضائع و عليه سلفٌ لقوم فهلك و ترك ألف درهم أو أكثر من ذلك و الذي عليه للناس أكثر مما ترك فقال يقسم لهؤلاء الذين ذكرت كلهم على قدر حصصهم أموالهم.(2)
فإن المستفاد منه جریان الضرب مع الغرماء فی البیع و غیره من المضاربة والودیعة و البضائع و أموال الأیتام وكذلك یجری فی الرهن، لاحظ ما رواه عبدالله بن الحكم قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن رجل أفلس و عليه دينٌ لقوم و عند بعضهم رهونٌ و ليس عند بعضهم فمات و لا يحيط ماله بما عليه من الدين، قال: يقسم جميع ما خلف من الرهون و غيرها على أرباب الدين بالحصص.(3)وما رواه سليمان بن حفص المروزي قال: كتبت
إلى أبي الحسن (علیه السلام) في رجل مات و عليه دينٌ و لم يخلف شيئاً إلّا رهناً في يد بعضهم فلا يبلغ ثمنه أكثر من مال المرتهن أيأخذ بماله أو هو و سائر الديان فيه شركاء فكتب (علیه السلام) جميع الديان في ذلك سواءٌ يتوزعونه بينهم بالحصص الحديث.(1)
لكن السند ضعیف فی الروایتین.
و أما جریانه فی الاجارة فهل یستفاد من الروایات أم لا؟ نقل عن بعض الأعلام السریان واستدل على ذلك بأمرین:
الأول: الاجماع فإن الأصحاب لم یفهموا الخصوصیة منها.
الثانی: ما رواه عمر بن یزید عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل يركبه الدين فيوجد متاع رجل عنده بعينه قال لا يحاصه الغرماء.(2)
بتقریب أن المستفاد منه إن وجدان المتاع عنده مطلق شامل لما لو كان ذلك بعنوان البیع أو الاجارة وكونه مالكاً لمنافعه فلا بأس من التعدی.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله على الأول بأن عدم الخلاف لا یكون من الأدلة وعلى القول بأنه اجماع یحتمل أن یكون مدركیاً، وعلى الثانی فلأن المتاع فی باب البیع مملوك للمشتری فعلى القاعدة یكون داخلاً فیما یحجر بالنسبة إلیه، وأما فی الاجارة فتكون العین مملوكة للمؤجر فلا مقتضى للحجر فیها، مضافاً إلى أن الظاهر من الخبر أنه وجد ملك الغیر فی أموال المحجور و الامام (علیه السلام) حكم بعدم المحاضة فیكون المراد أنه لا یدخل مال الغیر فی أمواله لعدم المقتضی ولا یكون المراد اثبات الخیار كی یجری فی باب الاجارة.
لكن لقائل أن یقول بأن بقاء العین فی ملك المالك فی الاجارة لا یكون مانعاً عن تعلق الحجر بالنسبة إلى المنفعة فیصدق وجود المتاع عنده بعینه بالنسبة إلى المنفعة لبقائها ببقاء العین، نعم أن المستفاد من روایة أبی بصیر المتقدمة عدم الخصوصیة للبیع و جریان التحصص بالنسبة إلى غیره، نعم لا یستفاد من الأخبار التخییر بین الخیار والضرب مع الغرماء بل المتعین هو الثانی إلّا أن یقال إن الخیار إما یثبت بالشرط الإرتكازی من تعذر
«مسألة 10: إذا تبین غبن المؤجر أو المستأجر فله الخیار إذا لم یكن عالماً به حال العقد إلا إذا اشترطا سقوطه فی ضمن العقد» (1)
«مسألة 11: لیس فی الاجارة خیار المجلس ولا خیار الحیوان بل و لا خیار التأخیر على الوجه المذكور فی البیع و یجری فیها خیار الشرط حتى للأجنبی و خیار العیب و الغبن كما ذكرنا بل یجری فیها سائر الخیارات كخیار الاشتراط و تبعض الصفقة و تعذر التسلیم و التفلیس و التدلیس و الشركة و ما یفسد لیومه و خیار شرط رد العوض نظیر شرط رد الثمن فی البیع» (2)
التسلیم.
(1) أما ثبوت الخیار فلاجل الشرط الإرتكازی الثابت عند العقلاء نظراً إلى استقرار بناء العقلاء على المحافظة على أصول الأموال من الطرفین فإذا ظهر الغبن من أی الطرفین فقد تختلف الشرط فلا جرم یتدارك بثبوت الخیار ومما ذكرنا یظهر أن خیار الغبن متقوم بالاشتراط الارتكازی فإذا فرض عدمه فلا مقتضى للخیار، فالحق فی التعبیر عدم ثبوته عند عدم الاشتراط الارتكازی فلا مجال لأن یقال (إلّا مع الإسقاط) إذ مع عدمه لا مقتضى للثبوت كی یسقط بالإسقاط كما أفاده سیدنا الاستاذ دام ظله.
(2) أما عدم جریان خیار المجلس و خیار الحیوان و خیار التأخیر فلأن هذه الخیارات إنما تثبت بالنص الوارد فی المقام وهذا مختص بالبیع فلا یجری فی غیره حتى خیار التأخیر فإن التأخیر فی التسلیم أعنی تسلیم العوض عن الوقت المتعارف تسلیمه فیه و إن كان تخلفاً عن الشرط الضمنی الإرتكازی المبنی علیه العقد حیث إن بناء العقلاء فی باب المعاوضات قائم على التملیك إلى الطرف الآخر مشروطة بتسلیم كل منهما ما انتقل عنه بازاء تسلم المنتقل إلیه فلا جرم یثبت به خیار تخلف الشرط الإرتكازی ولهذه الجهة یثبت الخیار فی جمیع المعاوضات، لكن خیار التأخیر الثابت فی البیع لا یجری فی المقام لأنه أضیق دائرة منه فإنه محدود بثلاثة أیام فلا خیار بعد انقضائها فهذا الخیار المصطلح فی البین لا یجری
فی باب الاجارة بل هو مختص بالبیع للنص الخاص.
فحاصل الكلام كل مورد ثبت الخیار باللنص الخاص یكون مختصاً بمورده فلا یجوز التعدی منه.
و أما جریان الخیارات المذكورة فی المتن فلاشتراك المناط الموجودة فیها فتجری فی جمیع المعاوضات كما إذا كان مورد تخلف الشرط الإرتكازی كخیار العیب و الغبن على الأصع والشركة و خیار الاشتراط أعنی تخلف الوصف المشروط فی المعاملة و كخیار الشرط أعنی جعل الخیار لأحد المتعاقدین أو للأجنبی فأمثالها یجری فی جمیع الموارد.
و الحاصل جمیع الخیارات الثابتة بدلیل عام تجری فی جمیع المعاملات منها الاجارة.
و أما خیار ما یفسد لیومه فجریانه فی الاجارة مشكلٌ فإنه إن كان المستند له النص الخاص فلا یجوز التعدی من البیع إلى غیره وإن كان الدلیل هو نفی الضرر كما عن الشیخ(رحمه اللّه) فیجری فی الإجارة لعدم اختصاص القاعدة بالبیع و جریان الملاك فیما نحن فیه، فلو استأجر الدابة ببطیخ شخصی و قد بقی عنده إلى اللیل أو أكثر ولم یجیء المؤجر لیتسلمه فبما أن تلفه على المستأجر لأنه فی یده و یكون هذا موجبة لتضرره والمنشأ للضرر هو لزوم العقد یرتفع هذا الضرر بالخیار إذ اللزوم صار موجباً له لا أصل العقد.
لكن یمكن أن یقال بأن المستفاد من روایة زرارة ثبوت الخیار لجمیع المعاملات منها الاجارة، زرارة عن أبي عبدالله (علیه السلام) في حديث قال: العهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول و البطيخ و الفواكه يومٌ إلى الليل.(1)
1) الوسایل، الباب 11 من أبواب الخیار، الحدیث: 2
«مسألة 12: إذا آجر عبده أو داره مثلاً ثم باعه من المستأجر لم تبطل الاجارة فیكون للمشتری منفعة العبد مثلاً من جهة الاجارة قبل انقضاء مدتها لا من جهة تبعیة العین و لو فسخت الاجارة رجعت إلى البایع و لو مات بعد القبض رجع المشتری المستأجر على البایع بما یقابل بقیة المدة من الأجرة و إن كان تلف العین علیه والله العالم» (1)
(1) أما عدم بطلان الاجارة بالبیع فقد تقدم الكلام فیه فراجع المسألة الأولى من فصل أحكام عقد الاجارة وقد دلت علیه نصوص فراجع الباب 24 من أحكام الاجارة فإذا فرض تلف العین بعد القبض یكون التلف من المشتری إذ المفروض أن التلف كان بعد القبض.
أما الاجارة فتبطل بالنسبة إلى بقیة المدة على المشهور كما أن الاجارة لو انفسخت بسبب ما رجعت المنفعة إلى البایع ولا یكون حینئذ تابعة للعین لأنها كانت مملوكة له وقد تقدم البحث حول ذلك فی تلك المسألة فراجع.
«یملك المستأجر المنفعة فی اجارة الأعیان و العمل فی الاجارة على الأعمال بنفس العقد من غیر توقف على شیء كما هو مقتضی سببیة العقود كما أن المؤجر یملك الاجرة ملكیة متزلزلة به كذلك و لكن لا یستحق المؤجر مطالبة الأجرة إلا بتسلیم العین أو العمل كما لا یستحق المستأجر مطالبتهما إلا بتسلیم الأجرة كما هو مقتضى المعاوضة و تستقر ملكیة الاجرة باستیفاء المنفعة أو العمل أو ما بحكمه فأصل الملكیة للطرفین موقوف على تمامیة العقد و جواز المطالبة موقوف على التسلیم، و استقرار ملكیة الأجرة موقوف على استیفاء المنفعة أو إتمام العمل أو ما بحكمهما فلو حصل مانع عن الاستیفاء أو عن العمل تنفسخ الإجارة كما سیأتی تفصیله» (1)
(1) قد تقدم أن الاجارة من العقود اللازمة و نتیجة ذلك ملكیة كل من الطرفین ما ینتقل منه إلیه ولا یتوقف على شیء إذ العقد بنفسه من الأسباب المملكة فما أفاده الماتن(رحمه اللّه) بهذا المقدار لا غبار علیه كما أن ما أفاده من لزوم التسلیم على كل من الطرفین أیضا كذلك بمقتضى الشرط الإرتكازی الواقع بین العقلاء بل مقتضی مفهوم المعاوضة أیضا كذلك، إنما الكلام فی ما ذكره من أن الأجرة تكون ملكیتها متزلزلة و أما المنفعة فتكون مستقرة فما نرى له وجه. فإن التزلزل المتصور فی المقام حدوث ما یمنع من الانتفاع أثناء الاجارة و أما إذا كان المانع موجودة من الأول، فالاجارة باطلة لعدم كون المنفعة ملكاً للمؤجر و على هذا البیان نقول إنه لو حدث فی الأثناء مانع عن الإنتفاء كما لو استأجر الدار سنة فانهدمت بعد ستة أشهر فالاجارة تنفسخ لا محالة بالنسبة إلى المقدار الباقی فلم تنتقل المنافع من الأول إلى المستأجر كما لم تنتقل الأجرة إلى المؤجر، وأما بالنسبة إلى المدة الماضیة فیثبت للمستأجر خیار التبعض فإذا فسخ رجع كل من العوضین إلى صاحبه الأول فترجع تمام الأجرة إلى المستأجر، و أما المنفعة فحیث لا یمكن إرجاعها فلا جرم ینتهی الأمر إلى اجرة المثل فالاستقرار أی استقرار الملكیة متفرع بعدم حدوث الموجب للفسخ بلا
«مسألة 1: لو استأجر داراً مثلا و تسلمها ومضت مدة الإجارة استقرت الأجرة علیه سواء سكنها أو لم یسكنها باختیاره، وكذا إذا استأجر دابة للركوب أو لحمل المتاع إلى مكان كذا و مضى زمان یمكن له ذلك وجب علیه الأجرة و استقرت و إن لم یركب أو لم یحمل بشرط أن یكون مقدراً بالزمان المتصل بالعقد، و أما إذا عیّنا وقتاً فبعد مضی ذلك الوقت، هذا إذا كانت الإجارة واقعة على عین معینة شخصیة فی وقت معین، و أما إن وقعت على كلی و عیّن فی فرد و تسلمه فالأقوى أنه كذلك مع تعیین الوقت و انقضائه، نعم مع عدم تعیین الوقت فالظاهر عدم استقرار الأجرة المسماة و بقاء الاجارة و إن كان ضامناً لاجرة المثل لتلك المدة من جهة تفویته المنفعة على المؤجر» (1)
فرق بین الاجرة و المنفعة فالتفصیل غیر معلوم وجهه.
(1) قد تعرض الماتن(رحمه اللّه) فی هذه المسألة لفروع:
الفرع الأول: أنه لو استأجر داراً مثلا و تسلمها استقرت الأجرة على المستأجر بلا فرق بین أن یستفید الفائدة المقصودة أم لا، لوجود المقتضی وعدم المانع لأن المفروض تسلیم كل من الطرفین و تسلمهما و عدم استفادة ذلك من المستأجر إنما هو باختیاره، مضافاً إلى روایة اسماعیل بن مسلم قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن رجل استأجر من رجل أرضاً فقال آجرنيها بكذا و كذا إن زرعتها أو لم أزرعها أعطك ذلك فلم يزرع الرجل فقال: له أن يأخذه بماله إن شاء ترك و إن شاء لم يترك.(1)
الفرع الثانی: لو وقعت الاجارة على الكلی و عین الوقت وقد سلّم المؤجر فرداً من العین و المستأجر تسلمها لكن لم یستوفها فالأمر أیضأ كذلك فالاجارة ثابتة فالاجرة مستقرة.
الفرع الثالث: لو وقعت الاجارة على الكلی بلا تعیین الوقت فلا تستقر الاجرة المسماة
1) الوسایل، الباب 18 من أبواب كتاب الاجارة، الحدیث: 1
«مسألة 2: إذا بذل المؤجر العین المستأجرة للمستأجر و لم یتسلم حتى انقضت المدة استقرت علیه الاجرة وكذا إذا استأجره لیخیط له ثوباً معینة مثلا فی وقت معین وامتنع من دفع الثوب إلیه حتى مضى ذلك الوقت فإنه یجب علیه دفع الاجرة سواء اشتغل فی ذلك الوقت مع امتناع المستأجر من دفع الثوب إلیه بشغل آخر لنفسه أو لغیره أو جلس فارغاً» (1)
على المستأجر وإن كان ضامناً لاجرة المثل للمؤجر.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله أولاً: بأنه ما الفرق بین الفرع الثانی والثالث مع وحدة الملاك فإن مقتضى القاعدة استقرار الأجرة المسماة ولا وجه لضمانه لاجرة المثل. و ثانیاً: أنه كیف یمكن الجمع بین قوله بعدم استقرار الأجرة المسماة و قوله ببقاء الإجارة فإنه جمع بین المتنافیین. و ثالثاً: كیف یمكن عدم تعیین الوقت فی مقام الانشاء فإن الإهمال غیر معقول فی الواقع.
لكن یمكن توجیه كلامه بأمر لا یتوجه علیه الإشكال.
(1) ما أفاده متین إذ التمكن من التسلیم نوع من التسلیم الخارجی الذی یكون مناطاً لاستقرار العقد و لزومه فإذا مكنه ببذل العین و صار متمكناً من التصرف فی العین یكون عدم انتفاعه مستنداً إلى قصور فی اختیاره فالمقتضی للملكیة تام مع عدم المانع، هذا فی العین.
و أما فی الأعمال فالأمر أیضاً كذلك لوحدة الملاك و أما ما أفاده من عدم الفرق بین اشتغاله لنفسه أو جلوسه فارغاً فلأن الأجیر یكون مالكاً للمنافع المتضادة فی ذلك الوقت فلا وجه للإشكال فیه بأنه فوّت المنفعة المملوكة للمستأجر باشتغاله فعلیه اجرة المثل.
«مسألة 3: إذا استأجر لقلع ضرسه و مضت المدة التی یمكن ایقاع ذلك فیها و كان المؤجر باذلاً نفسه استقرت الأجرة سواء كان المؤجر حر أو عبداً بإذن مولاه» (1)
«و احتمال الفرق بینهما بالاستقرار فی الثانی دون الأول لأن منافع الحر لا تضمن إلّا بالاستیفاء، لا وجه له لأن منافعه بعد العقد علیها صارت مالاً للمستحق فإذا بذلها و لم یقبل كان تلفها منه مع أنا لا نسلم أن منافعه لا تضمن إلا بالاستیفاء بل تضمن بالتفویت أیضاً إذا صدق ذلك كما إذا حبسه وكان كسوباً فإنه یصدق فی العرف أنه فوّت علیه كذا مقداراً» (2)
(1) ما أفاده واضح فإنه بعد ما عرفت فی أول الفصل من أن المنفعة والاجرة تملكان بنفس العقد فكلما كان التفویت مستنداً إلى المستأجر أو المؤجر لم یمنع ذلك من حق المطالبة بل كانت الاجرة مستقرة بالبذل أعنی بذل نفسه إما لأجل مضی الوقت أو مضی زمان قابل لوقوع العمل فیه فهذه المسألة من فروع المسألة السابقة فما ذكر صحیح ولا فرق فیه بین الحر و العبد المأذون.
(2) هذا الاحتمال نقل عن المحقق الثانی(رحمه اللّه) فی جامع المقاصد من جهة أن الحر لا یكون تحت الید فلا یكون منافعه تحت الید بمجرد بذل نفسه فلا یتحقق تسلیمها إلا باستیفائها لكن أورد علیه الماتن(رحمه اللّه) بأمرین:
الأول: بأن عمل الحر وإن لم یكن مملوكاً قبل الاجارة إلا أنه مملوك بعدها لمالكیة المستأجر إیاه بعد العقد فإذا وقعت الاجارة صحیحة كان العمل ملكا للمستأجر و المفروض أنه فوته على نفسه بعدم الاستیفاء فلا معنى لعدم استقرار الاجرة فلا فرق بین الحر و العبد من هذه الجهة.
الثانی: المنع من عدم ضمان منافعه بالاستیفاء بل الحر و العبد فی كون عمله مملوكاً على شرع سواء وما قیل من أن حبس الحر لا یستوجب الضمان لعدم كون عمله مملوكاً له لا أساس له إذ كما أن تفویت عمل العبد موجب للضمان یكون عمل الحر أیضا كذلك إذا
«هذا و لو استأجر لقلع ضرسه فزال الألم بعد العقد لم تثبت الأجرة الانفساخ الاجارة حینئذ» (1)
كان كسوباً فإن الإعتبار بالضمان، صدق التفویت و لذا لو كان كسوباً و حبسه شخص یكون ضامناً لصدق أنه فوت علیه هذا المقدار من المال فیكون ضامناً.
لكن أجاب عن الثانی المحقق الخوئی (قدس سره ) و تبعه سیدنا الاستاذ دام ظله بأن موجب الضمان -بمقتضى بعض الروایات و السیرة العقلائیة- هو الإتلاف أو وضع الید على مال الغیر ومن المعلوم أن الإتلاف أو وضع الید على مال الغیر لا ینطبق على عمل الحر لأنه متفرع على أن یكون مالاً ولذا لا یعد مستطیعاً إذا كان كسوباً، نعم یصدق علیه عنوان التفویت لكنه لا دلیل على أن التفویت و یكون موجبة للضمان لعدم الدلیل.
(1) استدل علیه بأن المنفعة محرمة حینئذ فیمتنع أكل المال بازائها لأنه أكل بالباطل.
و فیه: أولاً: إن القلع إذا كان محرماً، حینئذ لابد أن یقال بأن الاجارة كانت باطلة من الأول فإن الحرمة كاشفة عن عدم كون الاجیر مالكاً للعمل من الأول. ثانیاً: لا دلیل على حرمة قلع الضرس مطلقا.
«مسألة 4: إذا تلفت العین المستأجرة قبل قبض المستأجر بطلت الاجارة وكذا إذا تلفت عقیب قبضها بلا فصل، و أما إذا تلفت بعد استیفاء منفعتها فی بعض المدة فتبطل بالنسبة إلى بقیة المدة فیرجع من الاجرة بما قابل المتخلف من المدة إن نصف فنصف و إن ثلثا فثلث مع تساوی الأجزاء بحسب الأوقات و مع التفاوت تلاحظ النسبة» (1)
(1) فی هذه المسألة فرعان:
الفرع الأول: إذا تلفت العین قبل القبض أو عقیب القبض تبطل الاجارة واستدل على ذلك بامور:
الأول: بما ورد من أن التلف قبل القبض من مال بایعه لاحظ ما رواه عقبة بن خالد عن أبي عبدالله (علیه السلام) في رجل اشترى متاعاً من رجل و أوجبه غير أنه ترك المتاع عنده و لم يقبضه قال آتيك غداً إن شاء الله فسرق المتاع من مال من يكون قال من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع و يخرجه من بيته فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامنٌ لحقه حتى يرد ماله إليه.(1)
و ما رواه بريد بن معاوية عن أبي عبدالله (علیه السلام) في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن قصب في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة و الأنبار فيه ثلاثون ألف طن فقال البائع قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طن فقال المشتري قد قبلت و اشتريت و رضيت فأعطاه من ثمنه ألف درهم و وكل المشتري من يقبضه فأصبحوا و قد وقع النار في القصب فاحترق منه عشرون ألف طن و بقي عشرة آلاف طن فقال العشرة آلاف طن التي بقيت هي للمشتري و العشرون التي احترقت من مال البائع.(2)
بدعوى عدم الفرق بین البیع وسائر المعاوضات فیشمل الاجارة.
أورد علیه بأن هذا یحتاج إلى القطع بعدم الفرق و دون اثباته خرط القتاد.
الثانی: إن التسلیم والتسلم من الطرفین وإن لم یكن من مقومات العقد و من شروطه لكنهما یعدان متممین للعقد عند العقلاء بحیث یرون من بیده المال ضامناً له حتى یوصل العین إلى الطرف الآخر و كذلك بالنسبة إلى الثمن فاعتبار الملكیة متقوم بالتقابض خارجاً فقبل ذلك محكوم بالضمان فإذا تلفت العین یكون العقد محكوماً بالبطلان.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن هذا البناء غیر ثابت عند العقلاء بل الظاهر أن المال بعد العقد الصحیح ینتقل إلى الطرف الآخر فتكون العین أمانة شرعیة عند البایع كما أن الثمن كذلك إذا كان شخصیاً فلا محالة لابد أن یقال إنها إذا تلفت تكون من مال المشتری لا من مال البایع فخروجها عن مال البایع خلاف السیرة فادعاء تحقق السیرة عهدتها على مدعیها.
الثالث: إن ملكیة المنافع تابعة لملكیة العین فمتى خرجت العین عن الملكیة خرجت المنافع عنها أیضا ولذا نرى أن الشخص لا یجوز أن یؤجر ملكه بمقدار زائد من عمره كألف سنة مثلا فملكیة المنافع محدودة بملكیة العین و حینئذ لو انهدمت العین أو ماتت الدابة كشف ذلك أن الشخص لم یكن مالكاً لهذه المنفعة فلا یمكنه أن یملكها إلى الغیر فالاجارة باطلة على مقتضى القاعدة إذا تلفت العین قبل القبض أو عقیب القبض.
الفرع الثانی: إذا تلفت أثناء المدة فیكون التلف موجباً لانكشاف بطلان الإجارة بالنسبة إلى المدة الباقیة لاختصاص انتفاء المنفعة المملوكة بها فعلى القول بانحلال العقد یصح العقد بالنسبة إلى المدة الماضیة و یبطل بالنسبة إلى المدة الباقیة فیدعى أن یكون لكل جزء من المثمن جزء من الثمن فتقسط الأجرة بالنسبة و یثبت الخیار للمستأجر لتبعض الصفقة، و قد ذكرنا سابقاً بأن الانحلال بمقدار یكون المالیة ثابتة عند العقلاء صحیح وله أن یفسخ العقد فیرجع بتمام الأجرة و اعطاء أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى وله الامضاء و تقسیط الاجرة بالنسبة مراعاة لاختلاف الأجرة من حیث الزمان والمكان.
«مسألة 5: إذا حصل الفسخ أثناء المدة بأحد أسبابه تثبت الأجرة المسماة بالنسبة إلى ما مضى و یرجع منها بالنسبة إلى ما بقی كما ذكرنا فی البطلان على المشهور و یحتمل قریباً أن یرجع تمام المسمى و یكون للمؤجر اجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى لأن المفروض أنه یفسخ العقد الواقع أولا و مقتضى الفسخ عود كل عوض إلى مالكه بل یحتمل أن یكون الأمر كذلك فی صورة البطلان أیضا لكنه بعید» (1)
(1) ما ذهب إلیه المشهور إنما یصح إذا قلنا بانحلال العقد الواحد إلى العقود المتعدده، غایته ثبوت الخیار للمستأجر لتبعض الصفقة و بعد إعمال الخیار تقسط الاجرة فتثبت بالنسبة إلى ما مضى و یرجع منها بالنسبة إلى ما بقی لكن هذا إذا قلنا بأن الفسخ من حینه فلا أثر له قبل حدوثه فإنه سالبة بانتفاع الموضوع.
نعم ذهب المحقق الخوئی (قدس سره ) إلى أن الفسخ یكون من أصله، و حاصل ما أفاده(رحمه اللّه) أن مرجع جعل الخیار مطلقا أو مشروطاً بحصول شیء إلى أن التزامه بأصل العقد منوط على عدم الفسخ فإذا فسخ ترفع الید به من أصل العقد و معناه أنه لم یكن ملتزماً بالعقد الموجود بینهما من حین حدوثه فانشاء الفسخ و إن كان من الآن لكن الأثر یترتب من الأول و هذا كالاجازة فی العقد الفضولی فإن الإمضاء و إن كان متأخراً لكن الأثر مترتب من الأول إذا قلنا بالكشف الإنقلابی فنتیجة الفسخ ارجاع تمام الأجرة إلى المالك و أخذ اجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى بعد عدم امكان ارجاع المنفعة فعلى القول بانفساخ العقد من أصله یكون الأثر ما ذكره فی مقام الاحتمال، و أما إذا قلنا بأن الفسخ من حینه یكون المرجع ما ذكره المشهور.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله أولاً: بأنه لو قلنا بأن الفسخ یوجب انعدام العقد من أول الأمر فلا مجال للنزاع فی أن الفسخ من الأصل أو من الحین، إذ المفروض كون العقد معلقا على عدم الفسخ و معه لا عقد فلا موضوع للنزاع المذكور، و ثانیاً: أن التعلیق فی العقد یوجب البطلان فكیف یلتزم بما یكون موجباً لانهدام الموضوع، و ثالثاً: بأن وزان الفسخ
وزان الطلاق فكما أن الطلاق لا یتصور إلا مع بقاء الزوجیة كذلك لا یتصور الفسخ إلا مع بقاء العلقة الملكیة.
و بعبارة واضحة أن الفسخ لا یكون غایة للعلقة الملكیة بل رافع لها إذ لو قلنا بأن الملكیة تتوقف على عدم الفسخ یكون مرجع هذا الكلام إلى الجمع بین النقیضین إذ من ناحیة نقول موضوع الفسخ بقاء العلقة والفسخ قاطع لها ومن ناحیة أخرى نقول بأنه بالفسخ تنتهی مدة العلقة فعلى هذا فما أفاده المشهور هو الصحیح.
لكن ما أفاده سیدنا الاستاذ دام ظله من عدم انحلال العقد بعقود متعددة مع ذهابه إلى ما ذهب إلیه المشهور هنا مورد للتأمل، لكن استثنی المحقق الخوئی (قدس سره ) من ذلك و ذهب إلى انفساخ العقد من حینه فی خصوص شرط الخیار فإن مقتضى الشرط الإرتكازی العرفی اختصاص الفسخ بالمدة الباقیة دون ما مضى لأن الفسخ من أصله خلاف مقتضى السیرة المذكورة فإن دیدن العقلاء فی هذا الخیار خاصة على ما ذكر لانحلال العقد إلى عقود متعددة فشرط الخیار الناشیء غالباً من التردد فی الاستمرار لاحتمال سفر أو شراء دار و نحو ذلك من دواعی جعل الخیار ناظر إلى التمكن من الفسخ فی بقیة المدة فیكون الفسخ من حینه لا من أصله.
و أما سریان هذا الإحتمال فی صورة البطلان، كما أفاده الماتن(رحمه اللّه)، أنه بعید.
و قد استدل على ذلك بأنه لا موجب للانفساخ بالنسبة إلى ما مضى بعد اختصاص السبب بالنسبة إلى المنافع الباقیة لانحلال العقد فی الحقیقة إلى عقود متعددة وإن البطلان إنما یكون فی المدة الباقیة من جهة استكشاف أن المؤجر لم یكن مالكاً للمنفعة لیملك إیاها فلا موجب للبطلان بالنسبة إلى المدة الماضیة، نعم خیار تبعض الصفقة یصیر موجباً لثبوت الخیار لأن وحدة العقد فی هذه الصورة تستوجب اشتراط انضمام الأجزاء التحلیلیة بطبیعة الحال وقد تخلف الشرط، فقهراً یوجب الخیار لتخلف هذا الشرط، لكن هذا الخیار أمر خارج عن محل الكلام فإن محل البحث متمحض فیما تقتضیه حیثیة البطلان، لكن البطلان فی الأثناء من حیث هو لا یستوجب الانفساخ إلا بالنسبة إلى المدة الباقیة لا الماضیة لسلامتها عن العلة المقتضیة للبطلان ولا تلازم بین الصحة والفساد وقد ذكرنا فیما
«مسألة 6: إذا تلف بعض العین المستأجرة تبطل بنسبته و یجیء خیار تبعض الصفقة» (1)
«مسألة 7: ظاهر كلمات العلماء أن الاجرة من حین العقد مملوكة للمؤجر بتمامها و بالتلف قبل القبض أو بعده أو فی أثناء المدة ترجع إلى المستأجر كلاً أو بعضاً من حین البطلان كما هو الحال عندهم فی تلف المبیع قبل القبض لا أن یكون كاشفاً عن عدم ملكیتها من الأول و هو مشكلٌ لأن مع التلف ینكشف عدم كون المؤجر مالكاً للمنفعة إلى تمام المدة فلم ینتقل ما یقابل المتخلف من الأول إلیه و فرق واضح بین تلف المبیع قبل القبض و تلف العین هنا لأن المبیع حین بیعه كان مالاً موجوداً قوبل بالعوض و أما المنفعة فی المقام فلم تكن موجودة حین العقد ولا فی علم الله إلا بمقدار بقاء العین و على هذا فإذا تصرف فی الأجرة یكون تصرفه بالنسبة إلى ما یقابل المتخلف فضولیاً و من هذا یظهر أن وجه البطلان فی صورة التلف كلاً أو بعضاً انكشاف عدم الملكیة للمعوض» (2)
سبق أن العقد ینحل بعقود متعددة حسب المتعلق إلى حد یكون كل واحد من الأجزاء له مالیة عرفیة فلا یلزم ما أفاده سیدنا الاستاذ دام ظله من القول بالجزء الذی لا یتجری، فما أفاد المشهور فی كلا المقامین صحیح.
(1) قد ذكرنا الوجه فیه فلا نعیده.
(2) قد ذكرنا أن البطلان موجب لرجوع الاجرة إلى المستأجر كلا أو بعض، إن ما البحث فی أن هذا الجوع هل یكون من حین الحكم بالبطلان بحیث كانت الأجرة مملوكة للمستأجر واقعاً، غایة الأمر بعد الحكم بالبطلان ترجع إلى المستأجر بملك جدید كما هو كذلك بالنسبة إلى تلف العین قبل القبض فی باب البیع حیث إن المستفاد من بعض الروایات أن التلف قبل القبض من مال بایعه فقهر ینفسخ البیع و یرجع الثمن إلى ملك البائع بعد أن
خرج من ملكه بالبیع أو أن التلف كاشف عن عدم كون المستأجر مالكاً لها من أول الأمر بل تخیل أنه مالك، فقهراً یكون تصرفه فی تمام الأجرة فضولی .
ظاهر كلمات المشهور على ما نقله الماتن(رحمه اللّه) هو الأول حیث عبروا بانفساخ الاجارة كما عبروا بانفساخ البیع الظاهر فی صحتها إلى زمان الفسخ واقعاً فیكون تصرفه فیها تصرف المالك فی ملكه، غایة الأمر بعد الانفساخ یرجع إلى المستأجر.
أفاد الماتن(رحمه اللّه) إلى أنه فرق واضح بین الموردین فإن الحكم فی باب البیع یكون على طبق القاعدة فإن البیع قد تعلق بالعین بما أنها موجودة حین البیع فلا محالة یكون المشتری مالكاً لها كما أن البایع یصیر مالكاً للثمن فلو عرض التلف بعد العقد و قبل القبض یكون مقتضى القاعدة خروج المبیع من كیس المشتری، لكن مقتضى النص و التسالم أن العقد ینفسخ آناً مّا فتدخل العین فی ملك البایع فتتلف من ماله وهذا بخلاف الاجارة فإن الملكیة قد تعلقت بالمنفعة أعنی منفعة العین فإذا لم تكن فی المدة المضروبة منفعة لفرض تلف العین فلا شیء حتى یَملك أو یُملك و حینئذ لم تكن منتقلة إلى المستأجر من أول الأمر فلا وجه لترتب آثار الملكیة على الاجرة من الأول فما أفاده الماتن(رحمه اللّه) فی كمال الوضوح خصوصاً إذا قلنا بانحلال العقد إلى عقود متعددة، و أما إذا قلنا بوحدة العقد فرجوع الاجرة أعنی اجرة المسماة إلى المستأجر بالنسبة مشكل لأن الانفساخ یكون موجبة لانحلال العقد فیرجع إلیه تمام الأجرة، غایة الأمر علیه اجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى من المنفعة لكن هذا خارج عن كلام الماتن(رحمه اللّه).
«مسألة 8: إذا آجر دابة كلیة و دفع فرداً منها فتلف لا تنفسخ الاجارة بل ینفسخ الوفاء، فعلیه أن یدفع فرداً آخر» (1)
«مسألة 9: إذا آجر داراً فانهدمت فإن خرجت عن الإنتفاع بالمرة بطلت، فإن كان قبل القبض أو بعده قبل أن یسكن فیها أصلاً رجعت الأجرة بتمامها، و إلّا فبالنسبة، و يحتمل تمامها في هذه الصورة أيضاً، و يضمن أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى، لكنه بعيد و إن أمكن الانتفاع بها مع ذلك كان للمستأجر الخيار بين الإبقاء و الفسخ، و إذا فسخ كان حكم الأجرة ما ذكرنا، و يقوى هنا رجوع تمام المسمى مطلقا و دفع أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى لأن هذا هو مقتضى فسخ العقد كما مر سابقاً، و إن انهدم بعض بيوتها بقيت الإجارة بالنسبة إلى البقية، و كان للمستأجر خيار تبعض الصفقة، و لو بادر الموجر إلى تعميرها بحيث لم يفت الانتفاع أصلا ليس للمستأجر الفسخ حينئذ على الأقوى خلافاً للثانيين» (2)
(1) الأمر كما ذكر إذ المفروض أن العقد وقع على الكلی و لم یتلف، فما تلف لم یقع علیه العقد فلا وجه لبطلان الإجارة بل البطلان إنما عرض على الفرد الخارجی و بالتلف یكشف أنه لم یكن مصداقاً للكلی فیلزم على المؤجر دفع فرد آخر وفاء بعقده فلا مقتضى للبطلان.
(2) قد تعرض الماتن(رحمه اللّه) فی هذه المسألة لفروع قد تقدمت كبراها.
الفرع الأول: أنه لو آجر داراً فانهدمت قبل القبض أو بعده بلا فصل رجعت الأجرة بتمامها إلى المستأجر لكشفه عن بطلان الإجارة لعدم كون المؤجر مالكاً لهذه المنفعة فی هذا الفرض.
الفرع الثانی: أنه لو عرضت العارضة الموجبة لخرابها ترجع الأجرة بالمقدار الذی لا یمكن الانتفاع بها و یحتمل رجوعها كلا إلى المستأجر، هذا من مصادیق ما ذكرنا من أن العقد
ینحل إلى عقود متعددة أو أنه عقد واحد فإن قلنا بالأول فتقسیط الأجرة فی محله و إلا فلابد من القول بالخیار و رجوع تمام الأجرة إلى المستأجر و دفع أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى.
الفرع الثالث: أنه لو كانت الدار قابلة للإنتفاع لكن صارت معیبة یكون للمستأجر خیار العیب فإذا فسخ یكون حكمه ما تقدم لكن الماتن(رحمه اللّه) أفاد بأنه یرجع إلى المستأجر تمام الأجرة و یدفع إلیه أجرة المثل لأنه مقتضى الفسخ.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأنه لو كان الأمر كذلك فكیف أختار مسلك المشهور فی المسألة المتقدمة، والظاهر أنه تهافت فی الكلام ثم اختار دام ظله بأن الحق رجوع الاجرة بالنسبة، للسیرة والإرتكاز و التناسب بین الحكم والموضوع.
أقول: إنّ ما أفاده مبنی على انحلال العقد وإلا فلا وجه للرجوع بالنسبة مع أنه دام ظله لم یقبل الانحلال فلاحظ.
الفرع الرابع: لو انهدم بعض الدار تبطل الاجارة بالنسبة ویكون للمستأجر خیار تبعض الصفقة للشرط الإرتكازی العقلائی والظاهر أن الوجه للبطلان هو ما ذكرنا من الانحلال و كشف الانهدام، لعدم كونه مالكاً لهذه المنفعة.
الفرع الخامس: أنه لو بادر المؤجر إلى تعمیرها بحیث لم یفت الإنتفاع أصلا، لیس للمستأجر الفسخ إذ الخراب لم یكن بعنوانه موضوعاً للحكم بل الاعتبار بعدم إمكان إنتفاع المستأجر بتلك المنفعة المرغوبة بكمالها فمع إمكان الإنتفاع و عدم ورود أی نقص فیه كما هو المفروض، لا مقتضی للخیار فالمدار فی ثبوته ثبوت النقص والمفروض عدمه، نعم إذا انهدم الكل ثم بنی بناء جدیداً فیمكن أن یقال إنه لا وجه لما ذكر بل تبطل الاجارة بالانهدام والبناء الجدید لم یكن مالكاً له حین العقد حتى یملك منفعته.
«مسألة 10: إذا امتنع المؤجر من تسلیم العین المستأجرة یجبر علیه و إن لم یمكن إجباره، للمستأجر فسخ الإجارة و الرجوع بالاجرة وله الإبقاء و مطالبة عوض المنفعة الفائتة و كذا إن أخذها منه بعد التسلیم بلا فصل أو فی أثناء المدة و مع الفسخ فی الأثناء یرجع بما یقابل المتخلف من الأجرة و یحتمل قویاً رجوع تمام الأجرة و دفع أجرة المثل لما مضى كما مر نظیره سابقاً لأن مقتضی فسخ العقد عود تمام كل من العوضین إلى مالكهما الأول، لكن هذا الإحتمال خلاف فتوى المشهور» (1)
(1) فی هذه المسألة صور:
الصورة الاولى: أن یمتنع المؤجر من تسلیم العین المستأجرة ففی هذه الصورة یجبر المؤجر على التسلیم إذ الإنتفاء بالعین حق للمستأجر لأنها ملكه فله أن یجبره علیه مع الإمتناع لأنه غاصب فله منعه عنه كما یثبت له الخیار أیضاً بمقتضى الشرط الإرتكازی فإن التزام بالعقد منوط بمقتضی الإرتكاز على تسلیم العین حتى ینتفع بها فإذا خالفه فله الخیار فما عن الشیخ(رحمه اللّه) من التفصیل بین إمكان الإجبار وعدمه و ثبوته فی الثانی و عدمه فی الاولى غیر معلوم الوجه.
الصورة الثانیة: أنه لو كان المنع بعد القبض بلا مهلة أو مع المهلة فالخیار له ثابت لعین الملاك.
الصورة الثالثة: أنه لو اختار الفسخ فی أثناء المدة یرجع بما یقابل المتخلف و تصح الاجارة فیما مضى كما علیه المشهور و فی قباله قوى الماتن(رحمه اللّه) رجوع تمام الأجرة و دفع أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى لانه مقتضى الفسخ إذ المنفعة فی تمام المدة مورد لعقد وحدانی قد اشترط الالتزام به بالتسلیم الخارجی فی تمام تلك المدة فإذا تخلف، ثبت له الخیار ومقتضاه رجوع كل من العوضین إلى صاحبه الأول -و فی المقام تمام الأجرة- فیرجع إلى المستأجر و علیه اجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأن الفسخ نحوان: إذ تارة یكون متعلقة بالعقد من حین
صدوره وأخرى یكون متعلق به من حین الفسخ، فعلى الأول یكون مقتضیاً للعود على الإطلاق و أما على الثانی فلیس كذلك، ثم أورد على نفسه بأن المفروض إن العقد واحد فإنه إما یفسخ و إما أن لایفسخ، فعلى الأول یلزم عود تمام الأجرة فلا وجه للتفصیل.
أجاب دام ظله بأن الفسخ رافع كالطلاق فلا یرفع من أصله بل من حینه فیكون موجباً لانحلاله من حینه فیترتب علیه الأثر من حینه و هو تقسیط الاجرة كما علیه المشهور.
لكن یمكن أن یقال بأن هذا لا یلائم مع وحدة العقد، إذ العقد الواحد إما یبقى وإما أن ینفسخ، فعلی كلا التقدیرین یترتب علیه الأثر أعنی أثر العقد وهو رجوع كل من العوضین إلى صاحبه، نعم على القول بالانحلال كما ذكرنا یكون العقد بالنسبة إلى ما مضى صحیح و بالنسبة إلى ما بقی ینفسخ فیكون التقسیط على طبق القاعدة.
«مسألة 11: إذا منعه ظالم عن الإنتفاع بالعین قبل القبض تخیر بین الفسخ و الرجوع بالاجرة و بین الرجوع علی الظالم بعوض ما فات و یحتمل قویاً تعیّن الثانی و إن كان منع الظالم أو غصبه بعد القبض یتعین الوجه الثانی فلیس له الفسخ حینئذ، سواء كان بعد القبض فی ابتداء المدة أو فی أثنائها، ثم لو أعاد الظالم العین المستأجرة فی أثناء المدة إلى المستأجر فالخیار باق، لكن لیس له الفسخ إلا فی الجمیع، و ربما یحتمل جواز الفسخ بالنسبة إلی ما مضی من المدة فی ید الغاصب، و الرجوع بقسطه من المسمی و استیفاء باقی المنفعة و هو ضعیف للزوم التبعیض فی العقد وإن كان یشكل الفرق بینه و بین ما ذكر من مذهب المشهور من إبقاء العقد فیما مضى و فسخه فیما بقی، إذ اشكال تبعیض العقد مشترك بینهما»(1)
(1) فی هذه المسألة فروع ثلاث:
الفرع الأول: أنه لو منعه ظالم عن الانتفاع بالعین المستأجرة أفاد الماتن(رحمه اللّه) أنه مخیر بین الفسخ و الجوع على الظالم، ثم احتمل قویاً تعین الثانی.
لكن الحق هو التفصیل بین ما منع الظالم على انتفاع العین لأی شخص كان مستأجراً كان أو المؤجر أو الثالث و بین ما منع الظالم عن الانتفاع بالنسبة إلى شخص المستأجر فقط، فعلى الأول: فالحق ثبوت الخیار بمقتضی الشرط الإرتكازی لعدم قدرته على التسلیم كما أن له الرجوع على الظالم لأنه غاصب و من أتلف مال الغیر فهو له ضامن. و أما فی الصورة الثانیة فما أفاده من الاحتمال الثانی هو المتعین إذ المؤجر سلم العین إلیه وإنما المانع من ناحیة المستأجر لمنع الظالم عن انتفاعه من العین و حینئذ فلم یتخلف الشرط فی المقام فلا موجب للخیار بل له الرجوع على الظالم بل یجوز له التقاص من ماله اذا منعه ویمكنه الأداء، هذا إذا قلنا بأن المنشأ للخیار هو الشرط الإرتكازی المفقود فی المقام و أما إذا قلنا بأن المنشأ للخیار هو الضرر، فلا جابر له إلا الخیار كما أفاده المحقق العراقی(رحمه اللّه) فی حاشیته، لكن الكلام فی المبنى كما قرر فی محله.
الفرع الثانی: لو منعه بعد القبض فلا خیار للمستأجر لعدم موجب له فإن المفروض تسلیم المؤجر العین إلیه و الممنوع إنما هو المستأجر فلم یتخلف شرط كی یكون له الخیار و هذا لا فرق فیه بین أن یمنعه فی أول المدة أو فی أثنائها.
لكن یمكن أن یقال بأنه لا فرق بین الفرعین من جهة المنع عن المنفعة اللاحقة فإن منع الظالم عن الإنتفاع مطلقاً یثبت له الخیار كما له الرجوع إلى الظالم، نعم إن كان منعه بالنسبة إلى المستأجر فقط، یتعین الاحتمال الثانی إذ المنفعة متدرجة الوجود ففی كل زمان یجب علیه السلیم فإذا لم یقدر علیه بقاءً كان كمن لم یقدر على التسلیم حدوث.
الفرع الثالث: لو رفع الظالم یده عن منعه و سلّم العین إلى المستأجر بعد مدة فهل یسقط الخیار أم باقی؟ الظاهر هو الثانی لثبوته فی أول الأمر وفی مرحلة البقاء، لا لأجل الإستصحاب حتى یقال بأنه لم یجر فی المقام بل المناط الذی صار موجباً للخیار موجود بعد الاعادة أیضاً إذ الشرط الإرتكازی كان هو التسلیم فی تمام المدة والمفروض أنه لم یسلمها فیه فیثبت له الخیار، أما إن هذا الخیار هل یمكن إعماله بالنسبة إلى ما مضى فقط و إبقاء العقد بالنسبة إلى ما بقی أم لا بل یلزم إعماله بالنسبة إلى تمام الأجرة وانفساخ العقد فی تمامها و ارجاع تمام الأجرة.
أفاد سیدنا الاستاذ دام ظله بأن الحق هو الثانی لعدم الدلیل على الأول فإن العقد واحد فإما أن یفسخ و إما أن یبقى فلا دلیل على التفصیل.
لكن التحقیق هو ما ذكرناه سابقاً من القول بانحلال العقد و عدمه فإن قلنا بالانحلال فالظاهر جواز ذلك و أما على القول بعدمه فالحق معه.
«مسألة 12: لو حدث للمستأجر عذر فی الاستیفاء كما لو إستأجر دابة لتحمله إلى بلد فمرض المستأجر ولم یقدر فالظاهر البطلان إن اشترط المباشرة على وجه القیدیة و كذا لو حصل له عذر آخر و یحتمل عدم البطلان، نعم لو كان هناك عذر عام بطلت قطعاً لعدم قابلیة العین للاستیفاء حینئذ» (1)
(1) فی المسألة فرعان:
الفرع الأول: لو حدث للمستأجر عذر كما إذا مرض و حینئذ فإن كانت المباشرة ملحوظة على نحو الشرطیة بأن كانت الاجارة واقعة على جامع المنفعة لكنها مشروطة بكون المتصدی للإنتفاع خصوص المستأجر على سبیل الإلتزام فی الالتزام فالظاهر صحة الاجارة و فساد الشرط، لكن یثبت للمؤجر الخیار لتخلف الشرط ولا تنافی بین فساد الشرط و ثبوت الخیار لأن حقیقة الشرط فی أمثال المقام یرجع إلى جعل الخیار على تقدیر التخلف، و إن كانت على نحو القیدیة بأن كان مصب الاجارة المنفعة الخاصة على نحو وحدة المطلوب فقد أفاد الماتن(رحمه اللّه) حینئذ بالبطلان لتعذر المنفعة المانع عن صحة الاجارة كما فی العذر العام.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن المصحح للاجارة هو الحیثیة المسكونیة القائمة بالدار أو المركوبیة القائمة بالدابة فإنها التی یملكها المؤجر و تكون تحت تصرفه و سلطنته و أما الحیثیة الساكنیة القائمة بالمستأجر فلا ترتبط بها وما هو المتعذر هو الثانی لا الأول فلا وجه لبطلان الاجارة فلا یقاس بالعذر العام.
أجاب عنه سیدنا الاستاذ دام ظله بأنا نسأل أن المؤجر هل یكون مالكاً لهذه المنفعة أم لا؟ فعلى الأول كیف یكون مالكاً لأمر محال و غیر قابل الوقوع، و أما على الثانی فكیف یملكها من غیره فالحق مع الماتن.
والظاهر أن الحق مع سیدنا الاستاذ دام ظله حیث إن هذه الحصة فی الواقع غیر قابلة للفعلیة لعدم قابلیة الحصة المضایقة لها فلا یعقل تملیكها.
«مسألة 13: التلف السماوی للعین المستأجرة أو لمحل العمل موجب للبطلان و منه إتلاف الحیوانات، و إتلاف المستأجر بمنزلة القبض، و إتلاف المؤجر، موجب للتخییر بین ضمانه و الفسخ، و إتلاف الأجنبی موجب لضمانه، و العذر العام بمنزلة التلف، و أما العذر الخاص بالمستأجر كما إذا استأجر دابة لركوبه بنفسه فمرض و لم یقدر على المسافرة أو رجلاً لقلع سنه فزال ألمه أو نحو ذلك ففیه اشكال ولا یبعد أن یقال إنه یوجب البطلان إذا كان بحیث لو كان قبل العقد لم یصح معه العقد» (1)
الفرع الثانی: لو حدث حادث عام مانع عن استیفاء المنفعة كما إذا استأجر الدابة للحج مثلا فحدث مانع عن السلوك كالثلج القاطع للطریق فالظاهر بطلان الاجارة فإن المفروض عدم امكان استیفاء المنفعة بعدم امكان سلوك الطریق وحینئذ فلا فرق بین كون المباشرة شرطاً أو قیداً لفرض عدم كون المؤجر مالكاً لهذه المنفعة لعدم امكان سلوك الطریق.
(1) فی هذه المسألة فروع:
الفرع الأول: أنه لو تلف مورد الاجارة من العین أو المحل بتلف سماوی تبطل الاجارة إذ الاجارة متقومة بوجود المنفعة ومع عدمها لا یكون المؤجر مالكاً لها فلا یمكنه أن یملكها من غیره.
الفرع الثانی: لو كان الملف هو المستأجر تكون الاجارة صحیحة إذ إتلافه بمنزلة القبض فی نظر العقلاء فیكون التلف بیده فی ملكه فلا وجه للبطلان كما أنه لا وجه لخیاره والفرق بین هذا الفرع و الفرع السابق، إنّ هذا من الأمور الاعتباریة فیكون بید العقلاء وهم یعتبرون فی الأول هكذا دون الثانی.
الفرع الثالث: لو كان المتلف هو المؤجر ففی هذا الفرع یكون المستأجر مخیراً بین الفسخ و ابقاء العقد والرجوع إلى المؤجر باجرة المثل، أما الخیار فبمقتضی الشرط الإرتكازی عند عدم التسلیم إذ إتلافه بمنزلة عدم التسلیم، و أما أخذ الاجرة أعنی اجرة المثل فی فرض الإبقاء فلأن المفروض أنه مالك للمنفعة وقد أتلفها المؤجر و من أتلف مال الغیر فهو له
ضامن.
الفرع الرابع: لو أتلفها الأجنبی یكون للمستأجر المراجعة إلى المتلف و أخذ اجرة المثل منه لعین الملاك الذی فی الفرع السابق، هذا إذا أتلف العین المتعلقة للاجارة، و أما إذا أتلف المحل بأن أتلف الثوب الذی أعطاه المستأجر للاجیر قبل أن یخیطه فلا مقتضی للضمان لعدم صدق أی اتلاف بالنسبة إلى العمل، نعم إن الأجنبی باتلاف العین أعدم موضوع العمل و جعله متعذر الحصول و علیه یكون تلف محل العمل كاشفاً عن أن الأجیر لا یكون قادراً على تسلیم العمل فلا یكون مالكاً لهذا العمل فبالنتیجة تكون الاجارة باطلة كما تقدم سابقة فی الفرع الأول فلابد من التفصیل بین إتلاف العین المستأجرة و بین إتلاف محل العمل بالضمان فی الأول والبطلان فی الثانی.
الفرع الخامس: لو أحدث عذر عن الانتفاع كما إذا مرض المستأجر ولم یقدر على الانتفاع فالحكم ما سبق فی المسألة السابقة من البطلان أو التفصیل على ما مر.
الفرع السادس: أن یكون العذر عاماً فالحق هو بطلان الاجارة كما تقدم، وأما ما أفاده من أنه لو استأجر لقلع سنه فإن كان متعلق الاجارة ازالة الألم فالاجارة باطلة لعدم الموضوع الكاشف عن عدم الملكیة و إن كان متعلقها قلع السن، فالظاهر صحتها كما تقدم سابقاً.
«مسألة 14: إذا آجرت الزوجة نفسها بدون إذن الزوج فیما ینافی حق الاستمتاع وقفت على اجازة الزوج بخلاف ما إذا لم یكن منافیاً فإنها صحیحة و إذا اتفق ارادة الزوج للاستمتاع كشف عن فسادها» (1)
(1) أما فی فرض المنافات لحق استمتاع الزوج فالاجارة موقوفة على اجازة الزوج فإذا لم یجز فالاجارة باطلة لعدم جواز صدور مثله منها ویعتبر فی الاجارة تعلقها بعمل مباح دون ما لا یجوز، نعم مع الاجازة تكون صحیحة بمقتضی حدیث زرارة حیث علل الامام (علیه السلام) صحته بأنه لم یعص الله و إنما عصى سیده فإذا أجاز جاز: عن زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده فقال ذاك إلى سيده إن شاء أجازه و إن شاء فرق بينهما قلت أصلحك الله إن الحكم بن عتيبة و إبراهيم النخعي و أصحابهما يقولون إن أصل النكاح فاسدٌ و لا تحل إجازة السيد له فقال أبو جعفر (علیه السلام) إنه لم يعص الله و إنما عصى سيده فإذا أجازه فهو له جائزٌ.(1)، ففی كل مورد كان المنع الشرعی مبنیاً على مراعاة حق غیر الله فإنه یرتفع المنع باجازة ذلك الغیر فی المقام فما دام لم یجز الزوج لا تكون الاجارة مشمولة لعموم أدلة الصحة، وأما مع الاجازة فلا مانع منه.
