ghaemiyeh.com
الأَخْبَٰارُ الموفَّقِيَّٰاتُ
تَأليفْ
الزبَير بن بَكَّار
" ت 256 ه "
تحقيق
الدكتور سامي مكي العاني
عالم الكتب
للطِبَاعَة والنشر والتَوزيع
ص: پ: 8723 - 11، بيروت - لبنان
جميع حُقوق الطبْع والنَشْر مَحفوظَة لِلدَّار
الطَبعَة الثانيَة طبعَة جَديْدَة منقحَة
1416 ه - 1996م
محرر الرقمي: رضوان پي سپار
الأَخْبَٰارُ الموفَّقِيَّٰاتُ
تَأليفْ
الزبَير بن بَكَّار
" ت 256 ه "
تحقيق
الدكتور سامي مكي العاني
عالم الكتب
محرر الرقمي: رضوان پي سپار
للطِبَاعَة والنشر والتَوزيع
ص: پ: 8723 - 11، بيروت - لبنان
تلفون: 819684 - 306166 - 315142 - 602202
عبر نيويورك 0012124781831
برقياً نا بعلبكي - تلکس: 23390LE ALAMKO
فاکس: 00/961/1/602203
WORLD OF BOOKS
FOR PRINTING, PUBLISHING AND DISTRIBUTION
P.O.BOX: 11-8723, BEIRUT, LEBANON
TEL: 819684, 306186, 315142, 603203
VIA NEW YORK 0012124781831 CABLE: NABAALBAKY, TELEX: ALAMKO
23390LE FAX: 00/881/1/803203
جميع حُقوق الطبْع والنَشْر مَحفوظَة لِلدَّار
الطَبعَة الثانيَة طبعَة جَديْدَة منقحَة
1416 ه - 1996م
يمنع طبع هذا الكتاب، أو أي جزء منه، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع،
كما يمنع الاقتباس منه أو التمثيل أو الترجمة لأية لغة أخرى،
أو نقله على أي نحو، وبأية طريقة، سواء كانت إلكترونية
أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك،
إلا بموافقة خطية مسبقة من الناشر على ذلك.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم الله الرحمٰن الرحيم
للدكتور صالح أحمد العلي
للأخبار أهمية كبرى فيثقافة الشعوب بمختلف مستوياتها الحضارية وثقافاتها، فهي تشبع غريزة حب الاستطلاع، وتوسع المعرفة، وتغذي الخيال، وتنقل إلى أبناء الأمة والمجتمع تراث الأقدمين وأعمالهم، فتشد الأبناء إلى آبائها.
وإذا اختيرت الأخبار على أساس فلسفة معينة، فإنها تساعد على رسم مثل عليا للمجتمع والأمة، فنوع الأخبار يعبر عن ثقافة المجتمع واتجاهاته ومثله العليا.
وللأخبار شبه بالقصص من حيث إنها تتناول جانباً معيناً، وتتركز بالدرجة الأولى حول شخص معين، فالخبر كالقصة القصيرة، غير أنه يختلف عنها، حيث إنه قائم على الواقع، ويتركز حول حادث واحد، وقلما يغرق في العواطف.
أما القصص فليس من اللازم أن تكون واقعية كما أنها قد تجمع عدة حوادث ترتبط حول شخص واحد، وهي تهتم عادة بالأسلوب وإبراز العواطف.
والأخبار هي المادة الأولية للتاريخ، والمرحلة الأولى من مراحل تطوره، فهي وإن كانت لا تهتم بالزمن ومجموعها لا يراعي التطور الزمني الذي هو عماد التاريخ إلّا أنها تقوم على الواقعية وتهتم بأحداث الماضي، ومعظمها يدور حول شخصيات بارزة في ميدان من ميادين الحياة، وخاصة الشخصيات السياسية التي تتوجه إليها الأنظار في معظم المجتمعات.
وتتجلى الصلة الوثيقة بين التاريخ والأخبار في أن معظم من ألف في التاريخ
كان يسمى «اخبارياً» وأن ابن النديم لم يذكر كلمة «المؤرخون» بل ذكر فصولاً في أخبار النحويين واللغويين، وأخبار الملوك والكتّاب والخطباء، والمرسلين وعمال الخراج وأصحاب الدواوين، وأخبار الندماء والجلساء والأدباء والمغنين، وأخبار متكلمي مختلف الفرق، كما أنه خصص مقالة عنوانها «في أخبار الاخباريين والنسابين وأصحاب السير والأحداث وأسماء كتبهم» كان يقصد بذلك المؤرخين.
كما أن الكتب التي عنوانها «التاريخ» متأخرة قليلة إذا قورنت بالعدد الكبير من الكتب التي عنوانها «أخبار» والتي تتناول أشخاصاً منوعين.
وقد اهتم العرب منذ أقدم الأزمنة بتداول الأخبار وروايتها نظراً لاهتمامهم
بالأمور الإنسانية، ولما للأخبار من أثر في الحياة السياسية والعاطفية والثقافية.
وقد حفظ الإسلام للأخبار مكانتها، فقد ورد في القرآن الكريم في أكثر من أربعين آية أن الله - تعالى - هو الخبير العليم، والخبير الحكيم، والخبير اللطيف، وأنه ينبيء عن الأخبار، كما ذكرت آيات كثيرة قصص الأمم الغابرة والأنبياء الماضين وأخبارهم، ودعا الناس إلى أن ينظروا في أخبار الأمم السالفة، ويأخذوا منها العبرة، وبذلك قدم الإسلام دافعاً جديداً للاهتمام بالأخبار، ووجهها وجهة جديدة، فثبت لها أساساً من الصدق، وقرر لها هدفاً إنسانياً خلقياً فكرياً، وغرضاً واقعياً هو أخذ العبرة منها.
وقد اهتم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتتبع أخبار المسلمين ليؤمن رعايتهم والعناية بأحوالهم، كما اهتم بتتبع أخبار المشركين لمعرفة نواياهم، واتخاذ ما يلزم لإيقاف أخطارهم علي الإسلام.
وتابع الخلفاء الراشدون تتبع أخبار، ولاتهم وأحوال المسلمين، ولما ولي معاوية الخلافة ذهب إلى أبعد من ذلك، فاهتم - بشكل خاص - بأخبار الماضين، فيروي المسعودي (ان معاوية كان بعد أن يتم صلاة العشاء يؤذن للخاصة وخاصة الخاصة، والوزراء والحاشية، فيؤامره الوزراء فيما أرادوا صدرا من ليلتهم، ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها، وسير ملوك الأمم وحروبها ومكايدها وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم
السالفة .. ويدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك، وأخبارها والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان مرتبون، وقد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات، ثم يخرج فيصلي الصبح، ثم يعود فيفعل ما وصفنا في كل يوم).
لقد كان عمل الخلفاء والولاة والإداريين يتطلب منهم الاهتمام بالأخبار وتتبعها بالنظر لأهمية هذا التتبع في الأمن والإدارة وتنظيم المجتمع وتقدمه، وقد كان الهدف الرئيسي للبريد الذي عني الخلفاء - وخاصة منذ العهد الأموي - بتنظيمه لتتبع الأخبار ونقلها إلى المسؤولين. واهتم كثير منهم - كما فعل معاوية - بأخبار الماضين، ومن مظاهر هذا الاهتمام رعاية الخلفاء لرواة الأخبار وتقريبهم لهم، وإغداق الهبات عليهم، وتشجيعهم على تدوين الأخبار.
ولم يقتصر الاهتمام بالأخبار على الخلفاء والولاة، بل امتد إلى كافة أوساط العرب، يدفعهم إلى ذلك ميل طبيعي لسماع الأخبار التي تشبع غريزة حب الاستطلاع وتوسع المعرفة، وتغني التجربة، وتعبر عن المثل العليا وتنميها، وتزيد من الثقة بالنفس.
ومن المعلوم أن العرب يتميزون باهتمامهم بشؤون الإنسان وما يتصل به من عواطف وأدب وتاريخ، وأنّ وقت الفراغ الواسع الذي أمنه تناقص الفتوح الإسلامية، ودفع العطاء لهم، جعلهم ينصرفون إلى الاهتمام بالشعر والأدب والتاريخ، مما أغان علی ازدهار الحركة الفكرية ونموها في ميادين متعددة.
ومن الطبيعي أن تظفر الأخبار بنصيب وافر من العناية، وأن تشمل جوانب كثيرة من حياة العرب الغنية بالأحداث والتجارب، وأن لا تقتصر على فئة محدودة أو طبقة خاصة، بل تعم مختلف الناس لما تراه جديراً بالرواية مما مر بهم من تجارب.
وكانت للمدينة المنورة مكانة خاصة في الحياة في صدر الإسلام، فقد كانت القاعدة التي هاجر إليها الرسول الكريم وصحبه من المهاجرين، فلقي من أهلها ترحيباً ونصرة، فقام بتثبيت دعائم الإسلام فيها، وجعلها قاعدة دولة الإسلام، والمعقل الذي قارع منه المشركين ونشر الدعوة، ووسع الدولة، وظلت المدينة مركز الدولة
الإسلامية في حياة الرسول - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - ومقام الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - كما كان فيها مقام الصحابة من المهاجرين والأنصار، والمنار الذي يتطلع إليه المسلمون في كافة أرجاء الدولة، لمعرفة سيرة الرسول وسننه وأصحابه الأعلام.
وقد احتفظت المدينة بمكانتها المرموقة في الدولة الإسلامية حتى بعد أن انتقل منها مركز الخلافة إلى الشام، وذلك أن المدينة ظلت مركزاً لحياة اقتصادية واجتماعية وفكرية نشيطة، بفضل العطاء الذي كان يوزع بانتظام على السكان، والهبات التي كان يغدقها كثير من الخلفاء الأمويين على رجالات أهل المدينة، هذا فضلاً عن ازدهار التجارة والزراعة والإعمار الذي أعان على نمو الحياة الاجتماعية، وعلى ازدهار الشعر والغناء، والأهم هو أن المدينة المنورة ظلت المركز الروحي والفكري في الإسلام، فقد ظلت مقام أكبر عدد من الصحابة الذين سمعوا تعاليم الإسلام من الرسول، وعاشوا معه فتشبعوا بمبادىء الإسلام وأفكاره، وعرفوا سيرته وسننه، كما عاش فيها أولاد الصحابة من التابعين.
والواقع أن انتقال مركز الخلافة من المدينة ساعدها على أن لا تكون ملتصقة بالأمويين وتنضوي تحت جناحهم، فابتعدت بذلك عما ألصق بالأمويين وما أصابهم من خصومة وعداء وأصبحت المدينة ذات نظرة «إسلامية» أي أنها لم تنحز إلى فريق معين، بل كان يقيم فيها مختلف رجال الأسر الإسلامية. من أمويين وعلويين وعباسيين، وكانت وثيقة الصلة بالرسول والإسلام، فكانت بذلك «فوق الأحزاب»، ونمت فيها كثير من الدراسات الإسلامية الأولى، فكان منها أول المؤلفين في السيرة، وعدد من كبار الفقهاء والمفسرين والقراء.
وكانت لأسرة الزبير مكانة خاصة في المدينة، فهم يتحدرون من الزبير بن العوام، وهو ابن عمة الرسول وعديله، حيث كان زوج أسماء ابنة أبي بكر وأخت عائشة أم المؤمنين، وقد شارك في معظم الغزوات، وفي الفتوح الإسلامية الأولى، وكان يمتلك ثروة طائلة، وكانت علاقته بالخلفاء الراشدين الثلاثة الأولين طيبة، ثم شارك مع عائشة وعدد من بني أميّة ضد الإمام علي وقتل في موقعة الجمل. واحتفظ أولاده بمكانة مرموقة في المدينة ومكة.
ومع أن عبد الله بن الزبير أعلن خلافته في أواخر خلافة يزيد، وعاونه أخوه مصعب، إلّا أن عدداً من إخوة عبد الله لم يؤيدوه، فانضم بعضهم إلى الأمويين، ووقف بعضهم على الحياد، فلما قضى عبد الملك على حركة ابن الزبير عمل على تحسين علاقته مع آل الزبير، فأخذ يغدق عليهم الهبات والعطايا، ويعمل على تقريبهم، فخلدوا إلى السكينة، وانصرفوا إلى الاهتمام بالحياة الفكرية وقد أصبح عدد منهم من كبار علماء المسلمين في السيرة والحديث والفقه.
ولما ولي العباسيون الخلافة أدركوا أهمية المكانة المرموقة التي كانت لأهل المدينة، فعملوا على التقرب من أهلها، ولم يؤثر في ذلك الثورة التي أعلنها محمد النفس الزكية، فقد ظل الخلفاء العباسيون الأوائل يعنون بدفع العطاء لأهل المدينة، ويغدقون الهبات والعطايا على أهلها ويتقربون إلى علمائها واستدعى المهدي عدداً من أهل المدينة إلى بغداد فأقطعهم القطائع عند باب البصرة بالقرب من قطائع أهل بيته، وسماهم الأنصار، كما رحب الخلفاء العباسيون بعلماء أهل المدينة، فعينوا عدداً منهم قضاة في بغداد، كما رحبوا بابن إسحق والواقدي، وهما أعظم كتّاب السيرة النبوية في الإسلام. ولا ريب في أن علماء المدينة كانوا الموجهين الثقافيين والروحيين لبغداد عاصمة الخلافة العباسية.
ولا شك أن مكانة علماء المدينة قد تأثرت بتأييد بعض الخلفاء العباسيين للمعتزلة، إلّا أن ترك المتوكل إسناد المعتزلة أدى إلى عودة علماء المدينة إلى مكانتهم في التوجيه الثقافي في بغداد. ولا عجب أن يكون كثير من قضاة بغداد في خلافة المتوكل وبعدها من المالكية، وهو مذهب أهل المدينة في الفقه.
ومن أبرز علماء المدينة في النصف الأول من القرن الثالث الهجري هو الزبير بن بكار، وهو من أحفاد عبد الله بن الزبير. نشأ في الحجاز واتصل بعلمائها، ونهل منهم، وخاصة عمه المصعب، وألف كتباً عدة في النسب وأخبار العرب، وأخبار عدد من شعرائها، وفي العقيق، وهي كتب ضاع معظمها، ولكن بقيت نقول، تشهد - على قلتها - بسعة علمه ودقة ملاحظاته، وحسن تعبيره. وقد روى عنه كثير من الرواة، وامتدحه كثير من المؤرخين والنقاد.
وقد أولاه المتوكل رعاية خاصة، فعينه قاضياً على مكة، واستدعاه إلى بغداد، وأغدق عليه العطايا والهبات، فألف الزبير لابنه كتاباً في الأخبار، سماه (الموفّقيات) باسم الأمير الموفق، وهو مظهر لوفائه للخليفة.
وقد ضاع معظم كتاب الموفّقيات، ولم يبق منه إلّا أجزاء من مخطوطتين، إحداهما أطول من الأخرى، وتشمل ما ورد فيها، ومقتطفات غير قليلة منثورة في عدد من الكتب. ويدل ما وصل إلينا من المخطوطات والمقتطفات على ضخم الكتاب وسعته، كما أنه يمكن الحكم منها على طبيعة مادة الكتاب.
والموفّقيات مجموعة أخبار تتناول مواضيع متعددة، بعضها يتعلق بالشعر والشعراء، ولكن أكثرها يتعلق بأحداث تاريخية سياسية وحربية وإدارية واجتماعية، حدث بعضها قبل الإسلام، ولكن غالبيتها المطلقة مما حدث بعد الإسلام. وكل خبر يدور عادة حول شخص، والأشخاص منوعون، منهم الخلفاء والولاة والقواد والفرسان والشعراء والأدباء والعلماء، من مختلف الحقب والأزمنة والاتجاهات.
وتختلف هذه الأخبار في طولها، فبعضها قصير لا يتجاوز بضعة أسطر، وبعضها يبلغ عدة صفحات.
وبالرغم من كثرة هذه الأخبار، وسعة حجم الكتاب، وتقسيم المؤلف له إلى أبواب، فإن معلوماته تخلو من التعليقات الشخصية والاستنتاجات العقلية والأحكام النظرية، وإذا كان هذا الأسلوب من التأليف قد يتعب الباحث المتخصص إلّا أنه مصدر متعة فكرية كبيرة، فإن هذا التنوع يبعد السأم، ويروح النفس.
وكل خبر مكتوب بأسلوب رصين واضح خال من التكلف، يتناول موضوعاً له قيمته في الحياة.
وقد عنى المؤلف باختيار الصحيح من هذه الأخبار، وذكر رواته ورجال سنده لتعزيز صحة الرواية.
والأخبار التي وردت في الكتاب عفة تنسجم مع المثل الأخلاقية للمجتمع، وبعضها يثبت ما نعرفه، كما أن عدداً منها يكشف جوانب من الحياة كانت مجهولة.
لقد يسر الدكتور سامي مكي العاني هذا الكتاب للقراء والباحثين، وإن جهده الكبير في مقارنة المخطوطات، وجمع المقتطفات، وتثبيت النصوص، وتوضيح غير المألوف منها، جدير بكل تقدير وثناء بارك الله له جهده في خدمة التراث العربي والإسلامي، ووفقه في عمله، وجزاه خير الجزاء.
الدكتور صالح أحمد العلي
أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب
ورئيس المجمع العلمي العراقي
المؤلف(1)
1 - البداية والنهاية لابن كثير 24/11.
2 - تأريخ بغداد للخطيب البغدادي 467/8.
3 - التحفة اللطيفة للسخاوي 85/2.
4 - تهذيب التهذيب لابن حجر 312/3.
5- شذرات الذهب لابن العماد 133/2.
6 - الفهرست لابن النديم ص 166.
7 - مرآة الجنان لليافعي 167/2.
8- معجم الأدباء لياقوت 218/4.
9 - ميزان الاعتدال للذهبي 66/2.
10 - وفيات أعيان لابن خلكان 68/2.
11 - نور القبس ص 321.
:هو الإمام أبو عبد الله الزُّبير بن بكّار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوّام القرشي الأسديّ(2).
عُرف بالفضل منذ نعومة أظفاره، قال عمّه مصعب الزبيري: إن بلغ أحد منا فسيبلغ(3). يعني الزبير بن بكّار. وقد بلغ فعلاً مبلغاً عظيماً فيما بعد، فصار من أعيان عصره وعلماء زمانه.
وصفه ياقوت فقال: أخباري، أحد النسابين وكان شاعراً، صدوقاً راوية، نبيل القدر(1).
وقال الخطيب البغدادي: كان ثقة ثبتاً، عالماً بالنسب، عارفاً بأخبار المتقدمين وسائر الماضين. ووصفه الشاعر فقال:
ما قال (لا) قطّ إلّا في تشهُّده *** ولا جرى لفظه إلّا على (نعم)
بين الحواري والصديق نِسبتُه *** وقد جرى ورسول الله في رحم(2)
سكن المدينة مع أهله بني الزُّبير، ورحل إلى بغداد عدة مرات آخرها سنة ثلاث وخمسين ومائتين(3).
وعرف المتوكل فضله، فأكرمه واختاره لتأديب ولده روى الخطيب البغدادي عن جحظة قال(4): كنتُ بحضرة الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر فاستؤذن عليه للزُّبير بن بكّار حين قدم من الحجاز، فلما دخل أكرمه وعظمه وقال له: لئن باعدت بيننا الأنساب، لقد قربت بيننا الآداب، وإن أمير المؤمنين ذكرك فاختارك لتأديب ولده، وأمر لك بعشرة آلاف درهم، وعشرة تخوت من الثياب، وعشرة أبغل تحمل عليها رحلك إلى حضرته بسُرَّ من رأى، فشكره على ذلك وقبله.
ويخبرنا السخاوي عن كيفية ولايته قضاء مكة فيروي عن الزبير نفسه(5): أتيت الفتح بن خاقان ليستأذن لي على المتوكل في الحج، فوعدني، فأنشدته:
ما أنت بالسبب الضعيف وإنما *** نجح الأمور بقوة الأسباب
فاليوم حاجتنا إليك وإنما *** يدعى الطبيب لساعة الأوصاب
فاستأذن لي على المتوكل، فودعته ثم خرجت، وخرج الفتح فقال: جائزتك تلحقك، وكتاب عهد بالقضاء على مكة لاحق بك. فلما صرت إلى منزلي، إذا خادم
معه ثلاثون ألف درهم، فخرجت، فلما وافيت مكة إذا رسول معه عهد لي، فدخلتها والياً عليها.
أما مسألة توثيقه، وصدق روايته، فقد أجمع مترجموه على ذلك. فقال الدار قطني: الزبير بن بكار ثقة(1). وقال البغوي: كان ثبتاً عالماً ثقة(2). وقال الخطيب: كان ثقة ثبتاً(3). وقال الذهبي: كان ثقة من أوعية العلم(4).
وقد انفرد أحمد بن عليّ السليماني في كتاب الضعفاء، بالقول: بأنه كان منكر الحديث(5).
وقد ردّ علماء الحديث هذا الاتهام فقال ابن حجر: وهذا جرح مردود، ولعله استنكر إكثاره عن الضعفاء(6). وقال الذهبي: لا يلتفت إلى قول أحمد بن علي السليماني حيث ذكره في عداد من يضع الحديث، وقال مرة: منكر الحديث(7).
وأجمع من ترجموا له على الإشادة بعلمه في نسب قريش. قال ابن حجر: أعلم الناس بنسب قريش الزبير بن بكار(8).
و قرن اسمه بكتاب (نسب قريش وأخبارها) الذي وصف بأنه عليه اعتماد الناس في معرفة أنساب القرشيين(9).
وقد أخذ الزبير علمه وأخباره عن أكبر شيوخ عصره علماً وفضلاً وقد قاربوا الأربعين شيخاً(10).
1) التحفة اللطيفة، والبداية والنهاية، وشذرات الذهب.
2) تهذيب التهذيب.
3) تاریخ بغداد.
4) تهذيب التهذيب.
5) تهذيب التهذيب.
6) المصدر السابق .
7) معجم الأدباء وشذرات الذهب.
8) الإصابة 195/4 .
9) باقرب و ان لمكان ومرأة الجنان.
10) اس مقدمة جمهره بسبب قريش وأخبارها، حيث أورد المحقق الفاضل الأستاذ محمود محمد شادر بناً مفصلاً بهم.
وكما أفاد من شيوخ عصره فقد أفاض على طلاب العلم في زمانه علماً وأدباً وأخباراً. فرووا عنه، وحملوا إلى الناس علمه ومصنفاته(1)، وهي كثيرة ومتنوعة، وإن غلب عليها الاتجاه الأخباري والأدبي.
وأكمل ثبت لمصنفاته ما ذكره ابن النديم قال: وللزُّبير بن بكّار من التصانيف:
1 - كتاب نسب قريش وأخبارها. (نشر الأستاذ محمود محمد شاكر الجزء الأول منه بمصر).
2 - كتاب أخبار العرب وأيّامها.
3 - كتاب نوادر أخبار النسب.
4 - كتاب الموفّقيات في الأخبار أّلّفه للموفّق بالله.
5 - كتاب مزاح النبي، صلَّی الله علیه وآله وسلَّم.
6 - كتاب وفود النعمان على كسرى.
7 - كتاب أخبار الأوس والخزرج.
8 - كتاب النحل، قال ابن النديم: رأيته بخط ابن السُّكري.
9 - كتاب نوادر المدنيين.
10 - كتاب الاختلاف (الأحلاف).
11 - كتاب العقيق وأخباره.
12 - كتاب إغارة كثير على الشعراء.
13 - أخبار ابن ميّادة.
14 - أخبار ابن الدمينة.
15 - أخبار عبيد الله بن قيس الرقيّات.
16 - أخبار أبي دهبل الجمحي (نشره كرنكو في مجلة جمعية الاستشراق الإسلامية
1) المصدر السابق.
الملكية بلندن عام 1910) بعنوان (شعر أبي دهبل الجمحي وأخباره) برواية أحمد بن سعيد الدمشقي.
17 - أخبار أبي السائب.
18 - أخبار الأشعث.
19 - أخبار الأحوص.
20 - أخبار ابن هرمة.
21 - أخبار توبة وليلى.
22 - أخبار أمية بن أبي الصلت.
23 - أخبار حاتم (يبدو أنه القسم الخاص بحاتم الطائي في الموفّقيات).
24 - أخبار حسّان.
25 - أخبار جميل.
26 - أخبار عبد الرحمٰن بن حسّان (لعله القسم الخاص بمهاجاة عبد الرحمٰن بن حسّان والنجاشيّ في الموفّقيات).
27 - أخبار العَرجي.
28 - أخبار عمر بن أبي ربيعة.
29 - أخبار كُثيّر.
30 - أخبار المجنون.
31 - أخبار نُصيب.
32 - أخبار هدبة وزيادة.
33 - أخبار القاري.
ومما لم يذكره ابن النديم في مصنفاته:
34 - المفاخرات(1).
1) شرح نهج البلاغة 458/5.
35 - أخبار المدينة(1).
وتوفي الزبير بمكة، وهو قاضٍ عليها، ودفن بها ليلة الأحد لتسع بقين من ذي القعدة سنة ست وخمسين ومائتين، وبلغ من السنّ أربعاً وثمانين سنة.
وكان سبب وفاته أنه سقط من سطح له، فانكسرت ترقوته ووركه وصلى عليه ابنه مصعب، وحضر جنازته محمد بن عيسى بن المنصور، ودُفن إلى جانب عليّ بن عيسى الهاشميّ في مقبرة الحجون(2).
الموفّقيات كتاب أخبار وقصص تأريخية، ولم أر كتاباً قبله يشبهه في موضوعه ولا في كبر حجمه.
ويمكن تصنيف أخباره إلى ثلاثة أصناف:
1 - أخبار انفرد في روايتها، ولم نجدها في المصادر الأخرى.
2 - أخبار اتّفق في روايتها معه مؤلّفون آخرون كالطبريّ في تأريخه وابن قتيبة في عيون الأخبار والبيهقيّ في المحاسن: والمساوىء والأصفهاني في الأغاني، مما يحتمل أنهم أخذوها عنه.
3 - أخبار وردت في مصنفات أخرى مختصرة أو مفصلة أو مختلفة الرواية عمّا جاء في الموفّقيات.
وفي الموفّقيات أشعار كثيرة انفرد في رواية كثير منها ولم نجدها في دواوين أصحابها ولا في أيّ مصدر آخر.
وقد أشار بروكلمان في (تأريخ الأدب العربيّ)(3)إلى أن كتاب (مثالب العرب)
لابن الكلبيّ، يبدو أنه من كتاب الموفّقيات للزُّبير بن بكّار. وحين رجعت إلى نسختي المثالب المخطوطتين في مكتبة الدراسات العليا في كلية الآداب ببغداد، لم أجد ما يؤيّد هذا الرأي إذ ليس في المثالب أيّة إشارة أو دليل يدعم رأي بروكلمان. كما لم أجد ما يؤيّد رأيه في ثنايا الموفّقيات أيضاً.
ومما يلاحظ على أخبار الكتاب أنّ أغلب أخباره تدور حول الخلفاء ورجال غير البلاط، وهي مختصّة ببيئة جغرافية معينة، وإنما تشمل العراق والحجاز والجزيرة والشام. وإن كانت أخبار العراق تزيد على ما سواها من البلاد الأخرى، ولذلك نراه يعتمد كثيراً على الرواة العراقيين. ويُظهر الزبير ميلاً واضحاً إلى العلويين، مع اتجاهه المعروف آل الزبير، وصلته الوثيقة بالمتوكل وابنه الموفق.
لم نجد في ثنايا كتاب الموفّقيات ما يشير إلى أيِّ كتاب قد رجع إليه الزبير أو استمدّ منه أخباره، وكل ما فيه من أخبار مرويّ عمّن حدَّثه، بأسانيد متّصلة كاملة.
وقد حاولتُ استقصاء رواته الذين أورد عنهم أخبار الموفّقيات فكانوا أكثر من ستین راوية. في طليعتهم:
1 - عمّه مصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيريّ، روى عنه أكثر من مائة وعشرين خبراً.
2 - أبو الحسن عليّ بن محمد المدائني، روى عنه أكثر من أربعين خبراً.
3 - أبو عبد الله محمد بن سلّام الجمحي، روى عنه أكثر من عشرين خبراً.
4 - عمر بن أبي بكر المؤمّلي، روى عنه أكثر من عشرين خبراً أيضاً.
5 - محمد بن الحسن المخزومي، روى عنه ثلاثة عشر خبراً.
6 - عليّ بن صالح، روى عنه اثني عشر خبراً.
7 - مبارك الطبري، روى عنه أحد عشر خبراً.
8 - أبو عبد الرحمٰن محمد بن عبد الله العتبي روى عنه عشرة أخبار.
9 - أبو الحسن الأثرم، روى عنه تسعة أخبار.
10 - إسحاق بن إبراهيم التميميّ، روى عنه سبعة أخبار.
أما الرواة الآخرون فتتراوحُ رواياتهم في الكتاب ما بين ثلاث روايات ورواية واحدة فقط.
ولا يخلو الكتاب من روايات لحوادث شهدها بنفسه، أو أخبار وقعت له،
فأوردها بدون سند الرواية طبعاً.
ذكر ابن النديم - ت 385 - في ترجمته للزُّبير بن بكّار أنه صنّف «كتاباً ألّفه للموفّق، وهو الموفّقيات في الأخبار».
وتوالى بعده غير واحد ممن ترجموا للزبير يذكرونه في مصنفاته.
ويذكره ابن خير الإشبيلي - ت 575 - فيما حُدّث به عن القاضي أبي بكر بن العربي فيقول: الموفّقيات في الأخبار والأشعار تأليف الزبير بن بكار. - رحمه - حدّثني بها القاضي أبو بكر بن العربيّ قال: حدّثنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، ويعرف بابن الطيوري قال: هذه ثمانية عشر جزءاً، أروي من الأول إلى العاشر عن الأمير أبي الحسن أحمد بن الحسن بن الفضل الكاتب، عن أبي عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله بن خالد الكاتب عن أبي الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي عن الزبير. والثمانية الأجزاء الباقية أخبرني بها الأمير أبو منصور الكاتب بالإسناد المتقدم(1).
وفي ثنايا النص شهادات قاطعة بأنه للزُّبير بن بكّار. ففي نسخة جوتنجن
1) فهرسة ابن خير الإشبيلي ص 376.
صُدّرت كل الأخبار بعبارة (حدّثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال: حدّثني الزبير).
وفي نسخة باش أعيان صُدرت الأخبار بعبارة (حدّثني الزبير). بالإضافة إلى ذِكْرهِ كتابه (جمهرة نسب قريش) في أكثر من موضع ونصّه على روايته عن عمّه مصعب.
وقد توارد كثيرٌ من المؤلفين على الموفّقيات، فأفادوا من أخبارها، واقتبسوا من الحوادث التي ذكرتها. وقد ذكروا ذلك حيث أفادوا أو اقتبسوا فأضافوا برهاناً جديداً على توثيق النصّ. وممن أخذ عنه المسعوديّ في (مروج الذهب.(1)وابن عبد البر الأندلسي في (الاستيعاب في معرفة الأصحاب.(2)والسُّهيلي في (الروض الأنف.(3)والتجاني في (تحفة العروس)(4)وابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة.(5)وابن حجر العسقلاني في (الإصابة في تمييز الصحابة)(6)والسيوطي في (شرح شواهد المغني)(7). والبغداديّ في (خزانة الأدب)(8).
أمّا الموفّق الذي سمّى الزبير كتابه باسمه فهو أبو أحمد طلحة الموفّق ابن الخليفة المتوكل بن المعتصم بن الرشيد. ولّاه أخوه المعتمد على الله العهد، وحارب الزنج سنين كثيرة، وصابرهم، ولما ظفر بهم لقّبه المعتمد (الناصر لدين الله) فكان يُخطب له بلقبين على المنابر يقال: اللهمّ أصلح الأمير الناصر لدين الله أبا أحمد طلحة الموفّق بالله ولي عهد المسلمين، أخا أمير المؤمنين.
وتوفي أبو أحمد الموفّق هذا في يوم الخميس ثاني رجب سنة ثمان وسبعين ومائتين، ولم يَنلْ الخلافة(9).
1) انظر مروج الذهب 163/5.
2) انظر الاستيعاب 2/ 265.
3) انظر الروض الأنف 142/2.
4) انظر تحفة العروس 107 ومواضع عدة.
5) انظر شرح نهج البلاغة، 176/2 و 271 و 467 و 3/ 784 و 805 و 814/4 و 71/5.
6) انظر الإصابة 1/ 79 و 166 و 167 و 291 و 2/ 160 و 180 و 278 و 3/ 360 و 3 و 130/4.
7) انظر شرح شواهد المغني ص 134 و 245 و 293 و 410 و 734 و 876.
8) انظر الخزانة 342/3.
9) مختصر التاريخ لابن الكازروني 161.
ويظهر أنّ الموفّق هذا كان معنياً باللغة والنحو والأخبار، فبالإضافة إلى الموفّقيات ألّف له ابن كيسان النحويّ كتاب (الموفّقي في النحو) قال: طلب الموفّق شيئاً من مختصرات النحو، فعُمل له غير كتاب. قال أبو الحسن (أحمد بن محمد كيسان) فعملتُ أنا عند ذلك هذا الكتاب(1).
ليس بين أيدينا نسخة كاملة من مخطوطات الموفّقيات، وإنما وصلت إلينا نسختان ناقصتان هما:
1 - النسخة المحفوظة بمكتبة جوتنجن بألمانيا، ومصورة في مكتبة المجمع العلمي العراقي تحت رقم 443 - أ.
وتكوّن هذه النسخة القسم السادس عشر إلى التاسع عشر، من أصل تسعة عشر قسماً، وهي برواية أحمد بن سعيد الدمشقي(2)ت 306 ه.
وتقع هذه النسخة في (152) ورقة، وعدد أسطر صفحاتها في حدود (15) سطراً. وفي السطر الواحد ما بين كلمة إلى كلمة، بخط نسخي دقيق، مضبوط بالشكل أحياناً، ولكنه خال من النقط في كثير من الكلمات.
وفي ورقتها الأخيرة كتب تاريخ نسخها وهو: أواخر سنة سبع وأربعين وخمسمائة.
وكتب عنوان الكتاب في الصفحة الأولى هكذا:
الموفّقيات لأبي عبد الله الكاتب الدمشقي.
وهو بخط ضعيف يختلف عن خط النسخة.
وقد قوبلت هذه النسخة بنسخة وقفها الشيخ الإمام أبو محمد ابن الخشّاب(1).
ولم تخلُ هذه النسخة من بعض العيوب، فقد أثرت الرطوبة في كثير من أوراقها، فطمست بعض سطورها ولولا نسخة باش أعيان لما استصٰعنا قراءة تلك السطور. ووقع اضطراب في ترتيب بعض أوراقها.
2 - النسخة المحفوظة في المكتبة العباسية، لأسرة آل باش أعيان العباسيين بالبصرة.
وهذه النسخة غير مقسمة كالنسخة السابقة، ولكنها تزيد عليها بما يقارب ربع صفحاتها، إذ تقع في (379) صفحة وتبدأ نسخة جوتنجن من الصفحة رقم (85) ولذلك أرجّح أنها تكوّن القسم الخامس عشر إلى التاسع عشر، أي بزيادة قسم واحد فقط.
وهذا نص ما جاء على صفحتها الأولى:
الأخبار الموفّقيات للزُّبير بن بكّار المتوفى سنة 256 رحمه الله تعالی آمین.
وهي ليست برواية أحمد بن سعيد، ولم يُعرف اسم راويها، وقد بدأت أخبارها بعبارة (حدّثني الزبيرُ قال:).
وليس فيها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، إلّا أنه ظهر عليها تملُّك في الصفحة الأولى كما يأتي:
دخل في نوبة الفقير أضعف عباده إليه السيد رجب بن السيد مصطفى الرفاعي. غفر الله له ولوالديه، وللمؤمنين كافة.
وكان في بغداد سنة 1214. وختمت الصفحة الأخيرة بالنص الآتي: تمت الأخبار الموفّقيات، والحمد لله رب العالمين وصلواته.
1) هو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب النحوي البغدادي، كان أديباً فاضلاً عالماً له معرفة جيدة بالنحو واللغة، وصف بالفضل والعلم والمعرفة توفي سنة 567: إنباه الرواة 99/2 والخريدة 82/1.
وهي مكتوبة بخط نسخ واضح جميل إلّا أنه خال تماماً من الشكل، قليل التنقيط.
وهذه النسخة كثيرة الخطأ، وناسخها كثير السهو، فقد أسقط عشرات السطور من ثنايا صفحاتها، وربما أسقط أحياناً صفحة كاملة. بالإضافة إلى التصحيف والتحريف اللذين وقع فيهما أثناء النسخ. وقد يترك بياضاً في خلال السطور ونجد ذلك كثيراً في الصفحات الأخيرة من النسخة. ومع كل هذا فقد أفدنا منها في المقابلة.
3 - وثمة قسم صغير نشر في المجلد الثالث والعشرين من بحوث الجمعية الملكية للعلوم في جوتنجن سنة 1878 من قبل ف. فوستنفيلد عن النسخة المحفوظة في جوتنجن والتي اعتمدتها أفدت منه، وقابلت به في مكانه من النسخة الأمّ.
وقد ألحقت بهذه الأقسام ما وجدته متناثراً في الكتب، منقولاً عن الموفّقيات، ولم يوجد في الأقسام المخطوطة.
لقد بذلت كل ما أستطيع من جهد للوصول إلى مخطوطات الكتاب، فلم يتيسر لي منها إلّا النسختان اللتان وصفتهما من قبل والقسم المنشور في المجلة.
ولما كانت نسخة جوتنجن مذيلة بتاريخ نسخها، ومقابلة على نسخة ابن الخشاب، وأوضح خطًّا وأقل سقطاً وتحريفاً من النسخة الأخرى جعلتها الأصل، وقابلت بها نسخة باش أعيان التي رمزت لها بالحرف (ب).
أما القسم الأول الذي انفردت به نسخة (ب) فقد أثبتُّه قبل نسخة الأصل. ثم اتبعت الخطوات الآتية في تحقيق النص:
1 - حاولتُ إثبات النصّ الصحيح نثراً وشعراً مستعيناً في تقويمه بجميع الأصول الأخرى.
2 - أثبت الروايات المختلفة وأبرز التصحيفات والتحريفات في سائر الأصول التي اعتمدتها في تحقيق النص بالمقابلة وترجيح الأحسن.
3- شرحت في الهوامش الغريب الوارد في النصوص النثرية والشعرية وما فيهما من أعلام ونحو ذلك مما يحتاج إلى إيضاح. 4 - قمت بتخريج الآيات والأحاديث والأمثال والأشعار والخطب والرسائل والأخبار الواردة في ثنايا النص.
5 - استعنت ببعض الرموز التي قد تساعد القارىء على فهم النص وهي:
وضعت هذه العلامة قبل كل خبر منفصل عن غيره لئلا تتداخل الأخبار والروايات جاعلاً لكل خبر رقماً.
( ) وضعت بين هذين القوسين الهلاليين الآيات القرآنية.
[] وضعت بين هاتين الحاصرتين ما أضفته من الأصول الأخرى، ولم يوجد في الأصل الذي اعتمدته رقمها.
وتدل هذه العلامة على بدء الصفحة التالية في المخطوطة، وتوضع بعد رقمها.
و وجه الورقة المخطوطة وتتبع رقمها.
ظ ظهر الورقة المخطوطة وتتبع رقمها أيضاً.
وقبل أن أنهي مقدمتي أود أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى أستاذنا الدكتور صالح أحمد العلي، لما حباني من توجيهات سديدة بصفته الخبير الذي قوم عملي، والسيد عبد الواحد آل باش أعيان الذي تفضل فسمح لي بتصوير النسخة المحفوظة في مكتبة أسرته العامرة والمحقق الأديب الأستاذ محمود محمد شاكر الذي تفضل فزودني بالقسم المنشور في سلسلة بحوث الجمعية الملكية للعلوم في جوتنجن.
ولا يفوتني أن أسجل أوفر الشكر إلى كل أخ عزيز، مد لي يد العون، أو أشار علي بفائدة، فإني قليل بغيرهم كثير بهم إن شاء الله. وفي مقدمتهم الأخوة الأحبة
الدكاترة والأساتذة أحمد ناجي القيسي ونوري القيسي وعبد الله الجبوري وهلال ناجي.
والله أسأل أن يجعل عملي خالصاً لوجهه وأن يوفق العاملين على إحياء تراث أمتنا المجيدة، واستميح القارىء عذراً إذا ما وجد في عملي نقصاً فالكمال لله وحده،
وهو حسبي ونعم الوكيل.
بغداد في: 16 ربيع الثاني 1392ه-
1 حزیران 1972
المحقق
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
اشارة
الأخبار الموفقيات
تَأليفْ
الزبَير بنُ بَكَّار
" ت 256 ه "
تحقِيق
الدكتور سَامي مَكي العَاني
عالم الكتب
بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمدٍ بدر التمام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام.
أما بعد:
فهذه أخبار موفّقات للسِيَر الذي يتأمّل بها فيفهمُ معانيها، ويتأدّبُ على حُسن أظرافها، وهي مجموعة من لطائف وأخبار وأشعار ونكتات من كلام الزبير بأسانيدها - رضي الله عنهم أجمعين - فقد ورد عن الزبير قال:
يا أميرَ المؤمنين، ما كنتُ أحسبُني أبقى حتى يُذكر الحجّاجُ في دارك وعلى بساطك، فيُثنى عليه.
فقال أبو جعفر: وما تُنكرُ(4)من ذلك؟ رجلٌ استكفاه
قومُه(1)فكفاهم. والله لَوددتُ أني وجدت مثل الحجّاج حتى استكفيهِ امري، وأنزله الحرمين حتى يأتيني أجلي(2).
قال: فقال له معن (2 ظ /) بن زائدة(3):
يا أميرَ المؤمنين، إنّ لك مثل الحجّاج عدداً من أصحابك. لو استكفيتَهم كفَوْك. قال: ومَنْ هم؟ كأنك تريدُ نفسك؟
قال: وإن أردتُها فمه؟
قال: كلّا لستَ هناك. إنّ الحجّاج ائتمنه القومُ فأدّى إليهم الأمانةَ، وائتمناك فخُنتنا.
قدِمَ على مزْيد(4)
انظر المشتبه للذهبي 475 والحيوان 184/5 ومعجم الأدباء 70/6.
مخنّتٌ من مكة، فقال له: بأبي وأمي، دلّني على بعض مخنّثي: المدينة أتخنّث معه.فأتى به دار خُثَيْمِ(5)، وهو شُرط المدينة.
قال: دونكَ صاحبَ هذه الدار. فدخل وخُثَيْمِ يُصلّي. فقام في وجهه. فقال له خُثَيْمٌ: سبحان الله. فقال: سبّحت بأمّ الزّنا في جامعة، قملة انصر في. الجامعة: القيد؛ والقمل: أنْ يطول حبسُه فيقمل قدّه؛ حتى أتحدث معك ساعة، فلما أطال خثیم، قال: تتنسكين زيادة(6)، فانصرف (2 / ظ) من صَلاته، فأمر به فجُلد مائة جلدة. وقال: ما
1) في الطبري: قوم.
2) في الطبري: وأنزله أحد الحرمين.
3) هو معن بن زائدة بن عبد الله بن مطر الشيباني، أحد فرسان العرب، ومن أشهر أجوادهم، أدرك العصرين الأموي والعباسي، وكان في آخر أيامه من خواص المنصور. قتل في سجستان إذ كان والياً عليها سنة اثنتين أو ثمان وخمسين ومائة. (تاريخ بغداد 1727 والشذرات 231/1).
4) يظهر من الحادثة أنه مزيد المديني من مشهوري أصحاب النوادر والفكاهة، ويقع التحريف في اسمه كثيراً. فيقال: مزيد بالباء أيضاً.
5) انظر میزان الاعتدال 650/1 حيث أورد أكثر من شخص بهذا الاسم.
6) كذا في المخطوطة. وفي هذه العبارة اضطراب لم أستطع الاهتداء إلى صوابه.
شأنك؟ فأخبره الخبرَ، ووصف له مَنْ دَلّه. فعرف أنه مِزْيَد، فطلبه فلم يقدر عليه.
كان المغيرة بن عبد الله بن أبي عَقيل(2)عاملاً للحجّاج على الكوفة، وكان يُلقَّب (أبا صفية) ويغضبُ منها، فاستعدَت امرأةٌ على زوجها، فأتاه صاحب الدعوى عند المساء(3).
قال: نعم أغدو معك(4). فبات الرجل يقول لامرأته:
لو قد أتيتُ الأميرَ لقلتُ: يا أبا صفيّة، إنها تفعل كذا وكذا، فيأمر بكِ مَن يوجعكِ ضرباً وجعل يكرّر عليها: يا أبا صفيّة. فحفظت المرأة الكنيّةَ، وظنّت أنها كنية الأمير. فلما تقدّمت إليه قالت: أصلحكَ الله يا أبا صفيّة.
فقال: أبو عبد الله [عافاكِ الله.(5)فأعادت عليه. فقال: أبو عبد الله.
قال: فأعادت. فقال لزوجها: خذ بيدها فإني أظنُّها ظالمة(6).
ومات بالبصرة. قيل لم يحب أهل خراسان أميراً قط، حبهم سلم بن زياد (المعارف 348 والطبري 471/5).
لطلحة بن عبد بن عبد الله بن خلف الخزاعيّ(8):1) الحادثة في المحاسن: والمساوىء للبيهقي ص 597 برواية أبي عبّاد الكاتب.
2) هو المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، استخلفه الحجّاج على الكوفة سنة 77، وشارك في حرب خوارزم. واستعمله قتيبة على نيسابور. (انظر الطبري 319/6 و 480).
3) في المحاسن: والمساوىء: فأعلمه.
4) في المحاسن: معها.
5) ما بين الخاصرتين تكملة من المحاسن والمساوىء.
6) في المحاسن: وحكم للزوج عليها.
7) الأصل: سالم. وسلم هذا ابن زياد بن أبي سفيان، وكان أجود بني زياد، ولّاه يزيد خراسان و سجستان سنة 61 وفيه يقول الشاعر ابن عرّادة:
عتبت على سلم فلما هجرته *** وخالطت أقواماً بكيت على سلم
8) يلقب طلحة الطلحات الجوده، قيل إنه وهب في عام واحد ألف جارية فكانت كل جارية إذا ولدت سمت مولودها، طلحة، على اسم سيّدها. (المعارف 228) وخزانة الأدب 394/3).
أريد أن أصِلَ رجلاً له حق عليَّ وصحبة بألف ألف درهم، فما ترى؟
قال: أرى أنْ تجعل هذه العشرة(1). قال: فأصِله بخمس مائة ألف. قال: كثيرٌ.
فلم يزل به حتى وقف على مائة ألف. قال: أفترى مائة ألف يُقضى بها ذمامُ رجلٍ له انقطاعٌ (3/ ظ) وصحبة ومودةٌ وحقٌ واجبٌ؟
قال: نعم [قال:.(2)هي لك وما أردتُ غيرَك.
قال: أقلني. قال: لا أفعل والله
هوى محمد بن عيسى الجعدي(4)بصيص(5)جارية نَفيس، صاحب قصر نفیس بالمدينة(6).
فبلغه عنها شيءٌ أنكره، فغاب عنها زماناً، ثم أتاها فقال لها: تغنّين:
وكنتُ أحبّكم فسلوتُ عنكم *** عليكم في دياركم السلام
فقالت: نعم. وأُغنّي:
1) هكذا وردت في المخطوطة.
