الاصلاح الحسینی 7 مجلة فصلیة متخصصة فی النهضة و تعنی بالدراسات الدینیة

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »

اِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الاِصْلاحِ في اُمّهِ جَدّي

الاِصلَاحُ الحُسَینيُّ

مَجَلةٌ فَصلِیّةُ مُتخَصِّصَةُ في النّهضَةِ وَ تُعنیَ بالدِّرَاسَّاتِ الدِّینِیَّةِ

تصَدُرُ عَن مَركَز الدِّرَاسَاتِ التَّخَصُّصيَّة

في النَّهضَة الحُسَينيَّة/ النَّجَف الأشرَف-قُم المُقَدَّسَة

قِسمُ الشُؤُون الفِكريَّة/العَتَبة الحُسَينيَّة المُقَدَّسَة

العدد السابع

السنة الثانیة(1435ه-.2014م)

اشارة

الاِصلَاحُ الحُسَینيُّ

مَجَلةٌ فَصلِیّةُ مُتخَصِّصَةُ في النّهضَةِ وَ تُعنیَ بالدِّرَاسَّاتِ الدِّینِیَّةِ

الهَیئَة الاستشَارِیَّة

آیة الله الشیخ محمد السند***آیة الله السید عادل العلوي

آیة الله الشیخ مهدي الآصفي***آیة الله السید منیر الخباز

العلامة المحقق السید ریاض الحکیم***العلامةالدکتور الشیخ محمدباقر المقدسي

العلامة الشیخ عبد المهدي الکربلائي

رئيس التحرير ................*

الشيخ قيصر التميمي

مدير التحرير................*

الشيخ صباح عباس الساعدي

هيئة التحرير................*

د. السيد حاتم البخاتي

الأُستاذ ثناء الدين الدهلكي

الشيخ محمد الكروي القيسي

الشيخ غزوان العتابي

الأُستاذ حيدر الساعدي

المقابلة وتقويم النص..........*

الشيخ عدنان الطائي

الشيخ عصام السعيد

الشيخ مصطفى الدالي

التصميم والإخراج الفني .....*

السيد علي مطر الهاشمي

تصدر عن مركز الدراسات التخصصية

في النهضة الحسينية/ النجف الأشرف ـ قم المقدّسة

قسم الشؤون الفكرية

العتبة الحسينية المقدّسة

الإشراف العام: ................*

سماحة الشيخ علي الفتلاوي

إدارة المركز: ...................*

الشيخ باقر الساعدي

الشيخ رافد التميمي (فرع قم المقدسة)

معاونية المركز: ................*

الشيخ عباس الحمداوي

الشيخ حيدر الأسدي (فرع قم المقدسة)

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (١٩٢٤) لسنة ٢٠١٣م

ISSN: 978-964-984-240-7 :الترقيم الدولي

هوية المجلّة:

مجلّة علمية فصلية تخصصيّة تُعنى بالبحوث المتخصّصة في مجال النهضة الحسينيّة، وكذا الدراسات العلمية في حقول المعرفة الدينيّة. تصدر عن مركز الدراسات التخصصيّة في النهضة الحسينيّة في النجف الأشرف وقم المقدّسة، التابع لقسم الشؤون الفكريّة في العتبة الحسينيّة المقدّسة.

اهتمام المجلّة:

تهتم المجلّة بنشر معالم وآفاق الفكر الحسيني وتسليط الضوء على تاريخ النهضة الحسينيّة وتراثها، وكذا إبراز الجوانب الإنسانية والاجتماعية والفقهية والأدبية في تلك النهضة المباركة.

كما تهتم المجلّة أيضاً باستقطاب ونشر البحوث والدراسات الدينيّة التخصّصية ذات الجوانب التجديديّة والإبداعيّة، وذلك في كافّة الحقول والمجالات، فتمتدّ لتشمل الدراسات القرآنية والعقديّة والفكريّة والتاريخيّة والفقهيّة، وكذا ما يرتبط بالتراث الديني، من الأدعية والزيارات والنصوص الدينيّة بشكل عام.

فالمجلّة تتطلّع لاستيعاب جميع المجالات المهمّة والحسّاسة في أبواب العلوم والمعارف الدينيّة، شريطة أن تكون البحوث والدراسات متضمّنة لجوانب من الإبداع والحداثة والتجديد، مع حفظ روح الأصالة والتأسيس.

أهداف المجلّة:

1- إعطاء رؤية واضحة حول معالم النهضة الحسينيّة من خلال البحوث والدراسات.

2 - نشر أهداف وثقافة النهضة الحسينيّة.

3 - إحياء التراث الديني والحسيني.

4 - فتح نافذة علميّة لتفعيل جانب الإبداع والتجديد والتأصيل الفكري في كافة حقول المعرفة الدينيّة.

5 - الانفتاح على الواقع العلمي والفكري لدى العلماء والأساتذة والمفكِّرين.

6- استثمار الأقلام الرائدة، وتطوير الطاقات العلمية الواعدة، واستقطاب البحوث والدراسات والمقالات العلميّة القيّمة لنشرها تعميماً للفائدة.

7 - فسح المجال أمام الباحثين والمفكِّرين لنشر بحوثهم ودراساتهم؛ لتكون المجلّة رافداً من روافد تزكية العلم والمعرفة.

8 - التصدّي للإجابة عن الشبهات والإشكاليات والقراءات غير الموزونة حول الدين بصورة عامّة والنهضة الحسينيّة بصورة خاصّة.

ضوابط النشر

تدعو المجلّة العلماء والأساتذة والباحثين وكل مَن لديه اهتمام في مجال الكتابة والتحقيق إلى رفدها بنتاجاتهم القيّمة، على أمل ملاحظة الأُمور التالية:

•أن تكون البحوث مرتبطة باختصاص المجلّة وأركانها.

•ألّا تكون منشورة أو بصدد النشر في كتاب أو مجلّة.

•أن تكون ضمن المناهج العلمية المتَّبعة.

•أن تكون بحوثاً مبتكرة وبلغة معاصرة.

•أن يكون البحث على قرص ليزري فيما لو كان منضداًً.

•حقوق النشر محفوظة.

•الأفكار المطروحة لا تعبِّر بالضرورة عن رأي المجلّة.

•لا تعاد البحوث لأصحابها نُشِرَت أم لم تُنشَر.

•يخضع ترتيب البحوث لاعتبارات فنيّة.

•إجراء التعديلات والتلخيصات اللازمة من صلاحيات المجلة.

•للمجلّة حق إعادة نشر البحث أو المقال في كتاب أو ضمن كتاب منفصل، مع الحفاظ على نصه الأصلي.

•كل 250 كلمة تحسب صفحة واحدة.

•المجلّة تتبع نظام المكافآت لأصحاب البحوث.

•تعتبر الأولوية في المجلّة للمقالات والبحوث الحسينية.

•المجلة غير ملزمة بنشر ما يقل عن 15 صفحة أو يزيد عن 30 صفحة.

مراكز النشر:

•

النجف الأشرف: الروضة الحيدرية - معرض الكتاب الدائم.

•

النجف الأشرف: شارع الرسول صلی الله علیه و اله - مكتبة دار الهلال.

•

النجف الأشرف: قرب مشروع الماء - مكتبة العراق الجديد.

•

النجف الأشرف: سوق الحويش - دار الغدير.

•

كربلاء المقدسة: المعرض الدائم في العتبة الحسينية المقدّسة.

•

بغداد: شارع المتنبيّ - مكتبة العين.

•

البصرة: العشار - مكتبة الإمام الهادي علیه السلام .

•

ميسان: شارع التربية - مكتبة الإمام الصادق علیه السلام .

•

إيران - قم المقدسة: صفائية - سوق الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف - مكتبة فدك.

•

إيران - قم المقدسة: سوق كذرخان - مكتبة الهاشمي.

المحتویات

مقال التحرير

الحركة العسكرية المسلحة ومحوريتها في البرنامج السياسي للنهضة الحسينية

الشيخ قيصر التميمي.................................................................................... 13

دراسات في آفاق النهضة الحسينية

التبليغ الهادف..الدوافع والأساليب والتحديات

حوار مع سماحة آية الله السيد رياض الحكيم............................................. 49

منطلقات النهضة الحسينية وخلفياتها

القسم الثالث (الإمام الحسين علیه السلام التحدي الأبرز للمشروع الأُموي)

السيد محمد الشوكي..................................................................................67

مذهبة الثورة الحسينية (الأسباب والنتائج)

السيد محمد باقر الهاشمي...............................................................................83

الإصلاح الحسيني والعدالة المهدوية

الشيخ غدير حمودي.................................................................................... 105

دراسات في تاريخ وتراث النهضة الحسينية

نجوم في سماء الحسين علیه السلام

الشهداء من أصحاب النبي صلی الله علیه و اله في نهضة كربلاء

الشيخ عبد الرزاق النداوي........................................................................... 131

مقتل الحسين علیه السلام لنصر بن مزاحم المنقري الكوفي

الشيخ عامر الجابري................................................................................... 171

تكلُّم الرأس الشريف في مصادر الفريقين

الشيخ إسكندر الجعفري........................................................................... 199

خصائص ومميزات أرض كربلاء (دراسة لغوية روائية)

الشيخ محمد الريشاوي................................................................................ 219

دراسات في فقه النهضة الحسينية

فقه التربة الحسينية

القسم الثاني (حرمة تنجيسها ووجوب إزالة النجاسة عنها)

الشيخ أحمد العلي........................................................................................ 241

التباكي في تراجيديا كربلاء (حقيقته ومشروعيته)

الشيخ صباح عباس الساعدي....................................................................... 267

دراسات دينية

سب بني أُمية لأمير المؤمنين علیه السلام

ظاهرة استمرت بعد معاوية حتى حكومة عمر بن عبد العزيز

د. السيد حاتم البخاتي................................................................................. 289

العصمة من منظور عقلي وقرآني (دراسة مقارنة)

السيد خالد سيساوي الجزائري................................................................... 313

قاعدة مشايخ الثقات وإشكالية الإسناد والإرسال

الشيخ زهير قاسم عبد النبي التميمي.......................................................... 333

خلاصة المقالات باللغة العربية والإنجليزية......................................................... 361

مقال التحرير

الحركة العسكرية المسلّحة

ومحوريّتها في البرنامج السياسي للنهضة الحسينيّة

الحركة العسكرية المسلّحة ومحوريّتها في البرنامج السياسي للنهضة الحسينيّة

الشيخ قيصر التميمي

تحدّثنا في مقالات ماضية حول الأسباب الداعية لاستبعاد الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة، واستعرضنا منها العقدية والتراثيّة والتاريخيّة، ونريد أن نتحدّث في هذا المقال أيضاً بخصوص واحدة من أهم الأسباب التاريخيّة الأُخرى التي دعت بعض الباحثين للتخلّي عن الهدف السياسي للنهضة، وهو ما يُطرح عادة في إطار الحديث عن فقدان التكافؤ العسكري بين الجبهتين، جبهة الحسين علیه السلام والجبهة الأُموية الحاكمة. وتُشكّل هذه الفكرة إشكاليّة معقّدة، انجرفت بتأثيرها مجملُ البحوث والدراسات الحسينيّة باتجاه هدفيّة الموت والشهادة المحتومة، حيث يتمّ التأكيد دائماً على أن ذلك هو الهدف السياسي الوحيد للنهضة. فتعالوا معي لنقرأ فيما يلي هذه الإشكاليّة التاريخيّة في ضوء كلمات العلماء والباحثين، ثم ننتقل بعد ذلك لمناقشتها:

لم تكن معالم الانتصار العسكري تلوح في الأُفق (أسباب تاريخية)

يُعدّ هذا السبب التاريخي من الأسباب الرئيسة التي دعت جملة وافرة من العلماء والباحثين للتخلّي عن الأهداف السياسيّة للنهضة الحسينيّة المباركة بشكل واضح وصريح، وحاصل هذا السبب هو: أنّ الانتصار السياسي والعسكري لم يكن متاحاً للإمام الحسين علیه السلام آنذاك، ولا لاحت معالمه في الأُفق، ولم يكن يحتمله واقع الأُمّة والسلطة آنذاك؛ إذ لم يكن هناك أيّ تكافؤ عسكري بين جبهة الحسين علیه السلام وبين الجبهة الأُمويّة، من حين إعلانه علیه السلام الرفض لبيعة يزيد في المدينة المنورة وحتى الشهادة في كربلاء، فعلى طول الخط الزمني لمراحل النهضة كان يزيد هو الأقوى والأكفأ والأكثر سطوة وهيمنة وقدرة من الناحية السياسيّة والعسكريّة والميدانيّة، بل لا مجال أبداً للمقايسة والمقارنة بين الجانبين من هذه الناحية، فيزيد - وريث الحكم الأُموي - يُمسك الأرض، ويجلس على كرسي الخلافة الإسلاميّة، ويقود جيشاً نظاميّاً مسلّحاً منتشراً في أرجاء الولايات الإسلاميّة، وهذا ما لم يكن متوفِّراً للإمام الحسين علیه السلام ، فلا تمتلك النهضة جناحاً عسكريّاً قادراً على الوقوف بوجه النظام الحاكم.

وقد كانت هذه الحقيقة الميدانيّة واضحة ومعلومة لدى الجميع، فالصحابة والتابعون وغيرهم من عقلاء القوم وذوي الخبرة منهم - كما سيأتي - كانوا يعلمون بأنّ الحركة الحسينيّة لا تمتلك مقوّمات التفوّق والنصر السياسي والعسكري، ومن قَبْلهم كان الحسين علیه السلام عالماً بذلك بدءاً وختاماً، علماً غيبيّاً، وأيضاً من خلال دراسته الميدانيّة للظرف والمرحلة؛ ولذا لم يكن ذلك هو الهدف من نهضته المباركة، وإنّما كان الهدف إسقاط شرعية الحكومة الفاسدة السوداء بمعارضة حمراء مصبوغة بدم المذبوح بكربلاء.

يقول السيد محمد باقر الصدر قدس سره في حديثه عن دوافع النهضة الحسينيّة: «وفي هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الحكم الإسلاميّ دقّت ساعة السخاء في أُذني الحسين، تؤذنه بأنّها لحظة التضحية والشهادة، لا لكسب السلطة عمليّاً واستردادها من الغاصبين، فإنّ ذلك لم يكن ليؤمّل في تلك الظروف التي درسها الحسين علیه السلام جيّداً، وفهمها عن آبائه

جيّداً أيضاً، بل لتُسفر دولة المعارضة بلون أحمر من الدم، ولون أسود قاتم من الظلم، فينتزع بذلك عنها الطابع الإسلاميّ الذي كانت تدّعيه، ويضع هذا الطابع على الدولة التي أرادها الإسلام للمسلمين»(1).

ويقول السيد حسن الشيرازي رحمة الله في حديثه عن الحركة الحسينيّة: «وخاض في معركة علم منذ الخطوة الأُولى أنّه سيخسرها إلى الأبد، ولكن الإسلام سيربحها حتى الأبد»(2).

كذلك يقول سماحة الشيخ الآصفي في هذا المجال: «كانت ثورة الإمام الحسين علیه السلام وقيامه (خروجاً) على يزيد و(مقاومةً مسلّحة)، تتبعها تضحية مأساويّة فجيعة نادرة في تاريخ الإسلام، ولم تكن (حرباً نظاميّة عسكريّة) تستهدف إسقاط النظام.

ووعي هذه الحقيقة ضروري في فهم ثورة الحسين علیه السلام ، فلم يكن يرى الحسين علیه السلام أنّ بإمكان أنصاره من العراق والحجاز أن يقاوموا جيش بني أُميّة، ولا أن يصفو له العراق، ولا أن يُقاوم أهل العراق إرهاب بني اُميّة وإغرائهم، فما كان ليصفو في أحسن الأحوال للإمام من العراق غير قلّة قليلة من شيعته يخرج بهم على يزيد، وكان الإمام علیه السلام يعلم بهذه الحقيقة ويفهمها جيّداً.

إذن، لم يكن الإمام يطلب فتحاً عسكرياً، وإنّما كان يطلب في خروجه تحريك ضمائر المسلمين، وإثارة الضمائر والنفوس والعواطف والعقول بفعل المأساة المفجعة، التي واجهها الحسين علیه السلام على يد جيش بني أُميّة في كربلاء»(3).

ويقول أيضاً في موضع آخر: «ونحن لا نشكّ في أنّ الإمام لم يكن يطلب في ثورته الشهيرة، وخروجه على يزيد بن معاوية إسقاط النظام الأُموي عسكرياً، والاستيلاء على السلطة»(4).


1) الصدر، محمد باقر، مجلّة النشاط الثقافي، النجف، العدد الثامن، السنة الأُولى، 1958م: ص427.

2) الشيرازي، حسن، مجلّة الأخلاق والآداب، كربلاء، العدد السادس، السنة الرابعة، 1384ﻫ: ص213.

3) الآصفي، محمد مهدي، في رحاب عاشوراء: ج1، ص294.

4) المصدر السابق: ج1، ص270.

والذي يؤكّد هذه الحقيقة، وهي أنّ الحسين علیه السلام لم يخطِّط أبداً لانقلاب مسلّح، ولم يخرج بهدف النصر السياسي والعسكري، هو «أنّ الظروف التي أحاطت بنهضته المباركة، وخروجه من مكّة إلى العراق، كانت لا تناسب انتصاره عسكريّاً، ولا أقل من أنّها كانت تقتضي مزيداً من الاحتياط والتأنّي، ولو من أجل العائلة المخدّرة؛ كما يشهد بذلك إجماع آراء مَن نصحه، فإنهم ذكروا لتوجيه آرائهم أُموراً لا تخفى على كثير من الناس، فضلاً عنه علیه السلام . ويبدو مدى وضوح الخطر عليه في خروجه للعراق، وقوّة تصميمه علیه السلام عليه مع ذلك، من محاورة ابن عباس معه... وإنّما كان علیه السلام يُبرّر خروجه بدعوة أهل الكوفة له، وكثرة كتبهم إليه - بنحو قد يوحي بأنّ هدفه الانتصار العسكري -؛ لأنّ عامّة الناس، وكثيراً من خاصّتهم لا يستوعبون أنّ هدفه علیه السلام من الخروج هو الإصحار والإعلان عن عدم شرعيّة السلطة في موقف يحرجها ويستثيرها، وإن ترتب على ذلك التضحية بنفسه الشريفة وبمن معه، وانتهاك حرمتهم وحرمة عائلته الكريمة»(1).

مجموعة من الشواهد والقرائن لإثبات هذه الرؤية

لقد ذُكرت في المقام مجموعة من الشواهد والقرائن للتدليل على أنّ النصر والتغيير العسكري لم يكن متيسّراً للحسين علیه السلام ، وأنّه لم يُشكّل هدفاً من أهداف الحركة الحسينيّة في كلّ خطواتها ومراحلها، ونحاول فيما يلي إجمال أهمّ تلك الشواهد والقرائن ضمن العناوين التالية:

1- انعدام التوازن في القوى وفقدان التكافؤ العسكري

أشرنا في مُستهلّ حديثنا إلى ما قد يُدّعى في المقام، من أنّ الواقع الميداني للأُمّة والسلطة لا يدع مجالاً لاحتمال انتصار الحركة الحسينيّة عسكريّاً؛ وذلك لانعدام التكافؤ العسكري بين الجبهتين، وهذا أمرٌ واضح جدّاً؛ لأنّ يزيد بن معاوية هو الحاكم الفعلي


1) الحكيم، السيد محمد سعيد، فاجعة الطف: ص37- 38.

للبلاد بعد هلاك أبيه، بيده السلطة والأرض والمال والرجال، وهو الذي تنقاد لأوامره الجيوش الإسلاميّة، ويُطيعه القادة والولاة وسائر المؤسسات والدوائر الحكومية، بالإضافة إلى الكثير من رؤساء القبائل ووجهائها.

وهذا ما لم يكن متاحاً للإمام الحسين علیه السلام ، وهو ما اضطرّه للإسراع بالخروج من المدينة إلى مكة، ومنها إلى العراق. فلم يكن له علیه السلام «أعوان يعتمد عليهم في حركته وخروجه في غير العراق. فقد كانت مصر والحجاز بعيدتين كلّ البعد عن ظروف الثورة والحركة، وكانت الشام القاعدة المتينة التي ينطلق منها يزيد بن معاوية، ويحتمي بها في حماية ملكه وسلطانه.

ولم يكن هوى أهل العراق معه من غير شيعته، فقد كان الإمام يعلم جيداً أنّ من غير الممكن الاعتماد على الكثرة من أهل العراق، فهم مع الطرف المنتصر، ومن الخير له ألّا يلتحقوا به، فإنّهم سوف ينفرطون عن جيشه كما انفرطوا عن جيش أخيه الحسن علیه السلام من قبل، أو أسرع وأيسر من ذلك، ويفتّون في عضده وعضد أصحابه وشيعته، ويتخلّون عنه في أحرج ساعات المعركة، ولا يبقى له في ساحة المعركة غير شيعته، الذين ثبتوا من قبل في جيش أخيه الحسن علیه السلام ، وهم قلّة لا يكوّنون قوة عسكرية تصمد أمام جيوش الشام». بل يمكن القول بأنّ فرصة الانتصار العسكري في عصر الإمام الحسين علیه السلام أضعف بكثير منها في زمن الإمام الحسن علیه السلام ، «ولم تكن تجربة الإمام الحسن علیه السلام بعيدة عن الحسين، ولم يكن الإمام الحسين علیه السلام بأقدر من أخيه في تجميع قوة عسكرية لضرب سلطان بني أُمية وإسقاط النظام، إن لم تكن ظروف الحسين علیه السلام أسوأ من ظروف أخيه الحسن. فقد استقرّ لبني أُمية السلطان، وامتدّ نفوذهم، وعمل معاوية بدهائه المعروف في تحكيم اُصول حكم بني أُمية، وامتداد نفوذهم وشراء الضمائر ونشر الرعب والإرهاب في أجواء المعارضة، واكتساح الأكثرية، التي يتحكّم فيها الإرهاب والإغراء، ويميلون دائماً إلى الجهة المنتصرة القوية في الساحة... فلم يكن يصفو - إذن - للإمام الحسين من القوة العسكرية غير ما صفا لأخيه الحسن علیه السلام من قبل، وهم الثابتون من شيعته ومواليه، ولا يمكن أن يفكّر الإمام - بكل تأكيد - أن يجازف بهذه القوة المحدودة لإسقاط النظام الأُموي الرهيب،

بعد أن أخفقت محاولة أخيه الإمام الحسن علیه السلام ، في ظروف أحسن من ظروفه، وبقوة عسكرية أقوى من الجيش الذي كان يعدّه له العراق بعد موت معاوية»(1).

2- تصريحات الإمام الحسين علیه السلام

هناك مجموعة من الأقوال والتصريحات الثوريّة التي صدرت عن الإمام الحسين علیه السلام في عصر النهضة وحركة الإصلاح، استدلّ بها جملة من العلماء والباحثين لإثبات ما يعتقدون به، من أنّ التغيير والنصر العسكري المسلّح لم يكن متاحاً، كما لم يكن أيضاً من دوافع وأهداف الحركة الحسينيّة، وأنّ الإمام علیه السلام كان يعلم يقيناً بأنّ الشهادة والتصفية الجسديّة المأساويّة هي المصير المحتوم والنتيجة المحسومة لحركته وثورته، وكان دائماً ما يخبر الناس بمصرعه ومصرع أصحابه، وما سيجري عليه وعلى أهل بيته من المصائب والمآسي، ولا مجال أبداً للتفوّق العسكري والنصر المسلّح، فهو علیه السلام خارج لينتصر بدمه، لا بسيفه.

وقد استعرضنا في مقال سابق مجموعة من تلك النصوص والأقوال، وأجبنا عن الاستدلال بها في ضوء الإطار العام الذي نفهمه من مقامات ومراتب علم الإمام المعصوم، لكنّنا سوف نستذكر أهم تلك النصوص وأوضحها؛ ونبحثها من الزاوية التاريخيّة والميدانيّة المرتبطة بمحلّ البحث، لنرى أنّ الحسين علیه السلام هل كان يتحدّث من حين انطلاق النهضة بروح ونفس الموت والشهادة والهزيمة العسكريّة، أم لا؟

وسوف نختار من تلك النصوص ما فيه دلالة أو إلماح إلى استبعاد فكرة النصر والتغلّب العسكري، ولا نورد النصوص التي اكتفت بالتأكيد على حتميّة القتل والشهادة؛ لأنّنا قد أجبنا عن هذه الحيثيّة بشي من التفصيل في مقال سابق.

وسنحاول أيضاً أن ننتقي أهم تلك النصوص وأوضحها، ونتوخّى التسلسل الزمني التقريبي لصدورها؛ لتأثير ذلك في طبيعة الإجابة كما سيأتي، والنصوص هي:

النص الأول: ما رواه الطبري في دلائل الإمامة، عن الأعمش، قال: «قال لي أبو محمد الواقدي وزرارة بن جلح: لقينا الحسين بن علي علیهما السلام قبل أن يخرج إلى العراق بثلاث ليال،


1) الآصفي، محمد مهدي، في رحاب عاشوراء: ج1، ص270-273.

فأخبرناه بضعف الناس في الكوفة، وأن قلوبهم معه وسيوفهم عليه، فأومأ بيده نحو السماء، ففُتحت أبواب السماء ونزل من الملائكة عدد لا يحصيهم إلّا الله، وقال: لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلم علماً أنّ من هناك مصعدي(1)، وهناك مصارع أصحابي، لا ينجو منهم إلّا ولدي علي»(2).

يكتسب هذا النص أهميّته من جهة زمانه وظرف صدوره؛ لأنّه صدر في حياة مسلم بن عقيل، وبعد وصول تقريره الإيجابي الذي رفعه للإمام الحسين علیه السلام ، يطلب منه القدوم إلى الكوفة، والنص صدر أيضاً في فترة ضعف التواجد الأُموي في العراق، ومع ذلك كلّه يصرّح الإمام الحسين علیه السلام بأنّه ليس من طلّاب النصر العسكري، وأنّه لا يعتمد في حركته ونهضته على دعم أهل الكوفة له في مواجهة طغاة الشام، ولو كان هذا هو هدفه لقاتلهم بالملائكة، فلم تكن غايته إلّا السعي لمصرعه ومصارع أصحابه، والسير إلى البقعة المقدّسة التي يرتقي منها إلى الله تعالى، وينال فيها مقاماً لا يناله إلّا بالشهادة، فلا وجود لمفردة النصر العسكري في قاموس النهضة، ولم يكن جيش الكوفة مؤهّلاً لذلك أصلاً، بل كان جيشاً ضعيفاً متهاوياً، ولاؤه العسكري لبني أُميّة، كما نصّ على ذلك الواقدي وزرارة في حديثهم هذا، والإمام علیه السلام قد أقرّهم على رؤيتهم وتشخيصهم الدقيق للموقف الكوفي، ولم يُنكر عليهم ما ذكروه في أهل الكوفة.

النص الثاني: خطبته علیه السلام المعروفة حينما عزم على الخروج إلى العراق، حيث قام خطيباً في الناس، فقال: «خُطَّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها ذئاب الفلوات(3)بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويُوفّينا أجور الصابرين... مَن كان باذلاً فينا مهجته، وموطِّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإنّي


1) في المصادر الأُخرى بلفظ (مصرعي).

2) الطبري، محمد بن جرير، دلائل الإمامة: ص182.

3) في المصادر الأُخرى: عُسلان الفلوات.

راحل مصبحاً إن شاء الله»(1).

فالحسين علیه السلام يُعلن في هذا الخطاب التاريخي «على مسمع من جموع الحج المتوافدة من الربوع الإسلاميّة، من أنّه ماضٍ إلى الموت... فهل مَن ينوي القيام بثورة مسلحة يتحدّث بهذه اللغة؟! لا؛ وإنّما يتحدّث بلغة مختلفة، ويتوجّه إلى الناس قائلاً: (سنضرب، سنقتل، سننتصر ونبيد العدو). لكن الحسين كان يتوجّه إلى الناس بقوله: إنّ الموت زينة للمرء كحلية الفتاة، ثم يُغادر مكّة إلى الموت!!»(2).

إذن، هذا الخطاب الشريف واضح «في أنّ الإمام علیه السلام كان يُعدّ أصحابه لنهضة كبيرة، قوامها التضحية والدم والشهادة، ولا يطمح فيها إلى أيِّ نصر عاجل. فها هو يبدأ خطابه مع أصحابه بالموت الذي يطوّق ابن آدم، كما تطوِّق القلادة جيد الفتاة. ثمّ يخبر عن مستقبل هذه الحركة المأساوية، فيقول: (كأني بأوصالي تقطّعها عسلان [ذئاب] الفلوات). ثم يطلب النصرة من المسلمين، ولكن بهذه الطريقة الفريدة: (فمن كان باذلاً فينا مهجته موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا). إنّّ الإمام لا يشير في هذه الخطبة إلى أيّ هدف عسكري بالمعنى المعروف في الأعمال العسكرية، وإنّما يُعِدّ أصحابه لتضحية مأساوية دامية، ويطلب من الذين يرافقونه في هذه الرحلة أن يُعدّوا أنفسهم للقاء الله ولبذل المهج في سبيل الله»(3).

النص الثالث: وهو الكتاب المعروف والمشهور، الذي كتبه الإمام الحسين علیه السلام لأخيه محمد بن الحنفية وبقيّة بني هاشم في المدينة، وذلك بعد انصرافه من مكّة متوجّهاً إلى العراق مباشرة، جاء فيه: «أمّا بعد؛ فإن مَن لحق بي استُشهد، ومَن لم يلحق بي لم يُدرك الفتح، والسلام»(4).

بعد أن اكتسب قرار الخروج إلى العراق درجته القطعيّة، وأصبح قراراً مُعلَناً،


1) ابن طاووس، علي، الملهوف: ص126.

2) شريعتي، علي، الشهادة: ص86.

3) الآصفي، محمد مهدي، في رحاب عاشوراء: ج1، ص274.

4) ابن قولويه، كامل الزيارات: ص157.

تتناقله وسائل الإعلام المكّي، بعث الإمام الحسين علیه السلام بكتابه هذا إلى بني هاشم في المدينة، يعدهم بنصر من الله وفتح قريب، ويحثّهم على الالتحاق بركب الفاتحين، ويرغّبهم بالنعيم ورفاهيّة العيش معه، ولكنّه نصرٌ بالقتل في سبيل الله، وفتحٌ إلهي في الدعوة إلى الله بحجم الفداء والتضحية، ونعيمٌ بمقامات الشهادة ودرجاتها الرفيعة عند الله تبارك وتعالى. ولم يتضمّن الكتاب أيّ إشارة أو تلميح إلى إمكانيّة النصر والفتح العسكري المسلّح.

النص الرابع: خطبته علیه السلام المشهورة، التي خطب بها أصحابه بمنزل ذي حسم(1)، جاء فيها قوله علیه السلام : «ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة(2)، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً»(3). فالركب الحسيني سائر للقاء الله بالشهادة، والخلاص من الحياة البائسة في ظلّ هيمنة الطغاة والظالمين.

النص الخامس: ما رواه الصدوق في معرض حديثه حول مسير الإمام الحسين علیه السلام إلى الكوفة، حيث قال: «ثم سار حتى نزل الرهيمة(4)، فورد عليه رجل من أهل الكوفة، يُكنّى أبا هرم، فقال: يا بن النبي، ما الذي أخرجك من المدينة؟ فقال: ويحك يا أبا هرم،


1) ورد في أكثر المصادر وأصحّها أنّ هذه الخطبة كانت في كربلاء، وبعد نزول جيش عمر بن سعد فيها، وبعد أن أيقن الإمام علیه السلام بالموت. اُنظر: القاضي النعمان، شرح الأخبار: ج3، ص150. ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص224. الطبراني، المعجم الكبير: ج3، ص114. الذهبي، تاريخ الإسلام: ج5، ص12. وغيرها من المصادر. وقد احتمل بعضهم أنّ الإمام خطب بهذه الخطبة في موضعين، وهو مستبعد جدّاً، والشواهد تؤيد كونها في كربلاء، كما يظهر ذلك أيضاً من حديث أصحابه معه بعد الخطبة.

2) اللفظ المشهور والوارد في المصادر الأُخرى هو (سعادة)، اُنظر المصادر السابقة.

3) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص305.

4) الرهيمة: ضيعة أو عين ماء قرب الكوفة. ويظهر من الصدوق في الأمالي أنّ ذلك كان قبل خروج الحرّ الرياحي لملاقاة الحسين علیه السلام ، حيث يقول: «وبلغ عبيد الله بن زياد (لعنه الله) الخبر، وأنّ الحسين علیه السلام قد نزل الرهيمة، فأسرى إليه الحر بن يزيد في ألف فارس». الصدوق، الأمالي: ص218. ولكنه خلاف التحديد الجغرافي لمنازل مسير الحسين علیه السلام في طريقه إلى الكوفة، فإنّ الرهيمة منزل متأخّر بمسافة طويلة عن الموضع الذي التقى به الحرّ بالإمام الحسين علیه السلام ، وهو منزل (شراف) قبل بلوغ منزل (ذو حسم).

شتموا عرضي فصبرت، وطلبوا مالي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله ليقتُلنّي، ثم ليلبسنّهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليُسلّطن عليهم مَن يذلهم»(1). فالحسين علیه السلام محاصر من قِبل السلطة الأُمويّة، وسوف يُقتل على كلّ حال، وقد اختار له الله تعالى القتل والشهادة في كربلاء؛ لأنّ ذلك هو الأفضل له وللأُمّة في علم الله.

والمتحصّل من مجموع هذه النصوص والشواهد: أنّ الإمام الحسين علیه السلام كان مُقدِماً «عن علمٍ ووعي على تضحية مأساويّة نادرة، بنفسه وأهل بيته وأصحابه؛ ليهزّ ضمير الأُمّة الخامل، ويبعث في نفوسهم الحركة وروح التضحية والإقدام... ولم يكن يفكِّر في عمل عسكري على الإطلاق لمواجهة سلطان بني أُميّة»(2).

وبعبارة أكثر تأثيراً: لقد ترك الحسين علیه السلام «مدينته وخرج من بيته نافضاً يديه من الحياة، مختاراً الموت، حيث كان لا يملك في مواجهة عدوّه سوى هذا السلاح العظيم (الموت). وبهذا السلاح واجه العدو وفضحه وهتك أقنعته، وهو إن لم يكن في مقدوره قهر العدو وهزيمته في ساحة القتال، ففي مقدوره - عبر الموت - أن يفضح هذا العدو. إنّه كإنسان أعزل وحيد وفي نفس الوقت مدرك لمسؤوليّته، لم يكن يملك إلّا سلاحه الواحد: تلك الميتة الحمراء!»(3).

3- الخروج العلني ضد السلطة

لا ريب في أنّ الإمام الحسين علیه السلام قد رفض خلافة يزيد والبيعة له بصورة معلنة، وكذلك كان خروجه المناهض لسلطان بني أُميّة خروجاً علنيّاً في كل أحداثه ومراحله، ولم تكن هذه الحقيقة خافية على أحد في ذلك الحين، وفي هذا الضوء يحقّ لنا أن نتساءل: «هل كان لسياسي واعٍ يعيش في ظلِّ السلطة الأُمويّة القادرة، وتحت قبضة حكمها، وفي قلب قواعدها، أن يأخذ الموقف التالي: ينتفض بلد (الكوفة) ضدّ السلطة المركزيّة، فيوجّه


1) الصدوق، الأمالي: ص218.

2) الآصفي، محمد مهدي، في رحاب عاشوراء: ج1، ص276-277.

3) شريعتي، علي، الشهادة: ص112.

دعوته إلى الحسين، طالباً منه النصرة والقيادة، ويلبّي الحسين الدعوة، مظهراً قبوله لقيادة تلك الانتفاضة، ثم يُعلن جهراً وبشكل رسمي أنّه متوجّه إلى البلد الثائر، ثمّ يصطحب نساءه وأطفاله وبني أخيه ورجاله، تضمّهم جميعاً قافلة ضخمة، تتحرك من بلد في قبضة العدو، قاطعة مئات الكيلومترات إلى مكّة، حيث تتواجد قوّة كبرى لهذا العدو... ثم يُعلن من مكّة وأمام كل هؤلاء: أنّه يريد الكوفة، ثمّ يتوجّه من غرب الجزيرة، قاطعاً القطر الشرقي للدولة، إلى العراق قاصداً الكوفة مركز الثورة والانتفاضة.. هل كان لسياسي واعٍ معارض، وقائد ثورة معادية، تتوفَّر له فرصة الخروج إلى أرض ثورته وميدانها، حيث تنتظره القواعد الثورية التي سيقاتل من مواقعها، لكي يقضي على السلطة ويُطيح بنظامها ويقوّض أركانها، هل كان يخرج بهذا الشكل العلني السافر، أم أنّه يحيط أمره بالكتمان، وهو الشيء البديهي؟ وهل كانت السلطة لتسمح له بالخروج والوصول إلى جنده ورجاله وقواعده وأسلحته، وتتركه يقطع الفيافي والصحاري علناً وتحت نظرها، فلا تقاتله أو تعتقله أو تُبيده؟! مثل هذا الرجل السياسي والقائد الثائر لا يفعل ذلك.. لكن الحسين بالعكس تماماً فعل ذلك! لقد أعلن: لن أبايع وسوف أغادر مهاجراً إلى الموت! قالها جهراً على مسمع من السلطة والناس، وخرج سافراً على مرأى من السلطة والناس، لم يتكتّم، بل لم يتخفّ»(1).

4- نصائح الصحابة والتابعين والمحبّين بترك الخيار العسكري

حينما أعلن الإمام الحسين علیه السلام قرار خروجه إلى العراق؛ تلبية لنداء أهل الكوفة واستغاثتهم، اعترض طريقه مجموعة كبيرة من الناصحين والمشفقين، ونصحوه بالتريّث والتراجع عن قراره، وقد استشرفت نصائحهم مستقبل الثورة ومصير الحركة الحسينيّة، حيث اجتمعت كلمة الناصحين على أنّ الكوفة لا تصلح كقاعدة رصينة للتغيير، وأنّه لا يمكن أبداً الاعتماد على أهلها لإسقاط الحكم الأُموي عسكريّاً؛ لأنّهم أهل غدر ومكر، لا يُوفون بوعودهم وعهودهم، وأنّهم سينقلبون بسيوفهم على الحسين علیه السلام ، وسينتهي


1) المصدر السابق: ص86 - 88.

الواقع السياسي والعسكري بجريمة الإبادة الجماعيّة، وهذا ما حصل بالفعل، ممّا يعني أنّ ما ترتب من نتائج مأساويّة على الحركة الحسينيّة كان أمراً واضحاً، أدركه عقلاء القوم وساستهم قبل حدوثه، واستقبلوه وعاينوه بشكل واضح، اعتماداً على رؤيتهم ومعايشتهم لأحداث الساعة آنذاك، فلم يكن هناك أيّ احتمال لطرح فرضيّة النصر العسكري الحسيني على سلطان بني أُميّة، وهذا ما لم يكن خافياً على الحسين علیه السلام ؛ إذ كانت المعطيات لديه واضحة، وكان يُدرك بأنّه لا يمتلك أيّ قاعدة عسكريّة يمكن الاعتماد عليها لتحقيق الانتصار السياسي المسلّح، ما يعني أنّ ذلك لم يكن هو الهدف من القيام بوجه الطغاة، وإنّما كان الهدف هو الشهادة بصورة مأساوية؛ لفضح الأُمويين وأذنابهم، وتعريتهم أمام الرأي العام للمسلمين، وإسقاط دولتهم وحكومتهم الظالمة والفاسدة بدم الشهادة.

ولعلّ من أهمّ تلك النصائح: ما جاء في حديث عبد الله بن عبّاس، الذي عايش الواقع الكوفي في فترة خلافة أمير المؤمنين والإمام الحسن علیهما السلام ، حيث خاطب الإمام الحسين علیه السلام بالقول: «قد بلغني أنّك تريد العراق، وإنّهم أهلُ غَدر، وإنّما يدعونك للحرب، فلا تعجل... إنّهم مَن خَبَرتَ وجرّبت، وهم أصحاب أبيك وأخيك، وقتلتك غداً مع أميرهم، إنّك لو قد خرجت فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك، وكان الذين كتبوا إليك أشَدّ من عدوك»(1).

ومن النصائح المهمّة أيضاً المرويّة في هذ المجال نصيحة أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، ومن جملة ما جاء فيها قوله: «كان أبوك أقدم سابقة، وأحسن في الإسلام أثراً، وأشدّ بأساً، والناس له أرْجى، ومنه أسمع وعليه أجمع، فسار إلى معاوية والناس مجتمعون عليه، إلّا أهل الشام، وهو أعزّ منه، فخذلوه، وتثاقلوا عنه، حرصاً على الدنيا، وضناً بها، فجرَّعوه الغيظ وخالفوه، حتى صار إلى ما صار إليه من كرامة الله ورضوانه، ثم صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا، وقد شهدْتَ ذلك كله ورأيته، ثم أنت تريد أن


1) المسعودي، مروج الذهب: ج3، ص54-55.

تسير إلى اللذين عَدَوا على أبيك وأخيك تقاتل بهم أهل الشام وأهل العراق ومَن هو أعدّ منك وأقوى، والناس منه أخوف، وله أرجى، فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك مَن وعدك أن ينصرك، ويخذلك مَن أنت أحبّ إليه ممّن ينصره، فاذكر الله في نفسك»(1). ويمثّل هذا النص دراسة واعية ومتكاملة حول الوضع السياسي والعسكري الذي كان قائماً آنذاك، وأنه لا مجال للتغيير، وقد جازاه الإمام الحسين علیه السلام خيراً على رأيه هذا.

إذن، كانت هذه النصائح وغيرها تمثّل رؤى صائبة ودراسات واعية، خلصت إلى انعدام التكافؤ العسكري بين الجبهتين، وكان الحسين علیه السلام أعلم بذلك من ناصحيه، الذين لم يُدركوا أنّ هدف الخروج - وهو فضح الطغاة بدم الشهادة - لا يعتمد على التفوّق عسكريّاً، بل الأمر على العكس تماماً، وهو علیه السلام ما كان يريد أن يصارحهم بذلك؛ «ولذا كان علیه السلام يبدو عليه الإحراج مع كثير من ناصحيه من أهل الرأي والمعرفة، الذين يعتمدون المنطق في موازنة القوى. وأقوى ما كان يعتذر به، ممّا يصلح لأن يُقنع الناس، أنّه علیه السلام خرج من مكّة خشية أن تُهتك به حرمتها وحرمة الحرم..»(2).

هذه هي أهمّ الشواهد والقرائن التي طُرحت في المقام، وبها أُغلق ملف التغيير الثوري المسلّح في الحركة الحسينيّة، فلم يكن الإمام علیه السلام يخطِّط لتوجيه ضربة عسكريّة لإسقاط النظام الحاكم.

الإجابة عن هذه الإشكالية

نحاول فيما يلي مناقشة الإشكالية من وجهين، فنجيب عنها أوّلاً من خلال طرح رؤيتنا المعاكسة حول الموضوع بصورة عامّة، ثم ننتقل بعد ذلك وبصورة تفصيليّة للردّ على القرائن والشواهد السابقة التي استُدلّ بها لإثبات صحّة مضمون هذه الإشكاليّة التاريخيّة، فيقع حديثنا في إطار الإجابتين التاليتين:


1) المصدر السابق: ج3، ص56.

2) الحكيم، السيد محمد سعيد، فاجعة الطف: ص39.

الإجابة الأُولى: رؤيتنا العامّة حول الحركة العسكرية المسلّحة ومحوريّتها في البرنامج السياسي للنهضة

في البداية ينبغي الاعتراف بأنّ الحديث حول هذا الموضوع لا يخلو من حساسية وخطورة معرفيّة؛ وذلك لارتباطه المباشر بالجانب العقدي؛ لأنّنا نتحدّث عن إمام معصوم بأعلى وأرفع درجات العصمة المطلقة، عالم بالغيب والشهادة، يحمل أهداف السماء ومبادئها، وارث الأنبياء والرسل والأوصياء، والصفوة من أهل البيت علیهم السلام ، فكيف يقود انقلاباً عسكريّاً مسلّحاً تكون نتائجه عكسيّة ومأساويّة؟! وكيف يخرج رجل محارب وقائد عسكري إلى أعدائه بخطاب الموت والشهادة، ويحمل معه نساءه وأطفاله، وثلّة قليلة من أهل بيته، وبصورة سافرة ومُعلنة، يطوف بهم الفيافي والبلدان، ويقطع المسافات الطويلة في صعيد مكشوف، أمام هيمنة وطغيان النظام الحاكم؟! وكيف يعتمد في إسقاط حكم متجبّر، قويّ ومستقرّ، على وعود وعهود من مجتمع وجيش عُرف بالتخاذل والغدر والمكر والخيانة؟! ألا يتنافى ذلك كلّه مع علم الإمام وعصمته؟! ألا يكشف أيضاً عن سوء التخطيط وضعف التدبير العسكري والإخفاق في دراسة معطيات الواقع؟! ثمّ كيف يكون ابن عباس وأضرابه أدقّ وأصوب في قراءة المستقبل من الإمام الحسين علیه السلام ؟!

هذه التساؤلات وغيرها تضعنا أمام مسؤولية تاريخيّة وعقدية كبيرة، فعلينا أن نتوخّى الدقّة والحذر إذا كنّا نعتقد بأنّ الحسين علیه السلام قد استهدف بخروجه الانقلاب المسلّح والتغيير العسكري للسلطة، في ظروف - كما نرى - كانت مُهيّأة للنصر وبناء الدولة العادلة!!

المصادرات والأُصول الموضوعة

في مقدّمة البحث وقبل الشروع في الإجابة أجد نفسي ملزماً بالتذكير ببعض الأُمور التي لا ينبغي أن نختلف فيها، أو هي أُصول موضوعة تبتني على معطيات الأبحاث الماضية:

1- إنّ الدوافع والأهداف لخروج الإمام الحسين علیه السلام كثيرة ومتنوّعة بتنوّع أبعاد النهضة واختلاف مراحلها؛ فهناك دوافع تكليفيّة تتطلّب محاربة الظلم والفساد عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد كان هذا الدافع يُشكّل بُعداً ممتداً راسماً للحركة الحسينية المباركة في طول مسيرتها. كما أنّ هناك أيضاً دوافع رسالية، قد تستهدف الحفاظ على مقام الإمامة وشخص الإمام في المراحل الأُولى للنهضة، وهذا ما حصل بالخروج من المدينة كخروج موسى علیه السلام ، وقد تستهدف تلك الدوافع الرساليّة أيضاً الحفاظ على مبادئ الرسالة الإلهية وجهود الأنبياء والمرسلين في الأُمّة ولو بدم الشهادة في مراحل لاحقة ومتأخّرة، وهذا ما حصل في نهاية المطاف. ومن الدوافع أيضاً ما يرتبط بالغيب، كالمقام المحمود عند الله الذي لا يناله الإمام الحسين علیه السلام إلّا بالشهادة.

هذه الأهداف وغيرها ترتبط جميعها بطبيعة التنوّع المرحلي والأبعاد المتعدّدة والآفاق الواسعة للنهضة، وليس من الموضوعية تطويقها بدائرة ضيّقة ومحدودة.

ومن الأهداف التي نؤمن بها أيضاً في بعض مراحل النهضة هي الأهداف السياسيّة، ومنها التخطيط للانقلاب العسكري، وتحريك الأُمّة باتجاه التغيير المسلّح لنظام الحكم الأُموي، وهذا ما حصل بالفعل - كما سنُبيّن - في مرحلة التواصل مع القواعد الشعبيّة والقوات المسلّحة في العراق.

2- إنّ النهضة في مراحلها الأخيرة قد فقدت القدرة على التفوّق العسكري وإمكانيّة التغيير المسلّح؛ وذلك بعد التقلّبات والأحداث المتسارعة في المنطقة، والتغيير المفاجئ في المواقف، وانقلاب الجيش الكوفي واصطفافه مع مرتزقة آل أبي سفيان، فوقع سيف الحسين علیه السلام بيد أعدائه، وأضحى احتمال التغيير منعدماً.

3- إنّ الإمام المعصوم عالم بالغيب، ومطّلع على عواقب الأُمور، ولكن ذكرنا في مقال سابق بأنّ هذا العلم قابل للتغيير والتبديل، ومحكوم بقانون البداء الإلهي العام، وموقوف على قرارات المشيئة الإلهية الفعليّة، وكذا المشيئة الذاتيّة المطلقة والحاكمة على كل شيء. فالعلم بالغيب لا يمنع المعصوم من النهوض بالأُمّة لتحقيق النصر والإصلاح، حتى وإن كانت مقادير الغيب لا تُضيء هذه الأهداف ولا تكشف عن طبيعة مكوّناتها، فيخرج

المعصوم وينهض بالأُمّة لتغيير مقادير الغيب نحو الأفضل، ولو كان علم الغيب مانعاً، وكانت مقاديره محسومة النتائج، لما خرج النبي الأعظم صلی الله علیه و اله في معركة أُحد طلباً للنصر، ولما خرج أمير المؤمنين علیه السلام في معركة صفّين للقضاء على معاوية!!

إذا اتضحت هذه الأُمور المهمّة، واستحضرناها بصورة واعية، ننتقل إلى بيان المناقشة التفصيليّة لتلك الإشكاليّة التاريخيّة في إطار العنوان التالي:

القوّات المسلّحة الحسينيّة كانت هي الأقوى والأكفأ في العراق (دراسات ميدانيّة)

إنّ المعطيات التاريخيّة لعصر النهضة تكشف لنا بوضوح أبعاد ومديات التحرّك السياسي آنذاك، وتُنبئنا بأنّ التواجد الحسيني كان هو الأقوى والأكفأ في العراق، وأنّ التواجد الأُموي في هذه المنطقة بات ضعيفاً للغاية بعد هلاك معاوية، وكانت التوقّعات والدراسات الميدانيّة كلّها تشير إلى أنّ الحسين علیه السلام هو المتفوِّق عسكريّاً، وأنّه سوف ينتصر على أعدائه في الكوفة، فيما لو سارت الأُمور في سياقاتها الصحيحة والمخطِّط لها، وهذا ما صرَّح به السيّد المرتضى حينما قال في حديثه حول الحركة الحسينيّة: «إنّ أسباب الظفر بالأعداء كانت لائحة متوجّهة، وإنّ الاتفاق السيّء عكس الأمر وقلبه، حتى تمّ فيه ما تمّ» إلى أن يقول: «وهذا [أي الإمام الحسين علیه السلام ] لما قوي في ظنّه النصرة ممّن كاتبه ووثق له، ورأى من أسباب قوّة أنصار الحق وضعف أنصار الباطل، ما وجب عليه الطلب والخروج»(1).

وتمتلك هذه الرؤية التاريخيّة مجموعة كبيرة من الوثائق والحقائق الدامغة، التي لا يمكن تأويلها أو إنكارها أو التشكيك فيها، ونختار منها فيما يلي - للتدليل على ما ندّعي - ثلاث دراسات ميدانيّة، كلّها تؤكّد تلك الرؤية الإيجابيّة تجاه تفوّق الحركة الحسينيّة المسلّحة في الكوفة:

الأُولى: دراسة كبار القادة العسكريين في الجيش الإسلامي

كان المجتمع الكوفي في تواصل دائم ومستمرّ مع الحسين علیه السلام في حياة معاوية،


1) المرتضى، علي بن الحسين، تنزيه الأنبياء: ص229- 230.

وبعد هلاكه علم أهل الكوفة بأنّ الحسين علیه السلام قد أعلن رفضه إعطاء البيعة ليزيد بن معاوية، وأنّه خرج في إثر ذلك من المدينة واستقرّ في مكّة المكرّمة، وأنّ ذاته المقدّسة وحياته الشريفة لا زالت مهدّدة بالخطر من قبل السلطات الأُموية الجائرة، فأثارهم هذا الواقع المرير والمؤسف الذي يعيشه ريحانة رسول الله صلی الله علیه و اله ، وأحسّوا من أنفسهم بأنّهم شيعته وأقرب الناس إليه وأولاهم بالنصرة وحماية إمامهم وابن بنت نبيّهم، فاجتمعوا في منزل (سليمان بن صُرد الخزاعي) يتدارسون الأمر لاتخاذ الموقف المناسب، وكان (سليمان بن صُرد) أوّل مَن افتتح الحديث في هذا الموضوع قائلاً: «إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسيناً قد تقبّض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكّة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه [وقد احتاج إلى نصرتكم اليوم](1)، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه»(2). فأجابوه جميعهم بالإيجاب والقبول والترحيب، وأجمعوا على أنّهم الأَولى والأجدر باحتضان النهضة الحسينيّة المباركة، وأنّهم مستعدّون وقادرون على تقديم الدعم الكامل لإنجاحها وتطبيق مبادئها الإلهيّة، فقرّروا أن يرفعوا بذلك كتاباً وتقريراً مفصّلاً للإمام علیه السلام ، يؤكّدون فيه جاهزيّتهم واستعدادهم للمواجهة والتضحية في سبيل النهضة وإمامها. وقد تضمّن تقريرهم هذا دراسة مفصّلة ومتكاملة، يذكرون فيها أسباب وموجبات التفوّق البشري والعسكري الذي يحظون به في المنطقة عموماً، وفي الكوفة على وجه الخصوص.

وهنا ينبغي أن نقف متأمّلين في مضمون هذه الدراسة الميدانيّة المهمّة، التي دوّنها ووضعها بين يدي الإمام الحسين علیه السلام مجموعة من كبار الشيعة المخلصين من ذوي الخبرة العالية، وخيرة القادة العسكريين في الجيش الإسلامي، الذين خاضوا الحروب والتجارب العسكريّة المتنوّعة في ميادين القتال، وخصوصاً في الحروب والمعارك العلويّة لمواجهة الجيش الأُموي في الشام.

لقد كان محتوى تلك الدراسة ومضمونها هو أنّ الكوفة مهيأة - من الناحية


1) ما بين المعقوفتين بلفظ: ابن أعثم الكوفي، أحمد: ج5، ص27.

2) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص261.

الاجتماعية والعقدية والسياسية والعسكريّة - لاحتضان النهضة الحسينيّة، جاء ذلك - كما أشرنا - بعد مؤتمر واجتماع موسّع لكبار الشيعة ووجهائها، حيث تمّ فيه تداول الأوضاع العامّة، وأحداث الساعة، والتحوّلات السياسيّة التي تمرّ بها البلدان الإسلاميّة، والموقف الذي ينبغي اتخاذه في الظرف الحالي؛ وبعد المداولات قرّر المؤتمرون بأنّ الكوفة قادرة على التغيير العسكري للسلطة، وأنّ خير مَن يقود هذا التغيير نحو الأفضل والأصلح هو الحسين بن علي علیهما السلام ، فبعثوا له كتباً ورسائل كثيرة ومتوالية، تتضمّن دراسة دقيقة للواقع الكوفي والاستعداد التام لإنجاح النهضة، ومن جملة ما جاء فيها كما في كتاب الفتوح لابن أعثم وغيره: «إلى الحسين بن علي، من سليمان بن صرد(1)، والمسيب بن نجبة(2)، وحبيب بن مظاهر(3)، ورفاعة بن شداد(4)، وعبد الله بن وال(5)، وجماعة شيعته من المؤمنين، أمّا بعد؛ فالحمد لله الذي قصم عدوّك... نحن مقاتلون معك وباذلون أنفسنا من دونك، فأقبل إلينا فرحاً مسروراً، مأموناً مباركاً، سديداً وسيّداً، أميراً مطاعاً، إماماً خليفة علينا مهدياً، فإنّه ليس علينا إمام ولا أمير، إلّا النعمان بن بشير، وهو في قصر الإمارة وحيد طريد، ليس يُجتمع معه في جمعة، ولا يُخرج معه إلى عيد، ولا يؤدّى إليه الخراج، يدعو فلا يُجاب، ويأمر فلا يطاع، ولو بلغنا أنّك


1) الخزاعي: كان من صحابة رسول الله صلی الله علیه و اله ، وكان من وجوه الشيعة البارزين في الكوفة، وكان أمير الميمنة على الرجّالة يوم صفّين، وقد ولّاه أمير المؤمنين علیه السلام على منطقة الجبل، ومدح صلابته في الدين، وقاد ثورة التوابين، وقُتل شهيداً.

2) الفزاري: أدرك رسول الله صلی الله علیه و اله ، وشهد معركة القادسية وفتوح العراق، شارك مع الإمام علي علیه السلام في معاركه، وقُتل شهيداً مع التوّابين.

3) الأسدي: كان من خيار أصحاب الإمام علي علیه السلام ومن خاصّته وحملة علومه، شهد معه حروبه: الجمل وصفيّن والنهروان، ثم كان من أصحاب الإمام الحسن علیه السلام ، وبقي في الكوفة بعد الصلح، وكان يحفظ القرآن ويحيي لياليه في تلاوته، وكان على ميمنة معسكر الحسين علیه السلام ، واستُشهد معه يوم عاشوراء، وهدّ مقتله الحسين علیه السلام ، ووقف عليه وامتدحه حينما سقط شهيداً.

4) البجلي: كان من خيار أصحاب الإمام علي علیه السلام ، ومن الشجعان المقدّمين، شهد معه صفيّن، وهو قاضيه على الأهواز، وكان فقيهاً قارئاً شاعراً، وأميراً على بجيلة، قاتل مع التوابين، وقُتِل شهيداً مع المختار.

5) التيمي: كان من خيار أصحاب الإمام علي علیه السلام ، وكان جليل القدر ومن كبار الشيعة في الكوفة، وكان من رؤساء التوابين وشهدائهم.

قد أقبلت إلينا أخرجناه عنّا حتى يلحق بالشام، فأَقدِمْ إلينا، فلعلّ الله أن يجمعنا بك على الحق»(1). ثم ألحقوه بكتاب آخر يؤكِّدون فيه بأنّ «الناس ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك، فالعجل العجل»(2).

هذا هو رأي خمسة من كبار الشيعة وقادتها، وهو أيضاً رأي عموم الشيعة، وفيهم هانئ بن عروة، وعبد الله بن سبع الهمداني، وقيس بن مسهّر الصيداوي، وعابس بن أبي شبيب الشاكري، وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي، وعمارة بن عبيد السلولي، وهانئ بن هانئ السبيعي، ومسلم بن عوسجة، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وغيرهم من وجهاء الشيعة وثقاتها، وفيهم مَن نال مقام الشهادة مع الإمام الحسين علیه السلام في كربلاء.

وقد احتوى هذا النصّ التاريخي البالغ الأهميّة على مجموعة من الحقائق الميدانيّة التي تُمثّل صمام أمان لانتصار النهضة وإصلاح الأُمّة، وهي ما يلي:

1- إدراك المواطنين الكوفييّن لمبادئ النهضة وإيمانهم بها، واشتياقهم لإمام زمانهم وقائد مسيرتهم الحسين علیه السلام ، واستعدادهم التام للجهاد والقتال والتضحية في هذا السبيل.

2- إنّ الحسين علیه السلام سيكون آمناً في الكوفة على نفسه وأهله وخاصّته وذويه، وسيكون قادراً على تحقيق وتفعيل مبادئ النهضة والتغيير في الأُمّة.

3- إنّ وجود السلطة الحاكمة ضعيف جدّاً في الكوفة، فهي لا تملك فيها شيئاً من مقوّمات القدرة، وتفتقر للدعم البشري والمالي والعسكري، وليس لها في نفوس الناس هيبة ولا وقار ولا سُلطان.

4- إنّ الوجود الضعيف للسلطة الحاكمة في الكوفة، والمتمثّل بالنعمان بن بشير وجهازه الحكومي، يمكن عزله والقضاء عليه متى شاء الإمام الحسين علیه السلام ذلك.

وهذا كلّه يعني أنّ انتصار النهضة الحسينيّة في الكوفة أمرٌ مفروغ عنه بحسب المقاييس السياسيّة والعسكريّة، ومن هنا طالبوا الإمام علیه السلام بالإسراع في القدوم عليهم.


1) ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص27- 28.

2) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص262.

هذه هي رؤية الخلّص من شيعة أهل البيت علیهم السلام بالنسبة للواقع الكوفي الذي يُعايشونه عن كثب ومتابعة جادّة ومسؤولة.

ولا شكّ أنّ هؤلاء القادة السياسيين والمجاهدين المخلصين من الشيعة هم الأكثر تماسّاً بمجتمعهم، والأقرب لمحلّ الحدث، والأعرف بمتغيّرات ومستجدّات الواقع الكوفي من غيرهم، وهؤلاء هم الذين انتصر بجهادهم وجهودهم وتضحياتهم أمير المؤمنين علیه السلام في مجمل حروبه ومعاركه، ومدحهم مراراً بهذا الشأن، وقد كان رأيهم بالإجماع أنّ الحسين علیه السلام لو جاءهم سيُحقّق أهدافه وينتصر على أعدائه، وأنّهم في الكوفة يُشكّلون قوّة بشريّة وعسكريّة مسلّحة كافية للوقوف بوجه الطغاة، وإسقاط حكومة الجور والظلم والفساد، وإقامة الحكومة الربانيّة العادلة بقيادة الإمام المعصوم.

ونحن لا نجد أيّ مبرر عقلائي لإغفال هذه الآراء المسؤولة والدراسات الميدانيّة، والمبادرة لتقديم بعض الآراء الأُخرى المخالفة لها، والمبتنية على معطيات ومعلومات سابقة وقديمة جدّاً، مُستقاة في الغالب من الموقف الكوفي المتخاذل في أواخر خلافة أمير المؤمنين علیه السلام ، وفي فترة خلافة الحسن علیه السلام ، أي مُنذ عشرين عاماً، كما هو الحال في رأي ابن عباس، حينما أشار على الحسين علیه السلام بعدم الخروج إلى الكوفة؛ لأنّ سكّانها أهل غدر ومكر. ابن عباس الذي ابتعد عن الواقع الكوفي أكثر من عشرين عاماً بعد الصلح مع معاوية، كيف يُقدَّم رأيه على رأي سليمان بن صرد الخزاعي وحبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وعابس الشاكري وأمثالهم، ممّن عايش أحداث الكوفة بآلامها وآمالها والمستجدّات فيها؟!

وأما كون النتيجة النهائية للنهضة جاءت متطابقة مع تكهّنات ابن عبّاس، فهذا لا يصلح أبداً لأن يكون مبرّراً لتصحيح رأيه وتخطئة آراء الآخرين، كما سننبّه على ذلك لاحقاً.

الثانية: دراسة مسلم بن عقيل

بعد مرور (ستة وثلاثين) يوماً على تواجد الحسين علیه السلام في مكّة المكرّمة، وفي العاشر من شهر رمضان بدأت كُتُب الشيعة من أهل الكوفة ورسلهم تتوالى على الإمام علیه السلام

وبشكل متواصل، وكانت الرسل والوفود الكوفية تنتظر الردّ، وتتمنّى أن يكون إيجابيّاً، وبقي الإمام علیه السلام أيّاماً لا يتحدّث مع أحد في الموضوع، ويتريّث في الأمر، ويستمهلهم لدراسة الموضوع واستخارة الله تبارك وتعالى بهذا الشأن، وبعد الإلحاح والطلب الحثيث لمعرفة الجواب والقرار النهائي «قام الحسين علیه السلام فتطهّر وصلّى ركعتين بين الركن والمقام، ثم انفتل من صلاته وسأل ربَّه الخير فيما كتب إليه أهل الكوفة، ثم جمع الرسُل، فقال لهم: إنّي رأيت جدّي رسول الله صلی الله علیه و اله في منامي وقد أمرني بأمر وأنا ماضٍ لأمره، فعزم الله لي بالخير، إنّه وليُّ ذلك والقادر عليه إن شاء الله تعالى»(1). ثم أخبرهم بأنّه سيبعث موفوداً عنه «ليعرف طاعتهم وأمرهم، ويكتب إليه بحالهم ورأيهم»(2). وقام باستدعاء ابن عمّه مسلم بن عقيل، وكلّفه بمهمّة استطلاع ودراسة الملف الكوفي، قائلاً له: «قد رأيتُ أن تسيرَ إلى الكوفة، فتنظر ما اجتمع عليه رأي أهلها، فإن كانوا على ما أتتني به كُتُبهم، فعجّل عليّ بكتابك؛ لأُسرع القدوم عليك، وإن تكن الأُخرى، فعجّل الانصراف»(3). وأمره كذلك «بتقوى الله وكتمان أمره واللطف»(4)، وأن يدعو الناس إلى طاعته، وخذلان آل أبي سفيان. وكتب علیه السلام إلى أهل الكوفة كتاباً مفصّلاً، ومن جملة ما جاء فيه قوله: «وإنّي باعث إليكم بأخي وابن عمّي وثقتي من أهلي (مسلم بن عقيل)؛ ليعلم لي كنه أمركم، ويكتب إليَّ بما يتبيّن له من اجتماعكم، فإن كان أمركم على ما أتتني به كتبكم، وأخبرتني به رسلكم، أسرعتُ القدوم عليكم إن شاء الله»(5). وأمرهم أن ينهضوا بالأمر بقيادة ابن عمّه، وأن يبايعوه وينصروه إلى حين قدومه علیه السلام .

وقد باشر مبعوث الحسين علیه السلام فور وصوله الكوفة بأداء مهمّته بأحسن وجه، وقام بدراسة الأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة من كل جوانبها وبصورة دقيقة


1) الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج5، ص30.

2) البلاذري، أحمد، أنساب الأشراف: ج3، ص159.

3) الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص230.

4) المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص39.

5) الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص230.

وتفصيليّة، وعلى درجة عالية من السريّة والكتمان، كما أمره الإمام علیه السلام ، وبمدّة قاربت الأربعين يوماً إلى حين اتخاذ القرار النهائي وبشكل إيجابي، وكان من أهم إنجازات هذه الفترة تشكيل قوّة عسكرية ضخمة مضحّية، يفوق عددها الثمانية عشر ألف رجل من الشيعة، كلّهم قد بايعوه على الجهاد والقتال والنصر أو الموت بين يديه.

وبموجب ذلك كلّه، وفي ضوء المعطيات الميدانيّة الوافرة التي يطول الحديث باستعراضها، كان الرأي الذي تشكّل لدى مسلم بن عقيل - الثقة المأمون والعالم النبه والأقرب من مكان الحدث وزمانه - واضحاً وصريحاً في أنّ الأجواء مهيّأة تماماً لاستلام السلطة، وأنّ الدعم البشري والعسكري كافٍ لتحقيق النصر وقيام دولة العدل والإيمان، وأنّ الحسين علیه السلام لو تحرّك نحو الكوفة فإنّه سيتولّى القيادة والحُكم فيها بيُسرٍ وعافية. وفي ضوء هذه المعطيات أبرق إليه كتاباً يقول فيه: «أمّا بعد، فإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي، فإن الناس كلّهم معك، ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى، والسلام»(1).

والحاصل: إنّ الحسين علیه السلام كان ينتظر التقرير الذي سيرفعه مبعوثه إلى الكوفة الثقة العالم الأمين مسلم بن عقيل، فإن كان سلبيّاً امتنع عن الخروج إليهم، وإن كان إيجابيّاً وعلى طبق مضمون كتبهم وأقوال رسلهم، خرج إليهم لإقامة حكم الله في الأرض، وهذا ما أكّده علیه السلام في كتابه لأهل الكوفة كما في تذكرة الخواص: «فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجا منكم على مثل ما قدمت رسلكم قدمتُ عليكم، وإلّا لم أُقدم»(2). فخروج الحسين علیه السلام إلى الكوفة لم يكن قدراً محتوماً وقضاءً ناجزاً على كل حال، بل كان قراراً موقوفاً على وجود قوّة عسكريّة كافية للقيام المسلّح بوجه الحكم الأُموي المستبدّ، وكان تحديد هذا الأمر موكولاً إلى ما يتوصّل إليه المبعوث الحسيني من خلال دراسته الميدانيّة لمجمل الأوضاع في الكوفة، وكانت النتيجة الإيجابيّة التي رُفعت إلى الحسين علیه السلام هي الباعث الأساس الذي دعاه للخروج إلى الكوفة، ولو كانت النتيجة


1) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص281.

2) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: ص244.

سلبية وغير مُطمئنة تجاه الوضع الكوفي، فإنّ الحسين علیه السلام لا يخرج إلى الكوفة أبداً.

وفي هذا الضوء نفهم مضمون كلام الإمام الحسين علیه السلام حينما خاطب معسكر عمر بن سعد في كربلاء قائلاً: «تَبّاً لَكُمْ أَيَّتُهَا الجَماعَةُ وَتَرْحاً وَبُؤُساً لَكُمْ! حينَ اسْتَصْرَخْتُمُونا وَلهينَ، فَأَصْرَخْناكُمْ مُوْجِفينَ، فَشَحِذْتُمْ عَلَيْنا سَيْفاً كانَ في أَيْدينا، وَحَمَشْتُمْ عَلَيْنا ناراً أَضْرَمْناها عَلى عَدُوِّكُمْ وَعَدُوِّنا، فَأَصْبَحْتُمْ الباً عَلى أَوْلِيائِكُمْ»(1). فإنَّ هذا النصّ الشريف صريح في أنّ الكوفة كانت منذ فترة قريبة تُشكّل قوّة عسكريّة كبيرة مؤهّلة للانقلاب العسكري، وكان أمرُ هذه القوّة بيد الإمام الحسين علیه السلام ، وكانت أهدافها مواجهة الأعداء والقضاء على التواجد الأُموي في المنطقة، وإقامة حكم الله في الأرض، لكن الخذلان وسوء الاختيار الذي أدّى إلى وضع ذلك السيف الحسيني الكوفي بيد الأعداء، كان هو السبب الأساس لتغيّر الأوضاع السياسيّة، وانقلاب معادلات القوى العسكريّة.

ونستنتج من مجمل هذا العرض والدراسة الميدانيّة للواقع الكوفي الأُمور التاليّة:

1- إنّ الأمر النبوي الذي وُجِّه للحسين علیه السلام في المنام، هو وجوب الخروج إلى الكوفة بهدف التغيير السياسي، وتحريك عجلة المقادير الإلهية، وإسقاط الحكم الأُموي عسكريّاً، وأن يوطّن الإمام علیه السلام نفسه على كل الاحتمالات، فقد شاء الله تعالى في ضوء معطيات الواقع أن يخرج الحسين علیه السلام للإصلاح والتغيير، حتى لو أدّى خروجه إلى الشهادة والقتل بصورة مأساوية، فإمّا النصر أو الشهادة.

2- إنّ مسلم بن عقيل كان مأُموراً بالاستقرار في الكوفة، والتعامل مع أهلها بهدوء ولطف وتحمّل، وأن يُرسِل كتاباً للإمام علیه السلام يدعوه فيه للمجيء إلى الكوفة، فيما لو وجد الأُمور على ما يُرام، وهو مأُمور أيضاً في مرحلة لاحقة بالتبليغ المعلن للنهضة الحسينيّة، وشنّ حملة إعلاميّة مضادّة على الحكم الأُموي الفاسد، والعمل على تهيئة الظروف والأجواء للقيام المسلّح تمهيداً للنهضة إلى حين مجيء الحسين علیه السلام ، كما جاء ذلك صريحاً في كتابه لأهل الكوفة: «فقوموا مع ابن عمّي وبايعوه وانصروه ولا تخذلوه»(2).


1) الطبرسي، أحمد، الاحتجاج: ج2، ص24.

2) ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص31.

3- إن مسلم بن عقيل كان مأُموراً بالانصراف سريعاً وترك الكوفة، فيما لو وجد الأُمور على غير ما يُرام، وحينها سيترك الحسين علیه السلام الخيار الكوفي، ويُسقطه من حسابات النهضة.

4- كانت دراسة مسلم بن عقيل لمجمل الأوضاع في الكوفة إيجابيّة وباعثة على الاطمئنان، وبذلك كتب للحسين علیه السلام ، يدعوه للإسراع بالخروج والإقبال على الكوفة، وفي هذا الضوء أعلن الإمام علیه السلام قرار الخروج إلى الكوفة متوكّلاً على الله تعالى، وموطّناً نفسه على النصر أو الشهادة.

5- انفتحت النهضة في مراحلها الوسطى على فرضيّة النصر المسلّح وإمكانية التفوق العسكري، وكانت النهضة في هذه المرحلة سرّية للغاية، ويمكن تحديدها بثلاثة أشهر تقريباً، من حين التواصل مع أهل الكوفة (العاشر من شهر رمضان) وحتى لحظة اتخاذ قرار الخروج من مكّة المكرّمة (الثامن من شهر ذي الحجة).

وفي بدايات هذه المرحلة الحساسة كان الحسين علیه السلام لا ينفتح مع أحد بالحديث حول الشأن الكوفي، إلى أن اتخذ قرار التواصل معهم، وقد أمر مبعوثه إليهم بالتزام الكتمان والسريّة التامة، وهذا ما حصل بالفعل، فقد كان دخول مسلم بن عقيل إلى الكوفة واستقراره فيها بشكل سرّي، ولم يطلع على ذلك إلّا المقرّبون والمأمونون من الشيعة، وحتى البيعة كانت تؤخذ سرّاً وبالخفاء، ففي الأمالي الشجريّة: «كان الحسين علیه السلام قدّم مسلم بن عقيل يبايع له في السرّ إلى الكوفة»(1). وفي هذا الضوء سارت الأُمور، ففي شرح الأخبار: «كان مسلم بن عقيل قد بايع له جماعة من أهل الكوفة في استتارهم»(2). وفي نص ثالث: «ولم يزل مسلم بن عقيل يأخذ البيعة من أهل الكوفة، حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألف رجل في ستر ورفق»(3).

إذن، كانت النهضة في مرحلة الانقلاب والتغيير العسكري للسلطة مُحاطة بالتعتيم


1) الشجري، الأمالي الشجريّة: ج1، ص167.

2) القاضي النعمان، شرح الأخبار: ج3، ص143.

3) الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص235.

التامّ والسريّة المطلقة، ولا نستبعد أن يخفى ذلك أيضاً على الشخصيات المعروفة والبارزة في مكة والمدينة، من أمثال: عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير ومحمد بن الحنفيّة وغيرهم، وهذا ما يظهر بوضوح من حديثهم مع الإمام علیه السلام لحظة إعلان قرار خروجه من مكّة إلى الكوفة في السادس أو السابع من شهر ذي الحجة، حيث فوجئوا بالقرار واعترضوا عليه بناءً على ما لديهم من معطيات قديمة جدّاً حول المجتمع الكوفي، وهذا ما استقربه أيضاً السيّد المرتضى في قوله: «لعل ابن عباس لم يقف على ما كوتب به من الكوفة، وما تردّد في ذلك من المكاتبات والمراسلات والعهود والمواثيق»(1).

ونحن نرى بأنّ مسلم بن عقيل هو الأَحقّ والأجدر بالحديث حول أهل الكوفة؛ لأنّه كان الأعلم بالواقع الكوفي من ابن عباس وغيره، ممّن ابتعدوا كثيراً عن الأحداث والوقائع والتطورات الكوفيّة، وقد خالفهم في رؤيتهم، وقرّر بأنّ الكوفة على استعداد تامّ لاستقبال النهضة، وفي هذا الضوء قرّر الحسين علیه السلام أيضاً الخروج ونَقْل النهضة إليها، تاركاً خلفه الآراء القديمة والبالية، والتي هو أعلم بها من أصحابها.

كتاب الإمام الحسين علیه السلام إلى رؤساء البصرة وأشرافها

الذي يظهر من مجموع النصوص التاريخية الواردة في توثيق هذه المرحلة من النهضة، أنّ الإمام الحسين علیه السلام بعد أن استوثق من موقف أهل الكوفة، أرسل كتاباً عاجلاً إلى رؤساء أهل البصرة وأشرافها، «يدعوهم فيه إلى نصرته والقيام معه في حقّه»(2)، والطاعة والانقياد لأوامره، ومن جملة ما جاء في الكتاب قوله علیه السلام : «وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أُميتت، وإن البدعة قد أُحييت، وإنّ تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد»(3). وكان يزيد بن مسعود النهشلي ممّن أُرسل إليهم الكتاب، فعقد على إثره مؤتمراً عامّاً جمع بني تميم وبني سعد، وأخذ منهم البيعة والموافقة على نصرة الحسين علیه السلام في


1) المرتضى، علي بن الحسين، تنزيه الأنبياء: ص230.

2) ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص37.

3) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص266.

نهضته، وكتب بذلك كتاباً مفصلاً للإمام علیه السلام يخبره فيه باستعدادهم التام لتقديم الدعم العسكري للنهضة، ويقول فيه: «وصل كتابك، وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له، من الأخذ بحظي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك... فأَقدِم سعدت بأسعد طائر، فقد ذلّلت لك أعناق بني تميم، وتركتهم أشدّ تتابعاً في طاعتك من الإبل الظماء لورود الماء يوم خمسها وكظها، وقد ذلّلت لك رقاب بني سعد». فلما قرأ الحسين علیه السلام الكتاب، قال: «آمنك الله يوم الخوف، وأعزّك وأرواك يوم العطش الأكبر»(1).

وما نريد قوله هنا: هو أنّه سوف لا يبقى أيّ مُبرّر لإرسال هذا الكتاب لو لم يكن الإمام علیه السلام ساعياً للنصر ومُطمئناً بإمكانيّة تشكيل قوّة عسكرية قادرة على إسقاط النظام الأُموي في العراق، فأيّ معنى يبقى لهذا الكتاب لو كان الحسين علیه السلام ساعياً لأجله وقدره المحتوم، وخارجاً لنيل مقام الشهادة مظلوماً بيد أعدائه؟! ألم يكن من الأجدر لتحصيل هذا الهدف هو السكوت وترك الاستنصار كي ينال علیه السلام غايته سريعاً؟!

إذن، كان الحسين علیه السلام - وبموجب مكاتباته السياسيّة - يرى بأنّ التغيير العسكري المسلّح للسلطة أمرٌ ممكن، وكان يدعو الناس ويستنصرهم لذلك، بل إنّ مكاتباته ورسائله كلّها (للكوفة والبصرة وغيرهما) كانت تؤذن بإمكانية انتصار الثورة سياسياً وعسكريّاً.

وكان يرى الحسين علیه السلام أيضاً - بموجب هذا الكتاب - أنّ الكوفة ستكون انطلاقة أُولى لانضمام سائر الولايات والبلدان الإسلامية الأُخرى إليها، ودخولها تحت سلطة الخلافة الإلهية العادلة.

الثالثة: دراسة أزلام النظام الحاكم

لم تكن تلك القراءة الحسينيّة الإيجابية للواقع الكوفي خافية على مرتزقة يزيد وجواسيسه، حيث أحسّوا بالخطر، وعلموا يقيناً بأنّ الأوضاع لو بقيت على ما هي عليه، فإنّ الحسين علیه السلام هو المنتصر لا محالة، وأنّ مسلم بن عقيل يسير بجدّ وجدارة عالية باتجاه حسم الأُمور لصالح النهضة، فبادروا بإرسال الكتب والنصائح والنُذر إلى طاغية


1) ابن طاووس، علي، اللهوف: ج4، ص28.

الشام، يخبرونه بخطورة الموقف، وأنّ الكوفة ستخرج من نطاق حكمه وسلطانه، وأنّ التواجد الحسيني أضحى هو الأقوى والأكفأ في المنطقة. ومن جملة ما دوّنوه في كتبهم قولهم: «أمّا بعد، فإنّ مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة، وقد بايعه الشيعة للحسين بن علي، وهم خلق كثير، فإن كان لك في الكوفة حاجة، فابعث إليها رجلاً قوياً ينفذ فيها أمرك، ويعمل فيها بعملك من عدوك»(1). وفي كتاب آخر: «فإنّ يكن لك في سلطانك حاجة، فبادر إليه مَن يقوم بأمرك»(2).

وهكذا استشعر يزيد الخطر الكبير الذي يُهدّد مُلكه وسلطانه، وبادر إلى الاستشارة العاجلة في هذا الأمر، وكان القرار بعد المداولة الجادّة هو الإسراع في العمل على التغيير الحكومي بما يناسب خطورة المرحلة، فوقع الاختيار على السفّاح المجرم عبيد الله بن زياد ليتولّى أمر الكوفة، فبعث إليه كتاباً مفصّلاً وعاجلاً يحثّه فيه على مسك الملف الكوفي فوراً، ويخبره بأنّ مسلم بن عقيل قد نزل في الكوفة يجمع الجموع للحسين بن علي، «وقد اجتمع إليه خلق كثير من شيعة أبي تراب»(3)، ويأمره بالتوجّه مسرعاً إلى الكوفة، ويخاطبه قائلاً: «فالعجل العجل، والوحا الوحا»(4)، «إن كان لك جناحان، فطر إلى الكوفة»(5)، «وشدَّد عليه في تحصيل مسلم وقتله»(6)، وأن يبعث إليه برأسه، «وأن يتيقّظ في أمر الحسين بن علي، ويكون على استعداد له»(7)، «فأقبل عبيد الله بن زياد على الظَّهر سريعاً، حتى قدم الكوفة»(8)، وفعل ما فعل بأهلها من الجرائم ما يملأ بطون التاريخ.

ولقد بلغ بيزيد الخوف والاضطراب من التحرّك (الكوفي/الحسيني) مبلغاً عظيماً،


1) ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص35.

2) الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص231.

3) ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص36.

4) المصدر السابق: ج5، ص37.

5) الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج3، ص299.

6) ابن طاووس، علي، اللهوف: ج4، ص28.

7) البلاذري، أحمد، أنساب الأشراف: ج2، ص78.

8) ابن سعد، محمد، ترجمة الإمام الحسين علیه السلام من الطبقات الكبرى: ص65.

فوجّه كتاباً مفصّلاً لابن عباس، يُخبره بذلك، ويُطالبه بإقناع الحسين علیه السلام ألّا يتواصل مع أهل الكوفة، وألّا يخرج إليهم، حيث يقول: «بلغني أنّ رجالاً من شيعته من أهل العراق يُكاتبونه ويُكاتبهم، ويُمنّونه الخلافة ويُمنّيهم الإمارة... فألقه واردده عن السعي في الفرقة، وردّ هذه الأُمّة عن الفتنة، فإن قبل منك وأناب إليك فله عندي الأمان والكرامة الواسعة»(1). وما يلمسه القارئ بوضوح في هذا الكتاب، هو عبارات التخوّف الشديد من أبعاد الحركة الحسينيّة وارتباطها بالواقع الكوفي.

إنّ هذه الدراسة الميدانيّة لمعالم التقدّم الحسيني في الكوفة، والاضطراب والخوف الشديدين، والتحرك السريع لتدارك الموقف، والقرارات الحاسمة التعسّفية، وترقّب النتائج على حذر ويقظة تامّة، كل ذلك يكشف وبوضوح عن صحّة وواقعية الدراسة التي رفعها مسلم بن عقيل للإمام الحسين علیه السلام ، وأنّ الإمام علیه السلام قد تحرّك بالاتجاه الصحيح وقرأ الواقع كما ينبغي، واتخذ القرارات المناسبة على بصيرة من أمره، ودراية تامّة بمجريات الأُمور. وهذا ما كان يجهله ابن عبّاس وغيره في مكّة والمدينة.

وأمّا انكفاء النهضة بعد ذلك، وتطابق النتائج النهائية مع آراء بعض الناصحين من أمثال ابن عباس وغيره، فلا يحمل أيّ دلالة على أنّ رؤيتهم تجاه الواقع الكوفي الفعلي كانت هي الصحيحة، وأنّ تلك النتائج كانت معلومة ومحسومة في رأي عقلاء القوم، وأنّ الحسين علیه السلام كان على يقين من ذلك، وإنّما خرج لنيل الشهادة وفضح الظلمة والمفسدين. ليس في آرائهم ونصائحهم أيّ دلالة على شيء من ذلك.

وإنّما نعتقد بأنّ الحسين علیه السلام قد خرج في ضوء معطيات صحيحة وصائبة في نظر ذوي الخبرة والقادة الميدانيين، وهي تُوصله - لو سارت الأُمور بمسارها الصحيح - إلى تحقيق النصر العسكري وإقامة الحكومة العادلة. وتبقى النتائج النهائية وعواقب الأُمور موكولة إلى الله تعالى.

ونظير ذلك ما هو مذكور مفصّلاً في كتب التاريخ حول خروج النبي صلی الله علیه و اله إلى القتال


1) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: ص237.

في معركة أُحد(1)، حيث خرج صلی الله علیه و اله من المدينة لمواجهة مشركي مكّة، وذلك في ضوء معطيات وتقارير ورؤى واستشارات صحيحة وموضوعيّة أدلى بها كبار الصحابة من ذوي الرأي والخبرة، وأكّدوا بأنّ الخروج من المدينة لمواجهة الأعداء هو الأسلم، وستكون نتيجته النصر على طغاة مكّة، ولكن في المقابل كان رأي عبد الله بن أُبيّ المنافق هو البقاء في المدينة، وعدم الخروج منها، والتحصّن فيها، ومقاتلة المشركين على طريقة حرب الشوارع، وأنّ الخروج سيُعرّض المسلمين للهزيمة والقتل. والنبي الأكرم صلی الله علیه و اله في نهاية المطاف أعرض عن رأي ابن أُبيّ، وأخذ برأي الحمزة وكبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وحرّض المسلمين على القتال، «وأمرهم بالجدّ والجهاد، وأخبرهم أنّ لهم النصر ما صبروا»(2). ولكن كانت النتائج متطابقة مع رأي ابن أُبي، حيث خسر المسلمون المعركة، وقُتل خيرة رجالات الإسلام، وأُصيب النبي صلی الله علیه و اله بجروح بالغة. فهل هذا يعني أنّ رأي المنافق ابن أُبي كان صائباً؟! وأنّ القرار الذي اتخذه النبي صلی الله علیه و اله كان مخطئاً؟! كلا، بل كان قرار النبي صلی الله علیه و اله هو الصائب؛ لأنّه مبتنٍ على مبررات موضوعية تكون نتيجتها النصر لو التزم المسلمون بالصبر والخطط القتالية وتوجيهات القادة الميدانيين في المعركة، ولكن وقع ما وقع من تقصير المقاتلين في وظائفهم؛ ما أدّى إلى الهزيمة. ولكن يبقى قرار النبي الأكرم صلی الله علیه و اله صائباً، وإن تطابقت النتائج مع رأي ابن أُبي. وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر المعارك التي تكون من هذا القبيل، نظير ما جرى في معركة صفّين وغيرها. والذي يُصحّح الموقف هو السير في ضوء الدراسات والمبرّرات الموضوعيّة، وتبقى المقادير النهائيّة بيد الله تبارك وتعالى.

والنتيجة: إنّ الرؤية التي نؤمن بها ونعتقد بأنّها مطابقة للمعطيات التاريخيّة والميدانيّة في ذلك الحين، هي كون التغيير السياسي للسلطة والانقلاب العسكري المسلّح لاستلام الحكم، من أهمّ دوافع وأهداف النهضة الحسينيّة المباركة، ولكنّه كان يُشكّل حقبة خاصّة من تاريخها، ومرحلة معيّنة ومصيريّة من مراحلها، ابتدأت بعد


1) اُنظر على سبيل المثال: الواقدي، المغازي: ج1، ص199 وما بعدها.

2) المصدر السابق: ج1، ص213.

استقرار الإمام علیه السلام في مكّة المكرّمة وحينما بدأ التواصل مع المجتمع الكوفي، وانتهت حينما انقلب الناس على عهدهم وبيعتهم، وقُتل السفير مسلم بن عقيل، وحوصر الحسين علیه السلام في الأراضي العراقيّة، حينها أصبحت الشهادة كرامة الأولياء، وعزّ الأُباة والمصلحين، وفتحاً مبيناً لكل الأحرار والشرفاء، وهدفاً سامياً وحيداً أسقط الأقنعة الدينيّة المزيّفة التي احتمى بها الظلمة والطغاة والمفسدون.

الإجابة الثانيّة: الردّ التفصيلي على القرائن والشواهد لإنكار هدفيّة النصر العسكري

من مجموع ما تقدّم يتّضح الردّ على الشواهد والقرائن السابقة، التي ساقها جملة من العلماء والباحثين؛ للتدليل على أنّ الانتصار السياسي والعسكري لم يكن مُتاحاً ولا يحتمله واقع النهضة الحسينيّة في كلّ مراحلها، وكانت عبارة عن أربعة شواهد أساسيّة كما سبق:

أمّا بالنسبة إلى الشاهد الأوّل: وهو انعدام التوازن في القوى وفقدان التكافؤ العسكري، فقد تبيّن أنّ ذلك لا يُمثّل واقع النهضة بتمام مراحلها؛ لأنّ الجبهة الحسينيّة كانت هي الأقوى والأكفأ في فترة التواصل والتخطيط والتنظيم (الكوفي/الحسيني) كما تبيّن مفصّلاً. نعم، تراجعت القوّة العسكريّة لجبهة النهضة في مراحلها الأخيرة، وذلك حينما انهار الواقع الكوفي أمام التحدّيات، وأصبحت الشهادة حينذاك هدفاً وحيداً، ومقاماً إلهياً رفيعاً خالداً بخلود اسم الحسين علیه السلام .

وأمّا بالنسبة إلى الشاهد الثاني: والذي يُمثّل مجموعة من النصوص والتصريحات للإمام الحسين علیه السلام :

فالنص الأوّل: وهو ما رواه الطبري عن الواقدي وزرارة بن جلح، فالإجابة على الاستدلال به من وجوه:

1- إنّ قولهما: «فأخبرناه بضعف الناس في الكوفة، وأنّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه»، إنما يُمثّل رأيهما وقراءتهما الخاصّة عن الواقع الكوفي، بناءً على مُعطيات لا يُعلم أساسها ومستندها، وهي قراءة تتقاطع تماماً مع دراسة ورؤية مسلم بن عقيل وكبار

القادة المخلصين من ذوي الخبرة والتاريخ الجهادي، حيث قرأوا الواقع الكوفي بصورة إيجابيّة ومختلفة كما تقدّم مفصّلاً، وليس من الموضوعيّة أبداً ترك هذه الرؤية الناضجة والقائمة على أُسس علميّة وميدانيّة، والاعتماد على قول ورأي شخصين لا نعلم مدى خبرتهم ولا حجم تواصلهم الميداني مع مستجدّات الواقع الكوفي، مع احتمال تأثّرهما بالأحداث والمعطيات القديمة حول المجتمع الكوفي، كما هو حال سائر الناصحين والمشفقين من أمثال عبد الله بن عباس.

2- إنّ قولهما في فرض موضوعيّته واستناده لمعطيات علميّة وميدانيّة، إنّما يكون - في أحسن الأحوال - عاملاً مضعّفاً للمضمون الإيجابي الذي رفعه مسلم بن عقيل للحسين علیه السلام حول الواقع الكوفي، ولا يُسقطه عن الاعتبار من رأس. فيبقى الخروج إلى الكوفة مُبتنياً على مبرّراته الموضوعيّة والعقلائيّة، ويكون خروج الحسين علیه السلام بدافع النصر العسكري أو الشهادة خروجاً على طبق الموازين العسكريّة المعتبرة في مواجهة العدو.

3- إنّ قول الحسين علیه السلام : «لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء [الملائكة]، ولكن أعلم علماً أن من هناك مصعدي، وهناك مصارع أصحابي». المقصود منه - بحسب الظاهر - أنّ الإمام علیه السلام لا يبحث عن النصر العسكري المحتوم والمحسوم، ولو كان يستهدف تحقيق النصر عسكريّاً بتلك الصورة لقاتل بني أُميّة بالملائكة وحسم الموقف، ولكنه يُريد انتصاراً قائماً على إرادة الأُمّة واختيارها، وهذا النصر ليس قطعيّاً ولا محسوماً، وإنّما تتغير مقاديره وإراداته السماويّة تبعاً لواقع الأُمّة ومجريات الأُمور، وشاء الله تعالى أن يخرج الحسين علیه السلام على كل حال، فإمّا أن ينال انتصاراً عسكريّاً مؤزّراً، أو ينتصر ويفوز بدم الشهادة العظمى، وكانت وقائع هذا النصر الأخير حاضرة ومشهودة في مخزون علم الغيب الحسيني، ولكنه علم غيبيّ محكوم بالبداء والتبديل والإرادة والمشيئة الإلهيّة، كما شرحنا ذلك مفصّلاً في مقال مستقلّ.

النص الثاني: وهو الخطبة المعروفة التي خطبها الحسين علیه السلام حينما عزم على الخروج إلى العراق، والتي مطلعها: «خُطَّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة...»، فإنّه لا

علاقة له بالموضوع أبداً؛ لأنّ كلّ قائد ميدانيّ مُقبل على مواجهة عسكرية مع جبهة شرسة لا تؤمن بالمبادئ الإنسانيّة، فضلاً عن الإسلاميّة، لا بدّ أن يخرج هو وأنصاره وجيشه موطّنين أنفسهم على الموت والشهادة كخيار أخير، وهذه هي حال القادة والجيوش في سوح القتال، فالحسين علیه السلام لا يقول: أنا خارج كي أموت، بل هو علیه السلام خارج لينتصر عسكريّاً أو يموت، وكم فرق بين المبدأين؟! وهذا هو مغزى قوله علیه السلام : «مَن كان باذلاً فينا مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا». وكان إعلان خروجه علیه السلام إلى الكوفة هو بذاته إعلان للهدف العسكري المسلّح في مواجهة السلطة؛ ولذلك حاول الجهاز الحكومي في مكّة أن يثني الإمام علیه السلام عن قرار خروجه، لكنّهم لم يُفلحوا.

النص الثالث: وهو قوله علیه السلام لبني هاشم في المدينة: «مَن لحق بي استُشهد، ومَن لم يلحق بي لم يُدرك الفتح». فهو أيضاً كمضمون النصّ السابق، ومفاده: إنّ مَن يلتحق به علیه السلام ينبغي عليه أن يوطّن نفسه على الموت والشهادة، وإلّا فسوف لا يُدرك الفتح ولا يشهد ربيع النصر الإلهي، ولا يحظى بإحدى الحُسنيين: إمّا النصر المسلّح أو الشهادة.

النص الرابع: قوله علیه السلام : «ليرغب المؤمن في لقاء الله محقَّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً». والإجابة عن الاستدلال بهذا النصّ من وجوه:

1- إنّ هذا النص لو فُرض كون تاريخ ومحلّ صدوره هو فترة تواجد الركب الحسيني في منزل ذي حسم، كما ورد في تاريخ الطبري، فهذا معناه أنّ الأوضاع قد تغيّرت، وأنّ الحسين علیه السلام قد وقع في قبضة عدوّه، وهم الحرّ وجيشه، وفي هذا الظرف انتقلت النهضة إلى مرحلة هدفيّة الشهادة، ومن الطبيعي حينئذٍ أن يصدر في هذه المرحلة نصّ بهذا المضمون وبهذه اللهجة الاستشهاديّة.

2- إنّ أغلب المصادر المعتبرة تؤكّد على صدور هذا النص والخطاب الشريف في خصوص أرض كربلاء، وفي ليلة العاشر من المحرّم تحديداً على ما في بعض المصادر، وحينئذٍ يكون صدوره بتلك اللهجة الاستشهاديّة أمراً طبيعيّاً جداً، ولا علاقة له بمحل البحث.

3- بغضّ النظر عن تاريخ ومحل الصدور، فإن هذا النص لا يتقاطع مع رؤيتنا حول الموضوع، ولا يُثبت أبداً أنّ الشهادة هدفاً وحيداً للنهضة؛ لأنّه يتحدّث عن

أفضيلة الشهادة بعزّ وكرامة، على العيش بالذل في ظلّ الظالمين، وهو أمرٌ مسلّمٌ لا شك فيه، ومن الطبيعي أن نجده في قاموس رجل كالحسين علیه السلام . وهذا لا ينفي الأهداف السياسية والعسكرية للنهضة أبداً، وكما يُقال: إثبات شيء لا ينفي ما عداه.

النص الخامس: قوله علیه السلام لرجل من أهل الكوفة حينما نزل الرهيمة: «وأيم الله ليقتُلنّي، ثم ليلبسنّهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليُسلّطن عليهم من يذلهم». ففي مقام الإجابة عن الاستدلال به نقول: إنّ الصحيح هو كون (الرهيمة) من المنازل القريبة جدّاً من كربلاء، فالنص صادر في مرحلة هدفية الشهادة، ولا ضير في صدوره بهذه الصراحة.

وأما بالنسبة إلى الشاهد الثالث: والذي كان حاصله أنّ خروج الحسين علیه السلام لمناهضة السلطة الأُمويّة كان خروجاً علنيّاً في كل أحداثه ومراحله، وهذا لا يتناسب مع كونه علیه السلام يستهدف الإطاحة بالنظام الحاكم عسكريّاً. فقد اتضحت الإجابة عنه مفصّلاً، حيث أثبتنا بأنّ النهضة في مرحلة استهدافها للتغيير المسلّح لنظام الحكم كانت سرّية للغاية، ولم تكن علنيّة، حتى يصحّ ما يؤكّد عليه الدكتور شريعتي في مجمل حديثه حول النهضة الحسينيّة، من أنّ الخروج الحسيني المعلن لا يتناسب إلّا مع اختيار الشهادة هدفاً.

وأمّا بالنسبة إلى الشاهد الرابع: وهو مجموعة نصائح الصحابة والتابعين والمحبّين بترك الخيار العسكري، والتراجع عن قرار الخروج إلى الكوفة.. فإنّه أيضاً قد تبيّنت الإجابة عنه مفصّلاً، وتبيّن أنّها كانت نصائح مُبتنية على معطيات قديمة جدّاً، ولا يمكن اعتمادها عقلائياً في تحديد مسار النهضة، خصوصاً مع وجود رؤى حديثة ومعتبرة، وقائمة على أُسس ومعطيات ميدانيّة لأحداث الساعة، تُفيد بأنّ الخروج إلى الكوفة هو الخيار الأصلح والأصحّ، وأنّ النصر العسكري مضمون في ظلّ الظروف الحاليّة.

وبذلك كلّه يتّضح: أنّ الحسين علیه السلام قد خرج إلى الكوفة يستهدف الفوز بإحدى الحسنين: إمّا النصر العسكري أو الشهادة، في ظل ظروف وقراءات ودراسات ميدانيّة دقيقة، تُشير كلّها إلى أنّ فرصة النصر العسكري وإقامة حكم الله في الأرض كانت هي الأقرب للتحقّق والوقوع، وهي فرصة اختصّ بها الحسين علیه السلام من بين الأئمة

المعصومين علیهم السلام ، وقد استثمرها بما لا مزيد عليه، لكن الأُمّة أخلفت وعودها، وخانت مبادءها، وتنازلت عن كرامتها، فوقف قائدها وحيداً، وضحّى بدمه في مشهد محفور في ذاكرة التاريخ، ومخلّد في السماوات. فسلام على الحسين يوم وُلِدَ ويوم استُشهد ويوم يُبعث حيّاً.

دراسات فی افاق النهضة الحسينية

اشارة

التبليغ الهادف...الدّوافع والأساليب والتحدّيات

منطلقات النهضة الحسينية وخلفياتها

القسم الثالث (الإمام الحسين(ع) التحدي الأبرز للمشروع الأُموي)

مذهبة الثّورة الحسينيّة (الأسباب والنّتائج)

الإصلاح الحسيني و العدالة المهدویة

التبليغ الهادف...الدّوافع والأساليب والتحدّيات

حوار مع سماحة آية الله السيد رياض الحكيم

إيماناً نها بضرورة نشر الفكر الحسيني والتعريف بمعالمه الأصيلة ارتأت مجلة (الإصلاح الحسيني) أن تقوم بين الفينة والأُخرى بإجراء حوار علمي بنّاء مع شخصية من شخصيات واقعنا الإسلامي المعاصر؛ لغرض تسليط الضوء على مفردةٍ مهمةٍ من مفردات النهضة الحسينية، فكان لقاؤنا هذه المرّة بسماحة آية الله السيد رياض الحكيم؛ لغرض إلقاء الضوء على مفردة التبليغ، والتبليغ الحسيني، وبحث أبعاد هذه المفردة وآفاقها المستقبلية وهمومها الحاضرة، وكل ما يتعلّق بها. آملين أن يكون ذلك جهداً يصبّ في خدمة الحسين علیه السلام وكل ما يمتّ للنهضة الحسينية المباركة بصلة.

(مجلّة الإصلاح): بسم الله الرحمن الرحيم. نرحِّب بسماحة آية الله السيّد رياض الحكيم، ونشكره جزيل الشكر على قبول دعوتنا.

(السيّد الحكيم): بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين. أشكركم على إتاحة هذه الفرصة، وأسال الله سبحانه وتعالى لكم الموفّقية والسّداد إن شاء الله.

(مجلّة الإصلاح): قال الله تعالى في محكم كتابه: «الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا »(1). السؤال هو: هل أضاف الإسلام شيئاً جديداً على مفهوم التبليغ والدعوة؛ بمعنى: هل هناك بلورة جديدة أو أبعاد أُخرى استحدثها الإسلام في جانب من جوانب العملية التبليغيّة؟

(السيّد الحكيم): إذا أردنا أن نتحدَّث عن موضوع التبليغ وتأكيد الإسلام عليه، فهذا حديث طويل، ولكن هنا أُشير إلى نكتة مهمّة: في الإسلام - طبقاً لما أشار إليه القرآن ولما ورد عن النبي صلی الله علیه و اله - أنّ تبليغ الشخص يبدأ من تبليغ نفسه قبل التبليغ للآخرين وتوجيههم، وهو ما يُطلَق عليه في الروايات ب-(جهاد النفس)، والذي عُبِّر عنه أيضاً ب-(الجهاد الأكبر)، فإنّ هذا يفتح أُفقاً جديداً للمبلِّغ يُخرجه عن كونه متحدِّثاً فحسب، بل يحوِّله إلى مُصلِح حقيقي؛ لأنّ الإنسان إذا طبَّق المفردة أو المفهوم الذي يتحدَّث عنه على نفسه فسوف يستوعب تأثير هذا المفهوم، ويعرف أنّ ما يتحدَّث عنه مع الآخرين هل هو واقعي أو ليس واقعياً، وكذلك يتمكّن من معرفة طبيعة العوائق التي تقف أمام تطبيق التوصيات التي يقدِّمها للآخرين؛ لأنّه سوف يعيش الحالة. فعلى سبيل المثال: أنا عندما أدعو شخصاً إلى التقوى أو أدعوه إلى أن يكون أميناً على أموال الناس وأعراضهم وغير ذلك، وطبَّقت ذلك على نفسي؛ عندئذٍ سوف أكتشف طبيعة المصاعب التي يواجهها الشخص عندما ينفِّذ ذلك، وبعدها يخرج الكلام عن كونه مجرَّد حديث غير مسؤول.

إذا عاش الإنسان التجربة، وتعرَّف على كيفية الوصول إلى الهدف؛ أي يلمسه من خلال تجربته الشخصية، فعندما ينتبه أنّ في بعض الخطوات مصاعب ومشاكل، ويكتشف آليات لتجاوز هذه العوائق والمشاكل، فعندئذٍ يستطيع توجيه الآخرين على ضوء الواقع الذي عاشه والتجربة التي عاشها. هذا ممّا أكَّده الإسلام، وهو ما يفتح أُفقاً واسعاً للمبلِّغ، ويجعل كلامه مؤثِّراً في الآخرين؛ لأنّ منطلقه واقعي وليس نظرياً صرفاً قد لا يرتبط مع الواقع بصلة. هذا موضوع مهمّ إذا استوعبه الإنسان فسوف يكون


1) الأحزاب: آية 39.

