بحوث و مقالات

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

مؤسسة كاشف الغطاء العامة

٭ الكتاب: بحوث ومقالات.

٭ تأليف: الدكتور الشيخ عباس كاشف الغطاء.

٭ الإخراج الفني: مؤسسة كاشف الغطاء العامة.

٭ المطبعة: شركة صبح للطباعة والتجليد.

٭ الطبعة: الأولى / 1432 ه - 2011 م.

٭ مكان الطبع: لبنان / بيروت.

٭ الكمية: 1000.

العنوان: العراق - النجف الأشرف - شارع دورة الصحن الحيدري الشريف - باب الطوسي - مؤسسة كاشف الغطاء العامة.

هاتف: 7801006730 - 00964.

موقع المؤسسة على شبكة الأنترنت: www.kashifalgetaa.com

البريد الألكتروني:

info@kashifalgetaa.com

اشارة

بحوث ومقالات

بسم الله الرحمن الرحیم

بحوث ومقالات

الذكور الشيخ عباس كاشف الغطاء

منشورات

موسة كاشف الغطاء العملة

العراق - النجف الأشرف

1432 ه - 2011 م

كاشف الغطاء

منشورات

مؤسسة كاشف الغطاء العامة

٭ الكتاب: بحوث ومقالات.

٭ تأليف: الدكتور الشيخ عباس كاشف الغطاء.

٭ الإخراج الفني: مؤسسة كاشف الغطاء العامة.

٭ المطبعة: شركة صبح للطباعة والتجليد.

٭ الطبعة: الأولى / 1432 ه - 2011 م.

٭ مكان الطبع: لبنان / بيروت.

٭ الكمية: 1000.

العنوان: العراق - النجف الأشرف - شارع دورة الصحن الحيدري الشريف - باب الطوسي - مؤسسة كاشف الغطاء العامة.

هاتف: 7801006730 - 00964.

موقع المؤسسة على شبكة الأنترنت: www.kashifalgetaa.com

البريد الألكتروني:

info@kashifalgetaa.com

مقدمة الناشر

الحمد لله الذي خلّد بدائع الأفكار في مفعمات الأسفار والصلاة والسلام على خيرته من خلقه محمد وآله الأطهار.

وبعد:

فقد سبق للدكتور الشيخ عباس كاشف الغطاء أن نشر ما دبجه يراعه المبارك على صفحات بعض المجلات والصحف كما نشر بحوثاً مستقلة على نحو الكراريس ثم ارتأت مؤسسة كاشف الغطاء العامة أن تقوم بجمع بعض ما تفرّق منها وضَمِّها في كتابٍ مستقل يجمع بين شتاتها ليقف عليها القارئ الكريم في مَظِنة واحدة، ولينتفع بها روّاد العلم والمعرفة، وهذا أحد إصدارات المؤسسة في ضمن مساهماتها الفكرية المتعددة لتأخذ هذه المجموعة مكانها من المكتبة الإسلامية والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

الناشر

مؤسسة كاشف الغطاء العامة العراق - النجف الأشرف

البحوث

الدين النصيحة

اشارة

«1»

قال تعالى في محكم كتابه المجيد:

«أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ»(1)

صدق الله العلى العظيم

وقال رسول الله صلی الله علیه وآله ثلاثاً:

(الدين النصيحة)(2)


1) سورة الأعراف، آية: 68

2) روضة الواعظين 2 / 425

بسم الله الرحمن الرحیم

المقدمة

الحمد لله الذي نصحنا بالقرآن والحديث لمعرفة الفرائض والسنن، والصلاة والسلام على أهل بيت العصمة الذين أنجانا الله تعالى بمشورتهم من أمواج الفتن، وأغنانا بعلمهم عن اجتهاد الرأي والقول بالظن.

وبعد:

فلما كان العدل هو أساس علاقة الإنسان فإن العدل بين العبد وربه هو إيثار حق الله تعالى على حق نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر.

وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها، قال الله تعالى: «وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى»(1)وعزوب الأطماع عن الإتباع ولزوم القناعة في كل حال. وأما وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة، وترك الخيانة، وقد وفقني الله سبحانه وتعالى أن أكتب في أهم موضوع لبناء المجتمع الإسلامي الأمثل ألا وهي النصیحة - وهي العدل بين الإنسان وأخيه - التي حث الشارع المقدس


1) سورة النازعات، آية: 40

عليها، بل اعتبرها الدين بكامله، بعدما انسَدَ باب النصيحة في هذا الزمان الذي صار فيه التلبس بالمعاصي والذنوب والآثام شعار الأنام فيما التصق الإنسان بالمادة العمياء، وأصبحت بديهياتها شاخصة أمام عينيه في كل حركة من حركاته، فصار رهين التطور المادي، ولجعله وسطاً علينا أن نستحضر أمامه بديهيات الدين دائماً ومنها النصيحة.

إن النصيحة من أهم مقومات المودة وأعظم لوازم المحبة، ولم تتم الأخوة ما لم تكن النصيحة رائدها وباعثها، ومن لم يكن ناصحاً لأخيه فليس بأخ، وهي الدرع الحصين من وقوع المؤمن في الوقائع التي لا يرغب بها، أو التي حذر الشارع منها، فمثلاً لو استشار الخاطب، أو طلب النصيحة في زواجه لبنى أسرته في أفضل صورها، ولتعلم أبناؤُهُ أفضل التعليم، ولكن إهماله لها قد يجرّه إلى تطبيق بعض الأحكام الشرعية التي هي لمعالجة ظرف استثنائي، كالطلاق الذي هو أبغض الحلال عند الله تعالى.

ومن المؤسف عندما يستشير شخص آخر ويطلب منه النصيحة في موضوع ما، فالإجابة غالباً ما تكون على مستويين:

المستوى الأول: هو الامتناع عن النصيحة بعذر ان ورعه وتقواه يحتم عليه ذلك، ويعتبر امتناعه عن الإجابة هو السلوك الصحيح، والمناخ الصحي في عصرنا.

والمستوى الثاني: ان يتوسع في الإجابة أكثر مما هو المطلوب، مصحوباً بالمبالغة إما بذكر العيوب مثلاً إذا كان كارهاً أو بذكر المحاسن إذا كان محباً، فهنالك إفراط وتفريط وهذا ما دعاني إلى أن أكتب في النصيحة تبياناً لضوابطها وأحكامها وإيضاحاً لاهتمام الشارع المقدس بها.

كما ان الدراسات والبحوث العميقة المتكررة للأبواب الفقهية قد غيبت

بعض المفاهيم الإسلامية البديهية، ومثالها النصيحة التي هي الركن الأساسي للشخصية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي، والتي تمس حياتنا اليومية بصورة مباشرة، على أنّ جلّ الفقهاء، والمفكرين المسلمين، لا يبرّزون مثل هذه البحوث؛ لأنها في أذهانهم بحكم الواضحات، بينما تغصّ المكتبة الإسلامية في بحوث الأحكام الشرعية الفرعية من كتاب الطهارة والصلاة والصوم وغيرها من الأبواب الفقهية، حتى في مسائلها الافتراضية، أو النادرة الوقوع، والملحوظ حفظ طالب الحوزة العلمية جميع إشكالات المنطق والنحو والفلسفة وأجوبتها، بينما إذا سألته كيف تنصح أخاك المؤمن؟ وما هي ضوابط النصيحة؟ ومتى تجب النصيحة؟ قد لا تحصل على الإجابة الدقيقة بمستوى دقته في الإجابة عن مسائل المنطق والفلسفة والنحو وغيرها. بل تكلّمَ المكلفون العوام في مسائل التقليد والاجتهاد والأعلمية، وسألوا عنها، بينما غالبيتهم لا يعرفون أي حكم شرعي يخص النصيحة؟ وقد يتخيل المكلف العامي بان مستحبات العبادة هي الطريق الأوحد في تحصيل الحسنات بعد الواجبات، وقد فاته ان الشارع المقدس أكد على مستحبات مثل النصيحة لها صلة ببناء المجتمع الإسلامي أعظم ثواباً، وأجزل حسناتٍ، والذي يخون فيها كمن خان الله ورسوله.

ان منهجية الباحثين والمفكرين المسلمين في وقتنا الحاضر تتسم غالباً بالعقل النقدي، فهي تنتقد وتُشكِلُ، وترد أكثر مما تبدع وتطور وتبني، فقد غُيّب عنا العقل الإبداعي، وأصبح ميزان فضيلة العلم عندنا بقدر ما يُشكِلُ ويعترض على الآخرين، بينما إذا سأل سائل ما البديل؟ لم يكن عنده الجواب إلّا التلجلج والدوران في محور عقيم.

فالمطلوب هو الاهتمام بالبحوث والدراسات الإسلامية التي تقوّم المجتمع المسلم، وتبنيه في وقتنا الحاضر.

وفي الختام اسأل الله تعالى ان يكون عملنا هذا لطاعته واجتناباً لمعاصيه، ويسر لنا بلوغ ما نتمنى من رضوانه، وان يحلنا في بحبوحة جنانه، وان يرزقنا التوبة النصوح حتى نخلص النصيحة حباً له.

المدرسة المهدية الدينية / النجف الأشرف

1420 ه- - 1999 م

الفصل الأول: تعريف النصيحة

المبحث الأول: تعريف النصيحة لغة

نَصَحَ: نصح الشيء خَلَصَ كمنعَ، ونصحه، ونَصَحَ له يَنصح بالفتح فيهما نُصحاً بالضم، ونَصَاحَةً بالفتح، وهو باللام أفصح، وفي زيادة اللام دلالة على المبالغة في إمحاض النصح. قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: «وَأَنْصَحُ لَكُمْ»(1).

والناصح: الخالص من العسل وغيره، وقال الأصمعي: الناصح الخالي من الغل، وكل شيء خلص فقد نصح. والإسم النصيحة: وهو تحري ما ينبغي له، وما يصلح وأراد له الخير، وأخلص في تدبير أمره، وهو من قولهم: نصحت له الود: أخلصته. وتقول: نصحت لصديقي في الرأي. ونصح لنفسه: تجنّب ما يؤذيها في الدنيا والآخرة.

والفعل نصح يتعدى بنفسه إلى مفعول و إلى آخر بحرف جر، ثم يحذف المفعول الذي وصل إليه بنفسه؛ لعلم السامع به، ويبقى الذي وصل إليه حرف الجر كما قالوا: نصحت لزيد، والمفعول في هذه محذوف، والفعل واصل إلى الآخر بحرف الجر، فليس فعل نصح يتعدى بنفسه تارة، وبحرف الجر أخرى كما قيل، بل المفعول في الحقيقة محذوف، فان قولك نصحت له: أي نصحت الرأي لزيد، فهو مأخوذ من نصح الخياط الثوب إذا أصلحه، وضم بعضه إلى بعض، ثم استعير في الرأي، فقالوا: نصحت له أي: نصحت له رأيه، أي: أخلصته وأصلحته(2).


1) سورة الأعراف، آية: 62

2) الفوائد 3 / 306

ونصح الثوب نصحاً: خاطه، وشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من أصلاح المنصوح له بفعل الخياط فيما يسد من خلل الثوب. والتوبة النصوح: هي الخالصة التي لا يشوبها تردد، أو هي التي لا يعاود الذنب بعدها، فإن الذنب يمزق الدين، فالتوبة النصوح بمنزلة نصح الخياط الثوب إذا أصلحه، وضم أجزاؤه. وفي حديث أُبيّ، سألت النبي صلی الله علیه وآله عن التوبة النصوح، قال: (هي الخالصة التي لا يعاود بعدها الذنب)(1). وفعول من أبنية المبالغة يقع على على المذكر والمؤنث، فكأن الإنسان بالغ في نصح نفسه بها. ويقال قوم نصحاء. قال النابغة الذبياني:

نصحت بني عوف فلم يتقبلوا ٭٭٭ رسولي ولم تنجح لديهم وسائلي

ويقال نصحت فلاناً ضد غششته، ومنه قوله:

ألا ربّ من تغتشه لك ناصح ٭٭٭ ومنتصح باد عليك غوائله

وانتصح فلان أي: قبل النصيحة. قال بعض العارفين: النصاح الخيط، والمنصحة الأبرة، والناصح الخائط، والخائط هو الذي يؤلف أجزاء الثوب حتى يصير قميصاً، أو نحوه، فينتفع به بتأليفه إياه، وما ألفه إلّا لنصحه.

والناصح في دين الله هو الذي يؤلف بين عباد الله، وما فيه سعادتهم(2).

المبحث الثاني: تعريف النصيحة اصطلاحاً:

النصيحة كلمة جامعة يعبر بها عن جملة: وهي إرادة الخير للمنصوح له، أو حيازة الحظ للمنصوح له. والملحوظ من تعاريف النصيحة إنها تدور حول المصلحة أو الخير أو الصلاح أو العناية للمنصوح له، وهي تقصر النصيحة تارة على المعاملة، والعمل دون القول، مثالها:


1) النهاية في غريب الأثر 5 / 62

2) لسان العرب 5 / 615؛ مختار الصحاح 1/ 276؛ معجم ألفاظ القرآن الكريم 2 / 718؛ القاموس المحيط 1 / 261 فصل النون باب الحاء؛ بدائع الفوائد 3 / 306؛ فيض القدير 3 / 556

1.

إخلاص النية من شائب الفساد في المعاملة، أو إخلاص الفاعل ضميره، فيما يظهر من عمله(1).

2.

إخلاص العمل من الغش(2).

3.

إخلاص العمل من الفساد على الاجتهاد فيه(3).

وأخرى تطلق النصيحة فتشمل القول، ومثالها:

1.

التحري ما فيه الصلاح قولاً وفعلاً(4).

2.

تعريف وجه المصلحة، مع خلوص النية من شوائب المكروه(5).

3.

إرادة الخير لغيرك مما تريد لنفسك أو النهاية في صدق العناية(6).

والصحيح هو إطلاق النصيحة على القول والفعل والمعاملة؛ لأن المعنى الإصطلاحي مأخوذ من المعنى اللغوي، فإن كل شيء خلص فقد نصح.

المبحث الثالث: الفرق بين النصيحة والتأنيب والمداراة والمداهنة والتقية:

لابد من بيان بعض المفردات، أو المصطلحات، وتحديد الفرق بينها وبين النصيحة لمعرفة أحكامها. فالنصيحة: هي إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة له، والشفقة عليه، والغَيرة(7)له، وعليه فهي إحسان محض، يصدر


1) تفسير البيان 4 / 438؛ مجمع البيان 3 / 29؛ تفسير القرطبي 2 / 227

2) تفسير القرطبي 2 / 227؛ مجمع البيان 3 / 118

3) تفسير البيان 6 / 104

4) روح المعاني 5 / 69

5) المصدر نفسه

6) فتح القدير 2 / 216؛ شرح الزرقاني 4 / 509

7) الغَيرة، بفتح الغَينِ المعجمة لكن الناس اليوم يَلفظونها بِكَسرِ الغَينِ وهو خَطَأ فاحِشٌ. ومثلُها الحَيرَةُ

رحمة، ورقة يتلطف الناصح في بذل النصيحة غاية التلطف، ويحتمل أذى المنصوح ولائمته، ويعامله معاملة الطبيب العالم المشفق للمريض، وهو يتحمل سوء خلقه وشراسته ونفرته، ويتلطف في وصول الدواء إليه بكل ممكن، فهذا شأن الناصح.

وأما (التأنيب): فهو التعبير في صورة النصيحة، بقصد إهانة وذم وشتم من أنبّه، فهو يقول له مثلا: يا فاعل كذا وكذا، يا مستحقاً للذم والإهانة، في صورة ناصح مشفق، وعلامة المؤنب انه لو رأى من يحبه، ويحسن إليه على مثل عمل المؤنب، أو شر منه، لم يعرض له، ولم يقل له شيئاً، ويطلب له وجوه المعاذير، فان غلب طلب له وجوه المعاذير، فمثلاً يقول:

الإنسان عرضة للخطأ، ومحاسنه أكثر من مساويه، والله غفور رحيم، ونحو ذلك. ومن الفروق بين الناصح والمؤنب، ان الناصح لا يعاديك إذا لم تقبل نصيحته، ويقول: قد وقع أجري على الله، قبلت أم لم تقبل، ويدعو لك بظهر الغيب، ولا يذكر عيوبك، ولا يبينها في الناس، والمؤنب بَعُدَ عن ذلك(1). ذلك(2).

أما (المداراة) فهي بذل الدنيا لصلاح الدنيا، أو الدين، أو هما معاً، وهي مباحة. وربما استحسنت، فإن مداراة الظالم والفاسق اتقاء شرهما من باب المداراة لا التقية. قال بعض الصحابة: (إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم)(3). وينبغي للمداري التحفظ من الكذب، فإنه قل ان يخلو أحد من صفة المدح.

أما (المداهنة) فهي بذل الدين لصلاح الدنيا، مثل إهانة شعائر الإسلام من أجل التقرب عند بعض الظلمة لتحصيل صداقته، أو من يشكر ظالماً على


1) الروح 1/ 257

2) الروح 1/ 257

3) البحار 75 / 401، باب 87 من أبواب العشرة حديث 42

ظلمه ويصوره بصورة العدل، أو مبتدعاً على بدعته ويصورها بصورة الحق، والمداهنة معصية؛ لأنها وسيلة لتكثير الظلم والباطل عند أهله(1). قال الله تعالى تعالى في محكم كتابه: «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ»(2).

أما (التقية): فهي مجاملة الناس بما يعرفون، وترك ما ينكرون، حذراً من غوائلهم في أمور الدين. وقد دل كتاب الله الكريم والأحاديث الشريفة على مشروعية التقية. قال الله تعالى: «لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً»(3). وروي عن أئمة أهل البيت علیهم السلام: (تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له)(4)و(التقية من ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقية له)(5).

المبحث الرابع: النصيحة في الآثار الشرعية:

إن الدين - بكسر الدال - هو دين الإسلام، ودين الإسلام النصيحة، أي عماده وقوامه، كما قيل: ان الحج عرفة، فالنصيحة لم تبق من الدين شيئاً، وهي كلمة يعبر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، ولا يمكن ان يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة، تجمع معناها غيرها(6).

فالنصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان، ولذلك سمّي الدين النصيحة. واعتبرها بعض العارفين من علامات اليقين، وبعضهم من أركان الدين، وتطلب النصيحة عند الأبرار، فان المشاركة في الإيمان يجب ان


1) الفروق 4 / 236؛ التعاريف 1 / 537؛ شرح الزرقاني 4 / 318؛ تحفة الأحوذي 6 / 113

2) سورة القلم، آية: 9

3) سورة آل عمران، آية: 28

4) أصول الكافي 9 / 110، باب التقية من كتاب الأيمان حديث 2

5) المصدر نفسه 9 / 115، حدیث 12

6) فيض القدير 2 / 327؛ حلية الأولياء 10 / 192

يكون أدعى شيء إلى النصيحة، وان تباعدت الأجناس والأماكن.

إن القرآن الكريم ذكر ان الوظيفة الأساسية لبعثة الأنبياء علیهم السلام هي النصح لأممهم، كما ان الأولياء والصالحين لم يفق بعضهم على بعض بالصوم والصلاة، بل بالنصيحة ففي المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (يقول الله تعالى من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، يا ابن آدم إنك لم تدرك ما عندي إلّا بأداء ما افترضت عليك ولا يزال عبدي يتقرب بالنوافل حتى أحبه فأكون قلبه الذي يعقل به ولسانه الذي ينطق به وبصره الذي يبصر به فإذا دعاني أجبته وإذا سألني أعطيته وإذا استنصرني نصرته، وأحب عبادة عبدي إليّ النصيحة)(1).

وقال الإمام الحسن علیه السلام: (إن أحب عباد الله إلى الله الذين يسعون في الأرض بالنصيحة والذين يمشون بين خلقه بالنصائح ويخافون عليهم يوم تبدو الفضائح)(2).

وورد عن النبي صلی الله علیه وآله أنه قال لرجل من أهل الصُفّة يكنى أبا رزين: (يا أبا رزين إذا خلوت فحرك لسانك بذكر الله فإنك لا تزال في صلاة ما ذكرت ربك ان كنت في علانية فصلاة علانية، وان كنت خالياً فصلاة خلوة. يا أبا رزين إذا كابد الناس قيام الليل وصيام النهار فكابد أنت النصيحة للمسلمين)(3). وتعتبر النصيحة من أفضل الأعمال عند الله في يوم القيامة، ففي خبر سفيان بن عُيَينَة قال: (سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: عليكم بالنصح لله في خلقه فلن تلقاه بعمل أفضل منه)(4). كما ان أعظم الناس منزلة يوم القيامة عند الله أكثر الناس نصيحة لخلق الله، ففي خبر السكوني عن أبي عبد


1) رواه الطبراني عن عثمان بن أبي عاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة، جامع العلوم والحِكَم 1 / 359

2) جامع العلوم والحكم 1 / 81

3) حلية الأولياء 1 / 266

4) الأصول في الكافي 2 / 208؛ وسائل الشيعة 11 / 595

الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلی الله علیه وآله: ان أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه)(1).

والمشي هنا في الحديث الشريف إما المشي حقيقة، أو كناية عن شدة الاهتمام، والباء في قوله (بالنصيحة) للملابسة أو السببية.

والنصيحة التي تتعلق بحقوق المسلمين للحكام والأمراء والسلاطين وغيرهم أعظم من نصيحة الرجل التي تتعلق بمعاملته ووكالته ووصيته، فإن نصيحة العموم أعظم من نصيحة الخصوص، وإن من جلس على الوسائد وجب عليه النصيحة. وذكر بعض العارفين: (ان كنت تحب الناس ان يكونوا مثلك فما أديت النصيحة لربك وكيف أنت تحب أن يكونوا دونك)(2). فهذا النص فيه إشارة إلى ان النصيحة للآخرين لا تكون إلّا ان يجب فيها ان يكونوا فوقه، وهذه منزلة عالية، ودرجة رفيعة في النصح. كما أن النصيحة لها درجة عالية على الصداقة، فليس كل صديق ناصحاً، ولكن كل ناصح صديق فيما نصح فيه. فالناصح هو ان يسوء المرء ما ضّر الآخر ساء ذلك الآخر، أو لم يسوءه، وان يسره ما نفعه سرّ الآخر، أو ساءه، فهذا شرط في النصيحة زائداً على شروط الصداقة(3). واعتبرت النصيحة هي معيار الأخوة، فلم تنعقد الأخوة ما لم تكن النصيحة رائدها وباعثها، ومن لم يكن ناصحاً لأخيه فليس بأخ. قال رسول الله صلی الله علیه وآله: (خير إخوانك من يصدقك النصيحة، ويزينك في المحافل، وينصرك على عدوك )(4). والنصيحة من علامات العالم العامل، فعن جابر الأنصاري رحمه الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تجلسوا عند كل عالم إلّا إلى عالم يدعوكم من خمس إلى خمس من الشك إلى اليقين ومن الرياء إلى


1) الأصول في الكافي 2 / 208؛ وسائل الشيعة 11 / 595

2) جامع العلوم والحكم 1 / 123

3) الأخلاق والسير 1 / 42

4) جامع العلوم والحكم 1 / 123

الإخلاص ومن الرغبة إلى الزهد ومن الكبر إلى التواضع ومن العداوة إلى النصيحة)(1). ومن بذل النصيحة من التجار فهو من أعلام الخير لما بذله، حذراً من خيانة المسلمين؛ لما ورد عن ذي النون العارِفِ المِصرِيّ: (ثلاثة من أعلام الخير في التاجر ترك الذم إذا اشترى، والمدح إذا باع خوفاً من الكذب، وبذل النصيحة للمسلمين حذراً من الخيانة والوفاء في الوزن إشفاقاً من التطفيف)(2).

وإن النصيحة تقبل من الغني والفقير. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الذي يصح للغني من الفقير النصيحة)(3)، فمن قبل النصيحة آمن الفضيحة، ومن أبى فلا يلومن إلّا نفسه.


1) إحياء علوم الدين 1 / 63

2) شعب الإيمان 5 / 332

3) فيض القدير 3 / 556

الفصل الثاني: شروط النصيحة وكيفيتها وأنواعها

المبحث الأول: شروط النصيحة

هنالك شروط معينة للنصيحة(1)وهي:

1.

يُشتَرَطُ الإخلاصُ في النصيحة، وابتغاءُ وجهِ الله تعالى، وان يكون الباعث لها قصد النصيحة لا الوقيعة بالمنصوح، كأن يكون بينهما عداوة دنيوية، أو تحاسد، أو تباغض، أو تنازع على منصب، أو وظيفة، فيتكلم بمساوئه مظهراً النصح وقصده في الباطن النقص من الشخص واستيفاؤه منه، فهذا من عمل الشيطان، (وإنما الأعمال بالنيات، وان لكل أمريء ما نوى)(2)، بل يكون قصد الناصح ان يصلح الله ذلك الشخص، وان يكفي المسلمين ضرره في دينهم ودنياهم، ويسلك في هذا المقصود أيسر الطرق التي تمكنه، وكثيراً ما يغفل الإنسان عن ذلك، فيلبس عليه الشيطان، ويحمله على التكلم لا نصحاً ويزين له أنه نصح وخير. والحاصل ان النصيحة إذا كانت من أجل التقرب إلى الله عز و جل فهي من جملة الحسنات، وإذا وقعت على وجه ذم أخيك، وتمزيق عرضه، والتمعك بلحمه والعض منه لتضع منزلته من قلوب الناس فهي الداء العضال، ونار الحسنات التي تأكلها كما تأكل النار الحطب.

2.

ان تكون النصيحة لحاجة ماسة لحفظ مقاصد الشريعة من الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

3.

ان تقتصر النصيحة على المقدار اللازم منها، فلا يذكر أو يتعرض الناصح


1) القواعد والفوائد 2 / 150؛ الحدائق الناضرة 18 / 165؛ حاشية البيجرمي 3 / 331؛ الفروق 4 / 205

2) وسائل الشيعة 1 / 49 /باب وجوب النية في العبادات

لعيوب أخرى، فمثلا لا يذكر في عيب التزويج ما يخل بالشركة أو المضاربة أو المزارعة أو السفر مثلا، بل يذكر ما يخص الأمر الذي فيه النصح، ولا يتجاوزه والتي حصلت المشاورة فيه خاصة. فالزيادة على العيوب المخلة بما استشير فيه حرام، فمثلا لو توقفت النصيحة على ذكر عيب واحد ذكره، ولا تجوز الزيادة عليه، أو عيبين اقتصر عليهما وهكذا؛ لأن ذلك كإباحة الميتة للمضطر، فلا يجوز تناول شيء منها إلّا بقدر الضرورة.

المبحث الثاني: شروط الناصح

لابد من توفر عدة علوم في الناصح والمستشار، أهمها علم الشريعة والمعرفة بأحوال الناس، وما يحيط بهم من الظروف والأحوال والمصلحة في ذلك الزمان والمكان، وعلم الترجيح فيما لو تزاحمت أو تعارضت بعض الأمور، فمثلا يكون ما يصلح الزمان يفسد الحال أو المكان أو العكس، فعليه ان ينصح بحسب الأرجح أو بالأهم من الأمرين. كما ان الناصح أو المستشار ينبغي ان يكون على معرفة وإطلاع بالمنصوح له من حيث قبول نصحه وعدمه، فإذا عرف من حاله مثلا: أنه إذا نصحه لشيء فعل ضده فإنه عليه ان ينصحه بما لا ينبغي ليفعل ما ينبغي، فلذا يحتاج الناصح أو المستشار إلى علم وعقل وفكر صحيح ورؤية حسنة واعتدال مزاج وتوءدة وتأن، فان من لم يجمع هذه الخصال فخطؤه أسرع من إصابته، فلا يستشار ولا ينصح، فلا أعظم شيء من النصيحة، فإن بعض الأشخاص الفارغين من أحكام الشريعة - سامحهم الله - نصبوا أنفسهم نصحاء لكل أمر، فأخذوا يوزعون بنصائحهم على أغرارِ الناس ظانين بعملهم هذا الصواب، مما أدى إلى خلط الحابل بالنابل، فأفسدوا أكثر مما نفعوا، بينما الملحوظ بين ظهرانينا من هو أهل لهذه الوظيفة، قد انعزل وانزوى وحجب نفسه عن المجتمع؛ تعففاً عن الناس بحجج وذرائع منها: انه لا يتحمل سلوك الناس، وأصبح المجتمع غريبا عليه، فأصبحنا بين الإفراط والتفريط. والله المستعان.

ولا يكون الرجل ناصحاً لغيره إلّا إذا بدأ بنصح نفسه، واجتهد في معرفة ما يجب له وعليه؛ ليعرف كيف ينصح. وهنالك ثلاث علامات للناصح، وهي (إغمام القلب بمصائب المسلمين، وبذل النصيحة لهم متجرعاً لمرارة ظنونهم، وإرشادهم إلى مصالحهم وان جهلوه وكرهوه)(1).

وأوضح سيد الساجدين الإمام علي بن الحسين علیه السلام في صحيفة الحقوق حق الناصح: (ان تلين له جناحك وتصغي إليه بسمعك، فإن أتي بالصواب حمدت الله عز وجل، وان لم يوفق رحمته ولم تتهمه وتؤاخذه بذلك)(2). كما ان للمنصوح حقاً قد بينه الإمام كذلك بقوله: (وأما حق المستنصح فأن تؤدي إليه النصيحة، وتكلمه من الكلام بما يطيقه عقله وليكن مذهبك الرحمة)(3). فعلى المنصوح توجيه سمعه وقلبه إلى الناصح، وإبداء السرور للناصح بنصيحته وقبولها وشكره، كما قال سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام: (أقبل النصيحة ممن نصحك، وتلقها بالطاعة ممن حملها إليك)(4)فإن كل مؤمن لابد له من ناصح. قال الإمام الجواد علیه السلام: (المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال: توفيق من الله، وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه)(5). وان مخالفة الناصح الشفيق الصادق المخلص في نصيحته تورث الحسرة والندامة كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام: (فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب تورث الحسرة وتعقب الندامة)(6).


1) شعب الإيمان 7 / 523

2) وسائل الشيعة 15 / 177 / حديث (20226)

3) المصدر نفسه

4) غرر الحكم ودرر الكلم 226 / حديث (4583)

5) وسائل الشيعة 12 / 25 / حديث (15548)

6) نهج البلاغة 79

المبحث الثالث: كيفية النصيحة

ينبغي ألا تترك النصيحة في كل حال من الأحوال، وتكون على حسب مقتضى الحال، وعلى الوجه اللائق بحسب ما يقتضيه المقام من الإسرار أو الإعلان، فإذا أقتضى الحال ان تكون النصيحة بالإسرار فلا يعلن في الملأ بالنصيحة، فتكون النصيحة على رؤوس الأشهاد فضيحة ولا يفعلها إلّا الجهلاء، لذلك قال إمامنا الحسن العسكري علیه السلام: (من وعظ أخاه سّراً فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه)(1). وقال بعضهم: من وعظ أخاه بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه أمام رؤوس الناس فإنما وبخه، وقال الفضيل بن عياض: (المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير)، إذ فائدة النصيحة حصول النفع، وثبوت الود، فإذا كانت في الملأ لا تقبل بل تثمر عداوة فتكون مذمومة بل في بعض الأحيان إذا كانت النصيحة في الإعلان تخجل المنصوح له وتلجئه إلى الكذب في اعتذاره، أو خذله فتكون سبباً لفساد كثير، فما كل ما هو راجح يجري على ظاهره(2)، وان تكون النصيحة بالرفق والرحمة، ويتأكد هذا المعنى في نصيحة العلماء، ويحسن التلطف فيها كذلك في مخاطبة السلطان والرؤساء والملوك؛ ليكون أدعى إلى قبولهم، وان هؤلاء لا يخاطبون إلّا بعد استئذانهم، ولا سيما إذا كان في أمر يعترض به عليهم، فترك ذلك، والغلظة لهم قد يكون سببا لإثارة نفوسهم ومعاندة من يخاطبهم(3).

وقد أكد الإسلام نصيحة زعماء القوم ورؤسائهم وولاة الأمور خاصة، فان النبي صلی الله علیه وآله اشترط في البيعة بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة النصيحة لرؤساء


1) تحف العقول 489

2) فيض القدير 6 / 256؛ إعانة الطالبين 1 / 191؛ روضة الطالبين 1 / 219؛ جامع العلوم والحكم 1/ 82؛ تحفة الأحوذي 6 / 47

3) فيض القدير 4 / 43

الأقوام خاصة؛ لأن القوم في أمس الحاجة إلى نصيحة سيدهم(1). ولا تخشن كلامك في النصيحة فذلك إغراء وتنفير، وقد قال الله تعالى في محكم كتابه «فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا»(2)لأن النصيحة بالقول اللين والرفق أقرب إلى قبولها، كما قال الله تعالى: «وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»(3).

ثم ان النصيحة مرتان: الأولى فرض وديانة، والثانية تنبيه وتذكير، وأما الثالثة فتوبيخ وتقريع، وليس وراء ذلك إلّا التركل واللطام إلّا في الدين. فالواجب على المرء تكرار النصيحة، رضي المنصوح أو سخط، تأذى الناصح بذلك أو لم يتأذ، وأعظم مانع من قبول النصيحة هو الحسد، ولا تنصح على شرط القبول منك، فأن فعلت ذلك فأنت ظالم، ولعلك مخطيء في وجه نصحك فتكون مطالبا بقبول خطئك وبترك الصواب، فإن تعديت هذه الكيفية في النصيحة فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة وملك لا مؤدي حق وأمانة وأخوة، وليس هذا حكم العقل ولا حكم الصداقة، لكن حكم الأمير مع رعيته والسيد مع عبيده، وإذا أردت النصيحة فانصح سراً لا جهراً، وبتعريض لا تصريح، إلّا ان لا يفهم المنصوح تعريضك فلابد من التصريح(4).

وإذا بذلت النصيحة لقلب مَلآن ضدها لا منفذ لها فيه فإنه لا يقبله، ولا تلج فيه لكن تمر مجتازة لا مستوطنة، فلا تطلب مشورة البخيل في العطاء، ومشورة الجبان في القتال، ومشورة الحريص في الإباء، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام في عهده لصاحبه مالك الأشتر رحمه الله بقوله: (ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جبانا


1) المصدر نفسه 4 / 43

2) سورة طه، الآية: 44

3) سورة النحل، الآية: 125

4) مواهب الجليل 3 / 418، الأخلاق والسير 45

يضعفك، ولا حريصا يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله)(1).

ثم إذا عرف من شخص المخالفة واللجاج، وأنه إذا دلّ على أمر فيه نصيحته عمل بخلافه، فالنصح عدم النصح، قال رسول الله صلی الله علیه وآله: (لا تشر على المستبد برأيه)(2)بل قد يشير عليه بخلاف ذلك فيخالفه فيفعل ما ينبغي، وهذه النصيحة لا يشعر بها كل أحد، وهي تسمى علم السياسة، فأنه يسوس به النفوس الجموحة الشاردة عن طريق مصالحها، ولكن ضابط هذه الحالة بأن لا ينصحه بمحرم. قال بعض العارفين: أوصيك بالنصح نصح الكلب لأهله فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبى إلّا ان يحوطهم ويحفظهم(3).

المبحث الرابع: أنواع النصيحة

اشارة

ان النصيحة على أنواع:

النوع الأول: النصيحة لله تعالى:

ان النصيحة لله تعالى تقتضي إخلاص الاعتقاد في توحيده، ونفي الشريك عنه وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال والجلال، وتنزيهه عما يضادها، والقيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها، وهو مقام الإحسان، فلا يكمل النصح لله من دون ذلك، ولا يتأتى ذلك من دون كمال المحبة الواجبة والمستحبة، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه، وترك المحرمات والمكروهات على هذا الوجه أيضاً، فقد ورد عن الإمام الحسن علیه السلام: (أرأيتم لو كان لأحدكم عبدان فكان أحدهما يطيعه إذا أمره ويؤدي إليه إذا ائتمنَه وينصح له إذا غاب عنه وكان


1) نهج البلاغة 430

2) بحار الأنوار 72 / 15

3) الفوائد 1 / 30

الآخر يعصيه إذا أمره ويخونه إذا ائتمنه، ويغشه إذا غاب عنه كانا سواء؟ قالوا: لا، قال: فكذا أنتم عند الله عز وجل)(1).

وقد سأل الحواريون النبي عيسى علیه السلام: (ما الخالص من العمل؟ قال: ما لا تحب أن يحمدك الناس عليه، قالوا: فما النصح؟ قال: ان تبدأ بحق الله قبل حق الناس، وإن عرض لك أمران أحدهما لله تعالى والآخر للدنيا بدأت بحق الله تعالى)(2). فالرغبة في محابه، والبعد عن مساخطه، والجهاد من كفر بالله تعالى، والدعوة إلى ذلك، والحث عليه، والاعتراف بنعمه وشكره عليها، والإخلاص في جميع الأمور، وحقيقة النصيحة لله تعالى عز وجل راجعة إلى العبد في نصحه نفسه، فالله تعالى غني عن نصيحة الناصح.

النوع الثاني: النصيحة لكتابه الكريم:

إما النصيحة لكتاب الله العزيز فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله، لا يُشبِهُهُ شَيءٌ من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، وتعظيمه وتنزيهه وتلاوته حق تلاوته والخشوع عندها، والوقوف على أوامره ونواهيه، وتفهم علومه وأمثاله، وتدبر آياته والذب عن الشبهات عنه وطعن الملحدين به والتصديق بما فيه، والاعتبار بمواعظه والتفكر في عجائبه والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه.

النوع الثالث: النصيحة لرسول الله صلی الله علیه وآله:

وأما النصيحة لرسول الله صلی الله علیه وآله فتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه، وإعظام حقه، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته، ونشر شريعته والتفقه في معانيها والدعوة إليها، والتلطف في تعلمها وتعليمها، والإمساك عن الكلام فيها بغير


1) خرجه ابن أبي الدنيا، وخرج أحمد معناه من حديث أبي الأحوص عن أبيه

2) جامع العلوم والحكم 1 / 79؛ شرح النووي 2 / 37؛ الديباج 1 / 76

علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته علیهم السلام وأصحابه المنتجبين الأخيار، ومجانبة من ابتدع في سنته.

النوع الرابع: النصيحة لأهل البيت علیهم السلام:

النصيحة لأهل البيت علیهم السلام هو اتباع أحاديثهم الشريفة، والاهتداء بهديهم، والموالاة لمن والاهم، والمعاداة لمن عاداهم، والقول في شأنهم ما يليق، والانقياد لهم في أوامرهم ونواهيهم وآدابهم وأعمالهم، والإطاعة لهم في جميع ذلك، وإجراء أحكامهم على الأمة، وحقيقة نصيحة المؤمن النصيحة لأهل البيت علیهم السلام، في خبر بُرَيد بن معاوية عن أبي جعفر الباقر علیه السلام قال: (قال رسول الله صلی الله علیه وآله: ما نظر الله عز وجل إلى ولي يجهد نفسه بالطاعة لإمامه وينصحه إلّا كان معنا في الرفيق الأعلى)(1).

وتختص نصيحة العلماء لله تعالى وكتابه الكريم ورسوله العظيم وأهل بيته الكرام بالرد على الأهواء المضلة على الكتاب والسنة الشريفة، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء، وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان ما صح من الأحاديث الشريفة عن أهل البيت علیهم السلام وما لم يصح بتبين حال الرواة، ومن تقبل روايته منهم ومن لا تقبل.

النوع الخامس: النصيحة لأئمة المسلمين:

النصيحة لأئمة المسلمين العادلين وهم أصحاب الولايات وعلماء الدين المجتهدون الذين يجب تقليدهم، وإحسان الظن بهم، ومعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، واعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وتألف قلوب الناس لطاعتهم، فقد روي عن النبي صلی الله علیه وآله قال: (ان الله يرضى لكم ثلاثاً يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وان تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وان تناصحوا


1) شرح الكافي 9 / 94؛ الشافي 4 / 498

من ولاه الله أمركم)(1). كما روي عن أبي يعفور عن أبي عبد الله علیه السلام: ان رسول الله صلی الله علیه وآله خطب الناس في مسجد الخيف في حجة الوداع فقال: (نَضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها من لم يسمعها فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب أمريء مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم، المسلمون أخوة تتكافأ دِماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم)(2). ومن النصيحة لهم الجهاد معهم، والصلاة خلفهم، وأداء الحقوق إليهم، وان يدعى لهم بالصلاح، ولا يغروا بالثناء الكاذب عليهم.

النوع السادس: النصيحة لعامة المسلمين:

أما النصيحة للمسلمين عامة فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم، وتعليمهم ما يجهلونه من دينهم، وإعانتهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير صغيرهم واحترام كبيرهم، وإبداء الموعظة الحسنة لهم، وترك غشهم وحسدهم، وان تحب لهم ما تحب لنفسك من الخير، وتكره لهم ما تكره لنفسك من المكروه والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم، وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة، وتنشيط هممهم إلى الطاعات، حتى ان المتقين والصالحين والعلماء الأبرار من تبلغ به النصيحة إلى الإضرار بدنياه(3).

روي عن جرير بن عبد الله البَجَلِيّ قال: (بايعت النبي صلى الله عليه وآله على إقام


1) رواه مسلم، وجامع العلوم والحكم 1 / 79

2) الشافي 4 / 498؛ جامع العلوم والحكم 1 / 79

3) التاج والإكليل 5 / 422

الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم)(1)، وروي (حق المؤمن على المؤمن ست) فذكر منها (وإذا استنصحك فانصح له) وروي هذا الحديث من وجوه أُخَر عن النبي صلی الله علیه وآله قال: (إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له)(2).


1) رواه مسلم والبخاري، جامع العلوم والحكم 1 / 76

2) وسائل الشيعة 11 / 594 / باب 35 / الحديث 4؛ شعب الإيمان 4 / 323

الفصل الثالث: النصيحة في الفقه الإسلامي

المبحث الأول: النصيحة في الأدلة الشرعية

أولاً: الآيات الكريمة

لقد ذكر القرآن الكريم مادة النصح في الآيات الشريفة التالية:

1. قوله تعالى: «فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ»(1).

لقد تولى النبي صالح علیه السلام عن قوم ثمود بعدما عقروا الناقة، قال لهم: لقد أبلغتكم رسالة ربي، وأديت إليكم ما أمرني بأدائه إليكم من أمره ونهيه، ونصحت لكم في أداء رسالات الله إليكم في تحذيركم بأسه بإقامتكم على کفرکم به، وعبادة الأوثان، ولكن لا تحبون الناصحين لكم في الله، الناهين عن اتباع أهوائكم، الصّادِّينَ لكم عن شهوات أنفسكم(2).

2. قوله تعالى: «فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ»(3).

يقول تعالى ذكره: فأدبر النبي شُعَيبّ علیه السلام عن قومه شاخصاً من بين أظهرهم حين أتاهم عذاب الله، وقال لما أيقن بنزول نقمة الله بقومه الذين كذبوه حزنا عليهم: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي، وأديت إليكم ما بعثني به إليكم من تحذيركم غضبه على إقامتكم على الكفر به، وظلم الناس أشياءهم،


1) سورة الأعراف، آية: 93

2) تفسير الطبري 8 / 234

3) سورة الأعراف، آية: 79

ونصحت لكم بأمري إياكم بطاعة الله، ونهيكم عن معصيته(1).

فان الآيتين تشيران إلى ان نزول العذاب بعد النصيحة.

3. قوله تعالى: «وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ»(2).

والمقاسمة لا تكون إلّا بين اثنين، والقَسَمُ كان من إبليس لا من آدم، فهو من باب عافاه الله، والمعنى (وقاسمهما) أي حلف لهما بالله تعالى حتى خدعهما وقال: (إني لكما لمن الناصحين) أي المخلصين النصيحة في دعائكما إلى التناول من هذه الشجرة، وظن آدم وحواء لا يقدر على اليمين بالله تعالى إلّا صادقاً، فدعاهما ذلك إلى تناول الشجرة(3).

4. قوله تعالى: «أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ»(4).

أدى النبي نوح علیه السلام تبليغ رسالة الله عز وجل إلى قومه، ونصح لهم في تبليغ الرسالة على وجهها من غير تغيير، ولا زيادة، ولا نقصان.

5. قوله تعالى: «أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ»(5).

بلغ النبي هود علیه السلام رسالات ربه أي نبوات الله تعالى، وهو في تبليغه ثقة مأمون في تأدية الرسالة.

6. قوله تعالى: «وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»(6).

1) تفسير الطبري 9 / 6

2) سورة الأعراف، آية: 21

3) مجمع البيان 3 / 30

4) سورة الأعراف، آية: 62

5) سورة الأعراف، آية: 68

6) سورة هود، آية: 34

حكي النبي نوح علیه السلام عن قومه: انه ان كان الله يريد أن يخيبكم من رحمته، بأن يحرمكم ثوابه ويعاقبكم به، فلا ينفعكم نصحي إن أردت ان أنصح الكم.

7. قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(1).

ذكر الله سبحانه أهل العذر، وهم الذين لا يقدرون على الخروج للجهاد؛ للعلل المانعة عن الخروج كالمرض، وممن لا نفقة له للخروج وآلة السفر، فلا حرج وضيق وجناح في التخلف، وترك الخروج مع الرسول صلی الله علیه وآله، بان يخلصوا العمل من الغش، وينصحوا لله ورسوله صلی الله علیه وآله.

8. قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا»(2).

النّصحُ تَحَرّي فِعِل، أو قَولٌ فيه صَلاحُ صاحِبه، والتوبة النصوح ما يصرف صاحبه عن العود إلى المعصية، أو ما يخلص العبد للرجوع إلى الذنب، فلا يرجع إلى ما تاب منه. فالتوبة النصوح أي الصادقة.

9. قوله تعالى: «وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ»(3).

قوله تعالى: «وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى» قيل هو مؤمن آل فرعون، قال يا موسى ان الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، أي يرتاءون لقتلك، فاخرج إني لك من الناصحين، حكاية ما قال الرجل لموسى علیه السلام يحذره من أعدائه.

10. قوله تعالى: «وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ

1) سورة التوبة، آية: 91

2) سورة التحريم، آية: 8

3) سورة القصص، آية: 20

يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ»(1).

ذكرت الآية إرجاع النبي موسى علیه السلام إلى أمه، فقوله تعالى «وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ» وهي جمع مرضعة، معناه منعناه منهن، وبغضناهن إليه، لا أن هنالك نهيا عن فعل الرضاع، وقوله تعالى «مِنْ قَبْلُ» أي من قبل رده إلى أمه. «فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ» معناه يضمونه برضاعِه والقيام عليه، وينصحونه في ذلك، فقيل لأخته من أين قلت: أنهم ناصحون لهُ، أعرفت أهله؟ فقالت: إنما عنيت ناصحون(2)للملك.

ثانيا: الأحاديث الشريفة
اشارة

ان الأخبار التي تعرضت إلى النصيحة على أَربَع طوائف:

الطائفة الأولى: مطلق النصيحة

وهي الأخبار الدالة على نصيحة المؤمن ابتداء دون سبق استشارة، منها:

1.

محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (أنسك الناس نسكاً أنصحهم جيباً وأسلمهم قلباً لجميع المسلمين)(3). الرواية ضعيفة بالنوفلي، وضعفها المجلسي، ومعناها ان أشدهم عبادة أكثرهم أمانة، يقال رجل ناصح الجيب، أي أمين، وفي بعض النسخ (أنصحهم حبا)، ولعل الأول هو الصواب.

2.

محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن علي بن الحكم عن عمر بن أبان عن عيسى بن أبي منصور عن أبي عبد الله علیه السلام قال:


1) سورة القصص، آية: 12

2) بالرَفع على الحِكايَةِ

3) الوافي 2 / 99؛ أصول الكافي بهامش مرآة العقول / باب الاهتمام بأمور المسلمين 2 / 166؛ وسائل الشيعة 11 / 562

(يجب للمؤمن على المؤمن أن يناصحه)(1). الرواية صحيحة السند، والمراد بنصيحة المؤمن للمؤمن ارشاده إلى مصالح دينه ودنياه، وتعليمه إذا كان جاهلا، وتنبيهه إذا كان غافلا، والذب عنه وعن أعراضه إذا كان ضعيفا، وتوقيره في صغره وكبره، وترك حسده وغشّه، ودفع الضرر عنه وجلب النفع إليه، وبالجملة كلما يريد لنفسه يريد لأخيه المؤمن. ولو لم يقبل نصيحته سلك طريق الرفق حتى يقبلها ولو كانت متعلقة بأمر الدين سلك به طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجه المشروع. ويمكن إرادة النصيحة للرسول والأئمة علیهم السلام أيضاً لأنهم أفضل المؤمنين(2).

3.

وعنهم عن أبي أحمد عن ابن محبوب عن معاوية بن وهب، عن ابي عبد الله علیه السلام قال: (يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة له في المشهد والغيب)(3). الرواية صحيحة السند. قوله: (في المشهد والمغيب) أي في وقت حضوره وفي غيبته بالكتابة أو الرسالة، وحفظ عرضه والزجر عن غيبته، وبالجملة رعاية جميع المصالح له، ودفع المفاسد عنه على أي وجه كان. قال المجلسي في البحار بعد نقله للرواية ان معنى (يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة له) يحتمل ان يكون الوجوب في بعض الأفراد محمول على السنة المؤكدة وفاقاً للمشهور بين الأصحاب.

4.

وعن أبي محبوب بن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر علیه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لينصح الرّجل منكم أخاه كنصيحته لنفسه)(4). هذا الحديث


1) أصول الكافي بهامش مرآة العقول 2 / 190 باب نصيحة المؤمن؛ وسائل الشيعة 11 / 595 / باب 35 من أبواب فعل المعروف؛ الأصول / 414 / باب نصيحة المؤمن

2) شرح الكافي / المازندراني 9 / 945

3) الوافي 3 / 164؛ وسائل الشيعة 11 / 595 باب 36 من فعل المعروف؛ أصول الكافي بهامش مرآة العقول 2 / 353؛ المستدرك 2 / 92 / باب 105 وجوب اداء حق المؤمن وباب 34 وجوب نصيحة المؤمن وباب 35 تحريم ترك نصيحة المؤمن / 412

4) وسائل الشيعة 11 / 594 / باب 35 من أبواب فعل المعروف / الحديث 4

جامع لجميع أفراد النصيحة، فهو ناظر إلى وحدة الكيفية بعد الفراغ عن حكم نفس النصيحة، وأنه يجب أن ينصح أخاه كما ينصح لنفسه، سواء كان النصح واجباً أو استحبابياً.

5.

خبر تميم الداري قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله ثلاثاً: (الدين النصيحة، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة الدين والجماعة المسلمين)(1)، وقد ذكر علماء الحديث بان هذا الحديث له شأن عظيم، وعليه مدار الإسلام، وأعتبره جماعة من العلماء أنه أحد أرباع الإسلام، أي أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور المسلمين، بل خصَ بعض العلماء مدار الإسلام به وحده، قال أبو داود: (ان هذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها الفقه)(2)، وهو من وجيز الأسماء، ومختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفي بها هذا المعنى سوى كلمة (النصيحة)، كما أنه لا يوجد في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة من كلمة (الفلاح).

6.

خبر زياد بن علاقة قال: سمعت جرير بن عبد الله يقول: (بايعت رسول الله صلی الله علیه وآله فاشترط عليّ النصح لكل مسلم)(3).

7.

ما روي في وسائل الشيعة: (للمسلم على المسلم من الحق ان يسلّم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض، وينصح له إذا غاب، ويسمته إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه، ويتبعه إذا مات)(4).


1) وسائل الشيعة 11 / 595 / باب 35 من أبواب فعل المعروف / الحديث 7؛ شعب الإيمان 4 / 323، وأخرجه مسلم في الصحيح من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري وأخرجه النسائي وأبو داود

2) جامع العلوم والحكم 1 / 76

3) شعب الإيمان / كتاب فض الدعاء 4 / 323، رواه البخاري عن أبي نعيم وأخرجه مسلم من حديث ابن عيينة عن زياد

4) وسائل الشيعة 12 / 86 / باب 57 استحباب تسمية العاطس المسلم

عدّ الإمام علیه السلام النصيحة من الحقوق المستحبة، ومعلوم ان هذه الحقوق ليست واجبة، بل إنما هي في ذاتها مستحبة، فعدّ النصيحة منها دليل على استحبابها. فالمستفاد من متون هذه الطائفة من الأخبار الكثيرة والمعتبرة هو الجانب الأخلاقي، فتحمل على الاستحباب، وحمل لفظ (يجب) فيها على الوجه الشرعي بعيد، والوجه في ذلك لزوم العسر الأكيد، والحرج الشديد من القول بوجوب النصيحة على وجه الاطلاق، كما ذهب إليه بعض الفقهاء كالمحدث العاملي صاحب الوسائل، والمحدث النُّورِي صاحب المستدرك، والشيخ مهدي كاشف الغطاء في مخطوطته المكاسب المحرمة بقوله: (الأخبار المتكررة الدالة على وجوب نصيحة المؤمن التي منها خبر عيسى بن منصور، وخبر معاويه بن وهب، وخبر السكوني، وخبر سفيان بن عيينة الدالة على وجوب نصيحة المؤمن مع السبق بالاستشارة وعدمه؛ لتعبير أكثرها بلفظ (يجب)، هذا مضافا إلى قوله علیه السلام: (المؤمن مرآة أخيه)(1)وإلى ان تركها خيانة وهي من أعظم المحرمات)(2).

ويمكن الجواب عما أفاده الشيخ مهدي، بان الوجوب في هذه الطائفة هو ثبوت هذا الحق للمؤمن على المؤمن ثبوتاً أخلاقياً، لأن العمدة في هذه الطائفة ما كان مشتملا على لفظ (يجب للمؤمن)، ومن المعلوم ان الوجوب إذا تعدى باللام يكون معناه ثبوت الحق لا التكليف الشرعي، فانه لا يتعدى باللام، بل يتعدى الوجوب الشرعي ب- (علی)، فلو كان المراد به التكليف الشرعي الإلزامي لقال: (يجب على المؤمن أن ينصح أخاه) من دون حاجة إلى ذكر (للمؤمن)، وكم فرق بين ان يقال: يجب على المؤمن كذا وكذا وبين ان يقال: يجب للمؤمن على المؤمن فهذا اللسان أشبه بلسان الاستحباب، والحاصل ان


1) وسائل الشیعة 12 / 210 / حدیث (16108)

2) مخطوطة المكاسب المحرمة / الشيخ مهدي كاشف الغطاء 1 / 891

هنا حكم أخلاقي. أضف إلى ذلك: ان رواية جابر ناظرة إلى وحدة الكيفية بعد الفراغ عن حكم نفس النصيحة، وإنه يجب ان ينصح أخاه كما ينصح لنفسه، سواء كان النصح واجباً أم مستحبا، كما ان باقي الأخبار بين ضعيفة السند وبين غير واضحة الدلالة على الوجوب. نعم الاستحباب هو القدر المتيقن منها. كما أنه من المحتمل قوياً ان المراد بالمؤمن الذي تجب له النصيحة هو الذي وصفه ائمة أهل البيت علیهم السلام (بأنه إذا ضرب على رجل أخيه عرق سهر له، وأنه إذا أصاب أخاه شيء في بلد حزن له، وأنه من أخيه بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى وجد ألَمَ ذلك في سائر جسده)(1)، وهذا المؤمن كالكبريت الأحمر، وأعز من الذهب الأصفر، فإن مثل هذا لا يبعد أن يوجب له الله ما يوجب، فقد روي (من لا يوجب لك فلا توجب له ولا كرامة)(2)، وقد ورد وصف المؤمن في كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام لهمام، وفي كلام الإمام علي بن الحسين علیه السلام وغيرهما، مما يدل على أن المؤمن لا يوجد إلّا ما ندر(3).

الطائفة الثانية: نصيحة المستشير

لابد من مقدمة في تعريف الاستشارة أو المشورة، وحكمها في الفقه الإسلامي الاستشارة أو المشورة، هي استخراج صواب الرأي، واشتقاق الكلمة من قولهم: شور العسل أستخلصه من موضعه وصفاه من الشمع، والمشاورة حصن من الندامة، وأمن وسلامة، وعين الهداية، قال الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام: (فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب تورث الحسرة وتعقب الندامة)(4)، وقيل نعم المؤازرة المشاورة، ومن شاور ذوي الألباب دل


1) الكافي 2 / 166؛ بحار الأنوار 71 / 264

2) وسائل الشيعة 12 / 49 باب 28 جملة (ممن ينبغي معاشرته)

3) التمهيد 19 / 160؛ جامع العلوم والحكم 1 / 81، وراجع كتاب الوافي صفة المؤمن

4) نهج البلاغة 79

على الرشاد، ومن أعظم أنواع النصيحة أن ينصح لمن استشاره، وقد مدح الله المؤمنين بقوله عز وجل «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ»(1)، وروي عن أبي جعفر الثاني علیه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين علیه السلام قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى اليمن فقال وهو يوصيني: (يا علي ما حار من استخار ولا ندم من استشار)(2)، ولقد أحسن القائل:

شاوِرْ صَدِيْقَكَ في الخَفِيّ المُشْكِلِ ٭٭٭ وَاقْبَلْ نَصِيْحَةَ ناصِحٍ مُتَفَضِّلِ

وفي حديث فاطمة بنت قيس حين شاورت الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله لما خطبها معاوية وأبو جهم وقوله صلی الله علیه وآله: (أما معاوية فرجل صعلوك لا مال له، وأبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه)(3)دليل على استشارة ذوي الرأي وأنه جائزٌ ان يستشير الرجل من يرضى دينه في امرأتين يسميهما له أيتهما يتزوج، وكذلك للمرأة في رجلين أيهما تتزوج، وفيه أن للمستشار أن يشير بغير من أستشير فيه؛ لأنه أشار صلی الله علیه وآله إلى أسامة، ولم تذكر له إلّا أبا جهم ومعاوية(4)، وروي عن الإمام موسى بن جعفر علیه السلام: (وإذا استشار عليك العاقل الناصح فإياك والخلاف فإن في ذلك العطب(5))(6)، وروي عنه علیه السلام: (مَنِ استشار لم يعدم عند الصواب مادحاً وعند الخطأ عاذراً)(7)وقال أمير المؤمنين علیه السلام: (ومشاورة العاقل الناصح يُمْنٌ، وبَرَكَةٌ، وَرَشْدٌ، وتوفيقٌ من الله)(8)،


1) سورة الشورى، آية: 38

2) بحار الأنوار 72 / 102

3) تهذيب الفروق 4 / 231؛ تحفة الأحوذي 4 / 241؛ شرح الزرقاني 4 / 319؛ مواهب الجليل 3 / 418 أخرج مسلم الحديث كاملاً والبخاري مختصراً

4) التمهيد 19 / 160

5) العطب: الهلاك

6) بحار الأنوار 75 / 311

7) بحار الأنوار 72 / 104

8) نهج البلاغة 79

(والمستشار مؤتمن)(1)أي أمين فيما يسأل من الأمور لأنه قلد الأمر الذي استشير فيه، فمن أفضى إلى أخيه بسره وأمّنه على نفسه فقد جعله بمحلها، فيجب عليه أن لا يشير عليه إلّا بما يراه صواباً لأنه قلده أمره، فان غشه فيما استشاره فيه فقد خان الله ورسوله ويسمى الغرور وهو إخفاء الخدعة في صورة النصيحة، وان ترك النصيحة لا يعتبر خيانة، نعم الخيانة إنما تلزم فيما لو نصحه بخلاف ما يعتقده من المصلحة، فمن علم عدم عدالة إمام الجماعة فلا يجوز إعلام غيره به، نعم لو استشير وسأل عن عدالته فهنا المستشار مؤتمن، وعليه ان لا يخون لما روي: (المستشار مؤتمن) والمستشار ان شاء أشار وان شاء لم يشر، فهو مخير لا يتعين عليه النصيحة ما لم يتحقق بترك مشورته حصول ضرر لمحترم من نفس أو مال، أو عرض، وإلّا تعين نصحه بل لو تعلق به علمه به وجب وإن لم يستشره، ولا تطلب المشورة من كل احد، فقد تكون نتيجتها المهالك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله في وصيته لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام: (يا علي لا تشاورن جباناً فإنه يضيق عليك المخرج، ولا تشاورن بخيلا فإنه يقصر بك عن غايتك، ولا تشاورن حريصاً فإنه يزين لك شرها)(2)، بل لا تشاور إلّا من كان أهلا للمشورة، وتوافرت فيه هذه الصفات التي ذكرها الإمام الصادق علیه السلام بقوله: (إن المشورة لا تكون إلّا بحدودها فمن عرفها بحدودها وإلّا كانت مضرتها على المستشير أكثر من منفعتها فأولها: أن يكون الذي تشاوره عاقلاً، والثانية: أن يكون حراً متديناً، والثالثة: أن يكون صديقاً مؤاخياً، والرابعة: إن تطلعه على سرك فيكون علمه به كعلمك بنفسك ثم يسر لك ويكتمه، فإنه إذا كان عاقلاً انتفعت بمشورته، وإذا كان حراً متديناً أجهد في النصيحة لك، وإذا كان صديقاً مؤاخيا كتم سرك إذا أطلعته عليه، وإذا أطلعته على سرك فكان علمه به كعلمك به تمت المشورة وكملت


1) عوالي اللآلي 1 / 104

2) من لا يحضره الفقيه 4 / 409

النصيحة)(1).

وأما الأخبار الواردة في خصوص نصيحة المستشير فمِنها:

1.

عن ابن خالد عن بعض أصحابه عن حسين بن حازم بن عمر بن يزيد عن أبيه عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (من استشار أخاه فلم يمحضه محض الرأي سلبه الله عز وجل رأيه)(2)، الرواية مجهولة للحسين بن حازم والحسين بن عمر. محضه كمنعه سقاه المحض، وهو اللبن الخالص، وأمحضه الود أخلصه كمحضّه الحديث: صدقه، والأمحوضة: النصيحة الخالصة، وقوله علیه السلام: (محض الرأي) مفعول مطلق، أو مفعول به، والرأي: العقل والتدبير، ورجل ذو رأي، أي بصيرة.

2.

رواية النوفلي قوله علیه السلام: (من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه الله لُبّهُ)(3).

إن هاتين الروايتين قد تعرضتا إلى الوعيد بالعقوبة الدنيوية من سلب الرأي واللب، وهي لا تدل على أزيد من الاستحباب ورجحان العمل، فإن العقل من أعظم النعم الإلهية، وقد مَن به سبحانه على عباده لهدايتهم، فصرفه إلى غير ما خلق من أجله يوجب الزوال، وهو من النقمات الشديدة، كما أن صرفه إلى ما خلق لأجله يوجب المزية والاستكمال، ولا شبهة في رجحانه. فالروايتان محمولتان على الاستحباب، فإن نصح المؤمن مستحب، كقضاء حاجته، وإن أدلة النصح كأدلة قضاء الحاجة تدل على الاستحباب.


1) بحار الأنوار 72 / 102

2) وسائل الشيعة 11 / 596 / باب 13 وجوب نصح المستشير من العشرة؛ الأصول 474؛ الشافي في شرح أصول الكافي 5 / 479

3) مجهولة لعبد الله بن سليمان النوفلي. مستدرك الوسائل 2 / 66 / باب 22 وجوب نصح المستشير من العشرة

3. رواية عباية قوله: (وانصح لمن استشارك). تفيد هذه الرواية إلى الإرشاد إلى الرجحان، فهي محمولة على الاستحباب، وقد أدعى غير واحد من المحدثين وغيرهم ظهور هذه الطائفة من الأخبار على وجوب نصيحة المستشير، على أن الروايات المذكورة كلها مجهولة الرواة، ويدل على عدم وجوب نصح المستشير من جواز إرجاع المستشير إلى غيره، فإنه ينافي وجوب نصح المستشير(1).
الطائفة الثالثة: إعانة المؤمن

الأخبار الآمرة بإعانة المؤمن، وكشف كربته، وقضاء حاجته، ومن الواضح أن نصيحة المؤمن نوع منها، ومن الروايات:

1.

محمد بن يعقوب بن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن أبي حفص الأعشى عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من سعى في حاجة لأخيه فلم ينصحه فقد خان الله ورسوله)(2)، الرواية مجهولة بالأعشى، ولم يذكر له غير هذا الحديث، قوله صلی الله علیه وآله: (فلم ينصحه) وفي بعض النسخ (فلم يناصحه) أي لم يبذل الجهد في قضاء حاجته ولم يهتم لذلك، ولم يكن غرضه حصول ذلك المطلوب، هذه الرواية ناظرة الى حرمة الخيانة في مقام النصيحة، فلا صلة لها ببيان حكم النصيحة وجوباً أو استحباباً، وإنما يستفاد منها أنه إذا سعى بإعانة المؤمن في حاجته يجب أن ينصحه، ولا يخونه.

2.

عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد، وأبو علي الأشعري عن محمد بن حسان جميعاً عن أدريس بن الحسن عن مصبح بن هلقام قال:


1) مصباح الفقاهة 1 / 35

2) وسائل الشيعة 11 / 596 / باب (36) من أبواب فعل المعروف الحديث (1)؛ الأصول 474؛ عقاب الأعمال 28؛ المحاسن / 98؛ الشافي في شرح أصول الكافي 5 / 478

أخبرنا أبو بصير قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: (أيما رجل من أصحابنا استعان به رجلٌ من إخوانه في حاجة فلم يبالغ فيها بكل جهد فقد خان الله ورسوله، قال أبو بصير: قلت لأبي عبد الله علیه السلام: ما تعني بقولك: والمؤمنين؟ قال من لدن أمير المؤمنين إلى آخرهم)(1).

الرواية مجهولة بإدريس بن الحسن.

قوله علیه السلام: (من لدن أمير المؤمنين) يحتمل أن يكون المراد بهم الأئمة علیهم السلام كما فسرت الأخبار الكثيرة (المؤمنين) في الآيات بهم علیهم السلام فإنهم المؤمنون حقاً، ويحتمل أن يراد سائر المؤمنين.

وأما خيانة الله فلأنه خالف أمره، وأدعى الإيمان، ولم يعمل بمقتضاه، وخيانة الرسول والأئمة علیهم السلام؛ لأنه لم يعمل بقولهم، وخيانة سائر المؤمنين، لأنهم كنفس واحدة، ولأنه إذا لم يكن الإيمان سببا لنصحه فقد خان الإيمان واستحقره، ولم يراعه وهو مشترك بين الجميع فكأنه خانهم جميعاً.

إن الروايات الواردة في هذه الطائفة من إعانة المؤمن جميعها هي في حقوق الإخوان محمولة على الجهات الأخلاقية، فتحمل على الاستحباب المؤكد، ضرورة أنه لم يلتزم أحد فيها بالوجوب بل قامت الضرورة على عدم الوجوب، فتكون الضرورة قرينة على رفع اليد عن ظهورها في الوجوب، ومن المحتمل أن المراد بالمؤمن المؤمن الكامل، فإنه هو الأخ الحقيقي، والذي تكون ترك مناصحته خيانة لله ولرسوله، كما وصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام المؤمن لهمام أحد أصحابه ذكر فيها: (لا يطلع على نصح فيذره)(2). كما أنه من المحتمل هو أن يكون المراد من الرواية هو السعي معه، على نحو يوقعه في خلاف مصلحته كما هو مقتضى التشبيه بالخيانة لله


1) الأصول في الكافي 2 / 362

2) الكافي 2 / 226

ولرسوله.

الطائفة الرابعة: حرمة خيانة المؤمن

الأخبار الواردة على حرمة خيانة المؤمن لأخيه الموهمة بوجوب النصح أليه منها:

1.

رواية أبي المأمون الحارثي عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (حق المؤمن على المؤمن أن لا يخونه)(1)الرواية مجهولة بالحارثي.

2.

رواية علي بن عقبة عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (إن المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله لا يخونه)(2). الرواية صحيحة.

3.

رواية الحارث عن أبي عبد الله علیه السلام: (المسلم أخو المسلم لا يخونه)(3). ضعيفة لسهل، ومجهولة للمثنى الحناط.

4.

وفي المستدرك (وانصح لمن استشارك)(4).

5.

قال أمير المؤمنين علیه السلام: (من غش المسلمين بمشورة برئت منه)(5).

إن هذه الطائفة من الروايات تعرضت إلى الخيانة وترك النصيحة حتى مع الاستشارة، ولا ملازمة بينها وبين وجوب النصيحة، فهي أجنبية عن معرفة حكم النصيحة استحباباً أو وجوباً، كما أنه لو كانت النصيحة واجبة لما جاز لمن استشير أن يرده إلى غيره، مع إمكان رد المستشير إلى غيره، سواء أكان ذلكِ الغير أعرف منه بحال المستشير أم لا. إضافة إلى ذلك إن هذه الطائفة من الأخبار تدل على أن الناصح يجب أن لا ينصح بخلاف ما يعتقده، لا على


1) الوافي 3 / 102 باب حقوق الأخوة، وسائل الشيعة 2 / 228 / باب (122) وجوب أداء حق المؤمن من العشرة

2) الوافي 3 / 101/ باب أخوة المؤمنين

3) الكافي / الأصول 9 / 135

4) مستدرك الوسائل 8 / 346

5) بحار الأنوار 72 / 99

وجوب النصح نفسه لمن استشار.

ثالثاً: سيرة المتشرعة

إن سيرة المتدينين والعلماء الروحانيين على عدم الالتزام بالنصيحة مطلقا يؤيد استحباب النصيحة، مضافاً أنّ النصيحة من الأمور التي تعم بها البلوى، وتكثر إليها الحاجة كثرة شديدة، فلو كانت واجبة لاشتهر وجوبها، وتضافرت الأخبار بها؛ لتوافر الدواعي إلى نقلها، ولا مانع من التصريح بوجوبها، فعدم ذلك دليل على عدم وجوبها(1).

المبحث الثاني: توقف النصيحة على محرم

اشارة

قد تتوقف النصيحة على محرم كأن تكون بالغيبة أو بإفشاء سر ما أو النميمة أو السعاية وغيرها من المحرمات، فلا بد من الكلام عن كل محرم من هذه المحرمات التي تتوقف النصيحة عليها.

الفرع الأول: النصيحة مع الغِيبة

الفرع الأول: النصيحة مع الغِيبة(2)

إن الله تعالى جعل لحضور المؤمن حرمة وهيبة فحرَّم النيل من كرامته وعرضه بحضوره وحرم الغمز عليه واللمز له والاستهزاء به والتسخيف والإساءة له، وكذلك جعل الله تعالى لغيابه حرمة فلا يجوز النيل منه في غيابه


1) م. توضيح المكاسب 1 / 892، م؛ أنوار الفقاهة / كتاب المكاسب المحرمة

2) إِختلف الفقهاء في تعريف الغيبة منها: هي ذكر الإنسان الغائب بسوء مع قصد نقصه وحصول النقص ولو عند السامع لإطلاعه ما لم يعلمه، فجامع القيود المذكورة فهو منها موضوعاً وكلما لم يجمع القيود المذكورة فليس منها موضوعاً وإن شاركها حكماً بل كان أشد منها تحريماً. (المكاسب المحرمة، الشيخ مهدي كاشف الغطاء). ومنها: وهي أن يذكر المؤمن بعيب في غيبته سواء أكان بقصد الإنتقاص أم لم يكن، وسواء العيب في بدنه أم في نسبه أم في خلقه أم في فعله أم في قوله أم في دينه أم في دنياه أم في غير ذلك مما يكون عيباً مستوراً عن الناس، كما لا فرق في الذكر بين أن يكون بالقول أم بالفعل الحاكي عن وجود العيب، والظاهر اختصاصها بصورة وجود السامع بقصد إفهامه وإعلامه أو ما هو في حكم ذلك

ولا يجوز تسقيطه والتشهير به، قال الله تعالى: «وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ»(1)، فالآية الشريفة تصور المغتاب يأكل لحم أخيه ميتاً وهو أمر يكرهه الإنسان وينفر منه ويستبشعه وكذلك حقيقة الاغتياب. وفي الآية الشريفة إشارة دقيقة إلى أن الذي يغتاب مؤمنا وينال منه في غيابه حيث لا يتمكن من الدفاع عن نفسه إنما يقتله فيأكل لحمه وهو ميت، وذلك أن الذي يغتاب المؤمن يسقطه في المجتمع ويسلب عنه ثقة الناس واحترامهم، ومن يفقد ثقة الناس وحبهم واحترامهم وتعاونهم إنما هو ميت من الأحياء، والذي اغتابه مَسؤُولٌ عن هذه الجريمة. روي أن رسول الله صلی الله علیه وآله قال في خطبة الوداع المشهورة: (أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، وإن الله حرم الغيبة كما حرم المال والدم)(2).

وهنالك ثلاثة اتجاهات في مشروعية النصيحة بالغيبة:

الاتجاه الأول: ترجيح ملاك النصيحة على ملاك الغيبة

وهُنا ينبغي بيان بعض الأمور:

الأمر الأول: النسبة بين أدلة الغيبة وأدلة النصيحة

إن النسبة بين أدلة النصيحة وأدلة الغيبة عموم من وجه، وذلك لاجتماع الغيبة والنصيحة في مورد يكون النصح بالغيبة كما لو أراد شخص التَزَوُّج بامرأة معلومة وفيها عيب مستور فنصح بذلك أو استشارة في مصاحبة رجل في السفر أو التجارة أو المجالسة وهو يعلم أنه خائن وسيئ الخلق وشارب الخمر مرتكب الفجور وآكل أموال الناس بالظلم والعدوان، أو استشارة في التلمذة عند شخص وهو يعلم أنه سيء العقيدة أو سيئ العمل، كان النصح


1) سورة الحجرات، آية: 12

2) وسائل الشيعة 10 / 29، باب تحريم القتل ظلماً

في الموارد المذكورة يتوقف على الغيبة. وتفرق النصيحة أو النصح عن الغيبة في صورة ما إذا كانت النصيحة لم يكن فيها غيبة مثل لو أراد شراء دار سكن فيها عيب لأن نصيحته دون غيبة حيث لم يتوقف على ذكر أحد بسوء. وتفرق الغيبة عن النصيحة كما في صورة ما إذا استغاب شخصاً لانتقاصه مثلاً. وذلك بإظهار العيوب المستورة حيث لا يتحقق النصح كما هو الكثير.

الأمر الثاني: التعارض أم التزاحم بين أدلة الغيبة والنصيحة

وقع الكلام هل هناك تعارض بين أدلة الغيبة والنصيحة أو تزاحم؟

الرأي الأول: التعارض بين أدلة الغيبة والنصيحة

إن من ذهب إلى أن أدلة النصح والنصيحة من المستحبات فالتعارض ممنوع بين أدلة النصح أو النصيحة وأدلة حرمة الغيبة لأنه تعارض بين أدلة المستحبات وأدلة المحرمات.

أما لو كانت أدلة النصيحة أو النصح دالة على الوجوب فيقع التعارض بين دليل وجوب النصيحة أو النصح ودليل حرمة الغيبة فذهب بعض الفقهاء إلى التساقط بين الدليلين المتعارضين معاً في مادة الاجتماع وكان المرجع إلى أصالة الإباحة، ومنهم من ذهب إلى الرجوع إلى المرجحات كالشيخ مهدي کاشف الغطاء قدس سره بعدما ذهب إلى أن الأدلة دالة على وجوب النصيحة مطلقاً فلا وجه لعدم عدّ ذلك من التعارض، واقتضاء ذلك التعارض بين أدلة المستحبات والمحرمات ممنوع، فحينئذ يكون التعارض بين ما دل على وجوب نصح المؤمن وما دل على حرمة الغيبة عموم وخصوص من وجه فلابد من الرجوع إلى المرجحات كما لو تعارض دليل الوجوب والتحريم، فهنا نقول بشمول الأخبار العلاجية لهذا النحو من التعارض فيرجع إلى المرجحات، وان قلنا بانصراف الأخبار العلاجية عن هذه الصورة واختصاصها بما إذا كان التنافي بينهما من حيث المعنى المطابقي والعامّانِ من وجه ليس كذلك فليس

بينهما تَنافٍ من جهة المعنى المطابقي وإنما حصل التعارض بينهما بالعرض، واتفاق اجتماع العنوانين في مورد يتساقطان ويرجع إلى الدليل الآخر من حكم اجتهادي أو أصل فقهاتي.

ودعوى كون الترجيح لدليل الوجوب مطلقاً مشكل بل لابد من الرجوع إلى ميزان الموضوعات مع المحافظة على مقدار ما يتوقف عليه النصح من غير تعد وتجاوز. كما إن دعوى دليل التحريم أرجح مطلقاً من جهة أنه دفع مفسدة كلام لا معنى له، بل ينبغي له الرجوع إلى ميزان المواضيع.

الرأي الثاني: التزاحم بين أدلة الغيبة والنصيحة

عند التأمل يمكن القول بوقوع التزاحم بين أدلة الغيبة والنصيحة، والظاهر من قبيل الحكمين المتزاحمين، فلابد من ترجيح أحدهما على الآخر من ملاحظة أقوى الملاكين وصيرورة القوي منها فعليا والآخر شأنياً، فما نحن فيه من صغريات باب التزاحم لا التعارض، فإن الغيبة في موارد الاجتماع مأخوذة في مقدمات النصح أو النصيحة وأنه يتوقف عليها نظير توقف إنقاذ الغريق والإتيان بالصلاة على التصرف في ملك غيره، وعليه فيتصف كل من النصح والغيبة بالأحكام الخمسة بحسب اختلاف الموارد بقوة الملاك وضعفه، فان تساوى الملاكان كان النصح والغيبة مباحين، وان زاد أحدهما على الآخر كان الزائد متصفا بالوجوب أو الاستحباب بقدر ما فيه من زيادة الملاك، وكان الناقص محرماً أو مكروهاً بمقدار ما فيه من نقصه. هذا كله مع تسليم وجوب النصيحة وإحرازه في مقام التزاحم المصلحة الملزمة للنصيحة ووجود المصلحة في مورد التزاحم مع حكم الغيبة وكون المصلحة مقطوعة الأهمية أو مُحتَمِلتَها أو متساوية مع مفسدة الغيبة.

الأمر الثالث: ملاك حرمة الغيبة

إختلف الفقهاء في تحديد ملاك حرمة الغيبة بسبب اختلافهم في تعريف

وتحديد الغيبة، فمنهم من اعتبر أن مناط حرمة الغيبة هو الانتقاص من المؤمن وذلك لأن المستفاد من الأخبار هو ستر العيب فإن إظهاره يكون موجبا لانتقاص المؤمن سواء قصد ذلك أم لا، ومنهم من شرط وجود قصد الانتقاص في تحقق الغيبة، واعتبر آخرون أن مناط حرمة الغيبة هو تأذي المؤمن الذي يستفاد من الأخبار الدالة على اعتبار كراهة الذكر والظهور في الغيبة، فإن الشيء المكروه يكون موجباً للتأذي. ولكن لا يخفى ما فيه لأن الانتقاص والتأذي لازمان للغيبة ولا يستفاد منها الحرمة الثابتة من جهة هذين اللازمين. نعم قد يشعر كون علة حرمة الغيبة من الآية الشريفة «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ»(1)التي اشتملت على تشبيه الغيبة بأكل لحم الميتة فإنها تشعر بكون علة حرمة الغيبة هو إنتقاص المؤمن الغائب، بل قد يدعى ظهورها في ذلك، فإن تشبيه شيء بشيء في مقام الحكم يدل على أن وجه الشبه هو علة الحكم فإن من قال: (أكرم محمداً وإكرامه كإكرام العالم) يستفاد منه أن سبب وجوب إكرام محمد هو لعلمه الذي يشبه العالم، وكذا يمكن أن يستفاد ذلك من الأخبار الدالة على أن غفران الغيبة لا يكون إلّا بغفران صاحبها، فإنها ظاهرة في كون إثمها من جهة التعدي على حق صاحبها، ومن المعلوم أن التعدي عليه إنما كان من جهة انتقاصه وتأذيه. ويمكن الاستفادة من طائفة الأخبار الدالة على نصرة المؤمن المغتاب بأن مناط حرمة الغيبة هو الانتقاص والتعدي على المؤمن مثل قوله علیه السلام: (من تطوع على أخيه في غيبة سمعها عنه في مجلس فردها عنه رد الله عنه ألف باب من الشر، وان هو لم يردها وهو قادر على ردها كان عليه كوزر من إغتابه سبعين مرة)(2)، وما روي عن الإمام الباقر علیه السلام: (من إغتيب عنده أخوه المؤمن


1) سورة الحجرات، آية: 12

2) وسائل الشيعة 12 / 283 / باب تحريم اغتياب المؤمن

وأعانه نصره الله في الدنيا والآخرة)(1)، فإن تحريض الشارع المقدس على ردها ردها عن أخيه لنصرته وإن مبغوضيتها من جهة التعدي بها على أخيه بانتقاصه.

فالحاصل ان ملاك الحرمة الشرعية للغيبة هو انتقاص المؤمن، وأما مناط حرمة الغيبة العقلية بناء على حكم العقل بحرمتها فهو الظلم، والظلم إنما كان من جهة الانتقاص بها والتأذي منها.

الأمر الرابع: تقسيم المحرمات حسب الأخبار الناظرة إلى المصلحة في ارتكابها وعدمها

تنقسم المحرمات إلى قسمين:

القسم الأول: حرمة الشيء إذا لم تكن مصلحة في ارتكابه

قد يستفاد من دليل المحرم أنه يكون محرماً إذا لم تكن هنالك مصلحة في ارتكابه كالكذب محرم من دون مصلحة في ارتكابه، وقد توجد مصلحة في ارتکابه وهي مباحة غير واجبة كما في الكذب لإدخال السرور على الغير. ففي هذا القسم إذا وجدت مصلحة في ارتكاب المحرم جاز الإرتكاب ولا يلاحظ كون تلك المصلحة أهم من مصلحة ترك المحرم، كما لا يلاحظ كون تلك المصلحة ملزمة من قبل الشارع لارتكاب المحرم أم لا، بمعنى أنه لا يرجع إلى باب التزاحم. وظاهر عبارة صاحب جامع السعادات(2)وكشف الريبة(3)وجامع المقاصد هو ان الغيبة حرمتها من هذا القسم، فإنه عندهم يباح هتك عرض المؤمن لغرض صحيح، ولكن لم أجد وَجهاً وجيهاً لذلك أصلا إلّا إذا قلنا باعتبار قصد الانتقاص موضوع الغيبة.


1) المصدر نفسه 12 / 291 / باب وجوب رد غيبة المؤمن

2) جامع السعادات 2 / 269

3) كشف الريبة 5

القسم الثاني: حرمة الشيء مطلقاً

وقد يستفاد من دليل المحرم أنه محرم مطلقاً سواء أكانت مصلحة في ارتكابه أم لا، كما هو الحال في أغلب المحرمات، فإذا وجدت مصلحة في الارتكاب للمحرم فلابد ان يلاحظ ان مصلحة الارتكاب للمحرم أقوى من مصلحة ترك المحرم أولاً، وثانيا إنها ملزمة عند الشارع المقدس للشخص بان يرتكب المحرم أم لا، بمعنى يرجع إلى باب التزاحم فيرتكب أقوى المصلحتين الذي ألزم الشارع المقدس به، فإنه لو فرض مثلا ان إيذاء زيد للمؤمن محمد يترتب عليه قيام محمد بالحج فإن هذه المصلحة ليست بملزم بها زيد، وهي ليست أقوى ملاكاً من مصلحة ترك الإيذاء فهي لا تبيح الإيذاء، ومثال آخر فإن شراء الخمر من خالد يوجب عدم شربه له، فان مصلحة ترتب الشراء أقوى من مصلحة ترك الشراء لكنها ليست بملزمة شرعاً على المشتري، فهو ليس بلازم عليه أن يحقق عدم الشرب من خالد إلّا من باب النهي عن المنكر، والفرض أن شرائط النهي عن المنكر غير موجودة.

فتلخص ان المصلحة في فعل المحرم من القسم الثاني لا تقدم إلّا اذا كانت أقوى من مصلحة ترك المحرم وكانت ملزمة بحيث ان الشارع المقدس ألزم العبد بفعلها في كل مورد تحققت فيه، وفي محل البحث فان مجرد وجوب النصيحة لا يوجب تقديمها على حرمة الغيبة إلّا اذا ضعفنا ملاك حرمة الغيبة وقلنا ان ملاك وجوب النصيحة أقوى من ملاك حرمة الغيبة.

والغيبة من هذا القسم فهي على حد سائر المحرمات لا تسقط حرمتها إلّا إذا عارضتها مصلحة ملزمة أهم في نظر الشارع من مصلحة ترك الغيبة.

الإتجاه الثاني: خروج النصيحة عن الغيبة موضوعاً

ذهب صاحب جامع المقاصد وصاحب كشف الريبة إلى أن موضوع الغيبة يعتبر فيه قصد الانتقاص، بينما النصيحة أو النصح لا يكون فيه قصد

الانتقاص، واستفادة ذلك من قوله علیه السلام: (من مشى في غيبة أخيه أو كشف عورته)، وكذلك من قوله علیه السلام: (وثبت عليه أمراً)، وقوله علیه السلام: (يريد أن يفضحه بها). وقد يستفاد من خبر الإمام الصادق علیه السلام في ذكر دواعي الغيبة، وكذا يستفاد من السيرة القطعية في بعض المستثنيات، ومن عدم وجود ردع للأئمة علیهم السلام لشخص ذكر عيب شخص قصد انتقاصه كما في أخبار الحدود والتعزيرات فإن فيها ما يشمل على نقل قصة للإمام علیه السلام مع اشتمالها على ذكر العيب وعدم الردع، ويمكن أن يستفاد أيضاً من التعبير ب- (اغتابَ) فإن من باب (أفتعل) ظاهر في القصد نحو العمل نحو أكتب. كما يستفاد أيضاً من التعبير (بذكرك أخاك بما يكرهه)، ويؤيد ما استفاده الشيخ الأنصاري رحمه الله من اعتباره في كلام أهل اللغة.

فاعتبر جامع المقاصد الملاك في الغيبة القصد إلى هتك عرض المؤمن والتفكه به أو إضحاك الناس فإذا قصد بالقول غرض صحيح كالنصح أو النصيحة ونحوهما لم يتحقق قصد الهتك أو التفكه فلا يكون من الغيبة المحرمة. فاستثناء النصح أو النصيحة من الغيبة ليست من جهة المزاحمة وترجيح أقوى المصلحتين بل من جهة ارتفاع موضوع الغيبة، ولذا لم يعتبر أقوائية الغرض الصحيح - أي ملاك النصيحة - وهكذا في كشف الريبة، فانه اعتبر في الغيبة ان تكون في مقام الانتقاص، فإن قصد الإنسان غَرضاً صحيحاً كالنصح ونحوه لم يكن في مقام الانتقاص فالتقديم عنده من باب ارتفاع موضوع الغيبة لا من جهة مزاحمة الغرض.

الإتجاه الثالث: إستثناء النصيحة عن الغيبة تخصيصاً

إن النسبة بين أدلة الغيبة وأدلة النصح أو النصيحة عموم من وجه فان وجد المخصص للغيبة أخذنا به، وينبغي له الوقوف على القدر الذي ينصح به

المستشير أو النصيحة الذي يمكن تخصيص عموم أخبار النهي عن الغيبة به(1).

تحقيق المقام:

ينبغي ان يقال في المقام ان أدلة الغيبة ان كانت مقيّدة بإرادة الانتقاص كما هو الظاهر من المحقق الكركي والشهيد الثاني، فأدلة النصح أو النصيحة مقدمة عليها لأنه في مورد النصيحة لا تكون إرادة الانتقاص.

وإن قلنا إن أدلة النصح أو النصيحة دالة على الإستحباب فلا وجه لتقديمها على أدلة الغيبة لأن ملاك المستحب لا يعارض ملاك المحرم.

وإن قلنا أن أدلة النصح أو النصيحة دالة على الوجوب، فإن الغيبة على حد سائر المحرمات لا تسقط حرمتها إلّا إذا عارضتها مصلحة ملزمة أهم في نظر الشارع من مصلحة ترك الغيبة، ولما تقدم ان النسبة بين الغيبة والنصح أو النصيحة عموم من وجه، فان عرفنا ملاك النصح أو النصيحة كأن قلنا إنه عبارة عن عدم وقوع المؤمن في خلاف مصلحته فحينئذ نأخذ بأقوى الملاكين، فقد يكون ملاك الغيبة أقوى من ملاك النصيحة، وقد يكون العكس.

وإن لم نعرف ملاك وجوب النصيحة فإن قلنا بوقوع التعارض بين أدلة النصح وأدلة الغيبة ورجحنا دليل الوجوب فلا يلزم الناصح تحري ما لا غيبة فيه من النصيحة، بل لو كان له في النصيحة طريقان أحدهما يستلزم الغيبة والآخر لا يستلزمها جاز له سلوك أيهما شاء كما لو كان طريقان أحدهما أقل غيبة من الآخر.

وإن قلنا بوقوع التزاحم بين أدلة النصيحة وأدلة الغيبة، فمقتضى القاعدة هو تقديم أدلة الغيبة لكونها موافقة للكتاب الكريم لأنها أقوى وأكثر دلالة، لأن أغلبها نكرة في سياق النفي تفيد العموم بخلاف أدلة النصح أو النصيحة فان عمومها الإطلاق، أما إذا كانت في الغيبة مصلحة تزاحم مفسدة تركها كما


1) الحدائق الناضرة 18 / 165

إذا توقف حفظ النفس المحترمة أو الأموال الخطيرة أو صيانة العرض عن الخيانة على الغيبة فلابد حينئذ من ملاحظة قواعد التزاحم، والعمل على طبق أقوى الملاكين، وعليه فتتصف الغيبة بالأحكام الخمسة كما هو واضح، فإن كان عندنا طريقان للنصيحة أو النصح أحدهما لا غيبة فيه تعين هو دون الآخر الذي فيه الغيبة، وكذا لو كان أحدهما أقل غيبة.

والمتجه مراعاة الميزان في الموضوعات مع المحافظة على ما يتوقف عليه النصح من غير تعد وتجاوز بل لو أمكن النصيحة أو النصح من دون ذكر العيوب لزم، وإن أطلق جماعة ذلك، ومن هذا كان المتجه الاقتصار في هذا الباب على خصوص ما جرت السيرة به، وما دلت عليه الأدلة المخصوصة لا مطلقاً، وإن أوهمه بعض العبارات استناداً إلى ما ورد في نصح المؤمن المعلوم كونه من قبيل ما ورد في قضاء حاجة المؤمن لا يراد منه الأفراد المحرمة أو المستلزمة لها فتأمل جيداً. وأما إذا قلنا بتقديم أدلة النصح أو النصيحة على أدلة الغيبة من جهة اعتبار إرادة الانتقاص في الغيبة أو المخصصة لأدلة الغيبة بمورد النصح أو من جهة الدلالة أو من جهة التعارض وسقوط أدلة الغيبة في مقابلها فإنه لا يتعين ذلك.

ولا يخفى عليك ان القدر المتيقن من وجوب النصيحة مع الغيبة هو نصيحة المؤمن فيما لو لم ينصحه لآل الأمر إلى التهلكة في دينه أو نفسه أو عرضه أو ماله. كما انه لا يكون تقديم أدلة النصيحة على أدلة الحرمة مطلقاً فَلَرُبما ان تكون الشخصية المستغابة أهم من شخصية المستشير أو المنصوح له فلابد من ملاحظة الأهم فالأهم.

الرأي الراجح:

إنه لا دليل على وجوب النصح أو النصيحة بالعنوان الأولي، بل هما مستحبان فلا يكون المقام من باب التزاحم لعدم ثبوت الوجوب من

أصله، كما أنه لم يحرز كون ملاك النصيحة أو النصح أقوى من ملاك الغيبة إلّا إذا كان تركهما موجبا لتلف النفس أو هتك العرض وذهاب المال الخطير فحينئذ يوجبان بالعنوان الثانوي لأهمية الأمور المذكورة، ثم هل تتوقف النصيحة للغير المسبوق بالاستشارة على القطع بسلوك جادة الضرر أو يكفي الظن والاحتمال؟ لا أستبعد الثاني، ولا يعتبر في وجوب النصيحة القطع بالقبول بل يكفي الظن والاحتمال، وهل تجب مع القطع بعدم القبول؟ الظاهر عدم الوجوب، ولا فرق بين الضرر النفسي أو المالي والعرضي كما يقضي بذلك إطلاق الأدلة.

نعم يختلف الضرر المالي باختلاف الأشخاص فلابد من مراعاة النسبة.

الفرع الثاني: النصيحة بإفشاء السر

الإفشاء لغة: الإظهار، يقال: أفشى السر، إذا أظهره، ففشا فشواً، والسر: هو ما يكتم، والاسرار خلاف الاعلان، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، ولما كانت بعض النصيحة تتوقف على إفشاء السر فلابد من بيان بعض الأمور:

الأمر الأول: كتمان السر

كتمان السر ضد إفشائه، وهو من الأفعال المحمودة، وقد أُمر به في الأخبار الشريفة منها:

1 - قال رسول الله صلی الله علیه وآله: (طوبى لعبد نُومَة عرفه الله ولم يعرفه الناس، أولئك مصابيح الهدى وينابيع العلم تتجلى عنهم كل فتنة مظلمة ليسوا مذاييع البذرُ ولا الجفاة المرائيين)(1).

2 - وقال صلی الله علیه وآله: (إنما المجالس بالأمانة، ولا يحل لأحدهما ان يفشي على


1) بحار الأنوار 4 / 15 / باب فضل كتمان السر؛ جامع السعادات 2 / 269

صاحبه سراً)(1). في الحديث إطلاق عدم جَوازِ إفشاء ما لا يرضى به أهل المجلس بل الأصل عدم الجواز إلا إذا أحرز رضاهم بالإفشاء، ومع عدم ذكر الإفشاء يصير عدم الجواز آكد، وأخذ الميثاق يجعله أشد تأكيداً والظاهر عدم خصوصية للمجلس فيشمل الحكم المكالمات الهاتفية والمكاتبة وأمثالها، نعم في شمول الحديث لغير المسلمين نظر لاحتمال الانصراف أو لما يفهم من مذاق الشرع في غير أهل الذمة، فمن لا يرضى بإذاعة صلاة ليله مثلاً يشكل أو يحرّم اذاعته فضلاً عن حرمة إذاعة ما يضر بماله وعرضه ونفسه.

3 - وقال أمير المؤمنين علیه السلام في وصيته لأبي ذر رضي الله عنه: (يا أبا ذر: المجالس بالأمانة وإفشاء سر أخيك خيانه)(2).

4 - وروي عن الإمام الباقر علیه السلام قال: (يجب للمؤمن على المؤمن ان يستر عليه سبعين كبيرة)(3).

5 - وقال علیه السلام: (من الخيانة أن تحدث بسر أخيك)(4).

فإذا ستر العبد عيوب أخيه سترا الله عيوبه يوم القيامة بان يستر معاصيه وعيوبه عن إذاعتها في يوم الحساب أمام أهل الموقف أو يترك محاسبته على عيوبه ومعاصيه وترك ذكرها، والأول أظهر لأنه يستر عليه ذنوبه بعد إقراره عليه ثم يغفرها الله له.

الأمر الثاني: الأصل ستر القبيح

إن الأصل في الإسلام هو ستر القبيح وعدم إظهاره للناس في معصية قد انقضت فان الوارد في الأدلة المستفيضة من فضل الله سبحانه وتعالى على المؤمن هو كشف فضائله وستر معايبه، وورد فيما ورد من ذلك: (يا من أظهر


1) وسائل الشيعة 8 / 471

2) المصدر نفسه 11 / 593 / باب وجوب السر على المؤمن

3) المصدر نفسه والجزء والصفحة

4) وسائل الشيعة 11 / 593 / باب وجوب السر على المؤمن

الجميل وستر القبيح)(1)و (إن الله يكشف العائدة ويخفي العائبة) وورد: (وكم من ثناءٍ جميل لست أهلاً له نشرته)(2)بإزاء قوله علیه السلام: (وكم من عيب سترته)(3)نهانا الله تعالى من إشاعة الفاحشة بقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»(4)وإشاعة الفاحشة ليست أن يفتري على أخيه فيقول فيه ما لا يعرف فتلك التهمة وإنما إشاعة الفاحشة أن يقول فيه ما يعرف وما أطلع عليه مما ستره الله تعالى على غيره.

وقد روي عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام أنه قال: (لو وجدت مؤمناً على فاحشة لسترته بثوبي)(5)، وعنه أيضاً علیه السلام أنه قال: قال لي النبي صلی الله علیه وآله: (لو رأيت رجلاً على فاحشة؟ قلت: أستره، قال: إن رأيته ثانياً؟ قلت: أستره بأزاري وردائي إلى ثلاث مرات، فقال النبي صلی الله علیه وآله: لا فتى إلا علي)(6).

وإذا أحب الإنسان أن يستره الله تعالى في الدنيا والآخرة ولا يفشي سره فعليه أن يستر المؤمنين ولا يفشي أسرارهم فيما يعرف عنهم وفيما انكشف له من عيوبهم وعوراتهم، فعن رسول الله صلی الله علیه وآله أنه قال: (من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة)(7).

وسأل رجل رسول الله فقال أحبُ أن يستر عليّ عيوبي، فقال صلی الله علیه وآله: (إسْتُر عُيُوْب إخْوانِكَ يَسْتُر اللهُ عليك عُيُوْبَك) فإذا كَشَفَ سرّ المؤمن وأفشاه


1) الكافي 2 / 578

2) مصباح المتهجد 844

3) شرح نهج البلاغة 6 / 180

4) سورة النور، آية: 19

5) مستدرك الوسائل 2 / 411

6) بحار الأنوار 59 / 109

7) الترغيب والترهيب 2 / 293

فإن الله يفضحه في عيوبه وعوراته ولو في جوف بيته، قال رسول الله صلی الله علیه وآله: (لا تتبعوا عورات المؤمنين فإنه من تتبع عورات المؤمنين تتبع الله عوراته، ومن تتبع الله عوراته فضحه الله ولو في جوف بيته)(1).

وإفشاء السر وإذاعته هو أعم من كشف العيب، إذ السر قد يكون عيباً وقد لا يكون عيباً ولكن في إفشائه إيذاء وإهانة بحق الأصدقاء أو غيرهم من المسلمين، قال رسول الله صلی الله علیه وآله: (إذا حدّث الرجل الحديث ثم التفت فهي إهانة)(2). وسأل عبد الله بن سنان الإمام الصادق علیه السلام: عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ فقال: نعم، قلت: يعني سفلته؟ قال: (ليس حيث تذهب إنما هو إذاعة سرّه)(3).

وحرمة إذاعة سر المؤمن وإفشاؤه يعم المتكلم والسامع، وذلك لأن (الإذاعة) بالمعنى المصدري وإن كانت قائمة بفعل المتكلم لكنها بمعنى الإسم المصدري متوقفة على عدل ووجود طرفين، والحرام ليس نفس الصدور بل نفس الفعل القائم بالطرفين.

وإفشاء السر هو من رذائل قوة الغضب إن كان مَنْشَؤُهُ العداوة، ومن رذائل قوة الشهوة إن كان َنْشَؤُهُ تصور نفعٍ ماليّ، أو مجرد اهتزاز النفس بذلك لخبائثها وهو مذموم منهي عنه شرعاً(4).

الأمر الثالث: أنواع السر

يتنوع السر إلى ثلاثة أنواع:


1) بحار الأنوار 75 / 214

2) سنن أبي داود 4 / 189؛ فيض القدير 1 / 329

3) بحار الأنوار 15 / 175 / باب تتبع عيوب الناس؛ وسائل الشيعة 18 / 608 باب (157) من أبواب العشرة

4) جامع السعادات 2 / 286

النوع الأول: ما أمر الشارع بكتمانه

هنالك أمور حظر الشارع المقدس إفشاءَها لمصلحة دينية أو دنيوية حسب الضرر المترتب على إفشائها:

أولاً: ما يجري بين الزوجين حال الوقاع، فإن إفشاء ما يقع بين الرجل وزوجته حال الجماع أو ما يتصل بذلك حرام منهي عنه لقول النبي صلى الله عليه وآله: (إن من شرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجلُ يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرّها)(1).

والمراد من نشر ذكر ما يقع بين الرجل وامرأته من أمور الوقاع ووصف تفاصيل ذلك، وما يجري من المرأة من قول أو فعل أو نحو ذلك. وإما مجرد ذكر الوقاع فإذا لم يكن لحاجة فذكره مكروه لأنه ينافي المروءة، فقد قال النبي صلی الله علیه وآله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)(2)، فإن دعت إلى ذكره حاجة وترتب عليه فائدة فهو مباح، كما لو ادعت الزوجة على زوجها أنه عنين أو معرض عنها أو تدعى عليه العجز، فإن لم يكن ما ادعته صحيحاً فلا كراهة في الذكر، والمرأة كالرجل في عدم جواز إفشاء ما يجري حال الوقاع.

ثانياً: كتمان أسرار جيش المسلمين من العدو، لأن السر قد يصل إلى العدو فيستفيد من ذلك ولذلك جاز الكذب في الحرب تجنباً لإفشاء أسرار المسلمين للعدو. أما السعي للحصول على أسرار العدو فهو مطلوب لاتقاء شره، وقد كان النبي صلی الله علیه وآله يستطلع أخبار العدو.

ثالثاً: إن ولي المرأة يجب عليه أن يكتم الخنا أي الفواحش التي تَشِيْنُ العرض كالزنا، فلو اشترط الخاطب السلامة من ذلك، فيجب على ولي المرأة أن يكتم


1) مسلم 2 / 1060 / طبعة الحلبي

2) فتح الباري 10 / 445 / الطبعة السلفية؛ مسلم 1 / 272 / طبعة الحلبي

للستر وينصح الخاطب بان يمتنع من تزويجها بان يقول للخاطب (هي لا تصلح لك).

النوع الثاني: ما طلب صاحبه كتمانه

ما استكتمك إياه الغير وائتمنك عليه فلا يجوز بثه وإفشاؤه للغير حتى أخص أصدقاء صاحب السر، فلا يكشف شيئاً منه ولو بعد القطيعة بين من أسرَ ومن أُسَر إليه، فان ذلك من لؤم الطبع وخبث الباطن. هذا إذا التزمت بالكتمان، وأما إذا لم تلتزم فلا يجب الكتمان، وقد يتضمن إفشاء السر الغيبة إذا كان إفشاء السر بأمر مكروه للغير في غيابه.

النوع الثالث: ما من شأنه الكتمان

وهو ما أطلع عليه صاحب السر بمقتضى المهنة كالطبيب والمفتي والقاضي والمحامي وغيرهم، فلا يجوز إفشاء أسرار الناس التي بين أيديهم، ومن مسائله المهمة هي:

1.

إذا علم الطبيب بعد الفحوصات الطبية أن الرجل لن يستطيع الإنجاب وذلك لعدم وجود حيوانات منوية في منيه، ثم يأتي بعد ذلك ويخبر الطبيب أنه بعد العلاج استطاع أن ينجب طفلاً(1)، فهل يجوز أو يجب على الطبيب أن يخبره على استحالة الإنجاب في حقه أم لا يجوز؟ لا يجوز اخباره إذا احتمل الطبيب إقدام الزوج على قتل زوجته وفضحها وهتك شرفها، حتى وإن فرضنا ان الطبيب قسم وحلف عند تخرجه من كلية الطب على عدم إخفاء الحال على المريض.

2.

يجوز اخبار الطبيب الزوج بزنا الزوجة، كما انه لا يجوز للطبيب وغيره عند سؤال الزوج عن فجور زوجته أن يكذب، بل أما يسكت أو يواري.


1) جرينا فيه على الاستعمال الشائع اليَوْم؛ لأن المذكورَ في معجمات اللغةِ أنّه إذا قيل: أنْجَبَ الرجلُ، فمعناه أولَدَ أولاداً نجباء، وقد يكون له أولادُ غير نُجَباء فلا يُقالُ أنَه منجبٌ، راجع (لسان العرب) و (القاموس المحيط) و (تاج العرب) مادة (نَجب)

3.

لا يجوز إفشاء الطبيب عيب الزوج لزوجته عندما يطلب من الطبيب کتمانه لئلا تفارقه زوجته أو خطيبته، وإن لم يجز الطبيب غرها والتدليس بل يقول لها: اذهبي به إلى طبيب آخر، وأما إذا استشارت الخطيبة الطبيب لان تتزوج بالرجل المذكور، فإنه يجب عليه أن يخبرها بترك الزوج وعدم ذكر عيب الرجل.

4.

يجوز إفشاء مرض المريض الخطير المُعْدِيْ كالأيدز أو الكوليرا أو الأمراض السارية من قبل المريض فيما يضر مثلاً الزوج أو الزوجة أو غيرهما فيما أحرز الطبيب سراية المرض والإضرار بالناس فلا يحسن الكتمان لتقديم الأهم على المهم.

5.

يجب على الطبيب كتمان حقيقة مرض المريض إذا علم الطبيب بان المريض إذا علم بمرضه، يصاب بالانهيار العصبي إذا واجهته الحقيقة كمرض السرطان أعاذنا الله منه، أما اذا علم الطبيب ان كتمان حقيقة المرض عن المريض يوجب ضرراً أكبر، فان أمكن دفع الضرر الأكبر بالتداوي أو باخبار من يلي أمر المريض فلا يجوز إخبار المريض وإلّا وجب إخباره تقديماً للأهم على المهم.

6.

لا يجوز للطبيب إفشاء الأمراض الخفية في المخطوبة للخاطب فيما إذا سأل الخاطب الطبيب عن حالها ومدى صلاحيتها للزواج، وكذلك لا يجوز للطبيب اغرار الخاطب بل يشير عليه بأنها لا تصلح للزواج.

وهكذا بالنسبة إلى المحامي والمفتي وغيرهما، والأصل في مسائل إفشاء السر أو كتمانه هو أنه لا يجب إِعلام من أخطأ في الموضوعات كمن صلى إلى غير جهة القبلة وهو يزعم أنها قبلة، أو يفطر يوماً من شهر رمضان وهو يزعم أنه يوم عيد.

واستثنى من ذلك النفوس والأعراض بل الأموال الخطيرة، فمن زعم ان زيداً قاتل ويريد القصاص منه فيجب على من يعرف الحقيقة بيان الواقع وأنه غير قاتل، أو اعتقد ان امرأة ما أجنبية عليه وهي في الواقع محرمة عليه فيجب بيان ذلك.

النوع الرابع: ما يجوز فيه الإفشاء والستر

نص الفقهاء على أنه يجوز في الحدود والشهادة الإفشاء والستر ولكن الستر أفضل فيما كان حقاً لله عز وجل كالزنا أو شرب الخمر وإن تعلق به حكم شرعي، واستثنوا من ذلك المتهتك الذي لا يبالي بإتيان المحظورات ولا يتألم لذكره بالمعاصي، ويقول الشاهد على السرقة (أخذ لا سرقة) إحياء للحق ورعاية للستر.

وأما إذا كان السر قد تعلق به حق العبد فان تعلق به ضرر مالي أو حكم شرعي كالقصاص والتضمين فعليه الإعلام إن جهل السر، والشهادة إن طلب منه وإلّا فالكتم، ويجوز لصاحب السر التوجه للحاكم الشرعي وإخباره بذلك.

والحاصل إذا توقف نصح المستشير أو النصيحة على إفشاء السر وكان ملاك النصيحة أو النصح أهم من ملاك إفشاء السر كمن اطلع على أحد عند شخص سلاحاً يريد قتل آخر به، فهنا ملاك النصيحة ونصح المستشير أهم من إفشاء السر فيجب أن ينصحه بإفشاء السر.

الفرع الثالث: النصيحة بالنميمة

النميمة هي كشف ما يكره كشفه سواء كره المنقول عنه أم المنقول إليه أم كرهه ثالث، وسواء أكان الكشف بالقول أم بالكتابة أم بالرمز أم الإيماء، وسواء أكان المنقول من الأعمال أم الأقوال وسواء أكان ذلك عيبا أم نقصانا عنه أم لم يكن، وهي نوع من إفشاء السر وهتكه، وتطلق في الأكثر على أن

ينُم قول الغير إلى المقول فيه كأن يقال فلان تكلم فيك كذا وكذا وفعل فيك كذا وكذا، والذي تتضمن فساداً، وحينئذ كل ما يرى من أحوال الناس ولم يرضوا بإفشائه فإذاعته نميمة، واللازم على كل مسلم أن يسكت عما يطلع عليه من أحوال غيره كما إذا رآه يخفي مالاً لنفسه فحكايته نميمة، وقد تكون النميمة لمن يخاف جانبه كالسلاطين والأمراء والحكام والرؤساء وأمثالهم وتسمى بالسعاية، فهي أشد أنواع النميمة إثماً ومعصية، قال رسولُ الله صلی الله علیه وآله: (الساعي بالناس إلى الناس لغير رشده)(1)، يعني ليس ولد حلال.

وذكر إن أول ما يقضي يوم القيامة من حقوق الله الصلاة ومن حقوق العباد الدماء ومفتاح الصلاة التطهر من الحدث والخبث، ومفتاح الدماء الغيبة والسعي بين الناس بالنميمة بنشر الفتن التي يسفك بها الدماء.

والأدلة على حرمة النميمة وذمها من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة منها:

1.

قوله سبحانه: «هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ»(2)همز الإنسان اغتيابه، والنم إظهار الحديث بالوشاية، وأصل النميمة الهمس والحركة، والزنيم ولد الزنا، فيستفاد من الآية المباركة إن كل من يمشي بالنميمة فهو ولد زنا.

2.

قوله سبحانه وتعالى: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ»(3)، أي النمام المغتاب، واللمز العيب في الوجه والهمز في القفا، وقيل العكس، وقيل الهمز الكسر واللمز الطعن، فعلى هذا هما بمعنى واحد، لأن المراد بالكسر الكسر من الأعراض وبالطعن الطعن فيها وقيل إن الهمز بالعين والشدق واليد، واللمز باللسان،


1) جامع السعادات 2 / 374

2) سورة القلم، آية: 13

3) سورة الهمزة آية: 1

وحكي في ميم يهمز ويلمز الضم والكسر(1).

3.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا يدخل الجنة نمام)(2)وفي خبر آخر (لا يدخل الجنة قتات)(3)أي نمام، والفرق بين النمام والقتات أن النمام الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات الذي يتسمع من حيث لا يعلم به ثم ينقل ما يسمعه.

4.

وقال الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله: (إلا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبراء المعايب)(4)

5.

قال رسول الله صلی الله علیه وآله: (إن الله خلق الجنة قال لها: تكلمي، قالت سَعُدَ من دخلني، قال جل جلاله: وعزتي وجلالي لا يسكن فيك ثمانية نفر من الناس، لا يسكنك مدمن خمر، ولا مصرّ على الزنا، ولا قتات وهو النمام، ولا ديوث، ولا شرطي، ولا مخنث ولا قاطع رحم، ولا الذي يقول عليّ عهد الله أن افعل كذا وكذا ثم لم يفِ به)(5).

6.

وروي عن النبي الكريم صلی الله علیه وآله: (يحشر العبد يوم القيامة وما ندا دماً فيدفع إليه أشبه المحجمة أو فوق ذلك فيقال له هذا سهمك من دم فلان، فيقول يارب: إنك لتعلم أنك قبضتني وما سفكت دماً، فيقول: بلى سمعت من فلان رواية كذا كذا فرويتها عليه، فنقلت حتى صارت الى فلان الجبار فقتله عليها وهذا سهمك من دمه)(6).

7.

وروي: (إن الغيبة والنميمة تحتان الإيمان كما يعضد الراعي الشجر)(7).


1) تهذيب الفروق 232 / 4؛ فتح الباري 1 / 472، م؛ المكاسب المحرمة / الشيخ مهدي كاشف الغطاء

2) البخاري 10 / 472 / الطبعة السلفية؛ مسلم 1 / 101/ مطبعة الحلبي

3) المصدر نفسه

4) وسائل الشيعة / كتاب الحجج / أبواب أحكام العشرة / 164؛ مستدرك الوسائل / كتاب الحجج / 110، أصول الكافي / باب النميمة

5) جامع السعادات 2 / 271

6) جامع السعادات 2 / 271

7) الأخلاق والسير 1 / 44

فلا ريب في كون النميمة من المهلكات المؤدية إلى النار، ولكن قد تجب النميمة في ما إذا كان ملاك مصلحة النصيحة بالنميمة أقوى من ملاك حرمة النميمة كما إذا سمع إنسان شخص يتحدث بإرادة إيذاء إنسان ظلماً وعدواناً، فيجب على من سمع أن يحذر المقصود بالإيذاء، فإن أمكن تحذيره بغير ذكر من سمع منه فيقتصر على التحذير وإلا ذكره باسمه، وهذه من النصيحة الواجبة.

المبحث الثالث: النصيحة في المذاهب الإسلامية

أولاً: المالكية:

عدّ فقهاء المالكية النصيحة ليست من الغيبة، وهنالك أربعة آراء لهم في حكم النصيحة وهي:

1.

وجوب النصيحة مطلقاً حيث مست الحاجة اليها بأن كان المنصوح شرع في تلك المصلحة، ولا فرق بين أن يكون هنالك من يعرف حاله أم لا، وهذا ما ذهب إليه القرافي وشرط ان يقتصر الناصح على ذكر الوصف المخل بتلك المصلحة فلا يتجاوزه لعيب آخر وخص ابن عبد البر وجوب النصيحة مطلقا على العامة لولاة الأمر(1)، وأدلتهم قول الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله لفاطمة بنت قيس حين شاورته لما خطبها معاوية وأبو جهم: (أما معاوية فرجل صعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عائقه)(2)، والإجماع على وجوب النصيحة(3)ولقوله صلی الله علیه وآله: (الدين النصيحة)(4).

2.

استحباب النصيحة مطلقا سواء أكان بطلب من المنصوح أم لا، وهذا ما ذهب إليه القرطبي(5).


1) الفروق 4 / 231؛ شرح الزرقاني 4 / 319؛ مواهب الجليل 3 / 418

2) بحار الأنوار 72 / 232

3) التمهيد 19 / 159

4) روضة الواعضين 2 / 425

5) كفاية الطالب 2 / 555؛ مواهب الجليل 3 / 418

3.

وجوب نصح المستشير أي وجوب النصيحة بعد طلب الاستشارة. جاء في حاشية العدوي (بأن النصيحة فرض عين إذا طلبت لزمه القول بالحق وليس ذلك من الغيبة)(1).

4.

وجوب النصيحة فرض عين إذا اختص بها الناصح دون غيره بأن يعرف حال المسؤول عنه وحده دون غيره، ووجوب النصيحة فرض كفاية فيما إذا كان هنالك من يعرف حال المَسْؤُوْلِ عنه، وهذا ما ذهب إليه الجزولي في شرح الرسالة وما نص عليه ابن يونس، ورجح العدوي القول الأول بينما رجح ابن العربي القول الثاني(2).

ثانياً: الشافعية:

إستدل فقهاء الشافعية بأن النصيحة ليست من الغيبة بحديث فاطمة بنت قيس(3)وأوجبوا نصح المستشير بدليل قوله صلی الله علیه وآله: (حق المسلم على المسلم ست إذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله قسمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فإتبعه)، قال النووي: (إذا استنصحك فمعناها إذا طلب منك النصيحة فعليك أن تنصحه ولا تداهنه وتغشه ولا تمسك عن بيان النصيحة)(4)وقد حصر مالا يعد غيبة في ستة أشياء بقوله(5):

القدح ليس بغيبة في ستة ٭٭٭ متظلم ومعرف ومحذر

ولمظهر فسقاً ومستفت ومن ٭٭٭ طلب الإعانة في إزالة منكر

وقوله (ومعرف) وهو المستشار وذلك لأنه يعرف المستشير عيوب من


1) حاشية العدوي 2 / 555

2) الفواكه الدواني 2 / 291؛ التمهيد 19 / 159؛ شرح الزرقاني 4 / 319

3) تحفة الأحوذي 4 / 241

4) شرح النووي 14 / 143

5) إعانة الطالبين

استشير فيه.

وذهب ابن الصلاح والشربيني إلى وجوب النصيحة ابتداء حتى من دون طلب استشارة(1)، وأوضح الأذرعي على أن النصيحة واجبة في الأموال والأعراض رداً على من فرق بينهما بأن النصيحة تجب في الأموال دون الأعراض، وقال (وما يتوهم من الفرق بين البابين خيال بل النصيحة هنا - الأعراض - أكد وأحب)(2)، وقال ابن البطال من فقهاء الشافعية بأن (النصيحة فرض كفاية من قام بها يجزي عن الباقين، وهي لازمة على قدر الطاقة، فإن خشي أذى على نفسه فهو في سعة)(3).

ثالثاً: الحنفية:

ذهب بعض فقهاء الحنفية إلى وجوب النصيحة مطلقاً استدلالاً بالخبر (الدين النصيحة) وإن علم الناصح ان نصيحته لا تفيد المنصوح، ولكن بعضهم ذهب بوجوب نصح المستشير إذا تحقق المستشار بان ترك النصيحة يؤدي إلى ضرر محترم في نفس أو مال أو عرض المستشير بل لو تعلق علم الناصح بالنصيحة دون غيره وجبت عليه النصيحة مطلقاً وإن لم تكن باستشارة(4).

رابعاً: الحنبلة:

ذهب الفقهاء الحنابلة إلى وجوب النصيحة مطلقاً سواء أكانت بطلب من المستشير أم دون طلب لحديث (الدين النصيحة) في الأمور الدنيوية، وأما إذا كانت النصيحة تتعلق بأمور دنيوية ففي وجوب النصيحة من دون استشارة أو طلب نظر(5).

خامساً: الظاهرية:

ذهب فقهاء الظاهرية بوجوب النصيحة مطلقاً، فأوجبوا


1) مغني المحتاج 3 / 173

2) المجموع 4 / 323

3) شرح النووي 14 / 143

4) فيض القدير 6 / 268

5) كشاف القناع 3 / 184؛ منار السبيل 1 / 20

النصيحة لمن رأى شخص يساوم على سلعة أو مبايع يريد غبن صاحبه بغير علمه، واستدلوا على ذلك بحديث الدين النصيحة) وحديث (فإذا استنصح الرجل أخاه فلينصح له)(1).

المبحث الرابع: أخذ العوض على النصيحة

إذا قلنا إن حكم النصيحة الاستحباب فلا إشكال في أخذ الأجرة على المستحبات، وإن كان أخذ الأجرة على المستحب ينقص ثوابه، ولكن وقع الكلام فيما إذا قلنا ان النصيحة واجبة سواء أكانت بالعنوان الأولي أي حكم النصيحة هو الوجوب أم بالعنوان الثانوي فيما إذا توقف دفع الضرر على النصيحة، فقد اختلف الفقهاء في جواز أخذ العوض على النصيحة الواجبة إلى طائفتين:

الطائفة الأولى: منع أخذ العوض على النصيحة لأنها واجبة ولا يجوز أخذ العوض فيما هو واجب على الناصح، قال مالك: (من قال دلني على من يشتري مني جاريتي ولك كذا أو من أؤجره نفسي فدل عليه فذلك لازم له لأنه لا يجب الإدلاء عليه، بخلاف ما لو قال دلني على امرأة تصلح لي أتزوجها ولك كذا فدلّه فلا شيء له، والفرق بين الدلالة على من يشتري أو يستأجر وبين الدلالة على من تصلح للنكاح في لزوم العوض في الأول دون الثاني لوقوع العوض في الأول في مقابلة ما لا يلزم العامل وهو التفتيش على من يشتري أو يستأجر بخلاف الثاني فإنه في مقابلة ما يجب على العامل وهو النصيحة لأنه لما استنصحه صارت النصيحة واجبة عليه، ولا يجوز لأحد أخذ العوض في واجب عليه)(2).

الطائفة الثانية: إذا قلنا ان النصيحة الواجبة من الواجبات التوصلية الكفائية أو العينية كقضاء حوائج المحتاجين أو إزالة الأذى عن طريق المسلمين جاز أخذ


1) المحلى 8 / 448

2) الفواكه الدواني 2 / 112

الأجرة عليها، وذلك لأن السيرة منعقدة عقلائياً وعرفا ولا تنافي العمومات في أخذ الأجرة، فإن استشكل بان الواجب إنما هو مستحق لله عز وجل وليس ملكاً للفاعل لأنه ملزم به شرعاً فهو كالمقهور عليه فما كان مقهوراً عليه فهو خارج عن اختياره، وما كان خارجاً عن الاختيار لا يمكن أخذ الأجرة عليه، فالجواب عن ذلك: ان المقهورية على الفعل من قبل الشارع وكونه واجبا لا تنافي الأجرة فإنه يجوز للناصح أخذ الأجرة، وما ادعي بان الإجماع على عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات في الجملة بل مطلقا يعني الواجب بما هو الواجب غير منعقد إذا لم يحرز الإجماع على مطلق الواجبات، بل أحرز الجواز على الواجبات الكفائية التوصلية بلا إشكال مع وجود الاختلاف في الباقي ومع تسليمه فليس هو بالإجماع المنقول وهو ليس بحجة. فالحاصل جواز أخذ الأجرة على سائر الواجبات ومنها النصيحة الواجبة إلّا ما يعود إلى العبادات العينية الفردية التي لا تعود بها الفائدة إلى الآخرين بالمرة.

الفصل الرابع: النصيحة في التطبيقات الفقهية

أولا: النصيحة في أهل البدع

ينبغي أن يُشهّر بأرباب البدع وتصانيفهم المضلة المخالفة لكتاب الله وسنة نبيه وأهل بيته علیهم السلام وذلك لفسادها، ويُبَيّن إنهم على غير الصواب ليحذرها الناس فلا يقعوا فيها، ويُنفر عن تلك المفاسد ما أمكن، فان بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لبعض العلماء: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع، فقال: إذا قام وصلى وصام واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين وهذا أفضل، والنصيحة للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، ولولا بيان مفاسد أهل البدع لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن أهل الحرب إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلّا تبعاً، وأما أهل البدع فهم يفسدون القلوب ابتداء. فكلما كانت مصلحة لحفظ الدين ولو في إطار صغير أهم من مصلحة حفظ عرض المبتدع جاز اغتيابه، والقدر المتيقن من جواز غيبته هو ذكر بدعه التي أوردها في الدين لا ذكر سائر عيوبه. والأدلة على جواز النصيحة في أهل البدع منها ما رواه داود بن سرحان عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه وآله: (إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كي لا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذروهم ولا يتعلمون من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة)(1). وما روي في قرب الإسناد عن جعفر


1) وسائل الشيعة 16 / 267 / باب 39 وجوب البراءة من أهل البدع

بن محمد عن أبيه علیها السلام قال: (ثلاثة ليس لهم حرمة، صاحب هوى مبتدع، والإمام الجائر، والفاسق المعلن بالفسق)(1)، وقال رسول الله صلی الله علیه وآله: (أترعوون عن ذكر الفاجر حتى لا يعرفه الناس إذكروه بما فيه يحذره الناس)(2).