2) ما بين الحاصرتين تكملة للسياق.
3) وردت هذه الحادثة مختصرة في الأغاني 118/13 وبرواية الزبير عن عمه أيضاً.
4) في الأغاني: الجعفري مكان الجعدي.
5) بصيص: جارية مولدة من مولدات المدينة، حسنة الغناء، وكان يحيى بن نفيس مولاها. قيل: إن المهدي اشتراها وهو ولي العهد فولدت له علية بنت المهدي، وفي ذلك خلاف. (انظر ترجمتها في الأغاني (114/13).
6) قصر نفيس: على ميلين من المدينة ينسب إلى نفيس بن محمد، رجل من موالي الأنصار. وقيل منسوب إلى محمد بن زيد بن عبيد بن معلی بن لوذان من حلفاء بني زريق بن عبد بن حارثة بن الخزرج، وهو بحرّة وأقم بالمدينة. (المغانم المطابة في معالم طابة 346).
تحمّل أهلها عنها فبانوا *** علی آثار من ذهب العفا.(1)
العفاء: بالكسر بمعنى الهلاك.
قال: فازداد بها شغفاً وكلَفَا، وأقام مليّاً يديمُ النظر إليها. ثم قال: تغنين.
وأخضع للعتبى إذا كنت ظالماً *** وإن ظلمت كنت الذي أتنصل(2)
... بالعتبىٰ إذا كنت مذنباً ***
وإن أذنبت ...
العتبى: اللوم.
قال: نعم، وأغنّي:
فإن تقبلوا نقبل عليكم بودنا *** وتُنزلكم منا برحب المنازل(3)
فإن تقبلوا بالسود نقبل بمثله *** وننزلكم منّا بأقرب منزل.
قال: فتقاطعا في بيتين، وتواصلا في بيتين. ولم يفطن من القوم غيري.
كنت مع الرشيد في بلاد الروم، فلما افتتح أنقرة فإذا بحجَر عظيم منصوب على باب الحصن فيه كتاب باليونانية، وهي الروميّة القديمة، وكان ذو القرني.(5)من ولد یونن بن يونان. فجعلتُ أقرأه و /) وأنقله إلى العربية، والرشيد ينظرُ فإذا فيه:
بسم الله المِلك الحقّ المبين. يا ابن آدم غافِص(6): الفرصة عند إمكانها، وكِلْ الأمور إلى واليها، ولا يحملنّك إفراط السرور على مأتم، ولا تحملنّ على نفسك همَّ يوم لم يأتك، فإنه إن يكن من أجلِك يأت الله فيه برزقك.
لا تكن أسوأ المغرورين في جمع المال، فكم قد رأينا من جامع جمع مالاً لبعل
حَليلته، على أنّ تقتير المرء على نفسه توفيرٌ منه على خِزانة غيره.
ينبغي لحكماء اليونانية أن ينظروا في هذا الكتاب كلَّ يوم.
قال: فنظرتُ فإذا تأريخه أكثر من ألفي سنة.
فلما ورد عليه ذلك المال، قال المأمون ليحيى بن أكثم(3): أخرجْ بنا ننظر هذا المال.
فخرجا حتى أصحرا ووقفا ينظران إليه، وكان قد هُيّىء بأحسن هيئة، وحُلّيَت، أباعره، وألبست الاحلاس(4)الموشاة، والجلال المصبوغة، وقُلّدت العِهَن(5)، وجُعلت البدور من الحرير الأحمر والأخضر والأصفر(6)
والبدور والبدر: واحدها بدرة، وهي كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار.
، وأُبديت رؤوسُها.قال: فنظر المأمون ظ /) إلى شيء حسَن، واستكثر ذلك المالَ، وعظُم في عينه، واستشرفه الناسُ ينظرون إليه، ويعجبون منه.
قال: فقال المأمون ليحيى:
1) وردت هذه الحادثة في الطبري 652/8 برواية العيشي صاحب إسحق بن إبراهيم.
2) سقطت كلمة درهم، من الطبري.
3) هو يحيى بن أكثم بن قطن التميمي المروزي، القاضي المعروف، ولد بمرو واتصل بالمأمون أيام مقامه بها، تولى القضاء في البصرة سنة 202، وتوفي بالمدينة سنة 240. (أخبار القضاة 2/ 160 وشذرات الذهب (101/2).
4) الإحلاس: واحدها حلس (بالكسر) وهو كل شيء ولي ظهر البعير والدابة تحت الرحل والقتب والسرج.
5) العهن: القطن المصبوغ ألواناً.
6) في الطبري: البدر بالحرير الصيني.
يا أبا محمد، ينصرفُ أصحابنا هؤلاء الذين تراهم إلى منازلهم خائبين(1)، وننصرف نحن بهذه الأموال قد ملكناها دونهم! إنّا إذا لَلئامٌ. ثم دعا محمد بن يزداد(2)فقال:
وقع لفلان بألف ألف، ولفلان بمثلها، ولفلان بثلاثمائة ألف، ولفلان بمثلها(3).
قال: فوالله إنْ زال كذلك حتى فرّق أربعة وعشرين ألف ألف درهم، ورجلُه في ركابه(4).
ثم [قال](5): ادفع الباقي إلى المعلَّى لعطاء جندنا(6)قال: فقال العيشي: فجئت حَتي قمت نصب عينيه فلم أردَّ طرفي عنه(7)، فجعل لا يلحظني إلّا رآني بتلك الحال.
فقال: يا أبا محمد، وقع لهذا بخمسين ألف درهم من الستة الآلاف ألف درهم
[لا يختلس ناظري](8).
قال: فلم يأتِ عليّ ليلتان حتى أخذت المال.
لما سار المأمون إلى دمشق ذكروا له أبا مِسهر الدمشقيّ(9)ووصفوه بالعلم والفقه، فوجّه مَنْ جاء به فقال:
1) في الطبري: الذين تراهم الساعة خائبين إلى منازلهم.
2) هو محمد بن يزداد بن سويد المروزي من كتاب الإنشاء في الدولة العباسية، استوزره المأمون، وتوفي المأمون وهو على وزارته، وله شعر جيد. (الاعلام 14/8 ط 2).
3) في الطبري: لآل فلان لآل فلان .. ولآل فلان بمثلها ولآل فلان بمثلها. ولآل فلان بمثلها.
4) في الطبري: ورجله في الركاب.
5) تكملة من الطبري.
6) في الطبري: يعطي جندنا.
7) في الطبري: طرفي عنها.
8) ما بين الحاصرتين تكملة من الطبري.
9) أبو مسهر هذا هو عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي، وهو أحد من أشخص من دمشق إلى المأمون فامتحنه في خلق القرآن ثم حبسه حتى مات سنة 218. وكان علامة بالمغازي والأثر، كثير العلم، رفيع الذكر. (تاريخ بغداد 5750 وتذكرة الحفاظ 346/1 وشذرات الذهب 44/2).
ما تقول في القرآن؟ قال: كما قال الله عزّ وجلّ: (وإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشرِكِينَ استجاركَ فأجِرْهُ حتى يَسمَعَ كلام الله)(1).
قال: أمخلوق، أم غير مخلوق؟
قال: ما يقول أميرُ المؤمنين؟
قال: يقولُ أمير المؤمنين: إنّه مخلوق(2)
وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصّه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن، فجمجم عنها ولجلج فيها، حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف. فأقرّ ذميماً، فأنصصه عن إقراره، فإن كان مقيماً عليه فأشهر ذلك، وأظهره إن شاء الله.
.قال: بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أو (5 و /) عن الصحابة أو عن التابعين، أو عن أحد من الفقهاء؟
قال: بالنظر. واحتجّ عليه.
قال يا أميرَ المؤمنين، نحن مع الجمهور الأعظم، أقولُ بقولهم والقرآن كلام
الله غير مخلوق.
قال: يا شيخ، أخبرني عن النبيّ - صلى الله عليه وآله - أكان يُشهد إذا تزوّج؟
قال: لا أدري.
قال: اخرجْ قبّحكَ الله، وقبّحَ مَنْ قلّدك دينه وجعلك قدوةٌ.
تغدّينا في يوم عيدٍ مع المأمون. فأظنُّه(4)قد وضع على المائدة بين يديه أكثر من ثلاثمائة لونٍ.
قال: فكلّما وُضعَ لون، نظر إليه المأمون وقال: هذا نافع [لكذا](1)ضار من كذا(2). فمن كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا، ومن غلبت عليه السوداء فلا يعرضْ لهذا. ومن أحبّ الزيادة في لحمه فليأكل من هذا، ومن قصده(3)قلّةُ الغِذاء فليقتصرْ على هذا.
قال: فوالله إن تلك(4)حاله في كلّ لون يقدَّمُ، حتى رُفعت الموائد.
قال: فقال له يحيى بن أكثم: يا أميرَ المؤمنين، إن خُضنا في الطب كنت جالينوس(5)في معرفته، أو في النجوم كنت هِرمِس(6)في حسابه، أو في الفقه كنت عليّ بن أبي طالب - عليه السلام - في عِلمه أو في السخاء(7)فأنت حاتِم(8)طي ء في جوده، أو صِدق الحديث فأنت أبو ذر في [صدق](9)لهجته(10). أو الكرم، فأنت كعب بن مامة في إيثاره(11)على نفسه.
1) ما بين الحاصرتين تكملة من عصر المأمون.
2) في المصدر السابق: هذا يصلح لكذا، وهذا نافع لكذا، فمن كان منكم صاحب بلغم ورطوبة فليتجنب هذا. ومن كان صاحب صفراء.
3) في المصدر السابق: ومن كان قصده.
4) في المصدر نفسه: إن زالت تلك حاله.
5) كان جالينوس إمام الأطباء في عصره، وكان بعد المسيح بنحو مائتي عام، وبعد بقراط بنحو ستمائة سنة. وكان يفد إلى روما كثيراً لمعالجة ملكها المجذوم. وكان يغزو مع الملوك لتدبير الجرحى. (الفهرست والبيان والتبيين 27/3).
6) في الأصل: هرمسا. وهرمس هو هرمز المعروف بعلم التنجيم وكان يقال: أكفر من هرمز. (البيان والتبيين 14/4).
7) في عصر المأمون: أو ذكرنا السخاء.
8) في المصدر السابق: فأنت فوق حاتم.
9) ما بين الحاصرتين تكملة من عصر المأمون.
10) في المصدر السابق: أو ذكرنا صدق الحديث كنت أبا ذر ... وأبو ذر هو الصحابي الجليل جندب بن جنادة الغفاري، المعروف بصدق لهجته. قال فيه رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم: ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء، أصدق لهجة من أبي ذر (الاستيعاب 62/4 والإصابة 63/4).
11) جاهلي تضرب به العرب المثل في حسن الجوار والإيثار، وقصته مشهورة في هذا الشأن. (انظر الميداني 170/1 والمضاف والمنسوب (100).
قال: فسُرَّ بذلك المأمون، وقال: يا أبا محمد، إن لإنسان إنما فُضِّل على غيره من الهوام بفعله وعقله وتمييزه، ولولا ذلك لم يكن لحمٌ أطيب من لحم ولا دمٌ أطيب من دم.
يا ثُمامة، قد علمت ما كنّا دبّرناه في معاوية، وقد عارضَنا رأيٌ أصلح في تدبير
المملكة، وأبقى كراً في العامّة.
ثم أخبره أن يحيى بن أكثم خوّفه إياها، وأخبره بنفورها عن هذا الرأي، فقال ثمامة:
يا أميرَ المؤمنين، والعامة في هذا الموضع الذي وضعها يحيى، والله لو وجّهت إنساناً على عاتقه سوادٌ لساق(6)إليك بعصاه عشرة آلاف منها.
والله يا أميرَ المؤمنين ما رضي الله - جلّ ثناؤه - أن سوّاها بالأنعام حتى جعلهم أضلَّ(7)منها سبيلًا(8).
1) النص في المحاسن: والمساوىء 141. برواية ثمامة صاحب الكلام.
2) فتاه: كفه.
3) في المحاسن: والمساوى: ولا سيما.
4) في المحاسن: والمساوىء: نفرة ونبوة لا تستقال، ولا يدري ما تكون عاقبتها.
5) هو ثمامة بن أشرس النميري، زعيم القدرية في عصر المأمون. (انظر الفرق بين الفرق 157).
6) في المحاسن: والمساوى: ومعه عصا لساق إليك بعصاه.
7) في النص: منه.
8) في المحاسن: والمساوىء: حتى أضل سبيلاً. فقال تعالى: أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون. إن هم إلّا كالأنعام بل هم أضلّ سبيلاً.
والله يا أميرَ المؤمنين، لقد مررت منذ أيام في شارع الخُلد(1)وأنا أريد الدار، فإذا إنسان: (6 و /) قد بسط كساءه وألقى عليه أدوية، وهو قائم ينادي عليها(2):
هذا الدواء لبياض العين والغشاوة(3)وضعف البصر. وإن إحدى عينيه المَطموسة، والأخرى لموشِكةٌ(4).
والناسُ قد انثالوا عليه، وأجفلوا إليه يستوصفونه فنزلتُ عن دابتي، ودخلتُ في غمار تلك الجماعة فقلتُ: يا هذا، عيناك أحوج(5)من هذه الأعين إلى العلاج، وأنت تصفُ هذا الدواء، وتخبرُ أنه شفاء لوجع الأعين(6)، فلِمَ لا تستعمله(7)؟
فقال: أنا في هذا الموضع منذ عشرين(8)سنة، ما مرَّ بي شيخٌ أجهل منك. قلت: وكيف ذاك(9)؟
قال: یا جاهل أتدري أين اشتكت عيني؟
قلت: لا.
قال بمصرَ. قال: فأقبلت عليّ الجماعة فقالوا: صدق الرجل، أنت جاهل، وهمّوا بي. فقلتُ: لا والله ما علمت أن عينه اشتكت بمصر.
قال: فما تخلّصتُ منهم إلّا بهذه الحُجّة. قال: فضحك المأمون وقال: ماذا لقيت العامّة منك؟
قلتُ: الذي لقيتُ من الله من سوء الثناء وقبح الذكر أكثر. قال: أجل.
1) شارع الخلد: في بغداد بالجانب الغربي. بنى فيه المنصور قصراً بهذا الاسم. (ياقوت).
2) القصة في مروج الذهب 81/5.
3) في المحاسن: والمساوىء: والعشا والغشاوة والظلمة وضعف البصر.
4) في المصدر السابق: والأخرى مؤلمة.
5) في المصدر السابق: أرى عينك أحوج الأعين.
6) في المصدر نفسه: العين.
7) في المصدر نفسه: فما بالك يا هذا لا تستعمل.
8) في المصدر نفسه: عشر سنين.
9) في المصدر نفسه: ما رأيت شيخاً قطّ أجهل منك ولا أحمق.
قال لي شُريح القاضي(2)ما غلبني في الجواب أحدٌ قطّ كرجل أتاني يوماً في مجلس القضاء حين صلّيتُ الغداة ومعه خصمٌ له. وعلى الفتى جُمّة(3)له كأنها قتَادة(4)قدر رطلها، فتكاد تقطر، فلما رأيت ذلك غاظني فقلت له: أما كان لك همّةٌ منذُ أصبحت (6 ظ /) إلّا شَعرُك هذا ترطله(5)؟ فقال لي الفتى: ليس لهذا جلسنا بين يديك. إنما جلسنا نتخاصمُ إليك. فأمّا أن تكون محتسِباً على الشَّعر فلا، فأغضبني.
فقلت له: أراكَ معجَباً بنفسك؟
قال: أنا إذا زهدتُ في نفسي، فمَن يُعجب فيها؟
قال شريح: فقلت له: أراك تكثر الكلام!
فقال الفتى: فمَنْ يعبّر حجّتي إذا لم أتكلّم؟
قال شريح: قلت له: إني أراك ظالماً.
قال الفتى: ليس على ظنّك تقضي بيننا، إنما ينبغي أن تقضي بالحقّ الواضح، وتدَع الظنّ.
قال شريح: فأقبلتُ عليه أمازحه بعد هذا الكلام فقلت له: أيسرّك أنك في مجلسي هذا على القضاء؟
فقال: أمّا وأنا آخذُ عليه الكراء مثلك فلا، ولكنْ محتسباً للمسلمين.
1) النص في تحفة العروس 107 نقلاً عن الموفّقيات.
2) هو القاضي شريح بن الحارث الكندي ولي قضاء الكوفة لعمر رضي الله عنه وعثمان ثم عليّ وولاَّه زياد قضاء البصرة، توفي سنة 78 بعد أن بلغ مائة وعشرين عاماً. (أخبار القضاة 189/2 وصفة الصفوة 20/3).
3) الجمة بالضم، مجتمع شعر الرأس.
4) القتادة: شجرة صلبة لها شوكة.
5) رطل: ترطيل الشعر تليينه بالدهن وتكسيره ورخاؤه وإرساله.
قال شريح: فأخجلني والله، فقلت له(1): أغربيٌ أنت مزوّجها؟
فقال: أطلب.
قال: من مظانه، يعني من قبيل النساء.
قال شريح: فتركتُ مجلسي ذلك وقمتُ، حتى انتهيت إلى باب دارهم، فناديتُ فخرجتْ إليّ الجارية فكلّمتني من وراء الباب فقالت: من أنتَ؟
قلتُ: أنا شريح.
فقالت: القاضي؟
قلت: نعم.
قالت: حيّاك الله يا أبا أميّة، حاجتُك؟
قلتُ: أردتُ فلانةً - أعني أمّها -.
قالت: هي غائبة، وأنا خليفتها في المنزل.
قلتُ: أتيتُها خاطباً فلانة ابنتَها، فاستحيّتْ مني وتستّرت مني. فبعثتُ إلى أمّها وأهلها فجمعتُهم وتزوّجتُها، وبعثتُ المال، ونقدتُهم من ساعتي.
وقلت لهم: أقسمتُ عليكم إن باتت إلّا عندي.
فقالوا (7 و /) اللهمّ اغفر، أنصنعها لك؟
قلتُ: حسبي ما رأيتُ فهيَّؤها ثم زَفّوها إليّ من ليلتهم، فأقبلت تهديها النساء،
فلما وقفتْ بباب الحجرة سلّمتْ فاستجفىٰ ذلك النساء منها.
ثم دخلتْ البيتَ فقمتُ إليها، فقلت: أيتها المرأة، إنّ السُّنّة(2)إذا دخلت المرأة على زوجها قام فصلّى وتصلّي خلفه، ويسألان الله خيرَ ليلتهما، ويتعوّذان بالله من شرّها.
قال: فتقدمتُ للصلاة(1)، فإذا هي خلفي، فصلّيتُ، فلما انفلتُّ(2)إذا هي قاعدة على فراشها، فأخذتُ بناصيتها فدعوت وبركت، ثم مددتُ يدي فقالت: على رِسْلِك. فقلت: [إحدى الدواهي مُنيت بها](3)والله. فقالت: الحمد الله، أحمده وأستعينه وأؤمنُ به وأتوكّل عليه، وصلى الله على محمد، أمّا بعدُ:
فإني امرأة غريبة، لا والله، ما سرتُ مسيراً قطُّ هو أشقُّ عليّ من مَسيري إليكَ، وأنت رجل لا أعرف أخلاقك، فحدِّثني بما تحبُّ فآتيه، وما تكره فأنزجر عنه. أقول قولي هذا وأستغفر الله.
قال: فقلت: الحمد الله، وصلى الله على محمد، أمّا بعدُ: فقدمتِ خيرَ مقدم على أهل زوجكِ سيّد رجالهم، وأنتِ - إن شاء الله - سيدةُ نسائهم. أحبُّ كذا، وأكره كذا.
قالت: فأخبرني عن أختانك(4). أتحبُّ أن يزوروك؟
فقلت: إني رجل قاضٍ، وأكره أنْ يملّوني.
قال: فبتُّ بأعيش ليلةٍ، ثم أقمتُ عندها ثلاثاً، ثم خرجت إلى مجلس القضاء، فلبثت فيه حَولاً لا أرى فيه يوماً إلّا وهو أحبُّ إليّ من الذي قبله، فلما كان عند (7 ظ /) رأس السنة(5)انصرفتُ من مجلس القضاء إلى منزلي، فإذا عجوزٌ تأمر وتنهى، فقالت: كيف أنت يا أبا أميّة؟ قلت: يا زينب مَنْ هذه؟
قالت: ختنتك فلانةٌ، تعني أمّها(6).
قلت: حيَّاك الله، بالسلام، كيف أنت يرحمك الله؟
قالت: كيف رأيت صاحبتكَ؟
قلت: كخير امرأةٍ(1).
قالت: إنَّ المرأة لا تكون في حالٍ أسوأ خُلقاً منها في حالين:
إذا حَظيت عند زوجها، وإذا ولَدت غلاماً. فإذا رابكَ من أهلك شيٌ فالسوطْ(2)، فإنّ الرجال - والله - ما حازت إلى بيوتها شيئاً شرّاً من الورهاء الحمقاء المدلّلة(3).
قلت: أشهد أنها ابنتك، قد كفيتنا الرياضة، وأحسنتِ الأدب.
قال: وكانت تأتي في كل سنة توصيني بهذه الوصيّة ثم تنصرف(4). فذلك حيث أقولُ(5):
إذا زينت زارها أهلها *** حشدتُ وأكرمت زوّارها
وإن هي زارتهمُ زرتُها *** وإن لم يكن لي هويٌ دارها(6)
قال: فأقامت عندي عشرين سنة، فما غضبتُ عليها يوماً، ولا ليلةً إلّا يوماً كنتُ لها ظالماً، كنتُ إمام قومي، فصلّيتُ ركعتي الفجر فأبصرت عقرباً في المسجد الذي ركعتُ فيه، وأقام المؤذن فعجلت عن قتلها، فأكفأت عليها إناءً(7)، فلما كنتُ عند الباب قلتُ: يا زينب، إيّاكِ والإناء حتى أرجعَ(8).
فعجِلتُ، فحرّكته فجئت وقد ضربتها العقربُ، فلو رأيتَني وأنا أمرسُ أصبعها(9)، وأقرأ عليها فاتحة الكتاب والمعوذتين.
1) في الأصل: كالخير.
2) في الأغاني: فإن رابك منها ريب فالسوط.
3) في الأغاني: من الورهاء المتدللة. والورهاء: الحمقاء.
4) في الأغاني: قال فكانت في كل حول تأتينا فتذكر هذا ثم تنصرف.
5) البيتان في الأغاني 214/16.
6) في التحفة: أرى دارها.
7) في الأغاني: الإناء.
8) في الأغاني: يا زينب لا تحركي الإناء حتى أجيء.
9) في الأغاني: فلو رأيتني يا شعبي وأنا أعرك أصبعها بالماء والملح.
وكان لي جار و /) من كندة يقال له: ميسرة(1)، لا يزال يقرع امرأته، فذلك حين أقول:
رأيت رجالاً يضربون نساءهم *** فشلَّت يميني يوم أضرب زينبا
أأضربها في غير جُرم أتت به *** إليّ فما عذري إذا كنت مذنبا
فتاة تزين الحليَ إن هي زُيّنت *** كأنّ بفيها المسكُ خالط مُحلبا(2)
فلو كنتَ يا شعبيّ صادفتَ مثلها *** لعشتَ زماناً ناعم البال مُخصبا(3)
وكانت أقامت معي يا شعبي(4)عشرين سنة لم أغضب عليها، فأفسدت عليّ النساءَ، لم أتزوّج بعدها. ووددت يا شعبيّ أني تبعتها، فقد أبغضتُ العيش بعدها، فعليك يا شعبيّ بنساء بني تميم.
هذا عامر بن الطُفيل وعَلقمة بن علاثة(5)، وهما من بيت واحد، هجا علقمة فأخمله وكان شريفاً مذكوراً، ومدح عامر بن الطفيل فرفعه(6)
علقم ما أنت إلى عامر *** الناقص الأوتار والواتر
إن تسد الحوص فلم تعدهم *** وعامر ساد بني عامر
عهدي بها في الحي قد درعت *** صفراء مثل المهرة الضامر
قد حجم الثديّ على نحرها *** في مشرق ذي بهجة ناضر
والأعشى هذا شاعر من فحول الجاهلية اسمه أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل. (انظر ترجمته في المرزباني 325 والأغاني 77/8).
. ثم قال عبد الملك:1) في الأغاني: وكان لي يا شعبي جار يقال له ميسرة بن عرير من الحي. ولم يسمه في تحفة العروس.
2) في الأغاني: إن هي حليّت.
3) البيت غير موجود في الأغاني.
4) شعبي: هو عامر بن عبد الله وقيل: شراحيل الشعبي الحميري نسبة إلى شعب بطن من همدان، ولي القضاء لعمر بن عبد العزيز، وكان فقيهاً شاعراً توفي في سنة 103 بالكوفة. (صفة الصفوة 40/3 وتذكرة الحفاظ 74/1).
5) شاعران جاهلیان كانت بينهما منافرات في الجاهلية، ذكرها الأصفهاني مفصلة في الأغاني 12/15.
6) قال الأعشى في ذلك:
لينشدني كلٌّ رجل منكم أرقّ بيت قالته العرب، ولا يفحشُ ولا يستحينّ من إنشاد. هات يا وليد. فقال الوليد:
ما مركب وركوبُ الخيل يُعجبني *** کمرکبِ بين دملوجِ وخلخال(1)
قال عبد الملك (8 ظ /): وهل يكون في الشعر أرفث من هذا؟
هاتِ يا سليمان. فقال:
حبّذا رَجعُها إليها يديها *** في ذُرا درعها تحلُّ الإزارا
قال: لم تُصب. هات يا مسلمة.
قال مسلمة:
وما ذرفت عيناك إلّا لتضربي *** بسهمَيْك في أعشار قلب مقتّل
قال: كدتَ ولم تُصب. إذا ذرفت عيناها بالوجد فما بقي إلّا اللقاء. إنما ينبغي للعاشق أن يقتضي منها الجفاء ويكسوها المودة. أنا مؤجلكم في هذا البيت ثلاثة أيام، على أنْ لا تسألوا عنه أحداً. فمن أتاني به فله حكمه.
فنهضوا وخرجوا عنه. فبينا سليمان في موكب له إذا هو بأعرابيّ يسوق إبلاً وهو یقول:
لو حزّ بالسيف رأسي في مودّتها*** لمال يهوي سريعاً نحوها راسي
فقال سليمان: عليّ بالأعرابي. فأُتي به، فوكّل به ثم انصرف إلى عبد الملك فدخل عليه. فقال عبد الملك: ما وراءك يا سليمان؟
1) الدملوج: حلى يلبس في المعصم.
قال: قد أجبتُك إلى ما سألت عنه، وجئتك بالبيت.
قال هاته. فأنشده، فقال له عبد الملك: أحسنتَ أنّى لك هذا؟ فقصّ عليه خبر الأعرابي. فقال: حاجتك ولا تنسَ حظّ صاحبك؟
قال: حاجتي يا أميرَ المؤمنين إنّ عهد العهد ليس بمقرّب أجلًا. ولا تركه بمباعِد حتفاً، وقد عهد أمير المؤمنين إلى الوليد، فإن رأى أمير المؤمنين أنْ يعهد إليّ بعده فعل.
قال: نعم. فأقام (9 و /) الحجّ للناس بمكة ووصله بمائة ألف درهم، فجعلها للأعرابيّ، وهي سنة إحدى وثمانين.
بينما المأمون في بعض مغازيه يسير منفرداً عن أصحابه ومعه عُجيف بن عَنبسَة إذ طلع رجلٌ متخبّطٌ متكفّنٌ، فلما عاينه المأمون وقف. ثم التفت إلى عُجيف فقال: ويحكَ، أما ترى صاحب الكفن مقبلاً يريدني؟
فقال عُجيف: أعيذك بالله يا أميرَ المؤمنين. فما كذب الرجل أن وقف على المأمون. فقال له المأمون:
یا صاحب الكفن مَنْ أنت؟ وإلى مَنْ قصدتَ؟
قال: إيّاك أردتُ. قال: وعرفتني؟ قال: لو لم أعرفك ما قصدتُك. قال: أفلا سَلّمتَ عليّ؟
قال: لا أرى السلام عليك.
قال: وِلمَ؟
قال: لإفسادك الغزاة علينا.
قال عُجيف: وأنا أليّن متن سيفي لئلا يبطىء ضرب رقبته. إذ التفتَ المأمون فقال: يا عُجيف إني جائع ولا رأي للجائع، فخذه إليك حتى أتغدّى وأدعو به.
فتناوله عُجيف، فوضعه بين يديه، فلما صار المأمون إلى رَحلِه دعا بالطعام
فلما وضِعَ بين يديه، أمر برفعه وقال: والله ما أسيغه حتى أناظر خصمي. يا عُجيف عليّ بصاحب الكفَن.
قال: فلما جلس بين يديه قال: هيه يا صاحب الكفن، ماذا قلتَ؟
قال: قلتُ لا أرى السلام عليك لإفسادك الغزاة علينا.
قال: بماذا أفسدتها؟
قال: بإطلاقك الخمر يُباع في عسكرك، وقد حرّمها الله، فابدأ بعسكرك (9 ظ /) فنظفه، ثم اقصد الغزو. وبمَ استحللتَ أنْ تبيح شيئاً حرّمه الله كهيئة ما أحلّ الله؟
[قال:](1)أوَقد عرفتَ الخمر أنها تُباع ظاهراً ورأيتَها؟
قال: لو لم أرها وتصحّ عندي ما وقفتُ هذا الموقفَ.
قال: فشيء سوى الخمر أنكرتَه؟
قال: نعم. إظهارُك الجواري العمّاريات، وكشفهن الشعور منهنّ بين أيدينا كأنهنّ الأقمار.
يخرجُ الرجل منّا يريدُ أنْ يُهراق دمه في سبيل الله، ويعقر جواده، قاصداً أعداء الله، فإذا نظر اليهنّ أفسدن قلبه وركن إلى الدنيا، وانصاع إليها. فبمَ استحللتَ ذلك؟
قال المأمون: نعم. صدقتَ، قد فعلتُ ذاك، وسأخبرك بالعذر فيه، فإن كان صواباً، وإلّا رجعت إلى رأيَك. فشيءٌ سوى هذا أنكرته؟
قال: نعم. شتيءٌ آمرُ وأحثُّ عليه، خرج ناهيك ينهانا عنه
قال: وما هو؟
قال: الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. فبمَ استحللتَ أن تنهى عمّا أمر الله به؟
قال: أمّا الذي يدخل الأمرَ بالمعروف في المنكر، فإني أنهاه وقد نهيتُه، وأمّا
1) ما بين الحاصرتين تكملة لتمام المعنى.
الذي يأمر بالمعروف بالمعرفة، فإني أحثّه على ذلك وأحدوه عليه.
فشيء سوى هذه الثلاث؟
قال: لا.
قال: يا صاحب الكفن، أمّا الخمرُ لعمري لقد حرّمها الله، ولكن لا تُعرفُ إلّا بثلاث جوارخ: بالنظر والشمّ والشرب. أفتشترينها أنت؟
قال: معاذ الله أن أنكر ما أشرب.
قال: فيمكن في وقتك هذا أن توقفنا على بيعها حتى نوجِّه معك مَنْ يشتري منها؟
قال: ومَنْ يظهرها ويبيعنيها، وعلي هذا الكفن؟ (10 و /).
قال: صدقتَ.
قال: فكأنك إنما عرفتها بهاتين الجارحتين؟
يا عُجيف عليَّ بقوارير فيها شراب.
فانطلق عُجيف فأتاه بعشرين قارورة، فوضعها بين يديه مع عشرين وصيفاً.
ثم قال: يا صاحب الكفن، نُفيتُ من آبائي الراشدين المهديين إنْ لم يكن الخمر فيها. فأيّها الخمر؟ فإنك تعلم أنّ الخمر من سنن الله على عباده، ولا يجوز لي أنْ أحدَّ أحداً من الناس إلّا بعلامة أو شاهدي عدلٍ أو إقرار.
فنظر صاحب الكفَن إلى القوارير. وقال:عُجيف أيّها الرجل - والله - لو كنتَ خمّاراً ما عرفتَ موضع الخمر بعينها من هذه القوارير.
فوضع نظره على قارورةٍ، فقال له: هذه الخمرُ.
فدعا المأمونُ بالقارورة، فأُتي بها، فذاقها فقطبَ، ثم التفتَ إليه فقال: يا صاحب الكفَن، انظر هذه الخمر.
قال: فتناول الرجل القارورة فذاقها، فإذا خلٌّ ذابح(1).
1) هكذا في الأصل. ويظهر أنه أحمر اللون.
فقال: قد خرجتْ هذه من حدّ الخمر.
قال المأمون: صدقتَ. إن الخلَّ المصنوع من الخمر لا يكون خلًّا حتى يكون خمراً أولاً. والله ما كانت هذه خمراً قطّ، وما هو إلّا ماءُ رمّان حامض يُعصَر لي فأصطبح(1)به.
ساعته قد سقطت جارحتان وبقي الشمُّ. يا عُجيف صيِّرها في رصاصيّات واثتِ بها.
قال: ففعل. فعُرضت على صاحب الكفن، فشمّها، فوقع مشمُّه على قارورة مبختج(2). فقال: هذه.
فأخذها المأمون فصبّها بين يديه. وقال: انظر إليها، قد عقدَتها النار كأنها طُلاء(3)الإبل يُقطع بالسكين.
وقد سقطت (10 ظ /) إحدى الثلاث التي أنكرتَ يا صاحب الكفن.
ثم رفع المأمون رأسه إلى السماء، ثم قال: اللهمّ إنّي أتقرّب إليك بنهيِّ هذا ونظرائه عن الأمر بالمعروف في أعظم المنكر. شَنعت على قومٍ باعوا من هذا الخمر ومن هذا المبنختج التي شممتَ، فبمَ تسلم فيما بينك وبين الله؟ أستغفر الله ذنبك هذا العظيم، وتب إليه.
ما الثاني الذي أنكرته؟
قال: الجواري.
قال: صدقت أخرجتهنّ إبقاءً عليك وعلى المسلمين كراهة(4)أن يَراهُنَّ العدوّ والعيون والجواسيس في العماريات والقباب، والسجوف(5)عليهنّ، فيتوهم أنهنّ
بناتٌ وأخواتٌ فيجدوا في قتالنا، ويحرصوا على الطلبة على ما في أيدينا إلى أن يتبيّن لهم أنهنّ إماءٌ نَقي بهنّ حوافر دوابنا، لا قَدْرَ لهنّ عندنا.
هذا تدبيرٌ دبّرته لي وللمسلمين عامّة، ويعزُّ عليّ أن ترى لي حُرمة. فدَعْ فليس هو شأنك وقد صحّ عندك أني مصيبٌ في هذا، وأنك أنكرت باطلاً.
أيّ شيء الثالثة؟ ما التي أنكرتَ؟
قال: الأمر بالمعروف.
قال: هذا إنك قد أمرت بالمعروف فدخلتَ في عمل المنكر، فدَعْ دينك هذا، ونسألك عن مسألة، إنْ أجبتَ فيها عفونا عنك.
تُبصرُ الأمرَ بالمعروف؟
قال: نعم أبصره.
قال: رأيتك لو أنك أصبت فتاةً مع فتى في هذا الفجِّ، قد خضعا على حديثٍ لهما. ما كنتَ صانعاً لهما؟
قال: كنتُ أسألهما: مَنْ أنتما؟
قال: كُنتَ تسأل الرجلَ، فيقول: امرأتي، وتسأل المرأة فتقول: زوجي. ما كنتَ صانعاً بهما؟
قال: (11 و /) كنتُ أحولُ بينهما وأحبسهما.
قال: حتى يكون ماذا؟
قال: حتى أسأل عنهما.
قال: ومَنْ تسأل؟
قال: كنت أسألهما من أين أنتما؟
قال: أحسنتَ، سألت الرجل من أين أنت؟ قال: من أسبيجاب(1)وسألتَ
1) أسبيجاب: وأسفيجاب، اسم بلدة كبيرة من أعيان ما وراء النهر في حدود تركستان، ولها ولاية واسعة وقرى كالمدن كثيرة. (ياقوت).
المرأة قالت: من أسبيجاب، ابن عمي تزوّجنا وجئنا. أكنتَ حابساً الرجل والمرأة بسوء ظنّك الرديء وتوهمك الكاذب، إلى أن يرجع الرسول من أسبيجاب. مات الرسولُ، أو ماتا إلى أن يعود رسولك؟
قال: كنتُ أسأل في عسكرك.
قال: فلعلك لا تصادف في عسكري من أهل أسبيجاب إلّا رجلاً أو رجلين فيقولان لك: لا نعرف.
على هذا لبستَ الكفن يا صاحب الكفن؟ ما أحسبك إلّا أحد رجالٍ: إمّا رجلٌ مديون، وإمّا رجلٌ مظلومٌ وإمّا رجل تأوّلتَ في حديث أبي سعيد الخُدري في خطبة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: وروى له الحديث عن هُشيم وغيره، ونحن نسمع الخطبة إلى مُغيربان الشمس، إلى أن بلغ إلى قوله: ألا إنّ أفضل الجهاد كلمة
حقّ عند سلطانِ جائر(1).
فجعلتَني جائراً وأنت الجائرُ، وجعلت نفسك تقومُ مقامَ الآمر بالمعروف، وقد ركبت من المنكر ما هو أعظم عليك. لا والله لا ضربتُك سوطاً، ولا زدتُ على تخريق كفنك. ونُفيتُ من آبائي الراشدين المهديين لئن قام أحدٌ مقامك، لا يقوم فيه بالحجّة لا نقصته من ألف سوطٍ، وأمرتُ بصلبه في الموضع الذي يقوم فيه. قال: فنظرتُ إلى عُجيف يخرق كفن الرجل، ويُلقي عليه ثياباً بيضاً (11 ظ /).
كنّا يوماً عند المأمون والشعراء عنده، والناسُ إذ ذاك يأتونه فيُكثرون، فأنشدوه وقام رجل بعدما فرغوا، مشوّه الخلق، مخضوب اللحية فقال: والله ما قلتم ولا بلغتم الذي المأمون أهلُه، ولكنّي قلت:
ما بلغ المدَّاح ما فيك كلَّه *** ولا العشرَ من عُشر العشير المعشَّر
ثم التفت إلى إبراهيم الحاسب فقال له: يا إبراهيم احسب هذا، فانظر كم هو؟ ثم انغمس في الناس فذهب.
1) الحديث في الجامع الصغير 42.
لقي الفضلُ بن الربيع(1)طاهرَ بن الحسين(2)فثنى عنانه، معه، فقال له الفضل: يا أبا الطيّب، ما ثنيتُ عناني مع أحدٍ قطُّ إلّا مع خليفة، ولي حاجة.
قال: وما هي؟
قال: تكلِّمُ أمير المؤمنين في الرضا عني، وتعجّل ذاك.
فمضى أبو الطيب من فوره ذاك، فكلّم أمير المؤمنين فيه، فأمره بإدخال الفضل عليه. وقال أبو الطيب: أدخلتُ الفضلَ على المأمون حاسراً لا سيف عليه ولا طيلسان ولا قُلنسوة.
فلما رآه المأمون وثب على فرشه، فصلّى ركعتين ثم التفتَ إليه قبل أن يسلّم عليه فقال: أتدري لِمَ صلّيتُ يا فضل؟
قال: لا يا أميرَ المؤمنين.
قال: شكراً الله إذ رزقني العفو عنك. قد كلّمني أبو الطيّب فيك، وقد عفوتُ عنك.
فقال الفضل: لي حاجةٌ يا أميرَ المؤمنين. قال: وما هي؟
قال تجعلُ لي مرتبةً في الدار و /) قال: عجلتَ يا فضل أخرجْ. فخرج.
1) هو الفضل بن الربيع بن يونس، حاجب الرشيد وابن حاجب المنصور، وهو الذي قام بأعباء خلافة الأمين ثم اختفى مدة بعد قتله. توفي في سنة 108. (شذرات الذهب 20/2).
2) هو طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعي الملقب بذي اليمينين. عرف بالشجاعة والحكمة والأدب. وكان ساعد المأمون الأيمن، وهو الذي قتل الأمين. (الطبري 593/8 وشذرات الذهب 16/2).
3) النص في المحاسن: والمساوىء 554 برواية يحيى بن الحسن عن أبيه.
4) هو عليّ بن صالح الكاتب، ولّاه الأمين ديوان رسائله سنة 194. (انظر أخباره ورواياته في الطبري 8/ 72 و 215 و 387).
نقش كلُّ واحدٍ منهم على خاتمه ما يدل على مَجانَة. فقال له المأمون: يا عليُّ أحضرني أولادك الأكابر والأصاغر فإني أريد أن أرتّبهم وأرشّحهم للأمر الذي يصلحون له.
فانصرف فأخبر بنيه بذلك، وأمرهم بالتهيّؤ للركوب إلى الدار. فاستعدّوا لذلك بأحسن هيئة وأتمّ أمرٍ واستأذن لهم فدخلوا فسلّموا قياماً. وأمر المأمون بأخذ خواتيمهم.
فأُخذت جميعاً، فإذا في بعضها: أأس مكنسة ااسه(1).
وعلى الآخر: أبي يغلب أبوكم بسيفه ورماحه(2).
وعلى الآخر: تعِس الهَنُ وانتكس، دخل الهنَة واحتبس.
وعلى الآخر: ( .....) من قيام يضعف الركبتين، فلا تستعمله في الصيف.
فقال المأمون يا سفهاء، يا، مُجّان، قبّحكم الله صغاراً وكباراً. تركتم الأدب، وطرحتموه وآثرتم المجون والصَّفه. هذا أبوكم أحدُ الفقهاء والعلماء، يُستضاء برأيه ويُحمَدُ هَديه(3).
ثم أقبل على عليّ فقال: أمّا علىٌّ ذاك، فما الذنب إلّا لك إذ أهملتهم في المجون، وتركوا ما كان أولى بك وبهم أن تأخذهم به. فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، لا والله إنْ لي بهم قوّة ولا يد. سيّما هذا الأكبر(4)فإنه الذي أفسدهم وهتّكهم، وزيّن لهم سوء أعمالهم، فصدّهم عن السبيل.
فأطرق الأكبر ما يتزمزم(5). (12 ظ /).
فقال له المأمون: تكلّم.
فقال: يا سيدي بلساني كلّه؟ أو كما يتكلّم العبد الذليل بين يدي سيّده(1)حتى يترك حجّته(2)ويسكت عن إيضاح جوابه مهابةً لمولاه(3)؟
فقال: تكلّم بما عندك.
فقال: يا أميرَ المؤمنين - جعلني الله فداك - هل أحمدتَ رأي أبينا إذ حمدتَ(4)فقهه وعلمَه؟
قال: نعم.
قال: فأعتقَ ما يملكُ، وطلّق ما يطأ طلاق الحرج(5)، وصدّق بما يحوي(6)، وعليه ثلاثون حجّة مع ثلاثين نذراً، يبلغ بها الكعبة إن لم يكن أبوه على طلب سُّكَّر طبَرزدَ(7)، فلم يوجد في خزانته منه شيء، ولم يكن وقتاً يوجد فيه السُّكر ولا يُباع(8).
فقال له قيّم الخزانة: ما عندنا سُّكَّر(9).
فقال: الحمد لله رب العالمين. ولا أقول: إنّا لله وإنا إليه راجعون وإن كانت المصيبةُ، لأنّ ذلك إنما يقال عند المصائب في الأنفس. ولكنْ أحمده على السرَّاء والضرَّاء، فإنه حدَّثنا أصحابنا عن أبي إسحق عن عليّ قال: الحامدون الذين يحمدون الله على السرّاء والضرّاء والشدّة والرخاء. وأنا أرجو أن أكون منهم ومعهم إن شاء الله.
1) في المحاسن: مولاه.
2) في الأصل: حاجته. وما أثبتناه عن المحاسن أحسن.
3) في المحاسن: لسيّده.
4) في المحاسن: وحمدت مذهبه.
5) في المحاسن: الحرج والسنّة.
6) في المحاسن: بما حوى.
7) هو السكر الأبيض الصلب. انظر المعرّب 228.
8) في المحاسن: سكر ولا يقدر على ابتياع شيء منه.
9) في المحاسن: فقال فيم يصلح للخزانة التي ليس فيها سكر.
ثم أقبل على الخازن فقال: ادعُ لي الوكيل. فدعاه. فقال: ما منعك إذ فُني السكَّر أن تشتري سكّراً؟
فقال: لم يعلمني الخازن. فقال للخازن: ما منعك أن تُعلمه؟
قال: كنتُ على إعلامه(1).
فقال: ما هنا شيءٌ أبلغ من عقوبتكما من أن أقوم على إحدى قدميّ(2)فلا أضع الأخرى، ولا أراوحُ بينهما حتى يحضراني(3)ألف مَنّ سکر طبرزد. ليس بمضرّس ولا وسخ، ولا ليّن الكسَر، ولا معوّج القالب(4).
ثم وثب فقال: ﴿يُوفُونَ بالنذرْ ويخافونَ يوماً كانَ شَرُّه مُستَطِيراً)(5)(13 و /) والله، مؤكّدةً لا أزال قائماً حتى أفيَ(6)بنَذْري، فتبادرَ غلمانه ومواليه وبعض ولده وعجائزه نحو السوق، فواحدٌ ينبّه حارساً، وآخرُ يفتح درباً، وآخر يحلُّ شريجةٌ(7)، و آخر يوقظ نائماً، وآخرُ يدعو بائعاً، وآخر يرمي كلباً. والغلمان والجواري والجيران والحرّاس والسوقة والباعة في مثل صيحة يوم القيامة.
ثم قال: يا قومي أما لي من أهلي مساعد؟ أين البنات العواتقُ والأبكار، اللواتي كنتُ أغذوهنّ بليّن الطعام وليّن اللباس، ويسرحن فيما أرعْنَ(8)من خفض العيش وغضارة الدهر(9). أين أمَّهات الأولاد اللواتي اعتقدن العُقَدَ النفيسةَ، وملكن الرغائب بعد الحال الخسيسة؟
أين الأولاد الذكور الذين لهم نسعى ونحفَد(10)، ونقوم ونقعد، ولهم نروح ونغدو؟
فبادر إليه بنوه وبناتُه وأمّهات أولاده.
قال: فقام كلُّ واحدٍ منهم على فرد رجل.
فقال: أحسنتم والله، أحسنَ الله إليكم وجزاكم خيراً، لمثلها كنتُ أحسبالحسنى(1).
قال: ولاحظ الكبرى من بناته، وآخر من بنيه، وهما يراوحان بين قدميهما(2)فقال: يا فلان تراوح ولا أراوح، يا فلانة تراوحين ولا أراوح(3). صدق الله [وبلّغ](4)رسولهُ حين يقول جلّ ثناؤه: (إنّ من أزواجِكم وأولادِكم عَدُوّاً لكم فاحذَرُوهم)(5). حذارِ حذارِ منكَ حَذارِ.