دقيقاً في اختيار المفردات والتعاليم التي يوجِّه بها المجتمع ومخاطَبيه.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيّد، ما هي أهمّ الدوافع التي ينطلق من خلالها الشخص المعني لممارسة العمليّة التبليغيّة؟

(السيّد الحكيم): انظروا أنّ السنّة نبَّهت على شيء، وهو: أنّ قيام المبلِّغ بالتبليغ إنّما هو مسؤولية في عنقه «كلّكم راعٍ وكلّهم مسؤول عن رعيَّته»(1)، هذا مفهوم تعميم المسؤولية، ولها مجالات متنوّعة: مجال التبليغ والتعليم، ويرتبط بذلك - بنحو ما - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه مسؤولية عامّة لا تقتصر على شخص معيَّن، طبعاً كلٌّ حسب ظروفه والفرصة المتاحة له. بتصوّري هذا الشعور العام بالمسؤولية - والذي هو منطلَق للمبلِّغ - إذا أضفنا له الاستفادة من الخبرات والوسائل المتاحة للإنسان لكي يؤدّي دوره، عندئذٍ يستطيع أن يكون ناجحاً؛ لأنّه ينطلق من المسؤولية ومعها تهون أمامه المصاعب والمشاق. فالإنسان عندما يدخل في مشروعٍ وهو يتوقَّع أنّ هناك مشقّة ومصاعب ومعوِّقات، وينطلق على أساس المسؤولية، يستطيع أن يتجاوز ذلك، بعكس ما إذا نظر إلى الموضوع على أنّه جهدٌ روتيني، وأشبه بالمهنة التي يتعامل معها تعاملاً رسمياً. فالشعور بالمسؤولية هو المنطلق، إلّا أنّه تبقى الآليات والطرق فهي متجدّدة ويُفتَرض أن تنسجم مع الظروف وخصوصية كل مجتمع وكل مخاطب، كما ورد «نُكلِّم الناس على قدر عقولهم»(2)، وحسب متطلَّبات الموقف الذي يفرض على الإنسان أن يتحدَّث فيه وأن يسلكه.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيد، الدعوة والتبليغ لدين الله تبارك وتعالى هل هو من التكاليف العينيّة، أم التكاليف الكفائية؟

(السيّد الحكيم): بالنسبة للموقف الفقهي فهو يتبع اجتهادات الفقهاء، ولكن إذا نظرنا إلى موضوع التبليغ كمسؤولية، فالإنسان يتحمَّل مسؤولية تجاه دينه وتجاه أبناء أُمّته، وعلى هذا الأساس تتوزَّع المسؤولية على الأشخاص بتناسب موقعهم وتأثيرهم،


1) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج72، ص39.

2) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص23.

وبالدرجة الأساس فإنّ المتصدّين للشأن العام تكون مسؤوليّتهم أكبر، ولكن في نفس الوقت كل إنسان باعتبار انتمائه لهذا الدين ولهذه الأُمّة فهو يتحمّل جزءاً من المسؤولية لتوجيه مَن يستطيع أن يؤثِّر فيه، ونشر هذه التعاليم التي ضحّى من أجلها النبي صلی الله علیه و اله وأئمّة أهل البيت علیهم السلام والأولياء والصالحون على مرّ العصور.

إذن، المسؤولية لا تقتصر على شخص وإنّما تتوزَّع على الجميع بالتناسب مع موقع كل واحد منهم؛ ولذلك فإنّ هناك مصطلحاً متداولاً الآن ألا وهو مصطلح (رجل الدين)، أتوقّع أنّه مصطلح دخيل علينا؛ بمعنى: أنّه ليس لدينا رجل دين، فكل مسلم يتحمّل مسؤولية تجاه دينه؛ أي إنّ المتخصِّص بالشؤون الدينية وغير المتخصِّص كل واحد يتحمّل مسؤولية. فليس عندنا مفهوم أنّ الدين على عاتق شخص معيَّن أو جماعة معيَّنة، فالدين يتحمّل مسؤوليته كلّ إنسان ينتمي إلى هذا الدين، مثل المواطنة، فهي تفرض على كل مواطن درجة من المسؤولية، صحيحٌ أنّ المسؤول الرسمي قد تكبر مسؤوليّته وتتعاظم تبعاً لطبيعة موقعه؛ باعتباره موظَّفاً مسؤولاً في الحكومة، ولكنّ المواطن العادي أيضاً يتحمّل جزءاً من المسؤولية عندما يجد أنّ هناك خطوة تفرض عليه المواطنة أن يقوم بها حفاظاً على وطنه وعلى أبناء وطنه. نعم، نستطيع القول بأنّ هذا إنسان عالم في الشؤون الدينية وذلك إنسان غير عالم وغير متخصِّص في الشؤون الدينية. فمن هنا نعرف بأنّ المسؤولية التبليغية لا تقتصر على شخص دون آخر، أو على شريحة دون أُخرى، وإن تفاوت حجم المسؤولية تبعاً لاختلاف الموقع الذي يشغله كل شخص.

(مجلّة الإصلاح): هل ترون ضرورة العمل على تقنين العمليّة التبلیغية والتحكّم بها ضمن أُطر ووسائل معيَّنة تتضمَّن توحيد الخُطى والتوجيهات والرؤى العامة للخطيب والمبلَّغ، ويصار إلى فتح مراكز ومعاهد تنتج الأُسلوب المنظَّم في الآليات والمناهج، والاستفادة من كل ما يؤثِّر في العلمية التبليغية من العلوم كعلم النفس والاجتماع وغيرها؟

(السيّد الحكيم): في تصوّري الشخصي أنّ الإنسان لا بدَّ أن يكون واقعياً في تعامله

مع الواقع، وأن لا يتعامل مع الواقع تعاملاً نظرياً صرفاً، فعلى الصعيد الواقعي تنقسم شرائح المجتمع إلى قسمين:

الشريحة الأُولى: شريحة تمتلك مستوى ثقافيّاً محدوداً، ولو بحسب الظروف الضاغطة عليها والتي لا تسمح لها بالتخصّص والتطوّر العلمي، فهي شريحة تتعامل مع الأُمور بعفوية، ولا تتعامل ضمن قوانين صارمة، فهؤلاء لا ينبغي إهمالهم في العملية التبليغية، بل حتى لو كانت مستوياتهم محدودة فإنّه يمكن إقحامهم في العملية التبليغية والاستفادة من قدراتهم، خصوصاً وأنّهم يشكِّلون عادة قاعدة عريضة في المجتمع، فلا ينبغي أن نفوِّت النتاج الذي يمكن أن ينتجوه، فهؤلاء يُكتفى بتوجيههم توجيهاً عامّاً حتى لو لم يستوعبوا التخصّص، فإنّ المجالس والاجتماعات غير الرسمية هي أيضاً مجالات للتبليغ، فالإنسان المؤمن في سلوكه العام حتى لو لم يتحدَّث فإنّ استقامته تصلح أن تكون تبليغاً للآخرين؛ لأنّه يمثِّل قدوة حسنة باستقامته.

النبي المصطفى صلی الله علیه و اله كانت من مهامه الأساسية أن يكون قدوة حسنة لأُمّته: ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ * ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ هذه كلّها مسؤولية نظرية وعملية، ﭧ ﭨ(1)أي: لزوم كون النبيّ قدوة.

وعليه فنحن لا بدّ أن نجعل حيِّزاً مهمّاً من العملية التبليغيّة للتعامل غير المقنَّن، هذه العفوية وهذا التعامل اليومي له دور مهم في التبليغ أيضاً.

الشريحة الثانية: وهي الشريحة المتعلِّمة والمثقَّفة، فإنّها من الطبيعي تحتاج إلى خطاب تخصّصي علمي، وعليه لا بدّ أن يتمّ التعامل معها على أساسٍ علمي يتمّ تطويره تبعاً لتطوّر المجتمع وتطوّر الأساليب التبليغية الناجحة والمؤثِّرة، فيستفاد من العلوم المختلفة ومنها علم الاجتماع والنفس والتربية وغير ذلك. فبالتالي هذا جهدٌ بشريٌّ يمكن أن يستفاد منه ولا يُقتَصر فيه على مجال دون مجال آخر.

إنّ جانب التقنين لا يمكن الاستغناء عنه؛ لأنّ الجهد عندما يبتني ويتفرَّع على خطة مبرمجة ومنهج واضح يقبل التطوير، فإنّه يكون جهداً مباركاً وأثره يكون مضاعفاً.


1) الأحزاب: آية45- 46.

وعليه لا بدَّ من الاعتدال بين التعامل العفوي مع المجتمع والتقنين، فتقنين العملية التبليغية مطلوب، ولكن على أن لا تتحوَّل إلى قوانين صارمة تحوِّل التبليغ إلى عملٍ وأداءٍ روتيني فاقد لجوهره وروحه للعملية التبليغيّة.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيّد، كيف نوفِّق بين نصوص الدعوة والتبليغ مع معاصرة التطوّر الفكري والأساليب الحديثة في الغزو الثقافي؟

(السيّد الحكيم): أنا لم أعهد نصّاً يقيِّد حركة المبلِّغ، ويمنعه من الاستفادة من تجارب العلماء وابتكاراتهم، النصوص الواردة هي عادة تحثّ على التبليغ وعلى أُطر عامّة، فلا استحضر نصّاً يمنع المبلِّغ من أن يستفيد من تطوّر العلوم المختلفة وخصوصاً العلوم الإنسانية، ومن تجارب الآخرين، وبالتالي فليست هناك أيّة معارضة بين الالتزام بما تضمّنته النصوص الشرعية، واستفادة المبلِّغ من التقنيات والوسائل الحديثة والطرق المبتكَرة في التأثير على الآخرين وإفادتهم.

(مجلّة الإصلاح): ما هي أهمّ أدوات ووسائل التبليغ الإسلامي في الوقت الحاضر، والتي تتناسب مع حجم ونوع الهجمات المعرفية والأخلاقية والتربوية على التشريع الإسلامي؟

(السيّد الحكيم): عادة ما تعتمد العملية التبليغية على طريقين:

الطريق الأول: هو المبادرة بالتبليغ ونشر التعاليم والمفاهيم الدينية.

الطريق الثاني: هو الطريق الدفاعي، من خلال معالجة الشبهات والتساؤلات والإثارات المطروحة.

أمّا الوسائل الموجودة الآن في عصرنا فهي تتوزَّع على عدّة طرق:

الأول: المنبر الحسيني.

الثاني: جلسات تفسير القرآن الكريم.

الثالث: الدورات التثقيفية للشباب والتي تجرى الآن في كثير من البلدان.

الرابع: الدراسات الجادّة في الحوزات العلمية أو الجامعات، وتتبعها الدراسات التخصّصية.

الخامس: المقابلات في وسائل الإعلام الإذاعية والتلفزيونية والصحف.

السادس: الكتب والمؤلَّفات.

هذه هي أهمّ الوسائل المتاحة الآن للتبليغ. بالطبع هناك بعض الوسائل تطوَّرت كوسائل الإعلام، فدخل الإنترنت والقنوات الفضائية، ولكنّها تبقى في إطار وسيلة إعلام.

طبعاً، هناك شيء قد يكون مغفولاً عنه وقد أكَّدته النصوص الدينيّة، وهو خلق القدوة الصالحة، فإنّ تأثيرها قد يفوق تأثير كثير من الوسائل الأُخرى؛ لأنّ القدوة الصالحة في المجتمع يمكن أن تكون ارتكازاً لذلك المجتمع، فيكون دعوة صامتة لأبناء ذلك المجتمع للتأثر بسلوك هذا الشخص القدوة، فعندما يكون الإنسان قدوة صالحة في المجتمع فإنّ نفس سلوكه والتزامه بالتعاليم هو تبليغ، ويعطي مصداقية للفكرة أو المفهوم الذي يلتزمه، فهذا لا بدّ من المحافظة والتأكيد عليه.

نعم، يبقى مَن الذي يخلق القدوة الصالحة؟ الجواب: مجموعة من الأنشطة، منها: البيت، فإنّ له أثراً كبيراً حيث يوفِّر بذرة صالحة للتأثر الإيجابي. ومنها: المجتمع؛ لأنّه بيئة يتأثّر بها الإنسان عادة. ومنها: الأُستاذ، والمؤسّسة التعليمية التي تتصدَّى بشكل مباشر للتوجيه والتربية والتعليم والتبليغ.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيد، إنّ من أهم وسائل التبليغ الديني هو المنبر الحسيني، برأيكم ما هي أهم التحديات التي تواجهه؟

(السيّد الحكيم): هناك أُمور اختصّ بها المنبر الحسيني، منها: القداسة التي مزجت به؛ إذ إنه منسوب إلى الإمام الحسين سيد الشهداء علیه السلام ، وفي نفس الوقت هو القناة التي تؤبن الإمام الحسين علیه السلام وشهداء كربلاء، وهذا الأمر أعطاه منزلة ومقاماً في قلوب الناس. ومن خصوصياته أنّ له أصالة تاريخية، وله جذوراً في أعماق الماضي، فهو يحمل في أوراقه تاريخاً عريقاً فيه أنواع القيم والمبادئ. ومنها أنه مع كل هذا القدم ما زال حاضراً ومؤثراً وهادياً، وهذه الخصائص جميعاً تعدّ مصدر قوة وميزة للمنبر الحسيني على سائر وسائل الإعلام، مع ذلك فإن هناك تحديات تواجه هذا الجهاز الإعلامي

الضخم، ولعل من أهمها تنوع وسائل الإعلام الحديثة، وما فيها من مرغبات وبهارج.

من هنا، لا بدّ من تطوير المنبر في أُسلوب العرض، وأُسلوب ترتيب أولويات نقل وعرض المعلومات، وكذا الإصلاح في لغة الخطاب وتطوير المصطلح؛ فإن فن البيان علم متطور متجدد، فلا بدّ من التجديد في المنبر في هذه الموارد.

طبعاً كل ذلك مع الحفاظ على هوية وتاريخ وانتساب المنبر؛ فمن الخطأ قطع المنبر عن ماضيه، بل إن وظيفة المنبر ورسالته تقتضي الحفاظ على ذلك؛ لأن وظيفته دينية قدسية، فالدين أمر يعم الماضي والحاضر والمستقبل، فكذلك المنبر الحسيني الذي هو أهم وسيلة للتبليغ الديني.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيّد، يُتداول بين بعض المتشبِّثين بالحداثة والمعاصرة بأنّ التبليغ السائد في الأوساط الإسلامية غير نافع، بل هو هدر لأوقات الآخرين، فما هو رأيكم بهذا الكلام؟

(السيّد الحكيم): بعض المستشكلين أولوياتهم تختلف عن أولويات المبلِّغ والمجتمع، بعض الناس باعتباره لا يرى للتديّن أهمّية بالغة وينظر إليه نظرة ثانوية جدّاً، أو أحياناً قد تختلط عليه المفاهيم الدينيّة، فمن الطبيعي أنّه يزهد بالجهد التبليغي المنصبّ على تثبيت المفاهيم والتعاليم الدينيّة في نفوس المجتمع، وربّما بعض الإشكالات منشؤها هذا، وطبيعي أنّ الشخص غير المؤمن بفكرة معيّنة أو بمنظومة تعاليم معيّنة، يجد بأنّ الجهد المبتني على نشر هذه المنظومة وهذه التعاليم جهدٌ غير مثمرٍ وغير نافع، وهذا الخلاف مع مثل هؤلاء هو خلاف عقائدي ومبنائي، ولا يقتنعون إلّا باقتناعهم بالأصل، هذا جانب.

جانب آخر من الإشكاليات المطروحة هي إشكاليات لها واقعية؛ باعتبار أنّنا لا نستطيع إنكار بأنّ هناك ضعفاً في بعض جوانب الخطاب التبليغي والتوجيهي، فكثير من الخطابات عاطفية انفعالية بعيدة عن الواقع الملموس، كثير من المتكلِّمين الذين يتحدَّثون في هذا المجال التبليغي وينشطون فيه لا تجد في خطابهم تركيزاً على أولويّات المجتمع الذي يتحدَّث فيه ويعاشره، وعليه يكون جانب من هذه الإشكالية صحيحاً وآخر غير صحيح.

وما أُريد أن أقوله: مبدئياً أنا أتصوَّر بأنّ العالَم اليوم لا يقبل الأحكام التعميمية ولا يستسيغها، فلا يستطيع أحدٌ أن يحكم على جهد شريحة كاملة بالنجاح أو الفشل بحكم واحد، فتعميم الحكم بأنّ هذا الجهد التبليغي غير ناجح وفاشل إلى غير ذلك، باعتقادي أنّه مجانب للواقع. نعم، نستطيع أن نقول بأنّ بعضه كذلك.

وإلّا فكيف استطاعت مجتمعات إسلامية - من الناحية الواقعية - أن تتماسك بنحو ما، على اختلاف درجاتها، وأن تحفظ هويّتها أمام هذه الهجمة والغزو الثقافي الهائل الذي بدأ منذ أكثر من قرن؟! فكيف استطاعت ذلك لو لم يكن هناك جهدٌ تبليغي على ضعفه وعلى السلبيات المتوفّرة فيه، الذي لولاه لذابت هذه المجتمعات في ثقافات أُخرى بسبب عدم وجود نشاط تبليغي حقيقي فيها، كما وُجِدَت نماذج من مجتمعات إسلامية ذابت في ثقافات أُخرى.

إذن، لا نستطيع أن ننكر أهمية النشاط التبليغي ودوره الفاعل في حفظ هوية المجتمعات وفي توجيهها. نعم، هناك نقاط ضعف وهناك سلبيات وتلكّؤات، وهناك مجالات كثيرة تحتاج إلى تطوير، من خلال الاستفادة من التطوّر الحضاري المعاصر، فهذا كلّه صحيح ويُفتَرض السعي الجاد بهذا الاتجاه.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيد، لا شك في أنّ الخطابة الحسينية والتبليغ الحسيني أثبت وعلى طول مسيرته أنه من أنجع الوسائل التبليغية وأكثرها نفعاً في إيصال الرؤى الإسلامية الحقة وترسيخها في أذهان المسلمين، فكيف تقيّمون الأداء الإجمالي للخطابة الحسينية؟ وما هي بنظركم الخطوات الواجب اتباعها للوصول بالتبليغ الحسيني إلى مراحل متقدمة من التكامل والتطوّر؟

(السيّد الحكيم): لا يخفى أن واقعة عاشوراء وما جرى فيها من أحداث مأساوية هزّت الضمير الإنساني، إلى جانب القيم المعنوية الراقية والمفاهيم الإسلامية التي جسدت فيها، مثّلت مدرسة من العطاء الفكري والمعنوي والقيمي لا حدود له، كما أن السمو المعنوي لعاشوراء الحسين علیه السلام ، وتنوّع عناصرها المعرفية لا زال يدهش كل مَن يسمعه ويأخذ بمجامع قلبه ولا يملك معه السامع إلّا أن يكون بكله آذاناً صاغية،

فهيّأت هذه الثنائية - وفرة العطاء الفكري والمعنوي لعاشوراء واندفاع السامع وإصغائه لكل ما يرتبط بها - لظهور أنجح عملية دعوية وأفضل ممارسة تبليغية في تاريخ البشرية تفتقر إليها الثقافات والأديان الأُخرى، واعترف بنجاحها كثير من العلماء والمفكرين من غير المسلمين، واستطاعت على مرّ التاريخ أن تحفظ لنا خط أهل البيت علیهم السلام - الذي هو جوهر الإسلام وروحه - من التحريف أو الاندراس رغم ما تعرّض له من محن وشدائد. ولكن تبقى هذه العملية في بعض جوانبها جهداً بشرياً يعتريه النقص ويلازمه الخطأ في بعض الأحيان، فشابت عملية التبليغ الحسيني بعض الإخفاقات على صعيد المحتوى والممارسة، ففي جانب المحتوى والمضمون نجد في بعض الأحيان تُقدّم مادة تبليغية غير مناسبة لاحتوائها على بعض القضايا غير العلمية أو قد تقترب أحياناً من حدّ الخرافة والأُسطورة مع أنّ الخزين الإسلامي والتراث الديني والنهضة الحسينية في غنًى عن ذلك، أو قد تكون المادة لا تناسب مقتضى الحال من الزمان أو المكان أو المتلقّي، فلكل مقام مقال، وليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال يناسب كل حال، وقد روي عن النبي صلی الله علیه و اله أنه قال: «كلِّموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!»(1). وعنه صلی الله علیه و اله أيضاً: «ما أنت محدث حديثاً لا تبلغه عقولهم إلّا كان على بعضهم فتنة»(2).

وعلى صعيد الممارسة، فهناك توجد بعض الملاحظات على أداء بعض الخطباء والمبلغين الذين قد يخرجون عن الغايات والأهداف السامية للخطابة والتبليغ الحسيني إلى البحث عن مكاسب دنيوية زائلة أو الدخول في خلافات وصراعات جانبية فئوية أو شخصية تؤدي بالخطيب إلى الفشل في مهمته. وهي حالات قليلة.

ولدفع عجلة هذه المسيرة الإلهية المباركة ينبغي بذل مزيد من الاهتمام من قِبل الجهات الدينية العليا بالتبليغ الحسيني وتطوير المراكز العلمية المتخصصة بهذا الجانب، وفتح مراكز أُخرى تهتم بالجانب المعنوي والمعرفي.


1) النمازي الشاهرودي، علي، مستدرك سفينة البحار: ج 7، ص 366.

2) الريشهري، محمد، ميزان الحكمة: ج 1، ص550.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيد، بعد أن فرغنا من الكلام عن عملية التبليغ نتحوّل إلى الشخصية التي تحمل على أكتافها أعباء هذه المهمّة وهو ما يُعبَّر عنه بالخطيب الإسلامي، أو المبلِّغ الديني، وما نطرحه في هذا الصدد هو: ما هي الخصائص والصفات العامة التي يلزم على المبلِّغ أن يتحلّى بها لكي يتأهّل لهذا المنصب؟

(السيّد الحكيم): هناك عدّة أُمور يُفتَرض بالمبلِّغ أو الخطيب أن يتحلّى بها على اختلافٍ في تفاصيلها:

الأمر الأوّل: أن يكون مؤهَّلاً من الناحية الشخصية، كأن يكون على مستوى مقبول من الأُسلوب الخطابي، والصوت إذا كان خطيباً، والقدرة على البيان والسيطرة على اللغة وغير ذلك.

الأمر الثاني: أن يكون على مستوى علمي مقبول ينسجم مع المخاطَب، فليس بالضرورة أن يكون متخصِّصاً إذا كان في مجتمع محدود المعرفة، حيث يكفي أن يكون مستواه منسجماً مع مستوى المجتمع الذي يتحدَّث إليه، وأن لا يُقحِم الخطيب أو المبلِّغ نفسه - إذا كان محدود المعرفة - في مجتمع أعلى منه معرفة وعلماً؛ لأنّه سوف يوقعه في مطبّات كثيرة.

الأمر الثالث: لا بدّ أن يكون الخطيب ذا معرفة متنوِّعة تؤهّله للخطابة - على ما هو متعارف عليه - في مجالات متعدّدة: في الفقه، والعقائد، والقرآن الكريم، وعلوم العربية، بحيث لا تكون أخطاؤه فاحشة تُسقِطه أمام أعين الآخرين عندما لا يجيد استخدام المفردات بالشكل الصحيح. هذه المعلومات الأساسية الذي يحتاجها كمستوى علمي صرف.

الأمر الرابع: معرفته لطبيعة وواقع واهتمامات المجتمع الذي يخاطبه؛ حتّى لا يتحدَّث عن أمرٍ غريب وبعيد عن اهتمامه، فلا يجد الأُذن الصاغية له، حيث المجتمع مشغول بأُمور وأولويّات أُخرى غير ما يتحدَّث عنه، فليس من المقبول اليوم في العالِم

أو الخطيب أن يذكر أمثلة حتى على مستوى الاستشهاد وهي أمثلة غير واقعية؛ وذلك بسبب بعده عن الواقع.

الأمر الخامس: أن يكون صادقاً في خطابه حتى يكسب ثقة الجمهور والمخاطبين، وإلّا إذا لم يشعر المجتمع بأنّ الخطيب صادق وأنّه يبالغ ويتحذلق أمامهم إلى غير ذلك، فإنّ جُلّ مواهبه سوف تذهب سُدى.

هذه هي أساسيات ما يحتاجه المبلِّغ عندما يؤدّي وظيفته ومهمّته التبليغية حتى يكون كلامه مؤثراً في الآخرين.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيّد، هل هناك سقف تعليمي محدّد في المؤسسات الدينية للمبلِّغ المعاصر على أساس يؤهّله للتصدّي إلى هذه المهمّة الجسيمة؟

(السيّد الحكيم): لا أعتقد بأنّ هناك سقفاً يُشكِّل محدودية لمن لم يبلغ ذلك السقف. نعم، يحتاج - إذا افترضنا على مستوى طالب العلم - أن يكون على مستوى ولو محدود من العلم والثقافة إذا كان يؤدّي وظيفته في مجتمع محدود الثقافة، بحيث يكون منشأً لاستفادة المخاطَب منه، وأمّا إذا كانت الشريحة التي يخاطبها المبلِّغ شريحةً مثقَّفة متعلِّمة على مستوى عالٍ من التعليم، فمن الطبيعي أنّه يحتاج إلى مستوى علمي رفيع؛ حتى لا يتخبّط أمامهم، ويستطيع أن يؤثّر فيهم وينفعهم.

وهناك نكتة أُخرى لا بدّ أن نشير إليها وهي: أنّ المبلِّغ الذي يظهر في وسائل الإعلام يحتاج إلى كفاءة في هذا المجال أيضاً بالإضافة إلى معلوماته وثقافته في مجال الإعلام، حتّى يكون قادراً على الظهور في وسيلة الإعلام ولا يكون ضعيفاً فيها، وله مؤهّلاته وخبراته.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيّد، ما هي أهم العلوم والمعارف التي ينبغي للمبلِّغ أن يقف عليها ويعطيها الأولوية في التبليغ؟

(السيّد الحكيم): بالنسبة للمؤهّلات فقد تحدّثنا عنها في إحدى الأسئلة السابقة،

ولكن بالنسبة لخطابه إلى الجمهور فهناك ثقافة دينية عامّة يُفتَرض أن يذكِّر الخطيب أو المبلِّغ جمهوره بها، وهي القرآن الكريم، والعقائد، والفقه، والمعايير والقيم الأخلاقية التي يفترض أن لا تخلو منها المجالس أو المنابر التثقيفية، هذا كمبدأ عام.

أمّا تحديد الأولويات والتركيز على مجال دون مجال فهذا يتبع الظروف، فقد تشيع شبهات في مجتمع فيُفتَرض بالمبلِّغ أن يركِّز على معالجة تلك الشبهات، وقد تكون في المجتمع مشاكل وتحدّيات أخلاقية واجتماعية فيُفتَرض على الخطيب والمبلِّغ أن يركِّز على ذلك. هذه الأولويّة وطبيعة الحيِّز الذي يشغله كل مجال يتبع الظرف وخصوصية كل مجتمع.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيّد، كما تعلمون أنّ المبلِّغ دخل في الجانب الإعلامي ووسائل الإعلام، فما هي الضوابط التي على أساسها يتعاطى المبلِّغ مع وسائل الإعلام؟

(السيّد الحكيم): هناك مبدأ عام هو أن يكون مؤهَّلاً من الناحية الفنّية والعلمية والثقافية، وهذا ما أشرنا إليه قبل قليل؛ لأنّ مخاطبه جمهور عريض لا يقتصر على مجلس معيَّن أو حضور معيَّن، فقد تستمع إليه ثقافات ومستويات مختلفة، بل حتى مَن لا يريد أن يُخاطَب فإنّه يستمع إليه، وتُسجَّل عليه نقاط ضعف، فالمبلِّغ إذا ظهر في وسيلة إعلام لا يستطيع أن يسيطر على المجال الذي يصل إليه خطابه، وعليه لا بدّ لمن أراد الظهور في وسيلة إعلام أن يكون على قدر كافٍ من المسؤولية بحيث يستوعب تناقضات الشرائح التي يصل إليها خطابه، وأن لا يمسّ شريحة دون أُخرى، وأن لا يقع في مشاكل مع شريحة دون أُخرى.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيّد، هل تجدون أنّ هناك أُموراً ضرورية تخصّ المبلغ الحسيني في ظل هذا التطور والتنوّع الهائل في وسائل الاتصال والتواصل والتبليغ، مضافاً إلى ما تفضلتم به؟

(السيّد الحكيم): في الواقع إن الخطيب والمبلّغ الحسيني لا يختلف كثيراً عن أيّ

داعية ومبلغ إسلامي آخر من جهة التحلي بالمؤهلات العلمية والثقافية، ومراعاة تنوع المخاطبين وتعدد الثقافات، وما إلى ذلك، ولكن هناك خصوصيات أُخرى يحملها المبلغ الحسيني كونه يعرض على المخاطبين فكر ومنهج أهل البيت علیهم السلام ، فهو يقدم نفسه ويبدي انتماءه إليهم وإلى خطهم هيئة ومضموناً، فتتضاعف عليه المسؤولية، ويتوجب عليه توخيّ أقصى درجات الحيطة والحذر وهو يعلم أنّ صوته يبلغ إلى مديات بعيدة، فينبغي أن يعرض الإسلام الأصيل المتمثّل بسَمْت أهل البيت علیهم السلام وهديهم، وعلومهم، ومحاسن كلامهم، فعن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا علیه السلام يقول: «رحم الله عبداً أحيا أمرنا، فقلت له: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلّمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا»(1).

كما أن تجنّب الإثارات والدخول في مناكفات وصراعات دينية ومذهبية، والابتعاد عن الأُسلوب الحاد والكلام النابي، تعدّ من سمات المبلّغ الحسيني الناجح في عمله، فإن اللجوء لمثل هذه الأُمور هو جهد العاجز الذي تعوزه الحجة والمنطق.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيد، ننتقل إلى دور المرأة في التبليغ الإسلامي، هل ترون أنّ هناك نقصاً في التبليغ النّسوي وأنّه لا يرتقي إلى المستوى المطلوب؟

(السيّد الحكيم): طبعاً بالتأكيد، وخصوصاً في المجتمع العراقي؛ بسبب تراكم الأعراف والظروف الصعبة التي مرَّ بها الشعب العراقي، والتمييز والتهميش والإبادة الطائفية إبان عقد الدكتاتورية في عهد النظام السابق، فمن الطبيعي أنّ المجتمع الذي يمرّ بهذه الظروف الصعبة يواجه مشاكل كثيرة تنعكس جملة منها على المرأة؛ لأنّها الطرف الأضعف في المجتمع، فهذا النقص واضح وملحوظ.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيّد، ما هي التحدّيات الفعلية للتبليغ النّسوي؟

(السيّد الحكيم): التحدّيات الفعليّة بالدرجة الأساس هي: الأعراف، فالأعراف


1) الصدوق، محمد، عيون أخبار الرضا علیه السلام : ج 1، ص 275.

تحدّ وتُضيِّق كثيراً من الفرص التي تُتاح للمرأة. والأمر الثاني: مشاغل المرأة الخاصة، مثل: مشاكل الحمل، والأولاد، وإدارة البيت وغير ذلك، وهذه بحدّ ذاتها مهمّة شريفة أيضاً، لا نقلّل من أهمّيتها، ولكنّها من الناحية الواقعية أيضاً تحدّ من نشاط المرأة أحياناً، فعلى كل حال يفترض السعي الجاد لتنشيط المجال التبليغي النّسوي.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيد، هل هناك آليات محدّدة للتبليغ النّسوي؟

(السيّد الحكيم): الآليات العامة تشترك فيها النساء مع الرجال، نعم لا بدّ أن تهتم المرأة بمعالجة مشاكل النساء أكثر من اهتمامها بالمعالجات العامة للمجتمع؛ لأنّ المعالجات العامة يستطيع الرجال أن يقوموا بها، والمشاكل الخاصّة بهم هم الذين يتصدّون إليها، فيبقى المجال النّسوي الذي يُفتَرض بالنساء أنفسهنّ وبالمرأة المبلِّغة أن تتصدّى له أكثر ممّا تتصدّى لشأن آخر، طبعاً من دون أن تقتصر على ذلك، بل لا بدّ أن تهتم بالشأن العام أيضاً؛ لأنّ المجتمع متداخل ويؤثّر بعضه على بعض.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيّد، ننتقل إلى المبلَّغ إليه، نودّ أن نضع النقاط على الحروف بخصوص الشريحة التي تتلّقى التبليغ وتُعنى به من خلال الأسئلة التالية التي تعرَّضنا لها سابقاً، فما هو التكليف الذي رسمته النصوص الشرعية للناس تجاه هذه المهمّة الهادية لهم؟

(السيّد الحكيم): بالدرجة الأساس يُفتَرض بأن يعي المجتمع بأنّ هذا الخطيب كمّا يؤدّي وظيفته فالمجتمع - أيضاً - عليه أن يؤدّي وظيفته في الاستماع إليه والانتفاع منه؛ لأنّ المفروض في المبلِّغ أن يتحدَّث بما يهمّ المجتمع من الناحية الدينية والأخلاقية واستقراره العام، فهي مسؤولية عامّة، وعلى الجميع أن يتثقف بثقافة دينه وأن يحافظ على هويَّته وهويّة أُسرته، فيشعر بأنّ حضوره هو جزء من المسؤولية الملقاة عليه، والمبلِّغ لا يحمّله شيئاً خارجاً عن مسؤوليّته، فهو ليس ممتنّاً على المبلِّغ أن يحضر في المجلس وأن يستمع إليه،

وإنّما هو جزء من مسؤوليّته، خصوصاً أنّ الله تعالى قد جعل هذه الحياة دار فتنة ودار ابتلاء واختبار، وجعلها جسراً للآخرة: «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ *وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ »(1).

فإذن، يُفتَرض على كل مسلم أن يعي أنّ بإمكانه أن يواجه اختبارات، وعليه أن يُحصِّن نفسه أمام هذه الاختبارات والابتلاءات المتنوِّعة؛ باعتبار أنّ الحياة ابتنت على ذلك، فحضوره في المجلس التبليغي أو مساهمته في النشاط التبليغي واستماعه للمبلِّغ هو ممّا يُحصِّنه أمام الاختبار ويؤهِّله إلى النجاح فيه، فهي مسؤولية كبيرة. هذه هي النقطة الأُولى.

النقطة الثانية: أن يُثمِّن دور المبلِّغ (المبلِّغ الصادق في تبليغه) الذي يبلِّغ على أساس تحمّل المسؤولية مع شكره على الوظيفة والمهمّة التي يقوم بها، وشكره يكون بتكريمه وبتطبيق ما يدعو إليه؛ لأنّ الإنسان عندما يبذل جهداً فهو يريد من الطرف الآخر أن لا يُضيِّع جهده، فعلى سبيل المثال: المدرِّس عندما يبذل جهداً على طلبته، فشُكْر الطلبة للمدرِّس يكمن بالدرجة الأساس في حفظ جهد المدرِّس بتفوِّقهم، حتى لا يشعر المدرِّس بأنّ جهده قد ضاع. فيُفتَرض بأبناء المجتمع أن يتفاعلوا مع ما يسمعونه ويتلقّونه من المبلِّغ حتى لا يضيع جهده. هذه مسؤولية عامّة على المجتمع، ولا تقتصر على شخصٍ دون آخر.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيّد، في الختام نريد أن نسمع منكم كلمة أخيرة حول التبليغ والمبلِّغين؟

(السيّد الحكيم): من خلال ما تضمَّنته الأسئلة اتضحت بعض المعالم. فالتبليغ وظيفة شريفة ومسؤولية ثقيلة لا ينبغي لأحدٍ أن يستصغرها ويستهين بها، خصوصاً في هذا العصر، حيث تتشابك الثقافات، فيُنتَظر من المبلِّغ الإسلامي أن يقدِّم شيئاً


1) العنكبوت: آية2- 3.

نافعاً حتّى تتحصَّن الأُمّة والمجتمع الإسلامي من المؤثِّرات الخارجية التي قد تخترقه، ولا بدّ أن يشعر أنّ هذه مسؤولية مهمّة ضحّى من أجلها الأنبياء والأئمّة والشهداء والصالحون، وليست هي مسألة ثانوية يمكن أن يتعامل معها الإنسان بتعامل هامشي، فهي مسألة أساسية بُذِل من أجلها الكثير من التضحيات والدماء الزكية.

(مجلّة الإصلاح): سماحة السيّد، نتقدَّم إليكم بالشكر الجزيل ونشكركم على إتاحة هذه الفرصة وجزاكم الله خيراً.

(السيّد الحكيم): أنا بدوري أيضا أتقدّم إليكم بالشكر الجزيل، وأسال الله لكم التوفيق والسّداد في هذه المهمّة المباركة.

منطلقات النهضة الحسينية وخلفياتها

القسم الثالث : (الإمام الحسين(ع) التحدي الأبرز للمشروع الأُموي)

السيّد محمد الشوكي

السيّد محمد الشوكي(1)

تمهيد

تحدَّثنا في القسم الثاني من هذا البحث عن مشروع توريث الحكم ليزيد بن معاوية، والعقبات التي واجهت هذا المشروع، وكيف جهد معاوية في الالتفاف عليها وتذليلها. ونريد في هذا القسم - إن شاء الله تعالى - أن نمرَّ على موقف الإمام الحسين علیه السلام من معاوية، وطبيعة هذا الموقف واستحقاقاته.

موقف الإمام الحسين علیه السلام من معاوية

عايش الإمام الحسين علیه السلام مسار الخلافة بعد النبي صلی الله علیه و اله منذ مؤتمر السقيفة وحتى تولّي معاوية للسلطة، وكان يعرف كلّ ظروفها وملابساتها، ويُدرك خطورة النتيجة التي


1) باحث وكاتب إسلامي.

أفضت إليها بتربُّع معاوية بن أبي سفيان على العرش، ويُدرك كذلك ضرورة الوقوف بوجه المدّ الأُموي واجتثاث هذه الشجرة الخبيثة، وعدم السماح لها بأن تستطيل وتتفرَّع، وهذا هو العهد الذي قطعه أبوه علي علیه السلام على نفسه كما عرفنا، ولم تمهله المَنيّة لإنجاز ذلك.

ولكن المعادلة اختلفت بعد شهادة أمير المؤمنين علیه السلام ، ممّا اضطرَّ الإمام الحسن علیه السلام لمهادنة معاوية، وكان الحسين علیه السلام منسجماً مع رؤية الإمام الحسن علیه السلام في ذلك، وتصريحه بأنّه كارهٌ للصلح لا يوحي بغير ذلك كما يتوهّم بعضٌ، فإنّ الحسن علیه السلام لم يكن محبَّاً للصلح، وإنّما كان محبِّاً لجهاد معاوية، كارهاً لمهادنته، ولكنّ الصلح كان خياراً صعباً، وكأساً مُرّاً تجرَّعها علیه السلام .

وقد ظلّ الحسين علیه السلام كما هو أخوه الحسن علیه السلام ملتزماً بعقد الصلح ولم يفكِّر بالثورة، على رغم الدعوات الكثيرة التي كان يتلقّاها من شيعته وشيعة أبيه. فبعد أن تمّ الصلح مع معاوية، وعدم التزام معاوية ببنوده، جاء حجر بن عدي رحمة الله إلى الحسن علیه السلام يطلب منه أن ينقض الصلح، وأن يعيدها عليهم جذعة، فأبى أن يجيبه إلى ذلك، عندها تركه وجاء إلى الحسين علیه السلام مع عبيدة بن عمرو، وقال له: «أبا عبد الله، شريتم الذلّ بالعزّ، وقبلتم القليل وتركتم الكثير، أَطِعْنا اليوم واعصِنا الدهر، دع الحسن وما رأى من هذا الصلح، واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها، وولّني وصاحبي هذه المقدّمة، فلا يشعر ابن هند إلّا ونحن نقارعه بالسيوف». فقال الحسين علیه السلام : «إنّا قد بايعنا وعاهدنا، ولا سبيل إلى نقض بيعتنا»(1).

وهكذا جاء إليه جندب بن عبد الله الأزدي، والمسيب بن نجبة الفزاري، وسليمان بن صرد الخزاعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وطلبوا منه نفس الطلب، فأجابهم بالقول: «هذا ما لا يكون ولا يصلح»(2).


1) الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص220.

2) البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج3، ص149.

وبعد استشهاد أخيه الحسن علیه السلام ، تصاعدت الدعوات من أهل الكوفة له، تدعوه لمناوأة معاوية والخروج عليه، ولكنّه ردّ عليهم قائلاً - كما في أنساب الأشراف -: «قد كان صلحٌ وكانت بيعةٌ كنتُ لها كارهاً، فانتظروا ما دام هذا الرجل حيّاً، فإن يهلك نظرنا ونظرتم... ليكن كلّ امرئ منكم حلساً من أحلاس بيته، ما دام هذا الرجل حيّاً، فإن يهلك وأنتم أحياء، رجونا أن يخيّر الله لنا ويؤتينا رُشدنا»(1).

وروى الدينوري أنّ أهل الكوفة كتبوا له بعد شهادة أخيه كتاباً جاء فيه: «فأقدم علينا فقد وطَّنّا أنفسنا على الموت معك». فكتب إليهم: «أمّا أخي، فأرجوا أن يكون الله قد وفَّقه وسدَّده فيما يأتي، وأمّا أنا فليس رأيي اليوم ذلك، فالصقوا - رحمكم الله - بالأرض، واكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنة ما دام معاوية حيّاً، فإن يُحدث الله به حدثاً وأنا حيّ كتبت إليكم برأيي، والسلام»(2).

وقال ابن عساكر: «وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين بن علي يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كلّ ذلك يأبى، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية فطلبوا إليه أن يخرج معهم فأبى، وجاء إلى الحسين فأخبره بما عرضوا عليه. وقال: إنّ القوم إنّما يريدون أن يأكلوا بنا ويشيطوا دماءنا»(3).

وقد كثر تردّد العراقيين وبعض الشخصيّات الحجازية على المدينة، ولقاؤهم بالإمام الحسين علیه السلام ؛ ممّا أثار شكوك السلطات في المدينة، فأرسلتْ تقريراً إلى العاصمة تخبرهم بالاجتماعات المريبة التي تجمع الحسين علیه السلام مع بعض الشخصيّات من أماكن مختلفة. يقول البلاذري: «وكان رجال من أهل العراق وأشراف أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين يجلّونه ويعظِّمونه، ويذكرون فضله، ويدعونه إلى أنفسهم، ويقولون: إنّا لك عضد ويد. ليتّخذوا الوسيلة إليه، وهم لا يشكّون في أنّ معاوية إذا مات لم يعدل الناس بحسين أحداً.


1) المصدر السابق: ص150.

2) الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص222.

3) ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص205. وأضاف ابن كثير: «ويستطيلوا بنا»، البداية والنهاية: ج8، ص175.

فلمّا كثر اختلافهم إليه، أتى عمرو بن عثمان بن عفّان مروانَ بن الحكم - وهو إذ ذاك عامل معاوية على المدينة - فقال له: لقد كثر اختلاف الناس إلى حسين، والله، إنّي لأرى أنّ لكم منه يوماً عصيباً. فكتب مروان ذلك إلى معاوية»(1).

ويروي الدينوري أيضاً أنّ مروان بن الحكم كتب إلى معاوية يُعلِمه «أنّ رجالاً من أهل العراق قدموا على الحسين بن علي وهم مقيمون عنده، يختلفون إليه، فاكتب إليَّ بالذي ترى»(2).

وكذلك روى ابن عساكر أنّه كتب إلى معاوية يقول: «إنّي لست آمن أن يكون حسين مرصداً للفتنة، وأظنّ يومكم من حسين طويلاً»(3).

موقف معاوية من الحسين علیه السلام

لقد كانت التقارير تتوالى على معاوية من قِبَل مروان بن الحكم وغيره، تُخبره بتلك الاجتماعات المريبة للسلطة، وأنّه يُخطِّط لأمرٍ ما، وإذا لم تقم السلطات بعملية استباقية، فسوف يكون من الصعب عليها أن تستوعب الضربة التي سيُفاجئها بها.

لكن معاوية لم يستجب لطلبات مروان؛ إمّا لأنّه كان يرى أنّ هذه التقارير مبالغ فيها، وهو يعرف جيّداً حقد مروان تجاه أهل البيت علیهم السلام ، والذي قد يدعوه إلى المبالغة في مثل هذه الأُمور، كما يظهر من بعض كُتُب معاوية إلى مروان؛ حيث قال له: «لا تعرض للحسين في شيء، فقد بايعنا، وليس بناقض بيعتنا، ولا مخفر ذمتنا»(4)أو لأنّه كان يرى - وهو ما نرجِّحه - أنّ من الأفضل عدم الاصطدام بالحسين علیه السلام حتى مع تلك التحرّكات الطفيفة، ما دام لم يُقدِم على عمل مناوئ للسلطات؛ لأنّ التعرّض له سيفتق عليهم فتقاً يصعب رتقه، ويُثير أمامهم مشاكل هم في غنًى عنها. وهذا الثاني أيضاً تؤكِّده بعض


1) البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج3، ص152.

2) الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص224.

3) ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص205.

4) الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص224.

الأخبار، حيث روى البلاذري أنّ معاوية ردَّ على تقارير مروان تلك قائلاً: «اترك حسيناً ما تركك، ولم يُظهر لك عداوته ويُبد صفحته، واكمن عنه كمون الثرى»(1).

ويروي بعض المؤرِّخين أنّ معاوية حاول أن يستشير بعض النافذين من بني أُميّة في كيفية التعاطي مع الحسين علیه السلام ، فقد روى العسكري في الأوائل: «قدم معاوية حاجّاً في عام واحد وخمسين، وأذن لمروان، وقال: أشر عليَّ في أمر الحسين. قال له: أرى أن تُخرجه معك، فتقطعه عن أهل العراق، وتقطعهم عنه. قال: أردت - والله - أن تستريح منه، ونحمل مؤنته على أن ينال منّي ما ينال منك، فإن انتقمت قطعت رحمه، وإن صبرت صبرت على أذاه. ثمّ أذِنَ لسعيد بن العاص، فقال: أشر عليَّ في أمر الحسين. قال: أرى أنّك لا تخافه على نفسك، وإنّما تخافه على مَن بعدك، وأنت تدع له قريناً إن قاتله قتله، وإن ماكَرَه ماكَرَه، فاترك حسيناً بمنبت النخلة، يشرب من الماء ويذهب في الهواء، لا يبلغ عنان السماء. قال [له معاوية]: أصبت، لأخبرنّكم عنّي يا بني أُميّة: لن يبرح هذا الأمر فيكم ما عظَّمتم ملوككم، فإذا تمنّاها كلّ امرئ منكم لنفسه، وثب بنو عبد المطلب في أقطارها، وقال الناس: آل رسول الله صلی الله علیه و اله . فكانت الخلافة فيكم كحجر المنجنيق، يذهب أمامه ولا يرجع وراءه»(2).

وفي هذه الوثيقة نرى أنّ رأي مروان كان يقضي بإبعاد الحسين علیه السلام من المدينة إلى الشام؛ وذلك لعزله عن قواعده الجماهيرية، وإبقائه تحت رقابة السلطة، ولكن معاوية رفض هذا الاقتراح؛ وذلك لأنّ وجود الحسين علیه السلام في الشام سيخلق ألف مشكلة لمعاوية، وهو لم يستطع تحمّل أبي ذر، ومالك الأشتر، وآخرين في الشام؛ فأشخصهم منها لما قاموا به من دور في توعية الأُمّة وتعرية معاوية أمام جمهوره.

وأمّا سعيد بن العاص، فقد كان دقيقاً في تحليله السياسي، فإنّه كان يرى أنّ الحسين علیه السلام ليس بوارد الثورة على الحكم الأُموي في زمن معاوية، وإنّما يُخطِّط لما بعد معاوية بن أبي سفيان، فلا حاجة للاصطدام به في الوقت الحاضر. وهذا ما استصوبه معاوية وعمل به.


1) البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج3، ص152.

2) أبو هلال العسكري، الحسن بن عبد الله، الأوائل: ص236- 237.

كما أنّ كلام معاوية فيه اعتراف واضح بأنّ بني هاشم لهم حضورهم القوي في الساحة، وأنّ الناس لا تعدل بهم أحداً إن أُخلِيَت الساحة لهم؛ ولهذا حذَّرهم من الاختلاف فيما بينهم؛ لأنّ هذا سيدعو آل عبد المطلب للوثوب عليهم وأخذ الحكم منهم.

إذن؛ النتيجة التي وصل إليها معاوية - من خلال دراسته للأُمور - تقضي بعدم التعرّض للحسين علیه السلام ما دام لم يقم بتحرّك ميداني مباشر، لكنّه رغم ذلك كان يرسل الكتب التحذيرية للحسين علیه السلام ، يذكِّره فيها بتلك الأخبار التي تصل إليه عنه، ويحذِّره من مغبَّة القيام بأيِّ عمل مناوئ للسلطة، فقد كتب إليه يقول: «أمّا بعدُ، فقد انتهت إليَّ أُمور عنك لست بها حريّاً؛ لأنّ مَن أعطى صفقة يمينه جدير بالوفاء، فاعلم - رحمك الله - أنّي متى أُنكرك تستنكرني، ومتى تكدني أكدك، فلا يستفزنّك السفهاء الذين يُحبّون الفتنة، والسلام»(1). وهذا الكتاب يحمل تحذيراً وتهديداً واضحاً للحسين علیه السلام ، وفي قوله: «فلا يستفزنَّك السفهاء» تعريضٌ واضح بالوفود التي كانت تفد على الحسين علیه السلام ، والكتب التي كانت تصل إليه، وكأنّه يُريد إخباره أنّه على علمٍ بكلّ ما يدور ويجري.

وفي نصّ ابن عساكر والذهبي: «إنّ مَن أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء، وقد أُنبئتُ أنّ قوماً من أهل الكوفة دعوك إلى الشقاق، وأهل العراق مَن قد جرَّبت، قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتَّقِ الله واُذكر الميثاق، فإنّك متى تكدني أكدك»(2).

كما أنّ الإمام الحسين علیه السلام ردَّ على كُتُب معاوية تلك، وبعث له بتطمينات تؤكّد له أنّه ليس في وارد الخروج عليه، وأنّه ملتزم بما تمَّ بينهم(3).

ولكن الحسين علیه السلام - كما روى ابن عساكر، وابن كثير، والذهبي، وغيرهم - أخبره بأنّ كفّه عنه لأجل أنّه لا يرى ذلك الآن، لا لأنّه يرى مشروعية حكم معاوية وعدم جواز جهاده والخروج عليه. ولنقرأ النص كما ذكره ابن كثير: «فكتب إليه الحسين علیه السلام : أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عنّي جدير، والحسنات لا يهدي لها إلّا الله، وما أردت


1) الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص224- 225.

2) ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص205- 206. الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج5، ص6.

3) اُنظر: الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص225.

لك محاربةً، ولا عليك خلافاً، وما أظنّ لي عند الله عذراً في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأُمّة. فقال معاوية: إنّ أثرنا بأبي عبد الله إلّا أسداً»(1).

وفي الكتاب الطويل الذي بعثه إلى معاوية، والذي رواه الطبرسي في الاحتجاج وآخرون - كما سيأتي بعد قليل - يقول: «ولا أعلم نظراً لنفسي وولدي وأُمّة جدّي أفضل من جهادك»(2).

الحسين علیه السلام في خطّ المعارضة

لقد عرفت من هذه الرسائل التي بعثها الحسين علیه السلام لمعاوية أنّه لم يكن يرى أيّة شرعية له، ولا أيّ حرج شرعي في جهاده، وأنّه يرى ولايته أُمور المسلمين أعظم فتنة يمكن أن تمرّ بها الأُمّة: «وما أظنّ لي عند الله عذراً في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأُمّة». وهو يتذكَّر العهد الذي قطعه أبوه على نفسه، من تطهير الأرض من الحزب الأُموي، ومن ذلك الشخص المعكوس، وأراد منهم أن يواصلوا السعي في سبيل ذلك.

ولكن الأُمور تغيَّرت بعد شهادة أمير المؤمنين علیه السلام ، واختلَّت موازين القوى لصالح معاوية بن أبي سفيان، فاضطرَّ الإمام الحسن علیه السلام - تحت ضغط واقع الظرف الموضوعي غير المتوازن، والذي لم يترك له خيارات متعدّدة - أن يهادن معاوية بن أبي سفيان، ويتنازل له عن الحكم، وكذلك فعل أخوه الحسين علیه السلام .

لكن مهادنة معاوية لا يعني في نظر الحسنين علیهما السلام إعطاء الشرعية له بأيّ وجه من الوجوه، حتى وإن فَهِمَ منها بعض الناس ذلك، لكن الواقع لا ينقلب عمّا هو عليه.

من هنا نرى أنّ الإمام الحسين علیه السلام الذي هادن وبايع لا عن رغبة ورضى، ظلَّ يعمل في خطِّ المعارضة للسلطة، ولكنّها المعارضة السلمية التي لا ترفع السلاح.


1) ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص206. الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج5، ص6. والنص في البداية والنهاية «إنّ أثرنا بأبي عبد الله إلّا شرّاً»: ج 8، ص175.

2) الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص21.

في هذه المدّة التي عاشها الإمام الحسين علیه السلام في ظلّ حكومة معاوية، كان يراقب بدقّة كلّ سياسات النظام الأُموي، وكان يسجِّل اعتراضاته على كلّ الانحرافات والممارسات الظالمة التي تقوم بها السلطات الأُموية، ويحاول قدر الإمكان أن يفضح السياسات الأُموية، وينشر غسيلهم الوسخ أمام الناس، ويتحدّاهم بكلّ صراحةٍ وجرأةٍ دون أيّ تحفّظ، فلا تأخذه في الله لومة لائم.

ويكفي - في التدليل - ذلك الكتاب الصاعق الذي كتبه سيّد الشهداء علیه السلام إلى معاوية ابن أبي سفيان، مندِّداً بسياساته الظالمة، ومؤشِّراً على انحرافاته الخطيرة، وهو الكتاب الذي كتبه ردّاً على كتاب معاوية إليه، الذي يحذّره فيه من الفتنة وشقّ عصا الأُمّة، فكتب إليه الحسين علیه السلام قائلاً: «أمّا بعدُ، فقد بلغني كتابك أنّه بلغك عنّي أُمور أنّ بي عنها غنًى، وزعمت أنّي راغب فيها، وأنا بغيرها عنك جدير. أمّا ما رقى إليك عنّي فإنّه رقاه إليك الملّاقون المشّاؤون بالنمائم، المفرِّقون بين الجمع، كذب الساعون الواشون، ما أردت حربك ولا خلافاً عليك. وأيمُ الله، إنّي لأخاف الله عزَّ ذكره في ترك ذلك، وما أظنّ الله تبارك وتعالى براضٍ عنّي بتركه، ولا عاذري بدون الاعتذار إليه فيك، وفي أولئك القاسطين الملبّيين حزب الظالمين، بل أولياء الشيطان الرجيم.

ألستَ قاتل حجر بن عدي أخي كندة وأصحابه الصالحين المطيعين العابدين، كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون المنكر والبدع، ويؤثرون حكم الكتاب، ولا يخافون في الله لومة لائم، فقتلتهم ظلماً وعدواناً، بعدما كنتَ أعطيتَهم الأيمان المغلَّظة، والمواثيق المؤكّدة، لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بأحنة تجدها في صدرك عليهم؟!

أو لستَ قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فصفّرت لونه، ونحلت جسمه، بعد أن أمنته وأعطيته من عهود الله وميثاقه ما لو أعطيته العصم ففهمته لنزلت إليك من شعف الجبال، ثمّ قتلته جرأة على الله، واستخفافاً بذلك العهد؟!

أو لستَ المدَّعي زياد بن سُميّة، المولود على فراش عبيد عبد ثقيف، فزعمت أنّه ابن

أبيك، وقد قال رسول الله: الولد للفراش وللعاهر الحجر. فتركت سنّة رسول الله، واتبعت هواك بغير هدى من الله، ثمّ سلَّطته على أهل العراق، فقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، وصلبهم على جذوع النخل كأنّك لست من هذه الأُمّة، وليسوا منك؟!

أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب إليك فيهم ابن سمية: أنّهم على دين علي ورأيه، فكتبتَ إليه اقتل كلّ مَن كان على دين علي علیه السلام ورأيه، فقتلهم ومثَّل بهم بأمرك، ودين علي والله وابن علي الذي كان يضرب عليه أباك، وهو أجلسك بمجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك لكان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشم الرحلتين اللتين بنا منَّ الله عليكم فوضعهما عنكم؟!

وقلتَ فيما تقول: اُنظر نفسك ولدينك ولأُمّة محمد صلی الله علیه و اله ، واتق شقَّ عصا هذه الأُمّة، وأن تردّهم في فتنة، فلا أعرف فتنة أعظم من ولايتك عليها، ولا أعلم نظراً لنفسي وولدي وأُمّة جدّي أفضل من جهادك، فإنّ فعلته فهو قربة إلى الله، وإن تركته فأستغفر الله لذنبي وأسأله توفيقي لإرشاد أُموري.

وقلتَ فيما تقول: إن أنكُرك تنكرني، وإن أكدك تكدني، وهل رأيك إلّا كيد الصالحين منذ خُلِقت؟! فكدني ما بدا لك إن شئت، فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك، وأن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك، على أنّك تكيد فتوقظ عدوّك، وتوبق نفسك، كفعلك بهؤلاء الذين قتلتهم ومثَّلت بهم بعد الصلح والأيمان، والعهد والميثاق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قتلوا إلّا لذكرهم فضلنا، وتعظيمهم حقّنا، بما به شرفت وعرفت، مخافة أمر لعلّك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا.

أبشر يا معاوية بقصاص، واستعدّ للحساب، واعلم أنّ لله كتاباً لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلّا أحصاها، وليس الله تبارك وتعالى بناسٍ أخذك بالظنة، وقتلك أوليائه بالتهمة، ونفيك إيّاهم من دار الهجرة إلى دار الغربة والوحشة، وأخذك الناس ببيعة ابنك، غلامٌ من الغلمان، يشرب الشراب، ويلعب بالكعاب، لا أعلمك إلّا قد خسرت نفسك، وشريت دينك، وغششت رعيَّتك، وأخزيت أمانتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت

التقيّ الورع الحليم»(1).

وهذا الكتاب كما ترى شاهد ناطق لا يحتاج إلى تعليق، ولكنّ فيه بعض الملحوظات لا بدّ من الوقوف عندها بصورة موجزة.

1- يحذِّر الإمام علیه السلام معاوية في بداية الكتاب من الإصغاء إلى (الملّاقين) المتملِّقين النمّامين الذين يرفعون إليه التقارير الكاذبة حول تحرّكاته، ويخبره أنّه لا يُريد الثورة عليه ومحاربته، لا لأنّه يرى عدم مشروعية ذلك، بل على العكس يخشى مؤاخذة الله تعالى على عدم مناجزته ومحاربته، وإنّما هو الآن ليس في وارد الثورة ضدّه.

2- يُبيِّن له رؤيته للحزب الأُموي، وأنّه لا يزال ينظر إليهم على أنّهم قاسطون حائدون عن العدل، وظالمون، وموالون للشيطان الرجيم، ولم يغيِّر الصلح معه من رؤيته هذه شيئاً.

3- يندِّد بملاحقته للصالحين من الأُمّة، وقتل رجالها وأعيانها بغير جرم؛ إلّا لكونهم من المؤمنين العابدين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والرافضين للبدع وللظلم والجور، كحجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي.

4- التنديد بملاحقته لأولياء علي وشيعته؛ لا لشيء إلّا لأنّهم يوالون أهل البيت علیهم السلام ، من دون أن تبدر منهم بادرة أو يُحدِثوا حدثاً مخالفاً للسلطات، كالحضرميين.

5- التنديد بأدوات القمع الأُموية، وأزلام النظام الذين يسملون الأعين، ويقطعون الألسن، ويصلبون الناس على جذوع النخيل، كما فعل زياد بن أبيه مثلاً.

6- استنكاره لمخالفة معاوية سنّة رسول الله صلی الله علیه و اله ، وإحداثه البدع في شرع الله تعالى، من قبيل: استلحاقه زياد بنسبه؛ لأجل فجور أبيه - أبي سفيان - بأُمّه سمية.

7- تذكيره بأنّه يرى استيلاء الطلقاء على مقاليد الأُمور في الأُمّة أعظم فتنةً يمكن أن تمرّ بها الأُمّة الإسلاميّة.

8- إخباره بأنّه ليس خائفاً منه، ولا من كيده، ولا يعبأ بتهديداته التي يرسلها له بين الحين والآخر.


1) الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص20- 21.

9- إنّه وإن صبر على تلك السياسات، إلّا أنّ ذلك لا يعني أنّه غافل عنها، أو ناسٍ لها، فسوف تظلّ ملاحقة الأولياء، وتشريد المؤمنين، وقتل الناس على الظنة، في حسبانه ولن يغفرها له.

10- تنديده باستخلاف ولده يزيد الشارب للخمر، والملاعب للقرود، وتحذيره من يوم الحساب والمؤاخذة والعقاب.

كذلك نرى قوّة موقفه المعارض لاستخلاف يزيد، ومجابهته لمعاوية في وجهه، بلسان حاد وجرأة لا تصدر إلّا منه - كما عرفنا ذلك في القسم السابق من هذه المقالة - حيث رأيناه يقول له - منتقداً سياساته الظالمة وجوره على المسلمين -: «هيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضلت حتى أفطرت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى محلت، وجزت حتى جاوزت ما بذلت لذي حقّ من اسم حقه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظّه الأوفر، ونصيبه الأكمل»(1).

وكذلك قوله له - بكلّ صراحةٍ وصلابةٍ -: «ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه، فو الله، ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلّا غمضة، فتُقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص»(2).

وهكذا بيانه له أنّ أهل البيت علیهم السلام هم الأحقّ بهذا الأمر دون غيرهم، وقد أورثهم رسول الله صلی الله علیه و اله ذلك دون الخلق: «ورأيتك عرَّضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تراثاً، ولقد - لعمر الله - أورثنا الرسول عليه الصلاة والسلام ولادة»(3). إلى غير ذلك ممّا تعرَّفنا عليه في القسم السابق من هذه المقالة.


1) ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم، الإمامة والسياسة: ج1، ص160.

2) المصدر السابق: ص161.

3) المصدر السابق.

لماذا لم يَثُرْ الحسين على معاوية؟

ذكرنا في الصفحات الماضية أنّ الحسين علیه السلام لم يكن في وارد الثورة على معاوية بن أبي سفيان، وأنّ كثيراً من الذين دعوه للثورة أجابهم بالرفض، وأنّ الوقت ليس مناسباً، وأنظرهم إلى ما بعد موت معاوية، كما في جوابه لبعض مَن كاتبوه حينما قال: «وأمّا أنا فليس رأيي اليوم ذلك، فألصقوا - رحمكم الله - بالأرض، واكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنة ما دام معاوية حيّاً، فإن يُحدث الله به حدثاً وأنا حيّ، كتبت إليكم برأيي، والسلام».

والسبب الأساس في ذلك أنّ الثورة لا ينبغي أن تكون عملاً فوضوياً غير مدروس، أي: الثورة من أجل الثورة، وإنّما لا بدّ أن تكون محسوبةً بدقّة في ظروفها ووسائلها ونتائجها، والحسين علیه السلام لم يكن يرى الظروف مناسبة آنذاك للثورة، وأهمّ سبب في ذلك هو عدم وجود القاعدة الشعبية الواعية والمضحّية، التي يمكن أن تكون قاعدةً للثورة وعاملاً في نجاحها.

وأمّا مسألة الصلح، فإنّ معاوية قد نقضه - لفظيّاً وعمليّاً - كما هو معروف تاريخياً، فلا يمكن أن يكون عائقاً أمام الثورة.

نعم، ربّما يشكِّل عائقاً من هذه الجهة: وهي أنّ السلطات الأُموية سوف تستخدمه ورقة إعلامية ضدّه، تشوِّه من خلالها ثورته إن قام بها، بما تمتلكه من أبواق إعلامية فاعلة، وخبرة طويلة في التدليس والخداع، والضحك على ذقون الناس. فربّما يكون عائقاً أمام نجاح الثورة وتعاطف الناس معها، ولكنّه لا يُشكِّل عائقاً شرعيّاً.

وعلى أيّة حال، فليس هو السبب الأساس - كما ذكرنا - وإنّما السبب الرئيس هو عدم وجود القاعدة المؤهّلة للمواجهة.

وبطبيعة الحال، فإنّ الحسين علیه السلام كان يقرأ ويتابع أحوال الأُمّة ويسأل عنها، ولدينا بعض الآثار التاريخية التي يمكن أن تصلح شاهداً على ذلك، من قبيل ما رواه جعيد

الهمداني، قال: «أتيتُ الحسين بن علي... فسألني فقال: أخبرني عن شباب العرب... قال: قلتُ: أصحاب جُلاهقات(1)ومجالس. قال: فأخبرني عن الموالي. قال: قلتُ: آكل ربا، أو حريص على الدنيا. قال: فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والله، إنّهما للصنفان اللذان كنّا نتحدَّث أنّ الله تبارك وتعالى ينتصر بهما لدينه»(2).

أي إنّ المعوَّل كان على شباب العرب أولاً؛ باعتبارهم (داينمو) المجتمع، ووقود الثورات غالباً. وعلى الموالي ثانياً؛ باعتبارهم طبقة مسحوقة في المجتمع وتائقة للتغيير، فإذا كان هذا هو حال هاتين الشريحتين فما بالك بالشرائح الأُخرى؟!

والمهمّ فإنّ القاعدة لم تكن مستعدّة للثورة، ودعونا نكون صريحين في ذلك، فإنّ القاعدة الوحيدة آنذاك للثورة هي العراق وخصوصاً الكوفة، وأمّا بقية الأمصار فلم تكن تملك الاستعداد للثورة؛ ولهذا نرى أنّ الحسين علیه السلام لمّا خرج لم يخرج معه من المدينة أحد، وبعد ذلك لمّا خرج من مكّة لم يخرج معه إلّا القليل، فالقاعدة الثورية كانت هي الكوفة، والكوفة أُصيبت بانتكاسة كبيرة بعد شهادة الإمام علي علیه السلام ، وازداد التشرذم والتصدّع والتخاذل بحيث اضطرّ الإمام الحسن علیه السلام إلى الصلح، فقاعدة الإمام الحسين هي نفسها قاعدة الإمام الحسن، ولم يتغيَّر في الأمر شيء، ولو كانت منسجمة وموحَّدة ومستعدّة لما اضطرّ الإمام الحسن علیه السلام قبل هذا للصلح، بل بالعكس ازدادت هذه القاعدة ضعفاً بعد الإمام الحسن علیه السلام وذلك لأمرين:

الأوّل: الممارسات القمعية التي قامت بها السلطة تجاهها، من قبيل: ما فعله (زياد) وأمثاله ممّن تولَّى حكم الكوفة من بطش وقمع شديدين تجاه أتباع أهل البيت علیهم السلام ، كان يُسمّل العيون، ويُقطّع الأيدي والأرجل، ويصلبهم على جذوع النخل، وعبارته مشهورة في خطبته البتراء التي لم يحمد الله فيها - كما ذكر ذلك الطبري وابن الأثير وغيرهما - حيث قال: «وإنّي أُقسم بالله، لآخذن الولي بالولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل


1) جُلاهق: الطِّينُ المُدَمْلَقُ المُدَورُ. الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس: ج13، ص63.

2) ابن سعد، محمد، ترجمة الإمام الحسين علیه السلام (من الطبقات الكبرى): ص36- 37.

بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه، فيقول: اُنجُ سعد فقد هلك سعيد». وقال أيضاً: «وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر، فأنفذوه على إذلاله، وأيمُ الله، إنّ لي فيكم لصرعى كثير، فليحذر كلّ امرئ منكم أن يكون من صرعاي»(1). فزرع الخوف في نفوس الناس.

والثاني: إنّ أيّ قاعدة جماهيرية إنّما تكون فاعلة برموزها وقادتها الشجعان الواعين البُصراء، والقاعدة الجماهيرية للإمام الحسين علیه السلام فقدت أبرز رموزها الفاعلين، سواء الذين أكلتهم حرب صفّين، أو الذين اُغتيلوا بالسم كمالك الأشتر، أو قُتلوا قتلاً كحجر وأصحابه، وغيرهم كثير. هذان الأمران جعلا هذه الجبهة تزداد ضعفاً وتشرذماً. هذا من جهةٍ.

ومن جهةٍ ثانية، فإنّ معاوية ازداد قوّةً، وسلطانه ازداد استحكاماً بعدُ، إن لم يكن قويّاً في بدايته كما هو في نهايته؛ لأجل ذلك فإنّ الثورة في ذلك الزمان لن تُؤتي أُكُلها فيما لو أُقيمت.

من هنا؛ فإنّ الإمام الحسين علیه السلام في زمن معاوية اكتفى بالمعارضة السياسية إن جاز التعبير، وذلك واضح من خلال مواجهاته الكثيرة للسلطة الأُموية، وتنديده بسياساتها الظالمة التي أشرنا إلى بعضها قبل ذلك.

اختلاف الأوضاع بعد معاوية

هذه الظروف التي أشرنا إليها سوف تكون مختلفة بعد معاوية، فالمدّة التي عاشها المسلمون في ظلّ حكومة معاوية بن أبي سفيان، والسنين العجاف التي مرّت عليهم، أوضحت لهم حجم الأضرار والنتائج الكارثية التي نتجت عن حكم الأُمويين.

كما أنّ معاوية بن أبي سفيان كشف لهم في أُخريات حياته عن حقيقة المشروع


1) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص166- 167. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج3، ص448- 450.

الأُموي الرامي إلى تحويل الخلافة إلى ملك عضوض، يتوارثه بنو أُميّة جيلاً بعد جيل، من دون مشورة ولا رضى من أبناء الأُمّة.

كما أوضحت لهم أيضاً نقض معاوية للعهود، والتي كان من أبرزها تنصّله من وعده بإرجاع الحقّ إلى أهله بعد وفاته.

وفي النهاية، فإنّ الأُمّة ستكون معبَّأةً فكرياً ونفسياً للثورة ضدّ يزيد بن معاوية، ممّا لا يستدعي من الحسين علیه السلام أن يبذل جهداً إعلامياً استثنائياً.

أضف إلى ذلك: أنّ السلطة الأُموية سوف تكون ضعيفةً مهزوزةً، ومشتتةً بعد فقدان قائدها معاوية، وسوف لن يكون يزيد بقوّة أبيه أو ما يقاربها، وهو الفتى الغر الذي لا يعرف من السياسة إلّا معاقرة الخمور، ومعاشرة القرود. بالإضافة إلى اختلاف بني أُميّة أنفسهم.

من هنا؛ رأينا الإمام الحسين علیه السلام في كلمات قد تقدَّمت يوصي أتباعه والداعين له بالصبر إلى ما بعد هلاك معاوية للتحرّك من أجل التغيير.

غير أنّ هناك عقبات كثيرة أُخرى في طريق التغيير لا بدّ من علاجها، وهذه العقبات تتعلَّق بوعي الأُمّة وقيمها، ومسارها الفكري الذي أصابه الكثير من التشوّه في طوال هذه السنين التي مرّت من انحراف مسار التجربة الإسلاميّة. وكذلك حالة الشلل النفسي، وفقدان الإرادة التي مُنيت بها الأُمّة؛ نتيجة للسياسات السابقة. فالأُمّة المشوَّهة فكريّاً وقيميّاً، والمشلولة نفسيّاً، سوف لن تكون قادرة على التغيير أبداً.

من هنا؛ نرى أن الإمام الحسين علیه السلام كان يُمهِّد للثورة منذ زمن معاوية، وخصوصاً فيما يرتبط بالنقطتين اللتين أشرنا إليهما. ولو قرأت خطابه في مِنى قبل هلاك معاوية بسنتين، لرأيت بوضوح تركيزه على معالجة هاتين النقطتين الهامّتين، وهذا ما سنشير إليه لاحقاً في القسم الرابع إن شاء الله.

مذهبة الثّورة الحسينيّة(الأسباب والنّتائج)

السيد محمد باقر الهاشمي

السيد محمد باقر الهاشمي(1)

تمهيد

تُعدّ الثّورة الحُسينيّة محور اهتمام العديد من المفكّرين والكتّاب من شتّى بقاع الأرض وأصقاع العالم وبمختلف الأديان والمذاهب؛ وليس ذلك إلّا لعظمة النّهضة ومبانيها الإنسانية، حيث الحريّة والقدرة على إيجاد مجتمع تواصليّ تربطه القيم والمبادئ الإنسانية، والرفض للخنوع والتدخّل المعرفي الخارجي في معارفه وأفكاره، دون أن تصيب حركته أيّ نوعٍ من ضعف الإرادة أو التكاسل.

إنَّ تقادم الأيام لم يُخفِت من بريق النّهضة الحسينيّة، ولم يستطع أن يسحب البساط من تحتها ليمنع الاستزادة منها، بل يؤكّد المشهد الخارجي على قدرة كربلاء في إحياء النّفوس وبعث الحيوية الدائمة فيها، بل وقيام حركات تتخذ من عاشوراء مبدأً لها حتى بعد مرور ما يقارب الألف سنة ونيّف.


1) باحث وكاتب إسلامي.

إلّا أنّ الثورة الحسينيّة ربما أُكسيت طابع المذهبة، أو الجرِّ إلى فرقة دون أُخرى مع مرور الوقت، حيث يلاحظ ابتعاد بعض فرق الأُمّة الإسلامية عن أجوائها، وعدم الأخذ من مبادئها، بل والاتّجاه إلى الطّرف النّقيض لحركة عاشوراء الحسين علیه السلام ، وهو ما يخلق في ذاته تساؤلات لا بدَّ من الإجابة عنها:

1- ما المقصود من مذهبة الثورة؟ وهل كانت ثورة الحسين علیه السلام تستهدف في طياتها الأُمّة أم ثلّة معيّنة؟

2- ما هي العوامل المؤدّية إلى مثل هذا الابتعاد عن أُفق ورحاب النهضة الحسينيّة؟

3- ما هي النّتائج الحاصلة لابتعاد الأُمّة؟

أسئلة تُشكّل محاور المقالة، نحاول الإجابة عنها من خلال مقدّمة ومبحثين ونتائج.

وجدير بالالتفات أنّ البحث يعوزه الكثير من ذكر أمثلةٍ وأحداث تاريخية تصبُّ في صالح الموضوع، إلّا أنّ مثل هذا العرض التّاريخي ممّا يفوق السّعة المرادة في البحث، ولعلّ تداركاً يحصلُ في بحثٍ آخر من خلال قراءة للمفردات المبحوثة على حدة.

والملاحظة الأُخرى: إنّ العمل النّقدي للمرتكزات لا يعتبر شرخاً ولا قدحاً بها، بل لا بدَّ من اعتبار هذا العمل إذا ما اتّسم بالنقديّة - بمعناها الإيجابي - فإنّه سبيل إلى التركيز على عوامل القوة ودرء الضعف بعناصر قوّة أُخرى تتناسب وعظم الفكرة المبحوثة.

قراءة في المصطلح

شاعَ في القُرون الأَخيرة مُصطلحات مُتعدّدة، مثل الثّورة المؤدلَجة، وإيديولوجيا الثّورة، والثّورة القوميّة.. وغير ذلك منْ المصطلحات. ويُمكن القول: إنَّ المُراد منها اتّخاذ الثّورة بُعداً مُحدّداً تنحصر خلاله بما يُضاف إليها، فالقوميّة تحصر الثّورة في إطار القوميين، وكذلك الإيديولوجية، فإنّها تشكّل سوراً يبتعد عنها غير المُنتمي إلى أفكارها.

ولعلَّ ما نطرحه يُقارب هذا الفهم، فإنّ مذهبَة الثّورة يعني حصرَ أَبعادها والإيمان بها ضمن ثُلّةٍ مُعيّنة، وهم المُعبَّر عنهم بالمذهب، وتكون فيما بَعد فكراً يُميِّز المذَهب المُعيَّن

بالثّورة القائمة أو السّالفة.

وقد يتبادر إلى الأذهان أنَّ لكلِّ مذهب مميِّزاته، فما الضّير في أنْ يكون لكلِّ مذهب ثوراته ولا يعدّ ذلك محل نظر، ولا يستدعي دراسةً معيَّنة؟

يمكن الإجابة عن هذا التّساؤل من خلال التّفريق الواضح بين أهداف الثّورات القائمة، فإنَّه ممّا لا يُنكر أنَّ بعض المذاهب قامت بثورات، وقد اتّسمت ثوراتهم بطابعها المذهبيّ، إلّا أنَّ هذه الثّورات لا يمكن أنْ يورد عليها إشكال، مفاده: إنَّ الثّورة اتّخذت طابعاً مذهبياً؛ لأنّها في الأصل قامت من رحم المذهب ولأجله، فهي تتناسب حِراكاً ونتيجةً معه.

غير أنَّ الإشكال يردُ على الثّورات التي لا تحدد مذهباً ولا مخاطَباً معيّناً، بل تسعى لنهضةٍ متكاملةٍ لجميع أفراد الأُمّة(1)، ومصطلح الأُمّة ليس ذكره اعتباطياً هنا، فهو واسع النّطاق يشمل المُنتمين إلى فكر الأُمّة وتاريخها، وما يلحق بها أيضاً، عند ذلك إذا اتّسمت الثّورة والنّهضة اللا محدودة بفئة يعدُّ نقضاً لغرضها؛ ممّا يعني حدَّ النّهضة بمُحدداتٍ لم تكن واردةً في فكر الثّائر، ولا هي الهدف من وراء نهضته.

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار خطاب الإصلاح الذي تقدّم به المولى أبوعبد الله علیه السلام كعنوانٍ عامٍ وشعارٍ صدّر به الثّورة، نرى أنَّ هناك عنصرين بارزين في هذا الخطاب، هما:

الأُمّة: (في أُمّة جدِّي رسول الله صلی الله علیه و اله ).

الإصلاح: (إنّما خرجت لطلب الإصلاح).

وهذا العنصران يرتبطان ببعضهما، الأوّل هو الإصلاح، والثّاني كون هذا الإصلاح ناظراً إلى جميع أطياف الأُمّة(2). وهو ما يعني ثورة أُمّة لا ثورة فئة معيّنة، ولا فكر محدد بطبقة أو مذهب دون غيره.


1) اُنظر: البدراويّ، عبد الرّزاق، أهداف نهضة الحسين علیه السلام في كلمات الفقهاء: ص203 - 207.

2) لا يمكن أخذ مصطلح الأُمّة هنا على نحو من المسامحة، وحصره بمذهب دون آخر، فمصطلح الأُمّة له دلالات وأبعاد كثيرة، كما حقّقه علماء الاجتماع، والاجتماع الديني بالتحديد. اُنظر: شريعتي، علي، الإمامة والأُمّة: ص20 - 29.

ولذا؛ فإنَّ مذهبة هذه الثّورة وحصرها في نطاق محدد - وإنْ كان هذا النّطاق كبيراً - يعدُّ مخالفاً للغرض الأساس لأهداف الثّورة الشّاملة لكلّ الأُمّة حسب الفرض.

وهناك تنبيهٌ لا بدَّ منه: هو أنَّ مذهبة أيِّ ثورةٍ أو تحميلها أيَّ آيديولوجية لا يكون سببه على الدّوام نفس المذهب المنتمي إلى تلك الثورة المحددة، بل هناك عوامل وأسباب وفرَق أُخرى تسببت في حرف مسار الثّورة من الأُمّة إلى المذهب.

وعليه؛ يمكن تصوّر العامل للتخصيص بثلاثة أشكال(1):

1- عامل خارج عن الأُمّة.

2- طرف من أطراف الأُمّة.

3- أطراف من الأُمّة، ونفس المذهب الحامل لفكر الثّورة.

لكن الملاحظ - في أسباب مذهبة ثورة الطّف وحصرها بالشّيعة كفرقةٍ تُحيي الذّكرى وتلتزم بالمبادئ دون غيرها من الفرق - أنَّ العوامل الثّلاثة كانت مجتمعة في سبيل حصر الثّورة وتحديدها، وهو ما سنتناوله في المبحث الأول.

المبحث الأوّل: الأسباب الخارجيّة لمذهبة الثّورة

المقصود من الأسباب الخارجيّة تلك الأسباب التي تكوّنت خارج إطار مذهب الثّورة، على فرض أنّها تقولبت في إطارِ مذهبٍ معيّن.

ويمكن بعد استقراءٍ أوّلي إرجاع الأسباب الخارجيّة إلى عناصر أربعة:

1- السّلطات المتعاقبة.

2- ضمير الأُمّة المتردد، وخوفها المتزايد.

3- عُلماء السّلطة.

4- النّصارى واليهود.

وسنبحث بشكلٍ مقتضب عنْ كُلِّ واحد منها.


1) بطبيعة الحال، فإنّ هذه الأشكال الثلاثة ليست حصرية كما هو الحصر في المنطق، بل التقسيم ناظر إلى الغالب العام، كما هو الملاحظ.

أولاً: السّلطات المتعاقبة

أولاً: السّلطات المتعاقبة(1)

غالباً ما اتّسمت إشكاليةُ السّلطة والثّورات القائمة بطابع الاصطدام المباشر في زمانِ الحراك، والاصطدام بالفكر المُتبقي والنّهضة الموروثة مع المتمَسّكين بالثّورة؛ وَلعلَّ السّبب في ذلك أنَّ إنهاء الثّورة كحراكٍ قائمٍ في زمنٍ معيّن لا يضمن استقرار السّلطة، فيلزم القيام بعدّة عملياتٍ تُساهم في قمع النّهضة بُغية عدم الامتداد إلى أجيال متعاقبة، أو أنْ يكون الانتشار سريّاً لا يشكّل خطورةً ولا ثقلاً على بقاء السّلطة حكماً وفكراً؛ فلكلِّ سلطةٍ فكرٌ تقوم عليه، حتى وإنْ كان فوضوياً أو ما يُعرف ب-(سلطة الفوضى)!

كانت الثّورة الحُسينيّة على قلّة العدد من حيث القراءة العسكريّة لا تشكّل خوفاً للأُمويين، إلّا أنَّ الفكر الذي حملته يمكن القول: إنّه حمل معه أسبابَ الانهيار الأوّلي لدولة بني أُميّة المترامية الأطراف. ومع هذا لم تكن السّلطاتُ الأُمويّة لتسمح بانتشار فكر النّهضة الحسينيّة في أرجاء الأُمّة لتتواصل مع كافّة أطيافها، بل إنّ قراءةً بسيطة لتاريخ العهد الأُمويّ يمكن من خلالها تسليط الضّوء على طبيعة التّعامل مع الثّورة، فقد قُتل وحُبس الكثير، واضطر لفيفٌ آخر إلى اتّخاذ أماكن مختلفة بعيدة نائية لإيمانه بأفكار النّهضة الحُسينيّة، وهذا ما يعني الحظر على عالمية الثّورة، وإبعادها من محور الأُمّة إلى ثلةٍ بسيطة معدَمةٍ في الغالب، وبطبيعة الحال فإنَّ هذه الثّلّة لن تكون إلّا شيعة علي علیه السلام .

ولم يمضِ عصرُ الأُمويين حتّى قام العباسيون يطلبون لنفسهم الملك رافعين شعار (الثّأر للرّضا من آل محمد)، إلّا أنَّ نداءات الثّورة شيء، وما بعد التمكّن شيء آخر.

لقد شكّلت النّهضة الحُسينيّة عبئاً ثقيلاً على بني العباس(2)كيف وهي تطالب


1) لا يمكن ذكر الكثير من الأمثلة للظلامات الواقعة على الشّيعة والمنتمين إلى الثّورة الحسينيّة؛ لأنّه خارج سعة البحث، ولكن يمكن الرّجوع إلى: السبحاني، جعفر، بحوث في الملل والنحل: ج9، ص217 - 230.

2) لقد عاش بنو العباس الخذلان الدائم مع آل البيت علیهم السلام ، فلم ينصروا الحسين علیه السلام ، بل وخانوا الإمام الحسن من قبله. اُنظر: الصّغير، محمّد حسين، الإمام الحسين علیه السلام عملاق الفكر الثوريّ المسار والمنهج: ص331 - 340.

بإعادة الشّرعية لأهلها أهل الله، وهو ما لا يتناسب مع السّعي وراء ملكٍ مسروق، فعاد الحظر على الثّورة بشكل أكبر، ونُكّل بالمُنتمين إليها أشدَّ تنكيل وقُطعت الأيدي والرؤوس في سبيل الثّورة، حتى قيل بيت الشعر الشّهير:

تالله ما فعلت علوج أُميّةٍ فيهم***معشار ما فعلت بنو العباسِ(1)

والحكومات تترى واحدة ترثُ أُختها في سياسة البَطش مع الحسين علیه السلام وأنصاره الجُدد والهادفين إلى (أُممية الثورة) حتى انتهى الأمر إلى العصر العُثمانيّ، وهو العصر الذي اتّخذ الطّابع الطّائفي الواضح؛ حيث اتّخذ العثمانيون مذهباً معيّناً كدين رسمي للدولة، وهو أحد أسباب انتكاسة الدّين والمذاهب الإسلاميّة بشكلٍ عامّ، وهذا ما لا يمكن بحثه هنا.

كان زمن العُثمانيين زماناً ضُيِّق فيه الخناق بشكل كبير على المنتمين إلى الفكر الحُسينيّ، وهم الذين يمكن تسميتهم بالشّيعة - بالمعنى الأعم - وقصص التّاريخ تَضجُّ بالأحداث حول ذلك الأمر(2).

أمّا الحكومات الحديثة - كما يطلقون عليها تاريخياً - فإنّها بشكل عامّ خرجت من رَحم العثمانيّة والاحتلال العسكري الاستشراقيّ، وإنْ كانت في الظّاهر حكومات قاومت العثمانيين وغيرهم، إلّا أنَّ إزالة حكم شيء، وبقاء أفكاره ومخلّفاته شيء آخر، ومن المخلّفات الكثيرة محاربة أهداف النّهضة الحُسينيّة علیه السلام بشتّى الوسائل، فلطالما شكّل الحسين علیه السلام ونهضته عنصر خوفٍ لكلِّ جائر.

ويمكن استنتاج ما يلي:

1- مناهضة الفكر الحُسينيّ ومطاردة أتباعه ومناصريه ما بعد الثّورة.

2- البطش والقوّة في التّعامل مع المنتمين إلى الثّورة، أدّت إلى حصرها في ثلّة معيّنة وصارت الثّورة جزءاً من فكرهم، دون أنْ تتأثّر بقية الشّرائح بهم، أو لم يكن التأثّر واضحاً.


1) يُنسب بيت الشّعر إلى أبي فراسٍ الحمداني.

2) اُنظر: الشهرستانيّ، صالح، تاريخ النّياحة على الإمام الحسين علیه السلام (تحقيق: نبيل علوان): ج2، ص25.

3 - تتابع السّلطات الحاكمة على سياسة القوّة والاتهام للنّهضة الحُسينيّة ولأتباعها.

4- تحمّل المؤمنين بفكر المولى أبي عبد الله علیه السلام الكثير من الآلام والمشاقّ، وهو ما حفظ الثّورة، بعد التّسليم أنّ النّهضة كانت بعين الله أولاً.

ثانياً: ضمير الأُمّة المتردّد وخوفها المتزايد

تُشكّل الأُمم غالباً عنصر ضغط على حكوماتها أو السّلطات القائمة في حال قررت المعارضة والوقوف في وجه الأنظمة الحاكمة، إلّا أنَّ حالة الخضوع والميل إلى الاستقرار مرض يصيب جسد الأُمّة؛ ممّا يجعلها لا تتفاعل مع الثّورات القائمة بالشّكل المناسب حتى وإن كانت مؤمنة إيماناً كبيراً بأفكار الثّورة وسلامة حركتها، إلّا أنّها ترجّح الكفّة الأُخرى وهي: الميل إلى الدّعة وعدم المواجهة؛ حفاظاً على النّفس والمال، أو كما يُقال: (ما لنا والدّخول بين السّلاطين)! ومع هذه الحال إذْ «كانت الهزيمة النّفسيّة للأُمّة هي الحالة المَرَضية العامّة التي قد تعرّضت لها الأُمّة المسلمة في عصر الحسين علیه السلام . فالحسين علیه السلام حين يريد معالجة هذا المرض المستشريّ في جسمها لا بدَّ من أن يقدّم الموقف النّظريّ والعملي معاً تجاه الوضع القائم ويضع النقاط على الحروف بنحوٍ ينتهي إلى اجتثاث جذور هذا المرض الخبيث»(1).

لقد كانت ثورة الإمام الحسين علیه السلام ثورةً - بما لا تقبل الشكّ - صحيحة المبادئ تقوم على تحرير الإنسان من عبودية الملوك لتجعله عبداً لله تعالى، وخلع بردة القداسة عن حكّام جعلت لنفسها ما ليس لها، بدعوى أنّ الله تعالى جعل لها الولاية على هذه الأُمّة، إضافة للعديد من الأهداف التي يمكن بحثها تحت مسمّى (أهداف وأبعاد الثّورة الحُسينيّة).

لقد آمنت الأُمّة بمظلومية الإمام الحسين علیه السلام وعظمة أهدافه ولزوم التّمسك بها، خصوصاً مع مرور السّبايا وقيام السّيّدة الحوراء بإتمام مهمّة الثّورة بدورها التّبليغي الإعلاميّ؛ بغية كشف الحقائق، إلّا أنَّ المُلاحظ أنَّ هذا لم يخدش إلّا الشيء اليسير من شعور غالبية الأُمّة ولم يحرّك فيها الغليان لتبدّل حالها المُزريّ، إلّا اللهمَ طبقةً قررت أنْ


1) الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج2، ص223.

تُنادي بالثّأر والتّمسك بمبادئ الثّورة الحُسينيّة.

هذا الانزواء وعدم الفاعليّة من كافّة أطياف الأُمّة لسبب وآخر جعل تلك الفرقة التي نهضت بأعباء الثّورة وأهدافها فرقةً منفردة، وكأنَّ النّهضة الحُسينيّة وجّهتْ لها دون غيرها، ممّا شكّل ضغطاً كثيراً عليها لاحقاً وكما تبيّن سابقاً.

ولا يمكن نكران شدّة البطش والقوّة التي استخدمتها السّلطات المتعاقبة لوأد الثّورة وعدم قيام قائمة لها في كافّة أطياف الأُمّة ووجود الكثير ممَّن لاقوا حتفهم جرّاء ذلك الانتماء، إلّا أنَّ هذا لا يُعطي المسوِّغ للأُمّة أنْ لا تنهض وأنْ لا تُعطي الدّماء، شأنها شأن المسلمين الأوائل، ومع هذا لم يكن ضمير الأُمّة ليشعرها بالتّأنيب المستمر(1)، ويساند برود الضّمير شدّة السُّلطة، هذا ما خلق فيما بعد تباعداً عن فكر الثّورة، وحساب النّهضة الحُسينيّة على فرقةٍ - هي المسؤولة عنها، وهي القائم والمجاهد في سبيلها - تبريرٌ خلقته الأُمّة بشتّى طبقاتها؛ لتستريح من إيعاز الضّمير الخافت، حتى تحوّل إلى اطمئنان لا يشوبه أيّ تأنيب، وإنْ كان اطمئناناً منشأه غير سليم.

ولو قامت الأُمّة جميعها أو أغلبها، لما كانت ثورة الحسين علیه السلام تخصُّ طرفاً دون آخر، بل لاستطاعت جلّ أطياف الأُمّة الاستفادة منها في ردِّ مظالمها، وإشعار السُّلطات أنَّ الأُمّة هي مبدأ القوّة، وليس للحاكم إنْ لم يكن أهلاً لقيادتها أن يستمر، ولكن ذلك لم يحصل؛ إمّا لسياسة التّرغيب والتّرهيب، أو الرّكون إلى الدّعة، وهو ما يمكن أنْ يُبحث تحت مسمّى (الأُمّة وعوامل التردّد مع النّهضة الحسينيّة).

ثالثاً: علماء السُّلطة

لا تُجابه الحركات التّحرريّة - وخصوصاً إذا كانت نابعةً من رحم الدّين وأصالته - بالسّلاح والقوّة العسكريّة؛ وذلك لعدم وحدة طبقات المجتمع معرفياً ممّا لا يمكن ضبط إيقاعه بالقوّة، فلا بدَّ من ثورةٍ فكريّة مضادةٍ تُطرح كبديل للنّهضة القائمة، تسعى


1) اُنظر: الصّدر، محمد باقر، أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف (تحقيق: عبد الرّزاق الصّالحيّ): ص368 - 371.

ما استطاعت أنْ تُثبت صحّة ما تذهب إليه السّلطة وإبطال أفكار الثّورة، ليشكّل ذلك مضافاً إلى القوّة العسكريّة قوةً فكريةً، وإنْ كانت قوّة مزلزلة.

لقد استطاعت السّلطات بجميع مراحلها أنْ تُوجد علماء لا همَّ لهم إلّا التّبرير للسّلطة والتّنظير لممارساتها بشكلٍ شرعي، خصوصاً وأنَّ هذه السّلطات تحكم باسم الإسلام، فلا بدّ أن تُأَوّلَ الآيات والأدلّة لهذا الهدف.

لقد أوجدت السّلطة علماء في مختلف التّخصصات الإسلامية آنذاك لدفع أفكار النّهضة الحسينيّة، وقد كانوا علماء متكلّمين وفقهاء - أي: في الأصول والفروع - وكلا الطّرفين يستمدُّ من الآخر؛ بغية خلق منظومةٍ متكاملة، ولا يعتقد البعض أنَّ هذه المنظومة كانت ساذجة، أو أنَّ أفكارها لم تلقَ الرواج الكبير، بل يمكن الادّعاء أنَّ مخلّفات ذلك الرّكام مستمرٌّ إلى اليوم، ليتشكّل فيما بعد عنوان بارز لإسلامٍ طرحته السّلطات وتعاقبت واحدة بعد الأُخرى للأخذ منه، وهو ما يُسمّى ب-(الإسلام الأُموي)!

لقد أوجد علماء السّلطة المتكلِّمون أبحاثاً تؤيّد الحكّام، وأنّهم منصّبون من الله، وليس للأُمّة أنْ تقف في وجه هذا الحاكم أيّاً كان؛ لأنّه وقوف بوجه الله! فانبثقت عقيدة المجبِّرة والمرجئة(1)، مستفيدةً من عدّة آياتٍ متشابهات وظواهر لا يمكن الرّكون إليها، إن لم تردّ إلى المحكمات، والأخذ بالقرائن الصّارفة للظهور، إلّا أنَّ الممارسة الكلاميّة لم تردّ أيّاً من المتشابه إلى محكم، ولا الظّاهر إلى القرينة الصّارفة، بل تركت الأمر على عواهنه بما يخدم السّلطة، ويخدم مصالح علماء كانت لهم الحبوة والمال والقرار آنذاك، كيف لا وهم (علماء ومنظرو السّلطة)؟!

لقد ابتدع الأُمويون عقيدة المرجئة، وهي عقيدة تبتني على ركيزتين أساسيتين:

الأُولى: أنّه يكفي في صيرورة الإنسان مؤمناً مجرّد الاعتقاد القلبي وإنْ أعلن بلسانه الكفر، وبذلك يُتاحُ لكلِّ ظالم أنْ يكون عبد الله المؤمن، فكان يزيد - وأضرابه - عباد الله المؤمنين! وبذلك عطّلوا فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.


1) اُنظر: التميمي، رافد، مجلة الإصلاح الحسينيّ، العدد: 4، مقالة تحت عنوان: النّهضة الحسينيّة وحفظ المبادئ والمظاهر الدّينية: ص96.

الثّانية: إنَّ مرتكب الكبيرة لا يُحكم عليه في الدّنيا بأيِّ حكم، بل يؤجّل حكمه إلى الله تعالى يوم القيامة، وهذه العقيدة أتاحت لبني أُميّة، وللحكومات اللّاحقة لها، ومَن مشى على دربهم، ارتكاب الجرائم الكبرى من قتل الإمام الحسين علیه السلام ، وهدم الكعبة، واستباحة أعراض وأموال ودماء المسلمين من دون رادعٍ من المسلمين.

ومنْ الواضح أنَّ مثل هذا الفكر مهّد أرضيةً كبيرة للحكومات لبسط سيطرتها من النّاحية الدّينيّة، فضلاً عن السّياسية والعسكريّة، وقد قامت الحكومات بمثل هذا الدّور حيث خلقت ثقافةً عند كافّة أبناء الأُمّة أنَّ مثل هذا الاعتقاد هو الاعتقاد النّازل من الله، وأنّه المصرّح به في الكتاب والسنّة؛ ممّا شكّل ثقافةً أو عقلاً جمعياًَ عند الأُمّة فيما بعد. وأنَّ كلَّ عقيدةٍ مخالفةٍ لمثل هذه العقيدة تعتبر ضالّةً، أو أنّها ليست بالصّحيحة، وفي أحسن الأحوال أنّها لا تمثّل عامّة المسُلمين، وبما أنَّ النّهضة الحسينيّة كانت في أفكارها تختلف كلّياً، بل وتناهض مثل هذا الفكر العقيم، فقد رُوِّج أنَّ أفكارها ليست تلك الأفكار التي يؤمن بها المسلمون؛ وعليه فإنَّ مَن يؤمن بها فهو غريب في أفكاره عن عامّة المسلمين، وبهذه الصّورة ضمنت الحكومات حصر النّهضة في فرقة محددة، واعتبار أنَّ هذه الفرقة غريبة عن الجسد الإسلاميّ فكراً ومضموناً. وهو ما يصبُّ في تقييد ومذهبة الثّورة، وحصرها في إطار ضيّق دون أنْ تعمَّ الأُمّة بكافّة أطيافها.

وقد نتج من هذه المعتقدات الكلاميّة مُنتَجٌ فقهي يُبرر ما حدث في عاشوراء من قتل لأهل بيت النّبيّ صلی الله علیه و اله ، ولجميع الأحداث الجارية آنذاك، وبرزت مقولة (قُتلَ الحسين بسيف جدّه)، كلّ هذا وعلماء السّلطة لا يألون جهداً في سبيل تثبيت هذا الاعتقاد والفقه السلطوي القائم على حرمة الخروج والاعتقاد الجبري بحاكمية الحاكم المُستَمدّة من الله! أو ما يسمّى (بالثيوقراطيا)، واستمرّ عمل علماء السّلطة حتّى أزمنة متأخرة، بل إلى العصر الحالي؛ إذْ يرى البعض أنَّ الخطأ اليسير لا يُسقط فضل الصّحابة في عهد الحسين، وأنَّ الهنة الواقعة تُجبَر بفضل الصّحابة وأعمالهم وفتوحاتهم الكبيرة، ولذا فإنَّ أفكار عاشوراء

وأحداثها ليست إلّا أحداثاً عادية وواقعة لا تحمل - كما يُقال - مضموناً كبيراً(1)!

والآخر يرى أنَّ الحاكم يزيد كان رجلاً حصيفاً مؤمناً، وليس كما يروَّج أنّه فاسق فاجر، وأنَّ الحسين - حسب القواعد عنده - باغٍ متعدٍ على إمام زمانه!

كلّ هذا خَلَق منهجين: الأول يرى مساندة السّلطة أينما حلّت وكيفما تصرّفت، والآخر يعتقد بمخالفة ذلك، وهم في الغالب المعتقدون بفكر وثورة الحسين علیه السلام ، إلّا أنَّ السّلطة بفعل بسط سيطرتها على شتّى مرافق الدّولة وثقافتها خلقت مثل هذا الفكر في العقليّة المسُلمة؛ ممّا خلق عند الكثير اعتقاداً بأنّ النّهضة الحسينيّة لا تخصّهم، وإسناد ذلك بدلائل، وهذا ما يدعو لقراءةٍ متأنية تحت مسّمى (الثّقافة السياسيّة للفكر المعادي والنّهضة الحسينيّة)، تتقصّى كافّة المجالات الثّقافية التي خلقتها السّلطة الأُمويّة للوقوف في وجه الثّورة في المجال الفكريّ، وأثر هذا التّثقيف على واقع المسلمين آنذاك وإلى الآن، ليتّضح أنَّ الكثير من عناصر المجتمع الإسلامي وطبقاته زاغت عن الطّريق الإسلاميّ بفعل الثقافة السّياسيّة(2)للسّلطات.

رابعاً: اليهود والنّصارى

يعتقد البعض أنَّ الكلام عن دورٍ لليهود في أحداث الطّف يُعتبر كلاماً خيالياً، وأنّهُ ليس إلّا ردّة فعل يُعبّر عن الإرث الكمّي الكبير للعداوة التي يحملها المسلمون لليهود وبعض النّصارى (المتأسرلين).

ولا بدَّ من إيضاحٍ مهم: أنَّ المسلمين لا يحملون حقداً على اليهود وبعض النّصارى إلّا بقدر كيدهم للإسلام، وإحداث المؤامرات فيه.


1) اُنظر: الخميس، عثمان، حقبة من التّاريخ من وفاة النبيّ إلى مقتل الحسين بن علي: ص15 - 45.

2) فروّجت السّلطات في ذهن الأُمة كنوع من الثقافة السّياسية التي تستند إلى أُسسٍ دينية خاطئة، فالأُمويون يشيعون أنّه مارق عن الدّين، والعباسيون يرون أنّه ثائر شرعيّ غير أنّه أخطأ المقادير، وهذا شبه العود على الأول، والحكومات المتعاقبة نحت النّحو ذاته في هاتين الأُطروحتين التي عرّفت بالحسين علیه السلام والنّهضة. اُنظر: البدريّ، سامي، الحسين في مواجهة الضّلال الأُمويّ: ص13- 14.

لقد عاش اليهود والنّصارى هاجس الخوف المستمرّ والعداء للإسلام، إلّا أنَّ الهيمنة الكبرى للمسلمين في ذلك العهد ألجأهما إلى مخطط جديد وهو الدّخول المباشر إلى عقائد المسلمين ومحاولة الدّس فيها، وليس ذلك خفياً؛ فهناك العديد من الروايات التي تُعرف عند عموم المسلمين ب-(الإسرائيليات).

وهنا يذكر الدّور الكبير لليهود يفوق ما قام به النّصارى، وليس التّاريخ إلّا إعادة لنفس المؤامرات التي أقامها اليهود على الدّين المسيحي لحرفه عن جادّة الحقّ فتحوّل (صاموئيل اليهوديّ) إلى (الرّسول بولس) ليبتّ في المسيحية ويثبت فيها ما يُثبت ويُلغي الدّين الحق(1)!

لقد عاشت الأفكار اليهوديّة والنصرانيّة فترة من الارتياح والاستتباب مع بدايات عهد معاوية وتغلغلت الكثير من الأفكار إلى التّعاليم الإسلاميّة، إمّا بحرف الفكر أو بإضافة بعضٍ آخر، ممّا يُعرف بفترة وضع الحديث في عهد معاوية. وعاش الكثير منهم زماناً من الاسترخاء والطّمأنينة لم يجدوا مثلها في الفترات السّابقة، وقد عملوا على توطيد هذه العلاقة بينهم وبين ولاة الشّام، وبالأخصّ معاوية من خلال سنين طوال حرصوا فيها على خلط السّم بالعسل، وإرضاء الحاكم من طرف، والعمل على تحقيق أهدافهم من طرف آخر، إلى أنْ استطاعوا أنْ يدخلوا البلاط ويكوّنوا قوّةً ضاربة في عالم السّياسة والاستشارة، بوصفهم مسلمين يحتاجهم الخليفة، وإنْ كانوا مخلصين لدينهم الأُمّ أيّما إخلاص.

ومع (يزيد) كان لهم الدّور نفسه، إلّا أنّهم أحسّوا بخطورة موقف الحسين علیه السلام ، وما يحمله من استنهاضٍ يقلب عليهم الطّاولة، هنا انبرى دورهم في أمرين: ترويج عقائد إسلامية مزيجة بالفكر اليهوديّ، والحيلولة دون الوصول إلى فكر الثّورة الحسينيّة لكافّة شرائح المجتمع، بالإضافة إلى المشورة ليزيد بقتل الحسين إنْ لم ينزل تحت طاعته.

لقد عاش اليهود والنّصارى على طول المسيرة هاجس الثّورة الحسينيّة وقدرتها على تحريك المجتمع، فهم بهذا الإبعاد تمكّنوا من إخماد الفكر الثّوري لأمدٍ بعيد في روح


1) اُنظر: الإدريسي، محمد، المسيحية بين القديس بطرس والرسول بولس: ص15- 27.