وهذا القسم من النصيحة غير متوقف على المشاورة ولا مقارنة الوقوع في المفسدة، فإذا رأى مُتَفَقّهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك فعليه نصيحته ببيان حاله بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد فيلتبس الشيطان عليه ذلك ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن في ذلك، وينبغي للمتصدي لهذه الأمور ان يلاحظ نفسه فيما بينه وبين ربه، ولا يحل ان يتكلم في هذا الباب إلّا قاصداً بذلك وجه الله تعالى، وان تكون كلمة الله هي العليا، وان يكون الدين كله لله فمن تكلم في ذلك بغير علم او بما يعلم خلافه كان آثماً. ثم إن المتصدي بالنصيحة لأهل البدع لابد له من حسن النية فلو تكلم بحق لقصد العلو في الأرض أو الفساد كان بمنزلة الذي يقاتل حمية ورياء، وان تكلم لأجل الله تعالى مخلصاً له الدين كان من المجاهدين في سبيل الله من ورثة الأنبياء فهو منزلته أفضل من الشهداء كما ورد (ان مداد العلماء أفضل من دم الشهداء)(3)، وان لا يتعدى الناصح في أرباب البدع الصدق ولا يفترى عليهم من الفسوق والفواحش ما لم يفعلوه بل يقتصر على ما فيهم من المنفرات خاصة، فلا يقال على المبتدع أنه يشرب الخمر، ولا أنه يزني ولا غير ذلك مما ليس فيه.

ومن مات من أهل البدع ولا طائفة أو جماعة أو فرقة أو شيعة له تعظمه، ولم يخلف كتبا تقرأ ولا ما يخشى إفساده لغيره، فالأولى أن يستر بستر الله عز


1) قرب الإسناد 82

2) جامع السعادات 2 / 306؛ أحياء علوم الدين 3 / 152

3) بحار الأنوار 2 / 14 / باب 8 ثواب الهداية والتعليم

وجل ولا يذكر عيب وحسابه على الله عز وجل، قال صلی الله علیه وآله: (إذكروا محاسن موتاكم)(1)

وفي خبر آخر (لا تقولوا في موتاكم إلاً خيراً)(2).

وأما نصيحة المستشير في مقالة أو كتاب أو مجلة أو غير ذلك ممن تكون باطلة فهي إما ان تمس الدين او في مسألة وموضوع علمي، فلا إشكال في وجوب النصيحة للمستشير في ما إذا كانت تمس الدين وإن استلزم نقصان وقدح القائل بتلك المقالة أو المجلة أو الكتاب لعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو بما دل على لزوم صيانة الدين.

وأما إذا كانت النصيحة في مسألة أو موضوع علمي لا يمت إلى الدين بصلة، فيجوز نصح المستشير إذا كان على منهج البحث الصحيح لجريان السيرة على ذلك، وقد اشتهر (الحقيقة بنت البحث)، ودلالته على النقصان والقدح لا تمنع منه، لأن الإنسان قرين النقصان ولم يخلق مصوناً من الخطأ والاشتباه، وليس إظهار مثل هذا النقصان عيباً شرعياً حتى يكون إظهاره غيبة.

ثانياً: النصيحة في تفضيل العلماء

يجوز النصيحة للمستشير بتفضيل بعض العلماء على بعض ولا يعد ذلك غيبة والله سبحانه وتعالى يقول «وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا»(3)، وقال سبحانه وتعالى «خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا »(4)، ولو فضل بعض


1) سنن أبي داود 2 / 573 / كتاب الأدب / باب النهي عن سب الموتى؛ سنن الترمذي 3 / 239 / باب 34 من كتاب الجنائز / حدیث 1019

2) كنز العمال 8 / 105 / حدیث 2011

3) سورة الإسراء، آية: 55

4) سورة نوح، آية: 14

العلماء على بعض بالأعلمية والأورعية مع التحفظ بعدم الكلام الباطل فلا يدخل في الغيبة ولو كرهه المحدث عنه لأنه ليس بقدح فيما كان عالماً بأحوالهم لينبه على فضل الفاضل ومن لا يلحق بدرجته في الفضل، وتنزيل الناس منازلهم. أضف إلى ذلك أنه جرت سيرة العلماء وديدن الأصحاب على ذلك، ويجوز النصيحة للمستشير حتى لو أدى إلى سلب الاجتهاد عن شخص على أن لا يؤدي إلى استلزام إهانة المسلوب عنه كما إذا كان الرجل شاغلاً منصب الإفتاء سنين متمادية، فسلب هذا الاجتهاد عن هذا الرجل إهانة لا تجوز إلّا إذا كان هناك مصلحة غالبة على مفسدة الغيبة. نعم يجوز نصح المستشير فيما إذا رأيت متفقها يتلبس بما ليس من أهله فلك أن تنبه الناس على نقصه وقصوره مما أهل نفسه له، وتنبههم على الخطر اللاحق لهم بالانقياد إليه. وفي هذا المقام لابد من الحذر في مزالق الشيطان الذي قد يصور لبعض الجهال إنه ناصح في ثلب واغتياب العلماء، فإن اغتياب العلماء ليس كاغتياب الجّهال لشرف وصف العلم القائم بالعلماء على الجهل القائم بالجُهال، لأن فضل العلم على الجهل من الضروري الذي لا يكابر فيه ذو عقل سليم، كما أن فضل المساجد على غيرها من سائر البقاع كذلك، فإن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصهم مشهورة معلومة، وإن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاهُ الله قبل موته بموت القلب، وغيبة العلماء منبعها من خدعة النفس على ابداء النصيحة(1). نعم يجوز بيان الأغلاط الواقعة من العلماء، كما يجوز نصح المستشير بالنسبة إلى إمام الجماعة والسؤال عن بيان حاله فيجوز وصفه بالذي يكره لتنفير المصلين عنه وبيان حاله كما هو الواقع لأن المستشار مؤتمن، إما بيان حاله من دون طلب النصيحة فهو حرام.

ثالثاً: النصيحة في النسب

قد يترتب على النسب آثار شرعية عاجلة وآجلة، فمن الآثار التي يترتب


1) مفتاح السعادة 1 / 72

عليه هو التوارث والمحرمية وأخذ الأخماس والنفقات وغيرها، ولاشك في وجوب النصيحة للمستشير في رد مدعي النسب الذي ليس له وإن كان مدعي النسب معذوراً في ادعائه لخطئه، فإن مصلحة حفظ الأنساب أولى مراعاة من حرمة المغتاب تحفظا من اختلاط الأنساب ووقوع الخلل في المواريث والنفقات والأنكحة وغيرها(1).

أما لو كان مدعي النسب لا يترتب عليه آثار شرعية كما إذا ادعى أنه من قبيلة مضر مثلاً وهو ليس منها فلا وجه لجواز اغتيابه وإن كان كاذباً في ادعائه.

رابعاً: النصيحة في الزواج

جواز النصيحة لمن استشير في خاطب أو مخطوبة ولو استلزم بان يذكر ما فيه أو فيها من مساويء العيوب وغيرها خوفاً من ضرر التدليس وما يترتب عليه إلى غير ذلك مما أريد به دفع المضار المتعلقة بأحد المقاصد الخمسة لحديث (المستشار مؤتمن) وحديث (الدين النصيحة)، بل لا يبعد جواز ذلك ابتداء من دون استشارة إذا علم بترتب مفسدة عظيمة على ترك النصيحة(2)، بل تجب النصيحة حتى لو علم الناصح بان المنصوح يمتنع من الزواج لو علم بالنصيحة، وفي هذا المقام يجب مراقبة النفس وتصفية النية والقصد والاختصار في الغيبة، وذكر العيوب على قدر الحاجة وما يندفع به الضرر فإن الضرورة تقدر بقدر الحاجة إليها، فلو أغنى التعريض والتلويح لحرم التصريح والتنصيص ولو استشير في أمر نفسه كأن استشارت المرأة خاطبها في أمر نفسه هل يصلح لها أو لا؟

فان كان فيه ما يثبت الخيار وجب ذكره للمخطوبة، وإِنْ كان فيه ما يقلل الرغبة ولا يثبت الخيار كسوء الخلق والشح أستحب، وإن كان من المعاصي


1) جامع السعادات 306 / 2، م؛ الأنوار الغروية

2) المكاسب 4 / 45؛ مغني المحتاج 1 / 137

وجب عليه التوبة في الحال وستر نفسه كما يجوز استشارة ذوي الرأي في امرأتين يسميهما له أيتهما يتزوج وكذلك للمرأة في الرجلين أيهما تتزوج(1).

خامساً: النصيحة في البيع

حمل جمهور الفقهاء حديث (الدين النصيحة) على عمومه إلّا في بيع الحاضر للبادي فهو خاص، والمراد ببيع الحاضر للبادي ان يقدم غريب من البادية أو من بلد آخر بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول له البلدي: أتركه عندي لأبيعه بالتدريج بأغلى.

وقد جمع بعض الفقهاء بين حديث (الدين النصيحة) و(لا يبيع للبادي)(2)بتخصيص النهي بمن يبيع بالأجرة كالسمسار لأن الذي يبيع بالأجرة لا يكون غرضه نصح البائع غالباً وإنما غرضه تحصيل الأجرة فاقتضى ذلك إجازة بيع الحاضر للبادي بغير أجرة من باب النصيحة وأما إعلامه بالسعر فقط فلا يدخل في النهي(3).

وحرم فقهاء الشافعية والمالكية بيع الحاضر للبادي إذا كان عالماً بالنهي فلو لم يعلم النهي وكان المتاع مما لا يحتاج في البلد أو لا يؤثر فيه لقلة ذلك المتاع لم يحرم، ولو خالف وباع الحاضر للبادي صح البيع مع التحريم، ويفسخ البيع عند المالكية ما لم يفت(4)، وجوز فقهاء الحنفية وعطاء ومجاهد بيع الحاضر للبادي مطلقا لحديث (الدين النصيحة) وقالوا ان حديث النهي عن بيع الحاضر للبادي منسوخ. وقال بعضهم إنه على كراهة، واستدلوا على جواز البيع بحديث (دعوا الناس يرزق بعضهم من بعض)(5).


1) سؤال وجواب 310

2) فتح الباري 4 / 371

3) المصدر نفسه

4) تحفة الأحوذي 4 / 347؛ شرح النووي 10 / 164؛ التمهيد 18 / 198

5) فتح الباري 7 / 371

وأوجب فقهاء الحنابلة النصيحة على الحاضر للبادي الجاهل بالسعر إذا طلب بيان السعر إذا استشاره في ذلك لحديث (الدين النصيحة)، وإن لم يستشر البادي الحاضر ففي وجوب إعلامه إن اعتقد جهله به نظر(1).

واختلف فقهاء الشافعية في طلب نصيحة البدوي للحاضر فيما فيه حظه في متاعه على رأيين:

الأول: وجوب النصيحة له وهذا ما ذهب إليه الأذرعي.

الثاني: لا يجب نصيحته وإرشاده توسيعاً على الناس، ومعنى عدم وجوب إرشاده أنه يسكت، ولو قال الحاضر للبادي من دون طلب النصيحة: إستشارة بيعك له على التدريج أحظ حرم.

وأفتى فقهاء الشافعية بوجوب نصيحة المغبون بغبنه الذي نشأ من غش لتقصير البائع ولذلك أجازوا أن يزيد الرجل سعر سلعة رأى إنها تباع دون قيمتها فزاد فيها لينتهي إلى قيمتها لم يكن ناجشاً عاصيا بل يؤجر على ذلك بنيته، لأنه يريد النصيحة لصاحب السلعة بل أجازوا البيع على البيع والسوم على السوم لحديث (الدين النصيحة) إذا كان البائع مغبونا غبنا فاحشاً(2)، وتنظر بعض فقهاء الحنفية في ذلك بأن يعلم البائع بان قيمة السلعة أكثر من ذلك، فيكون بعد ذلك له الاختيار ولهذا أفتوا بحرمة البيع على البيع والشراء على الشراء بان يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار إفسخ لأبيعك بأنقص أو يقال للبائع افسخ لأشتري منك بأزيد، واحتمل بعضهم ان لا يتعين على الناصح إعلام البائع بقيمة السلعة حتى يسأله لحديث (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له)(3).


1) كشاف القناع 3 / 184

2) حاشية البجيرمي 2 / 224؛ حاشية الشيرواني 4 / 315

3) فتح الباري 7 / 371

وأفتى فقهاء الشافعية والحنفية بوجوب إِعلام المشتري بالسلعة المبيعة لو علم البائع العيب وذلك (لا خلابة في الدين)(1)أي لا خديعة في الدين ولأن الدين النصيحة.

وجوز فقهاء الشافعية نصيحة من يشتري شيئاً معيبا أو مسروقا إذا لم يعلمه وإن كرهه البائع حفظا للمشتري من الضرر، فمن يشتري سيارة مسروقة أو فيها عيب مثلا يجوز نصيحته(2).

سادساً: النصيحة في الشهود

شهادة المؤمن تارة يتوقع حكم الحاكم عليها ولو في المستقبل فيجوز هنا نصح المستشير عند الحاكم لإثبات جرح الشاهد إذا علم الناصح بكذب الشهادة لأن أدلة لزوم التحفظ على ستر المؤمن منصرفة إلى ما لم يتخذه ذريعة إلى الحكم بالزور والباطل، واشترط في نصح المستشير في الشهود والاقتصار على القوادح المخلة بالشهادة فقط فلا يقول: هو ابن زنا ولا أبوه لا عن منه إلى غير ذلك من القوادح التي لا علاقة لها بالشهادة، وان تكون نصيحة المستشير خالصة لله تعالى عند الحاكم فمتى كانت لأجل عداوة أو تفكه بالأعراض وجرياً مع الهوى فذلك حرام(3).

وأما شهادة المؤمن عند غير الحاكم ولا يترتب عليها حكم فلا يجوز هنا غيبة الشاهد وجرحه لعدم الحاجة إلى ذلك، والتفكه بأعراض المسلمين حرام، والأصل فيها الستر كمن شهد بوجود قصر في صحراء ما وشهادته لا يترتب عليها أي شيء.

ثم وقع الكلام فيما إذا كان الشاهد فاسقاً ولم نعلم بكذبه في الواقعة،


1) فتح الباري 4 / 356، رواه البيهقي وأخرجه مسلم ورواه أحمد بن حنبل، البحر الرائق

2) روضة الطالبين 7 / 33

3) المواهب 539؛ الفروق 4 / 206

فهل يجوز نصح المستشير عند الحاكم أو لا؟ استدل على جواز نصيحة المستشار بوجوه:

الأول: السيرة فقد جرت سيرة المسلمين على جرح الشهود عند القضاة حتى كان القضاة يفسحون للمشهود عليه أن يأتي بمن يجرح شهود المشهود له.

الثاني: ان دفع مفسدة الحكم بشهادة الفاسق أولى من الستر عليه إذ ربما ينجر الحكم إلى قتل الأبرياء وهتك نواميسهم وهو ليس بأهون عند الله من الستر على الفاسق وإن كان كذبه غير معلوم، بل ادعى بعضهم الإجماع على ذلك(1).

وربما يستأنس بجواز نصح المستشير في نقد الشهود وجرحهم بقوله سبحانه وتعالى: «وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ»(2). وقوله تعالى: «وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ»(3).

ولا يخفى عليك ان البحث إنما هو في جرح الشاهد ونقده لا في كتمان الشهادة على الواقعة، فدعوى الاستدلال بالآيتين على جواز نصح المستشير في نقد الشاهد وجرحه غير صحيحة فلا يعد الناقد والجارح شاهداً حتی يدخل في الآيتين الشريفتين.

سابعاً: نصيحة الكفار والمشركين وأهل الكتاب

قال الله سبحانه وتعالى: «مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ»(4).


1) روضة الطالبين 7 / 33

2) سورة البقرة، آية: 283

3) سورة البقرة، آية: 282

4) سورة البقرة، آية: 105

ان هذه الآية الكريمة بينت نهي الله تعالى المؤمنين الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين والاستماع من قولهم وقبول شيء مما يأتونهم به على وجه النصيحة لهم منهم بإطلاعه جل ثناؤه إياهم على ما يستنبطه لهم من أهل الكتاب والمشركين من الضغن والحسد وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون(1).

أما نصيحة المسلمين لأهل الكتاب فقد اختلف الفقهاء فيها فالذي جوز ذلك استدل بنصح الرسول صلی الله علیه وآله ليهود خيبر في خرص النخل مع شدة بغضه إياهم، فدل على أنه لا ينبغي للمسلم أن يترك النصيحة لأحد من ولي أو عدو إذا كان لا يخاف على نفسه لأن نصيحته بحق الدين(2).

والذي لم يوجب نصح المستشير الكافر أو الكتابي لحديث (الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله، قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)(3)لأن النصيحة خاصة بالمسلم وإلحاق غيره إنما يصح إذا كان مثله، وليس الكافر والكتابي كالمسلم ولا حرمته كحرمته(4)، والراجح ان القدر المتيقن من النصيحة هو نصح المؤمن لا مطلقاً.

ثامناً: النصيحة في الولاية

من له الولاية يجب نصيحته لمن لا يقوم بالنيابة أو الوكالة من قبله على وجهها الصحيح، إما لأنه لا يكون صالحاً لها أو لعدم أهليته أو لفسقه أو لأنه مغفل ونحو ذلك ليزيله ويولي من يصلح، او يعرف حاله فلا يعتبر به أو يلزمه الاستقامة(5).


1) تفسير القرطبي 1 / 474

2) المبسوط 23 / 9

3) بحار الأنوار 86 / 242

4) كشاف القناع 5 / 19

5) رياض الصالحين 1 / 346؛ روضة الطالبين 7 / 33

وفي الختام نسأل الله تعالى أن يتقبل هذا اليسير وينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الهداة من خلقه خاتم الأنبياء وأهل بيته الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

المصادر

1.

القرآن الكريم.

2.

إحياء علوم الدين / الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد (ت 505 ه) / وبذيله كتاب المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الاحياء من أخبار، لزين الدين أبي الفضل عبد الرحيم الحسيني العراقي، نشر دار المعرفة، بيروت.

3.

الأخلاق والسير / ابن حزم، أبو محمد علي بن احمد بن سعيد الظاهري (ت 456 ه) / ط 2، دار الأوقاف العربية، بيروت 1399 ه / 1979 م.

4.

الأصول في الكافي / الكليني، ابو جعفر محمد بن يعقوب (ثقة الإسلام) (ت 328 ه)، نشر الشيخ محمد الأخوندي، دار الكتب الإسلامية، طهران.

5.

الأنوار الغروية في شرح اللمعة الدمشقية (مخطوط) / ملا جواد ملا كتاب (الشيخ المحقق).

6.

أنوار الفقاهة (مخطوط في مكتبة الشيخ علي كاشف الغطاء / كاشف الغطاء، الشيخ حسن الشيخ جعفر (آية الله العظمى).

7.

بحار الأنوار / المجلسي، المحدث محمد باقر.

8.

البحر الرائق / زين الدين ابراهيم بن محمد بن محمد بن بكر (ت 970 ه) / طبع دار المعرفة، بيروت.

9.

بدائع الفوائد، ط 1، تحقيق هشام عبد العزيز عطا، وعادل عبد الحميد العلوي وأشرف أحمد، طبع مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة 1416 ه- - 1996 م.

10.

التاج والإكليل / العبدري، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن أبي القاسم (ت 897 ه) / ط 2، دار الفكر، بيروت 1398 ه.

11.

تحفة الاحوذي /المباركفوري، أبو العلاء محمد بن عبد الرحمن بن عبد

الرحيم (ت 1353 ه) / دار الكتب العلمية، بيروت.

12.

تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر / التلمساني، ابو عبد الله محمد بن احمد بن قاسم بن سعيد العقباني (ت 871ه) / تحقيق: علي الشنوفي.

13.

تفسير التبيان / الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن (ت 460 ه) / تحقيق: احمد حبيب قصير العاملي، مطبعة النعمان، النجف.

14.

تلبیس ابليس/ ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد (ت 597 ه) / تحقيق: د. السيد الجميلي، ط 1، دار الكتاب العربي، بيروت 1405 ه / 1985 م.

15.

التمهيد / ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله (ت 463 ه) / تحقيق: مصطفى بن احمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، طبع وزارة عموم الأوقاف والشؤون الدينية، المغرب، 1387 ه.

16.

توضيح المكاسب / كاشف الغطاء، الشيخ علي (آية الله العظمى).

17.

جامع البيان في تفسير القرآن / الطبري، محمد بن جرير (ت 310 ه).

18.

جامع السعادات / المحدث النراقي، محمد مهدي (ت 1209 ه) / تحقيق وتعليق الشيخ محمد رضا المظفر، نشر وتصحيح السيد محمد كلانتر، مطبعة الزهراء، النجف 1368 ه / 1949 م.

19.

جامع العلوم والحكم / ابن رجب الحنبلي، أبو الفرج عبد الرحمن بن احمد (ت 750 ه) / ط 1، طبع دار المعرفة، بيروت 1408 ه.

20.

الجامع لأحكام القرآن /القرطبي، أبو عبد الله بن أحمد الأنصاري الأندلسي (ت 671ه).

21.

جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام / النجفي، محمد حسن (الشيخ) / نشر الشيخ علي الأخوندي، ط 6، دار الكتب الإسلامية، مطبعة الآداب، النجف الأشرف.

22.

حاشية البجيري / البجيري، سليمان بن عمر بن محمد / طبع المكتبة الإسلامية، ديار بكر، تركيا.

23.

حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح / الحنفي، أحمد بن محمد بن إسماعيل (ت 1231 ه) / ط 3، مكتبة البابي الحلبي، مصر / 1318 ه.

24.

حاشية العدوي / ألعدوي، علي الصعيدي (المالكي) / تحقيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، طبع دار الفكر، بيروت 1412 ه.

25.

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة / البحراني، يوسف (المحدّث الشيخ)، (ت 1186 ه) / نشر الشيخ علي الأخوندي، دار الكتب الإسلامية، قم.

26.

حلية الأولياء / الاصبهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله (ت 430 ه) / ط 4، دار الكتاب العربي، بيروت 1405 ه.

27.

الديباج / السيوطي جلال الدين عبد الرحمن بن ابي بكر، أبو الفضل (ت 911 ه) / تحقيق: أبو اسحق الحويني الأثري، طبع دار ابن عفان، السعودية 1416 ه / 1996 م.

28.

الروح / الزرعي، ابو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب (ت 751 ه) / طبع دار الكتب العلمية، بيروت 1395 ه / 1975 م.

29.

روح المعاني / الآلوسي، شهاب الدين السيد محمود بت عبد الله (ت 1270 ه).

30.

الزهد / الكوفي، هناد بن السري (ت 243 ه) / تحقيق: عبد الرحمن عبد الجبار الغريواني، ط 1، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت 1406 ه.

31.

سؤال وجواب / كاشف الغطاء، الشيخ محمد الحسين (آية الله العظمى).

32.

السنن / السجستاني، أبو داود / طبعة عزت عبيد دعاس.

33.

شرح الجامع للكافي / المازندراني، المولى محمد صالح (ت 1086 ه) المكتبة الإسلامية، طهران 1387 ه.

34.

شرح الزرقاني / الزرقاني، محمد بن عبد الباقي بن يوسف (ت 1122 ه) / ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت 1411 ه.

35.

الشرح الكبير / الدردير، سيدي أحمد أبو البركات / تحقيق: محمد عليش، طبع دار الفكر، بيروت.

36.

شرح النووي على صحيح مسلم / النووي، أبو زكريا، يحيى بن شرف بن مري (ت 676 ه) / ط 2، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت 1392 ه.

37.

شعب الايمان / البيهقي، ابو بكر احمد بن الحسين (ت 458 ه) / تحقيق: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت 1410 ه.

38.

فتح الباري / البخاري، (ت 256 ه) / المطبعة السلفية.

39.

الفروق / القرافي، شهاب الدين ابو العباس أحمد بن إدريس بن عبد الله الصنهاجي / وبهامشه كتابي تهذيب الفروق والقواعد السنية، طبع عالم الكتاب، بيروت.

40.

الفواكه الدواني / النفراوي، أحمد بن غنيم بن سالم المالكي (ت 1125 ه) / طبع دار الفكر، بيروت 1415 ه.

41.

فيض القدير / المناوي، عبد الرؤوف / ط 1، المكتبة التجارية الكبرى، مصر 1356 ه.

42.

القاموس المحيط / الفيروز آبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، دار الجيل، بيروت.

43.

قرب الإسناد / الحميري، عبد الله بن جعفر / مكتبة نينوى / طهران.

44.

القواعد والفوائد في الفقه والأصول والعربية / الشهيد الأول، أبو عبد الله محمد بن مكي العاملي (ت 786 ه) / تحقيق السيد عبد الهادي الحكيم، القسم الثاني، طبع جمعية منتدى النشر، النجف الأشرف.

45.

كشاف القناع / البهوتي، منصور بن يونس بن إدريس / تحقيق: هلال مصيلحي ومصطفى هلال، دار الفكر بيروت 1402 ه.

46.

كشف الريبة / الشهيد الثاني (ت 966 ه) / دار المرتضوي للنشر / 1390 ه.

47.

كفاية الطالب / المالكي، أبو الحسن / تحقيق يوسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر، بيروت 1412 ه.

48.

المبسوط / السرخسي، أبو بكر محمد بن أبي سهل / طبع دار المعرفة، بيروت، 1406 ه.

49.

مجمع البيان في تفسير القرآن / الطبرسي، أبو الفضل علي بن الحسن / منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.

50.

مجمع اللغة العربية / معجم ألفاظ القرآن الكريم، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ط 1، القاهرة 1390 ه / 1970 م.

51.

المرض والكفارات / القرشي، أبو بكر عبد الله بن محمد (ت 281 ه) / تحقيق عبد الوكيل الندوي، ط 1، الدار السلفية، بومباي 1411 ه / 1991 م.

52.

المسائل الشرعية / الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي (آية الله العظمى) / العبادات، طبع مؤسسة المنار، بيروت.

53.

مصباح الفقاهة (تقريرات السيد أبو القاسم الخوئي) / الغروي، الميرزا محمد علي التوحيدي / المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف 1374 ه، 1954 م.

54.

مغني المحتاج / الشربيني، محمد الخطيب (من علماء القرن العاشر الهجري) / دار الفكر، بيروت.

55.

المكاسب / الأنصاري، مرتضى (الشيخ الأعظم)، (ت 1281 ه) / تحقيق السيد محمد كلانتر، طبع النجف.

56.

منار السبيل / ابن ضریان، ابراهيم بن محمد بن سالم (ت 1353 ه) / تحقيق: عصام القلعجي، ط 2، مكتبة المعارف، الرياض 1405 ه.

57.

منهاج الصالحين / السيستاني، السيد علي الحسيني (أية الله العظمى) / طبع دار المؤرخ العربي، بيروت 1414 ه / 1993 م.

58.

المواهب في تحرير أحكام المكاسب / السبحاني، الشيخ المحقق جعفر / بقلم سيف الله اليعقوبي الاصفهاني، نشر مؤسسة الإمام الصادق علیه الصادق، ط 1، مطبعة الخيام، قُم / 1410 ه.

59.

الموسوعة الفقهية / وزارة الأوقاف والشؤون الديني (الكويت) ط 1، مطبعة الموسوعة الفقهية، الكويت 1405 - 1984 م.

60.

النهاية في غريب الأثر / ابن الأثير، أبو السعادات محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري (ت 606 ه) / تحقيق: طاهر أحمد الزواوي ومحمود محمد الطناحي، دار الفكر بيروت 1399 ه / 1979 م.

61.

نهج البلاغة / الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام (ت 40 ه) / دار الهجرة / قم.

62.

وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة / العاملي، محمد بن الحسن الحر (المحدّث الشيخ) (ت 1104 ه) / ط 2، دار إحياء التراث، بيروت.

أفضل الدين

اشارة

«2»

بسم الله الرحمن الرحیم

المقدمة

حمداً أبدياً للخالق المتعال الجاعل على الأعراف رجالاً يعرفون كلاً بسيماهم، وشكراً لمن ميز الأشرار عن الأخيار، وصلواته المتواصلة على الصادع بالتنزيل السالك بالطبائع سواء السبيل، وعلى آله الطيبين الطاهرين المؤسسين لقاعدة الجرح والتعديل بفعلهم الذي بلا بديل وقولهم الذي بلا عديل.

وبعد:

فلما كانت المروءة هي أفضل الدين سميت بحثي هذا أفضل الدين وذلك لبيان أن الشريعة المقدسة قد لاحظت العرف وأقرّت الاستقامة العرفية التي أمر الشارع الأخذ بها، و إن المروءة متعلقة بالهداية الفطرية النقية من الكدورات، ومما دعاني لكتابة هذا البحث هو رؤيتي لألسنة الناس وقد لاكت علماء الدين عندما سقطت السلطة الطاغية بسبب بعض المُعَمَّمِين المتزيين بزي علماء الدين، مِمَّنْ قد سلكوا طريقاً يخالف المروءة، ومرقوا عن عرف علماء الدين مما جعل العوام ينتقدونهم وَيَنْحَتون أثَلَتَهُم ويُنْحُون عليهم باللّومْ النّامّ عن سُقُوطِ مُرُوْءَتِهِم وتَنَكُّبِهِم مَهْيَعَ الصَّواب لِتَرْكِهِمْ السَّبِيلَ الأقْوَمَ وَسُلُوْكِهِمْ بُنَيّاتِ الطُرِيقِ، فأردتُ بيان المروءة، وكيف تحفظ في أواسط علماء الدين وطلاب الحوزة العلمية؟، وكيف تختلف المروءة حسب عناوين المؤمنين والأماكن والأزمان؟ فالله الله في هذا اللباس والزي والحفاظ على قدسيته

وجعله عنواناً لمكارم الأخلاق والمروءة التي هي زينة المؤمنين.

لا شك ولا ريب في أنُ ارتكاب خلاف المروءة من قبل أي واحد من المعممين أو المحسوبين على الحوزة العلمية هو هتك لمقام العلماء وإضرار بسمعة الحوزة العلمية، فإن كل تصرف وسلوك وعمل يعتبر عيباً عُرْفِيّاً يستلزم الغَضُ من مقام العلماء وانتقاصهم والإضرار بسمعة الحوزة العلمية، ثم إذا كانت المروءة هي أفضل الدين فإن أوْلى مَنْ ينبغي أن يُراعِيهَا هم المعممون، فإذا كان المعممون لا يرعون المروءة فمن الذي يرعاها!

والذي يستقري الكتب الفقهية يرى حرص الفقهاء على مُراعاة المحافظة على المروءة بما يدهش الألباب مراعاة لهذه الخصلة الحميدة حتى أنهم لم يوجبوا طلب الماء ممن عنده في مكان خالٍ منه للوضوء حتى يصلي، وذلك لصعوبة السؤال على أهل المروءة، مع العلم أن الصلاة عمود الدين إن قبلت قبل ما سواها وإن ردّت رُدُ ما سواها، فأجاز الفقهاء التيمم بدلاً من الوضوء، كما أفتى الفقهاء بوجوب لبس ملابس معينة لوظائف معينة وإلّا ذهبت المروءة.

وقد كتب القدامى والمُحْدَثُونَ كُتُباً في المروءة منهم الثقة أبو جعفر الأعرج من القميين، والمولى الثقة عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله بن السائب من القميين، والثقة الكوفي محمد بن الحسن الصفار (ت: 290 ه) في قم والحسين بن سعيد له كتاب في التجمل والمروءة(1).

وفي الختام نسأل الله تعالى بجاه من لذنا بجواره مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام أن يغير حالنا إلى أحسن حال وأن يجعلنا من أهل المروءة وأن نتخلق بخلق أهل بيت العصمة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم


1) رجال النجاشي: 354؛ رجال العلامة: 89

تطهيرا، وأن يوفقنا إلى سواء السبيل إنّه سميع مجيب.

والله مِنْ وراءِ القصد

المدرسة المهدية الدينية / النجف الأشرف

المروءة لغة

المروءة لغة(1):

المُرُوءة مهموز بضم الميم والراء مشتق من المرء، والمروءة: كمال الرجولية والإنسانية، وَمَرُؤَ الرجلُ يمرؤ مروءة أي صار ذا مروءة فهو مريء على فعيل، ويقال فلان يتمرأ بنا أي يطلب المروءة بنقصنا وعيبنا، ويقال للرجل القليل المروءة بالطوط - بالضم - وذكر أن البُذم بالضم هي المروءة عن ابن بري بقوله:

يا أم عمران وأخت عثم ٭٭٭ قد طالما عشت بغير بذم

وقال الجوهري: وقد يشدد فيقال مروةُ.

تعريف المروءة اصطلاحاً:

اشارة

عرف الفقهاء المروءة في مقام تعرضهم لتعريف العدالة، وعباراتهم تنصب في معنى واحد، وجاءت تعاريفهم بمصاديق المروءة تارة وبذكر خوارم المروءة تارة أخرى، ومنهم من اعتبرها من الهيئات النفسانية، وآخرون من الآداب.

أولاً: التعريف بالمصاديق:

1. عرف الأحنف بن قيس المروءة: بأنها العفة والحرفة، فتعف عمّا حرم الله، وتحترف فيما أحل الله(2).

2 - عن تفسير العياشي قال: خرج علي علیه السلام على أصحابه وهم يتذاكرون المروءة، فقال: أين أنتم أنسيتم كتاب الله وقد ذكر ذلك؟ قالوا يا أمير المؤمنين في أي موضع؟ قال في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»(3)فالعدل والإحسان هو المروءة(4).


1) کتاب العین 8 / 299؛ لسان العرب: 155 / 1؛ القاموس المحیط 1 / 28، الصحاح 1 / 27؛ تاج العروس 8 / 197

2) شرح نهج البلاغة 18 / 129

3) سورة النحل، آية: 90

4) بحار الأنوار 71 / 413

3 - هي حفظ الدين وإعزاز النفس ولين الكف وتعهد الضيعة وأداء الحقوق، وفي معنى آخر لها شح الرجل على دينه وإصلاحه ماله وقيامه بالحقوق(1).

4 - وعرفها المحدث المجلسي بأنها الصفات التي يحق للمرء أن يكون عليها وبها يمتاز عن البهائم وهي الإحسان واللطف(2).

5 - وعرفها عمرو بن عثمان المكي (هي التغافل عن زلل الأخوان)(3).

6 - وقيل المروءة (عفة الجوارح عمّا لا يعنيها)(4).

وقيل المروءة هي شيئان: الإنصاف والتفصل(5)، وقيل هي: كتمان السر والبعد عن الشر(6).

8 - وقد توسع بعضهم في تعريف المروءة كما عن محمد بن عليان (بأنه حفظ الدين، وصيانة النفس، وحفظ حرمات المؤمنين، والجود بالمَوجُوْدِ، وقصور الرؤية عنك وعن جميع أفعالك)(7).

ثانياً: التعريف بخوارم المروءة:

الخوارم The Case Was): (failure ما ينقص به الشيء، وخوارم المروءة ما ينقصها.

1 - عرفها الأحنف (أن تستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك)(8).

2 - جاء في كتاب الدروس بأن المروءة هي تنزيه النفس عن الدناءة التي لا تليق


1) صحيفة الإمام الحسين عليه السلام 340

2) بحار الأنوار 71 / 124

3) شعب الإيمان 6 / 330

4) المجموع 1 / 13

5) معدن الجواهر 28

6) سير أعلام النبلاء 4 / 93

7) حلية الأولياء 10 / 376

8) شرح نهج البلاغة 16 / 84

بأمثاله كالسخرية والأكل في الأسواق(1).

3 - عن أبي الحسن البوسنجي (ترك استعمال ما هو محرم عليك مع إكرام الكاتبين)(2).

4 - وعرفها ابن قدامة بأنها (اجتناب الأمور الدنيئة المزرية به)(3).

5 - وعرفها المقدسي بأنها (ترك سفاسف الأمور)(4).

6 - وقال الكاساني المروءة (من لم يطعن عليه في بطن أو فرج. وعند آخر (من لم يعرف عليه جريمته في دينه)(5).

7 - وقيل المروءة التحرز عمّا يسخر منه ويضحك به، وقيل هي أن يصون نفسه عن الأدناس ولا يشينها عند الناس(6).

8 - المروءة هي (تنزيه النفس عن الدناءة التي لا تليق بأمثالها)(7).

9 - وقال ابن حمزة: (هي اجتناب عما يسقط المروءة من ترك صيانة النفس وفقد المبالاة)(8).

ثالثاً: تعريف المروءة بالغاية:

1 - المروءة هي: (اتباع محاسن العادات واجتناب مساوئها وما تنفر عنه النفس من المباحات ويؤذن بدناءة النفس وخستها)(9).


1) مجمع البحرين 4 / 186

2) حلية الأولياء 10 / 379

3) المغني 9 / 167

4) الشرح الكبير 4 / 131

5) بدائع الصنائع 6 / 168

6) مغني المحتاج 4 / 431؛ بحار الأنوار 61 / 194

7) الحدائق الناضرة 10 / 15

8) الوسيلة 229

9) الحدائق الناضرة 10 / 15؛ بحار الأنوار 72 / 168

2 - هي (آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات)(1).

3 - وقال الشهيد الثاني: (هي التخلق بخلق أمثاله وأقرانه في زمانه ومكانه)(2)، وهذا التعريف يمكن مناقشته بأن التخلّق بالأمثال والأقران ما قد يؤدي إلى ما ينافي العدالة إذا كانت منحرفة.

4 - وفي كشف اللثام: هي هيئة نفسانية تحمل الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل الأفعال والعادات.

5 - هي المحافظة على فعل ما تركه من المباح يوجب الذم عرفاً وعلى ترك ما فعله مباح يوجب ذمه عرفاً(3).

الرأي الراجح:

لا شك من أن ما ورد من الأخبار في تعريف المروءة غير مقصود للفقهاء من لفظ المروءة الذي أخذوه في تعريف العدالة(4)، مضافاً إلى أن تلك الأخبار لابد من حملها على التنزيل أو بيان مصاديق المروءة الخفية.

وبما أن العدالة مطلوبة فيها الاستقامة الشرعية والاستقامة العرفية فالمروءة هي الاستقامة العرفية، أو هي الاستقامة بحسب الموازين العرفية(5).

الاستقامة العرفية:

إن السلوك الاجتماعي العام الذي تواضع عليه المجتمع يولد ضوابط عامة من ثقافية وأخلاقية تحكم الإطار العام للمجتمع ويلتزم بها الأفراد لسببين أساسين:


1) مجمع البحرين 4 / 186

2) الزبدة الفقهية 4 / 16

3) مواهب الجليل 8 / 163، شرح الكبير 12 / 42

4) العدالة ملكة الاجتناب عن الكبائر وعن الإصرار على الصغائر وعن منافيات المروءة الدالة على عدم مبالاة مرتكبها بالدين، ويكفي حسن الظاهر الكاشف ظناً عن تلك الملكة. المسند 17 / 381

5) النور الساطع 2 / 262

أحدهما: إن الإنسان بطبعه يميل إلى الألفة والانسجام مع غيره للفطرة التي فطره الله عليها، ولذلك فهو لا يحب أن يخرج عما تواضع عليه مجتمعه من أمور إلّا أن يكون منحرفاً بطبعه وفطرته، أو يكون متأثراً بعوامل أُخر تحدد من هذا الميل، فهو يتأثر في ما يسود مجتمعه من أعراف عامة، وينعكس هذا التأثير عملياً في سلوكه وتصرفاته بصورة عامة.

ثانيهما: إن خرق الاستقامة العرفية وعدم الالتزام بها يُعْتَبر حالة تمرد على المجتمع مما يؤدي إلى رفض هذا المتمرد من قبل مجتمعه وإلحاق الضرر به، وهذا الضرر قد يكون مادياً أو معنوياً والذي تختلف درجته من حالة إلى أخرى حيث يكون ذلك عاملاً من عوامل المجتمع المؤثرة في سلوك الناس بصورة مباشرة.

إن دراسة المؤثّرات المختلفة في سلوك المجتمع توضح لنا أن تأثير الاستقامة العرفية التي لا تمثل قانوناً ولا شريعة وإن كانت لبعضها أُصولٌ قانونية أو تشريعية في سلوك الناس، قد يكونُ أشَدُ من تأثير القانون والشريعة في بعض الأحيان، وإن كان للخلفية التي يحملها الإنسان عنها مدخلية في تحديد درجة تأثيرها.

ومع أن تحديد وضبط السلوك البشري قد أوكل إلى الشريعة في النظرية الإسلامية إلّا أن الشريعة ذاتها قد اهتمت بالعرف العام نظراً إلى ماله من أهمية خاصة وجعلته أداة لتحقيق الضبط السلوكي للإنسان، وعملت على إيجاد الأعراف التي تنسجم مع السلوك الذي يراد تربية الإنسان المسلم عليه من قبل الشريعة، ولعل بالإمكان ملاحظة مثل هذا الأمر في بعض الأحكام الشرعية التي من جملتها حرمة التجاهر بالإفطار في شهر رمضان حتى للمعذور شرعاً كالمريض والمسافر، لأن التُجاهُرَ خَرْقٌ للاستقامة العرفية التي أريد أن يكون عليها مظهر المسلمين في شهر رمضان المبارك.

وكراهة ارتكاب منافيات المروءة من قبيل الأكل في الطرقات العامة أو الضحك عالياً في أماكن العبادة لأنها خلاف المتعارف بين الناس.

المروءة من الأحكام العرفية:

اشارة

لقد تحصّل مما سبق أنُ المروءة هي الاستقامة العرفية وبما أن الأحكام العرفية تتغير بتغير الأماكن والأشخاص والأزمان، لأن الواقعة المترتبة على العرف لها عدة وجهات نظر بين العلماء وقلما تنضبط، مِمّا يُعبَرُ عنه بأنّهُ اختلافٌ في عصر وزمان لا في حجة وبرهان.

فالمروءة تتغير باختلاف الأمكنة والأزمنة والأشخاص(1)، قال الشهيد الثاني: الثاني: (ويختلف الأمر باختلاف الأحوال والأشخاص والأماكن). لذا عرف الفقهاء المروءة بأنّها التخلق بخلق أمثاله في زمانه ومكانه. وهذا بخلاف العدالة فإنها لا تختلف باختلاف الأشخاص، فإن الفسق يستوي فيه الشريف والوضيع بخلاف المروءة فإنها تختلف(2).

أولاً: اختلاف المروءة بحسب الأشخاص:

إن المروءة تزداد كلما ازداد جاه الشخص وعنوانه الكبير في المجتمع، فمثلاً أكل الرجل الاعتيادي في السوق وشربه لا يكون مخالفاً للمروءة، بخلاف القاضي والفقيه والمسؤول الكبير فإنه خلاف المروءة. وكذلك لبس الفقيه لباس الجند من غير داعٍ إلى ذلك خلاف المروءة بينما لبس الفقيه لباس الجند في وقتنا الحاضر في ساحة المعركة يعتبر من الشرف والرجولية والوطنية والصفات المحمودة.

كما إن لبس القاضي الطيلسان - الجبة - عند قضائه من المروءة، وكشف الرأس وخلع العمامة من رأس العالم الديني دليل على ذهاب مروءته.

وقد هجا محمد بن أبي بكر معاوية بن أبي سفيان بأبيات ذكر فيها بأن معاوية ينازع أهل المروءة، وهذا دليل على أن أهل المروءة لهم مقام لا ينازعهم عليه أحد، ومدح أميرَ المؤمنين الإمام عَلِيَاً علیه السلام بأنه من أهل المروءة بقوله:


1) الزبدة الفقهية 4 / 162

2) مغني المحتاج 4 / 431

معاوي ما أمسى هَوَى يستقيدني ٭٭٭ إليك ولا أخفي الذي لا أُعالِنُ

إلى أن يقول:

تنازع أسباب المروءة أهلها ٭٭٭ وفي الصدر داء من جوى الغل كامِنُ(1)

وقد عدُ من مساوئ الآداب ومُنافيات المروءة أن يجري ذكر الحمار والألفاظ القبيحة في مجلس قوم من أولي العلم والفضيلة والمروءة(2).

ثانياً: اختلاف المروءة بحسب الأمكنة:

وأمّا الاختلاف بحسب الأمكنة فمثاله خروج العالم الديني في سوق النجف الأشرف من دون عباءة فإنَّه يُعتَبَر نقصاً عُرفياً له، ولا يكون هذا نقصاً عرفياً في بلاد الهند، كما أن جلوس العالم الديني في المقاهي أو النوم فيها خلاف المروءة، بينما جلوس العوام في المقاهي لا يذهب المروءة.

وذهب الفقهاء بأنه يكره وَطْءُ الرجل إحدى زوجاته بحضرة البقية، لأنه بعيد عن المروءة، وقد استشكل على نبي الله شعيب علیه السلام كيف يرضى لابنتيه بسقي الماشية وهذا خلاف المروءة(3)؟! وأُجيب بأنه ليس ذلك بمحظور والدين لا يأباه، وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك والعادة متباينة فيه، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو غير مذهب أهل الحضر خصوصاً إذا كانت الحالة حالة ضرورة(4).

ومن خوارم المروءة بحسب الأمكنة هو الجلوس أو الوقوف في الأسواق والطرقات العامة لرؤية من يمر(5)، فكيف في هذا الزمان التعيس الذي أصبح فيه


1) الاختصاص 125

2) تفسير القرطبي 14 / 72

3) فتح الوهاب 2 / 107

4) تفسير القرطبي 14 / 72

5) فتح الباري 11 / 33

بعض الشباب الفارغ يقضي جميع أوقاته في الشوارع والأسواق للنظر للآخرين مصحوباً بالتحرش بالنساء، وقد روي عن سفيان بن حسين قال: (قلت لإياس بن معاوية ما المروءة؟ قال: أما في بلدك وحيث تعرف فالتقوى، وأمّا حيث لا تعرف فاللباس)(1).

ثالثاً: اختلاف المروءة بحسب الأزمنة:

أمّا اختلاف المروءة بحسب الأزمنة فمثاله سياقة طالب الحوزة العلمية لسيارته الخاصة فقد كانت سابقاً مُنافيةً للمروءة وَأمّا في زماننا فقد أصبحت أمراً اعتيادياً عرفياً بخلاف سياقته لسيارة الأجرة.

وقد جَعل الفقهاء مراعاة زي الزمان من المروءة فأجازوا لبس الثياب المصبغة بكل لون إلّا أنهم لم يحبذوا لبس ما كان مشبعاً بالحمرة ولا لبس الأحمر مطلقاً فوق الثياب لكونه ليس من لبس أهل المروءة في زمانهم ما لم يكن إثماً وفي مخالفته الزي ضرب من الشهرة(2)، وقد ظنَّ بعض ضعاف النفوس من أبواق المعممين بأن تكبير العمائم وتطويلهم اللحى وتوسيع الأكمام دليل على علمية ومروءة أولئك الأشخاص، أعاذنا الله من هيئات الخُشُبِ المُسندة.

وذكر قسم من الفقهاء إن من يكثر النظر إلى عورته ليس من المروءة(3)، وكيف - مع الأسف - وقد أصبح في زماننا من لم يهتم بستر عورته أمام الناس ولا يبالي بكشفها في بعض الأماكن مثل السباحة في الأنهار.

وكان الاتكاء على الطليسان في المسجد والأماكن العامة والجلوس فيهما من فعل الأشراف وأهل المروءة، بينما أصبح الجلوس في الطرقات العامة مما يذهب المروءة في وقتنا الحاضر.


1) تاریخ مدینة دمشق 10 / 21

2) تحفة الأحوذي 5 / 321؛ فتح الباري 10 / 259

3) مواهب الجليل 2 / 193

المروءة لا تخالف راجحاً شرعاً:

إن المروءة من اللوازم الإنسانية وهي من الهداية الفطرية التي فطر الله الناس عليها، وضابط المروءة أن لا تخالف راجحاً شرعياً وإن هجرها العامة.

فلو استهجن العامة الحناء فلا يكون ترك الحناء من المروءة لأن الحناء مسنونة شرعاً. نعم، المروءة هي الاستقامة العرفية فيما إذا لم يرد فيها راجح شرعاً، قال الشهيد الثاني في الروضة البهية: (ولا يقدح فعل السنن وإن استهجنها العامة وهجرها الناس كالكحل والحناء والحنك في بعض البلاد وإنما العبرة بغير الراجح شرعاً)(1).

المروءة مؤشر من مؤشرات المجتمع:

تعتبر المروءة مؤشراً من مؤشرات المجتمع في رقيه وازدهاره وصلاحه، فكلما أصبحت المروءة مركوزةً في المجتمع ازداد المجتمع رقياً وفضيلة، فقد سُئِلَ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام عن المروءة فقال: (المروءة إصلاح المعيشة)(2).

فالمجتمع الذي تسودُ هذه الصفة بين أفراده يكونُ مجتمعاً في عيشة مرضية لأن المروءة هي التي تصلح المعيشة في المجتمع، كما أن أصحاب المتاجر إذا وصفوا بالدين والصلاح سمي سوقهم سوق المروءة(3).

كما روي عن الإمام أبي الحسن الرضا علیه السلام: (من مروءة الرجل أن تكون دوابه سماناً وحسن وجه مملوكه والفرس السري)(4)، فالإسلام اعتبر من علامات علامات مروءة الرجل أن تكون آثار النعمة بادية حتى على دوابه وعبيده وخدمه وموظفيه وجميع ما يتعلق به سواء أكان إنساناً أم حيواناً من رحمه أم لا، فمن


1) الزبدة الفقهية 4 / 162

2) الكافي 8 / 241

3) عدة الصابرين 1 / 222

4) وسائل الشيعة 11 / 437

خوارم المروءة هو الضنك في المعيشة على عياله وأفراد أُسْرَتِه، ولقد أوضح الإمام الصادق علیه السلام أنَّ رزق العبد من الله تعالى بمقدار مروءته فقال: (والذي بعث جدي صلی الله علیه وآله بالحق نبياً إن الله عزَّ وجل ليرزق العبد على قدر المروءة)(1).

وقد بيّن الحكماء متى يجب على ذي المروءة إخفاء نفسه وإظهارها في المجتمع وحددوا ذلك بقدر ما يرى من نفاق(2)المروءة وكسادها(3).

ومن الملحوظ أن المروءة في مجتمعنا قد قضى نحبها وشيعت ودفنت فإن لم يظهر أهل المروءات في المجتمع ويكونون مثالاً يحتذى بهم لنسيت هذه الخصلة الحميدة.

إن أي قوم أو جماعة يمتدحون إذا نزلوا على حكم المروءة، فإن المجتمع يعرف رقيه وتقدمه وحضارته وثقافته بمقدار ما ينزل أفراده على حكم المروءة.

وكان يقال: إنَّ تعامل القرن الأول من الناس فيما بينهم كان بالدين حتى رقُ الدين، ثم تعامل القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء، ثم تعامل القرن الثالث بالمروءة حتى فنيت المروءة، ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى قل الحياء، ثم صار الناس يتعاملون بالرغبة والرهبة(4).

وذكر الحكماء أن المروءة في المجتمع بوجود أربع خصال في فرده (بأن يعتزل الريبة فلا يكون في شيء منها فإذا كان مريباً كان ذليلاً، وأن يصلح ماله فلا يفسده فإنه إن أفسد ماله لم تكن له مروءة، وأن يقوم لأهله بما يحتاجون إليه حتى يستغنوا به عن غيره فإن من احتاج أهله إلى الناس لم تكن له مروءة، وأن ينظر ما يوافقه من الطعام والشراب فيلزمه فأن ذلك من المروءة)(5).


1) من لا يحضره الفقيه 2 / 294

2) المراد بنفاق المروءة بفتح النون رواجها

3) أدب المجالسة 1 / 37

4) شرح نهج البلاغة 11 / 214؛ حلية الأولياء 4 / 312

5) شعب الإيمان 7 / 441

وقد مُدِحَ أهل بغداد بأنَّهُمْ كانوا أهل مروءة، فقد روي عن ذي النون أنه كان يقول بمصر: من أراد أن يتعلم المروءة فعليه بسقاة بغداد، فقيل له: وكيف ذاك؟ فقال: لما حملت إلى بغداد رمي بي على باب السلطان مقيداً فمر بي رجل متزر بمنديل مصري معتم بمنديل ديبقي بيده كيزان خزف رقاق وزجاج مخروط فسألت هذا ساقي السلطان؟ فقيل لي: لا، هذا ساقي العامة فأومأت إليه اسقني فتقدم وسقاني فشممت في الكوز رائحة المسك فقلت لمن معي: ادفع إليه ديناراً فأعطاه الدينار فأبى وقال: ليس آخذ شيئاً، فقلت له: ولِمَ؟ فقال: أنت أسير وليس من المروءة أن آخذ منك شيئاً، فقلت: كمل الظرف في هذا)(1)، وقد ذُمّ أهل بعض البلدان بفقدان المروءة بقول الشاعر فيهم(2):

كفى حزناً أن المروءة عطلت ٭٭٭ وأن ذوي الألباب في الناس ضيّع

وإن ملوكاً ليس يحظى لديهم ٭٭٭ من الناس إلّا من يغني ويصفع

إن انخراط أغلبية المجتمع في حرف دنيئة دليل على ملابسته لسفاسف الأمور وانحطاط المروءة فيه(3)، وقد استعملت السلطة البائدة سياسة عنصرية واضحة لإذلال طائفة الشيعة باستخدامهم في مهن دنيئة من أجل تذويب مروءتهم وإلغائها كالمنظفين والفراشين وعمال الخدمات وغيرهم، بينما ذكر أصحاب المروءة بأن الحرفة والصنعة دليل على مروءة صاحبها، قال الأحنف: (المروءة العفة والحرفة، تعف عمّا حرم الله، وتحترف فيما أحل الله)(4).

نعم، قد يكون صاحب الحرفة الدنيئة أنقى من ذي منصب ووجاهة(5)، كما


1) تاریخ بغداد 1 / 73

2) المصدر نفسه 5 / 345؛ تذكرة الحفاظ 3 / 930

3) فتح المعين 3 / 377

4) شرح نهج البلاغة 18 / 129

5) حاشية رد المحتار 6 / 19

أن المجتمع يكون متدنياً أخلاقياً وتهدم مروءته فيما إذا فشى فيه الغناء مثلاً، فقد ورد عن يزيد بن الوليد الناقل نصيحته لبني أمية بقوله: (إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة، وأنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السكر فإن كنتم لابد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا)(1)، وقد وصف المجتمع بالسوء والابتلاء فيما إذا كان ليس فيه آداب الإسلام ولا أخلاق الجاهلية ولا أحلام ذوي المروءة.

بينما تظهر المروءة في المجتمع المترقي اقتصادياً، فقد جاء في غرر الحكم (مع الثروة تظهر المروءة)(2)، وقد أوضح الصلحاء وعلماء الأخلاق مؤشراً ومعياراً في مروءة المسلمين في أسواقهم بأن يرخصوا السعر عند البيع، فقد رُوِيَ عن عبد الأعلى ممن كان سمساراً قال لي الحسن: أيولي أحدكم أخاه الثوب فيه رخص در همين أو ثلاثة، قال: قلت لا والله ولا دانق، قال: فقال الحسن: أف أف فماذا بقي من المروءة إذاً؟(3)، وقد ورد ما يشابه هذا ما قالت أعرابية: (لا تلتمس المروءة ممن مروءته في رءوس المكاييل)(4).

وقد أوصى لقمان ابنَهُ بكيفية اختيار إخوانِه وأصحابه بقوله: (وليكن إخوانك وأصحابك الذين تستخلصهم وتستعين بهم على أمورك أهل المروءة والكفاف والثروة والعقل والعفاف)(5).

المروءة في الروايات الشريفة:

وردت عدة روايات في المروءة منها:

1 - في تفسير البرهان عن ابن بابويه باسناده عن عمرو بن عثمان قال: (خرج علي


1) حلية الأولياء 10 / 349

2) غرر الحكم 258

3) شعب الإيمان 1 / 441

4) تفسير القرطبي 19 / 253

5) المستدرك 12 / 438

علیه السلام على أصحابه وهم يتذاكرون المروءة، فقال: أين أنتم من كتاب الله؟ قالوا: يا أمير المؤمنين في أي موضع؟ فقال في قوله عزَّ وجل: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ»(1))، ورواه العياشي وصاحب الدر المنثور عن ابن نجار في تاريخه(2).

2 - روی محمد بن علي بن الحسين قال: تذاكر الناس عند الإمام الصادق علیه السلام أمر الفتوة، فقال علیه السلام: (تظنون إن الفتوة بالفسق والفجور، إنما الفتوة والمروءة طعام موضوع، ونائل مبذول بشيء معروف، وأذى مكفوف، وأما تلك فشطارة وفسق، ثم قال: ما المروءة؟ فقال الناس: لا نعلم، قال: المروءة والله أن يضع الرجل خوانه بفناء داره، والمروءة مروءتان: مروءة في الحضر، ومروءة في السفر، فأما التي في الحضر تلاوة القرآن، ولزوم المساجد، والمشي مع الأخوان في الحوائج، والنعمة ترى على الخادم أنها تسر الصديق، وتكبت العدو، وأما التي في السفر فكثرة زاد وطيبه وبذله لمن كان معك، وكتمانك على القوم أمرهم بعد مفارقتك إياهم وكثرة المزاج في غير ما يسخط الله عزَّ وجل)، ثم قال علیه السلام: (والذي بعث جدي صلی الله علیه وآله بالحق نبياً، إن الله عزَّ وجل ليرزق العبد على قدر المروءة، وإن المعونة تنزل على قدر المؤنة، وإن الصبر ينزل على قدر شدة البلاء)(3).

3 - روي في المستدرك عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال في حديث: إن لقمان قال لابنه: (وليكن أخوانك وأصحابك الذين تستخلصهم وتستعين بهم على أمورك أهل المروءة والكفاف والثروة والعقل والعفاف، الذين إنْ نفعتهم شكروك، وإنْ غبت عن جيرتهم ذكروك)(4).


1) سورة النحل، آية: 90

2) تفسير الميزان 12 / 35

3) وسائل الشيعة 11 / 433، معاني الأخبار 119

4) مستدرك الوسائل 12 / 438

4 - روي (لا دين لمن لا مروءة له ولا مروءة لمن لا عقل له)(1)، وشرح الحديثين إنّ الظاهر إنّ النفي في المواضع الأربعة وارد على الحقيقة كما يقتضيه وقوع النكرة في سياق النفي، والمعنى لا تتحقق حقيقة الدين ولا توجد لمن ليس له حقيقة المروءة، ولا تتحقق حقيقة المروءة لمن ليس له حقيقة العقل، وينتج لا يتحقق حقيقة الدين لمن ليس له حقيقة العقل، والمقدمتان ظاهرتان ضرورة إن من كان له مروءة في الجملة كان له دين في الجملة، ومن كان له عقل في الجملة كان له مروءة في الجملة.

ويحتمل أن يكون النفي فيها وارداً على الكمال كما هو الشائع في استعمال نحو هذا الكلام، والمعنى لا يتحقق كمال الدين لمن ليس له كمال المروءة، ولا يتحقق كمال المروءة لمن ليس له كمال العقل، وينتج لا يتحقق كمال الدين لمن ليس له كمال العقل، وأفاد المحقق الخراساني: من أن نفي الموضوع قد يكون كناية عن نفي آثاره كقول القائل: يا أشباه الرجال ولا رجال مدعياً أنْ تمام حقيقة الرجولية هو المروءة والشجاعة، فإذا فقدتا فقدت الرجولية، والأول أظهر في المعنى والثاني أنسب، وإن الإمام علیه السلام بين أنَّ المروءة والإنسانية بالعقل وكان كل واحد منهما مستوراً لا يدركه الحواس وكانت الظواهر أدلة على البواطن أشار إلى أنه يعرف ذلك بترك الدنيا وعدم الركون إليها، وإلى أن مراتبه متفاوتة في الشدة والضعف(2).

5 - قال الإمام الصادق علیه السلام: (يا عمار - عمار بن موسى - إن كنت تحب أن تستتب لك النعمة وتكمل لكَ المروءة وتصلح لكَ المعيشة، فلا تشارك العبيد والسفلة في أمرك، فإنك إن ائتمنتهم خانوك، وإن حدثوك كذبوك، وإن نكبت خذلوك، وإن وعدوك أخلفوك)(3).


1) الكافي 1 / 17

2) شرح أصول الكافي 1 / 186، بحار الأنوار 65 / 1343

3) الكافي 2 / 64

6 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من المروءة استصلاح المال)(1).

7 - روی صاحب المستدرك عن الإمام موسى بن جعفر علیه السلام أنه قال: قال الحسن بن علي علیه السلام في حديث: (واستثمار المال تمام المروءة)(2).

8 - روى زرارة قال: سمعت أبا عبد الله الصادق علیه السلام يقول: (إنّا أهل البيت مروءتنا العفو عمّن ظلمنا)(3).

9 - روى جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر علیه السلام قال: (أوحى الله عزَّ وجل إلى رسوله صلی الله علیه وآله: أني شكرت لجعفر بن أبي طالب أربع خصال، فدعاه النبي صلی الله علیه وآله فأخبره، فقال: لولا أنّ الله أخبرك ما أخبرتك، ما شربت خمراً قط لأني علمت إن لو شربتها زال عقلي، وما كذبت قط لأن الكذب ينقص المروءة، وما زينت قط لأني خفت أي إذا عملت عمل بي، وما عبدت صنماً قط لأني علمت أنه لا يضر ولا ينفع)(4).

10 - روى المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله الصادق علیه السلام: (من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروءته ليسقط من أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان)(5).

11 - قال الإمام الحسن بن علي علیه السلام: (المروءة في شيئين: اجتناب الرجل ما يشينه واختياره ما يزينه)(6).

12 - (تجاوزوا لذوي المروءة عن عثراتهم إلّا في حد من الحدود، فو الذي نفسي


1) من لا يحضره الفقيه 3 / 166

2) مستدرك الوسائل 13 / 49

3) الخصال 10

4) الأمالي 133

5) بحار الأنوار 72 / 167

6) معدن الجواهر 26

بيده إن أحدهم ليعثر وإنَّ يده لفي يد الله تعالى)(1).

13 - (ليس من المروءة استخدام الضيف)(2)، رواه أبو نعيم عن عمر بن عبد العزيز.

14 - (ليس من المروءة الربح على الإخوان)(3).

15 - روي أن رجلاً قام إلى رسول الله صلی الله علیه وآله فقال: يا رسول الله ألست أفضل قومي؟ فقال: (إن كان لكَ عقل فلك فضل، وإن كان لك خلق فلكَ مروءة، وإن كان لكَ مال فلك حسب، وإن كان لكَ تقى فلك دين)(4).

16 - وسُئل الإمام الحسن علیه السلام: ما المروءة؟، فقال: (إن الله تعالى يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها)(5).

17 - روي (إن حَسَبَ الرجل ماله، وكرمه دينه، ومروءته خلقه)(6).

18- روى الحارث قال: (إن علياً علیه السلام سأل ابنه الحسن علیه السلام عن أشياء من أمر المروءة، فقال: يا بني ما السداد؟ قال: يا أبه السداد دفع المنكر بالمعروف، قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة ومرافقة الأخوان وحفظ الجيران، قال: فما المروءة؟ قال: العفاف وإصلاح المال، قال: فما الدقة؟ قال: النظر في اليسير ومنع الحقير، قال: فما اللؤم؟ قال: إحراز المرء نفسه وبذله عرسه، قال: فما السماحة؟ قال: البذل من العسير واليسير، قال: فما الشح؟ قال: أن يرى المرء ما أنفقه تلفاً، قال: فما الأخاء؟ قال: المواساة في الشدة والرخاء، قال، فما الجبن؟ قال: الجرأة على الصديق والنكول عن العدو، قال: فما الغنيمة؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا، قال: فما الحلم؟ قال: كظم الغيظ وملك


1) كشف الخفاء 2 / 171؛ كنز العمال 5 / 311؛ جامع الصغير 1 / 498؛ المبسوط 20 / 107

2) الجامع الصغير 1 / 498

3) المصدر نفسه 1 / 498

4) شرح نهج البلاغة 18 / 128

5) المصدر نفسه 18 / 128

6) المصدر نفسه 18 / 128

النفس)(1)إلى آخر الحديث.

19 - سأل معاوية الإمام الحسن بن علي علیه السلام عن الكرم والمروءة، فقال علیه السلام: (أما الكرم فالتبرع بالمعروف والإعطاء قبل السؤال والإطعام في المحل، وأما المروءة: فحفظ الرجل دينه، وإحراز نفسه من الدنس وقيامه بضيفه وأداء الحقوق وإفشاء السلام)(2).

20 - قال الإمام علي علیه السلام: (ثلاث فيهن المروءة: غَضّ الطرف وغض الصوت ومشي القصر)(3).

21 - روي عن الإمام علي علیه السلام: (أشرف المروءة ملك الغضب وإماتة الشهوة)(4).

22 - وقال الإمام علي علیه السلام: (تفهموا العربية فإنها تشحذ العقل وتزيد في المروءة)(5).

23 - روي عن الإمام الصادق علیه السلام قال: كان الحسن بن علي علیه السلام عند معاوية فقال له: أخبرني عن المروءة فقال: (حفظ الرجل دينه وقيامه في إصلاح ضيعته وحسن منازعته وإفشاء السلام وليس الكلام والكف والتحبب إلى الناس)(6).

24 - وروى الحارث بن الأعور قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام للحسن ابنه: (يا بني ما المروءة؟ قال: العفاف وإصلاح المال)(7).

25 - سُئل الإمام الحسن علیه السلام عن المروءة فقال: (العفاف في الدين وحسن التقدير في


1) نهج السعادة 1 / 549؛ المعجم الكبير 3 / 68

2) أدب الضيافة 138

3) ميزان الحكمة 2 / 1680

4) المصدر نفسه 3 / 2265

5) شرح نهج البلاغة 12 / 71

6) وسائل الشيعة 11 / 435

7) المصدر نفسه 11 / 435

المعيشة والصبر في النائبة)(1)لا أن يكون الدين للتجارة والانخراط في مسلك علماء الدين لنيل نصيبه من الدنيا وإظهار أنه غيور على الدين وذلك بجمع أموال المسلمين عنده واستخدامها لأغراضه الشخصية كما رأيناه بأم أعيننا، وقد رأينا من إذا نكب أو أصابته مصيبة من فقر أو مرض ذلل نفسه عند الناس وصارت شكواه إلى الناس أكثر من شكواه لله، ونكبته وسيلة للاستجداء عند وجهاء الناس.

26 - قال أمير المؤمنين علیه السلام: (من المروءة أن تقصد فلا تسرف، وتعد فلا تخلف)(2).

27 - وقال أمير المؤمنين علیه السلام: (من أفضل المروءة صيانة الحرم)(3)، جعل من أفضل مصاديق المروءة هو صيانة الحرم والغيرة عليها والحفظ وعدم إذلالها بتوفير لقمة العيش الكريمة لها.

28 - وروي عن الإمام الحسن بن علي علیه السلام عندما سأله معاوية عن المروءة فقال: (حفظ الرجل دينه وإحراز نفسه من الدنس وقيامه بأداء الحقوق وإفشاء السلام)(4)، هذه الخصال كانت مطلوبة في زمن الإمام الحسن وهي المطلوبة للمجتمع فكان معاوية قد غير الدين إلى قومية، وذلل نفسه من أجل كسب الآخرين وأداء الحقوق على أساس العنصرية والقبلية، وكان داعية للحرب سفاكاً لدماء المسلمين من مهاجرين وأنصار.

المروءة في أدب الشريعة

قال خالد بن صفوان لولا أن المروءة تشتد مؤنتها ويثقل حملها ما ترك اللئام للكرام منها مبيت ليلة فلما ثقل حملها واشتدت مؤنتها حاد عنها اللئام واحتملها


1) وسائل الشيعة 11 / 435

2) مستدرك الوسائل 13 / 54

3) المصدر نَفْسُهُ

4) بحار الأنوار 44 / 90

الكرام(1). فما حمل الرجال حملاً أثقل من المروءة، والمروءة هي الاستحياء من شيء علانية فلم يفعله سراً، لذا من أراد طلب المروءة فعليه أن يدرب نفسه من الصغر حتى تصبح له عادة طبعية في سلوكه فيتطبع عليها وذلك من خلال النشأة الصالحة، قال الشاعر:

إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً ٭٭٭ فمطلبها كهلاً عليها شديد

وقال داود بن هند: (جالست الفقهاء فوجدت ديني عندهم، وجالست كبار الناس فوجدت المروءة فيهم، وجالست شرار الناس فوجدت أحدهم يطلّق امرأته على ما لا يساوي شعيرة)(2).

وقد رأينا ممن لا مروءة له قد باع دينه بأتفه الأشياء.

وذكر صالح بن جناح: أصل المروءة الحزم وثمارها الظفر وإذا طلب رجلان أمراً ظفر بأعظمهما مروءة(3).

وسأل معاوية صعصعة بن صُوْحان ما المروءة؟، قال: (الصبر والصمت، فالصبر على ما ينوبك والصمت حتى تحتاج إلى كلام)(4).

وقال صعصعة بن صوحان: (رأس المروءة الصمت حتى تحتاج إلى کلام)(5).

وذُكر بأن التخاصم واستخدام الضيف يَضَعان الشرف وينقصان المروءة، والكامل المروءة من أحرز دينه ووصل رحمه واجتنب ما يلام عليه. وأن طلب العلم بالأدب من المروءة.


1) تاريخ مدينة دمشق 16 / 113

2) المصدر نفسه 17 / 130

3) المصدر نفسه 23 / 326

4) المصدر نفسه 24 / 97

5) المصدر نفسه 24 / 97

وقال الزهري: (ما طلب الناس خير من المروءة، ومن المروءة ترك صحبة من لا خير فيه ولا يستفاد منه عقل فتركه خير من كلامه)(1).

وقال شاعر يمدح المروءة(2):

وفتی خلا من ماله ٭٭٭ ومن المروءة غير خال

أعطاك قبل سؤاله ٭٭٭ وكفاك مكروه السؤال

لله درك من فتى ٭٭٭ ما فيك من كرم الخصال

ومن علامات أصحاب المروءة هو طلاقة وجهه وتودده إلى الناس وقضاء حوائجهم، قال ميمون بن مهران: أول المروءة طلاقة الوجه، والثاني التودد إلى الناس والثالث قضاء الحوائج.

كما أن من ظواهر المروءة هي الرياش والفصاحة، وترك الإنسان الطعام وهو بعد يشتهيه، فإن المروءة تأمرك بالأجمل والعقل يأمرك بالأنفع بينما من يتعاطى الأسباب التي تخل بالمروءة فلا تَرْجُ له خيراً وهو من يتكلم بكلام الفسّاق والأراذل مما يستحي أرباب المروءة أن ينطقوا به(3).

وذكروا للعاقل سِت خِصالٍ وهي من المروءة: أن يحفظ دينه، ويصون عرضه، ويصل رحمه، ويحمي جاره، ويرعى حقوق أخوانه، ويخزن عن البذاء لسانه، ولهذا لما سُئل النظام عن المروءة أنشد بيت زهير:

الستر دون الفاحشات ولا ٭٭٭ يلقاك دون الخير من ستر

ولذا قيل: اللذة ترك المروءة والمروءة ترك اللذة، لذا قال معاوية ألذ الأشياء إسقاط المروءة، وأن تستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، (فمن عامل الناس


1) تاريخ مدينة دمشق 55 / 381

2) تاریخ بغداد 10 / 315

3) العهود المحمدية 665

ولم يظلمهم، وحدثهم ولم يكذبهم، ووعدهم ولم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته ووجبت أخوته) وهذا حق، فإن حسن معاملة الناس والوفاء لهم والصدق معهم دليل كمال المروءة ومظهر من مظاهر العدالة(1).

وروى يَغْنَم بن سالم بن قنبر مولى علي بن أبي طالب علیه السلام عن أنس بن مالك قال: لما حشر الله الخلائق إلى بابل بعث إليهم ريحاً شرقية وغربية وقبلية وبحرية، فجمعهم إلى بابل فاجتمعوا يومئذ ينظرون لما حشروا له، إذ نادى منادٍ: من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره فاقتصد البيت الحرام بوجهه فله سلام أهل السماء، فقام يعرب بن قحطان فقيل له: يا يعرب بن قحطان بن هود أنت هو، فكان أول من تكلّم بالعربية، ولم يزل المنادي ينادي: من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا حتى افترقوا على اثنين وسبعين لساناً، وانقطع الصوت وتبلبلت الألسن فسميت بابل، وكان اللسان يومئذٍ بابلياً، وهبطت ملائكة الخير والشر وملائكة الحياء والإيمان وملائكة الصحة والشقاء وملائكة الغنى وملائكة الشرف وملائكة المروءة وملائكة الجفاء وملائكة الجهل وملائكة السيف وملائكة البأس، حتى انتهوا إلى العراق، فقال بعضهم لبعض: افترقوا، فقال ملك الإيمان أنا أسكن المدينة ومكة، فقال ملك الحياء: أنا معك، فاجتمعت الأمة على الإيمان والحياء ببلد رسول الله صلی الله علیه وآله، وقال ملك الشقاء: أنا أسكن البادية فقال ملك الصحة: وأنا معك، فاجتمعت الأمة على أن الشقاء والصحة في الأعراب، وقال ملك الجفاء: أنا أسكن المغرب، فقال ملك الجهل: وأنا معك فاجتمعت الأمة على أن الجفاء والجهل في البربر، وقال ملك السيف: أنا أسكن الشام، فقال ملك البأس: أنا معك، وقال ملك الغنى: أنا أقيم ههنا، فقال ملك المروءة: وأنا معك، وقال ملك الشرف: وأنا معكما، فاجتمع ملك الغنى والمروءة والشرف بالعراق(2).


1) فقه السنة 2 / 699

2) معجم البلدان 1 / 310

خصال أصحاب المروءة

إن المروءة من لوازم الإنسانية ومما يصير بها الإنسان حقيقاً بأن يسمى إنساناً، بل هي من الصفات الذاتية الفطرية، كما أن العمل الصالح من لوازم الإسلام ومما يجعل الإسلام حقيقاً بأن يسمى إسلاماً، ويوصَفُ صاحب المروءة بأنه عريفٌ في المروءة والمحدثون يمدحون رواة الحديث بقولهم (تام المروءة)(1)، فهي من مكارم الأخلاق التي يتخلق بها المؤمن، كما ذكرها الرسول الأكرم، فقد ربط الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله بين المروءة والخلق وأوضح إنهما متلازمان(2)، وهي صفة من صفات الأئمة وخصلة من خصالهم(3)، فإن غاية المروءة أن يستحي الإنسان من نفسه فإن العلة في الحياء من الشيخ ليس كبر سنه ولا بياض لحيته، وإنما علة الحياء منه عقله، فينبغي لنا أن كان هذا الجوهر فينا أن نستحي منه.

كما أن صدق الإنسان يتوقف على مروءته، فقد ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام في نهجه: (قدر الرجل على قدر همته، وصدقه على قدر مروءته، وشجاعته على قدر أنفته، وعفته على قدر غيرته)(4)فإن المروءة تمنع الكذب وتزجر عنه، ولهذا يمتنع منه ذو المروءة وإن لم يكن ذا دين، فقد روي عن أبي سفيان أنه حين سأله قيصر عن النبي صلى الله عليه وآله وصفته، فقال: (والله لولا أني كرهت أن يؤثر عليُ الكذب لكذبته) ولم يكن ذا دين ولأن الكذب دناءة والمروءة تمنع الدناءة، وإذا كانت المروءة مانعة من الكذب اعتبرت في العدالة كالدين(5).

وإن العلم دال على مروءة الإنسان فكلما ازداد الإنسان علماً ازداد مروءةً، فإن طلب العلم دال على المروءة، فقد ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام


1) العلل 1 / 96

2) شرح نهج البلاغة 18 / 128

3) بحار الأنوار، كمال المروءة 4 / 97

4) المصدر نفسه 4 / 67

5) المغني 12 / 33

تقديم العلم على المال بقوله: (فعليكم بطلب العلم فإن طلبه فريضة، وهو صلة بين الأخوان، ودال على المروءة، وتحفة في المجالس وصاحب في السفر وأنس في الغربة)(1).

ومن خصال أصحاب المروءة ظهور النعمة عليه وعلى المتعلقين به والموظفين عنده، قال الإمام أبو الحسن علیه السلام: (من مروءة الرجل أن يكون دوابه سماناً)(2)، وروي عنه أيضاً: (من المروءة فراهة الدابة وحسن وجه المملوك والفرش السري)(3).

وسأل معاوية الإمام الحسن بن علي علیه السلام عن المروءة، فأوضح الإمام أصحاب المروءة بقوله: (شُحَ الرجلُ على دينه، وإصلاحه ماله، وقيامه بالحقوق)(4).

وعين الإمام أبو عبد الله الصادق علیه السلام أصحاب المروءة وخصالهم بأنهم أهل الجود الباذلون للمعروف الكافّوْن عن الأذى بقوله: (تظنون أمر الفتوة بالفسق والفجور، إنما الفتوة والمروءة طعام موضوع ونائل مبذول بشيء معروف وأذى مكفوف، فأما تلك فشطارة وفسق)(5)، وقال الإمام الصادق: (إن من المروءة في السفر كثرة الزاد وطيبه وبذله لمن كان معك)(6)، وقد أكدت الروايات الشريفة أن سيماء أهل المروءة الاقتصاد في المال واستصلاحه واستثماره فلا يبسطون أيديهم كل البسط ولا يجعلونها مغلولة إلى أعناقهم، قال الإمام علي بن


1) أعلام الدين 84

2) الكافي 6 / 479

3) المصدر نفسه 6 / 479

4) وسائل الشيعة 11 / 434

5) من لا يحضره الفقيه 2 / 294

6) وسائل الشيعة 2 / 160

الحسين علیه السلام: (واستثمار المال تمام المروءة)(1)، و (استصلاح المال من المروءة). كما أنهم يكتمون الأسرار فلا يغشونها فعن الإمام الصادق علیه السلام: (ليس من المروءة أن يحدث الرجل بما يلقي في سفره من خيرٍ وشرٍ)(2). بل يتغافلون عن زلل الأخوان(3)، وإنهم يفشون السلام وينشرون الحسن ويطعمون الطعام فثلاثة من أعلام المروءة إطعام الطعام وإفشاء السلام ونشر الحسن(4).

وذكر من كمال المروءة (أن تحرز دينك وتصل رحمك وتكرم أخوانك وتصلح مالك وتقيل في بيتك)(5). فإن الرجل الذي يخدم أهل بيته وتوليه حوائجهم بنفسه تواضعاً من كمال المروءة.

وقد ذكرت الأدعية المأثورة عن أهل بيت العصمة علیهم السلام أن دار أهل المروءة هي الجنة(6).

مصاديق المروءة:

المروءة إنجاز الوعد واجتناب الدنية واخفاء الفاقة والأمراض والحث على المكارم والبرئ من اللؤم والخيانة والغدر، واجتناب الرجل ما يشينه واكتساب ما يزينه، والعدل في الإمْرَة والعفو مع القدرة والمواساة في العشيرة، وبثُ المعروف وقرى الضيوف، فأول المروءة طاعة الله وآخرها استدامة البر، فأشرف المروءة حسن الأخوة وملك الغضب وإماتة الشهوة وأحسن المروءة حفظ الود، وأفضل المروءة احتمال جنايات الأخوان وصلة الرحم واستبقاء الرجل ماء وجهه والحياء وثمرته العفة، ومواساة الإخوان بالأموال ومساواتهم في الأحوال، ورأس المروءة


1) الكافي، كتاب العقل 1 / 20

2) المحاسن 2 / 358

3) شعب الإيمان 6 / 330

4) حلية الأولياء 9 / 394

5) شعب الإيمان 4 / 183

6) الاقبال 269

الضيافة، وعنوان المروءة السخاء، وملاك المروءة صدق اللسان وبذل الإحسان، ونظام المروءة حسن الأخوة.

وثلاث فيهنُ المروءة: غضّ الطرف وغض الصوت ومشي القصد، وثلاث من جماع المروءة عطاء من غير مسألة ووفاء من غير عهد، وجود مع إقلال، وثلاثة هنُ المروءة: جود مع قلة واحتمال من غير مذلة، وتعفف عن مسألة، وجماع المروءة أن لا تعمل في السر ما تستحي منه في العلانية، وخصلتان فيهما جماع المروءة اجتناب الرجل ما يشينه واكتسابه ما يزينه، فعلى قدر المروءة تكون السخاوة، ومن صبر على شهوته تناهى في المروءة، ومن شرائط المروءة التنزه عن الحرام، ومن تمامها التنزه عن الدنية وان تنسى الحق لك وتذكر الحق عليك، وصدق اللسان وبذل الإحسان وكثرة الحياء وبذل الندى، وكف الأذى وغض الطرف ومشي القصد، والورع يصلح الدين ويصون النفس ويزين المروءة(1).

وإن المباكرة في الغداء يطيب النكهة ويطفئ المرة ويعين على المروءة لأنه لا تتوق نفسه إلى طعام غيره(2)، والمروءة القناعة والتجمل، ومن كمال المروءة حسب المرء(3).

ازدياد المروءة:

من الأمور التي تزيد المروءة تعلّم العربية، فإنها تشحذ العقل وتزيد في المروءة، وروي عن الأئمة الهداة أن أكل السفرجل يزيد في العقل والمروءة(4)، كما أن تلاوة القرآن وحضور المساجد وصحبة أهل الخير والنظر في الفقه يزيد في المروءة لما روي عن الإمام الصادق علیه السلام هذا في الحضر، وأما في السفر فالمروءة ببذل الزاد والمزاح في غير ما يسخط الله عز وجل وقلة الخلاف


1) غرر الحكم 258

2) تاریخ دمشق 45 / 381

3) كشف الغمة 2 / 347، فقه الرضا 352

4) وسائل الشيعة 25 / 168؛ شعب الإيمان 2 / 257؛ أدب المجالسة 1 / 62

على من صحبك وترك الرواية عليهم إذا أنت فارقتهم(1).

وقال شبيب بن شيبة: (اطلبوا الأدب فإنه عون على المروءة، وزيادة في العقل، وصاحب في العزلة، وصلة في المجلس)(2).

أعداء المروءة:

إن المروءة اشتدت مَؤونَتُها وثَقل محملها فماد عنها اللئام الأغمار وحملها الكرام الأخيار ولو لم تشتد مؤنتها ويثقل محملها ما ترك اللئام الأغمار منها مبيت يوم، فما حمل الرجل حملاً أثقل من المروءة، فإن المروءة هي المعيار والميزان للرجال فمن ثقلت كفته في مروءته فهو خيرة الرجال، بل أن الفقهاء اعتبروا كل شرط في عقد مخالف للمروءة فهو شرط غير سائغ لأنه مخالف للدين وللشرع، قال المحقق الكركي: (ولو شرط كونها غير عفيفة - نعوذ بالله في عقد الزواج - فظهرت عفيفة، لأن هذا الشرط ينافي المروءة، وعند التحقيق فليس هذا النوع من الشروط بسائغ شرعاً، فإن ما خالف الدين والمروءة فهو مخالف للكتاب والسنة)(3).

وذكر علماء الفقه والأخلاق عدة عناوين لسقوط المروءة، فأعداء المروءة بنو عم السوء إن رؤا صالحاً دفنوه وإن رَؤَوْا شراً أذاعوه(4)، وقد امتحن الله سبحانه وتعالى بعض المؤمنين بأن يتمرأ بعض أقاربه عند وجهاء القوم وعليتهم أو علماء الدين بأقاربه وعشيرته فيتكلم عليهم ويبين مثالبهم المزعومة في مخيلت،. وَمَعْلومٌ أن الأذن الإنسانية تحب سماع المثالب دون المناقب وهذا ديدن ابتلينا به والله المستعان، وقال معاوية لعمرو بن العاص ما ألذ الأشياء؟ قال: إسقاط المروءة، يريد أن الرجل إذا لم يهمه مروءته تلذذ وعمل ما يشتهر ولم يلتفت إلى لوم


1) وسائل الشيعة 11 / 436

2) أدب المجالسة 1 / 105

3) جامع المقاصد 13 / 319

4) تاريخ دمشق 46 / 188

لائم.

ومن أعداء المروءة ممن كانوا جفاة وسفلة وَطَغاماً مع خلوهم من الحمية وأهل الكذب والخلف في الوعد، فإن الكذب ينقص المروءة بل قيل خصلتان لا تجتمعان الكذب والمروءة، وقلة الحياء من قلة المروءة كما أن سوء المنطق يُزْرِي بالبهاء والمروءة(1)، وإن المشارطة في أمور معينة لا يليق بشأن كثير من الأشخاص وكذلك المماكسة فيها خلاف المروءة(2)، ومما يسقط المروءة كثرة الريبة فلا ينبل مريب، ومن قدرُ لأهله أن يحتاجون إلى غيره، وإن يستخدم ضيفه وإسقاط حشمته والأكل في الأسواق والمجامع، والبول في الشوارع، وكشف الرأس في المحافل ممن كان لباسه تغطية رأسه، ولبس الإنسان لبساً مما يجعله موضعاً للسخرية، ومد رجليه عند الناس بلا ضرورة ممن كان في المجلس ممن يحتشم منه، أما لو كان بحضرته أخوته أو أولاده أو تلامذته لم يكن تركاً للمروءة(3)، وخروج المرأة إلى محافل الرجال لتباشر عقد زواجها بنفسها فإنه يعد هذا خلاف المروءة ولكن لا يمنع صحة مباشرتها كما ورد في الشرع، وخلاف المروءة أن يخطب على خطبة بعد علمه(4).

ومن أعداء المروءة المتمسخر والماجن الذي يكثر الدعابة والهزل في أكثر الأوقات، والمغنّي والرقاص والذي يحدث الناس بمضاجعته مع زوجته، والذي يدخل الحمام بدون مئزر مع الناس أو يكشف ما جرت العادة بتغطيته من بدنه أو يتمسخر بما يضحك الناس به أو يخاطب امرأته بحضرة الناس الخطاب الفاحش(5)، والنوم بين المستيقظين(6)، وإكثار الحكايات المضحكة بحيث يصير


1) شرح نهج البلاغة 16 / 139؛ غرر الحكم 119

2) المكاسب 1 / 171

3) مجموعة ورام 2 / 201، 294؛ مغني المحتاج 4 / 431؛ مواهب الجليل 8 / 163

4) المبسوط 5 / 13

5) الشرح الكبير 12 / 42

6) كشف القناع 1 / 91

ذلك عادة له، وكثرة الالتفات وسرعة المشي لا لسبب، وأكل ما يحرم أكله كلحم الخنزير وشرب ما يحرم شربه كالخمر تؤدي إلى ذهاب المروءة والغيرة(1)، وإنشاد الشعر الماجن الخليع والمضايقة في اليسير الذي لا يناسب حاله مثل التدافع مع الناس لحصول أشياء تافهة لوضعه الاجتماعي أو نقل الماء والأطعمة بنفسه ممن ليس أهلاً لذلك إذا كان عن شح وَضِنَة ونحو ذلك(2)، وعدم المبالاة لما يقال عنه عند الناس(3).

ومن أشد أعداء المروءة الغناء فهو يهدم المروءة ويسرقها، وينقص الحياء ويزيد في الشهوة وينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السكر(4)، كما يوصف من همه الدنيا بأنه دنيء المروءة(5)، وظلمَ المروءة مَنْ من بصنيعه. وإن الزني يفسد المروءة ويجمع خلال الشر كلها مع قلة الدين وذهاب الورع وقلة الغيرة.

ومن علامات ذهاب المروءة أن يبيت الرجل خارج منزله في بلده فقد روي عن الإمام الصادق علیه السلام: (هلك بذوي المروءة أن يبيت الرجل عن منزله بالمصر الذي فيه أهله)(6)(وأن يطيء زوجته بحضرة بقية زوجاته)(7)، والشراهة في الأكل، وانهماك الفقيه لطلب الدنيا والملحوظ في زماننا بأن بعض المعممين أخذوا يطلبون الدنيا ويلهثون وراءها مما جعل العوام يستفهمون عمّا يَرَوْنَهُ أمام أعينهم، ويسألون من أين لكَ هذا؟، وعدم الاستقامة العرفية يسقط المروءة فمتى أصبح المعمم مُنَظّماً لسير السيارات في الطرقات أو مُراقِباً في البلدية لتنظيف الشوارع والأزقة كان عملُهُ مُنافياً للمروءة.


1) الأمالي 74؛ غرر الحكم: 119؛ فقه الرضا 354

2) الحدائق الناضرة 10 / 15

3) الوسيلة 230

4) عدة الصابرين 1 / 47؛ الاستقامة 1 / 278

5) الفقيه 3 / 554

6) المصدر نفسه 3 / 554

7) فتح الوهاب 2 / 107

وأوضحت الروايات الشريفة بأن السفلة والعبيد لا مروءة لهم، ونصحت بعدم مشاركتهم وائتمانهم قال الإمام الصادق علیه السلام: (يا عمار إن كنت تحب أن تستتب لكَ النعمة وتكمل لكَ المروءة وتصلح لكَ المعيشة فلا تشارك العبيد والسفلة في أمرك، فإنك إن ائتمنتهم خانوك وإن حدثوك كذبوك وإن نكبت خذلوك وإن وعدوك أخلفوك)(1).

رجوع المروءة لمن خرمها:

ان خارم المروءة لابد له من التوبة والاستبراء، واختلف الفقهاء في المدة الزمنية التي ترجع المروءة لمن خرمها وأسقطها، قيل يستبرئ حاله سنة واحدة، لأن للفصول الأربعة في تهييج النفوس بشهواتها أثراً بيناً فإذا مضت وهو على حاله أشعر ذلك بحسن سريرته، وقيل ستة أشهر وقد هجر مما يخرم أو يسقط المروءة، وقيل خمسين يوماً كما في قصعة كعب، وقيل ليس لذلك حدٌ محدودٌ بل المدار على وجود القرائن الدالة على صدق مدعاه في توبته، ولكن لا يكفي في ذلك ساعة ولا يوم، ويختلف ذلك باختلاف الجناية والجاني والزمان والمكان(2)، والراجح من هذه الأقوال هو الاطمئنان من التائب بأنه لا يسقط مروءته بعد توبته وذلك من خلال تحديد العرف له بالاستقامة العرفية.

المروءة في الفقه الإسلامي:

اشارة

بحث الفقهاء المروءة في عنوان العدالة(3)، فمنهم من اشترط المروءة في العدالة مطلقاً وآخرون نفى ذلك مطلقاً، والرأي الثالث اشترط المروءة في متعلق العدالة في مورد معين دون مورد آخر، كما اختلف الفقهاء الذين اعتبروا المروءة في العدالة على أنها شَرْطٌ أم شَطْرٌ منها.


1) الكافي 2 / 640؛ وسائل الشيعة 12 / 30

2) فتح الباري 11 / 33؛ فتح المعين 4 / 338

3) العدالة: كيفية نفسانية راسخة تبعث على ملازمة التقوى والمروءة؛ جامع المقاصد 5 / 153؛ قواعد الأحكام 3 / 494

الاتجاه الأول: اشتراط المروءة في العدالة:

ذهب جملة من الفقهاء المتأخرين إلى اعتبار المروءة في العدالة كما هو المحكي عن المحقق البهبهاني في شرحه للمفاتيح، والشيخ الطوسي في المبسوط، وابن حمزة في الوسيلة بقوله: (المسلم الحر تقبل شهادته إذا كان عدلاً في ثلاثة أشياء الدين والمروءة والحكم، فالعدالة في الدين الاجتناب من الكبائر ومن الإصرار على الصغائر، وفي المروءة الاجتناب عمّا يسقط المروءة من ترك صيانة النفس وفقد المبالاة)(1)، والعلامة الحلي والفاضل في كتبه في الفروع والأصول والشهيد الأول والمحقق الثاني وصاحب المعالم وروض الجنان(2)، وعن صاحب البحار والرياض أنه المشهور، وعن الذخيرة والمدارك نسبته إلى المتأخرين، فصاحب غنائم الأيام اشترط المروءة في تعريف العدالة بقوله: (إنها ملكة نفسانية تبعث على التقوى والمروءة)(3)، واختار صاحب مسالك الإفهام عدم قبول شهادة من لا مروءة لها بقوله: (من أن طرح المروءة إما أن يكون لخبل أو نقصان أو قلة مبالاة وحياء وعلى التقديرين يبطل الثقة والاعتماد على قوله: إما الأول فظاهر وإما قليل الحياء فمن لا حياء له يصنع ما شاء كما ورد في الخبر).

وفي الذخيرة والكفاية دعوى الشهرة في اعتبار المروءة في عدالة الشاهد وإمام الجماعة بل عن الماحوزية نقل حكاية الإجماع على ذلك، وعن مجمع البرهان أنه احتمل الإجماع على اعتبارها في غير مستحق الزكاة والخمس(4)، بل في الذخيرة أيضاً، وظاهر المفاتيح أنّ المشهور جعلها جزءاً في مفهوم العدالة، والمحكي عن الأشهر اعتبار المروءة في الشهادة(5)، والمشهور على انها شطر في العدالة، وقيل


1) الوسيلة 230

2) روض الجنان 289

3) غنائم الأيام 2 / 31

4) مجمع البرهان 12

5) جامع المقاصد 5 / 153

هي خارجة عن العدالة لكنها شرط في قبول الشهادة كالعدالة. وقد جمع العلامة الحلي في قواعد الأحكام بين الأمرين فجعلها جزءاً من العدالة ثم جعلها شرطاً آخر كالعدالة لقبول الشهادة(1)، وكأنه للإشارة إلى اعتبارها في قبول الشهادة سواء اعتبرت شطراً للعدالة أم لا.

والمشهور عند فقهاء أهل السنة إلى اعتبار المروءة(2)في العدالة، جاء في حاشية الدسوقي من كتب المالكية: ( وإنما اشترطت المروءة في العدالة لأن من تخلق بما لا يليق وإن لم يكن حراماً جرّه ذلك غالباً لعدم المحافظة على دينه واتباع الشهوات)(3).

واعتبر ابن نجيم الحنفي المروءة في عدالة المفتي(4)، واشترط صاحب فتح الملك العلي من علماء أهل السنة بأن العدالة لا تكون كاملة إلا باشتراط المروءة، فالعدالة من دون مروءة تعد عدالة ناقصة عند كلامه عن عدالة الراوي(5).

وقد أجمع عُلَماءُ أئمة الحديث على اشتراط المروءة في عدالة الراوي(6)، قال قال ابن صلاح: (أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن تحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه، وتفصيله أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة متيقظاً غير مغفل حافظاً أن حدث من حفظه ضابطاً لكتابة إن حدث من كتابه)(7).

وقد اشترط الغزالي من علماء الشافعية المروءة في تعريف العدالة بقوله: (العدالة هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، وقد شرط في


1) قواعد الأحكام 394 / 3؛ جواهر الكلام 13 / 3017؛ النور الساطع 2 / 262

2) إعانة الطالبين 3 / 343؛ حاشية الدسوقي 4 / 166؛ مواهب الجليل 8 / 163؛ شرح الكبير 12/ 42

3) حاشية الدسوقي 4 / 166

4) البحر الرائق 6 / 443

5) فتح الملك العلي 83

6) معرفة الثقات 1 / 135

7) مقدمة ابن صلاح 84

العدالة التوقّي في بعض المباحات القادحة للمروءة نحو الأكل في الطريق)(1).

الأدلة على اعتبار المروءة في العدالة:

1 - صحيحة ابن أبي يعفور المتفق على العمل بها، والتي رواها الصدوق بسند صحيح في كتابه (من لا يحضره الفقيه)، ورواها الشيخ الطوسي في الاستبصار والتهذيب بسند غير صحيح لوقوع الحسن بن علي في سندها وقد ضعفه ابن الوليد والنجاشي والعلامة الحلي لأن حاله مهمل في الرجال بخلاف سندها في (من لا يحضره الفقيه)، وأما المتن فهنالك تفاوت يسير في بعض ألفاظ الرواية المنقولة في كتب الحديث.

وأنقل الرواية على ما جاءت في كتاب (من لا يحضره الفقيه) وهي: قال ابن أبي يعفور: قلت لأبي عبد الله علیه السلام بمَ تعرف عدالة الرجل من المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال علیه السلام: (أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان، وتعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار من شرب الخمر، والربا والزنا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك، والدلالة على ذلك كله أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه، ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في الناس، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين، وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلّا من علة، فإذا كان كذلك لازماً لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس، فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته، قالوا: ما رأينا منه إلّا خيراً مواظباً على الصلوات متعاهداً لأوقاتها في مصلاه، فإن ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين وذلك أن الصلوات ستر وكفارة للذنوب)(2).


1) المستصفی 125

2) وسائل الشيعة ج 1، كتاب الشهادات، باب 41

فقوله علیه السلام: (أن يعرفوه بالستر والعفاف وكفّ البطن والفرج واليد واللسان)، حيث تدل هذه الفقرة على وجود حالة عفة في النفس بها يقدر الشخص على التحفظ عن القبائح مطلقاً الشرعية أو العرفية دون خصوص القبائح الشرعية لوجود الأخلاق، بل لعل من عطف اجتناب الكبائر يستفاد إن المراد منها هو الستر والعفاف عن القبائح العرفية الذي هو عبارة عن المروءة، مضافاً إلى أن ارتكاب خلاف المروءة عيب لم يستر فهو مضر بالعدالة، أما المغرى فبالعرف، وأما الكبرى فلقوله علیه السلام: (والدليل على ذلك كله أن يكون ساتراً لعيوبه) الشامل للعيوب الشرعية والعرفية لكونه جمعاً محلى باللام وهكذا قوله علیه السلام السابق: (أن يعرفوه بالستر)، ولو سلمنا أنّ الستر ليس بعيب إلّا أنه كاشف من عدم كونه ساتراً لعيوبه، وقد دلت الرواية على اشتراط ستر العيوب.

اعتراض:

إن المذكور في الرواية كاشف عن العدالة فهو لا يدل على اعتبار ذلك في العدالة إذ المكشوف قد يوجد من دون الكاشف، ولم يكن الظاهر من سؤال السائل ولا من جواب الإمام علیه السلام حصر الكواشف عن العدالة.

فإن قلت: لو لم يكن ترك منافيات المروءة داخلاً في العدالة لاقتصر الإمام على جعل الكاشف اجتناب الكبائر فإنُهُ طريق أسهل.

قلنا: لا نسلم أسهلية ذلك فإن اجتناب الكبائر ليس بالسهل الاطلاع عليه بخلاف ترك منافيات المروءة، فإنه من السهل الاطلاع عليها لأقَل الناس.

2 - استدل المحقق الشيخ أحمد بن محمد بن يوسف البحراني اعتبار المروءة في العدالة بما روي عن الإمام الكاظم علیه السلام في حديث هشام بن الحكم من: (أن من لا مروءة له لا دين له، ومن لا عقل له لا مروءة له)(1).


1) أصول الکافي 1 / 19 / الطبع الجدید / ج 12 / کتاب العقل والجهل؛ الحدائق الناضرة 10 / 17

اعتراض:

لا ريب إن من لا مروءة له ليس بخارج عن الدين، فلابد من حمل الرواية على نفي الكمال الحاصل بالعدالة لأنه أقرب المجازات الممكنة فيكون نظير (لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد)(1)، ويؤيده أن المروءة لا تعتبر في أصل الدين إجماعاً، مضافاً إلى ضعف الرواية، فإن المراد بالرواية هو الحث والحض على المروءة.

3 - خبر عثمان بن سماعة في علامات المؤمن وهو: (من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم كان ممن حرمت غيبته وكملت مروءته وظهر عدله ووجب أخوته)(2).

اعتراض:

إن قوله علیه السلام: (كملت مروءته) ليس المراد منها المروءة عند الفقهاء قطعاً، وذلك أنّ الظلم والكذب محرمان يخلان بأصل العدالة، وكذا خُلْف الوعد بناء على كونه من الكذب، فإذن ليس المراد من المروءة في الخبر ما ذكره الفقهاء في معناها لغة واصطلاحاً.

4 - قول أمير المؤمنين علیه السلام في جواب سؤال جوبرية عن الشرف والعقل والمروءة:

(وأما المروءة فإصلاح المعيشة)(3).

5 - وروي عن الإمام الرضا علیه السلام عن آبائه علیهم السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ستة من المروءة ثلاثة منها في الحضر، وثلاثة منها في السفر، فأما في الحضر فتلاوة القرآن وعمارة المسجد واتخاذ الإخوان، وأما التي في السفر فبذل الزاد وحسن الخلق والمزاح في


1) التهذيب 1 / 92

2) وسائل الشيعة الباب 11 / من أبواب صلاة الجماعة / ج 9

3) روضة الكافي 241، الرقم 331

غير معاصي الله)(1).

6 - روي عن الإمام الصادق علیه السلام: (المروءة والله أن يضع الرجل خوانه بفناء داره، والمروءة مروءتان: مروءة في الحضر، ومروءة في السفر، فأما في الحضر فتلاوة القرآن، ولزوم المساجد والمشي بين الإخوان في الحوائج، والنعمة ترى على الخادم تسر الصديق وتكبت العدو، وأما في السفر فكثرة الزاد وطيبه وبذله، وكتمانك على القوم أمرهم بعد مفارقتك، وكثرة المزاح في غير ما يسخط الله)(2).

اعتراض:

هذه الروايات التي ذكرت المروءة بهذا المعنى غير ما ذكرها الفقهاء قطعاً، على أنها لا دلالة فيها على اعتبارها في العدالة.

7 - ما روي عن الأئمة المعصومين علیهم السلام: (من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له)(3).

8 - وعن الإمام أبي عبد الله الصادق علیه السلام: (الحياء من الإيمان ولا إيمان لمن لا حياء له)(4).

استدل الشهيد الثاني بهذا الخبر على عدم قبول شهادة من لا مروءة له بقوله: (من أن طرح المروءة إما أن يكون لخبل أو نقصان أو قلة مبالاة وحياء وعلى التقديرين يبطل الثقة والاعتماد على قوله: أما الأول فظاهر، وأما قليل الحياء فمن لا حياء له يصنع ما شاء)(5)كما ورد في الخبر.

9 - روي عن الإمام الصادق علیه السلام: (من لم يبالِ ما قال وما قيل فيه فهو شرك


1) وسائل الشيعة / باب 49 / أبواب آداب السفر / الحديث (12) / كتاب الحج

2) وسائل الشيعة 11 / 436

3) وسائل الشيعة / باب 110 / من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج

4) المصدر نفسه 110 / من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج

5) مسالك الافهام 14 / 169

الشيطان)(1).

إن هذه الأخبار وغيرها الواردة في هذا المضمون تدل على أن عدم المبالاة وعدم الحياء عبارة عن عدم المروءة أو ملازم لها فإذا كان يجوز الغيبة معه فهو معتبر في العدالة، لأن العادل لا تجوز غيبته.

اعتراض:

إن العادل إذا تجاهر بشيء جازت غيبته، فيجوز أن يكون عادلاً ولكنه لما ارتكب خلاف المروءة بفعل شيء غير مستحي من الناس جاز غيبته في ذلك الشيء لتجاهره به. وأما رواية (لا إيمان لمن لا حياء له) وما بعدها فهي نظير (لا دين لمن لا مروءة له) على نفي الكمال والحث والحض على الحياء، أو أن المراد من الحياء في الخبر ونحوه هو الحياء من الله عز وجل لا الحياء في الأمور العرفية والاعتيادية، ومن الواضح أن من لا يستحيي من الله سبحانه فيه اقتضاء أن يفعل ما شاء، وعدم الحياء بهذا المعنى الظاهر من الخبر ينافي العدالة بل هو كفر بالله عز وجل وهذا معنى (من لا حياء له لا دين له).

10 - إن من لا يجتنب عن المعايب العرفية لا محالة لا يستحي من الناس، ومن لا يكون كذلك لا يستحي من الله سبحانه وتعالى(2).

ويرد على هذا الاستدلال بأن هذا الدليل أضعف من سابقه لأن من لم يبال بالناس قد يكون جهة توجهه التام إلى الله سبحانه فلا يرى شيئاً غيره حيث محض نفسه في اتباع أوامره ونواهيه، فكيف يقال: إن من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله؟ ولا سيما إذا انضم إليه أن ارتكاب المباح ليس بمعصية.

11 - حديث البرذون حيث جاء فيه: (لا أقبل شهادته لأني رأيته يركض على برذون) ادعى بعض الفقهاء الملازمة بين المروءة والتقوى(3).


1) مسالك الافهام 14 / 169

2) الرأي السديد 111

3) جواهر الكلام 13 / 303

اعتراض:

إن دعوى التلازم بين المروءة وبين التقوى ممنوعة أشد المنع، فإن أولياء الله يقع منهم كثير من الأشياء التي ينكرها الجهلة.

12 - إن فاقد المروءة غير مرضي الشهادة عرفاً فلا يدخل في قوله تعالى: «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ»(1).

اعتراض:

روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام في هذه الآية المباركة، قال: (ممن ترضون دينه وأمانته وصلاحه وعفته وتيقّظه فيما يشهد به وتحصيله وتمييزه، فما كل صالح مميزاً ومحصلاً، ولا كل محصل مميز صالح)(2)والظاهر أنه أجنبي عن محل الكلام، لأنه ساكت عن الأمور المتعارفة بين الناس وسلوكه في المجتمع بحسب العادات والأخلاق العرفية المتبعة.

13 - الإجماع المدعى في الماحوزية، كما أن مجمع البرهان احتمل الإجماع على اعتبار المروءة في غير مستحق الزكاة والخمس.

اعتراض:

إن الإجماع غير ثابت، بل نقل عنه نفسه أنه قال: ليس يبعد عدم اعتبارها لأنه مخالفة للعادة لا للشرع، وهو ظاهر في عدم ثبوت الإجماع عنده(3).

14 - دعوى الاحتياط بأنه قاضٍ بالمروءة في العدالة.

ويرد عليها بأن الاحتياط غير منضبط، فقد يكون فيه، وقد يكون في عدمه، كمعاني العدالة.


1) سورة البقرة، آية: 282

2) وسائل الشيعة 27 / 399

3) جواهر الكلام 13 / 303

15 - إن من لا مروءة له لا ثقة به فلا يجوز الاستفتاء منه.

اعتراض:

يمكن حصول الوثوق به ممن عنده ملكة اجتناب الكبائر الموجبة لاجتنابه الفتوى من دون اجتهاد أو الفتوى بخلاف ما أدى إليه رأيه لأن ذلك من أعظم الكبائر.

16 - أصالة عدم ترتب أحكام العدالة على فاقد المروءة بعد عدم الوثوق بإطلاق يتناوله.

اعتراض:

لا مجال لهذا الأصل بعد سكوت صحيحة ابن أبي عمير عن اعتبار المروءة، إذاً لو كانت شطراً من العدالة لذكرت في الصحيحة، مع كون الإمام علیه السلام في مقام بيان العدالة وخصوصياتها ولا سيما بناءً على القول بالحقيقة الشرعية للفظ (العدالة) وحينئذٍ يكون الأصل في اعتبار شيء زائدٍ على ما في الصحيحة هو العدم.

وليس هذا الشك في الاعتبار مسبباً عن الشك في مفهوم العدالة، ولو سلم فإن هذه السببية شرعية والمرجع فيها هو الشرع، فلما كان الوضوء سبباً شرعياً لحصول الطهارة كان على الشارع بيان الوضوء فإن الشك إنْ كانَ في جزئية شيء فيه ولم يذكره كان الأصل عدم الجزئية.

17 - احتمال أن العدالة من الحقيقة الشرعية فما شك في اعتباره فيها وهي المروءة ينبغي له أن يعتبر لأصالة عدم تحقق الشرط من دونه.

اعتراض:

إن الأخبار أظهرت ما يراد من العدالة، أن ذكرها في مقام البيان كالصريح في نفي اعتبار أمر زائد فيها.

18 - ذهب معظم الفقهاء إلى إن ارتكاب خلاف المروءة يضر بالعدالة وهو وإن لم يكن مما حرمه الشارع إلا أنه بحسب العرف يعد نقصاً يختلف بأختلاف البلاد، فالمروءة معتبرة في العدالة، وهذا يفيد الظن، والظن حجة في تشخيص معاني الألفاظ ولذا قيل بحجية قول اللغوي.

اعتراض:

أن المانعين من اعتبار المروءة في العدالة يعارضون المعتبرين، مضافاً إلى عدم حجية الظن المذكور، ولذا يرجع العلماء إلى علامات الحقيقة لا إلى قول اللغويين، ولو قلنا بحجية قول اللغوي فالمعتبرون لَيْسُوْا من علماء اللغة.

الاتجاه الثاني: عدم اعتبار المروءة في العدالة:

حكي إنكاراً المروءة في العدالة من الشيخ المفيد والشيخ الطوسي في العدة وصاحب الرياض والفاضل الأردبيلي والسيد في المدارك، وإليه ذهب المرحوم الشيخ محمد حسين الأصفهاني وحكي عن المحقق الحلي في الشرائع والنافع، والعلامة الحلي في الإرشاد وولده في الإيضاح وإنهم لم يذكروا اعتبار المروءة في العدالة، وذكر صاحب الذخيرة أنه لم يجد اعتبارها في كلام من تقدم على العلامة الحلي، وإنما هي مذكورة في كتب العامة وتبعهم العلامة الحلي على ذلك وتبعه جماعة ممن تأخر عنه، وبعضهم فصل بين الشهادات وبين غيرها، فاعتبرها في الشهادات دون غيرها(1). قال صاحب الحدائق الناضرة (والحق كما ذكره جملة من أفاضل متأخري المتأخرين أنه لا دليل على اعتبار المروءة في معنى العدالة)(2).

جاء في كتاب غنائم الأيام (لا يشترط اجتناب منافيات المروءة ولعل ذلك لعدم إفادة دليلهم إلا وجوب اجتناب المعاصي، وترك المروءة ليس بمعصية كما


1) الشهادات 71؛ النور الساطع 2 / 262؛ الزبدة الفقهية 4 / 160

2) الحدائق الناضرة 10 / 16

في المسالك)(1).

الأدلة على عدم اعتبار المروءة في العدالة:

1 - روي في أخلاق النبي صلی الله علیه وآله: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يركب الحمار بغير سرج)(2)، و (عاد سعدا وأردف خلفه أسامة بن زيد وكان يجلس على الأرض ويأكل على الأرض)(3)، و (كان صلی الله علیه وآله يحلب شاته وكان أنس رديف رسول الله صلى الله عليه وآله عند رجوعهم خيبر)(4).

ودعوى عدم كون شيء منها منافياً للمروءة مدفوعة بقوله تعالى حكاية عنهم «مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ»(5).

اعتراض:

لا نسلم صدور ذلك منه بنحو ينافي المروءة وحاشاه صلوات الله عليه أن يرتكب ذلك، وقولهم ذلك لتخيلهم أن الرسول يجب أن يكون حكمه حكم الملائكة في عدم اتصافه بصفات الإنسانية. ثم أنه ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام في الزهد ما لو وقع في مثل هذا الزمان لكان أعظم مناف للمروءة بالمعنى الذي ذكروه، مثل ما ورد في رقع جبته حتى استحى من رقعتها.

2 - إن ارتكاب خلاف المروءة لا دليل على أنه يضر بالعدالة وعدم أخذ منافيات المروءة في ماهية العدالة لعدم ورود نص صريح أو مؤذن باعتبار المروءة في العدالة، فعدم الدليل دليل العدم.


1) غنائم الأيام 4 / 168؛ مسالك الافهام 1 / 423

2) بحار الأنوار 6 / باب مكارم أخلاق النبي صلی الله علیه وآله / طبعة 1379 ه؛ بحار الأنوار 16 / 285 / طبعة عام 1379 ه / باب مكارم الأخلاق / الرقم 136؛ بحار الأنوار 18 / 617 - 618 / كتاب الصلاة

3) المصدر نفسه 18 / 617 - 618 / كتاب الصلاة

4) بحار الأنوار 6 / باب مكارم أخلاق النبي صلی الله علیه وآله / طبعة 1379 ه

5) سورة الفرقان، آية: 7

اعتراض:

قد عرفت إن المروءة معتبرة في حقيقة العدالة، وذلك لأن الاستقامة والاستواء عن ملكة هي العدالة في معناها اللغوي، وحيث أن الشارع المقدس يكون الاستواء والاستقامة عنده بسلوك الصراط المستقيم الذي جعله للعباد، وهو إنما يكون بترك المحرمات وفعل الواجبات، كان اطلاق العدالة في لسانه المقدس يقتضي وجود ملكة تلازم فعل الواجبات وترك المحرمات، وحيث إن الأشياء المنافية للمروءة كالأكل في الأسواق والمشي بدون وقار تنافي الاستقامة والاستواء للشخص عند العرف العام فكان إطلاق العدالة في لسان الشرع يفهم منه الملكة المزبورة الملازمة للاستقامة عند الشرع وعند العرف، نظير ما إذا أطلق لفظ (الكامل) بدون قيد في لسان الشارع فإنه يفهم منه الكامل عند الشارع وعند العرف، وبهذا ظهر لكَ فساد ما يظهر من غير واحد من أنها لو وجدت في كلام الشارع أو أحد أوصيائه علیهم السلام لم تحمل على ملكة فعل الواجبات وترك المحرمات ومنافيات المروءة إلا أن تثبت الحقيقة الشرعية فإنه قد عرفت إنها تحمل على ذلك بمجرد اطلاقها إلا أن تقوم قرينة من الشارع على عدم إرادة هذا المعنى منها كما يظهر أن الشارع لم ينقلها لمعنى خاص غير المعنى اللغوي.

إن قلت إن الظاهر لمن تتبع الأخبار ولاحظها أن معنى العدالة عند الشارع وأوصيائه علیهم السلام غير معناها عند أهل اللغة ألا ترى إلى صحيحة أبن يعفور حيث سأل الراوي فيها الإمام علیه السلام بقوله: (بمَ تعرف العدالة)(1)فإن العدالة لو كانت عند الشارع هي معناها عند أهل اللغة وإن الشارع قد استعملها في ذلك لما سأل الراوي عنها.

قلت: السؤال لم يكن عن معنى العدالة، وإنما هو عن طريقة معرفتها كما يسأل السائل عن طريقة معرفة الهلال والقبلة ونحو ذلك من الموضوعات


1) من لا يحضره الفقيه 3 / 38

الخارجية، ومقتضى ذلك إن معناها معلوم للسائل وإلا لكان عليه أن يسأل عن معناها لا عن طريقة معرفتها بل عدم سؤاله عن معناها مع أن الشارع لم يُعرف عنه لها معنى عنده يقتضي أن السائل كان يرى أن معناها العرفي والشرعي واحد.

3- إن ارتكاب الصغيرة مع كونها من المعاصي غير منافٍ للعدالة إلا مع الإصرار عليها فارتكاب خلاف المروءة أيضاً كذلك بالأولوية.

اعتراض:

إن الأولوية لا تتم عند من يقول بأن خلاف المروءة من المعاصي وعند غيره لا اعتبار لهذه الأولوية لقيام الدليل عنده على أخذ المروءة في العدالة.

4 - إن مرتكب خلاف المروءة إذا لم يكن عادلاً فيقتضي أن يكون فاسقاً مع أنه لا يسمى فاسقاً بمجرد ذلك.

اعتراض:

إن الفاسق إن كان غير عادل فلا تأبه عن تسميته بالفاسق. وإن كان مرتكب الذنب فلا تسميه بالفاسق وتلتزم بالوساطة بين العدالة والفسق.

الرأي الراجح:

إن العدالة في لسان الشارع مستعملة في معناها اللغوي غاية الأمر إن الاستقامة عند الشارع هو فعل الواجبات وترك المحرمات بما فهمناه من الآيات الشريفة والأخبار الجلية، والاستقامة عند العرف هي عدم منافيات المروءة فإذا أطلقت في لسانه حملت على الاستقامتين، وحيث إن ظاهر الوصف هو وجود ملكة عليه لذلك كان المفهوم من إطلاقها هو وجود ملكة على الاستقامتين الشرعية والعرفية، ويؤيد ذلك ويؤكده الإجماعان اللذان نقلهما الفاضل المقداد وشارح الإرشاد، ففي الأول أنّ العدالة عبارة عن ملكة بإجماع العلماء، وفي الثاني على ما حكاه صاحب الرياض إن المعروف بين الجمهور والإمامية إن

العدالة بمعنى الملكة.

إن منافيات المروءة منافية لمعنى العدالة التي هي الاستواء والاستقامة، فإذا كان الرجل بحيث لا يبالي بشيء من الأشياء المنكرة عرفاً فلا ريب في عدم استقامته مؤيداً بما عساه يؤمي إليه بعض النصوص في المروءة وإن لم تكن صريحة بالمعنى الذي ذكره الفقهاء، بل قد يقال إن منافاتها تورث شكاً في دلالة حسن الظاهر على الملكة أو على حسن غيره مما يظهر منه، ضرورة كون المراد منه ما هو منكر في العادة ومستقبح فيها من دون ملاحظة مصلحة يحسن بها، كما في بعض الأمور الواقعة من بعض أولياء الله التي لا قبح فيها في العادة مع العلم بوجهها، نحو ما وقع من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام من ترقيع المدرعة.

نعم، ارتكاب خلاف المروءة قد يوجب سقوطه عن أعين الناس بحيث يصير بذلك موهوناً، ولا إشكال في أن هذا محرم من جهة هتك لمقام العلماء إذا كان عالماً ومقام الإيمان إذا لم يكن منهم. كما لا يكون وقوع النادر القادح هو مُنافياً للمروءة ولا محرماً ولا مسقطاً للعدالة إلا فيما يصير له عادة.

المصادر

1.

القرآن الكريم.

2.

الاختصاص / الشيخ المفيد (ت 413 ه) / علي أكبر غفاري / جماعة المدرسين في الحوزة العلمية.

3.

أدب الضيافة / جعفر البياتي / مؤسسة النشر الإسلامي / ط 1 / 1418 ه.

4.

أدب المجالسة / يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري (ت 463 ه) / تحقيق: سمير حلبي / دار الصحابة للتراث / طنطا / 1409 ه - 1989 م.

5.

إعانة الطالبين / الكبري الدمياطي (ت 1310 ه) / دار الفكر / بيروت / ط 1.

6.

إغاثة اللهفان / محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله (ت 751 ه) / تحقيق: محمد حامد الفقي / دار المعرفة /بيروت / ط 2 / 1395 ه - 1975 م.

7.

الأم / الشافعي (ت 204 ه) دار الفكر / بيروت / ط 2 / 1403ه.

8.

الأمالي / الشيخ الصدوق: (ت 381 ه) / قسم الدراسات الإسلامية / مؤسسة البعثة / قم / ط 1 / 1417 ه.

9.

بحار الأنوار / المحدث محمد باقر المجلسي (ت 1111 ه) /مؤسسة الوفاء / بيروت / ط 2 / 1403 ه - 1983 م.

10.

البحر الرائق شرح كنز الدقائق / ابن نجيم المصري. الحنفي (ت 970 ه) / تحقيق: الشيخ زكريا عميرات / دار الكتب العلمية / بيروت / الناشر: محمد علي بيضون / ط 1 / 1418 ه.

11.

تاج العروس من جواهر القاموس / محمد مرتضى الزبيدي (ت 1205 ه) / مكتبة الحياة / بيروت.

12. تاريخ بغداد / أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت 463 ه) / دار الكتب العلمية / ط 1.

13 تاريخ مدينة دمشق / ابن عساكر (ت 571 ه) / تحقيق: علي شيري / دار الفكر / 1415ه.

14.

تحفة الأحوذي في شرح الترضدي / المباركفوري (ت 1353 ه) / دار الكتب العلمية / بيروت / ط 1.

15.

تفسير سورة الحمد / السيد الشهيد السعيد محمد باقر الحكيم (ت 1424 ه) / مجمع الفكر الإسلامي / ط 1 / 1420 ه.

16.

الجامع الصغير / جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 ه) / دار الفكر / بيروت / ط 1 / 1401 ه.

17.

الجامع لأحكام القرآن / أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (ت 671 ه) / دار إحياء التراث العربي / مؤسسة التاريخ العربي / بيروت / 1405 ه.

18.

جامع المقاصد / المحقق الكركي (ت 940 ه) / تحقيق: مؤسسة آل البيت علیهم السلام / ط 1 / 1408 ه.

19.

جواهر الكلام / الشيخ محمد حسن النجفي (ت 1266 ه) / نشره الشيخ علي الأخوندي / دار الكتب الإسلامية / مطبعة النجف / النجف الأشرف / ط 6 / 1382 ه.

20.

حاشية الدسوقي / شمس الدين بن عرفة الدسوقي (ت 1230 ه) / دار إحياء الكتب العربية.

21.

الحدائق الناضرة / المحقق البحراني (ت 1186 ه) / محمد تقي الإيرواني / جماعة المدرسين / قم.

22.

حلية الأولياء / أبو نُعَيْم أحمد بن عبد الله الأصفهاني (ت 430 ه) / دار الكتاب العربي / بيروت / ط 4 / 1405 ه.

23.

الخصال / الشيخ الصدوق (ت 381 ه) / علي أكبر غفاري / مطبعة انتشارات إسلامي / ط 1 / 1361 ه.

24.

الدر المنثور / السيوطي (ت 911 ه) دار المعرفة / ط 1 / 1365 ه.

25.

الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد / ميرزا غلام رضا عرفانيان / الطبعة الأولى / مطبعة النعمان النجف الأشرف / ط 1 / 1386ه - 1967 م.

26.

رجال النجاشي / أبو العباس أحمد بن علي النجاشي الأسدي الكوفي (ت 450 ه) /طبع ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي.

27.

روض الجنان / الشهيد الثاني (ت 966 ه) / الناشر: مؤسسة آل البيت / طبعة حجرية / 1404 ه.

28.

روضة الطالبين / يحيى بن شرف النووي (ت 676 ه) / تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض / دار الكتب العلمية / بيروت.

29.

روضة المحبين / محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله (ت 751 ه) / تحقيق: محمد حامد الفقي / دار المعرفة / بيروت / ط 2 / 1395 ه -1975 م.

30.

سبل السلام / الإمام محمد بن إسماعيل الكحلاني (ت 1182 ه) / شركة مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي وأولاده / مصر.

31.

سير أعلام النبلاء / الذهبي (ت 748 ه) / تحقيق: شعيب الأرنؤوط / مؤسسة الرسالة / بيروت / ط 9 / 1413 ه.

32.

شرح أصول الكافي / المحقق: مولى محمد صالح المازندراني (ت 1081 ه).

33.

الشرح الكبير / عبد الله بن قدامة (ت 620 ه) / دار الكتاب العربي /

بيروت.

34.

شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد (ت 655 ه) / تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم / دار إحياء الكتب العربية مطبعة منشورات مكتبة آيه الله العظمى المرعشي النجفي.

35.

شُعَبُ الإيمان / أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت 458 ه) / تحقيق:

محمد السعيد زغلول / بيروت / ط 1 / 1410 ه.

36.

الشهادات / السيد الكلبايكاني (ت 1414 ه) / دار القرآن الكريم / مطبعة سيد الشهداء / قم / 1405 ه.

37.

شيخ المضيرة أبو هريرة / محمود أبو رية (ت 1970 ه) / دار المعارف / مصر / ط 3.

38.

الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية / إسماعيل بن حماد الجوهري (ت 393 ه) / تحقيق: أحمد بن عبد الغفور عطار / دار العلم للملايين / بيروت / ط 4 / 1407 ه.

39.

صحيفة الإمام الحسين علیه السلام / الشيخ جواد قيومي / دفتر انتشارات إسلامي / ط 1/ 1375 ه.

40.

العلل ومعرفة الرجال / أحمد بن محمد بن حنبل (ت 241 ه) / تحقيق: د. وصي الله بن محمود عباس / المكتب الإسلامي / بيروت / ط 1.

41.

غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام / الميرزا أبو القاسم القمي (ت 1221 ه) / المحقق: عباس تبريزيان / مكتب الإعلام الإسلامي / فرع خراسان / ط 1 / 1418 ه.

42.

فتح الباري في شرح صحيح البخاري / شهاب الدين بن حجر العسقلاني (ت 852 ه) / دار المعرفة للطباعة والنشر / بيروت / ط 2.

43.

فتح المعين / عبد العزيز المليباري الفناني الهندي (ت 987 ه) / دار الفكر / ط 1 / 1418 ه.

44.

فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي علیه لاسلام / محمد بن أحمد بن الصَّدَّيق المغربي (ت 1380 ه) / محمد هادي الأميني / مكتبة أمير المؤمنين علیه السلام / أصفهان.

45.

فتح الوهاب / زكريا محمد أحمد زكريا الأنصاري (ت 926 ه) / دار الكتب العلمية / بيروت / ط 1 / 1418 ه.

46.

فقه السنة / سيد سابق / دار الكتاب العربي / بيروت.

47.

قواعد الأحكام العلامة الحلي (ت 726 ه) / تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي / قم المقدسة / ط 1 / 1413 ه.

48.

الكافي / الشيخ الكليني (ت 329 ه) / تحقيق علي أكبر غفاري / الناشر: دار الكتب الإسلامية / المطبعة الحيدري / ط 4 / 1365 ه.

49.

كشف الخفاء ومزيل الإلباس / إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي (ت: 1162 ه) / دار الكتب العلمية / ط 2 / 1408 ه.

50.

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية / عبد الوهاب الشعراني / مصطفى البابي الحلبي وأولاده / ط 2 / 1393 ه.

51.

المبسوط / شمس الدين السرخسي (ت 483 ه) / دار المعرفة / بيروت / 1406 ه.

52.

مجمع البحرين / الشيخ فخر الدين الطريحي (ت 1085 ه) / السيد أحمد الحسيني / مكتب نشر الثقافة الإسلامية / ط 2 / 1408 ه.

53.

مجمع الفائدة والبرهان / المحقق الأردبيلي (ت 993 ه) / جماعة المدرسين / 1404 ه.

54.

المجموع في شرح المهذب / محي الدين ابن النووي (ت 676 ه) / دار الفكر.

55.

المحاسن / أحمد بن محمد بن خالد البرقي (ت 274 ه) / تحقيق: السيد جلال الدين الحسيني / دار الكتب الإسلامية.

56.

مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل / المحقق النوري الطبرسي (ت 1320 ه) / مؤسسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث / ط 2 / 1408 ه.

57.

معاني الأخبار / الشيخ الصدوق (ت 381 ه) / علي أكبر غفاري / مطبعة انتشارات إسلامي / ط 1 / 1361 ه.

58.

معجم البلدان / ياقوت الحموي (ت 626 ه) / دار إحياء التراث العربي / ط 1 / 1405 ه.

59.

المعجم الكبير / سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني (ت 360 ه) / تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي / دار إحياء التراث العربي / مكتبة ابن تيمية / القاهرة / ط 2.

60.

معدن الجواهر ورياضة الخواطر / أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي / تحقيق: السيد أحمد الحسيني / قم / ط 2 / 1394 ه.

61.

معرفة الثقات / الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي (ت 261 ه) / مكتبة الدار بالمدينة المنورة / ط 1 / 1405 ه.

62.

المغني / عبد الله بن قدامة (ت 620 ه) / دار الكتاب العربي / بيروت.

63.

مغني المحتاج / محمد الشربيني الخطيب (ت 977 ه) / دار إحياء التراث العربي / 1377 ه.

64.

مقدمة ابن صلاح في علم الحديث / الإمام أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهروزي (ت 643 ه) / تحقيق: أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عريضة / دار الكتب العلمية / بيروت / ط 1 / 1416 ه.

65.

المكاسب / الشيخ الأنصاري (ت 1281 ه) / لجنة التحقيق / مطبعة باقري / قم / ط 1 / 1415 ه.

66.

من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق (ت 381 ه) / علي أكبر غفاري / جماعة المدرسين / ط 2 / 1404 ه.

67.

الميزان في تفسير القرآن / العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 ه) / مؤسسة النشر الإسلامي.

68.

ميزان الحكمة / محمدي الريشهري / المطبعة: دار الحديث / الناشر: دار الحديث / ط 1.

69.

مواهب الجليل / الحطاب الرعيني (ت 954 ه) / الشيخ زكريا عميران / دار الكتب العلمية / بيروت / ط 1 / 1416 ه.

70.

النور الساطع في الفقه النافع / آية الله العظمى الشيخ علي كاشف الغطاء / مطبعة الآداب / النجف الأشرف / 1961 م.

71.

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة / الشيخ محمد باقر المحمودي / مطبعة النعمان / النجف الأشرف / ط 1 / 1386 ه.

72.

وسائل الشيعة / الحر العاملي (ت 1104 ه) / مؤسسة آل البيت علیهم السلام / قم / ط 2 / 1414 ه.

73.

الوسيلة إلى نيل الفضيلة / ابن حمزة الطوسي (ت 560 ه) / تحقيق: محمد الحسون / الناشر: مكتبة السيد المرعشي / قم / ط 1 / 1408 ه.

المسائل المستحدثة في المدرسة الفقهية النجفية

اشارة

«3»

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

من المعروف الثابت إن للإسلام كلمةَ فيصل في كل واقعة من وقائع الحياة، وله فيها رأي حصيف منطلق من كتاب الله العزيز وسنة نَبيّهِ محمد بن عبد الله صلی الله علیه وآله وسلم والأئمة الكرام من أهل بيته عليهم أفضل الصلاة والسلام. فقد عالج مختلف نواحي الحاجات الإنسانية وقدم لها الحلول الجذرية القائمة على مبدأ حفظ الإنسان واحترام حقوقه وصيانة مقامه، فالمصلحة العامة للبشرية وتكامل القيم الإنسانية العليا هي الأسس التي تقام عليها مختلف التشريعات الإسلامية ومع تطور المجتمعات وتوغلها في المدنية تطورت الحاجات البشرية واختلفت وجوه الابتلاءات بالمسائل الاجتماعية والاقتصادية والدينية، فإن تطورات الحياة من ناحية التقدّم العلمي والتقني والتغير في الطبيعة الإنسانية من حيث تفاعلها مع الكون والحياة والطبيعة والتعقيدات الاجتماعية والسياسية، وتطور أشكال الدول والحكومات وتعاظم المسؤوليات الاجتماعية وتوجه الأعمال والمهام نحو التخصص، هذه التطورات نشأتْ منها مشاكل وصعوبات وتعقيدات جديدة تختلف من عصر إلى آخر ومن مكان إلى آخر وهي بحاجة إلى علاج وحل واقعي ينسجم مع ثوابت وأساسيات المنهج الإسلامي ويكون صادراً بفتوى دقيقة، فكان من البديهي أن تتوجه الأبصار إلى الحوزات العلمية، وكانت حوزة النجف الأشرف السبّاقة للتصدي إلى هذه المسائل المستحدثة من خلال مراجعها العظام لمعرفة الحكم الشرعي في كل

صغيرة وكبيرة صادفتهم في حياتهم، روي عن الإمام صاحب العصر والزمان الحجة بن الحسن علیه السلام: (وأما الحوادث الواقعة فأرجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم)(1). وهذا فعلاً ما تحملته مدرسة النجف الأشرف الفقهية على عاتقها بمعالجة وبيان الموقف الفقهي لكل المستجدات الحاصلة للمجتمع، إذ استطاعت الإحاطة بجميع انجازات العصر الحديث.

إن المدرسة الفقهية النجفية لم تقتصر حركتها الاجتهادية على مستوى شؤون الفرد مع ربه ومع محيطه من خلال الأحكام الخاصة عبرَ الرسائل العملية بل تعدَتْ إلى فقه المجتمع المرتبط بحركة الأمة والمجتمع مواكبة لجميع ميادين الحياة المختلفة، وما الفتاوي التي أفتاها المراجع العظام في وجوب الانتخابات والتصويت على الدستور إلاّ دليل تفاعل الفقه مع المجتمع.

إن مدرسة النجف الفقهية ترى أهمية الفقه المرتبط بحركة المجتمع من فتاوى الأمة وفتاوى المجتمع لا يقل أهمية عن فقه الأفراد إن لم يكن هو الأهم لأنه يحفظ شخصية الأمة وهويتها وسلامة توجهاتها ومسارها.

لقد تميزت مدرسة النجف الأشرف الفقهية المواكبة والمتابعة السريعة للموضوعات المستحدثة، فقد حرصت كل الحرص على أسلمة المجتمع ضمن الضوابط الشرعية وتقديم الدين الإسلامي على منظور التشريعات السمحة مصداقاً لقول رسول الرحمة صلی الله علیه وآله وسلم: (إن أحب دينكم إلى الله الحنيفية السمحة السهلة)(2).

لقد تصدى فقهاء النجف الأشرف لكل النوازل والقضايا المستحدثة التي تعرض على الأمة الإسلامية بالرغم ما أراد أعداء الإسلام والعلماء من


1) بحار الأنوار 53 / 181؛ الحكم الزاهرة 1/ 171

2) الفقيه 1/ 12 باب المياه

السلطة البائدة من تهميش دورهم فيما يجري من أحداث وتطورات.

إن التخلف الذي يصيب الحركة الفقهية الاجتهادية يؤدي إلى مواجهة المكلفين جملة من المشاكل العويصة نتيجة تسارع الأحداث وكثرة المستجدات، مما يؤدي إلى ضياع المسلمين بسبب عدم قراءة الواقع جيداً وعدم قيام المجتهدين بتجديد الفقه في ظل الحاجة إلى ذلك ومواكبته للقضايا المعاصرة، ومهما يكن فإن ضرورة بحث المسائل المستحدثة من الوضوح بمكان إذ لا ريب في كون جملة من المباحث الفقهية لم يتعرض لها السابقون وإنما استحدثت فيما بعد ولاسيّما في القرن الأخير. وقد استعرضْتُ إجمالاً المحاور الرئيسة التي تناولتها المدرسة الفقهية النجفية للمسائل المستحدثة مع بيان مجمل مقتضب لأمثلة من تلك المسائل المستحدثة، ومعلوم إن الكتابة المستوفية لمسألة مستحدثة واحدة يحتاج إلى مجلد لبيانها مع دليلها وآراء الفقهاء فيها.

وفي الختام اسأل الله تعالى بجاه من لذنا بجواره مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام أن يجعل مجتمعنا سلوكاً وقولاً على وفق أحكام الإسلام لينال السعادتين سعادة الدنيا والآخرة.

تعريف المسألة المستحدثة:

هي الواقعة الجديدة التي لم يسبق أن بحثها الفقهاء القدامى ولم تدوّن في مصنفاتهم، وقد تناولها الفقهاء المُحْدثُون أما فتوى مُجَردَةً أو فتوى مع الدليل.

مميزات المدرسة الفقهية النجفية:

تمتاز المدرسة النجفية بعراقتها وتأثيرها وامتلاكها لأكبر محيط تعليمي وبحثي في مجال العلوم والمعارف الدينية للأسباب الآتية:

1- ان مدرسة النجف الفقهية أخذت على عاتقها الانفتاح على أبواب جديدة في الفقه الإسلامي ومواكبتها لروح العصر وذلك بالأخذ بالتقنيات الحديثة.

2- وعيها لآمال الأمة الإسلامية وتطلعاتها ومهامها وشؤونها وواقعها والصعوبات التي تواجهها.

3- رفضت مدرسة النجف الفقهية التحجّر والجمود الفكري الناتج من العادات والتقاليد والبيئات وانفتحت على مقتضيات التجديد والعصر.

4- ان مدرسة النجف الفقهية قامت بتجديد الفقه الإسلامي تجديداً يحافظ على أصالته النابعة من الكتاب العزيز والسنة المطّهرة وعرضه بصورة تنسجم مع متطلبات الحياة الحاضرة وتلبي حاجات الإنسان المعاصر و تقدم له الحلول المناسبة لمشاكله التي يعاني منها.

5- لم تتأثر المدرسة الفقهية النجفية بالقداسة والتبجيل لأصحاب الفتاوي الشرعية بل تنظر للفتوى بما هي رأي فقهي واضعة إياه على بساط البحث والتمحيص والتدقيق باحثة عن الدليل الصحيح والبرهان الجلي.

6- تصدّت مدرسة النجف الفقهية للفكر المضاد من التيارات الإلحادية والمادية وكل فكر يسعى إلى الطعن في الدين وتشويه صورته تصدياً موضوعياً من خلال البحث والحوار المنطقي وتقديم الحلول الفكرية الناجعة لمشكلات الإنسان المعاصر وقد نأت بنفسها عن اللغط والجدل العقيم وتوافه الأمور.

7- استطاعت مدرسة النجف الفقهية تطبيق الفقه الإسلامي في كل الكون سواء أكان على وجه الأرض أم غيره، فليس الإسلام ديناً أرضياً فقط بل هو دين سماوي المصدر وسماوي التطبيق أيضاً كما في محاولة السيد الشهيد محمد الصدر في كتابه (فقه الفضاء).

8- قوة الدراسة والبحث في مدرسة النجف الفقهية لوجود أساتذة ماهرين محققين لاسيما في مجالات الفقه والأصول والرجال والتراجم مما جعل هذه المدرسة تنفرد بهذه الخصلة وتتميز عن غيرها.

9- التأليف والتصنيف حيث يتوافر في مدرسة النجف الفقهية تراث ضخم من العلوم الإسلامية حتى أصبح المخطوط منه أكثر من المطبوع.

10- حرية أختيار الطالب أستاذ المادة ومكان الدرس وزمانه ومحدودية أيام العطل.

11- تخريج العلماء والمراجع لقرون كثيرة، فالحوزة العلمية الشريفة خرّجتْ العلماء والمجتهدين البارزين لمعالجة حاجات العالم الشيعي بل العالم الإسلامي.

12- حالة الزهد والتقوى والبساطة من خصوصيات الحوزة النجفية حيث يتصف طلابها وأساتذتها بالإنكباب على طلب العلم والعزوف عن الدنيا ومغرياتها.

مميزات الفتوى المستحدثة:

1- يجب الرجوع في المسائل المستحدثة إلى المجتهد الأعلم من الأحياء(1).

2- اعتَدَّ بعض الفضلاء في الحوزة العلمية في النجف الأشرف بأهمية المسائل المستحدثة باعتبارها للأمارة والكاشف عن مرتبة الاجتهاد لقدرة الفقيه على استنباط الحكم الشرعي في المسائل المستحدثة وإن البحث في غيرها تقليد من الدرجة الراقية(2).

3- الوسطية في الفتوى المستحدثة فلا غلو ولا تفريط إذ يلحظ فيها الحفاظ على المقاصد الكبرى في الشريعة الإسلامية وقطعياتها بعيداً عن الحرج تطبيقاً لقوله تعالى: «لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا»(3)، وقوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَوَلاَ


1) السيد السيستاني / الاستفتاءات الفقهية / شبكة الانترنت

2) فقه الفضاء / 9

3) سورة البقرة، آية: 286

يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ»(1).

4- طبيعة الأدلة المعتمدة في المسائل المستحدثة عند بعض الفقهاء لا يكاد يختلف عنها في استنباط أية مسألة في جميع أبواب الفقه فإنه يسعى لاستنطاق الأدلة الاجتهادية أو الفقاهتية إلى أن يصل في آخر البحث لتحديد الموقف الشرعي في حين نجد فريقاً آخر من الفقهاء تتفاوت لديه طريقة البحث بين المسائل التقليدية والمسائل المستحدثة فهو يولي اهتماماً كبيراً للأدلة الثانوية في المسائل المستحدثة، ويحاول عن طريقها حل ما استعصى من مسائل.

5- صوغ الفتاوي المستحدثة بلغة العصر إذ يستعينُ الفقيهُ بالرجوع إلى الخبراء والاختصاصين في حدود اختصاصهم لتشخيص الموضوعات الخارجية وتحديدها من الناحية الموضوعية.

6- الفقيه ينظر إلى المسألة المستحدثة تارة من زاوية الفرد فيستهدف من أول الأمر استنباط وظيفة الفرد وحكمه في هذه المسألة المبتلى بها، وتارة يعالج الفقيه المسألة المستحدثة ذاتها ولكن بنظرة مباينة للنظرة الأولى فهو ينظر إليها باعتدادها مسألة مفردة في ظل نظام عام قائم، ولا يخفى الفارق بين النظرتين وتأثير ذلك في الاستنباط وفهم النصوص وكيفية التعامل مع ظهوراتها فإن تحديد الموقف تجاه مسألة تحديد النسل فيما لو فرضت المسألة في إطار حكومة إسلامية شرعية يختلف عمّا لو فرضت المسألة بالنسبة إلى الفرد في حالة غياب الإطار الإسلامي العام، وليس المقصود بذلك هو اعتماد العناصر الخارجية والعناوين الثانوية في الاستنباط، بل المراد ان تحديد الموقف بالعنوان الأولي يتفاوت في كلا الفرضين خصوصاً إذا لاحظنا إن عدداً معتداً به من المسائل المستحدثة إنما برزت بعد التجربة الإسلامية المعاصرة في إقامة حكومة شرعية


1) سورة البقرة، آية: 185

فمعالجة ذلك في ضمن المنظومة الإسلامية الكاملة للإحكام لا يبعد أن يكون له أثر كبير في مسار البحث وما ينتهي إليه من نتائج.

7- التقوى في الفتوى المستحدثة وذلك بالجمع بين الحجة الشرعية والبرهان الجلي والدليل الصحيح بعيداً عن التأثرات الشخصية المحيطية والسياسية.

8- التخصص الدقيق بعيداً عن النزعات الفكرية أو التشددات الشخصية أو التساهلات الفقهية، وهنالك فرق بين التساهل الفقهي والترخص الفقهي فالتساهل الفقهي قد يؤدي إلى فكُ عرى الدين مثل جعل الحجاب للمرأة غير واجب عليها بينما الترخّص الفقهي هو تدين مثل وجوب إفطار المريض والمرضعة التي يضر في لبنها، قال أمير المؤمنين علیه السلام: (إن الله يحب ان يؤخذ برخصه كما يحب ان يؤخذ بعزائمه)(1).

الفرق بين المسائل المستحدثة والمسائل الفرضية:

إن المسائل المستحدثة موضوعاتها فعلية خارجية، بينما المسائل الفرضية موضوعاتها ذهنية فقط وفي بقعة الأمكان كمسائل فقه الفضاء مثل جواز الزواج بالمخلوقات الفضائية التي قد تكون موجودة في بعض الأجرام السماوية بنفس الشرائط والأحكام الموجودة بين البشر انفسهم طبقاً للشريعة الإسلامية المقدّسة. وكذا إذا وجد في بعض الكواكب أو النجوم مخلوقات عاقلة مالكة لبعض الحاجات المنقولة أو غير المنقولة فمقتضى الاحتياط صيانة هذه الملكية وعدم سرقتها إلا إذا ثبت كونهم غير مسلمين(2).

والمسائل الفرضية مؤشر على براعة الفقيه ومهارته وقدرته على تصور الاحتمالات والصور الممكنة للمسألة على فرض تحققها في الخارج. فإن هذا لا يعدو ان يكون عملية شحْذٍ للذهن بخلاف بحث المسائل المستحدثة، فإن الفقيه


1) بحار الأنوار م 66 / ص 359/ باب 38 جوامع الكلم

2) فقه الفضاء 80/11

يتعامل مع واقع ويحاول ان يقدم حلاً لمشلكة معينة مبتلى بها ويسعى جاهداً لتحديد الموقف والوظيفة الشرعية للمكلف الموجود فعلاً لا افتراضاً.

نعم، بالإمكان تقريب الفقه الفرضي أكثر إلى الواقع وتوظيفه إيجاباً الخدمة الحياة من قبيل بحث المسائل القريبة الوقوع كبحث الاستنساخ بناء على إمكانية تحققه فإنه يقع البحث عن مشروعيته، وحكم الآثار التي يتصور ترتبها عليه أو بحث بعض صور التلقيح الصناعي المفترضة وبيان حكمها وما يلحقها من الآثار مما يعكس مدى المواكبة بين الفقه والعلم الحديث ومن قبيل اكتشاف عقود ومعاملات جديدة او مركبة من عدة عقود أخر والتصدي لتقويمها بمقاييس الشريعة أو تقديم اطروحة لنظام دولي أو حقوقي جديد تتناسب مع الظروف المستقبلية المتوقعة بحسب حدسنا مما يجلي قدرة الفقه على استباق عجلة الزمن ويثبت لياقته لاحتلال موضع الريادة في الحياة. فإن بإمكان الفقه ان لا يقتصر على معالجة ما هو كائن اليوم بل يتعدى لمعالجة ما سيكون في الغد القريب.

البحث في المسائل المستحدثة:

إن كل من له أدنى خبرة في الفقه يحس بالتفاوت الكبير بين بحث المسائل الكلاسيكية وبحث المسائل المستحدثة حيث ان القسم الأول قد تعاقبت عليه أيدي الفقهاء فأثروه تحقيقاً وتحليلا، بيد ان البحث في المسائل المستحدثة لا يزال غضاً يفتقر إلى المزيد من التمحيص والتعميق، فلابد من إعطاء الأولوية للبحوث المستحدثة، فإنه لا تزال الدراسات العليا في الحوزة العلمية (بحوث الخارج) تسير على المنوال الرتيب والمألوف قديماً في معالجتها للمسائل الفقهية طبقاً للمتون المدونة كالعروة الوثقى وشرائع الإسلام واللمعة الدمشقية تاركة البحث للمسائل المستحدثة للدروس غير الرسمية في أيام التعطيل.

وفقهاء مدرسة النجف بحثوا المسائل المستحدثة على ثلاثةِ مُستوياتٍ:

المستوى الأول: هو كتابة الفتاوي للمسائل المستحدثة في كتبهم من دون ذكر الدليل كالمسائل المستحدثة للسيد أبو القاسم الخوئي والمستحدثات من المسائل الشرعية للسيد السيستاني (دام ظله) وغيرهما.

المستوى الثاني: بحث المسائل المستحدثة بذكر أدلتها ومناقشة آراء الفقهاء فيها بتناول أغلبية المسائل المستحدثة في مصنف مثل:

1- (بحوث فقهية) للشيخ حسين الحلي، تقريرات السيد عز الدين بحر العلوم فَقَدْ تناول المواضيع التالية: (التأمين، اليانصيب الأوراق النقدية، أعمال البنوك والمصارف، السرقفلية (الخلو)، الشوارع المفتوحة من قبل الدولة... وغيرها).

2- وكتاب (بشرى الفقاهة) للشيخ محمد أمين المامقاني، وقد تناول فيه: (المعاملات المصرفية، وعقد التأمين، والسرقفلية، وأوراق اليانصيب، وأحكام الترقيع، والتجميل الطبي، وأحكام الإجهاض، ومنع الحمل، وتنظيم النسل، والتلقيح الصناعي... وغيرها).

3- وكتاب (بحوث في الفقه المعاصر) للشيخ حسن الجواهري وتناول فيه: (خصم الأوراق التجارية، بطاقات الائتمان تغيير قيمة العملة، الاستنساخ، الهندسة الوراثية، التذكية بالمكائن الحديثة، مرض الإيدز وما يترتب عليه من أحكام فقهية، العلاج الطبي، بيع الأعضاء البشرية، والعلاج التجميلي بالترقيع... وغيرها).

المستوى الثالث: يتناول الفقيه مسألة واحدة من المسائل المستحدثة بصورة مفصّلة مستعرضاً آراء الفقهاء فيها مع أدلتهم ومناقشاً لها مع بيان حكم جميع فروض وصور تلك الواقعة الجديدة مثل كتاب (البنك اللاربوي في الإسلام) للشهيد السيد محمد الصدر، وكتاب (من فقه الكومبيوتر والإنترنت) للسيد محمد سعيد الحكيم تناول فيه حكم استنساخ وتوزيع البرامج والضابط

الشرعي في الاتصال بالانترنت، والحوار في الانترنت، وحكم المعاملات والعقود الجارية في شبكة الانترنت، وحكم صناعة الفايروسات والدخول في مقاهي الانترنت وغيرها من المسائل المتعلقة بشبكة الانترنت.

وكتاب (فقه المغتربين) لكل من السيد علي السيستاني والسيد محمد سعيد الحكيم تناول فيه المسائل التي تواجه الإنسان المسلم في الغرب في بلاد غير الإسلام. و(الاستنساخ البشري) للسيد علي السبزواري، و(المعادلات المصرفية للفقه الإسلامي) لكاتب السطور.

والملحوظ إن قسماً من الفقهاء لم يتصدَ لتنقيح الموضوع الخارجي للمسألة المستحدثة بل بني بحثه على الفروض المتصورة والمحتملة للموضوع ومضى يعطي لكل صورة حقها في البحث كبحث التلقيح الصناعي، ولكن بعض الدراسات تختصر المسافة بحيث يتركّز البحث فيها على الموضوع الخارجي المبتلى به وتنطلق لتحليل الموضوع مباشرة أو بالاستعانة بذوي الخبرة وأصحاب الأختصاص في تقويم الموضوعات الراجعة إليهم.

أمثلة من المسائل المستحدثة:

اشارة

سأستعرض بعض الأمثلة من المحاور الرئيسة التي تناولتها المدرسة الفقهية النجفية للمسائل المستحدثة مع بيان مقتضب من تلك المسائل:

المحور الأول: الفقه السياسي

1- أفتى السيد السيستاني بُحرْمةِ التعامل مع الشركات الصهيونية أو الشركات التي تخصص بعض أرباحها لدعم الكيان الصهيوني(1).

2- فرض آلية الانتخاب لينبثق منه مجلس يمثّل إرادة العراقيين(2)، وأفتى سماحة


1) شبكة السيستاني / الاستفتاءات الفقهية

2) لمحات من حياة السيد السيستاني / 122؛ موقع السيستاني / شبكة الانترنت

السيد السيستاني بوجوب المشاركة في الانتخابات في 8 ذي القعدة 1426 ه، ما نصه: (إن هذه الانتخابات لا تقل أهمية عن سابقتها وعلى المواطنين رجالاً ونساء أن يشاركوا فيها مشاركة واسعة ليضمنوا حضوراً كبيراً وقوياً للذين يؤتمنون على ثوابتهم ويحرصون على مصالحهم العليا في مجلس النواب القادم، ولهذا الغرض لابد أيضاً من التجنب عن تشتيت الأصوات وتعريضها للضياع. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته).

3- أفتى سماحة السيد السيستاني أن يكتب الدستور العراقي بأيد عراقية(1). ورفض أن يكتب الدستور العراقي تحت إشراف قوات الإحتلال وإليك نص الفتوى في 25 ربيع الثاني 1424 ه: (إن تلك السلطات لا تتمتع بأية صلاحية في تعيين أعضاء مجلس كتابة الدستور كما لا ضمان أن يضع هذا المجلس دستوراً يطابق المصالح العليا للشعب العراقي ويعبّر عن هويته الوطنية التي من ركائزها الأساس الدين الإسلامي الحنيف والقيم الاجتماعية النبيلة، فالمشروع المذكور غير مقبول من أساسه. ولابد أولاً من إجراء انتخابات عامة لكي يختار كل عراقي مؤهل لانتخاب من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور ثم يجري التصويت العام على الدستور الذي يقره هذا المجلس، وعلى المؤمنين كافة المطالبة بتحقيق هذا الأمر المهم والمساهمة في إنجازه على أحسن وجه، أخذ الله تبارك وتعالى بأيدي الجميع إلى ما فيه الخير والصلاح والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته).

4- لا يجوز التعامل بالأسلحة المنهوبة من مراكز الجيش ونحوها بل تبقى ملكاً للدولة ولا يجوز التعامل بها.

5- لا يجوز نشر الملفات الأمنية وأسماء عملاء النظام البائد بل لابد من حفظها


1) لمحات من حياة السيد السيستاني 122؛ موقع السيستاني / شبكة الانترنت

وجعلها تحت تصرف الجهة ذات الصلاحية.

6- لا يجوز قتل أي عضو كان بعثياً أو متعاوناً مع الأجهزة الأمنية بل لابد من إيكال أمره إلى المحاكم الشرعية فلابد من الانتظار حتى تشكيلها.

7- لا يجوز سرقة آثار ومقتنيات المتحف العراقي بل لابد من إعادتها إليه ولا يصح شراؤها ولا بيعها.

8- يجوز الانخراط في سلك الجهاز المكلّف بمكافحة المخدرات، كما يجوز إخْبارُ السلطات المختصة بمن يتعامل بها.

المحور الثاني: فقه المجتمع

1- لا يجوز التدخين في المجالس والأماكن العامة إن وجد فيها من يتضرر بذلك كمرضى الربو(1).

2- حرمة الغش في امتحانات الطلبة مطلقاً سواء أكانت المدارس أهلية أم حكومية(2).

3- حرمة السرقة من أجور الكهرباء أو الهاتف أو الماء وذلك من خلال التحايل ومخالفة النظام(3).

4- جواز الجلوس في المركبات كالطائرات والسيارة والباخرة والقطار بجانب شخص يشرب الخمر، أما الجلوس على مائدة فيها خمر فلا يجوز(4).

5- لا يجوز وضع ما يضر المارة في الطرقات والشوارع من قاذورات أو مواد بناء وغيرها، ويجوز معاقبة الفاعل بتغريمه مَبلغاً من المال لردعه والحفظ المصالح


1) إحدى الفتاوي 272

2) المسائل الشرعية 334/2

3) المصدر نفسه 334/2

4) المصدر نفسه 342/2

العامة(1).

6- لا يجوز لصق او كتابة الإعلانات على الواجهات الخارجية الجدران البنايات أو الدور أو غيرها إلا بإذن مالكها أو المخوّل بالإذن(2).

7- لا يجوز اللجوء إلى مواقع الزواج على الانترنت للتعارف بفرض الزواج لعدم الأمن من الوقوع في الحرام كما هو كذلك غالباً، ولكن يجوز الزواج عن طريق الأنترنت(3).

المحور الثالث: فقه العمل والوظيفة

1- حرمة تهرب الموظف من بعض وقت الوظيفة حتى لو كان بإجازة طبية كاذبة(4).

2- لا يستحق الأجير أجرته فيما لو أغلق صاحب المعمل معمله وفرضت نقابة العمّال الأجرة قهراً للأجير على صاحب المعمل من دون عمل(5).

3- لا يستحق الأجير أجرته على عمل محرّم كنقل الخمور أو تقديمها بل عليه الامتناع عن ذلك حتى لو أدى إلى طرده من عمله(6)«... مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا ويرزقه من حيث لا يَحْتَسِبُ...»(7).

4- يصح عمل المفتش الصحي الذي يمنع بيع المواد الفاسدة أو المضرّة بالصحة


1) المصادر الشرعية 342/2

2) المصدر نفسه 342/2

3) شبكة السيستاني/ الاستفتاءات الفقهية

4) المسائل الشرعية 2/ 83

5) المصدر نفسه 2/ 84، 88

6) المصدر نفسه 84/2، 88

7) سورة الطلاق آية 2، 3

العامة، ولكن لا يجوز تغريم البائع (صاحب المحل أو المطعم)(1).

5- يحرم عمل المحاسب في دائرة الضريبة بعنوان محاسب للضريبة لأخذ الضريبة من المواطنين(2).

6- لا يجوز للمرأة العمل في محلات التزيين والتجميل وأخذ الأجرة فيما لو كانت تُجَمّلُ النساء ذوات السلوك المنحرف (البغايا).

7- يجوز للمرأة المسلمة ان تعمل مذيعة في الراديو والتلفزيون.

المحور الرابع: فقه حقوق الناس

1- يجوز طبع الكتاب بصورة تجارية من دون إذن المؤلف أو ناشره بعد الطبعة الأولى(3). نعم السيد السيستاني أثبت له حقوقاً بعدما ينظم حقوق للمؤلفين والناشرين ونظرائهم في قانون(4).

2- يجوز بيع العلامات التجارية للشركات ودور النشر والمعامل لإنها في عرف الناس والقانون مال مالم تلغ اعتبارها الدولة التي رخصتها(5).

3- صناعة الفيروسات ليست محرمة في نفسها، وإنما يحرّم استعمالها في الأضرار مسلم لحرمة ماله ودمه، كما يحرم تمكين الغير استعمالها في ذلك لأنه إعانة الظالم في ظلمه الذي لا إشكال في حرمته(6).


1) المسائل الشرعية 2/ 84، 88

2) المصدر نفسه 82/2

3) المسائل الشرعية 2/ 340

4) شبكة السيستاني/ الاستفتاءات الفقهية

5) المسائل الشرعية 2/ 342

6) من فقه الكومبيوتر والانترنت / 27

المحور الخامس: فقه الرياضة

1- جواز ممارسة جميع الألعاب الرياضية كلعبة كرة القدم والمصارعة والملاكمة وألعاب القوى إذا لم تكن بِرِهانٍ أو تتضمن ضرراً بدنياً معتداً به(1).

2- جواز اللعب بالألعاب الإلكترونية ما لم يكن هنالك سباق مالي(2).

3- جواز مشاهدة المصارعة الحرة والمباريات العامة إذا كان المصارعون أو المشتركون من الرجال دون النساء، ولكن مشاهدتها في التلفزيون جائزة ما لم يكن النظر بشهوة(3).

4- لا يجوز أخذ المنشطات في ألعاب القوى الرياضية لما تتضمن من مخالفة القانون والاتفاقات(4).

المحور السادس: فقه الأدب والفن

1- جواز رقص الزوجة أمام زوجها دون موسيقى إذا كانت مناسبة لمجالس اللهو واللعب(5).

2- حرمة رؤية الأفلام المثيرة إلى الشهوة(6).

3- جواز صنع التماثيل التجريدية السريالية لأنها لم تكن متشابهة لذي الأرواح عرفياً(7).

4- يجوز الذهاب إلى دور السينما بشرط الأفلام المعروضة غير مثيرة للشهوة


1) المسائل الشرعية 2/ 322

2) شبكة السيستاني / الاستفتاءات الفقهية

3) فقه الأدب والفن 219؛ شبكة السيستاني / الاستفتاءات الفقهية

4) شبكة السيستاني / الاستفتاءات الفقهية

5) فقه الأدب والفن 212

6) المصدر نفسه 212

7) المصدر نفسه 212

الجنسية مع عدم الوقوع في الحرام من حيث الجو السائد هنالك(1).

5- فصّلَ الشهيد السيد محمد الصدر التمثيل إما بالصوت فقط كما في الراديو أو بالصوت والصورة كالتمثيل في التلفزيون والسينما والمسرح كما إن التمثيل ينقسم من حيث كون القصة الممثلة ذات واقع تاريخي أولاً، وعلى كلا التقديرين فأما أن يكون كاتبها ومخرجها قد استهدف فكرة معينة وأنجاز هدف معين نظري أو اجتماعي أو نحوه، وإما لم يكن ذلك بل كان الهدف اقتصادياً بحتاً أو المتنزّه والتفريج وما شاكل فأوصلها إلى أكثر من ستٍ وثلاثين صورة وأعطى لكل صورة حكمها(2).

المحور السابع: فقه المغتربين

1- لا يجوز الاحتيال على قوانين وأنظمة الدول الغربية التي أقيم بها اللاجيء المسلم، فلا يجوز أخذ الأجرة على عمل معين خفية عن الدولة وهو يستلم منها راتب الضمان الاجتماعي مشروطاً بعدم عمله(3).

2- لا يجوز للمسلم الموظف في بلاد الغرب ان يتهرّب من العمل بل الواجب عليه الإلتزام بانظمة العمل لتلك البلدان فلو تهرب من بعض وقت العمل لا يستحق الأجرة عليه(4).

المحور الثامن: فقه القبائل

1- حرمة اختطاف الفتاة أو الطفل ولو وجدا مقتولين فعلى الخاطف ديتهما(5).


1) شبكة السيستاني / الاستفتاءات الفقهية

2) ما وراء الفقه 220/3

3) المسائل الشرعية 2/ 84

4) المسائل الشرعية 2/ 84

5) فقه القبائل 2/ 9، 11، 36

2- حرمة أخذ الخاطف المال بعنوان فدية عن المخطوف(1).

3- لا يجوز تحديد مقدار الدية حسب اعتبارات المقتول من حيث وظيفته او شهادته أو عائلته(2).

المحور التاسع: فقه الجامعات

تناولت المدرسة الفقهية النجفية الوجهة الشرعية لمسائل تتعلق بالطالب الجامعي وأستاذه والمناهج والتصرفات والسلوك في الحرم الجامعي بين الطالب والطالبة وبينهما والأستاذ الجامعي، ووجوب التزام الأستاذ الجامعي بالمادة المقررة، ولا يجوز له إضاعة وقت المحاضرة بأمور لا فائدة فيها، والانتماء إلى الجامعات والكليات فيما كانت هنالك معارضة بين رغبة ولي أمر الطالب والطالبة، وهل يحق للأب والجد منع ابنته من الذهاب إلى الجامعة، وبيان أحكام اختلاط الجنسين في المحاضرات وقاعات الدرس والمختبرات والسفرات الجامعية وغيرها. وما حكم الأموال التي تدفع للأستاذ من أجل حصول الطالب على درجة النجاح(3).

المحور العاشر: فقه الطب

أولاً: التلقيح الصناعي:

1- جواز التلقيح الصناعي بين الرجل وحليلته(4). ولا مانع من الإنجاب بعملية أطفال الأنابيب إذا تمُ زرع النطفة المخصّبة في الرحم. نعم إذا استلزم النظر واللمس المحرمين فلا يجوز إلاّ لضرورة الحرج الشديد(5).


1) فقه القبائل 2/ 7

2) المصدر نفسه

3) فقه الجامعات 3، 11، 36

4) منهاج الصالحين / المعاملات / الحكيم 51/2؛ مهذب الأحكام 25/ 247

5) شبكة السيستاني / الاستفتاءات الفقهية

قال السيد محمد سعيد الحكيم: (يجوز تلقيح بويضة المرأة بنطفة زوجها من دون فرق بين تلقيحها في الرحم بطريق الوطء أو بإدخال المني من دون وطء وتلقيحها خارج الرحم)(1).

وذكر السيد عبد الأعلى السبزواري في مهذبه: (يجوز تلقيح ماء الرجل بزوجته ما لم يشتمل على محرم في البين)(2).

2- ذهب السيد الخوئي (قدس سره) إلى إن الأم هي التي تلد الولد وإن كانت النطفة المتكونة في رحمها مزروعة من ماء رجل وبويضة امرأة حليلة الرجل وذات الرحم مستأجرة. واستدل بقوله تعالى: «الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ» فيكون الأب صاحب الحويمن والأم هي التي ولدته، أما صاحبة البويضة فليستْ أُماً له وتتم عليه جميع أحكام الولد من السببية والنسبية إلى أبيه وأمه(3).

ثانياً: الرحم المستأجرة:

إن أهم ما يثير الجدل الفقهي في مبحث التلقيح الصناعي مسألة الرحم البشرية المستأجرة حيث تكون البويضة والحويمن من زوجين عادة، ثم يتم تلقيحها صناعياً وتودع في رحم امرأة أخرى بأجرة معينة متفق عليها حتى إذا ما ولدت تمُ رجوع المولود إلى الزوجين كولد لهما.

وقد أفتى الفقهاء بحرمة هذه العملية لدخول ماء الأجنبي في رحم الأجنبية المُؤديّ إلى اختلاط الأنساب. كما إنّ حكم معاملة الرحم المستأجرة باطلة لأنها معاملة على عمل محرم، ولا تستحق المرأة الأجرة، وإذا أخذتها


1) منهاج الصالحين / الحكيم / المعاملات 51/2

2) مهذب الأحكام 25/ 247

3) المسائل الشرعية 2/ 320

فيجب عليها إرجاعها إلى صاحبها(1).

ثالثاً: منع الحمل:

جواز اجراء عملية جراحية لمنع الحمل لدى الرجل والمرأة ما لم يقطع عضواً أو يعطله(2).

رابعاً: نقل الأعضاء البشرية:

1- يجوز أن يتبرع الحي للحي الآخر ببعض أجزاء جسمه لإلحاقها ببدن غيره إذا لم يكن يلحق بالمتبرع ضرراً بليغاً كما في التبرع بالكلية لمن لديه كلية أخرى سليمة. وكذلك قطع عضو من الميت بوصية منه لإلحاقه ببدن حي إذا لم يكن الميت مسلماً أو بحكمه أو كان مما يتوقف عليه إنقاذ حياة مسلم، وأما في غير هاتين الصورتين ففي نفوذ الوصية وجواز القطع إشكال. ولكن لا تثبت الدية على المباشر للقطع مع الوصية على كل تقدير(3).

2- يجوز بيع أو هبة عضو من أعضاء الإنسان التي لا تشكل خطراً عليه وتحت نظر الطبيب المختص، أما بعد الموت فلا يجوز قطع الأعضاء إلا إذا توقف على ذلك حفظ حياة المسلم. ولو أوصى بذلك فالأحوط وجوباً عدم نفوذها أيضاً(4).

خامساً: فقه الترقيع:

1- لا بأس بالترقيع بعضو من أعضاء بدن حيوان نجس العين كالكلب والخنزير وتترتب عليه أحكام بدن الإنسان وتجوز الصلاة فيه باعتبار طهارته وصيرورته جزء من بدن الحي بحلول الحياة فيه. كاستبدال صمّام مأخوذٍ من قلب الخنزير


1) التلقيح الصناعي بين العلم والشريعة 22/ 174

2) الفقه والمسائل الطبية 298

3) شبكة السيستاني/ الاستفتاءات الفقهية

4) أحدث الفتاوي 150

بصمّام قلب المريض(1).

2- يجوز قطع عضو ميت كافر للترقيع، ولا يجوز من الميت المسلم ولا فرق في الأعضاء بين الداخلية والخارجية(2).

3- في صورة جواز الترقيع لا يجوز ترقيع اجزاء الرجل للمرأة الأجنبية ولا العكس إلا لضرورة(3).

4- لا مانع من إجراء العمليات التجميلية لمن أصابته تشوهات جسدية مع عدم المحذور الشرعي من تجنب اللمس والنظر المحرّمين(4).

سادساً: حكم التخدير عند اجراء العقوبات الجسدية:

عدم جواز تخدير المحكوم عليه عند إجراء العقوبة عليه بحيث لا يحس ألم الجلد أو القطع أو التعزير لأن أدلة الحدود والتعزيرات يستفاد منا لزوم الإيلام للمحكوم عليه.

سابعاً: مرض الأيدز:

يحرم على المريض بالأيدز نقل مرضه إلى غيره، فلو مات المنتقل إليه بسبب العدوى يجب على الناقل للمرض الدية، كما يستحق المنتقل إليه الغرامة على الناقل(5).

ثامناً: الاستنساخ البشري:

عملية الاستنساخ البشري وإن لم تكن محرّمة ولكن نظراً إلى ما قد يترتب عليها من مخاطر ونتائج سلبية يبقى لولي المسلمين النهي عن إجرائها فتكون


1) شبكة السيستاني / الاستفتاءات الفقهية، المسائل الشرعية 2/ 302

2) مهذب الأحكام 377/29، 378

3) المصدر نفسه 377/29، 378

4) شبكة السيستاني/ الاستفتاءات الفقهية

5) الفقه والمسائل الطبية 298

حراماً(1). نعم يجوز استنساخ بعض أعضاء الإنسان في المختبر بأخذ خلية عضو عضو الإنسان من دون ان تضر بذلك العضو وحفظها كاحتياطي لم-ن استنسخت عنه فإذا احتاج إليها في وقت تركب له فلا يحتاج الإنسان أن ينتظر وقوع حادث لشخص حتى يؤخذ كبده أو كليته مثلاً(2).

المحور الحادي عشر: فقه الاقتصاد

1- يجوز التأمين وأخذ التعويض والعمل في شركات التأمين ماعدا ما يرتبط بالمعاملات الربوية فيجب الاجتناب عنه(3).

2- لا يجوز بيع وشراء السندات وكذلك أخذ العمولة عليها(4).

3- يجوز أخذ الفوائد من البنك مع عدم اشتراطها حين ايداع المال في البنك ولو كان البنك حكومياً وجب التصدّق بنصف الزيادة على فقير متدّين(5).

4- لا يجوز شراء أوراق اليانصيب فهو نوع من أنواع المقامرة وأكل للمال بالباطل أما إذا كان اليانصيب لعمل خيري، فيمكن شراء أوراق اليانصيب الخيري بقصد الاشتراك في العمل الخيري المعلن عنه، وأما الجائزة فإن كانت الجهة التي تدفعها أهلية جاز أخذها وإن كانت حكومية أو مشتركة في بلد إسلامي يجب عليه التصدق بنصفها على الفقراء المتدينين طبقاً لفتوى السيد السيستاني(6).

5- لا مانع شرعاً من بذل المال جعالة أو بهبة معوضة لرفع اليد عن الأولوية


1) مهذب الأحكام 25/ 247، شبكة السيستاني / الاستفتاءات الفقهية

2) فقه الاستنساخ البشري 32

3) شبكة السيستاني / الاستفتاءات الفقهية، المعاملات المصرفية في الفقه الاسلامي

4) المصدر نفسه

5) المصدر نفسه

6) شبكة السيستاني / الاستفتاءات الفقهية، المعاملات المصرفية في الفقه الاسلامي

وإسقاط هذا الحق الذي ثبت بالشرط في ضمن عقد الإجازة(1).

دعوة علمية

ندعو ونُؤكّد ضرورة تأسيس مركز علمي دائمي لبحث المسائل المستحدثة بصورة خاصة يُشكّل من أمانة عليا عامة مكوّنة من بعض فقهاء الحوزة العلمية وأهل الاختصاص من جميع فروع العلوم العلمية، وتقوم بانتخاب الموضوعات المستحدثة المرشّحة للبحث وتأخذ على عاتقها تهيئة المقدمات وتنقيح الموضوعات لتقديم بحوثها إلى المجتهدين والمراجع العظام للإفتاء على طبِقْ ما توصل إليه المركز من معلومات لتنضيج الأبحاث الفقهية الجديدة وتنشيط حركة الاجتهاد المعاصرة.

نسأل الله تعالى أن يوفق سدنةَ الشريعة الغراء وحماتها لمثل هذه المشاريع ويسدد خطاهم إنه نعم المجيب.


1) أمالي الهادي 187

نتائج البحث

1- مواكبة مدرسة النجف الفقهية لروح العصر وإحاطتها بجميع نواحي الحياة.

2- أخذت مدرسة النجف الفقهية على عاتقها بيان الموقف الفقهي لكل المسائل المستحدثة الحاصلة للمجتمع.

3- رفضت مدرسة النجف الفقهية التحجّر والجمود الفكري الناتج من التقليد وغلق باب الاجتهاد ولم تتأثر بالقداسة والتبجيل لأصحاب الفتاوي.

4- يجب الرجوع في المسائل المستحدثة إلى المجتهد الأعلم من الأحياء.

5- امتازت الفتاوي المستحدثة بالوسطية والتقوى وبلغة العصر من حيث البيان.

6- الفتاوي المستحدثة للمراجع العظام في مدرسة النجف الفقهية هي التي أنجحت العملية السياسية في عراقنا الجديد من وجوب المشاركة في الانتخاب والتصويت على الدستور وغيرهما.

7- لولا الفتاوي المستحدثة للمراجع العظام في مدرسة النجف الفقهية لما استتب النظام في العراق الجديد ولسالت أنهار من الدماء.

8- دعوة إلى تأسيس مركز علمي لدراسة المسائل المستحدثة متكوّن من الفقهاءِ وأهل الاختصاص في الفروع العلمية لتنشيط حركة الاجتهاد المعاصرة والأبحاث الفقهية الجديدة.

المصادر

1- أجوبة المسائل الدينية / السيد علي الحسيني السيستاني / مكتب السيد السيستاني / دمشق.

2- أحدث الفتاوي / سيد محسن محمودي / دار الباقر / بيروت / 1425 ه - 2005 م.

3- ألف مسألة ومسألة / السيد حسين بحر العلوم / السلسلة الخامسة / جمع وإعداد لجنة النشر في مكتب السيد بحر العلوم / الطبعة الأولى.

4- أمالي الهادي / جمعها محمد علي الحسيني / منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات / بيروت / الطبعة الأولى / 1395 ه - 1975 م.

5- بحوث فقهية عز الدين بحر العلوم / دار الزهراء / بيروت الطبعة الثانية / 1393 ه - 1973 م.

6- بحوث فقهية حول الزي والتجمّل / العلامة السيد محمد رضا السيستاني.

628- بحوث في الفقه المعاصر / الشيخ حسن الجواهري / الطبعة الأولى / قم / 1419 ه.

7- بشرى الفقاهة / الشيخ محمد أمين المامقاني / الجزء السابع / شرح المسائل المستحدثة.

8- التحقيق والحوزة / مجلة فصلية إعلامية تحقيقية / السنة الرابعة / عدد خاص بحوزة النجف الأشرف / مركز الدراسات والبحوث التابع لإدارة حوزة قم المقدسة.

9- شبكة السيستاني / شبكة المعلومات العالمية انترنت / الاستفتاءات الفقهية.

10- شبكة الحكيم / مكتبة الفقه / شبكة الانترنت.

11- الفساد الإداري في المنظور الإسلامي / عباس كاشف الغطاء / الطبعة الأولى / مؤسسة كاشف الغطاء العامة / النجف الأشرف / 1426 ه - 2005 م.

12- فقه الأدب والفن / الشهيد سماحة السيد محمد الصدر / إعداد السيد محسن الموسوي / الطبعة الأولى / مؤسسة بقية الله لنشر العلوم الإسلامية / النجف الأشرف / العراق.

13- فقه الاستنساخ البشري / السيد محمد سعيد الحكيم / مؤسسة المرشد / بيروت / الطبعة الخامسة / 1424 ه - 2003 م.

14- فقه الجامعات / حوار وسؤال / استنساخ.

15- فقه الفضاء / الشهيد السيد محمد الصدر / مطبعة الآداب / النجف الأشرف.

16- فقه القبائل / الشيخ عبد الحسين الساعدي / دار الكتاب العربي / بيروت.

17- الفقه والمسائل الطبية / الشيخ محمد آصف المحسني / الطبعة الأولى / مطبعة

18- لمحات من حياة الإمام السيستاني / عمار البغدادي.

19- ما وراء الفقه الشهيد السيد محمد الصدر / مطبعة الآداب / الطبعة الأولى / النجف الاشرف.

20- مجلة فقه أهل البيت علیهم السلام / مجلة فقهية فصلية / العدد (22) / السنة السادسة / 1423 ه - 2001 م / قم.

21- مجلة فقه أهل البيت علیهم السلام / مجلة فقهية فصلية / العدد (28) / السنة السابعة / 1423 ه - 2002 م / قم.

22- مجلة المنهاج / مجلة اسلامية فصلية / العدد (16) / السنة الرابعة / 1420 ه - 1999 م / قم.

23- المسائل المستحدثة / السيد أبو القاسم الخوئي / الطبعة الثانية / مطبعة الآداب / النجف الأشرف / 1979 م.

24- المسائل المستحدثة / السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي / استفتاءات المعاملات / مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي / الطبعة الرابعة / قم / إيران / 1421 ه - 2000 م.

25- المسائل المستحدثة / الشيخ محمد اسحاق الفياض / استنساخ.

26- المستحدثات من المسائل الشرعية / السيد علي الحسيني السيستاني / منشورات مؤسسة الإمام علي علیه السلام / لندن / 1416 ه - 1996 م.

27- المعاملات المصرفية في الفقه الإسلامي / عباس كاشف الغطاء / رسالة ماجستير / كلية الشريعة / جامعة بغداد.

28- من فقه الكومبيوتر والانترنت / السيد محمد سعيد الحكيم / مؤسسة المرشد / بيروت / الطبعة الثالثة / 1424 ه - 2003 م.

29- مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام / السيد عبد الأعلى السبزواري / الطبعة الأولى / مطبعة الآداب / النجف الأشرف.

الفساد الإداري في المنظور الإسلامي (الجريمة المجهولة)

اشارة

«4»

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

الحمد لله الذي دعا إلى الصلاح والإصلاح وشَرَعَ في كتابه الكريم مناهج العلم والعمل المُفضية إلى مدارج السعادة ومعارج الفلاح والصلاة والسلام على من هدى إلى الصراط المستقيم وعلى آله الهداة الطيبين.

كل فرد عراقي واع لا يَختلجه الرّيبُ بأن العراق بات يعاني من آفة الفساد الإداري المستفحلة والخطرة في جميع مفاصل الدولة والمجتمع، ويطالب بمعالجته وإنقاذ الشعب العراقي المظلوم من هذا الداء الوبيل والوباء الخطر. وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان فكثير من آثار الفساد ظاهرة للعيان ولو لم يقم الدليل القانوني عليها.

ومما ابتلي به هذا البلد وجود أكثر من مضيف لهذا الطفيلي وتوافر البيئة المناسبة لنموه وانتشاره، إضافة إلى ما هيأته المرحلة المظلمة من حكم النظام الدكتاتوري البائد من أجواء وغذاء وعوامل مساعدة أخرى كفيلة بأن تجعل منه داء مزمناً لا سبيل للخلاص منه، ففي المرحلة المظلمة كان الهم الأول للمسؤولين هو (كم سأضع في جيبي) لا كيف أخدم الوطن والمواطن، وسببه عدم ثقة ذلك المسؤول بالدولة وقراراتها إضافة إلى غياب الرقيب النزيه والحريص على مصلحة الوطن، ونتيجة هذا الموقف غير المسؤول فَشَت الرشوة وتعددت وسائل التفنن في استغلال المواطن، بسبب غياب الإحساس

الوطني والديني لدى الموظفين مما افرز إهمالا وعبثاً بممتلكات الدولة وسرقة لموارد البلاد، وتمرير مشاريع الغرض منها النهب بدعوى البناء والعمران.

والأنكى في ذلك هو استشراء الفساد الإداري في مفاصل وأجهزة الدوائر المسؤولة على القضاء على الفساد الإداري، فيصبح هذا المرض الخطر مما يصعب السيطرة عليه. وكلما دخلت أمة لعنت أُختها، وهكذا الفساد الإداري كلما جاءت حكومة أعلنت الحرب على الفساد الإداري وذلك من خلال تصريح المسؤولين فيها، ولكن الجميع متفقون ان الفساد الإداري والمالي في العراق وصل إلى درجاته القصوى. وللأسف الشديد كان اللازم توقف الفساد الإداري عند حدّه قبل الإعلان عن هذه الفضائح التي زاد من تأثيراتها السلبية باعتراف الحكومة، والذين حاولوا في البداية وقف الفساد تعرضوا للاغتيالات والخطف والتهديد، وخلال العامين الماضيين لم تَبْدُ في الأفق أي تغيرات ايجابية تذكر بالرغم من إعلان الشعارات واقتباس الآيات القرآنية الكريمة التي ما فَتئتْ تملأ حيطان ومكاتب مؤسسات الدولة.

علماً أننا لا نرى أن يكون القضاء على الفساد الإداري من خلال جهات أمنية قمعية استخباراتية كما كان يفعل النظام البائد على طائفة وفئة من المجتمع دون غيرها. وإنما نريد اليوم دولة القانون الذي يتطلب أولاً وقبل كل شيء الوقوف عند حدود النصوص وحرماتها واحترام حرية الإنسان وصيانة کرامته بالتطبيق والأفعال لا بالشعارات والأقوال.

ويمكن الإشارة إلى ان الفساد الإداري قد يكون من العوامل الرئيسة في إسقاط الدولة والتاريخ خير شاهد على ذلك فالفساد الإداري الذي استشرى في زمن عثمان بن عفان أدى إلى الثورة عليه وقتله، كما إن الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام لما أراد أن يقتلع العناصر الفاسدة من النظام كانت النتيجة قيام المؤامرات والحروب كالجمل وصفين والنهروان وغيرها.

ان المجتمعات الغربية توجد مظاهر وحالات من الفساد الإداري لكنه فساد فردي يتحمله مسؤول معني مثلاً، ولكن ليس النظام كله فاسداً من أساسه، فقد حصل بعض المسؤولين على امتيازات اقتصادية شخصية ضمن عقود للشركات باستخدام صلاحياتهم ومسؤولياتهم، وقد أطيح بهم وحوسبوا وغادروا وظائفهم ومؤسساتهم وبقي النظام قائماً.

لقد تكلم الباحثون وكتبوا المقالات عن حجم الفساد الإداري وحكاياته المؤلمة، ولكن حينما يصل الأمر لمعالجته يجف القلم وتخرس الألسن، فبقيت طرائق وأساليب مكافحة هذه الآفة من دون تحدث بها نعم من دون تحدث بها. نعم، أنشأت جهات رقابية لمكافحة الفساد كمفوضية النزاهة العامة ومكاتب المفتشين العموميين وديوان الرقابة المالية، وهذه وإن كانت من الجهات المسؤولة عن ذلك إلا أنها غير كافية للقضاء على هذه الآفة، فكان هذا البحث محاولة لتسليط الضوء على وسائل مكافحة الفساد الإداري.

وفي الختام نسأل الله تعالى بجاه من لذنا بجواره مولانا أمير المؤمنين علیه السلام أن يجعل هذا البلد آمناً ويرزقه من الثمرات وأن يعمه الصلاح والإصلاح فإنه نعم المولى والمجيب.

المدرسة المهدية الدينية / النجف الأشرف

أهمية المال في الإسلام:

لما كان الفساد الإداري يقع في الأموال، فلا بد من بيان أهمية المال في الإسلام. قال الله تعالى في كتابه العزيز «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْر عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً»(1).

أخبر الله سبحانه وتعالى عن المال بأنه زينة الحياة الدنيا، فهو محور السعادة متى أخذ من مصادره المشروعة وصرف في مواضعه المطلوبة شرعاً، ومن أكبر أسباب الشقاء إذا عدل به عن الصراط السوي. وهو مدعاة الحضارة والعمران، كما أنه مجلبة الدمار والخسران. عليه تزدحم المطامع و به تنال المآرب، وبينما تجده مثار الفتن ومعترك النزاع إذ تراه يصارع الضغائن فيصرعها، ويستأصل الأحقاد من منابتها فيجتثها، لولاه لاستراح القضاة من أكثر القضايا ولأمن من العطب كثير من نفوس البرايا، لفظ ضئيل ومعنى كبير بنيت عليه المعاملات وتفرعت منه أكثر المخاصمات. وقد ذكر القرآن الكريم لفظ المال ستاً وثلاثين مرة(2).

وقد قرن الإسلام حرمة المال مع حرمة النفس، وقد انصبت مقاصد الشريعة الإسلامية على حفظ الدين والعقل والنفس والمال والعرض.

تعريف الفساد الإداري

تعريف الفساد الإداري(3):

لا بد من تعريف بعض المصطلحات لتوضيح مصطلح الفساد الإداري ومنها:

1- النظام الإداري: هو مجموعة المؤسسات التي تملك وسائل المشروع وتحتكر


1) سورة الكهف آية: 46

2) المال المثلي والمال القيمي في الفقه الإسلامي / 1

3) جريدة الصباح / د. جواد الموسوي 10/ 2005/8 م

سلطة وضع القوانين والأنظمة لتدبير هذه الدوائر في رقعة جغرافية معينة.

2- الإصلاح الإداري: هو التغيير الجوهري الذي يضمن إدخال تحسينات أساسية على الجهاز الإداري ومعالجة مشكلاته بأسلوب علمي دقيق على الوجه الذي يجعل هذا الجهاز قادراً على انجاز مهماته بكفاءة أكبر وبوقت أسرع وبكلفة أقل وذلك لتحقيق الأهداف العامة للدولة وبلوغ رضا المواطنين.

وبعدما عرفت ما المقصود من النظام الإداري والإصلاح الإداري يمكننا الآن تعريف الفساد الإداري.

3- الفساد الإداري: هو تجاوز المصلحة العامة لغرض مصلحة خاصة، وتتميز الدولة النامية بتفشي ظاهرة الفساد الإداري نسبياً أعلى ما هو موجود في الدول المتطورة، ويرجع ذلك إلى الهيئات الملائمة لنموه في الأجهزة الإدارية لتلك الدولة.

أسباب الفساد الإداري:

1- شرعنة وسائل الفساد الإداري وطرقه كعدِّ الرشوة هدية مما يؤدي إلى وصول المجتمع إلى ممارسة صور الفساد علناً.

2- سوء استغلال المنصب والنفوذ فقد تأكد ان عملية إهدار الأموال الطائلة جرت في الفترة الماضية نتيجة سوء استغلال المنصب وعدم الشعور بالمسؤولية.

3- توسل بعض أفراد المجتمع بالوسائل غير المشروعة علناً في الوصول لمبتغاه فلا يتردد الكثيرون مثلاً من دفع المال رشوة أو بالوساطة أو القرابة للحصول على فرصة تعيين في القطاع العام، ولا يجد مثل هؤلاء المفسدين حرجاً.

4- عدم الحرص والتبذير والاختلاس للمال العام وذلك بالتزوير لأسماء وهمية لقوائم رواتب وبأعداد غفيرة يؤدي إلى هدر أموال طائلة.

5- تعيين الأقارب والمحاسيب في المناصب الإدارية التي لا يستحقونها ولم يكونوا مؤهلين.

6- الحكم الفردي الذي هو أساس الفساد الإداري المقرون دائماً بالدكتاتورية، وذلك باحتكار السلطة الذي يؤدي إلى عدم العدالة والحرية والتعددية بإدارة الدولة. فإن غياب الحريات ومصادرة الحقوق والواجبات يؤدي إلى الفساد الإداري حتماً.

7- وجود البطالة المقنعة في دوائر الدولة بسبب وجود عدد كبير من الموظفين في دوائر ليس لها وظيفة إلاّ التمجيد بأشخاص معينين أو للمراقبة والتجسس على المجتمع.

8- سيطرة طائفة معينة من المجتمع أو فئة عنصرية معينة أو طيف من أطيافه أو عشيرة أو حزب من الأحزاب على إدارة الدولة والجهاز الإداري مما يُسبب حالة عدم التوازن بين فئات المجتمع وبالتالي يولد حالة الشعور بالغبن والظلم عند أغلبية المجتمع والكراهية فيما بينهم.

9- الجشع والطمع الخصلتان اللتان ان التصقتا بشخصية إنسان فإنهما تتركان أثراً واضحاً وإنهما يبدءان من نقطة ولا ينتهيان.

10- المحسوبية حيث التلاعب في تنفيذ المشاريع لعدم توافر الرقابة الأفقية لكل المشاريع إضافة إلى موضوع المسايرات السياسية لبعض مراكز القوى في الأجهزة والإدارات والوزارات والشركات والمحسوبيات وهذا ما جَعَل كل العقود مشكوكاً في صحتها بسبب عدم دقة المراقبة.

11- عدم الشعور الوطني لدى بعض الموظفين والمسؤولين في مفاصل الدولة وعدم تَشبُّعهم بالحرص على الأموال العامة أو مال الدولة.

ومما يحز في النفوس ويحير الألباب أن أغلبية الذين قدموا من الخارج عند

سقوط الدكتاتور والذين تبوؤا مناصب قد اعترفوا بأن العراق أكثر دول العالم فساداً إدارياً، فقد أجازوا لأنفسهم النهب والسرقة لغياب الرقيب والفوضى في ضبط الأمور المالية للدولة(1).

12- الروتين أي تمديد العمل لإنجازه بأكثر من القدر اللازم، فمثلاً في دوائر الدولة يحتاج لعمل إلى ساعة حتى يحل بينما نرى أن الحل لا يكون إلا في خلال عشرة أيام مثلاً أو أكثر، والروتين أحد أسباب تبرم الجماهير وسخطهم على الدولة، وتنشأ مشكلة الروتين من المركزية وتعدد المراحل والمراجع للبت في أي موضوع واللامبالاة والتسيب والاتكالية، وقد تنشأ مشكلة الروتين نتيجة تضخم الموظفين في الدائرة وهو عبارة عن البطالة المزدوجة أو قد يهتم الموظف بشكل القانون أكثر من مضمونه ومحتواه، فبعضهم يهتم بصورة القانون لا بروحه مع العلم ان اللازم العمل بروح القانون لا بالجسد.

الفساد الإداري مؤشر سلبي في المجتمع

إن الفساد الإداري يكشف عن مؤشرات سلبية موجودة في المجتمع والدولة منها:

1- إن الفساد الإداري مؤشر على ضعف ثقة الشعب بالحكومة وكما إنه يخلق حالة تذمر لدى المواطنين وهذا مؤشر على ضعف الدولة والنظام. فالفساد الإداري مؤشر على الفساد السياسي ونعلم بالضرورة أن هنالك معادلة مطردة فحواها: أن الفساد السياسي في أداء الدولة ينتج بالضرورة الفساد الإداري.

2- إن الفساد الإداري مؤشر على أن العمل الجماعي والتنظيم الجماعي مازالا ضعيفين في المجتمع ودوائر الدولة.


1) جريدة كل العرب / العدد (160) / الأربعاء / 10 / 2005/8م / الموافق 4 / رجب / 1426 ه

3- الفساد الإداري مؤشر على عدم سيطرة الحكومة على التمويل الأساسي وانفاقه وعدم وجود آليات حول المدخولات والانفاق ولا يوجد ديوان رقابة أو محاسبة يمارس مهمات دوائر الدولة.

4- الفساد الإداري مؤشر على غياب الكفاءة الإدارية وعدم استقرار الاقتصاد والفساد السياسي والبيروقراطية والمحسوبية في التوظيف والتفضيل على أساس القرابة أو الانتماء الحزبي.

5- الفساد الإداري مؤشر على اصطياد الدولة من قبل الشركات التي تدفع رشاوي للمسؤولين للتأشير على صياغة القوانين. وعلى العمولات غير الشرعية على الصادرات والواردات.

الفساد الإداري والإرهاب

إن استخدام أدق الوسائل والخبرات في جريمة الفساد الإداري، وكثرة أعداد المفسدين الإداريين أصبح كالسرطان ينتشر بصورة سريعة. وأصبحنا نقرّ أن التصدي للفساد الإداري هو من أصعب الأمور، والعائق الأول في إعمار عراقنا الجديد، بل أصبح هو الظهير القوي للإرهاب. فهنالك ارتباط وثيق بين الفساد الإداري والإرهاب، فحينما ينحرف المسؤول أو الموظف عن حماية وطنه أو أداء واجبه بتقبله حفنة من المال فبإمكانه بيع الوطن لأعدائه.

فالفساد الإداري يمثل الخطر الثاني الذي يفتك بمفاصل الدولة بعد الإرهاب بل هو الاحتلال الآخر وبطريقة أخرى، فالاعتراف بوجود الفساد الإداري ليس كافياً بل لابد من اتخاذ خطوات فورية للحد منه لأن تأثيره لا يقع فقط ضمن تخريب الاقتصاد الوطني، وإعاقة إعمار العراق وانهيار الدولة وتوقف التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بل يتعدى ذلك إلى تغذية وإدامة الشبكات الإرهابية التي تعمل في العراق. ومثال لعلاقة الفساد الإداري والإرهاب هو صرف الجوازات التي يستخدمها الإرهابيون في تحقيق

مآربهم الإجرامية في عراقنا الجديد وتجنيد بسطاء الشباب في صفوف الإرهابيين.

الجهات المعالجة للفساد الإداري

نعتقد بأن الإصلاح الإداري لا يتم فقط عن طريق الجهات الرسمية لمعالجة الفساد وذلك من خلال مؤسسات أنشأتها القوانين لمكافحته من مفوضية النزاهة العامة ومكاتب المفتشين العموميين وديوان الرقابة المالية. فهنالك وسائل أكثر فعالية من وسائل الردع العام بالعقوبات. ولكن هذه الوسائل وإن كان تأثيرها بطيئاً وتتطلب زمناً طويلاً لتُؤتي ثمارها، ولكن لا خيار في ذلك فلابد أولاً من إصلاح النفوس والتثقيف دينياً في حب الوطن والإصلاح ورفض الفساد من خلال مفهوم الإسلام، والتأكيد على ان مكافحة الفساد الإداري مهمة دينية أخلاقية وطنية لأنها تتعلق بمستقبل أجيالنا بالإضافة إلى حاضرنا.

وإن من يظن أنُ هنالك طريقاً واحداً لمعالجة الفساد الإداري وهو ملاحقة المفسدين بالتدقيق والتحقيق والعقوبات الرادعة فهو مخطئ، لأن الفساد الإداري في العراق مرض مستفحل لا يمكن أبداً علاجه بالملاحقة الفردية للمفسدين لأن أعدادهم أكبر من أن تطولها أيدي آلاف المحققين، ولأن وسائلهم وخبراتهم في الجريمة والفساد الإداري أعظم وأدق من أن تصل إلى مستواها أعتى المؤسسات التحقيقية. كما نعتقد ان الملاحقات التحقيقية والقضائية والجزائية للمفسدين لا تكون كافية في القضاء على المفسدين، وإن أحداً لا ينكر ما لها من دور فاعل للردع الجزائي، كما إن للمؤسسات التحقيقية والرقابية الدور الفاعل في إيقاف الجريمة بشكل عام سواء أكانت جريمة عادية أم جريمة فساد إداري. إلاّ أننا نؤمن إن تلك المعالجة لن تغني وحدها أبداً في القضاء على الفساد والمفسدين، ولو كان لها أثر ما في ذلك

فإننا لا نقدره بأكثر من 20٪ من احتياجات مكافحة الفساد في مجتمعنا الذي وصل الأمر فيه أحياناً إلى شرعنة وسائل الفساد وطرائقه. بل نعتبر ان مسؤولية الوقاية والعلاج من مرض الفساد الإداري تدخل في وظائف و مهمات جميع السلطات والمسؤولين في الدولة بلا استثناء، فهي تعمل في ميدان مكافحة الفساد من موقعها الوظيفي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)(1).

أهمية العامل الديني:

إن المجتمع العراقي لا يتجاهل قيمه الدينية والأخلاقية السائدة في مجتمعه، وهذه القيم التي تسود المجتمع ليست مجرد شيء عابر غير مرتبط بسلوك الفرد في مجتمعه فهي تدخل في الدولة وتعيش فيها عن طريق الموظفين. وهذه القيم مهمة للقضاء على الفساد الإداري، ولكن يجب استحضارها عند كل موظف، وأن يكون متسلحاً بها عقائدياً ومؤمناً بها من خلال التثقيف والتوعية. ولكن للأسف طغت المادية العمياء على القيم الدينية والأخلاقية لسلوك بعض الموظفين بل المجتمع مما أدى إلى انحرافه عن الطريق المستقيم وسحق حقوق المواطنين وانتشار الفساد الإداري.

ومعلوم إن الإسلام جاء بالوسطية بين المادة والروح وهما جناح الإنسان في التقدم والازدهار، لذا دعا إليها الإسلام كل حسب مورده بقوله تعالى «وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيا حسنة وفي الآخيرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبُ مِمَّا کَسَبُوا»(2).

وفي الحديث الشريف: (ليس منّا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته


1) بحار الأنوار 38/72

2) سورة البقرة، آية: 201

لدنياه)(1)، إن الوازع الديني هو الذي يلزم الفرد لأن (يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لها) وانه مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى عن إساءته إلى العمل وإلى سائر الناس. وهو - بحُكم هَيمنتهِ المولوية - يزرع في الموظف روح الإيثار بحيث لا يقدم مصلحته الشخصية على المصلحة العامة، والقيم الدينية التي يجب نشرها وتثقيفها للموظف ان لا تقتصر على العبادات والفروض بل لابد من التركيز على فقه المجتمع كالدين المعاملة والدين النصيحة، ولا تقتصر على فقه الأفراد، وبيان ان المال ليس هدفاً بل هو وسيلة لطرق تأمين الحياة الكريمة من مسكن ومأكل وملبس وغيرها، ولكن قِسْماً من الأثرياء جعلوه هدفاً لا وسيلة مما أدى إلى تحطيمهم بل تحطيم المجتمع، وإليه أشار الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في قوله: (حب الدنيا يفسد العقل، ويصم القلب عن سماع الحكمة)(2).

كما ان الحديث الآخر (حب الدنيا رأس كل خطيئة)(3)وإن الإسلام يرى ان المال الله سبحانه وتعالى، وإنما أعطاه للإنسان برسم الأمانة ليمتحن الإنسان، ففي القرآن الكريم «وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ»(4)، وقوله تعالى:

«وَهُوَ الذي جَعَلَكُن خلاف الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتِ لَيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاکُمٌ»(5).

وفي الحديث الشريف: (ليس لك من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت ولبست


1) وسائل الشيعة /17/76، باب: 28، حدیث: 22025

2) غرر الحکم 381/1

3) وسائل الشيعة 11/ 309

4) سورة المنافقون آية: 7

5) سورة آل عمران، آية: 165

فأبليت وتصدقت فأبقيت)(1).

العامل الديني للقضاء على الفساد الإداري:

اشارة

لقد قيل من شبُ على شيء شاب عليه وهو صحيح إلى حد ما إذا لم يعالج عقائدياً فمن أدمن على ارتكاب المنكر وامتطاء الفحشاء ليس من السهولة إجباره على الإقلاع عمّا اعتاد ممارسته في حياته اليومية إلاّ عن طريقٍ إصلاحه عقائدياً وعلاجه جذرياً.

وليس أشد منكراً وأبغض فحشاء من امتصاص دماء الناس والاستيلاء على أرزاقهم والتلاعب بها إذا ما علمنا سابقاً ان الطمع والجشع خصيصتان إن التصقتا بشخصية إنسان فإنهما تتركان أثراً واضحاً عند محاولة إزالتهما.

لقد رأينا وقرأنا وسمعنا بأن أكثر من نهبوا وسرقوا أموال العراق واختلسوها واتهموا بالفساد الإداري هم من طبقة المثقفين والمتعلمين الذين وفدوا علينا من بلاد الثقافة والعلم كما يقال وهي بلاد الغرب وممن حملوا الشهادات في بعض الأحيان، ولكن أصيبوا بمرض الجشع والطمع بسبب عدم الوازع الديني عندهم فلما غاب القانون عنهم ولم يكونوا تحت طائلة القانون مدّتُ أيديهم إلى المال العام. بينما كشفت لنا الأيام ان بعض المؤمنين من أصحاب المهن البسيطة مثل الحراس والسواق في دوائر الدولة وبعضهم لا يقرءون ولا يكتبون قد دافعوا عن أموال الدولة والمال العام وإن أدّى في بعض الأحيان إلى تعرض حياتهم للخطر بسبب الوازع الديني والضمير الحي الذي كان متوقداً.

لذلك تلاحظ ان العامل الديني هو الأهم في القضاء على الفساد الإداري وخير ما نستشهد به في هذا المجال ما كتبه الإمام علي علیه السلام إلى بعض


1) شرح نهج البلاغة 91/16

عماله بقوله: (فولٌ من جنودك أنصحهم في نفسك الله ولرسوله ولإمامك وأنقاهم جيباً وأفضلهم حلماً ممن يبطئ عن الغضب، ويرأف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء، وممن لا يثيره العنف، ولا يعقد به الضعف، ثم ألصق بذوي المروءات والأحساب، وأهل البيوتات الصالحة، والسوابق الحسنة، ومن أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة فإنهم جماع من الكرم، ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا تشرف نفسه على الطمع، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وممن لا يزدهيه اطراء ولا يستميله إغراء، ثم أسبغ على عمالك الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم وحجة عليهم من خالف أمرك، أو ثلموا أمانتك)(1).

وهنالك بعض المعالجات التشريعية والتنظيمية والقانونية لسد مداخل الفساد الإداري ومخارجه في كل ميدان يظهر فيه، منها:

أولاً: الفتاوى الشرعية:

1- الإفتاء بحرمة الاعتداء على أموال الدولة.

وإليك أيها القارئ الكريم فتاوي سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني في ذلك(2):

السؤال: هل أخذ أموال الدولة من دون وجه حق حلال أو حرام؟

الجواب: لا يجوز.

السؤال: ما حكم من استأجر سيارات الدولة من قبل أصحابها علماً إنهم


1) نهج البلاغة 427، حديث: 53

2) شبكة رافد للتنمية الثقافية / استفتاءات سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني

غير مخولين باستخدامها لأغراضهم الشخصية وما حكم الأموال المدفوعة على كلا الطرفين؟

الجواب: لا يجوز ولا تحلّ الأموال.

السؤال: ما حكم سرقة أموال الدولة التي لا تحكم بالشريعة الإسلامية ولا تعطي الشعب حقه؟

الجواب: لا يجوز.

السؤال: ما حكم الأدوات التي تأخذها من المستشفى مثل المناديل الورقية والقفازات والأدوات الغالية الثمن التي لا علاقة لها بالدراسة (أي أدوات يحتاج إليها في حياتنا عند المرض مثل العكازات) وغيرها من دون إذن من المستشفى وماذا يجب علي تجاهها وهل فيها كفارة؟

الجواب: لا يجوز إلا بأذن المسؤولين في المستشفى أو الكلية ويجب إرجاعها مع الإمكان وإلا فتصدق بمبلغها إلى الفقير المتدين.

السؤال: هل يجوز استخدام بعض الأجهزة كالهاتف أو آلة الطابعة في الدوائر لغرض شخصي وإن كان لضرورة؟

الجواب: يتبع الشرط في عقد التوظيف فإن كان عدم الاستخدام شرطاً في العقد الوظيفي ولو بنحو العموم فلا يجوز.

السؤال: إني مواطن عراقي لا يملك قطعة أرض سكنية ولدي عائلة وأطفال واسكن حالياً في بيت مع أهلي قديم قمت بالتجاوز على قطعة أرض فارغة عائدة للدولة ما حكم عملي؟

الجواب: سماحة السيد لا يجيز إحياء الأرض إلاّ بإذن الجهات المسؤولة ذات الصلاحية.

السؤال: ما حكم استخدام القرطاسية والحاسوب والانترنت في المكتب الوظيفي العام لبعض الأغراض الشخصية؟

الجواب: يجوز بإذن المسؤول ولابد من التنسيق معه بالنسبة لما مضى إن لم يكن بإذنه.

السؤال: هل يجوز أخذ شتلة (زرع) (فسيلة) أو الورد أو بذورها من دوائر حكومية؟

الجواب: لا يجوز من دون إذن المسؤول.

السؤال: ما رأي سماحتكم في أن البعض في العراق قد أخذ من الدوائر الحكومية مكاناً له ويقوم بجمع الإيجارات التابعة للدائرة التي يسكنون فيها بحجة أنها تابعة لهم؟

الجواب: لا يجوز التصرف في ممتلكات الدولة إلا بإذن الجهة المسؤولة عن ذلك بحسب القانون.

2- الإفتاء بوجوب حفظ النظام واحترام القوانين الوضعية في الدولة.

وإليكم نص استفتاء سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني:

السؤال: هل يجوز مخالفة القوانين الوضعية في الدولة؟

الجواب: لا يجوز مخالفة القوانين التي تجعل لمصلحة الناس.

3- الإفتاء بحرمة سرقة الوقت في الوظيفة.

وإليكم نص استفتاء سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني:

السؤال: ما رأيكم بالموظف الذي يعمل في دوائر الدولة ويخرج قبل الدوام المحدد له بذريعة انه لا عمل لديهم، علماً ان الوقت المتعارف اليوم هو يبدأ من الساعة الثامنة صباحاً وينتهي بالثانية ظهراً؟

الجواب: لا يجوز مخالفة القانون كما لا يجوز مخالفة العقد وشروطه عند التوظيف.

بل الواجب على الموظف أن يصرف جميع وقت الدوام في الوظيفة المطلوب أداؤها، فلا يجوز حتى النوم مثلاً في أثناء وقت الدوام في الوظيفة، وإليك نص استفتاء سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني:

السؤال: أنا أعمل في الليل هل يجوز أن أنام بضعة ساعات أثناء الدوام الرسمي حيث لم نأخذ الاستئذان من المسؤول المباشر على ذلك؟

الجواب: لا يجوز التخلف عن القانون المرعي في المجال إلاّ بإذن المسؤول. بل لا يجوز للموظف أن يترك دائرته في أثناء الدوام الرسمي بأي ذريعة حتى لو كان القيام بمستحب مثل زيارة الأماكن المقدسة أو زيارة مريض أو لسماع مجلس تعزية للإمام الحسين علیه السلام، كما لا يجوز له أيضاً ترك دائرته أو وظيفته في أثناء الدوام للحضور إلى اجتماع أو إقامة مهرجان أو احتفالية. وإليك نص استفتاء فتوى سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني.

السؤال: ما رأيكم بالذي يترك العمل بذريعة أنه يخدم المنبر الحسيني وأيام شهر رمضان وأيام شهر عاشوراء ويجب عليه أن يحضر المجالس الحسينية علماً انه لم يأخذ إجازة ولكن ترتيب مع المسؤول.

الجواب: لا يجوز مجرد ذلك إلاّ إذا كان المسؤول مجازاً في الإذن من قبل رئيس الإدارة.

نعم، يجوز للموظف أخذ الإجازة عن الدوام أو يترك العمل في دائرته بأخذه بالإجازة من مسؤوله أو مديره فيما إذا كان ذلك المسؤول والمدير مخوّلاً باعطاء الإجازة حسب قوانين الوظيفة. وإليك نص استفتاء سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني.

السؤال: ما رأيكم بالموظف الذي ينسق عمله مع المدير أو أحد زملائه ولا يداوم بذريعة أنه أخذ الإذن من المدير أو المسؤول؟

الجواب: إذا كان المدير له حق إعطاء الإجازة يجوز الاستئذان منه وإلاّ فلا.

4- الإفتاء بحرمة أخذ الأجرة على الوقت الذي تغيب الموظف عن وظيفته من دون إذن ممن له الحق في إعطاء الإجازة، وإن كان عدم دوامه لا يؤثر في سير الدائرة.

وإليك نص استفتاء سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني:

السؤال: ما هو رأيكم في اتساع ظاهرة ترك العمل في دوائر الدولة قبل الدوام الرسمي بحجة ان ترك العمل لا يؤثر بصورة فعلية في اتزان الدوام الرسمي علماً بأن هناك دوائر دوامها مناوبة ثنائية وثلاثية وبالرغم من ذلك يترك الموظف العمل.

الجواب: لا يجوز ولا يستحق الأجرة في فترة الغياب.

ولذا على الموظف ان يسترجع من راتبه بنسبة ما فوته من الدوام في دائرته، فأن أكله لهذا المال من دون مقابل سحت، لعدم استحقاقه إليه. وإليك نص استفتاء سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني:

السؤال: وإذا كان العمل لا يجوز فهل المرتب الذي يأخذه فيه أشكال؟ وهل يقطع منه شيء للحسابات في الدائرة نفسها حتى تبرأ ذمته؟

الجواب: يقطع منه بنسبة ما فوته من الحضور في الدائرة في مفروض السؤال.

5- الإفتاء بحرمة تصرف الموظف في أموال دائرته وأجهزتها للأغراض الشخصية أو في أطار غير مسموح به قانوناً، وإن كان لا يؤثر في الدائرة مادياً وإدارياً.

وإليك نص استفتاء سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني:

سؤال: أنا موظفة في قسم الحسابات يطلب مني زملائي بعض الأموال في حاجة ملحة، وأنا اسألهم أن تكون الحاجة ملحة بصورة صحيحة، فهل يجوز ذلك وما هو الحكم؟

الجواب: إذا كان يخالف القوانين المرعية في هذا المجال فلا يجوز.

سؤال: هل يجوز استخدام بعض الأجهزة كالهاتف أو آلة الطابعة في الدوائر لغرض شخصي وإن كان لضرورة؟

الجواب: يتبع ذلك قانون البلد ونظام الإدارة.

6- الإفتاء على حرمة دفع الرشوة للموظف من أجل التعيين في الوظيفة، وإن انحصر التعيين بدفعها، أو لتخليص المعاملة أو لتسريعها كما يحرم للموظف أخذ ذلك المال.

وإليك نص استفتاء سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني:

سؤال: هل يجوز دفع رشوة من أجل الحصول على وظيفة في القطاع الحكومي على أنه لا توجد طريقة أخرى في الوقت الحاضر؟

الجواب: لا يجوز.

سؤال: أعمل في دائرة حكومية وآخذ راتباً على عملي من الدائرة وأستطيع تخليص بعض المعاملات مقابل مال معين مثل استخراج فيزة عمالة أكثر من المسموح به عند الدولة وهكذا بعض المعاملات في الدوائر الحكومية، فهل في أخذ هذه الأجرة إشكال مع العلم أن غيري يعملها بالوساطة؟

الجواب: إذا كان عملك مخالفاً للقانون فلا يجوز.

ولقد صدر من مكتب سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله) استفتاءان عن الفساد الإداري وإليك نصهما:

الاستفتاء الأول:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مكتب سماحة المرجع الأعلى السيد السيستاني (دام ظله).

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وبعد: لقد تفشى ما يسمى ب (الفساد الإداري) في أوساط الموظفين الحكوميين بحد لم يسبق له مثيل، ويتخذ أشكالا مختلفة:

منها تخلف الموظف عن أداء واجبه القانوني تجاه المراجع إلاّ بعد أخذ مبلغ من المال.

ومنها قيام الموظف بالتجاوز على القوانين والقرارت الرسمية لصالح المراجع إذا دفع له الرشوة على ذلك.

ومنها منح الموظف مقاولة المشاريع الخدمية وغيرها بمبالغ تفوق بكثير متطلبات انجازها إلى من يوافق على إعطائه جزءاً من مبلغ المقاولة.

ومنها تولي مجاميع من الموظفين مهمة القيام بمشروع ما ويتقاضون أموالاً طائلة عليه في حين انه من ضمن واجباتهم الوظيفية التي يمنحون بإزائها الرواتب الشهرية. وهنالك الكثير من الأشكال الأُخر، نرجو بيان الحكم الشرعي في جميع ذلك أدام الله تعالى سيدنا المرجع ذخراً وملاذاً.

مجموعة مواطنين 10 صفر 1426 ه

باسمه تعالى

يحرم على الموظفين التخلف عن أداء واجباتهم بمقتضى عقود توظيفهم النافذة عليهم شرعاً، كما يحرم عليهم تجاوز القوانين والقرارت الرسمية مما يتعين رعايتها بموجب ذلك، وما يأخذه الموظف من المال من المراجع وغيره

• خلافاً للقانون - فهو سحت حرام، كما ان إهدار المال العام والاستحواذ عليه بل مطلق التصرف غير القانوني فيه حرام ويستوجب الضمان واشتغال الذمة. والله الهادي.

15 صفر 1426 ه مكتب السيد السيستاني في النجف الأشرف

الاستفتاء الثاني:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

لقد أخذ الفساد الإداري مأخذه في مؤسساتنا الحكومية من هدر الأموال العامة تحت عنوان بناء المشاريع الخدمية وتصليح البنية التحتية، ومنح الأموال بحجة الأعمال الإضافية في حين يوجد فائض بنفس الدائرة من الموظفين والفنيين فالأجدر استخدامهم ان كانت أعمال كثيرة وبرواتبهم الاعتيادية، وقيام بعض الموظفين بتأليف مجموعة منهم لبناء أو إصلاح مشروع وأخذ أموال طائلة على هذا الشيء في حين يمكن القيام به أثناء واجبهم في الدوام الرسمي وهم يتقاضون رواتب لا بأس بها.

فما هو موقفنا من هذه المعضلة علماً أننا أبدينا امتعاضنا ولم نسكت فأطلقنا ألسنتنا ضد هذا الداء فهل يكفي أم نلجأ إلى أمور أخرى. وما الموقف الشرعي من هؤلاء؟.

أفتونا مأجورين وفقكم الله.

مقلدكم / أبو محمد 14 / صفر / 1426 ه

باسمه تعالى

إن تخلف الموظفين عن واجباتهم بمقتضى عقد التوظيف حرام، وما يأخذونه من المال سحت. والله الهادي.

مکتب السید السیستاني في لنجف الأشرف أجوبة المسائل الشرعیة 15 / صفر / 1426 ه

ثانياً: الوسائل التشريعية:

1- استخدام النظام اللامركزي في العملية الإدارية وذلك لنجاحها في الدول المتطورة مدنياً واقتصادياً، لأن المركزية في الإدارة من الأسباب الرئيسة لهدر الوقت، فإن الحكومة المركزية بمعنى ان كل شيء مرتبط بها مما يؤدي إلى هدر الوقت، فإن كل معاملة أو طلب أو لائحة يرجع فيها من أدنى البلاد وأقاصيها إلى المركز، وهذا خلاف حرية الناس وغالباً ما تكون المركزية دكتاتورية، فإن المركزية معناها عدم تفويض السلطة، مما يؤدي إلى ان المراتب الدنيا من الدوائر تتهرب إلى التسويف والتأجيل والفرار من المسؤولية والرجوع دوماً إلى الرؤساء وذلك مما يسبب هدر الوقت أكثر فأكثر.

2- تشريع قوانين الضمان الاجتماعي التي تعد من أهم الوسائل التي تحصن الموظف من الفساد الإداري.

3- تكوين نظام اقتصادي متطور وذي نمو متصاعد مما يجعل مستوى دخل الفرد جيداً ليكون ضماناً تجاه كل أمراض الفساد الإداري مثل الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ.

4- وضع دوائر رقابة شديدة تساهم في القضاء على الرشوة والفساد إضافة إلى وجود برلمان تشريعي قوي وصحافة حرة يجعل من الصعوبة التستر على عمليات الفساد الإداري.

5- وضع قوانين وإجراءات متشددة بحق المفسدين بممتلكات المواطنين والصالح العام، ويتساءل العراقي لماذا يطرد موظف يشتغل في القطاع الخاص أو المهن الأهلية عند اكتشافه بالسرقة أو التقصير بينما يبقى الموظف الحكومي في وظيفته حتى لو ثبت عليه التقصير أو السرقة مع العلم ان الموظفين في دوائر الدولة بعضهم يتستر على الآخر وهذا عكس ما يجري في القطاع الأهلي.

6- تأليف مجلس الخدمة العامة المختص بتعيين الموظفين في جميع دوائر الدولة، وسلب تلك الصلاحية ممن سواه، وينبغي لهم التحرز في اختيار منتسبي هذا المجلس ووضع التحرزات القانونية والرقابية التي تمنع الفساد والتجاوزات فيه. فإذا احتاجت أية وزارة أو دائرة إلى تعيين موظفين لديها فتكتب بذلك إلى مجلس الخدمة العام ليتولى نشر إعلان لدعوة من تتوافر فيه الشروط للتعيين تطبيقاً لمبدأ المساواة بين المواطنين في تولي الوظائف العامة، ثم إخضاع المتقدمين للمنافسة أو لامتحانات تحريرية أو شفوية يحددها المختصون، أو الأولية لمن يملك امتيازات معينة يتفق عليها أعضاء مجلس الخدمة العامة حسب الوظيفة والموظف. ويحصل على الوظيفة الشاغرة من تفوق على غيره من المتقدمين. وتفعيل هذا المقترح يتطلب تدخلاً تشريعياً من الجمعية الوطنية بإصدار قانون بإنشاء أو إعادة تأليف المجلس المذكور.

إن تعدد الجهات التي لها سلطة في تعيين الراغبين بالوظائف كالوزراء والمُديرين العامين يؤدي إلى عدم احترام القواعد القانونية في تعيين الموظفين.

7- عدم قبول جميع التبريرات والحجج الواهية التي يتم بها تعيين الموظفين دون شمولهم بالضُوابِطِ القانونية كذريعة الوضع الأمني وغيرها.

8- الاعتماد في التوظيف على الكِفايَةِ والأمانة. قال تعالى في محكم كتابه في قصة بنات النبي شُعَيبٍ مع النبي موسى علیه السلام: «قَالَتْ إحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرُهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ

اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ»(1). تشير الآية الكريمة باستئجار الكفؤ والأمين وفسرت القوة بالكفاية. وحرمة التوظيف على أساس المحسوبية أو بالرشوة أو صلة القرابة. وقد سمعنا وشاهدنا هنالك من توظفوا في أماكن حساسة في الدولة وتسلموا المناصب الإدارية دون كفايَتِهم فيها.

9- إلغاء جميع القوانين التي مازالت تشكل غطاءً حقيقياً للمفسدين من عدم استطاعة القانون ان يَطُولَ منهم في أثناء تأدية وظيفتهم الرسمية إلاّ بموافقة الوزير التابع له فإن هذا يكون له غطاء في فساد الموظف الإداري، فلا يجوز لأي عنوان رسمي أو سياسي أن يمنع من تحقيق مفوضية النزاهة أو مجلس الخدمة العامة من أن يحقق مع الموظف وأن يحيل الموظف إلى لجنة تحقيقية.

10- لا يتمتع أي مسؤول أو موظف في الحكومة العراقية بالحصانة عن أفعال جنائية يرتكبها خلال قيامه بوظيفته. ويتمتع القضاء بالصلاحية التامة حصراً لتقرير براءة المتهم أو إدانته وفقاً للقانون من دون تدخل السلطتين التشريعية أو التنفيذية.

11- أن تكون القوانين التي تسن للقضاء على الفساد الإداري من الشفافية والوضوح والدقة بحيث لا يستطيع أحد أن يتجاوز عليها أو يتخطاها بأتباع أساليب ملتوية غير شفافة التي تثير الشك ويلتف خلفها من أجل المنفعة الشخصية على حساب المنفعة العامة.

12- العمل بمبدأ من أين لكَ هذا؟ وذلك لازمٌ على كل موظف من مدير عام فصاعداً في أن يقدم كشفاً سنوياً عن أمواله وأموال زوجته وأولاده المعيلين عند تعيينه أول مرة في المنصب المشمول بتقديم التقرير وملئه سنوياً وملئه في ختام خدمته ولهذا أهمية في الحد من الفساد الإداري.


1) سورة القصص / آية: 26

13- ان تكون المناقصات علنية ومعلنة من قبل وسائل الإعلام المحلية، ولا يجوز إعطاء المناقصات والمقاولات من دون التنافس العلني، وان تكون العقود المبرمة عليها علنية، والجهة المنفذة لها كفوءة وأمينة ومسؤولة، وللأسف بأن كثيراً من العقود التي أبرمت بعيدة عن أبسط التعليمات، وقد تدفع قيمة العقد قبل أن يصل أي شيء للعراق أو يكمل المشروع.

ثالثاً: الوسائل الثقافية:

لابد من وسائل ثقافية لمعالجة الفساد الإداري حينما يصل المجتمع إلى ممارسة صور الفساد علناً بل وشرعنتها أحياناً فلابد من أن خللاً اجتماعياً وأخلاقياً أصاب ضميره أو ضمائر جزء كبير من أفراده، وهذا الشكل من الخلل يتطلب ما يلي:

1- العمل الجاد على إعادة بناء الإنسان وتوعيته وإيقاظ ضميره وغرز وزرع القيم الحميدة التي يجب ان يتحلى بها الإنسان ويتنزه عن الصفات الشائنة من خلال بيئته ووالديه ومدرسته وجامعته حتى تصبح من طبيعته وعادته. وإشاعة قيم المسؤولية والاستقامة والخوف من الله.

2- التوعية الإعلامية والصحفية وإصدار الكتب والمجلات وعقد المؤتمرات والندوات والمحاضرات وإلقاء الخطب وإيجاد مناهج دراسية تمجد خلق التعفف والنزاهة واحترام الذات وطاعة القوانين وبيان آثار الفساد الإداري وانعكاساته.

3- نشر ثقافة النزاهة والشفافية والخضوع للاستجواب والرقابة وفق ما نصت عليه القوانين وربط هذه الثقافة بمبادئ الدين والأخلاق والكتب المقدسة مثل أداء الشهادة وما يترتب عليها من ثواب، وتوعية المجتمع على وجوب النصيحة بالنسبة لبناء المجتمع، وإن المقصر فيها مأثوم وهو في حكم الخائن الله ولرسوله صلی الله علیه وآله وسلم، فإن نصيحة الموظف بالنسبة لمن يستشيره تكون واجبة لأنها مما

تتوقف عليها حقوق الناس العامة، فإن ما يتعلق بالأمة والمجتمع أخطر شأناً مما يتعلق بالفرد.

4- استخدام الجهاز الإداري للدولة سُبلَ تقنية المعلومات الحديثة من الشبكة العالمية للمعلومات (الانترنت) ووسائل الاتصال الأخرى التي تساهم بسرعة في نقل المعلومات وتوفير الخدمات الضرورية للمجتمع خوفاً من هدر الوقت.

5- بناء مؤسسات المجتمع المدني من منظمات حقوق الإنسان ومنظمات ضد التمييز العنصري والطائفي ومعاهد التأهيل الاجتماعي التي تزيد من توعية المجتمع مدنياً وسياسياً وإداريا.

6- توعية الجماهير بحرمة الاعتداء على الأموال العامة وأموال الدولة وإن حرمتها أشد من حرمة الاعتداء على الأموال الخاصة أي أموال الأفراد، ونشر ثقافة فقه المجتمع بمستوى نشر ثقافة فقه الأفراد، وإن عنوان صفة الإيمان للفرد تكون منطبقة عليه عندما تكون معاملاته صحيحة وليست متوقفة على عباداته فقط فإن الدين المعاملة والدين النصيحة(1).

7- اختيار لجان المشتريات لدوائر الدولة بصورة دقيقة وفاحصة من أهل الكفاية والأمانة، فلا يخفى على أحد أن أسوء صور هدر المال العام هو ما يقع من نهب وسرقة من خلال لجان المشتريات، فلابد من وضع قوانين للجان المشتريات لسد جميع ثغرات الفساد الإداري، وان تشكل لجنة سلامة التصرف بالمال العام في كل دائرة تراقب تصرفات لجان المشتريات. وإن يكون موظفو المخازن مما يوثق بدينه وأمانته فإن كثيراً ما تأتي مواد إلى المخازن ثم تخرج ولا يعلم أين تذهب؟! ولا يعلم توزيعها وكيف؟!.

كما على الدوائر ان تعلن الكشف عما أخذته من منح أو ميزانية وأين


1) کتاب نشرناه بعنوان الدين النصيحة ومقالة الدين المعاملة

صرفتها وما هي المشاريع التي قامت بها؟.

8- إنشاء صندوق الشكاوي أو مكتب الشكاوي للمواطنين، ويعطى له الاهتمام ويشرف عليه من قبل رئيس الدائرة ومديرها مباشرة حيث تسمع فيه شكاوي المواطنين ومشكلاتهم.

الصفات التي يتحلى بها الموظف:

ان المؤسسات الدينية والمجتمع المدني والجامعات تقوم بدور تثقيف وتعليم أفراد المجتمع الصفات الحميدة وغرسها فيه حتى تكون جزءاً من كيانه وثقافته، كما إن على علماء الدين وأساتذة الجامعات والمدرسين والمعلمين المسؤولية في استحضار هذه الصفات من خلال الندوات والمقالات واللقاءات وخاصة علماء الدين مع الموظفين في دوائر الدولة لتركيز الصفات الحميدة لخلق موظف مثالي محصن ذاتياً قادر على حمل الأمانة التي تسلّمها على عاتقه، ومن هذه الصفات هي:

1- ان يكون الموظف متحلياً بصفة نفع المراجعين وقضاء حاجاتهم ومحباً للخير لهم، فلقد ورد مستفيضاً في الأحاديث الشريفة عن الأئمة الأطهار: (من أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس)(1)، (وإن خصلتين ليس فوقهما شيء: الإيمان بالله ونفع الأخوان)(2)، وقال سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام: (ليكن أحب الناس إليك، وأحظاهم لديك أكثرهم سعياً في منافع الناس)(3)، وفي هذا الحديث الشريف وضع الإمام علي بن أبي طالب ضابطاً مؤدّاهُ أن يكون مقدار محبة الناس على أساس مقدار ما يقدمه للآخرين وليس على أساس ما يملكه من حطام الدنيا والعناوين الأخر كما في زماننا.


1) أصول الكافي 2 / 164، باب الاهتمام بأمور المسلمين، حديث: 7

2) مستدرك وسائل الشيعة 2 / 403 / باب (22) / حدیث: 11

3) المصدر نفسه 2/ 403 باب (22) / حدیث: 16

وقد ورد عن نبي الرحمة صلی الله علیه وآله وسلم: (ان الخلق عيال الله، فأحب الخلق إلى الله من نفع عيال الله)(1).

2- ان يكون الموظف عفيفاً، فإن أفضل العبادة عند الله فيما عفّ الإنسان بطنه وفرجه، فقد ورد عن الأئمة الأطهار علیهم السلام انه: (ما من عبادة أفضل عند الله الله من عفة بطن وفرج)(2)وقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (أكثر ما تلج به أمتي النار الأجوفان البطن والفرج)(3)، فعلى الموظف ان لا يكون مؤدياً للعبادات أبداً، بل ان يكون عفيفاً عن أموال الدولة مستغنياً عما في أيدي المراجعين، فإن الامتحان عليه عسير نتيجة اختلاطه ومُماسّته مباشرة بالمراجعين وتحت يده أموال الدولة. ولذلك جعل الإمام الصادق علیه السلام من عف بطنه وفرجه منزلته في الجنة منزلة الملك المحبور بقوله علیه السلام: (من عفّت بطنه وفرجه كان في الجنة ملكاً محبوراً)(4).

بل نسب الإمام الصادق علیه السلام شيعته واتباعه إليه فيما إذا عفّت بطونهم وفروجهم، فالذي لا يعف بطنه وفرجه فليس من شيعة جعفر بن محمد بشيء بقوله علیه السلام: (إنما شيعة جعفر من عف بطنه وفرجه واشتر جهاده، وعمل لخالقه الله: ورجا ثوابه وخاف عقابه، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر)(5).

3- ان يكون الموظف قنوعاً راضياً بما رزقه الله، وليكن في حسبان الموظف انه بمقدار ما يرضى بما قسمه الله من الرزق فإن الله سبحانه وتعالى يرضى منه العمل. ومعلوم أن القناعة من مكارم الأخلاق كما أشار الإمام الصادق علیه السلام


1) الأشعثيات أو الجعفريات / 193

2) أصول الكافي 2 / 80، باب العفة، حدیث: 7

3) مستدرك وسائل الشيعة 2 / 301، باب: 22، حدیث: 3

4) وسائل الشيعة 11/ 199 باب 22، حدیث 10

5) المصدر نفسه 11/ 199، باب 22، حدیث: 13

فقد ورد: (أن من قنع بما قسم الله له فهو أغنى الناس، وإن من رضي من الله باليسير من الرزق رضي الله منه باليسير من العمل)(1).

قال الاسكندر الرومي(2):

هي القناعة فالزمها تعش ملكاً *** لو لم يكن منك إلاّ راحة البدن

وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها *** هل راح منها بغير القطن والكفن

4- ان يكون الموظف مجتنباً للحرام، والمراد هنا ان تكون معاملاته على طبق الشريعة الإسلامية فلا يفصل ما بين الدين والمعاملة، ولا يقصر تدينه على العبادات، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن قوماً يجيئون يوم القيامة ولهم من الحسنات أمثال الجبال فيجعلها الله هباءاً منثوراً. ثم يؤمر بهم إلى النار، فقال سلمان: صفهم لنا يا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم؟ فقال: إما انهم قد كانوا يصومون ويصلّون ويأخذون أهبة من الليل، ولكنهم كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام وثبوا عليه)(3).

5- ان يكون الموظف مهتماً بالمراجعين وقاضياً لحوائجهم وطلباتهم المشروعة وان لا يفرق بينهم في تقديم الخدمة لهم، ولهذه الوظيفة أجر عظيم وفضل كبير فقد ورد عن الرسول الكريم صلی الله علیه وآله وسلم: (المؤمنون أخوة، يقضي بعضهم حوائج بعض)(4)، وإن (من قضى لأخيه المؤمن حاجة كان كمن عبد الله دهره)(5). وإن (من قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى الله له يوم القيامة مائة


1) الأمالي / الشيخ المفيد 192، حدیث: 22، أصول الكافي 2 / 56 باب مكارم الأخلاق، حديث: 2، أصول الكافي 2 / 138 / باب القناعة / حديث: 3

2) مرآة الكمال / المامقاني 2 / 361 / حاشية

3) أصول الكافي 481/2 باب اجتناب المحارم / حديث: 5

4) مصادقة الأخوان 26

5) وسائل الشيعة 579/11 / باب: 25، حدیث 11

ألف حاجة من ذلك أولها الجنة)(1).

ومقتضى إطلاق جملة من الأخبار الواردة في فضل قضاء حاجة المؤمن والسعي فيها سواء أكانت قضيت أم لا هو وجوب التزام المكلّف بها وعدم التفريط بحقها.

وعلى الموظف ان لا يستهين بحقوق فقراء الأمة وضُعفائها ولا يُفرق بين المراجعين فإنُ الأمة التي تستهين بحقوق فُقرائها مصيرها نزول العذاب عليها، فقد بشرت الأمم بنزول العذاب عليها عند استهانتهم بحقوق الفقراء، فقد ورد في الأخبار (وما عذب الله أمة إلاّ عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم)(2).

وقد ذكرت الأحاديث الشريفة بان قضاء حوائج المنافقين من قبل الموظفين والاهتمام بالمحسوبين والجشعين فكأنما عبد غير الله تعالى، فقد ورد (ان من قضى حق من لا يقضي الله حقه فكأنما قد عبده من دون الله تعالى)(3).

الصفات التي يتنزه عنها الموظف:

هنالك صفات على الموظف ان يتنزه عنها لما ورد من النهي الأكيد عنها والذم الكثير لمن ابتلي بها؛ منها:

1- ان لا يكون الموظف سيء الخلق مكفهر الوجه أمام المراجعين، ولا ينظر إلى المراجع له نظرة دونية وينفرهم عنه، فقد ورد في أخبار الأئمة الأطهار علیهم السلام: (ان الخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل)(4).

2- ان لا يكون الموظف طماعاً، فإن من لم ينزه نفسه عن دناءة المطامع فقد أذل


1) أصول الكافي 2 / 192 / باب قضاء حاجة المؤمن، حديث: 1

2) مستدرك وسائل الشيعة 2 / 408 / باب 27 / حدیث: 11

3) الاختصاص 243

4) أصول الكافي 2 / 321 / باب سوء الخلق: حدیث: 1

نفسه، وإن الطمع الفقر الحاضر، ويخرج الموظف من الإيمان ويجعله أسيراً لطمعه. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام: (إذا أحببت ان تجمع خير الدنيا والآخرة فأقطع طمعك عما في أيدي الناس)(1).

3- أن لا يكون الموظف مُصاباً بصفة الكسل والضجر، فقد ورد في الأحاديث الشريفة إنهما يمنعان حظ صاحبهما من الدنيا والآخرة. وإن الموظف المصاب بداء الضجر والكسل لم يصبر على حق ولم يؤده فيكون مفرطاً في حق نفسه مجحفاً في حقوق المراجعين، ورحلت عنه الراحة. وإن للكسل علامات يتوانى حتى يفرّط، ويفرّط حتى يضيع، ويضيع حتى يأثم ويضجر، وإن التواني إضاعة في الدنيا وفي الآخرة حسرة(2).

4- ان لا يكون الموظف مرتشياً، وإن الموظف المرتشي يرتكب كبيرة من الكبائر عند أخذه للرشوة ومن أخذها فقد كفر بالله العظيم هذا ما صرحت به الروايات الشريفة، ومال الرشوة سحت وهو مال حرام وأخذه ملعون على لسان الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، روي عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم: (لعن الله الراشي والمرتشي وما بينهما يمشي)(3).

5- ان لا يكون الموظف غاشاً في جميع المهمات المكلف بها في وظيفته. فلو غشُ مثلاً في عقد من العقود التي يبرمها مع شركة ما أو مؤسسة أو جهة ما فقد خرج من ذمة الإسلام وباء بسخط من الله، ونزع الله بركة رزقه وأفسد عليه عيشه. وهذا ما أشارت إليه الأخبار المروية عن الأئمة الأطهار منها: (إن من غشٌ الناس فليس بمسلم)(4)، و(إن من غشٌ أخاه المسلم نزع الله بركة رزقه


1) الفقيه / الصدوق 4 / 280 / باب: 176، حدیث: 830

2) مستدرك وسائل الشيعة 20 / 336 / باب: 66، حديث: 2، الفقيه 4 / 256 / باب: 176 / حدیث: 821، الكافي 5 / 85 / باب كراهية الكسل، حديث: 2

3) مستدرك وسائل الشيعة 3 / 196 / باب: 8، حدیث: 8

4) عيون أخبار الرضا 198

وأفسد عليه معيشته ووكله إلى نفسه)(1)فكيف إذا غشٌ المسلمين كافة خلال عقود مزورة أو مخلة بالشروط المطلوبة أو ليست على المواصفات المطلوبة أو إعطاء العقود إلى من لا يستحقها من أجل حفنة من النقود.

6- أن لا يكون الموظف حريصاً على دنياه، فمن كان حريصاً حرم القناعة وافتقد الراحة وحرم الرضا وافتقد اليقين، والموظف الحريص على الدنيا يصاب بالذل والعناء والفقر، لأن الحرص مفتاح التعب ومطية النصب وداع إلى التقحم في الذنوب والموقع في كبير الذنوب وعلامة الأشقياء ويزري بالمروءة وينقص قدر الموظف ولا يزيد في رزقه(2).

والموظف الحريص بين سبع آفات صعبة، فكر يضر بدنه ولا ينفعه، وهمّ لا يتم له أقصاه، وتعب لا يستريح منه إلاّ عند الموت، وخوف لا يورّثه إلا الوقوع فيه، وحزن قد كدر عليه عيشه بلا فائدة، وحساب لا يخلصه من عذاب الله إلاّ ان يعفو الله عنه، وعقاب لا مفر منه ولا حيلة(3)، ونختم الكلام بالحمد لله أولاً وآخراً.


1) عقاب الأعمال 334 / باب يجمع عقوبات الأعمال

2) معاني الأخبار 197 / باب معنى الغايات، حديث: 4، مستدرك وسائل الشيعة 2 / 336 / باب: 64، حديث: 10

3) مستدرك وسائل الشيعة / 2 / 335 / باب: 64، حدیث: 9

المصادر

أولاً: الكتب

1- القرآن الكريم.

2- الاختصاص / الشيخ المفيد (ت 413 ه) / المؤتمر الشيخ المفيد / قم / 1413 ه.

3- الأمالي / الشيخ الطوسي (ت 460 ه) دار الثقافة والنشر / قم / 1414 ه.

4- الجعفريات (الاشعثيات) / محمد بن محمد الاشعث الكوفي / مكتبة نينوى الحديثة / طهران.

5- شبكة رافد للتنمية الثقافية / مؤسسة آل البيت علیهم السلام لأحياء التراث / استفتاءات سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله).

6- عيون أخبار الرضا / الشيخ الصدوق (ت 381 ه) / دار العالم للنشر / 1378 ه.

7- في ظلال القرآن / سيد قطب / الطبعة الأولى / عيسى البابي الحلبي وشركاه.

8- الفقه / آية الله السيد محمد الحسيني الشيرازي / دار العلوم / لبنان / 1410 ه - 1989 م.

9- الكافي / ثقة الإسلام الكليني (ت 329 ه) / دار الكتب الإسلامية / طهران / 1365 ه.

10- المال المثلي والمال القيمي في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة مع القانون العراقي / الدكتور الشيخ عباس كاشف الغطاء / رسالة دكتوراه / جامعة بغداد.

11- مرآة الكمال لمن رام درك مصالح الأعمال / آية الله العظمى الشيخ عبد الله المامقاني / تحقيق نجله الشيخ محي الدين المامقاني / الطبعة الثانية / قم / 1413 ه.

12- مستدرك وسائل الشيعة / المحدث النوري (ت 1320 ه) / مؤسسة آل البيت /

قم / 1408 ه.

13- مُصادَقَةُ الإخوان / الشيخ الصدوق (ت 381 ه) / مطبعة الكرماني / قم / 1403 ه.

14- معاني الأخبار / الشيخ الصدوق (ت 381 ه) / مؤسسة النشر الإسلامي / قم / 1403 ه.

15- من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق (ت 381 ه) / مؤسسة النشر الإسلامي / قم / 1413 ه.

16- وسائل الشيعة إلى معرفة تحصيل مسائل الشريعة / المحدث محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104 ه) / مؤسسة آل البيت / قم / 1409 ه.

ثانيا: المقالات

17- الأمن أبرز ما يعيق إعادة الإعمار / كمال طه / بغداد / البرلمان العراقي يريد تحريك ملفات الفساد الإداري والمالي.

18- بسبب الغام الفساد الإداري التي غرسها النظام المباد: العراق يتصدر قائمة الدول الأكثر فساداً.. فما العمل؟ / جلال حسن / جريدة الهدى / تصدر عن مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون / 14 - 8 - 2005 م.

19- تهديد الشهود بالقتل يعرقل التحقيق في فساد الوزراء / د. أسامة مهدي / إيلاف / العدد (1545) / 14 - 8 - 2005 م.

20- الفساد الإداري / سعد العمري / البرلمان الثقافي / إصدار 18 - 6 - 2005 م.

21- الفساد الإداري آفة مستشرية في دوائر الدولة / حوار جريدة كل العراق مع اللواء نوري النوري المفتش العام في وزارة الداخلية / العدد (160) / الأربعاء 10 - 8 2005 م الموافق 4 رجب 1426 ه.

22- الفساد الإداري في العراق مظاهره وسبل إصلاحه / د. جواد الموسوي / جريدة الصباح / 110 - 8 - 2005 م.

23- القضاء على الفساد الإداري بين الواقع والحلم / الحوار المتمدن / العدد

(1195) / 12- 5 - 2005 م.

24 - 332 لجنة تحقيق عن الفساد الإداري في الداخلية / صحيفة المدى / العدد (22) / 24 جمادي الثاني 1426 ه المصادف 30 - 7 - 2005 م.

25- هل تستطيع الحكومة اللبنانية الجديدة البدء بعملية الإصلاح؟ / حسين عبد الله / نشرة بيّنات / موقع السيد محمد حسين فضل الله / 7 رجب 1426 ه الموافق 2- 8 - 2005 م.

26- معضلة الأمن بين العملية السياسية والفساد الإداري / علاء غزالة / جريدة الإيلاف / العدد (1541) / الأربعاء 10 أغسطس 2005 م.

27- وزارة الكهرباء عقود كتب نصوصها رجال أعمال وتجار / جريدة المؤتمر الوطني العراقي تبدأ بنشر ملف الفساد الإداري في الوزارات العراقية.

28- وسائل وسبل مكافحة الفساد الإداري / القاضي رحيم حسن العكيلي نائب رئيس مفوضية النزاهة العامة / جريدة الصباح / 10 - 8 - 2005 م.

وشائج الفكر والإخاء بين الإمام شرف الدين وأعلام آل كاشف الغطاء

اشارة

«5»

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

الحمد لله الذي جعل مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء والصلاة والسلام على من كان عُلَماءُ أُمّته خيراً من أنبياء بني إسرائيل وعلى آله الأطهار أئمة الحق الهُداة.

إن كتابة بحث عن الإمام شرف الدين هذا العِلم الفذ لابد أن يُلِمّ الباحث فيه بَلمحْةٍ دالة ويُقدّمَ شذرة ناصعة من مميزات سيرة حياته العطرة ثم يُعرّج على ما كان له من صلات وشيجة، وعلاقاتٍ متينة بأعلام آل كاشف الغطاء، فنقول وبالله التوفيق:

إن الإمام المجاهد السيد عبد الحسين شرف الدين هو علم الإسلام الخفاق، وعيلم المعارف الإسلامية الدفّاق وقمةٌ شامخة من قمم الفِكر الإسلامي الأصيل المُسْتَمَدة ينابيعه من مناجم بحر الشريعة الفياض. وهو بحق من أعلام الشيعة الإمامية المبرُزين المشهود لهم بالإحاطة والتضلع في ميادين الفقه الإسلامية، تشهد بذلك قائمة مؤلفاته التي احتجنت طياتُها ثمار تحقيقاته ومتابعته المتواصلة، والتي تدل دلالة واضحة على ما لهذا الإمام العظيم من مواهب متعددة كان من نتائج أصالتِها هذا التراث الضخم الذي يحتل الصدارة في رفوف المكتبة الإسلامية.

لقد تَبوّأ الإمام شرف الدين مرتبة سامية في العلم والعمل حتى عُدّ

من أبطال الإسلام الخالدين وأساطين المذهب الإمامي المتميّزين، وبما تركه من آثار قيمة يشهد بعظمتها المخالف قبل المؤالف مضافاً إلى ما قامَ به من أعمال خالدة ومشاريع إسلامية جَمُة تلتقي جميعها لتَصُبُ في بحر عظمته المنقطعة النظير.

لقد اجتمعت على تكوين شخصية الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين أسباب تدريجية في مراحل تدريجية من تربية عالية إلى إنشاء مبارك وتوجيه صحيح إلى أساتذة واقعيين روحيين من النموذج الإسلامي الأعلى، فانصهاره في بوتقتهم الروحية الأدبية، وبلورته إلى جد ونشاط وتتبع واسع وعمل جدي متواصل، إلى احتكاكه بالطُبقاتِ المتباينة، إلى أحداث عالمية خطيرة كان فيها جَلُداً صَبُوراً حكيماً، إلى وجود رصيد ضخم من المؤمنين استعان بهم، یَعضُدُ هذه الأسباب ويؤصّلُها ما رافَقَها من التوفيق الدائم والرعاية الإلهية الحكيمة التي تعلم حيث تجعل الرسالات وتوضع الأمانات. كل هذه مجتمعة أنتجت هذه الشخصية الروحية الضخمة فأصبح من الأسماء المعدودة التي امتازت بمواهب وعبقريات رفعتهم إلى مصاف العلماء الربانيين، فكان لنبوغه النادر، وملكاته القوية، وسليقته المطبوعة على حسن الأداء، ما جَعَلَهُ فذاً من أفذاذ الإسلام وقد شاءت الإرادة الإلهية أن تبارك علمه وقلمه فتخرج منهما للناس نتاجاً من أفضل النتاج. وكان السيد رحمه الله ينهض بأعباء الدعوة للخير ووحدة الكلمة وإصلاح حياة الناس سواء في قضائه أم في جهاده الديني والاجتماعي أم في دروسه العلمية التي كان يدأب دون انقطاع في بذل الجهد لها من وقته وراحته أم في أحياء مشاريع العلم التي ترفع ظلمة الجهالة وتهدي إلى سواء السبيل، ولم يقتصر جهاده ومساعيه على نشر الأحكام بينَ الأنام بل اتسعت دائرة اهتمامه إلى المشاركة في تحرير الأمة من ربقة الاستعباد والاستعمار فكانت مواقفه الوطنية مشهودة وصرخاته الإصلاحية في تعزيز كلمة الوطن

وصيانة استقلاله وتوحيد صفوفه. فكانت له الأدوار المشرفة والمواقف المشرقة حتى ذهب صيته في البلاد الإسلامية قاطبة.

لقد كان جهاد الإمام شرف الدين في جميع الميادين، ففي مجال الذب عن المبدأ والعقيدة فَبقَلَمهِ الشريف في المراجعات والفصول المهمة والنص والاجتهاد وغيرها، وفي مجال مناهضة المستعمرين دفاعاً عن حوزة الإسلام فبلسانه البليغ وسنانه النافذ.

المدرسة المهدية الدينية / النجف الأشرف 18 ذي الحجة / 1425 ه

المبحث الأول وشائج الفكر بين الإمام شرف الدين والهادي آل كاشف الغطاء

اشارة

المبحث الأول وشائج الفكر بين الإمام شرف الدين والهادي آل كاشف الغطاء(1)

إن الخلاف بين السنة والشيعة هو القضية الكبرى التي ألقت بظلالها على واقعنا القديم والمعاصر وما تبعها من صراع مذهبي منذ عصر صدر الإسلام إلى هذا اليوم، وما حمل في طياته من تبعات خطيرة، وما تركه من إرث ثقيل بالمشاكل والخصومات بين أبناء الأمة الإسلامية، فقد طرح موسى جار الله من علماء أهل السنة عشرين مسألة على علماء الشيعة يطلب الإجابة عنها ظاناً إن فيها إحراجاً لعلماء الشيعة. وقد أجاب عنها كل من سماحة الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين والعلامة الشيخ هادي كاشف الغطاء استجابة لطلب فضلاء الحوزة العلمية. وكانا في ردهما الملزم لمسائل موسى جار الله يمتحان من قليب واحد وينهلان من بحر زاخر هو بحر علوم بيت النبوة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، يشدهما إلى هذا العمل النبيل وحدة الهدف وشرف الغاية وسلامة القصد، وقد وجدا نفسيهما مسؤولَيْنِ أمام الحق عن سكوتهما عن إجابة هذا الناعق، وإن كانت مسائله وشبهاته اجتراراً لشبهات قديمة نعق بها أمثاله ممُن لف لفه واحتطب بحبله. وكانت أجابتهما مِن أسَدِّ الأجوبة تقوم على البرهان والمنطق فلا تترك أثراً للشك. ونذكر نقاط الاتفاق بين العلمين في الإجابة وهي:

1- الدعوة إلى توحيد الكلمة:

من المواضع العظيمة التي أهتمَ بها العَلَمانِ الإمام شرف الدين والشيخ هادي كاشف الغطاء هو مبادرتهما إلى السعي في تأليف شتات الأمة


1) هو أبو الرضا المدعو بالهادي نجل العلامة الفقيه الشيخ عباس نجل المحقق الشيخ علي صاحب الخيارات نجل الشيخ الأكبر فقيه عصره الشيخ جعفر النجفي صاحب كتاب (كشف الغطاء مبهمات الشريعة الغراء) المولود سنة 1290 ه، والمتوفى سنة 1361 ه

الإسلامية وجمع كلمتها ونبذ ما يمزق وحدتها. ولم يكتفيا في سبيل ذلك بالدعوة المجرّدة عن البرهان بل نزلا إلى ميدان العمل مجاهدَين وَمُسَخّرَينِ كل طاقاتهما العلمية الجبّارة، فكانَ لهما ما أرادا، وخيرُ ما يُمثّلُ هذا الجهاد الإسلامي المبارك تمثيلاً مطابقياً للإمام شرف الدين ما كتبه في (المراجعات) و(النص والإجتهاد) و (الفصول المهمة في تأليف الأمة) و(الأجوبة على مسائل موسى جار الله). كما أن خير ما يمثل هذا الجهاد الإسلامي المبارك من العلامة الشيخ هادي كاشف الغطاء (الأجوبة النجفية) و(الرد على مسائل موسى جار الله) و (رسالة في فضل العلويين) وغيرها.