ثم قال عليّ بن صالح: ليس في خزانته سُكَّر طبرزد، وجائزته من أمير المؤمنين - أعزّه الله -(6)ألف ألفدرهم، وله ضَيعة بالنهروان(7)، تغلُّ ثلاثمائة ألف درهم إذا كان (13 ظ /) السعر بين الغالي والرخيص، وضَيعة بالزاب تغلُّ مائة ألف ألف(8). وضَيعة بالكوفة المعروفة بالعربة(9)من أنبل ضيعة ملكها أحد(10). وضيعة بطسوج الدسكرة(11). ولولا أنّ سعيداً السعديّ - أراح الله منه - قطع شربها وعوّر(12)مجری مياهها حتى اندفنت أنهارها، وقلّت عمارتها إضراراً، بنا، وتعدّياً علينا ما كان لأحد مثلها، وعلى أنّ أكرَتها ومزارعها من أخابث خلق الله، ولو أمكنهم أن يقطعوا
1) في المحاسن: لمثل هذا أردتكن. وفي الأصل: أحسبك.
2) في المحاسن: بين أقدامكما.
3) سقطت هذه الجملة من المحاسن.
4) سقطت هذه الكلمة من الأصل وأضفتها لتمام المعنى.
5) سورة التغابن آية 14.
6) سقطت من المحاسن.
7) النهروان: كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي. (ياقوت).
8) في المحاسن: وضيعة: بالنهروان تغل ثلاثمائة درهم. وضيعته بالكوفة.
9) في المحاسن: بالمغيرة.
10) في المحاسن: من أنبل ضيعة ما ملك مثلها أحد.
11) في المحاسن: بطسوج. والدسكرة كل أرض مستوية، وهي قرية كبيرة غربي بغداد أيضاً.
12) عوّر: أتلف.
الحاصل وحاصل الحاصل ما أعطوا شيئاً(1). ومَنْ أخبرك أنّ الضيعة لربّ الضيعة فقل له: كذبت لا أمّ لك. الضيعة ثلاثة أثلاث: فثلث للسلطان، وثلث للوكيل، وثلث للأكّار. وإنما يأتي ربّ الضيعة من ضيعته(2)صُبابةٌ كصُبابة الإناء، ومخّةٌ كمخةِ عُرقوب. يجيء [الأكار](3)وقت الدياس فيمرّ بهم الأبرتد(4)، فهذا يذبَحُ له، وهذا يخبز له، وهذا يسقيه، وما نبيذهم إلّا العكرُ الأسود. ووضَر الدبس(5)، وماء الأكشوث(6). قبّح الله ذلك، شراباً، ما أثقله للجوف(7)، وأضرّه بالأعلاق النفيسة، ثم يأتي وقت الكيل، فمن بين رقّام - رقم الله جلبابه بالمذلّة والهوان(8)- ومن بين كيّال - جعل الله له الويل - لقوله [جلّ وعزّ](9): (وَيلٌ للمطفّفين)(10)ما يبالي أحدهم على ماذا يقدم.
ولقد سمعت أمير المؤمنين وهو يسأل قضاته [وكلّهم بالحضرة](11)هل عدّلتم كيّالاً قطّ؟ فكلّهم قال: لا.
فإن أطعموا الجداء الرضَّع ونقيَ الخبزُ من دسْتُميسان(12)ووهبت لهم الدراهم ظفر المكيلُ بحاجته(13).
1) في المحاسن: ما أعطونا من ذلك شيئاً.
2) في المحاسن: وإنما يأتي رب الضيعة صبابة. والأكار: الذي يحفر الأرض. والصبابة: البقية من الماء واللبن ونحوهما.
3) ما بين الحاصرتين تكملة من المحاسن.
4) في المحاسن: الابرمذ. وهو مصطلح لوظيفة لم أهتد لمعناه.
5) في الأصل: وضرّ الدبس.
6) في الأصل: الأشرب. تحريف والأكشوث: نبت يتعلق بالأغصان ولا عرق له في الأرض.
7) في المحاسن: ما أفعله.
8) في المحاسن: وأعد له الهوان. رقم الثوب: خطّطه.
9) ما بين الحاصرتين تكملة من المحاسن.
10) سورة المطففين الآية 1.
11) ما بين المحاصرتين تكملة من المحاسن.
12) دستمیسان: كورة جليلة بين واسط والبصرة والأهواز، وهي إلى الأهواز أقرب. (ياقوت).
13) في المحاسن: ظفر الأكّار بحاجته.
وويل يومئذٍ لقُبّة السلطان مما يُحمل إليها (14 و /) من القِشب والقصر، ويُحشى من التِّبن والدوسر(1).
ثم قال: يا قوم، لِمَ أسهبت(2)في ذكر هؤلاء، وما الذي هاج هذا في هذه الساعةِ حتى خُضتُ فيه؟ أما كفاني أني قائم على إحدى رجليَّ(3).
فقالوا: هذا من أجل السُّكّر الذي لم يوجد في خزانتك(4).
قال: أجل. والله إذا كان وكيلي يتشاغل بزوجته وبناته(5)، ومصالح حالهم، متى يفرغ النظر إلى مصالح خزانتي؟ والله لقد حُدّثتُ أنه حلّى بناته بألوف الدنانير، وأنه قال لزوجته: أخرجي الأعياد وادخلي الأعراس،َ وسلي عن الرجال المذكورين، واطلبي المراضع(6): المعروفة بالأنساب الرضيّة، والأخلاق الجميلة لبناتك، وأخرجهنّ في الجُمعات(7)يتفحّصن مجالس العزاب(8)ويخترن أولي الأنساب. ألم يُروَ عن الثقات أنهم كرهوا خروج الأبكار في الجمعات(9)التي فرض الله فيهن السعي إلى ذكره؟ فنبغ قوم من البدعية(10)خارجة خرجت، ومارقة مرقت ورافضة رفضت الدِّين وأهل الدِّين، فتركوا فرض الله (وقاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤفَكُونَ، اتخذوا أحبارَهم ورُهبانَهم أرباباً من دُونِ اللَّهِ)(11). وقد رُوينا عن النبيّ - صلى الله عليه وآله) - من غير وجه، ولا اثنين، أنه خطب الناس فقال في خطبته(12): «إنّ الله قد
1) في المحاسن: من القشب والقصل والمدر والزوان ويحشى فيها التبن.
2) في المحاسن: أطنبت.
3) في المحاسن: على رجلي على أحد جناحي.
4) في المحاسن: الذي ليس في خزانتك منه شيء.
5) في المحاسن: مشتغلاً.
6) في الأصل: المواضع.
7) في الأصل: الجماعات. تحريف.
8) في المحاسن: محاسن الغرّات.
9) في الأصل: الجماعات تحريف.
10) في المحاسن: من هؤلاء المبتدعة.
11) سورة التوبة آية 30، 31.
12) الخطبة في أعجاز القرآن ص 110.
افترضَ عليكم الجُمعةَ في مقامي هذا، في يومي هذا من عامي هذا [إلى يوم القيامة](1). فمَنْ تركها استخفافاً بحقّها وجحوداً لها فلا جمعَ الله شملَه، ولا بارك له أهله، ولا حجَّ له، ولا جهادَ حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه»(2)
وفي أعجاز القرآن ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا صدقة.
». ثم قال: يا قومُ ما الذي حرّكنا على هذه العصابة(3)(14 و /) في جوف الليل(4)؟قالوا: السُّكر الطبرزد.
قال: أجل. والله ما أحضرتموني ألفَ مَنْ سكّرٍ إلى هذه الغاية. أيا صُبح، أيا، فتحُ، أيا، نصر، أيا نجح، بادروا إلى مولاكم(5)فإنه قد تعب ونصب ولغب(6)، من طول القيام.
والله إني لأحسبُ أنّ الثريّا مقابلةٌ سَمْتَ رأسي، ذهب - والله - الليلُ وجاء الويل، ويلكم أدركوني فإني أريغ نومةَ ولا بد من البكور نحو الدار.
قال: فبادر خصمُه الخاصّة(7)، ففتحوا أبواب(8) دكاكين الباعة، ونبّهوا السوقة، وأخذوا ما عندهم على غير سَوْم وجاءوا به فقال: ما هذا؟ قالوا: ما أمرتَ به.
قال: هل أخذتموه على الصفة التي وصفته(9)؟ قالوا: نعم.
قال: فهل ورثتموه على الباعة، واستوجبتموه(10)؟ قالوا: لا.
قال يا أعداء الله أردتم أن توتغوا ديني(11). لا والله ما طمع مني
1) ما بين الحاصرتين تكملة من المحاسن وأعجاز القرآن.
2) في المحاسن: حتى يتوب إلى الله جل وعز.
3) في المحاسن: هذه الفصيلة.
4) في المحاسن: في جوف هذه الليلة.
5) في المحاسن: تبادروا مولاكم.
6) سقطت كلمة (لغب) من المحاسن.
7) في المحاسن: فبادرت حرمه الخاصة.
8) في الأصل: باب. تحريف.
9) في المحاسن: التي وصفت لكم.
10) في المحاسن: فهل ورثتموه واستوجبتموه.
11) في المحاسن: تفسدوا ديني. والايتاغ: فساد الدين.
مضمضمة(1)، والله لا تزال هذه حالي حتى تأخذوه بيعاً صحيحاً، لا شرط فيه ولا خيار ولا مثنويّة ولا حدّ(2)التلجئة. هيهات يأبى الله ذاك(3).
فرجعوا فساوموا به الباعة، وقطعوا ثمنه وأخبروه.
فقال: يوزن بحضرتي. فجاءوا(4)بالقَبّان فقال: مَنْ فيكم يزنُ؟ قالوا: مَنْ أمرته. قال: زن أنت يا نصحُ، فقد دنا الصبح. زن فأرجح فإنّ النبيَّ - صلى الله عليه وآله وصحبه - اشترى يوماً فقال للوازن: «زن فأرجح»(5)والله لو لم يكن في الرجحان إلّا تحلّة القسَم كان في ذلك ما يدعو العلماء بالله، الفقهاء(6)في دين الله إلى العمل به.
قال: فجعل الغلامُ يزنه(7)ويقول: ويلك عجّل - فداك أهلك - قد (15 و /) دنا الصبح، وذهبت نفسي(8)أو كادت.
فلما استوفى الوزنَ خرّ مغشيّاً عليه، لا يدري أرضاً توسَّد أم وساداً. وكذلك حال منْ كان في مثل حاله من ولده وعياله. فما انتبه واحدٌ منهم لفریضةٍ أو نافلةٍ إلّا بحرِّ الشمس(9).
فهذه يا أميرَ المؤمنين حالُ منْ أحمدت فقهه وعدله ورأيه(10).
فقال المأمون: قاتلك اللهُ، ما أعجب حالك على كل حال، والله لئن كنت كذبتَ على أبيك في مقامك هذا فما لك في الأرض نظيرٌ، ولا في الدنيا شبيه. ولئن
1) في المحاسن: في هضيمة.
2) في المحاسن: على حد تلجئة.
3) سقطت (ذاك) من المحاسن.
4) في المحاسن: فأتوه بالقبان.
5) الحديث في الجامع الصغير 2/ 22 ولفظه فيه: زن وارجح. وهو في سنن ابن ماجه 747/2.
6) في المحاسن: العلماء والفقهاء في دين الله.
7) في المحاسن: يزن ويرجح.
8) في المحاسن: أوه خرجت نفسي.
9) سقطت من المحاسن قوله (من ولده .. الشمس).
10) في المحاسن: علمه وفهمه ورأيه.
كنتَ حكيتَ عنه عياناً أو كفافاً فلقد أجدتَ الحكاية وأحسنت العبارة، وما لأبيك شبيهٌ(1)، وإنك لتغمر مساويك بمحاسنك، فلا تذكرنَّ شيئاً بعد هذا المجلس، فإنّ شبية عيبه فينا أقدحُ منه في أبيك.
قال: فذهب عليٌّ ليتكلم. فقال له: لا تعضَّ على لسانك(2).
قال أبو عبد الله: سألت عمّي مصعباً(3): هل كنت حاضراً لهذا المجلس، فإنّ:
الصنعة عليه بيّنة؟
قال: لا. ولكن أخبرني مَنْ كان حاضراً بعد موت المأمون بسنتين.
إنَّ ملك الروم بعث رسولاً داهية منكراً إلى أمير المؤمنين أبي جعفر فدخل عليه، فسأله أشياء وأتاه بهدايا كثيرة وألطافٍ وطرائف، فأمر عُمارة بن حمزة(5)أن عن يركبَ معه إلى المهديّ بالرصافة، فخرج حتى إذا كان على الجسر نظر الروميُّ إلى زمْنَى:على الجسر يتصدّقون، فقال لترجمانه: قل (15 ظ /) لهذا - يعني عمارة -: الذي عندكم زمْنى(6)يتصدّقون(7)، وكان ينبغي لصاحبك أنْ يرحم هؤلاء من زمانتهم، ويكفيهم مؤونة أنفسهم وعيالاتهم(8)، ولا يحملُ عليهم الفقر والحاجة مع الزمانة.
فقال عمارة: قل له: إن الأموال لا تسعُهم.
1) في المحاسن: في الدنيا شبيه.
2) في المحاسن: لا تبضن لسانك بحرف واحد.
3) في الأصل: مصعب.
4) الخبر في الوزراء:والكتاب 133.
5) هو عمارة بن حمزة بن ميمون من ولد أبي لبابة، مولى عبد الله بن العباس. ولّاه السفاح ضياع مروان وآل مروان. وكان سخياً جليل القدر، رفيع النفس وقلّده المنصور خراج البصرة ونواحيها. (معجم الأدباء 3/6).
6) زمني واحدها زمن، وهو ذو العاهة.
7) في الوزراء: إني أرى عندكم قوماً يسألون.
8) في الوزراء: ويكفيهم مؤنهم وعيالاتهم. والعيالات: جمع عيال وهي جمع عيّل.
ومضى إلى المهدي فأخبره(1)بما قال له الروميّ، وردّه عليه. فقال: كذبتَ ليس الأمر كما ذكرت. الأموال واسعةٌ لهم، ولكن عذرَ أمير المؤمنين غير ما وصفت(2).
ثم أقبل على الرومي فقال: قد بلغني مقالتُك، لرسولي، وردّه عليك، وكذب. الأموال واسعة تسعهم، ولكنْ كره أمير المؤمنين أنْ يَستأثر على أحدٍ من رعيّته وأهل سلطانه بشيء من الفضل في الدنيا والآخرة(3). وأحبّ أنْ يشركوه في أجور الزمنى، والمساكين(4)، وأن يُنيلوهم(5)من ذات أيديهم وما أعطاهم الله من الرزق، ليكون [ذلك](6): نجاةً لهم في آخرتهم، وسَعَةً عليهم في دنياهم، وتمحيصاً لذنوبهم.
فقال الروميّ بيده، وعقد ثلاثين(7)، وطأطأ الأرض رأسه قال: وإنّ هذا - أي جيِّد - هذا هو الحق. الحقّ(8).
لمّا مات محمد بن يحيى العلوي(9)صلّى عليه المأمون، وكنتُ قريباً منه، ودخل قبرَه وعليه سيفه وقلنسوته وطيلسانه، وأخذ برأسه، فأعانوه حتى وضعه في لحده. ورأيتُ دموعه تسيلُ على خدّه، وكان معه في القبر داود بن أبي الكرام
1) في الوزراء:ومضى إلى المهدي وعاد إلى أبي جعفر فخبّره عمارة بذلك فقال له أبو جعفر: كذبت.
2) في الوزراء:ولكن العذر ما أنا ذاكره له فأحضرنيه فأحضره.
3) في الوزراء: بشيء من حظ أو فضل في دينا أو آخرة.
4) في الوزراء: في ثواب السؤال والزمني.
5) في الوزراء: وأن يسألوهم.
6) ما بين الحاصرتين تكملة من الوزراء.
7) وهو أن يضم الرجل إبهام يده إلى إصبع التشهد كالقابض على الإبرة.
8) في الوزراء: فقال الرومي: الحق ما قاله أمير المؤمنين.
9) هو محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب أخذ جميع حقوق فاطمة رضي الله عنها سنة 210 بأمر المأمون. (فتوح البلدان 38/1 وانظر الأغاني 15/ 28).
الجعفي، فكلّمه لما رأى من رقّته (16 و /) وذكر حاجتَهم، فغضب المأمون وقال: هذا موضع ذا! وانقطع بكاؤه فقال: هاهنا ولد الرشيد وولد الهادي وولد المهديّ وولد المنصور، فإذا نظرتُ في أمرهم وأصلحتُ شأنهم فأنت رجلٌ من المسلمين وهم أولى بهذا منك.
جاءني رجلٌ من أصحاب الصنعة فقال: اذكرني لأمير المؤمنين في يومٍ وبعض يوم آخر. فقلتُ: يا هذا أرحْ نفسك العناء، واجلس في بيتك، ولا تعزِّ أمير المؤمنين منك. قال: فالحِلُّ عليه حرام - يعني به الطلاق - وما له من قليل أو كثير صدقة لوجه الله، وكلّ مملوك له حُرٌّ إن كان كذبك فيما قال لك. والله ما أخذ منكم شيئاً عاجلاً، وقد ادّعيتُ أمراً فامتحنوني فيه، فإنْ جاء كما ادّعيتُ، كان الأمر فيّ لكم، وإنْ وقع بخلاف ذلك انصرفتُ إلى منزلي، فأخبرتُ المأمون بما قال: فتمثل ببيت الفرزدق(2):
وقبلك ما أعييت كاسر عينه *** زياداً فلم تقدرْ علي حبائله
ثم قال: لعلّ هذا أراد أنْ يصل إلينا فاحتال بهذه، وليس الرأيُ أنْ يعرض علينا أحدٌ علماً فتُظهر الزهد فيه فأحضره.
قال: فجئتُ بالرجل، وقعد له المأمون، فأحضرتُ أداة العمل، فإذا هو بحلِّ الطلق أجهل مني بما في السماء السابعة. فنظر إليّ المأمون وقال: أتزعم أنه حلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما كان يملك؟ (16 ظ /) قلتُ: بلى. قال: فقد حَنث. فقلت للرجل، والمأمون يسمع: ألم تحلف بالطلاق والعِتاق وصدقة ما تملك؟
قال بلى. قال: فقد حنثت. قال: ليست لي امرأة.
قلتُ: فالعتاق؟ قال: ما أملك خيطاً ولا مخيَطاً.
قلتُ كذب، يا أميرَ المؤمنين، له غلام ودابّة.
قال: هما - وحقّ رأس أمير المؤمنين - عارية.
قال: فتبسّم المأمون، وقال: هذا رجل بحلِّ الدراهم أعلمُ منه بحل الطلق. ثم أمر أن يُعطى خمسة آلاف درهم.
قال: فلما خرج قال للعتبي: ردّهُ فردَّه. فقال: زيدوه فإنه لا يجد في كلّ وقت مَنْ يمخرقُ(1)عليه.
فقال الرجل: يا أميرَ المؤمنين عندي باب من الحملان ليس في الدنيا مثله.
قال: احمله على هذه الدراهم، فإنْ كنت صادقاً صرتَ ملِكاً في أقلّ من شهر.
سأل المأمون أحمد بن أبي دؤاد(2)عن أخلاق أبي عبّاد(3)فقال: إنه أحدُّ من سيف سعيد بن العاص، وأنزقُ من مجنون البكَرَات(4).
قال: ما أتبيّن ذلك فيه.
قال: لموضع الخلافة يا أميرَ المؤمنين، وعلى ذاك فإنْ حرّكته تحرّك. فأراد المأمون أن يمتحنه، فدخل عليه يوماً فعرض ما معه من الحوائج، فأمر أن يوقِّع فيها، ثم خرج، فلما صار بالباب قال: ردُّوه، فرجع، فقال له المأمون: افعلْ في أمر الأهواز بحسب ما قلتُ لك، ولا تعرض به مؤامرة. قال: نعم. ثم خرج، فلما صار بالباب قال: ردّوه، فرجع، فقال: قل لعمرو بن مسعدة(5): (17 و /) أخّر أمرَ أبي
1) يمخرق: يخلق الكذب.
2) هو أحمد بن أبي دؤاد بن جرير الإيادي، قاضي معتزلي مشهور، ورأس فتنة القول بخلق القرآن توفي سنة 204ه. (الشذرات 93/2).
3) أبو عبّاد هو ثابت بن يحيى كاتب المأمون، ومن مضحكيه في مجالسه. (الطبري 218/8 و معجم البلدان (181/4).
4) هو الفلوشكي البكراوي، أموي كان أجنّ الناس وأعيا الخلق لساناً شديد اللعب بالودع فضرب به المثل في النزق. (البيان والتبيين 248/2).
5) هو عمرو بن مسعدة بن سعيد بن صول من أب تركي. وكان كاتباً معروفاً في عصر المأمون، وتوفي في سنة 217. (تاريخ بغداد 6662 ومعجم الأدباء 88/6).
دُلف(1)حتى آمرك فيه بما أريد. قال: نعم. ثم خرج، فلما صار بالباب قال: ردّوه. فجاء الرسول فقال: ارجع فتناول الدواة من غلامه وقال: الساعةَ أضرب وجهك القبيحَ يا ابن الخبيثة. فقال الغلام: وما ذنبي أبقاك الله؟ قال: ذاك ينبغي أن تقول قد ذهب إلى النار. فرجع فقال: ارفع غداً رقعةَ الهاشميين. قال: نعم. وضحك ثم قال: والله لا أرجع بعدها حتى أستطير.
قال: امضِ راشداً. وله يقول دعبلٌ(2):
أولى الأمور بضيعةٍ وفساد *** أمرٌ يدبّره أبو عبّاد
خرق على جلسائه بدواته *** فمرمّل ومخَّضب بمداد(3)
وكأنّه من دیر هِزقلَ مفلتٌ *** حرِدٌ يجرُّ سلاسل الأقياد(4)
فاشدد أمير المؤمنين وثاقَه *** فاصحُ منه بغية الحدّاد
حججنا سنةً فنزلنا ضريّة(6)في يوم جمعة، فسألنا عن الوالي، فقيل لنا: أعرابيٌّ عما قليل يخرج إليكم. فلما زالت الشمس خرج علينا وعلى رأسه عمامةٌ كأنها رحاً، متنكّباً قوساً عربيّة، فصعد على كثيب له من رمل ثم استقبلنا بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال(7):
1) أبو دلف: الأمير قاسم بن عيسى العجلي، أحد الأبطال المذكورين الممدوحين والأجواد المشهورين والشعراء المجيدين كان قائداً للمأمون فالمعتصم وتوفي سنة 225 ببغداد. (ابن خلكان و تاريخ بغداد 6869).
2) هو الشاعر العباسي المعروف دعبل بن علي الخزاعي 148 - 248 والقطعة من قصيدة يهجو فيها أبا عبّاد في ديوانه ص 99.
3) في الديوان: ومضمخ ومرمل بمداد.
4) في الأصل: مفلتا ... حردا. تحريف. ودير هزقل دير مشهور بين البصرة وعسكر مكرم، يضرب به المثل لمجتمع المجانين. (ياقوت 706/2 والمضاف والمنسوب ص 528).
5) الخبر في معجم البلدان 472/3 والمتحدث فيه الأصمعي.
6) ضريّة: قرية عامرة قديمة في طريق مكة من البصرة من نجد.
7) الخطبة في جمهرة خطب العرب 244/3 وفيه مصادرها.
أما بعد: فإنّ الدنيا دار، ممرٍ، والآخرة دار مقرّ، فخذوا لمقركم من ممركم، ولا تهتكوا أستاركم عند مَنْ يعلم أسراركم. أخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أنْ تخرج (17 ظ /) منها أبدانكم، ففي الدنيا حييتم، وللآخرة خُلقتم، وإنما الدنيا بمنزلة السُّمِّ الناقع، يأكله من لا يعرفه، أقول قولي هذا وأستغفر الله، والمدعو له الخليفة، ثم الأمير جعفر(1)، قوموا لصلاتكم، بارك الله فيكم.
كنتُ في مجلس أمير المؤمنين الرشيد، وكان فيه أبو البَختري(2)وسليمان بن الأصمّ وغيرهما من الصحابة، فضغطني البول، فلم أدرِ كيف أصنع.
فالتفتُ(3)إلى سليمان بن الأصم فأخبرته، فقال لي: بي مثل الذي بك. قال: فإني لكذلك إذ بصرني أمير المؤمنين فقال: يا أصمعيّ قال: قلت: لبّيك يا أميرَ المؤمنين. قال: أبك بول؟ قلت: أي هاء الله. قال: يا رجل، قم معه حتى يبول. فقمتُ فبلتُ ورجعت فلما رآني قال: يا أصمعيّ هات بيتاً أنظرُ في معناه فقلتُ:
فلا غزو إلّا جارتي وسؤالها *** ألا هل لنا أهل سُئلت كذلكا
فجعل يفكّر فيه، وهمّ أن يقول، فقلت: يا أميرَ المؤمنين أعِدْ نظراً، فقال: وكيف علمتَ؟ قلت: رأيت ناظريك، يجولان، وقد استقرا، كان أوضح لإصابتك، فضحك حتى انثنى ثم قال فأصاب. فقلت: أصبتَ - والله - يا أميرَ المؤمنين وأحسنتَ.
قال: فسُرَّ بإصابته وارتاح لها، وأمر لي بصلة ثم قال: قم يا أصمعيّ ننظر إلى الهلال لشهر رمضان. فأخذ بيدي (18 و /) وصعد باب درجه، فجعلت أتكيء عليه،
فقال لي الخادم: أتتكيء على أمير المؤمنين؟ فقلت(1): لا. فصعدنا فرأيناه.
إنّ أبا جعفر المنصور لمّا بويع بالخلافة دخل عليه أهل بيته وجماعة من القوّاد فهنؤه. فحمد الله - سبحانه - وأثنى عليه ثم قال: إني - والله - ما أنا بأرغب الناس فيها، ولا أحرصهم عليها، ولكني أحبُّ أن لا يكون بيني وبين الله - سبحانه وتعالى - سترٌ، وأن أتقرّب إليه بالعمل بطاعته وبثّ سُنّة رسوله - صلى الله عليه وآله - راجياً العدل وإماتة الجور، والأخذ لفيئكم من حقّه، ووضعه في مواضعه التي جرت بها السُنّة، ونزل بها الكتاب، ومنعه من، باطله، ليقرّبني الله بذلك، ويزيدني فضله لديه، وكرامةً عنده مع قرابتي من نبيّه - صلى الله عليه وآله - وربّنا المستعان على ما تصفون، وأعوذ بالله أنْ أكون ممّن خالف قولَه فعلُه، وعِظتَه عملُه.
حدّثني سليمان بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأمّ عليّ بن عبد الله بن جعفر أم جعفر(2)زينب بنت عليّ بن أبي طالب. وأمّها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليهم قال: حدّثنا محمد بن يحيى الربعي قال:
قال ابن شُبرمة(3): دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد بن علي(4)، فسلّمتُ (18 ظ /) وكنتُ له صديقاً، ثم أقبلتُ على جعفر فقلت له: أمتع الله بك، هذا رجل من أهل العراق، له فقهٌ وعِلم. فقال لي جعفر: لعلّه الذي يقيسُ الدِّين
برأيه. ثم أقبل عليّ فقال: هو النعمان بن ثابت؟ قال: ولم أعرف اسمه إلّا ذلك اليوم. قال: فقال له أبو حنيفة(1): نعم أصلحك الله. فقال له جعفر: اتَّقِ الله ولا تقِسْ الدِّين برأيك، فإنّ أول مَن قاس إبليس، إذ أمره الله - تعالى - بالسجود لآدمَ، فقال:
(أنا خيرٌ منهُ خَلَقتَني مِن نارٍ وخَلَقْتَه من طينٍ)(2).
ثم قال له جعفر: هل تُحسن أنْ تقيس رأسك من جسدك؟ فقال: لا. فقال: أخبرني عن الملوحة في العينين، وعن المرارة في الأذنين، وعن الماء في المنخرين، وعن العذوبة في الشّفتين لأيّ شيء جُعل ذلك؟
قال: لا أدري.
قال له جعفر: إنّ الله - تبارك وتعالى - خلق العينين فجعلهما شحمتين، وجعل الملوحة فيهما مَنّاً منه علی ابن آدم، ولولا ذلك لذابتا فذهبتا. وجعل المرارة في الأذنين مَنّاً منه عليه، ولولا ذلك لهجمت الدوابُ فأكلت دماغَه.
وجعل الماء في المنخرين ليصعد منه النَفَسُ وينزل، ويجد منه الريح الطيّبة من الريح الرديّة.
وجعل العذوبة في الشفتين ليجد ابنُ آدم لذّة مطعمه ومشربه.
ثم قال لأبي حنيفة: أخبرني عن كلمة أوّلها شِركٌ وآخرها إيمان ما هي؟
قال: لا أدري.
قال: قول الرجل «لا إله إلّا الله» فلو قال: لا إله. ثم أمسك كان مشركاً، فهذه كلمةٌ أوّلها شِركٌ وآخرها إيمان.
ثم قال: ويحكَ (19 و /) أيّما أعظم عند الله - تعالى - قتل النفس التي حرّم الله أم الزنا؟
قال: لا بل قتل النفس.
قال له جعفر: إنّ الله - تبارك اسمه - قد رضي وقبلَ في قتل النفس بشاهدين،
ولم يقبل في الزنا إلّا أربعةً. فكيف يقوم لك قياس؟
ثم قال: أيّما أعظم عند الله، الصوم أم الصلاة؟
قال: لا بل الصلاة.
قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟ اتقِ الله يا عبد الله ولا تقسْ. نقف نحن غداً وأنت ومَنْ خالفنا بين يدي الله - عزّ وجلّ - فنقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وصحبه -، قال الله - عزّ وجلّ - وتقول أنت وأصحابك: سمعنا ورأينا. فيعمل بنا وبكم ما يشاء.
خرج خالد بن عبد الله القَسْريّ يوماً يتصيّد وهو أميرُ العراق قد تفرّد من أصحابه، فإذا هو بأعرابيّ على أتانِ له هزيل ومعه عجوز له. فقال له خالد: ممّن الرجل؟ قال: من أهل المآثر والحسّب. قال: أفأنت إذاً من مضر، فمن أيّها أنت؟
قال: من المطاعنين على الخيول، المعانقين عند النزول.
قال: فأنت إذاً من عامرٍ، فمن أيّها أنت؟
قال: من الطالبين الثار، والمانعين الجار.
قال: فأنت إذاً من كلاب. فمن أيّها أنت؟ قال: من أهل الوفادة والرياسة.
قال: فأنت إذاً من جعفر. فمن أيّها أنت؟
قال: من بدرها وشمسها، وليوثها وخِيسها(2).
قال: فأنت إذاً من الحوص(3). فما أقدمك هذه البلاد؟
قال: تتابع السنين (19 و /) وقلّة رفد الرافد(1).
قال: فمن أردت بها؟
قال: أميركم الذي رفعته إمرتُه، وحطّته أسرته.
قال: فما أردتَ منه؟
قال: كثرة دراهمه لا كرم آبائه.
قال: ما أراك إلّا قلتَ فيه شعراً(2).
قال: فقال لامرأته: أنشديه.
قالت: كم تجشّمنا مدح اللئيم منذ اليوم، إنّ مدح اللئيم ذلٌّ.
قال: فأنشديه. فأنشدت تقول:
إليكَ ابن عبد الله بالحمد أرقلت *** بنا البيدَعيسٌ كالقسيّ سواهمُ
عليها كرامٌ من ذؤابة عامرٍ *** أضرَّ بهم جدبُ السنين العوارمُ
يردن امرءاً يعطي على الحمد مالَه *** وهانت عليه في الثناء الدراهمُ
فإن تعطِ ما نهوى فهذا ثناؤنا *** وإن تكن الأخرى فما لام لائمُ
فقال له خالد يا عبد الله، ما أعجبك وشعركَ، جئت على أتانٍ هزيل وتزعم
أنكَ جئتَ على عِيس، وقد ذكرتَ الرجل في شعرك بخلاف ما ذكرتَه في كلامك.
قال: يا ابن أخي ما تجشّمنا من مدح اللئيم كان أشدَّ من الكذب في شعرنا.
فقال له:خالد أتعرفُ خالداً؟ قال: لا.
فقال خالد: أنا خالدٌ وأنا مُعطيك وغير مكافيك(3).
فقال: يا أمَّ جحش، اصرفي وجه أتانك. ومضى.
فقال له خالد: لا تفعل، وقم فإني محسن إليك.
فقال: والله لا رزأت(1)لأمري درهماً أسمعته. وضرب وجه أتانه ومضى.
فقال خالد: بمثل هذا الصبر نال هذا وأبوه(2)من الشرف ما نالوه. (20 و /).
انصرفَ أعرابيٌّ عن الموسم متوجّهاً إلى المدينة، فسقط بعيره في الطريق، فأقبل برحله يحمله حتى أتى باب أبان بن عثمان بن عفَّان(4)، وهو يومئذ على المدينة، فسأله فحرمه. فأتى عبد الله بن جعفر(5)، فقال لأذنه: إنّ معي هديّة فأعلمه. فدخل إلى ابن جعفر فأعلمه، فقال قل له: أنت تحمل هديتك أم يحملها غيرك؟
قال: بل أحملها أنا. قال أدخله. فلما دخل قال: هاتِ فأنشده:
أبو جعفر من أهل بيت نبوّةِ *** صلاتهمُ للمسلمين طَهور
أبا جعفر إنّ الجياد تواكلت *** فأدركَها عند الحضار فتور
أبا جعفر يا ابن الشهيد الذي له *** جناحان في أعلى الجنان يطير
أبا جعفر ضنَّ الأميرُ بماله *** وأنت على ما في يديك أمير
أبا جعفر إنّ الحجيج ترجلوا *** وليس لرحلي فاعلمنّ بعير
فقال له: انطلق إلى إبلي فاختر أفضل ناقة فيها أو جمل فخذه.
فمضى الأعرابي إلى الإبل، وكان بها بصيراً، فأخذ ناقة لابن جعفر تعدل رَحْلَه، فأبى غلامُ ابن جعفر أنْ يدفعها إليه، فرجع الأعرابيّ إلى ابن جعفر فأعلمه. فأرسل معه رسولاً وقال له: أعطه الذي طلب، والعبد الذي منعه فاعطِه إيّاه أيضاً.
1) رزأت: یقال رزأه ماله أي أصاب منه شیئاً.
2) في النص: وأباه.
3) الخبر في الأغاني (دار) 217/12.
4) هو أبو سعيد وقيل أبو عبد الله. ثقة من كبار التابعين. أصابه الفالج قبل وفاته بسنة فترك ولاية المدينة، وكانت وفاته سنة81. (المعارف 201 وشذرات الذهب (131/1).
5) أبو جعفر وقيل أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، من أجواد العرب حتى قيل له (قطب السخاء) وكان أحد أمراء عليّ يوم صفين وتوفي بعد سنة الثمانين. (الإصابة 280/2).
فدفعهما إليه. وأخذهما الأعرابيّ، ورجع إلى ابن جعفر يتشكَّرُ له (20 ظ /) فقال العبد لابن جعفر: جعلني الله فداك: صحبتي؟ فقال للأعرابي: أتبيعه؟ قال: نعم.قال: بكم؟ قال: بثلاثمائة دينار. قال: هي لك. فأعطاه ثلاثمائة دينار، وأعطاه سيفاً، وقال له: لا تخدعنّ عنه، فإني أخذته بأربعمائة دينار. وقال للعبد: إنّ لك حقاً، وإنك لطويل الصحبة. فأعتقه وأهلَه وولده.
فأنشأ الأعرابيّ يقول:
سأثني بما أوليتني يا ابن جعفرٍ *** وما شاكر عُرفاً كمن هو كافره
فيا خير خلق الله نفساً ووالداً *** وأكرمهم للجارحينَ يجاوره(1)
أشار أبو عبد الله على المهدي أنْ ينزل الرافقة(2)، وأراد أن يُبعده عن أبي جعفر، فكتب أبو دُلامة(3)إلى أبي جعفر:
إنّ الخليفة والمهديّ إنْ قربا فنحن في حنث، لا ماء ولا شجر ولا نهار ولا ليلٌ يطيب لنا. ولا يطيب لنا شمس ولا قمر، الله يعلم أني ناصح لكم فيما أقول، وإني
، حيّة ذكَرٌ أرى وأسمع ما لا تسمعان به من الحسود، وفي في الحاسد الحجر.
فردّ أبو جعفر المهديَّ إليه، ولم يأذن له في نزول الرافقة، ولم يباعده عنه.
حجّ سليمان بن عبد الملك فوافي طاووس(4)بمكة. فقيل لطاووس: حدِّثْ أمير المؤمنين. فقال طاووس:
1) في الأصل: للخارجين. تصحيف والقصة مختصرة في الجليس الصالح 237/2.
2) الرافقة: بلد متصل البناء بالرقة على ضفة الفرات بناها المنصور سنة 155 ه. (ياقوت).
3) أبو دلامة: هو زند بن الجون، شاعر كوفي أسود مولى لبني أسد. كان أبوه عبداً لرجل منهم، نبغ في أيام بني العباس، وانقطع إلى السفاح والمنصور والمهدي. فكانوا يقدمونه ويصلونه ويستطيبون مجالسته ونوادره. (الأغاني 120/9 وابن المعتز 54).
4) هو طاووس بن كيسان اليمانيّ الخولاني، الإمام الزاهد، كان مولى لبحير بن ريسان الحميري، توفي بمكة سنة 106ه. (الطبري 29/7 والشذرات 133/1).
إنّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - قال(1): أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة مَنْ أشركه الله في سلطانه فجارَ في حُكمه. (21 و /)، قال الفضل بن
سلیمان: فرأيت سليمان بن عبد الملك قد تغيَّر وجهه.
قال عبد الملك بن مروان لعمرو بن حريث(2)
(المعارف 293 والشذرات 5/1).
: إني أراك ظاهرَ اللون ليّن البشرة، فليت شعري ما طعامُك؟قال: لُباب الحنطة، وصغار المعز، وأدّهن بخام البنفسج، وألبس الكتّان.
جاء إبراهيم بن بريهة إلى غسّان بن عبّاد(3)يشكو إليه غَلبة الدَّين وضيقَ الحال، ويسأله أنْ يرفع له رقعةَ إلى المأمون في إدرار أرزاقه وقضاء دَينه.
فقال: وكم دَينك؟
قال: ثلاثون ومائة ألف درهم.
قال: هاتِ رقعتَك. فأخرجها من خُفِّه وذهب ليقوم.
فقال: مكانَك، ثم دعا بالغداء، ودعا بوكيله، فقال: ادنُ مني. قسارّه وقال: احملْ الساعة إلى منزل بريهة مائة وثلاثين ألف درهم. فحُملت قبل أن يتغدّى، فلما انصرف وجدها في منزله وركب غسّانُ من الغد، فكلّم أمير المؤمنين في دينه وعرض رقعته. فقال له المأمون: قد بلغني ما فعلتَ أمس، فوصلك الله بصلتك، فأنت - والله - ممّن إذا تكلّم نفع كلامُه وإذا سكت حسُن سكوته. ثم قال: نعم وكرامةٌ، قد أمرنا بقضاء دَينه والزيادة في أرزاقه، وأدررناها عليه.
فدعا له غسّان وانصرف، فلما ولَّى أتبعه بصره.
فقال: لا تزال الخلافة ذات بهجة ما حضر مجلسنا مثلُ هذا، ما اغتاب عندي أحداً قطّ ولا اعترض في (21 ظ /) كلامه ولا سأل حاجة لنفسه، ولا جرّبنا عليه كذباً ولا خيانةً، ولا سبقه لسانُه بلفظة اعتذر منها.
ثم كان أوّل توقيع بعد هذا خرج ثلاثة آلاف درهم لغسان بن عبّاد النازل ما لا يعنيه(1).
قال أبو جعفر يوماً لابن خريم، وكان آنساً به إني واثقٌ بعنايتك وحفظك وأمّانتك ونصيحتك لأمانتك، وليس كلُّ ذي عَقلِ ناصحٍ يجتمع هذا فيه. فأخبرني عمّا يَعيبُ الناس من أمري، ويكرهون من سيرتي.
فقلت: يا أميرَ المؤمنين، ما أصبح الناس يُنكرون من سيرتك منكراً، ولا يستبطون خبراً، إلّا أنّ أهل النصيحة لك والإبقاء عليك قد غاظهم مباشرتُك أمورك، وتوليك النظر فيما لو وكلته إلى غيرك كفاكه، وشغله من ذلك الصغير من الأمر، حتى أنحل جسمك من التهنّي بما أنعم الله عليك، فلو باشرت جلائل الأمور، ووكلت خسائسها إلى أعوانك انتظمت الأمرين جميعاً. ثم قلتُ له: إنّ موسى - عليه السلام - شكا إلى ربِّه - عزّ وجلّ - قلةَ أعوانه، فأوحى الله إليه: أن تكتب سبعين عهداً وتترك مواضعَ أسماء الرجال ليعلّمه الله إيّاهم فيسميهم فيها.
قال المنصور: هذا موسى دلّه الله عليهم، وأوحى إليه فيهم، وأخبار السماء ليس يعلمها إلّا ملَكٌ مقرَّبٌ ونبيٌّ مرسَل، فأنا مَنْ يُخبّرني والناس كما قد علمتَ في مساوئهم وخُبث نيّاتهم.
فقلت له: يا أميرَ المؤمنين، فأين (22 و /) أنتَ عن الربيع وعبد الملك؟ فوالله
ما رأيت من خدم الملوك مثلهما، وكان الذي بيني وبينهما حسَناً، فأحببتُ أن يعلما
1) كذا في المخطوطة.
كلامي إيَّاه. وكانا خلف، الفسطاط، فرأى ظلّهما فقال: الفاسقين المخنّثين، ليسا لذلك بأهلٍ وإن كانا يسمعان قولي الآن. ثم أصغى إليّ فقال: مع أنهما قد ضغطهما أمير المؤمنين فقد صلحا، وعبدُ الملك أمين مُجزِ، والربيع ظريف ناصح.
قال [ابن](1)خريم: فحدّثني عبد الملك بعد ذلك أنه دعاهما فقال: ما سمعت
مثل كلام ابن خريم أو قوله، وأوقع على قلبي مع النصيحة وشدّة الرأي.
قال: فأتيت أنا والربيع عليه فقال: تتقارضان الثناء عندي كذبتما، وكذب فيكما، أخرجا عني.
خرجتُ ذات يوم في البادية، فإذا أنا بامرأة إلى جانب قبر، وهي تستر جيدَها، فقلت: ينبغي أنْ تكون هذه المرأة تندب أو ترثي. فدنوتُ منها وهي لا تدري، حتى قربتُ منها فإذا هي تقول(2):
هل خبّرَ القبرُ سائليه *** أم قرّ عيناً بزائريه(3)
أم هل تراه أحاط عِلماً *** بالجسد المستكنّ فيه(4)
وفي شاعرات العرب: المسكين. تحريف.
لو يعلمُ القبرُ منْ يواري *** تاه على كلّ منْ يليه(5)
ياموت لو تقبل افتداءً *** كنتُ بنفسي سأفتديه
أنعى يزيداً لمجتديه *** أنعى يزيداً لمعتفي.(6)
انعى بريداً لمعتفيه *** أنعى بريداً لمجتديه.
1) ما بين الحاصرتين لإكمال المعنى.
2) القصيدة في شاعرات العرب ص 407، وهي مصدرة بقوله: روى الأصمعي أن امرأة من أجمل الناس كانت تندب زوجها واسمه (برید) على قبره بهذه الأبيات، ونور القبس ص 162 وأخبار النساء 336 وأمالي القالي 321/2 والجليس الصالح 2/ 250.
3) في نور القبس: هل أخبر.
4) في نور القبس: أو هل.
5) في المصدر السابق: ما يليه.
6) في شاعرات العرب والجليس:
أنعى يزيداً إلى حروبٍ *** بوصفه ندب نادبيه
يا جبلاً كان ذا امتناعٍ *** وركن عز لآمليه
يا نخلةَ طلعها نضيد *** يقربُ من كفّ مجتنيه
تحلو (نعمٌ) عنده سَماحا *** ولم يقل قطّ (لا) بفيه(1)
............... ...... وطيبها راتب بفي.
أيا صبوراً على بلاء *** کان به اللهُ يبتليه
قال عبد الملك بن قريب: فحفظت ما قالت، ثم دنوت إليها.
فقلت لها: أعيدي لفظك رحمك الله.
قالت: أما - والله - لو علمتُ أنّك تسمعني ما قلت شيئاً منها.
قال: فقلت لها: فاسمعي مني ما قلتِ. قالت: قلْ.
فأنشدتُها ما قالت حتى أتيتُ على آخره.
قالت: ما كنتُ أحسبُ أن أحداً له مثل حفظك، فإن كان في بلاد الأصمعي فأنت هو.
إنّ رجلاً من العرب خرج في طلب إبل له ندّت(3)، فورد منهلاً من مناهلِ العرب، فإذا هو بامرأةٍ حسناءَ جميلة، لها لسانٌ وبيان، فدنا منها فسلّمَ عليها، فردّت السلام، ثم قالت له: ممّنْ الرجل؟ فانتسبَ لها. فقالت له: ما أقدمكَ هذه البلادَ؟ فقال الرجل: خرجت في طلب إبلٍ لي ندّت عني، فخرجتُ في طلبها، فهل أحسستِ منها شيئاً؟
قالت: لا والله ولكني أدلّكَ على مَنْ يردّها عليك.
قال: افعلي(1).
قالت: سَلْ الذي أعطاكها، بنيّة صادقة، أن يردّها عليكَ (23 و /) (فإنه مالك [كل](2)شيء(3).
قال: ممّن المرأةُ؟
قالت: من بني عامر.
قال: ألكِ زوجٌ، وتأمنين بوائقه؟
فترقرقت عيناها، وأنشأت تقول:
كنا كغصنين في أصلٍ غذاؤهما(4)*** ماءُ الجداول في روضات جنّات
فاجتثَّ خيرَهما عن أصل صاحبه *** دهرٌ یکرُّ بعولاتِ وترحاتِ(5)
وكان عاهدني إنْ رامني زمن(6)*** أنْ لا يضاجعَ أنثى بعد مثواتي
وكنتُ عاهدتُه أيضاً فغادره *** رَيبُ الزمان قريباً مُذْ سُنيّاتِ(7)
فاكففْ لسانكَ عمّن ليس يردعه(8)*** عن الوفاء خلاب بالنحيات
1) في بلاغات النساء: فقالت أدلك على من علمها عنده. قلت إذاً تستوجبي الأجر وتكتسبي الحمد والشكر.
2) ما بين الحاصرتين تكملة لإتمام المعنى.
3) في المصدر السابق: سل الذي أعطاكهن، فهو الذي أخذهن منك من طريق اليقين لا من طريق الاختبار، فإنه إن شاء فعل.
4) في المصدر السابق: في ساق غذاؤهما.
5) في المصدر نفسه: بفرحات وترحات.
6) في الأصل: وكان عاقدني. وما أثبتناه عن بلاغات النساء أحسن.
7) في بلاغات النساء: ريب المنون.
8) في المصدر نفسه: ليس يردعها.
9) الخبر في أخبار القضاة 197/2 برواية عليّ بن عبد الله عن أبيه عن معاوية عن ميسرة عن شريح.
10) في النص (بن) والمثبت عن أخبار القضاة وهو الصحيح.
تقدّمتْ إليّ امرأةٌ فقالت: أيّها القاضي، إني جئتك مخاصمةَ.
قال: وأين خصمُكِ(1)؟ قالت: أنت أيّها القاضي.
فأخلى المجلسَ، وقال لها: تكلّمي.
قالت: إني امرأةٌ ولي إحليل(2)، ولي فرْجٌ.
فقال لها: قد كان لأمير المؤمنين عليّ - عليه السلام - في هذه فضيةٌ ورّثَ من حيث جاء البول.
