ghaemiyeh.com
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »
اِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الاِصْلاحِ في اُمّهِ جَدّي
الاِصلَاحُ الحُسَینيُّ
مَجَلةٌ فَصلِیّةُ مُتخَصِّصَةُ في النّهضَةِ وَ تُعنیَ بالدِّرَاسَّاتِ الدِّینِیَّةِ
تصَدُرُ عَن مَركَز الدِّرَاسَاتِ التَّخَصُّصيَّة
في النَّهضَة الحُسَينيَّة/ النَّجَف الأشرَف-قُم المُقَدَّسَة
قِسمُ الشُؤُون الفِكريَّة/العَتَبة الحُسَينيَّة المُقَدَّسَة
العدد الثامن
السنة الثانیة(1435ه-.2014م)
الاِصلَاحُ الحُسَینيُّ
مَجَلةٌ فَصلِیّةُ مُتخَصِّصَةُ في النّهضَةِ وَ تُعنیَ بالدِّرَاسَّاتِ الدِّینِیَّةِ
الهَیئَة الاستشَارِیَّة
آیة الله الشیخ محمد السند آیة الله السید عادل العلوي
آیة الله الشیخ مهدي الآصفي آیة الله السید منیر الخباز
آیة الله الشیخ محمد جواد فاضل اللنکراني آیة الله الشیخ ریاض الحکیم
العلامةالدکتور الشیخ محمدباقر المقدسي العلامة الشیخ عبد المهدي الکربلائي
رئيس التحرير ................*
الشيخ قيصر التميمي
مدير التحرير................*
الشيخ صباح عباس الساعدي
هيئة التحرير................*
د. السيد حاتم البخاتي
الأُستاذ ثناء الدين الدهلكي
الشيخ محمد الكروي القيسي
الشيخ غزوان العتابي
الأُستاذ حيدر الساعدي
المقابلة وتقويم النص..........*
الشيخ عدنان الطائي
الشيخ عصام السعيد
الشيخ مصطفى الدالي
التصميم والإخراج الفني .....*
السيد علي مطر الهاشمي
تصدر عن مركز الدراسات التخصصية
في النهضة الحسينية/ النجف الأشرف - قم المقدّسة
قسم الشؤون الفكرية
العتبة الحسينية المقدّسة
الإشراف العام: ................*
سماحة الشيخ علي الفتلاوي
إدارة المركز: ...................*
الشيخ باقر الساعدي
الشيخ رافد التميمي (فرع قم المقدسة)
معاونية المركز: ................*
الشيخ عباس الحمداوي
الشيخ حيدر الأسدي (فرع قم المقدسة)
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (1924) لسنة 2013م
ISSN: 978-964-984-240-7 :الترقيم الدولي
مجلّة علمية فصلية تخصصيّة تُعنى بالبحوث المتخصّصة في مجال النهضة الحسينيّة، وكذا الدراسات العلمية في حقول المعرفة الدينيّة. تصدر عن مركز الدراسات التخصصيّة في النهضة الحسينيّة في النجف الأشرف وقم المقدّسة، التابع لقسم الشؤون الفكريّة في العتبة الحسينيّة المقدّسة.
اهتمام المجلّة:
تهتم المجلّة بنشر معالم وآفاق الفكر الحسيني وتسليط الضوء على تاريخ النهضة الحسينيّة وتراثها، وكذا إبراز الجوانب الإنسانية والاجتماعية والفقهية والأدبية في تلك النهضة المباركة.
كما تهتم المجلّة أيضاً باستقطاب ونشر البحوث والدراسات الدينيّة التخصّصية ذات الجوانب التجديديّة والإبداعيّة، وذلك في كافّة الحقول والمجالات، فتمتدّ لتشمل الدراسات القرآنية والعقديّة والفكريّة والتاريخيّة والفقهيّة، وكذا ما يرتبط بالتراث الديني، من الأدعية والزيارات والنصوص الدينيّة بشكل عام.
فالمجلّة تتطلّع لاستيعاب جميع المجالات المهمّة والحسّاسة في أبواب العلوم والمعارف الدينيّة، شريطة أن تكون البحوث والدراسات متضمّنة لجوانب من الإبداع والحداثة والتجديد، مع حفظ روح الأصالة والتأسيس.
أهداف المجلّة:
1- إعطاء رؤية واضحة حول معالم النهضة الحسينيّة من خلال البحوث والدراسات.
2 - نشر أهداف وثقافة النهضة الحسينيّة.
3 - إحياء التراث الديني والحسيني.
4 - فتح نافذة علميّة لتفعيل جانب الإبداع والتجديد والتأصيل الفكري في كافة حقول المعرفة الدينيّة.
5 - الانفتاح على الواقع العلمي والفكري لدى العلماء والأساتذة والمفكِّرين.
6- استثمار الأقلام الرائدة، وتطوير الطاقات العلمية الواعدة، واستقطاب البحوث والدراسات والمقالات العلميّة القيّمة لنشرها تعميماً للفائدة.
7 - فسح المجال أمام الباحثين والمفكِّرين لنشر بحوثهم ودراساتهم؛ لتكون المجلّة رافداً من روافد تزكية العلم والمعرفة.
8 - التصدّي للإجابة عن الشبهات والإشكاليات والقراءات غير الموزونة حول الدين بصورة عامّة والنهضة الحسينيّة بصورة خاصّة.
ضوابط النشر
تدعو المجلّة العلماء والأساتذة والباحثين وكل مَن لديه اهتمام في مجال الكتابة والتحقيق إلى رفدها بنتاجاتهم القيّمة، على أمل ملاحظة الأُمور التالية:
•أن تكون البحوث مرتبطة باختصاص المجلّة وأركانها.
•ألّا تكون منشورة أو بصدد النشر في كتاب أو مجلّة.
•أن تكون ضمن المناهج العلمية المتَّبعة.
•أن تكون بحوثاً مبتكرة وبلغة معاصرة.
•أن يكون البحث على قرص ليزري فيما لو كان منضداًً.
•حقوق النشر محفوظة.
•الأفكار المطروحة لا تعبِّر بالضرورة عن رأي المجلّة.
•لا تعاد البحوث لأصحابها نُشِرَت أم لم تُنشَر.
•يخضع ترتيب البحوث لاعتبارات فنيّة.
•إجراء التعديلات والتلخيصات اللازمة من صلاحيات المجلة.
•للمجلّة حق إعادة نشر البحث أو المقال في كتاب أو ضمن كتاب منفصل، مع الحفاظ على نصه الأصلي.
•كل 250 كلمة تحسب صفحة واحدة.
•المجلّة تتبع نظام المكافآت لأصحاب البحوث.
•تعتبر الأولوية في المجلّة للمقالات والبحوث الحسينية.
•المجلة غير ملزمة بنشر ما يقل عن 15 صفحة أو يزيد عن 30 صفحة.
مراكز النشر:
النجف الأشرف: الروضة الحيدرية - معرض الكتاب الدائم.
النجف الأشرف: شارع الرسول صلی الله علیه و اله - مكتبة دار الهلال.
النجف الأشرف: قرب مشروع الماء - مكتبة العراق الجديد.
النجف الأشرف: سوق الحويش - دار الغدير.
كربلاء المقدسة: المعرض الدائم في العتبة الحسينية المقدّسة.
بغداد: شارع المتنبيّ - مكتبة العين.
البصرة: العشار - مكتبة الإمام الهادي علیه السلام .
ميسان: شارع التربية - مكتبة الإمام الصادق علیه السلام .
إيران - قم المقدسة: صفائية - سوق الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف - مكتبة فدك.
إيران - قم المقدسة: سوق كذرخان - مكتبة الهاشمي.
مقال التحرير
الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه في ظل المبادئ السياسيّة للنهضة الحسينية
الشيخ قيصر التميمي.................................................................................... 13
دراسات في آفاق النهضة الحسينية
النهضة الحسينية بين نظرية الشهادة وإقامة الحكومة
آية الله الشيخ محمد جواد اللنكراني.............................................................. 39
منطلقات النهضة الحسينية وخلفياتها
القسم الرابع (تعبئة الأُمة وإعدادها)
السيد محمد الشوكي..................................................................................57
فلسفة البكاء على الإمام الحسين علیه السلام
د. الشيخ مهدي رستم نجاد..............................................................................75
المؤسسة الشعائرية
القسم الأول (التأسيس والسيرورة)
الشيخ عامر الجابري...................................................................................... 87
دراسات في تاريخ وتراث النهضة الحسينية
حجاجية السؤال في خطاب الإمام الحسين علیه السلام
د. خالد حويِّر الشمس.................................................................................. 125
الشعر الحسيني في الدراسات الأدبية الحديثة
قراءة في كتاب (كربلاء بين شعراء الشعوب الإسلاميّة)
د. علي مجيد البديري.................................................................................. 151
النثر في ثورتي التوابين والمختار الثقفي وتأثره بالنص القرآني
د. هاشم الزرفي........................................................................................... 171
دراسات في فقه النهضة الحسينية
فقه التربة الحسينية
القسم الثالث (حكم وقوع التربة المباركة في الخلاء وحملها له و تجهيز الميت بها)
الشيخ أحمد العلي........................................................................................ 205
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السيرة الحسينية
(تنوُّع الأساليب ووحدة الهدف)
سارة رضائي
ترجمة: رعد الحجاج...................................................................................... 243
دراسات دينية
النُظُم التّربوية عند الإمام الصادق علیه السلام (رؤية تحليليّة)
د. السيد نجم الموسوي.................................................................................. 273
مدينة الكوفة، الجغرافية والمجتمع (دراسة تاريخية)
الشيخ حسن العيساوي................................................................................. 291
أساليب التغييب لفضائل أمير المؤمنين علیه السلام
(حديث الغدير أُنْمُوذَجاً)
الشيخ رسول كاظم عبد السادة.................................................................. 315
خلاصة المقالات باللغة العربية والإنجليزية......................................................... 337
الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه في ظل المبادئ السياسيّة للنهضة الحسينية
نؤكّد مرّة أُخرى بأنّ الذي دعانا للنّظر والتحّديق في الملامح السياسيّة للنهضة الحسينيّة، ما قد نلمسه واضحاً من التهميش والإقصاء لهذا النوع من الأهداف في واقع الأُمة وحياة الشعوب، في الوقت الذي كان من المفترض أن تُسهم تلك النهضة المباركة في رسم المعالم الاجتماعيّة والسياسيّة لمحيط أُمتنا الإسلاميّة والإنسانيّة بشكل عامّ، وأن نستلهم من مسيرتها الرائدة مناهج التطوير والتغيير السياسي والاجتماعي، وأساليب معارضة الطغاة والمفسدين، والعمل على إسقاط الأنظمة الجائرة، والتحرّك في سبيل تشييد الحضارة الإنسانيّة وبناء حكومة (بشريّة /إسلامية) عادلة.
لكن الذي أَذهلَنا وآسفنا كثيراً أننا وجدنا الرؤية معكوسة تماماً، حيث تمّ التنظير بشكل علمي ومنهجي لإقصاء النهضة الحسينيّة في أهمّ أهدافها، فلا علاقة لها أبداً بالتخطيط لبناء الدولة الإسلاميّة، ولا محاربة الأنظمة الفاسدة لإسقاطها، وإنما كانت
عمليّة استشهادية، هدفها فضح الطغاة، وعتادها المأساة، وسلاحها الدم! وكم يؤلمنا ما يُقال: «إنّ قَتْلَ الحسين علیه السلام بتلك الصورة البشعة والمأساويّة كان أنفع للإسلام من استلامه الحكم وقيادة الأُمّة»!! وقد أسلفنا مراراً وتكراراً بأنّ لهذه الرؤية أسبابها ومبرّراتها، واستعرضنا للمناقشة فيما مضى طائفة من تلك الأسباب، ونحاول في هذا المقال أن نناقش سبباً جديداً مرتبطاً بحاضر الأُمّة الإسلاميّة ومستقبلها.
من الأسباب المهمّة التي أدّت بالعلماء والباحثين إلى إهمال الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة - وخصوصاً هدفيّة إقامة حكومة إلهيّة بقيادة المعصوم - هو الاعتقاد بفقدان الأثر والفائدة العمليّة لهذا النوع من الأهداف في زمن الغيبة، انطلاقاً من دعوى اختصاصها بزمان حضور المعصوم وتواجده الميداني المُعلَن في أوساط الناس، وبما يراه مناسباً من الآليات والأسباب والشرائط لإقامة وتشييد معالم الدولة العادلة، بل ادُّعي أيضاً: بأنّ النّصوص المستفيضة تنهى المؤمنين في عصر الغيبة عن التحرّك السياسي والخروج المسلّح لإسقاط الحكومات والأنظمة الظالمة في سبيل إقامة الحكم الإسلامي، إما لأجل أنّ الظروف غير مؤاتية لتحقيق ذلك الهدف، ولا طاقة للمؤمنين على النصر وإقامة الحكم، ولو بشهادة الغيبة نفسها، فنهاهم الله تعالى عن التحرّك والسعي لتحصيله، وإما للنّصوص الخاصّة كما سيأتي. ويُعدّ هذا الرأي من الآراء المهمّة في الفقه الشيعي، وقد تبنّاه مشهور فقهائنا حينما تعرّضوا لمبحث ولاية الفقيه.
إذاً؛ حتى لو سلّمنا وآمنّا بالأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة بكافة أشكالها وألوانها، فلا داعي - في هذا الفرض - لبحثها ودراستها والنظر في وثائقها ونصوصها؛ ذلك لأنها لا تنتمي لمكوّنات بيئتنا وواقعنا المعاش، ولا تُسهم في تصميم
وإنتاج المشهد السياسي في الظرف الحالي. وقد كرّست هذه الرؤية الفقهيّة البداية والمنطلق للإيمان بفكرة فصل القيادة الدينيّة عن القيادات السياسيّة والحكوميّة في مثل زماننا، وهذه هي الحقيقة التي نعيشها اليوم في بعض بلداننا الإسلاميّة شئنا أم أبينا! ويؤسفنا القول: بأننا أصبحنا في ظلّ هذا الواقع التفكيكي المزكوم لا نستطعم النكهات السياسيّة والاجتماعيّة في تشكيلة الحركة الحسينيّة. وأصبح من العبث في زماننا الحاضر الخوض في منظومة المعطيات المضمونية والدلالية للنصوص الدينيّة والتاريخية التي تتحدث عن قيادة الشعوب وسياسة البلدان، ومن أهمّ منابع تلك المنظومة جملة وافرة من الأحداث والنّصوص والوثائق في ملفات الثورة الحسينيّة، والتي يراها باحثون وقائع تاريخية وتراثية عديمة الفائدة والتأثير في وقتنا الحاضر.
وتعتمد هذه الرؤية على مجموعة من الأفكار والشواهد والتحليلات التي يُعتقد أنها تدفع باتجاه تعطيل الفكر والتراث السياسي المرتبط بمكافحة المفسدين والإطاحة بهم وتشكيل الحكومة المهنيّة العادلة، وسنستعرض فيما يلي بصورة موجزة أهمّ ما استُدل به في هذا المجال بما يتناسب ومساحة هذا المقال، مع الالتفات إلى كونها مجموعة شواهد متداخلة ومترابطة، فصلناها في نقاط متسلسلة تنظيماً للبحث:
لا نتحدث تحت هذا العنوان في ما يُعرف لدى العلمانيين والليبراليين وبعض الإسلاميين من فصل الدين عن السياسة بشكل مطلق، وإنما حديثنا عمّا يؤمن به الكثير من العلماء والباحثين من فصل الاختصاص الديني وتراثه ورجالاته عن مجالات السلطة ومفاصل الحكومة والدولة في عصرنا الحاضر، حيث يرى بعض بأنه لا يحق للمنظومة الدينيّة بمناهجها وكوادرها أن تشترك في تنظيم وإدارة الجهاز الحكومي(تشريعاً وقضاءً وتنفيذاً)، بل لا يحقّ لها مطلقاً إتلاف الوقت وهدر الطاقات
والجهود بهدف التأسيس العَقدي وتشييد البناء الفكري والتنظير العلمي في المجال السياسي بكل حقوله وتخصّصاته المختلفة والمتنوّعة، وأضحى في نظر بعض أن من الممنوع أكيداً على أبناء الحوزة العلمية - التي تمثّل الاختصاص الديني - أن يعملوا على صناعة التكنقراط السياسي، أو تشكيل الأحزاب والمنظمات، أو إنشاء المؤسسات ومراكز الدراسات السياسيّة في أوساطهم وأروقتهم العلمية، كما يشهد على ذلك طبيعة مناهجنا الدراسية والعلوم التي نتلقّاها في كثير من حوزاتنا ومحافلنا العلميّة، وكذلك التوصيات الكثيرة التي نسمعها باستمرار من العلماء الأعلام بضرورة التزام لمناهج التقليديّة المتّبعة حالياً، وخطورة الخروج عن هذا الإطار العام والمألوف، والتأكيد على أنّ الانشغال بدراسة علوم الإدارة والسياسة والاجتماع والخوض في نصوصها وتراثها الديني وواقعها البشري يتقاطع مع فضيلة العالم ومنزلته العلميّة واجتهاده المرتقب. ويتمسّك أصحاب هذه النظرة بسيرة كبار العلماء الماضين، وظواهر بعض النصوص الدينيّة التي سنُشير إليها في جملة من الشواهد اللاحقة.
إذاً؛ بناء على هذه الرؤية لا داعي لأن نشغل أنفسنا ونهدر طاقاتنا العلمية بدراسة وتحليل التراث السياسي في الإسلام، وخصوصاً التراث الحسيني المرتبط بهذا الجانب، بل لعلّ الانشغال به يُعاكس الاتجاه العلمي والمسار التخصّصي في أهمّ الحقول الدينيّة، ويقف حائلاً أمام الانتاج الديني النوعي والاجتهادي الذي تضطلع به الحوزة العلمية، فيما يرتبط ب-(علم الفقه والإفتاء) وما يُحيط به من علوم تكميلية.
ومما قد يُدّعى في هذا المجال أيضاً: هو أنّ حركة المعصومين من أئمة أهل البيت علیهم السلام السياسيّة لاستلام مقاليد الحكم وقيادة الأُمة - في فرض ثبوتها - تُعدّ من خصائص
عصمتهم ومقام إمامتهم الربانيّة، ولا يصلح الاقتداء بهم والتأسّي بسيرتهم في هذه الموارد والامتيازات الخاصّة، ولعل السبب الرئيس في ذلك كونهم علیهم السلام إنّما يتحرّكون سياسيّاً بأمر من الله تعالى في سبيل إقامة معالم الدولة الإلهية العادلة، التي تبتني على أُسس وقواعد القانون السماوي المعصوم والمنزّه عن الخطأ والخطل والجهل والنقصان، وتُصاغ مفرداتها في إطار الأحكام الواقعية المتكاملة التي تقود الإنسان باتجاه ما يريده الله تعالى منه على هذه الأرض، وفي ضوء هذه النظرة يتبيّن أن حركة المعصوم لاستلام السلطة والحكم من التكاليف والمهامّ المختصّة بمقامه الإلهي، ولا يجري هذا الحكم على عموم الأُمّة وعلمائها، خصوصاً في فترة غياب المعصوم عن المشهد السياسي؛ لأنّ غير المعصوم لا يمتلك القدرة ولا القابليّة على إقامة تلك الدولة الإلهيّة العادلة والمستقيمة، ويعضد هذه الفكرة أيضاً طائفة من الشواهد والنصوص كما سنذكر لاحقاً. ومن هذا المنطلق يتضح السبب في عدم الفائدة والجدوى من تجشّم عناء التأسيس للبحوث والدراسات السياسيّة المعتمدة على التراث الديني بشكل عام، وتراث النهضة الحسينية في مجاله السياسي بصورة خاصّة.
تمسّك القائلون بالفرق بين خصائص عصرنا وأحداث العصر الحسيني بمجموعة من النصوص والروايات، التي تُصرِّح بضلال وبطلان كُلّ راية تُرفع أو دولة تُقام قبل قيام المهدي علیه السلام ، حتى لو كان أصحابها وأتباعها من الدعاة لدين الحق، فلا يحقّ لأحد من المؤمنين اليوم أن ينخرط في العمل السياسي بهدف الوصول إلى السلطة وتشكيل حكومة إسلاميّة، ولا يصح أبداً الاقتداء بالنهضة الحسينية ومبادئها لبلوغ هكذا أهداف ممنوعة ومنهيّ عن السعي لتحصيلها في زماننا.
ومن جملة تلك النصوص التي قد تدعم بظاهرها هذه الفكرة، ما رواه النعماني في الغيبة بسنده عن أبي جعفر الباقر علیه السلام أنه قال: «كل راية تُرفع قبل راية القائم صاحبها طاغوت»(1). وما رواه الكليني عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام ، قال: «كل راية تُرفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله عزّ وجل»(2).
ومن الواضح أن موضوع هذه النصوص ونظائرها هو رفع الراية قبل قيام القائم علیه السلام ، وهو مفهوم يتضمّن الدعوة لتحقيق الأهداف والغايات التي يدعو إليها صاحب الراية، والتي هي تعبير آخر عن إقامة حكومة إسلامية، فتكون هذه النصوص دالة بوضوح على التحريم والنهي عن رفع الراية وإقامة الحكومة مطلقاً إلى حين الظهور، وذلك بمقتضى كون صاحبها طاغوت يُعبد من دون الله عزّ وجل. وإيماننا بأن الحسين علیه السلام خرج لإسقاط الحكم الأُموي واستبداله بالحكم الإلهي، لا يسمح لنا بالسعي لتكرار هذه التجربة مع وجود مثل هذه النصوص والمضامين الحاكمة بطاغوتية كلّ مَن يسعى لاستلام السلطة باسم الدين والمذهب الحق.
كذلك استدلّ المانعون عن التأسّي والاهتداء بالأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة ببعض الروايات الظاهرة في الأمر بالسكوت والجلوس، والنهي عن الخروج والانقلاب على الحكومات والأنظمة الظالمة في زمان الصدور، وفي زماننا أيضاً تمسّكاً بالإطلاق، وهذا يعني أن خروج الحسين علیه السلام حتى لو كان بهدف الإطاحة بحكم بني أُميّة وإقامة دولة العدل بقيادته الحكيمة، مع ذلك لا ينبغي لنا التحرّك في هذا الإطار وبنفس الأُسلوب تأسّياً به علیه السلام ؛ للنصوص الخاصّة الصريحة في لزوم
السكون وعدم التحرّك والخروج إلى حين تحقّق علامات الظهور وقيام المهدي علیه السلام .
ومن جملة هذه النصوص ما رواه الكليني بسنده عن عيص بن القاسم، قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: «عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وانظروا لأنفسكم، فوالله، إنّ الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها، والله، لو كانت لأحدكم نفسان يُقاتَل بواحدة يُجرّب بها ثم كانت الأُخرى باقية تعمل على ما قد استبان لها، ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد - والله - ذهبت التوبة، فأنتم أحقّ أن تختاروا لأنفسكم، إن أتاكم آتٍ منّا فانظروا على أيِّ شيء تخرجون، ولا تقولوا خرج زيد، فإن زيداً كان عالماً وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه، وإنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمد صلی الله علیه و اله ، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه، إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه، فالخارج منا اليوم إلى أيّ شيء يدعوكم؟ إلى الرضا من آل محمد صلی الله علیه و اله ؟ فنحن نُشهدكم أنا لسنا نرضى به، وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد، وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منا، إلّا مَن اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله، ما صاحبكم إلّا مَن اجتمعوا عليه، إذا كان رجب فأقبلوا على اسم الله، وإن أحببتم أن تتأخروا إلى شعبان فلا ضير، وإن أحببتم أن تصوموا في أهاليكم فلعلّ ذلك يكون أقوى لكم(1)، وكفاكم بالسفياني
1) 3. نحن قد بيّنا مفصلاً في كتابنا (قصّة السفياني) بأن شهر رجب هو زمان خروج السفياني، وأن الروايات المتضافرة الواردة عن أهل البيت علیهم السلام تحثّ المؤمنين على تجنّب فتنة السفياني في الأشهُر الأُولى، ثم القيام والخروج عليه بعد ذلك، وهذا يعني أن هذه الرواية تتحدّث عن الزمان الذي سيخرج فيه السفياني، وهي تدعو المؤمنين إلى التريُّث في الخروج مدّة الشهر أو الشهرين أو الثلاثة أشهُر، حتى تحين الفرصة المناسبة لمناهضته والخروج عليه تحت راية اليماني، وهذا هو الذي نفهمه من قوله علیه السلام : «وإن أحببتم أن تتأخّروا إلى شعبان فلا ضير، وإن أحببتم أن تصوموا في أهاليكم فلعلّ ذلك أن يكون أقوى لكم»، وكل هذا يتناسب تماماً مع كون خروج القائم في يوم عاشوراء، أي: بعد ستة أشهر من خروج السفياني، وبعد ثلاثة أشهر تقريباً من خروج المؤمنين تحت راية اليماني.
علامة»(1).
ومفاد هذه الرواية - بقرينة الاستثناء فيها «إلّا مَن اجتمعت بنو فاطمة معه» - هو أنَّ أيَّ خارج خروجاً عسكريّاً مسلحاً لإسقاط الأنظمة الحاكمة وإقامة حكومة داعية إلى الرضا من آل محمد صلی الله علیه و اله ومتحدّثة بالنيابة عنه، فإنّها غير مرضيّة عند أهل البيت علیهم السلام ، ولا يجوز الخروج معها، إلّا إذا كانت الدعوة بقيادة مَن اجتمع معه بنو فاطمة، وهو المهدي علیه السلام ؛ فيشمل النهي فيها كل خارج سوى المهدي علیه السلام .
مضافاً إلى أنّ الظاهر من صدر الرواية أنها في مقام الإرشاد إلى مَن يصحّ الخروج معه شرعاً، وليست في مقام بيان الحكم التكليفي، وهذا يعني أن أيّ شخص غير المهدي علیه السلام فهو فاقد لصلاحية إقامة الدولة العادلة، ولا يصحّ تنصيبه إماماً وقائداً لهذا الغرض.
ومن تلك النصوص أيضاً ما رواه الكليني بسنده عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام أنه قال لسدير الصيرفي: «يا سدير، الزم بيتك، وكن حِلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك»(2). ومضمونها صريح في وجوب الجلوس والسكون وعدم التحرّك سياسيّاً إلى حين مجيء علامات الظهور، وأبرزها خروج السفياني.
ولعلّ السبب المعقول وراء هذا النوع من الأوامر والنواهي هو الظرف الخاص والمختلف في عصر الغيبة، حيث لا يجب على المؤمنين السعي لاستلام الحكم وإدارة الأُمة؛ لعجزهم وعدم قدرتهم على تحقيق هذا الأمر بالشكل المطلوب، كما يشهد لذلك نفس غيبة الإمام المهدي علیه السلام ، «فلو كانت إقامة الحكم الإسلامي ممكنة
وواجبة، كان أجدر الناس بذلك هو الإمام صاحب الزمان عجّل الله فرجه، فهو إنّما غاب لأنه لم تكن من الوظيفة اليوم إقامة الحكم، ولم تكن الظروف مؤاتية لذلك»(1). ويؤيد ذلك قول الإمام الصادق علیه السلام المتقدّم بشأن الحركة العسكريّة المسلّحة لزيد بن علي: «إنّما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه». فالظاهر منه أن قوّة السلطان واجتماع أمره هو السبب في فشل ثورة زيد بن علي، كما نبّه على ذلك المجلسي في مرآة العقول، حيث يقول: «قوله علیه السلام : (إلى سلطان مجتمع) أي: فلذلك لم يظفر»(2).
وحينئذٍ؛ لا يبقى أيّ معنًى للتأسي بالإمام الحسين علیه السلام في حركته السياسيّة والعسكريّة باتجاه تشكيل حكومة العدل الإلهي في زماننا، لاختلاف التكاليف والأحكام باختلاف الظرف والمرحلة.
يستدلّ الكثير من الباحثين على فكرة الاختلاف في المرحلة والمسؤوليّة بين واقعنا والواقع الحسيني بسيرة المعصومين علیهم السلام بعد شهادة الحسين علیه السلام ، وهي سيرة قائمة على اعتزال العمل السياسي والعسكري، وترك السعي لإقامة حكومة إسلامية، وهو أمر واضح يلمسه أيّ باحث حينما يُطالع تاريخ وسيرة الأئمة علیهم السلام من الفترة التي زامنت إمامة علي بن الحسين زين العابدين علیه السلام إلى حين غيبة الإمام الثاني عشر علیه السلام . وهذا يعني أن الحركة الحسينيّة المسلّحة لتغيير السلطة مرهونة بزمانها ومرحلتها، ولا يحقّ لنا تكرار التجربة في زماننا، تمسّكاً وتأسّياً بالسيرة الحاكمة للمعصومين علیهم السلام بعد عصر النهضة.
لا زالت هذه الإشكاليّة من الملفات المفتوحة والمطروحة مفصّلاً في الأبحاث العقديّة والفقهيّة، ولا زال العلماء والفقهاء يتداولونها في بحوثهم بشكل جادّ وموضوعي، خصوصاً في الآونة الأخيرة، وقد تركزّت البحوث في هذا المجال حول مسألة (الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه) في معناها وأدلتها وأبعادها وحدودها ومعطياتها وآثارها، والبحث في هذا الملفّ بتفاصيله والآراء والنظريات المطروحة فيه موكول إلى الدراسات الفقهيّة العليا المعمّقة ذات الصلة، وهناك نظريات مختلفة ومتفاوتة تتراوح بين القول بولاية الفقيه المطلقة والشاملة لكل مفاصل الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والإداريّة وغيرها، وبين القول بولاية الفقيه الحسبية والخاصّة ببعض الأُمور المنصوص عليها في التراث الديني، ونحن هنا لا نريد الخوض في هذه المسألة وأبحاثها الطويلة نسبيّاً، ولكننا نحاول فيما يلي أن نُشير بنحو الإجمال إلى بعض النقاط المهمّة والمفصليّة، التي تُكرّس الدور المؤثّر والفاعل للأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة في أوضاعنا الراهنة:
لا شك في أنّ واحدة من النظريات الفقهيّة المهمّة والمطروحة في المقام هي نظريّة الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه المطّلقة في عصر الغيبة، وقد تبنّاها وأسّس لها جملة من العلماء والباحثين، وتعرّضوا في بحوثهم العقديّة والفقهيّة بشكل تفصيلي لحدودها وأدلّتها وشواهدها، وضرورتها العقليّة والدينيّة، وموقعها المتميّز في منظومة الشريعة الإسلاميّة، وتصدّوا للردّ مفصّلاً على تلك الإشكاليّة الرافضة للنظريّة بكلّ وجوهها المتقدّمة. وقد باتت هذه النظريّة تحت ظلِّ ورعاية حشد من
الفقهاء والمجتهدين منهجاً ودستوراً عامّاً يحكم نظام الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران بما يناهز الأربعة عقود، ولا زالت سارية المفعول إلى يومنا هذا.
وفي ضوء هذه النظريّة - وهذا المبنى الفقهي والعقدي المتميّز والمقبول لدى الكثير من فقهاء الطائفة - ينبغي أن تكون الأهداف السياسيّة والعسكرية لنهضة الإمام الحسين علیه السلام هي الأساس والرائد الأوّل في مجال مقارعة الطغاة ومحاربتهم، وإسقاط أنظمتهم الظالمة وحكوماتهم الفاسدة، والعمل على تشكيل حكومة الإسلام العادلة في مجتمعاتنا الإسلاميّة، وهذا ما كان يُنادي ويهتف به دائماً مؤسس جمهوريّة إيران الإسلاميّة الإمام الخميني قدس سره ، حتى اشتُهر عنه القول: «بأن كل ما لدينا من عاشوراء»، وكان يقول أيضاً قدس سره : «إن ثورتنا هي امتداد لنهضة الحسين علیه السلام وشعاع من أشعتها»(1).
وكان يرى قدس سره أن الولاية والحكومة الإسلاميّة من أهمّ الأهداف الأساسية لتشريع الدين الإسلامي. ويعتقد قدس سره بأن «للإسلام نظاماً وتشريعاً في كافة الشؤون الحيوية للإنسان والمجتمع البشري عامّة، ولا بدّ لنا أن نعتقد جزماً بأن الإسلام يعني الحكومة، وأن قوانين هذه الحكومة هي الأحكام الإسلاميّة التي نزل التشريع بها بهدف تعميم ونشر العدالة، وتلبية الحاجات الفردية والاجتماعية والثقافية والسياسيّة والاقتصادية والأُسريّة»(2).(3).
1) 8. في حديث له قدس سره مع جمع من علماء طهران، بتاريخ: 21/9/1979.
2) 9. المصدر السابق: ص175.
3) 10. ويرى قدس سره بأن ولاية الفقيه في زمن الغيبة تعني: الحكومة السياسيّة وإدارة البلاد وتطبيق التشريعات والقوانين الإلهية الإسلاميّة، وكذا الإشراف العام على دوائر الدولة الإسلاميّة، وتعيين الولاة والقضاة وجباية الأموال والضرائب والحقوق والثروات وإنفاقها في مواردها، وتجييش الجيوش والدفاع عن بيضة الإسلام وثغور المسلمين، وإحقاق الحق وإرساء العدالة الاجتماعية، ومحاربة الطغاة والظالمين، وكل ما كان يقوم به الرسول الأكرم صلی الله علیه و اله والأئمة الهداة علیهم السلام من تطبيق للنظام الإسلامي في جميع المجالات. ويرى قدس سره أيضاً بأن ذلك كلّه من أهمّ الواجبات والوظائف الملقاة على عاتق العلماء والفقهاء العدول والأكفاء، وبهذه الرؤية وضع قدس سره الحوزة العلميّة والعلماء والفقهاء أمام مسؤولية كبيرة وخطيرة، حيث فرض لهم منصب القيادة والريادة للمجتمع في جميع الميادين، وهي أمانة ثقيلة، تجعل الحوزة العلميّة والعلماء أمام تحدّ كبير، ودور ريادي ينبغي دراسته ووضع أُسسه ومبادئه، وإعطاء خطّة متكاملة تبتدئ من النظرية وتنتهي بالتطبيق على أرض الواقع.
وقد قطعت هذه النظريّة في الآونة الأخيرة شوطاً كبيراً في الفكر الشيعي، وتمَّ طرحها وعرضها والتأسيس لها بشكل متكامل، وبصورة علميّة ومنهجيّة، وعلى الموازين الفقهيّة والاجتهاديّة، وحاول المؤمنون بهذه النظريّة مناقشة وردّ كُلّ الرؤى والشبهات المناهضة لها، وتأمّلوا كثيراً في الروايات التي قد يظهر من بعضها المنع عن إقامة حكومة إسلاميّة في زمن الغيبة، إما من حيث الطريق والسند، أو من حيث الدلالة والمضمون، بما في ذلك الشواهد التي أوردناها لتأييد الإشكالية المطروحة في هذا المقال. ومن هذا المنطلق وتحت ظلّ هذه النظريّة تبقى الأهداف السياسيّة لنهضة الإمام الحسين علیه السلام مصدراً عقديّاً وتشريعيّاً لكلّ ثورة ونهضة تصحيحيّة تسعى للإطاحة بالطغاة وحكوماتهم الفاسدة، واستبدالها بحكومة إلهيّة إسلاميّة تقوم على أساس العدالة والقسط والاستقامة.
بعيداً عن نظرية الحكومة وولاية الفقيه المطلقة، فإننا نعتقد - على أقل تقدير - بأن الدين عموماً والشريعة الإسلاميّة الحقّة على وجه الخصوص شريك أساس في تنظيم وتقنين حياة الناس، وإدارة المجتمع، وقيادة الأُمّة، وممارسة وظيفة الحكم والقضاء، وتصحيح مسارات العمليّة السياسيّة والاجتماعيّة بشكل عام، ومجاهدة الأعداء والغُزاة، والوقوف بوجه الظلم والظالمين، والدفاع عن حقوق المظلومين والمضطهدين، وحماية الضعفاء والفقراء، ورعاية القاصرين والمحتاجين، وغير ذلك
مما يرتبط بحفظ النظام العام وإتيان ما لا يرضى الشارع الأقدس بتفويته، وهذا هو ما نفهمه من معنى ولاية الفقهاء والمؤمنين الحسبيّة والخاصّة، التي يتبنّاها مشهور فقهائنا.
نعم، قد تختلف مساحتها وشرائطها سعة وضيقاً من فقيه لآخر بحسب اختلاف الأدلّة والمباني الفقهية الاجتهاديّة.
وهذا ما نلمسه بوضوح تامّ حينما نطالع كلمات وآراء الفقهاء - قديماً وحديثاً - في هذا المجال، وللوقوف على شواهد هذه الحقيقة - التي تكاد أن تكون إجماعيّة - ننتقي - على سبيل المثال - بعض الأقوال والآراء الفقهيّة في هذه المسألة:
يقول الشيخ المفيد قدس سره في كتابه المقنعة: «وللفقهاء من شيعة الأئمة علیهم السلام أن يُجمّعوا بإخوانهم في الصلوات الخمس، وصلوات الأعياد، والاستسقاء، والكسوف، والخسوف، إذا تمكنوا من ذلك، وأمنوا فيه من معرّة أهل الفساد. ولهم أن يقضوا بينهم بالحق، ويُصلحوا بين المختلفين في الدعاوى عند عدم البيّنات، ويفعلوا جميع ما جُعل إلى القضاة في الإسلام؛ لأن الأئمة علیهم السلام قد فوّضوا إليهم ذلك عند تمكّنهم منه بما ثبت عنهم فيه من الأخبار، وصحّ به النقل عند أهل المعرفة به من الآثار»(1). وقريب من هذا المضمون ما ذكره الشيخ الطوسي في النهاية(2)، وابن إدريس الحلّي في السرائر(3)، والمحقّق الحلّي في الشرائع(4)، والعلامة الحلّي في القواعد(5)، والشهيدان في اللمعة وشرحها(6).
ويقول الفيض الكاشاني قدس سره في المفاتيح: «وبالجملة فوجوب الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البرّ والتقوى، والإفتاء والحكم بين الناس بالحقّ، وإقامة الحدود والتعزيرات وسائر السياسات الدينيّة من ضروريات الدين، وهي القطب الأعظم في الدين والمهمّ الذي بعث الله له النبيين، ولو تُركت لعُطّلت النبوّة، واضمحلّت الديانة، وعمّت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، وخرب البلاد، وهلك العباد، نعوذ بالله من ذلك... وكذا إقامة الحدود والتعزيرات وسائر السياسات الدينيّة، فإن للفقهاء المأمونين إقامتها في الغيبة بحقّ النيابة عنه علیه السلام ، إذا أمنوا الخطر على أنفسهم، أو أحد من المسلمين على الأصح، وفاقاً للشيخين والعلامة وجماعة؛ لأنهم مأذونون من قِبَلهم علیهم السلام في أمثالها، كالقضاء والإفتاء وغيرهما، ولإطلاق أدلّة وجوبها، وعدم دليل على توقّفه على حضوره علیه السلام »(1).
وأيضاً يقول الشيخ كاشف الغطاء قدس سره في حديثه عن أحكام الجهاد وأقسامه وشرائطه: «وإذا لم يحضر الإمام - بأن كان غائباً أو كان حاضراً ولم يُتمكَّن من استئذانه - وجب على المُجتهدين القيام بهذا الأمر. ويجب تقديم الأفضل أو مأذونه في هذا المقام، ولا يجوز التعرّض في ذلك لغيرهم، وتجب طاعة الناس لهم، ومَن خالفهم فقد خالف إمامهم. فإن لم يكونوا، أو كانوا ولا يمكن الأخذ عنهم ولا الرجوع إليهم، أو كانوا من الوسواسيين الذين لا يأخذون بظاهر شريعة سيّد المرسلين، وجب على كلّ بصير صاحب رأي وتدبير - عالم بطريقة السياسة، عارف بدقائق الرئاسة، صاحب إدراك وفهم وثبات وجزم وحزم - أن يقوم بأحمالها، ويتكلَّف بحمل أثقالها، وجوباً كفائياً مع مقدار القابلين، فلو تركوا ذلك عُوقبوا أجمعين»(2).
ويقول المولى النراقي قدس سره في حديثه عن ولاية الفقيه: «كُلّ فعل متعلّق بأُمور العباد في دينهم أو دنياهم ولا بدّ من الإتيان به ولا مفرّ منه، إما عقلاً أو عادة، من جهة توقُّف أُمور المعاد أو المعاش لواحد أو جماعة عليه، وإناطة انتظام أُمور الدين أو الدنيا به. أو شرعاً، من جهة ورود أمر به أو إجماع، أو نفي ضرر أو إضرار، أو عُسر أو حرج، أو فساد على مسلم، أو دليل آخر، أو ورود الإذن فيه من الشارع، ولم يجعل وظيفته لمعيّن واحد أو جماعة ولا لغير معيّن - أي: واحد لا بعينه - بل عُلم لا بدّية الإتيان به أو الإذن فيه، ولم يُعلَم المأمور به ولا المأذون فيه، فهو وظيفة الفقيه، وله التصرّف فيه، والإتيان به»(1). ثم استدلّ على ذلك كلّه بإجماع الفقهاء.
وفي كتاب الجواهر: «الولاية للقضاء أو النظام والسياسة أو على جباية الخراج أو على القاصرين من الأطفال أو غير ذلك أو على الجميع، من قِبَل السلطان العادل أو نائبه، جائزة قطعاً، بل راجحة؛ لما فيها من المعاونة على البرّ والتقوى، والخدمة للإمام، وغير ذلك، خصوصاً في بعض الأفراد، وربما وجبت عيّناً»(2).
وفي موضع آخر منه: «لولا عموم الولاية لبقي كثير من الأُمور المتعلّقة بشيعتهم معطّلة. فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً، ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم أمراً، ولا تأمّل المراد من قولهم: إني جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجّة وخليفة. ونحو ذلك؛ مما يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأُمور الراجعة إليهم»(3).
ويقول المحقق النائيني قدس سره بصدد بيان حدود وأبعاد ولاية الفقيه: «لو بنيّنا على
عموم ولاية الفقيه ببركة دلالة مقبولة ابن حنظلة، فلا إشكال في أن له الولاية على كل ما عُلِم بأنه من وظائف القضاة، أو عُلِم بأن تصدّيه من وظائف الولاة، أو كان مشكوكاً. فله جباية الخراج والمقاسمة فضلاً عن مطالبة الأخماس والزكوات، وله التصدّي لإقامة الجمعة؛ بناءً على أن تكون إقامتها من وظائف الولاة، وأنه مع تصدّيه لإقامتها تجب على كُلّ مَن يتمكّن حضورها وجوباً عينيّاً، وكذلك له التصدّي لإقامة الحدود والتعزيرات وأمثالهما مما يُشكّ في كونه من وظيفة القضاة أو الولاة»(1).
هذه باقة منتقاة من كلمات وآراء الأعلام من فقهائنا (قدّس الله أسرارهم)؛ ويتجلّى منها بوضوح أبعاد وآفاق الرؤية والفكرة التي أشرنا إليها في مستهلّ هذه الإجابة، وهي كون الدين الإسلامي شريكاً رئيساً للإنسان في إدارة وتنظيم وبناء الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، ولا يسمح الدين أبداً للناس أن ينفردوا في بناء حياتهم وحضاراتهم البشريّة اعتماداً على عقولهم وأفكارهم وميولهم وغرائزهم الماديّة فحسب، بل يتحتّم عليهم أن يستعينوا بمزدوج المنتوج الديني والمنتوج البشري؛ لرسم المناهج والسُّبل والسياسات الصحيحة التي تُسهم في الارتقاء بواقع بلدانهم وبناء وتشييد مجتمعاتهم الصالحة والآمنة والمتحضّرة.
وفي ضوء هذه الرؤية؛ نستكشف مدى أهميّة الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة وأثرها ودورها الفاعل في حاضر الأُمّة ومستقبلها؛ كونها تُمثّل مصدراً ومنهلاً عقديّاً وتشريعيّاً مؤثراً ومُلهماً للشعوب والبلدان الإسلاميّة، وعلى كلّ فرد مسلم يؤمن بالحسين علیه السلام أن يحمله فكراً ومنهجاً وأُسلوباً في الحياة.
ومن هذا المنطلق؛ يتوجّب على الأُمّة الإسلاميّة بكافّة أطيافها أن تستلهم من المدرسة الحسينيّة الخالدة دروس العزّة والإباء والتضحية والفداء والعظمة، وتتفاخر
1) 22. النائيني، كتاب المكاسب والبيع: ج2، ص338.
وتقتدي بالحسين الذي أرعب الطغاة وأقضّ مضاجعهم وأسقط عروشهم وزلزل الأرض تحت أقدامهم.
وينبغي للأُمّة أيضاً أن تستلهم من الحسين علیه السلام شارات الكرامة؛ لتخرج بكبريائها وشموخها ثائرة منتفضة على فراعنة عصرها، رافضة لحكوماتهم الجائرة وأنظمتهم الفاسدة، وأن تتعلّم الأُمّة من وحي أهداف نهضته: كيف تُخطط سياسيّاً وعسكريّاً للانقلاب عليهم والإطاحة بهم واستبدالهم بالنظام الأصلح؟ وكيف تتحرّك إلى الأمام لتجعل الدين مصدراً مهمّاً من مصادر مجدها وشموخها وعظمتها؟
وعليها أن تبحث في الحسين علیه السلام عن عزّتها وكرامتها المهدورة، وتصنع من مبادئ نهضته المباركة مجتمعاً قويّاً رصيناً متلاحماً، لا يرضى بالذلّ والظلم والفساد، حسينيّاً في منهجه ومبادئه وأهدافه وغاياته. ولا معنى لأن يُقال - بعد هذا الحديث -: إنّ الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة لا تنتمي لمكوّنات بيئتنا وواقعنا المُعاش، ولا تُسهم في تصميم وإنتاج المشهد السياسي في زماننا الحاضر!!
إنّ مجتمعاتنا الشيعيّة اليوم هي مجتمعات (حسينيّة/كربلائيّة) بامتياز، بكلّ مضامينها ومظاهرها، وكلّنا يشاهد ويرى كيف أن دم الحسين علیه السلام يرسم بألوان الحريّة والإباء والكرامة لوحة بلداننا وصورة أجيالنا، ويبني بلَبِنات العزّة والشموخ صروح مجدنا ومعالي حضارتنا، بل أضحى حسين الخلود حضارة الإنسان التي نتفاخر بشرف الانتماء إليها، وقد تعلّمنا من الحسين كيف نُقارع الأنظمة والحكومات الفاسدة، فانتصرنا وأقمنا حكومة الإسلام في دولة إيران العزيزة. وتعلّمنا من الحسين كيف نواجه طاغية العراق بعزيمة واستبسال، فانتصرنا وأذقناه ذلّ العار
والهوان. وتعلّمنا من الحسين كيف نكون أحراراً في الدفاع عن ديننا وأعراضنا وأوطاننا، فانتصرنا نصراً مؤزّراً، وها هم أبناء الحسين علیه السلام وأحبابه وشيعته يُسطّرون اليوم أروع ملاحم البطولة والتضحية والفداء في الدفاع عن تُراب ومقدّسات عراقنا الحبيب، وها هم يكتبون في هذه المرحلة الحسّاسة تاريخاً ومستقبلاً جديداً، ناصعاً مشرقاً، ينتمي لكربلاء الصمود، فسلامٌ وتحيّةٌ من الله لهم وهم يقفون جبالاً شامخة في مواجهة ظلام الكفر والفساد والتخلّف والطغيان المتمثّل بما يُسمّى بأوباش (داعش) ومن يقف خلفهم من الظلاميين والتكفيريين والخونة والمتآمرين. وها هي الشعوب المؤمنة بالحسين علیه السلام ومبادئ نهضته المباركة كانت ولا زالت تسير في رَكْبِه قُدماً، وتنبض مسيرتهم بالخير العطاء وعنفوان الحياة. وكان ولا زال حُكّام الجور والطغاة يرتجفون خوفاً وهلعاً من صدى الصوت الحسيني الهادر (هيهات منّا الذلّة).
وفي إطار هذه الملاحم العظيمة، ونحن نعيش هذه الانتصارات المتوالية للسياسات والمبادئ الحسينيّة تحت إشراف علمائنا الأعلام والمرجعيّة الرشيدة، فإنّي لا أفهم أبداً ما قد يُقال: بأن المؤمنين لا يمتلكون مقوّمات النصر على الطغاة في زمن الغيبة!!
كلّا! وألف كلّا! فإن المؤمنين قد انتصروا، وهم يعيشون اليوم في نعيم دولة الحسين علیه السلام وحضارته المترامية الأطراف، فالمبادئ السياسيّة للنهضة الحسينيّة بكل أبعادها باتت وأصبحت هي الطاقة الخلّاقة التي تُحرّك حاضر الأُمّة باتجاه صناعة مستقبل واعد وكريم.
لا نريد بهذا العنوان الولوج مفصلاً في الردّ والإجابة عن الشواهد التي سيقت
لتأييد تلك الإشكاليّة الزمكانيّة؛ لأن هذا الأمر موكول للبحوث التخصصيّة والاجتهاديّة الفقهيّة والعقديّة المطروحة في مسألة ولاية الفقيه والحكومة الإسلاميّة، وقد ذُكرت أجوبة كثيرة ومتنوّعة وتفصيليّة للردّ على تلك الشواهد الروائيّة والتاريخيّة، يستطيع الباحث ملاحظتها في مظانها، ولكننا سوف نُشير بنحو الإجمال إلى بعض الإجابات والتعليقات المختصرة، فنقول:
أولاً: إن المضمون الذي بيّناه واستعرضناه في الشاهد الأول بعنوان (فكرة فصل الاختصاص الديني عن المنهج السياسي)، كان ولا زال يُمثّل هاجساً كبيراً لدى كثير من العلماء والأساتذة والباحثين في الاختصاص الديني، ويمنعهم من محاولة التفكير الجادّ في إقحام علوم السياسة والاجتماع كمناهج علميّة تخصصيّة في جدول مدرستنا الدينيّة الاجتهاديّة؛ مما أدّى إلى إلغائها وإقصائها بشكل كامل من منظومة مناهجنا الدراسيّة التقليديّة في كثير من حوزاتنا العلميّة، مع أن لهذه العلوم الإنسانيّة مساحة واسعة وتراثاً ضخماً في موروثنا الديني والإسلامي.
وفي الحقيقة: إن مُدارسة ومناقشة هذا الأمر تفصيلاً لا تحتمله سياقات بحثنا الموجز، لكننا نغتنمها فرصة لندعو العلماء والأساتذة والفضلاء لإعادة النظر في هذا القرار أو العرف المناهجي الذي أصبح شبه نافذ ومعمول به في دروسنا وكراسي اختصاصاتنا الدينيّة الرسميّة، ونحن نرى اليوم ضرورة التغيير والتطوير في هذا المجال، خصوصاً في أوضاعنا الراهنة، التي يتعذّر فيها التنصّل والابتعاد عن الواقع الاجتماعي والسياسي لعالمنا المعاصر، فإن كُنّا من المؤمنين بنظرية الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه، فالحاجة إلى دراسة مثل هذه العلوم دراسة دينيّة اختصاصيّة اجتهاديّة لا تفتقر إلى البيان، وإن كُنّا لا نؤمن بهذه النظريّة، فإن إجماع الفقهاء - كما تقدّم - قائم على الإيمان بولاية الفقيه الخاصّة والحسبيّة، وضرورة أن يكون الاختصاص الديني
شريكاً قويّاً ومؤثراً في مجال السياسة والاجتماع، وهذا هو الدور المصيري والحسّاس الذي تقوم به مرجعيّاتنا الرشيدة اليوم في كثير من البلدان والأمصار، وهو ما يتطلّب منّا أن نكون شركاء أقوياء، وأن نُساهم في إدارة شأننا السياسي والاجتماعي عن معرفة ودراية تامّة بالتراث الديني وواقع الحياة ومتطلّبات العصر والمرحلة.
وحينذاك؛ يُصبح التراث السياسي للنهضة الحسينيّة على وجه الخصوص من أهمّ مصادرنا التشريعيّة والعقديّة المؤثّرة في رسم معالم مشاركتنا السياسيّة والاجتماعيّة، ولا مبرّر أبداً لإهمال وتهميش هكذا تراث مهمّ ومفصليّ وحساس.
ثانياً: إن ما ادُّعي في محتوى الشاهد الثاني، من كون حركة المعصومين من أئمة أهل البيت علیهم السلام السياسيّة لاستلام مقاليد الحكم وقيادة الأُمة، تُعدّ من خصائص عصمتهم ومقام إمامتهم الربانيّة، ولا يصلح الاقتداء والتأسي بهم في مثل هذه الموارد. فإنه لا يمتلك هذا الادّعاء أيّ دليل ناهض لإثباته، بل الأدلّة المتضافرة على خلافه، والفقهاء قديماً وحديثاً يؤكّدون في بحوثهم الأُصوليّة والفقهيّة على أن النبيّ الأكرم صلی الله علیه و اله وأهل بيته المعصومين علیهم السلام هم قدوة وأُسوة في كلّ أفعالهم وتحرّكاتهم الفردية والاجتماعيّة والسياسيّة، إلّا ما أخرجه الدليل الخاصّ، وهو قليل ونادر جدّاً، من قبيل جواز التزوّج بأكثر من أربعة بعقد دائم ووجوب صلاة الليل في حقّ النبي صلی الله علیه و اله ، وأما ما دون ذلك فإن منهجهم علیهم السلام في الحياة هو سبيلنا ومنهجنا، ولكن بشرطها وشروطها، ومن شروطها الضروريّة العمل الجادّ على وضع البحوث والدراسات والمناهج التخصصيّة الاجتهاديّة؛ لتحديد ما يتطلّبه الواقع والمرحلة، وما ينطبق عليه من منهج أهل البيت علیهم السلام وسيرتهم المتنوّعة بتنوّع واقعهم الذي عايشوه آنذاك، وواحدة من المصادر المهمّة في هذا المجال سيرة الحسين علیه السلام ونهجه السياسي في نهضته المباركة.
ثالثاً: يعتمد الشاهدان الثالث والرابع - كما تقدّم - على جملة من النصوص والروايات الشريفة، التي يُستظهر منها الأمر بالجلوس والنهي عن التخطيط للخروج على الحكومات الفاسدة بهدف إسقاطها واستبدالها بحكومة إسلاميّة عادلة، وهناك أجوبة وردود مفصّلة لمناقشة الاستدلال بمضامين هذه النصوص، مطروحة في البحوث الاجتهاديّة الفقهيّة حول مسألة الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه، لا نريد الخوض في تفاصيلها، لكننا بنحو الإجمال نقول:
1- بالنسبة إلى النصوص المتقدّمة الدالّة على أن كلّ راية تُرفع قبل قيام القائم علیه السلام فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله. فقد أُجيب عن الاستدلال بها من وجوه كثيرة، أوضحها وأتقنها: هو أن المقصود بالراية التي وقعت موضوعاً في هذه النصوص - بمناسبات الحكم والموضوع - هي التي يكون صاحبها داعياً الناس إلى نفسه في قبال راية الحق، وهي راية القائم علیه السلام ، وأمّا مَن تكون رايته في سبيل إسقاط رايات وحكومات الباطل والظلم، وإقامة الحق وإرجاعه إلى أصحابه الشرعيين، وتسليم الراية إلى القائم علیه السلام في حال ظهوره، فهكذا راية غير مشمولة بتلك النصوص، وذلك بقرينة وصف صاحب الراية الباطلة بالطاغوت وأنه يُعبد من دون الله، وهو ما يُعطي معنى الصنميّة والدعوة إلى الذات، الذي «يناسب فرض كون خروجه لنفسه، لا بنيّة تسليم الأمر إلى الإمام المعصوم لو حضر»(1). وقد ناقش بعض أساتذتنا الأجلاء في تماميّة هذه الإجابة، وتفصيل البحث موكول إلى محلّه(2).
2- أما بالنسبة إلى النصوص الآمرة بالجلوس والسكون، والناهية عن الخروج على السلطات الظالمة، فأهمّها وأصحّها رواية عيص بن القاسم المتقدّمة، وقد أُجيب
عن الاستدلال بها في المقام بوجوه عديدة، أتقنها ما أجاب به بعض المحقّقين في كتابه (دراسات في ولاية الفقيه)، من أن الرواية ناظرة إلى خروج مَن يخرج داعياً إلى نفسه، كما هو شأن الخارجين في زمان صدور النصّ، وليست ناظرة إلى مَن يخرج داعياً إلى الإمام علیه السلام ؛ وذلك بقرينة التفريق في الرواية بين خروج زيد وخروج غيره، وقد امتدح الإمام علیه السلام خروج زيد وأثنى عليه؛ معللاً ذلك بأنه لم يخرج داعياً لنفسه وإنما خرج داعياً إلى الرضا من آل محمد صلی الله علیه و اله ، فيُفهم منه أن الخروج الآخر المنهي عنه وغير المرضي لدى الإمام علیه السلام هو الخروج مع مَن يخرج مستقلاً عن الإمام وداعياً لنفسه؛ إذ لا فرق بينه حينئذٍ وبين الحكومة القائمة آنذاك، فكلٌّ منهما يدعو إلى نفسه.
يقول قدس سره : «الصحيحة لا تدلّ على عدم وجوب الدفاع وعدم جواز الخروج، بل تدلّ على أن الداعي إلى الخروج قد تكون دعوته باطلة، بأن يدعو إلى نفسه مثلاً مع عدم استحقاقه لما يدّعيه، كمن يدّعي المهدوية مثلاً كذباً. وقد تكون دعوته حقّه، كدعوة زيد بن علي بن الحسين مثلاً، حيث دعا الناس لنقض السلطنة الجائرة وتسليم الحق إلى أهله، أعني: المرضي من آل محمد... فالصحيحة تُمضي قيام زيد، وتدلّ على جواز القيام للدفاع عن الحقّ... ولا خصوصية لزيد قطعاً، وإنما الملاك هدفه في قيامه وصلاحيته لذلك. فالقيام لنقض الحكومة الفاسدة الجائرة مع إِعداد مقدماته جائز، بل واجب. ولو ظفر زيد لوفى بما دعا إليه من إِرجاع الحكومة إلى المرضيّ من آل محمد، كما نطق به الخبر»(1).
ونحن نعتقد أيضاً بأن الرواية - بقرينة كون صدرها في مقام الإرشاد إلى مَن يصحّ الخروج معه شرعاً - ظاهرة في أن المجتمع الشيعي من صلاحياته اختيار من يُمثّله ويُدير شؤونه من ذوي العلم والخبرة والقدرة، فلا بأس أن يتصدّى من العلماء
1) 25. المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه: ج1، ص206- 207.
الأجدر والأكفأ إذا اختارهم الناس لذلك الشأن، ويتحرّكوا حينئذٍ بالنيابة عن المجتمع الشيعي في ضوء تعاليم أهل البيت علیهم السلام ، ويجتنبوا الحديث والتحرّك باسم الرضا من آل محمد، فتُمثّل حركتهم التنفيذية والإداريّة إرادة ورضا المجتمع الإيماني، لا إرادة ورضا المعصوم مباشرة.
وأمّا رواية سدير الصيرفي، فقد حملها بعض المحقّقين على القضيّة الخارجيّة وموردها الخاصّ وهو سدير نفسه، فسدير هو المنهي عن الخروج مع الخارجين، وهو المأمور بالسكون والجلوس في بيته؛ وذلك لخصوصيّة في شخصيته العاطفيّة والمزاجيّة المتقلّبة، وقد أورد قدس سره جملة من الشواهد والمؤيّدات لفرض خصوصيّة المورد، فلاحظ(1).(2).
رابعاً: إن التمسّك بسيرة المعصومين علیهم السلام بعد شهادة الإمام الحسين علیه السلام ، ودعوى كونها قائمة على اعتزال العمل السياسي والعسكري، وترك السعي لإقامة حكومة إسلامية. في غير محلّه تماماً؛ فإنهم علیه السلام مع كلّ المصاعب والظروف الحرجة والخانقة التي عاشوها في زمن الأُمويين والعباسيين، كانوا شركاء فاعلين ومؤثرين وحاضرين باستمرار فيما عايشوه من أحداث وتقلّبات في واقعهم الاجتماعي والسياسي، وكانوا علیهم السلام يتحرّكون في هذه الدائرة بصورة فاعلة ومتواصلة بما كان يسمح به النظام الاستبدادي والدكتاتوري الذي عايشوه آنذاك، وتاريخهم وسيرتهم المباركة خير شاهد على ما نقول، ويكفينا ذلك مبررّاً للخوض في مُدارسة الملف السياسي والاجتماعي للمعصومين علیه السلام على اختلاف مراحله ومواقفه، ابتداءً من زمن النبي الأكرم صلی الله علیه و اله ، ومروراً بأحداث النهضة الحسينيّة، وانتهاءً بزمان غيبة المعصوم الثاني عشر عجل الله تعالی فرجه الشریف .
النهضة الحسينية بين نظرية الشهادة وإقامة الحكومة
منطلقات النهضة الحسينية وخلفياتها
القسم الرابع (تعبئة الأُمة وإعدادها)
فلسفة البكاء على الإمام الحسين علیه السلام
المؤسسة الشعائرية
القسم الأول (التأسيس والسيرورة)
يعتبر الحديث عن أهداف الثورة الحسينية من الأُمور المهمّة التي تطرّق إليها كثير من الفقهاء والمحقّقين، وقد قُدّمت نظريات متعددة استُدلّ عليها بشواهد من واقعة عاشوراء، فهناك مَن ادّعى أنّ الثورة الحسينية لا تُحدّد بهدف واحد، بل لها هدفان أو ثلاثة، وذكر بعضٌ أنّ بين هذه الأهداف المتعدّدة ترتّباً طوليّاً، وذهب آخرون إلى فرض العَرْضية بين تلك الأهداف.
وينبغي الالتفات إلى أنّ هذه الواقعة العظيمة التي حدثت في تاريخ الأُمّة الإسلاميّة فريدة من نوعها، ولا يمكن ببيانٍ قليل وتحليلٍ يسير أن نقف على حقيقتها؛ لأنّها حادثة رسمتها اليد الإلهية بشكلٍ خاصٍّ ومميّز، ولا تنال عقول المفكرين والمحقّقين زواياها المتعدّدة، فيمكن أن تتّضح لنا أبعاد وحقائق أُخرى أعمق ممّا عليه اليوم بمرور الزمان، وكلّما تزداد معرفتنا بإمامة وولاية أهل البيت علیهم السلام تتّضح لنا أهداف وغايات النهضة بشكل أكبر.
نستعرض في بداية البحث النظريات والاتجاهات التي طُرحت في مجال تحليل هدف الثورة الحسينية بشكلٍ إجمالي؛ ليتسنّى لنا بعد ذلك اختيار النظرية المناسبة، وسنعطي لكلّ نظرية عنواناً خاصّاً تسهيلاً لفهمها، وعمدة النظريات ما يلي:
1- نظرية الشهادة: ترى هذه النظرية أنّ الهدف من ثورة سيد الشهداء علیه السلام هو الشهادة، وأنّه قد وطّن نفسه على هذا الأمر، ولم يكن وراء هذا الهدف هدف آخر، بل أقبل علیه السلام - في تلك الظروف المعقّدة - على الشهادة التي قد رسمها الله تعالى له.
وقد تبنّى هذه النظرية - عموماً - جملة من الأعلام وكثير من المحقّقين(1).
2- نظرية الهدف المرحلي: تذهب هذه النظرية إلى أنّ ثورة سيد الشهداء علیه السلام تحتوي على مرحلتين:
المرحلة الأُولى: هي إقامة الدولة الإسلاميّة.
المرحلة الثانية: مرحلة الشهادة، وذلك بعد أن وصل خبر مقتل مسلم بن عقيل، فتحرّك نحو كربلاء طالباً للشهادة.
وقد تبنّى هذه النظرية الأُستاذ الشهيد مطهّري(2).
3- نظرية الهدف المزدوج: تُؤمن هذه النظرية بأنّ لنهضة سيد الشهداء بُعدين:
البُعد الأوّل: يتجسّد في الشهادة.
البُعد الثاني: يتمثّل في دعوة الناس للوقوف في وجه يزيد؛ لأجل إصلاح أوضاع
المسلمين المتردّية آنذاك؛ لما حصل من تغييب طويل لسُنن رسول الله صلی الله علیه و اله ، وإحياء للبدع.
وممّن ذهب إلى هذه النظرية العلّامة السيد مرتضى العسكري(1).
4- نظرية الأهداف الطُولية: يرى بعض الكتّاب المعاصرين أنّ ثورة الإمام الحسين علیه السلام - وبترتّبٍ طولي - تحتوي على ثلاثة مراحل، استهدف الإمام في المرحلة الأُولى الانتصار العسكري وإقامة الدولة الاسلامية؛ لكن عندما لاحظ علیه السلام أنّ هذا الهدف لا يمكن تحقيقه، انتقل إلى المرحلة الثانية وهي السِّلْم والصلح الكريم، ولمّا لم يقع ذلك - ولأجل أن لا يخضع للذلّ والهوان - اختار سبيل الشهادة، وهي تُمثّل المرحلة الثالثة.
وقد تبنّى هذا الرأي صاحب كتاب شهيد جاويد (الشهيد الخالد)(2).
وهذه النظرية قريبة من رأي بعض المحلّلين والباحثين من أهل العامّة، الذين يرون أنّ الحسين بن علي علیه السلام كان ساعياً من أول الأمر للخلافة وإقامة الدولة، كما صرّح بذلك شمس الدين الذهبي في (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام)(3)، وتبنّى هذه النظرية أيضاً ابن الجوزي في كتابه: (الردّ على المتعصّب العنيد)(4).
أمّا أعلام الإمامية - كالشيخ المفيد - فقد صرّحوا بأنّ الإمام الحسين علیه السلام خرج من المدينة متّجهاً إلى الكوفة؛ لامتناعه من بيعة يزيد، وعندما أُخبر بولاء أهل الكوفة له من قِبل مسلم بن عقيل علیه السلام تحرّك لأجل إقامة الدولة، وقد ذكر الشيخ المفيد في المسائل العكبرية(5)في معرض الإجابة عن سؤال: «... ما بال الحسين علیه السلام صار إلى أهل الكوفة، وقد علم أنّهم يخذلونه ولا ينصرونه، وأنّه مقتول في سفرته تلك؟».
1) 30. العسكري، مرتضى، معالم المدرستين: ج3، ص308.
2) 31. الصالحي النجف آبادي، نعمة الله، شهيد جاويد (الشهيد الخالد): ص215.
3) 32. الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج5، ص5.
4) 33. ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، الردّ على المتعصّب العنيد: ص71.
5) 34. المفيد، محمد بن محمد، المسائل العكبرية: ص69 - 71.
فأجاب: «فأمّا علم الحسين علیه السلام بأنّ أهل الكوفة خاذلوه، فلسنا نقطع على ذلك؛ إذ لا حجّة عليه من عقل ولا سمع».
5- نظرية إقامة الحكومة: يعتقد بعض بأنّ الإمام الحسين علیه السلام لم يكن قاصداً للشهادة من أول الأمر، بل خرج لأجل تأسيس حكومة إسلامية، ولكن كان على علم بأنّ هذا الأمر لا يتحقّق ومآله إلى الشهادة(1).
6- نظرية الظاهر والباطن: يُستفاد من بعض عبائر آية الله العظمى الشيخ فاضل اللنكراني، وآية الله الإشراقي في كتابهما باسداران وحي (حُرّاس الوحي) أنّ الإمام كان يسعى لإقامة الدولة بحسب الظاهر، وأمّا باطناً فإنّه كان طالباً للشهادة(2).
7- نظرية التكليف الخاصّ: إنّ سيد الشهداء علیه السلام كان مكلفاً بمهمّة خاصّة، وهذا ما ذهب إليه صاحب الجواهر، حيث قال: «على أنّه له تكليف خاصّ قد قَدِم عليه وبادر إلى إجابته»(3). و بعض المؤلفين أمثال صاحب كتاب مقصد الحسين علیه السلام (4).
8- نظرية الفداء: ذهب الشيخ ملا مهدي النراقي، في كتابه: (محرق القلوب) إلى أن شهادة سيد الشهداء علیه السلام كانت فداءً؛ فإنّ الإمام علیه السلام استُشهد لأجل أن يكون شفيعاً لأُمّته ومكفّراً لذنوبهم، فالحسين علیه السلام عزم على الشهادة لأجل الوصول إلى درجة الشفاعة الكُبرى، التي هي السبيل لنجاة الشيعة(5).
المشهور بين المحقّقين أنّ الحسين علیه السلام كان عالماً بشهادته حتى قبل بداية الثورة؛
1) 35. اُنظر: أستادي، رضا، سرگذشت كتاب شهيد جاويد (قصة كتاب الشهيد الخالد): ص339.
2) 36. الفاضل اللنکراني، شهاب الدین الاشراقی، باسداران وحي(حُرّاس الوحي) بالفارسيّة: ص275.
3) 37. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج21، ص296.
4) 38. اُنظر: زاهدي قمي، أبو الفضل، مقصد الحسين: ص9.
5) 39. النراقي، مهدي، محرق القلوب: ص40.
ولذا كان هادفاً للشهادة من البدء، فإنّه علیه السلام عند خروجه من المدينة كتب إلى أخيه محمد بن الحنفية (رض)، فقال: «أمّا بعد، فإنّ مَن لحق بي استُشهد، ومَن لم يلحق بي لم يُدرك الفتح، والسلام»(1).
ولا يخفى أنّ جماعة من بني هاشم لعلمهم بالمصير الذي تأول إليه الثورة - وطمعاً في الدنيا - امتنعوا من الانضمام إلى أبي عبد الله علیه السلام ، لكنّ بعضاً آخر من بيت أبي طالب علیه السلام قد التحقوا بالإمام علیه السلام ، فمن الواضح أنّ الإمام علیه السلام وآخرين قد كانوا على علمٍ بمآل الثورة.
وعليه؛ لا يمكن القول بنظرية الحكومة، وأنّ الإمام علیه السلام خرج لإقامة الدولة الإسلاميّة، فكيف يُتصوّر شخصٌ عارف بمصيره ومتيقّن أنّه سيُقتل، ومع ذلك ينتفض لاستلام السلطة، وإقامة الدولة؟! وسيأتي نقد هذه النظرية بالتفصيل.
وقد صرّح الشيخ آية الله العظمى محمد فاضل اللنكراني والشيخ شهاب الدين الإشراقي في كتابهما باسداران وحي (حُرّاس الوحي) أنّ الإمام الحسين علیه السلام قد خرج وهدفه الشهادة، ولم يكن قاصداً الكوفة، أو الإطاحة بحكومة يزيد وإقامة الدولة الإسلاميّة(2).
وذكرا في بيان هذه النظرية: أنّ يزيد يسعى - من خلال الخطط المسبقة - لهدم الكيان الإسلامي، ولذا تذمّر الناس وعلت الأصوات من صنيع يزيد، فاستغاثوا بالحسين علیه السلام وطلبوا منه قيادة الأُمّة، وبطبيعة الحال كان على الإمام الحسين علیه السلام أن يلبّي تلك الأصوات، وأن يُعلن جهراً مخالفته ليزيد الطاغي، ومن جهةٍ أُخرى أنّه علیه السلام كان عالماً بمصيره، وأنّ غصن الإسلام سيشتدّ عوده بالتضحية في سبيل الدين، ومن الواضح أنّ علم الإمام بشهادته لا يمنعه من العمل بتكليفه.
وبهذا ألقى الإمام الحسين علیه السلام الحجّة الكاملة على دُعاة الإصلاح والثورة ضدّ الظلم والجور، وقد كان الإمام علیه السلام عالماً بأنّ إحياء الدين والسنّة النبوية لا يمكن إلّا من خلال التضحية والشهادة في سبيل الله تعالى.
إنّ هذين العلمين يعتقدان: أنّه لو بقي بنو أُميّة على حالهم، واستمروا بأعمالهم وأساليبهم الخاصّة، ولو لم تكن ثورة الإمام الحسين علیه السلام وشهادته مع أصحابه وإخوته وأبنائه، لسار أمر الإسلام والمسلمين إلى المجهول، فالإمام الحسين علیه السلام جعل نفسه وأصحابه طعمةً للموت؛ حتى يحفظ الدين والإسلام من الموت المحتّم.
ذُكرت عدّة أدلّة وشواهد على نظرية الشهادة، نذكرها ضمن النقاط التالية:
1- ذكر الطبري في تاريخه، عن أبي مخنف، في قصة زهير بن القين ولقائه بالإمام علیه السلام : أنّ زهيراً بعد أن رجع من لقائه بالإمام علیه السلام قال لأصحابه: «مَن أحبّ منكم أن يتبعني وإلّا فإنّه آخر العهد، إنّي سأحدّثكم حديثاً: غزونا بلنجر ففتح الله علينا وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الباهلي: أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من المغانم؟ فقلنا: نعم. فقال لنا: إذا أدركتم شباب آل محمد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم بما أصبتم من الغنائم، فأمّا أنا فإنّي أستودعكم الله، قال: ثمّ - والله - ما زال في أول القوم حتى قُتل»(1).
إنّ زهير بعد رجوعه من الحجّ التقى الإمام في الطريق، وتغيّر بشكلٍ مذهل، بحيث ودّع زوجته ومرافقيه حينما وصل خيمته؛ الأمر الذي يدلّ على أنّ الإمام وعده بالجنة والشهادة في طريق الله.
1) 42. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص299.
2- لمّا وصل خبر استشهاد مسلم بن عقيل في الثعلبية، وخبر استشهاد عبد الله بن يقطر - الأخ الرضاعي للإمام علیه السلام - في زبالة لم يثنِ الحسين علیه السلام من المسير، وقال: «قد خذلنا شيعتنا، فمَن أحبّ أن ينصرف فلينصرف، ليس عليه منّا ذمام»(1).
3- ما حدث في وادي عقبة، وقول رجل من قبيلة عكرمة للإمام علیه السلام في خصوص ذهابه إلى الكوفة: «أُنشدك الله لما انصرفت، فو الله، ما تَقدِمُ إلّا على الأسنّة وحدّ السيوف، إنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال، ووطّأوا لك الأشياء فقدمت عليهم لكان ذلك رأياً، فأمّا على هذه الحال التي تذكرها، فلا أرى لك أن تفعل. فقال الإمام علیه السلام له: إنّه لا يخفى عليَّ ما ذكرت ولكن الله لا يُغلب على أمره»(2). وهذا النصّ حديث عن الشهادة لا تأسيس حكومة.
4- ينقل ابن الأثير في كامله: «فإذا هو(الحسين علیه السلام ) بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة... فقال لهم الحسين: أخبروني خبر الناس خلفكم، فقال له مجمع بن عبيد الله العامري وهو أحدهم: أمّا أشراف الناس فقد أُعظمت رشوتهم، ومُلئت غرائرهم، فهم ألبٌ واحد عليك، وأمّا سائر الناس فقد أُعظمت قلوبهم تهوي إليك، وسيوفهم غدا مشهورة عليك. وسألهم عن رسوله قيس بن مُسهَّر، فأخبروه بقتله وما كان منه، فترقرقت عيناه بالدموع، ولم يملك دمعته، ثمّ قرأ: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا»(3).
5- ينقل الشيخ المفيد (رض) في رواية سالم بن حفص: «قال عمر بن سعد للحسين علیه السلام : يا أبا عبد الله، إن قِبَلَنا ناساً سفهاء يزعمون أنّي أقتلك. فقال له الحسين علیه السلام : إنّهم ليسوا
بسفهاء، ولكنّهم حلماء، أما إنّه يقرّ عيني ألّا تأكل برّ العراق بعدي إلّا قليلا»(1). فمن هذا يعلم أنّ الإمام علیه السلام سيُستَشهد، وأنّ القاتل للحسين علیه السلام هو عمر بن سعد أمرٌ معروف بين الناس.
6- وفي خطبةٍ للحسين علیه السلام بمكة المكرمة في الثامن من ذي الحجة بين أهله وأصحابه، قال: «خُطّ الموت على وُلد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخِيرَ لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلاء، فيملأنّ منّي أكراشاً جوفا، وأجربةً سغبا، لا محيص عن يومٍ خُطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفّينا أجور الصابرين... مَن كان باذلاً فينا مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإنّي راحلٌ مصبحاً إن شاء الله»(2).
وهذه الكلمات - كأنّي بأوصالي تقطّعها... نصبر على بلائه... مَن كان باذلاً فينا مهجته - تدلّ بوضوح على علم الإمام علیه السلام بمقتله.
7 - قال الإمام السجاد علیه السلام : «خرجنا مع الحسين علیه السلام فما نزل منزلاً ولا ارتحل منه إلّا ذكر يحيى بن زكريا وقتله، وقال يوماً: ومن هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريا علیه السلام أُهديَ إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل»(3). ويُعلم من هذا النصّ أنّ الإمام الحسين علیه السلام في صدد إعداد أهل بيته وأصحابه للشهادة، وهذا لا يتلائم مع تأسيس الحكومة أبداً.
8 - إنّ الحسين علیه السلام قد استرجع ثلاث مرات، وقال لابنه علي الأكبر علیه السلام : «يا بني،
إنّي خفقت برأسي خفقةً، فعنّ لي فارسٌ على فرس وهو يقول: القوم يسيرون، والمنايا تسري إليهم، فعلمت أنّها أنفسنا نُعيت إلينا»(1).
9- قول الإمام علیه السلام في لقائه مع الحر بن يزيد: «فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً»(2).
لقد حازت نظرية الشهادة قبولاً كبيراً في الأوساط العلمية، و ذُكر لها عدّة أدلّة وشواهد تعرّضنا لها مسبقاً، بَيدَ أنّه لا يمكن قبول هذه النظرية إلّا بمتمّمٍ، وهو عبارة ذُكرت في زيارة الإمام الحسين علیه السلام وهي: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة»(3).
فإنّ العبارة تدلّ بوضوح على أنّ الأُمّة الإسلاميّة مع قلّة الفاصل الزمني بينها وبين رحيل النبي صلی الله علیه و اله إلّا أنّها تعرّضت للضلال والتحريف، والتيَّه والنسيان؛ إذ صار أفسد الناس حكّاماً يتسلّطون على رقاب المسلمين، ويجلسون مجلس رسول الله صلی الله علیه و اله ، وهذه الجهالة والحماقة هي السبب الذي في ظلّه يمكن تحريف الدين، وتعطيل أحكامه وحدوده، فإنّ السبب في بؤس وتخلّف الأُمّة، هو ابتعادهم عن أحاديث رسول الله صلی الله علیه و اله ، وتركهم أقواله، فاستولى خلفاء الجور عليهم لعشرات السنين؛ كما قال الإمام الحسين علیه السلام : إنّ الأُمّة لِتخلّفها عن تعاليم رسول الله صلی الله علیه و اله ابتلاها الله بأسوأ منها، كيزيد بن معاوية.
وفي هذا المضمار ذكر صاحب الفتوح: أنّ بسر بن أرطاة، قد سبى نساء المسلمين،
وكشف عن سيقانهن؛ لغرض إغراء الناس بشرائهنّ(1).
وقال سيد قطب عند تعرّضه لفتوحات معاوية: «قد تكون رقعة الإسلام قد امتدّت على يدي معاوية ومَن جاء بعده، ولكن روح الإسلام قد تقلّصت وهُزمت، بل انطفأت، فإن يهشّ إنسان لهزيمة الروح الإسلاميّة الحقيقية في مهدها، وانطفاء شعلتها بقيام ذلك المُلك العضوض، فتلك غلطة نفسيّة وخُلقية لا شكّ فيها»(2).
فلم يبقَ من الإسلام إلّا رسمه، وقد ذكر هذا المعنى أنس بن مالك، فقال: «ما أعرف شيئاً ممّا كان على عهد النبي. قيل: الصلاة. قال: أليس ضيّعتم ما ضيّعتم فيها؟!»(3).
وقريب منه ما ذكره معاوية بن قرّة؛ حيث قال: «أدركت سبعين من الصحابة، لو خرجوا فيكم اليوم، ما عرفوا شيئاً ممّا أنتم فيه»(4).
وينقل ابن أبي الحديد في شرحه: أنّ معاوية قال للمغيرة بن شعبة: أُقسم بالله لأدفن اسم محمد ما دمت حيّاً(5).
ومن كلمات البيهقي - في جواب مَن قال: إنّ معاوية قد خرج عن الإيمان؛ لمحاربته علي بن أبي طالب علیه السلام - قال: «إنّ معاوية لم يدخل في الإيمان حتى يخرج منه، بل خرج من الكفر إلى النفاق في زمن رسول الله صلی الله علیه و اله ، ثمّ رجع إلى كفره الأصلي بعده»(6).
وكانت الأُمّة آنذاك ترى نفسها ملزمة بطاعة الشيطان لا طاعة الرحمن «ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا
1) 52. البلاذري، أحمد بن يحيى، فتوح البلدان: ج2، ص433.
2) 53. سيد قطب، كُتب وشخصيات: ص236، وص253، نقلاً عن كتاب معالم الفتن: ج2، ص458.
3) 54. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج1، ص134.
4) 55. الذهبي، محمد بن أحمد،سير أعلام النبلاء:ج5،ص145.
5) 56. اُنظر: ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج5، ص129.
6) 57. الطبري، الحسن بن محمد، كامل بهائي(بالفارسية): ج2، ص204.
الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله»(1).
إنّ هذه العبارة وإن كانت تُشير إلى حكّام ذلك الزمان، لكنّ الناس آنذاك قبلوا هذا المنهج، بل كان في شيوعٍ واتّساع.
وفي عبارةٍ أُخرى للإمام الحسين، قال علیه السلام في ذي حسم: «ألا ترون أنّ الحقّ لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله مُحقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة»(2). وإن أشار علیه السلام في الذيل إلى الشهادة، لكن هذه الإشارة بسبب ما ذكره علیه السلام في أوّل الكلام من: «أنّ الحقّ لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه... لا أرى الموت إلّا شهادة». فذكر الشهادة.
وفي نصٍّ آخر يقول علیه السلام : «فلعمري، ما الإمام إلّا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحقّ، والحابس نفسه على ذات الله»(3).
وهنا يُثار تساؤل، وهو: ما هي الضرورة التي دعت الإمام علیه السلام أن يُبيّن حقيقة الإمام وخصائصه؟ فهل يُعدّ ذلك رفضاً منه علیه السلام ليزيد وأتباعه؟ أو كان يجول في خاطره الشريف شيئاً مهمّاً غير ذلك، كأن تكون الأُمّة قد وصلت إلى مرتبة من الانحطاط والضياع، بحيث فقدت القدرة اللازمة على تمييز الإمام الحق من غيره؛ مما دعا الإمام علیه السلام أن يُبيّن خصوصيات الإمام؟
لقد أضحت الأُمّة في سباتٍ عميق، وغطّت عقولها جهالةٌ ظلماء صمّاء، ووقعت في التيّه والضلال، وتركت الواجبات، وارتكبت المحرمات، وفي مثل تلك الظروف لا سبيل لإيقاظ الأُمّة وانتشالها من الجهل والضلال إلّا أن يتقدّم الإمام علیه السلام وصحبه،
ويضحّي بدمه الشريف لإيقاظ الأُمّة، بل كُلّ الأُمم إلى يوم القيامة، وقد نال بهذه التضحية مقاماً ووساماً لم ينله أحدٌ من قبل.
وعلى هذا؛ فمَن ذهب إلى أنّ خروج الإمام علیه السلام كان لأجل الشهادة بهذا المعنى، أي: إنّه علیه السلام كان طالباً للشهادة لإيقاظ الأُمّة لا لنفس الشهادة؛ فهو مصيبٌ في رأيه.