وأما فی فرض تعلق الاجارة بعمل لم یكن منافیاً للاستمتاع فلا مانع من صحة الاجارة، نعم إذا اتفق أثناء العمل المنافاة لحق الزوج كما إذا اجیرت للصوم، ففی أثناء النهار طالبها زوجها بحقه ففی هذا المورد حكم الماتن(رحمه اللّه) بالبطلان لكشف المطالبة المتأخرة عن عدم صحة الاجارة من الأول لكون المتعلق منافیاً للحق وإن كانت هی جاهلة بذلك، فإن الإعتبار بالواقع لا بما تخیله.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأن الأمر وإن كان كذلك حیث یعتبر فی متعلق الاجارة أن یكون مباحاً لكن فیما نحن فیه یكون الاطاعة واجبة فإذا تركتها الزوجة ارتكبت المعصیة من حیث ترك الواجب و أما العمل فلا یكون حراماً فإذا اشتغلت الزوجة بفعل مباح فی
1) الوسایل، الباب 24 من أبواب نكاح العبید و الاماء، الحدیث: 1
نفسه حال عصیانها للزوج لا یكون هذا الفعل حراماً بل تكون الزوجة تاركة للواجب و قد ثبت فی الأصول أن الأمر بالشیء لا یقتضی النهی عن ضده فلا یكون الفعل حراماً فیجوز أن یكون متعلقاً للاجارة فالاجارة صحیحة نعم إذا كان نفس الفعل حراماً كالقمار لا یجوز الاجارة علیه.
«مسألة 15: قد ذكر سابقاً إن كلا من المؤجر و المستأجر یملك ما انتقل إلیه بالاجارة بنفس العقد و لكن لا یجب تسلیم أحدهما إلا بتسلم الآخر، و تسلیم المنفعة بتسلیم العین، و تسلیم الأجرة بإقباضها إلا إذا كانت منفعة أیضاً فبتسلیم العین التی تستوفی منها، ولا یجب على واحد منهما الابتداء بالتسلیم، و لو تعاسرا أجبرهما الحاكم، و لو كان أحدهما باذلاً دون الآخر و لم یمكن جبره كان للأول الحبس إلى أن یسلم الآخر، هذا كله إذا لم یشترط فی العقد تأجیل التسلیم فی أحدهما، و إلا كان هو المتبع، هذا، و أما تسلیم العمل فإن كان مثل الصلاة و الصوم و الحج و الزیارة و نحوها فبإتمامه، فقبله لا یستحق المؤجر المطالبة، و بعده لا یجوز للمستأجر المماطلة إلا أن یكون هناك شرط أو عادة فی تقدیم الأجرة فیتبع و إلا فلا یستحق حتى لو لم یمكن له العمل إلا بعد أخذ الأجرة، كما فی حج الاستئجاری إذا كان المؤجر معسراً، و كذا فی مثل بناء جدار داره أو حفر بئر فی داره أو نحو ذلك، فإن إتمام العمل تسلیم ولا یحتاج إلى شیء آخر، و أما فی مثل الثوب الذی أعطاه لیخیطه أو الكتاب الذی یكتبه أو نحو ذلك مما كان العمل فی شیء بید المؤجر فهل یكفی إتمامه فی التسلیم فبمجرد الإتمام یستحق المطالبة أو لا؟ إلا بعد تسلیم مورد العمل فقبل أن یسلم الثوب مثلا لا یستحق مطالبة الأجرة، قولان: أقواهما الأول لأن المستأجر علیه نفس العمل، و المفروض أنه قد حصل، لا الصفة الحادثة فی الثوب مثلاً و هی المخیطیة حتى یقال: إنها فی الثوب، و تسلیمها بتسلیمه، و على ما ذكرنا فلو تلف الثوب مثلا بعد تمام الخیاطة فی ید المؤجر بلا ضمان یستحق أجرة العمل، بخلافه على القول الآخر، و لو تلف مع ضمانه أو أتلفه وجب علیه قیمته
مع وصف المخیطیة، لا قیمته قبلها، و له الأجرة المسماة بخلافه على القول الآخر، فإنه لا یستحق الأجرة، و علیه قیمته غیر مخیط، و أما احتمال عدم استحقاقه الأجرة مع ضمانه القیمة مع الوصف فبعید، و إن كان له وجه، وكذا یتفرع على ما ذكر أنه لا یجوز حبس العین بعد إتمام العمل إلى أن یستوفی الأجرة، فإنها بیده أمانة، إذ لیست هی و لا الصفة التی فیها مورد للمعاوضة، فلو حبسها ضمن بخلافه على القول الآخر» (1)
(1) البحث فی هذه المسألة یقع فی جهات:
الجهة الاولى: أنه یجب التسلیم على كل من المؤجر و المستأجر لأن باب المعاوضات مبنی عند العقلاء على التسلیم والتسلم من الطرفین و هذا شرط ضمنی ارتكازی جایز و سائر بین العقلاء وممضاة عندالشارع و لذا لو امتنع أحدهما ثم قال للطرف الآخر أنت شخص متورع فلابد من التسلیم و إن لم نسلم، لا یسمع منه عند العقلاء بل لو امتنعا منه أجبرهما الحاكم فإنه ولی الممتنع، هذا كله مع عدم اشتراط التأجیل و إلا فیجوز التأخیر بمقتضى الإشتراط «فإن المؤمنون عند شروطهم».
الجهة الثانیة: فی ما یتحقق به التسلیم فقد أفاد الماتن(رحمه اللّه) بأن متعلق الاجارة قد یكون العمل المجرد من دون أن یكون له تعلق بشیء كما إذا آجر شخصاً على الصلوة و الصوم و أخرى یكون له المتعلق وكان المتعلق عند المستأجر كما إذا آجر شخصاً أن یحفر له بئراً فی منزله و ثالثة یكون له المتعلق لكن كان ذلك المتعلق عند الأجیر كما إذا أجر خیاطاً لیخیط له ثوباً، فإن كان الأول فتسلیمه إما یتحقق بمجرد الفراغ من العمل فبعد الفراغ له المطالبة بالاجرة، وإن كان الثانی فالأمر أیضا كذلك فإن التسلیم یتحقق بالفراغ من العمل لعدم تصور زائد عن ذلك، وأما إن كان الثالث فهل یكون إتمام ذلك العمل كافیاً فی صدق التسلیم أو یتوقف على اعطاء الثوب المخیط مثلاً.
ما یستفاد من كلام الماتن(رحمه اللّه) ان فیه قولین: الأول كفایة إتمام العمل، ذهب إلیه الماتن(رحمه اللّه) معللاً بأن المستأجر لیس علیه إلا العمل نفسه وقد حقق و حصل حسب الفرض دون
الوصف الحاصل من العمل اذن یستحق الاجرة من دون أن یسلمه مخیطاً.
لكن المحقق النائینی(رحمه اللّه) مال إلى الثانی و استدل على ذلك بأن مالیة العمل إذا كانت باعتبار نفس صدوره من العامل فالفراغ عنه هو التسلیم وإن كان الأثر المتولد منه هو مناط مالیته كالخیاطة فذلك الأثر یملك تبعاً لتملك العمل و یتوقف تسلیم ما آجر نفسه له على تسلیمه بتسلیم مورده على الأقوى.
والحاصل: أنه إذا كان المطلوب هو الأثر الحاصل من العمل ومالیته إنما هی باعتبار هذا الأثر تكون مملوكیة العمل بالاجارة مستتعبة للملوكیة ذلك الأثر وهو ذلك الوصف فالمستأجر كما یملك العمل على الاجیر كذلك یملك بتبعه ذلك الأثر المترتب علیه و علیه فلا محیص من تسلیم هذا الأثر المملوك بتسلیم العین أعنی الثوب مخیطاً وإلا فلم یسلم ما هو مملوك للمستأجر ولا تسعه المطالبة إلا بعد ذلك.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن الصفات برمّتها غیر قابلة للملكیة بل شأن الوصف لیس إلا زیادة القیمة من غیر أن تقابل بالمال فالعبد الكاتب یسوى بقیمة و فاقد الكتابة یسوی بقیمة أخرى نازلة فشأن الوصف لیس إلا الزیادة فی القیمة، أما هو بنفسه لا یقابل بمال ولذا نرى أنه لو اكره شخص على عمل مستتبع لإیجاد صفة فی العین كخیاطة ثوب فلازم القول بمملوكیة الوصف اشتراك المكره مع المكره فی العین الموصوفة لبقاء الصفة على ملك المكره و عدم خروجها إلى ملك مالك العین المكره بناقل شرعی فتكون الهیئة للمكره خاصة وهذا لا یمكن الالتزام به بل الحكم فی هذه الصورة أن العین بهذه الصفة للمكره (بالكسر) وللمكره اجرة العمل، فالنتیجة أن الاجرة فی المقام تكون فی قبال نفس العمل فتأمل.
الجهة الثالثة: لو قلنا بما ذكر و أن الأجرة بإزاء نفس العمل فهل للاجیر مطالبة الاجرة قبل تسلیم العین و بعد إتمام العمل أم لا؟ مقتضى الشرط الإرتكازی هو الثانی فإن العقلاء بما هم عقلاء لا یشكون فی أن الخیاط لیس له المطالبة بالاجرة من دون أن یسلم الثوب المخیط إلى صاحبه فوصف المخیطیة و إن لم یكن مملوكاً كما تقدم لكن وجوب التسلیم لیس من باب المملوكیة بل بمقتضى شرط الإرتكازی المزبور القائم على عدم استحقاق
المطالبة إلا بعد تسلیم العین.
الجهة الرابعة: فی حكم تلف العین مع الضمان أو بدونه أو إتلافها، أما التلف مع الضمان أو مع الإتلاف فبعد ما عرفت من أن الوصف لا یقابل بالمال بل شأنه لیس إلا الإزدیاد فی القیمة فالاجرة إنما تقع قبال العمل فقط یكون التالف عن المالك حینئذ هی العین المتصفة بصفة المخیطیة فلا جرم تكون هی مضمونة على المؤجر بوصفها العنوانی فلابد من الخروج عن عهدتها وهذا لا كلام فیه إنما الكلام فی أنه هل للمؤجر المطالبة بالاجرة احتمل الماتن عدم الاستحقاق و لعل الوجه فیه عدم تسلیم المؤجر ما تعلق به الاجارة فلأجله لا یستحق الاجرة، لكن قد ذكر فیما سبق أن الاجارة إنما وقعت بإزاء العمل فقط وقد حصل، نعم بمقتضى الشرط الضمنی یجب علیه التسلیم أی تسلیم العین متصفة بالمخیطیة إما عینها أو بدلها وحیث إنها تلفت بإتلافه یجب علیه الخسارة وبعد تسلیم الخسارة لا وجه لعدم استحقاقه المطالبة إذ لم یفت عن المستأجر بعد تحمل الخسارة و أدائها أی شیء علیه فما وجب علیه التسلیم قد حصل فعلیه تسلیم الأجرة. والحاصل أن عدم التسلیم إن كان باعتبار العمل فالمفروض انه سلمه بانتهاء العمل، و إن كان باعتبار العین الموصوفة فالمفروض أنه سلمها بتسلیم عوضها فالصحیح، استحقاقه الأجرة و أما صورة التلف بلا ضمان كما إذا تلفت العین بآفة سماوی، فالظاهر أنه لا یمنع عن الاستحقاق و دعوى عدم الاستحقاق باعتبار أنه یكون من باب التلف قبل القبض فقد تقدم أن متعلق الاجارة نفس العمل وبإنتهاء الاجیر العمل فقد سلمه فلا یكون من باب التلف قبل القبض، مضافاً أن الدلیل وارد فی البیع فاسرائه إلى الاجارة یحتاج إلى تأمل زائد، نعم بمقتضى الشرط الإرتكازی یجب علیه التسلیم أعنی تسلیم العین الموصوفة و هذا إنما یتصور فی صورة وجودها و المفروض أنه تلف بلا ضمان فلا نرى وجها لعدم استحقاق المطالبة.
«مسألة 16: إذا تبین بطلان الاجارة رجعت الأجرة إلى المستأجر و استحق المؤجر اجرة المثل بمقدار ما استوفاه المستأجر من المنفعة أو فاتت تحت یده إذا كان جاهلاً بالبطلان، خصوصا مع علم المستأجر، و أما إذا كان عالماً فیشكل ضمان المستأجر، خصوصا إذا كان جاهلا لأنه بتسلیمه العین إلیه قد هتك حرمة ماله خصوصاً إذا كان البطلان من جهة جعل الأجرة ما لا یتمول شرعاً أو عرفاً، أو إذا كان أجرة بلا عوض، و دعوى أن إقدامه و إذنه فی الاستیفاء إنما هو بعنوان الاجارة و المفروض عدم تحققها فإذنه مقید بما لم یتحقق، مدفوعة، بأنه إن كان المراد كونه مقیداً بالتحقق شرعاً فممنوع، إذ مع فرض العلم بعدم الصحة شرعاً لا یعقل قصد تحققه إلا على وجه التشریع المعلوم عدمه، و إن كان المراد تقیده بتحققها الإنشائیة فهو حاصل، و من هنا یظهر حال الأجرة أیضا، فإنها لو تلفت فی ید المؤجر یضمن عوضها إلا إذا كان المستأجر عالماً ببطلان الإجارة، و مع ذلك دفعها إلیه، نعم إذا كانت موجودة، له أن یستردها، هذا، وكذا فی الإجارة على الأعمال إذا كانت باطلة یستحق العامل أجرة المثل لعمله دون المسماة إذا كان جاهلا بالبطلان، و أما إذا كان عالماً فیكون هو المتبرع بعمله، سواء كان بأمر من المستأجر أو لا، فیجب علیه رد الأجرة المسماة أو عوضها، ولا یستحق أجرة المثل، و إذا كان المستأجر أیضا عالماً فلیس له مطالبة الأجرة مع تلفها و لو مع عدم العمل من المؤجر» (1)
(1) الأمر كما أفاده(رحمه اللّه) لأن كشف الفساد یكشف عن عدم الانتقال و بقاء الاجرة على ملك مالكها و حینئذ فإن أدّاها فله أن یسترجعها لكن المستأجر یضمن المنفعة للمؤجر ویلزمه دفع أجرة المثل سواء استوفاها من العین أو فاتت تحت یده و الوجه فیه قاعدة «من آتلف مال الغیر فهو له ضامن» وهذا فی صورة الاستیفاء واضح و أما فی صورة عدم
الاستیفاء، استدل على ذلك بقاعدة الید وهذه القاعدة یستفاد من النص الخاص والروایات الدالة على أن حرمة مال المسلم كحرمة دمه كما أن السیرة العقلائیة قائمة على ذلك من غیر نكیر فإنه لا ینبغی الشك فی أن من أخذ مالاً من أحد ولم یكن له فیه حق فهو مسئول عنه و مؤاخذ به و هذه السیرة ممضاة لدى الشرع فهذا أمر مسلم عندهم سواء استوفاها أم لم یستوفها.
إن قلت: مع العلم ألغی المالك احترام ماله فلا وجه للضمان.
قلت: كیف ألغی المالك احترام ماله و الحال أنه اعتبر المعاوضة و المداقة فی مقدار المال فمقتضى السیرة العقلائیة هو الضمان إلا إذا أحرز أنّ المالك قصد المجانیة فما آفاده(رحمه اللّه) من انه مع العلم فیشكل الضمان، لا یخلو عن اشكال للسیرة القائمة على الضمان بالید ما خلا صورة واحدة و هی اقدام المالك على المجانیة و الحال أن المعاملة مبنیة على أن یكون التلف من كیس المستأجر وهذا هو معنى الضمان فالعلم بعدم امضاء الشارع لا یلازم المجانیة،كیف ولو كان كذلك یلزم الحكم بجواز التصرف فی الثمن إذا كان المثمن مما لا مالیة له عند الشرع كبیع الكلب والخنزیر مع تصریح الروایات بأن «ثمن الكلب سحت» فالعلم بالبطلان لا یلازم المجانیة، نعم فی خصوص الفرض الأخیر الذی ذكره المصنف(رحمه اللّه) أعنی ما لو كان الفساد من أجل كون الاجارة بلا عوض، یمكن أن یقال إنه ألغی احترام ماله لأنه أقدم على المجانیة.
والحاصل: أنّ مقتضى المعاملة الذی مبناه على المعاوضة یدخل فی القاعدة المسلمة عندهم وهی كلما یضمن بصحیحه یضمن بفاسده، وأما الفرض المزبور فیدل فی عكس القاعدة و هی ما لا یضمن بصحیحه لا یضمن بفاسده، و أما إذا لم یقصد المجانیة بل قصد أن یكون العوض مما لا یتمول عرفاً كالخنفساء فهل یلحق بالفرض الأول، أعنی قاعدة «ما یضمن» لأنه لم یقصد المجانیة أو الفرض الأخیر أعنی ما إذا قصد المجانیة، اختار المحقق النائینی(رحمه اللّه) لحوقه فی الفرض الثانی لأنه وإن جعل له عوضاً لكن حیث أن العوض لا مالیة له عرفاً یدخل فی مصداق المجانیة، لكن الالتزام به مشكل إذ المؤجر لم یقصد فی هذه الفرض، المجانیة بعد فرض جعل العوض أیاً ما كان كما أن القابض لم یقبضه على نحو
«مسألة 17: یجوز اجارة المشاع كما یجوز بیعه و صلحه و هبته و لكن لا یجوز تسلیمه إلا بإذن الشریك إذا كان مشتركاً، نعم إذا كان المستأجر جاهلاً بكونه مشتركاً كان له خیار الفسخ للشركة، و ذلك كما إذا آجره نصف داره فتبین أن نصفها للغیر و لم یجز ذلك الغیر فإن له خیار الشركة بل و خیار التبعض، و لو آجره نصف الدار مشاعاً و كان المستأجر معتقداً أن تمام الدار له فیكون شریكاً معه فی منفعتها فتبین أن النصف الآخر مال الغیر فالشركة مع ذلك الغیر، ففی ثبوت الخیار له حینئذ وجهان، لا یبعد ذلك إذا كان فی الشركة مع ذلك الغیر منقصة له» (1)
المجانیة بل المعاملة مبنیة على التضمین فتدخل هذه المعاملة فی كبری «ما یضمن بصحیحه یضمن بفاسده» هذا كله فی اجارة الأعیان، وأما فی اجارة الأعمال فالظاهر أن الأمر كذلك لعین الملاك المتقدم ذكره.
(1) أما جواز اجارة المشاع فلإطلاق الأدلة و لعل السیرة جاریة علیها و أما عدم جواز التسلیم إلا بإذن الشریك فلعدم جواز التصرف فی المال المشترك إلا بإذن شریكه و حینئذ إذا أجاز الشریك فیه فلا كلام وإن لم یأذن وكان المستأجر جاهلا بالحال یثبت له الخیار من ناحیتین: الشركة و تبعض الصفقة، فإن مقتضى الشرط الإرتكازی كذلك.
لكن یمكن أن یقال إن مقتضى القاعدة الأولیة عدم نفوذ الاجارة عند عدم إذن الشریك لأن الاجارة واحدة و المفروض كونها فضولیة فتكون باطلة إلا أن یقال بانحلال الاجارة و تعددها وحینئذ تقع صحیحة بالنسبة إلى ما یملك و باطلة بالنسبة إلى غیر ما یملك أو نقول بأن الحدیث الوارد فی البیع شامل للمورد -محمد بن الحسن الصفار أنه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري‘ في رجل باع قطاع أرضين فيحضره الخروج إلى مكة و القرية على مراحل من منزله و لم يكن له من المقام ما يأتي بحدود أرضه و عرف حدود القرية الأربعة فقال للشهود اشهدوا أني قد بعت فلاناً يعني المشتري جميع القرية التي حد منها كذا و الثاني و الثالث و الرابع و إنما له في هذه القرية قطاع أرضين فهل
يصلح للمشتري ذلك و إنما له بعض هذه القرية و قد أقر له بكلها فوقع (علیه السلام) لا يجوز بيع ما ليس يملك و قد وجب الشراء من البائع على ما يملك(1)،- لكنه محل تأمل كما تقدم منا.
نعم یمكن أن یدعی أن السیرة جاریة على التبعیض هذا كله بالنسبة إلى خیار البعض أما خیار الشركة فما ذكر من الشرط الإرتكازی موجود فی المقام فلا كلام فی الخیار و أما لو أجره نصف النهار مشاعاً وكان المستأجر معتقداً أن تمام الدار له فیكون شریكاً معه فی منفعتها ثم تبین أن النصف الآخر یكون مالاً للغیر فقهراً یكون شریكا له ففی ثبوت الخیار وجهان: من أنه رضی بالاجارة المشتركة وإن كان المشترك بشخصه غیر مشخص، و من أن الحق هو التفصیل بأن یقال إن كانت الشركة مع ذلك الغیر منقصة له كما لو كان المستأجر من الشخصیات الاجتماعیة و كان الشریك من الأراذل یثبت للمستأجر الخیار وإلا فلا خیار له.
1) الوسایل، الباب 2 من أبواب عقد البیع و شروطه، الحدیث: 1
«مسألة 18: لا بأس باستئجار اثنین داراً على الإشاعة ثم یقتسمان مساكنها بالتراضی أو بالقرعة، و كذا یجوز استئجار اثنین دابة للركوب على التناوب، ثم یتفقان على قرار بینهما بالتعیین بفرسخ فرسخ أو غیر ذلك، و إذا اختلفا فی المبتدئ یرجعان إلى القرعة، و كذا یجوز استئجار اثنین دابة مثلا لا على وجه الإشاعة بل نوباً معینة بالمدة أو بالفراسخ و كذا یجوز إجارة اثنین نفسهما على عمل معین على وجه الشركة كحمل شیء معین لا یمكن إلا بالمتعدد» (1)
(1) أما جواز الاستئجار مشتركاً فلاكلام فیه لإطلاق الأدلة و جواز اقتسامهما بالتراضی فأیضا یكون على مقتضى القاعدة ولا إشكال فیه.
و أما التعیین بالقرعة فلابد من المراجعة إلى دلیلها فإن كان له إطلاق أو عموم فهو وإلا فجریان القرعة فیما نحن مشكل، لاحظ ما رواه محمد بن الحكیم و زرارة و الحلبی والبصری و ابن مسلم و غیرها، و العمدة ما رواه حماد بن عیسی عن سیابة و ابراهیم بن عمر جمیعا عن ابی عبدالله (علیه السلام) فی رجل قال أول مملوك أملكه فهو حر فورث ثلاثة قال یقرع بینهم فمن أصابه القرعة اعتق قال و القرعة سنة(1)
فإنه یستفاد منه عمومیة الحكم لجمیع الموارد فما أفاده الماتن(رحمه اللّه) لا بأس به، لا یقال إن المستفاد من مرسلة حماد(2)
عدم جواز القرعة إلا للامام (علیه السلام) ، فإنه یقال ان الحدیث كما ذكر مرسل لا اعتبار به.
ثم إن صاحب الجواهر الحق موردنا فی باب القسمة فی المنافع وحینئذ یقع البحث فی أنه هل یمكن الإجبار إذا لم یرض الشریك بالقسمة أم لا؟ وأنه هل تجب الاجابة إذا طلب منه أم لا؟
اما الأمر الاول: فعن جماعة منهم العلامة فی القواعد عدم وجوب الإجابة إلى القسمة و لو دفعت الإجابة جاز الفسخ حتى لو تصرف أحدهما على طبق القسمة إلا فی صورة
تصرفها لعدم الدلیل على وجوبها بل عدم الدلیل على صحتها من حیث إنها قسمة لاختصاص أدلة مشروعیتها بقسمة الأعیان كما فی كلام السید الحكیم(رحمه اللّه) بل قاعدة السلطنة ینفیها إلا أن یقال بأن الدلیل على الجبر إن كان هو الإجماع فیمكن أن یقال بأن القدر المتیقن منه هو الأعیان ولا یشمل المنافع و أما إذا كان الدلیل هو وجوب ایصال الحق إلى صاحبه كما فی كلام صاحب الجواهر فلابد من القول بالتعمیم وحینئذ تجب الإجابة و یجبر علیها إن امتنع، إلا أن یتمسك بعموم الوفاء بالعقود فإنها نوع منها وحینئذ یجب البناء على اللزوم لو اقتسما و إن لم تجب فی حد نفسها الإجابة فلو أجاب تلزم.
و أما الأمر الثانی: فإنه یجوز استئجار اثنین دابة مثلا لا على وجه الإشاعة بل نوباً لإطلاق الدلیل كما ذكرنا كما أنه لو اختلفا یرجع إلى القرعة على ما تقدم.
و أما الأمر الثالث: انه یجوز اجارة اثنین نفسهما لعمل على وجه الشركة فإن كانت الاجارة على وجه یؤجر كل واحد منهما نفسه بالنسبة فلا كلام فیه و أما إذا كانت الاجارة على نحو یكون كلاهما یؤجران نفسهما بإجارة واحدة.
فقد أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأنه لا دلیل علیه ودلیل الاجارة لا یشمله ولا أقل أنه منصرف عن المورد إلا أن یقیم على ذلك اجماع تعبدی كاشف أو السیرة والظاهر أنها موجودة فلا بأس بها.
لكن فی الشرایع: لا تصح الشركة بالأعمال كالخیاطة والنساجة، نعم لو عملا معاً لواحد باجرة و دفع إلیهما شیئا واحداً عوضاً عن اجرتهما تحققت الشركة فی ذلك الشیء إلا أن صاحب الجواهر بین أن هذه لیست من الشركة فی الأعمال بل هی من شركة الأموال نحو ما لو آجر كل منهما نفسه منفرداً.
والحاصل: أن المورد إن كان من الشركة فی الأعمال فلا دلیل علیه بل الظاهر اتفاق أهل الحق على بطلانها كما فی الجواهر عدا ما حكی عن ابن جنید، لكن العمدة كون الاجارة على نحو الشركة فی الاموال لا الشركة فی الأعمال فلا تنافی بینهما فما ذكرناه من السیرة فالظاهر أنها جاریة فی المقام.
«مسألة 19: لا یشترط اتصال مدة الإجارة بالعقد على الأقوى، فیجوز أن یؤجره داره شهراً متأخراً عن العقد بشهر أو سنة، سواء كانت مستأجرة فی ذلك الشهر الفاصل أو لا، و دعوى البطلان من جهة عدم القدرة على التسلیم كما ترى إذ التسلیم لازم فی زمان الاستحقاق لا قبله، هذا، و لو آجره داره شهراً و أطلق انصرف إلى الاتصال بالعقد، نعم لو لم یكن انصراف بطل» (1)
(1)الأمر كما أفاده لوجود المقتضی وعدم المانع وما أفاده من التعلیل صحیح.
«فصلٌ»
«العین المستأجرة فی ید المستاجره أمانة فلا یضمن تلفها أو تعییبها إلا بالتعدی أو التفریط، و لو شرط المؤجر علیه ضمانها بدونهما فالمشهور عدم الصحة لكن الأقوى صحته و أولى بالصحة إذا اشترط علیه أداء مقدار مخصوص من ماله على تقدیر التلف أو التعیب لا بعنوان الضمان، والظاهر عدم الفرق فی عدم الضمان مع عدم الأمرین بین أن یكون التلف فی أثناء المدة أو بعدها إذا لم یحصل منه منع للمؤجر عن عین ماله إذا طلبها، بل خلى بینه و بینها و لم یتصرف بعد ذلك فیها، ثم هذا إذا كانت الإجارة صحیحة، و أما إذا كانت باطلة ففی ضمانها وجهان، أقواهما العدم خصوصا إذا كان المؤجر عالماً بالبطلان حین الإقباض دون المستأجر» (1)
(1) قد تعرض الماتن(رحمه اللّه) فی المقام لعدة فروع:
الفرع الأول: أن العین المستأجرة أمانة فی ید المستأجر والظاهر أن المراد بها الأمانة المالكیة فإن المالك یضع ماله عنده باختیاره حتى ینتفع بالمنفعة المملوكة له فتكون أمانة عنده و أما عدم كونه ضامناً فلوجوه:
منها: عدة روایات تدل على ذلك لاحظ ما رواه أبو ولاد(1)و ما رواه الحلبي قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) (عن رجل) تكارى دابةً إلى مكان معلوم فنفقت الدابة قال إن كان جاز الشرط فهو ضامنٌ و إن دخل وادياً لم يوثقها فهو ضامنٌ و إن سقطت في بئر فهو ضامنٌ لأنه لم يستوثق منها.(2)
و ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه (علیه السلام) قال: سألته عن رجل اكترى دابةً إلى مكان فجاز ذلك المكان فنفقت ما عليه فقال إذا كان جاز المكان الذي استأجر إليه
فهو ضامنٌ.(1)
و ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام) في حديث و لا يغرم الرجل إذا استأجر الدابة ما لم يكرهها أو يبغها غائلةً.(2)
وما رواه الحلبی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: صاحب الوديعة و البضاعة مؤتمنان و قال ليس على مستعير عارية ضمانٌ و صاحب العارية و الوديعة مؤتمنٌ.(3)
و ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سئل عن القصار يفسد فقال كل أجير يعطى الأجرة على أن يصلح فيفسد فهو ضامنٌ.(4)
و ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: في الغسال و الصباغ ما سرق منهم من شيء فلم يخرج منه على أمر بيّن أنه قد سرق و كل قليل له أو كثير فإن فعل فليس عليه شيءٌ و إن لم يقم البينة و زعم أنه قد ذهب الذي ادعي عليه فقد ضمنه إن لم يكن له بينةٌ على قوله.(5)
و ما رواه الحلبي مثله و زاد قال: و عن رجل استأجر أجيراً فأقعده على متاعه فسرقه قال هو مؤتمنٌ. (6)
و ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (علیه السلام) يضمن القصار و الصائغ احتياطاً للناس و كان أبي يتطول عليه إذا كان مأموناً. (7)
منها: الاجماع والتسالم.
ومنها: عدم الدلیل علیه.
ومنها: السیرة العقلائیة وإرتكاز المتشرعة.
الفرع الثانی: إذا شرط المؤجر على المستأجر الضمان عند عدم التفریط فهل یكون الشرط نافذاً أم لا؟ حكم المشهور بعدم الأثر فلا یتحقق الضمان ولكن الماتن(رحمه اللّه) ذهب إلى الصحة، و الدلیل على ما ذهب إلیه المشهور أن الشرط لا یكون مشرعاً بل لابد أن المورد مشروعاً فی حد نفسه و مقتضى القاعدة عدم الضمان كما نطقت به الروایات المتقدمة فلا یصح الشرط، نعم إذا كان الشرط شرط فعل لا الشرط النتیجة أعنی الضمان بالاشتراط فلا مانع من الاشتراط بمعنى أنه یجوز الشرط أی تدارك المستأجر الخسارة من ماله إذا تلفت العین بالتلف السماوی.
إن قلت: مقتضى إطلاق الأدلة أعنی دلیل الشرط نفوذه فیقع التعارض بین الأدلة المتقدمة الدالة على عدم الضمان و أدلة الشروط بالعموم من وجه فالنتیجة هو التساقط وعدم الضمان.
قلت: إن دلیل الشرط حاكم على الأدلة المتقدمة لا فیقدم.
إن قلت: إن الشرط المذكور مخالف لمقتضى العقد فیكون باطلا.
قلت: إن عدم كون الشخص ضامناً لیس من مقتضیات حاق العقد و إنما یتحقق المخالفة إذا كان الشرط عدم ملكیة المنفعة، أما الشرط المذكور فلا یكون كذلك فلا تنافی بین الأمرین و لو شك فی ذلك فمقتضى الأصل عدم كونه مخالفاً لمقتضى العقد.
الفرع الثالث: إذا كانت الاجارة باطلة فهل یكون المستأجر ضامناً أم لا؟ فیه وجهان: أفتی الماتن(رحمه اللّه) بعدم الضمان خصوصا إذا كان المؤجر عالماً بالبطلان حین الإقباض دون المستأجر.
والوجه فیه: الكبرى الكلیة التی ذكرها الفقهاء من أنه ما لا یضمن بصحیحه لا یضمن بفاسده، مضافاً إلى عدم الدلیل على الضمان إذ ما یتوهم أن یكون موجباً للضمان إما قاعدة الإتلاف و إما قاعدة علی الید و إما السیرة و إما الاجماع و إما الشرط، أما قاعدة الإتلاف فلعدم الموضوع بالفرض، وأما قاعدة علی الید فلا دلیل معتبر علیها إلا المرسلة(1)
و حالها واضح و أما السیرة فیمكن أن یقال كما تقدم قیامها على عدم الضمان لا الضمان
1) مستدرك الوسایل، الباب 1 من أبواب الودیعة، الحدیث: 7 (جلد 14صفحه7)
«مسألة 1: العین التی للمستأجر بید المؤجر الذی آجر نفسه لعمل فیها كالثوب آجر نفسه لیخیطه، أمانة فلایضمن تلفها أو نقصها إلا بالتعدی، أو التفریط، أو اشتراط ضمانها على حذو ما مر فی العین المستأجرة» (1)
وأما الإجماع فلا واقع له مضافاً إلى عدم اعتباره، و أما الشرط فقد یقال إنه لا أثر له حتى على القول بالضمان مع الشرط فی الاجارة الصحیحة ضرورة ان الشرط إنما یحكم بنفوذه فی فرض صحة العقد وأما مع فساده فهو فی حكم العدم فیكون بمثابة الشرط الإبتدائی الذی لا أثر له، لكن للتأمل فیه مجال، إذ الشرط من الشریطة فلا فرق فی الأثر بین العقد الفاسد والعقد الصحیح لتحققه فی ضمن العقد و لو كان فاسداً وفساد العقد لا یسرى إلى فساد الشرط فإن قلنا بصحة الشرط فی العقد الصحیح نلتزم فی الفاسد، لكن المبنى فاسد كما تقدم من أنه لم یكن مشرعاً.
(1) أما كونها أمانة فی ید المؤجر فلا كلام فیه لأن المالك جعله أمیناً حتى یعمل فیه فیكون أمانة مالكیة فلا ضمان علیه كما فی روایة الحلبی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: صاحب الوديعة و البضاعة مؤتمنان و قال ليس على مستعير عارية ضمانٌ و صاحب العارية و الوديعة مؤتمنٌ.(1)
إنما الكلام فیما إذا شرط علیه الضمان إذا تلفت و لو بتلف سماوی فقد یدعی نفوذ الشرط و انه ضامن لها، واستدل على ذلك بما رواه موسی بن بكر عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: سألته عن رجل استأجر سفينةً من ملاح فحملها طعاماً و اشترط عليه إن نقص الطعام فعليه قال جائزٌ قلت إنه ربما زاد الطعام قال فقال يدعي الملاح أنه زاد فيه شيئاً قلت لا قال هو لصاحب الطعام الزيادة و عليه النقصان إذا كان قد اشترط ذلك.(2)
لكن أجاب عنه المحقق الخوئی (قدس سره ) و سید الحكیم(رحمه اللّه) بأن الظاهر من الروایة هو شرط الفعل لا شرط الضمان بالمعنى المصطلح أعنی اشتغال ذمة العامل، فیه جبران الخسارة ولذا قال (علیه السلام) «و علیه النقصان» إذ النقصان مصدر فلا معنى لاشتراطه علیه إلا بتقدیر فعل أی علیه
«و لو تلفت أو أتلفها المؤجر أو الأجنبی قبل العمل أو فی الأثناء بطلت الاجارة و رجعت الأجرة بتمامها أو بعضها إلى المستأجر بل لو أتلفها مالكها المستأجر كذلك أیضا، نعم لو كانت الإجارة واقعة على منفعة المؤجر بأن یملك منفعته الخیاطی فی یوم كذا یكون إتلافه لمتعلق العمل بمنزلة استیفائه لانه بإتلافه إیاه فوّت على نفسه المنفعة، ففرق بین أن یكون العمل فی ذمته أو یكون منفعته الكذائیة للمستأجر، ففی الصورة الأولى التلف قبل العمل موجب للبطلان و رجوع الأجرة إلى المستأجر وإن كان هو المتلف، و فی الصورة الثانیة إتلافه بمنزلة الاستیفاء و حیث إنه مالك لمنفعة المؤجر و قد فوتها على نفسه فالأجرة ثابتة علیه» (1)
جبر النقصان و حینئذ یرجع إلى شرط الفعل لا النتیجة، فیكون الشرط المذكور مطابقاً للقاعدة.
لكن الظاهر من قول الراوی «و اشترط علیه إن نقص الطعام فعلیه ثبوت النقصان على عهدته» نظیر قوله «على الید ما أخذت أی على عهدته» فالحمل على شرط الفعل مشكلٌ، وأما قوله (علیه السلام) «و علیه النقصان» معناه على عهدته النقصان فیلزم علیه الجبران فتأمل.
(1) أما انفساخ الاجارة فی فرض التلف سماویة كان أو باتلاف متلف فلأن عدم العین یوجب تعذر العمل المستأجر علیه لارتباطه به الموجب لكون فواته و انعدامه موجباً لانعدام المتعلق به لكن الماتن(رحمه اللّه) فصل فی اتلاف المستأجر بین أن تكون الاجارة على العمل فی الذمة وبین ما إذا كانت على المنفعة الخاصة كمنفعة الخیاطة فی هذا الیوم فأتلف العین التی هی محل العمل فخص الانفساخ حینئذ بالأول دون الثانی حیث إن الإتلاف فی الصورة الثانیة بمنزلة الاستیفاء فیستحق الأجیر الاجرة، لكن الظاهر عدم الفرق بین الصورتین إذ الملاك فیهما واحد وهو تعذر العین الموجب لتعذر العمل فما هو الوجه فی البطلان، على حد سواء، و إن كان التحقیق یقتضی القول بالصحة فیما إذا كان المتلف هو المستأجر
المالك و القول بالبطلان فی التلف السماوی و القول بالصحة و الضمان فی صورة إتلاف الأجنبی.
توضیح ذلك: أما فی فرض كون المتلف هو المستأجر فلانه قد ملك العمل بالاجارة بلا فرق بین الصورتین و المفروض أن الأجیر قد هیئا نفسه للعمل، غایة الأمر إن المستأجر قد أعدم الموضوع أعنی موضوع هذه المنفعة باختیاره بعد ما كان قادراً على التسلیم والتسلم، فیكون اعدامه بمنزلة القبض والاستیفاء فیكون الأجیر مستحقاً للاجرة وأما فی صورة فوت المتعلق بالتلف السماوی فقد تقدم فی المسألة «الثالثة عشر من الفصل السابق» من أنه موجب للبطلان لكشفه عن عدم كونه مالكا للمنفعة كما أن الأمر كذلك بالنسبة إلى كون الملف هو الأجنبی كما تقدم و إن كان القول بالصحة له وجه بأن نقول إن الاجارة صحیحة لكن الأجنبی ضامن للمنفعة.
«مسألة 2: المدار فی الضمان على قیمة یوم الأداء فی القیمیات لا یوم التلف و لا أعلى القیم على الأقوى» (1)
(1) الأقوال فی المسألة خمسة:
الأول: إن العبرة بیوم التلف. الثانی: ان المدار بیوم الضمان. الثالث: إن العبرة بأعلى القیم من یوم الضمان إلى یوم التلف. الرابع: ان المدار أعلى القیم من یوم الضمان إلى یوم الأداء. الخامس: ان العبرة بیوم الأداء وهو ما ذهب إلیه الماتن(رحمه اللّه).
أما الدلیل على القول الأول: فلأن یوم التلف هو یوم الانتقال إلى القیمة بعد أن كان مكلفاً بأداء نفس العین فإن مقتضى قوله (علیه السلام): «على الید ما أخذت» وجوب رد العین مادامت موجودة فلا وجه حینئذ لملاحظة القیمة و إنما تلاحظ بعد تلفها فلا جرم یكون المدار مراعاة القیمة یوم التلف.
وفیه: أن الحكم و إن كان كذلك لكنه حكم تكلیفی محض لتعذر التكلیف بغیر المقدور و أما الحكم الوضعی وهو الضمان فغیر معلوم.
والحاصل: أنه بعد التلف و إن لم یكن مكلفا بأداء العین، لكن الثابت فی العهدة هل هو قیمة یوم التلف أو یوم الأداء أو أعلى القیم، فغیر معلوم فلابد من دلیل.
وبهذا یظهر دلیل القول الثانی والجواب عنه.
و أما دلیل قول الثالث: إن الضمان أعنی ضمان العین لا یختص بوقت معین بل الثابت فی الذمة هو أداء العین أو بدلها ففی كل یوم ارتفعت القیمة كانت مضمونة فإذا ارتفعت القیمة فی الیوم الآخر فكذلك و نتیجة ذلك اعبتار أعلى القیم من زمان حدوث الضمان إلى یوم التلف بل الأداء كذلك و بذلك یظهر الحال بالنسبة إلى القول الرابع.
و فیه: إن التكلیف یتعلق بأداء نفس العین إلى زمان التلف فلا تلاحظ القیمة مع وجود العین بل التكلیف ثابت بالنسبة إلى أداء نفس العین، نعم بعد التلف ینتقل إلى القیمة فكون العبرة بأعلى القیم من یوم الضمان إلى یوم التلف أو یوم الأداء فلا وجه له.
و أما القول الخامس: فالظاهر أن مقتضى القاعدة الأولیة كذلك إذ فی یوم الاداء مكلف بالأداء و حینئذ یطلب منه العین و حیث انه غیر موجودة حتی یطلب، فیطلب منه القیمة
«مسألة 3: إذا أتلف الثوب بعد الخیاطة ضمن قیمته مخیطاً و استحق الأجرة المسماة، و كذا لو حمل متاعاً إلى مكان معین ثم تلف مضموناً أو أتلفه فإنه یضمن قیمته فی ذلك المكان، لا أن یكون المالك مخیراً بین تضمینه غیر مخیط بلا أجرة أو مخیطاً مع الأجرة و كذا لا أن یكون فی المتاع مخیراً بین قیمته غیر محمول فی مكانه الأول بلا أجرة أو فی ذلك المكان مع الأجرة كما قد یقال» (1)
و الوجه فیه أن الشخص صار مشغول الذمة بالنسبة إلى العین من أول یوم الضمان إلى یوم الأداء فإن أدى العین فهو وإلّا فلابد من أداء القیمة ففی كل حال تصدی للأداء تراعی قیمة تلك الحالة بطبیعة الحال، وأما الحكم الوضع أعنی ثبوت العین فی العهدة فهو ثابت ما لم تفرغ الذمة عنها بالتلبس بالأداء الخارجی هذا على مقتضى القاعدة الأولیة.
و أما علی مقتضى الحدیث الخاص وهو صحیحة أبی ولاد(1)
ثبوت القیمة یوم الضمان إلا أنها مختصة بالغصب لا كل عین مقبوضة بالضمان و حینئذ فلابد من ملاحظتها فی الغصب فقط.
(1) المحتملات فی المسألة كما ذكر فی المتن ثلاثة:
الأول: ضمان قیمة الثوب مخیطاً و استحقاق الأجرة المسماة و الدلیل علیه كما تقدم فی المسألة «الخامس عشر» من الفصل السابق أن الاجرة إما تقع قبال نفس العمل و المفروض أنه قد حصل فثبتت الأجرة و أما أنه ضامن للثوب مخیطاً فلانه أتلف مالاً له قیمة فعلیة بكذا إذ الأوصاف و إن لم تقابل بالمال على حدة لكن موجبة لازدیاد القیمة فهو ضامن للثوب المخیط.
الثانی: أن یكون ضامناً لثوب غیر مخیط ولا یكون له الأجرة، فقد استدل على ذلك بانه تلف قبل القبض فتكون الاجارة باطلة فلا یستحق الاجیر الاجرة.
و فیه: أن متعلق الاجارة كما ذكرنا نفس العمل وقد حصل فلا یكون التلف قبل القبض
1) الوسایل، الباب 17 من أبواب كتاب الاجاره، الحدیث: 1
و علیه تكون الاجارة صحیحة ولا موجب للبطلان فیستحق الأجیر الأجرة المسماة والتلف وقع على الثوب المخیط فیكون الشخص المتلف ضامناً لهذا الثوب بهذه الخصوصیة.
الثالث: ما ذكره الماتن(رحمه اللّه) من التخییر بین الأمرین أی تضمینه الثوب مخیطاً وإعطاء الأجرة و تضمینه غیر مخیط و عدم إعطاء الأجرة و قد ظهر الوجه فیه والإشكال علیه فإنه لیس من التلف قبل القبض حتى یوجب الانفساخ الموجب لسقوط الأجرة مع كون الثوب مخیطاً مضموناً علیه بعد كونه مملوكاً للمالك مع وصف الخیاطة فیكون ضامناً للثوب بهذه الكیفیة الموجبة لزیادة قیمته.
ومما ذكرنا یظهر الحال بالنسبة إلى المثال المذكور فی المتن فإنه یضمن قیمة المتاع فی ذلك المكان أی المكان الآخر فلابد من مراعات جمیع الصفات التی موجبة لزیادة القیمة.
«مسألة 4: إذا أفسد الأجیر للخیاطة أو القصارة أو لتفصیل الثوب، ضمن وكذا الحجام إذا جنى فی حجامته أو الختان فی ختانه وكذا الكحال و البیطار و كل من آجر نفسه لعمل فی مال المستأجر إذا أفسده، یكون ضامناً إذا تجاوز عن الحد المأذون فیه و إن كان بغیر قصده، لعموم من أتلف، و للصحیح عن أبی عبد الله (علیه السلام) فی الرجل یعطی الثوب لیصبغه، فقال: كل عامل أعطیته أجراً على أن یصلح فأفسد فهو ضامن» (1)
(1) و استدل على ذلك بأمرین:
الأول: قاعدة الإتلاف.
والثانی: الروایات الخاصة الواردة فی المقام لاحظ ما رواه الحلبی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سئل عن القصار يفسد فقال كل أجير يعطى الأجرة على أن يصلح فيفسد فهو ضامنٌ.(1)
وما رواه الكاهلی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته عن القصار يسلم إليه الثوب و اشترط عليه يعطيني في وقت قال إذا خالف و ضاع الثوب بعد الوقت فهو ضامنٌ.(2)
و ما رواه اسماعیل بن أبي الصباح عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته عن الثوب أدفعه إلى القصار فيخرقه قال أغرمه فإنك إنما دفعته إليه ليصلحه و لم تدفع إليه ليفسده.(3)
و ما رواه أبو الصباح قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن القصار هل عليه ضمانٌ فقال نعم كل من يعطى الأجر ليصلح فيفسد فهو ضامنٌ.(4)
«بل ظاهر المشهور ضمانه و إن لم یتجاوز الحد المأذون فیه، و لكنه مشكل فلو مات الولد بسبب الختان مع كون الختان حاذقاً من غیر أن یتعدى عن محل القطع بأن كان أصل الختان مضراً به، فی ضمانه إشكال» (1)
(1) و استدل على القول المشهور بإطلاق الروایات المتقدمة لكن الظاهر انها منصرفة عن المورد، إذ الإتلاف المستند إلى إذن المالك غیر موجب للضمان إجماعاً كما فی بعض الكلمات و جزم بعدمه بعض المحققین ومال إلیه فی الجواهر بل المحكی عن التحریر نفی الضمان و عن الكفایة أنه غیر بعید.
هذا كله إذا لم یبلغ ذلك حد الدم أما إذا بلغ ذلك فالظاهر ثبوت الدیة لأنه «لا یبطل دم امرء مسلم» غایة الأمر یترتب علیه دیة القتل الخطائی و الاذن مضافاً إلى أنه غیر موجود لأنه لم یسلم إلیه حتى الموت لا معنى له بالنسبة إلى الموت، نعم البرائة أمر آخر یأتی الحكم فیه أضف إلى ذلك أن جواز الإذن بالنسبة إلى الصغیر غیر ثابت.
«مسألة 5: الطبیب المباشر للعلاج إذا أفسد ضامن و إن كان حاذقاً و أما إذا لم یكن مباشراً بل كان آمراً ففی ضمانه إشكال إلا أن یكون سبباً و كان أقوى من المباشر و أشكل منه إذا كان واصفاً للدواء من دون أن یكون آمراً كأن یقول: إن دوائك كذا وكذا، بل الأقوى فیه عدم الضمان و إن قال: الدواء الفلانی نافع للمرض الفلانی فلا ینبغی الإشكال فی عدم ضمانه فلا وجه لما عن بعضهم من التأمل فیه و كذا لو قال: لو كنت مریضاً بمثل هذا المرض لشربت الدواء الفلانی» (1)
(1) أما الضمان فلقاعدة «من أتلف» لكن هذا إذا قلنا بأن الأعضاء لها المالیة كی یصدق علیه من أتلف مال الغیر فهو له ضامن كما أنه لا یبعد ذلك لثبوت الدیة بالنسبة إلیها مضافاً إلى روایة السكونی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (علیه السلام) من تطبب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه و إلا فهو له ضامنٌ.(1)
و أما السند و إن كان فیه «النوفلی» ولكن لا یضر، لوقوعه فی أسناد كامل الزیارات (علی المبنی).
و أما دعوی ان هذا كان بإذن من المریض فلا ضمان فلا وجه له لأنه أذن فی العلاج فقط، هذا كله إذا كان الطبیب مباشرة و أما إذا كان آمراً فإن كان السبب أقوى من المباشر بمعنى أن الفعل یستند إلیه عرفاً وكان المباشر بمنزلة الآلة فیثبت الضمان بالنسبة إلى السبب أی الطبیب وإلا فلا ضمان علیه سواء كان واصفاً للدواء أو قال: الدواء الفلانی نافع لك أو قال: ان كنت مریضاً فبمثل هذا الدواء شربت و أمثال ذلك لعدم الوجه للضمان.
1) الوسایل، الباب 24 من أبواب موجبات الضمان، الحدیث: 1
«مسألة 6: إذا تبرأ الطبیب من الضمان و قبل المریض أو ولیه و لم یقصر فی الإجتهاد و الإحتیاط بریء على الأقوى» (1)
«مسألة 7: إذا عثر الحمال فسقط ما كان على رأسه أو ظهره مثلا ضمن لقاعدة الإتلاف» (2)
(1) لروایة السكونی المتقدمة فلا موقع للإشكال بأنه من باب «إسقاط ما لم یجب» حیث إن الضمان إما یكون بعد الإفساد فقبله لا موضوع للبرائة لظهور الروایة فی عدم الضمان مضافاً إلى أنه لا مقتضى للثبوت مع أخذ البرائة ممن بیده الأمر فیكون المقام نظیر ما لو أذن شخص بإتلاف ماله فلا موضوع للضمان فلا یكون من باب إسقاط ما لم یجب.
(2) الكلام فی المسألة یقع فی جهتین:
الأولى: فیما تقتضیه القاعدة الأولیة. و الثانیة: بالنظر إلى الروایة الخاصة.
أما الجهة الأولى: فالظاهر عدم جریان قاعدة الإتلاف فی المقام لأن الفعل غیر مستند إلیه ولو على نحو غیر الاختیاری كما إذا ألقی شخص من شاهق فوقع على مال أو نفس فتلف المال أو الشخص فإنه لا یستند هذا التلف إلى الملقى بل هو كآلة محضة والفعل مستند إلى سبب آخر وعلیه فلا ضمان على الحمال.
و أما الجهة الثانیة: فقد استدل على ذلك بما رواه داود بن سرحان عن أبي عبدالله (علیه السلام) في رجل حمل متاعاً على رأسه فأصاب إنساناً فمات أو انكسر منه شيءٌ فهو ضامنٌ.(1)
و البحث فیه یقع فی موردین: الأول: من حیث السند و الأخرى: من حیث الدلالة.
أما الأول: فالسند تام.
فقد أورد علیه بأنه فیه سهل بن زیاد و هو غیر موثق.
و فیه: إنه و إن كان سهل بن زیاد موجوداً فی بعض الطرق(2)،
لكن فی باب الاجارة كما مر، یكون السند تاماً فلا سبیل للنقاش فی السند.
و أما الثانی: من حیث الدلالة فتارة نبحث بالنسبة الی نفس المورد، وأخرى جریانها و سریانها إلى المورد، أما الأولى فقد أورد علیها بأن الموت المستند إلى الإصابة یعد من القتل الخطئی لعدم قصد الحمال له و حینئذ تكون الدیة على العاقلة فلا نفهم بأنه بأی جهة حكم الامام (علیه السلام) بالضمان.
أجاب عنه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن وجوب الیة على العاقلة لا ینافی ثبوت الضمان إذ القتل الخطئی یوجب الدیة على القاتل لكن وجوب الإداء متوجه إلى العاقلة تكلیفاً فذمة القاتل مشغولة بها و إنما الواجب على العاقلة تفریغ ذمته فلا تنافی بین الضمان و وجوب الأداء على الغیر.
والحاصل: أن المستفاد من الروایة ثبوت الضمان بالنسبة إلى المورد أعنی كون الإصابة موجباً لقتل شخص أو كسره إلا أن یقال برجوع الضمیر فی كلمة «منه» إلى المتاع لكنه خلاف الظاهر بل الظاهر منه رجوعه إلى الشخص بقرینة «ان الأقرب یمنع الأبعد» كما فهم ذلك بعض الأكابر.