إنّ العلمين كانا يدعوان إلى تناسي الأحقاد ونبذ الخلافات ظهريا لإن هذه الأمور لم تعد على المسلمين بأي فائدة ولا طائل من ورائها، ولولا اضطرارهما للرد على مثل هذه المسائل والطلب الحثيث المقرون بالتحدي من مدعيها بالإجابة عنها لما تعرضا إليها. وكانا يدعوان إلى الالتقاء والاجتماع مع علماء المسلمين من المذاهب الأخرى، ويصرحان بأن هذه اللقاءات والاجتماعات لها فوائد جمّة أقلها الاتصال الفكري والتعارف فضلاً عمّا لهذا الاتصال واللقاء والاجتماع من نتائج حسنة تعود على الوحدة الإسلامية بأعم الفوائد وأجداها.

2- الدعوة إلى عدم نشر التراث الذي يؤدي إلى التفرقة وتمزيق الأمة:

حذّرَ كل من العلمين الإمام شرف الدين والشيخ هادي المسلمين كافة من بعض الذين يَدّعُوْنَ العلم ويصبغون أنفسهم بصبغة الإسلام ويعملون على نشر التراث المؤدي إلى فرقة المسلمين وزيادة الهوة بينهم، وذلك بترويج أفكار خرافية بائدة كاسدة، وجَعْلها أساطير تتلى وَزُبراً على منصة القدر تجلى، لينالوا بذلك شهرة وسمعة بين أهل . عصرهم ويعجب العلمان غاية العجب ممن ينشر مثل هذه المسائل ولمن يقرؤها ويضعها موضع النظر والنقد.

وأكد العلمان عدم التحريش بالمسائل التي توقظ الفتنة الراقدة، وتوقد الحرب الخامدة، امتثالاً للأثرِ الخالد: (الفتْنَةُ نائمةٌ لعنَ الله مَنْ أيقظها)(1). وأوضحا إن إن الطريق الوحيد إلى الوحدة الإسلامية بين المسلمين قاطبة إنما هو تحرير مذاهبهم والاكتفاء من الجميع بالمحافظة على الشهادتين والإيمان باليوم الآخر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج بيت الله الحرام وصوم شهر رمضان والتعبد بالكتاب العزيز.

3- الاهتمام بالعلوم التي تعود بالنفع على المسلمين:

المستفاد من سيرة العلمين ومناحي تفكيرهما إنهما كانا يتباريان في حلبة واحدة من حيث خدمة الإسلام والمسلمين والاهتمام بما يعود نفعه وفائدته على الدين ومعتنقيه بعيداً عن الركض اللاهث وراء مسائل عقيمة أكل الدهر عليها وشرب ليس للمسلمين فائدة في إثارَتِها، وإعادة الجدل والنزاع في مضامينها من نحو الكلام على قدم القرآن الكريم وحدوثه، فضلاً عن إضاعة الوقت وإثارة الإحَن ومس العواطف والتفرقة بين المسلمين ومناواة الحق والتعصّب بالباطل وقيل وقال ومراء وجدال وتعصّب وتحزّب.

4- كشف الحقائق ورفع الشبهات:

كان كل من الإمام شرف الدين والشيخ هادي كاشف الغطاء همهما الوحيد في كشف القناع عن الحقيقة وإزاحة الستار عن الشبهات حيث يأخذ بيانهما وبرهانهما القارئ إلى مناهل مترعة الضفاف بنمير ذي سلسبيل، كلما كرعت من فراته جرعة تحلبت شفتاك لجرعات تحسب أن ليس لظمئك راوٍ غيرها مقرونة بسلامة الذوق في الفن وحسن التيسير في إيضاح المشاكل وتحليل المسائل.

5- الإطلاع على كتب المسلمين كافة:

كان كل من العلمين الإمام شرف الدين والشيخ هادي (قدس سرهما)


1) كنز العمال 11/ 127

طويلي الباع واسعي الإطلاع لا على كتب الشيعة الإمامية فحسب بل أمتد ذلك الباع إلى الإطلاع على كتب أهل السنة من صحاح ومسانيد وسير وتراجم وأحاطا بها جملة وتفصيلاً، فكانا يحتجان على علماء الجمهور بصحِاحِهم ومسانيدهم ويُلزمانِهِمْ بما ألزمُوا بهِ أَنفُسَهمْ في باب الاحتجاج والاستدلال، ونظرة واحدة إلى ما كَتَبَ العَلَمَانِ تكشف عن حقيقة هذا القول بل لست مغالياً إذا قلت إنُ غالب أجوبتهم من كتبهم.

6- المنهجية الصحيحة:

استدلُ العَلَمان بثوابت الإسلام وبديهياته، وخاطبا فطرة الإنسان التي فطر الله الناس عليها، وجعلا وجدان الإنسان أمام الواقع والحقيقة، ولا يحملا النص بتأويلات وتقولات ما أنزل الله بها من سلطان، فمنهجهما الوسطية فلا إفراط ولا تفريط معتمدين على ما أوتيا من أدب وبيان وبما عرفا من قوة الاستدلال وسطوع البرهان بأسلوب علمي يستند على الحقائق بعيداً عن الأهواء الشخصية والآراء الذاتية. كما امتازت كتاباتُهما بالأصالة والعمق والاستيعاب فهي تجمع بين سمو الفكر وجَزالَةِ اللفظ، فإذا قرأت فصلاً علمياً خالصاً فكأنكَ تقرأ فصلاً أدبياً رائعاً.

7- الدفاع عن عقيدة أهل البيت علیهم السلام:

انبرى كل من العلمين الإمام شرف الدين والشيخ هادي كاشف الغطاء للدفاع عن عقيدة أهل البيت علیهم السلام وتراث آل محمد مفن-دين الحجج الواهية والأدلة الخاوية التي جاء بها موسى جار الله.

8- الدعوة إلى الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة:

كان العلمان الإمام شرف الدين والشيخ هادي كاشف الغطاء نمطين فریدين وأنموذجين جديدين لمباحث المناظرات الموضوعية، فتناولا مسائل الخلاف بين المذاهب الإسلامية تناولاً ينأى عن روح التعصّب المُقيت والجدل

البزنطي العقيم، وإظهار الحق وضَاح المُحيّا وضيء القسمات فواح النسمات، لا تحجُبهُ يَلاميع الشُبهات، ولا تحول دون رؤيته مُهاترات المُكابرين، وقد أضربا صفحاً عن الكلمات الجارحة والمجازات الفاضحة والأقاويل الشنيعة والتفاهات المغرورة التي تنسب إلى الشيعة فلم يناقشاها وكانا بالإعراض عنها أولى، بل كانا يجيبان عنها بالكلام الرزين والأدب الرفيع والموعظة الحسنة والحوار المملوء بروح الإيمان والاحترام وهذا ديدن علماء الشيعة الأخيار في جمیع الأعصار والأمصار.

9- الدعوة إلى عدم التكفير:

إن أعظم ما ابتلي به المسلمون رَمْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضاً بالكفر مع إن قصد الكل الوصول إلى الحق بما بذلوا جهدهم لتأييده واعتقاده والدعوة إليه، والحقيقة أن علماء الشيعة لا يهاجمون أو ينتقدون أخوانهم المسلمين. بل العكس من ذلك يدعون إلى الأخوة الإسلامية ووحدتها، بينما ما يقوم به بعض ممن يدعي العلم من إخواننا المسلمين بالتهجم على عقائد الشيعة ورميهم بالكذب بل بالشرك والكفر وذلك بالاعتماد على ما كتبه أعداء الشيعة عن عقائدهم ثم يطلبون الجواب على أسئلة يطرحونها على علماء الشيعة على شكل التُحَدِّي، فلم يكن في وسع علماء الشيعة علماء الشيعة إلاّ الأجوبة عنها كمسائل موسى جار الله وفتاوى القاضي ابن بلهيد التي أجاب عنها الشيخ هادي كاشف الغطاء بالكتاب الموسوم (الأجوبة النجفية عن الفتاوي الوهابية)(1). ومع هذا كله فإنُ عُلماء الشيعة في أجوبتهم يتمسكون بالوحدة الإسلامية ويَدْعُوْنَ إليها بما عندهم مِنْ حَوْلٍ وَطَوْلٍ بأسلوب مهذّب، ويذكرون خصمهم بنتائج الفرقة وما تؤول إليه من ضعف المسلمين،


1) حققتها وطبعتها مؤسسة كاشف الغطاء العامة في النجف الأشرف سنة 1423 ه، برقم (1) من سلسلة منشوراتها

ويوضحون لمن التبس عليه الأمر من اعتماده على مصادر مكذوبة لا تمثل عقيدة الشيعة الإمامية الإثْنَيْ عشرية.

10- الدعوة إلى العلم والتعلم بصورة عصرية:

كانت دعوة العلمين الإمام شرف الدين والشيخ هادي كاشف الغطاء إلى الحث على طلب العلم والتعلم بما تفرضه المعاهد العصرية معتمدة على الروحانية الإسلامية، فَهُما يَرْجُوانِ أن تتطور أساليب وطرق التعلم، فإن العلم نواة الحضارات وهو حظها في القوة والظفر والحياة وهو نفسه قياسها في التقدم والتأخر والحكم والسيطرة والسعادة والبؤس ولئن اختلفت مظاهر الحياة وظواهر الاجتماعات باختلاف العصور وتباين البيئات فإن العلم بجوهره واحد في وجوبه وضرورته يسعى إليه أولو الألباب ويؤثرونه في كل عصر وتحت كل أفق.

وهم لا يجدون ديناً يفهم من أسرار العلم ما يفهمه الإسلام الحنيف ولا تعاليم تأخذ بالأعناق كتعاليم الكتاب العزيز والسنة الشريفة.

وقد حذّرا (رحمهما الله) من الدراسة في المعاهد المرسومة المُضطلعة بنشر المعارف المسمومة والمدارس المادية التي تبث الأفكار الإلحادية فقد أوضحا أنّ المتخرّج فيها وإن قد غنمَ بعض الثروة من قيمة الحياة الحاضرة فإنا قد خسرنا فيهم الروح الشريفة والمبدأ الحق والأخلاق السامية والإخلاص الواجب، وجهزنا منهم سلاحاً يصيب نحورنا، فكنّا في تعليمهم هذه المعارف المسمومة كالباحث عن حتفه بظلفه والجادع مارن أنفه بكفه.

11- القضية الحسينية:

ومن مناحي التقاء العلمين في الفكر المتجسد بالتأليف والتصنيف هو إن كُلاً من الإمام شرف الدين والشيخ هادي كاشف الغطاء عاشا القضية الحسينية بأبعادها وملابساتها فكتب كل منهما في هذا الموضوع كتاباً كشف

عن حضوره المتميّز فيه، فقد كتبَ الإمام شرف الدين كتابه الخالد (المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة)، وكتب العلامة الشيخ هادي كاشف الغطاء (المقبولة الحسينية) وألحقها برسالة موجزة (أوجز الأنباء في مقتل سيد الشهداء).

(1) المقبولة الحسينية: أرجوزة في شرح واقعة الطف وبعض ما يتعلق ما وراء الطف ذكرها الشيخ أغا بزرك الطهراني في الذريعة 16/22، وقد طبعت في النجف الأشرف مع أوجز الأنباء في مقتل سيد الشهداء وهو في غاية الإيجاز مع كثرة الفوائد يتمكن القارئ مِنْ قراءته في مجلس واحد.

المبحث الثاني وشائج الفكر بين آل شرف الدين وآل كاشف الغطاء

من نافلة القول أن نشير في هذا الموضع إلى أن أسرة آل كاشف الغطاء من الأسر العلمية في النجف الأشرف قد ظهر منها أكابر الفقهاء والمجتهدين وأعلام الطائفة والأساطين في خلال القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وإن ما تركوه من مصنفات جليلة في مختلف العلوم الإسلامية ومعارفها تشكل بحق مكتبة ضخمة. وطبيعي أن تتصل وشائج الصلات والروابط الوثقى بين أسرة علمية دينية كآل كاشف الغطاء مع الأسر العلمية الدينية الأخرى التي تلتقي معها في النبوغ العلمي والشرف الموروث، وتستظل معها بسقف (الكِفايَة) الحقة. وكان من ألمع الأسر العلمية الأصيلة التي توشّجت بآل كاشف الغطاء روابطها وَدامَ تواصُلها بالمُصاهرة والدراسة والتدريس هي أسرة آل شرف الدين المُعرِقة بشرفها الهاشمي ومجدها العلمي. ومن مصاديق تلك الوشائج المباركة هي:

أولاً: تلمذة المجتهد الكبير السيد صدر الدين على يد أستاذه الشيخ الأكبر الشيخ جعفر المشهور بكاشف الغطاء.

ثانياً: دراسة وتلمذة العلامة الفقيه الكبير السيد إسماعيل بن صدر الدين على الفقيه الكبير الشيخ مهدي ابْنِ الشيخ علي (صاحب الخيارات) ابن الشيخ الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء، كما تتلمذ على الفقيه الكبير الشيخ راضي بن محمد بن محسن ابْن الشيخ خضر - (سِبطِ الشيخ الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء) - قال الإمام الطِّهراني في ترجمة السيد إسماعيل صدر الدين من آل شرف الدين في (نقباء البشر)(1): السيد إسماعيل ابن السيد صدر الدين


1) طبقات أعلام الشيعة / نقباء البشر 1/ 159، 160

الدين العاملي من أعاظم العلماء وأكابر المراجع... وتشرف إلى النجف (1271 ه) وحجُ البيت بها ورجع فلازمَ بحث العلامة الفقيه الشيخ راضي بن محمد آل خضر النجفي المتوفي (1290 ه)، وبحث الفقيه الأوحد الشيخ مهدي بن علي ابن الشيخ الأكبر كاشف الغطاء المتوفى (1289 ه).

ثالثاً: من مشايخ الشيخ هادي ابن الشيخ عباس ابن الشيخ علي ابن الشيخ الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء في علم الحديث رواية ودراية الفقيه الأصولي الرجالي الكبير أبو محمد الحسن بن الهادي بن محمد علي بن صالح محمد شرف الدين المعروف بالسيد حسن الصدر (ت 1354 ه). والسيد حسن الصدر هو خال الإمام المجاهد السيد عبد الحسين آل شرف الدين وللسيد حسن الصدر كتاب (الدُّرر الموسوية في شرح العقائد الجعفرية) والعقائد الجعفرية للشيخ جعفر كاشف الغطاء كما ذكر ذلكَ العلامة الشيخ بن أغا بزرك الطهراني في ترجمة السيد حسن الصدر(1).


1) طبقات أعلام الشيعة / نقباء البشر 1/ 448

المبحث الثالث وشائج الإخاء بين آل شرف الدين وآل كاشف الغطاء

اشارة

من مصاديق وشائج الإخاء المباركة هي:

أولاً: المراسلات

من مظاهر توطد علاقات المودة والإخاء بين الإمام شرف الدين وأعلام آل كاشف الغطاء هو تلك الرسائل الكثيرة المتبادلة بينه وبين جملة من أعلامهم لا سيما الإمام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء والعلامة الشيخ علي كاشف الغطاء وفي طي تلك هاتيك الرسائل يقف المتتبع على ما يَتْسِمُ بِهِ المُرْسِلُ والمُرْسَلُ إليه من عظم النفس ورفعة الشأن(1).

ثانياً: إهداء المؤلفات

من دلائل وفاء الإمام شرف الدين وولائه لعلماء آل كاشف الغطاء هو مبادرته بإهداءِ مؤلفاته إبَّانَ صدورها إلى أعلام تلك الأسرة مشفوعة بعبارات الثناء والإجلال والإكبار للمُهْدَى إليهم وللقارئ الكريم وحفظاً للتاريخ ننقل أنُموذَجَاً من إهداء كتاب الفصول المهمة للشيخ هادي كاشف الغطاء فقد نَمْقَ على صفحته الأولى بالحرف الواحد ترفع هذه الأوراق إلى مولانا حجة الإسلام وبقية الأئمة الأعلام شيخنا المولى القدوة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء (أدام الله ظله) هدية من مستمد دعائه في 20 ذي القعدة 1347 ه، الأقل الأحقر عبد الحسين شرف الدين الموسوي)(2).

ثالثاً: الزواج الميمون

أول اتصال كان بين الأسرتين هو مصاهرة المجتهد الكبير الإمام السيد


1) نرفق مع البحث صورة رسالتين للإمام شرف الدين موجهة إلى الإمام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء والعلامة آية الله العظمى الشيخ علي كاشف الغطاء

2) نرفق مع البحث صورة الإهداء على كتاب الفصول المهمة

صدر الدين ابن السيد صالح بن محمد بن إبراهيم شرف الدين للشيخ جعفر الكبير المشهور بكاشف الغطاء على إحدى بناته وكان من أبنائه منها العلامة الفقيه السيد أبو جعفر ابن السيد صدر الدين. قال الإمام أغا بزرك الطهراني في ترجمة السيد أبي جعفر في نقباء البشر: (وهو السيد أبو جعفر ابن السيد صدر الدين الموسوي العاملي الأصفهاني، عالم جليل كان سبط الشيخ الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء)(1).

والجدير بالذكر أن السيد صدر الدين كان من أبرز تلامذة الشيخ جعفر کاشف الغطاء ولما أنسَ به الشيخ من آيات النجابة والعبقرية زوّجه كريمته.

رابعاً: اتفاق الولادة

ومن طرائف الاتفاق أن تكون ولادة كل من العلمين الإمام شرف الدين والشيخ هادي كاشف الغطاء في سنة واحدة فَكَأنّ هذا الاشتراك في سنة الولادة إيذانٌ بسيرهما على طريق واحد وسعيهما إلى تحقيق هدف واحد هو خدمة الدين الحنيف الذي تشرفا بأن كانا فيما بعد من أعلامه وسدنته والدعاة إليه.

وفي الختام لقد واصل الإمام شرف الدين رحلة حياته المزدانة بجلائل الأعمال وخوالد الآثار حتى أتاه اليقين فلبّى نداء ربه، فسلام عليه يوم ولد ويوم انتقل إلى الرفيق الأعلى ويوم يبعث حيّا.

والحمد الله أولاً وآخراً


1) طبقات أعلام الشيعة / نقباء البشر: 31/1

المصادر

1- أجوبة مسائل موسى جار الله / آية الله العظمى السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي / مؤسسة أهل البيت علیهم السلام / بيروت / سلسلة المكتبة الإسلامية / 1410 ه - 1990 م.

2- الأجوبة النجفية عن الفتاوى الوهابية / آية الله العظمى الشيخ هادي كاشف الغطاء / طبعة مؤسسة كاشف الغطاء العامة / النجف الأشرف.

3- أوضح الإجازات إلى سيد الكائنات / آية الله العظمى الشيخ هادي كاشف الغطاء / مؤسسة كاشف الغطاء العامة / النجف الأشرف.

4- الرد على مسائل موسى جار الله / الشيخ هادي كاشف الغطاء (1290 ه - 1361 ه) / الطبعة الأولى / مؤسسة كاشف الغطاء العامة.

5- طبقات أعلام الشيعة / نقباء البشر في القرن الرابع عشر / المحقق الإمام الطِّهراني / المطبعة العلمية / النجف الأشرف / 1373 ه - 1954 م.

6- كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء / الشيخ الكبير الشيخ جعفر المشهور بكاشف الغطاء / مؤسسة كاشف الغطاء العامة / النجف الأشرف.

7- المجالس الفاخرة / الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي / تحقيق محمد جواد فخر الدين / الطبعة الأولى / مؤسسة العارف للمطبوعات / بيروت / 1425 ه - 2004 م.

8- مجلة العرفان / لصاحبها الشيخ أحمد عارف الزين / الجزء الرابع والخامس والسادس والسابع والثامن / المجلد (45) / مطبعة العرفان / صيدا / جمادي الآخرة 1377 ه - كانون الثاني 1958 م / رجب 1377 ه - 1958 م / شعبان 1377 ه - آذار 1958 م / رمضان المبارك 1377 ه - نيسان 1958 م / شوال 1377 ه - آيار 1958 م.

9- مجلة العرفان / الجزء الثالث / المجلد السادس والثلاثون / جمادي الأول

1368 ه - آذار 1949 م.

10- مجلة العرفان / الجزء الرابع / المجلد السادس والثلاثون / جمادي الآخرة 1368 ه - نيسان 1949 م.

11- مجلة العرفان / الجزء الخامس / المجلد السادس والثلاثون / رجب 1368 ه - 1949 م.

12- مجلة العرفان / الجزء السادس / المجلد السادس والثلاثون / شعبان 1368 ه حزيران 1949 ه.

13- مجلة العرفان / الجزء السابع / المجلد السادس والثلاثون / شهر رمضان 1368 ه - تموز 1969 م.

14- مجلة العرفان / الجزء الثامن / المجلد السادس والثلاثون / شوال 1368 ه - آب 1949 م.

15- مجلة العرفان / الجزء التاسع / المجلد السادس والثلاثون / ذو القعدة 1368 ه - أيلول 1949 م.

16- مجلة العرفان / الجزء العاشر المجلد السادس والثلاثون / ذو الحجة 1368 ه - تشرين الأول 1949 م.

17- مدارك نهج البلاغة ودفع الشبهات / آية الله العظمى الشيخ هادي كاشف الغطاء / مؤسسة كاشف الغطاء العامة / النجف الأشرف.

18- مستدرك نهج البلاغة / آية الله العظمى الشيخ هادي كاشف الغطاء / مؤسسة كاشف الغطاء العامة / النجف الأشرف.

19- المقبولة الحسينية / آية الله العظمى الشيخ هادي كاشف الغطاء / الطبعة الثانية مؤسسة كاشف الغطاء العامة / النجف الأشرف.

20- منهج الرشاد لمن أراد السداد / الشيخ الأكبر الشيخ جعفر المشهور بكاشف الغطاء / مؤسسة كاشف الغطاء العامة / النجف الأشرف.

عِلْمُ الأديان في مدرسة النجف الأشرف الشَّيخ البلاغيُّ انموذجا

اشارة

«6»

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

وبعد:

لم تقتصر مدرسة النجف الأشرف العلمية في دراساتها على الاسلام بل شملت علم الأديان فضلاً عن رد الالحاد والشبهات، فقد سلطتْ الضوء على الديانة اليهودية والمسيحية والرسل التي أرسلت والكتب المنزّلة.

وأوضحتْ الوجه الحقيقي للديانتين ودافعت عن الانبياء المرسلين والرسل من ربّ العالمين، ورفعتهم عن المستوى الوصفي الذي وصفتهم كتب الأديان المنحرفة.

وذكرت التناقض والتعارض بين العهدين مع ابسط مسلمات العقل الانساني والعلم، وهذا الأمر سبب ردة فعل كبيرة بازاء الدين والتدين في أوربا لرفض تعاليم الكنيسة.

كما كشفتْ مدرسة النجف الاشرف التحريف والتزييف التي تعرضتْ لها كتب العهدين ولم تقف مدرسة النجف الأشرف عند هذا الحد بل عندما أصاب العالم بأسره بموجات الإلحاد التي بدأت تنذر بالشر المستطير، انفتحتْ مدرسة النجف الأشرف على علماء الأديان السماوية لتبادل الآراء والخواطر والحوار لصد هذه الهجمات وانشئت المراكز والندوات والمؤتمرات وكتبت

المقالات لبيان نقاط الاشتراك ما بين الديانات الإلهية الثلاثة والاتفاق على القواعد الارتكازية لصد الهجمات الإلحادية، وإن كانت بعض تلك المؤتمرات، تضمر خلف شعاراتها بعض الاهداف السياسية الاستعمارية التبشيرية.

وقد اتسمت مدرسة النجف الأشرف بالموضوعية والحياد، فهي تدرس النص ولا تستهدف إلاّ إلى اثبات ما يمكن اثباته من النص الديني بغض النظر عن اعتبار أي دين أو اعتبار أي فكرة دينية أخرى.

لقد نافح علماء الحوزة العلمية في النجف الأشرف بما عندهم من حول وطول في الدفاع عن الاسلام ورد جميع الشبه والاتهامات التي نسبت إلى الاسلام من قبل أصحاب الأديان السابقة على الاسلام بل حتى الافكار الوضعية التي تنقص من قدر الشرائع الإلهية، كما فنّدوا الآراء الإلحادية التي تدعي أن الاديان أفيون الشعوب أو لحاجة اجتماعية ونظريات تطوّر الانسان من دون انتساب الخلق إلى خالق الأكوان، فالحق إن علماء النجف الأشرف حراس شريعة سيد الإنام لتصديهم كل ما يمس الشريعة من اتهام أو ينفي وجودها أو يفضل ما هو أدنى منها عليها.

لقد درسوا الديانات والأفكار التي تتعرض للأديان وتعلموا اللغات التي كتبت بها، فهذا الشيخ الأكبر الشيخ جعفر المعروف ب(كاشف الغطاء) ترك وطنه وهاجر إلى بلد احتله يهود العراق في ذلك الزمان ويدعى ببلد الكفل نسبة المرقد نبي الله ذي الكفل للمناظرة معهم، وقد حاول هؤلاء اليهود تهويد المسلمين من أهالي منطقة الكفل، وننقل ما رواه الأخيار الثقات وفي طليعتهم حجة الاسلام الشيخ عباس المظفر حكاية عجيبة وقعت للشيخ جعفر مع اليهود في منطفة الكفل قرب الحلة وهي (ان الشيخ جعفراً لما بلغه ان اليهودية انتشرت دعايتها في مدينة الحلة وبلدة الكفل خصوصاً عزم الشيخ جعفر على السفر لتدارك هذا الخطر العظيم وهو انتشار اليهودية في هذا البلد الكريم وكان سفره بعنوان مسح الأرض بين النجف والحلة لمعرفة المسافة وتشخيص

موضع القصر والتمام من الصلاة، فلما وصل إلى الكفل أخذ يصلي بالناس جماعة ويعظ الناس ويقيم لهم البراهين الواضحة والآيات البيّنة على صحة الاسلام وصدق دعوى النبي محمد صلی الله علیه وآله وسلم، وقد أدرك أحبار اليهود الغرض من مجيء الشيخ جعفر، وفي صبيحة يوم من الأيام بعد صلاة الصبح والشيخ على منبر الوعظ والارشاد، وإذا بالاحبار بلباسهم الديني ومنظرهم الخلاب يقفون خلف الجماهير المستمعة وينادي رئيسهم بأعلى صوته مخاطباً الشيخ جعفراً بقوله: (أيها الشيخ أليس من قول نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان علماء أمتي أفضل من انبياء بني اسرائيل؟) فما كان الشيخ جعفر إلاّ ان يصْدِقهُ في ذلك ويقول: (بلي) وإن كان الخبر ليس ثابتة صحته عند الشيخ، ولكن لم يَسَع الشيخ في هذا المحفل العظيم التشكيك في صحته لاشتهاره عند العوامِّ، ثم قال رئيس الاحبار للشيخ: (أليس موسى علیه السلام من أنبياء بني إسرائيل) فقال له الشيخ: (بلى انه من الرسل ذوي العزم والنبي لبني اسرائيل ومن كان في عصرهم)، فقال رئيس الاحبار: (فعلى هذا تكون أيها الشيخ أنت أفضل من موسى علیه السلام لأنك من علماء امة محمد صلی الله علیه وآله وسلم ولو كنت أفضل من موسى علیه السلام فآتني بما أتى موسى فأنه كان يلقي عصاه فتنقلب ثعباناً فهل تستطيع أنت أن تأتي بذلك؟) فقال الشيخ: (نعم وأنا أبو موسى) والقى عصاه فانقلبت ثعباناً وفرُ الجميع وولى الأحبار الدُّبُر، وإنما قال الشيخ (وأنا أبو موسى) لأن ولده الكبير الذي انقادت له الزعامة الدينية بعد أبيه اسمه موسى ويلقّب ب(مصلح الدولتين) لأنه أصلح بين دولة فارس ودولة الترك كما ذكره التاريخ)(1).

وقد شكك هؤلاء اليهود المسلمين بعقائدهم فتعلم الشيخ جعفر العبرية حتى يحتج عليهم بتوراتهم، وقد زاره السيد مهدي بحر العلوم في شهر رمضان فسأل الشيخ عن أحواله، فقال له الشيخ جعفر: كيف حالي وأنا أعيش مع


1) بين الجامع والجامعة 34

اليهود واقرأ التوراة في شهر رمضان واتعلم العبرية فيه، فقال له السيد بحر العلوم: يا شيخ ان نصرتك للإسلام أفضل من قراءة القرآن والجلوس في محافل العلماء عند قبر سيد الاوصياء. وقد أظهر الله الحق على يد الشيخ جعفر عند مناظرته ليهود الكفل، فانكَفَؤُوُا عن المدينة وَوَلُوا مُدْبِريْنَ.

أهداف مدرسة النجف من دراسة علم الأديان:

1- إثبات نبوة محمد بن عبد الله صلی الله علیه وآله وسلم و إبراز معالم أصالة القرآن الكريم وأنّهُ ليس مستمداً من مصادر العهدين. والدفاع عن القرآن العظيم والنبي الكريم وشريعته السُمْحة وتاريخ الإسلام من كل الشبه والتخرصات والمزاعم التي أثيرت من أهل الكتاب.

2- العمل على إعادة الإعتبار للكتب المقدّسة وإزاحة الزيف عنها وتقرير واقعها الحقيقي وبالتالي إعادة اعتبارها إلى الدين الحق الذي غيبته الأهواء والأمزجة البشرية.

3- مناقشة الديانة اليهودية والمسيحية مناقشة علمية متينة مبينة التناقض والتحريف والتشويه في كتبهم المقدسة كاشفة عن مفترياتهم التي نسبوها إلى الإسلام وإلى دياناتهم وعقائدهم مظهرةً الحق في الدفاع عن قدس الاسلام وكتابه الكريم ورسوله العظيم وقدس انبياء الله وكتبه ورسله(1).

محاور مدرسة النجف الأشرف في علم الأديان:

اشارة

كانت مَنْهَجيّةُ مدرسة النجف الأشرف في دراسة علم الأديان على ثلاثة محاور هي:

المحور الأول:

هو بيان نقاط الاتفاق بين الأديان السماوية وابرازها من أجل التسامح والتعايش بين ابناء النوع البشري عموماً، وان دعوة الأديان إلى المحبة والتسامح والسلام لا إلى العنف والاحتراب والاقتتال، وخير شاهد على هذا


1) الدراسات الإسلامية المسيحية اليهودية / السيد سامي البدري 91/14

المحور المؤتمر الاسلامي المسيحي الأول الذي انعقد في بحمدون لبنان في 22-27 نیسان 1954 الذي حضره الشيخ محمد مهدي الخالصي والشيخ علي كاشف الغطاء(1).

المحور الثاني:

هو بيان أفضلية الدين الاسلامي على باقي الأديان وانه خاتم الأديان، وما وقع من التناقض والتحريف في الكتب السماوية السابقة من التوراة والأنجيل دون القرآن، وأفضلية نبينا محمد صلی الله علیه وآله وسلم على باقي الأنبياء وخير مثال لهذا المحور هو كتاب الرحلة المدرسية للعلامة الشيخ البلاغي الذي سنتناوله في بحثنا هذا، وكتاب (الحق المبين فيمن يجب اتباعه من المرسلين) للعلامة الشيخ هادي كاشف الغطاء.

المحور الثالث:

المقارنة بين الأديان السماوية من حيث العقائد والأحكام.

أنواع الكتب المؤلفة في علم الأديان:

اشارة

كانت الكتب المؤلفة من قبل علماء ومدرسة النجف الأشرف على أربعة انحاء وهي:

النوع الأول:

ما رُدّ على رسالة ألفت لبيان فضيلة نبي أو دين سماوي على نبي الاسلام ودينه، فألف عالم النجف رد على تلك الرسالة بيُن فضيلة نبينا محمد صلی الله علیه وآله وسلم على سائر الانبياء ودينه على سائر الاديان. ومثاله ما وقف المرحوم العلامة الشيخ هادي كاشف الغطاء على رسالة صغيرة فيها من الأباطيل والشبه والاضاليل والقدح بالانبياء والحط من كرامتهم وخلاصتها تفضيل المسيح على سائر الانبياء من حيث الولادة والمعجزة والوفاة على سائر الانبياء وأنه المخلص الوحيد دون غيره والمكفر الخطايا العالم دون سواه فقام الشيخ رحمه الله بالرد عليها وبين منهجه في الرد على ما جاء بها بقوله: (فإن الحقيقة بنت البحث والوجدان وثمرة الجد ونتيجة الاجتهاد) وذكر الغاية من نشر مثل هذه


1) مضابط جلسات المؤتمر الاسلامي المسيحي الأول 144

الرسائل (بين العوام والأميين والهمج الرعاع بتلك الطريقة التي صبغوها بصبغة دينية وطلوها بطلاء روحاني وجعلوها آلة للإغواء والاضلال وذريعة للخلاف والفساد ليتوصلوا بذلك إلى الاستيلاء على الممالك واستعباد الأمم والشعوب معززين بذلك اساطيلهم الضخمة وآلاتهم المدمرة التي اعدوها لمحق الانسانية واغتصاب حقوق البشر بأسم الديمقراطية والحرية. وهذا مما ترفضه الديانات الحقة وتضاده روح الشرائع الإلهية التي تلطف بها الخالق على عباده لإصلاح النظام وقمع للشقاق والخلاف ورفع للتفرقة والفساد، وغير ذلك من الحِكَم والمصالح التي لا تختص جيلاً دون جيل ولا تختص بزمان دون زمان)(1).

النوع الثاني:

كتاب حواري بين شخصيات يستعرض من خلالها المؤلف أفكاره وآراءه في بيان ما وقع من تناقض في الكتب السماوية المحرّفة من انجيل وتوراة وتنقيص بشأن الانبياء بل حتى إلى ربِّ الأرباب من نسبة إليه من الصفات المذمومة القبيحة ما يتوقف عنها البيان، وخير مثال لهذا النوع كتاب الرحلة المدرسية للعلامة الشيخ البلاغي رحمه الله وهو موضوع بحثنا.

النوع الثالث:

كتاب مستقل في بيان المُثُلِ العُلْيا في الإسلام وانه خاتم الأديان وان نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء، ولا يتم الإيمان به إلاّ الإيمان بسائر الأنبياء الذين سبقوه وكتبهم المنزّلة من السماء. وقد يكون سبب تأليف مثل هذا النوع من الكتب ورود رسالة إلى أحد العلماء في النجف الاشرف لحضور مؤتمر فيمتنع فيرسل كتاباً يبين قِيَم وَمُثُلَ الإسلام كما فعل المرحوم الشيخ العلامة محمد حسين كاشف الغطاء عند دعوته لمؤتمر الاسلامي المسيحي الأول المنعقد في بحمدون فألف كتاب سماه (المُثُل العليا في الاسلام لا في بحمدون) أوضح


1) الحق المبين فيمن يجب اتباعه من المرسلين / الشيخ هادي كاشف الغطاء 14

الشيخ رحمه الله الاهداف الحقيقية من انعقاد مثل هذه المؤتمرات لتمرير خطط الاستعمار والامبريالية لسيطرة على الشعوب باسم الدين والحرية والديمقراطية.

النوع الرابع:

مراسلات جمعت و طبعت على شكل كتاب بين عالم نجفي وعالم مسيحي كالمراسلة بين العلامة الشيخ محمد أمين زين الدين وشابٍّ مسيحي في فترة الخمسينات من القرن الميلادي العشرين تحت عنوان (رسالات السماء).

فقد أكد المرحوم العلامة الشيخ محمد أمين في كتابه (رسالات السماء) ان تفكير العالم الديني يجب ان يكون اوسع دائرة من المسلمين، فيحتم الواجب عليه بعد النعمة الإلهية بالأسلام ان يرفع قبساً لكل من لم يهتدِ إلى الاسلام وان يضيء لهم الطريق، فيقول: (أمن الحق ان يتركوا سادرين خابطين حتى يطرق الباب منهم طارق؟! والآخرون الذين لا يهتدون إلى الباب ليطرقوه، ولا يجدون النور الذي يبلّغهم ويكشف الشبهات والعقبات التي وضعت في سبيلهم؟ من هذا هو المسؤول عنهم؟ ومن الذي يعنيه القرآن العظيم بقوله: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيْنَاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أَوَلَيْكَ يَلْعَنْهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَتُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأَوَلَيْكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنا التَوَّابُ الرَّحِيمُ»(1)ولمن يقول الله في كتابه «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَیِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ»(2)أهو قصص يسوقه الله لنا لمحض التاريخ أم تحذير يقدمه لنا للفطنة والاعتبار)(3).


1) سورة البقرة آية: 159، 160

2) سورة آل عمران، آية: 187

3) رسالات السماء / الشيخ محمد أمين زين الدين 20

الشيخ البلاغي وعلم الأديان:

ان الشيخ البلاغي كانَتْ له الأيادي البِيْضُ والفضل العظيم على الأمة الإسلامية بما كتبه وألّفه في الرد على اليهود والنصارى وأهل الملل، وله مجاهدات كثيرة في إعلاء كلمة الإسلام والتحذير من نشاط الجمعيات التبشيرية اليسوعية، والتحذير من الانبهار بالغرب واطروحاته الفكرية المناهضة للدين، وإبراز دور الإسلام ومواقفه من العقيدة والتنزيه الإلهي، والتحذير من أثر المطبوعات الأجنبية الضالة ومن انتشارها، ونقده للتشريعات البشرية ومحاولة الرجوع إلى التشريعات الإلهية، والحث إلى رجوع الإنسان إلى العقل والفطرة السليمة، والتذكير بمدى أهمية الرسل للناس، وتصديه للحركات التبشيرية وكتبها والكتب السيئة الطاعنة في مقدسات الشريعة الإسلامية، ومحاولة علاج الشبهات والأفكار العقائدية في كتب الديانات الأخرى، وفضح التلاعب والتحريف بالكتب المقدسة للأديان من قبل المبشرين والأحبار والرهبان، والكشف ما وراء هذا التحريف من أهداف سياسية ونفعية ومصلحية.

دواعي تأليف الرحلة المدرسية:

ان اهتمام الشيخ البلاغي بعلم مقارنة الأديان ودواعي تأليفه للرحلة المدرسية جاءَتْ لعدة أسباب منها :

1- صد دعوة المبشرين من النصارى بنشر كتبهم وبذل الأموال الطائلة في سبيل دعوتهم، واجتهادهم بجد لنشر المسيحية من أمثال هاشم العربي وجمعية الهلال وعبد المسيح الكندي كما ذكرهم العلامة البلاغي في كتابه الرحلة المدرسية(1).

2- إزالة آثار الكفر والإلحاد بما اصاب المجتمعات الانسانية نتيجة ما هُوَ


1) الرحلة المدرسية 1/ 17

موجودٌ من افكار وعقائد فاسدة في الديانتين اليهودية والمسيحية والمغالطات أدت إلى ابتعاد الناس عن الدين والالتجاء إلى المذاهب الإلحادية غير التي دينية.

3- بيان ان الاسلام خاتم الاديان وان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وفضل دين الاسلام على سائر الاديان.

خصائص ومميزات العلامة البلاغي في علم الاديان:

1- كان العلامة البلاغي مصداقاً لقول الإمام علي أمير المؤمنين علیه السلام: (ثمرة العلم إخلاص العمل) فقد نقل عنه انه كان يقول: (ان مقصدي من التأليف هو الدفاع عن الحق والحقيقة، وصولاً إلى رضاء الله سبحانه وتعالى، فلا ضير ان لم يكتب اسمي على غلاف الكتاب أو يكتب أسم شخص آخر غيري)(1).

2- كان الشيخ مصراً على محاربته للكفار الاجانب، ويعتبر نفوذهم الاقتصادي على بلداننا تمهيداً للهيمنة السياسية والثقافية والفكرية والاقتصادية والعسكرية إلى آخره، ولهذا كان لا يستعمل الحاجات والسلع المصنوعة في بلاد الغرب بل يستعمل الحاجات المنتجة في بلاد المسلمين.

3- دفاعه عن العقيدة الاسلامية من خلال صده للتيارات الفكرية والعقائدية الوافدة من الخارج، وتزيّف البدع المغرضة المستهدفة لتشويه عقيدة الاسلام والتصدي لها ودحضها بالحجة والبينة والبرهان القاطع القائم على اساس علمي متين.

4- كان يحمل لواء الاصلاح والتجديد مع الدعوة إلى التسامح والتعايش والحوار بين الأدْيانِ والطوائف والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.


1) نقباء البشر / أغا بزرك الطهراني 1/ 324

5- بذل العلامة البلاغي كل عنايته في معالجة الانحرافات والشبهات الفكرية والعقائدية الواردة في العهدين كما وقف بكل قواه وقوته ضد التبشير المسيحي وأمام تيار الغرب الجارف الذي استشرى في العالم الإسلامي(1).

6- لم يكن الشيخ البلاغي يطلب لنفسه ما يقتضيه مقامه من التعظيم والظهور بل كان على الضد من ذلك إذ اخفى اسمه في اكثر مؤلفاته المطبوعة كسراً لِسَوْرَةِ النفس وابتعاداً عن مزالق الهوى وسحقاً لنزعة حب الظهور(2).

7- ذكر العلامة البلاغي من شروط الاستاذ الذي يجب توفرها عنده حتى تتلمذ الطلاب على يديه ان يكون روحانياً، واسع العلم، حسن الاطلاع، جيد الإنصاف، شريف المكالمة، لين العريكة، حُر الضمير، عارفاً بفلسفة التعليم، بريء التعصب، لم يستعبده الهوى ولا تأخذه في الحق لومة لائم ولا طمع في رتبة أو راتب.

8- كان العلامة البلاغي مَوْسُوْعِيّاً بحق يحيط بالمسألة إحاطةً تامّةً، فله سَعَةً اطِّلاعِ ومعرفة بكل فنون العلوم الشرعية.

أدواته وآلاته في علم الأديان:

1- إطّلاعُ العَلاّمةِ البَلاغيّ على كتب الأديان مثل (إظهار الحق) وكتاب (الهداية) للجمعية المصرية المسيحية المطبوع بمعرفة المرسلين الأمريكان، وكتاب (هاشم العربي) ترجمة مقالات جرجيس سايل مع التذييلات، وكتاب (الرحلة الحجازية) للشيخ غريب ابن الشيخ عجيب (وعمرة الاماني للنصارى).

2- تضلّع العلامة البلاغي في اللغة العبرية وإحاطَتُهُ بجميع طبعات الكتب


1) أربع رسائل للشيخ البلاغي / محمد علي الحكيم 10

2) حياة الشيخ البلاغي ونسبه / عبد الوهاب الصافي / مجلة الاعتدال 16

المقدسة من توراة واناجيل يدل على مدى الجهد الذي بذله لمعرفة النصوص الموجودة في الكتب المقدسة وترجمتها بصورة صحيحة وتأكد من صحة الترجمة، ثم قدرته على بيان التلاعب والتحريف في التراجم من أجل تصحيح النصوص العبرية الناقصة وهو ينقل مثلاً عبارات العبرية من الاسفار مثل سِفْرُ التَيْهِ ويقارن بين الترجمات ويرجح الترجمة الصحيحة(1).

3- معرفته بتفسير القرآن وعلومه وتاريخ نزول آياته الشريفة، فهو ينفي قصة الغرانيق التي آياتها في سورة الحج ويرى أن آياتها مدنية بأجمعها لرواية ابن عباس وابن الزبير وقتادة والضحاك وغيرهم، خلافاً لما ذكره بعض المفسرين من انها مكية لإن فيها الحج والإذن في القتال ولم يكن ذلك إلاّ بعد الهجرة إلى المدينة المشرفة(2).

4- مَعْرِفَتُهُ بِعِلْم الحديث والدِّرايةِ، واطّلاعُهُ على كتب الجوامع والصحاح الحديثية، ففي قصة الغرانيق نفى تكريم الرسول الاعظم للغرانيق فهو يناقش الروايات سنداً ومتناً، ويرى بعدم وجودها في الكتب الحديثية المعتمدة عند المسلمين بل وردت في بعض كتب التفسير والتاريخ المتولعة بكل غريب وملفق من صحيح وسقيم، واستدل على ضعف قصة الغرانيق واضطراب روايتها وانقطاع سندها وانكارها من قِبَلِ المحققين مثل القاضي عياض والنسفي والبيضاوي والرازي والبيهقي والنوري، وصاحب تفسير الخازن وأصحاب السير مثل سيرة الحلبي وسيرة السيد أحمد دحلان، وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على سَعَةِ اطّلاع العلامة البلاغي ومعرفته بكل فنون العلوم الشرعية فهو موسوعي بحق يحيط بالمسألة إحاطة تامة، وقد


1) الرحلة المدرسية 1/ 35

2) المصدر نفسه 40/1

أوضح العلامة البلاغي سبب ما أوْرَدَهُ بعض المفسرين في كتبهم: (بأن بعضهم يريد ان يبين سعة اطلاعه ومعرفة اسباب نزول القرآن فيثبت لذلك حتى بالواهيات فذكروا قصة الغرانيق سببا لنزول قول القرآن في مكة)(1).

5- إحاطة العلامة البلاغي بمقتضيات عصره حيث تعلم اللغة الفارسية والانجليزية والعبرية مع معرفته الدقيقة للغة الأم لغته العربية، وقد اتقن هذه اللغات في وقت قياسي، وقد تمكن من ترجمة بعض كتبه إلى تلك اللغات، وقال السيد شهاب الدين المرعشي (ت: 1411 ه): (لقد شاهدته ولمرات عديدة يقرأ التوراة بالعبرية بمنتهى الطلاقة)(2).

منهجيته في علم الأديان:

1- اتخذ من شكل الحوارية منهجاً في كتابه الرحلة المدرسية والحوارية بين ولد وقس اعطاهما اسماء مسيحية.

2- اعتمد في حواريته المنهج العقلي والبحث العلمي، فهو يذكر بأن الشكوك لا يحسن ان تقابلها بالتوبيخ بل الواجب مداولتها بالبيان الشافي وازاحة علتها بالبحث العلمي(3).

3- يعرض المتناقضات التي أتت بها التوراة والأناجيل فمثلاً ما ورد في الأناجيل من أن الله واحد ثلاثة، أي ان الله واحد ذو أقانيم ثلاثة، وهذا أمر وراء العقل والمعقول.

4- يبين من خلال حواريته العقائد المنحرفة والفاسدة التي دونت في التوراة مثل تجسيم الله، ويستعرضها بأسلوب حواري شائق.

5- استدلاله في حواريته من أوضح الواضحات التي تلزم الخصم فمثلاً يستدل فطرياً إذا لم يكن الشيء يرضى به الانسان ولم ترتضيه له فكيف


1) الرحلة المدرسية 1/ 39

2) مجلة المبين / العدد (9) / 269

3) الرحلة المدرسية 80/1

يرضى به نبي الله بل الله ونرتضيه لهما.

6- حواريته قائمة على احترام آراء الآخرين والتحاور، وابداء البراهين والحجج لكل الاطراف والمناقشة بموضوعية والاحتكام إلى العقل والفطرة.

7- يستشف من حواريته بأنه يشير إلى أن من يقرأ التوراة والأناجيل الموجودة بين ايدينا يزداد شكوكاً وضلالاً، ويقع في حَيْرَةٍ من هذه المتناقضات التي فيها، فقد جاء على لسان عمانويل: (فمنذ صرت أتلو التوراة بتفهم وتعقّل صرتُ اتجرع غصص الاشكالات المهولة، ولا أجد من يشفي غلتي)(1).

8- يعرض العلامة البلاغي الآيات القرآنية ليس بعنوان كتاب مقدّس بل لما في الآيات الكريمة من عقائد حقة توافق الفطرة السليمة وفيها الاجابات الشافية لمن كان حيران.

9- يفضح العلامة البلاغي ما كتبه القساوسة والاحبار عن القرآن الكريم من أكاذيب وافتراءات يفترون بها على الكتاب المجيد حيث ان كتاب (ثمرة الاماني في اهتداء كامل العيتاني) المطبوع بالمطبعة الانجليزية الامريكانية ببولاق في مصر سنة 1911 م وفي صفحة (79) يفتري على القرآن الكريم بأن ما جاء فيه ان هارون هو الذي صنع العجل وبنى المذبح.

10- يحذر العلامة البلاغي من الوقوع في فخ التقليد والتقديس الأعمى، فإن ما جاءت به التوراة من تعدد الآلهة في سفر التكوين كفر من ضلالات الوثنية فلا يمكن الإيمان بذلك تقديساً للتوراة وعناداً انها من كلام الله كما يحذر من اللجاج والعناد(2).

11- يَسْتَقْرِي ويتفحص بدقة التناقضات بين العهد القديم والعهد الجديد


1) الرحلة المدرسية 1/ 13

2) المصدر نفسه 9/1

ويعرضها بصورة فنية واضحة مما يضع أصبع القارئ على أماكن التناقض بينهما فمثلاً في حادثة تكليم الله لإبراهيم في العهد القديم كلّمه في حاران وفي العهد الجديد كلّمه ما بين النهرين(1).

12- كان أسلوب الحوارية أدبياً ممتعاً بألفاظ جزلة ومعاني سهلة تشد القارئ إلى الكتاب في تسلسل فكري مرتب.

13- رسم الشيخ البلاغي الخطوط العريضة للاستقامة في البحث والتحقيق في الديانات، فلابد للباحث الذي يريد ان يتكلّم في الديانة الخاصة ويبحث بها بحثاً علمياً ان يقتصر في بحثه على ما هو المسلم والمتّفق عليه عند تلك أهل الديانة، فلا يصح ان ينسب لتلك الديانة رأي أو قول لأحد علمائها مما ينفرد به عن سائر علمائها من ينتسب إليها وذكر العلامة الشيخ البلاغي، أمثلة على ذلك مثل ما ذكره: (غريب ابن عجيب) كاتب الرحلة الحجازية، فأنه لما أراد ان يعترض على دين الاسلام لم يجد سبيلاً إلاّ ان يعترض على بعض روايات الرجال التي لا عناية للجامعة الاسلامية بها فيقول: قال الازرقي، ابن جريح، مجاهد، نافع، ابن اسحاق، ابن الورد، ثم يخبط خبط التائه في اعتراضاته، ثم إذا يزيد ترويج شبهه و اعتراضاته فيذكر مثلاً ألقاب توهم بأنها من ائمة الاسلام مثلاً قال فلان وهو من أئمة الحديث وروي فلان هو من رجال البخاري وغيرها. والحاصل من هذا من يريد ان يكون بحثه علمياً فلا يجادل في الاديان إلاّ بما هو مسلم في جامعتها فلا يصح الاعتراض عليها بقول منفرد من علمائها(2).

ملحوظاته على الكتب المقدسة:

1- إن كثيراً من أجوبة الأحبار والقساوسة لإشكالات ومعارضات العهد


1) الرحلة المدرسية 1/ 43

2) المصدر نفسه 1/ 109

القديم والجديد عبارة عن أجوبة غامضة مبهمة على شكل رموز تجعل المستمع والقارئ إليها معلقاً بين السماء والأرض، فهم يدعون ويعتقدون به ويفصحون عنه بأن هذه الأجوبة فوق عقول البشر لا تستطيع إدراكها ومثال ذلك سر التثليث.

2- أوضح العلامة البلاغي مدى التسطيح العلمي لمؤلفي كتب التبشير من القساوسة والأحبار، وجهلهم في كتبهم المقدسة وعدم معرفتهم بالترجمة واللغة العربية فهم لا يعرفون ان (شمرون بن يساكر) كان مع موسى من عشيرة الشمرونيين وهو السامري المذكور في القرآن الكريم، فإن السامري في اللغة العربية تعريب (شرموني) مع إنهم نفوا وجود السامري مع موسى علیه السلام(1).

3- أطالت التوراة الكلام مع بني اسرائيل في الوعظ والترهيب والترغيب والبشرى والتخويف، ولم تذكر يوم المعاد وحشر العباد للجزاء ولا الجنة المعدة للاتقياء ولا جهنم المعدّة للإشرار وغاية ما رغبت فيه للطاعة هو كثرة الحنطة والخمر وبركة المعجنة، وغاية ما خوّفت منه هو قلة الحنطة والخمر(2). مع إن التوارة كتاب كبير الحجم وقد تكلمت في أمور كثيرة بكلام طويل، وتعرضت لأمور لا حاجة إليها في اصلاح البشر، بل إنها تعرّضت لأمور لا يليق بالكتاب الإلهي ان يذكرها. فذكرتها بالشرح الطويل المزعج ومن ذلك حكاياتها الطويلة ان لوطاً زنا بأبنتيه، وان يعقوب خادع اسحاق في أخذ البركة وكذب عليه مراراً، وان روابين زنا بأمرأة ابيه يعقوب وغير ذلك من الأمور الفارغة. ومع هذا فلم تذكر التوارة يوم القيامة وثوابه وعقابه ولا بكلمة واحدة مع ان القيامة حقيقة دينية عرفانية


1) الرحلة المدرسية 1/ 29

2) المصدر نفسه 1/ 24

والالتفات إليها يتكفل بصلاح البشر وتهذيب اخلاقهم وانتظام اجتماعهم، فكيف يليق بالكتاب الإلهي المنزّل للاصلاح وكشف الحقائق أن يهمل هذا الأمر الكبير المهم ويجعله نسياً منسيا.

4 - يَسْتَفْهِمُ العلامة البلاغي استفهاماً انكارياً كيف يرضى ان يقال في جلال الله اختياره لانقاذ عباده من الشرك والفساد رجلاً يعلم الله انه يشرك ويدعو إلى العبادة الوثنية ويصنع الأوثان ويبني مشاعر عبادتها لما في قصة هارون وبناءه للعجل والمذبح في العهد القديم، ثم يقارن ما ورد عنه في القرآن الكريم(1).

5- يذكر العلامة البلاغي افتراءات الاحبار والقساوسة على القرآن الكريم، ثم يحصي عدد المرات التي يفترى على القرآن في كل كتاب من كتبهم، بل اوضح افتراءاتهم على كتبهم المقدسة فمثلاً جمعية كتاب الهداية قالت لم يقل الله في التوراة (وبارك الله اليوم السابع وقدّسه) مع ان هذا الكلام بعينه موجود في التوراة(2)ومما يدهش الألباب هو قدرة الشيخ البلاغي على التدقيق والتتبع في نصوص الكتب المقدسة واطلاعه الواسع على اللغة العبرية في بيان مقدار التحريف في الترجمة والحذف أو الزيادة حسب أهواء الأحبار والقساوسة ثم يقارنها بما تنقله كتبهم المؤلفة من علمائهم المبشرين وتحريفهم للنصوص.

6- ان الاختلاف والتخليط في الرواية والتقديم والتأخير في تاريخ الوقائع وتوقيت الحوادث ممن يدعون او يدعّى لهم انهم يكتبون من وحي الله، بمنزلة المناقضة، كما ان دعوى النصارى بكون هذه الاسفار الموجودة الآن بأيديهم وحياً داحضة فارغة، وأن مؤلّفي الأناجيل لم يكونوا مُشاهدينَ


1) الرحلة المدرسية 1/ 34

2) المصدر نفسه 41/1

بمرأى العين ما نقلوه وإنما أخذوه من الرواة.

7- كثيراً ما ترى هؤلاء المؤَرِّخين من كتبة الاناجيل يذكر بَعْضُهُمْ عقيدة دينية أو أمراً مهماً أو حكماً إلهياً عن عيسى ولا يذكره غيره، أو أنه يذكر حديثاً ثم ينتقل إلى غيره من دون علاقة فمثلاً هذا الخلل والتشويش لا يمكن ان يصدر عن وحي الله فضلاً عن نسب أفعال وكلام يدل على منقصة السيد المسيح أعاذه الله وإيانا من تلك التهم مثل ما ذكره يوحنا من تجرد عيسى بعد العشاء عن ثيابه وتحزمه بمنشفة لغسل أقدام تلاميذه، فهذا يوهم ان عيسى وقتئذٍ قد سرت فيه الخمرة حتى لم يكن يدري ما يفعل فإن غسل الاقدام لا يوجب التجرّد عن الثياب.

8- لقد أحسن رئيس كهنة الكنيسة الرومية كثيراً عندما منع النصارى عن قراءة الاناجيل فإن قارئها لا يلبث أن يرى ما فيها من المحال والمخالفة للواقع، ومن قرأها ولم يتبين له ذلك فالأعمى أهدى منه سبيلا(1).

9- ان ما أورده أصحاب الاناجيل الأربعة متى ولوقا ومرقس ويوحنا جميع عن عيسى علیه السلام سواء كان أحكاماً أو مواعظ أو قصص معجزات وأحوال، فإنما هو موهوم غير محقق ولا مُعين.

أولاً: أما الأحكام والمواعظ فإنهم لم يتفقوا علی ایرادها بلفظها، فترى أحدهم يوردها بلفظها الماضي وغيره بالمضارع أو الآمر، وتارة يوردها بالسلب وغيره بالايجاب والآخر بصورة استفهام، ومرة يوردها مرة وغيره يكرهها مرتين أو ثلاثة.

ثانياً: وأما قصص المعجزات والأحوال فان بعضهم يذكرها في وقت وغيره في وقت آخر فليس من ذلك كله سوى مجرد الحدس والوهم في امكان وقوع ما ذكروه على سبيل المجازفة من دون علم بكيفيته وماهيته وخصوصيته


1) محكمات التأويل في متناقضات الانجيل 144

وعلاقته مما لا يعفى منه أحد من المؤرخين.

ثالثاً: أكثر ما جرى الخلاف بينهم في قضية ميلاد وانبعاثه من الموت، وارتفاعه إلى السماء مع إنها من أهم الأمور.

رابعاً: أضرب عن ذكر مولد عيسى كل من مرقس ويوحنا واختلف فيه متي ولوقا، وهنا نتسائل لأي سبب أضرب مرقس ويوحنا عن ذكر ميلاد عيسى من دون أب وهو أمر خارق للعادة.

خامساً: سكت متي ويوحنا عن صعود عيسى إلى السماء واختلف فيه مرقس ولوقا.

10- اسهبت الاناجيل الأربعة في ذكر الأمور الخسيسة والحوادث الاجنبية والكلام اللغو، وعن آلام عيسى وشكوى اليهود عليه.

11- ذكر العلامة البلاغي ان ضابط ضرب الأمثال عند العوام والخواص ان يراعوا مناسبة المثل لمورد التمثيل والتشبيه ويعيبون المثل الذي لا يناسب ويعدونه من سوء الفهم وبساطة المغفلين القاصرين فمثلاً إذا أراد أحد ان يشهي ضيفه لأكل الرطب بمدح الرطب وبيان نضجه بشدة سواده فيقول له: كُلْ هذه الرطبة فإنها مثل الخنفساء ألا ترى دبسها يكاد يسيل مثل المخاط، فما بالك بالعهدين القديم والجديد التي تنسب انها من وحي الله الامثال الموجودة فيها ممجوجة وغير مناسبة فمثلاً استجابة الدعاء تمثيلها في انجيل لوقا باستجابة الدعاء وقضاء الحاجة من أجل الضجر من اللجاجة، وتشبيه المتمردين عن المسيح ومن قبله الرسل الذين أرسلهم الله لأجل تكميل العباد بمثل انساناً غرس كرماً وبنى حائطه وبرجه ومعصرته وسلمه إلى كرامين وغاب عنهم فأرسل بعض عبيده ليأخذ من ثمر الكرم فضربوهم وقتلوا ثم أرسل آخرين ففعلوا بهم مثل ذلك فقال صاحب الكرم ماذا أفعل أرسل ابني الحبيب لعلهم يهابون فقتلوا ذلك الابن.

ومعلوم ان الله لم يرسل رسله ليأخذوا من ثمار التي انعم الله بها على عباده بل أرسلهم ليكملهم ويسعد العباد انفسهم بثمار تلك النعم، كما لا يناسب جلال الله ان يضرب له المثل بقول صاحب الكرم قول المتحيّر (ماذا أفعل؟)، ولا بقول صاحب الكرم المتوهم (أرسل ابني الحبيب لعلهم يهابون) فيخيب رجائه وينكشف وهمه ويسقط تدبيره وتستمر حيرته، ام مثل الخنفساء والمخاط أقل قبحاً من هذه الأمثال الذي ذكرت في انجيل لوقا(1).

والحاصل ان هؤلاء المؤلفين للأناجيل لم يكونوا مشاهدين بمرأى العين ما روايات مختلفة عن عيسى طارت في البلاد فنقلها كل منهم شهروا به، وانما هي حسب ما بلغته من افواه الرواة في بلده.

هذا فيض من غيث في ملحوظات العلامة البلاغي على العهدين من توراة وإنجيل.

وفي ختام البحث نحمد الله أولاً وآخراً


1) الرحلة المدرسية 1/ 157

المصادر

1- البرهان المبين فيمن يجب اتباعه من المرسلين / آية الله العظمى الشيخ هادي كاشف الغطاء / الذخائر / مؤسسة كاشف الغطاء العامة / 1420 ه.

2- بين الجامع والجامعة / السيد كاظم الكفائي / مطبعة الآداب / النجف الأشرف / 1968 م.

3- مضابط جلسات المؤتمر الإسلامي المسيحي الأول / بحمدون / لبنان 1954 / أشرف على طبع النسخة العربية المساعد التنفيذي للجنة مواصلة العدل للتعاون الإسلامي المسيحي.

4- الدراسات الاسلامية المسيحية اليهودية المقارنة الاتجاهات / الاهداف المناهج / السيد سامي البدري / الطبعة الثانية / دار الفقه للطباعة والنشر / بيوت.

5- الرحلة المدرسية والمدرسة السيارة في نهج الهدى / المطبعة الحيدرية / النجف الاشرف / 1344 ه.

6- رسلات السماء / آية الله العظمى الشيخ أحمد أمين زين الدين (قدس سره) / الطبعة الثانية / 1419 ه.

7- مجلة المبين / العدد التاسع / نيسان 2007 م / مؤسسة شهيد المحراب للتبليغ الاسلامي.

8- المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون / سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء / الطبعة الثالثة / المطبعة الحيدرية / النجف الاشرف / 1373 ه.

9- المسيح بين التلمود والقرآن / صهيب الرومي / الطبعة الأولى / بيسان للنشر والتوزيع / بيروت / 2005 م.

10- مماحكات التأويل في متناقضات الانجيل / أحمد فارس الشدياق / تحقيق: د. محمد أحمد عمايرة / الطبعة الأولى / دائرة وائل للنشر / عمان / 2003 م.

مجلس الإفتاء أو الاجتهاد الجماعي

اشارة

«7»

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

لاشك أن العامل الديني هو العامل الأساس المُحَرِّكُ للشعوب الإسلامية، وهذا العامل ليومنا هذا لم يُعْنَ بدراسته دراسة عميقة ومركزة في مدى تأثيره في المجتمع وكيفية توحده من دون أن يصبح أداة للتفرقة والتقاتل.

وكيف أن نجعل التحرك في العامل الديني من أجل التقرب الى الله لامن أجل الوصول الى أطماع دنيوية؟ وكيف نجعل المجتمع متدنيا لا أن نسيس الدين؟ وكيف ضبط هذا العامل الديني دون أستغلاله؟ ومعلوم أن ما أصاب الدول الأسلامية من دمار وخراب وسفك دماء كان جلّه بأسم الدين سواء أكان من أجل القضاء على من يحملون فكر ديني متطرف أم الصراع الذي وقع بين أطراف ترى أحقيتها في العامل الديني دون غيرهم.

فأنهار الدماء الجارية في البلاد الاسلامية هي باسم الدين ونصرة الإسلام.

لقد سفك من دماء المسلمين بسبب فتاوي التكفيرين المتشددين المتزينيين بالدين أكثر مما سفك من دمائهم من قبل أعداء الدين من غير المسلمين وما خسروا من طاقات بشرية ومادية نتيجة الأقتتال ما بين المسلمين في تخريب بلدانهم نتيجة فتاوي بعض العلماء المنتسبين الى الدين اكثر مما خربه اعداء المسلمين من غير المسلمين لبلدان المسلمين.

254 إن اعتماد التكفيريين على القتل والدمار بدعوى نشر الإسلام مما شوه صورته بعدما غيبوا لغة العقل والحوار.

إن المسلمين يشعرون بالذنب أزاء تفرقهم الذي أصاب شعوبهم وبدد كلمتهم وشتت صفوفهم، حتى أصبحوا دويلات لاحول لها ولا طول، بالرغم من موقعهم الأستراتيجي، وأمكاناتهم المادية والطاقية وكثرة عددهم حتى أصبح هدفهم اليوم الأمن والأمان وايقاف نزيف الدماء.

ولقد كان السبب الأساس في الوصول الى مرحلة التبعية للأجنبي هو الجمود والتقليد وغياب الشريعة الأسلامية عن منهج الحياة وأسلوبها، حتى اذا جاء القرن الرابع عشر الهجري سلخت الشريعة الإسلامية من كل مجالات المعاملات، ونقل الفكر الغربي الى البلاد الإسلامية ليكون فقه المعاملات الجديد.

إن إقصاء الفقه السياسي عند الفقهاء عامة، والفقه المرتبط بحركة المجتمع خاصة، أدى إلى انحسار دور علم الفقه واقتصاره على مستوى شؤون الفرد مع ربه دون محيطه من خلال أحكامه الخاصه به.

ولم نجد عند الفقهاء إلا الفقه الذي يحفظ دين الفرد بما هو فرد وليس بما هو جزء من المجتمع والأمة، وهذا ما أدى الى وجود فراغ كبير استغله القادة غير الأسلاميين وتصدوا لإرادة شؤون الدولة انطلاقاً من عقائدهم وخلفياتهم الفكرية البعيدة عن الأسلام شكلاً ومضموناً، وهذا ما أدى الى ضياع أجيال متعددة خصوصاً بعد الهجوم الفكري الغربي عموماً الذي رافق المراحل الاستعمارية والاستكبارية.

إن الفقه المرتبط بحركة الأمة والمجتمع لا يقل أهمية عن فقه الفرد إن لم یکن هو الأهم لأنه يحفظ شخصية الأمة وهويتها وسلامة توجهاتها

ومسارها(1).

إن ضياع المسلمين اليوم هو بسبب عدم قراءة الواقع جيداً، وعدم قيام المجتهدين بتجديد الفقه في ظل الحاجة لذلك، ومواكبته لقضايا الواقع الأجتماعية والسياسية والأقتصادية وغيرها التي تحتاج الى أجتهاد جديد.

لقد أثْرَتِ المكتبةُ الإسلامية بفتاوي الأفراد والاجتهاد الفردي التي تخص العبادات والأَحوال الشخصية والوقف بينما افتقرت إلى فتاوي الأمة والاجتهاد الجماعي التي تتناول النُّظُمَ الإسلامية، إن دور الفقه أصبح مقتصراً على دائرة الفرد في يومنا هذا، ولا نستطيع أسْلَمَةَ الإنسان إلا بالانتقال إلى دائرة أوسع وهي دائرة المجتمع.

ومما زاد الطين بلة تطفل بعض مُدّعيْ الاجتهاد وما أدت فتاويهم البعيدة عن الواقع والتي تؤدي الى التفرقة أكثر مما تؤدي الى الوحدة والحرب بدلاً من السلام.

ولقد أصاب المسلمين بِنَكَباتٍ وَضَعْفٍ اعتقادُ الناس بالدين لأجتهادات تتبع هوى النفس أو مصالح قريبة زائلةً أولاسترضاء جهة معينة وهؤلاء المنتسبون للدين لهم جرأة على الدين وهم لا يحسنون قراءة نص عربي، وتراهم يقتحمون أدق المجالات الفقهية فيحللون ويحرمون بغير علم ولا هدى ولا كتاب مبين. فلا تكفي الشهادة الجامعية وان علت، ولا الدرجة الوظيفية مهما تكن رفيعة، فكم من أصحاب هذين أو احدهما لو عرض على قاضٍ عادل لرد شهادته وأسقط عدالته؟، وكم منهم لا معرفة له بالأدلة وترتيبها وكيفية فهمها فضلاً عن القدرة على الأستنباط منها. فهنالك فارق بين الأجتهاد الذي يقوم به أهله، والحلول الأرضائية والآراء السطحية يبثها بعض ذوي المناصب والألقاب ممن عرفوا شيئاً وغابت عنهم أشياء.


1) التجديد الإسلامي بين البدعة والإبداع / كريم / نوري / الاجتهاد والتجديد 1/ 333

أن المسلمين يرغبون لتفعيل دور الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكاً ومنهج حياة، ولكنهم يواجهون جملة من المشكلات العويصة وتسارع الأحداث وكثرة الصعوبات بسبب التخلف التي تشهده الحركة الفقهية الأجتهادية، أو بسبب الأجتهادات الفردية المتنوعة التي تؤدي الى تمزيق الأمة وتفريقها بسبب تلك الفتاوي السياسية التي تؤدي الى تقاطعها بعضها لبعض. ويمكن تجاوز هذه العقبة باستخدام الأجتهاد الجماعي الذي يعد في وقتنا الحاضر ضرورة حتمية وحاجة ملحة.

إن النمط التاريخي المتعارف للاجتهاد والذي هو سائد عملياً حتى يومنا هو أجتهاد الفقيه بمفرده لاستنباط الأحكام الشرعية بحيث يغطي باجتهاده مختلف أبواب الفقة، ويسمى هذا بالأجتهاد الفردي.

وما شهد عصرنا الراهن من قفزات تطور كبير على الصعيدين المادي والمعرفي أدى إلى توسع واضح في مجالات الأجتهاد بحيث غدا أكثر صعوبة بالنسبة للفقية الفرد، كل ذلك قد دفع بعض الفقهاء الى طرح صيغة جديدة وهي تعاون جماعة من الفقهاء في ممارسة الاجتهاد بدلاً النمط المعروف السائد وهذه الصيغة الجديدة أُطْلِقَ عليها اسْمُ الاجتهاد الجَماعيّ.

لقد أصبح العصر مطبوعاً بطابع الجماعة، كما إن الحكم لم يعد للفرد بل غدا الحاكم شخصاً معنوياً ينبثق من روح الجماعة، وهذا هو منطق الأسلام.

ان الاجتهادات الفردية لم تعد متفقة في عصرنا بسبب تعدد الدول الاسلامية واختلاف انظمة الحكم مما أدتْ إلى اقتتال المسلمين بعضهم لبعض. وتكفير بعضهم لبعض. وحاجة المسلمين في جميع انحاء العالم الاسلامي إلى آراء وفتاوي موحدة مما تخص الأمة الاسلامية.

إن الحديث عن الاجتهاد الجماعي لا يعني حجر ومنع الاجتهاد

الفردي، بل الاجتهاد الفردي الأساس الذي يبنى عليه، ومعلوم جواز الاجتهاد الفردي ولكن الاجتهاد الجماعي له قوة ناتج من اجتماع الفقهاء على رأي واحد، وصونه عن احتمالية الخطأ الواردة في الحديث: (إذا اجتهد المجتهد فأصاب له أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)(1).

إن دعوة الاجتهاد الجماعي ليست وليدة اليوم، وإنما هي حاجة ملحة منذ أمد بعيد، والذي نريد التركيز عليه هو التوسع في هذه الناحية وتطبيقها في سائر الدول الاسلامية. لذلك طرحت في الآونة الأخيرة نظريات جديرة بالبحث والاهتمام كالدعوة إلى الاجتهاد الجماعي بدلاً من الاسلوب الفردي في الاستنباط.

ان انشاء المجامع الفقهية أو المجالس الفقهية يمكنها ان توحد الطاقات المبدعة إلى جهد جماعي يختصر الزمن ويحقق الكيف في أعلى درجاته و امتيازه حيث تتلقي العلماء به وتتبادل الآراء والخبرات على تنوعها واختلافها لتوظف بمجموعها صوغاً اجتهادياً جماعياً متكاملاً بعد دراسة حرة نقدية لا مراعاة فيها إلاّ لبيان حكم الله تعالى ومصلحة المسلمين.

ان التحديات التي تواجه المسلمين وضرورات العصر والمرحلة التي تمر بها الاقطار الاسلامية سوف تضطر إلى انشاء مثل هذه المجالس الاجتهادية لما تحتم عليها الظروف فلا يمكن اخماد الفتن ومواكبة العصر وايجاد الحلول الاسلامية إلا من خلال هذه المجالس الاجتهادية.

اننا لم نبحث تعريف الاجتهاد وأدلته والشروط الواجب توافرها في المجتهد، وما هي العلوم التي يتوقف عليها الاجتهاد التي أشبعت بحثاً وامتلئت الدورات الفقهية تدويناً.

وفي الختام أدعو من الله العلي القدير ان يوفق الحوزة العلمية في النجف


1) الصراط المستقيم 236/3

الاشرف وعلى رأسها المراجع العظام بتكوين مجلس إفتاء ينضم إليه المُجْتَهِدونَ أو ممن يمثل المراجع العظام كما ينضم إليه أهل الاختصاصات التي تتعلق بالمسائل المبحوثة، ثم تصدر الفتوى الجماعية.

تعريف الاجتهاد الجماعي

تعريف الاجتهاد الجماعي(1):

تعددت تعريفات الاجتهاد الجماعي وان اتحدت مضموناً، ومنها:

1- استفراغُ الوُسْعِ من مجموع المؤهلين للإجتهاد وذوي الاختصاصات العلمية الدقيقة مِنْ أهل المعرفة بالقضية المبحوثة من أجل تحصيل الظن بحكم شرعي في مسألة حديثة لها ارتباط بحياة عموم الجماعة الاسلامية أو بعض افرادها في قطر ما أو في اقليم.

2- عبارة عن العملية المنهجية المنضبطة التي يقوم بها مجموع الافراد الحائزين على رتبة الاجتهاد في عصر من العصور، من أجل الوصول إلى مراد الله في قضية ذات طابع عام تمس حياة أهل قطر أو اقليم الأمة عامة.

3- تشاور أهل العلم في القضايا المطروحة مع وجود أصحاب الأختصاص في المسألة المعروفة.

4- استفراغ أغلب الفقهاء الجهد لتحصيل ظن بحكم شرعي بطريقة الاستنباط واتفاقهم جميعاً أو أغلبهم على الحكم بعد التشاور.

5- اتفاق اغلبية المجتهدين من أمة محمد صلی الله علیه وآله وسلم في عصر من العصور على حكم شرعي في مسألة ذات طابع عام.

6- هو حصول اتفاق بين الفقهاء من دون كشفه لرأي المعصوم ويندرج في المشهور.


1) مجلة الراعي / العدد (14) / السنة (9) / ذو القعدة 1425 ه / كانون الأول / 2004 م

التعريف الراجح:

(استفراغ أغلب المجتهدين لتحصيل الظن بحكم شرعي بطريقة الاستنباط مع وجود أصحاب الاختصاص في مسألة مستحدثة ذات ارتباط بفقه المجتمع في منهجية منضبطة تحت نطاق مجمع أو مؤسسة أو مجلس شرعي).

إن دائرة الاجتهاد الجماعي هي فتاوي الأمة لا فتاوي الافراد من عبادات ومعاملات. فإن فتاوي الافراد يستطيع أي مكلف ان يقلد من له أهلية التقليد من المجتهدين.

أما فتاوي الأمة فهي تتعلق بمصلحة الأمة، فلو وقع خلاف بين الفقهاء فيها لا سامح الله لأدى إلى انشقاق الأمة فيعلم مدى خطورتها. وسيأتي توضيح ذلك ان شاء الله.

امتيازات الاجتهاد الجماعي:

يمتاز الاجتهاد الجماعي بعدة خصائص تجعله مؤهلاً للقيام بدوره في عملية النهوض بالأمة منها:

1- التقوى في الفتوى وذلك بالجمع بين الحجة الشرعية والبرهان الجلي، والدليل الصحيح من جهة والخشية القلبية والأخلاص في النية من جهة أخرى، من خلال اختيار علماء وفقهاء لمدارسة المسائل المستجدة والنوازل الطارئة بعيداً عن الاجتهادات الفردية أو المنفردة التي قد تتأثر في الشخصية الذاتية وبعوامل البيئة وبظروف سياسية تصدر في ظلها، وقد رأيتم ما أصاب العراق الجريح من فتاوي بعض التكفيريين المنتسبين إلى الدين في حلية سفك دماء أتباع أهل البيت علیهم السلام، وتفجير أماكن عبادتهم من مساجد وحسينيات.

2- الوسطية بامتزاج آراء الفقهاء والمجتهدين من مختلف بيئاتهم، وتنوع

مدارسهم الفكرية، والوسطية لا تقوم إلاّ إذا تمّ المحافظة على المقاصد الكبرى وقطعيات الشريعة من جهة، والمرونة في الوسائل والآليات تحقيقاً لمبدأ الارتباط بالأصل والأتصال بالعصر.

3- التخصص الدقيق والعلم الصحيح النافع بعيداً عن التعصبات الفردية أو النزعات الفكرية أو التشددات الشخصية أو التساهلات الفقهية، وهنا أشير إلى أهمية الفرق بين التساهل والترخص، فالتساهل قد يفضي إلى فَكِّ عُرى الدِّين أمّا الترخص فهو الفقه والدين (فإن الله يحب ان يؤخذ برخصه كما يحب ان يؤخذ بعزائمه)(1).

4- التفرقة بين مقاصد الخلق ومقاصد الشريعة، فقد يتأثر المجتهد الفرد في مقصد خاص به تبعاً للظروف التي يعيشها، والمراكز التي يقلدها، ومع الجماعة تتغلب النظرة الموضوعية والبحث والتحري عن المقاصد الشرعية بعيداً عن أي مصلحة فردية أو مقصد خاص.

5- الحيادية والتحرر من الضغوط السياسية والاجتماعية بحيث يتم ابداء الرأي بصراحة تامة ويصدر القرار بشجاعة مطلقة، بلا ضغط وإرهاب من الحكومات أو من قوى الضغط في المجتمع، فالدين للأمة بعيداً عن التكتلات أو التجمعات أو التنظيمات المعاصرة والحالة الاعلامية والحروب المعنوية التي لا تزال تلعب الدور الأكبر في تأليف اجواء الفتوى دافعة إلى حالة من الفتاوي الفورية لا الفتاوي البصيرة، وقد تكون مبينة للرأي لا للحكم الشرعي.

6- ينطوي هذا الاجتهاد الجماعي تحت عنوان المجلس الاجتهادي الجماعي أو المجمع الفقهي الاسلامي ويضم الكفاءات العليا من فقهاء المسلمين دون


1) البحار 66 / باب (38) / جوامع الكلم 359

النظر إلى الأقليمية أو الجنسية، والذي يرشح لعضوية هذا المجلس أو المجمع بالنظر إلى فقهه وورعه لا ولاءه لحكومة أو نظام أو حاكم أو زعيم.

7- يصدر الاجتهاد الجماعي بحرية وصراحة حيث تتوافر للمجلس الاجتهادي أو المجمع الفقهي كل أسباب الحرية، وتكون قراراته بشجاعة بلا ضغط وإرهاب من الحكومات أو من قوى الضغط في المجتمع بحيث على المجلس أو المجمع ان يتحرر من الضغوطات الاجتماعية والسياسية معاً. وان لا تسيس الفتاوى تحت وطأة المفهوم والمناخ الذي ولده الحدث من دون إهمالها كما في الفتاوى التي صدرت بعد أحداث 11 سبتمبر الأمريكية(1).

8- ان النظر إلى مباحث الفقه نظرة جماعية عالمية بدلاً من ان ننظر إليها نظرة فردية سوف يلحظ الاختلاف في فهم النصوص فيما لو نظرنا إليها نظرة فردية موضوعية(2).

أفضلية الاجتهاد الجماعي:

إن الاجتهاد الجماعي له مراتب من حيث القوة والضعف نظراً إلى فضيلة القائلين به وكثرتهم وحذاقتهم في الاجتهاد ومقدار خلافه، فأفضليته متوقفة على أمور:

1- فضيلة أعضاء مجلس الأفتاء أو اعضاء مجلس الاجتهاد وحذاقتهم في الاجتهاد.

2- كثرة عدد اعضاء المجلس الاجتهادي.

3- عدم ظهور الخلاف للاجتهاد الجماعي أو كون الخلاف نادِراً وشاذّاً أو


1) العملية الإفتائية وقضايا الأمة د. سيف الدين عبد الفتاح 2003/10/5 م / الإسلام وقضايا العصر / إسلام أولاين

2) حوار خاص مع الشيخ حسن الجواهري / حول الاجتهاد / مجلة فقه آل البيت علیهم السلام / العدد (34) / ص 46

مِمّا لا يعتنى به.

ضوابط الاجتهاد الجماعي:

تنظيم الاجتهاد الجماعي في العصر الحاضر يحتاج فيما أرى إلى ما يلي:

1- موضوع الاجتهاد الجماعي هو خصوص المسائل والوقائع الجديدة التي تحصل في عصرنا الراهن لا عموم المسائل. فالاجتهاد الجماعي مجالاته القضايا والموضوعات الجديدة المعاصرة التي حدثت بسبب التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية والعلمية، ولا معنى الاجتهاد بالقضايا والموضوعات التي ترتبط بالماضي وقد اشبعها الفقهاء القدامى بحثاً ونظراً واستقر عليها الرأي الفقهي.

2- ان يكون الاجتهاد الجماعي ضمن فهم قواعد الشريعة وضوابطها والواقع وصياغة الأحكام الفقهية بلغة العصر.

3- ان يكون الاجتهاد الجماعي مواكباً لتجددات الحياة ومتغيرات العصر وتحولات الزمن ومقتضيات التقدم وشرائط المستقبل.

4- ان يكون بجانب المجتهدين مستشارين وخبراء في كل علوم الحياة وفنونها للرجوع إليهم في حدود أختصاصهم إذا أقتضى الأمر ذلك، والله سبحانه وتعالى يقول «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»(1).

5- الأخذ برأي أكثرية الفقهاء عند اختلاف آراء المجتهدين فإنه أقرب إلى الصواب.

6- ان ينفذ الاجتهاد الجماعي حتى تكون له صفة ملزمة وان الحاكم أو الرئيس أو الملك يلزم بذلك حتى يرفع الخلاف بين العلماء.


1) سورة النحل، آية: 43

7- ان يكون أمر تحديد الشروط التي يجب تحققها في اعضاء الاجتهاد الجماعي إلى المجتهدين أنفسهم وموكولاً إليهم.

فتاوي الأفراد وفتاوي الأمة:

اشارة

كانت الفتوى وما زالت محط اهتمام بالغ لدى الأوساط الإنسانية التي يمثل الدين محركاً اساسي للسلوك وأنماط التفكير، ولا يقف هذا الاهتمام عند المسلمين فحسب، بل أخذت الفتوى مكانتها لدى كل العقائد لما لها من أثر نفسي بالغ في توجيه الأفعال وتحديد الرؤى والأفكار غير إن الفتوى في الإسلام لها شأن أعظم وأخطر خاصة عند من يستشعر مسؤوليته تجاه ربه وأمته وذلك لما دلُ على ان العالم حجة الإمام (عجل الله فرجه) على الناس لقوله (عجل الله فرجه): (فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله)(1). وإن الحجة يجب اتباعها فيكون العالم واجب الأتباع في فتواه.

ومن المعلوم وجوب الافتاء على العالم المجتهد في زماننا فيما لم يكن يخاف على نفسه، كما إن الجرأة على الافتاء من غير علم تؤدي بصاحبها أن يكبه الله على منخريه في نار جهنم ، قال النبي صلی الله علیه وآله وسلم: (من أفتى بغير علم أكبه الله على منخريه يوم القيامة في نار جهنم)(2).

ويمكن تقسيم الفتاوي إلى قسمين:

القسم الأول: فتاوي الأفراد

وهي ما تتعلق بحالة إنسانية فردية لا تتعدى صاحبها من التوجيه أو الفعل أو الاعتقاد أو التصرف، ويمكن تعريفها: (هي الفتاوي التي تتعلق بأفعال المكلفين المذكورة في الرسائل العملية للمجتهدين التي امتلأت كتب


1) تفسير القمي 1/ 16؛ وسائل الشيعة / 27 / باب (11) وجوب الرجوع في القضاء 140؛ البحار / 2 / باب (14) / يجوز أخذ العلم 90

2) وسائل الشيعة 18 / 16؛ تحف العقول 61

الفقه بها). فهي اجوبة استفتاءات المجتهدين على أسئلة المقلدين، ويصدرها كل من كان له أهلية الاجتهاد والإفتاء.

القسم الثاني: فتاوي الأمة

هي ما تعلقت بجماعة أو امة وارتبطت بمصير الشعوب والأمم والحضارات، وبعبارة أخرى هي التي تتعلق بالأمة وكيانها ويكون الإفتاء في غاية الخطورة والحساسية ولا سيّما ما كان متصلاً بالعلاقات الدولية والسياسة الشرعية وتتعلق بقضايا المسلمين وتحدياتهم الحضارية والاستراتيجية، وإنما تؤثر بشكل ما في طبيعة العلاقة بين الدولة وأفرادها أو بين الدولة وغيرها أو على أمة تجاه أمة أو حضارة اتجاه حضارة أخرى تختلف في الموروث العقائدي والثقافي وغيرهما.

ومن أمثلتها ما أفتى بِهِ المراجع العظام مِنْ وُجُوْبِ انتخاب أعضاء الجمعية الوطنية لكتابة الدستور ولتأليف الحكومة العراقية.

ومن مميزات فتاوي الأمة وخصائصها هو عدم تسيس الفتوى وذلك لخطورة الشأن الافتائي فيها.

ومعلومٌ أنّ هناك زيادةً غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ على طلب فتاوي الأمة، وقد زادَتْ سرعة انتشارها بسبب وجود وسائل الاعلام من الفضائيات والشبكة العالمية للمعلومات والوسائل المقروءة والمسموعة.

ان فتاوي الأمة تتعلق بقضايا المسلمين من التحديات الحضارية والاستراتيجية مثل مسائل الارهاب والعمليات الاستشهادية، فهي فتاوي مواقف الأمة الاسلامية في أطارها العام، وهي تصدر من دون استفتاء في بعض الاحيان فهي لا تنتظر المستفتي. كما لا مانع في فتاوي الأمة ان يقام بتعديل السؤال ان لزم الأمر وما يفترض ان يسأل فيه حتى يعلم المستفتي

كيف يسأل وما يفترض ان يسأل فيه؟.

فتاوي الأمة وفتاوي الفتنة:

ان فتاوي الأمة تعتبر من أهم عناصر استمساك علماء الدين بدورهم في الأمة والنهوض بها وإخراجها من حالة الحيرة والبلبلة والاضطراب. وبما إن الأمة الإسلامية تمرُ في أحلك ظروفها فإن فتاوي المحنة التي تصدر بسبب الوضع الذي تمرّ به الأمة ألاّ تتحول إلى فتنة الفتوى فتزيد حال الفتنة اشتعالاً وحال الحيرة ارباكاً. ومن المهم ألا تتحول الفتاوي في الحروب إلى حروب الفتوى. فالتربية بالفتوى تكليف أضافي على العالم الديني في تربية المستفتي سواء أكان فرداً أم جماعة.

إن فتاوي الأمة تفرض على الجميع الاهتمام بها، ومن هنا فإن الأمة تفزع إلى علمائها تلتمس لديهم جواباً كافياً وشافياً جامعاً للأمة مانعاً من فرقتها، إلاّ إن الاختلاف في الفتوى إلى حد المناقضة مثل وجوب الانتخاب وحرمته كما حدث في العراق تجر النكبات على الشارع المسلم، ومعلوم ان غالب الاختلاف في الفتوى في الآونة الأخيرة قد حمل معه ميراث الأوضاع السياسية في محتواه ومبتغاه، فقد انتقل الاختلاف في الفتوى من اختلاف في التنوع إلى الاختلاف في التضاد والتناقض الذي يضفي على حال الحيرة حيرة أخرى.

ومن خلال المطالعة لأبواب الفتاوي على الشبكة العالمية للمعلومات (الانترنت) ستصاب بالذهول من نوعية الفتاوي المتضادة والتي قد تكفر بعضها لبعض فكان من الضروري التفكير لوضع الحلول الناجعة لهذه الأزمة الفكرية ومن أهمها هو الاجتهاد الجماعي.

أمثلة من الاجتهاد الجماعي:

الاجتهاد الجماعي يقع أكثره في منطقة المرونة من الشريعة، وهي محدودة

بثوابت الشريعة ومقاصدها.

فهنالك دائرة واسعة للمباحات، فالأصل الإباحة في الأشياء أو بعبارة أخرى (كل شيء لك حلال حتى تعلم انه حرام)(1).

والمباحات قد تطرأ عليها ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية فيتدخل المجلس الاجتهادي الجماعي فيضع القوانين أو الأوامر أو النواهي لتكون المباحات واقعة في دائرة المصلحة العامة.

فمثلاً احياء الانسان للارض عملية مباحة، ولكن الظروف لا تسمح بذلك أو إن إحياء أرض معينة قد يوقع ضرراً بالمصلحة العامة فيتدخل المجلس الاجتهادي الجماعي لمنع إحياء هذه الأرض دون غيرها. ومعلوم بالحكم الأولي ان اختيار السكن مباح من حيث الكم والنوع، ولكن قد يصبح السكن في بقعة معينة من الأرض حائلاً دون تحقيق بعض المشاريع العمرانية أو يكون معرقلاً لحركة المرور أو حركة الجيش أو ما شابه ذلك فيأتي دور المجلس الاجتهادي لمنع ذلك.

ولو كان في العراق مجلس اجتهادي جماعي لما وقع فيه نَهْبٌ وسرقة وحرق دوائر الدولة ثم بيع الأموال العامة(2).

كما إن من وظائف المجلس الاجتهادي الجماعي تحديد الاسعار والمنع من الاحتكار وفرض الضرائب إضافية في حال التضخم الاقتصادي أو في ظرف الحرب.

وقد يفتي المجلس الاجتهادي بتحويل الاحكام الأولوية إلى احكام ثانوية فالواجب يتحول إلى حرام والحرام إلى مباح، والمباح إلى مستحب، وهذا


1) الكافي / 5 / باب النوادر / ص 304

2) المصدر نفسه

التحول يتبع المصلحة والمفسدة للأمة الاسلامية وعلى سبيل المثال: ان بيع الذهب والنفط والموارد الطبيعية وسائر المعادن مباح في الشريعة الاسلامية غير انه يصبح حراماً إذا أضرُ باقتصاد المجتمع الاسلامي، ولنضرب مثالاً في ذلك ونقول ان تصدير وبيع النفط إلى الدول الأجنبية أمر مباح ولكن إذا اصبح عاملاً لتقوية اعداء الأمة الاسلامية مثل اسرائيل فسيصبح حراماً، فتأتي صلاحية المجلس الاجتهادي الجماعي فيحرمه ويمنعه.

وهذه بعض الأمثلة لمسائل الاجتهاد الجماعي:

1- مسألة استزراع الأجنة واستئجار الأرحام وبيع وشراء الاعضاء البشرية.

2- الهندسة الوراثية.

3- مسألة الاجهاض.

4- اثبات الأهلة.

5- مسألة الارهاب والتكفير.

6- مسألة الانتحار من أجل قضية أو تفجير جسد الانسان وتفخيخه.

7- قتل الابرياء من اجل صد الاعداء.

8- التعاون مع الدول غير اسلامية.

9- العولمة.

10- حوار الحضارات.

11- انظمة الحكم في البلاد الاسلامية والعربية.

12- قضية الحقوق الدولية.

13- قضية البيئة والموارد الطبيعية.

14- علاقة الدولة مع الدول والمنظمات الدولية.

15- الضرائب والزكاة والخمس بالنسبة للدول الاسلامية.

16- أصول المناهج التربوية والاعلامية والاقتصادية والسياسية.

17- البورصة العالمية.

18- التعددية الحزبية وحقوق الانسان.

ولا يمكن انكار الاجتهاد الجماعي، فإن المؤتمرات الاسلامية هي مصاديق للاجتهاد الجماعي عند اصدار البيانات لها فيما يتفقون علماء المؤتمر على فتوى معينة مثل حرمة الأرهاب الذي يستهدف الابرياء، وحرمة تكفير المسلم أخوه المسلم، وحرمة ارهاب المسلم لأخيه المسلم.

وخير مصداق ومثال بالنسبة إلى الاجتهاد الجماعي الذي حدث في العراق هو اجتهاد مراجع الامامية بوجوب الانتخابات التي حصلت في العراق من أجل تكوين الجمعية الوطنية لكتابة الدستور وبناء الحكومة العراقية المؤقتة، بينما قاطعة هيئة علماء المسلمين الانتخابات وحرمة الانخراط بالعملية السياسية إلا بشروط معينة.

إن هذا الاجتهاد المتضاد جعل العراق ساحة اقتتال واحتراب وأرهاب بين أطيافه وطوائفه، ولو كان هنالك مجلس اجتهادي يفتي بفتوى واحدة لما وقع ما حصل في العراق من تدمير وسفك دماء وغيره.

دواعي الاجتهاد الجماعي:

إن الدعوة إلى الاجتهاد الجماعي ليست وليدة اليوم، وإنما هي حاجة ملحة منذ أمد بعيد، والذي كان مصداقها الإجماع أو الاتفاق، والذي أود التركيز عليه هو التوسع في هذه الناحية وتطبيقها في سائر الدول الإسلامية تحاشياً للخلافات التي تظهر على الساحة من حين لآخر، ومما يزيد الاهتمام بموضوع الاجتهاد الجماعي، والدعوة إلى التفكير الجدي فيه والمسارعة إلى إنشاء مجلسه أو مجمعه أو مركزه هي:

1- تحقيق الصلة العلمية المتينة بين الخبرة العلمية التشريعية والخبرة العلمية التطبيقية والتنفيذية في مجالات الحياة كافة.

2- ان الاجتهاد الجماعي ضابط دقيق في فرز المجتهد الحقيقي عن المجتهد الادعائي فإن في مجلس الاجتهاد أو المجمع الفقهي أو المركز سوف تتكشف الحقائق فلا مكان للمجتهد الادعائي، بينما عدم وجود مثل هذه المجامع أو المراكز أو المجالس نسمع كثيراً ما يتطفل على الفقه والاجتهاد في الآونة الأخيرة خاصة ممن كثرت منهم الادعاءات في الاجتهاد مما سبب تشويشاً في الذهنية العامة وأوجد أرباكاً في الدائرة التخصصية.

3- في ظل الحياة البسيطة سابقاً، والثقافة الموسوعية التي كانت تميّز كبار المجتهدين: كان المجتهد يستطيع النظر في الأمور المختلفة ويخرج منها برؤية سليمة.

أما اليوم فقد تغيرت الأحوال من جهتين: جهة الحياة فأصبحت معقدة، وجهة الثقافة الموسوعية فقد توضحت معالم التخصصات الدقيقة، فلم يعد بإمكان المجتهد الفرد ان يلم بحقائق الاشياء وحده. وأمام كل ذلك لابد أن يتخذ الاجتهاد الاسلامي اسلوباً جديداً ليلبي هذا الواقع الجديد، فالاجتهاد الجماعي يتطلب ان يشمل خبراء علوم الدنيا التطبيقية بجانب علماء الدين، وان تتبلور المؤسسات الفكرية التي تجمع الخبرات في علوم الدين والدنيا معاً ليعود الاجتهاد تألقه ملبياً حاجات الناس مع مراعاة الواقع المتجدد.

إن زمن التخصص العلمي يوجب إلى ضرورة الاجتهاد الجماعي، عصماً للفتاوي من الزلل وصيانة للفكر عن الزيغ وتأكيداً على التلازم المتقن بين التخصصات المختلفة.

4- ان الدعوة إلى الاجتهاد الجماعي وتوسيعه من الناحية التطبيقية هو صد للخلافات التي تظهر على الساحة من حين لآخر وللفوضى العارمة التي انتشرت في عالمنا العربي والاسلامي في مجال الفتوى واختلافها وتعددها

الموضوع الواحد وخاصة بالنسبة لموضوعات حساسة ومهمة بالنسبة للمسلمين، لأن الاجتهاد الفردي قد يكون غير مأمون العاقبة فقد أدت بعض الفتاوي ممن يدعون أهلية الاجتهاد فأفتوا بفتاوي هدمت المجتمعات وإثارة الفتن والضغائن وأباحت الاعراض وأجازت سفك دماء الابرياء، فإن الفوضى التشريعية في الفقه الاسلامي والفتاوي التكفيرية كان من أكبر أسبابها هو الاجتهاد الفردي، وإننا نتخوف ان تتحول الأمة إلى أمة فتوى كما شاهدنا في أيامنا هذه التي تمر بنا حين اختلط الحابل النابل وخرج علينا في الفضائيات أساتذة جامعات وغيرهم يفتون بما لم ينزل الله به من سلطان(1).

5- ان الاجتهاد الجماعي هو ارجاع لدور العلماء في الأمة، وذلك من خلال تصديهم لكل النوازل والقضايا والمسائل المستحدثة التي تعرض على الأمة الاسلامية بعدما أراد اعداء الأمة الاسلامية من تهميش دور العلماء فيما يجري من أحداث وتطورات في المجتمع، فالمجالس والمجامع والمراكز الفقهية إحياء لمواقف العلماء وتفاعلهم مع المجتمع.

6- الاجتهاد الجماعي هو المنتج في وضع القوانين وآلية العمل الصحيح في ذلك، بينما الاجتهاد الفردي لا يمكن ان يكون منتج للقوانين وخير دليل على ذلك إن كتابة الدساتير تكون من خلال لجان تتكون من مجموعة أو اعضاء من تقوم بكتابة الدستور(2).

7- إن مشكلات عصرنا المعقدة والمتوالية يصعب ان يتولى فرد الإفتاء فيها، وخاصة ما يمس الأمة قاطبة إلا إن كانَ ثَمّةَ مجلس اجتهاد أو مجمع فقهي يضم الفقهاء والخبراء في مختلف التخصصات من علوم العصر ووسائله،


1) مجلة الراعي / العدد (314)

2) مصادر التشريع فيما لا نص فيه / الشيخ عبد الوهاب خلاف / الموسوعة الإسلامية

يتطلبون الحق ومصلحة الأمة، بعيداً عن كل تعصب قومي أو وطني أو حزبي أو سياسي، ويصيرون إلى اجتهاد جماعي موضوعي لا يرعى إلا مقاصد الشريعة ومصالح الأمة.

8- الاجتهاد الجماعي يتجلى فيه مبدأ من مبادئ الاسلام العظيمة هو مبدأ الشورى حيث إن رأي الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي الفرد مهما ارتفع شأنه في المعرفة وعلا كعبه في العلم، فعند اللقاء الشوروي قد يلمح شخص جانباً في الموضوع لا ينتبه له آخر، وقد يحفظ شخص ما يغيب عن غيره، وقد تبرز المناقشة نقاطاً كانت خافية، أو تُجَلِّى أموراً كانت غامضة، أو تذكر بأشياء كانت منسية، وهذه من بركات الشورى ومن ثمار العمل الجماعي دائماً، عمل الفريق أو عمل المجلس أو المركز أو المؤسسة بدل عمل الأفراد(1).

9- من خلال متابعة القضايا المستجدة، وجدنا هنالك اختلافاً واضحاً ملموساً في آراء المجتهدين في قضية واحدة سواء أكانوا مجتهدي مذهب واحد أم مذاهب متعددة، وهذا الاختلاف يمكن علاجه والتقليل من تأثيراته بالأخذ بمبدأ الاحتياط(2)في أداء التكليف الشرعي إذا كان الأمر عبادياً بحتاً أو توصيلياً، فالاحتياط لا يبقى مشكلة.

ولكن بعض القضايا والمسائل الحساسة يصعب فيها الاحتياط، ومن هذه المسائل مسألة العمليات الانتحارية الاستشهادية وتعيين عناوين المقاومة والارهاب، ومتى يجب الدفاع؟ ومسألة التلقيح الصناعي،


1) الدكتور يوسف القرضاوي / الموسوعة الإسلامية

2) هو ما يحصل به القطع بامتثال التكليف واليقين بحصول الواقع المطلوب منه دون استناد إلى حجة شرعية كآية قرآنية أو قول معصوم أو فتوى مجتهد أو نحو ذلك في تعيين الواقع. انظر: النور الساطع في الفقه النافع / الاجتهاد 1/ 152

والانتخاب والاستفتاء.

إن تطورات الحياة من ناحية التقدم العلمي والتقني والتغير في الطبيعة الانسانية من حيث تفاعلها مع الكون والحياة والطبيعة والتعقيدات الاجتماعية والتعقيدات السياسية وتطور اشكال الدول والحكومات وتعاظم المسؤوليات الاجتماعية وتوجه الأعمال والمهمات نحو التخصص هذه التطورات تنشأ منها مشكلات وصعوبات وتعقيدات جديدة تختلف من عصر إلى آخر ومن مكان إلى آخر، وهي بحاجة إلى علاج وحل واقعي ينسجم مع ثوابت واساسيات المنهج الاسلامي وأن يكون صادراً بفتوى واحدة، فلو تعددت الفتاوي واختلفت مما تخص الأمور الاجتماعية أو السياسية لأدت إلى اضطراب المجتمع وتفريقه وشق عصا وحدته هذا ما حصل في عراقنا من حيث الانتخابات والاستفتاء على الدستور.

وعلى سبيل المثال أيضاً الظاهرة المستجدة وهي (تلويث البيئة) هل يحكم بحليتها لأصالة الإباحة أو تبعاً لقاعدة (الناس مسلطون على أموالهم). أو إذا قرّتْ الحكومة مسألة تنظيم النسل وتحديده فهل يجوز الاجهاض فيما إذا كان الاجهاض محرم بذاته.

هذه بعض الأمثلة تحتاج إلى مجلس افتاء جماعي لأخذ موقف موحد بأزاء هذه المسائل.

10- ان الاجتهاد الجماعي حالة كيفية متحصنة عن الزلل وبعيدة عن المزالق لإن الاجتماع يخلق واقعاً رصيناً. قال الجرجاني في معرض دفاعه عن الاجتهاد الجماعي: (فإن قيل خبر كل واحد لا يفيد إلا الظن وضمُ الظن إلى الظن لا يوجد اليقين، وأيضاً جواز كذب واحد يوجب جواز كذب المجموع لأنه نفس الاحاد، قلنا: ربما يكون مع الاجتماع ما لا يكون من الإنفراد كقوة الحبل المؤتلف من الشعيرات، فالمجتمع صفة جديدة والله

جعل في الصفة الجديدة واقع القدرة، وكذلك في كثير من التجمعات، فإن تجمع القطرات يكوّن الشلال الذي له قدرة خارقة نابعة عن قدرة القطرات، وبتجمع البيوت تكون المدينة، وبتجمع ذرات الحديد يكون الفأس القادر على هدم الجدران)(1).

اقتراحات في كيفية تطبيق الاجتهاد الجماعي:

هنالك أساليب تساهم في تطوير عملية الاجتهاد الجماعي منها(2):

1- الدعوة إلى الكتابة والبحث في فقه النظريات.

2- الاستعانة بالخبرات لتشخيص الموضوعات وتحديدها من الناحية الموضوعية.

3- تحرير العملية الاجتهادية من النزعة الذاتية والفردية واطلاقها نحو الشمولية.

4- المواكبة والمتابعة السريعة للموضوعات المستحدثة، وذلك بتأليف لجان لتشخيص الموضوع وتحديده وتقديمه لعلماء الشريعة.

5- الانفتاح على الواقع ومواكبته وعدم الوقوف في هوامشه وزواياه.

6- كون الاجتهاد سباقاً إلى المعالجات الفقهية، أي ان يكون في موقع الفعل وليس في موقع الانفعال وانتظار ضغوطات الواقع ومطالبته التي قد تهدف إلى عصرنة الإسلام، بينما المطلوب أسلمة الواقع ضمن الضوابط المعروفة فقهياً وأصولياً.

7- التوعية الشاملة للأمة الاسلامية بمميزات الاجتهاد الجماعي.


1) شرح العقائد النسفية / 127 - 128

2) ندوة وحوار حول مناهج الاجتهاد وآلياته / مجلة فقه آل البيت / العدد (34) / ص 81؛ الراعي / ص 214

8- التوجه إلى أولياء أمور المسلمين لبيان أهمية الالتزام بمنهج الله سبحانه.

9- توجيه رسالة إلى القائمين على شؤون الاعلام لتطهيره من الرجس الحاصل.

10- توسيع نشاطات مجالس الاجتهاد الجماعي أو المجامع الفقهية عن طريق التخصصات مثل مجلس للفتاوي الاقتصادية وكذلك بالنسبة إلى القضاء وبالنسبة إلى الاجتماع أو السياسة وهكذا.

11- مشروع يجمع مراكز مجالس الافتاء الجماعي أو المجامع الفقهية عبر الشبكة العالمية للمعلومات (الانترنت) لتحقيق الانسجام بين الفتاوي الصادرة.

12- الاكتفاء بمجلس افتاء دولي أو مجمع فقهي دولي، وتحويل بقية المجالس أو المجامع الفقهية إلى فرعية أو للمجمع الدولي.

إني اعلم بأن هذا الاقتراح قَدْ لا يُتَقَبّلُ بِتَرْحابٍ، ولكن يكفي طرح الفكرة والعمل على تحقيقها في أرض الواقع فإننا نحرص على وحدة الأمة الاسلامية وجمع كلمتها وتوحيد صفها.

والذي يحز في النفوس وَيَمْلَؤُها أسىّ أن شعوب العالم المختلفة الألوان والاعراق والاديان والمعتقدارت قد انضمت تحت هيئة الأمم المتحدة ولا يربطها إلا رابط الأخوة الانسانية، كما ان زعماء وقادة ورؤساء وملوك الدول العربية والاسلامية انضموا تحت الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي، ولكن علماء وفقهاء ومجتهدو المسلمين لازالوا متفرقين ومتناحرين لا يضمهم عنوان وكانوا هم الأولى في مبادرة واقتداء الناس بهم في انضمامهم تحت عنوان مركز أو مجمع عالمي وغيره ولكن ماذا نصنع في الحسد الذي وقع بينهم كالنار في الهشيم؟

عقبات الاجتهاد الجماعي:

لاشك ولا ريب إن الحركة الفقهية الاجتهادية قد تخلفت عن مجالات الحياة اليومية، فلم تستوعب جميع وقائع مفاصل الحياة، فالمسلمون في أزمة خطرة تتمثل باستبدال الأحكام الشرعية بالقوانين الوضعية والتخلف عن متابعة أهم انجازات العصر الحديث، والتي تفرض نفسها كرؤى وتصورات ومفاهيم تمتلك القدرة على صياغة العقل الإنساني وتحديد قيمه وتوجهاته، فالتنوع الذي جسدته العلوم الحديثة والثقافة الجديدة ساهم في تغيير اهتمامات الإنسان وقلب أولوياته مما أدى إلى مضاعفة الصعوبة التي استشعرها عقل المسلم المعاصر في تعاليمه مع هذه المعطيات المستجدة.

فهنالك موانع وعقبات كانت ولا تزال تقف حجر عثرة في طريق الاجتهاد الجماعي ومن اهمها ما يأتي:

1- ضعف الوعي بآمال الأمة وتطلعاتها، ومهماتها وشؤونها وواقعها والصعوبات التي تواجهها.

2- عدم الافادة من الخبراء والمختصين في دراسة ومعرفة موضوعات الاحكام وخصائصها مما أدى إلى القطيعة بين الفقه ومجريات الاحداث.

3- التأثر بآراء المتقدمين والعمل به أولى من الاجتهاد الجديد، فالقداسة والتقدير عند بعضهم للبعد الزمني للقائل من دون ان يكلف نفسه عناء البحث حتى عن صحة دليل القائل أو وجه استدلاله.

4- التحجر والجمود الفكري على مسلمات متأثرة في العادات والتقاليد والبيئات فإن عصبية التقليد تأبى ان تنفتح لمقتضيات التجديد، وتؤدي إلى قلق شديد أزاء كل تعبير جديد فضلاً عن المعنى الجديد، وكثيراً ما نسمع من هؤلاء نكيراً على كلمات معبرة بحجة إنها غير اسلامي.

5- اهمال دور العقل في مرحلة الاستنباط، وبخاصة في المسائل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية اعتماداً على حرفية النص تبعاً لصحة سنده أياً كان.

6- قلة مراكز الدراسات والابحاث الخاصة بمدارسة المسائل المستجدة والاجتهاد المعاصر.

7- ضبابية المنهج المعاصر للاجتهاد والافتاء، فقد يلوح عند بعض الذين يدعون الاجتهاد ان المنهج عندهم هو حب الظهور والشهرة أو الحصول على مكاسب مادية أو معنوية.

8- بحث المسائل الشرعية بين جدران المنازل والمساجد والمدارس دون الحضور في الحياة الاجتماعية والتعرف على احتياجات المجتمع، بما يمكن وصفه بالتقوقع في الفكر.

9- غياب عملية التقنين في البحث الفقهي، فبطون الكتب الفقهية ذاخرة بالعلوم والمعارف وبيان المقاصد والقواعد ولكن يصعب الوصول إليها، او تسهيل الاستفادة منها بربطها بقواعد متخصصة.

10- تأثر المجتهد بالبيئة الجغرافية، وكذا بالتربية النظرية بحيث يتأثر بالجو المحيط ويتمسك بمنهجه دون التعرف أو القبول للمناهج الأخرى في عملية الاستنباط.

11- إغْفالُ دَوْرِ العلوم الإنسانية الحديثة مثل علم اللغة والاجتماع والاقتصاد وعلم النفس ذات الصلة بالاستنباط الفقهي.

12- لعل أهم عقبة الاجتهاد الجماعي هو روح الانانية لدى بعض الأفراد ممن يودون بقاءهم في دائرة الضوء في كل زمان دون السماح لأي فكرة تجديدية تفيد الدين والدنيا.

الأدلة على أفضلية الاجتهاد الجماعي:

أستدل الفقهاء بأدلة نقلية وعقلية على أفضلية الاجتهاد الجماعي على الاجتهاد الفردي وهي:

الأدلة النقلية:

أولاً: القرآن الكريم:

1- قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فتصبحوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ»(1)ان عموم التعليل الوارد في ذيل آية النبأ، ومفاده هو وجوب التبين في كل ما كان العمل به سفاهة، وحيث ان العمل بالاجتهاد الجماعي لا يكون سفاهة فلا يجب فيها التبين بمقتضى عموم التعليل.

2- قوله تعالى: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلَمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ»(2). قال القرضاوي في حلقة على قناة الجزيرة بعنوان (الفقه الاسلامي في مواجهة التطور) بتاريخ 12/ 1/2003 ه (أولو الأمر) هذا هو الاجتهاد الجماعي(3).

3- قوله تعالى: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمرِ»(4).

إن كل عاقل يدرك إن المشورة لازمة عليه مهما كان عبقري الفكر وعميق الفهم وواسع الاطلاع والمعرفة بدليل الأولوية، لأن النبي صلی الله علیه وآله وسلم كان معصوماً ومع ذلك كان يستشير، والآية ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بل تشمل


1) سورة الحجرات، آية: 6

2) سورة النساء، آية: 53

3) الراعي / العدد (214)

4) سورة آل عمران، آية: 159

كل القيادات الاسلامية وعلمائها، فلا يجوز بحال من الاحوال ان يخالف المستشير رأي الأكثرية لئلا تقع مضاعفات منها يصبح الاجتهاد الجماعي مفسدة للقلوب ومنفرة للنفوس.

4- قوله تعالى: «وَالَّذِينَ اسْتَجَابُو الريهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرَ هُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمَمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ»(1).

حدد الإسلام الطريق إلى المصلحة هو طريق التشاور ولذلك كان التشاور من الواجبات حتى بالنسبة إلى المعصومين الذين يدركون المصلحة من دون حاجة إلى التشاور، ولذلك فإن النبي صلی الله علیه وآله وسلم وهو معصوم يعرف المصالح يخاطبه القرآن الكريم بالشورى والمشاورة(2).

ثانياً: الأحاديث الشريفة:

1- قوله صلی الله علیه وآله وسلم: (لا تجتمع أمتي على الخطأ)(3).

ان المراد من الأمة هو خصوص الأمامية، ثبتت الملازمة بين إجماع علماء الإمامية وقول المعصوم علیه السلام.

ولكن هذا الحديث غير تام سنداً ودلالة. إما من حيث السند فلكونه من المراسيل الضعاف.

وإما من حيث الدلالة فلعدم اختصاص الأمة بالإمامية كما هو ظاهر في نفسه(4)ويظهر من قوله صلی الله علیه وآله وسلم: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)(5).


1) سورة الشورى، آية: 38

2) مجلة الملتقى / العدد (2) / ص 9

3) بحار الأنوار 225/2 كتاب العلم باب (29) / الحديث (3) وفيه لا تجتمع أمتي على ضلالة

4) مصباح الأصول 47 / 162

5) بحار الأنوار 4028 / كتاب الفتن والمحن / باب (1) / الحديث (3) وغيره

2- ما رواه الطبراني عن علي قال: (يا رسول الله أرأيت إن عرض لنا أمر لم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه سنة منك؟ قال: تجعلونه شورى بين العابدين المؤمنين، ولا تقضونه برأي خاصته).

3- ما روي عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم عن سعيد بن المسيب عن علي علیه السلام قال: قلت يا رسول الله الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن، ولم تمضِ فيه منك سُنة، قال: (أجعلوا له العابدين أو قال العالمين من المؤمنين فأجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد).

4- مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة تدلان بتقريب ان المراد من المجمع عليه في المقبولة ليس هو الإجماع المصطلح، بل هو المراد منه المشهور بقرينة المقابلة في قوله علیه السلام: (واترك الشاذ النادر)، وكذا قوله علیه السلام: (خذ بما اشتهر بين اصحابك) في المرفوعة، فان الموصول من المبهمات ومعرفة الصلة واطلاقها يشمل الشهرة الفتوائية وهي الاجتهاد الجماعي أي بمعنى اشتهار الفتوى بحكم من الاحكام من دون ان يعلم مستند الفتوى(1).

ويمكن الاعتراض على هذا الاستدلال بأن ما في المقبولة والمرفوعة مع الغض عن إسنادهما لا دلالة فيهما على المدعى، فإن في المقبولة هو الآخذ بالخبر المجمع عليه كما هو صريح الرواية، فلا دلالة فيها على حكم الفتوى المشهورة، ولو سلّم كون المراد من المجمع عليه هو المشهور بقرينة ما بعده، وكذا الحال في المرفوعة فإن الموصول في قوله علیه السلام: (خذ بما اشتهر بين اصحابك) للعهد كما هو ظاهر العبارة بل صريحها بعد عرضها على العرف، فلا یعمّ غيره حتى يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا خصوص المورد سواء أكانت الشهرة المذكورة فيهما شهرة في الرواية أو الفتوى أم أعم منهما.


1) مصباح الأصول 47 / 162؛ وسائل الشيعة / ج 18 باب (19) / ص 75/ ح 1

ويمكن الاستدلال بالحديث الشريف (خذ بما اشتهر بين اصحابك ودعْ الشاذ النادر فإن المجمع عليه لا ريب فيه) يفهم منه إن الاجتهاد الجماعي هو الارجح الذي يلزم تبنيه وذلك لأن قوله علیه السلام: (فإن المجمع عليه لا ريب فيه) تعمم المورد فلا تختص بالمقام المذكور في الحديث، كما ان (المجمع عليه) يقصد به الأكثرية ظاهراً لا المجموع كلهم بقرينة قوله علیه السلام: (ودعْ الشاذ النادر) مما يدل على عدم وجود (المجمع عليه) بل الأكثرية في مقابلتها أقلية شاذة نادرة.

5- مشاورة النبي صلی الله علیه وآله وسلم ومحاورة أصحابه حول سبل مواجهة تهديدات قريش وحلفائها في الجزيرة في غزوة الخندق(1).

6 - تشاور النبي صلی الله علیه وآله وسلم مع أصحابه في الخروج لملاقاة قريش في غزوة أحد بدلاً من البقاء في المدينة دليل على الأخذ بالاجتهاد الجماعي.

قال المرحوم المحقق النائيني معلقاً حول موقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الخروج إلى احد (في غزوة أحد مع إن رأي رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم المبارك وجماعة من أصحابه كان عدم الخروج من المدينة المشرفة مرجحاً التحصن فيها، وتبين بعد الحرب ان المصلحة والصواب كان في البقاء في المدينة ولكن بالرغم ذلك خرج الرسول من المدينة لكون الأكثرية أيدت ذلك فتحمل تلك المصائب الجليلة)(2).

7- قرار خروج النبي صلی الله علیه وآله وسلم إلى بدر واختيار ملاقاة العدو بدلاً من ملاقاة العير، كان التزاماً منه صلی الله علیه وآله وسلم بذلك الرأي الذي ترجح لدى أغلبية الصحابة الذين شاورهم وحاورهم في هذه النازلة.

8- قبوله صلی الله علیه وآله وسلم رأي بالنزول في أدنى ماء من بدر للقائلين من أصحابه.


1) سنن ابن ماجه 2/ 1303/ ح3950

2) تنبيه الأمة وتنزيه الملة 54

9- مشاورة النبي صلی الله علیه وآله وسلم أصحابه فيما ينبغي ان يفعل في اسرى بدر.

10- الروايات المستفيضة الدالة والواردة من طريق أهل السنة ما روي عنه صلی الله علیه وآله وسلم من قوله: (عليكم بالسواد الأعظم).

11- وقوله صلی الله علیه وآله وسلم: (الحق مع الجماعة).

12- وقوله صلی الله علیه وآله وسلم: (يد الله مع الجماعة)(1).

ويمكن الجواب عن أخبار أهل السنة بإنها لا حجية فيها أولاً لأنها ليست بتلك المكانة من الظهور، وقد تداول عند اهل السنة الاستناد إليها في حجية الاجماع فيمكن ان يكون ذلك هو المقصود منها وقد فسرت لفظ (الجماعة) في بعض الروايات بأهل الحق وإن قلّوا فلا يوافق المدعى.

13- ما ورد في نهج البلاغة في كلام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب علیه السلام للخوارج: (والزموا السواد الأعظم، فإن يد الله على الجماعة، وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما إن الشاذ من الغنم للذئب)(2).

ويمكن أن يحمل ما في رواية نهج البلاغة إن الظاهر منها الاتفاق في ما عدا الأحكام الشرعية فإن قوله علیه السلام: (فإن الشاذ من الناس للشيطان) كما ان الشاذ من الغنم للذئب يفيد ان تفرد الانسان في أمره مظنّة لأستيلاء الشيطان كما ان تفرد الشاة مظنة لاستيلاء الذئب، إذ لو كان باطلاً لكان عين استيلاء الشيطان لا أنه مظنة لحصوله بعد ذلك من جهة التفرّد، وقد يكون ذلك هو المقصود من الروايات العامية المتقدمة.

14- مقبولة (عمر بن حنظلة) التي ورد فيها عن الامام (عجل الله فرجه) انه قال: (ينظر ان من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فلم يقبل منه، فإنما استخف بحكم الله وعلينا رَدٌ والرّادٌ


1) مجمع الزوائد 5/ 218

2) نهج البلاغة 184/ رقم الخطبة 127

علينا كالرّادِّ على الله، وهو على حَدِّ الشِّرْكِ باللهِ)(1).

وجملة (ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا) عامة تشمل كل من يرتقي إلى درجة الاجتهاد، فالباب مفتوح على مصراعيه للاجتهاد الجماعي.

15- وعن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليه: فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان: أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك... إلى أن قال: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله)(2).

16- (إن العلماء ورثة الأنبياء)(3)و (إن علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)(4)و (إن علماء أمتي كسائر أنبياء قبلي) و (منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الانبياء في بني إسرائيل) و (العلماء حكام على الناس) و(مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء) و (الفقهاء ورثة العلماء)(5)و(الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك)(6).

إن هذه النصوص الشرعية تلقي المسؤولية على عاتق الجماعة لا فرد واحد.


1) الكافي، باب اختلاف الحديث 1/ 67

2) وسائل الشيعة، باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث من الشيعة 27/ 140

3) الكافي، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء 32/1

4) مستدرك الوسائل 320/17

5) مجمع الزوائد 5/ 218؛ نهج البلاغة 184 / رقم الخطبة 127؛ الكافي باب اختلاف الحديث: 1/ 67؛ مستدرك الوسائل 320/17؛ وسائل الشيعة 27/ 140

6) وسائل الشيعة 1/ 151

17- الروايات الداعية إلى لزوم الجماعة والسلوك في سبيل المؤمنين وحفظ رباط الوحدة والتي تؤيد الأغلبية كقول الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم: (يد الله مع الجماعة ومن شدّ شدّ إلى النار) ورواية أبي ذر الغفاري رضی الله عنه عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم انه قال: (اثنان خير من واحد وثلاثة من اثنين وأربعة خيرٌ من ثلاثة فعليكم بالجماعة)(1).

ثالثاً: سيرة المتشرعة:

1- ان أصحاب المصطفى صلی الله علیه وآله وسلم استقصوا النظر في الوقائع والفتاوي والاقضية فكانوا يعرضونها على كتاب الله تعالى فإن لم يجدوا فيه متعلقاً راجعوا سنن المصطفى فإن لم يجدوا فيها شفاء اشْتَوَرُوْا واجتهدوا.

2- كانت الصحابة إذا لم تجد الحكم في القرآن أو السنة الشريفة جمعوا رؤساء الناس فَيَسْتشِيرُوْنَهُمْ فإذا اجتمعوا على رأي قضوا به.

رابعاً: دليل العقل:

1- ان حجية الاجتهاد الجماعي نتيجة القطع باتفاق المجتهدين أو أغلبيتهم على فتوى نتيجة استنادهم إلى دليل يفتون بمقتضاه، ومعلوم هذه الفتوى الجماعية لم تصمد أمامها الفتاوي الفردية عند معارضتها، لأن الظن الحاصل من الفتوى الجماعية أقوى ظناً من الفتوى الفردية، والظن الحاصل من الفتوى الفردية المعارضة لا يقاوم الظن الحاصل من الاجتهاد الجماعي فالعقل حاكم بان اتفاق جماعة من العلماء الأخيار المتبحرين يوجب الاطمئنان الذي هو بمنزلة العلم بحصول مستند معتبر لديهم(2).

2- ان الاجتهاد الجماعي على فتوى واحدة تكون أقرب للواقع ما لو كان الاجتهاد فردي، فإن اتفاق جميع الفقهاء أو أغلبيتهم تكون فتواهم أقرب


1) الدر المنثور، وتحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي / للمباركفوري 387/6

2) مصادر الحكم الشرعي 1/ 135

للواقع من فتوى الفقيه منفرداً، إذ من قول فقيه واحد يحصل الظن ولو بأدنى مراتبه بالواقع، ومن فتوى الفقيه الثاني يتقوى ذلك الظن ويتأكد، ومن فتوى الفقيه الثالث يحصل الاطمئنان، ويضعف احتمال مخالفة الواقع، وهكذا إلى أن يحصل القطع بالواقع كما هو الحال في الخبر المتواتر، فإنه يحصل الظن بأخبار شخص واحد ويتقوى ذلك الظن باخبار شخصٍ ثانٍ وثالث وهكذا إلى أن يحصل القطع بالمخبر به(1). فان حجية الاجتهاد الجماعي من القطع بوجود مستند شرعي اعتمده المجتهدون في اتفاقهم على الفتوى الجماعية.