وبهذا؛ تكون النتيجة والهدف من وراء هذا الخروج ليس استلام السلطة، أو القضاء على حكومة يزيد، أو الشهادة بما هي هدف، بل الهدف هو إحياء الأُمّة وإرواء أوردتها الجافّة؛ فإنّ الإسلام عاد هشّاً مُفرّغاً من قيمه السامية، وفاقداً للروح الحقيقية، فكيف لمثل هكذا دين أن يستمرّ ويكون ديناً عالمياً؟! وكيف يمكن تصوّر ختم النبوّة في ظلّ هكذا شريعة؟! وكيف للقرآن أن يكون حيّاً ومَعيناً لا ينضب لحياة الناس والمجتمعات البشرية؟! وكيف تُفتح أبواب السعادة والهداية للأجيال القادمة؟! فإنّ هذا النوع من الإسلام جعل الناس أسوء حالاً ممّن عاش زمن الجاهلية! بل أرجع الناس إلى ما قبل ألف سنة من نزول الوحي وتشريع الديانات السماوية.
يترتب على نظرية الشهادة بمعناها المتقدّم عدّة أُمور:
أولها: يتّضح مما تقدّم أنَّ خروج الإمام علیه السلام من الواجبات الدينيّة الأساسيّة، ولم يكن خروجاً ندبياً بحيث يمكن تركه؛ ولذا لا يمكن قبول ما يُنقل ويُشمّ منه أنّ الإمام علیه السلام أراد الانصراف والتراجع عن حركته، فإن وُجد مثل ذلك في النصوص يجب حمله على أنّ الحسين علیه السلام أراد بذلك إلقاء الحجة على الأعداء، وليُثبت للبشرية أنّ معاوية واتباعه ويزيد وأنصاره ماذا صنعوا بهويّة الناس، بحيث خالفوا كُلّ
القوانين العرفية والإنسانية! وهذه المهمّة كانت على مستوى من الأهمية؛ بحيث تُعدّ مهمّة إقامة الدولة ومحاربة الظالم قياساً بها من صُغريات تلك المهمّة العظمى، فإنّه في ظلّ إيقاظ الأُمّة يتجسّد معنى الحكومة العادلة ومحاربة الظلم، وفي ظلّ هذا الإيقاظ تتجوهر الأحكام ويصبح لها معنى.
ثانيها: النتيجة الأُخرى التي تظهر من هذا التحليل هي: أنّ إمامة الأُمّة تحمل على عاتقها مسؤولية قِبال الأُمّة، تتمثّل في إيقاظها من سباتها، وإخراجها من غفلتها، وأنّ الإمام لا بدّ أن يقف جادّاً بوجه انجراف الأُمّة صوب الانحراف واللامبالاة والغفلة، وهذه الخصائص يتمتّع بها الفكر الديني، خاصّةً في القاموس الشيعي الذي حمل أئمّته وقادته ذلك الفكر طوال التاريخ.
ثالثها: في ظلّ هذا التحليل تكتسب مسألة إقامة العزاء - إلى قيام الساعة - مفهوماً ومعنًى آخر غير ما عُهد، من أنّه تعظيمٌ لشعائر الله؛ لكونه مصداقاً لقوله تعالى: «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ»(1). ومع غضّ النظر عن الثواب الجزيل للبكاء والجزع على سيد الشهداء علیه السلام بل سيكون العزاء ردّاً لذلك الجميل - من التضحية والفداء - الذي قدّمه الإمام الحسين علیه السلام وأهل بيته وصحبه لإحياء الدين وإيقاظ الأُمّة، وإنّ ما اكتسبته الأُمّة الإسلاميّة طوال التاريخ من مناهضة الظلم والجور، والوقوف أمام الظالمين هو ببركة تلك النهضة.
إنّ للحسين علیه السلام حقّاً عظيماً على الأُمّة لا يُنسى إلى يوم الدين.
رابعها: لا يُتصوّر طريق في مثل هذه النهضة لإيقاظ الأُمّة إلّا الشهادة، فلا شيء له الأثر في ذلك إلّا الشهادة، التي تُحيي القلوب المظلمة والمنكفئة، وتقيم الأفكار المنحرفة والملوّثة، ولا يخفى على أحد في هذه الثورة أنّ الأمر المحتّم والقضاء المبرم
1) 61. الحج: آية32.
الذي لا يمكن دفعه هو الشهادة، ولا حاجة في ذلك للعلم اللّدنّي، الذي هو من خصائص المعصوم علیه السلام ، فالكلّ يعلم أنّ مصير أمثال هذه الثورات هو الشهادة، وكلّ مصلحٍ يريد الثورة لا بدّ أن يُوطّن نفسه على الشهادة.
وما ينبغي أن يخضع للبحث والتحليل في الآراء والاتجاهات التي ذكرناها في بداية البحث في تفسير هدف الثورة الحسينية هو: أنّ أبا عبد الله الحسين علیه السلام هل تحرّك بقصد إقامة حكومة إسلامية؟ وهل تشكيل الحكومة كان مطروحاً في هذه النهضة العظيمة أو لا؟
هناك مَن ذهب إلى أنّ هدف الإمام الحسين علیه السلام من ثورته المباركة تشييد أركان حكومة عادلة تطبّق الإسلام، وتقيم حدود الله، فالأمر الذي سعى إليه الإمام هو إقامة حكومة إسلامية، وقد ذُكرت عدّة أدلّة من أجواء النهضة الحسينية لتأييد هذه النظرية.
من المناسب أن نتعرّض لبعض النصوص التي يُستدلّ بها على نظرية الحكومة، ونضعها في ميزان التحليل؛ لنرى مدى دلالتها على المدّعى، وفيما يلي جملة من تلك الأدلّة:
1- ما قاله الإمام الحسين علیه السلام لوالي المدينة: «أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجلٌ فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلنٌ بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نُصبح وتُصبحون،
وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة»(1). وفي هذا النّص نرى أنّ الإمام علیه السلام يمتنع من مبايعة يزيد، وأنّ الخلافة لا تجوز ليزيد، وأنّ الإمام علیه السلام هو أوْلى بها.
2- إنّ الإمام الحسين علیه السلام عند لقائه بمروان بعد ما استرجع قال: «على الإسلام السلام؛ إذ قد تبليت الأُمّة براعٍ مثل يزيد، ولقد سمعت جدّي رسول الله صلی الله علیه و اله يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه. وقد رآه أهل المدينة فلم يبقروا؛ فابتلاهم الله بيزيد الفاسق»(2).
3- قال علیه السلام في نصٍّ آخر: «وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي صلی الله علیه و اله ، أُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب علیه السلام ، فمَن قبلني بقبول الحقّ فالله أوْلى بالحقّ، ومَن رد عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين»(3).
4- كتب علیه السلام إلى وجهاء البصرة: «ونحن نعلم أنّا أحقّ بذلك الحقّ المستحقّ علينا... وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه صلی الله علیه و اله ، فإنّ السنَّة قد أُميتت، وإنّ البدعة قد أُحييت، وإن تسمعوا قولي وتُطيعوا أمري أهدِكم سبيل الرشاد»(4).
5- وفي كلام له علیه السلام لأهل الكوفة، قال: «فلعمري، ما الإمام إلّا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحقّ، والحابس نفسه على ذات الله»(5).
1) 62. ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص17.
2) 63. اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص326. الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج5، ص17.
3) 64. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص329 - 330.
4) 65. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص266.
5) 66. المصدر السابق: ص262.
إنّ نظرية الحكومة بالمعنى المتقدّم يمكن أن تُناقَش من ناحية ثبوتية وإثباتية، نقدّم فيما يلي مناقشات على كلا المستويين:
1- المناقشة الثبوتية: لو أخذنا بنظر الاعتبار الظروف الحاكمة في ذلك الوقت، من حيث وجود السلطة الحاكمة وولاتها، وضعف الإيمان الذي ابتُليت به الأُمّة آنذاك، فهل من الممكن التحرّك لإقامة حكومة؟ أم أن الشواهد التاريخية تُبيّن أن معاوية قد مسخ عقائد الناس واستحوذ عليهم؛ بحيث استطاع - على خلاف ما كان يتوقعه - أن يأخذ البيعة ليزيد بسهولة، هذا من جهة.
ومن جهةٍ أُخرى: إنّ الإمام علیه السلام كان واقفاً على حقيقة أهل الكوفة، وصنيعهم بأبيه وأخيه علیهما السلام من قبل، وعالماً بما سيأول إليه الأمر في مواجهته لدولة بني أُميّة، بل كذلك هناك شخصيات، أمثال ابن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهما - حتى قبل وصول خبر مقتل مسلم بن عقيل علیه السلام - كانوا على علمٍ بمصير الثورة وما يأول إليه الأمر، أضف إلى ذلك أنّ تشكيلة وهيئة الركب الذي خرج به الحسين علیه السلام لم يكن مناسباً لإقامة الدولة.
وعلى هذا - مع غضّ النظر عن علم الإمام علیه السلام بشهادته - يمكن أن يُقال: إنّ احتمال إقامة الدولة غير ممكن ثبوتاً، وإذا لاحظنا الطريقة التي رسمها الحسين علیه السلام لخروجه منذ البداية، لاتّضح لنا بجلاء، أنّ هذه النهضة لم تستهدف إقامة الدولة أبداً؛ وحينئذٍ لا حاجة لإقامة الأدلة والشواهد على إثبات ذلك.
2- المناقشة الإثباتية: ولو تنزّلنا جدلاً وقلنا بإمكان إقامة الدولة الإسلاميّة في ذلك الوقت ثبوتاً، فإنّه من الناحية الإثباتية لا شاهد ولا قرينة تؤيّد ذلك، ولم نجد في الكلمات والنصوص الحسينية ما يدل أو يُشعر بأنّ الإمام علیه السلام كان يهدف إلى إقامة
دولة إسلامية في ثورته.
نعم، كلماته علیه السلام تُصرِّح بأنّه هو الأوْلى بالخلافة من غيره، وهذا لا يعني أنّه خرج لذلك.
وأمّا النّصوص المتقدّمة فيمكن مناقشتها بما يلي:
أمّا النّص الأوّل، فلا دلالة فيه على أنّ الهدف الذي قام من أجله هو السلطة والخلافة.
وبقيّة النّصوص المتقدّمة لا دلالة فيها على أنّ الإمام الحسين علیه السلام قد دعا الناس إلى إقامة الدولة، وعلى الرغم من أنّه علیه السلام قد صرّح أكثر من مرّة: «أنّه أحقّ بالخلافة من غيره، وأنّ الخلافة حقّه». ولكنّه علیه السلام لم يسعَ لاستلام السلطة.
نعم، إنه علیه السلام دعا الناس إلى كتاب الله وإحياء سنّة نبيه صلی الله علیه و اله ، وإنّ السنَّة قد أُميتت، وعلى المسلمين إحياء هذه السنَّة، بمواجهة السلطة الظالمة.
وأمّا النص الأخير، فقد تعرّض الإمام علیه السلام فيه لبيان حقيقة الإمام، والإمامة وشروطهما، وهذا لا يعني أنّ ثورته كانت لأجل الوصول إلى ذلك الهدف.
ومن الممكن أن يدّعي بعض أنّ من شؤون الإمامة بيان الأحكام والحفاظ على الشريعة من التحريف، وهذا بطبيعة الحال يقتضي أن تسعى تلك النهضة للوصول إلى السلطة، أوقُل - على الأقل -: إنّ تَسلُّم السلطة هو أحد أهداف وغايات تلك النهضة.
فيُقال في جواب ذلك: إنّ البحث ليس في ما تقتضيه الإمامة وشؤونها، بل الكلام في استنتاج هدفٍ كهذا من هذه النهضة وعدمه، فلا يمكن الوقوف من خلال النّصوص الحسينية - لا من قريب ولا من بعيد - على أنّ الإمام الحسين علیه السلام كان يسعى من خلال تلك النهضة الخالدة أن يُقيم الدولة الإسلاميّة.
السيّد محمّد الشوكي(1)
اطّلعنا في القسم السابق من هذه المقالة على طبيعة الموقف الحسينيّ في زمان معاوية بن أبي سفيان، وقد عرفنا أنَّ الإمام الحسين علیه السلام لم يكن يُفكِّر في الثورة المسلحة على معاوية للأسباب التي ذكرناها هناك، وأنّه كان يقود خطَّ المعارضة السياسيّة، وكان يُرجئ الثورة إلى ما بعد معاوية، إذ ستكون الظروف مُعدّة أكثر لذلك. ونريد في هذا القسم الرابع أن نُسلِّط الضوء على الاستعدادات التي قام بها الإمام أبو عبد الله علیه السلام لتهيئة الأُمّة وتعبئتها لمرحلة ما بعد معاوية بن أبي سفيان.
1) 67. باحث وكاتب إسلامي.
يُدرك الإمام الحسين علیه السلام أنّ المواجهة مع الخطِّ الأُمويّ قادمة، بل حتميّة، ليس من خلال الأحاديث الكثيرة التي تلّقاها من المصطفى صلی الله علیه و اله فقط، بل كذلك من خلال مسؤوليته عن دين جدّه المصطفى صلی الله علیه و اله وأُمته، التي يُشكّل المشروع الأُموي تهديداً جدّياً لها، فإذا قُدِّر لهذا المشروع أن يستمرّ بقيادة يزيد بن معاوية بلا مواجهة فعلى الإسلام السلام، كما قال هو علیه السلام في كلمته المعروفة لمروان بن الحكم: «وعلى الإسلام السلام إذا بُليت الأُمّة براعٍ مثل يزيد»(1).
إنّ كلمات جدّه المصطفى صلی الله علیه و اله لا زالت حاضرة في ذاته المقدّسة وهو يقول: «إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلاً اتّخذوا دين الله دغلاً، ومال الله دولاً، وعباد الله خولاً»(2). وفي نصٍّ آخر: «إذا بلغت بنو أُمية أربعين، اتّخذوا عباد الله خولاً، ومال الله نحلاً، وكتاب الله دغلاً»(3). فإنّه لن يسكت عنهم وهم يتلاعبون بالدين الحقّ، ويستعبدون الأُمّة الإسلاميّة، ولئن لم تُتِح له الظروف مواجهة ذلك في زمان معاوية فإنّه سيقوم بذلك في زمان يزيد.
قضيّة أُخرى توجب حتميّة المواجهة، وهي أنّ الإمام الحسين علیه السلام يعلم أنَّ بني أُميّة ليسوا بتاركيه أبداً إن لم يبايع ويسكت سكوت الجدار، بل حتى مع سكوته سوف لن يتركوه، فوجوده نفسه سوف يُعدَّ تهديداً لشرعيّة يزيد بن معاوية، وهذا ما عبّر عنه علیه السلام بعد ذلك في أكثر من موقف، فنراه - مثلاً - يقول لعمرو بن لوذان:
«والله، لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي»(1). وفي نصٍّ آخر أنّه قال لابن الزبير: «وايمُ الله، لو كنت في جُحْر هامّة من هذه الهوامّ لاستخرجوني حتى يقضوا فيَّ حاجتهم، ووالله ليعتدُنّ عليَّ كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت»(2).
إذن؛ لن يتركوه حتى يستلّوا روحه، وإذا كان ذلك سيقع على كُلّ حال فمن الجدير به أن ينهض لمواجهتهم، بدل أن يقتلوه على فراشه من دون أيّ ثمرة.
فالمواجهة قادمة لا محالة، فلا بدّ من إعداد الأُمّة لذلك، وخصوصاً قاعدته الشعبية التي كانت تطالب بقدومه كثيراً في زمان معاوية، وكان يرجئها إلى ما بعد موته، وقد عرفنا في مقال سابق أنّ لقاءات الإمام الحسين علیه السلام بالنّاس واجتماعاته بالناشطين منهم قد كثرت في سنيّ معاوية الأخيرة حتى اضطرّت السلطات في المدينة إلى التدخّل ومنع النّاس من اللقاء بالإمام الحسين علیه السلام ؛ لأنّها شعرت بخطر جِدِّي وراء هذه الاجتماعات، فقد روى البلاذري أنّ الوليد بن عتبة والي المدينة - الذي تولّاها في أُخريات حياة معاوية، وظلّ والياً عليها لما بعد معاوية - حاول منع النّاس من الوصول إلى الإمام الحسين علیه السلام فوقف الإمام بوجهه قائلاً: «يا ظالماً لنفسه، عاصياً لربِّه، عَلامَ تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقّي ما جهلتَه أنت وعمّك؟»(3).
ولكنّ الحدث الأبرز في تعبئة سيد الشهداء علیه السلام للناس وتخطيطه للمرحلة القادمة - عدا ما تضمَّنته تلك اللقاءات والاجتماعات - هو المؤتمر الذي عقده في مكّة المكرّمة قبل وفاة معاوية بسنتين، وهو مؤتمر مهمّ جداً من حيث الزمان والمكان وطبيعة المدعوّين والحاضرين، وهذا ما سنركِّز عليه قليلاً فيما يأتي.
روى بعض المؤرِّخين(1)أنّ الإمام الحسين علیه السلام قبل موت معاوية بسنتين عقد اجتماعاً مهمّاً واستراتيجياً في زمانه ومكانه وطبيعة حضوره والكلام الذي قيل فيه.
أمّا بالنّسبة إلى زمان الاجتماع، فقد عُقِد في يوم الأضحى المبارك وهو اليوم الذي يجتمع فيه المسلمون، وأمّا من حيث المكان، فإنّه عُقد في مكّة المكرّمة وفي صحراء مِنى بالذات؛ ممّا يُعطي للاجتماع بُعداً إعلامياً كبيراً، فلم يُعقَد سرّاً بين جدران أربعة، وإنّما عُقد في جوٍّ مكشوف وعلى مَقرُبةٍ من الحشود الجماهيريّة الكبيرة.
وأمّا بالنسبة إلى الحضور، فقد كان مميّزاً من ناحية العدد والنوعية، فمن حيث العدد حضر هذا الاجتماع - بصفة رسمية - ألف أو يزيدون، بحسب رواية الطبرسي في الاحتجاج، وبحسب رواية سُليم سبعمائة، بالإضافة إلى غير المدعوّين من المحيطين بذلك الاجتماع أو الذين تناهت إليهم وقائعه.
ومن حيث نوعية الحضور، فلم تقتصر على شريحة معيّنة، وإنّما ضَمّت كُلّ شرائح المجتمع الإسلامي وأطيافه من المهاجرين والأنصار، والأحرار والمَوالي، والرجال والنساء، والصحابة والتابعين. جاء في الاحتجاج: «فلمّا كان قبل موت معاوية بسنتين حجّ الحسين بن علي علیهما السلام ، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس. وقد جمع الحسين علیه السلام بني هاشم، رجالهم ونساءهم، ومواليهم وشيعتهم، مَن حجّ منهم ومَن لم يحجّ، ومن الأنصار ممَّن يعرفونه، وأهل بيته، ثمَّ لم يدْع أحداً من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و اله ومن أبنائهم والتابعين ومن الأنصار المعروفين بالصلاح والنُّسك إلّا جمعهم، فاجتمع عليه بمِنى أكثر من ألف رجل، فقام فيهم خطيباً»(2).
يقول السيّد محمّد رضا الجلالي في هذا الصدد: «يمكن اعتبار اجتماع مِنى هذا العظيم موقفاً سياسياً هامّاً من وجهين:
1- أنّه تظاهرة كبيرة تجمع عدداً كبيراً من ذوي الشهرة والوجهاء المعروفين بين الأُمّة، بحيث لا يمكن إغفال أثرها ولا منع النّاس من التساؤلات حولها.
2- أنّه أكبر مجلس يضمّ أصحاب الرأي من رجالات الأُمّة وشخصيّاتها، ممَّن له الحقّ في إبداء الرأي وسَنِّ القانون، وهم النُّخبة المقدّمة من أهل الحَلّ والعقد، ومن جميع القطاعات الفاعلة في المجتمع الإسلامي وهم: العلويون، والصحابة - المهاجرون والأنصار - والتابعون، ومن النساء، وطبقة الأبناء، وطبقة الموالي. بحيث يمكن أن يُعتبر ذلك (استفتاءً شعبياً عامّاً) من خلال وجود ممثلين لكُلّ طبقات الشعب المسلم.
وتبدو الحكمة والحنكة في انتخاب الزمان والمكان لعقد ذلك المجمع العظيم، فأرض مِنى المفتوحة الواسعة - وهي جزء من الحرم - تسع لمثل هذا الاجتماع العظيم في ساحة واحدة، وفي وسط كُلّ الوافدين عليها من الحُجّاج المؤدّين للواجب، أو غيرهم القائمين بأعمال أُخرى. واجتماع رهيب مثل ذلك لا يخفى على كُلّ الحاضرين في تلك الأرض المفتوحة، وبذلك ينتشر الخبر ولا يُحصر بين الأبواب المغلقة أو جدران مكان خاص.
ولا بدّ أن يكون الاجتماع في زمان الحضور في مِنى وهو يوم العيد الأكبر - يوم الأضحى - العاشر من ذي الحجّة فما بعد، إذ على الجميع - النّاسكين والعاملين معهم - الوجود على أرض مِنى لأداء مناسكها أو تقديم الخدمات إلى الوافدين.
وفي انتخاب مثل هذا المكان في مثل ذلك الزمان - مع نوعية الأشخاص المنتخبين للاشتراك في هذا الاجتماع - دلالات واضحة على التدبير والاهتمام البليغ الذي كان
يوليه الإمام لهذا الموقف»(1).
وأمّا بالنسبة إلى طبيعة الكلام الذي دار فيه، فسنذكر تمام الخطبة التي رُوي أنّ الإمام الحسين خطبها في هذا الحشد الجماهيريّ الواسع، ثمَّ نُعلِّق عليها. وهذه الخطبة قد رُويت مقاطع منها في كتاب سُليم بن قيس الهلالي، وكتاب الاحتجاج للطبرسي، وكتاب تُحَف العقول للحرّاني، وقد قام المحقق الشيخ محمد صادق النجمي بجمع هذه الخطبة وتحقيقها وطبعها، وسنعتمد في نقل النصّ على ما أثبته في تحقيقه هذا. وإليك نصّ الخُطبة:
«أمّا بعد، فإنّ هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم. وإنّي أريد أن أسألكم عن شيءٍ، فإن صدقتُ فصدّقوني، وإن كذبتُ فكذّبوني. اسمعوا مقالتي واكتبوا قولي، ثمَّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم، فمَن أَمنتم من النّاس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقِّنا. فإنِّي أتخوّف أن يُدرَس هذا الأمر، ويذهب الحقّ ويُغلب «يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ».
أُنشِدُكم الله، أتعلمون أنّ عليّ بن أبي طالب كان أخا رسول الله صلی الله علیه و اله حين آخى بين أصحابه، فآخى بينه وبين نفسه، وقال: أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة؟ قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أُنشِدُكم الله، هل تعلمون أنَّ رسول الله صلی الله علیه و اله اشترى موضع مسجده ومنازله فابتناه، ثمَّ ابتنى فيه عشرة منازل، تسعة له، وجعل عاشرها في وسطها لأبي، ثمَّ سدّ كُلّ باب إلى المسجد غير بابه، فتكلّم في ذلك مَن تكلّم، فقال: ما أنا سددت أبوابكم وفتحت بابه، ولكنّ الله أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه، ثمَّ نهى النّاس أن يناموا في المسجد غيره، وكان يُجْنِبُ في المسجد ومنزله في منزل رسول الله صلی الله علیه و اله فوُلِدَ لرسول الله صلی الله علیه و اله وله فيه أولاد؟
1) 76. الجلالي، محمد رضا، الإمام الحسين علیه السلام سماته وسيرته: ص104.
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أفتعلمون أنّ عمر بن الخطّاب حرص على كوّة قدر عينه يدعها في منزله إلى المسجد فأبى عليه، ثمَّ خطب فقال: إنَّ الله أمرني أن أبني مسجداً طاهراً لا يسكنه غيري وغير أخي وبنيه؟
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أُنشِدُكُم الله، أتعلمون أنّ رسول الله صلی الله علیه و اله نصّبه يوم غدير خم، فنادى له بالولاية، وقال: ليُبلِّغ الشاهدُ الغائبَ؟
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أُنشِدُكم الله، أتعلمون أنَّ رسول الله صلی الله علیه و اله قال له في غزوة تبوك: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وأنت وليّ كُلِّ مؤمن بعدي؟
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أُنشِدُكم الله، أتعلمون أنّ رسول الله صلی الله علیه و اله حين دعا النَّصارى من أهل نجران إلى المباهلة لم يأتِ إلّا به وبصاحبته وابنيه؟
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أُنشِدُكم الله، أتعلمون أنّه دفع إليه الْلِّواءَ يوم خيبر، ثمَّ قال: لأدفعه إلى رجل يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله، كرّار غير فرّار، يفتحها الله على يديه؟
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أتعلمون أنّ رسول الله بعثه ببراءة، وقال: لا يبلِّغ عنّي إلّا أنا أو رجل منّي؟
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أتعلمون أنّ رسول الله صلی الله علیه و اله لم تنزل به شدّة قطّ إلّا قدّمه لها ثقةً به، وأنّه لم يَدْعُه باسمه قطّ إلّا يقول: يا أخي، وادعوا لي أخي؟
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أتعلمون أنّ رسول الله صلی الله علیه و اله قضى بينه وبين جعفر وزيد، فقال: يا عليّ أنت منّي وأنا منك، وأنت وليّ كُلّ مؤمن بعدي؟
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أتعلمون أنّه كانت من رسول الله صلی الله علیه و اله كُلّ يوم خَلوة وكُلّ ليلة دَخلَة، إذا سأله أعطاه، وإذا سكت ابتدأه؟
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أتعلمون أنّ رسول الله صلی الله علیه و اله فضّله على جعفر وحمزة حين قال: لفاطمة علیها السلام : زوّجتك خير أهل بيتي، أقدمهم سلماً، وأعظمهم حلماً، وأكثرهم علماً؟
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أتعلمون أنّ رسول الله صلی الله علیه و اله قال: أنا سيّد وُلْد بني آدم، وأخي عليّ سيّد العرب، وفاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، والحسن والحسين ابناي سيّدا شباب أهل الجنّة؟
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أتعلمون أنّ رسول الله صلی الله علیه و اله أمره بغسله وأخبره أنّ جبرئيل يُعينه عليه؟
قالوا: اللهمّ نعم.
قال: أتعلمون أنّ رسول الله صلی الله علیه و اله قال في آخر خُطبة خطبها: إنّي تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي، فتمسّكوا بهما لن تضلّوا؟
قالوا: اللهمّ نعم.
ثمَّ ناشدهم أنّهم قد سمعوه يقول: مَن زعم أنّه يحبّني ويُبغض عليّاً فقد كذب، ليس يحبّني ويبغض عليّاً، فقال له قائل: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ قال: لأنّه منّي وأنا منه، مَن أحبّه فقد أحبّني، ومَن أحبّني فقد أحبّ الله، ومَن أبغضه فقد أبغضني، ومَن أبغضني فقد أبغض الله؟
قالوا: اللهمّ نعم، قد سمعنا...
اعتبروا أيّها النّاس، بما وَعَظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار إذ يقول: «لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ». وقال: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ » إلى قوله « لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ». وإنّما عاب الله ذلك عليهم، لأنّهم كانوا يرون من الظّلمة الّذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك؛ رغبةً فيما كانوا ينالون منهم، ورهبةً ممَّا يحذرون، والله يقول: « فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ »، وقال: «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ». فبدأ الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه؛ لعلمه بأنّها إذا أُدِّيت وأُقيمت استقامت الفرائض كُلّها هيِّنها وصعبها؛ وذلك أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع ردِّ المظالم، ومخالفة الظالم وقسمة الفيء والغنائم، وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقّها.
ثمّ أنتم أيّتها العصابة، عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وبالله في أنفس النّاس مهابة، يهابكم الشريف، ويُكرمكم الضعيف، ويؤثركم مَن لا فضل لكم عليه، ولا يد لكم عنده، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلّابها، وتمشون في الطَّريق بهيبة الملوك وكرامة الأكابر.
أَليس كُلّ ذلك إنّما نلتموه بما يُرجى عندكم مِن القيام بحقّ الله؟ وإن كنتم عن أكثر حقّه تُقصِّرون! فاستخففتم بحقّ الأئمّة، فأمّا حقّ الضّعفاء فضيّعتم، وأمّا حقّكم بزعمكم فطلبتم، فلا مالاً بذلتموه، ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها، ولا عشيرة عاديتموها في ذات الله.
أنتم تتمنّون على الله جنّته ومجاورة رُسله وأماناً مِن عذابه، لقد خشيت عليكم - أيُّها المتمنّون على الله - أن تحلّ بكم نقمة من نقماته؛ لأنّكم بلغتم من كرامة الله منزلةً فُضِّلتم بها، ومَن يَعرفُ بالله لا تُكرِمُون، وأنتم بالله في عباده تُكرَمُون. وقد ترون عهود
الله منقوضةً فلا تفزعون، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون! وذمّة رسول الله مخفورة، والعُمي والبُكم والزمنى في المدائن مهملة لا ترحمون، ولا في منزلتكم تعلمون، ولا من عمل فيها تُعينون، وبالادّهان والمصانعة عند الظلمة تأمَنوُن. كُلّ ذلك ممَّا أمركم الله به من النَّهي والتَّناهي وأنتم عنه غافلون. وأنتم أعظم النّاس مصيبةً لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون، ذلك بأنّ مجاري الأُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأُمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة وما سُلبتم ذلك إلّا بتفرُّقكم عن الحقّ واختلافكم في السُّنّة بعد البيِّنة الواضحة.
ولو صبرتم على الأذى وتحمّلتم المؤُونة في ذات الله كانت أُمور الله عليكم تَرِدُ وعنكم تصدر وإليكم ترجع، ولكنَّكم مكَّنتم الظَّلمة من منزلتكم، وأسلمتم أُمور الله في أيديهم، يعملون بالشُّبَهات، ويسيرون في الشَّهوات، سلّطهم على ذلك فرارُكم من الموت وإعجابكم بالحياة التي هي مُفارِقتُكم، فأسلمتم الضعفاء في أيديهم فمِن بَين مُستَعْبَد مقهور، وبين مُستَضْعَف على معيشته مغلوب، يتقلّبون في المُلْك بآرائهم، ويستشعرون الخزي بأهوائهم، اقتداءً بالأشرار وجرأةً على الجبّار، في كُلّ بلد منهم على منبره خطيب مصقع. فالأرض لهم شاغرة، وأيديهم فيها مبسوطة، والنّاس لهم خَوَل، لا يدفعون يدَ لامس، فمِن بين جبّار عنيد، وذي سطوة على الضَّعفة شديد، مطاع لا يعرف المبدئ المعُيد.
فيا عجباً! وما لي لا أعجب؟! والأرض من غاشٍّ غشُوم، ومتصدِّق ظَلوم، وعامل على المؤمنين بهم غير رحيم! فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا، والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا.
اللهمّ، إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحُطام، ولكن لنُري المعالم من دينك، ونُظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك،
ويُعمل بفرائضك وسُننك وأحكامك. فإنّكم إن لا تنصرونا وتُنصِفُونا قَويت الظلمة عليكم، وعَمِلوا في إطفاء نور نبيكم. وحسبنا الله وعليه توكُلّنا وإليه أنبنا وإليه المصير»(1).
أمام هذه الخطبة المُهمّة نحاول أن نورد بعض الملاحظات السريعة في نقاط، فإنّ تفصيلها بكاملها يحتاج إلى مجال لا تسعه هذه السطور.
1- في بداية هذه الخُطبة نراه علیه السلام يؤكِّد على ظلامة أهل البيت علیهم السلام وشيعتهم وما عانوه في ظّل ذلك الحكم الطاغوتي، وهو أمر كان واضحاً لدى جميع المسلمين، فلا يخفى على واحد من المسلمين ما فعله النظام الأُموي وأدواته القمعيّة بشيعة أهل البيت علیهم السلام ، ومن هنا اختصر ولم يُطنب، فقال لهم: «ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم». فلا حاجة - إذاً - لتفصيل الأفعال الطاغوتية للسلطة الأُموية؛ لأنّها واضحة للجميع آنذاك، وقد وقعت بمرأى وبمسمع منهم.
2- بعد هذه المقدّمة القصيرة يبدأ علیه السلام ببيان فضائل أهل البيت ومكانتهم في الإسلام، تلك المكانة العليا التي شادها الله ورسوله، والتي تجعلهم الأَولى والأحقّ والأجدر بتبوّء هذا المنصب الكبير في الأُمّة الإسلاميّة، تلك الفضائل التي جهد المشروع الأُموي على طمسها وإخفائها وتشويهها في أذهان المسلمين، وخصوصاً الأجيال الشابّة منهم. ولم يكتفِ بأن عرض عليهم تلك الفضائل، وإنمّا استشهدهم عليها وأقرّوا بها. وقد ركّز على حديث الغدير الذي يمثّل السند الأساس لولاية الإمام علي علیه السلام كما ركّز على حديث الثقلين الذي يؤكد مرجعية أهل البيت علیهم السلام .
3- بعد ذلك نراه علیه السلام يوجّه انتقاداً لاذعاً إلى علماء الأُمّة ووجهائها، ويندّد
1) 77. النجمي، محمد صادق، خطبه حسين بن علي علیه السلام در مِنى (باللغة الفارسية). ويلاحظ أنّ بعض نصوص هذه الخطبة رويت في بعض الكتب عن الإمام علي علیه السلام ، وقد يكون الإمام الحسين علیه السلام قد أعادها أو استشهد بها.
بسكوتهم وخنوعهم، وإقرارهم للظلم، وتركهم الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم مواجهتهم للانحرافات الكبرى التي أحدثها بنو أُمية: «ثمَّ أنتم أيّتها العصابة، عصابة بالعلم مشهورة وبالخير مذكورة وبالنصيحة معروفة وبالله في أنفس النّاس مهابة، يهابكم الشريف ويكرمكم الضعيف ويؤثركم مَن لا فضل لكم عليه... أليس كُلّ ذلك إنّما نلتموه بما يُرجى عندكم من القيام بحقّ الله؟ وإن كنتم عن أكثر حقّه تُقصّرون فاستخففتم بحقّ الأئمّة، فأمّا حقّ الضُّعفاء فضيّعتم، وأمّا حقُّكم بزعمكم فطلبتم، فلا مالاً بذلتموه، ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها، ولا عشيرة عاديّتموها في ذات الله». فعلماء الأُمّة لهم الصدارة فيها، تهابهم النّاس وإليهم تصدر وعنهم ترد، وهم أَولى النّاس بالقيام بحقّ الله تعالى ومواجهة المنكر والدفاع عن المظلومين، فسكوتهم وسكونهم وعدم استعدادهم للتضحية في سبيل الله والمخاطرة بالنفس من أجله هو الذي جرَّ على الأُمّة الويلات في زمان بني أُمية؛ وجعلهم يتحكّمون في مقدّرات البلاد ورقاب العباد، وهذا ما قرّره في كلمته السابقة.
4- ثمَّ ذكّرهم بعظيم مسؤوليتهم تجاه الأُمّة، وواجبهم التغييري تجاه الأوضاع المُزرية التي ترزح تحتها، ويستنكر عدم استعدادهم للتضّحية في سبيل التغيير، وخوفهم من الموت الذي أصابهم بهذا الشلل المقيت: «ولكنّكم مكّنتم الظلمة من منزلتكم، وأسلمتم أُمور الله في أيديهم، يعملون بالشبهات، ويسيرون في الشهوات، سلّطهم على ذلك فرارُكم من الموت وإعجابكم بالحياة التي هي مُفارِقتُكم، فأسلمتم الضُّعفاء في أيديهم فمن بين مُستَعْبَد مقهور، وبين مُستَضْعَف على معيشته مغلوب، يتقلّبون في المُلْك بآرائهم، ويستشعرون الخزي بأهوائهم، اقتداءً بالأشرار وجرأةً على الجبّار».
5- كذلك أوضح لهم أنّ هذا الاستخفاف الأُموي بوجهاء الأُمّة وعلمائها، وعدم احترامه لأيِّ رمز فيها إنّما سَببه هم لا غير، فموقفهم كان ضعيفاً ومهزوزاً؛ ممَّا جعل
الحُكّام لا يُعيرون لهم أيَّ أهمّية، ولا يحسبون لهم أيَّ حساب، ولو صبروا وتحمّلوا وواجهوا لكانت الأُمور بأيديهم لا بأيدي صبيان بني أُمية: «ولو صبرتم على الأذى وتحمّلتم المؤونة في ذات الله كانت أُمور الله عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم ترجع».
6- ثمَّ يذكّرهم بالفريضة الإلهية المنسيّة والمعطّلة (فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) تلك الفريضة التي إن أُقيمت لم يبقَ فساد ولا ظلم في ربوع المجتمع، وما هذا الفساد المنتشر والظلم المستحكم إلّا ثمرة من ثمرات تركهم لهذه الفريضة الإلهية الكبيرة والمهمة: «فبدأ الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه؛ لعلمه بأنّها إذا أُدّيت وأُقيمت استقامت الفرائض كُلّها هيِّنها وصعبها؛ وذلك أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم... كُلّ ذلك ممَّا أمركم الله به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون. وأنتم أعظم النّاس مصيبة؛ لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون».
7- ثمَّ يوضِّح لهم أنَّ الساحة لا تبقى خالية وشاغرة، فإذا لم يشغلها الصالحون وتقاعسوا عن مسؤولياتهم فسوف يشغلها الظالمون ولا شكّ: «فالأرض لهم شاغرة، وأيديهم فيها مبسوطة». وبالتالي فأيّ موقف سلبي واعتزالي من قِبل الصالحين سوف يؤدّي بالنتيجة إلى أن يملأ الفاسدون تلك المواقع في الأُمّة.
8- ثم يبيِّن لهم أخيراً أنّ أهل البيت علیهم السلام ليسوا طامعين في منصب أو كرسيّ، وليسوا من الذين تَتْوُقُ نفوسهم إلى السلطان، وإنّما كُلّ همهم هو إصلاح أمر هذه الأُمّة وتقويم مسارها وردّ المظالم لأهلها، ويكرّر كلمة أبيه أمير المؤمنين علیه السلام : «اللهمّ، إنك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحُطام، ولكن لنُري المعالم من دينك، ونُظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويُعمل بفرائضك وسننك وأحكامك».
9- ويبيّن لهم في الخاتمة أنّ تقاعسهم عن نصرة أهل البيت علیهم السلام سوف يعود بالضرر
عليهم أنفسهم - وعلى الأُمّة من بعدهم - قبل أن يرجع إلى أهل البيت: «فإنّكم إن لا تنصرونا وتنصفونا قويت الظلمة عليكم، وعملوا في إطفاء نور نبيكم. وحسبنا الله وعليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير».
10- ومِن أهمّ الفقرات في تلك الكلمة المباركة هو ما ذكره أوّلاً من دعوته للمجتمِعين بأن ينتشروا في الأرض ويدعوا لأهل البيت علیهم السلام مَن يثقون به، ويكشفوا للنّاس زيف الحكومة الأُموية الظالمة، ويبيّنوا لهم حقّ منزلة أهل البيت علیهم السلام وحقّهم المضيَّع والمغتصب: «اسمعوا مقالتي واكتبوا قولي، ثمَّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم، فمَن أمنتم من النّاس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا».
حاول معاوية جاهداً أن يُمهِّد الأُمور ليزيد، وقد أخذ له البيعة بالترغيب والترهيب من أغلب الأمصار الإسلاميّة المهمّة آنذاك، سوى المدينة وبعض شخصياتها، لكنّ معاوية يعلم جيداً أنّ الأُمور لن تكون سهلة من بعده، وأنّ مستقبل يزيد لن يكون مزروعاً بالورود، فالأُمّة كانت ساخطة في دواخلها على تلك البيعة المشؤومة، وإذا كان بإمكانه أن يضبط الأُمور في حياته فمن الصعب على يزيد أن يفعل ذلك.
من هنا؛ فإنّ معاوية - كما روى بعض المؤرِّخين - حاول أن يقدِّم لولده بعض النصائح الضرورية لاستحكام حكمه، فقد روى الطبري في تاريخه عن ابن مخرمة: «إنّ معاوية لمّا مرض مرضته التي هلك فيها دعا يزيد ابنه، فقال: يا بُني، إنّي قد كفيتك الرحلة والترحال، ووطَّأت لك الأشياء وذلَّلت لك الأعداء، وأخضعت لك أعناق العرب، وجمعت لك من جمع واحد. وإنّي لا أخاف أن يُنازعك هذا الأمر الذي استتب لك إلّا أربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر.
فأمّا عبد الله بن عمر فرجل قد وقذته العبادة، وإذا لم يبقَ أحد غيره بايعك.
وأمّا الحسين بن علي، فإنّ أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه، فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه، فإنّ له رحماً ماسّة وحقّاً عظيماً.
وأمّا ابن أبي بكر، فرجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثلهم، ليس له همّة إلّا في النساء واللهو.
وأمّا الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإذا أمكنته فرصة وثب فذلك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إرباً إرباً»(1).
وفي أمالي الصدوق&، عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام أنّ معاوية أوصى يزيد قائلاً: «يا بُني، إنّي قد ذلّلت لك الرقاب الصعاب، ووطّدت لك البلاد، وجعلت المُلْك وما فيه لك طعمة، وإنّي أخشى عليك من ثلاثة نفر يخالفون عليك بجهدهم وهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، والحسين بن علي.
فأمّا عبد الله بن عمر، فهو معك فالزمه ولا تدعه.
وأمّا عبد الله بن الزبير، فقطّعه إن ظفرت به إرباً إرباً؛ فإنّه يجثو لك كما يجثو الأسد لفريسته، ويواربك مواربة الثعلب للكلب.
وأمّا الحسين، فقد عرفت حظّه من رسول الله، وهو من لحم رسول الله ودمه، وقد علمت لا محالة أنّ أهل العراق سيُخرجونه إليهم ثمّ يخذلونه ويضيّعونه، فإن ظفرت به فاعرف حقّه ومنزلته من رسول الله، ولا تؤاخذه بفعله، ومع ذلك فإنّ لنا به خُلطة ورحماً، وإيّاك أن تناله بسوء أو يرى منك مكروها»(2).
1) 78. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص238. وربما يُشكَل على ذلك: بأنّ عبد الرحمن بن أبي بكر مات قبل ذلك في زمان معاوية، وقد رُويت هذه الوصية من طريق آخر، وليس فيها ذكر لعبد الرحمن، وإنّما للحسين علیه السلام ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير. وهو الأصح.
2) 79. الصدوق، محمد بن على، الأمالي: ص216.
إنّ تحليل معاوية لحقيقة كُلّ واحد من تلك الشخصيات تحليل دقيق، فابن عمر لا يُخشى منه، وهذا ما يشهد به تاريخه؛ حيث لم يُعهد منه أنّه وقف موقفاً صريحاً وجريئاً من الظالمين حتى في أخطر الظروف التي مرّت بها الأُمّة. وأمّا ابن الزبير، فهو شخصية انتهازية مراوغة. وأمّا الحسين علیه السلام ، فهو ابن رسول الله وسيّد شباب أهل الجنّة، وله قاعدة جماهيريّة تتفاعل معه، وهو لا شكّ خارج على يزيد.
لكنّنا نتسائل هنا: هل وصية معاوية بالرفق بالإمام الحسين علیه السلام وعدم التعرّض له بسوء - إن صحّت - نابعة من حرصه على الحسين علیه السلام كما يبدو منها، أم من حرصه على يزيد ومُلكه؟ إنّنا نرى الثاني، فمتى كان معاوية حريصاً على الحسين علیه السلام أو مراعياً لقرابة رسول الله صلی الله علیه و اله ؟! وإذا كان مهتمّاً بقرابة رسول الله فلماذا سمّ أخاه الإمام الحسن علیه السلام ؟! أليس الحسن ابن رسول الله؟!
إنّ القضيّة أعمق من ذلك، إنّه يعرف التبعات الكارثية لمقتل الإمام الحسين علیه السلام على المشروع الأُموي برمّته وعلى مُلك يزيد بالذات؛ نظراً لمكانته الكبيرة في الأُمّة ولحبّ النّاس له وتطلّعهم نحوه، وهذا ما نراه واضحاً في النّص الذي رواه ابن أبي الحديد من الوصية، حيث وصف معاويةُ فيها الإمامَ الحسين بالقول: «مَن القلوب إليه مائلة، والأهواء نحوه جانحة، والأعين إليه طامحة، وهو الحسين بن علي»(1). ولهذا أوصاه أن لا يتعرّض له بسوء، بينما نراه يحثّه على أن يقطّع ابن الزبير إرباً إرباً؛ لأنّ قتله وتقطيعه سوف لن تكون له أيُّ ارتدادات خطيرة على السلطان الأُموي.
مات معاوية بعد مُدّة من المرض في شهر رجب سنة ستّين للهجرة، وكان يزيد غائباً عن العاصمة، فكتبوا له بذلك فحضر، ثمَّ صعد المنبر وخطب النّاس وعزّاهم، وتولّى
1) 80. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة: ج20، ص133.
السُلطة بعد أبيه بطريقة سلسلة ومن دون أيّة مشاكل. وذلك أنّنا قلنا: إنّ معاوية مَهَّد له الطريق والأسباب وذلّل له الرقاب. ولكنّه رغم ذلك لم يطمئن على مستقبل حُكمه؛ لأنّ هناك في المدينة مَن رفض البيعة له، ولا يمكن أن يرتاح باله ما لم يأخذ البيعة منه.
إنّ يزيد يعلم جيداً أنّ هناك ناراً تحت الرماد، وسخطاً متوارياً في النفوس تجاه تسلّمه السلطة، وأنّه إن لم يأخذ البيعة من أهل المدينة فسوف لن يستقرّ ملكه، لما تمثِّله المدينة من ثقل في المجتمع الإسلامي آنذاك، فهي مدينة الرسول صلی الله علیه و اله وعاصمة حُكمه، وهي مقرّ علية القوم من الصحابة والتابعين، وأنّ فيها الحسين علیه السلام الذي القلوب إليه مائلة، والأهواء نحوه جانحة، والأعيُن إليه طامحة كما ورد في وصيّة أبيه له، فإذا لم تبايع المدينة وأهل الحَلّ والعقد فيها فلن تتمّ له الأُمور. لذلك كان حريصاً أن يأخذ البيعة من أهل المدينة بأسرع وقت ممكن؛ فكان أوّل عمل قام به بعد تولّيه السلطة هو أن كتب إلى واليه على المدينة الوليد بن عتبة بأخذ البيعة من أهلها.
لقد أرسل يزيد كتابين إلى الوليد: كتاباً عامّاً يأمره فيه بأخذ البيعة من أهل المدينة عامّةً، وكتاباً خاصاً وصفه المؤرِّخون كأنّه (أُذن فأرة) يأمره بأخذ البيعة من الإمام الحسين علیه السلام ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير خاصّة، قال الطبري: «وكتب إليه في صحيفة كأنّها أُذن فأرة: أمّا بعد، فخُذْ حسيناً وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتى يبايعوا. والسلام»(1). وقال اليعقوبي: «كتب إلى الوليد بن عُتبة بن أبي سفيان وهو عامل المدينة: إذا أتاك كتابي هذا فأحضر الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة لي، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما وابعث إليَّ برؤوسهما»(2).
إنّ وصفهم للكتاب بأنّه (كأُذن فأرة) عبارة عن صغر ذلك الكتاب، وربما
يعود السبب في ذلك - كما يرى الشيخ القرشي رحمة الله - إلى أنّ يزيد قد حسب أنّ الوليد سينفّذ ما عهد إليه من قتل الحسين وابن الزبير، ومن الطبيعي أن يتبع ذلك كثير من المضاعفات السيئة، ومن أهمّها ما يلحقه من التذمّر والسخط الشامل بين المسلمين، فأراد أن يجعل التبعة على الوليد، وأنّه لم يعهد إليه بقتلهما، وإنّه لو أمره بذلك لأصدر مرسوماً خاصّاً مطوَّلاً به(1).
وصل الكتاب إلى الوليد ودعا الإمام الحسين علیه السلام للبيعة، فرفض ذلك رفضاً قاطعاً، وقرّر الخروج من المدينة معلِناً ثورتَه المباركة، وهذا ما سنقف على تفاصيله في القسم التالي من هذه المقالة عندما نتحدّث عن الثورة ومنطلقاتها إن شاء الله تعالى.
1) 83. القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسين علیه السلام : ج2، ص247.
د. الشيخ مهدي رستم نجاد(1)
يُعتبر البكاء أهمّ مظهر من مظاهر العزاء على سيّد الشهداء، وقد حثّت عليه الروايات بوضوح؛ مما يجعله في أولويات الشعائر الدينيّة، لكنّ الحديث عن حكمة ذلك التأكيد وفلسفته ظلّت محل تحليلات متعددة، نستعرض في هذا المقال الآراء والتحليلات المقدّمة في فلسفة البكاء، ودراسة تلك التحليلات وتقويمها، ثم نقدّم الرؤية المناسبة لفلسفة البكاء والتي تنسجم مع روح روايات البكاء، علماً أنّ محورية البحث في هذا المقال في إطار علل الحثّ على البكاء ومحاولة فهم حكمته.
إنّ تأكيد الروايات الواردة في إقامة مجالس العزاء والبكاء على مصاب الإمام الحسين علیه السلام لم ترد في أيّ من الأئمّة المعصومين علیهم السلام حتى رسول الله صلی الله علیه و اله ، وكأنّ هنالك سرّاً في هذه المسألة دعا إلى تلك التأكيدات من الأئمة علیهم السلام . وقد تحدثت الروايات عن
1) 84. أُستاذ وعضو الهيئة العلمية في جامعة المصطفى العالمية.
عِظم ثواب هذه المجالس مما جعل بعضاً يراها نوعاً من المبالغة، فأنكرها ونسبها إلى «الغلاة»، حتّى قالوا: «لا بدّ أن يكون هناك تناسب بين العمل والجزاء، فكيف يكون لهذا العمل البسيط - كالبكاء على الإمام الحسين علیه السلام - مثل هذا الثواب العظيم؟!».
وبالمقابل يرى آخرون: أنّ البكاء على الإمام الحسين علیه السلام ولو بقدر جناح ذبابة كافٍ في نجاة الفرد، وإن غرق في بحر الذنوب والمعاصي. فهذا الرأي يرى أنّ قطرة دمع تُذرف على الامام الحسين علیه السلام كافية لأن تغسل كُلّ ذنب!
إن ّهذه الآراء - في تقديرنا - لم تنطلق من رؤية واضحة وتحليل صحيح جامع للروايات الواردة في عظم ثواب العزاء، والواقع أنّهم عجزوا عن إدراك فلسفة العزاء من خلال قراءة الروايات قراءة علميّة دقيقة. لذا سنقدّم فيما يلي عرضاً لبعض الرؤى في بيان فلسفة البكاء:
في ضوء هذا التحليل فإن المسلمين يُقيمون مجالس العزاء من أجل الحصول على الثواب ونيل شفاعة الأئمّة الأطهار علیهم السلام . وضعف هذا التحليل واضح؛ ففرض الثواب على عمل ما فرع وجود حكمة ومصلحة في نفس ذلك العمل، فالعمل لا يستبطنن أيّ ثواب ما لم تكن فيه مصلحة وحكمة معقولة. والذي ننشده في هذا البحث فلسفة إقامة العزاء، أي: مصلحة العمل وحكمته. طبعاً الكلّام عن الثواب في إطار معلولات الحكم، لا محلّ له في هذا المجال.
أضفْ إلى ذلك: هل يمكن إثارة عواطف ملايين الأفراد وإبكائهم طيلة التاريخ لغرض تحصيل الثواب؟ ثم هل يسع هذا الوعد - على الرغم من أهميته - إثارة العواطف ما لم يكن هنالك عشق وقلب مُفعم بالحُبِّ والحماس؟!(1).
1) 85. للوقوف على المزيد راجع كتاب (حماسه حسيني) بالفارسية (الملحمة الحسينية) للشهيد الشيخ المطهري رحمة الله : ج1، الفصل الثاني (عوامل التحريف).
يستند هذا التحليل إلى أنّ الإمام الحسين علیه السلام ضحّى بنفسه لتُغفر ذنوب الأُمّة، فالإمام أبو عبد الله علیه السلام كفّارة معاصي الأُمّة. نظير الاعتقاد الباطل لدى المسيحيين بأنّ المسيح علیه السلام صُلِب ليطهرهم من ذنوبهم. فالقائلون بهذا التحليل تمسَّكوا ببعض العبارات من قبيل: (يا باب نجاة الأُمّة) ليخلصوا إلى أنّ الحسين علیه السلام بنيله للشهادة كان سبباً لغفران ذنوب فسقة الأُمّة، وبالتالي سبب لنجاتهم. وبالمقابل، فإن الأُمّة بإقامتها لمجالس العزاء إنّما تشكر الإمام علیه السلام وتستحقّ بذلك النجاة.
وبعبارة أُخرى: إنّما قُتل الإمام علیه السلام وصَحبه ليكون الآخرون أحراراً في مقارفة ما شاءوا من الذنوب والمعاصي، وكأنّ التكلّيف ساقط عنهم.
هذا التفكير جعل بعضاً يعتقد بأنّ النجاة عاقبة كُلّ مَن بكى على الإمام الحسين علیه السلام مهما غرق في الذنوب. وقد ترسّخت هذه الفكرة الخاطئة حتى اخترقت أوساط السلاطين والجبابرة الظلمة الذين أرسوا دعائم حكوماتهم على أساس الظلم والجور وتلطّخت أيديهم بدماء الأبرياء، فأخذوا يُقيمون مجالس العزاء، أو ينخرطون في هيئات العزاء يلطمون صدورهم؛ ليعتبروا ذلك من سُبل النجاة!
وبالطبع، لا يستطيع أحدٌ إنكار الشفاعة، لكنّها تخضع لضوابط وشروط. كما أنّ هذا التحليل لا ينسجم مع مبادئ الدين وأُصوله المسلَّمة.
زعم بعض - في ضوء الآثار الإيجابيّة البدنية والنفسية للبكاء ودوره في تنقية روح الإنسان - أنّ الحُسن الذاتي للبكاء هو سرّ تأكيد الأئمة علیهم السلام على إقامة مراسم العزاء؛ ذلك لأنّ (إظهار التأثير) بواسطة البكاء من الملامح الطبيعية والتوازن العاطفي لدى الإنسان. فالأشخاص الذين يبكون قليلاً ولا يستطيعون التنفيس عن عُقدهم الباطنية وتبديد
همومهم وأحزانهم عن هذا الطريق لا يتمتعون عادة بسلامة نفسية وبدنية متوازنة.
ومن هنا؛ يعتقد علماء النفس: «أنّ النساء أقل عُقداً من الرجال بسبب سرعة تنفيسهن عن الضغوط النفسية بواسطة البكاء، وهذه إحدى أسرار سلامتهن»(1). كما يرون أنّ البكاء يحدّ من الضغوط الناشئة من العُقد المتراكمة في باطن الإنسان، وعلاج لأكثر آلامه ومعاناته الباطنية. فدمع العين بمثابة صمّام الأمان الذي يؤدّي إلى الاتزان الروحي للإنسان في الظروف الطارئة.
ويعتقد هؤلاء أنّ الحُسن الذاتي للبكاء هو السبب في بكاء يعقوب علیه السلام لسنوات على فراق ولده، كما بكى رسول الله صلی الله علیه و اله بشدّة على فقد ولده إبراهيم (2)والصحابي الجليل عثمان بن مظعون (3)، كما بكى حين قُتِل جمع من أصحابه، وكذلك في شهادة عمه الحمزة وحثّ نساء المدينة على البكاء على الحمزة (4)، وهذا ما جعل الزهراء صلی الله علیه و اله تبكي رسول الله صلی الله علیه و اله ليلاً نهاراً(5)، والامام زين العابدين علیه السلام لسنوات على أبيه الحسين علیه السلام (6).
إنّ آثار البكاء الإيجابيّة في تنقية روح الإنسان وتكامله ممّا لا يمكن إنكاره، إلّا أن هذا التحليل لا يسعه أن يكون سرّ كُلّ هذا التأكيد من الأئمة علیهم السلام في البكاء على الإمام الحسين علیه السلام وذلك الثواب العظيم. ويُدرك كُلّ مَن تأمّل الروايات الإسلاميّة أنّ هناك
1) 86. وگومولتز، ويكتور، صد وبنجاه سال بمانيد (بالفارسية) ترجمة علي محمد: ص134
2) 87.البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الجنائز: ح1277. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج3، ص262.
3) 88. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج5، ص495. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج79، ص91. أحمد بن حنبل، مسند أحمد: ج6، ص43.
4) 89. الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج2، ص70. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج2، ص210.
5) 90. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج43، ص155 - 175.
6) 91. المصدر السابق: ج44، ص284.
هدفاً آخر وراء حثّ أهل البيت على البكاء.
نعم، لا ننكر وجود هذه الآثار الايجابية في البكاء، إلّا أن بحثنا هنا في سرّ تأكيد الأئمة على البكاء وفلسفته.
بعد أن عرفنا أنّ ما طُرح من تحليل لفلسفة البكاء على أبي الأحرار علیه السلام لا يرتقي إلى مستوى الروايات الواردة عن أهل البيت علیهم السلام نُشير هنا إلى التحليلات التي نراها صحيحة ومنطقية في موضوع فلسفة العزاء ضمن أربعة محاور:
إنّ العزاء على شخص نوع من التعظيم والتكريم، ورعاية لموقعه وشخصيته. فقد قال النبي صلی الله علیه و اله : «ميّتٌ لا بواكي عليه، لا إعزاز له»(1)، ولا سيمّا العزاء على أولياء الله الذي يُعدّ من المصاديق البارزة لتعظيم شعائر الله والثناء على عقيدتهم وتكريم نهجهم وجهادهم.
ومن هنا؛ حين رجع رسول الله صلی الله علیه و اله من معركة أُحد ورأى قبيلتي «بني الأشهل» و«بني الظفر» تبكيان شهداءهما ولا بواكي لعمه حمزة قال: «لكنَّ حمزة لا بواكي له اليوم»(2). فلما سمعت نسوة المدينة اجتمعن في دار حمزة وأخذن يندبنه ويُقمن العزاء عليه. وحين أُبلغ رسول الله صلی الله علیه و اله بشهادة جعفر الطيار في مؤتة ذهب إلى بيت جعفر، ثم الزهراء صلی الله علیه و اله ، فرآها باكية فقال: «على مِثل جعفر فلتبك البواكي»(3).
ويعبّر القرآن الكريم عن تلك الطائفة من قوم موسى الذين سلكوا سبيل الغي والضلال: «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ»(1). ويفهم من هذه العبارة أنّ عدم استحقاق بكاء الآخرين نوع من التحقير والتفاهة. وعلى هذا الأساس نفهم وصية الأئمة حين قالوا: «خالطوا الناس مخالطةً إن متّم معها بكوا عليكم وإن عشتم حنّوا إليكم»(2).
فإقامة مراسم العزاء على الإمام الحسين علیه السلام - تلك الشخصية الفذّة والفريدة من أهل بيت العصمة والطهارة والأئمة المعصومين - لمِن المصاديق البارزة لتعظيم شعائر الله، مضافاً إلى تخليد المقام الرفيع لذلك الإمام الهمام:«ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ » (3).
وكيف لا يكون كذلك والصفا والمروة من شعائر الله؟! مع أنّها ليست أكثر من مكان، لكنها عامرة بطاعة الله: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ »(4).
إنّ الإمام الحسين علیه السلام الذي تعامل مع الله بكُلّ كيانه وقدِم نحو الشهادة بجميع أهل بيته ليقدّم تلك القرابين في سبيل الله لمن أعظم شعائر الله، وإقامة مجالس العزاء عليه إنّما تُعتبر تعظيماً لأحد أعظم شعائر الله.
يعترف العدو والصديق بأن مجالس العزاء على الإمام الحسين علیه السلام أعظم قوّة تقف وراء يقظة الناس، والنهج الذي حدَّده الإمام لأتباعه وهو الضامن لبقاء الإسلام وديمومته.
إنّ أهمّية إقامة هذه المجالس وسرّ تأكيد الأئمّة الأطهار علیهم السلام على حفظها تبدو أوضح حين نلاحظ وضع الشيعة في عصر صدور هذه الروايات؛ حيث كانوا يعيشون عزلة خانقة وضغوطاً شديدة تمارسها ضدهم الحكومات الأُموية والعباسية، ويتعذّر عليهم ممارسة أدنى نشاط سياسي واجتماعي حتى أشرفوا على الانهيار، لكن مجالس العزاء الحسينية أنقذتهم وخلقت لديهم حالة من الانسجام والوئام، لتجعلهم قدرة ذات شوكة في المجتمع الإسلامي. وعلى هذا الأساس عبّرت بعض الروايات عن إقامة هذه المجالس بإحياء أمر أهل البيت علیهم السلام . قال الإمام الصادق علیه السلام في هذه المجالس: «إنّ تلك المجالس أُحبها فأحيوا أمرنا» (1).
وقال السيّد الخميني بشأن هذه المجالس في عبارة جامعة:
«وينبغي أن نُدرك جميعاً أنّ ما يوجب الوحدة بين المسلمين هذه المراسم السياسيّة، ومراسم العزاء على الأئمّة الأطهار علیهم السلام هي التي حفظت هوية المسلمين ولا سيما الشيعة الإمامية» (2).
ذكر الكاتب الفرنسي (جوزيف) في كتابه «الإسلام والمسلمون» في حديثه عن قلّة عدد الشيعة في العهود الإسلاميّة الأُولى، وبسبب عدم تسلّمهم الحكم، وتعرضهم لظلم الحكَّام وجورهم وتقتيلهم ونهب أموالهم فقال: «إنّ أحد أئمة الشيعة أوصاهم بالتقية لحفظهم من الأعداء، فأدى ذلك إلى اقتدار الشيعة بشكل تدريجي، ولم يجد العدو ما يتذرّع به لقتلهم وسلب أموالهم، وأخذ الشيعة يعقدون المجالس في الخفاء ويبكون على الحسين علیه السلام . وأكبر عنصر يقف وراء تقدمهم هو إقامة مجالس العزاء على الحسين علیه السلام ، وهذه العاطفة والتوجّه القلبي استحكمت في
قلوب الشيعة وزادت بشكل تدريجي، فكان كُلّ شيعي في الواقع يدعو الآخرين إلى مذهبه دون التفات سائر المسلمين، بل لعل الشيعة أنفسهم لم يلتفتوا إلى فائدة هذا العمل، وكانوا يظّنون أنهم إنّما يحصلون على الثواب الأُخروي » (1).
ويقول المؤرخ الألماني (ماربين) في كتابه (السياسة الإسلاميّة):
«إنّي أعتقد أنّ سرّ تطوّر الإسلام وتكامل المسلمين يكمن في شهادة الإمام الحسين علیه السلام وتلك الحوادث الأليمة»(2).
إنّ الأئمة الأطهار علیهم السلام بتأكيدهم على إقامة مراسم العزاء إنّما جعلوا نهضته علیه السلام محوراً لوحدة النّاس، بحيث يجتمع اليوم أيّام شهادته ملايين الأفراد على اختلاف مستوياتهم وأعراقهم وأديانهم؛ ليشاركوا في مراسم العزاء ويلتفّوا حول الراية الحسينية. وكُلّ أُمة بحاجة لعنصر الوحدة، بغية ديمومتها وموفقتيّها.
وممّا لا شك فيه أنّ أفضل عنصر لوحدة أتباع أهل البيت علیه السلام هو هذه المراسم الحسينية؛ لأنها تستقطب التجمعات المليونية حول محور معيّن بأقل ما يمكن. حقّاً لو تمتّعت أُمّة بمثل هذه القوّة التي يُمكّنها حشد طاقاتها المتفرقة وتوجيهها في مُدّة زمنية قياسية وشيء من الإعلام لاستطاعت القضاء على أيّة عقبة تعترض سبيل رقيّها وتقدّمها.
والحقّ أنّ الأئمة علیهم السلام إنّما حالوا - بحثّهم الناس على إقامة هذه المراسم - دون تشتّت تلك الطاقات، وعبّأوا الجموع المتفرقة وخلقوا منهم قوّة مقتدرة من خلال إيجاد الوحدة والانسجام، والحركة العفوية للجماهير أيام شهرَيْ محرم وصفر - ولا
سيما عاشوراء التي تهزّ عروش الطغاة - إنّما تكشف النقاب عن سرّ تأكيدات الأئمّة في محورية النهضة الحسينية.
ولعلّنا لم نكن نقف على سرّ تأكيد الأئمة علیهم السلام على إقامة هذه المجالس لو لم نشهد تفجير تلك الطاقات الكامنة في هذه المجالس. قال المؤرخ الألماني (ماربين): «إنّ جهل بعض مؤرخينا جعلهم ينسبون الشيعة للجنون، وهذه مجرّد تُهمٍ، فإننا لم نشاهد بين الشعوب قوماً كالشيعة؛ حيث سلكوا بواسطة مجالس العزاء سياسة عقلائية أنتجت نهضات دينيّة مثمرة» (1).
وقال المؤرخ نفسه: «ليس هنالك ما يوازي مراسم العزاء الحسيني في خلق هذا الوعي السياسي لدى المسلمين»(2).
والشاهد الآخر على مدى خشية الحكومات من هذه القوة العظيمة معارضة خصوم الإسلام لإقامة هذه المجالس وسعيهم لإيقافها، حتى إقدامهم على هدم قبر الإمام الحسين علیه السلام والمنع من زيارته(3).
1) 103. عبد الحسين شرف الدين، فلسفة الشهادة والعزاء: 109.
2) 104. نقلاً عن السياسة الحسينية للشيخ كاشف الغطاء: ص44. الطريف أنّه نُشِر مؤخراً كتاب في أمريكا يحمل عنوان (خطة لعزل المذاهب الدينيّة) تضمّن حواراً مفصلاً مع الدكتور (مايكُلّ برانت) أحد المساعدين السابقين في وكالة المخابرات المركزيّة الأمريكية؛ أشار فيه إلى خُطّة تستهدف الشيعة ومذهبهم، كما ورد في هذا الحوار إشارة إلى الجلسات السرّية لزعماء الوكالة ورئيس جهاز الاستخبارات البريطاني، لقد توصّلنا إلى أنّ انتصار الثورة الإسلاميّة الإيرانية لا يُعزى إلى السياسات الخاطئة التي اتخذها الشاه حيال الثورة، بل هنالك عوامل أُخرى مثل التأثر بثقافة الشهادة التي ظهرت قُبيل ألف وأربعمائة سنة من قِبَل سبط نبي الإسلام الإمام الحسين، وتتسع وتترسخ هذه الثقافة سنويّاً أيّام محرم من خلال إقامة مراسم العزاء. ثم يقول: «عزمنا على تحريف هذه الثقافة وعقائد الشيعة من خلال توفير الدعم المالي لبعض الخطباء والرواديد والقائمين على رعاية هذه المراسم» (صحيفة الجمهورية الإسلاميّة: العدد 7203 5/3/83ه-. ش المصادف 26/7/2004، ص16 مع الاختصار).
3) 105. انظر: القمّي، عبّاس، تتمة المنتهى: ص237 - 324.
ولا يخفى الرعب الذي يعيشه أعداء الدين من إقامة هذه المجالس - اليوم - حتى بذلوا قُصارى جهدهم من خلال كيل التُّهم الشنيعة بواسطة عملائهم أحياناً، وأُخرى عن طريق إثارة الطواغيت السائرين في فلكهم، كما سعوا لإفراغ هذه المجالس من محتواها بغية القضاء على الشعائر الحسينية، وإنّنا لنلمس من خلال نظرة عابرة لتاريخ الإسلام بعد حادثة كربلاء كيف غدت هذه المجالس والشعارات الحسينية أُسوة لنهضات المجاهدين في سبيل الله ومواجهة الطواغيت والظلمة. ولعلّنا نتساءل هنا: لو انفتح جميع المسلمين على هذه المجالس كما ينبغي، وطهّروا أوساطهم ممّا عَلِقَ بها من فساد ودَنَسٍ - بوسيلة هذا العنصر القوي - فهل يتمكّن الظلمة من الهيمنة على البلاد الإسلاميّة؟ وهل باستطاعة الناهبين التطاول على ثروات البلدان الإسلاميّة لو فُعِّلت هذه المجالس ومبادئ النهضة الحسيّنية؟
تُعدّ مجالس العزاء على الإمام الحسين علیه السلام مجالس التحوّل الروحي، ومراكز تزكية النفس وتهذيبها، فالنّاس يقتدون بالإمام الحسين علیه السلام ببكائهم على مظلوميّته في هذه المجالس، فهم يخلقون الأرضية الخصبة لديهم في محاكاة سيرته العلميّة، والتأثير الذي تخلّفه هذه المجالس تحوّلاً حقيقياً وعزماً على ترك الذنب والمعصية، حيث يوجد عدد من الأفراد عزموا على ترك الذنوب والمعاصي. وربّما تنبّه بعض الضالين إثر حضورهم تلك المجالس فعادوا إلى أنفسهم وساروا على الدرب. فهذه المجالس تُعلّم الإنسان درس العزّة والكرامة والإيثار والتّضحية ودروس الأخلاق والورع والتقوى؛ وبالتالي فهي مصنع الأبطال وعشاق الحق والعدالة.
أضف إلى ذلك أنّ هذه المجالس هي في الواقع مدارس تعرّف الجماهير من خلالها إلى المعارف والحقائق الدينيّة والتاريخ والرجال والأحكام ومختلف الموضوعات،
وتُعدّ واحدة من أنجح مراكز التزكية والتهذيب والتربية.
قال المؤرخ الألماني (ماربين) بهذا الشأن: «إنّ المسلمين لن يعيشوا الذلة ما دامت لديهم هذه المجالس التي يتعلّمون فيها دروس الشجاعة والتضحية، ومن خلال هذا الطريق يتعلّم الشيعة درس الشجاعة والبطولة»(1).
وفتح الأئمة الأطهار علیهم السلام لهذا الباب وحثّ الناس عليه هو - في الواقع - دعوة إلى التربية والتعليم في هذه الجامعة الحسينية.
وقال المرحوم الفيض الكاشاني في كتابه (المحجة البيضاء) - في توضيحه لحديث النبي الأكرم صلی الله علیه و اله «عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة» -: «إنّ ذكر الصالحين وسجاياهم الأخلاقية تجعل الآخرين يتأسّون بهم فيستحقون نزول رحمة الله»(2).
وروى ثقة الإسلام الكُليني وشيخ الطائفة الطوسي: أنّ الإمام الصادق علیه السلام قال: «قال لي أبي: يا جعفر، أوقف من مالي كذا وكذا للنوادب تندبني عشر سنين بمِنى أيام مِنى»(3).
ولصاحب الجواهر في كتاب الطهارة كلام في بيان حكمة وفلسفة هذه الوصية حيث قال: «وقد يُستفاد منه استحباب ذلك، إذا كان المندوب ذا صفاتٍ تستحقّ النّشر ليُتقدى بها»(4).
وعليه فتخليد ذكراهم فعل حَسن وعمل مطلوب.
الشيخ عامر الجابري(1)
ينظر علم الكلام الإمامي إلى أئمة أهل البيت علیهم السلام بوصفهم كياناً مترابط الأجزاء، ومجموعة من الأفراد الكاملين المنتجبين والمصطفين من قِبَل السماء لإنجاز مشروعها في الأرض، المتمثل بإيصال البشرية إلى كمالها المنشود الذي عبَّر عنه القرآن الكريم بقوله: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »(2).
إنّ وحدة مشروع أئمة أهل البيت علیهم السلام - والنظر إليهم بهذا المعنى المتقدم - «ليس مجرد افتراض نبحث عن مبرراته التاريخية، وإنّما هو مما تفرضه العقيدة نفسها وفكرة الإمامة بالذات؛ لأنّ الإمامة واحدة في الجميع بمسؤولياتها وشروطها، فيجب أن
تنعكس انعكاساً واحداً في شروط الأئمة علیهم السلام »(1).
ومع التأكيد على القول بوحدة مشروع أهل البيت علیهم السلام غير أنّ أدوارهم قد تنوّعت وتغايرات بتنوع وتغاير الأجواء والظروف الفكرية والاجتماعية والسياسيّة التي مرّت بها الأُمة، فقام كل واحد منهم علیهم السلام بما يتناسب وتلك الأجواء والظروف من جهة، وما ينسجم مع مشروعهم وهدفهم الإلهي الكبير من جهة أُخرى.
وقد أشار الرسول الكريم صلی الله علیه و اله إلى تلك الحقيقة بقوله في الحسنين علیهما السلام : «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»(2)، فقوله صلی الله علیه و اله : «إمامان» فيه إشارة إلى وحدة المشروع ووحدة الهدف، وقوله علیه السلام «قاما أو قعدا» إشارة إلى اختلاف الأدوار وتعددها، وإنّ هذا الاختلاف والتعدُّد في الأدوار لا يضرّ بوحدة المشروع والهدف.
ونحن نذهب إلى ما ذهب إليه عدة من المفكرين الشيعة من أن دور أهل البيت علیه السلام بعد الفاجعة، قد تركّز على بناء كيان التشيّع وتشييده وتأسيس المؤسسات التي تضمن ديمومته وتوسّعه وازدهاره تدريجياً(3).
وقد سعى أئمة أهل البيت علیهم السلام بشتى الوسائل - ومختلف السبل - من أجل تحقيق هذا الغرض، ومن أهمّ تلك الوسائل والسبل هو توظيف المظلومية الحسينية ومأساة كربلاء واستثمارها في هذا المجال، عبر حث الناس على زيارة الإمام الحسين علیه السلام وتعاهد قبره الشريف، وشدّ الناس نحوه بشتّى الطرق، وإقامة العزاء عليه، وغير ذلك مما يمكن اختصاره بعبارة: (الشعائر الحسينية).
1) 112. الصدر، محمد باقر، أهل البيت علیهم السلام تنوع أدوار ووحدة هدف: ص142.
2) 113. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج43، ص291.
3) 114. تبنَّى هذا الرأي عدّة من المفكرين والباحثين الشيعة، ومنهم: السيد الشهيد محمد باقر الصدر رحمة الله في كتابه (أهل البيت علیهم السلام تنوع أدوار ووحدة هدف)، والشيخ محمد جواد مغنية رحمة الله - مع اختلاف في بعض التفاصيل - في كتابه (الشيعة في الميزان)، والسيد محمد سعيد الحكيم في كتابه (فاجعة الطف).
فالشعائر الحسينية هي مؤسسة اجتماعية ثقافية كبرى، وقد نشأت هذه المؤسسة وتبلورت في ظلّ توجيهات وإرشادات أهل البيت علیهم السلام ، وفقهائهم من بعدهم، من أجل تكميل كيان التشيّع، وترسيخ قدمه، وإيجاد ما يضمن معه التوسع والتمدد والانتشار.
وسنحاول في هذا البحث تسليط الضوء على بدايات تأسيس هذه المؤسسة وتكوّنها، ورسم الملامح العامة والخطوط العريضة التي انتهت إليها في عصر المعصومين علیهم السلام ، ثم نحاول بيان دور هذه المؤسسة وارتباطها ببناء وبلورة كيان التشيّع الذي توجهت إليه أنظار المعصومين علیهم السلام بعد الفاجعة، وعلى أساس ذلك رأينا أن نقسّم الكلام على مبحثين:
القسم الأول: المؤسسة الشعائرية (التأسيس والسيرورة)
القسم الثاني: المؤسسة الشعائرية ودورها في تكميل كيان التشيع
نعني بالمؤسسة الشعائرية هي مجموعة الممارسات والفعاليات الحسينية التي حثّ عليها أهل البيت علیهم السلام ، بالنصّ الخاص أو النصّ العام، والتي تنحلُّ إلى مؤسستين عملاقتين هما: مؤسسة المأتم الحسيني، ومؤسسة زيارة الحسين علیه السلام .
فالمآتم الحسينية وزيارة الحسين علیه السلام يشكّلان مؤسسة فكرية اجتماعية تربوية كبرى هي (المؤسسة الشعائرية الحسينية) التي أراد من ورائها أهل البيت علیهم السلام توظيف المظلومية الحسينية ومأساة كربلاء لبناء كيان التشيع، والحفاظ عليه وديمومته وترسيخ هويته، وتوسيع رقعته مع مرور الليالي الأيام، وهذا ما سنركز عليه ونتحدث عنه في المبحث الثاني.
وسنركز في القسم الأول من الدراسة على بدايات تأسيس هذه المؤسسة وتكوّنها، ورسم الملامح العامة والخطوط العريضة التي انتهت إليها في عصر المعصومين علیهم السلام ، من خلال مطلبين:
المبحث الأول: مؤسسة المأتم الحسيني
المبحث الثاني: مؤسسة زيارة الإمام الحسين علیه السلام
يدور الحديث في هذا المطلب حول المأتم الحسيني بمعناه المؤسساتي المنظّم والموجّه، والمُؤسَّس في ضوء إرشادات أئمة أهل البيت علیهم السلام وتعاليمهم، ولسنا معنيين هنا بالحديث عن تلك المآتم التي أُقيمت في ساحة المعركة بعد مصرع الإمام الحسين علیه السلام ، أو التي أُقيمت في الكوفة عند مرور موكب السبايا بها، أو في الطريق بين الكوفة والشام، أو في قصر يزيد، أو عند رجوع السبايا إلى المدينة، فإن تلك المآتم كانت تُقام - على الأغلب - بشكل عفوي وتلقائي وبدوافع عاطفية، ولم تكن موجّهة نحو غاية مقصودة وهدف مدروس.
إن مرادنا من المأتم الحسيني المؤسساتي: هو ذلك المأتم المنبعث عن خلفية دينية وعقدية، والمرتكز على أساس النصوص الواردة عن أهل البيت علیهم السلام ، والذي نعتقده أن بذرته الأُولى وضعت على يد الإمام السجاد علیه السلام ، ثم تطوّر تطوراً تدريجياً على أيدي بقية الأئمة علیهم السلام ، بحسب ما سمحت به الظروف لكل واحد منهم.
لقد عاش الإمام السجاد علیه السلام فاجعة الطف بجميع فصولها، وشاهد جميع مشاهدها المؤلمة، فرأى بأُمّ عينيه مصرع أبيه وأخويه علي الأكبر وعبد الله الرضيع،
وعمّه قمر العشيرة، وسائر فتيان بني هاشم والأنصار، ثم عانى ما عانى من مرارة السبي، وما زالت تلك المشاهد والصور عالقة في ذهنه إلى آخر لحظات حياته، فكان كلّما تذكرها ذرفت عيناه دموعها وأجهش بالبكاء، حتى يبكي لبكائه مَن رآه من الناس؛ رحمة له، وما وُضِع طعام بين يديه إلّا وبكى، وكان إذا أخذ ماءً بكى حتى يملأه بدموعه، حتى خيف على عينيه، فكانت هذه حاله طوال الأعوام التي عاشها بعد الطف، فعدّ أحد البكّائين الخمسة(1).
وقد أراد الإمام علیه السلام من خلال هذا البكاء المستمر أن يضع البذرة الأُولى لمؤسسة المأتم الحسيني؛ إذ أنّ الظرف السياسي للإمام علیه السلام كان يمنعه من الدعوة العلنية إلى تأسيس مأتم الحسين علیه السلام ، فالتجأ إلى أُسلوب الدعوة الصامتة، فالسلطة لن تتمكن من تجريمه بسبب هذا الفعل، بل قد تعدّ عمله هذا عملاً سلبياً، لا يشكّل خطراً على الدولة ولا يهدد كيانها، ولا يضر بمصالحها، وبهذا يكون الإمام علیه السلام قد سعى إلى توظيف المظلومية الحسينية ومأساة كربلاء بشكل عملي من دون أن يستفزّ السلطة، وقد استطاع - بالرغم من الفترة المظلمة التي عاشها - أن يضع البذرة الأُولى لمؤسسة المأتم الحسيني.
ولم يرد عن الإمام علي بن الحسين علیه السلام أنه قد دعا - بشكل علني مباشر - إلى ما يمكن اعتباره النواة الأُولى لمؤسسة المأتم الحسيني إلّا في موارد نادرة ومحدودة جداً، ومن ذلك: ما رواه ابن قولويه بسنده عن الإمام الباقر علیه السلام ، قال: كان علي بن الحسين يقول: «أُيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي علیهما السلام دمعة حتى تسيل على خده لأذى مسّنا من عدونا في الدنيا بوّأه الله مبوّأ صدق في الجنة»(2).
ويقول محمد مهدي شمس الدين معلِّقاً على هذه الرواية:
«ونُقدِّر أن هذا البيان وأمثاله قد أعطى توجيهاً معيناً لهذه التجمعات العفوية التي كانت تُعقد بعد نهاية الثورة، هذا التوجيه يقوم على الفكرة التالية: إن هذه التجمعات سيكون لها مبرِّر مستمر هو البكاء على الحسين علیه السلام »(1).
لم تطرأ في بدايات عهد الإمام الباقر علیه السلام أيَّة تطورات شكلية أو جوهرية بخصوص مؤسسة المأتم الحسيني، «وسبب ذلك: هو شدة ضغط الأُمويين عليه وعلى آله وصحبه؛ الأمر الذي كان يدعو الإمام علیه السلام وآله إلى اتخاذ جانب الحيطة والحذر والتقية، وإقامة مثل هذه المآتم في بيوتهم الخاصة وراء الأستار الكثيفة ولم يحضرها سوى خاصتهم»(2).
ولكنّ هذا الضغط بدأ يخفُّ تدريجاً في نهايات حياة الإمام الباقر علیه السلام ، فاستثمر الإمام علیه السلام هذه الفرصة؛ فقام بعدَّة خطوات من أجل تطوير المأتم الحسيني وبلورته.
فأُولى الخطوات التي قام بها في هذا الميدان: هي مواصلة ما بدأ به الإمام السجاد علیه السلام من الحثّ على الاجتماعات التي تُعقد باسم أهل البيت علیهم السلام عموماً، والإمام الحسين علیه السلام خصوصاً، وإذا كان الإمام زين العابدين علیه السلام يدعو إلى هذه الاجتماعات بشكل غير مباشر، فإن الإمام الباقر علیه السلام كان يدعو إليها بشكل مباشر ومعلَن، كقوله علیه السلام : «رحم الله عبداً اجتمع مع آخر، فتذاكر أمرنا فإنّ ثالثهما مَلَك يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلّا باهى الله تعالى بهما الملائكة، فإذا اجتمعتم
فاشتغلوا بالذكر، فإنّ في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءنا. وخير الناس من بعدنا مَن ذاكر بأمرنا ودعا إلى ذكرنا»(1).
وهناك خطوة أُخرى مهمة أحدثها الإمام الباقر علیه السلام على هذا الصعيد، تتمثل بتشريعه استحباب تجديد الحزن بذكرى يوم عاشوراء، فقد روى الشيخ في مصباح المتهجد بسنده عن الباقر علیه السلام في حديثٍ حول وظيفة مَن لم يستطع الحضور يوم العاشر عند الحسين علیه السلام ، قال: «ثم ليندب الحسين علیه السلام ويبكيه ويأمر مَن في داره ممن لا يتقيه بالبكاء عليه، ويُقيم في داره المصيبة بإظهار الجزع عليه، وليُعزِّ بعضهم بعضاً بمصابهم بالحسين علیه السلام ، وأنا الضامن لهم إذا فعلوا ذلك على الله تعالى جميع ذلك، قلت: جُعلت فداك أنت الضامن ذلك لهم والزعيم؟ قال: أنا الضامن وأنا الزعيم لمن فعل ذلك. قلت: فكيف يُعزّي بعضنا بعضاً؟ قال: تقولون أعظم الله أجورنا بمصابنا بالحسين، وجعلنا وإياكم من الطالبين بثأره مع وليه الإمام المهدي من آل محمد علیهم السلام ، وإن استطعت أن لا تنتشر يومك في حاجة فافعل؛ فإنّه يوم نحس لا تُقضى فيه حاجة مؤمن، فإن قُضيت لم يُبارَك ولم يُرَ فيها رُشداً، ولا يدّخرن أحدكم لمنزله فيه شيئاً، فمن ادّخر في ذلك اليوم شيئاً لم يُبارَك له فيما ادّخره، ولم يُبارَك له في أهله، فإذا فعلوا ذلك كتب الله تعالى لهم ثواب ألف حجة وألف عمرة وألف غزوة كلها مع رسول الله صلی الله علیه و اله ، وكان له أجر وثواب مصيبة كل نبي ورسول ووصي وصديق وشهيد مات أو قُتِل منذ خلق الله الدنيا إلى أن تقوم الساعة»(2).