الأُمّة منذ تلك الآونة وصولاً إلى هذه المرحلة، حيث يتّضح جلياً عداء اليهود وبعض النّصارى البارز للشّيعة، أو لما نسمّيهم المنتمين إلى الفكر الثوري الحُسينيّ أعمّ من كونهم شيعة أو لا.

وهنا لا ينكر الدّور الكبير لعلماء اليهود والقوّة المالية في دعم حركات تسعى إلى تشويه الفكر الحسينيّ وخلق إثارات فيه، وتصوير النّهضة المباركة بأنها حركة تمسّك بها الشّيعة وبعض اللّفيف لحلمهم بإقامة دولة تحكمها أفكار الحسين علیه السلام ونهضته، أو قيام حركات مقاومة تنبع ذاتها الدّفاعية من النّهضة الحسينيّة.

المبحث الثّاني: الأسباب الدّاخلية لمذهبة الثّورة الحُسينيّة

السبب الأوّل: أدوات إيضاح الثورة وإشكالياتها

أدوات إيضاح الثورة، وهي: الأدوات والأساليب التي تُركِّز على إيضاح الثّورة ورسم أبعادها ومبانيها، سواء أكانت منبراً أم مؤلّفات وأبحاث.

لقد تحمّل أربابّ القلم والعلماء الكثير من الجهد لكشف اللثام عن خبايا حاول كثيرٌ طمسها؛ بغية إزالة النّهضة الحسينيّة من حيز الاهتمام وإثارة الشّبهات لتحوف بها وتسقطها من دائرة الضّوء، وهذا ممّا لا يُنكر، فالرّصيد المعرفيّ سواء أكان مقروءاً أم مسموعاً يُعدّ إرثاً كبيراً إذا ما قيس ببقية المعارف الإسلاميّة، بل يمكن القول: إنَّ الفقه الإسلاميّ، والقضية الحسينيّة أخذا الحيّز الكبير من فكر علماء المسلمين الشّيعة وغيرهم ممَّن وجدوا في ثورة الحسين علیه السلام منهجاً، وهذا ممّا لا حاجة إلى البرهنة عليه، يكفي فيه استقراء للكتب والمحاضرات لإدراك هذه المسألة.

إلّا أنَّ هذا الجهد المعرفيّ التراكمي لا يمكن أنْ يكون معصوماً وخالياً من الأخطاء، وهو نتيجة طبيعية ولا يحطُّ ذلك من شأنه، ومع هذا كان له بعض الدّور في تحجيم أُفق الثّورة وحصرها بفئة معينة(1).


1) لا يمكن أن نبرّئ ساحة الجميع ممَّن عمل في هذا الحقل والقول: إنَّ ما صدر من أخطاء لم يكن عن قصد، فقد عرفت الأُمّة الدّس في كتبها ولم تسلم من ذلك فئة دون أُخرى، ولا يحتاج الأمر إلى تأمل كثير.

ونحاول أن نركّز على ثلاث مظاهر أثّرت في مسار تصدير الثّورة إلى أفقٍ أكبر(1):

أولاً: صراع الرّوايات وإثبات القصص والحكايات

إنَّ إحدى الأسباب المباشرة الدّاخليّة المُساهمة في مذهبة الثّورة، ما حُكي من الحكايات والقصص التي لا سند لها ولا اعتبار إلّا بعض المراسيل، أو أنّها ذُكرت في الكتب المتأخرة زماناً. هذه الحكايات وإنْ أدّت في الكثير من الأحيان إلى البكاء والتّفجّع بوصفها حوادث تصوّر للسّامع والقارئ الفاجعة على المولى أبي عبد الله علیه السلام ، إلّا أنّها فتحت الباب أمام الكثير للمناقشة من داخل المذهب وخارجه والصّراع في ثبوتها وعدمه، وهذا يعني بشكل أو بآخر الانشغال عن الأهداف الرّئيسة للنّهضة الحسينيّة والحوم حول حمى إثبات حكايات أو نفيها ممّا لا يؤثّر وجودها وعدمها على عالمية وقوّة الثّورة وصلاحيتها.

لقد خَلقت الكثير من الرّوايات المختلف في ثبوتها جوّاً من الابتعاد أحياناً عن أصل المبادئ والثّوابت، وصوّرت الموقف والثورة حرباً شعواء على جميع الطّوائف الإسلامية، أو إيجاد شرخٍ كبير في الأُمّة من خلال إثبات مقولات لا سند صحيح لها؛ لتجعل نظرية الاصطفاف الطّائفيّ حاضرةً في السّلوك الخارجيّ باعتبار الحسين علیه السلام شيعيّاً، وكلّ الطَّرف الآخر بمختلف تسمياته ليس معه فكر ولا عقيدة. وبالنّتيجة فهو خارج وغير حاضر في قالب النّهضة ولا معني بها، بل قد يكون عدوّاً، وهو تحجيم واقعي للثّورة.

لقد استغرق الجهد المعرفي في الأخذ والرّد بين الأصحاب والأعداء حيّزاً كبيراً في هذه المساحة، ولو قُدّر لهذا الجهد أنْ يكون في ساحة تحليل الثّورة لكان أفضل بكثير، إلّا أنَّ هذا لا يعني أنَّ الخوض في الجزئيات غير مهمّ؛ حيث يتوقف الأمر الكُلّي على جزئيات متعددة، فلا ثورة معروفة دون أنْ تُعرف دقائق أُمورها، وهذا ما بحثه المفكّرون كثيراً خدمة للمبادئ العامّة التي عُرفت بها ثورة الإمام الحسين علیه السلام .


1) هذا التشعّب للمطالب الثّلاثة غرضٌ فنيّ، وإلّا فإنّه يمكن أنْ تكون تحت سياق متّصل مترابط.

ولكن الدخول في جزئيات لا تُسمن البحث ولا تُغنيه من جوع لم تكن إلّا وبالاً على قضية النّهضة وعواملها، بل كان الأجدر بالمفكّرين المنتمين إلى الثّورة أنْ يتركوا الخوض في هذا الجانب ويطرحوا البحث في أحاديث وقصص ضعيفة بغية استجلاب العبرة على عظم هذا الهدف، إلّا أنّه - وممّا لا شك فيه - خلق الكثير من المنفّرات من روايات تتكلَّم بشكل مغالٍ عن الثّورة، وأُخرى تنسب قصصاً لا أسانيد لها، أو أنّها مراسيل لا يُعتنى بها، وغير ذلك.

ثانياً: الزّمان والمكان وأثرهما في الخطاب

لقد شغلت بحوث الزّمان والمكان الحيّز الكبير في الآونة الأخيرة من الدّراسات الإسلاميّة؛ إذْ لاحظ الكثير من الفقهاء والمفكّرين أثر الزّمان والمكان في فهم النّصوص الشرعية والأحكام، والدّراسات الإسلاميّة في هذا الصّدد كثيرة.

لقد لاحظ العلماء أنَّ تطور الجانب المعرفي في العملية اللغوية وفهم المعاني وأساليب الطّرح يختلف من زمان إلى زمان، حيث تتطلب الفكرة عينها بياناً آخر من زمانٍ إلى زمان، وتوضيح أعمق، نتيجة التّطورات الهائلة في العقل البشريّ وأساليب الخطاب.

وليست مسألة النّهضة الحسينيّة بعيدة عن هذا المناخ المعرفيّ بوصفها مرجعاً فكرياً حيوياً في حياة الأُمّة وسلوكها العمليّ، ولكن الملاحظ - إلّا القليل - التزامَ أُسلوبٍ خطابي وكتابي واحد في قراءة النّهضة الحسينيّة، إذ يقدّمها للأجيال المتعاقبة بنفس التّقنيات المستخدمة سابقاً، وهو أمر لا يُشك في خطئه؛ فبيان الثّورة مع الرّعيل الأوّل لا يمكن أنْ يكون ذاته مع الأخير، كلّ زمان يفهم الثّورة بشكل أعمق وأوضح، وهو ما يتطلّب نضجاً معرفياً على جميع المستويات بغية التقدّم في إبانة حركية الثّورة واستمراريتها ف-«علينا أنْ نعرف كيف نستخدم أساليب العاطفة؛ لأنَّ العاطفة تتطور مع الزّمن... كما نحتاج إلى تقنية المضمون بإبعاد الخرافة عن السّيرة الحسينيّة، فالبعض يحاول دائماً أنْ يقدّم السّيرة بشكل خرافي جداً، وربمّا خارق للتّصور أو منافٍ للعقل لمجرد إثارة العاطفة... فقد أصبح المنبر الحسينيُّ يحتاج إلى ثقافةٍ من أعمق وأوسع الثّقافات...

فالكثير من الخطباء مخلصون لكنّهم تعوزهم الثّقافة التي تجعلهم بمستوى مهمتهم»(1).

إنَّ الخطاب الرّتيب غير المراعي لشروط الزّمان والمكان وغير الموسّع والمعمّق خلق نوعاً من العزلة لأهداف الثّورة ومساعيها في نهضة الأُمّة، حيث بقي الخطاب داخلياً تسيطر عليه الكثير من العوامل القديمة والمعرفة غير المتطورة؛ ولذا لم يجد الكثير فيه الحيوية والقدرة على جذب المبتعدين أو الجاهلين أو حتى المعاندين أحياناً.

بطبيعة الحال فإنَّ الكلام لا يُطلق على عواهنه، فقد عرفت السّاحة الحسينيّة خطباء وكتّاب ومفكّرين أثروا السّاحة وقدّموا النّهضة بشكل أبهرت خلالها الأُمّة وجذبتها للخوض في النّهضة الحسينيّة، وهي من خارج الفكر المنتمي إليها إنْ صحَ التّعبير، ومع هذا فالأمر بحاجة إلى جهد أكبر.

ثالثاً: التّحليل التّاريخي وغياب خطاب الإصلاح

غالباً ما يفتقد بعض الخطباء والكتّاب البُعد التّحليليّ في قراءة أحداث التّاريخ ومعرفة ترابط الأحداث ببعضها البعض، وهو ما يشكّل إعاقة معرفية في تسليط الضّوء على حقيقة الأهداف والأسباب الحقيقية وراء الخروج والنّهوض، والشّهادة بهذا الشكل المفجع، ولا يخطر ببال البعض أنْ يرسم الأُمّة وأحوالها ما قبل الثورة، أو ثقافة الأُمّة أو فكرها، بل ينصبُّ الجهد في الغالب على وصف الحادثة، هذا من جهة المنبر، وأمّا الكتّاب فيعاني البعض الشّطط في التّحليلات حيث ترجيح أهدافٍ على أُخرى بدون مبرر موضوعي، أو طمس أهداف(2)، وهو ممّا لا شكّ فيه عمل معرفي، القصد من ورائه الإضاءة، ولكن تغيب النّظرة الكلية أحياناً عن المفكّرين، مع تكرار عدم خلو السّاحة من البحث الدّقيق والموضوعيّ، وقد تنبّه الكثير من الفقهاء والعلماء إلى غياب البعد التّاريخيّ التّحليلي في الجهد المعرفيّ الاستبياني لثورة الإمام الحسين علیه السلام والنّهضة المباركة، ففي الواقع: «إنّنا


1) فضل الله، محمد حسين، النّدوة، العدد 9، مجموعة محاضرات: ص603- 604.

2) اُنظر: التميميّ، قيصر، مجلة الإصلاح الحُسينيّ، العدد: 4، بحث بعنوان: الأسباب والمبررات العقدية والتّراثية للتفريط بالأهداف والمبادئ السّياسية للنّهضة الحُسينيّة: ص11.

بحاجة إلى نمطٍ آخر من البحث، وهو ما يسمّى بالتّحليل التّاريخي، وهو تحليل يرتكز على جميع المفردات والشّواهد العديدة، وإيجاد ترابط بين الأحداث التّاريخية، واستكشاف الأهداف والخلفيات من مجموعة الأحداث عن طريق جمعها وتنظيمها في نسقٍ واحد؛ لتكون ذات دلالةٍ فاعلةٍ تستوضح الغايات المرتقبة من خلال مواقف الأئمّة علیهم السلام ، وتكتشف صورة متكاملة فيها مزيج الأُسس والنّتائج والأسباب والعلل»(1).

يُضاف إلى هذا بعدٌ آخر: وهو غياب خطاب الإصلاح غالباً، والتأكيد على وحدة الأُمّة وجعل الإمام الحسين علیه السلام ، ونهضته جامعاً لكلّ المذاهب وبعض الأديان.

إنَّ مثل هذا الخطاب الوحدويّ يرفع القيمة الكبيرة ويبرز الثّورة الحسينيّة بأسمى مبادئها، خصوصاً وأنّها خرجت آنذاك وهي تنظر إلى الأُمّة وإيقاظها من سبات فقد الإرادة، «فحذارِ أنْ نصوّر عاشوراء على أنّها موجّهة لفريق معيّن من المسلمين؛ لأنّ يزيد لا يمثّل المسلمين السُنّة... بل لا بدَّ من حمل عناوين عاشوراء وشعارات عاشوراء للمسلمين جميعاً»(2).

وبمثل هذا الخطاب يمكن أنْ تكون النّهضة الحسينيّة رمزاً من رموز الوحدة التي يسعى جميع المسلمين إلى الانتماء لها ومعرفتها؛ لأنّها تضمُّ في طياتها مبادئ تحتاجها جلُّ الفرق والأديان وليس فرقة محددة؛ ولذا فإنّ غياب مثل هذا الخطاب الوحدويّ - إلّا ما ندر - يشكّل نقضاً لغرض الثّورة بمبدئها العام وهو (إصلاح الأُمّة ولمّ شملها).

ومع هذا، فإنَّ الشّيعة أو المنتمين إلى الثّورة الحسينيّة قد استفادوا الكثير من هذه الثّورة، ويمكن أنْ يقال بضرس قاطع: إنَّ سبب بقائهم واستماتتهم ووجود الكثير من الأعداء لهم هو التمسّك بالحسين علیه السلام ولو كان بدرجات متفاوتة، فكلّ فئة تستضيء منه علیه السلام بقدر فهمها لعمق الثّورة وأبعادها، بالإضافة إلى حقيقة وشخصية الإمام، إلّا أنَّ المراد الواقعي أنْ تستفيد الأُمّة بكافّة أطيافها من الثّورة، لا أنْ يبقى الأمر رهينَ


1) الهاشميّ الشّاهرودي، محمود، مجلة المنهاج، العدد29، بحث بعنوان: الثّورة الحسينيّة دراسة في الأهداف والدّوافع: ص16.

2) فضل الله، محمد حسين، النّدوة، العدد4، مجموعة محاضرات: ص355.

بعض الطّبقات والمذاهب، ولو قدّر للأُمّة أنْ تتمسّك بالخطّ الثّوريّ والفكريّ للنّهضة الحسينيّة لأمكنَ الأُمّة الإسلاميّة من التوحّد في كثيرٍ من المبادئ، منها:

1- معرفة العدو وكونه مشتركاً مشخّصاً بملاحظة خطابات كربلاء التي حددت معالم القائد في بعض فقراتها.

2- لا يجب على الأُمّة أنْ تشتركَ في كلِّ اعتقاداتها، إلّا أنَّ معالم الإسلام الواضحة مسؤوليةٌ مشتركة بين الجميع، فلا بدَّ من الانتباه إلى الأفكار الدخيلة على السّاحة الإسلاميّة والتي تسوّغ وتشرّع الحرام، أو تنظِّر لمعتقداتٍ مشوبةٍ بالكثير من الفكر الدّخيل الذي لا يرتضيه الإسلام، علماً أنَّ التّغافل عن هذه الخطورة يعود بالضّرر على جميع أطياف المسلمين بلا استثناء، إمّا بشكل مباشر أو غير مباشر. وهو الملاحظ في الواقع الخارجيّ، والوقوع أدلُّ دليلٍ على الإمكان.

إنَّ نتائج الثّورة وجدت طريقها إلى الواقع وقد أثّرت في مناح عديدة، وما لا يمكن نكرانه أنَّ الثّورة اتّجهت لمسار العلويين دون أنْ يبالي طيفٌ كبير من الأُمّة بهذا الأمر؛ وذلك إما خوفاً أو حذراً أو مجانبةً للوقوع في ما لا يُحمد عقباه، يُضاف إلى ذلك سياسة التّرغيب وشراء الضّمائر.

السبب الثّاني: المراسم العاشورائيّة والثّورة الحُسينيّة إشكالية العلاقة

لا تخلو الثّورات ولا الأديان - مع المسامحة في القياس - من ممارسات عباديّة أو طقوس يلتزم بها کل مُنتمٍ إليها، تكون في الغالب تطبيقاً أو إحياءً للمبادئ والالتزامات، وهذا أمر بيِّن.

ويمكن القول: إنَّ أيّ ثورة أو نهضةٍ إذا لم تخلق في نفوس أفرادها قدرة الإحياء فإنّها زائلةٌ مع تقادم الأيام، فبقاء الثّورات يرتبط بعدّة عوامل في نجاحها حين الحِراكِ، وما بَعده أيضاً.

هذا الإحياء كما يكون إحياءً معرفياً فكرياً، فإنّه يتمثّل بطقوس ومراسم خارجية يلتزم بها المنتمون لأيّ حركة؛ بغية اتّخاذها مظهراً عامّاً في جميع مناحي الحياة من معرفة

وسلوك خارجي وبُعد إيماني.

وقد تُرسَم معالم الطّقوس وتنتشر بشكل مرضيٍّ عنه داخل أسوار التّشريع، وقد يكون ثمار الاجتماع البشري بإظهار طرقٍ للاحتفاء بأيّ ذكرى معينة. والعالم الخارجي مليءٌ بالعديد من السّلوكيات والمظاهر لتعبيرات الشّعوب، إمّا عن نهضتها أو دينها، أَو أيِّ قيمة تتمسّك بها.

وليست نهضة عاشوراء بمعزلٍ عن هذا الجو العام، فقد أوجدت عبر مئات السّنين العديد من المظاهر والمراسم التي يحتفي بها المنتمون إلى الفكر الحُسينيّ على مختلف أصقاعهم؛ وذلك لإظهار عظمة ذاك المشهد التّاريخي الذي يمتلك القدرة على البقاء المستمرّ وتزويد حركات العالم والإنسانيّة بمعاني الحريّة والإباء، وقد وجدت هذه الشّعائر التّأييد من الشّارع المقدّس، وإنْ اختُلفَ في بعضها، إلّا أنَّ الأعمَّ الأغلب كان مرضياً عنه، بل وورد في بعض الشّعائر التّأكيد عليها، ومزاولتها بشكلٍ مستمرّ، ولا يُنكر فضل هذه الجَمهرة التي أثبتت قدرة الرّوح الحسينيّة وثورته علیه السلام على استجلاب العقول واستحضار نفوس جديدة في كلّ عام.

إلّا أنَّ ثمّة إشكالية لا بدَّ من بيانها: ما هي علاقة المراسم بالثّورة الحسينيّة؟

يمكن القول: إنَّ كلَّ مراسمٍ تُقام لأيِّ ثورة ولأيِّ دين ثمرتُها الكشف عن أهداف الثورة ومبادئها، وعرضها للعالم بشكل مرئي خارجي، وهي لهذا الهدف تُطلَبُ وَتُؤَيّد، وهي بهذا القدر يمكن أن تُسمّى (مراسم غائية) تهدف للإعلان عن لحظةٍ من تاريخ البشريّة كانت فيصلاً في حياة الأُمّة الإسلاميّة، وتستمد حركتها ودوام تجديدها من الثّورة الحسينيّة في كربلاء، فلا شكَّ في أنَّ هدفها خدمة كربلاء، وليست في ذاتها أمراً مطلوباً، ولا خلاف في ذلك.

هذه العلاقة الرّابطة بين المراسم الحُسينيّة والثّورة ذاتها يمكن أن نسلِّط الضّوء من خلالها على داء يمكن أنْ يصيب أنصار الثّورة ممّا يعود عليهم بالضّرر؛ إذْ يعتقد البعض أنَّ الثّورة الحُسينيّة مرتبطة بوجود هذه المراسم - مع عدم الشكِّ في ضرورتها وقدرتها على الإحياء - وإذا ما أُصيب أيٌّ منها بخدش أو زوال فإنَّ النَّهضة الحُسينيّة تدخل

منطقة الخطر ومهددة بالزّوال حتّى في نفوس المنتمين إلى النّهضة.

يمكن اعتبار هذا الشّعور والتّخوّف ذا مناشئ إيمانية سليمة، إلّا أنّه شعور يربط بقاء الثّورة ببقاء بعض المراسم وهو ما يعني تحجيم الثّورة ببعض الطّقوس، فقد مرّت مئات السنين عبَّر خلالها كلُّ جيل عن الحزن والإحياء بطريقته، بل ولكلِّ قومية ومجتمع طريقة في التّعبير عن الحزن والإحياء لمبادئ كربلاء، ولا يصيب الثّورة أيَّ تصدُّع لهذا التنوّع؛ بل يعطيها الحيوية والقدرة على تحريك النّفوس أينما كانت، وإلّا فالمراسم والطّقوس مع ضرورتها وأهميتها وتأكيد الشّارع المقدّس عليها، إلّا أنَّ المقصود من خطاب الشّارع الإحياء والذّكرى، دون أنْ يكون هناك خصوصية لفعل دون آخر، إلّا ما نُصّ عليه طبعاً.

ومن هنا؛ فإنَّ الانشغال بمسألة المراسم يجب أنْ تكون بقدر ما تكشف هذه المراسم عن تلك الواقعة العظيمة، لا أنْ تتحوّل إلى غاية بعينها ويقع الصّراع فيها، فإنَّه حينئذٍ خروج عن أهداف النّهضة الحُسينيّة.

هذا الأمر - وللأسف - قد وجد طريقه أحياناً إلى ساحة المنتمين إلى النّهضة الحُسينيّة، وهو ما سبّب في الغالب نظرةً من الخارج أنَّ إحياءَ النّهضة الحُسينيّة مجرّد طقوس، كما للهندوس طقوس وللبوذ، وغيرهم، وهذا ما منع أحياناً من توسّع قاعدة جماهيرية النّهضة الحُسينيّة.

ومع هذا، فلا يقال بعدم ضرورة المراسم والشعائر المقدّسة، فإنَّ لها دوراً عظيماً في حياة وفكر المنتمين إلى الحسين علیه السلام ، إلّا أنّه لا بدَّ من أنْ نُسلّط الضّوءَ على أنّها شعائرٌ هدفها الكشف عن الحزن وحقيقة ما وقع في كربلاء تصويراً يخدم الثّورة الحُسينيّة ومبادئها، لا أنْ تتحوّل الشّعائر إلى غاية بحدِّ ذاتها، تُقام لأنّها موروثٌ تعوّد عليه البعض، «فمجرّد أنْ يدّعي الإنسان أنّه يؤدّي هذا العمل من أجل الحسين علیه السلام ما لم يكن الشّكل يعبِّر عن أُسلوبٍ عُرفيٍّ عقلائيٍّ للتّعظيم، بل يجب أنْ يكون في الوقت نفسه مُرتبطاً بالمحتوى والمضمون الشّرعيّ لنهضة الحسين علیه السلام »(1).


1) الحكيم، محمّد باقر، دور أهل البيت في بناء الجماعة الصّالحة: ص161.

النتائج المتّصلة بمذهبة الثّورة

من خلال ما تقدّم يمكن الوصول إلى عدّة نتائج، منها:

1- ظهور الكثير من الأفكار العقديّة الباطلة، والتي تعدُّ مظهراً سياسياً في واقعها؛ لأنّها من خلال قراءة واعية تكشف عن تبرير لما عليه الحال والسّلطة في كلّ الأزمنة، وهو ما أوضحه الإمام الحسين علیه السلام من خلال خطبه والثّوابت التي رسّخها.

2- ابتعاد ثلّة كبيرة من الأُمّة عن منهج الثّورة واعتبارها شأناً داخلياً، وهو ما خلق العديد من الهنات في التحرّك الإسلاميّ أيضاً والأُمّة بشكلٍ عام، والملاحظ أنَّ المنتمين إلى الثّورة الحُسينيّة استطاعوا أن يكونوا خطَّ مواجهة قوي ضدَّ كافّة العوامل المضادّة.

3- وجود فئات تنتمي في عقيدتها وفكرها وتحرّكها إلى المنهج المضاد للثّورة الحُسينيّة، وهو مع كونه عاملاً ضعيفاً في البنية الإسلاميّة، إلّا أنّه خلق توتّراً وطائفيةً دائمةً مصدرها العداء للأُخوَّة، بينما يتنعّم العدو المشترك واقعاً بسلامٍ أكبر مع هذه الفئات.

4- الخطاب المعرفيّ والمنبري الحُسينيّ الثوريّ أُصيب في بعض مراحله، بما يُسمّى بالفعل وردِّ الفعل، وهو في الواقع خروج عن أهداف الثّورة ورؤيتها الوحدويّة في لمِّ الأُمّة ورأب صدعها؛ كلّ ذلك نتيجة ظنّ البعض أنَّ الثّورة مقتصرة على فئة دون أُخرى، وبالتالي لا بدَّ من خلق شتّى الأسباب والعوامل بغيةَ التّصدي لكل قادمٍ حتّى وإنْ كان بالرّوايات الضّعيفة والقصص والغلو ممّا يعود بالنّفع على الثّورة ومنهجها الإصلاحيّ.

5- شيوع مقولات(1)في الغالب منشؤها حقد البعض على كافّة فرق الأُمّة، وهذه المقولات مثل (يزيد السُنّي والحسين علیه السلام الشّيعيّ)، أو(المنهج السّنيّ والمنهج الشّيعيّ في الثّورة الحسينيّة)، أو(الحسين علیه السلام عند الشّيعة وعند السّنّة)... جميع هذه المقولات لا


1) يمكن أن تدرس هذه المقولات تحت عنوان: القراءات المُختلفة والمُفرّقة للثورة الحُسينيّة الأبعاد والنتائج.

بدَّ من الالتفات إليها واعتبارها صادرةً عن عاملٍ خارجي، وإنْ صدرت من الدّاخل؛ لأن نتائجها الوخيمة لا تعود بالنّفع إلّا على الخارج المعادي. فالحُسين علیه السلام ابن بنت رَسولِ الله صلی الله علیه و اله مَثَّلَ الأُمّة، ونهضتها السّليمة، وعقلها الواعي، ليعلن أنَّ الإسلام لا تخلو ساحته من حماة يتصدّون لمبانيه، وهم يشكّلون الثّقل لكلِّ الأُمّة دون الآخر، وليست الاختلافات سبيلٌ لشقِّ الثّورة الحُسينيّة إلى أطراف متنازعة، فالفرق واضح بين (القراءة المختلفة والقراءة المفرّقة).

ويمكن أن نختم البحث بعبارة - للشّيخ محمّد جواد مغنية - تعبّر عن سموّ الثّورة وأبعادها الشّاملة لكلِّ طيفٍ يؤمن بالحريّة والعدالة والقيم السّامية، فيقول: «إنَّ الحسين علیه السلام ... ليس اسماً لشخص فحسب، وإنّما هو رمزٌ عميقُ الدّلالة، رمز البطولة والإنسانيّة، والأمل، وعنوان للدّين والشّريعة، والفداء، والتّضحية في سبيل الحقّ والعدالة»(1).


1) مغنية، محمّد جواد، الحسين علیه السلام وبطلة كربلاء: ص25.

الإصلاح الحسيني والعدالة المهدويّة

الشيخ غدير حمودي

الشيخ غدير حمودي(1)

مقدّمة

إنّ لثورة الإمام الحسين علیه السلام أهدافاً كثيرةً وعميقةً، جميعها حري بالبحث والتنقيب والتدقيق، ونحن نُريد أن نُسلّط الضوء على أحد أهم أهداف تلك الثورة المباركة، والذي كان شعاراً لها، وهو: (الإصلاح)، وهذا ما صرَّح به الإمام الحسين علیه السلام في وصيّته لأخيه محمد بن الحنفية: «إِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصلاح في أُمَّةِ جَدّي»، وهو إصلاح لا يقتصر على جنبة معيّنة، بل هو شامل لجميع الانحرافات الفكرية والعقدية والسلوكية. ونحن لا نُريد الخوض في جميع أبعاد الإصلاح الحسيني، وإنّما هدفنا - من هذه المقالة - معرفة أصل الإصلاح ومدى ارتباطه بالعدالة المهدوية المنتظرة، وذلك من خلال الوقوف والتأمّل في وصيته علیه السلام قبل خروجه من المدينة متوجّهاً إلى مكّة.


1) باحث وكاتب إسلامي.

نص الوصيّة

دعا الإمام الحسين علیه السلام - قُبيل خروجه من المدينة إلى مكة - بدواة وبياض، وكتب هذه الوصيّة لأخيه محمّد بن الحنفية:

«بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيمِ، هذا ما أَوْصى بِهِ الحُسَيْنُ بْنُ عَليِّ بْنِ أَبي طالِب إِلى أَخيهِ مُحَمَّد المَعْرُوفِ بِابْنِ الحَنَفيَّةِ: أَنَّ الحُسَيْنَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إلّا الله وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، جاءَ بِالحَقِّ مِنْ عِنْدِ الحَقِّ، وَأَنَّ الجَنَّةَ وَالنّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فيها، وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ، وَأَنّي لَمْ أَخْرُجْ أشِراً وَلا بَطِراً، وَلا مُفْسِداً وَلا ظالِماً، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصلاح في أُمَّةِ جَدّي، أُريدُ أَنْ آمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، وَأَسيرَ بِسيرَةِ جَدّي وَأبي عَليِّ بْنِ أَبي طالِب علیهما السلام ، فَمَنْ قَبِلَني بِقَبُولِ الحَقِّ فَالله أَوْلى بِالحَقِّ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ هذا أَصْبِرُ حَتّى يَقْضِيَ الله بَيْني وَبَيْنَ القَومِ بِالحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمينَ، وَهذِهِ وَصِيَّتي يا أَخي إِلَيْكَ، وَما تَوْفيقي إلّا بِالله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنيبُ».

مصادر الوصيّة

إنّ أقدم الكتب التي نقلت هذه الوصية، هي عبارة عن:

1- كتاب (الفتوح) للعلّامة المؤرّخ أبي محمّد أحمد بن أعثم (أكتم) الكوفي (الشافعي) المتوفّى في حدود سنة (314ﻫ/926م)(1)، وقد قيل فيه: إنّه شيعي، أو متأثر بمذهب أهل البيت علیهم السلام ؛ ولذا عدَّه بعض أهل الحديث ضعيفاً! وقال صاحب (مجالس المؤمنين): إنّه من ثقات المتقدّمين أرباب السير(2).

2- كتاب (مقتل الحسين علیه السلام ) للحافظ أبي المؤيَّد الموفَّق محمد بن أحمد المكّي الخوارزمي المتوفّى سنة (568ﻫ)(3).


1) ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج5، ص21.

2) اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج2، ص481.

3) الخوارزمي، محمد بن أحمد، مقتل الحسين علیه السلام : ج1، ص188.

وقد نقل عن الخوارزمي علماء الخاصّة والعامّة، وأكثروا من تخريج أحاديثه في كتبهم، فمن الخاصة: العلاّمة الحلي، والسيد ابن طاووس، وابن شهر آشوب، والإربلي، وغيرهم. ومن العامّة: السيوطي في (البُلْغة)، والگنجي الشافعي في (كفاية الطالب)، واليماني الصَّنعاني في (الرَّوض الباسم)، والزرَندي الحنفي في (نَظْم دُرَر السمطين)، وابن الصبّاغ المالكي في (الفصول المهمّة)، وابن حجر الهيتمي في (الصواعق المحرقة)، والسّمهودي في (جواهر العِقدين)، وغيرهم. ونُقِل له عن القِفْطي والصّفَدي مديحاً وإعجاباً به(1).

يُعدّ الخوارزميّ مؤرِّخاً وراوياً في الوقت نفسه، وقد امتاز بعدم تعصّبه ضدّ التشيّع(2).

نعم، ربّما عُدَّ من المتساهلين في أسانيده، إلّا أنّ التحقيق أثبت خلاف ذلك؛ لأنّه - ومِن أجل إكمال سَير الحوادث والوقائع - روى كثيراً من المراسيل، ولكن مع ذلك فهي مراسيل يعضدها الاعتبار نوعاً ما(3).

وهذا لا يعني جواز الأخذ بكلّ ما رواه الخوارزمي، بل لا بدّ من النظر في القرائن التي تساعد على صحّة ما روى.

3- كتاب (مناقب آل أبي طالب) للشيخ محمّد بن علي بن شهر آشوب المتوفّى (588ﻫ/1192م)(4)، وهو غنيّ عن التعريف عند مدرسة أهل البيت علیهم السلام ، ولا يُطعَن فيه أو يُخدش في فضله.

كذلك نقل العديد من أساطين العلماء هذه الوصية(5).


1) اُنظر: كلمة التحقيق (الشيخ مالك المحمودي) لكتاب المناقب، للخوارزمي. مقدمة التحقيق (الشيخ محمد السماوي) لكتاب مقتل الحسين علیه السلام ، للخوارزمي.

2) مقدمة التحقيق (الشيخ محمد السماوي) لكتاب مقتل الحسين علیه السلام ، للخوارزمي.

3) المصدر السابق.

4) اُنظر: ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص241.

5) اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص 329. البحراني، عبد الله، العوالم: ص179. الأمين، محسن، لواعج الأشجان: ص30. الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج1، ص588.

اعتبار الوصية

هناك مجموعة من الشواهد تدلّ على صحّة الوصية، منها:

1- قد نقلها علماء الفريقين على اختلاف توجّهاتهم الفكرية والفقهية.

2- موافقتها لعمومات المذهب الإمامي وأهداف كربلاء.

3- إنّ مَن ذكرها من أعلام الطائفة لم يناقش في سندها. إلى غير ذلك من الشواهد التي تُثبِت اعتبار هذه الوصية.

وعلى كلّ حال، فقد اكتفينا بهذا المقدار؛ لما فيه الكفاية للحصول على الاطمئنان بصدور هذه الوصية عن الإمام علیه السلام .

إشكال على صحّة صدور الوصية

ربما يقال: إنّ محمد بن الحنفية لم يخرج مع الإمام الحسين علیه السلام ؛ وهذا يعني أنّه لم يكن معه على وفاق، وإذا كان كذلك فمن المستبعد جدّاً أن يوصي الإمام الحسين علیه السلام إليه.

جواب الإشكال

لكي يتّضح الجواب عن هذا الإشكال، وبيان ما دار بين محمّد بن الحنفية وبين الإمام الحسين علیه السلام حين كتابة هذه الوصية، لا بدّ من الوقوف قليلاً للتعرّف على سيرة محمّد بن الحنفية بشكل مختصر:

المشهور عند الإمامية أنّ محمّد بن الحنفية كان أحد رجال الدهر في العلم والزهد والعبادة والشجاعة وهو من أفضل وُلْد الإمام علي علیه السلام بعد الحسن والحسين علیهما السلام ، وكان الولد المطيع لأمر والده وفي خدمته.

ولُقِّب بابن الحنفية، إمّا لأنّ أُمّه خولة الحنفية كانت من بني حنيفة، فغلبت عليه هذه النسبة، وإمّا تمييزاً له عن أخويه الحسن والحسين علیهما السلام ، وإمّا لدفع شبهة فرقة

الكَيْسانية(1)، فقد ادّعوا المهدوية والغيبة لابن الحنفية وأنّه هو المهديّ الموعود، سيّما وأنّ اسمه محمّد وكنيته أبو القاسم على ما سمّاه رسول الله صلی الله علیه و اله ؛ ولذا كان تأكيدهم علیهم السلام - خصوصاً لدى الإمامين الباقر والصادق علیهما السلام الذي اقترن زمانهما بتلك الدعوى - على هذا اللقب من أجل دفع هذه الشبهة؛ لأنّ المهدي علیه السلام من ولد فاطمة علیها السلام، كما هو الثابت في الروايات المأثورة عن رسول الله صلی الله علیه و اله وأهل البيت علیهم السلام .

وبما يتعلّق بمكانته عند رسول الله صلی الله علیه و اله وأهل بيته علیهم السلام ، نكتفي بما رُوي في البحار: أنّ الرسول الأعظم صلی الله علیه و اله قال لعلي علیه السلام : «سيُولَد لك وَلدٌ سمّه باسمي، وكنّه بكنيتي». فلمّا وُلِد لعلي ولده هذا من خولة الحنفية سمّاه باسم النبيّ صلی الله علیه و اله ، وكنّاه بكنيته(2).

وقبل رحيل أمير المؤمنين علیه السلام ، أوصاه وصيّة خاصّة بأخويه الحسن والحسين علیهما السلام ، فقال له: «...أُوصيك بتوقير أخَوَيك؛ لعِظَم حقّهما عليك، فلا تُوثِقْ أمراً دونَهما». وفي المقابل أوصى علیه السلام ولديه الحسن والحسين علیهما السلام بأخيهما محمّد بن الحنفية، فقال لهما: «أُوصيكما به؛ فإنّه أخوكما وابن أبيكما، وقد كان أبوكما يُحبّه»(3).

وبقي ابن الحنفية على ارتباطٍ ولائي واعتقادي بإمامه أبي عبد الله الحسين علیه السلام حتى استشهاده. وكان معتقداً - أيضاً - بإمامة ابن أخيه الإمام علي بن الحسين علیه السلام (4)، فقد رُوي عن الإمام جعفر الصادق علیه السلام قوله: «ما مات محمّد بن الحنفية حتى آمَنَ بعلي بن الحسين علیهما السلام »(5).


1) الكَيْسانية: هم القائلون بإمامة محمّد بن الحنفية، ويزعمون أنّه اليوم حيّ، وهو المهدي، باعتبار أنه كان صاحب راية أبيه يوم البصرة دون أخويه فسمّوا (الكيسانية)، أو لأنّ المختار بن أبي عبيدة الثقفي كان رئيسهم، وكان يلقّب كيسان. اُنظر: النعمان، القاضي المغربي، شرح الأخبار: ج3، ص315. والفيروز آبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط: ج2، ص248.

2) اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج18، ص112، ج42، ص99.

3) المصدر السابق: ج42، ص245.

4) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص 348.

5) ابن بابويه، علي بن الحسين، الإمامة والتبصرة: ص60.

سبب عدم خروج ابن الحنفية مع الحسين علیه السلام

وأمّا سبب عدم خروج ابن الحنفية مع الإمام الحسين علیه السلام فقد ذُكرت فيه عدّة وجوه:

الأوّل: إنّ الحسين علیه السلام أمره بالبقاء في المدينة؛ لأجل ائتمانه على مصالحه علیه السلام ومصالح مَن بقي من بني هاشم، حتى لا يتجرّأ عامل المدينة - الوليد بن عتبة - على أذاهم، حياءً منه أو خوفاً من خروجه عليه. قال الحسين علیه السلام : «وأمّا أنت يا أخي فلا عليك بأن تُقيم بالمدينة فتكون لي عيناً، لا تُخفي عنّي شيئاً من أُمورهم»(1).

الثاني: أنّه أصابته عين، فخرج بيده خرّاج وعطّل يده عن المقارعة بالسيوف، فكان هذا عُذره في ترك المسير مع أخيه الحسين، وترك تكليفه في الخروج معه إلى العراق، فقد رُوي قوله لأخيه الحسين علیه السلام : «إنّي - والله - لَيَحزُنُني فراقُك، وما أقعَدَني عن المسير معك إلّا لأجل ما أجِده من المرض الشديد... فو الله - يا أخي - ما أقدر أن أقبضَ على قائم سيف، ولا كعب رمح، فوالله، لا فَرِحتُ بعدك أبداً!»، ثمّ بكى بكاءً شديداً حتّى غُشيَ عليه، فلمّا أفاق من غشيته، قال: «يا أخي، أستَودِعُك الله مِن شهيدٍ مظلوم»(2).

الثالث: أَمَرَه الإمام الحسين علیه السلام بالبقاء من أجل التغطية الإعلامية لإبراز أهداف الثورة، أو إبراز مظلوميته علیه السلام لأهل المدينة. فإنّ كتابة الوصية لمحمّد بن الحنفية تؤكّد ذلك(3).

إلى غير ذلك من الوجوه التي ذُكرت لبيان سبب عدم خروج ابن الحنفية مع الإمام الحسين علیه السلام .

والنتيجة: إنّ محمّد بن الحنفية كان له تكليفه الخاصّ في ثورة الإصلاح الحسيني، وقد كان مؤيَّداً من إمام زمانه حسب الشواهد التاريخية، مطيعاً له ومنفِّذاً لأوامره.

وبذلك يتبيَّن الجواب عن الإشكال المتقدّم وأنّه لا يصلح لتضعيف صدور الوصية.


1) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص329.

2) المازندراني، محمد مهدي، معالي السبطين: ج1، ص 229. الدربندي، فاضل، أسرار الشهادة: ص246. أبو مخنف، لوط بن يحيى، مقتل الحسين: ص61.

3) اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص329.

المعنى الإجمالي للوصية

إنّ وصية الإمام الحسين علیه السلام لها أبعاد عديدة ومتنوعة:

البعد الأوّل: بيان العقيدة

وهو الإقرار بالعبودية لله والتوحيد الخالص، حيث بدأ وصيته: «إِنَّ الحُسَيْنَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إلّا الله وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ»، وكأنّه علیه السلام ينعى نفسه في بادئ الأمر، ومن ثمَّ يعرِّف عقيدته للمسلمين؛ إذ إنّه علیه السلام لم يقل: أشهد، وإنّما قال: «الحُسَيْن يَشْهَدُ».

وبعد ذلك تطرّق إلى الاعتقاد الثاني، وهو الإيمان بالنبوّة وبما جاء به محمّد صلی الله علیه و اله من عند الله تعالى. ثمّ بعد ذلك ذكر اعتقاده بيوم المعاد.

البعد الثاني: بيان أهداف النهضة

بعدما عرَّف الإمام عقيدته بادر إلى بيان هدفه من هذه النهضة المباركة، وقد ابتدأ بنفي شهوة (البطر والأشر) أي: الفرح والسرور وجحود النعم وعدم شكرها، ثمّ نفى (الظلم والمفسدة) وهي شهوة الغضب، حتى لا يُفهم أنّ نهضته من أجل الحصول على الراحة الدنيوية، أو من أجل الطغيان والظلم وإثبات الوجود، وكلا الأمرين لا يطلبه مَن يؤمن بالله واليوم الآخر.

وبعد أن نفى جميع هذه الأُمور عرَّج لبيان هدفه، وهو: الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا لا يتمّ إلّا من خلال ملازمة ومتابعة سيرة النبي صلی الله علیه و اله ، والتي سار عليها أمير المؤمنين في إمارته وخلافته باعتباره امتداداً لذلك الوجود المبارك.

البعد الثالث: بيان أنّه علیه السلام واجب الطاعة

تحدّث الإمام عن أمر صعب ومهمّ جدّاً وهو الطاعة له، قال: «فَمَنْ قَبِلَني بِقَبُولِ الحَقِّ فَالله أَوْلى بِالحَقِّ»، فأراد أن يُبيِّن أنّ وجوب طاعته نابع من الحقّ، فعلى مَن صدَّق وآمن بالنبي صلی الله علیه و اله قبول ذلك.

البعد الرابع: بيان صبره وتوكّله علیه السلام

إنّ الإمام الحسين علیه السلام يعلم أنّ القوم - كباقي الملل السابقة - لا تقبل الحقّ، وبالتالي يصعب عليها قبول الطاعة له، فبيَّن بقوله: «وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ هذا أَصْبِرُ، حَتّى يَقْضِيَ الله بَيْني وَبَيْنَ القَومِ بِالحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمينَ». إنّ هذا الأمر يحتاج إلى صبر وبذل تضحيات كبيرة من أجل إيصال هذه الفكرة، وهذا لا يتم إلّا بالتوكّل على الله سبحانه وتعالى.

معنى الإصلاح والعدالة

معنى الإصلاح

إنّ من أهمّ الأُمور التي بيَّنتها الوصية المتقدّمة والذي هو شعار النهضة الحسينية هو الإصلاح، وهو لغة: ضدّ الإفساد، وهو من الصلاح المقابل للفساد، وكذلك هو في قبال السيئة.

جاء في القرآن الكريم: «خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا»(1)، «وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا »(2)، فكلمتي (الإصلاح، والإفساد) من الكلمات المتقابلة التي وردت متكررة في القرآن، فهما من المصطلحات الإسلامية والاجتماعية التي يمكن معرفة إحداهما بالثانية، من قبيل: التوحيد والشرك، الإيمان والكفر، الهداية والضلال، العدل والظلم، الخير والشرّ، الطاعة والمعصية، الشكر والكفران، الاتحاد والاختلاف، الغيب والشهادة، العلم والجهل، التقوى والفسوق، الاستكبار والاستضعاف، وأمثالها.

فالإصلاح هو: التغيَّر إلى استقامة الحال على ما تدعو إليه الحكمة. فالحركات الإصلاحية هي الدعوات التي تُحرّك قطّاعات من البشر لإصلاح ما فسد في الميادين الاجتماعية المختلفة، انتقالاً بالحياة إلى درجة أرقى في سُلّم التطوّر الإنساني(3).


1) التوبة: آية102.

2) الأعراف: آية56.

3) اُنظر: مطهّري، مرتضى، الحركات الإسلامية: ص10.

وأمّا اصطلاحاً: فلا يفرَّق بينه وبين مصطلح الثورة على مستوى التغيير وشموله، وإنّما الاختلاف من حيث الأُسلوب في التغيير وزمن التغيير، فالثورة تسلك سُبل العنف غالباً والسرعة في التغيير، بينما تتم التغييرات الإصلاحية بالتدريج، وكثيراً ما تكون للثورة الأولوية لتغيير الواقع، بينما تبدأ مناهج الإصلاح عادة بتغيير الإنسان، وإعادة صياغة نفسه وفق الدعوة الإصلاحية، وبعد ذلك ينهض هذا الإنسان بتغيير الواقع وإقامة النموذج الإصلاحي الجديد(1).

معنى العدالة

العدالة لغة: هي الاستقامة، أو الإنصاف والمساواة، وهي خلاف الجور والظلم(2).

وأمّا في الاصطلاح فلها أكثر من استعمال:

العدالة عند أرباب الحكمة وأهل العرفان: هي عبارة عن تعديل قوى النفس، وتقويم أفعالها بحيث لا يغلب بعضها على بعض(3).

العدل في أُصول الدين: هي الاعتقاد بأنّ الله تعالى عادل لا يفعل القبيح مثل الظلم، ولا يترك الحسن مثل اللطف(4).

العدالة في الشرع: مَلَكة راسخة باعثة على ملازمة التقوى، من فعل الواجبات، وترك المحرَّمات(5). وهناك تعاريف أُخرى للعدالة في الشرع مذكورة في محلّها.

العدل في القرآن الكريم: استُعمِل العدل في القرآن بمعانٍ عديدة منها: الاستقامة(6)،


1) المصدر السابق.

2) اُنظر: فتح الله، أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ص286.

3) البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج10، ص13.

4) فتح الله، أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ص286.

5) المصدر السابق.

6) «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 90.» النحل: آية90.

الإنصاف(1)، الفدية(2)، الوسطية(3)، الاستواء(4)، إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه(5)، إلى غير ذلك من المعاني.

ويمكن جمعها في معنى واحد، وهو إظهار كلمة الله في الأرض في جميع الميادين السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والجزائية. قَالَ تعالى: «وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا»(6)، وقال سبحانه: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ»(7)، والقسط هو العدل.

الارتباط بين الإصلاح والعدالة

تبيَّن من خلال عرض معاني الإصلاح والعدالة أنّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين المصطلحين، وأنّ العدالة لا يمكن أن تتحقّق إلّا من خلال الإصلاح بأنواعه كافّة، فإنّ إظهار الحقّ وإعلاء كلمة الله في جميع الميادين - سواء السياسية، أو الاجتماعية، أو الفكرية - لا يتحقّق إلّا إذا تحقّق الإصلاح في تلك الميادين، فهناك شبه عِلّية ومعلولية بين الإصلاح والعدالة.

الفهم المتعارف للإصلاح عبر الزمان

إنّ الإصلاح الذي قام به الأنبياء علیهم السلام منذ خلق البشر، لا يختلف مضمونه وحقيقته عبر الزمان؛ لأنّ المنشأ واحد والأهداف والغايات واحدة، فهم علیهم السلام جميعاً مرسَلون


1) «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ 8.» المائدة: آية8.

2) «... وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ...» الأنعام: آية70.

3) «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا» البقرة: آية143.

4) «الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ 7.» الانفطار: آية7.

5) «... وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ...» النساء: آية58.

6) الأنعام: آية115.

7) الحديد: آية25.

من الله سبحانه، ولكن الاختلاف في الوسائل التي ترسم وتبرز الإصلاح عبر الزمان، وذلك حسب ما تقتضيه الظروف التي يعيشها ذاك أو هذا المعصوم؛ من هنا فإنّ الأشكال التي يظهر فيها الإصلاح يمكن أن تتفاوت وتخضع لظروف معيَّنة في كل مجتمع عاشه النبي المعصوم، أو الإمام المعصوم.

فتارةً: يقوم النبي بإظهار الإصلاح المتمثل في عدم سفك الدماء من خلال محاربة الفساد، فإنّ سفك الدم يُعدُّ جريمةً كبرى منعتها السماء، ولعلّها أوّل جريمة قام بها البشر عندما قتل قابيل أخاه هابيل. وهنا يأتي دور التعاليم السماوية لتبرز فكرة الإصلاح من خلال منع سفك الدم، ومنع القتال والتقاتل، جاء في القرآن الكريم: «لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ »(1)، «فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ»(2)«مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ »(3).

نعم، إنّ مبدأ الإصلاح من خلال منع القتل والتقاتل، وإن كان مبدأً نبيلاً ولكن ربما يُستغَل من قبل الظالمين أيضاً؛ لتمرير غاياتهم، كما في قصّة موسى علیه السلام «فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ »(4).

وأُخرى: يكون الإصلاح من خلال المحاججة وبيان الأدلّة والبراهين، كما في قصّة قوم سبأ؛ إذ إنّهم كانوا يعتقدون بإله آخر متصوّرين أنّه هو الذي يستحق العبادة، باعتقادهم أنّ الشمس وما لها من فائدة يجب أن تُعبَد، من دون الالتفات إلى مَن هو


1) المائدة: آية28.

2) المائدة: آية30.

3) المائدة: آية32.

4) القصص: آية19.

المعطي الحقيقي؟ ولأجل ماذا يعطي؟ وكيف يُعطي؟ فقد جاء في الذكر الحكيم على لسان الهدهد: «إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ »(1)، فقام النبي سليمان علیه السلام بمحاججتهم وإقامة البراهين والأدلّة، وترك القتال، وكذلك كان جواب ملكة سبأ، حيث إنّها أرسلت الهدية وعلَّلت ذلك بطريقةٍ، فقد جاء في الذكر الحكيم: «قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ *وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ »(2).

وثالثة: يكون الإصلاح من خلال بيان الأمراض السلوكية التي تلمُّ بالمجتمع، والتي تؤدّي إلى الفساد والهلاك والهاوية، كما جاء في قصّة نبي الله شعيب علیه السلام ، حيث قال: «وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ »(3)، فكان الجواب من قومه هو:«قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ *قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ »(4).

ورابعة: يكون الإصلاح من خلال الحرب والقتال، وقطع دابر المشركين والمفسدين في الأرض، كما في الحروب التي قادها أنبياء الله وأولياؤه، قال تعالى: «قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ »(5).


1) النمل: آية23- 24.

2) النمل: آية34- 35.

3) هود: آية85.

4) هود: آية87 - 88.

5) التوبة: آية14.

وهكذا فقد ذكر لنا التاريخ دور الأنبياء في إصلاح الفساد في الأرض، فكرياً وعملياً، وفي جميع الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، من أجل استمرار النظام الكوني الإلهي، وحفظ الوجود الإنساني.

الإصلاح الحسيني

تبيّن فيما سبق أنّ الأنبياء السابقين لكلّ منهم دوره الخاصّ في الإصلاح حسب الظروف المحيطة به، ولكن نجد أنّ الإصلاح الذي قدَّمه الإمام الحسين علیه السلام للأُمّة وللبشرية، حاز على نسبة أكبر من الاهتمام والتركيز في الفكر الديني، بل والفكر الإنساني؛ من هنا يأتي هذا السؤال: لماذا كلّ هذا الاهتمام والتركيز على ثورة الإمام الحسين علیه السلام دون غيرها من الحركات الإصلاحية؟

وللجواب عن هذا السؤال لا بدّ من عرض مميزات النهضة الحسينية الإصلاحية.

مميزات النهضة الحسينية

إنّ نهضة الإمام الحسين علیه السلام حازت على ميزات ومقوّمات جعلتها تمتاز عن جميع الحركات الإصلاحية الدينية، وذلك للظروف الشائكة التي كانت تلمُّ بالمجتمع الإسلامي والإنساني آنذاك؛ ممّا جعل الإصلاح في تلك النهضة المباركة يعزّز دور جميع الأنبياء السابقين والأئمّة اللاحقين، ويمثِّله ويحفظه، وهذا يتضح جلياً عند معرفة الظروف التي كانت سائدة، والطرق التي استخدمها العدو، فبنو أُميّة وقوى الشرِّ استغلوا جميع الأساليب التي استخدمها الأنبياء في إصلاح المجتمع لخدمة مصالحهم الدنيئة وغاياتهم الشيطانية، ممّا جعل الأُمور تلتبس على عموم الناس مكوِّنة الحيرة في نفوسهم، وعدم الوضوح، واختلاط الحقّ بالباطل؛ وبالتالي ضياع الصراط المستقيم، وبذلك يتحقق الهدف الشيطاني « لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ »(1).

ومن الأساليب التي استخدمتها قوى الشرّ لتضليل الرأي العام:


1) سورة ص: آية107.

1- تأكيدهم على عدم جواز القتل وسفك الدماء، وأنّه أمرٌ قبيح. وهذا في نفسه أمرٌ جيّد وأكَّدت عليه الشريعة المقدّسة، إلّا أنّهم استخدموه في عدم جواز الخروج على الحاكم، وإن كان ظالماً وجائراً.

2- تأكيدهم على الوحدة وعدم التفرقة، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلی الله علیه و اله : «مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنّه مَن فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية»(1)!! فهذا التأكيد - أيضاً - بصالح الحاكم الجائر.

3- تأكيدهم على وجوب إطاعة الحاكم، فقد رُوي عن رسول الله صلی الله علیه و اله : «مَن يطع الأمير فقد أطاعني، ومَن يعصِ الأمير فقد عصاني»(2). ورُوي عنه أيضاً، قوله صلی الله علیه و اله : «... يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع!!»(3)

وعليه؛ فقد رتَّبوا على ذلك أُموراً، منها: إعطاء المناصب والهدايا للقادة المطيعين، والوعيد والتهديد بالقتل إذا لم يلبّوا قول الحاكم.

4- الأخذ بظاهر حال الإنسان وحمل أفعاله على الصحّة حتى لو عمل ما عمل، فقد رُوي عن رسول الله صلی الله علیه و اله : لا تكفِّروا أهل ملّتكم وإن عملوا الكبائر، وصلّوا خلف كلّ إمام، وصلّوا على كلّ ميّت، وجاهدوا مع كلّ أمير!!(4).

وغيرها من الأفكار والشعارات التي استخدمها بنو أُميّة لتلميع صورتهم وتبرير أفعالهم المشينة، فاستُغلَّت هذه المبادئ الإلهية بشكل سيّء جدّاً، والتي كان يرفعها الأنبياء من أجل إعطاء وإبراز صورة جميلة لخلفاء الله في الأرض.

من هنا؛ كان خروج الإمام الحسين علیه السلام - بما يحمله من فكر عميق وصلابة موقف


1) ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد: ج1، ص275.

2) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج4، ص8.

3) النيسابوري، مسلم، صحيح مسلم: ج6، ص20.

4) اُنظر: ابن حجر، أحمد بن علي، الدراية في تخريج أحاديث الهداية: ج1، ص169.

مع أُسرته العلوية - ليزيح الستار عن هذه المدَّعيات المزخرفة والخطيرة والحساسة جداً؛ لأنّ تلك المدَّعيات كان لها جنبتان، الأُولى: إلهية دينية حقّانية، والأُخرى: شيطانية نفسانية باطلة؛ ولأجل ذلك استلزم الإصلاح تضحيات جسيمة بما يتناسب وحجم الخراب والانحراف والتشويه الفكري والعقدي، ممّا جعل النصح القولي وما شابهه لا يفي بالغرض، بل كان لا بدّ من التصدّي بنهضة عارمة وبدم زكي طاهر يزيل كلّ تشويه وتحريف وتلويث ألمَّ بجسد الأُمّة الإسلامية، وبه يمكن الحفاظ على الشريعة المقدّسة إلى ظهور الحجّة المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف .

فلو فرضنا أنّ الإمام الحسين علیه السلام لم يقم بهذه الثورة الإصلاحية، فمعناه أنّه لا يبقى من الدين باقية حتى رسمه، وهذا هو غاية الشيطان، ولكن الله يأبى إلّا أن يُتمّ نوره من خلال نوره في الأرض، وهو الحسين الشهيد علیه السلام «وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ»(1). وهذا مغزى ما يقال: إنّ الإسلام محمدي الحدوث، حسيني البقاء.

مقوِّمات الإصلاح في زمن الغيبة وحدوده

يخضع الإصلاح في كلّ زمان لمقوِّمات وحدود حسب ما تقتضيه شروط المجتمع، وهذا الأمر يكون بيد المعصوم في حالة وجوده؛ لأنّه العالم بالمصالح والمفاسد على وجهها الواقعي، وأمّا غير المعصوم فلا بدّ له من الاجتهاد في معرفة التكليف الشرعي، وذلك من خلال مراجعة وتحليل أحاديث المعصومين علیهم السلام وسيرتهم؛ لأنّ قولهم وفعلهم وتقريرهم حجّة على العباد.

فعليه؛ نحاول بيان المواضع التي يتمّ من خلالها الإصلاح لمِا يريده الله سبحانه وتعالى، والتي تختلف باختلاف الفساد كمّاً وكيفاً، ومن جملتها:

1- الإصلاح الفكري: ويمكن أن يكون في جميع الأزمنة والأمكنة، وخصوصاً عند ضعف عقائد المسلمين، لِما رُوي عن أمير المؤمنين علیه السلام : «إنّ العالم الكاتم علمه يُبعَث


1) الصافات: آية107.

أنتن أهل القيامة ريحاً، تلعنه كلّ دابةٍ من دواب الأرض الصغار»(1).

2- التحرك نحو الإصلاح بمقاطعة الظالم والمنحرف، وخصوصاً مَن يستغل الدين في المصالح الدنيوية، ففي الحديث النبوي: «الفقهاء أُمناء الرسل، ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول الله: وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم»(2).

3- الإصلاح من خلال استغلال الفرص المناسبة لذلك، وعدم هدرها، كما في عهد الإمامين الصادقين علیهما السلام ، حيث نُشِرَت في تلك المدة أحاديث الأئمّة الأطهار علیهم السلام في وقت الصراع بين الأُمويين والعباسيين، ففي الحديث النبوي: «الأُمور مرهونة بأوقاتها»(3).

4- الإصلاح العملي (الثورة الإصلاحية): تجب فيما لو وجِدَت أرض خصبة للتحرك، قال الإمام الباقر علیه السلام : «إذا اجتمع للإمام عدّة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، وجب عليه القيام والتغيير»(4).

5- الإصلاح من خلال الدفاع عن بيضة الإسلام، كما هو المصطلح عليه عند الفقهاء، فعن أبي الحسن الرضا علیه السلام ، قال: «وإن خاف على بيضة الإسلام والمسلمين قاتل، فيكون قتاله لنفسه وليس للسلطان... لأنّ في دروس الإسلام دروس دين محمد صلی الله علیه و اله »(5).

6- الإصلاح من خلال التقيّة وكتمان السرّ، فبهما يأمن الأولياء، ويخيب الأعداء، فعن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: «اتّقوا على دينكم فاحجبوه بالتقية، فإنّه لا إيمان لمَن لا تقية له، إنّما أنتم في الناس كالنحل في الطير، لو أنّ الطير تعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلّا أكلته...»(6).


1) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج16، ص270.

2) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص46.

3) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج74، ص165.

4) المصدر السابق: ج97، ص49.

5) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج5، ص21.

6) المصدر السابق: ج2، ص218.

وجميع ذلك يكشف عن الصعوبة في تحديد التكليف، ما لم يتوفّر عنصرا التقوى ومخالفة الهوى، ويجب أن لا نتسرّع في الحكم على العلماء العاملين بأنّهم غير مصلحين، أو أنّهم متخاذلون ومقصرون تجاه الدين والمجتمع.

وكيفما كان، فإنّ المؤمن يجد نفسه محتاجاً إلى إمام زمانه؛ من أجل الاهتداء بنور الولاية الإلهية، والشوق إلى دولة الحقّ والعدالة والإصلاح، والتخلّص من حالة الشكّ والاضطراب، فعن الإمام الصادق علیه السلام ، قال: «نَفَسُ المهموم لنا المغتم لظلمنا تسبيحٌ، وهمّه لأمرنا عبادة، وكتمانه لسرّنا جهاد في سبيل الله»(1). قال محمد بن مسلم: «قال لي محمّد بن سعيد: اكتب هذا بالذهب، فما كتبت شيئاً أحسن منه»(2).

علاقة الإصلاح الحسيني بالعدالة المهدوية

إنّ العدالة - والتي هي أمل الشعوب في الماضي والحاضر - يجب أن نفهمها فهماً عميقاً؛ حتى يمكن لنا ادّعاؤها بشكل يتناسب مع ما نحن عليه.

فمن الواضح أنّ العدالة لا تأتي إلّا بعد الإصلاح الذاتي والاجتماعي، فبقدر ما يحصل من الإصلاح تظهر العدالة في الخارج، ولولا الإصلاح الذي قام به الإمام الحسين علیه السلام في المجتمع آنذاك، لتغيّر الكثير من معالم الدين، ولما كان هناك معنى واضح للعدالة المهدوية المطلوبة، فإنّ العدالة المنتظرة هي العدالة التي تأتي في إطار الدين المقدّس، وفي غير هذا الإطار فلا يصدق عليها عدالة أساساً، والذي حفظ لنا الدين بمعالمه الحاضرة هو الإصلاح والدم الحسيني؛ من هنا فإنّ العلاقة وثيقة جداً بين الإصلاح الحسيني والعدالة المهدوية المنتظرة.

وهنا معادلة لا بدّ من التعرّف عليها والإجابة عن إشكاليتها، وهي: أنّ العدالة المهدوية تظهر بعدما يكتمل العدد المطلوب، فقد جاء عن أبي بصير قوله: سأل رجلٌ من


1) المصدر السابق، ج2، ص226.

2) المصدر السابق.

أهل الكوفة أبا عبد الله علیه السلام : كم يخرج مع القائم علیه السلام ؟ فإنّهم يقولون: إنّه يخرج معه مثل عدّة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، قال: «وما يخرج إلّا في أولي قوّة، وما تكون أولوا القوّة أقل من عشرة آلاف»(1). فاكتمال هذا العدد مع الأوصاف المذكورة لهم في الروايات، يحتاج إلى إصلاح كبير في المجتمع حتى يمكنه أن ينتج هكذا شخصيّات قيادية، هذا من جهة. ومن جهة أُخرى: إنّ العدالة المهدوية تظهر بعد أن تُملأ الأرض فساداً(2).

فكيف نجمع بين هذين القولين؟

والإجابة عن هذا السؤال تتضح من خلال بيان عدّة أُمور:

الأمر الأوّل: ذكرنا فيما سبق أنّ إصلاح الفكر والعقائد، يبدأ من إصلاح النفس، ومن ثمَّ إصلاح ما حولنا، ثمّ إصلاح المجتمع بالكامل، وهو أمرٌ وجداني واضح البيان، ومع ذلك هنالك روايات كثيرة ترشد إلى ذلك، منها:

ما رُوي عن أمير المؤمنين علیه السلام أنّه قال: «مَن نَصَبَ نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلِّم نفسه ومؤدِّبها أحقّ بالإجلال من معلِّم الناس ومؤدِّبهم»(3). وعنه علیه السلام : «كيف يُصلِح غيره مَن لا يُصلِح نفسه»(4). وكذلك قوله: «ومَن أصَلَحَ سريرته أصَلَحَ الله علانيّته، ومَن أصَلَحَ فيما بينه وبين الله أصَلَحَ الله تبارك وتعالى فيما بينه وبين النّاس»(5).

الأمر الثاني: إنّ غيبة الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف لها تأثير في إصلاح النفوس، وهذا الأمر يجب أن نفهمه بشكل لا يؤدّي إلى جعل زمن الغيبة أفضل من زمن الحضور، وذلك من خلال وجهين:


1) الصدوق، محمد بن علي، كمال الدين، ص654.

2) قال رسول الله‘: «تكون له غَيبة وحيرة حتى تضلّ الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يُقبِل كالشهاب الثاقب فيملأها قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً». الصدوق، محمد بن علي، كمال الدين: ص287.

3) عبده، محمد، شرح نهج البلاغة: ج4، ص16.

4) الواسطي، علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ: ص383.

5) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج8، ص307.

الوجه الأوّل: من الطبيعي أنّ الإنسان عندما يُريد أن يُصلِح نفسه عليه أن يكسب العلم، وهذا يحتاج نوعاً ما إلى الراحة النفسية والجسدية والخلوة، وبعيداً عن المشاكل والمحن والحروب، مع أنّ زمان الحضور هو زمان العمل والتطبيق وإصلاح الآخرين، فعن معمر بن خلّاد، قال: ذُكر القائم عند أبي الحسن الرضا علیه السلام ، فقال: «أنتم اليوم أرخى بالاً منكم يومئذٍ»، قالوا: وكيف؟ قال: «لو قد خرج قائمنا عجل الله تعالی فرجه الشریف لم يكن إلّا العلق(1)، والعرق(2)، والنوم على السروج، وما لباس القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف إلّا الغليظ، وما طعامه إلّا الجشب»(3).

وعن عمرو بن شمر، قال: «كنتُ عند أبي عبد الله علیه السلام في بيته، والبيت غاصّ بأهله، فأقبل الناس يسألونه، فلا يُسأل عن شيءٍ إلّا أجاب فيه، فبكيت من ناحية البيت، فقال: ما يُبكيك يا عمرو؟. فقلت: جُعِلت فداك، وكيف لا أبكي وهل في هذه الأُمّة مثلك، والباب مغلق عليك، والستر لمرخى عليك. فقال: لا تبكِ يا عمرو، نأكل أكثر الطيب، ونلبس اللين، ولو كان الذي تقول لم يكن إلّا أكل الجشب، ولبس الخشن، مثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ، وإلّا فمعالجة الأغلال في النار»(4).

والمستفاد من هاتين الروايتين: أنّ هنالك أُموراً وتكاليف يصعب تحمّلها في حالة ظهور الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف ، وهذا يرشدنا إلى وجوب الاستعداد لهذا اليوم، ولا يكون ذلك إلّا من خلال الاستعداد النفسي وهو لا يكون في أغلب الأحيان إلّا بعد العلم، والعلم لا يكون إلّا بعد الهدوء وراحة البال.

الوجه الثاني: إنّ غياب الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف يُعتبَر نوعاً من أنواع العقوبة الإلهية للبشرية؛ وذلك بسبب عدم تمسّكها بالإمامة الإلهية، أو بالأحرى: إنّ تمسكّها لم يكن بالشكل


1) العلق: الدم الجامد قبل أن يجفّ. اُنظر: الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ج1، ص161.

2) العرق: ماء الجسد يجري من أُصول الشعر. المصدر السابق: ص152.

3) النعماني، محمد بن إبراهيم، غيبة النعماني: ص296. وعنه المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص359.

4) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص360.

المطلوب، فيكون غيابه عجل الله تعالی فرجه الشریف أكثر تأثيراً للتفاعل معه والرجوع إلى طاعته، فعن محمد بن النعمان، قال: قال أبو عبد الله علیه السلام : «أقرب ما يكون العبد إلى الله - وأرضى ما يكون عنه - إذا افتقدوا حجّة الله فلم يظهر لهم، وحُجِب عنهم فلم يعلموا بمكانه، وهم في ذلك يعلمون أنّه لم تبطل حجج الله ولا بيّناته، فعندها فليتوقّعوا الفرج صباحاً ومساءً...»(1).

الأمر الثالث: فهْم وإدراك أنّ العدالة الربّانية يصعب تحمّلها؛ فلذا تحتاج إلى قوّة صبر عبر الزمان من أجل استيعابها وفهمها، وأن لا يقتصر الفهم على ظاهر الأُمور، بل لا بدّ من التأمّل في ذلك، فالإمام الحجّة يأتي بالأحكام الواقعية والباطنية، ويحكم بما تقتضيه المصلحة الواقعية بحسب علمه اللدُنّي، وهذا أمرٌ من الصعب أن تتحمّله النفوس ما لم تتربَّ وتنصلح بالشكل الصحيح، بل ربّما يعترض عليه البعض من باب أنّه ظلمٌ حسب فهمهم - كما في قصّة موسى علیه السلام مع الخضر علیه السلام ، ففي تلك القصّة - على ما جاء في كتاب (الاختصاص) - : قال له موسى علیه السلام : «ولِمَ لا أصبر»؟ فقال له العالم - أي الخضر-: «وكيف تصبر على ما لم تُحط به خُبراً»؟! فقال موسى علیه السلام ...: «ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً»(2).

وبيان ذلك: إنّ العلم لا يأتي إلّا بالصبر والتسليم، كما جاء في هذه القصّة، ولو صبر موسى لأراه العالم سبعين أُعجوبة. وفي رواية: «رحم الله موسى عَجّل على العالم، أما إنّه لو صبر لرأى منه من العجائب ما لم يرَ»(3).

وعن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: «يا أبا عبيدة، إذا قام قائم آل محمد علیه السلام ، حكم بحكم داوُد وسليمان علیهما السلام ، لا يسأل بيّنة»(4).

فمن الواضح أنّ تقديم مثل هذه الروايات هو من أجل إفهام المجتمع معنى إقامة


1) المصدر السابق: ج52، ص95.

2) المفيد، محمد بن محمد، الاختصاص: ص259.

3) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج13، ص301.

4) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص397.

العدالة الواقعية حتى يستوعبها المجتمع قبل ظهور القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف ؛«... لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ »(1). وهذه هي الفائدة من ذكرها قبل ظهوره عجل الله تعالی فرجه الشریف .

الأمر الرابع: حصول اليأس من تطبيق العدالة في المجتمع الإنساني، فعن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال: «ما يكون هذا الأمر حتى لا يبقى صنفٌ من الناس إلّا وقد وُلّوا على الناس، حتى لا يقول قائل: إنّا لو ولّينا لعدلنا، ثمّ يقوم القائم بالحقّ والعدل»(2).

الأمر الخامس: إمكان فهم وإدراك معنى العدالة الواقعي، والمطلوب لعموم الناس، والتي يجب أن تتحقّق في الأرض، ومع ذلك فإنّ هذا بمفرده لا يشكِّل ضماناً لتطبيق العدالة ما لم تكن هناك سيطرة على الهوى والشهوات؛ لأنّه مع اتّباع الهوى يقع الخلاف والتناحر والصراع، فعن أمير المؤمنين علي علیه السلام ، قال: «إنّي أخاف عليكم اثنين: اتّباع الهوى، وطول الأمل، فأمّا اتّباع الهوى فإنّه يردّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فيُنسي الآخرة»(3).

فالعقل قد يكتمل من ناحية الفهم، ولكن الهوى يغلبه، فيحتاج إلى مَن يدعمه، ليرفع الصراع الداخلي (بينه وبين نفسه)، والاختلاف الخارجي (بينه وبين غيره).

فعن أبي جعفر علیه السلام ، قال: «إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم، وكملت به أحلامهم»(4). ووضع اليد كناية عن إنزال الرحمة والتقوية بإكمال النعمة.

قال العلاّمة المجلسي في مرآة العقول: «وقوله: فجمع بها عقولهم، يحتمل وجهين: أحدهما: أنّه يجعل عقولهم مجتمعة على الإقرار بالحقّ فلا يقع بينهم اختلاف ويتّفقون على


1) الأنفال: آية42.

2) النعماني، محمد بن إبراهيم، غيبة النعماني: ص282، ح53. وعنه المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص244.

3) البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن: ج1، ص211.

4) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص25.

التصديق. وثانيهما: أنّه يجتمع عقل كلّ واحدٍ منهم، ويكون جمعه باعتبار مطاوعة القوى النفسانية للعقل، فلا يتفرّق لتفرّقها»(1).

وقال المحقّق المازندراني في شرح أُصول الكافي: «والمراد بجمع عقولهم: رفع الانتشار والاختلاف بينهم وجمعهم على دين الحقّ، وبكمال أحلامهم، كمال عقل كلّ واحد واحد، بحيث ينقاد له القوّة الشهوية والغضبية، ويحصل فضيلة العدل في جوهر البدن»(2).

الأمر السادس: إنّ الظهور المقدّس يُعتبَر عزّة للأولياء، وذلّاً وهواناً للأعداء، ونصراً للمستضعفين في الأرض، كما في قوله سبحانه وتعالى: «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ »(3).

والمستضعف هو الذي تراه أعين الناس من حالات الأولياء، فعن علي علیه السلام : «ولكنّ الله سبحانه جعل رُسله أُولي قوّة في عزائمهم، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى»(4). ولا يعدّ مستضعفاً مَن عرف اختلاف الناس، فعن أمير المؤمنين علیه السلام : «مَن عرف اختلاف الناس فليس بمستضعف»(5)وأغلب الناس أصبح يعرف اختلاف الناس، فهو ليس بمستضعف!

ويصف علیه السلام الأنبياء علیهم السلام بأنّهم: «كانوا أقواماً مستضعفين، قد اختبرهم الله بالمخمصة، وابتلاهم بالمجهدة، وامتحنهم بالمخاوف، ومخّضهم بالمكاره، فلا تعتبروا الرضى والسخط بالمال والولد جهلاً بمواقع الفتنة، والاختبار في موضع الغنى والاقتدار، فقد قال سبحانه


1) المجلسي، محمد باقر، مرآة العقول: ص80.

2) المازندراني، محمد صالح، شرح أُصول الكافي: ج1، ص302.

3) القصص: آية5.

4) عبده، محمد، شرح نهج البلاغة: ج2، ص145.

5) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص405.

وتعالى: «أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ »(1)، فإنّ الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم»(2).

وقال رسول الله صلی الله علیه و اله - لمّا نظر إلى علي والحسن والحسين وهو يبكي -: «أنتم المستضعفون بعدي»(3). وعن الإمام الصادق علیه السلام : «إنّ في تاسوعاء استضعفوا الحسين علیه السلام وأصحابه...»(4).

فإذا فهمنا هذه الأُمور، يتّضح الجواب عن السؤال المتقدّم: إنّ هنالك ظلماً وجوراً في آخر الزمان أشدّ من باقي الأزمنة؛ وذلك لأنّ طالب السلطة يفهم معنى الإصلاح والعدالة ولا يطبّقها، بل لا يريد تطبيقها في الخارج، بخلاف مَن لا يعرف مفهوم الإصلاح والعدالة، كما في الخوارج، حيث قال أمير المؤمنين علیه السلام : «لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس مَن طلب الحقّ فأخطأه كمَن طلب الباطل فأدركه»(5).

وهناك إرادة ضعيفة لمحاربة هذا الظلم والفساد، مع أنّهم يرغبون في التغيير ولا يجدونه؛ لغلبة الهوى، أو لصعوبة الطريق، أو لحبّ الراحة، إلى غير ذلك من الأُمور، مع أنّه - كما قلنا - يفهم معنى الإصلاح والعدالة المطلوبة التي يجب أن تتحقّق في الخارج، ويستطيع أن يميّز بين الظلم والعدل بخلاف الأزمنة الماضية.

وهنالك في مقابل هذين، رجال إرادتهم قويّة فكراً وعملاً، عقيدةً وعبادةً، لا يرتابون مع فقد إمامهم وحجّتهم، فقد ورد عن أبي عبد الله علیه السلام : «...أنّ


1) المؤمنون: آية 55- 56.

2) الصالح، صبحي، خطب نهج البلاغة: ص291.

3) الصدوق، محمد علي، معاني الأخبار: ص79.

4) الشاهرودي، علي النمازي، مستدرك سفينة البحار: ج6، ص466.

5) عبده، محمد، شرح نهج البلاغة: ج1، ص108.

أولياءه لا يرتابون، ولو علم أنّهم يرتابون ما أفقدهم حجّته طرفة عين»(1)، وهؤلاء الناس أقلّية يستطيعون أن يصارعوا الظلم النفسي والظلم الخارجي، فقد ورد في الحديث: «...إنّ أولياء الله لم يزالوا مستضعفين قليلين منذ خلق الله آدم علیه السلام »(2).

وجاء - في بيان أوصاف أنصار الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف - عن الإمام الصادق علیه السلام : «...رجالٌ كأنّ قلوبهم زبر الحديد، لا يشوبها شكّ في ذات الله، أشدّ من الحجر، لو حملوا على الجبال لأزالوها... يتمسحون بسرج الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف ، يطلبون بذلك البركة، ويحفّون به، يقونه بأنفسهم في الحروب... لا ينامون الليل، لهم دوي في صلاتهم كدوي النحل، يبيتون قياماً على أطرافهم، ويصبحون على خيولهم، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، هم أطوع له من الأُمة لسيّدها، كالمصابيح كأنّ قلوبهم القناديل، وهم من خشية الله مشفقون، يدعون بالشهادة، ويتمنّون أن يُقتَلوا في سبيل الله، شعارهم يا لثارات الحسين، إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر...»(3).

ومما تقدم نعرف جواب السؤال المتقدم

ذلك أنّ أغلب العقول - في آخر الزمان - تفهم معنى العدالة وتستوعبها بشكل دقيق، وإن كانت عاجزة عن تطبيقها، وحينئذٍ يظهر الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف ليبسط هذا الفهم على الأرض مع أنصاره الأقوياء؛ لوجود أرض خصبة لذلك.

إنّ تبادل المصالح السائدة في عصرنا - وجعل الشخص في مكان لا يناسبه لمصلحة ما، كجعل العالم في مكان غير مكانه - يؤدّي إلى ضياع الولي بين هؤلاء القوم، وهل يوجد ظلمٌ أشدّ من هذا؟!

فالإنسان الذي يعيش في زمن الغيبة ويُريد تعجيل ظهور الإمام عجل الله تعالی فرجه الشریف يحتاج إلى:

أوّلاً: فهم عميق لمعنى الإصلاح ومعنى العدالة الإلهية.

ثانياً: تطبيق ما فُهِمَ من معنى الإصلاح في الخارج وبقوّة وإرادة حازمة.


1) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص95.

2) البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن: ج1، ص159.

3) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج52، ص308.

دراسات في تاريخ وتراث النهضة الحسينية

اشارة

نجوم في سماء الحسين علیه السلام

(الشهداء من أصحاب النبي صلی الله علیه و اله في نهضة كربلاء)

مقتل الحسين علیه السلام لنصر بن مزاحم المنقري الكوفي

تكلُّم الرأس الشريف في مصادر الفريقين

خصائص ومميزات أرض كربلاء (دراسة لغوية روائية)

الشيخ عبد الرزاق النداوي

نجوم في سماء الحسين علیه السلام

(الشهداء من أصحاب النبي صلی الله علیه و اله في نهضة كربلاء)

الشيخ عبد الرزاق النداوي

الشيخ عبد الرزاق النداوي(1)

الصحبة - بشرطها وشروطها - وسام شرف يحمله المرء على صدره، ويفتخر به أيام دهره، وهي من النعم الخاصة بالجيل الذي عاصر المصطفى صلی الله علیه و اله ، وخاصة إذا اجتمع مع شرف الصحبة شرف الشهادة مع إمام عادل مفترض الطاعة من الله في مواجهة سلطان جائر، فإنه حينئذ سيكبر ويعلو مقام هذا الصحابي لحصوله على وسامَي شرف، (الصحبة والشهادة)، والمثال الواضح لذلك هم الصحابة الذين استُشهدوا في نهضة الإمام الحسين علیه السلام ، سواء كانت شهادتهم قبل معركة كربلاء أو فيها أو بعدها، وهو شرف ما بعده شرف، والذين بلغوا هذه الرتبة ثلة قليلة، وهم موضوع بحثنا هذا.


1) باحث وكاتب إسلامي.

تقسيم البحث

يقع البحث في ثلاث محاور وهي:

المحور الأول: حول مفهوم الصحبة والصحابة.

المحور الثاني: حول مواقف الصحابة من نهضة الإمام الحسين علیه السلام وتقييمها، مع ذكر عدد الصحابة الذين استُشهدوا في ركب النهضة الحسينية.

المحور الثالث: ترجمة أحوال من استشهد من أصحاب النبي صلی الله علیه و اله في سبيل النهضة الحسينيّة.

المحور الأول: مفهوم الصحبة والصحابة

ذُكر لمفهوم الصحبة في كتب اللغة استعمالات ومعان كثيرة جدّاً، ولم يخصّوه بالصحبة بين شخصين، قال ابن منظور: «صَحِبَه يَصْحَبُه صُحْبة، بالضم، وصَحابة، بالفتح، وصاحَبه: عاشره. والصَّحْب: جمع الصاحب مثل راكب وركب. والأَصْحاب: جماعة الصَّحْب، مثل فَرْخ وأَفْراخ. والصاحب: المُعاشر؛ لا يتعدَّى تَعَدِّيَ الفعل، أَعني أَنك لا تقول: زيد صاحِبٌ عَمْراً؛ لأَنهم إِنما استعملوه استعمال الأَسماء...»(1).

وقال الطريحي: «الصاحب للشيء: الملازم له، وكذا الصحبة للشيء هي الملازمة له، إنساناً كان أو حيواناً أو مكاناً أو زماناً...»(2).

وقد وردت (الصحبة) كجذر ومادة في كثير من الآيات القرآنية بمعناها الواسع والعريض في اللغة، فيختلف طرفا الصحبة باختلاف الآيات وتنوعها، فقد تكون بين نبي وعبد صالح، كما في قصة موسى والخضر(3)، أو بين كافرين(4)، أو بين مؤمن وكافر(5)، أو بين نبي وكافر!(6)،


1) اُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج7، ص286.

2) اُنظر: الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين: ج2، ص584.

3) الكهف: آية 76.

4) القمر: آية 29.

5) الكهف: آية 37.

6) الأعراف: آية 184.

أو بين إنسان وحيوان(1)... أو غير ذلك من الاستعمالات الواردة في القرآن الكريم.

ومن مجموع الاستعمالات الواردة في هذا المجال نرى أن للصحبة معنيين رئيسين:

الأول: وهو معنى واسع يشمل كل تلك الاستعمالات وغيرها.

الثاني: وهو معنى يراد به فضل الصحبة وشرفها، وهو معنى أضيق من المعنى الأول بكثير، بدليل أن الكافرين لا ينالون مثل هذا الشرف حتى لو رأوا النبي وسمعوا حديثه، بل حتى لو رووا عنه صادقين، وكذا الفاسقين، والمستقيمين في حياة النبي صلی الله علیه و اله المنحرفين بعد وفاته، والناكثين للعهد، والمحُدِثين المبدلين، والمنقلبين...، وهذا المعنى يؤيده القرآن الكريم في كثير من الآيات، كقوله تعالى: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ »(2). وأيضاً تؤيده السُّنة في قوله صلی الله علیه و اله في حديث الحوض المعروف: «وإنّ أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم»(3).

فالأساس في نيل فضل الصحبة وشرفها هو الإيمان والاستقامة، والسير على هدي النبي صلی الله علیه و اله إلى آخر الخط حتى يلقى الإنسان ربه، وليست هي المعاشرة والملازمة طالت أم قصرت.

وعليه، فالصحابي بهذا المعنى: هو كل مَن رأى النبي صلی الله علیه و اله سواء سمع منه أم لا، وسواء روى عنه أم لا، على أن يكون مؤمناً به صلی الله علیه و اله مقتدياً بسنّته، لم يرتدّ ولم يُحدث ولم يبدل ولم ينقلب، ومات وهو على العهد والهدى والإيمان.


1) الفيل: آية 1.

2) آل عمران: آية 144.

3) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج4، ص110.

المحور الثاني: مواقف الصحابة من نهضة الإمام الحسين علیه السلام وتقييمها

واحدة من كرامات السبط الشهيد علیه السلام التي تدل على عناية الرب تعالى به وبنهضته المباركة أن رسول الله صلی الله علیه و اله وقبل نصف قرن من مصرعه نوّه بمقتله، ونعاه وبكاه حتى ابتلّت كريمته، ودعا الصحابة والأُمة تلك اللحظة إلى نصرة أبي عبد الله علیه السلام ، وقد روى الحفّاظ والمحدثون جملة من الروايات بلغت حدّ الاستفاضة في ذلك، وإليك ثلاثة نماذج منها:

الحديث الأول: ما أخرجه الحاكم في مستدركه: «عن عبد الله بن مسعود، قال: أتينا رسول الله، فخرج إلينا مستبشراً، يُعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء إلّا أخبرنا به، ولا سكتنا إلّا ابتدأنا، حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين، فلمّا رآهم التزمهم وانهملت عيناه، فقلنا: يا رسول الله، ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه، فقال: إنّا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً...»(1). وقد أخرجه غير واحد من الحفّاظ والمحدثين، منهم ابن ماجة في سننه(2)، والطبراني في معجمه الكبير(3).

الحديث الثاني: ما أخرجه الطبراني أيضاً في المعجم الكبير بإسناده عن أبي أمامة، أنّ الحسين علیه السلام : «جلس في حِجر النبي، فقال جبريل للنبي: إن أُمّتك ستقتل ابنك هذا، فقال النبي: يقتلونه وهم مؤمنون بي؟ قال: نعم يقتلونه. فتناول جبريل تربة، فقال: مكان كذا وكذا، فخرج رسول الله قد احتضن حسيناً كاسف البال مهموماً... إلى أصحابه وهم جلوس، فقال: إن أُمّتي يقتلون هذا، وفي القوم أبو بكر وعمر، وكانا أجرأ القوم عليه، فقالا: يا نبي الله، يقتلونه وهم مؤمنون؟! قال: نعم، هذه تربته، فأراهم إياها»(4).

الحديث الثالث: ما أخرجه الطبراني وغيره عن معاذ بن جبل، قال: «خرج علينا


1) الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين: ج4، ص464.

2) القزويني، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة: ج2، ص1366.

3) الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج10، ص85.

4) المصدر السابق: ج8، ص285.

رسول الله صلی الله علیه واله متغيّر اللون فقال:... نُعي إليّ حسين، وأتيت بتربته، وأخبرت بقاتله، والذي نفسي بيده لا يقتل بين ظهراني قوم لا يمنعوه إلّا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلّط عليهم شرارهم وألبسهم شيعاً»(1).

النهضة بين التحذير والتبشير

في هذه الأحاديث إشارة إلى البشارة بالفوز لمن يقف في صف الحسين من جهة، ومن جهة أُخرى إنذار للأُمة وتحذير من القعود عن نصرته علیه السلام . وقد ندم على القعود جمع من الصحابة والتابعين، كما روى المفيد في الإرشاد عن إسماعيل بن زياد، قال: إن علياً علیه السلام قال للبراء بن عازب يوماً: «يا براء، يُقتل ابني الحسين وأنت حي لا تنصره»، فلما قُتِل الحسين بن علي علیهما السلام كان البراء بن عازب يقول: صدق - والله - علي بن أبي طالب، قُتِل الحسين ولم أنصره. ثم يظهر الحسرة على ذلك والندم(2). وممن أظهر الحسرة والندم أيضاً على ترك نصرة الإمام الحسين علیه السلام عبيد الله بن الحر الجعفي، حيث كان في طريق الحسين علیه السلام فدعاه لنصرته فأبى(3).

وممن فاز بالنصرة أنس بن الحرث، وقد كان يقول: «سمعت رسول اللهيقول: إن ابني هذا - يعني الحسين - يُقتل بأرض يُقال لها: كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره»(4). قال الخوارزمي في مقتله: «فقُتل أنس بن الحرث مع الحسين بن علي علیه السلام »(5).


1) الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج20، ص138. واُنظر أيضاً: المتقي الهندي، علاء الدين علي بن حسام الدين، كنز العمال: ج11، ص166. الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين: ج1، ص234.

2) اُنظر: المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج1، ص331.

3) روى قصته كثير من المؤرخين. اُنظر: الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص262.

4) اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج1، ص271. ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص224. القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة لذوي القربى: ج3، ص8.

5) اُنظر: الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين علیه السلام : ج1، ص233.

تقييم مواقف الصحابة

بالرغم من أن النبي صلی الله علیه و اله قد نعى سبطه الشهيد علیه السلام على رؤوس الأشهاد قبل نصف قرن من وقوع الكارثة، وبَشّر اللاحقين بركبه وحَذّر من مغبة عدم نصرته، إلّا أننا نجد أن الصحابة تجاه نهضة الحسين علیه السلام كانوا على ثلاثة أنواع:

1- المناصرون، وهم القلّة.

2- المعادون المخذّلون.

3- الواقفون على التلّ، وهم السواد الأعظم.

فمن الواقفين على التلّ البارزين عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والبراء بن عازب، وغيرهم كثير. ومن المعادين والمخذّلين الذين شركوا في دم السبط الشهيد شبث بن ربعي، وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وعمرو بن الحجاج، والنعمان بن بشير وغيرهم.

وأما الصحابة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فهم الثلة القليلة الذين استُشهدوا مع أبي عبد الله علیه السلام ، وسنفصّل القول في عددهم، فيما يأتي.

الشهداء من أصحاب النبي صلی الله علیه و اله في نهضة الإمام الحسين علیه السلام

قال صاحب إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : «قُتِل من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و اله مع الحسين علیه السلام خمسة نفر في الطف: أنس بن الحرث الكاهلي، ذكره جميع المؤرخين، وحبيب بن مظاهر الأسدي، ذكره ابن حجر، ومسلم بن عوسجة الأسدي، ذكره ابن سعد في الطبقات، وفي الكوفة هاني بن عروة المرادي، فقد ذكره الجميع أنه نيف على الثمانين، وعبد الله بن يقطر الحمْيريّ فإنه لدة الحسين ذكره ابن حجر»(1).

وهنا عدة ملاحظات على قول السماوي، نذكرها تباعاً:

1- قال: «ومسلم بن عوسجة الأسدي، ذكره ابن سعد في الطبقات»، وهذا مما لم نعثر عليه في الطبقات.


1) السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : ص221.

2- قال: «وهاني بن عروة، فقد ذكر الجميع أنه نيف على الثمانين»، أقول: إن كبر السن ليس دليلاً على الصحبة، فالكثير من الناس في عصر النهضة الحسينية كانت أعمارهم تصل إلى التسعين أو أكثر أو أقل، وليس هذا دليلاً على صحبتهم، اللهم إلّا أن ينصّ بعض المؤرخين. أو أصحاب الرجال على كونهم من الصحابة، وهو ما وقع بالفعل لهاني.

3- إنّ السماوي نسي اثنين ممن عدّهم هو من أصحاب النبي صلی الله علیه و اله ، وهما: عبد الرحمن بن عبد ربّ الأنصاري(1)، وعمّار الدالاني(2)، فيكون مَن قُتِل في ساحة المعركة مع الحسين علیه السلام من أصحاب النبي صلی الله علیه و اله خمسة هم: (أنس بن الحارث، وحبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة، وعبد الرحمن بن عبد ربّ، وعمار الدالاني)، فإذا أُضيف لهم هاني وابن يقطر يصبح المجموع سبعة، وليس خمسة، كما ذكر.

4- هذا كله بحسب (إبصار العين) للشيخ السماوي، ولكننا بعد البحث تبيّن لنا أن بعضهم عدّ يحيى بن هاني بن عروة في شهداء كربلاء(3). وقد عدَّه ابن الأثير في أُسد الغابة في الصحابة(4).

وتبيّن أيضاً أن عبيد الله بن الحارث بن نوفل - وقد ذكره جمع من المؤرخين - كان من الشهداء مع هانئ، وبإضافة هذين يكون العدد تسعة. وإذا أضفنا لهم الصحابة الذين استُشهدوا في طريق الحسين علیه السلام بعد الواقعة، وهما اثنان: سليمان بن صرد الخزاعي(5)، والمسيب بن نجبة(6)، فيكون مجموع من استُشهد في النهضة الحسينية من أصحاب النبي صلی الله علیه و اله أحد عشر نفراً، وهم:


1) المصدر السابق: ص157.

2) المصدر السابق: ص133.

3) مصدر سابق: ج4، ص52، الهامش.

4) ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة: ج5، ص439.

5) قائد حركة التوابين.

6) اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج6، ص234.

أ) ثلاثة قبل المعركة، وهم: هاني بن عروة، وعبد الله بن يقطر، وعبيد الله بن الحارث بن نوفل.

ب) ستة في المعركة، وهم: أنس بن الحارث، وحبيب بن مظاهر الأسدي، وعبد الرحمن بن عبد رب، وعمار الدالاني، ومسلم بن عوسجة الأسدي، ويحيى بن هاني بن عروة.

ج) اثنان بعد المعركة، وهما: سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة.

5- فإذا أضفنا إلى ذلك كلّه الإمام الحسين علیه السلام باعتباره صحابياً، وهو سيدهم وقائدهم، صار المجموع اثني عشر صحابياً.

6- وكذلك وقع الكلام في شخصين مهمين في النهضة الحسينية، هما: مسلم بن عقيل علیه السلام ؛ لأن المؤرخين لم يثبتوا تاريخ ميلاده، والمختار بن أبي عبيد الثقفي كونه من مواليد عام الهجرة.

المحور الثالث: ترجمة مَن استُشهد من أصحاب النبي صلی الله علیه و اله في نهضة كربلاء

ويقع البحث في هذا المحور في إطار العناوين التالية:

أولاً: تراجم الصحابة الذين استُشهدوا قبل واقعة الطف

وهم ثلاثة - كما تقدم -: هاني بن عروة، وعبد الله بن يقطر، وعبيد الله بن الحارث بن نوفل:

1- هاني بن عروة

أبو يحيى، هاني بن عروة، وقد يُكتب بالهمز (هانئ) بن عروة بن الفضفاض بن نمران بن عمرو بن قماس (قعاس) بن عبد يغوث المرادي، ثم الغطيفي(1).

أدرك النبي صلی الله علیه و اله وتشرّف بصحبته(2)ولازم الوصي علیه السلام ، فكان من خيرة شيعته،


1) المصدر السابق: ج6، ص445.

2) نص على ذلك جمع من الأعلام، منهم: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج2، ص351.

وشارك في حروبه الثلاثة: الجمل وصفين والنهروان(1)، من أشراف الكوفة وأعيانها، ورئيس مذحج وزعيهما(2)، بطل تهاب الفرسان سطوته، ثابت العقيدة راسخ الإيمان، ذو نفسية كريمة وعزيمة لا تلين، لا يعطي الحق بالباطل ولا يهادن، ولا تأخذه في الله لومة لائم؛ هذا ما دلت عليه مواقفه تجاه العترة الطاهرة، وكان إذا ركب ركب معه من بني قومه أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل يصحبونه، وله أحلاف من كندة إذا تنادوا معه بلغوا ثلاثين ألفاً(3)، وكان أبوه من الصحابة(4)ومن كبار الشيعة في الكوفة ومن الذين لازموا علياً علیه السلام طوال حياته(5)، ولما حصب(6)حجر بن عدي زياد بن أبيه في المسجد بالحصى وهو على المنبر، كان عروة أبو هاني معه يحصب زياداً، فاقتيد مع حجر إلى مرج عذراء، ولكنّ زياداً تشفّع فيه، فعفى عنه معاوية، وقتل حجراً(7).

ولم يزل هاني ملازماً للإمام أمير المؤمنين علیه السلام حتى استُشهد، فكان ملازماً لابنه السبط الأكبر الإمام الحسن علیه السلام ، وبعد استشهاده بقي على تواصل مع الإمام الحسين علیه السلام حتى حلّ مسلم بن عقيل في داره، فنال شرف الشهادة مع مسلم بكل عزّ وشرف وإباء.

دور هاني بعد هلاك معاوية وامتناع الحسين علیه السلام من بيعة يزيد

بعد هلاك معاوية اجتمع المؤمنون في دار سليمان بن صرد الخزاعي، ولما عرفوا


1) اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين علیه السلام : ص125.

2) اُنظر: المحلاتي، ذبيح الله، فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء: ج2، ص180.

3) المصدر السابق: ج2، ص180.

4) ذكره ابن حجر تحت التسلسل 6439. فقال: «عروة بن نمران بن عمرو بن فعاس بن عبد يغوث بن محدش بن عصر بن غنى بن مالك بن عوف بن منبه بن غطيف المرادي، ثم الغطفي، له إدراك وكان ابنه هانئ بن عروة من رؤساء أهل الكوفة». اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج5، ص96.

5) المصدر السابق: ج2، ص180.

6) حصبه بالحصى أي: رماه بها.

7) اُنظر: المحلاتي، ذبيح الله، فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء: ج2، ص182. السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : ج2، ص140.

امتناع الحسين علیه السلام عن البيعة وخروجه إلى مكة كتبوا إليه مجموعة من الكتب يطلبون منه القدوم إليهم، ولما كثر الطلب وتكاثرت عليه الكتب، دعا الحسين علیه السلام ابن عمه مسلم ابن عقيل وطلب منه السفر إلى الكوفة والاطلاع على حقيقة الحال، فأقبل مسلم يجدّ بالسير حتى دخل الكوفة وحلّ في دار هاني، وبعد أن تمكّن عبيد الله بن زياد من الأمر نشر جواسيسه بحثاً عن مسلم، فاستطاع أحد الجواسيس - وهو معقل - من اختراق الجماعة ودخل على مسلم على أنه من شيعته ويحمل له أموالاً. فاستدعى عبيد الله هانياً إلى القصر، فلما حضر قال: أتتك بخائن رجلاه تسعى(1). والتفت إلى هاني قائلاً: أتيت بابن عقيل إلى دارك وجمعت له المال والسلاح والرجال، فأنكر هاني، وأعاد القول ابن زياد، وكثر الجدال بينهما، فأحضر عبيد الله معقلاً، فلما انكشف الأمر، قال هاني لعبيد الله: إن لأبيك عندي بلاءً حسناً(2)وأنا أحب أن أكافيه، فامض إلى الشام في سلام أنت ومالك وعيالك، فقد جاء مَن هو أوّلى بالأمر منك ومن يزيد(3)، فصاح ابن زياد: أُدنوه، فابتدره الجلاوزة وقنعوا رأسه بضفيرته واستعرض ابن زياد وجهه بالسوط حتى كسر أنفه وتناثر لحم خديه، ثم سجنه في إحدى غرف القصر، فزحف المذحجيون إلى القصر وطوقوه، وهم يقولون: قُتل صاحبنا، فأخرج لهم عبيد الله بن زياد شريحاً القاضي، فأقسم لهم أنه لم يُقتل فانصرفوا(4).

وبقي هاني في السجن إلى أن أُلقي القبض على مسلم بعد فشل نهضته؛ ولما قُتل مسلم وأُلقي من أعلى القصر أمر عبيد الله بن زياد بإخراج هاني إلى السوق وضرب عنقه، فخرجوا به مكتوفاً، وهو ينادي: وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم، واستطاع أن ينتزع يديه من الكتاف، وحاول انتزاع السيف من أحد الجلاوزة وهو ينادي: أما من


1) من أمثال العرب، قاله الحرب بن جبلة الغساني لما ظفر بالحرث، ويروى بالحاء المهملة، هكذا: (أتتك بحائن رجلاه تسعى)، والحائن هو الهالك.

2) يُشير بذلك إلى شفاعة زياد والد عبيد الله عند معاوية لعروة والد هاني حين اقتيد مع حجر بن عدي.

3) اُنظر: المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج3، ص69.

4) المصدر السابق: ج3، ص69.

عصا أو سكين أو حجر أو عظم يدافع رجل عن نفسه؟ فوثبوا عليه وأوثقوه كتافاً، فقيل له مد عنقك، فقال: ما أنا بها سخي وما أنا بمعينكم على نفسي، فضربه مولى لعبيد الله بن زياد تركي يُقال له: رشيد، فلم يصنع فيه شيئاً، فقال: إلى الله المعاد، اللهم رحمتك ورضوانك، ثم ضربه أُخرى فقتله.

وزيادة في التنكيل أمر عبيد الله بقطع رأس هاني ومسلم وبعث بهما إلى يزيد بن معاوية، وأمر بسحب جثتيهما في الطرقات والشوارع، ثم صُلبا منكوسين(1).

وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي:

إذا كنتِ لا تدرين ما الموت فانظري***إلى هانئ في السوق وابن عقيل

إلى بطل قد هشّم السيف وجهه***وآخر يهوي من طمار قتيل(2)

وكان مقتل مسلم وهاني يوم الأربعاء الثامن من ذي الحجة سنة (60ه-)، وهو اليوم الذي خرج فيه الحسين علیه السلام يطلب الكوفة(3).

وقال ابن حجر: إن هانياً يوم قُتل كان له من العمر بضعاً وتسعين(4)، ونص بعضهم على أنه بلغ الثامنة والتسعين(5).

2- عبد الله بن يقطر الحميري

المجاهد الكبير عبد الله بن يقطر، بالرغم من أن التاريخ لا يحدثنا عن أيّ شيء من سيرته، إلّا أن الحادث الذي روي له في النهضة الحسينية المباركة يدل على عظمته، وكرم نفسيته، وعلو همته، وشاسع شهامته، وأنه أهل لحمل الأمانة، بطل، ثابت، عقائدي، مجاهد بكل ما تحمل الكلمة من معنى. ويكفي أن نلتفت إلى أن السبط الشهيد اختاره لمهمة لا ينهض بها إلّا الأوحدي الذي وضع روحه فوق راحته، ودمه ريّاً لعقيدته.


1) اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام : ص178.

2) اُنظر: الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص71. المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص64.

3) اُنظر: البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص331.

4) اُنظر: العسقلاني، ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج6، ص445.

5) اُنظر: بحر العلوم، مهدي، الفوائد الرجالية: ج4، ص64.

لقد استخدمت سلطة الطلقاء أُسلوباً وحشياً وطريقة غاية في القسوة لتصفية رجالات الثورة، وهو الإلقاء من أعلى البناء، واستعملوا ذلك مع رسل الحسين علیه السلام الثلاثة مسلم بن عقيل وقيس بن مسهّر الصيداوي وعبد الله بن يقطر، ثم إخراج هاني وضرب عنقه في سوق الغنم زيادة في التنكيل، ثم سَحْبُه هو ومسلم في الطرقات والشوارع من أرجلهما وصلبهما منكوسين على رأسيهما. إن هذه الوحشية والقسوة المفرطة يُراد منها إرسال عدة رسائل:

الأُولى: إن السلطة لن يقف بوجها أيّ حاجز، وهي مستعدة لسحق أيّ شخصية مهما بلغت من المكانة والمقام والقدسية.

الثانية: إنها أرادت أن تبعث رسالة إلى الأُمة تشيع من خلالها الرعب والذعر، فجعلت من هؤلاء النفر الذين قُتلوا بهذه القسوة عبرة لكل مَن تسوّل له نفسه الوقوف مع الحسين علیه السلام .

الثالثة: أرادت أيضاً أن تبعث برسالة إلى القبائل الكبرى، ومَن يقف خلف هؤلاء النفر.. فكان ابن زياد يسأل عن قبيلة الرجل، ثم يأمر بأن تُضرب عنقه بين ظهرانيهم، وقد نجح اللعين في إيصال هذه الرسائل، فنسمع هاني - وهو رئيس قبيلة كبرى في الكوفة - ينادي: وامذحجاه، فلا يجد مَن يجيبه، في حين أننا نقرأ - كما تقدم في ترجمته - أنه إذا ركب مع أحلافه صاروا ثلاثين ألفاً.