اعتراض:

إن ذلك مسلّم في الاخبار على الحس كما في الخبر المتواتر، لأن احتمال مخالفة الواقع في الخبر الحسي إنما ينشأ من احتمال الخطأ في الحس أو احتمال تعمد الكذب، وكلا الاحتمالين يضعف بكثرة المخبرين إلى ان يحصل القطع بالمخبر به وينعدم الاحتمالين. وهذا بخلاف الاخبار الحدسي المبني على البرهان كما في المقام، فإن نسبة الخطأ إلى الجميع كنسبته إلى الواحد، إذ احتمال كون البرهان غير مطابق للواقع لا يفرق فيه بين ان يكون الاستناد إليه من شخص واحد أو أكثر، ألا ترى ان اتفاق الفلاسفة على أمر برهاني كامتناع إعادة المعدوم مثلاً لا يوجب القطع به.

3- إن العادة تحكم بإن اتفاق المرؤوسين على أمر لا ينفك عن رأي الرئيس فإن اتفاق جميع الوزراء وجميع أركان الحكومة على أمر لا ينفك عن موافقة رأي الرئيس بحكم العادة(2)، فكذلك اتفاق المجتهدين على فتوى معينة دليل على موافقة المعصوم وكاشفة لرأيه وذلك من طريق الحدس أو


1) مصباح الأصول 47 / 162

2) المصدر نفسه 47 / 162

اللطف.

اعتراض:

إن ذلك إنما يتم فيما إذا كان المرءوسون ملازمين الحضور رئيسهم كما في المثال، وأنّى يَحْصَلُ ذلك بالنسبة للإمام المعصوم في زمان الغيبة.

نعم، الملازمة الاتفاقية، بمعنى كون الاتفاق كاشفاً عن قول المعصوم (عجل الله فرجه) أحياناً من باب الاتفاق مما لا سبيل إلى انكارها إلا انه لا يثبت بها حجية الاجماع بنحو الاطلاق، فإن استكشاف قول المعصوم (عجل الله فرجه) من الاتفاق يختلف باختلاف الاشخاص والانظار، فربّ فقيه لا يرى الملازمة أصلاً وفقيه آخر لا يرى استكشاف رأي المعصوم إلاّ من اتفاق علماء جميع الاعصار وفقيه ثالث يحصل له اليقين من اتفاق الفقهاء في عصر واحد، أو من اتفاق جملة منهم.

وكان بعض الاعاظم يدعي القطع بالحكم باتفاق ثلاثة أنفر من العلماء وهم الشيخ الانصاري والسيد الشيرازي الكبير والمرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي (قدس اسرارهم) لاعتقاده بشدّة ورعهم ودقة نظرهم(1).

ويمكن الجواب عنه بإن الاجماع وإن كان كاشفاً عن وجود أصل الدليل كشفاً قطعياً إذ الافتاء بغير الدليل غير محتمل في حقهم فإنه من الافتاء بغير العلم المحرم وعدالتهم مانعة عنه، إلا أنه لا يستكشف منه اعتبار الدليل عندنا، إذ من المحتمل ان يكون اعتمادهم على قاعدة أو أصل، لا نرى تمامية القاعدة المذكورة أو الأصل المذكور أو عدم انطباقهما على الحكم المجمع عليه.

4- ان الاجتهاد الجماعي مقدمة ينتج عنه تحقيق الاجماع القطعي او الظني في المسائل العامة عند جمهور المسلمين من ابناء المذاهب الاسلامية،


1) مصباح الأصول 47 / 162

فالناتج عن الاجتهاد الجماعي لا يخلو ان يكون اتفاق جميع المجتهدين على راي، أو يكون اتفاق اغلبهم، فإن كان الأول سمي إجماعاً عندهم، وإن كان الثاني سمي إجماع الأكثرية أو اجماع الأغلبية(1).

وان الاجتهاد الجماعي شبيه بالاجماع المحصل عند الامامية، ولا نقول بحجية الاجتهاد الجماعي كحجية الاجماع المحصل ولكن يمكن ان نقول بنظرية اللطف عند الإمامية وان حجة الله على خلقه بألطافه لا يمكن ان تجتمع هذه العلماء على مخالفة الشريعة الاسلامية.

وان الفرق بين الاجتهاد الجماعي عن الاجماع بأن الاجتهاد الجماعي ينعقد بالأكثرية، وبما ان تحصيل الاجماع في زماننا غير ممكن فلابد من تحصيل الاجتهاد الجماعي حتى لا تفترق الأمة. ولهذا فقد نشأت مجامع الفقه الاسلامي في كثير من بلاد الاسلام وما هي إلاّ منابر يجتمع فيها أهل الفقه للاجتهاد ليورد بعضهم على بعض وليضم فيها الرأي إلى الرأي والقول إلى القول والفتوى إلى الفتوى. كما إن الاجتهاد الجماعي حجيته أقوى من حجية الاجتهاد الفردي وهو بمثابة اجماع وإن كان اجماعاً غير ملزم لإنه لا يحجر على المسلمين أن يأخذوا بقول عالم مجتهد وإن خالف قوله اجتهاد المجمع أو المجلس الاجتهادي ففي ذلك توسيع على المسلمين، كما ان أكثر مجالس الافتاء الجماعي أو المجامع الفقهية تعمل على التقريب وتوفيق بين آراء الفقهاء المتعددة، وقد يخالف بعض اعضاء المجلس الجماعي او المجمع الفقهي الرأي الذي يصار إليه، ولكن العبرة بغلبة الآراء وبما يكون عليه أكثر أهل المجمع أو المجلس.

5- إن عملية الاستنباط ولاسيّما في المسائل المستحدثة والقضايا الكبرى


1) الاجتهاد الجماعي واقع وطموح / الدكتور علاء الدين زعتر / بحث في الملتقى الاسلامي الأول في مجمع الشيخ أحمد كفتار بعنوان الاجتهاد بين التجديد والتفريط 12- 14 نيسان ابريل 2004 م

والخطرة تمر بعدة مراحل ضرورية كتنقيح الموضوع وحصر الحيثيات وتعيينها ومتابعة الأدلة واستقرائها وتقويم النتيجة النهائية وبلورتها في ضوء الواقع من ناحية المضمون والخطاب وآلية التطبيق والتنفيذ وغير ذلك من النواحي التي تنهك طاقة الفرد وتستهلك قابليته وقدراته(1)ولذا أصبح الاجتهاد الجماعي حاجةٌ مُلِحُةً في عصرنا ينبغي الانتقال إليها حتى لا تفترق الأمة الإسلامية كما حدث في زماننا بسبب كثرة فتاوي الأفراد المتناقضة التي أدت إلى انشقاقها والصراع بين مكوناتها وأطيافها.

6- إن المهرة من أهل الفن لا يتجرؤن على مخالفة المشهور إلاّ مع باعث قوي ودليل ظاهر يصرفهم عنه؟ ويحرصون على موافقة المشهور وتحصيل دليل يوافقه ويأخذون به ولو كان الدال على غيره أقوى في نفسه، وذلك لأن الاعتضاد بالشهرة يجعل المرجوح أقوى من الراجح الدال على خلافه، ولا يعد ذلك تقليداً للأكثر وأخذاً بقول الجماعة ولا حكماً بحجية الشهرة، وذلك أمر ظاهر لا مرية فيه، بل ذلك طريقة جارية في سائر الفنون، فإن مخالفة الائمة في كل صناعة مما لا يقع من أرباب الخبرة والمهارة إلا مع باعث قوي وحجة واضحة تقودهم إليه(2).

7- ان المعروف بين الفقهاء بل من المسلم عند المحققين بينهم حجية الخبر الضعيف المنضم إلى الشهرة ومن البيّن عدم حجية الخبر الضعيف فلو كانت الشهرة أيضاً كذلك لم يصح الحكم المذكور لظهور أن انضمام غير الحجة إلى مثله لا يجعل غير الحجة حجة كأنضمام أحد الخبرين الضعيفين إلى الآخر، فتعيّن ان يكون الشهرة هي الحجة حتى يكون انضمامها إلى


1) مجلة فقه آل البيت / العدد 34 / 10

2) هداية المسترشدين 3 / 463

الخبر قاضياً بالحجية. وإنعدام القول بحجية الشهرة يستلزم باختلال كثير من الاحكام الشرعية، والشهرة هي الافتاء أو الاجتهاد الجماعي(1).

8- إن الأمة الإسلامية يَجِبُ عليها الأخذ بالاجتهاد الجماعي فيما لو أختلفت علماؤهم المجتهدون في مسألة عامة كالحرب مثلاً فإن عدم الأخذ برأي الاكثرية يؤدي إلى الهَرْج والمَرْج. وإن العقل يستقل ويحتم وجوب تجنب الأخطار اليقينية والظنية والمَشْكوْكِ فيها، فإن لم نأخذ بالاجتهاد الجماعي فسوف ينقسم الشعب الواحد على نفسه بل المنطقة الواحدة بل والعشيرة الواحدة وأحياناً حتى الأسرة الواحدة وهذا يستلزم الهَرْجَ والمَرْجَ واخْتِلالَ النظام وهذا ما يحرمه ويمقته الدين الاسلامي الحنيف.

9- إن فتوى الفقيه الواحد في الموضوعات العامة على الرغم من كونه ورعاً تقياً واعياً. وجامعاً لشرائط القيادة ولكن مع ذلك يحتمل عدم اصابته الواقع ووقوع الغلط لإن المسألة ليست من المسائل الفقهية والأصولية حتى تكون من اختصاصات الفقيه، والقيادة خصوصاً في العصر الحديث تتطلب أدق المعلومات وأوسعها. وأما لو كان الاجتهاد جماعي يبقى إحتمال عدم اصابة الواقع ووقوع الغلط أقل من الاجتهاد الفردي وذلك لأن العقول المتعددة تنظر إلى القضية الواحدة من جهات متعددة وإلاّ كيف نحدد الصواب من الخطأ في مسألة اجتهادية وكيف نعرف الأصلح من عدمه فيها؟ وإذا لم يكن فتوى الأغلبية فما هو المعيار والدليل الترجيحي؟ ومعلوم ان العقل البشري لم يَسْتَطعْ حتى الآن ان يبتكر وسيلة يصل بها إلى اتفاق حول الشؤون المشتركة للمجتمع خيراً من مبدأ الأخذ بفتوى الأغلبية.


1) هداية المسترشدين 446/3

مهام مجلس الإفتاء:

يتألف المجلس الإفتاء من مجتهدين وفنيين متخصصين في العلوم الطبيعية، ليتفقوا على رأي واحد يكون حجة على جميع المسلمين وخصوصاً في القضايا المصيرية التي تتعلق بالمجتمع الإسلامي.

ومن أهم مهماته:

1- حل المسائل المستعصية وإيجاد الحلول لها ومواجهة التحديات التي تواجه المسلمين، والافتاء في المسائل المصيرية للأمة الاسلامية.

2- المهمة الرئيسية لهذا المجلس الاجتهادي هو تطبيق النظرية الاسلامية في المجال الاجتماعي وإقامة حياة المجتمع على اساسها بما يتطلبه ذلك من علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية(1).

3- تشخيص الأهم والمهم عند التزاحم، فالجهاد مثلاً واجب، فيأتي المجلس الافتائي ليشخّص الواقع من حيث القدرة على الجهاد ومن حيث نوعية العدو، ومن حيث تحقق الأهداف بأقل التكاليف، أو استخدام العدو لقتل الأبرياء، أو استخدامه لأسلحة الدمار الشامل، أو قصف مدن العدو الآهلة بالسكان المدنيين وكيف نوفق بين الجهاد وهذه الاساليب.

4- اجراء المباحث والدراسات في المسائل المعروضة لبيان الحكم الشرعي فيها.

5- تشجيع البحث العلمي في النوازل والتعاون مع جهات الاختصاص في الجامعات والمراكز العلمية والمجامع الفقهية في الداخل والخارج.

وقد عاصرنا مجلس الافتاء الاجتهادي المنعقد ليلاً في ديوان سماحة آية الله العظمى المرحوم السيد ابو القاسم الخوئي حيث كان يضم عدداً


1) مجلة أهل البيت / العدد 1/ 15

من المجتهدين كما أن هنالك دعوات إلى الاجتهاد الجماعي أو مجلس الافتاء من علماء أهل السنة منهم محمد عبده وبديع الزمان النورسي وابن عاشور ومصطفى الزرقا ومصطفى الشلبي ومحمد يوسف موسى ومحمود شلتوت ويوسف القرضاوي وزكريا البري ومحمد عمارة(1).

أعضاء مجلس الإفتاء:

يَشْتَمِلُ مجلس الإفتاء على عدَة عناصر وهي:

1- عدد من المجتهدين والفقهاء ممن لهم العلم الشرعي وصلاح السيرة والتقوى والاطلاع على تفاصيل المجتمع الاسلامي في عصرهم. قال الإمام الخميني: (من يعيش بعيداً عن أمور العصر وأحداثه، ولا يملك القدرة على اتخاذ القرار في الأمور التي يحتاج إليها المجتمع، لا يحق له التصدي واعطاء الفتوى في الشؤون السياسية والاجتماعية حتى لو كان الأعلم في العلوم المعروفة في الحوزات، وبسبب عدم معرفته المواضيع، فإن فتاواه ليست حجة على الآخرين بل عليه ان يقلد الآخرين فيها).

2- عدد من العلماء الموثوقين في دينهم من مختلف الاختصاصات اللازمة في شؤون الاقتصاد والاجتماع والقانون والطب ونحو ذلك ليكونوا خبراء يعتمد الفقهاء رأيهم في الاختصاصات الفنية. وذلك لبيان التصور الصحيح المتّقن عن المسألة المراد درسها ومعرفة الحكم الشرعي لها.

وهنا تتم عملية استنباط الحكم الشرعي ما بين الخبراء والعلماء برؤية واضحة عن المجتمع وحاجاته وضروراته وفهم مفردات الواقع تحت مظلة اسلامية انسانية للعالم أجمع.

مجلس الافتاء:

لاشك ان العامل الديني هو العامل المتجذر في الأمة الإسلامية ورموز


1) مجلة الراعي / العدد 314

هذا العامل هم العلماء والمراجع التي التفت الأمة حولهم ومنحتهم ثقتها، فلو اتحدت جهودهم وانصبت في جهة واحدة رصينة محكمة فإن أقوى الأعداء تعجز عن مواجهة الأمة وكسر شوكتها إما إذا تبعثرت طاقاتهم واختلفت اتجاهاتهم وأثيرت بينهم معارك هامشية وخلافات جانبية فإن الأمة ستتمزق ويقوى عليها القوى المعادية للإسلام، وأفضل خطوة لتوحيد الكلمة وجمع الطاقات في اتجاه واحد هو مجلس الإفتاء.

وهو مجلس مستقل له شخصية اعتبارية يحتاج إليه لفتوى المجتهدين منضم إليهم العلماء من الفنيين والاختصاصيين من العلوم الأخرى. ويسمى هذا المجلس أيضاً بشورى الفقهاء أو المجمع الفقهي أو المجلس الاجتهادي وتكون الفتوى صادرة من اتفاق العلماء فيه أو اكثريتهم حسب النظام المتفق عليه بينهم. ومجلس الافتاء يمكنه ان يستعين بخبراء فنيين مختصين في مجالات الحياة المختلفة.

ويعقد جلسات هذا المجلس كلما دعت إليها الحاجة أو في أوقات محددة على مدار السنة، ومن الممكن ان يعقد المجلس لوكلاء المجتهدين لتنسيق المواقف بين المجتهدين.

ولقد شاهدنا لسماحة المرحوم آية الله العظمى المرجع الديني الأعلى في عَصْرِهِ السيد أبو القاسم الخوئي مَجْلِسَ إفْتاءٍ مُتَكَوّناً من عدة من المجتهدين يتناولون المسائل الفقهية المستحدثة ويتشاورون بينهم ويتحاورون ويتناقشون وبعد ذلك يفتون بفتوى واحدة، وكان هنالك مقرر للفتوى.

وكذلك قد انعقد المؤتمر الاسلامي الدولى في عمّان في الاردن، وما تمخض من صدور فتوى جماعية من علماء الدين المجتمعين في المؤتمر بتحريم تكفير المسلم لأخيه المسلم واعتبرت ان اتباع المذاهب الاسلامية مسلمون تحرم

دِماؤُهُمْ وأعراضهم وأموالهم، وكانَ لهذه الفَتْوى الجماعية الأثر البالغ في نفوس المسلمين وإليكم نص البيان للمؤتمر الذي حضرناه:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وسلم

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ» (النساء1)

بيان صادر عن المؤتمر الإسلامي الدولي الذي عقد في عمّان، عاصمة المملكة الاردنية الهاشمية، تحت عنوان (حقيقة الإسلام ودوره في المجتمع المعاصر)، في المدة 27 - 29 جمادي الأولى 1426 / 4-6 تموز (يوليو) 2005 م

وفقاً لما جاء في فتوى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر المكرّم، وفتوى سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني الأكرم، وفتوى فضيلة مفتي الديار المصرية الأكرم، وفتاوى المراجع الشيعية الأكرمين (الجعفرية والزيدية)، وفتوى فضيلة المفتي العام لسلطنة عُمان الأكرم، وفتوى مجمع الفقه الإسلامي في المملكة العربية السعودية، وفتوى المجلس الأعلى للشؤون الدينية التركية، وفتوى فضيلة مفتي المملكة الأردنية الهاشمية ولجنة الإفتاء الأكرمين فيها، وفتوى فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي الأكرم.

ووفقاً لما جاء في خطاب صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية في افتتاح مؤتمرنا. ووفقاً لعلمنا الخالص لوجه الله الكريم، ووفقاً لما قدم في مؤتمرنا هذا من بحوث ودراسات وما دار فيه من مناقشات، فإننا، نحن الموقعين أدناه، نعرب عن توافقنا على ما يرد تالياً، وإقرارنا به:

(1) إن كل من يتبع أحد المذاهب الأربعة من أهل السنة والجماعة (الحنفي،

والمالكي، والشافعي والحنبلي) والمذهب الجعفري، والمذهب الزيدي، والمذهب الإباضي، والمذهب الظاهري، فهو مسلم، ولا يجوز تكفيره. ويحرم دمه وعرضه وماله. وأيضاً، ووفقاً لما جاء في فتوى فضيلة شيخ الأزهر، لا يجوز تكفير أصحاب العقيدة الأشعرية، ومن يمارس التصوّف الحقيقي. وكذلك لا يجوز تكفير أصحاب الفكر السلفي الصحيح.

(2) إن ما يجمع بين المذاهب أكثر بكثير مما بينها من الاختلاف. فأصحاب المذاهب الثمانية متفقون على المبادئ الأساسية للإسلام. فكلّهم يؤمنون بالله سبحانه وتعالى واحداً أحداً، وبأن القرآن الكريم كلام الله المنزّل، وبسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام نبياً ورسولاً للبشرية كافة. وكلهم متفقون على أركان الإسلام الخمسة: الشهادتين، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وعلى أركان الإيمان: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. واختلاف العلماء من أتباع المذاهب هو اختلاف في الفروع وليس في الأصول، وهو رحمة، وقديماً قيل: إن اختلاف العلماء في الرأي أمرٌ جيّد.

(3) إن الاعتراف بالمذاهب في الاسلام يعني الالتزام بمنهجية معينة في الفتاوى: فلا يجوز لأحد أن يتصدى للإفتاء دون مؤهلات شخصية معينة يحددها كل مذهب، ولا يجوز الإفتاء دون التقيّد بمنهجية المذاهب، ولا يجوز لأحد أن يدّعي الاجتهاد ويستحدث مذهباً جديداً أو يقدّم فتاوى مرفوضة تخرج المسلمين عن قواعد الشريعة وثوابتها وما استقرّ من مذاهبها.

(4) إنّ لبٌ الموضوع رسالة عمّان التي صدرت في ليلة القدر المباركة من عام 1425 ه للهجرة وقُرئت في مسجد الهاشميين، هو الالتزام بالمذاهب وبمنهجيتها؛ فالاعتراف بالمذاهب والتأكيد على الحوار والالتقاء بينها هو

الذي يضمن الاعتدال والوسطية، والتسامح والرحمة، ومحاورة الآخرين.

(5) إننا ندعو إلى نبذ الخلاف بين المسلمين وإلى توحيد كلمتهم، ومواقفهم، وإلى التأكيد على احترام بعضهم لبعض، وإلى تعزيز التضامن بين شعوبهم ودولهم، وإلى تقوية روابط الأخوة التي تجمعهم على التحابّ في الله، وألاّ يتركوا مجالاً للفتنة وللتدخل بينهم.

فالله سبحانه يقول:

«إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»

الحجرات 10.

والحمد لله وحده

ولا شك ان تأسيس المجامع الفقهية الدولية وضع حداً للحديث النظري عن فكرة الاجتهاد الجماعي، وإن آلية عملها هو علاقتها بعضها ببعض، ويمكن توسيع نشاط مجالس الافتاء أو المجامع الفقهية عن طريق التخصصات ويكون كل مقر أو مجلس افتاء أو مجمع فقهي تبعاً للظروف المحيطة به فتارة يتخصص في دراسة القضايا السياسية للظروف المحيطة به وتارة في النشاط الاقتصادي لدراسة المستجدات الاقتصادية، وتارة أخرى للبحث في المشكلات الاجتماعية والأسرية والمسائل المستحدثة(1).

ويصدر مجلس الافتاء أو المجمع الفقهي أو غيرهما مجلة دورية فصلية أو سنوية تنشر قراراته وتعتبر فتاوي شرعية.

مقرات أو مجالس أو مجامع الاجتهاد الجماعي:

نذكر بعض المقرات أو المراكز أو المجامع أو المجالس التي تمارس الاجتهاد


1) التجديد والاجتهاد مظهر أصالة الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان / يوسف كتاني 315 / مجلة التجديد والاجتهاد / ج 1

الجماعي الجماعي وتصدر الفتوى جماعية منها:

1- مجمع البحوث العلمية في الأزهر والذي نشأ بمقتضى القانون 103 لسنة 1961 م، وعقد المؤتمر الأول بالأزهر المنعقد بتاريخ شوال 1383 ه.

2- مجمع الفقه الاسلامي بمكة المكرمة فقد أسسته رابطة العالم الاسلامي بمكة المكرمة عام 1397 ه - 1977 م.

3- المجمع الفقهي بجدة وقد انشأته منظمة المؤتمر الاسلامي.

4- مجمع الفقه الاسلامي في الهند.

5- مجمع الفقه الاسلامي في السودان.

6- المجلس الأوربي للافتاء والبحوث في مدينة لندن.

7- مجمع علماء الشريعة بأمريكا في واشنطن.

8- دار التقريب بين المذاهب الاسلامية في مصر.

9- المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية في طهران.

10- مجمع الحضارة الاسلامية في الاردن.

11- جمعية الفقه الاسلامي المقارن والعلوم الاسلامية في القاهرة.

12- اتحاد علماء المسلمين في دبلن - جمهورية ايرلندة.

13- المجلس الشيعي الأعلى في لبنان.

14- مجلس الخبراء وتشخيص مصلحة الدولة الايرانية.

15- المجلس الاسلامي الاعلى في الجزائر.

16- رابطة علماء المغرب. وغيرها من المقرات والمراكز والمجالس التي تصدر

منها الفتوى الجماعية.

وفي الختام نسأل الله تعالى ان يحفظ سدنة الشريعة الاسلامية الغرّاء ويوفق الحوزات العلمية لخدمة الاسلام والمسلمين والحمد الله أولاً وآخراً.

المصادر

1- آراء العلماء المعاصرين في الاجتهاد الجماعي / د. شعبان محمد اسماعیل / الموسوعة الاسلامية.

2- الاجتهاد الجماعي واقع وطموح / الدكتور علاء الدين زعتر / الملتقى الاسلامي الأول في مجمع الشيخ أحمد كفتار بعنوان الاجتهاد بين التجديد والتفريط / 12 - 14 نيسان - ابريل 2004 م.

3- الاجتهاد وبناء المعاصرة في الفكر الاسلامي / زكي الميلاد / الاجتهاد والتجديد / ص 333.

4- الاجتهاد والتجديد / اعداد: سید جلال الدين میر أقائي / مجموعة مقالات المؤتمر الخامس عشر للوحدة الاسلامية / المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية / الطبعة الأولى طهران / 1424 ه - 2003 م.

5- الاحتجاج / الشيخ الطبرسي / طبعة النجف الاشرف.

6- الاصول العامة للفقه المقارن / سماحة العلامة الكبير السيد محمد تقي الحكيم / دار الاندلس / بيروت الطبعة الاولى / 1967 م.

7- اكمال الدين وإتمام النعمة / الشيخ الصدوق.

8- بحار الانوار / المحدث محمد باقر المجلسي / طبعة ايران.

9- بداية الوصول في شرح كفاية الأصول / آية الله العظمى الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي / الطبعة الأولى / مطبعة ستاره / قم / 1425 ه - 2004 م.

10- التجديد الاسلامي بين البدعة والابداع / كريم نوري / الاجتهاد

والتجديد / الطبعة الاولى / طهران / 1424 ه - 2003 م.

11- التجديد والاجتهاد مظهر أصالة الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان / يوسف الكتاني / مجلة التجديد والاجتهاد / الجزء الأول.

12- تحف العقول عن آل الرسول / ابو محمد الحسن بن علي بن شمعة البحراني / مؤسسة الأعلمي للمطبوعات / بيروت الطبعة الخامسة / 1974 م.

13- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي / ابو علي محمد عبد الرحمن المباركفوري / دار الكتاب العربي / بيروت.

14- التعادل والتعارض والترجيح / آية الله العظمى الشيخ علي كاشف الغطاء / مؤسسة كاشف الغطاء العامة / النجف الاشرف / الطبعة الاولى / 200 م.

15- تفسير القمي / ابو الحسن علي بن ابراهيم القمي / صححه السيد طيب الموسوي الجزائري / مطبعة النجف / 1386 ه.

16- تنبيه الأمة وتنزيه الملة.

17- جوامع الكلم.

18- حوار خاص مع الاستاذ الشيخ حسن الجواهري / حول الاجتهاد / مجلة فقه آل البيت علیهم السلام / العدد 34 / ص 46.

19- الدر المنثور في طبقات ربات الخدور / زينب يوسف فوّاز العاملي / دار المعرفة / بيروت.

20- سنن ابن ماجه الحافظ ابو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (207 ه - 275ه) / دار احياء الكتب العربية / عيسى البابي الحلبي وشركاؤه.

21- شرح العقائد النسفية.

22- شورى الفقهاء مفتاح الإصلاح العام / ناصر حسين الأسدي / دار صادق للطباعة والنشر / بيروت / الطيعة الثانية / 1424 ه - 2003 م.

23- العملية الافتائية وقضايا الأمة / الدكتور سيف الدين عبد الفتاح / 8 - 10 - 2003 م / الاسلام وقضايا العصر / اسلام اولاين.

24- الفساد الإداري في المنظور الإسلامي / الدكتور الشيخ عباس كاشف الغطاء / مؤسسة كاشف الغطاء العامة / 2005 م.

25- الكافي / المحدث الكليني / المكتبة الإسلامية / طهران.

26- كتاب الغيبة / الشيخ الطوسي.

27- مجلة الراعي / العدد 14 / السنة التاسعة / ذو القعدة 1425 ه - كانون الأول 2004 م.

28- مجلة فقه أهل البيت / مجلة فقهية تخصصية فصلية / العدد (34) / السنة التاسعة / 1425 ه - 2004 م / قم / الجمهورية الاسلامية الايرانية.

29- مجلة الملتقى / فصلية ثقافية / تصدر عن مؤسسة آفاق للدراسات والأبحاث العراقية / العدد 2 / ربيع 2006 م.

30- مجمع الزوائد.

31- مصادر التشريع فيما لا نص فيه / الشيخ عبد الوهاب خلاف / الموسوعة الاسلامية.

32- مصادر الحكم الشرعي والقانون المدني / آية الله العظمى الشيخ علي كاشف الغطاء / مطبعة الآداب / النجف الأشرف / الطبعة الاولى / 1989 م.

33- مصباح الأصول / تقريرات السيد ابو القاسم الخوئي (1317 ه - 1413 م) / الاصول العملية / تأليف: السيد محمد سَرْوَر الواعظ الحُسَيني البهسودي / مؤسسة احياء آثار الأمام الخوئي / ايران/ قم / 1422 ه.

34- مقدمة ابن خلدون / الطبعة الرابعة / دار إحياء التراث العربي / لبنان.

35- ندوة وحوار حول مناهج الاجتهاد وآلياته / مجلة فقه آل البيت / العدد 34.

36 - نهج البلاغة / الامام علي بن ابي طالب علیه السلام / دار الهجرة للنشر / قم.

37- النور الساطع في الفقه النافع / آية الله العظمى الشيخ علي كاشف الغطاء / مطبعة الآداب / الطبعة الأولى / النجف الأشرف / 1961 م.

38- هداية المسترشدين في شرح أصول معالم الدين / تأليف: الشيخ محمد تقي الأصفهاني / تحقيق: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين / قم المشرفة / الطبعة الأولى / 1421 ه.

39- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة / الحر العاملي / دار إحياء التراث العربي / بيروت.

سبلنا متعددة إلى الصراط المستقيم

اشارة

«8»

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

الحمد لله الذي أنعم علينا بالصراط المستقيم والصلاة والسلام على الدليل إليه محمد سيد المرسلين وعلى آله سبل الحق الذين عن الحق لا يعدلون.

وبعد:

فهذه محاولة للاستفادة من كتاب الله العزيز لوحدة المسلمين وعدم تكفير بعضهم البعض، وذلك لأن سبل المؤمنين متعددة فلكل مؤمن سبيل إلى الله تعالى يقربه إليه فهناك سبيل الأبرار، وسبيل المتقين، وسبيل المخبتين، وسبيل الزاهدين، وسبيل الصابرين، وجميعها تصب في الصراط المستقيم، فكل مسلم اتخذ مذهباً معيّناً يعتقد بأن هذا السبيل هو الأكمل والأفضل في قربه إلى الصراط المستقيم، وإن أصحاب سبل الحق يعتقدون أنّ كل مؤمن بالله واليوم الآخر فهو من أصحاب الجنة ولا يخلد في النار إلاّ المشركون المعاندون.

ولأهمية الصراط المستقيم فقد تكرر لفظ الصراط في سورة الفاتحة التي نقرؤها في كل صلاة مرتين إذ لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، وقد بيّن الله تعالى الصراط المستقيم بنفسه لأن صراطاً يكون مبدأه من الله تعالى ومنتهاه إليه كيف يمكن وصفه؟ فلا يقدر المخلوق أن يصفه إلاّ بما وصفه الخالق بقول

الجامع في قوله: «صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» فمن يقدر أن يحدّ هذه النعمة العظمى التي هي أجل مواهب الله تعالى في الدنيا والآخرة. وبما أن الإنسان يحتاج إلى أن يمثّل له بمصداق في الواقع يقتدي به، وهو المصداق إلى الصراط المستقيم المتجسّد فيه طلباً للهداية إلى الصراط المستقيم، فقد حددت الروايات الشريفة المصداق العملي للصراط المستقيم.

وقد تناولت في بحثي تعريف الصراط والسبيل لغة وعند المفسرين ومعنى الاستقامة، ثم تطرقت إلى ركني الصراط المستقيم من علم وعمل ومراتب وجوده ومميزاته والفرق بينه وبين السبيل والحاجة إليه، ثم أوضحت خصائص أصحاب الصراط المستقيم والانحراف عن الصراط المستقيم. وفي ختام بحثي تكلمت عن مصاديق الصراط المستقيم.

أسأل الله تعالى أن يكون هذا العمل ذخراً لي في يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون أنه ولي التوفيق.

تعريف الصراط لغة:

هو الطريق المستقيم. والصاد فيه منقلبة عن السين وقُلبتْ صاداً لأجل الطاء وهي اللغة الفصحى لغة قريش، ويجمع في الكثرة على صُرُطٍ ككتاب وكتب وفي القلة قياسه أصْرُطٌ. فالسراط بالسين الجَادَةُ مِنْ سَرَطَ الشيءَ إذا ابتلعه لأنه يسرط المارة إذا سلكوه مأخوذ من سرطت سرطاً إذا بلعت بلعاً، وسرط الطعام إذا ابتلعته، وكأنه يبلغ سالكيه فلا يدعهم يخرجوا عنه، ولا يدفعهم عن بطنه. ويستوي فيه المذكر والمؤنث كالطريق والسبيل. قال الجوهري: الصراط والسراط والزراط: الطريق(1)، وهو ما يتوصّل به بالسير إلى المقصود. وقد يكون غير حسي فيقال: الاحتياط طريق النجاة، وإطاعة الله طريق الجنة. وإطلاقه على الطريق غير الحسي، إما لعموم المعنى اللغوي وإما


1) لسان العرب: 430/2؛ المفردات: 412، 337

من باب التشبيه والاستعارة.

تعريف السبيل لغة:

السبيل: الطريق الذي فيه سهولة، يذكر ويؤنث والتأنيث فيها أغلب، وجمعه سبل، قال الله تعالى: «وَأَنهَارًا وَسُبُلاً»(1)، وقال تعالى: «لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ»(2)يعني به طريق الحق. لأن اسم الجنس إذا أطلق يختص بما هو الحق وعلى ذلك قوله تعالى: «ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ»(3)وفي النزيل العزيز كل سبيل أريد به الله عزّ وجل وهو برُّ فهو داخل في سبيل الله.

وقيل لسالك السبيل: سابل وجمعه سابلة، وابن السبيل المسافر البعيد عن منزلة ولا يجد ما يتبلغ به فله من الصدقات نصيب ونسب إلى السبيل لممارسته إياه.

ويستعمل السبيل لكل ما يتوصل به إلى شيء خيراً كان أو شراً، كقوله تعالى: «وَلَتَسْبِينَ سَبِيلُ الْمُجرِمِينَ»(4). وسبل السلام أي طريق الجنة(5). وإذا نسب السبيل إلى الله فهو طريق إلى طاعته. كقوله تعالى «وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ»(6)فيما لله فيه طاعته.

الصراط عند المفسرين:

هو الصراط الذي يصل بسالكه إلى النعيم الأبدي وإلى رضوان الله، وهو أن يطيع المخلوق خالقه ولا يعصيه في شيء من أوامره ونواهيه وأن لا يعبد


1) سورة النحل، آية: 15

2) سورة الزخرف، آية: 37

3) سورة عبس، آية: 20

4) سورة الأنعام، آية: 55

5) لسان العرب 91/2، المفردات: 327

6) سورة التوبة، آية 60

غيره، وهو الصراط الذي لا عوج فيه. قال الله تعالى: «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطِ مُسْتَقِيمٍ»(1)، وقوله تعالى: «وَهَذَا صِراطُ رَبِّك مُستَقِيمَا»(2)، «إِنَّ الله رَبِّي وبَكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ»(3).

ووصف الله تعالى الصراط المستقيم بالاستقامة، ثم بين أنه الصراط الذي يسلكه الذين أنعم الله تعالى عليهم. فالصراط الذي من شأنه ذلك هو الذي سئل الهداية إليه وهو بمعنى الغاية للعبادة أي: أن العبد يسأل ربه أن تقع عبادته الخالصة في هذا الصراط بقوله: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ». قال الكلبي: اهدنا إلى الطريق القائم وهو الإسلام، وقال مقاتل اهدنا إلى دين الإسلام، وقال ابن مسعود اهدنا إلى كتاب الله، وقال الضحّاك اهدنا إلى طريق الجنة.

وفسّر الصراط المستقيم بدين الإسلام الذي لا يقبل الله من العباد غيره، وإنما سمي الدين صراطاً لأنه يؤدي بِمَنْ يسلكه إلى الجنة، كما أن الصراط يؤدي بِمَنْ يسلكه إلى مقصده. قال تعالى: «هَذَا صِرَاطٌ عَلَى مُسْتَقِيمٌ» أي طريق حق عليُ أن أراعيه(4).

وأوضح صاحب روح المعاني أن الصراط المستقيم هو الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كل من الأخلاق والأعمال(5)، وأكد ذلك في قوله تعالى: «وكذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا»(6)وقد بين القرآن الكريم معنى الصراط


1) سورة الشورى، آية 52

2) سورة الأنعام، آية: 126

3) سورة آل عمران، آية: 51

4) م. ربيع الأحزان، حرف الطاء ما أوله صاد

5) روح المعاني 1/ 92

6) سورة البقرة، آية: 143

المستقيم الذي يطلبه الإنسان في عدة آيات كريمة منها:

1- قوله تعالى: «قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيمًا»(1)فجعل الدين هو الصراط المستقيم.

2- قوله تعالى: «وَاتَّبَعُونِي هَذَا صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٌ»(2). فجعل أتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الصراط المستقيم، وكذلك قوله تعالى: «وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّ الذين لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنْ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ»(3).

وجميع هذه الآيات المباركة بيان لأمر واحد وهو الدين الذي أراده الله تعالى لخلقه وعبّر عنه بالنور في الآيات الكثيرة(4).

السبيل عند المفسرين:

هو الطريق الموصل إلى الصراط، واختلاف السبل لا يوجب اختلاف في أصل الصراط، فمثل الصراط المستقيم والسبل المؤدية إليه مثل البحر وما يتفرع عنه من الجداول، فالبحر يفيض على الكل، والكل مستفيض من البحر، وكلها موصوفة بالاستقامة والرشاد وبإزائها الاعوجاج والانحراف، والسبل المنحرفة المتفرقة هي سبل الشيطان. قال تعالى: «وَلا تَتَّبعوا السُّبُلَ»(5)أي الأديان المختلفة والطرق التابعة للهوى(6).

معنى الاستقامة:

الاستقامة: هي الاستواء أو الاعتدال في مقابل الانحراف والاعوجاج


1) سورة الأنعام، آية: 161

2) سورة الزخرف، آية: 61

3) سورة المؤمنون، آية: 74

4) البيان 518؛ سفينة الراغب: 356؛ مواهب الرحمن 42/1

5) سورة الأنعام، آية: 153

6) البيان 518؛ مواهب الرحمن 1/ 42

وإن الاستقامة تعم الاعتقاد والملكات والخواطر النفسانية وأعمال الجوارح من العبادات والمعاملات والمجاملات فإنها إن طابقت مع رضاء الله تبارك وتعالى كانت مستقيمة وإلاّ فهي منحرفة.

قال الله تعالى: «وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم»(1). فالاستقامة لا تحصل في جميع الموجودات إلاّ إذا طابقت مع ما جعله الله تعالى لها في النظام الأحسن وإلاّ خرجت عن الاستقامة(2).

ركنا الصراط المستقيم:

للصراط المستقيم ركنان:

الأول: الاعتقاد الصحيح أي الإيمان الصحيح ولا يتم إلاّ بالعلم، فالذين أخلوا بالاعتقادات الصحيحة هم من أهل البدع والكفر وهم الضالون.

الثاني: العمل بالشريعة، فالذين أخلوا بالشريعة هم المغضوب عليهم.

إن القرآن الكريم بيّن ركني الصراط المستقيم وهما العلم والعمل وبمجموعهما يكون الصراط المستقيم، وأمّا إذا لم يجتمع هذان الركنان بل كان أحدهما أو كلاهما يشوبهما نقص كان هذا سبيلا. وإن كل سبيل بمقدار يتضمنه من علم وعمل يحدد قربه من الصراط المستقيم. فكلما كان السبيل يتضمن أكثر علماً وعملاً كان أقرب إلى الصراط المستقيم والعكس بالعكس.

فالمؤمن يطلب الهداية إلى الصراط المستقيم وذلك لهدايته من سبيل إلى الله سبيل أعلى وأقرب إلى الصراط المستقيم نظير العالم الذي يطلب من الله مزيداً من العلم بقوله (ربّ زدني علماً) مع أنه عالم لأن علم الله لا منتهى له. فكذلك كل سائر في سبيل يطلب الهداية إلى سبيل آخر أكمل وأقرب إلى


1) سورة آل عمران، آية: 101

2) مواهب الرحمن 1/ 42؛ البيان 518

الصراط المستقيم(1).

مراتب وجود الصراط المستقيم:

الأولى: مرتبة البيان وإتمام الحجة وهي من الله تبارك وتعالى وأنبيائه العظام وأوصيائه عليهم أفضل الصلاة والسلام، ويدخل في ذلك جميع الشرائع الإلهية والرسالات السماوية.

الثانية: مرتبة الاعتقاد.

الثالثة مرتبة العمل.

والمرتبتان الثانية والثالثة من وظائف العبد إلاّ أن الثانية أشقهما عليه.

الرابعة: مرتبة ظهور الصراط في النشأة الآخرة، وهذه المرتبة للصراط في يوم القيامة الذي لابد من العبور عليه للوصول إلى محل الخلود، فالعبور وضعي لا أن يكون تكليفياً إذ لا تكليف في يوم القيامة وإن اختلف زمان العبور وكيفيته تبعاً لاختلاف درجات العابرين ومعنوياتهم(2).

مميزات الصراط المستقيم:

1- وصف الله تعالى الصراط بالاستقامة غالباً بقوله: «اهْدِنَا الضراط الْمُسْتَقِيمَ»(3)، وقوله «وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيمٌ»(4). وقد أضيف الصراط إليه تعالى بأنحاء الإضافة كقوله تعالى: «وَهَذَا صراط رَبِّكَ


1) سفينة الراغب 356

2) مواهب الرحمن 1/ 48

3) سورة الفاتحة، آية: 6

4) سورة يس، آية: 61

مُسْتَقِيمًا»(1)، وقوله تعالى: «صِرَاطِ اللهِ»(2)، وقوله تعالى: «إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ»(3). ولم يضف الصراط إلى غير الله تعالى إلاّ نادراً بخلاف السبيل فإنه أُضيف إلى غيره تعالى كثيراً.

2- ان الصراط لا يسلكه إلاّ الذين أنعم الله تعالى عليهم بالهداية، فهو غاية العبادة، فإن عبادة العبد تقع خالصة إذا سلك الصراط. قال تعالى: «صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ»(4)، فأصحاب الصراط المستقيم مُنْعَمٌ عليهم بنعمة هي أرفع النعم قدراً، فهم ركّبوا صراط لا يقع فيه شرك ولا ظلم البتة، كما لا يقع فيه ضلال البتة لا في باطن الجنان من كفر أو خطور لا يرضى به الرحمن، ولا في ظاهر الجوارح والأركان من فعل معصية أو قصور في طاعة. وهذا هو التوحيد الحق علماً وعملاً لا ثالث لهما.

3- الصراط المستقيم هو الطريق إلى الدرجات العالية أي إلى العلو، قال الله تعالى: «يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتِ»(5)، بينما المغضوب عليهم طريقهم إلى السفل. قال تعالى: «وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى»(6). والهوي هو السقوط إلى الأسفل.

4- الصراط المستقيم ما لا يتخلف حكمه في هدايته وإيصال سالكيه إلى غايتهم ومقصدهم، قال تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ


1) سورة الأنعام، آية: 126

2) سورة الشورى، آية 53

3) سورة ابراهيم، آية: 1

4) سورة الفاتحة، آية: 7

5) سورة المجادلة، آية 11

6) سورة طه، آية: 81

وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمَا»(1)، أي لا يتخلف أمر هذه الهداية.

وقال تعالى: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا»(2). أي الطريقة التي لا تختلف ولا تتخلّف. قال تعالى: «وَقَالَ هَذَا صِرَاطَ عَلَى مُسْتَقِيمَ إِنْ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ»(3)، أي هذه سنتي وطريقتي دائماً من غير تغيير.

5- الصراط المستقيم لا يجامع الضلال. قال تعالى: «صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ»(4)، بينما الإيمان يجامع الضلال بقوله تعالى: «وَمَا يُؤْ مِن أَكثرُهُمْ بِاللَّهِ الأَ وَهُمْ مُشرِكُونَ»(5)، فبين أن من الشرك هو الضلال ما يجتمع مع الإيمان(6).

6- إن الهداية إلى الصراط المستقيم نعمة لا تعطى لكل أحد فهي عطية خاصة من الله تعالى. ولما كان الصراط المستقيم هو أقرب الطرق الموصلة إلى الله تعالى فكلما قرب الإنسان من الصراط المستقيم يسمو ويعلو حتى يصبح أفضل من الملك المقرّب، وقد يصل إلى مقام لا يصله حتى الملك المقرّب، وكلما ابتعد عن الصراط المستقيم تسافل في القوة الشهوانية والضلال حتى


1) سورة النساء، آية: 175

2) سورة الأنعام، آية: 125، 126

3) سورة الحجر، آية: 42

4) سورة الفاتحة، آية 7

5) سورة يوسف، آية: 106

6) تفسير الميزان 31/1

قد يصبح أسوأ من إبليس.

7- لقد أنعم الله تعالى على الأمم السابقة بالصراط المستقيم وذلك مما يدل عليه قوله تعالى: «صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ».

8- إن الصراط جاء بلفظ الإفراد في القرآن الكريم بينما جاء لفظ السبيل بالجمع والإفراد فإن عبادة الله لا تنحصر في نوع معين بل تعم أفعال الجانحة وأفعال الجارحة على كثرتها فقد يلاحظ المعنى العام الشامل لهذه الأفعال كلها فيعبّر عنه باللفظ المفرد كالصراط المستقيم والصراط السوي، وقد تلاحظ الأنواع على كثرتها من الإيمان بالله وبرسوله وبالمعاد، ومن الصلاة والصيام والحج وما سوى ذلك فيعبّر عنها بالجمع، كقوله تعالى: «يُهْدِي بِهِ الله مَن اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلام»(1)، وقوله تعالى: «وَمَا لَنَا أَلاَّ تَوَكَلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا هَدَانَا سُبُلَنَا»(2)، وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِیَنَهُمْ سُبُلَنَا»(3).

9- إن الصراط المستقيم أصل الكمالات، وينبعث منه سائر الكمالات في المخلوقات، فلا يدرك عظمته ولا يتصور فيه نقص، وينطوي فيه جميع المعارف الإلهية، وما يتصور فيه الاشتداد والضعف إنما هو من ناحية المتعلق. فالصراط المستقيم حقيقته واحدة كالنور وله مراتب وتختلف آثاره على متعلقه من حيث المراتب.

10- ان الصراط المستقيم مهيمن على جميع السبل فكذلك أصحابه مهيمنون على أصحاب السبل.

11- إن كل سبيل قريب إلى الحق بمقدار ما يتضمنه من مميزات وخصوصیات


1) سورة المائدة، آية: 16

2) سورة إبراهيم، آية: 12

3) سورة العنكبوت، آية: 69

الصراط المستقيم، فالسبيل موصل إلى الحق بقيد وشرط ما تضمنه من نعوت وخصوصيات الصراط المستقيم، بينما الصراط المستقيم موصل إلى الحق من دون قيد أو شرط، فالصراط المستقيم غايته موصلة إلى مليك مقتدر أي القرب الإلهي، بينما السبيل طريق موصل غايته إلى السعادة الأبدية هي الدخول إلى الجنة بقيد و شرط وجود صفات الصراط المستقيم فيه.

الفرق بين الصراط والسبيل في القرآن الكريم:

1- إن القرآن الكريم أفرد الصراط المستقيم بخلاف السبيل، فقد ورد بالجمع والمفرد، فالصراط واحد والسبيل متعدد. وإن صيرورة الصراط المستقيم واحداً لأن الإنسان متحرك وسائر إلى الله تعالى، والحركة فيها مبدأ ومنتهى، وأقرب الطرق بين المبدأ والمنتهى هو الخط المستقيم وهو الصراط المستقيم وهو أقرب الطرق إلى الله تعالى، وأقرب الطرق لا يتعدد بل هو طريق واحد فلم يَنْسِبِ اللهُ سُبْحانَهُ وَتعالى إلى نَفْسِهِ أزيد من صراط واحد. بينما السبل متعددة وليست هي أقرب الطرق إلى الله تعالى.

2- إن الله سبحانه وتعالى لم ينسب الصراط المستقيم إلى غيره إلا في هذه الآية الكريمة «صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» وهذا الاستثناء على نحو التخصيص أو التخصص، فالاستثناء هنا ليس مُتُصِلاً، كما ليس هنا صراطان صراط الله وصراط الذين أنعمت عليهم، بل هو صراط واحد لكن هنا لبيان المتعلق أي صراط الله هو صراط الذين أنعمت عليهم.

بينما عدّ الله سبحانه وتعالى لنفسه سبلاً كثيرة فقال عزُ من قائل: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا»(1)، كما نسب السبيل إلى غيره من خلقه، فقال تعالى: «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ»(2)، وقال تعالى: «سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ


1) سورة العنكبوت، آية 69

2) سورة يوسف، آية: 108

إِلَيَّ»(1)، وقال تعالى: «سَبيلِ الْمُؤْمِنِينَ»(2).

3- إن الصراط المستقيم مقصده الحق ويؤدي إلى الجنة، بينما السبل قد تؤدي إلى الجنة فيما إذا صبت في الصراط المستقيم، قوله تعالى: «لَنَهْدِيَنَهُمْ سُبُلَنَا»(3)، وقد تؤدي إلى الجحيم فيما لو كانت لا تصب في الصراط المستقيم قوله تعالى: «لاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ»(4). فالصراط والسبيل ليس كل منهما في قبال الآخر بل هنالك نحو علاقة وارتباط. وهذه العلاقة لها احتمالان:

الأول: الصراط المستقيم هو الطريق الواسع الكبير وسبل الحق هي الطرق الفرعية المؤدية إلى الطريق المستقيم، وذلك من خلال اتصال بعضها إلى بعض واتحادها فيه.

الثاني: إن الصراط المستقيم هو نفس سبل الحق الكثيرة. وهذا ما ذهب إليه العلامة الطباطبائي في ميزانه(5)، ومعنى هذا أن الصراط المستقيم موجود في كل سبل الحق، ولكن بدرجات مختلفة، ومثاله كالعالم بكل العلوم يتخرج منه الفقهاء والنحويون والأطباء والفلاسفة وغيرهم، فالعالم مثال الصراط المستقيم والمتخرجون من تلامذته هي السبل فكل سبيل يمثل الصراط المستقيم في صفته كما أن الفيلسوف يمثل العالم في فلسفته والنحوي يمثل العالم في نحوه وهكذا.


1) سورة لقمان، آية 15

2) سورة النساء، آية: 114

3) سورة العنكبوت، آية 69

4) سورة الأنعام، آية 153

5) تفسير الميزان 1/ 35

4- الصراط المستقيم لا يشوبه ظلم أو ضلال أو شرك وهو الطريق الخالص المنزّه علماً وعملاً إلى الله سبحانه وتعالى فسمى العبادة صراطاً مستقيماً لقوله تعالى: «وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمُ»(1)، وسمي الدين صراطاً مستقيما لقوله تعالى: «قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا»(2)، بينما كل السبل يشوبها ظلم أو شرك أو ضلال، أو يجامع شيئاً من النقص أو آفة لقوله تعالى: «وَمَا يُؤْمِنُ أَكْرَهُمْ بِاللهِ الأَوَهُمْ مُشرِكُونَ»(3)، لذا هي تعدد بحسب الدرجات فإذا أراد الإنسان أن يعلم كم درجة هو قريب من الصراط المستقيم فلابد أن ينظر إلى سبيله، فللسبيل مراتب كثيرة من جهة خلوصه وشوبه وقربه وبعده من الصراط المستقيم.

الحاجة إلى الصراط المستقيم:

إن الصراط لا يكون صراطاً إلاّ بمرور المارّةِ عليه، وإن الخلائق كلها متوجهة شطر الحق تَوَجُّهاً غريزياً وحركة جِبِلّيّةٌ نحو مسبب الأسباب، وفي هذه الحركة الجبلية لا يتصور في حقهم الضلال والانحراف عمّا عيّن الله لكل والله أخِذٌ بناصيتهم كما قال الله تعالى كما قال الله تعالى: «مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»(4).

فكل دابة أخذ الله عزُ وجل بناصيتها وعليه رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كما قال تعالى: «مَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَنَكُمْ مُسْتَقَرَّهَا


1) سورة يس، آية: 61

2) سورة الأنعام، آية: 161

3) سورة يوسف، آية: 106

4) سورة هود، آية: 56

وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلِّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ»(1)فتكون مفطورة على المشي على نهج الاستقامة من غير ضلال.

وأمّا مسمى الإنسان فسنخ وجود متحرك لا ساكن، والحركة من خصائصها فيها مبدأ وفيها منتهى كما وصفه القرآن المجيد: «يَا أَيُّهَا الإنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ»(2)أي مسافر، أي لابد من وجود مبدأ ومنتهى، فلابد من هذا السفر من صراط يبدأ به حركته وينتهي به، فالصراط المادي يبدأ بنطفة ثم علقة ثم أنشأهنُ خلقاً آخر من صبي ثم مميز ثم بالغ مكلف ثم هرم ثم أرذل العمر وهكذا إلى منتهاه الموت ثم الحشر ثم البعث، وهذا هو السفر المادي.

وأمّا سفره المعنوي وهو إلى الله تعالى يصل به كما وصل رسولنا الأعظم إلى قاب قوسين أو أدنى، ثم درجات درجات. وهذا السفر يحتاج إلى صراط، فالمؤمن يسلك هذا الصراط فيلاقي ربه في الجنة. لذا جعل القرآن الكريم أفضل الطرق للوصول إلى الله تعالى هو الطريق المستقيم وهو لا يتخلف ولا يختلف أي لا يتغير أمره وشأنه وحكمه في هداية سالكيه إلى غايتهم ومقاصدهم.

ولما كان للإنسان الاختيار المخالف للطبع فيه، ومزاحمة قوة الوهم التي تعتريه يتصور في حقه الضلال والغواية والنكال والغباوة من جهة حركاته الاختيارية الموروثة له قرباً أو بعداً من الله المثمرة له سعادة أو شقاوة في الدار الآخرة. فيحتاج إلى من يهديه ويذكر له العهد القديم ويثبته على الصراط المستقيم فالهادي هو الله بالحقيقة بواسطة الكتاب العزيز والرسول


1) سورة هود، آية: 6

2) سورة الانشقاق، آية 6

صلی الله علیه وآله وسلم و من يقوم مقامه من الأئمة الهداة علیهم السلام، فيختص الإنسان من بين سائر المخلوقات بأن هداه الله بالهدايتين التكوينية والوضعية من جهة حركتيه الاضطرارية والاختيارية، وجمع لأجله بين الدعوتين العامة والخاصة، وشرع له الشريعتين، وساسه بالسياستين المطبوعة والمجعولة، وأوجب عليه الحكمين التكويني والتدويني وذلك لاشتماله على مبدأ الحركتين الذاتية والإرادية.

والحركة الإرادية للإنسان إلى الله فهي حركة في الكيف النفساني معدة له في سرعة اللحوق له إلى الله من جهة استكمال كلا جزئيه العملي والعلمي بواسطة الأفكار والأذكار الملطفة له والأعمال والأفعال المقربة إياه إلى الله، وجنس هذه الحركة مما يتطرق فيه الصواب والخطأ والاستقامة على الصراط والضلال، وهذا بخلاف الحركة الأولى لكونها جوهرية ذاتية متوجهة شطر كعبة الحق لا يتصور فيها الخطأ والانحراف ولا يكون إلاّ على وجه الصواب والاستقامة «وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيرَاتِ» إشارة إلى الحركة الذاتية الغريزية الشوقية المفطورة عليها الكائنات، وقوله تعالى «فَاسْبَقُوا الْخَيْرَاتِ»(1)إشارة إلى الحركة الاختيارية الإرادية للإنسان التي بها يقع الاستباق للخيرات(2).

فالحاصل أنّ الجميع سائرون إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إن الطريق أو السبيل ليس سبيلاً واحداً ذا نعت واحد بل هو منشعب إلى شعبتين منقسم إلى طريقين، فقال تعالى: «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنّ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوُّ مُبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطَ مُسْتَقِيمٌ»(3)فوصف الله تعالى الذين لا يؤمنون


1) سورة البقرة، آية: 148

2) تفسیر صدر المتألهين 1/ 105

3) سورة يس آية: 60، 61

سبلهم بعيدة عن الله تعالى وعن الصراط المستقيم، فقال تعالى: «أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ»(1)، وأما الذين آمنوا بالله وركبوا الطريق المستقيم فإن الله قريب منهم قال تعالى: «فَإِني قريب أجيب دعوة الداعي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ»(2).

خصائص أصحاب الصراط المستقيم:

1- إن أصحاب الصراط المستقيم موحدون حق التوحيد علماً وعملاً لا يشوب باطنهم وظاهرهم شرك وضلال وظلم.

2- إن أصحاب الصراط المستقيم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إن تساووا في العمل فهم يختلفون في المراتب بحسب العلم كما تشير الآيات الكريمة.

3- إن أصحاب الصراط المستقيم يتركون المعاصي لأن المعصية لا توافق طبعهم فهم يعلمون باطن الإثم وظاهره، وكذلك العمل الواجب موافق إلى طبعهم فالتكاليف لم تكن مشقة عليهم.

4- إنُ أصحاب الصراط المستقيم مهيمنون على أصحاب السبل كما أن الصراط المستقيم مهيمن على السبل.

5- أصحاب الصراط المستقيم هم الكاملون المحقون المخلصون، وهم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به(3).

الانحراف عن الصراط المستقيم:

الانحراف عن الصراط المستقيم وقوع في الظلمات التي لها أنواع كثيرة


1) سورة فصّلت، آية: 44

2) سورة البقرة، آية: 186

3) سفينة الراغب 356

يجمعها قوله تعالى: «عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ»(1)، وذكر تعالى المغضوب عليهم والضالين بعنوان الجمع إشارة إلى التعدد والاختلاف وعدم الوحدة فيه، بخلاف الصراط المستقيم فإنه واحد لا تعدد فيه بوجه، وهو النور الذي لم يستعمل في القرآن إلا مفرداً. كقوله تعالى: «يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ»(2). بخلاف الظلمات بالجمع قال تعالى: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ»(3).

فالنور والصراط المستقيم لا يعقل التعدد فيه لأن مبدأه منه تعالى، كما أنّ بقاءه به ومنتهاه إليه، بخلاف الظلمات فإنها مختلفة حسب الاعتقادات والأهواء الباطلة، قال تعالى: «قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتَیَنَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِینَ»(4)، وقد انحرفت اليهود عن الصراط المستقيم وذلك من خلال تحديد أبعاد الصراط المستقيم بذكر ثلاثة أبعاد وحدود له في سورة الفاتحة، ومن خلالها يمكن أن نفهم معنى الصراط مصداقاً، ففي قوله تعالى: «صِراطَ اللَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ» فالأبعاد هي النعمة، وغير المغضوب عليهم، ولا الضالين.

وبقرينة بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن نزول الغضب الإلهي على


1) سورة الفاتحة، آية: 7

2) سورة النور، آية: 35

3) سورة البقرة، آية: 257

4) سورة الأعراف، آية: 17

اليهود مثل قوله تعالى: «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُ وَا بِغَضَبِ مِنَ اللهِ»(1)، وأضاف إليهم بعض المشركين والمنافقين لهذه القرينة حيث وردت في القرآن الكريم الإشارة إلى نزول الغضب على المنافقين والمشركين أيضاً، مثل قوله تعالى: «وَیُعَذَبَ الْمَنَافِقِينَ وَالْمَنافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِينَ بِاللَّهِ طَنَ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا»(2).

مصاديق الصراط المستقيم:

اشارة

إنُ الصراط المستقيم له عدة وجودات:

أولاً: الوجود اللفظي للصراط المستقيم:

إن العمل بالشريعة الإسلامية هو السلوك في الصراط المستقيم اللفظي، فالصراط المستقيم ديناً قيماً، فالدين الوجود اللفظي للصراط المستقيم. وهذا هو المعنى الروائي للصراط المستقيم الدنيوي ففي تفسير الفرات الكوفي روي عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال في قوله عزَّ وجل «اهْدِنَا الضراط الْمُسْتَقِيمَ»: (دين الله الذي نزل به جبرائيل علیه السلام على محمد بن عبد الله صلی الله علیه وآله وسلم(3). وقال صاحب جوامع الجامع: (وسمي الدين صراطاً لأنه يؤدي بمن يسلكه إلى الجنة، كما أنّ الصراط يؤدي بمن يسلكه إلى مقصده)(4).

وقيل معنى الصراط المستقيم العبادة لقوله تعالى: «وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاط


1) سورة البقرة، آية: 61

2) سورة الفتح، آية: 6

3) تفسير الفرات الكوفي 51/1

4) جوامع الجامع 8/1

مُسْتَقِيمٌ»، والقرآن يفسرّ بعضه بعضاً(1). وأوضح صدر المتألهين بأن الصراط المستقيم هو الطريق الحق من ملة الإسلام(2)، باعتباره الممثل لمنهج الاستقامة بكل معانيه.

وروي عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم الإمام علي علیه السلام وابن مسعود: (أن الصراط المستقيم هو كتاب الله)، وقيل: (إنه الإسلام) وهو المروي عن جابر وابن عباس، وقيل (إنه دين الله الذي لا يقبل غيره) وهو المروي عن محمد بن الحنفية(3)

59

.

وقال بعضهم بأن المقصود به هو كل ما يوصل إلى الله، ويكون طريقاً وهادياً إليه، فإذا فسّرنا الإسلام بهذا فيكون المقصود هو، وإذا أريد من الإسلام أضيق من هذا فحينئذٍ لابد أن يصدق الصراط المستقيم على الإسلام وغيره(4).

ثانياً: الوجود العملي للصراط المستقيم:

لابد للإنسان في الاعتقاد والإدراك لمفهوم الفضيلة والخير أن يمثل له بمصداق في الواقع يقتدي به، فما هو المصداق للصراط المستقيم المتجسّد فيه؟ فإمّا إذا كان الصراط المستقيم ليس له مصداق أصبح من القضية الخيالية فيكون الدعوة إليه عبث. وقد أوضحت الروايات الشريفة المصداق العملي للصراط المستقيم وهو النبي صلی الله علیه وآله وسلم والأئمة المعصومون القائمون مقامه علیهم السلام وذلك لأن الصراط المستقيم لا يسانحه ظلم ولا شرك ولا ضلال وليس له مصداق إلاّ العصمة من أهل بيت النبوة عليهم السلام وتشير الروايات إلى ذلك:


1) روح المعاني 1/ 92

2) صدر المتألهين 1/ 101

3) مجمع البيان 1/

4) تفسير سورة الحمد 221

1- عن داود بن فرقد عن الإمام أبي عبد الله الصادق علیه السلام قال: «اهْدِنَا الضراطَ الْمُسْتَقِيمَ» يعني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام(1).

2- وروى المفضل بن عمر قال: سألت الإمام أبا عبد الله الصادق علیه السلام عن الصراط فقال: (هو الطريق إلى معرفة الله عزّ وجل وهما صراطان: صراط الدنيا وصراط الآخرة، فأما الصراط الذي في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة فيمن عرفه في الدنيا واقتدى به مرٌ على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه على الصراط في الآخرة فتردى في نار جهنم)، لما روي عنه أيضاً قال: (الصراط المستقيم هو محمد وأهل بيته علیهم السلام)(2).

وروي عن ابن عباس بأن الصراط المستقيم هو حب محمد صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بيته علیهم السلام(3).

وروي هن ابن عباس بأن الصراط المستقيم هو حب محمد صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بيته علیهم السلام.

3- وروي عن الإمام سيد العابدين علي بن الحسين علیه السلام قال: (نحن أبواب الجنة ونحن الصراط المستقيم).

4- وروي عن الإمام أبي الحسن الرضا علیه السلام قال: قلت: «أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِنَا عَلَى وَجْهِ أَهْدَى أَمَنْ يَمْشِي سَوِنًا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»(4). قال: (إن الله ضرب مثل من حاد عن ولاية علي علیه السلام كمثل من يمشي على وجهه لا يهتدي لأمره وجعل


1) تفسير العياشي 1/ 24، تفسير الثقلين 1/ 21

2) مواهب الرحمن 54/1

3) المصدر نفسه 54/1

4) سورة الملك، آية: 22

من تبعه سوياً على الصراط المستقيم، والصراط المستقيم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام(1).

5- روى في تفسير القمي عن حماد عن الإمام أبي عبد الله الصادق علیه السلام في قوله: (الصراط المستقيم) قال: (هو أمير المؤمنين ومعرفته، والدليل على أنه أمير المؤمنين قوله تعالى: «وَإِنَّهُ فِي أَمْ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيُّ حَكِيمٌ» وهو أمير المؤمنين علیه السلام في أم الكتاب وفي قوله الصراط المستقيم)(2).

وذكر صاحب روح المعاني أن المروي من مصاديق الصراط المستقيم هو يعسوب الدين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام(3).

فإذا قلنا (اهدنا الصراط المستقيم) وكان الصراط المستقيم هو الإمام علي علیه السلام فيعني اهدنا للكمالات الموجودة فيه لأنه مجمع الكمالات، فالهداية هنا ليس بنحو الموضوعية بل بنحو الطريقية، فعندنا الصراط المستقيم مفهوماً ومصداقاً، وهذا المصداق لا يشخّصه إلاّ الوحي، وذلك لأننا لا نقدر التشخيص علماً وإنْ قلنا باستطاعتنا التشخيص عملاً بما أن ركنا الصراط المستقيم العلم والعمل. ومن المعلوم لم يدع أحد أنه مصداق للصراط المستقيم إلاّ الأمام علي بن أبي طالب علیه السلام، والإمام علي علیه السلام صادق في دعواه. فتستطيع أن تقيس علمك وعملك بمقدار ما أنتَ متقرب إلى الإمام علي علیه السلام علماً وعملاً تكون أنتَ متقرب إلى الصراط المستقيم، فعندما توصف الروايات الشريفة بأن الإمام هو الصراط المستقيم أو هو ميزان الأعمال أي بمقايسة علمك وعملك إلى علم وعمل الأمام علیه السلام فإن كان هو هو، فأنت على الصراط المستقيم وإن لم يكن هو هو، فأنت منحرف عن الصراط


1) تفسير الثقلين 21/1

2) تفسير القمي 1/ 128

3) روح المعاني 1/ 93

المستقيم. ثم إن المعنى الروائي للصراط المستقيم هو من التعبير عن الكلي بالفرد وبيان أحد المصاديق أو أظهر المصاديق، وهذا كثير موجود في القرآن العظيم والسنة الشريفة وإلا فإنّ المعصومين علیهم السلام جميعهم مصاديق للصراط المستقيم والوظيفة الأساسية لأصحاب الصراط المستقيم هي هداية أصحاب السبل وهذه الوظيفة تكوينية لهم.

ثالثاً: وجود الصراط المستقيم في الآخرة:

إن الصراط الأُخْرَوِيُ الذي تسلك عليه وثبّت الله أقدامك عليه يوصلك إلى الجنة وهو مادي، وهذا الصراط نشأته وصنعته من هدايتك لنفسك في دار الدنيا وبما هداك الله من الأعمال القلبية والبدنية. وقد مرّ هذا الصراط جسراً محسوساً على متن أوله في الموقف وآخره على باب الجنة.

وكل من يشاهده يعرف أنه صَنعتك وبناؤك. ولما كان الصراط في النار وما ثمّ طريق إلى الجنة إلا عليه. قال تعالى: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ تُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَتَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِیًّا»(1).

إن الإنسان من خلال علمه وعمله يوجد الصراط، وهذا المعنى موجود في الروايات الشريفة فإن من يمر على الصراط المستقيم يوم القيامة منهم كلمح البصر، ومنهم من يحبو عليه، ومنهم من يركض. روي عن سعدان بن مسلم عن الإمام أبي عبد الله الصادق علیه السلام قال: (سألته عن الصراط فقال علیه السلام: هو أدق من الشعر وأحد من السيف فمنهم من يمر عليه مثل البرق، ومنهم من يمر عليه مثل عدو الفرس، ومنهم من يمر عليه ماشياً، ومنهم من يمر عليه حبواً، ومنهم من يمر عليه متعلقاً فتأخذ النار منه شيئاً وتترك منه شيئاً)(2)، ومعلوم أن الرابطة بين الإنسان وعمله يوم القيامة من خلال تجسد الأعمال واتحاد العمل


1) سورة مريم، آیة: 71، 72

2) تفسير القمي 1/ 28

والعامل مثل الحديدة التي تقع في النار إلى أن تصبح هي ناراً، فبمقدار عمله تظهر آثار مجاوزته للصراط المستقيم.

ثم إنٌ ظهور الصراط المستقيم في الآخرة أبين وأوضح من ظهوره في الدنيا لأن في الآخرة ظهوره ظهور حسي إلاّ لمن دعا إلى الله على بصيرة كما قال تعالى: «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرة أنا وَمَنْ اتَّبَعَنِي»(1). وقد جاء في الخبر الخبر أيضاً أن الصراط يظهر يوم القيامة منه للأبصار على قدر نور المارَيْنَ عليه فيكون دقيقاً في حق بعض وعريضاً في حق آخرين، يصدق هذا الخبر قوله تعالى: «نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ»(2)، والسعي المشي، وما ثمّ طريق إلى الله إلا الصراط، وإنما قال: بأيْمانهم لأن المؤمن في الآخرة لا شمال له، كما أن الكافر لا يمين له(3).


1) سورة يوسف، آية: 108

2) سورة التحريم، آية: 8

3) تفسیر صدر المتألهين: 1/ 106

الخاتمة

وفي الختام أقول يا إلهي ويا سيدي اهدنا الصراط المستقيم إلى حقيقتك ونفسك فاهدنا سواء السبيل إلى رحمتك ورأفتك، وثبتنا على الطريقة الموصلة إليك وإلى أنسك ولقائكَ. فإني وإن أكن صفر اليد، وفي الأغلال والسجون الظلمانية والشهوية الشيطانية. ولكنني أحب التخلّص منها، وأعشق الوصول إلى حضرتك بربوبيتك من غير جد واجتهاد، تخيلا أن رحمتك ورأفتك تأخذني، وظناً بكَ وبحسن عشرتك بنا وللخلق أجمعين، فإن من وظائف العبودية حسن الظن بالله العظيم، فإن اهتدينا فبهدايتك.

والحمد لله أولاً وآخراً

المصادر

1- البيان في تفسير القرآن / السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت 1413 ه) /الطبعة الثانية / مطبعة الآداب / النجف الأشرف / 1385 ه - 1966 م.

2- تفسير جوامع الجامع / أمين الدين أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548ه) / طهران مؤسسة النشر والطبع / الطبعة الثالثة / 1412 ه.

3- تفسير صدر المتألهين / صدر المتألهين محمد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي (ت 1050 ه) / قم / الطبعة الثانية / 1366 ه.

4- تفسير فرات الكوفي / أبو القاسم بن إبراهيم بن فرات الكوفي / مؤسسة الطباعة والنشر / طهران الطبعة الأولى / 1410 ه.

5- تفسير علي بن ابراهيم القمي (تفسير القمي) / علي بن إبراهيم بن هاشم القمي / مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر / قم / الطبعة الثالثة.

6- تفسير العياشي / أبو النضر محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي المعروف بالعياشي (ت 340 ه) / طهران / المكتبة العلمية الإسلامية.

7- التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري علیه السلام / تفسير الإمام الحسن العسكري علیه السلام / منسوب إلى الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري علیه السلام / قم / مؤسسة المهدي (عجل الله فرجه) / الطبعة الأولى / 1410 ه.

8- ربيع الأحزان الموضح لكلمات القرآن / الشيخ فخر الدين بن محمد علي أحمد طريح النجفي / الناسخ غياث الدين محمد تبريزي / سنة النسخ 1123 ه، مخطوطة.

9- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني / للعلامة الألوسي أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي (ت 1270 ه) / دار إحياء التراث العربي / بيروت.

10- سفينة الراغب ودفينة المطالب / محمد راغب باشا / المطبعة الخديوية / بولاق / مصر / 1282 ه.

11- لسان العرب / ابن نظور.

12- المفردات في غريب القرآن / الراغب الأصفهاني / تحقيق: دكتور محمد أحمد خلف الله / مكتبة الأنجلو مصرية.

13- مواهب الرحمن في تفسير القرآن / السيد عبد الأعلى السبزواري / مطبعة الآداب / النجف الأشرف / 1404 ه.

14- الميزان في تفسير القرآن / العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي / الطبعة الثالثة / مؤسسة الأعلمي للمطبوعات / 1393 ه - 1973 م / بيروت.

15- نهج البيان عن كشف معاني القرآن / محمد بن الحسن الشيباني / مؤسسة دائرة المعارف الإسلامية / طهران الطبعة الأولى / 1413 ه.

إسلامنا لا عولمتكم

اشارة

«9»

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وآله وصحبه المنتجبين. قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز:

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأَتَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا يَاأَيُّهَا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»

صدق الله العلى العظيم

وبعد:

إن العولمة دعوة ظاهرها حق وحقيقتها باطل، فهي تَرْتَكِزُ على أسطورة أقرب للدعاية من الحقيقة والإعلام من الواقع على أن العالم قرية واحدة بسبب الاتصالات، وإن التقدم العلمي هو الحد الفاصل بين المجتمعات، وكل كلمة منها كلمة حق يراد بها باطل، تبطن غير ما تظهر وتخفي غير ما تعلن، فالعولمة ليست ظاهرة اقتصادية أو سياسية أو تقنية معلوماتية فحسب بل هي ظاهرة استكبارية تقوم على أساس الهيمنة والسيطرة الأمريكية لإخضاع دول العالم وشعوبها اقتصاديا وعسكريا وثقافيا لمقتضيات المصلحة الأمريكية وفق المبدأ الأمريكي المعروف (كل ما هو صالح الأمريكا فهو صالح للآخرين).

واستعرضت في بحثي هذا تعريف العولمة والفرق بين العالمية والعولمة وعولمة

الثقافة والعولمة والعلاقات الدولية والعولمة والصهيونية والآثار السلبية للعولمة، ثم بينت وجهة النظر الإسلامية للعولمة والخطوات العملية لصد العولمة، وإن المشروع الحضاري الإسلامي هو القادر على أن يكون القطب الآخر لمواجهة العالم ذي القطب الواحد لأن الإسلام لا يتنكر للخصوصيات الإنسانية بل يعتبرها مصدر إثراء للإنسانية، ولا يمنع الشعوب من أن تكون لها ثقافتها الخاصة بشرط أن ترتبط بالخط العام بالثقافة الإسلامية، وإن الإنسان هو مركز الكون بعد حاكمية الله عليه خلافا لما تدعيه العولمة من أن الدين ضد حركة التاريخ ويجب إلغاءه من حركة الإنسان في الحياة بناءا على أن الطبيعة هي مركز الكون لأن الحضارة الغربية لها بعد مادي فقط.

ثم تناولت سطوة العولمة في عصرنا هذا، وأوضحت بأن العولمة عبارة عن جولة استكبارية جديدة وإن الأمة العربية والإسلامية ستخوض صراعا مريرا مع الاستكبار العالمي بقيادة أمريكا لأصالة هذه الأمة وإنها خير أمة أخرجت للناس من بين الأمم وأعظمها أصالة فكريا وسياسية لقوله تعالى «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَتَهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ».

وختاما بينت أن أطروحة أسلمة العالم هي التي ستؤول إليها البشرية من خلال مخاضاتها المتوالية وحركتها الواصبة نحو الحق والعدل والسعادة لقوله تعالى: «وَلَقَدْ كَتَبَنَا فِي الزَّبُوسِ مِنْ بَعْدِ الذِكْرِ أَنْ الأَرْضِ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ» وقوله تعالى: «وَتُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَيَجْعَلَهُمْ أَيْنَةً وَيَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ».

تعريف العولمة

العولمة كلمة مشتقة من العالم، وليس لها أصل في اللغة العربية، ولم يعهد مثل هذا التصريف في اللغة العربية. وقد شاع هذا الاستعمال وتحول إلى اسم علم أعجمي. وَتَدْعُوْ العولمة إلى تغيرات جذرية في الاقتصاد والسياسة والثقافة

والاجتماع وهدفها الظاهري تهيئة الأجواء العالمية لمرحلة اقتصادية جديدة تتميز بعدة أنماط حديثة مثل انفتاح كل ما هو محلي على العالم على العالم الخارجي. وهذه الدعوة ظاهريا حق ولكن حقيقتها باطل، لأنها تنطلق أساسا بهدف تركيز الاقتصاد الإنساني والغاء الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشعوب واستباع ثرواتها وأمنها، والعولمة مشروع أمريكي يريد أن يفسح المجال للشركات والمؤسسات الأمريكية للسيطرة على دول العالم الثالث بإلغاء الحواجز الاقتصادية.

إن العناصر الأساسية لظاهرة العولمة موجودة في مجالات ثلاثة متداخلة هي: الاقتصاد والسياسية والثقافة، وإن نقاد العولمة يفضلون تسمية (الأمركة) نسبة إلى أمريكا كتعبير أكثر دقة عن واقع الحال.

الفرق بين مفهوم العالمية والعولمة:

يبدو للبعض أن العالمية والعولمة مفهومان مترادفان، ولكن الواقع يشير إلى أن هنالك اختلافات جوهرية بينهما سواء من حيث النُّشُوْء والتطور والأسباب، حيث أن مفهوم العالمية ما هو إلا تعبير عن التطور الطبيعي والموضوعي والتاريخي، ذلك التطور الذي حدث نتيجة للتقدم العلمي والاجتماعي والثقافي بتكاثف العلاقات بين المجتمعات البشرية لتداخل الحضارات وتفاعلها، وهو قديم قدم الإنسان والعالمية هي الاتجاه الذي يتماشى مع مقتضيات النظام العالمي والذي يستلزم التخلي عن روح الهيمنة والعدائية للشعوب والمركزية والعنصرية، واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها وحقها في التنمية والكرامة.

أما العولمة فهو اتجاه يتمثل بالمزيد من الهيمنة والسيطرة للقطب الواحد ذلك الاتجاه الذي أصبح هو السائد في أمريكا في الوقت الحاضر والذي سوف تكون عواقبه وخيمة على النظام العالمي وعلى عملية التنمية في الدول النامية. إن نظام

العولمة الجديد في المفهوم الأمريكي ما هو إلا نظام قائم على الهيمنة والسيطرة الأمريكية، ذلك النظام الذي يعني في جوهره (أمركة العالم) الذي يعني خضوع جميع دول العالم والشعوب لمقتضيات المصلحة الأمريكية ووفق المبدأ الأمريكي المعروف (كل ما هو صالح لأمريكا فهو صالح للآخرين) حيث تعني العولمة في جوهرها انتصارا للرأسمالية في الصورة الأمريكية، وسيطرتها على العالم اقتصاديا وعسكريا وتوجيهه بما يتماشى مع مصالحها وطموحاتها. وهذا يعني أنه في ظل العولمة سوف يزداد الغني غنا والفقير فقرا.

سطوة العولمة

إن العولمة من العناوين التي طبخت في مطابخ السياسة والإعلام الاستكباري الأمريكي، وأمريكا طرحت هذا النظام العالمي الجديد في وقت لانجد فيه مصداقا للنظام العالمي الجديد بل هنالك واقع عالمي جديد يتحرك في كل مرحلة عندما تسقط قوة وترتفع قوة أخرى «وتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَاسِ»(1)كما صرح القرآن الكريم في هذا المجال. فإن أمريكا أرادت أن توحي للشعوب المستضعفة شعوب العالم الثالث أن هنالك نظاما جديدا يطبق على العالم وعلى الجميع أن يسلموا له. ففكرة العولمة انطلقت بنفي كل اقتصاد إقليمي أو وطني أو قومي، وإثبات اقتصاد واحد عالمي استكباري تسيطر عليه أمريكا بالقوة فتمنع أي اقتصاد من أن يدير نفسه بنفسه وأن تكون له مفرداته الخاصة به. هذا من الجانب الاقتصادي وكذلك من الجانب الأمني فإن العولمة تلغي الأمن الذاتي لأي دولة، بل إن الأمن ينطلق من خلال الأمن العالمي الذي تسيطر عليه القوى الاستكبارية تحت عنوان العولمة لتشعل حربا أو لتطفئ حربا بحيث تتسلح الدول لا لتمارس حربها بنفسها إلا في الدوائر الصغيرة الخاضعة للخطوط العالمية الدولية، ولتكن هذه الأسلحة والقواعد العسكرية في خدمة الدول الاستكبارية كما يحدث مثاله


1) سورة آل عمران، آية: 140

الآن في دول الخليج العربي. وهكذا أرادت أمريكا أن تخضع الثقافة للعولمة فليس من ثقافة إسلامية أو وطنية أو قومية بل هنالك ثقافة عالمية تحدد لكل مفردة من المفردات دورها وحركتها في خدمة المصالح الامبريالية.

إن العولمة التي انطلقت حديثا يراد لها إفساح المجال لأمريكا لأن تسيطر على العالم ولن يتحقق هذا الحكم لها وستفشل لأن علاقة الشعوب بخصوصياتها ووعيها للخطة الاستكبارية وتمسكها بدينها سوف يفشل هذا النظام.

العولمة جولة استكبارية جديدة:

إن العولمة جولة استكبارية جديدة تَفَتّقَ عَنْها العقل الأمريكي لتجميل صورة جولته الجديدة هذه، وحقيقتها فرض الرأسمالية الأمريكية بثوب جديد على العالم. وهيأت أمريكا الأرضية لهذه الجولة الاستكبارية لئلا تخرج عن الدائرة الحمراء للخطة المرسومة باسم العولمة رقبة دول العالم ومناطقه الحساسة، ولكن الشعوب والأمم وخصوصا شعوب الأمة الإسلامية والعربية لم تساوم ولن تساوم على هويتها الذاتية، أو تخنع ذليلة - لا سامح الله - أمام هذه اللعبة الجديدة، خصوصا وأنها تعيش إرهاصات صحوتها الرائدة التواقة إلى الاستقلال والحرية، وتحقيق حاكمية العدل الإلهي في الأرض. إن هذه الأمة الرسالية ستخوض صراعا مريرا مع الاستكبار العالمي بقيادة أمريكا، وإن ظلما وفسادا عظيمين سينالان الشعوب المستضعفة لو قدر للاستكبار أن يحقق نجاحا - لا سامح الله - في جولته هذه. والملحوظ أن دول العالم الثالث والدول المستضعفة ستنقسم إلى طائفتين رَئِيسَتَيْن في موقفها من العولمة الاستعمارية وهما:

الطائفة الأولى: الدول الانهزامية وهي التي لا تجد لنفسها القدرة الذاتية على الوقوف بوجه العولمة الرأسمالية، وستبرر ذلك وتنظر له بأنها أمام أمر محتوم وقدر لا يمكن الفرار منه.

الطائفة الثانية: دول الصمود وهي التي تتحدى هذه الجولة الاستكبارية الجديدة، وتجد في نفسها القدرة الذاتية على الوقوف والثبات لتحقيق عوامل البناء الذاتي والاستقلال والتطور الاقتصادي على المدى البعيد رغم التضحيات الآنية التي قد تقدمها جراء موقفها هذا ومثالها العراق العظيم الذي يمثل النموذج الفريد والقدوة المثلى لهذه الطائفة.

إن إباء الأمم والشعوب الرسالية الواعية، ورفضها لخطط العولمة الاستكبارية بما تملك من ثقافة أصيلة وثروات اقتصادية كبيرة وقدرة على اتخاذ القرار السياسي المستقل لا يعني بالضرورة انعزالها عن العالم، بل إنها عندما ترسم نهجها الاقتصادي مثلا يجب أن تراقب حركتها الاقتصادية في مستوى وطبيعة علاقته بالاقتصاد العالمي، وأن تضع لنفسها خطوطا حمراء لا تتجاوزها فتسقط أمام القدرات الاقتصادية الاستكبارية، وكما يصدق هذا في المجال الاقتصادي يصدق أيضا في المجالين الثقافي والسياسي.

وإذا عرفت أن خير أمة أخرجت للناس من بين الأمم وأعظمها أصالة فكرية وسياسية هي الأمة الإسلامية «كُنتُمْ خَيْر أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَهَونَ عَن المُكر وتُؤْمِنُونَ باللهِ»(1)، فسنجدها المصداق البارز بل المنفرد للأمة الممتنعة عن الاستكبار وجولاته المتوالية، فبأفضليتها الرسالية وأصالتها الفكرية والسياسية وما تملكه من مواقع جغرافية وثروات اقتصادية كبرى ستحقق الامتناع الذاتي والصمود أمام أية جولة استكبارية مهما كانت مقتدرة ومتطورة. بل إن الشمولية والواقعية والتكامل الفريد الذي تتمتاز به أطروحتها الإسلامية للحياة ستظهرها عل كل الأطروحات الوضعية المتداولة في عالم اليوم لتناغمها مع طموحات البشرية وآمالها في إزهاق الباطل وإزالة الفساد والظلم وإحقاق الحق وإقامة


1) سورة آل عمران، آیة: 11

العدل في الأرض «هُوَ الَّذِي أرسل مرسولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَوْكَرِة أَرْسَلَ الْمُشْرِكُونَ»(1)، وقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ مَرَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كلِهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا»(2)وقوله تعالى: «وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقِّ الْحَقِّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَا الكَافِرِينَ، ليُحقِّ الْحَقِّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ»(3).

إن العولمة الحضارية بوجهها الإنساني النزيه وبعدها الحضاري المتوازن لن تجد أرضية ومناخا صالحين إلا في ظل الأطروحة الإلهية المتمثلة بالإسلام خاتم الرسالات السماوية وكمالها المنشود، وهو القائم على أساس المنطق العقلي والفطرة السليمة والنهج الواقعي المنزه عن جميع صور الاستكبار والظلم والفساد «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَة اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»(4).

إن أطروحة أسلمة العالم هي التي ستؤول إليها البشرية من خلال مخاضاتها المتوالية، وحركتها الواصبة نحو الحق والعدل والسعادة، فيصدق قوله تعالى: «وَلَقَدْ كَتَنَا فِي الزَّوسِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَن الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ»(5)، وقوله تعالى: «وَتُرِيدُ أَنْ نَمَنَ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَيَجْعَلَهُمْ أَثْنَةً وَيَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ»(6).


1) سورة التوبة، آية: 33

2) سورة الفتح، آية: 28

3) سورة الأنفال، آية: 7، 8

4) سورة الروم، آية:30

5) سورة الأنبياء، آية: 105

6) سورة القصص، آية: 5

عولمة الثقافة:

إن السياسية الأمريكية التي تعمل للسيطرة على مقدرات العالم الثالث وفي مقدمته العالم الإسلامي لا تريد أن تنطلق أية دعوة إلى الاستقلال السياسي والأمنى والاقتصادي لتحمى وجودها واقتصادها وثرواتها، بل عملت هذه السياسة الاستكبارية على منع الاكتفاء الذاتي للعالم الثالث والإسلامي، ومنعته من الإنتاج والتصنيع الوطني وأثقلته بالسلبيات والصراعات وبكل ألوان التخلف، فموقف أمريكا السلبي المعروف من القضية العربية الإسلامية خصوصا القضية الفلسطينية، وهكذا موقفها اليوم من الإسلام الذي انطلق من أجل الحرية والعدالة، وما يهم أمريكا هو أن تبقى الدول الإسلامية تحت وطأة التخلف وروح الهزيمة لتبقى مسيطرة على العالم، وما زال الأمريكان يحذرون الغرب من سطوة الإسلام الجهادي الذي يهددهم، ويشوهون صورته، ويروجون للخرافات السائدة مثل استعباد الإسلام للمرأة، وإن الإسلام والإرهاب قرينان لا ينفكان، فإن الدعايات المغرضة تؤجج من جديد في أجهزة الإعلام الغربي سواء بالمحاضرات أو بالصحافة أو وسائل البث المسيطرة وغيرها.

العولمة والعلاقات الدولية

تزعم العولمة التي تدعو إليها أمريكا بأن الإسلام يعقد العلاقات الدولية، وهذا زعم موهوم وافتراء واضح مكشوف، فإن العلاقات الدولية تعيش حالة من السلبية من خلال طبيعة الواقع الاستكباري الذي تريده أمريكا للسيطرة على مقدرات المستضعفين في العالم لتسجل أرباحا لمصلحتها على حساب الدول الأخرى، فالواقع الاقتصادي والأمني والسياسي الاستكباري الذي يتمثل بالعولمة هو الذي يعقد العلاقات بين الدول والشعوب لا الإسلام. فإن الغرب قام بنهب ثروات الشعوب المستعمرة واستعباد أهلها والتجارة بهم، بينما قام الإسلام بتحديث الشعوب المفتوحة وتعريبها وإدخالها في ركب الحضارة الإنسانية متوحدا معها ومساويا لها ومعظما لفلاسفتها وعلمائها.

العولمة والصهيونية

ذكر كتاب (بروتوكولات حكماء صهيون) أن اليهود يسعون لإنشاء الدولة العالمية، وإن العولمة مقدمة وضعها يهود أمريكا من أجل إقامة دولتهم العالمية المزعومة، ويخطط اليهود لهذا من خلال إمساكهم بالاقتصاد والإعلام والسياسة في العالم، فهم يريدون أن يؤسسوا دولة عالمية ليست بالضرورة دولة يهودية موحدة، بل نظام العولمة لكي يسيطروا على كل الواقع العالمي، خاب فألهم ولن يتحقق حلمهم بقوله تعالى: «وَتُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَيَجْعَلَهُمْ أَثْنَةٌ وَتَجْعَلَهُمْ الوَارِثِين»(1).

الآثار السلبية للعولمة

الملحوظ أن الدول النامية ما أن تخطو خطوة واحدة للأمام تحت نظام العولمة حتى تتراجع خطوات إلى الخلف، وإذا كان البعض يعتقد بأن نظام العولمة يعني الانفتاح الاقتصادي والسوق العالمية المفتوحة والمحررة من كل القيود والتدخلات الخارجية والتي تسمح بانتقال عناصر الإنتاج والسلع والخدمات ورأس المال بين الدول بكل شفافية ووفقا للحاجة، وتهيئة فرص متكافئة لجميع الدول وبذلك الشكل الذي يضمن تحقق التوازن والعدالة بين جميع الدول، والذي يتم فيه انتقال رؤوس الأموال من البلدان المتقدمة إلى الدول النامية والتي هي بأمس الحاجة إلى ذلك الانتقال الذي يوفر لأصحابه الربح والدول المضيفة الازدهار الاقتصادي والاجتماعي، فهذا الاعتقاد خاطئ لأن هذه الشعارات التي ترفع ظاهرا أما عمليا وواقعا فإن عملية التنمية للدول النامية مقيدة في ظل العولمة وبما يتماشى ومصلحة الدول الرأسمالية، فتواجه الدول النامية صعوبات تتمثل في تدخل الدول الرأسمالية وخاصة أمريكا في برامج سياسات التنمية وتوجيهها بذلك الشكل الذي يتماشى ويخدم مصالحها وعلى حساب ومصالح شعوب


1) سورة القصص، آية: 5

العالم الثالث تلك التدخلات التي اتخذت أشكالا متعددة منها دعوة الدول النامية إلى الاصلاحات الاقتصادية، وتدخل مؤسسات التمويل الدولية والتي ما هي إلا وسيلة من وسائل الضغط والتدخل الأمريكي في شؤون الدول النامية حيث يلاحظ أن جميع عمليات الإقراض التي تقدمها تلك المؤسسات الدولية للدول النامية ما هي إلا قروض مشروطة وفيها تدخل واضح حتى في جوانب السيادة الوطنية. ونذكر بعض النقاط السلبية للعولمة منها:

1.

إزدياد عدد الجريمة المنظمة والتجارة بالنساء والأطفال لأغراض الاستغلال الجنسي والمخدرات حسب تقرير التنمية البشرية الصادر في عام 1999 من الأمم المتحدة.

2.

ظهور التطرف الديني كرد فعل للعولمة التي لا تقيم لأي شيء وزنا سوى السلع والاقتصاد والمال، والتي تدعو إلى تغير الشعوب في أخلاقهم وعقائدهم وأنماط سلوكهم، بل فرضها على الآخرين بالقوة الغاشمة.

3.

إن العولمة جعلت النقود تتحدث بصوت أعلى من الحاجات الحقيقة للإنسان حيث أن التركيز على الأغذية المحسنة وراثيا والأدوية ومساحيق التجميل باتت أكثر أهمية من اللقاحات الطبية والإجراءات الوقائية من بعض الأمراض المعدية في ظل العولمة.

4.

تعد العولمة العدو الأول للبيئة الطبيعية لا سيما وإن اقتصاد السوق ومصالح الدول الصناعية والشركات المتعددة الجنسية لا تعير أي اعتبار للأضرار القصيرة أو البعيدة المدى على الطبيعة.

5.

إن العولمة توفر المزيد من الفرص للشركات العابرة للحدود التي تعد ركائز أساسية للدول الرأسمالية وسياساتها الإمبريالية، وواحدة من أبرز الأدوات التنفيذية للسياسة الاستعمارية الجديدة حيث تعمل هذه

الشركات والمافيات على تخريب اقتصاديات الدول النامية والتدخل في شؤونها الداخلية.

6.

من خلال العولمة الامبريالية التي هي أحد أشكال التفرد الأمريكي والتي تمثل إخلالا آخر بالنظام الدولي، ودليلا آخر على اللاعدل واللاإنصاف فيه، وتسعى قوى السيطرة الامبريالية إلى التضيق على المنظمات الدولية والإقليمية وفي مقدمتها هيئة الأمم المتحدة والتلاعب بسياساتها وتوجيهها لغير الأغراض التي وجدت من أجلها، وقد كانت قضية العراق ومواجهته للعدوان والهيمنة والحصار وما آل إليه الحال في علاقته بالأمم المتحدة بسبب هيمنة أمريكا على الهيئة الدولية ومؤسساتها وفي مقدمتها مجلس الأمن.

7.

العولمة أنعشت الدول الغنية وزادت نَسَبَ الفقر في دول العالم الثالث، فقد استطاعت العولمة الأمريكية أن تفرض أساليب اقتصادية على العالم جاءت بكثير من الخسائر والأضرار للعالم الثالث وذلك بإخضاع اقتصاديات العالم المفردات قانونية أو اتفاقيات دولية تقدم التسهيلات للسلع والصناعات الغربية والأمريكية منها بوجه خاص وتفتح لها أسواقا أوسع مما يشكل إضعافا لمستويات الصناعة والمجمل جوانب الإنتاج الوطني المستقل في بلدان العالم الثالث.

العولمة والإسلام

إن الإنسانية واحدة وإن كانت هنالك خصوصيات لموقع إنساني هنا وهناك، والإسلام لا يتنكر للخصوصيات الإنسانية بل يعتبرها مصدر إثراء للإنسان في العناصر الغنية التي تتحول إلى لقاء إنساني فيما يحتاجه الإنسان من الآخر من العناصر الناقصة عنده، وهذا ما جاء به القرآن الكريم بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا

خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأَتَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَتَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»(1)، فالإسلام لا يلغي الخاص أمام العام، بل يرى أن العام يتغذى من الخاص وإن الإنسان يتحرك في العام مع الاستفادة من غنى الخاص لتكون هناك وحدة عالمية إنسانية في التنوع.

أما العولمة فقد ولدت في الدوائر الأمريكية والمطلوب من خلفية مشروع العولمة ان تخضع الخصوصيات القومية والإقليمية والدينية لدول الاستكبار الأمريكي، فباسم العولمة تستخدم أمريكا القوة لتتجاوز الحدود الوطنية والإقليمية والقومية والدينية للدول الأخرى وتصبح العولمة وسيلة من وسائل السيطرة، وهنا نؤكد على نقطة معينة بأن الأمريكين ليسوا مستعدين أن يفقدوا عناصرهم وخصائصهم القومية إن كانت هنالك حالة قومية في أمريكا لمصلحة العالم الثالث، فالتكامل مع العالم والتفاعل معهم ليس بالضرورة في إلغاء الخصوصيات الثقافية والاقتصادية والدينية فإن الإسلام دين عالمي في ثقافته، ولكن لا يمنع الشعوب من أن تكون لها ثقافتها الخاصة بشرط أن ترتبط في الخط العام بالثقافة الإسلامية.

دعوتنا إلى أسلمة العالم

إن الله سبحانه وتعالى أرسل رسوله محمد بن عبد الله صلی الله علیه وآله وسلم إلى الناس كافة. قال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَة لِلنَّاس بَشِيراً وَنَذِيرًا»(2). فالدعوة الإسلامية دعوة عالمية، ولا بد للداعية إلى الله سبحانه وتعالى أن يعي ذهنية الناس الذين يدعوهم إليه، وأن يكون مطلعا على ثقافتهم وعقليتهم وروحيتهم فيما يعيشونه في كل أوضاعهم وعلاقتهم، لأن الداعية عندما لا يفهم روح الآخر ولا يدرك حدود


1) سورة الحجرات، آية: 13

2) سورة سبأ، آية: 28

ثقافته فكيف يمكن أن يخاطبه؟ وقد ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم)، فاذا لم نفهم حجم عقولهم فكيف نستطيع أن نتكلم معهم على قدر عقولهم؟ ونحن نعيش في عصر يشتمل على كثير من التقدم في العلم والتنوع في الأفكار وعلى أسلوب الحياة الذي يتنوع هنا وهناك، لذلك يقتضي الحال أن نفهم روح العصر لنعرف كيف نحرك الإسلام في داخله. ولا يمكن خضوع الإسلام لذهنية العصر لأننا نؤمن بأن الإسلام يجب أن يقتحم ذهنية العصر من خلال فهم روحية الإنسان المعاصر وذهنيته وكل ما يفتح عليه ويغلق عنه.

إن العولمة تريد أن تلغي الدين من حساب حركة الإنسان في الحياة في قضاياه الحيوية وحاجاته المادية، بزعمها بأن الدين ضد حركة التاريخ، وهذا أمر موهوم لأن الإنسان متدين بطبعه من حيث فطرته الصافية الكامنة في سر وجوده تختزن الإحساس بالدين، والايمان بالله تعالى، كما أن العولمة في مشروعها الحضاري تعتبر الطبيعة مركز الكون وموارد الأرض محدودة، ويجب أن تكون تحت تصرف العنصر المتفوق، وإذا اصطدمت مصلحة الطبيعة مع مصلحة الإنسان تقدم الطبيعة ولو بقتل الإنسان وإبادة الجنس البشري، كما على علماء المسلمين تقديم مشروعهم الحضاري الإسلامي.

إن الحضارة الغربية لها بُعْدٌ مادِيٌ فقط لا تدخل الله سبحانه وتعالى في حساباتها وهذا البعد الذي يستغرق وجود الإنسان الذاتي في قضايا الحريات دون أن يتنبه إلى العناصر والأبعاد الأخرى التي قد تجعل من حركة بعض الحريات في وجوده حركة سلبية.

إن عرض الحضارة الإسلامية والخطاب الإسلامي الذي يمثل التطور المعرفي للإنسان المسلم في حركته في الواقع كما يمثل تطلعاته في تغيير حركته من أجل تغيير الواقع فلا بد أن ينطلق الخطاب الإسلامي من خلال حاجات الإنسان

المعاصر وأن نحرك المفاهيم الإسلامية والعقيدية والشرعية بحيث يشعر الإنسان المعاصر أن الخطاب يمثل مرحلته وحاجته والقضايا التي تحكم حياته وتتحرك في مسيرته، وأن لا يكون الخطاب تجريديا يغرق في الخيال، وأن لا يكون ماضويا يبتعد عن قضايا العصر وحياة الإنسان المعاصر.

خطوات لصد العولمة

إن العولمة ليس قدرا محتوما ولا قانونا تاريخيا تخضع لها كل الشعوب، ولمواجهتها أمور منها:

1.

أن نقدم صورة عن الإسلام بأنه دين حواري وتعايشي، ويتحرك من أجل أن ينفتح عقل الإنسان وقلبه على الحقائق من أقرب طريق، وأن نعالج قضية العنف بالمنطق الحضاري الذي يجعل للإنسان الحق في الدفاع عن نفسه ووقاية ساحته من التعديات، وأن نبين بصورة جلية بأن المسلمين لا يعملون على إثارة العنف، ولكن يعملون على أساس الدفاع عن أنفسهم ضد الذي يريد أن يلغي وجودهم وحريتهم ودينهم عندما لا يكون هنالك سبيل للرفق.

2.

أن يكون فقهاؤنا يملكون الشمولية في فهم الإسلام ولا سيما في معرفة القرآن والسنة الشريفة ومعرفة الواقع الفكري والثقافي المتحرك، حتى يستطيع أن يفهم الإسلام لكي يستطيع أن يفتي للواقع ويعالج كافة مشاكله، فإن مناطق الفراغ في الفكر الإسلامي أكثر من أن تحصى.

3.

أن يكون المسلمون دقيقين في مفردات الخطاب الإسلامي حتى لا يعطوا الأعداء السلاح الذي يحاربوننا به، وإن علينا أن نقول للعالم بأن الإسلام لا يلغي الآخر بل يعترف ويتعايش معه لا كما في عولمتكم التي تلغي الآخرين.

4.

التمسك باللغة العربية واستعمالها في العلم والتعليم وفي كل أوجه نشاط المجتمع، ويعتبر التمسك باللغة العربية من أهم دعائم الوقوف بوجه العولمة،

ومن الباطل أن يدعى أن اللغة العربية غير صالحة لهذا العصر، وإن اللغة لغة العصر، فإن اللغة العربية هي اللغة المقدسة التي أنزل الله الانكليزية هي تعالى بها القرآن الكريم: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا»(1)وهي موثقة الأواصر بين أبناء هذه الأمة من مشارق أقطارها إلى مغاربها وهي وعاء تفكيرهم وتعبيرهم وسجل تأريخهم، ووسيلة حفظ تراثهم، فما أحرانا بالتمسك بها والحفاظ عليها من هذه العولمة الشرسة وتيارها الجارف.

5.

أن نبعد الحضارة الإسلامية عن الخرافة والتخلف، وأن نفرق بين الإيمان بالغيب وإعطاء الخرافة الحرية في أن تدخل عقولنا باسم الغيب، فللغيب قواعده وأصوله وقد أقامها الله على سننه، ولا يعني ذلك أن نفسر كل شيء بالغيب فإن الله سبحانه وتعالى أراد أن يتحرك الإنسان من خلال القوانين الطبيعية.

6.

أن لا يكون طرحنا من خلال حلول ماضوية، فإن لكل مرحلة من مراحل الحياة حلول بحجم حاجات المرحلة ومشاكلها، فالمسلم سواء كان فقيها أو مثقفا له أن يعيش عصره ويفهم إنسان عصره وقضاياه ليتحدث بلغة العصر من خلال وجهة نظر إسلامية.

7.

أن يؤصل جيل شبابنا انتماءه لثوابت الحياة الحقيقية ويؤصل فكره ليربط بعقله ووجدانه وأن يحافظوا على ثوابتهم الدينية في عقيدتهم الإسلامية، وأن لا يذوبوا في أفكار ومظاهر وقشور الحضارة الغربية والانفتاح على قيم الغرب التي تصطدم في كثير من الأحيان بالتزامات الإسلام.

8.

تكوين التجمعات الإقليمية القادرة على الوقوف أمام الدول الاستكبارية مع التمسك بالإرادة الوطنية المستقلة للشعوب، كما يجب الدعوة إلى تكوين


1) سورة يوسف، آية: 2

قطب ثان في مقابلة القطب الأوحد حتى ينشأ تطور متكافئ، وتبرز منافسة أقطاب متعددة منها القطب العربي الإسلامي الذي تكشف عنه الصحوة الإسلامية فاحتمال ظهور قطب ثان وارد حضاريا من المنطقة العربية الإسلامية بإرثها الثقافي التاريخي الطويل الذي يرجح أن يكون هو المحتمل للتحدي للعالم ذي القطب الواحد، ومن هنا تأتي معاداة الغرب للإسلام بوجه عام وللصحوة الإسلامية بوجه خاص، والتركيز عليه بالضرب والحصار والتهديد، فإن بعض الدول النامية قد حققت نوعا من التنمية الصناعية في إرساء القاعدة العلمية والتقنية فيها والتي أصبحت مصدر تهديد لمصالح أمريكا كما هو الحال في عراقنا العظيم، مما دفع أمريكا إلى اعتماد سياسات معينة مستخدمة أساليب غير أخلاقية ومستخدمة قوتها العسكرية الغاشمة لإضعاف عراقنا العظيم.

المصادر

1.

الآفاق / مجلة ثقافية فصلية تصدر عن جامعة الزرقاء الأهلية / العدد (5) / السنة (2) / ربيع الأول 1422 ه - حزيران 2001 م / الأردن.

2.

الحكمة / مجلة فكرية شهرية تصدر عن بيت الحكمة / العدد (22) / كانون الثاني 2002 م / العدد (19) / السنة الرابعة / 1422 ه - 2001 م / بغداد.

3.

الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي / مركز دراسات الوحدة العربية / الطبعة الثانية / بيروت / 1989 م.

4.

العولمة الاقتصادية / الدكتور محمد طاقة / تقديم الدكتور قيس محمد نوري / الطبعة الأولى / بغداد / 2001 م.

5.

العولمة الاقتصادية هيمنة الشمال والتداعيات على الجنوب / الدكتور محمود خالد المسافر / الطبعة الأولى / بيت الحكمة / بغداد.

6.

العولمة وانعكاساتها على التنمية في الدول النامية / الدكتور كاظم جاسم العيساوي.

7.

ما العولمة / الدكتور حسن حنفي والدكتور صادق جلال العظم / الطبعة الأولى / دار الفكر / دمشق.

8.

مجلة أم المعارك / العدد (26) / السنة السابعة / 2001 م / بغداد.

.. مجلة أم المعارك العدد (29)/ السنة الثامنة/ 2002م/ بغداد.

10.

مجلة اليقظة الإسلامية / العدد (7) / السنة الأول / 1985 م / القاهرة.

11.

منبر الحوار / مجلة العدد (37) / السنة 1999 م / بيروت.

جهاد المسلمين

اشارة

«10»

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

سيرة اليهود تختلف عن سيرة باقي الأمم والشعوب فقد وهبهم الله تعالى فرصاً عظيمة من الخير والصلاح بما أرسله من أعداد كثيرة من الأنبياء ولو ساروا على نهج الباري عز وجل لأفلحوا ونجحوا لكنهم حادوا عن الطريق وانحرفوا عن الأنبياء وزاغوا عن الشرائع السماوية. وتحول بنو إسرائيل إلى فتنة للإنسانية جمعاء مع قلتهم. فترى الأمم والشعوب تشكوا منهم والحكومات تحتاط منهم في مختلف أرجاء العالم وعلى مرور الأيام والسنين، فالروم أخرجوهم من فلسطين انتقاماً لأعمالهم الدنيئة والمسلمون أخرجوهم من شبه جزيرة العرب لمكائدهم ومؤامراتهم، والأسبان طردوهم من بلادهم لتدخلهم في الشؤون الداخلية، وشعوب العالم الحالية ما زالت تئن تحت وطأة جرائمهم، وسوف يستمر اليهود في مشروعهم الصهيوني العنصري إلى أن يأتي يوم يتخلص العالم فيه من شرورهم وينتصر عليهم.

وقد وسمت بحثي هذا بعنوان (جهاد المسلمين لأبناء القردة والخنازير)، وقد جعلت البحث على ثلاثة فصول الفصل الأول تناولت فيه تعريف الجهاد لغةً وشرعاً وفضيلته وأنواعه ومقوماته ولم نتعرض لأحكام الجهاد فإنها موجودة في الكتب الفقهية، وتطرقت في الفصل الثاني إلى اليهود في عصر النبوة فتكلمت عن اليهود في مكة المكرمة ثم في المدينة المنورة ثم أمل المسلمين

في إيمان اليهود ثم موقف اليهود من الدعوة الإسلامية وعداء اليهود لمحمد صلی الله علیه وآله وسلم وسلم والمسلمين، ثم تناولت مواجهة الرسول الأعظم لليهود على مستويين مستوى الأفراد ومستوى الجماعات وسيكون حديثنا مُقْتَصِراً على مُدُةِ بعثة النبي صلی الله علیه وآله وسلم. والحديث عن اليهود في هذه الْحِقْبَة مهم جداً لأنه سیحدد أبعاد فكرة العداء الذي نصبه اليهود للإسلام ويبين الأسس الأولى التي دارت عليها المعارك، كما سيخطط الأسلوب الذي واجه به المسلمون هذا العداء، وهو أسلوب تشريعي جعل الحق أساسه والعدل شعاره والإسلام غايته ومرماه، أسلوب وضعه الله بعلمه وحكمته، ونفذه أمناء مخلصون جديرون بالثقة والتقدير باتباع منهجهم في كل المواجهات التي تحدث في جميع العصور.

أما الفصل الثالث فقد جاء بعنوان اليهود وفلسطين وتناولت فيه سمات الشخصية اليهودية ثم أهمية فلسطين، وثالثاً الحكم الشرعي في مبادرة السلام مع إسرائيل والعمليات الاستشهادية، ورابعاً آليات الجهاد في المرحلة الراهنة وأسباب فشل المسلمين في الصراع الصهيوني وأخيرا موقف علماء النجف الأشرف من قضية فلسطين.

إنّ الناس لم يدخلوا في دين الله أفواجاً، وتنتشر الدعوة الإسلامية، وتتم الوحدة العربية تحت راية الإسلام، وفتح مكة وإخماد فتنة المنافقين، وإتمام النعمة والدين إلا بعد القضاء على اليهود رأس كل فتنة وإجلائهم من المدينة المنورة، ولا يتم للعرب والمسلمين اليوم مستقبل زاهر وسلام عَتيد وعَيْشٌ رغيد إلا بالقضاء على اليهود المتمثلين بالكيان الصهيوني.

المدرسة المهدية الدينية / النجف الأشرف / 24 صفر / 1423 ه - 2002/5/6 م

الفصل الأول: الجهاد في الإسلام

اشارة

الجهاد هو حجر الزاوية من بناء هيكل الإسلام وعموده الذي قامت عليه سرادقه، واتسعت مناطقه، وامتدت أطرافه ولولا الجهاد لما كان الإسلام رحمة للعاملين وبركة على الخلق أجمعين. والجهاد هو مكافحة العدو ومقاومة الظلم والفساد في الأرض والنفوس والأموال والتضحية والمفادات للحق.

والجهاد على قسمين:

القسم الأول: الجهاد الأكبر

وهو مقاومة العدو الداخلي وهو النفس ومكافحة صفاتها الذميمة وأخلاقها الرذيلة في الجهل والجبن والجور والظلم والكبر والغرور والحسد والشح إلى آخر ما هناك من نظائرها قال رسول الله: (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك)(1). وسمى النبي صلی الله علیه وآله وسلم هذا القسم من الجهاد بالجهاد الأكبر لصعوبة معالجة النفس وانتزاع صفاتها الذميمة وغرائزها المستحكمة فيها، والمطبوعة عليها، ولسنا في بحثنا هذا بصدد الكلام على هذا القسم إنما هو موكول لكتب الأخلاق الإسلامية.

القسم الثاني: الجهاد الأصغر

اشارة

وهو مقاومة العدو الخارجي، عدو الحق، عدو العدل، عدو الصلاح، عدو الفضيلة عدو الدين. وبحثنا عن هذا القسم.

أولاً: تعريف الجهاد
1. تعريف الجهاد لغةٌ: الجهاد على وزن فعال من الجَهد بالفتح بمعنى التعب

1) بحار الأنوار 36/67 / باب (44) / القلب وصلاحه وفساده

والمشقة أو بالضم بمعنى الوسع والطاقة وهو مصدر جاهد يجاهد مجاهدة وجهاداً كقتال، وجاهدت العدو إذا قاتلته فهي صيغة مشاركة أي بذل كل واحد جهده وطاقته في دفع صاحبه(1).

2. تعريف الجهاد شرعاً: استفراغ الْوُسْع أي الطاقة في مدافعة الأعداء وقتالهم، وهي كلمة إسلامية تستعمل بمعنى الحرب عند بقية الأمم. ويطلق أيضاً على مجاهدة النفس بتعلم أمور الدين والعمل بها وتعليمها وعلى مجاهدة الشيطان بدفع ما يزين من الشبهات والشهوات. والجهاد بوجه عام يعتبر مبدأ من مبادئ الإسلام، ودعا القرآن الكريم المسلمين إليه جماعة وأفراداً، وأن يؤمنوا بتشريعه كإيمانهم بأي معتقد صحيح، وأن يقوموا بتنفيذه كما يجب انْ ينفذوا غيره مما فرض الله، وأكد على ذلك مما يجعلنا على بصيرة بأهمية الجهاد.
ثانياً: فضيلة الجهاد

الجهاد باب من أبواب الجنة ومن أركان الإسلام وما ورد من فضله في الكتاب الكريم والسنة الشريفة أكثر من أن يحصى. قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ»(2). وقد سمى رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الجهاد سنام الدين وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (للجنة باب يقال له: باب المجاهدين يمضون إليه فإذا هو مفتوح وهم متقلدون بسيوفهم والجمع في الموقف والملائكة ترحب بهم)(3). وقال أيضاً: (الخير كله في السيف وتحت ظل السيف ولا يقيم الناس إلا بالسيف، والسيوف


1) لسان العرب 520/1

2) سورة التوبة، آية: 111

3) وسائل الشيعة / باب 1 من أبواب جهاد العدو وحدیث 2 / م11 / ص 5

مقاليد الجنة والنار)(1). وعنه صلی الله علیه وآله وسلم أيضاً: (اغزو تورثوا أبناءكم مجداً)(2). وروي عن الإمام علي علیه السلام انه قال: (إنّ الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجُنته الوثيقة، فمن تركه ألبسه الله ثَوْبَ الذل وشَملهُ البلاء، وديث بالصغار وأديل الحق منه بتضييع الجهاد، وغضب الله عليه بتركه نصرته)(3). وقد قال الله عز وجل في محكم كتابه «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ». وهو القائل علیه السلام: (أيها الناس إنّ الموت لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، ليس عن الموت محيص ومن لم يمت يقتل، وإن أفضل الموت القتل، والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون عليّ من ميتة على فراش)(4). وفي خبر أبي حفص الكلبي عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام: (إنّ الله عز وجل بعث رسوله بالإسلام إلى الناس عشر سنين، فأبوا أن يقبلوا حتى أمره بالقتال، فالخير في السيف وتحت السيف، والأمر يعود كما بدأ)(5). وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام: (من قتل في سبيل الله لم يُعّرفه الله شيئاً من سيئاته)(6). وروي عن الإمام الباقر علیه السلام في صحيح ابن خالد (ألا أخبرك بالإسلام أصله وفرعه وذروة سنامه؟ قلت بلى جعلت فداك، قال علیه السلام: أما أصله فالصلاة وفرعه الزكاة وذروة سنامه الجهاد).

ثالثاً: أنواع الجهاد
اشارة

الجهاد على أنواع أربعة:


1) وسائل الشيعة / باب 1 من أبواب جهاد العدو حديث 1 / 11 / ص 5

2) المصدر نفسه / باب 1 م 11 / حديث 16 / ص 9

3) المصدر نفسه / باب 1 / م11 / حدیث 13 / ص 8

4) المصدر نفسه / باب 1 / م11 / حديث 14 / ص 9

5) المصدر نفسه / باب 1 / م11 /حديث 19 / ص 9

6) المصدر نفسه / باب 1 من أبواب مقدمة العبادات حديث 3

النوع الأول: الجهاد الابتدائي

ويسمى بالجهاد الأصلي أو الجهاد الدعوي وهو جهاد المشركين والكفار ابتداءاً بدعوتهم إلى الإسلام ويجب كفاية على كل مكلف حر ذكر غير معذور.

النوع الثاني: الجهاد الدفاعي أو الدفاع

وهو جهاد من يَدْهَمُ أو يَهْجُم على المسلمين من الكفار ويخشى منه على بيضة الإسلام أو يريد الاستيلاء على بلادهم وأسرهم وسبيهم وطردهم وأخذ أموالهم. وهو واجب عيني على كل أحد حتى الأعمى والمريض والصغير والأنثى، ولا يختص بمن قصده الكفار من المسلمين بل يجب على من علم بالحال النهوض إذا لم يعلم قدرة المقصودين على المقاومة والدفاع، ويتأكد الوجوب الأقربين فالأقربين، ولولي المسلمين الأخذ من أموال المسلمين بقدر الحاجة، وإن القتال لدفع اعتداء الكفار عن بلاد المسلمين يباح في الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم الحرام ورجب الأصب، وهذه الأشهر يحرم القتال فيها ابتداء من المسلمين ولكن يحل القتال رداً للاعتداء، وهي أشهر كان يحرم القتال فيها عند العرب وأقرّ الإسلام ذلك التحريم منعاً للاعتداء كما قال سبحانه وتعالى: «إِنَّ عِدَةُ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شهر فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيْمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَةٌ كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةٌ»(1).

ولا يثبط بُعْد الديار عن البلد الذي دهم أو هوجم من قبل أعداء الإسلام المؤمنين عن هذا الفرض العيني، فإن الواجب على القاصي والداني أنْ يحمل السلاح ما دام قادراً على حمله ومن عَوْقَهُ سبب من


1) سورة التوبة، آية: 36

الأسباب كبعد المكان فإنّه لا يعوقه البعد أن يرسل المال أو يدعو بلسانه لدفع الاعتداء.

وإن الذين يتباطَؤُوْن ويتعللون بتعليلات واهية في هذه الحال فيهم شعب من النفاق والله تعالى عليم بالسرائر، ويدخلون في حكم المتخلفين الذين قال الله تعالى فيهم: «فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَتَعَدِهِمْ الْمُخَلَّفُونَ بِعَدِهِمْ خِلَافَ مَرَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرْق لَمَ أَشَدُّ حَرَا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَكيكُوا كَثِیرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَإِنْ مَرَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةِ منْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوحِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ»(1).

قال جدنا كاشف الغطاء في كتابه كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء في كتاب الجهاد: (رابعها: جهاد الكفار لدفعهم عن بلدان المسلمين وقراهم وأراضيهم وإخراجهم منها بعد التسلط عليها وإصلاح بيضة الإسلام بعد كسرها وإصلاحها بعد ثلمها والسعي في نجاة المسلمين من أيدي الكفرة الملاعين، ويجب على المسلمين الحاضرين والغائبين إنْ لم يكن في الثغور من يقوم بدفعهم عن أرضهم أن يتركوا عيالهم وأطفالهم وأموالهم ويهاجروا إلى أعداء الله عن أولياء الله، فمن كان عنده جاه بذل جاهه أو مال بذل ماله أو سلاح بذل سلاحه أو حيلة أو تدبير صرفها في هذا المقام لحفظ بيضة الإسلام وأهل الإسلام من تسليط الكفرة اللئام، وهذا القسم أفضل أقسام الجهاد وأعظم الوسائل إلى رب العباد، ومن قُتِل يقف مع الشهداء يوم المحشر والله هذا هو الشهيد الأكبر فالسعيد من قتل من بين الصفوف فإنّه عند الله بمنزلة الشهداء المقتولين مع الحسين علیه السلام يوم الطفوف قد زخرفت لهم الجنان


1) سورة التوبة، آیة: 81، 82، 83

وانتظرتهم الحور والولدان وهم في القيامة أضياف سيد الأنس والجان)(1).

النوع الثالث جهاد من يريد قتل نفس محترمة

أو أخذ مال أو سبي حريم مطلقاً وهو يسمى بالدفاع الفردي. وهو كل من خاف على نفسه أو عرضه أو ماله إذا غلب على ظنه السلامة. وذكر أحكامه الفقهاء في باب الحدود.

النوع الرابع: جهاد البغاة

وهم من خرجوا على الإمام العادل وقاتلوه ومنعوا تسليم الحق إليه(2).

رابعاً: مقومات الجهاد
1.

إن الإيمان بالحق الذي يجاهد في سبيله ركن ركين من أركان الجهاد، فلا يدخل المجاهد مضطرب الإيمان مزعزع العقيدة، فإن الإيمان قوة في الجهاد لا تقل عن قوة السلاح فيقدم على القتال ويوطن نفسه على تقديم النفس، وأن يؤمن معوضاً بحياة أفضل وسعادة أكمل وخير أشمل وهي حياة الشهداء يوم القيامة ومذعن لقوله تعالى: «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»(3).

2.

أنْ نشعر المعتدين أعداء الإسلام بأننا أمة واحدة، ويتحقق فينا قول النبي صلی الله علیه وآله وسلم: (مثل المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)(4). وقوله علیه السلام: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)(5). وقوله


1) کشف الغطاء 5/6

2) ينظر أحكام البغاة والمحاربين 1/ 48

3) سورة آل عمران، آية: 169

4) الكافي / ج 9/ ح 6/ ص 33

5) المصدر نفسه / ج 9/ ح 4/ باب أخوة المؤمنين بعضهم لبعض / ص 32

علیه السلام: (المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يسلمه ولا يظلمه)(1). فكل أرض من أراضي الإسلام من حمى الله تعالى فلا يصح أنْ نترك ما هو في الله تعالى يعبث فيه أعداء الله.

3.

حمى بيان الغلظة على الكافرين والتراحم ما بين المسلمين، ونشر الرعب في نفوس أعداء الإسلام قال تعالى: «وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَكُونَكُمْ مِنْ الكفار وليجدوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ»(2).

4.

تهيئة أماكن التدريب لتخريج القادة والجنود متمرسين على الحرب ومتعلمين استخدام أدوات القتال وآلات الحرب، ومعرفة مسالك الدخول في الحرب ليستطيعوا أن يكيدوا للأعداء، فقد كان الرسول صلی الله علیه وآله وسلم يعد أعظم السبل للنجاح بما يرسم من خطط موصلة واختيار الأماكن التي ينبعث منها الهجوم.

5.

أنْ ينتصر المجاهد على نفسه التي بين جنبيه وتكون أهواؤه وشهواته خاضعة لأمر الله تعالى ونهيه ، فلا ينتصر على عدوه الذي يحمل السلاح حتى ينتصر على نفسه من شهواتها فقد قال زيد بن علي علیه السلام: (ما خاف قوم حرّ السيوف إلا ذلوا).

6.

أن يكون ما وراء الجبهة جبهة أخرى رصينة ومتماسكة، فإن ما وراء المجاهدين يشدون أزر المجاهدين ويضاعفوا الجهد في تماسك الجبهة وسد احتياجات المجتمع الإسلامي فلهم يكون جزاء الجهاد وإنْ لم يحملوا السلاح.

7.

التسلح بالصبر والمصابرة والجَلَد فإن الحرب بلاء الإنسانية يصحبها


1) وسائل الشيعة باب 37/ م 11/ حديث 1 / ص 597

2) سورة التوبة، آية: 123

نقص في الأموال والأنفس مع الخوف والاضطراب والقلق ولا علاج لذلك إلا الصبر فهو الإرادة القوية والعزم الصادق.

8.

أنْ تكون القيادة مؤمنة شجاعة صابرة حكيمة ذات قرار حاسم غير مترددة تفتح قلوبها للناس.

9.

أنْ يجاهد في سبيل الله لا لأجل حمية أو عصبية أو قومية فقد يدخله ذلك في ظلم، وهذا يؤدي إلى ضعف النفس عن القتال فمن خلا قلبه من الإيمان بالله واليوم الآخر فإن التخاذل يكون منه في وقت الشدة وبالاً على المجاهدين، ولو خرج يكون خبالاً، بينما لا يبقى ثابتاً بثبوت الراسخات سوى الإيمان بالله وباليوم الآخر كما قال تعالى في شأن المنافقين: «لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا مَزَادُوكُمْ إلا خبالا ولا وضَعُوا خِلالَكُمْ يبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمُ بِالظَّالِمِينَ»(1). فيكون منهم دعاة التردد والهزيمة ومنهم المثبطون ومنهم من يُرْجِفُوْنَ في المجالس فلا يرون خبراً يلقى باليأس إلا أذاعوا به، وقى الله المسلمين من شرهم فإنهم سُوْسُ الأمم الذي ينخر في عظامها ويفسد عليها أمورها.