فقالت: إنه يجيء منهما.
فقال لها: فمن أين سابق البول(3)؟
قالت: ليس منهما. يستوجبان في وقتٍ واحد وينقطعان في وقت واحد.
فقال لها: إنّك لتخبريني بعجبِ. (23 ظ /).
قالت: وأخبرك بما هو أعجب من هذا. تزوّجني ابنُ عمٍّ لي، وأخدمني خادماً: [فوطئتها فأولجتها، وإنما جئتك لما ولد لي لتفرّق بيني وبين زوجي. فقام من مجلس القضاء، فدخل عليّ - عليه السلام - فأخبره. فقال عليٌّ: عليَّ بالمرأة. فأدخلت، فقال: أحقٌّ ما يقول القاضي؟ قالت: هو كما قال.
قال: فدعا بزوجها فقال: هذه امرأتك وابنة عمك؟
قال: نعم. قال: فعلمتَ ما كانَ؟ قال: نعم. قال: أخدمتها خادماً فوطئتْها فأولدتْها، ثم وطئتَها أنت بعدُ؟ قال: نعم. قال: لأنت أحسن من خاصي أسد. عليّ بدينار الخادم وامرأتين، فجيء بهم، فقال: خذوا هذه المرأة، إن كانت امرأةً، فأدخلوها بيتاً وألبسوها ثياباً، وعدّوا أضلاع جنبيْها. ففعلوا. فقال: عددُ الأيمن أحدَ عشر، وعددُ الأيسر اثنا عشر.
فقال عليٌّ: اللهُ أكبر.
فأمر لها برداءٍ وحذاء، وألحقها بالرجال.
فقال زوجها: يا أميرَ المؤمنين، زوجتي وابنةُ عمي، فرَّقت بيني وبينها، فألحقتَها بالرجال، عمّنْ أخذت هذه القصّة؟ قال: إني أخذتها عن أبي آدم - صلى الله عليه وسلم - إنّ الله - عزّ وجلّ - خلق حواء، ضلعاً من أضلاع آدم، فأضلاع الرجال أقلُّ من أضلاع النساء بضلع.
ثم أمر بهم فأخرجوا](1)....
(24 و /) ومن(2)عندنا انثبت، فردّوا الأمر إلى أهله يصدروه كما أورده.
قال ثم رجع - والله - إلى خطبته كأنما يقرؤها من كفّه - وأشهدُ أنّ محمداً عبده ورسوله.
كان يوسف بن عمر(3)يقول في خطبته(4): اتقوا الله، عبادَ الله، فكم مؤمِّل ما لا يبلغه(5)، وطاعمٍ(6)ما لا يأكله، ومانع عمّا سوف يتركه، ولعله من باطلٍ جمعَه، ومن حقِّ منعه، أصابه حراماً، وأورثه عدوّاً، فاحتمل إصرَه(7)، وباءَ بوزره، وورد على ربِّه آسفاً لاهفاً(8)، قد خسِر الدنيا والآخرةَ، ذلك هو الخسران المبين.
1) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة التي اعتمدتها، إذ فيها صفحة بيضاء ليس فيها غير سطر واحد. وقد أكملته عن أخبار القضاة 197/2. حيث وردت القصة كاملة. مع ترجمة وافية للقاضي شريح.
2) ورد هذا النص بعد البياض، ويظهر أنه تكملة لخبر سقط صدره.
3) هو يوسف بن عمر الثقفي، ولي العراق لهشام بن عبد الملك سنة 120 ه وقتل في سجن يزيد بن الوليد بدمشق سنة 127 ه. (المعارف 365 والشذرات (1721).
4) النص في العقد الفريد 158/2 والبيان والتبيين 71/2 ونهاية الارب 255/7.
5) في المصادر الأخرى: أملاً لا يبلغه.
6) في المصادر الأخرى وجامع.
7) إصره: ذنبه.
8) في الأصول الأخرى: بوزره على ربه آسفاً قد.
لمّا اشتدّت شوكةُ أهل العراق، وطال توتُّبهم بالولاة، يحصبونَهم(2)ويقصرون
بهم، أمر عبد الملك منادياً فنادى: الصلاةُ جامعة، فاجتمع الناسُ فخطبهم فقال:
أيها الناسُ، إنّ العراق قد علا لهبُها، وسطَع وميضُها وعظم الخطْبُ.
فجمرُها ذكيٌّ، وشهابها وريٌّ، فهل من رجلٍ يُنتدَبُ لهم، ذي سلاحٍ عتيدٍ، وقلبٍ شديدٍ فيخمد نيرانَها ويُبيد شبّانها؟ فسكتَ الناسُ جميعاً، وثَب الحجّاجُ بن يوسف فقال: أنا يا أميرَ المؤمنين.
قال: ومَن أنتَ؟
قال: أنا الحجّاجُ بن يوسف بن الحكم بن عامر بن عروة بن مسعود، صاحبِ
رسول الله - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم - وعظيم القريتين.
قال له: اجلسْ، فلستَ هناك.
ثم سأل عبد الملك: مَن للعراق؟ فسكت الناس، ووثب الحجّاجُ. فقال: أنا يا أميرَ المؤمنين. (24 ظ /).
قال: ومَن أنت؟
قال: أنا من قومٍ رغِبت في مناكحتهم قريشٌ ولم ييأسوا(3)منهم.
وإعادةُ الكلام
مما يَنسب صاحبَه إلى العيِّ، ولولا ذلك لأعدتُ الكلامَ الأول.
فقال عبد الملك: اجلس فلستَ هناك. ثم أطرق عبد الملك مليّاً، ثم رفع رأسه وقال: مَنْ للعراق؟ فسكت الناسُ. فقال عبد الملك: مالي أرى الليوثَ قد أطرقت، ولا أرى أسداً(4)يزأرْ نحو فريسته؟ فسكتَ الناسُ، ووثب الحجّاج وقال: أنا للعراق يا أميرَ المؤمنين.
قال: وما الذي أعددتَ لأهل العراق؟
قال: ألبسُ جِلدَ النّمر، ثم أخوض الغمَرات، وأتّبعُ الهلكاتِ، فمَن نازعني طلبتُه، ومَن لحقته قتلتُه بشدّة، وعجلٍ وريثٍ، وتبرٍّ(1)وازورارٍ، وطلاقة واكفهرار، ورِفق وجفاءِ، وصِلةِ وحِرمانِ، فإن استقاموا كنتُ لهم والياً حَفيّاً(2)، وإنْ خالفوا لم ابقِ منهم طويّاً، فهذا ما أعددتُ لهم يا أميرَ المؤمنين، ولا عليكَ أنْ تجرّبني، فإنْ كنتُ للطُلى(3)قطّاعاً، وللأرواح نزّاعاً، وللأموال جمّاعاً، وإلّا فاستبدل بي، فإنّ
الرجال كثيرٌ.
فقال عبد الملك: أنت لها. ثم التفتَ إلى كاتبه فقال: اكتبْ عهدَه ولا تؤخّره
وأعطه من الرجال والكراع والأموال.
قال عبد الملك بن عمير: فبينا نحن جلوسٌ في المسجد الأعظم إذ أتانا آت فقال: هذا الحجّاج بن يوسف قد قدم أميراً على العراق، فاشرأبَّ الناسُ نحوه، ثم افراجوا إفراجة عن صحن المسجد، فإذا نحن به يتبهنسُ(4)في مشيته، عليه عمامةٌ حمراء متلثِّماً بها، متنكّباً قوساً عربيّة يؤمّ المنبر (25 و /) فما زلتُ أرمقه ببصري حتى صعد المنبر، فجلس عليه ما يحدرُ اللثامَ، وأهل الكوفة يومئذ لهم حال حسَنٌ، وهيئة جميلة وعزٌّ ومنَعةٌ ويَسار، يدخل الرجل منهم المسجد ومعه عشرة أو عشرون رجلاً من مواليه، وأتباعه، عليهم الخزون والقوهيّة(5)وفي المسجد رجل يقال له: عُمير بن ضابيء البُرجميّ(6). فقال لمحمد بن عمير بن عطارد التميميّ(7):
1) في الأصل كلمة غير واضحة تشبه ما أثبتناه.
2) حفيّاً: مبالغاً في إكرامهم.
3) الطل: الأعناق أو أصولها، وأحدها طلية أو طلاة.
4) يتبهنس: يتشبه بالأسد في ثقله وضخمه.
5) القوهية: ثياب بيض.
6) هو عمير بن ضابيء الحارث البرجمي، شاعر من سكان الكوفة توفي سنة 75 ه مات أبوه في سجن عثمان رضي الله عنه. (انظر الطبري 207/6 والأعلام 265/5).
7) هو محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي الدارمي. من أشراف أهل الكوفة وأجوادهم، شاعر وأحد أمراء الجند في صفين مع الإمام علي رضي الله عنه وله أخبار مع الحجّاج. (الأغاني 46/13 والإصابة 227/3).
هل لك أن أحصبه لكَ؟
قال: لا، حتى أسمع كلامه.
فقال: لعن الله بني أميّة حيث يستعملون علينا مثل هذا، ولقد ضبَّع الله العراق حيث يكون عليها مثل هذا أميراً، والله لو كان هذا كلّه كلاماً لم يكن شيئاً. الحجّاج ساكت ينظر يمنةً ويسرة حتى غصَّ المسجد بأهله فقال(1): يا أهل العراق، إني لأعرف قدْر اجتماعكم. اجتمعتم؟
فقال رجلٌ: قد اجتمعنا أصلحك الله. فسكتَ هُنيهةَ لا يتكلّم. فقالوا: ما يمنعه من الكلام إلّا العيُّ والحصْرُ.
فقام الحجّاج، فحدرَ لثامَه ثم قال: يا أهل العراق، أنا الحجّاج بن يوسف بن
عامر بن عروة بن مسعود.
أنا ابن جَلا وطلّاع الثنايا *** متى أضع العمامة تعرفوني(2)
والأبيات للشاعر المخضرم سحيم بن وثيل الرياحي من بني حمير. وهي الأصمعية الأولى في الأصمعيات ط مصر. وفي الأصمعيات مصادر تخريجها فلتنظر هناك. وابن جلا: الواضح المكشوف. والثنايا جمع ثنية وهي الطريق في الجبل.
صليبُ العُود من سَلَفي ترانٍ ***كنصل السيف وضّاح الجبين(3)
وماذا يدّري الشعراءُ منّي *** وقد جاوزت حدَّ الأربعين(4)
أخو خمسين مجتمعاً أشُدي *** ونجّذني مُداورة السنين(5)
نجذني: حنّكني وعرّفني الأشياء في شرح الأصمعي.
1) الخطبة في جمهرة خطب العرب 288/2 وهي مشهورة، أوردها أكثر مؤلفي كتب الأدب والتاريخ.
2) انفرد الزبير في الموفّقيات بذكر استشهاد الحجّاج بهذه الأبيات جميعاً. وجميع مصادر خطبته تذكر البيت الأول فقط.
3) في الأصمعيات: كريم الخال من سلفي رياح.
4) في الأصمعيات: رأس الأربعين. ويدرى: يختل.
5) في الأصمعيات: مداورة الشؤون.
وإني لا أعود إلى مربّي *** غداةَ الغب إلّا أي حين(1)
وإني لا يعود إليّ قوني *** غداة الغب إلّا في قرين
وشرح الأصمعي الغب بقوله: أن تشرب الإبل يوماً ثم تترك يوماً.
(25 ظ /) والله يا أهل العراق إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافُها، وإني لَصاحبها، والله إني لأنظرُ إلى الدماءِ بين العمائم واللّحى.
هذا أوان الشدِّ فاشتدي زِيَمْ *** قد لفّها الليلُ بسواق حُطَمْ(2)
زيم: اسم فرسه أو ناقته. وقيل اسم للحرب.
ليس براعي إبل ولا غنمْ *** ولا بجزّارٍ على ظهرٍ وضَمْ(3)
والوضم: كل ما قطع عليه اللحم كالخشبة ونحوها.
[ثم قال:](4)
قد لفّها الليل بعصلبيّ *** وشمّرت عن ساق شمري(5)
قد لفّها الليل بعصلبي *** أروع خراج من الدوي
مهاجر ليس بأعرابي
والعصلبي: الرجل الشديد القوي البنية. والدوي: الغماء الشديدة.
أروع خرّاج من الدويّ *** مهاجرٍ ليس بأعرابيّ
[ثم قال:](6)
ما علّتي وأنا شيخٌ إدُّ *** والقوس فيها وتَرٌ عُرُدُّ(7)
قد شمّرت عن ساقها فشدّوا *** والقوس فيها وتر عرد
وجدّت الحرب بكم فجدوا *** مثل ذراع البكر أو أشد
لا بدّ مما ليس منه بد
الأد: العجيب والعردّ: الشديد.
1) في الأصمعيات:
2) الرجز في حواشي الكامل للمبرد 334/1 منسوب لرويشد بن رميض العنبري. وكذا في اللسان (حطم). وفي الأغاني: 45/14 منسوب لرشيد بن رميض العنزي يقوله في الحطم، وهو شريح بن ضبيعة.
3) في الأغاني: لست براعي.
4) ما بين الحاصرتين تكملة من جمهرة خطب العرب.
5) في الجمهرة ومصادرها الأخرى روى الرجز هكذا:
6) ما بين الحاصرتين تكملة من الجمهرة.
7) في الجمهرة ومصادرها الأخرى روى الرجز هكذا:
مثل ذراع البَكر أو أشدُّ
والله يا أهل العراق، لا يُغمَز جانبي كتغماز التين، ولا يُقعفعُ لي بالشّنان(1).
ولقد فُررتُ عن ذكاءِ(2)، وفُتِّشتُ عن تجربة، وأجريتُ عن الغاية(3). وإنّ أميرَ المؤمنين نثَر كنانته بين يديه، فعجمَ عيدانها فوجدني أمرَّها سَهماً، وأشدّها مكسِراً، فوجّهني إليكم، ورماكم بي.
يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق والنفاق ومساوىء الأخلاق لأنكم طالما اضطجعتم في منام الضلال، وأوضعتم(4)في أودية الفتنة، وسننتم سنن الغيّ.
وأيّم الله لألحونكم لحوَ العُود.(5)، ولأقرعنّكم قرْعَ المرْوَة(6)، ولأعصبنّكم عَصب السَّلَمةِ.(7)، ولأضربنّكم ضربَ غريبة الإبل.
فإياي وهذه الزَّرافات والجماعات، وقالَ وما يقولُ، وكانَ وما يكونُ، ما أنتم وذاك؟
يا أهل العراق، إنما أنتم (26 و /) لكأهل(8)قريةِ (كانت آمِنَةٌ مُطمئنّةً يأتيها
رزقُها رغَداً من كلِّ مكانٍ فكفرَتْ بأنعم الله فأذَاقَها الله لِبَاسَ الجُوعِ والخَوفِ)(9).
فاستوسِقوا واعتدِلوا ولا تميلوا، واسمَعوا وأطيعوا، وشايعوا وبايعوا، واعلموا
1) الشنان: واحدها الشن وهو القربة البالية، تحرك إذ أريد حث الإبل على السير لتفزع.
2) فررت عن ذكاء: فسرها المبرد بقوله: يعني تمام السن.
3) في المصادر الأخرى: وجريت إلى الغاية القصوى.
4) أوضعتم أسرعتم في سيركم.
5) في الجمهرة: لحو العصا. ولحا العصا: قشرها.
6) المروة: حجارة بيض توري النار.
7) السلمة: شجر كثير الشوك.
8) في الأصل: أهل قرية. وما أثبتناه عن مصادر الخطبة أحسن.
9) سورة النحل آية 112.
أنه ليس منّي الإكثارُ ولا الاهذارُ ولا مع ذلك الفِرار والنِفار، إنما هو انتضائي هذا السيف، ثم لا يُغمد الشتاء ولا الصيف، حتى يَظهَر أمرُ الله، وحتى يذلَّ صعبكم، ويقيم من أودكم وصعركم.
ثم إني وجدتُ الصدقَ مع البِرِّ، ووجدتُ البِرَّ في الجنّة. ووجدتُ الكذبَ مع الفجور، ووجدت الفجور في النار، وإنّ أميرَ المؤمنين أمرني بأعطياتكم وإشخاصكم لمجاهدة عدوّكم، وقد أمرتُ لكم بذلك، وأجّلتكم ثلاثاً، وأعطيتُ الله عهداً يأخذني به، ويستوفيه منّي، ليس يخلفُ أحدٌ منكم بعد قبض عطائه يوماً واحداً لأضربنَّ عنقه، ولأهبنّ مالَه(1).
يا غلام اقرأ كتابَ أمير المؤمنين. فقال الكاتب:
بسم الله الرحمٰن الرحيم: من عبد الله عبد الملك أميرِ المؤمنين إلى مَنْ بالعراق
من المسلمين والمؤمنين.
سلامٌ عليكم. فلم يردّ أحدٌ السلام. فقال الحجّاج من المنبر: اسكتْ يا غلام. يا أهل الفُرقة سَلَّمَ عليكم أميرُ المؤمنين فلم تردّوا عليه(2). أما - والله - لئن بقيتُ، لكم لأؤدبنّكم أدباً سوى أدب ابن أذينة(3)، أو لتستقيمنَّ لي، ولأجعلنَّ لكلّ امرىء منكم شغلاً في نفسه(4)
وفي الكامل: أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمن.
.يا غلام اقرأ كتابَ أمير المؤمنين (26 ظ /).
فقال الكاتب: بسم الله الرحمٰن الرحيم. فلما بلغ السلام قال مَنْ في المسجد: وعلى أمير المؤمنين السلامُ، ورحمة الله وبركاته. ثم نزل فدخل دار الإمارة، فحُجب
1) في الجمهرة: وإني أقسم بالله لا أجد رجلاً تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلّا سفكت دمه، وأنهبت ماله وهدمت منزله.
2) في الكامل: أسلّم عليكم أمير المؤمنين فلم تردوا عليه شيئاً.
3) في الكامل: ابن أنهية. وفي هامشه: زعم أبو العبّاس أن ابن أنهية رجل كان على الشرطة بالبصرة قبل الحجّاج.
4) في الطبري: والله لتستقيمن على سبل الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا من جسده.
الناسُ ثلاثة أيام. فلما كان اليومُ الرابع أذن للناس فدخلوا عليه، ودخل عليه عُميرٌ بن ضابیء(1)فيمن دخل فقال: أصلحك الله، إني شيخٌ كبيرٍ، وقد خرج اسمي في هذا البعث، ولي ابنٌ هو على الحرب والأسفار أقوى مني وأشجع عند اللقاء. فإن رأى الأمير أن يجعله مكاني فعلَ.
فقال الحجّاجُ: أيّها الشيخ، راشداً، وابعث ابنك بديلاً.
فلمّا ولّى قال له عنبسةُ بن سعيد بن العاص(2): أيّها الأمير، أتعرف هذا؟
قال: لا والله. قال: هذا عُمير بن ضابيء الذي أراد أبوه أن يفتكَ بأمير المؤمنين عثمان، ولم يزل محبوساً في حبس أمير المؤمنين حتى أصابته الدُبيلةُ(3)، ثم جاء هذا فوطىء أمير المؤمنين وهو مقتولٌ، وكسر ضلعاً من أضلاعه. وأبوه الذي يقول(4):
هممتُ ولم أفعلْ وكدتُ وليتني *** فعلتُ وكان المعولات حلائله(5)
فقال الحجّاج: ردّوا عليّ الشيخَ.
فلما أدخل عليه قال: أما يوم الدار فتشهدُ بنفسك، وأمّا في قتال الخوارج فتبعث بديلاً. أما والله أيّها الشيخ إنّ في قتلك لَصلاحٌ لأهل المصريْن بأحسن شيء. اضربا عنقه.
وسمع الحجّاج صوتاً، فقالوا: هذه البراجم(6): تنتظر عميراً (27 و /). قال: ارموا إليهم برأسه. فرُمي به إليهم، فولّوا هاربين.
1) مرت ترجمته في ص 89.
2) هو عنبسة بن سعيد بن العاص الأموي، كان يرافق الحجّاج، ويجلس في مجلسه، وعندما سمع بأنه يلحن في القرآن أخرجه الحجّاج من العراق ورجع إلى خراسان سنة 85 ه. (جمهرة أنساب قريش ص 81).
3) الدبيلة: داء في الجوف.
4) البيت في ابن سلام ص 145 والكامل 335/1 من مقطوعة في سبعة أبيات.
5) في المصدرين السابقين: تركت على عثمان تبكي حلائله.
6) البراجم: قبيلة عمير بن ضابيء.
قال: وكان ابن عمِّ لعبد الله بن الزبير الأسدي(1)قد سأل أن يُشفَع له إلى الحجّاج ليتخلف عن الجيش. فلما قتل عميراً بادر بالخروج، ولم ينتظر الإذن. فقال عبد الله بن الزَّبير(2)
و 2 - 4 في الكامل 336/1.
:أقول لإبراهيمَ يومَ لقيتُه *** أرى الأمر أمسىٰ مُفضعاً متصعبا(3)
وفي الطبري: منصباً متشعباً.
تجهّزْ فإمّا أنْ تزور ابن ضابيءِ *** عُميراً وإمّا أنْ تزور المهلّبا(4)
هما خطّتا سوءِ نجاؤك منهما *** ركوبك حوليّاً من الثلج أشهبا(5)
وحوليّا: المهر الذي مر عليه حول.
وإلّا فما الحجّاج مُغمِد سيفه *** يدَ الدهر حتى يترك الطفل أشيبا(6)
فأضحىٰ ولو كانت خراسانُ دونه *** رآها مكان السوق أو هي أقربا(7)
لقد سمعت من الحجّاج كلماتٍ وقَذَتني(9)، فقيل: يا أبا يحيى، إنّ كلامَ الحجّاج ليقذُكَ؟
1) هو عبد الله بن الزّبير (بفتح الزاي) بن الأشيم بن الأعشى بن بجرة، من شعراء الدولة الأموية المتعصبين لهم. انقطع آخر أيامه إلى مدح مصعب بن الزبير. توفي بعد أن عمي في خلافة عبدالملك بن مروان. (ترجمته في الأغاني 31/13 وخزانة الأدب 345/1).
2) الأبيات في الطبري 83/6 والمسعودي 301/5. وفي شعره 53.
3) في الطبري والمسعودي: لمّا لقيته.
4) في الطبري: تجهز وأسرع والحق الجيش لا أرى *** سوى الجيش إلا في المهالك مذهب.
5) في الكامل: هما خطتا خسف.
6) سقط البيت من الطبري.
7) في الطبري: فحال ولو كانت.
8) هو مالك بن دينار أبو يحيى البصري، كان مولى لامرأة من بني سامة بن لؤي، وكان زاهداً كثير الورع محدثاً، ويكتب المصاحف. توفي سنة 130 ه. (ابن خلكان وصفة الصفوة 3/ 197).
9) وقذه: ضربه على استرخاء وأشرف على الموت.
قال: نعم. سمعتُه على هذه الأعواد يقولُ(1): إن امرءاً ذهبت ساعةٌ من عمره على غير ما خُلق له لحريٌّ أنْ تطول حسرتُه. وسمعته يقول: امرؤ زوّر(2)نفسه، امرؤ لم يأتمن نفسه على نفسه، امرؤٌ حاسبَ نفسَه(3)قبل أنْ تصيرَ المحاسبة إلى غيره، امرؤٌ جعل لنفسه زِماماً ولِجاماً، فقادها بالزِّمام إلى طاعة الله، وكبحها باللّجام عن معصية الله.
يا أهل العراق، ويا أهل الشِّقاق والنفاق ومساوىء الأخلاق، يا عبيدَ العصا، وألأمَ البشر، كالفَقْع بالقرقر(6).
ألستم أصحاب دُمشقا(7)، يا ذوو أصحاب الزاوية(8)ومسكن(9)ودير الجماجم(10)حين حاكمناكم إلى الله فقضى لنا عليكم.
تزعمون أني أعلمُ الغيب، وقد قال الله - جلّ ثناؤه - (عالِمُ الغيبِ فلا يُظهرُ على غيبه أحداً)(11)
1) النص في جمهرة خطب العرب 302/2.
2) زوّر حسّن.
3) في الجمهرة: امرؤ حاسب نفسه، امرؤ راقب ربه ...
4) هو خالد بن صفوان بن عبد الله بن الأهتم التميمي المنقري، من فصحاء العرب المشهورين، وخطبائهم المعدودين، وفد إلى هشام وسامر السفّاح. (المعارف ص 33).
5) انظر جمهرة خطب العرب 288/2.
6) الفقع: البيضاء الرخوة من الكمأة. والقرقر: الأرض المطمئنة.
7) كذا في المخطوطة.
8) وقعة بين الحجّاج وابن الأشعث في موضع قرب البصرة سنة 82 ه.
9) موضع على نهر دجيل من أرض الكوفة وقعت عنده معركة بين الحجّاج وابن الأشعث.
10) وقعة بين الحجّاج وبين ابن الأشعث في موضع قرب الكوفة سنة 83 ه.
11) سورة الجن آية 46.
وتزعمون أني ساحرٌ فبئس الدِّين دينٌ ظهر عليه السحر، والله - تعالى - يقول:
(ولا يُفلحُ الساحِرُ حَيثُ أتى)(1).
وتزعمون أني بقيّة ثمودَ فوالله ما نجا مع صالح إلّا خيارهم، وهلكَ الآخرون، وقد قال الله عزّ وجلّ (وثمودَ فما أبقىٰ)(2). ثم تمثّل بقول سويد بن أبي كاهل(3):
رُبَّ من أنضجتُ غيظاً صدرَه *** قد تمنّى لي موتاً لم يُطعْ(4)
ويراني كالشجا في حَلْقه *** عَسِراً مخرجُه لا يُنتَزع
ويحيّني إذا لاقيتُه *** وإذا يخلو له لحمي رتَع
كيف ترجون سقاطي بعدما *** شمل الرأسَ مشيبٌ وصلع
وإباءَ للدنيّات إذا *** ضغط المكروبَ ضيمٌ فقبع
وبناءً للمعالي إنما *** يرفع الله ومن شاء وضع
خطبنا الحجّاج بن يوسف ذات يوم، وخرج بالهاجرة، فما زال يفتنُّ مرّةً في أهل (28 و /) الشام، ومرّة في أهل العراق، يقول يا أهل الشام، إنما أنتم كما قال النابغة الذبياني(6):
همُ درعي التي استلأمتُ فيها *** إلى أهل النِّسار وهم مِجَني(7)
1) سورة طه آية 69.
2) سورة النجم آية 51.
3) هو سويد بن أبي كاهل عطيف اليشكري ويقال الغطفاني شاعر مخضرم عاش إلى ما بعد الستين. (الأغاني 165/11 والإصابة 117/2).
4) كانت العرب تسمي هذه العينية اليتيمة لما اشتملت عليه من الأمثال كما في الإصابة، وهي مفضلية. (انظر المفضليات 381).
5) جمهرة خطب العرب 295/2.
6) الديوان 123.
7) في الديوان: إلى يوم النسار. والنسار ماء لبني عامر له يوم. والمجن: الترس.
وهمْ وردوا الجفار على تميمٍ *** وهم أصحاب يوم عكاظ إني(1)
شهدتُ لهم مواطن صادقاتِ *** أتيتهمُ بودِّ الصدر مني
ثم التفتَ إلى أهل الكوفة فقال: هذه المدرةُ(2)الخبيثةُ يجلسون على الكراسي ثم يقولون: ما الهبرُ ما الهبرُ(3).
والله لئن تحرّك فيها متحرّكٌ لأتركنّها كأمس الدابر، فلم يزل يفتن مرّة في أهل الشام، ومرّة في أهل العراق حتى لا يُرى من الشمس إلّا حُمرةً على شُرَفِ المسجد. ثم أمر المؤذّن فأذّن، فصلّى بنا الجمعة، ثم أذّن فصلى بنا المغرب فجمع بين الصلوات يومئذٍ.
لمّا مات الحجّاج قال الحسن(4):
اللهمّ أنتَ أمتَّهُ(5)فاقطعْ عنا سُنّته، فإنه أتانا أخيفش أعيمشَ، يمدّ بيدِ قصيرة البَنان(6)، والله ما عرق فيها عنانٌ في سبيل الله، يُرجِّلُ جُمّتَه، ويخطو في مشيته، ويصعد المنبر فيهذر حتى تفوته الصلاة.
لا من الله يتّقي، ولا من الناس يستحي، فوقه الله، وتحته مائةُ ألف أو يزيدون.
ألا يقول له قائلٌ: الصلاة أيّها الرجل. ثم يقول الحسن: هيهات، والله حال دون ذلك السيف والسوط.
42 - قال أبو عبد الله:
وخطب الحجّاج ذات يومٍ بالكوفة فقال:
يا أهل العراق، أتيتكم وأنا أرقلُ في لمّتي، فما زال بي شقاقكم حتى أنحصَّ شعري. (28 ظ /) ثم كشف عن رأس له أقرع، ثم أنشأ يقول:
من يكُ ذا لمّةٍ يكفّفها *** فإنني غيرُ ضائري زعِري(1)
لا يمنع المرءَ أن يسودَ وأنْ *** يضرب بالسيف قلّة الشعر
طٰربتَ إلى الأصيبيّة الصغار *** وشاقَك منهم قرب المزار(5)
وكل مسافر يزدادُ شوقاً *** إذا دنتِ الديارُ من الديار(6)
وأنشدني في الواثق(7):
أشكو إلى الله بُعدي عن خليفته *** وما أعالج من سُقم ومن كِبر
لا أستطيع رحيلاً إن هممتُ به *** يوماً إليه ولا أقوى على السفر
أنوي الرحيلَ إليه ثم يمنعني *** ما أحدثَ الدهرُ والأيام في بصري
مرض عبد الله بن الأهتم(8)، فأتاه رجلان من أصحاب الحسن البصري
1) ويقال: زعر الشعر أي قل وتفرّق.
2) الواثق: هو الخليفة العباسي الواثق بالله هارون بن المعتصم، كان أديباً وشاعراً، تولى الخلافة سنة 227 ه وتوفي سنة 232 ه. (العبر 412/1).
3) الصالحية محلة ببغداد تنسب إلى صالح بن المنصور المعروف بالمسكين. (ياقوت).
4) الخبر في الأغاني 94/5 برواية حماد بن إسحق عن أبيه.
5) في الأغاني: حننت إلى.
6) في الأغاني: وأبرح ما يكون الشوق يوماً.
7) الأغاني 117/5.
8) هو عبد الله بن الأهتم المنقري، كان خطيباً ذا مقامات ووفادات. (البيان والتبيين 355/1).
يعودانه، فلما أنْ دخلا عليه قالا(1): كيف تجدك يا أبا معمر؟ قال: أخذني - والله - وجعٌ(2)، وما أظنني إلّا لما بي. ولكن ما تقولان في مائة ألف درهم في الصندوق لم تؤدَّ منها زكاةٌ، ولم توصَل رحِمٌ؟
فقالا له: ثكلتك أمُّك، لمن كنت تجمعها؟
قال: كنت - والله - أجمعها لروعة الزمان، وجفوة السلطان (29 و /) ومكابرة العشيرة.
فخرجا من عنده فأتيا الحسن بن أبي الحسن البصري، فأخبراه بذلك، فقال: البائسُ إنما أتاه شيطانه فذكّره روعةَ زمانه، وجفوة سلطانه، فخرج - والله - من ماله جريباً سليباً ذميماً ملوماً. فلما أنْ مات دعا ابنه فمسح يده على رأسه ثم قال له: إيهاً عنك أيها الوارث لا تُخدَع كما خُدع صويحبك أمامك، فقد أتاك هذا المالُ حلالاً، فإيّاك أن يكون عليك، وبالاً أتاك ممن كان له جموعاً مَنوعاً، يدأب فيه الليل والنهار، ويقطع فيه لُجَج البحار والمفاوز والقفار، ومن باطل جمعه ومن حقّ منعه، جمعه فأوعاه، وشدّه فأوكاه(3)لم يؤدّ منه زكاة، ولم يصل منه رحماً، إنّ أعظم الحسرات يوم القيامة أنْ يرى الرجلُ(4)مالَه في ميزان غيره، فيا لها حسرةٌ لا تُقال، وتوبةٌ لا يوم تُنال(5).
كتب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر(6)إلى صديقِ له:
1) الخبر في شرح نهج البلاغة 480/5 وفيه أن الحسن البصري عاد عبد الله بن الأهتم في مرضه الذي مات فيه فأقبل عبد الله يصرّف بصره إلى صندوق في جانب البيت ثم قال للحسن: يا أبا سعيد فيه مائة ألف لم يؤد منها زكاة، ولم توصل بها رحم ... الخ مع بعض الاختلاف في الألفاظ.
2) في الأصل: وجعاً. تحريف.
3) أوكأه: أحكم رباطه، من الوكاء، وهو رباط القربة ونحوها.
4) في شرح نهج البلاغة: أن ترى مالك.
5) في شرح نهج البلاغة: ورحمة لا تنال، إنا لله وإنا إليه راجعون.
6) هو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، من شجعان الطالبيين وأجوادهم وشعرائهم طلب الخلافة في أواخر دولة الأمويين وقتل في سنة 129 ه. (المعارف 207 والطبري 802/7).
أما بعد(1): فقد بدأتني بلطفِ عن غير خبرة(2)، ثم أعقبتني جفاءَ من غير ذنب، فأطمعني أوّلُك في إخائك، وأيأسني آخرُك في وفائك، فلا أنا في غير الرجاء مزمعٌ لك، اطّراحاً، ولا في غدٍ وانتظاره منك على ثقة. فسبحان مَن لو يشاءُ كشف بإيضاح الرأي عن عزيمة الشكّ فيك، فأقمنا على ائتلاف، وافترقنا على اختلاف.
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -(3): مَنْ تعرّض للتهمة فلا يلومنَّ مَنْ أساءَ به الظنَّ، ومَن كتم سرَّه كان الخيار إليه(4)، ومن أفشاه كان الخيار عليه.
وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك فيه ما يغلبك، ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها من الخير محملاً، وكن في اكتساب الإخوان على التقوى. وشاور في أمرك الذين يخافون الله(5).
سمعتُ الحجّاج يتكلّم بكلام ما سبقه إليه أحدٌ، سمعته يقول: أما بعد: فإنّ الله كتب على الدنيا الفَناءَ، وعلى الآخرة البقاء. فلا فناءَ لما كتبَ عليه البقاء، ولا بقاء لما كتبَ عليه الفناء، فلا يغرّنكم شاهدُ الدنيا(7)عن غائب الآخرة. واقهروا طول الأمل بقصَر الأجل.
1) الرسالة في جمهرة رسائل العرب 571/2 وفيها مصادرها.
2) في الجمهرة: فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، وذلك أنك ابتدأتني ...
3) نص أقوال عمر رضي الله عنه في شرح نهج البلاغة 757/3 ومناقب عمر بن الخطاب لابن الجوزي 179.
4) في شرح نهج البلاغة: كانت الخيرة بيده.
5) في شرح نهج البلاغة: واستشر في أمرك أهل التقوى.
6) جمهرة خطب العرب 303/2 ومصادرها فيها.
7) شاهد الدنيا حاضرها.
لا تهتكوا ستراً فإنّه كان رجلٌ من بني إسرائيل، وكانت له امرأةٌ تقول: هتك الله ستر امرأةِ تخونُ زوجها بالغيب، فبعث إليها يوماً سمكة، ثم قامت على رأسه فقالت: هتك الله ستر امرأةٍ تخونُ زوجَها بالغيب فقهقهت السمكة واضطربت حتى سقطت من (30 و /) الخوان فأعادها في القصعة ثم قال لها: أعيدي كلامك.
فأعادت، فقهقهت السمكة حتى سقطت من
القصعة،فعلت ذلك ثلاث مرّات،
كلّ ذلك تقهقه السمكة وتضطرب حتى تسقط من الخوان. فأتى عالِم بني إسرائيل، فأخبره. فقال: انطلقْ فاذكر ربَّك، وكلْ طعامك، واخسَأ الشيطان عنك.
فقال له أخفاء الناس: انطلقْ إلى ابنه، فإنّه أعلمُ منه، فانطلقَ فأخبره، فقال: ائتني بكلِّ مَن في دارك ممّن لم ترَ عورتَه. فأتاه بهم، فنظر في وجوههم ثم قال: اكشف عن هذه الحبشيّة قال: فكشف عنها فإذا معها ذراع البكر، فقال: من هذا أتيت، فمات أبو الفتى العالِم، وهتُك بهتكه ذلك الستر، واحتاج إليه الناسُ، فأتاه بنو إسرائيل فقالوا: ويحكَ أنتَ كنت أعلمنا وأملنا.
فلما كثروا عليه هرب منهم إلى أقصى موضع بني إسرائيل، موضعٍ يقال له: الرّبّة، وهي من أرض البلقاء، فأُتيح له امرأةٌ جميلة تستفتيه. فقال لها: هل لكِ أنْ تمكنيني من نفسكِ وأهب لك مائتي دينار؟
قالت: وخيرٌ من ذلك تجيء إلى أهلي فتزوجني، وأكون لك حلالاً أبداً.
قال: فأين منزلكِ؟ فوصفت له. فطالت عليه تلك الليلةُ، فمضىٰ فإذا هو بكلبةٍ تنبحُ، في بطنها جِراؤها، فقال: ما أعجب هذا!
قيل له: امضِ لا تكوننَ مكلّفاً، فسوف يأتيك خبرُ هذا.
فمضى، فإذا هو برجل يحمل حِجارة، كلما ثقلت عليه، وسقطت منه (30 ظ /) زاد عليها.
فقال له: أنت لا تستطيع تحمُّل هذا، تزيد عليه!
قال: امضِ لا تكوننّ مكلّفاً، سوف يأتيك خبر هذا. فمضى، فإذا هو برجلٍ يستقي من بئرٍ، ويصبّه في حوضٍ إلى جانب البئر، وفي الحوض نَقبٌ، فالماءُ يرجع
البئر. قال له: لو سددتَ الجُحر استمسك لك الماء.
امضِ لا تكوننّ مكلّفاً، سوف يأتيك خبرُ هذا. فمضى فإذا هو بظبيةٍ ورجل راكب عليها، وآخرُ يحلبها، وآخر يُمسك بقرنيها، وآخرُ يُمسك بذَنبها، وآخرون يمسكون بقوائمها. قال: ما أعجبَ هذا! فقيل له: امض لا تكونن مكلّفاً، سوف يأتيك خبرُ هذا. فمضىٰ، فإذا هو برجل يبذر بذاراً، فلا يقعُ في الأرض حتى ينبت(1). قال: ثم مضى فإذا هو برجل معه مِنجلٌ يحصد ما بلغ وما لم يبلغ، قال له: لو حصدت ما قد بلغ وتركت ما لم يبلغ. قال له: امضِ لا تكوننّ مكلّفاً سوف يأتيك خبرُ هذا، فمضىٰ فإذا هو بالقصر الذي وعدته، وإذا دونه نهرٌ، وإذا رجلٌ جالسٌ على سريرٍ، فقال له: كيف الطريق إلى هذا القصر، وقد رأيت في ليلتي أعاجيب؟
قال: رأيتُ كلبةً تنبحُ، في بطنها جراؤها.
قال: يأتي على الناس زمانٌ يثبُ الصغيرُ على الكبير، والوضيع على الشريف،
والسفيهُ على الحليم.
قال: فإني مررتُ برجلٍ يحمل حجارةً، فإذا لم يُطقها وسقطت منه زاد عليها.
قال: يأتي على الناس زمانٌ يكون عند الرجل الأمانة (31 و /) فلا يقدر يؤدّيها، فيزيد عليها.
قال: فإني مررتُ برجلٍ يستقي من بئرٍ، ويصبّه في حوضٍ إلى جنب البئر، وفي الحوض جُحرٌ، فالماء يرجعُ إلى البئر.
قال: يأتي على الناس زمانٌ يتزوّج الرجلُ المرأة لا يتزوّجها لدينٍ، ولا حَسَبٍ ولا، جمالٍ، إنما يريد مالَها، وتكون ممّن لا تَلِد فيكون كلُّ شيء منها يرجع فيها.
قال: فإني مررت بظبيةٍ، فقصَّ قِصَتها.
فقال: أمّا الظبية، فالدنيا، وأمّا الراكب عليها، فالملِك، وأمّا الذي يحلبها فمن
1) يظهر أن بعد هذه العبارة سقط قصير.
أطيب الناس عيشاً، وأمّا الذي يمسك بقرنها فمن أبأس الناس عيشاً، وأمّا الذي يمسك بذَنَبها، فالذي لا يأتيه رزقه إلّا قُوتاً، والذين يمسكون بقوائمها فسفَلَة الناس.
قال: فإني مررتُ برجل يبذر بذاراً فلا يقع في الأرض حتى ينبت.
قال: يأتي على الناس زمانٌ لا يدري متى يتزوّج الرجل، ومتى يولد المولود،
ومتى يبلغ.
قال: فإني مررتُ برجل يحصد ما قد بلغ وما لم يبلغ.
قال: ذلك ملَكُ الموت يحصد الصغير والكبير، وأنا هو، بعثني الله إليك لأقبضَ روحَك على أسوأ أحوالك.
إنّ رجلاً استقرض من ابنه مالاً فحبسه، فأطال حبسَه، فاستعدي عليه الابنُ إلى عليّ بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - فقال:
هذا والدي، حقّا *** وما كنتُ به عقّا
بذلتُ المال في رفقٍ *** وما كنتُ به نزْقا
(31 ظ /)
فلمّا خفّ من مالي *** وقد ولّيته رفقا
تولّى معرضاً عني *** ولما يعطني حقّا(1)
فقال عليٌّ - عليه السلام - للشيخ: قد قال ابنُك فماذا تقول؟ قال:
قال بُنيّ ما ترى فصدِّقهْ
ربّيته في صغرِ أفيّقهْ
طوراً أفدِّيه وطوراً أونقه
حتى إذا شبّ وسوّى مفرقه
أقرضني مالاً له لأنفقه
1) في الأصل: ولم يعطني. ولا يستقيم بها الوزن.
ولم أكن بماله لأسبفه
لولا الصبا منه ولولا رهقه
لم يخشني بماله أنْ أسبقه
فاقضِ القضا والله ربي يرزقه
فقال أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام:
قد سمع القاضي ومن ربّي فهمْ
المالُ للشيخ جزاءً بالنعمْ
وقد تسلّفتُ بتفضيل القِدمْ
يأكله برغم أنف مَنْ رَغمْ
مَنْ قال قولاً غيرَ ذا فقد ظلمْ
وجارَ في الحُكم وبئس ما صرَمْ
يالَ تميمٍ دعوةً غير أممْ(2)
من باهليٍّ سَبّني ثمَّت لمْ
يقتل ولم يحصر ولم يخضب بدمْ
قال أبو عبد الله: وإلى هذا تذهب.
جاء رجل إلى النبي - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم
ويريد أبي أنْ يأخذ مالي.
فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنتَ ومالك لأبيك.
إن معاوية بن أبي سفيان استعمل عبد الرحمٰن بن خالد بن الوليد المخزومي(1)على الصائفة(2)، ثم قال له: ما تصنعُ بعهدي يا عبد الرحمٰن؟
قال أتّخذه إماماً، ولا أعصيه.
قال: اردُدْ عليّ عهدي.
قال: تعزلني بعد أنْ استعملتني عن غير حدَثٍ؟ أمَا(3)والله لو إنّا بمكة على السَّواء لا نتصفتُ منك(4).
قال: ويحكَ لو كنّا بمكة على السواء لكنتَ معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أميّة، ولكنتُ عبد الرحمٰن بن خالد بن الوليد، ولكان منزلي بالأبطح(5)ينشَقُّ عنه الوادي، وكان منزلك أجياداً(6)أسفله عذِرةٌ وأعلاه مَدَرَةٌ.
ثم قال معاوية: عليَّ بسفيان بن عوف الغامديّ(7)، فكتب له عهده ثم قال: يا سفيان ما تصنع بعهدي؟
قال: أتخذهُ إماماً ما أمّ الحرَمَ، فإذا خالفَه خالفتُه.
قال معاوية: هذا - والله - الذي لا يكفكفُ عن عجلة، ولا يُدفع في ظهره من
1) هو عبد الرحمٰن بن خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وكان من فرسان قريش وشجعانها وشهد صفين مع معاوية وتوفي بحمص سنة 46 ه. (الاستيعاب 2/ 400).
2) الخبر مختصر في الإصابة نقلاً عن الموفّقيات 360/2.
3) من هنا إلى نهاية عبارة (عبد الرحمٰن) في البيان والتبيين 264/2 وعيون الأخبار 220/1.
4) في المصدرين السابقين: .. على السواء لعلمت.
5) في المصدرين السابقين: إذا كنت.
6) أجياد: موضع بمكة يلي الصفا.
7) سفيان بن عوف الغامدي صحابي، كان له بأس ونجدة وسخاء، شهد فتح الشام ومات بعد الخمسين بقليل. (الإصابة 54/2).
بطاء، ولا يُضرب على الأمور ضربَ الجمل الثفال(1). سِرْ على بركة الله. فسار فهلك بأرض الروم. واستعمل على الناس عبد الله بن مسعود الفزاريّ(2). وقال له: إنّ ظفراً عظيماً وغنماً كبيراً أنْ يُرجَع بالمسلمين سالمين لم يُنكبوا. وكانت أوَّل ولاية وليها ابنُ مسعود. فأقدم بالمسلمين فنُكبوا، فقال الشاعر (32 ظ /) لعبد الله بن مسعود: أقم يا ابن مسعود قناةً قويمةً *** كما كان سفيانُ بن عوف يقيمُها
وسِمْ يا ابن مسعود مدائن قيصرٍ *** كما كان سفيانُ بن عوف يسومُها
فلما دخل عبد الله بن مسعود على معاوية قال:
أقم يا ابن مسعودٍ قناةً قويمةً
فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ الشاعر ضمّني إلى رجلً لا تُضمُّ إليه الرجال(3). فقال معاوية: والله إنّ من فضيلتك عندي معرفتك بفضلك.
حدّثني الفضل بن الربيع عن عيسى بن موسى (4)قال:
أرسل إليّ المنصور ونحن في طريق مكة عشيةً من ذلك، فأتيته والناسُ يسيرون بين يديه وخلفه، فسايرته ساعةً، وحادثته ثم قال لي: أتذكرُ أنيسة بنت زياد ونزولنا بها؟
قلت: نعم.
قال: أتذكر يوم عشَتْنا بلبنٍ، فقلتُ لها: تُعشِّينا بلبنٍ وقد ذبحتِ اليومَ شاةً؟
1) الثفال: البطيء.
2) في الإصابة اسم أبيه مسعدة. وفي الاستيعاب: مسعود أو مسعدة. وكان عبد الله في سبي فزارة فوهبه النبي صلَّی الله علیه وآله وسلَّم لفاطمة فأعتقته، وكان صغيراً، فتربّى عندها، ثم كان عند علي رضي الله عنه ثم معاوية، ثم كان على جند دمشق بعد الحرة وبقي إلى خلافة مروان. (الاستيعاب 319/2 والإصابة 359/2).
3) في الإصابة: فقال إن الشاعر ضمني إلى من لست له بكفء.
4) هو عيسى بن موسى بن محمد بن علي العباسي، ولي عهد السفاح بعد أخيه المنصور وهو ابن أخي السفاح، توفي سنة 168 ه. (العبر 253/1 وانظر الأغاني 34/15).