أقبل عبد الله بن يقطر يجدّ السير ليُبلّغ الرسالة، فألقى القبض عليه في القادسية الحصين بن نمير، إذ إنّ عبيد الله بن زياد وضع نقاط التفتيش، وأعلن الأحكام العرفية، وبدأ يعتقل ويقتل على الظنة والتهمة.

هذا، ولكن الخوارزمي يطالعنا برواية مغايرة تماماً لذلك، إذ يقول: «... فبينما عبيد الله مع القوم في هذه المحاورة إذ دخل عليه رجل من أصحابه يُقال له: مالك بن يربوع التميمي، فقال: أصلح الله الأمير، هاهنا خبر. فقال ابن زياد: ما ذاك؟ قال: كنت خارج الكوفة أجول على فرسي إذ نظرت رجلاً خرج من الكوفة مسرعاً يريد البادية فأنكرته،

ثم إني لحقته وسألته عن حاله فذكر أنه من المدينة، فنزلت عن فرسي وفتشته فأصبت معه هذا الكتاب، فأخذه ابن زياد، فإذا مكتوب (فيه): (بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي، أما بعد، فإني أخبرك أنه قد بايعك من أهل الكوفة ما ينيف على عشرين ألفاً، فإذا أتاك كتابي هذا فالعجل العجل، فإن الناس كلّهم معك، وليس لهم في يزيد بن معاوية هوًى ولا رأي. والسلام).

فقال ابن زياد: أين الرجل الذي أصبت معه الكتاب؟ قال: هو بالباب. قال: آتوني به. فأُدخل فلما وقف بين يدي ابن زياد، قال له: مَن أنت؟ قال: مولى لبني هاشم. قال: ما اسمك؟ قال: عبد الله بن يقطر. قال: مَن دفع إليك هذا الكتاب؟ قال امرأة لا أعرفها. فضحك ابن زياد، وقال: اختر واحدة من اثنتين: إما أن تُخبرني مَن دفع إليك هذا الكتاب، أو تُقتل. فقال: أما الكتاب فإني لا أُخبرك مَن دفعه إلي، وأما القتل فإني لا أكرهه؛ لأني لا أعلم قتيلاً عند الله أعظم أجراً من قتيل يقتله مثلك. فأمر به فضُرب عنقه»(1).

أقول: ويمكن الجمع بين ما رواه الخوارزمي وما رواه الآخرون بافتراض أن عبد الله بن يقطر نجح في إيصال رسالة الحسين علیه السلام إلى مسلم بن عقيل، ثم حمّله مسلم رسالة إلى الحسين وهي التي ذكرها الخوارزمي، وفي طريق العودة أُلقي القبض عليه.

وعلى أية حال، فقد روى بعضهم أن ابن زياد أمر عبد الله بن يقطر أن يصعد القصر ويلعن الكذاب ابن الكذاب - يعني الحسين علیه السلام والعياذ بالله - إلّا أنه لما صعد وأشرف على الناس صاح بأعلى صوته: أيها الناس، أنا رسول الحسين بن علي ابن بنت رسول الله إليكم لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة وابن سمية الدعي ابن الدعي. فأمر به عبيد الله بن زياد فأُلقي من فوق القصر إلى الأرض، فتكسرت عظامه وبقي به رمق، فأتاه عبد الملك بن عمير اللخمي - وكان قاضي الكوفة وفقيهها - فذبحه بمدية، فلما عيب عليه، قال: إني أردت أن أُريحه(2).


1) اُنظر: الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين علیه السلام : ج1، ص293.

2) اُنظر: البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص322.

3- عبيد الله بن الحارث بن نوفل

عبيد الله بن الحارث بن نوفل بن عمرو بن الحارث بن ربيعة بن بلال بن أنس بن سعد الهمداني(1). من رجال الكوفة المبرزين، أدرك رسول الله صلی الله علیه و اله وصحب أمير المؤمنين علیه السلام وشهد معه صفين، وكان من المتحمّسين لقدوم مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وهو ممن كانوا يأخذون البيعة للحسين من أهل الكوفة(2).

ومما يدلنا على أهمية الرجل وجلالة موقعه وكبير خطره أن ابن مرجانة طلبه بالاسم، حيث انتفض مع مسلم براية حمراء، إلّا أنه وصل متأخراً مع المختار بن أبي عبيد، إذ جاء هذا الأخير براية خضراء، فاعتقلهما كثير بن شهاب فأودعهما عبيد الله بن زياد السجن، ولما تمّ القضاء على حركة مسلم وأعدم هاني، أحضره ابن مرجانة، فسأله: من أنت؟ فلم يتكلم، فقال: أنت خرجت براية حمراء وركزتها على باب دار عمرو بن حريث، وبايعت مسلماً، وكنت تأخذ البيعة للحسين؟ فسكت، فقال عبيد الله: انطلقوا به إلى قومه فاضربوا عنقه(3).

استشهد عام (60ه-) في الكوفة بعد مسلم بأيام، ولم نقف على تاريخ ولادته ولا مقدار عمره، ولكن بما أنه صحابي فلا ريب أن عمره جاوز الستين على أقل التقادير. ولم يذكر عنه في كتب التاريخ ولا معاجم الرجال أكثر مما ذكرنا.

أقول: وقد وقع الاشتباه من الشيخ علي النمازي؛ إذ قال: «عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.. حبسه ابن زياد مع المختار وميثم»(4)، فإنّ الذي حُبس هو صاحب الترجمة (عبيد الله بن الحارث بن نوفل الهمداني)، وذاك هاشمي وهو عبد الله وليس عبيد الله، ولكن تشابه الاسمين أوقعه في الاشتباه.


1) اُنظر: البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص333. وذكره ابن حجر العسقلاني في الإصابة تحت التسلسل 5312.، وقال: «ذكره المستغفري في الصحابة». ج4، ص328.

2) اُنظر: البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص333.

3) المصدر السابق.

4) الشاهرودي، علي النمازي، مستدركات علم رجال الحديث: ج4، ص508.

ثانياً: تراجم الصحابة الذين استُشهدوا في واقعة الطف

وهم ستة: أنس بن الحارث، وحبيب بن مظاهر الأسدي، وعبد الرحمن بن عبد رب، وعمار الدالاني، ومسلم بن عوسجة الأسدي، ويحيى بن هاني بن عروة.

1- أنس بن الحارث الكاهلي

صحابي وابن صحابي ذكره ابن الأثير في أُسد الغابة(1)، وابن حجر في الإصابة(2)، وعدّه الطوسي في أصحاب النبي صلی الله علیه و اله ونصّ على أنه قُتل مع الحسين علیه السلام (3).

وبنو كاهل من بني أسد بن خزيمة من عدنان، منازلهم كانت بالكوفة(4)، وذكر صاحب إبصار العين نسبه بالشكل الآتي: أنس بن الحرث بن نبيه بن كاهل بن عمرو بن صعب بن أسد بن خزيمة. ولم يشر إلى المصدر، كما لم نعثر على ذلك في أُمهات المصادر بحدود اطلاعنا، ونقل المحلاتي نسبه المزبور في هامش فرسان الهيجاء(5)زاعماً أن العسقلاني ذكره في الإصابة ولم نجده.

وعلى أيّ حال، فإن أنس بن الحارث من كبار الصحابة، وممن رأى النبي صلی الله علیه و اله ، وسمع حديثه، وروى عنه، وكان ذا مكانة اجتماعية عريضة في قومه وفي الكوفة، وعنه روى الفريقان حديث كربلاء، إذ قال - كما تقدّم -: «سمعت رسول الله صلی الله علیه و اله يقول: إن ابني هذا - يعني الحسين علیه السلام - يُقتل بأرض يُقال لها: كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره». ويكيفه نبلاً وعظمة وفخاراً موقفه الكربلائي في الذب عن آل الرسول صلی الله علیه و اله حتى أُريق دمه وأُزهقت نفسه، ويالها من نفس كريمة.

قال المقرّم: «وكان أنس بن الحارث بن نبيه الكاهلي شيخاً كبيراً صحابياً رأى


1) اُنظر: ابن الأثير، عز الدين علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة في معرفة الصحابة: ج1، ص132.

2) اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج1، ص270.

3) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص21.

4) شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين علیه السلام : ص83.

5) اُنظر: المحلاتي، ذبيح الله، فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء: ج1، ص59.

النبي صلی الله علیه و اله وسمع حديث، وشهد معه بدراً وحنيناً، فاستأذن الحسين علیه السلام وبرز شادّاً وسطه رافعاً حاجبيه بالعصابة، ولما نظر إليه الحسين علیه السلام بهذه الهيئة بكى، وقال: شكر الله لك يا شيخ، فَقَتل على كبره ثمانية عشر رجلاً وقُتل»(1).

وفي إبصار العين: «قال الجرزي: وعداده في الكوفيين، وكان جاء إلى الحسين علیه السلام عند نزوله كربلاء والتقى معه ليلاً فيمن أدركته السعادة. وروى أهل السير أنه لمّا جاءت نوبته استأذن الحسين علیه السلام في القتال فأذن له وكان شيخاً كبيراً، فبرز وهو يقول:

قد علمت كاهلها ودودان

والخندفيون وقيس عيلان

بأن قومي آفة للأقران

ثم قاتل حتى قُتل رضي الله عنه»(2). وذكر الصدوق رجزاً قريباً من هذا لمن سماه مالك بن أنس الكاهلي(3). إلّا أن الشيخ شمس الدين اعتبر أن هذا تصحيفاً واشتباهاً، وأن صاحب الرجز هو أنس بن الحارث الكاهلي، وليس مالك بن أنس، حيث قال: «وذكر ابن شهر آشوب والخوارزمي مصحّفاً ب-(مالك بن أنس الكاهلي) وذكره في البحار مصحّفاً ب-(مالك بن أنس المالكي) وصححه بعد ذلك ابن نما الحلي»(4).

2- حبيب بن مظاهر الأسدي

أبو القاسم حبيب بن مظاهر (مظهر) بن رئاب بن الأشتر بن حجوان بن فقعس بن طريف بن عمرو بن قيس بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد الأسدي الكندي ثم الفقعسي(5).


1) اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام : ص305. إلّا أن السيد الأمين قال: «ولو كان شهد بدراً وحنيناً لما أغفل ذلك أصحاب كتب الصحابة». اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج3، ص500.

2) اُنظر: السماوي، محمد، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : ص74.

3) الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص225.

4) اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين علیه السلام : ص83.

5) اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج4، ص553.

وفي رجال ابن داود: حبيب بن مظَهِّر بفتح الظاء وتشديد الهاء وكسرها(1)، قال الأمين: «والذي في أكثر النسخ من كتب التاريخ وغيرها مظهّر بوزن مطّهر وهو الصواب، وما في الكتب الحديثة أنه مظاهر خلاف المضبوط قديماً»(2).

وفي مجالس المؤمنين حبيب بن مظاهر الأسدي محسوب من أكابر التابعين، ثم حكى عن كتاب روضة الشهداء ما ترجمته: أنه تشرف بخدمة الرسول صلی الله علیه و اله وسمع منه أحاديث، وكان معززاً مكرماً بملازمة المرتضى علیه السلام (3).

وفي الإصابة: «حتيت(4)بن مظهر بن رئاب بن الأشتر بن جحوان بن فقعس الكندي الفقعسي، له إدراك، وعمّر حتى قُتل مع الحسين بن علي، ذكره ابن الكلبي مع ابن عمه ربيعة بن خوط بن رئاب»(5). إلّا أنه عندما ترجم ابن عمه ربيعة ذكره باسم حبيب وليس حتيت، ولعل هذا خطأ وتصحيف وقع من النسّاخ.

بلغ الخامسة والسبعين من العمر يوم كربلاء، اكتسب خلالها الكثير من الفضائل، وصحب فيها النبي(6)، وكان من خواصّ أصحاب علي علیه السلام وحملة علومه، واشترك في حروبه الثلاثة: الجمل وصفين والنهروان(7)، وكان من شرطة الخميس(8)، ثم لازم الحسن السبط علیه السلام ونزل الكوفة حتى وردها الحسين علیه السلام ، فكان من السعداء الذين لحقوا بقافلته.

وكان حبيب من أعلام قبيلة بني أسد وفرسانها، ومن رجال الأُمة الصالحين وثقاتها، ولهذا اختصه الحسين إذ جعله على ميسرة جيشه(9)، فكان واحداً من الرجال


1) الحلي، الحسن بن علي بن داود، كتاب الرجال: ص70.

2) اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج4، ص553.

3) المصدر السابق: ج4، ص554.

4) بالتاء المثناة قبل الياء وبعدها.

5) اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج2، ص142.

6) فهو يوم توفّي النبي‘ له من العمر خمس عشرة سنة تقريباً.

7) اُنظر: السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : ص75.

8) الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج5، ص201.

9) اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام : ص270.

الذين نصروا الحسين علیه السلام ، ولقوا جبال الحديد، واستقبلوا الرماح بصدورهم والسيوف بوجوههم وهم يعرض عليهم الأمان والأموال فيأبون ويقولون: لا عذر لنا عند رسول الله صلی الله علیه و اله إنْ قُتل الحسين ومنّا عين تطرف حتى قُتلوا حوله(1).

من فضائله

قال الكشي: «مر ميثم بن التمار على فرس له فاستقبل حبيب بن مظاهر الأسدي الفقعسي عند مجلس بني أسد، فتحدثا حتى اختلفت أعناق فرسيهما، ثم قال حبيب: لكأني بشيخ أصلع ضخم البطن، يبيع البطيخ عند دار الرزق، قد صُلب في حب أهل بيت نبيه، تُبقر بطنه على الخشبة، فقال ميثم: وإني لأعراف رجلاً أحمر له ضفيرتان، يخرج لنصرة ابن بنت نبيه، فيُقتل ويُجال برأسه بالكوفة، ثم انصرفا. فقال أهل المجلس: ما رأينا أحداً أكذب من هذين. قال: فلم يفترق أهل المجلس حتى أقبل رشيد الهجري، فطلبهما فسأل أهل المجلس عنهما، فقالوا: افترقا وسمعنا مما يقولان كذا وكذا. فقال رشيد: رحم الله ميثماً نسي: يزداد في عطاء الذي يجيء بالرأس مائة درهم، ثم أدبر. فقال القوم: هذا والله، أكذبهم. فقال القوم: والله، ما ذهبت الأيام والليالي حتى رأيناه مصلوباً على باب دار عمرو بن حريث، وجيء برأس حبيب قد قُتل مع الحسين بن علي علیهما السلام ورأينا كل ما قالوا»(2).

أقول: وهذه الرواية تدل على عدة أُمور مهمّة، منها:

الأمر الأول: أنها تدل على أن حبيباً كان من خواصّ أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام وحواريه، ومن حملة علومه وأسراره، ومن حملة علم المنايا والبلايا.

الأمر الثاني: أنها تدل على عظمة شخصيته ورباطة جأشه واستعداده لذلك اليوم، وتهيئه للتضحية في سبيل دينه وعقيدته.

الأمر الثالث: أنها تنفعنا في مقام السؤال عن موقف حبيب تجاه حركة مسلم بن عقيل، وعن السر في عدم لعب دور في تلك الحركة، وعدم ظهوره على مسرح الأحداث في مصرع مسلم.


1) الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال المعروف ب-(رجال الكشي): ج1، ص293.

2) اُنظر: المصدر السابق: ص63.

وكان حبيب من الشيعة الذين اجتمعوا في دار سلميان بن صرد الخزاعي بعد هلاك معاوية وكتبوا إلى الحسين علیه السلام أن أَقدم إلى الكوفة، وكان من المستقبلين لمسلم بن عقيل، قال الطبري: «ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة، فنزل في دار المختار بن أبي عبيد الثقفي... وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين، فأخذوا يبكون، فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في أنفسهم وما أغرك منهم، والله، أحدثك عما أنا موطّن نفسي عليه، والله، لأجيبنّكم إذا دعوتم، ولأقاتلن معكم عدوكم، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله؛ لا أُريد بذلك إلّا ما عند الله، فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي، فقال: رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك، ثم قال: وأنا - والله الذي لا إله إلّا هو - على مثل ما هذا عليه»(1).

حبيب في كربلاء

بعد قمع حركة مسلم ونيله شرف الشهادة اختفى المخلصون من رجاله كحبيب، وعابس الشاكري، ومسلم بن عوسجة... وآخرون، يتربصون ويتأملون وصول الحسين علیه السلام إلى الكوفة، إلّا أنه علیه السلام لم يصلها، بل جعجع به الحر وأنزله بوادي كربلاء، ولم يرد في كتب التاريخ كيف وصل خبر نزول الحسين علیه السلام في كربلاء إلى حبيب، سوى خبر مرسل لا يعوّل عليه ذكره صاحب فرسان الهيجاء(2).

والمهم أن الأخبار كانت تصل الكوفة؛ لأنها مقر إمارة ابن مرجانة، ومنها تصدر أوامر المواجهة، والحسين علیه السلام نزل كربلاء في اليوم الثاني من محرم، وبقي فيها إلى اليوم العاشر حيث كانت الواقعة(3)، وخلال هذه الفترة كانت تصل الأخبار، فعزم حبيب على الالتحاق بركب الخلود، فاتصل بابن عمه مسلم بن عوسجة وأقبلا يجدّان السير في


1) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص264.

2) اُنظر: المحلاتي، ذبيح الله، فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء: ج1، ص124.

3) اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام : ص229.

الليل ويكمنان في النهار، حتى وصلا إلى معسكر الحسين(1).

حبيب يدعو بني أسد لخير الدارين

لما رأى حبيب قلة أنصار الحسين علیه السلام وكثرة عدوه استأذنه، قائلاً: «إن هاهنا حيّاً من بني أسد فلو أذنت لي لسرت إليهم ودعوتهم إلى نصرك، لعل الله أن يهديهم أو يدفع بهم عنك، فأذن له الحسين علیه السلام ، فسار إليهم حتى وافاهم، فجلس في ناديهم ووعظهم، وقال في كلامه: يا بني أسد، قد جئتكم بخير ما أتى به رائد إلى قومه، هذا الحسين بن علي أمير المؤمنين وابن فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه و اله ، وقد نزل بظهرانيكم في عصابة من المؤمنين، وقد أطافت به أعداؤه ليقتلوه، فأتيتكم لتمنعوه وتحفظوا حرمة رسول الله صلی الله علیه و اله فيه، فوالله، لئن نصرتموه ليُعطينكم الله شرف الدنيا والآخرة... فقام عبد الله بن بشير الأسدي، وقال: شكر الله سعيكم يا أبا القاسم، فو الله، لجئتنا بمكرمة يستأثر بها المرء الأحبّ فالأحبّ! أمّا أنا فأوّل مَن أجاب، وأجاب جماعة(2)بنحو جوابه... وانسلّ رجل منهم، فأخبر ابن سعد، فأرسل الأزرق في خمسمائة فارس، فعارضهم ليلاً ومانعهم فلم يمتنعوا فقاتلهم(3)فقُتل منهم جماعة... وعاد حبيب ليخبر الحسين بما حصل، فقال علیه السلام : «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ » ولا حول ولا قوة إلّا بالله»(4).

حبيب في ليلة العاشر

خرج الحسين علیه السلام ليلة العاشر من المحرم يتفقد التلاع، فأحسّ بخطى رجل من خلفه، فالتفت وقال: «من الرجل؟ نافع؟. قال: نعم، جُعلت فداك يا بن رسول الله. قال علیه السلام : ما أخرجك يا نافع، في هذا الليل؟ قال: سيدي أزعجني خروجك ليلاً إلى جهة هذا الباغي. فقال علیه السلام : يا نافع خرجت أتفقد هذه التلاع مخافة أن تكون مكمناً لهجوم


1) اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج4، ص554.

2) نص المقرّم على أنهم تسعون رجلاً. اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام : ص252.

3) اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج4، ص554.

4) اُنظر: المصدر السابق.

الخيل على مخيّمنا يوم يحملون وتحملون».

ثم يروي نافع قول زينب علیها السلام حينما صارحها الحسين علیه السلام بما سيجري في الغد: «وا أخاه واحسيناه، أشاهد مصرعك وأُبتلى برعاية هذه المذاعير من النساء، والقوم - يا بن أُمي كما تعلم - ما هم عليه من الحقد القديم، ذلك خطب جسيم، يعزّ لي مصرع هذه الفتية وأقمار بني هاشم، ثم قالت: يا بن أُمي، هل استعلمت أصحابك نياتهم فإني أخاف أن يُسلموك عند الوثبة واصطكاك الأسنة، فبكى الحسين، وقال: أما والله، لقد بلوتهم فما رأيت فيهم إلّا الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل بلبن أُمه».

فبكى نافع، ثم أتى حبيب بن مظاهر وأخبره بالأمر، «فبرز حبيب ناحية ونافع إلى جنبه وانتدب أصحابه فنادى: أين أنصار الله؟ أين أنصار رسول الله صلی الله علیه و اله ؟ أين أنصار أمير المؤمنين؟ أين أنصار فاطمة؟ أين أنصار الحسين؟ أين أنصار الإسلام؟ فتطالعوا من منازلهم كالليوث الضارية، يقدمهم أبو الفضل العباس علیه السلام ، فلما اجتمعوا، قال لبني هاشم: ارجعوا إلى منازلكم لا سهرت عيونكم، ثم خطب أصحابه فقال: يا أصحاب الحمية، وليوث الكريهة، هذا نافع بن هلال يخبرني الساعة بكذا وكذا، فأخبروني عن نياتكم، فجردوا صوارمهم، ورموا عمائمهم، وقالوا: أما والله، يا بن مظاهر لئن زحف القوم إلينا لنحصدن رؤوسهم ولنلحقنهم بأشياخهم، ولنحفظن رسول الله صلی الله علیه و اله في عترته وذريته. فقال لهم حبيب: معي.. معي، فقام يخبط الأرض بهم وهم يعدون خلفه حتى وقف بين أطناب المخيم... فخرج الحسين علیه السلام وقال: جزاكم الله عن أهل بيت نبيكم خيراً، وخرجت حرائر آل البيت إليهم باكيات معولات قائلات: أيها الطيبون، حاموا عن بنات رسول الله صلی الله علیه و اله وحرائر أمير المؤمنين علیه السلام . فضج القوم بالبكاء حتى كأن الأرض تميد بهم»(1).

حبيب يوم العاشر

كان حبيب على رأس ثلث جنود الحسين، حيث إنه علیه السلام لمّا أصبح يوم عاشوراء


1) اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام : ص262.

صلى بأصحابه صلاة الصبح، ثم قام خطيباً فيهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله تعالى أذن في قتلكم وقتلي فعليكم بالصبر والقتال.

ثم صفّهم للحرب.. فجعل زهير بن القين على الميمنة وحبيب بن مظاهر على الميسرة، وثبت هو في القلب وأعطى رايته أخاه العباس(1). وهذا الفعل من الإمام إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أهمية الرجل، وسمو مقامه وثقله عند النزال.

ولمّا حمي الوطيس حمل عمرو بن الحجاج في أصحابه على الحسين علیه السلام من نحو الفرات، فاضطربوا ساعة، فصُرِع مسلم بن عوسجة الأسدي، ولما انصرف ابن الحجاج وانقطعت الغبرة، وجدوا مسلماً صريعاً بين القتلى وبه رمق، فمشى إليه الحسين، فقال: رحمك الله يا مسلم (ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ)(2)، ودنا منه حبيب بن مظاهر، فقال له: عزَّ عليّ مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنة(3).

مصرع حبيب

ولما انتصف النهار رمق أبو ثماثة الصائدي الشمس بطرفه وقد زالت، فقال للإمام الحسين علیه السلام : نفسي لك الفداء، إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، لا والله، لا تُقتل حتى أُقتل دونك - إن شاء الله - وأُحبّ أن ألقى ربّي وقد صلينا هذه الصلاة التي قد دنا وقتها، فرفع الحسين علیه السلام رأسه، وقال: ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين الذاكرين، نعم هذا أول وقتها، ثم قال علیه السلام : سلوهم أن يكفّوا عنا حتى نُصلي، فصاح الحصين بن تميم: إنها لا تُقبل. فقال له حبيب: زعمت أن الصلاة لا تُقبل عن آل الرسول صلی الله علیه و اله وتُقبل منك يا حمار.

فحمل الحصين على أصحاب الحسين، فبرز له حبيب بن مظاهر فضرب وجه فرسه بالسيف فشب ووقع عنه، وحمله أصحابه فاستنقذوه، ثم أخذ حبيب يقاتلهم ويرتجز بقوله:


1) المصدر السابق: ص270.

2) الأحزاب: آية23.

3) اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام : ص291.

أقسم لو كان لكم أعدادا

أو شطركم وليتم أكتادا

يا شر قوم حسباً وآدا

وكان يرتجز أيضا بقوله:

أنا حبيب وأبي مظهر ***فارس هيجاء وحرب تسعر

أنتم أعد عُدة وأكثر***ونحن أوفى منكم وأصبر

ونحن أعلى حجة وأظهر***حقاً وأتقى منكم وأعذر

وقاتلهم قتالاً شديداً(1)، فقتل على كبر سنه اثنين وستين رجلاً، وحمل عليه بديل بن صريم فضربه بسيفه، وطعنه آخر من تميم برمحه، فسقط إلى الأرض، فذهب ليقوم وإذا الحصين يضربه بالسيف على رأسه فسقط لوجهه، ونزل إليه التميمي واحتزّ رأسه، فهدَّ مقتله الحسين علیه السلام ، فقال: عند الله أحتسبُ نفسي وحماة أصحابي واسترجع كثيراً(2).

قال الطبري: «إن التميمي لما احتز رأس حبيب، قال له الحصين: إني لشريكك في قتله، فقال الآخر: والله، ما قتله غيري، فقال الحصين: أعطني رأسه أُعلقه في عنق فرسي فيرى الناس ويعلموا أني شركت في قتله، ثم خذه أنت بعد فامض به إلى عبيد الله بن زياد، فلا حاجة لي فيما تُعطاه على قتلك إياه، فأبى عليه فأصلح قومه فيما بينهما على هذا، فدفع إليه رأس حبيب بن مظاهر، فجال به في العسكر، وقد علقه في عنق فرسه، ثم دفعه بعد ذلك إليه، فلما رجعوا إلى الكوفة أخذ الآخر رأس حبيب، فعلقه في لبان فرسه، ثم أقبل به إلى ابن زياد في القصر، فبصر به ابنه القاسم بن حبيب وهو يومئذ قد راهق فأقبل مع الفارس لا يفارقه كلما دخل القصر دخل معه، وإذا خرج خرج معه، فارتاب به فقال: مالك يا بني تتبعني؟ قال: لا شيء. قال: بلى يا بني أخبرني؟ قال له: إن هذا الرأس الذي معك رأس أبي أفتعطينيه حتى أدفنه؟ قال: يا بني، لا يرضى الأمير أن يدفن، وأنا أُريد أن يثيبني الأمير على قتله ثواباً حسناً. قال الغلام: لكن الله لا يثيبك على ذلك إلّا


1) اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص335.

2) اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام : ص295.

أسوأ الثواب، أما والله، لقد قتلت خيراً منك وبكى.

ثم إن القاسم بن حبيب بعدما شبّ وأدرك، ظل يتعقب قاتل أبيه حتى ظفر به في بعض غزوات مصعب بن الزبير، حيث وجده في خيمته وهو قائل نصف النهار، فضربه بالسيف فهلك»(1).

دفن حبيب عند رأس الحسين علیه السلام

قال السماوي: «دفنت بنو أسد حبيباً عند رأس الحسين علیه السلام حيث قبره الآن اعتناءً بشأنه، ودفنت بنو تميم الحر بن يزيد الرياحي على نحو ميل من الحسين علیه السلام حيث قبره الآن اعتناءً به أيضاً»(2).

أقول: روى الشيخ مرسلاً عن الإمام الرضا علیه السلام أن الذي تولّى دفن الإمام الحسين علیه السلام هو الإمام زين العابدين علیه السلام حيث تسلل من الحبس في الكوفة إلى كربلاء ودفن أباه والشهداء بمساعدة بني أسد، ثم عاد إلى الكوفة دون أن يشعر به الأعداء(3).

وهذه الرواية تدل على أن المسألة كانت بنحو المعجزة والكرامة؛ لأن السفر من الكوفة إلى كربلاء والرجوع ثانية يحتاج في ذلك الوقت ما لا يقل عن أسبوع، في حين أن أهل البيت علیهم السلام لم يبقوا في الكوفة سوى ثلاثة أيام، ثم سرّحوا بهم إلى الشام.

3. عبد الرحمن بن عبد رب الأنصاري الخزرجي

من الشخصيات البارزة في الكوفة(4)، وممن أخلص الصحبة لعلي علیه السلام (5)، ويبدو أنه سكن الكوفة أيام أمير المؤمنين علیه السلام ، وبقي ملازماً للإمام حيث علّمه القرآن ورباه(6)،


1) اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص335.

2) اُنظر: السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : ص160.

3) الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال المعروف ب-(رجال الكشي): ج2، ص764.

4) اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين علیه السلام : ص109.

5) اُنظر: السماوي، محمد، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : ص116.

6) المصدر السابق: ص117.

وبقي يسكن الكوفة إلى حين شهادته، وهو أحد الذين كانوا يأخذون البيعة للحسين في الكوفة(1)، وهذا لا يتفق مع ما ذكره السماوي من أنه جاء مع الحسين من مكة(2)، اللهم إلّا أن يكون من جملة الوافدين على الحسين علیه السلام فترة إقامته في مكة.

ولا توجد ترجمة كافية عن عبد الرحمن هذا سوى نزر من الأخبار القليلة، فلا يعلم تاريخ ولادته ولا عمره يوم استُشهد مع الحسين علیه السلام ، ولكن نص جماعة من الرجاليين على أنه كان من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و اله .

فقد ذكر ابن الأثير في أُسد الغابة بأنه ممن شهد لعلي علیه السلام بحديث الغدير حينما ناشدهم بذلك، إذ: «قام بضعة عشر رجلاً فيهم أبو أيوب الأنصاري، وأبو عمرة بن عمرو بن محصن، وأبو زينب، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت، وعبد الله بن ثابت الأنصاري، وحبشي ابن جنادة السلونيّ، وعبيد بن عازب الأنصاري، وأبو فضالة الأنصاري، وعبد الرحمن بن عبد رب الأنصاري، فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول الله صلی الله علیه و اله يقول: ألا إن الله وليي وأنا ولي المؤمنين، ألا فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ مَن ولاه، وعاد مَن عاداه، وأحبّ مَن أحبه، وابغض مَن أبغضه، وأعن مَن أعانه»(3).

وقال ابن حجر: «عبد الرحمن بن عبد رب الأنصاري، ذكره ابن عقدة في كتاب الموالاة فيمن روى حديث من كنت مولاه فعلي مولاه»(4).

رجل لا يحب الباطل

روى الطبري عن غلام لعبد الرحمن بن عبد ربّه الأنصاري، قال: «كنت مع مولاي فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسين، أمر الحسين علیه السلام بفسطاط فضُرب، ثم أمر بمسك


1) اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين علیه السلام : ص109.

2) اُنظر: السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : ص117.

3) ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة في معرفة الصحابة: ج3، ص307.

4) اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج4، ص276.

فميث في جفنة عظيمة أو صفحة، قال: ثم دخل الحسين علیه السلام ذلك الفسطاط فتطلى بالنورة، قال: ومولاي عبد الرحمن بن عبد ربه وبريد بن حضير الهمداني على باب الفسطاط تحتك مناكبهما، فازدحما أيهما يطلي على أثره، فجعل برير يهازل عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: دعنا فوالله، ما هذه بساعة باطل، فقال له برير: والله، لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شابّاً ولا كهلاً، ولكن والله، إني لمستبشر بما نحن لاقون، والله، إن بيننا وبين الحور العين إلّا أن يميل هؤلاء القوم علينا بأسيافهم، ولوددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم...»(1).

أقول: إنه مما لا شك فيه أن ممازحة برير لعبد الرحمن لا شيء فيها من الباطل أو الكذب والعياذ بالله، وربما هي كلمات تنم عن الابتهاج والفرح والسرور ليس إلّا، وإن رفض عبد الرحمن لهذا المستوى من الهزل في لحظة الجد تكشف لنا عن كمال نفسيّته، وشدته في ذات الله، وعمق تقواه، بحيث أنه ردها على برير، ولم يقبلها إلّا بعد أن بررها برير بأنه مستبشر بلقاء الله وكرامته وفضله من الحور والقصور. رحم الله عبد الرحمن الذي استعجل الرواح للقاء ربه وفاءً لنبيه ولدينه وعقيدته.

4- عمار الدالاني

قال في الإصابة: «عمار بن أبي سلامة بن عبد الله بن عمران بن رأس بن دالان الهمداني ثم الدالاني، له إدراك وكان قد شهد مع علي مشاهده، وقُتل مع الحسين بن علي بالطف، ذكره ابن الكلبي»(2).

ويُنسب عمار تارة إلى همدان، وتارة إلى دالان، وتارة إلى حاشد، وهذه النسب تعود إلى أسماء أجداده. ومن أجداده البارزين في الجاهلية رؤاس أو رأس، ترجم له جمع من المؤرخين منهم الزركلي، إذ قال: رؤاس بن دالان الوادعي الحاشدي من همدان: «جد جاهلي يماني من نسله عمار بن أبي سلامة...»(3).


1) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص321.

2) العسقلاني، ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج5، ص107.

3) المصدر السابق: ج5، ص107.

وقال ابن الأثير: «رؤاس بن دالان بن سابقة بن ناشج بن وداعة بن عمرو بن عامر ابن ناشج بن دافع بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن هدان، منهم عمار بن أبي سلامة...»(1).

كان عمار من أصحاب أمير المؤمنين، بل من خواص أصحابه، ومن الذين جاهدوا بين يديه في الجمل وصفين والنهروان(2).

قال السماوي: «قال أبو جعفر الطبري: وكان من أصحاب علي علیه السلام ومن المجاهدين بين يديه في حروبه الثلاثة، وهو الذي سأل أمير المؤمنين علیه السلام عندما سار من ذي قار إلى البصرة، فقال: يا أمير المؤمنين، إذا أقدمت عليهم فماذا تصنع؟ قال علیه السلام : أدعوهم إلى الله وطاعته، فإن أبو قاتلتهم. فقال أبو سلامة: إذن لن يغلبوا داعي الله»(3).

أقول: وقد نص الجلالي بأن عماراً الدالاني من أصحاب علي علیه السلام الذين شاهدوه وهو يرثي الحسين علیه السلام في أرض كربلاء بندائه: صبراً أبا عبد الله(4)، في إشارة إلى ما رواه جمع من المؤرخين من أن أمير المؤمنين علیه السلام مر بنينوى (كربلاء) فقال: «صبراً أبا عبد الله صبراً بشط الفرات...»(5).

ونصّ بعضهم على أن عماراً هذا قُتل في الحملة الأُولى(6)لأنه لم يرد له أيّ رجز، ولم يذكر في المبارزات الفردية، والأخبار عن سيرته بعد ذلك قليلة، فلا يعرف أين وُلد ومتى، وكم عمره يوم شهادته، ولا ضير فإن موقفه في كربلاء وشهادته فيها يعدل تاريخ أُمة، فرحمه الله وحشره مع أوليائه الطاهرين.


1) ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، اللباب في تهذيب الأنساب: ج2، ص40.

2) المصدر السابق.

3) السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : ص100.

4) اُنظر: الجلالي، محمد رضا، الإمام الحسين علیه السلام سماته وسيرته: ص159.

5) الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص105.

6) اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين علیه السلام : ص114.

5. مسلم بن عوسجة

أبو جحل، مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي السعدي، هكذا أورد نسبه السماوي في إبصار العين(1).

إن مسلم بن عوسجة صحابي ممن رأى النبي صلی الله علیه و اله ، نص على ذلك الشيخ شمس الدين في أنصار الحسين(2)، والشيخ علي النمازي الشاهرودي في مستدركات علم رجال الحديث(3)، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة(4).

وكان رجلاً شريفاً عابداً متنسكاً شجاعاً، له ذكر في المغازي والفتوح الإسلامية(5)، وهو مع ذلك شيخ كبير السن وشخصية أسدية كبرى، ومن أبرز رجالات الكوفة(6).

قال الزركلي: «مسلم بن عوسجة الأسدي من أبطال العرب في صدر الإسلام، شهد يوم (أذربيجان) وغيره من أيام الفتوح، وكان مع الحسين بن علي في قصده الكوفة، فقاتل وهو يناضل عنه»(7).

أقول: ولم تذكره مصادر الجمهور، وإنما ذكره صاحب الإصابة، وأُسد الغابة (مسلم أبو عوسج) يروي حديثاً عن النبي صلی الله علیه و اله بالمسح على الخفين، ولم ينصوا على أنه استُشهد مع الحسين علیه السلام ، فلا نعلم أنه هو المقصود أم غيره(8).


1) اُنظر: السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : ص80.

2) اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين علیه السلام : ص125.

3) الشاهرودي، علي النمازي، مستدركات علم رجال الحديث: ج7، ص414.

4) اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج1، ص612.

5) اُنظر: السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : ص107- 108.

6) اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين علیه السلام : ص125.

7) الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج7، ص222.

8) اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج6، ص90. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة في معرفة الصحابة: ج4، ص364.

عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الحسين علیه السلام (1)، وكان من أصحاب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، وأحد الذين كاتبوا الحسين علیه السلام بالقدوم إلى العراق(2)، ولما بعث الحسين علیه السلام مسلم إلى الكوفة كان ابن عوسجة من المستقبلين له والداعين إلى بيعة الحسين على يديه(3).

ويذكر أن (معقلاً) جاسوس ابن زياد «أتى مسلم بن عوسجة الأسدي، من بني سعد بن ثعلبة في المسجد الأعظم وهو يصلي، وسمع الناس يقولون: إن هذا يبايع للحسين، فجاء فجلس حتى فرغ من صلاته، ثم قال: يا عبد الله، إني امرؤ من أهل الشام، مولىً لذي كلاع، أنعم الله عليّ بحبّ أهل هذا البيت، وحبّ مَن أحبهم، فهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلی الله علیه و اله ، وكنت أُريد لقاءه، فلم أجد أحداً يدلني عليه، ولا يُعرف مكانه، فإني لجالس آنفاً في المسجد إذ سمعت نفراً من المسلمين يقولون: هذا رجل له علم بأهل هذا البيت، وإني أتيتك لتقبض هذا المال وتُدخلني على صاحبك فأبايعه، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه، فقال: أحمد الله على لقائك إياي، فقد سرّني ذلك لتنال ما تحب، ولينصر الله بهذا الأمر من قبل أن ينمى مخافة هذا الطاغية وسطوته، فأخذ بيعته قبل أن يبرح، وأخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحنّ وليكتمنّ، فأعطاه من ذلك ما رضي به، ثم قال له: اختلف إليّ أياماً في منزلي، فأنا طالب لك الأذن على صاحبك، فأخذ يختلف مع الناس، فطلب له الإذن..»(4).

وهكذا بدأ معقل يدخل على مسلم وينقل أخباره إلى ابن مرجانة، فلما انكشف الأمر واعتُقل هاني - كما مرّ في ترجمته - انتفض مسلم بن عقيل، وقسّم أصحابه إلى أربع رايات، حيث «عقد لعبيد الله بن عمر بن عزيز الكندي على ربع كندة وربيعة، وقال:


1) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص105.

2) اُنظر: البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص324.

3) اُنظر: السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام : ص80.

4) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص271.

سر أمامي على الخيل، وعقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد، وقال: انزل في الرجال، وعقد لأبي ثمامة الصائدي على تميم وهمدان، وعقد للعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدنية..»(1).

ثم لما انفض الناس عن مسلم وأجهضت حركته واستُشهد، اختبأ مسلم بن عوسجة إلى أن وصل الحسين علیه السلام إلى كربلاء، فالتحق به مع حبيب بن مظاهر الأسدي، كما تقدم.

ابن عوسجة في ليلة عاشوراء

وقف الحسين علیه السلام ليلة العاشر من محرم ينادي أصحابه وأهل بيته: «هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله، فإن القوم إنما يطلبوني، ولو قد أصابوني لهو عن طلب غيري..»(2).

فشقت هذه الكلمة على القوم، واختنقوا حتى كادت أنفسهم تزهق من أبدانهم، ثم انفجر بركان الولاء بكلمات خلّدتها السنون وخلّدتهم معها، رموزاً للتضحية والفداء والإباء والولاء، واشرأبّ ابن عوسجة كأنه الأسد الهزبر، قائماً قائلاً: «أنحن نخلّي عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك، أما والله، لا أُفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبتت قائمه في يدي، ولا أُفارقك ولو لم يكن معي سلاح أُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك..»(3).

أول صريع بعد الحملة الأُولى

كان عمرو بن الحجاج ينادي بأصحابه بعد الحملة الأُولى - بعدما صُرِعَ خمسون شهيداً من أصحاب الحسين علیه السلام - الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل مَن


1) المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام : ص175.

2) اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص318.

3) المصدر السابق.

مرق من الدين، وخالف الإمام(1). فناداه الحسين علیه السلام : «يا عمر بن الحجاج، أعليّ تحرِّض الناس؟ أنحن مرقنا وأنتم ثبتم عليه؟! أما والله، لتعلمنَّ لو قد قُبِضَت أرواحكم ومتّم على أعمالكم أيّنا مرق من الدين، ومَن هو أوْلى بصليّ النار» فحمل عمرو بن الحجاج على الحسين من نحو الفرات على ميسرة الحسين فتطاعنوا واقتتلوا ساعة(2)، وكان على ميسرة الحسين زهير بن القين ومعه مسلم بن عوسجة، فكان مسلم يقاتل قتال الأبطال وهو يرتجز ويقول:

إن تسألوا عنّي فإنّي ذو لبد***من فرع قوم في ذرى بني أسد

فمن تعامى حائد عن الرشد***وكافر بدين جبّار صمد(3)

وعَلَتْ الغبرة فما انجلت إلّا ومسلم صريع، حيث شدَّ عليه مسلم بن عبد الله الضبابي وعبد الله بن خشكارة فصرعاه، فمشى إليه الحسين علیه السلام ومعه حبيب فقال له الحسين علیه السلام : «رحمك الله يا مسلم فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ». ودنا منه حبيب بن مظاهر، فقال له: عزَّ عليّ مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنة. فقال مسلم بضعيف صوته: بشَّرك الله بخير. فقال له حبيب: لولا علمي أني في أثرك لأحببت أن توصيني بكل ما أهمّك(4). فقال مسلم: أوصيك بهذا - وأشار إلى الحسين - أن تموت دونه. فقال حبيب: أفعل وربِّ الكعبة(5).

ولمّا صُرِعَ مسلم صاحت جارية له يا سيّداه يا بن عوسجتاه، فنادى أصحاب ابن سعد مستبشرين قتلنا مسلم بن عوسجة فقال لهم شبث بن ربعي: ثكلتكم أُمّهاتكم أما إنّكم تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذلّون أنفسكم لغيركم، أتفرحون بقتل مسلم بن عوسجة!! لرُبَّ موقف له في المسلمين كريم، لقد رأيُته يوم آذربيجان قتل ستة من


1) يعني يزيد عليه اللعنة والعذاب.

2) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص331.

3) ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص106.

4) اُنظر: المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: ج2، ص104.

5) اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين علیه السلام : ص291.

المشركين قبل أن تلتئم خيول المسلمين(1).

6. يحيى بن هاني بن عروة

الشهيد بن الشهيد، أبو داود يحيى بن هاني بن عروة المرادي المذحجي. نص الشيخ علي النمازي الشاهرودي - في مستدركات علم الحديث - على أنّه من الشهداء، حيث ذكره تحت التسلسل [16285]، وقال: «يحيى بن هاني بن عروة المرادي من شهداء الطف، كما ذكره العلّامة المامقاني»(2).

وذكره المحلّاتي في فرسان الهيجاء(3)، وذكره ابن الأثير في أُسد الغابة(4)، وذكره ابن حجر في الإصابة، إلّا أنّه قال: تابعي صغير أرسل شيئاً فذكره ابن شاهين في الصحابة..(5). وذكره التستري فقال: ثمّ من الغريب! أنّ أُسد الغابة عدّه في أصحاب الرسول صلی الله علیه و اله ..(6).

أقول: وما هو وجه الغرابة في أن يكون يحيى من الصحابة؛ إذ إننا سمعنا في ترجمة والده - المتقدمة - أنّه بلغ الثامنة والتسعين يوم شهادته(7)، في عام [60] ه-، وعليه تكون ولادته حوالي (38 قبل الهجرة)؛ فيكون عمره يوم وفاة النبي صلی الله علیه و اله [48] سنة تقريباً، فما الضير في أن يكون له ولد يتراوح عمره بين (1-30)؟ على أنّنا لا يوجد لدينا تاريخ يضبط ولادة يحيى، ثم إنّ كنية هاني (أبو يحيى)؛ ممّا يدل على أنّ يحيى أبنه الأكبر، وعليه فنحن لا نرى أيّ وجه للغرابة التي ذكرها التستري. على أية حال فإنّ يحيى كوالده عين من عيون الكوفة ومن أبرز شخصياتها.


1) المصدر السابق: ج4، ص332.

2) الشاهرودي، علي النمازي، مستدركات علم رجال الحديث: ج 8، ص239.

3) اُنظر: المحلاتي، ذبيح الله، فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء: ج2، ص190.

4) ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة في معرفة الصحابة: ج5، ص102.

5) اُنظر: العسقلاني، ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج6، ص559.

6) اُنظر: التستري، محمد تقي، قاموس الرجال: ج11، ص84.

7) اُنظر: بحر العلوم، مهدي، الفوائد الرجالية: ج4، ص27.

قال ابن حجر في ترجمة يحيى في الإصابة: «قال أبو حاتم الرازي: ثقةٌ صالحٌ، من سادات أهل الكوفة، وذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين، وقال يحيى بن بكير عن شعبة: كان سيّد أهل الكوفة في زمانه، وثقه النسائي وغيره، وحديثه في السنن الثلاثة»(1).

وفي هامش الفوائد الرجالية: «لما قُتِلَ هاني مع مسلم بن عقيل فرَّ ابنه يحيى واختفى عند قومه خوفاً من ابن زياد (لعنه الله)، فلّما سمع بنزول الحسين علیه السلام بكربلاء جاء وانظمّ إليه ولزمه إلى أن شبَّ القتال يوم الطف، فتقدّم وقتل من القوم رجالاً كثيرة، ثم نال شرف الشهادة»(2).

ويبدو أنه استُشهد في الحملة الأُولى؛ لأنّه لم تُذكَر له مبارزة فردية، ولم يُذكَر له رجز سوى ما ذكره بعض المعاصرين، ولم نعثر عليه في أُمهات المصادر والمراجع(3)

أغشاكم ضرباً بحد السيف***لأجل مَن حلَّ بأرض الخيف

بقدرة الرحمن ربّ الكيف***أضربكم ضرباً بغير حيف

اُنظر: المحلاتي، ذبيح الله، فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء: ج2، ص190.

.

ثالثاً: تراجم الصحابة الذين استُشهدوا بعد واقعة الطف

وهم كما تقدّم اثنان: سليمان بن صُرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة:

1- سليمان بن صُرد الخزاعي

أبو مطرف سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن خبيس بن حرام بن حبيشة بن سلول بن كعب الخزاعي. قال: كان اسمه يسار فسمّاه رسول الله صلی الله علیه و اله سليمان(4)، وقد نصّ جمعٌ من العلماء على أنّه صحابي ممّن رأى النبي وسمع


1) اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج6، ص559.

2) بحر العلوم، محمد مهدي، الفوائد الرجالية: ج4، ص52.

3) ذكر المحلاتي أنّه ارتجز بقوله:

4) اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج3، ص144.

حديثه وروى عنه، منهم: ابن حجر في الإصابة(1)، وابن الأثير في أُسد الغابة(2)، وابن سعد في الطبقات الكبرى(3)، والطوسي في رجاله(4)، والتفرشي في نقد الرجال(5)... وغيرهم.

دور سليمان في النهضة الحسينية

يُعتَبر سليمان من أبرز وجوه الشيعة في الكوفة، وعليه عندما هلك معاوية اجتمع القوم في داره، فقام فيهم خطيباً فقال: «إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسيناً قد تقبّض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه. قالوا: لا، بل نقاتل عدوّه ونقتل أنفسنا دونه. قال: فاكتبوا إليه». فكتبوا إليه علیه السلام كتابهم المعروف، ويتصدّر كتابهم اسم سليمان بن صرد(6).

ومن ذلك نتبيّن أهمية ومقام سليمان؛ إذ إنّه أوّل مَن فتح داره لاستقطاب الشخصيات البارزة في الكوفة لبلورة موقفٍ تجاه السلطة الظالمة ورفض الحسين علیه السلام بيعة يزيد، وبالوقت نفسه تُبين الوثيقة المرسَلة أنّ سليمان كان على رأس المخاطبين للحسين علیه السلام .

ولكن بعد ذلك يختفي اسم سليمان من مجمل الأحداث، الأمر الذي يدعو للاستغراب والتساؤل، فأين كان سليمان حين دخل مسلم بن عقيل الكوفة وبايعه القوم؟ وأين هو لحظة انتفاضة مسلم ولحظة استشهاده؟

والذي يبدو ابتداءً أنّ ابن مرجانة أراد أن يستبق الأحداث فيضرب ضربته قبل


1) المصدر السابق.

2) ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة في معرفة الصحابة: ج2، ص351.

3) اُنظر: ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى: ج4، ص292.

4) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص94.

5) اُنظر: التفرشي، مصطفى بن الحسين، نقد الرجال: ج2، ص365.

6) اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص261.

أن تفلت زمام الأُمور من يده، فبمجرّد أن وصل الكوفة شنَّ حملة اعتقالات واسعة في صفوف المعارضة؛ الأمر الذي دعا مسلم لأن يغيِّر مقرّ إقامته ويتكتّم على دعوته بعد أن كانت علنيةً. وانطلاقاً من هذا الإجراء، فإنّ أبرز شخصية يجب أن يطالها الاعتقال هو سلميان بن صرد الخزاعي بناءً على البيانات السابقة، حيث قلنا: بأنّ داره كانت مقرّاً لحركة المعارضين، وهو على رأس المراسلين للإمام الحسين علیه السلام .

وإذا افترضنا أن ابن مرجانة لم يقم باعتقال سليمان بمجرّد وصوله الكوفة، فالأقرب أنّه اعتقله بعد فشل حركة مسلم واستشهاده وإعدام هاني. وقد صرَّح بهذا عدد من الباحثين والمحقّقين(1).

والذي نستقربه هو أنّ اعتقال سليمان بن صرد الخزاعي كان قبل استشهاد مسلم وبمجرّد وصول عبيد الله إلى الكوفة؛ لأنّه كان من أبرز وجوه الشيعة ولولب الحركة الشيعية في الكوفة، فهو (شيخ الشيعة)(2)و(سيد أهل العراق ورأسهم)(3)، ومن داره بدأ التحرّك الشيعي باتجاه دعوة الحسين علیه السلام ، وهو ما يفسِّر لنا اختفاء اسمه نهائياً في كل تفاصيل الأحداث.

ثمّ إنّ ابن زياد بعد قتل مسلمٍ وهانئ قام بإعدام جماعة من رموز الشيعة في الكوفة، منهم: عبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندي، والعباس بن جعدة الجدلي، وعبد الأعلى بن يزيد الكلبي، وعمارة بن صلخب الأزدي، ومحمد بن كثير الأزدي وولده، وميثم بن يحيى التمار، وعبيد الله بن الحارث بن نوفل الهمداني وغيرهم(4). واستمر ابن مرجانه


1) اُنظر: عابدين، محمد علي، مبعوث الحسين علیه السلام : ص236. القرشي، باقر شريف، حياة الشهيد الخالد مسلم بن عقيل: ص184. البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص333. الجميلي، علي إبراهيم عبيد، مسلم بن عقيل - دراسة تاريخية: ص265.

2) اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج7، ص31.

3) اُنظر: الدينوري، أحمد بن داود، الإمامة والسياسة: ج1، ص141.

4) اُنظر: عابدين، محمد علي، مبعوث الحسين علیه السلام : ص237. واُنظر: البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص333.

في غيّه يقتل ويعتقل أعيان الشيعة والمخلصين لأهل البيت من المؤمنين والمسلمين، ويحكمهم بالنار والحديد، حتى هلك الطاغية يزيد بن معاوية.

وتُشير بعض النصوص التاريخية إلى أنّ فكرة الطلب بدم الحسين علیه السلام كانت قد وُلِدَت في الكوفة مباشرة بعد واقعة الطف، فقد ذكر الطبري أنّ كبار الشيعة خمسة - هم: سليمان بن صرد الخزاعي، المسيب بن نجبة الفزاري، عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، عبد الله بن وال التميمي، رفاعة بن شداد البجلي - كانوا يجتمعون سرّاً في دار سليمان بن صرد الخزاعي، وتبلورت عن تلك الاجتماعات تأمير سليمان والعمل على جمع العُدة والعدد ثم التربص وانتظار اللحظة المناسبة للثورة.

ثم ذكر الطبري اجتماع هؤلاء الخمسة وتوليتهم الأمر لسليمان بن صرد، فقال سليمان حينها: «أمّا بعد، فإنّي والله، لخائف ألا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة، وعظمت فيه الرزية، وشمل فيه الجور أُولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير، إنّا كنّا نمدّ أعناقنا إلى قدوم آل نبيّنا ونمنّيهم النصر، ونحثّهم على القدوم، فلّما قدموا ونينا وعجزنا، وأدهنّا وتربّصنا، وانتظرنا ما يكون، حتى قُتل فينا ولدينا ولد نبيّنا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه، إذ جعل يستصرخ ويسأل النصف فلا يُعطاه، اتخذه الفاسقون غرضاً لِنبل، ودرية للرماح، حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه، ألا انهضوا فقد سخط ربّكم ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله، والله، ما أظنّه راضياً دون أن تناجزوا مَن قتله أو تبيروا، ألا لا تهابوا الموت، فوالله، ما هابه امرؤ قط إلّا ذل، كونوا كالأُولى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيّهم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم، فما فعل القوم؟ جثوا على الرُكب والله، ومدوا الأعناق ورضوا بالقضاء حتى حين علموا أنّه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلّا الصبر على القتل، فكيف بكم لو قد دُعيتم إلى مثل ما دعا القوم إليه؟ أشحذوا السيوف، وركبوا الأسنة، وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط

الخيل، حتى تدعوا حين تدعوا وتستنفروا...»(1). إنّ هذا النص ليؤكِّد أنّ سليمان إمّا أن أُطلق سراحه بعد مصرع الحسين علیه السلام إن كان معتقلاً، أو رفعت عنه الإقامة الجبرية إن كانت كذلك.

قال الطبري: «فلم يزالوا كذلك وفي ذلك حتى مات يزيد بن معاوية يوم الخميس لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة 64... فجاء إلى سليمان أصحابه من الشيعة، فقالوا: قد مات هذا الطاغية، والأمر الآن ضعيف، فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث فأخرجناه من القصر، ثم أظهرنا الطلب بدم الحسين وتتبعنا قتلته، ودعونا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر عليهم المدفوعين عن حقّهم... فقال لهم سليمان بن صرد: رويداً لا تعجلوا، إنّي قد نظرت فيما تذكرون فرأيت أنّ قتلة الحسين هم أشراف أهل الكوفة، وفرسان العرب، وهم المطالبون بدمه، ومتى علموا ما تريدون وعلموا أنّهم المطلوبون كانوا أشد عليكم، ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنّهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم، ولم يشفوا أنفسهم، ولم ينكوا في عدوهم، وكانوا لهم جزراً، ولكن بثّوا دعاتكم في المصر، فادعوا إلى أمركم هذا شيعتكم وغير شيعتكم... ففعلوا وخرجت طائفة منهم دعاة يدعون الناس فاستجاب لهم ناس كثير بعد هلاك يزيد بن معاوية أضعاف مَن كان استجاب لهم قبل ذلك»(2)، حتى بلغ عددهم ستة عشر ألف، إلّا أنّ رفض المختار للهدف الذي سعى له سليمان وأصحابه(3)أضعف الحركة، فانتهت إلى القيام بأربعة آلاف.

قال البراقي: «ثمّ قام سليمان في أصحابه فقال: أيّها الناس، مَن كان خرج يريد بخروجه وجه الله والآخرة فذلك منّا ونحن منه، فرحمة الله عليه حيّاً وميّتاً، ومَن كان إنّما يريد الدنيا فوالله، ما يأتي فيئ نأخذه وغنيمة نغنمها ما خلا رضوان الله... فتنادى أصحابه من كل جانب: إنّا لا نطلب الدنيا وليس لها خرجنا، إنّما خرجنا نطلب التوبة


1) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص426.

2) المصدر السابق: ج4، ص432.

3) وهو الشهادة والتضحية.

والطلب بدم ابن بنت رسول الله نبيّنا صلی الله علیه و اله . ثم ساروا حتى انتهوا إلى قبر الحسين علیه السلام ، فلمّا وصلوا صاحوا صيحة واحدة، فما رؤي أكثر باكياً من ذلك اليوم... وزادهم النظر إليه حنقاً، ثم ساروا بعد أن كان الرجل يعود إلى ضريحه كالمودّع له، فازدحم الناس عليه أكثر من ازدحامهم على الحجر الأسود، ثم ساروا على الأنبار حتى وصلوا إلى عين الوردة، وأقبل أهل الشام في عساكرهم وعلى رأسهم عبيد الله بن زياد، فوقعت هناك مقتلة عظيمة قُتِلَ فيها سليمان بن صرد وأصحابه، ولم ينجُ منهم غير رفاعة بن شداد ونفر يسير عادوا إلى الكوفة، وكان قتل سليمان وأصحابه في شهر ربيع الآخر»(1). فرحم الله سليمان بن صرد الخزاعي وإخوانه الذين مضوا على درب الإمام الحسين علیه السلام .

2- المسيب بن نجبة

المسيب بن نجبة - بفتح النون والجيم - بن ربيعة بن رجاح بن عوف بن هلال بن شمخ بن فزارة الفزاري. ذكره ابن حجر في الإصابة تحت التسلسل [8442](2). وذكره الزركلي في الأعلام فقال: «كان شجاعاً بطلاً، قال زفر بن الحارث في وصفه: فارس مضر الحمراء كلّها، إذا عُدّ من أشرافها عشرة كان أحدهم، وكان متعبّداً ناسكاً»(3). وذكره ابن سعد في الطبقات فنص على أنّه شهد القادسية، وأنّه من رجال علي في حروبه الثلاثة الجمل وصفين والنهروان(4).

كان المسيب أحد الزعماء الخمسة لجحافل التّوابين - كما مر في ترجمة سلميان بن صرد - وهو المرشَّح لقيادتهم فيما لو أُصيب سليمان، حيث أوصاهم: إن أنا قُتِلْت فأميركم المسيب بن نجبة، فلَما قُتِلَ سليمان أخذ الراية المسيب، وترحَّم على سليمان، ثمّ تقدّم للقتال، وكرَّ على القوم وهو يرتجز:


1) اُنظر: البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص344.

2) اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج 6، ص234.

3) اُنظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج7، ص226.

4) اُنظر: ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى: ج6، ص216.

قد علمت ميالة الذوائب***واضحة الخدين والترائب

إنّي غداة الروع والتغالب***أشجع من ذي لبدة مواثب

ولم يزل يقاتل حتى قُتِل(1).

وكان جيش التّوابين يقرب من أربعة آلاف أُبيدوا بأجمعهم إلّا قليل، ولم ينجُ من قادتهم الخمسة سوى رفاعة بن شداد.

ولمّا وضعت الحرب أوزارها، أمر عبيد الله بن مرجانة بقطع رأس سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة وبعث بهما إلى مروان بن الحكم(2)بالرغم من أنّ أربعة من الخمسة صُرِعُوا في عين الوردة، وما ذاك إلّا لرمزية هذين الرأسين.

هذا تمام الكلام في أصحاب النبي صلی الله علیه و اله الأحد عشر الذين استُشهدوا في النهضة الحسينية، رضي الله عنهم وأرضاهم وحشرهم مع محمد وآله الطاهرين.


1) اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج10، ص125.

2) اُنظر: الأمين، محسن، أصدق الأخبار: ص29.

مقتل الحسين علیه السلام

لنصر بن مزاحم المنقري الكوفي

(000- 212ه-)

الشيخ عامر الجابري

الشيخ عامر الجابري(1)

تقديم

من الشخصيات الكوفيّة الأخباريّة القديمة هي شخصية (نصر بن مزاحم المنقري) وقد برزت هذه الشخصية في نهايات القرن الثاني، وبدايات القرن الثالث الهجري. وهي شخصية يكتنف الغموض العديد من جوانبها، فليس لدينا حول شخصيته سوى معلومات متناثرة في بطون كتب التاريخ والسيرة والرجال، وقد حاولنا جمع تلك المعلومات وتنسيقها وإخضاعها للتحليل والاستنتاج، لأجل سدّ الثغرات والفجوات التي قد نواجهها في معرفة الكثير من أبعاد هذه الشخصية.

ولعل أشهر ما عُرف به نصر بن مزاحم هو كتابه (وقعة صِفِّين) الذي يُعدُّ أقدم وأهم أصل تاريخي يتحدَّث عن هذه الواقعة؛ ولذا كثيراً ما يُعرف به، فيُقال مثلاً: نصر بن مزاحم صاحب وقعة صفِّين.


1) باحث وكاتب إسلامي.

وإلى جانب هذا الكتاب أيضاً، ألَّف المنقري عدّة كتب أُخرى، منها: الكتاب الذي نحن بصدد الكلام عنه وهو (مقتل الحسين علیه السلام )، الذي يُعدّ من أُصول المقاتل الحسينيّة، وكذلك له مصنفات أُخرى ستتم الإشارة إليها أثناء ترجمة حياته.

وهذا المقتل وإن كان مفقوداً في عصرنا، إلّا أنّ اعتماد كبار العلماء عليه، كأبي الفرج الأصفهاني، وابن قولويه، والشيخ الصدوق، قد حفظ لنا العديد من مروياته.

وهذه السطور هي ثمرة أيام وليالي من البحث والتحقيق حول شخصية المنقري، وكتابه في مقتل الحسين علیه السلام ، أقدِّمُها للقرّاء الكرام، ضمن مبحثين رئيسين وخاتمة بأهم النتائج، حيث إنّ الأول سيختصّ بترجمة المنقري (اسمه، ونسبه، وكنيته، ونشأته وأولاده، ومذهبه...)، ويختصّ المبحث الثاني بالكلام حول المقتل الذي رواه لنا، وسنذكر أهم المصادر التي نقلت روايات هذا المقتل بالتفصيل - إن شاء الله - مع الاعتذار عن القصور والتقصير.

المبحث الأول: ترجمة المنقري

أولاً: اسمه ولقبه ونسبه وأولاده

اسمه: نصر بن مزاحم بن يسار(1)أو سيار(2)المنقري العطّار أبو الفضل(3)أو المفضل(4).

لقبه ونسبه: يُلقّب نصر بن مزاحم ب-(المنقري)، و(العطار).


1) اُنظر: ابن النديم، الفهرست: ص122.

2) اُنظر: البغدادي، إسماعيل باشا، هدية العارفين: ج2، ص489. الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج8، ص28.

3) هكذا جاءت كنيته. اُنظر: ابن النديم، الفهرست: ص122. الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج8، ص28. عمر كحالة، معجم المؤلفين: ج13، ص92. الرازي، ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل: ج8، ص468. البروجردي، علي، طرائف المقال: ج1، ص352.

4) كنّاه بذلك: النجاشي والعلّامة الحلي. اُنظر: النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص427. العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، خلاصة الأقوال: ص285.

أمّا (المنقري): بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف، فنسبة إلى بني منقر، وهو منقر بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم(1)، فهم بطن من تميم؛ ولذا قد يُلقَّب نصر بن مزاحم في بعض المصادر ب-(التميمي) أيضاً، وإن كان إطلاق لقب (المنقري) عليه أشهر.

وقد نُسب إلى هذا الفرع من تميم جماعةٌ من أهل العلم ممَّن التفّوا حول أئمة أهل البيت علیهم السلام ، منهم: الحسين بن أحمد المنقري من أصحاب الباقر والكاظم علیهما السلام (2)، وسليمان ابن داود المنقري الذي كان يروي عن جماعة من أصحاب الإمام الصادق علیه السلام (3)، وأسلم ابن أيمن المنقري الكوفي من أصحاب الإمام الباقر علیه السلام (4)، وإسماعيل بن محمد المنقري من أصحاب الإمام الكاظم علیه السلام (5)، وخلاد، وعبد الله، ومحمد، أبناء سليم المنقري، وهم من أهل الكوفة، ومن أصحاب الإمام الصادق علیه السلام (6)، وموسى بن داود المنقري من أصحاب الجواد علیه السلام ، وغيرهم ممَّن أعرضنا عن ذكرهم خوفاً من الإطالة(7).

وأمّا (العطّار): هو بائع العطور كما في المعاجم(8)

ولكن يبدو لي من خلال التتبّع أنّ لهذه المفردة معنى أوسع ممَّا ذكره أصحاب المعاجم، حيث يُنقل في حقِّ أعرابي - حينما تزوج امرأة وذُكر له أنّها شابّة طرية، ودسّوا إليه عجوزاً - قوله هذا:

عجوز ترجى أن تكون فتية ***وقد نحل الجنبان واحدودب الظهرُ

تدسّ إلى العطّار سلعة أهلها***وهل يصلح العطّار ما أفسد الدهرُ

تزوجتها قبل المحاق بليلة***فكان محاقاً كلّه ذلك الشهرُ

وما غرّني إلّا خضاب بكفها***وكحل بعينيها وأثوابها الصفرُ

الكامل في اللغة والأدب للمبرِّد: ج1، ص247- 248.

نفهم من البيت الأخير أنّ (الخضاب) و(الكحل) هما من ضمن الأشياء التي يبيعها العطّار، فتكون تجارته أوسع من تجارة بيع العطور، ويمكن أن نقول: إنّ العطّار هو بائع مواد التجميل.

وقد تُطلق مفردة (العطّار) على بائع الأدوية (الصيدلاني) قال الزبيدي: «والصيدناني: العطّار مثل الصيدلاني». الزبيدي، محمد، تاج العروس: ج18، ص334. حيث اعتبر (الصيدلاني) و(العطّار) لفظين مترادفين لمعنى واحد، وبما أنّ مفردة (الصيدلاني) لا تدلّ إلّا على بائع الأدوية والعقاقير الطبّية، يكون العطّار بهذا المعنى في هذا النصّ وأمثاله بنحو الخصوص. اُنظر: الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير: ص75. الزيات، إبراهيم مصطفى، المعجم الوسيط: ج1، ص225. وقال الفراهيدي: «الحبق دواء من أدوية الصيدلاني». الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ج3، ص52، (مادة حبق).

وفي الحقيقة نحن لا نعلم ما إذا كانت مهنة المنقري هي بيع العطور ونحوها من مواد التجميل، أم بيع الأدوية والعقاقير الطبّية، فكلاهما محتملان. وقد رجح عبد السلام محمد هارون محقق كتاب وقعة صفِّين أن يكون العطّار هو بائع العطور، حيث يقول: «ويذكر المترجمون له أنّه كان عطّاراً يبيع العطور، ولعل ذلك ممَّا أسبغ على تأليفه ذلك الذوق الحسن الذى يلمع في أثناء كتابه، ولعل ذلك أيضا ًممَّا أكسبه هذه الروح البارعة في التأليف». المنقري، نصر بن مزاحم، وقعة صفّين (مقدّمة المحقق على الطبعة الأُولى المدرجة في آخر الكتاب): ص566.

أقول: قد ذكر المترجمون لنصر بن مزاحم أنّه كان عطّاراً، أمّا كون العطّار بمعنى بائع العطور فهو من ترجيحات المحقق، وهو ترجيح بلا مرجح، وأمّا الربط بين الذوق الحسن والروح البارعة في التأليف وبين مهنة بيع العطور فهو ربط لطيف، ولكن هذا إن ثبت أنّ المنقري كان عطّاراً بهذا المعنى، وكما يقولون: (ثبِّت العرش ثمَّ انقش).

.

1) اُنظر: السمعاني، عبد الكريم بن محمد، الأنساب: ج5، ص369.

2) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص57. الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص115، ص347، النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص53.

3) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص78. النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص184.

4) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص107.

5) اُنظر: المصدر السابق: ص343، البرقي، أحمد بن محمد، رجال البرقي: ص50.

6) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص187، ص227، ص 304.

7) اُنظر: المصدر السابق: ص405.

8) اُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج4، ص2994، (مادة عطر).

أولاده: ومن أولاد نصر بن مزاحم:

1- مزاحم بن نصر بن مزاحم، يروي عن هلقام بن جميع السدوسي(1).

2- حسين أو (الحسين) بن نصر بن مزاحم، يروي عن أبيه(2)، وعن محمد بن


1) اُنظر: البخاري، محمد بن إسماعيل، التاريخ الكبير: ج8، ص258.

2) اُنظر: الدارقطني، علي بن عمر، المؤتلف والمختلف: ج4، ص119.

سكين بن الرحال(1)، وعن خالد بن عيسى(2)، وروى عنه محمد بن القاسم بن زكريا الحارثي السوداني الكوفي(3)، وعلي بن العباس(4)، وعلي بن الحسن بن فضال(5)، ومحمد بن مسلم(6).

ثانياً: ولادته ونشأته

ولادته: ذكر شيخ الطائفة أنّ (نصر بن مزاحم) في قائمة أصحاب الإمام الباقر علیه السلام (7)، وحيث إنّنا نعلم أنّ وفاة الإمام الباقر علیه السلام كانت في عام 114ﻫ، فتكون ولادة (نصر) قبل هذا التاريخ بفترة يكون معها مؤهلاً لصحبة الإمام الباقر علیه السلام .

فإذا قلنا: إنّه وُلد حوالي عام 100ﻫ، فقد قلنا بأقرب الاحتمالات؛ حيث نستبعد أن يكون قد وُلد قبل عام 100ﻫ بفترة طويلة؛ لأنّنا في هذه الحالة سنضطر إلى افتراض كونه من المعمّرين، وذلك بعد ملاحظة أنّ وفاته كانت عام 212ﻫ كما سيأتي.

هذا كلّه بناءً على صحّة عدِّ الشيخ الطوسي له في أصحاب الإمام الباقر علیه السلام ، ولكن ستأتي - عند الحديث عن مكانته العلمية وطبقته ومصنفاته - مناقشةُ السيد الخوئي في صحّة ذلك.

والقدر المتيَّقن لدينا أنّ ولادته كانت قبل عام 161ﻫ، فقد ذكر ابن حبان أنّ (نصراً) قد أخذ عن سفيان الثوري(8)، وقد توفّي سفيان هذا عام 161ﻫ(9).


1) اُنظر: الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، المتفق والمفترق: ج3، ص250.

2) اُنظر: ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ ابن عساكر: ج50، ص307.

3) اُنظر: ابن حجر، أحمد بن علي، تبصير المنتبه بتحرير المشتبه: ج2، ص759.

4) اُنظر: العقيلي، محمد بن عمرو، ضعفاء العقيلي: ج3، ص415.

5) اُنظر: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج7، ص116.

6) المصدر السابق.

7) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص139.

8) ابن حبان، محمد بن حبان، الثقات: ج9، ص215.

9) ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان: ج2، ص391.

نشأته: كانت ولادة المنقري ونشأته في الكوفة، وكان عطّاراً فيها كما مرّ، ثمّ ولّاه محمد بن محمد بن زيد - أحد أئمّة الزيديّة - سوقها(1).

وبالأحرى: إنّ الذي ولّاه سوق الكوفة هو أبو السرايا الذي كان القَيِّم بأُمور الحرب لمحمد بن محمد بن زيد(2)، ثمَّ سكن بغداد(3)، ولا نعرف إذا ما استقر في بغداد إلى آخر حياته أم أنّه رجع إلى الكوفة مرّة أُخرى.

ثالثاً: مكانته العلميّة وطبقته ومؤلفاته

مكانته العلمية: يُعتبر نصر بن مزاحم من أصحاب الأخبار القدامى الذين اعتنوا بتدوين التراث الإسلامي، وقد تركّز نشاطه على جمع أخبار وروايات حربَي الجمل وصفين، وقد عده ابن أبي الحديد المعتزلي من رجالات الحديث وأصحابه(4).

طبقته: عدَّه الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر علیه السلام كما قلنا، ولكن السيد الخوئي قد أشكل على ذلك، ورأى أنّ ذلك غير قابل للتصديق، وذلك لعدّة أُمور:

1- لأنّ محمد بن علي الصيرفي (أبا سمينة) روى عنه بكتابه - على ما ذكره النجاشي والشيخ - وهو معاصر لأحمد بن محمد بن عيسى، المتوفّى حدود سنة (280ﻫ)، وقد أخرجه من قم، وكيف يمكن رواية مثل ذلك عن أصحاب الباقر علیه السلام ؟!

2- ولأنّ حميداً روى كتاب نصر بن مزاحم بواسطة، على ما ذكره الشيخ، وحميد تُوفّي سنة (310ﻫ)، وكيف يمكن أن يروي عن أصحاب الباقر علیه السلام بواسطة واحدة؟!

3- ولأنّ أحمد بن محمد بن سعيد المتوفّى سنة (333ﻫ) روى كتاب نصر بن مزاحم بواسطة واحدة - على ما ذكره النجاشي - وكيف يمكن روايته عن أصحاب الباقر علیه السلام بواسطة واحدة؟!


1) اُنظر: القاسمي، عبد الله بن الحسين، الجداول الصغرى: ص105.

2) اُنظر: كحالة، عمر، معجم المؤلفين: ج13، ص92.

3) اُنظر: الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، تاريخ بغداد: ج13، ص284.

4) المعتزلي، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج2، ص206.

4- إنّ الذهبي أرّخ وفاته في ميزان الاعتدال لسنة اثنتي عشرة ومئتين(1).

وممَّا يدعم رأي السيد الخوئي هو عدم وجود روايات (لنصر بن مزاحم) يرويها عن الإمام الباقر علیه السلام مباشرة، وإنّما هناك روايات له يرويها عن الإمام الباقر بعضها بواسطة واحدة(2)، وبعضها بواسطتين(3)، ويروي عن الإمام الصادق علیه السلام بواسطة واحدة(4).

وقد يُنتصر لرأي الشيخ الطوسي بعدِّ ابن النديم (لنصر) في طبقة أبي مخنف المظنون معاصرته للإمام الباقر علیه السلام ، إلّا أنّ هذا القول من ابن النديم لا يصمد أمام النقد أيضاً؛ لأنّ اشتراك اثنين في طبقة واحدة يعني اشتراكهما في الأساتذة والمنابع والمآخذ، مع أنّ المنقري يروي - أحياناً - عن أبي مخنف بالواسطة كما في بعض النقول(5)، ويروي عنه - أحياناً - بلا واسطة كما في نقل آخر(6)، فهو إن لم يكن من طبقة تلامذة تلامذته، يكون من طبقة تلامذته على أقل تقدير.

مؤلفاته: من مصنفاته(7): (كتاب الجمل، كتاب صفين، كتاب مقتل الحسين بن علي،


1) اُنظر: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج20، ص158- 159.

2) اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج13، ص372. حيث جاء فيه: قال محمد بن مالك: «فلقيت نصر بن مزاحم المنقري، فحدَّثني عن غالب الجهني، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدِّه، عن علي علیهم السلام ، قال: قال رسول الله‘: لمّا أُسري بي إلى السماء...».

3) اُنظر: المصدر السابق: ج26، ص120، وفيه: عن نصر بن مزاحم، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر علیه السلام ، قال: «إنّ الله أخذ ميثاق شيعتنا...».

4) اُنظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج6، ص388، وفيه: عن نصر بن مزاحم، ودرست الواسطي، عن زرارة، وغيره، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «شارب المسكر...».

5) اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج32، ص153، جاء فيه: عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن أبي مخنف لوط بن يحيى.

6) اُنظر: الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص75، وفيه: «فحدّثني عبد الله بن زيدان البجلي، قال: حدّثنا محمد بن زيد التميمي، قال: حدّثنا نصر بن مزاحم، عن أبي مخنف، عن الحرث بن كعب، عن علي بن الحسين قال: إنّي - والله - لجالس مع أبي في تلك الليلة...».

7) اُنظر: ابن النديم، الفهرست: ص122. النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص327. الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص171، ص172.

كتاب الغارات، كتاب مقتل حجر بن عدي(1)، كتاب النهروان، كتاب أخبار محمد بن إبراهيم وأبي السرايا(2)، كتاب المناقب(3)، كتاب أخبار عين الوردة، كتاب أخبار المختار(4)).

ولم تحفظ لنا الأيام من هذه الآثار سوى (كتاب صفِّين) أو (وقعة صفِّين) كما هو معروف في طبعته المتداولة، وهذا الكتاب هو أقدم نصٌّ تأريخي محفوظ عن هذه الواقعة.

والملاحظ من خلال أسماء هذه الكتب، أنّ المنقري قد انحصر نشاطه على التأريخ الشيعي بالخصوص؛ ولذا لا نجد له حضوراً واسعاً في كتب التاريخ العام، وإن كانت هذه الكتب لم تغفل عن رواياته فيما يتّصل ب-(وقعة صفِّين)، لا سيما أبي الفرج الأصفهاني، في كتابه مقاتل الطالبيين، إذ اعتمد على مروياته، وفضلها على غيرها، وقال معللاً ذلك: «إذ كان ثَبتاً في الحديث والنقل»(5)، وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج، إذ اعتمد عليه كلّياً في قصّة التحكيم وظهور أمر الخوارج، فقال: «ونحن نذكر ما أورده نصر بن مزاحم في كتاب صفِّين في هذا المعنى، فهو ثقة ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى ولا إدغال، وهو من رجال أصحاب الحديث»(6).

رابعاً: مذهبه ومعتقده

يوجد في مذهب نصر بن مزاحم ومعتقده ثلاثة آراء:

الرأي الأول: أنّه إمامي المذهب، كما يظهر ذلك من النجاشي؛ إذ يقول في وصفه: «مستقيم الطريقة، صالح الأمر، غير أنّه يروي عن الضعفاء. كُتبه حِسان...»(7).

ومحل الشاهد في قوله: «مستقيم الطريقة»؛ فإنّها لا تستعمل - في كلمات المتقدِّمين - إلّا في


1) إلى هنا ينتهي ما ذكره ابن النديم من قائمة كتبه.

2) انفرد بذكرهما النجاشي.

3) ذكره النجاشي والطوسي.

4) انفرد بذكرهما الطوسي.

5) اُنظر: الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص344.

6) المعتزلي، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج2، ص206.

7) النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص427 - 428.

حقِّ الإمامي الخالي من الشطحات الاعتقادية، والمقالات المنكرة، فهي أخصّ دلالةً من لفظ (الإمامي)؛ لأنّ هذا اللفظ بمفرده لا يدلّ على سلامة صاحبه من الأفكار المنحرفة والآراء الضالة، وإنّما تقتصر دلالته على كونه من المنتسبين إلى مذهب الإمامية، وهذا واضح لمَن خَبُر موارد استعمالات هذه العبارة في كلمات الرجاليين القدامى، ومن تلك الموارد:

أ) قال شيخ الطائفة في ترجمة (علي بن أحمد الكوفي): «كان إمامياً مستقيم الطريقة، وصنَّف كتباً كثيرة سديدة، منها: كتاب الوصايا، وكتاب في الفقه على ترتيب كتاب المزني، ثمَّ خلط وأظهر مذهب المخمسة وصنَّف كتباً في الغلو والتخليط، وله مقالة تُنسب إليه»(1).

فلاحظ معي كيف قيَّد وصفه له بكونه إمامياً، بوصف آخر أخصّ منه، وهو قوله: «مستقيم الطريقة»، أي: إنّه كان على مذهب الإمامية، وكان خالياً من الاعتقادات الفاسدة والآراء المنحرفة، ويؤكِّد هذا المعنى قوله بعد ذلك: «ثمَّ خلط وأظهر مذهب المخمسة وصنّف كتباً في الغلو والتخليط، وله مقالة تُنسب إليه»، فجعل الخلط وإظهار مذهب المخمسة معنًى مقابلاً لاستقامة الطريقة؛ ممَّا يدلّ على ما قلناه من استعمالهم لهذه العبارة في المعنى الذي ذكرناه.

ب) وقال الشيخ أيضاً في ترجمة (محمد بن علي الشلمغاني): «وكان مستقيم الطريقة، ثمَّ تغيّر وظهرت منه مقالات منكرة».

فقوله لا يدلّ على إمامية الشلمغاني فحسب، بل تكشف عن تنزيهه عن الشطحات والأفكار المنحرفة أيضاً. أي: إنّه كان إمامياً خالص العقيدة قبل أن ينحرف وتتغيَّر أفكاره.

وعلى هذا الأساس؛ تكون هذه العبارة شهادة من النجاشي بإمامية المنقري، بل تكون شهادة بما هو أعلى من ذلك، وهو السلامة من الانحرافات العقائدية والشطحات الفكريّة.

الرأي الثاني: أنّه زيديّ المذهب؛ وذلك لكونه من عمّال محمد بن محمد بن زيد أحد


1) الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص92.

أئمّة الزيديّة، حيث ولّاه السوق، كما نصَّ على ذلك غير واحد من المؤرِّخين؛ ومن هنا اعتبرته الزيديّة عَلَماً من أعلامها وعيناً من أعيانها.

قال صاحب الجداول الصغرى: «كان أحد شيعة الإمام محمد بن إبراهيم، وولّاه محمد بن محمد بن زيد السوق...»(1).

وقال أحمد بن صالح بن أبي الرجال: «نصر بن مزاحم المنقري الزيدي... كان رحمة الله أحد أعلام الزيديّة... وأحد أعيان أصحاب الإمام الأعظم محمد بن إبراهيم...»(2).

الرأي الثالث: أنّه عامّي المذهب، يظهر ذلك من أبي الفرج الأصفهاني عند حديثه (عن ذكر السبب في خروج أبي السرايا)، حيث صرّح بقلّة اعتماده على (علي بن محمد بن سليمان النوفلي) في نقله أخبار (أبي السرايا)؛ وعلل ذلك بقوله: «لأنّ علي بن محمد كان يقول: بالإمامة فيحمله التعصُّبُ لمذهبه على الحيف فيما يرويه»، ثمَّ قال: «فاعتمدت على رواية مَن كان بعيداً عن فعله في هذا، وهي رواية نصر بن مزاحم؛ إذ كان ثبتاً في الحديث والنقل»(3).

ففي نظر أبي الفرج أنّ العلّة التي قلّلت من اعتماده على مرويات النوفلي، غير موجودة في المنقري، وهي(القول بالإمامة)؛ فيكون المنقري من غير القائلين بالإمامة حسب ما يعتقد أبو الفرج.

ويظهر القول بعامّيته أيضاً من ابن أبي الحديد؛ إذ قال فيه: «فهو ثقة ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى ولا إدغال، وهو من رجال أصحاب الحديث»(4).

قال صاحب روضات الجنات - تعليقاً على قول بن أبي الحديد -: «وهذا يُشعر بأنّه ليس إمامياً، وفيه نظر»(5).


1) القاسمي، عبد الله بن الحسين، الجداول الصغرى: ص105.

2) أحمد بن صالح، مطلع البدور ومجمع البحور: ص426.

3) الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص344.

4) المعتزلي، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج2، ص206.

5) الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج8، ص28، نقلاً عن روضات الجنات.

المختار من هذه الآراء

إنّ الرأي الثالث هو أبعد هذه الآراء عن الصواب؛ لأنّ رجاليي العامّة تكاد تتّفق كلمتهم على مخالفة المنقري لمذهبهم، فتارة ينسبونه إلى التشيّع، وأُخرى يرمونه بالرفض، وثالثة يتّهمونه بالزيغ عن الحقّ، كما سيأتي عند الحديث عن (وثاقته وعدالته)، فهذا الرأي مخالف لما عليه أكثر علماء العامّة، بل هو مخالف لما عليه أكثر العلماء من الإمامية والزيديّة والعامّة.

وأمّا الرأي الثاني، فهو غير مستند إلى شاهد حسّي قطعي، بل هو مجرّد استنتاج، وهو مبني على كون (المنقري) أحد عمّال محمد بن محمد بن زيد أحد أئمّة الزيديّة، ومن الواضح أنّه ليس كلّ مَن ساهم مع الزيدية في ثوراتهم - أو كان عاملاً لأحد أئمتهم - لا بد أن يكون موافقاً لهم في المذهب!

فالمختار من هذه الآراء، هو الرأي الأول (رأي النجاشي)، فأنّه صاحب هذا الفنّ، وهو العارف البصير بأحوال الرجال، وقوله هو القول الفيصل في أمثال هذه الخصومات، وإذا كان قوله يُقدَّم في مثل هذا وأشباهه على قول شيخ الطائفة، فكيف نتحرَّج من تقديمه على قول غيره ممَّن ينتسبون إلى غير مذهب الإمامية؟

ولا يُقال: إنّ تقدُّم النجاشي وتفوّقه يقتصر على معرفة ما يوجب الجرح والتعديل، ولا يتعدّى إلى ما هو خارج حدود هذه الدائرة، كمعرفة مذهب الرجل ومعتقده.

فإنّنا نقول: إنّ معرفة المذهب والمعتقد لا يخرج عن حدود هذه الدائرة أيضاً؛ فإنّ معرفة هذا الجانب في شخصية الراوي لها مدخلية كبيرة في تقييم مروياته، وكان القدماء يحرصون أشدّ الحرص على معرفة هذا الجانب.

خامساً: وثاقته وعدالته

قد مرّ علينا قول النجاشي فيه: «مستقيم الطريقة، صالح الأمر، غير أنّه يروي عن الضعفاء. كتبُه حِسان...».

ولا ريب في أن عبارة (مستقيم الطريقة) لا تفيد توثيقاً ولا مدحاً، بل المقصود بها

صحّة المذهب والسلامة من الشطحات الفكرية والاعتقادية كما مرّ، وإنّما غاية ما يمكن أن يُستدلّ به على توثيقه أو مدحه على أقلِّ تقدير، هو الكلام الذي يلي هذه العبارة؛ فإنّ قوله: «صالح الأمر» وإن كانت تحتمل صلاح العقيدة كما تحتمل صلاح السلوك، إلّا أنّ حملها على المعنى الأخير أوْلى، وذلك بقرينة قوله بعد ذلك: «غير أنّه يروي عن الضعفاء» فلو لم يكن قوله: «صالح الأمر» دالاً على توثيقه أو مدحه في نفسه، لما احتاج إلى الاحتراز من روايته عن الضعفاء.

وبعبارة أُخرى: بعد أن وثّقه في نفسه بقوله: «صالح الأمر»، خاف أن يسري هذا التوثيق إلى جميع مروياته، فاحترز من ذلك بقوله: «غير أنّه يروي عن الضعفاء».

وأمّا عبارة: «كتبُه حِسان»، فيمكن أن تكون متفرِّعة على قوله: «صالح الأمر»، أي: بما أنّه صالح الأمر تكون كتبُه حِسان، ولا بدّ أن يكون ذلك بنحو الموجبة الجزئية، أي: إنّها حِسان في الجملة، لكي لا يتنافى ذلك مع روايته عن الضعفاء، كما يمكن أن تكون هذه العبارة مدحاً مستقلاً غير متفرِّع على عبارة «صالح الأمر».

وفي جميع الأحوال، فإنّ أقلَّ ما يُستفاد من نصِّ النجاشي هو أنّ الرجل من الممدوحين.

بل يمكن أن نقول بتوثيقه على بعض المباني، وذلك بناءً على ورود اسمه مكرراً في كتاب كامل الزيارات(1)، ولا يخفى أنّ هناك مبنى رجالياً يرى وثاقة جميع المذكورين في هذا الكتاب(2).

أمّا علماء رجال العامّة، فقد ترك أكثرهم روايته بسبب تشيِّعه، فقال الذهبي: «رافضي جلد، تركوه»(3).

وقال العقيلي: «كان يذهب إلى التشيِّع، وفي حديثه اضطراب وخطأ كثير من حديثه»(4).


1) سنقف على الموارد التي ورد فيها ذكر المنقري في كتاب كامل الزيارات عند الحديث عن مقتله فانتظر.

2) اُنظر حول هذا المبنى مثلاً: العلّامة الفاني، (تقرير علي مكّي العاملي)، بحوث في فقه الرجال: ص100.

3) الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال: ج7، ص24.

4) العقيلي، محمد بن عمرو، ضعفاء العقيلي: ج4، ص300.

وقال أبو خثيمة: «كان كذاباً»، وقال يحيى بن معين: «ليس حديثه بشيء»، وقال أبو حاتم الرازي: «واهي الحديث، متروك الحديث»، وقال الدارقطني: «ضعيف»، وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: «كان زائغاً عن الحقِّ»، وقال صالح بن محمد: «روى عن الضعفاء أحاديث مناكير»، وقال أبو الفتح الأزدي: «كان غالياً في مذهبه، غير محمود في حديثه»(1).

وقد أنصفه ابن حبان، فذكره في الثقات(2). كما أنصفه ابن أبي الحديد المعتزلي بقوله المارّ علينا: «فهو ثقة ثبت، صحيح النقل، غير منسوب إلى هوى ولا إدغال...». كما أنصفه أبو الفرج الأصفهاني بقوله فيه: «...إذ كان ثبتاً في الحديث والنقل»، وقد مرّ علينا أيضاً.

سادساً: وفاته

قال الخطيب البغدادي (ت463ﻫ): «أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا جعفر بن محمد ابن نصير الخلدي، حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، قال: سنة اثنتي عشرة ومائتين فيها مات نصر بن مزاحم المنقري»(3).

ويبدو لي أنّ هذا هو أقدم نصٍّ تاريخي يُحدّد لنا وفاة نصر بن مزاحم المنقري، وقد تسالم مَن جاء بعده من المؤرِّخين على ذلك، كالذهبي في تاريخ الإسلام(4)، وميزان الاعتدال(5)، وياقوت الحموي في معجم الأُدباء(6)، وإسماعيل باشا البغدادي في هدية العارفين(7)، وخير


1) ابن الجوزي، عبد الرحمن، الضعفاء والمتروكين: ج3، ص160.

2) اُنظر: ابن حبان، محمد بن حبان، الثقات: ج9، ص215.

3) الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، تاريخ بغداد: ج15، ص382.

4) اُنظر: الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج15، ص427.

5) اُنظر: الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال: ج4، ص253.

6) اُنظر: الحموي، ياقوت، معجم الأُدباء: ج6، ص2750.

7) اُنظر: البغدادي، إسماعيل باشا، هدية العارفين: ج4، ص489.

الدين الزركلي في الأعلام(1)، وعمر كحالة في معجم المؤلفين(2)، وغيرهم.

المبحث الثاني: مقتل الحسين علیه السلام للمنقري

بعد أن أنهينا الكلام في ترجمة (نصر بن مزاحم المنقري)، نأتي هنا في هذا المبحث للكلام حول مقتل الإمام الحسين علیه السلام الذي رواه المنقري، فنقول: إنّ الذي نصَّ على كتابه (مقتل الحسين علیه السلام ) هو كلٌّ من: الطوسي في الفهرست(3)، وابن النديم في فهرسته أيضاً(4)، والنجاشي في رجاله(5)، وابن شهر آشوب في معالم العلماء(6)، والحموي في معجم الأُدباء(7)، وغيرهم.

وهذا المقتل غير محفوظ - كما أشرنا سابقاً عند التعرُّض لمصنفاته - إلّا أنّنا لو فتّشنا في الموروث الروائي لواقعة الطفّ، لوجدنا العديد من الروايات المتناثرة هنا وهناك، ممّا وقع في سنده نصر بن مزاحم.

ولعل أقدم مَن نقل عن هذا المقتل هو أبو الفرج الأصفهاني (ت356ﻫ)، في كتابه مقاتل الطالبيين، ثمَّ ابن قولويه (ت368ﻫ) في كامل الزيارات، ثمّ الصدوق (ت381ﻫ) في الأمالي، وعِلَل الشرائع، وثواب الأعمال، وعقاب الأعمال.

ولا يوجد قبل هؤلاء الأعلام مَن نقل شيئاً من هذا المقتل، كما أنّ مَن جاء بعدهم قد أخذ روايات المنقري عنهم، فرواياته منحصرة بكتب هؤلاء المصنِّفين الثلاثة.

وهذا أمر له دلالته؛ فإنّه يُشير إلى بقاء مقتل المنقري محبوساً على نفسه لمدّة تقارب القرن من الزمن، ولم يجرأ أحد على النقل عنه، «حتى جاء البويهيون وتسلّموا مقاليد


1) اُنظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج8، ص28.

2) اُنظر: عمر كحالة، معجم المؤلفين: ج13، ص92.

3) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص172.

4) اُنظر: ابن النديم، الفهرست: ص122.

5) اُنظر: النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص428.

6) اُنظر: ابن شهر آشوب، معالم العلماء: ص161.

7) اُنظر: الحموي، ياقوت، معجم الأُدباء: ج6، ص2750.

الحكم والسلطة من عام 320 - 447ﻫ، فكانت لهم السلطة في العراق وبعض بلاد إيران، كفارس وكرمان وبلاد الجبل وهمدان وأصفهان والري، وقد أُقصوا عن الحكم في الأخير بهجوم الغزاونة عليه عام 420ﻫ. وقد ذكر المؤرِّخون خصوصاً ابن الأثير في الكامل وابن الجوزي في المنتظم شيئاً كثيراً من أحوالهم وخدماتهم، وإفساحهم المجال لجميع العلماء من دون أن يفرِّقوا بينهم بافتراق طوائفهم»(1).

وفي ظل هذه الدولة كان يعيش هؤلاء العلماء فاتّصلوا برواة هذا المقتل الذين يروونه عن المنقري بواسطة أو واسطتين أو ثلاث، ممَّا يؤكِّد ما قلناه من انحصار رواية هذا المقتل بين تلامذة المنقري وتلامذة تلامذته، ولم تتوفر نسخة بين العلماء والمؤرِّخين إلّا في أيام البويهيين. وفيما يلي سنشير إلى مواضع تلك الروايات في الكتب المشار إليها لكي يتمكَّن المعنيون من ملاحقتها ومتابعتها:

الموضع الأول: (مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج الأصفهاني

نبذة عن الكاتب والكتاب

هو علي بن الحسين بن محمد (ت356ﻫ)، صاحب كتاب الأغاني، أُموي النسب أصفهاني الأصل بغدادي المنشأ(2)زيديّ المذهب(3).

وكان أبو الفرج من أعيان الأُدباء وكبار العلماء، وكان خبيراً بأيام الناس والأنساب والسيرة، وكان شاعراً مُحسناً، وصنّف كتباً كثيرة منهاً: (الأغاني) و(مقاتل الطالبيين) وغيرهما(4).

قال التنوخي: «ومن الرواة المتّسعين الذين شاهدناهم أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، فإنّه كان يحفظ من الشعر والأغاني، والأخبار والآثار، والحديث المسند والنسب


1) السبحاني، جعفر، أضواء على عقائد الشيعة الإمامية: ص94.

2) اُنظر: الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، أمل الآمل: ج2، ص181.

3) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص192.

4) اُنظر: الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، تاريخ بغداد: ج13، ص337.

ما لم أرَ قط مَن يحفظ مثله، وكان شديد الاختصاص بهذه الأشياء، ويحفظ دون ما يحفظ منها علوماً أُخر منها: اللغة، والنحو، والخرافات، والسير والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئاً كثيراً، مثل: علم الجوارح، والبيطرة، ونُتَفاً من الطب، والنجوم والأشربة، وغير ذلك»(1).

وقد عُرف أبو الفرج ب-(الكاتب) لأنّه كان كاتباً لدى ركن الدولة البويهي، وكان قريب المنزلة منه، عظيم المكانة لديه(2).

وأمّا كتابه (مقاتل الطالبيين)، فهو ممَّا لا غنى عنه لكلِّ مؤرِّخ أو باحث في التاريخ الإسلامي؛ وذلك لما يحويه من مرويات الأُصول التي صنَّفها الأخباريون الأوائل، والتي ضاع معظمها، ولم يتبقَّ منها سوى ما نقله عنها كتاب مقاتل الطالبيين ونظائره.

قال آغا بزرك الطهراني: «مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين ابن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان الأُموي الزيديّ... ذكر فيه شهدائهم إلى أواخر المقتدر الذي مات سنة320ﻫ، ابتدء فيه بجعفر الطيار أول الشهداء من آل أبي طالب، واختتم بإسحاق بن عباس(3)، المعروف بالمهلوس الشهيد بأرمن، وذكر بعده جمعاً ممَّن حُكي له قتلهم وتبرّء من خطائه، وفرغ منه في جمادي الأُولى سنة313ﻫ، ويظهر من مواضع منه أنّه شيعي زيديّ المذهب»(4).

وقد اعتمد أبو الفرج في تأليف كتابه هذا - كما ألمحنا - على مجموعة من الأُصول التاريخيّة القديمة التي صنّفها قدامى الأخباريين، ومن بينهم: (نصر بن مزاحم المنقري) الذي عدَّه أبو الفرج من المعتمدين الأثبات - كما مرّ - فكان أحد مصادره التي استقى منها حديثه عن مقتل الحسين علیه السلام .

وتتخذ روايات أبي الفرج عن المنقري - فيما يتّصل بأحداث ووقائع كربلاء - عدّة


1) المصدر السابق: ج13، ص337.

2) اُنظر: الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين (مقدّمة المحقق السيّد أحمد صقر): ص6.

3) يظهر أن في الاسم تقديماً وتأخيراً، وهو سهو من قلمه الشريف، أو من خطأ النسّاخ، والصحيح هو العباس بن إسحاق. اُنظر: المصدر السابق: ص449.

4) الطهراني، آغا بزرك، الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج21، ص376.

أشكال، نبيِّنها فيما يلي:

الشكل الأول: ما أُسند إلى نصر بن مزاحم بشكل صريح وواضح: وهو ما ينطبق على الروايتين التاليتين:

1- وهي ترتبط بمقتل جعفر بن علي بن أبي طالب علیهم السلام ، ونصّ الرواية: «وقال نصر بن مزاحم: حدَّثني عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر محمد بن علي: أنَّ خولي بن يزيد الأصبحي - لعنه الله - قتل جعفر بن علي»(1).

2- والثانية تتعلق بجانب ممَّا حدث في ليلة العاشر في معسكر الحسين علیه السلام ، قال أبو الفرج: «فحدَّثني عبد الله بن زيدان البجلي، قال: حدّثنا محمد بن زيد التميمي، قال: حدّثنا نصر بن مزاحم، عن أبي مخنف عن الحرث بن كعب، عن علي بن الحسين علیه السلام قال: إنّي - والله - لجالس مع أبي في تلك الليلة، وأنا عليل...»(2).

الشكل الثاني: ما أُسند إلى المنقري بشكل مضمر: وهو ما يعبِّر عنه القدماء بطريقة (التعليق)، وتوضيح ذلك: أنّ أبا الفرج قد سلك طريقين للوصول إلى رواية أبي مخنف حول مقتل الحسين علیه السلام ، وهما:

الطريق الأول: أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي، عن الحسين بن نصر بن مزاحم، عن أبيه (نصر بن مزاحم)، عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف.

الطريق الثاني: أحمد بن محمد بن شبيب المعروف بأبي بكر بن شيبة، عن أحمد بن الحرث الخزاز، عن علي بن محمد المدائني، عن أبي مخنف(3).

ولكنه بعد ذلك كان كثيراً ما يختصر أحد هذين الطريقين بحذف بعض الوسائط على طريقة التعليق المتعارفة عند القدماء، فيقول - مثلاً -: «قال عمر بن سعد: عن أبي مخنف...»، فيطوي الوسائط الثلاث التي ذكرناها في الطريق الأول، أو يقول - مثلاً -:


1) الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص54.

2) المصدر السابق: ص75.

3) اُنظر: المصدر السابق: ص53- 54.

«فقال المدائني، عن أبي مخنف...» فيطوي الواسطتين اللتين ذكرناهما في الطريق الثاني.

وفي ضوء ذلك؛ فإنّ الروايات التي رواها أبو الفرج - مباشرة - عن عمر بن سعد عن أبي مخنف، يمكن إسنادها أيضاً إلى نصر بن مزاحم، وبالتالي يمكن القول: إنّها ممَّا كان قد أودعه في كتابه مقتل الحسين علیه السلام ، وهذا ما ينطبق على الروايات الثلاث التالية:

1- قال عمر بن سعد: «عن أبي مخنف، فحدَّثني المصقعب بن زهير، عن أبي عثمان: أنّ ابن زياد أقبل من البصرة ومعه مسلم بن عمر الباهلي، والمنذر بن عمرو بن الجارود، وشريك بن الأعور، وحشمه وأهله...»(1).

2- وقال عمر(2): عن أبي مخنف، عن المعلى بن كليب، عن أبي الوداك، قال: «لما نزل ابن زياد القصر نودي في الناس: الصلاة جامعة. فاجتمع إليه الناس، فخرج إلينا...»(3).

3- وقال عمر بن سعد: «عن أبي مخنف، قال: حدّثني الحجاج بن علي الهمداني قال: لما ضرب عبيد الله هانئاً وحبسه، خشي أن يثب الناس به...»(4).

الشكل الثالث: ما يحتمل وقوع المنقري في طريقه، وتوضيح ذلك: إنّ هناك العديد من الروايات التي نسبها أبو الفرج إلى أبي مخنف بنحو مباشر، وبما أنّنا قد عرفنا أنّ رواية أبي الفرج عن أبي مخنف تمرّ عن أحد طريقين يقع في أحدهما نصر بن مزاحم، فنحن نحتمل أنّ جميع تلك الروايات أو بعضها قد وقعت لأبي الفرج عن طريق نصر بن مزاحم، وهذا ما يصدق على أحد عشر رواية:

1- وقال أبو مخنف: فحدَّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن حازم البكري، قال:

«أنا - والله - رسول ابن عقيل إلى القصر في أثر هانئ لأنظر ما صار إليه أمره...»(5).

2- قال أبو مخنف: فحدَّثني سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن حازم البكري،


1) المصدر السابق: ص63.

2) في المطبوعة المتداولة (عمرو) والظاهر أنّه من تصحيف النسّاخ.

3) الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص63.

4) المصدر السابق: ص70.

5) المصدر السابق.

قال: «أشرف علينا الأشراف، وكان أول مَن تكلَّم كثير بن شهاب. فقال...»(1).

3- قال أبو مخنف: حدَّثني المجالد بن سعيد: «أنّ المرأة كانت تأتي ابنها وأخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك...»(2).

4- قال أبو مخنف: فحدَّثني قدامة بن سعد بن زائدة الثقفي: «أنّ ابن زياد بعث مع ابن الأشعث ستّين أو سبعين رجلاً كلّهم من قيس...»(3).

5- قال أبو مخنف: فحدّثني قدامة بن سعد: «أنّ مسلم بن عقيل حين انتُهى به إلى القصر رأى قلّة مبردة موضوعة على الباب...»(4).

6- قال أبو مخنف: فحدّثني أبو قدامة بن سعد: «أنّ عمرو بن حريث بعث غلاماً له يُدعى سليماً، فأتاه بماء في قلّة فسقاه...»(5).