ولعلّ هذا هو أقدم نصّ يتحدّث عن استحباب تجديد ذكرى يوم عاشوراء، وهو ما أكّدت عليه نصوص أُخرى - كما سنشير - وبهذا تندفع الشبهة التي يردّدها بعضهم
من أنّ إحياء ذكرى يوم عاشوراء من مخترعات الدولة البويهية.
نعم، نحن لا ننكر ما للبويهيين عموماً ولمعز الدولة خصوصاً من دور كبير في إحياء الشعائر الحسينية بشكل عام، وإحياء يوم العاشر بشكل خاص، حيث أصدر أوامره سنة 352ﻫ: أن يُغلِق الناس دكاكينهم في عاشر المحرم، ويُبطَّلوا الأسواق والبيع الشراء، ويُظهروا النياحة على الحسين علیه السلام . ففعل الناس ذلك(1)، وصارت الجماعات من القائمين بهذه المآتم تجوب أسواق بغداد، بأعلامها الخاصة، لاطمة صدورها ورؤوسها، كما أن معز الدولة البويهي كان يرتدي رداء الحداد والحزن، ويتقدم عسكره المشترِك في هذا المأتم(2).
ولكنّ هذا لا يعني أنّ معزّ الدولة قد ابتدع هذه العادة، كما يحلو لبعض الباحثين أن يُعبِّر، بل إنه فعَّل ما كان مجمّداً، وأحيى ما كان ينبغي أن يُحيى طوال السنين التي سبقت مجيء البويهيين إلى الحكم، وعدم إحيائه هو بسبب ما كان يمرّ به الشيعة من ظروف حالت دون ذلك.
والخطوة الثالثة التي قام بها الإمام الباقر علیه السلام من أجل دعم مؤسسة المأتم الحسيني: هي استقباله للشعراء وتشجيعهم على النظم في الإمام الحسين علیه السلام ، وهذا الأمر وإن بدأ يتعاظم في عصر الإمام الصادق علیه السلام - كما سيأتي - غير أن بوادره قد بدأت في عصر الإمام الباقر علیه السلام ، ومن ذلك استقباله للكميت وإنشاده له ميميّته، وقد ذكروا أنه لما بلغ الكميت قوله منها:
وقتيل بالطف غودر منهم***بين غوغاء أُمّة وطغام
بكى الإمام علیه السلام ، ثم قال: «يا كميت، لو كان عندنا مال لأعطيناك، ولكن لك ما
قال رسول الله صلی الله علیه و اله لحسان بن ثابت: لا زلت مؤيَّداً بروح القدس، ما ذببت عن أهل البيت. فخرج من عنده»(1).
يُعدّ عصر الإمام الصادق علیه السلام (80 - 148ﻫ) من أفضل العصور التي مرّت على الشيعة؛ إذ عاصر علیه السلام نهايات الدولة الأُموية وبدايات الدولة العباسية، فخفّت الضغوط خلال هذه الفترة على الإمام علیه السلام وشيعته، وتحرّك الإمام علیه السلام تحرّكاً واسعاً على صعيد تقوية بناء التشيع وبلورة كيانه «فكثرت التوجيهات والتعليمات التي كان الإمام علیه السلام يُصدِرها ويُكمل بها بناء التشيع، وكثرت تجمعات الشيعة، وطوّروا مؤسساتهم الثقافية، وفي مقدمتها مؤسسة المأتم الحسيني والزيارة»(2).
ويمكن تلخيص جهود الإمام الصادق علیه السلام فيما يخصّ مؤسسة المأتم الحسيني في النقاط التالية:
حثّ الإمام الصادق علیه السلام على الإبكاء والبكاء لمصاب الإمام الحسين علیه السلام في أقواله وتوجيهاته التي منها قوله: «ومَن ذُكر الحسين علیه السلام عنده فخرج من عينيه من الدموع مقدار جناح ذباب، كان ثوابه على الله عز وجل، ولم يرضَ له بدون الجنة»(3).
ومنها: قوله علیه السلام «مَن ذُكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غُفر له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر»(4).
ومنها: قوله علیه السلام «مَن ذُكرنا عنده ففاضت عيناه حرّم الله وجهه على النار»(1).
ومن الواضح أن التذكير الذي ذكرته الروايات المتقدمة لا يكون سبباً لاستدرار الدمع ما لم يكن بأُسلوب مؤثر في السامع، ونعتقد أنّ أمثال هذه الروايات هي التي نشأت بسببها مجالس العزاء الحسيني، ولو بشكلها البدائي والبسيط، ومما يؤكد ذلك قول الإمام الصادق علیه السلام للفضيل بن يسار: «تجلسون وتتحدثون؟ قال: نعم، جعلت فداك. قال: إنّ تلك المجالس أُحبّها، فأحيوا أمرنا رحم الله مَن أحيا أمرنا، يا فضيل؛ مَن ذَكرنا أو ذُكرنا عنده، فخرج من عينه مثل جناح الذباب، غفر الله ذنوبه»(2). ويبدو من هذه الرواية أنّ مجالس العزاء الحسيني قد بدأت تتشكّل منذ ذلك العهد المبكّر على شكل جماعة يجلسون ويتذاكرون مصائب الإمام الحسين علیه السلام ، وهذه هي البدايات الأُولى لنشوء المأتم الحسيني.
وهذا الأمر قد بدأت بوادره في عصر الإمام الباقر علیه السلام وبدأ يتنامى في عصر الإمام الصادق علیه السلام ، فقد روى عنه ابن قولويه أنه قال: «مَن أنشد في الحسين بيت شعر فبكى وأبكى عشرة فله ولهم الجنة، ومن أنشد في الحسين بيتاً فبكى وأبكى تسعة فله ولهم الجنة. فلم يزل حتى قال: مَن انشد في الحسين بيتاً فبكى - وأظنه قال: أو تباكى - فله الجنة»(3).
وقوله علیه السلام : «وأبكى عشرة» و«أبكى تسعة» دعوة صريحة للتجمعات وعقد المجالس الشعرية باسم الإمام الحسين علیه السلام ، كما أنه دعوة صريحة للتركيز على الجانب المأساوي في واقعة كربلاء؛ ولذا نجد أنّ أكثر أدب الطف قد نحى هذا المنحى وانطبع بهذا الطابع نتيجة لمثل هذا التوجيه.
وبسبب هذا التوجيه وأمثاله برز شعراء تخصصوا في نظم الشعر في الإمام الحسين علیه السلام ، وكان الإمام الصادق علیه السلام يشجعهم ويقرّبهم ويدنيهم، منهم: جعفر بن عفان الطائي الكوفي الذي دخل في يوم من الأيام على الإمام الصادق علیه السلام فقرّبه وأدناه، ثم قال: «يا جعفر. قال: لبيك جعلني الله فداك. قال: بلغني أنك تقول الشعر في الحسين وتجيد؟ فقال: نعم، جعلني الله فداك. قال: قل. فأنشدته فبكى ومَن حوله، حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته، ثم قال: يا جعفر، والله، لقد شهدت الملائكة المقربون هاهنا يسمعون قولك في الحسين علیه السلام ، ولقد بكوا كما بكينا وأكثر... ما من أحد قال في الحسين شعراً، فبكى وأبكى به إلّا أوجب الله له الجنة، وغفر له»(1).
ومنهم: الشاعر عبد الله بن غالب الأسدي الذي قال له أبو عبد الله علیه السلام : «إنّ مَلكاً يُلقنك الشعر وإني لأعرف ذلك المَلك»(2). وفي كامل الزيارات بسنده إلى عبد الله بن غالب، قال: «دخلت على أبي عبد الله علیه السلام فأنشدته مرثية الحسين علیه السلام ، فلما انتهيت إلى هذا الموضع:
لِبَلِيّةٍ تسقو حسيناً***بمسقاة الثرى غير التراب
فصاحت باكية من وراء الستر: وا أبتاه»(3).
وإلى جانب الشعراء الناظمين في الحسين علیه السلام ظهر في أيام الإمام الصادق علیه السلام ما كانوا يعرفون ب-(المُنشدين)، والمُنشد هو شخص حَسن الصوت يحفظ الشعر الرثائي الحسيني ويقرأه بطريقة حزينة ورقيقة ومؤثرة في السامعين.
ومن أوائل مَن عُرِف بالمُنشد: أبو هارون موسى بن عمير الكوفي المعروف ب-(أبي هارون المكفوف)، من أصحاب الإمامين الباقر والصادق علیهما السلام ، كان يُنشد قصائد السيد الحميري وغيره(1).
يروي ابن قولويه عن أبي هارون المكفوف أنه قال: قال أبو عبد الله علیه السلام : «يا أبا هارون، أنشدني في الحسين علیه السلام . قال: فأنشدته فبكى، فقال: أنشدني كما تُنشدون - يعني بالرِّقة - قال: فأنشدته:
امرُر على جدث الحسين***فقل لأعظُمه الزكية
قال: فبكى، ثم قال: زدني. قال: فأنشدته القصيدة الأُخرى، قال: فبكى، وسمعت البكاء من خلف الستر، قال: فلما فرغت، قال لي: يا أبا هارون، مَن أنشد في الحسين علیه السلام شعراً فبكى وأبكى عشراً كُتبت له الجنة، ومَن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى خمسة كُتبت له الجنة، ومَن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى واحداً كُتبت لهما الجنة، ومَن ذُكر الحسين علیه السلام عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله، ولم يرضَ له بدون الجنة»(2).
«وهذا يعني أنّ هناك تطوراً شكلياً في المأتم الحسيني أُخذ فيه بالحسبان مراعاة حسن الصوت وطريقة الإنشاد؛ كي يتمّ التفاعل العاطفي الحزين مع واقعة كربلاء»(3).
وثمة تطوّر آخر برز في المأتم الحسيني في عصر الإمام الصادق علیه السلام ، يتمثّل هذا التطور في ظهور ما عُرِف ب-(القصاصين).
والقصاصون أو القُصّاص جمع قاص: وهو الذي يقصّ على الناس، ويكون من علمه التفسير والأثر وأخبار الأُمم البائدة، وهو ينقل ذلك لغرض التعليم أو الموعظة، ثم صار القصص، مما يلقى في مسجد النبي صلی الله علیه و اله . وأول مَن لزم ذلك مسلم بن جندب الهذلي(1).
ويبدو من بعض النصوص التاريخية أن القصاصين كانوا موجودين قبل واقعة الطف، وتحديداً في زمن معاوية(2).
وقد وردت الإشارة إلى مشاركة هذه الفئة في نقل أحداث ووقائع كربلاء في حديث عن الإمام الصادق علیه السلام ، يقول فيه مخاطباً أحد أصحابه: «بلغني أنّ قوماً يأتونه من نواحي الكوفة وناساً من غيرهم ونساءً يندبنه، وذلك في النصف من شعبان، فمن بين قارئ يقرأ، وقاصّ يقص، ونادب يندب، وقائل يقول المراثي؟ فقلت له: نعم جُعلت فداك، قد شهدت بعض ما تصف. فقال: الحمد لله الذي جعل في الناس مَن يَفِدُ إلينا ويمدحنا ويرثي لنا، وجعل عدونا مَن يطعن عليهم من قرابتنا وغيرهم يهدرونهم ويقبحون ما يصنعون»(3).
وقد يكون بعض هؤلاء القصاص الذين يتلون على الناس مأساة كربلاء متخصصاً في قصص الطف، كما هو الحال في بعض الشعراء والمنشدين الحسينيين، وقد يكون من القصاص غير المتخصصين في حقل خاص وقد جذبه المأتم الحسيني بعد أن غدا مؤسسة نامية لها قاعدتها الجماهيرية العريضة(4).
إنّ بروز فئتي المنشدين والقصاصين الحسينيين من أهمّ التطورات الشكلية التي
طرأت على المأتم في عصر الإمام الصادق علیه السلام ، وقد اندمجت هاتان الفئتان - بعد مرور زمن طويل - ليتشكّل منهما ما يُعرف اليوم ب-(فئة خطباء المنبر الحسيني)، فالمنشد الحسيني كما عرّفناه سابقاً: (هو شخص حسن الصوت يحفظ الشعر الرثائي الحسيني ويقرأه بطريقة حزينة ورقيقة ومؤثرة في السامعين)، والقاص الحسيني يمكن تعريفه: بمن يتولّى «مسألة سرد قصة الإمام الحسين علیه السلام وسيرته، وحوادث كربلاء، وما بعدها. وإنّ خطيب المنبر الحسيني اليوم يقوم بإنشاد أبيات من الشعر الرثائي، إضافة إلى ذكر شيء من قصة كربلاء»(1).
بدأ الإمام الباقر علیه السلام - كما بيّنا فيما سبق - بالحثّ والتأكيد على إحياء عاشوراء، وسار الإمام الصادق علیه السلام على المنوال ذاته، فعن معاوية بن وهب، قال: «دخلت يوم عاشوراء إلى دار إمامي جعفر الصادق علیه السلام فرأيته ساجداً في محرابه، فجلست من ورائه حتى فرغ، فأطال في سجوده وبكائه، فسمعته يُناجي ربه وهو ساجد... فما زال الإمام علیه السلام يدعو لأهل الإيمان ولزوار قبر الحسين وهو ساجد في محرابه، فلما رفع رأسه، أتيت إليه، وسلّمت عليه وتأمّلت وجهه، وإذا هو كاسف اللون متغير الحال ظاهر الحزن، ودموعه تنحدر على خديه كاللؤلؤ الرطب، فقلت: يا سيدي، ممّ بكاؤك؟ لا أبكى الله لك عيناً! وما الذي حلّ بك؟ فقال لي: أوَ في غفلة عن هذا اليوم؟! أما علمت أن جدي الحسين علیه السلام قد قُتل في مثل هذا اليوم؟! فبكيت لبكائه وحزنت لحزنه، فقلت له: يا سيدي، فما الذي أفعل في مثل هذا اليوم؟ فقال لي: يا بن وهب، زُرِ الحسين علیه السلام من بعيد أقصى ومن قريب أدنى، وجدّد الحزن عليه وأكثر البكاء والشجون له... »(2).
وضع الإمام الصادق علیه السلام جملة من المحددات والأُطر العامة على طريقة (علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع)، على أن تكون تلك المحددات والأُطر بدرجة من المرونة تجعلها قابلة للتمدد عبر الزمان والمكان، ومستوعبة للمارسات والفعاليات الحسينية المستجدة والمستحدثة التي سيفرضها تطور المجتمعات البشرية، واختلاف الشعوب والأقوام في تعاطيها مع مسألة الحزن «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة»(1). وسنكتفي هنا بالإشارة إلى ثلاثة نماذج من تلك المحددات والأُطر:
قال الإمام الصادق علیه السلام : «ما من أحد قال في الحسين شعراً، فبكى وأبكى به إلّا أوجب الله له الجنة، وغفر له»(2)، وقال علیه السلام : «... مَن أنشد في الحسين بن علي شعراً فأبكى خمسين فله الجنة، ومَن أنشد في الحسين شعراً فأبكى ثلاثين فله الجنة، ومَن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرة فله الجنة، ومَن أنشد في الحسين شعراً فأبكى واحداً فله الجنة... »(3).
قد فهم الفقهاء من أمثال هذين النصّين: أنّ كل ما تسبب في إبكاء الناس على الإمام الحسين علیه السلام - وتوسط في استدرار الدمع من عيونهم - ولم ينطبق عليه أحد العناوين المحرمة في الشريعة، دخل تحت عنوان (الإبكاء)، وإن لم يُذكَر بعينه في الروايات، ومن ذلك على سبيل المثال ما يُسمَّى بالشبيه (المسرح الحسيني الشعبي)،
وهو من الشعائر التي تَعْود أُصولها إلى أيام الصفويين، فهو لم يكن موجوداً في عصر المعصومين علیهم السلام ، ومع ذلك أفتى كثير من الفقهاء بجوازه أو رجحانه - إذا لم يتضمّن هتكاً أو كذباً - بصفته أحد الأُمور المسببة للبكاء(1)، بل لعل تأثيره في المتلقين أبلغ بكثير من الاستماع لقراءة المقتل، وهو واضح لمن حضر تلك المسرحيات، وشاهد التفاعل والتجاوب من قِبَل الحاضرين، وكأنهم يتفاعلون مع أحداث واقعية تحصل أمامهم.
قال الإمام الصادق علیه السلام : «كلّ الجزع والبكاء مكروه، ما خَلا الجزع والبكاء لقتل الحسين علیه السلام »(2)، وقال علیه السلام أيضاً: «إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع، ما خلا البكاء على الحسين بن عليّ علیه السلام فإنّه فيه مأجور»(3).
وقد حاول بعض العلماء بأمثال هذه الروايات في جملة ما ستدل به على جواز التطبير، فقال: «والجزع ضد الصبر، وليس التطبير إلّا من أهون معاني الجزع»(4).
قال الإمام الصادق علیه السلام : «فأحيوا أمرنا رحم الله مَن أحيى أمرنا»(5).
1) 145. اُنظر على سبيل المثال: الميرزا القمي، أبو القاسم، جامع الشتات: ج2، ص787. الخامنئي، علي، أجوبة الاستفتاءات للسيد الخامنئي: ج1، ص123. الشيرازي، ناصر مكارم، الفتاوى الجديدة: ج1، ص137.
2) 146. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص505، باب استحباب البكاء لقتل الحسين علیه السلام .
3) 147. ابن قولويه القمي، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص202- 203.
4) 148. الشيرازي، حسن، الشعائر الحسينية: ص128- 129.
5) 149. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص282.
قال الشيخ السند: «وهذا العنوان - وهو إحياء أمرهم علیهم السلام - قد طُبّق على إحياء العزاء الحسيني ومذاكرة ما جرى على أهل البيت علیهم السلام من مصائب، فيتناول الشعائر الحسينيّة، سواء المرسومة في زمنهم علیهم السلام أو المستجدّة المستحدَثة المتّخذة، ولا يُقتصر على الشعائر القديمة»(1).
لقد كان حال مؤسسة المأتم الحسيني في العصر المتأخر عن عصر الإمام الصادق علیه السلام - أي: في عصر الأئمة من ذريته - في مدٍّ وجزر، وهبوط وصعود تبعاً للظروف والأوضاع السياسيّة التي عاشها كلّ واحد منهم.
ففي عصر الإمام الكاظم علیه السلام حصل تراجع في مؤسسة المأتم الحسيني؛ نتيجة للضغوط الشديدة التي مارسها العباسيون ضد الإمام علیه السلام وشيعته، فقد كان عهد الإمام الكاظم علیه السلام من أسوأ العهود التي مرت على أهل البيت علیهم السلام وشيعتهم، وقد قضى الإمام الكاظم علیه السلام أكثر أيام حياته في سجون العباسيين حتى توفِّي مسموماً شهيداً مظلوماً في أحد سجون بغداد في أيام الرشيد.
ومع هذا، فإنّ الإمام الكاظم علیه السلام وشيعته لم يتركوا مواصلة إحياء المأتم الحسيني سرّاً، بعد أن منعوا عنه في العلن. قال الإمام الرضا علیه السلام - واصفاً ما كان عليه حال أبيه الإمام الكاظم عند دخول محرم -: «كان أبي إذا دخل المحرم لا يُرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى تمضي منه عشرة أيام، فإذا كان اليوم العاشر منه كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قُتِل فيه جدي الحسين»(2).
وفي عهد الإمام الرضا علیه السلام حيث تنعّمت الشيعة بشيءٍ من الحرية عادت المآتم الحسينية إلى سيرتها الأُولى، كما كانت في أيام الإمام الصادق علیه السلام ، والتأمّل في النصوص الواردة عن الإمام الرضا علیه السلام في خصوص المأتم الحسيني يكشف عن منهج موحّد كان يسير عليه أئمة أهل البيت علیهم السلام في التعاطي مع هذه المسألة، وكان كل واحد منهم يعمل بهذا المنهج بمقدار ما تسمح به الظروف وتسنح الفرضة. فكانت جهود الإمام الرضا علیه السلام في هذا المجال صورة مكررة للجهود التي كان يبذلها جده الإمام الصادق علیه السلام في حثه على البكاء والإبكاء(1)، ودعمه للشعراء والمنشدين الحسينيين(2)، وتركيزه على إحياء يوم عاشوراء وما ينبغي أن يكون عليه الشيعي في هذا اليوم(3)، وضبطه وتقنينه لمسألة الشعائر(4).
ويمكن اعتبار عصر الإمام الجواد علیه السلام امتداداً لعصر أبيه الإمام الرضا علیه السلام من جهة الحرية النسبية التي كان يتمتع بها الشيعة في عصره، فقد كان المأمون متسامحاً مع الإمام علیه السلام وشيعته، ولعل لزواج الإمام علیه السلام من ابنته أمّ الفضل مدخلية في هذا التسامح، فكانت المآتم على الإمام الحسين علیه السلام تُقام في دور العلويين بشكل علني ودون أيّ ضغط، وقد استمرّت هذه الحالة إلى عهد المعتصم أيضاً، الذي كان يسعى لمراعاة شعور العلويين والموالين لآل البيت علیهم السلام إلى حدّ ما، ويسمح لهم بإقامة المناحات على الحسين علیه السلام في دورهم وخارجها، سرّاً وعلناً(5).
1) 152. اُنظر: المصدر السابق: ج5، ص112.
2) 153. اُنظر: الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا علیه السلام : ص294. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص157.
3) 154. اُنظر: الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ج2، ص111.
4) 155. اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص278.
5) 156. اُنظر: الشهرستاني، صالح بن إبراهيم، تاريخ النياحة على الإمام الشهيد الحسين بن علي علیهما السلام : ج1، ص137.
ومع ذلك لم يرد عن الإمام الجواد علیه السلام في خصوص المأتم الحسيني شيء يُذكر.
نعم، وردت عنه رواية واحدة يُقارن فيها بين وقعة الطف ووقعة فخٍّ، وهي أجنبية عمّا نحن فيه(1).
أما في عصر الأئمة من ذرية الإمام الجواد علیه السلام : الإمام الهادي، والإمام العسكري، والإمام المهدي علیهم السلام فلم تستقرّ مؤسسة المأتم الحسيني على حال واحد، بل كانت تقوى وتضعف بحسب الظروف السياسيّة، «فقد كان عهد المتوكل العباسي ومَن بعده عهد قسوة وجور في التعامل مع الشيعة وأئمة أهل البيت علیهم السلام ، ولم تشهد هذه المرحلة إلّا انفراجات بسيطة لا قيمة لها في سير الأحداث»(2).
وقد استمرت مؤسسة المأتم الحسيني على هذا الحال إلى ما بعد انقضاء فترة الغيبة الصغرى(329ﻫ)، وظهور الدول الشيعية، كالدولة البويهية في إيران والعراق (332- ﻫ447)، والحمدانية في الموصل وحلب (333 - 399ﻫ)، والفاطمية في مصر (358-567ﻫ)، حيث دخلت مؤسسة المأتم الحسيني مع مجيء هذه الدول - لا سيما البويهيين - في طور جديد أضفى عليها الكثير من التغييرات الشكلية والجوهرية، وهو ما لا نريد الخوض فيه فعلاً؛ لخروجه عن حقل دراستنا هذه.
تشترك مؤسسة الزيارة الحسينية مع مؤسسة المأتم الحسيني بتاريخ واحد ومتداخل في أحيان كثيرة، فالظروف التي حكمت نشوء ونموّ مؤسسة المأتم الحسيني هي بعينها الظروف التي حكمت نشوء ونموّ مؤسسة الزيارة الحسينية، ونظرة الحكّام الأُمويين والعباسيين لهذه المؤسسة لا تختلف عن نظرتهم لمؤسسة المأتم الحسيني،
فكلتاهما تنهلان من منهل واحد وتصبّان في مصب واحد، بل «يتّضح من ألفاظ وأُسلوب الزيارة أنّها نوع نُدبة ومأتم يُقيمه المؤمن خلال فترة الزيارة؛ ليتذكّر من خلاله ما جرى عليهم من مصائب»(1)، فلو قصرنا النظر على عنصر النُّدبة والرثاء الذي تتضمنه الزيارة لكانت الزيارة جزءاً من المأتم، ولكن لو لاحظنا العناصر الأُخرى التي تتضمنها الزيارة كالعنصر العبادي (من صلاة ودعاء) - مثلاً - يتضح لنا استقلالية مؤسسة الزيارة عن مؤسسة المأتم ومغايرة إحداهما للأُخرى مفهوماً.
مما لا ريب فيه أن زيارة الحسين علیه السلام وتعاهد قبره المطهّر قد بدأت بوادره منذ عهد مبكر يرجع إلى الأيام الأُولى بعد استشهاده.
ولعل بني أسد هم أول مَن تعاهد القبر الشريف، وأقام عليه رسماً، كما نُقل ذلك عن ابن طاووس(2)، ولا ريب في أنهم قد استمرّوا بزيارة القبر الشريف وتعاهده كلّما سنحت لهم سانحة؛ نظراً لقرب منازلهم وديارهم من تلك البقعة المقدسة.
ومن أوائل مَن زار تلك البقعة الطاهرة ووقف على مصارع الشهداء واستغفر لهم ورثاهم، هو عبيد الله بن الحر الجعفي الذي ندم على تركه نصرة الإمام الحسين علیه السلام (3).
وفي العشرين من صفر زاره الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري برفقة عطية العوفي، ومما جاء في قصة زيارتهما «... حتى إذا دنا من القبر، قال: ألمسنيه يا عطية. فألمسته إياه؛ فخرّ على القبر مغشيّاً عليه... »(4)، ويكشف هذا المقطع عن أن
القبر كان بارزاً ومرتفعاً قليلاً عن الأرض، وهذا ما يؤكد ما قلناه من تعاهد بني أسد له وبنائهم على القبر.
ويذكر محمد باقر المدرس أنه ما بين عامي [61] و(63ﻫ) بُني مسجد عند رأس الحسين علیه السلام (1)، ولعل بني أسد هم مَن قام ببناء هذا المسجد، كما تُشير نصوص أُخرى(2).
ويذهب الرحالة الهندي محمد هارون إلى أن أول مَن بنى صندوق الضريح بهيئة حسنة وشكل مليح بنو النظير وبنو قينقاع، وذلك في عام 64ﻫ(3).
وجاء في دائرة المعارف الحسينية (تاريخ المراقد): «ويظهر أن التوابين عندما قصدوا زيارة قبر الحسين علیه السلام - في ربيع الأول من عام 65 ﻫ قبل رحيلهم إلى عين الوردة - طافوا حول هذا الصندوق، وكان عددهم يُقارب أربعة آلاف رجل، فازدحموا حول القبر أكثر من ازدحام الحجاج على الحجر الأسود عند لثمه... وفي سنة 66 ﻫ وعندما استولى المختار بن أبي عبيدة الثقفي على الكوفة عمّر على مرقده الشريف قبّة من الجصّ والآجر... »(4).
وفي تقديري أنّ هذا التوافد والتعاهد لقبر أبي عبد الله الحسين علیه السلام - الذي عرضنا في النصوص السابقة صوراً منه - قد نشأ بأحد دافعين - أو كلاهما مجتمعين - وهما:
1- الدافع العبادي الفردي؛ فإنّ الذهنية الإسلاميّة بنحو عام والذهنية الشيعية
1) 163. اُنظر: الكرباسي، محمد صادق محمد، دائرة المعارف الحسينية، تاريخ المراقد: ص1249، نقلاً عن شهر حسين لمحمد باقر المدرس: ص160، نقلاً عن جغرافيائى كربلائى: ص176.
2) 164. اُنظر: الكرباسي، محمد صادق محمد، دائرة المعارف الحسينية، تاريخ المراقد: ص1248، نقلاً عن تاريخجه كربلاء: ص65.
3) 165. اُنظر: الحسيني الهندي، محمد هارون، الرحلة العراقية: ص99. مجلة الموسم الهولندية، العدد14، ص329.
4) 166. الكرباسي، محمد صادق محمد، دائرة المعارف الحسينية، تاريخ المراقد: ص1250.
بشكل خاص كانتا مشحونتين بما يرجّح زيارة القبور بشكل عام، وزيارة الأنبياء والأئمة والصالحين بشكل خاص، فكان كثيراً من هؤلاء مدفوعين نحو الزيارة بهذا التوجيه المعنوي العام، وربما لم يسمع أحدهم بما لزيارة الحسين علیه السلام من فضل وثواب خاصّين.
2- الدافع العاطفي الثوري، وهو ما ينطبق على حالة عبيد الله بن الحر الجعفي؛ فإن وفوده إلى قبر الإمام الحسين علیه السلام لم يكن بدافع نيل الأجر والثواب المترتب على الزيارة بقدر ما كان الدافع له هو إظهار الندم والحسرة على ما فاته من نصرة الإمام الحسين علیه السلام ، وكذا ما يتعلّق بحشود التوابين؛ فإنهم لم يزدحموا على القبر الطاهر لمجرد التبرّك وكسب الحسنات، بل كان الدافع الأكبر لهم هو إبراز توبتهم، والإعلان عن تقصيرهم تجاه صاحب القبر المقدس وبيان تعاطفهم وتضامنهم مع نهجه في الثورة والقيام ضد الظالمين والمستبدين.
إنّ زيارة الإمام الحسين علیه السلام كانت تحصل في السنين الأُولى التي تلت شهادته بشكل عفوي وتلقائي، ولم تكن ناشئة عن توجيهات خاصة من أئمة أهل البيت علیهم السلام ، وهذا يعني أن زيارة الحسين علیه السلام بوصفها مؤسسة فكرية توجيهية تربوية لم تكن قد وُلدت بعد، فالإمام السجاد علیه السلام الذي كان معاصراً لتلك الفترة كان يعيش في تقيّة مكثّفة جداً، وكان إصدار أيّ توجيه علني بهذا الخصوص يُعتبر عملاً سياسياً يعرّض حياته للخطر، وربما وفد إلى زيارة قبر أبيه الشهيد علیه السلام سرّاً وبعيداً عن عيون السلطات.
فقد روى الكليني بسنده إلى أبي حمزة أنه قال: «إن أول ما عرفت من علي بن الحسين علیهما السلام أني رأيت رجلاً دخل من باب الفيل فصلّى أربع ركعات فتبعته حتى أتى بئر الركوة، وإذا بناقتين معقولتين ومعهما غلام أسود، فقلت له: مَن هذا؟ قال: هذا علي بن الحسين. فدنوت إليه وسلمت عليه، فقلت له: ما أقدمك بلاداً قُتل فيها أبوك
وجدّك؟! فقال: زرت أبي وصلّيت في هذا المسجد... »(1).
يقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين معقّباً على هذه الرواية: «ويبدو من سؤال السائل أنه فوجئ بوجود الإمام علي بن الحسين علیهما السلام ، وهذا يوحي بأن الزيارة لم تكن شاعت بعدُ، وغدت أمراً مألوفاً»(2).
ولذا؛ فنحن نستغرب من نسبة ابن قولويه في كامل الزيارت رواية إلى علي بن الحسين علیهما السلام يُعطي فيها توجيهاً معيناً بخصوص الزيارة الشعبانية(3)فإن هذه الرواية - لو صحّت - لا يمكن أن تتعدى المستوى النظري إلى المستوى العملي التطبيقي إلّا في نطاق محدود جداً، لا يرقى إلى درجة ما يمكن تسميته بثقافة الزيارات المخصوصة؛ نظراً للضغط الشديد الذي كان يمارسه الأُمويون على الشيعة، وإنما كانت البداية الحقيقية لبثّ ثقافة الزيارة من حيث المبدأ والزيارات المخصوصة بنحو خاصّ في أواخر أيام الإمام الباقر علیه السلام حين حصل شيء من الانفراج، كما سنُبين في السطور التالية.
تحدثنا في المطلب السابق عن الانفراج اليسير الذي حصل في أواخر حياة الإمام الباقر علیه السلام ، وكيف أن الإمام علیه السلام قد استغل هذا الانفراج لتطوير مؤسسة المأتم الحسيني وبلورتها بمقدار ما سمحت له الظروف، وسنتحدث هنا عمّا كان له من إسهام في وضع البذرة الأُولى لمؤسسة الزيارة عن طريق ما أصدره من توجيهات وتعليمات تحث على زيارة الحسين علیه السلام ، وتؤكد على مشروعيتها من حيث المبدأ، كقوله علیه السلام : «مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين علیه السلام ؛ فإنّ إتيانه مفترض على كل مؤمن
يقرّ للحسين علیه السلام بالإمامة من الله عزّ وجلّ»(1).
ولفظ: (مروا) و(مفترض) يحملان على الوجوب العيني أو الكفائي أو على الاستحباب المؤكد، على الخلاف المعروف في مسألة حكم زيارة الحسين علیه السلام .
وقد يُحمل هذا النص وأمثاله - بحسب رأي مطهري - بعد ملاحظة السياق التاريخي الذي ظهر فيه، على الحكم التاريخي، أي: إنه ليس حكماً إلهياً ثابتاً لكل زمان ومكان، بل هو حكم وقتي فرضته مصلحة أدركها الإمام علیه السلام في ذلك الظرف التاريخي(2).
ويمكن أن نلمح تلك المصلحة في قوله: «فإن إتيانه مفترض على كل مؤمن يقر للحسين علیه السلام بالإمامة... »؛ إذ يبدو من خلال ذلك أن زيارة الحسين علیه السلام في ذلك الزمان لم تكن مجرد عمل عبادي فردي، وإن كان هذا البُعد ثابتاً لها على كل حال، وإنما كانت - بالإضافة إلى ذلك - عملاً ذا مدلول اجتماعي ومذهبي، «ففي بعض الحُقب التاريخية كان التشيع مهدَّداً في وجوده بالخطر، وكانت زيارة المراقد تعبيراً عنيفاً عن حضور هذا المذهب... لهذا وجدنا النصوص تؤكد وجوب الزيارة، لا لأنها واجبة وجوباً إلهياً، بل لأنّ الظرف الزمكاني كان يستدعي وجوبها، وعندما زال هذا الظرف، وكذا قبل أن يأتي، وجدنا النصوص تفيد الاستحباب... »(3).
وقد يؤكد المعنى المشار إليه بما ورد عنه علیه السلام من حثّ على مدوامة الزيارة وشدّ الرحال إلى كربلاء حتى في حال الخوف ومضايقة السلطات، فعن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام : «ما تقول فيمن زار أباك على خوف؟ قال: يؤمنه الله يوم الفزع الأكبر وتلقاه الملائكة بالبشارة، ويُقال له: لا تخف ولا تحزن، هذا يومك الذي فيه فوزك»(4).
فهذا مما يؤكد أنّ المسألة كانت ذات مغزى اجتماعي، ولم تكن مجرد عبادة فردية.
وكما أكد الإمام الباقر علیه السلام على مشروعية زيارة الحسين علیه السلام من حيث المبدأ وفي كل الأزمان، فقد أكد على زيارته في أزمان بعينها، وهو ما يعرف في كتب الزيارات ب-(الزيارات المخصوصة)، والذي وصلنا من ذلك تأكيده على:
1- زيارة عاشوراء، فقد روى الشيخ في مصباح المتهجد بسنده إلى الإمام الباقر علیه السلام أنه قال: «مَن زار الحسين بن علي علیهما السلام في يوم عاشوراء من المحرم حتى يظل عنده باكياً لقي الله عزّ وجلّ يوم يلقاه بثواب ألفي حجة وألفي عمرة وألفي غزوة، ثواب كل غزوة وحجة وعمرة كثواب من حج واعتمر وغزا مع رسول الله صلی الله علیه و اله ، ومع الأئمة الراشدين. قال: قلت: جعلت فداك، فما لمن كان في بعيد البلاد وأقاصيه ولم يمكنه المصير إليه في ذلك اليوم؟ قال: إذا كان كذلك برز إلى الصحراء أو صعد سطحاً مرتفعاً في داره وأومأ إليه بالسلام، واجتهد في الدعاء على قاتله، وصلى من بَعدُ ركعتين، وليكن ذلك في صدر النهار قبل أن تزول الشمس... »(1). وكنّا فيما سبق قد نقلنا ذيل هذه الرواية، وهو ما يتعلق بتشريع استحباب يوم عاشوراء.
2- الزيارة الشعبانية، ففي كامل الزيارات بسنده عن الإمام الباقر علیه السلام ، قال: «زائر الحسين علیه السلام في النصف من شعبان يُغفر له ذنوبه، ولن يُكتب عليه سيئة في سنة حتى يحول عليه الحول، فإن زار في السنة المقبلة غفر الله له ذنوبه»(2).
لو ألقى المتابع نظرة سريعة على عشرات الأبواب التي ذكرها صاحب كتاب كامل الزيارات والمرتبطة بزيارة الحسين علیه السلام (3)، ولاحظ أن أكثر نصوص تلك
الأبواب هي مما روي عن الإمام الصادق علیه السلام ؛ لعرف ما لهذا الإمام علیه السلام من أثر كبير في تفعيل مؤسسة الزيارة وتنميتها. ومن تلك النصوص ما يتحدث عن مشروعية الزيارة من حيث المبدأ وحجم الثواب المترتب عليها، ومنها ما يتضمن الحث على الزيارة في أيام بعينها، كزيارته يوم عاشوراء، ويوم الخامس عشر من شهر شعبان، واليوم الأول من شهر رجب، ومنها ما يدل على شمول مشروعية الزيارة للرجال والنساء على حدّ سواء، ومنها ما يتناول مشروعية الزيارة عن بُعد مما يتيح فرصة المشاركة للجميع، ومنها ما يتكلم عما يكره اتّخاذه للزيارة، وكيف يجب أن يكون زائر الحسين بن علي علیهما السلام .
وإليك هذه العيّنات والنماذج من النصوص الواردة عن الإمام الصادق علیه السلام في هذا المجال:
1- فعنه علیه السلام : «لو أنّ أحدكم حجّ دهره ثم لم يزر الحسين بن علي علیهما السلام لكان تاركاً حقاً من حقوق رسول الله صلی الله علیه و اله ؛ لأنّ حقّ الحسين علیه السلام فريضة من الله واجبة على كل مسلم»(1).
2- وفي حديث طويل عن عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله علیه السلام أنه خاطبه قائلاً: «يا بن بكير، هل تدري ما لمن زار قبر أبي عبد الله الحسين علیه السلام إذ جهله الجاهل؟ ما من صباح إلّا وعلى قبره هاتف من الملائكة ينادي: يا طالب الخير، أقبِلْ إلى خالصة الله ترحل بالكرامة وتأمن الندامة. يسمع أهل المشرق وأهل المغرب إلّا الثقلين، ولا يبقى في الأرض مَلك من الحفظة إلّا عطف عليه عند رقاد العبد حتى يُسبِّح الله عنده، ويسأل الله الرضا عنه. ولا يبقى مَلك في الهوى يسمع الصوت إلّا أجاب بالتقديس لله تعالى؛ فتشتدّ أصوات
1) 177. ابن قولويه القمي، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص238.
الملائكة، فيجيبهم أهل السماء الدنيا؛ فتشتدّ أصوات الملائكة وأهل السماء الدنيا، حتى تبلغ أهل السماء السابعة، فيسمع أصواتهم النبيّون، فيترحمون ويصلّون على الحسين علیه السلام ، ويدعون لمن زاره»(1).
3- وقال علیه السلام : «مَن أتى قبر أبي عبد الله علیه السلام فقد وصل رسول الله صلی الله علیه و اله ووصلنا، وحرمت غيبته، وحرم لحمه على النار، وأعطاه الله بكل درهم أنفقه عشرة آلاف مدينة له في كتاب محفوظ، وكان الله له من وراء حوائجه، وحُفظ في كل ما خَلَفَ، ولم يسأل الله شيئاً إلّا أعطاه وأجابه فيه، إمّا أن يُعجلِّه وإمّا أن يؤخّره له»(2).
4- وعن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة، قال: قال أبو عبد الله علیه السلام : «يا حسين، مَن خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين بن علي علیهما السلام إن كان ماشياً كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحا عنه سيئة، حتى إذا صار في الحائر كتبه الله من المفلحين المنجحين، حتى إذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين، حتى إذا أراد الانصراف أتاه مَلَك، فقال: إنّ رسول الله صلی الله علیه و اله يُقرئك السلام، ويقول لك: استأنف العمل فقد غُفر لك ما مضى»(3).
5- وورد عنه علیه السلام أنه قال: «إنّ الرجل ليخرج إلى قبر الحسين علیه السلام فله إذا خرج من أهله بأول خطوة مغفرة ذنوبه، ثم لم يزل يقدّس بكل خطوة حتى يأتيه، فإذا أتاه ناجاه الله تعالى، فقال: عبدي سلني أُعطك، اُدعني أُجبك، اُطلب مني أُعطك، سلني حاجة اَقضها لك، قال: وقال أبو عبد الله علیه السلام : وحقّ على الله أن يُعطي ما بذل»(4).
وقد نشأ بسبب هذه النصوص وغيرها مناخ ثقافي اجتماعي شيعي فيما يتّصل بالزيارة، كوّن تياراً بشرياً جارفاً، يتعاظم باستمرار ومن جميع الأعمار والأوطان.
وقد كانت تستخدم في السفر إلى زيارة قبر الحسين علیه السلام جميع وسائل النقل المعروفة في ذلك الحين بالإضافة إلى المشي، وغالب النصوص تبرز أهمية المشي(1).
ومن الشواهد الدالة على نمو مؤسسة الزيارة في عصر الإمام الصادق علیه السلام ، وبلوغها إلى مستوى الرسوخ والتجذّر والتغلغل في عمق الوجدان الشعبي الشيعي ما رُوي عنه علیه السلام مخاطباً أحد أصحابه: «بلغني أنّ قوماً يأتونه من نواحي الكوفة وناساً من غيرهم، ونساء يندبنه، وذلك في النصف من شعبان، فمن بين قارئ يقرأ، وقاصّ يقص، ونادب يندب، وقائل يقول المراثي؟ فقلت له: نعم، جُعلت فداك قد شهدت بعض ما تصف. فقال: الحمد لله الذي جعل في الناس مَن يَفِدُ إلينا ويمدحنا ويرثي لنا، وجعل عدونا مَن يطعن عليهم من قرابتنا، وغيرهم يهدرونهم ويقبّحون ما يصنعون»(2).
فهذا النص يكشف بوضوح عن رواج ثقافة الزيارة الحسينية بشكل عام، وثقافة الزيارات المخصوصة بشكل خاص، وما ذلك إلّا بفضل الجهود المكثفة التي بذلها الإمام علیه السلام في هذا المجال.
ويبدو لنا أنّ هذا الانتعاش والازدهار الذي حصل في مؤسسة الزيارة كان في فترة قيام العباسيين ضد الأُمويين؛ حيث انشغل الطرفان ببعضهما، وقد استمرّ طيلة فترة حكم أبي العباس السفاح (132- 136ﻫ) «الذي ساير الشيعة كثيراً؛ ليستعين بهم ضد بقايا الأُمويين؛ إذ سمح لهم بإقامة شعائرهم ومآتمهم، وبزيارة قبر الحسين علیه السلام ... »(3).
ولكن الأمر قد تغيّر تماماً مع مجيء المنصور الدوانيقي (136- 158ﻫ) الذي كان أول مَن ارتكب جريمة هدم قبر الحسين علیه السلام ؛ وذلك بعد قضائه على ثورة الحسنيين سنة 145ﻫ(1)، ولا ريب في أنّ هذا الإجراء كان مقدمة لإجراءات أُخرى لمنع الزائرين الوافدين إلى كربلاء.
وكان الإمام الصادق علیه السلام يوصي شيعته بمقابلة هذا المنع بالتحدي والرفض، ومداومة هذه المسيرة وعدم التراجع عنها مع أخذ الحيطة والحذر من السلطات.
فعن ابن بكير، عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: قلت له: «إنّي أنزل الأَرجان(2)وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك، فإذا خرجت فقلبي وَجِلٌ مشفق حتى أرجع؛ خوفاً من السلطان والسعاة وأصحاب المسالح. فقال: يا بن بكير، أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً؟! أما تعلم أنّه مَن خاف لخوفنا أظلّه الله في ظلّ عرشه، وكان محدّثه الحسين علیه السلام تحت العرش، وآمنه الله من أفزاع يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزع، فإن فزع وقّرته الملائكة، وسكّنت قلبه بالبشارة»(3).
وعن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: قال: «يا معاوية، لا تدع زيارة قبر الحسين علیه السلام لخوف؛ فإن مَن تركه رأى من الحسرة ما يتمنَّى أن قبره كان عنده، أما تُحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله صلی الله علیه و اله وعلي وفاطمة والأئمة علیهم السلام ؟ أما تُحب أن
تكون ممن ينقلب بالمغفرة لما مضى، ويُغفر له ذنوب سبعين سنة؟ أما تُحب أن تكون ممن يخرج من الدنيا وليس عليه ذنب يُتبع به؟ أما تُحب أن تكون غداً ممن يصافحه رسول الله صلی الله علیه و اله »(1).
وعن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: قلت له: «جُعلت فداك! زيارة قبر الحسين علیه السلام في حال التقية؟ قال: إذا أتيت الفرات فاغتسل، ثم البس أثوابك الطاهرة، ثم تمرّ بإزاء القبر، وقل: صلّى الله عليك يا أبا عبد الله، صلّى الله عليك يا أبا عبد الله، صلّى الله عليك يا أبا عبد الله، فقد تمّت زيارتك»(2).
استُشهد الإمام الصادق علیه السلام مسموماً سنة (148ﻫ) ولا يزال المنصور الدوانيقي جالساً على كرسي الحكم، وتولّى الإمام الكاظم علیه السلام مهامّ الإمامة في ظلّ حكم دكتاتوري إرهابي قلّ نظيره في التاريخ، ولنا أن نفترض أنّ القبر قد بقي مهدوماً، والمنع من الزيارة ظلّ سارياً طيلة السنوات العشر الأُولى من مدة إمامة الإمام الكاظم علیه السلام ، وهي المدة التي عاصر فيها المنصور الدوانيقي.
وبعد هلاك الدوانيقي ومجيء المهدي إلى السلطة تساهل هذا الأخير مع الشيعة، وأمر بأن تُعاد سقيفة قبر الإمام علیه السلام ، وفسح المجال للشيعة بزيارة القبر الشريف، وسهّل لهم أمر الشخوص إليه(3)، وقد كانت مدة خلافته عشر سنين استعاد فيها الشيعة بعض الحرية.
ولنا أن نفترض أن ما ورد في كتاب كامل الزيارات وغيره، من توجيهات الإمام الكاظم علیه السلام وإرشاداته ودعمه المعنوي لمؤسسة الزيارة كان في أثناء مدة حكم
المهدي، ويبدو من خلال إشارات بعض النصوص أنّ تيار الزيارة قد عاد إلى التدفّق في هذه المدة بنفس القوة التي كان عليها في أيام الإمام الصادق علیه السلام ، وربما أكبر، ومن تلك الإشارات ما رُوي عن أحد الأتقياء من أصحاب الإمام الكاظم علیه السلام ، قال: «دخلت عليه، فقلت له: جُعلت فداك! إنّ الحسين علیه السلام قد زاره الناس مَن يعرف هذا الأمر ومَن يُنكره، وركبت إليه النساء ووقع حال الشهرة، وقد انقبضت منه لما رأيت من الشهرة. قال: فمكث مليّاً لا يجيبني، ثم أقبل عليّ، فقال: يا عراقي، إنّ شهروا أنفسهم فلا تشهر أنت نفسك؛ فوالله، ما أتى الحسين علیه السلام آتٍ عارفاً بحقه إلّا غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر»(1).
ويمكن اعتبار مدة حكم الهادي امتداداً لحكم والده المهدي؛ إذ إنّه لم يمكث في كرسي الخلافة سوى عام واحد، وهي مدة قليلة جداً لا تؤهله لأن يتّخذ موقفاً إيجابياً أو سلبياً تجاه مسألة الزيارة.
وأمّا فترة حكم الرشيد، فكانت من أسوأ الفترات التي مرّ بها التشيّع، فقد كان أقسم على استئصال العلويين، وكل مَن يتشيّع لهم وقال: حتامَ أصبر على آل أبي طالب؟! والله، لأقتلنهم وأقتل شيعتهم. وأمر بإخراجهم من بغداد إلى المدينة، وعندما أرسل الجلودي لحرب محمد بن جعفر بن محمد أمره أن يغير على دور آل أبي طالب ويسلب ما على نسائهم من الثياب، ولا يترك لكل واحدة منهن إلّا ثوباً واحداً يسترها(2).
وكان قبل ذلك قد أمر بهدم قبر الحسين علیه السلام وأمر بقطع السدرة التي كان يُستدلّ بها على القبر ويستضلّ بها الزوار، وقد جاء في حديث عن رسول الله صلی الله علیه و اله أنه قال:
لعن الله قاطع السدرة. ثلاثاً(1).
ولم يكتفِ هارون العباسي بتلك الموبقات حتى «... توّج موبقاته كلّها بحبس الإمام موسى بن جعفر علیه السلام ، وأخيراً بقتله بالسم بواسطة جلاديه وجلاوزته، وفي عهده امتلأت سجونه من العلويين وشيعتهم، وكل مَن يتهمّ بالتشيّع... »(2).
وذكر صالح الشهرستاني أنّ الحال بقيت على هذه الوتيرة حتى توفّي الرشيد، وأصبح ابنه الأمين يتساهل مع الشيعة إلى حدّ ما، وجدّد بناء سقيفة قبر الحسين علیه السلام ، وسمح لهم بإقامة المآتم والمناحات على القبر وغيره.
كما أخذ المأمون يُساير الشيعة، وخفّف من وطأة الضغط عليهم، وسمح تدريجاً للوافدين على الطفّ بزيارة قبر الإمام الشهيد علیه السلام .
وفي خلافة المعتصم والواثق، كان العلويون في رخاء وحرية إلى حدّ ما، من حيث عدم الضغط عليهم، وكانت وفود الزوار على عهديهما ترد على قبر الإمام الشهيد علیه السلام في كربلاء جماعات وأفراداً(3).
وقد كثرت في هذه الفترة التوجيهات والتعليمات الصادرة عن الإمام الرضا علیه السلام بخصوص مؤسسة الزيارة، ومنها على سبيل المثال:
1- قوله علیه السلام : «إنّ لكل إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد وحُسن الأداء زيارة قبورهم، فمَن زارهم رغبةً في زيارتهم وتصديقاً لما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة»(4).
2- عن محمد بن أبي جرير القمي، قال: «سمعت أبا الحسن الرضا علیه السلام يقول لأبي: مَن زار الحسين بن علي علیهما السلام عارفاً بحقّه كان من محدّثي الله فوق عرشه، ثم قرأ: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ *فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ »(1).
3- عن محمد بن أبي نصر، قال: «سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام : في أيّ شهر نزور الحسين علیه السلام ؟ قال: في النصف من رجب والنصف من شعبان»(2).
وقد بقيت مؤسسة الزيارة في تقدُّم وازدهار إلى أن جاء الخليفة العباسي العاشر المتوكل الذي استلم زمام الحكم عام (232ﻫ)، والذي ورث من جدّه هارون حقده وبغضه لعلي وآل علي وشيعتهم، واتفق له أن وزيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان كان يسيء الرأي فيهم، فحسَّن له القبيح في معاملتهم، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله. وكان من ذلك أن حرث قبر الحسين علیه السلام وعَفَّى آثاره، ووضع على سائر الطرق مسالح له، لا يجدون أحداً زاره إلّا أتوه به، فقتله، أو أنهكه عقوبة!(3).
قال الطبري: «وفيها [سنة 632] أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يُحرث ويُبذر ويُسقى موضع قبره، وأن يُمنع الناس من إتيانه. فذُكر أن عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية: مَن وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق(4)، فهرب الناس، وامتنعوا من المصير إليه، وحُرث ذلك الموضع، وزُرع ما حواليه»(5).
ويظهر من مجموع النصوص التي وردت في هذا الشأن: أن محاولة المتوكل لهدم القبر الشريف قد دامت نحو سنة من شعبان سنة (236ﻫ) إلى شعبان (237ﻫ)، حتى استطاع أن يمنع الزوار من زيارته ويهدمه.
لكن الشيعة واصلوا تحدي السلطة والذهاب إلى الزيارة أكثر من عشر سنين حتى هلك المتوكل، وواصل هو خلال تلك الفترة محاولاته في هدم القبر الشريف ومنع الزوار ومطاردتهم(1).
أما الإمام الهادي علیه السلام ، فقد كان في تلك الفترة في أشدّ حالات التقية؛ إذ كان في سامراء تحت رقابة عيون السلطة، معزولاً عن شيعته وأتباعه، ومع ذلك فقد كان يراقب الأوضاع عن بُعد، وكان لا يتوانى عن تقديم الدعم المعنوي لمؤسسة الزيارة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
ومن ذلك أنه حينما مرض كان يصرّ علیه السلام على إرسال شخص من خواصّ أصحابه يزور الحسين علیه السلام ويدعو له في عند قبره الشريف. فقد روى الكليني بسنده عن أبي هشام الجعفري، قال: «بعث إليَّ أبو الحسن علیه السلام في مرضه وإلى محمد بن حمزة، فسبقني إليه محمد بن حمزة، وأخبرني محمد ما زال يقول: ابعثوا إلى الحير، ابعثوا إلى الحير. فقلت لمحمد: ألا قلت له: أنا أذهب إلى الحير؟ ثم دخلت عليه وقلت له: جُعلت فداك! أنا أذهب إلى الحير. فقال: اُنظروا في ذاك. ثم قال لي: إن محمداً ليس له سرّ من زيد بن علي، وأنا أكره أن يسمع ذلك. قال: فذكرت ذلك لعلي بن بلال، فقال: ما كان يصنع بالحير وهو الحير؟! فقدمت العسكر، فدخلت عليه، فقال لي: اجلس. حين أردت القيام، فلما رأيته أنس بي ذكرت له قول علي بن بلال، فقال لي: ألا قلت له: إنّ رسول الله صلی الله علیه و اله كان يطوف بالبيت ويُقبّل الحجر، وحرمة النبي والمؤمن أعظم
1) 202. اُنظر: الكوراني، علي، الإمام الهادي علیه السلام : ص126.
من حرمة البيت، وأمره الله عز وجل أن يقف بعرفة؟! وإنّما هي مواطن يحبّ الله أن يُذكر فيها. فأنا أحبّ أن يُدعى الله لي حيث يحبّ الله أن يُدعى فيها»(1).
وقد بقيت مؤسسة الزيارة الحسينية على هذه الوتيرة، تتقدم وتنتعش في بعض الفترات، وتتراجع وتنكمش في فترات أُخرى بحسب سياسة الحاكم العباسي، ولم تحصل بعد هلاك المتوكل(سنة 247ﻫ) إلّا انفراجات يسيرة لم تطرأ فيها أيّة تغييرات صورية أو جوهرية على هذه المؤسسة، وقد استمر هذا الحال إلى بداية الغيبة الكبرى وقيام الدول الشيعية، فدخلت مؤسسة الزيارة - بل مؤسسة الشعائر الحسينية عموماً - في مرحلة جديدة، كما أشرنا في المطلب السابق.
1) 203. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج4، ص567-568.
حجاجية السؤال في خطاب الإمام الحسين علیه السلام
الشعر الحسيني في الدراسات الأدبية الحديثة
قراءة في كتاب (كربلاء بين شعراء الشعوب الإسلاميّة)
النثر في ثورتي التوابين والمختار الثقفي وتأثره بالنص القرآني
د. خالد حويِّر(1)
إن تراث أهل البيت علیهم السلام جدير بالدراسة والتحليل؛ فهو المَعين الذي لا ينضب من جهة تكوينه الفلسفي والعقدي والفقهي واللساني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والتربوي، وغير ذلك من المجالات.
ولأجل إضفاء المشروعية على تلك المعارف حاول أهل البيت علیهم السلام إقامة الأدلة الساطعة، والحجج القوية لإثبات هذه المضامين الحقة، وإقناع المتلقي بها عن طريق تقنيات حجاجية جمة سجلتها اللسانيات الحجاجية في العصر الحديث، ومن تلك التقنيات: (السؤال).
لا يخفى أن حجاجية السؤال ذات أهمية كبرى في الخطاب، تعود إلى كونه حجاجاً موقفيّاً أكثر التصاقاً بالجمهور، يرومُ مُلقيه استمالةَ المتلقي وإذعانه، والتراجع عمَّا هو متوغل فيه، ومنعه من الانخراط في طريق مغاير لما يراه المُحاجّ.
1) 545. جامعة ذي قار/ كلية الآداب.
وحينئذ؛ إذا كان المتكلم والسائل يجهل الجواب فإنَّ كلامه يخلو من أي حجاج، وأما إذا كان يعيه، فيحمل هذا شحنة حجاجية يريد أنْ يوصلها صاحب السؤال إلى المتلقّي لتغيير قناعاته. فالبحث - هنا - يهدف لتحقيق ما يأتي:
1- الكشف عن أدوات الاستفهام التي حملت معنى حجاجيّاً في خطاب الإمام الحُسين علیه السلام .
2- إبراز المتلقّي المعني بإلقاء الحجة من لدن الإمام.
3- التعريف بأهم الدلالات والأغراض التي جيء من أجلها الحجاج.
وعليه، فسيكون البحث موزعاً على محورين رئيسين: وضع الأول للتعريف بالحجاج وبيان معناه لدى اليونان والمسلمين، وعند الغرب في العصر الحديث وصولاً إلى ميشال مايير Michael Mayer ونظريته القائمة على (المساءلة)، والنظر من خلالها إلى السؤال في الخطاب الحُسيني.
ووضع المحور الثاني لإجلاء صور السؤال، وهي أدوات الاستفهام المعروفة بحسب ما وردت في خطابه علیه السلام مع بيان عَلَاقات الخطاب وأثرها في إبداء الحجة.
يتناول هذا المحور إيضاحاً لمفهومين اثنين، هما مفهوم الحجاج، ومفهوم الخطاب مطلقاً، وسيتم تطبيقهما على خطابات الإمام الحسين علیه السلام ، وهما:
يعدّ الحجاج من أخصب المجالات اللسانية في العالم العربي هذه الأيام، وقدمت دراسات عديدة للمساوقة بينه وبين البلاغة، ويمكن تلمُّس ذلك من جانبين:
الجانب الأول: في البُعد الكلي الذي يتمثل بمهمة البلاغة الكلية القائمة على الجمال والإقناع، وهذه هي هُويَّة الحجاج؛ كونه يرتبط بالإقناع والتواصل.
الجانب الثاني: في البعد التجزيئي، من خلال تناول البلاغيين له في موضوعات البلاغة وأبوابها، نحو: إلجام الخصم بالحجة أو المذهب الكلامي، وغير ذلك من قبيل: التقسيم والتشبيه والاستعارة والمجاز عند حملها شحنات حجاجية وإقناعية.
وفضلاً عن فكرة التأصيل تلك انشغل العرب ببيان مفهومه وأنواعه وتطبيقاته في المنظومة اللسانية العربية. وهو مشتق من الجذر الثلاثي (ح. ج. ج) الدالة مشتقاته في المعجم العربي على: الحج، والطريق، والدليل، والبرهان، والوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، وانتزاع الحجة، والغَلَبة فيها(1).
وقال طه عبد الرحمن في تعريفه - بعدما ساواه بالمجاز -: «المجاز كل منطوق به موجَّه إلى الغير لإفهامه دعوى مخصوصة يحق له الاعتراض عليها بحسب القيمة التي تحملها»(2).
ولم يرض البعض ك-(عبد الهادي الشهري) عن هذا التعريف مبدياً حجته: «وبالرغم من صحة هذا التعريف، إلّا أنَّه لا يشمل سوى الجانب الشكلي، أو الإطار الذي يظهر به الحجاج، أي التلفظ، ومن ثَمَّ الإفهام، لكنه لا يتجاوز ذلك إلى الغرض التداولي من الحجاج، وهو تحصيل الإقناع»(3).
ويطرح الشهري تعريف شايم بيرلمان Chaïm Perelman ويراه الأجدر، ومفاده: «غاية كل حجاج أنْ يجعل العقول تذعن لما يُطرح عليها، أو يزيد في درجة ذلك الإذعان، فأنجع الحجاج ما وفِّق في جعل حدة الإذعان تقوى درجتها لدى السامعين بشكل يبعثهم على العمل المطلوب إنجازه أو الإمساك عنه، أو هو ما وفِّق
على الأقل في جعل السامعين مهيئين لذلك العمل في اللحظة المناسبة»(1).
وإذا أردنا في هذه المقدمة ذكر مصدر هذه النظرية، فهي انبثقت من صلب نظرية (أفعال الكلام) لأوستين Austin. L. J في نظر الدارسين(2)، وهو نظر منطقي صائب.
وتوضيح ذلك: أنَّ نظرية أوستين Austin لها أركانها الثلاثة: فعل القول، وعمل القول، والتأثير في القول. والتأثير لا يحدث إلّا عِبْر الحجة والإقتناع.
وهذه النظرية تنفع في الاعتراف بالعَلَاقة بين التداولية والحجاج، ويشهد لذلك طه عبد الرحمن بقوله: «وحدُّ الحجاج أنَّه فعالية تداولية جدلية، فهو تداولي؛ لأنَّ طابعه الفكري مقامي واجتماعي، إذ يأخذ بعين الاعتبار مقتضيات الحال من معارف مشتركة ومطالب إخبارية وتوجهات ظرفية، ويهدف إلى الاشتراك جماعيّاً في إنشاء معرفة عملية إنشاءً موجّهاً بقدر الحاجة»(3). وهذه العَلَاقة الموقفية تنعكس على السؤال الحجاجي القائم على تغيير القناعات وإذعان الأذهان في المقام التداولي المنطلق من التواصل والإقناع.
وبناء على هذا التأسيس المفهومي للحجاج وعَلَاقته بالمسار التداولي ظهرت نظريات حجاجية لدى الغرب، وقبل أنْ نعرضها باختصار، نودّ عرض إرهاصات هذه النظرية لدى اليونان والمسلمين، ورعاية للاختصار نقتصر على ما بيّنه أرسطو في كتابه (الخطابة) عن اليونان، ونجم الدين الطوفي ت716ﻫ في كتابه (علم الجذل في
1) 549. عبد الله صولة، (الحجاج أطره ومنطلقاته وتقنياته من خلال مصنف في الحجاج، الخطابة الجديدة، لبيرلمان وأولبريشت تيتيكا)، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم)، إشراف: حمّادي صمّود: ص299. وانظر للمقارنة: عبد الهادي ظافر الشهري، استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية: ص256 - 267.
2) 550. اُنظر: أبو بكر العزاوي، اللغة والحجاج: ص15.
3) 551. اُنظر:د. طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام: ص65.
علم الجدل) عن المسلمين.
وإجالة سريعة في كتاب (الخطابة) لأرسطو تجعلك تؤمن بأنَّه جعل الميدان الأفضل للحجاج هو (الخطابة)، بل تساوي الإقناع عنده، فقال: «يمكن أنْ نحدَّ الخطابة بأنَّها الكشف عن الطرق الممكنة للإقناع في أي موضوع كان»(1)، وعنده الحجاج والإقناع يتوزعان على مفاصل الحياة المتنوعة، نحو: الطب والهندسة، وغيرها من العلوم والفنون(2)، وقسَّم الخطابة على ثلاثة أنواع، هي:
1- المشاجرية: وتقوم على الجدل والإقناع للقاضي وإزاحة الخصم على وفق الحجج.
2- المشاورية: وتقوم على الإقناع من لدن الخطيب في التجمعات الشعبية.
3- الاحتفالية: والتي تلقى في المحافل العامة.
وتقوم هذه الأنواع على فن الإقناع، وهي «مقامات مخاطبة الجموع مخاطبة شفوية بغاية الإقناع وتحفيز الفعل»(3).
وتغطية النوع الأول عِبْر ما سمَّاه الحجج (التصديقات) غير الصناعية، أي التي لا دخل للخطيب في صناعتها وإنَّما هي جاهزة، «أما التصديقات فبعضها غير صناعية، وبعضها صناعية. وأقصد بالأولى تلك التي لم نأت بها»(4)، فكانت عنده على أنواع وهي: الشهود، والعقود، والاعترافات المنتزعة بالتعذيب، والقوانين،
والأيمان، وهي وسائل التأثير في القاضي ودفع الخصم(1).
أما الحجج المشاورية فهي تعتمد على الحجج الصناعية، وهي ما يصنعها الخطيب بحيلته. وتتوقف تلك التصديقات على أركان الخطاب: (الايتوس) الباثّ، و(الباتوس) المُسْتَقْبِل، و(اللوغوس) النص(2). واعتنى كثيراً بالباثّ، وضرورة توافر ثلاث خصال فيه: «ولابد للخطيب أنْ يتحلى بثلاث خصال كيما يحدث الإقناع - لأنَّه بصرف النظر عن البراهين فإنَّ الأمور التي تؤدي إلى الاعتقاد ثلاثة - وهذه الخصال هي: اللب، والفضيلة، والبر... حتى أنَّ الخطيب الذي يبدو أنَّه يملك هذه الخصال الثلاث سيقنع سامعيه لا محالة»(3).
ونخلص إلى أنَّ الفكر اليوناني وظّف الحجاج في إقناع المتلقّي وأسهب أرسطو بتفصيل هذا الأمر، وجعل الحجاج طريقاً للإقناع.
أمّا بالنسبة للمسلمين فقد عالجوا المسألة أيضاً في تراثهم، ومثالنا هو نجم الدين الطوفي في كتابه (علم الجذل في علم الجدل) الذي أُلّف لأداء المناظرة، والمجادلة، والمحاججة بتعبيرنا، وغايته بيان جدل القرآن وحجاجه. وقسَّم كتابه على خمسة أبواب، الأربعة الأولى منها نظرية، والخامس تطبيقي على القرآن الكريم، يبيِّن فيه كيف يدعو القرآن المتلقي إلى دعوة ما، ثم يدلي النص بحججه.
وسبق تلك الأبواب مقدمة بيَّن فيها اشتقاقات الجدل، واللافت للنظر أنَّه رادف بين الجدل والحجاج من خلال الموازنة بينهما في عملية الاشتقاق؛ إذ يرى الجدل تارة مشتقاً من (الجَدْل)، وهو الشدّ، فيقول: «ولا شك أنَّ في الجدَل معنى الشد والإحكام؛ لأنَّ كلاً من الخصمين يشتد على خصمه ويضايقه بالحجة التي اجتهد في إحكامها».
ويراه أخرى مشتقاً من (الجدالة) وهي الأرض، فيقول: «كأنَّ كل واحد من المتجادلين يقصد غلبة صاحبه وصرعه في مقام النطق، كما يجدل الفارس قِرنه أنْ يرميه بالجدالة».
أو مشتقاً من (الجَدال) وهو البلح: «كأنَّ كل واحد من المتجادلين يقصد الاستعلاء والارتفاع على صاحبه في الحجة حتى يكون منه كموضع الجدال وهو البلح من النخلة»(1).
إلى غير ذلك من الاشتقاقات التي تقارب بين الجدل والحجة، ولا يقف الطوفي عند هذا الحد، بل يلتقي في تعريفه للجدل مع الحجة تماماً ومع وظيفتها في العصر الحديث، فيقول: «أما رسم الجدل في الاصطلاح، فقيل: هو قانون صناعي يعرف أحوال المباحث من الخطأ والصواب على وجه يدفع عن نفس الناظر والمُناظر الشك والارتياب»(2).
وقد يريد بلفظة: (صناعي) ما يصنعه المجادل أو المحاجج، وهو هنا يلتقي مع أرسطو كما رأينا، ويلقي بالأمر على عاتق المتكلم ومهارته في جعل المتلقي يذعن لمقولاته، وهذا ما جاءت به وسجَّلته نظريات الحجاج الحديثة، ومنها نظرية شايم بيرلمان Chaïm Perelman.
وجدير بالذكر أنَّ الطوفي يلتقي مرة أخرى بأرسطو حينما أشار إلى العناصر الخطابية في عملية الحجاج التي رصدتها اللسانيات الحجاجية لاسيما مايير Mayer، وهي: المتكلم، والمتلقي، والنص الحامل للحجة(3)، وسمَّاها المستدِل «ذاكر الدليل، يطلب به الوصول إلى مطلوبه». والمستدَل عليه «هو الحكم المطلوب بالدليل»، والمستدَل له،
و«يصح إطلاقه على السائل المعترض»(1). فيكون التقابل على الوجه الآتي:
المستدِل: (المتكلم). والمستدَل عليه: (النص). والمستدَل له: (المتلقي).
وسلّط الطوفي الضوء على أنواع الحجج في بحثه لأنواع الاستدلال المتعددة، ومنها الاستدلال الشرعي المتكون من الاستدلال بالقرآن، والحديث الشريف، والإجماع، والقياس.
ووضع شرائط للاحتجاج بهذه الأنواع، فلا يحتج بالقرآن إذا كان مجملاً، قال: «إنْ كان الاستدلال بالكتاب فهو؛ إما نص أو ظاهر أو مجمل، والمجمل لا يحتج به ما لم يبين. أما النص والظاهر فكلاهما متواتر، فلا اعتراض عليهما من جهة السند»(2). «وإنْ كان الاستدلال بالسُّنة، فهي؛ إما تواتر أو آحاد، فإنْ كان تواتراً، فحكمه في نصه وظاهره حكم الكتاب في السؤال والجواب، وإنْ كان آحاداً ورد على نصه وظاهره ما وَرَدَ على نص الكتاب ومتواتر السُّنة وظاهرها... »(3).
وكذلك يشترط التحقيق في استدلال الإجماع: «وإنْ كان الاستدلال بالإجماع، وَرَدَ عليه بالجملة أسئلة بحسب النزاع في تحقيقه ومسائله، كما عرف في أصول الفقه»(4). «وإنْ كان الاستدلال بالقياس، فيحتاج إلى بيان حقيقته وأركانه، ثم إلى ذِكر الاعتراضات الواردة عليها وجوابها»(5).
وبعيداً عن الإطالة في أنواع الحجج وسرد تفصيلاتها، نصل إلى النتيجة المهمة، وهي: تماشي الحجاجيين المحدثين مع الطوفي في رصد الحجج للبرهنة والاستدلال
على ما يلتزمه المستدِل، وهذا ما وجدته لدى شايم بيرلمان Chaïm Perelman في الحجج المؤسسة لبنية الواقع حينما ركز على الاستشهاد والتبيين(1).
وحملت نظرية شايم بيرلمان Chaïm Perelman تصورات حجاجية تقوم على المقدمات، وهي: الوقائع، والحقائق، والافتراضات، والقيم، وهرميتها، والمواضع، وكل واضح من مدلوله. ثم ينطلق من تقنيات حجاجية اتصالية تهتم بإقامة روابط علاقية بين العناصر، وانفصالية تعتمد على الابتعاد بين تلك العناصر. وقسّم الاتصالية على حجج شبه منطقية، وضمّت: التناقض، والتعدية، والتماثل التام. وحجج مؤسَّسَة على بنية الواقع، وأخرى مؤسِّسَة له(2).
ويمكن وصف نظرية بيرلمان Perelman وزميلته بأنَّها منطقية بلاغية، يقابلها نظرية اوزفالد ديكرو (بالفرنسية: Oswald Ducrot)، وهي نظرية لسانية الطراز «تهتم بالوسائل اللغوية وبإمكانات اللغات الطبيعية التي يتوافر عليها المتكلم، وذلك بقصد توجيه خطابه وجهة ما، تُمَكِّنه من تحقيق بعض الأهداف الحجاجية، ثم إنَّها تنطلق من الفكرة الشائعة التي مؤداها أنَّنا نتكلم عامة بقصد التأثير»(3).
إنّ المرتكزات الرئيسة لهذه النظرية، هي: العوامل اللغوية: (يقيناً، أحياناً، تقريباً، وغيرها)، والروابط الحجاجية: (بل، لكن، لأنَّ، كي، وغيرها)، والسلالم الحجاجية (تعدد الحجج مع مرتبيتها في التأثير والقوة)(4).
1) 567. اُنظر: عبد الله صولة، الحجاج أطره و منطلقاته وتقنياته من خلال مصنف في الحجاج، الخطابة الجديدة، لبيرلمان وأولبريشت تيتيكا)، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم)، إشراف: حمّادي صمّود: ص337.
2) 568. اُنظر: المصدر نفسه: ص298، وما بعدها.
3) 569. أبو بكر العزاوي، اللغة والحجاج: ص14.
4) 570. اُنظر: أبو بكر العزاوي، الحجاج والمعنى الحجاجي، بحث ضمن كتاب (التحاجج طبيعته ومجالاته ووظائفه)، تنسيق: حمّو النقاري: ص63. صابر الحباشة، التداولية والحجاج مداخل ونصوص: ص71.
هاتان أبرز نظريتين في اللسانيات الحجاجية الغربية، وتوجد هناك نظريات أُخر، منها: نظرية (المساءلة) لميشال مايير Michael Mayer الفيلسوف البلجيكي، المُنْطَلِقة من أنَّ كلّ كلامنا يقوم على التساؤلات التي تنطلق من الافتراضات المسبقة لدى المستمع، وهذا ما سمّي المبدأ الافتراضي في النظرية، ومبدأ الاختلاف الإشكالي داخل الأقوال، أي الأقوال المختلفة(1)، ويمكن تلخيص أهمّ الركائز فيها على وفق الآتي:
الركيزة الأولى: المجاز والبلاغة، والثانية: السؤال والجواب، والثالثة: الضمني والمصرّح به.
والمتطلع لهذه النظرية يصاب بالإحباط بسبب تقصير الدراسات العربية والترجمة بإيصال مفهومها، فقد اقتصرت على التركيز على الأمر الأول، وبيانه، وتفصيل القول فيه.
والمجاز لدى مايير Mayer يؤدي إلى خلق تساؤل لدى المتلقّي، ويبحث عبر المسافة التأويلية إلى احتمال مطروح كما في (زيد أسد)، فما هي العَلَاقة بين زيد والأسد، ومن أي جهة تتم المشابهة(2).
ويرى هذا الفيلسوف أنَّ طبيعة الكلام المبنية على السؤال والجواب هي المنتجة للحجاج، ذلك أنَّ السؤال والجواب يولدان النقاش والتفاوض بين المتحاورين، والذي بدوره يمثل الحجاج(3). وهو هنا يلتقي مع أرسطو في ما سمَّاه بالحجاج الجدلي الذي يقوم بالتركيز على السؤال والسائل أكثر من المجيب(4). «وقد ضبط أرسطو قواعد
1) 571. اُنظر: د. نعمة دهش فرحان الطائيّ، الملمح التداولي في النحو العربي، بحث منشور في مجلة العميد، العدد: 8، ص466 - 467.
2) 572. اُنظر: محمد علي القارصي، البلاغة والحجاج من خلال نظرية المساءلة لميشال مايير، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم)، إشراف: حمّادي صمّود: ص396 - 397.
3) 573. نعيمة يعمرانن، الحجاج في كتاب (المثل السائر) لابن الأثير: ص44.
4) 574. اُنظر: د. محمد سالم محمد الأمين الطلبة، الحجاج في البلاغة المعاصرة بحث في بلاغة النقد المعاصر: ص52.
صياغة الأسئلة وقواعد ترتيبها وعرض القواعد التي ينبغي على المجيب أنْ يراعيها، وذكر المواطن التي يسمح له فيها أنْ يستفسر أو يعترض»(1)، وقد وضع تلك القواعد أيضاً الطوفي وأضاف إليها فيما يتوجب على السائل(2)، وهذا الزوج (السائل والمجيب) يقودك إلى ما يسمَّى بالمعنى الضمني والمصرّح به، «فالمصرّح به هو ظاهر السؤال، أما ما هو ضمني فتلك الإمكانات المختلفة للإجابة عن السؤال الواحد»(3).
يقوم السؤال والجواب كما يبدو على أدوات الاستفهام المعروفة، لاسيَّما وأنَّ العرب خلطوا بين السؤال والاستفهام، ولم يفرِّقوا بينهما عند شرح ماهية الاستفهام وأدواته، فعبَّروا عن المستفهم ب-(السائل)، وعن المتلقّي ب-(المسؤول)، وعن الموضوع ب-(المسؤول عنه)، والأداة ب-(أداة السؤال)(4).
لا أريد الإطالة في مفهوم الخطاب، ومعالجة إشكاليته، ومدى تداخله مع النص، وعرض وجهات النظر في ذلك، بل بإيجاز، نقول: «يطلق الخطاب منذ بنفينيست Benveniste على النص الملفوظ الملموس مقابل اللغة - النظام - وتوجد مدارس خاصة في العالم الانجليزي - الامريكاني - تقصد به الخطاب الشفوي مقابل النصوص المكتوبة»(5).
1) 575. هشام الريفي، الحجاج عند أرسطو، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم)، إشراف: حمّادي صمّود: ص125.
2) 576. اُنظر: نجم الدين الطوفي الحنبلي، علم الجذل في علم الجدل: ص27 - 37.
3) 577. محمد علي القارصي، البلاغة والحجاج من خلال نظرية المساءلة لميشال مايير، بحث ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم)، إشراف: حمّادي صمّود: ص39 - 395.
4) 578. اُنظر: سيبويه، الكتاب: ج1، ص99. د. أحمد مطلوب، معجم المصطلحات البلاغية وتطورها: ج1، ص182. نجم الدين الطوفي الحنبلي، علم الجذل في علم الجدل: ص27 - 29.
5) 579. لسانيات النص أو ما بعد لسانيات الجملة وما قبل الخطاب، بحث ضمن كتاب (مقالات في تحليل الخطاب): ص72.
ولا يصمد هذا التعريف أمام النقد أو التفنيد، لخواء منطلقه أو معياره القائم على الشفوية؛ إذ هنالك من المكتوب كثير ممَّا يطلق عليه خطاباً، ويكفينا حجة القرآن الكريم، فهو الكتاب المكتوب، أو شعر التشيّع الواصل إلينا من العصور القديمة وغير ذلك. وأظن أنَّ هذا من مخلّفات اللسانيات الوظيفية؛ لأنَّها نظرت إلى الخطاب بوصفه ما تجاوز الجملة من المكتوب أو المسموع(1).
وله مفهوم لساني يدل فيه على المعنى المضمر واستجلائه بناء على التحليل، وهذا «يتصل بما لاحظه الفيلسوف ﻫ. ب. غرايس Grice. P. H عام 1975م من أنَّ للكلام دلالات غير ملفوظة يدركها المتحدث والسامع دون علامة معلنة أو واضحة. ومثال ذلك أنْ يقول شخص لآخر: ألا تزورني؟ فلا يفهم السامع من الجملة أنَّها سؤال على الرغم من أنَّ ذلك هو شكلها النحوي، وإنَّما يفهم أنَّها دعوة للزيارة»(2).
يدل الخطاب على مجال استعماله، أو الجملة، أو النص، يقول فوكو في ذلك: «اعتقد أنَّنِي أضفت معاني جديدة على مفهوم (الخطاب) اعتبرته أحياناً المجال لكل الأقوال الخبرية، وأحيانًا مجموعة من الأقوال الخبرية الفردية، وأحياناً أُخرى ممارسة منظمة تحمل عدداً من الأقوال الخبرية»(3).
وبناء على الشطر الأول من تعريف فوكو يكون الخطاب أوسع من النص، أي الايديولوجيا المحرِّكة له، فيكون عندها المجال السياسي والاقتصادي والعلمي والأدبي والديني والفلسفي، ويسمَّى في هذه الحال الخطاب السياسي، والخطاب الاقتصادي، والخطاب التربوي، وهكذا... ويقول عنه في الوقت نفسه - وقوله
مصداق لهذا التحليل: «بأنَّه شبكة معقدة من العَلَاقات الاجتماعية والسياسيّة والثقافية التي تبرز فيها الكيفية التي ينتج فيها الكلام كخطاب ينطوي على الهيمنة والمخاطر»(1).
وتأسيساً على ما سبق ينظر إلى كلام الإمام الحُسين علیه السلام على أنَّه خطاب؛ بفعل منابعه المعرفية المتعددة من سياسة واقتصاد وفقه وشريعة وأخلاق وتربية روحية للفرد وإنساني موظفاً في غضون ذلك الجزئيات اللغوية لخدمة تلك المجالات، فجمع بين الفكر والنص الثري بالصوت والصرف والنحو والمعجم وعَلَاقاته الدلالية، والبلاغة والسياق، والأبعاد التداولية والحجاجية، وغير ذلك.
وفي سياق الحديث عن حجاجه، يجدر التنويه إلى سبب لجوئه إلى إبداء الحجج، لاسيما في وقت قتاله دفاعاً عن دينه، مع أنَّه يعلم بمصيره المحتوم؛ فالله فوقه، والعدو أمامه، والموت يطلبه كما يعبر هو، ولكنْ حيال ذلك طرح حججه على المتلقي الأبدي، وعلى خاصته؛ بغية إقناعه واحتراماً لرسالته، وعلى أعدائه؛ لأنَّه يفكر فيهم وبمصيرهم الأخروي، فتمنَّى عليهم الاقتناع والتراجع عمَّا هم فيه من موقف معادٍ له، على وفق ما قدَّمه من حجج، وليس عن طريق الإكراه والقمع الذي يؤمنون به. ولجأ إلى حجج متنوعة، منها استعمال السؤال، أو المساءلة من خلال إثارة الضمير فيهم عن طريق الاستفهام التقريري؛ لمِا يحمله من شحنة حجاجية في لحظة علم المتلقي بالجواب، فيكون الاستفهام حجة عليه بعد تذكيره بالبديهيات المعروفة؛ ليُذكِي تصورات المخاطَب، ويدعوه لإعادة ترتيب أفكاره، وهذه أهمّ سمة أكّدها مايير Mayerمن حيث «أنَّ مايير يشترط في السؤال الحجاجي أنْ يكون
1) 583. د. ميجان الرويلي ود. سعد البازعي، دليل الناقد الأدبي - إضاءة لأكثر من سبعين تياراً ومصطلحاً نقدياً: ص155.
حاملًا لطرافة فكرية يكون بحثُ المخاطب عن دلالاتها مصدرَ متعةٍ له من جهة، وتأييداً منه لمضمون الفرضيات المقدمة من جهة أُخرى»(1)، هذا من جهة، ومن جهة أخرى «يجعل المخاطَب في حالة اضطرار إلى الجواب... فهو يجعل المخاطب يجيب في الاتجاه الذي يرسمه السؤال»(2).
فضلًا عن هاتين الميزتين - ميزة الطرافة والعلم بالجواب - في حجاجه هنالك ميزة ثالثة هي أنَّه كان خاصّاً بموقف، وهذا انحسر في مساحات واسعة من خطابه في الطف، وقلَّ تقريباً في الباحات الأُخر نحو: الوصايا، والحِكَم، والأحاديث الخاصة به.
ثم آخر ميزات سؤاله الحجاجي أنَّه لم يأت في أدوات الاستفهام المعروفة كلها، بل لم أجد استعمالًا ل-(إيان) مثلاً، ومع ذلك دخول الهمزة على النفي بكثرة شكلت ظاهرة في خطابه.
جاءت السؤالات في أنماط خطابية معينة، وغابت في أُخريات، ومن المستحسن تسجيل ما توارد فيه السؤال الحجاجي على وفق الآتي:
1- الخطب: وهي كثيرة في واقعة الطف يوم عاشوراء، ومنها ما جاء في خطبة له أكثر فيها من توبيخ القاتلين بعد أنْ حمد الله، قال: «أمّا بعد فانسبوني، فانظروا من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي»(3).
2- الأدعية: ولا سيَّما في دعاء عرفة، وأدعية الصباح والمساء، يقول في دعاء عرفة بعد كلام طويل: «وبسريرتي فلا تخزني، وبعملي فلا تبتلني، ونعمك فلا تسلبني، وإلى
غيرك فلا تكلني، إلهي إلى من تكلني؟ إلى قريب فيقطعني؟ أم إلى بعيد فيتجهّمني؟(1)أم إلى المستضعفين لي، وأنت ربي ومليك أمري؟»(2).