فقالت: أتأكلون اللحمَ في اليوم مرتين!
قلتُ: نعم، أذكرُ ما تقول يا أميرَ المؤمنين.
قال: فإني ذكرتها وأنا أنظرُ إلى حالي، فأرسلت إليك لتحمدَ الله - تعالى - وتشكره على ما نحن فيه.
قال: فما زلنا نحمده وندعوه عَشيتنا.
عرضت لي إلى سلَمَ بن قتيبة(1)حاجةٌ، وهو والي البصرة، فلقيتُ بعض أصحابه فسألته القيام بها فضمنها، ومكثتُ (33 و /) أختلفُ إلى باب سَلَم أياماً، والرجل يمطلني ويذكر أنّ الكلام في حاجتي لم يمكنه بعدُ، فبينا أنا في الباب ذات يوم إذ خرج سَلَمٌ راكباً، فوقعت عينُه عليّ، وقد كانت بيني وبينه مودّة متقدّمة فدعاني فقال: أتطالب قِبَلنا شيئاً يا أبا عمرو؟
فقلت: نعم، حاجةٌ حمّلتُها فلاناً منذُ أيام.
فقال: إن كنتُ لأظن يا أبا عمرو أنّك أحزم مما أرى، إذا كانت لك إلى رجلٍ حاجةٌ فلا تُحمّلنها من له طعمة، فإنه لن يؤثِرك على طعمته، ولا تحمِّلنها كذّاباً، فإنَّ الكذاب يقرِّبُ لكَ البعيد، ويُبعّد لك القريب، ولا تحمِّلنها أحمق فإنّه يُجهد لك نفسه، ثم لا يصنع شيئاً.
ثم أمر بقضاء حاجتي.
1) هو مسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي ولاه هشام على خراسان وولاه المنصور البصرة، توفي سنة 159ه. (تهذيب التهذيب وانظر الطبري 154/7 و 194.
خرجتُ مع عبد الله بن أبي سَرح(1)في غزوة أفريقية، فلما دنا من جُرْجير(2)- ملك الغرب - وهو رجلٌ من الروم، نصرانيّ، وكان يُذكر بعقل، قلتُ لعبد الله سعد: لو بعثتَ إليه مَنْ يكلّمه، فبعثني وبعث عبد الله بن الزُّبير، ومروان بن الحكم(3)، وعبد الله بن عامر بن ربيعة(4).
قال عبد الله بن عبّاس: وأنا أسنُّ القوم، فلما جئنا وضِعت لنا وسائد، وإذا الصُلب حولها، فجاء القوم وليس هنالك جُرجير، فجلسوا دون الصُلب، وأبوْا أنْ يجلسوا وهي حولهم، فجئت وجلستُ (33 ظ /) على تلك الوسائد والصُلب حولي، وجُرجير ينظر إلينا من منظر لا نراه. فمكثنا ساعةً ثم أذن لنا جماعة، فجعلوا يزاحموني(5)على المدخل فتأخرتُ عنهم، حتى كنتُ وراءهم، فلما دخلوا عليه ودخلنا، ولي جمالٌ ليس لهم، نظر إليّ فرماني بطرفه فلم يبرح يتطرّح بنظره إليّ حين جلستُ دونهم، وهم أقرب إليه، فرأوا نظره، فرابهم بذلك في أمره، فانتحى ابن الزُّبير فبدأ بالكلام، والترجمان وجرجير يفهمُ من ذلك كثيراً، وهو على ذلك ينظر إليّ ويرمقني، فلما فرغ ابن الزبير تكلّم مروان بن الحكم، ثم أقبل عليّ عبد الله بن عامر فقال: أألتكلّمُ؟
فقلت: تكلّم ما بدا لك.
فتكلّم ثم أقبل عليّ الترجمان فقال: ما تقول أنت يا عربيّ؟
قلتُ: ما أقولُ إلّا ما قالوا، فليُجب صاحبُك ما بدا له، وقد دعوه.
فقال: أخبروني عن هذا الرجل الذي أراه أسنّكم وأجملكم، وأراكم تقدّمونه
أمولاكم هو؟
1) هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي، فاتح أفريقيا، صحابي من كتّاب الوحي توفي في عسقلان سنة 37 ه. (الإصابة 309/2).
2) انظر خبر مفاوضته مع عبد الله بن سعد في الطبري 256/4.
3) هو الخليفة الأموي المعروف توفي سنة 65 ه. (الشذرات 73/1).
4) هو عبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي وقيل العتري، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وتوفي سنة 86 ه. (الإصابة 321/2 والعبر 100/1).
5) في الأصل: فجعل يزاحموني.
قالوا: لا والله بل هو منّا أنفسنا.
قال: فضعيفٌ هو فلا تثقون بعقله؟ فلم أرسله ملككم؟
قالوا: لا والله بل هو عاقلٌ.
قال فما أنتم بحلماء، هو أحدكم، وله عقل مثلُ عقولكم، وهو أجملكم
وأسنّكم، وملِككم الذي أرسلكم أضعف منكم. وهو يعرف هذا منكم.
فسكتوا، فقلت للترجمان: قل لصاحبك أجبنا بما تريدُ فنحن أعلمُ بأمرنا، وبما نصنع بيننا.
قال: يقول الملك: حلمُك هذا يزيدني بصيرةً في حمق أصحابك. فرطن
الملك، فأقبل علينا الترجمان (34 و /) فقال: الملك يقول ما يمنعني من جوابكم إلّا أنّا لا نضعُ جوابنا إلّا في موضعه، أخبروني: أيّكم أقرب بالملِك الأكبر؟
قالوا هذا، لمروان.
قال: ثم مَنْ؟
قالوا: هذا لابن الزبير.
قال: فأيّكم أقرب بنبيّكم وأسنكم وأجملكم؟
قالوا هذا.
قال: يقول الملك: هو أقربكم بنبيّكم وأسنكم وأجملكم، وجلستم فوقه، وتقدّمتم قبله! لا تلبثون إلّا قليلاً حتى يتفرّق، أمرُكم، لا أراجعكم بشيء حتى يتقدّم إليّ ويتكلّم وتتكلّمون بعده.
فقال لي القوم: تقدّم يا أبا العبّاس، وتكلّم حتى ننظر ما يُرجع إلينا ويقول لنا. فقلتُ للترجمان: أجب صاحبَك إني لا أقوم من مجلسي، ولا أعيه كلامي، ولا أبتدي أصحابي.
قال: فلا أكلّمكم كلمةً. قد قلت: لا أفعل. فهل أنت يا رجل معتزلي حتى القاكم، فإني لا أحب أصيبك.
قال: قلت ما يحلُّ لي أن أعتزلك.
قال: أتتقبّل كرامتي من بينهم؟
قال: قلت: لا، إلّا أنْ تكرمهم مثلي.
قال: هل أحدٌ أقرب بنبيّك منك؟
:قلت نعم. ففرح بذلك وقال: منْ؟
قلت: أبي.
قال: وحيٌّ هو أبوك؟
قلت: نعم.
قال: ما هو من نبيّكم؟
قلت: عمّه، ففسّر له الترجمان كيف العمّ ومنْ ابنُه.
قال: فما شأن الملك غيره؟
قلت: كان هذا الملك واللذان قبله خرجوا مع النبيّ - صلى الله عليه وآله - حين خرج من أرضه، ولم يخرج أبي. ونحن نرى لذلك فضلاً، وتقدّم من كان كذلك.
قال بئسما، صنعتم، ولا يصح أمركم ابداً، حتى يخرج إلى أهل بيت النبيّ - صلى الله عليه واله - (34 ظ /) قوموا ولا أراجعكم بكلمة ممّا تريدون، إلّا أنْ تخبرني ما شأنك، جلست بين الصُّلب من بين أصحابك وأنت عدوٌّ لها، واجتنبها أصحابك؟
قلت: لم يسيئوا بما صنعوا، ولم أسيء أيضاً، أمّا فتأذّوا بها، وأمّا أنا فعلمتُ مجلسي لا يضرُّ ديني، ولست منها، وليست مني. قال: ما ينبغي إلّا أن تكون حبر العرب(1). فسُمي عبد الله من ذلك اليوم الحبر.
خرجنا مع المنصور في السنة التي توفي فيها(1)، فلما صار إلى بعض المنازل قال: يا مسيّب إني والله أعلم أني آتي إلى مصر عني.
قلت: فلو أقمتَ.
قال أمير المؤمنين: أعلم بالله، وأثق(2)برحمته، وبما يرجو منها من أن يتخلّف عن جُرمه وأمنه ما يتخوّف من قدره، ولكن أمير المؤمنين رضي بما رضي الله، وهو يعلم أنّه لا يصيبه إلّا ما كُتب له. وأنه عند الله وفي قبضته، فإنْ كان كتبَ عليّ موتاً، فإلى رحمة الله ورضوانه، وإن تأخّر عن ذلك الوقت فإني أعلمُ أني ميّت ومبعوثٌ، وصائر إلى الله - جلّ ثناؤه - وراجٍ رحمته، وأثق بعفوه.
فقلت: يا أميرَ المؤمنين، فبماذا عرفتَ أنك تأتي مصرعك؟
قال: إني رأيتُ في منامي أنّ رجلاً أتاني، وأنا يومئذٍ بالشام في أيام وباءِ بها، وقد أصابني، وقد تخوّفتُ على نفسي، فقال لي: إنّك لا تموتُ في مرضِك هذا (35 و /) فإنْ أحببتَ أنْ أريك التربة التي تُدفن فيها.
فقلت: أرنيها. فأخرج تربةً حمراء وفيها نبذٌ من حصى، فإذا هي كأنها تربة المحرَم، فلستُ أشكُّ أني ذاهب في سفري هذا، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، وأستخلف الله عليكم بحسن خلافته، فمضى فتوفي في وجهه ذلك في بئر ميمون، ودُفن بالأبطح أسفل من عقبة المدنيين.
إنه جلس ذاتَ ليلة، وعنده جماعة من مُضَر، فيهم خالد بن صفوان المنقري(4)، وأناسٌ من اليمن، فيهم إبراهيم بن مَخرمة الكنديّ، فمال بهم الحديث
إلى أن قال ابن مخرمة الكنديّ: إنّ أخوالك(1)الناسُ، وهم العربُ الأولى(2)، وهم الذين دانت لهم الدنيا، وكانت لهم اليدُ العليا(3).
توارثوا الرياسةَ كابراً عن كابر، وآخراً عن أول، يلبس(4)آخر هم سرابيل أوّلهم، يُعرفون ببيت المجد(5)، ومآثر الحمد.
منهم النعمانان والمنذران والقابوسان(6). ومنهم عياض صاحب البحر، ومنهم مَنْ كان يأخذُ كلَّ سفينةٍ غصبا(7)، ويحوز في كلِّ نائبةٍ نهبا.
ومنهم ملوك التيجان(8)، وكماة الفرسان. ليس من بطلٍ عظيم خطبُه(9)، ولا طرف كريمٍ أثره، ولا من فرسٍ رائع، أو سيف قاطع، أو درّةٍ مكنونةٍ، أو درع حصينةٍ، إلّا وهم أربابها وأصحابها.
إن حلّ ضيفٌ أكرموا، وإن سُئلوا أنعموا(10)(35 ظ /) فمَن ذا يا أميرَ المؤمنين مثلهم إنْ عُدّت المآثر أو فخرَ مفاخر، أو نفر مُنافر(11).
فهم العرب العاربةُ، وسائر الناس المتعرّبة(12).
فقال أبو العبّاس، ودخله من قوله ما غمّه: ما أظنُ خالداً يرضى بما تقول.
1) في المحاسن: إن أخوالكم.
2) في المحاسن: الأول.
3) أضاف في المحاسن: ما زالوا ملوكاً أرباباً.
4) في الأصل: فليس تحريف.
5) في المحاسن: بيت.
6) في المحاسن: النعمانات والمنذرات والقابوسات.
7) في المحاسن: ومنهم غسيل الملائكة، ومنهم من اهتزّ لموته العرش، ومنهم مكلّم الذئب، ومنهم من كان يأخذ كل سفينة غصباً.
8) في المحاسن: أصحاب التيجان.
9) في المحاسن: ليس من شيء وإن عظم خطره وعرف أثره.
10) في المحاسن: إن حل ضيف أقروه، وإن سألهم سائل أعطوه.
11) أضاف في المحاسن: لا يبلغهم مكاثر، ولا يطاولهم مطاول ولا مفاخر. فمن مثلهم يا أميرَ المؤمنين. البيت يمان والحجر يمان والركن يمان والسيف يمان.
12) سقط هذا المقطع من المحاسن.
فقال ابن مَخرمة: وهل يقدرُ يا أميرَ المؤمنين أنْ يردّ قولي، أو يفخر مثل مفاخري(1)؟
فقال أبو العبّاس: ما تقول يا خالد؟
قال: إن أذن أمير المؤمنين، وأمِنتُ الموْجِدَة تكلّمتُ.
فقال: تكلّم ولا هبْ أحداً.
فقال خالد: خاب المتكلّم وأخطأ المتقحّم، ولقد قال بغير علم، ونطق بغير صوابٍ. إذ فخر على مُضَر ومنهم(2)رسول الله - صلى الله عليه وآله - والخلفاءُ من أهل بيته، وما أهلُ اليمن - أصلح الله أميرَ المؤمنين - إلّا دابغ جلدٍ، أو سائس قِردٍ أو حائك بُرْدٍ(3).
غلبهم الهدهدُ، وغرّقهم الجرذ، وملكتهم أمُّ ولد. قومٌ(4)- والله يا أميرَ المؤمنين - ما لهم السنةٌ فصيحةٌ ولا لغةٌ صحيحةٌ، ولا حجّةٌ تدل على كتابٍ، ولا يُعرف بها الصواب.
وإنهم منّا لبين إحدىٰ [الخلّتين](5)، إن جازوا قصدَنا أكلوا(6)، وإنْ حادوا [عن](7)حُكمنا قُتلوا.
ثم التفتَ إلى الكندي فقال: أتفخر بالفرس الرائع، والسيف القاطع، والدرع الحصينة، والدرّة المكنونة؟
ألا وإني أفخر بمحمد - صلى الله عليه وآله - خير الأنام، جهدك من ذكرتَ ممّن افتخرت به، فالمِنّة من الله عليكم إن كنتم أتباعه وأشياعه فمنا نبي الله المصطفى
وخليفة الله المرتضى، ولنا السؤدد والعلى، وفينا الحلم والحِجا، ولنا الشرف القديمُ، والحسَبُ الصميم، والجناب الأخضر والعدد الأكثر، والعز الأكبر، (36 و /) ولنا البيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور، ولنا زمزم وبطحاؤها وصحراؤها، وغياضها وأعلامها، ومنابرها وسقايتها وحجابتها وسدانة بيتها، فهل يعدلنا عادلٌ، أو يبلغ مِدحتنا قائل.
ومنّا ابن عبّاس عالم الناس، الطيّبةُ أخباره، المتبوعة آثاره. ومنّا أسَدُ الله، ومنّا سيفُ الله، ومنّا فرسان الله، ومنّا الوصيّ وذو النور والصدِّيق، ومنّا الفاروق، ومنّا العلماء الفقهاء.
بنا عُرف الدِّين، ومنّا أتاكم اليقينُ.
مَنْ زاحمنا زحمناه، ومَنْ فاخرَنا فخرناه، ومَنْ بدّل سُنتنا قتلناه. ثم التفتَ إلى الكنديّ فقال: كيف علمك بلغات قومِك؟
قال: إني بها عالِم.
قال: فأخبرني عن الشناتر.
قال: الأصابع(1).
قال: فأخبرني عن الصنارتين.
قال: الأذنان(2).
قال: فأخبرني عن الجحمتين.
قال: العينان.
قال: فأخبرني عن الميزم.
قال: السِّنّ.
قال: فأخبرني عن الزبّ.
قال: اللحية.
قال: فأخبرني عن الفقحة.
قال: الراحة(1).
قال: فأخبرني عن الكتع.
قال: الذئب(2).
قال: أفتؤمن بكتاب الله(3)؟
قال: نعم.
قال: فكيف تزعمُ أنّكم العربُ الأولى، وأنّا المتعرّبة، والله - جلّ ثناؤه - يقول في كتابه (بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ)(4)وقال تعالى (وما أرسلنا مِن رسولٍ إلّا بلسان قوْمِه)(5)وقال عزَّ ذكره (وجَعَلوا أصابِعَهُم في آذانِهم)(6)ولم يقل: جعلوا شناترهم في صنانيرهم. وقال جلّ ثناؤه: (العَيْنُ بالعين)(7)ولم يقل: الجحمة بالجحمة(8). وقال عزَّ وجلَّ: السِّنُّ بالسِّنِّ)(9)ولم يقل: الميزم بالميزم. وقال تبارك اسمه: (يا ابنَ أُمِّ لا تأخذني بلحيتي ولا برأسي)(10)ولم يقل: لا تأخذني (36 ظ /) بزبي ولا بفتحتي(11). وقال تعالى ذكره: (فأكلَهُ الذئبُ)(12)ولم يقل: فأكله
1) سقط هذا السؤال من المحاسن.
2) في المحاسن: فما القلوب؟ قال الذئب. وهو سقط واضح من الناسخ.
3) في المحاسن: أفتقرأ كتاب الله.
4) سورة الشعراء آية 195.
5) سورة إبراهيم آية 4.
6) سورة نوح آية 7.
7) سورة المائدة آية 45.
8) في الأصل: الحجة بالحجة. تحريف.
9) سورة المائدة آية 45.
10) سورة طه آية 94.
11) سقطت (ولا بفقتحتي) من المحاسن.
12) سورة يوسف آية 18.
الكتع(1).
لكنّي سائلك يا أخا اليمن عن أربعِ خِصالٍ، إنْ أقررتَ بها قهرتَ، وإنْ أنكرتها قُتلت.
قال: وما هنّ؟
[قال:](2)عن نبيّ الله المصطفى - صلى الله عليه وآله - أمنًا أم منكم؟
قال: بل منكم.
قال: أخبرني عن خليفة الله المرتضى، أمنا أم منكم؟
قال: بل منكم.
قال: فأخبرني عن كتاب الله المنزَل علينا أم عليكم؟
قال: بل عليكم.
قال: فأخبرني عن كتاب الله المستقبل، ألنا أم لكم؟
قال: بل لكم.
قال: فأيّ شيء تعدلُ هذه الخصال(3)؟!
فقال أبو العبّاس: والله يا خالد، ما فرغتَ من كلامك حتى ظننتُ أنّه سيُعرَج بسريري إلى السماء. ما لك يا يمانيّ ورجال مُضر، تفاخر هاشماً(4)؟ ثم أمر لخالد بمائة ألف درهم، وأقطعه سبعين جريباً في أرض العرب بالبصرة(5).
1) زاد في المحاسن: ولم يقل القلوب.
2) ما بين الحاصرتين تكملة من المحاسن.
3) ورد ذلك مختصراً في المحاسن والمساوىء، ولم أدرك معنى كتاب الله المستقبل ولا يوجد في المحاسن.
4) في الأصل: تفاخر هاشم.
5) في المحاسن: فقال أبو العبّاس أكفف عنه فوالله ما رأيت غلبة أنكر منها والله ما فرغت من كلامك يا أخا مضر حتى ظننت أنه سيعرج بسريري إلى السماء. ثم أمر لخالد بمائة ألف درهم.
وفد عبد الملك بن حنظلة التميميّ على هشام بن عبد الملك فأقام ببابه أياماً، ثم دعا به هشام ليلاً فسائله عمّا قدم له، وعن خراسان. فأعجبه ما رأى من عقله وبصره بأمر خراسان، ثم قال له: إني أراك رجلاً عاقلاً عالماً بخراسان، فسمِّ لي رجالها، ومَنْ ترى أنّ منهم يصلح لها(1).
قال: يا أميرَ المؤمنين بها عبد السلام بن مزاحم السُّلمي(2)، وهو شيخ خراسان وسيّدها في سنه وفضله وعقله، من رجل فيه خصلة.
قال: ما هي؟ (37 و /).
قال: بخلٌ لا ينادي وليده.
فقال هشام: لا يستقيم لخراسان رجل يوصَف بالبخل.
سمِّ لي غيره.
قال: يحيى بن الحصين بن المنذر الذهليّّ، فتى خراسان سخيً وبأساً، من رجل فيه خِصلة.
قال: ما هي؟
قال: يشرب بالليل(3).
قال ليس هذا من أصحابها. سمِّ غيره.
قال: قَطن بن قتيبة بن مسلم الباهليّ، رجل خراسان عفافاً وعقلاً وحِلماً وسخاءً وكمالاً.
قال فيه شيء؟
قال: نعم، موتورٌ. وتره قومُه.
قال: سمِّ غيره.
قال: فَثَمَّ أخوه سَلَم بن قتيبة(1). وليس بدون مَنْ سمّيتُ لك سخاءً وحلماً وسؤدداً، ما رأينا شيخاً في نُسك شاب غيره.
قال: فسَمِّ لنا غيره.
قال: نصر بن سیّار(2)، رجل خراسان بأساً وحزماً وتجربةً وشدّة رأي، من رجل لا عشيرة له بها.
قال: وممّن هو؟
قال: من بني ليث بن بكر بن كنانة. قال: فأنا عشيرتُه، ولن يذل مَن كنتُ
عشيرته.
قال: فقال له رجل من أخواله من بني مخزوم: هو - يا أميرَ المؤمنين - صاحبها، ومن كنتَ عشيرتَه فهو عزيز(3).
قال: فأمر هشام بالعهد أنْ يُكتب لنصر بن سيّار على خراسان، ويُدفع إلى عبد الملك. وقال له: دعني وسِرْ إليه بعهده.
قال عبد الملك: فخرجتُ والعهدُ معي حتى انتهيت إلى سرخس وبها [حفص بن](4)عمر بن عبّاد الذهليّ(5).
1) سمّى الطبري مكانه: عثمان عبد الله بن الشخير.
2) هو نصر بن سيّار الليثي، أحد بني ليث بن بكر، من الدهاة الشجعان ولّاه هشام خراسان سنة 120 وكان يعد في أصحاب الولايات والحروب في التدبير وفي العقل وشدّة الرأي. (الطبري 145/7 والبيان والتبيين 47/1).
3) في الطبري: فقلت: نصر بن سيّار الليثي، قال: هو لها. قلت: إن اغتفرت واحدة، فإنه عفيف مجرب عاقل. قال: ما هي؟ قلت: عشيرته بها قليلة. قال: لا أباً لك أتريد عشيرة أكثر مني أنا عشيرته.
4) ما بين الحاصرتين تكملة من الطبري.
5) في الطبري: التيمي.
قال: فأكرمني واحتبسني عنده أياماً وأعطاني جاريتين نفيستين، ولم يدَعْ من الكرامة إلّا حيّاني بها. فلما رأيتُ ذلك منه قلت: يا هذا قد - والله - صنعتَ بي صنعاً ما أقدرُ على مكافأته لك، إلّا أنّ معي (37 ظ /) شيئاً ما علمَ به خَلْقٌ وهو عهد نصر بن سيّار على خراسان.فوجّه إليه مَن يُعلمه فتكون البشارة لك، ويكافئك عني.
قال فجزاه خيراً، ودعا ابنيْ عمٍ له، وكتب معهما إلى نصر بن سيّار.
قال: فمضيا إليه، فأعلماه وهو في عسكر جعفر بن حنظلة البهراني(1)، خليفة أسد بن عبد الله(2)، فقال لهما: أكتما أمرَكما.
قال: وقدمتُ عليه بالعهد، وبعث إلى عبد السلام بن مزاحم السلميّ يدعوه وإنما أراد أنْ يتقوّى به لكثرة تبع عبد السلام، فلما أتاه الرسولُ قال عبد السلام: ولي - والله - خراسان، وما كان ليدعوني إلّا وقد ولي.
قال: فركب وأتاه، فسلَّم عليه بالأمرة.
قال: علمتُ أنك لم تبعث إليّ إلّا وقد وليت.
قال: نعم.
قال: فاركب بنا، فركب معه في جماعة، فمضى نصر فدخل على جعفر بن حنظلة وهو في مجلسه على فرشه، ثم أخذ بيد نصر فأجلسه عليها. فدخل الناس عليه يهنونه، فدعا بصلتان مولى خالد بن عبد الله، فأمر به فجُرِّدَ، فضربه خمسمائة سوطٍ، ثم دعا بملك مرو الروذَ(3)، فأمر به فجرِّد فضُرب خمسمائة سوطٍ. ثم التفت إلى مَنْ حوله فقال: أظنّكم أنكرتم ما فعلتُ بهذين؟
1) جعفر بن حنظلة البهراني، أحد قادة أسد بن عبد الله في بلاد الترك، واستخلف على خراسان بعد وفاة أسد سنة 119 ه. (الطبري 124/7 و 138).
2) هو أسد بن عبد الله القسري، أخو خالد وقد ولّاه أخوه خراسان توفي سنة 119 ه بعد أن أصيب بالمدبيلة وهو ببلخ. (الطبري 138/7).
3) مرو الروذ من نواحي هواة بينها وبين بلخ. (ياقوت).
أخبركم عني وعنهما. أمّا صلتان فإنّ أسد بن عبد الله تعصَّب علينا وأساء إلينا، وعهد إلى أربعة عشر رجلاً من مشيخة مضر، فضربهم بالسياط وحلق رؤوسهم ولِحاهم، أنا، أحدهم، ثم وجّه بنا مع صلتان إلى خالد بن عبد الله بالعراق. فما وصلنا إليها حتى عَفت (38 و /) رؤوسُنا ولحانا فلمّا رأى ذلك صلتان، دعا بحجّام، فقال: احلقْ ما نبت من رؤوسهم ولحاهم، فناشدناه الله، فأبى وقال: لا تدخلون على الأمير هكذا، فجعلتُ الله علي إنْ أنا ظفرتُ به أن أضربَه خمسمائة سوط، وأمّا هذا الآخرُ، فإني غزوتُ مع والي خُراسان، فبعث العسكر في بعض العشيّات، فأتيتُه ليلاً، وقد نزل الناس، ومعي خمسون(1)رجلاً من أصحابي فتجنبتُ العسكرَ والزّحامَ، فنزلنا غيرَ بعيد منه قربَ أرضِ وزرعٍ لهذا الدهقان، فقلتَ بعض دوابنا فأفسدوا في زرعه، فعمدَ إلى دوابنا كلّها، فقطعَ أذنابَها من الأصول، فأصبحنا شهرةً لأهل ذلك العسكر، فآليتُ إنْ أمكنني الله منه أنْ أضربَه خمسمائةَ سوط.
كنتُ يوماً عند عائشة ابنة أبي بكر الصديق زوج النبيّ - صلى الله عليه وآله - فإني لعندها إذ دخل رجلٌ مُعتّمٌ عليه أثرُ السَفَر فقال: قُتل عليّ بن أبي طالب - عليه السلام - فقالت عائشة:
إنْ َتكُ ناعياً فلقد نعاه *** نَعيٌ ليس في فيه التراب
ثم قالت: مَنْ قتله؟ قالوا: رجلٌ من مراد. قالت:
رُبَّ قتيلِ الله بيدَي رجلٍ من مراد.
قالت زينب: فقلتُ سبحان الله يا أم المؤمنين، أتقولين مثلَ هذا لَعليٍّ في سابقتِه وفضلِه؟ فضحكت وقالت: بسم الله (38 ظ /) إذا نسيتُ فذكّريني.
رفعتُ رقعةً إلى المأمون أشكو غَلَبة الدَّيْن. فوقّع بخطّه فيها(2).
فيك خلّتان(3): السّخاءُ والحياء، فأمّا السَّخاءُ فهو الذي أطلقَ يديك بما ملكت، وأمّا الحياءُ فهو الذي حَملَك على ذكر بعض دَيْنك(4)، وقد أمرنا لك بضعف ما ذكرتَ، فإن كنّا قصّرْنا عن بلوغِ حاجتكِ فجنايتُك على نفسك، وإنْ كنا بلَغنا بغيَتك، فزد في بَسطِ يدكَ، فإنّ خزائن الله مفتوحة، ويده بالخير مبسوطة.
قال لي المأمونُ: لا يستطيعُ الناسُ أن يُنصفوا الملوك من وزرائهم، ولا يستطيعون أن ينظروا بالعدل بين ملوكهم وحُماتهم وكُفاتهم، ولا بين صنائعهم وبطانتهم، وذاك أنّهم يروْن ظاهر حُرمةٍ وخدمةٍ واجتهادٍ ونصيحةٍ، ثم يرون إيقاع الملوك بهم مع هذه الصفات ظاهراً، لا يزال الرجلُ يقول: ما أوقعَ بهم إلّا رغبةً في أموالِهم أو رغبةً في بعض ما لا تجودُ النفسُ به. ولعلّ الحسدَ والملالَةَ وشهوةَ الاستبدال، اشتركت في ذاك منه، وهناك جنايات في صُلب الملك، وفي بعض الحُرم فلا يستطيعُ الملِك أنْ يَكشفَ للعامّة موضع العورة في المُلك أن يحتجَّ لتلك العقوبة بما يستحقُّ ذلك الذنبَ، ولما يستطيع الملك ترك عقوبة، لِما في ذلك من الفساد على عمله، بأن عُذرَه غير (39 و /) مبسوط عند العامّة، ولا معروفٌ عند أكثر الخاصّة.
1) هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الواقدي الأسلمي، من أهل المدينة. انتقل إلى بغداد وولى القضاء بها للمأمون، وكان عالماً بالمغازي والسير والأخبار توفي سنة 207. (الفهرست 98 و تاريخ بغداد 3/3).
2) جمهرة رسائل العرب 441/4.
3) في الجمهرة خصلتان.
4) في الجمهرة: على أن ذكرت بعض دينك دون كله.
5) في الأصل: داود.
سألت أبا محمد يحيى بن أكثم(1)عن المأمون: أكان حليماً؟ فقال: لا والله ما حدَّثت عن أحلم منه، لا مِلكٌ ولا سوقة، ولا رأيت أكرم منه قطُّ.
ثم أنشأ يحدّثني قال(2): بتُّ عنده ليلةً فعطشَ، فظنَّ أني نائمٌ، وأنا منتبهٌ أرى كلّ ما يصنعُ، فكرِهَ أن يدعو الغلام فأنتَبهُ، فمضى إلى برّادةِ بينه وبينها أكثر من ثلثمائة ذراع، فأخذ كوزاً منها فشربَ ماءَه، ثم أقبل مسرعاً، فلما دنا من فراشي خطا خُطى لصٍّ خائف لكي لا أنتبه، ثم رمى بنفسه على فراشه، وبتّ عنده ليلةً بعد ذلك، ونحن بالشام، وما معي أحدٌ. قال: فجعلتُ أبائقه وأتفقَّدُ ما يصنعُ، وهو يظنُّ أني قد نمت. قال فعرضَ له سُعالٌ فرأيتُه وقد أخذَ كمَّ قميصه فجمعه، ثم حشا به فمَه، فردّ فيه سُعاله لئلا ينبهني. قال: ثم جعل يرعى حركتي وقد طلع الفجر، وهمّ بالنهوض للصلاة، وأخّرَ ذلك إلى أن أسفرَ شديداً، فلما علمتُ أنّ الوقت قد ضاق عليه، تحرّكتُ. فقال: اللهُ أكبرُ، يا غلام، نبِّه أبا محمد. ثم قال: كيف رأيتَ مبيتَك؟ قلت: بخيرٍ يا سيّدي قال: إنّ الشيعةَ أشدُّ رعايةً لأوقات الصلاة من المرجئة. مذ کم تراني أتقلّبُ وأتحرّكُ للصلاة فيمنعني من النهوض نحوها نومُك. وكرهتُ [أن](3)أوقظك وفي عينيك باقٍ من سنتِك فأقطعها عنك. فقلت: فلذلك جعلكم الله (39 و /) أرباباً وجعلَنا لكم عبيداً. إذ كانت هذه أخلاقُكم. ثم نهض للصلاة.
وقال لي أيضا(4): ومن كريمِ أخلاقِه، أني كنتُ أماشِيه في بستانِ(5)موسى، والشمسُ على يساري، والمأمونُ في الظِّلِّ، وقد وضع يَده على عاتِقي، ونحنُ نتحدّثُ إذ أرادَ أنْ يرجِعَ في الطريق الذي ذهب فيه، فلمّا انتهى إلى الموضع الذي قصده، قال لي: يا أبا محمد، إنّك جئت وعلى يسارك الشمسُ، وقد أخذتْ منكَ،
1) وهم الناسخ فأضاف (أبا الصواب) قبل كلمة (محمد).
2) الحادثة في عصر المأمون 445/1 ولم يذكر مصدره فيها.
3) ما بين الحاصرتين تكملة للسياق.
4) الحادثة في عصر المأمون أيضاً 445/1 ولم يذكر مصدره فيها.
5) بستان موسى: ذكر في عدة مواضع من تاريخ الطبري ففي خلافة الأمين ذكر بأنه من مواضع لهوه وأنسه. وفي خلافة المأمون ذكر أنه لم يزل مقيماً ببغداد في الرصافة حتى بنى منازل على شط دجلة عند قصره الأول وفي بستان موسى. (انظر الطبري 482/8 و 575).
فكنْ أنت في مُنصرفنا حيثُ كنتُ، وأكونُ حيث كنتَ. قلتُ: والله يا أميرَ المؤمنين لو أمكنني أن أقيك بنفسي من هَول المطلعِ لفعلتُ فيك، لا أصبرُ على أذى الشمس لحظة. قال: والله لا بدّ منها. آخذُ منها كما أخذت منك. قال: فصار المأمون في موضعي، وصرتُ في موضعه، وتماشينا، وأخذ بيدي فوضعها على عاتقه، وقال: إنّ أول العدلِ أنْ يعدلَ الرجلُ على بطانَتِه، ثم الذين يَلونهم، حتى يبلغَ ذاك إلى الطبقة
السفلى.
قال المأمون يومَ خميسٍ، ونحن حضور مع الناسِ في الدار، لعليٍّ بن صالح(2): عليَّ بإسماعيل. قال: فخرجَ، فإذا إسماعيلُ بن جعفر، وأراد المأمونُ إسماعيلَ بن موسى(3)، فلما بَصُر به من بعيدٍ، وكان أشدَّ الناس به بغضاً، رفع يدَيه مادّاً إلى السماء، ثم قال: اللهمّ بدّلني بعليّ بن صالح مُطيعاً ناصحاً، فإنّه بصداقته لهذا آثرَ هواه على هوايَ، فلما دنا إسماعيلُ بن جعفر(4)، فسَلّمَ (40 و /) فردّ عليه السلامَ، ثم دنا فقبّل يده، ثم قال: هاتِ حوائجك. قال: ضَيْعتي بالمغيثة(5)غُصبتها وقُهرتُ عليها. قال: نأمر بردّها عليك. قال: حاجتُك؟ قال: دَيْنٌ كثيرٌ عليّ في جفوة أمير المؤمنين لي(6).
قال: نقضي دَيْنَك. ثم قال: حاجتُك؟ قال: تأذنُ لي في الحجّ. قال: قد أذنتُ لك. ثم قال: حاجتُك؟ قال: وَقْفُ أبي كنتُ إليه(7)، فأُخرجَ من يدي وصار إلى قَثَم
1) الحادثة في المحاسن: والمساوىء 161 برواية ثمامة. وعصر المأمون 352/1.
2) في عصر المأمون: قال المأمون في يوم الخميس وقد حضر الناس الدار لعليّ بن صالح.
3) هو إسماعيل بن موسى الهادي.
4) هو إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس (المعارف 375).
5) في الأصل: بالمفتية. وفي المحاسن: بالفتنة. وما أثبتناه عن عصر المأمون: وهي منزل بطريق مكة بعد العذيب نحو مكة. وقال: الأزهري ركية بين القادسية والعذيب. (ياقوت).
6) في المحاسن: إيّاي.
7) في المحاسن: كان في يدي.
والقاسم، ابني أبي جعفر(1). قال: فتريدُ ماذا؟ قال: يُرَدُّ إليّ. قال: أمّا ما كان يُمكننا في أمرك فقد جُدنا لك به. وأمّا وقْفُ أبيك فذاك إلى ورثته ومواليه، فإن رَضوا بك والِياً عليهم وقيّماً لهم رددناه إليك، وإلّا أقررناه في يدِ مَنْ هوَ في يده. ثم خرج. فقال المأمونُ لعليّ بن صالح: ما لي ولكَ - عافاك الله - متى رأيتَني نشطتُ لإسماعيل بن جعفر، وعُنيتُ به، وهو صاحبي بالأمس بالبصرة. فقال: ذهبَ فكري يا أميرَ المؤمنين عن إسماعيل بن موسى. قال صدقتَ، ذهب عن فكرك ما كان يَجِب عليك حفظُه، وحفِظَ فكرُك ما كان يجب عليك أن لا يخطرَ به. أمّا إذْ أخطأتَ فلا تُعلمْ إسماعيلَ ما دار بيني وبينك في أمره. فظنّ عليٌّ أنّه يعني بقوله [إسماعيل بن موسى، فأخبر](2)إسماعيل بن جعفر بالقصّة حرفاً حرفاً. فأذاعها إسماعيل بن جعفر، وبلغ الخبرُ المأمونَ، فقال: الحمدُ لله الذي وهبَ لي هذه الأخلاقَ التي أصبحتُ أحتمل بها عليّ بن صالح، وابنَ عمران وابن الطوسيّ(3)حُميد بن عبد الحميد، و منصور بن النعمان وزعامش(4).
سمعت أبا (40 و /) عبّاد، ذُكر المأمون فقال: والله أحدُ ملوك الأرض، الذي يجب له هذا الاسمُ بالحقيقة، ثم أنشأ يحدِّثُ قال: كان يلزمُ بابي رجلٌ لا أعرفُه، فلمّا طالت ملازمتُه قلتُ له بسوء لقائي: يا هذا ما لزومُك بابي؟ قال: طالبُ حاجةٍ. قلتُ: وما هي؟ قال: توصلني إلى أمير المؤمنين، أو توصِلُ لي رقعةً. قلتُ: ما يمكنني في أمرك ما تريدُ فانصرفَ، ولم يردَّ عليّ شيئاً، وجعل يلزمُ الباب، فما يفارقه، فإذا انصرفتُ فرآني نشيطاً تصدّى لي فأراني وجهَه فقط. وإنْ رآني بغير تلك الحال، كرَّ ناحيةً. فما زالت تلك حالُه صابراً عليها حتى رفقتُ عليه. فقلت له يوماً وقد
انصرفتُ من الدار: مكانك. فأقام. فقلت للغلام: أدخلْ هذا الرجلَ. فأدخلَه. فقلتُ: يا هذا إني أرى لك مطالبةً جميلةً، وأظنّك ترجعُ إلى محتدٍ كريمٍ، وأدبٍ بارعٍ. فقال: أمّا المحتِّدُ فرجلٌ من الأعاجم. وأمّا الأدبُ فأرجو أن تجدَه إنْ طلبتَه. قلتُ: أمّا إنّ عندي منه علماً. قال: وما هو أدام الله بقاءك؟ قلتُ: صبرُك على المطالبة الجميلة. قال ذاك أقلُّ أحوالي - أعزك الله - قال: فدخلتني له جلالةٌ. فقلتُ: حاجتُك؟ قال: ضَيْعةٌ صارت لأمير المؤمنين - أيّده الله - كانت لسعد بن جابر، وكنا شركاءَ فيها، فجاء وكيلُه فضربَ منارةً على حدودنا وحدوده، وهذه ضيعةٌ، كنا نعودُ بفضلها على الغريب، الصديق والجارِ والأخِ. فقلتُ: فمعك رقعةٌ؟ قال: نعم. فأخرج رقعةً من خُفِّهِ فيها (41 و /) مَظلمتُه. فلما قرأتها ووضعتُها قام فانصرفَ. فخفَّ على قلبي، وأحببتُ نفعَه، فأدخلتُه على المأمون مع جُميعةٍ من أصحاب الحوائج. فاتّفقَ أنْ كان أوّلَ مَنْ كلّمَ منهم.
فاستنطق رجلاً فصيحاً حَسنَ العبارة لَسِناً. فقال: تكلَّمْ بحاجتك. فتكلّمَ. فقال يا ثابت، وقِّع بقضائها. ثم قال: ألك حاجةٌ؟ قال: نعم يا أميرَ المؤمنين. أرضي غلبني عليها ابنُ البختكان بالأهواز بقوّة السُّلطان، فأخرجها من يدي ودعاني إلى أخذ بعضِ ثمنها. فقال: يا ثابت وقّعْ له بالكتاب إلى ابن البختكان وإلى القاضي هناك بأمرِه بإنصافه، وإخراج ابن البختكان من حقّه، أو أخذها من الرجل بالحكمة. قال: ألك حاجةٌ؟ قال: نعم يا أميرَ المؤمنين، قطيعةٌ كان المنصورُ أقطعها أبي، فأُخذَت من أيدينا بسبب البرامكةِ. قال: وقِّعْ، تُردُّ عليه هذه موفورة، ويُنظر ما أخرجت منذ قبضت عنهم إلى هذه الغاية، فليُدفَع إليهم حاصلُ غلّاتهم. ثم قال: ألك حاجةٌ؟ قال: نعم يا أميرَ المؤمنين، عليَّ دَيْن قد أبهظني وأذلّني ذكرُه، وقوّى عليّ أربابَه. قال: وكم دَينُك؟ قال: أربعةُ آلاف دينارٍ. قال: وقّعْ يا ثابت بقضاء دَينِه. قال: فسأل سبعَ حوائج، قيمتها ألفُ ألف درهم، فوالله إنْ زالت قدمُه عن مقرِّها حتى: قُضيت، فامتلاتُ غيظاً، وفرتُ فور المِرجَل. حتى لو أمكنتُ لحمه لأكلته. ثم دعا للمأمون وخرج. فقال: يا ثابت، تعرفُ هذا الرجل؟ قلتُ: فعلَ الله به. ما رأيتُ (41 ظ /) والله رجلاً أجهلَ منه، ولا أوقحَ وجهاً منه. قال: لا تقل ذاك فتظلمه، فما أدري متى خاطبتُ رجلاً هو أعقلُ منه، ولا أعرفُ بما يخرجُ من رأسِه، قال:
فقصصتُ عليه، قصّتَه أولَها وآخرَها. فقال: هذا من الذي قلتُ لكَ. ثم قال: وأزيدك أخرى، لا أحسَبُك فهمتها. قلتُ: وما هي - جعلني الله فداكَ - يا أميرَ المؤمنين. قال: أوَ مَا رأيتَ خاتمَه في أصبعه اليمنى؟ قلتُ: (ولتعرفنَّهمْ في لَحْنِ القولِ)(1).
خلا أبو جعفر يوماً مع يزيد بن أسيد(2)، فقال له: يا يزيد ما ترى في قتل أبي مسلم؟ فقال: أرى يا أميرَ المؤمنين أنْ تقتلَهُ وتقرّبَ إلى الله بدمِه، فوالله لا يصفو مُلكُكَ، ولا تهنا بعيشٍ ما بقي. قال يزيد فنفر مني نفرةً ظننتُه سيأتي عليّ. ثم قال: قطع الله لسانَك، وأشمتَ بك عدوّكَ، أتشيرُ عليّ بقتل أنصح الناس لنا، وأثقله على عدوّنا. أما والله لولا حفظي ما سلف منك، وإني أعدُّها هفوةً من رأيك لضربتُ عنقَك. قمْ - لا أقامَ الله رجليك - قال يزيد: فقمتُ وقد أظلم بصري، وتمنّيتُ أنْ تَسيخَ الأرض بي. فلمّا كان بعد قتله إياه بدهرٍ قال لي: يا يزيد: تذكرُ يومَ شاورتُك في قتل العبدِ؟ قلتُ: نعم يا أميرَ المؤمنين. وما رأيتُني قطُّ أقربَ إلى الموت مني يومئذٍ.
قال: فوالله لكان ذلك رأي، وما لا أشكُّ فيه، ولكني خشيتُ أنْ (42 و /) يظهرَ منك فتُفسدَ عليّ مكيدتي.
1) سورة محمد آية 30.
2) في الأصل يزيد بن أبي أسيد. والمثبت عن الطبري وياقوت والأغاني. وهو قائد أبي العباس وواليه على أرمينية سنة 134 وقائد المنصور من بعده. (انظر الطبري 465/7 وياقوت 322/3 والأغاني 38/15).
3) المخلوع: هو الخليفة العباسي الأمين، محمد بن هارون الرشید ظفر به قائد المأمون طاهر بن الحسين فقتله في المحرم من سنة 198. (انظر في تفصيل مقتله مروج الذهب 480/6 والمعارف 384).
المأمون فقال(1): فُض الخاتَمَ. ففعلتُ، ثم أفضيتُ إلى الخاتم على منديل مخمَّل فيه الرأسُ، ففضضتُ الخاتمَ، وإذا على وجهه قُطنٌ، فلما رآه المأمونُ نظر إليه بمؤخَّر عينيه، وكلّح، وأعرض بوجهه، فقال ذو الرياستين(2): يا أميرَ المؤمنين هذا موضعُ شكرٍ فاحمدَ الله الذي أراكَ به ما كان يحبُّ أن يراك به.
قال ابن أبي سعيد: فأمرني فكشفتُ عن الرأس، فتأمَّلَهُ(3)، ثم أمرَ به فنُصِبَ على قناةِ(4)، ووضِعَ العطاءُ للناس، فكلّما أعطى رجلٌ أمرَ أن يلعن المخلوع. ففعلَ، حتى قيل لرجلٍ من العجم، وقد أخذ عطاءه: العنْ المخلوعَ. قال: [لعَن](5)الله المخلوعَ ولُعنتَ، ولُعنَ أمير المؤمنين، ومَنْ ولده. ثم أمر بترك لَعْن المخلوع بعد ذلك(6).
قال لي أبي وهو يوصيني: يا بنيَّ إني أتركك مع مَنْ لا يتركك، فأكحِلْ عيونَهم بحسنٍ منك تقطعْ ألسنتهم عنك، وكن لنفسك تكنْ لك، وخذْ من كلِّ زمانٍ محاسنَ ما فيه. وأنت قليلٌ فاتقِّ تكن به كثيراً، واعلم بأنك تخرج بموتي من سَعَةٍ عذرٍ إلى ضيق مُداراةٍ، فضع الأمور مواضعَها تضعْكَ موضعَكَ. واجعل (42 ظ /) دنياكَ صِلَةً لآخرتك، ولا ترض لها بها عوضاً من الآخرة، فإنّ الله لم يَرضَها عقاباً لمن سخِطَ عليه، ولا ثواباً لمن رضي عنه، وانظر بناتي، فوصيّتي فيهنَّ بما أوصى سعيد بن العاص في بناته حين قال: يا عمرو، أنظر بناتي فاجعل البيوتَ لهنَّ قبوراً حتى يأتيهنَّ الموتُ أو يأتيك الأكفاءُ. وانظر غِلماني، فلا تحبس منهم مَنْ رآك منهم صغيراً، فإنّه
1) الحادثة في مروج الذهب 483/6.
2) ذو الرياستين: وزير المأمون المعروف الفضل بن سهل، لقب بذلك لأنه دبّر أمر السيف والقلم. (انظر معجم ألقاب الشعراء 96).
3) في الأصل: فتأملته. تحريف.
4) في مروج الذهب: فأمر المأمون بنصب الرأس في صحن الدار على خشبة.
5) تكملة من مروج الذهب.