نعم یعارضها ما رواه داود بن سرحان بنفس هذه العبارة إلا أنه قال فهو مأمون و معناه عدم الضمان كما فی روایة الصدوق(رحمه اللّه) (1)
و مع التعارض تسقط الروایة عن الاعتبار فلا تكون حجة فی موردها حتى نقول بالسریان و بهذا البیان یظهر الضعف فی سریان الروایة إلى ما نحن فیه فلا موضوع للبحث بالنسبة إلى الجهة الثانیة.
أضف إلى ذلك كله لو قلنا بالضمان فی مورد الروایة لاستناد الفعل إلى الحمال ولو من غیر اختیار لا یمكن القول بثبوتها فی ما نحن فیه لأن العثرة موجبة لتحقق الفعل من غیر اختیار، فلا موجب للضمان أصلاً.
1) من لایحضره الفقیه جلد4 صفحه 82 حدیث263
«مسألة 8: إذا قال للخیاط مثلا إن كان هذا یكفنی قمیصاً فاقطعه فقطعه فلم یكف، ضمن فی وجه، و مثله لو قال: هل یكفی قمیصاً؟ فقال: نعم، فقال: اقطعه، فلم یكفه، و ربما یفرق بینهما فیحكم بالضمان فی الأول دون الثانی بدعوى عدم الإذن فی الأول دون الثانی و فیه أن فی الأول أیضا الإذن حاصل، و ربما یقال بعدم الضمان فیهما للإذن فیهما، و فیه أنه مقید بالكفایة، إلا أن یقال: إنه مقید باعتقاد الكفایة و هو حاصل، و الأولى الفرق بین الموارد و الأشخاص بحسب صدق الغرور و عدمه أو تقید الإذن و عدمه، والأحوط مراعاة الاحتیاط» (1)
(1) الأقوال فی المسألة ثلاثة: الضمان مطلقة و عدم الضمان مطلقة، والثالث التفصیل بین ما إذا قید القطع و علقه على الكفایة بأن قال إن كان هذا یكفی للقمیص فاقطعه ففی هذا الفرض یكون ضامناً لعدم صدور هذا العمل عن الإذن وبین ما إذا كان اخبار الخیاط داعیاً للأمر من غیر تقیید و تعلیق وحینئذ فلا ضمان علیه لصدور العمل عن الإذن.
ذهب الماتن(رحمه اللّه) إلى الضمان مطلقاً وإن قال فی آخر كلامه: و الاولى الفرق بین الموارد و الأشخاص بحسب صدق الغرور و عدمه أو تقید الإذن و عدمه.
و التحقیق فی المقام أنه لو علق الإذن على الكفایة فالظاهر هو الضمان لأنه أتلف مال الغیر من غیر اذنه نعم لو علقه على اعتقاد الكفایة فیمكن القول بعدمه.
و أما لو اذن فی القطع مطلقا من غیر تقیید بالكفایة وإن كان هذا الإذن ناش من اعتقاده الكفایة الحاصل من اخبار الخیاط فالظاهر عدم الضمان، إذ المفروض أن قطع الثوب كان بإذن المالك، غایة الأمر إن الداعی فی الإذن هو اخبار الخیاط ومن الظاهر أن تخلف الداعی لا یوجب الضمان بالنسبة إلى الخیاط لعدم الدلیل علیه إلا إذا كان الخیاط غاراً للمالك فیمكن الالتزام بالضمان لقاعدة الغرور.
قال سیدنا الاستاذ دام ظله فلما انجر الكلام إلى هنا ینبغی الإشارة إلى مدرك القاعدة فما
یمكن أن یكون مدركا للقاعدة وجوه:
الأول: النبوی المشهور «المغرور یرجع إلى من غره»، لكن المرسل لا اعتبار به.
الثانی: الإجماع وحاله واضح.
الثالث: إن الغار سبب لوقوع المغرور فی الضرر فیوجب ضمانه.
وفیه: أن المراد من السبب إن كان هو المتلف فالظاهر أنه لا یصدق على ما نحن فیه إذ الخیاط إنما یكون وسیلة للمالك و الفعل إنما تتحقق بأمر المالك فلا یشمله الإتلاف بغیر إذن حتى یكون موجباً لضمانه.
والحاصل ان إخبار الخیاط لا یكون سببا للتلف فلا یصدق علیه عنوان التغریر فتأمل. الرابع: السیرة العقلائیة فإن سیرتهم جاریة على تغریم الغار و ارجاع المغرور إلیه والشارع الأقدس لم یردعها.
الخامس: النصوص الخاصة منها ما رواه رفاعة بن موسی قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) -إلى أن قال- و سألته عن البرصاء فقال قضى أمير المؤمنين (علیه السلام) في امرأة زوجها وليها و هي برصاء أن لها المهر بما استحل من فرجها و أن المهر على الذي زوجها و إنما صار عليه المهر لأنه دلسها و لو أن رجلًا تزوج امرأةً و زوجه إياها رجلٌ لا يعرف دخيلة أمرها لم يكن عليه شيءٌ و كان المهر يأخذه منها.(1)، و الروایة صحیحة السند من طریق ابن ادریس، فلاحظ. فالقاعدة ثابتة فی الشرع.
1) الوسایل، الباب 2 من أبواب العیوب و التدلیس، الحدیث: 2
«مسألة 9: إذا آجر عبده لعمل فأفسد ففی كون الضمان علیه أو على العبد یتبع به بعد عتقه أو فی كسبه إذا كان من غیر تفریط و فی ذمته یتبع به بعد العتق إذا كان بتفریط أو فی كسبه مطلقا وجوه و أقوال، أقواها الأخیر لنص الصحیح» (1)
(1) الأقوال فی المسألة ثلاثة كما فی المتن و إن احتمل بعض وجهاً رابعا بأنه أبق العبد.
أقول: إن البحث فی المسألة تارة یقع على مقتضى القاعدة الأولیة وأخرى على مقتضى النص.
أما على الأول: فمقتضى القاعدة أن الضمان ثابت على العبد یتبع به بعد عتقه فی جمیع الفروض لأن المولى أجنبی عما فعله العبد بل المتلف هو العبد فیكون هو الضامن كما لو اعترف بشیء على نفسه فانه یتبع به بعد عتقه.
و أما على الثانی: فقد وردت فی المقام روایتان: إحداهما: ما رواه زرارة و أبو بصیر عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (علیه السلام) في رجل كان له غلامٌ فاستأجره منه صائغٌ أو غيره قال إن كان ضيع شيئاً أو أبق منه فمواليه ضامنون.(1). ثانیهما: ما رواه أبو بصیر عن أبي عبدالله (علیه السلام) في رجل استأجر مملوكاً فيستهلك مالاً كثيراً فقال ليس على مولاه شيءٌ و ليس لهم أن يبيعوه و لكنه يستسعى و إن عجز عنه فليس على مولاه شيءٌ و لا على العبد شيءٌ.(2)
قد یقال كما فی كلام الماتن إن مقتضى الجمع بین الروایتین كون الضمان فی كسبه مطلقا حیث حمل الروایة الأولى على الثانیة بأن الضمان المذكور فی الأولى مطلق من حیث كونه فی ذمة المولى أو فی ماله المعین أو فی كسبه الذی هو من أموال المولى و مقتضى الروایة الثانیة حملها على أن یكون الضمان فی كسبه، لكن هذا متفرع على لزوم حمل السؤال فی الروایة الثانیة على المثال لمطلق ما یتلفه العبد ولو كان هو العمل الذی استوجر علیه العبد
فیكون السؤال ناظراً إلى الجهة العامة فیكون الاستهلاك من أحد مصادیقه فتكون النسبة بین الروایتین عموما مطلقا.
أما إذا لم نقل بذلك بل قلنا بأن الروایة الأولى ناظرة إلى ما یتلفه العبد فی عمل مأذون فیه من قبل المولى و الروایة الثانیة ناظرة إلى استهلاك أموال آخر غیر ما یستند إلى المولى فلا وجه لهذا الحمل بل لابد من القول بالتفصیل بین الموردین، و لعل ما ذكرناه هو الأقوى فی المسألة.
لكن یمكن أن یقال إن الموضوع فی الروایتین واحد حیث ان قوله «ضیع شیئا» أو «أبق منه» لم یكن ظاهر فی كون الإفساد فی مورد الاجارة بل مطلق كما أن الموضوع فی روایة أبی بصیر أیضا مطلق و حینئذ یحمل المطلق فی روایة زرارة و أبی بصیر على المورد الخاص المستفاد من روایة أبی بصیر فالنتیجة أن ما أفاده الماتن (رحمه اللّه) تام لا غبار علیه.
وأما التفصیل المنقول عن الشهید الثانی من أنه فی كسبه إذا كان من غیر تفریط و فی ذمته یتبع به بعد العتق إذا كان بتفریط حیث إن الأول یكون بإذن من المولى فیكون ضمانه علیه إذ كسبه أیضا من ماله بخلاف الثانی فإنه غیر مأذون فی ذلك فیكون الضمان على العبد فبعد بیان ما استفید من الروایتین لا مجال له كما أن القول بضمانه مطلقا لانرى له وجها بعد الروایتین.
«هذا فی غیر الجنایة على نفس أو طرف و إلا فیتعلق برقبته و للمولی فداؤه بأقل الأمرین من الأرش و القیمة» (1)
(1) ما أفاده مختص بالجنایة الخطئیة حیث إن المستفاد من بعض الروایات أن العبد لا عاقلة له و إنما جنایته فی نفسه لاحظ ما رواه محمد بن قیس عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (علیه السلام) في مكاتب قتل قال يحسب ما أعتق منه فيؤدى دية الحر و ما رق منه فدية العبد.(1)و رواه الصدوق باسناده إلى قضایا أمیر المؤمنین (علیه السلام) و زاد و قال العبد لا یغرم أهله وراء نفسه شیئا، فلا یلزم على مولاه أكثر من قیمته لو كانت أقل من الأرش.
و أما الجنایة العمدیة فالاختیار للمجنى علیه أو ولیه فلو قتل عبدة أو حر فللولی القصاص كما أن له الإسترقاق كما فی روایة الفضیل بن یسار عن أبي عبدالله (علیه السلام) أنه قال: في عبد جرح حراً فقال إن شاء الحر اقتص منه و إن شاء أخذه إن كانت الجراحة تحيط برقبته و إن كانت لا تحيط برقبته افتداه مولاه فإن أبى مولاه أن يفتديه كان للحر المجروح من العبد بقدر دية جراحه و الباقي للمولى يباع العبد فيأخذ المجروح حقه و يرد الباقي على المولى.(2)
«مسألة 10: إذا آجر دابة لحمل متاع فعثرت و تلف أو نقص لا ضمان على صاحبها إلا إذا كان هو السبب بنخس أو ضرب» (1)
«مسألة 11: اذا استأجر سفینة أو دابة لحمل متاع فنقص أو سرق، لم یضمن صاحبها نعم لو اشترط علیه الضمان صح لعموم دلیل الشرط و للنص» (2)
(1) لعدم جریان قاعدة الإتلاف فی المقام بعد أن لم یكن صاحبها هو السبب فی العثرة بل یكون هذا التلف من التلف السماوی إلا إذا كان صاحبها سبباً للإتلاف بنخس الدابة أو ضربها.
(2) أما عدم الضمان فی الصورة الأولى فعلی مقتضى القاعدة إذ لا ضمان على الأمین و أما ضمانه فی الصورة الثانیة فقد استدل علیه بعموم دلیل الشرط، والنص الخاص لاحظ ما رواه موسی بن بكر عن أبي الحسن (علیه السلام) قال: سألته عن رجل استأجر سفينةً من ملاح فحملها طعاماً و اشترط عليه إن نقص الطعام فعليه قال جائزٌ قلت إنه ربما زاد الطعام قال فقال يدعي الملاح أنه زاد فيه شيئاً قلت لا قال هو لصاحب الطعام الزيادة و عليه النقصان إذا كان قد اشترط ذلك.(1)
أما دلیل عموم الشرط فقد تقدم أنه لا یكون مشرعاً فلا یكون دلیلا فی المقام و أما النص و هو موثق موسی بن بكر فقد تقدم الكلام فیه(2)
و قلنا بأن الظاهر منه هو الشرط الإصطلاحی فلاحظ ما ذكرنا هناك فراجع.
«مسألة 12: إذا حمل الدابة المستأجرة أزید من المشترط أو المقدار المتعارف مع الإطلاق ضمن تلفها أو عوارها و الظاهر ثبوت اجرة المثل لا المسمى مع عدم التلف لأن العقد لم یقع على هذا المقدار من الحمل، نعم لو لم یكن ذلك على وجه التقیید ثبت علیه المسماة و اجرة المثل بالنسبة إلى الزیادة» (1)
(1) أما الضمان فظاهر حیث إنه تعدی عما اشترط علیه فتكون یده عادیة ومن الواضح أن الید العادیة ضامن هذا بالنسبة إلى تلف الدابة أو عوارها و أما بالنسبة إلى الأجرة فقد فصل الماتن(رحمه اللّه) بین صورة الإشتراط و صورة التقیید بثبوت الأجرة المسماة قبال المنفعة المقررة و اجرة المثل بالنسبة إلى الزائد فی الصورة الاولى، و ثبوت اجرة المثل للمجموع فقط فی الصورة الثانیة.
و الظاهر أن ما أفاده بالنسبة إلى الصورة الاولى تام، لكونه على مقتضى القاعدة الأولیة لأن العقد حیث إنه صحیح بالنسبة إلى المنفعة المقررة فتثبت الأجرة المسماة، وأما بالنسبة إلى الزائد فحیث إنه تصرف فی مال الغیر بغیر إذنه یكون ضامناً بالنسبة إلى اجرة المثل فما أفاده فی الصورة الاولى تام.
و أما بالنسبة إلى الصورة الثانیة فمقتضى القاعدة ثبوت اجرتین علیه، أما الأجرة المسماة فلصحة العقد غایة الأمر أن المستأجر لم یحصل و لم یستوف المنفعة ففی هذه الصورة و إن أقدم بنفسه على إتلاف ماله، لكن هذا لا یضر بثبوت الأجرة المسماة، أما اجرة المثل فلانه استوفی المنفعة الاخرى من الدابة فعلیه أجرة المثل بالنسبة إلى هذه المنفعة لعدم التنافی بین الأمرین كما هو المقرر فی محله من ملكیة المنافع المتضادة و سیأتی البحث فیها إن شاء الله تعالی فانتظر.
«مسألة 13: إذا اكتری دابة فسار علیها زیادة عن المشترط ضمن و الظاهر ثبوت الأجرة المسماة بالنسبة إلى المقدار المشترط و اجرة المثل بالنسبة إلى الزائد» (1)
(1) كما هو مقتضى النص لاحظ ما رواه أبو ولاد الحناط قال: اكتريت بغلاً إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً و جائياً بكذا و كذا و خرجت في طلب غريم لي فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبرت أن صاحبي توجه إلى النيل فتوجهت نحو النيل فلما أتيت النيل خبرت أن صاحبي توجه إلى بغداد فاتبعته و ظفرت به و فرغت مما بيني و بينه و رجعنا إلى الكوفة و كان ذهابي و مجيئي خمسة عشر يوماً فأخبرت صاحب البغل بعذري و أردت أن أتحلل منه مما صنعت و أرضيه فبذلت له خمسة عشر درهماً فأبى أن يقبل فتراضينا بأبي حنيفة فأخبرته بالقصة و أخبره الرجل فقال لي ما صنعت بالبغل فقلت قد دفعته إليه سليماً قال نعم بعد خمسة عشر يوماً قال فما تريد من الرجل فقال أريد كراء بغلي فقد حبسه عليّ خمسة عشر يوماً فقال ما أرى لك حقاً لأنه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة فخالف و ركبه إلى النيل و إلى بغداد فضمن قيمة البغل و سقط الكراء فلما رد البغل سليماً و قبضته لم يلزمه الكراء، قال فخرجنا من عنده و جعل صاحب البغل يسترجع فرحمته مما أفتى به أبو حنيفة فأعطيته شيئاً و تحللت منه و حججت تلك السنة فأخبرت أبا عبدالله (علیه السلام) بما أفتى به أبو حنيفة فقال في مثل هذا القضاء و شبهه تحبس السماء ماءها و تمنع الأرض بركتها قال فقلت لأبي عبدالله (علیه السلام) فما ترى أنت فقال أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل و مثل كراء بغل راكباً من النيل إلى بغداد و مثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة توفيه إياه قال فقلت جعلت فداك قد علفته بدراهم فلي عليه علفه فقال لا لأنك غاصبٌ قال فقلت له أ رأيت لو عطب البغل و نفق أ ليس كان يلزمني قال نعم قيمة بغل يوم خالفته قلت فإن أصاب البغل كسرٌ أو دبرٌ أو غمزٌ فقال عليك قيمة ما بين الصحة و العيب يوم ترده عليه فقلت من يعرف ذلك قال أنت و هو إما أن يحلف هو على القيمة فيلزمك فإن رد اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين اكترى كذا و كذا فيلزمك فقلت إني كنت أعطيته دراهم و رضي بها و حللني فقال إنما رضي بها و حللك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور و الظلم و لكن ارجع إليه فأخبره بما أفتيتك به فإن جعلك في حل بعد معرفته فلا شيء عليك بعد
«مسألة 14: یجوز لمن استأجر دابة للركوب أو الحمل أن یضربها إذا وقفت على المتعارف أو یكبحها باللجام أو نحو ذلك على المتعارف إلا مع منع المالك عن ذلك أو كونه معها و كان المتعارف سوقه هو و لو تعدى عن المتعارف أو مع منعه ضمن نقصها أو تلفها، أما فی صورة الجواز ففی ضمانه مع عدم التعدی إشكال بل الأقوى العدم لأنه مأذون فیه» (1)
ذلك الحديث.(1)
(1) أما جواز الضرب بالمقدار المتعارف فلأنه مأذون فی التصرف بهذا المقدار مضافاً إلى أن ضرب الحیوان بهذا المقدار جایز فی نفسه فلا مانع منه، أما عدمه فی صورة المنع فلعدم حق له فی هذه الصورة أو كان المتعارف عند الناس عدمه ولو بلحاظ قرینة الحال كمصاحبة المالك فعدم الجواز فی هذا الفرض أیضاً واضح، لعدم جواز التصرف فی مال الغیر و أما عدم الضمان فی صورة الجواز فلأن المفروض ان الضرب كان بإذن المالك فلا وجه للضمان كما أنه لو حصلت الخسارة فی صورة المنع یكون الضارب ضامناً لقاعدة الإتلاف.
قد یقال: إن مجرد الإذن فی الضرب لا یوجب عدم الضمان إذ الإذن من المالك مفروض العدم و أما إذن الشارع فلا ینافی الضمان.
و فیه: أنه مع تعارفه لا یكون معتد حتى تصیر یده علیها ید عدوان كی یكون ضامناً فیكون تصرفه فی محدودة الاجارة و الإذن من المالك.
1) الوسایل، الباب 17 من أبواب كتاب الاجارة، الحدیث: 1
«مسألة 15: إذا استؤجر لحفظ متاع فسرق لم یضمن إلا مع التقصیر فی الحفظ و لو لغلبة النوم علیه أو مع اشتراط الضمان» (1)
(1) أما الضمان مع التقصیر والتفریط فلا كلام فیه لصدق الإتلاف و صیرورة الید فی هذا الفرض یداً عادیاً فعلیه الضمان.
نعم ما أفاده الماتن(رحمه اللّه) من غلبة النوم فإن كان باختیاره فالأمر كما أفاده وإلا فإثبات الضمان مشكلٌ، و أما الضمان مع الشرط فإن كان بنحو شرط الفعل فأیضاً لا كلام فیه فإنه موجب لوجوب جبران الخسارة، و أما بنحو شرط النتیجة فقد تقدم منا مراراً أن الشرط لا یكون مشرعاً فلا یكون موجباً للضمان، فتأمل إذ یمكن أن یقال إن مقتضی حدیث موسی بن بكر هو الضمان كما تقدم، هذا كله على مقتضى القاعدة.
و أما مقتضى النص فقد یقال كما عن صاحب الجواهر(رحمه اللّه) إن المستفاد من التعلیل الوارد فی روایة اسحاق بن عمار هو الضمان ولو مع عدم الشرط لاحظ ما رواه إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه أن علياً (علیهم السلام) كان يقول لا ضمان على صاحب الحمام فيما ذهب من الثياب لأنه إنما أخذ الجعل على الحمام و لم يأخذ على الثياب.(1)
لكنه معارض بما رواه الحلبی مثله و زاد قال: و عن رجل استأجر أجيراً فأقعده على متاعه فسرقه قال هو مؤتمنٌ.(2)
فبعد التعارض و التساقط یرجع إلى عمومات عدم الضمان على الأمین هذا.
لكن یمكن أن یقال: إن حدیث ابن عمار حیث إنه ناظر إلى أمر متعارف خارجی فی ذلك الزمان من أن الحمامی لا یكون ملتزماً بحفظ الثیاب والمتاع حتى یكون التلف مستنداً إلیه وإنما یأخذ الاجرة بإزاء الدخول فی الحمام یدل بالمفهوم على الضمان فیما لو كان مأموراً بالحفظ لو تعدی أو فرط فیه و إلا فلا ضمان كما فی ما نحن فیه فلا إطلاق فی البین و مع الغض عما ذكرنا یقع التعارض بینهما و المرجح عمومات عدم الضمان على الأمین كما تقدم.
«و هل یستحق الاجرة مع السرقة، الظاهر لا، لعدم حصول العمل المستأجر علیه إلا أن یكون متعلق الاجارة الجلوس عنده وكان الغرض هو الحفظ لا أن یكون هو المستأجر علیه» (1)
«مسألة 16: صاحب الحمام لا یضمن الثیاب إلا إذا أودع و فرط أو تعدی و حینئذ یشكل صحة اشتراط الضمان أیضا لأنه أمین محض فإنه إنما أخذ الأجرة على الحمام و لم یأخذ على الثیاب، نعم لو استؤجر مع ذلك للحفظ أیضا ضمن مع التعدی أو التفریط و مع اشتراط الضمان أیضا لأنه حینئذ یأخذ الاجرة على الثیاب أیضا فلا یكون أمیناً محضاً» (2)
(1) وجه عدم الاستحقاق أن الاجارة باطلة إذ المفروض وقوعها بإزاء منفعة الحفظ بزعم القدرة علیه فانكشف عدم قدرته على ذلك فلا تكون هذه المنفعة مملوكة له حتى یملكها إلى غیره كما أن الأمر عكس ذلك إذا كان متعلق الاجارة مجرد جلوسه عنده و الحفظ یكون داعیاً علیه فیكون مستحقاً للاجرة.
(2) صور المسألة ثلاثة:
الصورة الأولى: أن یأخذ الحمامی الاجرة بلحاظ الانتفاع من الماء فقط من دون أن تكون الثیاب فی عهدة الحمامی فهو أجنبی عن الحفظ، ففی هذه الصورة لا ضمان علیه بالنسبة إلى الثیاب فله الأجرة فی قبال استعمال الماء و الدخول فی الحمام فلا ضمان حتى مع التقصیر فضلا عن القصور.
الصورة الثانیة: أن یكون أجیرا على حفظ المتاع والثیاب أیضا بحیث یكون الحفظ متعلقاً للاجارة ففی هذا الفرض أیضا إن فرط فی الحفظ یكون ضامناً و إلّا فلا.
الصورة الثالثة: أن یكون حفظ الثیاب مورداً للشرط و إن لم یكن متعلقاً للاجارة بأن أودعها عنده بشرط الضمان وحینئذ یقع البحث فی نفوذ الشرط و عدمه.
أشكل الماتن(رحمه اللّه) بأنه أمین محض فلا أثر للشرط فی الودیعة.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأنه إن كان الشرط شرط فعل فلا مانع منه إذ الشخص
یجوز له أن یدفع الخسارة من خالص ماله برضاه و اختیاره، فإذا كان ذلك أمراً جائزاً فی نفسه یجوز الإشتراط و مقتضی عموم «المؤمنون عند شروطهم» إلزام ذلك، و أما إذا كان الشرط بنحو شرط النتیجة بمعنی ثبوت الخسارة فی عهدته و اشتغال ذمته بذلك فدلیل الشرط لا یجرى لأنه لا یكون مشرعاً لعدم ضمان الأمین.
«یكفی فی صحة الاجارة كون المؤجر مالكاً للمنفعة أو وكیلاً عن المالك لها أو ولیاً علیه و إن كانت العین للغیر كما إذا كانت مملوكة بالوصیة أو بالصلح أو بالاجارة فیجوز للمستأجر أن یؤجرها من المؤجر أو من غیره، لكن فی جواز تسلیمه العین إلى المستأجر الثانی بدون إذن المؤجر إشكال، فلو استأجر دابة للركوب أو لحمل المتاع مدة معینة فآجرها فی تلك المدة أو فی بعضها من آخر یجوز، و لكن لا یسلمها إلیه، بل یكون هو معها، و إن ركبها ذلك الآخر أو حملها متاعه فجواز الاجارة لا یلازم تسلیم العین بیده، فإن سلمها بدون إذن المالك ضمن، هذا إذا كانت الإجارة الأولى مطلقة، و أما إذا كانت مقیدة كأن استأجر الدابة لركوبه نفسه فلا یجوز إجارتها من آخر كما أنه إذا اشترط المؤجر عدم إجارتها من غیره أو اشترط استیفاء المنفعة بنفسه لنفسه كذلك أیضاً أی لا یجوز إجارتها من الغیر، نعم لو اشترط استیفاء المنفعة بنفسه ولم یشترط كونها لنفسه جاز أیضاً إجارتها من الغیر بشرط أن یكون هو المباشر للاستیفاء لذلك الغیر، ثم لو خالف و آجر فی هذه الصور ففی الصورة الأولى و هی ما إذا استأجر الدابة لركوبه نفسه بطلت لعدم كونه مالكاً إلا ركوبه نفسه فیكون المستأجر الثانی ضامناً لأجرة المثل للمالك إن استوفی المنفعة و فی الصورة الثانیة و الثالثة فی بطلان الإجارة و عدمه و جهان مبنیان على أن التصرف المخالف للشرط باطل لكونه مفوتاً لحق الشرط أو لا، بل حرام و موجب للخیار، و كذا فی الصورة الرابعة إذا لم یستوف هو بل سلمها إلى ذلك الغیر» (1)
(1) قد تعرض الماتن(رحمه اللّه) فی هذا المقام لفروع:
الفرع الأول: أنه یكفی فی صحة الاجارة كون المؤجر مالكاً للمنفعة أو وكیلاً عنه أو ولیاً علیه ولا یلزم أن یكون مالكاً للعین إذ الضابط أن یكون أمر المنفعة و زمامه بیده.
و الوجه فیه: مضافاً إلى التسالم أن الاجارة هی تملیك المنفعة فإذا كان المؤجر مالكاً لها یجوز له أن یملكها من غیره سواء كان منفعة عین مملوكة أو فعل من أفعال الحر فإنه مملوك له فإن الضرورة من الدین جواز اجارة الحر نفسه و عمله من غیره.
الفرع الثانی: أنه یجوز أن یؤجر المنفعة ولو كانت العین للغیر إذا لم تكن الاجارة الاولى مقیدة بالمباشرة فی الاستیفاء أو انتقلت المنفعة إلى المؤجر بإرث أو وصیة و حینئذ یقع البحث فی جواز تسلیم العین إلى المستأجر الثانی من دون إذن المؤجر الأول و عدمه.
استشكل الماتن(رحمه اللّه) فی ذلك بل اختار عدم الجواز وحكم بتحقق الضمان إذا سلمها بدون إذنه بدعوى أن ملكیة المنفعة لا یستلزم الاستیلاء على العین لجواز كون المستولی هو المستأجر الأول وإن كان الراكب مثلا غیره و الحاصل أنه لا تلازم بین صحة الاجارة و جواز تسلیم موردها.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) و تبعه على ذلك سیدنا الاستاذ دام ظله بأن ترخیص المالك فی استیلاء المستأجر على العین إنما هو بلحاظ وصفه العنوانی فهو ثابت لمالك المنفعة بما هو مالك المنفعة مقدمة لاستیفائها ولا خصوصیة للشخص و مقتضى ذلك عدم الفرق بین المستأجر الأول و المستأجر الثانی فحیثما انتقلت المنفعة انتقل الحق معها سواء كان الانتقال بسبب اختیاری كالاجارة أو غیر اختیاری كالإرث، والظاهر بناء العقلاء أیضا على ذلك فیكون المستأجر الثانی كالأول أمیناً بالنسبة إلى العین فإن لم یفرط ولم یقصر فی حفظها لا یكون ضامناً وإلا یكون ضامناً هذا على مقتضى القاعدة الأولیة.
و یؤیدها بعض الروایات الواردة فی المقام لاحظ ما رواه علی بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (علیه السلام) قال: سألته عن رجل استأجر دابةً فأعطاها غيره فنفقت ما عليه؟ قال إن كان شرط أن لا يركبها غيره فهو ضامنٌ لها و إن لم يسم فليس عليه شيءٌ.(1)
الفرع الثالث: أنه لو آجره بالنسبة إلى المنفعة الخاصة بأن آجر زیداً داره مثلا لسكونة
1) الوسایل، الباب 16 من أبواب كتاب الاجارة، الحدیث: 1
نفسه و حینئذ هل یجوز له أن یؤاجره إلى غیره أم لا؟ حكم الماتن(رحمه اللّه) بعدم الجواز تكلیفاً و وضعاً.
أما من حیث الوضع فالأمر كما أفاده حیث انه لم یكن مالكاً حتى یملكه من غیره فالاجارة فضولیة، فإن استوفی المستأجر الثانی یجب علیه اعطاء اجرة المثل وإن وجب على المستأجر الأول الأجرة المسماة، نعم لو كان الثانی مغروراً من ناحیة الأول یجوز له الرجوع إلیه هذا بالنسبة إلى الحكم الوضعی.
و أما الحكم التكلیفی فأورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأن مجرد الإنشاء والتصدی للعقد لا یكون دلیلٌ على حرمته إلا فی موارد خاصة والمقام لیس كذلك، لكن یمكن توجیه كلامه بأنه حرام من حیث التسلیم إذا كانت الاجارة محدودة لحصة خاصة.
الفرع الرابع: أنه لو شرط عدم الایجار من الغیر یحرم علیه ذلك تكلیفاً بمقتضی الشرط وأما بطلان الاجارة الثانیة ففیه وجهان كما ذكره الماتن(رحمه اللّه) من حیث ان الشرط موجب لقصر السلطنة على المشروط علیه لیحكم بالبطلان أم لا؟
واستدل على الأول بامور:
الامر الأول: ما عن صاحب الجواهر(رحمه اللّه) بتقریب: أن الأمر بالوفاء بالشرط والأمر بالوفاء بعقد الاجارة الثانیة متمانعان فلا یمكن فعلیتهما معاً وحینئذ لابد من تقدیم أحدهما، فادعى أن دلیل الوفاء بالشرط مقدم على الثانی لتقدمه علیه وجوداً لوجود سببه بلا مانع فی حال ترقب الأثر منه بخلاف الثانی لوجود السبب المسبوق بالمانع.
أورد علیه: بأن المقتضى للاجارة الثانیة موجود و المانع مفقود، أما المقتضی و هو العقد و الشرائط فی المتعاقدین و مورد العقد، خال عن الاشكال و أما المانع المتصور و هو اشتراط ترك الاجارة، فلا یوجب خللاً فی العقد ولا فی المتعاقدین ولا فی مورد العقد فالاجارة لا تبقى المحل للوفاء بالشرط لإنقلاب ترك الاجارة إلى نقیضها بخلاف الشرط فإنه لا یوجب الخلل فی السبب التام لنفوذ الاجارة فلا أمر بالوفاء بالشرط مع وجود الاجارة حتى یمنع عن الأمر بالوفاء بالعقد.
الامر الثانی: ما عن بعض الأعلام من أن نفوذ كل معاملة منوط بملك التصرف و مع
وجوب الوفاء بالشرط بترك الاجارة تحرم الاجارة فیكون المستأجر مسلوب القدرة شرعاً فلا یملك هذا التصرف المعاملی فیكون موجباً لتضییق دائرة السلطنة على التصرفات الثابتة بعموم قوله (علیه السلام) : «الناس مسلطون على أموالهم».
أورد علیه: بأن السلطنة إما تكلیفیة و إما وضعیة، أما الأولى فهی مساوقة للترخیص الفعلی قبال الحرمة، والثانیة مساوقة للنفوذ الوضعی، و القدرة فی الأولى تكون بملاحظة عدم كونه مصدوداً من قبل الشارع وإن القدرة فی الثانیة بملاحظة استجماع السبب المعاملی لشرائط تأثیره فإن أرید بها نفی القدرة بالمعنى الأول، فهو لیس شرطة النفوذ المعاملة بل یمكن أن یقال إن الحرمة تكون دلیلا على صحة المعاملة و نفوذها كما حقق فی محله، و إن ارید منها المعنى الثانی أی القدرة بمعنى السلطنة الوضعیة فهی تابعة لتوفر السبب لما له دخل فی تأثیر المعاملة فمع كون المعاملة جامعة لجمیع الشرائط من شرائط العقد و العاقد و مورد العقد، فلا محالة تكون المعاملة مؤثرة، وفی ما نحن فیه كذلك إذ الاجارة الثانیة صدرت من البالغ العاقل المالك للمنفعة فلا محالة یكون المؤجر الثانی قادراً على تملیك المنفعة والحرمة المولویة لا تكون مخلاً فی ذلك فعدم الجواز تكلیفاً و إن كان مفروضاً لكن لا یضر وغیر مناف لنفوذ المعاملة.
الامر الثالث: ما عن الشیخ(رحمه اللّه) فی نظائر المقام من التمسك بإطلاق دلیل الشرط حتى بعد إنشاء الاجارة الثانیة فإنه كاشف عن عدم نفوذ الاجارة و إلا لم یكن محل للوفاء بالشرط.
أجاب عنه المحقق الإصفهانی(رحمه اللّه) بأن المحقق فی محله لزوم انخفاظ المطلق فی مراتب الاطلاق و بعد إنشاء الاجارة الثانیة حیث یحتمل تأثیره یشك فی بقاء المحل للوفاء بالشرط فیكون من التمسك بالعموم فی الشبهة المصداقیة هذا أولاً، وثانیاً بأن متعلق الشرط إن كان ترك إنشاء الاجارة فقط فبمجرد إنشائه یسقط الشرط من اقتضاء الوفاء لعدم المحل له قهراً فكیف یعقل إطلاقه لما بعد المخالفة القهریة، وإن كان ترك إنشاء الناقل فمقتضی لزوم تعلق الإلتزام بالمقدور امكان تحقق الاجارة الحقیقیة منه فكیف یعقل إطلاق الوجوب لما بعد الانشاء النافذ الذی لا یبقى معه محل للوفاء بالشرط.
الامر الرابع: إن الاجارة الثانیة تصرف منافی للحق الثابت للمؤجر على المستأجر بالشرط أی اشتراط ترك الاجارة من الغیر فتكون الاجارة الثانیة غیر نافذة لمنافاته مع الحق الثابت للمؤجر.
تحقیق القول فی ذلك وثبوت الحق بالاشتراط وإن ذلك منافی و مخل للعقد یحتاج إلى بسط الكلام فیه كما عن المحقق الإصفهانی والتحقیق كما عن بعض المحققین إن إثبات بطلان الاجارة الثانیة متوقف على صغرى اللیل من حیث ان الشرط مقتضی للحق دون التكلیف المحض، وكبرى أن كل تصرف مناف للحق باطل، أما الأول: فطریق استكشاف الحق أحد امور:
الأول: نفس الاشتراط یقتضی ذلك، بتقریب أنه كما أن الاجارة فی الأعمال لیست إلا الالتزام بالخیاطة للمستأجر و نفس كون الخیاطة له دال على اختصاص الملكی، كذلك الشرط فإنه أیضا التزام بالخیاطة لزید مثلا، أورد علیه المحقق الإصفهانی(رحمه اللّه) بأن القیاس مع الفارق إذ حقیقة الاجارة و إن كانت هو التملیك بعوض لكن مضامین العقود والایقاعات واردة مورد الالتزامات و العهود لا أن تمام حقیقة الاجارة التزام للمستأجر بعمل و فیما نحن فیه لو التزم بملك العمل للمشروط له كان من شروط النتیجة فیكون سببا للملك، لكن فی المقام شرط العمل واللام لام الصلة، لا لام الاختصاص فالشارط ملتزم للمشروط له بعمل لا أنه یلتزم بعمل له بمعنى أن الشارط أثبت فی ذمته العمل و تعهد بالنسبة إلیه و أما أنه جعله ملكاً له فلا.
الثانی: اقتضاء دلیل الشرط، أورد علیه أن دلیل الشرط إما أن یكون دلیلاً للنفوذ، و إما أن یكون دلیلا لوجوب الوفاء و یكون دلیلا للزوم الوصفی و شیء من ذلك لا یثبت حقا.
الثالث: ثبوت آثار الحق على الشرط حیث إنه قابل للإنتقال بالإرث و سقوطه فحكم أنه حق، فالصغری مسلمة و أما الكبرى فالظاهر أنه لا یكون مانعاً عن صحة العقد إذ اشتراط عدم الاجارة إما أن یرجع إلى ترك انشاء الاجارة فقط أو ترك الإجارة بالحمل الشایع فإن كان الأول فبعد تحققه و تحقق المخالفة للحق والشرط، یسقط الحق فلا مانع من تأثیر
الإنشاء وكون الحق مانعاً عن وجود الانشاء الذی التزم بتركه مستحیل لاستحالة كون الحكم مانعاً عن وجود موضوعه وإن كان الثانی فالمقرر فی محله أن القدرة شرط فی صحة الشرط فلابد من أن یكون ترك الاجارة مقدوراً فإذا كان الترك مقدوراً یكون الفعل أیضا مقدوراً لإستواء القدرة بالنسبة إلى الفعل والترك فیكون نافذاً.
والحاصل: أنه لا مانع لصحة الاجارة الثانیة من ناحیة الاشتراط، لكن ما افید متفرع على عدم سرایة الحق من الفعل إلى متعلقه فإن قلنا بذلك تكون المنفعة متعلقة للحق و حینئذ یمكن أن یقال لمحدودیة الملكیة بالنسبة إلى المنفعة فیكون العقد أعنی الاجارة باطلة، فتأمل.
إلا أن یقال بأن الاشتراط إما أن یرجع إلى التعلیق فی الالتزام بمعنى تعلیق الالتزام بالعقد على أمر محقق و وصف خارج عن الاختیار كالكتابة، و إما أن یرجع إلى تعلیق نفس العقد على الالتزام بشیء كما لو اشترط خیاطة الثوب مثلا و نتیجته إما الإلزام بالوفاء أو جعل الخیار عند التخلف فلیس فی المقام عدا الإلزام أو جعل الخیار فلا دلیل على قصر السلطنة.
الفرع الخامس: لو اشترط على المستأجر أن ینتفع بهذه المنفعة بنفسه لنفسه حكم(رحمه اللّه) بعدم الجواز تكلیفاً و وضعاً، بتقریب أن مقتضی وجوب الوفاء بالعقد الأول حرمة تسلیم العین إلى المستأجر ومقتضی وجوب الوفاء بالعقد الثانی وجوب التسلیم إلیه ومن الواضح عدم إمكان الجمع بین الأمرین فالنتیجة هو الفساد.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأن مفاد آیة وجوب الوفاء بالعقود لا یكون تكلیف بل المستفاد منها الإرشاد إلى اللزوم و ان الفسخ لا یؤثر فلا مجال لهذا البیان.
لكن یمكن أن یقال بأن الدلیل على اللزوم لیس منحصراً بالآیة كی یرد علیه ما أورد الاستاذ بل مقتضی روایة علی بن یقطین لزوم الاجارة «قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن الرجل يتكارى من الرجل البيت أو السفينة سنةً أو أكثر من ذلك أو أقل قال الكراء لازمٌ له إلى الوقت الذي تكارى إليه و الخيار في أخذ الكراء إلى ربها إن شاء أخذ و إن شاء ترك.»(1)فدلیل لزوم الشرط ولزوم الاجارة متنافیان لا یمكن الحكم بالعمل بكلا الدلیلین
1) الوسایل، الباب 7 من أبواب كتاب الاجارة، الحدیث: 1
فما أفاده المحقق الخوئی (قدس سره ) سلیم عن الإشكال المذكور، نعم یرد علیه ما أوردناه سابقاً بأن التمانع و إن كان محققاً و ثابتاً لكن تقدیم دلیل الشرط على دلیل لزوم الاجارة مبتنی على الوجوه المذكورة سابقاً وقد بینا أن الأدلة المذكورة لا تنهض على تقدیم دلیل الشرط وفساد الاجارة فراجع.
ثم إن المحقق الخوئی (قدس سره ) أفاد فی المقام بأن الاجارة على الحج النیابی فی صورة كون الشخص مستطیعاً باطلة إذ الاجارة المطلقة تنافی وجوب الحج و الاجارة بشرط العصیان یكون مرجعه إلى التعلیق و التعلیق فی العقد موجب للبطلان.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأنا نلتزم بالصحة على نحو الترتب و التعلیق فی المقام بهذه الكیفیة لا یضر، والوجه فیه: انه لا اجماع على بطلان التعلیق فیما إذا كان المعلق علیه من مقومات صحة العقد والمقام كذلك حیث ان الاجارة على الحج النیابی إما أن تكون مطلقة بالنسبة إلى حجة الإسلام، وإما أن تكون مقیدة بصورة الإتیان أو بصورة عدم الإتیان، و إما مهملة، أما الأخیر فلا وجه له لأن الإهمال غیر متصور أما فی صورة الاولى و الثانیة فلا یمكن الالتزام بالصحة إذ یلزم الأمر بالضدین فیبقى صورة واحدة وهو الاشتراط والتعلیق بعدم الإتیان فلا إشكال فیه.
الفرع السادس: أنه لو اشترط المالك على المستأجر الإنتفاع بنفسه لا لنفسه بأن یجوز له الایجار من الغیر لكن بشرط أن یكون الاستیفاء قائماً بالمستأجر الأول كما لو آجر حیواناً لحمل المتاع بشرط أن یكون المستوفی المستأجر الأول والكلام فیه هو الكلام فی الفرع السابق من أن الشرط هل یوجب قصر السلطنة أم لا؟ وقد حققنا ما هو فی المقام فراجع.
لكن یمكن أن یقال بأن الشرط فی المقام یرجع إلى أمر خارج عن المنفعة بأن یستوفی المستأجر الأول مباشرة و إن جاز له أن یستأجر من الغیر وحینئذ إذا خالف الشرط احتمل المصنف البطلان، لكنه خلاف التحقیق إذ لا تنافی بین العمل بكل من الشرط والوفاء بالعقد أی الاجارة الثانیة و إن ارتكب الحرام بمخالفته للشرط، نعم لو شرط فی الاجارة الثانیة تسلیم العین فقد اشترط ما هو خلاف الشرط فیكون الشرط فاسداً فیدخل المقام فی كبرى أن الشرط الفاسد مفسد أم لا؟ وحیث أن التحقیق «أن الشرط الفاسد لا یكون
«مسألة 1: یجوز للمستأجر مع عدم اشتراط المباشرة و ما بمعناها أن یؤجر العین المستأجرة بأقل مما استأجر، و بالمساوی له مطلقا أی شیء كانت، بل بأكثر منه أیضا إذا أحدث فیها حدثاً، أو كانت الأجرة من غیر جنس الأجرة السابقة، بل مع عدم الشرطین أیضا فیما عدا البیت والدار والدكان و الأجیر، و أما فیها فإشكال، فلا یترك الاحتیاط بترك إجارتها بالأكثر بل الأحوط إلحاق الرحى و السفینة بها أیضا فی ذلك، و الأقوى جواز ذلك مع عدم الشرطین فی الأرض على كراهة، وإن كان الأحوط الترك فیها أیضا، بل الأحوط الترك فی مطلق الأعیان إلا مع إحداث حدث فیها، هذا، و كذا لا یجوز أن یؤجر بعض أحد الأربعة المذكورة بأزید من الأجرة، كما إذا استأجر داراً بعشرة دنانیر و سكن بعضها و آجر البعض الآخر بأزید من العشرة، فإنه لا یجوز بدون إحداث حدث، و أما لو آجر بأقل من العشرة فلا إشكال، و الأقوى الجواز بالعشرة أیضا، و إن كان الأحوط تركه» (1)
مفسداً» تكون الاجارة الثانیة صحیحة وإن كان الشرط فاسداً.
(1) البحث فی هذه المسألة یقع فی جهات:
الجهة الأولى: أنه یجوز للمستأجر أن یؤجر العین المستأجرة بالأقل أو بالمساوی بلا قید وشرط على مقتضى القاعدة الأولیة إذ المفروض أنه مالك للمنفعة فیجوز أن یملكه ممن شاء بما شاء لجواز تصرف المالك فی ملكه.
الجهة الثانیة: أنه هل یجوز ایجارها بالأكثر أو لا یجوز بالنسبة إلى بعض الموارد؟ فلابد من ملاحظة كل مورد بحیاله.
فمنها: «البیت» و ما یمكن أن یستدل به على عدم الجواز بنص ما رواه أبو الربيع الشامي عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل يتقبل الأرض من الدهاقين ثم يؤاجرها بأكثر مما تقبلها به و يقوم فيها بحظ السلطان فقال لا بأس به إن الأرض ليست مثل الأجير
و لا مثل البيت إن فضل الأجير و البيت حرامٌ.(1)وهذه الروایة ضعیفة بخالد بن جریر.
لكن التحقیق صحة الروایة إذ قیل فی حقه «أنه صالح» والظاهر من هذه الكلمة هو التوثیق لو لم یكن تعدیلا ولا أقل من كون المراد على حسب مناسبة الحكم و الموضوع هو «صالح فی الروایة» فهو توثیق فیها و كافی فی المطلوب.
وبما رواه ابراهیم بن میمون أنّ إبراهيم بن المثنى سأل أبا عبدالله (علیه السلام) و هو يسمع عن الأرض يستأجرها الرجل ثم يؤاجرها بأكثر من ذلك قال ليس به بأسٌ إن الأرض ليست بمنزلة الأجير و البيت، إن فضل البيت حرامٌ و فضل الأجير حرامٌ.(2)و هذه الروایة ضعیفة بسهل.
ربما یقال: إنه یستفاد منع بالنسبة إلی البیت الحدیث الدال على المنع بالنسبة إلى الدار لاحظ ما رواه الحلبی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: لو أن رجلاً استأجر داراًبعشرة دراهم فسكن ثلثیها و آجر ثلثها بعشرة دراهم لم یكن به بأس و لایؤاجرها بأكثر مما استأجرها به إلا أن یحدث فیها شیئاً. (3)
و ما رواه أیضا: عن أبي عبدالله (علیه السلام) فی الرجل یستأجر دار ثم یؤاجرها بأكثر مما استأجرها به قال لایصلح ذلك إلا أن یحدث فيها شيئاً.(4)
بتقریب أنه قد لا یكون لها إلا بیت واحد فالبیت داره.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله أولاً: بأن الدلیل أخص من المدعی، و ثانیاً: أن الإطلاق متوقف على صدق الموضوع والمفروض عدم صدق عنوان الدار على البیت و عدم وجدان شخص الدار لا یوجب صحة صدق عنوان الدار على بیته.
وفی لسان العرب والأقرب: الدار یجمع البناء والعرصة والبیت هو المسكن.
وفی المفردات الدار المنزل اعتباراً بدورانها الذی لها بالحائط و حینئذ یكون الدار غیر البیت.
و منها: «الدار» و استدل على المدعى بجملة من النصوص منها ما رواه اسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه‘ أن أباه كان يقول لا بأس أن يستأجر الرجل الدار أو الأرض أو السفينة ثم يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به إذا أصلح فيها شيئاً.(1)و منها ما رواه الحلبی المتقدم ذكره.
و منها: «الدكان» والدلیل علیه ما رواه أبوالمغراء عن أبي عبدالله (علیه السلام) في الرجل يؤاجر الأرض ثم يؤاجرها بأكثر مما استأجرها قال لا بأس إن هذا ليس كالحانوت و لا الأجير إن فضل الحانوت و الأجير حرامٌ.(2)
و منها: «الأجیر» وقد دلت علیه روایة أبی المغراء و أبی الربیع الشامی المتقدم ذكرهما.
و منها: «الرحی» واستدل على ذلك بما رواه سلیمان بن خالد عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: إني لأكره أن أستأجر الرحى وحدها ثم أؤاجرها بأكثر مما استأجرتها إلا أن أحدث فيها حدثاً أو أغرم فيها غرماً.(3)
و بما رواه أبو بصیر عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: إني لأكره أن أستأجر رحى وحدها ثم أؤاجرها بأكثر مما استأجرتها به إلا أن يحدث فيها حدثاً أو يغرم فيها غرامةً.(4)
و منها: «السفینة» و استدل علیه بما رواه اسحاق بن عمار المتقدم ذكره لكنه ضعیف بالحسن بن موسی الخشاب.
و منها: «الأرض» ویدل على المدعی ما رواه الحلبی قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام) أتقبل الأرض بالثلث أو الربع فأقبلها بالنصف قال لا بأس به، قلت فأتقبلها بألف درهم و أقبلها بألفين؟ قال لا يجوز قلت لم؟ قال لأن هذا مضمونٌ و ذلك غير مضمون.(5)
و ما رواه اسحاق بن عمار عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: إذا تقبلت أرضاً بذهب أو فضة
فلا تقبلها بأكثر مما تقبلتها به و إن تقبلتها بالنصف و الثلث فلك أن تقبلها بأكثر مما تقبلتها به لأن الذهب و الفضة مضمونان.(1)
و ما رواه أبو بصیر عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: إذا تقبلت أرضاً بذهب أو فضة فلا تقبلها بأكثر مما قبلتها به لأن الذهب و الفضة (مصمتان لا يزيدان).(2)
لكن یعارض هذه الروایة ما رواه أبو الربیع الشامی، و قد حملت الطائفة الاولى على الكراهة جمع بین الطائفتین، قد یقال بأن الطائفة الثانیة مطلقة من حیث كون الاجرة من الذهب و الفضة ونحوهما مما هو مضمون و الطائفة الأولى مقیدة بذلك فیكون مقتضى الجمع حمل المطلق على المقید.
لكن التحقیق أنهما معارضتان، والوجه فیه: ان التقبیل تارة یطلق و یراد به المزارعة وآخرى یراد به الاجارة و فی الأول یجوز بالإشاعة بالثلث أو الربع من حاصل الأرض، وأما الثانیة فلا یجوز، إذن فتقبیل الأرض بالثلث أو الربع الذی تضمنه الطائفة الاولى المفصلة ناظر إلى باب المزارعة و أجنبی عن باب الاجارة أصلا فیكون مفادها التفصیل فی التقبیل بین ما كان على سبیل المزارعة فیجوز التفضیل وما كان من قبیل الاجارة فلا یجوز التفضیل، ففی مورد الاجارة تقع المعارضة بین الطائفتین بالتباین فلا موقع للتقیید فلابد من الحمل على الكراهة جمعا بین الطائفتین، لكن الظاهر من الروایات هو المزارعة فلا ربط بالاجارة و حینئذ لا معارضة فی البین إذ التفصیل وارد فی المزارعة و أما الاجارة فعلى مقتضى الطائفة الثانیة هو الجواز، نعم روایة أبی بصیر(3)
تدل على عدم الجواز فتقع المعارضة بینهما وبعد التساقط تصل النوبة إلى الإطلاقات و الحمل على الكراهة فی الأمور الوضعیة لا وجه له.
الجهة الثالثة: أنه هل یجری الحكم بالنسبة إلى الأبعاض بأن استأجر داراً بعشرة دراهم هل یجوز أن یؤجر نصفها بعشرین دینارا أم لا؟
أقول: المستفاد من بعض الروایات بالنسبة إلى بعض الموارد المذكورة عدم جواز ذلك بالأكثر
لاحظ ما رواه الحلبی المتقدم ذكره فلا نحتاج إلى الأولویة التی ذكرها المحقق الخوئی (قدس سره ) وكذا روایة أبی الربیع الشامی على روایة الصدوق بإسناده عن الحسن بن محبوب مثله و زاد و لو أن رجلاً استأجر داراً بعشرة دراهم فسكن ثلثيها و آجر ثلثها بعشرة دراهم لم يكن به بأسٌ و لكن لا يؤاجرها بأكثر مما استأجرها (1)، تدل علی عدم الجواز، و كذا روایة علی بن جعفر في كتابه عن أخيه (علیه السلام) مثله و زاد قال: و سألته عن رجل استأجر أرضاً أو سفينةً بدرهمين فآجر بعضها بدرهم و نصف و سكن هو فيما بقي أ يصلح ذلك قال لا بأس.(2)
نعم بالنسبة إلى بقیة الموارد لابد من البحث فیها على مقتضى القاعدة و مقتضاها الجواز لاطلاقات أدلة الاجارة و أما قضیة الإنحلال إلى إجارات متعددة و ترتب حكم المذكور على كل فرد من الأفراد، فلا وجه له إذ الإنحلال و إن قلنا بذلك فی السابق، لكن الظاهر من النصوص المتقدمة هو ایجار نفس ما استأجره لا بعضه، و أما روایة اسماعیل بن الفضل الهاشمی(3)
فضعیفة به.