3- الرسائل: ومنها رسالته إلى معاوية التي بيَّن فيها جرائمه البشعة، قال علیه السلام : «أما بعد، فقد بلغني كتابك، تذكر أنه قد بلغك عني أمور أنت لي عنها راغب وأنا لغيرها عندك جدير،... أ لستَ القاتل حجر بن عدي أخا كندة، والمصلين العابدين؟»(3).
4- الوصية: ومنها ما ورد في اتخاذ الزهد متاعاً في الدنيا: «يا بن آدم تفكّر، وقل: أين ملوك الدنيا وأربابها الذين عمروا واحتفروا أنهارها، وغرسوا أشجارها، ومدّنوا مدائنها؟»(4).
5- المحاورة: ومنها محاورته مع عبد الله بن عمر: «هيهات يا بن عمر! إن القوم لا يتركوني... أما تعلم يا عبد الله! أن ّمن هوان هذه الدنيا على الله تعالى أنه أتي برأس يحيى بن زكريا عليه السلام إلى بغية من بغايا بني إسرائيل، والرأس ينطق بالحجة عليهم؟»(5).
6- الحديث: قال في مسيره إلى كربلاء: «إنَّ هذه الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها،... ألا ترون أنَّ الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً، فإنِّي لا أرى الموت إلّا سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً، إنَّ الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درَّت معائشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلَّ الديَّانون»(6).
1) 587. اللفظة مشتقة من (جهم)، ومعناه كثير اللحم، ويقال: تجهمت الرجل وجهمته إذا استقبلته بوجه مكفهر، وقيل: هو أن تغلظ له القول. اُنظر: الزمخشري، أساس البلاغة: ج1، ص160 - 161.
2) 588. إبراهيم الكفعمي، البلد الأمين والدرع الحصين: ص253.
3) 589. الطوسي، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ج1، ص252.
4) 590. الحسن بن محمد الديلمي، إرشاد القلوب: ج1، ص30 - 31.
5) 591. أحمد بن أعثم الكوفي، الفتوح:ج 5، ص25.
6) 592. ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول صلی الله علیه و اله : ص245.
7- السؤال والجواب: منه ما جاء في سؤال رجل له: (كيف أصبحت؟)، فقال الإمام علیه السلام : «أصبحت ولي رب فوقي، والنار أمامي، والموت يطلبني، والحساب محدق بي، وأنا مرتهن بعملي، لا أجد ما أحب، ولا أدفع ما أكره، والأمور بيد غيري، فإنْ شاء عذبني، وإن شاء عفا عني، فأي فقير أفقر مني؟!»(1).
حَمَلَ السؤال قيمة حجاجية في خطاب الإمام الحُسين علیه السلام ، وجاء بأدوات الاستفهام المعروفة في مبحث علم المعاني، بشَكليها المتعارف عليهما، وهما: حرفا الاستفهام، وأسماء الاستفهام.
وتكون دراسة الحجاج على وفق خطاطة معينة، وهي تشخيص الأداة، والعَلَاقات الخطابية التي أسهمت في التشكّيلة الخطابية بحسب الموضوع أو النص(اللوغوس). وما يعنينا هنا البحث عن الشكلين المتعارفين من ادوات الاستفهام: وهما حرفا الاستفهام، والاسم:
مثّلت الهمزة حضوراً واضحاً في الخطاب الحُسيني، وحملت طاقة حجاجية عالية، ولمتلقين متنوعين، ومنهم (الله عز وجل)، كما في دعائه علیه السلام : «سيدي ومولاي، أ لمقامع الحديد خلقت أعضائي؟ أم لشُرب الحميم خلقت أمعائي؟ إلهي لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بكرمك»(2).
إنّ لحاظ طبيعة مقام المتلقي (الله تعالى) تحدد المتكلم (الحُسين) بنمط خطابي مؤدب من جانب، وتذللي توسلي من جانب آخر؛ بغية النيل من كرمه تعالى ولطفه، كأنه يميل بالسؤال الحجاجي نحو التوظيف العاطفي للحجة واستمالة المتلقي (تعالى) نحو تخليصه من أثقال الحديد، والشراب الحميم الذي يجهد الأمعاء، وهو على يقين من ذلك لكرمه عزّ وجلّ. هذا في سياق المتلقي المفرد.
وقد يوجد سؤال حجاجي بالهمزة لمتلقٍ خاص - ولعله تكون مجموعة خاصة - كإرادة أهل الكوفة في احتجاجه عليهم لِما فعلوه به، فقال - بعد أنْ حمد الله وأثنى عليه -: «أما بعد فانسبوني، فانظروا من أنا؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هل يحلُّ لكم قتلي، وانتهاك حرمتي؟ ألستُ ابن بنت نبيكم صلی الله علیه و اله ، وابن وصيه وابن عمه؟... أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أوليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمي؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم: إنَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟»(1).
إن المتلقّي هنا أيضاً فرض عليه طبيعة حجاجية تبلورت في تكرار الأداة الحجاجية (الهمزة) مرات عدة للتكثيف من طاقتها؛ بغية إقناعهم بعدم مقاتلته؛ لكونه يتمتع بشرف الانتساب، الذي بيَّنه بطريقة الإجمال، فقال: «فانظروا من أنا؟... فانظروا هل يحلُّ لكم قتلي، وانتهاك حرمتي؟»، ثم فصَّل، وأوضح المجمل بذكر أمه أولاً، وأبيه ثانياً، وعمّه ثالثاً، وقول الرسول فيه وفي أخيه.
ثم يقدّم حجة أخرى بعد أنْ يأس منهم، تنسجم هذه الحجة مع طريقة تفكيرهم، وثقافتهم، وهي تهمة الثأر، وسرقة المال، فقال: «أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو بمال لكم استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟»(2).
وفي خطاب له ينصح أهل الكوفة بعدم خذلانه، والتوجُّه نحو نصرته، وترك نصرة الشذّاذ؛ معاوية وأنصاره، فيغير من طريقة سؤاله الحجاجية، فيستعمل الهمزة لمرة واحدة بعد توبيخهم، وذمهم: «تباً لكم أيَّتُها الجماعة وترحاً وبؤساً لكم! حين استصرختمونا ولهين، فأصرخناكم موجفين، فشحذتم علينا سيفاً كان في أيدينا، وحمشتم علينا ناراً أضرمناها على عدوكم وعدونا، فأصبحتم إلْباً على أوليائكم، ويداً على أعدائكم... فهلا لكم الويلات إذ كرهتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لم يستحصف... أ فهؤلاء تعضدون، وعنّا تتخاذلون؟!»(1).
فطرح السؤال عليهم بعد بيان حقيقتهم وتقديم النصيحة إليهم؛ دعوة منه إليهم لمؤازرته، وإثارتهم للتخلي عن بني أمية من خلال الإشارة الازدرائية لهم (أ هؤلاء)، والمقارنة بقيمة أهل البيت المسكوت عنها في جملة (وعنّا تتخاذلون).
وفي تشكيلة خطابية له علیه السلام يخاطب متلقّياً خاصاً، وهم قادة الجيش الذين كتبوا إليه قبل قدومه، حيث يقول: «يا شِبْث بن رِبْعي، يا حجَّار بن أبجُر، يا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، أ لم تكتبوا إليَّ أنْ قد أينعت الثمار، وأخضر الجنابُ، وطمّت الجِمام، وإنَّما تقدِم على جند لك مجند، فأقبِل؟»(2). هنا يغير استراتيجيته بندائهم بحرف النداء، وذِكْر أسمائهم، ومن ثمَّ الهمزة الحجاجية لتتخذ وظيفة إقناعهم بخيانتهم، وانسحابهم ليس إلَّا، وإنْ جاء النص في سياق مخاطبته أهل الكوفة بعدم مقاتلته.
واستطاع الإمام علیه السلام أنْ ينوِّع استعمال الهمزة، وينوع استعمالها الحجاجي والإقناعي من خطاب الجمع إلى خطاب المفرد، فيخاطب معاوية في رسالة جوابية ردّاً على رسالة أرسلها معاوية له يحذِّره فيها من الخروج عليه، أو مناصرة أهل الكوفة، أو دعوته لتطبيق
بنود الصلح التي تعهّد بها معاوية(1). فيقول الإمام الحُسين علیه السلام في خطابه: «ألستَ القاتل حُجر بن عدي أخا كندة، والمصلين العابدين الذين ينكرون الظلم ويستعظمون البدع... ؟ أولستَ قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلی الله علیه و اله العبد الصالح، الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه وصفرت لونُه؟... أولستَ المدَّعي زياد بن سميَّة المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنَّه ابن أبيك؟... أولستَ صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية أنّهم كانوا على دين علي علیه السلام ؟ فكتب إليه أن اقتل كل من كان على دين علي، فقتلهم ومثلهم؟»(2).
فالسؤال بالهمزة التي شكّلت سلَّماً حجاجيّاً حملت طبيعة هجومية وتقريعية عكس ما جاء في بدء استعمالها مع الله تعالى. فهنا جاء ليقدح في مخيلة معاوية تلك الجرائم التي قام بها تجاه العباد المخلَصين، علَّه يقتلع من نفسه حالة الانبهار بها وبقدرته على محاربة الحُسين والكيد له، لاسيَّما وأنَّه قد هدَّد الحُسين لمَّا فسّر خطوة الإمام على أنّها عمل عدائي له، فجاءت كلمات الإمام لتحتقره وتفضحه أمام نفسه، وتقنعه بنقضه ببنود الصلح، ما سبب قتل هؤلاء «ولعمري ما وفيت بشرط. ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان والعهود والمواثيق»(3).
استعمل الإمام علیه السلام (هل) في البرهنة على منزلته، وعلى انتمائه للدين الإسلامي الحنيف، وعليه هو يستحق أنْ ينال الخلافة والإمارة على المسلمين، وهذا جزء من استرداد حقه من العصابة الشريرة، وكان ذلك في خطبة له قبل أنْ يأتي إلى كربلاء
ناشد بها (متلقّياً جماعيّاً)، وهم بنو هاشم رجالاً ونساءً قبل موت معاوية بسنتين في (منى)؛ ليعدّهم إعداداً صالحاً، بعد كلام طويل فاستخدم (هل)؛ لإقناعهم بذلك الحق، وكسْبِ تأييدهم، وولائهم، قال: «أنشدكم هل تعلمون أنَّ رسول الله صلی الله علیه و اله اشترى موضع مسجده ومنازله، فابتناه ثم ابتنى عشرة منازل تسعة له، وجعل عاشرها في وسطها لأبي، ثم سدَّ كل باب شارع إلى المسجد غير بابه؟»(1).
وبقى محور الانتساب للأُسرة المقرّبة عند المولى تعالى، وتاريخها الحافل بالمكرمات والاستشهاد في سبيله، بقى محرّكاً أساسيّاً في خطاب الإمام الحُسين علیه السلام ، وعوّل عليه بوصفه حجة يحتج بها على المخاطَب، وهم الأعداء يوم عاشوراء في سبيل إقناعهم بالتراجع عن استباحة دمه مستعملاً (هل) في هذا الخطاب بصورة مكررة، وكل مرة ترد في سياق بعدها حجة أقوى من حجة، مرتبة على شكل سُلَّم حجاجي؛ طمعًا في التأثير فيهم في خطبة طويلة: «أنشدكم بالله هل تعرفوني؟ قالوا: نعم، أنت ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسبطه، قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أنَّ جدي رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قالوا: نعم، قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أنَّ أمي فاطمة بنت محمد صلی الله علیه و اله ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أنَّ أبي علي بن أبي طالب علیه السلام ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أنَّ جدتي خديجة بنت خويلد أول نساء هذه الأمة إسلامًا؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أنَّ سيد الشهداء حمزة عم أبي؟ قالوا: اللهم نعم... قال: فَبِمَ تستحلِّون دمي، وأبي الذائد عن الحوض غداً يذود عنه رجالاً، كما يذاد البعير الصادي عن الماء؟!»(2).
امتاز البحث في أدوات الاستفهام بأنَّه ابتعد عن التصورات البلاغية والبحث عن الدلالات المجازية الكامنة وراء أدوات هذا الأسلوب، وإنَّما تكفَّل بالتفتيش عن القيم الحجاجية لتلك الأدوات بشقّيها الحروف والأسماء، وقد رأينا ذلك في حَرْفَيه، وسنرى هذه المرة في الأسماء، بحسب المتلقّي، الذي كان الله تعالى، أو الإنسان الكوني، أو الإنسان المفرد.
فجاء المتلقي (الله) في سياق أحد أدعية الإمام علیه السلام باسم الاستفهام (ما) مضافا إليها ﭐسم الإشارة: (ذا)، ثم كررت، وبعدها الاسم الموصول، وبطريقة العكس والتبديل: «أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحدوك،... ماذا وجد مَنْ فقدَك؟! وما الذي فَقَدَ مَنْ وجَدَك؟!»(1).
ان المحتوى القضوي للنص هو بيان عظمة الخالق تعالى والحثّ على التمسك بها، والانبهار بها، والتعجب ممن يتخلّى عنها، فجاءت هذه الموضوعة مفتاحاً لتوسله عن طريق الاستفهام ب-(ما)(2)عن صفات من فقد تلك العظمة، وعن صفات من وجدها وما الذي خسره عند التمسك؛ بها ليكون له هذا الاستفهام حجة عليه تعالى للتوسل وقَبُول الاعتراف، ومن ثمَّ الاستثابة.
وجاء الاستفهام ب-(من) من المتلقي (الله تعالى) في سياق دعاء عرفة الذي تقدم: «وبسريرتي فلا تخزني وبعملي فلا تبتلني، ونعمك فلا تسلبني، وإلى غيرك فلا تكلني، إلهي إلى مَن تكلني؟ إلى قريب فيقطعني؟ أم إلى بعيد فيتجهمني؟ أم إلى المستضعفين لي، وأنت ربي ومليك أمري».
فكان السؤال في طور تحديد عجز البشر عموماً عن إدارة شؤونهم؛ لتمتعهم بخصال فضح السريرة، وسلب النعم، وغير ذلك. وهذا السؤال للإقناع بالاعتراف بهذه الصفات له فقط، والطلب منه بعدم تركه والتخلي عنه؛ لأنَّه يعترف بأنَّ لا أحد يسيّر أموره سواه تعالى، وهي الحجة نفسها في استعمال اسمي الاستفهام: (متى) و(كيف) في الدعاء نفسه: «إلهي ترددي في الآثار يوجب بُعد المزار، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك، كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟! أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك؟! حتى يكون المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بعُدتَ حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟! عمِيَت عين لا تراك عليها رقيباً»(1).
أومأ إلى أنّ وجود الإنسان لا يكون إلّا بوجوده تعالى، ويجعل روح التأبيد في وجوده وحفظه له من خلال (متى)، فهو يجعل إقراره بالوجود القاصر للإنسان طرائق تضرع للاستغفار أو العناية العالية منه تعالى تجاهه، أو تجاه الداعي.
وفي الدعاء نفسه يخاطب المولى بالاعتراف بعجزه وكشف حقيقته ويرجو شموله برعايته؛ لأنَّه ليس بإمكان العبد إنكار ما يقوم به ولا يتسنى له جحود ذلك في أي حال وفي أي زمان، وعاور بين أداة الزمان (متى) بالأداة (أنَّى) للمبالغة في عدم توافر الزمان: «فها أنا ذا بين يديك يا سيدي، خاضعاً ذليلا حقيراً، لا ذو براءة فأعتذر، ولا ذو قوة فأنتصر، ولا حجة لي فأحتج بها، ولا قائل: لم أجترح ولم أعمل سوءاً. وما عسى الجحود لو جحدت يا مولاي فينفعني، وكيف وأنّى ذلك وجوارحي كلها شاهدة علي بما قد عملت؟»(2).
وفي اليوم العاشر من المحرم يدعو الله تعالى ويتضرع إليه بأنْ يرزقه الصبر، والقوة على البلاء والكرب الذي حلَّ فيه في ذلك اليوم المهول ممَّا رآه من جرائم وتقتيل، مستعملاً الأداة (كم)؛ لبيان حجم التوكّل عليه والضَّعْف عنده، والتسليم إليه في كل المواقف؛ ليكون حجة قوية في دعمه: «اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت به العدو أنزلته بك وشكوته إليك»(1).
والمتلقي (الجمهور) أو (الكوني) سجل حضوره مخاطَباً بالأداة (أين) في وصية للإمام يعظه فيها بالتفكّر، ويطرح عليه سؤالاً يقود جوابُه إلى الإقناع بعدم وجود أي مَلِك على الأرض؛ لذا هذا الأمر مدعاة للتواضع والزهد في الدنيا: «يا بن آدم، تفكّر، وقل: أين ملوك الدنيا وأربابها الذين عمروا واحتفروا أنهارها، وغرسوا أشجارها، ومدَّنوا مدائنها؟»(2).
وفي الموضوع نفسه والحجة نفسها يخاطب المتلقّي العام بالأداة (كيف): «يا بن آدم اذكر مصارع آبائك وأبنائك كيف كانوا وحيث حلوا؟»(3).
إلّا أنَّ حضور المتلقي (الجمهور) قليل لو قيس بالمتلقي (المولى تعالى)أو المتلقي الخاص (المفرد) الذي خوطب بأسئلة ذات موضوعات وأدوات متنوعة، منها الأداة (ما) في وداع أبي ذر حين نفته السلطة الجائرة، ليقنعه بتفاهة ما منعوه منه من أمور زائلة ودنيوية، ويقنعه أيضاً بالقيمة العليا لموقفه الذي اتخذه ضدهم؛ ليهدّئ من روعه ويقلل من حجم الألم الذي لحقه، فقال الامام علیه السلام له: «يا عمّاه، إنَّ الله تبارك وتعالى قادر أنْ يغير ما قد ترى، إنَّ الله كل يوم هو في شأن، وقد منعك القوم دنياهم، ومنعهتم دينك، فما
أغناك عمّا منعوك؟ وأحوجهم إلى ما منعتهم؟ فاسأل الله الصبر، واستعذ به من الجشع والجزع»(1).
وتأتي الأداة (أي) متخذة على عاتقها إقناع المتلقي الذي سأله حاله: (كيف أصبحت؟)، فأخذ بإقناعه بأنَّه فقير إلى الله تعالى في كل أحواله، وهذا الفقر مصدر قوة له؛ لأنَّه مسدد من الله تعالى: «أصبحت ولي رب فوقي، والنار أمامي، والموت يطلبني، والحساب محدق بي، وأنا مرتهن بعملي، لا أجد ما أحبّ، ولا أدفع ما أكره، والأمور بيد غيري، فإنْ شاء عذبني، وإن شاء عفا عني، فأي فقير أفقر مني؟»(2).
ويعدّ الرجل الذي شغل بال الإمام الحُسين علیه السلام ، وأخذ حيزاً من تفكيره هو معاوية لا سيما في سعيه لأخذ البيعة منه ومن سائر المسلمين لابنه يزيد، فاستخدم الإمام علیه السلام في خطابه الحجاجي طريق الأداة (كيف) لتذكي في داخله فعل التراجع عما يقوم به؛ لأنَّ الحكم والخلافة للرسول صلی الله علیه و اله ولذريته انطلاقاً من قوله للمهاجرين: «لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري»، الوارد في قول الحسين علیه السلام الذي جاء في رواية طويلة عن حادثة يقصها ابن قتيبة حول اجتماع الحسين علیه السلام وعبد الله بن عباس بمعاوية، فقال الامام الحسين علیه السلام : «... فقال صلی الله علیه و اله : لا جرم يا معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري، فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحكام وأولاها بالمجمع عليه من الصواب؟! أم كيف صاحبت بصاحب تابعاً وحولك من يؤمن في صحبته، ويعتمد في دينه وقرابته، وتتخطاهم إلى مسرف مفتون؟»(3).
وختاماً تجد أنَّ منتوج الإمام الحسين علیه السلام خطاب ديني وسياسي، له أجناس عدة وهي: الرسالة والخطبة والحديث والجواب على سؤال، ومن حيث آليته هو
خطاب حجاجي تعدّد متلقّيه من (كوني) وهم: البشرية جمعاء إلى خاص وهم: أهل الكوفة، وبعض الأفراد نحو: معاوية، أو أحد السائلين، أو أبو ذر الغَفَاري، أو غيرهم، والمتكلم واحد هو الإمام، وقد توافرت عليه خصال الركن الأول من أركان الحجاج وهو الصدق، وهدف الإقناع بعيداً عن السفسطة في موضوعات ذات بعد إسلامي فيه من القيم الوجودية والتربوية، وبعض القيم التي تحقق ديمومة الفرد تجاه خالقه تعالى، وأوصل تلك القيم عن طريق توظيف تقنيات الحجاج الكثيرة. وما يعنينا منها أدوات السؤال التي أعطاها قيماً حجاجية، مع الارتكاز أحياناً على السلَّم الحجاجي في توارد الأسئلة بحسب طبيعة المتلقي، فإذا كان الله تعالى كان الهدف التذلل، والتوسل، والتضرع طلباً للمغفرة، وإن كان خصماً كان الهدف الإقناع والدعوة نحو سبيل الخير.
د. علي مجيد البديري(1)
مثَّلتْ كربلاء - المدينة والواقعة - مادّةَ بحثٍ جاذبة للكُتّاب والدارسين من مختلف الأمكنة والأزمنة، وهي قبل ذلك كانت وما تزال موضوعاً إبداعيّاً متجدّداً قابلاً للتوظيف الإبداعي والاستنطاق الفني، لِسِعَة معطيات المكان وما دارت عليه من أحداث تاريخيّة مهمّة، تعددتْ دلالاتُها وامتدّتْ، لتتجاوز زمنها وحدودها الجغرافيّة باتجاه وأُفق إنساني مفتوح.
1) 614. دكتور وأُستاذ مساعد في جامعة البصرة/ كلية الآداب.
ونتيجةً لذلك أُضيفت للمكتبة العربيّة عناوين مهمّة اختصّت بدراسة الأدب المكتوب في كربلاء، أو بنوع من أنواعه وأجناسه، وقد حظي الشّعر بعناية وافرة واهتمامٍ كبيرٍ فاق الأجناس الأدبية الأُخرى، لاعتبارات ومزايا فنيّة اختصّ بها الشّعر، وأُخرى متعلقة بسياقاته الثقافيّة، جعلته قريباً من الواقع والقارئ على حد سواء، فكُتبت بحوثٌ ورسائلُ علميةٌ وأطاريحُ جامعيّة تناولت الإمام الحسين علیه السلام في الشّعر العربي قديمه وحديثه(1)
الإمام الحسين في الشّعر العراقي المعاصر: حاتم عبد حبوب الساعدي، أطروحة دكتوراه، جامعة القاهرة / كلية دار العلوم، 1984.
استدعاء شخصية الحسين بن علي في الشّعر العربي الحديث: إبراهيم محمد عبد الرحمن، أطروحة دكتوراه، جامعة القاهرة/ كلية دار العلوم، 2004م.
مراثي الإمام الحسين علیه السلام في العصر الأُموي، دراسة فنية: مجبل عزيز جاسم، رسالة ماجستير، كلية الآداب - جامعة الكوفة، 1426 ﻫ 2005 م.
شعر رثاء الإمام الحسين علیه السلام في العراق ابتداءً من سنة 1100 ﻫ حتى 1350 ﻫ، دراسة فنية: خالد كاظم حميدي الحميداوي، رسالة ماجستير، كلية الآداب/ جامعة الكوفة نيسان - 2007م.
، بالإضافة إلى دراسات ومقالات نقديّة كثيرة تناولت وجهاً من وجوه الطفّ أو حدثاً من أحداثه، أو أثراً من آثاره الكبيرة والكثيرة.غير أنَّ ما افتقرت إليه المكتبة العربيّة هو الدراسات التي تُعنى بالكشف عن توظيف كربلاء في شعر اللغات والآداب الأُخرى؛ وذلك لما يتطلّبه هذا الأمر من متابعة دقيقة وعدّة بحثيّة فائقة، أهمها إجادة عدد من اللغات الأجنبيّة والاطلاع على ثقافاتها وآدابها. وليس بخاف أنّ الحقل البحثي المختص بدراسة ذلك هو (الأدب المقارن) فهو يسعى إلى الكشف عن العلاقات التي بين الأحداث والوقائع المنتمية إلى جماعات مختلفة ومتباعدة غالباً، من أجل استخلاص القواعد والقوانين التي توجِّه هذه الوقائع، وتحقيق معرفةٍ أوسعَ وأدق بطبيعة تشكُّلِها.
ومن هنا؛ نال كتاب (د. حسين مجيب المصري) الموسوم: (كربلاء بين شعراء الشعوب الإسلاميّة، دراسة في الأدب الإسلامي المقارن)، الصادر عن الدار الثقافية
1) 615. من أمثلة هذه الدراسات الأكاديمية، على سبيل المثال لا الحصر:
للنشر عام 2000م أهمّيّةً كبيرةً في مكتبة الدراسات الأدبيّة المقارنة عامّة، وفي الدراسات المتعلقة بكربلاء خاصّة. فكان الكتاب فريداً في بابه؛ إذ لم يسبقه أحدٌ من الدارسين إلى الكتابة في هذا الموضوع.
وفيما يلي نحاول تسليط الضوء على هذا الكاتب والكتاب، وسنقف - إن شاء الله - عند الكتاب في بعض فصوله ضمن ثلاثة محاور رئيسيّة:
وُلِد عميد الأدب الإسلامي المقارن (د. حسين مجيب المصري) في مدينة القاهرة عام 1916م، اتَّسمت مسيرته مع اللغات الأجنبيّة المختلفة بالنشاط الكبير والمتابعة الدؤوبة، فقد أجاد ثماني لغات إجادة تامّة، من خلال انتسابه إلى معهد اللغات الشرقيّة الذي درس فيه اللغات: الأرديّة، والإيطاليّة، والألمانيّة، والروسيّة، وكان يترجم منها إلى اللغة العربية ما يعجبه من شعر ونثر. ويُعدّ الباحث الإسلامي الأوّل الذي اشتغل في حقل الأدب الإسلامي المقارن ودعا الباحثين والكتّاب إلى العناية به والتأليف في موضوعاته.
قدّم (د. المصري) للمكتبة العربيّة عشرات المؤلفات والدراسات، مستفيداً في ذلك من ذخيرته المعرفيّة واللغات التي كان يُجيدها ويترجم عنها ويكتب بها أحياناً، فمن مؤلفاته البارزة:
1- كتاباً (فارسيات وتركيّات) و(من أدب الفرس والترك): يُعدّان باكورة مقارناته ما بين الأدبيَن الفارسي والتركي.
2- كتاب (رمضان في الشّعر العربي والفارسي والتركي)
3- كتاب (سلمان الفارسي بين العرب والفرس والترك)، و(أبو أيُّوب الأنصاري عند العرب والترك).
4- كتاب (المسجد بين شعراء العربيّة والفارسيّة والتركيّة): ودرس فيه أهمّ
مظاهر الفنّ الإسلامي والعمارة الإسلاميّة.
5- كتاب (غزوات الرسول بين شعراء الشعوب الإسلاميّة) و(أثر الفرس في حضارة الإسلام)، وكتاب (في الأدب الشعبي الإسلامي المقارن) وغيرها من الكتب.
وقد نظم الدكتور المصري الشّعر بالعربيّة والتركيّة والفارسيّة والفرنسيّة؛ ومن دواوينه: (شمعة وفراشة)، (وردة وبلبل)، (همسة ونسمة) وغيرها.
انطلق (د. حسين) في عنايته بمقارنة الأدب العربي بالآداب الإسلاميّة الأُخرى من اعتقاده بأنّ الأدب العربي يمثّل رصيداً إبداعيّاً ضخماً يستمدّ منه شعراء الشعوب الإسلاميّة وأُدباؤها كثيراً من المعاني والقيم، ولاحظ من خلال متابعته لهذه الآداب أن هناك تشابهاً واضحاً بين الأدب العربيّ وآداب هذه الشعوب نتيجة التأثر بالإسلام وقِيمه وحضارته وتاريخه.
وظلّ (د. حسين مجيب المصري) معطاءً، لم يتوقف قلمه عن الكتابة حتى وفاته رحمة الله في يوم السَّبت الثامن والعشرين من شوال 1425ﻫ، الموافق الحادي عشر من شهر كانون الأول 2004م.
ينبئ عنوان الكتاب بجهدٍ علميّ كبيرٍ بذله المؤلف في التَّحريّ عن النّصوص الشّعريّة المكتوبة حول كربلاء في الآداب الإسلاميّة المختلفة، واختيار المناسب منها وترجمتها إلى اللغة العربية، ومن ثمّ التَّعريف بكتّابها، وتحليل الجوانب الفنيّة الخاصّة بها، وعقد المقارنة الأدبيّة فيما بينها كلّما اقتضت الدراسة ذلك.
وحريّ بعمل كهذا أن تقف خلفه دوافع علميّة كبيرة تؤمّن استمراره واكتماله، فالمساحتان الزمانيّة والمكانيّة للموضوع لهما من السعة ما يفرض على الباحث المتابعة
الدقيقة والدؤوبة، وهو ما توفّر فعلاً في عمل(د. حسين المصري)، فكانت الانطلاقة من رؤية منهجيّة علميّة ترى أنّ من شأن الدِّراسة المقارنة للظواهر والموضوعات المشتركة بين آداب الأُمم الإسلاميّة أن توسّع آفاق المعرفة بالتراث الإسلامي وتكمّلها لدى القارئ العربي.
وأنّ اختيار كربلاء موضوعاً للدراسة له ما لا يخفى من الأهمّيّة، فهي ظاهرة تاريخيّة مهمّة في التاريخ الإسلامي، تتجه إلى قلوب المسلمين أجمعين وإلى الإنسانيّة جمعاء في قاصية الشرق والغرب.
ويرى في مصرع الإمام الحسين علیه السلام أنّه يمثّل المواجهة الأزليّة الأبديّة بين الخير والشرّ، والحقّ والباطل، والإيثار والأثرة، والتَّضحية والانتهازية، وأن ما وقع في كربلاء إنّما يعرض لنا تاريخاً لخلفاء بني أُميّة، وهو تاريخ أصحّ وأدقّ مما قال المؤرخون عنهم. ويُثير هذا الرأي الأخير عدّة أُمور تتعلق بطبيعة علاقة الشّعر بالتاريخ، وحدود التسجيل الشّعري للتاريخ، من غير أن يطغى (التاريخي/الواقعي) على (الأدبي/ المُتخيل)، غير أنّ الكتاب لا يقف عند مناقشة ذلك، ويستمرّ في بيان أهمّيّة كربلاء موضوعاً ورمزاً شعرياً، فهي مدينة طَبَقت شهرتها الآفاق على مرّ العصور والدهور، فالمسلم يزورها للعبرة والذكرى، وغير المسلم للنّظر والمشاهدة، وهي اليوم مزار للزوّار من جميع الأجناس، وسوف يدوم ذلك لها ما دام دين الحقّ على وجه الأرض، وما دام في الدنيا عباد المبدأ وأنصار الحقّ والعدل، إنّ لها في التاريخ الإسلامي منزلة لا تُسامى؛ لأنّها مدينة إسلامية خالصة، فقد امتزج ترابها بدم الحسين الشّهيد، وهو من دم رسول الله صلی الله علیه و اله .
قام الكتاب(1)على مقدّمة، وفصلين تمهيديين؛ حمل الفصل الأوّل عنوان: (التّشيّع والشّيعة)، اختصّ بتعريف التّشيّع وعرض أُصوله تاريخيّاً، وقد اعتمد المؤلف في ذلك
1) 616. اُنظر: المصري، د. حسين مجيب، كربلاء بين شعراء الشعوب الإسلاميّة: ص7 وما بعدها.
على مصادر هي في حقيقتها غير كافية! ولا يمكن الاكتفاء بها علمياً، فلا بدّ - كما هو معروف في مناهج البحث العلمي - من الرجوع إلى المصادر الرئيسة للتّعريف بالطوائف والمذاهب، واعتماد مصنفات المذهب المراد تعريفه وبيان عقائده، وهو ما لم يفعله المؤلف؛ مما جعل الحقائق ملتبسة عليه! ومن ثمّ جاء التَّعريف بالتّشيّع مشوّهاً وناقصاً، وكان يريد من هذا الفصل التمهيدي أن يصل إلى ما له صلة بموضوع الكتاب الرئيس، وهو كربلاء في الشّعر ! فذكر أنّ الشّيعة قاطبة يتفقون في غايتهم، إلّا أنهم يختلفون في وسيلتهم عند إعلانهم عن فرط حزنهم. وربما أرشد ذلك من صنيعهم إلى تخالفهم في التعبير عن شعورهم على وفق سليقتهم وتفاوتهم في اختيار الرمز والمجاز الذي ينطق عن الحقيقة، وهذا يُعتبر خللاً منهجياً منه!
ويتكرّر الخلل المنهجيّ نفسه في الفصل الثاني الذي حمل عنوان: (كربلاء)(1)، وعرض فيه أحداث واقعة الطفّ، فنجد الباحث يعتمد من بين المصادر كتاب (الإمامة والسّياسة) لابن قتيبة، من غير التثبّت من صحّة بعض الروايات التاريخيّة، لدرجة تناقض معطياتها في أكثر من موضع في الفصل، ولا أرغب في مناقشة المؤلف في تفاصيل ذلك، فغاية المقال هو تسليط الضوء على الجديد من النّصوص الشّعرية الإسلاميّة التي تناولت كربلاء موضوعاً ورمزاً. وهو ما يتناوله المؤلف في أربعة أبواب رئيسة.
الباب الأوّل: كربلاء في الشّعر العربي(2)
ضمّ هذا الباب فصلين: استهلّ المؤلف في الفصل الأول - كربلاء في الشّعر العربي
القديم - بعبارة لأبي فرج الأصفهاني من كتابه مقاتل الطالبيّين يقول فيها: «وقد رثى الحسين بن علي جماعة من متأخري الشّعراء، أستغني عن ذكرهم في هذا الموضع كراهية الإطالة، أمّا مَن تقدّم فما وقع إلينا شيء رُثي به، وكانت الشُّعراء لا تُقدم على ذلك مخافة من بني أُميّة، وخشية منهم» والذي يُلاحَظ أنّ الكتاب وهو في الافتتاحية يُشير إلى ضياع كثير من هذه النّصوص بفعل القمع السّياسي الأُموي، ثم يختار بعد ذلك البدء بأبيات سليمان بن قتة التيّمي - من شعراء القرن الأوّل الهجري - في رثاء الحسين علیه السلام والتي يقول فيها:
مررت على أبيات آل محمد***فلم أرها أمثالها يوم حلّت
ألم تر أنّ الشمس أضحت مريضة***لفقد حسين والبلاد اقشعرت
وكانوا رجاءً ثم أضحوا رزيّة***لقد عظمت تلك الرزايا وجلت
ويذكر المؤلف أنّ شعر الرثاء الحسيني تضمّن بُعداً سياسياً يتعلّق بالثَّورة على فساد الدّولة الأُمويّة، إلى جانب البُعد الديني الذي تجلّى في الصّلة الوثيقة ما بين المؤمن وآل النبي الأكرم صلی الله علیه و اله ، ويُضاف إلى هذين البُعدين ملمحٌ فنيّ من خصائص فنّ الملحمة أو شعر الحرب، يرجئ المؤلف الحديث عنه إلى الفصول الخاصّة بشعر الشعوب الإسلاميّة، متوقّفاً عند شعر السيّد الحميري الذي كان يُعدّ من أكثر الشّعراء شعراً في الجاهليّة والإسلام، ويستشهد بأبياته:
اُمرر على جدث الحسين***وقل لأعظُمه الزكيّة
يا أعظُماً لا زلت من***وطفاء ساكبة رويّ-ة
فإذا مررت بقبره***فأطل به وقف المطيّة
وابكِ المطهّر للمطه***ر والمطهّرة النقيّ-ة
كبكاء معولة أتت***يوماً لواحدها المنيّة
غير أنَّ ما يُؤاخذ عليه عدم اختياره من القصيدة الأبيات التي هي أقرب لما يتحدّث عنه من أبعاد في شعر الرثاء، واكتفى بذكر الأبيات الدالّة على الحزن والألم، وكان الأجدر اختيار قول الشاعر:
قبرٌ تضمّن طيّباً***آباؤه خير البريّ--ة
آباؤه أهل الرياسة***والخلافة والوصيّ--ة
والخير والشيم***المهذبة المطيّبة الرضيّ-ة
والعن صدى عمر بن***سعد والملمّع بالنقيّة
شمر بن جوشن الذي***طاحت به نفس شقيّة
جعلوا ابن بنت نبيهم***غرضاً كما تُرمى الدريّة
ومن ثمّ يتحدّث عن مذهب السيّد الحميري، ويذكر بعض الآراء في تحديد معتقد الكيّسانية في الإمامة، وانقسامهم بعد وفاة محمد بن الحنفيّة، ثم ينتقل إلى تفسير مفهوم البداء، فيعرض له بشكل مضطرب، يستطرد فيه من غير ضرورة علميّة لذلك، وكان من الممكن أن يكتفي بتعريف بسيط لبعض المفاهيم والإحالة إلى مصادر متخصِّصة في معالجة هذه الموضوعات ومناقشتها.
وينتقل المؤلف بشكل مفاجئ إلى شاعر من التوّابين هو (ابن الأحمر)، ويذكر أبيات له في التألّم والحسرة على عدم نصرة الإمام الحسين علیه السلام .
ثم يُورد أبياتاً للشاعر منصور النمري، متوقّفاً عن ردود فعل هارون الرشيد، منتقلاً إلى قصيدة لأبي دهبل وبعدها قصيدة للشّريف الرضي التي منها:
يا قتيلاً قوّض الدهر به***عمد الدين وأعلام الهدى
قتلوه بعد علم منهم***أنّه خامس أصحاب العبا
كيف لم يستعجل الله لهم***بانقلاب الأرض أو رجم السما
حملوا رأساً يصلّون على***جده الأكرم طوعاً وأبا
ويتناول بشكل سريع بعض المزايا الفنيّة لهذا النّصّ مؤشراً خروج الشّريف الرضي فيه عن ما هو متعارف من شروط القافية في كتابة الشّعر، ويرى أنَّ مرثية الرضي هذه جاءت دون مستوى مراثيه الجياد في الإمام الحسين علیه السلام ، التي شغلت اثنتي عشرة صفحة من ديوانه، لعدم مراعاته أُصول القافية المتعارف عليها. وهو أمر لا يُقلّل في رأي المؤلف من شاعريّة الرضي، ولا من المضمون الجيّد في هذا النّصّ.
والفصل الثّاني حمل عنوان (كربلاء في الشّعر العربي الحديث) ويفتتحه بأبيات من قصيدة له تحت عنوان (ذكرى الإمام الحسين) - فهو شاعر كما مرَّ بنا، وله عدّة مجاميع شعريّة مطبوعة - يقول في قصيدته:
شفق الغروب رأيت فيه دماكا***يا مَن مقامك جاوز الأفلاكا
لو أنّ قلبي كان ترسا حاميا ***من طعنة بالسيف كان حماكا
لو أنّ صدري كان يصلح واقياً ***من وطئة لحوافر أنجاك--ا
وبمدمع أجريته في حسرتي ***غسلت جرحك باسماً ضحّاكاً
ويُورد بعد ذلك (للشيخ الصاوي شعلان، ومحمد زكي الحلواني)، نصيّن يغلب عليهما توثيق أحداث الطفّ ومصرع الإمام، بطريقة تسجيلية، ثم ينتقل إلى المسرح الشّعري، ويذكر مسرحيتي عبد الرحمن الشرقاوي (الحسين ثائراً) و(الحسين شهيداً) ويرى أنّ الكاتب صوّر فيهما الواقعة بالتفصيل الذي ورد في التاريخ، ومنح القارئ فرصة الغوص في أعماق الشخوص بطريقة فنيّة رائعة.
ثمّ ينتقل إلى شعراء العراق، ويذكر في هامش الموضوع أنّه اعتمد في ذلك على
ما أرسله له الأُستاذ (سليمان هادي آل طعمه) من قصائد لشعراء عراقيّين، فيبدأ بقصيدة (السيد مرتضى الوهاب، ومحسن أبو الحب، والشيخ محمد علي كمونه، والسيد حسين المرعشي، ومحمد مهدي الجواهري قصيدته: آمنت بالحسين، وقصيدة للشاعر محمد علي الخفاجي). وكان من الممكن الرجوع إلى دواوين هؤلاء الشّعراء، واختيار النّصوص بشكل تتضح فيه ذائقة المؤلف بشكل أفضل، مضافاً إلى ذلك أنّ هذه المراجعة للدواوين ضرورة منهجية كان يجب على الباحث اعتمادها هنا.
من النّصوص الأُخرى التي اختارها في هذا الفصل قصيدة لمحمد حسن أبو المحاسن، وأُخرى لصدر الدين الحكيم الشهرستاني، وحسين الكربلائي، وسلمان آل طعمه، وقصيدة السيّد رضا الهندي، التي يقول فيها:
صلَّت على جسم الحسين سيوفهم ***فغدا لساجدة الظبى محرابا
ومضى لهيفاً لم يجد غير القنا ***ظِلّا ولا غير النجيع شرابا
ظمآن ذاب فؤاده من غلة ***لو مست الصخر الأصم لذابا
لهفي لجسمك في الصَّعيد مجرّداً ***عريان تكسوه الدماء ثيابا
وامّا الفصل الثّالث فاختصّ ب-(كربلاء في الشّعر العربي الشعبي)، وهو أمر آخر ينفرد به كتاب (د. حسين المصري)، فهو يتجاهل الاشكاليّات المثارة حول الشّعر الشعبي، ومدى صلاح مادّته للدراسة والبحث، متجاوزاً محدودية مساحة تلقّي هذا الشّعر التي تنحصر عادة في بيئته المحليّة؛ لاعتماده اللهجة الدَّارجة في الكتابة، فيورد نماذج من هذا الشّعر، ويحاول التعليق على بعضها، معتمداً مصدره نفسه، وأعني به ما أرسله له الأستاذ (آل طعمه) من نصوص، فيورد نصوصاً (لعبد الأمير الشروفي آل طعمه، والحاج عبد الأمير البناء، والسيّد عبد الحميد آل طعمه، وعبد الكريم الكربلائي، وعزيز الجلجاوي، والشيخ كاظم المنظور الكربلائي).
اعتنى الباب الثّاني من الكتاب بدراسة (كربلاء في الشِّعر الأردي)(1)، وحمل الفصل الأول منه عنوان: (كربلاء في الشِّعر الأُردي القديم)، ويؤشّر المؤلف على هذا الشعِّر تقيَّده بأغراض خاصّة وابتكار الشُّعراء فيه جديداً في العروض والمجاز والصِّناعة، غير أنّه يفتقر إلى رصانة الأُسلوب ومتانة السبك وهو أمر يُفسّره الاهتمام بدِقّة اللفظ وكيفية استخدامه؛ إذ كان يُنظر إلى هذا الأمر على أنّه الغاية في البلاغة.
ومن أبرز الشّعراء الأُرديين: (أنيس)، الذي يختار له نصّاً يقول فيه:
جنود الحسين قضوا نحبهم ***ومن كوثر يسَّروا شربهم
وآل النبي كابدوا كربهم ***وفي الجو قد آنسوا تربهم
وهو مقطع من قصيدة طويلة يختارها المؤلف من شعر أنيس في رثاء الإمام الحسين علیه السلام وقد ترجمه شعراً على بحر المتقارب، والشاعر الآخر الذي يختاره هو (دبير) وهو مشهور بكتابة الرثاء في آل البيت علیهم السلام ، وكان يفوق أنيس في خياله الخصب الواسع، وميله إلى إيراد الألفاظ ذات الجرس العالي، مكرّساً معظم شعره الذي يبلغ المجلدين في نظم المراثي، ويذهب أحد النقّاد إلى أن دبير يورد القصة ليحقق تأثيراً في نفس المتلقي عبر حشد التشبيهات والاستعارات والبراعة في استعمال اللغة والخيال، ومن قصائده:
سماء وفيها اختلاج شديد ***وأرض بمَن كان فيها تميد
شجاع لهم في القتال ظهر ***كنورٍ وبين الغمام بهر
على نحره يده قد وضع ***لأهل الضلالة صوتاً رفع
وقال اُنظروا واعلموا ما صنع ***فما مثل هذا إلهي بدع
1) 619. اُنظر: المصدر السابق: ص284 وما بعدها.
يرى (د. حسين) في هذين الشاعرين أنّهما متكاملان متشابهان، يصوّران الواقع بحياديّة، ويحرصان على عرض ملامح الصورة من غير أن يذكرا انطباعهما، وهو أمر غير متوقَّع من شاعرين جعلا الكتابة في كربلاء مركز اهتمامهما.
أمّا الفصل الثّاني من هذا الباب، فحمل عنوان (كربلاء في الشّعر الأُردي الحديث)، وعرض فيه المؤلف نصوصاً لعدة شعراء منهم؛ (شمس العلماء مولانا محمد حسين آزاد الدهلوي)، الذي يقول:
ومن جنة قدم الأنبياء ***لفرط أساهم أطالوا البكاء
فدوى نواح ودمع جرى ***وروح النبي أتت كي ترى
وزهراء كانت إلى جنبه ***وتبكي وتبكي على ما به
وظل عليّ عليه ورف ***ونور النبي كبرق خطف
ومن نصّ للشاعر (محمد باقر) يترجم قوله:
ألا حبّذا دوحة قد روت ***دموع الحسين وقد أثمرت
وتمَّ التلازم بين النبي ***وبين علي فسر خفي
ثمّ يعرض نصوصاً أُخرى للشاعرين (مولانا حسن رضا خان) و(فيضي أحمد فيضي)، معلّقاً عليها وشارحاً لبعض مضامينها.
ويتناول الباحث في الباب الثّالث موضوعة (كربلاء في الشّعر الفارسي)(1)عبر فصلين؛ اعتنى الفصل الأوّل بتوظيف كربلاء في الشّعر الفارسي القديم، ويُمهّد للعرض ببيان دور ملوك الدولة الصفوية في تشجيع الشّعراء الفرس على رثاء أهل
1) 620. اُنظر: المصدر السابق: ص313 وما بعدها.
البيت ومدحهم، فقد ذكر عن الشاه (طهماسب) أنّه كان يعدّ الشّعر في غير مراثي أهل البيت تدنيساً للسان.
ومن أعظم الشّعراء الذين كتبوا في رثاء الحسين علیه السلام الشاعر (محتشم كاشاني) وكان يُعدّ شاعر بلاط الشاه طهماسب، كتب منظومة من النمط الفارسي المعروف بترجيع بند؛ وهو عبارة عن منظومة تتألّف من عدّة أقسام تُسمى خانات، وكُلّ قسم أو خانة تضمُّ أبياتاً متّفقة في الروي، يتلوها بيت مستقل يتكرر بعد كل قسم منها.
مأتم فيه بكاء للورى ***أنبياء شاهدوا ما قد جرى
ثم جاء الأولياء يهرعون ***لشجيج الرأس كانوا يعولون
يا لجمر من قلوب جمعوه ***لأخيه المجتبى قد رفعوه
يرى المؤلف في شعر كاشاني أنّه يميل إلى تسجيل الواقع التاريخي، عبر سرد قصصي يصوّر المأساة والفجيعة، ويحرص على إشراك القارئ في هذا الجو المفعم بالأسى، وهو لا يتوقف عند هذا، وإنّما يتجاوزه إلى طلب الثأر والإقدام على القصاص من قتلة الإمام علیه السلام ، وهو رأي لا يخفى وضوح البُعد السياسي فيه.
ومن الشّعر الفارسي كتاب (روضة الشهداء) (لحسين واعظ الكاشفي) الذي يُعدّ أقدم كتاب ضمّ قصائد رثاء في الإمام الحسين علیه السلام ، منها:
آدم محزون في هذا البلا ***فلك نوح غرقت في ابتلا
نار نمرود شهدتَ يا خليل ***شعلة فاشهد بنار للغليل
كان هذا للحسين في عزاء ***ثم عمَّ الغمُّ كُلَّ الأنبياء
ويُنبّه المؤلف القارئ إلى أن الشّعر المجموع في كتاب (روضة الشهداء) ليس من نظم حسين واعظ، فهو مما جمعه وأنشده في مجالس الوعظ والعزاء التي كان يُقيمها أواخر العصر التيّموري في مدينة هراة، ويرى بعض الباحثين والنقّاد أنّ القيمة الفنيّة
العالية لهذا الكتاب دفعت الشاعر التركي (فضولي البغدادي) إلى ترجمته إلى اللغة التركية، مضيفاً إليه بعض النّصوص، ومعدّلاً بعض ما ورد فيها، وقد نقله بعنوان جديد هو (حديقة السعداء).
ويستطرد المؤلف في التَّعريف بالشاعر التركي فضولي البغدادي، في الفصل المخصّص عن الشّعر الفارسي القديم، وكان بإمكانه إرجاء هذا التفصيل إلى الفصل الخاص بالشّعر التركي القديم، وهو خلل منهجي واضح.
وينتقل بعد ذلك إلى الشاعر الفارسي (سنائي) صاحب المنظومة الشهيرة (حديقة الحقيقة)، التي تُعدُّ أطول منظومة فارسية، وأوّل ملحمة صوفية في الأدب الفارسي، ولسنائي شُهرة واسعة في الشّعر الصوفي، ويقال عنه: إنه مهّد بغزلياته لأشهر شعراء الفارسيّة بعده ك-(حافظ الشيرازي).
ومما قاله عن كربلاء في (حديقة الحقيقة):
إنّه في كربلا لما نزل ***كان جيش لزياد قد وصل
عنه ماء للفرات قد منع ***قلبه من حسرات قد مزع
وحمل الفصل الثّاني عنوان: (كربلاء في الشّعر الفارسي الحديث)، وذكر المؤلف في بدايته انطلاقة الشّعراء المحدثين نحو التغيير والتطوير في أساليبهم الشّعرية من حيث المبنى والمعنى، رغبةً منهم في التجديد ومواكبة الحياة في تطوّرها، وقد شاركهم في ذلك الشّعراء التقليديون أيضاً؛ إذ حاولوا بعث روح التجديد في القوالب الشّعرية القديمة، في الكتابة عن كربلاء وشهدائها. ومن الشّعراء المحدثين الشاعر صفي على شاه، الذي كان من شعراء الصوفيّة المشهورين، ومن شعره في كربلاء:
ومن الخيمة عادت زينب ***مَلِكَ الساحة كانت تطلب
يا لعطر فاح من شعراته ***مثل عيسى كان في حيواته
من الشّعراء الآخرين (يغمائي) الذي يتميّز شعره بمتانة السبك، وابتكار الأغراض الجديدة، يقول في قصيدة له على لسان زينب صلی الله علیه و اله :
ظامئ الحلق أتاني أكبري ***أمطري يا عين دمعاً أمطري
ليت أُمي لم تلدْ منذ الأزل ***وأراك اليوم من تحت الأسل
ويرى حسين مجيب أنّ الشاعر لم يخرج عن التشبيهات التي درج الشّعراء الأقدمون على إيرادها في أشعارهم، على الرغم من أنّ تزاحم الصور البيانية في مخيلة الشاعر جعلت أبياته متوالية من الصور الفنيّة، حيث تُولَد في كُلّ بيت صورة من صورة سابقة، والشاعر مجدّد مبتكر في ذلك على وفق آراء النقّاد، ثم ينتقل إلى الشاعر (محمود خان) ملك الشّعراء، والشاعر (أديب الممالك) والشاعر (قاآني) والشاعر (شهريار) الذي له منظومة طويلة أفردها لذكر ما جرى في كربلاء، تألّفت من ثلاثة وخمسين بيتاً منها:
يا لشهر إنه شهر الغموم ***الهموم حلَّقت فوق الهموم
قف تأمّل جور ذياك الفلك ***زينب ستراً لها ما قد هتك
أضرموا النيران ظلماً في الخباء ***فنفرن منه هاتيك الظباء
ويخصّص د. المصري الباب الرابع والأخير من الكتاب ل-(كربلاء في الشّعر التركي)(1)، من خلال فصلين، يتناول في الفصل الأوّل: كربلاء في الشّعر التركي القديم، ويبدأ المؤلف فيه بمَن يراه أكثر الشّعراء الأتراك شُهرة، وأوفرهم نصيباً في نظم الرثاء الخاص بالحسين علیه السلام وأهل بيته، وهو الشاعر (فضولي البغدادي)، إلّا أنّه يعود من جديد إلى ذكر الجدال الدائر ما بين النقّاد حول نسبة الشّعر في كتاب (روضة
1) 621. اُنظر: المصدر السابق: 380 وما بعدها.
السعداء) إلى فضولي، أو أنّه مجرد نقل وترجمة لما ورد من قصائد في كتاب حسين واعظ (روضة الشهداء) وأنّ الشاعر تصرّف فيه ونقله بأُسلوبه وطريقته. ثم يُورِد أمثلة من هذا الشّعر:
كُلّ ما في الكون ما الله خلق ***ناطقاً كان كذا من ما نطق
كُلّ عقل كُل ّنفس وفلك ***من طريق أينما كان سلك
واجب حتم عليهم في دوام ***في الحسين مأتم في كُلّ عام
وينتقل المؤلف بعد ذلك إلى ذكر بعض الشّعراء الذين كتبوا في كربلاء، معتمداً في ذلك على كتاب (مراثي كربلاء)، معتذراً عن تقديم تعريف بهؤلاء الشّعراء، لعدم وجوده في الكتاب المذكور، فمؤلف هذا الكتاب لم يذكر للشاعر منهم سوى بيتين أو أربعة أبيات من الشّعر، ومنهم الشاعر التركي صافي، وفريدون، والشاعر لامعي، وللأخير شُهرة كبيرة في الشّعر التركي، تُماثل شُهرة الشاعر جامي في الأدب الفارسي القديم، وله منظومة من النمط المعروف بالتركية (بالمثنوي)، أي: ما يُسمّى في العربية بالمزدوج، تحمل عنوان (مقتل الحسين)، ويذكر د. حسين مجيب المصري أنّ لهذه المنظومة ثلاث مخطوطات بمكتبة جامعة القاهرة، لم يتسنَّ له الاطلاع عليها، فاعتمد في ترجمة بعض أبياتها على رسالة ماجستير حول الشاعر حملت عنوان (لامعي شاعراً وناثراً) كتبها الباحث سمير عباس وقدمها لكلية الآداب جامعة عين شمس عام 1987، وتُعدّ منظومة لامعي وثيقة تاريخيّة؛ حيث يسرد الشاعر فيها تفصيلات ما وقع على أرض كربلاء، بشكل حرص فيه على مطابقة ما ورد من روايات تاريخية في هذا الشأن، هو يفتتح منظومته قائلاً:
هذه الأفلاك ناري تحرق***ول----ها لون الحداد الأزرق
إن للإنس وللجن بكاء***مَن بدا منهم ومَن هُمْ في خفاء
ما عسى يصنع ليث وحده***ألف خنزير أرادت صدّه
وجاء الفصل الثاني من الباب الرابع بعنوان: كربلاء في الشّعر التركي الحديث، عرض المؤلف فيه نموذجين من الشّعر التركي الحديث:
الأول: للشاعرة التركية (عادلة سلطانة): وهي من أميرات القصر السلطاني، وبنت السلطان محمود الثاني، كتبت شعراً دينياً صوفياً، وكان ذلك انعكاساً لحياتها التي عاشتها بتوجه كبير نحو الله سبحانه وتعالى، ويستنتج المؤلف من ملامح حياتها، ومن خبر نظمها لمراثي في آل البيت علیهم السلام أنها قد كتبت شعراً في كربلاء، وفي رثاء الإمام الحسين علیه السلام ، غير أنّه لا يوقفنا على هذا الشّعر؛ لعدم اطلاعه عليه. وهذا مما يُعدّ نقصاً كبيراً في التَّعريف بالشاعرة، ويجعل من ذكرها من دون شعرها في الكتاب أمراً غير ذي جدوى كبيرة للقارئ.
الثاني: هو الشاعر التركي المعاصر (جاهد صدقي طارانجن): الذي له منظومة بعنوان (اتجاه إلى الله) منها:
كُلّ بحر ليس فيه غير ماء ***في يدي الآن مثقوب الإناء
لا يمر اليوم مراً كالنسيم ***كربلاء إن ذكرنا في القديم
بدواء لست أشفى من جراح ***إنّني والله مكسور الجناح
إنحاز الباحث (د. حسين مجيب المصري) إلى منهجه في التأليف ودراسة التراث الإسلامي، القائم على استقراء النّصوص الشّعرية، وتعريف القارئ بشعرائها، مبيناً المرجعيات التاريخية لهذه النّصوص بالتفصيل كلما اقتضت الدراسة ذلك، مؤشراً ما
يعدّه كشفاً عن تيّارات روحيّة في العالم الإسلامي لم يعرفها القارئ العربي سابقاً. وهو أمر حقّقه الباحث، وكان في غاية الأهمّيّة والفائدة.
لعلّ المسألة الأكثر بروزاً التي يُثيرها منهج الكتاب هي مسألة ترجمة الشّعر ونقله من لغته الأصليّة إلى اللغة الهدف، وما يثار عادة حول هذا الأمر لا يتجاوز ذكر إشكاليات قديمة، ناقشتْها دراسات عديدة سابقة، غير أنّ ما سعت دراسات الترجمة الحديثة إلى مناقشته بشكل علمي دقيق هو دور المترجم وحدود صلاحيته في النقل، ولا شك في أن دخول الذات المترجمة للنّص يُعين المترجم على إجادة عمله وعلى الاقتراب بشكل كبير من تجربة النّصّ وروحه، غير أنّ هذه العملية لا تسلم من خطورة التماهي الكلي مع النّصّ بشكل تنمحي المسافة فيه بين المترجم والنّصّ.
ومن هنا؛ كان دور الدراسة الترجمية هو قياس مدى حضور (أنا) المترجم في النّصّ وأشكال هذا الحضور وطبيعته(1)
قام د. حسين المصري بترجمة النّصوص الشّعرية إلى اللغة العربيّة وبصورة شعرية، موضحاً أنّ الشّعر يفقد روعته ورواءه إن تُرجِم نثراً، ومنح نفسه مساحة للتحرُّك والتصرّف في النّصّ المنقول، إيماناً منه بأنّ المترجِم هو مَن يقتدر على مراعاة الذوق في النّصّ الذي ينقل عنه، ولا ضير في أن يغيّر الاستعارة أو الكناية أو التشبيه في الأحاسيس وهو يترجم، وأن المترجم الحاذق هو مَن يقتدر على جعل النّقل أروع من الأصل، وأنّ يتصرّف في الترجمة تصرّفاً ضروريّاً، وإلّا لم يحقق من الترجمة ما ينبغي أن يحقق.
في ضوء ذلك قدّم د. المصري نماذج شعرية من الشّعر الأُردي والفارسي والتركي بقالب العروض العربيّة، لاجئاً إلى بحر الرَّمل حيناً وإلى المتقارب حيناً آخر.
1) 622. اُنظر: كاظم جهاد، حصة الغريب، شعرية الترجمة وترجمة الشعر عند العرب: ص100- 104.
لقد مارس المترجمون العرب الترجمة، متوسلين بالترجمة المنظومة أو الموزونة، فسعياً إلى الاستجابة إلى قالب عروضي جامد ومحدد سلفاً، نجد الترجمة المنظومة مجبرة على محاكاة القالب والخضوع لسطوته، فتعمل على إطالة القول الشّعري أو إيجازه، على حساب بُنيته الأصلية، وبما أنّ النظم العروضية لمختلف اللغات هي بالأصل متمايزة، فإنّ الانتقال من أحدها إلى الآخر لا يمكن أن يتمّ دون أن يؤثر تأثيراً مباشراً في طبيعة الانفعال الشّعري وجودة المعنى اللذين تُنتجهما الترجمة(1)
وإذا ما أعدنا قراءة الترجمات التي قدمها د. حسين المصري هنا فإنّنا سنلاحظ بشكل جلي هذه الإعاقات التي ألحقتها الترجمة المنظومة بالشّعر المترجم.
ولا يُقلّل ما نقوله هنا من الجهد الكبير والجديد الذي بذله د. المصري في تأليف هذا الكتاب، ويكفيه فرادة أنّه الكتاب الأوّل في مجاله، وأنّ مؤلفه رحمة الله قد أتاح لقراء العربيّة فرصة الاطلاع على آداب أهملتْها الدراساتُ العربية، وشحّتْ مصادرُها في مكتبتها التخصصية.
ومن جانب آخر؛ كان لهذا الكتاب رأيُه في نقل النّصوص الشّعرية من لغاتها الأصلية، وهو رأي موضع احترام وتقدير، يوافقه فيه كثير من المترجمين العرب، ولا تخلو النتيجة أيّاً كانت من جديد يجوس أرضاً جديدة.
1) 623. المصدر السابق. واُنظر كذلك: إشكالية الترجمة في الأدب المقارن: د. ياسمين فيدوح، دار صفحات للدراسات والنشر: ص45.
د. هاشم الزرفي(1)
تعددت الحركات النهضوية على مرّ العصور والأزمان، وتميّزت كُلّ واحدة عن الأُخرى - سلباً أو إيجاباً - بمميزات تخصُّها، وتفاوتت هذه الخصائص بلحاظ الزمان والمكان والأشخاص، وكذلك من حيث الأهداف والمبادئ...
وقد امتازت الثَّورات الإسلاميّة العربيّة آنذاك بطريقتها في شحذ الهمم لبلوغ الغاية؛ حيث كانت الخطابة من أهمّ الطرق التي تساهم في النّصر عسكريّاً وإعلاميّاً، مستلهمين ذلك من سليقتهم العربية الصحيحة.
وإذا استلهمت أيُّ ثورة وضعها المعنوي والحركي من منبع الإسلام الحقيقي وهو القران الكريم، فإنَّ ذلك سينعكس على واقعها، وخصوصاً في الخطابيات، ولو أُضيف لهذا الشعور بالمسؤولية والاعتراف بالتقصير والندم على أخطاء الماضي، فإنَّ
1) 624.أُستاد مساعد دكتور في كلية الشيخ الطوسي الجامعة.
وضعها سيزداد قوّة وإصراراً معنويّاً وخطابيّاً لتغيير المستقبل، وهذا ما حصل لثوار وقادة ثورة التوابين، وكذلك ثورة المختار في الجملة، وقد بانَ كُلّ ذلك على خطاباتهم وتأثرهم بالقران الكريم مع شعورهم بالمسؤولية.
ومحور بحثنا هو دراسة هذه الخطابات وموادها، وطريقة نثرها، وأساليبها في التعبير، مستعينين ببعض الشواهد على ذلك. لذا سنقسّم البحث على محورين رئيسين بعد ذكر تمهيد للبحث نتعرّف فيه على مفهوم النثر الفني ووظيفته، وسيتناول المحور الأوّل أنماط النثر الفني في ثورة التوابين وثورة المختار الثقفي، ونتحدث في المحور الثّاني عن أثر القران الكريم في ثورة التوابين وحركة المختار الثقفي.
النّثر في اللغة: مصدر للفعل نثر بمعنى فرّق، ويأتي النّثار بمعنى النّثر، وهو الفتات المتناثرة من المائدة، جاء في القاموس المحيط: «نثر الشيء نَثَرهُ ويَنثُره نثراً ونثاراً رماه متفرّقاً كنثره فانتثرَ وتنثّر وتناثر والنّثارة بالضّم والنّثر بالتّحريك ما تناثر منه، أو الأُولى تخصُّ ما ينتثر من المائدة فيؤكل للثّواب»(1)، ويذكر الزمخشري في أساس البلاغة للفظة (نثر) معنى آخر يدلُّ على كثرة الكلام، يقول: «رجل نثر: مهذار ومذياع للأسرار»(2).
وقد دخلت هذه اللفظة البيئة الثقافيّة الأدبيّة بنفس المعنى، أي: الكثير والمتفرق من الكلام، ثم أخذت تقتصر على الكلام الأدبي الذي يرتفع على الكلام العادي في
التّعبير والمعنى(1).
واستخدم النقّاد والأُدباء فيما بعد هذا اللفظ في المفهوم ذاته، فعرّفه الدكتور شوقي ضيف بأنّه: «الكلام الذي لم يُنظَّم في أوزان وقوافٍ، وهو على ضربين: أمّا الضّرب الأوّل فهو: النثر العادي الذي يُقال في لغة التخاطب، وليست لهذا الضّرب قيمة أدبيَّة إلّا ما يجري فيه أحياناً من أمثال وحِكَم. وأمّا الضَّرب الثاني فهو: النثر الذي يرتفع فيه أصحابه إلى لغة فيها فنّ ومهارة وبلاغة، وهذا الضرب هو الذي يُعْنى النقّاد في اللغات المختلفة ببحثه ودرسه وبيان ما مرَّ به من أحداث وأطوار، وما يمتاز به في كُلّ طور من صفات وخصائص، وهو يتفرّع إلى جدولين كبيرين، هما الخطابة والكتابة الفنيَّة، ويسمّيهما بعض الباحثين باسم النثر الفني»(2).
يقوم النثر الفني بإداء وظيفتين مهمّتين، هما: اللّذة، والإفادة.
وقد جمع بعض النقَّاد بينهما، وذهب بعضهم إلى التفريق، فيما ذهب فريق ثالث إلى جانب الإفادة وحدها(3).
إنَّ الجمع بين اللّذة والإفادة يُعدُّ الأقرب إلى طبيعة الأدب، ونظرته إلى وظيفة النّثر الفنّي في التراث الأدبي؛ من الخطابة والرّسالة والمقامة التي تدور في إطار نفع المجتمع وخدمته؛ بإسهامها في التّعبير عن جوانبه الاجتماعيّة والدينيّة والسياسيّة والثقافيّة، وإلى جانب هذه الوظيفة فقد وفّت الكتابة بأشكالها المتعدَّدة بالحاجات
الجماليّة التي تُحقّق المتعة(1).
ومن هذه الإبانة الدلاليَّة الموجزة لمفهوم النثر ووظيفته سيمضي البحث لتتبع أنماط النثر الفنّي خطباً ورسائل، وعهوداً ووصايا، بأطوارها ومراحلها منذ العصر الجاهلي إلى ثورة التوابين وإمارة المختار الثقفي؛ لتسليط الضوء على مدى الرُّقي الفنّي الذي وصل إليه النثر في هاتين الحقبتين.
كان النثر الفنّي في هاتين الحقبتين ذا قصديّة عالية من ناحية الأُسلوب والأفكار؛ إذ وظّفه الخطباء والمترسّلون من أجل دعوتهم، فكان الخطيب أو المترسّل يستعين بكل قدراته اللّغويّة والأُسلوبيَّة وملكاته البيانيّة والبلاغيَّة من أجل التّأثير في السَّامعين، والأخذ بجوامع قلوبهم، فكان نتاجهم الأدبي يرتقي بحقٍّ إلى النَّمط العالي في الأداء، وهو ضرب يستحق أَنْ يُدرس دراسة أُسلوبيَّة من خلال تحليل وظائف أصواته وأبنيته وتراكيبه؛ لأنَّ وظيفة الأُسلوبية دراسة الاختيارات اللغوية الخاصَّة التي يستعملها المنشئ في النص، والتي يتميز بها من غيره من المنشئين(2)، وفيما يلي نستعرض أنماط النثر في هاتين الثورتين:
النمط الأول: الخطابة
ينبغي أن نتعرّف إلى أدبيات الإسلام إجمالاً - قبل بيان خطابة حُقبتي ثورة التوابين وإمارة المختار - وطريقة صُنعه للخطابة بعد ما كانت الخطب الجاهلية طاغية، وكيف
أنه قد أزالها، بما فيها خُطب المفاخرات والخصومات، وسجع الكهّان ليُنذر بتحوُّل مهمّ في فنّ الخطابة الذي أصبح مسايراً للحياة الاجتماعية في عصر صدر الإسلام.
عندما جاء الإسلام أوْلى المسلمون وفي مقدّمتهم الرسول الكريم محمد صلی الله علیه و اله الخطابة عناية خاصة، لما لها من سمات وخصائص تجعلها خير وسيلة من وسائل الدعوة إلى الإسلام؛ لأنها كانت تستوعب أُسلوب المناظرة والمناقشة، والمحاجّة والإقناع، وهذه كلها مهمّة في البيان والإبلاغ.
ولما هاجر الرسول الكريم صلی الله علیه و اله إلى المدينة أصبحت الخطابة من وسائل بيان التشريعات الإلهية، والوعظ والإرشاد وتنظيم حياة المسلمين، وعندها حظيت الخطابة في هذا العصر بالتطوُّر والازدهار مقارنة بحالها في عصر ما قبل الإسلام؛ إذ حدث تغيُّر وتحول في هيكلها وأساليبها ومعانيها.
وقد تلمّس الباحثون الأسباب التي أدّت إلى تطوّر الخطابة وازدهارها في هذا العصر فوجدوها تكمن في عدة أسباب، منها:
أنَّ الرسول صلی الله علیه و اله «اتَّخذها بعد الهجرة أداة لإيضاح تعاليم الإسلام ووعظ المسلمين»(1).
وكذلك أصبحت فرضاً مكتوباً في صلاة الجُمَع والعيدين، وفي مواسم الحج «وبذلك عَرَفَ العرب ضرباً مُنظَّماً من الخطابة الدينيَّة لم يكونوا يعرفونه في الجاهليَّة»(2).
كذلك كان لوجود القرآن الكريم الأثر الكبير الذي أدَّى «إلى تطوُّر الخطابة
وارتقائها في العصر الإسلامي وفي العصور التي تلته»(1).
ومن أهمّ تلكم الخصائص اشتمال الخطابة على الوحدة الموضوعية التي كان النثر الجاهلي يفتقر إليها،
فكان الخطيب يبدأ خطبته بالتحميد والثناء على الله، والصلاة على رسوله صلی الله علیه و اله (2)، ويعقبها بعبارة (أمَّا بعد) ثم ينتقل إلى الغرض من خطبته، ولعلَّ هذه العبارة كانت مستمدَّة من خطب العصر الجاهلي(3)، فيمكن عدّها تقليداً فنيَّاً.
ولقد أثّر القرآن الكريم في أدب صدر الإسلام بصورة عامّة من خُطب ورسائل، لذلك كان المنهل العذب الذي ترتوي الخطابة منه، وعندها اغترف الخطباء من معينه ووشّحوا كلامهم بلآلئ آياته فأخذوا يقتبسونها اقتباساً، ويحاكونها من حيث الأُسلوب والأفكار والمعاني، وهذا بحدّ ذاته تطوّر كبير لم يألف العرب قبل الإسلام مثله؛ لأنَّ الأسلوب القرآني قد امتاز بأجمل طابع، وأحكم صورة، وأروع سمت بما تهيأ له من حِكَم عالية، ومعان سامية، وحسن ارتباط بين المعاني، وعذوبة محببة في الألفاظ، ويكفي فيه أنَّه أُسلوب ربِّ العالمين وخالق الخلق أجمعين، جلّت قدرته(4).
وهكذا أثر القرآن الكريم في أدب صدر الإسلام بصورة عامة من شعر ونثر، وبذلك فإنَّ كلّ تغيير حدث في الأدب إنّما كان مصدره الأوَّل القرآن الكريم الذي كان وحده مصدر ثقافة المسلمين الدينيّة والعقلية والاجتماعية والأدبية، وهو الذي أحال خشونة الطباع عذوبةً وسلاسةً، وبدّل حُوشيَّة الألسنة سهولة ووضوحاً وبلاغة(5)، كما أنَّه أثَّر في أدب العصور الأُخرى التي تلته.
1) 634. النص، إحسان، الخطابة العربية في عصرها الذهبي: ص32.
2) 635. اُنظر: الزيات، أحمد، تاريخ الأدب العربي: ص128.
3) 636. اُنظر: طليمات، غازي، مختار الأشقر، عرفان، الأدب الجاهلي قضاياه أغراضه أعلامه فنونه: ص684.
4) 637. الخفاجي، محمد عبد المنعم، الحياة الأدبية في عصر صدر الإسلام: ص58.
5) 638. الخفاجي، محمد عبد المنعم، الحياة الأدبية في عصر صدر الإسلام: ص44.
ازدهرت الخطابة في العصر الأُموي ازدهاراً واسعاً، وكان وراء هذا الازدهار عدَّة أسباب مختلفة؛ منها السياسي، والديني، والعقلي(1):
1- السبب الديني: حيث شهد العصر تأسيس المدارس الدينيّة في مختلف البلدان الإسلاميّة، ليتعلَّم الناس فيها أُصول دينهم وفروعه، وكان العلماء القائمون عليها كثيراً ما يتحاورون في وجهات نظرهم(2)، ولم تلبث أن تمخَّضت عن ذلك الجدال فرق متعدَّدة ومذاهب مختلفة، «فكان ذلك باعثاً على ظهور المناظرات، وهي فرعٌ مهمٌ من فروع الخطابة»(3).
2- وأمَّا السبب العقلي، فمرده إلى عناصر الثقافات الأجنبية التي أخذ العقل العربي ينهل منها منذ هذا العصر؛ ممّا فتق فيه الحجاج والجدل(4).
3- أمَّا السبب الأهم - الذي أدى إلى ازدهار الخطابة على نحو ملحوظ - وهو السبب السياسي المتمثل بكثرة الأحزاب السياسيّة التي عارضت الدولة الأُموية؛ ممّا أسفر عن توالي الثورات ضد هذه الدولة، فهناك النظرية الحقة التي ترى أن الخلافة حق الهي اختاره الله تعالى لأهل بيت الرسول صلی الله علیه و اله ، وهم الورثة الحقيقيون وفقاً للقرآن والسنّة، وفي مقابل ذلك يرى الحزب الزبيري أنَّ الخلافة تقع في قريش، ويجب أن تكون في أحد أبناء أكبر الصحابة؛ وصاروا يدعون لابن الزبير، في حين ظهرت جماعة أُخرى ترى أنَّ الخلافة حق مطلق لعامة المسلمين، فهي لا تقتصر على فئة دون أُخرى، وهذه الجماعة
هم الخوارج، وظهر غير هذه الجماعات كثيرٌ ممن عارض الأُمويين.
ومن الطبيعي أنْ يكون لكل فرقة من هذه الفرق شعراء أو خطباء يدافعون عن قضيَّتهم، ويدحضون آراء خصومهم، بل «ليس هناك حزب ولا ثورة - كبيرة أو صغيرة - إلّا وخطباء كثيرون ينبرون للترويج لهذا الحزب، أو تلك الثورة»(1).
ومن الواضح أن حُقبتي التوابين والمختار تقع ضمن هذا العصر؛ فإنَّ السبب السياسي الذي ذكرناه هو الذي أدّى إلى ظهور النثر بصورة عامة من خُطب ورسائل، بل إنَّ النثر الفني فيهما هو وليد التحولات السياسيّة التي شهدتها تلكم الحقبتان والعصر الأُموي بصورة عامَّة.
أمَّا ثورة التوابين، فإنَّ البحث قد عرض لأسباب ظهورها، وهي الممارسة القمعية للأُمويين تجاه آل بيت الرسول صلی الله علیه و اله ، وإقدامهم على قتل الإمام الحسين علیه السلام وأهل بيته، بصورة وحشيَّة يندى لها جبين التاريخ، فشعرت جماعة بعد مقتله علیه السلام بالندم؛ لأنَّهم كانوا قد دعوه للخروج إليهم ووعدوه المناصرة والبيعة ولم يوفوا بوعودهم، فلاحظ بعضهم أنَّ هناك شبهاً عظيماً بينهم وبين توابي بني إسرائيل؛ فتدبَّروا أمرهم، وأخذوا يهيئون لحركة يتوبون بها، وبدأت حركتهم سريَّة، فجمعوا الأنصار معتمدين بما لهم من قدرة على الإقناع والبيان، حيث كان في زعمائهم الخطيب والشاعر والدَّاعية(2).
وقد تجمّع هؤلاء القوم وألقى كل واحد منهم خطبة خيّم طابع الندم عليها، كما أنّ خُطبهم لم تقتصر على تجمعاتهم، بل كانت موزَّعة على فترات اجتماعهم إلى ساعة استشهادهم، ومن الطبيعي أن يكون للطرف الآخر (النقيض) خُطبٌ أيضاً، فكانت تلك الخطب موزّعة بين التوابين ومناوئيهم وفقاً لتدرجها الزمني وعلى النحو الآتي:
1- المسيب بن نجبة الفزاري، من رؤوس التوابين، وله خطبتان.
2- رفاعة بن شداد البجلي، من رؤوس التوابين، وله خطبة واحدة.
3- سليمان بن صُرَد الخزاعي، من رؤوس التوابين، وله خمس خُطب.
4- عبد الله بن وال التميمي، من رؤوس التوابين، وله خطبة واحدة.
5- عبد الله بن سعد بن نفيل، من رؤوس التوابين، وله خطبة واحدة.
6- خالد بن سعد بن نفيل، وله خطبة واحدة.
7- عبد الله بن الحنظل الطائي، وله خطبة واحدة
8- سعد بن حذيفة بن اليمان، وله خطبة واحدة.
9- عبيد الله بن عبد الله المري، وله خطبة واحدة.
10- صخير بن حذيفة بن هلال، وله خطبة واحدة.
1- عبد الله بن يزيد، الوالي الزبيري على الكوفة، وله خطبتان.
2- إبراهيم بن محمد بن طلحة، الوالي الزبيري على خراج الكوفة، وله خطبة واحدة.
3- عبد الملك بن مروان، خليفة أُموي في الشام، وله خطبة وحدة.
ومن الجدير بالذكر: أنَّ الخطب الخاصَّة بالتوابين تتراوح بين الطّول والقصر، بحسب الحاجة والمقام، فقد يطول بعضها لحاجة الخطيب إلى التفصيل والتماس الحجج وضرب الأمثال، حتّى يتمَّ له إقناع الجمهور، وهذا واضح في خطبتي عبيد الله المري، والمسيب بن نجبة الفزاري، وخطبة ابن صُرَد الأُولى(1)، وقد تقصر الخطب كثيراً حتَّى
1) 645. اُنظر: أحمد زكي صفوت، جمهرة خطب العرب: في عصور العربية الزاهرة: ج2، ص58-64.
تكاد تكون رأياً من الآراء يُبديه الخطيب في أمر يعرضه لأصحابه، وهذا كما في خطبة ابن صُرَد الخامسة، أو خطبة عبد الله بن الحنظل الطائي التي لم تتجاوز بضع كلمات(1).
أمَّا الخطابة في إمارة المختار الثقفي، فبلغت اثنتين وعشرين خطبة، وهي كذلك موزَّعة بين المختار ومناصريه من جهة، ومناوئيه من جهة أُخرى، كالآتي:
1- المختار الثقفي، وله عشر خُطب.
2- عبد الرحمن بن شريح، مناصر، وله ثلاث خُطب.
3- محمد بن الحنفية، وله خطبتان.
4- يزيد بن أنس، وله خطبة واحدة.
5- إبراهيم الأشتر، وله خطبتان.
المناوئون:
1- عبد الله بن مطيع، الوالي الزبيري على الكوفة، وله ثلاث خُطب.
2- مصعب بن الزبير، الوالي الزبيري على البصرة، وله خطبة واحدة.
لنستوضح كيفية الرسائل الفنيّة التي كانت في زمن الجاهلية، وعصر صدر الإسلام، ومن ثمّ نُعرّج على رسائل أصحاب ثورة التوابين، وكذلك الرسائل الفنيّة للمختار الثقفي آنذاك.
لا توجد بين أيدي الباحثين وثائق صحيحة تدلُّ على أنَّ الجاهليين عرفوا الرَّسائل الأدبية وتداولوها، وهذا لا يعني أنَّهم لم يعرفوا الكتابة، فالكتابة - رسماً وخطَّاً -
1) 646. اُنظر: المصدر السابق: ص62-68.
كانت معروفة لدى العرب قبل الإسلام، وهي لا ترقى إلى ما قبل مائة وخمسين عاماً، فوجودها مقرون بوجود الشعر، إذ إنَّهما جناحان لطائر الكلمة(1).
فالكتابة معروفة آنذاك إلّا أنَّ صعوبة وسائلها جعلتهم لا يعتمدونها في الأغراض الأدبيَّة والنثريَّة والشعريَّة، «ومن ثمَّ استخدموها فقط في الأغراض السّياسيَّة والتّجاريَّة»(2)، وكانت رسائلهم «يغلب فيها الإرسال وتتَّصف بالإيجاز والوضوح والصدق»(3).
وإذا ما وصلنا إلى العصر الإسلامي، فإنَّنا نجد أنَّ الرَّسائل قد لقيت حظَّاً من الاهتمام من لدُن الرَّسول صلی الله علیه و اله ، فقد كان الرَّسول الكريم صلی الله علیه و اله يكاتب الملوك والأُمراء بكثير من الرسائل، ويدعوهم فيها إلى الإسلام الحنيف(4)، وكان كثيراً ما يكتب عهود الأمان والمعاهدات بينه وبين المشركين أو غيرهم من الديانات الأُخرى، وكان صلی الله علیه و اله في معظم هذه الرَّسائل أو العهود لا يعتني بتحبير أو تزويق فنّي، بل كان يؤدي غرضاً سياسيَّاً في صورة موجزة من غير تكلّف أو صنعة(5)، وهي بذلك قد خلت من السَّجع والبديع اللّفظي وكانت «أقرب إلى لغة المحادثة والتَّخاطب»(6).
وكذلك الحال في الحقبة التي تلت زمن النبي الأعظم صلی الله علیه و اله ، إذ لم يُطلب في الرسائل التي كتبها الحكّام آنذاك أيّ ضربٍ من ضروب التَّزيين والتَّنميق، فهي كالرَّسائل التي عهدناها في حياة الرَّسول صلی الله علیه و اله ، رسائل أدَّت دورها ببساطةٍ ويُسْرِ على المستوى
1) 647. شلق، علي، مراحل تطور النثر العربي في نماذجه: ج1، ص120.
2) 648. شوقي ضيف، العصر الجاهلي: ص398.
3) 649. اليازجي، كمال، الأساليب الأدبية في النثر العربي القديم: ص23.
4) 650. الشايب، أحمد، الأُسلوب دراسة بلاغية تحليلية لأُصول الأساليب الأدبية: ص113.
5) 651. اُنظر: شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في النثر العربي: ص97-98.
6) 652. المقدسي، أنيس، تطوّر الأساليب النثرية في الأدب العربي: ص36.
اللّغويّ دون صنعةٍ ولا غموض ولا كهانةٍ ولا لبسٍ(1).
تميَّزت الرَّسائل في العصر الأُموي بكثيرٍ من الخصائص الأُسلوبيَّة والسّمات الفنيَّة، وهذه الخصائص والسّمات كانت امتداداً لرسائل عصر صدر الإسلام، فقد توافقت في شكلها العام من حيث البناء ومن حيث بعض الأساليب الفنية(2)، ولكن سمات التَّطور والإنضاج الفنّي ما لبثت أنْ طرأت على كثير من تلك الرَّسائل فيما بعد.
وكانت هناك العديد من العوامل التي أدَّت إلى هذا التَّطور الفنِّي، منها: تشعُّب مواضيع الرَّسائل، وتنوّع أغراضها، وتولّي الكتّاب إنشاء رسائلهم بأُسلوبهم الفصيح، وكان الكتّاب قد حظوا بالمكانة الرفيعة من الحكّام؛ الأمر الذي جعلهم يتنافسون فيما بينهم في الافتنان بأساليب الكتابة.
وكان لأُسلوب القرآن الكريم في نفوس هؤلاء أثره البالغ، حتى أصبح المَعين الذي تنهل منه الرَّسائل كثيراً من معانيها وصورها(3).