6) في مروج الذهب: فقال: لعن الله هذا، ولعن والديه، وما ولدا، وأدخلهم في كذا وكذا من أمهاتهم.
لا يُسِرُّ لكَ هيبةً، وانظر إلى مالي، فإنْ كرِهتَ منه شيئاً، ورأيتَ الاستبدال به خيراً من حبسه فلا تحبسه، فإنه ليست بينك وبينه قرابةٌ وانظر أهلَك فإنهم لن يصلحوا وأنت فاسدٌ، وليكن لك في منزلكَ طعامٌ، وإنْ قلَّ يأتك مَنْ في منزله أطيب منه وأكثر، أنظرْ بني زيادٍ أخوالك، فكنْ لهم ابنَ أختِ ما كانوا لك أخوالاً. فإن أرادوك على غيرها فأوسعهم الجفاء، وإنْ حملوك على الذي حملوني عليها، فاركبْ غيرَ هائبٍ لهم، فإنّ الذي قدّمته لك مُعينٌ لك عليهم، ولن يدَعُوك حتى يخبروك، فلا تدعهم حتى يعرفوك.
دخل عمرو بن عُبيد(1)على عبد الله بن محمد، أبي جعفر المنصور فقال له المنصور: يا عمرو، عِظني وأوجز. قال(2): يا أميرَ المؤمنين إنّ الدنيا بحذافيرها في يديك، فاشتر نفسَك من ربِّك ببعضها، واعلم أنَّ الله سائلُك عن مثاقيل الدَّرِّ من الشرِّ والخير، واعلم أنّ الله لا يرضى منك إلّا بالعذر ممّن استرعاك وفوّضَ أمورهم إليك. وقال (43 و /) النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلّم: كلكم راعٍ وكلكم](3)مسؤولٌ عن رعيته(4).
يا أميرَ المؤمنين فكِّرْ في نفسِك، واعلمْ أنك من آدمَ خُلقت وآدم قبلك خُلِقَ من ترابٍ. يا أميرَ المؤمنين إنّ من وراء بابك ناراً من الجَوْر والظلم، فاتقِ الله في نفسك، واشترِ نفسَك من هول المَطْلع.
قال: فأقبل عليه رجلٌ من القوم فقال: حسبُك من عِظةِ أميرِ المؤمنين، فقد شقَقتَ عليه. فقال عمرو بن عُبيد: مَنْ هذا يا أميرَ المؤمنين؟ فقال له: هذا أخوك
1) أبو عثمان عمرو بن عبيد البصري، كان زاهداً عابداً، صحب الحسن البصري ثم خالفه واعتزله هو وأصحاب له فسموا المعتزلة. مات في طريق مكة سنة 142 وصلى عليه سليمان بن علي ورثاه المنصور ولم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه. (المعارف 482 و تاريخ بغداد 6652).
2) ورد بعض هذه الموعظة في عيون الأخبار 337/2 وشرح نهج البلاغة 306/5.
3) تكملة من كتب الحديث.
4) جزء من حديث طويل ورد في الجامع الصغير 79.
سليمان بن مجالد(1). قال: فأقبل عليه عمرو فقال: إن أمير المؤمنين يموتُ غداً، وإنّ كلَّ ما ترى ينقطعُ كأن لم يكن، وأنت غداً جيفةٌ ملقىَ قد استحضر في بدنك الدودُ، يقدّرُك القريبُ والبعيد، لا ينفعُك إلّا عملُك الصالح، ولهذا الجدارُ خيرٌ لأمير المؤمنين منك إذا طويت النصيحة عنه، وأقبلتَ تزجرُ مَنْ ينصحه. ثم أقبل على أمير المؤمنين، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، إنّ هؤلاء اتخذوكَ سُلَّماً لشهواتِهم ودنياهم، فإن استطعت أن تستعمل في كلِّ يومٍ مائة عاملٍ، فإنْ رابك من واحدٍ منهم رَيْبٌ عزلتَه واستعملتَ غيره، فوالله لئن لم ترضَ منهم إلّا بالعدل، ليتقرّبَنَّ إليك بالهدي والأعمال الزاكيّة مَنْ ولايته له فيه.
يا أميرَ المؤمنين، ألم تَسمعْ قول الله - عزّ وجلّ(2): (ألمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إرَمَ ذاتِ العِمَادِ، التي لمْ يُخلَقْ مِثلُها في البِلادِ، وثمودَ الذينَ جَابوا الصَخرَ بالوادِ (43 و /) وفِرعَونَ ذي الأوتَادِ الّذينَ طَغَوْا في البِلادِ، فأكثروا فيها الفَسَادَ، فَصَبَّ عليهم رَبُّكَ سَوطَ عَذَابٍ، إِنَّ رَبَّك لَبِالمِرصادِ) لمن عمِلَ بمثلِ عملِهم، إنّ الدنيا لولا أنها مضت على من كان قبلك لم يصل منها شيءٌ. فأنت وارثٌ مَنْ مَضى، وموروثٌ غداً، وقادمٌ على ربّك، ومجزيٌّ بعملك، فاتقِ الله يا أميرَ المؤمنين ليلةً تمخّضُ عن يومٍ لا ليلَ فيه، وليلٍ لا يومَ له، والسَّلام.
قال: فبكى أبو جعفر حتى مسح عينيه من دموعه بكُمِّه. قال: وأراد أبو جعفر أن [يكتب](3)شيئاً، والدواةُ على جنب عمرو، فقال له: يا عمرو ناولني الدواة، فلم يناولْه. فقال له: أقسمتُ عليكَ إلّا ناولتني. فقال عمرو: أقسمتُ لا أنا ولك. فقال له المهديُّ: أميرُ المؤمنين يُقسمُ عليك يا عمرو أن تناولَه الدواة، وتُقسم أنت ألاّ تناولَه!! فقال أميرُ المؤمنين أقوى على كفّارة يمينهِ مِنّي. فسأله أصحابه: ما منعك أن تناولَه الدواة؟ قال: لم آمنْ أنْ يكتبَ في عطَبِ(4)مسلمٍ فأكون قد شاركتُه في قتله
بمناولتِهِ الدواة. فإذا كان يومُ القيامة، نادى منادٍ: أين الظَّلَمةُ وأعوانُ الظلمة؟ فأكون ممّن أعانه.
قدِم هارون الرشيد، أمير المؤمنين، المدينةَ، فأُخلي له المسجدُ، فوقفَ على قبر رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم -(3). واعتنق إسطوانَة التوبةِ ثمّ قال: قفوا بي على أهل الصُّفّةِ. فلما أتاهم كان أبو نصر نائماً، فأيقظوه، وقيل: هذا (44 و /) أميرُ المؤمنين. فرفعَ رأسَه فقال: أيّها الرجل إنّه ليس بين عِبادِ الله، وأمّةِ نبيِّه - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - وبين الله - جلّ ثناؤه - خَلْقٌ غَيرُك، وإنّ الله سائلك عنهم، فأعِد للمسألة جواباً. فقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لو ضاعت سَخلةٌ على شاطىء الفرات لَخافَ عمرُ أنْ يسألَه الله عنها(4). قال: فبكى هارون، ثم قال: يا أبا، نصر، إنّ رعيّتي ودهري غيرُ(5)رعيّةِ عمر ودهره. قال: يقول له أبو نصر: والله إنّ هذا غيرُ مغنٍ عنك، فانظر لنفسك، فإنك وعمر تُسألان عمّا خوّلكما الله. قال: فدعا هارون بصُرَّةِ مائةِ دينار(6)، وقال: ادفعوها إلى أبي نصرٍ. فقال أبو نصر: ما أنا إلّا رجلٌ من أهل الصُّفَّةِ، ادفعوها إلى فلانٍ يُفرّقها بينهم، واجعلني رجلاً منهم.
1) تبدأ نسخة جوتنجن من هذا الخبر. وهي النسخة التي رواها أحمد بن سعيد الدمشقي عن الزبير، ولذلك يبدأ كل خبر بقوله: حدّثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدّثني الزبير .. وقد أشرت إلى ذلك في المقدمة. ولذلك أكتفي بتلك الإشارة عن إعادة ذكر الاختلاف في السند عند كل خبر.
2) الحادثة في صفة الصفوة 2/ 112 في ترجمة أبي نصر وسماه (المصاب).
3) في ب: صلى الله عليه وآله وسلم. يتكرر هذا الاختلاف في كل مواضع الصلاة على الرسول ولذلك أكتفي بهذه الإشارة
4) في الطبري 18/5 وشرح ابن أبي الحديد 792/3 والذي بعث محمداً بالحق لو أن جملاً هلك ضياعاً بشط الفرات، خشيت أن يسأل الله عنه آل الخطاب، قال أبو زيد: آل الخطاب، يعني نفسه ما يعني غيرها.
5) في صفة الصفوة: على غير.
6) في المصدر السابق: فيها ثلاث مائة دينار.
أجدَبت المدينةُ، واختلَّ، أهلُها، وساءت حالُهم، وتكشف قومٌ مستورون، وخرج أهلُ المدينة يدعونَ ربَّهم، فمررتُ بسوق الطعام، وما فيها حبَّةُ حنطة، ولا شعير، وإذا أبو نصر جالسٌ منكّس الرأس فقلتُ له: يا أبا نصر ما ترى فيه أهل حرم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال بلى. قلتُ: أفلا تدعو الله لعلّهُ يفرِّجُ ما فيه؟ قال: بلى .. وحولَ وجهَه إلى القبلة، وقال لي: اجلس عن يميني، فجلستُ. قال: فانكبَّ فعفَّرَ وجهه في التراب، ثم رفع رأسَه فقال: اللهمّ فارجَ الهمِّ(1)وكاشفَ الغَمِّ، مُجيبَ دعوة المضطرين، رحمان الدنيا والآخرة، ورحيمَهما، صلِّ على محمد (44 ظ /) وآلِ محمدٍ وفرِّج ما أصبح فيه أهلُ حرَمِ نبيّك - صلى الله عليه وآله وسلم - ثمَّ غلبَ فذهب، وقمتُ من عنده. قال: فوالله ما خرجتُ من السُّوقِ حتى رأيتُ الشمسَ قد تغطّت، فرفعتُ رأسي، فإذا رِجْلُ جرادٍ(2)أرى سوادها في الهَوي، فما زلنَ يَسْفلنَ، وأنا واقفٌ أنظرُ حتى امتلأت المدينةُ، فاستغنى كلُّ قومٍ بما في دارهم من جرادٍ فحشوا الأجوافَ. قال: فطبخَ(3)الناسُ، وملّحوا، وقلا مَنْ قَدَر على الزيت، وملأ الناسُ الحِبابَ والجِرارَ والقواسرَ(4)وألقوه في جانب بيوتهم. ثم نهضَ بعد ثالثةٍ فانتشر في أعراض المدينة، ولم يخرج عنها إلى غيرها، ثم ما مرّت بنا ثلاثٌ حتى جاءنا عشرُ سَفائن دخلت الجارَ(5)، فإذا هي قد دخلت في الوقت الذي دعا فيه أبو نصرٍ، فرجعَ السعرُ إلى أرخص ما كان، ورجعت حالُ الناسِ إلى أحسَن ما كانت. قال: فأتيتُ أبا نصر، وهو في مسجد رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - فقلتُ يا أبا نصرٍ، أما ترى إلى بركةِ دعائك؟ فقال: لا إله إلّا الله، هذه رحمة الله التي وسِعت كلَّ شيء.
أصابَ الناسَ مجاعةٌ شديدةٌ على عهد هشام بن عبد الملك، فأذنَ هشامٌ للناس فدخل في غمارهم درواس بن دروان العجليّ، وعليه جُبّةُ صوفٍ، متفضّلٌ عليها بشملة، فلما نظرَ إليه هشامٌ أنكرَ دخولَه، ثم نظر إلى حاجبِه فقال: أتدخلُ (45 و /) عليّ مَنْ شاءَ بغير إذنٍ؟
فعرف درواس أنه إنما عناه. فقال(1): يا أميرَ المؤمنين، ما أخلَّ بك دخولي عليكَ، ولا وضع من قَدرِك، ولكنّه شرّفني، ورفع من قَدري، وقد رأيتُ الناس قد دخلوا لأمرٍ، وأحجموا عنه، فإن أذنتَ لي تكلّمتُ. فقال هشام: تكلّم، فإني أظنّك صاحبَهم. قالَ: يا أميرَ المؤمنين، توالت علينا سنون ثلاثٌ، فأمّا أولاهنّ فأذابت(2)الشحمَ، وأمّا الثانية فأكلت اللحمَ، وأمّا الثالثةُ فهاضت(3)العظم ونقّت(4)المخَّ، وعندك أموالٌ، فإن تكن لله فعُدْ بها على عبادِ الله(5)، وإنْ تكنْ لعباد الله فعلامَ تحبسونها عنهم(6)؟ وإنْ تكنْ لكَ فتصدّقْ إنّ الله يجزي المتَصدِّقين(7). قال هشام: والله ما تركتَ لنا واحدةً من ثلاثٍ، وأمر بمائة ألف دينار، فقُسّمت في الناس، وأمرَ له بمائة ألف درهم. فقال: يا أميرَ المؤمنين لكل رجلٍ منّا مثلُها؟ قال: لا. فقال: لا حاجة لي فيما تبعث عليّ مذمّةٌ. فلما صار إلى منزله بعث إليه بالمائة الألف الدرهم ففرَّقَ درواس في تسعة أبطنٍ من بطون العرب. عشرة آلاف عشرة آلاف، وأخذ لنفسه
1) كلام درواس في جمهرة خطب العرب 260/3 عن عيون الأخبار والعقد الفريد. وصاحب الكلام في هذه المصادر أعرابي بين يدي هشام.
2) في الجمهرة: فلحّت اللحم وأمّا الثانية فأكلت الشحم.
3) هاضت: کسرت.
4) نقّت: أي وصلت إلى مخ العظم.
5) في الجمهرة: وعندكم فضول أموال فإن كانت لله فاقسموها بين عباد الله.
6) في المصدر نفسه: وإن كانت لهم ففيم تحظر عنهم.
7) في المصدر نفسه: وإن كانت لكم فتصدقوا عليهم بها.
حول عشرة آلاف درهم(1). فقال هشام: إن الصنيعة عند درواس لتضاعَف على الصنائع.
سُئل أبو حازم المدينيّ(2)، فقيل له: ما مالكَ؟ قال: الكثير الطيّبُ. قيل: ما هو؟ قال: الثِّقةُ بالله واليأسُ ممّا (45 ظ /) في أيدي الناس(3)، فإن أعطاني رَضيتُ، وإن منعني قنعت(4). قال: فما ترى فيما نحن فيه؟ قال: إنْ كنتَ أخذته من حِلَّه، فوضعتَه في حَقَّهِ فأنتَ أنتَ. وإلّا فإنما تجمعُه لأحَدِ رَجلين: لرجلٍ سعيدٍ بما شقيتَ به، أو لرجلٍ شقٍّي مثل ما شقيتَ به. أمّا مَنْ مضى من ولدك فارجُ لهم رحمةَ الله، وأمّا مَنْ بقي منهم فقد تكفّلَ الله برزقهِ. فعلامَ تُهلكُ نفسَك؟!
سمعت الفضل بن الربيع يُحدِّثُ عن أبيه الربيع قال(5): قدم المنصور المدينةَ فأتاه قومٌ فوشوا بجعفر بن محمد(6).
وقالوا: إنه لا يرى الصلاة خلفك، وينتقصُكَ، ولا يرى التسليم عليك. فقال لهم: وكيف أقفُ على صِدقِ ما تقولون؟ قالوا: تمضي ثلاثُ ليالٍ فلا يصيرُ إليك مسلّماً. قال: إن في ذلك لدليلًا(7). فلما كان في اليوم الرابع قال: يا ربيع إيتني
1) سقطت كلمة (حول) من ب.
2) أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج المدني القاص، كان ثقة كثير الحديث. من وجوه التابعين توفي في سنة 140. (تهذيب التهذيب وصفة الصفوة 88/2 والأغاني 121/17).
3) صفة الصفوة: 88/28 وعيون الأخبار 360/2 وفيه: الثقة بما في يد الله. (البيان والتبيين 193/3).
4) في البيان والتبيين: وإن زوى عني منها شيئاً رضيت.
5) الخبر في نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار ص 146.
6) في ب: عليه السلام.
7) في أ: إن كان في ذلك ..
بجعفر بن محمد. فقتلني الله إنْ لم أقتلْه. قال الربيع: فأخذني ما قدُم وما حدَث، فدافعتُ بإحضاره يومي ذلك. فلما كان من غدٍ قال: يا ربيعُ أمرتُك بإحضار جعفر بن محمد فوريت عن ذلك. آتني به. فقتلني الله إن لم أقتله، وقتلني الله إنْ لم أبدأ بك(1)إنْ أنت لم تأتني به.
قال الربيع: فمضيت إلى أبي عبد الله، فوافيتُهُ يصلي إلى جنب إسطوانة التوبة. فقلت: يا أبا عبد الله، أجبْ أميرَ المؤمنين لِلّتي لا شوى(2)لها، فأوجز في صلاته، وتشهَّد وسلَّم، وأخذ نعله ومضى معي(3)، وجعل يهمسُ بشيء أفهمُ بعضه، وبعضاً (46 و /)لم أفهم، فلما أدخلتُه على أبي جعفر سلّم عليه بالخلافة، فلم يردّ عليه السلام.
وقال يا مُرائي، يا مارق، منّتك نفسُك مكاني فوريت عليّ، ولم ترَ الصلاةَ
خلفي، والتسليم عليّ. فلما فرغ من كلامه، رفع جعفر رأسه إليه فقال:
يا أميرَ المؤمنين، إن داود النبيّ - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - أعطي، فشكرَ، وإنَّ أيوبَ ابتُلي فصبَر، وإنَّ يوسفَ ظُلمَ فغفرَ، وهؤلاء - صلوات الله عليهم - أنبياؤه، وصفوتُه من خَلقِه، وأمير المؤمنين من أهل بيت النبوّة، وإليهم يؤولُ نسبُه، وأحقُّ مَنْ أخذَ بآداب الأنبياء، مَنْ جعلَ الله له مثل حظِّك يا أميرَ المؤمنين؟
يقول الله جلّ ثناؤه: (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَاٍ فتبيَّنُوا أنْ تُصِيبوا قوماً بجهالةٍ فَتُصبِحُوا على ما فَعَلْتُمْ نادمينَ)(4). فتثبَّتْ يا أميرَ المؤمنين يصحُّ لك اليقين. قال: فسُرِّيَ عن أبي جعفر، وزال الغضبُ عنه.
وقال: أنا أشهدُ أبا عبد الله أنك صادق.
وأخذ بيده فرفعه وقال: أنت أخي وابنُ عمّي، وأجلسَه معه على السرير وقال:
سَلْني حاجتَك، صغيرها وكبيرها.
قال: يا أميرَ المؤمنين، قد أذهلني ما كان من لقائك وكلامِك عن حاجاتي(1). ولكنّي أفكّرُ وأجمعُ حوائجي إن شاء الله. قال الربيع: فلما خرج قلتُ له: يا أبا عبد الله، سمعتُك همستَ بكلام أحبُّ أن أعرفَه. قال: نعم إن(2)جَدّي عليّ بن الحسين - عليهم السلام أجمعين - يقولُ: مَنْ خاف من سلطانٍ ظلامةً أو تغطرساً فليقل: اللهمّ أحرسني بعينك التي لا تنامُ، واكنفي بركنك الذي لا يُرام، واغفرْ بقدرتك عليَّ(3). فلا أهلكنّ وأنت رجائي، فكم من نعمة قد (46 و /) أنعمتَ عليَّ قلَّ عندها شكري، وكم من بَليّةٍ ابتليتني بها قلَّ لك عندها صبري. فيا مَنْ قلَّ عند نعمته شكري، فلم يحرمني، ويا مَنْ قلَّ عند نِقمته صبري فلم يخذلْني، ويا مَنْ رآني على الخطايا فلم يَفضحني، وياذا النَّعماء التي لا تُحصى، وياذا الأيادي التي لا تنقضي، بك أستدفِعُ مكروهَ ما أنا فيه، وأعوذُ بكَ من شرّه يا أرحم الراحمين. قال الربيعُ: فكتبتُ بالدعاءِ، ولم يلتقِ مع أمير المؤمنين المنصور، ولا سألَه حاجةً حتى فارقَ الدنيا.
قال عبد الملك بن مروان لثابتٍ بن عبد الله بن الزبير(4): أبوك كان أعلمَ بك حيثُ كان يشتمُك. قال: يا أميرَ المؤمنين، أتدري لِمَ كان يشتمني؟ قال: لا والله. قال: إني كنتُ نهيتُه أنْ يقاتلَ بأهل مكةَ وأهل المدينةِ، فإنّ الله لا ينصُرُ بهما، أمّا أهلُ مكة، فأخرجوا رسولَ الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - وأخافوه، ثم جاؤا إلى المدينة، فأخرجهم منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسيَّرهم. - يعرّض في قوله هذا بالحكم بن أبي العاص حيث نفاه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم -(5)وأمّا أهل المدينة، فخذلوا عثمان، حتى قُتل
1) في ب حاجتي.
2) سقط سطر من ب ابتداء من (فلما) إلى (نعم إن).
3) في نور الأبصار: وارحمني بقدرتك.
4) كان ثابت بن عبد الله بن الزبير لسان آل الزبير جلداً وفصاحةً وبياناً شهد القتال مع أبيه، وبارز بين يديه، وكان سليمان بن عبد الملك له مكرماً، ورد عليه وعلى أخوته أشياء لم يكن ردها له غير سليمان. (جمهرة نسب قريش 80/1 وابن عساكر (366/3).
5) الحكم بن أبي العاصي، أسلم يوم الفتح، وسكن المدينة، فكان فيما قيل يفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفاه إلى الطائف. توفي سنة 32. (انظر الإصابة 28/2 ونكت الهميان 126).
بينهم لم يرَوا أن يدفعوا عنه. فقال له عبد الملك: عليكَ لعنةُ الله. قال: يستحقُّها الظالمون. كما قال الله - عزّ وجلّ - (ألا لعنةُ الله على الظالِمينَ)(1).
فأمسك عنه(2).
خالد عطيّة قال (47 و /):
استعمل يزيد بن معاوية عمرو بن سعيد بن العاص(3)على المدينة، فأساء السيرة فيهم، فشكوه إلى يزيد بن معاوية فعزله، واستعمل عثمان بن محمد بن أبي سفيان(4)، فلما قربَ من المدينة فرقى المنبرَ، فخطبهم ومنّاهم ووعدهم الإحسانَ، ونال من عمرو، وذمّه، ثم قال: ما كان قرشيٌّ يفعل هذا بقرشيٍّ فقال عمرو من تحت المنبر: مهلاً يا عثمان، فوالله ما أنا بحلو المذاق، وإني لقمِنُ المضرَّة، وقد ضرّسَتني الأمور(5)، وجرَّسَتني الدهور فزَعاً مرةً وأمناً أخرى، وإن قريشاً تعلمُ أني ساكن الليل داهية النهار لا أتتبعُ الضلال، ولا أنمصُ(6)حاجبي، ولا يستنكر شبهي، ولا أدعا لغير أبي.
حضر قومٌ من قريش مجلسَ معاوية بن أبي سفيان، فيهم عمرو بن العاص،
وعبد الله بن صفوان بن أميّة بن خلف(7)، وعبد الرحمٰن بن الحارث بن
1) سورة هود آية 18.
2) نص هذه المحادثة في ابن عساكر 366/3.
3) انظر ترجمته في الإصابة 174/3.
4) وفي المعارف 345 وكان عاملاً بالمدينة ليزيد بن معاوية، فنحس به أهلها، ففي سببه كانت وقعة الحرّة. وحج بالناس سنة 59.
5) ضرّسته الأمور: جرّبته وأحكمته وكذا جرّسته.
6) النمص: نتف الشعر.
7) قتل مع ابن الزبير في مكة سنة 73. انظر ترجمته في العبر 82/1 والشذرات 80/1.
هشا.(1)، فقال عمرو بن العاص(2): احمدوا الله يا معشرَ قريش، إذ جعلَ والي أمورِكم مَنْ يُغضي على القذى، ويتصامّ على العوراء، ويجرُّ ذيلَه على الخدائع، فقال عبد الله بن صفوان: لو لم يكن كذلك لمشينا إليه الضرّاء، ودبينا(3)له الخمر، وقلبنا له ظهرَ المِجَن، ورجونا أن يقوم بأمرنا أمر، ولا يطعمك مال مضر، فقال معاوية: يا معشر قريش حتى متى لا تنصَفون من أنفسكم. فقال عبد الرحمٰن: إن عمراً وذويه أفسدوك علينا وأفسدونا عليك، ما كان عليك لو أغضيتَ على هذا؟ قال: إنّ عمراً ناصحٌ لي. قال عبد الرحمٰن (47 ظ /) أطعِمنَا مثلَ ما أطعمتَه، ثم خذنا بمثل نصيحته، إنّا يا معاوية رأيناك تضرب عوامَ قريش بأياديك في خواصِّها،
كأنك تری کرامها(4)حازوك دون لثامها، وأيم الله أنك تفرغ من وعاءِ فم في إناءِ ضخمٍ، ولكأنك بالحرب قد حُلَّ عقالُها عليك، ثم لا ينظر لك. قال معاوية: يا ابن أخي ما أحوجَ أهلَك إليك، يقول: لو فعلتُ ذلك قُتلت(5).
ثم أنشد معاوية:
أغرَّ رجالاً من قريش تتابعوا *** على سفهٍ مني الحيا والتكرُّمُ
دخل أبو الطُفيل عامر بن واثلة الكناني(7)على معاويةَ، فقال له معاوية: أبو
1) أحد الأربعة الذين عهد لهم عثمان بكتابة المصاحف، وأحد الفقهاء السبعة توفي سنة 74. انظر في ترجمته تهذيب التهذيب 156/6 والعبر 111/1.
2) انظر النص في العقد الفريد 21/4.
3) الدبي: المشي الرويد.
4) في ب: كرامك.
5) في ب: لقتلت.
6) انظر الخبر في العقد الفريد 29/4 ومروج الذهب 25/3 ووقعة صفين 554 وبعضه في الأغاني 149/15.
7) أبو الطفيل شاعر كنانة وأحد فرسانها ومن ذوي السيادة، خرج مع المختار الثقفي مطالباً بدم الحسين رضي الله عنه وعاش إلى أيام عمر بن عبد العزيز، توفي سنة مائة، وقيل عشر ومائة، وهو آخر من مات ممن رأى النبي صلَّی الله علیه وآله وسلَّم. (الشذرات 118/1 وابن عساكر 2007 والأغاني 147/15).
الطفيل. قال: نعم. قال: ألستَ من قَتَلةِ عثمان؟ قال: لا، ولكني ممّن حضرهُ فلم ينصرْه. قال: وما منعك من نَصره؟ قال: لم ينصرْه المهاجرون والأنصارُ.
قال معاويةُ: أما لقد كان حقّه واجباً، وكان عليهم أنْ ينصروه. قال: فما منعك يا أميرَ المؤمنين من نصره، ومعك أهلُ الشام؟ فقال معاويةُ: أما طلبي بدمِه نصرةٌ له؟ فضحك الطفيل وقال: أنت وعثمان كما قال الشاعر(1):
لا ألفينَّك بعد الموتِ تندبني *** وفي حياتيَ ما زوّدتني زادي
فقال معاوية: يا أبا الطُّفيل ما أبقى الدهرُ من تكلك عليّاً؟
قال: ثكل العجوز المقلات(2)، والشيخ الرَّقود(3). قال: فكيف حبُّك له؟
قال حبُّ أمِّ موسى لموسى، وإلى الله أشكو التقصير.
قال صَعْصَعَةُ بن صوحان(4): ما أعياني جوابُ أحدٍ ما أعياني جواب عثمان. دخلتُ عليه، فقلتُ له: أخرجنا من ديارِنا وأموالِنا أنْ قلنا ربُّنا الله، فمنّا(5)مَنْ مات بأرض الحبشة، ومنّا مَنْ مات بالمدينة، ومنّا من مات بالحَرم ...
1) في الأصل: لألفينك.
2) المقلات: التي لا يبقى لها ولد.
3) في وقعة صفين: الرقوب. ومعناها: الذي لا يبقى له ولد. أو الذي مات ولده.
4) صعصعة بن صوحان العبدي: أسلم في عهد رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم وشهد صفين مع علي رضي الله عنه، ووكان خطيباً فصيحاً وله مع معاوية مواقف. نفاه معاوية من الكوفة إلى الجزيرة أو البحرين فمات بها. (الإصابة 192/2 والمعارف 402).
5) سقط من ب هذه الكلمة إلى آخر الخبر، ويظهر أن ثمة سقط في هذا الخبر إذ لم يكمل معناه.
6) بعض هذه المفاخرة في المحاسن: والمساوىء 96 برواية أبي بكر الهذلي.
اجتمع عند أبي العباس أميرِ المؤمنين، أبو بكر الهذلي، وابن أبي ليلى الأنصاري، والحسن بن زيد، وإسماعيل بن علي، وكان هواهم في أهلِ الكوفة على أهل البصرة، فقال الحسن بن زيد: يا أميرَ المؤمنين إنّ أهلَ البصرة لا يعرفون لأهلِ الكوفةِ الفضلَ، كما يعرفُ أهلِ مكةَ لأهلِ المدينةِ الفضلَ. فقال أبو بكر: معاذَ الله، نحن والله أكثرُ أموالاً وأولاداً وأبعدُ في الأرض آثاراً. لنا خراسانُ وسجستانُ، والسِّندُ والهند، افتتحناها بالبيضِ القواضبِ، حتى أوثقت أعِنّةُ الخيلِ، بأصولِ القَنا بأرض الفلفل. ولنا كَرْمان(1)ومُكران(2)وفارس(3)والأهواز. والعراقُ عراقُنا، والأرضُ أرضنا، وإنما أهل الكوفة أضيافٌ علينا. فقال الحسن بن زيد: دَعنا من خُراسان وسَجستان، فلَعمري لأنتم أرفعُ منّا بلاداً، ولكن بالله ألستَ تعلمُ أنّا أكثرُ منكم فُقهاء؟ فقال أبو بكر: لا والله، ما أنتم بأكثر منا فقهاء، ولكنكم أكثر منّا أنبياء. منكم بيانُ التبيان(4)والمغيرة(5)، وأبو الخطاب(6).
وما لنا نبيٌّ إلّا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم -. فضحك أميرُ المؤمنين أبو العبّاس واشتدَّ ضحكه. ثم قال: يا أبا بكر، هم أكثر منكم أنبياء؟ قال أبو بكر: يا أميرَ المؤمنين، ما رأيتُ أرضاً قطّ (48 و /) أكثر نبيًّا مصلوباً منها. فجعل أميرُ المؤمنين يغمزُ أبا بكر ويضحك، يَغمزه بالقضيب. فقال الحسن بن زيد: إنما كان أصلُ المغيرة من البصرة. فقال أبو بكر: كلّا إنما كان من أهل الكوفة. فتنازَعا
1) كرمان ناحية كبيرة معمورة ذات بلاد وقرى ومدن واسعة في بلاد فارس. (ياقوت).
2) مكران: اسم لسيف البحر، افتتحت في أيام عمر رضي الله عنه، وولاية واسعة تشتمل على مدن و قری بین کرمان و سجستان. (یاقوت).
3) في المحاسن والمساوىء: ومكران والفرض والعرض، والديار وسعة الأنهار.
4) في ب: بيان التبان. وفي المحاسن: بيان وأبو بيان. وبيان هذا خرج والمغيرة بن سعيد مولى بجيلة سنة 119. وكان المغيرة ساحراً يقول: لو أردت أن أحيي عاداً وثموداً وقروناً بين ذلك كثيراً لأحييتهم وقد أتى بهما إلى خالد بن عبد الله القسري في هذه السنة فقتلهما مع ستة رهط أو سبعة (المعارف 23 والطبري 128/7).
5) في المحاسن: المغيرة خبيث السريرة.
6) أبو الخطاب: كان يأمر أصحابه أن يشهدوا على من خالفهم بالزور في الأموال والدماء والفروج. وقال: إن دماءكم ونساءكم حلال. (المعارف 623).
طويلاً. فقال أمير المؤمنين: يا أبا بكر قد صحَّ عندي انَّ اصله من البصرة. قال أبو بكر: صدق أميرُ المؤمنين، ولكنّ البصرة أرضٌ طيّبةٌ لا تَدَعُ فيها خبيثاً إلّا أخرجته. قال أميرُ المؤمنين: دونكم الهذليّ فقد سلّطتُكم عليه. فقال أبو بكر: إذاً لا ينتصفو.(1)مني. قال أمير المؤمنين: ولمَ ذاك؟ قال: لأنّ الحق في يدي، وليس في أيديهم منه شيءٌ. قال الحسن بن زيد: ألا تعجبُ يا أميرَ المؤمنين، إنّه يفاخر أهل الكوفة بأهل البصرة، ويعدلهم بهم؟
فقال أبو بكر: والله ما أعدلهم بهم، ولكني أفضّلُ أهل البصرة عليهم، والله يا أمير المؤمنين، ما كان بالكوفة شريف قومٍ، إلّا وشريفُ قومٍ بالبصرة أشرفُ منه.
ما كان في تميم الكوفة مثل الأحنف بن قيس(2)من تميم البصرة. ولا كان في أزْد الكوفة مثل المهلّب بن أبي صفرة من أزد البصرة. ولا كان في قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم من قيس البصرة، الذي يقول فيه الشاعر(3):
إذا ما خشينا من أمير ظلامةً *** أمرنا أبا غَسَّان يوماً فعَسْكرا(4)
وقال جرير(5):
يا عينُ ويحك هيجي أحزانا *** و استعجلي بدموعك الأزمانا
قالت ربيعةُ يوم كُفّن مالكٌ *** لا فجع أكبرُ من أبي غسّانا
(49 و /)
كانوا إذا شعبوا شعبت عليهم *** بل كنت أطول في الحروب عِنانا(6)
أمرهم، والفعل من الأضداد. والعنان: سير اللجام الذي نمسك به الدابة.
1) في ب: إذ لا ينصفوا.
2) هو الأحنف بن قيس بن معاوية المربي المنقري التميمي أبو بحر سيد تميم وأحد الدهاة الشجعان، ولي خراسان وتوفي سنة 72 في الكوفة. (المعارف 423).
3) البيت في الطبري 280/7 بدون نسبة أيضاً. وفى المحاسن بلا نسبة إلّا أنه جعله في مدح مالك بن مسمع من فكر البصرة.
4) في الطرني دعونا أنا عشان.
5) في ب: وقالى احر والأول والثاني في ديوان حرير 582 من أبيات في رثاء مالك بن مسمع. مع اختلاف سعد
6) سقط البيت من ب: شعبوا تفرقوا وأصابهم الصدح وشعبت: أسلحت.
وما كان في عبد قيس الكوفة مثلُ المنذر بن الجارود(1)من عبد قيس البصرة، الذي يقول فيه الشاعر(2):
یا حَکَم بن المنذر بن الجارود *** أنت الجوادُ ابن الجواد المحمودْ
سرادقُ المجد عليك ممدود
قال إسماعيل بن علي: يا أبا بكر أنت تتكلّمُ بكلام رجل، كأنك لا تعرف شرفَ أهل الكوفة. قال أبو بكر: والله يا أميرَ المؤمنين ما أعرف أحداً من أهل الكوفة، ثم قال: هل تعرفونَ رجلاً من أهل الكوفة مثلَ ملِكِ هذين المِصرَين؟ فقد مَلكهما يزيد بن المهلّب، وملكهما رجلٌ مولى لبني سعد، يقال له: صالح بن عبد الرحمٰن، والله يا أميرَ المؤمنين ما قطع نهرَ بلخ(3)رجلٌ أوّل من خالِك ربيع(4)بن زياد من بني الحارث بن كعب.
وما سار بأهل الكوفة والبصرة رجلٌ أوّل منه.
فقال القاضي: حدّثنا أشياخٌ لنا من أهل الكوفة أنّ أهل البصرة كانوا يوم الجمل ثلاثين ألفاً، وإنما كان أهلُ الكوفة تسعة آلاف. فقال أبو بكر: يا أميرَ المؤمنين، من أين كنا ثلاثين ألفاً، فوالله لَربيعة البصرة كانت مع عليٍّ تقاتلُ عنه، وتدعو إليه وعليّ(5)الذي يقول(6):
1) هو المنذر بن بشر بن عمرو بن حنش، تولى اصطخر لعلي رضي الله عنه وشهد معه الجمل، وولاه عبيد الله بن زياد في عصر يزيد بن معاوية الهند فمات هناك سنة 61 أو 62. (انظر الإصابة 458/3).
2) الرجز في المعارف 339 للكذاب الحرمزاوي في الحكم بن المنذر بن الجارود وقد قدم في الرجز وأخّر وأضاف إليه شطرين آخرين. والبيت الأول في المحاسن: بلا نسبة.
3) في ياقوت: ويقال الجيحون نهر بلخ.
4) هو ربيع بن زياد بن أنس الحارثي من بني الدّيان أمير فاتح، ولّاه عبد الله بن عامر سجستان سنة 46. (انظر العبر 53/1 والشذرات 55/1).
5) في ب: عليه السلام.
6) الديوان 51. وفيه أنه قاله بذي قار متوجهاً إلى حرب الجمل حين بلغه ما لقيت ربيعة من القتل.
يا لهف نفسي على ربيعه *** ربيعة السامعة المطيعه(1)
يا لهف نفسي قتلت ربيعه
ولكن سَلْهم يا أميرَ المؤمنين، كم كانت عِدَّتُهم يوم دخلنا عليهم مسجدَهم بالكوفة، فذبحنا منهم ثلاثين ألفاً ذبحَ الحِملان؟ فأراد الحسن (49 ظ /) بن زيد أنْ يكسر أبا بكر فقال: مع مَنْ كنتم يومئذٍ؟ فقال أبو بكر: كنّا مَنْ كنتم يومئذٍ؟ فقال أبو بكر: كنّا مع مصعب بن الزبير بن العوّام. قال: فمن كنتم تقاتلون؟ قال: كنّا نقاتلُ المختار بن أبي عبيد الثقفي(2)ورفع صوته(3). فقال الحسن: على ما كنتم يا أهل البصرة، على باطلٍ أم على حقٍّ؟ فقال أبو بكر: كنا على باطل، وكنتم على حقٍّ، فضعفتم عن حقّكم، وغلبَ باطلُنا حقّكم. قال الحسن بن زيد: مَنْ قاتلتم يوم الجمل؟ قال أبو بكر: قاتلنا عَليًّا، وحرّضْنا على قتله، فلوى الله أيدينا وسلاحَنا، نظراً من الله لنا، وخيرةً حتى خرج سليماً. ثم قُتل بين ظهرانيكم بالكوفة(4). يا أميرَ المؤمنين مثلُ العرب كمثل السمسم، إن تعصره وحدَه يخرج منه الحلّ، وإن تخلط معه غيره تخرج(5)منه ألوان الأدهان. تفرّقت العرب من تِهامة على أربع فرقٍ: فرقةٌ باليمن، فأخذت بَاآبين النجاشيّ وشكلهم، وفرقةٌ وقعت بالشام فأخذت بَا آبين القبط وشكلهم، وفرقةٌ وقعت بالكوفة، فأخذت بَاآبين الفرس، فأيّها أخير النجاشيّ أم القبط أم النبط أم الفُرس؟ قال: بل الفرسُ.
قال رجلٌ لخالد بن صفوان: مرحباً بكَ أبا، صفوان، فقال له: رحبَ واديك،
1) البيت هو الأول من ثلاثة أبيات في الديوان. ورواية الديوان:
2) سقط لقب الثقفي من ب.
3) غلب المختار الثقفي على الكوفة أحد عشر شهراً حتى قتله مصعب بن الزبير فيها سنة سبع وستين. (انظر الإصابة 492/3).
4) استشهد الإمام علي رضي الله عنه ليلة السابع عشر من رمضان سنة أربعين، بضربة من ابن ملجم في يافوخه. انظر الإصابة 503/2).
5) في ب: يخرج.
وعَزَّ ناديك، وهطلت عليك مُكفَهرات(1)السَّحاب. قال: كيف كنتَ؟ قال: في نِعَمِ من الله سوابغ، لا نعرفُ إلّا المزيدَ فيها. حتى إذا كنّا في ثنية السَّماوة(2)بعث الله من علينا ريحاً حَرجفاً(3)، تبوّأت لها السِّباعُ أسرابَها، (50 و /) وانفرجت الطيرُ إلى أوكارها، واحمرّت لها آفاقُ السماء، فلم أهتدِ لعَلَم لامع، ولا لنجمٍ طالعٍ، فبقيت كالمتحيِّر لا أجدُ وَزراً، فإني لكذلك إذ(4)أقبل عليّ فوارسُ على خيولٍ كأَنها قُضُبُ الشوحَط(5)، تهوي هوي الأجادلِ(6)، عليها كلُّ غطريفٍ(7)[ماجدٍ](8)مترفٍ كالحسّام، وخلفهم سلوقيّةٌ(9)في أرساغها فَدَعٌ(10)، وفي أعجازها قمع، فمررنا بموزٍ(11)لعبد الملك بن مروان كأنه جُثتُ اليرابيع، قد احلولَك أقناؤه فيا لك من منزلٍ كرُم، مآبُه، وضَنَّ به، أصحابه، فنزلنا، فكنّا بين آكلٍ وناشل ومشتوٍ وطاهٍ.
1) في ب: مكفهرات. والمكفهرّ: السحاب الغليظ الأسود.
2) السماوة: بادية بين الكوفة والشام.
3) الحرجف: الريح الباردة الشديدة الهبوب.
4) في ب: إذا.
5) الشوحط: شجر تتخذ منه القسيّ، أو ضرب من النبع.
6) الأجادل: واحدها الأجدل وهو الصقر.
7) الغطريف: السيد الشريف، والسخي السري.
8) سقطت كلمة (ماجد) من الأصل.
9) السلوقيّة: كلاب منسوبة إلى مدينة باليمن أو بطرف أرمينية.
10) الفدع: اعوجاج الرسغ من اليد أو الرجل حتى ينقلب الكف أو القدم.
11) الموز: الثمر المعروف.
12) النص في البيان والتبيين 1/ 140 وشرح شواهد المغني 269/1 والامتاع والمؤانسة 269/1.
13) شاعر إسلامي معروف، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وعاش إلى خلافة عثمان. له ديوان مطبوع. انظر ترجمته في ابن سلام 495 والإصابة 355/1.
14) عجز بيت في ديوانه ص 7 وابن سلام، وصدره: أرى بصري قد رابني بعد صحة.
وقال الثاني: بل قول الهذلي(1):
نوكَّل بالأدنى وإن جلَّ ما يَمضی.(2)
وقال الثالث: بل قول أبي ذؤيب الهذلي(3):
والدهرُ ليس بمُعتِبٍ مَنْ يجرعُ(4)
أمن المنون وريبها تتوجع.
مرّ بشرٌ بن المعتمر(6)بإبراهيم بن جبلة بن مَخْرَمة السكوني الخطيب، وهو يعلِّم فتيانَهم الخَطابةَ، فوقف بِشرٌ، فظنَّ إبراهيمُ أنه إنّما وقفَ ليستفيدَ أو يكون(7)رجلًا من النظّارة، فقال بشرٌ: اضربوا عمّاً قال صَفحاً، واطووا عنه كَشحاً. ثم دفعَ
1) هو أبو خراش خویلد بن مرة، أسلم، ومات في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن نهشته حيّة. (الإصابة 457/1).
2) عجز بيت في ديوانه ص 158 وصدره: بل إنها تعفو الكلوم وإنما.
3) وهو خويلد بن خالد بن محرث الهذلي، شاعر إسلامي معروف، خرج مع الجيش الإسلامي في خلافة عمر حتى أدركه الموت في بلاد الروم. وله ديوان مطبوع، انظر ترجمته في ابن الإسلام 103. والإصابة 66/4. والاستيعاب 65/4.
4) عجز بيت في ديوانه ص 1 والإصابة، والاستيعاب، صدره:
5) في ب: يظن.
6) بشر بن المعتمر انتهت إليه رئاسة المعتزلة ببغداد، وانفرد عن المعتزلة في بعض المسائل. وكان نخاساً الرقيق توفي سنة 210 وله قصيدتان في حيوان الجاحظ 284/6 و 297 انظر لسان الميزان 33/2 والملل والنحل /81/1 وأمالي المرتضى 186/1.
7) في البيان والتبيين: ليكون.
إليهم صحيفةً من تحبيره وتنميقه وكان أوّل ذلك الكلام(1): (50 ظ /).
خُذ من نفسِكَ ساعةَ نشاطِك، وفراغَ بالك، في إجابتها إيّاك(2)، فإنّ فليل تلك الساعةِ(3)أكرمُ جوهراً، وأشرفُ حسباً، وأسرعُ(4)في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلمُ من فاحش الخطأ، وأجلبُ لكلِّ عينٍ وغُرَّةٍ(5)، من لفظٍ شريفٍ، ومعنىً بديع، واعلمْ أنّ ذلك أجدى عليك مما يُعطيك يومُك الأطول(6)بالكدِّ والمجاهدة، وبالتكلّف والمعاودة، ومهما أخطأك لم يُخطئك أن يكون مقبولاً قصداً، وخفيفاً على اللسان سَهلًا، وكما خرج من ينبوعِه، ونجمَ من مَعدنه وإيّاك والتوَغُّرَ، فإنّ التوَعُّرَ يُسلمُك إلى التعقيد، والتعقيدُ هو الذي يستهلك معانيك، ويُشينُ ألفاظك، ومَنْ أراغ(7)معنىً كريماً فليلتمسْ له لفظاً كريماً.
فإنّ حقَّ المعنى الشريف اللفظ الشريف. ومن حقّهما أن تصونهما عمّا يُفسدهما ويُهجّنهما، وعمّا تعودُ من أجله إلى أن تكونَ أسوأ(8)حالاً منك قبل أنْ تلتمس إظهارهما، وترتهنَ نفسك في ملابستهما وفصاحتهما(9).
وكن في ثلاث منازل، فإنّ أوّل الثلاث(10): أن يكون لفظك رشيقاً عذْباً، وفخماً(11)سهلاً. ويكون معناك ظاهراً مكشوفاً، وقريباً معروفاً، إمَّا عند الخاصّة إنْ كنتَ للخاصّة قصدتَ، وإمّا عند العامّة، إن كنت للعامّة قصدتَ وأردتَ.
1) انظر الصحيفة في العمدة 186/1 والبيان والتبيين 1/ 135 والصناعتين 134.
2) في المصادر الأخرى: وإجابتها لك.
3) في الصناعتين: فإن قلبك في تلك ..
4) في الصناعتين: وأشرق حسناً، وأحسن في الإسماع.
5) في الصناعتين: وأجلب لكل غرّة من لفظ كريم، ومعنى بديع.
6) في البيان والتبيين: الأطول بالكد والمطاوعة والمجاهدة.
7) أراغ: طلب.
8) في الصناعتين: فتصير بهما إلى حد تكون فيه أسوأ حالاً منك قبل أن تلتمس منازل البلاغة، وترتهن نفسك.
9) في البيان والتبيين: بملابستهما وقضاء حقهما.
10) في الأصل: الثلاثة. وفي البيان: أولى الثلاث.