7- قال (يعني أبا مخنف)، وحدَّثني مدرك بن عمارة: «أنّ عمارة بن عقبة بعث غلاماً يُدعى نسيماً، فأتاه بماء في قلّة عليها منديل...»(6).

8- قال أبو مخنف في حديثه خاصةً عن رجاله: «إنّ عبيد الله بن زياد وجّه الحرّ بن يزيد ليأخذ الطريق على الحسين علیه السلام ...»(7).

9- قال أبو مخنف: فحدَّثني عبد الرحمن بن جندب، عن عتبة بن سمعان الكلبي، قال: «لمّا ارتحلنا من قصر ابن مقاتل، وسرنا ساعة خفق رأس الحسين علیه السلام خفقة، ثمّ انتبه...»(8).

10- وقال أبو مخنف: عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: «سماع


1) المصدر السابق: ص71.

2) المصدر السابق.

3) المصدر السابق: ص69.

4) المصدر السابق: ص66.

5) المصدر السابق.

6) المصدر السابق.

7) المصدر السابق: ص73.

8) المصدر السابق: ص74.

أُذني يومئذٍ الحسين علیه السلام وهو يقول: قتل الله قوماً قتلوك يا بني...»(1).

11- قال أبو مخنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: «لمّا اشتدّ العطش على الحسين علیه السلام دعا أخاه العباس بن علي علیهما السلام ، فبعثه في ثلاثين راكباً وثلاثين راجلاً...»(2).

الشكل الرابع: ما دخلت فيه رواية المنقري في رواية غيره: وهذا ما فعله عند حديثه عن أول قتيل قُتل من وُلد أبي طالب علیه السلام مع الحسين علیه السلام ، فقال: قال المدائني، عن العباس بن محمد ابن رزين، عن علي بن طلحة، وعن أبي مخنف، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن حميد بن مسلم، وقال عمر بن سعد البصري: عن أبي مخنف، عن زهير بن عبد الله الخثعمي، وحدّثنيه أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن العلوي، عن بكر بن عبد الوهاب، عن إسماعيل بن أبي إدريس، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث الآخرين: «إنّ أول قتيل قُتل من وُلد أبي طالب مع الحسين ابنه علي، قال: فأخذ يشد على الناس...»(3).

وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ رواية عمر بن سعد عن أبي مخنف، هي بعينها رواية المنقري عنه، بعد حذف الوسائط الثلاث بين أبي الفرج وعمر بن سعد اختصاراً للسند عملاً بطريقة التعليق المعروفة بين القدماء.

الموضع الثاني: كامل الزيارات (لابن قولويه ت 368ه-)

نبذة عن الكاتب والكتاب

الكاتب هو الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه القمّي (ت 368ﻫ) أُستاذ الشيخ المفيد، من علمائنا المتقدِّمين المتبَّحرين في الفقه والحديث.

قال عنه النجاشي: «وكان أبو القاسم من ثقات أصحابنا وأجلّائهم في الحديث


1) المصدر السابق: ص76.

2) المصدر السابق: ص78.

3) المصدر السابق: ص76.

والفقه، روى عن أبيه وأخيه، عن سعد وقال: ما سمعت من سعد إلّا أربعة أحاديث، وعليه قرأ شيخنا أبو عبد الله الفقه ومنه حمل، وكلّ ما يوصف به الناس من جميل وثقة وفقه فهو فوقه...»(1).

وقال عنه الطوسي: «جعفر بن محمد بن قولويه القمّي - يكنى أبا القاسم - ثقة، له تصانيف كثيرة على عدد أبواب الفقه...»(2).

وأمّا كتابه (كامل الزيارات) فهو من أشهر كتب الزيارات وأكثرها اعتماداً، أخذ عنه شيخ الطائفة في التهذيب، والحرّ العاملي في الوسائل، وغيرهما، وقد فهم بعض العلماء من عبارته - والتي هي في مقدمة كتابه، حيث ذكر: «..وقد علمنا أنّا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره، لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا (رحمهم الله برحمته)، ولا أخرجت فيه حديثاً روي عن الشذاذ من الرجال»(3)- توثيق كلِّ مَن ذُكر في أسانيد كتابه، وقد أصبح هذا النص فيما بعد من أهم مصاديق التوثيقات العامّة التي نالت قسطاً وافراً من البحث والتحقيق حولها في كتب الفقه والرجال، بين موافق ومعارض، وهذا موكول لمحله في علم الرجال(4).

إنّ كتاب كامل الزيارات - في الأصل - هو عبارة عن جامع للزيارات وما ورد فيها من فضل وثواب، ولكنه قد ذكر - استطراداً أو تمهيداً - الكثير من الأبواب الخارجة عن إطار منهجية الكتاب، لا سيما فيما يرتبط بالإمام الحسين علیه السلام وقضيته المقدَّسة.

وفيما يختص بروايات المنقري، فقد نقل ابن قولويه، ستّة روايات - تتّصل بقضية الطفّ - نُشير إلى مواضعهما فيما يلي:

1- عن محمد بن جعفر الرزاز، عن خاله محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن نصر


1) النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص123.

2) الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: 42.

3) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص20.

4) للتوسّع حول هذا البحث، اُنظر مثلاً: بحوث في فقه الرجال للفاني: تقرير السيد علي حسين مكي العاملي: ص100- 107.

بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن يزيد بن إسحاق، عن هانىء، عن علي بن حماد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: قال علي للحسين علیهما السلام : «يا أبا عبد الله، أُسوة أنت قُدماً. فقال: جعلت فداك ما حالي؟ قال: علمت ما جهلوا وسينتفع عالم بما علم، يا بني، اسمع وأبصر من قَبل أن يأتيك، فو الذي نفسي بيده، ليسفكنّ بنو أُمية دمك، ثمّ لا يزيلونك عن دينك، ولا يُنسونك ذكر ربِّك. فقال الحسين: والذي نفسي بيده، حسبي أقررت بما أنزل الله وأصدق قول نبي الله ولا أكذب قول أبي»(1).

2- عن محمد بن جعفر الرزاز، عن خاله محمد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن يزيد بن إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن عليٍّ علیه السلام قال: «ليُقتل الحسين علیه السلام قتلاً، وإنّي لأعرف تربة الأرض التي يُقتل عليها قريباً من النهرين»(2).

3- عن محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عمر ابن سعد، عن محمد بن سلمة، عمّن حدَّثه قال: «لمّا قُتل الحسين بن علي علیهما السلام أُمطرت السماء تراباً أحمر»(3).

4- عن محمد بن جعفر (والد المؤلف)، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، قال: حدَّثني أبو معشر، عن الزهري، قال: «لمّا قُتل الحسين علیه السلام أُمطرت السماء دماً»(4).

5- عن محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن عمرو بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أُمّ سلمة زوجة النبي صلی الله علیه و اله ، قالت: «ما سمعت نوح الجنّ منذ قبض الله نبيه إلّا الليلة، ولا أراني إلّا وقد أُصبت بابني الحسين علیه السلام ...»(5).

6- عن محمد بن جعفر (والد المؤلف)، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين،


1) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص150.

2) المصدر السابق: ص150.

3) المصدر السابق: 183.

4) المصدر السابق: 188.

5) المصدر السابق: 189.

عن نصر بن مزاحم، عن عبد الرحمان بن أبي حماد، عن أبي ليلى الواسطي، عن عبد الله ابن حسان الكناني، قال: «بكت الجنّ على الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام ...»(1).

ونلاحظ على هذه الروايات ما يلي:

الأولى: إنّ هذه الروايات لا ترتبط بأحداث ووقائع المعركة، بل نلاحظ: أنّ الروايتين الأُوليين تندرجان ضمن الإخبارات الغيبيّة عن واقعة الطف، والروايات الثلاث الأخيرة تندرج ضمن الروايات التي تحدَّثت عن الظواهر الكونيّة التي حدثت بعد مقتل الحسين علیه السلام ، ومع هذا فلا ينبغي التردد في اندراج هذه الروايات ضمن كتاب المقتل؛ لأنّ العادة قد جرت بين أرباب المقاتل الحسينيّة على ذكر الإخبارات الغيبيّة عن واقعة الطف كفصل من الفصول التمهيديّة قبل الدخول في تفاصيل المقتل، كما جرت العادة بينهم أيضاً على ذكر الظواهر الكونيّة بعد الفراغ من أحداث القتل.

الثانية: بملاحظة أسانيد ابن قولويه إلى نصر بن مزاحم، يمكن أن نستنتج أنّ مقتله قد وصل إليه من خلال طريقين - كلاهما ينتهي إلى محمد بن الحسين بن أبي الخطاب أبو جعفر الزيات الهمداني الكوفي (ت262ﻫ)، وهو بحسب النجاشي عظيم القدر، كثير الرواية، ثقة، عين، حسن التصانيف، مسكون إلى روايته(2)، والذي يبدو لنا أنّه أحد رواة هذا المقتل الأساسيين -:

الطريق الأول: أبو العباس محمد بن جعفر الرزاز الكوفي (ت 301ﻫ) ابن أُخت محمد بن الحسين(3)ومن مشايخ الكليني(4).

ولعل ابن قولويه قد أخذ عنه هذا المقتل في بغداد بعد مجيئه إليها سنة 337ﻫ(5)،


1) المصدر السابق: 193.

2) اُنظر: النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص334.

3) اُنظر: ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص149.

4) اُنظر: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج16، ص183.

5) الراوندي، قطب الدين، في الخرائج والجرائح: ج1، ص475 - 476، عن أبي القاسم جعفر بن محمد ابن قولويه، قال: «لما وصلت بغداد سنة 337ﻫ وهي السنة التي ردّ القرامطة فيها الحجر إلى مكانه من البيت...».

ونحن وإن لم نظفر بنصٍّ صريح دالٍ على تواجد (الرزاز) في تلك الفترة ببغداد ولكن كونه من أساتذة الكليني يشير إلى تواجده فيها، وبهذا يتأكَّد ما قلناه سابقاً من وصول هذا المقتل إلى بغداد وانتشاره فيها.

الطريق الثاني: والده محمد بن جعفر، وكان يُلقب ب-(مسلمة) بفتح الميم وسكون السين(1)، وهو يرويه عن أبي خلف سعد بن عبد الله القمّي الأشعري (ت301ﻫ)، وهو كما قال النجاشي: «شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجيهها، كان سمع من حديث العامّة شيئاً كثيراً وسافر في طلب الحديث»(2).

وهو صاحب كتاب بصائر الدرجات الذي اختصره الحسن بن سليمان الحلي وسماه (مختصر بصائر الدرجات) وهو غير بصائر الدرجات لشيخ القمّيين أبي جعفر محمد بن الحسن بن فروخ الصفار (ت290ﻫ) من أصحاب الإمام الحسن العسكري علیه السلام ، فإنّ بصائر الدرجات للأشعري مفقود.

ولا ريب في أنّ الأشعري قد صادف في بعض أسفاره محمد بن الحسين وروى عنه مقتل المنقري، ثمّ نقله إلى قم ونشره فيها، وهذا ما تؤيده روايات الصدوق عنه، كما يأتي.

الموضع الثالث: الأمالي وعِلل الشرايع وعقاب الأعمال (للصدوق)

نبذة عن الصدوق

هو رئيس المحدِّثين، أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي المعروف ب-(الصدوق) (ت381ﻫ)، أشهر من نار على عَلَم.

قال عنه النجاشي: «شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن...»(3).


1) اُنظر: العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، خلاصة الأقوال: ص88.

2) النجاشي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص177.

3) المصدر السابق: ص389.

وقال عنه الطوسي: «كان جليلاً حافظاً للأحاديث، بصيراً بالرجال، ناقداً للأخبار، لم يُرَ في القمّيين مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنّف...»(1).

وقد نقل الصدوق عن المنقري أربع روايات ترتبط بواقعة الطف، ممّا يُحتمل أنّها كانت مودعة في كتاب مقتل الحسين علیه السلام للمنقري، وهذه الروايات عثرنا عليها في (الأمالي وعلل الشرائع وعقاب الأعمال) وهي من مؤلفات الصدوق المعروفة والمتداولة، كما أنّها تُعتبر من أُصول كتب الحديث ومصادره.

وفيما يلي نُشير إلى مواضع تلك الروايات في الكتب المذكورة:

1- عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمة الله ، قال: حدَّثنا محمد بن الحسن الصفار، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن عمرو بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أُمّ سلمة زوجة النبي صلی الله علیه و اله ، قالت: «ما سمعت نوح الجنّ منذ قُبض النبي إلّا الليلة...»(2).

2- عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمّه محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي الكوفي، عن نصر بن مزاحم، عن لوط بن يحيى، عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت علي علیهما السلام : «ثمَّ إنّ يزيد (لعنه الله) أمر بنساء الحسين علیه السلام فحُبسن مع علي بن الحسين علیهما السلام في محبس لا يُكنّهم من حرٍّ ولا قرّ...»(3).

3- حدَّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رحمة الله ، قال: حدَّثنا أبي، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن أرطاة بن حبيب، عن فضيل الرسان، عن جبلة المكية، قالت: سمعت ميثماً التمار (قدس الله روحه) يقول: «والله، لتقتل هذه الأُمّة ابن نبيها في المحرَّم لعشر يمضين منه...»(4).


1) الطوسي، محمد بن الحسن، الفهرست: ص157.

2) الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص202 المجلس 29.، الرقم 2..

3) المصدر السابق: ص231 المجلس 31.، الرقم 4..

4) المصدر السابق: ص189 المجلس27.، الرقم 1.. الصدوق، محمد بن علي، علل الشرائع: ج1، ص217.

4- عن محمد العطّار، عن الأشعري، عن محمد بن الحسين، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن محمد بن يحيى الحجازي، عن إسماعيل بن داود، عن أبي العباس الأسدي، عن سعيد بن الخليل، عن يعقوب بن سليمان، قال: «سمرت أنا ونفر ذات ليلة، فتذاكرنا مقتل الحسين علیه السلام ...»(1).

ونلاحظ على هذه الروايات ما يلي:

الأُولى: أنّ الرواية الأُولى من هذه الروايات هي نفس الرواية الخامسة التي نقلها ابن قولويه عن المنقري، ونقلناها سابقاً، والاختلاف بينهما ينحصر باختلاف طريقيهما إلى محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، وفيما عدا ذلك فإنّ الروايتين تتفقان سنداً ومتناً.

الثانية: أنّ الصدوق كان ينهل من هذا المقتل من طرق شتّى ينتهي أكثرها إلى محمد ابن الحسين بن أبي الخطاب، وهذا يدلّ على شيوع رواية هذا المقتل بين مشايخ قم، ووصول نسخته إليهم - كما أكَّدنا عليه سابقاً - كما يدلّ على ما قلناه سابقاً من كون محمد ابن الحسين بن أبي الخطاب هو أحد الرواة الأساسيين لهذا المقتل.

الموضع الرابع: ما جاء في كتاب وقعة صفِّين

لعل ممّا كان في ذلك المقتل ما رواه نصر نفسه في كتابه (وقعة صفِّين) حول نزول أمير المؤمنين علیه السلام في كربلاء وإخباره بمقتل الحسين علیه السلام ، وهي ثلاث روايات نذكرها بأسانيدها على التسلسل الموجود في الكتاب المذكور:

1- حدَّثني مصعب بن سلام، قال أبو حيان التميمي: عن أبى عبيدة، عن هرثمة ابن سليم قال: «غزونا مع علي بن أبي طالب غزوة صفين، فلمّا نزلنا بكربلا صلى بنا صلاة، فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها فشمّها، ثمَّ قال: واهاً لكِ أيتها التربة، ليُحشرنَّ منك


1) الصدوق، محمد بن علي، عقاب الأعمال: ص259. البحراني، عبد الله، العوالم (الإمام الحسين علیه السلام ): ص226. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص307، عن ثواب الأعمال، وهو اشتباه من صاحب البحار أو بعض النسّاخ، وذكره ابن حمزة الطوسي في الثاقب في المناقب: ص335 وحذف الوسائط بينه وبين يعقوب بن سليمان.

قوم يدخلون الجنّة بغير حساب...»(1).

2- عن مصعب بن سلام، قال: حدثنا الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي جحيفة قال جاء عروة البارقي إلى سعيد بن وهب، فسأله وأنا أسمع، فقال: «حديث حدَّثتنيه عن علي بن أبي طالب علیه السلام . قال: نعم، بعثني مخنف بن سليم إلى علي. فأتيته بكربلاء، فوجدته يُشير بيده ويقول: ها هنا ها هنا. فقال له رجل: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: ثقل لآل محمد ينزل ها هنا...»(2).

3- عن سعيد بن حكيم العبسي عن الحسن بن كثير عن أبيه: «أنّ عليّاً أتى كربلاء فوقف بها، فقيل: يا أمير المؤمنين، هذه كربلاء، قال: ذات كرب وبلاء...»(3).

خاتمة بأهمّ النتائج

وفيما يلي أهم النتائج الموجزة التي خرجنا بها من هذا البحث حول شخصيّة المنقري وكتابه مقتل الإمام الحسين علیه السلام ، وكما يأتي:

الأُولى: إنّ نصر بن مزاحم المنقري من الشخصيات الأخبارية الكوفية القديمة التي نشطت مع نهايات القرن الثاني وبدايات القرن الثالث الهجريين، وهو صاحب كتاب (وقعة صفِّين) الذي يُعدّ أقدم وأهم أصلٍ تاريخي حول هذه الوقعة.

الثانية: اختلف القوم في تحديد مذهب المنقري ومعتقده، فيظهر من النجاشي إماميته، وقال آخرون: بزيديّته، ويُستشفّ من أبي الفرج وابن أبي الحديد عامّيته، وقد رجحنا رأي النجاشي واتّبعناه في القول بإماميته.

الثالثة: إنّ المنقري من الممدوحين في رجالنا - تبعاً للنجاشي - بل هو من الموثقين على ضوء بعض المباني، وأمّا العامّة فقد ترك أكثرهم روايته بسبب تشيّعه، وأنصفه البعض منهم كابن حبّان الذي عدّه في الثقات.


1) المنقري، ابن مزاحم، وقعة صفِّين: ص140- 141.

2) المصدر السابق: ص141.

3) المصدر السابق: ص142.

الرابعة: مقتل المنقري مفقود في هذا العصر، ولم يتبقَّ منه سوى ما نقله عنه أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل الطالبيين)، وابن قولويه في (كامل الزيارات)، والصدوق في (الأمالي وعلل الشرائع وعقاب الأعمال)، وإنّ ما بقي من آثار مقتل المنقري ينحصر بكتب هؤلاء العلماء، فلم يسبقهم أحدٌ في النقل عن هذا المقتل، كما أنّ مَن جاء بعدهم قد أخذ روايات مقتل المنقري عنهم.

الخامسة: وقد عرفنا أنّ السبب في انتشار هذا المقتل في عصر هؤلاء المؤرِّخين بالذات - رغم الفاصل الزمني الطويل بينهم وبين المنقري - هو كون الثلاثة من المعاصرين للدولة البويهية التي فسحت المجال أمام نشر العلم وترويجه؛ فأظهر علماء الشيعة ما كان محبوساً من تراثهم نتيجية الضغوط التي كانت تُمارَس عليهم من قِبَل الحكومات الجائرة.

السادسة: وفي ختام بحثنا حول كتاب مقتل الحسين علیه السلام للمنقري أشرنا - استدراكاً - إلى ثلاث روايات ذكرها المنقري في كتابه وقعة صفِّين تتحدَّث عن نزول أمير المؤمنين علیه السلام في كربلاء وإخباره بمقتل الحسين علیه السلام ؛ إذ لعل تلك الروايات ممَّا كان قد أودعه في مقتله أيضاً.

تكلُّم الرأس الشريف في مصادر الفريقين

الشيخ إسكندر الجعفري

الشيخ إسكندر الجعفري(1)

هناك كرامات أو معاجز صادرة من الإمام الحسين علیه السلام قد روى المؤرّخون والمحدِّثون من الفريقين الكثير منها، وذكروا أنَّ بعضها حدث أثناء نهضته المباركة، والبعض الآخر بعد استشهاده علیه السلام ، وبمجرَّد أن يُطالع المتتبّع ما ذُكر منها يحصل له القطع بحدوث بعضها، فمنها:

1- الاستجابة الفورية لدعائه علیه السلام على ابن حوزة.

2- إنّه رمى الإمام علیه السلام بشيء من دمه ودم ولده الرضيع إلى السماء، فلم تسقط منه قطرة.

3- إنّه تحوَّل التراب الذي دفعه النبي صلی الله علیه و اله لأُمّ سلمة دماً علامةً على قتله علیه السلام .

4- انكساف الشمس حتى بدت الكواكب منتصف النهار.

5- اظلمّت الدنيا ثلاثة أيام، واسودّت، حتى ظنّوا أنّها القيامة.


1) باحث وكاتب إسلامي.

6- أُمطرت السماء دماً.

7- إنّه لم يُرفع حجر في بيت المقدس وغيره إلّا وُجِد تحته دم عبيط.

8- إنّه لمّا وُضِع الرأس المقدَّس أمام عبيد الله بن زياد في قصر الإمارة سالت حيطان القصر دماً(1).

إلى غيرها من الكرامات التي حدثت أثناء وبعد واقعة الطفّ؛ ممّا تكشف عن مدى علاقة الإمام الحسين علیه السلام ونهضته المباركة بالله سبحانه وتعالى، ومدى عظم الجريمة وفداحتها.

ومن تلك الكرامات الخارقة للعادة تكلُّم الرأس الشريف بعد مقتل الإمام الحسين علیه السلام في عدّة مواضع، وقد روى هذه الكرامة عدد من مؤرِّخي ومحدِّثي المسلمين من كلا الفريقين، واخترنا هذا الجانب من نهضة الإمام الحسين علیه السلام ، وهو جانب تكلُّم الرأس الشريف في عدّة مواضع؛ لبيان حقانية أهل البيت علیهم السلام وارتباطهم بالله جلّ وعلا، وفضاعة ما ارتُكب بحقهم من قِبل الأعداء.

وفيما يأتي نحاول استقصاء الروايات والمصادر التي روت هذه الكرامة، وسنستعرضها بمصادرها في كتب السنّة والشيعة، ثمَّ نتحدَّث عن مضمونها، وبعض الجوانب المرتبطة بها، من قبيل حكمة هذه الكرامة وغيرها.

وسنحاول في هذا البحث استعراض وبيان الروايات التي تحدَّثت حول تكلُّم الرأس الشريف، وكذلك معرفة الأماكن التي تكلَّم بها، ويقع الكلام في محورين رئيسين:

المحور الأول: روايات تكلُّم الرأس الشريف في مصادر أهل السنّة.

المحور الثاني: روايات تكلُّم الرأس الشريف في مصادر الشيعة.


1) راجع هذه الأحداث وغيرها في المصادر التالية: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، أحداث سنة إحدى وستين من الهجرة. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج4 أحداث سنة إحدى وستين من الهجرة. ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ترجمة الحسين ابن علي. وغيرها من المصادر الأُخرى.

المحور الأول: روايات تكلُّم الرأس الشريف في مصادر أهل السنّة

إنّ روايات تكلُّم الرأس الشريف في كتب العامّة ثلاث - على ما عثرنا عليه في كتبهم - وإليك تفصيلها:

الرواية الأُولى: رواية منهال بن عمرو

وهي ما رواه ابن عساكر (ت571) بسند متّصل، عن الأعمش، عن منهال بن عمرو الأسدي، قال: «...والله، أنا رأيت رأس الحسين حين حُمل وأنا بدمشق، وبين يديه رجل يقرأ سورة الكهف حتى إذا بلغ قوله سبحانه وتعالى «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا »(1)فأنطق الله سبحانه وتعالى الرأس بلسان ذرب(2)فقال: أعجب من أصحاب الكهف قتلى وحملي»(3).

والمنهال بن عمرو هو الأسدي الكوفي، روى عنه البخاري، ونقل ابن حجر توثيقه عن ابن معين والنسائي والعجلي وغيرهم(4).

وقد نقل هذه الرواية عن ابن عساكر كلّ من:

السيوطي (ت911ﻫ) في الخصائص الكبرى(5)، والعلّامة المناوي في الكواكب الدرّية، ولكن مع اختلاف طفيف، حيث قال: «فنطق الرأس بلسان عربي فصيح، وقال جهاراً...»(6)، والصبّان في إسعاف الراغبين(7)، وابن منظور (ت711ﻫ) في مختصر


1) الكهف: آية9.

2) ذرب: فصيح. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: مادة (ذرب).

3) ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج60، ص370.

4) ابن حجر، أحمد بن علي، مقدمة فتح الباري: ص446.

5) اُنظر: السيوطي، جلال الدين، الخصائص الكُبرى: ج2، ص127.

6) المناوي، محمد عبد الرؤوف، الكواكب الدرّية: ج1، ص57.

7) اُنظر: الصبان، محمد بن علي، إسعاف الراغبين: ص218.

تاريخ دمشق(1)، والصالحي الشامي (ت942ﻫ) في سُبل الهدى والرشاد(2)، والعلّامة الشبلنجي في نور الأبصار(3)، والمناوي في فيض القدير(4).

وقفة

بعد أن روى المناوي في فيض القدير هذه الرواية عن ابن عساكر، قال ما نصه: «قال ابن عساكر: إسناده مجهول»(5).

وهذه الجملة (إسناده مجهول) التي نسبها المناوي إلى ابن عساكر لم نجدها في كتاب ابن عساكر في الموضع الذي روى فيها هذه الرواية، ولا ندري من أين أتى بها؟ اللهم إلّا أن تكون هناك نسخة ثانية لتاريخ ابن عساكر قد ذُكرت فيها هذه الجملة لم نطّلع عليها، وعلى فرض وجود نسخة ثانية قد ذُكرت فيها هذه الجملة، يمكن استبعادها من خلال قرينتين:

1- إنّ جميع المصادر - فيما نعلم - التي نقلت هذه الرواية عن ابن عساكر لم تذكر هذه الجملة، وقد ذكرناها فيما تقدَّم، فمَن شاء فليراجعها.

2- إنّ المتتبّع لتاريخ ابن عساكر يلاحظ أنّه ليس بصدد توثيق السند أو تضعيفه، وإنّما بصدد نقل الروايات وذكر إسناده إليها فقط.

وكيف كان، سواء كان ابن عساكر ذكر ذلك أو لم يذكره فإنّه لا يؤثر على النتيجة التي نحاول الوصول إليها من خلال هذا الاستعراض، كما سيتّضح ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى.

الرواية الثانية: رواية زيد بن أرقم

روى العلّامة المحدِّث الحافظ الميرزا محمد خان رستم خان المعتمد البدخشي،


1) اُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، مختصر تاريخ دمشق: ج25، ص374.

2) اُنظر: الصالحي، محمد بن يوسف، سُبل الهدى والرشاد: ج11، ص76.

3) اُنظر: الشبلنجي، مؤمن بن حسن، نور الأبصار: ص125.

4) المناوي، محمد عبد الرؤوف، فيض القدير: ج1، ص265.

5) المصدر السابق.

المتوفّى في أوائل القرن الثاني عشر في مفتاح النجا في مناقب آل العبا (ص145 مخطوط)، عن زيد بن أرقم أنّه قال: «... مُرَّ به [أي: رأس الحسين علیه السلام ] عليّ وهو على رمح، وأنا في غرفة، فلمّا حاذاني سمعته يقرأ «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا » فقفَّ(1)- والله - شعري، وناديت: رأسك - والله - يا بن رسول الله وأمرك أعجب وأعجب»(2).

وزيد بن أرقم من مشاهير الصحابة، شهد غزوة مؤتة، توفّى في الكوفة سنة [66] أو [68](3)، ويُعدّ من أصحاب الرسول صلی الله علیه و اله والإمام أمير المؤمنين والحسن والحسين علیهم السلام ، وقد روى الكشي، عن الفضل بن شاذان: «أنّه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين علیه السلام »(4).

ويظهر من ترجمته أنّه كان من سكنة الكوفة وقد مات فيها، ويبدو أنّ حادثة تكلُّم الرأس هذه حدثت معه في الكوفة.

الرواية الثالثة: رواية سلمة بن كهيل

وهي ما رواه ابن عساكر بسند متّصل عن الأعمش عن سلمة بن كهيل قال: «...رأيت رأس الحسين على القنا وهو يقول: « فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »(5)»(6).

ورواها أيضاً الصفدي (ت764ﻫ) في الوافي بالوفيات في ترجمة سلمة بن كهيل(7).

ملحوظة: إنّ الصفدي رواها بلسان (قال)، حيث ذكر بعد أنّ نقل كلمات الأعلام في توثيق (سلمة بن كهيل) هكذا: «قال: رأيت رأس الحسين بن علي على القنا...».


1) قف شعري، أي: قام من الفزع. الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح: ج 4، ص1418، (قفف).

2) نقل هذه الرواية عن المصدر المذكور السيد المرعشي في شرح إحقاق الحقّ: ج11، ص452.

3) الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج3، ص165.

4) التفرشي، مصطفى بن الحسين، نقد الرجال: ج2، ص281.

5) البقرة: آية 137.

6) ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج22، ص117.

7) اُنظر: الصفدي، صلاح الدين خليل، الوافي بالوفيات: ج15، ص200.

وهذا التعبير يوحي بصحّة النسبة واعتبار الرواية؛ إذ التعبير المذكور يدلّ - عرفاً - على ثبوت النسبة وصحّتها.

خلاصة واستنتاج

هذه الروايات الثلاث هي كلّ ما عثرنا عليه في مصادر أهل السنّة، ومن خلال عرضها اتّضح ما يلي:

1- إنّ كرامة تكلُّم الرأس الشريف قد رواها ثلاثة من الرواة هم: المنهال بن عمرو، زيد بن أرقم، سلمة بن كهيل. والرواية الأُولى والثالثة سندها متّصل، بينما الثانية قد ذُكرت مرسلة.

2- لا يحتمل اتّحاد الحادثة؛ وذلك لأنّ رواتها مختلفون، كما أنّها مختلفة من حيث المضمون؛ إذ الأُولى في دمشق، بينما الثانية في الكوفة، والثالثة وإن لم يُذكر فيها المكان ولو بالقرينة، إلّا أنّ مضمونها يغاير ما في الروايتين السابقتين؛ فإنّ الآية التي تلاها الرأس الشريف تختلف عن الآية فيهما، كما أنّ الآية في الرواية الأُولى كان يتلوها رجل، ولكن الرأس نطق بعدها، بينما في الثانية كان الرأس هو الذي يتلوها.

3- عند ملاحظة الرواية الأُولى مع كثرة المصادر التي نقلتها عن ابن عساكر يتّضح أنّ هذه الحادثة من الحوادث المشهورة، ولو بتبع شهرة الرواية التي نقلتها، وإذا ضممنا إليها الروايتين الأخيرتين تزداد الحادثة شهرة.

وبهذا يتّضح عدم الحاجة إلى التتبّع السندي فيما روي؛ لأنّ شهرتها بين الرواة وتناقلهم لها - دون ملاحظة سندها - يغني عن ذلك، ويعطي اطمئناناً للمتتبّع بصدورها.

هذا كلّه مع قطع النظر عن مرويات الشيعة لهذه الحادثة، وإلّا فمع ملاحظتها، وملاحظة المصادر التي ذكرتها يحصل بمجموعها للمتتبّع الاطمئنان - بلا شكّ - في وقوع هذه الحادثة.

المحور الثاني: روايات تكلُّم الرأس الشريف في مصادر الشيعة

إنّ الروايات التي ذكرت أنّ رأس الإمام الحسين علیه السلام قد تكلَّم في عدّة مواضع من مصادر الشيعة كثيرةٌ، وقد أحصينا اثنتي عشرة رواية نذكرها تباعاً:

الرواية الأُولى: رواية المنهال بن عمرو

وهي ما رواه محمد بن سليمان الكوفي بسندٍ متّصل عن الأعمش عن المنهال بن عمرو قال: «... رأيت رأس الحسين بن عليّ على الرمح وهو يتلو هذه الآية: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ». فقال رجل من عرض الناس: رأسك - يا بن رسول الله - أعجب»(1).

ورواها أيضاً الراوندي (ت573ﻫ) في الخرائج، عن المنهال بن عمرو، ولكن مع اختلاف طفيف، ونصّها: «...عن المنهال بن عمرو، قال: أنا - والله - رأيت رأس الحسين علیه السلام حين حُمل وأنا بدمشق، وبين يديه رجل يقرأ الكهف حتى بلغ قوله: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا » فأنطق الله الرأسَ بلسانٍ ذرب ذلق، فقال: أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي»(2).

وهي برواية الراوندي مطابقة لما في كتب أهل السنّة، كما في تاريخ ابن عساكر، بينما على رواية محمد بن سليمان الكوفي تغايرها من جهة أنّ الذي يقرأ آية الكهف هو الرأس الشريف، وليس رجلاً من الناس كما في رواية الراوندي والجمهور.

وسيتّضح فيما بعد - إن شاء الله تعالى - أنّ من البعيد أن يكون محمد بن سليمان والراوندي قد أخذا أو أحدهما هذه الرواية من تاريخ ابن عساكر، أو العكس، بل يمكننا الجزم بعدم ذلك.

والذي نريد قوله معجّلاً: إنّ هذه الرواية قد رويت في مصادر السنّة ومصادر الشيعة، ولكن لكلِّ فريق منهما طرقه إليها، وهذا ممّا يعزز شهرتها، ويؤكِّد حصول مضمونها.


1) الكوفي، محمد بن سليمان، مناقب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام : ج2، ص267.

2) الراوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح: ج2، ص577.

الرواية الثانية: رواية زيد بن أرقم

وهي ما رواه الشيخ المفيد قدس سره مرسلاً عن زيد بن أرقم قال: «...مُرّ به عليّ وهو على رمح وأنا في غرفة، فلمّا حاذاني سمعته يقرأ: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا » فقفَّ - والله - شعري وناديت: رأسك - والله - يا بن رسول الله أعجب وأعجب»(1).

ورواها عن الشيخ المفيد قدس سره كلّ من العلّامة المجلسي في البحار(2)، والبحراني في العوالم(3)، والشاهرودي في مستدرك سفينة البحار(4).

وهذه الرواية مطابقة لما ورد في مصادر السنّة ولا فرق بينهما إلّا في كلمة واحدة، فقد وردت كلمة (وأمرك) في مصادر السنّة ولم ترد في مصادر الشيعة.

الرواية الثالثة: رواية الحارث بن وكيدة

وهي ما رواه أبو جعفر الطبري في دلائل الإمامة بسند متّصل، عن الحارث ببن وكيدة، قال: «...كنت فيمَن حمل رأس الحسين علیه السلام فسمعته يقرأ سورة الكهف، فجعلت أشكّ في نفسي وأنا أسمع نغمة أبي عبد الله علیه السلام ، فقال لي: يا بن وكيدة، أما علمت أنّا معشر الأئمّة أحياء عند ربّنا نُرزق؟! فقلت في نفسي: أسترق رأسه. فنادى: يا بن وكيدة، ليس لك إلى ذلك سبيل! سفكهم دمي أعظم عند الله تعالى من تسييرهم رأسي، فذرهم فسوف يعلمون «إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ »(5)»(6).

والحارث بن وكيدة لم يُذكر في تراجم الرجال - حسب تتبّعنا - ولكن يظهر من هذه الرواية أنّه كان من أعوان الظلمة ومن المغرَّر بهم، ولكنّه انتبه من ضلاله عندما سمع


1) المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص117.

2) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص121.

3) البحراني، عبد الله، العوالم: ص389.

4) الشاهرودي، علي النمازي، مستدرك سفينة البحار: ج4، ص6.

5) غافر: آية 71.

6) الطبري، محمد بن جرير، دلائل الإمامة: ص78.

تكلُّم الرأس الشريف، فحاول استنقاذه منهم لمّا شعر بتلك القداسة.

ولا يتّضح من هذه الرواية مكان حدوثها في الكوفة أو في الشام أو في الطريق، والظاهر أنّها لم تحدث في مكان عام بحيث يتسنّى لكلِّ حاضر أن يسمعها، فهي أشبه بحوار خاصّ دار بين الرأس وحامله.

الرواية الرابعة: رواية الشعبي

وهي ما رواه ابن شهر آشوب، عن أبي مخنف، عن الشعبي: أنّه صُلب رأس الحسين علیه السلام بالصيارف في الكوفة، فتنحنح الرأس وقرأ سورة الكهف إلى قوله: « إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى » فلم يزدهم ذلك إلّا ضلالاً(1).

ورواها أيضاً عن أبي مخنف، عن الشعبي الشاهرودي في سفينة البحار(2).

والشعبي - بفتح الشين وسكون العين - أبو عمرو عامر بن شراحيل الكوفي، يُعدّ من كبار التابعين، وكان فقيهاً شاعراً، روى عن خمسين ومائة من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و اله كذا عن السمعاني، وحُكي عنه أنّه قال: أدركت خمسمائة من الصحابة.

وثَّقه ابن حجر، ولكن لا يخفى حاله عند الشيعة، فإنّه مذموم مطعون(3).

وكون الراوي مذموماً عند الشيعة، لانحرافه عن أهل البيت علیهم السلام ممّا يقوِّي هذه الحادثة ويؤكّدها؛ لأنّ المنحرف عادة لا يروي فضائل مَن لا يحب ولا يهوى، وهذا يُعطي مؤشراً مهمّاً وهو أنّ هذه الحادثة بلغت حدّاً لا يمكن معه إخفاؤها حتى من المناوئين لخطّ أهل البيت علیهم السلام .

والشيء الملفت في هذه الرواية: أنّ الرأس الشريف قد تكلَّم في مكان عام مزدحم يسمعه كلّ مَن حضر من الناس، بعد إن لفت انتباه الحاضرين إليه من خلال التنحنح، ولكن ذلك لم يؤثر فيهم شيئاً، وهذا يفيد أنّ أغلب الحاضرين كانوا من الظالمين، لقوله:


1) ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص218.

2) اُنظر: الشاهرودي، علي النمازي، مستدرك سفينة البحار: ج4، ص6.

3) اُنظر: القمي، عباس، الكنى والألقاب: ج2، ص261.

«فلم يزدهم ذلك إلّا ضلالاً».

ولا عجب إذا لم يهتدوا ولم يؤمنوا، فهذا هو حال الظالمين إذا ما سمعوا المواعظ وشاهدوا الآيات، فإنّها لا تزيدهم إلّا بُعداً وتكذيباً.

الرواية الخامسة: رواية سهل بن سعيد الشهرزوري

وهي ما رواه الطريحي في المنتخب، قال: «...خرجت من شهرزور أُريد بيت المقدس، فصار خروجي أيام قتل الحسين علیه السلام ، فدخلت الشام فرأيت الأبواب مفتّحة، والدكاكين مغلقة، والخيل مسرجة، والأعلام منشورة، والرايات مشهورة، والناس أفواجاً امتلأت منهم السكك والأسواق، وهم في أحسن زينة يفرحون ويضحكون، فقلت لبعضهم: أظنّ حدث لكم عيد لا نعرفه؟ قالوا: لا. قلت: فما بال الناس كافّة فرحين مسرورين؟ فقالوا: أغريب أنت، أم لا عهد لك بالبلد؟ قلت: نعم، فماذا؟ قالوا: فُتح لأمير [المفسدين] فتح عظيم. قلت: وما هذا الفتح؟ قالوا: خرج عليه في أرض العراق خارجي فقتله، والمنّة لله وله الحمد! قلت: ومَن هذا الخارجي؟ قالوا: الحسين بن علي بن أبي طالب. قلت: الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؟! قالوا: نعم! قلت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وإنّ هذا الفرح والزينة لقتل ابن بنت نبيكم؟! وما كفاكم قتله حتى سميتموه خارجياً؟!

فقالوا: يا هذا! أمسك عن هذا الكلام واحفظ نفسك؛ فإنّه ما من أحد يذكر الحسين بخير إلّا ضُربت عنقه. فسكت عنهم باكياً حزيناً، فرأيت باباً عظيماً قد دخلت فيه الأعلام والطبول.

فقالوا: الرأس يدخل من هذا الباب. فوقفت هناك، وكلّما تقدَّموا بالرأس كان أشدّ لفرحهم وارتفعت أصواتهم، وإذا برأس الحسين والنور يسطع من فيه كنور رسول الله صلی الله علیه و اله ، فلطمت على وجهي، وقطعت أطماري، وعلا بكائي ونحيبي، وقلت: واحزناه! للأبدان السليبة النازحة عن الأوطان، المدفونة بلا أكفان، واحزناه! على الخدّ التريب والشيب الخضيب، يا رسول الله! ليت عينيك ترى رأس الحسين في دمشق يُطاف به في

الأسواق، وبناتك مشهورات على النياق مشققات الذيول والأزياق، ينظر إليهم شرار الفسَّاق، أين علي بن أبي طالب يراكم على هذا الحال؟! إلى أن قال: وكان معي رفيق نصراني يريد بيت المقدس وهو متقلَّد سيفاً تحت ثيابه، فكشف الله عن بصره فسمع رأس الحسين، وهو يقرأ القرآن ويقول:«وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ »(1)، فقد أدركته السعادة، فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، ثمّ انتضى سيفه وشدَّ به على القوم، وهو يبكي وجعل يضرب فيهم، فقتل منهم جماعة كثيرة، ثمَّ تكاثروا عليه فقتلوه...»(2).

وسهل هذا يبدو أنّه الصحابي المعروف، سهل بن سعد الساعدي.

الرواية السادسة: رواية النطنزي في الخصائص

وهي ما رواه ابن شهر آشوب عن النطنزي في الخصائص قال: «...لمّا جاؤوا برأس الحسين ونزلوا منزلاً يُقال له: قنسرين، اطّلع راهب من صومعته إلى الرأس فرأى نوراً ساطعاً يخرج من فيه ويصعد إلى السماء، فأتاهم بعشرة آلاف درهم وأخذ الرأس، وأدخله صومعته فسمع صوتاً ولم يرَ شخصاً، قال: طوبى لك، وطوبى لمَن عرف حرمته. فرفع الراهب رأسه قال: يا ربّ، بحقِّ عيسى تأمر هذا الرأس بالتكلُّم معي، فتكلَّم الرأس وقال: يا راهب، أي شيءٍ تريد! قال مَن أنت؟ قال: أنا ابن محمد المصطفى، وأنا ابن علي المرتضى وأنا ابن فاطمة الزهراء، وأنا المقتول بكربلاء، أنا المظلوم أنا العطشان. فسكت، فوضع الراهب وجهه على وجهه، فقال: لا أرفع وجهي عن وجهك حتى تقول: أنا شفيعك يوم القيامة. فتكلَّم الرأس، فقال: ارجع إلى دين جدّي محمد. فقال الراهب: أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله. فقبل له الشفاعة، فلما أصبحوا أخذوا منه الرأس والدراهم، فلمّا بلغوا الوادي نظروا الدراهم قد صارت حجارة»(3). ونقلها - أيضاً عن


1) إبراهيم: آية 42.

2) الطريحي، المنتخب: ص282.

3) ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص217.

النطنزي في الخصائص - العلّامة المجلسي في البحار(1).

والنطنزي هو محمد بن أحمد النطنزي الكاشاني (480 - 550ﻫ) يروي عنه السيد الراوندي(2).

ويبدو أنّ حادثة إسلام الراهب على يد الرأس الشريف من الحوادث المشهورة المعروفة، والدليل على ذلك أنّ الجوهري الجرجاني قد نظم فيها شعراً حيث قال:

حتى يصيح بقنسرين صاحبها***يا فرقة الغي يا حزب الشياطين

أتهزؤون برأس بات منتصباً***على القناة بدين الله يؤميني

آمنت ويحكم بالله مهتدياً***وبالنبي وحبّ المرتضى ديني

ف-جدلوه صريعاً ف-وق وج-نته*** وقسموه بأطراف السكاكين(3)

والجوهري الجرجاني من شعراء القرن الرابع الهجري(4)، وهذا يدلّ على اشتهار الحادثة قبل زمان ابن شهر آشوب - الناقل لها - بقرنين من الزمن.

الرواية السابعة: رواية اليهودي الذي أسلم بسبب الرأس الشريف

وهي ما رواه العلّامة المجلسي في البحار عن كتاب المناقب القديم، حيث قال: «...روي أنّه لما حُمل رأسه إلى الشام جنَّ عليهم الليلُ فنزلوا عند رجل من اليهود، فلمّا شربوا وسكروا، قالوا: عندنا رأس الحسين علیه السلام . فقال: أروه لي. فأروه وهو في الصندوق يسطع منه النور نحو السماء؛ فتعجّب منه اليهودي، فاستودعه منهم وقال للرأس: اشفع ليّ عند جدّك فأنطق الله الرأس، فقال: إنّما شفاعتي للمحمديين، ولست بمحمدي. فجمع اليهودي أقرباءه، ثمَّ أخذ الرأس ووضعه في طست وصبّ عليه ماء الورد، وطرح فيه الكافور والمسك والعنبر، ثمَّ قال لأولاده وأقربائه: هذا رأس ابن بنت محمد علیه السلام ، ثمَّ


1) اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص303.

2) اُنظر: الراوندي، فضل الله، النوادر:ص20.

3) ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص216.

4) اُنظر: الأميني، عبد الحسين بن أحمد، الغدير: ج4، ص82.

قال: يا لهفاه، حيث لم أجد جدّك محمداً صلی الله علیه و اله فأُسلم على يديه! يا لهفاه حيث لم أجدك حياً فأُسلم على يديك وأُقاتل بين يديك! فلو أسلمت الآن أتشفع لي يوم القيامة؟ فانطق الله الرأس، فقال بلسان فصيح: إن أسلمت فأنا لك شفيع، قاله ثلاث مرات وسكت فأسلم الرجل وأقرباؤه»(1).

وقد احتمل العلاّمة المجلسي قدس سره أن يكون هذا اليهودي هو نفسه راهب قنسرين، حيث قال ما نصّه: «ولعل هذا اليهودي كان راهب قنسرين؛ لأنّه أسلم بسبب رأس الحسين علیه السلام وجاء ذكره في الأشعار وأورده الجوهري الجرجاني في مرثية الحسين علیه السلام »(2)، ولكنّه احتمال ضعيف؛ وذلك لأنّ اليهودي لا يُسمى راهباً، وإنّما يُسمى حبراً، هذا أولاً، وثانياً للاختلاف الواضح بين القصّتين - من حيث التفاصيل - المانع من اتّحادهما.

الرواية الثامنة: مرسلة ابن شهر آشوب

وهي ما رواه في المناقب مرسلاً، حيث قال: «... وفي أثر أنّهم لمّا صلبوا رأسه على الشجرة سُمع منه:«وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ »(3)»(4). ورواها مرسلةً أيضاً العلّامة المجلسي في البحار(5).

الرواية التاسعة: مرسلة أُخرى لابن شهر آشوب

وهي ما رواه في المناقب أيضاً، فقال: «... وسُمع صوته علیه السلام بدمشق يقول: لا قوّة إلّا بالله»(6)، وكذلك رواها المجلسي في البحار(7).


1) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص172.

2) المصدر السابق.

3) الشعراء: آية 227.

4) ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص218.

5) اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص304.

6) ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل ابي طالب: ج3، ص218.

7) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص304.

الرواية العاشرة: مرسلة البحراني في مدينة المعاجز

ما رواه البحراني مرسلاً: «... إنّ عبيد الله بن زياد بعد ما عُرِض عليه رأس الحسين علیه السلام دعا بخولي بن يزيد الأصبحي، وقال له: خذ هذا الرأس حتى أسألك عنه. فقال: سمعاً وطاعة. فأخذ الرأس وانطلق به إلى منزله، إلى أن قال: فخرجت امرأته في الليل، فرأت نوراً ساطعاً من الرأس إلى عنان السماء، فجاءت إلى الإجانة فسمعت أنيناً، وهو يقرأ إلى طلوع الفجر، وكان آخر ما قرأ: « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ »»(1).

الرواية الحادية عشرة: ما نقل عن البهبهاني في شرح الشافية

فقد نُقل عنه أنّه روى عن أبي مخنف أنه قال: «... حدّثني مَن حضر اليوم الذي ورد فيه رأس الحسين علیه السلام على ابن زياد (لعن) قال: رأيت قد خرجت من القصر نارٌ، فقام عبيد الله بن زياد هارباً من سريره إلى أن دخل بعض البيوت، وتكلّم الرأس الشريف بصوت فصيح جهوري، يسمعه ابن زياد ومَن كان معه، إلى أين تهرب من النار؟! يا ملعون! لئن عَجَزت عَنك في الدنيا فإنّها في الآخرة مَثْواك ومصيرك. قال: فوقع أهل القصر سجّداً لما رأوا من رأس الحسين علیه السلام ، فلّما ارتفعت النار سكت رأس الحسين علیه السلام »(2).

الرواية الثانية عشرة: رواية هلال بن معاوية

ذكر السيد المقرّم قدس سره - نقلاً عن بعض المصادر - هذه الرواية، فقال: «... قال هلال ابن معاوية: رأيت رجلاً يحمل رأس الحسين علیه السلام والرأس يخاطبه: فرَّقتَ بين رأسي وبدني؟! فرّق الله بين لحمك وعظمك وجعلك آية ونكالاً للعالمين. فرفع السوط وأخذ يضرب الرأس حتى سكت»(3).

هذه مجموعة من الروايات التي عثرنا عليها في كتب الخاصّة، ولعل هناك غيرها ولكننا لم نظفر بها.


1) البحراني، هاشم، مدينة المعاجز: ج4، ص 124.

2) لجنة الحديث في معهد باقر العلوم علیه السلام ، موسوعة كلمات الإمام الحسين علیه السلام : ص625.

3) المقرّم، عبد الرزّاق، مقتل الحسين علیه السلام : ص415.

الخلاصة

إنّ حادثة تكلّم الرأس الشريف من الحوادث المشهورة والمعروفة في كتب الفريقين، فقد رويت في كتب العامّة بثلاث روايات مختلفة لا يحتمل اتّحادها، كما رويت في كتب الخاصّة باثنتي عشرة رواية مختلفة، لا يحتمل اتّحادها جميعاً أو بعضها، فكلّ رواية تتحدَّث عن حادثة مغايرة للحادثة الأُخرى التي تتحدّث عنها باقي الروايات ولا بدّ من الالتفات إلى هذه القضية، وهي: أنّ كتب الفريقين تشترك في نقل اثنين من الروايات، وهما: (رواية المنهال بن عمر، ورواية زيد بن أرقم)، وتختلف في نقل بقية الروايات، فتختصّ العامّة بنقل رواية (سلمة بن كهيل)، بينما تختصّ الخاصّة بنقل عشرة روايات على ما تقدّم بيانها.

والملفت أنّ رواية المنهال التي رواها ابن عساكر من العامة، ورواها محمد بن سليمان الكوفي، وقطب الدين الرواندي من الخاصّة، لا يحتمل أنّ ابن عساكر قد أخذها من الكوفي أو الرواندي، وكذلك لا يحتمل العكس، ومعه يكون لكلٍّ من ابن عساكر والكوفي والرواندي طريق لهذه الرواية، وإن كان الجميع يتّفق على نقلها عن الأعمش عن المنهال، ولكن طريق كلٍّ من ابن عساكر، والكوفي والراوندي إلى الأعمش مختلف.

أمّا أنّ ابن عساكر لا يُحتمل أخذه للرواية من محمد بن سليمان الكوفي على الرغم من تقدِّمه عليه زماناً؛ فذلك لأنّه قد ذكر طريقه إلى الرواية ولم يكن فيه محمد بن سليمان، وأمّا أنّه لم يأخذها من الراوندي، فهو بالإضافة إلى كونه معاصراً له وأنّ وفاته كانت سنة 571ﻫ، بينما الراوندي كانت 577ﻫ، إلّا أنّه لم يُذكر الرواندي في طريق ابن عساكر إلى الرواية.

وأمّا بالنسبة إلى العكس فلا يحتمل رواية محمد بن سليمان عنه لتقدِّمه عليه زماناً، فإنه قد ذكر أنّه قد فرغ من تأليف كتابه المناقب سنة 300ﻫ، فهو متقدِّم على ابن عساكر بثلاثة قرون، وأمّا الرواندي فإنّه وإن أمكن أن يرويها عن ابن عساكر، ولكنه لم يذكر ذلك في كتابه.

وبهذا يتّضح أنّ هذه الرواية بالإضافة إلى شهرتها عند الفريقين - لها أكثر من طريق إذ إن لابن عساكر طريقاً إليها، كما أن لمحمد بن سليمان طريقاً أيضاً، وهذا ممّا يؤكِّد صدورها ووقوع المحادثة التي تضمنتها.

تلخيص النتائج من خلال ما استعرضناه من الروايات المتقدّمة

توفّرت لدينا مجموعة من النتائج، يمكن أن نلخصها ضمن عدّة نقاط:

•

إنّ حادثة (تكلّم الرأس الشريف) إنْ لم تبلغ رواياتها حدَّ الاستفاضة فلا أقل من شهرتها إلى حدٍّ توجب الاطمئنان بصدورها.

•

إنَّ عدد الروايات التي نقلت الحادثة ثلاث في كتب العامّة واثنا عشرة في كتب الخاصّة، فيكون مجموع روايات الفريقين خمسة عشر رواية.

•

إنّ عدد المرّات التي تكلّم فيها الرأس الشريف ثلاثة عشر مرّة.

•

إنّ الآيات التي تكلّم بها الرأسُ الشريف هي:

«أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا »(1).

«فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»(2).

«إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ »(3).

« إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى »(4).

«وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ »(5).

« وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ »(6).


1) الكهف: آية 9.

2) البقرة: آية 137.

3) غافر: آية71.

4) الكهف: آية 13.

5) إبراهيم: آية 42.

6) الشعراء: آية 227.

• إنّ الرأس الشريف تكلَّم أربعَ مرّات في الكوفة، وثلاث مرّات في الشام، وثلاث مرّات في الطريق، وتبقى ثلاث مرّات لا يُعلم مكان حدوثها بالضبط.

مضمون الكرامة وحكمتها

اتّضح من خلال عرض الروايات مضمون هذه الكرامة، وهو تكلّم الرأس الشريف ببعض الآيات الكريمة، وببعض الجمل والعبارات، في عدّة مناسبات، وهذا شيء واضح، ولكن يبقى أن نبحث عن حكمة هذه الكرامة، وهل يمكن استشراف بعض الأهداف والغايات المتوخّاة منها؟

يمكن أن نذكر في هذا المجال ما يلي:

أولاً: إنّ هذه الحادثة تكشف عن عظمة الإمام الحسين علیه السلام ومكانته السامية عند الله سبحانه وتعالى، وتكشف عن عظم الجريمة التي ارتكبتها الدولة الأُموية في حقّه علیه السلام ، وهذه الحقيقة - (عظمة الإمام الحسين علیه السلام ) و(عظم الجريمة وفداحتها في الإسلام) - من الأهداف المهمّة التي أراد الله سبحانه وتعالى تثبيتها في قلوب المسلمين، لتحقيق الوعي الكامل، والفهم الصحيح، لأهداف الإسلام وحقيقته.

إذ إن الأُمّة الإسلامية أيّام نهضة الإمام الحسين علیه السلام أُمّة مشلولة عاجزة لا تستطيع الحركة، وتعيش روح الهزيمة والاستسلام، فكانت - لكي تنهض وتعي - بحاجة إلى صدمة عظيمة، ومنبّه صارخ ينتشلها من هذا الواقع المرير، فجاءت نهضة الإمام الحسين علیه السلام بكلّ تفاصيلها المؤلمة ومشاهدها المروعة لتقوّي هذه الصدمة في النفوس المريضة، ولتبقى تعيش في الأذهان مدى العصور.

ثانياً: إنّ هذه الحادثة تقع في إطار خطّ أهل البيت علیهم السلام الساعي - دائماً - لهداية الأُمّة نحو الإسلام الحقيقي، ولتؤكِّد هذه الحادثة على أحقّية أهل البيت علیهم السلام في ميراث الرسول صلی الله علیه و اله الديني، وخلافته في قيادة الأُمّة الإسلامية ورعايتها. فهذه الكرامة التي ظهرت من الرأس الشريف تدعو إلى الهداية والإيمان، وقد تحقق ذلك حيث أسلم واهتدى عددٌ ممّن شاهد هذه الكرامة، كما تقدّم في قصّة النصراني، واليهودي، وابن وكيدة، وغيرهم.

ثالثاً: لو رجعنا إلى الآيات الكريمة التي نطق بها الرأس الشريف لوجدناها تتحدَّث عن الظالمين والطغاة، والوعد الإلهي الذي ينتظرهم، وأنّهم مهما اجتهدوا في ظلم الناس وأوغلوا في دماء الصلحاء لا بدّ أن يدفعوا ثمن ذلك باهضاً، وأنّهم مع ذلك لا يستطيعون أن يوقفوا المسيرة الإسلامية نحو تحقيق غايتها وأهدافها.

رابعاً: أكثر الآيات التي نطق بها الرأس الشريف هي آية: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا »، وآية: « إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى »، وهذا ممّا يوحي بشدّة الشبه بين الحادثتين، ويمكن أن نذكر في هذا المجال ستّة أوجه:

الوجه الأول: التشابه بين الزمانين، فإنّ كلا الزمانين كانت تسوده مظاهر الجهل والابتعاد عن الله سبحانه، مع حالة الخضوع والاستسلام التي كانت تعيشها الأُمّة.

الوجه الثاني: التشابه بين الدعوة المسيحية الأصيلة التي كان يحملها أصحاب الكهف، والدعوة الحسينيّة التي كان يحمل لواءها الإمام الحسين علیه السلام وأصحابه، فكلا الدعوتين تحملان الأهداف نفسها، ويصارعان الأشكال نفسها؛ فإنّ هدف أصحاب الكهف إرجاع الأُمّة إلى الدين المسيحي الصحيح الخالي من التحريف والبدع، وإنقاذ الناس من عبودية الحاكم الجائر، كذلك الأمر بالنسبة لأهداف الإمام الحسين علیه السلام ؛ حيث كان يهدف إلى إرجاع الأُمّة للدعوة الإسلامية الصحيحة الخالية من التحريف والبدع التي أحدثها بنو أُمية في جسد الأُمّة الإسلامية.

الوجه الثالث: إنّ أصحاب الكهف وقفوا بوجه الجهاز الحاكم وهم قلّة قليلة في الوقت الذي لم يكن أحد يجرؤ على التكلّم ببنت شفة ولو كان يملك العدّة والعدد، كذلك الإمام الحسين علیه السلام وأصحابه فقد وقفوا بوجه الجهاز الحاكم وهم قلّة قليلة، في زمان تسوده روح الاستسلام والخنوع.

الوجه الرابع: كلا الدعوتين كانتا سلميّتين، تدعوان إلى قضيتهما بعيداً عن القتال والعنف.

الوجه الخامس: إنّ حادثة أصحاب الكهف حادثة عجيبة بقيت تعيش في أذهان الناس ردحاً من الزمن، بل وإلى الآن ما زالت جوانبها خافية علينا؛ إذ كيف يمكن

لإنسان أن ينام أكثر من ثلاثمائة سنة، ثم يستيقظ حياً، دون أن يأكل أو يشرب، إنّ ذلك بحسب قوانين الطبيعة يعدّ أمراً خارقاً للعادة، مثيراً للتعجب والاستغراب، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الإمام الحسين علیه السلام فكيف لرأس مقطوع أن يتكلّم، إنّ ذلك شيء عجيب حقّاً! ويمكن أن يكون التعجّب في حادثة الإمام الحسين علیه السلام راجعاً إلى نفس الإقدام على قتله بتلك الصورة البشعة، وما أعقبه من التمثيل بالجثّة الطاهرة والرأس الشريف، مع ما يتمتع به من مكانة مرموقة لا يشاركه فيها أحد في عصره.

الوجه السادس: من أوجه الشبه بين الحادثتين أنّ كليهما كان مضمون النتائج ولو بعد حين؛ فإن أصحاب الكهف لمّا أيقضهم الله سبحانه وتعالى بعد أكثر من ثلاثمائة سنة على نومهم وجدوا أنّ جهودهم قد أثمرت وأينعت، حيث الناس على دين المسيحية الصحيحة وحكّامهم كذلك، وأنّ عبادة الوثنية قد ولّت وأدبرت، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الإمام الحسين علیه السلام ؛ فإنّه لو عاد إلى الحياة اليوم لرأى ملايين المسلمين يطوفون بقبره المقدّس وهم يحيون المبادئ والقيم التي قُتل لأجلها، ويقدّسون الأهداف التي سعى لتحقيقها بدمه الطاهر، رحم الله السيد جعفر الحلي حيث قال:

قد أصبح الدين منه يشتكي سقماً***وما إلى أحدٍ غير الحسين شكى

فما رأى السبط للدين الحنيف شفاً***إلّا إذا دمه في كربلا سُفكا

وما سمعنا عليلاً لا علاج له***إلّا بنفس مداويه إذا هلكا

بقت-له ف-اح للإسلام نشر هدىً***فك-لّما ذك--رته المسلمون ذكا(1)


1) البحراني، حسين بن علي، رياض المدح والرثاء: ص230.

خصائص ومميزات أرض كربلاء دراسة لغوية روائية

الشيخ محمد الريشاوي

الشيخ محمد الريشاوي(1)

تمهيد

كلّ مدينة تحتاج في وجودها وتكوّنها إلى سبب ومَنشأ، وكذلك تمتاز عن غيرها ببعض المميِّزات، والتي ربّما تكون سلبية أو إيجابية، كثيرة أو قليلة، ولا يختلف اثنان في أنّ ظاهرة نشوء المدن وتمايزها لم تأتِ عن فراغ، أو من باب الصدفة والاتفاق، وإنّما هنالك عوامل كانت وراء تكوّنها وتمايزها، سواء كانت هذه العوامل تاريخية، أو اقتصادية، أو عسكرية، أو دينية أو غيرها، هذا بصورة عامّة.

وأمّا بخصوص المدن الإسلامية، فيذكر الكثير من الباحثين من أمثال: (لويس ماسنيون، ووليم مارسيه، وهنري بيرين، وكارديه سوفاجيه، والمستشرق الإنجليزي: ستيرن) وغيرهم، أنّ مردّ ذلك إلى أمرين جوهريين:

الأول: أنّها حواضر قديمة كانت قبل الإسلام، وبعد أن استقرّ بها المسلمون منحوها طابعاً إسلامياً.


1) باحث وكاتب إسلامي.

الثاني: أنّها أمصار أسّسها المسلمون بعد الفتوحات الإسلامية(1).

ومن هذه المدن التي صارت مَعْلَماً شاخصاً، ومناراً للعالم من بين كلّ المدن الإسلاميّة هي (كربلاء)، فقد جمعت كلّ تلك الأسباب ومناشئ تكوّنها وشهرتها لدى العالم ككل؛ ممّا يعني أنّ هذه الأسباب تحتوي على الشرافة والرفعة، التي جعلت كربلاء بهذه المنزلة المترامية الفضل لدى أهل السموات قبل أهل الأرض!

والذي نريد أن نُبيّنه في هذه الدراسة هو الخصائص والمميزات التي امتازت بها هذه الأرض المباركة، والبحث قدر المستطاع عن الأسباب التي جعلتها كذلك؛ حيث إنّها ضمّت مَعلمَين شريفين، وهما: الحائر الحسيني ونهر العلقمي؛ لأنّهما تشرّفا بجسد المولى أبي عبد الله وأخيه أبي الفضل العباس علیهما السلام ، والصفوة من أهل بيته علیهم السلام وأصحابه.

وعليه؛ سينعقد البحث في جهتين:

الجهة الأُولى: الخصائص والمميزات في إطار البحث اللُّغوي والتاريخي.

الجهة الثانية: الخصائص والمميزات على ضوء البحث الروائي.

الجهة الأُولى: الخصائص والمميزات في إطار البحث اللُّغوي والتاريخي

لا يخفى أنّ كلّ لفظ له دلالته على المعنى الموضوع له، وخصوصاً الأسماء، فإنّ لها دلالة عميقة على المعنى الذي تدلّ عليه، وهو - أي الاسم - يُبرز ويُظهر ما يمتاز به ذلك المعنى، خصوصاً إذا كان هذا الاسم صادراً وموضوعاً من جهة عُليا، غير جهة الوضع البشري للألفاظ والأسماء، كما هو الحال في أسماء مولاتنا الزهراء علیها السلام؛ إذ جاء في الأمالي للشيخ الصدوق، عن الإمام الصادق علیه السلام ، أنّه قال: «لفاطمة علیها السلام تسعة أسماء عند الله: فاطمة، والصدِّيقة، والمباركة، والطاهرة، والزكية، والرضية، والمرضية، والمحدّثة، والزهراء...»(2). وكلّ اسمٍ من هذه الأسماء الشريفة كاشف عن معنى حقيقي، ومقام رفيع لمولاتنا الزهراء علیها السلام.


1) اُنظر: الأنصاري، محمد رؤوف، عمارة كربلاء: ص18.

2) الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص688.

وقبل أن ننقل الكلام إلى مفردة (كربلاء)، ننوّه إلى أمر يخصّ هذه الجهة، وهو: أنّ غاية ما يمكن استفادته من الأسماء - من خلال البحث اللُّغوي والتاريخي - أنّها تبيّن قداسة الأرض وحرمتها، أمّا سبب ذلك فهو ما سنُوكل بحثه إلى الجهة الثانية إن شاء الله.

الآراء في تسمية كربلاء

ثمّ إنّ الباحث عندما يلج في دائرة البحث اللُّغوي يرى أن ّهناك آراءً كثيرة في تفسير مفردة (كربلاء)، وبعض الجوانب التاريخية المرتبطة بها، وهذه الآراء وإن كانت ناظرة إلى منشأ التسمية وتفسير هذه المفردة، إلّا أنّ ذلك يدلّ على خصوصية التفضيل والتشريف لهذه الأرض الطاهرة، وفيما يلي نستعرض أهمّ تلك الآراء:

الرأي الأول: ما ذكره ياقوت الحموي

أوعز ياقوت الحموي - في صدد كلامه عن لفظة كربلاء - التسمية إلى ثلاثة أوجه، حيث قال: «كربلاء بالمدّ: هو الموضع الذي قُتل فيه الحسين بن علي[ علیهما السلام ]، في طرف البرية عند الكوفة، فأمّا اشتقاقه [أي اللفظ] فالكربلة رخاوة في القدمين، يُقال: جاء يمشي مكربلاً. فيجوز على هذا أن تكون أرض هذا الموضع رخوة؛ فسُمّيت بذلك، ويُقال: كربلتُ الحنطة. إذا هذّبتها ونقّيتها، ويُنشد في صفة الحنطة:

يُحملن حمراء رسوباً للثقل***قد غُربلت وكُربلت من القصل

فيجوز على هذا أن تكون هذه الأرض مُنقّاة من الحصى والدغل؛ فسُمّيت بذلك.

والكربل: اسم نبات الحماض، وقال أبو وجرة يصف عهون الهودج:

وثامر كربل وعميم دفلى***عليها والندى سبط يمور

فيجوز أن يكون هذا الصنف من النبت يكثر نبته هناك؛ فسُمّي به»(1).


1) الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم البلدان: ج7، ص229.

الرأي الثاني:(الفعل العُلْوي) أو (العمل السماوي)

ذكر الشيخ آغا بزرك الطهراني، أنّ لفظة كربلاء متكوّنة من كلمتين، هما:

(كار)؛ أي: الفعل، و(بالا)؛ بمعنى: السامي أو العُلْوي باللغة الفارسية، وبذلك يكون معنى لفظة كربلاء: (الفعل العلوي) أو(العمل السماوي): وهذا يُقارب المعنى الذي ذهب إليه الأب (انستانس ماري الكرملي)(1).

الرأي الثالث: (معبد الإله) أو (حريم الإله)

يُرجِع بعض المؤرِّخين التسمية إلى كلمتين آشوريتين، ومنهم الأب انستانس ماري الكرملي، هما: (كرب) بمعنى: معبد أو حرم، والكلمة الثانية: (إل) بمعنى: إله في اللغة الآرامية، ومجموع الكلمتين: (معبد الإله، أو حرم الإله)(2).

الرأي الرابع:(كاربيلا) الواردة في سِفر دانيال

من الأسماء التي سُمّيت بها كربلاء ما ذكره الدكتور رياض كاظم سلمان وإليك نصّه: «...يحتمل البحث في أصل تسمية كربلاء بُعدين: الأول لُغوي والآخر تأريخي يساعد على الوقوف ولو بشكلٍ عام على معرفة طبيعة العوامل التي تقف وراء التسمية المدنية، وبالرجوع إلى المعاني اللغوية للفظة يرجّح عودتها إلى الاسم الآرامي (كاربيلا)، الوارد ذكره في سِفر دانيال الثالث، ويحتمل كذلك تكون ترجمته تعني: (كور بابل). فيما يرى آخرون بأنّ اللفظة تعود إلى كلمة (كرب) و(أيل)، التي تُترجم مجتمعة إلى: (حرم قدسي)... أمّا الرؤية التاريخية لأصل التسمية، فإنّها تستند إلى جميع الإشارات اللُّغوية التي نُعتت بها المنطقة ومنها: (كاربيلا، كرب آيل، كاربالا، كور بابل)»(3).


1) اُنظر: الخليلي، جعفر، موسوعة العتبات المقدسة (قسم كربلاء): ج2، ص18.

2) اُنظر: الحسيني، عبد الرزاق، العراق قديماً وحديثاً: ص124.

3) الجميلي، رياض كاظم سلمان، مدينة كربلاء (دراسة في النشأة والتطور العمراني): ص11.

الرأي الخامس: (قاربا لاتو) الأكادية

كذلك ذكر ديلك قايا - الباحث التركي - اسماً خامساً، وذكر أنّها مشتقّه من كلمة: (قاربا لاتو) الأكادية، التي تعني: القلنسوة الحادّة، والتي تحوَّلت إلى كلمة: (كار باله) الموجودة في اللغة الآرامية والعبرانية الوسطى، وقِيل: إنّ أصلها عربي مشتقّ من كلمة: (كور بابل)، التي تعني: أنحاء بابل، أو كلمة: (كربله)، التي تعني: غوص القدم في الأرض الناعمة(1).

الرأي السادس:(عمورا) و(ماريا) و(صفورا)

ذُكر في موسوعة العتبات المقدّسة أنّ كربلاء المقدّسة قد أُطلق عليها الأسماء التالية: (عمورا، وماريا، وصفورا)، حيث جاء ما نصّه: «...يتّضح ممَّا تقدّم أنّ تاريخ كربلاء موغل في القِدَم، وأنّها كانت من أُمّهات مُدن طسوج(2)النهرين الواقعة على ضفاف نهر بالاكوباس(الفرات القديم)، وعلى أرضها معبد للعبادة والصلاة، كما يستدلّ على قِدَمِها من الأسماء التي عُرفت بها قديماً: (عمورا)، و(ماريا)، و(صفورا)»(3).

وقد ذكر المجلسي كذلك في البحار أنّ الحسين علیه السلام ، قال لأصحابه قبل أن يُقتل: إنّ رسول الله صلی الله علیه و اله قال لي: «يا بني، إنّك ستُساق إلى العراق، وهي أرض قد التقى بها النبيّون وأوصياء النبيين، وهي أرض تُدعى (عمورا)، وإنّك تُستشهد بها، ويُستشهد بها جماعة من أصحابك...»(4).

الرأي السابع:(كور بابل)

يُرجِع البعض من المؤرّخين لفظة كربلاء إلى كلمة (كور بابل) العربية الأصل، وأنّها مشتقّة من هذه الكلمة، وكور جمعها: أكوار، ويعتقد أنّها مجموعة من القرى البابلية القديمة،


1) ديلك قايا، كربلاء في الأرشيف العثماني (دراسة وثائقية): ص21.

2) طسوج: (قضاء).

3) الخليلي، جعفر، موسوعة العتبات المقدسة (قسم كربلاء): ج2، ص16.

4) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص41.

التي استوطنت المنطقة قديماً، كما يذكر البعض أنّ من أبرز هذه القرى شيوعاً هي نينوى، والتي لا تزال آثارها موجودة من جهة الشرق والشمال الشرقي من مدينة كربلاء حالياً(1).

الرأي الثامن: (الحائر)

ذكر ابن منظور(الحائر) اسماً لكربلاء، حيث قال: «والحائر: كربلاء، سُمّيت بأحد هذه الأشياء. واستحار المكان بالماء وتحيّر: تملّأ. وتحيّر فيه الماء: اجتمع. وتحيّر الماء في الغيم: اجتمع. وإنّما سُمّي مجتمع الماء حائراً؛ لأنّه يتحيّر الماء فيه، يرجع أقصاه إلى أدناه»(2).

وذكر الزبيدي ذلك في تاج العروس حيث قال: «والحائر: بالعراق فيه مشهد الإمام المظلوم الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب، سُمّي لتحيّر الماء فيه»(3).

وذكر أيضاً في مادة(حير)، ما نصّه: «والحائر: كربلاء، سُمّيت بأحد هذه الأشياء، كالحيراء، هكذا في النسخ بالمدّ، والذي في الصحاح وغيره: الحَيْر، أي: بفتحٍ فسكون، بكربلاء، أي: سُمّي لكونه حِمىَ. والحائر أي: بكربلاء، وهو الموضع الذي فيه مشهد الإمام الحسين»(4).

وقد ورد اسم الحائر في كلمات المعصومين علیهم السلام ، فقد جاء في كامل الزيارات عن الإمام الصادق علیه السلام ، أنّه قال: «من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن: مكّة، والمدينة، ومسجد الكوفة، والحائر»(5).

وجاء اسم الحائر كذلك في زيارات الإمام الحسين علیه السلام ، فقد ذكر صاحب كامل الزيارات عن الإمام الصادق علیه السلام حيث قال: «إذا أتيت الحائر فقل...»(6).


1) الجميلي، رياض كاظم سلمان، مدينة كربلاء (دراسة في النشأة والتطور العمراني): ص11.

2) ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج4، ص223.

3) الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس: ج6، ص317، مادة (حور).

4) المصدر السابق: ج6، ص321، مادة (حير).

5) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص430 - 431.

6) المصدر السابق: ص382.

وعلى هذا؛ يكون اسم الحائر لكربلاء اسبق ممّا يُزعَم بأنّ سبب التسمية ترجع إلى حادثة المتوكّل العباسي، عندما أراد إخفاء القبر الشريف، وذلك بإيصال الماء إليه، فصار الماء يدور حول القبر، وحار ولم يصل إليه؛ ولأجله سُمّي بالحائر، والحال أنّ المعروف بأنّ الإمام الصادق علیه السلام تُوفّي قبل أن يصل المتوكِّل إلى الخلافة بما يقارب الثمانين عاماً، واسم الحائر كان معروفاً في زمنه علیه السلام .

نعم، يمكننا القول: إنّ هذه التسمية راجعة إلى حادثة المتوكِّل، وإن سبق ذكر ذلك في الروايات الواردة عن المعصومين علیهم السلام على وقوع الحادثة؛ فإنّ الله في عالَم الغيب قد وضع هذا الاسم قبل أن يخلق المتوكِّل، لكنّ إظهار هذا الاسم من عالم الغيب وتجسيده على أرض الواقع يكون بسبب فعل المتوكِّل العباسي، فإنّ الله يعلم بما يُقدم عليه المتوكِّل. أمّا الأئمة علیهم السلام فهم يعلمون أُمور الغيب بإذن الله، فمن الممكن أن يكون الإمام علیه السلام ذكر هذا الاسم تلقّياً من الغيب. ولكنّ هذا الأمر يحتاج إلى دليل واستقراء للروايات الواردة عن المعصومين علیهم السلام .

الرأي التاسع: أرض (كربٍ وبلاء)

ورد في أمالي الصدوق في حديثٍ طويل بين أمير المؤمنين علیه السلام وابن عباس، في أيام خروجه علیه السلام إلى صفين، حيث قال علیه السلام لابن عباس: «...والذي نفس عليٍّ بيده، لقد حدّثني الصادق المصدّق أبو القاسم صلی الله علیه و اله إنّي سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا، وهذه أرض كرب وبلاء، يُدفن فيها الحسين علیه السلام ، وسبعة عشر رجلاً من وُلدي ووُلد فاطمة، وإنّها لفي السماوات معروفة، تُذكر: أرض كربٍ وبلاء، كما تُذكر: بقعة الحرمين، وبقعة بيت المقدس...»(1).

والشاهد في الحديث قول الإمام علیه السلام لابن عباس: «وإنّها لفي السماوات معروفة، تُذكر: أرض كربٍ وبلاء». إذ يُفهَم منه أنّها اسمٌ وليست وصفاً لما يقع فيها من مصائب


1) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص253.

على أبي عبد الله علیه السلام .

وجاء قريب من هذه الرواية أيضاً في الفتوح لابن أعثم في باب خروج علي بن أبي طالب، مع مغايرة قليلة في بعض ألفاظه، حيث يذكر علیه السلام على لسان النبي صلی الله علیه و اله : «أَلا وإنّ جبريل علیه السلام قد أخبرني بأنّ أُمّتي تقتل ولدي الحسين بأرض كرب وبلاء...»(1).

وذكر ذلك أيضاً شمس الدين الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام في حوادث سنة واحد وستين، حيث قال: «وقال أبو معتز نجيح، عن بعض مشيخته: إنّ الحسين قال حين نزلوا كربلاء: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا كربلاء. قال: كرب وبلاء...»(2).

وفي المقتل المنسوب إلى أبي مخنف: «...وساروا جميعاً إلى أن أتوا أرض كربلاء، وذلك يوم الأربعاء، فوقف فرس الحسين علیه السلام ، فنزل عنها وركب أُخرى فلم تنبعث خطوة واحدة! ولم يزل يركب فرساً بعد فرس حتى ركب سبعة أفراس، وهنَّ على هذه الحال! فلمّا رأى ذلك قال: يا قوم، ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: أرض الغاضرية. قال: فهل لها اسم غير هذا؟ قالوا: تُسمّى نينوى. قال: أهل لها اسم غير هذا؟ قالوا: شاطئ الفرات. قال: أهل لها اسم غير هذا؟ قالوا: تُسمى كربلاء. فعند ذلك تنفّس الصعداء! وقال: أرضُ كربٍ وبلاء! ثمّ قال: انزلوا، هاهنا مناخ ركابنا، هاهنا تُسفك دماؤنا...»(3).

ويمكن أن نستظهر من المحاورة التي وقعت بين الحسين علیه السلام وأصحابه أنّ (كرب وبلاء) هو اسم لبقعة كربلاء وليس وصفاً؛ بقرينة الأسماء التي ذُكرت قبل لفظ كربٍ وبلاء، فيمكن أن نستفيد ذلك من سياق الكلام، وكذلك مع عضدها بحديث الإمام أمير المؤمنين علیه السلام مع ابن عباس الذي ذكرناه آنفاً.


1) ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح: ج4، ص326.

2) الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج5، ص13.

3) الطبسي، محمد جعفر، مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة: ج3، ص623.

الرأي العاشر: أسماء بعد الفتح الإسلامي

سُمّيت كربلاء أيضاً بأسماء ليست قديمة، وإنّما جاءت بعد الفتح الإسلامي (634م)، وذلك بعد ما حدثت واقعة كربلاء، ولها ارتباط وثيق بالواقعة، فمن هذه الأسماء: شطّ الفرات، ووادي الطف، ومشهد الحسين، والحائر الحسيني. وقد ذُكرت هذه التسميات في روايات المعصومين علیهم السلام ، خصوصاً في زيارات الحسين علیه السلام ، وسوف نذكر بعضها في مطاوي البحث إن شاء الله.

مناقشة الآراء

ومن خلال الآراء المتقدّمة لبيان منشأ ومعنى مفردة (كربلاء)، نجد أنّ بعضها يتعيَّن رفضه وعدم قبوله؛ لبعض الدلائل والقرائن، والبعض الآخر يحتاج إلى إثبات ودقّة تاريخية قد تكون مفقودة في البين، وأنّ ترجيح بعضها على الآخر ربّما يكون بعيد المنال؛ لشحّة الأدلّة التاريخية، وفيما يلي تفصيل الكلام، من خلال النقاط التالية:

1- أمّا بالنسبة لما ذكره ياقوت الحموي في لفظة كربلاء، وأنّها مشتقّة، وذكر احتمالات ثلاثة؛ من أنّها مشتقّة من (كربله)، والتي بمعنى: رخاوة القدمين، أو أنّها تأتي بمعنى: التنقية، كما في (كربلت الحنطة) أي: نقّيتها. أو أنّ (كربل) اسم نبات، فإنّنا نرى أنّ هذه الاحتمالات غير مقبولة؛ وذلك لأنّ لفظة كربلاء ليست عربية، بل هي كلمة بابلية، أو أنّها من الأسماء السامية الآرامية، وكانت معروفة قبل الفتح الإسلامي، وقبل أن تستوطنها القبائل العربية، كما تُشير إلى ذلك كثير من المصادر التاريخية التي ذكرنا قسماً منها، وكما يظهر ذلك أيضاً من قول الإمام علي علیه السلام المتقدّم لابن عباس: «وإنّها لفي السماوات معروفة، وتُذكر: أرض كربٍ وبلاء». وأيضاً قد ذكر أكثر من واحد من المفسِّرين أنّ هذا الاسم كان معروفاً عند زكريا علیه السلام ، حيث جاء في تفسير قوله تعالى: «كهيعص » الرواية الواردة عن الإمام الحجّة عجل الله تعالی فرجه الشریف ، والتي هي من أنباء الغيب التي علَّم الله بها نبيّه زكريا علیه السلام ، حيث إنّ جبرئيل أخبره: إنّ الكاف اسم كربلاء، والهاء هلاك

العترة، والياء يزيد وهو ظالم الحسين علیه السلام ، والعين عطشه، والصاد صبره»(1).

وذكر الشيخ الطبسي في كتابه مع الركب الحسيني: «...وأنا أرى محاولة ياقوت الحموي ردّ كربلاء إلى الأُصول العربية غير مجدية، ولا يصحّ الاعتماد عليها؛ لأنّها من باب الظن والتخمين... وإنّ في العراق كثيراً من البلدان ليست أسماؤها عربية كبغداد، وحرورا، وجوخا، وبابل، وبعقوبا...»(2).

2- أمّا بالنسبة لما ذكره الشيخ آغا بزرك الطهراني من أنّ لفظ كربلاء متكوّن من كلمتين هما: (كار) و(بالا)، بمعنى: الفعل السامي أو العُلوي، وكذلك ما ذكره الأب إنستانس ماري الكرملي، وهو أنّ لفظ كربلاء منحوت من كلمتين آشوريتين هما: (كرب) و(أيل)، وهما باللغة الآرامية بمعنى: معبد الإله أو حرم الإله، فما ذكراه يمكن أن يكون له موضع قبول، خصوصاً وأنّ لفظ كربلاء ليس عربياً، كما أشرنا إليه مسبقاً، وأنّ أكثر المؤرّخين والباحثين ذكروا أنّها كلمة بابلية، فإذا صحّ هذا الرأي، ينقدح هذا التساؤل: هل كان من باب الصدفة أن تُسمّى هذه الأرض بالحرم القدسي، أو الفعل العُلوي؟!

نقول: إنّ هذا الأمر مستبعد؛ إذ المسألة ليست مجرّد تسميات فقط، بل إنّ هذا الأمر قد تعامل معه الأنبياء والرسل والأولياء - الملل المتقدمة على الإسلام - بحرمة وقدسية، وذلك عندما مرّوا بهذه الأرض المباركة أو مرّ ذكرها عليهم، وهذا واضحٌ من خلال الآثار الموغلة بالقدم من معابدهم على هذه الأرض؛ ولذا نرجّح أن تكون هذه التسمية قديمة، أطلقها البابليون أو مَن سبقهم من الأقوام التي سكنت هذه الأرض؛ لإشارات استفادوها من الأنبياء علیهم السلام الذين مرّوا بهذه البقعة المباركة، كما تذكر ذلك كتب التفاسير والتأريخ وغيرها، مثل ما يُروى عن النبي عيسى علیه السلام وأصحابه الحواريين، أنّهم مرّوا بأرض كربلاء فرأى الظباء مجتمعة وتبكي، فجلس عيسى علیه السلام والحواريون معه وبكوا حيث قالوا له: «...يا روح الله وكلمته، ما يبكيك؟ قال: أتعلمون أيّ أرض هذه؟


1) التستري، جعفر، الخصائص الحسينية، المجلس الخامس عشر، وكذلك: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص223، بتصرّف.

2) الطبسي، محمد جعفر، مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة: ج4، ص15.

قالوا:لا. قال: هذه أرض يُقتل فيها فرخ الرسول أحمد صلی الله علیه و اله ، وفرخ الحرّة الطاهرة البتول شبيهة أُمّي...»(1).

وكذلك مرّ بها النبي إبراهيم وموسى علیهما السلام وغيرهما من الأنبياء، فلا يُستبعد أنّهم - أو تلامذتهم - أخذوا يتناقلون حرمة وقداسة هذه الأرض، حتى وصلت إلى عامّة الناس وصارت تسمية لها بعد ذلك، فاختلفت التسميات كلٌّ بحسب لغته، (آرامية، أو بابلية، أو فارسية...)، ولكن الكلّ يُشير إلى معنى واحد، وهو قدسية المكان؛ وعلى هذا يمكن الجمع بين هذه التسميات.

3- وهكذا الكلام في لفظ الحائر، وكذلك كربٍ وبلاء، نلمس فيهما قدسية واضحة؛ لما ذكرناه آنفاً عند عرض الآراء، وقد ذكرنا في لفظ الحائر أنّ تسميته وإن كانت سابقة على حادثة المتوكِّل، ولكن ليس من البعيد أن يكون هذا المعنى الإعجازي السابق للحادثة مأخوذاً بالتسمية لعلم الواضع للاسم - وهو الله (تبارك وتعالى) أو المعصوم علیه السلام - بما يجري من كرامة للقبر الشريف، وأنّه سوف يحير الماء - الذي أجراه المتوكِّل العباسي - حوله.

وهكذا الحديث في لفظ كربٍ وبلاء؛ لما تقدّم من أنّ الاسم معروف في السماء قبل الأرض، وبعد الالتفات إلى أنّ الأسماء السماوية أكثر شرافة من الأسماء الأرضية؛ لارتباطها بعالم الملكوت والقدس. لكن يبقى هذا اللفظ العربي غير منسجم مع فرض كون التسمية غير عربية.

4- أمّا ما يتعلّق بمَن يذهب إلى أنّ اسم كربلاء يعود إلى الأُصول العربية، أعني: (كور بابل)، فهذا وإن أمكن قبوله من جهة الامتداد الجغرافي بين كربلاء وبابل، وإنّ كربلاء كانت مجموعة قُرى مرتبطة مع بابل القديمة، لكن يرد عليه ما ورد على ما ذكره ياقوت الحموي، من أنّ لفظ كربلاء لفظ بابلي أو آرامي، وليس لفظاً عربياً كما يذهب إليه أكثر المؤرّخين، وقد ذكرنا بعضاً منها فيما سبق.


1) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص253.

هذا ما يمكن استفادته من جهة البحث اللُّغوي والتاريخي فيما يتعلّق ببحثنا، أمّا بقية الأسماء فقد أعرضنا عنها؛ لعدم الاستفادة منها فيما نحن فيه، وربّما فيها إشارات لم نفهمها.

وبقي لنا أن نُذكِّر بأمر قد ذكرناه سابقاً وهو: أنّ غاية ما يمكن استفادته من الأسماء هو أنّها تبيّن قدسية وحرمة المكان، أمّا بيان علّة ذلك فهذا ما لا يمكن معرفته من هذا الطريق، ولكن يمكن معرفته من طريق آخر، وهو البحث الروائي عند بيان الجهة الثانية من البحث.

الجهة الثانية: الخصائص والمميزات في ضوء البحث الروائي

هناك مجموعة كبيرة ووافرة من الروايات تُبيِّن لنا خصائص ومميزات عدة لأرض كربلاء، وقد ذكرناها تحت تسع طوائف، محاولين تقديم تحليلٍ مناسبٍ لكلّ طائفةٍ تباعاً، وهي ما يلي:

الطائفة الأُولى: ما دلّ على كونها أوّل مَن قدّس الله

روى ابن قولويه في كامل الزيارات بسنده عن صفوان الجمال، أنّه سمع أبا عبد الله علیه السلام يقول: «...إنّ الله تبارك وتعالى فضّل الأرضين والمياه بعضها على بعض، فمنها ما تفاخرت ومنها ما بغت... وإنّ أرض كربلاء وماء الفرات أوّل أرض وأوّل ماء قدّس الله (تبارك وتعالى) وبارك الله عليهما، فقال لها: تكلّمي بما فضّلك الله تعالى، فقد تفاخرت الأرضون والمياه بعضها على بعض. قالت: أنا أرض الله المقدّسة المباركة، الشفاء في تربتي ومائي، ولا فخر، بل خاضعةٌ ذليلةٌ لمَن فعل بي ذلك، ولا فخر على مَن دوني، بل شكراً لله. فأكرمها وزادها بتواضعها وشكرها لله بالحسين علیه السلام وأصحابه، ثمّ قال أبو عبد الله علیه السلام : مَن تواضع لله رفعه الله، ومَن تكبّر وضعه الله تعالى»(1).

فيظهر من هذه الرواية أنّ علّة التفضيل سُنّة كونية، راجعة لحكمة الله ومشيئته،


1) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص455.

فالرواية تقول: «إن الله (تبارك وتعالى) فضّل الأرضين والمياه بعضها على بعض». فتفضيل الله للأرض على السماء أو بالعكس يدلّ على أنّ هناك سُنّة كونية ترجع لحكمته سبحانه، ثمّ إنّ بعض الأرضين التي تمّ تفضيلها تفاخرت على غيرها؛ ولذا - كما سيأتي - عُوقبت على تركها التواضع لله، ثمّ بيّنت الرواية مطلباً آخر، وهو لمّا تواضعت أرض كربلاء، وقدّست الله (تبارك وتعالى) زادها الله شرفاً بالحسين علیه السلام وأصحابه.

الطائفة الثانية: ما دلّ على احتوائها لقبر الحسين علیه السلام

فقد ورد في كامل الزيارات بإسناده عن أبي سعيد القماط، عن عمر بن يزيد بياع السابري، عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: «إنّ أرض الكعبة قالت: مَن مثلي وقد بُني بيت الله على ظهري، ويأتيني الناس من كلّ فجٍّ عميق، وجُعلتُ حرم الله وأمنه؟! فأوحى الله إليها أن كُفّي وقرّي، فوعزّتي وجلالي، ما فَضْلُ ما فُضّلت به فيما أُعطيت به أرض كربلاء إلّا بمنزلة الإبرة غُمست في البحر فحملت من ماء البحر، ولولا تربة كربلاء ما فضّلتك، ولولا ما تضمّنته أرض كربلاء ما خلقتك، ولا خلقت البيت الذي افتخرت به، فقرّي واستقرّي، وكوني دنيّا(1)متواضعاً ذليلاً مهيناً، غير مستنكفٍ ولا مستكبر لأرض كربلاء، وإلّا سخت بك، وهويت بك في نار جهنم»(2).

ومثله عن أبي سعيد العصفري، عن عمر بن يزيد بياع السابري، عن أبي عبد الله علیه السلام (3).

وما يمكن استفادته هو أنّ هذه الطائفة صريحة في تفضيل كربلاء على أرض الكعبة، بل لولا أرض كربلاء ما فُضّلت الكعبة، ولولا ما تضمّنته كربلاء وهو جسد الحسين علیه السلام ما خلق الله الكعبة. ثمّ إنّ دواعي الافتخار التي ذكرتها أرض مكة كما بيّنتها الرواية: «مَن مثلي وقد بُني بيت الله على ظهري، ويأتيني الناس من كلّ فجٍّ عميق، وجُعلت حرم الله وأمنه»،


1) في الوسائل: (ذنباً).

2) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص450.

3) المصدر السابق.

نرى أنّ ما أُعطيت كربلاء أعظم منه، أمّا بالنسبة لوجود بيت الله على ظهرها، ومجيء الناس إليها من كل فجٍّ عميق، فما حبا الله كربلاء من ضمّها لقبر الحسين علیه السلام أعظم من ذلك، وما تناقلته الروايات من أنّ حرمة المؤمن أعظم من الكعبة، فكيف بحرمة خليفة الله في أرضه، وهو الحسين علیه السلام ، فهذه الخصيصة من الخصائص والمميزات المهمّة لأرض كربلاء.

الطائفة الثالثة: ما دلّ على أنّ الله أتّخذها حرماً آمنا قبل أن يتخذ مكة حرماً

روى صاحب الوسائل بإسناده عن جعفر بن محمد بن قولويه في (المزار)، بإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يعفور، عن الإمام الصادق علیه السلام في حديث ثواب زيارة الحسين علیه السلام ، ما نصّه: «...والله، لو أنّي أُحدّثكم في فضل زيارته لتركتم الحج رأساً، وما حجّ أحد، ويحك! أما علمت أنّ الله سبحانه اتّخذ كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يتّخذ مكة حرماً؟! قال ابن أبي يعفور: قد فرض الله على الناس حجّ البيت، ولم يذكر زيارة قبر الحسين علیه السلام . قال: وإن كان كذلك، فإنّ هذا شيء جعله الله هكذا، أما سمعت قول أمير المؤمنين علیه السلام : إنّ باطن القدم، أحقّ بالمسح من ظاهر القدم، ولكن الله فرض هذا على العباد؟! أما علمت أنّ الإحرام لو كان في الحرم كان أفضل لأجل الحرم، ولكنّ الله صنع ذلك في غير الحرم؟!».

فإنّ في هذه الطائفة إشارة واضحة على خصوصية كربلاء على مكة، وتحتوي على أمر مهم؛ باعتبار أنّ فيها معالجة لتوهّم كثير من الناس، مثلما استغرب، بل توهّم ابن أبي يعفور، عندما حدّثه الإمام بتفضيل كربلاء على مكة، فابن أبي يعفور توهّم والتبس عليه الأمر رغم جلالته، كيف تُفضَّل كربلاء على مكة وفيها بيت الله، ويأتيها الناس من كلّ فج عميق؟! فأجابه الإمام أن لا يلتبس عليك الأمر، ولا تقِس الأفضلية على ذلك، ولأهمية الأمر، ولأجل رفع الشبهة ذكر له الإمام علیه السلام أكثر من حكم، كقوله: «إنّ باطن القدم أحقّ بالمسح من ظاهر القدم، ولكنّ الله فرض هذا على العباد، أما علمت أنّ الإحرام لو كان في الحرم كان أفضل لأجل الحرم، ولكن الله صنع ذلك في غير الحرم؟!».

الطائفة الرابعة: ما دلّ على كونها أُهرقت فيها دماء أحبّة لا مثيل لهم

الرواية الأُولى: روى ابن قولويه بإسناده عن جعفر بن محمد بن عبد الله، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله علیه السلام ، أنّه قال: «...مرّ أمير المؤمنين علیه السلام بكربلاء في أُناس من أصحابه، فلمّا مرَّ بها اغرورقت عيناه بالبكاء، ثمّ قال: هذا مناخ ركابهم، وهذا ملتقى رحالهم، وهنا تُهرق دماؤهم، طوبى لكِ من تربةٍ عليك تُهرق دماء الأحبّة»(1).

الرواية الثانية: ما ورد في كامل الزيارات كذلك بإسناده عن علي بن أسباط، عن محمد بن سنان، عمَّن حدّثه، عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: «...خرج أمير المؤمنين علي علیه السلام يسير بالناس، حتى إذا كان من كربلاء على مسير ميل أو ميلين، تقدّم بين أيديهم حتى صار بمصارع الشهداء، ثمّ قال: قُبض فيها مائتا نبيّ، ومائتا وصيّ، ومائتا سبط، كلّهم شهداء بأتباعهم، فطاف بها على بغلته خارجاً رجله من الركاب، فأنشأ يقول: مناخ ركاب، ومصارع شهداء، لا يسبقهم مَن كان قبلهم، ولا يلحقهم مَن أتى بعدهم»(2).

فقد أشارت هذه الطائفة - في كلا الروايتين - إلى زيادة شرف هذه البقعة؛ لأنّها أُهرقت عليها دماء الأحبّة، ورغم أنّ هذه الأرض قد قُبض فيها، قبل مقتل الإمام الحسين علیه السلام وأصحابه، مائتا نبي، ومائتا وصي، ومائتا سبط مع أتباعهم، كلّهم شهداء قبل الحسين علیه السلام وأصحابه، إلّا أنّنا نلاحظ أمير المؤمنين علیه السلام يقول: «مناخ ركاب، ومصارع شهداء، لا يسبقهم مَن كان قبلهم، ولا يلحقهم مَن أتى بعدهم». فهي وإن قُبِضَ فيها الأنبياء والأوصياء والأسباط إلّا أنّها امتازت على غيرها بخصوصية تضمّنها للأحبة الذين لا يسبقهم سابق ولا يلحقهم لاحق.

الطائفة الخامسة: ما دلّ على كونها بقعة يحبّ الله أن يُعبد فيها

رُوى عن محمد بن عيسى، عن أبي هاشم الجعفري، حينما بعث له الإمام الهادي علیه السلام في مرضه وبعث كذلك لمحمد بن حمزة، وإنّ محمد بن حمزة سبقه إلى الإمام علیه السلام فأخبره أنّه ما


1) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات:ص453.

2) المصدر السابق.

زال يقول: «...ابعثوا إلى الحائر. فقلت لمحمد: ألا قلت له: أنا أذهب إلى الحائر؟ ثمّ دخلت عليه، فقلت له: جُعلت فداك، أنا أذهب إلى الحائر. فقال: اُنظروا في ذلك... فذكرت ذلك لعلي بن بلال، فقال: ما كان يصنع بالحائر وهو الحائر؟! فقدمت العسكر فدخلت عليه، فقال لي: اجلس، حين أردت القيام، فلمّا رأيته أنِسَ بي ذكرتُ قول علي بن بلال، فقال لي: ألا قلت له: إنّ رسول الله صلی الله علیه و اله كان يطوف بالبيت ويُقبّل الحجر، وحرمة النبي صلی الله علیه و اله والمؤمن أعظم من حرمة البيت، وأمره الله أن يقف بعرفة، إنّما هي مواطن يُحب الله أن يُذكر فيها، فأنا أُحبّ أن يُدعى لي حيث يحبّ الله أن يُدعى فيها، والحائر من تلك المواضع»(1).

إنّ هذه الطائفة بيَّنت خصوصية بالغة الأهمية، وهي أنّ للحائر أهمّية في استجابة الدعاء، وأنّه من المواضع التي يحبّ أن يُعبد فيها، وبما أنّ كلام الإمام المعصوم هو الكاشف الحقيقي عن مراد الشريعة الحقيقية الواقعية، بل هو الواقع بعينه.

وحينئذٍ، فإنّ قوله علیه السلام : «والحائر من تلك المواضع»، تتعيّن هذه الحقيقة، وهي أنّ الدعاء في الحائر الشريف مُستجاب؛ بسبب هذه المحبوبية، ويتبيّن أيضاً المعنى المراد من الرواية المعروفة: بأنّ الدعاء عند الإمام الحسين علیه السلام أو تحت قبته مُستجاب(2).

الطائفة السادسة: ما دل ّعلى أنّها أفضل مسكن في الجنة

الرواية الأُولى: ابن قولويه بسنده عن أبي الجارود، عن الإمام السجاد علیه السلام ، أنّه قال: «...اتّخذ الله أرض كربلاء حرماً آمناً مباركاً، قبل أن يخلق الله أرض الكعبة ويتّخذها حرماً بأربعة وعشرين ألف عام، وأنّه إذا زلزل الله تبارك وتعالى الأرض وسيّرها، رُفعت كما هي بتربتها، نورانية صافية، فجُعلت في أفضل روضة من رياض الجنة، وأفضل مسكن في الجنة، لا يسكنها إلّا النبيون والمرسلون - أو قال: أُولو العزم من الرسل - وأنّها لتزهر بين رياض الجنة كما يزهر الكوكب الدرّي بين الكواكب لأهل الأرض، يغشى نورها إبصار أهل الجنة جميعاً، وهي تنادي: أنا أرض الله المقدّسة الطيبة المباركة، التي


1) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص459 - 460.

2) الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص452.

تضمّنت سيد الشهداء، وسيد شباب الجنة»(1).

الرواية الثانية: ما جاء في وسائل الشيعة للحر العاملي بإسناده عن محمد بن الحسن، عن محمد بن أحمد بن داود، عن الحسين بن علي البزوفري، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن سنان، عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر علیه السلام أنّه قال: «...خلق الله كربلاء قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام، وقدّسها وبارك عليها، فما زالت قبل أن يخلق الله الخلق مقدّسة مباركة، ولا تزال كذلك، وجعلها الله أفضل الأرض في الجنة»(2).

وتُعدّ الرواية الأُولى - من الطائفة السادسة - من أجمع الروايات التي ذكرت فضائل كربلاء، من أنّها حرم آمن خلقها الله قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام، وأنّها أرض الله المباركة المقدّسة، وأنّها ضمَّت قبر الحسين علیه السلام وأصحابه، وكونها أفضل مسكن في الجنة، ولا يسكنها إلّا النبيون والمرسلون وأُولو العزم، فالتفضيل لم يقف في الدنيا فقط، بل امتدّ إلى الآخرة.

الطائفة السابعة: ما دلّ على إتمام الصلاة عند قبر الحسين علیه السلام

روى ابن قولويه بسنده عن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال: «...من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن: مكة والمدينة ومسجد الكوفة والحائر»(3).

ففي هذه الطائفة تتبيَّن شرافة المكان من خلال تمامية الصلاة عند قبر الحسين علیه السلام ، باعتبار أنّ التمام أفضل من التقصير، وباعتبار هو الحكم الأصلي والأوّلي للصلاة. وفي رواية لأبي الحسن علیه السلام يخاطب أحد أصحابه: «...إن قصّرت فلك، وإن أتممت فهو خير، وزيادة الخير خيرٌ»(4).


1) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص451.

2) الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج10، ص516.

3) المصدر السابق: ج8، ص532.

4) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص432.

الطائفة الثامنة: ما دلّ على أنّها البقعة المباركة التي نُودي فيها النبي موسى علیه السلام

روى الشيخ الطوسي عن جعفر بن محمد، عن محمد بن الحسن بن علي بن مهزيار، عن أبيه، عن جدّه علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن الحكم، عن مخرمة ابن ربعي، عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: «...شاطئ الوادي الأيمن الذي ذكره الله تعالى والقرآن هو الفرات، والبقعة المباركة هي كربلاء»(1)

فإنّ هذه الرواية صريحة في شرافة كربلاء، وإنّها تشرّفت بكليم الله موسى علیه السلام قبل أن يستُشهد بها الحسين علیه السلام وأصحابه، وإنّها مذكورة في كتاب الله بهذا اللحاظ الذي ذكره الإمام علیه السلام ، ويكفي أن تُسمّى كربلاء بالبقعة المباركة في تعبير القرآن الكريم.

الطائفة التاسعة: ما دلّ على أنّ السجود على تربة الحسين علیه السلام يخرق الحُجب السبع

رُوي عن معاوية بن عمار أنّه قال: «...كان لأبي عبد الله علیه السلام خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله علیه السلام ، فكان إذا حضرته الصلاة صبّه على سجّادته وسجد عليه، ثمّ قال علیه السلام : إنّ السجود على تربة أبي عبد الله علیه السلام يخرق الحُجب السبع»(2). وكذلك رُوي عنه علیه السلام أنّه قال: «...السجود على طين قبر الحسين علیه السلام ينوّر إلى الأرضين السبعة، ومَن كانت معه سبحة من طين قبر الحسين علیه السلام ، كُتب مسبّحاً وإن لم يسبّح بها» (3).