الجهة الرابعة: لو أحدث فیما استأجره بالاجارة الاولى حدثاً یجوز له الایجار بالأكثر كما لو أصلح الدرج أو صبغ الحیطان فهل یجوز الایجار بالأكثر والظاهر أنه لا مانع منه بالنسبة إلى بعض الموارد المذكورة لاحظ ما رواه الحلبی المتقدم ذكره و ما رواه أیضا عن أبي عبدالله (علیه السلام) في الرجل يستأجر الدار ثم يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به قال لا يصلح ذلك إلا أن يحدث فيها شيئاً.(4)، نعم بالنسبة إلى الدكان و الأجیر فمقتضى الإطلاق عدم الجواز وأما الأرض فقد تقدم الجواز مطلقاً، و أما حدیث إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل استأجر من السلطان من أرض الخراج بدراهم مسماة أو بطعام مسمى ثم آجرها و شرط لمن يزرعها أن يقاسمه النصف أو أقل من
ذلك أو أكثر و له في الأرض بعد ذلك فضلٌ أ يصلح له ذلك قال نعم إذا حفر لهم نهراً أو عمل لهم شيئاً يعينهم بذلك فله ذلك قال و سألته عن الرجل استأجر أرضاً من أرض الخراج بدراهم مسماة أو بطعام معلوم فيؤاجرها قطعةً قطعةً أو جريباً جريباً بشيء معلوم فيكون له فضلٌ فيما استأجر من السلطان و لا ينفق شيئاً أو يؤاجر تلك الأرض قطعاً على أن يعطيهم البذر و النفقة فيكون له في ذلك فضلٌ على إجارته و له تربة الأرض أو ليست له فقال له إذا استأجرت أرضاً فأنفقت فيها شيئاً أو رممت فيها فلا بأس بما ذكرت.(1)فضعیف سنداً.
و أما القول بأنه معارض مع روایة أبی المغراء(2)
فمشكلٌ إذ الحدیث ناظر إلى الجواز إذا أحدث فیها حدثاً و روایة أبی المغراء مطلق فلا تعارض فی البین كما أنه لا تعارض بین هذا الحدیث و حدیث الحلبی و أبی بصیر.
الجهة الخامسة: أن الحرمة هل تخصص بما یكون الأكثر من جنس الأجرة السابقة أم لا فرق بین الموارد؟
فصل المحقق الخوئی (قدس سره ) بأنه فرق بین ما لو كانت الاجرة السابقة من الأثمان من غیر فرق بین كون أحدهما بالریال الإیرانی و الأخرى بالدلار فیكون الأكثر حراماً و بین ما یكون الأجرة الثانیة من غیر جنس الأثمان فیجوز، فإذا استأجر الدار بعشرین دیناراً ثم آجرها بثلاثین مناً من الحنطة فلا مانع منه وإن كانت قیمة الحنطة أكثر من عشرین دیناراً و الدلیل على التفصیل صدق الزیادة فی الأول دون الثانی.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله أولاً: بأنه لو فرضنا أن كلیهما من غیر الأثمان كما لو كانت الأجرة فی الاجارة الاولى الحنطة و فی الثانیة الفرش، لكن لوحظ فی كل منهما المالیة یلزم بتحقق الحكم لحصول الموضوع وهو الزیادة فهل یلتزم المحقق المذكور بهذا اللازم؟ و ثانیاً: أن المتفاهم العرفی من الدلیل لزوم التماثل فی الجنس بلا فرق بین الموارد، وإن أبیت فلا أقل من الإجمال من هذه الجهة والمرجع إطلاق الدلیل.
أقول: یؤید ما أفاد سیدنا الاستاذ دام ظله بما رواه الحلبی(1)،
حیث إن ظاهر قول السائل «ثم یؤاجرها بأكثر مما استأجرها به» هو التمائل فی الجنس بل یمكن أن یقال إن صریح روایة علی بن جعفر(2)
دال على ذلك و كذلك روایة محمد بن مسلم عن أحدهما‘ قال: سألته عن الرجل يستكري الأرض بمائة دينار فيكري نصفها بخمسة و تسعين ديناراً و يعمر هو بقيتها قال لا بأس.(3)
نعم یمكن أن یقال بأن المستفاد من روایة أبی الربیع الشامی هو حرمة الفضل سواء كان من نفس الجنس أم لا، لكن غایة مایستفاد منها الإطلاق فیقیدها بما ذكر فلاحظ.
«مسألة 2: إذا تقبل عملاً من غیر اشتراط المباشرة ولا مع الإنصراف إلیها یجوز أن یوكله إلى عبده أو صانعه أو أجنبی و لكن الأحوط عدم تسلیم متعلق العمل كالثوب و نحوه إلى غیره من دون إذن المالك و إلا ضمن و جواز الایكال لا یستلزم جواز الدفع كما مر نظیره فی العین المستأجرة فیجوز له استیجاره غیره لذلك العمل بمساوی الأجرة التی قررها فی اجارته أو أكثر و فی جواز استیجار الغیر بأقل من الاجرة إشكال إلا أن یحدث حدثاً أو یأتی ببعض فلو آجر نفسه لخیاطة ثوب بدرهم یشكل استیجار غیره لها بأقل منه إلا أن یفصله أو یخیط شیئا منه و لو قلیلا بل یكفی أن یشتری الخیط و الإبرة فی جواز الأقل و كذا لو آجر نفسه لعمل صلاة سنة أو صوم شهر بعشرة دراهم مثلا فی صورة عدم اعتبار المباشرة یشكل استیجار غیره بتسعة مثلا إلا أن یأتی بصلاة واحدة أو صوم یوم واحد مثلا» (1)
(1) قد تعرض الماتن(رحمه اللّه) فی هذه المسألة لامور:
الأول: أنه لو استأجر لعمل بلا تقیید بالمباشرة صریحاً أو انصرافاً یجوز له أن یوكله إلى الغیر لأن المطلوب منه هو الجامع بین المباشرة و الایكال، هذا لا كلام فیه إنما الكلام فی جواز تسلیم العین وضمانه إیاها فی صورة التسلیم.
أفاد الماتن(رحمه اللّه) بأنه لا یجوز و أنه ضامن و أفاد فی وجهه: أن جواز الاجارة لا یستلزم جواز الدفع.
وفیه: أن الاجارة على العمل المطلق الشامل لعمل الأجیر الثانی تتوقف على الأذن المطلق الشامل لتصرف الأجیر الثانی مضافاً إلى النص الوارد فی المقام لاحظ ما رواه محمد بن الحسن الصفار قال: كتبت إلى الفقيه (علیه السلام) في رجل دفع ثوباً إلى القصار ليقصره فدفعه القصار إلى قصار غيره ليقصره فضاع الثوب هل يجب على القصار أن يرده إذا دفعه إلى غيره و إن كان القصار مأموناً فوقع (علیه السلام) هو ضامنٌ له إلا أن يكون ثقةً مأموناً إن
شاء الله.(1)
الثانی: هل یجوز للأجیر الایكال إلى الغیر بأقل الأجرة التی أخذها أم لا؟ أفاد الماتن(رحمه اللّه) بقوله: فیه اشكال.
لكن الحق عدم الجواز لعدة نصوص، منها ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما‘ أنه سئل عن الرجل يتقبل بالعمل فلا يعمل فيه و يدفعه إلى آخر فيربح فيه قال لا إلا أن يكون قد عمل فيه شيئاً.(2)
و منها ما رواه أبو حمزة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل يتقبل العمل فلا يعمل فيه و يدفعه إلى آخر يربح فيه قال لا.(3)
و منها ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما‘ قال: سألته عن الرجل الخياط يتقبل العمل فيقطعه و يعطيه من يخيطه و يستفضل قال لا بأس قد عمل فيه.(4)
و منها ما رواه مجمع قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام) أتقبل الثياب أخيطها ثم أعطيها الغلمان بالثلثين فقال أ ليس تعمل فيها فقلت أقطعها و أشتري لها الخيوط قال لا بأس. (5)
و منها ما رواه علي الصائغ قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام) أتقبل العمل ثم أقبله من غلمان يعملون معي بالثلثين فقال لا يصلح ذلك إلا أن تعالج معهم فيه قال قلت: فإني أذيبه لهم فقال ذاك عملٌ فلا بأس.(6).
الثالث: أنه یجوز بالأقل إذا أتی بمقدار من العمل كما هو مقتضى النصوص المتقدمة.
ثم إن الماتن(رحمه اللّه) أفاد فی الجواز بالأقل «بقوله: أو أحدث فیها حدثاً» إن مجرد إحداث الحدث و لو لم یعمل فیها شیئا موجب للجواز بالأقل، والحال أن الأمر لیس كذلك فإن المستفاد من الروایات هو العمل لا غیر و مجرد صبغ الثوب مثلا لیس عملا ولو أحدث
«مسألة 3: إذا استؤجر لعمل فی ذمته لا بشرط المباشرة یجوز تبرع الغیر عنه و تفرغ ذمته بذلك و یستحق الاجرة المسماة، نعم لو أتی بذلك العمل المعین غیره لا بقصد التبرع عنه لا یستحق الأجرة المسماة و تنفسخ الإجارة حینئذ لفوات المحل نظیر ما مر سابقاً من الاجارة على قلع السن فزال ألمه أو لخیاطة ثوب فسرق أو حرق» (1)
فیه حدثا نعم فیما إذا استأجر ثانیة بأكثر فیجوز إذا أحدث فیها حدثا كما فی الروایات المتعددة لاحظ ما فی باب 22 من أبواب كتاب الاجارة كما تقدم.
الرابع: هل یكفی شراء الخیوط والابرة أم لا؟ الظاهر عدم الجواز لاشتراط إتیان العمل فی المتعلق واشتراء الخیوط لا یكون عملا و أما روایة مجمع فمضافاً إلى أنها ضعیفة ذكر فیها القطع واشتراء الخیوط معا فمجرد الاشتراء خارج عن مورد الروایة.
(1) قد ذكرنا سابقاً إن الایكال إلى الغیر إذا لم یشترط فی الاجارة المباشرة سائغ و تفرغ ذمة الأجیر عن العمل إذ الاجارة وقعت على الجامع بین المباشرة والتسبیب إنما الكلام وقع فی تفریغ ذمته بالتبرع و حینئذ نقول إنه قد یتبرع المتبرع نیابة عن الأجیر و أخرى یعمل المتبرع لا عنه بل مجرد التبرع أی من دون قصد الاجرة.
أما الأول: فالظاهر أن ذمته یسقط عن العمل و یستحق الاجرة لأنه قد أدى ما فی ذمته ولا یحتاج إلى اذنه فكیف مع إذنه.
و الوجه فیه: أن العمل بعد فرض صحة الاجارة یعد كالدین فی عهدة الأجیر وقد استقرت سیرة العقلاء الممضاة عند الشارع على جواز تفریغ ذمة المدیون بأداء دینه ولا یحتاج إلى إذنه ففی الحقیقة یكون العمل المستأجر علیه هو الكلی الجامع بین صدوره منه مباشرة أو تسبیباً أو من غیره إذا كان من قبله فإن الكلی الإعتباری قابل لتعلق الاجارة كذلك عند العقلاء.
أما الثانی: فلا یستحق الأجرة المسماة لعدم صدور عمل منه لا مباشرة ولا تسبیباً فلا وجه لاستحقاق الاجرة لعدم تسلیم العمل، غایة الأمر یقع البحث أنه هل تنفسخ الإجارة حینئذ أم لا؟ أفاد الماتن(رحمه اللّه) بأنها تنفسخ لفوات المحل كما إذا آجر لقلع ضرسه فزال ألمه
كما تقدم منه(رحمه اللّه) لكن قد تقدم البحث عن ذلك فی مسألة 13 من الفصل السابق.
لكن المحقق الخوئی (قدس سره ) ذهب إلى التفصیل فی المقام بین حصول التبرع قبل مضى زمان قابل لصدور العمل من الأجیر وبین حصوله بعده فنتیجة الإنفساخ فی الصورة الأولى دون الثانیة، أما الأولى فلأن التبرع المزبور یكون كاشفاً عن عدم قدرته على العمل فلا تكون الاجارة صحیحة فتكون باطلة فی الحقیقة لا أنها تنفسخ، و أما فی الصورة الثانیة فهذا یكون من العجز الطاری الذی لا یكون موجباً لانفساخ الاجارة لتوفر الشرائط حین انعقاد العقد و قدرة الأجیر على العمل، غایة الأمر أنه أخره إتكاء على سعة وقته فالاجارة صحیحة و موجبة لاستحقاقه الأجرة المسماة، نعم للمستأجر الخیار لتعذر التسلیم فإن اختار الفسخ یسترد الأجرة فلیس على الأجیر شیء إلا رد الاجرة إذا أخذها وإلا فلا، وإن لم یفسخ فعلى المستأجر الأجرة المسماة كما له اجرة مثل هذا العمل وربما یتفاوت.
«مسألة 4: الأجیر الخاص و هو من آجر نفسه على وجه یكون جمیع منافعه للمستأجر فی مدة معینة أو على وجه تكون منفعته الخاصة كالخیاطة مثلا له، أو آجر نفسه لعمل مباشرة مدة معینة، أو كان اعتبار المباشرة أو كونها فی تلك المدة أو كلیهما على وجه الشرطیة لا القیدیة، لا یجوز له أن یعمل فی تلك المدة لنفسه أو لغیره بالإجارة أو الجعالة أو التبرع عملاً ینافی حق المستأجر إلا مع إذنه، و مثل تعیین المدة تعیین أول زمان العمل بحیث لا یتوانى فیه إلى الفراغ، نعم لا بأس بغیر المنافی كما إذا عمل البناء لنفسه أو لغیره فی اللیل فإنه لا مانع منه إذا لم یكن موجباً لضعفه فی النهار، و مثل إجراء عقد أو إیقاع أو تعلیم أو تعلم فی أثناء الخیاطة ونحوها لإنصراف المنافع عن مثلها، هذا و لو خالف و أتی بعمل مناف لحق المستأجر فإن كانت الإجارة على الوجه الأول بأن یكون جمیع منافعه للمستأجر و عمل لنفسه فی تمام المدة أو بعضها فللمستأجر أن یفسخ و یسترجع تمام الأجرة المسماة أو بعضها أو یبقیها و یطالب عوض الفائت من المنفعة بعضاً أو كلاً و كذا إن عمل للغیر تبرعاً، ولا یجوز له على فرض عدم الفسخ مطالبة الغیر المتبرع له بالعوض، سواء كان جاهلاً بالحال أو عالماً، لأن المؤجر هو الذی أتلف المنفعة علیه دون ذلك الغیر، و إن كان ذلك الغیر آمراً له بالعمل إلا إذا فرض على وجه یتحقق معه صدق الغرور و إلا فالمفروض أن المباشر للإتلاف هو المؤجر، و إن كان عمل للغیر بعنوان الإجارة أو الجعالة فللمستأجر أن یجیز ذلك و یكون له الأجرة المسماة فی تلك الاجارة أو الجعالة كما أن له الفسخ و الرجوع إلى الأجرة المسماة و له الإبقاء و مطالبة عوض المقدار الذی فات فیتخیر بین الأمور الثلاثة و إن كانت الإجارة على
الوجه الثانی و هو كون منفعته الخاصة للمستأجر فحاله كالوجه الأول إلا إذا كان العمل للغیر على وجه الإجارة أو الجعالة و لم یكن من نوع العمل المستأجر علیه، كأن تكون الإجارة واقعة على منفعة الخیاطی فآجر نفسه للغیر للكتابة، أو عمل الكتابة بعنوان الجعالة فإنه لیس للمستأجر إجازة ذلك، لأن المفروض أنه مالك لمنفعة الخیاطی فلیس له إجازة العقد الواقع على الكتابة فیكون مخیراً بین الأمرین من الفسخ و استرجاع الأجرة المسماة و الإبقاء و مطالبة عوض الفائت، و إن كانت على الوجه الثالث فكالثانی إلا أنه لا فرق فیه فی عدم صحة الإجازة بین ما إذا كانت الإجارة أو الجعالة واقعة على نوع العمل المستأجر علیه أو على غیره، إذ لیست منفعة الخیاطة مثلا مملوكة للمستأجر حتى یمكنه إجازة العقد الواقع علیها، بل یملك عمل الخیاطة فی ذمة المؤجر، و إن كانت على الوجه الرابع وهو كون اعتبار المباشرة أو المدة المعینة على وجه الشرطیة لا القیدیة ففیه وجهان، یمكن أن یقال بصحة العمل للغیر بعنوان الإجارة أو الجعالة من غیر حاجة إلى الإجازة و إن لم یكن جائزاً من حیث كونه مخالفة للشرط الواجب العمل، غایة ما یكون أن للمستأجر خیار تخلف الشرط، و یمكن أن یقال بالحاجة إلى الإجازة، لأن الإجارة أو الجعالة منافیة لحق الشرط، فتكون باطلة بدون الإجازة» (1)
(1) لاكلام فیما إذا آجر الشخص نفسه لعمل جاز له أن یأتی بعمل آخر لنفسه أو لغیره تبرعاً أو إجارة إذا لم یكن ذلك العمل منافیاً للعمل المستأجر علیه كما أنه لا یجوز ذلك إذا كان منافیاً له.
و الوجه فیه: إن مقتضى الاجارة الاولى وجوب التسلیم وحینئذ لا یجوز تفویت حق الغیر و ارتكاب أی عمل مناف لهذا الحق إنما الكلام فیما إذا خالف و عمل للغیر فی تلك
المدة فقد أفاد الماتن(رحمه اللّه) إن فی المقام وجوه و صور:
الصورة الأولى: أن یؤجر نفسه بجمیع منافعه فی مدة معینة بمعنى أن یؤجر نفسه فی جمیع المنافع المترقبة منه من غیر أن تكون ذمته مشغولة بشیء ففی هذه الصورة تارة یعمل للغیر بالاجارة و أخرى بالتبرع و ثالثة یعمل لنفسه، و أما إذا عمل لنفسه فالظاهر أنه یكون ضامناً للمستأجر حیث فوّت ماله «و من أتلف مال الغیر فهو له ضامن» وهل له أن یفسخ العقد أم لا؟
ذهب الماتن(رحمه اللّه) أن له الفسخ و علل بعدم تسلیم العمل المستأجر علیه إذ مقتضى الشرط الإرتكازی وجوب التسلیم فإذا خالف یثبت للمستأجر المشروط له الخیار فله الإمضاء والمطالبة باجرة المثل عوضأ عن المنفعة الفائتة، والفسخ و استرداد الأجرة المسماة لو أعطاها هذا بالنسبة إلى مجموع العقد واضح.
أما بالنسبة إلى أبعاضه فقد حكم الماتن(رحمه اللّه) فیما لو كان الفائت بعض المنفعة باسترجاع بعض الأجرة المسماة عند اختیار الفسخ، لكن ما أفاد مبنی على انحلال العقد إلى عقود متعددة كی نستطیع أن نقول بالفسخ بالنسبة إلى بعض أفراد دون بعض حتى تتقسط الأجرة المسماة.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن العقد الواحد لا یتحمل إلا إمضاء واحداً أو فسخاً واحداً فقهراً إذا اختار الفسخ استرجع تمام المسماة و علیه عوض البعض الذی استوفاه كما أنه على تقدیر الإمضاء یطالبه بعوض ما فاته من أبعاض المنفعة فالتفكیك لا مجال له و تبعه على ذلك سیدنا الاستاذ دام ظله.
و أما إذا تبرع لشخص آخر فالكلام فیه هو الكلام فی ثبوت الضمان من ناحیة تفویته مال الغیر فللمالك مطالبته بالعوض و أما مطالبته من المتبرع له، فلا وجه له ولو كان المتبرع له آمراً له إذ المتلف إنما هو الأجیر نفسه و مجرد الأمر بالإتلاف لا یكون موجباً للضمان و لذا لو أمر شخص زیداً أن یتلف مال عمرو فأتلفه هل یكون ضامناً لماله؟ كلّا. نعم، إذا كان الأمر مع الاستیفاء من مال المأمور المتلف، یوجب الضمان ولذا لو أمره بإتلاف ماله بالإعطاء لأحد یكون ضامناً بمقتضی السیرة العقلائیة، لكن الإعطاء المجانی فلا دلیل
على أن الأمر بمجرده موجب للضمان، نعم استثنى الماتن بقوله: «إلا إذا فرض على وجه یتحقق معه صدق الغرور و حینئذ یكون ضامناً لقاعدة الغرور» وقد تقدم منا أن القاعدة تكون على مقتضى السیرة العقلائیة الممضاة عند الشارع لعدم ردعها وحینئذ یرجع المستأجر إلى الأجیر و هو یراجع الغار.
و أما إذا آجر من شخص آخر وحیث إنه ارتكب خلاف الشرط الإرتكازی یثبت للمستأجر الخیار غایة الأمر هو مخیر بین امضاء الاجارة الثانیة (لأنها وقعت فضولیة) و أخذ الأجرة المسماة الثانیة و بین الرد و أخذ اجرة المثل للعمل الذی أتی للغیر و بین فسخ الإجارة الاولى و أخذ الأجرة المسماة فللخیار ثلاث أطراف.
الصورة الثانیة: إذا كانت الإجارة واقعة على المنفعة الخاصة والأجیر خالف فی ذلك و أجار نفسه اجارة ثانیة فی نفس ذلك الوقت وحینئذ نقول قد تكون الاجارة الثانیة متعلقة بنفس ما تعلقت به الاجارة الاولى فالكلام فیه هو الكلام ویجری فیها ما جرى فی الفرض الثالث من الصورة الاولى وقد تكون الاجارة الثانیة بغیر ما تعلقت به الاجارة الاولى كما إذا آجر أولا من حیث الخیاطة و آجر ثانیة من حیث الكتابة فقد حكم الماتن(رحمه اللّه) بعدم جواز الاجارة ولا یجوز له الاجازة أیضا لأنها لابد من صدورها ممن یكون الأمر بیده والمستأجر لیس كذلك فالأمر منحصر فی الفسخ و إرجاع الأجرة المسماة وبین الإبقاء و أخذ أجرة المثل.
لكن الحق فساد الاجارة الثانیة لمنافاتها مع الأولى و عدم قدرته على التسلیم فیكون عدم القدرة كاشفاً عن عدم كونه مالكاً لهذا العمل فتكون الاجارة باطلة.
ثم إن لسیدنا الاستاذ دام ظله كلام فی المقام وهو صحة الاجارة الثانیة بالترتب بمعنی أنه یؤجر نفسه للكتابة على فرض عصیانه فی الاجارة الاولى بالنسبة إلى الخیاطة.
لكن قد ذكرنا سابقا أن وجوب الوفاء بالاجارة الاولى و لزوم تسلیم العمل ینافی مع لزوم تسلیم العمل بالنسبة إلى الاجارة الثانیة فلا یمكن للمكلف أن یأتی بكلا الأمرین بالنسبة إلى أمر واحد فلا یعقل توجه التكلیفین المتضادین إلیه.
أللهم إلا أن یقال بأن وجوب التسلیم تكلیفی فیتصور فیه الترتب نظیر الموارد الأخر.
الصورة الثالثة: أنه لو آجر ذمته للعمل و قیده بالمباشرة فی مدة معینة ثم آجر ذمته لعمل آخر منافی للعمل الأول، أفاد السید الماتن(رحمه اللّه) بفساد الاجارة الثانیة لأن العمل فی الاجارة الثانیة لیس مملوكاً للمستأجر حتى یمكنه الاجازة فالعقد باطل فیكون المستأجر مخیراً بین إمضاء العقد الأول و أخذ أجرة المثل و بین فسخ الاجارة و استرجاع الأجرة المسماة.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأنه یمكن تصحیح الاجارة الثانیة بالترتب لكن الكلام فیه ما تقدم فی الصورة الثانیة فلاحظ.
الصورة الرابعة: لو آجر أولاً ذمته لفعل غیر مقید بالمباشرة ولا مقید بمدة معینة، لكن یشترط المستأجر على الأجیر أن یعمله مباشرة أو اشترط علیه مدة معینة، ففی هذه الصورة احتمل الماتن(رحمه اللّه) الفاسد لأن الشرط موجب لتضییق السلطنة فیكون العقد باطلاً.
و فیه: أنه قد سبق أن الاشتراط لا یوجب التضییق لعدم الدلیل علیه و مع الشك فالأصل عدمه مضافاً إلى أن إطلاقات الأدلة الأولیة كافیة فی المقام، نعم مقتضى الشرط ثبوت الخیار عند التخلف فلا یترتب علیه إلا جواز الفسخ أی فسخ الإجارة الأولى.
«مسألة 5: إذا آجر نفسه لعمل من غیر اعتبار المباشرة و لو مع تعیین المدة أو من غیر تعیین المدة ولو مع اعتبار المباشرة جاز عمله للغیر ولو على وجه الاجارة قبل الإتیان بالمستأجر علیه لعدم منافاته له من حیث إمكان تحصیله لا بالمباشرة أو بعد العمل للغیر لأن المفروض عدم تعیین المباشرة أو عدم تعیین المدة » (1)
«و دعوى أن إطلاق العقد من حیث الزمان یقتضی وجوب التعجیل، ممنوعة مع أن لنا أن نفرض الكلام فیما لو كانت قرینة على عدم ارادة التعجیل» (2)
(1) و الوجه فیه واضح إذ بعد فرض عدم التنافی بین الأمرین من حیث المباشرة عدمها و من حیث الزمان الخاص و عدمه لا وجه للتزاحم بین الإجارتین.
(2) المراد بالتعجیل الممنوع فی كلامه هو التعجیل الحقیقی الدقی فلا ینافی ما أفاده قبل ذلك من أن الإطلاق منصرف إلى التعجیل، إذ المراد به هناك التعجیل العرفی فمقتضى إطلاق العقد هو البدار العرفی بحیث لا یتحقق معه التوانی والتسامح فله المكث بمقدار ساعات للاستراحة أو قضاء حاجة وحینئذ لو عمل فی خلال هذه المدة عملاً آخر بإجارة أخرى فقد وفی بالعقد الأول لعدم التصادم مع التعجیل العرفی المعتبر فی الاجارة الاولى.
«مسألة 6: لو استأجر دابة لحمل متاع معین شخصی أو كلی على وجه التقیید فحملها غیر ذلك المتاع أو استعملها فی الركوب لزمه الأجرة المسماة و اجرة المثل لحمل المتاع الآخر أو للركوب، و كذا لو استأجر عبداً للخیاطة فاستعمله فی الكتابة، بل وكذا لو استأجر حراً لعمل معین فی زمان معین و حمله على غیر ذلك العمل مع تعمده و غفلة ذلك الحر و اعتقاده أنه العمل المستأجر علیه، و دعوى أن لیس للدابة فی زمان واحد منفعتان متضادتان، و كذا لیس للعبد فی زمان واحد إلا إحدى المنفعتین من الكتابة أو الخیاطة، فكیف یستحق أجرتین؟ مدفوعة بأن المستأجر بتفویته على نفسه و استعماله فی غیر ما یستحق كأنه حصل له منفعة أخرى» (1)
(1) و الوجه فی استحقاق الأجرتین أن الأجرة المسماة ثابتة بنفس العقد لوقوعه صحیحاً ومن المعلوم أن التفویت لا یوجب عدم الاستحقاق وسقوطها، وأما اجرة المثل فلأجل أن استیفاء المنفعة الاخرى التی هی أیضا مال محترم للمؤجر لا یذهب هدراً فلا مناص من دفع الأجرتین معاً احداهما بنفس العقد والأخرى بالاستیفاء الخارجی، هذا على الظاهر تام، إنما الكلام فی أن المالك للعین هل هو مالك للمنافع المتضادة أم لا؟ فإن قلنا بامتناع منفعتین متضادتین فی عرض واحد بالنسبة إلى العین الواحدة، فلا یعقل أن یكون المالك مالكاً لكلتا المنفعتین فلا یستحق اجرتین و إلا فیعقل.
و التحقیق أن یقال: إن المنافع موجودة بالقوة نحو وجود المقبول بوجود قابله و حینئذ فمن ملك العین ملك جمیع الخصوصیات المتعلقة بالعین و الحیثیات المربوطة بها التی هی عبارة أخرى من المنافع وهذه الحیثیات و الخصوصیات لا مضادة لها فی مقام الاعتبار و حینئذ إذا تحقق أحدهما وخرج من القوة إلى الفعلیة لا یوجب خروج سائر الحیثیات القائمة بالعین فتبقى على ما هو علیه، و لذا یجوز له أن یؤجر فرد آخر منها من شخص آخر، نعم لها المضادة فی مقام الفعلیة فلا تجتمع منفعة الركوب مثلا مع منفعة الحمل فی مقام الفعلیة.
والحاصل: أن الملكیة المتعلقة بالمنافع فبما أنها أمر اعتباری و الاعتبار خفیف المؤنة و قوامه
بید المعتبر، لا مضادة بین ملكیة منفعة وملكیة منفعة أخرى فیعتبر من بیده الاعتبار ملكیة أحد لمنفعة و یعتبره فی عین الحال ملكیة منفعة أخرى مضادة للاولی إذ لا مانع من الجمع بین الاعتبارین بعد عدم وجود أی مقتض لسرایة التضاد إلى المتعلقین فالتضاد فی مقام التحقق غیر منافی للإعتبار.
إن قلت: إن الاعتبار لابد من تعلقه بأمر مقدور حتى یكون ذا أثر وإلا یكون لغواً و المفروض أنه لا قدرة على المنافع المتضادة.
قلت: إن الملكیة كما حققها المحقق الخوئی (قدس سره ) من الامور الاعتباریة الإنحلالیة ففی كل مورد تستدعی مقدوریة متعلقه نفسه لا بضمیمة متعلق مورد آخر ولا ریب إن كل مورد من المنافع مقدور فی حد نفسه من دون نظر إلى منفعة أخرى فالممتنع هو الجمع فی مقام التحقق و الملكیة إنما تعلقت بكل واحدة واحدة مما هو مقدور فی نفسه فعدم إمكان استیفاء المنفعتین المتضادتین معاً خارجاً لا یقتضی عدم إمكان إعتبار الملكیة لكل واحدة منهما بحیالها و تظهر الثمرة فیما إذا ملك المالك واحدة منها من الغیر و أخرجها عن ملكه بالاجارة فخروجها لا یستلزم خروج الباقی ولذا لو تمكن الغیر من التصرف فیها ولو لأجل عدم تصرف المستأجر فیها یمكنه أن یتصرف فیه و یكون المتصرف ضامناً بالنسبة إلى هذه المنفعة المستوفاة، هذا كله.
مضافاً إلى روایة أبی ولاد الحناط قال: اكتريت بغلاً إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً و جائياً بكذا و كذا و خرجت في طلب غريم لي فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبرت أن صاحبي توجه إلى النيل فتوجهت نحو النيل فلما أتيت النيل خبرت أن صاحبي توجه إلى بغداد فاتبعته و ظفرت به و فرغت مما بيني و بينه و رجعنا إلى الكوفة و كان ذهابي و مجيئي خمسة عشر يوماً فأخبرت صاحب البغل بعذري و أردت أن أتحلل منه مما صنعت و أرضيه فبذلت له خمسة عشر درهماً فأبى أن يقبل فتراضينا بأبي حنيفة فأخبرته بالقصة و أخبره الرجل فقال لي ما صنعت بالبغل فقلت قد دفعته إليه سليماً قال نعم بعد خمسة عشر يوماً قال فما تريد من الرجل فقال أريد كراء بغلي فقد حبسه عليّ خمسة عشر يوماً فقال ما أرى لك حقاً لأنه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة فخالف و ركبه
إلى النيل و إلى بغداد فضمن قيمة البغل و سقط الكراء فلما رد البغل سليماً و قبضته لم يلزمه الكراء، قال فخرجنا من عنده و جعل صاحب البغل يسترجع فرحمته مما أفتى به أبو حنيفة فأعطيته شيئاً و تحللت منه و حججت تلك السنة فأخبرت أبا عبدالله (علیه السلام) بما أفتى به أبو حنيفة فقال في مثل هذا القضاء و شبهه تحبس السماء ماءها و تمنع الأرض بركتها قال فقلت لأبي عبدالله (علیه السلام) فما ترى أنت فقال أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل و مثل كراء بغل راكباً من النيل إلى بغداد و مثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة توفيه إياه قال فقلت جعلت فداك قد علفته بدراهم فلي عليه علفه فقال لا لأنك غاصبٌ قال فقلت له أ رأيت لو عطب البغل و نفق أ ليس كان يلزمني قال نعم قيمة بغل يوم خالفته قلت فإن أصاب البغل كسرٌ أو دبرٌ أو غمزٌ فقال عليك قيمة ما بين الصحة و العيب يوم ترده عليه فقلت من يعرف ذلك قال أنت و هو إما أن يحلف هو على القيمة فيلزمك فإن رد اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين اكترى كذا و كذا فيلزمك فقلت إني كنت أعطيته دراهم و رضي بها و حللني فقال إنما رضي بها و حللك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور و الظلم و لكن ارجع إليه فأخبره بما أفتيتك به فإن جعلك في حل بعد معرفته فلا شيء عليك بعد ذلك الحديث.(1)دالة على ذلك.
بتقریب: أنه (علیه السلام) صرح بالضمان بالنسبة إلى المنافع المستوفاة التی هی خارجة عن متعلق الاجارة فی مفروض الكلام، ویؤیدها ما هو المرتكز فی أذهان العقلاء فلاحظ.
لا یقال: إن مقتضى ما ذكرتم ضمان الغاصب لجمیع المنافع التی ربما تزید على قیمة العین و بعبارة أخرى أن مقتضى ما ذكر أنه لو غصب الغاصب دابة زید مثلاً شهراً یلزم أن یكون ضامناً لاجرة المثل لجمیع المنافع المترقبة من الدابة وهل یمكن الالتزام به؟
فإنه یقال: إن الضمان إما یثبت إذا تحقق سبب ذلك و السبب فیه إما أن یكون بالاستیفاء وإما أن یكون بالتلف تحت الید و إما أن یكون بالإتلاف وشیء من هذه الامور لا تكون
1) الوسایل، الباب 17 من أبواب كتاب الاجارة، الحدیث: 1
محققة فی المقام، أما الأول فلأن الغاصب لا یستوفی من المنافع إلا واحدة منها، و أما الثانی والثالث فالأمر أیضا كذلك بداهة عدم صدق التلف أو الإتلاف إذ الصدق علیهما متفرع على تحقهما خارجاً والمفروض عدم قبول تلك المنافع للوجود خارجاً على صفة الاجتماع فلم یتلف على المالك إلا منفعة واحدة، و أما بقیة المنافع فلجهة المضادة بینها غیر قابلة للتحقق خارجاً فی عرض واحد فلم یصدق عنوان التلف أو الإتلاف بالنسبة إلیها، نعم هی تالفة فی طبعها ذاتاً سواء غصبها غاصب أم لا، هذا بل یمكن أن یقال: إن المستفاد من روایة أبی ولاد عدم الضمان إذ المستفاد من الحدیث، عدم الضمان بالنسبة ألى غیر ما استوفاه ولو كان الغصب موجباً له فلابد من أن الامام (علیه السلام) علی أن یعلم ذلك والحال أنه روحی فداه فی مقام البیان فالإطلاق المقامی یقتضی أن لا یكون الشخص الغاصب ضامناً للمنافع غیر المستوفاة و فی قبال هذا القول أقوال فی المقام:
الأول: أن المالك مالك للجامع بین المنافع فیكون مخیراً فی التطبیق على أی فرد منها فإذا طبقه على منفعة خاصة فلم یبق له فی هذه المدة أی ملك فی العین ما عدى تلك العین بذاتها فیكون بقیة المنافع غیر مملوكة له فلا وجه لتصور الضمان بالنسبة إلى المنفعة المستوفاة لو آجرها فی منفعة خاصة غیر هذه المنفعة فلا ضمان إلا بالنسبة إلى الأجرة المسماة.
و فیه: أن مقتضى ما ذكر جواز استیفاء المنفعة العظمى بدلاً عما وقعت علیه الاجارة من المنفعة الردیئة بإزاء اجرة قلیلة إذ المفروض أن المالك مالك للجامع فلا وجه لضمان الأكثر وهل یمكن الالتزام به؟ مضافاً إلى أنه اجتهاد فی مقابل النص المعتبر و هو صحیحة أبی ولاد، أضف إلى ذلك أنه یلزم أن الغاصب لو استوفی من العین أعظم المنافع یكون ضامناً بمقدار اجرة المثل فی قبال أقل المنافع وهذا خلاف سیرة العقلاء.
الثانی: إن المستأجر إذا تخلف و استوفی منفعة أخرى ینفسخ العقد الأول و تكون على المستأجر اجرة المثل بالنسبة إلى المنفعة التی استوفاها، بتقریب: أن المستفاد من حدیث أبی ولاد ثبوت الضمان بالنسبة إلى هذه المنفعة فقط فلا تجب الاجرة المسماة.
أورد علیه: أنه لا دلیل على انفساخ العقد باستیفاء منفعة أخرى مع أن مقتضی وجوب الوفاء بالعقد لزومه و مع الشك مقتضى الأصل عدم كونه موجباً للفسخ، و أما الحدیث
فلا یكون ناظراً إلى ذلك إذ الظاهر منه لزوم أداء اجرة المثل بالنسبة إلى ما استوفاه من المنفعة، و أما الأجرة المسماة فهی أمر مفروض غیر قابل للنقاش فكأنه مفروغ عنه فی الحدیث.
ثم إن المحقق الخوئی (قدس سره ) أورد على هذا القول إن لازم ما ذكر برائة ذمة المستأجر عما اشتغلت به حین العقد من غیر أی مقتض لها فیما لو استوفی بدلاً عن المنفعة المستأجرة منفعة أخری، فلو كانت الأجرة المسماة مأة دینار مثلاً واستوفی المستأجر منفعة یكون اجرتها دیناراً واحداً یلزم برائة ذمة المستأجر والحال أنه لا مقتضی لبرائة ذمته منها.
أجاب عنه سیدنا الاستاذ دام ظله بأن الانصاف أنه غیر وارد على القائل إذ هو یدعی انفساخ العقد و بعد الانفساخ لا وجه للإشتغال.
الثالث: ما ذهب إلیه المحقق النائینی(رحمه اللّه) من أنه لا یضمن إلأ أعلى المنفعتین فلو كان ما استوفاه دون متعلق الاجارة أو مساویاً له و لم یكن المسمى دون أجرة المثل لم یلزمه إلا المسمی ویرجع إلى اجرة المثل فیما عدا ذلك، و حاصل ما أفاده أنه لابد من التفصیل بین ما إذا كانت اجرة المنفعة المستوفاة مساویة للاجرة المسماة أو أقل فلا یستحق إلا المسماة وبین ما إذا كانت أكثر فیستحق المسماة لا مع الزیادة فیجب على المستأجر ما به التفاوت بین الأجرتین.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأنه تارة قلنا بملكیة المنفعة المتضادة وأخرى لانقول بذلك، فعلی الأول فلا وجه للتفصیل بل یلزم المستأجر أن یؤدی الأجرتین كاملة لا ما به التفاوت فقط و على الثانی فلا یستحق إلا الأجرة المسماة لا ما به التفاوت، أضف إلى ذلك أن المدار إذا كانت الروایة أعنی روایة ابی ولاد(1)
فالظاهر منها أداء تمام ما استوفاه من المنفعة كما ذهب إلیه السید البروجردی(رحمه اللّه) لا ما به التفاوت بین الاجرتین.
والحاصل: أن هذا القول لا یناسب شیئا من القاعدة و الروایة.
1) الوسایل، الباب 17 من أبواب كتاب الاجارة، الحدیث: 1
«مسألة 7: لو آجر نفسه للخیاطة مثلا فی زمان معین فاشتغل بالكتابة للمستأجر مع علمه بأنه غیر العمل المستأجر علیه، لم یستحق شیئاً، أما الاجرة المسماة فلتفویتها على نفسه بترك الخیاطة، و أما اجرة المثل للكتابة مثلا فلعدم كونها مستأجراً علیها فیكون كالمتبرع بها بل یمكن أن یقال بعدم استحقاقه لها و لو كان مشتبهاً غیر متعمد خصوصاً مع جهل المستأجر بالحال» (1)
«مسألة 8: لو آجر دابته لحمل متاع زید من مكان إلى آخر فاشتبه و حملها متاع عمرو، لم یستحق الاجرة علی زید و لا على عمرو» (2)
(1) ما أفاده مشكل إذ ما أفاده متین على تحقق الاستحقاق فی الاجارة بالعمل الخارجی والحال أن الأجرة المسماة مملوكة للأجیر بنفس العقد، نعم مع عدم التسلیم فللمستأجر الخیار بین إبقاء العقد و أخذ اجرة المثل بالنسبة إلى المنفعة الفائتة و فسخ العقد و إرجاع الاجرة المسماة.
(2) أما عدم استحقاقه من زید فلعدم العمل بما استأجر علیه و أما عدم استحقاقه من عمرو فلعدم أمره بالعمل وعدم كون العمل مما استأجر علیه.
لكن قد تقدم منّا أن الأجیر یستحق الأجرة بالعقد و عدم استحقاقه غیر منوط بالعمل الخارجی، نعم مع عدم التسلیم یكون للمستأجر الخیار بین الفسخ و استرداد الأجرة المسماة و بین الامضاء و رد الأجرة المسماة و أخذ اجرة المثل للمنفعة الفائتة.
«مسألة 9: لو آجر دابته من زید مثلا فشردت قبل التسلیم إلیه أو بعده فی أثناء المدة بطلت الإجارة و كذا لو آجر عبده فأبق و لو غصبهما غاصب فإن كان قبل التسلیم فكذلك و إن كان بعده یرجع المستأجر على الغاصب بعوض المقدار الفائت من المنفعة و یحتمل التخییر بین الرجوع على الغاصب و بین الفسخ فی الصورة الاولى و هو ما إذا كان الغصب قبل التسلیم» (1)
(1) قد تعرض الماتن(رحمه اللّه) الفرعین:
الفرع الأول: لو آجر دابته من زید مثلا فشردت قبل التسلیم أو بعده فی الأثناء وكذا لو أبق العبد ثم أجره منه أو أبق فی أثناء المدة ففی كلتا الصورتین بطلت الإجارة.
و استدل على ذلك بأن غیر الممكن للتسلیم غیر مملوك وكیف یمكنه أن یملك الغیر فمنفعة العبد والدابة حالة الشرد والإباق لم تكن مملوكة لمالكها من أصلها فیكف یمكنه أن یملكها من غیره وحینئذ إن كان الشرد و الإباق قبل التسلیم بطلت الإجارة من أصلها و إن كان فی الأثناء بطلت فی الباقی لفوات المنفعة بالنسبة إلیه وحینئذ فللمستأجر خیار تبعض الصفقة بالنسبة إلى ما مضى ومع فسخه یرجع تمام الأجرة المسماة و یؤدی اجرة المثل لما مضى.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بامور:
الأول: بأنه أخص من المدعی إذ یمكن أن یكون المستأجر قادراً على تسلمها و إن لم یكن المؤجر قادراً على التسلیم فلابد من التفصیل بین الموردین من القول بالصحة فی الصورة الأولى دون الثانیة.
الثانی: یلزم على هذا القول انه لو استوفی شخص من هذه الدابة الشاردة منفعة مهمة لا یكون ضامناً لها لعدم كونها مملوكة لمالك العین فهل یمكن الالتزام به؟ كلا.
الثالث: إن ما أفاده مبتن على أن الملكیة متوقفة على التمكن من الانتفاع فمع عدم القدرة لا تكون المنفعة مملوكة له والحال أنه لا دلیل على هذا الشرط ولذا لو ألقى جوهر من
الجواهر فی البحر كان ذلك الجوهر مملوكاً لمالكه بقاء و إن لم یكن قادراً علیه.
ثم استدل دام ظله على قوله بأن الشارع الأقدس حكم بتعریف اللقطة أولاً ثم التصدق بعد الیأس عن مالكه ثانیاً، والحال أن صاحب اللقطة غیر قادر على ذلك الشیء وهكذا الكلام فی الأراضی المغصوبة من ناحیة حكام الجور فإن لازم هذا القول جواز التصرف فی الأملاك المغصوبة التی صارت شوارع والأسواق، بتقریب أنها صارت تالفة إذ لا یرجی رجوعها إلى مالكها مع أنه یرد علیه أن لازم ذلك كونها من المباحات الأصلیة بحیث یجوز لكل أحد حیازته ولا یمكن الالتزام به بل لم یلتزم به أحد على الظاهر.
الفرع الثانی: لو غصب العین غاصب فإن كان قبل التسلیم أفاد الماتن(رحمه اللّه) أنه بطلت الاجارة و إن كان بعد التسلیم یرجع المستأجر على الغاصب بعوض المقدار الفائت من المنفعة، ثم احتمل(رحمه اللّه) بأنه مخیر بین الرجوع على الغاصب و بین الفسخ فی الصورة الاولى و هو ما إذا كان الغصب قبل التسلیم.
أقول: أما البطلان فی الصورة الاولى أعنی قبل التسلیم فقد تقدم الإشكال فی نظائره فإن مجرد عدم القدرة على التسلیم لا یكون مانعاً عن صحة الإجارة لأن مجرد عدم القدرة علیه لا یكون كاشفاً عن عدم كونه مالكاً لها، و أما الرجوع على الغاصب فی الصورة الثانیة فواضح لأن المؤجر غیر ملزم بحفظ المال عند المستأجر فلا یكون الغصب المتأخر عن التسلیم محسوباً علیه لیرجع إلیه فله الرجوع إلى الغاصب فقط، و أما احتمال التخییر فی الصورة الأولى فقد استدل المحقق الخوئی (قدس سره ) على ذلك بأنه لم یوجد أی مقتض للبطلان بعد أن كانت المنفعة بنفسها قابلة للاستیفاء وممكنة التحقق خارجاً، غایة الأمر أن الظالم حال بین فعلیة الاستیفاء والمالك وهذا لا یضر بصحة العقد لأن الذی حدث هو تعذر التسلیم لا سقوط العین عن صلاحیة الانتفاع و الفرق بین ذلك و بین الإباق والشرد أن ما نحن فیه قابل للإنتفاع وإن منعه ظالم عن الفعلیة، و أما الشرد و الإباق فمانع عن قابلیة العین للإنتفاع و حینئذ یثبت الخیار فی ما نحن فیه بین الرجوع على الغاصب بعوض المنفعة الفائتة تحت یده وبین اختیار الفسخ واسترجاع الأجرة المسماة عن المؤجر، لكن الفرق غیر واضح لاتحاد الملاك.
«مسألة 10: إذا آجر سفینته لحمل الخل مثلا من بلد إلى بلد فحملها المستأجر خمراً لم یستحق المؤجر إلا الأجرة المسماة و لا یستحق أجرة المثل لحمل الخمر لأن أخذ الأجرة علیه حرام و لیست هذه المسألة مثل مسألة اجارة العبد للخیاطة فاستعمله المستأجر فی الكتابة لا یقال: فعلى هذا إذا غصب السفینة و حملها خمراً كان اللازم عدم استحقاق المالك أجرة المثل لأن أجرة حمل الخمر حرام لأنا نقول إنما یستحق المالك أجرة المثل للمنافع المحللة الفائتة فی هذه المدة و فی المسألة المفروضة لم یفوت على المؤجر منفعة لأنه أعطاه الأجرة المسماة لحمل الخل بالفرض» (1)
(1) أما استحقاق الأجرة المسماة فلمقتضى العقد و أما عدم استحقاق أجرة المثل بالنسبة إلى هذه المنفعة المحرمة فلعدم تقابل هذه المنفعة بالمال لیترتب علیه الضمان فإنها بعد كونها محرمة لم تكن مملوكة للمالك وهذا لا یقاس بما ذكرناه سابقاً من معقولیة المنافع المتضادة واستحقاق المؤجر للاجرتین لكونها مملوكة للمالك بخلاف المقام فإن هذه المنفعة المذكورة غیر مملوكة له وما أفاده من الجواب عن الإشكال صحیح فإن استحقاقه لاجرة المثل إنما هو بإزاء المنفعة المحللة لا المحرمة و لذا لو لم یستوفها حتى انقضت المدة كان ضامناً للمنافع المحللة لمكان التفویت، و أما فی المقام فحیث إن المالك آجر سفینته لمنفعة محللة خاصة فقد استوفاها باستیفاء الأجرة و أما البقیة فتلفت بطبعها بعد أن لم یتمكن المالك من استیفائها خلال هذه المدة فلا تفویت فلا ضمان إلا بالنسبة إلى الاجرة المسماة هذا لا كلام فیه، إنما الكلام فی الدلیل على حرمة الاجارة لحمل الخمر فقد استدل علیه بما رواه زید بن على عن آبائه (علیهم السلام) قال: لعن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الخمر و عاصرها و معتصرها و بائعها و مشتريها و ساقيها و آكل ثمنها و شاربها و حاملها و المحمولة إليه.(1)
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأن الظاهر منه أن المراد بالحامل الذی یحمل الخمر لشاربه لا مجرد الحمل بقرینة قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «و المحمولة إلیه»، وإن أبیت فلا أقل من احتفاف الكلام
1) الوسایل، الباب 55 من أبواب ما یكتسب، الحدیث: 3
«مسألة 11: لو استأجر دابة معینة من زید للركوب إلى مكان فاشتبه و ركب دابة أخرى له لزمه الاجرة المسماة للاولی و أجرة المثل للثانیة كما إذا اشتبه فركب دابة عمرو فإنه یلزمه أجرة المثل لدابة عمرو و المسماة لدابة زید حیث فوت منفعتها على نفسه» (1)
«مسألة 12: لو آجر نفسه لصوم یوم معین عن زید مثلا ثم آجر نفسه الصوم ذلك الیوم عن عمرو لم تصح الاجارة الثانیة و لو فسخ الاولى بخیار أو إقالة قبل ذلك الیوم لم ینفع فی صحتها بل و لو أجازها ثانیاً بل لابد له من تجدید العقد لأن الاجازة كاشفة ولا یمكن الكشف هنا لوجود المانع حین الاجارة فیكون نظیر من باع شیئاً ثم ملك بل أشكل» (2)
بما یصلح للقرینیة فلا یبقى ظهور فی المقام، و أما الحدیثان الآخران فی الباب المشار إلیه فضعیفان سنداً.
(1) و الأمر كما أفادها من ثبوت الأجرتین، أما الأجرة المسماة بالعقد و أما اجرة المثل فللاستیفاء كما قرره فی المتن.
(2) أما وجه بطلان الاجارة الثانیة فلعدم كون المؤجر مالكاً للمنفعة الخاصة بعد أن ملّكها من الغیر فلا سلطنة علیها حتى تصح اجارتها.
لكن یمكن أن یقال: إنه بناء على إمكان ملكیة المنافع المتضادة تصح الاجارة الثانیة لأن المنفعة التی ملّكها فی العقد الأول هو الصوم عن زید مثلا و المنفعة التی ملّكها فی العقد الثانی هو الصوم عن عمرو مثلا فلا تنافی بینهما فی الملكیة على هذا المبنى، غایة الأمر لا یمكنه التسلیم فله الخیار بمعنی فسخ العقد الأولى أو إجازة ذلك و أخذ أجرة المثل لما أتلفه من المنفعة إذ القدرة على التسلیم إنما هی من أحكام العقد الصحیح لا من شرائط صحة العقد.
و أما لو فسخ الاولى بخیار أو إقالة فهل تصح الاجارة الثانیة مع الإجازة أو بدونها أم لا؟ ذهب الماتن(رحمه اللّه) إلى الثانی حتى مع الاجازة لأن الاجازة كاشفة ولا طریق إلى الكشف بعد
أن كان العمل مملوكة للمستأجر الأول حال الاجارة الثانیة فلا یكون المؤجر وقت انعقاد الاجارة الثانیة مالكاً للصوم لیستكشف تملیكه للغیر و یحكم بالصحة بالاجازة اللاحقة.
نعم، هو یصیر مالكاً بعد الفسخ اللاحق فیندرج تحت كبری «من باع ثم ملك»، بل المقام أشكل.
و الوجه فیه كما أفاده المحقق الخوئی (قدس سره ) إن مورد القاعدة إمكان تصحیح العقد باجازة من مالك العین لا من البایع و حینئذ یبحث إن اختلاف المالك حال الاجازة عن المالك حین البیع هل یوجب فرقاً فی تأثیر الاجازة أم لا؟ وأما فی المقام فلا یمكن تصحیح الاجازة الثانیة حال انعقادها لا من المؤجر ولا من المستأجر الأول، أما المؤجر فلعدم كونه مالكاً وأما المستأجر فلكونه أجنبیة عن هذا العقد لأنه إنما یملك الحصة الخاصة من الصوم و هو صوم عن زید لا طبیعی الصوم، و أما الصوم عن عمرو فلا ربط له به فلیس له حق الاجازة.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله أولاً: أن ما أفاده من التوجیه، لكون ما نحن فیه أشكل من القاعدة، مخدوش: بأن اجازة المستأجر الأول تؤثر فی صحة الإجارة الثانیة لأنه لو رضی من أول الأمر بالاجارة بفعل الأجیر واجارته، لا یكون الاجارة الثانیة منافیاً للاجارة الأولى فكذلك أجازته و علیه كیف یمكن القول بتأثیر الرضا فی بادی الأمر ولا یكون أثر لاجازته بعد وقوعها، إذ المانع خلقی لا خالقی فتؤثر إجازة المستأجر الأول نظیر عقد الزواج على البنت بعد الزواج مع عمتها أو خالتها فكما أن أجازتها بعد العقد الفضولی الواقع على البنت مؤثرة فكذلك تؤثر فی المقام بلا فرق.
لكن یمكن أن یقال بأن الاجازة من المستأجر هل هی تعلقت بنفس المنفعة المستأجر علیها فی الاجارة الأولى أو غیرها؟ فإن تعلقت بالاولى فلا تؤثر الاجازة لأن المستأجر بعد الفسخ صار أجنبیاً عنها فكیف یجیزها؟ وإن كانت غیرها فكان أجنبیاً من أول الأمر فلا ربط له بها حتى یجیزها.
و ثانیاً: أن ما أفاده من تأثیر الاجازة من المؤجر بعد فسخ الإجارة الاولى فمخدوش نقضاً و حلاً.
أما النقض فلو باع الفضولی مال المجنون و المجنون بعد إفاقته أجاز العقد الفضولی، فعلی
ما أفاد لابد من القول بالصحة إذ المقتضی و هو الملكیة موجود و المانع وهو الجنون مرتفع.