11) في ب: نجماً. تحريف:
والمعنى ليس شرفاً(1)بأن يكون من معاني الخاصّة، كذلك ليس يتصنّع بأن يكون من معاني العامّة، وإنما مدارُ الشرف مع(2)الصواب، وإحراز المنفعة(3)مع موافقة الحال، وما يجبُ لكلِّ مقامٍ من المقال.
وكذلك اللفظُ العاميّ والخاصيّ، فإنْ أمكنك أن تبلغَ من بيانِ لسانِك، وبلاغةِ قلبِك، ولطفِ مدخلِك(4)(51 و /) واقتدارِك في نفسِك على أنْ تُفهمَ(5)العامّة معانيَ الخاصّة، وتكسوها الألفاظَ المتوسطةَ(6)، التي لا تلطفُ عن الدَّهماء، ولا تجفو عن الأكفاء، فأنت البليغ التامّ.
قال بِشرٌ: فلما قُرئت على إبراهيم قال(7): أنا أحوَجُ إلى هذا من هؤلاء الفتيان.
الزبيرُ قال: حدّثني عمي مصعب بن عبد الله قال:
قال شبیب(8)بن شيبة: نُبنتُ أنّ عيسى بن موسى عَیيٌّ، فاشتهيتُ أن أسمعَ كلامَه، فأرسلَ إليّ المهديّ ذاتَ ليلة بكرَ إلى المسجد ليخلعَ عيسى بن موسى(9)، فغدوتُ ودنوتُ إلى المنبر فجاء المهديُّ، وصعد المنبر حتى صار على قُلَّتِه، وجاء عیسی بن موسی فصعدَ وهو يعصِرُ عينَه، حتى صار دونه بعتبةٍ، فقلتُ: جاء ما كان
1) في البيان: يشرف.
2) في البيان: على.
3) سقط سطر من ب ابتداء من (من معاني) إلى (المنفعة).
4) في البيان: مداخلك.
5) في البيان: على نفسك إلى أن تفهم العامة.
6) في البيان: الواسطة.
7) في البيان: قال لي.
8) هو شبيب بن شيبة المنقري البصري، كان فصيحاً بليغاً أخبارياً توفي سنة 162. (انظر المعارف 404 والعبر 238/1 والشذرات 256/1).
9) هو عيسى بن موسى بن محمد بن علي العباسي. ولي عهد السفاح بعد أخيه المنصور. توفي سنة 168. ومعروف أن المهدي ألح على ولي العهد عيسى بكل ممكن بالرغبة والرهبة في خلع نفسه ليولي العهد لولده موسى الهادي فأجاب خوفاً على نفسه وتمّ ذلك في أول سنة ستين ومائة. (انظر الطبري 124/8 والعبر 230/1 و 253 والشذرات 266/1).
يقال فيه. فغمزه المهديّ(1)بقائم سيفِه، فقام وقال: اللهمّ لك الحمدُ، وإليك المشتكى، وأنت المستعان. اللهمّ إنك تعلم أنّي لا أخلعُها حيث أخلعُها رغبةً ولا رهبةً، وما أخلعُها إلّا لحقن دماءِ المسلمين، وقد خلعتُ البيعةَ عن عُنقي، وبايعتُ لموسى(2)، ثم ولّى وجهَه إلى المهديّ فمسحَ يدَه على يده.
دخل عمرو بن معد يكرب(3)على مُجاشع بن مسعود في دارِه، وكانت دارُه شارعةً على رُحبةِ بني تميم، عند المسجد الجامع، فقال: أجزني بجائزةٍ مثلي، واحملني على فرسٍ، مثلي، ومُرْ لي بسلاحٍ مثلي. فأمَر له بعشرة آلاف درهم(51 ظ /) وحملَه على فرسٍ عتيقٍ، وأمر له بسلاح تام. وخرج من عنده فجعل يمرُّ على حلَق المسجد فيقولون: يا أبا ثور، كيف وجدتَ أخا بني سُلَيم؟ فيقول: بارك الله على حيّ سُليم، ما أصدقَ في الهيجاء لِقاها، وأثبتَ في النوازل بلاها، وأجزلَ في النائبات عَطاها. والله لقد قاتلتهم فما أجبنتهم، وهاجيتهم فما أفحمتهم، وسألتُهم فما أبخلتُهم.
1) سقطت كلمة (المهدي) من ب.
2) هو موسى الهادي بن المهدي، تولى الخلافة بعد أبيه في محرم سنة 169. ودامت ولايته سنة وشهراً. (المعارف 380 والشذرات (271/1).
3) الشاعر المخضرم المعروف عمرو بن معد يكرب بن عبد الله بن عاصم بن زبید، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد زبيد فأسلم سنة تسع أو عشر، وأقام في المدينة برهة ثم شهد عامة الفتوح بالعراق. وهو شاعر محسن مشهور بالشجاعة. قتل يوم القادسية. وقيل جرح في نهاوند فحمل ومات في إحدى قراها سنة 21. (انظر الأغاني 24/14 والخزانة 425/1).
4) سقطت كلمة (الزبير) من ب.
5) هو عبد الرحمٰن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، أصله من، همدان، ولي خراج المدينة، وقدم بغداد ومات فيها سنة 174، وأخوه أبو القاسم بن أبي الزناد. (انظر المعارف 465 و تاريخ بغداد (5359).
سمعتُ سفيان بن عُيينة(1)، وقد قيل له: ما أشدَّ حبكَ للدراهم! قال: ما أحبُّ أن يكون أحدٌ أشدَّ حبًّا لما ينفعه مني.
قيل لجعفر بن محمد(2): كم تتأخّر الرؤيا؟
فقال: رأى رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - كأنّ كلباً أبقعَ يلِغُ في دمِه، فكان شمِر(3)بن ذي الجوشن قاتل الحسين - عليه السلام - ذلك، وكان أبرصَ، وكان تأويلُ الرؤيا بعد ستين سنة(4).
دخل عبد الله بن عمر على عبد الله بن جعفر، فأمر بإخراج جواريه، فقال لهنّ: تغنين لمعبد؟ ففعلن. فقال ابن عمر: هذا الحِداءُ. فقال لهنّ: تغنين للغريض؟ فقال ابن عمر: هذا البكاء. فقال لهنّ: تغنين لابن سُريج(5)
؟ ففعلنَ. فنفض ابن عمر ثوبَه وقام وقال: هذا الذي نُهينا عنه.
1) سفيان بن عيينة، شيخ الحجاز وأحد الأعلام المحدثين فيها، توفي في أول رجب من سنة 198. (انظر صفة الصفوة 2/ 130 وابن خلكان 129/2).
2) في ب: عليهما السلام.
3) هو شمر بن ذي الجوشن بن شرحبيل بن الأعور بن عمر بن معاوية الضبابي. كان أبرص. وقد تتبعه المختار الثقفي فيمن تتبع من قتلة الحسين رضي الله عنه فقتله. (المعارف 582 والطبري 422/5).
4) كان مصرع الحسين رضي الله عنه في سنة إحدى وستين.
5) معبد وغريض وابن سريج مغنون معروفون.
6) الخبر في عيون الأخبار 91/4 والأغاني 70/6. والعقد الفريد بولاق 232/3.
(52 و /) ابنُ جامع مكةَ، فقال سفيان بن عُيينة: بلغني أنّ هذا السّهمي(1)قد جاء بمالٍ كثيرٍ. قال: أجل وعلامَ يُعطونه(2)؟ فقال: رجلٌ يُغنّيهم قال: وبأيّ شيءٍ يُغنّيهم؟ قال: بشعر. قال: فتروي منه شيئاً؟ قال: نعم. قال: هاتِه. فأنشده:
أطوّفُ بالبيت في الطائفين *** وأرفع من مِنْزَري المُسبَلِ(3)
وفي الأغاني: وأصحب بالليل أهل الطواف.
فقال: أحسنَ وأجملَ. هِيه(4)فقال:
وأسجُدُ بالليل حتى الصَّبا *** ح أتلو من المحكَم المنزلِ
فقال: جزى الله هذا خيراً. هِيه(5)فقال:
عسى فارجُ الكربِ عن يوسفٍ *** يُسَخَّرُ لي ربَّةَ المَحْمِلِ(6)
قال: فأشار بيده: أمسِك أمسِك(7)
وفي العقد الفريد: أمسك أمسك. أفسد آخراً ما أصلح أولاً.
.سأل عبدَ الله بن عمر رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمٰن، عَلّمني شيئاً ينفعُني الله به، قال: إحفظ عنّي ثلاثاً: لا تنتفينَّ من ولَد نكحت أمَّه، واعلمْ أنّ كلَّ أمانةٍ مؤدّاة، وأنَّ الرغائب في ركعتي الفجر. ثم انصرفَ فلما كان بعد ذلك. قال: هل حفِظتَ الثلاث؟ قال: نعم. قال: احفظ إليهنَّ - ثلاثاً أخرَ: اعلم أنَّ مَنْ كثُر مالُه اشتدَّ حِسابُه، ومن كثُر تَبَعُه كثر شياطينُه، وأنّ العبد كلّما ازداد من السُّلطان قُرباً ازدادَ من الله بُعداً.
1) في الأغاني: هذا القرشي.
2) في العيون: علام تعطيه الملوك هذه الأموال ويحبونه هذا الحباء؟
3) في العيون: أطوف بالبيت فيمن يطوف.
4) في العيون: قال أحسنت هيه.
5) سقط سطر من ب. وفي العيون: جزاء الله عن نفسه خيراً. وفي الأغاني: قال أحسن هيه.
6) في العيون: عسى كاشف الكرب.
7) في العيون: آه أمسك أمسك قد علمت ما نحا الخبيث اللهمّ لا تسخرها له. وفي الأغاني: قال أما هذا فدعه.
كان بأرض اليمامةِ رجلٌ من ربيعة يقال له: جَحدر بن مالك العِجليّ(5)، وكان شاعراً شجاعاً فاتكاً، وقد أبرَّ أبداً على أهل حَجْر(6)، وما يَليها، فبلغ ذلك من أمره
1) هو الأحنف بن قيس بن معاوية من تميم. انظر المعارف 423.
2) هو صعصعة بن معاوية عم الأحنف الأصغر، كان سيد بني تميم في خلافة معاوية. (المعارف 424).
3) الدود: ثلاثة أبعرة إلى العشرة، أو خمس عشرة أو عشرين أو ثلاثين، أو ما بين الاثنتين والتسع مؤنث.
4) سقطت عبارة (الثالثة ثم قال) من ب.
5) في معجم البلدان (حجر) أنه من بني جشم بن بكر. وفي المؤتلف والمختلف 157 ذكر بعض أبيات نوئيته ثم قال: ذكر السكري في أشعار اللصوص البيتين الأولين لجحدر بن مالك العكلي. وانظر قصته مع الحجّاج في ياقوت (حجر) وابن عساكر 63/3 والخزانة 483/4 وألف با 501/2 وشرح شواهد المغني 407/1 حيث ختم قصته بقوله: أخرجه ابن بكار في الموفّقيات بطوله من طريق آخر عن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر.
6) حجر: عاصمة اليمامة وأم قراها، وبها ينزل الوالي. (ياقوت).
الحجّاجَ، فكتب إلى عامله على اليمامة، يؤنّبه ويلومه بتَلعُّب جحدر به، ويأمرُه بالتجرّد في طلبه، والبعث به إليه إن ظفر به(1).
فلما أتى العاملَ كتابُ الحجّاج، دَسَّ إليه فتيّةَ من قومه، ووعدهم أنْ يوفدَهم معه إلى الحجّاج إنْ همُ ظفروا به، فخرج الفتيةُ حتى إذا كانوا قريباً منه بعثوا إليه أنهم يُريدون صحبتَه والكينونةَ معه.
فمكثوا بذلك حتى إذا أصابوا منه غِرَّةً شَدُّوا عليه، وأوثقوه، وقدموا به على العامل، فبعث العاملُ بهم إلى الحجّاج (53 و /) فلما جازوا بجحدر حجراً أنشأ يقولُ(2):
لقدماً ها جني فازدَدْتُ شوقاً *** بكاء حمامتين تجاوباني(3)
لقد صدع الفؤاد وقد شجاني
وفي شرح الشواهد: ألا قد هاجني ..
تُجاوبُنا بلحن أعجميِّ *** على غصنين من عرَبِ وبان(4)
فقلتُ لصاحبيّ وكنتُ أحدو *** ببعض القول ماذا تحدوان(5)
فقلت لصاحبيّ دعا ملامي *** وكفّا اللوم عني واعذراني
وفي شرح الشواهد:
فقلت لصاحبيّ وكنت أحزو *** ببعض الطير ماذا تحزوان
؟فقالا: الدارُ جامعة قريباً *** فقلتُ: بل أنتما متمنيان
فكان البانُ أنْ بانت سُليمي *** وفي الغرب اغترابٌ غيرُ داني
إذا جاوزتما نخلات حجرٍ *** وأنديّةَ اليمامةِ فانعياني(6)
وقولا جحدرٌ أمسى رهيناً *** يُعالجُ وقعَ مصقولٍ يماني(7)
كذا المغرورُ في الدنيا سَيردَى *** وتُهلكه المطامعُ والأماني(1)
فلمّا قدم به على الحجّاج(2)، قال له الحجّاج:
أأنت جَحدرٌ؟ قال: نعم - أصلح اللهُ الأمير - أنا جحدَرٌ. قال: فما الذي حملك على ما صنعتَ؟ قال: جَراءةُ الجَنان، وكلَبُ الزمان، وجَفوةُ السُّلطان. فقال له:
وما الذي بلغ من أمرك، فيجترى جنَانُك، ويكلب زمانك ويجفوك سلطانك؟ قال: لو بلاني الأميرُ لوجدَني من صالح(3)الأعوان، وبُهم الفرسان، وأمّا جراءة جناني فإني لم ألقَ فارساً قطُّ إلّا كنتُ عليه في نفسي مقتدراً.
فقال له الحجّاج: يا جحدر إنّا قاذفون بك في حَيْرِ(4)
والحير: شبه الحظيرة أو الحمى.
فيه أسَدٌ، فإن هو قتلك كفانا، مَؤونتَك، وإن أنت قتلتَه خلّينا عنك، وأحسَنّا جائزتَك. قال: نعم - أصلح الله الأميرَ - قرّبتَ المحنةَ وأعظمت المِنَّةَ(5). إفعل ذلك إذا شئت (53 ظ /) فأمرَ به، فقُيّدَ وحُبِسَ، وكتب إلى عامله على كسْكر(6)يأمرُه بالبعثة إليه بأسدٍ ضارٍ. فبعث إليه بأسد، قد أبَرَّ على أهل كسْكر في صندوق يجرُّه ثوران، فلما قدم به على الحجّاج أمر به فأُدخِلَ في حَيْرٍ، وسُدَّ بابُ الحيْر، وجُوع ثلاثة أيام، فأُتي بجحدرٍ، فأُمكنَ من سيفِ قاطع، وجلس الحجّاجُ والناسُ ينظرون إليهما، فلما نظر الأسدُ إلى جحدر قد أقبلَ ومعه السيف يرسُفُ في قيوده، تهيّأ وتمطّى.وأنشأ جحدرٌ يقول:
ليثٌ وليثٌ في مجال ضنك *** کلاهما ذو أنَفٍ وفَتك(7)
وسورةِ في صولة ومَحْك(1)*** إنْ يكشف اللهُ قناع الشك
من ظفري بحاجتي ودرك *** فذاك أحرى منزل بترك
فوثب إليه الأسدُ وثبةً شديدةً، وتلقّاه جحدرٌ بالسيف، فضرب هامتَه، ففلقها، حتى خالط ذبابُ السيف لهواتِه.
وسقط جحدرٌ من شدّةِ وثبة الأسد، وتخضّبت ثيابه من دمه وهو يقول:
يا جُمْلُ إنكِ لو رأيتِ كريهتي *** في يومٍ هَيْجٍ مُسدِف وعَجاج(2)
وتصدُّ في للّيث أرسفُ موهناً *** كيما أكابره على الأحداج
جهْمٌ كأنّ جبينه لما بدا *** طبق متغجِّر الأثباج(3)
يسمو بناظرتين تحسبُ فيهما *** لما أجالهما شعاع سراج
(54 و /)
وكأنما خيطت عليه عباءة *** برقاً أو خلقٌ من الدِّيباج
قرنانِ محتضران قد مخَضتْهما *** أمُّ المنيّة غيرُ ذات نِتاج(4)
وعلمتُ أني إنْ أبيتُ نزالَه *** إني من الحَجّاج لستُ بناج(5)
ففلقتُ هامتَه فخرَّ كأنه *** أطمٌ تساقط مائل الأبراج
ثم انثنيتُ وفي ثيابي شاهدٌ *** ممّا جرى من شاحب الأوداج
أيقنت أني ذو حفاظٍ ماجدٌ *** من سرِّ أملاك ذوي أتواج(6)
ممّن يغارُ على النساء حفيظة ً*** إذ لا يثقنَ بغيرةِ الأزواج
فقال الحجّاجُ: يا جحدر، إن أحببتَ المقامَ معنا فأقم، وإن أحببتَ الانصرافَ
إلى بلادك فانصرفْ. فقال: بل أختارُ صحبةَ الأميرِ، والكينونةَ معه، ففرضَ له في شرف العطاء، وأقام ببابه.
لمّا ادّعى معاوية زياداً، وآثرَ عمرو بن العاص على أهل بيته، وقرّبهما دونهم جزِعَ بنو أميّة من ذلك جزعاً شديداً، واجتمعوا في ذلك، فأتوا مروانَ بن الحكمِ في بيته، وقد كتبَ له معاوية عهدَه على المدينة وأمره أنْ يسبرَ يومَه ذلك. فقال القوم: يا مروان، إنك شيخُنا وكبيرُنا، وقد ترى ما ركِبَنا معاوية من أمرٍ ليس لنا عليه صبرٌ ولا قرارٌ، ولا ينام عن مثله الأحرارُ، إدخالُه فينا مَنْ ليس منّا، يريدُ أنْ يُدخلَه على حُرمنا ونسائنا، وقد اجتمع رأيُنا على أنْ تأتيه فتعاتبه(1). فإن رجعَ قبلنا، وإنْ أبى اعتزلنا.
فقال مروان: قد والله كلّمتُه (54 ظ /) في هذا الأمر غيرَ مرّةٍ فلم يجبني إلى شيءٍ مما أحب، بل يُظهرُ لي التعتّبَ والتغضّبَ، ويزعم أني في هذا الأمر أوحد.
فقال له سعيدٌ بن العاص: يا مروان، بل واللهِ تُحامي على عهدك. فقال مروان: والله لَصلاحُكم في فسادِ عهدي أحبُّ إليّ من فسادِكم في صلاح عهدي. فأتوه فإنّه رجلٌ له إرَبٌ(2)ونظرٌ، فكلِّموه بملء أفواهكم.
قال: فانطلق القومُ فاستأذنوا على معاوية، فأذن لهم، فسلّموا، فأحسَنِ الردّ، وكان فيما قال: أهلاً وسهلاً، قرّب اللهُ الديار وأدنى المزارَ. أزيارةٌ فتحظى؟ أم حاجةٌ فتُقضى؟ أم سَخطةٌ فتُرضى؟ فقالوا كلّا يا أميرَ المؤمنين. قال: هاتوا. فجلسَ القومُ، ومثل عبدُ الرحمٰن بن الحكم بين يديه، فقال يا أميرَ المؤمنين جاءتك عِصابةٌ من رهطِك، وأحرارٌ من أسرتك، كلّهم عارفٌ بفضلك، راعٍ لحقّك، تابعٌ لأمرك، رافعٌ لذكرك، في أمرٍ سترُه خيرٌ من نشره، وتركُه خيرٌ من ذكره، لعظم البلية والخطيئة واللأواء، والبلوى والآفات والعاهات، واعلمْ أنّا لم نأتِك تجنِّياً، ولا تجرُّماً، ولا تعتُّباً. بل جئناك في أمرٍ قد عجزتْ عن حملِه الجنوبُ، وضاقت به القلوبُ، وكرِهنا أنْ نطويه عنك فيثبت ذلك في قلوبنا ما لا يُحصدُ لأبّانه، ولا يَبيدُ لزمانه، فإنْ تأذَنْ
قبلنا، وإنْ تابَ صَمتْنا، مع أنك إنْ رجعت إلى ما نحبّ حمِدنا وشكرنا(1)وإن تاب ذلك سمعنا وأطعنا. فقال معاوية: هات للهِ أبوك. قال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ أميّة بن عبد شمس(2)ولدَ عشرةً ذكوراً(3)(55 و /) ولدَ حرباً وأبا حربٍ، وسُفيان وأبا سفيان، وعمراً وأبا عمرو، والعاصي وأبا العاصي، والعيصَ وأبا العيص، لم يلدْ عُبيداً عبدَ ثقيف(4)، ولا العاص بن وائل، وقد جعلتهما شعارَك دون دثارك، بل سربالك دون إزارك، بل نفسَك بين جنبيك. ثم لم ترضَ لابن عُبيد حتى جعلتَه ابن أبي سفيان عَضيهةً لأبيك، وازدراءً ببنيك، ومع أنّ في ذلك السّخطةُ من ربِّك، والمخالفة لنبيّكَ - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - إذ قضى بالولَدِ للفراش، وللعاهر الحَجر(5)، فقضيتَ أنت بالولد، ثم نسبتَ أباك عاهراً، وكان غنيّاً عن ذلك، فشهرتَ أمراً كان مستوراً، ورفعتَ أمراً كان حقيراً، تُريدُ أنْ تُدخله على حُرمِك، وتمنح ولده غداً نساءك(6). ثم قال:
أترضى يا معاوية بن حربٍ *** بأن تحبو كرائمك العبيدا
كأني والذي أصبحت عبداً *** له بالقوم قد شركوا يزيدا
فإن ترجع فمثلك زادَ خيراً *** وإنْ تأبَ فلم تُطعْ الرشيدا
وأمّا عمرو بن العاص، فإنك ألزمتَ نفسَك الحاجةَ إليه، فألزمَ نفسَه الغنى عنك، وأيمُ اللَّهِ لَنحن أنصعُ جيوباً، وأقلُّ عيوباً، وأمسُّ رحماً، وأوجبُ(7)حقّاً منه،
1) في ب: حمدنا وشدنا.
2) هو أميّة الأكبر بن عبد شمس بن عبد مناف، وولده كما ذكر حرب وأبو حرب، وسفيان وأبو سفيان، وعمرو وأبو عمرو، وهؤلاء العنابس شبّهوا بالأسد، والعاصي وأبو العاصي، والعيص وأبو العيص، وهؤلاء الأعياص. (المعارف (73).
3) في ب: ولد عشرة ذكور.
4) ولد زياد على فراش عبيد مولى ثقيف، فكان يقال له زياد بن عبيد، ثم استلحقه معاوية بأبيه. (انظر الطبري 214/5 والمعارف 346).
5) حديث (الولد للفراش وللعاهر الحجر) في البخاري 204/9 والترمذي 103/5 والجامع الصغير 186.
6) في ب: وتمنح ولده عرائسك.
7) في ب: واجب.
وما من أمرٍ يبلُغ فيه بنا عنه تقصيرٌ، غير أنك رفعتَ المرءَ فوق قدره. فطغي علينا بفخرِه وزَخرَ ببحرِه، حتى صار كأنّه شيءٌ وليس بشيء. وإنّك وإيّاه وإيّانا كما قال الشاعر الأولُ:
من الناس مَنْ يصلُ الأبعدينَ *** ويشقى به الأقربُ الأقرب
(55 ظ /) ثم قام سعيد بن العاص فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ خيرَ القول أصدقُه، وأشدَّ القول أملقُه، وإنّ الحقَّ الأبلج أقومُ إلى طريق النهج(1)، وإنك قد أتيتَ أمراً عظيماً ناهياً متبايناً(2)، تتابعتَ فيه، وركبتَ في ذلك عقبةً كؤوداً، صيخداً صيخوداً(3)
والصيخود: الشديدة.
، في تنائفَ(4)لا يُهتدى فيها بدليل، ولا يُؤَمّ فيها قصدُ سبيلٍ، قصَّرتَ في ذلك برأيك، وأزريتَ بأبيك، فإنْ ترجعْ قبلِنا، وإنّ تأبَ غضبنا. فارجع إلى الله - تباركت أسماؤه - وانظر ما الذي أقدمتَ عليه من أنّك عمدت إلى امرىءٍ لا رَحِمَ بينك وبينه، ولا هوادة، وإنما عهدُك به بالأمس وهو عاملُ عليّ بن أبي طالب(5)، يلعنُك ويلعنُ أباك، وأهل بيتك، على المنبر، يتأولُ فينا القرآن، ويقولُ البُهتانَ، وقد كنت تختزي من ذلك، إذا عظّمتَه أنْ تجعله وزيراً وخلصاناً فلا يُعابُ ذلك عليك، ولا يُنسَبُ الخطأ إليك، فلم يرضَ حتى نسبته إلى أبي سفيان إلى نسبٍ. إن يُقبلْ منك(6)عُيّرت به آخرَ دهرك، وإنْ رُدَّ عليك أزريتَ(7)به، وصدّقت في ذلك قول الشاعر حيثُ يقول(8):1) في ب: المنهج.
2) في ب: تائها متناهياً.
3) في الأصل: صلخه صيخودا. وما أثبتناه أحسن.
4) التنائف: واحدها التنوفة وهي الفلاة لا ماء بها ولا أنيس.
5) كان زياد مع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فولاه فارس (المعارف 346).
6) سقطت (منك) من ب.
7) في ب: أرديت.
8) الأبيات في شعر يزيد بن مفرّغ الحميري ص 152. وهي في الأغاني منسوبة إلى عبد الرحمٰن بن الحكم وقد خطّأ من نسبها إلى يزيد. وفي مروج الذهب 17/3 نسبها لعبد الرحمٰن بن الحكم وقال: ويقال إنها ليزيد بن مفرغ الحميري.
ألا أبلغ معاويةَ بن حربٍ *** مُغلغلةً من الرجل اليماني(1)
أتغضبُ أنْ يُقال أبوك عَفٌّ *** وترضى أنْ يقال أبوك زان
فأشهدُ أنَّ رحمك من زيادٍ *** كرحم الفِيلِ من ولَد الأتان
وأيمُ الله لكأني أنظر إلى ولده من بعده قد تفخّذوا نساءَ بني عبد شمس بنسب أبي سفيان. فهذا ما وصلت (56 و /) به كرائمك من بعدك. وأمّا عمرو بن العاص فإنك آثرتَه علينا، وأدنيته دوننا، ونحن في حال وعمرو في أخرى، أمّا نحن فنعامل الناس بالوفاء والحياء، وعمرو يعامل الناسَ بالمكر والخداع، ومَنْ كان كذلك فلا وفاء له، وقد تبيّنَ لأمير المؤمنين غِشُّه إيَّاه في بعض الحالات، فليس ينبغي لمن غشّ أوّلاً أنْ يُقبلَ منه آخراً.
ثم دخل مروان عند جلوس القوم. فقال معاويةُ: هِيْه يا مروان، أعنْ رأيَك صَدرَ هؤلاء حتى أسمعوني ما أكرهُ؟
قال: يا أميرَ المؤمنين: هل تدري ما مثَلُنا ومثَلُك؟
قال: هات تخطيطاً كتخطيط أصحابك. قال: إن عَدي.(2)بن زيد العَبادي نصحَ النعمان بن المنذر، وقدّمَه على إخوته، وأشار على كسرى بولايته، فكان جزاؤه منه أنْ حبسَه في السجن، فكتب إليه وهو محبوسٌ(3):
أبا منذر جازيتَ بالود بغضةً *** فماذا جزاء المبغض المتبغّض(4)
مجازاتُه في ذا المثال كراهةٌ *** ولستُ لشيءٍ بعدُ بالمتعرِّض(5)
واعلم أنّا غير متعرضين لشيء من معاتبتك في هذا الأمر بعد اليوم. فإنْ ترجعْ
قبلنا، وإنْ تأبَ سخِطنا، مع أنك - والله يا أميرَ المؤمنين - لو قدرتَ أنْ تتكثّر بالذبح على آل أبي العاص لفعلتَ، توحُّشاً منك لعددِهم، وتكرُّهاً منك لجمعهم، وتبرُّماً منك بهم. وأيمُ اللهِ، ما ذاك جزاؤهم منك. لقد آثروك وأكرموك، فما كافيت، ولا جازيت ولا آسيت. ثم جلس مروان وقام معاوية (56 ظ /) فدخل المنزل، وأطال المكثَ، ثم خرج قاطباً(1)ما بين عينيه، يمسحُ عارضيه، ثم جلس على سريره، واستقبل القوم وأنشأ يقولُ:
أمَا والذي نادى من الطور عبدَه *** نداءً سميعاً فاستجابَ وسَلَّما
لقد كدتُ لولا اللهُ لا شيءَ غيرُه *** تبارك ربي ذو العُلا أنْ أصمِّما
ولكنني روّيتُ في الحلم والنهى *** وقد قال فيه ذو المقال فأحكما
وأيمُ اللهِ، مع ذلك لقد فطعتم من زيادٍ رحِماً قريبةً، ونفْساً حبيبةً، وقلتم البهتانَ في غير ما تثبّتٍ ولا بيانٍ، وإني لعلى يقين من أمري، ولقد وضع الله ما كان(2)في الجاهلية من البغيِّ والحميّة، وطلَبِ التِرات، وذكر قبيح الأمّهات.
فسفكُ الدماء، والشركُ بربِّ السماء، أعظم ممّا كان فيه أبو سفيان.
وأيمُ اللهِ، ما إيّاه راقبتم، ولا لي نظرتم، بل أدرككُم الحسدُ القديمُ لبني حربٍ بن أمية.
وإنّ نفسي لتؤامرني(3)أنْ أقيمَ فيكم حَدَّ الله، وما أراه يسعني غيرُ ذلك، ولئن عُدتم إلى ما أرى، وجاءني من وراء ما أكره، لأنهلنكم صاباً، ثم لأعلنكم علقماً(4)، ثم لأوردنكم حياضاً مريراً طعمها، ثم لا تُتركون بغير كرعها، وإنْ جاءكم الموتُ من كلِّ مكان، حتى تعلموا مع(5)طولِ حِلمي، أنْ قد مُنيتم بمَنْ إن حزّ قطعَ، وإنْ هزَّ أوجعَ، ثم لا تُقالُ لكم عندي العثرات، ولا تُعفا لكم السيئات، ثم ليستصعبنّ عليكم
مني ما كان سهلاً، ولتتركنَّ ما كان هيّناً(1).
فأمّا [ما](2)ذكرتم أني أصبتُ السلطانَ والمُلكَ (57 و /) بحقّكم ونسبتكم، فو الله إنكم لتعلمون يا آل أبي العاص أنّ عثمانَ بن عفّان - رحمة الله عليه - قُتِلَ وأنتم حضور، وأنا غائبٌ، فوالله ما كان فيكم مَنْ مدّ باعاً، ولا بسط ذراعاً، بل أسلمتموه للحتوف، وشِمتُم(3)من بعده السيوف، فما نصرتموه، ولا آسيتموه، ولا منعتُموه بأكثر من الكلام، فما أبليتم(4)في ذلك عذراً، ولا ألهبتم ناراً. وإنّ جميع مَنْ ألّبَ عليه وأجلب(5)لسببكم، وإيثاره إيّاكم، وبذلك قُطعت أوداجُه على أثباجه(6)
والأثباج: واحدها الثبج وهو ما بين الكاهل إلى الظهر.
، وسُفك دمُه واستُحلّت حرمتُه، فما شببتُم ناراً، ولا طلبتم ثاراً. حتى كنتُ أنا الطالب بالتِراتِ، المثكلُ للأمّهات، ولقد مُنيتُ في الطلب بدمه بحرب امرىءٍ لا تخورُ قناتُه، ولا تنصدِعُ صفاتُه، مَنْ إِنْ فزّعتُ لم يفزع. وإنْ أطعمتُ لم يطمع، مَنْ لا يُطْمَعُ في قراره، ولا يُنام من، حَذاره، بُليتُ - والله - بليثٍ ثابتةٍ أنيابُه، قليلٍ غُلّابه، مُصمّمٍ غضوبٍ، شَئنٍ(7)مهيبٍ. فلم أزْل له ولأصحابه صابراً، حتى قضى اللهُ من ذلك ما أحبُّ، وهو الحاكمُ في مُلكِه بما يشاء - تبارك وتعالى -. فأدركتُ بالثأر إذ لم تدركوا، وصبرتُ إذ لم تصبروا، فأيّنا أحقُّ بالشكر، أنا لكم، أم أنتم لي؟ وقد كانت تبلغني عنكم هَناتٌ قبل مخضةِ زُبدتكم، كلُّ ذلك أتعطّفُ عليكم بحلمي، وأتحنّنُ عليكم بجهدي. وكنتُ في ذلك كما قال أخو بكر بن وائلٍ:أعوذ على ذي الذنب والجهل منكم
بحلمي ولو عاقبتُ غرّقكم بحري
(57 ظ /)
فما بالُ مَنْ يسعى لأجبرَ عظمه
حفاظاً وينوي من سفاهته كسري
والله ما رأيتُني قطّ إلّا ونفسي تدعوني إلى الحلم قبل ساعتي هذه والحمدُ لله الذي كفاني شرَّ ما دعتني إليه نفسي. ثم قال:
أولى ثم أولى(1)أما إني في وعيدي(2)إياكم، كما قال الأول:
لقد كدتُم يا آل بكر سَفاهةً *** تثيرونَ منّي أعصَلَ الناب ضيغم.(3)
هزَبراً هريتاً يكرهُ القِرنُ قربَه *** إذا صالَ من بعد الزئير وصَمّما(4)
وأما عمرو بن العاص فها هو حاضرٌ. فإنْ شاءَ أن يجيبَ عن نفسه فليفعل، وإن شاء أنْ يدَع فليدَعْ. أما إني أرضاه للخصم إذا جمحَ، وللقَرن إذا طمَحَ(5). ثم سكت.
فقام عمرو بن العاص مائلاً بين يديه فقال:
يا أميرَ المؤمنين، أنا الذي أقول يوم صفِّين(6):
إذا تخازرتُ وما بي من خَزرْ *** ثم كسرتُ العَين من غير عوّر(7)
ألفيتَني ألوي بعيد المستمر *** أحملُ ما حُمّلت من خيرٍ وشر
إني والله - يا أميرَ المؤمنين - ما أنا بالغِرّ ولا الغَمر(8)
، ولا الضرَع ولا الورع(9)، ولا الواني ولا الفاني، وإني لأنا الحيّةُ الصمّاء التي لا يُبلُّ سليمُها، ولا ينام
1) سقطت (أولى ثم أولى) من ب.
2) في ب: أما ووعيدي.
3) أعصل: معوّج في صلابة.
4) في ب: هزبرا مهيبا.
5) جمع: ركب هواه فلا يمكن ردّه. وطمح: ارتفع بصره.
6) البيتان في شرح نهج البلاغة 402/2.
7) الخزر: النظر بمؤخرة العين. وهي أمارة الغضب.
8) الغر: الشاب لا تجربة له. والغمر: من لم يجرب الأمور.
9) الضرع: الضعيف. والورع: الجبان.
كليمُها، وإني أنا المرءُ، إن كويتُ أنضجتُ، وإن همزتُ كسرتُ. فمَنْ شاءَ فليشاورْ، ومَنْ شاءَ فليؤامِر. مع إنهم - يا أميرَ المؤمنين - لو عاينوا من يوم الهرير(1)ما عاينتُ، أو ولّوا مثل ما، وليت، إذ شدَّ علينا أبو حسن في كتائبه مع أهل البصائر، وأبطال العشائر، فهناك - يا أميرَ المؤمنين - (58 و /) شخصت الأبصارُ، وارتفع الشرارُ، وقلُصت الخُصى إلى مواضع الكلى، وقارعت الأمهات عن ثُكلها، وذهلت عن حملِها، واحمرَّ الحدَقُ، واغبرَّ الأفق، وألجم العرَقُ، وسال العَلَقُ، وارتفع غبارُ القَتام(2)، وصبرَ الكرامُ، وغاض اللئامُ، وذهب الكلامُ، وأزبدت الأشداقُ، وقامت الحربُ على ساق، وحضر الفراقُ وكثر العِناق، وبانت الأعناق، وقامت الرجال في ركبها من بعد فناءٍ من نبلها، وتقصّفٍ من رماحها، فلا يُسمَع إلّا التغمغم من الرجال، والتحمحم من الخيل، ووقع السُيوف في(3)الهام. فدارَ يومُنا ذلك حتى طفقنا الليلُ بغسَقِه، ثم انجلى الصبحُ، بفلقه، ولم يبقَ من القتال إلّا الهَريرُ(4)والزئير. أما والله لعلموا أني أعظمُ غناءً، وأحسن بلاءً، وأصبرُ على اللأواء منهم، وأني كما قال الشاعر:
وأغضي على أشياء لو شئت قلتُها *** ولو قلتُها لم أبقِ للصلح موضعا
فإن كان عُودي من نُضَارٍ فإنني *** لأكره يوماً أن أحطم خروعا
ولئن جعلني أميرُ المؤمنين شِعاره دون دِثاره، أو سِربالَه دون إزاره، أو نفسه(5)بين جنبيه، لقد أوليتُ ذلك، فوجدتُه شكوراً ذكوراً، إذ لم تشكروه ولم تذكروه ولا إيَّاي، إذ طلبنا بدم عثمان، إذ لم تحسبوه، وبلغنا الغايةَ إذ لم تبلغوا، وإذ جحدْتم أميرَ المؤمنين، فأنتم(6)للنُعمى أنكرُ وأكفرُ، وأمّا ما (58 ظ /) زعمتَ(7)یا سعید بن
العاص أني أعامل الناس بالمكر والخِداع فإني أنالُ بالأدب واللّبِّ، والرفق والصدق، إذ خرقَ مَنْ لم يرفق وخاب مَنْ لَم يصدق. وأمّا قولُك أني غششتُ أميرَ المؤمنين، فما غشّ امرؤ كريمٌ امرءاً كريماً إن دعا إلى النصف أن يقبله، وإنك في قولُك لأمير المؤمنين لأهلٌ للتضعيف والتعنيف والغضاضةِ والمضاضةِ غير أن حلمَه يأتي على ما وراء ذلك كلِّه، وأنا أسألك يا أميرَ المؤمنين أن تعفو للقوم ما قالوا إن هم آلوا لاستتمام نعمتك عليهم وأياديك عندهم. فليسوا راجعين إلى أمرٍ تكرهه إن شاء الله. قال معاوية: قد فعلتُ يا أبا عبد الله، ودخل وأمرَ القومَ فانصرفوا.
قال سليمان بن عبد الملك: عجبتُ لهذه الأعاجم، ملكوا ألفَ سنةٍ، لم يحتاجوا إلينا ساعةً واحدةً في سياستِهم، ومَلكْنا مائةَ سنةٍ، لم نستغنِ عنهم ساعة.
قال المنصور لجعفر (1)بن سليمان حين ولّاه المدينة، بعد مقتل محمد(2) بن عبد الله بن حسن: انظر مَنْ خرجَ مع محمد بن عبد الله من قريشٍ فاسجنه، ومن خرج معه من العرب فاجلده، ومن خرجَ من الموالي فاقطع يدَه.
سأل معاويةُ عرابةَ الأوسي(3)
إذا ما راية رفعت لمجد *** تلقاها عرابة باليمين
(المعارف 330). والمحاورة في ربيع الأبرار 187/3 والجليس الصالح 248/2).
فقال: بأيّ شيء سُدتَ قومَك؟ قال: أحلمُ عن1) هو جعفر بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ابن عم السفاح والمنصور مات بالبصرة. (انظر المعارف 376 والبيان والتبيين 289/2).
2) محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، ثار في المدينة بعد مقتل أبيه في سجن المنصور سنة 144 وخطب الناس وبايعوه طوعاً وكرهاً واستعمل على مكة واليمن والشام عمالاً وكان فاضلاً شهماً فأحبه الناس، وقد جهز المنصور إليه ابن عمه عيسى بن موسى في أربعة آلاف. وتغلب عليه وقتل في رمضان سنة 145. وبعث برأسه إلى المنصور. (العبر 198/1 والشذرات 213/1).
3) عرابة بن أوس بن حارثة الأنصاري، شهد يوم أحد فاستصغر فردّ. ومدحه الشماخ فقال:
جاهلهم وأعطي سائلهم وأخفُّ لهم في حوائجهم، فمَن زاد على (59 و /) هذا فهو خيرٌ منّي، ومن زدتُ عليه فأنا خيرٌ منه، ومن ساواني فهو مثلي(1).
أنّ أيوب السِّختياني(2)كان في مجلس فيه أعرابي، فقال له أيوب: يا أعرابيّ لعلك قدريٌ قال: وما القدريّ؟ قال: فأخبرَه بمحاسن قولِهم. فقال: أنا ذاك، ثم أخبره بما يعيبُ الناسُ من قولهم، فقال: لستُ بذاك(3). ثم أخبره بمحاسن أهل الأثبات. قال: أنا ذاك. ثم أخبره بما يعيبُ الناسُ من قولهم، فقال: لستُ بذاك. فقال أيوب: هكذا يفعلُ العاقلُ يأخذ من كلّ شيءٍ أحسنَه.
سمعتُ داود بن علي(4)يخطب حين بويع لأبي العبّاس، وهو مسندٌ ظهره إلى الكعبة فقال(5)
وبعضها في البيان والتبيين 331/1، وانظر جمهرة خطب العرب 8/3.
: شكراً شكراً، إنّا - والله - ما خرجنا لنحتفر فيكم نهراً، ولا لنبني قصراً. أظنَّ عدوُّ الله أنْ لن نقدرَ عليه؟ أمهِل له في طغيانه وأرخي له من زمامه، حتى عثرَ في فضل خِطامِه. فالآن أخذَ القوسَ باريها، وعادت النِّبال إلى النَّزَعة(6)، وعاد1) في ب: فهو خير مني. وانظر هذا الخبر في أمالي القالي 274/1.
2) هو أبو بكر أيوب بن كيسان السختياني البصري. كان حجة أهل البصرة روى كثيراً من الأحاديث وروى عنه توفي بالبصرة في الطاعون سنة 131 عن ثلاث وستين سنة. (تهذيب 397/1 والمعارف 471).
3) سقط سطر من ب ابتداء من (ثم أخبره) إلى (بذاك).
4) هو داود بن عليّ بن عبد الله بن العباس، كان أنطق الناس، وأجودهم ارتجالاً واقتضاباً للقول ويقال: إنه لم يتقدم في تحبير خطبة قطّ ولي مكة والمدينة لأبي العباس وأدرك من دولتهم ثمانية أشهر، ومات سنة ثلاث وثلاثين ومائة وله عقب. (البيان والتبيين 3311 والشذرات 191/1).
5) الخطبة في تاريخ الطبري 126/9.
6) النزعة: جمع نازع وهو الرامي.
المُلك في نصابه في أهل بيتِ نبيّكم، أهل بيتِ الرأفة والرحمةِ(1)، والله إن كنا لنسهرُ(2)لكم ونحن في فُرشِنا من الأسود والأَبيض، لكم ذمّةُ الله وذمّةُ رسولهِ، وذمّةٌ العبّاس(3)، لا(4)وربّ هذه البنيّة لا نهيج منكم أحداً، ثم نزل.
خرج مالك بن أدهم(5)
(انظر المؤتلف والمختلف 36 وجمهرة أنساب العرب 246 وفتوح البلدان 199).
يتصيّدُ، فصارَ إلى بلدٍ مقفرٍ، ومعه جماعة من أصحابه، فطلبوا الماءَ فلم يقدروا عليه فنزلَ مالكٌ، وضُربت له خيمة وأمر أصحابَه أن يطلبوا لهُ الصيدَ، فخرجوا في طلبه (59 و /) فأصابوا خاضبا.(6)فأتوه به، فقال: اشووه ولا تُنضجوه، ومصُّوه مَصَّا لعلكم أن تنتفعوا به، ففعلوا ذاك، ثم أثاروا شجاعاً(7)فأرادوا قتله، فدخل على مالك في خيمته، فقال: قد استجار بي فأجيروه، ولا تقتلوه، ففعلوا ذلك، ثم خرج وأصحابُه في طلب الماءِ، فإذا هاتفٌ يهتفُ بهم:یا قومُ یا قومُ لا ماءٌ لكم أبداً *** حتى تحثُّوا المطايا يومَها التَعَبَا(8)
وشدّدوا يمنةَ فالماء عن كتبٍ *** ماءٌ غزيرٌ وعينٌ تُذهب اللّغَبا(9)
حتى إذا ما أخذتم منه حاجتكم *** فاسقوا المطايا ومنه فاملوا القِربا
فأخذنا، نعتَه، فإذا نحن بعينٍ غزيرةٍ فسقينا منها إبلَنا وتزوّدنا، فلما فعلنا ذلك، لم نر للعينِ أثراً، وإذا هاتفٌ يهتفُ بنا يقول:
1) في المراجع الأخرى: أهل الرأفة والرحمة بكم والعطف عليكم.
2) في شرح النهج والطبري: ولقد كانت أموركم ترمضنا ونحن على فرشنا.
3) في المصدرين السابقين: .. وذمة العباس رحمه الله أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير في العامة منكم والخاصة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
4) لا توجد هذه العبارة في المصادر الأخرى.
5) هو مالك بن أدهم بن محرز بن أسد الباهلي. ولي نهاوند لابن هبيرة. وكان من أصحاب المنصور.
6) الخاضب: الظليم اغتلم فاحمرت ساقاه.
7) الشجاع: بالضم أو الكسر الحيّة أو الذكر منها أو ضرب من الصغير.
8) في ب: تعبا.
9) في ب: يذهب التعبا.
يا مالِ عني جزاك اللهُ صالحةً *** هذا وداعٌ لكم مني وتسليم
لا تزهدنْ في اصطناعِ العُرف من أحدٍ *** إنّ امرءاً يحرمُ المعروفَ محروم
الخيرُ يبقى وإنْ طالت مَغبّتُه *** والشرُّ ما عاش منه المرءُ مذموم
فعلمنا أنّه ذلك الشجاع.
دخل عُمارةُ بن حمزة(1)على أبي العبّاسِ السفّاح(2)، فأكرمهُ ورفعَ مجلسَه، وأسنى جائزتَه، وأمرَ له بجوهرٍ نفيسٍ، فقال: وصلَكَ اللهُ يا أميرَ المؤمنين، وبَرَّكَ، فوالله لئِن أردنا شكرَك على(3)صِلتِك إنّ الشكرَ منّا ليقصر عن نعمتِك(4). كما قصُرنا عن منزِلتك، غير أنّ اللهَ (60 و /) جعلَ لك الفضل علَينا(5)، ولم يحرمنا منك الزيادةَ لتقصير(6)شكرنا. قال: فأمر أبو العبّاس أنْ يُكتبَ هذا الكلامُ ويُدوّن.
أتي الحجّاجُ بخاتَم فأعجبه. فقال لابن(7)القِريّة: صفه. فقال: أصلح اللهُ الأميرَ، هذا خاتمٌ، ازمٌ(8)لازمٌ، ملحه صانع، أغلى به بائع، فِضّته صافيةٌ، وياقوتَتُه غاليةٌ، والخواتيم له قاليةٌ، والعيون إليه سامية، ولا ترد طينته(9)، استوت حلَقتُه بزَينٍ
1) انظر معجم البلدان 532/2 حيث نسب دار عمارة ببغداد له.
2) النص في زهر الأداب 346/3.
3) في زهر الأداب: كنه صلتك.