كلُّ هذه العوامل أدَّت إلى تطوّر فنّ الرَّسائل في هذا العصر؛ مما جعلها تتميز بعدَّة خصائص أُسلوبيَّة يجب أن نُشير إليها؛ لأنّ هذه الخصائص هي عينها - في الغالب - خصائص الفنّ التَّرسُّلي في حُقبتي التَّوابين والمختار، ومن هذه الخصائص ما يلي(4):
1- شيوع استعمال السجع وتعمّده أحياناً، وهذا الملمح مهمٌّ جدَّاً في رسائل هذا العصر؛ لأنَّه يدلُّ على إنضاجها وتطوّرها، وقد اتضح ذلك كثيراً في المكاتبات الفنيّة
الرَّسمية وغير الرَّسمية، إذ حرص بعض المترسّلين على تعمّد استعمال حلية السَّجع لما يحقّقه من تنغيم وإيقاع في رسائلهم، وخير من مثّل هذا الجانب المختار بن أبي عبيد؛ لأنَّه تعمّد ذلك في مكاتباته وخُطبه.
2- اتّشاح الرَّسائل بغريب اللّفظ، وهذا من السّمات الأُسلوبيَّة التي تميَّزت بها رسائل هذا العصر، بل هي ظاهرة دلَّت على التّأنّق والإعداد لرسائل العصر الأُموي، وتتمثَّل هذه الميزة الأُسلوبيّة كثيراً في بعض رسائل المختار الثقفي.
3- الإيقاع والتنغيم الموسيقي؛ إذ حرص المنشئون على إظهار عناصر الإيقاع وألوان التَّنغيم الصَّوتي؛ كي يجعلوا نثرهم بالموقع الذي تهشُّ إليه النَّفس، فعمدوا إلى تحقيق هذه الغاية باستعمال صيغ معيَّنه، والجنوح إلى التَّوازن والتَّرادف وغيرها، وهذا واضح في معظم رسائل هاتين الحقبتين، كما في رسالة ابن صُرَد إلى سعد بن حذيفة، ورسالة المختار إلى الأحنف بن قيس(1).
4- الجنوح إلى الإطناب وبسط المعاني وتفريعها، وهذا ما تمثَّل في رسالة سليمان بن صُرَد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان.
5- استعمال التَّحميدات في فصول الرَّسائل، ويقصد بالتَّحميدات: إظهار الثَّناء والحمد لله، وهي ظاهرة فنيَّة متأتّية من العصر الإسلامي، بل سمة واضحة في جميع الرَّسائل التي احتوتها هاتان الحقبتان، وهكذا تكون الرَّسائل التي وصلت إلينا من هاتين الحقبتين غير مختلفة في طابعها عن خصائص الرَّسائل في العصر الأُموي؛ فالرَّسائل التي وصلت إلينا من حُقبة التَّوابين خمس رسائل، وهي على النحو الآتي:
1) 657. الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين، أبو بحر التميمي، كان سيداً مطاعاً، أسلم في حياة النبي صلی الله علیه و اله ، حدَّث عن الإمام علي علیه السلام وأبي ذر الغفاري والعباسy وغيرهم، توفّي سنة 76ﻫ في إمرة مصعب بن الزبير على العراق. للمزيد اُنظر: الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء: ج1، ص1038-1041.
أ) سليمان بن صرد الخزاعي، رسالتان.
ب) سعد بن حذيفة اليمان، رسالة واحدة.
ج) المثنى بن محزبة العبدي، رسالة واحدة.
د) عبد الله بن يزيد، رسالة واحدة.
أما حُقبة المختار الثقفي، فقد أُثِر عنها ثماني عشرة رسالة، بحسب ما روتها كتب التاريخ، وكانت هذه الرَّسائل موزَّعة بين المختار ومناصريه ومناوئيه، وهذه الرَّسائل قد توزَّعت بحسب تدرَّجها الزَّمني على النحو الآتي:
أ) المختار بن أبي عبيد الثقفي، اثنتا عشرة رسالة.
ب) محمد بن الحنفية، ثلاث رسائل.
ج) عبد الرحمن بن سعيد بن قيس(1)، رسالة واحدة.
د) عبد الله بن الزبير، رسالة واحدة.
ه-) عبد الله بن عمر، رسالة واحدة.
وقد تفاوتت هذه الرَّسائل كذلك من حيث الطّول والقصر، فقد تكون الرّسالة قصيرة جدَّاً كما في رسالة المختار إلى عبد الله بن عمر(2)، ورسالة الأخير إلى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن طلحة(3)، وكذلك رسالة عبد الرحمن بن سعيد إلى المختار وردّ المختار عليه(4).
1) 658. وهو عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، أحد عمَّال المختار على الموصل، قام بمساندة جيش المختار الذي بعثه بقيادة يزيد بن أنس لقتال جيش عبيد الله بن زياد. للمزيد اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج6، ص39.
2) 659. اُنظر: أحمد زكي صفوت، جمهرة رسائل العرب: في عصور العربية الزاهرة: ج2، ص122.
3) 660. اُنظر: المصدر السابق.
4) 661. اُنظر: المصدر السابق: ص127.
وقد تقتصر هذه الرَّسائل حتَّى تتحوَّل إلى إشارة خاطفة، أو رأي من الآراء، أو توجيه يوجهه المرسل، كما في رسالة المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد التي لم تتجاوز بعضاً من الكلمات(1). ولعلَّ السبب يعود إلى الظروف المحيطة بكلٍّ من المرسل والمرسل إليه.
تُعرف العهود بأنَّها: «تكاليف تجيء في صَفِّ المبايعات، ومرابط المواثيق، يُقصد بها ضمان القول بالاتفاق، والتَّعاون، والنّصرة، أو التَّهادُن»(2).
ولقد وُجِدَت العهود في العصر الجاهلي على شكل نوع من التَّحالف بين القبائل(3)، لكن لقلَّة الكتابة والتَّدوين كان أكثرها يبقى عالقاً في ذاكرة الأطراف المتعاقدة، ودخلت مرحلة التدوين حينما جاء الإسلام؛ لأنَّ الرَّسول صلی الله علیه و اله أقام دولة مستقرَّة كَثُر فيها التَّدوين، وأصبحت الحياة تتطلَّب ذلك(4).
ثم استمرَّت كتابة العهود في العصر الأُموي - عصر التَّوابين وإمارة المختار الثقفي - ولم تخرج عما كانت عليه في عصر قبل الإسلام أو الإسلامي، ولقد وصل إلينا من هذه العهود الدُّعاء الذي ردَّدته جماعات التَّوابين يوم الوقوف على قبر الإمام الحسين علیه السلام قبل مواجهة العدوّ، فكان ذلك كالعهد قَطَعَه التّوابون على أنفسهم، يُشْهِدُون الله فيه على أنّهم خرجوا ثاراً للحسين علیه السلام ، وتوبة من عظيم جرمهم(5).
1) 662. اُنظر: أحمد زكي صفوت، جمهرة رسائل العرب: في عصور العربية الزاهرة: ج2، ص128.
2) 663. شلق، علي، مراحل تطوّر النثر العربي في نماذجه: ج1، ص189.
3) 664. اُنظر: علي حب الله، المقدمة في نقد النثر العربي مشروع رؤية جديدة في تقنيات البحث والكتابة: ص60.
4) 665. اُنظر: شلق، علي، مراحل تطوّر النثر العربي في نماذجه: ج1، ص189.
5) 666. عربي، محسن، أثر حركة التوابين في الأدب: خُطب زعمائها ورسائلهم (بحث): ص268. واُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج5، ص589.
ومنه الكلام الذي ردَّده المختار الثقفي على قبر الإمام الحسين علیه السلام ، وهو أيضاً كالعهد الذي قطعه متوعّداً بالثأر لدمه علیه السلام (1)، ويتميز هذان العهدان بكونهما قد جاءا شفاهاً، يضمن القائلان قولهما بالنُّصرة للإمام الحسين علیه السلام ، والأخذ بثأره من قاتليه، يرافق ذلك الشّعور بالنَّدم على قتله، والتباكي المثير للأشجان، والاستشعار بعدم جدوى الحياة، والاستعداد للشَّهادة.
أمَّا العهد الذي قطعه المختار بالأمان لعمر بن سعد بن أبي وقاص فقد جاء مكتوباً، ولم يخرج هذا العهد عن كُتب العهد المعروفة في الإسلام(2).
أمَّا الوصايا، فأغلبها جاء في هاتين الحقبتين ضمن الخطب والرَّسائل، وفيها يبدو الخطيب أو المترسّل، موصياً واعظاً، وهذا يشابه ما كانت عليه بعض خُطب الرسول الكريم صلی الله علیه و اله ، كخطبته في حُجَّة الوداع، حيث اشتملت على مجموعة من الوصايا، ومن هذه الخطب والرَّسائل التي جاءت مفعمة بالوصايا هي بعض خُطب سليمان بن صُرَد، ورسالة عبد الله بن يزيد إلى ابن صُرَد، وخطبة يزيد بن أنس في أصحابه، وخطبة إبراهيم بن الأشتر(3).
ولقد أُثِرت أربع وصايا خالصة، أي: لم تقع ضمن خطبة أو رسالة وهي: وصيّتان للمختار إلى إبراهيم الأشتر(4)، ووصيَّة المختار إلى يزيد بن أنس(5)، ووصيَّة ليزيد بن أنس لأصحابه(6).
1) 667. اُنظر: الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين للخوارزمي: ج2، ص187.
2) 668. اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج6، ص60-61.
3) 669. اُنظر: أحمد زكي صفوت، جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة: ج2، ص60-61. وص118- 119.
4) 670. اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج6، ص21-82.
5) 671. اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج6، ص40.
6) 672. اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج6، ص41.
يُعدُّ القرآن الكريم المورد العذب الذي ينهل منه الأُدباء والكتّاب والشعراء، بل مصدر ثقافة المسلمين الدينيَّة والعقليَّة والاجتماعيَّة والأدبيَّة؛ ذلك لأنَّه «أحال خشونة الطّباع عذوبةً وسلاسةً، وبدَّل حوشيَّة الألسنة سهولةً ووضوحاً وبلاغةً، وأورث العرب دقَّة في التَّفكير، وقوَّة في التَّعبير، وجمالاً في التَّصوير، ورقَّة في الأُسلوب، وروعة في الحجَّة»(1).
ومنذ أن نزل في أُمَّة العرب بهرهم بيانه وأُسلوبه، وأَخذ بألبابهم بحسن وقع جرسه، وأسَّر نفوسهم بجمال لفظه وبراعة صوره وروعة أدائه، ثم كان شغف العلماء والمفكرين كشف السّر الذي يحمله إعجازه، فأينعت الآراء والأفكار.
وأفضل مَن وصف هذا الكتاب العظيم - سيد البلغاء وربيب مدرسة القرآن والنبوة - أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ، إذ وصفه في خطبة له بقوله: «ثم أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقّده، وبحراً لا يُدرَك قعره، ومنهاجاً لا يضلُّ نهجه، وشعاعاً لا يظلم ضوؤه، وفرقاناً لا يخمد برهانه... جعله الله ريَّاً لعطش العلماء، وربيعاً لقلوب الفقهاء... وبرهاناً لمن تكلَّم به، وشاهداً لمن خاصم به، وفلجاً لمن حاجّ به... وعلماً لمن وعى، وحديثاً لمن روى، وحكماً لمن قضى»(2).
فمنذ أن نزل القرآن الكريم على قلب الرسول الأمين محمد صلی الله علیه و اله كان له الأثر البالغ في النَّثر العربي، إذ أصبح معيناً للأدباء ينهلون ويقتبسون منه، ويسعون إلى محاكاة أسلوبه. فأصبح أثره في النثر أبرز منه في الشعر(3).
وأيضاً كان أثره واضحاً في خُطب ورسائل العصر الأُموي، سواء من حيث الأُسلوب والصّياغة، أو من حيث الأفكار والمعاني؛ وذلك لكثرة الأحزاب السّياسيَّة واختلاف اتجاهاتها، وادّعاء كلّ فرقة أنَّ هدفها نصرة الدين، وإعلاء كلمته؛ لذا كانت الخطب والرَّسائل وغيرها من الفنون النّثريَّة مزدحمة بالأفكار الإسلاميَّة، والمعاني القرآنيَّة في هذا العصر(1). ومن هنا استحوذ هذا الكتاب السَّماوي على أداء الخطباء والمترسّلين.
وقد ذكر الجاحظ: أنَّ الخطباء «كانوا يستحسنون أن يكون في الخطب يوم الحفل، وفي الكلام يوم الجُمع آي من القرآن؛ فإنَّ ذلك ممّا يورث الكلام البهاء والوقار والرّقَّة، وسلس الموقع»(2)، وذكر أنَّ الخطبة التي تخلو من آيات القرآن قد سمّيت بالشّوهاء(3).
أما الرَّسائل، فلم تكن أقلّ شأناً آنذاك من الخطب في تأثرها بالقرآن الكريم واحتذاء أُسلوبه، وترسُّم معانيه، فقد برع المترسّلون في مكاتباتهم بالنّصوص القرآنيَّة، تأكيداً لما يسوقه الكاتب من آراء أو تقوية لحجَّةٍ ما(4)، وكانت هذه السّمة الأُسلوبيَّة في فنّ التّرسُّل هي امتداد لما عهده فنّ التَّرسُّل في عصر صدر الإسلام والمرحلة اللاحقة؛ إذ إنَّ الكُتّاب قد تأثَّروا بالقرآن الكريم وترك كتاب الله آثاراً واضحة في توجهات بلاغة العربي وفصاحته، فكان الاقتباس من آي الذكر الحكيم وكان الصدور عن الحسّ الديني العام، وكان التأثّر الواضح ببلاغته في تجنّب الغريب الوحشي مع الحرص على وضوح المقصد والإقناع(5).
1) 676. اُنظر: المصدر السابق: ص42.
2) 677. الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتبيين: ج1، ص118.
3) 678. اُنظر: الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتبيين: ج2، ص6.
4) 679. اُنظر: غانم جواد رضا، الرسائل الفنيّة في العصر الإسلامي إلى نهاية العصر الأُموي: ص315.
5) 680. خليف، مي يوسف، النثر الفني بين صدر الإسلام والعصر الأُموي دراسة تحليلية: ص65-66.
وعموماً، فقد كان تأثير القرآن الكريم متبلوراً في طرائق المترسّلين؛ إذ كان هذا واضحاً في رسائل أصحاب المذاهب ورؤساء النِّحل الدّينيَّة، حتى أضحى القرآن الكريم مَعيناً تنهل منه الرَّسائل كثيراً من معانيها، وتستمد من فيضه ذلك العطاء الخصْب(1).
وكان العامل السّياسي المتمثّل بكثرة الأحزاب السّياسيَّة من العوامل المهمَّة في كثرة التّراسلات الفنيَّة، وإنَّ هذه الأحزاب السّياسيَّة قد ارتبطت ارتباطاً مباشراً بالدّين؛ ذلك أنَّ كلّ حزب يدّعي أنَّه ناصرٌ له، فكان تأثير القرآن عندها واضحاً في تلك الرَّسائل، كما كان هذا واضحاً في الخطب.
وإذا كانت ثورة التوابين وإمارة المختار الثّقفي إنَّما قامتا على اعتبار سياسي عقائدي، فإنَّ غايتها الأُولى والأخيرة هي التَّمسُّك بقيم القرآن والسنَّة النبويَّة، وإرجاع الحق إلى أهله الشَّرعيين.
ومن هذا المنطلق؛ كان القرآن الكريم هو المصدر الأوَّل من مصادر نثر هاتين الحقبتين، فأخذ الخطباء والمترسّلون فيهما يقتبسون من آياته، ويحتذون أُسلوبه، تأييداً لفكرة، أو دحضاً لرأي، أو تزييناً وتنميقاً لأُسلوب، وسوف نعرض هنا بعض أنماط التأثير القرآني في خُطب ورسائل هاتين الحقبتين، آخذين مصداق أصحاب ثورتي التوابين وإمارة المختار الثقفي، فنقول:
الاقتباس في الّلغة مأخوذ من القبس، وهو: «شعلة من نار تقتبسها مِن مُعْظَم، واقتباسها الأخذ منها. وقوله تعالى: « بِشِهَابٍ قَبَسٍ ...»(2)... وفي حديث عليّ رضوان الله عليه: حتى أُورِي قبساً لِقابسِ، أي: أُظهر نوراً من الحق لطالبه... واقتبست منه
علماً أيضاً أي: استفدته»(1).
وفي الاصطلاح، فقد عرَّفه القلقشندي(ت821ﻫ): «هو أن يُضمَّن الكلام شيئاً من القرآن، ولا ينبَّه عليه»(2)، ويجب أنْ لا يذكر فيه: قال الله. أو نحوه، فإنَّ ذلك حينئذ لا يكون اقتباساً(3)، وقد خُصَّ الاقتباس (بالقرآن الكريم) تميُّزاً له عن سائر الكلام(4).
والاقتباس من التَّعابير الجاهزة التي يستعملها النَّاثر داخل التركيب، وهي تؤدّي سمة جماليَّة ومعنويَّة داخل الأُسلوب، فهي من النَّاحية الجماليَّة تُضفي على الصُّورة ألواناً، ومن الناحية المعنوية تُضفي على الدَّلالة عمقاً وتأصيلاً(5).
وقد ورد الاقتباس بكثرة في خطب ورسائل الحقبتين؛ حتَّى أصبح ميزةً أُسلوبيَّة فنيَّة تشترك فيها معظم تلكم الخطب والرَّسائل، وفيما يلي ننقل بعض الخطب والرسائل الخاصة بكل حركة - التوابون وما يتعلق بإمارة المختار - التي فيها اقتباس قراني، فنقول:
فأما ما يتعلق بالخطب، فمن قبيل ما جاء في خطبة سليمان بن صُرَد بقوله: «أُثْني على الله خَيْراً، وأَحمد آلاءَه وبلاءَهَ، وأشهدُ أنْ لا إله إلّا الله، وأنّ محُمّداً رسولُه، أمَّا بعدُ فإنّي والله لخائفٌ إلّا يكون آخِرُنا إلى هذا الدَّهر الذي نَكِدَت فيه المَعيشة، وَعَظُمَت فيه الرَّزية، وشَمِلَ فيه الجَورُ أولي الفضل مِن هذه الشيعة... ولا ترجعوا إلى الحلائل
1) 683. ابن منظور، محمد بن مکرم، لسان العرب مادة (قبس): ج11، ص11.
2) 684. أبو العباس القلقشندي، أحمد، صبح الأعشى في صناعة الإنشا: ج1، ص237.
3) 685. اُنظر: ابن معصوم المدني، علي صدر الدين، أنوار الربيع في أنواع البديع: ج2، ص217.
4) 686. اُنظر: المصدر السابق: ج2، ص222.
5) 687. انظر: الدسوقي، محمد، البنية اللغوية في النص الشعري درس تطبيقي في ضوء علم الأُسلوب: ص161.
والأبناء حتَّى يرضى الله... كونوا كالأُولى مِن بني إسرائيلَ؛ إذْ قال لهم نبيّهم: « إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ »، فما فَعلَ القوم؟ جَثَوا على الرُكبْ - والله - ومدُّوا الأعناق، ورَضُوا بالقضاء حتَّى حين عَلِمُوا أنَّه لا يُنجِيهم مِن عظيمِ الذَّنب إلّا الصَّبرَ على القتل، فكيفَ بِكُم لو قدْ دُعيتُم إلى مِثلِ ما دُعِيَ القوم إليه؟! اشحَذوا السّيوف، وركّبوا الأسنَّة،«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ »(1).
لقد احتوت هذه الخطبة على اقتباسين قرآنيين، وهما:
أ) الاقتباس الأول الآية من سورة البقرة، من قوله: «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ »(2)إذ أراد الخطيب أن يستثمر من قصَّة النبيّ موسى علیه السلام مع قومه، فكان غرضه أن يُشبّه قومه ونفسه بأصحاب موسى علیه السلام ؛ ومن هنا سمّوا أنفسهم بالتوابين؛ لأنَّهم تابوا من عظيم جرمهم، حينما دعوا الحسين علیه السلام ولم ينصروه.
ب) الاقتباس الثَّاني من سورة الأنفال من قوله: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ »(3). وأراد بهذا الاقتباس أيضاً أن يشحذ الهمم قبل شحذ السيوف وتركيب الأسنة، لعلمه بتأثير الأُسلوب القرآني، فهو أقوى وأعمق في النفوس
كيف لا؟! وقد «بهر العرب رونقه، وخلب ألبابهم جرسه ووقعه، وملك نفوسهم ما فيه من جمال اللفظ، وبراعة الصورة وسموّ البيان وروعة الأداء»(1).
إنَّ هذا الأداء البديعي في اقتباس الآيات الكريمة - والمهارة في إحكام وضعها موضعاً ملائماً في الكلام - لهو دليلٌ واضحٌ على مَلَكَة الخطيب وإلمامه بمضامين القرآن، حتَّى نجدها قد ملأت قلبه، وانسابت على لسانه انسياباً.
وأما ما يتعلق بالرسائل، فقد جاء كذلك في رسائل سليمان بن صُرَد، من قبيل ما جاء في رسالته التي بعث بها إلى سعد بن حذيفة بن اليمان، والتي جاء فيها: «إنَّ أولياءَ الله مِنْ إخوانِكُم وشيعةِ آل نبيّكم، نظروا لأنفسِهِم فيما ابتُلوا به مِن أمر ابنِ بِنتِ نَبيّهم.... وبعينِ الله ما يَعْمَلون، وإلى الله ما يَرْجعُون، « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ »(2).
فالمهارة الفائقة للخطيب تكمن في وضع الآية « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ »(3)، مع ما سبقها من كلام له فواصل مماثلة لفاصلة الآية المنتهية (بالواو والنّون)، وذلك كي يحقِّق الانسجام الصَّوتي بين العبارات، حتَّى تنساب متتابعة، من دون تعقيد أو تلكّؤ.
ويمكن تفسير كثرة الاقتباسات وتأثّر المنشئ وشغفه بأُسلوب القرآن الكريم بأنَّه كان صحابيَّا(4)، وهذا ينمُّ عن استيعابه وتذوّقه للنَّص القرآني، فإذا ما أراد شيئاً من القرآن لم يتكلّفه، بل يأتيه متّى ما أراده.
ومن الاقتباس القرآني أيضاً ما في خطبة محمد بن الحنفية، حين قدِمَ عليه عبد الرَّحمن بن شريح يسأله عن صدق دعوة المختار الثقفي، فجاء في الخطبة: «فأمّا ما ذكرتُم ممّا خَصَّصنا الله بهِ مِنْ فَضلٍ، فإنَّ الله يؤتيهِ مَنْ يشاء والله ذو الفضلِ العَظيم، فلله الحَمدُ، وأمَّا ما ذكرتُم مِنْ مصيبتنا بحُسينٍ، فإنَّ ذلك كانَ في الذّكرِ الحكيم، وهيَ ملحمةٌ كُتِبَتْ عليه، وكرامةٌ أهْداها الله لهُ، رَفَعَ بما كان مِنها درجاتِ قومٍ عندهُ، ووَضَع بها آخرين، وكان أمرُ الله مفعولاً، وكانَ أمرُ الله قَدَرَاً مَقْدُورَاً... »(1). فنجد أنَّ الاقتباس القرآني قد وقع مرَّتين، الأوَّل قوله: «فإنَّ الله يؤتيه مَن يشاء والله ذو الفضل العظيم»، وهو مأخوذ من قوله: « ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ »(2).
وأمّا الاقتباس الثاني نجده في قوله: «وكان أمر الله مفعولاً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً»، وهو من قوله: «... وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا *مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا »(3).
فنجد أنَّ هذا النَّص - بما احتوى من اقتباسات قرآنيَّة - قد كشف لنا عن جانب من جوانب تمرُّس الخطيب، وتمكُّنه في الاختيار والتوزيع، وذلك من خلال انتقاء اقتباسين متفرّقين يحملان دلالة متقاربة، وهما:
أ) يتحدَّث الأوَّل منها عن إيتاء الله فضله على مَن يشاء من عباده الصالحين، ويعني به فضل آل البيت من ناحية أنَّ الله شرَّفهم بمنزلتهم من النّبيّ صلی الله علیه و اله وفضله العظيم.
ب) وتحدَّث الثَّاني عن إتيان الكرامة والفضل للإمام الحسين علیه السلام ، واستشهاده من أجل إحياء دين الله القويم، فكان أمرُ الله الذي قضاه عليه مفعولاً، ويقول الدكتور محمد أبو موسى: وقوله: « وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا » قولٌ صِيْغَ على طريقة التَّوكيد، فهو كقولهم: ليلٌ أليَل، ويومٌ أيَوم، وظلٌ ظليل، فهو توكيد لنفاذ ما قدَّره الله وقضاه، وحين تقارن بين قوله في الآية السَّابقة: « وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا »، وقوله هنا: « وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا »، تلحظ أنَّ الفاصلة الثَّانية أوكد من الأُولى؛ وذلك لأنَّ ما قرَّرته آية الفاصلة الثَّانية أشمل وأكثر للأعباء والصّعاب الّتي يواجهها النَّبيّون وأهل البلاغ؛ لأنَّها تشمل كلُّ ما يتّصل بذلك من أذىً، وعناء، فناسبها التَّوكيد الذي يقرّر أنَّ ذلك قدر هؤلاء وأنهم منتهون إلى الفوز حتماً(1).
ومن هذا التَّحليل الذي قال به (الدكتور أبو موسى) يتَّضح لنا أنَّ الخطيب كان حاذقاً في انتقائه لهذه الآيات المباركة، وإيداعها في خطبتهِ إيداعاً موفَّقاً، وما يتأتَّى ذلك إلّا لمن وعى آيات القرآن تأمُّلاً وتدبُّراً.
يختلف الاستشهاد بالآيات القرآنيَّة عن الاقتباس القرآني: بأنَّ الأخير تذكر الآية ولا يذكر أنَّها من القرآن، في حين أنَّ الاستشهاد يكون بقول المتكلّم: (قال الله) أو نحو ذلك، وقد أشار ابن معصوم المدني (ت1120ﻫ) إلى: أنَّه لا يكون الأخذ من القرآن اقتباساً إذا قال المتكلّم: (قال الله) أو غيره(2)، فإذا لم يكن الأخذ على هذه الشَّاكلة فلا يسمى اقتباساً، بل يكون استشهاداً بالآيات القرآنيَّة، وقد ورد مثل هذا الاستشهاد، في خطب ورسائل متفرّقة لأصحاب ثورة التوابين، من قبيل:
1- ما في خطبة المسيَّب بن نجبة الفزاري بقوله: «أمَّا بعدُ، فإنّا قدْ ابتُلينا بطولِ العُمر، والتَّعرُّض لأنواع الفِتن، فنرغبُ إلى رَبّنا ألّا يَجعلنا مِمَّن يقولُ لَهُ غداً: « أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ »(1).
فقد استشهد الخطيب بآي الذّكر الحكيم من قوله: «وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ »(2).
فكان هذا الاستشهاد تنبيهاً للسَّامع بما تحمل هذه الآية من مضامين دلاليَّة وتذكيره بذلك الموقف الصعب الذي يقف فيه العباد أمام ربهم ليسألهم عما أقدموا عليه، وهنا أورده حتَّى يأخذ المتلقي مراجعة نفسه ومحاسبتها، بما بدر عنها من قصور أو تقصير، وإذا ما عرفنا أن الخطيب كان يفرغ زفرات همومه وندمه على خذلانه - هو وأضرابه - وتقصيرهم تجاه قضية الإمام الحسين علیه السلام يتبيَّن لنا سبب ذلك الاستشهاد بهذه الآية الكريمة دون سواها؛ لأنَّه يدعو ربّه ألّا يجعله يوم القيامة في ذلك الموقف الذي يسأل عنه العباد في تقصيرهم.
وكان يرى في قتل قاتلي الحسين علیه السلام والموالين لهم أو القتل في سبيل ذلك السبيل الوحيد الذي يدرأ عنهم ذلك السؤال يوم القيامة، والرّضوان من الله، حيث قال: «لا والله، لاَ عُذْرَ دُون أنْ تَقْتُلُوا قاتِلَه والموالينَ عليه، أو تُقْتَلُوا في طلَبِ ذلك، فعسى ربّنا أن يَرضَى عَنَّا عِنْدَ ذلك»(3).
2- في رسالة سليمان بن صُرَد إلى عبيد الله بن يزيد، كتب فيها مستشهداً بالآيات
القرآنية: «بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيم، للأمير عبد الله بن يزيد مِنْ سليمان بِنْ صُرَدْ ومَنْ معَهُ من المؤمِنين، سلامٌ عليك، أمَّا بعدُ: فقد قرأنا كتابَكَ، وفَهِمْنا ما نَويت، فَنِعَم - والله - الوالي... إنَّا سَمْعنا الله يقولُ في كتابِه: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (1)»(2). فقد استشهد المرسل بهاتين الآيتين الطَّويلتين إلى حدّ ما، وفي ذلك دليلٌ على إلمامه بالنّص القرآني، وحفظه آياته، وكان هذا شأن ابن صُرَد في ما يرتجله من خُطب أو ما يحبّره من رسائل.
ومن هذا الاستشهاد تتحقّق وظيفته الأُسلوبيَّة، ففي الوقت الذي يحقّق فيه وظيفة دلاليَّة، فإنَّه يحمل وظيفة نفسيَّة من خلال إقناع المتلقّي بمشروعيَّة قضيتهم التي عقدوا العزم عليها، وكان ذلك من خلال هذا الاستشهاد القرآني وبهذه الآيات التي يتحدث فيها الله عن الجهاد الذي سنَّه على المسلمين دفاعاً عن الحق في مواجهة الباطل.
من صور التّأثير القرآني محاكاة أُسلوبه واستعارة عبارته وألفاظه وطرائق تعبيره، واستلهام معانيه، وكان هذا شائعاً في خُطب ورسائل الحقبتين، وهو دليلٌ على إعجاب الخطباء والمترسّلين بأُسلوب القرآن الكريم ورغبتهم بمحاكاته «ولا يتهيّأ ذلك إلّا لمن كانت آيات القرآن تنساب على لسانه انسياباً، وترسخ معانيه في ذهنه»(3)،
وعندها نجد أنَّ محاكاة أُسلوبه «مظهر آخر من مظاهر التّأثّر القرآني، فقد بلغ من إعجاب الأُدباء بهذا الأُسلوب أن نهجوا نهجه في بعض عباراتهم إذ توخّوا محاكاة ألفاظه وتعابيره وطريقة أَدائِه»(1)، وكانت تلك المحاكاة على صورتين:
الأُولى: تعتمد على ألفاظ القرآن كما هي مع تصرُّف يسير في صياغتها، أي: إنّ الخطيب أو المترسّل يأتي ببعض الآيات الكريمة من النَّص القرآني، ويتصرَّف ببعض ألفاظها، تحويلاً إلى تراكيب جديدة تكون معزَّزة دلاليَّاً بتوظيف المعاني القرآنيَّة بألفاظها المنقولة من النّص.
الثَّانية: تعتمد على معاني النَّص القرآني من دون صياغته، أي: يقوم الخطيب أو المترسّل على استمداد واستيحاء المعاني القرآنيَّة وإفراغها في بُنى تركيبية جديدة، ذات دلالات قائمة على المعاني المستلّة من ذلك النصّ(2).
ولقد كان بعض الخطباء والمترسّلين يستمدُّون من القرآن الكريم بعض المعاني، يُجرونها على ألسنتهم عامدين؛ ليفخّموا بها أقوالهم، ويجتذبوا نفوس سامعيهم، أو غير عامدين أن يقتبسوا هذه المعاني، وإنَّما جرت على ألسنتهم؛ لأنَّهم حفّاظ قد فهموا ما حفظوا(3).
وفيما يتعلق بالمحاكاة على نحو الصورة الأُولى، فقد كان في قول يزيد بن أنس الأسدي، في خطبة له محرِّضاً أصحاب المختار لملاقاة جند ابن مطيع الوالي الزبيري فقال: «يا مَعْشَرَ الشّيعة، قد كُنْتُمْ تُقْتَلون وتُقطَّعْ أيديكُم وأرجلُكُم، وتُسْمَل أعينكم، وتُرفَعون على جذوعِ النخلِ في حُبِّ أهل بيت نبيّكم؛ وأنتم مقيمون في بيوتكم،
وطاعة عدوّكم... »(1).
فواضح أنَّ أُسلوبه كان مستمدَّاً من أُسلوب القرآن الكريم ومن الآية الكريمة لقوله: «قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى»(2).
وبهذا الاحتذاء الأُسلوبي للآية يؤكّد الخطيب مدى الظّلم الذي لحق بمعشر الشيعة من ولاة ذلك العصر، الذين نكَّلوا بهم وساموهم سوء العذاب، وهو بهذا يجتذب إليه أذهان السَّامعين لكي يلتفتوا لعُظم الخطر المحدق بهم، لو أنَّهم أدركهم أصحاب ابن مطيع، فالاستعداد لهم أوْلى، لكي لا تعود الصّورة المأساويَّة مرَّة أُخرى، ولم يجد الخطيب سبيلاً من إيصال الدَّلالات وتكريسها إلّا باحتذاء الأُسلوب القرآني الذي يتميَّز بالإبانة الموجزة المحكمة في قوَّة المنطق، وصدق الحجَّة وبلوغ الهدف.
وأما ما يتعلق بالمحاكاة في الصورة الثانية - وهو استمداد معانيه وإفراغها في بُنى تركيبية جديدة - فكانت في خطبة المختار حين شيَّع ابن الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد: «إنْ اسْتَقَمْتُمْ فَبِنَصْرِ الله، وإنْ حُصْتُمْ حِيْصَةً فإنِّي أجدُ في مُحْكَمِ الكِتَابِ، وفي اليقينِ والصَّوابِ، أنَّ الله مؤيّدكم بملائكةٍ غِضَابٍ»(3). وواضح أنَّه أراد أن يثبِّت فؤاد ابن الأشتر وأصحابه، ويطمئنهم بأنَّ الله ناصرهم ومؤيّدهم بملائكة غضاب، فلم يجد بدَّاً من أن ينهل من معاني الآية الكريمة من قوله:«إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ *بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا
وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ »(1).
فالارتشاف من معاني القرآن الكريم وتوظيفها في هذا الموقف كان له أثره البالغ في نفسيَّة السَّامع لثبات عقيدته على المجاهدة والصَّبر.
ولا تخلو الرسائل أيضاً من المحاكاة القرآنية كذلك، حيث جاء في رسالة المختار التي بعث بها إلى محمّد بن الحنفية قوله: «بسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم. للمهديّ محمَّد بن علىّ، مِن المختار بن أَبي عُبَيد، سلامٌ عليكَ يا أيُّها المهديّ... فإنَّ الله بَعَثَني نِقْمَةً على أعدائِكم، فهم بيْنَ قتيلٍ وأسيرٍ... وقدْ بعثتُ إليكَ برأسِ عمر بن سعد وابنه، وقدْ قتلنا مَنْ شَرَكَ في دمِ الحسين وأهلِ بيته... ولَنْ يُعجزَ الله مَن بَقي، ولسْتُ بِمُنْجِمٍ عَنْهم حتَّى لا يبلغْني أنَّ على أديمِ الأرض مِنْهم أرمِيَّاً»(2).
فإن قوله: «ولنْ يُعجز الله مَن بقي، ولست بمنجمٍ عنهم حتَّى لا يبلغني أنَّ على أديم الأرض منهم أرمِيَّاً»، فهو مستمدّ في معناه من قوله على لسان نوح علیه السلام «وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا »(3).
ومِمَّا تقدَّم نجد أنّ المختار قد صاغ ضروباً متفرّقة من معاني الآيات القرآنيّة، وذلك بما ينسجم مع مقتضيات المقام والحال التي هو في صدَدِها، وهو بهذا يكشف عن براعته في الإفادة من تلك المعاني القرآنيّة العالية، وتوظيفها بالكيفيَّة التي يريد، وإنَّ تلك الإفادة من المعاني والسعي إلى تكريسها لهو مظهر من مظاهر التأثير الكبير من الخطباء والمترسّلين في هذا العصر ببديع أُسلوب القرآن الكريم ونَظْمه وقوَّة معانيه «فهو يداور المعاني، ويُريغُ
الأساليب ويخاطب الرّوح بمنطقها من ألوان الكلام لا من حروفه، وهو يتألَّف النَّاس بهذه الخصوصيّة فيه، حتى ينتهي بهم ممَّا يفهمون إلى ما يجب أن يفهموا»(1).
وقد جاء اجتماع النَّمطين معاً من محاكاة النَّص القرآني في رسالة سليمان بن صُرَد في قوله: «فَاصْبِرُوا - رَحِمَكُمُ الله - على البأساءِ والضرَّاءِ وحينَ البأسِ، وتوبوا إلى الله عن قريب... إنَّ التقوى أفضلُ الزَّادِ في الدّنيا، وما سِوَى ذلكَ يبورُ ويَفْنَى... أحيانا الله وإيّاكم حياةً طيّبةً، وأجارنا وإيَّاكم مِنَ النَّار... »(2).
فقد استمدَّ ابن صُرَد ضروباً مختلفة من آي الذَّكر الحكيم، ووشَّح بها أُسلوبه ليُضفي عليه حلّة بديعيَّة تجتذب إليها إسماع المتلقّين، فهو تارة يعتمد على آيات قرآنية في ألفاظها تصرّفاً جزئيَّاً، كما في قوله: «فاصبروا - رحمكم الله - على البأساء والضراء وحين البأس»، وهو مأخوذ من قوله: « وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ »(3).
وتارةً يعتمد على معاني النّص القرآني من دون صياغته، فيفرغها في بُنى جديدة تحمل دلالات النص القرآني المعتمد، كمثل قوله: «إنَّ التقوى أفضل الزاد في الدنيا»، وهذا المعنى مأخوذ من قوله: « وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ »(4)، أمَّا قوله: «أحيانا الله وإياكم حياة طيّبة»، فهو معنى مستمدٌّ ضمناً من قوله: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ »(5).
فقد اعتمد ابنُ صُرَدْ على ألفاظ ومعاني آيات متفرّقة من القرآن الكريم، فأحكم رصفها وتسخيرها حتَّى يُضفي على أُسلوبه طابع الجزالة والرَّصانة؛ ليميل نحوه الأسماع، ويصرف إليه الأنظار، ويأخذ بمجامع القلوب، وفي هذا التَّنويع في التقاط أكبر عدد ممكن من الآيات دلالة واضحة على تأثّر المنشئ بآيات القرآن الكريم.
إنَّ النثر الفنَّي قد نشط في ثورة التَّوابين وإمارة المختار الثقفي نشاطاً واسعاً؛ لمِا كان لزعمائهم ودعاتهم وأنصارهم من نتاج أدبي نثري فاعل، مثّلتهُ الخطب والرَّسائل والعهود والوصايا التي وصلت إلينا.
وكان لنتاج هاتين الحقبتين أثرٌ كبير في الأدب العربي، ولاسيما في حركة النّثر الفنّي وتطوّره في الدَّرس الأُسلوبي والبياني فيما بعد. تفاوتت الخطب والرَّسائل في حقبة التوابين وإمارة المختار طولاً وقصراً، وذلك بحسب القصد والموضوع والمقام. أفاد خطباء وكتَّاب هاتين الحقبتين من أُسلوب القرآن الكريم، في نثرهم، اقتباساً وتضميناً، محاكاة واحتذاءً، وهذا النَّثر لم يخرج عن نهج النَّثر الفنَّي في صدر الإسلام الذي سار عليه الرسول الكريم صلی الله علیه و اله ، وأقرَّه في خُطبه ورسائله من حيث الشّكل النَّثري، وهو ما ينمُّ عن إتقان البناء، ووحدة الموضوع، وإحكام المعاني.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
فقه التربة الحسينية
القسم الثالث (حكم وقوع التربة المباركة في الخلاء وحملها له و تجهيز الميت بها)
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السيرة الحسينية
(تنوُّع الأساليب ووحدة الهدف)
الشيخ أحمد موسى العلي(1)
تعرّضنا في مقالين سابقين إلى حرمة الاستنجاء بالتربة المباركة، ثمّ إلى حرمة تنجيسها ووجوب إزالة النجاسة عنها، وهنا نتناول حكمين مهمّين من أحكام التربة الحسينية، في مسألة وقوع التربة المباركة في بيت الخلاء، ومسألة تجهيز الميت بالتربة الحسينية المباركة.
إنّ الشريعة الإسلاميّة المنقولة عن طريق آل البيت علیهم السلام لم تترك شاردةً ولا واردةً إلّا ذكرت حكمها، بل الروايات في ذلك متضافرة، سواء بنحوٍ كلّي، وذلك من خلال القواعد العامّة التي تنطوي المسألة تحتها، المعبّر عنها بالأُصول، أو بنحوٍ خاصّ من خلال ورود نصٍّ خاصٍّ يعالج حكم المسألة المعيّنة.
والمُستفاد من كلام أهل البيت علیهم السلام : أنّ أحكام الشريعة عامّة لكلّ واقعة، بل صرّحت بعض الروايات أنّ معارفهم علیهم السلام مُستقاة من منابع خاصّة، كمصحف
1) 720. كاتب وباحث إسلامي.
فاطمة، والجامعة، وغيرهما، وورد أنّ فيها الحلال والحرام حتى أرش الخدش(1)، بل ورد أنّه: «ما ترك علي علیه السلام شيئاً إلّا كتبه حتى أرش الخدش»(2).
ومن هنا؛ تميّزت الشريعة الإسلاميّة عن غيرها من الشرائع؛ بكونها شريعةً خاتمة لجميع الشرائع.
ومن المُؤسف أنّ هذا الطريق الواضح - الذي أراد الرسول الأعظم صلی الله علیه و اله أن يكون هو منبع الأحكام والوقائع - قد هُمّش وحُورب من قبل سلطان المال والرئاسة؛ ولذا غُيّبت عن الخط الثاني - وهو الخط الآخر أهمل فكر أهل البيت علیهم السلام وجعله وراء ظهره - كثير من الأحكام المتوفّرة عند مدرسة آل البيت علیهم السلام ؛ ممّا اضطرّ أولئك للأخذ بالروايات الضعيفة، وقول الصحابة، والقياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، وغيرها.
بينما بقيت مدرسة أهل البيت علیهم السلام حيّة وفاعلة على مدى العصور، وقد وصل إلينا الكثير من معالم الدين عن طريقهم، المتمثّل بأئمّةٍ اثني عشر معصومين عن الخطأ والنسيان.
وبالاستفادة من الكليات الواردة في معالجة الأحكام يمكن الاستدلال على كثير من الأحكام المتعلّقة بالتربة الحسينية المباركة، إضافةً إلى ورود روايات خاصّة مستفيضة أو متواترة على بعض أحكامها، وسنتعرّض في مقالنا هذا إلى ثلاث مسائل مهمّة تتعلّق بالتربة الحسينية:
قال السيد اليزدي قدس سره : «إذا وقع ورق القرآن أو غيره من المحترمات في بيت الخلاء أو بالوعته؛ وجب إخراجه ولو بأُجرة، وإن لم يكن فالأحوط والأوْلى سدّ بابه،
وترك التخلِّي فيه إلى أن يضمحلّ»(1).
وجاء في كتاب (صراط النجاة): «س: ما المقصود من المحترمات التي هي غير ورق القرآن، والتي لو وقعت في بيت الخلاء أو بالوعته وجب إخراجها ولو بأُجرة، وإن لم يمكن سُدَّ بابه وتُرِك التخلّي فيه إلى أن يضمحلّ؟
الخوئي: المقصود منها: كلّ ما يجب احترامه ولا يجوز هتكه، مثل كتب أحاديث الأئمّة علیهم السلام ، والكتب الفقهية، والتربة الحسينية، وتربة سائر الأئمّة الأطهار علیهم السلام ، وما شاكل ذلك»(2).
وقد وافق الشيخ جواد التبريزي رحمة الله السيد الخوئي رحمة الله في ذلك.
الفرع الأول : وجوب إخراج التربة الحسينية مع التمكن
يجب إخراج التربة الحسينية وكلّ محترم إذا وقع في بيت الخلاء، أو بالوعة البيت، ولو بدفع الأُجرة من يُخرجها.
يمكن تقريب دليل وجوب إخراج التربة من بيت الخلاء أو بالوعته بتقريبين:
التقريب الأوّل: إنّ إخراج التربة تعدُّ مقدّمة لإزالة النجاسة عن التربة، وقد تقدّم مفصّلاً أنّ إزالة النجاسة عن المحترمات واجب، بل هو من الوجوبات الفورية؛ ولأجل ذلك حُكِم بوجوب الإخراج.
التقريب الثاني: إنّ وجوب الإخراج للتربة المباركة إنّما هو لصدق الهتك والوهن
لها، فيجب لذلك الإخراج والمسارعة فيه، لتوقّف رفع الإهانة على الإخراج.
ولا يخفى أنّ وجوب الإخراج لا يُفرّق فيه بين عدم صرف المال لذلك وبذل الأُجرة - كما لو استطاع الشخص استخراج التربة بنفسه بدون أُجرة - وبين بذل الأُجرة لشخص وتوقّف الإخراج على بذل بعض المال؛ لأنّ الشارع المقدس لا يرفع يده عن حرمة هذه المقدسات بالضرر المالي ما لم يبلغ إلى درجة الحرج(1).
في حالة عدم إمكان إخراج التربة من بيت الخلاء أو بالوعته، فهنا قولان:
يجب سد باب الخلاء إلى أن تضمحل وتنتفي التربة الحسينية، وفي حالة عدم اضمحلالها لا يجوز الاستفادة من الخلاء، ولعلّ هذا القول هو مختار أكثر الفقهاء، وخصوصاً المحدثين والمعاصرين(2).
وذهب أكثر المعلقين والمحشّين على متن العروة الوثقى إلى وجوب سد باب الخلاء إذا لم يمكن إخراج التربة من البالوعة واعترضوا على ما ذهب إليه السيد اليزدي من الاحتياط الاستحبابي في سد بيت الخلاء وعدم التخلّي فيه.
فإن وجوب سد الباب ليس لأجل كون المتنجس لا يتنجس، بل هو لأجل أمر آخر،وهو لزوم الهتك والمهانة من تنجيسها، ولا يُفرّق في ذلك بين طهارة المحترم ونجاسته؛ فإن التربة أو الورق بعدما تنجست بوقوعها في البالوعة إذا ألقيت عليها النجاسة مرة
أخرى يُعدّ ذلك هتكاً لحرمتها، وكلّما تكرّر الإلقاء تعدّد الهتك والمهانة، وكل فرد من الإهانة والهتك حرام في نفسه؛ وعليه فلو أمكن إخراجها من البالوعة وجب ولو ببذل الأُجرة عليه، إلّا أن يكون عَسِراً أو ضررياً، ومع عدم التمكن من إخراجها فلا طريق إلّا سدّ البالوعة إلى أن تضمحل التربة المباركة.
إنّ سدّ باب الخلاء إنما هو على نحو الأحوط الأولى، ولا يصل إلى حد الوجوب، فيمكن للمكلّف استعمال الكنيف وإن لم تضمحل التربة، وهذا ما ذهب إليه السيد اليزدي.
وقد استدل السيد الخوئي لذلك بقوله : إنّ وجوب إخراج التربة من بيت الخلاء إنّما هو لأجل نجاستها، والتربة ما دامت في النجاسة - ولم يمكن إخراجها - فيجوز إلقاء النجاسة عليها، بدعوى أنّ المتنجّس لا يتنجّس ثانياً، فالنجاسة الثانية لا تؤثّر شيء جديد في مقابل النجاسة الأُولى.
وأما محذور الإهانة والهتك لها - بإلقاء النجاسة الثانية عليها - فهو غير معلوم؛ لأنّ سدّ الباب ما دام لا يؤثّر في تقليل النجاسة الواقعة، وما دام إخراج التربة وغيرها من المحترمات غير متيسّر؛ فلا يُعلم أنّ مجرّد استعمال تلك البالوعة يكون هتكاً، والشك وعدم العلم يكفي أيضاً لإجراء البراءة؛ لأنّ الشبهة هنا من الشُبه الموضوعية(1)(2).
1) 727. الشبهة الموضوعية: هي أن يكون الشكّ بتحقّق الموضوع مع العلم بالحكم، فمثلاً: نحن نعلم أنّ شرب الخمر حرام، لكن نشكّ في أنّه هل هذا السائل المعين الذي في القدح هو خمر أو لا؟. اُنظر: الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأُصول: ج2، ص329.
2) 728. اُنظر: الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى: ج1، ص519. حسن سعيد، دليل العروة الوثقى(تقريرات بحث الشيخ حسين الحلي قدس سره ): ج2، ص162. الصدر، محمد باقر، بحوث في شرح العروة الوثقى: ج4، ص321. الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى(تقرير لبحوث السيد الخوئي رحمة الله ): ج3، ص295- 296، (ضمن الدورة).
والخلاصة: أنّ وجوب سدّ الباب لأجل كون الاستنجاء مرة أُخرى إهانة جديدة، وهو لا يجوز.
ولا يخفى أنّ فتوى أكثر المتأخّرين - أعني المعاصرين - هي وجوب سدّ باب الخلاء في حالة عدم إمكان استخراج التربة.
نعم، إذا اضمحلّت التربة، وتلاشت وانعدمت، جاز بعد ذلك استعمال بيت الخلاء؛ لأنّ حرمة التنجيس أو وجوب الإخراج لها إنّما كان مترتّباً على عنوان التربة الحسينية، وفي حال الاضمحلال ينتفي عنوان التربة؛ وتبعاً له ينتفي الحكم الشرعي المترتّب عليه، وهو حرمة التنجيس أو وجوب الإخراج(1).
ذكرت الشريعة الإسلاميّة آداباً خاصّة للتخلّي، تحت عنوان: (فصلٌ في مستحبات التخلِّي ومكروهاته)، ولا ننكر أنّ هناك آداباً قد ذكرتها الديانات الأُخرى، ولكن اختصّت الشريعة الإسلاميّة بالشمولية، بحيث عالجت أدقّ حالات المكلّف، وقد اكتشف العلم الحديث بعض أسرار هذه الآداب من المستحبات والمكروهات، ممّا يكشف ارتباط هذه الشريعة الغرّاء بمبدأ الغيب، وكونها شريعة إلهية بكلّ تفاصيلها.
ومن تلك المكروهات التي لا بدّ أن يتجنّبها المكلّف عند دخوله لبيت الخلاء: استقبال الشمس عند قضاء حاجته، واستقبال الريح، والجلوس في الشوارع و... واصطحاب الدراهم البيض، بل مطلقاً إذا كان عليه اسم الله (تعالى)، أو محترمٍ آخر.
1) 729. اُنظر: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى(تقرير لبحوث السيد الخوئي رحمة الله ): ج3، ص295- 296. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج1، ص480. النجفي، عبد النبي، المعالم الزلفى: ج1، ص476. الآملي، محمد تقي، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى: ج2، ص47. القمشه اي القمّي، محمد علي، المعالم المأثورة (تقرير بحث الفقه في الطهارة للميرزا هاشم الآملي النجفي): ج3، ص60.
والمراد بها: كلّ ما أُحرز من الشرع المقدس أنّه يجب احترامه، ويُحرم هتكه، مثل القرآن العزيز، وكتب الحديث، والتربة الحسينية، وأمثالها.
وقد حكم بعض الفقهاء المعاصرين بكراهة اصطحاب المحترمات - ومنها تربة الحسين علیه السلام - إلى بيت الخلاء.
وقد أشار إلى هذا القول كلٌّ من السبزواري - صاحب (ذخيرة المعاد) - وكاشف الغطاء، والسيد عبد الأعلى السبزواري في (مهذّب الأحكام).
وقد ناقش البعض الآخر في أدلّة هؤلاء، وانتهى إلى عدم وجود دليل يدلّ على الكراهية.
والحاصل من كلماتهم أنّ في المسألة قولين:
القول الأول: الحكم بكراهة اصطحاب المحترمات إلى بيت الخلاء(1).
وحاصل الدليل الذي يمكن استفادته من كلماتهم ما يلي:
1- إنّ الروايات دلّت على النهي من اصطحاب الخاتم وعليه اسم الله إلى بيت الخلاء، وهذا النهي محمولٌ على الكراهة، كما صرّح به الفقهاء، وقد حمل الفقهاء ذكر الخاتم على مجرّد المثال - فنتعدّى بتنقيح المناط(2)- إلى كلّ شيء فيه علّة التحريم، ونُعطيه حكم الخاتم الذي عليه اسم الله تعالى.
2- إنّ الشارع المقدس أمر باحترام وتعظيم كلّ ما هو محترم شرعاً، وإدخال مثل هذه الأشياء إلى بيت الخلاء يُنافي الاحترام والتعظيم؛ فلا بدّ من تجنّبه، بما أنّ هذا
1) 730. اُنظر: السبزواري، ملا محمد باقر، ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد: ج1، ق1، ص22. الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى: ج2، ص246-247. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج2، ص234. كاشف الغطاء، جعفر، كشف الغطاء: ج2، ص160.
2) 731. تنقيح المناط هو: أن يُفتَّش عن ملاك الحكم ومناطه، فيعمّم هذا الحكم إلى مسألة أُخرى يُتوافر فيها ذلك الملاك والمناط إن كان قطعيّاً، وإلّا فلا يعمّم. اُنظر: فتح الله، أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ص127.
التنافي لا يصل إلى حدّ الحرمة، فيُحمل على الكراهة.
وخلاصة الدليل: إنّ الظاهر من الأدلّة أنّ المناط في الكراهة هو التحفّظ على الاحترام - لمثل الخاتم - فيصحّ التعدّي إلى كلّ محترم لا بدّ من احترامه شرعاً، وهذا هو الموافق لمرتكزات المتديّنين أيضاً(1).
وأمّا الروايات التي تدلّ على كراهة اصطحاب الخاتم المكتوب عليه اسم الله تعالى فهي:
1- رواية أبي أيّوب الخزّاز، قال: «قلت لأبي عبد الله علیه السلام : أدخل الخلاء وفي يدي خاتم فيه اسمٌ من أسماء الله تعالى؟ قال: لا، ولا تُجامع فيه»(2).
2- وعن معاوية بن عمار - أبو القاسم - قال: «قلت له: الرجل يريد الخلاء وعليه خاتم فيه اسم الله تعالى؟ فقال: ما أحبّ ذلك. قال: فيكون اسم محمد صلی الله علیه و اله ؟ قال: لا بأس»(3).
3- وفي موثّقة عمار الساباطي، عن أبي عبد الله (الصادق) علیه السلام أنّه قال: «لا يمسّ الجُنب درهماً ولا ديناراً عليه اسم الله تعالى، ولا يستنجي وعليه خاتم فيه اسم الله، ولا يُجامع وهو عليه، ولا يدخل المخرج وهو عليه»(4).
4- المروي في (قرب الإسناد) عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر علیهما السلام أنّه قال: «سألته عن الرجل يجُامع ويدخل الكنيف، وعليه الخاتم فيه ذكر الله، أو الشيء من القرآن، أيصلح ذلك؟ قال: لا»(5).
القول الثاني: عدم الكراهة، أو القول باستحباب عدم الاصطحاب:
إنّ الفقهاء الذين ناقشوا أدلّة القول الأوّل اتّجهوا إلى اتّجاهين:
الاتّجاه الأول: التوقّف بمعنى أنّهم نفوا الكراهة فقط، ولم يصرّحوا بشيءٍ آخر.
الاتّجاه الثاني: القول باستحباب عدم حمل المحترمات واصطحابها إلى بيت الخلاء، فهم يحكمون بالاستحباب بعد مناقشة دليل الكراهة.
وممّن لم يحكم بالكراهة الشيخ البحراني(1)، والنراقي(2)، والظاهر من السيد محسن الحكيم(3)، وغيرهم.
وحاصل نقاشهم للروايات السابقة أمران:
الأول: ما قاله النراقي بعد نقله لتلك الروايات: «إنّ الروايات كما ترى مختصّة بالخاتم في اليد صريحاً كالأول [إشارة منه إلى الرواية الأُولى المتقدّمة] وظاهراً كالبواقي [إشارة إلى بقية الروايات] فلا يفيد تعميم الكراهة بالنسبة إلى مطلق الاصطحاب كما قد يُذكر، والتعدّي بتنقيح المناط موقوفٌ على القطع بالعلّة، والتمسّك بمنافاته التعظيم لا يُثبِت إلّا استحباب عدم الاصطحاب بقصد التعظيم، ولا كلام فيه، ولكلّ امرئٍ ما نوى(4)، وفتوى البعض أيضاً [إشارة إلى فتوى الصدوق] لا يُثبِت أزيد من ذلك، فالحكم بالكراهة مطلقاً لذلك لا وجه له»(5).
الثاني: إنّ القول بالكراهة لأجل التعظيم والاحترام، يُنافي ما في بعض الروايات من الدلالة على أنّ النبي صلی الله علیه و اله والإمام علي علیه السلام كانا يدخلان بيت الخلاء وكانا يتختمّان،
1) 737. اُنظر: البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج2، ص82.
2) 738. اُنظر: النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة: ج1، ص400 - 401.
3) 739. اُنظر: الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى: ج2، ص247 - 248.
4) 740. اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج4، ص186.
5) 741. النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة: ج1، ص400 - 401.
وعليهما نقش فيه اسم الله تعالى واسم النبي صلی الله علیه و اله (1)، ففي رواية الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الثاني علیه السلام قال: «قلت له: إنّا روينا في الحديث، أنّ رسول الله صلی الله علیه و اله كان يستنجي وخاتمه في إصبعه، وكذلك كان يفعل أمير المؤمنين علیه السلام ، وكان نقش خاتم رسول الله صلی الله علیه و اله : محمد رسول الله؟ قال: صدقوا. قلت: فينبغي لنا أن نفعل؟ فقال: إنّ أولئك كانوا يتختّمون في اليد اليمنى، وإنّكم أنتم تتختّمون في اليسرى»(2). وقريب منها رواية (عيون الأخبار)(3).
والظاهر عرفاً أنّ اصطحاب التربة المباركة إلى بيت الخلاء - خصوصاً إذا كانت في قطعة قماش، أو في الجيب - لا يُعدّ خلاف الاحترام والتعظيم.
نعم، قد يُدّعى أنّ عدم اصطحابها من الأُمور المستحبّة؛ للأمر باحترام مثل هذه الأشياء شرعاً، وقد تقدّم من النراقي أنّ هذا لا إشكال فيه.
الأمر الأول: ذكر النراقي رحمة الله أنّ المستفاد من الأخبار أنّ الكراهة إنّما هي عند دخول الخلاء، سواء كان للتغوّط أو البول، فلا كراهة عند البول في غيره، بل ولا عند التغوّط في مثل الصحراء؛ لعدم صدق الخلاء والكنيف، بل ولا المخرج؛ لأنّ الظاهر منها أيضاً البيت المُعدّ له(4).
الأمر الثاني: إنّ القول بالكراهة إنّما يثبت فيما إذا لم تتلوّث التربة وبقية المحترمات بالنجاسة، وأمّا إذا أدّى حملها إلى بيت الخلاء إلى تلويثها وتنجيسها ففي هذه الحالة
لا إشكال في حرمته، بل يُكفَّر فاعله لو فعله بقصد الإهانة(1).
يُجهّز الميت بالتربة الحسينية في مواضع عديدة، نستعرضها ضمن فروع:
امتازت الشريعة الإسلاميّة عن غيرها من الشرائع باحترام الإنسان، سواء أكان حياً أم ميتاً، ولم تفرّق بين احترامه حياً أو ميتاً، والأحكام التي ترافق الميت من حين احتضاره إلى ما بعد دفنه لا تقلّ أهمية - من حيث المضمون والعدد - عن الأحكام في حال وجوده في هذه الدنيا، ولعلّ السرّ في ذلك هو أنّ الموت لا يُعتبر فناءً لهذا الكائن، بل هو مرحلة يمرّ بها، فهو انتقالٌ من دارٍ إلى دارٍ أُخرى، وله نوع تعلّقٍ بالحياة التي فارقها، من ناحية وصول الثواب إليه من ذويه، وزيارته لأهله في كلّ جمعة كما ورد في بعض الروايات، واحتياجه للثواب من أهله، وغير ذلك.
ولذا ورد عنهم علیهم السلام : «إنّ حُرمة الميت كحُرمة الحي»(2).
ومن الأُمور التي يستفيد منها الميت بعد مفارقته لهذه الحياة تغسيله بعد الموت مباشرةً؛ لذا أوجبت الشريعة الإسلاميّة تغسيل الميت على نحو الكفاية، وللغسل كيفية خاصّة مذكورة في كتب الرسائل العملية وغيرها، وحكمت الشريعة أيضاً بوجوب تحنيطه بعد غسله، والمراد بالتحنيط هنا هو: مسح أعضاء السجود السبعة - الجبهة واليدين والركبتين والإبهامين - بالكافور، ويجب أن يكون ذلك الكافور مسحوقاً.
ومن مستحبات التحنيط أن يُخلط الكافور بشيء من تربة قبر الحسين علیه السلام ، ولمعرفة حكم الاستحباب ودليله نُشير إلى ثلاثة أُمور:
الأمر الأول: القول باستحباب وضع التربة مع الكافور وكلمات العلماء فيه
قال البحراني رحمة الله - وهو بصدد بيان مستحبات التكفين -: «ومنها: وضع التربة الحسينية (على مشرّفها أفضل الصلاة والسلام والتحية) في حنوط الميت... »(1).
وقال السيد اليزدي رحمة الله : «يُستحب خلط الكافور بشيءٍ من تربة الحسين علیه السلام ، لكن لا يُمسح به المواضع المنافية للاحترام»(2).
وقال الشيخ زين الدين رحمة الله : «يُستحبّ أن يُخلط الحنوط بشيءٍ من تربة الحسين علیه السلام ، على وجهٍ لا يخرج به عن اسم الكافور، وينبغي أن يتجنّب وضع المخلوط بها على المواضع التي تُنافي الاحترام، كإبهاميّ الرجلين... »(3).
وقد وافق عبارة السيد اليزدي رحمة الله في (العروة الوثقى) كلّ مَن علّق عليها.
فالحكم بالاستحباب - وهو خلط الكافور بتربة الحسين علیه السلام - هو المعروف بين المعاصرين ومَن قارب عصرهم، بحيث لم نجد مخالفاً بينهم بحدود اطلاعنا القاصر(4).
استُدلّ للقول بالاستحباب بدليلين:
الدليل الأول: ما رواه الشيخ الطوسي رحمة الله في (التهذيب) بسنده عن محمد بن أحمد
1) 748. البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج4، ص53.
2) 749. اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى: ج2، ص82.
3) 750. زين الدين، محمد أمين، كلمة التقوى: ج1، ص216.
4) 751. اُنظر: الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، هداية الأُمّة إلى أحكام الأئمّة: ج1، ص273. الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى: ج4، ص199. الآملي، محمد تقي، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى: ج6، ص208، وص250. المرعشي، شهاب الدين، منهاج المؤمنين: ج1، ص115. الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى(تقرير لبحوث السيد الخوئي رحمة الله ): ج9، ص172. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج4، ص82. وغيرها.
بن داود، عن أبيه، عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري قال: «كتبت إلى الفقيه علیه السلام أسأله عن طين القبر يُوضع مع الميّت في قبره، هل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب - وقرأت التوقيع ومنه نسخت -: توضَع مع الميت في قبره، ويُخلَط بحنوطه، إن شاء الله»(1).
ورواه الطبرسي رحمة الله أيضاً في (الاحتجاج) عن محمد بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف مثله(2).
والمراد بالفقيه في رواية (التهذيب) الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف بقرينة رواية الطبرسي.
والمراد بالطين المذكور في الرواية هو الطين المعهود بالتبرّك، وهو طين قبر الحسين علیه السلام ، والقرينة في ذلك ظاهرة، وقد فهم الشيخ الطوسي ذلك أيضاً؛ حيث أورده في جملة أحاديث تربة الحسين علیه السلام (3).
الدليل الثاني: وهو ما ذكره السيد السبزواري بقوله: «إنّ تربة قبر الإمام الحسين علیه السلام ممّا يُرجى فيه الأمان؛ فيُستحب وضعها مع الكافور لذلك»(4).
وبتعبير الشيخ محمد تقي الآملي: «إنّ وضع التربة مع الكافور فيه استشفاع واستدفاع، فيدلّ كلّ ما ورد في الاستشفاع بتربة الحسين الزكية على رجحانه»(5).
الأمر الثالث: من توابع الفرع الأول
وهما اثنان:
الأول: لا يجوز مسح الكافور المخلوط بتربة الحسين علیه السلام على مواضع الميت التي تُنافي احترام تلك التربة المباركة، كإبهاميّ الرجلين، وباطن القدمين، وظاهرهما،
1) 752. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج3، ص29.
2) 753. اُنظر: الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص489.
3) 754. اُنظر - لوجه الاستدلال بالرواية -: البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج4، ص53. الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى: ج4، ص199. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج4، ص82. الآملي، محمد تقي، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى: ج6، ص208، وص250.
4) 755. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج4، ص82.
5) 756. الآملي، محمد تقي، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى: ج6، ص208.
وأمثال ذلك؛ لأنّ ذلك هو الموافق لمرتكزات المتشرّعة، ولوجوب صون التربة عن كلّ ما ينافي احترامها؛ لورود الأمر بوجوب احترامها وتعظيمها.
الثاني: أن لا يؤدّي خلط التربة الحسينية بالكافور إلى خروجه عن إطلاق اسم الكافور عليه، بل يُخلط الكافور بكمّية قليلة من التربة بحيث يبقى معها إطلاق اسم الكافور عليه(1).
الكتابة بتربة الحسين علیه السلام على الكفن
من السُّنن والمستحبات في تجهيز الميت أن يُكتب اسم الميت - قيل: واسم أبيه أيضاً - على الكفن، وأنّه يشهد الشهادتين، أي: يُكتب على الأكفان: إنّ فلاناً يشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمداً رسول الله صلی الله علیه و اله ، وأن يُضيف إليهما كتابة اسم النبي صلی الله علیه و اله وأسماء الأئمّة علیهم السلام ، وأنّ البعث والثواب والعقاب حقّ، ويدلّ على ما تقدّم دعوى الإجماع، والسيرة العملية من المتشرعة، وأنّ ذلك كلّه من طرق التوسّل واستجلاب الخير والبركة.
وزاد بعض الفقهاء استحباب كتابة القرآن ودعاء الجوشن الصغير والكبير، وبعض الكتابات الأُخرى(2).
ثمّ ذكروا بأنّه يُستحب أن تكون الكتابة على الكفن بتربة الحسين علیه السلام ، ويتّضح الكلام في هذه المسألة من خلال بيان نقاط:
النقطة الأُولى: استحباب الكتابة بتربة الحسين علیه السلام
القول باستحباب كتابة اسم الميت والأدعية المتقدّمة على كفن الميت بتربة الإمام الحسين علیه السلام ذَكَرهُ كلّ من الشيخ المفيد والشيخ الطوسي(3)، وتبعهُ
1) 757. اُنظر: الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى: ج4، ص199. زين الدين، محمد أمين، كلمة التقوى: ج1، ص216. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج4، ص82.
2) 758. اُنظر: المفيد، محمد بن محمد، المقنعة: ص78.المحقّق الحلي، نجم الدين جعفر بن الحسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام: ج1، ص40. الشهيد الأول، محمد بن جمال الدين، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة: ج1، ص372. الفاضل الهندي، محمد بن الحسن الأصفهاني، كشف اللثام عن قواعد الأحكام: ج2، ص296. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج4، ص65 - 69.
3) 759. اُنظر: المفيد، محمد بن محمد، المقنعة: ص78. الطوسي والمحقّق الحلي، محمد بن الحسن و نجم الدين جعفر بن الحسن، النهاية والنكت: ج1، ص244.
كلّ مَن تطرّق لهذه المسألة من الفقهاء، ونسبة الحكم إلى الفقهاء صرّح به كلّ من الكركي والهندي، قال الكركي رحمة الله - بعد نقله عبارة العلّامة -: «استحباب الكتابة بتربة الحسين علیه السلام ذكره الأصحاب»(1). وقال الهندي رحمة الله : «وليكتب بتربة الحسين علیه السلام إن وُجد، ذكره الشيخان وتبعهما الأصحاب، وهو حَسن... »(2).
وقد وافق عبارة (العروة الوثقى) - الآتية في حصول ذلك - كلّ المعلقين، إمّا بذكر الدليل الذي يُمكن أن يستدلّ على الاستحباب، وإمّا بالسكوت تأييداً لما ذكره السيد اليزدي، قال رحمة الله - بعد ذكر ما يستحب كتابته على الكفن -: «والأوْلى أن يكتب الأدعية المذكورة بتربة قبر الحسين علیه السلام ، أو يجعل في المداد شيء منها، أو بتربة سائر الأئمّة»(3).
وصرّح العلامة الحلي في المختلف بأنّ هذا الحكم هو المشهور(4).
النقطة الثانية: مقدار ما يُكتب عليه من الكفن
اختلفت كلمات فقهاء الإمامية في المقدار الذي يُكتب عليه من الأكفان، من الأذكار واسم الميت المتقدّم ذكرها.
الذي نسبه العلّامة إلى المشهور أنّه يُستحب أن تُكتب تلك الأذكار على الأكفان والجريدتين، ولعلّ هذا القول هو أوسع الأقوال هنا؛ حيث أطلق لفظ (الأكفان) الذي يشمل جميع قِطَعِه الواجبة والمستحبة.
وذهب جماعة إلى أنّ استحباب الكتابة على الأكفان يشمل فقط: الحبرة، والقميص، والإزار، والجريدتين، والعمامة. واقتصر جماعة على الأربعة الأُولى دون العمامة.
وزاد بعض الفقهاء على ما تقدّم: العمامة، فجعلها ممّا يُكتب عليه، ولكنّه في نفس
1) 760. الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد في شرح القواعد: ج1، ص395.
2) 761. الفاضل الهندي، محمد بن الحسن، كشف اللثام عن قواعد الأحكام: ج2، ص298.
3) 762. الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى: ج4، ص183 - 184. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج4، ص69 - 70.
4) 763. اُنظر: العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف، مختلف الشيعة: ج1، ص406.
الوقت لم يأتِ على ذكر الجريدتين.
واقتصر آخر على ذكر الأكفان دون غيرها.
وذكر البعض أنّ المستحب هو الجريدتان، والقميص، والإزار، والحبرة، والعمامة، دون المواضع التي يستقبحها العقل لسوء الأدب، فلا يُكتب على المئزر إلّا على ما يحاذي الصدر والبطن، فالذي يقرب من القُبل والدُّبر تُستثنى من الكتابة عليها.
وقال البعض: إنّه يُكتب على الجريدتين والحبرة والقميص، وترك الإزار.
وقال آخر: إنّه يُكتب على الجريدتين والقميص والإزار، وترك الحبرة، وظاهرهُ دعوى الإجماع عليه(1).
وصرّح الشهيد الثاني بالاستحباب لجميع الأكفان بقوله: «وأضاف الشهيد [أي: الشهيد الأول]: المئزر، والكلّ جائز، بل لو كُتب على جميع الأقطاع فلا بأس؛ لثبوت أصل المشروعيّة، وليس في زيادتها إلّا زيادة الخير إن شاء الله تعالى»(2).
والفتوى في الوقت الحاضر - وهو المشهور على ما صرّح به الشيخ الأنصاري - هو: «أن يُكتب على حاشية جميع قطع الكفن من الواجب والمستحب حتى العمامة... والجريدتين»(3).
إنّ القول باستحباب أن تكون الكتابة على الكفن بتربة الحسين علیه السلام هو المنسوب
1) 764. اُنظر: العاملي، محمد جواد، مفتاح الكرامة: ج4، ص84 - 86. الفاضل الهندي، محمد بن الحسن، كشف اللثام عن قواعد الأحكام: ج2، ص299 - 300.
2) 765. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام: ج1، ص92.
3) 766. الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى: ج4، ص181-182. الآملي، محمد تقي، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى: ج6، ص215.واُنظر: السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج2، ص88. وغيرها.
إلى الفقهاء، والظاهر منه عدم الخلاف أو الإجماع.
هذا وقد استُدلّ للاستحباب المذكور بأنّ الكتابة بتربة الحسين علیه السلام على الأكفان ممّا يُرجى فيها الحفظ والأمان، وهي أمانٌ من كلّ خوف كما في الحديث، والكتابة بالتربة يُعدُّ أيضاً من الأُمور التي يُتبرّك بها.
كما أنّ الكتابة بالتربة يُعتبر جمعاً بين مندوبين وهما: الكتابة، وجعل التربة مع الميت.
والمستفاد من المروي في كتاب (الاحتجاج) في التوقيع الخارج عن صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف في جواب مسائل الحميري: فإنّه سأله عن طين القبر يُوضع مع الميت في قبره، هل يجوز ذلك أو لا؟ فأجاب علیه السلام : «يوضَع مع الميت ويُخلط بحنوطه إن شاء الله»(1). وعبّر عنه الشيخ الجواهري بالصحيح(2).
وكتب الحميري أيضاً إلى صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف : «رُويَ لنا عن الصادق علیه السلام أنّه كتب على إزار إسماعيل ابنه: إسماعيل يشهد أن لا إله إلّا الله. فهل يجوز لنا أن نكتب مثل ذلك بطين القبر أم غيره؟ فأجاب: يجوز ذلك»(3).
ثم ذكر جملة من الفقهاء - تفريعاً على أصل الكتابة بتربة الحسين علیه السلام على الكفن - أنّه ينبغي أن تُبلّ التربة الحسينية بالماء لتكون الكتابة مؤثرة بالكفن، فلكي تؤثّر التربة
1) 767. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج3، ص29.
2) 768. اُنظر: الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص304.
3) 769. الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2ص 311 - 312. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج3، ص53. واُنظر - لوجه الاستدلال -: الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد في شرح القواعد: ج1، ص395. الطباطبائي، علي، رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل: ج2، ص187. النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة: ج3، ص215. التوحيدي التبريزي، محمد علي، مصباح الفقاهة (تقرير أبحاث السيد الخوئي رحمة الله ): ج5، ص305 - 306. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص231. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج4، ص69 - 70.
بالكفن، وتكون الكتابة بارزة وواضحة يُشترط أن تُبلّ بمقدار من الماء؛ لأنّ حقيقة الكتابة لا تتحقّق إلّا بذلك.
والظاهر أنّ مراد جميع الفقهاء ذلك، سواء المصرّح منهم بهذا أو الذين أطلقوا القول؛ للسبب المتقدّم ذكره(1).
وضع التربة الحسينية مع الميت في القبر
ذكر الفقهاء أنّ من مستحبات تجهيز الميت هو وضع التربة الحسينية مع الميت في القبر. وإليك تفاصيل المسألة ضمن نقاط:
النقطة الأُولى: القائلون بالاستحباب في المسألة
إنّ أول القائلين بهذه المسألة هما الشيخ المفيد والشيخ الطوسي (رحمهما الله): وهو المشهور بين المتقدّمين من فقهائنا، بل صرّح البعض بأنّه لا يوجد خلاف في القول بالاستحباب.
قال الشهيد الأول رحمة الله - وهو بصدد ذكر مستحبات كيفية الدفن -: «يستحب وضع التربة معه، قاله الشيخان - المفيد والطوسي - ولم نعلم مأخذه، والتبرّك بها كافٍ في ذلك، والأحسن جعلها تحت خدّه، كما قاله المفيد في المقنعة»(2).
وقال الشيخ الطوسي رحمة الله : «ويُستحبّ أن يجعل معه شيء من تربة الحسين علیه السلام »(3).
وقال صاحب المدارك رحمة الله - تعليقاً على كلام العلّامة رحمة الله : «ويُجعل معهُ شيء من تربة الحسين علیه السلام » -: «ذكر ذلك الشيخان، ولم أقف لهما على مأخذ سوى التبرّك بها، ولعلّه
1) 770. اُنظر: الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد في شرح القواعد: ج1، ص195- 196. الفاضل الهندي، محمد بن الحسن، كشف اللثام عن قواعد الأحكام: ج2، ص298. الطباطبائي، علي، رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل: ج2، ص187. العاملي، محمد جواد، مفتاح الكرامة: ج4، ص82.
2) 771. الشهيد الأول، محمد بن جمال الدين، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة: ج2، ص21.
3) 772. الطوسي والمحقّق الحلي، محمد بن الحسن و نجم الدين جعفر بن الحسن، النهاية والنكت:ج1، ص251. الطوسي، محمد بن الحسن، المبسوط: ج1، ص186.
كافٍ في ذلك، واختلف قولهما في موضع جعلها... »(1).
وقال البحراني رحمة الله - وهو بصدد ذكر مستحبات الدفن -: «منها: وضع التربة الحسينية (على مشرّفها أفضل الصلاة والسلام والتحية) معه، وهذا الحكم مشهور في كلام المتقدّمين، ولكن مستنده خفيٌّ على المتأخّرين ومتأخّريهم، قال في المدارك وقبله الشهيد في الذكرى والعلامة وغيرهما: ذكر ذلك الشيخان... »(2).
وقال صاحب (مفتاح الكرامة) رحمة الله - تعليقاً على كلام العلّامة رحمة الله : «وجعل شيء من تربة الحسين علیه السلام معه» -: «لم أجد في هذا خلافاً؛ لأنّها أمان من كلّ خوف، وفي المعتبر: ويُحلّ عقد كفنه، ويُجعل معه تربة. وعليه اتفاق الأصحاب، وظاهره دعوى الإجماع على الأمرين، لكن يظهر من آخر كلامه، حيث يقول: وأمّا وضع التربة ففتوى الشيخين: أنّ الإجماع على الأوّل، فتأمّل»(3).
وقال النجفي رحمة الله : «ومنها أن يُجعل معه شيء من تربة الحسين علیه السلام على ما ذكره الأصحاب من غير خلاف يُعرف فيه، فلعلّ شهرته بينهم، والتبرّك بها، وكونها أماناً من كلّ خوف، وما في الفقه الرضوي... كافٍ في ثبوته، مضافاً إلى الصحيح المروي عن الحميري... »(4).
والقول بالاستحباب هو الذي أفتى به المعاصرون، كما في رسائلهم العملية، وغيرها من كتب الفتوى(5).
1) 773. العاملي، محمد بن علي، مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام: ج2، ص139- 140.
2) 774. البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج4، ص111- 112.
3) 775. العاملي، محمد جواد، مفتاح الكرامة: ج4، ص349-351.
4) 776. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص304.
5) 777. اُنظر: الاشتهاردي، علي بناه، مدارك العروة: ج8، ص394 - 395. الحكيم، محسن، منهاج الصالحين: ج1، ص124. الخوئي، أبو القاسم، منهاج الصالحين: ج1، ص88. الروحاني، محمد، منهاج الصالحين: ج1، ص119. اللنكراني، محمد الفاضل، الأحكام الواضحة: ص77. السيستاني، علي، منهاج الصالحين: ج1، ص113. الفياض، محمد إسحاق، منهاج الصالحين: ج1، ص143. الوحيد الخراساني، حسين، منهاج الصالحين: ج1، ص97.
أدلّة القول باستحباب وضع التربة مع الميت واضحة ومتعدّدة، ولكن رغم ذلك نجد أن العاملي في (مدارك الأحكام) - بعد أن نسب القول بالاستحباب إلى الشيخين - قال: «لم نقف لهما على مأخذ»(1). وتبرّع لهم بأنّ المدرك الوحيد هو التبرّك بالتربة، وهذا يكفي لإثبات الاستحباب.
وهذا اعتراف منه بعدم وجود دليل سوى الدليل الذي تبرّع به، ولكنّ هذه الدعوى مجانِبة للحقيقة، فبالإضافة إلى كون الحكم مشهور بين الفقهاء، بل عليه دعوى عدم الخلاف بينهم(2)، ذُكر له أدلّة أُخرى، وهي كالآتي:
1- ما رواه الشيخ الطوسي في أبواب المزار من كتاب (التهذيب) في الصحيح عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري قال: «كتبت إلى الفقيه أسأله عن طين القبر يُوضع مع الميت في قبره هل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب - وقرأت التوقيع ومنه نسخت -: يُوضع مع الميت في قبره ويُخلط بحنوطه أن شاء الله تعالى»(3).
وقد رواه الطبرسي في (الاحتجاج)(4)عن محمد بن عبد الله، عن أبيه، عن صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه الشریف .
2- ما رواه الشيخ الطوسي رحمة الله في (مصباح المتهجّد) عن جعفر بن عيسى أنّه سمع أبا الحسن علیه السلام يقول: «ما على أحدكم إذا دفن الميّت ووسّده التراب أن يضع مقابل
1) 778. العاملي، محمد بن علي، مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام: ج2، ص139-140.
2) 779. اُنظر: البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج4، ص111-112. العاملي، محمد جواد، مفتاح الكرامة: ج4، ص349-351.
3) 780. الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج6، ص76. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج3، ص29.
4) 781. اُنظر: الطبرسي، أحمد بن علي بن أبي طالب، الاحتجاج: ج2، ص311.
وجهه لَبِنَة من الطين، ولا يضعها تحت رأسه»(1).
والظاهر أن المراد من (الطين) المذكور في الرواية هو (طين قبر الحسين علیه السلام )، ومن هنا أورده الشيخ الطوسي في جملة أحاديث (تربة الحسين علیه السلام ).
ولعلّ اختيار هذه العبارة المجملة من قِبَل الإمام علیه السلام ؛ لأجل التقية التي كانوا يعيشونها آنذاك، أو لكون هذا الإطلاق على التربة الحسينية كان شائعاً في ذلك الزمان، ومعلومية المراد منه عند السامع(2).
3- النصّ الوارد في (فقه الرضا علیه السلام ) قال: «ويجعل معه في أكفانه شيئاً من طين القبر وتربة الحسين بن علي علیهما السلام »(3).
4- ما رُوي عن (منتهى المطلب) و(تذكرة الفقهاء) و(نهاية الأحكام) قال: «إنّ امرأة كانت تزني وتضع أولادها وتحرقهم بالنار خوفاً من أهلها، ولم يعلم به غير أُمّها، فلمّا ماتت دُفنت فانكشف التراب عنها، ولم تقبلها الأرض، فنُقلت من ذلك المكان إلى غيره، فجرى لها ذلك، فجاء أهلها إلى الصادق علیه السلام وحكوا له القصة، فقال لأُمّها: ما كانت تصنع هذه في حياتها من المعاصي؟ فأخبرته بباطن أمرها، فقال الصادق علیه السلام : إنّ الأرض لا تقبل هذه؛ لأنّها كانت تعذّب خلق الله بعذاب الله، اجعلوا في قبرها شيئاً من تربة الحسين علیه السلام ، فَفُعِلَ ذلك بها فسترها الله تعالى»(4).
وقال الكركي - وهو بصدد معالجة سند الرواية -: إنّ الرواية الأخيرة مشتهرة
1) 782. الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجد: ص735. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج3، ص30.
2) 783. اُنظر: البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج4، ص112. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج3، ص304. القمّي، الميرزا أبو القاسم، غنائم الأيام: ج3، ص531.
3) 784. فقه الرضا (المنسوب للإمام الرضا علیه السلام ): ص184.
4) 785. العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف، منتهى المطلب: ج7، ص385. الحلي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء: ج2، ص95. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج3، ص29-30.
مضمونها، فتُقبل وإن ضُعِّفت، بل يُقبل الضعيف في روايات السُّنن مطلقاً(1).
5- الروايات الواردة بلسان: إنّ تربة الحسين علیه السلام أمان من كلّ خوف. وهذا يكفي دليلاً للاستحباب، فإنّ الميت بعد انقطاعه عن هذه الدنيا يمرّ بحالات من ظلمة القبر، والوحدة، وضغطة القبر، وغيرها من الأهوال التي يحتاج معها إلى الأمان، والتخفيف من الوحشة والعذاب والحساب، ومن هنا ورد أنّ ابن آدم إذا مات قامت قيامته(2).