و أما الحل فنسأل أن المانع عن الاجارة الثانیة على ما رامه خلقی أو خالقی؟ لا إشكال فی أنه خالقی إذ صرح بأنه لیس لأحد حق الاجازة قبل الفسخ، و من الظاهر أن الشیء لا ینقلب عما هو علیه و المستفاد من حدیث زرارة(1)
أن المیزان فی القابلیة للاجازة و عدمها عصیان الله تبارك و تعالی شانه و عصیان مخلوقه بمعنى إنه إن كان عصیاناً للخالق فغیر قابل للاجازة و إن كان عصیاناً للخلق فقابل لها و المقام من موارد عصیان الله تبارك و تعالی.
ثم إن المحقق الخوئی (قدس سره ) أفاد بعد ذلك أن الحق صحة الاجارة من دون أن یلزم فیها الاجازة إذ المقتضی موجود وهو الملكیة بناء على ملكیة المنافع المتضادة، والمانع كان موجوداً لأجل الإجارة الاولى وبعد الإقالة أو الفسخ یرتفع المانع فیؤثر المقتضى أثره وهو الصحة.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله انه یلزم على ذلك أن زید لو باع ماله غروراً وبعد ساعة ارتفع الغرر لابد أن یكون البیع تاماً إذا المقتضی و هو الملكیة موجود و المانع قد ارتفع و هو كما ترى.
أقول: بعد ما ذكرنا من صحة العقد الثانی من دون أن یحتاج إلى الاجازة فلا یبقى كلام لهذه المقالة اثباتاً و رداً بل یكون المورد أهون من مورد القاعدة لصدوره عن أهله و وقوعه فی محله و العجب من سیدنا الاستاذ دام ظله بأنه حكم بالبطلان لعدم إمكان تصحیح الشارع الضدین إذ المنافع المتضادة مملوكة عنده و عدم القدرة على التسلیم غیر مانع عن الصحة والتضاد إنما یكون فی مقام التحقق والخارج لا فی مقام الملكیة.
1) الوسایل، الباب 24 من أبواب نكاح العبید و الاماء، الحدیث: 1
«فصلٌ»
«لا یجوز اجارة الأرض لزرع الحنطة أو الشعیر بما یحصل منها من الحنطة أو الشعیر، لا لما قیل من عدم كون مال الإجارة موجوداً حینئذ لا فی الخارج ولا فی الذمة، و من هنا یظهر عدم جواز اجارتها بما یحصل منها و لو من غیر الحنطة و الشعیر، بل عدم جوازها بما یحصل من أرض أخرى أیضا لمنع ذلك، فإنهما فی نظر العرف واعتبارهم بمنزلة الموجود كنفس المنفعة، و هذا المقدار كاف فی الصحة نظیر بیع الثمار سنتین أو مع ضم الضمیمة، فإنها لا یجعل غیر الموجود موجوداً، مع أن البیع وقع على المجموع، بل للأخبار الخاصة» (1)
(1) البحث فی هذه المسألة یقع فی مواضع: الأول: مقتضى الأصل العملی. الثانی: مقتضى النصوص. الثالث: مقتضى القاعدة الأولیة من العمومات والإطلاقات.
أما الموضع الأول: فمقتضى الأصل هو الفساد إذ مقتضى الاستصحاب فی الأحكام الوضعیة عدم تحقق المسبب عند الشك.
أما الموضع الثانی: فلابد من ملاحظتها ومدی مدلولها فنقول: النصوص التی استدلوا بها للمقام كثیرة
1: منها ما رواه أبوبصیر عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: لا تستأجر الأرض بالتمر و لا بالحنطة و لا بالشعير و لا بالأربعاء و لا بالنطاف قلت و ما الأربعاء قال الشرب و النطاف فضل الماء و لكن تقبلها بالذهب و الفضة و النصف و الثلث و الربع.(1)
2: منها ما رواه فضیل بن یسار قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن إجارة الأرض بالطعام قال إن كان من طعامها فلا خير فيه.(2)
3: منها ما رواه أبوبصیر عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: لا تؤاجر الأرض بالحنطة و لا بالتمر و لا بالشعير و لا بالأربعاء و لا بالنطاف.(1)
4: منها ما رواه أبو بردة قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن إجارة الأرض المحدودة بالدراهم المعلومة قال لا بأس قال و سألته عن إجارتها بالطعام فقال إن كان من طعامها فلا خير فيه.(2)
5: منها ما رواه غیر واحد عن أبی جعفر و أبی عبدالله‘ أنهما سئلا ما العلة التي من أجلها لا يجوز أن تؤاجر الأرض بالطعام و تؤاجرها بالذهب و الفضة، قال العلة في ذلك أن الذي يخرج منها حنطةٌ و شعيرٌ و لا تجوز إجارة حنطة بحنطة و لا شعير بشعير.(3)
6: منها ما رواه أبو بصیر عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: لا تؤاجر الأرض بالحنطة و لا بالشعير و لا بالتمر و لا بالأربعاء و لا بالنطاف و لكن بالذهب و الفضة لأن الذهب و الفضة مضمونٌ و هذا ليس بمضمون.(4)
7: منها ما رواه الحلبی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: لا تستأجر الأرض بالحنطة ثم تزرعها حنطةً.(5)
أما الحدیث الأول: فإنما تدل على التفصیل بین إجارة الأرض بمقدار معین من حاصل الأرض و بین ما إذا كانت الأجرة كسراً مشاعا فالأول منهی عنه ولا بأس بالثانی.
و أما الحدیث الثانی: فمخدوش سند.
و أما الحدیث الثالث: فمطلق یمكن تقییده بالحدیث الأول.
وأما الحدیث الرابع: فمخدوش سنداً.
و أما الحدیث الخامس: فمرسل.
وأما الحدیث السادس: فیمكن تقییده بالحدیث الأول.
و أما الحدیث السابع: فیدل على المنع عن استیجار الأرض بالحنطة ثم زراعتها بالحنطة فلا یرتبط بالمقام.
والحاصل: أن مقتضى النص هو التفصیل بین الحنطة المعینة بل الطعام المعین و المشاع فإن كان على نحو الأول فالاجارة باطلة والّإ فصحیحة، ویدل على التفصیل المذكور مضافاً إلى ما ذكر ما رواه أبوالمغراء قال: سأل يعقوب الأحمر أبا عبدالله (علیه السلام) و أنا حاضرٌ فقال أصلحك الله إنه كان لي أخٌ قد هلك و ترك في حجري يتيماً و لي أخٌ يلي ضيعةً لنا و هو يبيع العصير ممن يصنعه خمراً و يؤاجر الأرض بالطعام فأما ما يصيبني فقد تنزهت فكيف أصنع بنصيب اليتيم، فقال أما إجارة الأرض بالطعام فلا تأخذ نصيب اليتيم منه إلا أن تؤاجرها بالربع و الثلث و النصف، الحديث.(1)فإنه ظاهر فی التفصیل.
لكن أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأنه لا شك فی جواز اجارة الأرض بمطلق الطعام كما لعله یفصح عنه غیر واحد من الأخبار فلا جرم تحمل هذه على الكراهة كما احتمله فی المتن.
لكن روایة أبی المغراء ظاهرة فی البطلان كما ذكرنا فلابد من التفصیل.
أما الموضع الثالث: فهل مقتضى القاعدة هو البطلان أو الجواز؟ أما البطلان فقد وجّه بتقاریب:
التقریب الأول: ما یستفاد من كلام الماتن(رحمه اللّه) من عدم وجود الحاصل من الأرض فعلاً لا فی الذمة ولا فی الخارج فلا یكون قابلاً للتملیك.
أجاب عنه الماتن(رحمه اللّه) بأنه كالموجود بنظر العرف نظیر المنافع فی العین فكما أنه غیر قادح فی مملوكیته فی المنافع كذلك فی ما نحن فیه و بهذا الإعتبار یجوز بیع سنتین أو مع الضمیمة فإن الضمیمة لا تجعل غیر موجود موجوداً.
التقریب الثانی: أن الحاصل من الأرض و إن كان موجوداً وهذا المقدار من الوجود كاف فی الصحة لكن هذه الدعوى لا دلیل ذلك فإن السیرة العقلائیة قامت على صحة المعاملة
1) الوسایل، الباب 16 من أبواب المزارعة، الحدیث: 7
التی تقوم بمبادلة مال بمال من عین أو منفعة إذا كانت ملكاً فعلیاً أو فی حكم الملك الفعلی أو شیئا فی الذمة الذی یكون الشخص مسلطة علیه حتى یجوز له أن یملكه من الغیر ببیع أو اجارة، و أما إذا لم یكن مالكاً له بأی وجه من الوجوه الثلاثة فلا دلیل على صحة هذه المعاملة، و ما نحن فیه من هذا القبیل و من ثم لا یجوز بیع ما سیولد من الدابة و بیع الصید قبل صیده أو سمكة البحر قبل ذلك، كل ذلك لأجل أن الشخص إما أن یملكه من الغیر معلقاً على ملكیته بعد ذلك و إما أن یملكه مطلقا، أما على الأول فیلزم التعلیق المبطل و على الثانی فیكون فاقداً الأحد ركنی الاجارة فالنتیجة هو البطلان.
التقریب الثالث: أن هذه المعاملة ممنوعة شرعاً لأجل الغرر الحاصل من الشك فی الوجود أو الشك فی مقدار الموجود.
لكن هذا التقریب متفرع على ثبوت الدلیل الشرعی على المنع من الغرر مطلقا والظاهر عدمه لأن ما رواه العلامة من النهی عن الغرر مخدوش سنداً.
«و أما إذا آجرها بالحنطة أو الشعیر فی الذمة لكن بشرط الأداء منها ففی جوازه اشكال و الأحوط العدم لما یظهر من بعض الأخبار، و إن كان یمكن حمله على الصورة الأولى» (1)
«و لو آجرها بالحنطة أو الشعیر من غیر اشتراط كونهما منها فالأقوى جوازه نعم لا یبعد كراهته، و أما إجارتها بغیر الحنطة و الشعیر من الحبوب فلا إشكال فیه خصوصاً إذا كان فی الذمة مع اشتراط كونه منها أو لا» (2)
(1) لم نعرف له إشكالاً فإن مقتضى القاعدة هو الجواز للسیرة العقلائیة كما تقدم و أما الروایات المتقدمة فلا تشمل المورد فلا مانع من الجواز.
(2) قد تقدم الكلام إن ظاهر النصوص عدم الجواز والحمل على الجواز فی صورة عدم الاشتراط أو الكراهة فلا نعرف له وجه، لكن المشهور ذهب إلى الجواز والله العالم.
وبما ذكرنا یظهر الاشكال فیما أفاده بعد ذلك من جواز اجارة الأرض بغیر الحنطة و الشعیر من سائر الحبوبات، لإطلاق النصوص المتقدمة، نعم لا بأس بذلك إذا كان فی الذمة مع اشتراط كونه منها.
«مسألة 1: لا بأس باجارة حصة من أرض معینة مشاعة كما لا بأس باجارة حصة منها على وجه الكلی فی المعین مع مشاهدتها على وجه یرتفع به الغرر، و أما اجارتها على الكلی فی الذمة فمحل إشكال، بل قد یقال بعدم جوازها لعدم ارتفاع الغرر بالوصف و لذا لا یصح السلم فیها و فیه أنه یمكن وصفها على وجه یرتفع فلا مانع منها إذا كان كذلك» (1)
«مسألة 2: یجوز استئجار الأرض لتعمل مسجداً لأنه منفعة محللة و هل یثبت لها آثار المسجد من حرمة التلویث و دخول الجنب والحائض و نحو ذلك قولان، أقواهما العدم، نعم إذا كان قصده عنوان المسجدیة لا مجرد الصلاة فیه و كانت المدة طویلة كمأة سنة أو أزید لا یبعد ذلك لصدق المسجد علیه حینئذ» (2)
(1) قد تعرض الماتن(رحمه اللّه) فی هذه المسألة لفروض ثلاث:
الأول: أن یستأجر الأرض بحصة معینة لكن مشاعة ففی هذا الفرض لا مانع من ذلك لعمومات أدلة الاجارة، نعم یكون فی الفرض المذكور المستأجر شریكاً مع المالك فی المنفعة بالنسبة إلى حصته.
الثانی: أن یستأجرها على نحو الكلی فی المعین و حینئذ یكون أمر التطبیق بید المالك وهذا أیضا لا مانع منه لكن بشرط أن یوصفها على نحو یرتفع به الغرر إذ المانع الوحید فی المقام هو الغرر فبالتوصیف یرتفع فلا مانع فی هذا الفرض أیضا.
الثالث: هو الاستیجار على نحو الكلی فی الذمة فقد یقال أنها غیر صحیحة للزوم الغرر و عدم ارتفاع الغرر بالتوصیف، لكن یمكن توصیفها على وجه یرتفع به الغرر بمعنى تعیین الحدود والخصوصیات الموجبة لاختلاف الرغبات و القیمة فمجرد الكلیة و لو كان فی الذمة بحیث یكون الفرد المدفوع وفاء عما فی الذمة غیر قادح فی الاجارة كما أن الأمر كذلك فی البیع فلا مورد للإشكال كما فی المتن.
(2) أما نفس الاستیجار بهذا الداعی فلا كلام فیه لأنه منفعة محللة فیجوز الاستیجار لها
و أما جعل هذه الأرض مسجداً بحیث یترتب علیه آثار المسجدیة فأفتى الماتن(رحمه اللّه) بالعدم، واستدل على ذلك بأن عنوان المسجدیة المساوق لعنوان كون هذا المكان لله تبارك و تعالی لیس كسائر الأوقاف التی تكون ملكاً للجهة خاصة أو عاماً بل هو عنوان التحریر وهذا العنوان ملازم للتأبید فلا یجتمع مع التوقیت مضافاً إلى أن «ما كان لله لا یرجع» كما فی بعض النصوص، منها ما رواه زرارة عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: إنما الصدقة محدثةٌ إنما كان الناس على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ينحلون و يهبون و لا ينبغي لمن أعطى لله شيئاً أن يرجع فيه قال و ما لم يعطه لله و في الله فإنه يرجع فيه نحلةً كانت أو هبةً حيزت أو لم تحز.(1)
و منها ما رواه طلحة بن زید عن جعفر عن أبيه‘ قال: من تصدق بصدقة ثم ردت عليه فلا يأكلها لأنه لا شريك لله عز و جل في شيء مما جعل له إنما هو بمنزلة العتاقة لا يصلح ردها بعد ما يعتق.(2)
و منها ما رواه حكم قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام) إن والدي تصدق علي بدار ثم بدا له أن يرجع فيها و إن قضاتنا يقضون لي بها فقال نعم ما قضت به قضاتكم و بئس ما صنع والدك إنما الصدقة لله عز و جل فما جعل لله عز و جل فلا رجعة له فيه فإن أنت خاصمته فلا ترفع عليه صوتك و إن رفع صوته فاخفض أنت صوتك قال قلت: فإنه توفي قال فأطب بها.(3)وحیث أن المساجد لله فلا یرجع.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأن المسجد من الأوقاف فإذا قلنا بأن الوقوف على حسب «ما یوقفها أهلها» یمكن جعل أرض مسجد موقت، و أما «إن ما كان الله لا یرجع» فأورد علیه: أولاً : بأنه لا إشكال فی كون مساجد العامة داخلة فی عنوان المساجد و یترتب علیها آثارها مع أن قصد القربة لا تصح منهم لعدم ولایتهم فقصد القربة لا یعتبر فی عنوان المسجدیة و حینئذ لا یترتب علیه ما یترتب علیه فلا یكون المسجد من موارد ما
«مسألة 3: یجوز استئجار الدراهم و الدنانیر للزینة أو لحفظ الاعتبار أو غیر ذلك من الفوائد التی لا تنافی بقاء العین» (1)
كان الله لا یرجع.
وثانیاً: لا تنافی بین الأمرین فما دام كونه مسجداً لا یرجع وهذا لا ینافی التوقیت.
فالحق فی الاستدلال أن التحریر ینافی الملكیة إذ مقتضاه خروج العین عن الملكیة وجعلها محررة وهذا ینافی الاجارة إذ مقتضاها بقاء العین فی ملك المؤجر.
(1) و الوجه فیه: أن صحة الإجارة لا یعتبر فیها إلا وجود منفعة محللة قابلة للاستیفاء ولو لحاجة شخصیة و حینئذ فإن فرض للدراهم والدنانیر هذه المنفعة كالتزیین وحفظ الاعتبار فلا مانع من اجارتهما.
ثم إن صاحب الجواهر نقل احتمال عدم الجواز من جهة عدم صحة وقفهما و عدم ضمان منفعتهما لو غصبا.
فأورد علیه أولأ: بمنع الملازمة فإن الحر و ام الولد یجوز اجارتهما ولا یجوز وقفهما.
و ثانیاً: منع عدم جواز وقفهما للمنافع المزبورة وكذا یمنع عدم ضمان الغاصب بعد اجارتهما ومقابلتهما بالمال كمنافع الحر المستأجر أجیراً خاصاً.
توضیح ذلك: إن الوقف مبتنی على اشتمال العین على المنافع الغالیة المتعارفة بحیث یتحقق معها عنوان تحبیس العین و تسبیل المنفعة و الدراهم والدنانیر لیسا كذلك، وكذلك باب الضمان فإن العبرة فیه بالمنافع العادیة المتعارفة لا المنافع النادرة التی لا یلتفت إلیه العرف و هذا بخلاف باب الاجارة فإن المناط فیها وجود منفعة محللة ولو كانت نادرة.
«مسألة 4: یجوز استئجار الشجر لفائدة الاستظلال و نحوه كربط الدابة به أو نشر الثیاب علیه» (1)
«مسألة 5: یجوز استئجار البستان لفائدة التنزه لأنه منفعة محللة عقلائیة» (2)
(1) لكونه من المنافع المحللة فلا مانع من الاستیجار و جواز الاستظلال بدون إذن صاحبه لا یضر بما نحن فیه إذ قد یكون المالك بادر فی الاستظلال بحیث لم یبق مجال للغیر أو أراد المالك قطع الشجرة و حینئذ یجوز للمستأجر أن یطالبه بعدم القطع لكی یستظل بها و مع هذه الفائدة لا یكون الایجار باطلاً من جهة أنه أكل بالباطل كما عن بعض الأعلام
(2) الأمر كما أفاده فلا إشكال فیه لأجل ما ذكره(رحمه اللّه).
«مسألة 6: یجوز الاستئجار لحیازة المباحات كالاحتطاب و الاحتشاش و الاستقاء فلو استأجر من یحمل الماء له من الشط مثلاً، ملك ذلك الماء بمجرد حیازة السقاء فلو أتلفه متلف قبل الإیصال إلى المستأجر ضمن قیمته له، و كذا فی حیازة الحطب و الحشیش، نعم لو قصد المؤجر كون المحوز لنفسه فیحتمل القول بكونه له، و یكون ضامناً للمستأجر عوض ما فوّته علیه من المنفعة، خصوصاً إذا كان المؤجر آجر نفسه على وجه یكون تمام منافعه فی الیوم الفلانی للمستأجر، أو یكون منفعته من حیث الحیازة له، و ذلك لاعتبار النیة فی التملك بالحیازة و المفروض أنه لم یقصد كونه للمستأجر، بل قصد نفسه، و یحتمل القول بكونه للمستأجر لأن المفروض أن منفعته من طرف الحیازة له، فیكون نیة كونه لنفسه لغواً، و المسألة مبنیة على أن الحیازة من الأسباب القهریة لتملك الحائز و لو قصد الغیر، و لازمه عدم صحة الاستئجار لها، أو یعتبر فیها نیة التملك و دائرة مدارها، ولازمه صحة الإجارة و كون المحوز لنفسه إذا قصد نفسه و إن كان أجیراً للغیر، و أیضا لازمه عدم حصول الملكیة له إذا قصد كونه للغیر من دون أن یكون أجیراً له أو وكیلا عنه، و بقاؤه على الإباحة إلّا إذا قصد بعد ذلك كونه له، بناء على عدم جریان التبرع فی حیازة المباحات، و السبق إلى المشتركات و إن كان لا یبعد جریانه أو أنها من الأسباب القهریة لمن له تلك المنفعة فإن لم یكن أجیراً یكون له و إن قصد الغیر فضولاً، فیملك بمجرد قصد الحیازة، و إن كان أجیراً للغیر یكون لذلك الغیر قهراً، و إن قصد نفسه أو قصد غیر ذلك الغیر، و الظاهر عدم كونها من الأسباب القهریة مطلقا، فالوجه الأول غیر صحیح، و یبقى الإشكال فی ترجیح أحد الأخیرین و لابد من
التأمل» (1)
(1) فی هذه المسألة فروع:
الفرع الأول: أنه یجوز استیجار شخص للحیازة و یترتب علیه ملكیة المحاز للمستأجر فلو أتلفه یكون ضامناً له و الدلیل علیه السیرة العقلائیة، فإن بناء العرف والعقلاء مستقر على اعتبار ملكیة المحوز لمالك الحیازة المفروض أنه هو المستأجر وهذا لا إشكال فیه، إلا أن یقال: إن الحیازة سبب قهری للملكیة للمحیز ولو قصد للغیر، وحینئذ لا أثر لقصده للغیر لكن هذه الدعوى دعوی بلا دلیل، غیر ما یترأی فی بادی الرأى إنه المستفاد من روایة السكونی عن أبي عبدالله (علیه السلام) أن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: في رجل أبصر طيراً فتبعه حتى وقع على شجرة فجاء رجلٌ فأخذه فقال أمير المؤمنين (علیه السلام) للعين ما رأت و لليد ما أخذت.(1)
لكن مورد الروایة هو الحیازة لنفس الحائز و أما إذا كانت حیازته ملكاً للغیر لأنه أجیره فلا تشمله الروایة فالدلیل منحصر بالسیرة فلابد من ملاحظتها، فتارة یدعى أن السیرة قائمة على تحققها على اطلاقها بحیث تكون موجبة للملكیة سواء كانت الحیازة مع الإلتفات أو بدونه وهذا على الظاهر لا سیرة علیه و أخرى تكون قائمة على ملكیة المحوز إذا كانت مقصودة، لكن أعم من أن یكون الشخص قاصداً للملكیة أم لا، بل یأخذ الشیء لینظر أی شیء هو وهذا أیضا لا دلیل علیه و ثالثة على نحو تكون یملكه بمجرد الحیازة بلا حاجة إلى قصد التملك و الأمر فیه أیضا كذلك و إن تأمل فیه المحقق الخوئی (قدس سره ) حیث مال إلى أن الحیازة بمجردها موجبة للملكیة وإن لم یقصد التملك ولذا قال -على ما فی التقریر- أنه لو أخذ شخص فی الطریق شیئا من أغصان الأشجار المباحة لا بقصد التملك بل لأجل قضاء حاجته الوقتیة فی سفره من جعلها سریراً لمنامه مثلا ثم طرحها فی البیداء، فهل یمكن القول بعدم ملكیته لها لمجرد عدم قصد التملك بل ادعى بع ضرورة ذلك لكن عهدتها على مدعیها، نعم الاستدلال على اعتبار قصد التملك بما رواه الزهری مشكل، عن الزهري عن علي بن الحسين (علیه السلام) في حديث أن رجلًا شكا إليه الدين و العيال
1) الوسایل، الباب 38 من أبواب الصید، الحدیث: 1
فبكى و قال أي مصيبة أعظم على حر مؤمن من أن يرى بأخيه المؤمن خلةً فلا يمكنه سدها -إلى أن قال- علي بن الحسين (علیه السلام) قد أذن الله في فرجك، يا فلانة احملي سحوري و فطوري فحملت قرصتين فقال علي بن الحسين (علیه السلام) للرجل خذهما فليس عندنا غيرهما فإن الله يكشف بهما عنك و يريك خيراً واسعاً منهما ثم ذكر أنه اشترى سمكةً بإحدى القرصتين و بالأخرى ملحاً فلما شق بطن السمكة وجد فيها لؤلؤتين فاخرتين فحمد الله عليهما فقرع بابه فإذا صاحب السمكة و صاحب الملح يقولان جهدنا أن نأكل من هذا الخبز فلم تعمل فيه أسناننا فقد رددنا إليك هذا الخبز و طيبنا لك ما أخذته منا فما استقر حتى جاء رسول علي بن الحسين (علیه السلام) و قال إنه يقول لك إن الله قد أتاك بالفرج فاردد إلينا طعامنا فإنه لا يأكله غيرنا و باع الرجل اللؤلؤتين بمال عظيم قضى منه دينه و حسنت بعد ذلك حاله.(1)
إذ الظاهر منه عدم قصد الحیازة لا التملك، لكن مقتضى إطلاق روایة سكونی إن الحیازة موجبة للملك و لو لم یقصد التملك إذ المدار بالأخذ بأی وجه كان بل یمكن أن یقال بأنه كذلك ولو لم یقصد الحیازة و رابعة أن تكون مملكة لكن إذا كان الشخص قاصداً للتملك إلا أن الملكیة محققة لمن قصد له مجاناً أو اجارة أو لنفسه والظاهر أن السیرة قائمة على هذا القسم فقط فإذا قصد الحائز الملكیة قصد التملك لشخص كان المحاز له، و ما نحن فیه من هذا القبیل وفی غیر هذه الصورة تحقق السیرة غیر معلوم أو معلوم عدمه. الفرع الثانی: إن الأجیر لو قصد فی الحیازة لنفسه كان المحاز له لما تقدم من السیرة، نعم فوت المنفعة المملوكة للمستأجر فعلیه أجرة المثل ولا تنافی بین الأمرین ولذا لو غصب غاصب الشبكة واصطاد السمكة تكون السمكة له وإن كان ضامناً للمنفعة أی منفعة الشبكة.
و أما ما أفاده المحقق الخوئی (قدس سره ) -من أن المعتبر نفس قصد التملك و أما خصوصیة من قصد له التملك فلا دلیل علیه، فلا أثر لقصد من استوجر للحیازة التملك لنفسه إذ بعد ما كانت الحیازة ملكاً للمستأجر فلا جرم كان هو الآخذ و الحائز الأجیر یكون كالآلة
1) الوسایل، الباب 10 من أبواب كتاب القطة، الحدیث: 4
فطبعا هو المالك لا الأجیر ولو قصد نفسه فكأن قصد الأجیر لنفسه یكون لغوة-، لیس على ما ینبغی إذ بعد القول بملكیة المنافع المتضادة صرف المنفعة الأخرى لنفسه یكون أثر هذه المنفعة له قهراً وكون الحیازة سبب قهریة للملكیة بحیث یكون وجود القصد و عدمه على حد سواء لا دلیل علیه.
فالحق مع سیدنا الاستاذ دام ظله من عدم الدلیل على كون المحاز ملكاً للمستأجر، نعم إذا كانت الاجارة متعلقة على جمیع المنافع فلا یبعد أن ما أفاده المحقق الخوئی (قدس سره ) هو الصحیح و بهذا یجمع بین القولین، هذا كله إذا استؤجر للحیازة الخارجیة و أما إذا كانت الاجارة على نحو الكلی فی المعین أو فی الذمة فالأمر فیهما أسهل لأن أمر التطبیق الخارجی بید الأجیر.
الفرع الثالث: هل الوكالة أو النیایة تجری فی الحیازة أم لا؟ أقول: الفرق بین الوكالة و النیابة أن عمل الوكیل عمل الموكل بحیث یستند إلیه حقیقة، غایة الأمر أن العمل صدر عن الموكل بالتسبیب، و أما النیابة فالعمل قائم بنفس النائب ولا یستند إلى المنوب عنه، نعم الأثر عائد إلى المنوب عنه من فراغ ذمته مثلا و بعد ذلك نقول: إن الوكالة إما تجری فی الامور الاعتباریة أو ما بحكمها كالقبض والإقباض و أما الأمور الخارجیة كالحیازة مثلا فلا ولذا لو وكل شخص أحداً أن یصطاد له لا یكون الصید ملكا للموكل، نعم لو أمر بذلك مقتضی سیرة العقلاء أنه ملك للآمر ولعله یرجع إلى الاستیجار حقیقة و أما النیابة فحیث أنها خلاف مقتضى القاعدة حیث إن القاعدة تقتضی أن یرجع أثر كل عمل لعامله، وأما رجوعه إلى المنوب عنه فیحتاج إلى دلیل قاطع ولا دلیل فیما نحن فیه على أن النیابة صحیحة فی باب الحیازة فلا تقع للمنوب عنه.
الفرع الرابع: هل تجری الجعالة فی الحیازة أم لا؟ الظاهر جریانها فیها.
والوجه فیه: أن الجاعل و إن لم یملك على المجعول له شیئا بمجرد الجعالة إلا أنه بعد التصدی خارجاً المستوجب للجعل فالعمل المزبور یصیر ملك للجاعل فنتیجته نتیجة الاجارة من حیث إن العمل ملك للجاعل فالحیازة تقع له حقیقة فلا فرق بین الجعالة و الاجارة من هذه الجهة فیكون المحاز للجاعل.
«مسألة 7: یجوز استیجار المرأة للإرضاع بل للرضاع بمعنی الإنتفاع بلبنها و إن لم یكن منها فعل مدة معینة، ولابد من مشاهدة الصبی الذی استؤجرت لإرضاعه، لإختلاف الصبیان، و یكفی وصفه على وجه یرتفع الغرر، و كذا لابد من تعیین المرضعة شخصاً أو وصفاً على وجه یرتفع الغرر، نعم لو استؤجرت على وجه یستحق منافعها أجمع التی منها الرضاع لا یعتبر حینئذ مشاهدة الصبی أو وصفه، وإن اختلفت الأغراض بالنسبة إلى مكان الإرضاع لاختلافه من حیث السهولة و الصعوبة و الوثاقة و عدمها لابد من تعیینه أیضا» (1)
(1) أما الاجارة للإرضاع فالظاهر أنه لا كلام فیه نصاً و فتویً فإن الإرضاع عمل محترم عند الشارع و ثابت عند العقلاء یبذل بإزائه المال بل یكفینا الآیة المباركة: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن}(1)
وأما الاستیجار للرضاع سواء صدر منها فعل بأن یحلب اللبن فیشربه الطفل نظیر استیجار الشجرة للإنتفاع بثمرتها والشاة بلبنها أم لا؟، بأن یرتضع الصبی من لبنها وهی نائمة فقد یدعى بطلان الاجارة نظراً إلى أن تقوم الاجارة بتعلق الملكیة فیها بالمنفعة بخلاف البیع فإنه متقوم بتعلقه بالعین و حیث إن الإنتفاع فی المقام إنما هو بالاتلاف مع أنه لابد فی الاجارة من بقاء العین یكون المقام مخالفاً لما استقر علیه وضع الاجارة.
و فیه: ما ذكرنا سابقاً أن ملكیة المنافع تابعة لملكیة العین كما هو كذلك فی الغالب، لكن قد تكون ملكیة العین تابعة لملكیة المنافع فإن منافع الشاة حیثیة كونها قابلة للحلب كما أن من منافع الأشجار حیثیة استعدادها للإثمار وهذه الحیثیات أعراض قائمة بذوات الأعیان من الشجرة و الشاة وهی تستتبع عند استیفائها و خروجها من القوة إلى الفعلیة ملكیة أعیان أخرى فكما أن هذه الحیثیات و المنافع مملوكة لمالك العین كذلك الأعیان التی تستتبعها هذه المنافع.
1) سورة الطلاق/6
و بعد ذلك نقول: إن الذی یعتبر فی الاجارة تعلق الملكیة بالمنافع، و فیما نحن فیه قد تعلقت الاجارة بهذه المنافع و هذه لا تنافی ملكیة المستأجر لعین أخرى التابعة للمنفعة وهی ما ستوجد فیما بعد و یملكها المستأجر بتبع ملكیة المنفعة فالمرأة یوجر نفسها من حیث أنها قابلة للحلب فهذه المنفعة مملوكة للمستأجر و متعلقة للإجارة لكن یستتبع لعین اخرى من الحلیب یكون ملكاً للمستأجر بتبع ملكیة المنفعة وإن لم یكن الحلیب بنفسه متعلق الاجارة و بما ذكرنا یظهر أنه لا فرق بین اجارة المرأة نفسها للرضاع و اجارة الشجرة للإثمار فإن التبعیة صادقة فی كلا الموردین كما إذا استأجر الشخص الشبكة المعدة للصید و بعد ذلك وقعت فیها سمكة من دون أی عملیة من المستأجر فإنه یملكها بالتبع فما أفاده بعض المحققین من التفصیل بین مسألة الرضاع و مسألة اجارة الشجرة لأجل الثمرة من أجل صدق التبعیة فی الأول دون الثانی، لعدم أی عمل من ناحیة المستأجر، محل اشكال لما قلنا من صدق التبعیة ولا یعتبر فیها بصدور عمل من المستأجر كما تقدم فی مسألة اجارة الشبكة فلاحظ.
فما أفاده الماتن(رحمه اللّه) على طبق القاعدة، نعم یلزم ایقاع العقد على نحو لا یلزم الغرر إذا قلنا بأن الغرر موجب للفساد و أما إذا لم نقل بذلك كما أفاده سیدنا الاستاذ دام ظله فلا یكون مانعاً.
«مسألة 8: إذا كانت المرأة المستأجرة مزوجة لا یعتبر فی صحة استئجارها إذنه ما لم یناف ذلك لحق استمتاعه لأن اللبن لیس له فیجوز لها الإرضاع من غیر رضاه، و لذا یجوز لها أخذ الأجرة من الزوج على إرضاعها لولده سواء كان منها أو من غیرها، نعم لو نافی ذلك حقه لم یجز إلّا بإذنه و لو كان غائباً فاجرت نفسها للإرضاع فحضر فی أثناء المدة وكان على وجه ینافی حقه انفسخت الإجارة بالنسبة إلى بقیة المدة» (1)
(1) أما فی صورة عدم المنافات فلا إشكال فی صحة الإجارة لأنها صدرت من أهلها و وقعت فی محلها إذ المرأة مالكة لأمرها و مسلطة على منافعها فلها أخذ الأجرة من منافعها ولو من الزوج لأنه لا یجب علیها الإرضاع مجاناً ولو أمرها بالإرضاع لأن أمر الزوج إما یتبع فیما إذا كان له حق علیها من الاستمتاع و أما غیره فلا.
و أما فی صورة المنافات فتارة یأذن الزوج فی الاجارة أو أجازها بعدها فلا اشكال حینئذ فی صحتها و أما إذا لم یأذن بحیث استقرت المنافات بینها وبین حقه، فعن المشهور بطلان الاجارة و عن بعض المحققین(رحمه اللّه) صحتها لعدم الدلیل على بطلانها، واستدل على القول المشهور بأنه لا سبیل على تصحیح الاجارة إلا على نحو الخطاب الترتبی و أنها مأمورة بالوفاء عند عصیان الاطاعة، لكن الترتب إما یجری فی الأحكام التكلیفیة و أما الأحكام الوضعیة فلا یجری فیها الترتب.
بیان ذلك: أن الوجه فی جریان الترتب أن القدرة شرط فی التكلیف و إذا أحرزت أهمیة أحد الخطابین تستدعی هذه الأهمیة صرف القدرة فیها فیكون عاجزة عن المهم فلا تكلیف فعلا بالنسبة إلى المهم لاستحالة التكلیف بالمتضادین معاً و أما مع عدم صرف القدرة فهو قادر على المهم فعلى هذا التقدیر لا مانع من التكلیف بالمهم، فالتكلیف بالمهم مشروط بعدم صرف القدرة فی الأهم و التكلیف بالأهم مطلق.
و بعبارة أخرى: أن المزاحمة تقتضی سقوط إطلاق الخطاب بالمهم لا أصله وهذا الوجه لا یجری فی الأحكام الوضعیة لأنه إذا زاحم الوفاء بالعقد، واجب آخر أهم،كالتمكین مثلا
فإما أن یحكم بصحة العقد مطلقا أو على تقدیر العصیان، أما الأول فلا سبیل إلیه لأنه تكلیف بالضدین فی مرتبة واحدة و زمان واحد و أما الثانی فهو وإن لم یكن محالاً بأن یقال إنه یجب الوفاء بالعقد عند العصیان بالتمكین، إلا أنه لا دلیل علیه فی مقام الاثبات إذ العقد الواقع إما أن یكون مطلقة و إما أن یكون معلقا، أما الأول فلا یعقل لشمول أدلة الصحة إیاه لما تقدم، و أما الثانی فلم یتعلق العقد علیه فما هو المنشأ غیر قابل لشمول دلیل الإمضاء و ما هو قابل، لم ینشأ ولو فرضنا أنه انشاء العقد معلقاً من أول الأمر بأن تستأجر المرأة نفسه للرضاع و علقها على العصیان و مخالفة الزوج فلا یصح هذا العقد للتعلیق المبطل.
أجاب عنه سیدنا الاستاذ دام ظله بأنا نختار الشق الأخیر و قلنا بأن العقد معلق على العصیان و مع ذلك لا نلتزم بالبطلان لأن التعلیق إنما یكون مبطلاً إذ لم یكن من مقومات العقد و أما إذا كان كذلك فلا والمقام من هذا القبیل لأنه تعلیق على ما یتوقف علیه صحة العقد و لذا لو قال إن كان هذا ملكی فقد بعته، لا یضر التعلیق فتصح الاجارة على تقدیر العصیان مضافاً إلى أن القدرة الشرعیة لیست شرطاً فی صحة الاجارة بل القدرة العقلیة كافیة فیها إذ القدرة على التسلیم إنما تكون شرطة لأجل الغرر و من المعلوم أنه یرتفع بالقدرة العقلیة، نعم إذا قلنا بأن الممتنع شرعاً كالممتنع عقلاً فما أفاده صحیح، لكن لا دلیل على هذه القضیة كلیة، أضف إلى ذلك كله أن هذا متفرع على القول بأن وجوب الوفاء بالعقد حكم تكلیفی، لكنه خلاف التحقیق بل هو إرشاد إلى اللزوم.
«مسألة 9: لو كانت الإمرأة خلیة فاجرت نفسها للإرضاع أو غیره من الأعمال ثم تزوجت قدم حق المستأجر على حق الزوج فی صورة المعارضة حتى أنه إذا كان وطؤه لها مضراً بالولد منع منه» (1)
(1) إذ بعد ما كانت خلیة ومالكة لنفسها ثم ملكت منفعتها إلى الغیر باجارة و نحوها باجارة صحیحة یكون حق المستأجر مقدما على حق الزوج وهذا نظیر من اشتری داراً مسلوبة المنفعة، نعم إذا لم یعلم الزوج بذلك یثبت له الخیار لو قلنا بذلك فتأمل.
ثم إن الماتن(رحمه اللّه) ترقى من هذا الحكم إلى أنه إذا كان وطؤه لها مضراً بالولد منع منه.
فقد أورد علیه بأنه ما المراد من كونه مضراً لحق الولد فإن كان المراد أن حق الوطی یستلزم تفویت ما یملكه المستأجر، فهذا لا كلام فیه، لكن لا فرق فی ذلك بین كونه مضر بحال الولد أم لا؟ لعدم الخصوصیة للإضرار فی تعلق هذا الحكم وإن كان المراد أن الوطی مضراً بحال الولد لجهة خارجیة بأن اشتغالها للعمل صار موجباً لعدم قدرتها على ارضاعه (أعنی الولد المرتضع) فهذا أمر آخر لا یرتبط بمقامنا بل یندرج تحت كبرى أخرى فهی أن التصرف فی المال أو الحق إذا كان موجباً لإضرار الغیر هل یجوز هذا التصرف أم لا؟ و المسألة خلافیة و البحث فیها له مجال آخر.
و حاصل البحث أن التصرف فی الملك إذا كان موجباً لإتلاف مال الغیر فلا یجوز و أما إذا لم یكن كذلك بل كان موجباً لسقوط طرف الآخر عن الأنظار مثلاً أو موجباً لإیتذاء الآخر فاثبات الحرمة محل إشكال على الاطلاق، مثلاً فهل یمكن القول بعدم الجواز إذا كان تحصیل العلم موجباً السقوط أحد اقربائه عن الاعتبار أم لا؟
«مسألة 10: یجوز للمولی اجبار أمته على الإرضاع اجارة أو تبرعاً قنة كانت أو مدبرة أو أم ولد و أما المكاتبة المطلقة فلا یجوز له اجبارها بل و كذا المشروطة كما لا یجوز فی المبعضة و لا فرق بین كونها ذات ولد یحتاج إلى اللبن أو لا لإمكان إرضاعه من لبن غیرها» (1)
«مسألة 11: لا فرق فی المرتضع بین أن یكون معیناً أو كلیاً و لا فی المستأجرة بین تعیین مباشرتها للإرضاع أو جعله فی ذمتها فلو مات الصبی فی صورة التعیین أو الإمرأة فی صورة تعیین المباشرة انفسخت الاجارة بخلاف ما لو كان الولد كلیاً أو جعل فی ذمتها فإنه لا تبطل بموته أو موتها إلا مع تعذر الغیر من صبی أو مرضعة» (2)
(1) أما جواز الإجبار فلأنها مملوكة له فله التصرف فی جمیع منافعها منها الإرضاع من دون توقف على رضائها و لا فرق فی ذلك بین جمیع أقسام المملوكة الاتحاد الملاك، و أما المكاتبة المطلقة أو المشروطة فلا یجوز لقصور السلطنة إذ بعد تحقق الكتابة تكون بمنزلة الحرة، غایة الأمر تسعى فی تحصیل ثمنها وكذلك المشروطة بعین ما ذكر و ما ذكرنا یجری بالنسبة إلى المبعضة.
(2) أما صحة الاجارة فللعمومات حیث لا فرق على مقتضاها بین أن یكون المرتضع صبیاً خاصاً معیناً أو عنواناً كلیاً وكذا لا فرق فی المرضعة بین استئجارها على نحو المباشرة أو الأعم منها ومن التسبیب، و أما انفساخ الاجارة فی صورة الاختصاص أو التقیید بالمباشرة إذا مات الولد، فلأن موته یكشف عن عدم كون المرأة قادرة على إرضاعه فلا ملكیة من الأول على كلام قد سبق منا: أن انعدام متعلق الاجارة هل یوجب بطلان الاجارة أم لا؟ بل یثبت الخیار فقط فراجع.
و أما إذا ماتت المرأة، فلا كلام أنه كاشف عن عدم كونها مالكة لمنفعتها فتكون الاجارة باطلة من أول الأمر، نعم إذا كان الموت فی الأثناء فبطلان الاجارة بالنسبة إلى اللاحق و عدم بطلانها بالنسبة إلى السابق، مبنی على انحلال العقود وحیث رجحنا ذلك تكون
الاجارة صحیحة بالنسبة إلى السابق و باطلة بالنسبة إلى اللاحق، نعم یثبت للمستأجر الخیار.
و أما إذا كان الولد كلیاً أو لم تقید المرأة بالمباشرة فهل تنفسخ الإجارة أم لا؟ فنقول تارة نفرض موت الولد وأخرى موت المرأة، أما فی صورة موت الولد فلا ینبغی الإشكال فی عدم بطلان الاجارة إذ لا مقتضى للبطلان بعد إمكان إرضاعها صبیاً آخر لقابلیة تطبیق الكلی على فرد آخر، نعم إذا كان منحصراً بهذا الفرد یأتی فیه ما ذكرنا فی الفرض الأول و أما إذا ماتت المرأة فالظاهر عدم بطلان الاجارة لقدرتها على التسبیب بالوصیة أو باستیجار غیرها و حینئذ یجب على الوصی أن یستأجر من مالها شخصا آخر لترضع هذا الولد إذ بالاجارة صارت المرأة مدیونة للمستأجر فلابد من إخراج دینها من مالها و أما اخراج قیمة الإرضاع من مالها كما نسب إلى العلامة فلا یعلم وجهه و لذا لو استأجر شخص للصلاة عن المیت أعم من المباشرة والتسبیب یجب على الوصی استیجار الغیر لیعمل هذه العملیة، نعم لو اشترطت المباشرة یجب علیه أداء قیمة العمل، قیمة المثل لا قیمة المسمی.
«مسألة 12: یجوز استئجار الشاة للبنها و الأشجار للإنتفاع بأثمارها والآبار للإستقاء و نحو ذلك ولا یضر كون الإنتفاع فیها بإتلاف الأعیان لأن المناط فی المنفعة هو العرف و عندهم یعد اللبن منفعة للشاة و الثمر منفعة للشجر وهكذا و لذا قلنا بصحة استئجار المرأة للرضاع و إن لم یكن منها فعل بأن انتفع بلبنها فی حال نومها أو بوضع الولد فی حجرها و جعل ثدیها فی فم الولد من دون مباشرتها لذلك، فما عن بعض العلماء من إشكال الإجارة فی المذكورات لأن الإنتفاع فیها بإتلاف الأعیان و هو خلاف وضع الإجارة لا وجه له» (1)
(1) وجه الإشكال أن الاجارة عرفاً وإن كانت واقعة على العین لكن فی حاقها المعاوضة على المنفعة فتكون الاجرة فی مقابل المنفعة واللبن و الثمر فی الموارد المذكورة أعیان لا منافع فلا تكون المعاوضة علیها من قبیل الاجارة.
إن قلت: أن هذه الامور و إن كانت أعیاناً لكنها بالنسبة إلى الأعیان التی وقعت الاجارة علیها منافع فإن منفعة الشاة لبنها و غیرها، فالامور المذكورة أعیان فی أنفسها و منافع لغیرها فلا مانع من ایقاع الاجارة على أصلها بلحاظها.
قلت: بأن المنفعة الملحوظة فی المعارضة فی الاجارة یراد بها ما هو مقابل العین إذ البیع هو تملیك العین و الاجارة هی تملیك المنافع فالمنافع قبال العین فلا تنطبق على العین و لذا لایجوز اجارة الشاة لسخلها و الجاریة بلحاظ ولدها و البذر بلحاظ الذرع وهكذا فی جمیع موارد التوالد.
إن قلت: أن المنفعة الملحوظة فی اجارة الشجر لیست الثمرة بل الانتفاع بالثمر هو المتعلق للاجارة و هو من قبیل المعنى لا العین.
قلت: إن الإنتفاع بها لیس منفعة الشجر بل للثمرة نفسها فلا یرتبط باجارة الشجر، هكذا قرر الإشكال فی كلمات بعض الأعیان، وهذا الإشكال على الظاهر لا دافع له إلا أن المحقق الخوئی (قدس سره ) فصل بین الأعیان الموجود حال الاجارة و غیرها بأنها باطلة فی الأول و
«مسألة 13: لا یجوز الاجارة لإتیان الواجبات العینیة كالصلوات الخمس و الكفائیة كتغسیل الأموات و تكفینهم و الصلاة علیهم، و كتعلیم القدر الواجب من أصول الدین و فروعه، و القدر الواجب من تعلیم القرآن كالحمد و سورة منه، و كالقضاء و الفتوی و نحو ذلك، ولا یجوز الإجارة على الأذان نعم لا بأس بارتزاق القاضی و المفتی و المؤذن من بیت المال، و یجوز الإجارة لتعلیم الفقه و الحدیث و العلوم الأدبیة و تعلیم القرآن ما عدا المقدار الواجب و نحو ذلك» (1)
صحیحة فی الثانیة، أما الأول فبما ذكر، و أما الثانی فلأن متعلق الاجارة فی الحقیقة هو الحیثیة الإستعدادیة و قابلیة الإنتاج وهذه الحیثیة من قبیل المعنى لا العین، نعم هذه الملكیة بالنسبة إلیها تستتبع ملكیة العین فالمستأجر بعد ما ملك الحیثیة القائمة بالشجر التی من شأنها أن من یملكها فهو یملك بالتبع العین المستخرجة منها والمتحصلة بسببها.
أقول: إنه لا دلیل على الفرق المذكور بین البیع والاجارة لا فی آیة ولا فی روایة بل المدار هو العرف و هو یعد هذه الأمور من المنافع و ما افید من أن لازم ما ذكر جواز اجارة الجاریة و الشاة للتولید فیكون الولد للمستأجر وهذا مما یستنكر عند المتشرعة، لا یكون مانعاً عن الالتزام بما ذكرنا فإنه إن ثبت ذلك نلتزم بعدم الجواز فی هذا المورد لكن هذا لا یكون مانع من الالتزام بصحة ذلك بعد أن یساعدنا العرف الذی یكون هو المدار فی أمثال ذلك.
(1) البحث فیه یقع فی جهات:
الأولى: فی بیان أن الوجوب هل ینافی أخذ الاجرة أم لا؟ من دون نظر إلى تعبدیته أو توصلیته.
الثانیة: فی منافاة أخذ الاجرة مع التعبدیة من دون نظر إلى كونه بعنوان النیابة.
الثالثة: فی منافاة أخذ الاجرة على الواجب المأتی به نیابة عن الغیر بمعنی عدم تحقق العمل النیابی على وجه القربة عن المنوب عنه فیلزم عدم استحقاقه للاجرة.
أما الجهة الأولى: فما استدل على المنافاة أمور:
الامر الأول: إن عمل الحر بما هو عمل، لیس بمال و إنما یصح مقابلته بالمال لكون عمل المسلم محترماً ومع الوجوب یسقط عن درجة الإحترام فلا مصحح لمقابلته بالمال.
الامر الثانی: إن عمل الحر و إن صح فی نفسه أن یقابل بالمال إلا أن الشارع بایجابه أسقط مالیته لأن عامله مقهور فی ایجاده فیكون ملزم به ولو من دون رضاه، هذا ما ذكره المحقق الأنصاری(رحمه اللّه).
الامر الثالث: إن عمل الحر وإن كان مالاً محترماً إلا أن نفوذ الاجارة منوط بملك التصرف و مع الایجاب لا سلطنة للعامل شرعاً على الفعل والترك لمكان لابدیته من الفعل فلا قدرة على العمل وإذ لم یكن قادراً فلا سلطنة علیه شرعاً على الترك فلا یملك التصرف شرعا هذا ما أفاده المحقق الثائینی(رحمه اللّه).
الامر الرابع: إن العمل بایجابه مملوك لله تبارك و تعالى وإذا كان العمل مملوكاً للغیر كتجهیز المیت یصیر مملوكاً للغیر فیستحقه من العمل ولا یجوز تملیك مال الغیر وهذا الوجه منسوب إلى كاشف الغطاء(رحمه اللّه).
الامر الخامس: إن مقتضى الاجارة مملوكیة العمل المستأجر علیه للمستأجر و له السلطنة علیه نحو سلطنة الملاك فی أملاكهم فله الإبراء و الإقالة والتأجیل و نحو ذلك مع منافاة الكل لوجوب العمل.
الامر السادس: ما احتمله المحقق الخراسانی(رحمه اللّه) من لغویة بذل العوض بإزاء ما یتعین على الأجیر.
الامر السابع: من أ الایجاب ینبعث عن فائدة عائدة إلى من یجب علیه فأخذ العوض عل ما یعود نفعه إلیه أكل للمال بالباطل.
وفی الكل نظر،
أما الامر الأول: فلأن المدار فی المالیة فی الأعیان و المنافع میل النوع و رغبتهم فیها بحیث یبذل بإزائه المال لمكان قابلیتها للإنتفاع بها فعمل الحر كعمل العبد فی ذاته مال و إن افترقا بكون منافع العبد مملوكة لمالكه بالتبع وعمل الحر لیس كذلك بل قیامه به قیام العرض
بمعروضه لا قیام الملك بمالكه، و من المعلوم أن صحة الاجارة لا تتوقف على الملكیة فیصح اجارة نفسه لعمله كما فی تملیك الكلی فی بیع الكلی فإنه المكان سلطنته على نفسه فكما له تملیك كلی الحنطة مثلا بالتعهد له فی ذمته، كذلك له تملیك عمله للغیر باجارة نفسه و كما لا یكشف تملیك الكلی عن مالكیته للبایع، كذلك تملیك عمله لا یكشف عن ملكه للعمل فلیس له فی المقامین إلا السلطنة على البیع و الاجارة فإن كان الإشكال فی مالیة العمل و عدم صدق العنوان فقد اندفع بوجود المصحح له فی حد ذاته و إن كان الإشكال مساوقته للملكیة فالمالیة والملكیة متباینان جزئیاً و بینهما عموم من وجه، و إن كان المنشأ لعدم المالیة أن العمل معدوم حین الاجارة فقد اندفع ذلك بما ذكرنا فی أول كتاب الاجارة بأنه موجود بوجود استعدادی و لذا لا فرق بین كونه واجباً أو غیر واجب وإلا یسری الاشكال فی غیر الواجب.
فتحصل أن المالیة ینتزع عن الشیء فی حد ذاته لا بوجوده الخارجی نعم یحتاج إلى مصحح للإعتبار وهذا أمر آخر.
أما الامر الثانی: فقد أورد علیه المحقق الإصفهانی(رحمه اللّه) بأن حرمة مال المسلم لها حیثیتان: الأولى: أحترامه من حیث الإضافة إلى المسلم بإضافة ملكیة أو الحقیة و مقتضى هذه الجهة عدم مزاحمة غیره فی سلطانه على ماله و عدم جواز التصرف فیه بدون إذنه ورضاه.
الثانیة: احترامه من حیث أنه مال بمعنی عدم ذهابه هدراً و مقتضى ذلك عدم جواز المعاملة مع ماله معاملة لا مالیة له كالخمر والخنزیر و استیفائه مجاناً و جواز إتلافه بلا تدارك و من المعلوم أن الایجاب و تجویز استیفائه من العامل من دون إذنه و رضاه مزیل لاحترام المال من جهة الأولى لا الثانیة كما أن جواز أكل مال الغیر فی المخمصة من دون رضاه مزیل لاحترام عین ماله من حیث عدم رعایة مالكیته وسلطانه لا من حیث عدم رعایة مالیته و لذا یجوز للجائع فی المخمصة الأكل مثلا لكنه ضامن بالنسبة إلى ماله و بالجملة هدر المال غیر هدر المالیة.
أما الامر الثالث: وهو عدم السلطنة على الواجب.