أمّا هذه الطائفة الأخيرة، ففي الرواية الأُولى والثانية نجد أنّ هناك بعض الأحكام التي انفردت بها التربة المتّخذة من قبر الحسين علیه السلام ، فتارة تخرق الحُجب السبع، وتارة تنوّر الأرضين السبع، وبالتالي لا يوجد شيء في الكون لا تصل إليه تربة الحسين علیه السلام ، وهذا هو منتهى العظمة والفضل، وإذا لاحظنا جانباً آخر وهو أنّ أعظم حالات القرب الإلهي هو في حالة السجود، أفلا يدلّ ذلك على التفضيل؟!


1) الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج6، ص38.

2) الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج5، ص366.

3) المصدر السابق.

محصّل ما يمكن استفادته من مجموع الروايات المتقدّمة

ومحصّل ما ذكرناه من الطوائف المتقدّمة: أنّ العلّة في تفضيل أرض كربلاء على غيرها - سواء قلنا بتفضيل كربلاء مطلقاً، أو قلنا هي مفضّلة كما أنّ غيرها مفضّل أيضاً، مثلما لو قلنا: إنّ الأنبياء أولي العزم هم أفضل الأنبياء علیهم السلام ، مع أنّهم ليسوا بمرتبة واحدة في التفضيل، فالنبي الخاتم صلی الله علیه و اله هو أفضلهم، ولكنّنا نصف الجميع بالأفضلية - مرجعها إلى الأُمور التالية:

1- أن يرجع إلى ما ذكرناه في أوّل المناقشة من المقدّمة؛ من أنّ التفضيل لا بدّ له من منشأ، ولا يمكن أن يكون أمراً جزافياً، وعلى هذا يكون منشأ تفضيل كربلاء هو: لأنّها ضمّت قبر الحسين علیه السلام ، وقد ذكرنا مجموعة من الروايات على ذلك، من قبيل: «ولولا ما تضمّنته أرض كربلاء ما خلقتكِ، ولا خلقت البيت الذي افتخرتِ به، فقرّي واستقرّي، وكوني دنيّا متواضعاً، ذليلاً مهيناً، غير مستنكفٍ ولا مستكبر لأرض كربلاء، وإلّا خسفت بك، وهويت بك في نار جهنم».

2- وإمّا أن يكون التفضيل على ضوء السنّة الكونية والقرآنية، التابعة للحكمة والمشيئة الإلهية في خلق مخلوقاته، وتفضيل بعضها على بعض - كما بينّاه سابقاً في المرتبة الثانية للتفضيل، في أول المناقشة - وقد ذكرنا مجموعة من الروايات التي تُشير إلى ذلك، منها: «إنّ الله (تبارك وتعالى) فضّل الأرضين والمياه بعضها على بعض».

وعلى هذا يكون قبر الحسين علیه السلام زاد من شرفها وفضّلها، كما جاء في الرواية: قالت: أنا أرض الله المقدّسة المباركة، الشفاء في تربتي ومائي، ولا فخر، بل خاضعةٌ ذليلةٌ لمَن فعل بي ذلك، ولا فخر على مَن دوني بل شكراً لله، فأكرمها وزادها؛ لتواضعها وشكرها لله بالحسين علیه السلام وأصحابه».

3- وهناك منشأ ثالث لعلّة التفضيل، وهو أنّ قضية الحسين علیه السلام قضية استثنائية، فريدة من نوعها بكلّ المقاييس الكونية، والتشريعية، والعقائدية، والفقهية، والعسكرية،

وتوجد عشرات بل مئات الأدلّة والشواهد على ذلك، والتي منها: كراهة لبس السواد إلّا على الحسين علیه السلام ، فترتفع الكراهة، بل يستحبّ ذلك حزناً عليه علیه السلام . ومنها: أكل الطين محرّم مطلقاً إلّا تربة قبر الحسين علیه السلام ففيها الشفاء. ومنها: أنّ زيارات الأئمة علیهم السلام إذا استوجبت خطراً على النفس لا يُنتدب إليها، بخلاف زيارة الحسين علیه السلام ، وأمثلة أُخرى كثيرة على ذلك.

دراسات في تاريخ وتراث النهضة الحسينية

اشارة

فقه التربة الحسينية

(القسم الثاني)حرمة تنجيسها ووجوب إزالة النجاسة عنها

التباكي في تراجيديا كربلاء (حقيقته ومشروعيته)

فقه التربة الحسينية

(القسم الثاني)حرمة تنجيسها ووجوب إزالة النجاسة عنها

الشيخ أحمد العلي

الشيخ أحمد العلي(1)

مقدّمة

إنّ الشرائع السماويّة على تنوّعها ترتكز في كثير من اعتقاداتها وما تؤمن به على التقديس والاحترام، سواء بالنسبة إلى الكتب التي تؤمن بها، أو على مستوى الأنبياء وأوصيائهم، وما يتّصل بذلك، كالكتب المتضمّنة لأقوالهم وأفعالهم، أو الأشياء المادّية التي كانوا يستعملونها، أو أضرحتهم والأبنية التي دُفنوا فيها، أو المساجد والمعابد التي بُنيت لكي يُتقرّب بها إلى الله تعالى.

ولعلّ التعبير المتعارف لبعض هذه الأشياء هو مصطلح: (المحترمات)، والتي منها القرآن الكريم، والمساجد، وأضرحة الأولياء، حتى كُتبت قاعدة باسم: (قاعدة حرمة إهانة المحترمات)، وحكمت كلّ الشرائع بوجوب احترامها بما للكلمة من معنى، وبكافّة أشكال الاحترام. وهذه القداسة استُمدّت من مبدأ أعلى، اتّصلت به هذه الأشياء، وهو الحقّ تعالى.


1) باحث وكاتب إسلامي.

ولا شكّ في أنّه يحرم فعل كلّ ما استلزم الهتك والتوهين لشيءٍ من المقدسات، لو وقع بذلك العنوان، فالمساجد التي من الأرضين لمّا طرأ عليها عنوان (المسجديّة) أضفى عليها لوناً من القداسة؛ أوجب لها مزيداً من الفضل على غيرها، فجعلت لها أحكاماً خاصّة أوجبها الشارع المقدّس.

وكذلك المصحف الشريف، فأوراقه وجلده قبل أن يُكتب عليها، ويُحفظ بين دفّتيه، لم يكن لها من القداسة، كما هو الحال بعدها، من حرمة التنجيس والتلويث بما يستلزم هتك الحرمة.

وتربة سيد الشهداء علیه السلام من القبر الشريف أو ما لامسه كذلك؛ لأنّها من تلك المقدّسات التي أصبح لها من الحرمة بعد مقتل الحسين علیه السلام ما لم يكن لها قبل ذلك.

وقد ورد عن أئمّة أهل البيت علیهم السلام في تقديسها ما أوجب لها مزيداً من الفضل، فحرُم تنجيسها، ووجب تطهيرها لو تنجّست، بل وتجنيبها كلّ ما يستوجب الاستخفاف بها؛ لأنّه مستلزم للاستخفاف بصاحبها علیه السلام ، فشأنها شأن سائر المقدسات المحترمة، الإسلامية والإيمانية(1).

وتتّضح مسائل هذا المقال من خلال مبحثين:

الأول: في حرمة تنجيس التربة الحسينية.

والثاني: في وجوب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية، ولكن بعد ذكر المعنى اللغوي والاصطلاحي للفظ (النجاسة) أو (التنجيس).

معنى النجاسة

لغةً

«نجس: النون والجيم والسين أصلٌ صحيح، يدلّ على خلاف الطهارة، وشيء نجِسٌ ونجَس: قذر... وليس ببعيد أن يكون منه قولهم: الناجس: الداء لا دواء له...


1) اُنظر: كاشف الغطاء، جعفر، كشف الغطاء: ج2، ص397. المازندراني، علي أكبر، مباني الفقه الفعّال: ج1، ص147، وما بعدها.

وأمّا التنجيس، فشيء كانت العرب تفعله، كانوا يعلّقون على الصبي شيئاً يعوّذونه من الجن، ولعلّ ذلك عظمٌ أو ما أشبه؛ فلذلك سُمّي تنجيساً»(1).

«والنّجِس: الشيء القذر حتى من الناس، وكلّ شيءٍ قذّرته فهو نجس»(2).

وقال الصغاني: «النجس ضدّ الطهارة... شيء كانت العرب تفعله على الذي يخاف عليه ولوغ الجن، وهو القذر، نحو خرقة الحائض، وعظام الموتى... ويُقال: تنجّس الثوب: إذا أصابته نجاسة. والتركيب - نجس - يدل على خلاف الطهارة»(3).

اصطلاحاً

قال الهمداني: «إنّ القذارة في عُرف المتشرّعة هي: قذارة خاصّة مجهولة الكُنه لدينا، اقتضت وجوب هجرها في أُمور مخصوصة، فكلّ جسم خلا عن تلك القذارة فهو نظيف شرعاً»(4). وكذا عرّفها الأنصاري(5).

والمتحصّل من المعنى اللغوي والاصطلاحي: أنّ النجاسة هي القذارة، وفي عُرف الشرع: هي قذارة مخصوصة معدودة بعدد معيّن، حسب الاستقراء - كما سيأتي ذكرها - وإنّ التنجيس يعني: ملاقاة تلك القذارة لجسمٍ ما، وقد يكون هذا الجسم طاهراً.

النجاسات في الفقه الإمامي

حكم الشارع المقدّس على بعض الأشياء بأنّها من النجاسات التي يجب الاجتناب عنها في بعض الموارد، كالأكل والشرب والصلاة، أو تنجيس القرآن والمسجد وغيرهما بها، وهذه النجاسات معدودة ومحددة في الشريعة. نعم، قد يُختلف في سعتها وضيقها، أو قُل: بعددها؛ لعدم ثبوت هذا الفرد منها أو ذاك.


1) ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة: ج5، ص393 - 394، مادة (نجس).

2) الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين: ج6، ص55، مادة (نجس).

3) الصّغاني، الحسن بن محمد، العباب الزاخر: ج1، ص202.

4) الهمداني، رضا بن محمد، مصباح الفقيه: ج7، ص7.

5) الأنصاري، مرتض-ى، كتاب الطهارة: ج5، ص19- 20. واُنظر: المشكيني، علي أكبر، مصطلحات الفقه: ص530.

وحاصل ما ذكروه في باب النجاسات ما يأتي:

1- البول.

2- الغائط: وهما نجسان من الحيوان الذي لا يُؤكل لحمه وله نفس سائلة.

والنفس السائلة: الدم الشاخب من الحيوان عند الذبح، كما في الشاة مثلاً.

نعم، وقع الكلام في نجاسة بول الرضيع قبل أن يأكل اللحم، وفي بول وخرء الطير من غير المأكول وله نفس سائلة، وفي بول ورجيع ما ليس له نفس سائلة(1).

3- المنيّ: وهو نجس إذا كان من حيوان ذي نفس سائلة حلّ أكله أو حرم.

نعم، وقع الكلام في نجاسة مني ما ليس له نفس سائلة.

4- الميتة: وهي نجسة إذا كانت من حيوان ذي نفس سائلة، وأمّا ميتة ما ليس له نفس سائلة من الحيوانات فليست نجسة.

5- الدم (الدماء): وهي نجسة من ذي النفس السائلة من الحيوانات.

6- الكلب البرّي.

7- الخنزير البرّي.

8- المُسكرات: وقع خلاف في نجاسة بعض مصاديقها.

9- الفقاع.

10- الكافر(2).

المبحث الأوّل: حرمة تنجيس التربة الحسينية

تعرّض الفقهاء لهذه المسألة تحت عنوان كلّي وهو: (الأُمور التي يجب إزالة النجاسة عنها، أو حرمة تنجيسها)، وعدّوا منها المساجد والمشاهد المشرّفة، والتربة الحسينية، وغيرها.

وبعد تتبّع مضنٍ في الكتب الفقهية - الاستدلالية منها، أو الفتوائية - لم أجد مَن خالف في حرمة تنجيس التربة المقدّسة، نعم إذا كان هناك خلاف فهو في سعة انطباق


1) اُنظر: فتح الله، أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ص427، باب (النون).

2) اُنظر: الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج5، ص273 - 274.

التربة على بعض مصاديقها أو عدم انطباقها، أو في الشروط التي يجب توافرها في التربة؛ كي تُنسب إلى صاحبها (عليه وعلى آبائه آلاف التحية والسلام).

فالفتوى السائدة بين القدماء والمعاصرين هي حرمة التنجيس المستلزم منه إهانة التربة والاستخفاف بها، بل الظاهر من السيد الحكيم عدم الخلاف ظاهراً؛ إذ عطف سائر ما يتعلّق بالأضرحة من حرمة التنجيس على الأضرحة والمشاهد المشرّفة.

وتسهيلاً على القارئ الكريم نوضّح المُراد من خلال عدّة نقاط:

النقطة الأُولى: كلمات الفقهاء في المسألة.

النقطة الثانية: أدلّة حرمة تنجيس التربة الحسينية.

النقطة الثالثة: توقف تحقق الإهانة بالتنجيس على القصد.

النقطة الرابعة: تحديد المصاديق التي يحرم تنجيسها، والضابطة في ذلك.

النقطة الخامسة: كيف نثبت التربة الحسينية.

النقطة الأُولى: كلمات الفقهاء في المسألة

يظهر أنّ هذه المسألة لم تُطرح بهذا الشكل، وبهذا التفصيل في بعض فروعها - وخصوصاً تحديد مكان التربة - قبل ابن فهد الحلي في: (المهذّب البارع)(1)، والشهيد الثاني في: (الروضة البهية)(2)، وهو ما صرح به السيد العاملي في: (مفتاح الكرامة(3)، نعم هذان الكتابان وما قارب عصرهما فيهما نوعٌ من الاختصار؛ إذ اكتفيا بذكر الفتوى وبعض الفروع من دون التطرّق بشكل واضح إلى منشأ ودليل الفتوى، ولا إلى التفاصيل الأُخرى التي تتعلّق بالتربة.

وإليك بعض الكلمات:

قال ابن فهد الحلي: «الاحترام للتربة الموجب لتجنبها عن النجاسات، ما أُخذ من


1) اُنظر: ابن فهد الحلي، أحمد بن محمد، المهذّب البارع: ج4، ص219- 221.

2) اُنظر: الشهيد الثاني، محمد بن جمال الدين، الروضة البهية: ج7، ص326 - 327.

3) اُنظر: العاملي، محمد جواد، مفتاح الكرامة: ج2، ص100.

الضريح المقدس، وكذا لو أُخذ من خارج ووُضع عليه ثبت الحرمة، لا ما أُخذ من باقي الحرم، اللهم إلّا أن يأخذ بالدعاء وتختم». وقال أيضاً: «إنّ التربة محترمة لا يجوز تقريبها من النجاسة، وليس كذلك الأرمني(1)»(2).

وقال الشهيد الثاني: «والمُراد بطين القبر الشريف تربة ما جاوره من الأرض عُرفاً... وليس كذلك التربة المحترمة منها؛ فإنّها مشروطة بأخذها من الضريح المقدّس... ولو وُجد تربة منسوبة إليه علیه السلام حُكِم باحترامها حملاً على المعهود»(3).

وكذلك فرّق الصيمري بين الطين الأرمني والتربة الحسينية في الاحترام وعدمه، والمحترم من التربة ما أُخذ من الضريح، وحكم بعدم جواز تقريبها من النجاسة(4).

وبعد أن أشار إلى الأفراد التي يحرم الاستنجاء بها، ذكر البحراني أن تحريم الاستنجاء بتلك الأشياء المحترمة إنما جاء من حيث إهانتها بالإيقاع بالنجاسة، فيحرم تنجيسها مطلقاً(5).

وذكر الشيخ كاشف الغطاء جملة من أحكام النجاسات الأصلية، ومنها حرمة تلويث المحترمات بها، ووجوب إخراجها منها لو وقعت فيها مع عدم استحالتها، وإزالتها عنها - عيناً وحكماً - لو وقعت عليها. وتجري هذه الأحكام على ما انفصل من هذه المحترمات مع ملاحظة أصله لشفاء أو مدخليّة في عبادة، كتربة سيد الشهداء علیه السلام (6).

وأدخل صاحب الجواهر التربة الحسينية والسبحة، وما أُخذ من طين القبر للاستشفاء والتبرّك به، ككتابة الكفن ونحوها تحت عنوان: ما عُلم من الشريعة وجوب


1) ومراده من الأرمني: الطين الأرمني المخصوص المأخوذ من قبر ذي القرنين علیه السلام . اُنظر: الطوسي، محمد ابن الحسن، مصباح المتهجد: ص732.

2) ابن فهد الحلي، أحمد بن محمد، المهذّب البارع: ج4، ص220 - 221.

3) الشهيد الثاني، محمد بن جمال الدين، الروضة البهية: ج7، ص327.

4) اُنظر: الصيمري، مفلح بن الحسن، غاية المرام: ج4، ص65.

5) اُنظر: البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج2، ص48.

6) اُنظر: كاشف الغطاء، جعفر، كشف الغطاء: ج2، ص362.

تعظيمه وحرمة إهانته وتحقيره، فيجب إزالة النجاسة عنها، كما يحرم تلويثها(1).

وقال اليزدي في (العروة الوثقى) - وقد وافقه كلّ مَن علّق على متنه، مستدلاً أيضاً على حرمة التنجيس -: «يجب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية، بل عن تربة الرسول وسائر الأئمّة علیهم السلام المأخوذة من قبورهم، ويحرم تنجيسها، ولا فرق في التربة الحسينية بين المأخوذة من القبر الشريف، أو من الخارج، إذا وضعت عليه بقصد التبرّك والاستشفاء، وكذا السبحة، والتربة المأخوذة بقصد التبرّك لأجل الصلاة»(2).

النقطة الثانية: أدلّة حرمة تنجيس التربة الحسينية

تنحصر الأدلّة على حرمة التنجيس بدليل أو دليلين، بإضافة سيرة المتشرّعة، وأهمّها الاعتماد على قاعدة: حرمة إهانة المحترمات في الدين. وقاعدة: وجوب تعظيم شعائر الدين. ويُستفاد من كلام صاحب الجواهر: أنّهما عمدة الدليل على حرمة تنجيس المحترمات، بل صرّح بأنه لا دليل لذلك غيرهما(3).

ودمج بعض الفقهاء بين القاعدتين - والظاهر لتقاربهما أو لرجوعهما إلى شيء واحد - وعبّر عنهما ب-(حرمة هتك ما هو من حرمات الله وشعائر الدين). ونحن نقتفي أثره؛ لاتّحاد الأدلّة وتقاربها.

الدليل الأول: قاعدة حرمة هتك ما هو من حرمات الله وشعائر الدين

لأهمية هذا الدليل وما يترتب عليه من فوائد لا بد من بحثه ولو بشكل مختصر؛ إذ يُعدّ أساساً لكثير من المسائل الفقهية التي هي مورد النظر، مثل: مسألة حرمة الاستنجاء


1) اُنظر: الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج6، ص98.

2) اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى: ج1، ص189. اُنظر: الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى: ج1، ص518. الصدر، محمد باقر، بحوث في شرح العروة الوثقى: ج4، ص320 - 321. الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى: ج3، ص395. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج1، ص480. زين الدين، محمد أمين، كلمة التقوى: ج1، ص54. السيستاني، علي، منهاج الصالحين: ج1، ص147.

3) اُنظر: الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج4، ص224.

بالتربة وحرمة تنجيسها، ووجوب إزالة النجاسة عنها، ووجوب تقديسها وغيرها. ونستوعب البحث من خلال مقدمات:

المقدمة الأُولى: مفاد القاعدة

إنّ المقصود من المحترمات في الدين هو كلّ ما هي من مقدسات الشريعة ومعالم الدين، وما كان من مجعولات الشرع، وما ورد أمر الشارع باحترامه وتعظيم شأنه، كالكعبة، والمساجد الأربعة، وسائر المساجد، وقبر النبي صلی الله علیه و اله ، وقبور الأئمّة علیهم السلام ، وسائر المشاهد المشرّفة والقرآن، والكتب الروائية، والتربة الحسينية، وفقهاء أهل البيت علیهم السلام ، وقبورهم، بل المؤمنين كلّهم، حيِّهم وميِّتهم، ونحو ذلك ممّا هو متعلّق بالدين، ومنتسبٌ إلى الشريعة بنحوٍ، ويُعبّر عنها بشعائر الله وشعائر الدين.

والنسبة بين المحترمات والشعائر هي أنّ الشعائر كلّها من المحترمات، ولكن ليس كلّ ما هو محترم في الدين من شعائر الله، كالمتّخذ بقصد الشفاء، وقبور المؤمنين، وفقراء المؤمنين وأمواتهم.

والمُراد بشعائر الدين: معالم الدين، وعلائم الشريعة وآثارها، ومتعبّدات الله، وكلّ ما يُعبد الله فيه من الأماكن المقدّسة والمشاهد المشرّفة، أو يُعبد الله بتعاليمه وهديه، كالأنبياء، والأئمّة، والكتب السماوية، وكتب الأحاديث؛ حيث يُطاع الله ويُعبد بطاعة الأوامر والنواهي الصادرة عن الأنبياء والأولياء، وامتثال ما ورد من أحكام القرآن وكتب الأحاديث(1).


1) اُنظر: ابن فهد الحلي، أحمد بن محمد، المهذّب البارع: ج4، ص220. البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج2، ص48. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج2، ص51 - 52. وج4، ص222 - 223. حسن سعيد، دليل العروة الوثقى(تقريرات بحث الشيخ حسين الحلي رحمة الله ): ج2، ص156- 159. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج1، ص480. المازندراني، علي أكبر، مباني الفقه الفعال: ج1، ص148، وص154- 155. البجنوردي، محمد حسن، القواعد الفقهية:ج5 ص293 - 294، ص303.

المقدمة الثانية: أدلّة القاعدة

صرّح البعض بأنّ حرمة تنجيس المساجد والمشاهد المشرفة الأُخرى وغيرها داخلة في كُبرى كلّية مسلّمة لدى الجميع، بل لا يبعد أن تعدّ من ضروريات المذهب، بل من ضروريات الدين الإسلامي؛ لتضافر الآيات وتواتر الأخبار عليها، وهي لزوم احترام الثقلين: الكتاب المقدس، والعترة الطاهرة، وحرمة توهينهما، والحطّ من كرامتهما، وهو أمر واضحٌ عند الفريقين(1). والأدلّة المذكورة على ذلك ما يأتي:

أولاً: حكم العقل بقبح إهانة ما هو محترم عند المولى

يقبح بحكم العقل إهانة كل محترم عند الله واحتقار ما هو معظّم عنده، ويرجع ذلك إلى الاستخفاف بالمولى سبحانه؛ وبه يستحق الذم والعقاب، وهو من اللوازم التي لا تنفكّ عن فعل الحرام، أو ترك الواجب الذي هو حرام أيضاً.

فكلّ فعل كان موجباً لاستحقاق العقاب، فلا محالة يُستكشف منه أنّه حرام؛ وذلك ببرهان الإن، أي: اكتشاف العلّة من وجود المعلول والملزوم من اللازم(2).

ثانياً: الضرورة والإجماع

فيما يتعلّق بالضرورة فإنّ حرمة ذلك من المسلّمات عند الفريقين، وقد أشرنا إلى ذلك في أول البحث.

وأمّا الإجماع، فلاتفاق جميع العلماء على حرمة إهانة مقدسات الشريعة، ولم يستدلوا لإثبات القاعدة بنصّ من الكتاب والسنّة في كلماتهم ليكون مدركياً، ولا يُحتمل استنادهم إلى نصّ خاصّ في ذلك، وإلّا لأُشير إلى ذلك في كلام واحدٍ منهم(3).


1) اُنظر: حسن سعيد، دليل العروة الوثقى(تقريرات بحث الشيخ حسين الحلي رحمة الله ): ج2، ص156.

2) اُنظر: البجنوردي، محمد حسن، القواعد الفقهية: ج5، ص296. واُنظر: حسن سعيد، دليل العروة الوثقى(تقريرات بحث الشيخ حسين الحلي رحمة الله ): ج2، ص157. المازندراني، علي أكبر، مباني الفقه الفعّال: ج1، ص152.

3) اُنظر: حسن سعيد، دليل العروة الوثقى(تقريرات بحث الشيخ حسين الحلي رحمة الله ): ج2، ص157 - 158. النراقي، أحمد بن محمد مهدي، عوائد الأيّام: ص31.

ثالثاً: ارتكاز المتشرعة

هناك ارتكاز عند المتشرعة قاطبةً على عدم جواز هتك حرمة هذه الأُمور وإهانتها واحتقارها، ويعترضون على مَن يُهينها ويحتقرها، وينكرون عليه أشدّ الإنكار - وإن كان بعض منهم قد يُفرطون في هذا الأمر - ولا شكّ في أنّ أحداً لو قام بالتدخين في حرم أحد الأئمّة علیهم السلام ، أو دخل إلى أحد الأضرحة بحذائه، أو نجّس بعض التربة المنسوبة إليهم، وغيرها من الأُمور، لأنكروا عليه أشدّ الإنكار.

ولا يمكن أن يُنكر ثبوت مثل هذا الارتكاز في أذهان المتشرّعة، ولا يمكن أيضاً إنكار أنّ هذا الارتكاز كاشف عن ثبوت هذا الحكم في الشريعة، ف-«أصل الإنكار ثابتٌ بالنسبة إلى إهانة المحترمات في الدين، وإن كانت مراتبه مختلفة بالنسبة إلى مراتب المحترمات»(1).

رابعاً: الكتاب الكريم

دلّت على حرمة إهانة المحترمات في الشريعة عدّة آيات، كقوله تعالى:«ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ »(2).

وقوله تعالى: «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ »(3). وهاتان الآيتان نازلتان في تعظيم شعائر الله تعالى.

تقريب الاستدلال

إنّ الذي يظهر من الآيات المتقدّمة - وأشباهها من سائر الآيات والروايات - أنّ تعظيم الشعائر والحرمات واجبة طبعاً، ما لم تُعارضها جهة أقوى منها ظاهراً، ولا ريب في أنّه إذا وجب تعظيمها، فتحرم أيضاً إهانتها، بل إهانتها أسوأ من عدم تعظيمها؛ ولذا تُستفاد حرمتها من وجوبه بالأولوية القطعية.


1) البجنوردي، محمد حسن، القواعد الفقهية: ج5، ص295 - 296.

2) الحج: آية30.

3) الحج: آية32.

إشكال

أفاد البجنوردي في قواعده بأنّ المراد بالشعائر في هذه الآية هي شعائر الحج ومناسكه لا مطلق المحترمات في الدين، فلا دلالة في هذه الآية على حرمة إهانة مطلق ما هو محترم في الدين(1).

ويمكن دفع إشكاله رحمة الله بما يلي:

أولاً: إنّ الشعائر جمع محلّى باللام، وهو يفيد العموم، ومن الواضح عند جميع الأُصوليين أنّ المورد لا يكون مخصّصاً للعموم.

ثانياً: جعلت الآية في سورة الحج: «وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ»(2). والبدن مصداق وفرد لكلّي شعائر الله تعالى، ولا دليل أصلاً على أنّ شعائر الله تختصّ بالحج، بل مقتضى مفهومها أنّها تشمل غيره، كالصلاة، والقرآن والمسجد، والنبي صلی الله علیه و اله ، بل حتى الأذان وشبهه ممّا تكون له خصوصية في الدين وللدين، كما أُشير إليها وإلى نظائرها في الروايات.

خامساً: السُّنة الشريفة

لقد وردت نصوص كثيرة متعرّضة لكُبرى هذه القاعدة بألسنة وتعابير مختلفة، نقتصر على إيراد ثلاث طوائف منها، ذاكرين لكلّ طائفة مثالاً أو مثالين:

الطائفة الأُولى: وهي التي علّل فيها تحريم بعض الكبائر بكُبرى: إهانة المحرمات، كما في رواية الصدوق بإسناده عن أبي الحسن الرضا علیه السلام ، قال: «حرّم الله الفرار من الزحف؛ لما فيه من الوهن في الدين، والاستخفاف بالرسل والأئمّة العادلة»(3).

استدلّ الفقهاء على تحريم الفرار من الزحف بما فيه من الوهن في الدين، والاستخفاف بالرسل، بعد الفراغ عن كبرى حرمة كلّ موجب للوهن في الدين،


1) اُنظر: البجنوردي، محمد حسن، القواعد الفقهية: ج5، ص299.

2) الحج: آية36.

3) الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج5، ص87.

والاستخفاف بالرسل، وهذه الكبرى هي مفاد هذه القاعدة.

الطائفة الثانية: وهي التي علّلت حرمة بعض الأفعال لأجل ثبوت الحرمة للشخص، أو الشيء الذي يقع ذلك الفعل عليه أو فيه، كما في الرواية التي علّل فيها حرمة قطع العضو من الميت، أو كسر عظمه، بأنّ حرمة الميت كحرمة الحي، بل إنّ حرمته ميّتاً أعظم من حرمته وهو حيّ، ففي صحيح مسمع كردين أنّه قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجل كسر عظم ميت؟ فقال: «حرمته ميتاً أعظم من حرمته وهو حيّ»(1).

الطائفة الثالثة: وهي التي دلّت على المنع والنهي عن كل ما يُستخف بموجبه في دين الله تعالى، كما في الرواية التي رواها الصدوق بإسناده عن علي بن أبي طالب علیه السلام ، قال: «سمعت رسول الله صلی الله علیه و اله ، يقول: إنّي أخاف عليكم استخفافاً بالدين»(2).

فقد دلّ الحديث على حرمة كلّ قولٍ وفعلٍ موجب للاستهانة والاستخفاف بدين الله تعالى، وإلّا لم يكن محلّ خوف، ومن أبرز مصاديقه الهتك والإهانة لما هو محترم في الدين.

ومن لطيف الروايات التي دلّت على حرمة إهانة الشعائر والمحرمات، هي رواية أبي الصباح الكناني، قال: «قلت لأبي عبد الله علیه السلام : ما تقول فيمَن أحدث في المسجد الحرام متعمّداً؟ قال: قلت: يُضرب ضرباً شديداً؟ قال: أصبت، فما تقول فيمَن أحدث في الكعبة متعمّداً؟ قلت: يُقتل؟ قال: أصبت»(3).

وفي رواية هشام عن الصادق علیه السلام ، قال: «إنّ علياً علیه السلام رأى قاصّاً في المسجد، فضربه بالدرّة وطرده»(4).


1) المصدر السابق: ج29، ص329.

2) المصدر السابق: ج17، ص 308.

3) المصدر السابق: ج13، ص290.

4) المصدر السابق: ج28، ص367 - 368، واُنظر - لوجه الاستدلال -: المازندراني، علي أكبر، مباني الفقه الفعّال: ج1، ص155 - 159. البجنوردي، محمد حسن، القواعد الفقهية: ج5، ص299 - 300.

المقدمة الثالثة: إثبات أنّ التربة الحسينية من المحترمات

للتربة الحسينية عند الرسول صلی الله علیه و اله ، وأهل البيت علیهم السلام ، وشيعتهم حرمة عظيمة، ومنزلة رفيعة، وقداسة خاصّة؛ لما بذله الإمام الحسين علیه السلام وأهل بيته وأصحابه في سبيل الله تعالى من كلّ غالٍ ونفيس، وعلى تلك التربة أُريقت دماؤهم الطاهرة، حتى دم الطفل الرضيع، الذي لم يتجاوز عمره الستة أشهر؛ ولأجل هذه التضحية العظيمة اتّسمت هذه التربة بالعظمة والاحترام، الذي لم تنَله سائر التُرَب، حتى تُرَب بقية الأئمّة علیهم السلام (1).

وتُشير بعض الروايات إلى أنّ الله تعالى عوّض الحسين الشهيد من قتلِه بأربع خصال: جعل الله الشفاء في تربته، وإجابة الدعاء تحت قبّته، والأئمّة من ذرّيته، وأنّ لا يعدّ أيام زائريه من أعمارهم(2).

وأشار إلى هذه الحقيقة عدّة من علماء الإمامية، كالسيوري في قوله: «إنّه ورد متواتراً أنّ الشفاء في تربته، وكثرة الثواب بالتسبيح بها، والسجود عليها، ووجوب تعظيمها، وكونها دافعة للعذاب عن الميت، وأماناً من المخاوف، وأنّ الاستنجاء بها حرام»(3). وهو عين ما قاله السيد الحكيم قدس سره (4).

وقال صاحب مفتاح الكرامة بعد أن أورد كلام السيوري معلِّقاً عليه: «فقد نَقَل التواتر على وجوب تعظيمها - أي: تربة الحسين علیه السلام - من دون تخصيص بأحد الثلاثة، ومن تقييد بقصد التعظيم، يقضي باحترام آجُرها وأباريقها وغيرها، ولعلّه إلى ذلك كان ينظر الأُستاذ رحمة الله [أراد به كاشف الغطاء الكبير] - حيث كان ينهى عن إخراج تلك الأواني إلى غير كربلاء كراهة أو تحريماً»(5).


1) اُنظر: الأنطاكي، محمد مرعي، لماذا اخترت مذهب أهل البيت علیهم السلام : ص470. الأنصاري، محمد علي، الموسوعة الفقهية الميسّرة: ج8، ص353.

2) اُنظر: ابن فهد الحلي، أحمد بن محمد، عدة الداعي: ص48. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص537.

3) السيوري، مقداد بن عبد الله، التنقيح الرائع: ج4، ص51.

4) الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى: ج1، ص518.

5) العاملي، محمد جواد، مفتاح الكرامة: ج2، ص101.

وذهب البحراني رحمة الله إلى أن المحترم كالتربة المشرّفة، لا ريب في وجوب إكرامها، وتحريم إهانتها من جهة أنها تربته علیه السلام ، بل لم يستبعد الحكم بكفر المستعمل لها من تلك الحيثية، وأسند هذا الحكم إلى بعض علمائنا أيضاً(1).

وعلّق السيد السبزواري على حكم صاحب العروة بوجوب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية بأن هذه كلّها من المقدسات المذهبية، بل الدينية في الجملة؛ فيحرم هتكها وإهانتها؛ لقداستها(2).

وأمّا الروايات فهي كثيرة، بل متواترة، كما أشار إليها السيوري آنفاً، فعن إسحاق ابن عمار، قال: «سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: إنّ لموضع قبر الحسين علیه السلام حرمة معروفة، مَن عرفها واستجار بها أُجير...»(3).

وعن أبي يعفور، عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال: «أنّ الله سبحانه اتّخذ كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يتّخذ مكة حرماً»(4).

وبهذا يثبت على نحو الجزم والقطع بأنّ تربة الإمام الحسين من حُرمات الشريعة التي يجب احترامها؛ تبعاً لاحترام مَن انتسبت إليه، وهو سيد الشهداء علیه السلام ، فلا خلاف في وجوب تعظيمها في الجملة (5).

المقدمة الرابعة: أن تنجيس التربة الحسينية إهانة لها

أثبتنا في النقاط الثلاثة السابقة وجوب احترام هذه التربة الشريفة، وبقي علينا أن نُثبت صغرى هذه الكبرى، وهي كون التنجيس للتربة يُعدُّ إهانة لها، وعدم احترامٍ


1) اُنظر: البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة: ج2، ص44. واُنظر: النجفي العراقي، عبد النبي، المعالم الزلفى: ص473.

2) اُنظر: السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج1، ص480.

3) الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص511.

4) المصدر السابق: ج14، ص513 - 514.

5) اُنظر: الآملي، محمد تقي، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى: ج2، ص43. واُنظر: النجفي، عبد النبي، المعالم الزلفى: ج1، ص743.

وتقديس لها، وهذا لا إشكال فيه بالنسبة إلى القذارة الظاهرية، كتنجيسها بفضلات الإنسان وأمثالها؛ لأنّ العُرف يرى أنّ هذا من المصاديق والأفراد البارزة للإهانة، بل قد يُعدّ الفرد الأول لها؛ ولذا يُستنكر أشدّ الاستنكار على مَن أهان شخصاً - ولو من الأشخاص العاديين - بأمثال هذه النجاسات.

وأمّا القذارة المعنوية كصبّ الخمر المعطّر عليها، فذلك أيضاً توهين لها بحكم الشرع، والعرف بعد اطّلاعه على حكم الشارع، فإنّه لا محالة يعترف بقذارة الخمر في الإسلام، غاية الأمر أنّ المسلم يُصَدِّق بذلك، والكافر لا يصدّق، فالمسلم يرى بأنّ صبّه عليها كصبّ البول في كونه موجباً للإهانة، فإذا تمّ فيجب التطهير فوراً؛ إذ كما أنّ التنجيس إهانة فبقاء النجاسة أيضاً إهانة، كما سوف يأتي شرحه مفصّلاً(1).

خلاصة الدليل الأول

يستخلص من الدليل الأول النقاط التالية:

أ) إنّ المحترمات والمقدّسات والشعائر يحرم إهانتها، ويجب احترامها وتقديسها.

ب) إنّ التربة الحسينية تعدُّ أحد أفراد المحترمات والمقدّسات؛ وبالتالي يجب احترامها ويحرم إهانتها.

ج) إنّ تنجيس هذه التربة يُعدُّ إهانة لها ويخالف احترامها.

د) النتيجة المأخوذة هي ثبوت الحرمة والقدسية لهذه التربة الشريفة، وعدم جواز تنجيسها ووجوب حفظها عن كلّ ما يُهينها، شأنها شأن كلّ ما عُلم من الشريعة وجوب تعظيمه، وحرمة إهانته.

الدليل الثاني: سيرة المتشرّعة

لعلّ هذا الدليل لم يُذكر إلّا في كلمات السيد السبزواري قدس سره ، والشيخ عبد النبي


1) اُنظر: الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج6، ص98. حسن سعيد، دليل العروة الوثقى (تقريرات بحث الشيخ حسين الحلي رحمة الله ): ج2، ص157.

النجفي؛ إذ قرّرا: بأنّ مقتضى سيرة المتدينين خلفاً عن سلف حرمة تنجيس التربة الشريفة، ووجوب التطهير حتى مع عدم الهتك والإهانة، وقد ذُكرت لها آداب خاصّة - هذا إذا أُخذت لأجل التبرّك والصلاة -.

وهذه السيرة على الظاهر من السير الثابتة - خصوصاً مع ملاحظة كلمات الفقهاء، والتي تقدّم قسم منها - جيلاً بعد جيل، وفي أبواب مختلفة، والبارز منها هو باب حرمة الاستنجاء والذي يرجع بوجه من الوجوه إلى حرمة تنجيسها(1).

وهذه السيرة على الظاهر ممتدّة إلى زمن المعصوم علیه السلام .

النقطة الثالثة: توقف الإهانة بالتنجيس على القصد

إنّ الإهانة للمحترمات في الشريعة لها حالتان:

أ) إنّ الإهانة قد تتحقّق بالفعل الصادر من المكلف بقصد الإهانة منه لهذا الشيء المحترم، ولو لم يكن الفعل بنفسه مصداقاً للإهانة، كتخريب المسجد بقصد الإهانة لا بقصد التعمير، وكقطع عضو الميت لا بقصد إنجاء نفس محترمة بترقيع العضو المقطوع من الميت، وكوضع النجاسة على التربة المباركة بقصد إهانتها، ففي جميع هذه الأمثلة وغيرها يصدق عليها عنوان الإهانة وتكون محرّمة بالنسبة إلى المكلف.

ب) إنّ الإهانة قد تتحقّق بالفعل نفسه، وإن لم يقصد به الإهانة، وذلك في الأفعال التي تُعدّ بنفسها من مصاديق الإهانة والهتك، إلّا مع قيام القرينة القطعية على كون صدورها من غير جهة الهتك، كتخريب المسجد للتعمير، أو مسح الظهر بالضرائح المقدسة لأجل الاستشفاء، أو كسر التربة الحسينية لأجل إعادة صناعتها، وهكذا.

ومن الواضح أنّ تنجيس التربة الحسينية بالنجاسات المتعارفة - وخصوصاً المستقذرة منها، كالعذرة وأمثالها - يصدق على الفاعل أنّه أهان واستخفّ بالتربة المنسوبة إلى سيد الشهداء علیه السلام ، وإن لم يقصد الإهانة لها؛ كلّ ذلك لأنّ العرف يرى بذوقه


1) اُنظر: السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج1، ص480. الحكيم محسن، مستمسك العروة الوثقى: ج1، ص519.

العرفي أنّ هذه إهانة لها.

وأمّا كون الإهانة والهتك من العناوين القصدية لا ينافي كون بعض الأفعال بذاته من مصاديق الهتك عرفاً؛ إذ من الواضح أنّه لا دخل لقصد الهتك في صدق الإهانة والهتك على الأفعال المتمحّضة في الهتك في نظر أهل العرف، فإنّهم يحكمون بصدق الإهانة بمجرّد صدور هذه الأفعال من أيّ فاعل، من غير انتظارهم لإحراز قصد الهتك من فاعلها.

وهذا بخلاف الأفعال غير المتمحّضة في الهتك؛ حيث لا يحكمون بصدق الإهانة، ما لم يحرزوا صدورها بقصد الإهانة والهتك(1).

والمتحصّل من جميع ما تقدّم: أن تنجيس التربة سواء بقصد الهتك والإهانة، أو بدون القصد - وإنّما صدر من الفاعل الفعلُ نفسه فقط، وهو تنجيسها - يصدق عليه إهانة، ويندرج الفاعل في سلك مَن فعل المحرّم.

بل ذهب البعض إلى حرمة التنجيس، حتى ولو لم تستلزم الإهانة بنظر العرف؛ لأنّ العرف كثيراً مّا يجهل موارد التعظيم ولا يدركها، إلّا بعد أمر الشريعة بها، كما في حرمة المكث في المسجد للمحدث بالأكبر، وحرمة مسّ كتابة القرآن للمحدث بالأصغر، فإنّهما محرّمان رغم عدم درك العرف بأنّ ترك المكث تعظيم للمسجد، وترك المسّ تعظيم للقرآن(2).

هذا، ولكن ذهب البعض من فقهائنا إلى اختصاص حرمة تنجيس التربة بصورة صدق الإهانة فقط، فمع عدم صدقها لا تثبت الحرمة، كما لو كانت النجاسة يسيرة؛ إذ لا دليل على وجوب تعظيمها مطلقاً، وإنّما دلّ ارتكاز المتشرّعة على حرمة إهانتها، وهي بحسب الفرض غير صادقة(3).


1) اُنظر: الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج4، ص223 - 224. البجنوردي، محمد حسن، القواعد الفقهية: ج5، ص296 - 297. المازندراني، علي أكبر، مباني الفقه الفعّال: ج1، ص150 - 151.

2) اُنظر: الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج 6، ص98. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج1، ص480.

3) اُنظر: الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى: ج1، ص515 - 518.

فالمتحصّل من كلماتهم: أنّه لا إشكال في حرمة تنجيسها إذا استلزم الهتك أو كان بقصد الإهانة، وأمّا مع عدم الهتك وقصد الإهانة، فالظاهر عند البعض حرمة التنجيس؛ لمنافاتها مع تعظيمها، لكن وجوب تعظيمها بجميع مراتب التعظيم مشكل؛ لعدم الدليل عليه، والقدر المتيقّن المُستفاد من الأخبار حرمة هتكها وإهانتها(1).

النقطة الرابعة: في تحديد التربة التي يحرم تنجيسها

قبل البدء بذكر حدود التربة الحسينية التي يحرم تنجيسها، لا بدّ من الإشارة إلى ما وقع به بعض المحقّقين والكتّاب من عدم التمييز في موضوع الأحكام التي تخصّ التربة المباركة.

فالظاهر من كلامه أنّه لا فرق بين حدود التربة بالنسبة لتلك الأحكام، فلا فرق عنده بين حدود التربة التي يترتّب عليها الاستشفاء، وبين حدود التربة التي يحرم تنجيسها، وبين الحدود التي يتخيّر فيها المصلي بين القصر والتمام، مع أنّ تصريح جماعة من الفقهاء وظاهر آخرين أنّ هناك فرقاً بين موضوعات تلك الأحكام من حيث الضيق والسعة، وبهذا صرّح الشهيد الثاني رحمة الله بقوله - عند الكلام عن أكل الطين أيضاً -: «والمراد بطين القبر الشريف تربة ما جاوره من الأرض عرفاً، وروي إلى أربعة فراسخ، وروي ثمانية، وكلّما قرب منه كان أفضل، وليس كذلك التربة المحترمة منها، فإنّها مشروطة بأخذها من الضريح المقدّس، أو خارجه.. مع وضعها عليه، أو أخذها بالدعاء»(2).

وأمّا حدود التربة التي يحرم تنجيسها، ففيه أقوال عديدة:

الأول: المراد بالتربة هي طين مكان الجسد الشريف، على القول: بأنّ جسد المعصوم يبلى بعد مدّة، حاله حال سائر الأجساد، وهو أحد الأقوال الثلاثة في بقاء جسد المعصوم في القبر وعدم بقائه.

الثاني: المراد بالتربة هي ما يلازم الجسد وينضمّ به، والمحيط به من جميع جوانبه،


1) اُنظر: الآملي، محمد تقي، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى: ج2، ص46.

2) الشهيد الثاني، محمد بن جمال الدين، الروضة البهية: ج7، ص327.

وهو يبتني على القول بأنّ جسد المعصوم علیه السلام يبقى طريّاً في لحده إلى يوم البعث المعلوم.

ونصّ الفقهاء على أنّه لا يراد بالتربة هذين القولين.

الثالث: المراد من التربة هي المأخوذة من قبره الشريف بما هو قبر عند العرف، فما يُطلق عليه عرفاً قبر يثبت له حكم، يُقال له: حرمة التنجيس.

الرابع: إنّ المراد من التربة هي التربة المأخوذة ممّا يُقال عنه: حَرَم له علیه السلام عرفاً. فكلّ ما يُقال عنه: أنّه حرم الحسين علیه السلام عرفاً، يحرم تنجيس تربته.

الخامس: إنّ المراد من التربة هي التربة المأخوذة ممّا يُقال له: حَرَم له علیه السلام شرعاً. فكلّ ما يُقال عنه: إنّه حَرَم الحسين علیه السلام بنظر الشرع. يحرم تنجيس تربته، والذي هو موضوع الحكم في صلاة المسافر، الذي هو التخيير بين القصر والتمام.

السادس: إنّ المراد من التربة هي المأخوذ من القبر الشريف أو من الخارج إذا وُضعت عليه - أي القبر - بقصد التبرّك والاستشفاء، وكذا السبحة والتربة المأخوذة بقصد التبرّك لأجل الصلاة؛ إذ إنّ تنجيسها خلاف الغرض المأخوذة له.

ولا بدّ من العلم بأنّ هذا القول هو القول المختار لأكثر المعاصرين، خصوصاً مَن علّق على العروة الوثقى أو شرحها، ولعلّه لم أجد مَن خالف فيه بهذا المقدار.

نعم، التربة المأخوذة من بلد الإمام علیه السلام لا من قبره ولا لذلك الغرض - وهو قصد التبرّك والاستشفاء - بل أُخذت للبناء بها أو طم الحفر، أو لصناعة الآجر والخزف وما شابه ذلك من الأعمال، فلا دليل على عدم جواز تنجيسها، والاحتياط بتعظيم الجميع لا بأس به.

وخالف في ذلك الشيخ كاشف الغطاء الكبير؛ حيث نقل عنه تلميذه السيد محمد جواد الحسيني العاملي صاحب (مفتاح الكرامة)، أنّه كان ينهى عن إخراج تلك الأواني - من الفخار والآجر وغيرها - إلى غير كربلاء، والنهي الوارد عنه إمّا نهي كراهتي، أو نهي تحريمي، واحتمل السيد المذكور أنّ دليل الشيخ رحمة الله هو ما نُقل متواتراً على وجوب

تعظيمها من دون تخصيص هذه الروايات بأيّ قيد، ومنه قصد التعظيم عند أخذها(1).

السابع: إنّ المُراد من التربة التي يجب احترامها هي ثلاثة أشياء لا غير، وهي:

1- ما أُخذ من الضريح المقدّس.

2- ما وُضع على الضريح من التراب؛ إمّا مطلق التراب ولو من غير الحرم، وإمّا التراب المأخوذ من الحرم.

3- ما أُخذ من باقي الحرم بالدعاء والختم عليه، - ولم يُقيّد البعض من الفقهاء القائلين بهذا القول بالختم عليه - وصرّح هؤلاء أو هو مقتضى كلامهم بأنّ ما أُخذ للاستشفاء من غير الضريح بدون دعاء وختم لا يجب احترامه.

الثامن: وهو ما ذكره صاحب (مفتاح الكرامة)، ولعلّه أقرب الأقوال في المسألة، وهو: أنّ كلّ ما أُخذ للاستشفاء، أو للحفظ، أو للتسبيح بها والصلاة عليها، أو لكتابة الكفن بها، أو جعلها مع الميت كان محترماً، سواء أُخذت من الضريح أو من خارجه، بالدعاء وبدونه؛ لأنّ كلّ واحدٍ منها لا ينفكّ عن قصد التعظيم، ويصحّ الاستشفاء بجميعها(2).


1) اُنظر: العاملي، محمد جواد، مفتاح الكرامة: ج2، ص101.

2) اُنظر: ابن فهد الحلي، أحمد بن محمد، المهذّب البارع: ج4، ص220.السيوري، مقداد بن عبد الله، التنقيح الرائع: ص4، ص51. الشهيد الثاني، محمد بن جمال الدين، الروضة البهية: ج7، ص327، وص337. كاشف الغطاء، جعفر، كشف الغطاء: ج2، ص362، وص 396 - 397. الصيمري، غاية المراد: ج4، ص65. الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج9، ص98 - 99. النجفي العراقي، عبد النبي، المعالم الزلفى: ج1، ص473 - 476. الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى: ص1، ص518. العاملي، محمد جواد، مفتاح الكرامة: ج2، ص99 - 102. الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى: ج3، ص295. الصدر، محمد باقر، بحوث في شرح العروة الوثقى: ج 4، ص320 - 321. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج1، ص480. الحسيني، علي شبر، العمل الأبقى: ج1، ص446. حسن سعيد، دليل العروة الوثقى(تقريرات بحث الشيخ حسين الحلي رحمة الله ): ج2، ص156 - 159، وص161. الآملي، محمد تقي، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى: ج2، ص46. اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى: ج1، ص189. الفياض، محمد إسحاق، تعاليق مبسوطة: ج1، ص113. السيستاني، علي، استفتاءات: ص13، وغيرها.

خلاصة الأقوال ونتيجتها

اتّضح من عرض الأقوال أنّ للتربة الشريفة حكم مَن انتسبت إليه من جهة الاحترام والإهانة، فما دامت منسوبة إلى الحسين علیه السلام ؛ فيجب إزالة النجاسة عنها ويحرم تنجيسها، ويكفي ترتيب الأحكام عليها صدق اسم التربة عليها؛ إذ الانتساب يدور مدار التسمية، سواء كانت واقعية أو صورية؛ لأنّ الجعل الاعتباري كان لتحقق النسبة، فلو أُتي بها - أي التربة - من أبعد البلدان وسمّيت تربة الحسين علیه السلام ، والناس يعاملونها معاملة تربة الحسين علیه السلام ، فإنّه يترتّب عليها أحكام التربة، سواء كانت من كربلاء أم من بلدٍ آخر.

والسرّ في ذلك صدق العنوان، وكونه رمزاً للشيعة وشعاراً لهم في إظهار المحبّة بالنسبة إلى أهل البيت علیهم السلام ، فيتمسّكون بتربتهم؛ استشفاءً وإخلاصاً وإبرازاً لما في قلوبهم من حبّهم لآل الرسول صلی الله علیه و اله ، كما أمر الله تعالى.

فالشيء الذي يكون منسوباً إليهم علیهم السلام وشعاراً لشيعتهم، يجب على متابعيهم تعظيمه ويحرم إهانته.

وأمّا الوضع على القبر الشريف، فإنّما يكون لأجل تحقّق التبرّك والاستشفاء الموجبين لتحقّق النسبة الحسينية، التي هي علّة وجوب الاحترام وحرمة الإهانة(1).

النقطة الخامسة: كيف نثبت التربة الحسينية

إنّ الحكم بحرمة تنجيس المحترمات ومنها التربة الشريفة إنّما يترتب على كون هذه التربة المعيّنة هي تربة الحسين علیه السلام ، وذكر كاشف الغطاء الكبير بأنّ ذلك لا بدّ أن يثبت بطريقٍ علمي - بأن حصل للمكلف اليقين بذلك، وذلك من خلال إخبار مجموعة من الناس، أو أن يكون المكلَّف هو الآخذ لها من القبر، وأمثال ذلك - أو ما يقوم مقامه من


1) اُنظر: الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج36، ص367. حسن سعيد، دليل العروة الوثقى (تقريرات بحث الشيخ حسين الحلي رحمة الله ): ج2، ص261.

الظنّ الشرعيّ، كشهادة العدلين، وإخبار صاحب اليد، وفي قبول خبر العدل احتمال قويّ(1).

فهذه هي الطريقة التي تثبت بها تربة الإمام الحسين علیه السلام .

المبحث الثاني: وجوب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية

ذكر الفقهاء في كتبهم الفقهية (الاستدلالية منها أو كتب الرسائل العملية) مسألتين تخصّان التربة المباركة:

إحداهما: حرمة تنجيسها.

والثانية: وجوب إزالة النجاسة عنها.

وبما أنّ دليل المسألتين واحد - بل أشار بعض الفقهاء إلى وجود ملازمة بين حرمة التنجيس ووجوب الإزالة، فكلّ تربة يحرم تنجيسها يجب إزالة النجاسة عنها - نكتفي بما تقدّم من الأدلة على وجوب إزالة النجاسة عن كلّ محترم في الشريعة، ومنها التربة الشريفة.

ولا بدّ أن يُعلم بأنّ موضوع وجوب إزالة النجاسة هو بعينه موضوع حرمة التنجيس، وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك مفصّلاً، وأشرنا إلى ما يحرم تنجيسه من تلك التربة، فلا حاجة للإعادة.

ولكن يبقى هنا أمران لا بدّ من الإشارة إليهما سريعاً:

الأمر الأول: الظاهر أنّه لا خلاف بين الفقهاء الذين ذكروا هذه المسألة - خصوصاً المعاصرين، أو ما قارب عصرنا - في وجوب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية المباركة، ونخصّ بالذكر منهم كلّ مَن علّق على هذه المسألة وهو بصدد عرض مسائل كتاب (العروة الوثقى) للسيد اليزدي.

الأمر الثاني: إنّ وجوب إزالة النجاسة عن التربة إنّما يُؤمر به المكلف إذا استلزم بقاؤها وترك الإزالة هتكاً لها وإهانة.


1) اُنظر: كاشف الغطاء، جعفر، كشف الغطاء: ج2، ص363.

فترك الإزالة من المكلف إذا استلزم منه هتك التربة وإهانتها؛ يترتب عليه وجوب تطهيرها. وهذا لا خلاف فيه من قِبل كلّ مَن تعرّض للمسألة.

ولكن وقع الاختلاف بينهم فيما إذا لم يكن ترك الإزالة للنجاسة موجباً لهتك حرمة التربة المباركة، على قولين:

القول الأول: وجوب الإزالة في جميع الحالات.

اختار بعض الفقهاء التعميم لجميع الحالات، سواء استلزم الإهانة والهتك، أم لم يستلزم(1).

وحاصل ما يمكن الاستدلال به:

الدليل الأول: ما ورد من لزوم تعظيم التربة وعدم الاستخفاف بها، كما في رواية أبي حمزة الثمالي عن الإمام الصادق علیه السلام : «...ولقد بلغني أنّ بعض مَن يأخذ من التربة شيئاً يستخفّ به، حتى أنّ بعضهم يضعها في مخلاة البغل والحمار، وفي وعاء الطعام والخرج، فكيف يَستشفي به مَن هذا حاله عنده؟!»(2).

وفي هذا الحديث دلالة على وجوب إزالة النجاسة؛ لاستلزام بقائها الاستخفاف وعدم التعظيم(3).

مناقشة الدليل الأول

لقد أُورد على الدليل المتقدّم بأنّ المستفاد - بقرينة السياق والمقام - أنّ عدم الاستخفاف بالتربة إنّما يكون مطلوباً لأجل تحصيل الآثار المترتّبة على التربة - كالاستشفاء بها مثلاً - لا أنّه المطلوب على كلّ حال(4).


1) اُنظر: الصدر، محمد باقر، بحوث في شرح العروة الوثقى: ج4، ص320 - 321. السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام: ج1، ص480.

2) الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج24، ص228.

3) اُنظر: السيوري، مقداد بن عبد الله، التنقيح الرائع: ج4، ص51.

4) اُنظر: الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى: ج1، ص518. الحكيم، محسن، منهاج الصالحين: ج1، ص158.

هذا، ولكنّ المستدلّ لا يريد الاستدلال بروايةٍ خاصّة حتى يُورَد عليه بما تقدّم، بل هو ناظر إلى ما ورد متواتراً من لزوم تعظيم التربة، وعدم الاستخفاف بها، وترك إزالة النجاسة - على الظاهر - يؤدّي إلى تحقّق هذين العنوانين؛ لأنّه خلاف الاحترام المأُمور به.

الدليل الثاني: وهو المذكور على لسان السيد الشهيد محمد باقر الصدر رحمة الله ، ويمكن تقريبه بما يأتي:

إنّ وجوب إزالة النجاسة لمّا كان حكماً احترامياً، وإن المفهوم من أدلة فضيلة التربة الحسينية وكون السجود عليها أفضل من السجود على نفس أرض المسجد، فسوف يشملها حكم المسجد، وهو وجوب إزالة النجاسة عنها، وذلك بتنقيح المناط، فإن مناط وجوب الإزالة واحد وهو الاحترام. وبذلك يثبت وجوب الإزالة للنجاسة عن التربة المباركة(1).

القول الثاني: عدم وجوب الإزالة

إنّ المختار لدى بعض الفقهاء عدم وجوب الإزالة إذا لم يستلزم الإهانة والهتك للتربة الحسينية، نعم هو المناسب للاحتياط.

وحاصل ما يستدل به هو: أنّ النصوص التي يمكن العثور عليها، ممّا يضمن الأمر بتعظيمها والنهي عن الاستخفاف بها، ظاهر - بقرينة السياق والمقام - في اعتبار ذلك الانتفاع بها، للاستشفاء وغيره، من فوائدها الجليلة، وليس فيها دلالة على أنّ ذلك من أحكامها مطلقاً، بحيث يحرم تنجيسها وإن لم يستلزم الهتك والإهانة(2).

وقد تقدّمت المناقشة في هذا الدليل في مناقشة الدليل الأول من القول الأول(3).


1) الصدر، محمد باقر، بحوث في شروح العروة الوثقى: ج3، ص320 - 321.

2) اُنظر: الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى: ج1، ص518. الهمداني، رضا بن محمد، مصباح الفقيه: ج 8، ص58.

3) انظر: الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج2، ص49.

فروع المسألة

ويتفرّع على أصل المسألة بعض الفروع، نُشير إليها إجمالاً:

أ) الحكم بكفر مَن هتك التربة الحسينية

قال كاشف الغطاء رحمة الله : «مَن استعمل شيئاً من المحترمات الإسلامية هاتكاً للحرمة خرج عن الإسلام، والمستعمل لشيءٍ من المحترمات الإيمانية بذلك القصد - وهو قصد الإهانة والهتك - خارج عن الإيمان»(1).

ب) وجوب إزالة النجاسة عن التربة فوري

لا خلاف في أنّ وجوب إزالة النجاسة عن المحترمات - ومنها التربة المباركة - يكون فورياً، فلا يجوز تأخير الإزالة مع عدم العذر(2).

ج) وجوب الإزالة كفائي لا عيني

لا خلاف بينهم في أنّ وجوب إزالة النجاسة عن التربة وجوب كفائي لا عيني، فإذا قام أحد المكلَّفين بإزالة النجاسة عن التربة المتنجّسة، سقط عن الآخرين.


1) كاشف الغطاء، جعفر، كشف الغطاء: ج2، ص397.

2) اُنظر: الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج6، ص97 - 98.

التباكي في تراجيديا كربلاء حقيقته ومشروعيته

الشيخ صباح عباس الساعدي

الشيخ صباح عباس الساعدي(1)

تمهيد

يُعدّ تهييج المشاعر والعواطف لدى عامّة الناس أحد المهارات والفنون التي يتبارى في إجادتها المتخصّصون، وحلماً يصبو إليه أصحاب الفنّ والتمثيل؛ فترى الممثلين والفنّانين في ميدان المسرح والأداء التمثيلي يبذلون قصارى جهدهم في سبيل جذب أنظار الحظّار والمشاهدين من هواة الفنّ والمسرح، ويبحثون عن المحترفين في هذا المجال؛ كي يتعلّموا على أيديهم الطرق والأساليب التي تُسهم في إنجاح أعمالهم المسرحية والتمثيلية ورواجها بين الناس، وهذا الجهد يمتد على مستوى التحصيل التنظيري باتّباع الطرق والأساليب النافعة وأخذها من متخصّصين لهم باع طويل في هذه الفنون، وفي المستوى العملي والتطبيقي أيضاً؛ إذ قد يتطلّب الأمر من فنان أو ممثل


1) باحث وكاتب إسلامي.

• يُعدُّ بين الناس شهيراً له صيت في مجاله - تكرار دوره الذي يُطلب منه أداؤه أمام جماهير المسرح مرات عديدة، ومن دون أيّ كلل أو ملل، وكذا الحال بالنسبة إلى الأُدباء والشعراء في ميدان الشعر والأدب، فيتّبعون الطريقة نفسها في تعلم المفاتيح التي تفتح الآفاق أمام دربهم بغية التألِّق والنجاح في مجالهم من بين أقرانهم، سواء على المستوى التنظيري أم العملي؛ إذ يجهد بعضهم نفسه أيما جهد حينما يسطِّر بيتاً من الشعر يُراد منه تصوير موقف حماسي أو مشهد من المشاهد المفجعة والمؤلمة أو غيرهما، وقد يصل الأمر بهم في أحيان كثيرة إلى تصعيدٍ في الألفاظ يفوق الحدّ، ويعجز عنه التصوير والوصف؛ بغية إيصال الفكرة التي يريد عرضها وجذب أسماع وأنظار هواة الشعر والأدب إليها.

وعلى هذا الأساس؛ يتفاوت أصحاب الفنّ الواحد في النجاح والخيبة؛ فيبرز من بينهم بعض ويعلو صيته بين الجمهور بروزاً وتألّقاً لا نظير له، ويحظى بشعبية كبيرة من بين أقرانه، بينما يبوء بعضهم الآخر بالفشل الذريع وخيبة الأمل؛ إذ يجد نفسه غير مؤثِّر في جمهوره.

وهكذا يُقاس الأمر في تسطير المقطوعات النثرية والأدبية، والأداء الخطابي وغيره، فيؤتي جهد بعضهم أُكُلَه؛ إذ يمتاز باختيار المفردات والعبائر التي تأخذ بأسماع الجلساء والحظّار أو القرّاء من دون إذنهم، حينما تَطرُق آذانهم كلماتٌ لها ما لها من المداليل الوضّاءة، والتي تُبيِّن بعضها الحدث بأكبر من حجمه الحقيقي، أو فيها من المبالغة الجميلة المسموح بها في مجال الأدب العربي، فعندما يُعبِّر بعضهم عن خسّة الموقف ودناءة نفوس أصحابه بقوله: «يندى له الجبين»، أو عندما يريد وصف فظاعة الحدث الذي يُراد ذكره بقوله: «يقرح القلوب»؛ تأخذ هذه الكلمات وقعها في نفوس السامعين، وهذا النمط من التوصيف وإبراز الحدث له مميزاته الإيجابية، ويسجِّل لصاحبه نقطة قوّة ومحسّناً من المحسنات المهمّة في أدائه، وليس فيه مشكلة بحدّ ذاته.

إلّا أنّ ما يتركه من أثر سلبي - مع مسامحة واضحة في نسبة هذا الأثر إلى الأُسلوب والاستخدام المذكور - هو ما قد يحدو بقرّاء النصوص أو مَن يستمع إلى مَن يُلقي كلاماً بين الناس إلى تصوّر التصعيد والمبالغة في كلّ كلام مكتوب أو مقروء، وحمله على عدم

الحقيقة والواقعية، ظنّاً بأنّه نمط من أنماط الفنون التي يشدّ المتكلِّم أو الكاتب من خلالها الناس إليه والتفاعل مع الحدث الذي يصوره، وهكذا ترسّخ في أذهان الكثير أنّ ألفاظاً ومفردات ساعدت في توصيف الصورة بأفضل ما يمكن أن يكون، مع أنّها ليست واقعية بالحرفية المطلوبة منها، فيفسر ما ورد عن الإمام الرضا علیه السلام : «إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا»(1)، أو ما ورد في زيارة الناحية المقدّسة: «فلأندبنّك صباحاً ومساءً، ولأبكين عليك بدل الدموع دماً...»(2)، وغيرها من النصوص الواردة في التراث الديني، على أنّها إنّما استخدم فيها الأئمّة علیهم السلام أُسلوب المبالغة والتصعيد، ولم يقصدوا منها معناها الحقيقي، من دون تتبّع لحقيقة أمرها.

جدلية التباكي في المآتم الحسينيّة

إنّ مفردة التباكي هي إحدى المفردات التي تصوّر بعضهم أنّها مفردة استخدمت ووظفت لجذب قلوب الجمهور الديني، وأنّها من النمط التصعيدي أيضاً، مع أنّ القارئ يجد أنّ هذه المفردة من المفردات التي كان لها حضورها الحافل في نصوص شرعية معتبرة وكثيرة، تحدّث فيها الأئمّة علیهم السلام عن التفاعل والتعاطف مع الحدث الفجيع والمأساة المؤلمة في واقعة الطف، أو ما يُعبَّر عنه في المصطلح الحديث ب-(تراجيديا كربلاء)، قد جُعلت نوعاً من أنواع التأثّر الذي تترتّب عليه الآثار الوضعية فيما لو سعى المكلَّف لتحصيله؛ حيث إنّ الروايات الكثيرة التي أطلقها أئمّة أهل البيت علیهم السلام في هذا الحقل دلّت بما لا مزيد عليه من الوضوح على أنّ مَن بكى أو تباكى فله الجنّة على حدّ تعبيرهم علیهم السلام (3).

وقد كثرت التساؤلات في الآونة الأخيرة، خصوصاً بعد الانفتاح العلمي والتواصل الفكري عبر المواقع الإلكترونية؛ وما ذلك إلّا لأنّ أذهان بعض مَن تطلَّع إلى


1) الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص190.

2) المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص501.

3) فقد روى أبو عمارة المنشد عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: قال لي: «... ومن أنشد في الحسين علیه السلام شعراً فبكى فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين علیه السلام شعراً فتباكى فله الجنّة». وغيرها من الروايات التي جاءت بهذه الصياغة، كما سوف يأتي ذكرها لاحقاً.

هذا اللفظ تصور أنّه تعبير أدبي بُولِغ فيه للتعبير عن حصول الثواب لمَن يقيم المآتم على سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين علیه السلام .

ولهذا السبب كانت المفردة آنفة الذكر جديرة بالبحث والتثبّت من أمرها؛ كي يستبين لنا المراد من استعمالها، وهل أُريد منها التحشيد لأجل إحياء شعائر كربلاء المتوقفة على التفاعل الجماهيري، أو أنّه فعل من الأفعال التي تصدر من الإنسان فيترتّب عليها نوع من الآثار الخاصّة حقيقة؟

المعاجم اللغوية والغموض في معنى التباكي

عندما يمرُّ الباحث في كتب اللغة يجد أنّ معنى التباكي غير واضح المعالم فيها؛ إذ إنّ ما ذُكر فيها هو أنّ التباكي: «تكلَّف البكاء» على ما جاء في صحاح الجوهري(1)، وقد اكتفى بهذا التعبير بعض أئمّة اللغة الذين جاءوا بعده(2)، من دون تفسير أكثر لذلك، وهذه العبارة بحدّ ذاتها لا تفسِّر لنا حقيقة التباكي، وإنّما تُبيِّن أنّ صاحبها يجتهد ويسعى لتحصيل البكاء وإسكاب الدموع فقط، ولم تدلّ على النتيجة التي ينتهي إليها الفعل نفسه، فهل يُراد منه أنّ تكلّف البكاء وتصنُّعه من دون حصوله وتحقّقه الفعلي كافٍ في صدق التسمية عليه، أو أنّه يعتبر أُسلوباً من الأساليب التي تؤدّي إلى حصول البكاء؟

فيما يذكر الطريحي - في أحد الأقوال التي ينقلها نسبه إلى قائل مجهول - أنّ التباكي نوع آخر لا يوصل صاحبه إلى حصول البكاء ولا يجهد الإنسان فيه نفسه ويكلّفها لذلك، بل عندما يؤمر أحدهم بالتباكي، فكأنّما يقال له: لا تتكلّف البكاء، فيقول: «وتباكى الرجل: تكلَّف البكاء. ومنه: إنّ لم تجدوا البكاء فتباكوا. وقيل: معناه لا تُكلَّفوا البكاء»(3). بمعنى أنه متى ما تعسّر البكاء على الإنسان يكفيه التظاهر بالبكاء فقط.


1) الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح: ج6، ص2284.

2) اُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج14، ص83. الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين: ج1، ص60.

3) الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين: ج1، ص60.

إذن؛ مَن يراجع كلمات أئمّة اللغة يجدهم - وإن لم يحصل الاختلاف الكبير بينهم في تحديد معنى التباكي - إلّا أنّهم لم يتّفقوا على إعطاء معنى محدد وموحد في هذا اللفظ، أي: لم يذكروا معنى واضح المعالم.

نعم، إنّ نقطة الالتقاء في كلماتهم هو عبارة «تكلُّف البكاء»، عدا ما ذكره الطريحي ناسباً إياه إلى القيل.

التباكي في الشعر العربي

يظهر من بعض الأبيات التي قالها الشعراء من مختلف المذاهب والمشارب، أنّ معنى التباكي هو التصنُّع والتمظهر بمظهر الباكي الحزين؛ إذ يقول بعضهم:

صه يا حمام فلست المشوق***ولا بات حالك فيها كحالي

فما مَن تباكى ك-ما مَن بكي ***ودمع الأسى غير دمع الدلال(1)

ويقول آخر:

قد قلت للورقاء لما أن غدت***تُبدي الأسى بالنوح والترجيع

ما مَن تباكى مثل مَن يبكي دماً***فضح التطبّع شيمة المطبوع(2)

فالواضح من استعمالهم هذا أنّهم فهموا أنّ المتباكي يتظاهر بالبكاء أمام الآخرين، لا أنّه يبكي حقيقة.

الاختلاف في التعريف الاصطلاحي لمعنى التباكي

بما أنّ المعنى اللغوي للتباكي - والذي فُسِّر بتكلُّف البكاء - غير محدد بمعنى متّفق عليه في كتب المعاجم؛ فقد سرى ذلك التردد إلى تفسير العلماء لهذا اللفظ كنتيجة طبيعية للغموض في معاجم اللغة؛ حيث اختلفوا في بيان المعنى المراد من هذه المفردة، فمنهم مَن يفسِّرها تفسيراً يجعلها طريقة لسكب الدمعة لمَن لا يقدر على تحصيلها، إذ يقول الغزالي:


1) المدني، علي صدر الدين، سلافة العصر في محاسن الشعراء بكلّ مصر: ص361.

2) الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج10، ص216.

«وإنّما طريق تكلُّف البكاء أن يحضر قلبَه الحزنُ؛ فمن الحزن ينشأ البكاء، قال: إنّ القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فتحازنوا. ووجه إحضار الحزن أن يتأمّل ما فيه من التهديد والوعيد والمواثيق والعهود، ثمَّ يتأمّل تقصيره في أوامره وزواجره؛ فيحزن لا محالة ويبكي، فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر أرباب القلوب الصافية فليبكِ على فقد الحزن والبكاء فإنّ ذلك أعظم المصائب»(1). وهذا المعنى الذي ذكره الغزالي تدعمه رواية عن أبي ذر الغفاري أنّ رسول الله صلی الله علیه و اله قال: «يا أبا ذر، مَن استطاع أن يبكي فليبكِ، ومَن لم يستطع فليشعر قلبَه الحزنَ وليتباكَ، إنّ القلب القاسي بعيد من الله تعالى ولكن لا يشعرون»(2).

وقد تبنّى هذا المعنى بعض أئمّة الحديث وشرّاحه أيضاً، إلّا أنّه نسب معنى آخر إلى القيل واستحسنه؛ وهو ما ذكره المجلسي في البحار ووجهه أيضاً؛ قائلاً: «التباكي حمل النفس على البكاء والسعي في تحصيله، وقيل: المراد به إظهار البكاء والتشبّه بالباكين في الهيئة، وهو أيضاً حسن، فإنّ مَن تشبّه بقوم فهو منهم، والأول أظهر»(3).

بينما يعتبر آخرون أنّه نحو تفاعل مع الباكين وتعاطف معهم وإن لم يحصل من ذلك بكاء حقيقي، قال الشهيد الثاني: «والتباكي: وهو تكلُّف البكاء والتكيِّف بصورته لمَن لم يقدر عليه، قال الصادق علیه السلام لعنبسة العابد: إن لم يكن بك بكاء فتباكَ»(4).

وقد تبنّى هذا المعنى أيضاً بعض المعاصرين، فذكر أنّ معنى التباكي هو التظاهر بالبكاء وإراءة الآخرين أنّه في حالة بكاء، وليس من الباكين حقيقة، قال العاملي: «وردت عن أئمّة أهل البيت علیهم السلام ... نصوص كثيرة جداً تحثّ على البكاء لمصاب الإمام الحسين، فمَن لم يتيَّسر له البكاء فعليه أن يتباكى، والتباكي هو التظاهر بالبكاء»(5).

وقد تقدَّم أنّ العلّامة المجلسي رحمة الله قد استحسن هذا النمط من التباكي واستدلّ له


1) الغزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين: ج3، ص504.

2) الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ص530.

3) المجلسي، محمد باقر، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول: ج12، ص56.

4) الشهيد الثاني، زين الدين، الفوائد الملية لشرح الرسالة النفلية: ص235.

5) العاملي، الانتصار: ج9، ص213.

بقوله: «فإنّ مَن تشبه بقوم فهو منهم»، وهو مضمون روايةٍ عن أمير المؤمنين علیه السلام وردت في كثير من المجاميع الروائية(1).

وعلى الطرف الآخر من هذا القول ما ذكره بعض شرّاح الحديث من المدرسة الأُخرى، إذ جعله من الأُمور المنبوذة والمذمومة بعد أن قسَّم التباكي على قسمين، بقوله: «أمّا التباكي فهو تكلُّف البكاء، وهو نوعان: محمود، ومذموم. فالأول ما يكون لاستجلاب رقّة القلب... والثاني ما يكون لأجل الرياء والسمعة»(2).

إذن؛ فالاختلاف في تفسير معنى التباكي في كلمات الأعلام وأئمّة الفقه وشرّاح الحديث أمر في غاية الوضوح.

مراتب التباكي المتصوّرة

لعل أحد الأُمور التي زادت العلماء والباحثين تردداً في تفسيرهم لمعنى التباكي هو عدم النظرة التوحيدية لما جاء في الروايات التي تكلّمت حول التباكي والمعنى اللغوي معاً، بل اعتمدوا في تعيين المراد من هذه المفردة على الكتب المعاجمية فقط، ولم يتنبّهوا إلى أنّ هذا اللفظ استُعمل - كمصطلح - في روايات كثيرة وفُسِّر فيها المراد منه؛ ممّا يجعل هذه الروايات حجر أساس لروايات أُخر - وفي أبواب متعددة - ورد فيها هذا المصطلح ومن دون تفسير وبيان.

وهذه الروايات - كما سوف يتبيَّن لنا - تساعدنا على فهم المراد من التباكي، وأنّه فعل من الأفعال التي يقوم بها المكلّف بغية تحصيل أثر، وهو حصول البكاء؛ إذ إنّ حال المتباكي سوف يأول غالباً - فيما لو أجهد نفسه - إلى إجراء الدمع من عينيه، فقد ورد في طائفة من الروايات تُبيِّن أنّ التباكي قد يساعد في تحقق البكاء، ولو كان شيئاً يسيراً من الدمع، كما روى محمد بن يحيى، عن ابن فضال، عن يونس ين يعقوب، عن سعيد بن يسار بياع السابري، قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام : «إنّي أتباكى في الدّعاء وليس لي بكاء.


1) اُنظر: المغربي، النعمان بن محمد، دعائم الإسلام: ج2، ص513.

2) الحلبي، علي بن برهان الدين، السيرة الحلبية: ج2، ص200.

قال: نعم، ولو مثل رأس الذّباب»(1).

وفي رواية أُخرى أيضاً عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة، قال: قال أبو عبد الله علیه السلام لأبي بصير: «إن خفت أمراً يكون أو حاجة تريدها فابدأ بالله، ومجّده وأثنِ عليه كما هو أهله، وصل على النبي صلی الله علیه و اله وسل حاجتك، وتباكَ ولو مثل رأس الذباب، إنّ أبي علیه السلام كان يقول: إنّ أقرب ما يكون العبد من الربّ وهو ساجد باكٍ»(2).

وقد شُرِح معنى التباكي في رواية ثالثة يمكن أن نعتبرها تفسيراً واضحاً له، فقد روي أن النبي صلی الله علیه و اله قرأ شيئاً من سورة الزمر على جمع من أصحابه؛ فبكى القوم إلّا شاباً، فقال: «يا رسول الله، قد تباكيت فما قطرت عيني. قال: إنّي معيد عليكم فمَن تباكى فله الجنّة»(3). فإنّ هذه الرواية صريحة في أنّ التباكي مقدِّمة لحصول البكاء ونزول الدمع.

فهذه الأخبار دالّة بوضوح على أنّ التباكي قد يكون مقدِّمة للبكاء، وأنّ البكاء الحاصل نتيجة التباكي يترتّب عليه الأثر وإن كان شيئاً قليلاً جداً؛ وهو ما عبَّر عنه الإمام علیه السلام بقوله: «ولو مثل رأس الذباب»، كناية عن قلّة نزول الدمع.

فينتج لنا: أنّ التباكي يكون على مراتب ودرجات من حيث تحصيل حالة البكاء، وأنّه فعل من الأفعال التي يأتي بها الإنسان، وتنطلق مرتبته من الحالة المثلى له، وهي حصول البكاء الكثير ونزول غزير الدموع إثر السعي والجهد، وتنتهي بأقلّ مرتبة منه وهي حصول الدمع القليل، الذي عبر عنه الإمام علیه السلام في الروايات المتقدِّمة بقوله: «ولو مثل رأس الذباب».

نعم، قد ينتهي أمر الإنسان في نهاية المطاف إلى عدم حصول حالة من نزول الدموع حتى اليسير منها، إلّا أنّ هذا لا يعني أنّه يرائي ويتظاهر بالبكاء أمام الناس.


1) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص483.

2) المصدر السابق.

3) الصدوق، محمد بن علي، ثواب الأعمال: ص160.

تعاطي أصحاب الأئمّة مع مصطلح التباكي

يستطيع الباحث أن يستشفّ حال بعض المصطلحات - التي ترد في روايات المعصومين علیهم السلام - وأنّها تتماشى مع النطاق العامّ لمسلَّمات الدين، من خلال تلقي أصحاب الأئمّة والرواة الذين تناقلوا أحاديثهم الواردة في هذا الشأن؛ إذ إنّ كل مصطلح يُشكّل غرابة في أذهانهم يبادرون إلى التساؤل ووضع علامات الاستفهام عليه في محضر الأئمّة علیه السلام ؛ وتنعكس المسألة فيما لو كان ما ذُكِر مألوفاً ومتعارفاً بينهم، ومتلائماً مع المسلَّمات وثوابت الدين، فيتلقَّون ذلك منهم علیهم السلام من دون استغراب أو تساؤل.

وإذا أردنا تطبيق هذا الأمر على مصطلح التباكي الوارد في روايات كثيرة وفي أبواب مختلفة - كما سيتبيَّن لنا - نجد أنّ أصحاب الأئمّة ورواة أحاديثهم تلقّوا هذه الروايات وتعاطوا معها تعاطياً إيجابياً، ومن دون ردٍّ أو تساؤل وتعجب؛ ممّا يعني أنّ الأمر به من قِبَل الأئمّة علیهم السلام ليس فيه أيُّ غرابة، وأنّه مصطلح ليس فيه شائبة الرياء أو التظاهر المنبوذ.

ويستشفّ من ذلك أنّ هذا الفعل كان رائجاً ومتعارفاً بينهم؛ ممّا يوجِد لنا مؤشراً واضحاً على مشروعيته أيضاً.

مشروعية التباكي

بعد أن تبيَّن لنا حقيقة التباكي وأنّه أُسلوب يقوم به مَن أراد البكاء ولم يقدر على ذلك - لا كما يصوره بعضهم من أنّه رياء لا يفيد صاحبه إن قام به - صار لزاماً علينا أن ننظر إلى مدى صحّة القول بترتّب الثواب على هذه العملية التي يقوم بها بعض أتباع أهل البيت علیه السلام في مجالس العزاء التي تُقام لذكر الإمام أبي عبد الله الحسين علیه السلام ، بل في كلّ موطن ندب به الأئمّة علیهم السلام أتباعهم إلى البكاء، ففي حال عدم تمكُّن بعضهم من البكاء يلتجئ إلى التباكي بمعناه الذي مرّ علينا، فهل أنّ هذا الشيء من الأُمور المشروعة والتي يترتّب عليها حصول الثواب أم لا؟

وما يمكن أن يستُدلّ به على المشروعية هو مجموعة من الأدلّة:

الدليل الأول: استحباب التباكي في بعض العبادات

سبق وأن قلنا: إنّ مفردة التباكي من المفردات التي كان لها حضوراً واضحاً في مواطن كثيرة من كتب الحديث والفقه، ونذكر منها ما يلي:

1- التباكي في الصلاة

تُعتبر الصلاة - كفعل عبادي - من أكثر العبادات التي تضرّ في صحّتها الأفعال الريائية، فقد أكّدت الروايات على تجنّب المصلي الأفعال التي تؤدي إلى مراءاته للآخرين، بل أفتى الفقهاء ببطلان الصلاة فيما لو نوى الرياء ولو في بعض أجزائها، ومَن تتبّع هذا الحكم في المجاميع الفقهية يقطع بأنّه رأي مشهور الفقهاء؛ إذ لم يخالف في ذلك سوى القلّة القليلة(1)، إلّا أنّنا نجدهم جَوزوا التباكي في الصلاة(2)، ولم يفتوا ببطلانها فيما لو تباكى المكلَّف في أثناء صلاته، بل أفتوا باستحبابه فيها(3)وفقاً للروايات الواردة في هذا المضمار، ولم تنصرف أذهانهم إلى أنّه تظاهر بالبكاء أو التشبّه بهيئة الباكين؛ فيتحدّ مع الرياء في نتيجة واحدة، فضلاً عن كونه منه.

وأما الروايات التي تحدَّثت عن التباكي في الصلاة فهي:

أولاً: ما رواه الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن حماد بن عثمان،


1) اُنظر: العلاّمة الحلي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء: ج3، ص110. الشهيد الأول، محمد بن مكي، الدروس الشرعية: ج1، ص166. الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد: ج2، ص226. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، روض الجنان: ج1، ص95.

2) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى: ص74. والعلّامة الحلي، الحسن بن يوسف، تحرير الأحكام: ج1، ص268. وقال العلّامة المجلسي&: «واعلم أنّ الأكثر جوزوا التباكي في الصلاة». المجلسي، محمد باقر، شرح مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول: ج2، ص55.

3) اُنظر: الشهيد الأول، محمد بن مكي، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة: ج4، ص11. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام: ج1، ص228.

عن سعيد بياع السابري، قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام : «أيتباكى الرجل وهو في الصلاة؟ قال: بخ بخٍ، ولو مثل رأس الذباب»(1).

ثانياً: ما رواه الصدوق رحمة الله بإسناده، عن منصور بن يونس بزرج، أنّه سأل الصادق علیه السلام : «عن الرجل يتباكى في الصلاة المفروضة حتى يبكي؟ فقال: قرّة عين والله. وقال: إذا كان ذلك فاذكرني عنده»(2).

2- التباكي في الدعاء

يعدّ الدعاء في النصوص الشرعية في عداد العبادات التي يتقرَّب بها العبدُ إلى ربِّه، بل من أفضلها، إذ ورد في بعض النصوص أنّ الدعاء مخ العبادة(3)ولذا يتأثّر سلباً وإيجاباً نتيجة بعض الأفعال(4)والخواطر التي تخطر على قلب الداعي، فتجعله مستجاباً تارة، وأُخرى مردوداً، ومع ذلك نلاحظ أنّ بعض الروايات الواردة عن الأئمّة علیهم السلام ورد فيها الحثّ والتأكيد على التباكي في الدعاء؛ وما ذلك إلّا لأنّ التباكي فعل لا علاقة له بالرياء والتظاهر؛ فقد روي عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة، قال: قال أبو عبد الله علیه السلام لأبي بصير: «إن خفت أمراً يكون أو حاجة تريدها فابدأ بالله، ومجده وأثن عليه كما هو أهله، وصلِّ على النبي صلی الله علیه و اله وسل حاجتك، وتباكَ ولو مثل رأس الذباب، إنّ أبي علیه السلام كان يقول: إنّ أقرب ما يكون العبد من الربّ وهو ساجد باكٍ»(5). وأيضاً ما تقدّم ذكره عن محمد بن يحيى، عن ابن فضال، عن يونس بن يعقوب، عن سعيد بن يسار بياع السابري قال: قلت لأبي عبد


1) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج3، ص301.

2) الصدوق، محمد بن علي، مَن لا يحضره الفقيه: ج7، ص247.

3) اُنظر: الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج7، ص27.

4) فقد وردت روايات كثيرة تحثّ على استحباب الدعاء مع حال البكاء. اُنظر: المصدر السابق: ج4، ص1122.

5) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص483.

الله علیه السلام : «إنّي أتباكى في الدّعاء وليس لي بكاء. قال: نعم، ولو مثل رأس الذّباب»(1).

وما ذلك إلّا لأنّ التباكي نمط من الأنماط التي لا تُماثل الرياء، وأنّها من الأفعال المطلوبة حقيقة.

3- التباكي في قراءة القرآن

بما أنّ الدليل القطعي دلّ على أنّ القرآن الكريم هو كلام الله الذي خاطب به نبيه صلی الله علیه و اله بالمباشرة، وكافّة الناس بالتبع، فإنّ لقراءته طقوساً خاصّة تختلف فيها حالات القارئ باختلاف ما تتضمَّنه الآية التي يتلوها، فعندما يمرّ القارئ بآيات الوعد الإلهي للمؤمنين بالجنّة تغمره الفرحة والسعادة، وبخلاف ذلك فيما لو مرّ على آيات الوعيد الإلهي بالعذاب؛ فإن الحزن والبكاء يغلب عليه؛ ولذا ورد التأكيد على استحبابه عند قراءة القرآن(2)، وقد كان هذا حال بعض أصحاب الأئمّة علیهم السلام فضلاً عن النبي صلی الله علیه و اله والأئمّة أنفسهم، وكان للبكاء في تلاوة القرآن أثره الإيجابي على أصحابه، حتى مُدح بعضهم في كتب السير لأجل بكائه في تلاوة القرآن(3)، وبما أنّ البكاء لا يتهيأ دائماً لبعضهم فقد أمر النبي صلی الله علیه و اله بالتباكي لمَن لا يقدر على البكاء، وهذا ما جاء في الرواية التالية عن محمد بن علي بن الحسين، عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن يحيي، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن عيسى، عن أبي زكريا المؤمن، عن سليمان بن خالد، عن الصادق علیه السلام قال: «إنّ رسول الله صلی الله علیه و اله أتى شباباً من الأنصار فقال: إنّي أُريد أن أقرأ عليكم فمَن بكى فله الجنّة. فقرأ آخر الزمر «وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا » إلى آخر السورة، فبكى القوم جميعاً إلّا شاباً، فقال: يا رسول الله، قد تباكيت فما قطرت عيني. قال: إنّي معيد عليكم فمَن تباكى فله الجنّة. قال: فأعاد عليهم فبكى القوم


1) المصدر السابق.

2) اُنظر: الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج6، ص219.

3) فقد مُدح أويس القرني لأنّه كان يبكي في قراءته لكتاب الله. اُنظر: ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج9، ص424. الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج4، ص27. وغيرهما من المصادر الأُخرى.

وتباكى الفتى فدخلوا الجنّة جميعاً»(1). ففي هذه الرواية تصريح واضح على أنّ التباكي أمر مطلوب ويترتَّب عليه أثر وهو دخول الجنّة والسعادة الدائمة للإنسان.

استحباب الحزن والتحازن في قراءة القرآن

من الواضح والمتّفق عليه أنّ الحزن والتحازن بما يحملان من معنى إنّما هو مرتبة أقلّ من التباكي؛ إذ إنّ الحزن - فضلاً عن التحازن والذي يكون بتكلُّف الحزن - إنّما يتحقق قبل أن يأتي الدور إلى حالات البكاء وعدمه، مع أنّ المتتبّع للأحاديث الشريفة يجد أنها تُبيِّن بأنّ الحزن والتحازن في بعض موارده من الأُمور التي يترتَّب عليها الثواب الجزيل، ومن هذا المقام ما ورد عن رسول الله صلی الله علیه و اله أنّه قال: «إنّ القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فتحازنوا»(2).

ومن هذا الحديث يمكننا أن نستدلّ لموضوعنا مورد البحث وذلك من خلال تأسيس قاعدة مفادها أنه قد يكون المصداق الأقلّ مستحباً فيما لو كانت المرتبة الأعلى لا تتيسر للمكلف، خصوصاً إذا وردت نصوص الروايات على ذلك.

وعليه؛ فلا يكون مورد بحثنا غريباً، بعد أن دلّت الروايات على استحبابه والتصريح فيها بتدرّج الندب إليه في حال عدم تيسُّر البكاء للمكلَّف، كما سوف يأتي.

والحصيلة النهائية من هذا الدليل: تتبلور في أنّ التباكي نمط من الأنماط التي توصِل الإنسان إلى حالة البكاء، وهو في حدّ ذاته أمر مطلوب وإن لم يحصل منه البكاء.

الدليل الثاني: الروايات الدالّة على استحباب التباكي على مصيبة الحسين علیه السلام

بعد أن اتّضح لنا معنى التباكي بالبيان المتقدِّم، أصبح من السهل والمتيسر جداً تقبُّل هذا الفعل في سائر العبادات عموماً وفي العزاء الحسيني خصوصاً، وعلاوة على ذلك فإنّ الروايات التي جاءت في خصوص التباكي على مصاب أبي عبد الله الحسين علیه السلام من الكثرة


1) الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج6، ص219.

2) الزمخشري، جار الله، الكشاف: ص514. الكاشاني، فتح الله، زبدة التفاسير: ج4، ص190.

بمكان تبلغ حدّ التواتر وتدعو الباحث إلى التعبُّد بها والالتزام بمؤدّاها، وهي ما يلي:

الطائفة الأُولى: الروايات التي نصّت على مفردة التباكي

جاءت هذه المفردة في الأحاديث الواردة عن أهل البيت علیهم السلام في خصوص التباكي على مصيبة الحسين علیه السلام بعد التدرّج في بيان الأجر الذي يترتّب على البكاء والإبكاء إلى أن انتهى الكلام إلى التباكي، وهي كالتالي:

1- ما رواه ابن قولويه، بقوله: حدَّثني أبو العباس، عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن الحسن بن علي بن أبي المغيرة، عن أبي عمارة المنشد، عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال: «... يا أبا عمارة... ومَن أنشد في الحسين علیه السلام شعراً فبكى فله الجنّة، ومَن أنشد في الحسين شعراً فتباكى فله الجنّة»(1).

2- ما رواه الصدوق بقوله: حدَّثنا محمد بن موسى بن المتوكل، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «مَن أنشد في الحسين علیه السلام بيتاً من شعر فبكى وأبكى عشرة فله ولهم الجنّة. فلم يزل حتى قال: ومَن أنشد في الحسين علیه السلام شعراً فبكى - وأظنّه قال: - أو تباكى فله الجنّة»(2).

3- ما ورد في مناجاة موسى علیه السلام مع الله: «...وما العاشوراء؟ قال: البكاء والتباكي على سبط محمد صلی الله علیه و اله ، والمرثية والعزاء على مصيبة وَلَد المصطفى، يا موسى، ما من عبد من عبيدي في ذلك الزمان، بكى أو تباكى وتعزّى على وَلَد المصطفى صلی الله علیه و اله : إلّا وكانت له الجنّة ثابتاً فيها»(3).

وغيرها من الروايات التي تدلّ صراحة على استحباب التباكي في هذه المصيبة المؤلمة، وحصول الثواب الجزيل، واستحقاق المتباكي السكنى في الجنّة.


1) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص209.

2) الصدوق، محمد بن علي، ثواب الأعمال: ص85.

3) النوري، الميرزا حسين، مستدرك الوسائل: ج10، ص319.

الطائفة الثانية: الروايات الدالّة على استحباب الفعل المتحدّ نتيجة مع التباكي

ورد في طائفة أُخرى روايات تدلّ على أنّ الأجر الذي أعدّه الله لِ-مَن تفاعل مع مصيبة الإمام الحسين علیه السلام يترتّب على الفعل الذي يتحدّ مع التباكي في النتيجة التي يؤدّي إليها، وذلك في مورد نزول دمعة، أو تقطر من عينه قطرة - بل إنّنا نستشفّ ظهور هذه الطائفة في إرادة التباكي ضمناً أو التزاماً، بعد أن عرفنا معنى التباكي من خلال الروايات المتقدِّمة في الأبحاث السابقة - والروايات في هذا المجال كثيرة ننقل بعضها:

1- ما رواه المفيد، عن أبي عمرو عثمان الدقاق، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن أحمد بن يحيى الأودي، عن مخول بن إبراهيم، عن الربيع بن المنذر، عن أبيه، عن الحسين بن علي علیه السلام قال: «ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة، أو دمعت عيناه فينا دمعة إلّا بوأه الله بها في الجنّة حقباً»(1).

2- روى البرقي عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن بكر بن محمد، عن الفضيل، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «مَن ذُكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كان مثل زبد البحر»(2).

3- أورد ابن قولويه، عن حكيم بن داود بن حكيم، عن سلمة، عن بكار بن أحمد القسام والحسن بن عبد الواحد، عن مخول بن إبراهيم، عن الربيع بن المنذر، عن أبيه قال: سمعت علي بن الحسين علیه السلام يقول: «مَن قطرت عيناه فينا قطرة، ودمعت عيناه فينا دمعة بوأه الله بها في الجنّة حقباً»(3).

4- ما ذكره علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «مَن ذَكَرنَا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر»(4).


1) المفيد، محمد بن محمد، الأمالي: ص341.

2) البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن: ج1، ص63.

3) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص202.

4) القمي، علي بن إبراهيم، كامل الزيارات: ج2، ص292.

5- عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون المكفوف، قال: قال لي أبو عبد الله علیه السلام : «يا أبا هارون، مَن أنشد في الحسين علیه السلام شعراً فبكى وأبكى عشرة كتب لهم الجنّة، ومَن أنشد في الحسين علیه السلام شعراً فبكى وأبكى خمسة كتب له الجنة، ومَن أنشد في الحسين علیه السلام شعراً فبكى وأبكى واحداً كتب لهم الجنة، ومَن ذُكر الحسين علیه السلام عنده فخرج من عينيه مقدار جناح ذبابة كان ثوابه على الله ولم يرضَ له بدون الجنّة»(1).

والتعبير بجناح ذبابة لا يسمى بكاءً على الموازين اللغوية، وإنّما يتلاءم مع حالة التباكي، والنتيجة التي يُنتهى إليها كما ذُكر في الروايات الآنفة الذكر في مراتب التباكي، خصوصاً وأنّ التعبير الذي سبق الفقرة الأخيرة من الرواية تضمَّن التعبير بالبكاء إلّا هذه الفقرة، فلم يقل الإمام علیه السلام سوى: «فخرج من عينيه مقدار جناح ذبابة»، كما مرّ معنا في بعض الروايات.

الدليل الثالث: الروايات المؤكدة على استحباب إظهار التضامن مع مصيبة الحسين علیه السلام

يمكن أن يُستدلّ لاستحباب التباكي وأنّه ليس له مساس بالمراءات من خلال مجموعة من الأدلّة التي تؤدّي إلى نتيجة واحدة، يجمعها عنوان وقاسم مشترك، وهو: (التحشيد الإعلامي للحدث المفجع)، وتدلّ على أنّ لكلّ واحد منها طريقة من الطرق التي يظهر فيها التضامن مع تراجيديا كربلاء التضحية والمصيبة الفاجعة، وهي ما يلي:

1- ترتب الثواب على مجرّد الحضور لأجل إحياء أمرهم علیهم السلام

هناك نمط من الروايات التي رتّبت الثواب على بعض الأفعال التي يمكن أن تكون في عداد أحاديث التباكي، حيث إنّ بعضها تُبيِّن أنّ الحضور في مجالس العزاء التي تُقام لذكر أهل البيت علیهم السلام - بل مطلق المجالس التي يُحيى فيها أمرهم علیهم السلام - له من المميزات والخصائص التي ترقى بالمكلّف إلى مراتب عالية ومقامات رفيعة، وكما هو واضح فإنّ التباكي بالمعنى المتقدِّم له مرتبة تفوق الحضور المجرّد عن البكاء أو التباكي فيما لو كان


1) ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص202.

حضوره لإحياء أمرهم، فقد ورد عن الإمام الرضا علیه السلام قال: «مَن تذكّر مصابنا وبكى لما ارتُكب منّا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومَن ذُكّر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبكِ عينه يوم تبكي العيون، ومَن جلس مجلساً يُحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب»(1).

2- الروايات الدالّة على أنّ نَفَسَ المهموم لأهل البيت علیهم السلام عبادة

تُصرح بعض النصوص الواردة عن أهل البيت علیهم السلام على أنّ تفاعل المؤمن مع مصابهم ومظلوميتهم والهم الذي يصيبه لذلك يجعل من أنفاسه تسبيحاً وهمّه عبادةً، كما ورد عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «نفس المهموم لظلمنا تسبيح، وهمّه لنا عبادة، وكتمان سرِّنا جهاد في سبيل الله»(2). وبما أنّ التباكي في مصاب الإمام أبي عبد الله علیه السلام هو الاجتهاد والسعي لتحصيل البكاء، فلا أقل من اعتباره في عداد الهم الذي يعلو المهموم لظلمهم علیهم السلام إن لم يكن أعلى منه بكثير، وينتج لنا من ذلك أنّ التباكي من الأُمور التي تقرِّب العبد إلى الله.

3- استحباب إظهار الجزع على مصيبة الحسين علیه السلام

اعتبرت الروايات الواردة عن أهل البيت علیه السلام إظهار الجزع على مصاب أبي عبد الله علیه السلام أحد الطرق التي يُعبِّر فيها الإنسان عن تفاعله وتألمه على هذا المصاب، وأنّه فعل مستحب وممدوح عليه، وقد صُرِّح في بعضها أنّ هذا الحكم مستثنى من النطاق العام الذي يتّصف به الجزع المحرّم في الشريعة، كما قال أبو عبد الله الصادق علیه السلام : «ما أُصيب وُلد فاطمة ولا يُصابون بمثل الحسين علیه السلام ... كلّ الجزع والبكاء مكروه سوى الجزع والبكاء على الحسين»(3).

ومن خلال نظرة مجموعية إلى هذه الموارد يُستفاد أنّ أحد الأغراض التي تؤدّيها


1) الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا علیه السلام : ج1، ص264.

2) المفيد، محمد بن محمد، الأمالي: ص338. والطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ص115.

3) الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ص162.

عملية إظهار الجزع هي الترويج لقضية الإمام الحسين علیه السلام ونهضته المباركة، وأنّها تشكِّل تحشيداً إعلامياً لواقعة الطفّ.

نستظهر - من ذلك - أنّ التباكي نوع من أنواع التحشيد الإعلامي لواقعة الطفّ الدامية، وأنّه يؤدّي الغرض كبقية الأفعال التي ندب إليها أهل البيت علیهم السلام ، فكما أن لبس السواد على مصيبة الحسين علیه السلام يُعلَن من خلاله التفاعل والتأثّر لها، كذلك المتباكي يُعلن تفاعله والاصطفاف مع هذا المصاب، فيحصل على الثواب الذي أعدّه الله ووعد به الأئمّةُ علیهم السلام شيعتَهم.

المحصلة النهائية

يتلّخص ممّا تقدَّم معنا الأُمور التالية:

1- إنّ التباكي الذي ذُكر معناه في المعاجم اللغوية بأنّه تكلُّف البكاء يعني أنّ المكلَّف يجتهد ويسعى لتحصيل البكاء، وأنّه قد يوصل المكلّف إلى حالة البكاء.

2- إنّ هناك روايات دالّة على استحباب التباكي في موارد عديدة من الفقه الإسلامي، من قبيل: التباكي في الصلاة، والدعاء، وقراءة القرآن، مضافاً إلى التباكي في مصيبة أبي عبد الله الحسين علیه السلام ، وقد ذُكر بعض هذه الروايات في كتب الحديث المعتبرة.

3- إنّ الروايات الدالّة على استحباب التباكي تورث الاطمئنان بصدورها وفق الموازين العلمية.

4- إنّ التباكي وإن لم يؤدِّ في النتيجة إلى حصول البكاء، إلّا أنّه يحافظ على محبوبيته لدى الأئمّة علیهم السلام .

5- هناك بعض الروايات في خصوص التفاعل مع مصيبة أبي عبد الله علیه السلام يفهم منها أنّ المراد هو ما يؤول إليه حال المتباكي في النتيجة، وهي الروايات القائلة: «مَن ذُكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب».

6- إنّ التباكي نمط من أنماط التحشيد والترويج الإعلامي لواقعة كربلاء الدامية، فيمكن أن يستدلّ له من خلال استحباب إظهار الجزع، أو لبس السواد، أو حضور

المجالس وغيرها من الموارد.

7- أنّ النتيجة المهمّة التي يُطمَأنّ بها في المقام هو أنّ ذكر التباكي في مصيبة الحسين علیه السلام ليس من باب المبالغة في الثواب، بل إنّه - كنظائره في الأبواب الأُخر التي تقدَّمت - مطلوب ومستحبّ حقيقة.

دراسات دينية

اشارة

سب بني أُمية لأمير المؤمنين علیه السلام

العصمة من منظور عقلي وقرآني (دراسة مقارنة)

قاعدة مشايخ الثقات وإشكالية الإسناد والإرسال

سب بني أُمية لأمير المؤمنين علیه السلام

ظاهرة استمرت بعد معاوية حتى حكومة عمر بن عبد العزيز

د. السيد حاتم البخاتي

د. السيد حاتم البخاتي(1)

تقدم الحديث في العدد السابق فيما يتصل بظاهرة السب في زمن معاوية وولاته وأرشدتنا الأدلة والقرائن إلى أنها ظاهرة حكومية منظّمة أمر بها معاوية وأَسّس لها، ومارسها ولاته على رؤوس الأشهاد في خطبهم وأحاديثهم وأمروا بها المسلمين، وفي هذا المقال نريد أن نقول: إنّ هذه الظاهر لم تنقطع بعد وفاة معاوية وإن الجهاز الحاكم واصل ترويجها والعمل بها حتى زمن عمر بن عبد العزيز، بل استمرت على المنوال نفسه ظاهرة حكومية رسمية ومن على المنابر وفي المحافل العامة والخاصة، وتدلّنا العديد من الشواهد والأدلّة على أنّ سنّة سبّ أمير المؤمنين على منابر بني أُمية أضحت جزءاً لا يتجزّأ من المراسم الرسمية التي يمارسها الولاة والأُمراء والخطباء، بل وأضحى بُغض أمير المؤمنين وسبّه في بلاد الشام على - أقل تقدير - ظاهرة اجتماعية، فضلاً عن كونها ظاهرة سياسية حكومية، وسوف نتطرّق تباعاً لذكر تلك الشواهد التي تؤيد ذلك:


1) كاتب وباحث إسلامي.