والنصوص الدالّة على هذه الحقيقة هي ما ورد في كتاب كامل الزيارات، في الباب الثاني والتسعين، تحت عنوان: (إن طين قبر الحسين علیه السلام شفاء وأمان)، فعن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: «إنّ في طين الحائر الذي فيه الحسين علیه السلام شفاءً من كلّ داءٍ وأماناً من كلّ خوفٍ»(3).
بعد إثبات أصل استحباب وضع التربة مع الميت، وقع بين الفقهاء خلاف في المكان الذي تُوضع فيه التربة، وحاصل الأقوال هو:
1- ليس لها مكان محدّد، فتوضع مع الميت كيفما اتفق، وهذا القول هو المنسوب إلى أكثر العلماء، وهو مختار كبار الفقهاء؛ لدلالة بعض الأدلّة السابقة عليه، ولا أقلّ
1) 786. اُنظر: الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد في شرح القواعد: ج1، ص440. العاملي، محمد جواد، مفتاح الكرامة: ج4، ص252.
2) 787. اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج58، ص7.
3) 788. ابن قولويه القمي، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص467، ح4، وح5. الفاضل الهندي، محمد بن الحسن، كشف اللثام عن قواعد الأحكام: ج2، ص385. الطباطبائي، علي، رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل: ج2، ص227.
وجود التبرّك في جميع الحالات.
2- أن تُجعل التربة في كفن الميت، وهو مختار بعض الفقهاء، ويدلّ على هذا القول بعض الأدلّة السابقة.
3- أن تُجعل التربة الحسينية تحت خدّ الميت.
4- أن تجعل التربة الحسينية في وجه الميت.
5- أن تجعل التربة الحسينية في لحد الميت تلقاء وجهه.
والأقوال الثلاثة الأخيرة لا دليل عليها؛ على ما صرّح به بعض الفقهاء.
نعم، استُدلّ للقول الأخير برواية الشيخ في (مصباح المتهجد).
ولكن ناقش البعض في ذلك: بأنّ إرادة طين القبر منه غير معلومة، وإن فهمه الشيخ الطوسي وغيره منه، وشيوع إطلاق الطين المطلق عليه بحيث يتبادر منه ممنوع(1).
دفع إيراد
قد يحتمل البعض أنّ التربة الحسينية قد يصل إليها النجاسة من بدن الميت بعد دفنه ومضي أيام عليه، لضعف البدن وقابليته للتفسخ والفناء، وهذا غير جائز؛ لحرمة تنجيس التربة كما مرّ سابقاً.
ويمكن دفع هذا الإيراد
أولاً: أنّه يمكن التحرّز عن تنجيس التربة بوضعها في مكان من القبر لا يُحتمل وصول النجاسة إليها؛ لأنّ صحيح عبد الله بن جعفر الحميري، وحديث الزانية المتقدّمين يدلّان على وضعهما في مطلق القبر، والأول منها صريح في ذلك.
1) 789. اُنظر: الفاضل الهندي، محمد بن الحسن، كشف اللثام عن قواعد الأحكام: ج2، ص386- 387. العاملي، محمد جواد، مفتاح الكرامة: ج4، ص250-251. الطباطبائي، علي، رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل: ج2، ص227- 228. النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة: ج3، ص300. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص305.
ثانياً: إنّنا نقطع لحظة وضع التربة مع الميت بعدم وصول النجاسة إليها، وبطهارة بدن الميت وأكفانه حسب الفرض، واحتمال وصول النجاسة إليها لأجل تفسخ وتناثر بدن الميت بعد ذلك وهو مجرد شكّ، فنتمسّك بأصالة عدم وصول النجاسة إليها، وهذا يكفي لارتفاع الحرمة المُحتملة(1).
إنّ من مظاهر تقديس الشريعة لبدن الميت - والذي يرجع إلى احترام الميت نفسه - هو الحكم بدفن الميت في المكان الذي مات فيه، أو نقله إلى المشاهد المشرَّفة؛ ولذا أجمع الإمامية على كراهة نقل الميت قبل دفنه من بلدٍ إلى آخر؛ لأنّ النبي صلی الله علیه و اله أمر بالمسارعة بدفنه، وعدم تأخيره مهما أمكن، وأيضاً قد يؤدّي التأخير إلى عدم الأمن على جسد الميت من الفساد، ومعنى هذا أنّ الإمامية يجوِّزون النقل مع الكراهة(2).
نعم، صرّح السيد الخوئي وغيره بأنّه لو لا الإجماع لحكمنا بالجواز بدون كراهة، للمناقشة الواضحة في أدلّة الكراهة(3).
وأمّا فقهاء المذاهب، فقد اختلفوا في ذلك على أقوالٍ ثلاثة:
1) 790. اُنظر: الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، الروضة البهية: ج1، ص147. العاملي، محمد جواد، مفتاح الكرامة: ج4، ص251-252. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص305.
2) 791. اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، النهاية في مجرد الفقه والفتاوى: ص44. المحقّق الحلي، نجم الدين جعفر بن الحسن، المعتبر في شرح المختصر: ج1، ص307. الحلي، الحسن بن يوسف، منتهى المطلب: ج7، ص403. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان: ج2، ص854. الفاضل الهندي، محمد بن الحسن، كشف اللثام عن قواعد الأحكام: ج2، ص413-414. القمّي، الميرزا أبو القاسم، غنائم الأيام: ج3، ص546، وغيرها.
3) 792. اُنظر: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى(تقرير لبحوث السيد الخوئي رحمة الله ): ج9، ص331-332.
فيرى الحنفية - وهو رواية عن أحمد بن حنبل - أنّه لا بأس بنقل الميت مطلقاً، وقيل: أنّه يجوز النقل إلى ما دون مدّة السفر، وقيّده محمد بن الحسن - من الحنفية - بقدر ميل أو ميلين.
وذهب جمهور الشافعية والحنابلة إلى أنّه لا يجوز نقل الميت قبل الدفن من بلدٍ إلى آخر إلّا لغرضٍ صحيح، وبه قال الأوزاعي وابن المنذر.
وقال الشافعي: إنّي لا أحبّ النقل إلّا أن يكون بقرب مكة، أو المدينة، أو بيت المقدس، فيختار أن يُنقل إليها لفضل الدفن فيها، وقال البعض منهم: إنّه يُكره نقله. وقال البعض الآخر: إنّه يحرم نقله.
وأمّا المالكية، فيجوز عندهم نقل الميت قبل الدفن وبعده من مكان إلى آخر، لكن بشروط ثلاثة:
أ) أن لا ينفجر حال نقله.
ب) أن لا تُنتهك حرمته.
ج) وأن يكون لمصلحة، كأن يُخاف عليه من أن يأكله البحر، أو تُرجى بركة الموضع المنقول إليه، أو ليُدفن بين أهله، أو لقرب زيارة أهله، وغيرها(1).
وقد استثنى الإمامية من الحكم بالكراهة، ما إذا كان النقل إلى أحد المشاهد المشرّفة، والتي منها مشهد الإمام الحسين علیه السلام (كربلاء)، فحكموا باستحباب النقل، هذا كلّه إذا كان النقل قبل الدفن.
1) 793. اُنظر: ابن عابدين، محمد أمين، حاشية رد المحتار على الدر المختار (شرح تنوير الأبصار): ج1، ص602. النووي، يحيى بن شرف، روضة الطالبين وعمدة المفتين: ج2، ص143. ابن قدامة، عبد الله بن أحمد، المغنى: ج2، ص509. الزرقاني المصري، محمد بن عبد الباقي، شرح الزرقاني على موطّأ الإمام مالك: ج2، ص102. الأزهري، صالح عبد السميع، جواهر الإكليل (شرح مختصر خليل): ج1، ص112. الدسوقي، محمد عرفة، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير لأبي البركات سيدي أحمد الدردير: ج1، ص412. الموسوعة الفقهية الكويتية، إصدار وزارة الأوقاف الكويتية: ج21، ص10.
وأمّا إذا كان النقل بعد الدفن ففيه خلاف وتفصيل، وخلاصته:
أجمع فقهاء الإمامية(1)على أنّه لا يجوز نقل الميت بعد دفنه، وقد صرّح بالإجماع أكثر من واحد.
نعم، قال صاحب الوسيلة: يُكره تحويل الميت من قبرٍ إلى قبرٍ آخر(2). فإنّ الظاهر منه الكراهة لا النهي.
وأطلق ابن الجنيد نفي البأس عن تحويل الميت إذا كان صلاحاً للميت(3).
وقد اختلف فقهاء المذاهب أيضاً على قولين:
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنّه لا يجوز نقل الميت من مكانٍ إلى آخر بعد الدفن مطلقاً.
نعم، أفتى بعض المتأخرين من الحنفية بجواز النقل.
وجوّز المالكية النقل لكن بشروط ثلاثة تقدّم ذكرها، والتي منها أن تُرجى بركة الموضع المنقول إليه(4).
واستثنى جماعة من الإمامية من عدم جواز النقل إذا كان لأحد المشاهد المشرَّفة، وسوف يأتي.
هذا حاصل الأقوال في أصل جواز النقل وعدمه، مع بيان وجه الاستثناء من الكراهة أو الحرمة.
والمهم دراسة المستثنى، وهو جواز النقل - قبل وبعد الدفن - إلى المشاهد المشرَّفة،
1) 794. اُنظر: الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام: ج1، ص103. الطباطبائي، علي، رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل: ج2، ص245. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص360.
2) 795. اُنظر: ابن حمزة الطوسي، محمد بن علي، الوسيلة إلى نيل الفضيلة: ص69.
3) 796. اُنظر: الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص360.
4) 797. اُنظر: مصادر فقهاء المذاهب السابقة.
ومنها مشهد الإمام الحسين علیه السلام ، واستحباب ذلك وذكر أدلّته وفروعه.
إنّ نقل الميت له حالتان: تارة قبل الدفن، وأُخرى بعده:
إن القول باستحباب نقل الميت إلى المشاهد المقدسة - ومنها مشهد الإمام الحسين علیه السلام والدفن بقربه علیه السلام - هو المشهور بين الإمامية، بل لا خلاف فيه، وعليه دعوى الإجماع من قِبل جماعة، وعليه عمل الأصحاب من زمن الأئمّة إلى زماننا، كما صرّح به البعض(1).
قال المحقّق الحلي رحمة الله : «وأمّا الثاني [أي: استحباب نقل الميت إلى مشاهد الأئمّة] فعليه عمل الأصحاب من زمن الأئمّة إلى الآن، وهو المشهور بينهم لا يتناكرونه... »(2).
وقال الطوسي رحمة الله : «يُكره نقل الميت من الموضع الذي مات فيه إلى بلدٍ آخر، إلّا إذا نقل إلى واحدٍ من المشاهد، فإنّ ذلك مستحبٌّ له»(3).
وقال العلّامة الحلّي رحمة الله : «يُكره نقل الميت عن بلد موته بإجماع العلماء؛ لقوله علیه السلام : عجّلوهم إلى مضاجعهم. ويُستحب نقله إلى أحد مشاهد الأئمّة علیهم السلام ؛ لأن عمل الإمامية عليه من زمن الأئمّة علیهم السلام إلى زماننا فكان إجماعاً، ولأنّه موضع شريف فينبغي قصده»(4).
1) 798. اُنظر: الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد في شرح القواعد: ج1، ص450. الفاضل الهندي، محمد بن الحسن، كشف اللثام عن قواعد الأحكام: ج2، ص413-414. النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة: ج3، ص285.
2) 799. المحقّق الحلّي، جعفر بن الحسن، المعتبر في شرح المختصر: ج1، ص307.
3) 800. الطوسي، محمد بن الحسن، النهاية في مجرد الفقه والفتاوى: ص44.
4) 801. العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء: ج2، ص102.
وقال الكركي رحمة الله - معلّقاً على عبارة العلّامة الحلّي رحمة الله : «والنقل إلّا إلى أحد المشاهد» -: «أي: يُكره نقل الميّت عن بلد موته لمنافاته التعجيل المأمور به، وعلى ذلك إجماع العلماء، وهذا في غير مشاهد الأئمّة علیهم السلام ، فيستحب النقل إليها، وعليه عمل الإمامية من زمن الأئمّة علیهم السلام إلى زماننا، فكان إجماعاً، قاله في التذكرة»(1).
وقريب منها عبارة صاحب الرياض(2).
وقال أيضاً في الشرح الصغير: «و [يكره] نقل الميت قبل الدفن إلى غير بلد موته، إلّا إلى أحد المشاهد المشرَّفة، فيستحب إجماعاً فتوى وعملاً، ويجوز بعده أيضاً ما لم يكن معه محرّم على الأظهر، خلافاً للأكثر، وهو أحوط»(3).
وقال السيد اليزدي رحمة الله في العروة الوثقى - وهو بصدد تعداد الأُمور المكروهة في الدفن، وقد وافقه كلّ مَن جاء بعده وعلّق على عبارته مؤيّداً له -: «الحادي والعشرون: نقل الميّت من بلد موته إلى بلدٍ آخر، إلّا إلى المشاهد المشرَّفة، والأماكن المقدّسة، والمواضع المحترمة، كالنقل من عرفات إلى مكة، والنقل إلى النجف، فإنّ الدفن فيه يدفع عذاب القبر، وسؤال الملكين، وإلى كربلاء والكاظمية وسائر قبور الأئمّة، بل إلى مقابر العلماء، بل لا يبعد استحباب النقل من بعض المشاهد إلى آخر لبعض المرجّحات الشرعية»(4).
وقال السيد الخوئي رحمة الله - بعد أن ناقش أدلّة الكراهة في أصل النقل -: «الجهة الثانية: النقل إلى الأماكن المتبرّكة - كالمشاهد المشرَّفة وغيرها من الأماكن التي
1) 802. الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد في شرح القواعد: ج1، ص450.
2) 803. اُنظر: الطباطبائي، علي، رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل: ج1، ص241.
3) 804. الطباطبائي الحائري، المير سيد علي محمد علي، الشرح الصغير في شرح المختصر النافع: ج1، ص55.
4) 805. اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى: ج2، ص129. واُنظر: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى(تقرير لبحوث السيد الخوئي رحمة الله ): ج9، ص331-332.
يُتقرّب بالدفن فيها إلى الله سبحانه - جائزٌ، بل مستحب، كالنقل إلى بيوت النبيّ صلی الله علیه و اله كالمعصومة علیهما السلام (1)، وغيرها من قبور الأئمّة وبناتهم علیهم السلام ، أو النقل إلى قبر عالم من العلماء، أو سيّد من السادات؛ للتوّسل بهم والاستشفاع بقبورهم»(2).
وممَّن صرّح بجواز النقل لشرف البقعة المنقول إليها: الشافعي، ولكنّه قيّدها بثلاث: مكة، والمدينة، وبيت المقدس.
وكذلك المالكية؛ حيث جوَّزوا النقل بشرط أن تُرجى بركة الموضع المنقول إليه الميت، وأيُّ بركةٍ أفضل من مجاورة سيد الشهداء علیه السلام ؟
وأمّا الحنفية ورواية عن أحمد، فلم يقيّدوا جواز النقل بقيدٍ أو شرط(3).
إن الأدلّة المذكورة في عبائر الأعلام حول جواز نقل الميت قبل دفنه كثيرة، بعضها يصلح للاستدلال به مستقلاً، وبعضها يصلح للتأييد فقط، وسوف نعرض جميع الأدلّة تتميماً للفائدة.
الدليل الأول: الإجماع، وقد ادّعاه جماعة، منهم المحقّق الحلّي، والعلّامة الحلّي، والشهيد الأول، وصاحب اللوامع، والمحقّق الثاني في روض الجنان(4).
الدليل الثاني: إنّ عمل فقهاء الإمامية على النقل إلى مشاهد الأئمّة من زمن
1) 806. وهي السيدة فاطمة صلی الله علیه و اله بنت الإمام موسى بن جعفر علیهما السلام ، من أعاظم أبنائه، وقبرها مشهد عظيم يُزار في مدينة قم المقدّسة.
2) 807. الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى(تقرير لبحوث السيد الخوئي رحمة الله ): ج9، ص333.
3) 808. اُنظر: مصادر الشافعية والمالكية السابقة.
4) 809. اُنظر: المحقّق الحلي، نجم الدين جعفر بن الحسن، المعتبر في شرح المختصر: ج1، ص307. الحلي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء: ج1، ص56. النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة: ج3، ص285. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص343.
الأئمّة علیهم السلام إلى الآن، وهو مشهور بينهم لا يتناكرون له(1).
الدليل الثالث: إنّ الناقل للميت إلى المشاهد المشرَّفة يقصد بذلك التمسّك بمَن له أهليّة الشفاعة، وهو أمرٌ حسنٌ بين الأحياء توصّلاً إلى فوائد الدنيا، فالتوصّل إلى فوائد الآخرة أوْلى، أو لأجل خصوصية في نفس التربة وهو التبرّك بها(2).
ويؤيّد هذا المعنى عدّة روايات؛ حيث قال في الجواهر - ناقلاً عن بحار الأنوار قوله -: «إنّه وردت أخبار كثيرة في فضل الدفن في المشاهد المشرَّفة لا سيّما الغري والحائر»(3).
في الجواهر قال: «إنّي سمعت من بعض مشايخي ناقلاً له عن المقداد أنّه قال: قد تواترت الأخبار أنّ الدفن في سائر مشاهد الأئمّة علیهم السلام مُسقطٌ لسؤال منكر ونكير»(4).
ومن هذه الأخبار:
أ) فحوى خبر محمد بن مسلم عن الباقر علیه السلام المروي في (مجمع البيان) و(قصص الأنبياء) للراوندي - مسنداً في الثاني - عن الإمام محمد الباقر علیه السلام قال: «لمّا مات يعقوب حمله يوسف علیه السلام في تابوت إلى أرض الشام فدفنه في بيت المقدس»(5).
ب) الخبر المروي في (الفقيه) و(العلل) و(عيون الأخبار) و(الخصال) عن محمد بن علي بن الحسن قال: قال الإمام الصادق علیه السلام : «إنّ الله أوحى إلى موسى بن عمران: أن أخرِجْ عظام يوسف من مصر - إلى أن قال -: فاستخرجه من شاطئ النيل في
1) 810. اُنظر: المصادر السابقة.
2) 811. اُنظر: المصادر السابقة.
3) 812. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص346.
4) 813. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص346. اُنظر: السيوري، مقداد بن عبد الله، التنقيح الرائع: ص4، ص460.
5) 814. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج3، ص164.
صندوق مرمر، فلمّا أخرجه طلع القمر فحمله إلى الشام، فلذلك تحمل أهل الكتاب موتاهم إلى الشام»(1).
ج) رواية علي بن سليمان قال: «كتبت إليه [الضمير يعود إلى الإمام المعاصر لعلي بن سليمان] أسأله عن الميت يموت بعرفات يُدفن بعرفات أو يُنقل إلى الحرم، فأيّهما أفضل؟ فكتب: يُحمل إلى الحرم ويُدفن؛ فهو أفضل»(2).
د) وجود نصّ يدلّ على استحباب ذلك، وهو النصّ الذي أشار إليه في (ذكرى الشيعة) قال: «قال المفيد في العزية: وقد جاء حديث يدلّ على رخصة في نقل الميت إلى بعض مشاهد آل الرسول صلی الله علیه و اله ، إن وصّى الميت بذلك»(3).
ﻫ) وهناك روايات أُخرى تؤكّد استحباب الدفن في مشاهد الأئمة علیهم السلام منها: خبر اليماني المشهور الذي جاء بأبيه ليدفنه بالغري(4)، وقد أقرّه الإمام علي علیه السلام على فعله، ومنها: أمر الإمام الرضا علیه السلام بأن يُدفن يونس بن عبد الرحمن بالبقيع(5)، وغيرها.
وقال صاحب الجواهر رحمة الله - مُعقّباً على تلك الروايات -: «والحاصل: أنّ مَن أيقظته أخبار الأئمّة الهداة علیه السلام لا يحتاج إلى خصوص أخبار في التمسّك على رجاء النفع للميّت، ودفع الضرر عنه بالدفن قرب مَن له أهليّة الشفاعة لذلك، والأرض المباركة المشرَّفة بدفنهم بها أو بغيره، سيّما ما كان لفضلها تعلّق بالدفن ونحوه كمقبرة براثا؛ لما في خبر أبي الحسين الحذّاء عن الصادق علیه السلام : إنّ إلى جانبكم مقبرة يُقال لها: براثا.
1) 815. المصدر السابق: ج3، ص162.
2) 816. المصدر السابق: ج13، ص287.
3) 817. الشهيد الأول، محمد بن مكي، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة: ج2، ص11. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج3، ص163. القمّي، الميرزا أبو القاسم، غنائم الأيام: ج3، ص547.
4) 818. اُنظر: الديلمي، محمد الحسن بن محمد، إرشاد القلوب: ج2، ص440. النوري، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: ج2، ص310.
5) 819. اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج69، ص282.
يُحشر بها عشرون ومائة ألف شهيد كشهداء بدر»(1).
و) الأخبار الواردة في فضل كربلاء وشرفها، منها: ما رواه الطوسي بسنده إلى عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر الصادق علیه السلام قال: «خلق الله كربلاء قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام، وقدّسها وبارك عليها، فما زالت قبل أن يخلق الله الخلق مقدّسة مباركة، ولا تزال كذلك، وجعلها الله أفضل الأرض في الجنّة»(2).
اختلف فقهاء الإمامية في جواز نقل الميت بعد دفنه إلى مشهد الإمام الحسين علیه السلام على قولين:
فالمشهور منهم لم يجوّزوا النقل مطلقاً، وإن كان لأحدِ المشاهد المشرَّفة، ومنها مشهد الحسين علیه السلام .
بينما ذهب جماعة إلى جواز النقل، بل استحبابه(3)، فكان ذلك استثناءً من عدم الجواز المذكور، وإليك بعض كلماتهم:
قال الطوسي رحمة الله - بعد أن صرّح بكراهة نقل الميت قبل دفنه -: «فإذا دُفن في موضع، فلا يجوز نقله وتحويله من موضعه، وقد وردت رواية بجواز نقله إلى بعض مشاهدِ الأئمّة، سمعناها مذاكرةً، والأصلُ ما ذكرناه»(4).
1) 820. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص347-348. وقد ورد هذا الحديث في كامل الزيارات لابن قولويه: ص330.
2) 821. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص516.
3) 822. اُنظر: الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان: ج2، ص854. الفاضل الهندي، محمد بن الحسن، كشف اللثام عن قواعد الأحكام: ج2، ص417. النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة: ج3، ص288. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص360-361.
4) 823. الطوسي، محمد بن الحسن، النهاية في مجرد الفقه والفتاوى: ص44.
وقال العلّامة الحلّي رحمة الله : «ولو دُفن في غيره [أي: في غير أحد المشاهد المشرَّفة] لم يَجُزْ نقله، وإن كان إلى المشاهد، لإطلاق تحريم النبش، وسوّغه بعض علمائنا، قال الشيخ: سمعناه مذاكرةً»(1).
وقال الشهيد الثاني رحمة الله : «وكذا يحرم نقل الميت بعد دفنه إلى موضعٍ آخر؛ لتحريم النبش، واستدعائه الهتك، وإن كان ذلك إلى أحد المشاهد المشرَّفة على المشهور، ونقل المصنف في التذكرة جوازه إليها عن بعض علمائنا... »(2).
وقال في الرياض: «ولا يجوز نقل الموتى بعد دفنهم إلى غير المشاهد إجماعاً؛ وكذا إليها [أي: المشاهد] على الأشهر، كما في القواعد و... ولا دليل عليه سوى استلزام النبش المحرّم، وهو غير المدّعى؛ فإذاً الجواز أقوى وفاقاً لظاهر النهاية... »(3).
وقريب منها عبارة المستند(4).
وقريب منها عبارة الجواهر، مدّعياً عليه الشهرة، ونسبها إلى عدّة من الفقهاء(5).
وقال صاحب العروة رحمة الله : «والظاهر عدم الفرق في جواز النقل بين كونه قبل الدفن أو بعده، ومَن قال بحرمة الثاني فمراده ما إذا استلزم النبش، وإلّا فلو فُرض خروج الميّت عن قبره بعد دفنه بسببٍ: من سبُعٍ، أو ظالمٍ، أو صبيٍّ، أو نحو ذلك لا مانع من جواز نقله إلى المشاهد مثلاً... »(6).
وقال السيد الخوئي رحمة الله - بعد ذكره عدّة صور وفروع -: «فإن كان النقل بنبشه
1) 824. العلّامة لحلّي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء: ج2، ص102.
2) 825. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان: ج2، ص854.
3) 826. الطباطبائي، علي، رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل: ج2، ص245-246.
4) 827. اُنظر: النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة: ج3، ص288.
5) 828. اُنظر: الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص460.
6) 829. اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى: ج2، ص129. واُنظر: الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى(تقريراً لبحوث السيد الخوئي رحمة الله ): ج9، ص335.
موجباً لإهانة الميت - أو لم يكن صلاحاً للميت - فلا ينبغي الإشكال في حرمته؛ لحرمة النبش حينئذٍ، وأما إذا لم تُعدّ إهانةً للميت وكان صلاحاً له، كما إذا نُبش لكي يُنقل إلى الأعتاب المقدسة والمتبرّكة، فالمشهور بينهم عدم الجواز، واختاره صاحب الجواهر، بل عن السرائر أنّه بدعةٌ وحرام، لكن ذهب جملة من المحقّقين إلى الجواز، كالمحقّق والشهيد الثانيين، وهذا هو الظاهر»(1).
تقدّم أنّ المشهور ذهبوا إلى حرمة النقل بعد دفن الميت، واعتمدوا في إثبات الحرمة على ثلاثة أدلّة:
الإجماع على تحريم النبش، ولزوم البدعة من حفر الميت ونقله، ولزوم هتك الميت.
وقد ناقش القائلون بالجواز جميع تلك الأدلّة، وحاصل ما اعتمدوا عليه أدلّة ثلاثة:
الدليل الأول: عدم وجود دليل على الحرمة والأصل في الأشياء الجواز، وأمّا الإجماع فيُناقش:
أولاً: إنّ بعض حالات النقل لا يستلزم النبش، كما لو خرج الميت بواسطة السيل، أو السبُع؛ فيرجع الكلام إلى جواز نقله بعد ذلك.
ثانياً: إنّ الإجماع المُدّعى ليس إجماعاً تعبدياً، بل لأجل كون النبش وكشف الميت بعد تغيره ونتن رائحته إهانة له، ومحلّ الكلام خارج عنه؛ لعدم استلزام الإهانة في حالة نقله إلى المشاهد المشرَّفة.
ثالثاً: إنّ الإجماع موهون بذهاب المحقّق والشهيدين إلى الجواز.
وأمّا أنّ النبش لأجل النقل توهينٌ للميت وهتكٌ له، ففيه: أنّ النبش لأجل النقل
1) 830. الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى(تقريراً لبحوث السيد الخوئي رحمة الله ): ج9، ص339-340.
إلى المشاهد المشرَّفة - أو المكان المناسب للميت - تعظيم وإكرام له، ولا يُعدّ توهيناً بوجه.
وأمّا القول: بأنّ هذا من البدعة المحرّمة. فيصح إذا لم يدلّ الدليل على الجواز، ولكنّ الدليل على الجواز موجود، فترتفع به البدعة المدّعاة، خصوصاً إذا علمنا أنّ ذلك لم يكن محرّماً حتى يكون فعله بدعة، غاية الأمر أنّه لم يقع في زمن الأئمّة علیهم السلام .
الدليل الثاني: الروايات الدالّة على نقل يوسف من قبره إلى مكانٍ آخر، ونقل نوح لآدم علیه السلام ، وقد تقدّم ذكرها في أدلّة المجوّزين قبل الدفن.
وما يُستشكل به من أنّ ذلك شرع ما كان قبلنا، فلا يكون شاملاً لنا. يُردّ: بأنّ هذا الشرع غير منسوخ في الشريعة الإسلاميّة، فيبقى على حاله.
الدليل الثالث: نُقل عن جملة من علمائنا أنّهم دُفنوا ثمّ نُقلوا، مثل الشيخ المفيد رحمة الله ، فإنّه دُفن في داره مدّة ثمّ نُقل إلى جوار الإمامين الكاظمين علیهما السلام ، والسيد المرتضى رحمة الله ، فإنّه دُفن في داره ثمّ نُقل إلى جوار الحسين علیه السلام ، ونُقل أيضاً أنّ الشيخ البهائي رحمة الله دُفن بأصبهان ثمّ نُقل إلى المشهد الرضوي (على مشرّفه السلام)، والظاهر أنّ وقوع ذلك في تلك الأوقات المملوءة بالعلماء الفضلاء لا يكون إلّا بتجويزهم لذلك، وهذا يكشف عن وجود دليل عندهم على ذلك.
الدليل الرابع: وجود رواية في جواز النقل سمعها الطوسي مشافهةً(1).
1) 831. اُنظر - لوجه الاستدلال -: البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج4، ص146-148. القمّي، الميرزا أبو القاسم، غنائم الأيام: ج3، ص549-551. الطباطبائي، علي، رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل: ج2، ص245-246. النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة: ج3، ص288-289. الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى (تقريراً لبحوث السيد الخوئي رحمة الله ): ج9، ص339-341. الأمين، حسن، مستدركات أعيان الشيعة: ج5، ص284-285. علي، حسن عبد الله، الحصون المنيعة (رد على كتاب حوار هادئ بين السنّة والشيعة): ص160-161.
يتفرّع على أصل دفن الميت عند المشاهد المشرّفة أمران:
1- استثنى بعض الفقهاء من جواز النقل إلى المشاهد المشرَّفة الشهيد؛ حيث قال: بأنّ الأوْلى دفنه حيث قُتل؛ لقوله صلی الله علیه و اله : ادفنوا القتلى في مصارعهم(1). وهو ما نصّ عليه الشهيد الأول في الذكرى، وقال في (الدروس): إنّه مشهور.
وخالف بعض الفقهاء ذلك، وناقش الشهيد في الرواية التي استند إليها، وهي رواية (دعائم الإسلام) فإنّها ضعيفة السند؛ لإرسالها(2).
2- إنّ بعض الفقهاء - منهم الشيخ جعفر كاشف الغطاء(3)الكبير - عمَّم الحكم إلى كلّ نقل، وإن استلزم تقطيع الميت وجعله إرباً، ولا هتك فيه لحرمة الميت.
وقد استدلّ له: بأصالة الإباحة، وأنّ كلمات الفقهاء مطلقة تشمل حالة تقطيع الميت، وإطلاق ما دلّ على جواز النقل كرواية اليماني، خصوصاً بعد الدفن، فمع جوازه بعد الدفن يكون جوازه قبل الدفن إذا استلزم التقطيع أوْلى.
وهذا لا يُعدّ هتكاً للميت بل هو كرامةٌ له؛ فإنّ الأحياء قد تُقطّع بعض أعضائهم لأجل مصلحة تقتضي التقطيع، من دون أن يُعدّ ذلك هتكاً له.
1) 832. اُنظر: القاضي المغربي، النعمان بن محمد، دعائم الإسلام: ج1، ص238. ابن ماجه القزويني، محمد بن يزيد، سُنن ابن ماجه: ج1، ص486، ح1516.
2) 833. اُنظر: البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج4، ص151. القمّي، الميرزا أبو القاسم، غنائم الأيام: ج3، ص549. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص348. الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى(تقريراً لبحوث السيد الخوئي رحمة الله ): ج9، ص334.
3) 834. اُنظر: القمّي، الميرزا أبو القاسم، غنائم الأيام: ج3، ص548. النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة: ج3، ص287-288. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج4، ص348-350. الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى (تقريراً لبحوث السيد الخوئي رحمة الله ): ج9، ص334-336. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج4، ص238.
وخالف جماعة ما ذهب إليه كاشف الغطاء وأتباعه، وناقشوا كلّ الأدلّة المتصوّرة في المقام، وحكموا بحرمة ذلك؛ ومرجع ذلك إلى لزوم احترام المؤمن بعد موته؛ ولأنّ حرمته ميتاً كحرمته حياً، لا فرق في ذلك فيهما.
والتمس السيد عبد الأعلى في (المهذب) - بعد أن ناقش الأدلّة المتقدّمة - دليلاً آخر؛ إذ قال: «إنّ المسألة من صغريات الأهمّ والمهم، فإذا كان حفظه عن مكارهه الروحية بإيصاله إلى جوار مَن بجواره تتحفّظ الأرواح والنفوس عمّا يُخاف ويُحذر، وتصل إلى ما أعدّ الله من المقامات المعنوية متوقّفاً على تقطيع جسمه فكلّ أحد يرضى بذلك، بل الشرع أيضاً يرجّحه؛ لكثرة اهتمام الشارع بإيصال نفوس أُمّته إلى المقامات المعنوية في جميع العوالم التي تمرّ على الإنسان، ولا وقع للجسم الجامد الذي يفنيه التراب عمّا قريب في مقابل درك الفضائل المعنوية الأبدية من جوار أولياء الله تعالى، ويشهد لقول كاشف الغطاء رحمة الله إطلاق ما مرّ من نقل موسى عظام يوسف، ودفنها في بيت المقدس؛ فإنّ إطلاقه يشمل حصول كسر في العظم، خصوصاً في الأزمنة القديمة التي يصعب فيها النقل والانتقال جداً»(1).
1) 835. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج4، ص238.
سارة رضائي(1)
ترجمة: رعد الحجاج(2)
إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة إلهية كبرى، أوجبها الدين الإسلامي المقدّس على كل مسلم، بل يمكن القول: تُشكِّل هذه الفريضة أساساً ومرتكزاً لباقي الفرائض الدينيّة، ويمثل هذا العنصر الأصيل - بصفته وسيلة ناجعة لإصلاح الفرد والمجتمع - أفضل وأشمل وأكمل نظام للإصلاح على الإطلاق. وفي الحقيقة لنا أن نقول: إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوسع من الوظيفة الدينيّة، بمعنى أنّ عقل الإنسان يحكم بأهمية وضرورة دعوة الناس بعضهم البعض إلى الخير والصلاح.
وعلى هذا الأساس؛ كل فعل حسن أو قبيح - سواء كان من الواجبات أو المحرمات، المستحبات أو المكروهات الشرعية، أم لم يكن من تلك العناوين - لا بدّ من أن يكون مصداقاً لأحد عنوانيْ المعروف أو المنكر.
صحيح أنّ هناك عوامل عديدة وراء نهضة الإمام الحسين علیه السلام وثورة عاشوراء، لكنّ العامل الأهم هو إقامة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وهذا يعني أنّ الإمام علیه السلام كان مصمِّماً على تلك النهضة حتى لو لم يوجّه له أهل الكوفة دعوة للحضور ولم يصرّ عليه يزيد لمبايعته أيضاً.
وعليه؛ كان الهدف من ثورة الإمام الحسين علیه السلام تحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت ماهية نهضة عاشوراء إحياء الإسلام، وكان الوجود المقدس لسيد الشهداء أبي عبد الله الحسين علیه السلام في هذه النهضة متمثلاً بأنّه الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. ومن هنا، استفاد الإمام لتحقيق هذا العنصر الأصيل والفريضة الإلهية الهامة من أساليب عملية متعددة، ووظّف كل واحد من تلك الأساليب في موضع معين لكسب النتيجة المطلوبة وتحقيق هدفه المقدس، ألا وهو (إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
ونحن في هذه المقالة بصدد بحث الأساليب المتنوعة والعملية التي استفاد منها الإمام الحسين علیه السلام في طريق العمل بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الأُسلوب: قال ابن منظور في معناه: «الأُسْلوبُ الطريق والوجه والمذْهَبُ... ويُجمَعُ أَسالِيبَ»(1).
1) 838. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج1، ص473، مادة سلب.
ولا يختلف المعنى الاصطلاحي عن اللغوي لهذه المفردة؛ إذ إنّه يعني الطريقة والقاعدة والعادة والمنهج وما إلى ذلك.
المعروف والمنكر: قال ابن منظور في هذا الصدد: «المعروف اسم جامع لكل ما عُرف من طاعة الله والتقرّب إليه والإِحسان إلى الناس، وكل ما ندَب إليه الشرعُ ونهى عنه من المحَسَّنات والمقَبَّحات، وهو من الصفات الغالبة، أَي: أَمْر مَعْروف بين الناس إذا رأَوْه لا يُنكرونه. والمعروف: النَّصَفةُ وحُسْن الصُّحْبةِ مع الأَهل وغيرهم من الناس، والمنكَر: ضدّ ذلك جميعه»(1).
وقال الراغب في معناهما: «المعْرُوفُ: اسمٌ لكلّ فعل يُعْرَفُ بالعقل أو الشّرع حُسنه، والمنكر: ما يُنكر بهما... ولهذا قيل للاقتصاد في الجود: مَعْرُوفٌ؛ لما كان ذلك مستحسناً في العقول وبالشّرع»(2).
السيرة: اسم مصدر من المادة (سير)، وتعني على ما أفاد اللغويون الطريقة والهيئة والحالة(3)، هذا لغةً.
أما اصطلاحاً، فقد قال الراغب الأصفهاني في معنى السيرة: «الحالة التي يكون عليها الإنسان وغيره، غريزيّاً كان أو مكتسباً»(4).
تعدّ فريضة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من أهمّ الفرائض الدينيّة، فورد التأكيد الكبير عليها في الآيات القرآنية المباركة والسيرة العطرة للأئمة الأطهار علیهم السلام ، بل اعتُبرت من ضروريات الدين. وسنُشير إلى نماذج من الآيات القرآنية والروايات
الكثيرة في هذا المجال:
قال تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ »(1).
دأب القرآن الكريم على تقديم الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر؛ ذلك أنّ زيادة المعروف في المجتمع وشيوع الأمر به يؤدي في نهاية المطاف إلى التقليل من المنكرات، وبعبارة أُخرى: بفتح أبواب المعروف تُغلق أبواب المنكر.
وقال أيضاً: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ...وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ...وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا »(2).
وبهذا يتبيّن أنّ القرآن يؤكد على أنّ التفاهم والوحدة والاتفاق بين المسلمين مبدأ لجميع أنواع المعروف، وأنّ الاختلاف والتفرقة أقبح المنكرات.
هناك أحاديث كثيرة وردت عن الأئمة الميامين علیهم السلام في خصوص فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها على سبيل المثال أنّ النبي الأكرم صلی الله علیه و اله قال: «مَن أمرَ بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسول الله، وخليفة كتابه»(3).
وقال الإمام الباقر علیه السلام حول أهمية هذه الفريضة الإلهية وآثارها الإيجابية في المجتمع: «إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء،
فريضة عظيمة بها تُقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحلّ المكاسب، وتُردّ المظالم، وتُعمَّر الأرض، ويُنتصف من الأعداء، ويستقيم الأمر»(1).
فنرى أنّ الإمام أبا جعفر الباقر علیه السلام أشار في هذا الحديث إلى الأبعاد المختلفة والآثار العديدة المترتبة على العمل بهذه الفريضة، على المستوى العقدي والثقافي والأخلاقي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي؛ وهذا يعكس مدى أهمية مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودوره في إصلاح المجتمع الإسلامي.
لا شك في ضرورة اتخاذ أساليب صحيحة وطرق مناسبة لأداء هذه الفريضة الإلهية؛ لأنّه أمر بديهي، وكفى لإثبات أهمية تعلُّم أساليب مختلفة لهذا العنصر الأصيل وتنوع صوره وأشكاله أنّ القرآن الكريم حدّثنا عن أساليب متنوعة قام بها الأنبياء علیهم السلام للتبليغ ودعوة الناس إلى الفضائل وإبعادهم عن الرذائل، وأوضح أنّ منهجية دعوة الأنبياء قائمة على هذا التنوع، ومن هذه الأساليب أنّه خاطب نبي الإسلام صلی الله علیه و اله قائلاً: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ »(2)، وكذلك قال: «وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ »(3).
وعلى هذا الأساس؛ اختار الرسول الأعظم صلی الله علیه و اله - وبتوجيه إلهي - أفضل الأساليب وأكثرها تأثيراً عند التعاطي مع الظروف المختلفة للمخاطبين، وميّز عن طريق الأساليب العامة والجزئية بين المناهج الدائمة والمؤقتة والحلول (التكتيكات) من جهة و(الاستراتيجيات) (4).
ومن الشواهد على أنّ النبي صلی الله علیه و اله استفاد من أساليب مختلفة في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دعوة الناس آحاداً وجماعات في أشق لحظات الدعوة، باللين والمرونة تارةً والشدة والغلظة أُخرى؛ ومن هنا، يتحتم لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر الاطلاع على الأساليب المختلفة في هذا الصدد والاستفادة منها في الوقت المناسب؛ لأنّ احتمالات نجاح الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر تختلف باختلاف الطرق والأساليب حتى في المجال الواحد أيضاً، فيمكن إحراز النجاح التام عند استعمال أُسلوب معيّن والإخفاق عند استخدام أُسلوب آخر في الموضوع ذاته. ومن هذا المنطلق، قال النبي الأكرم صلی الله علیه و اله : «مَن أمرَ بمعروفٍ فليكنْ أمرُه ذلك بمعروفٍ»(1).
وبذا يتبين أنّ اتخاذ الأُسلوب المناسب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُعدّ أحد عوامل النجاح في هذا المجال، ومن شأنه أن يُضاعف من قيمة الفرص الموجودة أمام الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ويحقق له النتيجة المنشودة بأقل مشقة ممكنة. وحيث إنّ الإمام الحسين علیه السلام كان من أكبر المبلغين للدين الإسلامي، ومن خيرة دعاة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد استفاد لإحياء هذه الفريضة الإلهية الكبرى من أساليب صائبة ومتنوعة، كلٌّ في موضعه ووقته المناسب، فكانت هذه الأساليب - حقاً - من أروع أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
عندما نبحث الأسباب الداعية إلى قيام الإمام الحسين علیه السلام بنهضته - لا سيما عنصر (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يُعدّ عنصراً أصيلاً في النهضة - لا بدّ لنا من بحث العوامل والأسباب التي دفعت الإمام إلى الثورة من أجل إحياء هذا العنصر الاصیل؟
1) 850. المتقي الهندي، علاء الدين، كنز العمال في سُنن الأقوال والأفعال: ج3، ص66، ح 5523.
إنّ لهذا الموضوع وضرورة معرفته أهميةً كبيرةً جعلت قائد الثورة الإسلاميّة يقول: «ينبغي معرفة العوامل التي مهدت لحادثة عاشوراء وقيام الإمام الحسين علیه السلام ؛ لمنع إصابة مجتمعنا الإسلامي بما أُصيب المجتمع آنذاك، فلم تمضِ إلّا سنوات معدودة على تأسيس النبي صلی الله علیه و اله لمجتمع صدر الإسلام حتى ابتُلي بذلك الوضع المزري؛ ولذا يتوجب على شعبنا أن يحذر بشدة لئلا يُصاب بذلك الداء. يجب أن نُشخّص الداء المذكور ونعتبره خطراً عظيماً ونحرص على اجتنابه»(1).
وبغية إدراكٍ أفضل لهدف الإمام علیه السلام من إحياء هذا العنصر المهم، لا بدّ من الإشارة إلى الأوضاع والأحوال السائدة في ذلك الزمان؛ لتتضح العوامل التي أسهمت في بلورة هذه النهضة الخالدة.
وعند مراجعة الوصية التي كتبها الإمام الحسين علیه السلام لأخيه محمد بن الحنفية(2)، يتبين أنّ المجتمع الإسلامي كان في تلك البرهة بمنأى عن الإسلام الأصيل، بحيث لم يبقَ من الإسلام إلّا اسمه ومن القرآن إلّا رسمه، وكان يزيد يحرّم حلال الله ويحلّل حرامه جهاراً، ويخالف الإسلام في جميع أفعاله وسلوكه علناً، حتى أضحى تعاطي الخمر ومنادمة القرود والكلاب وما إلى ذلك من عاداته الدائمة وسيرته الثابتة. وترتب على تلك السلوكيات القبيحة والأعمال المنافية للإسلام - التي صارت جزءاً من شخصيته - نتائج مريرة انعكست على الدين الإسلامي، حتى طوى النسيان سيرة النبي صلی الله علیه و اله وابتعد الناس عن الإسلام تماماً.
وقد حوّل يزيد المجتمع الإسلامي آنذاك إلى مستنقع حلّت فيه الرذائل بدل الفضائل والأهواء بدل القيم، من خلال الأعمال غير الشرعية والمناهضة للدين الإسلامي، من قبيل: الانحراف في أصل الدين (تحريف الإسلام)، الانحراف في
أصل الولاية، وترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبديل الخلافة والإمامة إلى سلطنة، وبسط الظلم والجور في المجتمع الإسلامي، وعدم الاكتراث للانحرافات الثقافية والموبقات الأخلاقية، وإضعاف القيم الدينيّة و... ومن الطبيعي أنّ الخروج من المستنقع المذكور يتطلب تغييراً كبيراً وتحولاً عظيماً تستعيد فيه القيم مكانتها الأساسية، وتعود فيه الأصالة الواقعية إلى سابق عهدها في ظل سيرة رسول الله صلی الله علیه و اله .
ففي مثل هذه الظروف، نادى الإمام الحسين علیه السلام [بلسان حاله]: (إن كان دين محمد صلی الله علیه و اله لا يستقيم إلّا بقتلي فيا سيوف خذيني). ويمكن القول بضرس قاطع: إنّ هذه العوامل تُشكِّل البُنية التحتية والعمود الفقري لقيام الإمام ونهضة عاشوراء. على أنّ كل واحد من تلك العوامل بحاجة إلى بحث وتحليل مفصل(1)، وهو خارج عن دائرة هذه الدراسة.
من الجليّ أنّ هناك عوامل عديدة أسهمت في حدوث ثورة الإمام الحسين علیه السلام ونهضة عاشوراء، أهمها إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ يمكن استكشاف تلك الأهمية عِبر مواقف الإمام في الأوقات المختلفة، ومكاتباته، ووصاياه، وخُطبه، وكذلك البحوث الروائية والتاريخية، بل ونصوص الزيارات أيضاً؛ فيُستفاد منها جميعاً أنّ أهمّ عامل من العوامل التي فجّرت ثورة عاشوراء هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إنّ هذه الميزة هي التي رفعت قيمة النهضة الحسينية وأكسبتها مزيداً من التقدير والاحترام؛ ولذا ثار الإمام الحسين علیه السلام لأجل إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فجاء ذلك على لسانه حينما قال: «إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا
1) 853. اُنظر: بابا بورافشاني، محمد مهدي، جلوه¬هاي سبز وسرخ عاشورا.
مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمة جدّي، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب»(1).
فاتضح بذلك أنّ الإمام الحسين علیه السلام جعل الهدف الأساس من قيامه هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنّ هذا المبدأ ضمان لبقاء الإسلام، ينعدم الإسلام بانعدامه؛ لذا عُرف مَن بقي من عائلة الإمام الحسين علیه السلام بعد واقعة كربلاء بأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعملوا بعد يوم عاشوراء على إقامة هذه الفريضة المهمة أينما حلّوا.
سبق وأن أشرنا إلى أنّ معرفة أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وتوظيف الأدوات اللازمة والمفيدة للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر - أمر ضروري ولا مناص منه؛ فالتعرض إلى هذا العنصر، من دون التسلح بالمعلومات اللازمة واستخدام السبل الضرورية وتوفير الآليات المناسبة، قد لا يقف عند حدّ الإخفاق في الحصول على النتيجة المطلوبة، بل من المحتمل أن يؤدي عدم الاهتمام بذلك إلى نتائج عكسية وينجم عنه أضرار كبيرة جداً على معتقدات المخاطبين أيضاً. فلا طائل ممن يتصدى لموضوع الإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يكن على دراية تامة بالعوامل والخلفيات والمعوقات والإشكاليات والظروف الزمانية والمكانية وكل جوانب الموضوع الأُخرى.
ومن هنا؛ إنّما يُكتب النجاح والتأثير للإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يقترن ببرنامج مدروس وخطة محسوبة، ولو استطعنا استمداد هذه الأساليب من أقوال الأئمة من أهل البيت علیهم السلام واستقائها من أفعال الأولياء الإلهيين فلا ريب
1) 854. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص329.
في أنّها ستكون أكثر تأثيراً.
وإذا ما راجعنا سيرة الإمام الحسين علیه السلام فسوف نجد أنّه كان على الدوام وفي جميع مراحل حياته بصدد إرشاد الأُمة وتطبيق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسنُدرك أنّ ذلك لم يكن مقتصراً على واقعة عاشوراء. فالرجوع إلى السيرة العملية لأبي الأحرار علیه السلام وتحليل خطاباته ومواقفه المختلفة وكتبه السياسيّة، أثناء صلح الإمام الحسن علیه السلام ، ومواجهته لأُمراء المدينة الذين انغمسوا بالملذات والأهواء، ثمّ موقفه بعد شهادة أخيه من حكومة معاوية وتهميش العلويين، وتصدّيه للولاة الفاسدين وتعامله مع الناس الساكتين عنهم، كل ذلك يدلّ على أنّه كان يسعى جاهداً لترسيخ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المراحل والجوانب كافة.
وعليه؛ فسعي الإمام الحسين علیه السلام لإحياء هذا العنصر الأصيل لم يكن مختصاً بنهضة عاشوراء، وإنّما بلغ في تلك الفترة قمّة التجلّي. وبعد تلك النهضة، أضحت مواقف هذا البطل المضحّي وحركة هذا الثائر الفدائي مثالاً رائعاً للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. ومن المصاديق الواضحة على ذلك، رفض البيعة ليزيد وموقفه الحادّ تجاه والي المدينة، والخروج منها إلى مكة محتجاً على ذلك، وتقديم النصائح إلى الأعداء في مواطن عدّة، وخطاباته في مكة الرامية إلى فضح السياسات الهوجاء لحكومة يزيد و...
والنقطة المهمة هنا هي: ما الأساليب التي اتبعها الإمام الحسين علیه السلام في سبيل إحياء هذه الفريضة الإلهية الكبرى لإيقاظ الأُمة من نوم الغفلة ودعوتها إلى المعروف ونهيها عن المنكر، والتي مكّنته من إشعال شمعة الأمل في ذلك المجتمع الذي كان يتخبَّط في ظلمات الجهل والضلال، التي لم يرَ التاريخ مثلها قطّ، وهي تزداد وهجاً وضياءً في كل يوم وفي كل عام وفي كل قرن؟
يُعتبر الأُسلوب الكلامي أحد أهمّ أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السيرة الحسينية؛ فلطالما نصح الإمام الحسين علیه السلام وحذَّر العدو والصديق، الحاكم والمحكوم، ودعاهم إلى الخير والمعروف ونهاهم عن الشر والمنكر، واتّسم الأُسلوب الكلامي باختلاف الأزمنة والأمكنة وتغيّر المصاديق:
اتخذت الخطابة طابعاً خاصاً ومتميزاً في منهج الإمام الحسين علیه السلام بهدف إرشاد الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشاهد على ذلك خطاباته المتعددة في أوقات مختلفة ولأشخاص مختلفين، في مكة والمدينة، والأماكن التي نزلها بين مكة والكوفة، والتي ألقاها على مسامع الجيش الكوفي وفي معسكره في موضع يقال: «البيضة» وفي يوم عاشوراء عند اشتداد المعارك، وسنُشير إلى أمثلة في هذا المجال(1):
في عام 57 أو 58 من الهجرة، أي قبل موت معاوية بسنتين، وذلك لما اشتد البلاء والظلم على أهل البيت علیهم السلام خصوصاً والشيعة عموماً، حجّ الحسين بن علي علیهما السلام ، فجمع بني هاشم، رجالهم ونساءهم ومواليهم وشيعتهم، مَن حجّ منهم ومَن لم يحجّ، ومن الأنصار مَن يعرفه الإمام علیه السلام وأهل بيته، ثم لم يترك أحداً حجّ ذلك العام من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و اله ، ومن التابعين من الأنصار المعروفين بالصلاح والنسك إلّا جمعهم، واجتمع إليه بمِنى أكثر من سبعمائة رجل، ونحو مائتي رجل من أصحاب النبي صلی الله علیه و اله .
1) 855. يُشار إلى أن أغلب تلك الخطب طويلة؛ ولذا سنُشير إلى المقاطع التي تُبيِّن أهمية هذه الفريضة الإلهية ودعوة الإمام لأدائها فقط.
كان الإمام علیه السلام يهدف من ذلك إلى إيصال رسالة بواسطة هذه الشخصيات البارزة إلى المسلمين كافة؛ ولذا؛ قام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، فإنّ هذا الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم، وإنّي أُريد أن أسألكم عن شيء، فإن صدقت فأصدقوني، وإن كذبت فأكذبوني، واسمعوا مقالتي، واكتبوا قولي، ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم ومَن ائتمنتموه من الناس ووثقتم به، فادعوه إلى ما تعلمون من حقّنا؛ فإنّا نخاف أن يُدرس هذا الحق ويذهب، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون». وما ترك شيئاً مما أنزل الله في القرآن فيهم إلّا قاله وفسّره، ولا شيئاً قاله رسول الله صلی الله علیه و اله في أبيه وأخيه وأُمه وفي نفسه وأهل بيته إلّا رواه، وكل ذلك يقول أصحابه: اللهمّ نعم، قد سمعنا وشهدنا، ويقول التابعون: اللهمّ نعم، قد حدّثنا مَن نصدّقه ونأتمنه، حتى لم يترك شيئاً إلّا قاله، فقال: «أُنشدكم بالله إلّا حدّثتم به من تثقون به»(1).
ولا ريب في أن إلقاء هذه الخطبة المثيرة بين الصحابة والتابعين، في ذروة اقتدار الحكومة الأُموية التي كمّمت جميع الأصوات وحبست جميع الأنفاس، يدلّ على العظمة الفكرية والاقتدار الروحي للإمام الحسين علیه السلام ، ويكشف النقاب عن شجاعته الفائقة وإحساسه بالمسؤولية أيضاً، فلم يتوانَ عن الصدح بكلمة الحق وإحياء القيم الإسلاميّة في كل زمان ومكان ومهما اشتدّت سطوة الظالمين.
من الخطب الأُخرى للإمام الحسين علیه السلام التي بيّنت أهداف الثورة وأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خطبته في أصحابه وأصحاب الحرّ بن يزيد الرياحي بعد لقائهم في منطقة البيضة، حيث حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناسّ، إنّ
1) 856. اُنظر: النوري، الميرزا حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: ج17، ص291، ح 24.
رسول الله صلی الله علیه و اله قال: مَن رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله صلی الله علیه و اله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يُدخله مُدخله. ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيري...(1)
والمستفاد من هذه الخطبة أنّ الإمام الحسين علیه السلام كان عازماً على القيام علناً في سبيل إثبات الحكومة الدينيّة وإحقاق الحق وإحياء الأركان الإلهية والسنّة النبوية، وتبديل المجتمع المليء بالفتن والمشاكل إلى مجتمع ديني بواسطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولذا قال: «أنا أحقّ من غيري». وتتجلى أهمية هذا الموضوع أكثر فأكثر حينما نرى أنّ الإمام توجّه بهذا الكلام إلى أفراد جيش الحرّ الرياحي الذين قطعوا الطريق عليه، ليدعوهم إلى هذا الأمر، أي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
تفيد القرائن التاريخية المتوافرة بأنّ الإمام الحسين علیه السلام خطب في الكوفيين غير مرة يوم عاشوراء، أمرهم فيها بالمعروف ونهاهم عن المنكر، فأتمّ عليهم الحجة بذلك. لكنّنا - رعايةً للاختصار - سنتطرَّق إلى بعض الفقرات فقط مما له صلة بموضوعنا من تلك الخطب المتعددة.
من الخطب التي ألقاها الإمام علیه السلام على مسامع أهل الكوفة قبل نشوب الحرب واحتدام القتال، التي أشار فيها إلى أهداف قيامه، وأكد على إرساء دعائم الحق في ظل نهضته، أنّه قال لهم: «ألا ترون أنّ الحقّ لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، ولا الحياة مع الظالمين
1) 857. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص304.
إلّا برماً. إنّ الناس عبيد الدنيا والدين لَعِقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معائشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون»(1).
ففي هذه الجمل القصيرة نسبياً، قدّم الإمام علیه السلام وصفاً دقيقاً ومناسباً للمجتمع الموبوء إذ ذاك، مشدداً على أنّه لا أثر للعمل بالحق ولا طائل من فعل المعروف. وبعبارة أُخرى: ليس ثمَّة وجود في المجتمع الإسلامي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولذا سآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر لإقامة الحق وإحياء الخير، ولئن قُتلت فهو خير لي من البقاء في مثل ذلك المجتمع.
كذلك، لما التقى الجيشان، وأقدم جيش عمر بن سعد على محاصرة جيش الحسين علیه السلام من جميع الجوانب، توجّه الإمام إلى صفوف جيش العدو وتحدَّث فيهم بكلام حماسي، مليء بالدروس والعبر، وموقظ للضمائر، فقال: «إلّا أنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: السِلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وجدود طابت، وحجور طهرت، وأنوف حميّة، ونفوس أبيّة، لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام»(2).
وباختصار؛ يتضح من كلام الإمام علیه السلام أنّه يبحث عن هدف أسمى من تشكيل الحكومة؛ فما الحكومة برأيه إلّا وسيلة لتحقيق العنصر الأصيل المتمثّل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
من أبلغ أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السيرة الحسينية، الوصايا
الخاصة التي قدمها الإمام الحسين علیه السلام أثناء لقاءاته المباشرة مع بعض الشخصيات، وهي من السُّبل التي اعتمدها الإمام لغرض تحقيق هدفه الرفيع، ساعياً إلى الابتعاد عما يُثير غضب الطرف المقابل، وترجيح جانب اللين والدفع بالتي هي أحسن على جانب الأخذ بالشدة، وتقديم عوامل المحبة على عوامل البغض، حتى في التعاطي مع الخصوم. ونُشير أدناه إلى نماذج في هذا المجال:
إنّ ذهاب الإمام الحسين علیه السلام إلى عبيد الله بن الحرّ الجعفي من أعظم الدروس والعِبر في كربلاء، ومن المصاديق المهمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كان عبيد الله من وجهاء الكوفة، بعدما عُرف في شبابه بأنّه من قُطاع الطرق، ولما تهيأ أهل الكوفة لقتال الإمام الحسين علیه السلام تركها وخرج منها خوفاً من أن يبوء بإثم محاربته. لكنّ الإمام حينما نزل قصر بني مقاتل، بين مكة والكوفة، فإذا هو بفسطاط مضروب ورمح منصوب وسيف معلّق وفرس واقف على مذوده، فقال: لمن هذا الفسطاط؟ فقيل: لعبيد الله بن الحرّ الجعفي. فبعث إليه رسولاً يدعوه، غير أنّه رفض اللقاء بالإمام، فقام الحسين علیه السلام ثم صار إليه في جماعة من إخوانه، فسلّم وجلس عنده، وقال له: «وأنت يا بن الحر، فاعلم أنّ الله عزّ وجلّ مؤاخذك بما كسبت وأسلفت من الذنوب في الأيام الخالية، وأنا أدعوك في وقتي هذا إلى توبة تغسل بها ما عليك من الذنوب، وأدعوك إلى نصرتنا أهل البيت».
لكنّه أبى الاستجابة لتلك الدعوة ولم يستطع الاستفادة من الفرصة الذهبية التي فُسِحت له لتجاوز الماضي، ثم إنّه أظهر الندم لاحقاً على تركه نصرة الحسين علیه السلام (1).
1) 860. اُنظر: الكوفي، ابن أعثم، الفتوح: ج5، ص73 - 74. البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج3، ص175.
على الرغم من عزم أهل الكوفة الجادّ على قتال الإمام الحسين علیه السلام ، وكون ذلك من الأُمور المسلّمة عندهم، لم يفوّت الإمام أيَّ فرصة لهدايتهم وإنقاذهم من النار وهم أعداؤه. وعلى هذا الأساس؛ أرسل إلى عمر بن سعد أنّي أُريد أن أُكلمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك. فوافق ابن سعد، والتقيا، فحذره الإمام من مغبَّة عمله، ودعاه إلى ما فيه خيره وصلاحه، ونهاه عن ارتكاب المنكر، لكنّ ابن سعد تعلَّل بأُمور واهية وامتنع عن قبول دعوة الإمام(1).
نعم، نصح الإمام علیه السلام في لقاء مباشر وخاص مع عمر بن سعد هذا الأخير ودلّه على طريق السعادة، فأثبت لأعدائه بتصرّفه هذا حُسن نيّته ومقاصده الإصلاحية المتمثلة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن الأساليب الأُخرى التي اتبعها سيد الشهداء علیه السلام لإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأُسلوب الكتابي الذي تجسَّد بمصاديق مختلفة منها:
تُعتبر المكاتبات وإرسال الكتب الرسمية من وسائل الدعوة والإعلام على مرّ التاريخ البشري، وقد استفاد الإمام الحسين علیه السلام من هذا الأُسلوب المهم في أوقات مختلفة بهدف إيقاظ الأُمة وحثّها على فعل الخيرات وصدّها عن اقتراف المنكرات. ولا يخفى أنّه يتعذَّر نقل جميع الكتب في هذا المقال؛ ولذا سنتعرّض إلى أهمها؛ مما يكشف عن الهدف الأساسي لهذه الدراسة:
1) 861. اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص388.
ما إن اطلع الإمام الحسين علیه السلام على مقتل حجر بن عدي على يد جلاوزة معاوية حتى آثر عدم السكوت، ورفع صوته بوجه معاوية، فكتب له كتاباً شديد اللهجة، أشار فيه إلى سياساته المناوئة للإسلام، وأماط اللثام عن جرائمه المتعددة، فقال - بعد ما حمد الله وأثنى عليه -: «... ألست القاتل حجراً، أخا كندة، والمصلين العابدين الذين كانوا يُنكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً، من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلَّظة، والمواثيق المؤكَّدة، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بإحنة تجدها في نفسك...؟! فأبشر - يا معاوية - بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أنّ لله تعالى كتاباً لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها»(1).
ولما وصل هذا الكتاب إلى معاوية وقرأه فقد صوابه وتحيّر في الردّ عليه وكأنّما أُلقم حجراً. ولا شك في أنّ هذا الكتاب مصداق بارز لإحياء عنصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنّه أعلن فيه - بصراحة وبمنتهى الحزم - مخالفته لمعاوية وأتباعه، وانتقد جميع أفعاله الشنيعة، وأشار في أكثر من موضع إلى أنّه شخص قاتل وظالم وناكث للعهود والمواثيق، وقد جلس على منبر رسول الله صلی الله علیه و اله ليُصدر الأوامر بقتل السائرين على السنّة النبوية.
أشار أبو عبد الله الحسين علیه السلام إلى هدفه في كتاب إلى أشراف أهل البصرة، طالبهم فيه بالعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه صلی الله علیه و اله ، وعدم الغفلة عن واقع المجتمع، فقال: «أنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنَّة نبيّه صلی الله علیه و اله ؛ فإنّ السنّة قد أُميتت، وإنّ البدعة قد أُحييت،
1) 862. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص212 - 214.
وأن تسمعوا قولي وتُطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد»(1).
وكما هو واضح، فإنّ مراد الإمام علیه السلام من إماتة السنّة إنّما هو بسبب سياسات بني أُمية؛ ولذا أخذ علیه السلام على عاتقه القيام ضدهم واستنهاض هِمَم سائر المسلمين للثورة عليهم.
من الأمثلة الأُخرى على الأُسلوب الكتابي الذي اتّبعه الإمام الحسين علیه السلام في منهجه لإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الوصية التي كتبها لأخيه محمد بن الحنفية، فلما عزم على الرحيل من المدينة إلى مكة، كتب له وصية وختمها بخاتمه، ورد فيها:
«... وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت أطلب الإصلاح في أُمّة جدّي محمّد صلی الله علیه و اله ، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي محمد صلی الله علیه و اله وسيرة أبي علي بن أبي طالب علیه السلام »(2).
ووفقاً لهذه الوصية، ما كان ليهدأ للإمام بالٌ حتى لو لم يطالبه أحد بالبيعة ليزيد؛ ذلك أنّ خلافه مع الحكومة الأُموية لا يدور حول سكوتهم عن أخذ البيعة وفي مقابل ذلك سكوته عنهم، بل إنّ وجود هذه الحكومة ملازم للظلم والفساد وتغيير أحكام الله تعالى، فلا بدّ من الثورة لاستئصال الشرّ المتمثل ببني أُمية من جذوره.
المقصود بالأُسلوب الفنّي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو إمكانية الاستفادة من الفنّ لتبليغ القيم الإلهية، وبيان سُبل نفوذ المنكر إلى الحياة العامة ورسوخه في المجتمع. فيمكن التعرُّف على المعروف والمنكر، والتذكير بمخاطر
المفاسد وسلوك طريق الفساد، وطرق مكافحته، من خلال المشاهد والعروض والأشعار والأناشيد والقصص وغيرها. ولهذا الأُسلوب مصاديق متعددة، أهمها ما يلي:
تُمثِّل صلاة الظهر يوم عاشوراء أجمل عرض وأبهى مشهد رآه التاريخ على الإطلاق. ففي خِضَمّ المعركة القائمة بين الفريقين آنذاك، انبرى أحد العاشورائيين، وهو أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي، فقال للحسين علیه السلام : «يا أبا عبد الله، نفسي لك الفداء! إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله، لا تُقتل حتى أُقتل دونك إن شاء الله، وأُحبّ أن ألقى ربّي وقد صلّيت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها. فرفع الحسين علیه السلام رأسه ثم قال: ذكرتَ الصلاة، جعلك الله من المصلّين الذاكرين. نعم، هذا أوّل وقتها. سَلوهم أن يكفّوا عنّا حتّى نُصلّي»(1).
ألم يكن بمقدور الإمام علیه السلام الصلاة داخل الخيمة؟! لِمَ ضحّى بشخصين من أنصاره لإقامة الصلاة في ساحة الوغى؟! حقاً إنّ إقامة صلاة الجماعة في ساحة المعركة والجهاد، على وقع القتال الشديد واشتباك الأسنّة، وإلى جانب أجساد الأحبة المضرّجة بالدماء، وأمام أعين آلاف الجنود المحتشدين لقتل الحسين علیه السلام وأصحابه، لهي من أروع المشاهد التاريخية وأعظمها. ولقد كان الإمام علیه السلام على دراية تامة بالآثار الهائلة لهذا المشهد الفريد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان عالماً بأنّ الصلاة في ساحة الحرب وإلى جانب أجساد الشهداء أبلغ من آلاف الخطب والكتب والمقالات وأمثالها، فعرض هو وصحبه الميامين أبهى صورة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سياق الصلاة في يوم عاشوراء.
1) 865. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص334.
عمد الإمام الحسين علیه السلام إلى الاستفادة من جميع مصاديق الأُسلوب الفنّي لإحياء الدين وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكانت الأشعار والأراجيز من العناصر المهمة جداً في نهضة عاشوراء؛ لأنّها - فضلاً عن بيان عُمق مشاعر قائلها، وهو الإمام الحسين علیه السلام - تشتمل على أسمى المعارف التي لا يُدركها سوى بيت الرسالة. ونُشير هنا إلى بعض الأمثلة في هذا المجال:
ورد أنّ الإمام الحسين علیه السلام لقي الفرزدق في موضع يُقال له: الشقوق، وتحدّثا حول شهادة مسلم بن عقيل، ثم أنشأ في ذلك يقول:
فإن تكن الدنيا تُعدّ نفيسة***فدار ثواب الله أعلى وأنبل
وإن تكن الأموال للترك جمعها ***فما بال متروك به الحرّ يبخل
وإن تكن الأرزاق قسماً مقدّراً ***فقلّة حرص المرء في الكسب أجمل
وإن تكن الأبدان للموت أُنشئت ***فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل
عليكم سلام الله يا آل أحمد فإنّي أراني عنكم سوف أرحل(1)
فنرى أنّ الإمام علیه السلام تحدّث في هذه الأبيات عن فناء هذه الدنيا وقيمة الحياة الآخرة؛ ولذا ينبغي التفاني في سبيل الله وإثبات صواب الدين وإحياء سنّة رسول الله صلی الله علیه و اله ، كل ذلك إحياءً لدين الله ودفاعاً عن الحق، وحيث إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جملة مصاديق إحياء السنّة النبوية، يمكن القول: إنّ القتل في سبيل تحقيق هذه الفريضة الإلهية أمر حسن وممدوح جداً.
1) 866. الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين علیه السلام : ج1، ص223؛ الإربلي، علي بن عيسى، كشف الغمة في معرفة الأئمة علیهم السلام ، ج2، ص28.
أنشد الإمام الحسين علیه السلام بعض الأراجيز في ساحة القتال يوم عاشوراء، منها على سبيل المثال:
القتل أوْلى من ركوب العار***والعار أوْلى من دخول النار(1)
ومنها أيضاً:
أنا الحسين بن علي***آليت أن لا أنثني
أحمي عيالات أبي***أمضي على دين النبي(2)
وتكشف هذه الأبيات الحماسية عن أهمية هدف الإمام الحسين علیه السلام ، ألا وهو الحفاظ على دين جدّه الكريم، إلى درجة التضحية بنفسه الشريفة في سبيله، وهذا من أعظم درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لجميع الأحرار ودعاة الحرية بأن لا ينصاعوا للذل والهوان تحت أيِّ ظروف، وأن يدافعوا عن الإسلام بكل ما أُوتوا من قوة، وحتى آخر قطرة دم في عروقهم.
التمثيل من المصاديق والأساليب الفنّية الأُخرى التي لها استعمال كبير في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو عبارة عن إبراز وجه الشبه بين غير المحسوس وبين المحسوس، وتقريب المعنى إلى ذهن المخاطب، ويعدّ من أهمّ مصاديق الفنّ في دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا يخفى أنّ هناك حضوراً واضحاً لهذا المنهج القرآني الفاعل في ملحمة عاشوراء، حيث استفاد الإمام الحسين علیه السلام من أُسلوب التمثيل للتأثير على المخاطبين وإعدادهم إعداداً روحياً لقبول الحق ورفض الأفكار
الباطلة، فقال - في شرح أهداف قيامه وبيان شوقه للشهادة في طريق إعلاء كلمة الحق حينما عزم على الخروج إلى العراق -: «خُطّ الموت على وُلد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف»(1).
فقد صوّر الإمام علیه السلام الموت بصورة جميلة جداً، واعتبره زينةً لبني آدم، لا سيما الموت في سبيل الله والعقيدة.
لا ريب في أنّ السلوك العملي من أهمّ أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى أنّه يتعين على الإنسان الذي يدعو الآخرين إلى فعل الفضائل أن يُبادر بنفسه إلى فعلها قبلهم ويسبقهم إليها في ميدان السلوك العملي؛ إذ من الطبيعي أنّ أقوال الإنسان الذي لا يلتزم بما يقول ليس لها وقع أو تأثير يُذكر على الناس، أفليس كل ما يخرج من القلب يدخل إلى القلب؟ ولذا قال أبو عبد الله الصادق علیه السلام : «كونوا دعاةً للنّاس بغير ألسنتكم»(2).
ومن الملاحظ أنّ سيرة سيد الشهداء علیه السلام في مجال إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتّسمت بالانسجام بين الأقوال والأفعال، وسنُشير هنا إلى أهمّ المصاديق في هذا المجال:
يعدّ التواضع من أهمّ خصال الأنبياء ودعاة التوحيد والمقربين إلى الباري جل وعلا، وهو من السجايا الحسنة التي تسمو بصاحبها وتقوده إلى الرفعة وتجعله يكتسب مكانة مرموقة في قلوب المخاطبين. فالأنبياء يؤمنون بأنّه حتى لو أحجم
الناس عن اتّباعهم ينبغي لهم أن يُبادروا بكل تواضع إلى مدّ جسور التواصل مع النُّخبة في المجتمع، ودعوتهم إلى المعروف ونهيهم عن المنكر.
وانطلاقاً من ذلك، نرى أنّ الإمام الحسين علیه السلام قد جسّد منتهى التواضع في مختلف المجالات قولاً وفعلاً؛ فلم ينتظر من الآخرين الالتحاق به والانضواء تحت رايته، وإنّما بادر بنفسه لاستقطاب بعض الشخصيات لتحقيق أهدافه المقدسة، ودعاهم بتواضع إلى مقاصده العليا، أو بعث لهم كتاباً أو أوفد لهم رسولاً لهذا الغرض.
وفي هذا السياق، لما انتهى الإمام علیه السلام وأصحابه إلى قصر بني مقاتل، نزلوا جميعاً هناك، فنظر إلى فسطاط مضروب، فسأل عنه، فأُخبر أنّه لعبيد الله بن الحرّ الجعفي، وكان من أشراف أهل الكوفة وفرسانهم. فأرسل الحسين علیه السلام إليه الحجاج بن مسروق الجعفي يأمره بالمصير إليه، لكنّه رفض الحضور، فانتعل الحسين علیه السلام حتى مشى، ودخل عليه قبّته، ودعاه إلى نصرته ومحاربة الطواغيت، فامتنع أيضاً، فقال له: «فإلّا تنصرنا فاتّقِ الله أن تكون ممن يقاتلنا»(1). كذلك فعل مع زهير بن القين في موضع يُقال له: (زرود)، فاستجاب له والتحق بركبه(2).
من الأساليب العملية الأُخرى التي انتهجها الإمام الحسين علیه السلام في سبيل تحقيق أهدافه المقدسة، وخاصة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي العفو والصفح اللذين يعبّران عن كرامته وعظمته. ومن أمثلة ذلك تعاطيه الكريم يوم عاشوراء مع الحرّ بن يزيد الرياحي؛ لأنّ هذا النحو من التعامل الذي قلّما شهده التاريخ مما يخلَّد إلى الأبد.
كان الحرّ الرياحي في البداية مكلفاً بقيادة مجموعة من جيش العدو، وقد ضيّق على الإمام علیه السلام ومنعه من التوجه إلى الكوفة، حتى قال له الحسين علیه السلام موبّخاً له: «ثكلتك أُمّك». لكنه عاد إلى صوابه يوم عاشوراء وأدرك أنّ الحرب مع الحسين علیه السلام واقعة لا محالة، وأيقن أنّ ابن سعد عازم على القتال، قتال شديد أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي، هذا من جهة. ومن جهة أُخرى، سمع واعية الحسين علیه السلام واستغاثته حينما قال: «أما من مُغيث يغيثنا لوجه الله». فعندئذ، شعر بالندم وقرّر أن يعتذر من الإمام الحسين علیه السلام ، فأتاه فقال: يا بن رسول الله، كنت أوّل خارج عليك، فائذن لي لأكون أوّل قتيل بين يديك، وأوّل مَن يُصافح جدّك غداً. فعفا عنه وسامحه(1). وهذا درس كبير يُعلّمنا أن نقبل اعتذار من يطلب العفو منّا، ولا نزجره عنّا. وعلى العموم، فهذا من أروع الأساليب التي اتّبعها الإمام في الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إنّ الإعراب عن حُسن النصيحة أحد العناصر المهمة في زيادة تأثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا مما شددت عليه الثقافة الإسلاميّة. ومن المسلّم به أنّ للنصح لوازم عديدة، منها الإرشاد إلى الخير والنهي عن الشرّ، والتنبيه، والترغيب، والصيانة من المخاطر وما إلى ذلك.
وبناءً على ذلك؛ يجب أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من جهة ناصحاً للمخاطب، بل ويسعى إلى تعزيز هذا الشعور في داخله، ومن جهة أُخرى أن يقوم بنقله إلى المخاطب.
وعند مراجعة سيرة الإمام الحسين علیه السلام نجد أنّه كان يتعامل مع الناس من منطلق
1) 873. اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص13.
الهداية والعطف والنصيحة، ويرى أنّ إصلاح المجتمع الإسلامي هو السبيل الوحيد لنشر التعاليم الدينيّة وهدم الثقافة الأُموية المهاجمة؛ ولذا روي عنه التعامل بشفقة طيلة فترة حركته من المدينة إلى كربلاء، وذلك خلافاً للنهج الذي اتبعته الحكومات الظالمة والأُمراء والولاة الفاسدون. ومن أمثلة ذلك:
عندما نزل الإمام علیه السلام في عذيب الهاجانات، بعث رسوله لدعوة عبيد الله بن الحرّ الجعفي، ولما رفض الحضور، سار إليه بنفسه، فسلم عليه وجلس عنده ودعاه لنصرته، فأبى ذلك، ولم يصرّ عليه الإمام(1).
وفي منزل ذي حُسم، جاء زهاء ألف فارس من جيش الأعداء يتقدّمهم الحرّ بن يزيد حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين علیه السلام في حرّ الظهيرة، فقال لفتيانه: اسقوا القوم وارووهم من الماء، ورشّفوا الخيل ترشيفاً، ففعلوا حتى سقوها عن آخرها(2).
فعلى الرغم من أنّ الحرّ الرياحي ضيّق على الإمام علیه السلام ، ومنعه من مواصلة سيره، فقد أبدى الإمام غاية الشهامة والكرامة الإنسانية، وصنع مشهداً رائعاً من مشاهد كربلاء، ولم يعاملهم بالمِثل، بل عاملهم من منطلق الرأفة والرحمة الإسلاميّة.
كانت الآمال قائمة بأن يثوب أهل الكوفة إلى رشدهم قبل وصول الإمام الحسين علیه السلام إلى كربلاء، ومن ثم يلتحقوا به، ولكن لما توقفّ ركب الإمام في كربلاء
بدا واضحاً عزم الكوفيين على القتال. وفي مثل هذه الظروف أيضاً، لم يفوّت الإمام الفرصة لهداية مَن يهتدي من جيش العدو، فدعا عمر بن سعد ليلتقي به ويكلمه، ولما التقى به نصحه إلى ما ينفعه ودلّه على سبيل السعادة، معبّراً بهذا السلوك عن حُسن نيّته وسموّ مقاصده الإسلاميّة، وإن فرّط ابن سعد في آخر اللحظات الحاسمة بالفرصة التي سنحت له، ولم يوافق على دعوة الإمام(1).
على أنّ هذه الأحداث تدلّ على اهتمام الإمام علیه السلام بهداية الأشخاص إلى سبيل الرشاد، والحرص على دعوتهم إلى السعادة بواسطة التعامل معهم برأفة ومودة.
يُعتبر الصبر الهائل والبطولي للإمام الحسين علیه السلام إزاء أشدّ اختبار دنيوي، والعمل الرائع الذي قام به، من أهمّ الأساليب والعناصر السلوكية للإمام في طريق تحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولم يكن لوحده صابراً محتسباً، بل كان يدعو الآخرين إلى الصبر والثبات في جميع المراحل أيضاً؛ ولهذا السبب ورد في إحدى زياراته: «وقد عجبتْ من صبرك ملائكة السماوات»(2)
لقد كان الإمام علیه السلام كالجبل الأشمّ وكالطود الشامخ في الثبات على الحق حتى حينما سقط في رمضاء كربلاء مضرجاً بدمائه، ولم يبقَ في بدنه موضعاً سالماً من الجروح، وبعدما فُلقت هامته ووطئ جسده الشريف، فلم يشتكِ من الألم ولم يتأوّه قطّ، ولم يذرف دمعة واحدة نتيجة الضعف أمام الأعداء، وإنّما كان يردّد بصوت ضعيف: «إلهي! إنّني صابر على حكمك». ولا ريب في أنّ هذا السلوك الرفيع يعكس عظمة وجوده وسموّ روحه، وأنّه لن يرضخ للذل مطلقاً، معبّراً عن هذا الرفض بشعار:
«هيهات منّا الذلّة»، وهادياً إلى هذا المعروف الكبير بأفعاله وأقواله.
إنّ الشهادة والتضيحة تُمثلان أجلى مصداق للسلوك العملي للإمام الحسين علیه السلام لإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحقيق ذلك الهدف المقدس. فقد قام بمختلف أنواع بالأمر بالمعروف، باللسان والكتابة والعمل؛ للحفاظ على راية الإسلام خفاقة عالية، وختم مسيرته لإصلاح المجتمع الإسلامي بنهضته في عاشوراء والتضحية بنفسه الغالية؛ لأنّه كان يرى كيف انقلبت الموازين وتبدلت القيم واختلط الصالح بالطالح في ذلك المجتمع. وعلى هذا الأساس؛ أعدّ الإمام نفسه للشهادة لتحقيق هذا الهدف السامي والتكاملي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). وعليه، كانت الشهادة والتضحية آخر تلك الأساليب، بل وأهمها وأفضلها أيضاً.
جدير بالذكر أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجلّى في سيرة الإمام الحسين علیه السلام برمّتها، فالمصاديق العملية لتلك السيرة أوسع من حصرها في مثل هذا المقال، كما تقدّم؛ ولذا اقتصرنا على التعرض إلى أهمّ المصاديق السلوكية والعملية في هذا المجال رعايةً للاختصار، عسى أن يوفقنا الله تعالى لدارسة أوسع وأعمق في المستقبل القريب.
إنّ مراجعة سيرة الإمام الحسين علیه السلام - وتاريخ حياته المليء بالأحداث - تفيد بأنّه كان يطبّق سنّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع المراحل والجوانب المختلفة، وكان يسعى لتحقيقها بسُبل شتّى؛ إذ كان على دراية بجميع أنواع الأساليب العملية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعمل على تعريف الآخرين بها. وقد تجلّى ذلك في أقواله وخطاباته في المدينة ومكة والمنازل التي نزلها بين مكة والكوفة، وما ألقاه
على جيشه وجيوش الكوفة في موضع البيضة، وأخيراً يوم عاشوراء. وتمثلّ الأُسلوب الكتابي بالكتب والرسائل ووصيته لأخيه. وأما الأُسلوب الفنّي (الدراماتيكي) فكان من مصاديقه أداء صلاة الجماعة في ساحة القتال أمام أعيُن غير المكترثين بها والتاركين لها، مضافاً إلى الاستفادة من الأشعار والأراجيز والتمثيل. وأخيراً، تجسد الأُسلوب العملي والسلوكي في الخصال الحميدة للإمام التي كرّسها لتحقيق هذا العنصر الأصيل وإقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الاستراتيجيات المقترحة للسير بالسيرة الحسينية في إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
1- التعرُّف على الأساليب والسُّبل المناسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2- الوقوف على الأساليب العملية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لدى الأئمة، خاصة الإمام الحسين علیه السلام .
3- الاستفادة من الأساليب المتنوعة والمختلفة، كالأُسلوب الكتابي والكلامي و... بهدف استقطاب أكبر عدد من الأفراد.
4- الاهتمام بأهم الفرائض الإلهية، أي: الصلاة، لا سيما بالنسبة إلى المشاركين في العزاء الحسيني؛ لأنّ الإمام علیه السلام صنع مشهداً رائعاً للعالم أجمع بالصلاة في ساحة المعركة.
5- الحرص العملي على تحقيق الأهداف الإسلاميّة وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإيجاد مزيد من التأثير على المخاطبين.
النُظُم التّربوية عند الإمام الصادق علیه السلام (رؤية تحليليّة)
مدينة الكوفة، الجغرافية والمجتمع (دراسة تاريخية)
أساليب التغييب لفضائل أمير المؤمنين علیه السلام
(حديث الغدير أُنْمُوذَجاً)
د. السيد نجم الموسوي(1)
تُعرَّف التّربية بأنها: تنمية القابليات الإنسانيّة الكامنة في باطن الإنسان، وإخراجها إلى مرحلة الفعليّة(2).