فیرد علیه: أن السلطنة على قسمین: أحدهما: السلطنة التكلیفیة المتحققة بمجرد ترخیص
الشارع تكلیفاً فی الفعل أو الترك قبال الایجاب أو التحریم. ثانیهما: السلطنة الوضعیة المتحققة باعتبار تحقق مجموع ما یعتبر فی نفوذ المعاملة والمنافی للسلطنة هو الأول فإن الایجاب لمكان مضادته مع الإباحة الخاصة كما یرفع الإباحة كذلك یرفع السلطنة المنتزعة منها، و أما السلطنة الوضعیة فلا ربط لها بالایجاب بل هی دائرة مدار تحقق الامور التی تعتبر فیها ومن المعلوم أنه لایعتبر فی الاجارة والبیع عدم كون المبیع أو المستأجر علیه واجباً، نعم یعتبر فیها عدم كون الفعل محرماً فإن الحرمة منافیة مع كون العمل مشروعاً سائغاً فی حین أنه یعتبر فی صحة الاجارة أن یكون مشروعاً واشتراط نفوذ الاجارة بعدم وجوب متعلقها أول الكلام.
إن قلت: ان الایجاب موجب لعدم قدرته على الفعل فلا یقدر التسلیم ومن المعلوم أن القدرة على التسلیم شرط فیها.
قلت: إن المعتبر فی الاجارة هو القدرة على التسلیم بمعنى التمكن منه خارجاً عقلاً و شرعاً فإذا لم یتمكن عقلا بطلت لعدم اعتبار الملكیة العقلائیة بالإضافة إلى غیر المقدور وكذلك شرعاً فیما إذا كان حراماً لعجزه عن التسلیم حینئذ بخلاف ما كان واجباً، لقدرته حینئذ على التسلیم عقلاً كما هو واضح و كذا شرعاً فإنه بأمره یؤكد التسلیم و الإتیان خارجاً، هذا كله على اشتراط القدرة، و أما إذا لم نقل بذلك كما علیه سیدنا الاستاذ دام ظله فلا وقع لهذا الإشكال.
أما الامر الرابع: فإن أرید من الملكیة إلزامه بالعمل وإن مخالفته موجبة لاستحقاق العقاب فمنافاته مع التملیك أول الكلام و الإشكال و لذا لم یستشكل أحد من الفقهاء على الظاهر فی جواز جعل إتیان الواجب شرطاً فی ضمن عقد و إن أرید الملكیة الحقیقیة التكوینیة من باب أنه تعالى شأنه مكون الموجودات و خالقها و أزمة الامور طراً بیده فمن البدیهی أنها لا تنافی التملیك بالملكیة الاعتباریة عند المخلوقین وإن أرید الملكیة الإعتباریة له تعالى فلا دلیل على هذه الملكیة إلا فی مورد الخمس، على كلام فیه.
أما الامر الخامس: فیرد علیه إن جریان الاقالة و الإبراء و التأجیل وإن كانت من لوازم صحة الاجارة لكن لا ینافی وجوب العمل ذاتاً فإن الاقالة توجب انفساخ عقد الاجارة و
زوال وجوب الوفاء به لا زوال وجوب العمل فی نفسه حتى یكون منافیاً له كما أن الإبراء یوجب عدم استحقاق المستأجر من ناحیة الاجارة لا عدم وجوب العمل ذاتا وهكذا التأجیل فإنه یقتضی عدم لزوم التعجیل من ناحیة استحقاق المستأجر للعمل آجلاً لا عدم فوریة وجوبه ذاتاً، فلا تنافی بین هذه الامور و وجوب العمل ذاتاً بالوجوب الأصلی.
و أما الامر السادس: فلأن اللغویة الموجبة لكون المعاملة سفهیة إنما تأتی إذا كان الشخص أی المستأجر متیقناً بإتیان الأجیر و أما مجرد وجوب العمل و لزومه علیه لا یوجب اللغویة بل قد یتعلق غرض عقلائی ببذل الاجرة بإزاء الإتیان بأن یكون موجباً لتشویقه فی إتیانه.
و أما الامر السابع: فیرده أن كون الواجب ذات فائدة عائدة إلى من وجب علیه الفعل لا ینافی أن یكون ذا فائدة عائدة إلى المستأجر أیضأ فإن ترغیب الناس إلى اتیان الواجبات محبوب عند الله تبارك و تعالى.
والحاصل أنه لا دلیل على منع أخذ الأجرة على الواجبات فی نفسه، نعم قد ورد فی بعض الروایات عدم جواز أخذ الاجرة بالنسبة إلى بعض الامور العبادیة لاحظ ما رواه حمران(1)حیث قال الامام (علیه السلام) «و رأیت الأذان بالأجر و الصلاة بالأجر» و لا ینافی ذكر بعض ما فی الروایة من عدم الحرمة لدلیل خارجی إذ المستفاد منها حرمة ما ذكر لأنه قال فی ذیله: «واجتهد لیراك الله عزوجل فی خلاف ما هم علیه» و لعل الأمر كذلك بالنسبة إلى القضاء والإفتاء و بل لا یبعد القول به فی تجهیز المیت، هذا كله بالنسبة إلى الوجوب العینی التعیینی، و أما بالنسبة إلى الوجوب الكفائی فلا مانع منه أصلا فإن المانع منه هو طبیعی المكلف لا خصوص الشخص فإقدامه بذلك لأخذ الأجرة لاینافی الوجوب بالنسبة إلى الطبیعی كما أن الأمر كذلك بالنسبة إلى الوجوب التخییری شرعیاً كان أم عقلیاً، لأن الواجب هو الجامع والاجارة إنما تعلقت بالحصة فلا تنافی بینهما.
أما الجهة الثانیة: إن الأخذ هل هو منافی لقصد القریة أم لا؟ قد یقال: إن حقیقة العبادة لابد أن یتحقق بداع قربی و محرك إلهی فالإتیان بداعی أخذ الأجرة ینافی ذلك إذ استحقاق الأجرة یضاد عنوان العبادة كسائر الدواعی غیر القرییة كالتبرید مثلا فی الوضوء
1) الوسایل، الباب 41 من أبواب الامر و النهی، الحدیث: 6
والغسل فكما أن انضمام داع غیر قربی ینافی قصد القربة كذلك أخذ الأجرة.
والجواب: أن استحقاق الاجرة إما ینشأ من عقد الاجارة بعد ما تحقق بشرائطه و إذا كان جواز الأخذ من هذه الناحیة لا ربط بالعمل أصلا فإذن لایكون الداعی على ایجاد العمل استحقاق الاجرة لأنه صار مستحقاً بالعقد وله التصرف فی الاجرة به فیكون الداعی على العمل والإتیان هو وجوب الوفاء بالعقد والمفروض أن متعلق الاجارة هو الأمر القربی فإذا أراد أن یؤتى بذلك فلا یتحقق إلا بقصد قربی فالوجوب من ناحیة الاجارة یؤكد الوجوب لا أنه ینافیه فالتنافی المتوهم بتخیل أن الداعی لایجاده هو أخذ الأجرة، والحال أن الأمر لیس كذلك لأن السبب هو العقد و لذا یجوز التصرف فیها حتى لم یعمل به بل یعمل به باطلاً نعم لو لم یأت بمتعتقها جاز للمستأجر الفسخ.
والحاصل أن الداعی على العمل هو الأمر الایجاری المتعلق بعمل قربی فیكون من باب الداعی على الداعی ولذا یجوز العمل القربی بداعی أن یزید فی رزقه كصلاة الجعفر و بذلك ینحل الإشكال حتى بالنسبة إلى الجعالة كما أفاده المحقق الخوئی (قدس سره ) و بالجملة فالذی یعتبر فی العبادة أن یؤتى بذاك العمل بداعی التقرب و أن لایكون له فی هذه المرحلة داع آخر.
أما الجهة الثالثة: أن الإتیان به بوصف كونه عبادة لأجل غایة أخرى فلا ضیر فیه أصلا.
«مسألة 14: یجوز الاجارة لكنس المسجد و المشهد و فرشها و إشعال السراج و نحو ذلك» (1)
«مسألة 15: یجوز الاجارة لحفظ المتاع أو الدار أو البستان مدة معینة عن السرقة و الإتلاف، و اشتراط الضمان لو حصلت السرقة أو الإتلاف و لو من غیر تقصیر، فلا بأس بما هو المتداول من اشتراط الضمان على الناطور إذا ضاع مال، لكن لابد من تعیین العمل و المدة و الأجرة على شرائط الاجارة» (2)
«مسألة 16: لا یجوز استئجار اثنین للصلاة عن میت واحد فی وقت واحد لمنافاته للترتیب المعتبر فی القضاء بخلاف الصوم فإنه لا یعتبر فیه الترتیب» (3)
(1) لاحترام العمل و جریان السیرة علیه فلا غبار على ما أفاده(رحمه اللّه).
(2) لما تقدم من أن عمل المسلم محترم أما ما أفاده من ثبوت الضمان عند الاشتراط فقد تقدم الكلام فیه من أن الشرط لیس بمشرع فلابد من أن یكون جائزاً قبل ذلك و ثبوت الضمان من دون تحقق أی سبب له فلا دلیل علیه، نعم الاشتراط بمعنى آخر من لزوم التدارك علیه بمعنى شرط الفعل، فلا مانع منه لأن تدارك الخسارة فی حد نفسه مشروع و سائغ فلا مانع من اشتراطه فنتیجة ذلك لزومه علیه.
(3) ما أفاده مبنی على القول بالترتیب فی القضاء فی غیر المترتبتین كالظهر من یوم و العصر من یوم آخر كما لعله المستفاد من روایة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: إذا نسيت صلاةً أو صليتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولهن فأذن لها و أقم ثم صلها ثم صل ما بعدها بإقامة إقامة لكل صلاة، الحدیث(1)و أما على القول بعدم الاعتبار فلا مانع منه.
1) الوسایل، الباب 63 من أبواب المواقیت، الحدیث: 1
«و كذا لا یجوز استئجار شخص واحد لنیابة الحج الواجب عن اثنین» (1)
«و یجوز ذلك فی الحج المندوب وكذا فی الزیارات» (2)
«كما یجوز النیابة عن المتعدد تبرعاً فی الحج و الزیارات» (3)
(1) لأن النیابة حیث أنها خلاف القاعدة إذ الواجب على كل واحد من الأفراد هو الحج الكامل على صفة الإستقلال و حینئذ كفایة الحج الواحد عن الإثنین یحتاج إلى دلیل مفقود فی المقام.
(2) لعدة من الروایات منها: ما رواه معاویة بن عمار عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: قلت له أشرك أبوي في حجتي قال نعم، قلت أشرك إخوتي في حجتي قال نعم إن الله عز و جل جاعلٌ لك حجاً و لهم حجاً و لك أجرٌ لصلتك إياهم الحديث.(1)ولقیام السیرة على النیابة عن الغیر، فی الزیارات، و الحج نوع منها.
(3) لقیام السیرة على ذلك مضافاً إلى بعض النصوص لاحظ ما رواه داود الصرمی قال: قلت له يعني أبا الحسن العسكري (علیه السلام) إني زرت آباءك و جعلت ذلك لك فقال لك بذلك من الله ثوابٌ و أجرٌ عظيمٌ و منا المحمدة.(2)
«و یجوز الإتیان بها لا بعنوان النیابة بل بقصد إهداء الثواب لواحد أو متعدد» (1)
مسألة 17: لا یجوز الاجارة للنیابة عن الحی فی الصلاة و لو فی الصلوات المستحبة، نعم یجوز ذلك فی الزیارات و الحج المندوب و إتیان صلاة الزیارة لیس بعنوان النیابة بل من باب سببیة الزیارة لإستحباب الصلاة بعدها ركعتین و یحتمل جواز قصد النیابة فیها لأنها تابعة للزیارة والأحوط إتیانها بقصد ما فی الواقع» (2)
(1) لما رواه الحارث بن مغیرة قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام) و أنا بالمدينة بعد ما رجعت من مكة إني أردت أن أحج عن ابنتي قال فاجعل ذلك لها الآن.(1)
و مرسلة صدوق: محمد بن علي بن الحسين قال: قال رجلٌ للصادق (علیه السلام) جعلت فداك إني كنت نويت أن أدخل في حجتي العام أبي أو بعض أهلي فنسيت فقال (علیه السلام) الآن فأشركها.(2)
(2) أما الاجارة عن الحی فعن المشهور عدم الجواز فی مطلق العبادات لأنها توقیفیة متوقفة مشروعیتها على قیام الدلیل ولا دلیل فی المقام مضافاً إلى ظهور الأدلة فی المباشرة نعم قد یدعی أن مقتضی روایة -محمد بن مروان قال: قال أبو عبدالله (علیه السلام) ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين و ميتين يصلي عنهما و يتصدق عنهما و يحج عنهما و يصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما و له مثل ذلك فيزيد الله عز و جل ببره و صلته خيراً كثيراً.(3)و عن علی بن أبی حمزة قال: قلت لأبي إبراهيم (علیه السلام) أحج و أصلي و أتصدق عن الأحياء و الأموات من قرابتي و أصحابي قال نعم تصدق عنه و صل عنه و لك
أجرٌ بصلتك إياه.(1)- الصحة.
لكنهما ضعیفتان سنداً مضافاً إلى النقاش فی دلالتهما، أما الأولى: لجواز عود الفقرات أعنی «یصلى عنهما» إلى خصوص المیتین لا الحی والمیت باعتبار أن البر بالوالدین وهما حیان معلوم الكیفیة إذ كل شخص یعرف أن البر بهما بمعنی حسن المعاشرة معهما و أما إذا كانا میتین فلابد من التنبه و لأجله ذكر الامام (علیه السلام) فی هذه الروایة أنها تتحقق بالصلاة والصوم، هكذا قرر فی بعضى الكلمات.
لكن یمكن الجواب أن الظاهر هو الإطلاق لظهور الذیل فی ذلك.
و أما الثانیة: فإنها صریحة الدلالة فی جواز النیابة عن الحی على سبیل الإطلاق.
و أما فی الزیارات فقد تقدم أن السیرة جاریة على ذلك بلا نكیر، و أما الحج المندوب فیمكن استفادة ذلك من روایة موسى بن القاسم البجلي قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام) إني أرجو أن أصوم بالمدينة شهر رمضان فقال تصوم بها إن شاء الله تعالى قلت و أرجو أن يكون خروجنا في عشر من شوال و قد عود الله زيارة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و زيارتك فربما حججت عن أبيك و ربما حججت عن أبي و ربما حججت عن الرجل من إخواني و ربما حججت عن نفسي فكيف أصنع؟ فقال تمتع فقلت إني مقيمٌ بمكة منذ عشر سنين فقال تمتع.(2)
بتقریب: أن الامام (علیه السلام) ما قرر أصل المشروعیة المعلومة عند ذهن السائل وإنما أمره بالتمتع مع كونه مقیمة بمكة منذ عشر سنین.
و أما إتیان الصلاة فأفاد الماتن(رحمه اللّه) بأنه لیس من باب النیابة بل من باب سببیة الزیارات لإستحباب الصلاة بعدها بركعتین باعتبار أن تحقق الزیارة خارجاً موجب الاستحباب الصلاة ركعتین فإذا كانت الزیارة عن الغیر مشروعة تكون نفس الزیارة عنه موجبة لاستحباب الركعتین ولو كانت الزیارة نیابیة كما إذا أحرم الشخص نیابة فإنه یحرم علیه ما حرم على المحرم، لكن هذا إذا قلنا بأن الصلاة عمل مستقل وراء الزیارة، و أما إذا قلنا بأنها من شئون
«مسألة 18: إذا عمل للغیر لا بأمره ولا إذنه لا یستحق علیه العوض و إن كان بتخیل أنه مأجور علیه فبان خلافه» (1)
«مسألة 19: إذا أمر بإتیان عمل فعمل المأمور ذلك فإن كان بقصد التبرع لا یستحق علیه أجرة و إن كان من قصد الآمر إعطاء الأجرة و إن قصد الأجرة و كان ذلك العمل مما له أجرة استحق وإن كان من قصد الآمر اتیانه تبرعاً سواء كان العامل ممن شأنه أخذ الأجرة و معد نفسه لذلك أو لا، بل وكذلك إن لم یقصد التبرع ولا أخذ الاجرة فإن عمل المسلم محترم» (2)
الزیارة و توابعها فمشروعیة نفس الزیارة نیابة كافیة فی قصد النیابة فی الصلاة أیضا، فما ذكره من الاحتمال هو الأقوى كما أن الأمر كذلك فی صلاة الطواف بعد ما كان الطواف النیابی مشروعاً.
لكن یمكن أن یقال إن الدلیل على المشروعیة إن كان هو السیرة فالقدر المتیقن منها هو الزیارة و أما الصلاة فشمولها لها مشكل، نعم لا بأس به فی صلاة الطواف لأن الدلیل هو الروایات.
(1) فلعدم وجه لضمانه فإن الضمان إما أن یكون بإتلاف أو بالاجارة أو بالأمر أو بإذن و شیء منها لم یتحقق و أما احترام فعل المسلم فمعناه عدم جواز إجباره باستیفاء عمل أو أخذ مال منه قهراً و أما إذا عمل هو بنفسه من تلقاء نفسه فلا وجه للضمان و إن عادت منفعته إلى شخص آخر.
(2) أما العمل مع الأمر و قصد المأمور المجانیة فلا إشكال فی عدم الضمان لأن الأمر بمجرده لا یوجب الضمان لأنه مشروط بعدم قصد المجانیة و المفروض أن المأمور قصده فهو بنفسه ألغی احترام عمله فلا وجه للضمان كما أن الآمر إن قصد المجانیة و نصب قرینة على ذلك أو كانت القرینة موجودة ففی هذه الصورة أیضا لا ضمان علیه و إن قصد المأمور الاجرة إذ ما قصده المأمور لم یكن بمأمور به وما أتی به من العمل أعنی العمل بقصد الاجرة لم یكن مأمور به وما أمره من العمل لم یأت به لأنه أمره بفعل مجاناً فلا وجه للضمان،
«و لو تنازعا بعد ذلك فی أنه قصد التبرع أو لا؟ قدم قول العامل الأصالة عدم قصد التبرع بعد كون عمل المسلم محترماً بل اقتضاء احترام عمل المسلم ذلك و إن أغمضنا عن جریان أصالة عدم التبرع، ولا فرق فی ذلك بین أن یكون العامل ممن شأنه و شغله أخذ الأجرة و غیره إلا أن یكون هناك انصراف أو قرینة على كونه بقصد التبرع أو على اشتراطه» (1)
هذا إذا كانت القرینة فی المقام موجودة، و أما إذا لم ینصب قرینة على ذلك و لم یقصد العامل التبرع سواء عد نفسه لذلك العمل أم لا؟ و سواء كان العمل من شأنه ذلك أم لا؟ فالمشهور أنه ضامن لاحترام عمل المسلم «وإن حرمة ماله كحرمة دمه» فلا یذهب هدراً.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن معنی احترام عمل المسلم عدم كون مال المسلم بمثابة المباحات بحیث لا حرمة لها و یسوغ لأی أحد أن یستولی علیها و أنه لو أجبره شخص على عمل استحق المجبور به له ولزمه أن یخرج عن عهدته، و بعبارة أخرى معنی احترام عمله أن الاستیفاء موجب للضمان و أما لو استوفاه باختیاره و رضاه ولم یكن للآمر ما عدا الأمر والإستدعاء فعنوان الإحترام لا یستدعى بذل المال فی هذه الصورة، نعم السیرة قائمة على الضمان فما أفاده المشهور هو الصحیح.
(1) أما تقدیم قول العامل، لأن قوله مطابق الأصل مضافاً إلى وجود المقتضی من قیام السیرة على الضمان و المانع وهو قصد التبرع مشكوك فیه فیدفع بالأصل لأنه عنوان وجودی لابد من احرازه فیثبت الضمان بذلك لتحقق موضوعه وهو صدور العمل لا عن تبرع، هذا على القول بجریان الأصل، و أما مع الإغماض عن جریانه فإثبات الضمان بمجرد احترام مال المسلم مشكل، لأن القاعدة مقیدة بعدم قصد التبرع ففی مورد الشك یكون التمسك بالعام من موارد التمسك بالعام فی الشبهة المصداقیة.
«مسألة 20:كل ما یمكن الانتفاع به منفعة محللة مقصودة للعقلاء مع بقاء عینه یجوز إجارته و كذاك عمل محلل مقصود للعقلاء عدا ما استثنی یجوز الاجارة علیه ولو كان تعلق القصد و الغرض به نادراً، لكن فی صورة تحقق ذلك النادر بل الأمر فی باب المعاوضات الواقعة على الأعیان أیضا كذلك فمثل حبة الحنطة لا یجوز بیعها، لكن إذا حصل مورد یكون متعلقاً لغرض العقلاء و یبذلون المال فی قبالها یجوز بیعها» (1)
(1) ما أفاده مبتنن على أن المالیة معتبرة فی صحة المعاملة اجارة كانت أو بیعاً وإذا لم تكن كذلك تكون المعاملة سفهائیة فتبطل.
أورد علیه بأنه لا دلیل على ذلك وما افید من أن البیع مبادلة مال بمال لا شاهد علیه ولذا نرى أنه ربما یصدق على ما لا ینطبق علیه مفهوم المال لعدم رغبة العقلاء فیه مع ذلك یرغب فیه ویبذل بازائه المال كما لو وجد خط أبیه عند أحد فی ورقة مندرسة بخط ردی بحیث لا یرغب فیه أحد من العقلاء، مع ذلك حیث أن هذا خط أبیه یبذل بازائه مال كثیر لفرط حبه لخط أبیه.
و فیه: أن هذا بنفسه من مویدات المطلب إذ العقلاء و إن لم یبذلوا بازائه المال من جهة عدم رغبتهم لكن لو كانت الحالة فی كل واحدة منهم هذه الحالة یبذلون بازائه المال والشاهد على ذلك أنهم لا یذمونهم فی ذلك فلا یكون المورد من موارد أكل المال بالباطل كی یجاب بأن دلیل عدم جواز أكل المال بالباطل ناظر إلى السبب و أن الباء فی {ولا تأكلوا اموالكم بینكم بالباطل}(1)سبیة لا المصاحبة و انه أجنبیة عن دلالته على اعتبار المالیة و على هذا ما أفاده الماتن(رحمه اللّه) من اعتبار المالیة صحیح خصوصا مع ملاحظة أن أدلة الصحة فی باب المعاملات أكثرها إمضائیة ناظرة إلى بناء العقلاء و منه یظهر بطلان المعاملة السفهائیة لعدم شمول الدلیل إیاها لا لأجل المانع من دلیل خاص حتى یقال بأنه لا دلیل علیه بل الدلیل قائم على بطلان معاملة السفیه، لاحظ ما رواه أبو الحسین الخادم
1) البقره/188
«مسألة 21: فی الاستئجار للحج المستحبی أو الزیارة لا یشترط أن یكون الإتیان بها بقصد النیابة بل یجوز أن یستأجره لإتیانها بقصد إهداء الثواب إلى المستأجر أو إلى میته و یجوز أن یكون لا بعنوان النیابة و لا إهداء الثواب بل یكون المقصود ایجادها فی الخارج من حیث انها من الأعمال الراجحة فیأتی بها لنفسه أو لمن یرید نیابة أو إهداء» (1)
بیاع اللؤلؤ عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سأله أبي و أنا حاضرٌ عن اليتيم متى يجوز أمره قال حتى يبلغ أشده قال و ما أشده قال احتلامه قال قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنةً أو أقل أو أكثر و لم يحتلم قال إذا بلغ و كتب عليه الشيء جاز أمره إلا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً.(1)لكنه ضعیف، مضافاً إلى أن ما استدل على بطلان معاملة السفیه قابل للنقاش كما أشرنا سابقاً.
(1) الوجوه المتصور فی استیجار الحج المندوب أو الزیارة ثلاثة: الفرض الأول: أن یتأتى نیابة عن الغیر وقد تقدم الكلام فیه من أنها مشروعة. الفرض الثانی: اتیانهما بقصد إهداء الثواب. الفرض الثالث: لا هذا ولا ذاك بل یستأجره المجرد اتیانهما فی الخارج من جهة أنهما محبوبان نیابة كان أو إهداء الثواب.
لا إشكال فی الأول و الثالث لوجود المقتضی وعدم المانع، إنما الإشكال فی القسم الثانی من جهة أن مورد الاجارة لابد أن یكون مقدوراً و الاثابة بید المولى ولا شأن للعبد فیه فیكون من باب الاجارة فی غیر المقدور.
لكن یمكن الجواب عنه بأن المراد من الإهداء أن الآتی بالعمل حیث یحتمل الاثابة من قبل المولى یهدى هذا الثواب الإحتمالی إلى الغیر بأن یقصد إن كان لعملی ثواب نهدیه إلى الفلانی إذ یكفی الإهداء التعلیقی.
أضف إلى ذلك أن إهداء الثواب بعد العمل إذا كان مشروعة بمقتضى الروایات لاحظ ما رواه حارث بن مغیرة قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام) و أنا بالمدينة بعد ما رجعت من مكة
1) الوسایل، الباب 2 من أبواب كتاب الحجر، الحدیث: 5
«مسألة 22: فی كون ما یتوقف علیه استیفاء المنفعة كالمداد للكتابة و الإبرة و الخیط للخیاطة مثلا على المؤجر أو المستأجر قولان و الأقوى وجوب التعیین إلا إذا كان هناك عادة ینصرف إلیها الإطلاق و إن كان القول بكونه مع عدم التعیین و عدم العادة على المستأجر لا یخلو عن وجه أیضا لأن اللازم على المؤجر لیس إلا العمل» (1)
إني أردت أن أحج عن ابنتي قال فاجعل ذلك لها الآن.(1)، لا بأس بذلك فإنه یأتیه من باب أن هذا العمل مستحب فی أول الأمر ثم یهدی ثواب هذا العمل إلى شخص بقاء بل یمكن أن یقال إن معنى اهداء الثواب الطلب من الله تبارك و تعالى بأن یتفضل فیعطى الثواب إلى شخص آخر فعلى كلا التقدیرین یكون الإهداء مقدوراً للمكلف فیجوز الاستئجار علیه.
(1) أما ثبوت ذلك على الأجیر فلأن الواجب أی العمل على الأجیر، فیجب مقدماته من تحصیل الخیط و الدوات و أمثال ذلك، و أما ثبوته على المستأجر فلأن ما على عهدته لیس إلا العمل من الكتابة والخیاطة و أما ما عدا ذلك فهو خارج عن متعلق الاجارة.
لكن التحقیق یقتضی أن یقال بأنه تارة یعین ذلك فی عقد الاجارة أو كانت العادة على أحد الطرفین فلا كلام فیه وإلّا فلابد من التفصیل إذ قد یحتاج العمل إلى موضوع فیكون متعلق الاجارة هو عمل بحت، قائم بشخص الأجیر ففی مثل ذلك یكون تحصیل مقدمات العمل على المستأجر كما إذا استؤجر للخیاطة وهی ایجاد هیئته على موضوع خاص فلابد حینئذ من تحصیل مقدماتها من اشتراء الخیط و أمثاله و قد لا یحتاج فی تحققه إلى أی موضوع خارجاً ففی مثله لابد للأجیر من تحصیل مقدماته كما لو استأجره للحج فإن للحج مقدمات من تحصیل الراحلة و اشتراء ثوبی الإحرام وأمثال ذلك فإن اللازم على الأجیر تحصیلها، لكن یمكن أن یقال بأن مقتضى الاجارة تسلیم العمل إلى المستأجر كأداء الدین فی سائر الموارد و لو توقف أداء الدین على أمر فلابد من تحصیله.
1) الوسایل، الباب 29 من أبواب النیابة فی الحج، الحدیث: 1
«مسألة 23: یجوز الجمع بین الاجارة و البیع مثلا بعقد واحد كأن یقول بعتك داری و آجرت حماری بكذا و حینئذ یوزع العوض علیهما بالنسبة و یلحق كلا منهما حكمه فلو قال آجرتك هذه الدار و بعتك هذا الدینار بعشرة دنانیر فلابد من قبض العوضین بالنسبة إلى البیع فی المجلس و إذا كان فی مقابل الدینار بعد ملاحظة النسبة أزید من دینار أو أقل منه بطل بالنسبة إلیه للزوم الربا» (1)
(1) أما ما أفاده من جواز الجمع بین العقدین فعلی مقتضى القاعدة فإن مقتضى الإطلاق عدم الفرق بین عقد واحد بالنسبة إلى مبیع واحد أو متعدد و بین عقدین فی انشاء واحد فینحل فی الحقیقة إلى عقدین من بیع و اجارة و إن أنشأ بانشاء واحد فالمنشأ لدى التحلیل أمران تملیك العین و تملیك المنفعة فلا محالة یترتب على كل واحد منهما حكمه فیوزع العوض علیهما بالنسبة و ما قیل من أن المنصرف من الدلیل هو العقود المتعارفة لإنصراف الدلیل إلیها لا یصغی إلیه فإن الإطلاق لا ینصرف إلى الفرد النادر لا أنه منصرف عن فرد النادر.
و أما ما أفید بأن العقد فی هذه الصورة باطل لأجل الجهالة حیث لا نعلم بمقدار كل واحد منهما من الثمن والاجرة، فیندفع بأن الجهالة فی نفسها لا تكون موجبة للبطلان بل الوجه فیه رجوعها إلى الغرر و بعد عدم الغرر إذا كان المجموع معلوماً لا مانع من الصحة لعدم اشتراط العلم بالخصوصیات فالعقد صحیح فیترتب علیه حكمه، و حینئذ لو كان البیع بیع صرف یلزم القبض فی المجلس كما فی المتن كما أنه لو كان ربویاً یكون حراماً.
إن قلت: ان الضمیمة موجبة للصحة نظراً إلى أن الضمیمة مانعة عن تحقق الربا لنص، لاحظ ما رواه عبدالرحمن بن الحجاج قال: سألته عن الصرف فقلت له الرفقة ربما عجلت فخرجت فلم نقدر على الدمشقية و البصرية و إنما يجوز نيسابور الدمشقية و البصرية فقال و ما الرفقة فقلت القوم يترافقون و يجتمعون للخروج فإذا عجلوا فربما لم يقدروا على الدمشقية و البصرية فبعثنا بالغلة فصرفوا ألفاً و خمسين منها بألف من الدمشقية
و البصرية فقال لا خير في هذا أ فلا يجعلون فيها ذهباً لمكان زيادتها فقلت له أشتري ألف درهم و ديناراً بألفي درهم فقال لا بأس بذلك إن أبي كان أجرأ على أهل المدينة مني فكان يقول هذا فيقولون إنما هذا الفرار لو جاء رجلٌ بدينار لم يعط ألف درهم و لو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار و كان يقول لهم نعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال.(1)
قلت: ما افید فی النص لا ینطبق على ما نحن فیه إذ الضمیمة المفروضة فی النص هی ضمیمة شیء إلى المبیع بحیث یكون المبیع شیئین فیكون من باب ضم مال إلى مال لاضم عقد إلى عقد كما فی المقام فلاربط بین النص و مقامنا.
و الحاصل أنه یعتبر التقابض فی المجلس من ناحیة أنه بیع صرف و یعتبر أن لا یكون أحد العوض زائد على الآخر للزوم الربا كما فی المتن.
1) الوسایل، الباب 6 من أبواب الصرف، الحدیث: 1
«و لو قال آجرتك هذه الدار و صالحتك على هذا الدینار بعشرة دنانیر مثلا فإن قلنا بجریان حكم الصرف من وجوب القبض فی المجلس و حكم الربا فی الصلح فالحال كالبیع و إلا فیصح بالنسبة إلى المصالحة أیضا» (1)
(1) وقع الكلام فی جریان حكم الصرف فی الصلح -إذا كان العوضان من المكیل و الموزون- أم لا؟ فإن قلنا بالجریان، یجری فیه ما فی الصرف من اعتبار التقابض فی المجلس و جریان الربا فیه وإلا فلا، فلابد من مراجعة النصوص، لاحظ ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبدالله قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام) أ يجوز قفيزٌ من حنطة بقفيزين من شعير فقال لا يجوز إلا مثلًا بمثل ثم قال إن الشعير من الحنطة.(1)
و ما رواه أبو بصیر و غيره عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: الحنطة و الشعير رأساً برأس لا يزاد واحدٌ منهما على الآخر.(2)
فإن المستفاد منهما جریان الربا فی المكیل والموزون سواء كان فی البیع أو المصالحة.
وأما اعتبار التقابض فی المجلس فالظاهر اختصاصه بالبیع، لاحظ ما رواه عبدالرحمن بن الحجاج قال: سألته عن الرجل يشتري من الرجل الدرهم بالدنانير فيزنها و ينقدها و يحسب ثمنها كم هو ديناراً ثم يقول أرسل غلامك معي حتى أعطيه الدنانير فقال ما أحب أن يفارقه حتى يأخذ الدنانير فقلت إنما هم في دار واحدة و أمكنتهم قريبةٌ بعضها من بعض و هذا يشق عليهم فقال إذا فرغ من وزنها و انتقادها فليأمر الغلام الذي يرسله أن يكون هو الذي يبايعه و يدفع إليه الورق و يقبض منه الدنانير حيث يدفع إليه الورق. (3)و غیره من الروایات الواردة فی الباب المشار إلیه.
قد یقال: إن المستفاد من روایة محمد بن مسلم جواز المصالحة حتى مع العلم بالمفاضلة، محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) أنه قال: في رجلين كان لكل واحد منهما طعامٌ عند صاحبه و لا يدري كل واحد منهما كم له عند صاحبه فقال كل واحد منهما لصاحبه
«مسألة 24: یجوز استئجار من یقوم بكل ما یأمره من حوائجه فیكون له جمیع منافعه» (1)
«و الأقوى أن نفقته على نفسه لا على المستأجر إلا مع الشرط أو الإنصراف من جهة العادة و على الأول لابد من تعیینها كمّاً وكیفاً إلا أن یكون متعارفاً و على الثانی على ما هو المعتاد المتعارف» (2)
لك ما عندك و لي ما عندي فقال لا بأس بذلك إذا تراضيا و طابت أنفسهما.(1)
بدعوى أن مقتضى الإطلاق جواز ذلك حتى مع العلم، لكنه مشكل إذ مورد الروایة هو الجهل بالتفاضل و حیث أنها خلاف القاعدة فلابد من الاقتصار على موردها فلا تشمل مورد العلم بالتفاضل فمعه لا یجوز.
فالحق هو التفصیل بین جریان الربا و اعتبار التقابض بأنه یجری فی الصلح أیضأ بخلاف اشتراط التقابض فإنه غیر معتبر فی باب الصلح نعم إذا كان التفاضل مجهولا یجوز ذلك فی الصلح لأجل النص.
(1) لاطلاق الدلیل.
(2) عن الشرایع نفقته على المستأجر ونسب إلى العلامة وإلى الشیخ(رحمه اللّه) فی النهایة أنها على نفسه و نسب ذلك إلى المشهور كما عن الشهید الثانی(رحمه اللّه) فی اللمعة، وناقش فی ذلك صاحب الجواهر(رحمه اللّه) بأنا لم نحققه بل المشهور خلافه، و على كل حال تارة تكون القرینة موجودة على أی طرف من الأجیر أو المستأجر فلا كلام فیه وإلّا فتارة نبحث على مقتضى القاعدة و أخرى على مقتضى النص.
أما على الأول: فالقاعدة تقتضی ثبوتها على الأجیر لأنها لم تكن مدلول عقد الاجارة و حینئذ یكون الزام زائد على المستأجر ولا دلیل على ذلك فینفی بالاصل.
وأما على الثانی: فقد رواه سلیمان بن سالم قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن رجل استأجر رجلًا بنفقة و دراهم مسماة على أن يبعثه إلى أرض فلما أن قدم أقبل رجلٌ من أصحابه
1) الوسایل، الباب 5 من أبواب كتاب الصلح، الحدیث: 1
«و لو أنفق من نفسه أو أنفقه متبرع یستحق مطالبة عوضها على الأول بل و كذا على الثانی لأن الإنصراف بمنزلة الشرط» (1)
يدعوه إلى منزله الشهر و الشهرين فيصيب عنده ما يغنيه عن نفقة المستأجر فنظر الأجير إلى ما كان ينفق عليه في الشهر إذا هو لم يدعه فكافأه به الذي يدعوه فمن مال من تلك المكافأة أ من مال الأجير أو من مال المستأجر قال إن كان في مصلحة المستأجر فهو من ماله و إلا فهو على الأجير و عن رجل استأجر رجلًا بنفقة مسماة و لم يفسر شيئاً على أن يبعثه إلى أرض أخرى فما كان من مئونة الأجير من غسل الثياب و الحمام فعلى من قال على المستأجر.(1)
أقول: أما السند فضعیف به، و أما الدلالة فأورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن الظاهر من الروایة اشتراط كون النفقة على المستأجر والمفروض فی المقام خلو العقد عن الإشتراط فهی خارجة عما نحن فیه.
لكن یمكن أن یقال ان الذیل ناظر إلى المقام فالعمدة الاشكال فی السند.
(1) وقع الكلام بین الأعلام أن الاشتراط هل یوجب الاستحقاق مضافاً إلى التكلیف المحض أم لا؟ الذی یستفاد من الماتن(رحمه اللّه) ان الاشتراط یوجب حقا وضعیاً یقتضی استحقاق المطالبة.
لكن التحقیق یقتضی أن یقال إن الشرط تارة یكون على نحو شرط النتیجة بمعنی كون المشروط علیه ضامن للمشروط له بمقتضى الشرط، وبعبارة أخرى تكون ذمة المستأجر مشغولة. و أخرى یكون على نحو شرط الفعل، أما الأول فالظاهر بطلان الشرط لأنه لا یكون مشرعاً كما مر مراراً، و أما الثانی فهو نافذ لكن لا یفید إلا حكماً تكلیفیاً محضاً فیجب على المستأجر الإنفاق تكلیفاً، نعم لو لم یعمل بهذا الشرط ثبت للأجیر حق المطالبة فله الإجبار على العمل بالشرط فإن كان المراد من استحقاق المطالبة هذا المعنى المذكور فهو حق لا ریب فیه، و أما ثبات الضمان و اشتغال الذمة بحیث لو مات المستأجر یجب على ورثته أخذ النفقة من ماله، فلا.
1) الوسایل، الباب 10 من أبواب كتاب الاجارة، الحدیث: 1
«مسألة 25: یجوز أن یستعمل الأجیر مع عدم تعیین الاجرة و عدم اجراء صیغة الاجارة فیرجع إلى أجرة المثل لكنه مكروه ولا یكون حینئذ من الاجارة المعاطاتیة كما قد یتخیل لأنه یعتبر فی المعاملة المعاطاتیة اشتمالها على جمیع شرائط تلك المعاملة عدا الصیغة والمفروض عدم تعیین الاجرة فی المقام بل عدم قصد الإنشاء منهما ولا فعل من المستأجر بل یكون من باب العمل بالضمان نظیر الإباحة بالضمان كما إذا أذن فی أكل طعامه بضمان العوض و نظیر التملیك بالضمان كما فی القرض على الأقوى من عدم كونه معاوضة فهذه الامور عناوین مستقلة غیر المعاوضة و الدلیل علیها السیرة بل الأخبار أیضا و أما الكراهة فللأخبار أیضا» (1)
(1) أما أصل الجواز فهو مما لا إشكال فیه لعدم الدلیل على حرمة استعمال شخص بأمر أو استدعاء، و أما جواز العمل لشخص مع عدم قصد المجانیة، لأن «الناس مسلطون على أموالهم وأعمالهم»، نعم ربما یتوهم أن المستفاد من روایة مسعدة بن صدقة عدم الجواز، مسعدة بن صدقة عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يستعملن أجيراً حتى يعلم ما أجره و من استأجر أجيراً ثم حبسه عن الجمعة يبوء بإثمه و إن هو لم يحبسه اشتركا في الأجر.(1)
لكن یرد علیه أولاً : وجود التسالم و السیرة الخارجیة على ذلك مع كونه عام البلوى و لو كانت الروایة رادعة عنها لظهر وبان.
و ثانیاً: ما رواه سلیمان بن جعفر الجعفری قال: كنت مع الرضا (علیه السلام) في بعض الحاجة فأردت أن أنصرف إلى منزلي فقال لي انصرف معي فبت عندي الليلة فانطلقت معه فدخل إلى داره مع المغيب فنظر إلى غلمانه يعملون في الطين أواري الدواب و غير ذلك و إذا معهم أسود ليس منهم فقال ما هذا الرجل معكم قالوا يعاوننا و نعطيه شيئاً قال
1) الوسایل، الباب 3 من أبواب كتاب الاجارة، الحدیث: 2
قاطعتموه على أجرته قالوا لا هو يرضى منا بما نعطيه فأقبل عليهم يضربهم بالسوط و غضب لذلك غضباً شديداً فقلت جعلت فداك لم تدخل على نفسك فقال إني قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرة أن يعمل معهم أحدٌ حتى يقاطعوه على أجرته و اعلم أنه ما من أحد يعمل لك شيئاً بغير مقاطعة ثم زدته لذلك الشيء ثلاثة أضعاف على أجرته إلا ظن أنك قد نقصته أجرته و إذا قاطعته ثم أعطيته أجرته حمدك على الوفاء فإن زدته حبةً عرف ذلك لك و رأى أنك قد زدته.(1)
بتقریب أن الفعل لو كان فی نفسه حراماً كیف تعجب الراوی عن غضبه (علیه السلام) و سؤاله عن منشأ غضبه فیكون غضبه للنهی الشخصی المبتنی على الحكمة المشار إلیها فی الروایة، لكن فی النفس بالنسبة إلى ما ذكر شیء إذ حمل النهی على النهی الشخصی مشكل و بیان الحكمة لا ینافی الحرمة، نعم السیرة القطعیة مانعة عن الظهور فی الحرمة.
أما عدم كونها من الاجارة المعاطاتیة فلانه یعتبر فیها القصد والمفروض أنه لا قصد لتملیك وإلّا فلابد من الالتزام بملكیة المنفعة و الاجرة قبل العمل والمفروض أنه لیس كذلك إذ الصادر من العامل لیس إلا العمل الخارجی من غیر قصد ما عدا وقوعه للأمر وأما المستأجر إنما یأتی بالعمل من جهة أن المؤجر مالك للعمل.
و بعبارة واضحة: أن مقتضى الاجارة المتحققة بقول أو فعل ملكیة المستأجر للعمل وكذا الأجیر قبل صدور العمل خارجاً فیكون كل منهما قاصداً للتملیك، هذا بخلاف ما نحن فیه فإنه ما تحقق فی المقام إلا طلب عمل واستدعاء، و عمل خارجی من غیر قصد لإنشاء التملیك المعاوضی فیكون المقام نظیر الإباحة بالضمان و التملیك بالضمان كالقرض كما حقق فی محله من عدم كونه معاوضة فهذه عناوین مستقلة ومعاملة مستقلة و داخل فی باب العمل بالضمان فهو أشبه شیء بالقرض والدلیل على صحتها السیرة القطعیة نعم هو مكروه لأجل الروایة المتقدمة.
1) الوسایل، الباب 3 من أبواب كتاب الاجارة، الحدیث: 1
«مسألة 26: لو استأجر أرض مدة معینة فغرس فیها أو زرع ما لا یدرك فی تلك المدة فبعد انقضائها للمالك أن یأمره بقلعها بل و كذا لو استأجر لخصوص الغرس أو لخصوص الزرع و لیس له الإبقاء ولو مع الأجرة و لا مطالبة الأرش مع القلع لأن التقصیر من قبله، نعم لو استأجرها مدة یبلغ الزرع فاتفق التأخیر لتغیر الهواء أو غیره أمكن أن یقال بوجوب الصبر على المالك مع الاجرة للزوم الضرر إلا أن یكون موجباً لتضرر المالك» (1)
(1) البحث فی هذه المسألة یقع فی جهات:
الجهة الأولى: إن الماتن(رحمه اللّه) فصل فیمن غرس أو زرع فی أرض مستأجرة لخصوص الزرع أو الغرس بین ما لا یدرك فی المدة المقررة فی الاجارة وبین ما یدرك عادة و إنما حصل الأخیر من باب الإتفاق لأمر خارجی من برد أو انقطاع المطر بجواز القلع للمالك بعد انتهاء المدة فی الصورة الاولى وعدمه فی الصورة الثانیة فیجب علیه الصبر.
و الوجه فیه: أنه باختیاره فرط فكأن التقصیر مستنداً إلى المستأجر بخلافه فی الثانیة لأنه ضرر لم یقدم علیه المستأجر، غایة الأمر یجوز له أخذ الأجرة و علیه الصبر حتى یأتی أوان القلع لاحترام مال المسلم، نعم إذا تضرر هو أیضا یقع البحث فی تعارض الضررین و حینئذ لا مانع من القلع من دون أن یضمن الأرش، فحاصل ما أفاده أن مقتضى قاعدة لا ضرر عدم جواز القلع إلا فی موردین: الأول: إذا كان الغارس مقدماً على الإضرار لعدم شمول القاعدة لهذا المورد. و الثانی: تزاحم الضرر و عدم الترجیح فی البین فالمرجع قاعدة السلطنة التی مفادها جواز الزام الغارس بالتخلیة.
الجهة الثانیة: أن مقتضى قاعدة لا ضرر عدم جواز أحد أن یكون فی مقام الإضرار إلى الغیر فإن ظاهر كلمة ضرار حیث إنها من باب المفاعلة هو الإضرار على الغیر فإن معنى قوله «قاتلت زیداً» انه تصدی للقتل و حینئذ یكون معنى الضرار هو الإضرار وهذا هو المناسب مع مورد الروایة فی قصة سمرة حیث أنه أراد الإضرار بالأنصاری.
الجهة الثالثة: أنه إذا عمل شخص عملاً موجباً لتضرر شخص آخر من غیر قصد لتضرر، فتارة یكون الترتب القهری موجباً لتلف ماله أو وصفه بحیث یوجب نقصاً فی ماله كما لو حفر بئراً وصار هذا موجباً لنقص ماء بئر شخص آخر أو صار موجباً لرطوبة سردابه فالأقوى أنه غیر جائز لجملة من النصوص الواردة فی مقامات متعددة لاحظ ما رواه محمد بن الحسين قال: كتبت إلى أبي محمد (علیه السلام) رجلٌ كانت له قناةٌ في قرية فأراد رجلٌ أن يحفر قناةً أخرى إلى قرية له كم يكون بينهما في البعد حتى لا تضر إحداهما بالأخرى في الأرض إذا كانت صلبةً أو رخوةً فوقع (علیه السلام) على حسب أن لا تضر إحداهما بالأخرى إن شاء الله، الحديث.
و رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب قال: كتب رجلٌ إلى الفقيه (علیه السلام) و ذكر الحديث و رواه الصدوق بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب إلا أنه قال قناةً أخرى فوقه(1)
و ما رواه محمد بن الحسین قال: كتبت إلى أبي محمد (علیه السلام) رجلٌ كانت له رحى على نهر قرية و القرية لرجل فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر و يعطل هذه الرحى أ له ذلك أم لا فوقع (علیه السلام) يتقي الله و يعمل في ذلك بالمعروف (و لا يضر) أخاه المؤمن.(2)و غیرهما(3)
و أخرى یترتب علیه الضرر من غیر أن یوجب تلفاً فی عین ماله أو نقصاً فی وصفه وهذا القسم لا دلیل على حرمته كما إذا طبع كتاب و فعل غیره هذا العمل وصار موجباً لضرر الآخر من دون نقص فی ماله بل قل مشتریه و الروایات المتقدمة غیر شاملة لهذا المورد لأنها ناظرة إلى تلف المال أو نقص فیه.
الجهة الرابعة: أفاد المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن مقتضى -إطلاق حدیث لا ضرر الحاكم على
الأدلة الأولیة الموجب لاختصاصها بموارد عدم الضرر- عدم الفرق بین الضرر الحاصل من باب الاتفاق و بین ما لو كان المكلف بنفسه أوقع نفسه فی الضرر كما لو شرب دواء أو خرج باختیاره إلى مكان بارد جداً بحیث یمرض لو توضأ حینئذ أو اغتسل فإنه لا سبیل إلى الزامه بالطهارة المائیة بزعم أنه هو الذی أوقع نفسه فیه فبمقتضى اطلاق الحدیث أی حكم الزامی تضمن امتثاله الضرر فهو مرفوع.
أقول: إن المبانی فی قاعدة لا ضرر خمسة:
الأول: ما أفاده الشیخ الأعظم(رحمه اللّه) من أن المراد نفی الحكم الناشیء من قبله الضرر فیكون الضرر عنوانا للحكم لكونه معلوماً له فی مقام الإمتثال و حینئذ كل حكم موجوب لوقوع المكلف فی الضرر عند الإمتثال فهو مرفوع فمفاد القاعدة نفی الحكم الضرری فی عالم التشریع كقاعدة لا حرج فما أفاده المحقق الخوئی (قدس سره ) مبتنی على هذا الرأی.
الثانی: ما عن المحقق الخراسانی(رحمه اللّه) وهو أنه نفی للحكم بلسان نفی الموضوع كقوله: لا ربا بین الوالد والولد، فیكون الوضوء الضرری غیر واجب فالحكومة واقعیة لا ظاهریة.
الثالث: أن یكون المراد من الضرر هو الضرر غیر المتدارك منه فإن كل ضرر متدارك لیس بضرر.
الرابع: أنّ المراد به أنه لا یضرر أحدٌ أحدا فی حمى سلطانی و حوزة رعیتی فیجب على الرعیة الإطاعة بما أنه سلطانهم لا بما أنه حكم الله.
الخامس: ما اختاره الشیخ الشریعة الإصبهانی(رحمه اللّه) من أن یكون الكلام نفیاً أرید به النهی بأن المولى فی مقام الإنشاء، فهو بمنزلة قوله تعالى شأنه: {فلا رفث ولا فسوق}(1)فمعناه لا یضرر أحد أحداً.
هذا هو الأقوال فی المسألة و تحقیق الحق فی محله و أن ما أفاده الشیخ الشریعة لا یخلو عن قوة بل یمكن ارجاع قول الرابع إلیه.
الجهة الخامسة: مقتضى القول الأول فی مفاد قاعدة لا ضرر لو فرضنا أن المدة التی كانت وافیة و حصل التأخیر من باب الاتفاق فبعد انقضاء المدة كان الغرس أو الزرع فی معرض
1) البقره/197
القلع و حینئذ یكون المستأجر متضرراً بقلعه لكنه قابل للتدارك بالصبر وحیث أن مفاد القاعدة نفی الحكم الضرری لا الضرر المتدارك لا یجب على المالك الإمهال، نعم لو قلنا بأن المراد من القاعدة نفی ضرر غیر متدارك، یلزم علیه الصبر جمعاً بین الحقین.
قد یقال بأنه یجوز للمستأجر الإبقاء وقلنا بأن المراد بالقاعدة نفی الحكم الضرری لا الضرر غیر متدارك، بتقریب أن الإمهال وإن لم یجب على المالك لكن حرمة الإبقاء مرتفعة بالحدیث فیجوز له التصرف بمقتضاه، لكنه مردود بأن القاعدة امتنانیة و لا ریب فی أن البقاء منافی لسلطنة المالك و خلاف الإمتنان علیه سیما إذا كان الإبقاء موجباً لتضرره فلا تجری القاعدة بالنسبة إلى المستأجر فلابد من استرضائه ومع عدمه لا یجوز له الإبقاء وإن احتمل الماتن(رحمه اللّه) جوازه، هذا إذا قلنا بكونها امتنانیة بالنسبة إلى جمیع الأطراف و أما إذا قلنا بأنها مشروطة بكونها امتنانیة فی موردها فلا وجه لما اجیب لأنها بالنسبة إلى موردها و هو المستأجر امتنانیة فلاحظ.
مسألة 1: إذا تنازعا فی أصل الاجارة قُدم قول منكرها مع الیمین فإن كان هو المالك استحق اجرة المثل دون ما یقوله المدعی و لو زاد عنها لم یستحق تلك الزیادة و إن وجب على المدعی المتصرف إیصالها إلیه، و إن كان المنكر هو المتصرف فكذلك لم یستحق المالك إلا اجرة المثل و لكن لو زادت عما یدعیه من المسمى لم یستحق الزیادة لإعترافه بعدم استحقاقها و یجب على المتصرف ایصالها إلیه، هذا إذا كان التزاع بعد استیفاء المنفعة و إن كان قبله رجع كل مال إلى صاحبه» (1)
(1) للمسألة صور:
الصورة الاولى: أن یكون الدعوى قبل استیفاء المنفعة وحینئذ یقدم قول المنكر إن لم یكن للمدعی البینة و حینئذ یحلف المنكر لقاعدة «البینة على المدعی و الیمین على من أنكر» ومقتضى ذلك رجوع كل مال إلى صاحبه كما فی المتن.
الصورة الثانیة: أن یكون الدعوى بعد التصرف فإن ادعى المالك اجرة زائدة على أجرة المثل و المتصرف ینكرها فعلى المالك البینة و الإثبات وإن لم یثبت سقطت الدعوى فلا یستحق المالك إلا بمقدار ما توافقا علیه مما اعترف المنكر من اجرة المثل فما أفاده الماتن(رحمه اللّه) متین فی هذا الفرض.