الدلائل على استمرار ظاهرة السبّ وشيوعها في الدولة الأُموية

أولاً: ممارسة الولاة والأُمراء للسبّ والشتم

لقد وصلت إلينا بعض المعطيات والشواهد التاريخية - رغم سياسة كمّ الأفواه وقطع الألسن، سواء بالسيف أو بالمال التي كان يمارسها حكّام بني أُمية - تكشف استمرار بعض ولاة بني أُمية وأُمرائهم بعد وفاة معاوية، بسبّ علي وشتمه واستمرارهم بأمر بعض المسلمين بذلك، ومَن يمتنع يواجه العقاب المرير الذي قد يصل إلى حدّ القتل في بعض الأحيان نقدم فيما يلي بعض الأدلة على ذلك:

1- الحجاج بن يوسف الثقفي

من الأُمراء الذين عُرفوا ببغضهم لعلي علیه السلام هو الحجّاج بن يوسف بن عقيل بن مسعود بن عامر، وُلِدَ بمنازل ثقيف في الطائف في سنة 41ه- ويُذكر أنّ أسمه كان كليب فأبدله بالحجّاج.

ألقى الرعب في قلوب أهل العراق، ومن العراق حكمَ الحجاجُ الجزيرة العربية، فكانت اليمن والبحرين والحجاز، وكذلك خراسان من المشرق تابعة لحكمه، فقاتل وقتل كلّ مَن يُشمّ منه رائحة المعارضة والسخط على بني أُمية، فولغ في دماء المسلمين وسامهم ألوان العذاب والذلّ والهوان، وقتل منهم خيرة التابعين من الفقهاء والعلماء والقرّاء ومن بينهم التابعي الجليل والعالم الفقيه سعيد بن جبير(1).

قال ابن خلكان: «وكان للحجاج في القتل وسفك الدماء والعقوبات غرائب لم يُسمَع بمثلها»(2).

أخرج الترمذي في سننه، عن هشام بن حسان، قال: «أحصوا ما قتل الحجاج صبراً فبلغ مائة ألف وعشرين ألف قتيل»(3)، هذا بالإضافة إلى مَن قُتل في عساكره وحروبه ومَن


1) اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص262.

2) ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان: ج2، ص31.

3) الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي: ج3، ص339.

ملأ السجون بهم من الرجال والنساء، روى الذهبي في تاريخه: «أطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة واحداً وثمانين ألف أسيراً، وعُرضت السجون بعد موت الحجاج، فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفاً، لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب. وقال الهيثم بن عدي: مات الحجاج، وفي سجنه ثمانون ألفاً، منهم ثلاثون ألف امرأة. وعن عمر بن عبد العزيز، قال: لو تخابثت الأُمم، وجئنا بالحجاج لغلبناهم، ما كان يصلح لدنيا ولا لآخرة»(1).

وهو القائل في وصيته: «أنّه لا يعرف إلّا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيى، وعليها يموت، وعليها يُبعث»(2).

وكانت عاقبته أن هلك في سنة 95ﻫ بمرض الأكلة التي اخترقت بطنه ونُقل أنّه قد دعا بالطبيب لينظر إليها فأخذ لحماً وعلقه في خيط وسرحه في حلقه وتركه ساعة ثم أخرجه وقد لصق به دود كثير، وسلّط الله تعالى عليه الزمهرير، فكانت الكوانين تجعل حوله مملوءة ناراً وتُدنى منه حتى تحرق جلده وهو لا يحسّ بها، وهذه عاقبة الذين أساءوا السوء، نستجير بالله تعالى وجميع المؤمنين(3).

الحجّاج وعلاقته بأهل البيت علیهم السلام وشيعتهم

تقدّم من خلال ما بيّناه من سيرة الحجاج أنّه كان متفانياً في طاعة بني أُمية والإخلاص لهم فكان لا يدّخر وسعاً في موالاتهم ومعاداة عدوهم، فمن الطبيعي أن يكون أهل البيت وشيعتهم في مقدِّمة ضحايا الحجاج لموقفهم الواضح من بني أُمية، فقد عُرف ببغضه لأهل البيت علیهم السلام ونصبه العداء لهم، الأمر الذي شهد به كثير من العلماء والمؤرِّخين، ونكتفي بنقل كلام اثنين من أهمّ المؤرِّخين وهما الذهبي وابن كثير:

أمّا ابن كثير والذي يُعدّ من أكثر المؤرِّخين إنصافاً للحجاج، فيقول: «وقد كان


1) الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج6، ص324.

2) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج9، ص159.

3) للاطلاع على مزيد من ترجمة وأخبار الحجاج، اُنظر: ابن كثير، البداية والنهاية: ج9، ص136، ابن خلكان وفيات الأعيان: ج2، ص29، الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج6، ص324، وغير ذلك من المصادر.

ناصبياً يُبغض علياً وشيعته في هوى آل مروان بني أُمية، وكان جباراً عنيداً، مقداماً على سفك الدماء بأدنى شبهة»(1).

وقال الذهبي: «أهلكه الله في رمضان سنة خمس وتسعين كهلاً، وكان ظلوماً، جباراً، ناصبياً، خبيثاً، سفّاكاً للدماء»(2).

فكان يقتنص الفرص للتنقيص من مكانة أهل البيت، وذلك فيما أخرجه الحاكم في مستدركه بسنده عن عبد الملك بن عمير وبسند آخر عن عاصم بن بهدلة، قال: «اجتمعوا عند الحجاج فذُكر الحسين بن علي، فقال: الحجاج لم يكن من ذرّية النبي صلی الله علیه و اله وعنده يحيى بن يعمر، فقال له: كذبت أيها الأمير. فقال: لتأتيني على ما قلتَ بينة ومصداق من كتاب الله أو لأقتلنك قتلاً. فقال: ومن ذرّيته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى إلى قوله وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس. فأخبر الله: أنّ عيسى من ذرّية آدم بأُمّه، والحسين بن علي من ذرّية محمد صلی الله علیه و اله بأُمّه. قال: صدقت فما حملك على تكذيبي في مجلسي؟ قال: ما أخذ الله على الأنبياء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، قال الله:« فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا »، قال: فنفاه إلى خراسان»(3).

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حرب بن أبي الأسود، قال: «أرسل الحجاج إلى يحيى ابن يعمر فقال: بلغني أنّك تزعم أنّ الحسن والحسين من ذرّية النبي تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده!»(4)، فذكر يحيى بن يعمر نحو ما تقدَّم.

وقد تتّبع أهلَ البيت علیهم السلام وشيعتهم تحت كلّ حجر ومدر، فقتل مَن قتل منهم وزجّ مَن زجّ منهم في غياهب السجون، ولم يسلم منه إلّا مَن كان بطن الأرض له خير من ظهرها، ومن الأمثلة على الذين قتلهم الحجاج صبراً من شيعة أمير المؤمنين: كميل


1) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج9، ص153.

2) الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج4، ص343.

3) الحاكم النيسابوري، المستدرك: ج3، ص164 - 165. وسكت عنه الذهبي في التلخيص، وأخرج الحديث البيهقي في السنن الكبرى: ج6، ص166.

4) ابن أبي حاتم، محمد بن إدريس، تفسير ابن أبي حاتم: ج4، ص1335.

ابن زياد النخعي، قال الذهبي: «كميل بن زياد النخعي شريف مطاع، من كبار شيعة علي... قتله الحجاج»(1).

الحجاج وسبّه أمير المؤمنين علیه السلام

من خلال ما تقدّم من سيرة الحجاج وسلوكه العدواني تجاه خصومه من سفكٍ لدمائهم وانتهاك لحرمتهم من دون خوف أو وَجَل من الله، سوى الخوف من بني أُمية وكسب ودّهم ورضاهم، فلا غرابة عندئذٍ أن يكون سبّ أمير المؤمنين علیه السلام - جرياً على السنّة التي انتهجها بنو أُمية - من أيسر ما يقوم به الحجاج؛ لذا نجد أنّ التاريخ يخبرنا أنّه وخطباءه كانوا يمارسون رذيلة السبّ جهراً وعلانية، بل لم يتورّع عن إجبار المسلمين بالقوّة على سبّه علیه السلام ومعاقبة مَن يمتنع عن ذلك بأشدّ العقوبات:

قال ابن حزم الظاهري في المحلى: «رُوِينا من طرِيقِ سُفيان الثّورِي عن مُجَالدٍ قال: رأيت الشَّعبِي، وأبا بُردةَ بْن أبِي موسى الأشعرِي يتكلَّمَانِ وَالحجَّاجُ يَخطُبُ حين قال: لَعَنَ الله وَلَعَنَ الله، فقلت: أتتكلّمان في الخطبة؟! فقالا: لم نؤمَر بأن ننصت لهذا. وعن المعتمر بن سليمان التيمي، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: رأيت إبراهيم النخعي يتكلَّم والإمام يخطب زمن الحجاج. قال أبو محمد: كان الحجاج وخطباؤه يلعنون علياً وابن الزبير رضي الله عنهم ولعن لاعنهم»(2).

وروى ابن سعد في الطبقات الكبرى أنّ عطية العوفي قد خرج مع ابن الأشعث على الحجاج، فلمّا انهزم جيش ابن الأشعث هرب عطية إلى فارس، فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم الثقفي: «أن ادعُ عطية فإن لعن علي بن أبي طالب، وإلّا فاضربه أربعمائة سوط واحلق رأسه ولحيته، فدعاه فأقرأه كتاب الحجاج فأبى عطية أن يفعل، فضربه أربعمائة وحلق رأسه ولحيته»(3).


1) الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج5، ص516.

2) ابن حزم، علي بن أحمد، المحلى بالآثار: ج5، ص469.

3) ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى: ج6، ص304.

وفي سير أعلام النبلاء، عن أبي حصين: «أنّ الحجاج استعمل عبد الرحمن بن أبي ليلى على القضاء، ثمّ عزله، ثمّ ضربه ليسبّ أبا تراب، وكان قد شهد النهروان مع علي»(1).

وروى البسوي طرفاً من حادثة ضرب الحجاح لابن أبي ليلى، عن الأعمش، قال: «رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد ضربه الحجاج، وكان يحضره شيخاً وهو متكئ على ابنه وهم يقولون له: إلعن الكذّابين. فيقول: لعن الله الكذابين. ثمّ يقول: الله الله! علي ابن أبي طالب، عبد الله ابن الزبير، المختار بن أبي عبيد. قال الأعمش: وأهل الشام حوله كأنّهم حمير لا يدرون ما يقول وهو يخرجهم من اللعن»(2).

وذكر ابن حجر في ترجمة مصدع أبي يحيى الأعرج المعرقب مولى عبد الله بن عمر، قال: «قلت: إنّما قيل له: المعرقب؛ لأنّ الحجاج أو بشر بن مروان عرض عليه سبّ علي، فأبى فقطع عرقوبه»(3).

2- محمد بن يوسف الثقفي (أخو الحجاج)

وممّن كان يسبّ علياً علیه السلام محمد بن يوسف الثقفي، استعمله الحجاج على اليمن، وكان ظلوماً غشوماً، أساء السيرة وظلم الرعية، وأخذ أراضي الناس بغير حقّها، ولمّا قُتل ابن الزبير بعث الحجاج بكفّه إليه فعلّقها بصنعاء، وعن عمر بن عبد العزيز، قال: «الوليد بالشام والحجاج بالعراق، ومحمد بن يوسف باليمن، وعثمان بن حيان بالحجاز، وقرة بن شريك بمصر، امتلأت والله، الأرض جوراً»(4).

وكان على سيرة الحجاج يلعن علياً علیه السلام على المنابر ويأمر بذلك، قال عنه ابن كثير:


1) الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج4، ص267.

2) البسوي، يعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ: ج1، ص326.

3) ابن حجر، أحمد بن علي، تهذيب التهذيب: ج10، ص143.

4) ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج49، ص308. الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج6، ص471.

«وكان يلعن علياً على المنابر»(1).

وقال الصفدي: «وكان محمد يسبّ علياً على المنبر ويأمر بذلك»(2).

ومن الذين أمرهم محمد بن يوسف الثقفي بسبّ أمير المؤمنين علیه السلام التابعي حجر ابن قيس الهمداني، قال الصفدي: «وأخذ حجراً المدني(3)، وكان رجلاً صالحاً، فأقامه عند المنبر، وقال: سبّ أبا تراب. فقال: إن الأمير محمداً أمرني أن أسبّ علياً فالعنوه لعنه الله. فتفرّق الناس على ذلك ولم يفهمها إلّا رجل واحد، وكان علي قال لحجر هذا: كيف بك إذا قمت مقاماً تؤمر فيه بلعنتي؟! قال: أو يكون ذلك؟ قال: نعم، سبّني ولا تتبرأ منّي»(4). وأشار إلى هذه الحادثة الذهبي في تاريخ الإسلام(5)، وابن كثير في تاريخه(6).

وبسبب الظلم والجور الفاحش الذي ارتكبه فقد ابتلاه الله وعاقبه كما ابتلى الطغاة أمثاله، فقد أصابه داء تقطّعت منه أمعاؤه وأعضاؤه وكان به هلاكه(7).

3- خالد بن عبد الله القسري

ومن الطغاة الذين روجوا لسب الإمام علي علیه السلام هو خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري البجلي الدمشقي، كان من عمّال بني أُمية المشهورين، ضارع الحجاج في كثير من صفاته وجاراه في الظلم والبطش والتنكيل بخصوم بني أُمية حتى وصفه


1) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج9، ص95.

2) الصفدي، خليل بن أيبك، الوافي بالوفيات: ج5، ص 158.

3) لعل الصحيح: المدري.

4) الصفدي، خليل بن أيبك، الوافي بالوفيات: ج5، ص158- 159.

5) الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج6، ص470.

6) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج9، ص95.

7) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص267. الصفدي، خليل بن أيبك، الوافي بالوفيات: ج5، ص159.

الصفدي: «كان نحواً من الحجاج»(1).

وكانت أُمّ خالد نصرانية رومية ابتنى بها أبوه في بعض أعيادهم فأولدها خالداً وأسداً، ولم تسلم وبنى لها خالد بيعة(2)، فذمّه الناس والشعراء، فمن ذلك قول الفرزدق:

ألا قطع الرحمن ظهر مطية***أتتنا تهادى من دمشق بخالد

فكيف يؤمّ الناس مَن كانت أُمّه***تدين بأنّ الله ليس بواحد

بنى بيعة فيها النصارى لأُمّه***ويهدم من كفر منار المساجد

قال الحموي في معجم البلدان: «بيعة خالد: منسوبة إلى خالد بن عبد الله القسري أمير الكوفة، كان بناها لأُمّه وكانت نصرانية، وبنى حولها حوانيت بالآجر والجص، ثمّ صارت سكّة البريد»(3).

وقال ابن خلكان: «وكان خالد يُتّهم في دينه، وبنى لأُمّة كنيسة تتعبَّد فيها»(4)، وكان كثيراً ما يُعيَّر بأُمّه.

وقد خدم بني أُمية أكثر من عشرين سنة، أطاعهم فيها طاعةً عمياء أسخط بها الله سبحانه وتعالى من خلال عدّة شواهد ودلائل ذُكرت عنه، منها: أنّه ألقى القبض على التابعي سعيد بن جبير وجماعة عندما كان والياً على مكّة وسلَّمهم إلى الحجاج بعد أن جاءه كتاب من الوليد بن عبد الملك يأمره بذلك، وعندما أنكروا عليه ذلك، قال: «كأنّكم أنكرتم ما صنعت، والله، أن لو كتب إليّ أمير المؤمنين لنقضتها حجراً حجراً؛ يعني الكعبة»(5).

ومنها: أنّه خطب يوماً على منبر مكّة، فقال: «أيها الناس، أيهما أعظم أخليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟ والله، لو لم تعلموا فضل الخليفة ألا إنّ إبراهيم خليل الرحمن


1) الصفدي، خليل بن أيبك، الوافي بالوفيات: ج13، ص156.

2) جمع بيعة بالكسر: وهي معبد النصارى.

3) الحموي، ياقوت، معجم البلدان: ج1، ص532.

4) ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: ج2، ص228.

5) الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج5، ص429.

استسقى فسقاه ملحاً أجاجاً، واستسقاه الخليفة فسقاه عذباً فراتاً(1)»(2).

وله أخبار كثيرة ذكرها المؤرِّخون وأصحاب السير والتراجم، فمَن أراد المزيد فليراجع(3).

خالد القسري وسب الامام علي علیه السلام

إن سيرة خالد القسري تؤكِّد أنّه ممَّن اشتُهر ببغضه وعدائه لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام وأنّه كان يسبّه ويقع فيه على مرأى ومسمع من المسلمين! حتى اعُرف بأنّه ناصبي مبغض يسبّ علياً علیه السلام ، فلم يتعرَّض أحد إلى سيرته إلّا ويذكر عنه هذه الصفة، فقد ورد في تهذيب الكمال وغيره من المصادر، عن عبد الله بن أحمد ابن حنبل، قال: «سمعت يحيى بن معين، قال: خالد بن عبد الله القسري كان والياً لبني أُمية، وكان رجل سوء، وكان يقع في علي بن أبي طالب، وقال أبو نعيم عن الفضل بن الزبير: سمعت


1) عندما ولي الوليد بن عبد الملك إمرة مكّة لخالد بن عبد الله القسري، فحفر بئراً بأمر الوليد عند ثنية طوى وثنية الحجون، فجاءت عذبة الماء طيبة، وكان يستقي منها الناس، ثمَّ غارت تلك البئر فذهب ماؤها. اُنظر: ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج9، ص92.

2) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص225.

3) اُنظر: الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، تاريخ بغداد: ج13، ص378. ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج16، ص138 - 165. الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج5، ص425 - 432. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5، ص225، ص243 - 244، ص261، ص263، ص285، ص378 - 379، ص385، ص557 - 564. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج4، ص536 - 554، ج5، ص124 - 125، ص219 - 226، ص276 - 280. الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال: ج1، ص633. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، تهذيب التهذيب: ج2، ص88. ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان: ج2، ص226 - 231. الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج7، ص318، ج8 ص82 - 58. الصفدي، خليل بن أيبك، الوافي بالوفيات: ج13، ص155- 156. ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج8، ص14، ج9، ص91 - 92، ص113- 114، ص357، ج10، ص19- 27. وغير ذلك من المصادر.

خالداً القسري وذكر علياً فذكر كلاماً لا يحلّ ذكره»(1). وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: «صدوق لكنّه ناصبي بغيض ظلوم. قال ابن معين: رجل سوء يقع في علي»(2). وقال في السير: «لكنه فيه نصب معروف»(3).

وأورد المبرد في الكامل أنّ القسري في وقت إمارته على العراق في خلافة هشام، كان يلعن علياً من على المنبر، ويقول: «اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، صهر رسول الله على ابنته! وأبا الحسن والحسين! ثمّ يُقبل على الناس، فيقول: هل كنيت؟!»(4).

وربّما كان يوصي عمّاله وولاته بالسبّ جرياً على العادة الأُموية كما بيّنا، ففي كتاب التدوين في أخبار قزوين، قال محمد بن زياد المذحجي: «رأيت في مسجد قزوين لوحاً نُقش عليه هذا ممّا أمر به محمد بن الحجاج، وكان عمّال خالد بن عبد الله القسري وسائر عمّال بني أُمية يلعنون في هذا المسجد علياً حتى وثب رجل من موالي بني الجند وقتل الخطيب وانقطع اللعن من يومئذٍ»(5).

والأعجب من ذلك شهادة بعض العلماء له بالصدق والوثاقة، كشهادة الذهبي له بالصدق كما نقلناه آنفاً في ميزان الاعتدال، وجاء في الجرح والتعديل أنّه سُئل سيار أبو الحكم: «كيف تروي عن مثل خالد؟ فقال: إنّه أشرف من أن يكذب»(6).


1) المزي، يوسف، تهذيب الكمال: ج8، ص116. الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج5، ص429. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، تهذيب التهذيب: ج3، ص88. ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج16، ص160.

2) الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال: ج1، ص633.

3) الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج5، ص425.

4) المبرد، محمد بن يزيد، الكامل: ص399.

5) الرافعي، عبد الكريم بن محمد، التدوين في أخبار قزوين: ج1، ص20.

6) الرازي، ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل: ج3، ص340.

وقال ابن حجر في التقريب: «أمير الحجاز، ثمّ الكوفة، ليست له رواية عندهما»(1)، ولم يحكم عليه بشيء، ووثّقه ابن حبان(2)، وصحح الحاكم والذهبي حديثه(3).

ومن البعيد عقلاً أن يتّصف هكذا شخص مع هكذا سيرة بالوثاقة والصدق.

هذا مع أنّه جاء في صحيح مسلم عن علي علیه السلام أنّه قال: «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النبي الأُمّي إليّ أن لا يحبّني إلّا مؤمن، ولا يُبغضني إلّا منافق»(4)، والله سبحانه وتعالى يشهد أنّ المنافقين لكاذبون، قال تعالى: « وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ »(5).

4- عبد العزيز بن مروان

لقد اقتفى عبد العزيز سيرة أبيه في النيل من الإمام علي علیه السلام فهو ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أُمية بن عبد شمس، أبو عمر بن عبد العزيز، وليس غريباً أن يسير على سيرة أبيه مروان بن الحكم ومن قبله معاوية بسبّ وشتم عليٍّ علیه السلام على المنابر في خُطَب الصلوات وباقي المناسبات، فقد كان عبد العزيز حريصاً على مواصلة هذه السُنّة الأُموية.

فقد ذكر البلاذري وابن الأثير، عن عمر بن العزيز قوله: «نشأت على بُغض علي لا أعرف غيره، وكان أبي يخطب فإذا ذكر علياً نال منه فلجلج، فقلت: يا أبه، إنّك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيراً؟ قال: أفطنت لذلك؟ قلت: نعم! قال:يا بني، إنّ الذين من حولنا لو نُعلمهم من حال علي ما نعلم تفرَّقوا عنّا»(6).


1) ابن حجر، أحمد بن علي، تقريب التهذيب: ج1، ص260.

2) ابن حبان، محمد، الثقات: ج6، ص256.

3) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين وبذيله التلخيص للذهبي: ج4، ص168.

4) النيسابوري، مسلم، صحيح مسلم: ج1، ص61.

5) المنافقون: آية1.

6) البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج8، ص195، ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج5، ص42. وزاد ابن الأثير: «تفرقوا عنّا إلى أولاده».

5- سليمان بن عبد الملك

والنموذج الأخير الذي نستعرضه من الولاة الذين مارسوا الشتيمة والبغضاء لعليٍّ علیه السلام بعد معاوية هو سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أُمية، الذي تولّى الحكم سنة 96ﻫ ومات سنة 99ﻫ، والذي كان من ولاته على مكة خالد القسري الناصبي الذي مرّ ذكره، وفيما يتعلّق بمعاداته لأمير المؤمنين علیه السلام فقد أقرّ والياً معروفاً بسبه للإمام علي علیه السلام بالإضافة إلى ما أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء بسنده عن العلاء بن كريز، قال: «بينما سليمان بن عبد الملك جالس إذ مرّ به رجل عليه ثياب يخيل في مشيته، قال: هذا ينبغي أن يكون عراقياً، وينبغي أن يكون كوفياً، وينبغي أن يكون من همدان. ثمَّ قال: علي بالرجل. فأتي به، فقال: ممّن الرجل؟ فقال: ويلك، دعني حتى ترجع إليّ نفسي. قال: فتركه هنيهة، ثمَّ سأله: ممَّن الرجل؟ فقال: من أهل العراق. قال: من أيّهم؟ قال: من أهل الكوفة. قال: أيّ أهل الكوفة؟ قال: من همدان. فازداد عجباً. فقال: ما تقول في أبي بكر؟ قال: والله، ما أدركت دهره ولا أدرك دهري، ولقد قال الناس فيه فأحسنوا، وهو إن شاء الله كذلك. قال: فما تقول في عمر؟ فقال: مثل ذلك. قال: فما تقول في عثمان؟ قال: والله، ما أدركت دهره ولا أدرك دهري، ولقد قال فيه الناس فأحسنوا، وقال فيه ناس فأساءوا وعند الله علمه. قال: فما تقول في علي؟ قال: هو - والله - مثل ذلك. قال: سبّ علياً. قال: لا أسبّه. قال: والله لتسبنّه. قال: والله. لا أسبّه. قال: والله، لتسبنّه أو لأضربن عنقك! قال: والله، لا أسبّه. قال: فأمر بضرب عنقه، فقام رجل في يده سيف فهزّه حتى أضاء في يده كأنّه خوصة، فقال: والله، لتسبنّه أو لأضربن عنقك. قال: والله، لا أسبّه. ثمّ نادى ويلك يا سليمان، ادنني منك. فدعا به، فقال: يا سليمان، أما ترضى منّي بما يرضى به مَن هو خير منك ممَّن هو خير منّي فيمَن هو شرّ من علي؟ قال: وما ذاك، قال: الله رضي من عيسى وهو خير منّي؛ إذ قال في بني إسرائيل وهم شرّ من علي: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».

قال: فنظرت إلى الغضب ينحدر من وجهه حتى صار في طرف أرنبته، ثمَّ قال:

خلّيا سبيله. فعاد إلى مشيته، فما رأيت رجلاً قط خيراً من ألف رجل غيره، وإذا هو طلحة بن مصرف»(1).

هذه بعض الشواهد والأدلّة التي ذكرناها في المقام، وهناك ما تركناه مراعاة للاختصار، وجميعها تؤكِّد بُغض حكّام بني أُمية وولاتهم وعمّالهم ومعاداتهم لأمير المؤمنين علیه السلام ، وكذلك سبّهم وشتمهم له وحمل الناس على فعل ذلك، ولا يعني أنّ الذين لم نذكرهم كانوا لا يفعلون ذلك، بل في ما ذكرناه كفاية على أنّ السبّ والشتم لم يكن حالات فردية شاذة، بل كانت علامة فارقة لحكم بني أُمية وعلى مدى عشرات السنين، وهذا ما سيتّضح أيضاً في النوع الثاني من الدلائل على شيوع حالة السبّ والشتم لعلي علیه السلام من قِبل بني أُمية وذلك من خلال نقل كلمات العلماء وأقوالهم.

ثانياً: منع عمر بن عبد العزيز لظاهرة السبّ

ومن الدلائل أيضاً - على أنّ سبّ علي وشتمه كان سائداً في عصر بني أُمية - هو المنع الذي صدر من الخليفة عمر بن عبد العزيز؛ فإنّه من الأُمور المسلّمة تاريخياً والتي تناقلها العلماء من المؤرِّخين وغيرهم، هو أنّ الخليفة الأُموي عمر بن عبد العزيز الذي حكم من سنة 99ﻫ إلى سنة 101ﻫ قد تصدّى إلى منع ظاهرة سبّ أمير المؤمنين وشتمه من على منابر الدولة الأُموية الرسمية في جميع حواضر الدولة الإسلامية آنذاك، حتى عُدّت هذه الخطوة من مناقبه ومآثره، والتي يذكرها كلِّ مَن ترجم لعمر بن عبد العزيز وعدّ ما قام به من أعمال.

وقبل الشروع بذكر بعض الشواهد الدالّة على ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ عمر بن العزيز في بداية الأمر أيضاً لم يكن بعيداً عن ممارسات بني أُمية من انتقاص علي علیه السلام ، بل كان ممَّن يمارس تلك الرذيلة أيضاً، وهو ما صرَّح به عمر بن عبد العزيز نفسه حينما كان يسمع والده يسبّ عليّاً علیه السلام من على منبر المسلمين، كما ورد في كلام البلاذري وابن


1) الأصبهاني، أبو نعيم، حلية الأولياء: ج2، ص267. واُنظر: العاصمي، عبد الملك، سمط النجوم العوالي: ج3، ص308. ابن خلكان، أحمد بن محمد، وفيات الأعيان: ج2، ص426.

الأثير الذي مرّ سابقاً، والذي جاء فيه قول عمر بن عبد العزيز: «نشأت على بُغض عليٍّ لا أعرف غيره، وكان أبي يخطب فإذا ذكر علياً ونال منه تلجلج، فقلت: يا أبه، إنّك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر عليٍّ عرفت منك تقصيراً؟ قال: أفطنت لذلك؟ قلت: نعم. قال: يا بني، إنّ الذين من حولنا لو نُعلمهم من حال عليٍّ ما نعلم تفرّقوا عنّا إلى أولاده»(1)، فكان ينال من عليٍّ علیه السلام جرياً على العادة الأُموية إلى أن نهاه أُستاذه عن تلك السنّة السيئة، وغيّر قناعته، فقد أخرج البسوي (ت 277ﻫ) في كتابه المعرفة والتاريخ: «فكان عمر يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله، يسمع منه العلم، فبلغ عبيد الله أنّ عمر يتنقص عليَّ بن أبي طالب، فأتاه عمر فقام يصلّي، وأرز(2)عمر فلم يبرح حتى سلّم من ركعتين، فأقبل على عمر بن عبد العزيز، فقال: متى بلغك أنّ الله تعالى سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟ قال: فعرف ما أراد، فقال: معذرة إليك، والله، لا أعود. قال: فما سُمع عمر بن عبد العزيز بعد ذلك ذاكراً عليّاً إلّا بخير»(3)، وقد أورد هذه القضية الذهبي وابن كثير في تاريخه وابن عساكر وغيرهم(4).

وهكذا أخذت النصيحة مجراها وأثرها في حياته؛ لذا عندما وصلت إليه الخلافة عزم على تغيير هذه السنّة الأُموية، فكتب إلى عمّاله في الأمصار بالكفّ عن سبّ عليٍّ علیه السلام في خطب الصلوات وإبداله بقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ »(5).

وأمرُ المنع هذا - كما قلنا - قد ذكره المؤرِّخون والعلماء، والشواهد عليه كثيرة، نقلنا


1) البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج8، ص195. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل: ج5، ص42.

2) (أرز) بمعنى: ثبت.

3) البسوي، يعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ: ج1، ص568.

4) الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج5، ص117. الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج7، ص188. ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية: ج9، ص218. ابن عساكر، علي بن الحسن تاريخ مدينة دمشق: ج45، ص136.

5) النحل: آية90.

جزءاً منها في مبحث أقوال العلماء الدالّة على شيوع ظاهرة السبّ عند بني أُمية، فإنّ كثيراً من العلماء - كأبي مخنف وابن الأثير وأبي الفداء وابن رجب الحنبلي وابن خلدون والسيوطي والشيخ الخضري وابن جبرين - عندما يذكرون قضية سبّ بني أُمية لعليٍّ علیه السلام يذكرون أيضاً أنّ هذا السبّ قد انتشر وشاع وصار سنّة إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فأبطل ذلك.

بالإضافة إلى تلك الأقوال نُضيف هنا أقوالاً أُخرى لبعض العلماء منهم:

ابن تيمية في منهاج السنّة، قال: «قد قيل: إنّ عمر بن عبد العزيز ذكر الخلفاء الأربعة لما كان بعض بني أُميَّة يسُبُّون عليّاً؛ فعَوَّض عن ذلك بذِكر الخلفاء والترضِّي عنهم ليَمحُو تلك السنَّة الفاسِدَة»(1).

ومن الواضح إنّ كلمة (سنّة) لا تُطلق إلّا على الشيء الذي شاع وانتشر ودرجت عليه الناس.

ومنهم: العبدري المالكي (ت 737ﻫ(2)) في كتابه المدخل إذ ذكر: «... أنّ بعض بني أُمية كانوا يسبّون بعض الخلفاء من الصحابة على المنابر في خطبتهم، فلمّا أن ولي عمر بن عبد العزيز أبدل مكان ذلك الترَّضي عنهم. وقد قال مالك في حقّه: هو إمام هدى وأنا أقتدي به»(3).


1) ابن تيمية، منهاج السنَّة: ج4، ص160.

2) قال ابن حجر في ترجمته: «محمد بن محمد بن محمد بن الحاج، أبو عبد الله العبدري الفارسي، نزيل مصر، سمع ببلاده، ثم قدم الديار المصرية... وصار ملحوظاً بالمشيخة والجلالة بمص-ر، وجمع كتاباً سمّاه المدخل كثير الفوائد، كشف فيه عن معايب وبدع يفعلها الناس ويتساهلون فيها، وأكثرها ممّا يُنكر وبعضها ممّا يُحتمل، ومات في جمادي الأُولى سنة 737». ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: ج4، ص237. وقال إلياس سركيس: «العبدري القيرواني التلمساني المالكي الشهير بابن الحاج الفاسي المتوفّى بالقاهرة، من عباد الله الصالحين العلماء العاملين من أصحاب الشيخ أبي محمد بن أبي جمرة فقيهاً عارفاً بمذهب مالك». إليان سركيس، معجم المطبوعات العربية: ج1، ص70.

3) العبدري، محمد بن محمد، المدخل: ج2، ص413.

ومنهم: النويري (ت 733ﻫ(1))، قال: «وكان من أول ما ابتدأ به عمر بن عبد العزيز أن ترك سبّ علي بن أبي طالب على المنابر، وكان يُسبّ في أيام بني أُمية إلى أن ولي عمر فترك ذلك، وأبدله بقول الله: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ». فحل ذلك عند الناس محلاً حسناً، وأكثروا مدح عمر بسببه»(2).

ومنهم: الملاّ علي القاري في المرقاة، قال: «وما أحسن فعل عمر بن عبد العزيز؛ حيث جعل مكان سبّ أهل البيت الصادر من بني أُمية فوق المنابر هذه الآية الشريفة في آخر الخطبة: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» النحل. فهذه هي البدعة الحسنة، بل السنّة المستحسنة»(3).

وهناك غير ذلك من العلماء والمؤرِّخين الذين تركنا نقل أقوالهم رعاية للاختصار(4).

وفيما نقلنا مزيد كفاية، فإنّ القضية من الواضحات التي لا يُجادل فيها مَن كان له أدنى اطّلاع على كتب التاريخ وأقوال العلماء، وهي من أقوى الأدلّة على أنّ مسألة سبّ بني أُمية للإمام علي علیه السلام كانت ظاهرة شائعة منتشرة، ترعاها الدولة الأُموية وتحثّ عليها حتى أدخلتها في الممارسات العبادية كخطب الصلوات ومن على المنابر وفي المساجد؛


1) ترجمه الصفدي فقال: «أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الكريم شهاب الدين النويري المحتد القوصي المولد... قال كمال الدين جعفر الأدفوي: كان ذكي الفطرة حسن الشكل، فيه مكرمة وأريحية وود لأصحابه». الصفدي، خليل بن أيبك، الوافي بالوفيات: ج7، ص110- 111. وقال الزركلي: «شهاب الدين النويري: عالم بحاث غزير الاطلاع. نسبته إلى نويرة (من قرى بني سويف بمص-ر)» الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج1، ص165.

2) النويري، أحمد بن عبد الوهاب، نهاية الأرب في فنون الأدب: ج6، ص75.

3) القاري، الملا علي، مرقاة المفاتيح: ج5، ص48.

4) اُنظر: ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية: ج1، ص47. المحبي، محمد أمين، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر: ج2، ص122. الإتليدي، محمد دياب، إعلام الناس بما وقع للبرامكة: ج1، ص27. الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج5، ص50.

ولذا احتاج منعها أن يتصدّى الحاكم الأُموي بنفسه، ويُصدر أمراً رسمياً عمّمه على كافّة الولاة ولم يكتفِ بإبطاله فقط، بل جعل مكانه شيئاً من الكلام يُقال في الخطبة، فلو كان السبّ حالة نادرة أو شاذّة كما يزعم بعض، فهل يتطلّب ذلك من عمر بن عبد العزيز كلّ هذه الإجراءات الرسمية؟! نترك الحكم في ذلك إلى القارئ.

ثالثاً: أقوال التابعين والعلماء فيما يتعلّق بسبّ الأُمويين لعلي علیه السلام

ومن الدلائل أيضاً على استمرار ظاهرة السبّ وشيوعها في الدولة الأُموية - بالإضافة إلى ما ذكرناه في النقطة الأُولى التي خصصناها لكشف ما مارسه الولاة من السبّ والشتم - هو إقرار عدد كبير من التابعين وعلماء المسلمين وعلى طول التاريخ بأنّ بني أُمية كانوا يدأبون على النيل من أمير المؤمنين والتنقيص منه وشتمه وسبّه بمرأى ومسمع من عموم الناس، واتّخذوا ذلك سنّة من زمن معاوية بن أبي سفيان حتى خلافة عمر بن عبد العزيز، وسنذكر بعض هؤلاء التابعين والعلماء وأقوالهم في هذا المجال:

1- عامر بن عبد الله بن الزبير (ت 121ه-)

وهو عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبو الحارث المدني تابعي، روى له الستة، قال المزي في تهذيب الكمال: «قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ثقة من أوثق الناس، وقال إسحاق بن منصور: عن يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقّة»(1)، وقال ابن حجر: «ثقة عابد من الرابعة»(2).

وجاء في الاستيعاب لابن عبد البرّ: «أنّ ابن وهب روى عن حفص بن ميسرة عن عامر بن عبد الله بن الزبير أنّه سمع ابناً له ينتقص عليّاً، فقال: إياك والعودة إلى ذلك، فإنّ بني مروان شتموه ستّين سنة، فلم يزده الله بذلك إلّا رفعة، وإنّ الدين لم يبنِ شيئاً فهدمته الدنيا. وإنّ الدنيا لم تبنِ شيئاً إلّا عاودت على ما بنت فهدمته»(3).


1) المزي، يوسف، تهذيب الكمال: ج14، ص59.

2) ابن حجر، أحمد بن علي، تقريب التهذيب: ج1، ص462.

3) ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج1، ص344.

وهذه شهادة على أنّ السبّ والشتم قد امتدّ طيلة ستّين سنة، وهي مدّة ليست بالقصيرة ممَّا يؤكِّد أنّه أضحى ظاهرة من الظواهر التي عُرف بها المجتمع الأُموي.

2- جعونة بن الحارث (كان حياً في سنة 101ه-)

هو جعونة بن الحارث بن خالد بن صعصعة، هاجر إلى الجزيرة ونزل وادي بني عامر، ثمَّ انتقل منه إلى الرهاء(1)فاتّخذها منزلاً، وعُظِّمَ قدره بها حتى اختصّه عمر بن عبد العزيز(2).

ذكره ابن حبان في الثقات(3)، وأورده البخاري في تاريخه(4)وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل(5)، وذكروا أنّه كان كاتباً لعمر بن عبد العزيز.

روى عنه عمرو بن ميمون بن مهران الجزري المتوفّى سنة 147ﻫ، وكذلك روى له الستّة أصحاب الصحاح، قال عنه ابن حجر: «ثقة فاضل من السادسة»(6).

قال الذهبي في تاريخ الإسلام: «عمر بن عثمان الحمصي: ثنا خالد بن يزيد، عن جعونة، قال: كان لا يقوم خليفة من بني أُمية إلّا سبّ علياً، فلم يسبّه عمر بن عبد العزيز حين استُخلف»(7).

وأخرج ابن عساكر الأثر مسنداً، قال: «أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد المقرئ إذناً، وأبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء مشافهة قالا: أنبأنا أبو الفتح منصور بن الحسين بن علي، أنبأنا أبو بكر بن المقرئ، أنبأنا أبو عروبة، حدَّثنا عمرو بن عثمان، حدَّثنا خالد بن يزيد،


1) الرهاء: بضم أوله، والمد والقص-ر: مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام بينهما ستّة فراسخ. الحموي، ياقوت، معجم البلدان: ج3، ص106.

2) ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج11، ص245.

3) ابن حبان، محمد، الثقات: ج6، ص157.

4) البخاري، محمد بن إسماعيل، التاريخ الكبير: ج2، ص251.

5) الرازي، ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل: ج2، ص540.

6) ابن حجر، أحمد بن علي، تقريب التهذيب: ج1، ص747.

7) الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام: ج2، ص337.

عن معاوية، قال: كان لا يقوم أحد من بني أُمية إلّا سبّ عليّاً، فلم يسبّه عمر»(1).

ولكنّه - كما ترى - أورد اسم معاوية بدل جعونة، والظاهر أنّه حدث تصحيف، حيث إنّ كلمة معاوية كانت تكتب «معوية» فالكلمتان حينئذ متقاربتان.

وواضح ممَّا قاله ابن الحارث: إنّ السبّ والشتم مارسه غالبية ولاة بني أُمية.

3- لوط بن يحيى (أبو مخنف ت 157ه-)

وهو من الأخباريين والمؤرِّخين البارزين، وكان له اطّلاع وعلم وله مصنفات كثيرة، قال عنه الذهبي: «صاحب تصانيف وتواريخ»(2).

وقد اعتمد عليه كثير من المؤرِّخين وأصحاب السير، ولكنّه وبسبب جرأته في عرض الحقائق التاريخية كما هي، وتعرضه إلى ذكر ما حلّ بالأُمّة الإسلامية من ويلات وحروب، وما قام به بنو أُمية من أعمال شنيعة، فقد تعرّض إلى موجة من الطعن والتضعيف والتوهين، ولعلّه لنقله الحقائق اتهمه ابن عدي بأنه يتناول السلف الصالح بقوله: «فإنّ لوط بن يحيى معروف بكنيته وباسمه، حدَّث بأخبار مَن تقدَّم من السلف الصالحين، ولا يبعد منه أن يتناولهم وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم»(3).

والسلف الصالح عند ابن عدي هم معاوية وأتباعه من بني أُمية وشيعتهم الذين ملأوا أسماع الدنيا شتماً وسبّاً لأمير المؤمنين علیه السلام وهو ما يرويه أبو مخنف نفسه، ففي الطبقات الكبرى لابن سعد، قال: «أخبرنا علي بن محمد، عن لوط بن يحيى الغامدي، قال: كان الولاة من بني أُمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون علياً رحمه الله، فلما ولي عمر أمسك عن ذلك، فقال كثير عزة الخزاعي:

وُلِّيتَ فلم تشتم علياً ولم تخف***بريّ-اً ولم ت-تّبع مق-الة مجرم

تكلَّمت بالحقِّ المبين وإنّما***تُبيّن آيات الهدى بالتكلُّم


1) ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج50، ص96.

2) الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج7، ص203.

3) الجرجاني، عبد الله بن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال: ج6، ص93.

فصدقت معروف الذي قلت بالذي ***فعلت فأضحى راضياً كلّ مسلم»(1)

4- عبد الله بن العلاء (ت 164ه-)

وهو عبد الله بن العلاء بن زبر الربعي، أبو زبر، ويُقال له: أبو عبد الرحمن الشامي الدمشقي، من كبار أتباع التابعين، روى له البخاري والنسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه، ووثّقه غير واحد من علماء الجرح والتعديل، كيحيى بن معين ومحمد بن سعد والدارقطني(2)والعجلي(3)، وذكره ابن حبان في الثقات(4)، وقال عنه ابن حجر: «ثقة من السابعة»(5).

وفيما يخصّ سبّ بني أُمية للإمام عليّ علیه السلام ، قال ابن الأثير في أُسد الغابة: «وروى أبو أحمد العسكري، بإسناده عن عمارة بن يزيد، عن عبد الله بن العلاء، عن الزهري، قال: سمعت سعيد بن جناب يُحدِّث عن أبي عنفوانة المازني، قال: سمعت أبا جنيدة جندع بن عمرو بن مازن، قال: سمعت النبي يقول: مَن كذَّب عليَّ متعمِّداً فليتبوأ مقعده من النار. وسمعته - وإلّا صمّتا - يقول، وقد انصرف من حجّة الوداع، فلمّا نزل غدير خم قام في الناس خطيباً وأخذ بيد عليٍّ، وقال: مَن كنت وليه فهذا وليه، اللهم والِ مَن والاه وعادِ من عاداه.

قال عبيد الله(6): فقلت للزهري: لا تحدِّث بهذا بالشام، وأنت تسمع ملء أذنيك سبّ علي، فقال: والله، إنّ عندي من فضائل عليّ ما لو تحدَّثت بها لقُتِلتُ»(7).


1) ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى: ج5، ص393 - 394. الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج5، ص147.

2) اُنظر: المزي، يوسف، تهذيب الكمال: ج15، ص407 - 408.

3) العجلي، أحمد بن عبد الله، معرفة الثقات: ج2، ص47.

4) ابن حبان، محمد، الثقات: ج7، ص27.

5) ابن حجر، أحمد بن علي، تقريب التهذيب: ج1، ص521.

6) الأصح: هو عبد الله.

7) ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة: ج1، ص308.

5- يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (ت 380ه-)

قال عنه الذهبي في السير: «الإمام العلّامة، حافظ المغرب، شيخ الإسلام، أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البرّ بن عاصم النمري، الأندلسي، القرطبي، المالكي، صاحب التصانيف الفائقة... طال عمره، وعلا سنده، وتكاثر عليه الطلبة، وجمع وصنّف، ووثّق وضعّف، وسارت بتصانيفه الركبان، وخضع لعلمه علماء الزمان»(1).

قال ابن عبد البرّ في كتابه الاستيعاب: «وقد كان بنو أُمية ينالون منه وينقصونه فما زاده الله بذلك إلّا سُموّاً وعُلوّاً ومحبّة عند العلماء»(2).

6- ابن حزم الظاهري (ت 456ه-)

قال الذهبي في ترجمته: «الإمام العلّامة الحافظ الفقيه المجتهد أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب... بن أبي سفيان بن حرب بن أُمية، الفارسي الأصل الأُموي اليزيدي القرطبي الظاهري صاحب التصانيف... وُلِدَ أبو محمد بقرطبة سنة أربع وثمانين وثلاث مائة... وكان إليه المنتهى في الذكاء والحفظ وسعة الدائرة في العلوم... وكان صاحب فنون فيه دين وتورُّع وتزهُّد وتحرٍّ للصدق، وكان أبو ه وزيراً جليلاً... وقال ابن حيان: وكان ممّا يزيد في شنئانه تشيُّعه لأُمراء بني أُمية ماضيهم وباقيهم واعتقاده بصحّة إمامتهم حتى نُسب إلى النصب»(3).

وقال في السير: «الإمام الأوحد، البحر، ذو الفنون والمعارف... فكان جدّه يزيد مولى للأمير يزيد أخي معاوية، وكان جدّه خلف بن معدان هو أول مَن دخل الأندلس في صحابة ملك الأندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، المعروف بالداخل»(4).

وبهذا يكون ابن حزم وأبوه وجدّه من موالي بني أُمية قديماً وحديثاً ومن أتباعهم،


1) الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج18، ص153- 154.

2) ابن عبد البرّ، الاستيعاب: ج3، ص1118.

3) الذهبي، محمد بن أحمد، تذكرة الحفاظ: ج3، ص1146- 1152.

4) الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج18، ص184- 185.

وممَّن استوزروهم وعملوا لديهم، ولكن هذا لم يمنع ابن حزم من ذكر حقيقة سبّ علي علیه السلام والنيل منه:

قال في معرض حديثه عن تأخير بني أُمية للصلاة وإحداث الأذان والإقامة وتقديم الخطبة قبل الصلاة في العيدين: «واعتلّوا بأنّ الناس كانوا إذا صلّوا تركوهم ولم يشهدوا الخطبة؛ وذلك لأنّهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب، فكان المسلمون يفرّون، وحقّ لهم، فكيف وليس الجلوس للخطبة واجباً؟»(1).

هذه مجموعة من أقوال بعض التابعين والعلماء والتي يشهدون بها أنَّ معاوية ومَن بعده من بني أُمية بالغوا في سبّ أمير المؤمنين علیه السلام ومحاولة النيل منه وتنقيصه، واتّخذ البعض منهم ذلك سنّة جارية وعلى رؤوس الأشهاد، وهناك أقوال أُخرى كثيرة تركناها خشية الإطالة، ونشير إلى بعض العلماء على نحو الإشارة محيلين القارئ إلى المصادر:

محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري (ت538ﻫ)(2).

ابن الأثير الجزري المتوفّى (ت 630ﻫ)(3).

أحمد بن عمر القرطبي (ت656ﻫ)(4).

محمد بن أحمد القرطبي (ت 671ﻫ)(5).

أبو الفداء إسماعيل بن علي (ت 732ﻫ)(6).

تاج الدين عبد الوهاب السبكي(ت 771ﻫ)(7).


1) ابن حزم، علي بن أحمد، المحلى: ج6، ص15.

2) الكشاف، محمود بن عمر، الزمخشري: ج3، ص391.

3) ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ: ج5، ص42.

4) القرطبي، أحمد بن عمر، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: ج20، ص25.

5) القرطبي، محمد بن أحمد، التذكرة في أحوال الموتى والآخرة: ص642. ونقل عبارة القرطبي المناوي في فيض القدير مستشهداً بها، فيض القدير: ج3، ص20.

6) أبو الفداء، إسماعيل بن علي، المختصر في أخبار البشر (تاريخ أبي الفداء): ج1، ص139.

7) السبكي، عبد الوهاب بن علي، طبقات الشافعية الكبرى: ج3، ص251.

ابن رجب الحنبلي (ت 795ﻫ)(1).

ابن خلدون (ت 808ﻫ)(2).

ابن حجر العسقلاني (ت 852ﻫ)(3).

الحافظ جلال الدين السيوطي (ت 911ﻫ)(4).

ابن حجر المكّي الهيتمي (ت 973ﻫ)(5).

الشيخ محمد الخضري بك (ت 1345ﻫ)(6).

عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين (ت 1430ﻫ)(7).

بالإضافة إلى ما تقدم هناك أقوال يمكن أن يستشفَّ منها ذلك وإن لم يصرِّح بها أصحابُها، كقول الذهبي في السير: «في آل مروان نصب ظاهر سوى عمر بن عبد العزيز رحمه الله»(8).

فإنّ معنى النصب هو إظهار البغض والعداء لأمير المؤمنين علیه السلام ، وهذا لا يكون إلّا بشتمه والتنقّص منه، وإلّا كيف يكون النصب ظاهراً ما لم يُترجم إلى أقوال وأفعال؟!

وهكذا يتّضح بجلاء أنّ المسألة لم تكن حالات فردية شاذة، كما حاول تصوير ذلك البعض، وإنّما كانت عملية منظمة وعن درايةٍ وتخطيط من قِبَل معاوية وبني أُمية.


1) ابن رجب، فتح الباري: ج6، ص231.

2) ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، تاريخ ابن خلدون: ج3، ص75.

3) ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري: ج7، ص57.

4) السيوطي، جلال الدين، تاريخ الخلفاء: ص99.

5) الهيتمي، ابن حجر، أحمد بن محمد، الصواعق المحرقة: ج2، ص353.

6) المصدر السابق: ج2، ص221 - 222.

7) الجبرين، عبد الله بن عبد الرحمن، الإرشاد شرح لمعة الاعتقاد: ج1، ص231.

8) الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء: ج5، ص113.

العصمة من منظور عقلي وقرآني

(دراسة مقارنة)

السيد خالد سيساوي الجزائري

السيد خالد سيساوي الجزائري(1)

تمهيد

لا شكّ في أنَّ المنهج الصحيح لتطبيق الشريعة الإلهية من شأنه أن يكشف عن غائية التكاليف الإلهية؛ قال تعالى: « لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا»(2)، فيكون بذلك محور تقويم تلك التكاليف قيميّاً بما فيه صلاح النظام العام للوجود، ومرآة لتجلّي معادلة التساوق الثنائي بين الدنيا والآخرة. وعليه يتعيّن وجود مصداق محقق لتلك المعادلة حتى تصير تجربته التحققية منهجاً ومنهلاً للأُمّة جمعاء، ولن يتحقق ذلك إلّا بالعصمة.

وهذا ما جعل رحى الخلاف تدور بين السنّة والشيعة حول الإمامة، باعتبار لوازمها التي تقول بها الشيعة الإمامية، وبالتحديد لازم العصمة الذي يجعل ماهية الإمامة عند الفريقين على طرفي نقيض.


1) باحث وكاتب إسلامي من الجزائر.

2) المائدة: آية48.

فالسنّة يرون عدم اشتراط العصمة في أهلية المتصدّي لمقام الإمامة، بخلاف الشيعة التي تراه جوهر الإمامة والامتداد الطبيعي للطف الإلهي المتجلّي في تعيين السبيل إليه.

كما أنَّ المتتبع لأحوال العصور الخالية لا يشكُّ في أنَّ فكرة الإمامة لم تكن يوماً مصبّ الخلاف، إنّما الخلاف سار إليها تعريفاً وتفسيراً. والآيات القرآنية تشهد بالتوافق المبدئي على فكرة الإمامة حيث قال تعالى: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ »(1).«وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ »(2)، «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ»(3).

كما تُشير بالنظر الدّقي إلى الخصوصيات المؤهِّلة، والمهام المنوطة بأصحاب هذا المقام المهم.

ونحن هاهنا - إن شاء الله - من خلال هذا البحث سنتكلّم في معاني العصمة لغةً واصطلاحاً، وسنبسط الكلام عن ماهية العصمة في المنظور العقلي والقرآني.

معنى العصمة لغةً

اشتُقت كلمة (العصمة) من مادة (عصم)؛ بمعنى: المنع والإمساك. ويجدر بنا الإشارة إلى ثلاثة آراء لُغوية في البين:

1- قال الزجاج - الذي نقل كلامه ابن منظور في لسان العرب -: «أصل العصمة الحبل، وكلّ ما أمسك شيئاً فقد عصمه»(4).

2- وقال الراغب في مفرداته: «العصم: الإمساك، والاعتصام: الاستمساك»(5).


1) الأنبياء: آية73.

2) القصص: آية5.

3) السجدة: آية24.

4) ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج12، ص405.

5) الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات: ص336.

3- وقد قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: «العين والصاد والميم أصل واحد صحيح، يدلّ على إمساك ومنع وملازمة»(1).

وممّا لا شكَّ فيه أنَّ تعريف (الراغب) ناظر إلى ما ورد في القرآن الكريم من معاني، كما قال تعالى: « لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ»(2).

معنى العصمة اصطلاحاً

لقد تعدّدت التعاريف التي عرضها المتكلّمون المسلمون حول مسألة العصمة، لهذا نودّ طرحها وتحليلها واحدة تلو الأُخرى؛ لأجل اختيار المراد، ولأجل بيان أنَّ كلّ واحدٍ من هذه التعاريف يحتوي على كلمات مفتاحية ودلالية تلازم إحداها الأُخرى، خاصّة إذا نظرنا إلى معاني العصمة من المنظور العقلي.

وحينئذٍ سيكون البحث في المعنى الاصطلاحي للعصمة، تارةً من المنظور العقلي، وأُخرى من المنظور القرآني، وعليه سينعقد البحث هنا في محورين رئيسين، فنقول:

المحور الأوّل: ماهية العصمة في المنظور العقلي

إنَّ المعاني الاصطلاحية التي يتكفّلها العقل لبيان مفردة العصمة قد تكون كثيرةً ونسبيةً من شخصٍ إلى آخر، لكنّنا أردنا بيان أهمّها وأشهرها على ألسُن العلماء والمحقّقين، فقد أحصينا أربعة معانٍ للعصمة قابلة للبحث والنقد، وهي كما يأتي:

أوّلاً: اللطف الإلهي

أجمع كثير من المتكلّمين على تفسير العصمة ب-(اللطف الإلهي) الذي تفضّل به الله تعالى على بعض عباده، فعصمهم من خلاله عن ارتكاب الذنوب وترك الطاعات مع قدرتهم على ذلك - وهذا المعنى نعدّه من الكلمات الدلالية والمفتاحية الأُولى - وقد اخترنا من المتكلّمين ثلاث طوائف رئيسة في ذلك:(الإمامية، الأشاعرة، المعتزلة).


1) ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة: ج4، ص331.

2) هود: آية43.

أ) الإمامية

ذكر الشيخ المفيد رحمة الله ، ما نصّه: «العصمة: لطف يفعله الله بالمكلّف؛ بحيث يمتنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليها»(1). وقال المحقق الطوسي رحمة الله : «إنّ لله تعالى في حقّ صاحبها [أي المعصوم] لطفاً لا يكون له مع ذلك داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك»(2).

وقال ابن نوبخت رحمة الله في كتابه الياقوت في أُصول الكلام: «العصمة: لطف يمنع مَن اختصَّ به من الخطأ ولا يمنعه على وجه القهر»(3).

ب) الأشاعرة

في الحقيقة قلّما نجد هذه الكلمة المفتاحية - اللطف الإلهي - في تعاريف العصمة عند الأشاعرة، لكن لم يمنعهم ذلك من الإشارة إلى لوازمه.

وعلى أساس مبناهم في نسبة أيّ نوعٍ من أنواع الفاعلية الإنسانية لله تعالى باعتباره الفاعل الحقيقي، لا يمكن نسبة العصمة لغير الله تعالى، وإن حدث ونُسبت لبعض عباده فهذا من باب كونها فعلاً لله تعالى تفضّل به عليهم.

ابن رشد - وعلى سبيل المثال - لم يمنعه ذوقه الفلسفي في أن يُشاطر الأشاعرة رأيهم، وأن يكون وفيّاً لمشربه العقائدي الأشعري، فقد عرّف العصمة بالأمر الإلهي الخارج عن طبيعة الإنسان(4)، كما أنّ الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) - وأثناء تحليله لآراء أبي الحسن الأشعري - أشار إلى تفسير العصمة بالتوفيق الإلهي، فقال: «والإيمان والطاعة بتوفيق الله والكفر والمعصية بخذلانه»(5).


1) المفيد، محمد بن محمد، كتاب النكت الاعتقادية: ص37.

2) الطوسي، نصير الدين، تلخيص المحصّل: ص369.

3) نقله عنه المفيد، محمد بن محمد، أوائل المقالات: ص 164

4) اُنظر: ابن رشد، محمد بن أحمد، تهافت التهافت: ص376.

5) الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل: ج1، ص102.

لكن انفرد (البياضي) بالتصريح دون الإشارة، وأدخل اللفظ - أعني اللطف الإلهي - ومفاده في التعريف، فقال: «هو لطف يفعله الله تعالى بهم، لا يختارون معه فعل المعصية وترك الطاعة مع قدرتهم»(1).

ج) المعتزلة

اختار المعتزلة مشاطرة الإمامية رأيهم في تفسيرهم العصمة باللطف الإلهي، وقد صرّحوا بذلك في أُمهات كتبهم، ومن بين هؤلاء: زعيم المعتزلة (القاضي عبد الجبار) الذي رأى تخصيص فصل كامل في كتابه (المغني) تحت عنوان: (فصل في معنى وصف اللطف بأنّه عصمة)، حيث ذكر فيه: «اللطف كما قد يدعو إلى اختيار الواجب والندب على ما ذكرنا، فقد يكون لطفاً في الامتناع من القبيح في أن لا يفعله. وكما إذا وافقت الطاعة اللطف في الحدوث - يفعلها العبد لأجله، ويختارها لمكانه - يوصف بأنّه توفيق، فكذلك متى امتنع من القبيح لمكانه وصف بأنّه عصمة»(2).

وذكر ابن أبي الحديد في بيان رأي أصحابه، فقال: «قال أصحابنا: العصمة لطف يمنع المكلّف عند فعله من القبيح اختياراً»(3)، وفي شرحه لنهج البلاغة صرّح بكون العصمة لطفاً إلهياً، فقال: «وحقيقتها راجعة إلى لطف يمنع القادر على المعصية من المعصية»(4).

الإشكال على الرأي القائل بأنَّ العصمة (لطف إلهي)

أقول: صحيح أنّ هذا التفسير يُشير إلى حيثية وصفيّة في العصمة، ألا وهي ذلك اللطف الربانيّ الذي حبَى به الله بعض عباده، لكن تبقى هذه الإشارة مبهمةً كليةً؛ وبعبارة أُخرى: لا يتضح من هذه التفاسير نحو تلقي هذا اللطف ومصونيته لهؤلاء


1) اُنظر، البياضي، علي بن يونس، الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم: ج1، ص50.

2) القاضي، عبد الجبار، المغني: ج13، ص15.

3) المعتزلي، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج7، ص8.

4) المصدر السابق: ج19، ص260.

العباد. وبإمكاننا القول: إنّ هذا التفسير يُشير إلى هذا التفضّل فحسب، أمّا نحو تحصّله فيبقى مبهماً؛ وهذا ما جعل بعضهم يتفطَّن إلى هذا النقص ويحاول جبره ببعض القيود الإضافية.

ثانياً: كمال القوة العاقلة

الكلمة المفتاحية الأُخرى التي أُخذت كحدٍ في تعريف العصمة هي: (القوة العاقلة)، فقد فُسّرت العصمة على أنَّها: (كمال القوّة العاقلة الإنسانية). ولبيان هذا التعريف نقول:

ينطوي الإنسان على ثلاث قوى أساسية: (العقلية)، و(الغضبية)، و(الشهوية)، ولكلِّ واحدةٍ ميولات ومُرادات تُسانخ نحو وجودها.

والجدير بالذكر هنا، أنّ الاعتماد العملي على إحداها دون الأُخرى يحدّ من عمل هذه الأخيرة، ويُضيّق من دائرة نفوذها، فوحده الإنسان العاقل بإمكانه إحداث توازن بإعمال قوته العقلية في الحدّ من إفراطية القوى المتبقية (الغضبية، والشهوية). لكن لسائل أن يسأل: ما المقصود بالقوة العاقلة وما هو نحو كمالها؟

في الحقيقة أنّ الجواب عن هذا السؤال منوط بالفلسفة، وقد استوفى جوابه الفلاسفة في محلّه، وما يهمنا نحن في هذا البحث هو الرؤية الفلسفية باعتبار أنّ هذه الكلمة المفتاحية - القوة العاقلة - لمسألة الإمامة هي محلّ لتجلي (العصمة).

لقد رأى الفلاسفة أنّ هناك خاصيةً في القوة العاقلة تفرّقها عن قسيمتيها، هي: (خاصيّة التجرّد)، ومن خلال هذه الخاصيّة يمكنها الاتصال بعالم المجرّدات، أي: عالم العقول، خصوصاً العقل الفعّال، وأنّ كمالها ودنوها يتأرجحان بين شدّة وضعف هذا الاتصال؛ لذلك رأى (الحكيم أبو علي ابن سينا) أنّ نفس المعصوم متصلة بعالم العقول بصورةٍ كاملةٍ وتامةٍ بنحو لا يبقى فيه المجال لفرض ارتكاب معصية أو ذنب، كون المعصية تتوقّف على مقهورية القوة العاقلة، والرضوخ لقُوى البعد المادي وهي الغضبية والشهوية؛ لذا يمكننا القول: إنّ العصمة معلولة للقوة العاقلة، بل هي عينها

إذا فرضناها في أوجّ كمالها(1).

كما رأى (المحقق اللاهيجي) أنّه يلزم توافر ثلاث خصائص في المعصوم، وهي: كمال القوة العاقلة، المخيّلة، والعملية، فقد جاء في كتابه (الجوهر المراد) ما خلاصته: إنّ جميع قوى النفس مطيعة ومنقادة للعقل، وإرادة المعصية من العقل بما هو عقل ممتنعة الوقوع، فلا يصدر عنه الحكم أبداً بفعل القبيح. والمقصود من العصمة تلك الغريزة التي تمنع صاحبها عن ارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك، وهي عين القوة العاقلة من حيث قاهريتها التامّة لباقي قوى النفس(2).

الإشكال على الرأي القائل بأنّ العصمة (كمال القوة العاقلة)

طبقاً للمباني الفلسفية، لا شكّ في أنَّ للقوة العاقلة خصائص تنفرد بها عن باقي القوى النفسانية، لكن أن يكون كمال هذه القوة دليلاً على إثبات مقام النبوّة والعصمة باعتبارها لازماً لها، فهذا أمر فيه نظر.

وبعبارة أُخرى: أنّه قد غُضّ الطرف عن بُعد (اللطف الإلهي) في هذا التفسير، إمّا لعدم قبوله، أو لأخذه أصلاً مبنائياً في المسألة، فيكون (كمال القوة العاقلة) مصداقاً له.

ثالثاً: المَلَكة النفسانية

اختار أكثر الفلاسفة وبعض المتكلّمين تفسير العصمة على أنّها: مَلَكة نفسانية انطوت عليها نفس المعصوم، منعت صدور المعصية عنه. فقد قال الخواجة الطوسي ناسباً هذا الرأي إلى الحكماء: «العصمة: مَلَكة لا يصدر عن صاحبها معها المعاصي، وهذا على رأي الحكماء»(3).

وقال المحقِّق الجرجاني: «العصمة: مَلَكة اجتناب المعاصي مع التمكّن منها»(4).


1) اُنظر: ابن سينا، أبو علي، إلهيات الشفاء: ص564.

2) اُنظر: الجوهر المراد: ص 379.

3) الطوسي، نصير الدين، تلخيص المحصّل: ص369.

4) الجرجاني، علي بن محمد، معجم التعريفات: ص127.

وقد قال الفاضل المقداد: «...مَلَكة نفسانية لطيفة بفعل الله؛ بحيث لا يختار معه ترك طاعة ولا فعل معصية مع قدرته على ذلك»(1).

كما قال القاضي الإيجي: «وهي عند الحكماء مَلَكة تمنع عن الفجور»(2).

ورأى العلاّمة الطباطبائي قدس سره أنّ العصمة معلولة للعلم، فقال: «إنّ الأمر الذي تتحقّق به العصمة نوعٌ من العلم يمنع صاحبه عن التلبس بالمعصية والخطأ، وبعبارة أُخرى: علم مانع عن الضلال»(3).

الإشكال على الرأي القائل بأنَّ العصمة (مَلَكة نفسانية)

إنَّ مصطلح (المَلَكة) حمّال ذو أوجه؛ لذا فإنّ هذا الرأي يكون مورد تساؤلات عديدة، من بينها:

•

ما هي حقيقة هذه المَلَكة النفسانية حتى يكون صاحبها مُصاناً؟

•

إذا قلنا: إنّ هذه المَلَكة من مقولة العلم، فالأوْلى أن ترجع إلى الرأي القائل بأنّ العصمة هي عين كمال القوة العاقلة، فهل يا ترى يكون مقصود أصحاب هذا الرأي كذلك؟

•

المَلَكة النفسانية من شأنها الزوال، بينما المدّعى أنّ العصمة دائمية.

•

باعتبار أنّ سائر المَلَكات النفسانية معلولة لاستعدادات صاحبها وممارساته التهذيبية، فتفسير العصمة على أنّها مَلَكة يستدعي التساؤل عن عللها، فهل هي مثل سائر المَلَكات؟ أم أنّها من سنخ آخر؟

•

إذا كان الجواب على أنّها من سنخ سائر المَلَكات النفسانية، فلمّاذا اختصّ بها البعض دون البعض الآخر؟ زيادة على أنَّ المصونية المترتبة على هذا السنخ من المَلَكات هي غالبية وليست دائمية.


1) السيوري، المقداد بن عبد الله، النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر: ص89.

2) الجرجاني، علي بن محمد، شرح المواقف: ج8، ص281.

3) الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن: ج5، ص78.

• وإن كان الجواب بأنّها ليست من سنخ المَلَكات النفسانية التي تُنال بالتمارين والتهذيبات، فهذا الرأي يرجع في الحقيقة إلى تفسير العصمة بأنّها (لطف إلهي) منوط باستعداد صاحبها ومتوقّف على اختياره.

رابعاً: العصمة صفة وحيثية خاصّة

رأى بعض المتكلّمين أنّ العصمة نوع من الصفات الخاصّة الموجبة لمصونية الشخص من المعاصي. ورأى بعض آخر استبدال مصطلح (الصفة) ب-(الحيثية). قال ابن ميثم البحراني: «العصمة: صفة للإنسان يمتنع بسببها من فعل المعاصي، ولا يمتنع منه بدونها»(1).

كما جاء عن السيّد حيدر الآملي قوله: «وأمّا على رأي متأخريهم، فالعصمة صفة للإنسان يمنع بسببها من فعل المعاصي ولا يمتنع منها بدونها»(2).

وأمّا تعريفها بالحيثية، فقد جاء عن المحقّق الطوسي ذلك، فقال: «والعصمة: هي كون المكلّف بحيث لا يمكن أن تصدر عنه المعاصي من غير إجبار له على ذلك»(3).

الإشكال على الرأي القائل بأنّ العصمة (صفة وحيثية خاصّة)

الإشكال الرئيس على هذا التفسير هو (الإبهام) الذي قلنا بعروضه لبعض التعاريف السالفة الذكر، والتي أشرنا إلى إشكالاتها في مقام البحث، وما جرى عليها يجري على هذا التفسير أيضاً.

المختار في المسألة

على رغم تعدُّد التعاريف المطروحة حول مسألة العصمة، إلّا أنّنا يمكننا الجمع بينها وإعطاء تعريف واضح لها، ففي النظرة الأوّلية للتعاريف يمكننا تقسيمها على قسمين:


1) البحراني، ميثم بن علي، قواعد المرام في علم الكلام: ص125.

2) الآملي، حيدر بن علي، جامع الأسرار ومنبع الأنوار: ص243.

3) اُنظر: الطوسي، نصير الدين، تلخيص المحصّل: ص 368- 369.

القسم الأول: اللطف والتوفيق الإلهي، وهو رأي أكثر المتكلِّمين.

القسم الثاني: المَلَكة النفسانية أو العقلانية، وهو رأي الفلاسفة ومَن حذا حذوهم في مشربهم الفلسفي.

وعليه، يمكننا الجمع بين القسمين؛ لأنّ التفضّل واللطف الإلهي علّة توفيق المعصوم في اكتساب هذه المَلَكة النفسانية، أو في تكامل قوّته العاقلة مع حفظ الاختيار.

فالعصمة: هي مصونية من الذنوب من خلال القوّة العاقلة، والمَلَكة النفسانية التي يساوقها على الدوام اللطف الإلهي.

في إمكان تحقّق العصمة عقلاً

هل يُعقل أنّ الإنسان الذي تعلّقت نفسه بالمادة والغرائز الحيوانية التي تسوقه إلى فعل المعصية، يمكنه أن يكون معصوماً؟

نقول: لقد ركّز بعض المحقِّقين المعاصرين من أهل السنّة وبعض المستشرقين على مسألة النفس الإنسانية، وانطوائها على مجموعة من الغرائز، وحيثية الاختيار في الإنسان؛ وذلك لأجل أن يتسنّى لهم نفي القول بعصمة الإنسان ولو بنحو الجزئية؛ باعتبار أنَّ العصمة لا تنسجم مع فطرة الإنسان وطبيعته.

ومن هؤلاء الكاتب (أحمد أمين)، فهو من محقّقي أهل السنّة - أشعري المشرب - وقد جاء على ذكر العصمة في كتابه (ضحى الإسلام) بقولٍ خلاصته: «فكرة العصمة لا تنسجم وطبيعة الإنسان؛ لأنَّ لهذا الأخير قوى شهوانية ونفسانية، تسوقه نحو الميل للحسن تارةً، وللقبيح تارةً أُخرى؛ وعلى هذا الأساس يظهر التعارض بين طبيعة الإنسان ومفهوم العصمة. بل إنّ كمال الإنسان يكمن في اختياره الخير وفعل الحسن في الوقت الذي تكون له القدرة على الشرِّ وفعل القبيح، لا في عصمته... ولازم العصمة سلب هذه الطبيعة الإنسانية وتبديل جوهر الإنسان بجوهر آخر»(1).

وفي مقام الإجابة عن السؤال وكذلك نقد هذه النصوص، نذكر عدَّة نقاط:


1) اُنظر: أمين، أحمد، ضحى الإسلام: ج3، ص229- 230.

• عدم الملازمة بين الغرائز والمعصية: لقد رأى (أحمد أمين) أنّ انطواء الإنسان على مجموعة من الغرائز يلازمه القول بفعل المعصية، والعجيب أنّه يدَّعي أنّها من سنخ الملازمة المنطقية، لكنّه لم يردفها بأيّ دليلٍ على مدّعاه، بل كلامه يثبت عكس مدّعاه، فقوله: «إنّ كمال الإنسان يكمن في اختياره الخير وفعل الحسن، في الوقت الذي تكون له القدرة على الشرّ وفعل القبيح» يخدش في هذه الملازمة، باعتبار أنّ هناك إمكان أن لا يفعل الإنسان المعصية ولو باختياره كما قال! فلا وجه للملازمة بين الطبيعة الإنسانية والمعصية.

كما أنّ المنكرين لإمكان تحقّق العصمة أرادوا نفي العصمة المطلقة، لا النسبية، وهذا في حدِّ ذاته تعارض صارخ بين المنكرين من الأشاعرة و(أحمد أمين الكاتب).

وحينئذٍ، فإن أخذنا تعريفه الذي مفاده العصمة النسبية، فإنّ العقل يحكم بأنّ المتلبّس بالعصمة النسبية عن ارتكاب الذنوب يمكنه الوصول إلى مقام العصمة المطلقة.

وبعبارة دقيقة: الغرائز الحيوانية ليست علّة تامّة لارتكاب المعصية حتى نقول بالملازمة أعلاه.

•

وجود القوّة العاقلة: إنّ نظرة أصحاب هذا الرأي المخالف قاصرة في فهم ما يتعلّق بالطبيعة الإنسانية وقواها، وعلاقتها فيما بينها، فالإنسان يملك قوّة عقلية شرّفه بها الله تعالى على سائر مخلوقاته، يمكنه من خلالها تمييز الخبيث من الطيّب والقبيح من الحسن، وصقل هذه القوّة العاقلة مبدأ الطريق إلى العصمة.

•

اللطف الإلهي: إنّ عنصر (الاصطفاء الإلهي) - الذي كان ملاكاً لاختيار هذه الجماعة بالذات - يسوقنا إلى القول بالتوفيق والتفضّل الإلهي عليهم، ففيضه تعالى لا ينقطع عنهم أبداً، وإلّا كان اصطفاؤه لهم عبثاً والعياذ بالله. والرأي السالف الذكر لم يُشر من بعيد ولا قريب إلى مسألة اللطف الإلهي.

المحور الثاني: ماهية العصمة في المنظور القرآني

باعتبار أنّ هناك تلازماً وثيقاً بين الإمامة والعصمة وكون العصمة صفةً جوهريّةً

مقوّمةً لنوع الإمام، فإنّ الأدلة القرآنية على الإمامة تُثبت ذلك أيضاً، ويصحّ الاستدلال بها لمسألة العصمة، وتُعطي معنى اصطلاحياً آخر للعصمة؛ لأجل التلازم الوثيق كما قلنا، ونحن في هذا البحث سنحاول عرض أهمّ تلك الأدلة القرآنية التي تناولت إثبات العصمة، والتي تناولت إثبات الإمامة أيضاً والتي نستفيد منها العصمة. وسيقع الكلام في ثلاث آيات - إن شاء الله - فنقول:

الآية الأُولى

قال تعالى: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ »(1).

دارت رحى البحث حول العصمة في هذه الآية على المقطع الذي تساءل فيه إبراهيم عن نصيب ذرِّيَّته من العهد الإلهي؛ أي: الإمامة، وجواب المولى بأنّه «...لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ »، مركّزين في ذلك على مفهوم الظلم المانع لإعطاء منصب الإمامة، باعتبار أنّ إثبات العدالة هي فرع العصمة إن لم تكن هي العصمة.

ولا شكّ في أنّه لا خلاف في كون الظلم المذكور يناقض العدل الذي يُعرَّف بأنّه وضع الشيء في موضعه، ففلسفة العدل تنصبُّ على نهوض الوجود على نحو منتظم خاصّ، يُعطى فيه كلّ موجود حقّه تبعاً لاستعداده، وتُترَك فيه مساحة فراغ للوازم العدل التي على رأسها عنصر الاختيار للنفوس الإنسانية؛ لذا تراها تتأرجح بين حافظ للنواميس الإلهية ومفرّط فيها، وهذا الأخير - المفرّط - يُطلِق عليه اللسان القرآني صفة الظالم سواء كان ظالماً لربه أو لنفسه أو لغيره من الموجودات، بل إنّ الأوّل والثالث راجع إلى الثاني، وبهذا الملاك يتفاضل الظالم والعادل، وعليه فسيكون الحصر كالآتي:

•

شريحة متوغّلة في الظلم طوال حياتها.

•

شريحة عرضها الظلم أوّل حياتها؛ لكنّها أقلعت عنه وتابت.

•

شريحة عرضها الظلم في أواخر حياتها.


1) البقرة: آية124.

• شريحة تلبّست بالعدالة مطلقاً.

ومن خلال القرائن المذكورة يتّضح لنا أنّ إطلاق الآية الكريمة ينفي هبة العهد الإلهي للشرائح الثلاث الأُولى، ويثبتها للشريحة الرابعة تلك التي جعلت من العدل جلباباً لها طيلة حياتها(1).

الآية الثانية

قال تعالى: «... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا »(2).

عُرفت هذه الآية عند الإمامية بآية التطهير، حيث تحتل صدارة الدلائل القرآنية على مسألة العصمة؛ وعلى رغم سبب نزولها الموثّق - عند أهل السنّة والشيعة - في سيّدنا محمد صلی الله علیه و اله ، وعلي، وفاطمة، والسبطين الحسن والحسين علیهم السلام ، والذي لا يبقي مجالاً للشك في نزولها وبلوغها حدّ التواتر الذي يحصل به اليقين قَطعاً، فإنّ مدلولها أضحى محوراً لجدل واسع بين المدرستين؛ إذ استندت الإماميّة عليها في إثبات عصمة أهل البيت علیهم السلام ، فيما بقيت المدرسة السنيّة متحفّظة أمام دلالتها المحتملة في شمولها لغيرهم.

نزر من فيض

جاء في رواية عن عائشة أنّها قالت: «خرج النبي صلی الله علیه و اله غداة... فجاء الحسن بن علي فدخل معه، ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ جاءتْ فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمّ قال: « إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا »(3).

وعن أُمّ سَلَمَة، أنّ النبي صلی الله علیه و اله جلّل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساءً، ثمّ قال: «اللّهم، هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي، فأَذْهِب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً...


1) اُنظر: الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج‌1، ص: 274- 276.

2) الأحزاب: آية33.

3) اُنظر: النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم: ج7، ص130. والحاكم النيسابوري، محمد ابن عبد الله، المستدرك على الصحيحين: ج3، ص147. السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور: ج5، ص198.

فقالت أُمّ سَلَمَة:... يا رسول الله وأنا معكم؟ فقال: إنّك إلى خير»(1).

وحيث إنّ البحث لا يسع لعرض أكثر من هذه الأحاديث، فقد تركت للقارئ الكريم استقصاء ذلك، والأحاديث واضحة في عباراتها ودلالاتها.

لفت نظر

تُعرف هذه الروايات عند الإمامية باسم (روايات حادثة الكساء)؛ لمِا ذُكِرَ فيها من أنّ النبي صلی الله علیه و اله قد وضع الكساء الشريف عليه وعلى آله علیهم السلام ، والتأكيد عليها يُشير إلى أمرين مهمّين:

الأوّل: تعيين مصداق الآية بشكل قطعي، وهذا ما يردّ شبهات القائلين بتعدد مداليلها.

الثاني: إنَّ التأكيد على مصاديقها يُعدّ محوراً أساسياً يضمن للأُمّة نهجها بعده، وهذا ما نجده في الروايات المستفيضة من أنّ رسول الله صلی الله علیه و اله بقي لمدّة طويلة يتلو آية التطهير عند مروره ببيت ابنته الزهراء علیها السلام(2).

ولندخل في بيان بعض مفردات الآية الشريفة؛ رفعاً ودفعاً للإيهام، فنقول:

1- في معنى الرجس

الرجس في اللغة: يُطلق على النجاسة والقذارة الظاهريّة، والإثم والمعصية، ووسوسة الشيطان(3).

يقول الراغب في مفرداته: «القذر والملوّث سواء في الطبع، أو في نظر العقل، أو في نظر الشرع، أو في الثلاثة معاً»(4).

والرجس في الرؤية القرآنية له معنيان:


1) السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور: ج5، ص198.

2) اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج10، ص141 - 142. الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك: ج3، ص158، وقال كذلك: «حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه».

3) اُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج‌6، ص94- 95.

4) اُنظر: الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات: ج1، ص342.

الأوّل: ما دلّ على ذاتي النجاسة، قال تعالى:« إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ »(1).

الثاني: ما دلّ على عرضي النجاسة، كما في قوله تعالى: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ »(2)، وقوله أيضاً:«وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ »(3)، وأيضاً قوله: «قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ »(4).

وحينئذٍ؛ فإنَّ المتأمل الحاذق في الآيات المذكورة بالقياس إلى مدلول آية التطهير، يظفر سريعاً بنتيجةٍ مفادها: أنَّ الرجس المذكور في الآية من سنخ عرضي النجاسة لا ذاتيها؛ لأنّ وجوب اجتناب ما دلّ على ذاتي النجاسة أمر تكليفي شامل للجميع بما فيهم أهل البيت علیهم السلام ، علاوة على ذلك فأداة الحصر (إنّما) التي تصدّرت الآية الكريمة تُفيد الحصر الحقيقي لمتعلقها، وهو (أهل البيت)، كما أنّ ما به الامتياز بين أهل البيت وغيرهم إذا انصبّ على النجاسة التي تعلّق بها التكليف لكان لغواً، ولما أخرج رسول الله صلی الله علیه و اله أُمّ سَلَمَة باعتبارها فرداً لا يصدق عليه عنوان (أهل البيت)، بل لم يكن فخراً وحجةً لعليّ والحسن علیهما السلام على غيرهم.

فعن الإمام الصادق علیه السلام أنَّه قال: «...قال علي بن أبي طالب علیه السلام : إنَّ الله فضّلنا أهل البيت، وكيف لا يكون كذلك والله يقول في كتابه:« إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا »؟! فقد طهّرنا من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فنحن على منهاج الحق»(5).


1) الأنعام: آية145.

2) الأنعام: آية125.

3) التوبة: آية125.

4) الأعراف: آية71.

5) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج25، ص213 - 214.

وكذلك يوم بويع الإمام الحسن علیه السلام قال في خطبته: «...أيّها الناس، مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن البشير النذير الداعي إلى اللّه بإذنه والسراج المنير، أنا من أهل البيت الذي كان ينزل فيه جبرائيل ويصعد، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً...»(1).

2- في معنى الإرادة

قد يأتي تساؤل مفاده: هل هذه الإرادة من سنخ الإرادة التكوينية أم التشريعية؟

وفي مقام الجواب نذكر:

أ) القول بالإرادة التكوينية: وهي تدلّ على صبغة الله في نظام الوجود ومشيئته النافذة أزلاً وأبداً؛ من قبيل قوله تعالى: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »(2).

ب) القول بالإرادة التشريعيّة: وهي المتعلّقة بشرعته وأحكامه التشريعية على الناس كقوله تعالى فيما يتعلّق بتشريع الصوم: « يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ »(3)، وقوله أيضاً: « مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »(4).

وعندئذٍ؛ فعلى القول بالإرادة التشريعية يكون المدلول طريقيّاً؛ أي: يا أهل البيت، اجتنبوا الرجس حتى تكونوا طاهرين.

وقد منعناه لاستلزامه اللغو بعدما كان تكليفاً لعموم الأُمّة.

أمّا على القول بالإرادة التكوينية، فالمدلول يكون موضوعيّاً؛ أعني أنَّ مشيئة الله النافذة تعلّقت بتطهيركم خاصّة دون غيركم.


1) المصدر السابق.

2) يس: آية82.

3) البقرة: آية185.

4) المائدة: آية6.

الآية الثالثة

قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا »(1).

من الواضح أنَّ في هذه الآية الكريمة دليلاً لدى كلا الفريقين على ثبوت طاعة أُولي الأمر، وفي الوقت نفسه هي محلّ اختلافهما!

والاختلاف يكمن في المواصفات التي يتّصف بها هذا الولي، فأهل السنّة ادّعوا ثبوت أشرف الصفات لأُولي الأمر إلّا (العصمة)، بينما ادّعى الإمامية ثبوت صفة واحدة - العصمة - تحوي بين ثناياها كلّ الصفات المتصّورة في أهلية القيادة الدينية والدنيوية كما يُشير إليه مفهوم الإمامة.

إنَّ الشاهد على العصمة في هذه الآية الكريمة هو التراتب الطولي بين أنحاء الطاعة الثلاثة، وهي: طاعة الله والرسول وأُولي الأمر المعطوفة على بعضها لسنخها وحقيقتها الواحدة. لكن المسلّم به عقلاً أنَّ طاعة الحقّ تبارك وتعالى مطلقة ومسلّم بها، وكذا طاعة رسله باعتبارهم واسطة الوحي الإلهي بين الله وعباده، لكن الملاحظ أنّ هذه الأوامر الصادرة من الرسل وعلى رأسهم سيّدهم محمد صلی الله علیه و اله لو علّقت على الطاعة الأُولى - أي طاعة الله - لكانت من باب التنبيه لما تحصّل للعقل من وجوبها، مع أنّ سياق الآية يأباه بعد قرن طاعة الله بطاعة الرسول. فالأوْلى أن تكون مشيرة إلى ما يصدر من الرسول باعتباره قائد الأُمّة الإسلامية في شؤون دينهم ودنياهم، بل الآية في قوة الشرطية القائلة: (مَن لم يُطع رسول الله لم يُطع الله)، وهذا فعلاً ما أشار إليه القرآن الكريم: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ »(2)،«وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ »(3).


1) النساء: آية59.

2) النساء: آية80.

3) النساء: آية64.

فما هو المدّعى في النحو الثالث من الطاعة، أي: طاعة أُولي الأمر؟

ممّا تقدّم يتعيّن أن تكون طاعة أُولي الأمر أيضاً متوقفة على عصمتهم؛ كي تكون مسانخة لعطفها وقرنها بطاعة الله ورسوله؛ وكونها امتداداً للطف الإلهي - أي الإمامة -، لكن رأى جمع من متكلّمي أهل السنّة عدم شرطية العصمة في أُولي الأمر مدعين ما يلي:

الادّعاء الأوّل: المقصود من أُولي الأمر مَن تقلّد مقاليد الحكم بأيّ نحو كان، وتكون طاعتهم متوقّفة على تقلّده زمام الحكم دون أن يكون لصفاته أو مؤهّلاته دخل في ذلك، وهي رؤية يأباها سياق الآية مطلقاً؛ لانتفاء غرض الحكيم، بل كونه آمراً بالقبيح والعياذ بالله، فضلاً عن تبعات هذا الادّعاء من تأسيس لمشروعية الذّلة والمسكنة اجتماعياً، والركون لحكّام الجور والظلم.

الادّعاء الثاني: مراد الآية من طاعة أُولي الأمر الطاعة المشروطة؛ أي: ما دام الحاكم بيده زمام الأُمور ومراعياً للحدود الشرعية فهو واجب الطاعة، أمّا إذا أمر بما يتعارض وشرع الله فلا تجب طاعته. إنَّ هذا الادّعاء وإن كان أهون من سابقه، لكنّه يتعارض مع مفهوم الآية الكريمة من أوجه:

الأوّل: إنَّ تشخيص ما عليه الحاكم من صلاح أو طلاح، مخالفة أو موافقة، لو أُوكل إلى الأُمّة لوجب أن تكون واعية بأحكام الدين والشريعة بشكل مطلق؛ لكي يُشخّص أفرادها مواطن الاشتباه.

الثاني: انتفاء الغرض من الأمر الإلهي بطاعة أُولي الأمر؛ لقولنا: إنَّ طاعة الله مقدّمة على طاعتهم، فكأنّنا نُسلّم مسبقا ًبولايتهم الجزئية فحسب، وهو ما يأباه إطلاق الآية.

الثالث: لوقلنا: بأنّ الأُمّة تملك أهلية التمييز بين ما هو موافق من أفعال أُولي الأمر لطاعة الله وغير موافق لها، فإنّه ولتفاوت ِأذهان أفراد الأُمّة ووعيهم سيسود الهرج والمرج للتفسيرات المتفاوتة لأفعال أُولي الأمر؛ وعليه لزم وجود معصوم يكون قوله حجةً، وواجب الطاعة على الجميع، ويكون هو مصداق أُولي الأمر الذين تكلّمت عنهم الآية، لا مَن خالف الأوامر الإلهية.

يختلف هذا المدّعى عن سابقه في أنَّ السابق يفترض أيّ نحوٍ من الوصول إلى الحكم

بالنسبة لولي الأمر، لكن هذا الادّعاء يُحدّد نحو الوصول بانتخاب أفراد الأُمّة له؛ لما له من خصوصيات في إدارة أُمور الحكم، وهذا ما يُعطيه أهلية ولاية الأمر.

وهذا الادّعاء مردود أيضاً؛ لأنّه في قوّة أن يقال: إنَّ مَن ترضونه لولاية أُموركم يكون وليّاً عليكم تجب طاعته، بينما الآية لم تُعلّق طاعة أُولي الأمر على رضا الأُمّة، ولا طاعة الله ورسوله التي قُرِنَت بهما طاعة أُولي الأمر.

وهذا إن دلّ على شيء فإنمّا يدلّ على المسانخة بين الأنحاء الثلاثة التي تُشير إلى نقطتين:

•

عصمة أُولي الأمر رسولاً كان أو إماماً.

•

لله وحده تعيين مصاديق أُولي الأمر ونصبهم؛ لعلمه بعصمتهم وجهل الأُمّة بذلك.

خاتمة في فلسفة العصمة

إنَّ العلاقة الجدلية بين مسألة العصمة - باعتبارها لطفاً أو مَلَكةً أو علماً موهوباً - والأخلاق - باعتبارها سبيل النفس إلى تحقيق التعادل بين حدود الإفراط والتفريط - تبقى محطّة الإبهام بين عالم الشهادة والغيب؛ إذ تُشير كلا المفردتين إلى سعة الكمال الإنساني؛ وهذا وجه الاشتراك، أمّا وجه الاختلاف فناظر إلى نحو الإشارة؛ فهو في العصمة كشف عمّا هو محقّق في الواقع ونفس الأمر، بوجود نفوس تعالت على متعلّقات الدنيا، مرفرفة بجناحيها نحو جناب القدس، ومحقّقة غائية الحياة، لكنّه في الأخلاق كشف عمّا يُرام تحقيقه بالاكتساب، ويمكننا القول بأنَّ القيم الأخلاقية العالية لدى الأشخاص الذين يختارهم الله - ليكونوا أنبياءً ورسلاً وأئمةً - ما هي إلّا آثار لذلك الكمال الذاتي المعنون بالعصمة، والذي تمَّ توثيقه من قبل الله بالأدلّة السماوية كما في رسولنا صلی الله علیه و اله ، وأوصيائه بالحقّ علیهم السلام « إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا »

قاعدة مشايخ الثقات وإشكالية الإسناد والإرسال

الشيخ زهير قاسم عبد النبي التميمي

الشيخ زهير قاسم عبد النبي التميمي(1)

تمهيد

تُعتبر قاعدة مشايخ الثقات من القواعد الرجالية المهمّة، والتي لها أثر كبير في تحديد وتعيين وثاقة مجموعة كبيرة من الرواة الواقعين في أسانيد كثير من أُمّهات الكتب الحديثية وغيرها؛ وتبعاً لذلك سوف يتحدّد الموقف تجاه مجموعة كبيرة من الأحكام الفقهية، والمسائل التفسيرية، والعقائد الفرعية، وغيرها من الفوائد في مختلف الحقول المعرفية، وغيرها من فروع الدراسات الإسلامية.

من هنا؛ تبرز وتتجلّى أهمّية البحث في هذه القاعدة، ومعرفة حدودها وأدلّتها وما يرتبط بها، ويتأكّد الأمر أكثر إذا ما لاحظنا بعض الاختلافات التي وقعت بين العلماء في هذه القاعدة الرجالية المهمّة.


1) كاتب وباحث إسلامي.

الثقات ومشايخهم

المقصود من (الثقات) هنا طائفتان:

الطائفة الأُولى: تختصّ بالأجلّاء الثلاثة: محمد بن أبي عمير الأزدي، وصفوان بن يحيى البجلي، وابن أبي نصر البزنطي.

الطائفة الثانية: وهم سبعة من الرواة: أبو العباس النجاشي، أبو غالب الرازي، وأحمد بن محمد بن عيسى، وجعفر بن بشير، وعلي بن الحسن الطائي الطاطري، ومحمد بن أبي بكر الإسكافي، والزعفراني.

والمقصود من (المشايخ) هنا: مَن روى عنه - في الجملة - الثقات المذكورون؛ ومنه يتبيّن عدم دقّة التعبير عند البعض بعنوان: (المشايخ الثقات)(1)لأنّ البحث في محمولٍ ليس موضوعه الثقات المتقدّمون - فوثاقتهم أجلّ من أن تُبحَث - بل الموضوع هو مشايخهم الذين أخذوا عنهم.

ثمرة المسألة وأهمّيتها

ممّا لا شكّ فيه أنّ طرح مسألة ما من دون أن تكون لها أيّ ثمرة - علميّة أو عملية - يكون من العبث المرجوح عند العقلاء؛ وعليه نرى أنّ أهمّية المسألة تتجلّى في جهتين:

1- الجهة العامّة: وذلك لارتباطها الوثيق بالسُنّة المحكيّة الشريفة - الثقل الملازم لكتاب الله - لإيصالها بأمانة وأمان، وما يترتّب عليها من القضايا الشرعية الأصلية والفرعية، وأيّ أهمية تضاهي ذلك؟!

2- الجهة الخاصّة: وهي كثرة مَن روى عنه هؤلاء الثقات، وقد أحصى بعض أهل الاختصاص إلى ما يربو على ثمانمئة وأربعين عنواناً(2)، هذا فيما لو طُرحت المكرّرة منها يصل العدد إلى أكثر من ستمئة عنواناً، ولو أضفنا إليهم مَن أرسلوا عنه لعُلم مقدار الروايات الشريفة التي هي في معرض التصحيح والتضعيف، بناءً على ما تأول إليه هذه


1) اُنظر: المعلم، محمد علي صالح، أُصول علم الرجال (تقرير بحث الشيخ الداوري): ج2، ص137.

2) اُنظر: المصدر السابق: ج2، ص225.

المسألة، من حيث قبول معيارية مشيخة الثقات أو لا، وسيأتي بيان ثمرات اختلاف الأقوال في المسألة.

منشأ المسألة وأساسها

الظاهر والمعروف أنّ القطب الذي تدور حوله المسألة هو ما أفاده شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي رحمة الله في كتابه العدّة، في معرض ذكره لفروض التعارض بين الأخبار وقرائن الترجيح، قال: «وإذا كان أحد الراويين مسنِداً والآخر مرسِلاً نُظِر في حال المُرسِل، فإن كان ممَّن يُعلم أنّه لا يُرسِل إلّا عن ثقةٍ موثوق به، فلا ترجيح لخبر غيره على خبره؛ ولأجل ذلك سوَّت الطائفة بين ما يرويه محمدُ بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات، الذين عُرفوا بأنّهم لا يروون ولا يرسلون إلّا عمّن يوثَق به، وبين ما أسنده غيرُهم؛ ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم»(1).

نعم، في خصوص أوّلهم، فقد ذكر الشيخ أبو العباس النجاشي رحمة الله عبارة قريبة من شهادة الشيخ، قال: «محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى، أبو أحمد الأزدي... وقيل: إنّ أُخته دفنت كتبه في حال استتارها، وكونه في الحبس أربع سنين فهلكت الكتب. وقيل: بل تركَتْها في غرفة فسالَ عليها المطر فهلكَتْ. فحدَّثَ مِن حِفْظه، وممّا كان سلفَ له في أيدي الناس، فلهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله»(2).

تحرير محل النزاع

يختص هذا المقال بالبحث عن مشايخ ثقات الطائفة الأُولى (ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي)، ويُرجأ البحث في الطائفة الثانية إلى فرصة أُخرى، وينبغي أن نذكر هنا بعض الأُمور:


1) الطوسي، محمد بن الحسن، العدّة في أُصول الفقه: ج2، ص154.

2) النجاشي، أحمد بن علي، فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): ص326.

1- إنّ البحث هنا سيكون في مشايخ الثقات بلا واسطة، فلا يتعدّى إلى غيرهم.

2- محلّ الكلام في دعوى توثيق الرواة (المشايخ) إن ذُكروا، وغَضّ النظر عن المروي عنه عند الإرسال، وليس المقصود تصحيح روايات الأجلّاء الثلاثة حتى مع التحفّظ على ضعف مشايخهم، كما قد يُستفاد من كلام بعض الأجلّة حيث يقول: «ولو كان ضعيفاً كان ضعفه في هذا الحديث منجبراً برواية ابن أبي عمير إيّاه عنه»(1).

3- قد ذُكرت وجوه أُخرى لتوثيق مشايخ الأجلّاء الثلاثة، كتنصيص الكشي رحمة الله على أنّهم ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم، وهو غير إجماع الشيخ في العدّة(2)- وإن أرجعه بعض الأعلام إلى إجماع الكشي(3)- وهو بحث وسيع ذُكرت فيه احتمالات وأقوال عديدة(4)، ولكن مصبّ بحثنا هو المنكشف من شهادة الشيخ الطوسي رحمة الله في العدّة.

فيكون السؤال الأساسي في البحث على شقّين:

السؤال الأول: هل الأجلّاء الثلاثة لا يروون رواية إلّا إذا كان مَن رواها لهم ثقة يُعتمد عليه في ميزان أهل الحديث، فيكون توثيقاً عاماً لجميع مَن رووا عنه؟ حيث تظهر الثمرة في موردين:

المورد الأول: فيما لو رووا عن شخصٍ مجهول لم يُعرَف أمره، أو عن مُهمل غير مُوثَّق ولا مجروح، فيُعَدّ من الثقات، على فرض تماميّة المُدّعى في هذا البحث.


1) الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ج1، ص378.

2) اُنظر: الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج3، ص242. القمّي، أبو القاسم، غنائم الأيام: ج1، ص104. الوحيد البهبهاني، محمد باقر، حاشية مجمع الفائدة والبرهان: ص710. النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة: ج1، ص56. الوحيد البهبهاني، محمد باقر، الرسائل الفقهية: ص72.

3) اُنظر: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج1، ص61. العاملي، علي حسين مكي، بحوث في علم الرجال (تقرير بحث السيد علي الفاني الأصفهاني رحمة الله ): ص130.

4) اُنظر: المعلم، محمد علي صالح، أُصول علم الرجال (تقرير بحث الشيخ الداوري): ج2، ص119، وص135. العاملي، علي حسين مكّي، بحوث في فقه الرجال (تقرير بحث السيد علي الفاني الأصفهاني رحمة الله ): ص119، وص132، وغيرها.

المورد الثاني: فيما لو رووا عن رجلٍ ضعَّفه أحد أصحاب الفنّ، كالشيخ أو النجاشي، فيحصل التعارض - ولو بَدواً - بين التضعيف والتوثيق، بناءً على تمامية وثاقة مشايخ الثقات.

نعم، لا يستقرّ التعارض بينهما ويقدّم التضعيف هنا، لا من باب تقديم التوثيق الخاصّ على العامّ - فليس محلّ قاعدة التقديم هنا حيث تعدّد المتكلّم - بل لأنّه بعد تساقطهما تنتفي فعليّة التوثيق، والأصل عدم التوثيق.

السؤال الثاني: هل دَيدَنهم عدمُ إرسال الرواية - كقولهم: عن رجلٍ، عن أحدهم، عن بعضهم... - إلّا إذا كان المروي عنه من الثقات عندهم؟

وتظهر ثمرته في كيفية التعامل مع مراسيلهم، فهي مساوية لمسندات غيرهم الموثقة بناءً على تمامية المدّعى وأنّهم لا يرسلون إلّا عن ثقة.

ونظير هذا المسلك ما كان عليه بعض فقهاء المذاهب الأُخرى مع بعض الرواة مثل: (سعيد بن المسيب)، فقد نُقل عن ابن حنبل قوله: «مرسلات سعيد بن المسيب صحاح»(1). وقول عيسى بن شاذان: «إرسال سعيد بن المسيب عن رسول الله يوازي إسناد غيره»(2). وقول الشافعي: «إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن»(3). معلِّلاً ذلك أنّه افتقد مراسيله فوجدها صحاحاً(4)، بل قد يقبلون ما يصل إليهم عمَّن اشتُهِر بالتدليس بحجّة أنّه لا يُدلّس إلّا عن ثقة(5)، ولم نفهم كيف يجتمع التدليس عن الثقات مع الوثاقة؟!


1) البيهقي، أحمد بن الحسين، السنن الكبرى: ج6، ص42.

2) ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، التمهيد:ج4، ص326.

3) المزي، يوسف، تهذيب الكمال: ج11، ص74.

4) اُنظر: ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، التمهيد: ج4، ص326.

5) اُنظر: الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال: ج2، ص170. قال الذهبي: «وكان - سفيان بن عيينة - يُدلّس، ولكن المعهود منه أنّه لا يدلّس إلّا عن ثقة».

الأقوال في المسألة

القول الأول: وثاقة مشايخ الثقات مطلقاً، سواء أسندوا أم أرسلوا، وهو قول الأصحاب والمتقدّمين بالاتفاق(1)إلى زمن المحقّق الحلي قدس سره ، وهذا الاتفاق هو الظاهر من الشيخ والنجاشي(2)، وهو قول المعظم وانحصار المخالف(3)بلحاظ المتأخّرين معهم، وقد صرّح الكثير بهذا القول(4).

القول الثاني: عدم الاعتبار مطلقاً، والظاهر أنّ أول مَن نفى الكبرى بالجملة هو الشهيد الثاني قدس سره ، فإنّه تنظّر في كتابيه الرعاية والمسالك في جانب الإرسال(5)، ولكنّه صرّح بالإشكال مع ذكر الإسناد في مكانٍ آخر، قائلاً: «وحمّاد... مشترك بين الثقة وغيره


1) اُنظر: ابن طاووس، علي بن موسى، فلاح السائل: ص158. الحلي، محمد بن الحسن، إيضاح الفوائد: ج4، ص162. الصدر، حسن، نهاية الدراية: ص269.

2) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، العدّة في أُصول الفقه: ج2، ص154. النجاشي، أحمد بن علي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص326.

3) اُنظر: الطبرسي، ميرزا حسين، خاتمة المستدرك: ج5، ص125. عن تكملة الكافي ومفاتيح السيد محمد الطباطبائي.

4) اُنظر: الحلي، جعفر بن الحسن، الرسائل التسع: ص243. الفاضل الآبي، الحسن بن أبي طالب، كشف الرموز: ج1، ص344. الحلي، الحسن بن يوسف، مختلف الشيعة: ج8، ص344. الحلي، محمد بن الحسن، إيضاح الفوائد: ج4، ص162. العاملي، محمد بن مكي، الذكرى: ج1، ص49. الكركي، علي بن الحسين، رسائل الكركي: ج3، ص43. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج30، ص224. السبزواري، محمد باقر، ذخيرة المعاد: ج1، ق1، ص5. الفاضل الهندي، محمد بن الحسن، كشف اللثام: ج1، ص384. الحسيني العاملي، محمد جواد، مفتاح الكرامة: ج2، ص168. الطباطبائي، علي، رياض المسائل: ج3، ص133. القمّي، ميزا أبو القاسم، القوانين: ج1، ص478. النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة: ج1، ص56. الأنصاري، مرتضى، كتاب الصلاة: ج1، ص173.

5) اُنظر: العاملي، زين الدين بن علي، الرعاية في علم الدراية: ص138. العاملي، زين الدين بن علي، مسالك الإفهام: ج8، ص174.

فلا يكون صحيحاً بهذا الاعتبار»(1). أي: باعتبار رواية ابن أبي عمير عنه - مع أنّه قد صرّح بقبول مراسيلهم في كتب أُخرى(2)- وتبعه ولده(3)، وتلميذه(4)، وسبطه(5)، حتى أحكم الإشكال السيد الخوئي قدس سره (6).