وكما هو واضح، فإنّ الهدف من التّربية - بصورة عامّة - بناء الإنسان وإعداده وتقويم جانب الخير فيه، وحذف كلِّ مظاهر الانحراف؛ إذ إنّها تهدف إلى غرس روح التفكير العلمي - والذي يُعدّ من أهمّ الأهداف التي تتولّاها التربية، وفيه يتمّ إصلاح الإنسان بالمطلق - في نفس الإنسان وزرع حبّ العِلم والشوق إلى تحصيل المعرفة وتزويد الطفل الناشئ والشاب بالعلوم والمعارف والمهارات والخبرات اللّازمة(3).
وحينئذٍ؛ فالعمليّة التّربوية هدفها بناء الإنسان بناءً صالحاً ليخدم نفسه ومجتمعه وبلده والإنسانية جمعاء، والقائمون على العملية التّربوية يسعون جاهدين إلى تضمين أفضل الفلسفات في ميادين التّربية والتعليم؛ للوصول إلى أفضل الأُطر والنظريات والأُسس التّربوية التي تُسهِم في بناء الناشئ الصغير وجعله مشروعاً لبناء الإنسان المستقبلي.
وعليه؛ يجب أن تسعى التّربية بجميع أجهزتها وطاقاتها إلى تنمية الفكر الإنساني وتحريره من رِبقة الجهل والتقليد، وتنويره بالعِبَر والأحداث والآثار التّربوية.
إنّ التّربية العشوائيّة العفوية - غير المبنيّة على أُسس وقواعد علميّة - تُبدّد الطاقات والجهود، وتخلق الاضطراب في المجال النفسي والسلوكي، وتَحرِف الأهداف والغايات التّربوية عن مسارها الحقيقي؛ ومن هنا كانت الحاجة إلى منهج تربوي ثابت في أُصوله، واضح في مقوماته، ضرورة من ضرورات الحركة التّربوية، فهو الذي يرسم للتربية مسارها السليم المتوازن، ويحدّد معالم طريقها، ويوجّه الجهود والنشاطات والبرامج التّربوية لتعزيز المفاهيم والقيم الصالحة والسامية في الواقع الإنساني(1).
فعلى ذلك؛ تكون التّربية عمليّة إعداد وتنشئة وتوجيه وإصلاح، وقيادة للإنسان في مختلف مراحل حياته وأبعاد كيانه، خصوصاً في المرحلة التي يحتاج فيها الإنسان إلى عمليّة التنمية والإعداد، والإصلاح؛ وبذا تكون التّربية عبارة عن عمليّة بناء، وتوجيه الإنسان، والوصول به إلى مرحلة النضج والكمال، وبنائه بناءً روحيّاً وفكريّاً
1) 931. اُنظر: العذاري، شهاب الدين، ملامح المنهج التربوي عند أهل البيت علیهم السلام : ص5.
وسلوكيّاً وجسديّاً متوازناً وسليماً، يمكّنه من أداء رسالته، والتعبير عن إنسانيّته(1).
ومن هنا؛ برزت أهمّية التّربية المعاصرة والمنهجية في كونها الأساس الذي يمكن أن نستند إليه في إنشاء وخلق بذرة التفكير في عقول المتعلِّمين حتى تكون جزءاً من شخصياتهم، ويعتادون عليه سواء في اكتساب المعرفة وطلب العلم، أو في جوانب الحياة المختلفة.
فالتّربية - بمفهومها الشامل -: تنمية الفرد تنميةً شاملةً متكاملةً من جميع الجوانب الروحيّة والعقليّة، والجسديّة والنفسيّة، والاجتماعيّة والجماليّة، بحيث لا يطغى جانب على آخر، فهي تنمية متوازنة مع الشمول والتكامل، تستهدف إعداد الفرد الصالح إعداداً شاملاً متكاملاً متّزناً؛ ليكون نافعاً لنفسه ومجتمعه، سعيداً في حياته(2).
تركّز التّربية الإسلاميّة على الاهتمام بوضع الأُسس الأُولى والمبادئ الأساسية لبناء عقل المتعلِّم وطريقة تفكيره، لتكون أساساً في تشكيل عقله وتنظيم فكره وفق المنهج الإسلامي وطريقة التفكير الحضاري في الإسلام، فتعليمه أنّ لكلِّ شيء سبباً ولكلِّ موجود غاية وقيمة في الوجود، وأنّ لهذا الشيء علاقة بغيره من الأشياء، وأنّ الإنسان يخطئ ويصحح خطأه، والعمل على تنظيم مبادئ القياس والاستنتاج في ذهنه وتفكيره، وأنّ العقل هو القوَّة المدركة للمعرفة، وأنّ الحسّ والتجربة والملاحظة العلمية هي من الأدوات الأساسية لجمع المعلومات، وأنّ تعليمه كلّ تلك الحقائق وغيرها - عن طريق المنهج المدرسي أو القصص أو الممارسات وعرض تجارب الآخرين والتوعية وتفسير
المشاهدات والملاحظات والتجارب - تسهم مساهمة فاعلة في بناء المقدِّمات التي تنتج عقلاً ذا تفكير علمي منتجٍ، بعيد عن الخرافة والتخلف والأساطير(1).
إنّ المنظّر التّربوي - في كلّ الأنظمة التّربوية - هو الذي يعمل على صياغة السياسات التّربوية ومواجهة المشكلات التي تعترض العملية التّربوية، واكتساب المعارف والمعلومات الصحيحة، وكيفيّة تطبيقها على الواقع الحياتي اليومي.
والتّربية في الإسلام تربطها قواسم مشتركة مع كلّ الفلسفات في العالم من حيث آليات العمل، ولكنّها تختلف معها من حيث المصدر والهدف والوسائل والأساليب، فمصدرها إلهي، وهدفها البناء الصحيح لحياة الإنسان، من خلال علاقته بربّه ونفسه ومجتمعه. وأساليبها ووسائلها نابعة من القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة، الأمر الذي جعلها تختلف عن الفلسفات الأُخرى في المنهج والرؤية.
وقد اعتمدت التّربية في الإسلام على التعليم؛ لأنّه الأداة التي تنشدها التّربية وتسعى إليها فلسفتها، والتعليم في الفكر الفلسفي الإسلامي لا يركّز على الجسد أو الروح فقط، وإنّما يأخذ كلا الأمرين بنظر الاعتبار؛ وذلك لأنّ الإنسان لا يسمو ولا يتقدَّم ولا يزدهر إلّا بتفاعل الجانب الروحي والجسدي.
ومع هذه الرصانة الإلهية للفلسفة التّربوية الإسلاميّة، فإنّه يجب على القائمين على العملية التّربوية بدءاً من واضعي المناهج وانتﻫاءً بمنفِّذي المناﻫج (المعلِّمين)، بالإضافة إلى أولياء الأُمور - للناشئين والأطفال - عليهم أن يؤطّروا الموقف التعليمي، ويصوغوا أهدافه العامّة والخاصّة على أساس نظرة الإسلام للتربية والتعليم، بحيث يكون التعليم عاملاً على تنمية الرقابة الإلهية والرقابة الذاتية في نفسية الفرد.
ومن خلال استعراض أبرز مصدرين في التشريع الإسلامي وهما (القرآن الكريم
1) 934. اُنظر: الخاقاني، فاطمة محمد آل شبير، الأمن التربوي للطفل: ص52.
والسنّة الشريفة) نجد أنّ الإسلام الحنيف يؤكِّد تأكيداً كبيراً على أهمّية التّربية والتعليم في بناء الفرد والمجتمع، ونلاحظ العديد من الآيات الكريمة فضلاً عن أحاديث المعصومين علیهم السلام تحضّ الإنسان على طلب العلم واكتساب المعرفة؛ باعتباره أكرم المخلوقات في هذه الأرض، وقد أعطى الإمام الصادق علیه السلام - والذي يكون هنا محور البحث على اعتباره مؤسس لمدرسة تربوية إسلامية فضلاً عن مدرسته الفقهية المتميِّزة - التّربية مكانة مرموقة ومتميِّزة؛ لأنها البذرة الأساسية في تكوين شخصية الفرد وصقلها ليكون فرداً مسلماً صالحاً داخل المجتمع الذي يعيش فيه.
من خلال استعراض بعض الأقوال والأحاديث الشريفة للإمام الصادق علیه السلام نجد أنّ هذه الأحاديث يكمن في مضمونها مجموعة من النُّظُم التّربوية والأخلاقية ذات المضامين العالية، والتي تُعطي فلسفة واقعية موضوعية ذات صلة بالمنهج التّربوي السماوي الذي جاءت به الرسالة المحمدية السمحاء، ومن هذه النُّظُم:
من أساسيات المنهج التّربوي الذي حثّ الإسلام عليه هو بناء الذات بناء صحيحاً، وفق نظام يضمن سلامة النفس من شرور الأهواء؛ فإنّ الأهواء أساس مشكلات العالم ككلّ، ومن هنا ركّز الإمام الصادق علیه السلام على ذلك كما سيتّضح، كما أنّه قد ركّز علیه السلام على ضرورة التفكّر الصحيح المعتدل، وأن لا ينعق مع كلِّ ناعق، وهذا بحدِّ ذاته يعتبر تنظيراً وأساساً لبناء الفرد السويّ؛ وبالتالي أُسرة معتدلة ومجتمع متحضِّر بنظام صحيح.
وأيضاً وضَّح لنا الإمام علیه السلام وحثّنا على ضرورة متابعة النفس وتقويمها دائماً، وأن ننشغل بإصلاح ذاتنا قبل الآخرين، من خلال تتبّع الأخطاء وإصلاحها، وسيتمّ بذلك صلاح الفرد والمجتمع أيضاً؛ لأنّ كلّ فرد سينشغل بإصلاح نفسه. وفيما يلي بعض الروايات الدالة على ذلك:
أ) تربية النفس: فيما يخصّ جانب تربية النفس وزجرها عن الهوى، يقول علیه السلام : «لا تدع النّفس وهواها؛ فإنّ هواها رداها، وترك النّفس وما تهوى أذاها، وكفّ النّفس عمّا تهوى دواها»(1).
فهنا يشير الإمام الصادق علیه السلام إلى أنّه من الضروري واللازم أن يعمد الإنسان إلى تربية نفسه، والنفس البشرية لا بدّ من أن تُربّى ويُعتنى بها في كلِّ مرحلة من مراحل العمر، وليس فقط في مرحلة الطفولة، وبذلك يتمّ ردعها وزجرها عن كلِّ ما هو خارج حدود الله، وحينئذٍ يكون للفرد السيطرة على نفسه وهواها.
ب) التفكّر والتأمل: وأمّا ما يخصّ التفكّر والتأمّل، فإنّه علیه السلام ، قال: «لكلّ شيء دليل، ودليل العاقل التفكُّر، ودليل التفكُّر الصمت»(2).
وهذا حديث ضمن العديد من الأحاديث التي جاءت تؤكِّد على التفكّر والتفكير المستمرّ للإنسان، وليس أنّه - كما يعتقد بعض - يركِّز على التفكّر في الأُمور العبادية فقط، بل إنّ هذا الحديث يعطي بُعداً أوسع في هذا المجال، فهو يرى أنّ التفكّر في شأن وذات الله من الضروريات، وأنّ الأُمور العبادية تحتاج إلى تفكّر وتأنّي، فضلاً عن ذلك أنّ التفكّر وإعمال العقل يحتاجه الإنسان في مناحي الحياة كافّة.
إنَّ النظريات التّربوية الحديثة - ومنها النظرية البنائيّة والنظرية المعرفية - ترى أنّ
التفكّر والتفكير وما وراء التفكير وما وراء المعرفة كلّ ذلك من ضروريات التعلّم والتّربية الصحيحة الناجحة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ التفكير عنصر بارز في تقدُّم مستوى المتعلِّم الدراسي؛ لدوره الكبير في اكتساب المعرفة وتحقيق التقدُّم العلمي، وارتفاع نسبة التحصيل في الدراسة الأكاديمية.
كما أنّ التفكير نشاط طبيعي، تظهر أهميته من صعوبة الإحاطة بالنتاج المعرفي الكبير والمتسارع وأخذه بكمّه وشكله؛ لذا ينبغي لنا تدريب الفرد على مهاراته، وتعليمه الطُّرق التي تساعده على التفكير السليم المنتج.
وبيّنت العديد من البحوث والدراسات التّربوية أنّ للتفكير أهمّيّة بالغة الأثر في نفوس المتعلِّمين؛ من خلال تحفيز الوازع الذاتي للتعلُّم، وتمكينهم من التفاعل داخل الصف الدراسي بصورة فعّالة وواضحة، ومواجهة العقبات والصعوبات التي تعترض طريقهم في اكتساب المعلومات العلمية، فضلاً عن ذلك أنّ التفكير يحفز المتعلِّم على ممارسة العمليات العقلية بنجاح.
وعليه؛ يمكن القول: إنّ التعلُّم في المدرسة يجب أن يسعى إلى تنمية التفكير لدى المتعلِّم، وهذا لا يتمّ إلّا من خلال تنمية شخصيّة المتعلِّم من جميع جوانبها الجسميّة والعقليّة والاجتماعيّة والانفعاليّة والروحي-ّة(1).
ج)وفيما يخصّ بالتقويم المستمرّ للذات، فإنّه علیه السلام قال: «أنفع الأشياء للمرء سبقه الناس إلى عيب نفسه»(2)، وقال علیه السلام : «أحبّ إخواني إليّ مَن أهدى إليّ عيوبي»(3).
إنّ للتربية دوراً كبيراً في بناء الفرد والمجتمع على حدٍّ سواء، فمن طريقها نستطيع أن نجعل الإنسان عالماً صالحاً نافعاً، أو جاهلاً ضارّاً. وهدف التّربية تنمية القابليات الإنسانية وصياغة الشخصية البشرية الصالحة، وتنشئة الجيل والنهوض به نحو الأخلاق السامية.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ عملية التقويم المستمرّ ضرورة حتمية في الميدان التّربوي للفرد والمجتمع، لكي يتعرّف الأفراد مدى النجاح الذي تحقّق في أنفسهم وشخصياتهم وأعمالهم، وما حقّقوه من إنجاز في ضوء الأهداف التي يطمح كلُّ فرد أن يصل إليها.
كما أنّ تقويم أداء الفرد من قِبَل نفسه والآخرين يعمل على تشخيص الصعوبات والمشكلات والأخطاء التي يعيشها، والوقوف عليها من أجل تذليلها وتقديم المقترحات لعلاجها، الأمر الذي يؤدّي إلى تحسين شخصية الفرد وعلاقته مع ربِّه ومع الآخرين.
كما أنَّ التقييم الذاتي للنّفس عمل هام وضرورة نفسيّة واجتماعيّة، به يتعرَّف الإنسان على صفاته وقدراته العقليّة والعاطفيّة والخلقيّة، ويرى في نفسه عوامل القوّة والضعف، من خلال التقييم الصحيح والواقعي، ولها الأثر الأكبر في تعيين سلوكه ومستوى طموحه، وفكرة المرء عن نفسه(1).
وبعد التقييم الذاتي ومعرفة النفس يأتي دور المحاسبة لها التي تسمو بالنفس البشرية وتجعلها تقدِّم أفضل ما لديها في جانب علاقتها مع ربِّها وعلاقتها من الآخرين، وتُسهم في إيقاف الانحراف، والتوجّه إلى الإصلاح والتكامل والبناء التّربوي للفرد وللمجتمع.
1) 940. العذاري، شهاب الدين، ملامح المنهج التربوي عند أهل البيت علیهم السلام : ص44.
كلُّنا نعلم أنّ الطفل مكوِّن مهمّ في المجتمع، ومن ثَمَّ كان لزاماً علينا أن نربّيه تربيةً صحيحة، وفق ضوابط منهجية ومنظّمة، وأنّ هذه التّربية تكمن في التدرُّج مع هذا الطفل، وأن لا نلزم طريقة واحدة ومستوى واحد، بل نحتاج إلى التّسلسل معه وحسب نموه الفسلجي والسيكولوجي، وأيضاً قد أسعفنا - بل كان هو علیه السلام أساسه - الإمام الصادق علیه السلام في كيفيّة ذلك، فقال: «دع ابنك يلعب سبع سنين، ويُؤدَّب سبع سنين، وألزمه نفسك سبع سنين»(1).
إنّ الإنسان منذ لحظة ولادته - إلى لحظة وفاته - يمرّ بمجموعة من المراحل العمرية ابتداءً من مرحلة الطفولة المبكرة والمتأخِّرة، ومرحلة المراهقة، ومرحلة الشباب، ومرحلة الرشد، ومرحلة الشيخوخة، ولكلِّ مرحلة من هذه المراحل خصائصها ومميزاتها التي تنفرد بها وتُميّزها عن المراحل الأُخرى، وﻫذا ما أكَّده علم نفس النمو (الارتقائي)، وأنّ الإمام الصادق علیه السلام أشار إلى هذا التبدُّل والتطوّر الذي يطرأ على الفرد؛ إذ أكّد علیه السلام - في هذا القول وغيره من الأقوال - على أنّ التّربية حالة إيجابية، لكن يجب أن تكون متدرَّجة ومتتالية مع المرحلة التي يمرّ بها الطفل؛ لأنّ مراعاة التدرّج في التّربية أحد العوامل المهمّة التي تُسهم إسهاماً فاعلاً في النجاح التّربوي، وأنّ البناء التّربوي الصحيح لا يمكن أن يُبنى ما لم يكن متلائماً مع المدّة العمرية التي يمرّ بﻫا الطفل.
والمنهج التّربوي لأهل البيت علیهم السلام عموماً يواكب حركة الإنسان في جميع مراحلها، ابتداءً من مرحلة شريك الحياة المناسب، مروراً بمرحلة الاقتران وانعقاد
1) 941. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج4، ص10.
الجنين ومراحل الطفولة الأُخرى، ويضع لكلّ مرحلة تعاليم خاصة بها، وتوجيهات منسجمة مع عمر الطفل الزمني والعقلي ومع حاجاته المادية والروحية(1).
وهذا التدرّج أبرز لنا رأيَ مدرسةٍ إسلاميّةٍ مهمّة في تربية وتنشئة الأبناء، وبدأت العديد من النظريات التّربوية الوضعيّة تُغيِّر من أراءها وفلسفاتها وتنحني إجلالاً أمام هذا الرأي السديد الذي صدر عن معصوم، وبالتالي عن الرسول الكريم محمد صلی الله علیه و اله ، ثمَّ عن السماء، فليس في هذه الآراء ضعف ولا سلبيات، كما في النظريات التّربوية والتعليمية الوضعية.
إنّ هذا التوجيه المبارك الصادر من إمام معصوم يمنح المعلّمين والمربّين وأولياء الأُمور خارطةً تربوية موضوعية صادقة، تُسهِّل عملهم في كيفيّة التّربية والتنشئة الاجتماعية الصحيحة الخالية من الأخطاء والعيوب.
ومن النُّظُم التّربوية - أيضاً - عند الإمام الصادق علیه السلام هو تربية الأُسرة لتُنتج مجتمعاً، عِبْرَ التعاطي مع الآخرين بصورة صحيحة ومعتدلة، من خلال المداراة بحسن خلقٍ ولطفٍ في التعامل.
كما أنّ الإمام علیه السلام ركّز كذلك على أهمّية التعاون والتزاور بين الناس والتوادّ، وبذلك يعلم كلٌّ منّا بما يُحيط الآخرين ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم وقضاء حوائجهم.
فأمّا ما يخصّ مداراة الناس، فقد ورد عنه علیه السلام أنّه قال: «قال رسول الله صلی الله علیه و اله : أمرني ربّي بمداراة الناس، كما أمرني بأداء الفرائض»(2).
وعنه علیه السلام قال: «قال رسول الله صلی الله علیه و اله : ثلاث مَن لم يكنّ فيه لم يتمّ له عمل: ورع يحجزه عن معاصي الله، وخُلق يداري به الناس، وحلم يردُّ به جهل الجاهل»(1).
وعنه علیه السلام : «رحم الله عبداً اجترّ مودّة الناس إلينا، فحدّثهم بما يعرفون وترك ما ينكرون»(2).
إنّ المربّي يجد أصنافاً من الناس يختلفون في أعمارهم وأجناسهم، ويختلفون في طاقاتهم وإمكاناتهم الفكريّة والعاطفيّة والسلوكيّة، ويختلفون في انتماءاتهم وولاءاتهم الطبقيّة والقبليّة والقوميّة والطائفيّة، ويختلفون في درجات قُرْبِهم وبُعْدِهم عن الدين، ويختلفون في نظرتهم للمربّي من حيث الاحترام والتقدير وعدمهما، ومن حيث الثقة به وعدمﻫا، وجميع ذلك بحاجة إلى المداراة(3).
ومبدأ المدارة هو أشبه بما أقرّته النظريات التّربوية الحديثة، هو ضرورة مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال في التّربية والتعليم، فلا يوجد هناك اثنان متشابهان إطلاقاً، فلكلِّ فرد قابليته وميوله ودوافعه واتّجاهاته وعواطفه وفكره وأُسلوبه الخاصّ الذي يميِّزه عن الآخرين.
ومن هنا؛ فلا بدّ من الاهتمام بالفروق الفردية بين الأطفال، أي: مداراة الأطفال والأفراد؛ لأنّ الأُسلوب أو الطريقة التي نجحت في تربية فرد ما قد لا تأتي بنتيجة إيجابية في تربية أخٍ له، فكيف بها مع أطفال وأفراد آخرين؟!
ويمكن أن نضيف إلى ما سبق أنّ الاستراتيجيات المستعملة في التدريس في مدارسنا اليوم يجب أن تحتوي على عناصر إعمال الفكر والتفكير والإبداع، والتعلُّم الذاتي،
ومراعاة الفروق الفردية، وهذا يقود إلى التفكير المعرفي وما وراء المعرفي، ومن أجل تحقيق ذلك لا بدّ من تظافر الجهود المبذولة من القائمين على العملية التعليمية.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ أُسلوب المدارة ليس فقط في التّربية والتعليم، بل أوجبه الشارع المقدَّس على لسان المعصومين علیه السلام في التعامل مع الناس؛ وذلك بسبب اختلاف الطباع والأمزجة والصفات النفسية والجسمية والعقلية بين الناس.
وما يخصّ التعاون والتزاور بين الناس، فإنّه علیه السلام قال: «رحم الله قوماً كانوا سراجاً ومناراً، كانوا دعاة إلينا بأعمالهم ومجهود طاقاتهم»(1).
وقال علیه السلام : «تزاوروا؛ فإنّ في زيارتكم إحياءً لقلوبكم وذكراً لأحاديثنا، أحاديثنا تعطف بعضكم على بعض، فإن أخذتم بها رشدتم ونجوتم، وإن تركتموها ضللتم وهلكتم، فخذوا بها وأنا بنجاتكم زعيم»(2).
إنَّ الإنسان مع ما أعطاه الله تعالى، من صفات، وسمات تميِّزه عن غيره من المخلوقات الموجودة على سطح الأرض، تظل قدراته الجسدية، والعقلية، قاصرة عن تحقيق كلِّ ما يطمح إليه من رغبات وأهداف، ما لم يتعاون مع الآخرين أخذاً وعطاءً، ويتعاون الآخرون معه لتحقيق الأهداف المشتركة التي يصبون إليها.
والفكر التّربوي الإسلامي يعمل على إيجاد المجتمع المسلم المتعاون، من خلال الاهتمام ببناء الإنسان أينما وجد، ليتربّى وفق القيم السماويّة التي أكّدها الله تعالى، كما في قوله جلَّ وعلا: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ»(3).
والتعاون بذلك صلة ورابط بين الإنسان وأخيه الإنسان، يعمِّق الشعور بالودّ والتعاطف والتقارب بين أفراد المجتمع الإسلامي، ومختلف أفراد بني البشر، بعيداً عن اللون أو الجنس، أو اللغة أو العِرق، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ »(1).
فالتعاون في الإسلام قاعدة أساسيّة في تربية المجتمع المسلم، لإعداد كلّ فرد إعداداً يؤهِّله أنْ يكون فرداً صالحاً، وعضواً نافعاً، وكائناً اجتماعياً متكيّفاً، مع المجتمع الإنساني الذي يعيش فيه.
كما أنَّ التعاون بين النّاس في الجوانب التّربوية يُحقّق فوائد ومزايا عديدة، لعل أبرزها وأهمّها تبادل الخبرات بين أفراد المجتمع؛ ممّا ينتج إمكانية أنْ يعلّم أحدهم الآخر كثيراً من الأُسس التّربوية الصحيحة، فتتعدد مصادر خبراتهم، وبالتالي يتحسّن مستوى كلّ فرد في الجانب التّربوي، ويعالج الضعف بشكل أفضل من الآراء الفردية.
إنّ التّربية في الإسلام قائمة على مجموعة من الخصائص التي عمل على تجسيدها، وقد تفردت بها عن بقية الفلسفات الموجودة في العالم، وهذه الخصائص هي:
1-إنّ التّربية في الإسلام ذات منبع إلهي، فالنُّظم التي تقدّمت لم يكن لأيّ إنسان أن ينظِّر لها.
2-إنّ التّربية في الإسلام ذات طابع أُممي عالمي، وهذه النُّظُم - المتقدِّمة - تنفع كلَّ العالم؛ لأنّها تتناغم مع العقل.
1) 950. الحجرات: آية13.
3-إنّ التّربية في الإسلام ذات طابع شمولي لكلِّ مكان وزمان، فإنّ بناء الفرد طبقاً لما قدَّمناه من نظام صالحٌ لكلّ الأمكنة والأزمنة.
4-إنّ التّربية في الإسلام ذات منهج ثابت لا يتغيَّر بالتناقض والازدواجية.
5-إنّ التّربية في الإسلام ذات طابع وسطي، والوسطية: هي عبارة عن عدم الإفراط والتفريط في كلِّ فقرة من فقرات بناء الذّات والمجتمع.
إن النظام التربوي من خلال الروايات الواردة عن الإمام الصادق علیه السلام تتناغم مع الروح العامّة لأُسس التربية الإسلاميّة، بل إنّها تغذّي النظرية التربوية الإسلاميّة؛ باعتبار وحدة المنبع الإلهي. وفيما يلي نقدّم بعض السمات التربوية في ضوء كلمات الإمام الصادق:
1- إنّ الفلسفة التّربوية عند الإمام الصادق علیه السلام تهدف إلى تشكيل نظام تربوي رصين قائم على أُسس علميّة؛ لأنّ أغلب الفلسفات التّربوية الوضعية تعتمد على أنظمة تربوية وفلسفية بشرية، وعلى الرغم من تقدُّم وتطوّر بعضها لكنّها لا تستطيع أن تصمد أمام التحديات التي تفرزها المجتمعات، والمشكلات التي تظهر بين الحين والآخر؛ لأنّ التّربية وأنظمتها كافّة كلّما كانت صحيحة تركت أثراً إيجابياً على تنشئة الفرد وعلى سلوكه وتصرفاته، والعكس صحيح، أي: كلّما كانت التربية ليست بالمستوى المطلوب تركت أثراً سلبياً على تكوين الفرد.
وكلّ ما صدر عن الإمام الصادق علیه السلام من توجيهات تربويّة كانت عين الصواب؛ لأنّها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة، وبالدور الذي أُوكل إليه كإمام معصوم مفترض الطاعة، يمارس دوره الإلهي بصورة فاعلة.
2- ويتجلّى لنا عند استقراء توجيهاته علیه السلام ونظرته للفرد والمجتمع، وتأكيده على أنّ البناء الاجتماعي الصحيح يتكوّن من النهوض بتربية الفرد وتعليمه القِيَم والأنظمة التّربوية الصحيحة، وأنّ التّربية الإسلاميّة - المبنيّة على تعاليم أهل البيت علیهم السلام - حوت كلَّ النُّظُم المتناهية التنظيم والتنسيق وعلى جميع أصعدة طبقات المجتمع.
3- إنَّ تربية الفرد والمجتمع - كما يرى الإمام الصادق علیه السلام - يجب أن تأخذ مبدأ الوسطية والاعتدال، وعدم الاهتمام بجانب على حساب الجوانب الأُخرى؛ لأنّ سعادة الفرد لا تتحقق من جهة واحدة، فحاجاته متنوّعة، ويجب أن تراعى كلّها، ويُوازَن بين الحاجات البايلوجية والسيكولوجية والعقلية والاجتماعية.
إنّ غياب الرؤية الصحيحة لاستقراء السلوك الإنساني - وكيفيّة بناء الشخصية المتّزنة بجوانبها المختلفة - أدّى بأصحاب الفكر التّربوي إلى البحث عن الأساليب الصحيحة في بناء الفرد والمجتمع، وتربيتهما على أُسس ذات أثر عميق تواكب التغيرات الحاصلة في الفكر والسلوك؛ لذا نسمع صيحات من علماء التّربية والتعليم ومنظِّري فلسفتهما، يدعون إلى إعادة النظر في الفلسفات التّربوية القائمة اليوم؛ لأنّها لم تَعُد قادرة على أن تبني الأُسس الصحيحة في التّربية والتعليم، أو لعجز بعضها أو أغلبها عن مواجهة المشكلات القائمة في سلوك الفرد والمجتمع. إنّ هذه الفلسفات التّربوية الوضعية لم تَعُد قادرة على بناء الإنسان بشكل متوازن يُحقِّق تفاعل الروح والجسد ويُنمّي العقل.
وكما هو معلوم، فإنّ فلسفة التّربية في الإسلام توازن بين طلب الدنيا وطلب الآخرة، فلا تمنع الإنسان من التمتّع بالطيبات الدنيوية كالمأكل والمشرب والملبس
والإشباع العاطفي والجنسي؛ لأنّ الحرمان يولِّد القلق والاضطراب، وهي في الوقت نفسه توجّه الإنسان إلى الإعداد للدار الآخرة بالالتزام بالأوامر والنواهي الإلهية، فلا يطغى طلب الدنيا على طلب الآخرة بالانغماس بالطيّبات والملّذات دون قيود وحدود، ولا يطغى طلب الآخرة على الدنيا بحرمان الإنسان من متعه المشروعة(1).
واليوم إذ أفرزت الحضارة المادّية أبشع صور الفساد الاجتماعي، وأقسى مراتب الاستبداد السياسي ممّا لا عهد للإنسان به منذ أقدم العصور، ورغم ما تتبجّح به الدول الكبرى من بلوغها درجة قياسية في التكنولوجيا، فإنّ المفاهيم الحضارية والمادّية الماسكة بزمام الأُمور، والتي تقف وراء هذا التقدُّم العلمي، هبطت إلى درجة من الانحطاط والتأخُّ-ر؛ لأنّها تعاملت مع الإنسان بتصوّر مادّي هبط به إلى أدنى مستويات الفشل الاجتماعي(2).
ولا زال المتخصّصون في شؤون التّربية يبذلون جهوداً كبيرة للوصول إلى منهج تربوي قادر على تربية الإنسان والمجتمع على أُسس سليمة صالحة، إلّا أنّها لم تتّفق على نقاط مشتركة يمكنها أن تكون ميزاناً ومعياراً للجميع؛ لاختلاف العلماء والباحثين في متبنّياتهم الفكرية، ولاختلافهم في معرفة القوى المؤثّرة في حركة الكون والحياة والمجتمع والتأريخ(3).
ومن هنا؛ لا بدّ من طرح رؤية تربويّة جديدة تأخذ معطياتها من الأفكار التي أكّدتها الرسالة السماوية السمحاء، وتصدّى لها الثقل الثاني الذي تركه الرسول الكريم محمد صلی الله علیه و اله ، وهم آل البيت علیهم السلام ، فإذا أردنا أن ننجح في رؤانا التّربوية لا بدّ
من أخذ التوجيهات السديدة من منبعها الأصلي ومن منظِّريها الحقيقيين الذين لا يبتعدون ولا ينفكّون عن الارتباط بالمنهج الربّاني الإلهي وبالقرآن الكريم.
من خلال ما تقدّم من بحث توصّلنا إلى النتائج الآتية:
1- إنّ المشروع التّربوي الإسلامي وفلسفته المثالية عند الإمام الصادق علیه السلام ، هو مشروع ناجح يصلح لكلّ المجتمعات من حيث التّربية والتعليم والتنشئة، أو من حيث حلّ المشكلات القائمة.
2- إنّ فلسفة التّربية في الإسلام عند الإمام الصادق علیه السلام تعمل على بناء الإنسان أينما وجد، ليتربّى وفقاً للقيم السماويّة الحقيقيّة الصادقة الملائمة لكلّ مكان وزمان.
3- إنّ الصراع بين الفلسفات التّربوية القائمة أثبت فشلها جميعاً في إيجاد حلول للوضع التربوي القائم والارتقاء به؛ لأنّها فلسفات وضعيّة غير دقيقة وغير متينة في صياغتها، وغير واقعية في علاجاتها.
4- لم تترك فلسفة التّربية الإسلاميّة عند الإمام الصادق علیه السلام الإنسانَ في محطة دون أُخرى، فهي ترافقه في مسيرة حياته منذ نشأته إلى أن يأذن الله برحيله من هذه الدنيا، وتهتمّ به وهو جنين في بطن أُمّه، إلى مرحلة ولادته، إلى طفولته وصباه وشبابه ورُشده وشيخوخته.
5- تركيز الإمام الصادق علیه السلام على أهمّية استعمال الأساليب التّربوية الناجحة في التعامل مع الأبناء؛ لأنّ نجاح التّربية الإسلاميّة منوط بنجاح الأساليب التّربوية المستعملة.
6- تأكيد الإمام الصادق علیه السلام في مواقف مختلفة على مبدأ التعامل مع الناس بصورة
عادلة، من غير تمييز أو مفاضلة بين أحد على حساب آخر، فالكلّ سواء في العملية التّربوية ومن دون تمايز بين غني أو فقير، أو غير ذلك.
7- جعل الإمام الصادق علیه السلام مبدأ الانفتاح كعامل أساس في مكوّنات التّربية الإسلاميّة، مؤكِّداً على ضرورة الابتعاد عن الانغلاق والجمود وعدم التفاعل مع مجريات الحداثة، بل إنّه علیه السلام خطَّ الأُسس العامّة للانفتاح التّربوي والعلمي الواعي على ما هو مفيد مع مراعاة بقاء التّربية الإسلاميّة هي الأصل، لكن لا بأس بأخذ ما هو مفيد من النظريات التّربوية أو العلمية الأُخرى.
الشيخ حسن العيساوي(1)
تُعدّ مدينة الكوفة من أهمّ المدن العربية والإسلاميّة؛ لما لها من مكانة دينية وموقع جغرافي مهم، بالإضافة إلى الوقائع المهمة التي توالت على أرضها. وقد لعبت هذه المدينة دوراً مهماً في صياغة كثير من الأحداث، ناهيك عن أثرها في تبلْوُرِ كثير من المسارات العلمية والثقافية.
وفي هذا المقال نسلط الأضواء على تلك المدينة من ناحية جغرافية، وتركيبة مجتمعها وواقعها السياسي ضمن ثلاثة محاور.
1) 954. باحث وكاتب إسلامي/ ماجستير من جامعة المصطفى.
لا شك في أنّ الكوفة مدينة عريقة، وقد وقعت فيها أحداث وتقلبّات كثيرة، فلا نستطيع أن نلم بجوانبها المختلفة هنا؛ لذا سنقتصر على بيان أربع جهات تمسّ حاجتنا إليها في هذا البحث، وهي:
اختلفت الأقوال في تسمية الكوفة، وقد ذُكرِت آراء متعددة في هذا المجال، فالزبيدي يقول: «الكوفة - بالضم - الرملة المجتمعة... مدينة العراق الكبرى وهي قُبة الإسلام ودار هجرة المسلمين»(1)، وقيل: إنّها الرملة الحمراء، وقيل: هي الرملة(2).
ونقل ابن منظور عن ابن سيدة: «الكوفة بلد سُميت بذلك لأنّ سعداً لمّا أراد أن يبني الكوفة ارتاد لهم وقال: تكوفوا في هذا المكان. أي: اجتمعوا فيه، وقال المفضل: إنّما قالوا: كوفوا هذا الرمل. أي نحُّوه وانزلوا، ومنه سُميت الكوفة»(3).
وقال الكسائي: «كانت الكوفة تُدعى كوفان»(4). وفيها قال أبو نؤاس:
ذهبت بنا كوفان مذهبها ***وعدمت عن ظرفائها خير(5)
«ويقال لها أيضاً: كوفة الجند. لأنّه اختطت فيها خطط العرب أيام عثمان، وفي العباب أيام عمر خططها السائب بن الأقرع بن عوف الثقفي وفي هذه التسمية قال: عبدة بن الطيب العبشمي:
إنّ التي ضربت بيتاً مهاجرة***بكوفة الجند غالت ودّها غول»(1)
وأما تأسيسها: فالكوفة لم تُعرف كمدينة مسكونة إلّا في الفتوحات الإسلاميّة؛ لأنّها كانت أرضاً سهليّة تصلح للزراعة، لخصوبة أرضها وقربها من نهر الفرات، حيث تقع على الضفة اليمنى منه في سهل يُدعى سورستان، من الاسم الفارسي شورستان، والتي تعني الصحراء(2).
وكانت العرب تُسمي هذه الأرض أرض السواد وهي تشمل الكوفة وباقي أرض العراق السهليّة، والتي فتحها المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب، وسموه سواداً لسواده بالزرع والأشجار؛ لأنّه حين تاخم جزيرة العرب - التي لا زرع فيها ولا شجر - فكانوا إذا خرجوا من أرضهم ظهرت لهم خضرة الزرع من الأشجار وهم يجمعون بين الخضرة والسواد في الأسامي، كما قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب وكان أسود اللون:
وأنا الأخضر مَن يعرفني***أخضر الجلدة من نسل العرب
فسموا خضرة العراق سواداً، وسُمَّي عراقاً لاستواء أرضه حين خلت من جبال تعلوا وأودية تنخفض، والعراق في كلام العرب هو الاستواء، قال الشاعر:
سقتم إلى الحقِّ لهم وساقوا***سياق مَن ليس له عراق
وكانت الكوفة بزراعتها الغنيّة أيام الأُمويين مصدراً لهم في زيادة أموالهم. وعندما استولوا على السلطة، جنى عبيد الله بن زياد خراج السواد فكان مائة ألف ألف وخمسة وثلاثون ألف ألف درهم(3).
بعد انتصار الجيش الإسلامي بقيادة سعد بن أبي وقاص في معركة القادسية الشهيرة لاحظ عمر بن الخطاب أنّ أفراد الجيش في المدائن قد تغيَّرت ألوانهم، ورأى ذلك في وجوه وفودهم فقالوا: «وخومة البلاد غيرتنا»(1).
ويبدوا أنّ عمر بن الخطاب استفسر عن سبب هذا التغيير في التعب الجسدي للجنود من سعد بن أبي وقاص فأجابه الأخير: «غيَّرتهم وخومة البلاد، والعرب لا يوافقها من البلاد إلّا ما وافق إبلها. فكتب إليه يبعث سلمان وحذيفة... »(2).
واختار مدينة الكوفة لتكون مركزاً للفتوحات الإسلاميّة فيما بعد، وقد وقع الاختيار عليها لسببين:
الأول: جوها المناسب لسكنى العرب من جهة الغرب حيث نقاوة الهواء ومسرح الإبل، وتمتاز من جهة الشرق بقربها من نهر الفرات الذي يشكل مانعاً بوجه الغزاة، بالإضافة إلى الاستفادة منه في إرواء الأراضي الزراعية القريبة منه، أو بشق الأنهار والجداول لسقي المناطق البعيدة(3).
الثاني: موقعها الجغرافي الذي يساهم في فرض السيطرة على طول منطقة الفرات من الناحية الحربية(4).
وقد استغل ابن زياد هذا الموقع فجعل الدوريات العسكرية من الكوفة إلى باقي مناطق العراق والحجاز لمنع أيّ شخص من الالتحاق بمعسكر الإمام الحسين علیه السلام .
وفي سنة سبع عشرة للهجرة تحرّك الجيش الإسلامي من المدائن قاصداً الكوفة؛ لتكون هذه السنة بداية تمصير المدينة وإعمارها.
وبدأت القبائل العربية - والتي تشكِّل الجيش الإسلامي في ذلك الوقت - ببناء بيوتها من القصب حسب أوامر عمر بن الخطاب، الذي كان لا يريد لهذا الجيش الاستقرار في المدن خوفاً من تركهم للجهاد، فلم يسمح لهم بالبناء باللبن(1)، إلّا بعد الحريق الذي وقع في الكوفة ليسمح بعدها لأفراد الجيش البناء باللبن، ولكن شرط عليهم أن لا يزيد كلّ مقاتل عن ثلاث غرف في داره(2).
ولمّا وصلت القبائل العربية إلى الكوفة «كان عدد أهل اليمن منها اثني عشر ألف نسمة، وأهل نزار ثمانية آلاف نسمة»(3)فجعل سعد بن أبي وقاص القرعةَ بينهم، فكانت الجهة الشرقية من المسجد لأهل اليمن، وهي أفضل لهم؛ لأنّها قريبة من النهر وهم مشهورون بالزراعة، فتلاءمت هذه الجهة مع رغباتهم، وأمّا نزار فكانت لهم الجهة الغربية من المسجد.
ونزل أيضاً جماعة من الفرس في الجهة الغربية، وهم من حرس الشرف لكسرى ويدعون (جند شهانشاه) التحقوا مع جيش سعد عندما انهزم رستم في القادسية وشاركوا معه في فتح جلولاء «وأنزلهم سعد حيث اختاروا، وفرض لهم العطاء، وتخالفوا مع زهرة بن حوية، وكان لهم نقيب يُقال له: ديلم. فقيل: حمراء ديلم. لأنّ العرب تُسمي العجم الحمراء»(4).
كان تخطيط الكوفة في بداية الأمر تخطيطاً بدائياً، لكنه تميّز ببعض المميزات، حيث لم يكن عشوائياً، بل وُضع وفق خطة خاصة، فحينما «تم ّ تمصير الكوفة شُقّت فيها شوارع سكك، وكان عرض السكّة خمسين ذراعاً، وكانت السكّة تُنوَّر أثناء الليل بالمشاعل، وقد وصل إلينا أسماء السكك: سكة البريد، وسكّة العلاء، وسكّة بني محرز، وسكّة شبث، وسكّة عميرة، وسكّة دار الروميين من قصر الإمارة... وكانت تُعرف بأسماء الأعلام والتجّار من قبيل عنترة الحجام»(1).
وأما الأزقّة، فكان عرضها سبعة أذرع، وأمّا المنهج - وهو الحد الفاصل بين صفوف الخيام الواقعة في خطط القبائل - فكان أربعين ذراعاً والفاصلة بين القطائع ستّون ذراعاً، فكانت المناهج خمسة عشر منهجاً، في شمال المسجد خمسة، وفي جنوبه أربعة، وفي شرقه ثلاثة، وفي غربه ثلاثة(2).
يحدثنا التأريخ عن جملة من الأحياء التي اشتُهرت في تاريخ الكوفة، نذكر منها ما يلي:
وهي محلّة تقع في الجزء الشمالي الغربي من المسجد في قبيلة كندة، وإليها ألتجأ مسلم علیه السلام عندما بقي وحيداً وأراد الخروج من الكوفة، فذهب ووقف على دار طوعة، وكانت واقفة على باب بيتها، فسقته وأدخلته بيتها حتى الصباح، عندها
هجم عليه عسكر ابن زياد بقيادة ابن الأشعث بعد أن أخبرهم ابنُها بلال بوجوده(1)، فكانت المواجهة المسلّحة بين مسلم علیه السلام والعسكر، والتي انتهت بأسر مسلم علیه السلام .
هي مزبلة لأهل الكوفة ومكان النفايات والأوساخ حتى استقطعها عنبسة بن سعيد بن يزيد بن عبد الملك، وكان خلفها باب لدار الإمارة تُدعى باسمها، ومنها دخل الأشراف والأعوان من أهل الكوفة لنصرة ابن زياد عندما حاصر مسلم بن عقيل علیه السلام قصر الإمارة، وقد ساهم دخولهم في تقوية معنويات ابن زياد ودعمه في محاربة مسلم علیه السلام .
وهي منطقة في الكوفة تقع في الجهة الشرقية من المسجد، وفيها صُلبت جثث جماعة من أصحاب مسلم علیه السلام .
عند استقرار الناس في الكوفة خُطّت الأسواق لهم؛ لتنظيم حياتهم الاقتصادية وتنشيط عملية التبادل التجاري فيما بينهم من جهة، وبين أهل الكوفة والبدو الذين يقصدون الكوفة لشراء ما يحتاجونه منها من جهة أُخرى. وقد ازدهرت الكوفة بالصناعات اليدوية؛ لأنّ المهاجرين إليها هم من سكان مدن الجزيرة العربية واليمن، وقد حملوا معهم صناعاتهم وحرفهم.
وقد خُطّت الأسواق بالقرب من القصر، ولكن سعد بن أبي وقاص كان يغلق باب القصر ويأمر الناس بالسكوت حتى لا تصل غوغاؤهم إليه، وتؤثر عليه؛ لذلك
1) 973. المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص54.
كانوا يقولون: إنّ سعد بن أبي وقاص قال: «سكن عنِّي الصويتُ»(1).
ثمّ خطت بعد ذلك من المسجد والقصر إلى دار الوليد بن عقبة من جهة، وإلى القلائين من جهة أُخرى، وإلى منازل ثقيف من جهة ثالثة(2).
وكانت الأسواق في بادئ أمرها لا بناء فيها سوى ظلال بواري من الحصير كان يضعها الباعة لتظللهم في الأماكن التي يختارونها للبيع والشراء، وكان نظام الأسواق على سنّة المسجد، فمَن سبق إلى موضع فهو له حتى يفرغ منه(3)، وظلت كذلك حتى زمن ابن زياد الذي أمر بتسقيف هذه الأسواق وبنائها(4).
وفي هذه الأسواق مرّت سبايا الحسين علیه السلام يتقدَّمهم الإمام زين العابدين علیه السلام ، وقد ازدحم أهل الكوفة فيها يتفرّجون عليهم وهم بين باكٍ وشامت.
ومن تلك الأسواق ما يعرف ب-(سوق الغنم) الذي يقع في الجانب الشرقي للكناسة (والكناسة هي مزبلة لبني أسد) وهنا قُتل هانئ بن عروة رضوان الله تعالى عليه وهو ينادي قبيلته، فلم يتقدَّم أحد منها لنصرته أو تخليصه من شرطة ابن زياد، مع أنّ سوق الغنم كان على تخوم محلّة مذحج، ولكن الخوف والجبن منعهم من نصرته حتى أُعدم علیه السلام وسُحبت جثتُه في شوارع وأزقّة الكوفة.
تتميز مدينة الكوفة بوجود طرق متعددة فيها، وقد عرفت تلك الطرق بأسماء خاصة، نستعرض فيما يلي أهمّ تلك الطُرُق:
أ) طريق الحج إلى مكّة والمدينة: وهو أهمّ الطرق فيها؛ لذلك فإنّ أهل الكوفة إذا أرادوا الخروج إلى مكّة «خرجوا على جهة القبلة، فتكون أول المنازل لهم القادسية، ثمّ المغشية، ثمّ القرعاء، ثمّ واقصة، ثمّ العقبة، ثمّ، ثمّ الشقوق، ثمّ بطان، وهذه الأربعة أماكن ديار بني أسد، والعليبة وهي مدينة على سور، والجفر منازل طي، ثمّ إلى مدينة يد، وهي التي ينزلها عمّال طريق مكّة وأهلها قيس وأكثرهم بنو عبس والنقرة، ومنها يعطف الطريق مَن أراد المدينة أو أرا د أهلها»(1). وهذا الطريق سلكه الإمام الحسين علیه السلام مع أهل بيته في قدومه من مكّة قاصداً الكوفة، حتى اعترضه جيش الحرّ بن يزيد الرياحي، فغيّر مسير الركب إلى كربلاء.
ب) طريق البصرة: يتفرّع هذا الطريق من الكوفة والقرعاء، ومنها إلى مارق، ومنها إلى القلع، ثم إلى سلمستان، ثمَّ إلى أقر، ثمَّ إلى الأخاديد، ثمّ إلى عين صيد، ثمّ إلى عين جمل، ثمّ إلى البصرة، ومسافة هذا الطريق 85 فرسخاً، وقد سلك هذا الطريق عبيد الله بن زياد عندما توجّه إلى الكوفة، حتى يصل إليها قبل الإمام الحسين علیه السلام .
ج) طريق دمشق: يتفرّع من الكوفة أيضاً، ومن الحيرة كذلك، وأول مرحلة منه إلى القطقطانة، ثمَّ إلى البقعة، ثم إلى الأبيض، ثمّ إلى الحوشي، ثمّ إلى الجمع، ثمَّ إلى الخطي، ثم إلى الجبة، وإلى القلو في الرواري، إلى ساعدة، ثمّ إلى البقيعة والأعناك، ثمَّ إلى أذرعات فالمنزل فدمشق(2).
وقد سلكت سبايا الحسين علیه السلام هذا الطريق عندما أمر يزيدُ واليَ الكوفة بإرسالهم إلى دمشق.
د) طريق كربلاء: الكوفة من ناحية الشمال، النخيلة، كربلاء(1)، وحاول عبيد الله بن زياد إحكام السيطرة على هذا الطريق ليمنع أنصار الحسين علیه السلام من أهل الكوفة من الالتحاق بمعسكره والقتال معه في كربلاء.
حظيت مدينة الكوفة بمنزلة علمية ساهمت في نشر وتطور بعض العلوم، ولا زالت آثارها تُدرس في وقتنا الحاضر، حيث يقف النحويون على آراء روَّاد هذه المدرسة في دروس اللغة العربية وقراءة القرآن. وفيها أيضاً نشأت مدرسة أهل البيت علیهم السلام ، وخاصّة عندما نقل الإمام علي علیه السلام عاصمته إليها، فالتفّ حوله أهل الكوفة ينهلون من علمه وبيانه، ليكون منهجاً في دراستهم، فبزغ منهم أكابر العلماء الذين يشهد العدو والصديق بفضلهم، أمثال: مِيثم التمار، ورُشيد الهجري، وكُميل بن زياد (رحمهم الله) وغيرهم.
ومن جهة أُخرى، فإن الكوفة من الأماكن التي حظيت بمنزلة خاصة، فعن أبي الحسن موسى بن جعفر علیه السلام ، عن أبيه علیه السلام ، عن آبائه، قال: «قال رسول الله صلی الله علیه و اله : إنّ الله اختار من البلدان أربعة، فقال الله: «وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَوَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ »، فالتين المدينة، والزيتون بيت المقدس، وطور سينين الكوفة، وهذا البلد الأمين مكة»(2).
وعن الإمام أبي جعفر علیه السلام ، عن أمير المؤمنين علیه السلام «في قوله تعالى: « وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ »، قال: الربوة الكوفة، والقرار المسجد، والمعين الفرات»(3).
وعن الإمام أبي عبد الله علیه السلام في فضل أهل الكوفة: «إنّ الله عرض ولايتنا على أهل الأمصار فلم يقبلها إلّا أهل الكوفة»(1).
بالإضافة إلى ذلك هناك بعض الأماكن الميزة في مدينة الكوفة لها أهمية دينية وسياسية، نذكر منها:
يظهر من المصادر التاريخية أنّ مسجد الكوفة كانت آثاره باقية عندما دخلها سعد بن أبي وقاص؛ لذلك لمّا انتهى إلى موضع مسجدها أمر رجلاً رامياً شديد الرمي، فرمى من المسجد إلى أربع جهات، وحيث سقط سهمه بنى الناس منازلهم، ولما انتهى من تحديد هذه العلامات سمح للناس بالبناء فيها، وترك هذه المساحة بين المسجد ونهاية سقوط السهام فارغة للاستفادة منها في تجميع الجيش وتجهيزه للغزوات والحروب مع الفُرس أو الروم.
ودلّت الأخبار الكثيرة على أنّ أول مَن خطَّ مسجد الكوفة هو آدم علیه السلام ، وأنّ مسجد الكوفة ببنائه الحالي قد نقص عن مساحته كثيراً، فقد ذكر الصدوق في كتاب مَن لا يحضره الفقيه، والمجلسي في البحار بالإسناد عن الصادق علیه السلام أنّه قال: «حدُّ مسجد الكوفة آخر السرّاجين خطّه آدم، وأنا أكره أن أدخله راكباً فقيل له: فمَن غيَّره من خطته؟ قال: أمّا أول ذلك فالطوفان في زمن نوح، ثمّ غيَّره أصحاب كسرى والنعمان بن المنذر، ثمّ غيَّره زياد بن أبي سفيان»(2).
وتميّز مسجد الكوفة بموقع سفينة نوح الذي لا زال موجوداً إلى الآن، حيث فار التنور من زاويتيه، ونُجرت السفينة في وسطه.
فعن الصادق علیه السلام أنّه قال: «إنّ مسجد الكوفة رابع أربعة مساجد للمسلمين، ركعتان أحبّ إليّ من عشرة فيما سواه، ولقد نُجرت سفينة نوح في وسطه وفار التنور من زاويتيه والبركة منه على اثنى عشر ميلاً من حيث ما أتيته، ولقد نقص منه اثنا عشر ألف ذراع بما كان على عهدهم»(1).
وفي مسجد الكوفة يتخيَّر المسافر بين القصر والتمام، وذهب أكثر الإمامية إلى ترجيح الإتمام، وخلافه شاذ نادر، وروي عن الصادق علیه السلام ، قال: «من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن: مكّة، والمدينة، ومسجد الكوفة، وحائر الحسين علیه السلام »(2).
ويُستحب الاعتكاف في مسجد الكوفة، فقد وردت الأخبار عن الأئمّة علیهم السلام في فضل الاعتكاف فيه، وقد عمل العلماء بهذه السنة فكانوا يتعبّدون في هذا المسجد الشريف، وقد سُئل الإمام أبو عبد الله علیه السلام عن الاعتكاف فقال: «لا يصلح إلّا في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول، أو مسجد الكوفة، أو مسجد جماعة، وتصوم ما دمت معتكفاً»(3).
وأمّا فضل الصلاة فيه، فعن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله علیه السلام قال لي: «أتُصلي الصلاة كلها في مسجد الكوفة؟ قلت: لا. قال: أما لو كنت بحضرته لرجوت أن لا تفوتني فيه صلاة. قال: وتدري ما فضله؟ قلت: لا. قال: ما من عبد صالح ولا نبي إلّا وقد صلى في مسجد كوفان. حتى أن رسول الله صلی الله علیه و اله لما أُسري به
قال له جبرئيل علیه السلام : أتدري أين أنت مقابل مسجد كوفان؟ فقال: استأذن ربك حتى أهبط فأُصلي فيه. فاستأذن. فأذن له. فهبط، فصلى فيه ركعتين. وإن الصلاة المكتوبة فيه تعدل بألف صلاة، وإن النافلة فيه تعدل بخمسمائة صلاة، وإن مقدمه لروضة من رياض الجنة، وإن ميمنته روضة من رياض الجنة، وإن ميسرته روضة من رياض الجنة، وإن مؤخره روضة من رياض الجنة، وإن الجلوس فيه بغير صلاة ولا ذكر لَعبادة، ولو علم الناس ما فيه لأتوه ولو حبواً»(1).
خطط سعد بن أبي وقاص دار الإمارة بجانب مسجد الكوفة ليكون مركزاً لقيادته «وأول ما بناه على شكل ثلاث غرف جعل الباب الرئيسة في باحة القصر، وجعل باباً ثانياً في حائط المسجد لوصله إلى المحراب عند الصلاة»(2). وحينما وصل خبر تحرّك مسلم علیه السلام إلى ابن زياد - في الثورة التي كادت أن تُطيح بابن زياد - دخل مذعوراً قصر الإمارة عن طريق باب المحراب، خائفاً من جيش مسلم علیه السلام فأحكم غلق الأبواب وحصّن نفسه.
ولمّا تعرَّض بيت مال المسلمين للسرقة والنهب أمر سعد بن أبي وقاص ببناء السور لحمايته من اللصوص، ووسع زياد بن أبيه دار الإمارة ليكون بناءً مربّعاً، وأظهرت التقسيمات الأخيرة لدائرة الآثار العراقية أنّ طول دار الإمارة 110. 36 متراً وسُمك الجدران 1. 80، وفي بعض الأجزاء قد يصل إلى مترين، وقد دعم كلَّ ضلع من الجدران الأربعة بأربعة أبراج نصف دائرية لتقويتها، وكانت المسافة
بين كلِّ برج وآخر 18. 30 متراً، وأمّا الأركان فقد قويَّت ببرج مستديرة يبلغ ثلاثة أرباع الدائرة(1).
«وجعلت باب الدار الرئيسية في الجهة الشمالية في وسط الضلع الشمالي لمدخل السور الرئيسي، وبين باب السور وباب دار الإمارة مدخلاً عرضه 2. 70 متراً ينتهي بقاعة مربعة عليها قبة»(2).
وهي التي جلس فيها عبيد الله بن زياد عندما كان أميراً للكوفة حيث وُضِع له سرير وقد أحاط به الأشراف والحرس وقائد الشرطة والمقرَّبون منه وأُدخلت عليه ضعينة الحسين علیه السلام بعد انتهاء واقعة الطفّ ومعهم الإمام زين العابدين علیه السلام مكبَّلاً بالقيود والأغلال.
وأمّا السور، فإنّ زياد بن أبيه أعاد بناءه أيضاً، وقد وسّعه فبلغ عرضه 170 متراً وطوله كذلك، وأمّا معدل سُمك الجدران فأربعة أمتار. ويؤكِّد أحد المختصّين في علم الآثار أنّ ارتفاع هذا السور يصل إلى عشرين متراً، والذي يرجِّح هذا الاستنباط أنّ أساس هذا السور كان عريضاً ممّا يظنّ فيه أنّه كان يتّخذ لرفع البناء إلى ما يقرب هذا التحديد.
ومن أعلى هذا السور رُميت جثّة مسلم بن عقيل علیه السلام ، بعد أن أمر ابن زياد أن يُصعد به إلى أعلى القصر ويُقطع رأسه وتُرمى جثّته من فوق السور؛ ليمنع أصحابه من الدخول لإنقاذه، بالإضافة إلى أنّ ابن زياد أراد أن ينظر أكبر عدد ممكن من أهل الكوفة إلى إعدام مسلم علیه السلام بهذه الطريقة الوحشية؛ ليدخل الخوف والرعب في قلوبهم، ويمتنعون عن القيام بأي حركة ضده.
بما أن الكوفة مركز مهمّ وحسّاس فقد أصبحت محطَّ أنظار كثير من العرب
المسلمين، وذلك لأنّها مدينة حيويّة، تتميز بموقع زراعيّ و تجاريّ آنذاك، فاستوطنها كثير من السيّاح والتجّار؛ لذا أصبح مجتمعها متنوعاً.
وما يهمّنا هنا في هذا المحور هو الحديث عن هذا المجتمع بتنوِّعه وقبائله وتوزيعه على المدينة، فالكلام يقع في جهتين:
كانت قبائل الكوفة مقسّمة إلى عشرة أقسام، ولكن سعد بن أبي وقاص كتب إلى عمر بن الخطاب في تعديلهم فكتب إليه أن عدِّلهم، فأرسل إلى قوم من أنساب العرب وذوي رأيهم وعقلائهم - منهم سعيد بن نمران ومشعلة بن نعيم - فعدلوهم على الأسباع وجعلوهم أسباعاً(1). فأصبح التقسيم على النحو التالي:
1- كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وغيرهم.
2- جديلة: وهم بنو عمرو بن قيس عيلان.
3- قضاعة ومنهم غسان بن شبام، وبجيلة، وخثعم، وكندة، وحضرموت، والأزد.
4- مذحج، وحميرة، وهمدان وحلفائهم.
5- تميم، وسائر الرباب، وهوزان.
6- أسد، وغطفان، ومحارب، والنمر، وضحة، وتغلب.
7- أياد، وعك، وعبد القيس، وأهل هجر، والحمراء(2).
وكان على كلّ قسم من هذه الأسباع أمير وحامل راية تميّز القبائل في القسم الواحد، وكانت الدولة تمدّ الأميرَ بما يحتاجه من أموال وأرزاق ليوزعها على أفراد
القبائل الذين تحت إمرته.
وقد وُزِّعت القبائل للسكن في الكوفة وفقاً للتخطيط الذي بعثه عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص وأمره بالعمل به، فأصبح توزيع القبائل كالآتي:
1- شمال المسجد: المنهج 1 و 2 لقبيلتي سليم وثقيف، والمنهج 3 لهمدان، والمنهج 4 لبجيلة، والمنهج 5 لتميم وتغلب.
2- جنوب المسجد: خصص المنهج 10 للأنصار ومزينة، والمنهج 11 لتميم ومحارب، والمنهج 12 لأسد وعامر.
3- شرق المسجد: خصص المنهج 13 لبجالة وبجلية، والمنهج 14 لجديلة واللفيف والمنهج 15 لجهينة واللفيف(1).
إنّ الجيش الإسلامي كان يعتمد اعتماداً مباشراً على هذه القبائل التي يطلب مشاركتها عند إعلان الحرب، وخاصةً في فترة الفتوحات الإسلاميّة التي انطلقت من الكوفة، وكانت القبيلة تختار رجلاً ليمثلها عن القائد العسكري للجيش الذي يُسمى أميراً، ويكون هذا الشخص الممثِّل لقبيلته، أشرفهم منزلةً وأوسعهم علماً، وأحسنهم أخلاقاً حتى يتمّ ترشيحه لهذا المنصب المهم.
وقد أعطى الإمام علي علیه السلام الحرية في اختيار مَن يمثل القبائل في جيشه الذي اشترك في الحرب ضد معاوية في معركة صفّين، فكان على رأس الأسباع:
1- سعد بن مسعود الثقفي، على قيس وعبد القيس.
2- معقل بن قيس اليربوع، على غيم وخبه وقريش وكنانه وأسد.
3- محنف بن سليم، على الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار وخزاعة.
1) 994. الجنابي، كاظم، تخطيط مدينة الكوفة: ص78.
4- حجر بن عدي الكندي، على كندة وحضرموت وقضاعة ومهرة.
5- زيادة بن النظر، على مذحج والأشعريين.
6- سعيد بن قيس بن مرّة الهمداني، على همدان ومَن معهم من حِمْير.
7- عدي بن حاتم الطائي، على طيء ويجمعهم الدعوة مع مذحج، وراية مذحج مع زياد بن النضر، وراية طيء مع عدي بن حاتم(1).
وبقي نظام الأسباع في الكوفة حتى عهد زياد بن أبيه الذي تمّ استبداله بنظام الأرباع(2)، وألغى اختيار القبيلة للأفضل الذي يمثلها، واستبداله بمَن هو أشدّ ولاءً في القبيلة للحزب الأُموي، ومَن له نشاط في خدمته، وأن يكون تاريخه معروفاً بذلك، وإن كانت القبيلة لم توافق عليه ممثلاً عنها، بل حتى لو كانت تعاديه وتنبذه.
ولم يهتمّ زياد بن أبيه بالفضائل الأخلاقية والملكات النفسية الكريمة التي يمتلكها الشخص الذي اختاره ليكون مسؤولاً عن كلّ قسم، فقد جعل على ربع أهل المدينة عمرو بن حريث، وجعل على ربع تميم وهمدان خالد بن عرفطة، وجعل قيس بن الوليد على ربع ربيع وكندة، وجعل أبا بردة بن أبي موسى على مذحج وأسد(3)، «وقد ساهم هذا التنظيم الجديد في إضعاف القبائل المناوئة للأُمويين، وتخفيف حدّة العصبية القبليّة وصولاً إلى ممارسة الدولة لسلطتها ومسؤولياتها، في تنظيم الجيوش وترتيب القيادات والسيطرة على توزيع العطاء على المقاتلين»(4).
وفي فترة عبيد الله بن زياد ازدادت سيطرة الأُمويين على قبائل الكوفة؛ لأنّ ابن
زياد جعل للعرفاء الصلاحية المطلقة في توزيع الحقوق المالية والأرزاق على حسب ولاء الفرد للأُمويين.
وجعل المقاتلة - وهم الجناح العسكري في القبيلة - على اتّصال مباشر بالدولة، بعد أن نظّم السجلات لهم في ديوان الجند، وبهذا التنظيم الدقيق والمتقن من ابن زياد، فقدت القبيلة وزعيمها مراكزها في مقابل أوامر ونواهي الدولة، وخاصّة في النزاعات المسلحة؛ لأنّ أفرادها مرتبطون بنظام الجيش المركزي للمدينة يتعرّضون إلى أقصى العقوبات والتي تصل إلى عقوبة الإعدام إذا خالفوا تعاليم القائد العسكري للمدينة، أو اشتركوا مع القبيلة ضده، وهذا ما حدث مع هانئ بن عروة، وهو كبير عشيرة مذحج والذي قُتل ولم يتقدَّم أحدٌ لنصرته خوفاً من عقوبة ابن زياد لهم.
1- قبيلة همدان: من القبائل العربية التي أسلمت على يد الإمام علي علیه السلام ، في اليمن حيث مكان سكناها، ثمَّ انتقلت مع الجيش الإسلامي إلى المدينة والكوفة وشاركت في حروب الإمام علي علیه السلام وخاصّة في حرب صفين، عندما كان عليهم سعيد بن قيس، وقد أبلى بلاءً حسناً، هو وعشيرته حتى جزع منهم معاوية جزعاً لمّا رأى شدَّة بأسهم وقوتهم، وما لحق بجيشه من هزيمة بسببهم، وقد مدحهم الإمام علي علیه السلام بقوله:
لوكنتُ بوّاباً على الجنّة***لقلتُ لهمدان ادخلي بسلام(1)
وقد استُشهد عدد من أبطال هذه القبيلة في سبيل نصرة الإمام الحسين علیه السلام ، أمثال:
1- أبو تمامة الصائدي والذي كان يقبض الأموال من الشيعة بأمر من مسلم بن
1) 999. المنقري، ابن مزاحم، وقعة صفين: ص437.
عقيل علیه السلام ويشتري بها السلاح، وبعد استشهاد مسلم علیه السلام توجّه إلى كربلاء ليشترك مع الإمام الحسين علیه السلام حتى استُشهد بين يديه، وهو الذي قال له الإمام الحسين علیه السلام : «لقد ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين»(1).
2- برير بن خضير المشرقي الهمداني، سيد القرّاء في الكوفة، وقد استُشهد بعد أن ضربه كعب بن جابر الأزدي برمحه.
3- حنظلة بن أسعد الهمداني الكوفي.
4- خالد بن عمرو الصيداوي الهمداني قتل بعد أبيه.
5- زياد بن عريب الصائدي الهمداني الكوفي.
6- سوار بن أبي عمير الهمداني الكوفي.
7- شوذب بن عبد الله الهمداني الشاكري الكوفي.
8- عابس بن شبيب الشاكري الهمداني.
9- عبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي الهمداني الكوفي(2).
2- قبيلة كندة: من القبائل العربية التي سكنت الكوفة واشتُهرت باسم زعيمها وقائدها الصحابي الجليل حجر بن عدي الكندي، الذي كان من الموالين للإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، وقد اعترض على سياسة زياد بن أبيه الظالمة حتى حصلت المواجهة بينه وبين الجيش الأُموي فاعتُقل مع جماعة من أصحابه المخلصين، ثمَّ أرسلهم ابن زياد إلى معاوية لينفذ حكم الإعدام بهم، وقد شارك في نصرة الإمام الحسين علیه السلام من هذه القبيلة الحارث بن أمرئ الكندي الكوفي، وأبو الشعثاء الكندي(3).
3- قبيلة مذحج: وهي من القبائل المعروفة، وينسبها أهل الأنساب إلى مذحج بن مالك بن أدد(1)، ويُعتبر مالك الأشتر من شجعان هذه القبيلة وأكثرهم وفاءً لأمير المؤمنين علیه السلام ؛ إذ إنّه يرجع إلى النخع، والنخع من أكبر بطون بني مذحج(2).
ومنها هانئ بن عروة الذي وقف موقفاً عظيماً في نصرة رسول الحسين علیه السلام ، عندما أدخله داره وأوفى بعهده في حمايته حتى قُتل دونه، ولم يتعاون مع عبيد الله بن زياد.
4- قبيلة طيء: من القبائل العربية التي عاشت في الجزيرة العربية(3)، ثمَّ انتقلت إلى الكوفة مع الجيش الإسلامي، وشارك من هذه القبيلة في نصرة الحسين علیه السلام عامر بن حسان الطائي.
عندما انتقلت القبائل العربية من مكّة والمدينة إلى الكوفة انتقلت معها وجهات النظر السياسيّة المختلفة في إدارة الأُمّة وقيادتها؛ الأمر الذي صيّر المجتمع الكوفي أكثر تعقيداً؛ لذا حينما وصل مسلم علیه السلام إلى الكوفة كان هناك اتجاه يرى أنّ الخلافة تنصيب إلهي منحصر في أهل البيت علیه السلام ، بالإضافة إلى وجود حزبين؛ مما جعل الكوفة تتجاذب إلى ثلاثة اتجاهات وهي:
1- الاتجاه الشيعي: ويُمثل هذا الاتجاه شيعة الإمام علي علیه السلام الذين التزموا بأوامر الرسول الكريم صلی الله علیه و اله في بيعة الغدير، وأطاعوا الإمام علیه السلام واتّبعوه، دون غيره من الخلفاء واشتركوا في حروبه - الجمل وصفين والنهروان - والتي كان لأهل الكوفة
فيها دور كبير.
وعندما جعل الإمام علي علیه السلام الكوفة عاصمة له؛ ترسخت جذور شيعة الكوفة وأخذوا ينهلون من فيض وجوده المبارك وخاصّة العلماء والأُدباء والمحدّثين، فحفظوا خطبه واستمعوا إلى حديثه، وكانوا يسألونه ويستفسرون منه عن أُمور دينهم ودنياهم، وقد نقلوا خُطَبَه الشريفة وأحاديثه من جيل إلى آخر وإلى يومنا في كافة شؤون الحياة السياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة.
وعندما دخل مسلم الكوفة، نشط زعماء هذا التوجه في توحيد صفوف الشيعة وأخذ البيعة منهم لمسلم بن عقيل علیه السلام ، وقاموا بثورة عندما سُجِن هانئ بن عروة في دار الإمارة، ولكن ثورتهم فشلت وقُتل قائدهم وسُجن بعض زعمائهم والبعض الآخر التحق بمعسكر الحسين علیه السلام .
2- الحزب الأُموي: وهو الحزب الذي أنشأه عثمان بن عفان في المدينة إبّان خلافته، عندما دعم بني أُمية بشكل مطلق، ومدّهم بالأموال، وثبت نفوذهم في البلدان الإسلاميّة عندما عيَّنهم أُمراء عليها، وكان معاوية بن أبي سفيان من أنشط أعضاء هذا الحزب حيث نجح في نشره في بلاد الشام، وثبّت في نفس الوقت مكانته بين الناس كي يتمكّن من زيادة أنصاره وأعوانه؛ ليتحدّى بهم الدولة الإسلاميّة المركزية، ويرفض قرار عزله عن بلاد الشام، ويجنِّد أفراد الحزب الموالين له لشنّ حرب ضد الإمام علي علیه السلام الخليفة الشرعي، ويطلب الخلافة لنفسه.
واستطاع بحيله الباطلة أن يكسب لحزبه شخصيات مهمّة من أهل الكوفة، إضافة إلى عامة الناس بعد أن أغراهم بالأموال، أمثال شريح القاضي، والأشعث بن القيس، وغيرهما ممَّن كان له دور وتأثير كبير في إيقاف معركة صفِّين وإجبار
الإمام علیه السلام على الصلح.
وبعد صلح الإمام الحسن علیه السلام أدرك معاوية عظمة مدينة الكوفة فكرياً، حيث العلماء والفقهاء بحلقاتهم العلمية في مسجد الكوفة، واقتصادياً لوجود الأراضي الزراعيّة الخصبة التي تشكل مورداً مالياً ضخماً للخلافة، والتي يهتمّ بها معاوية كثيراً لأنّها تشكِّل العمود الفقري لسياسة حزبه.
لذا؛ ولأجل السيطرة على الواقع الكوفي عُيِّن زيادُ ابن أبيه - المعروف بظلمه وغطرسته وعدائه الشديد للإمام علي علیه السلام - والياً عليهم، وأمره معاوية بأن يُسبَّ الإمام علي علیه السلام على المنابر، فكان الخطيب الأُموي يفتتح خطبة الجمعة بسبِّ ولعن الإمام علیه السلام . وبذلك أصبحت فترة ولاية زياد بن أبيه من أشدّ السنين ظلماً على شيعة الكوفة، حيث القتل والسجن والتعذيب لكلِّ معارض أو مخالف للحزب الأُموي، والترغيب والتشويق بالأموال لكلِّ مَن ينضمّ ويرتبط بالحزب الأُموي.
ولمّا دخل مسلم علیه السلام الكوفة كان الحزب الأُموي قد مرّت عليه عشرون سنة في السلطة، فالأجهزة الأمنيّة والعسكريّة والاقتصاديّة وتنظيم الحياة الاجتماعيّة كلّها تحت نفوذ هذا الحزب وأعضائه.
وقد تمسّكت بعض الشخصيات المنتفعة ببقاء مدينة الكوفة تحت سيطرة الأُمويين ومنعت انتقالها إلى الشيعة والموالين لأهل البيت علیهم السلام ، لذلك كتبوا إلى يزيد بن معاوية (عليه اللعنة) في الشام عندما شعروا بأنّ النعمان ضعيف أو يتضاعف خوفاً من فقدان الحزب الأُموي سيطرته على هذه المدينة، وبالتالي تتعرَّض مصالحهم للخطر.
وبمساعدة هؤلاء استطاع عبيد الله بن زياد أن يجهِّز جيشاً من أهل الكوفة لمحاربة الحسين علیه السلام .
3- حزب الخوارج: وهو الحزب الذي عُرف في الكوفة بعد انتهاء واقعة صفين، عندما انشقّ أفراد هذا الحزب عن جيش الإمام علي علیه السلام واعترضوا عليه لأنّه رضي بالتحكيم، وقد حاججهم الإمام علي علیه السلام ، فرجع قسم كبير منهم، وقاتل علیه السلام القسم الآخر فما بقي منهم إلّا عدد قليل.
ولكن حزبهم ظهر من جديد في عهد معاوية، فخرجوا على الدولة الأُموية هذه المرّة، فحاربهم زياد بن أبيه، وفي واقعة كربلاء، اشتركوا مع جيش عمر بن سعد لمحاربة الحسين علیه السلام انتقاماً من أبيه علیه السلام .
الشيخ رسول كاظم عبد السادة(1)
ابتُلي التراث الإسلامي بآفات عديد، لعل من أبرزها ظاهرة تغييب فضائل أهل بيت النبوّة ومحاولة إخفائها، ليُغلق الطريق أمام انتقالها إلى الأجيال اللاحقة، على الرغم من كونها كرامات خصَّهم الله بها. ولم يُستثنَ الإمام أمير المؤمنين من تلك الظاهرة، حيث تعرَّضت فضائله لهجمة شرسة تطوَّع فيها بعض المخالفين وبأساليب متعدّدة؛ للحدِّ منها، مع أنّها ملأت الخافقين.
نسلِّط الأضواء في هذا المقال على الأساليب التي استُخدمت في إخفاء فضائل الإمام علي علیه السلام متَّخذين من حديث الغدير أُنْمُوذَجاً، وقد اخترنا هذا الحديث لشهرته وكثرة الحضور عند إبلاغ النبي صلی الله علیه و اله به، ومع ذلك تجرّأ بعض المؤرِّخين والمحدِّثين على إخفائه وتغييبه - كحدث وحديث - ومنه يُعرف مدى خطورة مسلك أولئك المؤرِّخين وقدرتهم على التلاعب بالتاريخ مهما كانت وقائعه واضحة.
1) 878. باحث وكاتب إسلامي/مركز الامير لإحياء التراث - النجف الأشرف.
وفيما يلي نستعرِّض تلك الأساليب التي استُخدمت في هذا المجال:
إنّ المكان يلعب دوراً مهمّاً في فهم كثير من الحوادث التاريخية، وقد يقترن الحدث بمكان ما بحيث ينتقل الذهن إلى المكان بمجرّد ذكر الحادثة، فإذا غُيِّب المكان وأُلغي من الرقعة الجغرافية نهائيّاً فسيحيط تلك الحادثة غموض، وهذا ما حدث لواقعة غدير (خم)(1)، حيثُ حاولت الدول المتعاقبة في منطقة الحجاز إخفاء هذه المنطقة وربط الغدير بميقات الجحفة ليشتبه على مَن يريد الوصول إليه والصلاة في مسجده من الشيعة(2)، وهذا ما جعل (أدارسة مراكش) يهتمّون به بشكل خاصّ منذ سنة (172ﻫ) إلى سنة (310ﻫ) لعمارة وبناء الجحفة، الذي حفظ ذكرى الغدير في مسير العودة من حجّة الوداع، بدليل الاهتمام بسفر الحجّاج المصريّين والمغاربة. ويجب أن لا ننسى أنّ منطقة الحرمين - مكّة والمدينة - كانت جزءاً لا يتجزّأ من حكومة مصر،
1) 879. إنّ ظاهرة إلغاء الفضائل المرتبطة بالأماكن كانت ديدن المؤرِّخين، حيث عمدوا إلى تغيير أسماء الأماكن التي تشير أسماؤها إلى فضائل أهل البيت علیهم السلام وهو الذي حدث لباب الثعبان - مثلاً - أحد أبواب مسجد الكوفة، والذي سُمّي بذلك لظهور الجنّي بهيأة ثعبان وتكلُّمه مع أمير المؤمنين علیه السلام ؛ إذ تمّ إلغاء تلك الفضيلة وذلك بجلب فيل وربطه قرب الباب لصرف أذهان الناس والمؤرِّخين فيما بعد من الثعبان إلى الفيل. اُنظر: الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهَّر، منهاج الكرامة: ص173. وكذلك الذي يقوم به أتباع المذهب الوهّابي من هدم المراقد المقدَّسة والمساجد الشريفة المنسوبة للنبي‘، محاولة منهم لإزالة الأثار الموصلة للارتباط بالنبي‘، وقد اتّبعوا بذلك سنّة عمر بن الخطاب حين قطع الشجرة التي تحتها بايع المسلمون النبي‘ بيعة الرضوان لما شاهد الناس يتبرّكون بالصلاة عندها، ففي الدر المنثور: «أخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن نافع، قال بلغ عمر بن الخطاب.. أنّ ناساً يأتون الشجرة التي بويع تحتها، فأمر بها فقطعت». السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور: ج6، ص73.
2) 880. في الوسائل بإسناده، عن حسان الجمال: قال: حملت أبا عبد الله الصادق علیه السلام من المدينة إلى مكّة، قال: فلمّا انتهينا إلى مسجد الغدير نظر إلى ميسرة المسجد فقال: «ذاك موضع قدم رسول الله‘ حيث قال: مَن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه». الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج5، ص286.
وقد انضمّت بعد سقوط الفاطميّين إلى منطقة نفوذ صلاح الدِّين الأيّوبي، وقد جرت سياسة الولاة والخلفاء على إبقاء هذا الميقات متهدِّماً طيلة قرون مديدة، كي لا تكون حادثة توقّف الرسول صلی الله علیه و اله في مكان باسم (غدير خم) إحراجاً لقوم وتقويةً لآخرين!
إنّ سقوط الفاطميّين سنة (567ﻫ) بيد صلاح الدِّين الأيّوبي، وتسنّم الأيوبيّين السلطةَ في مصر (564 - 648ﻫ) الذي صار سبباً لازدهار ميناء جدّة، وجعل الجحفة في مسير الانهدام ومّعْرَضه، جعلهم يفرحون أنّهم استطاعوا - عوضاً عن الفهم الصحيح للتأريخ - أن يحذفوا التأريخ! والآن وقد جُدِّد بناء مسجد الميقات، وتوفّرت الإمكانات اللازمة للذين يريدون أن ينسلّوا من أنفسهم في هذا الميقات ليضعوها أمام الله - فإنّ الفرصة سانحة لإحياء تاريخ أهمّ مكان على مسير عودة الرسول من حجّة الوداع، بإحياء مسجد الغدير في جهة شمال شرقي البناء التاريخي، وبنفس الاعتبار التاريخي والشرعي، وهمّة الذين جدّدوا بناء مسجد الميقات، وبناء مسجد بدر في بدر، وبناء مسجد العقبة في منى، ومسجد عمر ومسجد عليّ علیه السلام في المدينة(1).
ومثل هذا الإلغاء للمكان كان إلغاء مكان مرقد الإمام علي علیه السلام في النجف، إمعاناً في تغييب فضائل ومناقب الإمام علیه السلام ، وأوّل مَن أثار تلك الشبهة هو الخطيب البغدادي، قائلاً: «حكى لنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا بكر الطلحي يذكر أنّ أبا جعفر الحضرمي - مطيناً - كان ينكر أن يكون القبر المزور بظاهر الكوفة قبر عليّ بن أبي طالب علیه السلام . وكان يقول: لو علمتْ الرافضة قبر مَن هذا لرجمته بالحجارة، هذا قبر المغيرة بن شعبة. وقال مطين: لو كان هذا قبر عليّ بن أبي طالب،
1) 881. السمهودي، علي بن عبد الله، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى: ص1204. الحربي، إبراهيم بن إسحاق، المناسك وأماكن طرق الحجّ ومعالم الجزيرة: ص458إبراهيم رفعت باشا، مرآة الحرمين: ج1، ص15.
لجعلت منزلي ومقيلي عنده أبداً»(1). وتابعه على ذلك بعض المؤرِّخين من العامّة منهم: ابن عساكر وابن خلكان والذهبي وابن كثير(2)، وقد أبطل هذه الشبه كثير من العلماء من الشيعة وغيرهم، فقد كتب السيد عبد الكريم بن طاوس رسالة في ذلك سماها (فرحة الغري في تعيين قبر الإمام علي علیه السلام )، وكذلك ردَّ على هذه الشبهة ابن أبي الحديد في شرح النهج(3).
إنّ جرأة هولاء المؤرِّخين والمحدِّثين، بلغت إلى هذا المقدار وهو إلغاء أماكن بهذه الشهرة، تدعونا إلى التأمّل في الكثير من المدوّنات التاريخيّة ودراستها دراسة متفحِّص لئلّا تخفى علينا حقائق التاريخ واستحقاقات أفراده.
ولم ينتهِ الأمر إلى هذا المقدار فقط، بل حاول بعض المؤرِّخين إلغاء تجمُّعٍ جماهيريٍّ هائل ربما لم يشهد تاريخ الجزيرة العربية مثله؛ إذ إنّ عدد حضور الغدير يبلغ عند ابن الجوزي مائة وعشرين ألف(4)، وعند الطبرسي سبعين ألف(5)، وقد صرّح الإمام الصادق علیه السلام بإنّه بالرغم من وجود هذا العدد الهائل من المسلمين، لم يستطع الإمام
1) 882. الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، تاريخ بغداد: ج1، ص148.
2) 883. اُنظر: ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج42، ص567. ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: ج4، ص55. الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج3، ص651. ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج7، ص365.
3) 884. اُنظر: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج6، ص133. الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج5، ص13. الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج1، ص69.
4) 885. اُنظر: ابن الجوزي، تذكرة الخواص: ص30. عنه البحراني، عبد الله، العوالم (قسم حديث الغدير): ص168.
5) 886. اُنظر: الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج1، ص201، ح86. الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهّر، كشف اليقين: ص113. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، إثبات الهداة: ج3، ص2، ح593. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج37، ص201.
أمير المؤمنين علیه السلام أن يثبت حقّه ظاهراً، فقد قال علیه السلام لعمرو بن يزيد: «العجب يا أبا حفص! لما لقى عليّ بن أبي طالب، أنّه كان له عشرة ألاف شاهد لم يقدر على أخذ حقّه، والرجل يأخذ حقّه بشاهدين، أنّ رسول الله صلی الله علیه و اله خرج من المدينة حاجّاً ومعه خمسة آلاف، ورجع من مكّة وقد شيَّعه خمسة آلاف من أهل مكّة، فلمّا انتهى إلى الجحفة نزل جبرئيل بولاية علي علیه السلام »(1)، وقد ذكر ابن أبي الحديد أنّ الحضور كانوا مائة ألف(2).