الصورة الثالثة: نفس الفرض، لكن ادعى المالك اجرة أقل من أجرة المثل و حینئذ لا یتم ما أفاده الماتن(رحمه اللّه) من اجراء قاعدة المدعی والمنكر إذ المنكر فی هذه الصورة لا یدعی على المالك شیئا حتى یحتاج فی إسقاطه إلى الیمین بل یمكن أن یقال إن هذه الصورة خارجة عن البحث فإن المدعی ما یلزم غیره بحق أو مال بحیث یكون هو المطلوب بالبینة وحینئذ یلزم على المنكر الیمین إذا لم یثبت ذلك المدعی وهذه القاعدة لا تجری فی الفرض إذ بعد اعتراف المتصرف بالأكثر مما یدعی وهو بصدد الخروج عن عهدته كیف یمكن أن یقال إن المالك هو المدعی و المتصرف منكر كی یلزم جریان القاعدة علیه و حینئذ یرجع النزاع إلى
مسألة 2: لو اتفقا على أنه أذن للمتصرف فی استیفاء المنفعة و لكن المالك یدعی أنه على وجه الاجارة بكذا أو الإذن بالضمان و المتصرف یدعی أنه على وجه العاریة ففی تقدیم أیهما وجهان، بل قولان من أصالة البرائة بعد فرض كون التصرف جائزاً و من أصالة احترام مال المسلم الذی لا یحل إلا بالإباحة و الأصل عدمها فتثبت اجرة المثل بعد التحالف و لا یبعد الترجیح و جواز التصرف أعم من الإباحة» (1)
اعترافین متضادین فكل منهما یعترف على نفسه شیئا فلا منكر فی البین فالنتیجة یكون المورد من موارد التداعی فیطالبان بالبینة أو الیمین، نعم إذا علم المتصرف أن المالك مستحق بأزید مما ادعی إن ذمته تكون مشغولة بأزید فلابد من ایصاله إلیه كما لو علم شخص بأنه مدین لزید و زید ینكره و حینئذ لابد من الایصال إلیه كیفما اتفق فما أفاده الماتن(رحمه اللّه) من وجوب الایصال، حقٌ لكن لا من جهة اقراره لمعارضته بإقرار الآخر، بل علمه باشتغال ذمته.
الصورة الرابعة: أن یكون المدعی هو المتصرف و المنكر هو المالك فإن كانت اجرة المثل أكثر من المسماة فتجری فی المقام قاعدة المدعی والمنكر وأما إذا كانت أقل فیجری فیه ما ذكرناه سابقاً من خروجه عن مصب القاعدة ودخوله فی التداعی فلاحظ.
(1) قبل الخوض فی المسألة لابد من بیان أمرین:
الامر الأول: أن المدعی والمنكر و إن عرفا بتعاریف متعددة لكنه لا دلیل شرعی على كل واحد منهما فلابد من المراجعة إلى العرف فی فهم المعنی كسائر المفاهیم و المدعی ما یكون مطالباً بالدلیل و علیه الإثبات بمقتضى إعتبار العقلاء والمنكر ما یقابله حیث یكتفیه نفی هذه الدعوى التی یطالب المدعی باثباتها، و منه تعرف أنه لو كان كل من الطرفین ملزماً بالإثبات لعدم ترجیح فی البین خرج المورد من باب المدعی والمنكر و یدخل فی باب التداعی فعلیهما إثبات دعواهما أو التحالف.
الامر الثانی: إن المدار فی التشخیص هو مصب الدعوى أو الغرض منها ولو قال المالك
آجرتك بعشرة وقال الآخر آجرتنیها بخمسة فعلى الأول أنهما متداعیان لإختلافهما فی المدعی لكل منهما و على الثانی أنهما مدع و منكر لأن غرض الأول استحقاق العشرة و غرض خصمه استحقاق الخمسة الزائدة على الخمسة التی یعترف بها وهذا النفی مقتضى الأصل فمدعی خلافه مدع و مدعیه منكر والمنصرف من الأدلة هو الثانی فإن المقصود من نزاع المتخاصمین أولى بالملاحظة فی ذلك.
إذا عرفت ذلك فالصور فی المسألة ثلاثة:
الصورة الأولى: أن تكون أجرة المثل مساویة لاجرة المسماة كأن یدعی المالك أنه آجر زید داره بدینار و یدعى زید أنها عاریة وكان النزاع بعد انقضاء المدة التی یدعیها المالك فإن قلنا بأن المدار فی تشخیص المدعی والمنكر مضمون كلام المتخاصمین یكون كل واحد منهما مدعیاً من جهة و منكر من جهة أخرى فلابد من التحالف و بعده إن ثبت قاعدة احترام مال المسلم یتحكم على المتصرف بضمان اجرة المثل و لعله مستفاد من روایة اسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام) عن رجل استودع رجلاً ألف درهم فضاعت فقال الرجل كانت عندي وديعةً و قال الآخر إنما كانت لي عليك قرضاً فقال المال لازمٌ له إلا أن يقيم البينة أنها كانت وديعةً.(1)
و إن قلنا بأن المدار هو غرض المتخاصمین، ففی المقام یكون المالك مدعیاً و المتصرف منكر إذ المالك یدعى الاجارة حتى یثبت الأجرة المسماة و مدعی العاریة منكراً فی الحقیقة فإنه یدعی المجانیة و عدم الاشتغال و أما ما أفید من أن المورد من موارد المتداعیین بناء على ثبوت قاعدة الاحترام، لأن ثبوت المسمی المساوی لاجرة المثل مقتضى أصالة عدم العاریة التی یدعیها المتصرف و أصالة عدم الاجارة لا أثر له لعدم أثر مترتب علیه لأن الضمان مترتب على مجرد عدم العاریة، وإن العلم بعدم الاجارة، غیر مفید لأن القاعدة متفرع على عدم الإذن المفروض فی المقام أن المتصرف مأذون فلا تشمل المقام فیدخل المقام فی باب المدعی و المنكر لأن الغرض كما تقدم ثبوت الأجرة و عدمه.
الصورة الثانیة: أن تكون الأجرة المسماة أكثر من أجرة المثل فالأمر فیها ما ذكرنا سابقا
1) الوسایل، الباب 7 من أبواب كتاب الودیعة، الحدیث: 1
«مسألة 3: إذا تنازعا فی قدر المستأجر علیه قدم قول مدعی الأقل» (1)
«مسألة 4: إذا تنازعا فی رد العین المستأجرة قدم قول المالك» (2)
من أن مدعی الاجارة مدع ومدعی العاریة یكون منكراً إذا كان المدار هو الغرض و أما إذا كان المدار هو مصب الدعوی فكلاهما مدعیان فیثبت التحالف و بعد ذلك تثبت اجرة المثل إن قلنا باحترام مال المسلم فی المقام.
الصورة الثالثة: أن یكون الأجرة المسماة أقل من اجرة المثل فإن قلنا بأن المدار هو الغرض من الدعوى فهذه الصورة تكون من باب المدعی و المنكر فإن كان المالك مدعی الاجارة و المتصرف منكراً فإن حلف فلا شیء علیه و إن قلنا بأن المدار مصب الدعوی فكل واحد منهما مدع فلابد من التحالف، فإن قلنا بجریان قاعدة احترام مال المسلم فعلى المتصرف اجرة المثل وإلا فلا، غایة الأمر لا یجوز للمالك الأخذ بالأكثر من المسماة لاقراره بعدم الاستحقاق وإن وجب على المتصرف الایصال.
(1) هذا إذا كان مدعی الأقل هو المؤجر فحینئذ یكون المورد من موارد المدعی والمنكر فیقدم قول مدعی الأقل مع الحلف، و أما إذا كان مدعیه هو المستأجر كأن یقول استأجرت نصف النهار بدینار و قال المؤجر بل آجر تك تمام الدار بدینار، یكون المورد من موارد التداعی.
قد یقال إن الفرض الأول أیضاً من التداعی نظراً إلى أن كل واحد من الطرفین یدعی أمراً وجودیاً إذ الأول یدعی حصة خاصة من الدار بمقدار خاص والطرف الآخر أیضا یدعی جمیع الدار بحدّها فكل واحد من الطرفین یدعی شیئاً مستقلا بحدّه فیكون من باب التداعی.
وفیه: هذا إنما یتم إذا قلنا بأن المدار فی تطبیق المدعی و المنكر هو مصب الدعوى و أما إذا قلنا بأن المدار هو الغرض فی الدعوى فمدعی الزیادة مدع و الآخر ینفیه فیكون منكر فیكون المورد داخلا فی المدعی و المنكر فعلى المدعی البینة و على المنكر الحلف.
(2) إذ مدعی الرد یلزم علیه الإثبات بعد التوافق على الأخذ و إنّ مال الغیر عنده و كان علیه الرد، فالنتیجة یدعی فراغ ذمته و المالك ینكره فیقدم قوله، نعم قد ذهب جماعة إلى
«مسألة 5: إذا ادعى الصائغ أو الملاح أو المكاری تلف المتاع من غیر تعد ولا تفریط و أنكر المالك التلف أو ادعى التفریط أو التعدی قدم قولهم مع الیمین على الأقوى» (1)
تقدیم قول مدعی الرد فی باب الودیعة فلو ادعى الودعی الرد و أنكره المستودع یقدم قول الودعی و استدل علیه بالاجماع لكنه لم یثبت و على تقدیر ثبوته فلابد من الإنحصار فی مورده لأنه دلیل لبی فلا وجه للسرایة إلى ما نحن بصدده فلابد فی المقام من جریان القاعدة أعنی البینة على المدعی والیمین على من أنكر.
(1) الظاهر أنه لا إشكال فی عدم ضمان المستأجر بالنسبة إلى العین المستأجرة أو بالنسبة إلى متعلق الاجارة إلا مع التفریط لأنه أمین، و علیه روایات متعددة فی الباب 32 من أبواب كتاب الاجارة، لكن إذا تنازع بین المؤجر و المستأجر وإن العامل ادعى التلف من غیر إفراط ولا تعد، و المالك ادعى التفریط، فما هو المدعی و المنكر؟ نسب إلى المشهور كونه هو المالك و لیس على العامل إلا الیمین و فی بعض الكلمات نسب إلى المشهور خلافه كما نقل عن الشهید الثانی(رحمه اللّه) فعلى كل حال لابد من المراجعة إلى الروایات الواردة فی الباب حتى یتبین المقصود.
فتقول: إن الروایات الواردة فی المقام على طوائف:
الطائفة الأولى: ما دلت على الضمان مطلقا أعنی ضمان العامل لاحظ ما رواه الحلبی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: في الغسال و الصباغ ما سرق منهم من شيء فلم يخرج منه على أمر بين أنه قد سرق و كل قليل له أو كثير فإن فعل فليس عليه شيءٌ و إن لم يقم البينة و زعم أنه قد ذهب الذي ادعي عليه فقد ضمنه إن لم يكن له بينةٌ على قوله.(1)
و ما رواه أبو بصير عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته عن قصار دفعت إليه ثوباً فزعم أنه سرق من بين متاعه قال فعليه أن يقيم البينة أنه سرق من بين متاعه و ليس عليه شيءٌ فإن سرق متاعه كله فليس عليه شيءٌ.(2)
و ما رواه السكونی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (علیه السلام) يضمن الصباغ و القصار و الصائغ احتياطاً على أمتعة الناس و كان لا يضمن من الغرق و الحرق و الشيء الغالب الحديث.(1)
و ما رواه الحلبی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سئل عن رجل جمال استكرى منه إبلًا و بعث معه بزيت إلى أرض فزعم أن بعض زقاق الزيت انخرق فأهراق ما فيه فقال إن شاء أخذ الزيت و قال إنه انخرق و لكنه لا يصدق إلا ببينة عادلة.(2)
و ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (علیه السلام) في رجل حمل مع رجل في سفينته طعاماً فنقص قال هو ضامنٌ قلت إنه ربما زاد قال تعلم أنه زاد شيئاً قلت لا قال هو لك.(3)
الطائفة الثانیة: ما دلت على عدم الضمان منها ما رواه معاویة بن عمار عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته عن الصباغ و القصار فقال ليس يضمنان.(4)
و ما رواه یونس قال: سألت الرضا (علیه السلام) عن القصار و الصائغ أ يضمنون قال لا يصلح إلا أن يضمنوا قال و كان يونس يعمل به و يأخذ.(5)
الطائفة الثالثة: ما یفصل بین كونه متهمة و غیر متهم بضمان الأول دون الثانی لاحظ ما رواه الحلبی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (علیه السلام) يضمن القصار و الصائغ احتياطاً للناس و كان أبي يتطول عليه إذا كان مأموناً.(6)
و ما رواه أبوبصیر عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: كان علي (علیه السلام) يضمن القصار و الصائغ يحتاط به على أموال الناس و كان أبو جعفر (علیه السلام) يتفضل عليه إذا كان مأموناً.(7)
و ما رواه أبوبصیر عن أبي عبدالله (علیه السلام) في الجمال يكسر الذي يحمل أو يهريقه قال إن
كان مأموناً فليس عليه شيءٌ و إن كان غير مأمون فهو ضامنٌ.(1)
و حاصل الجمع بین هذه الطوائف حمل الطائفة الاولى و الثانیة على الطائفة الثالثة ونتیجة ذلك أن العامل إذا كان مأموناً لا یضمن وحینئذ إذا ادعى المالك التفریط لزمته البینة و أما إذا كان متهماً یكون الأمر عكس ذلك حیث إنه ضامن إلا أن یقیم البینة على عدمه هذا هو التفصیل فی المقام، نعم ربما یقال إن مقتضی بعض الروایات أن وظیفة العامل عند الإتهام هو الحلف لا البینة لاحظ ما رواه بكر بن حبیب قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام) أعطيت جبةً إلى القصار فذهبت بزعمه قال إن اتهمته فاستحلفه و إن لم تتهمه فليس عليه شيءٌ.(2)
و ما رواه أیضا عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: لا يضمن القصار إلا ما جنت يداه و إن اتهمته أحلفته.(3)
لكنهما ضعیفتان سنداً بالرجل.
و أما روایة أبی بصیر المرادی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: لا يضمن الصائغ و لا القصار و لا الحائك إلا أن يكونوا متهمين فيخوف بالبينة و يستحلف لعله يستخرج منه شيئاً و في رجل استأجر جمالا فيكسر الذي يحمل أو يهريقه فقال على نحو من العامل إن كان مأموناً فليس عليه شيءٌ و إن كان غير مأمون فهو ضامنٌ.(4)فهی وإن كانت صحیحة لكن لا ینطبق على ما نحن فیه فإن الظاهر منها الجمع بین الحلف و البینة إنما كان قبل تحقق النزاع و الشاهد على ذلك ذیل الروایة فإنه بالصراحة یدل على التفصیل المتقدم و یؤید ذلك قوله (علیه السلام): «لعله یستخرج منه شیئا» إذ لو كان بعد حكم الحاكم فهو مجبور بالعمل به مضافاً إلى أن المستفاد منها الجمع لا التخییر المدعی فی المقام.
قد یقال بأن الروایات الدالة على الضمان ساقطة عن الاعتبار من باب إعراض المشهور
«مسألة 6: یكره تضمین الأجیر فی مورد ضمانه من قیام البینة على اتلافه أو تفریطه فی الحفظ أو تعدیه أو نكوله عن الیمین أو نحو ذلك» (1)
حیث ذهبوا إلى الحلف.
و فیه: أولاً: أنه لم یكن كذلك فإن الشهید الثانی (علیه السلام) نسب الى المشهور الضمان و لعل الحلف كان أشهر فلا یكون الحدیث الدال على الضمان خلاف المشهور.
و ثانیاً: لم یعلم وجه عدم العمل بالروایات الدالة على الضمان و لعله كان من باب المعارضة و تقدیم جانب الروایات الدالة علیه، نعم لو قلنا بأنها خلاف المشهور و أنه یكون من باب الإعراض فما ذكر من الطرح فی محله إذ الإعراض موهن و إن لم یكن عمل المشهور جابراً، فتأمل.
(1) و الظاهر أنه لا دلیل على ذلك، نعم یستحب الإحسان علیه بأن لم یأخذ منه، نعم ربما یستدل على ذلك بروایة حذیفة بن المنصور قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن الرجل يحمل المتاع بالأجر فيضيع المتاع فتطيب نفسه أن يغرمه لأهله أ يأخذونه قال فقال لي أمينٌ هو قلت نعم قال فلا يأخذ منه شيئاً.(1)
لكن الظاهر أن مورد الروایة غیر ما نحن بصدده إذ المستفاد منها فرض كون الأجیر أمیناً فلا ضمان علیه، نعم إنه یجب تدارك الخسارة من تلقاء نفسه وهذا غیر ما نحن فیه، مضافاً إلى ضعف السند فإن الحسن بن الحسین اللؤلؤی فی الروایة و إن وثقه النجاشی، لكن ضعفه ابن الولید و صدوق و ابن نوح مضافاً إلى ابن سنان فی الروایة هو محمد بن سنان بقرینة الراوی والمروی عنه.
1) الوسایل، الباب 30 من أبواب كتاب الاجارة، الحدیث: 12
«مسألة 7: إذا تنازعا فی مقدار الأجرة قدم قول المستأجر»
«مسألة 8: إذا تنازعا فی أنه آجره بغلاً أو حماراً أو آجره هذا الحمار مثلا أو ذاك فالمرجع التحالف و كذا لو اختلفا فی الأجرة أنها عشرة دراهم أو دینار» (1)
(1) و الوجه فیه إنهما اتفقا على أصل الاجارة و إنما الاختلاف فی العین المستأجرة أو مال الاجارة فكل واحد منهما یدعی شیئا ینكره الآخر فیكون المورد من موارد التداعی فعلیهما الحلف كما هو المشهور بین الأعلام فإن تحالفا انقطع النزاع فتبطل الاجارة لكن مع ذلك اختار السید الفقیه الإصفهانی(رحمه اللّه) إن المورد من موارد المدعی و المنكر دون التداعی واختاره السید الحكیم(رحمه اللّه) فی مستمسكه و الوجه فیه على ما أفاده أن التداعی إنما یتم إذا قلنا بأن المدار فی تطبیق المدعی والمنكر هو مصب الدعوى وأما إذا قلنا بأن المدار هو الغرض من الدعوى، فلا یتم فإن الغرض المقصود فی الإجارة مطالبة المستأجر بما یدعی استیجاره والمالك ینفی ذلك و الأصل یقتضی عدم وقوع الاجارة على ما یدعی المستأجر والمالك و إن یدعی أمر آخر لكن هذه الدعوى لا أثر لها فی مطالبته بشیء و لیس له غرض فیها إلا بلحاظ ما یترتب علیها من اللازم و هو نفی ما یدعیه المستأجر ولذا یصح له الاقتصار على بطلان دعوى المستأجر من دون تعرض لمدعاه.
والحاصل أنهما بعد الاتفاق على استحقاق المالك للاجرة فالخلاف إنما هو فی استحقاق المستأجر لمنفعة والمالك ینفیه و الأصل معه فالمالك منكر و المستأجر مدع.
لكن یمكن أن یقال: إن الدعوى المالك أثر وله غرض فی دعواه فإنه بادعائه یكون الغرض استحقاق الأجرة بتسلیم الحمار مثلا وهذا شیء ینكره المستأجر كما أن المستأجر بادعائه یطالب المالك بتسلیم العین فیدعی استحقاق منفعة الدار مثلا فیكون المورد من باب التداعی.
«مسألة 9: إذا اختلفا فی أنه شرط أحدهما على الآخر شرطا أو لا، فالقول قول منكره» (1)
«مسألة 10: إذا اختلفا فی المدة أنها شهر أو شهران مثلا فالقول قول منكر الأزید» (2)
(1) و الوجه فیه: أن الإشتراط أمر زائد على ما اتفقا علیه من العقد و معلوم أن هذا یحتاج إلى الإثبات فمن قال بالاشتراط یكون مدعیاً و النافی له منكرا.
و لسیدنا الاستاذ دام ظله فی المقام كلام و هو أن المقام داخل فی التداعی بتقریب أن الشرط فی ضمن العقد معناه أن العقد معلق على التزام الطرف المقابل بأمر وحینئذ مرجع الإشتراط تعلیق العقد فعلى هذا، المدعی الإشتراط یدعی وقوع العقد معلقاً والمنكر یدعی وقوع العقد منجزاً فیكون المورد من موارد التداعی.
(2) و الأمر كما أفاده إذ بعد الاتفاق على أصل المنفعة و مقدار الاجرة وكان الاختلاف فی المدة یكون مدعی الزیادة ملزماً بالاثبات و مطالب بالبینة فهو مدع، و النافی لها یكون منكر فیقدم قوله عند عدم البینة.
«مسألة 11: إذا اختلفا فی الصحة و الفساد قدم قول من یدعی الصحة» (11)
«مسألة 12: إذا حمل المؤجر متاعه إلى بلد فقال المستأجر استأجرتك على أن تحمله إلى البلد الفلانی غیر ذلك البلد و تنازعا قدم قول المستأجر فلا یستحق المؤجر اجرة حمله و إن طلب منه الرد إلى المكان الأول وجب علیه و لیس له رده إلیه إذا لم یرض و یضمن له إن تلف أو عاب لعدم كونه أمینا حینئذ فی ظاهر الشرع» (2)
(1) فی المسألة فرضان:
الأول: أن یكون أركان العقد تامة غایة الأمر معی الفساد یدعی عدم رعایة الشروط الزائدة على الأركان بإهماله فحینئذ لا إشكال فی أن مقتضى الأصل العقلائی الحكم بالصحة فقول مدعی الفساد یكون على خلاف مقتضى الأصل و علیه الإثبات فیكون القائل بالفساد هو المدعی و الطرف الآخر منكرا.
الثانی: تكون الأركان غیر محرزة إما من ناحیة الفاعل كما لو شك فی بلوغ العاقد أو مالكیته أو من ناحیة القابل كما إذا احتمل وقفیة المبیع فجریان السیرة فی المقام محل تأمل فینعكس الأمر بمعنى أن مقتضى الأصل هو الفساد للشك فی تحقق العقد الجامع للشرائط فمدعی الصحة یكون قوله خلاف الأصل فعلیه الإثبات و یطالب بالبینة والطرف الآخر یكون منكرا.
(2) فی المسألة فروع:
الفرع الأول: لو حمل المؤجر المتاع إلى بلد و وقع التنازع بین المؤجر و المستأجر فقال المستأجر استأجرتك للحمل إلى الإصفهان و المؤجر یقول بل إلى الطهران فأفاد الماتن(رحمه اللّه) أن المورد من موارد المدعی والمنكر.
والوجه فیه: أن المستأجر مالك لما فی ذمة المؤجر وهو یدعی أداء ما فی ذمته و المستأجر ینكره فعلى المؤجر الإثبات فیكون مدعیاً و الآخر منكراً فیقدم قوله مع الحلف فما أفاده
الماتن(رحمه اللّه) صحیح كسائر الموارد من الدیون فإن اتفقا فی أصل الدین والمدیون یدعی الأداء و الدائن ینكره فیقدم قوله.
لكن یمكن أن یقال بأن المورد من موارد التداعی، بتقریب: أن المستأجر وإن كان مدعیاً كما افید لكن الأجیر أیضا یكون مدعیاً من حیث أنه یدعی استحقاق تسلیم الأجرة بعد ما كان مدعیاً من حمل المتاع إلى المكان الذی یدعیه، هذا كله فی فرض قبل صدور العمل من الأجیر و أما بعد العمل فهو أوضح إذ كل من الطرفین یدعی أمراً ثبوتیاً لأن المستأجر یدعی العمل المقصود و أن هذا العمل لا یكون متعلق للاجارة و الأجیر یدعی استحقاق الاجرة بهذا العمل، لكن إذا لم ینقض زمان العمل و أما إذا انقضى زمان العمل فالأمر غیر ما ذكر إذ الاجیر حینئذ یدعی استحقاق الأجرة و المستأجر ینكره.
الفرع الثانی: یجب على الأجیر رد العین لو انتقل إلى ذاك البلد أی المكان الأول لأنه بعد التنازع فی النقل یدعی المؤجر الإذن فیه و المستأجر ینكر و بعد حلفه یجب علیه الرد إلى المكان الأول لأن النقل كان من دون إذنه فیجب علیه الرد بمقتضى السیرة العقلانیة الممضاة عند الشرع.
الفرع الثالث: أنه لو رده بلا إذن من المستأجر یكون ضامناً فی صورة التلف أو العیب لأن یده حینئذ یكون ید عدوان و لو فی ظاهر الشرع لأنه ثبت بالحلف أنه لم یعمل بمتعلق الاجارة.
الفرع الرابع: أن المؤجر لا یستحق الاجرة لهذا النقل لأنه لم یكن بمقتضی الاجارة و لم یكن بإذن المستأجر نعم یستحق المؤجر اجرة المسماة بمقتضی الاجارة و إن لم یسلم المتعلق إلى المستأجر، لكن للمستأجر خیار الفسخ فإذا فسخ لم یستحق المؤجر شیئأ هذا كله إذا لم یبق للعمل بالاجارة زمان كما إذا كانت الاجارة موقتة و قد انقضى الوقت و أما مع بقاء الوقت فعلیه العمل بمقتضی الاجارة و له الأجرة المسماة.
«مسألة 13: إذا خاط ثوبه قباء و ادعى المستأجر أنه أمره بأن یخیطه قمیصاً فالأقوى تقدیم قول المستأجر لأصالة عدم الإذن فی خیاطته قباء و على هذا فیضمن له عوض النقص الحاصل من ذلك ولا یجوز له نقصه إذا كان الخیط للمستأجر و إن كان له كان له و یضمن النقص الحاصل من ذلك ولا یجب علیه قبول عوضه لو طلبه المستأجر كما لیس علیه قبول عوض الثوب لو طلبه المؤجر هذا و لو تنازعا فی هذه المسألة و المسألة المتقدمة قبل الحمل و قبل الخیاطة فالمرجع التحالف» (1)
(1) قد تعرض الماتن(رحمه اللّه) فی هذه المسألة لفروع:
الفرع الأول: لو تنازعا فی الخیاطة بأنه خاط ثوبه قباء وادعى المستأجر أنه أمره أن یخیط ثوبه قمیصاً.
قال الماتن(رحمه اللّه): الأقوى تقدیم قول المستأجر و الوجه فیه: أن المستأجر منكر لما یدعیه العامل من الإذن فیكون قول المستأجر مقدما لأن الأصل عدم الإذن فعلى العامل إثبات الإذن.
لكن قد یقال: أن المستأجر أیضا مع من ناحیة أنه یدعی علیه بأنه لم یأمره فیلزمه بذلك ضمان الثوب فكان علیه البینة.
و فیه: أن ادعاء الضمان أیضا ناشی من أصالة عدم الإذن و حینئذ لا یكون مجرد دعوى الضمان موجباً لكونه مدع، نعم لو قلنا بأن المدار هو مصب الدعوى یكون المورد من موارد التداعی كما بیناه سابقا.
الفرع الثانی: أن الأجیر ضامن لنقص الحاصل من الخیاطة فی الثوب لأنه أتلف مال الغیر فیكون ضامناً لقاعدة الاتلاف.
الفرع الثالث: أن الخیط إذا كان للمستأجر لا یجوز للأجیر نقضه و ارجاع الثوب إلى حالته الأولى فإنه تصرف فی مال الغیر فلا یجوز، و أما عمله فقد ذهب هدراً بعد عدم إقامة البینة و حلف المنكر و أما وصف المخیطیة فلا یكون فی نفسه مالاً حتى یكون المالك ضامناً له، نعم هو موجب لإزدیاد المالیة و لذا لو غصب شخص من آخر مادة
«مسألة 14: كل من یقدم قوله فی الموارد المذكورة علیه الیمین للآخر» (1)
من المواد الأولیة ثم صنع فیها بشكل خاص لا یوجب الإشتراك فی مالیته و أما إذا كان الخیط للأجیر فله النقض و تحصیل ماله و لا یجب علیه قبول العوض لقاعدة السلطنة وحینئذ فإن رضی صاحب الثوب بالنقض فهو وإلا فلابد من المراجعة إلى الحاكم لیجبره على ذلك لأنه ولی الممتنع، هذا كله لو كان النزاع بعد العمل و أما قبل العمل فیكون المورد من موارد التداعی لأن كل واحد منهما یدعی أمر غیر ما یدعیه الآخر وكلا الأمرین خلاف الأصل فعلیهما الإثبات.
(1) لقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إنما أقضی بینكم بالبینات والأیمان فالبینة على المدعی والیمین على من أنكر».
تتمة فیها أمور:
الأول: أن الحكم الصادر من الحاكم هل هو حكم واقعی أم لا؟ و الظاهر هو الثانی لما رواه هشام بن الحكم عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إنما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان و بعضكم ألحن بحجته من بعض فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنما قطعت له به قطعة من النار.(1)
ویؤیده ما رواه الحسین بن زید عن الصادق عن آبائه (علیهم السلام) عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث المناهي أنه نهى عن أكل (مال بشهادة) الزور.(2)
وما فی تفسیر الامام (علیه السلام) عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يحكم بين الناس بالبينات و الأيمان في الدعاوي فكثرت المطالبات و المظالم فقال أيها الناس إنما أنا بشرٌ و أنتم تختصمون و لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض و إنما أقضي على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعةً من النار.(3)
الثانی: قد یشكل فی موارد القضاء بأنه قد نعلم بمخالفته للواقع مثلا فی مورد التحالف فكیف یجوز له الحكم ببطلان كلتا الدعویین مع العلم بأن إحداهما ثابتة فی الواقع فالحكم المذكور مع هذا العلم حكم على خلاف الواقع.
الجواب: بأنه إن قلنا بأن التحالف موجب لانفساخ العقد واقعاً بالتعبد من الشارع فقهراً یرجع كل من المالین مثلا إلى صاحبه فلا مخالفة، فعن الشهید(رحمه اللّه) انفساخ العقد و عن الفاضلین والشهدین(رحمه اللّه) الجزم بالانفساخ و عن الجواهر لا ریب أن المتجه على مقتضی الضوابط الشرعیة عدم الانفساخ بالتحالف ولا یتسلط الحاكم على ذلك، هذا كله بحسب الواقع و إن لم نقل بذلك فلا اقل من التخصیص فی الآثار كما مال السید الحكیم(رحمه اللّه) بأن المدعی باقی على ما هو علیه لا تغیر فیه ولا تبدیل إلا فی بعض الجهات وهی عدم جواز المطالبة فیه و الإدعاء والنزاع، و الجمع بین نفوذ حكم الحاكم فی فصل النزاع و بقاء الواقع على ما هو علیه یقتضی ذلك و حینئذ فلا مانع من جواز الحكم فی مورد التحالف مع العلم الإجمالی بمخالفته للواقع فی أحدا الدعویین.
أقول: إن الجمع بهذه الكیفیة یشبه بالجمع التبرعی.
الثالث: إن حكم الحاكم من قبیل الامارة بالنسبة إلى من عداه، فیجوز لهم ترتیب الآثار إلا من علم بمخالفته للواقع بل یستفاد من بعض الروایات لزوم ترتیب الآثار علیه إلا ما علم مخالفته لاحظ ما رواه عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعةٌ في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة أ يحل ذلك قال من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت و ما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً و إن كان حقاً ثابتاً له لأنه أخذه بحكم الطاغوت و ما أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت و قد أمروا أن يكفروا به} قلت فكيف يصنعان قال ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله و علينا رد و الراد علينا الراد على الله و
هو على حد الشرك بالله الحديث.(1)
لكن لا یتغیر الواقع عما هو علیه بحكم الحاكم ونقل عن الشهید فی الدروس لا یتغیر الواقع عما هو علیه بحكم الحاكم فلو حكم بشاهدی زور على عقد أو فسخ أو طلاق أو نكاح لم یستبیح المحكوم به ولا یحل للعلم بكذبهما.
و فی المستمسك قد اشتهر فی كلامهم عدم وجوب العمل بالحكم إذا علم بمخالفته للواقع بل الظاهر أنه لاكلام فیه ولا إشكال، انتهى.
فعلى هذا لو علم إجمالاً بمخالفته للواقع لا یجوز ترتیب آثار الواقع علیه نعم مع الشك یلزم العمل بحكمه على ما هو المستفاد من مقبولة عمر بن حنظلة فلاحظ.
الرابع: لو تمكن ذو الحق من استنقاذ حقه من خصمه بالتقاص هل یجوز ذلك أم لا؟ الظاهر هو الأول مع علمه بمخالفة حكم الحاكم للواقع، نعم نقل عن الشرایع أنه إذا حلف یعنی المدعى علیه سقطت الدعوى ولو ظفر المدعی بعد ذلك بمال الغریم لم تحل له المقاصة وعن المسالك هذا هو المشهور بین الأصحاب ولا یظهر فیه مخالف و عن الجواهر بلا خلاف أجده فی شیء من ذلك إنتهی.
و استدل على ذلك بعد الإجماع بما رواه ابن أبی یعفور عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه فاستحلفه فحلف أن لا حق له قبله ذهبت اليمين بحق المدعي فلا دعوى له قلت له و إن كانت عليه بينةٌ عادلةٌ قال نعم و إن أقام بعد ما استحلفه بالله خمسين قسامةً ما كان له و كانت اليمين قد أبطلت كل ما ادعاه قبله مما قد استحلفه عليه.(2)
و ما رواه خضر النخعی عن أبي عبدالله (علیه السلام) في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده قال إن استحلفه فليس له أن يأخذ شيئاً و إن تركه و لم يستحلفه فهو على حقه.(3)
و ما رواه ابن وضاح قال: كانت بيني و بين رجل من اليهود معاملةٌ فخانني بألف درهم
فقدمته إلى الوالي فأحلفته فحلف و قد علمت أنه حلف يميناً فاجرةً فوقع له بعد ذلك عندي أرباحٌ و دراهم كثيرةٌ فأردت أن أقتص الألف درهم التي كانت لي عنده و أحلف عليها فكتبت إلى أبي الحسن (علیه السلام) فأخبرته أني قد أحلفته فحلف و قد وقع له عندي مالٌ فإن أمرتني أن آخذ منه الألف درهم التي حلف عليها فعلت فكتب لا تأخذ منه شيئاً إن كان ظلمك فلا تظلمه و لو لا أنك رضيت بيمينه فحلفته لأمرتك أن تأخذ من تحت يدك و لكنك رضيت بيمينه (و قد ذهبت) اليمين بما فيها فلم آخذ منه شيئاً و انتهيت إلى كتاب أبي الحسن (علیه السلام).(1)
لكن الروایات كلها ضعاف على الظاهر و عمل المشهور لا یكون جابراً، مضافاً إلى ما أورد علیه السید الحكیم(رحمه اللّه) من أن الروایة الأولى ظاهر فی نفی الدعوى، لكن الروایة الثانیة ظاهرة فی عدم جواز الأخذ بعد الإستحلاف و الروایة الثالثة ضعیفة سنداً.
والحاصل أن فی بعض هذه الروایات دلالة ظاهرة على عدم جواز الأخذ وأما التقاص من ماله فلا یستفاد منه وما یستفاد منه التقاص یكون سنده ضعیفاً فلابد من المراجعة إلى القواعد العامة و مقتضاها هو الجواز إلا ما خرج بالدلیل كما أنه لا وجه للتعدی من القاص إلى سائر التصرفات، وأشكل منه التعدی إلى التصرفات الإعتباریة من احتسابة زكاة أو خمساً و أمثال ذلك كما أن النصوص المشار إلیها مختصة بباب الیمین فلا تشمل مورداً یكون مستند الحكم هو البینة.
وأما الاستدلال بالتعلیل الوارد فی روایة ابن وضاح، فضعیفة سنداً و انجباره بعمل المشهور مضافاً إلى الإشكال فی الكبرى استناد المشهور إلى هذه الروایة غیر معلوم فالصغرى أیضا غیر محرزة.
1) الوسایل، الباب 10 من أبواب كیفیة الحكم، الحدیث: 2
«خاتمةٌ: فیها مسائل»
الأولى: خراج الأرض المستأجرة فی الأراضی الخراجیة على مالكها و لو شرط كونه على المستأجر صح على الأقوى ولا یضر كونه مجهولاً من حیث القلة و الكثرة لإغتفار مثل هذه الجهالة عرفا و لإطلاق بعض الأخبار» (1)
(1) أما ما أفاده من أن الخراج على المؤجر فالظاهر أنه لا كلام فیه إذ المخاطب بأداء الخراج و المكلف به هو المؤجر فعلیه الأداء لا على المستأجر وأما اشتراط أداء الخراج فإن كان بنحو شرط النتیجة، فصحة ذلك مشكل لأن دلیل الشرط لا یكون مشرعاً و إن كان بنحو شرط الفعل فلا بأس به إذ یجوز أداء الخراج من كیسه فی حد نفسه والشرط موجب لالزامه، مضافاً إلى بعض الأخبار، لاحظ ما رواه داود بن سرحان عن أبي عبدالله (علیه السلام) في الرجل تكون له الأرض عليها خراجٌ معلومٌ و ربما زاد و ربما نقص فيدفعها إلى رجل على أن يكفيه خراجها و يعطيه مائتي درهم في السنة قال لا بأس.(1)
و یؤیده ما رواه یعقوب بن شعیب عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل تكون له الأرض من أرض الخراج فيدفعها إلى الرجل على أن يعمرها و يصلحها و يؤدي خراجها و ما كان من فضل فهو بينهما قال لا بأس -إلى أن قال- و سألته عن المزارعة فقال النفقة منك و الأرض لصاحبها فما أخرج الله من شيء قسم على الشطر و كذلك أعطى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) خيبر حين أتوه فأعطاهم إياها على أن يعمروها و لهم النصف مما أخرجت.(2)
أما اغتفار الجهالة فی الشرط فمضافاً إلى النص فقد یدعی أن مثل هذه المعاملة على ما هی علیه من الجهالة جاریة عند العرف والعقلاء فلایحتمل عادة قیام الإجماع على الفساد فی مثل ذلك.
لكن یمكن أن یقال إن الجهالة فی الشرط موجبة للجهالة فی المشروط فإن قلنا بأن الجهالة
«الثانیة: لا بأس بأخذ الأجرة على قرائة تعزیة سید الشهداء و سائر الائمة صلوات الله عليهم، و لكن لو أخذها على مقدماتها من المشی إلى المكان الذی یقرء فیه كان أولى» (1)
الثالثة: یجوز استیجار الصبی الممیز من ولیه الإجباری أو غیره كالحاكم الشرعی لقرائة القرآن و التعزیة و الزیارات بل الظاهر جوازه لنیابة الصلاة عن الأموات بناء على الأقوى من شرعیة عباداته» (2)
مضرة فی الاجارة تكون الاجارة باطلة لأجل الجهالة وأما إذا لم نقل بذلك كما هو الظاهر فلا یضر فالعمدة فی المقام هو النص.
(1) قد تقدم ما جواز أخذ الأجرة على الواجبات فضلا عن المستحبات و أنه لا ینافی القربة نعم إذا قصد القربة یثاب وإلا فلا له إلا الأجرة الدنیویة.
(2) أما جواز استیجاره لقرائة القرآن و غیرها فلأنها أعمال محترمة ولم تكن ممنوعة شرعاً فیجوز الاستیجار مع فرض أن المؤجر فی الحقیقة ولی الصبی لا هو نفسه و أما جواز نیابته عن الأموات فی الصلاة ونحوها فقد یقال بأنها منوطة بمشروعیة عبادات العصبی و عدمها، فإن قلنا بالأول فیجوز وإلا فلا.
قد یقال إنه لا ملازمة بینهما إذ اللازم فی صحة النیابة مشروعیة العبادة فی حق المنوب عنه لأن النائب یمتثل الأمر المتوجه إلى المنوب عنه و أما النائب فلا یعتبر فی صحة نیابته توجه الأمر إلیه بالفعل المنوب عنه، نعم نحتاج إلى عموم أدلة النیابة.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن السقوط بفعل الغیر خلاف إطلاق الخطاب و موقوف على قیام الدلیل علیه والمتیقن منه صورة بلوغ النائب و أما غیره فلم نعثر لحد الآن، على دلیل یدل على جواز ذلك و لا إطلاق فی أدلة النیابة.
أجاب عنه سیدنا الاستاذ دام ظله بأنه لو فرضنا مشروعیة عبادة الصبی یكون النیابة عن المیت مستحب له فیجوز طبعا الاجارة علیها.
«الرابعة: إذا بقی فی الأرض المستأجرة للزراعة بعد انقضاء المدة أصول الزرع فنبتت فإن لم یعرض المستأجر عنها كانت له و إن أعرض عنها و قصد صاحب الأرض تملكها كانت له و لو بادر آخر إلى تملكها ملك و إن لم یجز له الدخول فی الأرض إلا بإذن مالكها» (1)
(1) وقع الكلام بین الأعلام أن الإعراض هل یوجب خروج الملك من ملك المالك فیدخل فی المباحات الأصلیة فیجوز لكل أحد تملكه أم لا؟ فعن ابن ادریس هو الأول وهو المشهور بین الأعلام ظاهراً و یؤیده بما ورد فی السفینة المغروقة من أن ما یخرج بالغوص فهو لمن أخرجه حیث استدل المحقق الحلی بأن المسألة مبتنی على أن المالك قد أعرض عنه فیكون ملكا لمن أخرجه و نقل عنه أنه لیس هذا قیاساً لأن مذهبنا ترك القیاس و إنما هذا على جهة المثال، إنتهی.
فلابد من ملاحظة الروایة المشار إلیها وهی ما رواه السكونی عن أبي عبدالله (علیه السلام) في حديث عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: و إذا غرقت السفينة و ما فيها فأصابه الناس فما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله و هم أحق به و ما غاص عليه الناس و تركه صاحبه فهو لهم.(1)
ولاحظ ما رواه الشعیری قال: سئل أبو عبدالله (علیه السلام) عن سفينة انكسرت في البحر فأخرج بعضها بالغوص و أخرج البحر بعض ما غرق فيها فقال أما ما أخرجه البحر فهو لأهله الله أخرجه و أما ما أخرج بالغوص فهو لهم و هم أحق به.(2)
فإنه قد یقال إن الروایة ناظرة إلى المال التالف عرفاً لا المعرض عنه حیث ان المال المغروق من أجل عدم تیسر الوصول إلیه عادة یعد تالفاً فهو نظیر جواز استملاك الشاة الملتقطة فی البر لاحظ ما رواه هشام بن سالم عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: جاء رجلٌ إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال يا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إني وجدت شاةً فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هي لك أو لأخيك أو
للذئب فقال يا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إني وجدت بعيراً فقال معه حذاؤه و سقاؤه حذاؤه خفه و سقاؤه كرشه فلا تهجه.(1)
وحینئذ لا یكون الإعراض دلیلاً على أنه موجب لخروج الملك عن ملك مالكه إذ كما أن الملكیة تحتاج إلى دلیل كذلك الخروج عنها یحتاج إلى دلیل و لیس فی البین إلا السیرة و مقتضاها جواز التصرف لا الخروج عن الملكیة و لذا لو ندم عن إعراضه لا ینبغی الشك فی استقرار السیرة على أن الأخذ لم یكن له معارضة المالك فی ذلك بل یرونه حینئذ ملزماً بالتخلیة و تسلیمه إلى المالك فلا یترتب على الأعراض إلا إباحة التصرف، نعم هذه الإباحة تكون نظیر الإباحة فی التصرف فی البیع المعاطاتی من جهة أن المتصرف لو أحدث فیها شیئا تكون لازمة ولیس للمالك المراجعة للسیرة العقلائیة هذا.
لكن الظاهر من السیرة العقلانیة خروج الملك بالإعراض، لكن الإشكال فی الروایة خصوصاً روایة السكونی الأولى و السیرة واضحة، فالإعراض مخرج.
1) الوسایل، الباب 13 من أبواب كتاب اللقطة، الحدیث: 1
«الخامسة: إذا استأجر قصاب لذبح حیوان فذبحه على غیر الوجه الشرعی بحیث صار حراماً ضمن قیمته بل الظاهر ذلك إذا أمره بالذبح تبرعاً و كذا فی نظائر المسألة» (1)
(1) لعدة من الروایات الدالة على أنه من استؤجر لیصلح فأفسد فهو ضامن، لاحظ ما رواه الحلبی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سئل عن القصار يفسد فقال كل أجير يعطى الأجرة على أن يصلح فيفسد فهو ضامنٌ.(1)
وما رواه اسماعیل بن أبی الصباح عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته عن الثوب أدفعه إلى القصار فيخرقه قال أغرمه فإنك إنما دفعته إليه ليصلحه و لم تدفع إليه ليفسده.(2)
وما رواه السكونی عن أبي عبدالله (علیه السلام) أن أمير المؤمنين (علیه السلام) رفع إليه رجلٌ استأجر رجلا يصلح بابه فضرب المسمار فانصدع الباب فضمنه أمير المؤمنين (علیه السلام).(3)
و ما رواه الحلبی عن أبي عبدالله (علیه السلام) في الرجل يعطى الثوب ليصبغه فيفسده فقال كل عامل أعطيته أجراً على أن يصلح فأفسد فهو ضامنٌ.(4)
وغیرها من الروایات، مضافاً إلى قاعدة «من أتلف مال الغیر فهو له ضامن» و حینئذ لا یستحق الأجیر الاجرة فإنه لم یأت بما استؤجر علیه وما أتی به غیر مستأجر علیه و حینئذ إما أن نقول بأن الاجارة تنفسخ أو نقول بأن الاجارة صحیحة، غایة الأمر یثبت للمستأجر الخیار فإن فسخ فهو و إلا فله أجرة المثل كما علیه الأجرة المسماة وما ذكرنا یجری بالنسبة إلى الأمر أو مع العلم برضاه، كل ذلك لقاعدة الإتلاف.
«السادسة: إذا آجر نفسه للصلاة عن زید فاشتبه و أتى بها عن عمرو فإن كان من قصده النیابة عن وقع العقد علیه و تخیل أنه عمرو فالظاهر الصحة عن زید و استحقاقه الأجرة، و إن كان ناویاً بالنیابة عن عمرو على وجه التقیید، لم تفرغ ذمة زید و لم یستحق الاجرة و تفرغ ذمة عمرو إن كانت مشغولة ولا یستحق الاجرة من تركته لأنه بمنزلة التبرع و كذا الحال فی كل عمل مفتقر إلى النیة» (1)
«السابعة: یجوز أن یؤجر داره مثلا الی سنة باجرة معینة و یوكل المستأجر فی تجدید الاجارة عند انقضاء المدة و له عزله بعد ذلك و إن جدد قبل أن یبلغه خبر العزل لزم عقده و یجوز أن یشترط فی ضمن العقد أن یكون وكیلا عنه فی التجدید بعد الإنقضاء و فی هذه الصورة لیس له عزله» (2)
(1) الأمر كما أفاده فإن الصورة الاولى تكون من باب الاشتباه فی التطبیق فما أتی به یكون متعلق الاجارة، غایة الأمر أنه اشتبه فی تطبیق هذا الشخص فی الإسم فالتخیل یكون فی الإسم لا المسمى، و أما فی الصورة الثانیة و حیث أنه أخذ الشخص الخاص بعنوان انه تمام الموضوع على نحو التقیید فما أتی به غیر متعلق الاجارة فلم تفرغ ذمة زید فلا یكون مستحقاً للاجارة فیقع البحث فی أن الاجارة هل تنفسخ أو ثبت للمستأجر الخیار على ما تقدم، نعم تفرغ ذمة الآخر المنوی الوقوع عمل صحیح عنه ولا إشكال حینئذ أنه لا یستحق الاجرة، هذا كله إذا كان عنوان زید على نحو الموضوعیة و أما إذا كان على نحو الطریقة المحضة فهو خارج عن البحث بتاتاً.
(2) أما جواز اجارة داره و توكیل المستأجر لتجدید الاجارة بعد الإنقضاء فلأن أدلة جواز الاجارة والتوكیل تقتضی النفوذ فما أفاده تام، و أما جواز العزل فلأن الوكالة عقد جایز یجوز للموكل عزله متى شاء، و نفوذ عقده قبل أن یبلغه الخبر فلما رواه هشام بن سالم عن أبي عبدالله (علیه السلام) في رجل وكل آخر على وكالة في أمر من الأمور و أشهد له بذلك شاهدين فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر فقال اشهدوا أني قد عزلت فلاناً عن الوكالة
فقال إن كان الوكيل أمضى الأمر الذي وكل فيه قبل العزل فإن الأمر واقعٌ ماض على ما أمضاه الوكيل كره الموكل أم رضي قلت فإن الوكيل أمضى الأمر قبل أن يعلم العزل أو يبلغه أنه قد عزل عن الوكالة فالأمر على ما أمضاه قال نعم قلت له فإن بلغه العزل قبل أن يمضي الأمر ثم ذهب حتى أمضاه لم يكن ذلك بشيء قال نعم إن الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض أبداً و الوكالة ثابتةٌ حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة.(1)
و أما جواز الإشتراط فی ضمن العقد فتارة یكون الشرط شرط فعل و أخرى یكون الشرط على نحو شرط النتیجة، أما الأول فقد یقال إن الإشتراط موجب لقصر السلطنة فلا یجوز له أن یؤجر بنفسه كما لا یجوز له التصرف فی سائر الموارد التی تقع تحت الشرط، لكن قد سبق ما أن الشرط لا یوجب إلا الحكم التكلیفی فلا یجوز التصرف تكلیفاً و أما الوضع فلا یستفاد من أدلة الشرط، و أما الثانی ففی هذه الصورة لا یجوز عزله إذ مرجعه إلى كون الاجارة مشروطة بالوكالة وحیث إن الوكالة تتحقق بالنحو المذكور لعدم لزوم لفظ خاص تتحقق الاجارة و الوكالة كلتاهما بعقد واحد و ابراز واحد و بعد تحققهما بهذه الكیفیة لا یجوز للمؤجر عزله للزومها بمقتضى الشرط فی ضمن العقد اللازم و «المؤمنون عند شروطهم» بمعنى أنه لا ینفك عن شرطه فلا تنافی بین كون عقد الوكالة جائزة فی نفسها وبین كونها لازمة عند الشرط.
1) الوسایل، الباب 2 من أبواب كتاب الوكالة، الحدیث: 1
«مسألة السرقفلیة»
أقول: قد یقال إن مسألة السرقفلیة الدارجة فی زماننا یكون من هذا القبیل فتكون مشروعاً و حیث انجر الكلام إلى هذه المسألة فلابد من بیانها فنقول ما یمكن أن یستدل به على هذه المسألة أمور:
الامر الأول: أن للمالك حق الایجار فیجوز له أن ینقل هذا الحق إلى الغیر بعوض معلوم و مقتضى الآیة الكریمة وهی قوله تعالی: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم}(1)نفوذ هذه المعاملة كما أن مقتضی وجوب الوفاء بالعقد كذلك.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بوجوه:
الوجه الأول: أنا لا نسلم ثبوت حق نسمیه بحق الایجار بل هذا من شئون مالكیته وهذا الشأن غیر قابل للإنتقال إلا بانتقال الملك كبیع العین.
الوجه الثانی: أنه لو شك فی ثبوت هذا الحق یكون مقتضى الأصل عدمه.
الوجه الثالث: لو فرض وجود هذا الحق فبأی دلیل نقول إن هذا الحق قابل للإنتقال و مع الشك الأصل عدمه.
الوجه الرابع: لو فرضنا قابلیته للنقل فالآیة لا تدل على ذلك لأن الإستدلال بها متوقف على صدق عنوان التجارة على غیر البیع وهو أول الكلام بل هی مختصة بالبیع.
الوجه الخامس: أن هذا الحق یزول بموت المؤجر فلا یبقى حق فی المقام.
الوجه السادس: أنه لا دلیل على انتقال الحق بالإرث و ما ورد من أن «ما تركه المیت من حق أو مال فلوارثه»(2)
ضعیف سنده فراجع.
الأمر الثانی: إن المستأجر یشترط على المؤجر فی ضمن عقد الاجارة أن لا یزاحمه فی كل ما یرید أن یعمل فی متعلق الاجارة فیجوز له أن یسلم العین إلى الغیر بنحو السرقفلیة.
أورد علیه: أولاً: بأن هذا الشرط یزول بموت المؤجر و انتقال العین إلى الورثة. و ثانیاً: أنه لو مات المستأجر لا یكون لوارثه حق التصرف لأن هذا الشرط نافذ فی حقه لا فی وارثه.
و ثالثاً: أن مقتضى هذا الشرط هو الحكم التكلیفی لا الوضعی و لذا لو عصى و أجار إلى الغیر تكون نافذة.
الأمر الثالث: أن یوكل المالك المؤجر المستأجر فی ضمن العقد، الاجارة إلى الغیر بعد انقضاء الاجارة الاولى و حیث أن هذا الشرط واقع فی ضمن عقد الاجارة یكون لازماً.
و فیه: أن الوكالة تبطل بموت الوكیل أو الموكل و انتقالها إلى ورثة الوكیل لا دلیل علیه إلا أن یكون الوكیل وكیلا فی التوكیل فیوكل وارثه، هذا وإن كان صحیحاً ثبوت أما فی مقام الإثبات لا واقع له.
الأمر الرابع: أن هذه المعاملة رائجة عند العقلاء و دارجة عندهم فتكون نافذة بحكم العمومات كآیة التجارة.
أورد علیه: أولاً: نقضاً بأن العرف لو عامل بالنسبة إلى حق البیع فهل یمكن أن یقال بجوازه بحیث یقع اختیار البیع بید المشتری كلّا. و ثانیاً: أنه مع الشك، الأصل عدمه. و ثالثاً: أن الآیة مختصة بالبیع.
وفیه: ما تقدم أنه عام.
الأمر الخامس: أن المالك یشترط فی ضمن عقد الاجارة إذنه فی تصرفات المستأجر فیلزم بالشرط.
أورد علیه: بأنه بالموت ینتهی الوكالة و الواقع خلافه.