1) سورة التوبة، آية: 47

الفصل الثاني: اليهود في عصر النبوة

أولا: اليهود في مكة المكرمة

حين بعث النبي صلی الله علیه وآله وسلم بمكة المكرمة لم تكن فيها أسر يهودية أو جالية منهم يعمل لها حساب كما هو الشأن في المدينة المنورة، بل كان فيها أفراد قليلون لا يؤبه لهم ولا يخشى بأسهم. واليهود في مكة كانوا يعتقدون أنهم غير داخلين في ضمن المخاطبين بالدعوة الإسلامية، ويحسبونها خاصة لأهلها على نسق الدعوات السابقة.

ثانياً: اليهود في المدينة المنورة

هاجر النبي صلی الله علیه وآله وسلم إلى المَدِيْنَةِ المنورة وهنالك واجه قوماً آخرين غير عبدة الأصنام الذين تركهم بمكة هؤلاء هم اليهود، ويهود المدينة أقوى وأخطر من أهل مكة، كما أنّ وجودهم بارز فيها من حيث كثرة العدد ووفرة المال وقوة السلاح وتعدد الحصون بالنسبة إلى اليهود في الحجاز في الوقت الذي لا تربط النبي صلی الله علیه وآله وسلم باليهود رابطة نسب تخفف من حدة المواجهة كما كانت رابطته بقريش. وحينما حلّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم في المدينة كتب بينه وبينهم عهداً آمنهم فيه على حريتهم الدينية وطقوسهم ومعابدهم وأموالهم وأبقاهم على محالفاتهم مع بطون الخزرج والأوس، وأوجب لهم الحماية مشترطاً عليهم أن لا يغدروا ولا يفجروا ولا يتجسسوا ولا يعينوا عدواً ولا يمدوا يداً بأذى. قال تعالى: «أوَكَلَّمَا عَاهَدُوا عَهْد تَبَدَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ»(1).

وقوله تعالى: «الذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا


1) سورة البقرة، آية: 100

یَتَّقُونٍ»(1). ولكن ما أن البث الرسول الكريم صلی الله علیه وآله وسلم في المدينة المنورة حتى أخذ اليهود ينظرون بعين التوجس إلى احتمال رسوخ قدمه وانتشار دعوته واجتماع شمل الأوس والخزرج تحت لوائه بعد ذلك العداء الدموي الذي كان اليهود من دون ريب يستغلونه في تقوية مركزهم، وخشوا على هذا المركز والامتيازات الكبيرة التي كانوا يتمتعون بها ويجنون منها أعظم الثمرات. ولهذا كان باعثاً على تنكرهم للدعوة وحقدهم على صاحب الرسالة صلی الله علیه وآله وسلم منذ الخطوات الأولى في العهد المدني، ولما رأى اليهود الناس قد أخذوا ينصرفون عنهم ويتخذون النبي صلی الله علیه وآله وسلم مراجعهم الأعلى ومرشدهم الأعظم وقائدهم المطاع استشعروا بالخطر العظيم يحدّق بمركزهم الذي يتمتعون به بين العرب و امتيازاتهم التي كانوا يستغلون العرب فيها إذا تم النجاح والاستقرار للنبي صلی الله علیه وآله وسلم ودعوته. ولهذا اندفع اليهود في التنكر والحقد والصد والتآمر إلى النهاية على الدعوة الإسلامية.

ثالثاً: الأمل في إيمان اليهود

كان على اليهود أنْ يكونوا أول المؤمنين بالدعوة الإسلامية لا أن يكونوا أول الكافرين بها، وذلك لأسباب عدة في قبول الدعوة أو على الأقل وقوفهم موقف المحايد ونجمل أهمها:

1. جاء النبي صلی الله علیه وآله وسلم بدعوة كلها سلام لا تبغي ظلماً ولا عداء. قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً»(2)، ولهذا عقد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع اليهود معاهدة على حسن الجوار والتعاون وعلى تأمينهم على دينهم وأموالهم.

1) سورة الأنفال، آية: 56

2) سورة البقرة، آية: 208

2.

إنّ اليهود جماعة سبقت لهم دعوة سماوية أساسها التوحيد والإيمان بالرسالات والمعاد، والقرآن جاء مصدقاً لهم «قُلْ مَا كُنتُ بِدْعَا مِنْ الرُّسُلِ»(1).

3.

إن القرآن الكريم مدح الأنبياء السابقين وقدس كتبهم التي أنزلها الله عليهم وجعل ذلك شرطاً لصحة إيمان المؤمنين ليبين أنّ دعوته ليست عنصرية ولا خاصة.

4.

إنّ التوارة المنزلة من عند الله بشرت بمحمد ورسالته كما قال تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُول النَبِيَّ الامِّي الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبَا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ»(2).

5.

دخول بعض أحبار اليهود المشهور لهم بالعلم والتقوى للإسلام كعبد الله بن سلام أحد رؤساء بني قينقاع كان أهلاً أن يتبعه اليهود في ذلك(3).

6.

استقبال النبي صلی الله علیه وآله وسلم و المسلمين لبيت المقدس مدة سنة ونصف في صلاتهم كما تستقبله اليهود في صلواتهم.

ولكن اليهود أصروا على معاداتهم للدعوة الإسلامية، بل أملوا من وراء ذلك أن ينحاز النبي صلی الله علیه وآله وسلم عن دعوته ودينه إلى دينهم كما قال تعالى: «وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبَعَ مَلْتَهُمْ»(4).


1) سورة الأحقاف، آية 9

2) سورة الأعراف، آية: 157

3) ينظر: صحيح البخاري 3 / 161، السيرة النبوية / ابن هشام 2/ 25

4) سورة البقرة، آية: 120

رابعاً: موقف اليهود من الدعوة الإسلامية

قال الله تعالى: «يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِي * وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِي * وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاة وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ * أَتَأْمُرُونَ النَّاسِ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِي سكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ»(1).

«إنّ هذه الآيات المباركة هي أول ما خوطب به يهود المدينة من الآيات القرآنية المدنية، وهي صريحة الدلالة على أنّ اليهود لم يقابلوا الدعوة الإسلامية التي وجهت إليهم مقابلة حسنة، وفيها إشارة إلى النهي لهم عن أنْ يكونوا أول الكافرين بالقرآن، وعن لبس الحق بالباطل وكتم الحق الذي يعرفونه وهو كون رسالة النبي صلی الله علیه وآله وسلم ووحي الله إليه بالقرآن حقاً وصدقاً، ثم السؤال الاستنكاري عن أمرهم الناس بالبر وعدم سيرهم في طريقه. ففي كل ذلك دلالات على المقابلة غير الحسنة للدعوة التي وجهت إليهم أولا ثم على ظهور إمارات وقوفهم منها موقف الجحود والتعطيل ثانياً. وهنالك عدة أسباب لعداء اليهود للدعوة الإسلامية أهمها:

1.

اعتقاد اليهود أنهم خارجون عن نطاق الدعوة الإسلامية، فإذا هم يدعون إليها والاندماج بها ومساواتهم بالعرب وهم شعب الله المختار الذي له السيادة والسلطان على غيرهم من الأميين فكيف يقبلون ذلك؟

2.

سد النبي صلی الله علیه وآله وسلم على اليهود باب الأمل في مَجْيِئ رسول من سلالتهم


1) سورة البقرة، آية: 40، 41، 42، 43، 44

يحقق لهم أغراضهم، وذلك لتقرير النبي صلی الله علیه وآله وسلم بخاتمية الرسالة ولا نبوة بعده. فكيف يقبلون أن تكون فخر الرسالات لسلالة نبينا إسماعيل علیه السلام؟، كما إن اليهود أنكروا أن تكون هناك رسالة من غير بني إسرائيل، فهم وحدهم الجديرون لاختيار الرسل منهم، ومحمد من العرب الأميين «هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأُمِّیِّيِنَ رَسُولا مِنْهُمْ»(1)، فلذلك لا يعترفون برسالته وقد قال حي بن أخطب وكعب بن أسد وأبو رافع وغيرهم لعبد الله بن سلام حين أسلم: ما تكون النبوة في العرب ولكن صاحبك ملك(2)، وقد أنزل الله تعالى في ذلك: «بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ»(3).

3.

عمل الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم على وحدة وتأليف وتقوية الأوس والخزرج بالإيمان والإسلام، ومعنى هذا تقوية صفهم ضد اليهود وزعزعة مركزهم الذي عمل اليهود طوال أيامهم على الاستئثار بالسلطان وهذا ما لم يكونوا ينتظرون.

4.

انصراف الرسول صلی الله علیه وآله وسلم عن قِبْلَةِ اليهود بعد أن كان مستقبلاً لبيت المقدس لذلك صرّح بعض اليهود مثل سلام بن يشكم وشاس بن قيس حين قالوا للنبي صلی الله علیه وآله وسلم: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا؟(4).

5.

زعم اليهود أن الله الحق هو الذي يعبده بنو إسرائيل فقط ولا يستحق


1) سورة الجمعة آية 2

2) ينظر: السيرة النبوية / ابن هشام 44/2

3) سورة البقرة، آية: 2

4) ينظر: السيرة النبوية / ابن هشام 2/ 44

غيرهم من الأميين أن يكون لهم هذا الإله خالقاً ومعبوداً، ولما كان محمد صلی الله علیه وآله وسلم يدعوهم إلى إله واحد لجميع الناس خالقاً ومعبوداً كان في ذلك تسوية لإله غيرهم بإلههم وكان فيه تسوية لغيرهم به هذا وكيف يرتضيه اليهود؟.

6.

رفض اليهود القرآن المنزل بدعوى أنّ الذي حمله إلى محمد صلی الله علیه وآله وسلم هو جبريل، وجبريل عدو لهم لأنه ينزل عليهم بما يشق من التكاليف فردٌ الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله: «قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ»(1).

7.

أنكر اليهود هناك بشارة في كتبهم أو عَهْداً بالإيمان يبعث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال مالك بن الصيف للنبي حين ذكر لهم ما أُخِذَ عليهم من ميثاق: والله ما عهد إلينا في محمد عهد وما أخذ له علينا من ميثاق(2)، فأنزل الله سبحانه وتعالى: «وَأَوَكَلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا تَبَدَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ»(3)وقد كانَ اليهود يستنصرون على الأوس والخزرج برسول الله قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب ولم يكن من بني إسرائيل كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البَراءِ بن معرور: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك وتصفونه وتذكرون أنه مبعوث، فقال سلام بن مسلم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه


1) سورة البقرة، آية: 97، 98

2) ينظر: السيرة النبوية / ابن هشام 2/ 36

3) سورة البقرة، آية: 100

وما هو بالذي كنا نذكر لكم(1). ثم عهد اليهود إلى تغيير صفاته الموجودة في التوراة واستبدلوا بها صفات أخرى لا تنطبق عليه ليضلوا الناس ويتخلصوا من عهد الإيمان به. قال تعالى: «وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ وتَكْتُمُوا الْحَقِّ وَأَتُمْ تَعْلَمُونَ»(2)، وقال تعالى: «فَوَيلٌ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لَيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِنَا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَا يَكْسِبُونَ»(3).

8.

مكابرة اليهود على غيرهم بأنهم أهل معرفة ولا حاجة لهم بعلم جديد فقلوبهم مملوءة ليس فيها متسع، وهي مغلقة لا تسيغ علوماً غير ما عهدت من علم آبائهم الأولين الذين كانوا خيرا منهم وأعلم، وقد رد الله سبحانه وتعالى على مقولتهم بقوله: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ الله ووَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا»(4)، وقال تعالى: «وَقَالُوا قُلُوبَنَا غلف بل لعنهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ»(5).

9.

تمادي اليهود في العناد فطلبوا من الرسول الأعظم كتاب لهم من السماء يأمرهم فيه بالإيمان به قال تعالى: «يَسْأَلُكَ أَهْلَ الْكِتَابِ أَنْ تُنزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَمرِنَا اللَّه جَهْرَةً»(6).


1) ينظر: دائرة المعارف 30/ 258

2) سورة البقرة، آية: 42

3) سورة البقرة، آية: 79

4) سورة المائدة، آية: 104

5) سورة البقرة، آية: 88

6) سورة النساء، آية: 153

10.

رفض اليهود دعوة الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم لأنها مخالفة لدعوة نبينا إبراهيم صلی الله علیه وآله وسلم الذي زعموا أنّه كان يهوديا ولو كانت موافقة لها لآمن محمد باليهودية ودخل معهم ولا حاجة لدعوة جديدة.

11.

شكك اليهود الناس بطريقة عملية في صدق النبي صلی الله علیه وآله وسلم وكتابه، فقد اقترح عبد الله بن صيف وعدي بن زيد والحرث بن عوف أن يظهروا للناس أنّهم آمنوا، ثم بعد ذلك يعلنون عدولهم عن الإيمان ويجهرون بالكفر، فإذا رأى الناس ذلك قالوا: (لولا أنه ظهر لهم كذب محمد لما عدلوا عن الإيمان به وهم أهل علم ودراية)(1)، وهذا ما حكاه القرآن الكريم بقوله تعالى: «وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وجة النهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»(2).

12.

كان اليهود يتعمدون تَوْجِيْهَ الأسئلة إلى الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم بقصد تعجيزه وإفحامه أمام الناس فقد سألوه عن الساعة والروح وعن ذي القرنين وعما حرم إسرائيل عن نفسه وغيرها ومع إجابته صلی الله علیه وآله وسلم على ما سألوه وأخذ المواثيق عليهم بالإيمان به إن صدقهم في الإجابة فقد كذبوا ولم يؤمنوا.

هذه بعض الأساليب التي اتخذها اليهود للطعن في الدعوة الإسلامية والقرآن الكريم ولكن مثل هذه الأساليب يمكن أن تتكشف وتتحطم إذا كانت هنالك قلعة حصينة من العقيدة القوية وقيادة حكيمة واعية وحراسة متيقظة تفوت على العدو غرضه، وتحمي المجتمع شره وهو ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام إزاء أساليب اليهود، وكان الوحي يؤيدهم لأنهم أخلصوا


1) السيرة النبوية / ابن هشام 36/2

2) سورة آل عمران، آية: 72

النية، وصدقوا العزم فكان الله معهم بالعون والتوفيق.

خامسا: عداء اليهود لمحمد والمسلمين

لم تفلح اليهود في عدائها للدعوة الإسلامية ولم تنجح أساليبهم في غزوهم الفكري للعقيدة الجديدة فلجأوا إلى معاندة الأشخاص وإيذائهم وهذه حيلة العاجز عن معاندة الحق كمبدأ بل أن معاداة اليهود للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين معه كانت تسير جنبا إلى جنب مع معارضة الدعوة في وقت مبكر كأسلوب من جملة الأساليب الكثيرة التي تتفنن فيها اليهود في الإيذاء والإفساد، وهذه بعض مظاهر العداء منها:

1. تناول اليهود بالسب والقدح والاستهزاء شخص محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء أكان ذلك في مواجهته أم من وراء ظهره. قال سبحانه وتعالى: «وَتَسْمَعْنَ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا»(1). وقد تضمنت الآيات صورة موقف ساخر لليهود من النبي صلی الله علیه وآله وسلم حيث كانوا يلوون ألسنتهم بكلمة (راعنا) حتى تكون نعتا للنبي صلی الله علیه وآله وسلم بالرعونة ويجهرون بعصيانه فيما يأمر ويدعو. ويستعملون كلمة (عصينا) بعد (سمعنا) بدلا من الجملة العربية المعتادة (سمعنا وأطعنا) أو (سمعاً وطاعة). ويدعون عليه بالسوء فيقولون: اسمع لا سمعت أو اسمع غير مستجاب، ويقصدون بكل ذلك الانتقاص من الدعوة الإسلامية وشخص النبي صلی الله علیه وآله وسلم والطعن فيهما قال تعالى: «مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحْرِفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَع وَمَا عِنَا لَيا بالسهم وَطَعْنا فِي الدِّينِ»(2).

1) سورة آل عمران، آية: 186

2) سورة النساء، آية: 46

2.

تهديد اليهود للنبي صلی الله علیه وآله وسلم والمؤمنين بقتالهم وبخاصة بعد غزوة بدر وكان ذلك أداة لبداية نقض العهد، فعندما رجع الرسول من غزوة بدر جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال لهم: يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشاً، فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أنّك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال إنك والله لو قاتلتنا لعرفت إنّا نحن الناس وإنك لم تلق مثلنا(1). فأنزل الله سبحانه فيهم: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتَعْلُبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فَتَيْنِ الثقافية تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَ يَرَ وَتَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأَيَ الْعَيْنِ»(2).

3.

عدم تعاون اليهود مع النبي صلی الله علیه وآله وسلم في تنفيذ نصوص المعاهدة من حيث النصرة وتحمل الديات، ففي غزوة أحد لم يتقدموا إلى الرسول صلی الله علیه وآله وسلم بمساعدة ما لرد عدوان قريش(3). على أنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم لم يطلب منهم ذلك لعدم الثقة فيهم عندما عرض عليه الأنصار الاستعانة بهم بمقتضى الحلف.

4.

محاولة اليهود للتخلص من النبي محمد صلی الله علیه وآله وسلم باغتياله ومما عرف من ذلك ثلاث طرق:

الطريقة الأولى: عهد اليهود إلى رجل منهم اسمه لبيد بن الأعصم وهو من يهود بني زريق بإيذاء النبي صلی الله علیه وآله وسلم بالمرض عن طريق كان معروفا للعرب


1) ينظر: السيرة النبوية / ابن هشام 3/ 5

2) سورة آل عمران: 12، 13

3) ينظر: ابن هشام: 2/ 128

وهو السحر(1).

الطريقة الثانية: محاولة اليهود لقتل النبي صلی الله علیه وآله وسلم بالقاء حجر عليه من فوق جدار كان يجلس تحته.

الطريقة الثالثة: حاولت امرأة من اليهود اسمها زينب بنت الحارث وهي امرأة سلام بن مشكم من بني النضير أن تقضي على النبي صلی الله علیه وآله وسلم بواسطة السم عندما أهْدَتْ لرسول الله شاة مطبوخة فيها سم(2).

5.

أذى اليهود للمسلمين اقتصاديا لأنهم كانوا يملكون زمام الثروة المالية فكانوا يقرضون بالربا ويحتكرون الأقوات وفيهم الشح والبخل.

6.

تفريق الصف وتفتيت الوحدة وبث الفرقة بين المسلمين لإضعاف شوكتهم وبسط نفوذهم عليهم.

7.

تآمر اليهود مع المشركين ضد النبي والمسلمين وذلك طبع قديم فيهم يتعاونون مع الشيطان لتحقيق مآربهم، ففي غزوة أحد كان كعب بن الأشرف هو المحرض الأكبر لقريش على الأخذ من المسلمين بثأر يوم بدر، وكذلك غزوة الأحزاب، واليهود حين يَلْجَؤُوْنَ إلى تأليب غيرهم على رسول الله إنما يعملون ضده في الخفاء ويخشون أن يلقوه في حرب مكشوفة فيحرضون غيرهم ليقوم بهذه المهمة وهذا دليل واضح على جبنهم وخوفهم من المسلمين بالذات.

8.

أنشأ اليهود جبهة ثالثة غير المؤمنين والكافرين هي جبهة المنافقين ليكونوا عملاء في الكيد للمسلمين. واليهود الذين دخلوا في الإسلام زيفا كانوا يعادون المخلصين ويودون الفاسقين وهذا ديدنهم إلى يوم الدين.


1) ينظر: صحيح البخاري: 123/4. طبعة الشعب

2) ينظر: السيرة النبوية / ابن هشام 3/ 218

9. تعاون اليهود مع كل حركة عدائية للدعوة الإسلامية والجماعة المسلمين، فقد ادعى النبوة طليحة بن خويلد الأسدي في أيام النبي صلی الله علیه وآله وسلم، وذكر المؤرخون أنّ اليهود ساعدوه في حركته المناهضة لمحمد صلی الله علیه وآله وسلم.

سادسا: مواجهة الرسول عداء اليهود

اشارة

بعد استعراض لموقف اليهود العدائي من الدعوة الإسلامية ومن شخص النبي صلی الله علیه وآله وسلم والمسلمين ونقضهم للعهود وغدرهم أدى ذلك إلى إذن الله لرسوله بتصفيتهم على مستوى الأفراد والجماعات.

أولا: تصفية اليهود على مستوى الأفراد
1.

تصفية كعب بن الأشرف الذي اذى الرسول وحرض قريشا على الأخذ بثأر قتلى بدر أرسل إليه النبي صلی الله علیه وآله وسلم جماعة من الأوس قتلوه بعد 35 شهر من الهجرة(1).

2.

تصفية أبو عفك بإرسال النبي صلی الله علیه وآله وسلم سالم بن عمير فقتله لهجائه للرسول وتحريض قريش عليه، وكان ذلك في شوال السنة الثانية من الهجرة.

3.

تصفية عصماء بنت مروان التي كانت تقول الشعر في هجاء النبي صلی الله علیه وآله وسلم والتحريض عليه فعندما سمعها عمير بن عدي في بدر وهي تعيب الإسلام بالشعر نذر إذا رد الله رسوله من بدر سالما أنْ يقتلها فأذن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك فتوجه إليها ليلا - وكان أعمى - فقتلها وهي بين أولادها نائمة فأثنى عليه النبي صلی الله علیه وآله وسلم وسماه البصير، وكان ذلك لخمس بقين من شهر رمضان عقب غزوة بدر(2).


1) ينظر: السيرة النبوية / ابن هشام 127/2، وينظر: صحيح البخاري 3/ 17

2) صحيح البخاري 3/ 18، وينظر: السيرة النبوية / ابن هشام 2/ 127

4.

تصفية سلام بن أبي الحقيق كان دائما يحرض القبائل التي تربطها باليهود رابطة على حرم النبي صلی الله علیه وآله ولو كان آخرها تحريضه لبني سعد بن بكر ووعدهم على ذلك تمرا من خيبر ولم يزل يتابع التحريض بعد إجلاء قومه بني النضير حتى أرسل النبي إليه جماعة من الخزرج برئاسة عبد الله بن عتيك فقتلوه في منزله بخيبر(1).

5.

تصفية كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق الذي كان من الرؤساء المحرضين على غزوة الأحزاب وقتل في غزوة خيبر(2).

ثانيا: تصفية اليهود على مستوى الجماعات
1.

بنو قینقاع: عندما تعدوا على امرأة من المسلمين وحصل احتدام واصطدام بينهم وبين المسلمين كان ذلك أول غدر ونقض للعهد فتوجه إليهم النبي صلی الله علیه وآله وسلم بجيش حاصرهم خمسة عشر يوما حتى نزلوا على حكمه وكان جلاؤهم في منتصف شوال للسنة الثانية من الهجرة(3).

2.

بنو النضير: حيكت مؤامرة لقتل النبي صلی الله علیه وآله وسلم بإلقاء صخرة عليه، فأخبر الله رسوله بذلك فأنجاه ثم أخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالخبر وأمر بالتهيؤ لقتالهم فحاصرهم ثم غزاهم وأجلاهم فذهبوا إلى خيبر وسار بعضهم للشام(4).

3.

بنو قريظة: عندما تجمعت الأحزاب لحرب النبي صلی الله علیه وآله وسلم بتحريض يهود بني النضير، فقد حرض حي بن أخطب في أثناء الغزوة بني قريظة على نقض العهد غير أن الله تعالى أخبر رسوله الكريم بالمُؤامَرَةِ التي تحيكها


1) ينظر: صحيح البخاري 3/ 18 وينظر: السيرة النبوية / ابن هشام 2/ 127

2) ينظر: صحيح البخاري 3/ 18 وينظر السيرة النبوية / ابن هشام 2/ 127

3) ينظر: صحيح البخاري 66/3

4) ينظر: صحيح البخاري 66/3

اليهود مع المشركين فاستشار الرسول صلی الله علیه وآله وسلم أصحابه فأشاروا عليه بحفر الخندق حول المدينة، وجاء المشركون بمعونة اليهود وحاصروا المدينة وحدثت المنازلة بين الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام وعدو الله عمرو بن عَبْدِ وَدِّ العامري الذي وصفها الرسول الكريم بقوله: (خرج الإسلامُ كُلُّهُ إلى الشِّرْكِ كُلِّهِ) فظفر الإمام علي علیه السلام وقتل عمرو بن عَبْدِ وَد العامري وانكسر معسكر المشركين وتراجع، فما أن رد الله الكافرين عن المدينة بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ونصر الله نبيه على الأحزاب حتى أمر النبي صلی الله علیه وآله وسلم بالتوجه بالجيش إلى منازل بني قريظة فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة ثم نزلوا على حكم رسول الله الذي أيده سعد بن معاذ(1).

4. خيبر: مستعمرة يهودية وَكَانَتْ فيها حصون قوية، وقد أوت إليها جماعة من بني النضير وقاموا بدور كبير في تأليب الكفار على المسلمين في غزوة الأحزاب وفعل المكايد بالإسلام والمسلمين وقد بعث الرسول صلی الله علیه وآله وسلم الإمام علي لفتحها وقال صلی الله علیه وآله وسلم قولته المشهورة: (لأعطين الراية غدا رجلاً يحب الله ورسوله ويفتح الله على يده وليس بفرار)(2)فأعطاها للإمام علي علیه السلام وقال صلی الله علیه وآله وسلم له: (خذ هذه الراية فامضٍ بها حتى يفتح الله عليك)(3)فأخذها الإمام على علیه السلام حتى أتى حصن خيبر فأطل عليه مرحب اليهود من رأس الحصن فقال له: من أنت؟ فأجابه الإمام علي علیه السلام: (أنا علي بن أبي طالب) وهنا اشتبك علي معه فضرب درع الإمام فنصفه نصفين فتناول الإمام علي علیه السلام باب الحصن

1) ينظر: صحيح البخاري 34/3، وينظر: السيرة النبوية / ابن هشام 3 / 108

2) السيرة النبوية / ابن هشام 349/3

3) المصدر نفسه / ابن هشام 349/3

فتترس بها وقتل مرحبا ولم يزل يتترس بالباب وهو يقاتل حتى فتح الله عليه الحصون(1).

5. وادي القرى فتحها النبي صلی الله علیه وآله وسلم وتيماء وفدك صالح اليهود النبي حينما فتح خيبر. وهكذا تم نصر الله لنبيه على اليهود واستتب الأمن في الجزيرة العربية وجاءت الوفود إلى النبي صلی الله علیه وآله وسلم تسلم أفواجا، وأرسلت كتب الدعوة إلى القبائل وتخطت حدود الجزيرة.

1) ينظر: أنساب الأشراف: 2/ 347

الفصل الثالث: اليهود وفلسطين

أولا: سمات الشخصية اليهودية:

إنّ آيات القرآن الكريم رسمت صورة وافية لسمات الشخصية اليهودية، والذي يتضح أنّ هذه السمات ليست خاصة بمكان وزمان لليهود وإنما هي جبلة راسخة متوارثة من الآباء والأجداد غابرين ومعاصرين، وقد وصفتهم الآيات القرآنية بالكفر والجحود واللجاج والأنانية والزهو والتبجح والترفع عن الغير واعتبار أنفسهم فوق الناس وعدم الاندماج الصادق مع أحد والتضليل والتدليس والدس والشره الشديد إلى ما في أيدي غيرهم والحسد الشديد لهم ولو متعوا أنفسهم بأوفر النعم، ومحاولة الاستيلاء على الكل والتأثير في الكل واللعب في وقت واحد على كل حبل واستحلالهم لما في أيدي غيرهم وضنهم بأي شيء لغيرهم إذا ملكوا وقدروا، وعدم مبادلة غيرهم في الود والبر والمحبة وعدم تقيدهم بأي عهد ووعد وميثاق وحق وعدل وواجب وأمانة، وتشجيعهم لكل حاقد وفاسد ومنافق ودساس ومتآمر في سبيل التهديم وشفاء لداء الحسد والحقد والخداع المتأصل فيهم.

ولما تجمعت هذه الصفات الرذيلة في اليهود نظر إليهم المجتمع في كل زمان ومكان نِظْرَةَ ازدراء وسخط فأصبحت النفوس متبرمة بهم، والناس مستثقلون ظلمهم، والحذر رائدهم منهم، وشرهم ومكرهم بالغا الأثر فيهم، والجميع راغب في التخلص منهم بأية وسيلة، ولهذا يعرف عظم هول البلاء الذي رمى به طواغيت الاستعمار العرب والمسلمين بزرع هذا الكيان الصهيوني في أرض فلسطين ليتخلصوا من اليهود وليقضوا مآربهم الخبيثة وهذه بعض سمات الشخصية اليهودية:

1.

يتسم اليهود بالخديعة والتضليل وتواصيهم بينهم بأن لا يتضامنوا ولا يتواثقوا ولا يطمئنوا ولا يتبادلوا المعرفة والمودة مع غيرهم، وأن يكون موقفهم مع المسلمين موقف خداع لا غير، قال الله تعالى: «يَا أَهْلَ الكِتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقِّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ»(1). فالنفاق صفة ملازمة وأصيلة لليهودي، فإن قلبه ولسانه شيئان متضادان.

2.

يعلن اليهود التصميم على عصيان الله عز وجل ونقض ميثاقه وانحرافهم إلى عبادة العجل، وكان النهي عن عبادة غير الله من أمهات تلك المواثيق. قال تعالى: «بِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَقَنَاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً»(2). إنّ اليهود ينفردون دون سائر الأمم بقتل الأنبياء.

3.

قال تعالى: «فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَة»(3)، فقد وصفت كتبهم بأنهم شعب غليظ القلب قتلت الأنبياء وأبناء الأفاعي.

4.

نقمت اليهود على الله تعالى لأنه أنعم على غيرهم بالنبوة وهي نبوة نبينا محمد صلی الله علیه وآله وسلم وهذا ساقهم إلى إنكار ما كانوا يعترفون به ويبشرون به ويعرفون أنّه الحق، ويستفتحون به على الكفار قبل البعثة لشدة الغيظ الذي انتابهم من ذلك. قال تعالى: «وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدَقٌ يما مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَمْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ»(4).


1) سورة آل عمران، آیة: 71

2) سورة المائدة، آية: 13

3) سورة البقرة، آية: 63

4) سورة البقرة، آية: 89

5.

سوء نِيّات اليهود نحو المسلمين وتمني عدم نيلهم بأي نعمة وفضل، واشتراكهم في هذا مع المشركين على الرّغْمِ مِمّا بينهم وبين المشركين من تباعد وتناقض في عقيدة التوحيد. قال تعالى: «وَذَكَيْر مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَردُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُنَّا حَسَدَا مِنْ عِندِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقِّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(1)، فالآية تفصح عن خلق اليهود البشع ورغبتهم في ارتداد المسلمين عن الإيمان بالله إلى الشرك الذي كانوا عليه من شدة حسدهم وغيظهم من بعثة النبي والتفافهم عليه برغم ما ظهر لهم أنّه النبي حقاً وصدقاً.

6.

إنّ اليهود اتسموا بشدة الشح مع سوء الأدب مع خالقهم ورازقهم. ووصفوا الله بالفقر. قال الله تعالى: «وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا أَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَى لَهُمْ م سيطوقون مَا يَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَتَحْنُ أَغْنِيَاءُ تَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ»(2).

7.

قابلية اليهود في إنكار عقيدتهم والتظاهر بعقيدة الآخرين من أجل التحالف للقضاء على النبي صلی الله علیه وآله وسلم و المسلمين فهذا وفد يهودي ذهب إلى مكة لتحريض قريش على النبي والمسلمين والتحالف معهم على استئصال شأفة النبي والمسلمين وقد ذهب اليهود مع زعماء قريش إلى الأصنام فتبركوا بها وحلفوا لهم عندها على صدقهم في مخالفته. وسأل زعماء قريش اليهود بالله ما إذا كانوا هم أهدى في دينهم وعقائدهم من


1) سورة البقرة آية: 109

2) سورة آل عمران، آیة: 180، 181

محمد وأصحابه أم محمدا وأصحابه أهدى، فقالوا: إنّهم هم أهدى، وذلك بقصد إغراء المشركين وتأليبهم على النبي والمسلمين وهذا يدل على دركات الانحراف الديني والوقوف في أي موقف مهما دنؤ وفجر، وتبريرهم كل وسيلة مهما كان فيها وصمة وفسق وعار بسبيل النكاية بمن يَنْصِبُوْنَ له العداء. قال تعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَوَكَاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أَوْلَئِكَ الذينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنَ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا»(1).

8.

إنّ خلق اليهود مجبول على الظلم ومخالفة أوامر ربهم وأخذ الربا الذي نهاهم عنه واستحلالهم أموال الناس وأكلهم بغيا وخيانة وباطلا. قال الله تعالى: «فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتِ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِهِمْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِیراً * وَأَخْذِهِمُ الرِّيَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِیمًا»(2). كما أنّ عدم مبالاة أحبارهم وربانييهم بهذه الأخلاق الرذيلة وسكوتهم عنها وعدم ردعهم كان ذلك مؤديا إلى استشرائها فيهم. قال تعالى: «وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكَاهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَونَا تِهَا هُمُ الرِّئَاتِنُونَ والأحبار عَنْ قَوْلِهِمُ الأَيْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ»(3).

9.

إنّ اليهود لم يتمدنوا وضميرهم ضمير الحاقد وحياتهم حياة القبلية العصبية على الرُغْمِ مِن اتصالها بمختلف الحضارات، فهم يعتزلون


1) سورة النساء، آية: 51، 52

2) سورة النساء، آية: 161

3) سورة المائدة، آية 62، 63

العالم مَعَ اتصال العالم بهم، ولا ينظرون إليه إلاّ نظرة العدو، فالغرور صفة ملازمة لليهود لا تنفك عنهم تملكهم تملك الخَبَلِ للمخبولين فهم في تباهيهم بِأنْفُسِهِمْ مغرقون وفي احتقارهم للعالم أجمع ماضون.

10.

تمادي اليهود في الباطل والنزعات الشريرة فالتأريخ يشهد بما اقترفوا من إثم وما جانفوا من خير، فلم تشرق الشمس على هذه الأرض على شعب أكثر تعطشا إلى دماء البشرية وأنزع إلى الحقد من شعب اليهود بسبب اعتقادهم بأنهم شعب الله المختار وتكبرهم على البشرية، فتراهم يحرقون الأمم بويلاتهم ويجيعون الناس باحتكارهم للطعام ويفرقون المجتمعات بفتنهم، وتكبر اليهود العنيد هو الذي دفعهم إلى تخريب الدول وتفتيت العوائل واشتعال الحروب.

11.

يقود اليهود اليوم تجارة المخدرات في العالم ويديرون مؤسسات القمار في الدنيا وبين هذا وذاك تراهم يؤسسون ويدعمون مؤسسات الفسق والفجور. إنّ سيطرة اليهود على رؤوس الأموال الكبيرة هو الذي سمح لهم بهذه المشاريع الكبيرة والخطيرة، فمع قلتهم يستولون على حركة المال في الدنيا. وتربعهم على قيادة المؤسسة المالية العالمية هو الذي سمح لهم في التدخل في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

12.

اليهود اليوم المُتَمَثِّلُوْنَ بالصهاينة عملاء وَأُجَراء للدول الاستعمارية فعندما نجحت الدول الاستعمارية نتيجة الجهود المتواصلة التي قامت بها بريطانيا وأمريكا بإقامة دولة إسرائيل كثمرة للمشروع الصهيوني كان من الطبيعي أنْ تكون هذه الدولة قاعدة عسكرية للاستعمار الغربي ورأس جسرها لعبورها إلى العالمين العربي والإسلامي، واختيار فلسطين بالذات لتكون على أرضها هذا المشروع الاستعماري يرجع إلى

أهمية موقع فلسطين من ناحية استراتيجية جغرافيا واقتصادياً لأنها تتوسط القارات الثلاث آسيا وأوربا وأفريقيا.

ثانيا: أهمية فلسطين

فلسطين قِبْلَةُ الإسلام الأولى ومهد الأنبياء ولدوا فيها وعلى أرضها درجوا وبين طيات تربتها دفنوا، ولأهميتها جعلها الله سبحانه وتعالى قبلة الإسلام الأولى وقرن اسمها مع قبلته الثانية فقال جل جلاله في محكم كتابه: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْنَا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِبَهُ مِنْ آیَاتِنَا»(1).

إنّ فلسطين قلب العروبة النابض تقع في وسط البلاد العربية، فالصهيونية العالمية والامبريالية التي خططت لاحتلال هذه البقعة المباركة هدفها إخضاع البلاد العربية ومنطقة الشرق الأوسط للنفوذ الاستعماري، وضرب الإسلام في أهم مفاصله ومواقعه.

ثالثا: الحكم الشرعي في مبادرة السلام

إنّ اليهود في فلسطين معتدون في الأصل على دار المسلمين والعرب ومغتصبون لما احتلوه من فلسطين اغتصابا باغيا بمساعدة طواغيت الاستعمار بعد أن حاربوا العرب والمسلمين فيها أشد حرب، وآذوهم أشد أذى، وطردوهم من مدنهم وقراهم، واستولوا على بيوتهم ومزارعهم وبساتينهم وثرواتهم المنقولة وغير المنقولة، وقتلوا الآلاف منهم، ومنهم أطفال ونساء وشيوخ عُزُل غير محاربين ومثلوا فيهم أفضع تمثيل، وهتكوا حرمات العرب المسلمين، ودنسوا مقدساتهم، وأزالوا معالم الإسلام والعروبة ولم يكن بين العرب وبينهم سابق عداء قبل تفكيرهم في غزو فلسطين وإنشاء دولة على


1) سورة الإسراء، آية: 1

أنقاض العرب والمسلمين فيها، بل كان العرب والمسلمون في ظِلِّ السلطان الإسلامي يمنحون من كان منهم في ظِلِّ هذا السلطان الحرية والأمان والطمأنينة في حين كانوا وظلوا معرضين للاضطهاد والمطاردة والمصادرة في كل البلاد الأخر التي كانوا يحلون فيها، فالجهاد المفروض على المسلمين في فلسطين هو الجهاد الدفاعي الذي هو فرض عين كما تقدم تفصيله في الفصل الأول. فلا ينطبق معنى الجنوح إلى السلم على الصهاينة إذا أعلنوا أنّهم يريدون الصلح والمسالمة والسلام مع العرب والمسلمين مع احتفاظهم بما اغتصبوه من دار المسلمين وأموالهم وبالدولة التي أقاموها على أنقاضهم. ولا يجوز للمسلمين والعرب إجابتهم إلى ذلك أو المبادرة إلى السلام مع اليهود حتى لو تركوا بعض ما اغتصبوه واكتفوا بالقسم الذي قررته لهم هيئة الأمم لأنه دار المسلمين والعرب، وليس لهيئة الأمم ولا أي جهة كانت أن تمنح الصهاينة جزءا مهما كان صغيرا من هذه الدار لأن عقيدتنا كمسلمين لا يمكن أن نعترف بأحقية الغاصب حتى لو أن العالم كله اعترف بالكيان الصهيوني، وذلك لأن ديننا الإسلامي لا يعطي أي مبرر أو أية شرعية لأن يوقع المسلم الصلح مع الصهاينة حتى لو كانت السياسة العالمية أن تعطي التبرير أو الشرعية الدولية للاعتراف بإسرائيل. وليس لأحد من المسلمين والعرب حق قبول ذلك، وأي قبول أو تنازل أو تساهل أو تفاوض في ذلك هو خيانة الله ولرسوله وللمسلمين وعلى المسلمين أن يحاربوا كل مشاريع التسوية و مبادرات السلام مع الصهاينة، كما على المسلمين واجب إعداد كل قوة يستطيعونها، والاستعداد بكل وسيلة لمقاتلة اليهود وتضييق الخناق والحصار عليهم بدون هوادة ولا كلل إلى أنّ يقوضوا دولة إسرائيل ويستردوا ما اغتصبه اليهود من أرض فلسطين المقدسة ويطهروها من رجسهم لتعود إلى السلطان العربي الإسلامي كما كانت. «وَإِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَثَبَتْ

أَقْدَامَكُمْ»(1)، «وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ»(2).

وإنّ العمليات الاستشهادية في فلسطين هي من أروع صور الجهاد وأكمل أفرادها فإن الجود بالنفس في سبيل الله هي غاية الجود والتضحية، وقد جاد الإمام الحسين علیه السلام بنفسه عندما رأى أنّ دين الله لا يستقيم إلاّ بسفك دمه فقدمها قربانا الله وَلِسانُ حالِهِ يُرَدِّدُ:

إنْ كان دين محمد لم يستقم *** إلا بقتلي يا سيوف خذيني

وأما قياس العمليات الاستشهادية بالانتحار فهو قياس مع الفارق، وذلك أنّ المنتحر هو يريد التخلص من الحياة الجزعه وضعفه وقصور همته وإرادته، بينما المستشهد في العمليات الاستشهادية يضحي بالنفس من أجل سعادة وحياة الآخرين وطرد الظالمين وإرهابهم، والاستشهاد هو الإقدام على الموت بخطى ثابتة مطمئنة يريد بها إعلاء كلمة الله وفي سبيل الله دفاعا عن الآخرين ونصرة للمظلومين وردعا للمعتدين فأين هذا من ذاك؟ ولكن العقول الناقصة وقوى الاستكبار وشريعة الغاب تقلب الحقائق وتخلط المفاهيم وتذر الرماد في عيون الضعفاء فتسمي الربا بالفائدة والحجاب واحتشام المرأة تعدي على حقوق الإنسان والعمليات الاستشهادية إرهاب وطمس معالم الحضارات بالعولمه والله المستعان كما يجوز في هذه العمليات الاستشهادية أي فعل مما يؤدي إلى إيهام العدو والنيل منه ونجاح العملية وإنْ كان ينافي الأحكام الشرعية من التزي بزي اليهود وترك الحجاب للمستشهدات وغيرها.

رابعاً: آليات الجهاد في المرحلة الراهنة

1. الجهاد العسكري السماح للمتطوعين المجاهدين للدخول في فلسطين

1) سورة محمد، آية: 7

2) سورة الحج، آية: 39

بفتح الحدود لدول الطوق المجاورة، وخلق الخوف والرعب في قلوب الصهاينة. وإمداد إخواننا المجاهدين في فلسطين بالسلاح لديمومة الانتفاضة واستمرارها. وبيان إنّ ما تمتلكه إسرائيل من ترسانة عسكرية كبيرة في المنطقة لا يكون سببا في التقاعس عن الجهاد فإنْ اليهود منذ العصور الغابرة حتى في عصر النبوة كانت لهم حصون وسلاح وكانوا ظانين أنّ حصونهم وسلاحهم مانعهم من أي غزو، ومع هذا انتصر المسلمون مع إمكاناتهم العسكرية البسيطة. وبيان انتصارات الانتفاضة الفلسطينية التي استطاعت أنّ تهز الكيان الصهيوني هو أفضل دليل على ذلك.

2.

الجهاد السياسي وهو بقطع العلاقات السياسية مع إسرائيل ورفض أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني ومبادرات السلام المزعومة جميع مع إسرائيل.

3.

الجهاد المالي وهو إمداد إخواننا المحاصرين في فلسطين بالمال على المستوى الرسمي والشعبي، كذلك دعم الأُسَرِ الفلسطينية بالمال لبناء ما دمره العدو الصهيوني من دور ومؤسسات فلسطينية. فإنّ في فلسطين عيونا باكية دامعة ونفوسا حزينة وقلوبا منكسرة من أرامل وأيتام يتضورون جوعا، وجرحى مقعدين عن العمل يفترشون الغبراء ويلتحفون الزرقاء، وفقراء حائرين لا مأوى لهم ولا يجدون ما يسد رمقهم. هؤلاء هم الذين قاموا بواجبهم فبذلوا أنفسهم لتسلم أعراضهم ودافعوا عن أعز مقدساتهم وديارهم وذبوا عن حياضهم. فبرهنوا في كل المواقف الخطيرة على التضحية والمفاداة في سبيل الدفاع عن كيان الأمة وحفظ الأماكن المقدسة من براثن الاستعمار والخطر الصهيوني المحدق بها فما هو موقفكم يا أبناء العرب والإسلام أمام

هذه الحالة المريعة التي تنفطر لها الأكباد والمرائر وتتمزق لها القلوب، إنّ أرواح شهداء فلسطين الأبرار لتستصر حكم وتناديكم من مستقرها وعالمها طالبة إليكم إسعاف أراملهم وكفالة أيتامهم والقيام بأودهم فما أنتم فاعلون؟ إنّ العرب قد اشتهرت بأقصى غاية الجود وإسعاف المنكود والإيثار على النفس من قبل أن تتكون منها غسان وعدنان وتنقسم إلى مذاهب وأديان وأكد ذلك الإسلام. فإنّ الواجب من سنة التعاون والتضامن من أنْ يكون حق في أموالكم، ومقابلة الإحسان بالإحسان فإنّ إخوانكم عرب فلسطين لم يهملوا واجباتهم طرفة عين وقد عرفتم بالمسارعة والمبادرة إلى كل خير، فعززوا اليوم ثقة العالم بكم وأيدوا ماضيكم فهذا اليوم يومكم، كل فرد قدر طاقته، أرونا نشاطكم وغيرتكم وجودكم وتدفقوا بالنوال عن طيبة نفس وخاطر، وسارعوا إلى صالح الأعمال وإنّ الله لا يضيع أجر المحسنين.

4.

الجهاد الاقتصادي وهو بقطع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل والدول المساندة لها وخصوصا أمريكا وبريطانيا بحرمة شراء البضائع وعقد الاتفاقات التجارية مع شركات الدول المساندة لإسرائيل والاعتقاد بأنّ الأمريكيين شركاء للصهاينة في الحرب والسلاح ضد فلسطين.

5.

الجهاد الشعبي وهو إحياء المسيرات والمهرجانات لتمجيد الانتفاضة ودعمها وتقوية العزائم وإنشاء القصائد للتمجيد ببطولات المستشهدين، وبيان الخطر الصهيوني التوسعي على الأمة العربية والإسلامية.

6.

الجهاد الثقافي وهو أن يدعم الإعلام العربي والإسلامي الانتفاضة الفلسطينية وبيان حق المسلمين في فلسطين وأهمية القدس ومسجد

الأقصى عندهم، وإنّ تحرير القدس والمسجد الأقصى من براثن العدو الصهيوني تكليف شرعي لكل مسلم مسؤول في تقصيره أمام الله سبحانه وتعالى، كذلك تركيز القضية الفلسطينية المركزية في المدارس والجامعات والمحافل الثقافية، ودعم جميع فصائل الانتفاضة والتركيز على وحدة الانتفاضة، ورفع شعار لا سلام إلاّ بطرد الاستعمار الصهيوني. والإيضاح بأنّ إسرائيل تمثل قاعدة عسكرية للدول الاستعمارية من بريطانيا وأمريكا ومن دار في فلكهم لضرب العالم العربي الإسلامي. كما يجب على المسلم العربي أنْ يكون واعيا تمام الوعي لخلفيات عدوه وخططه كلها، وأنْ لا يستسلم ببساطة أو سذاجة للانفتاح عليه دون تحفظ وأنْ لا يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، وإنّ على المؤمنين أن يكونوا أولياء المؤمنين قال تعالى: «لا تَتَّخِذَ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ»(1). فإنّ اتخاذ الكافرين أولياء له خطر عظيم وسلبيات جسيمة بحيث يترك تأثيرات فكرية وعملية تؤدي إلى انقلاب على الأعقاب. قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يردُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَقَلُبُوا خَاسِرِينَ»(2).

ونشر ثقافة الثورة الحسينية عند الطلبة الفلسطينيين في الجامعات والمدارس خاصة، وبيان فضيلة الاستشهاد، وبيان أنّ الانتصار ركنه الأساس هو الإقدام على الموت بخطى ثابتة كأصحاب الحسين علیه السلام، ففي هذه المرحلة الحرجة فإن فكر الثورة الحسينية هو الطريقة المثلى والفكرة النيرة لمواجهة فكر الكيان الصهيوني الاستيطاني التوسعي. ورفع شعار لا صوت إلّا صوت المواجهة ولا


1) سورة آل عمران، آية: 28

2) سورة آل عمران، آية: 149

مواجهة إلاّ بالعمليات الاستشهادية المؤثرة في المجتمع الإسرائيلي، ولا وسيلة لطرد الاحتلال الإسرائيلي إلاّ بالعمليات الاستشهادية وبيان للعالم بأنّ الاحتلال الإسرائيلي هو أعلى درجات الإرهاب. وإنّ تحرير فلسطين يتطلب التضحية بدماء زكية طاهرة من علماء الأمة وقادتها وفقهائها ومن سبر التأريخ فإنّ نقاطه المضيئة من التضحيات هي تضحيات قادته وفقهائه ورجاله العظام، لأنه كلما كان النصر عظيما والمعركة مصيرية يحتاج إلى قربان عظيم ودماء زكية طاهرة معروفة فما دام الجهاد الفعلي في ساحات الوغى منحصر على المجاهدين من الشعوب دون علمائها وقادتها فإنّ هذا يؤدي إلى إضمار شعلة الجهاد وإطفاء نار الشوق نحو الاستشهاد بينما كان سلفنا الصالح من علماء الدين وقادة المسلمين وحملة علم خاتم النبيين في مقدمة جيوش المسلمين لا يسبقهم سابق ولا يتقدم عليهم لا حق. بينما فقهاؤنا وعلماؤنا في هذا العصر يفتون بالجهاد ولم نر أحد منهم في ساحات القتال بل إنّي أجزم أنّهم لا يستطيعون ذبح شاة بل إنّ بعضهم لم يلمس السلاح مدة الحياة، وعندما رأى المجتمع الإسلامي أنّ فقهاءه وولاة أمره قد تغيبوا عن سوح الجهاد خمدت شعلة الاستشهاد في نفوس أبنائه. نسأل الله تعالى أن يرزقنا الشهادة على أشر عباده اليهود. فهل لهذا من سبيل؟ والله يعلم السرائر وهو من وراء القصد.

خامساً: أسباب فشل المسلمين في الصراع الصهيوني

1.

تصغير وتحجيم دائرة الصراع مع إسرائيل والاعتقاد بأنّ الصراع هو صراع فلسطيني إسرائيلي لا صراع إسلامي عربي إسرائيلي، وترسيخ فكرة القطرية وعقد معاهدات السلام مع إسرائيل لأقطار الطوق كل على انفراد.

2.

الاعتقاد الواهم بأنّ السلام هو الخيار الوحيد لحل النزاع العربي الإسرائيلي وإرجاع الحقوق الفلسطينية.

3.

الاعتقاد الواهم بأنّ أمريكا هي الوحيدة الراعية لمشروع السلام بين العرب وإسرائيل بينما تعتبر هي الشريكة لإسرائيل المساندة لها.

4.

تنازلات العرب مرة بعد أخرى المتوالية والتخلي عن جوهر الصراع الذي كان شعاره بأنّ إسرائيل دولة عنصرية غاصبة يجب إزالتها ثم أصبح الشعار (إزالة الكيان الصهيوني)، ثم أصبح (إزالة العدوان)، ثم أصبح الشعار (الأرض مقابل السلام)، ثم شعار (مبادرة السلام والعودة إلى حدود عام 1967 م)، والتخلي عن جوهر الصراع الذي بدأ عام 1948 م.

5.

رد العرب والمسلمين للصهاينة الأفعال بالأقوال وعلى العدوان بالاستنكار والسنان بالأقلام.

6.

الاعتقاد الواهم بأنّ إسرائيل أقوى دولة عسكرية في المنطقة ومن الدول العربية فضلا عن دول الطوق، وهذا المنطق مخالف للمنطق القرآني: «وَأَعِدُوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ»(1)لا إعداد بمثل ما أعدوا لكم، والتاريخ خير شاهد على ذلك في انتصار المسلمين والدليل على ذلك من واقعنا المعاصر فإنّ مع الضعف العربي والوهن الإسلامي والصمت فالانتفاضة الفلسطينية أثبتت نصرها ومواجهتها لأقوى ترسانة العالمي عسكرية ومؤسسة عسكرية عنجهية.

7.

عزل الدين عن المجتمع وتحريف المفاهيم الدينية وتفسيرها تفسيرا مؤطرا بإطار الفرد لا يتخطاه أنملة، وكان الدين لا يمس المجتمع بصلة، ففسرت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة أكثرها بل جلها تفسيرا فرديا وكأنه لا علاقة لها بالمجتمع ولا مساس لها بالأمة، وكأنّ الغاية من


1) سورة الأنفال، آية: 60

بعث الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم وإنزال القرآن العظيم هو إيصال الأفراد كأفراد إلى الكمال المطلوب ليس إلّا، فكل حكم يتعلق بالمجتمع عطل أو فسر على أنّه حكم فردي، فالجهاد عند هؤلاء المفسرين هو جهاد الفرد لنفسه دون غيره من أقسام الجهاد وهو جهاد الأمة للدفاع عن نفسها أو جهاد الدعوة إلى الإسلام. كما علينا أنْ نهتم بفقه المجتمع بمقدار اهتمامنا بفقه الأفراد، فإنّ معرفة مسائل وأحكام وأقسام الجهاد الذي هو سنام الإسلام وعزه أن يكون عند المؤمنين يمثل معرفتهم لأحكام العبادات من صلاة وصوم وزكاة.

8. الخطورة على الإسلام بتصدي من ليس أهْلاً للإفتاء ونصب نفسه من علماء المسلمين ممن يحمل بعض العناوين البارزة مثلا أستاذ في الجامعة في اختصاص الفلسفة فيتكلم عن الجهاد وإنّ أحكامه مختصة في زمن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم، أو أنّ على المسلمين في فلسطين وجوب الهجرة خارجها لأنهم مستضعفون، أو وجوب السلام مع إسرائيل وغيرها من الفتاوى التي لم ينزل الله بها من سلطان فقد ابتلي العالم الإسلامي بمؤمنين لا يعقلون سطحيون في نظرهم جامدون على ما ورثوه من ماضيهم، وعاقلين لا يؤمنون انسلخوا من ماضيهم المجيد وأصبحوا أتباع المدنية الغربية بكل حذافيرها، نسأل الله تعالى أن يجعل علماءنا مؤمنين عاقلين.

سادسا: موقف علماء النجف الأشرف من قضية فلسطين

إنّ لعلماء النجف الأشرف اليد الطولى في محاربة اليهود، فقد حاربهم جدنا الأعلى الشيخ جعفر كاشف الغطاء صاحب كتاب (كشف الغطاء) المُتَوَفُى سنة (1228 ه) يوم احتل اليهود أراضي الحلة الفيحاء قرب مرقد ذي الكفل علیه السلام وحاولوا تهويد أهلها، فانبرى الشيخ للسفر لأهلها مع جملة

صالحة من تلاميذه ما انفك الشيخ جعفر يحارب اليهودية بيده ولسانه وقلمه بعد ما أتقن اللغة العبرية ودرس التوراة، وقد أسلم على يده منهم رهط کثیر(1). ثم قامت علماء أسرة آل كاشف الغطاء جيلا بعد جيل بمحاربة اليهود العنصريين بأقلامهم وألسنتهم ونفوسهم فقد استنهض المرحوم الشيخ هادي كاشف الغطاء في جمادي الآخرة سنة 1356 ه المسلمين واستفزهم في دفع اليهود عن فلسطين في فتوى نقتبس منها: (أما بعد فقد بلغكم وملأ أسماعكم ما أفتى به علماؤكم الروحانيون زعماء الدين وأئمة المسلمين وحجج الله على العالمين من وجوب الجهاد على كل مسلم في شرق الأرض وغربها العربي والفارسي والهندي والتركي من سائر الأقطار والأمصار والشعوب أعدوا لهم ما استطعتم من قوة بالكتب والكتائب والخطب والرسائل والاستنهاض والاستنفار والترغيب والترهيب واللسان والسنان والأموال والرجال وغير ذلك من شتى الوسائل التي يحصل بها النصر على أعداء الدين المعتدين الآثمين من اليهود في فلسطين الذين يريدون أنْ يستعبدوا الأحرار ويملكوا نواحي العباد، ويأبى الله ورسوله وأنوف حميت وشيم عربية. فيا أبطال الوغى ويا ليوث الهيجاء ويا قادة جندنا ويا أباة الضيم ويا حماة العرين طيبوا عن أنفسكم نفسا وسيروا إلى الموت سيرا سجحا، وأعيروا الله جماجمكم ساعة حتى ينجلي عمود الحق وأنتم الأعلون، واعلموا (أنّ الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الواقية فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل والهوان وشمله البلاء والخسران)(2). وقد أنهى فتواه بقلب مكلوم وصدر مألوم.

كما وقف المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء مواقف مجيدة


1) ينظر: بين جامعة الإمام كاشف الغطاء و مجمع البحوث الإسلامية / السيد كاظم الكفائي 40

2) ينظر: المصدر السابق: 48، 49

للدفاع عن فلسطين فسافر إلى المؤتمر الإسلامي في فلسطين وبمعيته الشيخ عبد الرسول كاشف الغطاء، وأوضح للعالم الإسلامي خَطَرَ الصهيونيين، وخطب الخطب العديدة في محافل حاشدة واجتماعات حافلة بعبارات كلها بينات مستنهضا هممهم(1). وقد صدرت منه عدة نداءات حول قضية فلسطين منها ما نشرته جمعية الدفاع عن فلسطين رقم (11) بغداد / السبت في 6 آب 1938 م في 5 جمادي الآخرة 1357 ه نصه: (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم أيها العرب أيها المسلمون بل أيها البشر وأيها الناس أصبح الجهاد في سبيل فلسطين واجبا على كل إنسان لا على العرب والمسلمين فقط. نعم هو واجب على كل إنسان لا بحكم الأديان والشرائع فقط بل بحكم الحس والوجدان ووحي الضمير وصحة التفكير والخطة العملية في ذلك أنّ من يستطيع اللحوق بمجاهدي فلسطين بنفسه فليلتحق بهم ولا أقول: إنّي ضمين له أنّه كالمجاهدين مع النبي صلی الله علیه وآله وسلم في بدر، فإنّ المقام أجلى وأعلى من ذلك المقام مقام شرف وغيرة وحس وشعور لا مقام طلب أجر وثواب وإنْ كان ذلك بأعلى مراتبه، ومن لم يستطع اللحوق بنفسه فليمدهم بماله إمّا بتجهيز من لا مال له ليلحق بهم أو بإرسال المال إلى المجاهدين وعيالهم وأطفالهم، ومن عجز عن كل ذلك فعليه أن يجاهد ويساعد بلسانه وقلمه ومساعيه جهد إمكانه وهذه أدنى المراتب، وليكن كل أحد على علم جازم أنّ القضية قضية موت العرب وحياتهم)(2).

ثم أفتى الشيخ علي كاشف الغطاء بوجوب الجهاد عن فلسطين في سنة (1376 ه) في نداء وجهه لعامة المسلمين الذي نشرته الصحف تحت عنوان:


1) الخطب الأربعة 12

2) ينظر: بين جامعة الإمام كاشف الغطاء ومجمع البحوث الإسلامية / السيد كاظم الكفائي: 60، 61

(النداء العام في الجهاد عن فلسطين)(1)ونقتطع بعضا من نصوصه: أيها المسلمون إنّ من هزل الدهر أنْ يتطاول على أمة محمد صلی الله علیه وآله وسلم شرذمة لفضها الغرب على شاطئ البحر وقاءتها اليهودية على فلسطين ومن أغلاط الزمن أن يشين كرامة أبناء الضاد تحت سمائهم فئة باغية تعد بالأصابع.

يا أمة محمد صلی الله علیه وآله وسلم إنّ الدفاع عن فلسطين باب من أبواب الجنة فمن تركه ألبسه الله ثوب الذل والهوان ومني بالبلاء والخسران، فجاهدوا في سبيل الله أعداء الله المعتدين الآثمين الذين يريدون أنْ يستعبدوا أحراركم ويسلبوا دياركم وأراضيكم، فسارعوا إلى كبح جموعهم بعزم ثابت وقدم راسخ «وَاعِدُ والَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قَوْةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدَوَ اللَّهِ وَعَدُوكُمْ»(2)، فإنكم «إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَبَتْ أَقْدَامَكُمْ»(3)حتى ينجلي عمود الحق وأنتم الأعلون «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»(4)وعند زيارة الشيخ علي كاشف الغطاء في 19 محرم الحرام المصادف 1965/5/20 م إلى غزة الذي كان يترأس الوفد العراقي لمؤتمر البحوث الإسلامية في القاهرة وبمعيته شيخ الأزهر العلامة حسن مأمون ورهط كبير من رجال الدين فلما وصل بهم المسير إلى دار حنون حيث كانت الحدود الفلسطينية والحدود اليهودية المغتصبة، تَأثْرَ الشيخ علي كاشف الغطاء كثيرا على ضياع أرض الوطن العربي بيد اليهود المغلولة فانفجر سماحته كالبركان ثائِراً بشقشقة هدرت، فتصاعدت من صدر سماحته الحسرات والأنات بخطبة


1) ينظر: بين جامعة الإمام كاشف الغطاء ومجمع البحوث الإسلامية / السيد كاظم الكفائي: 60، 61

2) سورة الأنفال، آية: 60

3) سورة محمد، آية: 7

4) سورة آل عمران، آية: 169

حماسية ارتجالية وكان لها وقع عظيم في ذلك الجمع الحاشد أبكت الجميع وخشعت لها القلوب والنفوس. وفي أيام حرب سنة 1967 م كان الشيخ علي يحرض الجماهير العربية والإسلامية ويبعث الحماس فيهم بقلمه ولسانه على نصرة القضية الفلسطينية كما أعلنت الصحف اليومية صوم الشيخ علي نصرة للعرب والمسلمين على الصهاينة المجرمين وقد طلب من رجال الدين أنْ يستغلوا جميع إمكانياتهم للمساهمة في نصرة الجيوش العربية، وأن يبينوا للمسلمين أبعاد المؤامرة الصهيونية التي حيكت لضرب الأمة العربية والإسلامية بالاشتراك مع أعدائهم ومتربصي الدوائر بهم. ثم بعد هذا أقام مجلس الفاتحة على أرواح الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن فلسطين في جامعته في النجف الاشرف ثم أصدر سماحته نداءا عاما للمسلمين نشرته الصحف العراقية بتاريخ 16 جمادي الثاني سنة 1387 ه المصادف 20 أيلول سنة 1976 م تحت عنوان: (الإمام كاشف الغطاء يدعوا المسلمين لتحرير الأراضي المقدسة)، وقد طلبت منظمة فتح فتوى بالجهاد من الشيخ علي كاشف الغطاء بتاريخ 1969/1/15م فأجابهم على ذلك، كما احتج سماحته لدى الأمم المتحدة وجمعية حقوق الإنسان على الجريمة التي اقترفتها الصهاينة بدفنها عددا من العرب الأحياء بتاريخ 2/23/ 1969 م، كما استنكر سماحته جريمة الصهاينة بإحراق المسجد الأقصى الشريف، وناشد كافة الشعوب الإسلامية والجيوش العربية والفصائل الفدائية بتشديد الضربات الساحقة إلى الصهاينة والمستعمرين لارتكابهم الجريمة البشعة النكراء بحق أولى القبلتين وثالث الحرمين المسجد الأقصى لدى أهل الشهادتين، وقد جاء ذلك في برقية بعث بها سماحته ردا على برقية تلقاها من الاتحاد العام لطلبة فلسطين والاتحاد العام لعمال فلسطين واتحاد المرأة الفلسطينية، وجاء في برقية سماحته: (لقد كان لبرقيتكم الأثر البليغ في نفوسنا فقد زادت بها لواعج الأشجان والأحزان، وإنّ عبراتي في هذا المجال تسبق العبرات، وإنّ زفراتي تمتزج

بالحسرات على العمل الإجرامي الذي ارتكبته الصهاينة بانتهاكهم حرمة المسجد الأقصى. فيا لله وللمسجد الأقصى من هؤلاء العتاة المردة فأين ذوي النجدة من الصلحاء والأبرار ومنشدي العدالة الإنسانية في شرق الأرض وغربها من استرجاع الحق لأهله وتطهير الأرض)(1). وقد أجاد الشاعر بقوله:

فمتى ترى للعرب جيشا واحدا *** وشعاره يوم الهجوم الثارُ

بِهُدى رسول الله سار وعزمه *** في النائبات يَؤُمُهُ الكرارُ

ويعيد وقعة مرحب وصريعها *** في تل أبِيْبِ عِجْلُها الخَوّارُ

وما زالَ مشايخ آل كاشف الغطاء أحفاد أولئك الرجال يبذلون الغالي والنفيس من أجل تحرير المسجد الأقصى في فلسطين من براثن الغزاة الطامعين.

كما أعلن كبار علماء الدين ومراجع المسلمين ورؤساء المؤسسات والجمعيات الدينية في النجف الأشرف الجهاد ضد الصهاينة المجرمين ودعوا المسلمين للوقوف صفا واحدا للقضاء على دويلة العصابات إسرائيل اللقيطة من خلال فتاويهم إلى مقلديهم وتصريحاتهم إلى وكالات الأنباء ومراسيلها ومناشدتهم لقادة العرب والدول الإسلامية بالوقوف أمام الهجمة الصهيونية(2).

إنّ الفكر الإمامي الاثني عشري يعتبر اليهود أشد أعدائه على هذه الأرض على مر التاريخ لاعتقاده بأنّ الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم استشهد بمؤامرة يهودية وذلك بسمه من قبل امرأة يهودية بشاة مسمومة، وإنّ إمام المتقين وسيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام قد قتله ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم، وإنّ الإمام الثاني عشر المهدي بن الحسن عجل الله فرجه


1) مجلة العدل / الجزء العاشر والحادي عشر / السنة الثانية / 1387 ه - 1967 م

2) جريدة الفرات / العدد (103) / السنة الثالثة / الاثنين / 24 صفر / 1423 ه

سوف تقتله امرأة يهودية برميها حَجَراً على رأسه بعدما يقضي على اليهود ويصلي في القدس الشريف ويقتل كل يهودي حتى ينطق الحجر فيقول: خلفي يهودي فاقتله أيها المسلم، ومع هذا ألصق أعداء الإسلام بأنّ التشيع أصله يهودي لإضعاف هذا الفكر الثوري الذي قدم على مر الأزمنة والسنون أنهار من الدماء الزكية من قبل أئمته وأتباعه في سبيل الله ودفاعا عن الإسلام والمسلمين.

وفي الختام أخاطب الأمة العربية والإسلامية: أيتها الأمة ثقي إنّ آخرك لا يصلح إلاّ بما صلح بِهِ أولك، وأعلمي إنك لا تستعيدين مجدك المندثر وعزك التليد إلاّ إذا رجعت إلى تعاليمك الناصعة فهي خير كفيل لتحقيق ما تريدين، فجددي الدعوة ووحدي بين الصفوف وأعيدي سيرتك الأولى في التضحية والجهاد، فلم يصبنا ما أصابنا من ذل واستعمار إلاّ بعد أنْ ضربنا بتعاليمنا ظهريا وغيرنا ما بأنفسنا، وإنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وتلك سنة الله في الأمم ولن تجد لسنة الله تبديلا.

أيها العرب إنّ نبيكم لم يمت فهذه تعاليمه ناصعة وهذا قرآنه حي إلى آخر الأبد فسيروا بنوره، وشقوا لكم طريق الخلاص، وإنّ الله سبحانه مع الجماعة، واعلموا إن الله لا يضيع أجر العاملين.

المصادر

1.

القرآن الكريم.

2.

أحكام البغاة والمحاربين في الشريعة الإسلامية والقانون / الدكتور خالد رشيد الجميلي / رسالة دكتوراه دار الحرية للطباعة / بغداد / 1979 م.

3.

إسرائيل والدولة العربية المحيطة بها / سيف الدين عبد القادر / مطبعة شفيق / بغداد / 1965 م.

4.

أصل الشيعة وأصولها / الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء / تقديم الشيخ محمد اليعقوبي.

5.

انساب الأشراف / أحمد بن يحي بن جابر البلاذري (ت 276 ه - 892 م) / حققه وقدم له الأستاذ الدكتور سهيل زكار والدكتور رياض زركلي / مكتب البحوث والدراسات في دار الفكر / بيروت الطبعة الأولى / 1417 ه - 1996 م.

6.

بحار الأنوار / العلامة المجلسي (ت 1110 ه) / مؤسسة الوفاء / بيروت / لبنان / 1404 ه.

7.

بين جامعة الإمام الشيخ علي كاشف الغطاء في النجف ومجمع البحوث الإسلامية في القاهرة / السيد كاظم الكفائي / مطبعة الآداب / النجف الأشرف.

8.

تاريخ بني إسرائيل من اسفارهم / محمد عزة دروزة / منشورات المكتبة العصرية / بيروت / 1389 ه - 1969 م.

9.

جريدة الفرات / العدد (103) / السنة الثالثة / الاثنين / 24 صفر / 1423 ه.

10.

حقيقة اليهود / الأستاذ خير الله طلفاح / الجزء الثامن / دار الحرية للطباعة بغداد / 1979.

11.

حكم السلام مع إسرائيل / سماحة السيد حسين الصدر / الناشر مكتبة

الأمير / بغداد / مطبعة المغرب / 2002 م.

12.

الخُطَبُ الأرْبَعُ للشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء / جمعها ونشرها نوري كاشف الغطاء / النجف الأشرف مطبعة الراعي.

13.

دائرة المعارف المسماة بمقتبس الأثر ومجدد ما دثر / الشيخ محمد حسين الشيخ سليمان الأعلمي / منشورات مؤسسة الأعلمي / بيروت / الطبعة الأولى / 1392 ه - 1972 م.

14.

دراسات إسلامية / مجلة فصلية علمية / بيت الحكمة / العدد الأول / السنة الأولى / 1420 ه - 2000 م.

15.

الدول الكبرى والصراع العربي الإسرائيلي / كامل حمدان وسلمى حداد وميشيل كامل وسمير كرم / المؤسسة العربية للدراسات والنشر / 1976 م.

16.

الدين والإرهاب / الدكتور رشدي عليان والدكتور قحطان الدوري والدكتور سعدون محمود الساموك / مطبعة الرشاد / بغداد / 1408 ه - 1988 م.

17.

السيرة النبوية / ابن هشام / تعليق طه عبد الرؤوف سعد / دار الجيل / بيروت / 1975.

18.

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ودوره الوطني والقومي / حيدر نزار عطية / رسالة ماجستير / معهد التاريخ العربي / 1422 ه - 2002 م.

19.

صحيح البخاري / البخاري / بغداد / 1986 م.

20.

كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء / الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1156 ه - 1228 ه) / مطبوعات مكتبة كاشف الغطاء في المدرسة المهدية الدينية / النجف الأشرف / 2000 م - 1422 ه.

21.

الكافي الكليني (ت 1081 ه - أو 1086 ه) / منشورات المكتبة الإسلامية طهران.

22.

لأجل أنْ نكسب المعركة الفاصلة / السيد إبراهيم السيد أحمد الفاضلي/

مطبعة القضاء / النجف الاشرف / 1387ه - 1967 م.

23.

لسان العرب / ابن منظور / إعداد وتصنيف يوسف اللخياط ونديم مرعشلي / دار لسان العرب / بيروت.

24.

لماذا أكره إسرائيل / أمين سامي الغمراوي / دار النهضة العربية / القاهرة / 1964 م.

25.

المرشد العربي / الشريف عبد الله آل علوي الحسيني / 1348 ه / السنة الأولى / مطبعة الترقي / اللاذقية / سوريا.

26.

مجلة العدل / الجزء العاشر والحادي عشر / السنة الثانية / 1387 ه - 1967 م.

27.

مقارنة الأديان / اليهودية / دكتور أحمد شلبي / مصر.

28.

مكانة القدس في الإسلام الشيخ عبد الحميد السائح / منشورات لجنة إنقاذ القدس / 1388 ه - 1968 م.

29 مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام / السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري / مطبعة الآداب / النجف الاشرف / 1401 ه - 1981 م.

30.

النشاط الصهيوني في العراق 1914 - 1952م صادق حسن السوداني / دار الحرية للطباعة بغداد / 1400ه- - 1980م.

31.

نهاية إسرائيل والصهيونية / عبد الحميد واكد / من إعجاز القرآن والسنة / مطبعة البلاغ / مصر.

32.

وجوب النهضة لحفظ البيضة / السيد محمد الحَسَنيّ البغدادي النجفي / مطبعة القضاء / النجف الاشرف / 1388 ه - 1967م.

33.

وسائل الشيعة / الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104 ه) / تحقيق وتصحيح الأغا الميرزا عبد الرحيم الرباني / منشورات المكتبة الإسلامية / طهران.

التحديات توحد الكلمة

اشارة

«11»

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قال الحق سبحانه في محكم كتابه المجيد:

«إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِي»

صدق الله العلى العظيم

المقدمة

الحمد لله الذي أمرنا بالاعتصام بحبله المتين، ونهانا عن النَزّاع والفرقة في كتابه المبين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله الطاهرين محكم وأصحابه الميامين.

وبعد:

إنّ منهج الوفاق والوحدة بين المسلمين هو من الأهداف الكبرى للإسلام قال الله تعالى «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كثر أعداء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا»(1).

إن في المسلمين اليوم أمس الحاجة إلى جمع الكلمة، وتوحيد الرأي،


1) سورة آل عمران، آية: 103

والتأليف بين فرقهم وطوائفهم، والكف عن نشر ما يوجب التفريق والتحزب بلا فائدة ترجى ولا إصلاح يرتقب لما تمر به الأمة العربية والإسلامية من ظرف عصيب حيث أن العدوان عليها من كل جهة ومكان وبكل أساليبه الوحشيةً من العدوان العسكري والحصار الاقتصادي والغزو الفكري باسم العولمة، ولقد علم الكل أنه مرت قرون وقرون والفرق الإسلامية وطوائفها في جدال وخصام ورد و انتقاد و احتجاج واستدلال وشتم وسباب حتى ملئت الدفاتر وكادت تفنى المحابر، ولم يزد ذلك إلا تعصب كل فرقة لمذهبها، وتصلب كل طائفة المبدئها، وحرص كل فئة على مقالتها، ولم يقتنع طرف منهم بما جاء به الآخر من برهان ساطع أو حجة بينة، فكان الأجدر والأولى بعد الوقوف على ذلك كف بساط القدح والانتقاد والتعرض لما يثير الاحقاد ويورث العناد ويُوْرِي زِناد الفِتْنَة ويوقِدُ أوارَ المحنة. وفي هذا الوقت العصيب المنذر بالمصير الرهيب ولما يحيط بنا من التحديات علينا أن نستذكر أننا مسلمون ديننا واحد وربنا واحد وكتابنا واحد ورسولنا واحد وأهدافنا في الحياة واحدة، أعداء لنا لا بحكم أننا شيعة أو سنة ولكن بحكم أننا مسلمون تجمعنا أهداف الإسلام وأصوله، وأن ننصرف عن جميع الخلافات وننسى وأعداؤنا العصبيات.

إنّ كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة خرجت في الوقت الحاضر من طور الدعوة والبرهان والحجة والبيان إلى الضرورة الحتمية بأنْ ترى بالعين وتلمس باليد لا أن تلفظ فقط باللسان للظروف والتحديات المحيطة بنا، فيلزمنا العمل والصدق والإخلاص والتضحية والمفاداة وهي الحياة أو الممات، فلا وقت للكتابة والأقوال بل للجهود والأعمال، ولا يلزم من هذه الدعوة إزالة المذاهب الإسلامية ولا إضعاف ولاء المسلمين لمذاهبهم، وإنما تنشد إزالة العداوة المتبادلة بين أهل المذاهب والتقاطع والتنافر والتناحر، لأنه لا تلازم

بين وجود المذهب والولاء له وبين عداوة المنتسبين إلى المذاهب الأخرى وبغضهم. ولكن مما يُكْلِمُ القلوب، ويُشجي الأفئدة، ويزيد الطين بلة، ويجعل العقول صرعى أن بعضاً من علماء المسلمين ما زالوا يتراشقون بعضهم ببعض، ويتجاهلون خطورة المرحلة التي تمر بها الأمة الإسلامية، فإن الدول الاستكبارية والاستعمارية ومن لفّ لفهم أصبحوا يَسِمُون العناوين بكون هؤلاء من المجاهدين أو من الإرهابيين، بل يصطفون مع فئة في زمن بعنوان أنهم مجاهدون، وفي فترة أخرى يحاربونهم بعنوان أنهم إرهابيون، مما جعلنا أضحوكة أمام أعداء الإسلام والمسلمين، وأصبحنا اليوم (نهزة الطامع ومذقَة الشارب) قد أحاطت بنا الأعداء، وسلكت لمحو الإسلام سبل الحيل والدهاء، يريدون الاستيلاء علينا لسلب نعمنا وابتزاز ثرواتنا.

إن الاختلاف الواقع بين الطوائف الإسلامية لا يمنع من التحرك في الاتجاه الإيجابي، والوقوف على أرض مشتركة لخدمة الإسلام والدفاع عنه، وإن كان لكل طائفة قضاياها الخاصة، فإن الظروف المحيطة بنا تحتم علينا أن ندافع عن الإسلام وأن تذوب جميع الخصوصيات في هذا الظرف والانصهار في بوتقة واحدة حتى تكون كتله واحدة متماسكة، فإذا لم نتحد أمام هذه التحديات للإسلام وأهله فأي ظرف سوف يوحدنا؟ إن الله جل وعلا سيمتحن إيماننا بهذه المواجهة الاستكبارية فهل نترك خلافاتنا ظْهِرّياً ونتحد لمواجهة الاستكبار ويكون هدفنا الأساسي هو نصرة الإسلام والدفاع عنه؟ فليعد المسلمون إلى إسلامهم وليرجعوا إلى الله تعالى وليعتصموا بحبله ويلتزموا بكتابه فسيجدون أمة واحدة وهدفاً واحداً، فإن الخلاف في الفروع الفقهية لا يكون أبداً حائلاً عن ارتباط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير ووحدة المصير. ألسنا مطالبين بأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا؟ هؤلاء أصحاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم كان يخالف بعضهم بعضاً في الإفتاء فهل أوقع ذلك اختلافاً بينهم؟ وهل فرق

وحدتهم أو فرق رابطتهم؟ إنّ دعوتنا للمسلمين كافة إلى هدف واحد هو الحفاظ على الإسلام، وإن كل ما يضعف الإسلام أو يعرضه إلى الخطر يجب تركه وتصديه وتجاوزه مهما كان شعاره أو حجيته أو دعواه أو ظرفه، كما أن جميع الحواجز والوسائل والعوامل التي تؤدي إلى ضعف الإسلام يجب طرحها ومحاربتها وتجاوزها، وطي بساط البحث والكلام في مسائل الفرقة والاختلاف، فإن علماء المسلمين كتبوا في مسائل الخلاف أكثر مما كَتَبوا في مسائل الوفاق والاتفاق، والاشتغال بما هم إليه أحوج، والله تعالى هو الموفق إلى الصواب. كما إن طرح وصايا ونصائح وتوجيهات وحلول للوحدة الإسلامية والتي لا تمس الواقع في جو مُفْعَم بالمثالية والخيال، والحديث عن الإسلام بلا مذاهب وطوائف كما لو كان الإسلام لا يواجه عُقَدَاً صعبة. كل أولئك من الخطأ في الرؤية مما كان سبباً مهما من أسباب إحباط معنويات المسلمين بفعل كثرة الشعارات التي تتناول الوحدة الإسلامية والتضامن الإسلامي في المؤتمرات والمعاهدات التي تدعو إلى الدفاع عن مصالح المسلمين المهدورة في قرارات وتوصيات لها أول وليس لها آخر والتي تدير هذه المؤتمرات الدول الاستعمارية وتكون نتيجتها الصراع بين المسلمين بعضهم مع بعض.

إن سياسة الدول والأمم في العالم اليوم قائمة على التكتل والتحالف والانضواء في مجموعات متعاونة يسند بعضها بعضا، ويدفع بعضها عن بعض، وإنهم يلتمسون أوهى الأسباب والروابط ليرتبطوا بها، أما المسلمون فدينهم واحد وكتابهم واحد وهدفهم في الحياة والممات واحد، وكل شيء بينهم يدعو إلى الإلْفَة ويساعد على الوحدة، فمن الخير لهم ديناً ودنيا أن يتفقوا ويتكتلوا وينسوا خلافاتهم ويذكروا فقط أنهم مسلمون، وإنّ المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وإنّ الله أمرهم في كتابه العزيز أنْ يعتصموا

بحبله، وأن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، وألا يكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات. فيا أيها المسلمون اعتمدوا روحانية الإسلام، وتحرروا من رق المادة، وتطهروا من لذة الشهوات والأهواء، وترفعوا عن سفاسف الأمور ودنايا المقاصد فإن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها، وجاهدوا في سبيل إعلاء كلمة الله، وذودوا عن حياض شريعة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إعزازا لدينكم، وكونوا رهباناً بالليل فرساناً بالنهار. ولتكن لكم إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره. وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تبنى المبادئ، وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنا طويلاً.

وكلمتي الأخيرة هو الدعاء للجميع بالتوفيق لإصلاح ذات البين وجمع الكلمة ووحدة الصف واعزاز دين الإسلام أمام هذه التحديات العنجهية الشرسة. قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز «وَلا تَناعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ»(1)صدق الله العلي العظيم.


1) سورة الأنفال، آية: 46

الخطوات العملية على طريق الاتفاق:

اشارة

هذه بعض نقاط الاتفاق بين المسلمين والتي يمكن أن تجمعهم تحت هدف واحد منها:

1.

البحث عن مواطن الالتقاء والتصورات الإسلامية للقضايا العامة، وإثارة الشعور بالمسؤولية تجاهها، وتقديم الشواهد التاريخية على المواقف أثناء الواعية التي كان يقفها قادتنا الإسلاميون التاريخيون في خلافاتهم مواجهتهم لتحديات الكفر والضلال، وكذلك الوقوف ضد الفكر الإلحادي والإباحي والتطبيع الاستعماري والاستكباري، والوقوف من قضايا الشعوب المستضعفة مثل قضية فلسطين موقف المساند المستميت، وبيان الظلامة الواقعة على المسلمين مثل قضية الحصار على العراق، ومواجهة الغزو للفكر الغربي مثل العولمة، والرد على الدعوات التي تحاول تشويه صورة الإسلام بين أديان العالم بنشر أفكار الإسلام والتعريف به، وإن هناك وحدة إسلامية في المعنى المضموني للإسلام.

2.

أن نعتبر تاريخنا عبرة لنا بما يحمل من سلبيات وإيجابيات، ولا نسمح له بأن يطبع في شخصيتنا أي تأثير في تفريقنا وفرقتنا، لأن الإسلام وضع حاجزاً كبيراً بين الإيمان بالله والارتباط بالجاهلية في كل ما تمثله من فكر وتاريخ، والتركيز على الخسائر التي لحقت بالمسلمين أجمع بمختلف طوائفهم من خلال فَسْح المجال للخلافات الطائفية التي يغذيها الاستعمار الكافر بأساليبه المتنوعة، وبتقديم الأمثلة على ذلك حركة الواقع فيما نملك من أمثلة من تاريخنا المعاصر والشواهد التاريخية التي دلت على ما الدماء للقتال بينهم أكثر مما سفك من قبل أعدائهم، وهذا يبعد سفك من المسلمين عن التقاتل الطائفي.

3.

الوقوف على أرضية مشتركة قائمة على ركنين الركن الأول قوله تعالى: «وإِنَّ هَذِهِ أَنتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وأَنا رَبَّكُمْ فَاعْبُدُونِي»(1). والركن الثاني قوله تعالى: «وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ»(2). والتركيز على نقاط الاتفاق بين المسلمين، والانتماء الإسلامي بدل الانتماء المذهبي، وتوضيح أن هذا هو المناخ الصحي للمسلمين، وبيان أن الانتماء المذهبي أو الطائفي أو غيرهما إنما نشأ بعد الرسول الكريم صلی الله علیه وآله وسلم، وأن التسنن والتشيع هما وجهتا نظر في فهم الإسلام، ويمكن لوجهتي النظر أن تتقاربا، وبيان أن مسؤولية كل مسلم في وقتنا الحاضر وواجبه الديني هو مَحْوُ كل العنوانين الداعية إلى التفرقة، وإظهار كل عنوان يجمع المسلمين، وإن السنة والشيعة والمعتزلة والأشاعرة والوهابية والسلفية عَناوِيْن استحدثت بعد الإسلام، والطائفية التي جزأت المسلمين وبلدانهم ليست ديناً، بل طائفية عشائرية بشكل أوسع.

4.

بيان أن الدليل الواقعي على روح الوحدة الإسلامية هو السقف الذي نستظل تحته وهو الإسلام، فإننا نعيش الوحدة الإسلامية فعلاً، فإن السني والشيعي يلتقيان في المدرسة والمصنع والمزرعة ويتحادثان ويتراحمان في المجتمع الإسلامي ولا تظهر علامة التفرقة في المظهر الخارجي والتعايش، فإن تعامل الشيعة مع السنة وبالعكس في الواقع مسألة مفروضة وواقعة، وتعايشُ بعضهم مع بعض مما لا ينكره إلا مكابر أو مُعادٍ.

5.

إن سبلنا وطرقنا إلى الله تعالى تتعدد وتختلف وتتكثر باختلاف المتعبدين والسالكين سبيل العبادة، وكلها تصب في الصراط المستقيم. جاء في


1) سورة الأنبياء، آية: 92

2) سورة الأنفال، آية: 46

القرآن الكريم «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ»(1)، وإن المسلمين جميعاً في فرائضهم الخمس يَتْلُونَ: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ»(2)وهم يدعون مولاهم تبارك وتعالى أن يهديهم إلى صراطه المستقيم ونهج دينه القويم.

6. الدعوة إلى الحوار بين جميع طوائف المسلمين وفرقهم، وبيان أن الاستبداد بالرأي هو سبب سقوط الحضارات، ويفترض أن يبتعد عن أسلوب الأحكام الحاسمة السابقة، والجوانب الذاتية الشخصية، ليتحول حوار الفكر بالفكر دون أن يكون للواقع الانتمائي تأثير في ذلك، والابتعاد عن الأساليب العدوانية من الشتم والسب، والاتهامات غير المدروسة وغير الخاضعة للدقة والحساب. واحترام أفكار الآخرين لا كأفكار مقدسة لا تقبل النقد، وأنْ نعلم أنّ مثل هذا الحوار ليس بالسهل اليسير لأننا نعرف أن مواطن الخلاف لا تخلوا من حساسيات تمس المشاعر والمواقف، ولكن الهدف من أجله كبير وهو وحدة المسلمين وعز الإسلام، وإنْ كانت مثل هذه الخطوة تحفها المخاطر الكبيرة والصعاب الجسيمة، ولكن إن لم يحصل الهدف وهو الوحدة فلا أقل من تقريب المسافات لحجم الخلاف والمنافرة التي وقعت بين طوائف المسلمين.

إنّ أساس تفرق المسلمين وهو التقاطع الذي يؤدي إلى جهل بعضهم ما عند بعض، ومن جهل شيئاً عاداه، ولو أنهم تقاربوا لتفاهموا، وقد يزول بتفاهمهم كثير من أسباب خلافهم أو يعذر بعضهم بعضا.

ولا بد من توضيح أمور في كل عامل من هذه العوامل في المجتمع وهي:


1) سورة يوسف، آية: 108

2) سورة الفاتحة، آية: 5

أولاً: العامل الثقافي:

1.

التركيز في المناهج التعليمية على الاتجاه التقريبي التوحيدي مثل تدريس وحفظ الآيات الشريفة التي تدعوا إلى وحدة المسلمين وعدم (1), فرقتهم مثل قوله تعالى: «أَشِدَاء عَلَى الْكَفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ»(1)وقوله تعالى: «وَتَعَاوَتُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى»(2).

2.

إن المشكلة ليست فقط أن لا نعرف كيف نتفق، ولكن المشكلة أيضاً أن لا نعرف كيف نختلف، فلو عرفنا كيف نختلف وندير خلافنا، وكيف ننطلق بالمسؤولية لوجدنا للخلافات حلاً أو استطعنا أن نجد لها عذراً، بأن نلتقي فيما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، واعتقد أنه لا مشكلة في الخلاف إذا اتقينا الله فيما نختلف فيه.

3.

بيان عالمية الإسلام، وإنّ الخصوصيات والمسحات الموجودة في مناطق ما أو طوائف مثل التسنن أو التشيع أو السلفيه أو الزيدية أو غيرها لا تمثل هي الأساس بل هي عنوان فرعي لا يطغى على العنوان الأساسي، والاعتزاز بالعنوان الأساسي وهو المسلم أكثر من العنوان الفرعي مثل الشيعي أو الزيدي أو السني أو الأشعري أو المعتزلي أو السلفي أو الصوفي أو غيرها. فإن المشكلة النفسية لكل من الشيعي والسني التي تؤدي إلى الرفض المتبادل بينهما، فالشيعي يفكر أن يكون شيعياً قبل أن يكون مسلماً في خط التشيع، والسني يفكر أن يكون سنياً قبل أن يكون مسلماً في خط التسنن، وإذا اقترب أحدهم فاكتشف إمكانية صواب فكر الآخر حاول أن يلف ويدور ليتكلف الكثير مما يجعله يقف عند موقعه من دون أن يتحرك خطوة واحدة باتجاه الآخر.


1) سورة الفتح، آية: 29

2) سورة المائدة، آية 2

فالمشكلة ليست مشكلة فكر بين علماء المسلمين وإنما هي مشكلة نفسية، فعلماء المسلمين تتحرك أفكارهم بروحية عشائرية فكأنه هناك عشيرة السنة وعشيرة الشيعة، فالمنطق العشائري هو الذي يفرض نفسه لا المذهب الفكري السني أو المذهب الفكري الشيعي. إنّ التربية الخاطئة التي تؤكد على الانتماء المذهبي قبل الانتماء الإسلامي، فالمسلم السني مثلاً يولد سنياً في طفولته وشبابه ويعيش مفردات المذهب المَلْأى بالثقافة المذهبية من تعقيدات واختلافات وعصبيات بحيث تكون معرفته وثقافته للمذهب الآخر هو سلبياته فقط، بل معرفته لسلبيات المذاهب التي لا ينتمي إليها أكثر من معرفته لمذهبه، فتراه مخزوناً من القضايا التاريخية والأحكام المختلفة عليها، وجميع الانتقادات مستحضرة عنده، وكذلك الشيعي يتحرك بهذا المنهج.

4.

القمع الفكري فلا يتجرأ أي فقيه سني أن يتبنى رأياً شيعياً في مسألة ما، وكذلك لا يتجرأ عالم شيعي قاده اجتهاده إلى ما يوافق الفكر السني في مسألة ما، فإنه يواجه بحملة من التشهير والتضليل والتفسيق بل التكفير من داخل مذهبه.

5.

حرص الجميع على أن يكون هذا المنهج مركوزاً في عقولهم وسلوكهم بأن يجعل الفكر يحاور الفكر لا ذاتاً تحاور ذاتا، واهتمام وسائل الأعلام المرئية بعرض مشاهد تجمع علماء الطوائف حتى تصبح هذه الصورة والحالة مألوفة، فإن بعض النفوس الضعيفة الجاهلة إذا رأت فقيهها قد اجتمع مع فقيه من الطائفة الأخرى سقط من أعينهم وذهب احترامه وتقديره لديهم، بسبب اتهامه بالمجالسة أو الانحراف، فلا بد من تصحيح هذا الشعور والهاجس الخاطئ. كما إن إهانة العلماء ورجال الدين واحتقارهم والاستخفاف بهم والاعتداء عليهم من قبل الآخرين

وبعضهم البعض إهانة للإسلام واستخفاف بأحكام مالك يوم الدين.

6. إهمال العلوم العملية والمعارف الكونية وصرف الأوقات وتضييع أن الجهود في فلسفات ونظريات عقيمة وعلوم خيالية سقيمة، مع أنّ الإسلام يحثهم على النظر في الكون وأسرار الخلق، والسير في الأرض، ويأمرهم أنْ يتفكروا في ملكوت الله «قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»(1).

ثانياً: العامل الديني

1.

الملحوظ أن منهجية البحث عند كل طائفة ومذهب في داخل مذهبه من المسائل يكون النقد والإشكال فيها بهدوء والاختلاف مقبولاً، بينما لو كان هذا البحث في نقد مسائل الطائفة الأخرى أو المذهب الآخر فهنا يختلف البحث والنقد والإشكال، وتكون المنهجية محورها التعصب وعدم الرضا بأي رأي يعرضه المذهب الآخر، والاستدلال حتى بالأدلة الواهية لإثبات الرأي المخالف الآخر. فما يبحث من المسائل داخل المذهب يختلف في منهجية البحث والطرح فيما يبحث فيه ما يختلف بالنسبة للمسائل في المذهب الآخر، فعندما يبحث المسألة في داخل إطار مذهبه على حسب الأدلة، وإن الشك هو محوره في البحث للوصول إلى اليقين، ولكن عندما يبحث المسألة في إطار المذهب الآخر يكون اليقين محوره ومنظوره بأنّ الحق معه والباطل مع الآخر.

2.

إنّ بعضاً ممن يدعون العلم محور دعوتهم وقطب رحى أفعالهم هو رمي الآخرين بكلمتي الشرك والمشرك ومشتقاتهما ذريعة لسفك الدماء والنهب والسلب للأموال، وقد علموا أوباشهم وجهالهم هذه الكلمة


1) سورة يونس، آية: 101

وفروعها ومرّنوهم عليها، وأطلقوا أعنة ألسنتهم في النطق بها فاتسع الخرق، وصارت عندهم كلمة (مشرك) و(شرك) و(أشركت) من الكلمات المعتادة والألفاظ المتداولة يستعملونها مع غير أهلها، ويخاطبون المسلمين الموحدين بالآيات الواردة في حق المشركين، ويحسبون ذلك هيناً «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(1).

3.

الدعوة إلى البحث في العقائد والأحكام الشرعية بطريقة جديدة، وعدم الاعتقاد بأن القدامى وسلفنا الصالح من العلماء الأبرار قد توصلوا إلى الحقيقة المطلقة، لأنهم إذا كانوا قد فكروا واستنتجوا فليس من الضروري أن يكون فكرهم نهاية الفكر في العالم، وأن تكون أبحاثهم هي نهاية البحث في العالم فهم رجال ونحن رجال، فبإمكاننا أن نفكر ونجتهد كما فكروا واجتهدوا، وقد أوضح القرآن الكريم هذا الضابط والمنهج بقوله تعالى: «تِلْكَ أُمَةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَت»(2)في اجتهادها وفكرها وفي أبحاثها «وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ»(3).

4.

منع استعمال الألفاظ والكلمات والمصطلحات المستعملة عند فرق وطوائف المسلمين وإطلاقها على فئة من المسلمين التي تؤدي إلى الخلاف مثل لفظ الرافضة والنواصب وغيرهما، لأن بعض هذه الألفاظ تحمل في طياتها معناً قبيحاً، ولذلك رمت كل طائفة الطائفة الأخرى، وتحريم النكات والتعريضات الفكاهية التي تمس بالمذاهب الإسلامية وتؤدي إلى تفريق المسلمين.

5.

عدم استفتاء من لم يكن أهلاً للاستفتاء ممن لا يلتزمون بالأحكام


1) سورة القلم، آية: 35

2) سورة البقرة، آية: 134

3) سورة الأنبياء، آية: 7

الشرعية مثل بعض أساتذة الجامعات من قسم الفلسفة أو التاريخ الذين تخرجوا من الجامعات الغربية، والذين يرون أن الإسلام نظام عبادي فقط أو يكيفون بعض المصطلحات الغربية على الإسلام أو يسقطوها ويقحموها بذريعة أن الإسلام صالح لكل عصر وزمان، أو ممن يكون منهجيتهم في الاستفتاء تكفير الآخرين؛ بل علينا استفتاء أهل الاختصاص «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ» وإبراز سيرة علماء المسلمين الذين يدعون إلى الوحدة الإسلامية والتمجيد بها. كما أنه لا يعلم أن الفقيه إذا ذهب إلى رأي معين معناه تخطئة الآخرين من الفقهاء إذا كان مخالفاً لرأيه، وبيان شروط وضوابط الاجتهاد، وأن المجتهد إن أصاب فله حسنتان وإنْ أخطأ فله حسنة واحدة.

6.

إن منشأ الاختلاف إما من جهة عدم العمل بالعلم وإما من جهة العمل بلا علم كما عند الجهلة القاصرين من أهل البوادي والقفار فيما يصدر منهم من ألفاظ وأعمال منافية للشرع القويم في بعض الأمكنة من المزارات، وعدم تعميم ذلك على جميع الحضور وحمل الجاهل القاصر منهم على كونه معذوراً.

7.

الانصراف عن الخلافات الدينية والمذهبية إلى الدين كعقائد وأعمال لا إلى ألفاظ ومصطلحات ميتة لا روح فيها ولا حياة، وعدم إهمال كتاب الله والسنة الشريفة، والجمود والتعصب للآراء والأقوال، والولع بالجدل والمناظرات والمراء، وكل ذلك مما حذر منه الإسلام ونهى عنه قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل).

ثالثاً: العامل السياسي

إن قضية الخلاف بين السنة والشيعة أصبحت اليوم من القضايا التي تتصل بالخطط الاستكبارية في السيطرة على المسلمي، ومحاولة إشغالهم

ببعضهم البعض لا سيما في القضايا الهامشية، ولعل الخطورة في ذلك أن هذا الانفصال المذهبي قد تحول إلى انفصال سياسي، حتى أن بعض الناس اخذ يتكلم بطريقة غوغائية تعتمد عنصر الإثارة ولا تخلو من النكتة في بعض الحالات بحيث يشعر أن الشيعة غير السنة وبالعكس في كل شيء، بل يغالون حتى في مسألة القرآن الكريم وغيرها، فالطائفية قد استحكمت بل زادت تعصباً والتنافر أصبح أكبر، مع إن الكتب والمعلومات أصبحت في متناول كل امرئ وقد مَلأت الكُتُبُ الإسلامية آفاق البلدان. وإني لا استبعد أنْ تكون الأيدي الأجنبية التي تحب الوقيعة بالمسلمين وتود تفريق كلمتهم وتشتيت شملهم بما يحصل الفرقة ويحتدم به الخصام بين فرق الإسلام هي السبب في إثارة الخلافات ليخلو لها الجو في إجراء مقاصدها ونفوذ سياستها.

إن عدم التواصل والتقارب بين المذاهب الإسلامية هو من جَرّاء القوى الاستعمارية، وقد بدأ هذا الأمر وكأنه أسقط من يد المسلمين، إضافة إلى التحاور والتفاهم حول مجمل مشاكلهم وقضاياهم الخلافية، والأغرب من ذلك أنّ المسلمين قد استسلموا في وقتنا الحاضر لمقولة مفادها: إن حال التخلف الذي استفحل في عقل الأمة وجسدها لم يكن أكثر من نتيجة طبيعية للخلاف التاريخي المستحكم بين سنيها وشيعيها في وقت أراد المستعمر أن يحجب النظر عن مسؤوليته المباشرة عن الحالة المزرية التي وصلت لها الأمة مستخفاً بوعي المسلمين إلى الحد الذي قدم نفسه وسيطاً ومصلحاً فيما بينهم خلال مناسبات عديدة فانخدع المسلمون بدسائس المتملقين من المستعمرين وأعجبوا بأعمالهم ومظاهر حياتهم، واندفعوا في تقليدهم فيما يضر ولا ينفع.

رابعاً: العامل التاريخي

إشغال علماء المسلمين بالكتابة والبحث عن أمور هامشية لا تعدو كونها تفصيلاً من تفاصيل الحوادث التاريخية، فتضخم وتجعل في مصاف القضايا

الاستراتيجية التي تهدد وجود الإسلام، ومعظم هذه المسائل التي تبحث وقد بحثت والتي تعمق هُوّة الخلاف بين طوائف المسلمين، بينما يترك الحديث والكتابة عن الهجمة الاستكبارية التي تجتاح العالم الإسلامي برمته. ومن المؤسف أن بعض المغفلين مما يوصفون بأنهم من علماء الدين لا نشك في إخلاص بعضهم، وطيبتهم تعمل جاهدة على إشغال بعضنا بعض وإثارة الخلافات التي تؤدي إلى التقاطع بين المؤمنين، ومن ثم العداء المستحكم والتراشق بالسباب والشتائم وتضييع الوقت وتشتيت الجهد الذي يفترض أن يكون مخصصاً لمحاربة أمريكا وإسرائيل بدل ضرب بعضنا بعضا في وقت تبقى أمريكا وإسرائيل تقهقهان علينا.

خامساً: العامل الاجتماعي

إن الإنسان الذي ينشأ في بيئة اجتماعية معينة، ويظل قابعاً فيها ولا يفارقها ذهنياً نراه يؤمن بصحة ما فيها من معتقدات وتقاليد وقيم، فهو يعتقد اعتقاداً جازماً أنها خير ما يمكن أن يكون في الدنيا كلها، وإن ليس هناك ما هو أفضل منها، وهو كلما فكر وتأمل لا يستطيع أن يخرج من إطار هذا الاعتقاد الجازم لأنه واقع تحت تأثير التنويم الاجتماعي الذي يُشْبِهُ كثيراً التنويم المغناطيسي الذي يوجه على الفرد. إن العقائد التي ينشأ عليها قد تكون (سخيفة جداً) ولكنها في نظره (معقولة جداً)، وهو يتعجب ويتساءل لماذا لا يؤمن بها المخالفون مثلما يؤمن هو بها؟ ولا يدري أن المخالفين يتعجبون ويتساءلون مثله، ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا: إن الإنسان كلما ازداد تجولاً في الآفاق واطلاعاً على مختلف الآراء والمذاهب انفرج عنه إطاره الفكري الذي نشأ فيه واستطاع أن يحرر تفكيره من القيود قليلاً أو كثيراً. وكلما كان الإنسان أكثر انعزالاً كان أكثر تعصباً وأضيق ذهناً، فالذي لا يفارق بيئته التي نشأ فيها ولا يقرأ غير الكتب التي تدعم معتقداته الموروثة لا ننتظر منه أن يكون محايداً في الحكم على الأمور. إنّ معتقداته تلون تفكيره حتماً وتبعده عن جادة

البحث الصحيح وبذلك يركز المؤلف الطائفي دائماً على معايب المعتقدات والقيم الموجودة في الطوائف الأخرى، أما معايب طائفته فهو يغض النظر عنها أو يحاول تبريرها بمختلف الأدلة النقلية والعقلية.

إنّ على علماء المسلمين نشر مبادئ الإسلام وأصوله، وأن يعرف كل مسلم أن أصول ومبادئ الإسلام واحدة، فكل المسلمين يؤمنون بالله واليوم الآخر والملائكة والنبيين وما أنزل عليهم، ويعتقدون أن القرآن حق، وأن رسالة محمد صلی الله علیه وآله وسلم حق، وأن عليهم إن تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله ورسوله، وقبلتهم واحدة، وصلواتهم واحدة، وهناك مبادئ اتفّق عليها المسلمون وهي مبدأ الوحدة الإنسانية بين البشر وإلغاء التمايز العنصري، مبدأ إلغاء آثار الجاهلية وتشريعاتها المخالفة للإسلام، مبدأ الاخوة والتكافل والتكافؤ بين المسلمين، مبدأ احترام الملكية الشخصية، مبدأ من قال لا إله إلا الله فقد عصم ودمه، مبدأ (كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله)، مبدأ وحدة الشريعة ووحدة الثقافة، ومبدأ أداء الأمانة وقوانين الإرث وقوانين الديات والقصاص وتشريعات العبادات والمعاملات.

وفي الختام الدعاء للجميع بالتوفيق لإصلاح ذات البين وجمع ووحدة الصف وإعزاز دين الإسلام أمام هذه التحديات العنجهية الشرسة.

أهداف الدولة القانونية

اشارة

«12»

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين.

ان الدولة ضرورة اجتماعية لا يمكن الاستغناء عنها في جميع الأحوال وذلك لأن للمجتمع الانساني حاجة نفسية للكائن البشري، ومن البداهة إن الفرد لا يمكن ان ينعتق من هذه الغريزة، غريزة المجتمع مهما حاول الانعتاق، وإذا وجد المجتمع الإنساني وجدت العلاقات الاجتماعية المعقدة، وفي هذا الحال لابد من أن يوجد إشراف ما على المجتمع ينظم علاقاته تنظيماً يحول بينه وبين التفكك بفعل تصادم المصالح بين الافراد والجماعات، وينظم النشاط الاجتماعي في ميادينه المختلفة، ويشرع من القوانين ما يصون به حقوق الافراد على المجتمع وواجباتهم نحوه.

فضرورة الدولة للحضارة الانسانية لغرض النظام الذي يستهدف الوصول إلى السعادة تديره الدولة، وهذه الدولة لابد لها من قوة دافعة تحرك وتراقب التنظيم الاجتماعي وهي السلطة. والسلطة هي شرط النظام والنظام تمثله الدولة فلا غنى للمجتمع من الحكومة عن الدولة التي تدبر أمور الناس وتبسط العدل وتوصل الحقوق إلى أهلها.

إن الدولة قائمة تارة استجابة للضرورة الناشئة عن طبيعة الاجتماع

البشري بصورة سابقة على الرسالة المقدسة ثم تبنى الرسالة المقدسة أو تغزوها الرسالة وتفرض حجتها عليها، ويمكن ان تتخلى الدولة عن الرسالة المقدسة إلى رسالة أخرى أو إلى لا شيء وهذا ما ينطبق على جميع صيغ الدول المعروفة على التاريخ فمثلاً الدول الغربية تخلّت عن المسيحية إلى العلمانية ثُمّ إلى الليبرالية.

وتارة تتكون على أساس كونها تعبيراً عن الرسالة المقدسة وحاملة لها ومطبقة لمبادئها وقيمها، والظاهر أنّ المجتمع الاسلامي بالنسبة إلى مشروع الدولة الاسلامية من هذا القبيل، لأنه ليس المطلوب في المجتمع الاسلامي مجرد انشاء دولة وحكومة كيفما اتفق استجابة لضرورة الاجتماع البشري، وإنما هو انشاء دولة وحكومة يتحقق فيها تجسيد رسالة الاسلام الداعية إلى الحق والعدل والكمال البشري والطاعة للخالق تبارك وتعالى.

فالدولة الشرعية لها جنبة طريقية لا موضوعية وذلك من أجل اقامة العدل واماتة الجور، فقد ورد في المأثور (اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك).

المدرسة المهدية الدينية / النجف الأشرف

أهداف الدولة

الهدف الأول: إرساء النظام في المجتمع

إن إرساء النظام في المجتمع بهِ تحفظ الأموال والحقوق والنفوس والاعراض والدين التي هي من أهم المقاصد الشرعية والمصالح العقلائية. فالدولة وسيلة ضرورية لحفظ مصالح الناس وحقوقهم داخل الإجتماع بما يؤمن للناس عيشهم واستقرارهم وذلك بالتوازن بين المصالح والمنافع الشخصية الفردية، وبين المصالح والمنافع والحقوق الاجتماعية والجماعية(1).

فلا استبداد ولا فوضى ولا غَمْطَ لفرد أو جماعة على حساب الآخرين، ومن خرج عن القانون الشرعي أو العقلي عوقب بقدر خروجه بحسب ما يقتضيه العقل والشرع. وقد ذمّ الشارع من ضيع الموازيين والواجبات والحقوق فعن عن ابي عبد الله علیه السلام قال: (قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: ملعون ملعون مَنْ ضَيْعَ مَنْ يَعُوْلَ)(2). وانه خلاف الرعاية الواجبة حيث قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)(3).

الهدف الثاني: حفظ العدل

إن إقامة العدل من أمهات الوظائف التي تتكفلها الدولة، وقد دلُ على وجوبه والحث عليه العقل والنقل لأنه قوام الرعية وجمال الولاة وقد ورد الأمر به في جملة من الآيات الكريمة والروايات الشريفة، كما في قوله تعالى: «وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَينَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْل»(4). ونحو قوله تعالى: «اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ


1) الدولة الإسلامية من التوحيد إلى المدنية / 82

2) الوسائل/ ج 21 ص 543 / ح (27816) / باب (21) من أبواب وجوب كفاية العيال، الكافي / ج 4 / ص 12 / ح 9

3) عوالي اللالي / ج 1 ص 129 / ح 3

4) سورة النساء، آية 58

لِلتَّقَوَى»(1)وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ»(2).

إن العدل هو وضع كل شيء موضعه أو إيصال كل ذي حق حقه. فالعدل من الغايات النفسية التي يطلبها كل انسان بالفطرة، والسعي إلى العدل غاية يطلبها الفرد والمجتمع على حد سواء، والعدل الاجتماعي هو أن يعامل كل فرد من أفراد المجتمع بما يستحقه ويوضع في موضعه الذي ينبغي ان يوضع فیه.

والعدل الفردي هو ان يفعل الانسان ما فيه سعادته، ويتجنب ما فيه سه وشقاوته فيؤثر عقله على هواه(3)، روي عن الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب علیه السلام انه قال: (أول عدله نفي الهوى عن نفسه)(4).

وقد أمر الاسلام بالعدل والاحسان وفرّق بينهما من ناحية الحكم، فالعدل واجب مطلقاً بينما الاحسان وجوبه في الجملة وهو اعطاء المزيد من الحق بمقتضى الرحمة والعطف فيما لا يضر بحق الآخر، والعفو عن المجرم فيما لا يكون العفو سبباً لبطلان الحق والاحسان فوق القانون لأن القانون مجرد حفظ الحقوق والواجبات والإدانات. إما الاحسان فهو المراعاة من أجل تهدئة الجو المشحون بالخلاف والاختلاف وإيجاد السلامة والوئام والمحبة. والدولة يلزمها مراعاة ذلك لتجعل من القانون واحة خضراء تحفها الرحمة والحنان وانعكاس ذلك على الانسان وهذا ما يوجب تقوية الروابط بين الدولة وبين الأمة ويقدم الأمة إلى الامام. فلا يحق للقائد أو القاضي أو الحاكم تطبيق القانون تطبيقاً جامداً، بل ان يتخلل التطبيق احسان في الجملة، فالإحسان


1) سورة المائدة، آية 9

2) سورة النحل، آية: 90

3) الدولة الإسلامية من التوحيد إلى المدنية / 84

4) نهج البلاغة 140 / 87

واجب مادام هنالك سبيل إليه.

إن مخالفة الإحسان فَظاظَةٌ، والفَظاظَةُ محرمة على الحاكم والدولة لإنها توجب انفضاض الناس عن الاسلام، قال سبحانه وتعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لأَنفَضُوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ»(1)، فاللازم على الدولة تفهم الفرق لئلا تقع في الخطأ في التطبيق حتى تقع في افراط القانون أو تفريط الاساءة بزعم الاحسان.

الهدف الثالث: رفاهية المجتمع

اشارة

إن أهم الغايات العقلائية ينبغي أن تتوخاها الدولة توفير الرفاهية للجميع والمراد بالرفاهية ان يكون التشريع والتنفيذ والقضاء موجباً ترفيه الأمة بقدر الإمكان وان هدف الدولة ان يتجه نحو صالح المواطن وكون الدولة حامية لحقوق الناس وذلك بعدم تعدي الآخرين عليها سواء كان المتعدي من الخارج كالدولة الأجنبية أو من الداخل كالسراق والإرهابيين وغيرهم. وان تراعي الدولة في سياساتها حاجات الإنسان الجسدية والروحية والفكرية والاجتماعية بالقياس إلى قدراته البدنية، فالقانون ملزم بتهيئة فرص العمل لكل عامل مثلاً، وجعل الأجر كافياً لكل عامل مع تحديد ساعات العمل وإعطاء إجازات لهم، وتسهيل أمور الزواج بإعطاء المزيد من المنح والسلف لذلك، وتيسير وسائل العلاج والدراسة والسياحة وما أشبه ذلك كفتح المستشفيات والمدارس والمستوصفات ودور العجزة والحدائق والمخيمات ودور الرياضة والحفاظ على البيئة بالتشجير وتكثير المياه في المناطق الحارة لتلطيف الهواء، وتوفير الماء والكهرباء في القرى والأرياف ومد الجسور والطرق وتكثير وسائل المواصلات وتنظيم المرور، وجعل دوائر الدولة مفتوحة الأبواب للنظر في


1) سورة آل عمران، آية 159

قضايا المواطنين والمراجعين. كما يجب على الدولة دعم المؤسسات المدنية والحقوقية لحفظ تقدّم المجتمع واستقراره لإقامة دولة عصرية آمنة من الفوضى والتأخر والانهزام. وكذلك على الدولة الاهتمام بأفراد المجتمع - كأفراد - إذ إن هؤلاء هم الدعامة القوية للنظام فالفرد لا يستشعر ما تبنيه له الدولة من سدود ومرافق حياتية ومصانع أو ترفع في شأن دولته عالياً بين الأمم بقدر ما يتحسس ويهتم ما توصله الدولة إليهم من دعم مباشر وملموس. وعندما تقوم الدولة بواجبها على الصعيد الفردي فإنها في الواقع تضمن قسطاً كبيراً من قيامها بالواجب على الصعيد العام فإن هنالك أساسَين رئيسَين تقوم عليهما سياسة الدولة الإسلامية هي (التكافل والتعادل).

أولاً: التكافل:

ويتصور التكافل في التكافل الفردي بأن يكون كل فرد في المجتمع الإسلامي ضامناً لأمرين واجباً لا تخلف فيه الحاجات الأساسية الضرورية لمجمل المجتمع الإسلامي والتي لا يمكن ان يتم قوّام بدونها.

كما ان المراد بالتكافل الاجتماعي ان تكون الدولة ضامنة لتوفير الحاجات العرفية للإفراد حتى يصلوا إلى مستوى الغنى وتأمين أفضل الحالات الممكنة للحياة الاجتماعية.

إنّ الضمان الفردي والاجتماعي هو الضمان المؤكد لكل الحاجات الضرورية من جهة والضمان الطبيعي للحياة الطبيعية لجميع الأفراد الذين يعيشون في المجتمع. فإن ضمان الدولة لا يختص بالمسلم فقط بل يشمل ضمان غير المسلمين(1).

ثانياً: التعادل:

هو من واجبات الدولة في مجال مستوى المعيشة، والمقصود بالتعادل ليس


1) مجمع دراسات الاقتصاد الاسلامي الثاني 108

التعادل الحدّي والتساوي بين مستويات المعيشة، وإنما المراد هو التقارب الطبيعي بين هذه المستويات. أي ان هنالك حدّين مسلّمين لمستويات المعيشة الفردية لا يمكن تجاوزها وهما الإسراف كحد أعلى والغنى كحد أدنى.

والمقصود بالإسراف هو الابتعاد الزائد عن الحد الطبيعي الوسط للمعيشة.

كما ان المقصود بالغنى هو امتلاك هذا الحد الطبيعي الذي لا يمكن للفرد من معيشة متوسطة عرفاً. فعلى الدولة ان تبذل كل امكاناتها المادية والتشريعية القانونية ونفوذها المعنوي في سبيل الارتفاع بمستوى الطبقات المحرومة في المجتمع إلاّ إن امّحاء المجتمع الطبقي لا يعني زوال الفوارق بين مستويات المعيشة كليّة، بل يعني ان الفوارق سوف تبقى ولكن على مستوى فوارق الدرجة لا على مستوى فوارق الطبقة ان عدم اعطاء الدولة الرفاهية للمجتمع يعد اجحافاً بحق الناس وبخساً لحقوقهم قال الله تعالى: «وَلَا بَخَسُوا النَّاسَ أشْيَاءَهُمْ»(1)، كما ان الإسراف من قبل الدولة سبب لتضييع الثروات والخيرات. فالواجب على الدولة ان تحفظ الموازين فمثلاً لا يجحف العامل والفلاح بصاحب العمل والأرض كما هو شائع في الشرق بينما يحدث العكس في الغر حيث يجحف أصحاب الاعمال والأراضي بالعمال والفلاحين.

إن عدم رفاهية الدولة للشعب يؤدي إلى البغضاء والمنافسة السلبية والصراع بين افراد المجتمع ولزوم الحرج والعسر مع ان الآيات والروايات دالة على لزوم اليسر ورفع العسر والحرج والضرر.

وتسعى الدولة الإسلامية بتوفير الكرامة للإنسان لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ


1) سورة الأعراف آية: 85

كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ»(1)وللوصول إلى مجتمع متسامٍ لابد من تحقق الأمور التالية:

1- العمل على توفير وسائل العيش الرغد من المأكل والمشرب والمسكن والصحة وسائر الحاجات المعيشية المناسبة، والتخطيط للإكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء مما يوفر الأمن المعاشي.

2- السعي نحو بناء اقتصاد سليم ومُتنامٍ لتوفير فرص العمل للناس جميعاً ومحاربة الفقر والحاجة.

3- توفير فرص النمو العلمي ومحو الأمية وذلك ببناء المدارس على كل المستويات الابتدائية والثانوية وانشاء الجامعات، وتشجيع البحث العلمي والباحثين.

4- التكامل الروحي وتسامي القيم المعنوية هدف رئيس للإنسان وللمجتمع المسلم والدولة الاسلامية، ومن هنا كان الجميع مُكلفينَ بتوفير أقصى الامكانات لتحقيق الهدف.

5- تكامل الجسم من الاهداف الاساسية للمجتمع المسلم ومن وسائله الصحة الوقائية ومنع ما يضر الناس، ونشر التعاليم الصحيحة في المجتمع، وتربية الناس على العادات الحسنة ومنها الرياضة التي لابد للدولة من تشجيعها بما يتناسب واهدافها السامية في أطار القيم الدينية.

6- الثقافة السليمة من اهداف المجتمع المسلم ومن مسؤوليات الدولة والتخطيط لتنمية وتطوير ونشر الثقافة عبر كل الوسائل المتاحة كالأذاعة والتلفاز ودور النشر ودور السينما والمسرح وسائر الفنون


1) سورة الإسراء، آية: 70

النافعة، وتشجيع العاملين فيها والمبدعين في حقولها المختلفة، كل ذلك بهدف نشر الفضيلة والتقوى والروح الحضارية، وتتمثل الثقافة السليمة في الأفكار التي تستوحي من الشرع القيم المثلى، ومن العقل تطبيق تلك القيم على حقائق الحياة ومنها الحقائق التالية:

أ- فَهْمُ التْحَدِّياتِ التي تواجه الأمة وكيفية التعامل معها.

ب- معرفة التيارات الفكرية التي تجتاحُ العالم وما فيها من النفع أو الضرر تمهيداً للتعامل السليم معها.

ج- النهوضُ بالأمة وتفجير طاقاتها الكامنة لتحقيق هدف التكامل والمسارعة إلى الخيرات.

7- الإعلام السليم يخدم أهداف الأمة ومنها الأهداف الثقافية ولابد من تنمية الاعلام وكفالة حريته في اطار قيم الأمة المُثلى.

الهدف الرابع: رعاية الإنسان في التشريع

الإنسان هو الأصل في تشريعات الدولة، وحقوقه هي مستقى القانون سواء في القانون الإسلامي أو الدول الديمقراطية وغيرهما، إما الدول الدكتاتورية فمستقى القانون فيما هو رأي الدكتاتور.

إن الاسلام جعل الانسان محور العالم كما جعله الغاية من التشريع كما في نحو قوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ «وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ»(1).


1) سورة ابراهيم، آية: 32، 33، 34

وفي الحديث القدسي التي تضافر مضمونه: (خلقت الأشياء لأجلك، وخلقتك لأجلي)(1)ومعنى الجملة الثانية في الحديث هو تفسير لقوله سبحانه وتعالى: «وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَی»(2).

فالقانون الاسلامي وضع لأجل الانسان فالقاسم المشترك في كل القوانين الاسلامية السياسية والاقتصادية والعبادية والجزائية والشخصية والاجتماعية هو فائدة الانسان بقاء وانماء.

وعليه فإن كل قانون أو قرار أو اجراء تتخذه الدولة يكبت حرية الانسان هو باطل وان الحاكم الذي يكبت حرية الانسان هو حاكم متجاوز وتجب تنحيته، لأن الحرية للانسان أصل والحاكم نصب لحماية الحرية، فإذا أصبح الحاكم متعدياً ومتجاوزاً على الحرية تسقط وكالته عن الناس وتبطل شرعية حكمه.

الهدف الخامس: تطبيق القانون

إن وجود القانون المدوّن لا يكفي لإصلاح المجتمع، ولكي يصبح القانون أساساً لإصلاح البشرية وإسعادها فإنه يحتاج إلى سلطة تنفيذية، لذا أقرّ الله تعالى الحكومة والسلطة التنفيذية والإدارية إلى جانب إرسال القانون أي أحكام الشرع، وكان الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم على رأس التشكيلات التنفيذية والإدارية للمجتمع الإسلامي(3).

إن الحاكم هو راع والشعب هو رعية في الحضارات القديمة يقوم على نموذج الراعي الذي يرعى الغنم. إما في الإسلام فقد أصبح لمضمون الراعي معنى آخر وذلك من خلال الحديث النبوي الشهير القائل: (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن


1) مشارق أنوار اليقين 139؛ درر الفوائد 1/ 364

2) سورة النجم، آية: 42

3) الدولة الإسلامية من التوحيد إلى المدنية 82

رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم وعبد الرجل راعٍ إلى مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)(1).

وواضح إن الرعاية هنا تعني حفظ الأمانة وتحمل المسؤولية، وهي ليست من اختصاص شخص بمفرده، بل هي موزعة في جسم المجتمع كله من أعلى الناس إلى ادناهم، والأهمية السياسية تنظوي عليها هذا المبدأ هو أنه ينص على توزيع المسؤولية فلا استئثار بها ولا استبداد. فالقانون يطبق على الجميع ومسؤولية الجميع، فمن باب أولى على الدولة ان تطبق نصوص القانون على الأمة ولا تحيد عنها ارضاء لفئة أو حاكم بلا فرق في ذلك بين الدولة الاسلامية وبين غيرها، ففي الاسلام يجب على الدولة تطبيق القوانين الاسلامية على الجميع وان لم يفهم الحاكم وجه القانون، إذ اللازم ان لا يحيد الحاكم عن ذلك إلاّ إلى القانون الثانوي الشرعي، فقد يكون دليل لا ضرر أو لا حرج أو قانون الأهم والمهم أو غير ذلك من القوانين الثانوية منطبقة على الموارد فيستثنى حينئذٍ عن الحكم الأولي.