نعم، نسب الشهيد الثاني قدس سره إلى صاحب كتاب البشرى إنكار تحقّق الاستقراء لمشايخهم(7).

ثم إنّ بعض المحقّقين قد استفاد من كلمات صاحب المعالم قدس سره إنكاره خصوص المراسيل(8)، ولعلّه استظهره من قوله: «ومع فرض اقتصاره على الرواية عن العدل، فهو إنّما يروي عمّن يعتقد عدالته، وذلك غير كافٍ؛ لجواز أن يكون له جارح لا يعلمه... وبدون تعيينه لا يندفع هذا الاحتمال فلا يتوجّه القبول»(9).

ولكن من الواضح كونه في مقام فرض التسليم بالكُبرى ليردّ المرسلات، فقد أنكر قبل ذلك وبعده أصل الكُبرى؛ حيث قال: «وأمّا كلام الشيخ رحمة الله فيَرِد على أوله ما ورد على العلّامة رحمة الله وعلى آخره: إنّ عمل الطائفة يتوقّف التمسّك به عندنا على بلوغه حد الإجماع، ولا نعلمه»(10).


1) العاملي، زين الدين بن علي، مسالك الإفهام: ج7، ص136.

2) اُنظر: العاملي، زين الدين بن علي، رسائل الشهيد الثاني: ص37. العاملي، زين الدين بن علي، روض الجنان: ص47، وص351، بل في المسالك: ج9، ص236 أيضاً.

3) اُنظر: العاملي، الحسن بن زين الدين، معالم الدين وملاذ المجتهدين: ص214.

4) اُنظر: العاملي، حسين بن عبد الصمد، وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار: ص107.

5) اُنظر: العاملي، محمد بن علي، مدارك الأحكام: ج1، ص359.

6) اُنظر: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج1، ص60 - 61.

7) اُنظر: العاملي، زين الدين بن علي، الرعاية في علم الدراية: ص138، وصاحب البشرى هو السيد أحمد بن طاووس (ت673ﻫ).

8) اُنظر: السبحاني، جعفر، كليات في علم الرجال: ص215.

9) العاملي، الحسن بن زين الدين، معالم الدين وملاذ المجتهدين: ص214.

10) معالم الدين وملاذ المجتهدين: ص215.

القول الثالث: التفصيل بقبول مراسيلهم دون ما أسندوا إلى غير الموثّقين(1)، كما يظهر ذلك من صاحب الجواهر قدس سره ؛ حيث إنّه صحّح المراسيل(2)، ولكنّه ردّ توثيق (كردويه) لمجرد كَون ابن أبي عمير يروي عنه(3)، وتأمّل في توثيق سفيان بن السمط لذلك(4).

القول الرابع: التفصيل بقبول ما ثبت من نوادرهم، لا مطلق كتبهم(5)، وهو إشارة إلى ما نقله الكشي رحمة الله ، بأنّ جميع رواياته التي حفظها قد جمعها في كتاب النوادر، قال: «وذهبت كتب ابن أبي عمير، فلم يخلص كتب أحاديثه، فكان يحفظ أربعين جلداً فسمّاه نوادر؛ فلذلك يوجد أحاديث متقطعة الأسانيد»(6).

القول الخامس: التفصيل بقبول خصوص ما لم يكن عن شخصٍ محكوم عليه بالضعف، سواء أرسل أم أسند، إلى إمامي لا مدح فيه ولا ذمّ، أم إلى غيره(7).

القول السادس: التفصيل بتوثيق مشايخهم المذكورين في السند دون مراسيلهم، وهو الظاهر من بعض كلمات المحقّق الحلي رحمة الله (8)حيث إنّه في صفحة واحدة وفي مسألة واحدة استدلّ برواية ابن أبي عمير عن حمّاد أو غيره - مع أنّه مشترك بين الثقة وغيره - وردّ مرسلة ابن أبي عمير؛ بأنّها لا تقوى أن تكون حجّة على الوجوب، وكذلك من الشيخ الأنصاري قدس سره ، فبعد أن ناقش المرسلات في موارد(9)، قام بتوثيق القاسم بن عروة؛ لأنّه:


1) اُنظر: البهائي، الحبل المتين: ص5.

2) اُنظر: الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج3، ص242، وج4، ص251، و377، وغيرها.

3) اُنظر: المصدر السابق: ج1، ص267 - 268.

4) اُنظر: المصدر السابق: ج12، ص435.

5) اُنظر: البهائي، الاثنا عشرية: ص32.

6) الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ج2، ص854.

7) اُنظر: الداماد، تعليقته على اختيار معرفة الرجال: ج1، ص204- 205.

8) الحلي، جعفر بن الحسن، المعتبر: ج1، ص165، وص257.

9) اُنظر: الأنصاري، مرتضى، أحكام الخلل في الصلاة: ص72. الأنصاري، مرتضى، كتاب الصلاة: ج1، ص71.

«روى عنه ابن أبي عمير والبزنطي... وهذا من أمارات وثاقته»(1). وجزم بهذا المسلك أُستاذنا الأعظم دامَ ظلّه(2).

هذا أبرز ما أمكننا استخراجه من أقوالٍ في المسألة، وقد لا يكون بعضُها قولاً مستقلاً، كالقول الرابع، فلا يكون تفصيلاً في مقابل الأقوال الأُخرى.

ثمّ إنّ أهمّ ما ذُكر من استدلال ومناقشة يتعلّق بالقولين الأولين والأخير، وهو القطب الذي يدور حوله بحثنا في هذا المقال:

الاستدلال على القول الأول

القول الأول هو القبول مطلقاً، وهو رأي معظم ومشهور الفقهاء من المتقدّمين إلى عصرنا، ولبيان وجه الاستدلال يلزم هنا التركيز على النقاط المهمّة في كلمات الشيخ رحمة الله :

النقطة الأُولى: قوله: «سوّت الطائفة...». يظهر من هذه العبارة عدّة أُمور:

1- إنّ دور الشيخ هنا ليس إلّا ناقلاً لأمرٍ حصّله بخبرته، فقد تتبّع فتاوى الطائفة ورأى أنّهم كذلك، نظير الإجماع المحصَّل، فهو أمرٌ حسّي لا اجتهادي.

2- إنّ الطائفة هم الفقهاء من الأصحاب الذين تقدّموا على الشيخ، وكانت كتبهم الفقهية حاضرة عنده.

3- التسوية بمعنى عدم الترجيح في الحجّية، فكلّ رواياتهم حجّة عندهم، كما لو كانت مسندة عن الثقات.

النقطة الثانية: قوله: «الذين عُرِفوا بأنّهم لا يروون ولا يُرسلون إلّا عمّن يُوثق به...». يظهر من هذه العبارة - أيضاً - عدّة أُمور:

1- إنّ علّة كَون الأصحاب قد قبلوا رواياتهم منحصرةٌ بأنّهم لا يأخذون رواية من أحدٍ، إلّا إذا ثبتت وثاقته عندهم، وليس لأُمور أُخرى كوجود قرائن مثلاً.

2- إنّ الفاعل المحذوف لفعل «عُرفوا» هم الأصحاب، أي: إنّ الأصحاب علموا


1) الأنصاري، مرتضى، كتاب الصلاة: ج1، ص47.

2) المرجع الكبير الشيخ الوحيد الخراساني (دامَ ظله).

ذلك من الأجلّاء الثلاثة، فالمسألة كانت علمية عندهم.

3- متعلَّق العلم هو أنّ الثلاثة كما أنّهم لا يسندون إلى مَن لم تثبت وثاقته عندهم، كذلك فإنّهم لا يُرسلون إلّا مع علمهم - ولو إجمالاً - بوثاقة العنوان غير المصرَّح باسمه.

النقطة الثالثة: قوله: «ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردت عن رواية غيرهم...». فالظاهر منه عدّة أُمور:

1- إنّ المشار إليه باسم الإشارة هو عدم أخذهم من غير الثقة، ولام التعليل صريحة في أنّ علّة اعتبار الأصحاب لمراسيلهم هو ما سلف.

2- إنّ الأصحاب - في مقام العمل والإفتاء - استندوا إلى مراسيلهم.

3- الروايات - عموماً - على نحوين:

فتارة يكون مضمونها موافقاً لروايات أُخرى ولو إجمالاً.

وتارةً تكون ممّا انفردت بمضمونها، وفي هذا الأخير وقع خلافٌ من جماعة فيما انفرد به جماعة(1)، وشهادة الشيخ هنا على قبول مراسيل الثلاثة، حتى لو تفرّدت الرواية بمضمونها، فهو أعلى مقام لاعتبار الرواية؛ ممّا يكشف عن كَون مشايخهم على نحوٍ عال من الوثاقة.

نستنتج ممّا تقدّم: وجود ثلاث مقدمات للوصول إلى النتيجة:

المقدمة الأُولى - قياس استثنائي -: يلزم من عدم ثبوت علم الأصحاب بوثاقة مشايخ الأجلّاء الثلاثة الطعن في عدالة الشيخ الطوسي رحمة الله ، والتالي باطل، فالمقدّم مثله؛ فيلزم ثبوت علم الأصحاب بوثاقة المشايخ.

قال السيد بحر العلوم قدس سره : «فإنّ الشيخ أخبر جازماً بأنّ مشايخ ابن أبي عمير ثقات عند الأصحاب، فيجب تصديقه والأخذ به»(2).

المقدمة الثانية: إنّ منشأ علم الأصحاب بوثاقة مشايخ الثلاثة منحصر بأمرين:

الأمر الأول: الإخبار المفيد للعلم - ولو بالمعنى الأعمّ - سواءٌ بإخبار صفوان


1) اُنظر: النجاشي، أحمد بن علي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص348، فيما استثناه ابن الوليد من رواية الحسن بن الحسين اللؤلؤي، وص333، فيما استُثني من رواية اليقطيني.

2) حكاه عن شرح الوافي: النوري الطبرسي، ميرزا حسين، خاتمة المستدرك: ج5، ص123.

وأضرابه بذلك، أم بإخبار غيرهم ممَّن لا يُشكَّ في صدقه، وعدم وصول ذلك الإخبار إلينا - مع ما جرى على تراثنا ومكتباتنا - لا يؤثّر بعدما ثبت المحكي، نظير ما لو حصل لنا العلم برأي المعصوم علیه السلام ، فلا يؤثّر عدم وجود رواية صحيحة أو إجماع كاشف عنه.

الأمر الثاني: الاستقراء المفيد للعلم من قِبَلهم، إذ كان مُيسَّراً لهم، بل هو من صميم اختصاصهم، كما هو واضحٌ لمَن اطّلع على كلماتهم في كتب الرجال، حيث كانوا يقيّمون الراوي على أساس مَن يروي عنهم، فيعدّون الرجلَ صادقاً في نفسه، ولكنّه يروي عن الضعاف أو المجاهيل، كما هو الحال في البرقي(1).

والطريق الثاني وإن كان هو الأقرب إلى طريقتهم، كما عن البهائي قدس سره (2)، ولكنه من حيث النتيجة سواء؛ لأنّ المناط في المنكَشف لا في الكاشف.

المقدمة الثالثة - قياس من الشكل الأول -: كلّما أخبر به العدل الخبير عن علمٍ وحسٍّ في الموضوعات الشرعية فهو ثابت تعبداً، ولا يجوز ردّه إلّا مع العلم بالخلاف، أو الظن به على أحد المباني، وهذه الكُبرى ممَّا لا ينبغي بيانها في المقام لوضوحها.

أمّا الصغرى، فإنّ وثاقة مشايخ الأجلّاء الثلاثة من الموضوعات الشرعية التي شهد بها - ولو عملاً - رؤساء الطائفة عن حسٍّ وعلمٍ.

فالنتيجة - بداهةً -: ثبوت وثاقة مشايخ الثقات بالتعبّد، ذُكِروا في السند أم لا، فيجب العمل برواياتهم بمقتضى العمل بأدلّة حجّية أخبار الثقات.

الاستدلال على القول الثاني

القول الثاني هو النفي مطلقاً، ثمّ إنّ استدلال النافين لا بدّ وأن يدور في دائرة الردّ


1) قال النجاشي: «كان ثقة في نفسه، يروي عن الضعفاء واعتمد المراسيل». النجاشي، أحمد بن علي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص76.

2) قال الشيخ البهائي رحمة الله في شرح الفقيه: «لمِا علموا من عادته أنّه لا يُرسل إلّا عن ثقة». حكاه عنه: النوري الطبرسي، ميرزا حسين، خاتمة المستدرك: ج5، ص122.

على الكُبرى التي أسّسها الشيخ رحمة الله وإنكارها؛ لأنّها بمثابة المقتضي للحجّية، فلا بدّ من مناقشتها دفعاً أو رفعاً، حيث سنحاول عرض أهمّ الوجوه التي وجدناها مع ذكر ما قيل في الجواب عنها:

الوجه الأول: ما ذكره الشهيد الثاني وتمّمه السيد الخوئي

قال الشهيد رحمة الله : «لأنّ مستند العلم إن كان هو الاستقراء لمراسيله، بحيث يجدون المحذوف ثقة، فهذا في معنى الإسناد ولا بحث فيه، وإن كان لحسن الظن به، في أنّه لا يرسل إلّا عن ثقة، فهو غير كافٍ شرعاً في الاعتماد عليه، ومع ذلك غير مختصّ بمَن يخصّونه، وإن كان استناده إلى إخباره بأنّه لا يُرسل إلّا عن الثقة، فمرجعه إلى شهادته بعدالة الراوي المجهول وسيأتي ما فيه، وعلى تقدير قبوله... فالاعتماد على التعديل، وظاهر كلام الأصحاب في قبول مراسيل ابن أبي عمير هو المعنى الأول، ودون إثباته خرط القتاد»(1).

وتمَّم السيد الخوئي قدس سره الإشكال، بأنّ هذه الدعوى: «دون إثباتها خرط القتاد؛ فإنّ معرفة ذلك في غير ما إذا صرَّح الراوي بنفسه أنّه لا يروي ولا يُرسل إلّا عن ثقة، أمرٌ غير ميسور، ومن الظاهر أنّه لم يُنسب إلى أحد هؤلاء إخباره وتصريحه بذلك، وليس لنا طريق آخر لكشفه، غاية الأمر عدم العثور برواية هؤلاء عن ضعيف، لكنّه لا يكشف عن عدم الوجود»(2).

وملخّص الإشكال إنكار حصول العلم للأصحاب بأنّهم لا يروون إلّا عن ثقة، وذلك من خلال مناقشة مناشئ العلم المحتملة في المقام.

المناقشة

ممّا ذُكر في تقريب الاستدلال بكلام الشيخ الطوسي قدس سره يظهر ما في هذا الكلام من إشكالات، فبحسب المقدمة الأُولى ثبت بالبرهان ملازمة إنكار تحقّق علم الأصحاب


1) العاملي، زين الدين بن علي، الرعاية في علم الدراية: ص138.

2) الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج1، ص63.

مع الطعن في عدالة الشيخ المُخبر بتحقّقه(1)، ولا يرتضيه(2)الشهيد قدس سره قطعاً، وبحسب المقدّمة الثانية ثبت أنّ المناط في الحُجّية هو ثبوت العلم أيّاً كان منشأه، فلو أخبر الأصحابُ المُستشكِل بأنّهم قطعوا أنّ مراد الإمام علیه السلام كذا - مثلاً - فهل يمكن مناقشتهم بأنّ مستند هذا القطع إنْ كان كذا فيرد عليه كذا، وإنْ كان كذا فيرد عليه كذا؟ وعليه نُشكّك في تحقق قطعكم، وهل بعد العلم من شيء؟

ومنه يظهر ما في قوله - من الاعتماد على حسن الظاهر غير كافٍ شرعاً؛ لإفادته الظن - المخالف لنصّ كلام الشيخ قدس سره بتحقّق العلم، مع أنّ نسبة هذه الطريقة إلى الأصحاب فيها شيءٌ من الإجحاف، مع ما عُلم من تشدّدهم في قبول الأخبار، وقد ذكر الشيخ رحمة الله : «إنّ واحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه: من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتابٍ معروف أو أصلٍ مشهور، وكان راويه ثقة لا يُنكَر حديثه سكتوا، وسلّموا الأمر في ذلك، وقبلوا قوله، وهذه عادتهم وسجيَّتهم من عهد النبي صلی الله علیه و اله ومن بعده من الأئمة علیهم السلام »(3). ولا يبقى معنى لتصنيفهم الرواة إلى ثقة ومجهول لم يذكروه، فاللازم توثيق كلّ مَن لم يثبت فسقه(4)، وما معنى ما كان يفعله أصحاب الأئمة علیهم السلام من القمّيين من طرد مَن لم يقتصر في أخذه على الثقات، وإن كان هو ثقة في نفسه(5)؟ وما معنى تخصيص الثلاثة عن غيرهم بهذا العنوان، كما ذكر الشهيد قدس سره في الإشكال؟

وعليه؛ فيكفي هذا الجواب العامّ، وأنّ أصل الإشكال يلزم منه محاذير لا يمكن الالتزام بها، مع إمكان دفع كلّ فرض ممّا ذُكر:

1- عدم وصول إخبار الثلاثة أنفسهم بذلك إلينا لا يلازم عدم تحقّقه، مع ضياع القسم الأكبر من تراثنا - كما هو معلوم - وكم كتاب كان موجوداً بيد الأصحاب ولم


1) أي: المُخبر بتحقّق علم الأصحاب.

2) أي: الطعن في عدالة الشيخ.

3) الطوسي، محمد بن الحسن، العدّة في أصول الفقه: ج1، ص126 - 127.

4) اُنظر: الصدر، علي، الفوائد الرجالية: ص242.

5) اُنظر: النجاشي، أحمد بن علي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص82، وص185، في ابن محبوب وسهل بن زياد. الغضائري، أحمد بن الحسين، رجال ابن الغضائري: ص39، في البرقي.

نسمع إلّا باسمه، فهل يجوز لنا أن ننكر وجود كتاب «البشرى» للسيد ابن طاووس رحمة الله الذي أخبر عنه الشهيد نفسه(1)لمجرّد أنّه لم يصل إلينا؟!

2- ليس مطالعة كتب الرجال دونها خرط القتاد، ليثبت أنّ الأصحاب كانوا يستقرؤون أحوال الرواة، فينظرون في جميع روايات كلّ راوٍ، فيحكمون عليها ويقيّمونها - وهل كان لهم همٌّ غير ذلك؟ - وإلّا فهل يجوز لعادلٍ أن يحكم على أحاديث أحدهم بأنّها معتمدة، مُتقِناً لما يرويه، بصيراً بالحديث والرواية... له كتاب حسن جيد صحيح، صحيح السماع، حديثه ليس بذلك النقي، وأمثالها في كتبهم، دون أن يستقرؤها استقراءً تامّاً بل ويتدبّرها؟ وإذا اطّلع على بعض رواياته، ثمّ وصف جميعَها بأنّها موافقة لأُصولنا، ألا يخدش بعدالة المُخبر؟

نعم، غاية الأمر أنّه مع ثبوت الاستقراء فهو من المُسند لا المُرسل، ولا بحث فيه، كما صرّح المستشكِل وولده وغيرهما(2)، وهذا مراد الشيخ من تسوية الأصحاب.

3- لا يصحّ تحميل الأصحاب المبنى الرجالي الشاذّ، الذي اختاره الشهيد وولده، من عدم قبول توثيق المجهول بالاسم من قبل الثقة، كقوله: «أخبرني رجلٌ ثقةٌ». لاحتمال وجود الجارح المعارض(3)، فإنّه يُناقش - على المبنى -:

أولاً: بأنّ ذلك إنّما يتمّ إن لم يصل إلى درجة العلم بالوثاقة، وليس بعد العلم شيء، فاشتراط التعدّد والبيّنة إنّما هو بدون حصول العلم(4).

ثانياً: بعدم انحصار تحقّق العلم بهذا الطريق - بل بالطرق المذكورة - كما مرّ مِن أنّ


1) اُنظر: العاملي، زين الدين بن علي، الرعاية في علم الدراية: ص138.

2) اُنظر: العاملي، حسن بن عبد الصمد، وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار: ص107

3) اُنظر: العاملي، زين الدين بن علي، الرعاية في علم الدراية: ص200. العاملي، جمال الدين الحسن، معالم الدين: ص207، قال: «لكن التعديل إنّما يُقبل مع انتفاء معارضة الجرح له، وإنّما يُعلم الحال مع تعيين المعدّل وتسميته».

4) كما اعترف به صاحب المعالم: ص204، قال: «إنّ مقتضى اشتراط العدالة اعتبار حصول العلم بها، والبينة تقوم مقامه شرعاً، فتُغني عنه».

الاستقراء هو الأقرب لدَيدَن الأصحاب، قال المقدس الأردبيلي قدس سره : «مع أنّ الظاهر أنّه ليس كذلك، بل الذي يُفهم أنّهم أخذوا بالتتبّع...»(1).

ثالثاً: زيادة على ما تقدّم، فإنّ هذا التوثيق والاعتماد، الناشئ من العلم بأنّهم لا يأخذون من غير الثقة، إنّما كان بالاتفاق من أصحاب الأئمة علیهم السلام ، وبمرأى ومسمع منهم، ولم يردعوا عنه؛ ممّا يكشف - بالإن - عن رضاهم علیهم السلام .

ومنه يظهر ما في إشكال صاحب المعالم قدس سره ، من «أنّ عمل الطائفة يتوقّف التمسّك به عندنا على بلوغه حدّ الإجماع، ولا نعلمه»(2). فإنّ حجية الإجماع إنّما لكاشفيته عن رأي المعصوم علیه السلام ، ومع تحقّق المُنكشف فلا أثر لعدم تحقّق الكاشف، خصوصاً أنّ محلّ كلامنا في الموضوعات لا في الأحكام الشرعية، فلا محلّ لطرح الإجماع أصلاً.

الوجه الثاني: ما أورده المحقّق الحلي وبنى عليه السيد الخوئي

قال المحقّق رحمة الله : «لأنّ في رجاله من طعن الأصحاب فيه، وإذا أرسل أحتُمل أن يكون الراوي أحدهم»(3). وبنى عليه صاحب المعجم قدس سره في تشييد النقض، قائلاً: «قد ثبت رواية هؤلاء عن الضعفاء في موارد، ذكر جملة منها الشيخ بنفسه، ولا أدري أنّه مع ذلك كيف يدّعي أنّ هؤلاء لا يروون عن الضعفاء؟»(4).

ثمّ ذكر عناوين ممّن روى عنهم الأجلّاء الثلاثة، ادّعى أنّهم من الضعفاء؛ فتنتقضُ بذلك الكُبرى المزعومة، وهم: علي بن أبي حمزة البطائني، ويونس بن ظبيان، وعلي بن حديد، والحسين بن أحمد المنقري، ووهب بن وهب (أبو البختري)، وعمرو بن جميع، والمفضّل بن صالح (أبو جميلة)، وعبد الله بن القاسم الحضرمي، وعبد الله بن خداش، والمعلّى بن خُنيس، وصالح بن الحكم النيلي، والحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني،


1) الأردبيلي، أحمد، مجمع الفائدة والبرهان: ج1، ص127.

2) العاملي، الحسن بن زين الدين، معالم الدين وملاذ المجتهدين: ص215.

3) الحلي، جعفر بن الحسن، المعتبر: ج1، ص165.

4) الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج1، ص63.

وعبد الله بن محمد الشامي، وعبد الرحمن بن سالم(1).

أمّا كلام المحقّق الحلي رحمة الله فسيأتي الحديث عنه في القول الثالث، وغاية ما يمكن المناقشة به هو ثبوت الكُبرى في الجملة لا بالجملة.

أمّا موارد النقض التي ذكرها صاحب المعجم، فالجواب عنها على مراحل:

المرحلة الأُولى: وقوع التحريف في السند

من المعروف في علم الرجال أنّ الراوي إن كان من أجلّاء الرواة كثير الرواية والمشايخ، واتّفق منه رواية أو روايتان عن عنوانٍ ما، فلا بدّ من التشكيك في سندها؛ بمعنى البحث عن وقوع تحريف في السند، وإلّا فهو أشبه بالمُحال، فيُبحث عن الأسانيد المشابهة لكشف التحريف، فقد روى محمد بن زياد عن أكثر من [400] عنواناً، وصفوان عن أكثر من [200] عنواناً، وأحمد البزنطي عن أكثر من [100] عنواناً؛ وعلى هذا الأساس ينتفي النقض بما يلي:

1- علي بن حديد: روى عنه ابن أبي عمير رواية واحدة، وردت هكذا: «الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن علي بن حديد، عن جميل بن دراج...»(2).

وكنموذج للتحريف نقول: عند الاستقراء وُجِدَ [24] مورداً بالكيفية التالية(3):

•

ابن أبي عمير وعلي بن حديد عن جميل بن دراج...

•

علي بن حديد وابن أبي عمير عن جميل بن دراج...

فيوجد عطف بينهما، فأُبدِلَت الواو ب-(عن)، ويشهد لهذه الكيفية أُمور:

أولاً: إنّ نفس رواية التهذيب جاء سندها في الكافي كما يلي: «...ابن أبي عمير عن جميل بن دراج...»(4).


1) اُنظر: المصدر السابق: ص63 - 64.

2) الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج7، ص276، ح7.

3) ممّا أفاضه سماحة الشيخ المسعودي حفظه الله في محضر درسه.

4) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج5، ص431، ح3.

ثانياً: توجد موارد يروي فيها الحسين بن سعيد عن علي بن حديد بلا واسطة(1)فيقوى احتمال العطف.

ثالثاً: في بعض الموارد عُطف الحسين بن سعيد على علي بن حديد(2)، ممّا يؤكّد تأخّر علي بن حديد عن طبقة الأزدي، فكيف يروي الأزدي عنه؟

فمع كلّ ما ذُكر يُطمَأنّ بوقوع التصحيف، وأنّ ابن أبي عمير لم يروِ عن علي بن حديد - بالإضافة إلى الأجوبة الآتية - وقِس على ذلك في بقية العناوين التي وردت رواية الأجلّاء عنهم قليلاً، فلا يرد النقض برواياتهم، ومنهم:

1- وهب بن وهب (أبو البختري): روى عنه الأزدي رواية واحدة: «...محمد بن خالد البرقي، عن ابن أبي عمير، عن أبي البختري...»(3). مع أنّ الأزدي يروي كثيراً عن ابن البختري (الثقة)، والبرقي يروي أكثر من [50] رواية عن أبي البختري بلا واسطة، وقرائن أُخرى تدلّ على التحريف.

2- المفضّل بن صالح: عنه روايتان من صفوان، وواحدة من الأزدي.

3- عبد الرحمن بن سالم: عنه روايتان من الأزدي.

4- عبد الله بن القاسم: عنه رواية واحدة من الأزدي.

5- عبد الله بن خداش: عنه رواية واحدة من صفوان.

6- صالح بن الحكم النيلي: عنه رواية واحدة من صفوان.

7- المعلّى بن خُنيس: عنه رواية واحدة من صفوان.

8- يونس بن ظبيان: عنه رواية واحدة من صفوان.


1) في سبع موارد: الصفار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات: ص85، ح4، وص456، ح6. الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام:ج6، ص19، ح23، وج9، ص216، ح852، وج8، ص282، ح22. الطوسي، محمد بن الحسن، الاستبصار: ج4، ص134، ح2. النوري الطبرسي، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل: ج12، ص277، ح14091. الأمين، محسن، أعيان الشيعة:ج3، ص565.

2) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج1، ص275، ح96.

3) الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج3، ص150، ح8.

9- عبد الله الشامي: عنه رواية واحدة من البزنطي.

10- الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني: عنه رواية واحدة من البزنطي: «أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن علیه السلام ...»(1).

ويلاحظ هنا عدّة أُمور

أولاً: يُعتبر البزنطي من الرواة الأجلّاء - في زمن الإمام الكاظم علیه السلام - الذين رووا عن كبار الأصحاب، فلا يُعقل - عادةً - أن يروي رواية واحدة عن شاب ضعيف معاند للإمام علیه السلام ، وكان رجل سوء كذّاباً ملعوناً، ولا يستحلّ ابن فضّال أن يروي عنه رواية واحدة استحياءً من الله(2)، واشتُهر ورود الذمّ فيه عن الإمام الرضا علیه السلام (3).

ثانياً: أبو الحسن علیه السلام ، إن كان هو الكاظم علیه السلام ، فلا يروي الحسن عنه بلا واسطة، بل لا يُعقل ذلك؛ لأنّه يُخبره فيها بموت أبيه، ومن المقطوع به أنّ أباه عاش بعد الكاظم علیه السلام ، وصار من الواقفة، وإن كان هو الرضا علیه السلام فهناك محذوران:

المحذور الأول: كان من المنكرين لإمامته من أول عمره إلى آخره، فكيف يستفتيه؟

المحذور الثاني: إنّ الإمام علیه السلام دعا لأبيه في هذه الرواية: «رضي الله عن أبيك، ورفعه مع محمد صلی الله علیه و اله وأهله...»(4). مع أنّ أباه مات على الوقف وإنكار إمامته علیه السلام .

ثالثاً: الراوي محمد بن أحمد بن يحيى، يروي كثيراً عن علي بن أبي حمزة بواسطة الجاموراني، وهو محمد بن أحمد الرازي، فيُحتمل تبدّله إلى أحمد بن محمد البزنطي.

رابعاً: إنّ طبقة البزنطي متّحدة مع الحسن، فهو يروي عن أبيه، فيُحتمل أن يكون السند بهذه الكيفية: «عن أبي الحسن علي بن أبي حمزة»، فسقطت كلمة «أبي» وهكذا، فإنّ احتمال التحريف - في جميع هذه الموارد - احتمال عُقلائي قوي، وإذا ورد الاحتمال


1) الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج8، ص262، ح16.

2) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ج2، ص827.

3) الغضائري، أحمد بن الحسين، رجال ابن الغضائري: ص51.

4) الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج8، ص262، ح16.

بطل الاستدلال، فكيف يُنقض بها أمرٌ هو مورد اتفاق الأصحاب، ونصّ عليه علماء الطائفة، كالطوسي والنجاشي والكشي؟!

المرحلة الثانية: روايتهم عن ذوي الحالتين

علي بن أبي حمزة البطائني - على فرض سقوط وثاقته بعد وقفه - ممّا لا شكّ فيه أنّ تغيّر حالته إنّما يمنع من الاعتماد عليه بعد التغيّر؛ لبقاء وصف الوثاقة عليه قبل ذلك، ولهذا نجد أنّ جميع روايات الأزدي عنه رواها عن الإمام الكاظم علیه السلام - إلّا رواية واحدة في الكافي عن أبي الحسن الرضا علیه السلام (1)، ويحتمل قويّاً زيادة (الرضا) من النسّاخ للارتكاز؛ لذا فإنّ الشيخ رواها عن أبي الحسن فقط(2)، وأصحاب الرجال لم يذكروا أنّه روى عن غير الصادق والكاظم علیهما السلام (3)- ولذا فقد روى عنه سبعة من أصحاب الإجماع، رغم ما ورد فيه من ذمّ، وهذا قد ينطبق على أكثرهم؛ إذ من البعيد جداً أن يكون للراوي حالة الضعف فقط(4)، وإن لم تكن واضحة لنا، كالبطائني.

المرحلة الثالثة: روايتهم عن المُختلَف في وثاقتهم ومجهولي الحال

كنموذجٍ ممَّن اختُلفَ في وثاقته هو: (يونس بن ظبيان)، قال الشيخ محمد صالح المازندراني رحمة الله - بعد حديث -: «فيه دلالة على حُسن حال يونس، ولكن علماء الرجال بالغوا في ذمّه»(5). وقال صاحب المعالم قدس سره : «وقد روي في مدحه وجرحه ما فيه دخل»(6).

أمّا ما يمكن أن يُحسب له مدحاً:


1) اُنظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج5، ص381، ح7.

2) اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج7، ص366، ح48.

3) اُنظر: النجاشي، أحمد بن علي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص249.

4) اُنظر: العاملي، علي حسين مكّي، بحوث في فقه الرجال (تقرير بحث السيد علي الفاني الأصفهاني رحمة الله ): ص126 - 127.

5) المازندراني، محمد صالح، شرح أُصول الكافي: ج6، ص179.

6) العاملي، حسن بن زين الدين، التحرير الطاووسي: ص615.

أولاً: في رواية رواها الخزاز القمّي بسندَين عن الصادق علیه السلام ذكر ليونس أسماء الأئمة علیهم السلام ، فسأله: «يا بن رسول الله، إنّ عبد الله بن سعد دخل عليك بالأمس، فسألك عمّا سألتك، فأجبته بخلاف هذا. فقال: يا يونس، كلّ امرئٍ وما يحتمله، ولكلّ وقتٍ حديثه، وإنّك لأهلٌ لما سألت، فاكتمه إلّا عن أهله»(1).

فبحسب هذه الرواية يتبيّن أنّ يونس أهلٌ لاحتمال أحاديثهم العالية، وكتمان أسرارهم.

ثانياً: ما رواه ابن قولويه بسندٍ معتبر: أنّ الصادق علیه السلام أخذ معه يونس في الليل سرّاً إلى قبر أمير المؤمنين علیه السلام - حيث كان مخفياً آنذاك - وإلى مقام رأس الحسين علیه السلام ، وأعلمه بهما؛ ممّا يدلّ على أمانته وحفظه لأسرار الإمام علیه السلام ، والمذهب(2).

ثالثاً: ما رواه الصفار وغيره بسندٍ معتبر، عن الصادق علیه السلام : أنّه ثاني من أخبره بإمامة الكاظم علیه السلام ، بعد ورود الإذن من الله تعالى، فقال: سمعت وأطعت(3).

رابعاً: سأل هشام بن سالم الصادق علیه السلام عن يونس، فقال علیه السلام : «رحمه الله وبنى له بيتاً في الجنة، كان - والله - مأموناً على الحديث»(4). والرواية معتبرة؛ لأنّ ابن إدريس رحمة الله نقلها عن جامع البزنطي(5).

خامساً: أمر الصادق علیه السلام إياه بأن يبلّغ رسالة شفوية منه إلى عطية(6)ألا يلازم ذلك وثاقته وأمانته في النقل؟!

سادساً: كان عند الإمام الصادق علیه السلام وأراد المغادرة، فأمره علیه السلام أن يقعد ليأكل


1) الخزاز القمّي، علي بن محمد، كفاية الأثر: ص259.

2) اُنظر: ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص86 - 87.

3) اُنظر: الصفار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات: ص356، ح11. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج1، ص309. الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ج2، ص642.

4) ابن إدريس الحلي، محمد بن منصور، مستطرفات السرائر: ص578.

5) اُنظر: المعلم، محمد علي صالح، أُصول علم الرجال (تقرير بحث الشيخ الداوري): ص169.

6) اُنظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج6، ص399، ح16.

معه(1)ممّا يدل على حسن حاله، ولا ينسجم مع كونه كذّاباً ملعوناً مغالياً.

سابعاً: كان مقدّماً عند الأصحاب، كالحسين بن ثوير، والمفضل بن عمر، وأبي سلمة السراج، فيقدّمونه للكلام بين يديّ الإمام علیه السلام ، كما في خبر زيارة الحسين علیه السلام (2)، أضف إلى ذلك فإنّ الصدوق قدس سره صحّح روايته هذه، قال: «قد أخرجت في كتاب الزيارات، وفي كتاب مقتل الحسين علیه السلام أنواعاً من الزيارات، واخترت هذه لهذا الكتاب؛ لأنّها أصحّ الزيارات عندي من طريق الرواية»(3).

ثامناً: يُلاحظ أنّ أكثر رواياته فيها من المعجزات(4)والكرامات والغيبيات التي لم يحدثّوا علیهم السلام بها، إلّا مَن علموا منه قوّة إيمانه، وتسليمه لهم، وكتمانه لأسرارهم، ولعلّ هذا كان منشأً لذمّه واتّهامه بالغلو - على المعروف من القمّيين - كما سيأتي، وهناك قرائن أُخرى على مدحه لا يسع المقام لذكرها.

أمّا ما ورد فيه من ذمّ

أولاً: قال ابن الغضائري: «غالٍ، كذاب، وضّاع للحديث»(5). وقال في معرض حديثه عن خيبري الطحّان: «ضعيف الحديث، غالي المذهب، كان يصحب يونس بن ظبيان، ويُكثر الرواية عنه»(6). وقال النجاشي: «ضعيف جدّاً، لا يُلتفت إلى ما رواه، كلّ كتبه تخليط»(7). وروى الكشي عن محمد بن مسعود أنّه: «متّهم غالٍ»(8).


1) اُنظر: البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن: ج2، ص437.

2) اُنظر: ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص167، ح218. الصدوق، محمد بن علي، مَن لا يحضره الفقيه: ج2، ص598. الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج6، ص54.

3) الصدوق، محمد بن علي، مَن لا يحضره الفقيه: ج2، ص598.

4) اُنظر: الراوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح: ج1، ص197.

5) الغضائري، أحمد بن الحسين، رجال ابن الغضائري: ص101.

6) المصدر السابق: ص56.

7) النجاشي، أحمد بن علي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص448.

8) الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ج2، ص657.

ثانياً: روى الكشي: «سمعت رجلاً من الطيارة يحدّث أبا الحسن الرضا علیه السلام عن يونس بن ظبيان، أنّه قال: كنت في بعض الليالي وأنا في الطواف... فغضب أبو الحسن علیه السلام ... ثمّ قال للرجل: أخرج عنّي لعنك الله، ولعن مَن حدّثك، ولعن يونس بن ظبيان ألف لعنة، يتبعها ألف لعنة، كلّ لعنة منها تبلغك قعر جهنم، أشهد ما ناداه إلّا شيطان، أما أنّ يونس مع أبي الخطاب في أشدّ العذاب مقرونان، وأصحابهما إلى ذلك الشيطان مع فرعون وآل فرعون في أشدّ العذاب.. عجّل الله بروحه إلى الهاوية، وألحقه بصاحبه الذي حدّثه، بيونس بن ظبيان...»(1).

مناقشة

فيما يتعلّق بتضعيفات ابن الغضائري فلا اعتبار لها، أمّا ابن مسعود والنجاشي فلا يبعد ملاحظتهما مضامين رواياته، ورأوا أنّها ممّا لا يُتحمّل أو يُعهَد، وفيها من المقامات الكبيرة للأئمة علیهم السلام - كإحياء الطيور المقطّعة بعد خلطها - فحكموا بغلوّه وتخليطه، خصوصاً وأنّ محمد بن مسعود كان عامّياً ثمّ استبصر(2)، فيعدّ هذه المقامات غلوّاً، كما هو شأن مجموعة من الرواة الذين اتُّهموا بالغلو لأُمور هي من الضروريات في مذهبنا.

أمّا ما يتعلّق برواية الكشّي، فيرد ما يلي:

أولاً: الظاهر أنّ يونس لم يكن في زمن إمامة الكاظم علیه السلام ، فأين كان هذا الرجل من الطيارة منذ وفاة يونس إلى زمن الإمام الرضا علیه السلام ، ليحدّث عن يونس بهذا الحديث؟! ولم يرد ذمٌّ واحد إلى زمن هذه الرواية، مع أنّ الأصحاب كانوا يعتدّون به، ويحدّثون عنه طيلة هذه السنين.

ثانياً: تفرّد اليقطيني بهذه الرواية عن يونس، وهو من موارد استثناء ابن الوليد من نوادر ابن يحيى، ولو لصغر سنّه كما قيل(3).


1) المصدر السابق: ج2، ص657 - 658.

2) النجاشي، أحمد بن علي، فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): ص350.

3) المصدر السابق: ص334.

ثالثاً: غاية ما تدلّ هذه الرواية هو انحراف يونس وسوء عاقبته، ولا تدلّ على ضعفه من أول زمن رواياته عن الصادق علیه السلام ، فيدخل في ذوي الحالتين.

هذا نموذج من الذين أُريد نقض آلاف الروايات عن الثقات بهم، وقِس به على الآخرين، أمثال: المفضّل بن صالح، وعبد الرحمن بن سالم، وعمرو بن جميع، والحسين بن أحمد المنقري، فلو راجعت تراجمهم لرأيت أنّ الحكم بتوثيقهم غير بعيد، أو - لا أقل - عدم القطع بضعفهم(1).

ومنه يتبيّن أنّه لا جدوى بالإيراد بأنّ «الشيخ أراد بما ذكر: أنّهم لا يروون، ولا يرسلون إلّا عن ثقة في الواقع ونفس الأمر، لا مَن يكون ثقة باعتقادهم؛ إذ لو أراد ذلك لم يمكن الحكم بالتسوية بين مراسليهم ومسانيد غيرهم»(2). فالوثاقة من الموضوعات الشرعية التي يترتب الحكم عليها بمجرّد إحرازها، وإن كان مخالفاً للواقع، فلو أخبر العادلان أنّهما يصلّيان خلف زيد، فهي شهادة على عدالته، فتجوز الصلاة خلفه، وإن كان فاسقاً في نفس الأمر، وإلّا لم تثبت وثاقة أحد بشهادة النجاشي والشيخ والصدوق وأضرابهم من أصحاب التوثيقات؛ لاحتمال كونهم ثقات باعتقادهم لا في الواقع، ونحن بصدد خرم كُبرى على توثيق أكثر من [750] راوي؛ لاحتمال روايتهم عن ثلاثة من الضعاف واقعاً، وإن كانوا ثقات عندهم، فابن أبي عمير - مثلاً - روى أكثر من [15000] رواية، فلو فرضنا أنّه روى [15] رواية عن الضعاف واقعاً، فتكون النسبة بحسب قانون الاحتمالات رواية واحدة لكلّ ألف رواية، فهل هذا الاحتمال مُعتدٌّ به عند العقلاء، عند ورود كلّ رواية عنه؟!

النتيجة: لا يمكن الركون إلى الإشكالات المذكورة، لرفع اليد عن كلام الشيخ الطوسي رحمة الله بوثاقة مشايخ الأجلّاء الثلاثة.


1) اُنظر: المعلم، محمد علي صالح، أُصول علم الرجال (تقرير بحث الشيخ الداوري): ص166 - 173. الوحيد البهبهاني، محمد باقر، الفوائد الرجالية: ص245- 246.

2) الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج1، ص65.

الاستدلال على القول الأخير

وهو القول بالتفصيل بتوثيق مشايخهم المذكورين في السند دون مراسيلهم، وهو ما يظهر من قول المحقّق رحمة الله : «لأنّ في رجاله مَن طعن الأصحاب فيه، وإذا أرسل احتُمل أن يكون الراوي أحدهم»(1).

ويمكن تقريبه بوجهين:

الوجه الأول: «نتيجة للعلم الإجمالي بوجود الضعاف لا نلتزم بالعمل بالمراسيل؛ لاحتمال كون المحذوف أحد الضعفاء المعلومين، بينما نلتزم بالعمل بالمسانيد لو وُجد في أحدها فرد من أصحاب الإجماع؛ ووجه ذلك أنّ التمسّك بالقاعدة كعامّ حين الشك هو من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية»(2).

الوجه الثاني(3): يوجد عامّ هنا، وهو: «كلّ مَن يُرسِل عنه ابن أبي عمير فهو ثقة». ومن الخارج - من خلال الفحص - نقطع بتخصيص هذا العامّ بأمثال البطائني وعمرو بن جميع، فعند ورود خبر أرسله الأزدي عن رجلٍ، لا نعلم أنّه من أفراد العامّ - الثقات - أو من أفراد الخاصّ، لاحتمال كَونه ابن جميع الضعيف، والقاعدة الأُصولية تقتضي عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية للمخصّص، بخلاف المذكورين في السند، فهم ثقات ما لم يثبت ضعفهم؛ ولذلك فإنّ الوالد المعظّم (دام ظله) لا يستند على مراسيلهم.

إن قلت: أورد السيد الشهيد الصدر قدس سره ما حاصله: إنّنا نسلّم الكُبرى الأُصولية، ولكن إن بقي الشكّ على حاله، أمّا لو وُجِد أصل موضوعي يرفع الشكّ ويُنقّح الموضوع، فلا مانع من التمسّك بالعامّ، وبيان ذلك: إنّ العامّ قد شمل جميع الأفراد، ثمّ جاء المخصّص بعنوان (مَن ثبت ضعفه)، فالمجهول لا نعلم كَونه ينطبق عليه عنوان:


1) الحلي، جعفر بن الحسن، المعتبر: ج1، ص165.

2) العاملي، علي حسين مكّي، بحوث في فقه الرجال (تقرير بحث السيد علي الفاني الأصفهاني رحمة الله ): ص127.

3) هذا الوجه والإشكال الآتي للشهيد الصدر رحمة الله ، ودفعهما استفدناه من محضر أُستاذنا سماحة الشيخ محسن الوحيد الخراساني (دامت بركاته): في 23/ذي الحجة/ 1429ﻫ.

(مَن ثبت ضعفه)، أو لا، وهنا يوجد أصل موضوعي وهو استصحاب عدم كَونه ضعيفاً؛ لأنّه قبل أن يكون نقطع بعدم كونه ضعيفاً، فيثبت بالتعبّد خروجه من تحت عنوان الخاصّ: (ليس من الضعفاء)، فيشمله العام.

الجواب: هذا الإشكال مبنائي، وأساسه القول بجريان استصحاب العدم الأزلي في الذوات، كما لو شككنا في لحمٍ أنّه لحم كلبٍ أو لا، ففي الأزل قبل صيرورته لحماً لم يكن لحم كلبٍ قطعاً، فنستصحب العدم الأزلي لذات الكلب وعدم تحقّق الكلبية، لكنّ التحقيق عدم صحّة هذا الاستصحاب، فلا يُقبل المرسَل.

المناقشة

فيما يتعلّق بالوجه الأول فالجواب عنه:

أولاً: فإنّ هذا الاحتمال مع ضآلته - كما مرّ - يجعل الشبهة غير محصورة، فلا يكون العلم الإجمالي منجِّزاً، نظير العلم بأنّ واحداً من أئمّة مساجد العالم غير عادل، فلا يمنع من جواز الاقتداء بمَن صلّى خلفه المؤمنون، فالاحتمال والشبهة تكون بدوية غير مؤثِّرة(1).

ثانياً: إنّ تطبيق القاعدة هنا غير صحيح، فليس المورد من باب التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية، كما لو قيل: (خُذ من الثقات)، وشككنا أنّ زيداً ثقة أو لا، بل هو من قبيل التمسّك بالعامّ عند الشك بورود المخصّص، كما لو قيل: (هؤلاء العشرة ثقات)، وشككنا بأنّ زيداً خرج من تحت العامّ وخُصِّص أو لا، فقد أخبر الأصحاب بأنّ جميع مشايخ صفوان ثقات، فإذا أُخبر عن أحد مشايخه بدون ذكر اسمه، حينئذٍ يحصل الشك: هل أراد الأصحاب تخصيص هذا الشيخ وإخراجه عن العام أو لا؟ فالقاعدة تقتضي بلزوم التمسّك بالعامّ في هذه الموارد.

ثالثاً: إنّ هذا التفصيل مخالف لصريح شهادة الشيخ رحمة الله : «فإنّ الطائفة كما عملت بالمسانيد عملت بالمراسيل، فما يطعن في واحد منهما يطعن في الآخر، وما أجاز أحدهما


1) اُنظر: المعلم، محمد علي صالح، أُصول علم الرجال (تقرير بحث الشيخ الداوري): ص174.

أجاز الآخر، فلا فرق بينهما على حال»(1).

وأمّا ما يتعلّق بالوجه الثاني فالجواب عنه:

أولاً: ما ذُكر في القول الثاني من عدم ثبوت الضعف على امتداد حياة أحدهم، وعدم ثبوت صحّة بعض الأسانيد؛ لقوّة احتمال التحريف، وعدم تأثير آحاد الروايات عن الضعفاء على آلاف الروايات عن الثقات.

ثانياً: ما مرّ من أنّه مخالف لصريح كلام الشيخ رحمة الله بعدم الفصل بين الإسناد والإرسال عند الأصحاب.

ثالثاً: المورد ليس من باب العامّ والخاصّ والشبهة في انطباق عنوان الخاص على أحدهم، بل من باب الشك في ورود المخصِّص؛ وبيان ذلك: إنّ العامّ والخاصّ هي من الظهورات التي يُتمسّك بها للوصول إلى المراد الجدّي للمتكلّم، وإنّما يُتمسّك بها في صورة عدم العلم بمراده الجدّي، وعند مراجعة عبارات الشيخ لا نشمّ منها رائحة للتخصيص؛ ممّا نقطع بأنّ كلّ كلامه في الشهادة والإخبار عن العامّ والكُبرى، وأمّا العثور على بعض الضعفاء - على بعض المباني - إنّما يُشكّك في أصل العامّ، ولا يُصار إلى التخصيص الذي لا يرتضيه صاحبه.

ولو ورد أنّ دلالة الاقتضاء تستلزم صون كلام الحكيم عن اللغو والخطأ، والتغرير العمدي؛ وعليه لا يمكن التحفّظ على كلام الشيخ رحمة الله إلّا بالتخصيص.

فالجواب:

أولاً: دلالة الاقتضاء تجري في الإنشاء لا في إخبار العادل، فلو أخبر العادل بأنّ أولاده جميعاً عدول، ورأينا أنّ أحدهم فاسق، فالعرف لا يقول: إنّ مراد الأب الجدّي هو كلّهم عدول إلّا هذا الفاسق، بل يُحتمل إمّا أن يكون الأب جاهلاً بحال ولده، وهذا ممّا لا يُمكن احتماله في حقّ الشيخ الطوسي في أواخر حياته الشريفة، أو بحقّ جميع الأصحاب في عصر الأئمة علیهم السلام ، فلا يبقى إلّا احتمال توهّم الحكم بفسقه.


1) الطوسي، محمد بن الحسن، العدّة في أُصول الفقه: ج1، ص155.

ثانياً: إنّ مآل هذا التخصيص لَغوية كلام الشيخ لا صَونه عن اللغوية؛ لأنّنا في كلّ مورد من موارد الإرسال، نحتمل كَونه من الخاصّ، فلا يتمسّك بالعامّ؛ والنتيجة لَغوية العامّ وعدم فائدته، فقوله: كلّ مراسيل الثلاثة لا تكون إلّا عن ثقات، لا يوجد مورد له، فيسقط رأساً، وهو بيّن البطلان.

ثالثاً: هذا الاستدلال لو سُلّم يجري في المسانيد - أيضاً - فلا داعي للتفصيل؛ ببيان: عندنا عامّ «كل مَن روى عنه الثلاثة فهو ثقة»، وبعد الفحص عُلِم إجمالاً بوجود المخصِّص لروايتهم عن الضعاف، فالخاصّ هو: بعض مَن رووا عنه ضعيف في الجملة، ولا مُوجب للحصر بمَن عثرنا عليهم، فكلّ مهمل أو مَن لم يُعرَف أمره يُحتَمل أن يكون - واقعاً وفي نفس الأمر - من الضعفاء الذين روَوا عنهم، ولا يمكن التمسّك بالعامّ، وهو كما ترى.

النتيجة

إنّ شهادة الأصحاب الواصلة إلينا بأقوى الطرق على التوثيق العامّ لجميع مشايخ الإجلّاء الثلاثة - ابن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي - المقتضي فيها تامٌّ، والمانع مفقود لعدم صلاحية ما ذُكر؛ فيلزم بالبداهة وثاقتهم بقولٍ مطلق سواء ذُكروا في السند أم لم يُذكروا.

نعم، إن ثبت روايتهم عمَّن اتّفق الأصحاب على ضعفه - كالكذب والوضع لا الغلو والانحراف - فنعلم بعدم إرادتهم لتوثيقه من التوثيق العامّ، وهذا - أي: التنبيه منهم على ذكر اسم الضعيف لنخرجه من التوثيق - هو مقتضى عدالتهم وتبحّرهم، وحرصهم على مذهب الحقّ.

خلاصة المقالات باللغة العربية والإنجليزية

الحركة العسكرية المسلحة ومحوريتها في البرنامج السياسي للنهضة الحسينية

الشيخ قيصر التميمي

تطرقنا في هذا المقال إلى واحدةٍ من الرؤى المطروحة في مجال النهضة الحسينية ألا وهي الرؤية الداعية إلى إبعاد الأهداف السياسية عن حركة الإمام الحسين علیه السلام ، ونحن إذ نؤمن بالرؤية المعاكسة حاولنا أن نثبت هذهِ الرؤية وذلك بعد عرضنا للرؤية الأُولى.

إن أهم ما ذُكر لإثبات الرؤية الأُولى يكمن فيما يلي:

1- فقدان التكافؤ العسكري بين طرفي الصراع، فإن كفة الميزان العسكري كانت تميل إلى جبهة الحاكم الأُموي؛ وعليه فإن الانتصار العسكري والسياسي لم يكن متاحاً للإمام علیه السلام ، ولم يكن وارداً في حساباته أصلاً.

ولكن يمكننا القول: إنّ عدم التكافؤ العسكري لم يكن يمثل واقع النهضة بكل مراحلها؛ فإنّ الدراسات الميدانية التاريخية تثبت تفوّق القوات المسلحة الحسينية في الكوفة، وهذا ما شخّصه كبار القادة العسكريين في الكوفة والذين أعلنوا استعدادهم للمواجهة والمضي في سبيل تحقيق أهداف الثورة المباركة.

2- تصريحات الإمام الحسين علیه السلام الدالة على علمه مسبقاً بالمصير المحتوم الذي سيلاقيه، وفي الإجابة عن ذلك: أن لا تلازم بين ذلك وبين عدم إرادة الهدف السياسي زيادة على ذلك، فإنّ الكثير من تلك التصريحات كانت في المرحلة الأخيرة من النهضة.

3- الخروج العلني ضدّ السلطة والذي يتناقض مع كون الثائر ذا حنكة سياسية واعية، وبما أنّ ذلك لا يتصور في الحسين علیه السلام ؛ فعليه يلزم كون الهدف غير سياسي.

إلّا أن ذلك في الحقيقة لم يكن من المراحل الأولى للثورة، فالثورة كانت سرّية

حتى تم الإعلان عنها في مراحل متأخرة.

4- توجيه النصائح من قبل الصحابة والتابعين بترك الخيار العسكري وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على دراسة واعية بواقع الحال الذي كانت تعيشه السلطة المتجبّرة والأُمة المغلوبة على أمرها.

والجواب على ذلك: إن قول بعض الناصحين يبتني على معطيات خاصة بأصحابها، وهي قراءة تتقاطع تماماً مع قراءة كبار القادة المخلصين، كما مرّ سابقاً.

وعليه فقد خلص الكلام إلى أن الهدف السياسي والتحرّك العسكري كان منشوداً في الحركة الحسينية المباركة خصوصاً في مراحلها الأولى إلى أن انحسرت القوة بسبب القهر والظلم والاضطهاد، حتى أصبحت الشهادة الهدف الأسمى في المرحلة الأخيرة للنهضة.

The Armed Movement and its Centralization in the Political Program of Imam al-°usayn’s revolution

Shaykh Qay¥ar al-Tam¢m¢

In this essay، one of the views posed in the field of the program of Imam al-°usayn’s uprising is touched on; namely، the view of separating Imam al-°usayn’s movement from any political objective. As the writer believes in the opposite of this view، he has tried in this essay to prove his own view، beginning it with an exhibition of the earlier contrary view.

The most important points of evidence mentioned for proving the earlier view can be summed up in the following arguments:

1. There did not exist any military equality between the two parties of the Imam al-°usayn-Umayyad confrontation، since there was an obvious military supremacy of the front of the Umayyad ruling regime over Imam al-°usayn’s party; therefore، there is no chance that Imam al-°usayn (‛a) would win the confrontation militarily and politically. As a result، Imam al-°usayn (‛a) did not even think of achieving military victory in this clash.

However، to deny having any expectation of military victory in this clash because of the so-called military inequality between the two parties did not exist at any stage of Imam al-°usayn’s uprising. On the contrary، historical field studies proved that the armed forces of Imam al-°usayn (‛a) outmatched the Umayyad army، as is embodied in the major commanders of al-K£fah city who had declared their readiness for military clash for the sake of putting into practice the goals of the Imam’s blessed revolution.

2. On many occasions، Imam al-°usayn (‛a) proclaimed that he had already had full acquaintance of the inevitable fate he would face in this armed clash.

To refute this claim، it is clear that there is no concurrence between Imam al-°usayn’s proclamations and the cancellation of the political goal of his uprising. Moreover، the majority of the Imam’s statements in this regard were declared at the last stage of his blessed movement.

3. Imam al-°usayn’s overt uprising against the ruling authorities necessitated that his goal was something other than making a political change. This is so because any well-experienced revolutionist is not expected to lead a public opposition against the powerful authority. Of

course، Imam al-°usayn (‛a) was one of the most experienced leaders who would not lead a losing clash against the powerful authorities. As a conclusion، Imam al-°usayn (‛a) must not have intended for any political change.

To refute this point، at the preliminary stages of his revolution، Imam al-°usayn (‛a) worked secretly، but at later stages، his revolution was declared openly.

4. A number of the foremost pioneering Muslim personalities advised Imam al-°usayn (‛a) not to expose himself to any military clash. This fact indicates that these personalities had full acquaintance of the current situation and the procedures the ruling authorities could choose in order to suppress any movement in which the helpless people might participate.

However، this claim is refutable، too. Some of those personalities who gave advices to Imam al-°usayn (‛a) only expressed their personal viewpoints that were founded on certain circumstances and personal views. However، their view was completely incompatible with the views of the major sincere personalities، especially those versed in military clashes.

In conclusion، this essay proves that there were political goals and military clashes intended by Imam al-°usayn (‛a) through his blessed movement، especially at the earlier stages of it. But these goals were suppressed and could not be achieved only because of wrongdoings and persecution adopted by the despotic ruling authorities until the Imam’s martyrdom became the most sublime goal at the final stage of his uprising.

التبليغ الهادف

الدوافع والأساليب والتحديات

تمحور هذا الحوار الذي أجرته مجلة الإصلاح الحسيني مع سماحة السيد آية الله رياض الحكيم (حفظه الله) حول موضوع حيوي مهم، وهو موضوع التبليغ والدعوة إلى الله سبحانه، فكان حواراً مثمراً ومفيداً تنوعت فيه الزوايا المطروقة، والأسئلة المطروحة، فبدأت من نظرة الإسلام إلى مفهوم التبليغ والدعوة، والدوافع التي ينطلق منها المبلغ لأداء مهمته، وضرورة تقنين العملية التبليغية واتّباع السبل الناجعة لتطويرها لتواكب ما يشهده العالم من تقدم في جميع المجالات، كما شدّد سماحة السيد على المنبر الحسيني على وجه الخصوص، فكان الحديث عن أهم التحديات التي تواجهه، مع تقييم إجمالي للخطابة الحسينية، وما هي الخطوات العملية الواجب اتّباعها للرقيّ بالتبليغ الناجح، وكيفية تعامله مع وسائل الإعلام والنشر في الوقت الراهن، وكذلك كان للمرأة والتبليغ النسوي جانب في هذا الحوار، وفي الختام تحدث سماحة السيد عن دور المجتمع تجاه العلمية التبليغية وأثره الكبير في إنجاحها، إضافة إلى معلومات وتوجهات مهمة أُخرى تضمنها هذا الحوار.

Constructive Propagation for Islam;

Motives، Methods، and Challenges

An interview with Ayatollah، Sayyid Riy¡¤ al-°ak¢m

In an interview run by the al-I¥l¡¦ al-°usayn¢ Magazine with His Eminence Sayyid Riy¡¤ al-°ak¢m، a very imperative and essential topic has been raised; namely، the topic of propagation for Islam and the invitation to the All-glorified Lord. It has been fruitful and advantageous conversation where a big variety of issues and questions has been posed. In the beginning، the interview begins with a question about the view of Islam concerning the conception of propagation for and call to the religion، as well as the foundations on which a Muslim missionary is required to base the process of carrying out his mission and the necessity to methodize this process and to follow the most successful ways to developing it so that it would be contemporaneous with the evolution witnessed by the entire world in the present day in all fields of life.

His Eminence Sayyid al-°ak¢m highlighted the importance of creating righteous exemplars in the society، justifying that this would leave great bearings on the course of conveying the concepts of the religion and putting them into practice.

Lecturing the congregation on the occasion of Imam al-°usayn’s martyrdom (known as al-minbar al-¦usayni) and the orations devoted to proclaiming this occasion (known as al-khi()

In the end of the interview، His Eminence Sayyid al-°ak¢m spoke about the duty of the community towards the process of propagation and the people’s great influence on giving success to it، in addition to more significant information and directives in this regard.


) abah al-¦usayniyyah) took a remarkable share in this interview. His Eminence thus signified the principal challenges that stand in the face of the °usayn¢ oratory، along with a general evaluation of the current oratory، as well as the practical steps that must be followed for raising the propagation for Imam al-°usayn (‛a) and his reformative revolution at considerable stages of development and perfection. Within this topic، a discourse was made on the most important features of a successful orator، the method of dealing with the modern mass media، and women and their role in propagation for Imam al-°usayn’s issue.

منطلقات النهضة الحسينية وخلفياتها

القسم الثالث

(الإمام الحسين علیه السلام التحدي الأبرز للمشروع الأُموي)

السيّد محمد الشوكي

سلَّط الكاتب في هذا القسم الأضواء على موقف الإمام الحسين علیه السلام من معاوية، وكذلك العكس. حيث ذكر أنّ موقف الإمام الحسين علیه السلام كان منسجماً مع موقف أخيه الإمام الحسن علیه السلام من الصلح، ذلك الصلح الذي اضطرّ إليه الإمام الحسن علیه السلام لأسبابٍ عديدةٍ.

أمّا موقف الإمام الحسين علیه السلام - بعد استشهاد الإمام الحسن علیه السلام - فهو الالتزام بالصلح ما دام معاوية حيّاً، إلّا أنّ ذلك - بالنسبة للحسين علیه السلام - لا يعني القبول بمشروعية حكم معاوية، وعدم جواز جهاده والخروج عليه، بل الأمر عكس ذلك؛ باعتبار أنّ الصلح قد نقضه معاوية - قولاً وعملاً - كما هو معروف تاريخياً، فلا يمكن أن يكون عائقاً أمام الثورة.

نعم، كان يرى علیه السلام أنّ الثورة لا بدّ أن تكون محسوبةً بدقّة في ظروفها ووسائلها ونتائجها، وعلى رأسها القاعدة المؤهّلة للثورة.

وعليه؛ ظلَّ الإمام الحسين علیه السلام يعمل في خطّ المعارضة السلمية للسلطة؛ إذ كان يُسجِّل اعتراضاته على كلّ الانحرافات، والممارسات الظالمة التي كانت تمارس في عهد معاوية، ويحاول قدر الإمكان فضح السياسات الأُموية بكل صراحة وجرأة ويتحداهم في ذلك دون أن تأخذه في الله لومة لائم.

وأمّا موقف معاوية من الإمام الحسين علیه السلام ، فكان على أساس عدم الاصطدام معه ما دام لم يُقدِم على عمل مناوئ للسلطة؛ لأنّ التعرّض له - ربما - يوقعه في مشكلة لا تُحمد عقباها؛ لأنّ معاوية يعلم أنّ الحسين علیه السلام سيلتزم بالصلح ما دام حيّاً. إلّا أنّه - ومع كلّ ذلك - كان يرسل للحسين علیه السلام الكتب شديدة اللهجة، ويحذّره من مغبة القيام بأيّ عمل مناوئ للسلطة.

The Starting Points and Backgrounds of Imam al-°usayn’s movement

Part III: Imam al-°usayn; the Most Challenging obstruction in the face of the Umayyad Scheme

Sayyid Mu¦ammad al-Shawk¢

In this essay، the writer spotlights the attitude of Imam al-°usayn (‛a) to Mu‛¡wiyah and the contrariwise. He thus proves that Imam al-°usayn’s attitude was fully compatible with Imam al-°asan’s when he had to enter upon a truce treaty with Mu‛¡wiyah for many reasons.

After the martyrdom of Imam al-°asan (‛a)، Imam al-°usayn (‛a) committed himself to the truce as long as Mu‛¡wiyah was alive. Yet، this did not mean that Imam al-°usayn (‛a) accepted Mu‛¡wiyah as the legal ruler of the Muslim community or believed that it was not legal to fight and mutiny against him; rather، the opposite is true since Mu‛¡wiyah، verbally and practically، breached the articles of the truce as it has been historically proved; therefore، there was nothing to prevent from leading a revolution against him.

On the other hand، Imam al-°usayn (‛a) believed that any revolution led against the Umayyad rulers should be accurately considered with regard to its surroundings، tools، and results، not to mention the popular foundation of it.

As a result، Imam al-°usayn (‛a) kept on leading the peaceful opposition to the ruling regime when he declared objections to all the deviations and wrongful procedures that were practiced during Mu‛¡wiyah’s reign، trying، as much as possible، to unmask the Umayyad policies frankly، bravely، and challengingly without fearing any blame.

As for Mu‛¡wiyah’s attitude to Imam al-°usayn (‛a)، it was based on the principle of avoiding any direct clash with the Imam as long as he did not venture any anti-regime act. Mu‛¡wiyah knew for sure that any clash with the Imam (‛a) would involve him in big troubles، since he was sure that the Imam (‛a) would commit himself to the truce treaty as long as he was alive. Nevertheless، Mu‛¡wiyah used to send strongly-worded letters to Imam al-°usayn (‛a)، warning him against the consequence of any opposition to the ruling regime.

مذهبة الثورة الحسينية

(الأسباب والنتائج)

السيد محمد باقر الهاشمي

تحدّث الكاتب في مقاله عن الأسباب الداعية إلى حصر الثورة الحسينية في إطار مذهبي محدد، بعد أن كان الهدف منها هدفاً إنسانياً سامياً يعلو على كل الأُطر المذهبية والطائفية والقومية وغيرها.

فقد قسّم الباحث الأسباب إلى قسمين: أسباب خارجية وأُخرى داخلية. والمقصود بالأسباب الخارجية: هي الأسباب التي تكوّنت خارج إطار مذهب الثورة على فرض أنها أُكسيت طابعاً مذهبياً معيّناً، فقد اختصرها الكاتب في: السلطات المتعاقبة، وضمير الأُمة المتردد، وعلماء السلطة ووعّاظها وأخيراً اليهود والنصارى. فكل واحدة من هذه العناصر كان لها مساحة تُذكر في حصر الثورة ومذهبتها.

ثم عرّج الكاتب على بيان الأسباب الداخلية ولخّصها في: أدوات إيضاح الثورة وإشكالياتها وذلك من خلال ذكر القصص والحكايات غير المعتبرة، مع غياب خطاب الإصلاح وتردّي البُعد التحليلي عند البعض في قراءة أحداث التاريخ.

وأمّا السبب الثاني من الأسباب الداخلية، فكان في بعض المراسم العاشورائية وإشكالية العلاقة بالثورة الحسينية.

ومن ثم انتهى الكاتب إلى ذكر النتائج المتّصلة بمذهبة الثورة، والتي منها: ظهور الكثير من الأفكار والعقائد الباطلة، وكذلك ابتعاد ثلة كبيرة من الأُمة عن منهج الثورة واعتبارها شأناً داخلياً، ونشوء فئات مضادة في فكرها لمنهج الثورة ممّا يشكل عامل ضعفٍ في البنية الإسلامية، بالإضافة إلى استغلال مذهبة الثورة في تأجيج الخطاب المتطرِّف، وهذا بحدِّ ذاته خروجٌ عن أهداف الثورة الحسينية في لمّ شمل الأُمة.

Restricting Imam al-°usayn’s Revolution to a Certain Sect

(Causes and Consequences)

Sayyid Mu¦ammad B¡qir al-H¡shim¢

In this essay، the writer discusses the reasons for restricting Imam al-°usayn’s revolution to a certain group of people and putting it in a certain sectarian frame although the Imam (‛a) intended for his revolution to be an all-inclusive، sublime، and human inspiration that should be above all sectarian، national، and religious considerations.

Dividing the reasons into two parts، the writer states that there were external and internal reasons. With regard to the external reasons، the writer holds that some of the reasons were composed outside the frame of the trend of the revolution، supposing that the revolution was attired with a certain sectarian dress. Summing up these reasons، the writer mentions the trends of the consecutive ruling authorities، the hesitating consciousness of the community، the pro-ruling regime scholars، and، finally، the Jews and Christians، since each one of these elements had its considerable bearing on restricting Imam al-°usayn’s revolution to a certain sect.

The writer then stops at mentioning the internal reasons، which he briefed in the tools of explaining the revolution and refuting the false arguments that were aroused about it through forging false stories and tales. He also refers to the absence of reformative speeches and the retrogression of the analytical aspect by some people who read the accompanying historical events.

As for the other aspect of the internal reasons، the writer speaks of some rituals of commemorating the anniversary of Imam al-°usayn’s martyrdom and their alleged relationship with the Imam’s revolution.

The writer ends up his study with a reference to the results appertained to the restriction of Imam al-°usayn’s revolution to a certain sect. Amongst these results are the emergence of a big number of false ideas and creeds، the aloofness of the majority of the members of the Muslim community from the course of the revolution، considering it to have been a private concern، and the rise of factions that ideologically stood against the course of the revolution—a factor that weakened the Islamic structure، in addition to taking advantage of the restriction of the revolution to a certain sect in order to stir up extremism. Of course، the last result is in itself mutiny against the main goal of Imam al-°usayn’s revolution; that is، reuniting the Muslim community and saving it from separation.

الإصلاح الحسيني والعدالة المهدوية

الشيخ غدير حمودي

يدور موضوع هذه المقال حول أهم أهداف النهضة الحسينية وهو الإصلاح الحسيني ومدى ارتباطه بالعدالة المهدوية المنتظرة، فبدأ الكاتب بإيراد شعار الإصلاح الذي رفعه الإمام الحسين علیه السلام في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية: فذكر الباحث نص الوصية ومصادرها واعتبارها، وأجاب عن إشكال يخص صحة صدورها من جهة أن ابن الحنفية لم يخرج مع الإمام الحسين علیه السلام فهو لم يكن على وفاق معه، وكان الجواب من خلال بيان الظروف والأسباب الموضوعية التي منعت ابن الحنفية من الخروج، ومكانة ابن الحنفية، وبعد ذلك تطرق الكاتب إلى أبعاد الوصية، وثم بيّن معنى الإصلاح والعدالة وعطف الكلام نحو الارتباط بين الإصلاح والعدالة في اللغة والعرف والاصطلاح، مع بيان صور وأشكال الإصلاح، ثم وصل الحديث إلى الإصلاح الحسيني الذي قدّمه الإمام علیه السلام للأُمة، وأجاب عن سبب الاهتمام الكبير بهذا الإصلاح عبر بيان مميزات النهضة الحسينية، وأثرها في كشف زيف المدعيات الأُموية في التظاهر بالإصلاح والصلاح، ووَصَل الباحث في نهاية المطاف إلى حدود ومقومات الإصلاح في زمن الغيبة وعلاقة الإصلاح الحسيني بالعدالة المهدوية، وأثبت أنه لو لا الإصلاح الحسيني لما كان هناك معنى واضح للعدالة المهدوية، وحاول الكاتب أن يحل إشكالية احتياج ظهور العدالة المهدوية إلى عدد كبير من الأنصار مع أن وجود هذا العدد يتطلب إصلاحاً كبيراً، وذكر الحل بعرض عدة أُمور.

Imam al-°usayn’s Reformative Movement and Imam al-Mahd¢’s Ultimate Justice

Shaykh Ghad¢r °amm£d¢

The subject matter of this essay centers around the major goals of Imam al-°usayn’s reformative revolutionary movement; namely، reformation، and the scope of its correlation with the global justice awaited to be achieved at the hands of Imam al-Mahd¢.

The writer thus begins with quoting the motto of reformation declared by Imam al-°usayn (‛a) in his instructive letter to his brother Mu¦ammad ibn al-°anafiyyah. Citing this instructive letter، as well as the sources and the authenticity of its issuance، the writer refutes an argument raised about the validity of it، since some scholars have argued that it is improbable that Imam al-°usayn (‛a) wrote this instructive letter to his brother who failed to join him on his reformative movement.

Refuting this argument، the writer embarks on mentioning the high status and virtuous position of Mu¦ammad ibn al-°anafiyyah، and then moves to demonstrating the circumstances and objective reasons that prevented Mu¦ammad ibn al-°anafiyyah from joining his brother (‛a) in this mission.

The writer then brings to light the implication of reformation in language، customary tradition، and terminology، along with a manifestation of the methods and forms of reformation. Thus، the discussion reaches the topic of Imam al-°usayn’s reformative movement that he introduced to the Muslim nation.

With regard to the reason for such enormous interest in the Imam’s reformative movement، the writer mentions the distinctive features of Imam al-°usayn’s revolution and its role in unmasking the false claims of the Umayyad ruling authorities who pretended to call for reformation and righteousness.

Finally، the writer goes into the limits and components of reformation during the Occultation Age (i.e. the period of the disappearance of Imam al-Mahd¢) and the relationship between Imam al-°usayn’s reformative movement and Imam al-Mahd¢’s global justice. He thus proves that had it not been for Imam al-°usayn’s reformative movement، a clear-cut significance of Imam al-Mahd¢’s global justice would have been missing.

Through expressing a number of points، the writer tries to find solutions to the argument of Imam al-Mahd¢’s need for a big number of supporters although the existence of such a big number requires in itself a big reformation in the society.

نجوم في سماء الحسين علیه السلام

الشهداء من أصحاب النبي صلی الله علیه و اله في نهضة كربلاء

الشيخ عبد الرزاق النداوي

يتحدث الكاتب في مقاله عن مسألة مهمة جداً ألا وهي التعريف بصحابة النبي صلی الله علیه و اله الذين استُشهدوا في نهضة الإمام الحسين علیه السلام . وقد قسّم الباحث المقال على ثلاثة محاور: خصّص محوره الأول لبيان مفهوم الصحبة والصحابة بصورة موجزة، وتكفّل المحور الثاني بالبحث عن مواقف الصحابة من نهضة الإمام الحسين علیه السلام وتقييمها، وقد توزّعت مواقفهم بين مناصر ومعادٍ وواقف على التل، والصنف الأخير هو السواد الأعظم منهم، ثم قدّم ضبطاً لعدد الصحابة الذين استُشهدوا في النهضة الحسينية، فكانوا أحد عشر صحابياً بالإضافة إلى الإمام الحسين علیه السلام .

وتعرض الباحث في المحور الثالث إلى تراجم حياة مَن استُشهد في النهضة الحسينية من الصحابة، وقسّم البحث في هذا المحور على ثلاثة أقسام: الأول في تراجم مَن استُشهد من الصحابة قبل واقعة كربلاء، وهم ثلاثة: هاني بن عروة، وعبد الله بن يقطر، وعبيد الله بن الحارث بن نوفل، والقسم الثاني في تراجم الصحابة الذين استُشهدوا في واقعة الطف، وهم ستة: أنس بن الحارث، وحبيب ابن مظاهر الأسدي، وعبد الرحمن بن عبد ربه، وعمار الدالاني، ومسلم بن عوسجة الأسدي، ويحيى بن هاني بن عروة، والقسم الثالث في تراجم حياة الصحابة الذين استُشهدوا بعد واقعة الطف، وهم اثنان: سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة.

Stars in the sky of al-°usayn

The Holy Prophet’s Companions amongst the martyrs during the Karbal¡› Uprising

Shaykh ‛Abd al-Razz¡q al-Nadd¡w¢

In this essay، the writer touches on an issue of a high importance; that is، the Holy Prophet’s companions (termed as ¯a¦¡bah) whom were martyred during Imam al-°usayn’s revolution. Dividing the essay into three main sections، the writer dedicates the first section to discussing، yet briefly، the issue of ¥a¦¡bah and companionship of the Holy Prophet (¥). In the second section، he goes into mentioning and assessing the attitudes of the Holy Prophet’s Companions to Imam al-°usayn’s reformative revolution، since some of them supported while others stood against the Imam (‛a) and preferred alleged neutrality، refusing to take sides with Imam al-°usayn (‛a). Unfortunately، the great majority of Muslims belonged to the latter category of people.

The writer then moves to making an inventory of the number and names of the Companions، or ¯a¦¡bah، whom were martyred with Imam al-°usayn (‛a) during his reformative uprising. In addition to Imam al-°usayn (‛a)، the writer hints at twelve Companions.

In the third section of his essay، the writer brings up the biographies of these Companions whom were martyred in defense of Imam al-°usayn (‛a). He thus subdivides this section into three parts، the first of which broaches the biographies of three Companions whom were martyred in defense of Imam al-°usayn (‛a) and his reformative revolution before the Battle of Karbal¡’. These are namely H¡n¢ ibn ‛Urwah، ‛Abdull¡h ibn Yaq

ur، and ‛Ubaydull¡h ibn al-°¡rith ibn Nawfal.

The second part introduces the biographies of six Companions whom were martyred during the Battle of Karbal¡’. They are namely Anas ibn al-°¡rith، °ab¢b ibn Mu¨¡hir al-Asad¢، ‛Abd al-Ra¦m¡n ibn ‛Abd-Rabbih، ‛Amm¡r al-D¡l¡n¢، Muslim ibn ‛Awsajah al-Asad¢، and Ya¦y¡ ibn H¡n¢ ibn ‛Urwah.

In the third part، the writer writes down the biographies of two more Companions whom were martyred after the Battle of Karbal¡’. They are Sulaym¡n ibn ¯urad al-Khuz¡‛¢ and al-Musayyab ibn Najabah.

مقتل الحسين علیه السلام لنصر بن مزاحم المنقري الكوفي

(.... - 212ه-)

الشيخ عامر الجابري

يتناول الكاتب في هذا المقال مقتل الحسين علیه السلام لنصر بن مزاحم المنقري وقسمه على مبحثين:

تحدث في المبحث الأول عن ترجمة نصر بن مزاحم وأثبت أن المنقري هو أحد أعلام مؤرخي الكوفة ومحدثيهم، ورجّح كونه إمامي المذهب بعد أن أثبت بطلان انتمائه إلى مذاهب مدعاة أُخرى، ثم تعرض لتوثيقه، وبيّن أنه ممدوح، بل موثق على بعض الآراء عند الشيعة، بخلاف أهل السُّنة الذين ضعّفوه بسبب مذهبه.

وفي المبحث الثاني كان الحديث عن كتاب مقتل نصر بن مزاحم الذي يعدّ من أقدم المقاتل وأهمها ولكنه فُقِدَ ولم يصل إلينا، ولم يبقَ منه إلّا روايات رواها الأعلام في كتبهم نقلاً عنه.

“Maqtal al-°usayn”; A book written by Na¥r ibn Muz¡¦im al-Minqar¢ al-K£f¢

(… - 212 AH)

Shaykh ‛ªmir al-J¡bir¢

In this essay، the writer، analyzing the book of Maqtal al-°usayn (The Story of the Martyrdom of al-°usayn)، written by Na¥r ibn Muz¡¦im al-Minqar¢، divides his discussions into two major parts:

In the first part، the writer mentions the biography of Na¥r ibn Muz¡¦im، proving that he was one of the master historiographers and transmitters of traditions who lived in al-K£fah city. He thus considers him more probable as having been an Imam¢ Sh¢‛ah، proving the falsity of the other opinions that introduced him as having followed other sects. The writer then proves Na¥r to have been a trustworthy and praiseworthy transmitter of traditions. Moreover، Na¥r، according to the opinions of some Sh¢‛ite master scholars، was decided as dependably truthful، unlike some Sunni scholars who falsely accused him of untrustworthiness for no other reason that his having been Sh¢‛ite Muslim.

In the second part of the essay، the writer analytically speaks of Na¥r ibn Muz¡¦im’s book: Maqtal al-°usayn، which is considered one of the earliest and most important books written about the tragic story of Imam al-°usayn’s martyrdom although the book is still missing and it did not reach our hands except for a few narrations quoted from it by later master scholars.

تكلّم الرأس الشريف في مصادر الفريقين

الشيخ إسكندر الجعفري

تناول الكاتب في مقاله عنصراً مهماً من عناصر الوجهة الغيبية للثورة الحسينية المباركة، وهي وجهة الكرامات أو المعاجز التي حبى الله بها الإمام الحسين كعلامةٍ على حقانيته وارتباطه بمصدر الفيض وهذا العنصر هو تكلّم الرأس الشريف للإمام الحسين علیه السلام بعد فصله عن الجسد المبارك، وتلاوته لآياتٍ قرآنيةٍ في أماكن وأزمان متعددة طيلة فترة حمله إلى الكوفة ثم إلى الشام.

فتناول الكاتب الروايات الواردة في ذلك من طرق الفريقين (الشيعة والسُّنة)، وذكر طرقها ومصادرها من طرق أهل السُّنة، ثم تبعها بكتب الشيعة وطرقهم ومصادرهم، ثم خَلُص إلى أن تلك الروايات بلغت من الكثرة والاعتبار ما يصل حدّ الاستفاضة، أو لا أقل من شهرتها التي توجب حصول الاطمئنان بصدورها.

ثم تعرض إلى مضمون ذلك الحدث الخارق العجيب ولوازمه البيّنة، مثل الإشارة إلى عظمة صاحبه وارتباطه بالسماء، وأن أهل البيت علیهم السلام هم أحق الناس بقيادة الأُمة على كافة الصعد، وأن ذلك الحدث كان إنذاراً بيّناً للظالمين.

ثم قارن الكاتب بين ذلك الحدث وبين حادثة أصحاب الكهف التي ذكرها الله تعالى في كتابه المجيد باعتبار أن الرأس الشريف نطق بآيتين من آيات سورة الكهف، وذكر أهل الكهف نصاً. فساق الكاتب ستة من أوجه الشبه المتصورّة بين الحادثتين.

The cut off head of Imam al-°usayn spoke;

a fact confirmed by historical Sources relied upon by the Two Major Sects of Muslims

Shaykh Iskandar al-Ja‛far¢

In this essay، the writer broaches one of the important elements of the paranormal aspects of Imam al-°usayn’s blessed revolution; that is، the aspect of miracles and phenomenal features granted to Imam al-°usayn (‛a) by Allah the Almighty as an indicative of his rightful propensity and connection with the Source of Emanation; namely، the All-majestic and All-sublime Lord. The feature discussed in this essay is the utterance of Imam al-°usayn’s head after it was severed from his holy body، since throughout the carrying of the holy head from al-K£fah city to Damascus at spearheads، it kept on reading audibly Qur’¡nic verses at many places and on many occasions.

The writer thus deals with the narrations that reported this phenomenal fact through chains of authority relied upon both Sunni and Sh¢‛ah Muslims. As for Sunni transmitters of narratives who reported this event، the writer alludes to their ways of narration، chains of authority، and sources. After that، he follows up these narratives from the Sh¢‛ah Muslims’ books، chains of authority، and sources.

The writer then concludes that these narrations have been so numerous and so considerably authentic that they reached the level of circulation or at least the level of pervasion، which necessitates their authenticity and accuracy.

Discussing the point and indicatives derived from this phenomenal event، the writer proves that the event expresses the greatness of Imam al-°usayn (‛a) and his strong link to the heaven. He also demonstrates that the event is a clear-cut indicative of the fact that the members of the Holy Prophet’s Household (i.e. Ahl al-Bayt) are the most entitled to leading the Islamic nation in all fields of life. Finally، the writer sees in this miraculous event a manifest warning for the wrongdoers.

He then moves to make a comparison between this phenomenal event and the event of the Seven Sleepers of Ephesus (known in the Islamic heritage as People of the Cave)، which is mentioned by the All-exalted Lord in the Glorious Qur’¡n، since the head of Imam al-°usayn is reported to have read two verses of Chapter: The Cave (S£rah al-Kahf)، and read the verses related to the People of the Cave. In this respect، the writer lists down six similarities between the two events.

خصائص ومميزات أرض كربلاء

دراسة لغوية روائية

الشيخ محمد الريشاوي

سلّط الكاتب في مقاله الأضواء على خصائص وممّيزات أرض كربلاء المقدّسة، فعقد مقاله تارة في إطار البحث اللُّغوي والتاريخي، وأُخرى في إطار البحث الروائي، فهاهنا جهتان:

في الجهة الأُولى ذكر الباحث عشرة آراءٍ لمعنى لفظة (كربلاء) استفادها من اللغة والتاريخ، منها ما يدلّ على أنها كلمة عربية مشتقة بمعنى الرخاوة في الموضع، ومنها ما يدلّ على أنها كلمة بابلية، وثالثة على أنها من الأسماء السامية الآرامية، وأُخرى على أنها كلمة فارسية بمعنى الفعل الساميّ، أو آشورية بمعنى حرم الإله، وغيرها من الموارد... إلى أن خَلُص الكاتب في المناقشة إلى أن كلمة (كربلاء) ليست عربية، بل هي كلمة بابلية أو أنّها من الأسماء السامية الآرامية، وكانت معروفة قبل الفتح الإسلامي وقبل أن تستوطنها القبائل العربية؛ مستعيناً على مدّعاه بإشارات تاريخية.

وأمّا الجهة الثانية - البحث الروائي - فقد ذكر الباحث تسع طوائف من الأخبار تبيِّن خصائص عدّة لأرض كربلاء المقدّسة، وقد أبرز الكاتب ها هنا منشأ تفضيل هذه البقعة على غيرها من البقاع، والتي يمكن اختزالها في العلل التالية:

1- احتواء هذهِ البقعة المقدسة على قبر أبي عبد الله الحسين علیه السلام .

2- هناك حكمة ومشيئة إلهية في تفضيل هذه البقعة لما تملكه قضية الحسين علیه السلام من استثناء فريدٍ من نوعه قد خصّه المولى سبحانه به دون غيره.

Distinctive Features of the Land of Karbal¡’;

A Study from a language and narrative views

Shaykh ‛Mohammad al-R¢sh¡w¢

In this essay، the writer sheds thorough light on the distinctive features of the holy land of Karbal¡’. He thus centers his study on two frames; the frame of linguistic and historical research، and the frame of the received heritage; that is، narrations.

Within the first frame، the writer quotes ten different opinions concerning the meaning of the word karbal¡’، as extracted from sources of language and history. Some of these opinions indicate that this originally Arabic word is derived from flaccidity of the land، which is a geological feature of the land of Karbal¡’، another opinion confirms that it is an originally Babylonian word، a third opinion refers it to one of the Aramaic Semitic names، a fourth opinion states that it is a Persian word meaning sublime action، a fifth opinion ascribes its origin to the Assyrian language، meaning the precinct of the God، and so on.

Finally، the writer proves that the word karbal¡’ is of a Babylonian origin or one of the Aramaic Semitic names. However، this name was known before the Islamic conquests and before it was taken up as permanent residence by Arab tribes، supporting his conclusion with historical facts and indications.

As for the second frame of the study; that is، research on the basis of narrations، the writer classifies the narratives about the holy land of Karbal¡’ into nine classes، all of which demonstrate distinctive features of this land. However، the point highlighted by the writer is the superiority and preference of the land of Karbal¡’ over all other lands. These points of preference can be summed up in the following facts:

1.

The land of Karbal¡’ embraces the holy tomb of Imam al-°usayn (‛a).

2.

There must be a Divine wisdom and will behind preferring this land to all other lands، because the issue of Imam al-°usayn’s reformative revolution is exceptionally unique and the All-glorified Lord has imparted a special superiority to Imam al-°usayn (‛a) on account of his remarkable efforts in supporting the religion of the Lord.

فقه التربة الحسينية

القسم الثاني

(حرمة تنجيسها ووجوب إزالة النجاسة عنها)

الشيخ أحمد العلي

بحث الكاتب في القسم الثاني من سلسلة مقالاته في فقه التربة الحسينية، حكمين آخرين من أحكامها، وهما حرمة تنجيسها ووجوب إزالة النجاسة عنها، وقسّم بحثه على مبحثين تناول في المبحث الأول حرمة تنجيس التربة من خلال خمسة نقاط، ذكر في النقطة الأُولى كلمات الفقهاء في المسألة، وأورد في النقطة الثانية أدلة حرمة تنجيس التربة، وكانت أهم الأدلة هي قاعدة حرمة هتك ما هو من حرمات الله وشعائر الدين، وبسط البحث في هذه القاعدة من خلال أربع مقدمات: كانت الأُولى عن مفاد القاعدة، والثانية في أدلتها، والثالثة في إثبات أن التربة الحسينية من المحترمات، والرابعة في أنّ تنجيس التربة الحسينية إهانة لها، وبعد ذلك ذكر دليلاً آخر على حرمة التنجيس وهو سيرة المتشرعة، ثم بحث في النقطة الثالثة توقف الإهانة بالتنجيس على القصد، وأشار في النقطة الرابعة: إلى مسألة تحديد التربة التي حرم تنجيسها، وفيها ثمانية أقوال، وأما البحث في النقطة الخامسة فكان حول طريق إثبات التربة الحسينية.

وتعرض في المبحث الثاني إلى حكم وجوب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية، وبيّن أنه لا خلاف بين الفقهاء في وجوب إزالة النجاسة عن التربة، لا سيما إذا استلزم ذلك هتك التربة وإهانتها، ولكن وقع الخلاف فيما إذا لم يستلزم ترك الإزالة الهتك والإهانة، ثم ختم البحث بذكر فروع للمسألة.

Religious Laws appertained to the blessed clay taken from Imam al-°usayn’s tomb

Part II: Forbiddance of sullying the °usayn¢ clay and Obligation of Removing Impurities from it

Shaykh A¦mad al-‛Al¢

In Part II of his serial essays on the religious laws appertained to the blessed clay taken from Imam al-°usayn’s holy tomb، the writer discusses two more laws; namely، the forbiddance of sullying that clay and the obligation of removing impurities from it. He thus divides his essay into two major parts، in the first of which he touches on the law of the forbiddance of sullying the °usayn¢ clay through five points of discussion. In the first point، he records the master jurisprudents’ views in the issue. In the second point، he mentions the points of evidence that prove the forbiddance of polluting the °usayn¢ clay، the most important of which was the jurisprudential rule of the forbiddance of violating whatever is considered to be within the rituals of Allah and the rites of the religion. He thus elaborates on discussing this principle through four premises. The first premise deals with the substance of the principle، the second with its proofs، the third with proving the clay taken from Imam al-°usayn’s holy tomb to be one of the inviolabilities، and the fourth with proving that to sully this clay is a sort of violation. He then mentions a further point of evidence on the forbiddance of sullying this clay، inferred from the practice of the religious people.

In the third point، he proves that violability is restricted to sullying when it is done on purpose.

In the fourth point، he refers to the question of defining the clay that it is forbidden to sully، quoting eight opinions in this regard.

The fifth point is about the ways of proving a piece of clay to be ascribed to Imam al-°usayn’s holy tomb.

In the second part of the essay، the writer takes in hand the law of the obligation of removing any impurity from the clay taken from Imam al-°usayn’s holy tomb، substantiating that all scholars of Sh¢‛ite jurisprudence have unanimously agreed upon the obligation of removing impurity from the °usayn¢ clay، especially when such impurity necessitates violation and offense of the holy tomb. However، there is disagreement as to whether it is obligatory or not to remove impurity when no violation and no offense is intended.

The writer thus ends his essay with a reference to the secondary issues of this question.

التباكي في تراجيديا كربلاء

حقيقته ومشروعيته

الشيخ صباح عباس الساعدي

يتحدث المقال عن مشروعية التباكي على المأساة التي جرت في كربلاء وهزت ضمير الإنسانية، حيث يبدأ الكاتب بتحديد معنى التباكي في اللغة والاصطلاح في ظل تباعد المسافات في تحديد المعنى، مما دعا إلى استنطاق الروايات والتعرف على كيفية تعاطي الرواة مع روايات التباكي. بعد ذلك ينطلق البحث في آفاق الأدلة على مشروعية التباكي، فأقام الكاتب ثلاثة أدلة على المشروعية والاستحباب وهي:

أولاً: استحباب التباكي في بعض العبادات كالصلاة والدعاء وقراءة القرآن.

وثانياً: الروايات الدالة على استحباب التباكي على مصيبة الحسين علیه السلام .

وثالثاً: الروايات المؤكدة على استحباب إظهار التضامن مع مصيبة الحسين علیه السلام ، وفي المحصلة النهائية خرج الكاتب بنتائج مهمة مما يعني أن التباكي على مصيبة الإمام الحسين علیه السلام وأهل بيته علیهم السلام أمر مطلوب في حد ذاته وليس من باب المبالغة.

Weeping over the Tragedy of Karbal¡›;

Fact and Legality

Shaykh ¯ab¡¦ ‛Abb¡s al-S¡‛id¢

As the essay’s main topic is the legality of weeping for the tragic saga that took place at Karbal¡’ and shook the consciousness of humanity due to the stunning events that accompanied it، the writer begins with identifying the very meaning of weeping for something in language and in the terminology of the Islamic reported heritage. On account of the fact that there is a big divergence in identifying the actual meaning of weeping، the writer applies himself to examining the narrations reported in this respect and the method the reporters used in dealing with these narrations.

As the study then delves into the proofs on the legality of weeping، the writer establishes three major points of evidence to prove weeping to be even a recommended act:

1.

According to Islamic teachings، it is recommended to weep upon doing some devotional acts like ritual prayers، supplications، and recitation of the Qur’¡n.

2.

A good number of narrations reveal the recommendation of weeping over the tragedy of Imam al-°usayn’s martyrdom.

3.

Other authenticated narrations confirm the recommendation of showing sympathy with the issue of Imam al-°usayn’s martyrdom through all means possible، including weeping.

To come to the point، the writer concludes a number of significant results، all of which corroborate that to weep for Imam al-°usayn’s tragic martyrdom in particular and the misfortunes to which the Ahl al-Bayt were exposed in general is a required action in itself، away from any exaggeration.

سب بني أُمية لأمير المؤمنين

ظاهرة استمرت بعد معاوية حتى حكومة عمر بن عبد العزيز

د. السيد حاتم البخاتي

تناول الباحث في هذه الدراسة مسألة سب أمير المؤمنين علیه السلام من قبل الجهاز الأُموي بعد معاوية، بعد أن تناول في العدد السابق هذه المسألة وتتبع جذورها في زمن معاوية، وقد ركزت الدراسة على تحشيد القرائن والأدلة لتثبيت أن قضية سب الإمام علي علیه السلام لم تكن حالات فردية مورست ضمن نطاق ضيق، بل إنها عملية مبرمجة روّج لها وأسسها معاوية واستمرت بعده على يد حكام الدولة الأُموية وعرض الباحث أدلته ضمن ثلاث جهات تكفلت الجهة الأُولى بمتابعة جملة من ولاة بني أُمية الذين مارسوا السبّ بمرأى ومسمع من المسلمين وأمروا الآخرين بذلك، وجاءت الجهة الثانية لتستدل بمنع عمر بن عبد العزيز شتم وسبّ أمير المؤمنين على منابر المسلمين في حين عرض في الجهة الثالثة قائمة بأقوال التابعين والعلماء وشهاداتهم على أن شتم مولى المتقين مارسته الدولة الأُموية حتى أصبح من شعاراتها.

The Umayyad Ruling Authorities Cursing Imam ‛Al¢ Am¢r al-Mu’min¢n;

A phenomenon that continued up to the reign of ‛Umar ibn ‛Abd al-‛Az¢z

Dr. Sayyid °¡tam al-Bukh¡t¢

In the previous issue of the Magazine، the writer dealt with the question of cursing Imam ‛Al¢ Am¢r al-Mu’min¢n (‛a) by the ruling authorities of the Umayyad dynasty، and followed up the roots and background of it during the reign of Mu‛¡wiyah specifically. In the current essay، the writer discusses the same issue، which continued even after the death of Mu‛¡wiyah. Focusing on mobilizing all proofs and presumptions appertained to this question، the writer proves that it was not individual case that was practiced within a narrow scope; rather، the question of cursing Imam ‛Al¢ (‛a) was a well-organized process that was established and spread by Mu‛¡wiyah to continue by the ruling authorities of the Umayyad dynasty even after his death.

The writer thus distributes his research among three major aspects، the first of which is dedicated to following up the practices of a big number of governmental officials of the Umayyad dynasty who cursed Imam ‛Al¢ (‛a) in the sight and hearing of Muslims and ordered their followers to follow them in this tradition.

The second aspect of the research provides points of evidence to prove the continuation of this shameful act up to the reign of ‛Umar ibn ‛Abd al-‛Az¢z who banned cursing and reviling at Imam ‛Al¢ (‛a) during the congregations of the Muslims.

The third aspect presents a list of the words and testimonies of master scholars and prominent Muslim personalities، all of whom bore witness that the Umayyad ruling authorities practiced the disgraceful deed of cursing Imam ‛Al¢ (‛a) so extensively that it became one of their mottos and distinctive features.

العصمة من منظور عقلي وقرآني

(دراسة مقارنة)

السيد خالد سيساوي الجزائري

بحث الكاتب في مقاله هذا عن معنى العصمة لغةً واصطلاحاً، مسلطاً الأضواء بشكل أكثر على المعنى الاصطلاحي للعصمة عند الفلاسفة والمتكلمين وكذلك بحث عن ماهية العصمة في الاصطلاح القرآني.

فقد ذكر أربعة أقوال للعلماء في ماهية العصمة، فمنهم من ذهب إلى القول بأنها لطف إلهي، ومنهم من عرّفها بكمال القوة العاقلة، وقول ذهب إلى أنّها مَلَكة نفسانية ورابعٌ قال بأنها حيثية خاصة.

وبعد هذا العرض المقارن خلص الكاتب إلى الرأي المختار بالجمع بين هذهِ الأقوال بكون العصمة مصونية من الذنوب من خلال القوة العاقلة والمَلَكة النفسانية التي يساوقها على الدوام اللطف الإلهي.

أما فيما يتعلق في البحث عن ماهية العصمة في المنظور القرآني، فقد ذكر الكاتب آيتين قرآنيتين هما: آية «لا ينال عهدي الظالمين» وآية «التطهير»، مركّزاً في الآية الأُولى على مفهوم الظلم المانع لإعطاء منصب الإمامة باعتبار أن إثبات العدالة هو فرع العصمة إن لم تكن هي العصمة على حدِّ تعبير الكاتب.

وفي الآية الثانية ركّز الكاتب على معنى (الرجس) و(الإرادة) الواردين في الآية الشريفة؛ وقد انتهى إلى أن الرجس هو من سنخ عرضي النجاسة لا ذاتيها؛ لأنّ الأخير شاملٌ للجميع بلا استثناء، فما به الامتياز لا بدّ أن يكون غير ذلك، وإلّا لزم اللغو، وأمّا بالنسبة إلى معنى (الإرادة) فالمقصود بها الإرادة التكوينية لا التشريعية، فإنّ الأخيرة تكليفٌ عامّ للأُمة، لا يتحقق من خلاله الامتياز.

‛I¥mah; An Intellectual and Qur’¡nic Perspective

A comparative study

Sayyid Kh¡lid al-S¢s¡w¢ al-Jaz¡’ir¢

Thrashing out the lingual and terminological meanings of ‛i¥mah (i.e. inerrancy)، the writer of this essay sheds thorough light on the terminological meaning of the word as stated by philosophers and theologians as well as the substance of the word in the terminology of the Holy Qur’¡n.

He thus quotes four definitions that master scholars gave to this word. One definition holds that inerrancy is a Divine graceful benison، another definition presents it as the perfection of the intellectual power، a third definition introduces it as a mental faculty، and a fourth states that it is a private outlook.

After this comparative presentation، the writer infers a certain definition from these different opinions. So، he comes to the point that inerrancy is protection against sinning by the use of the intellectual power and the mental faculty that is always accompanied by a Divine grace.

With regard to the implication of inerrancy from a Qur’¡nic perspective، the writer first quotes two Qur’¡nic verses appertained to this topic; that is، God’s saying، “My covenant does not include the unjust، (2/124)” and: “Allah only desires to keep away the uncleanness from you، O people of the House، and to purify you a thorough purifying. (33/33)”

Explaining the earlier verse، the writer concentrates on the concept of injustice that prevents from receiving the position of Imamate، holding that proof of justice is only a branch of inerrancy، if it is not inerrancy in itself.

Enlightening the second verse، which is known as Verse of Purification، the writer highlights the meanings of the words rijs (uncleanness) and yur¢d (desire) mentioned therein. He thus concludes that rijs is an accidental example of uncleanness، but it is not uncleanness in itself، because uncleanness is an all-comprehensive term that includes all sorts of filth and dirtiness. Accordingly، because rijs has been exclusively mentioned in the verse، it must be something other than uncleanness; otherwise، there would be unnecessary repetition.

As for the verb yur¢d، it must refer to the creational، not codified، desire of the Lord، because the codified desire is a law to which all individuals of the Muslim community are bound; therefore، the exclusion made in the verse cannot be understood if the desire mentioned therein means the enacting of a law.

قاعدة مشايخ الثقات

وإشكالية الإسناد والإرسال

الشيخ زهير قاسم عبد النبي التميمي

يتناول المقال دراسة قاعدة مهمة من قواعد علم الرجال، وهي قاعدة مشايخ الثقات، وقد وضّح الباحث بداية معنى مشايخ الثقات والثمرات المترتبة على هذه القاعدة، ثم تعرض إلى تاريخ المسألة وبعدها حدد محل البحث في هذه الدراسة فصرّح بأنّ الكلام هنا ينصب على الأجلاء الثلاثة: محمد بن أبي عمير الأزديّ، وصفوان بن يحيى البجليّ، وابن أبي نصر البزنطيّ (رضوان الله عليهم)، وبعد ذلك عرض الأقوال في المسألة، فذكر ستة أقوال، ثم ذكر أدلة ثلاثة أقوال فقط نظراً لأهميتها، تمثّل القول الأول في قبول وثاقة مشايخ الثقات مطلقاً، فيما وقف القول الثاني في الجهة المخالفة تماماً واختار عدم الاعتبار مطلقاً، وجاء القول الأخير ليفصّل، فوثق مشايخ الثقات المذكورين في السند دون مراسيلهم، وبعد تمحيص الأقوال ومناقشتها توصّل الباحث إلى وثاقة مشايخ الثقات بقول مطلق سواء ذكروا في السند أم لا، واستثنى من ذلك ما إذا رووا عمّن اتفق الأصحاب على ضعفه.

The Principle of the Ultimate Trustworthiness of the Master Reporters and the Musnad- Mursal argument

Shaykh Zuhayr Q¡sim ‛Abd al-Nab¢ al-Tam¢m¢

The current essay scrutinizes one of the major principles in the ‛ilm al-rij¡l discipline (i.e. analyzing the biographies of transmitters of traditions); that is، the principle known as mash¡yish al-thiq¡t (the ultimate trustworthiness of the master reporters).

At the outset، the writer touches on the meaning of mash¡yikh al-thiq¡t and the consequences resulting from following this principle in the field of accepting or refusing the reported heritage. He then moves to mentioning the history and background of the topic at issue. Individualizing his study، the writer states that the discussion mentioned in this essay is exclusively dedicated to three prominent personalities; namely، Mu¦ammad ibn Ab¢-‛Umayr al-Azd¢، ¯afw¡n ibn Ya¦y¡ al-Bujal¢، and Ibn Ab¢-Na¥r al-Bizans¢.

Reviewing the different opinions in this issue، the writer mentions six opinions، following it with a reference to the points of evidence of three of them particularly، owing to their significance. The first opinion entails that all the narrations reported by these trustworthy master reporters must be acceptable and authentic، the second opinion contradicts the earlier one completely، while the third opinion sets a distinction between their reports when the chains of authority are mentioned (i.e. musnad) and the other reports that are stated without any reference to the chain of authority (i.e. mursal).

Having examined and analyzed these opinions، the writer concludes that these master reporters of traditions must be trustworthy and their reports must be accepted، whether they did or did not mention the chain of authority. However، the writer excludes those reports that our master scholars have unanimously agreed upon their weakness.

انما خرجت لطلب الإصلاح فِي اُمة جدي

الإصلاح الحسينى

مجلة فصلية ليَّة مُتخصصة فى النهضة الحسينية وتعنى بالدراسات الدينية