الأمر السادس: إن المستفاد من دلیل الحبس، جواز أن یجعل كل مالك حق السكنی للغیر فإذا كان جایزاً یجوز أن یجعل هذا الحق فی ضمن عقد بنحو الشرط فیلزم للزوم الشرط لكن لابد من التعرض لأدلة الحبس حتى نرى أنه جار فی المقام أم لا؟ لاحظ ما رواه حمران قال: سألته عن السكنى و العمرى فقال إن الناس فيه عند شروطهم إن كان شرطه حياته سكن حياته و إن كان لعقبه فهو لعقبه كما شرط حتى يفنوا ثم يرد إلى صاحب الدار.(1)
و ما رواه أبو الصباح عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سئل عن السكنى و العمرى فقال إن
1) الكافی جلد 7 صفحه 33، الحدیث:21
كان جعل السكنى في حياته فهو كما شرط و إن كان جعلها له و لعقبه من بعده حتى يفنى عقبه فليس لهم أن يبيعوا و لا يورثوا ثم ترجع الدار إلى صاحبها الأول.(1)
و ما رواه الحلبی عن أبيه عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته عن دار لم تقسم فتصدق بعض أهل الدار بنصيبه من الدار قال يجوز قلت أ رأيت إن كانت هبةً قال يجوز قال و سألته عن رجل أسكن رجلا داره حياته قال يجوز له و ليس له أن يخرجه قلت فله و لعقبه قال يجوز و سألته عن رجل أسكن رجلا و لم يوقت له شيئاً قال يخرجه صاحب الدار إذا شاء.(2)
و ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (علیه السلام) في الرجل يسكن الرجل داره و لعقبه من بعده قال يجوز و ليس لهم أن يبيعوا و لا يورثوا قلت فرجلٌ أسكن داره رجلا حياته قال يجوز ذلك قلت فرجلٌ أسكن رجلا داره و لم يوقت قال جائزٌ و يخرجه إذا شاء.(3)
و ما رواه الحسین بن نعیم عن أبي الحسن موسى (علیه السلام) قال: سألته عن رجل جعل داراً سكنى لرجل إبان حياته أو جعلها له و لعقبه من بعده قال هي له و لعقبه من بعده كما شرط قلت فإن احتاج يبيعها قال نعم قلت فينقض بيعه الدار السكنى قال لا ينقض البيع السكنى كذلك سمعت أبي (علیه السلام) يقول قال أبو جعفر (علیه السلام) لا ينقض البيع الإجارة و لا السكنى و لكن يبيعه على أن الذي يشتريه لا يملك ما اشترى حتى ينقضي السكنى على ما شرط و الإجارة قلت فإن رد على المستأجر ماله و جميع ما لزمه من النفقة و العمارة فيما استأجره قال على طيبة النفس و يرضى المستأجر بذلك لا بأس.(4)
و ما رواه خالد بن رافع البجلي عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سألته عن رجل جعل لرجل سكنى دار له حياته يعني صاحب الدار فلما مات صاحب الدار أراد ورثته أن يخرجوه أ لهم ذلك قال فقال أرى أن تقوم الدار بقيمة عادلة و ينظر إلى ثلث الميت فإن كان
في ثلثه ما يحيط بثمن الدار فليس للورثة أن يخرجوه و إن كان الثلث لا يحيط بثمن الدار فلهم أن يخرجوه قيل له أ رأيت إن مات الرجل الذي جعل له السكنى بعد موت صاحب الدار يكون السكنى لعقب الذي جعل له السكنى قال لا.(1)
لكن المستفاد من تلك الروایة حبس المملوك لغیره و لعقبه ما دام الحیاة من جعل له و بعد وفاته یرجع إلى المالك أی الحابس، و من الظاهر أنه لا یستفاد منها جواز ما فی الخارج من السرقفلیة المتعارفة فی زماننا من انتقال الحق إلى الوارث بحیث یكون للطرف المقابل نقله إلى الغیر فإن المستفاد منها عدم جواز نقله إلى الغیر هذا كله ما أفاده سیدنا الاستاذ دام ظله.
لكن یمكن أن یقال: إن السرقفلیة نوع من البیع بمعنى أنها بیع المنفعة من الغیر بحیث یكون زمام أمر المنفعة بید المشتری إذ لا دلیل عقلاً و لاعرفاً و لاشرعاً على أن یكون المبیع من الأعیان بل كونه مالاً كافی فی المقصود و المفروض أن المنفعة مال فلا مانع من بیعها، نعم العین باقیة على ملك المالك وإلى الآن لا نرى مانع من ذلك.
و یمكن استفادة ذلك من الموارد المختلفة لاحظ ما ورد فی بیع خدمة العبد المدبر ما رواه السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (علیهم السلام) قال: باع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) خدمة المدبر و لم يبع رقبته.(2)
و بیع سكنی الدار التی لا یعلم صاحبها كما رواه إسحاق بن عمار عن عبد صالح (علیه السلام) قال: سألته عن رجل في يده دارٌ ليست له و لم تزل في يده و يد آبائه من قبله قد أعلمه من مضى من آبائه أنها ليست لهم و لا يدرون لمن هي فيبيعها و يأخذ ثمنها قال ما أحب أن يبيع ما ليس له قلت فإنه ليس يعرف صاحبها و لا يدري لمن هي و لا أظنه يجيء لها رب أبداً قال ما أحب أن يبيع ما ليس له قلت فيبيع سكناها أو مكانها في يده فيقول أبيعك سكناي و تكون في يدك كما هي في يدي قال نعم يبيعها على
«الثامنة: لا یجوز للمشتری ببیع الخیار بشرط رد الثمن للبایع أن یؤجر المبیع أزید من مدة الخیار للبایع ولا فی مدة الخیار من دون اشتراط الخیار حتى إذا فسخ البایع یمكنه أن یفسخ الإجارة و ذلك لأن اشتراط من البائع فی قوة إبقاء المبیع على حاله حتى یمكنه الفسخ فلا یجوز تصرف ینافی ذلك» (1)
هذا.(1)
و ما ورد فی بیع الأراضی الخراجیة عن أبي بردة بن رجاء قال: قلت لأبي عبدالله (علیه السلام) كيف ترى في شراء أرض الخراج قال و من يبيع ذلك هي أرض المسلمين قال قلت: يبيعها الذي هي في يده قال و يصنع بخراج المسلمين ما ذا ثم قال لا بأس اشترى حقه منها و يحول حق المسلمين عليه و لعله يكون أقوى عليها و أملأ بخراجهم منه.(2)
(1) إذا باع بشرط رد الثمن فتارة یكون النظر إلى خصوصیات المبیع بحیث تكون الخصوصیات الشخصیة دخیلة فی مقام رد المبیع، وأخرى لم یكن كذلك فإن كان على النحو الثانی فلا مانع من التصرف فی المبیع زمن الخیار إذ غایة الأمر عند التلف یبدله إلى الغیر، و أما على فرض الأول فعن جماعة منهم الماتن(رحمه اللّه) عدم جواز التصرف فیه لأن مرجع الإشتراط حینئذ إلى لزوم اقتناء المبیع و إبقائه على حاله فلو آجره باجارة لازمة فی زمان الخیار أو أزید ترد المبیع مسلوبة المنفعة و هذا غیر المبیع الذی أخذه أول المرة فیكون هذا التصرف منافیاً للإشتراط المزبور.
لكن هذا إذا قلنا بأن الشرط موجب لقصر السلطنة فیكون الایجار باطلاً، و أما إذا قلنا بأن مقتضى الشرط لیس إلا الحكم التكلیفی فلا یترتب علیه إلا حرمة التصرف فلو عصى و أجار تكون اجارته صحیحة لصدورها من أهله و وقوعها فی محله و تقدم منّا أن الشرط لا یقتضی إلا ذلك و قلنا إن الشرط إذا كان على نحو شرط الفعل فلا مانع من نفوذه لكن لا یفید إلا الحكم التكلیفی وأما الوضعی فلا، و إن كان على نحو شرط النتیجة فلا
«التاسعة: إذا استؤجر لخیاطة ثوب معین لا بقید المباشرة فخاطه شخص آخر تبرعاً عنه استحق الأجرة المسماة و إن خاطه تبرعاً عن المالك لم یستحق المستأجر شیئاً و بطلت الإجارة و كذا إن لم یقصد التبرع عن أحدهما و لا یستحق على المالك أجرة لأنه لم یكن مأذوناً من قبله وإن كان قاصدا لها أو معتقد أن المالك أمره بذلك» (1)
یكون نافذأ لأنه على خلاف المقرر الشرعی.
(1) قد تعرض الماتن(رحمه اللّه) فی المسألة فروعاً:
الفرع الأول: أن یقصد المتبرع تبرعاً عن الأجیر و حینئذ لا كلام فی أن الاجارة صحیحة لتوفر الأركان فیها فقهراً یستحق الأجیر الأجرة المسماة إذ بالاجارة یكون العمل فی ذمة الأجیر و قد وافاه المتبرع عنه ولم یقید فی الإجارة المباشرة لأنه المفروض فالاجرة ثابتة بمقتضى السیرة العقلائیة بل یمكن استفادة ذلك من بعض الروایات الواردة فی باب الزكاة بأن الشخص أدى دینه بالزكاة و حینئذ تفرغ ذمة الأجیر عن هذا الدین فتثبت الأجرة.
الفرع الثانی: أن یقصد المتبرع بالعمل عن المالك سواء كان ملتفت إلى الاجارة أم لا، فقد حكم الماتن(رحمه اللّه) بأن الأمر فی هذا الفرع بعدم استحقاق الأجیر الاجرة لبطلان الاجارة من أجل تعذر العمل.
لكن المحقق الخوئی (قدس سره ) فصل فی المقام بین عروض التعذر قبل مضی زمان یمكنه حصول العمل فیه و بین عروضه بعده، فإن كان على نحو الأول یتجه البطلان و أما إذا كان بنحو الثانی فغایة ذلك ثبوت الخیار فلا وجه للبطلان لأنه كان قادراً على العمل ولم یأت به فی وقته إتكالاً على سعة الوقت.
الفرع الثالث: أن یقصد لا هذا ولا ذاك بل یعمل بقصد أخذ الأجرة من المالك والكلام فیه هو الكلام فی الفرع الثانی، نعم ما أفاده من عدم استحقاقه الأجرة، صحیح لأنه لم یعمل بأمره ولا بإذنه و مجرد قصده الأجرة لا یفید و هذا نظیر ما عمل شخص لشخص و قصد الأجرة أو أعتقد بأنه یعطیه الأجرة، لأنه لا وجه للضمان.
«العاشرة: إذا آجره لیوصل مكتوبه إلى بلد كذا إلى زید مثلا فی مدة معینة فحصل مانع فی أثناء الطریق أو بعد الوصول إلى البلد فإن كان المستأجر علیه الایصال و كان طی الطریق مقدمة، لم یستحق شیئا و إن كان المستأجر علیه مجموع السیر و الایصال، استحق بالنسبة و كذا الحال فی كل ما هو من هذا القبیل فالاجارة مثل الجعالة قد تكون على العمل المركب من أجزاء و قد تكون على نتیجة ذلك العمل فمع عدم حصول تمام العمل فی الصورة الأولى یستحق الاجرة بمقدار ما أتی به، و فی الثانیة لا یستحق شیئا و مثل الصورة ما إذا جعلت الأجرة فی مقابلة مجموع العمل من حیث المجموع كما إذا استأجره للصلاة أو الصوم فحصل مانع فی الأثناء من إتمامها» (1)
(1) الصور المتصورة فی المسألة أربع:
الصورة الأولى: أن تكون الاجارة منحلة إلى إجارات متعددة بحیث یكون كل جزء مستقلا بحیاله ففی الحقیقة تكون الاجارة منشأ بإنشائات متعددة و لو بلفظ واحد و حینئذ تقسط الأجرة على الأجزاء فیستحق الأجیر باتیان كل جزء جزء من الاجرة فإذا لم یقدر بعضا منها تنفسخ الاجارة بهذا المقدار
الصورة الثانیة: أن تقع الاجارة بإزاء النتیجة الحاصلة من العمل بحیث یكون الطریق مقدمة للمتعلق كالایصال إلى بلد كذائی أو فراغ الذمة فی اجارة العبادات و حینئذ إذا منع مانع من حصول النتیجة لم یستحق شیئا من الأجرة لعدم الاتیان بمتعلق الاجارة وما أتی به غیر متعلق به الاجارة فما أفاده الماتن(رحمه اللّه) تام لا غبار علیه و أما إن الاجارة تكون باطلة أو أنها صحیحة وللمستأجر الخیار فتقدم الكلام فیه.
الصورة الثالثة: أن یتعلق الاجارة بالعمل من حیث المجموع بأن تعلق بعنوان بسیط منتزع من العمل الخارجی فأجزاء العمل من حیث الإنضمام یكون متعلقاً للاجارة و حینئذ لو وجد مانع من تحقق المجموع فأیضا لم یستحق شیئا من الأجرة كما إذا استوجر لصوم شهر واحد على نحو المجموع من حیث المجموع، فما أتی به لم یكن متعلق للاجارة وما هو متعلق
الاجارة لم یأت به فلا یستحق شیئا.
أما ما أفاده السید الحكیم(رحمه اللّه) من أن الوجه فی بطلان الإجارة و عدم استحقاقه شیئا من الاجرة أن الأجزاء حینئذ لا مالیة له فلا یكون على اطلاقه صحیحاً إذ قد یكون للأجزاء مالیة و لو كان متعلق الاجارة المجموع من حیث المجموع.
الصورة الرابعة: أن یكون العمل متعلقاً للاجارة لكن لا بوصف المجموع بل یكون كل جزء متعلقاً لها لكن مشروطاً بإتیان الجزء الآخر لا قیداً له حتى یكون على نحو الصورة الثالثة و حینئذ لو تخلف و لم یأت بجزء آخر فالاجارة صحیحة ویستحق الأجرة كما أفاده الماتن(رحمه اللّه) لكن یثبت للمستأجر الخیار فله الفسخ و ارجاع الأجرة المسماة و إعطاء أجرة المثل بمقدار ما أتی به وله تثبیت الاجارة و أخذ اجرة المثل بالنسبة إلى ما بقی لفوات المنفعة الباقیة.
«الحادیة عشرة: إذا كان للأجیر على العمل خیار الفسخ فإن فسخ قبل الشروع فیه فلا إشكال و إن كان بعده إستحق اجرة المثل و إن كان فی أثنائه إستحق بمقدار ما أتی به من المسمى أو المثل على الوجهین المتقدمین إلا إذا كان المستأجر علیه المجموع من حیث المجموع فلا یستحق شیئاً و إن كان العمل ما یجب إتمامه بعد الشروع فیه كما فی الصلاة بناء على حرمة قطعها و الحج بناء على وجوب إتمامه فهل هو كما إذا فسخ بعد العمل أو لا؟ و جهان، أوجههما الأول هذا إذا كان الخیار فوریا، كما فی خیار الغبن إن ظهر كونه مغبوناً فی أثناء العمل و قلنا: إن الإتمام مناف للفوریة، و إلا فله أن لا یفسخ إلا بعد الإتمام وكذا الحال إذا كان الخیار للمستأجر إلا أنه إذا كان المستأجر علیه المجموع من حیث المجموع، و كان فی أثناء العمل، یمكن أن یقال: إن الأجیر یستحق بمقدار ما عمل من أجرة المثل لإحترام عمل المسلم خصوصا إذا لم یكن الخیار من باب الشرط» (1)
(1) قد تعرض الماتن(رحمه اللّه) فی هذه المسألة لفروع:
الفرع الأول: أنه لو كان للأجیر خیار الفسخ و فسخ قبل إتیان العمل فحینئذ لا إشكال فی أنه لا یستحق شیئاً لعدم الإتیان به وانفساخ العقد.
الفرع الثانی: لو فسخ فی هذا الفرض بعد العمل حكم الماتن(رحمه اللّه) بأن للأجیر اجرة المثل فقط و أما اجرة المسماة فلا، والدلیل علیه أن العمل بنی على الضمان وحیث إن الفسخ انعدام العقد، لا الضمان بالنسبة إلى المسماة و أما اجرة المثل فثابتة بالعمل و عدم إمكان إرجاع المنفعة إلى صاحبها.
الفرع الثالث: لو فسخ الأجیر أثناء العمل فهل یستحق من الأجرة بالنسبة إلى الأجرة المسماة أو یستحق اجرة المثل بمقدار ما أتی به، قولان: اختار الماتن(رحمه اللّه) الأول كما تقدم فی المسألة الخامسة من الفصل الثالث و إن احتمل الثانی و تقدم منّا أن هذا مبنی على
انحلال العقد بعقود متعددة و عدمه فإن قلنا بالأول یستحق مقداراً من الاجرة المسماة لانفساخ العقد بالنسبة إلى ما بقی وصحته بالنسبة إلى ما مضى، و إن قلنا بالثانی فعلى القول بانفساخ العقد من حین الفسخ و انحلاله من حینه فالمرجع هو القول الأول لأن الفسخ یؤثر من حینه فتثبت الأجرة المسماة بمقدار ما مضى و بقیت بالنسبة إلى ما بقی و أما إذا قلنا بأن الفسخ و إن كان من حینه لكن أثره من أصله بمعنى أن المتعاقدین لم یلتزما به حین اشترط أحدهما على الآخر الفسخ فالنتیجة هو القول الثانی و تقدم الكلام فیه فراجع.
نعم للمحقق الخوئی (قدس سره ) فی المقام تفصیل بین الخیار الثابت بالشرع كخیار المجلس و الحیوان و بین الخیار الثابت بجعل المتعاقدین، فعلى الأول یكون إعماله موجباً لإنحلال العقد من الأصل و تصل النوبة إلى اجرة المثل بالنسبة إلى ما أتی به و على الثانی یكون الفسخ من حینه إذ عند عدم قیام القرینة على عدم مدخلیة وصف الاجتماع ینحل العقد إلى اجارات متعددة التی جمعها عقد واحد و انشأ الكل بانشاء واحد فیكون من باب ضم اجارة إلى اجارة أخرى فمرجع قیام التعارف على اختصاص حق الفسخ فی أثناء المدة إلى ثبوته بالنسبة إلى ما بقی دون ما مضى.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله أولاً: بأنه یلزم ما لو فسخ بعد مضی ساعة من ستة أشهر مثلا یكون فسخه صحیحاً لتعدد العقد بتعدد الدقائق وهل یلتزم بذلك؟ ثانیاً: تعدد العقد بما لا یتناهی و كذلك الخیار.
أقول: أما الأول فیمكن الالتزام بذلك بمقدار متعارف إذ العقد یتعدد بتعدد فلا مانع من تحقق الفسخ و بتعدده یتعد الأزمان فعن الحدائق فی جملة من كلامه: «الثالثة: أن یكون التلف بعد القبض و استیفاء بعض المنفعة و الحكم فیها أنه یصح فیما قبضه ویبطل فیما بقی و مثله ما لو تجدد فسخ الإجارة و الحال كذلك و یرجع من الاجرة ما قابل المتخلف و یقسط المسمى على جمیع المدة.» و عن الشرایع: «لو تجدد فسخ صح ما مضى و بطل فی الباقی»
فتحصل أن ما أفاده الماتن(رحمه اللّه) من التقسیط هو الصحیح، لكن یبقى السؤال بالنسبة إلى
جهة الفرق بین الخیارین الذین ذكرهما المحقق الخوئی (قدس سره ) ولانعرف له وجها.
اللهم إلا أن یقال بأن الخیار إذا كان بجعل الشارع لا معنى لتقیید التزام المتعاملین بعدم الفسخ و أما إذا كان بجعلهما یكون العقد مقید من أول الأول، فتأمل.
الفرع الرابع: لو كان العمل مما یجب إتمامه بعد الشروع فیه فهل هو كما إذا فسخ بعد العمل أو لا؟ حكم الماتن(رحمه اللّه) بالأول و استدل على ذلك بأن الأجیر بعد الدخول فی العمل لا یمكنه شرعاً رفع الید عنه «و الممتنع شرعاً كالممتنع عقلاً» فكما لو استأجره للنزول فی البئر أو الغوص فی البحر و الأجیر وقع فی البئر والبحر ففسخ العقد یكون المستأجر ضامناً للاجرة بالنسبة إلى المجموع لاستلزام الدخول الخروج تكویناً و المفروض دخوله بأمر المستأجر للسیرة العقلائیة كذلك یكون ضامناً بالنسبة إلى ما نحن فیه.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأن الاجارة واقعة على العمل فإذا فسخ انحل العقد و تصل النوبة إلى تقسیط الاجرة على ما تقدم، و أما وجوب الإتمام فهو حكم شرعی آخر خارج عن متعلق الاجارة فكما أن استلزام الدخول الخروج لا یقتضی خروج العمل عن الاختیار فإن الأجیر باختیاره آجر نفسه للدخول و المستأجر لم یأمره بالدخول بل الدخول مقتضى الاجارة و بعد الفسخ لا مقتضی للضمان بالنسبة إلى الخروج كذلك بالنسبة إلى الإتمام فإنه لا یكون متعلقاً للاجارة و بعد الفسخ لا مقتضی للضمان.
لكن یمكن أن یقال إن مقتضى السیرة هو الضمان إذا كان العمل بأمر الآمر وما نحن فیه یكون الشروع بأمر المستأجر و الإبقاء و الإتمام وإن كان بأمر الشارع لكن التسبیب بهذا الأمر یكون بأمر المستأجر و من المعلوم عند العقلاء أن التسبیب یكون موجباً للضمان فلابد من التزام ما التزم به إلا أن یقال إن التسبیب كان من الطرفین، مضافاً إلى أن كون التسبیب مطلقاً موجباً للضمان لا دلیل علیه، كما أن الاستدلال بقاعدة الغرور لا وجه له إذ لا تغریر من ناحیة المستأجر بعد أن كان العقد مشتركاً بینهما و الوقوع فی المحذور إنما كان من ناحیة الأجیر نفسه.
الفرع الخامس: إذا كان المستأجر علیه العنوان البسیط الإنتزاعی أعنی مجموع العمل من حیث المجموع كالاعتكاف، إن فسخ أثناء العمل فإن كان الفاسخ هو الأجیر فلا یستحق
شیئا لأن ما أتى به لم یكن متعلقاً للاجارة وماهو متعلق الاجارة لم یأت به و إن كان هو المستأجر فقد حكم الماتن(رحمه اللّه) به، یمكن القول باستحقاق الأجیر مقدار من العمل المأتی به لقاعدة إحترام عمل المسلم إذ المستأجر بفسخه ألغی عمله من الإحترام و أما الأجیر فعمله محترم و المفروض أنه تحقق فیكون ضامناً له.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن القاعدة إنما تقتضی عدم جواز الاستیلاء على مال الغیر و إتلافه لا كلما یتلف من ماله یلزم تداركه و إن لم یأمر به و فی المقام حیث إن العقد قد انفسخ باعماله وما أتى به من العمل لم یكن بأمره بل على مقتضى العقد فلا وجه لضمانه، نعم إن المستأجر حائل بین الأجیر و العمل أعنی إتمامه و مجرد الحیلولة بین إتمام العمل و بین حصول الهدف لا یوجب ذلك.
«الثانیة عشرة: كما یجوز اشتراط كون نفقة الدابة المستأجر أو العبد و الأجیر المستأجرین للخدمة أو غیرها على المستأجر إذا كانت معینة بحسب العادة أو عیّناها على وجه یرتفع الغرر كذلك یجوز اشتراط كون نفقة المستأجر على الأجیر أو المؤجر بشرط التعیین أو التعین الرافعین للغرر فما هو المتعارف من اجارة الدابة للحج و اشتراط كون تمام النفقة و مصارف الطریق و نحوها على المؤجر لا مانع منه إذا عیّنوها على وجه رافع للغرر» (1)
«الثالثة عشرة: إذا آجر داره أو دابته من زید اجارة صحیحة بلا خیار له ثم آجرها من عمرو كانت الثانیة فضولیة موقوفة على اجازة زید فإن أجاز صحت له و یملك هو الاجرة فیطالبها من عمرو ولا یصح له اجازتها على أن تكون الاجرة للمؤجر و إن فسخ الإجارة الأولى بعدها لأنه لم یكن مالكاً للمنفعة حین العقد الثانی و ملكیته لها حال الفسخ لا تنفع إلا إذا جدد الصیغة و إلا فهو من قبیل من باع شیء ثم ملك و لو زادت مدة الثانیة عن الاولى لا یبعد لزومها على المؤجر فی تلك الزیادة و أن یكون لزید امضاؤها بالنسبة إلى مقدار مدة الاولى» (2)
(1) ما أفاده(رحمه اللّه) على مقتضى القاعدة إذ الشرط إذا كان سائغاً فی نفسه فدلیل الشرط موجب لنفوذه.
(2) قد تعرض الماتن(رحمه اللّه) فی المقام لامور:
الامر الأول: لو آجر داره من زید شهراً ثم آجر تلك الدار من عمرو شهراً تكون تلك الاجارة فضولیة.
أقول: إن فضولیة هذه الاجارة متقومة على عدم مالكیة الشخص المنافع المتضادة و إلا تكون الاجارة الثانیة صحیحة، نعم حیث إنها منافیة لحق المستأجر الأول یحتاج إلى الاجازة فإذا أجاز صحت كلتا الإجارتین و یكون الشخص أی المالك مالكاً للاجرتین، لكن
الظاهر تعلق الاجارة بنفس ما تعلقت به الاجارة الأولى، فعلیه تكون الاجارة فضولیة.
الأمر الثانی: أفاد الماتن(رحمه اللّه) بأن المستأجر إذا أجاز لنفسه تكون الاجارة الثانیة صحیحة و أما إذا أجاز للمالك، لا تجوز الاجارة الثانیة ولعل الوجه فیه لزوم دخول العوض فی كیس من یخرج عنه المعوض و حیث إن المالك للمنفعة هو المستأجر لابد من دخول الأجرة فی كیسه لاكیس المالك أعنی مالك العین.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأنه لا دلیل على هذا الإشتراط ولذا یجوز الخروج من كیس شخص و دخول العوض فی كیس شخص آخر فی البیع هذا أولاً. و ثانیاً: لو سلمنا ذلك لا یؤثر هذا القصد إذ العقود تابعة للقصود فكیف یمكن أن یقصد بالاجارة الثانیة تملك المالك الأجرة و بالاجازة تصیر مملوكة للمستأجر الأول، وبعبارة أخرى ما قصد لم یقع لكون العقد فضولیاً و الاجازة لم تقع فی محلها أی ما اجیز لم یقصد.
إن قلت: إن الفضولی یقصد المالك و یجعل نفسه مالكاً.
قلت: هذا على خلاف الواقع فإن الفضولی یقصد نفسه.
أقول: تحقیق ذلك له مجال آخر لكن خلاصة ما افید فی المقام كما فی كلمات الشیخ(رحمه اللّه) بأن قوام المعارضة بالمبادلة بین العوضین و أما خصوصیة المالك فلا دخل لها فی المعاملة إذن فقصد الغاصب وقوع البیع لنفسه وعدمه سیان وحینئذ إن قصد المالكان البیع یقع لهما و إن كان أحد الطرفین أو كلاهما فضولیین یقع لمالكهما و إن قصدا لأنفسهما فقهراً إذا أجاز كان الثمن أو الاجرة للمالك و حینئذ فلیس فی وسع المستأجر أن یجیز العقد على أن تكون الاجرة للمالك هذا.
لكن یمكن أن یقال بأن هذا الشرط خلاف السیرة فإنها قائمة على جواز اشتراء أحد رغیفاً للسائل من الخباز بحیث خرج الدرهم من كیس المعطی و دخل الرغیف فی كیس السائل نعم عكس ذلك غیر معلوم.
الأمر الثالث: لو فسخت الاجارة الأولى بعد الاجازة هل یقع الاجرة للمالك أم لا؟
أقول: هذا متفرع على جریان قاعدة «من باع ثم ملك» فإن لم نقل بذلك كما أفاده الماتن(رحمه اللّه) تبعاً للشیخ(رحمه اللّه) نلتزم بالفساد و لزوم تجدید العقد لأنه لم یكن مالكاً حال وقوع
الاجارة الثانیة و المالكیة المتأخرة غیر مفیدة.
لكن أفاد المحقق الخوئی (قدس سره ) بأن الأظهر صحتها إذ الاجازة اللاحقة تستوجب إستناد العقد السابق إلى المجیز استناداً حقیقیاً عرفیاً فلو باع دار زید فضولیاً فأجاز صح أن یقال أنه باع داره فیضاف إلیه البیع فیندرج تحت إطلاقات الأدلة فیكون العقد الفضولی مع الاجازة صحیحاً على مقتضى القاعدة وهذا المناط لا یفرق فیه بین أن المجیز مالكاً حال العقد أم لا؟ بل یكفی كونه مالكاً حین الاجازة و أما الروایات الواردة فی عدم جواز بیع ما لیس عنده فناظرة إلى عدم صحته الفعلیة لا التأهلیة فلا ینافیها.
أورد علیه سیدنا الاستاذ دام ظله بأن العقد صدر عن غیر المالك و من الظاهر أن الشیء لا ینقلب عما هو علیه إذ البیع عبارة عن الاعتبار النفسانی و إبراز ذلك الاعتبار بمبرز خارجی و كلا الأمرین من الامور التكوینیة و كیف یمكن انتساب الأمر التكوینی الصادر عن واحد إلى شخص آخر فإنه غیر معقول. نعم إن المالك رضي بما صدر عن غيره ومقتضى دليل المنع عن بيع مال الغير عدم تأثير الاجازة اللاحقة كبقية الشروط فكما أن مقتضى دليل منع البيع الغرري بطلانه ولو مع ارتفاع الغرر بقاء، كذلك ما نحن فيه، والدليل على الصحة في باب الفضولي منحصر في الرواية أي رواية زرارة(1)
لكن يمكن أن يقال: إن مقتضى عموم دليل الجواز نفوذ الاجارة اللاحقة مطلقاً لو كان الشخص مالكاً حين الاجازة ولم يكن مالكاً قبلها إذ المدار كون الاجازة واجدة للشرائط حين تحققها و المفروض في المقام كذلك.
الأمر الرابع: إن مدة الاجارة الثانية لو كانت أزيد من المدة الأولى تكون الاجارة بالنسبة إلى المقدار الزائد لازمة بالنسبة إلى المؤجر وبالنسبة إلى مدة الأولى فضولية تحتاج إلى الاجازة.
أقول : هذا متفرع على انحلال العقد بعقود متعدّدة فإن قلنا بالانحلال فما أفاده(رحمه اللّه)
1) الوسایل، الباب 24 من أبواب العبید و الإماء، الحدیث: 1و2
«الرابعة عشرة: إذا استأجر عیناً ثم تملكها قبل انقضاء مدة الاجارة بقیت الاجارة على حالها فلو باعها و الحال هذه لم یملكها المشتری إلا مسلوبة المنفعة فی تلك المدة فالمنفعة تكون له ولا تتبع العین، نعم للمشتری خیار الفسخ إذا لم یكن عالماً بالحال وكذا الحال إذا تملك المنفعة بغیر الاجارة فی مدة ثم تملك العین كما إذا تملكها بالوصیة أو بالصلح أو نحو ذلك فهی تابعة للعین إذا لم تكن مفروزة و مجرد كونها لمالك العین لا ینفع فی الانتقال إلى المشتری، نعم لا یبعد تبعیتها للعین إذا كان قاصداً لذلك حین البیع» (1)
تام وأما إذا قلنا بوحدة العقد فلا مجال لهذا الكلام وحيث قلنا بأن الإنحلال هو الأقوى فما أفاده الماتن(رحمه اللّه) تام.
(1) أفاد الماتن(رحمه اللّه) الفرق فی تبعیة المنفعة للعین بین تملك المالك المنفعة بالتبعیة وبین تملكها بالاستقلال و حكم فی القسم الثانی بالعدم إلا مع القصد ومع عدمه، التزم بعدم التبعیة غایة الأمر یثبت الخیار للمشتری.
لكن المحقق الخوئی (قدس سره ) فصل بین الموارد بأنه إما أن یقصد البیع على النهج المتعارف بین الناس من نقل العین بما لها من المنافع فلا مقتضی حینئذ للخیار بعد انتقال العین و المنفعة إلى المشتری وإما أن یقصد بیع العین خاصة أی مسلوبة المنفعة وحینئذ إن علم المشتری بالحال فلا خیار له لإقدامه على شراء العین كذلك، و أما إذا كان جاهلاً بذلك فالظاهر بطلان البیع لا الصحة مسلوبة المنفعة مع ثبوت الخیار.
و الوجه فیه: أن البایع أنشأ البیع بما لم یقبله المشتری فلا تطابق بین الایجاب والقبول لأن البایع قصد البیع أی بیع العین مقیداً بالعدم والمشتری قبل الایجاب مقیداً بالوجود فلا تطابق بینهما فیكون باطلاً.
أورد علیه سیدنا الأستاذ(رحمه اللّه) أولاً: بالنقض فإن الدار المستأجرة إذا بیعت و المشتری بعد البیع علم بأن العین كانت مسلوبة المنفعة هل یكون له الخیار أو یكون البیع باطلا و المدعی
«الخامسة عشرة: إذا استأجر أرض للزراعة مثلاً فحصلت آفة سماویة أو أرضیة توجب نقص الحاصل لم تبطل و لا یوجب ذلك نقصاً فی مال الاجارة و لا خیاراً للمستأجر، نعم لو شرط على المؤجر أبرائه من ذلك بمقدار ما نقص بحسب تعیین أهل الخبرة ثلثاً أو ربعاً أو نحو ذلك أو أن یهبه ذلك المقدار إذا كان مال الاجارة عیناً شخصیة فالظاهر الصحة بل الظاهر صحة اشتراط البرائة على التقدیر المذكور بنحو شرط النتیجة ولا یضره التعلیق لمنع كونه مضراً فی الشروط، نعم لو شرط برائته على التقدیر المذكور حین العقد بأن یكون ظهور النقص كاشفاً عن البرائة من الأول فالظاهر عدم صحته لأوله إلى الجهل بمقدار مال الاجارة حین العقد» (1)
قائل بالصحة مع الخیار مع أنه لا فرق بین الموردین.
و ثانیاً: بالحل بأن الجزئی الخارجی غیر قابل للتقیید ولذا لو باع العبد بعنوان كونه كاتباً لا یكون المییع العبد المقید بالكتابة إلا أن یكون المبیع كلیاً و أما العبد الخارجی الجزئی فلا مجال لتقییده و علیه یكون المبیع ذات المقید، غایة الأمر بمقتضى الشرط الإرتكازی تكون المنفعة شرطاً للمبیع فإذا كانت مسلوبة المنفعة یثبت للمشتری الخیار فالمنفعة تكون تابعة للعین بلافرق بین الموارد بمقتضى قانون التبعیة فإذا تخلف یثبت للمستأجر الخیار.
(1) أما صحة الاجارة فلوجود المقتضی و عدم المانع، و عدم ایجاب النقص، فلعدم التبعیض فی المنفعة و أما عدم ثبوت الخیار فلعدم النقص فی المنفعة حتى یوجب الخیار و إذا احتمل المستأجر عروض النقص فی الحاصل، فله أن یشترط على سبیل شرط الفعل بأن یبرأه إذا حصل النقص فی الزراعة أو یهبه لو كانت الاجرة الشخصیة و هذا الشرط نافذ بمقتضی عمومه، و أما على سبیل شرط النتیجة فأیضا لا مانع منه فی المقام لأن الإبراء لا یحتاج إلى سبب خاص حتى یقال بأن الشرط لم یكن مشرعاً و معناه فی المقام أن یكون المنشأ إنشاء النتیجة على حد إنشاء مضمون العقد منضماً إلیه فیكون المنشأ فی الحقیقة أمرین مضمون العقد و نفس النتیجة فتترتب النتیجة بمجرد الشرط إذا لم یكن
السبب الخاص معتبراً فی إنشائها، ثم أفاد الماتن(رحمه اللّه) بأن التعلیق فی المقام لا یضر لمنع كونه مضرا فی الشروط بتقریب انه لا دلیل على بطلان التعلیق إلا الإجماع و مورده التعلیق فی العقد على أمرین لم یكن من مقوماته و أما غیر ذلك فلا مانع منه كما أنه لا إجماع فی الشرط فلا یضر التعلیق، نعم لو قلنا بأن التعلیق فی الشرط یسری إلى العقد لرجوعه إلى جزء من أحد العوضین فیكون سبباً لتعلیق العقد و أن التعلیق موجب للبطلان عقلا كما مال إلیه سیدنا الاستاذ الروحانی(رحمه اللّه) فی البیع فللمنع وجه إذ التعلیق مناف للإنشاء.
لكنه مشكل ثم إن الماتن(رحمه اللّه) استثنى من الصحة صورة واحدة وهی ما لو رجع شرط النتیجة إلى كشف ظهور النقص عن البرائة من أول الأمر فحكم بعدم الصحة لأوله إلى الجهل بمقدار الاجرة.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) و السید الحكیم(رحمه اللّه) بأن هذا إذا كان المراد من البرائة عدم اشتغال الذمة به و أما إذا كان المراد السقوط عن الذمة بعد الاشتغال به فلا یلزم المحذور.
«السادسة عشرة: یجوز اجارة الأرض مدة معلومة بتعمیرها و إعمال عمل فیها من كرى الأنهار و تنقیة الآبار و غرس الأشجار و نحو ذلك وعلیه یحمل قوله (علیه السلام): «لا بأس بقبالة الأرض من أهلها بعشرین سنة أو أثر فیعمرها و یؤدی ما خرج علیها» و نحوه غیره» (1)
(1) القابلة هو الفعل الصادر من الطرفین أی المالك و العامل وهذه العملیة تسمى بالتقبیل و التقبل و الدلیل على صحتها عدة روایات:
منها: ما رواه الحلبی عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: إن القبالة أن تأتي الأرض الخربة فتقبلها من أهلها عشرين سنةً أو أقل من ذلك أو أكثر فتعمرها و تؤدي ما خرج عليها فلا بأس به.(1)، وحیث إن كلا الطرفین یكونا المقصود منها هو العمل فهی معاملة مستقلة لا الاجارة المصطلحة كما أنه یمكن أن تكون اجارة فیكون العمل هو الاجرة من باب اجارة العین كما أنه یمكن أن تكون من الجعالة على العمل و الجعل هو المنفعة.
1) الوسایل، الباب 11 من أبواب كتاب المزارعة، الحدیث:2
السابعة عشرة: لا بأس بأخذ الأجرة على الطبابة و إن كانت من الواجبات الكفائیة لأنها كسائر الصنایع واجبة بالعوض لانتظام نظام معایش العباد بل یجوز و إن وجبت عیناً لعدم من یقوم بها غیره و یجوز اشتراط كون الدواء علیه مع التعیین الرافع للغرر ویجوز أیضا مقاطعته على المعالجة إلى مدة أو مطلقا بل یجوز المقاطعة علیها بقید البرء أو بشرطه إذا كان مظنون بل مطلقا و ما قیل من عدم جواز ذلك لأن البرء بید الله فلیس اختیاریاً له و أن اللازم مع ارادة ذلك أن یكون بعنوان الجعالة لا الاجارة فیه أنه یكفی كون مقدماته العادیة اختیاریة ولا یضر التخلف فی بعض الأوقات كیف و إلا لم یصح بعنوان الجعالة أیضا» (1)
(1) أما جواز أخذ الأجرة على الطبابة فلأنه على مقتضى القاعدة الأولیة من وجود الإطلاقات و عدم مانع فی البین إذ قد تقدم أن الوجوب لا یكون مانعاً عن الأخذ و لو كان عینیاً فكیف بكونه كفائیاً نعم لو ثبت من طرف الشارع مجانیة العمل فالأخذ غیر جائز و الاجارة بالنسبة إلیه باطلة، لكن الطبابة لیست كذلك، وأما جواز اشتراط كون الدواء علیه و نفوذ هذا الشرط فلعموم «المؤمنون عند شروطهم»كما أنه یجوز المقاطعة إلى مدة معینة أو مطلقة إذا كان بحسب العرف معلوماً وإن قد یتخلف بما یتسامح عند العرف إذ ضبط المدة إنما یعتبر إذا كان التخلف موجباً للإختلاف فی المال كما فی سكنی الدار و أما مثل ما نحن فیه كالخیاطة مما لم تكن المدة ملحوظة فیه عرفاً فلا تضر بعد معلومیة متعلق الاجارة وهذا لا كلام فیه إنما الكلام فیما إذا تعلقت الاجارة بحصة خاصة من المعالجة فتارة یكون مقیدة بمدة خاصة و هی المتصفة بكون المعالجة موصلة إلى البرء وأخرى یكون على نحو الإشتراط، أما إذا كان بنحو الإشتراط فالظاهر أنه لا مانع منه إذ مرجعه إلى جعل الخیار عند التخلف و ما قیل بعدم الجواز استنادا إلى عدم كون البرء إختیاریاً فلا یصح الإشتراط فأجاب عنه الماتن(رحمه اللّه) بأن مقدماته العادیة اختیاریة وهذا المقدار كاف فی جواز اشتراطه، و أما إذا كان بنحو التقیید فأفاد الماتن(رحمه اللّه) بأنه لا مانع منه فی الاجارة كما
أن الأمر كذلك فی باب الجعالة.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) أولاً: بأنه یلزم الغرر إذ بعد فرض عدم العلم بایصالها إلى البرء و خروجه عن تحت الاختیار تكون الاجارة غرریة فتبطل، ثانیاً: فإنه یلزم التعلیق الذی یكون مبطلاً، بتقریب: أن القیود المأخوذة فی المتعلق إذا كانت غیر اختیاریة فلا یعقل انشائها إلا على نحو التعلیق إذ المقید بقید غیر اختیاری غیر مقدور و حینئذ تكون باطلة لأجل التعلیق.
أجاب عنه سیدنا الاستاذ دام ظله أولاً: بأنه أخص من المدعی إذ یمكن أن یعلم الطبیب بالبرء ومع العلم لا تعلیق كی یفسد العقد، و ثانیاً: أن التعلیق على ما یتوقف علیه صحة العقد غیر مضر بالعقد و المقام من هذا القبیل إذ القدرة شرط مقوم لصحة العقد.
أقول: أما الجواب الأول ففی عبارة المقرر موجود انه مع الاطمئنان لا مانع منه إذ التعلیق على أمر معلوم الحصول فی الآجل لا ضیر فیه فكیف أورد علیه ما هو معترف بذلك، و أما الجواب الثانی فالتعلیق على القدرة غیر التعلیق على أمر غیر مقدور وما هو صحیح و مقوم هو الأول دون الثانی و لذا لا یصح العقد إذا علق على قدوم زید من السفر فإنه أمر غیر مقدور للأجیر.
ثم إن الماتن(رحمه اللّه) حكم بالتساوی بین الاجارة و الجعالة بأنه إذا لم تصح بعنوان الاجارة لم تصح بعنوان الجعالة.
و فیه: أن الاجارة من العقود فیكون الغرر فیها مبطلاً كما أن التعلیق فیها مفسد و الجعالة لیست كذلك لأنها تكون من باب التعهد بدفع جعل معین لكل من فعل فهی فی الحقیقة ایقاع و التزام فی مقابل عمل و لذا لا یضرر فیها الغرر و الجهالة فباب الجعالة واسع.
«الثامنة عشرة: اذا استؤجر لختم القرآن لا یجب أن یقرأه مرتباً بالشروع من الفاتحة و الختم بسورة الناس بل یجوز أن یقرأ سورة فسورة على خلاف الترتیب بل یجوز عدم رعایة الترتیب فی آیات السورة أیضا و لهذا إذا علم بعد الإتمام أنه قرأ الآیة الكذائیة غلطة أو نسی قرائتها یكفیه قرائتها فقط نعم لو اشتراط علیه الترتیب وجب مراعاته و لو علم اجمالا بعد الإتمام أنه قرأ بعض الآیات غلطة من حیث الإعراب أو من حیث عدم أداء الحرف من مخرجه أو من حیث المادة فلا یبعد كفایته و عدم وجوب الإعادة لأن اللازم القرائة على المتعارف و المعتاد و من المعلوم وقوع ذلك من القارئین غالباً إلا من شذ منهم، نعم لو اشترط المستأجر عدم الغلط أصلا لزم علیه الإعادة مع العلم به فی الجملة و كذا الكلام فی الاستئجار لبعض الزیارات المأثورة أو غیرها وكذا فی الاستئجار لكتابة كتاب أو قرآن أو دعاء أو نحوها لا یضر فی استحقاق الاجرة اسقاط كلمة أو حرف أو كتابتهما غلطة» (1)
(1) أما لزوم الترتیب فی السور فالظاهر مراعاتها لانصراف الاستیجار إلى ما هو المتعارف الخارجی و إن لم نقل بأن التنزیل كان على هذا النحو من الترتیب إذ من المعلوم أنه لیس كذلك و لذا نرى أن بعض السور مكیة و مع ذلك أخر فی الترتیب القرآنی، و أما الترتیب فی آیات السور فالظاهر أنه معتبر و إن لم نقل بالنسبة إلى السور لأن الآیات كانت مترتبة حتى فی عصر النبی الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) على ما حققه المحققون.
أما حكم الغلط فی الألفاظ أو التراكیب فإن كان على نحو المتعارف فالظاهر الاكتفاء به و عدم الحاجة إلى الإعادة إذا كان الغلط مما یتعارف من كثیر من القارئین و إلا فلابد من الإعادة كما أن مقتضى الشرط كذلك إذا شرط علیه الترتیب بین السور أو الآیات.
ثم إن الإعادة إذا كانت واجبة فهل تجب إعادة بقیة السورة أو الآیة قد یقال بعدم الوجوب الانصراف الترتیب عن مثل ذلك إذ المتعارف من الاستیجار ذلك لأن موردها هو المتعارف
«التاسعة عشرة: لا یجوز فی الاستیجار للحج البلدی أن یستأجر شخصا من بلد المیت إلى النجف و شخصا آخر من النجف إلى مكة أو إلى المیقات و شخصا آخر منها إلى مكة إذ اللازم أن یكون قصد المؤجر من البلد الحج و المفروض أن مقصده النجف مثلا و هكذا فما أتی به من السیر لیس مقدمة للحج و هو نظیر أن یستأجر شخصا لعمرة التمتع و شخص آخر للحج و معلوم أنه مشكل بل اللازم على القائل بكفایته أن یقول بكفایة استیجار شخص للركعة الأولى من الصلاة و شخص آخر للثانیة و هكذا» (1)
و الظاهر أن الأمر كذلك خصوصا إذا كان الإخلال خارجاً عن الاختیار فالظاهر الاكتفاء به.
(1) و الأمر كما أفاده(رحمه اللّه) و إن لم نقل بوجوب المقدمة الخاصة و هی الموصلة إذ حج كل شخص تكون مقدمته سیر نفسه لا سیر الآخر فالوجه فیما أفاده(رحمه اللّه) خروج سیر الآخر عن مقدمة فعل الشخص فلو استأجر للحج البلدی أی مجموع المقدمة وذیها فلا مناص من صدورهما معا من شخص واحد لكن أن الأمر فی الحج و عمرته لیس كذلك لأنهما عملان مستقلان و عدم جواز التفكیك بینهما تكلیف لا ینافی الاستقلالیة.
ثم إن الماتن(رحمه اللّه) أفاد بأن لازم ما ذكروه من الجواز جواز استیجار شخص للركعة الأولى من الصلاة و شخص آخر للركعة الثانیة.
أورد علیه المحقق الخوئی (قدس سره ) بأنه غیر لازم إذ تبطل كلتا الركعتین بالتفكیك المزبور فالقیاس مع الفارق.
«متمم العشرین: إذا استؤجر للصلاة عن المیت فصلی و نقص من صلاته بعض الواجبات غیر الركنیة سهوا فإن لم یكن زایدة على القدر المتعارف الذی قد یتفق أمكن أن یقال لا ینقص من أجرته شیء و إن كان الناقص من الواجبات و المستحبات المتعارفة أزید من المقدار المتعارف ینقص من الاجرة بمقداره إلا أن یكون المستأجر علیه الصلاة الصحیحة المبرئة للذمة و نظیر ذلك إذا استؤجر للحج فمات بعد الإحرام و دخول الحرم حیث إن ذمة المیت تبرأ بذلك فإن كان المستأجر علیه ما یبریء الذمة، استحق تمام الأجرة و إلا فتوزع و یسترد ما یقابل بقیة الأعمال» (1)
(1) أما إذا كان النقصان بمقدار المتعارف فلا ینقص من الاجرة شیء لاغتفار ذلك بالفرض، و أما إذا كان أزید من ذلك المقدار فإن المستأجر علیه الصلاة المبرئة للذمة فلا ینقص منها شیء لإتیانه بما استؤجر علیه و أما إذا كانت الاجارة على المركب فإن كان على نحو الإشتراط أعنی إشتراط الكمال فإن نقص یثبت للمستأجر الخیار لتخلف الشرط وأما إذا كان متعلق الاجارة المجموع من حیث المجموع، فإن نقص لم یأت بالمستأجر علیه، فله الخیار بین إیقاء العقد بحاله وأخذه اجرة المثل لإتلافه المنفعة، كما أن له الفسخ فعلى كل حال لا وجه لنقص الأجرة بل إما أن یعطى تمامه إن أبقى العقد أو عدمها إن فسخ العقد فلا نقص فی الأجرة.
هذا تمام الكلام فی الاجارة فقد تم بحمد الله و المنة لیلة الإثنین أول لیلة الصفر المظفر من 1433 من الهجرة النبویة على هاجرها أفضل التحیة والسلام.
تعريف الاجارة............................................................ 5
في أركان الاجارة........................................................... 8
الايجاب والقبول........................................................... 8
المتعاقدان................................................................. 9
يشترط فيها البلوغ......................................................... 9
العقل و الاختيار......................................................... 12
عدم الحجر لفلس أو سفه أو رقية.......................................... 14
العوضان ويشترط فيه أمور المعلومية......................................... 17
الثاني: أن يكونا مقدوري التسليم........................................... 21
الثالث: أن يكونا مملوكين................................................. 23
الرابع: أن تكون عين المستأجرة مما يمكن الانتفاع بها.......................... 23
الخامس: أن تكون المنفعة مباحة........................................... 23
السادس: أن تكون العين ممكن الاستيفاء................................... 27
عدم صحة الاجارة إذا كان الموجر أو المستأجر مكرها....................... 29
جوازها مع الاضطرار..................................................... 31
عدم جواز الاجارة للعبد.................................................. 35
الزوم تعيين العين المستأجرة ونوع المنفعة..................................... 35
معلومية المنفعة........................................................... 36
اذا استأجر دابة إلى مكان معلوم في وقت معين و لم يصله ................... 45
لو قال إن لم توصلني في وقت كذا فالاجرة أقل............................... 49
لو قال إن لم توصلني فلا اجرة لك.......................................... 51
الاجارة من العقود اللازمة................................................... 55
جواز الاجارة قبل تمام مدة الاجارة.......................................... 57
ارث الزوجة من المنفعة..................................................... 62
رجوع المشتري بالاجرة..................................................... 63
وقوع الاجارة و البيع في زمان واحد......................................... 64
لا تبطل الاجارة بالموت.................................................... 67
اجارة الولي للصبي ........................................................ 71
تزوج المرأة قبل انقضاء الاجارة ............................................. 72
اذا وجد المستأجر في العين المستأجرة عيباً .................................. 75
في افلاس المستأجر........................................................ 78
في غين المستأجر ......................................................... 80
أحكام العوضين........................................................... 83
إذا بذل الموجر العين للمستأجر و لم يتسلم.................................. 85
إذا استأجر لقلع الضرس فزال ألمه............................................ 87
تلف العين المستأجرة قبل القبض........................................... 88
تلف بعض العين .......................................................... 92
اذا امتنع المؤجر من التسليم................................................. 96
منع الظالم عن الانتفاع ..................................................... 98
حدوث عذر في الاستيفاء................................................. 100
في لزوم التسليم .......................................................... 105
إذا تبين بطلان الاجارة.................................................... 109
جواز اجارة المشاع....................................................... 111
العين المستأجرة أمانة عند المستأجر....................................... 116
لو تلفت العين المستأجرة أو أتلفها المؤجر أو الأجنبي ....................... 119
المدار في الضمان على قيمة يوم الأداء ................................... 122
الطبيب المباشر للعلاج إذا أفسد ضامن .................................. 127
إذا آجر دابة لحمل متاع فعثرت و تلف................................... 135
إذا استؤجر لحفظ المتاع فسرق............................................ 139
فصل في شرائط المؤجر................................................ 142
في جواز الاجارة الثانية مع عدم اشتراط المباشرة............................ 149
الأجیر الخاص.......................................................... 160
لو استأجر دابة لحمل متاع معين فحملها غير ذلك......................... 166
لو آجر دابته لحمل متاع زيد فحمل غيره.................................. 171
اذا استأجر سفينته لحمل الخل فحمل خمراً................................. 174
عدم جواز اجارة الأرض بما يحصل منها................................... 178
اجارة الأرض لتعمل مسجداً............................................. 183
جواز الاجارة لحيازة المباحات............................................ 187
في جواز استيجار المرأة للرضاع........................................... 191
في جواز استيجار الشاة للبنها............................................ 198
في جواز الاجارة لإتيان الواجبات العينية................................... 199
في عدم جواز استيجار اثنين للصلاة عن ميت واحد........................ 205
في عدم جواز الاجارة للنيابة عن الحي في الصلاة........................... 207
في بعض موارد التنازع................................................... 210
في جواز الجمع بين الاجارة والبيع بعقد واحد.............................. 214
ان نفقة الأجير على نفسه............................................... 217
في استيجار الأرض مدة معينة للغرس..................................... 221
فصل في التنازع....................................................... 225
خاتمة فيها مسائل..................................................... 242
خراج الأرض المستأجرة على مالكها...................................... 242
إذا استأجر قصاب لذبح حيوان فذبحه على غير وجه الشرعي................ 246
في جواز إيجار داره و توكيله المستأجر في اجارة جديدة...................... 247
مسألة السرقفلية........................................................ 249
إذا استؤجر لخياطة ثوب معين بلا قيد المباشرة فخاطه غيره.................. 254
إذا آجره ليوصل مكتوبه إلى بلد كذا فحصل مانع في الاثناء................. 255
إذا كان للأجير خيار فسخ ففسخ قبل الشروع............................. 257
في اشتراط كون نفقة الأجير على المستأجر................................ 261
إذا استأجر عيناً ثم تملكها............................................... 264
إذا استأجر أرضاً للزراعة فحصلت آفة سماوية............................. 265
لا بأس بأخذ الاجرة على الطبابة......................................... 268
من استؤجر لختم القرآن لا يجب عليه الترتيب بين السور..................... 270
في استيجار الشخص للحج البلدي...................................... 271
إذا استؤجر للصلاة عن الميت ونقص بعض الواجبات....................... 272