أما الدولة غير الإسلامية فيجب تنفيذ القانون بمقتضى الحكم العقلي والعقلائي حتى إذا كان القانون لا ينصف المواطن ولا يقوم على اساس من العدالة ولا يرد الحقوق إلى اربابها إذا دار بينه وبين عدم تطبيق القانون مطلقاً وذلك دفعاً للهَرْج والمَرج والظلم الأكبر والتعدي الأكثر، وإن كان اللازم السعي لتغيير القانون وتبديله إلى القانون الصالح الذي يراعي موازين العدالة فقد روي عن الامام علي بن ابي طالب علیه السلام: (ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم)(2)لأن الفتنة فيها الهرج والمرج واختلال النظام حيث ان الفوضى التي


1) عوالي اللآلي / ج 1 ص 129 / ح 3

2) غرر الحكم 406 / رقم (11)

تترتب على عدم مراعاة القانون أضر من ذهاب حق بعض المواطنين. ويجب على الدولة مراعاة النظام، فان القانون العادل وتطبيقه على الدوائر الرسمية وغيرها لا يكفي في سير النظام على ما يرام ويرعى حقوق المواطنين بل اللازم حسن التدبير في الادارة وصنع جهاز المراقبة والتنسيق والكفاية.

الهدف السادس: السعي لعلو الإسلام:

إن إقامة الدين الإسلامي من اختصاصات الدولة، وهي المسؤولة عن ذاك الدين الكامل الذي يكون مقوما لجميع مفاصل الدولة وحياة المجتمع والذي يكون الجميع يعمل فيه لتحقيق العبودية الإلهية، وهو الدين التوحيدي. فالدولة مسؤولة عن إقامة دين التوحيد، وإحياء المجتمع الدين الموحد(1).

كما يجب على الدولة ان تتوخّى أهداف الإسلام وأحكامه في تشريعاتها وتطبيقاتها لأن الادلّة دلّت على دوام حكم الإسلام وأنه أكمل الأديان وانه يقود الإنسان خطوة فخطوة الى الاستقامة والى مصالحه. هذا مضافاً إلى دلالة العقل على لزوم اتباع أحكام الشريعة بضَمْيَمة ان الله سبحانه وتعالى أعلم بمصالح العباد، وحكمه خال من الأهواء والميول، فهو أحق الأحكام لصلاح البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة. هذا إضافة إلى عدم إمكان الاعتماد على حكم العقل دائماً لاختلاف آراء البشر واختلاف تفسيراتهم للقضايا والأحداث فلو تركنا أحكام الشريعة والتزمنا بما يحكم به العقل المجرد في كل زمان ومكان لزم الاختلاف الدائم واختلال النظام والفوضى والهرج والمرج إلى غير ذلك من التوالي الفاسدة.

كما ان على الدولة السعي لتطبيق القوانين الإسلامية، وخصوصاً تلك الموجبة لعزة المسلمين ونفي سبيل الكفار عنهم، ويتحقق علو الاسلام بالأخوة


1) الدولة الإسلامية من التوحيد إلى المدينة 101

الإسلامية حيث يقول الله سبحانه وتعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْرَةُ»(1)فلا فضل لأحدهم على الآخر إلاّ بالتقوى.

ومن المعلوم ان الاسلام دين السلام وشعاره السلام، ومن أسماء الخالق تبارك وتعالى السلام، ومن اجزاء الصلاة السلام، بل تحية الناس مع بعضهم هو السلام، ويؤكد المولى سبحانه وتعالى في ان تكون المعاملة مع الكفار والاعداء بالسلام أيضاً، حيث يقول سبحانه وتعالى: «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا»(2)بل الإسلام يدعو كل الناس إلى الدخول في السلام حيث يقول سبحانه سبحانه وتعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ»(3)وكيف كان، فإن السلام في المجتمع المسلم من شأنه أن يزيده تماسكاً وقوة وتناصراً فيدفع عنه الضيم ويكفل حقوقه. وقد جاء في خطبة الإمام علي بن ابي طالب علیه السلام في وصْف الإسلام بقوله علیه السلام: (الحمد لله الذي شرع الاسلام فسهّل شرائعه لمن ورده، وأعزّ اركانه على مَنْ غالبه، فجعله أمناً لمن عقله، وسلماً لمن دخله، وبرهاناً لمن تكلم به، شاهداً لمن خصم به، ونوراً لمن استضاء به، وفهماً لمن عقل ولباً لمن تدبر، وآية لمن توسّم، وتبصرة لمن عزم وعبرة لمن أتعظ، ونجاة لمن صدّق، وثقة لمن توكل)(4).

إن الحكومات التي تقوم على اساس النظرة الكونية المادية يكون هدفها التسلط والاستكبار وارضاء غريزة حُبّ السلطة وتحقيق لذة أكبر وزيادة الفساد. والقرآن الكريم يوضح حكومة فرعون والأصول العامة لسياسته كما


1) سورة العنكبوت، آية: 10

2) سورة الأنفال آية: 61

3) سورة البقرة آية: 208

4) شرح نهج البلاغة 7/ 171

یلي «وَإِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يُذَبَحَ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ»(1).

إن الحكومات التي تكون أهدافها مادية قد اتسعت تبعاً لأزدياد أفراد البشر ووسائل الانتاج وحصول التطور المادي وتوسع البلدان وانتشار الافكار المادية إلى درجة ان السياسة الراهنة في العالم أصبحت أكثر ظلماً مما كانت عليه في عصر الفراعنة نتيجة الاستكبار العالمي(2)ومصادقها قوات الاحتلال في العراق مثلاً.

إن الحكومات التي تشرع القوانين المخالفة للإسلام تضع اغلالاً لتكبيل المسلمين وقد أوضح الامام الحسين بن علي بن ابي طالب علیه السلام في خطبته السعي لعلو الاسلام بقوله علیه السلام: (اللهم انك تعلم انه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان أو التماساً من فضول الحطام ولكن لنري المعالم من دينك ونظهر الصلاح في بلادك ويأمن المظلومون من عبادك ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك فإنكم إن لا تنصرونا قوي الظلمة عليكم وعملوا في أطفاء نور نبيكم)(3).

الهدف السابع: التقدم بالمجتمع:

ان مقتضى الارتكاز العقلائي في هدفية العقلاء هو التقدم بالمجتمع إلى الإمام، وفي الروايات الشريفة (من لم يعرف زيادة في نفسه فهو في نقصان)(4)، (ومن استوى يوماه فهو مغبون)(5)فالعقل يأمرنا بالأولوية القطعية على لزوم التقدّم وبذل الوسع في سبيله، ولا يخفى ان الشخصية


1) سورة القصص، آية: 4

2) النظام السياسي في القرآن / مقالات المؤتمر الثاني للفكر الإسلامي / 225

3) بحار الأنوار / ج 97 / ص 79 / 37 / باب وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر

4) المصدر نفسه / ج 75 / ص 327 / باب 25 مواعظ موسى بن جعفر علیه السلام وحكمه

5) وسائل الشيعة / ج 16 / ص 94 / ح 21073

الحقوقية للدولة قررها الدين والعقل والمنطق وما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا»(1)ونحوها فاللازم على الدولة تحري الغرض الصالح لحفظ مصالح الأمة والتقدم بها إلى الإمام، وجعل القوة وسيلة للعدل والمساواة في موازينها العادلة وذلك بتهيئة وسائل الانهاء والتقدم بما يكفل النهوض به. فقد ورد عن الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام في حكمة بعثة الأنبياء (ليثيروا لهم دفائن العقول)(2)ولما روي عن رسول صلی الله علیه وآله وسلم: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)(3)فإن الظاهر ان المراد من علو الإسلام هو العلو بطبعه فيشمل عدم ارتفاع حجة غيره عليه، ولزوم ترفيع ما يرتبط به من تقدم المجتمع بجميع مجالاته على غيره.

فلابد ان يكون من هدف الدولة الأخذ بِمَوازِيْن التقدم وهي العلم والأخلاق والدين لأن ذلك سبيل العزة والكرامة والعلو والبناء والتنمية وغيرها من العناوين الواجبة قال الله سبحانه وتعالى: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ»(4).

وما أثر عن النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)(5)و(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)(6).

الهدف الثامن: حسن التدبير

يجب على الدولة ان تراعي حسن التدبير في الشؤون العامة والخاصة


1) سورة الأعراف آية: 56

2) بحار الأنوار / ج 11 / ص 60 / ح 70

3) الوسائل / ج 26 / ص 14 / ح 32383 / باب 1 من أبواب موانع الإرث من الكفر والقتل والرق

4) سورة الزمر، آية 9

5) بصائر الدرجات 22 / ح 1؛ البحار / ج 1 ص 32 / ح 20

6) السنن الكبرى 1 / 192

ويحرم عليها التخلف عنه أو التقصير فيه. أما الوجوب فلأنه من باب حفظ الحقوق ورعايتها لأصحابها لمقتضى الوكالة والثقة التي منحها الناس لها أو من جهة الأمانة. وأما الحرمة فلأن عدم مراعاة حسن التدبير يوجب الفوضى واختلال النظام وتضييع الحقوق، بل يوجب العسر والحرج والضرر للناس. وعليه فإن على الدولة ان تهيء وسائل حسن التدبير بالسهر على مصالح الأمة وتبادر على إنجاح مطالبها وإسعافها في حاجاتها خصوصاً في الحالات الحرجة كالسيول والزلازل ورفع الأمية ومكافحة الأمراض والإرهاب إذ الدولة ليست إلاّ خادمة الأمة أو وكيلة لها أو أمينة.

كما يجب على الدولة ان تسهل الإجراءات الإدارية في دوائرها ومؤسساتها ويحرم عليها اتخاذ الاجراءات الموجبة لإهانة المواطن وارهاقه. فعلى الموظف ان يهيء الاجواء الملائمة في دائرته سواء الاجواء العملية أو المناخية، فلا يحق له تضييع اوقات المراجعين وارهاق اعصابهم. كما ان اللازم على الدولة ان تكون سياستها بنهج تشعر المواطن تحت لوائها بالراحة الجسدية والفكرية لا بالقلق والعذاب.

وقد أوضح كتاب الامام علي بن أبي طالب علیه السلام الموجه إلى واليه في مالك الأشتر حسن التدبير إذْ جاء فيه: (ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طبع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، واوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرحاً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصر مهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء، واولئك قليل.

ثم أكثر تعاهد قضائه وافسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس... إلى ان قال علیه السلام: ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولهم محاباة وإثرة فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخَ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة، والقدم في الاسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقاً واصح اعراضاً، وأقل في المطامع اشراقاً وأبلغ في عواقب الأمور نظراً، ثم أسبغ عليهم الأرزاق، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت ايديهم، وحجة عليهم ان خالفوا أمرك، أو ثلموا أمانتك، ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية)(1).

الهدف التاسع: إنقاذ المظلومين

على الدولة العمل من أجل إنقاذ المظلومين الواقعين تحت ظل الظلم والاستضعاف ويدل على ذلك الكتاب العزيز قوله تعالى: «وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ»(2)، ونحو قوله تعالى: «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعُّضٍ»(3). وإنقاذ المظلومين يتم بتقويمهم وتوفير وسائل النهوض لردع الظلم ورفعه من خلال تنظيمهم سياسياً واقتصاديا وثقافيا واجتماعياً.

وفي نهج البلاغة: (اللهم انك تعلم انه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد معالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، ويقام المعطلة من


1) نهج البلاغة / ص 434 / الكتاب 53؛ دعائم الإسلام / ج 1 / ص 360؛ الوسائل / ج 27 / ص 159 / ح 33481 / باب 12 / من أبواب طبقات القاضي

2) سورة النساء، آية: 75

3) سورة التوبة، آية: 71

حدودك)(1).

الهدف العاشر: التخلص من الهيمنة الأجنبية

على الدولة إخراج المسلمين وانقاذهم من هيمنة الاستعمار الاجنبي سواء أكان استعماراً عسكرياً أم فكرياً حتى لا تقع البلاد ألعوبة بأيدي المستعمرين مما يوجب سلب الحقوق وانتهاك الحرمات وسفك الدماء.

ومن اخطر أدوات الهيمنة الاجنبية هو الغزو الفكري الذي يسمى اليوم بالعولمة وهذا يتطلب من العلماء الدينيين والاساتذة الاكاديميين مد الجسور بينهم للتفاهم لحل مشكلات العصر ومواجهة الغزو الفكري بما يلائم الشريعة ومتطلبات العصر. كما على الدولة ان تحتضن ذوي الكفاءات وتهيء لهم الاجواء الصالحة للتفكير وللتخطيط والتنفيذ الصحيح في مختلف مجالات الحياة، لتوقف هجرة عقول المسلمين وكفاءاتهم إلى الغرب. وارجاع امته الاسلام امة واحدة كما قال سبحانه وتعالى: «إِنَّ هَذِهِ أُمَتُكُمْ أُمَةً وَاحِدَةً»(2)وعدم الركون إلى غير المسلمين الذين ينصبون العداوة للإسلام، فإن امة الاسلام اصبحت نهباً بعد انهيار الامة الاسلامية وتقطيع بلادهم وإذلالهم وتأخيرهم ونهب خيراتهم(3).

إن بناء الدولة سياسياً وعسكرياً وتصنيعاً مهم لتحقيق الأمر الالهي «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ»(4)والمحافظة على المواطن المسلم المؤمن بدولته والمدافع عنها والمعتقد بصحة طريقها جزء من إعداد القوة لإرهاب العدو بل لعله من أهم من بقية المناحي.


1) شرح نهج البلاغة 8 / 263

2) سورة الأنبياء، آية: 92

3) الفقه / كتاب الدولة الإسلامية 101 / 13

4) سورة الأنفال، آية: 60

المصادر

1- الاسلام يقود الحياة / السيد محمد الصدر.

2- بحوث في الفقه المعاصر / حسن الجواهري / الطبعة الأولى / 1422 ه / قم.

25- الحكومة السياسة في الاسلام / طارق اسماعيل وجاكلين اسماعيل / ترجمة سيد حسان / الطبعة الاولى / مركز الحضارة العربية / جيزة 1990 م.

3- الدولة الاسلامية من التوحيد إلى المدنية / نزار عيداني / الطبعة الاولى / مطبعة واصف / 1381 ه / قم.

4- الدين والدولة وتطبيق الشريعة / الدكتور محمد عابد الجابري / مركز دراسات الوحدة العربية / الطبعة الأولى لبنان / 1996 م.

5- السياسة والحكمة / الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء / دار التوجيه الاسلامي / الطبعة الاولى / 1401 ه - 1981 م / بيروت.

6- الفقه / كتاب الدولة الاسلامية / السيد محمد الحسيني الشيرازي / دار العلوم / الطبعة الاولى / 1410 ه - 1989 م.

7- القانون الدولي في الإسلام / عباس علي العميد / الطبعة الأولى / مشهد / 1417 ه.

8- مجمع دراسات الاقتصاد الاسلامي / الاستاذ محمد واعظ زاده / الطبعة الاولى / 1415 ه.

9- مقالات المؤتمر الثاني للفكر الاسلامي في طهران / الطبعة الاولى / 1406 ه - 1986 م.

10- نظام الحكم والادارة في الاسلام / الشيخ محمد مهدي شمس الدين / دار الثقافة / الطبعة الثالثة / 1412 ه - 1992.

الدفاع لدفع الاعتداء

اشارة

«13»

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

«قُلْ الَّذِينَ كَفَرُوا سَتَغْلُبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ»

صدق الله العلي العظيم

المقدمة

الحمد لله الذي شرّع الدفاع لرد الاعتداء وإعزازاً للإسلام وبيضته، وإذلالاً للكفر وشوكته، والسلام على سيد المجاهدين وغازي المشركين نبينا محمد العربي الصادق الأمين وعلى آله الطّاهِرين وصحبه المنتجبين الذين باعوا أنفسهم لله، وبذلوا أموالهم في سبيل الله، فتم النصر الذي أراده الله وكانوا من الفائزين.

إن الأمة الإسلامية والعربية تجتاز اليوم مرحلة خطيرة من أشد مراحل حياتها، مرحلةٌ دقيقة مرحلة حياة أو موت، فلقد اعتدى الأعداء الكفار على بلادها وأراضيها، ودنسوا مقدساتها، وانتهكوا حرمتها، وعاثوا في أرجائها فساداً، فلقد استولى الصهاينة على الأراضي العربية نتيجة تفرق كلمتنا، وتقاعسنا عن الدفاع عن أوطاننا، ونتيجة ابتعادنا عن الله عز وجل وعن العمل بسنة رسوله الكريم وأحكامه وتعاليمه.

ولما كانت البلاد الإسلامية وخصوصاً قطرنا العراق العزيز يُهَدّدُ من هجمة عدوانية من الطاغوت الأمريكي الصهيوني اخترت الكتابة في بحثي هذا

الموسوم (الدفاع لدفع الاعتداء) وتناولت فيه تعريف الدفاع ونوعيه، فالنوع الأول تناولت فيه الدفاع لدفع الاعتداء والنوع الثاني الدفاع لطرد الأعداء. والأدلة على وجوب الدفاع كتاباً وسنةً وإجماعاً وعقلاً، وبحثت في المبحث الثاني: فضيلة الدفاع وكتبت فيه حكم المدافع والحث على طلب الشهادة وحرمة التخلف عن الدفاع والموالاة للكفار وكان المبحث الثالث في أحكام الدفاع ومقوماته وبينت فيه ما يجب على الرئيس المطاع ورعيته. أمّا المبحث الرابع في المرابطة من حيث تعريفها وفضلها وأحكامها.

لقد جاء بحثي في هذا الوقت العصيب ليكون المسلمون على بينة من واجبهم في الدفاع بالنفس والمال وبذل الأرواح رخيصة في سبيل الله، وعلى معرفة بالقواعد والسنن التي فرضها الله وشرّعها ، وأوجب عليهم اتباعها ومراعاتها لينالوا ما وعدهم الله به من النصر والغلبة على أعدائهم الكفار في الدنيا، ويفوزوا بالأجر العظيم والسعادة الخالدة في جوار الله وكنفه في دار الآخرة.

إن الإسلام يرمي من وراء مبادئه الرشيدة وتشريعاته النفيسة وتعاليمه السامية ونظمه القويمة إلى إيجاد أمة قوية متماسكة كالبنيان المرصوص عزيزة الجانب موفورة الكرامة تتعاون على ما يوجب لها الخير ويدفع عنها الشر، وتتضافر على نصرة الشريعة المطهرة وإعلاء كلمة الله لتتمكن من إقامة دولة الحق في الأرض، وتكون خير أمة أخرجت للناس. وأوجب على الأمة الإسلامية أن تعد ما تستطيع من قوة لتصبح شديدة الشوكة، قوية البأس مرهوبة الجانب من قبل الأعداء الكفار اللئام من صهاينة وأمريكان، قادرة على الدفاع عن نفسها، وحماية حدودها ومواجهة كل عدو يعتدي عليها، ولتكون أمة عزيزة لها كرامتها وسيادتها في هذه الحياة.

اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها

الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والمدافعين عن سبيلك، وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة.

النجف الأشرف / المدرسة المهدية الدينية 12 شعبان 1423 ه

المبحث الأول: تعريف الدفاع

اشارة

ينقسم الدفاع إلى نوعين هما:

النوع الأول: الدفاع لدفع الاعتداء (الدفاع الاستعدادي):

وهو الدفاع لحفظ بيضة الإسلام من تَعَدِّي الكُفّارِ - المُسْتَحِقِّينَ لغضب الجبار - والهجوم على أراضي المسلمين وبلدانهم وقراهم، وقد استعدوا لذلك وجمعوا الجموع لأجله، لتعلو كلمة الكفر وتهبط كلمة الإسلام ويعلنوا فيها شعائر الكفر، فهو استعداد المدافعين المسلمين لاستعداد العدو الكافر لقتالنا وتأهبه لحربنا، وإعلانه العدوان السافر على بلادنا. والمراد ببيضة الإسلام هي الجماعة المطلقة ذات الشوكة وبفواتها تفوت جهة المقاومة، قال علیه السلام: (قاتل عن بيضة الإسلام) خوفاً من استيلاء أعداء الإسلام على بلاد المسلمين لا سامح الله أو تفريق كلمتهم ووحدتهم أو غيرهما. قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: «وَأَعِدُّوالَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قَوَةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُو اللهِ وَعَدْوَكُمْ»(1). وقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ»(2)زيادة الترغيب في القتال للكفار والاستعداد لصد العدوان. ووجوبه كفائي فإنه إذا حصل من يقوم بالدفاع وكان به الكفاية سقط عن المكلفين الباقين وإلا وجبَ على جميع المسلمين ممن له القدرة على حمل السلاح وله مدخلية في إذلال الكفار، وإنما كان الوجوب على سبيل الكفاية في هذا النوع من الدفاع لأن الغرض منه دفع الشر، فإذا اندفع الشر ببعض المكلفين حصل الغرض وبحصوله يسقط الفرض عن الآخرين. ويتأكد الوجوب على المكلفين كلما


1) سورة الأنفال، آية: 60

2) سورة الأنفال، آية: 65

كانوا من المرابطين والأقربين للكفار المعتدين.

ولا ريب في وجوب الدفاع الاستعدادي مع حصول العلم أو الظن أو الخوف من هجوم العدو الكافر على البلاد الإسلامية لتنزيل الخوف عند العقلاء بمنزلة القطع.

النوع الثاني: الدفاع لطرد الأعداء (الدفاع لإخراج الكفار)

هو الدفاع لطرد الكفار عن بلدان المسلمين وقراهم وأراضيهم وإخراجهم منها بعد التسلط عليها، وإصلاح بيضة الإسلام بعد كسرها وثلمها، والسعي في نجاة المسلمين من أيدي الكفرة الملاعين المستكبرين المعتدين. وبتعبير آخر هو أن يجتاح العدو الكافر بلاد المسلمين بهدف الاستعمار والاستيلاء بأي نحو من أنحاء الاستيلاء سواء أكان فكرياً أم اقتصادياً أم عسكرياً أم سياسياً.

ووجوب هذا النوع من الدفاع فرض عين، فيجب على المسلمين كافة أن يتركوا عيالهم وأطفالهم وأموالهم، ويدافعوا لطرد أعداء الله عن أولياء الله، فمن كان عنده جاه بذل جاهه، أو مال بذل ماله، أو سلاح بذل سلاحه، أو حيلة أو تدبير صرفها في هذا المقام لحفظ بيضة الإسلام، وأهل الإسلام من تسلط الكفرة اللئام. ومن ابرز مظاهر أفراد هذا النوع من الدفاع لطرد الأعداء فلسطين، فقد فتكت الصهيونية بالمسلمين في فلسطين فتك الطاغية المستبد.

وقد أفتى جَدُّنا الأعلى (كاشف الغطاء) بأن هذا الدفاع افضل أنواع الجهاد، وأعظم وسائل القرب لرب العباد، ويجب فيه اجتماع العساكر والجنود من أهل الإسلام بمقدار ما يجزي في إذلال الكفرة اللثام وطردهم من عنهم كانوا البلدان الإسلامية، فإن لم يحصل الاجتماع منهم مع عدم العَناء عنهم کانوا مخلين بالواجب بالنسبة إليهم، واستحقوا غضب الملك الجبار عليهم. ولذا

أفتى فقهاؤنا إذا دار الأمر بين امتثال وجوب الجهاد الابتدائي للدعوة الإسلامية والدفاع لطرد الكفار عن بلاد الإسلام تعيّن الثاني منهما للأولوية القطعية ولعدم اشتراط الأذن في الثاني.

ولا يثبطن بُعْدُ الديار عن البلد الذي دُهِمَ مِنْ قِبَلِ أعداء الإسلام المؤمنين عن هذا الفرض العيني فإن الواجب على القاصي والداني أن يحمل السلاح ما دام قادراً على حمله، ولا إن الأقربين من الأرض التي انتهكها الكافرون أولى من غيرهم لقربهم من الأعداء.

الأدلة على وجوب الدفاع مطلقاً

أولاً: الآيات الكريمة

الحق إن الدفاع من القتال في سبيل الله وهو أحد مصاديق الجهاد فجميع الأدلة الدالة على وجوب الجهاد تدل على وجوب الدفاع منها: قوله تعالى: «وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ»(1)، ولا ريب في إطلاق الآية الكريمة، والمراد في سبيل الله صدقه على القتال لحفظ الدين ولدفع استيلائهم عن بلاد المسلمين.

1.

قوله تعالى: «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْةٌ ويَكُونَ الدِّين اللهِ»(2)، معناها وجوب قتال الكفار لئلا تقع فتنة من ذهاب الدين أو المال أو السلطان أو نحوها مما تكرهون، والآية الكريمة دلت على وجوب الدفاع بقسميه.

2.

قوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فقاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً»(3)، والمراد من أولياء


1) سورة البقرة آية: 190

2) سورة البقرة آية: 193

3) سورة النساء آية: 76

هم الكفار قطعاً، والدفاع هو قتال في سبيل الله.

3. قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَحْفَا فَلَا تُوَلُوهُمُ الْأَدْبَارَ»(1). معنى الآية الكريمة إذا ابتلى المسلمون بقتال الكفار فلا يجوز لهم الفرار ووجوب الدفاع والثبات لهم.
ثانياً: السنة الشريفة:
1.

روي عن أبي بصير عن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق علیه السلام: (من قتل في سبيل الله لم يعرّفه الله شيئاً من سيئاته)(2).

2.

وروي عن الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام: (إن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة، فمن تركه البسه الله ثوب الذل وشمله البلاء، وديث بالصَغار وأديل الحق منه بتضييع الجهاد، وغضب الله عليه بتركه نصرته)(3).

3.

وروي عن الإمام محمد الباقر علیه السلام في صحيح ابن خالد: (ألا أخبرك بالإسلام أصله وفرعه وذروة سنامه؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال علیه السلام: أما أصله فالصلاة وفرعه الزكاة وذروة سنامه الجهاد)(4).

ثالثاً: الإجماع:

لا ريب في قيام الإجماع على وجوب الدفاع عن البلاد الإسلامية من الكفار والمشركين مع وجود الضرر الديني مطلقاً أو الخوف على بيضة


1) سورة الأنفال آية: 15

2) وسائل الشيعة / باب 1 / م 11 / حديث 19/ ص 9

3) المصدر نفسه / باب 1 / م 11 / حدیث 13 / ص 8

4) المصدر نفسه / باب 1 من أبواب مقدمة العبادات / حديث 3

الإسلام بل ذلك من الضروريات لا الاجماعيات.

رابعاً: الدليل العقلي:

العقل يستقل بوجوب حفظ بيضة الإسلام، فإنّ الخَطَرَ عظيمٌ في الدين والدنيا مع ذهابها، ولو تَأمَّلَ أقَلُ عُقَلائِنَا لَحَكَمَ بِفَرْضِ عَدَاوَةِ الكفار والمشركين الله ورسوله ولنا معاشر المسلمين وإن احترام الدين لا يتم إلا بدفع الكفار عن المسلمين، والدليل على هذا الأمر العظيم هو الوجدان السليم. فمعاشر المسلمين تأبى استيلاء الكفار عليها، كما إن استقامة الدين لا تتم إلا برفع يد الكفار عن المسلمين، والمسلمون وإن اختلفوا في آرائهم ومذاهبهم وفي عناصرهم وشعوبهم إلا إنهم متحدون لطرد أعدائهم وصيانة أوطانهم. كما إن غاية العقل من هذه الحياة ليس إلا الترقي الدنيوي والآخروي، ومن المعلوم ان استيلاء الكفار على بلاد المسلمين يمنع عنهم كلا الترقيين، أمّا الأُخْرَوِيُّ فواضح «وَلَنْ تَرْضَى عَناكَ الْيَهُودُ وَمَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَتَهُمْ»(1)، وأمّا الدنيوي فلا عز ولا شرف ولا كرامة، فيرتفع كل هذه بمجرد استيلاء الكفار على بلاد المسلمين، بل لو تأمل المنصف أدنى تأمل لقطع بأن المستفاد من ديننا الحنيف أنْ ليس من مذاق الشارع المقدس أن يكون المسلم تحت إمرة الكافر، بل الفطرة السليمة توجب الدفاع عن الأوطان من الكفار اللثام فالدفاع من الأحكام الفطرية وحكم العقل وبناء العقلاء على ذلك.


1) سورة البقرة آية: 120

المبحث الثاني: فضيلة الدفاع

اشارة

الدفاع أفضل أقسام الجهاد، وأعظم الوسائل إلى رب العباد، ومن قتل يقف مع الشهداء يوم المحشر، وهو الشهيد الأكبر، فالسعيد من قُتل بين الصفوف، فإنه عند الله تعالى بمنزلة الشهداء المقتولين مع الحسين علیه السلام اليوم الطفوف، قد زُخرفتْ لهم الجنان وانتظرتهم الحور والولدان، وهم في القيامة أضياف سيد الإنس والجان.

فَمَنْ علِمَ بأنه يجب عليه الدفاع فليشهر سلاحه ويرفع راية الله اكبر، وينادي بأعلى صوته: أين غَيْرَةُ الإسلام؟ أين الطالبون بحفظ شريعة سيد الأنام؟ أين من باعوا أنفسهم بالجنان والحور والولدان في رضا الرّب الرؤوف الرحمن؟ أين المدافعون عن شريعة سيد الأمم؟.

أولاً: المدافع المقتول شهيد

إن المقتول في ساحات الوغى دفاعاً عن الوطن ينطبق عليه عنوان الشهيد و مصداق له، ويجري عليه حكم الشهيد في الدنيا والآخرة. فيثبت له في الآخرة مع خلوص النية ما أعده الله للشهداء من الدرجات الرفيعة، والمراتب العلية والمساكن الطيبة، والحياة الدائمة، والرضوان الذي هو أعلى من كل مكرمة. ويسقط في الدنيا وجوب تغسيله وتحنيطه وتكفينه، فيدفن في ثيابه مع الدماء، ولا ينزع شيء منه سواء ما كان من الفراء والجلود فيما إذا قتل في ساحة المعركة وأدركه المسلمون ولم يكن به رمق الحياة.

ثانياً: الحث على طلب الشهادة

إن الله تعالى أعد للشهداء المكانة العظيمة والدرجات الرفيعة، وقد بيّن القرآن الكريم إن الشهداء إحياء عند ربهم ينعمون بالحياة الطيبة والرزق

الكريم في جوار ربهم وكنفه وفي جناته وجنانه، قال الله عز وجل: «وَلَا تَحْسَبَنَ اللَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْقُونَ»(1)، فرحين بما أعطاهم الله من فضل زائد عما استحقوه بعملهم ويستبشرون بإخوانهم المجاهدين الذين تركوهم في ميدان الجهاد، بأنهم سيلحقون بهم، ويرون النعيم المعّد لهم في حياة عند الله لا خوف عليهم فيها ولا يحزنون.

وقال الله تعالى: «وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِنْ لَا تَشُعُرُونَ»(2)أي لا تشعرون ولا تدركون كنهها، لأنها ليست في عالم الحس الذي يدرك بالمشاعر بل هي حياة غيبية برزخية تمتاز بها أرواح الشهداء على أرواح سائر الناس.

كما بين الرسول الأعظم (صلی الله علیه وآله وسلم) في أحاديث عديدة إن الشهيد يود الرجوع إلى الدنيا ليستشهد مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة، فروي: (ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وإن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى). ومنها (يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول: يا رب خير منزل، فيقول: سلْ وتمنْ، فيقول: أسألك أن تردني إلى الدنيا فاقتل في سبيلك عشرات المرات، لما يرى من فضل الشهادة)، وروى أبو الدرداء أنُ رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) قال: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته).

لقد كان المؤمنون الأولون يتمنون الشهادة في سبيل الله، وكانت أحب الدرجات إليهم، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام): (يا أيها الناس


1) سورة آل عمران، آية: 169

2) سورة البقرة آية: 154

إن الموت لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب ليس عن الموت محيص ومن لم يمت يقتل، وإن أفضل الموت القتل، والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون عليّ من ميتة على فراش)(1).

فليعتبر بهذا القول الذين يخافون لقاء الأعداء، والله ما ادري ما الذي يخشاه الجبان؟ هل يعتقد أنه إذا قبع في بيته ينجو من الخطر؟ وإذا خرج إلى القتال قتل؟ وإن كان يظن ذلك فقد خاب ظنه واخطأ فيما ذهب إليه حدسه، فلا الخروج إلى ميدان القتال يدني اجل الإنسان ولا البقاء في البيوت وداخل القصور يحمي الإنسان ويدفع عنه الموت إذا جاء أجله؟ وهذا قول الله عز وجل واضح جلي في ذلك «أَيْنَمَا تَكُونُوايُدْرِكُمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوحِ مُشَيَدَة»(2)، فأجل الإنسان لا يقدم ولا يؤخر «فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ»(3)، إن الخروج إلى الميدان للدفاع عن العقيدة الإسلامية والبلدان يُمِكّن الإنسان من صعود سلم الحرية والكرامة، بينما البقاء في البيوت واهمال القتال يمكن الأعداء من الاعتداء والعدوان.

ثالثاً: حرمة التخلف عن الدفاع

وقد أوجب الله تعالى في محكم كتابه العزيز في آيات عديدة وجوب الدفاع بالنفس والمال، وإن التثاقل عن القتال حين الدعوة إليه يعتبر إثماً يوبخ فاعله عليه، قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ أَنفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ انَا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِيرَةِ إِلَّا


1) وسائل الشيعة / باب 1 / م 11 / حدیث 13 / ص 8

2) سورة النساء، آية: 78

3) سورة الأعراف آية: 34

قَلِيلٌ»(1). فليس من شأن المؤمنين بالله واليوم الآخر الذي يكون فيه الأجر الأكمل على الأعمال ولا من عادتهم أن يتخلفوا عن الدفاع في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم إذا عرض لهم المقتضي له، لأن هذا من لوازم الإيمان. قال الله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ كَيَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ في سبيل اللهِ أَوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ»(2)، فعلى المؤمن حقاً أن يدافع أو يعزم على الدفاع فيما إذا تعرض وطنه إلى العدوان. إن الذين يتخلفون عن الدفاع أو النفير العام عندما يحل العدو في بلادنا - لا سَمِحَ الله - ولا يستجيبون لقوله تعالى: «وانفِرُوا خِفَافًا وَيْقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ تكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ»(3)والذين يَتَباطَؤوْنَ ويتعللون بالتعللات إما أن يكونوا من ضعفاء الإيمان الذين اصيبت قلوبهم بمرض الضعف فلا تزيدهم الكوارث إلا ضعفاً، وإما أن يكونوا من المنافقين الذين اصيبوا بمرض النفاق. ولا خير في أمة إذا اصيبت بمثل هذه الأمراض، فما ذل قوم إلا وخافوا من حَرّ السيوف.

رابعاً: حرمة موالاة الكفار:

لا يجوز موالاة أعداء الله ورسوله وحرمة التعاون مع كل من يساعد الكفار في غزو بلدان الإسلام مثل استخدام الأراضي العربية والإسلامية لضرب المسلمين. قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: «لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليوم الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَاذَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ»(4)وقوله تعالى: «وَلَا سَخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ


1) سورة التوبة آية: 38

2) سورة الحجرات، آية: 15

3) سورة التوبة، آية: 41

4) سورة المجادلة، آية: 28

أوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ»(1)، فَمَنْ يُوالِ أعداء الله ورسوله فقد انتفى الإيمانُ من قلبه واستحق العذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة. والموقف الإسلامي من أعداء الله ورسوله هو غلظة من المؤمنين على الكافرين بقوله تعالى: «وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَة»(2).


1) سورة آل عمران آية: 28

2) سورة التوبة آية: 123

المبحث الثالث: أحكام الدفاع ومقوماته

أولاً: أحكام الدفاع:

1.

يجب على العلماء إعانة الرئيس المطاع المتوجه لدفع الكفار وحفظ بيضة الإسلام، ووعظ الناس ونصحهم وأمرهم بالمعروف والاجتهاد في الدفاع، وأن ينادي العلماء في الناس: أين غيرة الإسلام والمجتهدون في نصرة خاتم الأنبياء؟ أيها الناس الدنيا دار فناء ليس لكم فيها مقرّ، والموت أمامكم ولا خلاص لكم منه، فبيعوا أنفسكم برضا الله والجنة قبل أن تموتوا مع الخيبة والخسران والحرمان من الجنة ونعيمها والحور والولدان.

2.

ينبغي للمدافعين حسن التوكل على الله، والاعتماد والوثوق به والاطمئنان بقوله تعالى: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٌ كَثِیرَةٌ»(1)، وأنْ لا يعتمدوا على قوتهم وأسلحتهم وكثرتهم وحسن تدبيرهم، فإن الله حسب من توكل عليه واستند إليه.

3.

أن يرفع المدافعون المسلمون الأضغان والعداوة فيما بينهم، ويكونوا كنفس واحدة وَيَتَناسَوْا ما وقع بينهم من الفتن والحروب، ويروا أنفسهم كأنهم خلقوا الآن من كتم العدم، وإذا وقعت بينهم فتنة سببها الكفار - لا سَمِحَ اللهُ - تداركوها بالإصلاح، لئلا يطمع بهم عدوّهم. وأن يكون ما وراء الجبهة رصيناً ومتماسكاً، فإن مَنْ وراء المدافعين يشدون أزر المدافعين ويضاعفون الجهد في تماسك الجبهة وسد احتياجات المجتمع الإسلامي فلهم يكون جزاء الدفاع وإن لم يحملوا السلاح.


1) سورة البقرة آية: 249

4.

يجوز للرئيس المطاع أو قائد الجيش أن يجبر الناس على الحرب والدفاع حتى بقهرهم على اعانته ومساعدته، ومنع المدافعين من الرجوع إلى أهلهم إلا مع الاستغناء عنهم بغيرهم.

5.

يجوز للرئيس المطاع أو قائد العساكر والجنود والجيوش الأخذ من خراج الأراضي وغيرها وصرفه في تقوية الجنود من تجهيزها بالأسلحة والعتاد والمُؤَنِ والزاد، كما يجوز صرف الصدقات الواجبة من زكاة الأموال وزكاة الفطرة ما به من ردّ المظالم ومجهول المالك والمال المنذور لوجه الله ليُصرف في محال القُربات وغيرها والصدقات المندوبات. وصرفها في الدفاع اعظم من صرفها على الفقراء والمساكين والرقاب وأبناء السبيل. بل يجوز للرئيس المطاع الأخذ من مال المسلمين ما يكفيه لسد احتياجات الدفاع.

6.

يجوز التوصل إلى دفع الكفار عن بلاد الإسلام بجميع أنواع الحيل والخدع، فإن الحرب خدعة، كما يجوز حفر الآبار وطم أفواهها حتى يقع الكفار فيها، كما يجوز احراقهم بأي طريقة كانت أو بإغراقهم أو بادخال السم في طعامهم وشرابهم. هذا ما أفتى به جدنا الأعلى كاشف الغطاء في كتابه (كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء)(1)، كما يجوز في الدفاع إذلال العدو الكافر بأي كيفية من الطرق، كقطع الشجر أو سد المياه وسد طرق المؤن واستخدام الحيل حتى لو توقف على لبس المدافعين المسلمين لباس الكفار ليتوصلوا إليهم حتى ينقضوا عليهم.

7.

يجوز استعمال الآلات الموسيقية والغناء وغيرهما من الأمور المشجعة للناس إذا توقف عليها نظم الجنود وتشجيعهم على الدفاع وقطع دابر المعاندين إخوان الشياطين من صهاينة وأمريكيين.

8.

الدعاء عند التقاء الكفار بالمأثور، ومنه دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم مُنزلَ


1) کشف الغطاء 381/4

الكتاب، سريعَ الحساب، مجري السحاب، أهْزِم الأحزاب يا صريخَ المكروبين، يا مُجِيْبَ دعوةٍ المضطرين يا كاشفَ الكربِ العظيم، اكشف كربي وغمي، فإنك تعلم حالي وحال أصحابي)(1).

9.

تجب على المدافع صلاة الخوف إذا تسلط العدو، وأحكامها موكولة إلى محلها، كما يجوز للمدافع لبس ما لا يجوز له لبسه من حرير وذهب إذا كان مما يُرْهَبِ به العدو وَيَخافُهُ.

10.

الظاهر جواز مخالفة الوالدين في الدفاع فضلاً عن اعتبار إذْنِهما، فالمخالفةُ لهما في هذا الأمر لا يعدّ عقوقاً ، إذ (لا طاعَةً لمخلوقٍ في معصية الخالِقِ).

11.

لا تقبل دعوة الكفار بالأمان للمسلمين، ولا سيما إذا خشي تحزبهم وتجمعهم للقتال. ومن نظر في عداوتهم لِلمُسْلِمِيْنَ اكتفى بذلك لإثبات عدم أمانهم وَعَرَفَ مَكايَدَهُمْ.

12.

حرمة الفرار ووجوب الثبات عند ملاقاة الكفار. قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ»(2).

13.

نهى الإسلام عن اذاعة الأسرار الحربية، ونهى عن خوض عامة الناس في أمور الحرب لما فيه من إضرار بهم، لأنهم ينصرفون عن أعمالهم، وييسرون الجواسيس العدو الاطلاع على أسرار المسلمين، وفي ذلك ما لا يخفى من ضرر وفساد. كما يحرم كل الدعايات المغرضة التي تؤدي إلى خور المسلمين وتقاعسهم عن الدفاع وتهاونهم لا سامح الله.


1) الجعفريات 217؛ مستدرك الوسائل 11/ 109، أبواب جهاد العدو / باب 46 / حديث 17؛ الجامع الصحيح 4 / 195 / حديث 1678

2) سورة الأنفال، آية: 15، 16

14. إن القتال لدفع اعتداء الكفار عن بلاد المسلمين يباح في الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم الحرام ورجب الأصب، وهذه الأشهر يحرّم القتال فيها ابتداءٌ من المسلمين ولكن يحل القتال لرد الاعتداء.

ثانياً: مقومات الدفاع:

1.

إن الإيمان بالحق الذي يدافع في سبيله ركن ركين من أركان الدفاع، فلا يدخل المدافع مضطرب الإيمان مزعزع العقيدة، فإن الإيمان قوة في الدفاع لا تقل عن قوة السلاح، فانه يقدم على القتال ويوطّن نفسه على تقديمها، وإن يؤمن بأنه معوضٌ بحياة أفضل وسعادة أكمل وخير أشمل، وهي حياة الشهداء في الجنان، ومذعنٌ لقوله تعالى: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»(1).

2.

أن نشعر المعتدين الكافرين بأننا أمة واحدة ويتحقق فينا قول النبي صلی الله علیه وآله وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). وقوله (علیه السلام): (المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يسلمه). فكل ارض من أراضي الإسلام من حمى تعالى، فلا أن نترك ما هو في حمى الله تعالى يعبث فيه أعداء الله.

3.

بيان الغلظة على الكافرين والتراحم ما بين المسلمين، ونشر الرعب في نفوس أعداء الإسلام قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَكُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ»(2).

4.

أن ينتصر المدافع على نفسه التي بين جنبيه وتكون أهواؤه وشهواته خاضعة لأمر الله تعالى ونهيه، فلا ينتصر على عدوه الذي يحمل السلاح


1) سورة آل عمران آية 169

2) سورة التوبة، آية: 123

حتى ينتصر على نفسه من شهواتها، فقد قال زيد بني علي علیه السلام: (ما خاف قوم حرّ السيوف إلا ذَلّوا).

5. التسليح بالصبر والمصابرة فإن الحرب بلاء الإنسانية يصحبها نقص في الثمر والخوف والاضطراب والقلق ولا علاج لذلك إلا بالصبر فهو الإرادة القوية والعزم الصادق.

6 . أن يدافع في سبيل الله لا لأجل حمية أو عصبية فقد يدخله ذلك في ظلم، وهذا ما يؤدي إلى ضعف النفس عن القتال فمن خلا قلبه من الإيمان بالله فإنه يكون منه التخاذل في وقت الشدة.

ثالثاً: الرئيس المطاع:

لما كانت الحرب من الأعمال الجليلة ذات الأهمية الكبرى التي تتركز عليها سعادة الأمة وشقاؤها في دفع العدوان عنها، كان اللازم وجود الرئيس المحنك فيها الذي يحسن إدارة الجيش وله البصيرة والخبرة بطرق النجاح فيها، وله من المسكة والعصمة ما يمنعه من الإغراء بفواتن الحياة ومباهج الملذات الصارفة له عن تدبير شؤون الفوز والظفر. والدفاع ما يحتاج إلى رئيس مُطاع له أشياع واتباع ورأي سديد وبأس شديد، قابل للسياسة، وأهل للرفعة والرئاسة، له معرفة بمحاربة ومخاصمة الكفار والفجار والأشقياء إذا أمر انقادوا لأمره، وإذا نهى وزجر انتهوا لزجره، ذو بصيرة وصاحب رأي وتدبير، عالم بطريقة السياسة وعارف بدقائق الرئاسة، صاحب إدراك وفهم وثبات وجزم وحزم أنْ يقوم بأحمالها، ويتكلف لحمل أثقالها، لا أن يكون من الوسواسين، وصاحبُ الرأي الحري بالاتباع، والجامع لمحاسن الأقوال والأفعال ذُوْ هيبة تخضع لها الأبطال، وتذل لها فحول الرجال، القابل للرئاسة، الخبير بفنون السياسة، حَسَن السيرة، جيد البصيرة، إذا غضب ها به الأسد الضرغام، العادل بالرعية، القاسم بالسوية، لا بالمتهور في الحرب، ولا

بالجبان المضطرب، ذُو تدبير وحكمة، وعزم في الأمور وهمة، سلاحه الدعاء وقوّته من الاعتماد على رب الأرض والسماء، ملازم للعمل بأحكام الله تعالى، وأن يكثر البشاشة والتبسم في وجه أصحابه، ويزيد اللطف على من له مّزية على أصحابه، ويكثر اللوم والعقاب على من قصّر في المحاربة ليقع المدافعون في الغَيْرَةِ. وأن يعتمد على الله، ويرجع الأمور إليه، ولا يكون له تعويل إلا عليه، ويسند النصر إلى الواحد القهّار، وأن لا يودع شيئاً من الأسرار إلا عند من يخاف بطش الملك الجبار، وأن يقيم شعائر الإسلام ويجعل مؤذنين وأئمة جماعة في عسكر الإسلام، وينصب الواعظين لِيُبَيّنُوْا نقص الدنيا الدنية للجيش والرعية، وَيُرَغِّبُوْا في طلب الفوز بالسعادة الأبدية، ويُسَهِّلُوْا أمر حلول المنية، بيان أن الموت لا بد منه، ولا مفرّ عنه، وإن موت الشهادة فيه سعادة، وإن الميت شهيد حي عند ربه، معفو عن إثمه وذنبه، وللرئيس المطاع في الدفاع إجبار الناس على القتال والنزال، وله اخذ ما يتوقف عليه تدبير العساكر والجنود لرد أهل الكفر والطغيان والجحود من الرعية بمقدار ما يدفع هؤلاء الكفار الأشقياء إذا توقف الدفع عليه، فإن لم يفِ اخذ من البعيد بقدر ما يدفع به العدو المريد. ويلزمه أعداد الأسلحة وكل ما يعزز النصر في المعركة، من أعداد الطعام والشراب، وكلما كان الزاد أدسم فهو لجلب القوة أحكم، قال سيد الأوصياء علیه السلام مخاطباً للغداء: (لولاك ما عبد رب الأرض والسماء).

وينبغي لرئيس المسلمين أن لا يُخْرِجَ معه مُخَذِّلاً، مُخَذِّلاً، وهو المُزَهِّدُ في الخروج ولا المُرْجِفَ الذي يكثر من الأخبار السيئة واختلاق الأقوال الكاذبة حتى يضطرب الناس منها، ولا من يتجسس على عورات المسلمين، ولا من يوقع العداوة بين المسلمين، ولا الجبان الذي يُخْشَى من فراره فيختل العسكر باختلاله.

وينبغي للرئيس المطاع أن يأخذ العهد والبيعة من القادة الذين ينصبهم على العساكر والجيوش وأن يجعل له من أصحاب الرأي والتدبير والديانة والأمانة جمعاً يستشيرهم في الأمور فإن من استشار ضم إلى عقله عقولاً أُخر.

وينبغي لهم الدعاء عند الحرب بما يجري على اللسان، مما يتضمن طلب النصرة، وأفضله الدعاء المنسوب إلى سيد الأوصياء الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام، بأن تأخذ قبضة من التراب وترمي في مقابلة وجوه الكفار، مع قول: شاهت الوجوه.

رابعاً: الرعية:

تجب على الناس طاعة الرئيس المطاع، ومن يخالفه فقد خالف الله ورسوله واستحق الغضب من الله. كما على الناس أن يقبلوا عليه ويتسابقوا من سائر الجوانب إليه، وينادوا بأعلى النداء قائلين له: أرواحنا لروحك الفداء، ليشتد عزمه، ويقوى على محاربة أعداء الإسلام حزمه.

وأن تقوم الرعية على تقوية كلمة المسلمين والإسلام، وألا يدخلوا في الحرب إلا بعد استجازة الرئيس المطاع، ولا يعملوا عملاً مهما إلا بعد العلم بإرادته، وأن يُحيطوا به إحاطة الثياب بالبشر، ويدوروا عليه دوران الهالة على القمر، فإنهم خيمة وهو عمودها، إذا قام قامت وإذا مال مالت وما استقامت، وإذا نصب لهم رؤساء متعددون وجب اتباعهم كما وجب اتباعه ولا يجوز للرعية الفرار إذا التقى الصفان وتقابل الجمعان، ولا يتوقفوا عن الدفاع إلا بعد أن يأذن لهم، وتكفي التكبيرة الواحدة عند كل ركعة وقت الدفاع إذا لم يتمكن المقاتل من أداء الصلاة بأجزائها وشرائطها كما أفتى جدنا الأعلى كاشف الغطاء.

المبحث الرابع: المرابطة

أولا: تعريف المرابطة:

وهي الإرصاد لحفظ الحدود والثغور في بلاد المسلمين من هجوم الكافرين والمراد بالإرصاد هي تهيئة النفس والأموال اللازمة لذلك، والثغر هو الحد المشترك بين دار الكفر ودار الإسلام أو كل موضع يخاف منه، يخصص فيه جزء من الجنود للوقوف على الحدود حتى لا تغزى ديار الإسلام على حين غرة، ولا بد للثغور من حامية قوية للمقاتلين تحمي بلاد الإسلام من هجوم المعتدين، فالمرابطة بالثغور هي لمنع اعتداء الكفار ومناجزتهم قبل أن يوغلوا في داخل الأراضي الإسلامية فالرباط يتضمن معاني ثلاثة:

1.

الحراسة الشديدة بحيث لا تكون ثغرة ينفذ منها العدو إلى الديار الإسلامية، لأنه (ما غُزي قومٌ في عقر دارهم إلا ذلوا) كما قال الإمام علي ابن أبي طالب علیه السلام.

2.

المرابطة تؤدي إلى إرهاب العدو وجعله في خوف ووجل مستمرين، إذ يعلم أن وراء المرابطة جيشاً يحمي الديار.

3.

أن يكون هناك استعداد مستمر للقتال والتدريب فلا يُؤتى المؤمنون على حِيْنِ غِرةٍ.

ثانياً: فضل المرابطة:

حث الإسلام على المرابطة وبيان فضلها، قال الله في محكم كتابه العزيز: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»(1). وقد روي عن


1) سورة آل عمران، آية: 200

عن سلمان المحمدي عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم قال: (من رابط يوماً في سبيل الله كان له كصيام شهر وقيامه)(1). وروي أيضاً عن الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم: (الرباط يوم في سبيل الله تعالى صابراً محتسباً من وراء عورة المسلمين في غير شهر رمضان أفضل من عبادة مائة سنة صيام نهارها وقيام ليلها، ولرباط يوم في سبيل الله صابرا وراً محتسباً من وراء عورات المسلمين في شهر رمضان افضل عند الله من ألف سنة صيام نهارها وقيام ليلها، ومن قتل مجاهداً أو مات مرابطاً فحرام على الأرض أن تأكل لحمه). وروي عن النبي الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم: (إن كل ميت يختم على عمله إلا المُرابِط في سبيل الله، فإنه يدوم له عمله إلى يوم القيامة)(2). وعنه صلی الله علیه وآله وسلم: (عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)(3). وقال صلی الله علیه وآله وسلم (خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة طار إليها) أي كلما يسمع أمراً فيه خطر على المسلمين طار إليه، وقد علم المؤمنون الأتقياء فضل المرابطة فكانوا يرابطون مختارين، وكان بعض الصالحين من علماء الدين يقسمون العام أربعة أقسام: ربع ليعمل ويوفر لنفسه قوت سنته ونصف ليذاكر العلم مع أهله، وربع ليرابط في ثغور الإسلام ليكون مانعاً من الشر وليدافع حيث يجب الدفاع.

وتختلف مراتب المرابطة في الفضل، فالمرابط بنفسه وماله وعياله افضل الأقسام، ثم النفس وحدها وكلما كان الثغر اكثر خطراً، والمجاورون له من الكفار اشد بأساً يكون الرباط فيه أفضل وكلما اشتد الاحتياج إليه زاد فضله.


1) عوالي اللثالي 3/ 183 حدیث 7؛ صحیح مسلم 4/ 169 حدیث 1913؛ سنن ابن ماجه 2/ 1924 حديث 2766

2) كنز العمال 4/ 297 / حدیث 10574؛ رياض الصالحين 369

3) المصدر نفسه 4 / 297 / ح (10572)، (10573)

ثالثاً: أحكام المرابطة:

1.

إذا توقف حفظ بيضة الإسلام أو نجاة المسلمين وجب المرابطة كفاية، وتجب إطاعة الرئيس المطاع المتولي لمقاتلة الكفار في التعيين، فهي واجبة وجوباً كفائياً لدى وقوع البلاد الإسلامية في معرض الخطر، فإذا لم يخرج العدد الكافي للمرابطة عوقب المتخلفون كلهم، وقد قام الإجماع على وجوبها في مقام الخوف من ذهاب بيضة الإسلام من العدو الكافر، ولا ريب في الملازمة بين مشروعيتها ومشروعية الدفاع، والشاهد على ذلك فهم العرف وهو من الأمور القطعية.

2.

المرابطة الموظفة لا تنقص عن ثلاثة أيام ولا تزيد على أربعين، ولكن لو زاد زاد الأجر، ولو نقص نقص، ولا تدخل الليلة الأولى والاخيرة منهما، وكلما زاد المرابط في التفحص عن حال المشركين وكثر به الأخبار عن أحوال الكفار كان ثوابه اعظم.

3.

إعانة المرابطين بالانفاق والسلاح كثواب المرابطة.

4.

ينبغي للقادة العسكريين أن يوزعوا المرابطين على الثغور على وجه يندفع به المحذور ويهيئوا الأسلحة والعتاد والمؤن والحصون والسواتر لصد الكفار اللئام. كما ينبغي للقادة العسكريين زيارة المرابطين بين فترة زمنية وأخرى لاختبار أسلحتهم ومعرفة أحوالهم.

5.

يجوز للمرابطين قتل الكفار المعتدين من دون استئذان أحد من القادة العسكريين.

وفي ختام بحثي هذا اسأل الله عز وجل أن يوفق العرب والمسلمين إلى خير الطرق وأرشد السبل التي تمكنهم من استرداد أوطانهم ومقدساتهم، وإعادة كرامتهم وحريتهم وسيادتهم. وأن يشملهم بنفحة من نفحاته الربانية

تجمع شتاتهم وتلم شعثهم، وتوحد كلمتهم، وتؤلف بين قلوبهم، وتعيد مكانتهم، وتُعدُّهم لتلقي النور الإلهي، وتحملهم على الرجوع إلى الهدي النبوي، وما ذاك بعزيز على رب الأرباب مؤلف القلوب، ومفرج الكروب، سبحانه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الحكم وإليه ترجعون.

المصادر

1.

القرآن الكريم

2.

بحار الأنوار / العلامة المجلسي (ت 1110 ه) / مؤسسة الوفاء / بيروت / لبنان / 1404 ه.

3.

بين جامعة الإمام الشيخ عي كاشف الغطاء في النجف ومجمع البحوث الإسلامية في القاهرة / السيد كاظم الكفائي / مطبعة الآداب / النجف الأشرف / 1974 م.

4.

الجعفريات/ محمد بن محمد الأشعث الكوفي / مكتبة نينوى الحديثة.

5.

الجهاد الإسلامي / السيد علي الحَسَنيّ البغدادي / دار العلم للملايين / بيروت الطبعة الأولى / 1421 ه - 2001 م.

6.

سنن ابن ماجه / الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني / (207 - 275 ه) / حققه محمد فؤاد عبد الباقي / دار إحياء الكتب العربية/ عيسى البابي الحلبي وشركاؤه.

7.

شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام / لأبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي / مطبعة الآداب / النجف الأشرف / 1389 ه.

8.

عوالي اللئالي / أبو جمهور الأحسائي / دار سيد الشهداء / 1405 ه.

9.

القواعد والفوائد / لأبي عبد الله محمد بن مكي العاملي المعروف (بالشهيد الأول) (ت 876 ه) / مطبعة الآداب / النجف الأشرف.

10.

كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء / الشيخ الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء / مكتبة كاشف الغطاء / النجف الأشرف / 2001 م.

11.

مجمع البيان في تفسير القرآن / لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي / منشورات دار الكتب / بيروت.

12.

المفردات في غريب القرآن / لأبي القاسم الحسين بن محمد بن الفضل الراغب الاصفهاني / مصر / 1324 ه.

13.

وجوب النهضة لحفظ البيضة / السيد محمد الحَسَنيّ البغدادي / مطبعة القضاء / النجف الأشرف / 1387 ه - 1967 م / الطبعة الأولى.

14.

وسائل الشيعة إلى تحصيل الشريعة / محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104ه).

المقالات

اشارة

مقال: 1

1.آثار الذنوب الدنيوية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إنّ الحضارة الإنسانية التي وفرت جميع وسائل الملذات والراحة لجسد الإنسان جعلت بعض الناس يظن أنّ جميع أمراضه عضوية تصيب هذا الجسد فيعالجه عند الأطباء المهرة للشفاء بينما لا يدري ما الداء الحقيقي والدواء والشفاء؟ فإنّ الداء الحقيقي الذنوب ضررها في الأرواح كضرر السموم في الأبدان والدواء الاستغفار والشفاء أن تتوب فلا تعود إلى الذنوب، موطن هذه الروح، والحق أنّ أسباب الأمراض العضوية أسباب مادية جلية ظاهرة كسوء التغذية مثلا، أما الذنوب فهي أسباب خفية للأمراض الروحية التي تكون آثارها المادية المحسوسة أشد فتكا بالفرد والمجتمع من الأمراض العضوية، ومع هذا قد ينكر ويكابر بعض الناس في الأسباب الخفية للأمراض الروحية أو يعزوها إلى أسباب مادية فيصدق الأسباب الظاهرة المحسوسة للأمراض العضوية فقط ولكن من سبر التاريخ واستقراء حال الأمم والشعوب يرى آثار الأسباب الخفية للأمراض الروحية. وهي الذنوب أشد فتكا بالفرد والمجتمع من آثار الأمراض العضوية فما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية و دمرت ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى

يوم القيامة؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا على آخرهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكهم جميعاً ثم أتبعهم حجارة مِنْ سِجّيل السماء أمطرها عليهم وما هي من الظالمين ببعيد! وما الذي أرسل على قوم شعیب سحاب العذاب كالظلل فما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارا تلظى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون داره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح علیه السلام بأنواع العقوبات ودمرها تدميرا؟ وما الذي أهلك قوم صاحب ياس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟ وما الذي بعث على بني إسرائيل قوما أولوا بأس شدید فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال وسبوا الذراري والنساء واحرقوا الديار ونهبوا الأموال؟ وما الذي سلط عليهم بأنواع العذاب والعقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد ومرة بجور الملك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير، وآخر ذلك أقسم رب العزة والجلالة تبارك وتعالى ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب؟ والجواب واضح لِلْعِيان فإنّ مصائب الذنوب أعظم من الذنوب، وقد ورد في الدعاء المأثور: (اللهم إني أعوذ بك من زيغ القلوب ومن تبعات الذنوب ومن مرديات الأعمال ومضلات الفتن).

وفي هذا المقال لا نتكلم على آثار الذنوب الأُخروية من حيث المعصية ومخالفة الرب الموجبة لاستحقاق العقاب الذي قد يظن بعض الأفراد انحصار آثارها في هذا المجال لأنهم لا يرون تأثيرها في الحال بل من حيث آثارها الدنيوية على الفرد والمجتمع ومنها:

1. إفساد القلب بحيث يصبح أعلاه أسفله لا يستقر فيه شيء من الحق ولا يؤثر في شيء من المواعظ كالكوز المنكوس فيخرج ما يدخل فيه فيصير

خاليا من الحق والمعارف مظلما قابلا لجميع المفاسد نعوذ بالله من ذلك. قال الإمام الصادق علیه السلام: كان أبي علیه السلام يقول: (ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة، إن القلب ليواقع الخطيئة فما تزال حتى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله). كما أن الذنوب سبب لرين القلب وصدأه الموجب لظلمته وعماه فلا يقدر أن ينظر إلى وجوه الخيرات ولا يستطيع أن يشاهد صور المعقولات كالمرآة إذا ألقيت في مواضع الندى ركبها الصدأ وذهب صفاؤها وبطل جلاؤها فلا ينقش فيهل صور المحسوسات فكذلك تفعل الذنوب بالقلب من قسوته وغلظته وزوال نوره بما يعلوه من الذنوب قال الشاعر:

رأيت الذنوب تميت القلوب *** وقد يُوْرِثُ الذل إدمانَها

وترك الذنوب حياةُ القُلوْ *** بِ فَاخْتَرْ لنفسُك عِصْيانَها

2.

الذنوب أسباب للأسقام والأوجاع لعموم الآية الشريفة: «وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ» ولقول الصادق علیه السلام: (أما أنه ليس في عرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلا بذنب).

3.

الذنوب أسباب للسطوات والنكبات والمصائب والبليات، فقد روي عن الرسول عليه أفضل التحية والسلام: (ما أصاب رجل من المسلمين نكبة إلا ليغفر الله له الذنوب) وروي عن الإمام الصادق علیه السلام: (تعوذوا بالله من سطوة الله بالليل والنهار فسئل علیه السلام: وما سطوات الله؟ قال: الأخذ على المعاصي). فالذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لجهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء وزوال النعم وتحول العافية وفجاءة النقم فما زالت عن العبد نعمة إلا لسبب الذنوب ولا حلت نقمة إلا بذنب، قال تعالى: «وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ» وقال تعالى: «ذَلِكَ

بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ».

4.

الذنوب تذهب الرزق ولعل السر في ذلك أنّ الحكمة البالغة اقتضت تطهير المذنب بالمصائب والبلايا، وصرف الرزق عنه من أعظم المصائب لأن الفقر من كاسرات الظهر، قال الإمام الباقر علیه السلام: (إنّ العبد ليذنب الذنب فيزوي عنه الرزق) وفي رواية أخرى: (إنّ الذنب يحرم الرزق) فالذنوب تؤدي إلى زوال النعم واستحقاق النقم، قال الإمام الباقر علیه السلام: (إن الله قضى قضاء حتما ألا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنبا يستحق بذلك النقمة).

5.

الذنوب تحدث في الأرض أنواعا من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار وتخرب الديار والمساكن ، قال تعالى: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» وقال الإمام الرضا علیه السلام (حق على الله أن لا يعصى في الدار إلا أضحاها للشمس حتى تطهرها).

6.

الذنوب تؤخر قضاء الحوائج بل تمنع من قضائها تأديبا لينزجر عما فعله المذنب كما هو معروف بين المحبين فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقا دونه أو متعسرا عليه، فإنّ للذنوب تأثيرا في سلب الرحمة الإلهية، وذلك لأن الفيض الإلهي لا بخل ولا منع من قبله تعالى وإنما ذلك بحسب عدم استعداد المذنب لهذا الفيض الإلهي من الرحمة في قضاء حوائجه، قال الإمام الباقر علیه السلام: (إن العبد يسأل الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب أو إلى وقت بطيء، فيذنب العبد ذنبا فيقول الله تبارك وتعالى للملك: لا تقض حاجته واحرمه إياها فإنه تعرض لسخطي واستوجب الحرمان مني).

7.

الذنوب تعدم فلاح الإنسان، والفلاح كلمة جامعة لخير الدنيا والآخرة، وذلك لأنّ الله تعالى خلق قلب المؤمن نورانيا قابلا للصفات النورانية فإذا أذنب خرج فيه نقطة سوداء وإن زاد في الذنب ازدادت النقطة السوداء حتى تغلب النقاط السود على جميع قلبه فلا يفلح بعدها أبداً لان القلب حينئذٍ لا يقبل شيئا من الصفات النورانية، قال الصادق علیه السلام: (إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء فإنّ تاب انمحت وإنْ زادت حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبداً).

8.

الذنوب تؤدي إلى وحشة في القلب، ولا يعدمها أي لذة ولو اجتمعت لذات الدنيا بأسرها وكذلك وحشة بين المذنب وبين الناس ولا سيما أهل الخير، فإنّ المذنب بعد عن مجالسهم وحرم بركة الانتفاع بهم؛ بل وحشة تحصل بينه وبين زوجته وأولاده وأقاربه فتراه مستوحشا حتى من نفسه، كما أنّ الذنوب تخرج الغيرة والحياء من قلب المذنب على نفسه وأهله وعموم الناس فلا يستقبح بل يحسن الفواحش والظلم لغيره ويزينه له كان الديوث أخبث خلق الله.

9.

إنّ إحداث الذنوب تؤدي إلى إحداث أنواع جديدة من البلاء، فإنّ الناس إذا اخترعوا في الذنوب وجوهاً لم يكن يعرفها أحد قبلهم كآلات القمار واللهو وغيره مثلا أحدث الله لهم بلاء لم يكونوا يعرفونه كأمراض خطيرة ووسائل للقتل والدمار والسلب والظلم وغيرها، قال الإمام الرضا علیه السلام: (كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعلمون أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون)، كما أن الذنوب تزرع أمثالها وتولد بعضها بعضا حتى يعز على الإنسان مفارقتها والخروج منها فإنّ عقوبة السيئة سيئة بعدها، حتى أنّ بعض المذنبين يرتكب الذنب من غير لذة يجدها ولا داع إليه إلا لما يجد من ألم مفارقة الذنب.

10. إن الذنوب تقصر العمر وتمحق البركة وتورث الذل وتسقط الجاه والمنزلة عند الناس وتحدث الخوف في القلوب من السلطان ففي الدعاء المأثور: (اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك). وقال الإمام الصادق علیه السلام: (إنّ أحدكم ليكثر به الخوف من السلطان وما ذلك إلا بالذنوب فتوقوها ما استطعتم ولا تمادوا فيها).

وفي الختام لو لم يكن في ترك الذنوب إلا إقامة المروءة وصون العرض وحفظ الجاه وصيانة المال الذي جعله الله تعالى قواما لمصالح الدنيا والآخرة ومحبة الخلق وصلاح المعاش وراحة البدن ونعيم القلب وطيب النفس وانشراح الصدر والأمن من مخاوف الفساق والفجار وقلة الهم والغم والحزن وعز النفس عن احتمال الذل وصون القلب أن تطفئه ظلمة الذنب وتيسير الرزق عليه من حيث لا يحتسب وتيسير العلم والثناء الحسن بين الناس وكثرة الدعاء له والمهابة التي يكتسبها وجهه التي تلقى في قلوب الناس وانتصارهم وحميتهم له إذا أوذي وظلم، وذبهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب، وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه وخطبتهم لمودته وصحبته لكفى في ذلك لترك الذنوب التي لها من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا ما لا يعلمها إلا الله تعالى.

مقال: 2

2.العمائم تيجان العرب

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

العمامة (بالكسر) من لباس الرأس وهو ما يلف عليه، والجمع عمائم وعمام، وعممته: ألبسته العمامة، وحسن العمة أي التعمم، وأرخى عمامته، أمن وترفه لأنّ الرجل إنما يرخي عمامته عند الرخاء قال الشاعر:

ألقى عصاه وأرخى من عمامته *** وقال: ضيف، فقلت: الشيب؟ قال: أجل

وَعُمِّمَ الرجلُ: سُوِّدَ - أي صار سَيّداً مُقَدْماً في قَوْمِهِ - لأنّ تيجان العرب العمائم فكما قيل في العجم تُوِّجَ من التاج قيل في العرب عُمِّمَ. قال العَجّاجُ:

وفيهم إذا عُمِّمَ المعمم

والعرب تقول للرجل إذا سُوِّدَ: قد عُمِّمَ، وكانوا إذا سودوا رجلا عمموه عمامة والعمائم تيجان العرب فالتيجان جمع تاج وهو ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر. وتوجته إذا ألبسته التاج، والمراد أنّ العمائم للعرب بمنزلة التيجان للملوك، وتعتبر العمامة أقدم ألبسة الرأس عند العرب والعراقيين خاصة وهي باقية حتى يومنا أصبحت تراثا موروثا ونظر للرجل الذي يبدو عاري الرأس من العمامة ساقط المروءة، تارك الآداب، وكانوا لا يجيزون خلع العمامة وكشف الرأس إلا في المناسك تعبدا الله جل جلاله.

وقد وصفها أبو الأسود الدؤلي بقوله: (جُنّة في الحرب، ومِكنّة من الحر، ومدفأة من القر، ووقار في الندي، وواقية من الأحداث، وزيادة في القامة، تعد عادة من عادات العرب).

والعرب لم يكتفوا بلبسها، بل تعدى الأمر إلى أنْ يستفيدوا منها فربما جعلوها لواء، فإنّ الأحنف بن قيس حين عقد لعبس بن طلق اللواء، إنما نزع عمامته من رأسه فعقدها له، وربما شدوا بالعمائم أوساطهم عند المجهدة وإذا طالت العقبة قال الشاعر:

خليلي شدوا لي بفضل عمامتي *** على كبد لم يبق إلا صميمها

وكانت العرب تعتبر العمامة لباس عز وفخر ودليل الهيبة والوقار فإذا أراد شخص أنْ يضفي على نفسه الهيبة والوقار وأنْ يتصدر المجالس فإنّه يلجأ إلى الاعتناء بعمامته، قال عنترة العبسي:

وما الفخر إلا أنْ تكون عمامتي *** مكورة الأطراف بالصارم الهِنْدي

وقد حث الإسلام على لبس العمامة، فالعمائم تيجان الملائكة والعرب، وإنّ العرب إذا وضعوها وضع الله عزهم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (العمائم تیجان العرب فإذا وضعوا العمائم وضع الله عزهم). وروي عن الإمام الباقر علیه السلام: (كانت على الملائكة العمائم البيض المرسلة يوم بدر) كما أنّ لبس العمائم تزيد في الحلم، قال الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم: (اعتموا تزدادوا حلما).

ويتأكد استحباب لبس العمامة في أفضل الأوقات وأشرف الأماكن فأفضل الأوقات خصوصا في الصلاة فقد روي عن الرسول الكريم صلی الله علیه وآله وسلم: (ركعتان بعمامة أفضل من أربعة بغير عمامة) وإنّ لبسها من مظان إجابة الدعاء، ففي المأثور عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال: (إني لا أعجب ممن يأخذ في حاجة وهو معتم تحت حنكه كيف لا تقضي حاجته).

كما أنّ لبس العمامة في السفر يدفع البلاء، فعن الصادق علیه السلام: (ضمنت لمن خرج من بيته معتما بأن يرجع إليه سالما) وعن الإمام الكاظم علیه السلام: (أنا ضامن ثلاثاً لمن خرج معتما تحت حنكه يريد سفراً أنْ لا يصيبه السرق والحرق والغرق) ومن هنا نتبين أهمية التحنيك، وهو إدارة طرف العمامة تحت الحنك، فعن الصادق علیه السلام: (من خرج في سفره ولم يذر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومنّ إلا نفسه).

وروي في المأثور عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (أنّ الله وملائكته يصلون على أصحاب العمائم). وتسمى عمامة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم (السحاب) وأهداها إلى الإمام علي علیه السلام، فربما طلع الإمام علي فيها فيقول النبي صلی الله علیه وآله وسلم: (أتاكم علي في سحاب). وإنّ النبي صلی الله علیه وآله وسلم دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، وكذلك يوم الخندق.

وقد فرق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين والمشركين بالعمائم على القلانس فقال: (اعتموا خالفوا الأمم قبلكم). بل حث الإسلام على تعميم الميت فإنّه يستحب في الكفن العمامة للرجل ويكفي فيها المسمى، والأولى أنْ تدار على رأسه ويجعل طرفاها تحت حنكه على صدره الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن.

وكثيرا ما كان الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم يجلس الصحابي بين يديه فينقض عمامته بيده ويعممه إياه إمّا لتأميره على غزوة أو لقيادة أمر ما، أو لبيان كيفية وضع العمامة وهيئتها، فمنها ما صنعه الرسول صلی الله علیه وآله وسلم مع الإمام علي علیه السلام.

وفي المأثور عن كيفية وضع العمامة ذكر بإلقاء طرف منها بين اليدين و طرف بين الكتفين أو كليهما على الكتفين وذلك كما صنعه الإمام علي علیه السلام يوم الغدير وكما صنعه الإمام زين العابدين علیه السلام، والأولى تقصير ما على

الخلف مقدار أربعة أصابع وذلك كما فعل النبي صلی الله علیه وآله وسلم مع الإمام علي علیه السلام والظاهر أنّ الحنك مخصوص بذات الطرف الواحد.

ويستحب أنْ يتعمم الرجل من قيام وكذلك لفها، وعد لفها من الجلوس من مورثات الفقر، وأن يقول عند تعممه: (اللهم سُمْنِيْ بسيماء الإيمان وتوجّني بتاج الكرامة، وقلدني حبل الإسلام ولا تخلع ربقة الإيمان من عنقي) كما روي دعاء آخر: (اللهم ارفع ذكري واعل شأني بعزتك وأكرمني بكرمك بين يديك وبين خلقك، اللهم توجني بتاج الكرامة والعز والقبول).

والعمامة في صدر الإسلام غالبا ما كانت بيضاء لأنّ هذا اللون كان محبباً ومرغوبا، وعن النبي صلی الله علیه وآله وسلم: (لو أنّ رجلاً خرج من منزله يوم السبت معتما بعمامة بيضاء قد حنكها تحت حنكه ثم أتى إلى جبل ليزيله من مكانه لأزاله من مكانه).

وميز كبر حجم العمامة أحيانا الفرد والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها وحتى نوع الحرفة والوظيفة التي يشغلها، وقد تميزت عمائم المسلمين عن عمائم غيرهم مثل المسيحيين واليهود والطوائف الأخرى. وقد بلغ من أهمية العمامة وشيوع استعمالها أنْ تعددت أسماؤها وأنواعها وألوانها تبعا للشخص ومركزه وأهميته في الوظيفة وطبقته الاجتماعية. فكان للفقهاء عمة وللخلفاء عمة وللكسبة عمة للأعراب عمة، فمثلا كانت عمائم القضاة كبيرة وعمائم الحاكة صغيرة الحجم، كما أنّ غير المرغوب بهم يؤمرون بنزع عمائمهم تحقيراً لهم، ولكن جوز خلعها في مناسبات مختلفة في عبادات معينة في أداء مناسك الحج وعزاء الخلفاء حيث أنّ الخلفاء لا تعزى في العمائم، والسير في تشييع العلماء، فالمشيعون يمشون خلف نعش العالم حاسري الرؤوس.

وكان من الرسوم المتبعة عند دخول الناس على الخلفاء والأمراء والسادة والعظماء أنْ يدخلوا وهم مُعَمِّمُوْنَ، لأنّ ذلك أشبه بالتعظيم والإجلال وأبعد عن التبذل والاسترسال، وأجدر أن يفصلوا بين أنسهم في منازلهم ومواضع انقباضهم، فمن دخل عليهم ولم يرع من الرسوم المتبعة بشأن العمائم مكشوف الرأس أو ينزعها عندهم يلاقي من الأمر أرذله ومن الإهانة أقبحها، وكانت العمامة لباسا ملازما للخلفاء في معظم الأحيان حتى اعتبرت من ألبسة الخلافة ورجال الدولة في المناسبات الرسمية وكانت سوداء، وكانت الضرورة تقتضي على الخليفة لبس العمامة أثناء توليه الخلافة، كما كانت العمامة من جملة الملابس التي تلبس في المناسبات المختلفة كالسير في المواكب، وحضور مجلس الخلفاء ولباسا ملازما للقضاة وكانت عمائمهم كباراً مميزة.

وكانت العمامة بين الخلع التي تفضل عند الإهداء في المناسبات المختلفة، فكان الخليفة يخلعها على رجال حاشيته والمقربين إليه، فكانت خلع أصحاب الجيوش وولاة الحروب.

وما زالت العمائم حتى يومنا الحاضر تلبس من قِبَل الفقهاء وبعض أهل العلم والأدب وظلت العمامة ذات اللون الأسود والأخضر تُعْتَمَرُ من قِبَلِ السادة أحفاد الرسول محمد صلی الله علیه وآله وسلم، والعمامة البيضاء من قبل العوام. وفي النجف الأشرف البزة المميزة لطلاب العلوم الدينية والفقهاء والروحانيين هي العمة السوداء لمن ينحدر من السلالة الهاشمية والبيضاء لغيرهم.

وأخبار العمائم وأحكامها وأدبها الجم مما يطول شرحه ويعسر مناله في مقال أو بحث، لأن أخبارها منثورة في كثير من كتب التراث العربي الإسلامي فضلاً عن أنّ غير واحد من المؤلفين الأقدمين والمحدثين أفرد لها كتابا قائما عن بذاته منها: (الدعامة في أحكام سنة العمامة) لمحمد بن جعفر الكتاني الحَسَني،

(وفضل لباس العمائم) لابن وضاح الأندلسي، (وتحفة الأمة بأحكام العمة) - أي العمامة - لمحمد بن أحمد المعروف بابن الإمام، (ودَرٌ الغَمامَة في در الطيلسان والعمامة) لأحمد بن حجر الهَيْتَمِيّ المكي، وشارح (الشفا الثمامة في صف العمامة) للشهاب أحمد بن محمد الخفاجي وغيرهم.

مقال: 3

3.بطل العلقمي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أبو الفضل العباس ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وارث تلك الشمائل العلوية وحائز جل تلك الصفات الحيدرية، فالبطولة والفصاحة والعلم والسخاء والنجدة والمهابة والصلاح والتقوى والزهد والبصيرة وقوة الإيمان والجمال والصباحة والقوة والذكاء. ولد علیه السلام سنة 26 هجرية فيكون عمره عند وفاة أبيه أمير المؤمنين علیه السلام دون البلوغ، وقد تربى في أحضان الإمامة ونشأ في حجور العصمة وشب مرتضعاً در النبوة ونشأ في مدينة النبي طيبة مدينة الوحي عاصمة النبوة، ولا خلاف أنه هاجر مع أبيه الإمام علي ابن أبي طالب علیه السلام إلى العراق مدة خلافته، ثم رجع مع أخويه الإمامين الحسن والحسين علیهما السلام وأقام في خدمتهما حتى خرج مع أخيه الحسين علیه السلام إلى العراق مدة خلافته.

ولسيدنا العباس ابن أمير المؤمنين علیه السلام أربع كني: اثْنَتانِ عرف بهما قديماً واثْنَتانِ عرف بهما حديثاً عرفته به العوام، وكنيته أبو الفضل هي المشهورة حتى لا يكاد يعرف غيرها، وإن هذه الكنية له علیه السلام قد اشتقت من فضائله فإنه قد توسموا فيه سمات الفضل منذ الصغر وزمن الطفولية فلقبوه به وإليه يشير الشاعر:

أبا الفضل يا من أسس الفضل والإبا *** أبي الفضل إلا أنْ تكون له أبا

وأما الكنيتان العاميتان فأبو فاضل وابن البدوية، فأبو فاضل هو أبو الفضل سواء، وابن البدوية نظراً إلى أم العباس علیه السلام كانت من العرب التي تقطن البادية أنفة من ذل الأمصار، وفراراً من هوان الحضارة الذي تأباه نفوس العرب الأقحاح. وأما ألقابه فهي نوعان قديمة ومستحدثة أمّا القديمة فالسقاء أو سقّاء عطاشى كربلاء ويسمى لذلك أبا قربة وقمر العشيرة أو قمر بني هاشم وبطل العلقمي وبطل المسناة وحامل اللواء أو حامل لواء الحسين علیه السلام وكبش الكتيبة والعميد أو عميد عسكر الحسين علیه السلام، وحامي الظعينة أو حامي ظعينة كربلاء وهذا اللقب مشهور قال السيد جعفر الحلي:

حامي الظعينة أين منه ربيعةً *** أم أين من عليا أبيه مُكَدّمُ(1)

وقد عرف أن حماية العباس علیه السلام للظعائن كانت من حين سار الحسين علیه السلام من المدينة إلى أن نزل الغاضرية، وكذلك الأيام العَشَرة التي أقامها الحسين علیه السلام حتى استشهد وكان العباس أبن أمير المؤمنين علیه السلام أمير الحرس الحسيني الذي يقوم بحراسة المخيم الحسيني.

وقد عَقّدَ الإمامُ الحُسَيْنُ علیه السلام اللواءَ لأخِيْهِ أبي الفضل العباس منذ خروجه من الحجاز وقد أكثر الشعراء في مراثيه علیه السلام من ذكر اللواء كقول بعضهم على لسان الإمام الحسين علیه السلام:

لمن اللوى أعطي ومن هو جامعٌ *** شملي وفي ضنك الزحام يقيني

وأما ألقابه العامية فَمِنْها العباس المستعجل يعنون أنه علیه السلام يسرع في قضاء حوائج الراغبين إليه، وأبو الشارة ومعناه أنه يصيب الحالف كذباً أو المعتدي بنكبة إما موت أو حرق أو غرق أو مرض وما شاكل ذلك من النكبات. ومنها أبو رأس الحار ومعناه سرعة غضبه في ذات الله وعدم سماحه للجائر وعدم


1) ربيعة بن مُكَدّم الكناني الّليثي حامي الظعينة من شجعان العرب في الجاهلية، راجع أخباره في (الأغاني) لأبي الفَرَج الأصفهاني

عفوه عن المجرم مهما كان ومنها باب الحوائج وقاضي الحاجات.

وأما صفاته البدنية فقد كان سيدنا العباس بن على علیهما السلام من أحسن الناس خلقة وشكلاً وأتمهم بدناً ومحاسِنَ ويعدّ من رجال بني هاشم المتميزين بصفاتهم الجسمانية من الجسامة وطول القامة والجمال الباهر وكان يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطان في الأرض، وقد اجتمعت الصفات الأربعة طول القامة وطول العنق وطول الساعد والجسامة في العباس الأكبر ابن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب علیهما السلام، وهذه هي البطولة العربية، فليس البطل عند العرب إلا الشجاع الجريء الطويل القامة الضخم الجسم الشديد العضد الطويل الساعد.

وأما صِفاتُهُ علیه السلام الخُلُقِيّة كان كريماً سخياً فلاشك أنه علیه السلام عاشر أكرم الخلق وأجودهم أباه علياً وأخَوَيه الحسن والحسين علیهما السلام ويدل على كرمه أنّه جاد بنفسه لأخيه الإمامِ الحُسَينِ علیه السلام.

وجاد بالنفس إذْ ضَنٌ الجوادُ بها *** والجودُ بالنفسِ أقصى غايةِ الجُودِ

كما يدل على سخاء أبي الفضل ابن أمير المؤمنين علیه السلام إيثاره العطاشى من أهله على نفسه، وكان الله من الفقهاء العظام والعلماء الأعلام وكان معروفاً بفصاحة اللسان، وأمّا شجاعته علیه السلام فهي المثل الأعلى ووصفها الأكمل ونعتها الأتم وهي عظيمة الأثر في صفوف أهل الكوفة، ويكفي من شجاعته علیه السلام ما كان منه كربلاء فقد قتل ثمانين بطلاً، يوم وروي أن العباس ابن علي علیه السلام كان حامل لواء أخيه الحسين علیه السلام وعندما رأى جمع عسكر الحسين علیه السلام قتلوا وأخوته وبني عمه بكي وإلى لقاء ربه اشتاق وحن فحمل الراية وجاء نحو أخيه الحسين علیه السلام وقال يا أخي هل من رخصة فبكى الحسين بكاءاً شديداً حتى ابتلت لحيته بالدموع ثم قال: يا أخي كنت العلامة من عسكري ومجمع

عددي فإذا أنت قتلت يؤل جمعنا إلى الشتات وعمارتنا تنبعث إلى الخراب فقال العباس علیه السلام: فداك روح أخيك يا سيدي قد ضاق صدري من حياة الدنيا وأريد أخذ الثأر من هؤلاء المنافقين فقال الحسين علیه السلام: إذا عزمت على الجهاد فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء فلما أجاز الحسين علیه السلام أخاه العباس برز كالجبل العظيم وقلبه كالطود الجسيم لأنه كان فارساً هماماً وبطلاً ضرغاماً وكان جسوراً على الطعن والضرب في ميدان الكفاح والحرب فالشجاعة العلوية غدت منها غداً وهذا الشبل من ذاك الاسد وقد قيل فيه:

بطل تورث من أبيه شجاعة *** فيها أنوف ذوي الضلالة ترغم

وإنّهُ كان علیه السلام وفياً كريماً والوفاء شيمة موروثة له من أسلافه الكرام الله وسجية طُبعَ عليها وهو غلام والوفاء من أكرم خصال العرب. ومن الصفات المحمودة التي عرض لها التاريخ عليها وأكد الالتزام بها، وشهد الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام بوفاء العباس عليه السلام بقوله: (أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل والسبط المنتجب والدليل العالم والوصي المبلغ والمظلوم المهتضم). وفي موضع آخر من زيارته علیه السلام (فجزاك الله أفضل الجزاء وأوفر الجزاء واكثر الجزاء وأوفى جزاء احد ممن وفّیِ ببيعته واستجاب له دعوته وأطاع ولاة أمره). وكان علیه السلام ذا إباء وحمية خالصة وأنفة عربية فقد بُذِلَ له الأمان من قبل شمر بن ذي الجوشن حين نادى: أين بنوا أختي عبد الله وجعفر والعباس وعثمان فقال الحسين علیه السلام: أجيبوه ولو كان فاسقاً فإنه بعض أخوالكم، فقال له ما شأنك، فقال: يا بني أختي أنتم آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد، فقال لهم العباس بن علي تبت يداك وبئس ما جئت به من امانك يا عدو الله أتأمرنا أن نترك سيدنا الحسين بن فاطمة وندخل في طاعة

اللعناء فرجع الشمر إلى عسكره مغضباً. وقد واسى العباس لأخيه الحسين علیهما السلام وقد مدح أهل البيت علیهم السلام المواساة العباس لأخيه فقد قال الإمام جعفر الصادق علیه السلام: (أشهد لقد نصحت الله ولرسوله ولأخيك فنعم الإخ المواسي لأخيه). وأما مناصحة أبي الفضل العباس ابن أمير المؤمنين (علیه السلام) لأخيه الحسين علیه السلام فقد كانت قولية وفعلية أمّا القولية فقوله لإخوته (حاموا عن سيدكم وإمامكم الحسين علیه السلام) وقوله علیه السلام لأشقائه (تقدموا با بني أمي حتى أعلم أنكم قد نصحتم الله ورسوله). وأما المناصحة الفعلية فأثرها ظاهر قطعت يمينه وشماله وهو واقف في حومة الحرب ثابت في ساحة القتال لم يطلب لنفسه ملجئاً ولا مأمناً ولم يعد لأخيه الحسين يحتمي به من الأعداء حاذر أن يغتنم الحسين علیه السلام فثبت في مركزه بعد قطع يديه ووقف من غير يديه يذب بهما عن نفسه فكأنه قطعة جبل لا يتزعزع أو زبرة حديد لم تتحلحل، وإنّ هيبته تمنع العدو من الاقتراب إليه حتى اغتاله بعضهم مستتراً بنخلة ففضح هامته بعامود من حديد فانجدل صريعاً على وجه الثرى فهده من أعظم المناصحة وأجلها. وقد مدح بهذه المناصحة وأثنى بها عليه الأئمة المعصومون علیهم السلام قال الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق علیه السلام في زيارته. (أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل والسبط المنتخب والوصي المبلغ والمظلوم المهتضم... إلى آخره). وفي محل آخر: (أشهد أنك قد بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المجهود) وفي موضع آخر منها: (أشهد أنك قد نصحت الله ولرسوله ولأخيك) وكذلك (أشهد أنك قد بالغت في النصيحة وأديت الأمانة). ومن صفات العباس الأكبر ابن أمير المؤمنين علیه السلام الإيثار وإيثار أبي الفضل العباس لأخيه الحسين علیه السلام يوم كربلاء مما لا شك فيه ولا ارتياب، والإيثار خصله حميدة وسجية فاضلة من سجايا الكرام وأخلاق أهل العفة وأرباب المجد والسؤدد وكونها من صفات المدح فمما لا يرتاب فيه إلا أعوج السليقة أو جاهل محض لا إلمام له بسير العقلاء ولا معرفة عنده بأدلة الأحكام.

وإيثار العباس للحسين بنفسه فمستبين من تضحية نفسه أمامه وقد صرحت بهذا أشعاره التي منها:

نفسي لنفس الطاهر الطهر وقا

وكذلك إيثاره حين رمى الماء من يده وقال لا ذقت الماء وابن رسول الله عطشان مع كونه قد أشرف على الموت من الظمأ وقد نطقت بذلك أشعاره كقوله:

يا نفس من بعد الحسين هوني *** وبعده لا كنت أنْ تكوني

هذا حسين شارب المنون *** وتشربين بارد المعين

إنّ العباس ابن أمير المؤمنين قد شب ونشأ في صحبة أزهد الخلق أبيه أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب وأخويه الحسن والحسين علیهما السلام فاكتسب فضيلة الزهد ببركة صحبتهم فإنّ الطباع تتأثر بالمصاحبة، وقيل: المرء يأخذ من دين صديقه وقد قيل: ولد الفقيه نصف فقيه، فأبو الفضل العباس أولاً كان من بيت خلقهم الله للآخرة لا للدنيا فهو بطبعه وجبلته يطلب ما خلق له ويجانب ما لم يخلق له فلا يجد لنعيم الدنيا ولا لزخارفها فائدة. وأما عبادة العباس ابن أمير المؤمنين علیهما السلام فقد كانت بجميع أعضاءه فلسانه عبد الله بالذكر والشكر والدعاء والاستغفار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعاية إلى إمامه وأخيه الحسين علیه السلام، وأما بجبهته فقد أثر به السجود وأما عينه فقد نبت بها السهم في جهاد دون إمامه وأما يداه فقطعتا من الزند بعد أن عبد بها الله أنواعاً من العبادة جاهد بها الأشرار ورفعها في الأذكار وبسطها في العطاء والسجود والركوع وغير ذلك، وأما رأسه فقد فضخت هامته بعامود الحديد وأما رجلاه فقد قام بها بكل عبادة وسعى بها إلى كل خير ومشى بها إلى الجهاد وحمل الماء لعطاشى آل محمد وآخر عبادة عبد بها أنه جعل يفحص

فيها حين سقط على شاطئ العلقمي مفضوخ الهامة مقطوع اليدين، وأما وجهه الكريم فقد سالت عليه الدماء في سبيل الله وسال عليه مخ اليافوخ المفضوح، وأما صدره الشريف فقد وزعته الأسنة والسيوف والنبال المحددة، وهكذا سبيل سائر أعضائه حتى جاء في وصفه أنه إذا جمل منه جانب سقط الآخر لكثرة ضرب السيوف وطعن الرماح. وكان العباس ابن أمير المؤمنين نافذ البصيرة صلب الإيمان جاهد مع أبي عبد الله كما وصفه الإمام الصادق علیه السلام بقوله: (أشهد أنك لم تهن ولم تنكل وأشهد أنك مضيت على بصيرة من دينك مقتدياً بالصالحين ومتبعاً للنبيين).

وقد أبّن سيد الشهداء أبو عبد الله الحسين علیه السلام أخاهُ أبا الفَضْلِ العَبّاسَ حين استشهاده فأتاه كالصقر إذا انحدر على فريسة ففرقهم يميناً وشمالا بعد أنْ قتل من المعروفين سبعين رجلاً فجاء نحو العباس علیه السلام وهو ينادي وا أخاه وا عباساه الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي ثم انحنى عليه ليحمله ففتح العباس عينيه فرأى أخاه الحسين علیه السلام يريد أن يحمله فقال له: إلى أين تريد يا أخي؟ فقال إلى الخيمة، فقال يا أخي بحق جدك رسول الله عليك أن لا تحملني دعني في مكاني فقال علیه السلام لماذا؟ قال لأني مستح من ابنتك سكينة وقد وعدتها بالماء ولم أتها به فوضعه في مكانه ورجع إلى الخيمة يكفكف دموعه بكمه، فلما رأوه مقبلاً أتت إليه أبنته سكينة ولزمت عنان جواده، وقالت: يا أبتاه هل لك علم بعمي العباس علیه السلام أراه أبطأ وقد وعدني بالماء وليس له عادة أن يخلف وعده، فهل شرب ماءاً وبل غليله ونسى ما وراءه أم هو يجاهد الأعداء؟ فعندها بكى الحسين علیه السلام وقال: يا ابنتاه إن عمك العباس قد قتل وبلغت روحه الجنان فلما سمعت زينب عليها السلام صرخت ونادت واأخاه واعباساه واقلة ناصراه واضيعتاه بعدك، فقال لها الحسين علیه السلام إي والله واضيعتاه بعده وانقطاع ظهراه فجعلت النساء يبكين ويندبن عليه وبكى الحسين علیه السلام معهن. وكان للعباس

علیه السلام من الأولاد خمسة عبيد الله والفضل والحسن والقاسم وبِنْتٌ، وانحصر عقب العباس ابن أمير المؤمنين في ولده عبيد الله وزاد بعض العلماء العقب في الحسن بن العباس، وقد اسشتهد بعض أولاد العباس علیه السلام في واقعة الطف مع أبيهم وخير ما نختم به هذه المقالة أبيات للمرحوم سماحة آية الله العظمى الشيخ هادي كاشف الغطاء حيث أنشد قصيدة في سيدنا العباس ابن أمير المؤمنين في المقبولة الحسينية نقتطف بعض الأبيات منها:

أبا الفضل قد أشبهت بالفضل حيدراً *** أباك فأحرزت الفخار المخلدا

لأنك أنت الباب للسبط مثلما *** أبوك عليٌ كان باباً لأحمدا

وكان وزيراً للنبي مؤيداً *** كما كنت للسبط الوزير المؤيدا

وصلتَ على الأعداء صولته التي *** تغادر شمل الضالمين مبددا

بسيف أبيك الدين كانت حياته *** وكنت لسبط المصطفى في الوغا فدا

أبوك فدى الهادي النبي بنفسه *** ولولاكم في الطف أودى به الردى

ولكنه من كيد أعدائه نجا *** وبت على وجه الصعيد موسدا

ظمئتَ وأرويت الثرى من دمائهم *** غداة غدى طعم الردى لك موردا

ومنك بسيف البغي أنْ قطعوا يدا *** فقد كنت في المعروف أطولهم يدا

أبوك يلاقي الجيش في خير عدة *** وأنت تلاقي الجيش في الحرب مفردا

وإنْ هو نادي أنجدته ضراغم *** وأنت إذا ناديت لم تلقَ منجدا

سوی صارماً غضب تحلى لجينه *** رقاب الأعادي من دم الترس عسجدا

تسير الى الهيجاء منك يجحفلٍ *** من العزم ماضٍ ما وني أو ترددا

وكنت معيناً للحسين وناصراً *** وبعدك لم يبصر معيناً ومسعدا

فيا ابن علي والعلا لك شيمة *** لقد طبت مولوداً كما طبت مولدا

مقال: 4

4.أضواء على سيرة وشخصية السيدة أم البنين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هي فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة الوحيد بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري.

أهلها من ساداتِ العربِ وأشرافها وزعَمائِها وهم أبطال مشهورون ويعرفنا التاريخ بأن أبناءها من فُرْسانِ العرب في الجاهلية ولهم الذكريات المجيدة في المغازي بالفروسية والبسالة مع الزعامة والسؤدد حتى أذعن لهم الملوك.. فإنّ من قومها أبا عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب جد ثُمامة والدة أم البنين وهو الجد الثاني لأم البنين لُقِّبَ ملاعب الأسنة لفروسيته وشجاعته.

يلاعب أطراف الأسنة عامر *** فراح له خط الكتائب أجمع

وهذه المرأة النبيلة الصالحة ذات الفضل والعفة والصيانة والورع والديانة كريمة قومها وعقيلة أسرتها فهي تنتمي لأشرف القبائل العربية شرفا وأجمعهم للمآثر الكريمة التي تفتخر بها سادات العرب.

وهم الذين عناهم عقيل بن أبي طالب وكان نسابة عالما بأنساب العرب وأخبارهم (ليس في العرب أشجع من آبائها ولا أفرس) فحق لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام أن يرغب في الوصلة الصهرية بهم.. لأن البنت التي

قد ولدها مثل هؤلاء الأبطال الشجعان الجديرة أن تنجب فيما تلد ولا تلد إلا شجاعاً بطلا قد ضم بين طرفي البطولة والفروسية عمومة وخؤولة.

فقول أمير المؤمنين علیه السلام لأخيه عقيل: (اختر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها لتلد لي غلاما فارساً) ولما أشار صاحب الشريعة الحقة بقوله: (الخال أحد الضجيعين فتخيروا لنطفكم) فقد وَلَدَتْ هذه المرأة المحترمة أعظم الرجال شجاعة وثباتا وإقداماً وهو حري بتلك الشجاعة الباهرة لأنهم معروفون فيها من كلا طرفيه.. فقد تزوج أمير المؤمنين علیه السلام أم البنين (فاطمة) بعد وفاة الصديقة سيدة النساء فاطمة الزهراء علیها السلام ووَلَدَت له أربعة بنين هم العباس المسمى بالسقا ويسميه أهل النسب أبا القربة وصاحب راية الإمام الحسين علیه السلام وعبد الله وعثمان وجعفر وقد استشهدوا جميعاً مع الإمام الحسين علیه السلام في واقعة كربلاء يوم عاشوراء ولا بقية لهم إلا من العباس.

كانت أم البنين من النساء الفاضلات العارفات بحق أهل البيت مخلصة في ولائهم ممحضة في مودتهم ولها عندهم الجاه الوجيه والمحل الرفيع وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة المنورة تعزيها بأولادها الأربعة كما كانت تزورها أيام العيد وبلغ من عظمتها معرفتها وتبصرتها بمقام أهل البيت أنها لما دخلت على أمير المؤمنين علیه السلام وكان الحسنان مريضين أخذت تلاطف القول معهما وتلقي إليهما من طيب الكلام ما يأخذ بمجامع القلوب.. وما برحت على ذلك تحسن السيرة معهما.. وتخضع لهما كالأم الحنون ولا بِدْعَ في ذلك فإنّها ضجيعة شخص الإيمان قد استضاءت بأنواره وربت في روضة أزهاره واستفادت من معارفه وتأدبت بأدبه وتخلقت بأخلاقه.

ولا أريد إطالة في المقدمة التمهيدية عن هذه السيدة الجليلة التي حباها الله إرثاً أصيلا في الشرف والسيادة والرفعة والمكانة فهي فاطمة بنت حزام

الكلابية.

فإنّ قومها ورهطها من الأعمام والأخوال يتمتعون بكل خصلة فاضلة جليلة، وحباها الله كذلك مجداً وشرفا لاحقا جاءها بعد زواجها أسد الله من وأسد رسوله الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام فكانت بذلك أفضل امرأة - من غير البيت النبوي الشريف - تحوز على الشرف والمجد والرفعة من كل جانب ولندخل في رحاب سيرتها الذاتية بغية إعطاء صورة لقراء الفرات الكرام.

اسمها الكريم وَنَسَبُها:

هي فاطمة بنت حزام أبي المحل بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب وأمها ثُمامَةُ بنت سهل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب.

ولدت على الأرجح بعد الهجرة بخمس سنين وتوفيت في 13 جُمادى الآخرة يوم الجمعة عام 64 بعد مقتل الحسين علیه السلام على ما تذهب إليه بعض الروايات.

أولادها:

رزقت من علي أمير المؤمنين علیه السلام بأربعة من البنين:

1.

العباس بن علي بن أبي طالب المولود 4 شعبان 26 ه.

2.

عبد الله بن علي بن أبي طالب عمره يوم الطف خمس وعشرون سنة.

3.

عثمان بن علي بن أبي طالب كان يوم الطف ابن ثلاث وعشرين سنة.

4.

جعفر بن علي بن أبي طالب وهو أصغرهم يوم الطف.

قومها:

لا يختلف اثنان في شجاعة قومها وبسالتهم ونجدتهم وإقدامهم في ساحة الحرب والميدان فمنهم مالك بن البراء ملاعب الأسنة ومنهم عامر بن الطفيل وهو يضمون الكرم والسخاء إلى النجدة والفروسية وفي قول عقيل لأخيه الإمام علي علیه السلام لمّا أراد الزواج فأشار عليه بأم البنين.

قال الإمام علي علیه السلام مُخاطباً أخاهُ عَقِيْل وكان نسابة عالما بأخبار العرب وأنسابهم: أبغني امرأة قد ولدتها الفحول من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاماً أسداً.. فقال له عقيل: أين أنت من فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية فإنّه ليس في لعرب أشجع من آبائها ولا أفرس.

ما جاء في سمو شخصيتها:

لما دخلت بيت أمير المؤمنين علیه السلام كانت ترعى أولاد الزهراء عليها السلام أكثر مما ترعى أبناءها وتُؤتُرهُمْ على أولادها تعويضاً لِما أصابهم من حزن وفقدان حنان لموت أمهم الزهراء البتول.. وقالت يوماً لأمِيْرِ المؤمنين علیه السلام يا أبا الحسن: نادني بكنيتي المعروفة (أم البنين) ولا تذكر اسمي (فاطمة) فقال لها الإمام علیه السلام لماذا؟ قالت أخشى أن يسمع الحسنان فينكسر خاطرهما ويتصدع قلبهما السماع ذكر اسم أمهما (فاطمة). فأي امرأة جليلة مؤمنة صابرة صالحة وقور هذه المرأة - طيب الله ثراها ونور ضريحها - لذا صار لها جاه عظيم وشأن كريم عند الله وعند رسوله صلی الله علیه وآله وسلم و أهل بيته الغر الميامين فما توجه إنسان إلى الله العلي العظيم وسأله بحقها إلا قضيت حاجته ما لم تكن محرمة أو مخالفة للمشيئة الإلهية. ولذلك أغرم الناس بها وخاصة أهل النجف فتراهم يعقدون المجالس ويطعمون الطعام ويوزعون الحلوى في ثوابها.

ومن باب عرفان الجميل ومقابلة الإحسان بمثله، ورد عن الزهراء علیها السلام يوم الحشر تخرج من تحت عباءتها كفين مقطوعين وهما كفا أبي الفضل

العباس علیه السلام وتقول: يا عدل يا حكيم احكم بيني وبين من قطع هذين الكفين.

ولما دخلت السيدة زينب علیها السلام المدينة بعد قتل الحسين والرجوع من السبي والتقت نظراتها بنظرات أم البنين صاحت وا أخاه وا عباساه فأجابتها أم البنين وا ولداه واحسيناه.

وأما ما ورد في شأن عبادتها وصلاتها وتوجهها إلى الله وتفويض الأمر إليه فهو شيء جليل مهم في سلوك هذه المرأة الحرة الشريفة الكريمة ذات الجذر الكريم الأصيل في شتى المكارم والفضائل والسجايا الطيبة.

يقول أحد الدارسين لشخصية أم البنين علیها السلام. إن سير العظماء في تاريخ الإسلام أعلام إنسانية باذخة يكبرها لمسلم وغير المسلم وإنّ أم البنين كانت أقوى جرأة وشجاعة وأصلب المؤمنات على تحمل الصعاب تطلب المجد والكرامة والمجد لا ينال إلا بالمصاعب وركوب المخاطر والتضحية والاستبسال.

لقد كانت أم البنين القدوة الحسنة والمثل الأعلى الذي يحتذي وكانت عنوانا للثبات والإخلاص والبسالة والتضحية والفداء والشرف والعزة والكرامة في سبيل الحق والعدالة. هذه السيدة المصون ما إنْ بلغها مقتل الحسين علیه السلام يوم عاشوراء إلا وخنقتها العبرة فكانت تبكي بكاء الثكالى صباح مساء تعبيراً عن مشاعرها وأحزانها. فعلى مثل الحسين فليبك الباكون وليضج الضاجون.

إن في حياة هذه السيدة الجليلة أخباراً طريفة وآثار ممتعة جعلتها مثالا صالحا وقدوة حسنة في المعارف والصلاح وإجابة الله وللرسول الكريم حين أمر محمداً صلی الله علیه وآله وسلم بود أهل البيت وحبهم وولايتهم والاتباع لهم والتمسك

بعروتهم وجدير بكل مسلم أنْ يتبع ويتمثل أمر ربه وأمر رسوله الناصح الأمين. وأن لا يعدل عن هذا الأمر قيد أنملة.

وثمة شيء ينبغي أن يعرف وهو قد كان لسعة اطلاعها في الأمور وإخلاصها الكريم وماضيها المجيد أثر حاسم في تعلق الناس بها وثقتهم ومحبتهم التي لا حد لها بشخصها فاستطاعت بحكمتها وصبرها وبعد نظرها التغلب على كل الصعاب. وهذا إنْ دل على شيء فإنما يدل حنكتها وجلدها ومعدنها الأصيل في ضِمْنِ إطار الأخلاق العربية والتربية الإسلامية الأصيلة وتقاليدها في التعامل مع الجمهور في احترامها لهم. لأن المرأة عظيمة المنزلة عند أمير المؤمنين علیه السلام في العلم والحلم والمعارف والصلاح عظيمة المنزلة عند الناس.

ويظهر للمتتبع لأخبار أم البنين أنها كانت مخلصة لأهل البيت متمسكة بولايتهم عارفة بشأنهم مستبصرة بأمرهم فكانت هذه المبجلة قد أضاءت طريق الصلاح والإصلاح لحالها من دور مهم في أحداث التاريخ لعربي والإسلامي.

مقال: 5

5.السيف ذو الفقار

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

للسيف منزلة عظيمة لدى العرب والمسلمين فهو وسام شرف لحامله ووشاح فخر لمتقلّدِهِ وبالسيف يُدْحَرْ الأعداءُ ويُنْحَرْ الباغون فهو الوسيلة المثلى لصدّ جحافل الكفر ودَحْرٍ فلول الضلال والدفاع عن الأرض والعِرْض والمُثُل العُلْيا يوم كانَ هو السلاحُ الأول في سُوْح الوغى ومُعتَرَك الميادين، وفي المأثور أن الجنة تحت ظلال السيوف، وأحاط المسلمون الاهتمام من حيث صناعته وأحكامه، واعتبر أفضل الهدايا التي تقدم للحكام والأمراء والفرسان، ومدح السيف في الأدب العربي في شعره ونثره وكان له القِدْحُ الْمُعَلّى، وقد تناول أسماء السيوف وصفاتها، فإذا كان السيف عريضاً فيسمى صفيحة، وإذا كان لطيفاً - أي صغيراً - فهو فقيب، وإذا كان صقيلاً فهو حشيب، وإذا كان فيه حزوز على متنه فهو مفقر، وإذا كان قطاعاً فهو حسام ومفصل وهذام، وإذا كان يمر في العظام فهو مصمم، وإذا كان يصيب المفاصل فهو مطبق، وإذا كان ماضياً في الضريبة فهو رسوب، و إذا كان صارماً لا ينثني فهو صمصامة. والملحوظ أنّ العرب لاحظت أسماء السيوف حسب صورها وأشكالها وأماكن صناعتها، واستعمالها، فمثلا إذا امتهن السيف في قطع الشجر فيسمى المعضد والمصنوع في قرى من أرض العرب تدنو من الريف يسمى المشرفي، والمصنوع في بلاد الهند المهند. ثم إن السّيفَ ذا الفَقار أشهر مصاديق السيف،

وهو عنوان اشتهر المسلمين وإنْ كانت معرفتنا به تتعلق من حيث نزوله من السماء وإهدائه إلى الإمام أمير المؤمنين علي علیه السلام من قبل الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم. وفي مقالتنا هذه جمع كل معلومة وردت في سيف ذي الفقار من دون تمحيص.

وإن سبب التسمية سيف ذي الفقار لأنه فيه حزوز مطمئنة على متنه، قال ابن منظور في لسان العرب: وذو الفقار بالفتح والكسر وهو سيف مفقر، إذا كان فيه حز أثَر فيه فقد فُقُر. وقال أبو العباس: سمي سيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذا الفقار لأنه كانت فيه حفر صغار حسان وقد سئل الإمام الصادق علیه السلام لِمَ سمي ذو الفقار؟ فقال علیه السلام: (سمي ذو الفقار لأنه ما ضرب به أمير المؤمنين أحداً إلا افتقر في الدنيا من الحياة وفي الآخرة من الجنة).

واختلفت الآثار المروية في مصدره وأسباب نزوله من السماء وتاريخ نزوله ففي بعض الروايات أن جبريل أنزله يوم معركة بدر أو معركة أحد، وفي بعضها الآخر أن الله أنزله مع أبينا آدم علیه السلام من الجنة وكان آدم يحارب أعداءه من الجن والشياطين، وكان مكتوباً عليه (لا يزال أنبيائي يحاربون به نبي بعد نبي وصديق بعد صديق حتى يرثه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام فيحارب به عن النبي الأمي). فقد ورد في تفسير السدي عن ابن عباس في قوله تعالى: «وأنزلنا الحديد» قال: (أنزل الله آدم من الجنة ومعه سيف ذي الفقار). وقيل: غنمه أمير المؤمنين علیه السلام بعد قتل العاص بن منبه السهمي وأخذه منه، وقيل: غنمه من منبه بن الحجاج السهمي في غزوة بني المصطلق بعد أن قتله، وقيل: كان من هدايا بلقيس ملكة سبأ إلى نبينا سليمان بن داود علیه السلام، وقيل: إن الحجاج بن علاط أهدى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيفه ذا الفقار ثم صار إلى أمير المؤمنين علي علیه السلام كما ذكر الزبيدي في تاج العروس، وقيل: إنّه مصنوع من صنم حديد في اليمن بعد كسره واتخاذه لسيف ذي الفقار بأمر

جبرائيل إلى نبينا محمد صلی الله علیه وآله وسلم. أما ما ورد عن أهل بيت النبوة فإنّ مصدر سيف ذي الفقار هو نزوله من السماء كما روي عن الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا علیه السلام قال: سألته عن ذي الفقار سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أين هو؟ قال: (هبط به جبرئيل علیه السلام من السماء وكانت حليته من فضه وهو عندي). وأما كيفية نزوله من السماء فهو كما ورد في رواية الإمام الصادق علیه السلام: (إن الله تبارك وتعالى أنزل على محمد سيفاً من السماء في غير غمد، وقال له: فقاتل في سبيل الله). ونزوله بلا غمد تحريض على الجهاد، وإشارة إلى أن سيفه ينبغي أن لا يغمد.

وأما وصفه فقد روي عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال: (سمي سيف أمير المؤمنين علیه السلام ذا الفقار لأنه كان في وسطه خط في طوله فشبه بفقار الظهر، إلى أن قال وكانت حلقته فضة). وفي بحار الأنوار (وكان ذو الفقار ذا شعبتين). وفي رواية عبد الله بن عباس قال: (كان لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم سيف محلى قائمه من فضة ونعله من فضة وفيه حلق من فضة وكان يسمى ذو الفقار، وكانت له قوس نبع تسمى السداد، وكانت له كنانة تسمى جمع، وكانت له درع وشجة بالنحاس يسمى ذات الفضول، وكانت له حربة تسمى البيضاء، وكانت له مجن يسمى الوافر، وكان له فرس أدهم يسمى السكب، وكانت له بغلة شهباء تسمى دلدل، وكانت له ناقة تسمى العضباء وكان له حمار يعفور، وكان له فسطاط يسمى التركي، وكان له عنز يسمى اليمن وكانت له ركوة تسمى الصادر، وكانت له مرآة تسمى المدلة، وكان له مقراض يُسمى الجامع، وكانَ له قضيب شوحط يسمى الممشوق). وكان الفرسان عادة ما تكتب على سيوفهم فقد وجد مكتوباً على ذؤابة سيف ذي الفقار: (إن أعتى الناس على الله من ضرب غير ضاربه وقتل غير قاتله).

وقد ورد في الأثر عن الإمام الصادق علیه السلام: إن الناس انهزموا عن رسول

الله صلی الله علیه وآله وسلم يوم أحد، فغضب الرسول غضباً شديداً وكان إذا غضب انحدر عن جبينه مثل اللؤلؤ من العرق، فنظر فإذا علي علیه السلام إلى جنبه، فقال: الحق ببني أبيك مع من انهزم، فقال علي علیه السلام: يا رسول الله لي بك اسوة، فقال الرسول صلی الله علیه وآله وسلم: فاكفني هؤلاء وكان علي قد انكسر سيفه، فقال يا رسول الله: إن الرجل يقاتل بالسلاح وقد انقطع سيفي، فدفع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم سيفه ذا الفقار إلى الإمام علي علیه السلام فقال: قاتل بهذا، ولم يكن يحمل على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أحد إلا استقبله أمير المؤمنين علیه السلام فإذا رأوه رجعوا، فانحاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ناحية أحد فوقف وكان القتال من وجه واحد، فلم يزل أمير المؤمنين علیه السلام يقاتل أصابه في وجهه ورأسه وصدره وبطنه ويديه ورجليه تسعون الكفار حتى جراحة فتحاموه وسمعوا مناديا من السماء:

لا سيف إلا ذو الفقار *** ولا فتى إلا علي

فنزل جبرائيل على رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فقال: يا محمد هذه والله المواساة. وفي رواية ابن مسعود أن ملائكة السماء تعجبت من ثبات الإمام علي أمير المؤمنين علیه السلام في معركة أحد، وسمع جبرائيل حين يعرج إلى السماء يقول:

لا سيف إلا ذو الفقار *** لا فتى إلا علي

وروي عن عكرمة عن علي علیه السلام قال النبي صلی الله علیه وآله وسلم: إن ملكا اسمه رضوان كان ينادي في السماء بذلك.

وقد نظم الشعراء هذه المنقبة للإمام علي علیه السلام فمن ذلك:

وله بلاء يوم أحد صالح *** والمشرفية تأخذ الأدبارا

إذ جاء جبريل فنادى معلنا *** في المسلمين وأسمع الأبرارا

لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى *** إلا علي إن عددت فخارا

وقول الشاعر:

ومن ينادي جبرئيل معلنا *** والحرب قد قامت على ساق الورى

لا سيف إلا ذو الفقار فاعلموا *** ولا فتى إلا علي في الوغى

وقتل الإمام أمير المؤمنين علي علیه السلام عدو الله مرحبا في واقعة خيبر بذي الفقار كما ذكر في نظم الشاعر بقوله:

خُذِ الرايةَ الصفراءَ أنت أميرُها *** وأنت لكشف الكرب في الحرب تُذْخَرُ

وأنت غدا في الحشر لا شك حامل *** لوائي وكل الخلق نحوك تنظر

فصادفه في شر البرية مرحب *** على فرس عالي من الخيل أشقر

فجدله في ضربة مع جواده *** وأهوى ذباب السيف في الأرض يحفر

ومر أمين الله في الجو قائلاً *** وقد أظهر التسبيح وهو مكبر

ولا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى *** لمعركة إلا علي الغضنفر

وقد ورد في شرح نهج البلاغة إن ذا الفقار كان بيد أمير المؤمنين علیه السلام اليمنى فغاص في عسكر الجمل في وقعة الجمل ودخل وسطهم وضربهم بالسيف قدماً قدماً، والرجال تفر بين يديه وتنحاز عنه يمنة ويسرة حتى خضب الأرض بدماء القتلى. كما إن علياً علیه السلام كان متقلداً ذا الفقار في يوم واقعة صفين كما جاء في كتاب التوحيد. وتقلده الإمام علي علیه السلام يوم خلافته ومبايعة الناس له وجلس على منبر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وكان متعمماً بعمامة رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ومتنعلاً نعله.

وأما فضيلة السيف ذي الفقار فقد روى الصدوق عن الإمام علي بن موسى الرضا علیه السلام: إن السيف (ذا الفقار) من علامات الإمام بعدما عدد علامات الإمام وصفاته فقال علیه السلام: (ويكون عنده سلاح رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وسيفه ذو الفقار)، وذكرت الأخبار أن الرسول الأكرم (ألبس أمير المؤمنين علیه السلام

درعه ذات الفضول وأعطاه سيفه ذا الفقار وعممه عمامته السحاب).

كما ورد في المأثور بأن منزلة ذي الفقار لنبينا صلی الله علیه وآله وسلم كمنزلة العصا لنبينا موسى علیه السلام. وإن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ذا خرج إلى أعدائه بسيف ذي الفقار أحسوا بالخطر فيتراجعون وقد وصفت ضربات علي علیه السلام بذي الفقار أنه إذا اعتلى فيه قد، وإذا اعترض قَطّ، والقد قطع الشيء طولاً، والقط قطعه عرضاً، وإنّ صناعته كانت من السماء، وما كانت صناعته من السماء ما يبغى به على أحد، وظاهر بعض الأخبار الواردة عن نبينا المختار صلی الله علیه وآله وسلم عن طريق حبر الأمة عبد الله بن عباس أن الإمام علي علیه السلام يقف على الصراط مع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وبيده سيف ذي الفقار فمن لم ينجُ من المرور على الصراط ضرب عنقه فيهوي إلى النار، وذكر ابن شهر آشوب في مناقبه أن الإمام علي بن موسى الرضا علیه السلام تقلّده أيام ولايته، وأشارت النصوص أنّ ذا الفقار وصل إلى الإمام المهدي الحجة بن الحسن (عجل الله فرجه)، وإن من علامات الفرج وخروج الإمام أرواحنا له الفداء، وهو نطق سيف ذي الفقار وخروجه من غمده، وكلامه بلسان عربي مبين (قم يا ولي الله على اسم الله فاقتل بي أعداء الله) فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجورا.

مقال: 6

6.فوائد رمضانية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قال تعالى في محكم كتابه العزيز:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»

وقال تعالى:

«وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ»

1. إن الله اصطفى أشخاصاً معينين وأمكنةً معينة، فاصطفى لقيادة البشر من شاء من الأنبياء والمرسلين «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَتُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ» واصطفى من الأمكنة منذ خلق الله الأرض مهابط للوحي ومنها مثابة التقديس والعبادة، وجعل أفئدة من الناس تهوي إليها، وقد اصطفاها الله من سائر الأماكن «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتِ وَضعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكة مُبَارَكًا» و «يَا مُوسَى إِنّي أنا رَبُّكَ فَاخْلَعُ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَسِ طُوًى». فالأمكنة المصطفاة مثل وادي طوى، والمسجد الحرام ومسجد الكوفة ومسجد الأقصى، واصطفى من الأزمنة منذ خلق الله الليل والنهار تتابع أياماً بعد أيام وأعواماً بعد أعوام وكلها متشابهة متناسقة تطلع شمسها وتغيب، ولكن اصطفى منها أياماً وليالي لنعمه

وأفضاله «والفجر وَلَیَالٍ عَشُرٍ» «إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا» «وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ»، واختار من الأشهر لرحمته شهر رمضان المبارك فهو الشهر الوحيد الذي صرّح باسمه القرآن الكريم بقوله تعالى: «شَهرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتِ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ».

2.

شهر رمضان هو الشهر الوحيد الذي أفاض الله فيه أكثر نعمه على عباده، وهي كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتِ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ».

3.

يتوحد المسلمون في أوقات العمل والفراغ في شهر رمضان وأوقات الطعام والشراب، ويفرغ عليهم جميعاً صبغة الإنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ويرطب ألسنتهم بالتسبيح والتقديس، وشهر رمضان قد أضل المسلمين ووحد بينهم في مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، ووحد بينهم في شعورهم وسرورهم، وحد بينهم في ليلهم ونهارهم، وفي وقت طعامهم وشرابهم. جعل فقراءهم وأغنيائهم وحكامهم ومحكوميهم ورجالهم ونسائهم في ذلك سواء.

4.

فرضت فريضة الصوم في شهر رمضان المبارك التي أنعم الله بها على عباده، والتي جعلها ركناً من أركان دين الإسلام، وعنصراً من عناصر الشخصية الإسلامية، فإن الله سبحانه وتعالى قد رفع شأن شهر رمضان، فرسم بنفسه أسلوب تكريمه ومظهر تعظيمه، فافترض على المسلمين في جميع بقاع الأرض صومه.

5.

يخلع المؤمن في شهر رمضان نفسه من حياة مادية مظلمة إلى حياة روحية مضيئة، فيخلع نفسه من هموم الدنيا وأكدارها إلى لذة لا يعتريها ألم وسعادة

لا يعرفها شقاء، فيبدأ يومه: باسمك اللهم صمت، ويختم نهاره: باسمك اللهم افطرت، وفيما بين الوقتين يقوم الله قانتاً يركع مسبحاً ويسجد داعياً، مرتلاً وحيه وقرآنه حتى مطلع الفجر إذ إن روح الإنسان في هذا الشهر المبارك متغلبة على ما سواها، قاهرة لشهوات الجسم ومطالبه المادية.

6.

يوحي شهر رمضان بعوامل النصر والغلبة، بأن النصر معقود بالصبر والإخلاص والتقوى، ففي هذا الشهر المبارك زعزعت حصون الشرك والضلال والبهتان في غزوة بدر قال تعالى: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»، كما يوحي هذا الشهر المبارك بالفتح الأعظم الذي عاد به أنصار الله وأولياءه إلى أوطانهم بعد أن أخرجوا منها بغير حق إلا أن قالوا ربنا الله، ذلك الحادث الذي ظهر فيه بيت الله من الأصنام والأوثان وأصبحت كلمة الله هي العليا وكلمة الضلال والبهتان هي السفلى «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِینًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَمَ مِنْ ذَبِكَ وَمَا تَأَخَرَ وَبَتِمَ يَعْمَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صراطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا».

7.

جرى الإسلام في تشريعه للصوم على سنته في تكليف الناس بما لا يعنتهم «مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» فلا وجوب على المسافر والمريض وكل من يشق عليه الصوم من الشيخ الكبير والمرأة العجوز.

8.

الصوم علاج نافع لكثير من العادات المألوفة، وتمرين على التخلص من سلطانها، والتخفف من أعبائها وأثقالها، وتذكير للإنسان بأن هذه العادات ليست أموراً طبيعيةً لا مناص له منها، وإنما هي أشياء فرضها على نفسه أو فرضتها عليه ظروف حياته ولو عزم وصمم فإنه يستطيع أن يتركها ويتخلى عنها دون أن يصيبه أذى أو يلحقه ضرر.

9.