إنّ وجود حشدٍ جماهيريّ بهذا العدد الهائل لم يكن ذريعةً كافية للبخاري - مثلاً - أو غيره لثبوت صحّة هذه الحادثة وما جرى فيها، فكيف بغيره من المؤرِّخين والمحدِّثين؟! فلم أرَ مثله حقّاً أضيعا(3)
ولم أرَ مثل ذاك اليوم يوماً ولم أرَ مثله حقّاً أضيعا»
الكراجكي، محمد بن علي، كنز الفوائد: ص154.
.وهناك طائفة أُخرى أكثر تضييعاً للحقائق من سابقتها في تغييب الفضائل، هذه الطائفة لمّا ثبتت عندها الواقعة زماناً ومكاناً تصرَّفت في المتن بحثاً عن شبهة تصرف
1) 887. العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي: ج1، ص332. المجلسي، محمد باقر، بحار الانوار: ج37، ص140.
2) 888. كما نُقل ذلك في كشف المهم، اُنظر: البحراني، هاشم، كشف المهم عن طريق خبر غدير خم: ص50.
3) 889. قال محمد طاهر القمّي الشيرازي في كتاب الأربعين: «وروي أنّ ابن الكميت رأى في منامه رسول الله‘ وهو يقول: أنشدني قصيدة كانت لأبيك، يعني القصيدة المشتملة على حكاية الغدير، قال: فأنشدته إياها، فلمّا وصلتُ إلى (ولم أرَ مثله حقّاً أضيعا) بكى رسول الله‘ بكاء شديداً، قال: صدق أبوك، ولم أرَ مثله حقّاً أضيعا، ثمّ انتبه». القمي الشيرازي، محمد طاهر، كتاب الأربعين: ص123. وروى الكراجكي في كنز الفوائد بإسناده، عن هناد بن السرى المتوفى سنة (243ﻫ)، قال: «رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام في المنام فقال لي: يا هناد، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: أنشدني قول الكميت: ويوم الدوح دوح غدير خم.. قال: فأنشدته، فقال لي: خذ إليك يا هناد. فقلت: هات يا سيدي فقال علیه السلام :
المعنى المراد منه إلى غير مقصود الشارع ومراده، وهؤلاء هم اللذين وقفوا عند لفظ (المولى) في حديث الغدير، وراحوا يصرفونه إلى معانيه اللُغوية الأُخرى وهي بالطبع غير مرادة للنبي صلی الله علیه و اله في ذلك اليوم، نعم إنّ لكلمة مولى عدّة معانٍ لُغوية، فقد قال ابن الأثير: «وقد تكرر ذكر المَوْلَى في الحديث، وهو اسْمٌ يقَع على جَماعةٍ كَثيِرَة، فهو: الرَّبُّ، والمَالكُ، والسَّيِّد، والمُنْعِم، والمُعْتِقُ، والنَّاصر، والمُحِبّ، والتَّابِع، والجارُ، وابنُ العَمّ، والحَلِيفُ، والعَقيد، والصِّهْر، والعبْد، والمُعْتَقُ، والمُنْعَم عَلَيه»(1).
وقد حاول الكثير من المحدِّثين صرف هذا المعنى عن الولاية والخلافة، فهذا الفخر الرازي في تفسيره لمّا وصل إلى قوله صلی الله علیه و اله : «مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه»، قال: «وفي لفظ المولى ههنا أقوال: أحدها قال ابن عباس: مَوْلَاكُمْ أي مصيركم، وتحقيقه أن المولى موضع الولي، وهو القرب، قال تعالى: «النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ»(2)فالمعنى أنّ النار هي موضعكم الذي تقربون منه وتصلون إليه. والثاني: قال الكلبي: يعني أولى بكم، وهو قول الزجّاج والفرّاء وأبي عبيدة، وزعم أنّ ما قالته الشيعة ليس تفسيراً، وإنّما معنى، قال: وأعلم أنّ هذا الذي قالوه معنى، وليس بتفسير للفظ، لأنّ لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة، لصح استعمال كلّ واحد منهما في مكان الآخر، فكان يجب أن يصح أن يُقال: هذا مولى من فلان كما يقال: هذا أولى من فلان، ويصح أن يقال: هذا أولى فلان كما يقال: هذا مولى فلان، ولمّا بطل ذلك علمنا أنّ الذي قالوه معنى وليس بتفسير، وإنّما نبّهنا على هذه الدقيقة لأنّ الشريف المرتضى لما تمسّك بإمامة عليٍّ، بقوله: (مَن كنت مولاه فعلي مولاه) قال: أحد معاني مولى أنّه أولى، واحتجّ في ذلك بأقوال أئمّة اللغة في تفسير هذه الآية، بأنّ مولى معناه أولى، وإذا ثبت أنّ اللفظ محتمل له وجب حمله عليه، لأنّ ما عداه إمّا بين الثبوت،
ككونه ابن العمّ والناصر، أو بين الانتفاء، كالمعتِق والمعتَق، فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى التقدير الثاني كذباً، وأمّا نحن فقد بيّنا بالدليل أنّ قول هؤلاء في هذا الموضع معنى لا تفسير، وحينئذٍ يسقط الاستدلال به. وفي الآية وجه آخر: وهو أنّ معنى قوله: « هِيَ مَوْلَاكُمْ» أي لا مولى لكم، وذلك لأنّ مَن كانت النار مولاه فلا مولى له، كما يُقال: ناصره الخذلان ومعينه البكاء، أي لا ناصر له ولا معين، وهذا الوجه متأكّد بقوله تعالى: « وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ »(1)ومنه قوله تعالى: «يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ »(2)»(3).
لكن المعنى للحديث منحصر بالأَوْلى الذي هو المتقدِّم غير مقيَّد بشيء من الأشياء وحال من الأحوال، قال أبو الصلاح الحلبي: «وأمّا إفادة الأَولى للإمامة فظاهر، لأنّ حقيقة الأَولى: الأملك بالتصرُّف، الأحقّ بالتدبير، يقولون: فلان أَولى بالدم وبالمرأة وباليتيم وبالأمر، بمعنى الأحقّ الأملك، فإذا حصل هذا المعنى بين شخص وجماعة اقتضى كونه مفترض الطاعة عليهم من حيث كان أولى بهم من أنفسهم في تقديم مراداته وإن كرهوا»(4).
وقال الشيخ الأميني في الغدير، بعد البحث في صحّة خبر الغدير: «وأمّا دلالته على إمامة مولانا أمير المؤمنين علیه السلام فإنّا مهما شككنا في شيء فلا نشكّ في أنّ لفظة (المولى) سواء كانت نصّاً في المعنى الذي نحاوله بالوضع اللُغوي، أو مجملة في مفادها لاشتراكها بين معانٍ جمّة، وسواء كانت عَرِيَة عن القرائن لإثبات ما ندّعيه من معنى
1) 892. محمد: الآية11.
2) 893. الكهف: الآية 29.
3) 894. الفخر الرازي، محمد بن عمر، تفسير الرازي: ج29، ص227.
4) 895. الحلبي، أبو الصلاح، تقريب المعارف: ص216. واُنظر: الفيروز آبادي، مرتضى الحسيني، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة: ج1، ص390 - 394. الموسوي، عبد الحسين شرف الدين، المراجعات: ص259، المراجعة54.
الإمامة أو محتفّة بها، فإنّها في المقام لا تدلّ إلّا على ذلك؛ لفهم مَن وعاه من الحضور في ذلك المحتشد العظيم، ومَن بلغه النبأ بعد حين ممَّن يُحتجّ بقوله في اللُغة من غير نكير بينهم، وتتابع هذا الفهم فيمَن بعدهم من الشعراء ورجالات الأدب حتى عصرنا الحاضر، وذلك حجّة قاطعة في المعنى المراد»(1).
ولهذه الأسباب ولعلم الأئمّة علیهم السلام بأنّ البعض سوف يتلاعب بالمعنى المراد من المولى، أو بالحديث عموماً راحوا يبيِّنون لشيعتهم المعنى والمراد بأجلى عبارة لا تحتمل التأويل، فعن سهل بن قاسم النوشجاني، قال: قال رجل للرضا علیه السلام : يا ابن رسول الله إنّه يروى عن عروة بن الزبير أنّه قال: توفي النبي صلی الله علیه و اله وهو في تقية، فقال: «أمّا بعد قول الله: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ »، فإنّه أزال كلَّ تقية بضمان الله له، وبين أمر الله تعالى، ولكن قريشاً فعلت ما اشتهت بعده، وأمّا قبل نزول هذه الآية فلعله»(2).
فمن الواضح أنّ قول الإمام: «أزال كلَّ تقية» لا يُراد به المعاني الأُخرى التي أراد لها مَن فسَّرها به.
وعن إبراهيم بن رجاء الشيباني قال: قيل: لجعفر بن محمد علیهما السلام ما أراد رسول الله صلی الله علیه و اله بقوله لعليٍّ علیه السلام يوم الغدير: «مَن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه» قال: فاستوى جعفر بن محمد علیهما السلام قاعداً، ثمَّ قال: «سُئل والله عنها رسول الله صلی الله علیه و اله ، فقال: الله مولاي أولى بي من نفسي لا أمرَ لي معه، وأنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم لا أمرَ لهم معي، ومَن كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمرَ له معي، فعليّ بن أبي طالب مولاه أولى به من نفسه لا أمرَ له معه»(3).
وعن الحسن بن طريف، قال: كتبت إلى أبي محمد علیه السلام أسأله ما معنى قول رسول الله صلی الله علیه و اله لأمير المؤمنين علیه السلام : «مَن كنت مولاه فهذا مولاه»، قال: «أراد بذلك أن جعله عَلماً يُعرف به حزب الله عند الفرقة»(1).
أمّا أبان بن تغلب، فقد قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي علیهم السلام عن قول النبي صلی الله علیه و اله : «مَن كنت مولاه» فقال: «يا أبا سعيد تسأل عن مثل هذا؟! أعلمهم أنّه يقوم فيهم مقامه»(2).
يتّضح ممَّا تقدَّم أنّ معنى (المولى) في حديث الغدير قد تعرَّض إلى أخطر هجمة تغييب وتهميش؛ وذلك بصرف المراد الحقيقي منه الذي نطق به النبي صلی الله علیه و اله إلى ما سواه.
ومن وسائلهم في طمس الفضائل والمناقب، قَلْب الفضائل من الأوصاف السامية المباركة الموضوعة لها إلى مثالب ومطاعن، فمن ذلك أنّ النبي صلی الله علیه و اله حين احتفى بتنصيب أمير المؤمنين يوم الغدير خليفة للمسلمين عقد اجتماعاً للاحتفال بهذه المناسبة في الجحفة، فنصب خيمة للاجتماع، ومبايعة أمير المؤمنين علیه السلام ، وكانت له صلی الله علیه و اله عمامة اسمها (السحاب) فعمم بها أمير المؤمنين علیه السلام ، وأمرهم بالدخول عليه في تلك الخيمة، ومصافحته ومبايعته، فدخل الصحابة واحداً بعد الآخر، حتى أنّ عمر بن الخطاب قال كلمته المشهورة: «بخٍ بخٍ لك يا عليُّ، أصبحت مولاي ومولى كلِّ مؤمنٍ ومؤمنة»(3).
1) 899. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج37، ص223.
2) 900. الصدوق، محمد بن علي، معاني الأخبار: ص66.
3) 901. ابن المغازلي، علي بن محمد، مناقبُ عليّ بن أبي طالب: ص37. ابن البطريق، عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار: ص106. الثقفي، إبراهيم بن محمد، الغارات: ج2، ص583. ابن شهر آشوب، محمد بن عليّ، مناقب آل أبي طالب: ج2، ص238. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج21، ص388. الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج1، ص276.
فكان أمير المؤمنين بعد ذلك اذ حضر متعمّماً بتلك العمامة يقول النبي|: «أتاكم عليٌّ في السحاب»(1). وهذا هو المعنى الصحيح لما ينسب إلى الشيعة من قولهم: (جاء علي علیه السلام في السحاب)، والمفهوم لدى عامّة المسلمين، ولا يرتاب فيه أحدٌ لوضوحه، إلّا أنّه لم يرُق لبعض المحدِّثين والمؤرِّخين بقاء تلك الفضيلة الدالّة على الغدير، والمذكِّرة به، فعمد إلى تشويهها إمعاناً في إبطالها وتغييب حقيقتها.
فقال الملطي في التنبيه والردّ: «قولهم (يعني الروافض): (عليٌّ في السحاب)، فإنّما ذلك قول النبي صلی الله علیه و اله لعليٍّ حين أقبل وهو متعمم بعمامة النبي صلی الله علیه و اله كانت تُدعى السحاب، فتأوّله هؤلاء على غير تأويله»(2).
وقد نسب عبد الكريم الشهرستاني في (الملل والنحل) إلى فرقة من فرق الشيعة وهم السبائية قولهم: «وهو الذي (يعنى عليّاً علیه السلام ) يجيئ في السحاب، والرعد صوته، والبرق تبسُّمه»(3)، فاُنظر كيف أُوِّل الحديث افتراءً علينا!
والحقيقة إنّ هذا المعنى لم يتأوَّله أحدٌ منهم قط - من أول يومهم - على غير تأويله، كما ذكر الملَطي، وإنّما أوَّله الناس افتراء عليهم(4)، وليت الملطي دلّنا على فرقة قالت بذلك! وإنّما هم أفراد شذاذ تجد أمثالهم في كلِّ ملِّة ودين، فتعميم القول بذلك لكلِّ الشيعة، ونبزهم بالروافض وراءه ما وراءه!
وقد جاء كلام الملطي في سياق حديثه عن فِرَق الرافضة - حسب تعبيره - وقسَّم فِرَقهم إلى ثماني عشرة فِرْقَة، ومن تلك الفِرَق فِرقة السبئية، ثمَّ قسَّم السبئية إلى فِرَق، ونسب إليهم عدّة معتقدات. فإذا كان قصده أنّ هؤلاء هم الشيعة فقد نسب إليهم
1) 902. الحلبي، علي بن برهان الدين، السيرة الحلبية:ج3،ص452.السيوطي، جلال الدين، الحاوي للفتاوي:ج1، ص273. الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج1، ص291.
2) 903. المَلَطي، محمد بن أحمد، التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع: ص19 - 20.
3) 904. الشهرستاني، عبد الكريم، الملل والنحل: ج1، ص152.
4) 905. الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج1، ص293.
كثير من الأُمور ظلماً وجهلاً، فالشيعة لا تقول بأن الإمام عليّ علیه السلام لم يمت، ولم تقل بإمامة محمد بن عليٍّ الذي لا زال يحرسه الأسد في غار!!
ومن الوسائل الأُخرى لبعضهم - ولعلّهم أكثر إنصافاً على الظاهر من غيرهم - هي السكوت وإهمال الحوادث الدالّة على فضل أمير المؤمنين وأهل البيت علیهم السلام ، حيث نجد الكثير من المؤرِّخين - رغم شهرة واقعة الغدير وتوقُّف النبي صلی الله علیه و اله بالجحفة وخطبته هناك - لا يتعرّض لهذه الحادثة فراراً من الإقرار بتلك الفضيلة، أو نفيها، فكأنّما هو يحتاط لنفسه! إلّا أنّه احتياط في غير محله، وهذا يشمل كلّ تفاصيل الحادثة(1).
ومن عجائب الصحيحين (البخاري ومسلم) أنّهما أهملا ذكر حادثة الغدير كأكبر مصداق لما تمثُّله هذه الحالة. وهذا يكشف عن نزعة تطرُّف عجيبة.
وقد أورد ما يدلّ على ذلك صاحب كتاب أضواء على الصحيحين، حيث ذكر: «ممّا يدلّ على عدم الوثوق بالصحيحين، وعدم اعتبار صحّة جميع ما ورد فيهما، هو التطرّف الطائفي المفرط والتعصّب الشديد لدى مؤلفَيهما وتعنُّتِهما تجاه الحقّ، وكان هذا التطرُّف قد اعترى البخاري أشدّ وأكثر من مسلم. فكما أنّ الحبّ المفرط والبغض الإفراطي يعرقل مسيرة الإنسان في كشف الحقائق، ويعمي العين عن مشاهدة الحقيقة، ويصمّ الآذان عن سماعها... وأمّا الشواهد على ذلك إنّك ترى في البخاري ومسلم وصحيحيهما هذه العصبية المفرطة عندما تقرأ كتابيهما
1) 906. ويشبه هذا الإهمال أو يزيد عليه إهمال الدكتور أحمد زكي صفوت خطبة الغدير في كتابه جمهرة خطب العرب، وقد أثبتتها المصادر الموثوقة بأسانيد، وكذلك فعل في خطبة الزهراء الفدكية، رغم ورودها في مصادر أدبية عربية مهمّة مثل: الجوهري، أحمد عبد العزيز، السقيفة وفدك: ص99. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة: ج16، ص211. المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج2، ص304. عبد الرحمن بن عيسى، الألفاظ الكتابية: ص21. البغدادي، أحمد ابن أبي طاهر، بلاغات النساء: ص16.
وتلاحظ أنّهما لما يواجهان فضيلة مشهورة ومنقبة مهمّة من مناقب أمير المؤمنين علي علیه السلام وفيها دلالة صريحة على أفضليته لأمر الخلافة، وتقدُّمه على الآخرين فإنّهما يبادران إلى تعتيمها.
وهذه المناقب والفضائل قد ورد ذكرها في سائر الصحاح الستّة والمدارك المعتبرة لدى أهل السنّة، وهي من يقينيّات الحوادث التاريخية ومسلَّماتها، وهي ممَّا أجمع عليه علماء السنّة والشيعة، مثل: حديث الغدير، آية التطهير، حديث الطائر المشوي، حديث سدّ الأبواب، وحديث أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، وقد روى كلُّ واحدة من هذه الفضائل والمناقب عشرات الصحابة وأثبتها علماء أهل السنّة في كتبهم المعتبرة، إلّا أنّ البخاري الذي لم يرضَ أن ينقل هذه المناقب المسلَّمة واليقينيّة ويخصص لها باباً خاصّاً في صحيحه فحسب، بل أفرد باباً خاصّاً في فضائل معاوية، وحيثُ إنّه لم يعثر على منقبة لمعاوية رويت على لسان رسول الله صلی الله علیه و اله حقّاً، يروي حديثين عن حبر الأُمّة ابن عباس جاء في أولاهما أنّه مدح معاوية لصحبته لرسول الله صلی الله علیه و اله ، وجاء في ثانيهما مدح لمعاوية بكونه فقيهاً وعالماً. والعجب كلّ العجب ممَّن يريد أن يصنِّف كتاباً جامعاً يلمّ فيه بما ورد من أحاديث رسول الله صلی الله علیه و اله ، ويكتب تفسيراً للقرآن، ويؤلِّف كتاباً في التاريخ، ولا يدع مدحاً وثناءاً من صحابي بحقِّ صحابي آخر (معاوية) إلّا وأورده فيها، وذلك أداء للأمانة! كيف تسمح له نفسه بالإغماض عن واقعة ذات أهمية تاريخية، كحديث الغدير أو حديث (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها)؟! ولا يخفى أنّه ليس لهذا التغاضي والتجاهل من قِبل البخاري سبب إلّا التعتيم على مناقب أمير المؤمنين الإمام علي علیه السلام ، وإخفاء الحقائق الواقعية»(1).
وحديث الغدير ممّا استدركه الحاكم على الصحيحين بعد أن أورده عن زيد
1) 907. النجمي، محمد صادق، أضواء على الصحيحين: ص107.
بن أرقم، يقول الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أخرجه الحافظ الذهبي في تلخيصه على المستدرك(1).
وقد كان أبو حنيفة ممَّن يدعو أصحابه إلى عدم الإقرار بهذا الحديث، فقد ذكر محمد بن نوفل: «كنت عند الهيثم بن حبيب الصيرفي فدخل علينا أبو حنيفة النعمان بن ثابت، فذكرنا أمير المؤمنين علیه السلام ودار بيننا كلام منه، فقال أبو حنيفة: قد قلت لأصحابنا لا تقرّوا بحديث غدير خم فيخصموكم، فتمعَّر وجه الهيثم بن حبيب الصيرفي، وقال له: لِمَ لا يقرّون به، أما هو عندك يا نعمان؟ قال: هو عندي وقد رويته. قال: فلِمَ لا يقرّون به وقد حدَّثنا به حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم: إنّ علياً علیه السلام نشد الله في الرحبة مَن سمعه؟ فقال أبو حنيفة: ألا ترون أنّه قد جرى في ذلك خوض حتى نشد عليٌّ الناسَ لذلك؟ فقال الهيثم: فنحن نكذِّب عليّاً أو نرد قوله؟ فقال أبو حنيفة: ما نكذِّب عليَّاً ولا نرد قولاً قاله، ولكنك تعلم أنّ الناس قد غلا فيهم قوم. فقال الهيثم: يقوله رسول الله صلی الله علیه و اله ويخطب به، ونشفق نحن منه ونتّقيه لغلو غالٍ أو قول قائل! ثمَّ جاء مَن قطع الكلام بمسائل سأل عنها»(2).
وهذا القسم كثير الورود ولم يسلم منه حديث في الفضائل، إلّا نزر قليل، فتجد الإثارة والتشويش على صحّة الخبر مذهب الكثير من المحدِّثين، حتى بلغ الحال أن يناقض بعضهم الآخر في ذلك. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «وأمّا قوله: (مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه اللهم والِ مَن والاه) إلخ، فهذا ليس في شيءٍ من الأُمهات، إلّا في الترمذي وليس فيه إلّا: (مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه) وأمّا الزيادة فليست في
الحديث»(1). وقال أيضاً: «وأمّا (مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه) فلا يصح من طريق الثقات أصلاً»(2).
وقد ردَّ عليه الألباني مفنِّداً رأيه هذا، قائلاً: «مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه اللهم والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه. صحيح طُرُقه، وشواهده كثيرة. وأولها عن أبي الطفيل عنه قال: لما دفع النبي (صلى الله عليه وسلم) من حجّة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقمن، ثمَّ قال: كأنّي دُعيت فأجبت، وإنّي تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فاُنظروا كيف تخلفوني فيهما فإنّهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض. ثمَّ قال: إنّ الله مولاي وأنا ولي كلِّ مؤمن. ثمّ إنّه أخذ بيد عليٍّ (رضي الله عنه) فقال: مَن كنتُ وليه فهذا وليه، اللهم والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه. صحيح»(3).
وقال الألباني بعد ذكره لمصادر الحديث: «فقد كان الدافع لتحرير الكلام على الحديث و بيان صحّته أنّني رأيت شيخ الإسلام بن تيمية، قد ضعف الشطر الأول من الحديث، و أمّا الشطر الآخر، فزعم أنّه كذب! و هذا من مبالغته الناتجة في تقديري من تسرُّعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طُرُقَها و يدقق النظر فيها»(4).
ومن وجوه الالتفاف على الفضائل التي ثبتت لأمير المؤمنين علیه السلام وأهل بيته - وما يقابلها من ظلامات وقعت عليهم من الأُمّة - هو الإلغاء أو التشكيك في نسبة الكتب
والنصوص التي ترد فيها تلك الفضائل أو الظلامات إلى أصحابها، أو تغيير النصوص في طبعات لاحقة للكتب سواء من قِبَل الجهات الطابعة، أو من نفس المؤلِّفين أو المحقِّقين.
ومن ذلك ما تعرَّض له كتاب (سرّ العالمين وكشف ما في الدارين للغزالي)(1)
والكتاب الآخر هو نهج البلاغة الذي شكك فيه جماعة من المحدِّثين والمؤرِّخين من أنّ الشريف الرضي وضعه، وأنّه ليس من كلام أمير المؤمنين علیه السلام .
، حيث قال فيه: «لكن أسفرت الحجّة وجهها، وأجمع الجماهير على متن الحديث عن خطبته في يوم غدير خم باتّفاق الجميع وهو يقول: مَن كنت مولاه فعلي مولاه. فقال عمر: بخٍ بخٍ لك يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي ومولى كلِّ مؤمن ومؤمنة - فهذا تسليم ورضا وتحكيم - ثمَّ بعد هذا غلب الهوى لحبّ الرياسة، وحمل عمود الخلافة وعقود البنود، وخفقان الهوى في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيول، وفتح الأمصار سقاهم كأس الهوى، فعادوا إلى الخلاف الأوّل فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون»(2).وكان أحمد أمين أوّل المشكّكين في ذلك، قال يصف الشيعة: «بل وضعوا الكتب
1) 914. لا يفوتنا أن نذكر هنا ما حصل لكتابين مهمّين من التشكيك في صحّة نسبتهما، وهما: كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة، وذلك لما ورد فيه ذكر تفصيلي لحادثة إحراق باب دار الزهراء علیها السلام، وقد طبع هذا الكتاب عدّة طبعات في كلّ من مصر وبيروت، ومنه نسخ خطّية في مكاتب لندن وباريس، وبدار الكتب المصرية منه نسخة مخطوطة كُتبت سنة 1297ه. وكان أول مَن تزعَّم التشكيك بنسبته إلى ابن قتيبة المستشرق غانيغوس المجريطي، ثمّ تبعه الدكتور دوزي في صدر كتابه تاريخ الأندلس وآدابه، والسيد أحمد صقر في مقدمته لكتاب تأويل مشكل القرآن المطبوع بالقاهرة سنة1973ﻫ، حيث يقول: «وقد نُسب إلى ابن قتيبة كتاب مشهور شهرة بطلان نسبته إليه، وهو كتاب الإمامة والسياسة». الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة (تحقيق عليّ الشيري): ج1، ص8.
2) 915. الغزالي، محمد بن محمد، مجموعة رسائل الإمام الغزالي - رسالة سرّ العالمين -: ص10 - 11 المجموعة السادسة. الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج1، ص392. الخليلي، علي، أبو بكر بن أبي قحافة: ص328. عاشور، عليّ، النص على أمير المؤمنين علیه السلام : ص17.
وحشّوها بتعاليمهم ونسبوها لأئمّة أهل السنّة، ككتاب سرّ العارفين الذي نسبوه للغزالي»(1).
ولنعم ما أجابه به السيد الأمين العاملي، قائلاً: «الكتاب المنسوب إلى الغزالي اسمه سرّ العالمين لا سرّ العارفين، فمن عدم معرفته باسمه يعرف مبلغ تثبته في الأمر، ومن أين عرف أن كتاب سرّ العالمين ليس للغزالي وإنّهم حشوه بتعاليمهم ونسبوه إليه، فهل شافه الغزالي وأخبره أنّ الكتاب ليس له أو نزل عليه وحي بذلك؟! ما هذا إلّا تخرّص وسوء ظنٍّ نهى الله عنه، وتهجُّم على القدح بغير مسوغ. والشيعة ليست بحاجة إلى أن تنتصر بالغزالي فتضع كتاباً على لسانه، فلديها من الحجج والبراهين ما فيه كفاية واحتجاجها بكتاب الله وكتب خصومها المشهورة يغنيها عن الاحتجاج بكتابٍ مجهول يُنسب للغزالي. على أنّ الحافظ ابن حجر في لسان الميزان جزم بأنّه للغزالي فقال(2): قال أبو حامد الغزالي في كتاب سرّ العالمين»(3).
وتبع أحمد أمين في هذا التشكيك الدكتور عبد الرحمن بدوي(4)في صحّة نسبة هذا الكتاب للغزالي، مع ما يوجد في الكتاب من براهين كثيرة على صحّة نسبة الكتاب للغزالي، لم يقف عندها بدوي، بل قطع بالنسبة مكتفياً بذلك عن النظر والتأمّل، وكم لبدوي من هنات وهنات، أليس هو مَن نفى نسبة كتاب نهج البلاغة لأمير المؤمنين علیه السلام (5)أفيؤتمن مثل هؤلاء على الدين وتاريخ الأُمّة؟!
ومن ذلك ما وقع التحريف في (جمهرة) ابن دريد، محمد بن الحسن (المتوفى
321ﻫ): (ج1، ص71) قال فيه: «غدير خم معروف، وهو الموضع الذي قام فيه رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) خطيباً بفضل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، كذا في (المطبوع من الجمهرة)، وقد حكى عنه ابن شهر آشوب وغيره في العصور المتقدِّمة من النسخ المخطوطة ما نصّه: (هو الموضع الذي نص النبي صلَّى الله عليه وسلم فيه على عليٍّ علیه السلام )، وقد حرَّفته يد الطبع»(1).
إنّ محقّقي الدواوين والجهات التي تتولّى طباعة الكتب التراثية من هذا الصنف الذي دأب على تغييب فضائل أهل البيت علیهم السلام ، فقد كان لهم الدور المميَّز في تحريف الحقيقة وطمس الآثار النبويّة.
قال الشيخ الأميني، عند ترجمة حسان بن ثابت متعرِّضاً لتحريف الدواوين بعد الطباعة: «إنّ لحسّان في مولانا أمير المؤمنين علیه السلام مدايح جمّة غير ما سبقت الإشارة إليه، إلّا أنّ يد الأمانة لم تقبض عليها يوم مُدت إلى ديوانه، فحرفت الكلم عن مواضعها، ولعبت بديوان حسّان، كما لعبت بغيره من الدواوين والكتب والمعاجم التي أُسقطت منها مدايح أهل البيت علیهم السلام وفضائلهم، والذكريات الحميدة لأتباعهم، كديوان الفرزدق الذي أسقطوا منها ميميته المشهورة في مولانا الإمام زين العابدين علیه السلام مع إشارة الناشر إليها في مقدمة شرح ديوانه(2)
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهوالبيتُ يعرفُه والحلُّ والحرمُ»
إلى آخر الأبيات. الصفدي، خليل بن ايبك الوافي بالوفيات: ج13، ص292. وتبعه في ذلك لصاوي جامع ديوان الفرزدق، ففي نفس الديوان في حرف الميم في ج2، ص848 نجده يذكر ستّة أبيات فقط من القصيدة ولا أدري ما الذي حداه إلى هذه الخيانة الأدبية؟ أليس هو الذي سبق منه أن نقل عن تاريخ ابن خلكان والأغاني وشرح رسالة ابن زيدون سبب إنشائها؟ إن لم يعتمد هذه الكتب فلِمَ نقل عنها؟ وإن اعتمدها في نقل السبب فلِمَ لم ينقل القصيدة بكاملها عنهم؟ أليست هي جميعها من شعر الفرزدق؟ ألم يعلم وهو (الذي عنى بجمعه إلخ)، إنّ القصيدة مثبتة في ديوان الفرزدق قبل أن يخلق؟ فهذا سبط ابن الجوزي ذكر في تذكرة الخواص رواية أبي نعيم في الحلية للقصيدة، ثمَّ عقَّب ذلك بقوله: قلت: لم يذكر أبو نعيم في الحلية إلّا بعض هذه الأبيات والباقي أخذته من ديوان الفرزدق. اه، ولعل الصاوي حاول تجاهل الواقع تقليداً لسلفه هشام حين تجاهل ذلك؟ وظنّ (وظنّه إثم) أنّه بفعله (وفعله جرم) سيخفي الحقيقة.
، وقد طفحت بذكرها الكتب والمعاجم،1) 921. إلّا أنّنا نجد في المقابل مَن جند نفسه لكتابة هذه الفضائل وتدوينها، لكن مع ذلك فقدت تلك الكتب مع ما فقد من تراث الأُمّة العلمي، حكى العلّامة علي بن موسى، وعلي بن محمّد أبي المعالي الجويني الملقّب بإمام الحرمين أستاذ أبي حامد الغزالي أنّه كان يتعجَّب ويقول: رأيت مجلداً في بغداد في يد صحّاف فيه روايات خبر (غدير خم) مكتوباً عليه: المجلد الثامنة والعشرون من طُرق قوله (صلى الله عليه وسلم): (مَن كنت مولاه فعلي مولاه) ويتلوه المجلد التاسعة والعشرون». اُنظر: القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة (ط إسلامبول عام1302ﻫ): ص36.
2) 922. قال الصفدي في ترجمة الأدلم المري: «داود بن سلم الأدلم مولى بني تيم بن مرّة، شاعر من أهل المدينة قدم على حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية ومدحه وله مدائح مستحسنة مستفيضة له في قثم بن العباس فيما ذكره الزبير بن بكار:
وكديوان كُمَيت، فإنّه حُرفت منه أبيات كما زيدت عليه أُخرى، وكديوان أمير الشعراء أبي فراس، وكديوان كشاجم الذي زحزحوا عنه كمية مهمّة من مراثي سيدنا الإمام السبط الشهيد سلام الله عليه... »(1).
وكديوان المتنبي - على ما قيل - فيه القصائد العلويات بمدح أمير المؤمنين، أُسقطت من الديوان على مرّ العصور، فلم نعثر لكبير شعراء العربية الكوفي المولد العلوي المذهب، إلّا على بيتين أو ثلاثة، وهو في غاية الغرابة، نعم يُعدّ المتنبي ممَّن ذكر الغدير في شعره فقد نسب إليه صاحب بغية الطلب قوله:
إنّي سألتك بالذي***زان الإمامة بالوصي
وأبان في يوم الغدير***لكلّ جبّار غوي
فضل الإمام عليهم***بولاية الربّ العلي
إلّا قصدت لحاجتي***وأعنت عبدك يا عليّ(2)
نعم بلغ التغييب في هذا الباب مرحلة خطيرة، فقد تابع التالون ما أسس الأوّلون فهاهم يحرِّفون الكتب المطبوعة بعد صدور الحقائق لتلك الفضائل في طبعاتها الأُولى، وأبرز ما يصادفنا في هذا المقام ما حدث في كتاب محمد حسين هيكل (حياة محمد) حين ذكر حديث الدار والإنذار(1)في الطبعة الأُولى من كتابه بهذا اللفظ: «نزل الوحي: أن أنذر عشيرتك الأقربين. واخفض جناحك لمَن اتّبعك من المؤمنين. وقل: إنّي أنا النذير المبين. فاصدع بما تؤمَر وأعرض عن المشركين، ودعا محمّد عشيرته إلى طعام في بيته وحاول أن يحدِّثهم داعياً إياهم إلى الله، فقطع عمّه أبو لهب حديثه. واستنفر القوم ليقوموا، ودعاهم محمّد في الغداة كرّة أُخرى. فلمّا طعموا قال لهم: ما أعلم إنساناً في العرب جاء قومه بأفضل ممَّا جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني ربّي أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني هذا الأمر، وأن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟! فأعرضوا عنه وهمّوا بتركه، لكن عليِّاً نهض وما يزال صبياً دون الحلم وقال: أنا يا رسول الله؟ عونك، أنا حرب على مَن حاربت. فابتسم بنو هاشم وقهقه بعضهم وجعل نظرهم يتنقل من أبي طالب إلى ابنه، ثمَّ انصرفوا مستهزئين... »(2).
فإنّه أسقط من الحديث أولاً ما فرَّع به رسول الله صلی الله علیه و اله كلامه من قوله لعليٍّ: (فأنت أخي ووصيي ووارثي).
1) 925. هذا الحديث قد بلغ حدّ التواتر وقد أخرجه كثير من الحفّاظ والعلماء. اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج2، ص319 - 321. ابن الأثير، علي بن محمد، الكامل في التاريخ: ج2، ص62، وص63. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج13، ص210، وص244. الحلبي، علي بن برهان الدين، السيرة الحلبية: ج1، ص311. الحسكاني، عبيد الله بن أحمد، شواهد التنزيل: ج1، ص311، ص371، ح514، وح580. المتّقي الهندي، علي بن حسام الدين، كنز العمال: ج15، ص115، ح334 وغير ذلك.
2) 926. هيكل، محمد حسنين، حياة محمد: ص104.
ثمَّ نسب إلى أمير المؤمنين ثانياً أنّه قال: (أنا يا رسول الله عونك، أنا حرب على مَن حاربت). ليته دلَّنا على مصدر هذه النسبة في لفظ أيِّ محدِّث أو مؤرِّخ من السلف؟! وراقه أن يحكم في الحضور في تلك الحفلة بتبسُّم بني هاشم وقهقهة بعضهم، ولم نجد لهذا التفصيل مصدراً يعول عليه.
ومهما لم يجد (هيكل) وراءه مَن يأخذه بمقاله، ولم يرَ هناك مَن يناقشه الحساب في تقوّلاته وتصرُّفاته أسقط منه ما يرجع إلى أمير المؤمنين علیه السلام في الطبعة الثانية سنة 1354ﻫ: ص139، ولعل السرّ فيه لفتة منه إلى غاية ابن كثير وأمثاله بعد النشر، أو أنّ اللغط والصخب حول القول قد كثرا عليه هناك من مناوئي العترة الطاهرة، فأخذته أمواج اللوم والعتب حتى اضطرّته إلى الحذف والتحريف. أو إنّ العادة المطّردة في جملة من المطابع عاثت في الكتاب فغضّ عنها الطرف صاحبه لاشتراكه معها في المبدأ أو عجزه عن دفعها(1).
1) 927. اُنظر: هيكل، محمد حسنين، حياة محمد، ط1: ص104، وط2، سنة1354ﻫ: ص139. الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج2، ص288. هيكل، محمد حسين، جريدة السياسة المصرية (ملحق عدد: 2751 بتاريخ 12 ذي القعدة 1350ه): ص5، وص6 من (ملحق عدد: 2785)، ذكر الحديث بتمامه. وعين ذلك حدث لهذا الخبر في تفسير الطبري، فقد نقل قائلاً: «فقال صلی الله علیه و اله : يا بني عبد المطلب،... فأيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي وكذا وكذا؟... ثمّ قال: إنّ هذا أخي وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا هذا». الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن: ج19، ص112، ط 1373ﻫ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر. وقد ذكر الطبري - أيضاً - هذا الخبر في تاريخه قائلاً: «فقال: يا بني عبد المطلب،... فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟... ثمَّ قال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا». الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج2، ص321. (ط. دار المعارف بمصر، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم). ولعل هذا العمل ليس من الطبري، وإنّما حصل من الناسخين للكتاب، فقد عبثوا بالكتب، وإلّا فالطبري دفع ثمن روايته حديثَ غدير خم، فقد قال فيه ابن حجر في لسان الميزان: «ثقة صادق، فيه تشيُّع يسير، وموالاة لا تضرّ، وإنّما نُبز بالتشيُّع لأنّه صحّح حديث غدير خم». ابن حجر، أحمد بن علي، لسان الميزان:ج5، ص100. وحكى الذهبي في التذكرة، عن الفرغاني: «إنّه لمّا بلغه أنّ ابن أبي داود تكلَّم في حديث غدير خم، عمل كتاب الفضائل، وتكلّم على تصحيح الحديث، قلت: رأيت مجلداً من طُرق الحديث لابن جرير، فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق». الذهبي، محمد بن أحمد، تذكرة الحفّاظ: ج2، ص251. اُنظر: السيوطي، جلال الدين، طبقات المفسِّرين: ص30. ابن كثير الدمشقي، إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية: ج11، ص145.
إنّ قراءة جديدة لمتون كتب الحديث والتاريخ - ضمن معايير علمية متضمّنة هي قراءة لنفسيات المؤلِّفين والمحدِّثين مع ملاحظة الوسائل المختلفة التي يتّبعها البعض والانتقائية غير العلمية - لا شكّ أنّه سوف ينتج لنا قراءة صحيحة للتاريخ الإسلامي، ورجاله الأفذاذ ممَّن غيَّبت فضائلهم وانجازاتهم العظيمة، لعدم وجود المؤرِّخين والمحدِّثين الثقاة ممَّن يتحلّى بالجرأة والغيرة على الدين.
الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه
في ظلّ المبادئ السياسيّة للنهضة الحسينيّة
الشيخ قيصر التميمي
تعرّضنا في هذا المقال لإشكالية جديدة أدّت لإقصاء النهضة الحسينيّة في أهدافها السياسيّة، وهي إشكالية الفصل بين القيادتين الدينيّة والسياسيّة في عصر الغيبة، وتعتمد على جملة من القرائن والشواهد التاريخيّة والتراثيّة، ذكرنا منها: فكرة فصل الاختصاص الديني عن المنهج السياسي، ودعوى أن الحركة السياسيّة للمعصومين من أئمة أهل البيت علیهم السلام من خصائص عصمتهم وإمامتهم، والنصوص الدالة على أن كلّ راية تُرفع قبل قيام القائم علیه السلام فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله تعالى، والروايات الآمرة بالجلوس والناهية عن الخروج على السلطات الظالمة، وادّعاء كون سيرة المعصومين علیهم السلام بعد شهادة الحسين علیه السلام قائمة على ترك السعي لإقامة حكومة إسلامية. ثم انتقلنا بعد ذلك للإجابة عن هذه الإشكاليّة وشواهدها في إطار العناوين التالية: نظرية الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه المطلقة، وفكرة المشاركة السياسيّة والاجتماعيّة (الولاية الحسبية)، والحضور الحسيني المتميّز في الأوضاع الراهنة، ثم انتقلنا لمناقشة شواهد ونصوص الإشكاليّة بصورة خاصة. وخلصنا إلى كون المبادئ السياسيّة للنهضة الحسينيّة من أهمّ مصادر حركتنا السياسيّة والاجتماعيّة في عصرنا الحاضر.
Establishing an Islamic Government and The Supreme Authority of the jurist, in the Light of the Political Principles of Imam al-°usayn‘s Uprising
Shaykh Qay¥ar al-Tam¢m¢
The writer of this essay embarks upon reviewing analytically a new problem that led to eliminating Imam al-°usayn‘s universal and reformative uprising from its political goals. This problem is namely discrimination between the religious and the political leaderships in the Occultation Age (i.e. the period of the invisibility of the awaited Imam al-Mahd¢). Proposed to scholastic disputation, this problem is claimed to be dependently derived from a number of points of evidence as well as historical and traditional indications, some of which are as follows:
The notion of separating the religious domain from the political course,
The claim that the political approach of the Holy Imams of the Ahl al-Bayt (‛a) is one of the features exclusively granted to them on account of their ‛i¥mah (Divinely given inerrancy) and Imamate (leadership of the Muslim community),
The Imamic traditions indicating that every standard (i.e. political movement) that is raised before the reappearance of the awaited Imam al-Mahd¢ (‛a) must be raised by a s¡gh£t; i.e. a false deity, who is worshipped beside Allah the Almighty,
The narrations carrying the Holy Imams‘ instructions of holding back (i.e. sitting motionless and refraining from revolting or assuming a political leadership) and warning against rising up against the tyrannical ruling authorities, and
The claim that, after the martyrdom of Imam al-°usayn (‛a), the Holy Imams followed a course that was founded on making no attempt to establish an Islamic government.
Upon reviewing these claims, the writer moves to giving adequate answers to each one of them separately under such titles as:
-The notion of the political and social role of the supreme religious authority in the Muslim community, and
The writer then discusses analytically the aforesaid objections to the wil¡yat al-faq¢h notion and the points of evidence that were provided against it more exclusively.
Finally, he concludes that the political principles of Imam al-°usayn‘s reformative uprising have always been the key foundation and most important inspiring factor of the political and social progress of the Muslim community in the present day.
الثورة الحسينية بين نظرية الشهادة وإقامة الحكومة
آية الله الشيخ محمد جواد اللنكراني
تناول الكاتب في المقال الذي بين أيدينا دراسة هدف الإمام الحسين علیه السلام من ثورته، فاستعرض في بداية البحث النظريات والاتجاهات التي طُرحت في هذا المجال بشكلٍ إجمالي، فذكر نظرية الشهادة، ونظرية الهدف المرحلي، ونظرية إقامة الحكومة، ونظرية التكليف الخاص، ونظرية الأهداف الطولية، ونظرية الظاهر والباطن، ونظرية الهدف المزدوج. ثمّ ركّز على نظرية الشهادة، وذكر أنّها لاقت قبولاً كبيراً في الأوساط العلمية، واستدلّ لها بمجموعةٍ من كلمات الإمام الحسين علیه السلام ، بالأحداث التي سبقت واقعة الطف، وحلّل هذه النظرية وتبنّاها بإضافة متمّمٍ لها وهو أنّ الهدف ليس الشهادة بما هي، بل الهدف هو إحياء الأُمّة، واستنقاذ العباد. ثمّ ذكر آثاراً تترتب على نظرية الشهادة بهذا المعنى، منها:
أولاً: إنّ نهضة الإمام علیه السلام من الواجبات الدينيّة الأساسية التي لا يمكن تركه. ثانياً: لا طريق في مثل هذه النهضة لإيقاظ الأُمّة إلّا الشهادة.
وفي الجانب الآخر ركّز الكاتب على نظرية إقامة الحكومة من بين النظريات التي استعرضها في بداية المقال، وذكر الأدلة التي أُقيمت على صحتها، ثم ناقشها من ناحية ثبوتية وإثباتية. ففي الناحية الثبوتية بيّن أنّ سُبات الأمّة، ومعرفة الإمام بحقيقة أهل الكوفة لا تسمح بإقامة حكومة حقٍ يرأسها الإمام علیه السلام . وفي الناحية الإثباتية بيّن أنه لا
يوجد ما يدلّ أو يُشعر بأنّ الإمام علیه السلام كان يهدف إلى إقامة دولةٍ إسلاميةٍ من ثورته. وفي الختام ناقش الاستدلال ببعض النصوص التي ادُّعي دلالتها على نظرية إقامة الحكومة.
The goal of Imam Al-°usayn‘s uprising
between Planning for Martyrdom and the Establishment of Government
Ayatollah Shaykh Mu¦ammad Jaw¡d al-Lankar¡n¢
Analyzing Imam al-°usayn‘s objective for his revolution, the writer of this essay begins with reviewing, yet generally, all the views and conceptions that were propounded in this connection. He thus refers to a number of views in this regard, which are namely: (1) Martyrdom; that is, Imam al-°usayn‘s goal was to win martyrdom, (2) achievement of a temporary goal, (3) establishment of government, (4) carrying out a private Divine duty, (5) starting a mission of futuristic fruits, (6) the outward-inward conception, and (7) the double goal view.
Singling out the view of martyrdom and confirming that it received very much approval by the scientific milieus, the writer provides a number of words said by Imam al-°usayn (‛a) as well as a number of events that took place before the Battle of al-±aff as evidence to prove the view that Imam al-°usayn (‛a), by leading this revolution, intended for winning martyrdom. Yet, the writer, upon analyzing and adopting this view, adds an auxiliary factor to it when he expresses that the actual goal of the Imam (‛a) was not martyrdom in itself; rather, it was to revive the community and to save the masses from the tyranny of the ruling authorities, and these goals could not be achieved unless martyrdom would first be gained.
The writer then mentions some effects that result from adopting the view of martyrdom being the purpose behind Imam al-°usayn‘s revolution in this very sense. Among these effects are that the Imam‘s uprising was one of the unavoidable basic religious duties and there was no other way for awakening the Muslim community than leading this uprising that would inevitably end with the Imam‘s martyrdom.
In the other part of his essay, the writer, within his review of the
various opinions about the objective for Imam al-°usayn‘s revolution, highlights the view that the Imam‘s goal was to overthrow the ruling government and establish a new one. Making a reference to the points of evidence provided for proving the accuracy of this view, the writer embarks upon discussing these points from the aspect of the true state of affairs and the aspect of manifest proofs. With regard to reality, the writer points out the two factors that prevented the Imam (‛a) from establishing a truly Islamic government headed by him. These two factors were namely the period of blackout through which the Muslim community was passing these days, and the Imam‘s familiarity with the reality of the people of al-K£fah.
With regard to the manifest proofs, the writer confirms the absence of any factor that may prove, or make us feel, that Imam al-°usayn (‛a), upon revolting and leading his blessed uprising, aimed at establishing a true Islamic government.
Finally, the writer argues the points claimed to be evidence on the view of the Imam‘s intention to establish a government.
منطلقات النهضة الحسينيّة وخلفياتها
القسم الرابع
تعبئة الأُمّة وإعدادها
السيّد محمّد الشوكي
تحدّث الباحث في هذا المقال عن المهمّة التي قام بها الإمام الحسين علیه السلام في تعبئة الأُمة وتهيئتها لمواجهة المشروع الأُموي، وكان قد تعرّض الباحث في مقالاتٍ سابقة للخطوات التي اتّخذها بنو أُمية للاستحواذ على السلطة، ومن أهمها توريث الحكم ليزيد ليبدأ معه عصر جديد من التسلّط العائلي على الحكم، كما يفعل الملوك والسلاطين، وكذلك تطرّق لمسألة مهمة وهي أن شخص الإمام علیه السلام هو التحدي الأبرز للمشروع الأُموي. أما في هذا القسم من مقالاته فقد بيّن الاستعدادات التي قام بها الإمام الحسين علیه السلام لمواجهة مرحلة ما بعد معاوية؛ فإنّ هذا الاستعداد أمر فرضته وظيفة الإمام والأحاديث التي جاءت عن النبي صلی الله علیه و اله .
ثمّ بدأ الباحث بعرض وقائع مؤتمر مكة الذي ألقى فيه الإمام الحسين خطبته، ثمّ قام بتحليل هذه الخطبة، وبيان أثرها في الإعداد لمواجهة المرحلة المقبلة، والمضامين التي جاءت فيها. وبعدها أشار إلى الإيام الأخيرة لمعاوية ووصيته ليزيد وإطلاعه على ما يمكن أن يواجهه حال انتقال السلطة إليه، وبيّن الكاتب بعدُ كيفية انتقال السلطة إلى يزيد في ظروف آمنة هُيّئت مسبقاً من قبل معاوية.
The Starting Points and Backgrounds
of Imam al-°usayn‘s uprising
Part IV: Mobilizing and Preparing the Masses for revolting
Sayyid Mu¦ammad al-Shawk¢
In previous parts of this series of essays, the writer brought up the steps adopted by the Umayyads to seize power over the Muslim community, the most important of which was that power was given in inheritance to Yaz¢d after the death of his father, just like kings and sultans used to do, and thus a new age of hereditary seizure of power began. The writer then spotlighted the fact that Imam al-°usayn ibn ‛Al¢ (‛a) was the most challenging obstruction that faced the Umayyad devious scheme.
In this part of the essay, he sheds light on the preparations made by Imam al-°usayn (‛a) for confronting the post-Mu‛¡wiyah stage to come to the point that such preparations embodied the carrying out of a religious duty imposed by the Imam‘s function and by the traditions reported from the Holy Prophet Mu¦ammad (¥).
Starting with a review of the events of the conference held in Makkah in which Imam al-°usayn (‛a) delivered his famous revolutionary speech, the writer analyzes the sections of this speech, putting on view its influence on the preparation for facing the coming stage and also analyzes the points mentioned therein.
The writer then moves to taking up the last days of Mu‛¡wiyah‘s reign and the will he wrote to his son Yaz¢d in which he predicted the most dangerous challenges his son might face when power would be transferred to him.
After that, the writer reveals the way power was transferred to Yaz¢d after his father had paved the way and prepared secure conditions for the transference of power to his son.
فلسفة البكاء على الإمام الحسين علیه السلام
د. الشيخ مهدي رستم نجاد
المقال إضافة مفيدة وجادة لتقديم صورة واضحة المعالم عن فلسفة شعيرة مهمّة من الشعائر الحسينية، وهي شعيرة البكاء التي تعدّ من أهمّ مظاهر العزاء على سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين علیه السلام ، ولم ترد روايات بحق أي واحد من أهل البيت علیهم السلام بقدر ما وردت بحق الإمام الحسين علیه السلام ؛ لذا تعرّض الباحث لحكمة تأكيد الروايات على تلك الشعيرة، فعرض الوجوه والآراء والتحليلات المذكورة من قبل البعض حول فلسفة البكاء، ثمّ بعد ذلك اختار رؤية ذات أبعاد مركّبة متعددة تشكّل بمجموعها العام صورة متكاملة حول حكمة البكاء منسجمة مع الروايات الحاثّة على ذلك.
Logic for weeping for Imam al-°usayn
Dr. Shaykh Mahd¢ Rustam Nezh¡d
The current essay is a constructive and serious addition aimed for presenting a conspicuous study of the philosophy of weeping for Imam al-°usayn (‛a) and weeping over his tragic saga that led to his martyrdom, since this weeping is seen as one of the most important rites of commemorating Imam al-°usayn (‛a), his uprising, and his martyrdom.
Going through the traditional heritage of the Holy Imams (‛a), the writer proves that Imam al-°usayn (‛a) was given the lion‘s share of the narrations issued by and authentically reported from the Holy Imams (‛a), especially with regard to their emphasis on the rite of weeping for him, which is thus seen as one of the most significant aspects of expressing sorrow for the martyrdom of the chief of the youths of Paradise, Imam al-°usayn ibn ‛Al¢ (‛a).
Thrashing out the logic for the importance assigned to the rite of weeping for Imam al-°usayn (‛a) by the Holy Imams (‛a) through their reported heritage, the writer of the essay reviews the reasons, views, and analyses mentioned by scholars about the logic for weeping. After that, he conclusively picks up one multifarious and compound view, which, in its totality, forms an integrated picture that explains the actual wisdom for weeping and, at the same time, is compatible with the Holy Imam‘s words that highlighted the importance of weeping as a ceremonial act.
المؤسسة الشعائرية
القسم الأوّل
التأسيس والسيرورة، الأهداف والغايات
الشيخ عامر الجابري
عُنيت هذه الدراسة بموضوع مهم جداً من موضوعات النهضة الحسينية المباركة، ألا وهو موضوع الشعائر الحسينية، وانصبّ فيها جهد الباحث على جانبين من جوانب هذا الموضوع، وهما: كيفية نشوء المؤسسة الشعائرية وتكوّنها، ثمّ أثرها في بناء الكيان الشيعي وتبلوره؛ فقسّمت الدراسة لهذا الأساس على مبحثين: تضمّن الأوّل نشوء المؤسسة الشعائرية وسيرورتها - وهو ما جاء الحديث عنه في القسم الأوّل من هذه الدراسة - وأما المبحث الثاني فيتناول دورها في بناء كيان التشيّع وتكميله، وسيأتي الحديث عنه في القسم الثاني من الدراسة - إن شاء الله تعالى -.
ركّز الباحث في القسم الأوّل من دراسته على بدايات نشوء المؤسسة الشعائرية ورسم ملامحها من قبل الأئمة علیهم السلام ؛ وذلك من خلال مطلبين: الأوّل مؤسسة المأتم الحسيني، والثاني مؤسسة زيارة الإمام الحسين علیه السلام ، فتحدّث في الأوّل عن كيفية تأسيس المأتم الحسيني ونشوئه على أيدي أهل البيت علیهم السلام ، ابتداءً من الإمام السجاد علیه السلام الذي يعدّ واضع بذور المأتم الحسيني، ومروراً بعهد الإمام الباقر علیه السلام والإمام الصادق علیه السلام الذي شهد فيه المأتم عصره الذهبي، وكذلك ما حصل من تطوراتٍ للمأتم في عهد سائر الأئمة علیهم السلام .
وأما المطلب الثاني - وهو مؤسسة زيارة الإمام الحسين علیه السلام - فدار الحديث فيه عن دوافع نشوء الزيارة ونموّها، ومساهمة أهل البيت علیهم السلام في ذلك؛ إذ يعدّ الإمام الباقر علیه السلام واضع اللبنة الأُولى لمؤسسة الزيارة، ثم الإمام الصادق علیه السلام ، وبقية الأئمة علیهم السلام من بعده.
The Institution of Commemorating Imam al-°usayn
part I: Constitution and Process; Goals and outcomes
Shaykh ‛ªmir al-J¡bir¢
This study is dedicated to one of the most important issues of Imam al-°usayn‘s blessed uprising; namely, the issue of the rituals of commemorating Imam al-°usayn (‛a), his revolution and his martyrdom, widely known as °usayn¢ Rituals. Although this issue is in itself composed of many aspects, the writer has devoted his study to discussing two aspects only: the birth and composition of these rituals, which is the main topic of the first part of the current study, and their effect on building and developing the Sh¢‛ite entity, which is discussed in details in the second part.
In the first part of the essay, the writer dedicates his study to the first emergence of the ritualistic establishment of commemorating Imam al-°usayn‘s martyrdom and proves that the features of these rituals were basically sketched by the Holy Imams (‛a). He thus divides this part of the essay into two major sections, the first of which discusses the establishment of the meetings for commemorating Imam al-°usayn‘s martyrdom, and the second deals with the establishment of pilgrimage to Imam al-°usayn ‘ s holy tomb.
With regard to the first section, the writer looks into the way the meetings for commemorating Imam al-°usayn (‛a) were established and initiated by the Holy Imams (‛a), starting with Imam al-Sajj¡d (‛a), who is considered the first to sow the seed of theses meetings, passing by Imam al-B¡qir (‛a) and Imam al-¯¡diq (‛a) whose era is seen as the golden age of the ritualistic gatherings for commemorating Imam al-°usayn (‛a), as well as the developments that occurred to these gatherings during the ages of the other Holy Imams (‛a).
In the second section of this part, the motives for the rise and development of visiting and going on pilgrimage to Imam al-°usayn ‘ s holy tomb, as well as the Holy Imams ‘ advisory and practical contributions to this issue, has been discussed in details. Imam al-B¡qir (‛a) is regarded as the first to have founded this pilgrimage, followed by Imam al-¯¡diq (‛a) and the other Holy Imams (‛a).
حجاجية السؤال في خطاب الإمام الحُسين علیه السلام
د. خالد حوير
يُلفت الباحث النظر في هذا المقال إلى إحدى أهمّ وسائل الامام الحسين علیه السلام في إثبات أحقّيته وصواب نهجه القويم، وإقناع المتلقّي به، ألا وهو استخدام حِجاجية السؤال فيما إذا كان المتكلّم أو السائل يعلم الجواب. وتوزّع البحث على محورين: وضع الأول للتعريف بالحِجاج وبيان معناه لدى اليونان والمسلمين والغرب في العصر الحديث، وكذلك توضيح معنى الخطاب بشكلٍ عام، والخطاب الحسيني وأنماطه المختلفة التي وردت فيها صيغ السؤال الحجاجي بشكلٍ خاص.
وأما المحور الثاني فبيّن فيه أدوات السؤال الحجاجي في الخطاب الحسيني، كالهمزة والاستفهام وأسماء الاستفهام.
Argumentative Interrogations
in Imam al-°usayn ‘s Speeches
Dr. Kh¡lid °uwayr
In this essay, the writer attracts attentions to one of the methods Imam al-°usayn (‛a) used for proving his entitlement to leadership, confirming the accuracy of his flawless approach, and persuading people that he is the one and only rightful party; that is, the style of argumentative interrogation, which is used when a speaker, or more precisely an asker, has already known the answer to the question he poses; yet, he poses it in order to provide argument against the addressee.
The essay has thus been divided into two parts, each of which holds a central topic. In the first part, the writer defines argumentative interrogation and explains its connotation in the view of the ancient Greek, Muslims, and modern Western theologians. The writer also gives a general idea of speech before moving to show the distinctive features of Imam al-°usayn ‘ s speeches and their various types, especially those introduced in the form of argumentative interrogation.
In the second part, the writer reviews the articles of argumentative interrogation in Imam al-°usayn ‘ s speeches, such as the interrogative hamzah, particles, and nouns.
الشّعر الحُسينيُّ في الدراسات الأدبيّة الحديثة
قراءة في كتاب
(كربلاء بين شعراء الشعوب الإسلاميّة)
د. علي مجيد البديري
المقال هو قراءة متأنّية لكتابِ رائدٍ من روّاد الأدب الإسلامي المقارن، وهو عبارة عن محاور:
الأول: التعريف بالكاتب وجهوده في مجال الأدب الإسلامي المقارن، ومؤلفاته، ورؤيته لكربلاء.
الثاني: وهو قراءة في صلب الكتاب، وأبوابه، وهي:
الباب الأول: كربلاء في الشعر العربي، واحتوى على فصلين: الأول: كربلاء في الشعر العربي القديم، وأكّد المؤلّف فيه على أن البطش الأُموي قيّد كثيراً من الشعراء في رثاء الحسين علیه السلام ، وأنّ الشعر آنذاك اصطبغ بالصبغة الثائرة على الفساد الأُموي، مستعرضاً نماذج من ذلك الشعر.
أما الفصل الثاني: فكان في الشعر العربي الكربلائي الحديث، وبروز ظاهرة الشعر الملحميّ المس-رحيّ، كمسرحيتي (الحسين ثائراً) و (الحسين شهيداً) الشعريتين للشرقاوي.
ثم يذكر كاتب المقال: أنّ مما اختُصّ به الكتاب إدراجه الشعر الشعبي بوصفه لوناً من ألوان الشعر، متجاهلاً الإشكاليّات في ذلك.
أمّا الباب الثاني: فذكر الكاتب أنّ المؤلف اهتمّ فيه بالشعر الأُوردي - قديمه وحديثه - في فصلين أيضاً كلّ على حدة ذاكراً نماذج لكلا الفصلين.
وأمّا الباب الثالث: فقد أوقفه مؤلّف الكتاب على الشعر الفارسي - قديمه وحديثه - في فصلين، مستعرضاً دور حكام الصفوية في تشجيع الشعر في مضمار هكذا، ذاكراً نماذج من ذلك.
ثم بسط الكلام حول كتاب (روضة الواعظين) الشهير، ثم استعرض في الفصل الثاني الشعر الكربلائي الفارسي الحديث مع ذكر نماذج بارزة له.
أمّا الباب الرابع: فقد تناول فيه المؤلف، الشعر الكربلائي عند الأتراك - قديمه وحديثه - في فصلين، وذكر لكلا الفصلين نماذج مهمّة من الشعراء الأتراك.
أما المحور الثالث: فقد تعرّض فيه كاتب المقال لما ذكره المؤلف من إشكاليّات ترجمة الشعر، وما يتعلّق بهذا الموضوع المهم من أُمور.
Elegies on Imam al-°usayn
in the Modern Literary Studies;
A perusal of “Kabral¡ ‘ bayna shu‛ar¡ ‘ al-shu‛£b al-isl¡miyyah”
Dr. ‛Al¢ Maj¢d al-Budayr¢
Seen as a deliberate perusal of one of the pioneering books in the field of comparative Islamic literature, the current essay is composed of three major parts. The first part comprises an introduction of the author, his efforts in the field of comparative Islamic literary, his writings, and his view about poetry of Karbal¡ رحمة الله apos; in its capacity as the place where Imam al-°usayn (‛a) was martyred.
The second part is a study of the book involved and its sections, since the first section of it, which is entitled: Karbal¡ ‘ in the Arabic Poetry, is divided into two chapters. Entitled, Karbal¡ ‘ in the classic Arabic poetry, Chapter One includes the author ‘ s idea that the persecution and brutality, practiced by the Umayyad ruling authorities, prevented the majority of poets from composing elegies on Imam al-°usayn (‛a). Hence, the most distinctive feature of poetry of that era was revolution against the Umayyad tyrannical rule. The author then presents some examples of poetic verses that were composed during that era.
Chapter Two is dedicated to the modern Arabic poetry on Karbal¡ ‘ and the advent of the phenomenon of theatrical epical poetry, represented by al-°usayn Th¡ ‘ iran (Al-°usayn; A Revolutionist) and al-°usayn Shah¢dan (Al-°usayn; A Martyr)—two epical plays written by al-Sharq¡w¢.
A distinctive feature of the book involved, the writer of the essay adds, is that the author included it some folk poetry, considering it a type of poetry, ignoring the objections that might be arisen against so.
As for the second section of the book, the author dedicates it to the Urdu poetry, both the old and the modern, discussing each type in an independent chapter and mentioning samples of each type.
The author of the book, in the third section, discusses the Persian
poetry, both the old and the modern, and devotes an independent chapter to each type, reviewing the role of the Safavid dynasty in encouraging on composing poetry on the topic of Imam al-°usayn‘s martyrdom and tragic saga. He finally cites samples of such poetry.
He then talks elaborately about the famous book of Raw¤at al-W¡‛i¨¢n.
In Chapter Two of the same section, the author surveys the modern Persian elegiac poetry and quotes the most famous models of it.
In the forth section, the author thrashes out the Turkish poetry of elegizing Imam al-°usayn (‛a), both the old and the modern. In two chapters too, the author reviews each type alone. He finalizes the section by quoting samples of such type of poetry.
In the third part of the essay, the writer discusses the author ‘ s thesis on the problems of translating poetry and all related issues.
النثر في ثورتي التوابين والمختار الثقفي وتأثره بالنَّصّ القرآني
د. هاشم الزرفي
تناول الكاتب في مقاله مفهوم النثر الأدبي، ووظائفه، وسلّط الضوء على النثر في خصوص حقبة ثورة التوّابين ثم ما تلاها من حركة المختار الثقفي وثورته، ومدى القصدية في هذا اللون من الكلام غير الخاضع للوزن أو القافية من خلال محورين مهمين، خصّص أولهما للأنماط المتصورة للنثر الفني في كلا الحقبتين، فذكر عدة أنماط للنثر الفنّي، منها: الخطابة، ثم الرسائل الفنية، ثم العهود والوصايا.
فاستعرض سريعاً فنّ الخطابة، وأثر الإسلام والقرآن في تطوّرها وتنميتها، ثم استعرض الخطابة في حقبتي التوّابين، والمختار، ذاكراً أسباب تطورها في خصوص تلك الحقبتين، مستعرضاً أشهر الخطباء آنذاك.
أما (الرسائل الفنّية)، فذكر الباحث مدى دفع الإسلام لها باتّجاه الرقيّ والتطوّر، بعدما لم تلقَ رواجاً لها في الجاهلية، ثم استعرض عوامل تطوّر هذا الضرب الفنّي من ضروب النثر، ثم خصائصه إبّان تلكم الحقبتين آنفتي الذكر، ثم ثلَّث الكاتب بذكر الضرب الثالث من النثر الفنّي وهو (العهود الوصايا)، فبعد تعريفهما استعرض سريعاً ما في الحقبتين من آثارٍ تدلّ عليهما.
أما ثاني المحورين، فقد خصّصه الكاتب لدراسة أثر القرآن الكريم في النثر الفنّي لكلا الحقبتين ضمن أنماط أيضاً من الاقتباس القرآني، أو الاستشهاد بالآي القرآني، أو محاكاة أُسلوب القرآن الكريم.
Prose in the Revolution of al-Taww¡b¢n (the Repenters) and the Revolution of al-Mukht¡r al-Thaqaf¢ and its Affectedness by the Qur رحمة الله apos;¡nic Texts
Dr. H¡shim al-Zarf¢
Approaching the concept and functions of prose as a literary form of written or spoken language, the writer of this essay sheds an important light upon prose during the era of the revolution of al-Taww¡b¢n (repenters; some people of the K£fah city who regretted their failure to support Imam al-°usayn (‛a) and thus decided to revenge for him and revolt against his slayers) and the following era of al-Mukht¡r al-Thaqaf¢ ‘ s revolutionary movement. The writer also reveals the scope of intention in this category of speech that is free of rhyme and metrical structure. His study is founded on two basic central points.
In the first part of the essay, the writer studies the probable types of prose during these two eras. He thus mentions a number of types such as elocution, literary letters, and epistles and precepts. He swiftly goes through the art of elocution and the effects of Islam and the Holy Qur ‘ ¡n on its development and progress. Dedicating the next lines to elocution during the two eras of al-Taww¡b¢n and al-Mukht¡r, the writer mentions the reasons for the development witnessed by the art of elocution during these two eras, listing the names of the most famous elocutionists of that time.
With regard to literary letters, the writer points out the fact that Islam played a major role in pushing the art of writing letters toward development and advancement, while this art had not met any popularity during the pre-Islamic era. He then moves to appraise the factors that contributed to the development of this type of prose and then the distinctive features of it during the two eras involved. Moving to the third category of prose; namely, epistles and precepts, the writer defines each of them, yet promptly, before referring to the traditions indicating their existence and activity during these two eras.
The second part of the essay is allocated to studying the impacts of the Holy Qur ‘ ¡n on prose during these two eras along with quoting various types of prose from the Holy Qur ‘ ¡nic texts, including quotations and imitations of the Qur ‘ ¡nic style.
فقه التربة الحسينية
(القسم الثالث)
حكم وقوع التربة المباركة في الخلاء وحملها له و تجهيز الميت بها
الشيخ أحمد موسى العلي
تعرّض الكاتب في مقالات سابقة إلى عدة أحكام تتعلّق بالتربة الش-ريفة لسيد الشهداء علیه السلام ، كحرمة الاستنجاء بها أو تنجيسها، واستكمالاً لبحثه الآنف، تعرّض في مقاله هذا إلى ثلاثة مسائل أُخرى لها مسيس الصلة بما تقدم، وهي:
الأولى: وقوع التربة المباركة في بيت الخلاء، والأحكام المترتّبة على ذلك شرعاً، من وجوب إخراجها ولو ببذل مال بإزاء ذلك، ثم حُكْم عدم إمكان الإخراج، وتعرّض للأقوال في ذلك، كل ّ بحسب أدلته.
الثانية: مسألة حمل التربة المباركة أثناء الولوج إلى بيت الخلاء، وحكم ذلك، والأقوال فيه، والأدلة على كلّ قول.
الثالثة: مسألة تجهيز الميت بالتربة الحسينية المباركة، فقد حاول الكاتب - جاهداً - استقصاء فروع المسألة، كوضع التربة مع حنوط الميّت، واستحباب الكتابة بها على الكفن، واستحباب وضعها مع الميّت في القبر، ثم استحباب دفن الميّت عند المشاهد المشرفة، ومن أهمها مشهد سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين علیه السلام ، وعرض إلى أقوال كلّ فرع وأدلته وتوابعه، وما يترتب عليه من أمور.
Religious Laws appertained to the blessed clay taken from Imam al-°usayn‘s tomb
Part III: rulings of the °usayn¢ clay‘s falling in toilets, carrying a piece of it while toileting, and using it for the deceased
Shaykh A¦mad M£s¡ al-‛Al¢
In previous essays, the writer of this essay has discussed issues related to the rulings of the °usayn¢ clay (i.e. clays taken from Imam al-°usayn ‘ s holy tomb), such as the forbiddance of using such clays in washing the private parts after relieving nature and the forbiddance of sullying them. As continuation of his essays, the writer discusses in the current essay three more issues related to the same subject matter.
The first issue is the laws and rulings appertained to the falling of a °usayn¢ clay into a toilet. Referring to these laws and rulings in details, the writer proves that it is obligatory to take out such clays that fell in lavatories or bathrooms even if this process requires spending some money as the wage for doing so. Assuming the case of the impossibility of taking such a clay out of there, the writer reviews the different opinions of master scholars of Sh¢‛ite jurisprudence in this regard, arguing the points of evidence provided to prove each opinion.
The second issue is carrying a piece of the blessed °usayn¢ clay to a toilet. The writer thus demonstrates the ruling of this issue, the different opinions about its illegality or legality, and the points provided as evidence of each opinion.
The third issue is using a piece of °usayn¢ clay as part of the things accompanying the deceased to his grave. Exerting all efforts possible in research, the writer investigates all the secondary topics related to this issue, such as the legality, or recommendation, of putting a piece of °usayn¢ clay with the stuff that accompanies a dead body in the grave, the recommendation of writing a supplicatory prayer or a Qur‘¡nic text on the shroud by using the liquid of °usayn¢ clay, the recommendation of putting a °usayn¢ clay with the dead body in the grave, and the recommendation of burying the deceased near the tombs of the Holy Imams and holy persons, especially near the holy shrine of Imam al-°usayn (‛a). While discussing each topic separately, the writer attaches the different opinions of scholars in this regard in addition to the points of evidence and the issues resulting therefrom.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السيرة الحسينية
تنوع الأساليب ووحدة الهدف
سارة رضائي
ترجمة: رعد الحجاج
لا يخفى أنّ لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مكانةً متميزةً في التعاليم الإسلاميّة، لا يدانيها أيّ عمل من الأعمال؛ ولذا جعلها الله تعالى في مصاف الصلاة والصيام والخمس والزكاة وما شاكل ذلك، وشرّعها على جميع أفراد المجتمع، بما فيهم الأنبياء والأولياء والحكّام. وانطلاقاً من هذه الأهمية القصوى، فقد تناولت الباحثة صاحبة المقال الكيفيّة المثلى للاستفادة من الأساليب المتنوّعة والطرق المختلفة والمؤثرة؛ بغية التوصّل إلى النتيجة المنشودة من أداء هذه الفريضة الإلهية الكبرى. ولمّا كان الإمام الحسين علیه السلام قد أعلن أنّ هدفه المقدّس من نهضة عاشوراء هو «إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، فقد استفاد في نهضته من أساليب متنوعة وشاملة، وسبل مؤثرة للغاية، ولم يدّخر وسعاً أو يبخل بأيّ تضحيةٍ في سبيل تحقيق هذا الهدف الإلهيّ السامي. فحاولت الكاتبة جاهدة في هذا المقال أن تبحث الأساليب المتنوّعة والعملية التي استفاد منها الإمام الحسين علیه السلام في سبيل العمل بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
Enjoining the Right and Forbidding the Wrong in Imam al-°usayn ‘ s Conduct; Variety of Method and Unity of Goal
S¡rah Rama¤¡n¢
Translated into Arabic by: Ra‛d al-°ijj¡j
It goes without saying that the religious duty of enjoining the right and forbidding the wrong occupies a distinctively unmatched position in the teachings of Islam. For this reason, Allah the All-exalted has placed it at the same level of ritual prayer, fasting, one-fifth rate (khumus), poor-rate (zak¡t), and the other major religious duties in Islam. Moreover, the Lord has imposed this duty on all categories of the Muslim community, including prophets, saints, and rulers. According to the extreme significance of this religious duty, the writer of this essay attempts to discover the most ideal way of putting into practice the various methods and different and most effective approaches of carrying out this religious duty in order to attain the best result possible.
In view of the fact that Imam al-°usayn (‛a) declared that the blessed objective of his uprising was to enjoin the right and forbid the wrong, he must have used various and all-comprehensive methods as well as highly effective ways for putting this goal into practice. Moreover, he must not have spared any effort in sacrificing all things possible for achieving this sublime Divine goal. In the light of these conclusions, the writer of this essay attempts to investigate and study these various methods and reveal the process adopted by Imam al-°usayn (‛a) in his putting into practice the religious duty of enjoining the right and forbidding the wrong.
النُظُم التّربوية عند الإمام الصادق علیه السلام
(رؤية تحليليّة)
د. السيد نجم الموسوي
يتمحور هذا المقال حول مفصل مهم من مفاصل بناء المجتمعات، ألا وهو مفصل التربية والنظم والتربوية وضرورتها عموماً، ومن وجهة نظر الإسلام على وجه الخصوص، ثم عند عَلَم من أعلام الإسلام، وجبل من جباله الشامخات، وهو الامام الصادق علیه السلام ، فبدءاً عرّف الكاتب مفهوم التربية، ثم خَلُص إلى ضرورة وجود منهجٍ واضحٍ لها؛ كي تبتعد عن العفوية والتسطّح. ثم تناول قبسات وضّاءة من النظم التربوية التي قعّد قواعدها المعلّم العظيم الإمام الصادق علیه السلام من خلال استعراض قواعد ومفاهيم جاء بها هذا الإمام الهمام، منها:
1- الإعداد الذاتي: قد أتى الباحث بنصوص رائعة في مجال الاهتمام بالنفس ذاتياً، ومراقبتها ومحاسبتها وتقويمها، ثم إطالة التفكّر والتأمّل لتصحيح العيوب، ودرء النواقص.
2- التدرّج والتسلسل في التربية، وهي من القواعد الجبّارة في التربية الإسلاميّة التي حثّ عليها الإمام الصادق علیه السلام ، وأكّدها علم النفس (الارتقائي).
3- تربية الأُسرة والمجتمع عبر التعامل المتكامل بين أفراد المجتمع، وإنشاء شبكة علاقاتٍ اجتماعيةٍ متّزنة عن طريق مداراة الناس والحثّ على التعاون فيما بينهم.
وبعد ذلك تعرّض الكاتب للخصائص العامّة للنظام التربوي في الإسلام عند هذا الإمام العظيم. ثم استعرض الواقع التربوي المعاصر.
The Educational Systems in the View of Imam al-¯¡diq;
An Analytical Prospect
Dr. Sayyid Najm al-M£saw¢
The essay revolves round one of the most significant elements of social construction; namely, education, educational systems, and the necessity of acting upon predefined educational systems in general and from the view of Islam in particular. The writer thus discusses all these topics from the view of Imam Ja‛far al-¯¡diq (‛a), one of the most prominent figures of Islam.
At the outset, the writer defines education as a concept and then moves to conclude the necessity of creating a clear-cut method of it so that education would be kept away from banality and superficiality.
He then goes through luminous examples of the educational systems founded by the great mentor, Imam al-¯¡diq (‛a), through reviewing a number of rules and concepts related to education and instituted by the great Imam (‛a). Some of these rules can be cited in the following points:
Self-preparation: The writer cites fabulous maxims said by Imam al-¯¡diq (‛a) in the field of self-attention, self-regulation processes, self-monitoring, self-evaluation, and self-reconditioning, in addition to contemplation and deliberation purposed for correcting one‘s defects and warding off falling in flaws.
Graduate and hierarchical education: This is one of the great rules in the Islamic education encouraged by Imam al-¯¡diq (‛a) and highlighted by modern progressive psychology.
Educating one‘s family and community by way of integrated treatment among the individuals of the society and establishing a net of balanced social interrelationships through spreading such principles as indulgence and collaborative teamwork.
Finally, the writer touches on the general features of the educational system in Islam as viewed and presented by the great Imam al-¯¡diq (‛a), before moving to giving a swift idea about the reality of education in the present day.
مدينة الكوفة، الجغرافية والمجتمع
(دراسة تاريخية)
الشيخ حسن العيساوي
تعدّ مدينة الكوفة من أهمّ المدن التي ساهمت في صياغة جملة من الأحداث التاريخية والثقافية، وذلك لموقعها الجغرافي، وتنوّع سكّانها، بالإضافة إلى وضعها السياسي الخاص؛ لذا انطلق الباحث في دراسة تلك المدينة من ثلاثة محاور: أوضح في المحور الأوّل معالم مدينة الكوفة من ناحية جغرافيّة؛ إذ عيّن حدودها، وذكر أحياءها وأسواقها وأهم المعالم فيها. وفي المحور الثاني تناول مدينة الكوفة من زاوية تركيبتها السكانية، وبيّن توزيع القبائل فيها، وأهم القبائل التي سكنت هناك. وجاء المحور الثالث ليسلّط الضوء على الوضع السياسي الذي كان قائماً، فقسّم التوجهات التي تجاذبت المجتمع الكوفي آنذاك إلى ثلاثة توجهات:
الأوّل: التوجّه الشيعي الموالي لأهل بيت النبوة علیهم السلام .
الثاني: الحزب الأموي الذي أنشأه عثمان بن عفان في المدينة إبّان خلافته.
الثالث: الخوارج، وهو الحزب الذي عُرِف في الكوفة بعد انتهاء واقعة صفين.
City of al-K£fah; Geography and Community
A Historical Study
Shaykh °asan al-‛«s¡w¢
Owing to its distinctive geographical location, demographic variety, and special political situation, al-K£fah city is considered one of the most important cities to have contributed to forming a good number of historical and cultural events. The writer of this essay, depending upon these facts, studies this city from three major points:
Discussing the first point, the writer shows the geographical features and sites of the city, demarcating its frontiers and referring to its quarters, marketplaces, and most important sites.
In the second point, he looks at the city from the angle of population structure, showing the map of the distribution of its tribes and referring to the most famous tribes that lived there.
In the third point, he throws light upon the political situation that was prevalent in the city of al-K£fah. He thus classifies the trends that pulled the community of this city in different directions into three major ones:
First, the Sh¢‛ite trend whose followers paid loyalty to the Ahl al-Bayt (‛a).
Second, the loyalists of the Umayyad party which was founded by ‛Uthm¡n ibn ‛Aff¡n in al-Mad¢nah city during his reign.
Third, the Khaw¡rij (mutineers), a faction that emerged in the city of al-K£fah after the Battle of ¯iff¢n.
أساليب المخالفين في تغييب فضائل أمير المؤمنين علیه السلام
(حديث الغدير أُنْمُوذَجاً)
الشيخ رسول كاظم عبد السادة
يتناول المقال الأساليب التي اتخّذها أعداء أهل البيت علیهم السلام في تغييب فضائلهم عن الساحة الإسلاميّة، وقد سلّط الكاتب الأضواء على حديث الغدير بوصفه نموذجاً لمحاولات بعضٍ التلاعب به وحرفه عن مدلوله الصحيح على الرغم من شهرته وكثرة رواته. وقد قسّم الأساليب إلى سبعة: تحدث في الأُسلوب الأول عن تغييب الأماكن التي لها علاقة بالفضيلة، فيما أوضح في الأُسلوب الثاني محاولة التقليل من عدد الشهود الذين شهدوا الفضيلة أو الحادثة. وجاء الأُسلوب الثالث ليظهر المنهجية التي اتُّبعت في التشويش على معنى النص سعياً لإبعاد أيّ فضيلة تُستظهر منه. أمّا الأُسلوب الرابع، فكشف لنا عن منهجية بعضٍ في قلب الفضيلة وتحويلها إلى مثلبةٍ، فيما عرّفَنا في الأُسول الخامس على طريقة اتّبعها بعضهم في الهروب من توثيق الفضيلة مع شهرتها؛ وذلك بالسكوت عنها وإهمالها، وهو ما وقع فيه مسلم والبخاري؛ إذ لم يذكرا واقعة الغدير. والتشكيك بصحة الفضائل أُسلوب آخر اتُّخِذَ في تغييب حديث الغدير وجملة من الفضائل، وهذا ما عرضه الباحث في الأُسلوب السادس، وختم المقام بالحديث عن أُسلوب تغييب الفضيلة من خلال نفي الكتب عن أصحابها، أو تحريف طباعتها، وهذا هو الأُسلوب السابع.
Methods of concealing the virtues of Imam ‛Ali Amir al-Mu‘minin The Ghad¢r Tradition As A Sample
Shaykh Ras£l K¡¨im ‛Abd al-S¡dah
The essay reviews the methods adopted by the enemies of the Ahl al-Bayt (‛a) for concealing the virtues of the Holy Prophet‘s family members from the Muslim community for purpose of suppressing these virtues and preventing Muslims from having familiarity with them. The writer thus throws light upon the famous Ghad¢r Tradition—in which the Holy Prophet (¥) declared Imam ‛Al¢ (‛a) as his successor to the religious and political leadership of the Muslim community—as a sample of the Prophetic traditions that reveal the excellence of the Ahl al-Bayt (‛a) over all others and declare their virtues, since this Prophetic tradition, in particular, has been the target of many attempts of alteration and distortion from its true meaning in spite of its fame and innumerability of its transmitters.
Focusing on the methods of concealing such traditions, the writer classifies them into seven categories.
The first method was the enemies ‘ attempt to conceal the sites where the virtue was declared.
The second method was their attempt to reduce the number of the witnesses who testified to the virtue or the event related to it.
The third method was the course followed to create confusion about the actual meaning of the text, in order to carry away any virtue that can be deduced from that text.
The fourth method is about the wicked effort of the enemies to reverse the virtue and turn it into defect.
The fifth method represented a course adopted by some enemies, which entailed escaping from the documentation of the virtue despite its fame, by ignoring and neglecting it—a method majorly used by Muslim and al-Bukh¡r¢ who refrained from making any reference to the famous event and Prophetic tradition of Ghad¢r Khumm.
The sixth method was arousing doubts about the authenticity of the virtue. This method was mainly used against the famous Ghad¢r Tradition, as well as many other virtues, when the enemies of the Ahl al-Bayt tried to doubt the issuance of these traditions by the Holy Prophet (¥).
The seventh, and last, method, by which the essay is concluded, was the denial of the books that held these virtues having been written by their authors and the distortion of their contents.
انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدة
الإصلاح الحسينى
مجلة فصلية مُتخصصة في النهضة الحسينية وتعنى بالدراسات الدينية