الصوم تعويد على الصبر وتمرين عليه، والصبر هو خلق الأخلاق وروح الفضائل الإنسانية، فقد ورد أن الصوم نصف الصبر والصبر نصف الإيمان حيث يدع الصائم طعامه وشرابه وكل ما تشتهيه نفسه، ويرى بعينه أطايب ما ترك فيكبح جماح نفسه امتثالاً لأمر الله. أمّا هؤلاء الذين يغضبون في شهر رمضان ويثورون لأتفه الأسباب ولا يتسلحون بالصبر، فهم الذين ظنوا أن الصيام عقوبة وحرمان، فثارت لذلك نفوسهم واضطربت أعصابهم وخرجوا عن اتزانهم. ومن العجيب أن الناس إذا رأوا رجلاً ثائراً وقد أخرجه الغضب عن حده في شهر رمضان قالوا: لا عتب عليه ولا ملامة فهو صائم، كأن الصيام مبرر للغضب والسخط ومساوئ الأخلاق ألا ساء ما يحكمون.

10.

إن في الصوم تعويد النفس على المراقبة والخوف من الله في السر والعلن، فترى الصائم أميناً رقيباً في الصغيرة والكبيرة، وتتمثل فيه هيبة مولاه ومراقبته كأتم ما تكون. فجدير بالمسلمين أن يفقهوا إيحاءات هذا الشهر المبارك وأن يذكروه ويعملوا بمقتضاه فمرحباً بك أيها الشهر الكريم، وهنيئاً لكم أيها الصائمون المؤمنون المحتسبون.

مقال: 7

7.قدسية أرض العرب

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ارض العرب أفضل بقاع الأرض لأنها ارض زكية طاهرة فيها مهبط الوحي المبين ورسالات النبيين ومراقد الأنبياء والأئمة الصادقين والأولياء والصالحين وتطلق ارض العرب على الإقليم الذي يسكنه العرب والذي هو شبه جزيرة يحيط بها بحر الأحمر من غربها، وبحر العرب من جنوبها وخليج البصرة أي الخليج العربي من شرقها، وأما من جهة الشمال فاختلفوا في حدها، فقد نقل عن الأصمعي أن جزيرة العرب ما بين عدن بفتح الدال بلد باليمن إلى ريف العراق في الطول والعرض من الأبلة وهي ناحية في البصرة إلى جدة.

وروى أبو داود كما جاءَ في عون المعبود بأن جزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر. وربما قيل إنها من ريف أبي موسى إلى اليمن طولاً ومن رمل تبريز إلى منقطع السماوة عرضاً. وذكر الخليل أن أرض العرب يطلق عليها أيضاً جزيرة العرب لأن البحار ونهر الفرات قد أحاطت بها. ونسبت إلى العرب لأنها أرض العرب ومسكنهم ومعدنهم. وهذا هو مراد تفسيرهم لها.

ولما كانت أرض العرب منبت الإسلام وعرينه وفيها بيت الله ومهبط الوحي، فقد اختصت عن سائر البلاد الإسلامية ببعض الأحكام منها:

الحكم الأول: منع سكنى الكفار أرض العرب:

روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم: (أنه أوصى بثلاثة أشياء، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالث). وقال صلی الله علیه وآله وسلم: (الأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلاّ مسلماً).

وروي عن أم سلمة رضي الله عنها إنها قالت: إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أوصى عند وفاته أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب. وفي خبر دعائم الإسلام ان آخر ما تكلم به النبي صلی الله علیه وآله وسلم أن قال: (أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب).

واختلف الفقهاء فيما ينطبق عليه هذا الحكم من جزيرة العرب فهنا رأیان:

الرأي الأول: منع أهل الذمة سكنى جزيرة العرب كلها أخذاً بظاهر الأحاديث الشريفة الواردة في ذلك منها ما روي عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلاّ مسلماً). وأيضا ما روي عن الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله وسلم: (لا يجتمع في جزيرة العرب دينان). فلا يمكن لأهل الذمة من السكنى في جزيرة العرب بخلاف أمصار المسلمين التي ليست من جزيرة العرب.

الرأي الثاني: منع أهل الذمة من سكنى ارض الحجاز خاصة وادعي عدم الخلاف في ذلك بل الإجماع، فقد خصت بعض الأخبار جزيرة العرب بالحجاز، ويعني الفقهاء بالحجاز مكة والمدينة واليمامة وخيبر وينبع وفدك ومخاليفها، والمخاليف الكُوَر واحِدُها مِخُلاف وهي المدينة والصُّقْع. ويسمى حجازاً لأنه حجز بين نجد وتهامة بكسر التاء بلد ما وراء مكة. وأدلتهم ما روي عن النبي صلی الله علیه وآله وسلم انه قال: (أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من

جزيرة العرب). وما روي عن علي بن جعفر عن أخيه الإمام موسى بن جعفر علیه السلام قال: (سألته عن اليهودي والنصراني هل يصلح لهم أن يسكنوا في دار الهجرة؟ قال: أما أن يلبثوا بها فلا يصلح، وقال: إن نزلوا بها نهاراً وخرجوا منها بالليل فلا بأس).

أما الكفار فيمنعون من سكنى جزيرة العرب مهما كانت صفاتهم أو دياناتهم. ولا يمنع أهل الذمة من ركوب بحر الحجاز لأنه سبيل العبور ويمنعون من المقام في سواحله، وكذا إن كانت في بحر الحجاز جزائر وجبال تسكن لأنها من ارض الحجاز؛ بل منع بعض الفقهاء من سكنى حتى الجزر الغير مسكونة، وذكروا لا يجوز لهم الإقامة في مركب أكثر من ثلاثة أيام أي إذا كان بموضع واحد. ويرى الفقهاء انه لا يجوز دخول الكفار الحرم المكي بحال، وأما حرم المدينة فأنه لا يمنع من دخوله لرسالة أو تجارة أو حمل متاع، وأما ما عدا ذلك من ارض العرب فلا يدخله الكفار إلا بأذن أو صلح كإرادة عقد جزية أو هدنة لمصلحة على ان لا يطيل فيها المكث حتى يتخذ فيها مسكناً.

ومن الفقهاء من حدد مدة الإقامة للكافر في أرض العرب بثلاثة أيام غير يوم دخوله وخروجه. ونصّ الفقهاء أن من أذن له من الكفار بدخول شيء في ارض العرب فزاد في الإقامة على المأذون فيه يعزر ما لم يكن له عذر. والأعذار التي ذكروها لتمديد الإقامة في ارض الحجاز:

أولاً: الدَيْن: أن يكون الكافر دخل بتجارة فصار له دين فإن كان الدين حالاً يمنع من الإقامة إن أمكن التوكيل وإلا اجبر غريمه على وفائه ليخرج، وإن كان الدين مؤجلاً لم يكن من الإقامة حتى يحل.

ثانياً: المرض: إذا عظمت المشقة في نقل الكافر من ارض العرب لمرضه جاز بقاؤه ما زال في مرضه، وإن لم تعظم المشقة في نقله ولم يخف زيادة مرضه

ينقل لحرمة الحل.

ثالثاً: التجارة: يجوز للكافر الإقامة في ارض العرب لبيع بضاعته لأن تكليفه في تركها أو حملها معه ضياع ماله وإذا منع من ذلك قد تفوت المصلحة وتلحق المضرة بانقطاع البضائع إلى أرض العرب.

واتفق الفقهاء على عدم جواز دخول سائر الكفار الحربيين أرض العرب بل سائر بلاد المسلمين إلاّ بإذن الإمام أو نائبه، ومن دخل منهم دون إذن فإنه يعزر ويخرج. ويمنع الكافر من شراء أرض في جزيرة العرب وإن لم يقم بها، كما لا يجوز أن يمكث بأرض العرب أحد من أهل الشرك وعبدة الأوثان والدهريين ونحوهم بذمة أو غيرها، ولكن يجوز أن يقيم خارج الحجاز أهل الذمة من اليهود والنصارى والمجوس.

الحكم الثاني: منع دفن الكفار بأرض العرب:

أوضح الفقهاء أنّ من مات من أهل الذمة في الحجاز دون الحرم ينقل ولا يدفن هناك وإن تعذر نقله دفن للضرورة، وأما الحرم فلا يدفن فيه بحال، وأما الحربي والمرتد فلا يدفن في الحجاز فإن أذّى ريحهما غيبت جيفتهما، وأفتى بعضهم أن الكافر لو دخل الحرم مستتراً ومات نبش وأخرجت عظامه؛ بل أفتى بعضهم أنه لو دفن الذمي أو الكافر في مقابر المسلمين وكانت موقوفة على المسلمين نبش لئلا يتأذى المسلمون بعذابه، ولا يبالي بالمثلة فإنه لا حرمة له.

الحكم الثالث: منع دور العبادة للكفار في أرض العرب:

صرح الفقهاء بأنه لا يجوز إحداث كنيسة أو بيعه أو صومعة أو بيت نار أو صنم في أرض العرب تفضيلاً لها على غيرها وتطهيراً لها عن الدين الباطل وسواء في مدنها أو قراها أو جذرها، لا يجوز إبقاء شيء منها محدث أو قديم سابق على الفتح الإسلامي ولو أحدث وجب على المسلمين وعلى وليهم

إزالته لأنّه من الضلال فيجب قمعه.

وأما سائر البلاد الإسلامية فما أسلم أهلها فلا يجوز إحداث شيء منها أيضاً وكذلك مما أستجده المسلمون وأحدثوه كالبصرة وبغداد والكوفة وسر من رأى وجملة من بلاد الجزائر مما مصّرها المسلمون، أو فتح عنوة أو صلحاً على أن تكون الأرض للمسلمين للإجماع عليه، فلا يجوز لولي المسلمين أن يقرهم على إنشاء البيعة أو الكنيسة أو صومعة الراهب أو مجتمع لصلاتهم، وإن صالحهم على ذلك بطل. وذلك لما روي عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام: (أن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم نهى إحداث الكنائس في دار الإسلام). وما روي عن أبن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة ولا يضربوا فيه ناقوساً ولا يشربوا فيه خمراً، ولا يتخذوا خنزيراً).

نعم يجوز لأهل الذمة إحداث معابد في أرض فتحت صُلْحاً على أن تكون الأرض لهم ويؤدون الخراج فحينئذ يمكن إقرارهم على معابدهم.

ونختم المقال بالسؤال أين المسلمون من هذه الأحكام الشرعية التي جاءت بها شريعة خاتم النبيين وسيد المرسلين التي حلالها حلال إلى يوم القيامة وحرامها حرام إلى يوم القيامة؟ حيث أصبحت أرض العرب نَهْباً للطامعين من طواغيت الأرض من صهاينة وأمريكان باسم الشرعية الدولية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فهذه أساطيلهم الحربية ومعداتهم العسكرية تجوب في أرض العرب ومياهها دون رادع أو منكر جاءت لغزو بلاد المسلمين ومعقل المؤمنين ولإذلال العرب وقد روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (إذا ذلت العرب ذل الإسلام) اللهم إنّا نرغب إليك في أمة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل الكفر وأهله، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة.

المصادر

1.

عون المعبود / المطبعة الانصارية / دلهي / 3 / 129 ص.

2.

فتح الباري / المطبعة السلفية / 13 / 317 ص.

مسلم / مطبعة عيسى الحلبي / 12 / 317ص.

4.

الأموال / أبو عبيدة / طبعة القاهرة / 98 ص.

5.

المغني / ابن قرامة / الطبعة الأولى / 10 / 614 ص.

6.

جواهر الكلام / النجفي / طبعة النجف الأشرف.

7.

نهاية المحتاج / الرملي / 8 / 85 ص.

8.

البحر الرائق / ابن نُجَيم الحنفي / 5 / 121 ص.

9.

شرح الزرقاني / 3 / 142 ص.

10.

الخراج / المطبعة السلفية / الطبعة الثالثة / 66 ص.

11.

الأحكام السلطانية / الماوردي / طبعة 1327ه / 151 ص.

12.

الأحكام السلطانية / لأبي يعلى / طبعة 1356 ه / 184 ص.

13.

القُرب في محبة العرب / زين الدين عبد الرحيم العراقي (806 ه - 1403 م) الإسكندرية / 1381 ه - 1961 م.

مقال: 8

8.مُقَوِّضاتُ الموَدَّةِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

حرصت الشريعة الإسلامية بتوجيهاتها الصائبة وتعليماتها السديدة على غرس الحب والمودة في النفوس ليعيش بنو البشر حياة كلها رغد وسرور وتحف بها الأفراح ويغمرها الإخاء والوفاء، وحذرت وأنذرت الناس من كل ما يبعث في النفوس من الضغائن والبغضاء لما في ذلك من ضرر وخطر على المجتمع والفرد، فنهت عن التخلق بكل الصفات المقوضة للمودة التي تقطع هذه الصلة الروحية والرابطة المقدسة وهي:

1.

التملق وهو الجرثومة الفتاكة التي تنخر في هيكل المودة التي تقضه من أساسه وتقوض دعائمه، لذلك أمرنا الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم بالإخلاص في المودة وحذرنا من التملق وأنذرنا بعواقبه الوخيمة، قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (ذا الناس أظهروا العلم وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا بالأرحام لعنهم الله عز وجل وأصمهم وأعمى أبصارهم). وقال الإمام العسكري علیه السلام: (بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين يطري أخاه شاهدا ويأكله غائبا، إنّ أعطي حسده وإن ابتلى خذله).

2.

الخيانة وهي من أفضع الجرائم وأقبح الرذائل تكشف عن خبث السريرة وانحطاط الأخلاق، لذلك حذروا أهل بيت العصمة الملأ الإسلامي من

التلوث بهذه الصفة الرذيلة، قال أمير المؤمنين علیه السلام: (المؤمن لا يعير أخاه ولا يخونه ولا يتهمه ولا يخذله ولا يتبرأ منه). ومصاديق الخيانة عديدة منها: إذا استشارك أخوك فأشرت عليه برأي تعلم أنّ فيه ضررا عليه فقد خنت، كما قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (من أشار على أخيه بأمر يعلم أنّ الرشد في غيره قد خانه)، ومنها: أنّ تحفظ على أخيك بعض زلاته لتفضحه بين الناس، وهذه الناحية إلى الكفر أقرب لما روي عن نبي الرحمة: (أدنى الكفر أن يسمع الرجل من أخيه كلمة فيحفظها عليه يريد أن يفضحه بها أولئك لا خلاق لهم)، ومنها: أن يستعين بك أخوك في حاجة فلا تبالغ في قضائها بكل جهدك، قال الإمام الصادق علیه السلام: (أيما رجل من أصحابنا استعان به رجل من إخوانه في حاجة فلم يبالغ فيها بكل جهده فقد خان الله ورسوله والمؤمنين).

3.

الجدل والمراء وهما مُكَدِّران للصفاء بين الناس ومُقَوِّضان لدعائم الأخوة ولو كان المرائي والمجادل محقا في جدله فإنّ من عاشر الناس ووقف على شؤونهم يلمس ما للمجادلة والمخاصمة من مضار وخيمة ونتائج سيئة توقع الضرر العظيم وتورث في القلوب العداوة والبغضاء. قال الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم: (إياكم والمراء والخصومة فإنّهما يمرضان القلب على الإخوان وينبت عليها النفاق). وقال الإمام الهادي علیه السلام: (المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحل العقدة الوثيقة، وأقل ما فيه أن تكون فيه المغالبة والمبالغة أس أساس القطعية).

4.

التكلف: وهو الداء العضال لقطيعة الناس والتدابر، قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (شر الأصدقاء من تكلف له)، وقال أمير المؤمنين علیه السلام: (شر الألفة ترك الكلفة)، ويعرف المتكلف بالعلامات التي ذكرها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقوله: (إن للمتكلف من الرجال ثلاث علامات: يتملق إذا شهد ويغتاب إذا

غاب، ويشمت بالمصيبة).

5. الشماتة: وهي أن يفرح بما يقع على أخيه من بلية ومصيبة أو يبدي بأنه مستحق لمثل هذا السوء فعله وعمله، والشماتة لا تكون إلا من العدو المستتر الذي من الصعب على الإنسان أن يحذره ويتقي شره وهو أضد على الإنسان من العدو الظاهر، لأن الإنسان يستطيع أن يبتعد عن عدوه ويفر منه لئلا يصيبه منه أذى ويقول الشاعر المتنبي في هذا:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى *** عدو له ما من صداقته بدُ

ولذلك حَذُرنا أهل البيت علیه السلام من التخلق بهذا الخلق الذميم، وأمرونا أن ننطوي على قلب سليم، قال الإمام الصادق علیه السلام: (من شمت بمصيبة نزلت بأخيه لم يخرج من الدنيا حتى يفتتن).

6.

الأنانية: وهي أن يهتم بنفسه دون غيره، ولا يفكر في مصلحة سواه، فنفسه هي المطمح الأسمى في حياته، ومصلحته هي الغاية القصوى في دنياه وهي صفة بغيضة يستنكرها كل إنسان، ولكن قل ما يخلو منها إنسان، ولقد كافح الإسلام الأنانية مكافحة لا هوادة فيها حيث بني مبادءه السامية وتعاليمه العالية على المصالح العامة والمنافع المتبادلة وركز أسسه على القاعدة الكبرى التي صدع بها صاحب الرسالة صلی الله علیه وآله وسلم بقوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

7.

النسيان: وهو أكبر مقوض لكيان المودة مفرق للإخاء، لذلك أمرنا أهل بيت العصمة علیه السلام بأن يتعاهد الإنسان أخيه ولا ينساه فالنسيان يسبب التباعد ويقطع علائق المودة والإخاء كما قال أبو الأئمة وسيد الأمة علي بن أبي طالب علیها السلام: (وترك التعاهد للصديق داعية للقطعية). وسئل علیه السلام عن المروءة فقال: (إطعام الطعام، وتعاهد الأخوان، وكف الأذى عن

الجيران).

8. التفريق: هو العامل الرئيسي في أحداث الضغائن في القلوب، فلابد أن يساوي الإنسان في المظاهر الودية بين الناس من حيث الإقبال عليهم والترحيب بهم والتحدث معهم والإصغاء إلى كلامهم وما شابه ذلك من مظاهر الود فيما لو كانوا مجتمعين أما لو لاقى الإنسان أخاه منفردا فليعط كل ذي حق حقه، والى هذا أشار الإمام الصادق علیه السلام (إذا كان ثلاثة في بيت فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإنّ ذلك مما يغمه).

نعم يجوز للإنسان أن يفرق بين الناس من حيث الحب القلبي فإنّ هذا متفاوت لا محالة بحسب صفات المحبوب ومميزاته وخصائصه، كذلك يمكن أن يفرق بين الناس من حيث التقدير والإكبار الشخصي، فيعطي كلاّ منهم ما يستحق من الإكرام والاحترام فإنّ الناس يختلفون من حيث المواهب والخصائص والملكات درجات وطبقات فهنالك طبقة العلماء والحكماء والأتقياء وهي الطبقة العليا، وهنالك طبقة الجهال والفساق والأشرار وهي الطبقة السفلى وبين هاتين الطبقتين منازل متعددة ومراتب كثيرة، وقد نص القرآن الكريم على هذا التفاوت والاختلاف بقوله: «يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتِ» وقال سبحانه وتعالى: «انظُرْ كَيْفَ فَضَلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتِ وَأَكْبَر تَفْضِيلاً» وقل عن شأنه: «أمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ» وقال جلت قدرته: «أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ».

نعم الناس من حيث المبدأ والنهاية سواسية كأسنان المشط كلهم لآدم وآدم من تراب.

9.

الإيذاء: وهو أن يمس الإنسان أخاه بسوء وأذى فإنّ كثيرا من الناس من يستسيغون إيذاء إخوانهم بأيديهم أو بألسنتهم وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فترى بعضهم يوجه أقسى الكلمات وأقبحها أو أشد الضربات المؤلمة لصاحبه، فإذا استنكر صاحبه منه ذلك اعتذر بأنه يمزح ويمرح وقد نهانا الرسول الأعظم وأهل بيته عن الإيذاء والاعتداء وعدوا ذلك خرقا لحقوق المودة وانتهاكاً لحرمتها فإنّ المودة يشترط فيها خلوها من الإيذاء، قال رسول الله صلی الله علیه وآله وآله وسلم: (لا يحل للمسلم أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه). نعم أمر أهل بيت العصمة علیهم السلام بأن تبنى حياة الناس على الإنصاف والإحسان والرحمة وألا يسيء أحد إلى أحد قال الإمام الصادق علیه السلام: (ثلاث يجلبن المودة: الإنصاف في المعاشرة والمواساة في الشدة والانطواء على قلب سليم).

10.

الهجران: هو قطع حبل المودة ونقض عقد الأخوة وفصم عرى الصداقة وهجران الإنسان لأخيه عمل يستنكره العقل السليم ويأباه الضمير الحي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لأبي ذر رضوان الله عليه: (يا أبا ذر إياك وهجران أخيك فإنّ العمل لا يتقبل مع الهجران يا أبا ذر أنهاك عن الهجران وإن كنت لابد فاعلا فلا تهجره فوق ثلاثة أيام فمن مات فيها مهاجراً لأخيه كانت النار أولى به) وقد أمرنا أهل بيت العصمة علیهم السلام بصلة الأخوان ولو بطيب الكلام فقال الإمام الصادق الصديق علیه السلام: (صلوا أخونكم وبروهم ولو بحسن الكلام ورد الجواب) وأنّ الوصل بعد الهجران والرجوع بعد الإدبار يحتاج إلى أمر يسير وهو شيء من حلاوة اللسان وطلاقة الوجه والإغضاء عن الإساءة والصفح عن الذنب كما قال الإمام الصادق علیه السلام: (إنّ سرعة ائتلاف قلوب الأبرار إذا التقوا وإن لم يظهروا التودد بألسنتهم كسرعة اختلاط ماء السماء بماء الأنهار، وإنْ بعد

ائتلاف قلوب الفجار إذا التقوا وإنْ أظهروا التودد في السنتهم كبعد البهائم من التعاطف وإنْ طال اعتلافها على مدود واحد) والمذود معلق الدابة وكلما كان الهجر أطول كان أعظم جرما وأكبر إثماً، كما قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (هجر الرجل أخاه سنة كسفك دمه).

وفي الختام نسأل الله تعالى بجاه من لذنا بجواره مولانا أمير المؤمنين علیه السلام أن يجنبنا مقوضات المودة ويحبب إلينا علائق الأخوة إنّه سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مقال: 9

9.البِدْعَةُ مَقهُومُها وَحُدُودُها

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إن الإحداث في الدين مِعْوَلٌ هَدّامٌ في صرح التشريع الإسلامي الوثيق وهو من أخطر ما يهدد كيان الأمة بالانهيار والتفرقة ومن هنا أكد الشرع القويم على خطورة البدعة على معالم الدين ووحدة المسلمين قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم (من أدى أمتي حديثا يقام به سنة أو يثلم به بدعة فله الجنة) فلابد من مواجهة البدعة وإلا اندرست السنة قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (لا يذهب من السنة شيء حتى يظهر من البدعة مثله) ولذلك أمر الشارع المقدس بمقاطعة المبتدع في الدين بقوله: (من أتى ذا بدعة فعظمه فإنما يسعى في هدم الإسلام) وأمر بإظهار العالم عمله ليكون حدا فاصلا بين السنة والبدعة قال (إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله) ومع تأكيد الإسلام على نفي البدع عنه فقد حدثت فيه ولها أتباع؛ بل هنالك قوم توسعوا في مفهوم البدع فزعموا شموله إلى كل أمر حادث بعد حياة الرسول إلى ثلاثة قرون من بعد الحوقه بالرفيق الأعلى وأدى ذلك إلى عزل الشريعة السمحة من التفاعل مع حياة الناس وكأنها لا تمتلك مقومات الديمومة والاستمرار.

وتعتبر البدعة من المعاصي الكبيرة التي نص على حرمتها الكتاب الكريم

والسنة الشريفة وهي ضلالة تؤدي بصاحبها إلى سوء الجحيم وذلك لأنّ المبتدع في الدين مُفتَرٍ على الله ورسوله ولأنه يسوق الأمة وفقا لأهوائه ينتهي إلى الفرقة والتناحر قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» وقد عرف علم الهدى السيد المرتضى البدعة بأنها (الزيادة في الدين أو النقصان من غير إسناد إلى الدين) فإحدث أمر في الشريعة لم يرد فيه نص بدعة سواء كان أصلها مبتدعا أو خصوصياتها مبتدعة ومثال الخصوصيات المبتدعة بأنا نعلم أنّه يستحب فعل الصلاة في كل وقت ولكن لو عين عدد ركعات معينة مخصوصة على وجه مخصوص في وقت معين صارت بدعة بلا نص ورد فيها.

وقد استدل الفُقَهاءُ على حرمة الابتداع في الأحكام الشرعية بقوله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» فَإِنّ الكذب من المحرمات والموبقات التي وعد الله عليه النار والبدعة من أفحش الكذب لأنها افتراء على الله ورسوله والمفتري مبتدع لأنه يريد أن يقول عن شيء ليس من الدين أنه منه فيزيد فيه ما ليس منه أو يقول عن شيء أنه ليس من الدين وهو من الدين فينقض من الدين شيئاً هو منه كما أكدت السنة الشريفة على حرمة البدعة فعن الصحابي جابر الأنصاري رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد فإنّ أصدق الحديث كتاب الله وإن أفضل الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثها وكل بدعة ضلالة) وعنه صلی الله علیه وآله وسلم أنه قال: (يأتي على الناس زمان وجوههم وجوه الآدميين وقلوبهم قلوب الشياطين السنة فيهم والبدعة سنة) وروى عن أهل بيت العصمة علیهم السلام: (إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله) و (من مشى إلى صاحب بدعة فوقره فقد مشى إلى هدم

الإسلام). فالأحاديث الشريفة طائفة منها حرمت الابتداع في الدين وبعضها الآخر حدد أسلوب التعامل الاجتماعي مع صاحب البدعة وحذرت طائفة أخرى من التعامل مع صاحب البدعة ونستخلص أن البدعة تتقوم بأمرين هما الأول الاختصاص بالأمور الشرعية فلا تكون من البدعة العادات المتغيرة والأعراف المتباينة لدى الناس فإن الأجهزة في الكتابة كجهاز الحاسوب مثلا أو غيره من أجهزة الكتابة بعد أن كان يستخدم الدواة والقلم لا يعد بدعة بمفهومها الشرعي.

وقد حاول البعض توسيع معنى البدعة إلى مدى أوسع ليشمل كل أمر حادث لم يكن وقع في زمن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم حتى وإن كان بنحو من الأنحاء يهدف إلى خدمة الدين وأهدافه المقدسة فقد دفع التحجر بعض هؤلاء ممن قصروا عن فهم الدين والسنة الشريفة إلى الاعتقاد بأن كل أمر لابد أن يأتي فيه نص الخاص الذي يشير إليه بشكل صريح وإن كل ما لم يرد بشأنه دليل خاص فإنّه يندرج في قائمة الابتداع وكأنّ الشريعة الإسلامية عقيمة جامدة لا تملك الضوابط العامة والقوانين الكلية التي يمكن تطبيقها على الموضوعات والحوادث المستجدة.

وقد قسم البعض البدعة إلى حسنة وسيئة وذلك لخلطهم بين البدعة بمعناها اللغوي والتي معناها إحداث شيء ليس على مثال سابق ومعناها الاصطلاحي الشرعي فإنّ البدعة بالمعنى اللغوي مثل الاحتفال بيوم الاستقلال أو الاحتفال التأبيني لتكريم بطل من الأبطال فإنّ هذا حلال بالذات لا مانع منه إذا لم يرد فيه نهي من الشارع المقدس أما شأن البدعة في المصطلح الشرعي فهي محرمة مطلقا تأبى التقسيم فإنّ اقتصار النصوص الشرعية في ذكر البدعة على الذم والانتقاد الشديد يبطل مقولة البدعة الحسنة كما أنّ الحديث المتفق عليه كل بدعة ضلالة (وكل ضلالة بالنار) شمول

جميع أنواع البدع وقد أوضح الشهيد الأول في قواعده على أن البدعة لا تطلق إلا على ما هو محرم بقوله: (محدثات الأمور بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقسم أقساماً لا تطلق اسم البدعة عندنا إلا على ما هو محرم منها).

وهنالك عدة أسباب في نشوء البِدَع منها توهم المبالغة في التعبد لله تعالى وذلك بأن يعتزل النساء أو يصوم الدهر كله أو لا يكلم أحد ويعتزل الناس أو لا يستظل من الشمس وغيرها ظانا بإجهاد نفسه إنما يتقرب إلى الله تعالى أكثر من غيره.

وقد شجب القرآن الكريم في أماكن متعددة ظاهرة الرهبنة وتحميل النفس المشاق والصعوبات ورد على هذا المنهج المنحرف في الحياة الاجتماعية: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ».

ومن أسباب نشوء البدع اتباع الهوى فقد خطب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام فقال: (أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن: أهواء تتبع وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب الله).

نسأل الله تعالى بجاه من لذنا بجواره مولى الثقلين مولانا أمير المؤمنين علیه السلام أن ينجينا عن البدع والفتن ويحرسنا عن زيغ الهوى وطول الأمل.

مقال: 10

10.الدين المعاملة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي أمرنا باتباع طريق الحق والاستقامة، والتمسك بالصدق والأمانة، ونهانا عن الكذب والغش والتدليس والخيانة، والصلاة والسلام على سيد الخلق رافع منار الحق سيدنا محمد أفضل المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله الغر الميامين وصحبه المنتجبين الحافظين لحدود الله والمتمسكين بأحكام الدين.

اعلم إن الله (سبحانه وتعالى) خلق الإنسان مدنياً بالطبع، أي محتاجاً إلى من يتبادل معه المنفعة إذ لو لزم كل إنسان العزلة وابتعد عن إخوانه لصعب عليه الحصول على ما يقوم به أودَ حياته وساءت معيشته. ولما كان الإنسان ذا نفس أمارة بالسوء، والحرص والطمع من عاداتها المتأصلة فيها، وضع الشارع الحكيم قانونا للمعاملات وحداً للتصرفات حتى لا يأخذ المرء ما ليس له بحق، ولا يضيع عليه حقه لكي تستقيم أحوال العالم، ولا تضيع الحقوق وتكون المنافع متبادلة على أحسن الوجوه وأتمها. ثم إن من نظر في أحوال العالم وجد أن المنازعات والمخاصمات الحاصلة بين الأفراد والجماعات سببها سوء المعاملات وسوء التصرفات. فلو أحسن الإنسان معاملة أخيه، والابن معاملة أمه وأبيه، والأب معاملة بنيه، والتاجر والصانع والزارع وغيرهم معاملة بعضهم بعضاً لعاش الناس جميعاً في هناء وصفاء، وزالت بينهم العداوة والشحناء، وساد النظام واستتب الأمن العام. ولكن مع الأسف الشديد

أصبحت معاملة الناس كلها في هذا الزمن غشاً ونفاقاً، ولهذا انحطت الأسواق وتدهورت الأخلاق، وصارت الحالة لا تطاق. ولا علاج لهذا الداء الدفين سوى اتباع أحكام الدين، والتمسك بحسن المعاملة بين طبقات الناس على اختلاف الملل والأجناس. ولهذا وإجابة لطلب بعض الأخوان أن اكتب ما هي المستحبات التي نتبعها في الأسواق لتكثير الأرزاق فحررت هذه السطور مستعيناً بالحي القيوم: فلقد ورد عن الرسول الكريم صلی الله علیه وآله وسلم (العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال) لاما يفعله بعض التجار الذين يفصلون بين الدين والمعاملة والتي تكون معاملاتهم مشبوهة بالشبهة والحرام. ولذا حث الإسلام حكم باستحباب التفقه لصاحب التجارة، فقد روي عن أهل بيت العصمة (الفقه ثم المتجر) و (من اتجر بغير علم فقد ارتطم بالربا). كما أوضحت الأحاديث الشريفة بأن هنالك آداباً ومستحبات في المعاملة لكل من البائع والمشتري مما يزيد في الرزق. فيستحب للبائع أن يقيل المشتري النادم على شراءه للسلعة لما روي (من أقال مسلماً نادماً أقال الله عثرته يوم القيامة) ويستحب للبائع التسوية بين المشترين في الثمن. ولا بأس بترجيح أهل الدين ولكن مع الأسف إن بعض البائعين يختار السلعة الرديئة لرجل الدين، لأنه ممن يأمن منه، وأن يكون الربح يسيراً على المؤمن بحيث يربح عليه قوت يومه فقط فيما إذا كان ثمن السلعة (20) ألف دينار فما زاد. وأن يخير المشتري فيما يأخذه من البيع - السلعة - لا ما يفعله البائعون في الوقت الحاضر من رفضهم لمس المبيع فضلاً عن تخيير في أخذ السلعة، وابتداء صاحب السلعة بالسوم كما هو المألوف. والرجوع في طريق لم يذهب فيه لأنه أكثر رزقاً، وأحكام المعاملة بإيقاع الصيغة اللازمة. ووضع كل شيء وعرضه في سوقه وعمل كل عامل في السوق المعدة لعمله لأنه أدَرُّ رزقاً، والمعاملة مع من نشأ في الخير، واتخاذ مكسبه في بلده والإتيان بجيد السلعة وترك رديئها. كما يستحب المماكسة - وهي المعاملة - إلا في أربعة: الأضحية والنسمة والأجرة إلى مكة المكرمة.

ونصح المستشير وقبول نصحه فإن المؤمن مرآة أخيه، ومشاركة أرباب الحظوظ فأنها تزيد في الحظ وتبديل الصنائع حتى يوافق حاله فيها طالع سعد. كما في المشتري في أيام الغلاء أن يشتري قوته يوماً فيوماً. ومما يزيد الرزق هو الاستعانة بدعاء الإخوان إذا جار الزمان، والمحافظة على التعقيب إلى ما بعد طلوع الشمس فإنه أجلب للرزق من الضرب في البلاد، وقراءة سورة (إنا أنزلناه) أو الآيات التي ترتبط بالرزق. وينبغي أن يجعل آخر الدعاء إذا فرغ من صلاة الفجر (سبحان الله العظيم، استغفر الله وأتوب إليه واسأله من فضله) عشر مرات. ومنها إطلاق الوجه مع العاملين وحسن السلوك معهم، واستعمال الحلم ومكارم الأخلاق فانه ادعى للرزق، واتخاذ مكسبه مجاوراً لأهل الدين، وإنظار(1)الديون وهو مستحب كإبرائه لقول الإمام الصادق علیه السلام: (من أراد أن يظله الله يوم لا ظلَّ إلا ظلّهُ؟) قالها ثلاثاً فهابوا أن يسألوه حتى قال: (فَليُنظِرُ معسراً أو يدع له من حقه).


1) الإنظار: الإمهال

مقال: 11

11.أهمیة الصلاة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إنها نعم الصلة للعبد بخالقه ومكونه، وهي عمود الدين فإنّ ضاعت ضاع الدين كله، وعندما يحاسب العبد فهي أول ما يحاسب عليه فإنّ قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها، وبها للصدور المكلومة شفاء، ولنهي النفس الأمّارة بالسوء دواء حيث تنهاها عن المنكر والفحشاء، فيالها من عمل جليل وفعل ذي أثر جميل، تعرج به النفس نحو الملكوت الأعلى، وتستنشق به شذى السعادة المثلى التي يركض لها المتقون، والمنهل الذي يكرع من رحيقه الصالحون حيث يقف المصلي أمام الجلال والجبروت، أمام ربه وخالقه بخضوع و خشوع، ثم يتصور عظمته وعزته وجلاله وجماله ونعمه وآلاءه ويقيسه بسائر الكائنات والموجودات فيقول: (الله أكبر) صرخة في وجه من طغا وتكبر. ثم يستعين به على حمده والشكر على المزيد من رحمته والثناء الطافه على سمو قدسيته بقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم). ثم يتصور السابقة وأياديه الواسعة وجلائل نعمه الظاهرة والباطنة فيحمده قائلا: (الحمد الله) واصفا له بأجلى نعوته فيقول: (رب العالمين) ثم يدرك الحنان والرحمة من ذلك المبدأ الفياض عليه وعلى العالمين فيقول: (الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) فهو إليه ترجع السعادة الأبدية والشقاء الخالد، ثم يسوقه الشعور إلى البراءة عمن سواه ممن ألبسه الجهل والغباوة القداسة الإلهية وأنّه هو المحمود

بتلك الصفات العظيمة المخصوص بتلك العبادات الجليلة لا ما ينحته الناحتون من الأصنام والأوثان بقوله (إياك نعبد وإياك نستعين) فيستعين بتلك الرحمة المطلقة والسلطان القاهر على كل ما يستطيع له صنعا ولا يقدر عليه أمراً، وكيف يستعين بغيره من مصنوع كيفه الهوى ونحته الخيال؟ وهو جلت عظمته وعلا سلطانه بيده ملكوت السموات والأرض وإليه ترجع الأمور وتنقلب الأحوال، ثم يستجدي ذلك الرب للعالمين الملك ليوم الدين الهداية إلى الصراط الذي يوصل السعادة في الدارين والفوز بالنشأتين ذلك السراط المستقيم صراط الهداية والرشاد بقوله: (إهدنا الصراط المستقيم) فإنّه خير ما يرغب إليه الراغبون ويتطلبه الطالبون، ثم حرصا على الوصول إلى الغاية يخص ذلك الصراط بنعت آخر يوجه طلبه إليه دون ما عداه بقوله: (صراط الذين أنعمت عليهم) وحيث أن نعمه شاملة للضال والمهتدي والمغضوب عليه والمرضي عنه خص الذي أنعمت عليهم بقوله: (غير المغضوب عليه ولا الضالين) ثم إذا انتهى به الحديث في الوصف والطلب صعقه ذلك الجلال، وراعته تلك الهيبة انحنى راكعا خاشعا مستشعرا لعظمة لا توصف منزها لها في حمده قائلا: (سبحان ربي العظيم وبحمده) ثم عاد مشتاقا لذلك الجمال والجلال مادا طرفه نحو الرحمة المطلقة مشيرا للعلو في العظمة بالعلو المادي مصرحا بأنّ هذا المحمود لا يضيع عنده حمد الحامدين ولا شكر الشاكرين قائلا: (سمع الله لمن حمده) وإذا امتلأ شعورا من تلك العظمة خر ساجدا لها وهو معترفا بعلو فوق ما أدركه قائلا: (سبحان ربي الأعلى وبحمده) ثم يرفع رأسه مستغفرا مستنيبا تائبا من كل خطيئة قائلا: (استغفر الله ربي ربي وأتوب إليه).

وهكذا يكرر ذلك بمقدار ما يشعر به من عظمته وجلاله ثم يرفع يديه قانتا لله يستنزل ألطافه الربانية ويستدر الرحمة الإلهية في قضاء حوائجه وتيسير

أموره، ثم ينهي العمل بحمده الذي لا يمل ويشهد بأنه هو الإله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله الذي هداه لطريق النجاح وعرفه الوسيلة للفلاح منذ أحرم بصلاته فإذا عاد من ذلك الانقطاع وتلك الغيبة حيا نبيه والصالحين من العباد ومن كان لديه بالتسليم ما يحي به القادم من يقدم عليه.

لقد استفدنا هذا الوصف لهذا العمل العبادي الجليل وكم له من فوائد قيمة وآثار طيبة من كتاب الكلم الطيب للمرحوم والدنا سماحة آية الله العظمى الشيخ علي كاشف الغطاء.

مقال: 12

12.العِرفانُ في الصَّلاةِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إنّها نعم الصلة للعبد بخالقه، ومكونه وعندما يحاسب العبد فهي أول ما يحاسب عليه فإنّ قبلت قبل ما سواها. وإن ردت رد ما سواها وهي عمود الدين فإنّ ضاعت ضاع الدين كله، وبها للصدور المكلومة شفاء ولنهي النفس الأمّارة بالسوء دواء حيث تنهاها عن المنكر والفحشاء، فيالها من عمل جليل وفعل ذي اثر جميل تعرج به النفس نحو الملكوت الأعلى، وتستنشق به شذى السعادة المثلى التي يركض لها المتقون والمنهل الذي يكرع من رحيقه الصالحون حيث يقف المصلي أمام الجلال والجبروت، أمام ربه وخالقه بخضوع وخشوع. ثم يتصور عظمته وجلاله ونعمه وآلاءه ويقيسه بسائر الكائنات والموجودات فيقول: (الله أكبر) ثم يستعين به على حمده بقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم)، ثم يتصور ألطافه السابغة وأياديه الواسعة فيحمده قائلا: (الحمد لله) واصفاً له بأجلى نعوته فيقول: (رب العالمين)، ثم يدرك الحنان والرحمة من ذلك المبدأ الفياض عليه وعلى العالمين فيقول: (الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) والذي إليه مرجع السعادة الأبدية والشقاء الخالد، ثم يسوقه الشعور بالواجب في البراءة عمن سواه ممن ألبسه الجهل والغباوة عن القداسة الإلهية وأنه هو المحمود بتلك الصفات المخصوصة بالعبادات لا ما ينحتون من الأصنام بقوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) على كل

ما لا نستطيع له أمراً وكيف نستعين بغيرك من مصنوع كيفه الهوى ونحته الخيال؟

ثم يستجديه الهداية إلى الصراط الذي يوصل لِلمَقَرٌ الأبدي والدار الخالدة ذلك الصراط المستقيم صراط الهداية والرشاد بقوله: (اهدنا الصراط المستقيم) وهو خير ما يرغب إليه الراغبون ويتطلبه الطالبون، ثم حرصا على الوصول إلى الغاية يخص ذلك الصراط بنعت آخر يوجه طلبه إليه دون ما عداه بقوله: (صراط الذين أنعمت عليهم) وحيث أنّ نعمه شاملة للضال والمهتدي والمغصوب عليه والمرضي عنه خص الذين أنعم عليهم بقوله: (غير المغصوب عليهم ولا الضالين) ثم إذا انتهى به الحديث في الوصف والطلب صعقه ذلك الجلال وراعته تلك الهيبة انحنى راكعا خاشعا مستشعرا لعظمة لا توصف منزهاً لها في حمده قائلا: (سبحان ربي العظيم وبحمده)، ثم عاد مشتاقا لذلك الجمال والجلال ماداً طرفه نحو الرحمة المطلقة مشبها للعلو في العظمة بالعلو المادي مصرحا بأن هذا المحمود لا عنده حمد يضيع ولا شكر الشاكرين قائلا: (سمع الله لمن حمده) وإذا امتلأ شعورا من تلك العظمة خر ساجداً لها وهو معترف بعلو فوق ما أدركه قائلا: (سبحان ربي الأعلى وبحمده)، ثم يرفع رأسه مستغفرا مستنيبا تائبا من كل خطيئة قائلا: (استغفر الله وأتوب إليه) وهكذا يكرر ذلك بمقدار ما يشعر به من عظمته وجلاله ثم ينهي العمل بحمده الذي لا يمل ويشهد بأنه هو الإله وحده لا شريك له وأن محمداً هو عبده ورسوله الذي هداه لطريق النجاح وكان وسيلة الفلاح وحيث قد انقطع عن الخلق وغاب عن العالم منذ أحرم صلاته فإذا عاد من ذلك الانقطاع وتلك الغيبة حيا نبيه والصالحين من العباد ومن كان لديه بالتسليم بما يحي به القادم من يقدم عليه والوافد من يفد عليه.

فالصلاة في أوقاتها نعم الصلة بالخالق (عز وجل) يستنزل بها الألطاف

الربانية ويستدر بها الرحمة الإلهية يناشد فيها رب السماوات والأرضين بكبريائه وعظمته ويستنجد بجوده وجبروته ويستعطفه بعفوه ورحمته أن يدخله في كل خير دنيوي وأخروي أدخل فيه محمداً وآلَ محمدٍ ويخرجه من كل سوء وشر اخرج منه محمداً وآل محمد صلی الله علیه وآله وسلم وهناك السعادة التي يركض إليها المتقون والمنهل العذب الذي يكرع من رحيقه الصالحون.

هذا ما استفدناه من كتاب الكلم الطيب لوالدنا سماحة المرحوم آية الله العظمى الشيخ علي كاشف الغطاء.

مقال: 13

13.تشريع الحج وفلسفته

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ما فرض الله الحج وما خصه من جميع الطاعات إلى نفسه بقوله عز من قائل «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» إلا لجمع الكلمة وتوحيد الصف والتعارف بين المسلمين لتفهم قضاياهم وتشاورهم فيما يخص آخرتهم ودنياهم فإنّ في مناسكه شحنة روحية تملأ النفس عطفا وحنانا ويقظة نحو المثل العليا مكانا وزمانا.

إلا إنّ لكل منسك من مناسك الحج سراً عظيماً يرمز إليه وهدف سامي يترتب عليه، فإنّ في الإحرام التبتل الله في الحركات والسكنات، وكف النفس عن المدنسات والموبقات بنحو يوجب السيطرة على سلطان الهوى ويركز فيها الإيمان والتقوى وعند لبس ثوبي الإحرام رمز لخروج الإنسان من حفرة قبره مؤتزرا بثوبي كفنه قد فارق الأهل والأحبة ومباهج الحياة وموارد الثروة فلا المال ينفعه ولا الأولاد والأحبة تسعده، وفي التلبية نداء يملأ القلب سرورا وتهتز به المشاعر بهجة وحبورا تنطلق به ألسنة الحجيج عندما يجد بها السير نحو المشاعر المشرفة والبقاع المقدسة معلنة بعظمة الله عز وجل خاضعة لجلال قدرته وجمال لطفه شاخصة بأبدانها نحو البيت العتيق من كل فج عميق وكل أرب سحيق، وفي التلبية رمز لإجابة دعوة الله لأداء الحج يوم دعا الله الناس على لسان نبيه صلی الله علیه وآله وسلم بقوله عز من قائل: «وَأَذِنْ فِي النَّاسِ بِالْحَج يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ

ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ».

وفي الطواف حول بيت الله الحرام زيارة لصاحب البيت حبا لذاته المقدسة وعشقا لمقامه العظيم وتطلعا لوجهه الكريم وتعلقا بشخصه الجليل بعد أن جرد الطائف نفسه من كل تعلق سوى الله تعالى، وقطع كل ارتباط بمن عداه بإحرامه من الملذات ومن فوتن الحياة، وهذا أبلغ معنى في الزيارة للمحبوب وأقوى ارتباط بين الطالب، والمطلوب وفي الدوران المتكرر سبعا بالعدد المبارك رمز لتوجه الزائر لدار المزور بكليته وانقطاع القاصد للمقصود بجملته، وفي استلام الحجر تَوَصَلٌ للقرب من المزور، والاتصال به من طريق بيته المعمور، وفيه رمز للمصافحة لرب البيت، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحجر الأسود يمين الله في خلقه يصافح بها خلقه).

وفي التعلق بأستار الكعبة تعلق من الحاج برب البيت والانقطاع إليه، وفيه رمز لتعلق الزائر بالمزور شوقاً للقياه وحباً للتطلع لمحياه:

وما حب الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا

وفي السعي نحو الله والتردد في الذهاب والإياب بالأشواط السبعة لزيارة الشوق والحب لذاته والقرب الشامخ مقامه واستهداف البلوغ لعلو عظمة شأنه والوصول لشعائر جلاله وجماله بعد الحلول بفناء بيته الحرام وتردده في الغدو والرواح للظفر بالمزور والتوفيق للمثول بين يديه.

وفي الوقوف بعرفات بلوغ الشوق لذات الله القدسية أسمى مراتبه وأعلى أنواعه فإنه بعد أن طاف حول البيت طوفان العاشق الولهان وسعى نحو الله سعي المحب الضمان شحنت نفسه بشدة الشوق والاشتياق وامتلأت بالعشق والهيام هام نحو البراري والقفار وشق الصحراء والوديان نحو عرفات طلبا للقرب لذاته المقدسة وتطلعا لأنواره المتلألئة وفي ذلك رمز لهيام

العاشق في طلب معشوقه، وتركه ملذات الحياة في سبيل الظفر بمطلوبه، فإنّ الشوق إذا اشتد والحب إذا بلغ نهاية الحد انحصر بالمحبوب وانصرف المحب عما سواه، وكره الطالب عما عداه، فيفر للفضاء المطلق حيث الصحارى والوديان والجبال، حيث لا أنس هناك ولا أنيس ولا سمير هناك ولا جليس.

وفي الوقوف بالمشعر الدخول في الحرم في أسر من العبودية والطاعة بعد الخروج عنه في عرفات، فإنّ المشعر من الحرم دون عرفات وفيه رمز لعود العاشق الولهان لديار المحبوب ليحظى بالعطف والحنان عليه والتوجه والالتفات إليه.

وفي الرمي الرجم لتمثال الشيطان إعلانا للحرب على الشيطان الداعي العبادة غير الرحمان والموسوس في الصدور بالدعوة للعصيان تصديقا من الحاج لما سبق منه من الإخلاص لله تعالى في العبادة والانقياد له، وحده في الطاعة بنبذه للمضلين وحربه للشياطين، فالجمرات رمز للشياطين الرادعين من الفضيلة والداعين للرذيلة.

وفي الذبح إراقة الدم قربانا الله تعالى تَصدِيقٌ آخر من الحاج لما سبق منه من الإخلاص في العبودية والاعتراف لله وحده بالربوبية حيث قدم قربانه لذاته تعالى لا لغيره من أصنام كيفها الهوى ونحتها الخيال. ففيه الرمز للتضحية بما يملك في سبيل الله خالصة لوجهه الكريم من دون فائدة دنيوية أو معنوية سوى الإطاعة له تعالى والانقياد له.

لبيك اللهم لبيك

نداء نادتك به أول البصائر من يوم كانوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء معلنة في هذا اليوم لعظمتك خاضعة لجلال قدرتك وجمال لطفك، مادة أعناقها نحو شامخ مقام قدسك، شاخصة بأبدانها نحو البيت العتيق من كل فج عميق ذلك البيت الذي من حج إليه نال السعادة بغفران ذنوبه وكان

كيوم ولدته أمه تبارك الله أحسن الخالقين.

لبيك اللهم لبيك

كلمة تملأ القلوب نورا والنفس سرورا وتهتز بها المشاعر بهجة وحبورا، تنطلق بها ألسنة الحجيج عندما يجد بها السير نحو الرحمة المطلقة والشعائر المشرفة والبقاع المقدسة، فهناك وهناك السعادة الأبدية والتجليات الإلهية تقف دونها الأفكار حائرة والألباب متحيرة، وتضعك فيها الأنوار القدسية وتنعشك الألطاف الربانية، فتمتلىء منا الجوانب والجوانح خشية وروعة منادية من مستر سرها «رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».

لبيك اللهم لبيك

أداء لما فرضته على العباد من عبادتك من حج بيتك الحرام للغرض الذي يرمى إلى اجتماع عام في حشد سنوي ضخم يجمع على صعيد واحد مختلف الطوائف الإسلامية في إطار ديني تزكى فيه روح الأخوة ومشاعر المودة ويحيا به الشعور الديني ويبعث العواطف نحو مثلها العليا وبنور الفكرة الإسلامية بأسمى أهدافها وأوسع نطاقها.

مقال: 14

14.مَدُّ الجسور بين الحوزة العلمية والجامعات الأكاديمية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ الله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد صلى الله عليه وعلى آله الغر الميامين وأصحابه المنتجبين.

إن الحوزة العلمية في النجف الأشرف تعتبر من أقدم الحوزات العلمية في عالمنا الإسلامي فهي امتداد لمدرسة الكوفة التي وضع أسسها الأولى أمير المؤمنين الأمام علي بن أبي طالب الله حينما تولى الخلافة في الكوفة، ثم أقام دعائمها ووضع نظامها العام وطورها بشكل كبير الإمامان الباقر والصادق وتحظى الحوزة العلمية بمكانة مرموقة لأن دراساتها أنقى معرفة وأصفى علماً، فإن جذور ذلك العلم تمتد إلى تلك الينابيع الصافية المتمثلة بأهل البيت ال والقائمة على التقوى والوقوف إلى جانب الحق والتضحية. فلا الطغاة والسلاطين والجائرون لهم يد تأثير عليها ولا الشهوات والمناصب والمنافع لها تأثير على هذه الحوزة الشريفة . نعم هي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنبي وأهل بيته الكرام.

وقد مر على الحوزة الشريفة حين من الدهر كانت فيه محاصرة ومنزوية

إلى حد كبير من قبل أعدائِنا، ولم تكن هنالك علاقةٌ ما بين الحوزةِ الشريفةِ والجامعاتِ الأكاديميةِ وبقيت المؤسستان والجُزُرِ المنفصلةِ عن بعضها وبقَي الطالبُ الجامعيُ يدورُ في فلكِ اختصاصِهِ ولا يكادُ يفقه شيئاً عن العلومِ الأخر وعلوم الشرع خاصة مما أدّى إلى نتائج سلبيةٍ على صعيدِ الرؤيةِ الفكريةِ للمستقبل.

وأما اليومُ والحمد اللهِ فالحوزةُ العلميةُ تعيشُ في ظروفِ تختلفُ تماماً. الظروفِ السابقةِ فيجب أن تفتحَ على العالم الخارج، ولابُدّ من أن تستجيبَ في حرِكتها لِمُتَطلباتِ المعركةِ القَائِمةِ والمُتَمثّلة بصراع الحضارات. ومن الأبعادِ المهمة في هذهِ المعركةِ البَعدُ الثقافي والأمور ذاتُ العلاقة بفهم النظرية الإسلامية، وموقف الإسلام من القضايا والتحدياتِ الكَثِيرة كقضية الشبابِ والمرأةِ والعلاقات الدولية والعلاقة بين الحكم والمحكوم وبين الفقراء والأغنياء.

إن التعاون والعمل المشترك بين الحوزة العلمية والجامعات الأكاديمية يساهم مساهمة فعالة في وضع الخطط المستقبلية لتدريس العلوم ومواكبة عصر التقدم ومواجهة التحديات والرد على الأباطيل ومعالجة المستجدات بطريقة شرعية أساسها القرآن الكريم والسنة الشريفة.

كما تساهم في إيجاد جيل ملتزم واعٍ متخلق، وعالم بأمور الدين، وفي الوقت نفسه ملم بالأحداث يمكنه من مواجهة التحديات ومعالجة المستجدات وقيادة الأمة.

إن الواقع المتطور السريع والتحديات السافرة والمستجدات التي تحدث من حين لآخر، والغزو الثقافي كلها تتطلب سرعة التعامل معها، وإعطاء رأي الشرع الإسلامي فيها، وتملي على القائمين على الحوزة العلمية والجماعات الأكاديمية مدّ الجسور لتبادل المعلومات والخبرات والبحوث الصحيحة حتى تكون هذه المؤسسات العلمية قوة رادعة للشبه والأباطيل، وقادرة على العطاء

المتلائم مع كل عصر تنير للأمة الطريق وتزودهم بالبحوث الصحيحة في كل المجالات وتتصدى للغزو الثقافي.

إن التقدم العلمي مرهون بتقدم مناهجه، ومن هنا كان لابد للدراسات الحوزوية أن تستفيد من المناهج الحديثة في تطوير طرق التدريس، وجمع المعلومات ومعالجة مشكلات الواقع بمنظار منهجي معاصر وليس من خلال مناهج وأدوات قديمة كانت صالحة لوقتها، لأن المناهج في النهاية هي وسائل لا غاياتٌ فإذا أثبت عجزها عن تحقيق ما نهدف إليه صار من اللازم استبدالها بوسائل أخر فقد تطور البحث العلمي خاصة مع ثورة الاتصالات وشبكة المعلومات وتقنيات الحاسوب وانفتاح العلوم بعضها على بعض. فنأمل من الجامعات أن تأخذ من القديم عمقهُ وأصالته ومن الجديد تطوره وَحَيَوِيَتهُ، كما نأمل من الدراسات الحوزوية أن تكون دراسةً منتظمةً في المسجدية وخصوصاً في مرحلة المقدمات والسطوح التي تعد الطالب لمرحلة البحث الخارج حيث يكون اعتماد الطالب على نفسه في الغالب، فمرحلةُ البحث الخارج تأبى تعديل شكلها ومحتواها، ولا يمكن إخضاع هذه المرحلة لأي تنظيم منهجي خاص، وتبقى مرحلة السطوح والمقدمات هي التي تحتاج إلى التنظيم والمنهجية.

ولبيان الخطوات العملية التي تعمق العلاقة بين الحوزة العلمية والجامعات الأكاديمية:

أولاً: إيجاد لجنةٍ تنسيقية ما بين الحوزة العلمية والجامعات الأكاديمية تتكون من فضلاء الحوزة وأساتذة الجامعات لكى تستفيد الحوزة العلمية من التخصصات التي تهمها في الجامعات في تشخيص الموضوعات ولتبادل الخبرات والمعلومات بين أساتذة الحوزة والجامعات.

ثانياً: عقد ندوات منظمة لدراسة المستجدات واتخاذ التدابير اللازمة لذلك،

وتطوير طرق التدريس والاهتمام بالتراث الإسلامي والعناية بالمخطوط خصوصاً.

ثالثاً: إنشاء مجلة تعنتي بنشر بحوث الحوزة العلمية والجامعات الأكاديمية.

وختاماً نسألُ یجاه من لذنا بجواره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام أن يوفق الخطوات المباركة للنهوض العلمي في كلتا المؤسستين الحوزة العلمية والجامعات الأكاديمية.

مقال: 15

15.فتاوى الأفراد وفتاوى الأمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كانت الفتوى ومازالت محط اهتمام بالغ لدى الأوساط الإنسانية التي يمثل فيها الدين محركاً أساسياً للسلوك وأنماط التفكير، ولا يقف هذا الاهتمام عند المسلمين فحسب، بل أخذت الفتوى مكانتها لدى كل العقائد لما لها من أثر نفسي بالغ في توجيه الأفعال وتحديد الرؤى والأفكار. غير أن الفتوى في الإسلام لها شأن أعظم وأخطر، خاصة عند من يستشعر مسؤولياتهم تجاه ربهم وأمتهم. وذلك لما دل على أن العالم حجة الأمام علیه السلام على الناس لقوله علیه السلام: (فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) وأن الحجة يجب أتباعها فيكون العالم واجب الأتباع في فتواه. ومن المعلوم وجوب الإفتاء على العالم المجتهد في زمن الغيبة فيما لم يكن يخاف على نفسه كما أن الجرأة على الإفتاء من غير علم تؤدي بصاحبها أن يكبه الله على منخريه في نار جهنم.

إن كتب الفقه قد امتلأت بالحديث عن الإفتاء والشروط الواجب توافرها في المفتي والمستفتي والحالة الإفتائية، ولكن أهملت الحديث عن الإفتاء الجماعي التي يتعلق بالأمة وكيانها وهذه الفتوى ربما تعلقت بحالة إنسانية فردية لا تتعدى صاحبها من التوجيه إلى الفعل أو الاعتقاد أو التصرف وهو ما نطلق عليه فتاوي الأفراد والأعيان. وربما تعلقت الفتوى بجماعة أو أمة، وارتبطت بمصير الشعوب والأمم والحضارات، وهو ما نطلق عليه

(فتاوي الأمة) وعندها يكون الإفتاء في غاية الخطورة والحساسية، لاسيما ما كان متصلاً بالعلاقات الدولية والسياسية الشرعية، لأنها موجهة لطبقة أوسع، وتأخذ شكلاً أفقياً في الانتشار والنفوذ، كما أنها تتعلق بقضايا المسلمين وتحدياتهم الحضارية والإستراتيجية الممتدة. كما أنها تؤثر بشكل ما على طبيعة العلاقة بين الدولة وأفرادها أو بين الدولة وغيرها، أو على أمة تجاه أمة أو حضارة تجاه حضارة أخرى تختلف في الموروث العقائدي والثقافي وغيرهما.

وإن الأمة الإسلامية تمر في مرحلة عصيبة وبلدنا العراق خاصة حيث ان فتاوي الأمة مثل فتوى وجوب الانتخاب أعضاء كتابة الدستور والاستفتاء عليه أو وجوب الانتخاب على شكل نظام الحكم، لابد من دراسة مميزات فتاوي الأمة وشروطها وخصائصها وممن تصدر وفرقها عن فتاوي الأفراد وعدم تسييس الفتوى وذلك لخطورة الشأن الإفتائي في هذا المجال كما أصبح هنالك زيادة غير مسبوقة على طلب فتاوي الأمة وأصبحت سرعة انتشارها بسبب وجودها على الفضائيات والشبكة العالمية (الإنترنيت) ووسائل الأعلام الأخرى من مسموعة ومقروءة ومرئية.

إن الفرق بين فتاوي الأفراد وفتاوي الأمة هي أن فتاوي الأفراد هي الفتاوي التي تتعلق بأفعال المكلفين المذكورة في الرسائل العملية للمجتهدين التي امتلأت كتب الفقه بها، أما فتاوي الأمة فهي التي تتعلق بقضايا المسلمين من التحديات الحضارية والإستراتيجية للأمة فهي فتاوي مواقف الأمة في إطارها العام وإن فتاوي الأفراد تكون أجوبة استفتاءات المجتهدين على أسئلة المقلدين، بينما فتاوي الأمة يتصدى لها المرجع حتى من دون استفتاء فهي لا تنتظر المستفتي كما إنها تستدعي مراجع الأمة لها.

وأما خصائص فتاوي الأمة فهي ليست لمصلحة فرد أو فئة أو حاكم معين لكنها لمصلحة الأمة الإسلامية، وأن يستشعر المراجع قضايا الأمة الإسلامية

ومصلحتها قبل وأثناء الفتوى. وهي التي تجمع الأمة الإسلامية ولا تفرقها. ويصدرها المرجع الديني فقط لأنه يكون أعلم زمانه وأفضلهم وأبصرهم بتدبير الأمور وإدارة الشؤون، وباعتبار أن له الولاية على الأنام وموكول له تدبير النظام ويحتل مركز نيابة الأمام علیه السلام، ويتولى شؤون المسلمين في أمور الدنيا والدين فمن أنطبق عليه هذا العنوان كانت له الأهلية في إصدار فتاوي الأمة.

أما فتاوي الأفراد فيمكن أن يصدرها كل من كان له أهلية الإفتاء وهو من أهل الاجتهاد وإن لم يكن أعلم أهل زمانه وأفضلهم وأبصرهم بتدبير الأمور وإدارة الشؤون ولهذا نقولها بصراحة إننا نخاف أن تتحول فتاوي الأمة إلى أمة فتوى كما شاهدنا ذلك في أيامنا هذه التي تمر بنا.

وتتميز بالذيوع والانتشار والتراكم والجدل على المستوى الشعبي والرسمي، فتتحول الفتوى لحالة رأي عام. وأن ممارسة الضغط السياسي واقعاً وموجهاً على فتاوي الأمة دون فتاوي الإفراد مثل فتاوي العمليات الاستشهادية أو فتاوي الأقليات والمظاهرات.

ولا مانع في فتوى الأمة أن يقوم المرجع بتعديل السؤال أن لزم الأمر وما يفترض أن يسأل فيه حتى يعلم المرجع المستفتي كيف يسأل وما يفترض أن يسأل فيه؟

وإضافة إلى شروط صلاحية الفتوى العامة ان تكون صادرة من المرجع الديني بعد اطلاع والأخطار مستشاريه عليها، واستشارة أهل الاختصاص فيها ضرورة أن الاستعانة بالمتخصصين في مختلف التخصصات تكون الفتوى مناسبة وحقيقة في تعبيرها عن الواقع، لأنه لا معنى للمرجع أن يصدر فتوى للأمة عن واقع ليس له دراية به وأن يلاحظ فيها تنزيه الفتوى من الضغوط

السياسية ومآلات الفتوى والأضرار والأفطار فيما أذا كانت هنالك تابعة للفتوى.

ولأهمية فتاوي الأمة فلا بد من التصدي والنقد لكل ممن لا يكون له أهلية ولا ينطبق عليه عنوان المرجعية لتأثيره السلبي لامتلاء الساحة في عصرنا وفي كل عصر بمن يزاحم المرجعية برأيه مما يخلط الحابل بالنابل فيهلك الضرع والحرث والله المستعان.

مقال: 16

16.لمحات عن مواقف علماء النجف من قضية فلسطين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لست بمُغالٍ إذا قلت: إنّ لأسرة آل كاشف الغطاء اليد الطولى في محاربة اليهود، فقد حاربهم في العراق جدهم الأعلى الشيخ الكبير الشيخ جعفر صاحب كتاب كشف الغطاء (1156 ه - 1228 ه) یوم احتلوا أراضي الحلة الفيحاء قرب مرقد ذي الكفل علیه السلام وحاولوا تهويد أهاليها وقاربوا ذلك لولا أن ينبري الشيخ للسفر لأهلها مع جملة صالحة من تلاميذه، وما انفك الشيخ جعفر يحارب اليهودية بيده ولسانه وقلمه كما جاء في كتابه كشف الغطاء في الرد على اليهودية بعدما أتقن اللغة العبرية ودرس التوراة حرفا حرفا لملاحقة اليهودية، وقد أسلم على يده منهم رهط كثير.

ثم قامت أسرة آل كاشف الغطاء جيلا بعد جيل بالمحاربة لهذه الفئة بأقلامهم وألسنتهم ونفوسهم فقد استنهض آية الله العظمى المرحوم الشيخ هادي كاشف الغطاء (1290 ه - 1361 ه) المسلمين واستنفرهم في دفع اليهود عن فلسطين في جمادي الثانية سنة 1356 ه في فتوى نقتبس منها: (أما بعد فقد بلغكم وملأ أسماعكم ما أفتى به علماؤكم الروحانييون زعماء الدين وأئمة على العاملين من وجوب الجهاد على كل مسلم في شرق الله المسلمين وحجج الأرض وغربها.

العربي والفارسي والهندي والتركي من سائر الأقطار والأمصار والشعوب «وَأَعِدُوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُهُ مِنْ قُوَّةِ» بالكتب والكتائب والخطب والرسائل والاستنهاض والاستنفار والترغيب والترهيب واللسان والسنان والأموال والرجال وغير ذلك من شتى الوسائل التي يحصل بها النصر على أعداء الدين المعتدين الآثمين من اليهود في فلسطين الذين يريدون أن يستعبدوا الأحرار ويملكوا نواصي العباد ويأبى الله ورسوله وأنوف حمية وشيم عربية.

فيا أبطال الوغى ويا ليوث الهيجاء ويا قادة جندنا ويا أباة الضيم ويا حماة العرين طيبوا عن أنفسكم نفساً وسيروا إلى الموت سيرٌ سجحاً وأعيروا الله جماجمكم ساعة حتى ينجلي عمود الحق وأنتم الأعلون واعلموا أن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الواقية فمن تركه رغبة عنه البسه الله ثوب الذل والهوان وشمله البلاء والخسران) وقد أنهى فتواه بقلب مكلوم وصدر مألوم. وللشيخ هادي رحمه الله قصيدة يتعرض فيها لقضية فلسطين قال فيها:

واسأل فلسطيناً وما صنعوا بها *** مما يضيق بوصفه التعبيرُ

والاعتداء على الضعيف سجية *** فيهم وأمر ظاهر مشهورُ

وقد وقف المرحوم آية الله الكبرى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء مواقف مجيدة للدفاع عن فلسطين فَوَثَب وِثبَة الأسد الرئبال الذائد عن حياض أشباله، فسافر إلى المؤتمر الإسلامي في فلسطين وبمعيته العلامة الشيخ عبد الرسول كاشف الغطاء صاحب مجلة لواء الوحدة الإسلامية ومؤسس جمعية الوحدة الإسلامية وحسس العالم الإسلامي بخطر الصهيونيين وخطب الخطب العديدة في محافل حاشدة واجتماعات حافلة بعبارات كلها آيات بينات مستنهضا هممهم. وقد صدرت منه عدة نداءات حول قضية فلسطين، منها ما

نشرته جمعية الدفاع عن فلسطين رقم (11) بغداد / السبت في 6 آب 1938 م في 5 جمادي الآخرة 1357 ه نصه (انفروا خفاقا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم أيها العرب أيها المسلمون إن الجهاد أصبح واجباً عليكم في سبيل الوطن).

وقد وجه سماحة الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء نداء عاما إلى الأمة الإسلامية وجعل يوم الجمعة 5 آب سنة 1938 م يوم فلسطين وقد جاء في هذا النداء ما نصه: (أيها العرب وأيها المسلمون؛ بل أيها البشر وأيها الناس أصبح الجهاد في سبيل فلسطين واجبا على كل إنسان لا على العرب والمسلمين فقط. نعم هو واجب على كل إنسان لا بحكم الأديان والشرائع فقط؛ بل بحكم الحس والوجدان ووحي الضمير وصحة التفكير والخطة العملية في ذلك أن من يستطيع اللحوق بمجاهدي فلسطين بنفسه فليلتحق بهم ولا أقول: إني ضمين له أنه كالمجاهدين مع النبي صلی الله علیه وآله وسلم في بدر. فإنّ المقام أجلى وأعلى من ذلك المقام مقام شرف وغيرة وحس وشعور لا مقام طلب أجر وثواب وإن كان ذلك بأعلى مراتبه ومن لم يستطع اللحوق بنفسه فليمدهم بماله إما بتجهيز من لا مال له ليلحق بهم أو بإرسال المال إلى المجاهدين وعيالهم وأطفالهم، ومن عجز عن ذلك فعليه أن يجاهد ويساعد بلسانه وقلمه ومساعيه جهد إمكانه وهذه أدنى المراتب، وليكن كل أحد على علم جازم أن القضية قضية موت العرب وحياتهم).

ثم قام بعد ذلك مؤسس الجامعة سماحة آية الله العظمى المرحوم الشيخ علي كاشف الغطاء (1331 - 1411 ه) فأفتى بوجوب الجهاد عن فلسطين في سنة 1376 ه في نداء وجهه لعامة المسلمين الذي نشرته الصحف تحت عنوان النداء العام في الجهاد عن فلسطين ونقتطع بعضا من نصوصه: (أيها المسلمون إنّ من هزل الدهر أن يتطاول على أمة محمد صلی الله علیه وآله وسلم شرذمة لفظها الغرب على

شاطئ البحر وقاءتها اليهودية في فلسطين، ومن أغلاط الزمن أن يشين كرامة أبناء الضاد تحت سمائهم فئة باغية تعد بالأصابع. يا أمة محمد صلی الله علیه وآله وسلم إن الدفاع عن فلسطين باب من أبواب الجنة فمن تركه ألبسه الله ثوب الذل والهوان ومني بالبلاء والخسران، فجاهدوا في سبيل الله أعداء الله المعتدين الآثمين الذين يريدون أن يستعبدوا أحراركم ويسلبوا دياركم وأراضيكم، فسارعوا إلى كبح جموعهم بعزم ثابت وقدم راسخ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ورباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم. فإنّكم «وإِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وثبت أقدامَكُمْ» حتى ينجلي عمود الحق وأنتم الأعلون «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْقُونَ».

وعند زيارة الشيخ علي كاشف الغطاء في 19 محرم المصادف في 1965/5/20 م إلى غزة الذي كان يترأس الوفد العراقي لمؤتمر البحوث الإسلامية في القاهرة وبمعيته العلامة شيخ الأزهر حسن مأمون ورهط كبير من رجال الدين وعندما وصل بهم السير إلى دار حنون حيث كانت الحدود الفلسطينية والحدود اليهودية المغتصبة، فتأثر الشيخ كاشف الغطاء كثيراً على ضياع أرض الوطن العربي بيد اليهود المغلولة، فأنفجر سماحته كالبركان ثائر بشقشقة هدرت، فتصاعدت من صدر سماحته الحسرات والأنات بخطبة حماسية ارتجالية وكان لها وقع عظيم في ذلك الجمع الحاشد أبكت الجميع وخشعت لها القلوب والنفوس.

وفي أيام حرب سنة 1967 م كان سماحة الشيخ علي كاشف الغطاء يحرض الجماهير على مغتصبي فلسطين ويبعث الحماس فيهم بقلمه ولسانه، وقد أعلنت الصحف مثل المنار في عددها 3759/22 في یوم الثلاثاء 4 ربيع الثاني 1387 ه المصادف 13 حزيران 1967 م صوم سماحة الشيخ علي

کاشف الغطاء نصرة للعرب والمسلمين على الصهاينة المجرمين وقد طلب من رجال الدين أن يستغلوا جميع إمكانياتهم للمساهمة في نصرة الجيوش العربية وأن يبينوا للمسلمين أبعاد المؤامرة الصهيونية التي حيكت لضرب الأمة العربية والإسلامية بالاشتراك مع أعدائهم ومتربصين الدوائر بهم.

ثم بعد هذا أقام مجلس الفاتحة على أرواح الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن فلسطين في جامعته في النجف الأشرف ثم أصدر سماحته نداء عاما للمسلمين نشرته الصحف العراقية بتاريخ 16 جمادي الثانية سنة 1387 ه المصادف 20 أيلول سنة 1967 م تحت عنوان الإمام كاشف الغطاء يدعو المسلمين لتحرير الأراضي المقدسة، وقد طلبت منظمة فتح فتوى بالجهاد من سماحة الشيخ علي كاشف الغطاء بتاريخ 1969/1/15 م وقد أرسلت نص الفتوى. كما احتج سماحة الشيخ علي كاشف الغطاء لدى الأمم المتحدة و جمعية حقوق الإنسان على الجريمة التي اقترفتها الصهاينة بدفنها عددا من العرب الأحياء بتاريخ 1969/2/23 م كما استنكر سماحته جريمة الصهيونية بإحراق المسجد الأقصى الشريف، وناشد سماحته كافة الشعوب الإسلامية والجيوش العربية والفصائل الفدائية بتشديد الضربات الساحقة إلى الصهاينة والمستعمرين لارتكابهم الجريمة البشعة النكراء بحرق أولى القبلتين وثالث الحرمين المسجد المقدس لدى أهل الشهادتين وقد جاء ذلك في برقية بعث بها سماحته ردا على برقية تلقاها من الاتحاد العام لطلبة فلسطين والاتحاد العام لعمال فلسطين واتحاد المرأة الفلسطينية وجاء في برقية سماحته (لقد كان لبرقيتكم الأثر البليغ في نفوسنا فقد زادت بها لواعج الأشجان والأحزان، وإنّ عبراتي في هذا المجال تسبق العبارات، وإنّ زفراتي تمتزج بالحسرات على العمل الإجرامي الذي ارتكبه الصهاينة بانتهاكهم حرمة المسجد الأقصى. فيا وللمسجد الأقصى من هؤلاء العتاة المردة فأين ذوي النجدة من لله الصلحاء

والأبرار ومنشدي العدالة الإنسانية في شرق الأرض وغربها من استرجاع الحق لأهله وتطهير الأرض وقد أجاد الشاعر في قصيدته لاستنهاض الأمة العربية للدفاع عن فلسطين بقوله:

يا مصر منك تفهم الأحرار *** درس النضال وأهلك الثوارُ

ما بالها رقدت ونامت عينها *** والذل خيم واستبيح الجارُ

نهضا بني قومي فإنّ على الأذى *** لبني العروبة لا يقر قرارُ

أتقاعست للظل راية عزكم *** أم منكم الهمم الكبار صغارُ

ما العرب بالنزر القليل وهذه *** ثرواتكم غصت بها الأمصارُ

لكنما داء التفكك داؤها *** إن التفكك للديار دمارُ

تقضى فلسطين أسى ما بيننا *** ويجد في إهلاكها الجبارُ

وتغل أيدينا وألسننا معا *** وتظل ترمق موتها الأبصارُ

أبني العروبة والعروبة وحدة *** والضاد أصل والإباء شعارُ

لا حكم للأقلام تنقذ هالكا *** منا إذا لم يحكم البتارُ

فمتى ترى للعرب جيشا واحدا *** و شعاره يوم الهجوم الثارُ

بهدی رسول الله سار وعزمه *** في النائبات يمنه الكرارُ

ويعيد وقعة مرحب وصريعها *** في تل أبيب عجلها الخوارُ

مقال 17

17.المكانة الأسمى للحسين علیه السلام

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ما عسى أن يكتب الإنسان وينطلق اللسان عن المشاعر المتزاحمة التي غصّت بها القلوب في ذكرى مولد الإمام الحسين علیه السلام الذي جاء مترجما للفكر الإسلامي السامي والعقيدة الدينية الصحيحة والوطنية العربية الحقة، وشارحا لطموحات الإنسان نحو الفضيلة في سبيل العز والشرف والكرامة والعمل الصالح.

ألا وإن أقصى ما يبلغه الإنسان في هذا المقام أن يشير إلى المحل الأسمى لشخصية الإمام الحسين علیه السلام والمحك الأسمى لذاته المقدسة، فقد جاء مولده علیه السلام البشيرا بميلاد الصمود في وجه الطغيان في الأيام السود وباستهلال الخير الذي طال انتظاره، وباسترداد القيم العليا بعد الهوان إلى مكانتها المثلى، فقد نهض علیه السلام عندما انتهز الأقوياء فرص الجهالة والضلال فاستعبدوا الشعوب واستبدوا بالقلوب واستحلوا لشهواتهم ومنافعهم خيرات الأرض والسماء حتى ضجّت الأرض مما تنوء به من شر وبغي وضلال وطغيان فقاومهم بما يملك من نفس ونفيس عن الحق وحماية للوطن يريد للناس بذلك صحة العقيدة ويردهم لصواب الدين ويسمو بهم إلى الشريعة الحنيفة السمحة التي دعا لها جده الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم، فكان ذلك غربلة وتمحيصا للمؤمنين وتنقية لصفوف المسلمين استعداداً لما قدره الله تعالى بعدها من بدء مرحلة

جديدة تبتدئ بالجهاد ممن كان للناس إماماً وللحق مناراً، وتنتهي بالنصر الكامل لبناء جيل جديد يلتصق بواقع الحياة يخوض معركة قاسية مريرة ضد طغمة عاصية لئيمة اقتحمت كل الأسوار للعبودية العمياء حطمت القيود التي غل بها الأحرار مبرداً بذلك سحب الظلم والظلام الذي خيم على رجال الأمة الكرام.

وإننا نستوحي من ذكرى مولد الإمام الحسين علیه السلام العبرة ونستخلص منها العديد من الدروس وان ذكراه تؤكد التصميم الحازم على دحر الأعداء ومواصلة السير في سبيل النضال المشرق والمواقف القيمة وإمداد الصمود لتحقيق الظفر بالأمل المنشود من تحرير القدس من براثن اليهود المعتدين مهما تصاعدت التضحيات وكثرت العقبات.

مقال: 18

18.لمحات عن الدراسة في الحوزة العلمية في النجف الأشرف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مدينة النجف الأشرف مرقد باب مدينة علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام والنجف الأشرف بحد ذاتها مركز دارسي شيعي كبير وتعتبر المركز الرئيسي للدراسات الشيعية، ولها خاصية متميزة وذلك باستمرار الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية فهي متطورة متجددة وذلك لتقليد الشيعة للمجتهد الحي، وفي النجف الأشرف أكثر من (24) مدرسة دينية أشهرها: الصدر القوام، كاشف الغطاء، المهدية، الآخوند، الهندية، اليزدية، البروجردي، اللبنانية، القزوينية، الأزرية كما تضم الحوزة العلمية في النجف الأشرف مختلف الجنسيات للطلبة الدارسين فيها من العراقيين والخليجيين والإيرانيين والباكستانيين والأفغان واللبنانيين والتبت والهنود وغيرهم.

إن نظام التعليم في الحوزة العلمية لا يخضع لنفوذ الدولة، ولا يمول من قبلها، وان مدارسها تدار من قبل المتولين عليها، وان الوازع الديني والانضباط النفسي هو القانون الوحيد الذي يدير هذه المدارس الدينية والحوزة العلمية.

ويرتدي طالب الحوزة العلمية (الروحاني) عمة سوداء أو بيضاء والأولى

تدل على انه سيد أو هاشمي أما البيضاء فلا تدل على ذلك، ويعيش معظم الطلبة في غرف المدارس الدينية ويعتمدون على أنفسهم في إعداد الطعام وتنظيف الملابس، ويحصلون على راتب شهري من المراجع الدينية المتصدية للفتوى.

والطالب الحوزوي هو طالب مرة ومدرس مرة أخرى، فالمتقدم في المرحلة الدراسية يكون أستاذ للأدنى منه مرحلة فهو تلميذ وأستاذ في وقت واحد، كما لا يوجد وقت محدد للدراسة، فالطالب ربما يمكث كل عمره في الدرس والتدريس، وبعض الطلبة يدرس لفترة ثم يذهب إلى خارج النجف أو خارج بلده للتبليغ أو يرجع إلى موطنه للإرث الديني.

ويكون الطالب حراً في استخدام أوقات فراغه لدراسة أي موضوع آخر كتعلم اللغات الأجنبية أو الشعر، كما يتمتع بحرية في اختيار زميله وقرينه في الدرس، وكذلك أساتذته وتحديد ساعات الدراسة ومكان الدرس، وغالباً تكون في المدارس أو الجوامع أو مكاتب المرجعيات، وتتكون من حلقات دراس فقد تكون الحلقة من طالبين وقد تصل إلى المئات من الطلبة وهناك محاضرات المجتهدين وهي دروس البحث الخارج يأتي الكلام عنها.

ويختلف معدل التقدم العلمي للطالب من طالب إلى آخر وذلك على استعداده العلمي ومواظبته على درسه، فليس هناك أوقات محددة لتكميل أي مرحلة من المراحل بل تعتمد على الطالب، كما إن الطالب الحوزوي لا يطلب منه وثيقة امتحان علمية مصدقة لانتقاله من مرحلة إلى أخرى كما في الجامعات والمدارس الحكومية.

وتبدأ دروس الحوزة من بعد صلاة الفجر وتستمر إلى بعد صلاة المغرب بساعة واحدة، ويحدد الطلبة أوقاتهم الدراسية مع أساتذتهم الذين اختاروهم، وربما يدرّس أساتذة متعددون الموضوع نفسه في زمان واحد.

وإلى جانب الحلقة الدراسية هناك المباحثة ما بين الطالب وزميله حيث يناقشون الدرس الذي ألقي عليهم ويملك الطالب وقته في تحصيله العلمي لشحذ ذاكرته ومراجعة دروسه ومباحثته لما يروه ضرورياً.

وتقسم الدراسة في الحوزة العلمية إلى ثلاثة مراحل:

المرحلة الأولى (المقدمات):

تعتبر مرحلة المقدمات من أهم المراحل لكونها تمثل توجّه الطالب اشتغالاً وتديناً وأخلاقاً، بل أصبحت المؤثر الأساس على دراسة المستقبلي اللغة العربية والبلاغة والمنطق:

أولاً: كتب اللغة العربية:

1.

الآجرومية.

2.

قطر الندى لابن هشام.

3.

ألفية ابن مالك لمحمد بن عبد الله بن مالك الطائي (ت 672 ه).

4.

مغني اللبيب لابن هشام.

5.

شذا العرف في فن الصرف.

ثانياً: كتب البلاغة:

1.

مختصر المعاني والبيان المسعود بن عمرو بن عبد الله التفتازاني (ت 791 ه)

2.

المطول للتفتازاني.

ثالثاً: كتب المنطق:

1.

كتاب المنطق للشيخ محمد رضا مظفر.

2.

كتاب (الحاشية في المنطق) لمؤلفها الملا عبد الله بن شهاب الدين حسين اليزدي (ت 988 ه).

رابعاً: كتب الفقة:

1.

المختصر النافع لأبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن المعروف (بالمحقق الحلي) (ت 676 ه) وقد لخص فيه كتاب (شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام).

2.

الرسالة العملية لمرجع التقليد الأعلى للطائفة الإمامية وهي فتاويه المقلديه التي يجب العمل على طبقها.

المرحلة الثانية (مرحلة السطوح)

يدرس الطالب فيها علم أصول الفقة والفقة.

أولاً: كتب علم أصول الفقة:

1.

معالم الدين للشيخ حسن بن زين الدين الشهيد الثاني.

2.

الرسائل.

3.

الكفاية.

ثانياً: كتب الفقة:

1.

شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام للمحقق الحلي.

2.

الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية لزين الدين بن علي المعروف بالشهيد الثاني (ت 965 ه).

3.

المكاسب للشيخ مرتضى بن محمد أمين الأنصاري (ت 1281 ه).

ثالثاً: كتب علم الكلام:

1.

الباب الحادي عشر.

2.

التجريد.

3.

منظومة السبزواري.

وترتيب هذه الكتب عند الدراسة حسب التسلسل المذكور آنفاً فمثلاً عند

إكمال كتاب الشرائع ينتقل إلى اللمعة الدمشقية ثم إلى المكاسب وبذلك أكمل كتب الفقه وهكذا في باقي العلوم.

المرحلة الثالثة (مرحلة بحث الخارج)

وفي هذه المرحلة، يحضر الطالب الدروس التي يلقيها كبار العلماء المجتهدين في الفقه والأصول، وهي آخر مراحل الدراسة، وقد يبلغ فيها الطالب درجة الاجتهاد التي هي أعلى درجة في دراسته وعند بلوغه هذه الدرجة يصبح مجتهداً.

وقد امتازت جامعة النجف العلمية بمنح هذه الدرجة العالية التي يعترف بها في كثير من الأقطار الإسلامية ويعمل بفتاوى مجتهديها في تلك الأقطار. وتجري الدراسة في مرحلة "بحث الخارج" هذه على طريقة المناقشة والمحاورة إذ تكون عادة من دورات (أشبه ما تكون بالدورات التي تعقد في الجامعات الحديثة في موضوع معين يتولاها كبار العلماء المجتهدين في الفقه والأصول بإلقاء محاضرات يومية يشرح فيها الأستاذ مسألة من المسائل المطروحة للبحث شرحاً وافياً يتطرق فيه إلى آراء المذاهب الإسلامية المختلفة، ويستعرض أدلتها حول قضية من القضايا الفقهية أو الأصولية أو غيرها، ثم يبدي رأيه الخاص مع الدليل، ولكل أستاذ طريقته وأسلوبه في البحث ووضع منهج الدرس والأسس العلمية التي يقررها. وتعقد هذه الدورات عادة بحضور عدد كبير من الطلاب، ويعتمد ذلك على شهرة الأستاذ ومنزلته العلمية ودقة منهجه وأسلوبه في إلقاء الدرس. ويتمتع الطلاب في أثناء المحاضرات بالحرية التامة في المناقشة وإبداء الرأي، ولذا لا يتردد الطالب عن مناقشة أستاذة في أي قضية تتصل بموضوع الدرس والأستاذ يوجهه ويشجعه على المتابعة والتعمق في البحث وقوة الملاحظة، مما يدفع الكثير من الطلاب إلى التصدي لبلوغ درجة الاجتهاد. ويمتاز أسلوب الدراسة في هذه الدورات بإتاحة الفرصة للطالب

لتقوية ثقته بنفسه وتشجيعه على إبداء آرائه في تقارير مكتوبة يقدمها إلى أستاذه فإن حازت رضاه منحه شهادة مكتوبة تسمى (إجازة الاجتهاد) وعندما يحصل الطالب على هذه الإجازة يصبح مجازا وهذا يعني أنه بلغ درجة الاجتهاد وأصبح مجتهدا. يتضح مما تقدم أن طريقة التدريس هذه التي قد لا تبعد عن طريقة التدريس في المدرسة النظامية أو المدرسة المستنصرية أيام بني العباس، وهي طريقة ذات نظام تعليمي وأسلوب يستند على أسس علمية واعتبارات تربوية ونفسية، أثبت علم النفس الحديث فائدتها في ترغيب الطالب في الدرس إذ تتاح له حرية اختيار موضوع وكتاب الدرس المعتمد، كما أنّ مكانة الأستاذ ومنزلته العلمية تحتل دورا مهما وحيويا في اجتذاب الطلاب إلى حلقات الدرس، واستمرارهم على مواصلته حتى بلوغ درجة أعلى المراحل. وكما سبقت الإشارة، فليس هناك كتاب مقرر بعينه يدرس في مرحلة (بحث الخارج) ولكن هناك مراجع عديدة معتمدة تواكب تفكير الطالب ومستواه العلمي.

إن هذه المرحلة لا تخضع للزمن المحدد، وربما يستمر الطالب فيها حتى نهاية عمره، وان غاية طلبة هذه المرحلة هي الوصول إلى درجة الاجتهاد.

ومميزات الدراسة في الحوزة العلمية:

1.

لا تخضع الدراسة في الحوزة العلمية لأي سلطة خارجية سواء أكانت حكومية أم غير حكومية.

2.

إن طالب العلم يحصّل العلم لغرض العلم ولا يهدف إلى دوافع دنيوية من وظيفة أو شهادة بل لنشر الدين الإسلامي وتبليغ الأحكام الشرعية، فلهذا طالب الحوزة يجمع بين التقوى وطلب العلم.

3.

يتميز طالب الحوزة بالقناعة والزهد فلا حياة مترفة في الحوزة العلمية مع ما يتصفون من الكرم والجود ما أكرمهم الله من إحكام الدين.

4.

حيث تقوم الدراسة في الحوزة العلمية على حرية التعليم مطلقاً الأستاذ والتلميذ والدرس والمكان والزمان، كما لا توجد حدود للمناظرات والاستفسارات، فحرية البحث هي الأساس في التعليم.

5.

إن انتقال الطالب من مرحلة علمية إلى مرحلة أخرى يعتمد على قدرته العلمية واختباره فلا امتحانات ولا رقيب. فلا هنالك عليه زمن محدد ولا صفوف محددة ولا امتحانات معينة بل مليء إرادته ينتقل من مرحلة إلى أخرى ومن كتاب إلى آخر بعد قناعته باجتياز تلك المرحلة بفهمها واستيعابها.

6.

إن شخصية الطالب الحوزوي تتأثر وتتكون من خلال القدرة الحسنة والرفقة الطيبة والمجالس الدينية للشعائر الإسلامية وحلقات الدروس مضافاً إلى التزامه الديني.

7.

يشترط في الالتحاق في الحوزة العلمية أن يكون الطالب غير منتمي إلى حزب أو تيار سياسي أو جمعية ما أو وظيفة رسمية.

مقال: 19

19.ميلاد الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

في هذا اليوم السعيد المبارك تشرق علينا شمس الهداية، ويظهر فيه الحق المبين ويجود علينا رب العالمين بنبينا محمد صلی الله علیه وآله وسلم سيد المرسلين ليخرج العالم الإنساني من فم الدهر المظلم، والذي كان بداية لإشراق العالم الإنساني بأنوار المعرفة وسمو المنزلة وفتح أبواب السعادة الدائمة والتدرج في مدارج الكمال والتطلع لمطالع الجمال والجلال وقد اهتزت عروش ذوي التيجان وتزعزعت به أركان ذوي العرش والصولجان، وقد اتفقت كلمة المؤرخين على أن يوم ميلاده على ما ذكره المجلسي صاحب البحار عن عدة كتب معتبرة أنه ارتج به إيوان كسرى وهو جالس عليه وسقط من شرفاته أربع عشر شرفة، وغارت بحيرة ساوة بينما فاض وادي السماوة، وخمدت نيران فارس ونكست الأصنام بين من يعبدها من الفُرسان، وكان من عجائب الدهر ومعاجز الزمن أنه صلی الله علیه وآله وسلم كانت أمه آمنة وحدها في دار مستقرة آمنة إذ دخلت عليها نسوة يفوح منهن رائحة المسك والعنبر قد تنقبن بأطمار من العقيق الأحمر وبأيديهن أكواب من البلور الأبيض فقلن: اشربي يا آمنة من الشراب العذب الزلال وابشري بسيد الأولين والآخرين المصطفى محمد، وهتف هاتف بصوت يجلجل بين السماء والأرض خذوه وغيبوه عن أعين الناظرين أنه ولي رب العالمين. وقد وضعت المولود المبارك صاحب الولاية الكبرى والرسالة

العظمى محمد صلی الله علیه وآله وسلم، فأشرق بنوره الساطع ولمع بضيائه اللامع في آفاق العالمين، واستبشرت به أهل السموات والأرضين وقد أدرج في ثوب من الصوف الأبيض مقمط بقماط من حرير بالمسك معطر وهو مكحل مختون يكاد سنا نوره يخطف الأبصار.

لقد مضى على الإنسان حينا من الدهر لم يكن شيئا مذكورا يتسكع في ديجور ظلام غسق دامس لا يستبين في حندسه الطريق للحق المبين ولا يهتدي لأمانيه السبيل المستقيم تغمره ظلمات المحن وتعصف به عواصف الكوارث والإحن فأتحفه الله جلت عظمته بميلاد الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم وبعد أن اكتملت شخصيته ونضجت قوته واستوى إلى أفق الإنسانية الأعلى واستعدت نفسه الزكية لتلقي الرسالة العظمى جعله الله عظمت آلاؤه باعثا في العالم الإنساني روح اليقظة من سباته العميق وداعيا لانعتاقه من جهله الشديد ومنقذا له مما لصق به خلال ما مضى من القرون ومنجدا له مما يستقبله من الدهر الخؤون سراجا منيرا يكشف للناس ما انطوت عليه الإنسانية من القيم العليا والمحاسن المثلى مبرهنا على ذلك بمعجزات تزيد على الألف وتتجاوز حد الوصف كيف لا وقد دنا من الملكوت الأعلى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى.

اللهم أهل الكبرياء والعظمة وأهل الجود والجبروت أسألك بحق اليوم الذي تشرف بولادة نبينا المكرم صلی الله علیه وآله وسلم أن تدخلنا في كل خير أدخلت فيه عبادك الصالحين وأن تخرجنا من كل سوء أخرجت منه عبادك المخلصين.

هذا ما استفدناه من كتاب الكلم الطيب لسماحة والدنا المرحوم آية الله العظمى الشيخ علي كاشف الغطاء.

مقال: 20

20.حقيقةُ المُبَشِّرين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد:

«قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ»

صدق الله العلى العظيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وصحبه المنتجبين.

وبعد:

فقد سألني بعض المؤمنين ممن يغار على دينه أن أكتب ما يظهر حقيقة المبشرين وما يقومون به من التبشير بين العوام والأميين بتلك الطريقة التي صبغوها بصبغة دينية، وطلوها بطلاء ،روحاني، وجعلوها آلة للإغواء والضلال وذريعة للخلاف والفساد ليتوصلوا بذلك إلى الاستيلاء على البلاد واستعباد الأمم والشعوب مستغلين أوضاع المسلمين في هذا الزمان.

فأقول مستعيناً بالواحد الأحد الفرد الصمد: أيها المسلم احذر هؤلاء المبشرين الذين تلقنوا طرق الغواية وسبل الإضلال وبرعوا في وسائل الغش

والخداع، وأدرت عليهم أخلاف السياسة والعصبية الأموال والرواتب فانتشروا في سائر الأقطار والأمصار حاملين بعض المطبوعات المنطوية على الخدع والأباطيل والشبهة والأضاليل والقدح بالأنبياء والحط من كرامتهم، وليس من وراء ذلك غاية إلا الإغواء والتضليل ولقاح الفتنة وشق العصا وتفريق الكلمة وبث بذور الفساد، فلو وسموا بالمفسدين لكن ذلك بهم أليق وبمقاصدهم ألصق. واعلم أيها المسلم أنّ أهم مقاصد الرسالة المحمدية هي محق الديانة الوثنية وإثبات وحدانية الخالق وتنزيهه عن الشركاء وثبوت المعاد والثواب والعقاب، أما هؤلاء المبشرين فيدعون إلى الشرك وتأليه المخلوق وعبادة غير الخالق والقول باتحاد المخلوق مع الخالق تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً، ونسأله النجاة من هذه الأباطيل والشبهات من أصحاب التبشير والفوز يوم المعاد إنه الهادي إلى سواء السبيل، وسبحان رب العزة عما يصفون والسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

مقال: 21

21.الإسلام والحزبية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إن للفظ السياسة معنى يلازمها وهو الحزبية، وإن لي في الحزبية السياسية آراء تخصني لا أحب أن أفرضها على الناس، ولكن لا أحب أن أكتمها عنهم، وأرى أن من واجبي النصيحة خصوصاً في مثل هذه الظروف فتدعوني إلى المجاهرة بها بوضوح وجلاء، وأحب أن يفهم جيداً أني حينما أتحدث عن الحزبية السياسية فليس هذا لأني أعرض لحزب دون حزب أو أرجح أحد الأحزاب على غيره، أو أنتقض أحدها وأزكي الآخر، ليس ذلك من مهمتي، ولكني سأتناول المبدأ من حيث هو وسأعرض للنتائج والآثار المترتبة عليه، وأدع الحكم على الأحزاب للتاريخ وللرأي العام، والجزاء من الله الحق وحده «يَومَ تَجِدُ كُلِّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنْ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَحَدًا بَعِیداً».

وبادئ ذي بدء لابد أن نضع الهدف الجامع بين الأحزاب التي تدعو إليه وهو بناء وطن مستقر مزدهر وهذا يستلزم تعاون الجهود وتوافر القوى والانتفاع بكل المواهب، والتفرغ التام لنواحي الإصلاح، وصرف جميع الجهود إلى ذلك لوطن لا ينقصه إلا القيادة الصالحة والتوجيه القويم حتى يصبح أفضل البلدان ويقضي على الفقر والجهل والرذيلة وهي معاول الهدم وسوس النهضات، فإن بلدنا وفير الخيرات ذو شعب حيوي جم الطاقات،

مجهز بكل وسائل التقدم والازدهار، وجميعاً نشعر بثقل وطأة الأعباء و بالمجهودات العظيمة التي يجب أن تبدل في سبيل نهضة العراق.

إن الإسلام دين الوحدة والوفاق وسلامة الصدور ونقاء القلوب والأخاء الصحيح والتعاون الصادق، فإن كانت الحزبية معناها حرية الرأي التي يبيحها الإسلام ويحض عليها وتمحيص الأمور وبحث الشؤون والاختلاف فيما يعرض تحريا للحق، حتى إذا وضح نزل حكمه الجميع بحيث لا تظهر الأمة إلا مجتمعة عليه، ولا يرى القادة إلا متفقين فيه، قد نصبوا بين أعينهم القيم السامية والمثل العليا واعتمدوا روحانية الإسلام منهاجاً وطريقاً لهم فإني أول المنتمين.

وأما إذا كانت الحزبية هي باب للتناحر والتدابر والخلاف ورفع الشعارات فقط وطريقاً لتدخل الأجنبي في شؤون وطننا فيلوحون لحزب ما بخصمه الآخر فيما إذا أرادوا أن ينالوا منه فيكون الشعب هو الخاسر من كرامته واستقلاله واختلاقه ومصالحه، فتصبح الأحزاب مطية الشيطان ولا ينال الشعب منها إلا الخسران فإني أول اللاعنين والداعين عليها بالقضاء.

أيها القارئ الكريم: إن وطننا لم يستكمل بعد استقلاله استكمالاً تاماً، وما زِلنا في الميزان، وما زالَت المطامع تحيط بنا من كل مكان، ولا سياج لحماية هذا الاستقلال والقضاء على تلك المطامع إلا الوحدة والتكاتف، وإذا جاز لبعض الأوطان التي استكملت استقلالها، وفرغت من تكوين نفسها أن تتحزب فإن أحزابها صورية تقليدية مع الوحدة في كل الاتجاهات من أجل مصالحها فإن الحوادث العالمية قد ألجأت الأوطان إلى التجرد من الحزبية المطلقة.

مقال: 22

22.الآيات المرسلة للتخويف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كثر الحديث في نشرات الأخبار عن الكوارث الطبيعية في هذا الزمان من فيضانات وحرائق غابات وزلازل وبراكين وكسوف وخسوف حتى أطلق عليها بجنون الطبيعة، فكأن الطبيعة أصبحت مجنونة والتحقت بركب السياسة في هذا العصر لما انقلبت فيها الموازين وضياع الحق وطمس العدل من قبل طواغيت الأرض. ولكن من استقرأ التاريخ وسبر غوره تتحصل عنده نتيجة بأنه كلما ازدادت أمة ما طغيانا وعتوا واستكبارا وظلماً للآخرين أرسل الله عليها آيات تذكرهم بقدرة الله وقوته وجبروته فما أصاب البلدان الغربية من فيضانات وحرائق وأعاصير في أيامنا هذه تذكير لهم بقدرة الله تعالى، فإنّ زلزالا أو إعصارا أو فيضانا واحدا قد يؤدي إلى تدمير وخسائر كبيرة لهؤلاء المستكبرين والمتجبرين بأسلحتهم الحديثة على المستضعفين ما يعادل آلاف القنابل والصواريخ التي يرمونها على المسلمين لتخويفهم وسلب حقوقهم، فقد روي عن حبر الأمة عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) في تفسير قوله تعالى: «وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا» قال: (الموت) وإرسال الآيات للتخويف من قبل الله جل جلاله يخوف الناس بما يشاء من آياته لعلهم يعتبرون أو يذكرون ويرجعون عن غيهم وضلالتهم، فإنّ الله عز وجل قد أحاط بالناس في قبضته فمن يريد أن يذل خلق الله أذله الله فإنّ الله العزة وللمؤمنين، ومن يريد أن

يغلب الناس فإنّ الله غالبه وهو محيط بالكافرين. وجاء في الحديث الشريف: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت واحد ولا لحياته، ولكن الله عز وجل يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره). فهل ترعوي هذه الأمم الظالمة عن غيها وترجع إلى رشدها، وتترك عبادة لذاتها وشهواتها وتعبد الواحد الأحد القاهر الجبار؟

إن كثرة المعاصي في تلك البلاد الغربية من الأسباب الرئيسة لإرسال الآيات الربانية لتخويفهم، وقد ذكرت كتب التفسير أن الله سبحانه وتعالى رفع الطور وهو جبل فوق بني إسرائيل - اليهود - كالسحابة فقيل لهم لتؤمنن أو ليقعن عليكم فما آمنوا إلا بالتخويف. فالتخويف الواقع عليهم لينز جروا عما هم عليه مقيمون من الكفر بالله. قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: «وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ» فلا نكبة ولا فيضان ولا حريق إلا عقوبة بذنوب المستكبرين حيث عملوا المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار والقسسة ورجال الدين عن ذلك، بل تمادوا في المعاصي والظلم، فقد ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: (المعصية مصيبة).

إن الكفار أشد إعجابا بالدنيا وزينتها فيعملون ويكدحون لبنائها كأنهم مخلدون فيها، فيرسل الله تعالى الآيات ليبين لهم أن هذه الدنيا ليست دار قرار بل دار فناء ليذكرهم بنهايتهم، كما أن إرسال الآيات تخويفاً لتطهير الخاطئين والمجرمين الذين ازداد عددهم في البلاد الغربية، حتى أصبحت الرذيلة منتشرة في مجتمعهم باسم الحرية وحقوق الإنسان، وأما ما يقال عن تلوث البيئة وارتفاع درجات حرارة الأرض والغلاف الجوي وغيرها فهذا مما يتعذر به الإنسان ويرضي به نفسه كما يتعذر بالأسباب والموت واحد.

فالحاصل عندما يكون منطق القوة هو السائد والبديل عن منطق الحق

وطمس معالمه، وفرض الإرادة بالقوة وإن كانت منافية للعدل فإنّ الله يرسل آياته الكونية الجبارة حتى تظهر قوته أعلى من قوتهم وسلطته أعلى من سلطتهم وأرادته أعلى من أرادتهم فتكون يد الله فوق أيديهم، وإن الله محيط بالكافرين.

مقال: 23

23.مشروع الإفادة من الخبرات الحوزوية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وعلى آله الغر الميامين وأصحابه المنتجبين.

أما بعد:

فمن الواضح الجلي إن النجف الأشرف مثوى باب علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مولانا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام وهي حاضرة العلم الأولى وكعبة أنظار المسلمين عامة وطلبة العلوم الدينية خاصة ومن المدن العريقة في نشر العلوم وبث المعارف، وفيها تخرج العلماء والمفكرون والأدباء والمتخصصون في المعارف الإنسانية، وقد ملؤوا أسماع الدنيا وحازوا أعلى مراتب العلم، وخلفوا لنا آثارهم النفيسة ومصنفاتهم البارعة في كل فن ولاسيما في الفقه وأصوله. وإن الحوزة العلمية في النجف الأشرف تعتبر من أقدم الحوزات العلمية في عالمنا الإسلامي فهي امتداد لمدرسة الكوفة التي وضع أسسها الأولى الإمام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب علیه السلام حينما تولى الخلافة في الكوفة ثم أقام دعائمها ووضع نظامها وطورها بشكل كبير الإمامان الباقر والصادق عليهما السلام، وقد مرّ على الحوزة العلمية في النجف

الأشرف حيناً من الدهر كانت فيه محاصرة ومنزوية إلى حد كبير ولم تكن هنالك علاقة ما بين الحوزة العلمية والجامعات الأكاديمية وبقيت المؤسستان منفصلتين. واليوم في ظل عراقنا الجديد فإن الظروف القاسية ولّت وأدبرت فلا بد من التعاون ما بين المؤسستين والعمل المشترك والاستفادة من الطاقات العلمية في الحوزة النجفية وذلك لمواكبة عصر التقدم ومواجهة التحديات ووضع الخطط المستقبلية ومعالجة المستجدات بطريقة شرعية أساسها القرآن والسنة الشريفة، وأول خطوة في مد الجسور ما بين الحوزة العلمية في النجف الأشرف والجامعات الأكاديمية هي قيام جامعة الكوفة من تكريم ومنح الحوزة العلمية في النجف الأشرف للشهادات العليا الجامعية الأكاديمية تحت عنوان مشروع موسوم (الإفادة من الخبرات الحوزوية).

الأسباب والدواعي

لقد بات من المعروف أن الطاقات العلمية الإبداعية في الدول المتقدمة هي محل نظرها والاهتمام بها ومعلوم إن النجف الأشرف زاخرة بالطاقات العلمية الإبداعية الحوزوية، فقد أخذت جامعة الكوفة على عاتقها بتكريم ومنح أساتذة الحوزة العلمية الذين أنهوا مراحل المقدمات والسطوح وهم من طلاب البحث الخارج بمعادلة تحصيلهم العلمي الحوزوي بالشهادات العليا الجامعية الأكاديمية من شهادة الماجستير أو الدكتوراه حسب تحصيله العلمي ووفق مستواه الثقافي.

الأهداف والغايات

لقد جاءت هذه الالتفافة الكريمة والفريدة من نوعها والأولى في خطوتها من جامعة الكوفة بسبب انفتاح الجامعة على المجتمع وإعطاء كل ذي حق حقه ومن مصداقها منح الشهادات العليا لطلاب الحوزة العلمية للاستفادة من طاقاتهم العلمية الإبداعية ورفد الكليات الأهلية من خبراتهم العلمية بعد

معادلة تحصيلهم الحوزوي ودمج الكفاءات المناسبة منهم ممن يرغبون في ممارسة العمل الأكاديمي.

شروط الترشيح لنيل الشهادة العليا:

هنالك شروط لابد من تحقيقها لمن يمنح الشهادة:

1.

أن لا يقل عمره عن أربعين سنة عند منحه شهادة الماجستير وخمسٍ وأربعين سنة عند منحه شهادة الدكتوراه.

2.

وثيقة تأييد من مكاتب المراجع المتصدين المعروفين تثبت حضوره في بحثه ومن طلابه الأفاضل.

3.

أن تكون دراسته الحوزوية في حوزة النجف الأشرف حصراً.

4.

وثيقة تثبت أنه من خريجي المدارس الإعدادية على أقل تقدير.

5.

خضوعه لامتحان عام يسمى بامتحان كفاءة(1).

6.

أن يكون صاحب مؤلف أو بحوث علمية رصينة نشرت في المجلات العلمية المحكمة أو حقق كتباً علمية منشورة. أو ممن قرض كتابه أحد المراجع المتصدين المعروفين.

7.

يكتفى ممن حصل على إجازة اجتهاد من المراجع المتصدين المعروفين منحه شهادة الدكتوراه.

8.

أن يجيد اللغة العربية ويحسن التكلم بها ويحسن كتابتها.

9.

أن يكون سالماً من العاهات الظاهرة والأمراض المزمنة والمعدية.

10.

أن يكون متمكناً من إلقاء المحاضرات والدروس.


1) كذا شاع هذا التعبير والصواب كِفاية؛ لأن الكفاءة هي المماثلة ومنها الكفاءةُ بين الزّوجَين

فهرس العناوین

أولا: البحوث

1. الدين النصيحة

مقدمة...11

الفصل الأول...15

تعريف النصيحة...15

المبحث الأول: تعريف النصيحة لغة...15

المبحث الثاني: تعريف النصيحة اصطلاحاً...16

المبحث الثالث: الفرق بين النصيحة والتأنيب والمداراة والمداهنة...17

المبحث الرابع: النصيحة في الآثار الشرعية...19

الفصل الثاني...23

شروط النصيحة وكيفيتها وأنواعها...23

المبحث الأول: شروط النصيحة...23

المبحث الثاني: شروط الناصح...24

المبحث الثالث: كيفية النصيحة...26

المبحث الرابع: أنواع النصيحة...28

النوع الأول: النصيحة الله تعالى...28

النوع الثاني: النصيحة لكتابه الكريم...29

النوع الثالث: النصيحة الرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم...29

النوع الرابع: النصيحة لأهل البيت علیهم السلام...30

النوع الخامس: النصيحة لأئمة المسلمين...30

النوع السادس: النصيحة لعامة المسلمين...31

الفصل الثالث...33

النصيحة في الفقه الإسلامي...33

المبحث الأول: النصيحة في الأدلة الشرعية...33

أولاً: الآيات الكريمة...33

ثانياً: الأحاديث الشريفة...36

الطائفة الأولى: مطلق النصيحة...36

الطائفة الثانية: نصيحة المستشير...40

الطائفة الثالثة: إعانة المؤمن...46

الطائفة الرابعة: حرمة خيانة المؤمن...46

ثالثاً: سيرة المتشرعة...47

المبحث الثاني: توقف النصيحة على محرم...47

الفرع الأول: النصيحة مع الغيبة...47

الفرع الثاني: النصيحة بإفشاء السر...57

الفرع الثالث: النصيحة بالنميمة...64

المبحث الثالث: النصيحة في المذاهب الإسلامية...

أولاً: المالكية...67

ثانياً: الشافعية...68

ثالثاً: الحنفية...69

رابعاً: الحنبلية...69

خامساً: الظاهرية...69

المبحث الرابع: أخذ العوض على النصيحة...70

الفصل الرابع...72

النصيحة في التطبيقات الفقهية...72

أولا: النصيحة في أهل البدع...72

ثانياً: النصيحة في تفضيل العلماء...74

ثالثاً: النصيحة في النسب...75

رابعاً: النصيحة في الزواج...76

خامساً: النصيحة في البيع...77

سادساً: النصيحة في الشهود...79

سابعاً: نصيحة الكفار والمشركين وأهل الكتاب...80

ثامناً: النصيحة في الولاية...81

المصادر...83

2. أفضل الدين

المقدمة...91

المروءة لغة...94

تعريف المروءة اصطلاحاً...94

أولاً: التعريف بالمصاديق...94

ثانياً: التعريف بخوارم المروءة...95

ثالثاً: تعريف المروءة بالغاية...96

الاستقامة العرفية...97

المروءة من الأحكام العرفية...98

أولاً: اختلاف المروءة بحسب الأشخاص...99

ثانياً: اختلاف المروءة بحسب الأمكنة...100

ثالثاً: اختلاف المروءة بحسب الأزمنة...101

المروءة لا تخالف راجحاً شرعاً...102

المروءة مؤشر من مؤشرات المجتمع...102

المروءة في الروايات الشريفة...105

المروءة في أدب الشريعة...111

خصال أصحاب المروءة...115

مصاديق المروءة...117

ازدياد المروءة...118

أعداء المروءة...119

رجوع المروءة لمن خرمها...122

المروءة في الفقه الإسلامي...122

الاتجاه الأول: اشتراط المروءة في العدالة...123

الاتجاه الثاني: عدم اعتبار المروءة في العدالة...132

المصادر...137

3. المسائل المستحدثة في مدرسة النجف الفقهية

مقدمة...145

تعريف المسألة المستحدثة...149

مميزات المدرسة الفقهية النجفية...149

مميزات الفتوى المستحدثة...151

الفرق بين المسائل المستحدثة والمسائل الفرضية...153

البحث في المسائل المستحدثة...156

أمثلة من المسائل المستحدثة...156

المحور الأول: الفقه السياسي...156

المحور الثاني: فقه المجتمع...158

المحور الثالث: فقه العمل والوظيفة...159

المحور الرابع: فقه حقوق الناس...159

المحور الخامس: فقه الرياضة...160

المحور السادس: فقه الأدب والفن...161

المحور السابع: فقه المغتربين...161

المحور الثامن: فقه القبائل...162

المحور التاسع: فقه الجامعات...162

المحور العاشر: فقه الطب...163

أولاً: التلقيح الصناعي...163

ثانياً: الرحم المستأجرة...163

ثالثاً: منع الحمل...164

رابعاً: نقل الأعضاء البشرية...164

خامساً: فقه الترقيع...165

سادساً: حكم التخدير عند اجراء العقوبات الجسدية...165

سابعاً: مرض الأيدز...165

ثامناً: الاستنساخ البشري...166

المحور الحادي عشر: فقه الاقتصاد...166

دعوة علمية...167

نتائج البحث...168

المصادر...169

4. الفساد الإداري في المنظور الإسلامي (الجريمة المجهولة)

مقدمة...175

أهمية المال في الإسلام...178

تعريف الفساد الإداري...178

أسباب الفساد الإداري...179

الفساد الإداري مؤشر سلبي في المجتمع...180

الفساد الإداري والإرهاب...182

الجهات المعالجة للفساد الإداري...183

أهمية العامل الديني...184

العامل الديني للقضاء على الفساد الإداري...186

أولاً: الفتاوى الشرعية...187

ثانياً: الوسائل التشريعية...195

ثالثاً: الوسائل الثقافية...198

الصفات التي يتحلى بها الموظف...200

الصفات التي يتنزه عنها الموظف...203

المصادر...206

5. وشائج الفكر والإخاء بين شرف الدين وأعلام كاشف الغطاء

المقدمة...211

المبحث الأول...214

وشائج الفكر بين الإمام شرف الدين والهادي آل كاشف الغطاء...214

1- الدعوة إلى توحيد الكلمة...214

2- الدعوة إلى عدم نشر التراث الذي يؤدي إلى تمزيق الأمة...215

3- الأهتمام بالعلوم التي تعود بالنفع على المسلمين...216

4- كشف الحقائق ورفع الشبهات...216

5- الإطلاع على كتب المسلمين كافة...216

6- المنهجية الصحيحة...217

7- الدفاع عن عقيدة أهل البيت الله علیهم السلام...217

8- الدعوة إلى الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة...217

9- الدعوة إلى عدم التكفير...218

10- الدعوة إلى العلم والتعلم بصورة عصرية...219

11- القضية الحسينية...219

المبحث الثاني...221

وشائج الفكر بين آل شرف الدين وآل كاشف الغطاء...221

المبحث الثالث...223

وشائج الإخاء بين آل شرف وآل كاشف الغطاء...223

أولاً: المراسلات...223

ثانياً: إهداء المؤلفات...223

ثالثاً: الزواج الميمون...223

رابعاً: أتفاق الولادة...224

المصادر...225

6. علم الأديان في مدرسة النجف الشيخ البلاغي انموذجا

مقدمة...229

أهداف مدرسة النجف من دراسة علم الأديان...232

محاور مدرسة النجف الأشرف في علم الأديان...232

المحور الأول...232

المحور الثاني...233

المحور الثالث...233

أنواع الكتب المؤلفة في علم الأديان...233

النوع الأول...233

النوع الثاني...234

النوع الثالث...234

النوع الرابع...235

الشيخ البلاغي وعلم الأديان...236

دواعي تأليف الرحلة المدرسية...236

خصائص ومميزات العلامة البلاغي في علم الاديان...237

أدواته وآلاته في علم الأديان...238

منهجيته في علم الأديان...240

ملحوظاته على الكتب المقدسة...242

المصادر...248

7. مجلس الإفتاء أو الاجتهاد الجماعي

مقدمة...253

تعريف الاجتهاد الجماعي...258

التعريف الراجح...259

امتيازات الاجتهاد الجماعي...259

أفضلية الاجتهاد الجماعي...261

ضوابط الاجتهاد الجماعي...262

فتاوي الأفراد وفتاوي الأمة...263

القسم الأول: فتاوي الافراد...263

القسم الثاني: فتاوي الأمة...264

فتاوي الأمة وفتاوي الفتنة...265

أمثلة من الاجتهاد الجماعي...265

وهذه بعض الأمثلة لمسائل الاجتهاد الجماعي...267

دواعي الاجتهاد الجماعي...268

اقتراحات في كيفية تطبيق الاجتهاد الجماعى...273

عقبات الاجتهاد الجماعي...275

الأدلة على أفضلية الاجتهاد الجماعي...277

الأدلة النقلية...277

أولاً: القرآن الكريم...277

ثانياً: الأحاديث الشريفة...278

ثالثاً: سيرة المتشرعة...283

رابعاً: دليل العقل...283

مهام مجلس الإفتاء...289

أعضاء مجلس الافتاء...290

مجلس الافتاء...290

مقرات أو مجالس أو مجامع الاجتهاد الجماعي...294

المصادر...297

8. سبلنا متعددة إلى الصراط المستقيم

مقدمة...303

تعريف الصراط لغة...304

تعريف السبيل لغة...305

الصراط عند المفسرين...305

السبيل عند المفسرين...307

معنى الاستقامة...307

ركنا الصراط المستقيم...308

مراتب وجود الصراط المستقيم...309

مميزات الصراط المستقيم...309

الفرق بين الصراط والسبيل في القرآن الكريم...313

الحاجة إلى الصراط المستقيم...315

خصائص أصحاب الصراط المستقيم...318

الانحراف عن الصراط المستقيم...318

مصاديق الصراط المستقيم...320

أولاً: الوجود اللفظي للصراط المستقيم...320

ثانياً: الوجود العملي للصراط المستقيم...321

ثالثاً: وجود الصراط المستقيم في الآخرة...324

الخاتمة...326

المصادر...327

9. إسلامنا لا عولمتکم

مقدمة...331

تعريف العولمة...332

الفرق بين مفهوم العالمية والعولمة...333

سطوة العولمة...334

العولمة جولة استكبارية جديدة...335

عولمة الثقافة...338

العولمة والعلاقات الدولية...338

العولمة والصهيونية...339

الآثار السلبية للعولمة...339

العولمة والإسلام...331

دعوتنا إلى أسلمة العالم...342

خطوات لصد العولمة...344

10. جهاد المسلمين

المقدمة...351

الفصل الأول...353

الجهاد في الإسلام...353

القسم الأول: الجهاد الأكبر...353

القسم الثاني: الجهاد الأصغر...353

أولاً: تعريف الجهاد...353

ثانياً: فضيلة الجهاد...354

ثالثاً: أنواع الجهاد...355

النوع الأول: الجهاد الابتدائي...356

النوع الثاني: الجهاد الدفاعي أو الدفاع...356

النوع الثالث: جهاد من يريد قتل نفس محترمة...358

النوع الرابع: جهاد البغاة...358

رابعاً: مقومات الجهاد...358

الفصل الثاني...361

اليهود في عصر النبوة...361

أولا: اليهود في مكة المكرمة...361

ثانياً: اليهود في المدينة المنورة...361

ثالثاً: الأمل في إيمان اليهود...362

رابعاً: موقف اليهود من الدعوة الإسلامية...364

خامسا: عداء اليهود لمحمد والمسلمين...369

سادسا: مواجهة الرسول عداء اليهود...372

أولا: تصفية اليهود على مستوى الأفراد...372

ثانيا: تصفية اليهود على مستوى الجماعات...372

الفصل الثالث...376

اليهود وفلسطين...376

أولا: سمات الشخصية اليهودية...376

ثانيا: أهمية فلسطين...381

ثالثا: الحكم الشرعي في مبادرة السلام...381

رابعاً: آليات الجهاد في المرحلة الراهنة...383

خامساً: أسباب فشل المسلمين في الصراع الصهيوني...387

سادسا: موقف علماء النجف الأشرف من قضية فلسطين...389

المصادر...396

11. التحديات توحد الكلمة

مقدمة...401

الخطوات العملية على طريق الاتفاق...406

أولاً: العامل الثقافي...409

ثانياً: العامل الديني...411

ثالثاً: العامل السياسي...413

رابعاً: العامل التاريخي...415

خامساً: العامل الاجتماعي...415

12. أهداف الدولة القانونية

مقدمة...419

أهداف الدولة...421

الهدف الأول: إرساء النظام في المجتمع...421

الهدف الثاني: حفظ العدل...421

الهدف الثالث: رفاهية المجتمع...423

أولاً: التكافل...424

ثانياً: التعادل...424

الهدف الرابع: رعاية الانسان في التشريع...427

الهدف الخامس: تطبيق القانون...428

الهدف السادس: السعي لعلو الاسلام...430

الهدف السابع: التقدم بالمجتمع...432

الهدف الثامن: حسن التدبير...433

الهدف التاسع: إنقاذ المظلومين...435

الهدف العاشر: التخلص من الهيمنة الأجنبية...436

المصادر...437

13. الدفاع لدفع الاعتداء

المقدمة...441

المبحث الأول...444

تعريف الدفاع...444

النوع الأول: الدفاع لدفع الاعتداء (الدفاع الاستعدادي)...444

النوع الثاني: الدفاع لطرد الأعداء (الدفاع لإخراج الكفار)...445

الأدلة على وجوب الدفاع مطلقاً...446

أولاً: الآيات الكريمة...446

ثانياً: السنة الشريفة...447

ثالثاً: الإجماع...447

رابعاً: الدليل العقلي...448

المبحث الثاني...449

فضيلة الدفاع...449

أولاً: المدافع المقتول شهيد...449

ثانياً: الحث على طلب الشهادة...449

ثالثاً: حرمة التخلف عن الدفاع...451

رابعاً: حرمة موالاة الكفار...452

المبحث الثالث...454

أحكام الدفاع ومقوماته...454

أولاً: أحكام الدفاع...454

ثانياً: مقومات الدفاع...457

ثالثاً: الرئيس المطاع...458

رابعاً: الرعية...460

المبحث الرابع...461

المرابطة...461

أولا: تعريف المرابطة...461

ثانياً: فضل المرابطة...461

ثالثاً: أحكام المرابطة...463

المصادر...465

ثانيا: المقالات

1.

آثار الذنوب الدنيوية...469

2.

العمائم تيجان العرب...475

3.

بطل العلقمي...481

4.

أضواء على سيرة وشخصية أم البنين...489

5.

سيف ذو الفقار...495

6.

فوائد رمضانية...501

7.

قدسية أرض العرب...505

8.

مقوضات المودّة...511

9.

البدعة مفهومها وحدودها...517

10.

الدين المعاملة...521

11.

أهمية الصلاة...525

12.

العرفان في الصلاة...529

13.

تشريع الحج وفلسفته...533

14.

مد الجسور بين الحوزة العلمية والجامعات الأكاديمية...537

15.

فتاوي الأفراد وفتاوي الأمة...541

16.

لمحات عن مواقف علماء النجف من قضية فلسطين...545

17.

المكانة الأسمى للحسين الله علیه السلام...551

18.

لمحات عن الدراسة العلمية في النجف الأشرف...553

19.

میلاد الرسول الاعظم صلی الله علیه وآله وسلم...561

20.

حقيقة المبشرين...563

21.

الإسلام والحزبية...565

22 الآيات المرسلة للتخويف...567

23. مشروع الإفادة من الخبرات الحوزوية...571

فهرس العناوين...575