4) في ب: نعمك.
5) في زهر الأداب: جعل لك فضلاً علينا بالتقصير منا.
6) في زهر الأداب: لنقص.
7) ابن القريّة: هو أيوب بن زيد بن قيس والقرية أمه، وهو من بني هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر، وكان لسناً خطيباً، وكان مع الحجاج فقتله لسبب اتهمه فيه بميل إلى ابن الأشعث سنة 84. (المعارف 404 وانظر ابن خلکان 83/1).
8) :ازم: بصاحبه وبالمكان لزم، والحبل وغيره أحكم قتله.
9) في ب: طيفته.
لا بشيْن. قال: هذا كلامٌ تعلَّمتَه؟ قال: لا واللهِ، ولكنّه كلام أحكمت معانيه، وأجيدَت(1)مبانيه. فأحسن جائزته.
خرج عبد الملك بن مروان ذاتَ ليلةٍ فبَصُر في صحن داره بجاريةٍ من جواريه، أعزهنّ عليه، وأحبهنّ إليه(3)، فقال لها: ما أوقفكِ هذا الموقفَ؟ قالت: ذكرتُ قول اللهَ - تبارك وتعالى - (الذينَ يَذكُرونَ الله قياماً وقُعوداً، وعلى جنوبهم، ويتفَكَرونَ في خَلْقِ السَّمواتِ والأرضِ، ربَّنا ما خَلقتَ هذا باطلاً، سُبحانَكَ فَقِنا عَذابَ النارِ(4)وإذا هاتف يهتف ويقول:
محجوبةٌ سَمِعتْ صوتي فارّقَها *** من آخر الليلِ لمّا بلّها السَّحر.(5)
تُدني على الجِيد منها من معصْفرةِ *** والحليُّ منها على لبّاتها حصِر
فقال عبد الملك لحاجبِه: عليّ برأسِ الرجلِ الساعةَ. قال: وخَلتْ الجاريةُ بغلامٍ لها صغيرٍ فقالت: أنذرْ الرجلَ ولك عشرةُ آلاف درهم، وأنت حرٌّ. فخرج (65 ظ /) الغلامُ، فسبق إلى الرجل فأنذره. فقال: ثكلتكَ أمّك، إن أمير المؤمنين قد أمرَ فيك بضرب عُنقك، فأمسِك عليك صوتَك. فأمسَك، فرجع الحاجبُ. فقال: يا أميرَ المؤمنين ما أحسستُ للصوت أثراً.
كنا جلوساً عند الحسن بن أبي الحسن(7)
(انظر مثلاً ترجمته في ابن سعد 159/1 وتهذيب التهذيب 264/2).
، إذ أتاه رجلٌ، فوقف على رأسه،1) في ب: وأميرت.
2) الخبر في العقد الفريد 68/6.
3) في العقد واسم هذه الجارية الدلفاء.
4) آل عمران آية 191.
5) في العقد: لما طلّها السحر.
6) هو الزاهد الواعظ المعتزلي البصري المعروف وقد مرت ترجمته.
7) هو الزاهد المعروف أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، توفي سنة 110. ترجمته في معظم كتب التراجم والتاريخ.
فقال له(1): يا أبا سعيد، إنك سُئلت عن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقلتَ له: لو كان في المدينة يأكل من حَشفها وتمزها، كان خيراً مما صنعَ فرفع رأسَه إليه فقال: يا ابن أخي كلمةُ باطلٍ، حقنتُ بها دمي. أما والله لقد فقدتموه سهماً من سهام الله(2)صائباً لعدوّ الله، ليس بالسروقةِ مال الله(3)، ولا بالنؤومة عن أمر الله(4)، ربّانيُّ هذه الأمّة في علمِها وفضلها وقِدمها(5)، أعطى القرآن عزائمه فيما عليه وله، حرّم حرامَه وأحلّ حلاله، حتى أورده ذلك على رياضٍ مونقةٍ، وحدائق مُغدِقة، ذاك عليٌّ بن أبي طالب - رضي الله عنه(6)- يا لُكع.
خرج سعيد بن العاص حاجًّا، وكان إذا أمرَ بأمرٍ لا يُراجعُ فيه. قال: فسأله أعرابيٌّ، فقال لقهرمانه: هات خمسمائة. فجاءه(7)بخمسمائة دينار. فقال: واللهِ ما أردت إلّا دراهمَ، فأما إذا جئت بها دنانيرَ فادفعها إليه. قال: فصبّها في شملَة الأعرابيّ. فطفق الأعرابيّ يبكي(8). فقال: ما يبكيكَ يا أعرابيّ؟ أاستقلالاً لها؟ قال: والله ما أبكي فرحاً بها إذ جاءت ولا أسى عليها (61 و /) إذ فاتت، غير أني أبكي أن الأرضَ تأكلُ مثلكَ، ثم أنشأ يقولُ:(9)
1) الحادثة في البيان والتبيين 108/2 برواية عنبسة القطان.
2) في البيان: من مرامي الله.
3) في البيان: لمال الله.
4) في البيان: غير سؤوم لأمر الله.
5) سقطت هذه العبارة من البيان. وقد وردت في شرح نهج البلاغة 598/5 في معرض وصف الإمام قال: فلذلك كان علي - عليه السلام - كما قال الحسن البصري: رباني هذه الأمة وذا فضلها.
6) سقطت من ب.
7) في ب: فقال: هات خمسمائة. فجاءه قهرمانه بخمسمائة.
8) في ب: فبكى.
9) البيتان في العقد الفريد 425/6 منسوبان إلى يزيد بن المهلب.
أنتَ خيرُ المتاع لو كنتَ تبقى *** غيرَ أنْ لا بقاء للإنسان(1)
ليس فيما بدا لنا منك عيبٌ *** عابه الناسُ غير أنك فان(2)
أنت خلو من العيوب وممّا *** يكره الناس غير أنك فان
لكلّ اجتماعٍ من خليلين فرقةٌ *** وكلُّ الذي دون المماتِ قليل
وإنّ افتقادي واحداً *** بعد واحدٍ دليلٌ على أنْ لا يدوم خليل
دخلنا على أمير المؤمنين عليٍّ صبيحة جاء نعي الاشتر(7). فلما نظر إلينا قال(8): رحم اللهُ مالكاً وما ملَك. لو كان من جبلٍ لكان فِنْداً(9)، أو من حجَرٍ لكان صَلْداً، على مثل مالك فلتبكِ البواكي، وهل يوجدُ مثل مالك(10)!
قال: فما زال يتلهّفُ عليه حتى كأنه المصاب به دوننا(11).
1) في العقد: أنت نعم المتاع.
2) في العقد:
3) الخبر في شرح نهج البلاغة 920/2
4) سقطت من ب.
5) في ب: وآله.
6) الديوان ص 60.
7) هو مالك بن الحارث الأشتر النخعي الكوفي، أدرك رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم وكان رئيس قومه، وكان مع الإمام علي في الجمل، وله فيها آثار وكذلك في صفين وولاه علي رضي الله عنه مصر. ومات مسموماً في سنة 38. والأشتر لقب له. (الإصابة 459/3 والمرزباني 362).
8) النص في شرح نهج البلاغة 313/2.
9) الفند: الجبل العظيم.
10) في شرح نهج البلاغة: وهل موجود كمالك.
11) في شرح نهج البلاغة: حتى ظننا أنه المصاب به دوننا، وعرف ذلك في وجهه أياماً.
سمعت أبا عبد الله يقول: سمعت عيسى(1)بن علي يقول: كان أبو العبّاس، أمير المؤمنين، لا يحجبُني في خلافته. قال: فأتيتُه يوماً، فلما دخلتُ دارَه قام إليّ رجلٌ فسَلّمَ عليّ، ثم بشّرني، وهنّاني. فقلتُ له: ما هذه البشارةُ والتهنئةُ؟
فقال: أنا رسولُ موسى بن كعب(2)من السِّند، وقد (61 ظ /) فتحها اللهُ، وهذا الكتابُ معي.
قال: فأخذتُ الكتابَ منه، ومضيتُ أريدُ الدخول على أبي العباس. فوثب إليّ واثبٌ من مَجلس أبي العباس، فهنأني وبشَّرني.
فقلتُ: ما هذه البشارةُ؟
فقال: أنا رسولُ محمد بن الأشعث(3)، من أفريقية. وقد فتحها اللهُ لكم. قال: فدخلتُ على أبي العباسِ فقلت: يا أميرَ المؤمنين، يهنيكَ النصرُ والظفرُ.
قال: وما ذاك؟
فقلت(4): هذان رسولان قد أتياكَ بفتح المشرِقِ والمغرِبِ. قال: إنّا لله وإنا إليه راجعون.
قال: قلتُ: مالكَ يا أميرَ المؤمنين؟
قال: ياعمّ - غفر اللهُ لك - واللهِ ما كنا نسمع العلمَ ولا نأخذه إلّا عنكم. أفلستُم أنتم حدّثتمونا: أنه إذا أتى القائمَ منّا فتحُ المشرق والمغرب لم يلبثْ أنْ(5)يموتَ.
1) هو عيسى بن عليّ بن عبد الله بن العباس عم السفاح، ولي المدينة والبصرة، وتوفي في خلافة المهدي سنة 163. (المعارف 374 والعبر 242/1).
2) هو موسى بن كعب التميمي المروزي، أحد دعاة العباسيين الأوائل ومن أجلّاء قوادهم توفي سنة 141 وهو على شرط المنصور. (الطبري 510/7 والعبر 1/ 192 وفتوح البلدان 543/3).
3) هو محمد بن الأشعث الخزاعي، من القواد العباسيين وقد ولي بلاد فارس ومصر. (انظر الطبري /460/7 و 497).
4) فى ب: قلت.
5) سقطت (أن) من ب.
قال: فأذكرني - والله - حديثاً قد سمعتُه وعلِمتُه ولكنني أنسيتُه، وكرهتُ أنْ أرجعَ إلى قوله فأغمّهُ، فقلتُ يا أميرَ المؤمنين، إني والله لقد علمتُ ذلك حقًّا. ما حدّثتُك بالفتح، ولا بشّرتُك به، ولكنّ أكثرَ الأحاديث باطلٌ. قال: دعْ هذا عنك، والله إني لأنكرُ نفسي. قال: فواللهِ ما خرجتُ من عنده حتى تدثّرَ، فمكثتُ أياماً، ثم دخَلتُ يوماً، فقال: إي عَمَّ، إني قد رأيتُ أن أعهدَ. فقلت: وفقَ اللهُ أميرَ المؤمنين. قال: فدعا بدواةٍ ثم كتب: بسم الله الرحمٰن الرحيم. هذا ما عهِد أميرُ المؤمنين إلى عبد الله ثم كفّ عن الكتاب(1)، قال: فقلت في نفسي: اللهمّ لا تجعلْه عبد الله (62 و /) بن علي(2)، قال: ثم أتمَّ الكتاب. هذا ما عهد أميرُ المؤمنين إلى عبد الله بن محمد(3). فإن حدْث بعبد الله حَدَثُ الموتِ فإلى عيسى بن موسى.
أُتي عمرُ ببرودٍ، فقال للذي أتاه بها: أخرج لي خيرَها وشرّها، ثم قال: عليّ بالحسن. فلما أتاه دفعَ إليه خيرَها، ثم قال لشرّها هذا نصيبُ عمر، وقسمّ البرودَ بين المسلمين، ثم حدَثَ من أمر المسلمينَ حَدَثٌ، فقام عمرُ خطيباً، وعليه حُلَّةُ بردين، ائتزرَ بأحدهما، وارتدى بالأخرى. فقال سلمان(4): لا نسمعُ. قال عمر(5): لِمَ؟ قال كسوتنا برداً، ونرى عليك بردَين. فقال عمر(6): يا عبد الله، مرتين. فلم يجبه أحد. فقال: يا عبدَ الله بن عمر. فقال: لبيكَ يا أميرَ المؤمنين. فقال: ناشدتكَ اللهَ أما كسوتك أحدَ هذين البردين؟ قال: بلى(7). فقال سلمان: قل ما شئت نسمع لك ونطيع.
1) في ب: الكتاب عهد أمير المؤمنين. بإسقاط (هذا ما عهد).
2) هو عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن العباس، عم أبي العباس السفاح، ولّاه أبو العبّاس الشام ثم خالف فبعث إليه المنصور أبا مسلم فهزمه ثم حبسه ومات في حبسه ببغداد سنة 147. (انظر المعارف 375 و تاريخ بغداد 5118 والشذرات 205/1).
3) هو أبو جعفر المنصور.
4) الخبر في سيرة عمر بن الخطاب ص 102 برواية المدائني.
5) في سيرة عمر: فقال عمر ولم يا أبا عبد الله؟ قال: إنك قسمت علينا ثوباً ثوباً وعليك حلة.
6) في سيرة عمر: فقال عمر: لا تعجل يا أبا عبد الله ثم نادى عبد الله.
7) في سيرة عمر: قال الثوب الذي اتزرت فيه هو ثوبك. قال: اللهمّ نعم.
كتب يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة(1):
أمّا بعدُ، فإني قد حملتكم على رأسي، ثم على عيني، ثم على فمي ثم على صدري(2)، والله لئن وضعتكم تحت قدمَيّ لأطأنكم وطأةَ أقلُّ منها عددَكم، وأترككُم أحاديثَ تُنسخُ مع أحاديثَ عادٍ وثمود(3).
ثم تمثّلَ هذا الشعرَ(4)
وانظر شعر قيس بن زهير ص 33.
:أظنُّ الحلمَ دلّ عليّ قومي *** وقد يُسْتَجهلُ الرجلُ الحليم
ومارستُ الرجال ومارسوني *** فمعوَّجٌ عَليَّ ومستقيم(5)
ولكني ألاقي منكراتٍ *** فأنكرُها وما أنا بالظلوم(6)
ألاقي من رجال منكرات *** فأنكرها وما أنا بالغشوم
(62 و /) واللهِ ما أدري(7)يأتيني بعدَ كتابي هذا، إلّا خلعُكم، ولا يأتينَّكم مني إلّا نقمتكم، فإذا شئتم، فلا أفلحَ من ندم(8).
1) الكتاب في العقد الفريد 256/2 وصبح الأعشى 390/6 وجمهرة رسائل العرب 95/2. وسبب كتابته فيها: أن أهل المدينة كرهوا خلافة يزيد، وأجمعوا على الخلاف عليه، فكتب إليه عثمان بن محمد بن أبي سفيان بذلك، فأجابهم يزيد بهذا الكتاب.
2) في المراجع السابقة: بطني.
3) في المراجع السابقة: وأترككم بها أحاديث تنتسخ أخباركم مع أخبار عاد وثمود.
4) الأبيات من قصيدة للشاعر الجاهلي قيس بن زهير في رثاء حذيفة وحمل ابني بدر الفزاري في الأغاني 32/16.
5) مارست الرجال ومارسوني: عرفت المتحامل علي والمستقيم منهم.
6) في الأغاني:
7) في الأصل: ما أدنى.
8) سقطت هذه العبارة من ب.
9) سقط ما قبل (يقول) من ب.
أعرابي رجلاً فأعطاه. فقال: جعل اللهُ المعروف عليك دليلاً، والخيرَ شاهداً، ولا جعلَ حظّ القائلِ منك عذراً ضائعاً.
دعاء أعرابي في الصلاة* 112 - وقال: سمعت أعرابياً يدعو في الصلاة وهو يقولُ(1):
اللهمّ ارزُقني عملَ الخائفين، وخوفَ العاملين، حتى أتنعَّمَ بترك النعيم طمعاً
فيما وعدتَ، وخوفاً ممّا أو عدتَ.
سمعت الربيع بن يونس يقولُ: سمعت أبا جعفر المنصور يقول: الخلفاءُ أربعةٌ، والملوكُ أربعةٌ.
فالخلفاء: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
عليٌّ ما نال، ونيلَ منه [أعظم](2). ولنعمَ الرجل كان عمر بن عبد العزيز من رجلٍ ليس له مثل قِدَم هؤلاء وسابقتهم.
والملوك: معاوية وعبد الملك وهشام وأنا. ولنعمَ رجلُ الحربِ كان حِمار الجزيرة(3)، من رجلٍ لم يكن عليه طابع الخلافة.
صار أعرابيٌّ من النَّمر بن قاسط إلى مسلمة بن عبد الملك(4). فأقام ببابه حيناً لا يصل إليه. ثم دخل في العامّة يومَ الجمعة، فأصاب من الطعام مع الناس ثم قام فسلّم على مسلمة، فردّ مسلمةُ السلام. فقال: يا ابن الخليفة، زُرتُك وأنت غُرَّةُ مُضر
1) الدعاء جزء من دعاء أطول في جمهرة خطب العرب 329/3.
2) سقطت كلمة (أعظم) من ب.
3) حمار الجزيرة: هو لقب مروان بن محمد. آخر خليفة أموي. قتل يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، وكانت ولايته خمس سنين وعشرة أشهر وستة عشر يوماً. (الطبري 442/7).
4) هو أبو سعيد مسلمة بن عبد الملك بن مروان، الملقب بالجرادة الصفراء لصفرة كانت تعلوه، وكان شجاعاً، وافتتح فتوحاً كثيرة بالروم. وولي العراق أشهراً لأخيه يزيد. وكان خطيباً بارعاً جواداً. (المعارف 358 والبيان والتبيين 189/3).
وحسامُها، حين يُذكر(1)، لأنك تعطّفت عليك (63 و /) الأملاك، فليس يخافُ ضيفٌ لديك الهلاك، وأنتَ في فرعٍ من الفروع نُضار(2)ورثته عن الأكابر الكبار. ومن عبد الملك ومروان، هنالك الفضل، والبيان، والعِزُّ والسلطان سادوا الناسَ في الجاهلية قدماً، وفي الإسلام خيراً وكرماً. فلكَ كفّان، كفٌّ تُمطرُ الندى، والأخرى سِمامُ(3)يقتل(4)العِدى، وإنك - والله - لتَقيٌّ، ومن الأدناس نقيٌّ، وإنكَ لمهذَّبٌ في الكرام، فليس يفوقُك أحدٌ من الأنام. وإنك لفي بحرٍ من المجد، قد رُزِقتَ من الحمد. فالناسُ لدى بابك يرجون ندى فضلك، من عوائد سيبك، لأنك للجودِ حليف، ولأنَّ الجودَ عليك يطوف. تراه عليك وطيفه، تسجلها(5)من بحور عريضه.
فقال مسلمة: والله يا أعرابيّ إنك لفصيحٌ. قال: أجل وأنا(6)مع ذلك صريح. قال: فما تكاد تجدُ أعرابياً عاقلاً. قال: وما يُذهبُ عقلَه لو كان كاملاً؟
قال: لأنه قلّما يخالطُ الناس. قال: فذاك أكيدُ له عند الناس.
قال: وأنّى له بالبأسُ(7)، وهو لا يرى القتال؟
قال: يكونُ غَمراً فيجترىء على الأبطال. قال: وأنّى له الجراءة ولم يجترىء(8)؟ قال: أن يصمّم الحملةَ ثم يصبر. قال: وكيف يصبر على الطِّعان؟ قال: تراه فرضاً تفرضه الأقران. قال مسلمة: يا عجباً لهذا الأعرابيّ. قال: وما يعجبك مني يا ابن الخليفة، ومن صوابي؟
قال مسلمة: وما جعلك بالصواب، أولى من غيرك(9)؟
1) في ب: حين تذكر.
2) النضار: بالضم الطويل المستقيم الغصون، أو ما نبت منه في الجبل، وهو من أحسن أنواع الخشب.
3) السمام: السمّ.
4) في ب: لقتل.
5) تسجلها: تسحب ماءها بالسجل، وهو الدلو الكبير المملوء.
6) سقطت من ب.
7) في ب: البأس.
8) في الأصل: نحبر.والمثبت من ب.
9) في ب: وما يجعلك أولى بالصواب من غيرك؟
قال: إنها سجيّتي، وعليه ركّبت طبيعتي، فنفسْ كربتي، وأجزلْ عطيّتي ورُدّني (63 ظ /) إلى بلدي. قال: وأين تسكنُ؟ قال: سَراة الطائف. قال مَسلمة: معدن العنب والزبيب؟ قال: نعم لسانٌ بدويٌّ، وبلد علويٌّ. قال فاحتكِمْ. قال: أحتكمُ عشرة جِلالٍ، تمراً، وعشرة أعنز. وقطيفة للعيال، وجملاً نجعلُ عليه متاعَنا، وثلاثين درهماً. فأمر له بما طلب.
صعد عثمان بن عفّان المنبرَ لمّا بويع بالخلافة. فحمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، ثم ارتُجَّ عليه، فقال(2):
وليناكم قريباً، وعَدلُنا عليكم خيرٌ من خُطبِنا فيكم، وإنْ أعشْ يأتِكم الكلامُ على
جهته، إن شاء اللهُ.
أنه صعد المِنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ارتجّ عليه، فقال(4):
أمّا بعدُ: فإنّ أولَ مركبٍ صعبٌ. وما كنّا خطباء، وسيعلّمُ اللهُ، وإن امرأ ليس بينه وبين آدم إلّا أبٌ ميّتٌ لموعوظٌ. ثم نزل.
وقف ثابت قُطنة(5)، على المنبر بالسِّند، فارتجّ عليه، فنزل فقال(6):
وإنْ لا أكنْ فيكم خطيباً فإنني *** بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب(1)
وإلّا أكن فيهم خطيباً فإنني *** بسمر القنا والسيف جدّ خطيب
فقيل له: لو قلتَ هذا على المنبر قبل أن تنزلَ منه كنتَ أخطبَ الناس.
وارتُجّ على خالد بن عبد الله القَسريّ على مِنبر الكوفة فقال(2): إنّ هذا الكلام يجيء أحياناً، ويعزبُ أحيانا(3). وربما طُلبَ فأبى، وكوثرَ فقسا(4)فالتأتي لمجيئه أيسرُ من التعاطي لأبيهِ، وقد يختلجُ(5)من الجريء جَنانُه، وينقطعُ من(6)الذُّرِب(7)(64 و /) لسانه، فلا يُبطرهُ القولُ إذا اتّسع ولا يكسره النطقُ إذا امتنع، وسأعود إن شاء اللهُ.
شكا عبد الله بن عامر(8)إلى زياد بن أبيه - وهو كاتبه على العراق - الحصرَ على المنبر، فقال: إمّا إنك لو سمعتَ كلام غيرك في ذلك الموقف استكثرتَ ما يكون منك(9). قال: فكيف أسمعُ ذاك؟ قال: رُح يوم الجمعة وكن(10)من المقصورة بالقرب حتى أسمعك خطبَ الناس. فلما كان يوم الجمعة قال زيادٌ: إن الأميرَ سهرَ
1) الديوان 35. وفي البيان والتبيين 230/1 روايته:
2) جمهرة خطب العرب 352/3 ومحاضرات الراغب 137/1 وأمالي القالي 111/1.
3) في المحاصرات: ويعسر وفي الأمالي: ويعزب أحياناً فيعز مطلبه.
4) المحاضرات: وكوبر فعتا. وفي الأمالي: كوبر فعصى.
5) المحاصرات: وقد يختلط.
6) في ب.
7) الدرس الحاد اللسان.
8) هو عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة، كان شجاعاً جواداً ميموناً، ولّاه عثمان البصرة، وضمّ إليه دارس فاتح خراسان وأطراف فارس و سجستان وغيرها، وولاه معاوية البصرة، توفي سنة 59. (المعارف 320 والإصابة 3/ 61 والبيان والتبيين 942).
9) انظر هذا المقطع في البيان والتبيين 251/2.
10) في ... ارح قول الجمعة فكن.
البارحةَ فليس يمكنه الخروج إلى الصلاة. والتفت إلى رجل من سادةِ بني تميم، فقال له: قمْ فاخطب، وصلِّ بالناس. فلما أوفى على ذروة المنبر قال: الحمدُ لله الذي خلقَ السماوات والأرضَ في ستةِ أشهر. قالوا قبّحك اللهُ. الله - جلّ ثناؤه -(1)يقول: في ستةِ أيامٍ(2). وتقول أنت: في ستة أشهر. فنزلَ والتفتَ إلى شريفٍ لربيعة فقال له: قمْ فاخطب. فلما ارتقى(3)على المنبر ضربَ بطرفِه، فوقع على جارٍ له كان يخاصمُه في حدِّ بينَهما. فقال: الحمد لله. وارتُجَّ عليه. فقال لجارِه: أمّا بعدُ فإنْ نزلتُ إليك يا أصلعُ لأفعلنَّ بك، ولأفعلنَّ. فأنزلوه. فالتفت إلى رئيس من رؤساء الأزد، فقال له: انهضْ فأقمْ للناس صلاتَهم فلما تسنّم المنبر قال: الحمد لله، ولم يدر ما يقولُ بعد ذلك، فقال(4): أيها الناسُ، قد والله هممتُ أنْ لا أحضرَ اليوم، فقالت لي امرأتي: أنشدتُك بالله إن تركتَ فضلَ الصلاة في المسجد يومَ الجمعة، (64 ظ /) فأطعتها، فوقفتُ هذا الموقفَ الذي ترونَ. فاشهدوا جميعاً أنها طالقٌ، فأنزلوه إنزالاً عنيفاً. وأرسل زيادٌ إلى عبد الله بن عامر أنه ليس أحدٌ يقيم للناس صلاتَهم، ولا بدَّ من أنْ تحملَ على نفسك. فخرج فخطب فتبيّنَ فضله في الناس على سائر الناس.
كان عبدُ ربّه اليشكري عاملاً لعلي بن موسى على المدائن فصعد المنبر، فحمد اللهَ، وأثنى عليه، ثم ارتجّ عليه فسكتَ ثم قال(6): إني لأكونُ في بيتي فتجيء على لساني ألفُ كلمة، فإذا قمتُ على أعوادكم هذه جاء الشيطان فمحاها كلّها من صدري، ولقد كنت وما في الأيام يوم.(7)أحبُّ إليّ من يوم الجمعة، فصرتُ وما في
الأيام يومٌ أبغضُ إليّ من يوم الجمعة(1)، وما ذاك إلّا لخطبتكم(2). فقال له صاحبُه: ولِمَ تقولُ هذا - أصلح اللَّهُ الأميرَ - وأنت أخطبُ الناس؟ قال: واللهِ لَخطبتي أنتنُ مما في الحُشّ. يقول الحاجبُ: لا يكون لِما في الحُش إلّا الهوان.
وليَ أخٌ لخالد(3)بن عتّاب بن ورقاء(4)
عظيم في قتال الخوارج. (الأغاني 41/16).
الريَّ، فمكث جمعاً لا يخطبُ. فقال له كاتبُه: أصلح اللهُ الأميرَ، قد استُعملتَ على الريّ، وهو ثغرٌ من ثغور المسلمين، وطريقُ أهل خراسان، فلو خرجتَ ثم خطبتَ الناسَ. فقال: على مَنْ أخطبُ ويلك، هم أعلاجٌ أميّون؟ قال له: لا بدّ من خطبة. فخرج وصعد المنبر. فحمد اللهَ، وأثنى عليه، ثم ارتُجَّ عليه، فجعل يقول: أمّا بعدُ - وقبالةُ وجهه شيخٌ أصلع - (65 و /) فقال: أمّا بعدُ، يا أصلع، فوالله ما غلّطني غيرُك عليَّ به. فأتي به، فضربه أسواطاً.ارتُجَّ على عبد الله بن عامر وهو على منبر البصرة في يوم أضحى فقال: والله لا
أجمع عليكم(6)عِيًّا ولؤماً(7)، مَنْ أخذ شاةً من السوق فهي له، وثمنُها عليّ.
والنص في محاضرات الراغب 138/1 منسوب إلى عتاب بن ورقاء.
6) في المحاضرات: ادخلوا سوق الغنم.
7) سقطت (عليكم) من ب.
8) هو عبد الرحمٰن بن خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي، يقال له صحبة، وذكر ابن سعد أنه في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وكان يؤمر على غزو الروم أيام معاوية وشهد معه صفين، مات سنة 46 قتله ابن أثال النصراني بالسم. (الإصابة 69/3).
دخلت على أبي جعفر يوماً فقلت يا أميرَ المؤمنين إن لي إليك ثلاثَ حوائجَ، قال: وما هنّ؟ قال: قلتُ: أمّا أولاهنّ فتقيم جلساءَك، قال: فأمرهم فقاموا. وأمّا الثانيةُ، فلا تغضبْ قال ولا أغضبُ قال: وما الثالثة؟ قال: قلتُ: إنّ كلَّ مَنْ(4)وراء بابك مقتولٌ مقهورٌ. قال: فغضبَ فقلت: أليس قد ضمِنتَ أن لا تغضب. قال: فلا أغضبُ إذاً. وأخرجَ خاتمه من يدِه فقال: قد رددتُ أمر المسلمين إليكَ فدبِّرهم برأيك، واتَّقِ اللَّهَ الذي إليه معادُك، فقد أخرجت من رقبتي ذلك. فقلتُ يا أميرَ المؤمنين أنت ابن عمِّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وابنُ العباس بن عبد المطلب وأميرُ المؤمنين، أدبّر(5)أنا الخلافة؟ قال: فكيف (65 ظ /) أصنعُ؟ قال: قلتُ: ترفع حجّابك، وتطرح أبداً على بابك، فلا يجيء أحدٌ متظلم من عامل من عمّالك من بلد من البلدان، تصحُّ عندك(6)ظلامتُه إلّا أمرتَ فجيء(7)به مسحوباً ماشياً إلى بابك فأنصفته منه، قال: فأطرق مليًّا ثم قال: قد أردنا ذلك، فما أمكننا، ولا أعِنا عليه، فقلت: يا أميرَ المؤمنين: اجعله أكبرَ، شغلك، فإنّك تدركه. قال: أفعلُ [إنْ شاء اللهُ](8)، ونسأل اللهَ المعونة على ذلك.
وفد عبيد الله بن الحسن(1)قاضي البصرة على أمير المؤمنين المهدي فتكلّم بين يديه، فبينا شبيبٌ بن شيبة(2)يُغدِّي أصحابَه، إذ جاءه رسولُ عبيد الله بن الحسن يقول له: اتيني الساعَة، فغسلَ يديه وقال لأصحابه: أتمّوا غداءكم، وركب فقال له: إن(3)تكلّمتَ اليومَ بين يدي أمير المؤمنين وأبو عبيد الله حاضر، فأحبُّ أن تأتيه عسى أن يجري لي(4)ذكر فتنظر هل أعجبَهْ كلامي. قال شبيبٌ فجئتُه فقال: تكلمَ صاحبُكم (: اليومَ بين يدَي أميرِ المؤمنين. فقلتُ له: فما سمعتَ؟ قال: رسائلُ غيلان(5)ومواعظ الحسن، ونسجٌ بين ذلك مملّحٌ(6).
إنّ أولَ ما استُبين من عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - وحرصِه على العلم، ورغبتِه في الأدب، أنّ أباه وليَ مصرَ وهو حديثُ السنّ يَشكُّ في بلوغه، فأرادَ إخراجَه معه فقال: يا أبه أوَ غير ذلك لعلّه أنْ يكونَ أنفعَ لي ولك أن ترسلني (66 و /) إلى المدينةِ، فأقعد إلى فقهاءِ أهلِها، وأتأدّبُ بأدبهم. فوجّهَه إلى المدينةِ، فقعد مع مشايخ قريش، وتجنّبَ شبابَهم، وجاءته ألطافُ أبيه من مصرَ، فجعلَ
1) هو عبيد الله بن الحسن بن الحصين بن أبي الحر العنبري البصري، من قضاة البصرة وفقهائها المعروفين بالحديث. توفي بالبصرة سنة 1168 وكان أهل البصرة لا يشكون أنه لم يكن بالبصرة رجل أعقل من عبيد الله بن الحسن وعبيد الله بن سالم. (انظر تهذيب التهذيب والبيان والتبيين 275/1).
2) شبيب بن شبيبة بن عبد الله بن الأهتم المنقري من المتصلين بخالد بن صفوان جمعت بينهما الصناعة والقرابة والمجاورة وكان يقال: لولا أنهما أحكم تميم لتباينا تباين الأسد والنمر. وكان خطيباً مصنفاً. (البيان والتبيين 47/1 والشذرات 256/1).
3) في ب: إني.
4) في ب: بي.
5) هو أبو مروان غيلان الدمشقي. قالوا: أول من تكلم في القدر معبد الجهني ثم غيلان بعده. أخذه هشام بن عبد الملك فصلبه بباب دمشق كان من بلغاء الكتاب. (انظر الفهرست 171 ولسان الميزان 424/4).
6) (6) وردت هذه القصة مختصرة في البيان والتبيين 295/1.
يقسِّمُها بينهم، فشهره أهلُ المدينةِ بعلمِه وعقله مع حداثَة سنّه، فحسدَه فتيانُ قريش، فقعدوا إليه، فقالوا: كيف أصبحتَ يا أبا حفصِ؟ فقال: مهلاً إيّاي وكلام المجَعَة(1)، فشُهرت منه بالمدينة حتى كُتب بها إلى أبيه بمصرَ، (والمجَعَة القليلة عقولُهم، الضعيفةُ آراؤهم) ثم بعثَ إليه عبدُ الملك عند وفاة أبيه(2)، فخلطَه بولدِه، وقدّمه على كثيرٍ منهم، وزوّجه بابنته فاطمة وهي التي يقول فيها الشاعرُ(3):
بنتُ الخليفةِ والخليفةُ جَدُّها *** أختُ الخلائف والخليفةُ زوجها
فلم تكن امرأةٌ تستحقُ هذا البيتَ إلى يومِنا هذا غيرُها، وكان الذين يَعيبون عمرَ ممن يحسدُه لا يعيبونه إلّا بشيئين: بالإفراط في النعمة(4)، والاختيال في المشيّة، ولو كانوا يجدون ثالثاً لجعلوه(5)معهما، وهو قول الأحنف: الكامل مَنْ عُدَّت هفواتُه، ولا تُعَدُّ إلّا من قلّةٍ. فدخل يوماً على عبد الملك وهو يتجانفُ(6)في مشيتِه. فقال له: يا عمرُ ما لك تمشي غيرَ مشيتك؟ قال: إن بي جرحاً. قال: وفي أيّ جسدِك؟ قال: بين الرائفة والصَّفَن(7). قال عبدُ الملك لرَوْح بن زِنباع(8): أقسمُ بالله لو رجلٌ من قومك يُسأل عن هذا لما أجابَ هذا الجواب.
1) في القاموس: المجعة: بالضم ويفتح، الأحمق إذا جلس لم يكد يبرح من مكانه، والجاهل.
2) في ب: أخيه.
3) البيت في ترجمة فاطمة بنت عبد الملك في أعلام النساء منسوب لوضاح.
4) في ب: بالنعمة.
5) في ب يجعلوه. هو تحريف.
6) يتجانف: يتمايل.
7) في هامش الأصل: حاشية: الرائفة طرف الألية. والصفن: الخصية. قال جرير: يترك أصفان الخصا جلاجلا.
8) هو أبو زرعة روح بن رنباع الجذامي، سيد جذام، وأمير فلسطين، كان معظّماً لدى عبد الملك بن مروان، لا يكاد يفارقه، وهو عنده بمنزلة وزير. وكان ذا علم وعقل ودين توفي في سنة أربع وثمانين. (العبر 98/1).
قال مالك بن عُمارة اللخمي(1): كنتُ أجالسُ في ظل الكعبة أيام الموسم عبد الملك بن مروان، وقَبيصةَ بن ذؤيب(2)وعُروةَ بن الزبير، فكنّا نخوضُ في فنون الأحاديث وأيام العربَ(3)، فكنتُ لا أجدُ عند أحدٍ منهم مثلَما أجده عند عبد الملك بن مروان، من اتّساعِه(4)في المعرفة، وتصرّفه في فنون العلم، وحسن استماعِه إذا حُدِّثَ، وحلاوةِ لفظه إذا حدَّث، فخلوتُ به ذاتَ ليلةٍ، فقلتُ: واللهِ إني لمسرورٌ(5)بما أشاهده من كثرة تصرُّفك، وحسن حديثك، وإقبالك على جليسك، فقال لي: إنك إن تَعشْ(6)قليلاً سترى العيونَ إليّ طامحةَ، والأعناقَ إلىّ قاصدةً، فلا عليك أن تُعمل إليّ ركابَك، فلأملأن يديك. قال مالك: فلما أفضتْ إليه الخلافةُ أتيتُه، فرأيتُه(7)يوم جُمعة، وهو على المنبر(8)، فلما وقعت عيناه عليّ بسَرَ في وجهي، فقلت: لم يُثبتني معرفةً أو عرفني فأظهر لي نُكرةً(9). لكني لم أبرح مكاني حتى قضى الصلاة، ودخل، فما هو إلّا أن دخل إذ خرج، آذنه. فقال: أين مالكٌ بن عمارة اللخميّ؟ فأخذ بيدي فأدخلني إليه، فلما رآني مدَّ يدَه إليّ وقال: إنك تراءيتَ لي بموضع لم يَجُز فيه إلّا ما رأيتَ من الأعراض والانقباض، فأمّا الآنَ فأهلًا بك ومرحباً. كيف كنتَ بعدَنا؟ وكيف كان مسيرُك؟ فقلتُ: بخيرِ وعلى ما يحبُّ أميرُ المؤمنين - أطال اللهُ بقاءه - قال: أتذكرُ ما كنتُ (67 و /) قلتُ لك؟ قلتُ: نعم، وهو الذي أعملني إليك. فقال: إنه - والله - ما هو بميراثِ ادّعيناه ولا أثرٍ وعيناه، ولكنّي أحدثُك عن يقيني بخصالٍ سمَت لها نفسي إلى الموضع الذي أنا فيه. ما
1) النص بتمامه في الامتاع والمؤانسة 2/ 70.
2) هو قبيصة بن ذؤيب الخزاعي المدني الفقيه، روى عن أبي بكر وعمر، قال الزهري: كان من علماء الأمة. توفي بدمشق في سنة خمس وثمانين. (العبر 101/1).
3) في الامتاع: وكنا نخوض في الفقه مرة، وفي الذكر مرة، وفي أشعار العرب وآثار الناس مرة.
4) في الامتاع: من الاتساع في المعرفة، والتصرف في فنون العلم والفصاحة والبلاغة.
5) في الامتاع: بك لما أشاهده.
6) في ب: تعيش.
7) في الامتاع: فوافيته.
8) في الامتاع فتصديت.
9) في الامتاع: ولو عرفني ما أظهر نكرة.
لاحيتُ ذا ودٍّ، ولا ذا قرابةٍ ولا قصدتُ لكبيرةِ من محارم الله - عزّ وجلّ - واثباً عليها، ولا متلَذِّذاً بها. وكنتُ من قريشٍ في بيتها، ومن بيتها في وسطِه، وكنتُ أرجو أنْ يرفعَ اللهُ مني وقد فعلَ. ثم قال: يا غلام بَوَّئه منزلاً في الدار.
فأخذ الغلام بيدي، وقال: قمْ إلى رحلك إذا شئتَ.
فكنتُ في أخفض حالٍ، وأنعم بالٍ، وحيثُ أسمعُ كلامَه، ويسمعُ كلامي، حتى إذا حِضرَ غداؤه أو عشاؤه(1)أو قعد لبطانته، أتاني الغلامُ فقال: إنْ شئتَ صرتَ إلى أمير المؤمنين، فإنّه جالسٌ فأمشي إليه بلا حذاءٍ ولا رداءٍ، فيرفع مجلسي، ويقبَلُ محادثتي، ويسألني(2)عن العراقِ مرّةَ، وعن الحجاز أخرى. حتى إذا مضت لي عنده عشرون ليلةٌ تغذَّيتُ في آخرها يوماً عنده، فلما قام مَنْ حضره، ونهضت لأنْ أقومَ(3)قال: على رِسْلِكَ أيّها الرجلُ، أيُّ الأمرين أحبُّ إليك؟ المقامُ عندنا، فلكَ النّصفةَ في المحالفة والمعاشرة(4)مع المواساة. أم الشخوص فلك الحِباء والكرامةُ. قلتُ: يا أميرَ المؤمنين فارقتُ أهلي على أني زائرٌ لأمير المؤمنين. فإن أمرني بالمقام اخترتُ فناءَه على الأهل والولد. قال: لا. بل أرى لك الرجوعَ إليهم، فإنهم متطلّعون إلى رؤيتك، فتحدثُ بهم عهداً، (67 ظ /) أو يُحدثون بك مثله، والخَيار بعدُ في زيارتنا أو المقام فيهم إليك. وقد أمرتُ لك بعشرين ألفَ دينار، وكسوناك وحَمَلناك، أتراني ملأتُ يديك أبا نصر؟ قلتُ: يا أميرَ المؤمنين، أراك ذاكراً لما وَأيتَ(5)به على نفسك. قال: أجل ولا خيرَ فيمن لا يذكرُ إذا وعدَ، وينسى إذا أوعدَ. وَدِّعْ إذا شئتَ صحبتْك السلامةُ قال: فقبضتُ جميعَ ما أمر لي به في يومي، ثم ودّعته فكان آخر العهد به.
إبراهيم التميميّ عن عاصم بن الحدثان، عن المتوكل بن عروة بن يعمر اللّيثيّ عن أبيه عروة قال:
خرجتُ أريدُ الشام فصحبني رجلٌ قصيرُ القامة ذلِقُ اللسان جهوريه، فقلت له: أين تعمد(1)يا عبد الله؟ قال: فهلّا سألتَ عن الاسم والنسب؟ قال عروةُ فقلت: في الإسلام كافٍ والمسلمون إخوةٌ، وأكره التفتيش. فأمّا سألتُ رجلاً فخبَّرني وصدقَ، فأطّلعُ من نفسه على ما يكره، وأمّا كذبَ فأثمَ. فقال: إنّك لموفقٌ مُسَدَّدٌ - إن شاء اللهُ - أريدُ ابنَ مروان. فإن أمكنتَني منه قدرة كان لي وله شأنٌ. قال: فقلتُ له: والله ما أنت بمخيل أنْ تكون حروريَّا(2)، وما زيُّك بزيّهم. قال: فضحك. قال: يا عبد الله، إنّ(3)طالبَ الأحَن والثأر يتنكّر. قال: فقلتُ له: ليست بك مني حشمة ألقها عني وعنك. أخبرني: ما قصَّتُك ومَنْ أنت؟ قال: بل(4)أخبرني أنتَ أولاً(5). قلتُ: أنا عروةُ بن يعمر اللّيثي، خرجتُ أريدُ عبد الملك مدلياً إليه بإخاءِ ومودّة كانت بيننا وبينه منذُ دهرٍ. قال: أما والله (68 و /) إنه على ما كان فيه من هذا الأمر الذي جَنّت عليه القلوبُ، وقُطّعتْ أعناق الإبل، إنه لدائمُ العهد عالمٌ بالجميل، غيرَ أنّ في يده بعض الكزاز(6)، وهو الحزم. يا أخا بني ليثٍ أتدري مَنْ القائل:
أعاذلُ ما يُغني عن المرء مالُه *** إذا جُعلت دون التراقي تطلَّعُ
وحشرجَ والنسوان يبكين حوله *** يقلنَ أبونا هالكٌ فمودّع
وعاينَ أمراً مُفضعاً ضاق صدرُه *** فأجهش يبكي تارةً ويُرجِّع
ألا لا أرى شُحَّا يخلّدُ أهلَه(7)*** وكلُّ خدوع مرّةً سوف يُخدَع
وخيرُ عتادِ المرء تقوى ومَنْ يحدْ *** عن الموت يوماً لا محالةَ يصرع
فلا تكُ هياباً إذا الحربُ أحسمت(1)*** وظلّت لها الأبطال تعرى وتخضع
قال عروة: قلتُ: لا - واللهِ - ما أدري مَنْ يقول هذا الشعرَ. قال: فإني قائلها. فقلتُ: ومَنْ أنت؟ قال: الضحّاك بن عروة بن مالك العدويّ.
قال: قلتُ له: قرّبك(2)الله وحيّاك. قد عرفتُ النسبَ، فأين تعمدُ؟ وما الحاجةُ التي تُريدُ؟ لعلَّ اللهَ أن يجلبَ لنا خيراً، أو يدفعَ بنا شرَّا. قال: أريد عبد الملك بن مروان لمثل ما تُريدُه. غبرتُ أنا وعبد الملك برهةً من دهرنا لا نفترقُ ليلاً ولا نهاراً، إلّا أنْ يذهبَ منّا رجلٌ إلى منزله، ثم يؤوبُ إلى مجلسٍ لنا نتذاكرُ فيه أيامَ العربِ، وفنونَ الأحاديث، وكان يحضرُ معنا في المجلس عروةُ بن الزبير، وقبيصةُ بن ذؤيب، فكنت لا أجد عند أحدٍ منهم ما أجدُ عند عبد الملك، في اتساعه في المعرفة، (68 ظ /) وتصرّفه في فنون العلم، وحسن استماعه إذا حُدِّثَ، وحلاوة لفظه إذا حدَّث(3)، فخلوتُ معه ذات ليلةٍ فقلتُ: والله إني لجَذِلُ(4)لما أشاهدُ من كثرةِ تصرّفك، وحسن حديثك(5)، وإقبالك على جليسك. فقال لي: إنّك إن تعِشْ قليلاً فسترى العيونَ إليّ طامحةً والأعناقَ إليّ قاصدةً، والرجال قد وطئت عقبيّ، أما - والله - لئن أدركتَني لأُكرمنّك ولأملأنَّ يديك. فولي ما ولي، وأدرك ما أدرك - فوالله - ما تاقت إلى شيء مما هو(6)فيه نفسي، ولا تطلّعتْ. حتى ولِدَ لي غلامٌ فأسهرَ ليليَ الاهتمام والاعتمامُ بأمره لئلا يبقى بعدي إذا متُّ قليلَ الوَفر. فتاقت نفسي إلى عبد الملك بن مروان فأقبلتُ إليه ونفسي متعلِّقةْ ببنيَّ، ليس ليلي بليل، ولا نهاري بنهارٍ. يا أخا بني ليثٍ فما ترى وما تشيرُ؟
قال: تقدم على عبد الملك، ملِكِ الآفاق، فإنْ عرضَ عليك حاجةً، فلا يكبرنَّ
في عينك أنْ تسألَه كثيراً، فإنّ المانعَ والمعطي الله - جلَّ وعزّ - فربّما خرجت الرغائبُ من يد البخيل، ومن الجواد بالقليل.
قال: فقال: والله لو كان لسانُك عبّر عن قلبي(1). ما عدا ما قلتَ.
قال عروةُ: فتسايرنا أياماً وليالي ما يُكرُّ علي حديثاً ولا بيتاً من شعر. قال: فقلت له: إنك لأعلمُ الناس بأحاديث العرب وأشعارها وأيامها. فقال لي: مَنْ أقدمُ - والله - عليه غداً أعلمُ مني. والله ما أنا إلّا خلجٌ(2)من بحره، وأين يقعُ الحقُّ الضئيل(3)عند مخاطرة القروم القياسرة (69 و /) والفحول؟ قال: قلتُ: ومَنْ تعني؟ قال: عبد الملك بن مروان. قلتُ: وإنّه عندك لكذلك؟ قال: أي واللهِ عند كلِّ مَنْ علمَ شيئاً من أوليّة العرب. قال عروةُ: فَبينا هو يسيرُ ليلةً، وأنا معه إذ لحقَنا أعرابيٌّ على قعودٍ له، وهو ينشد شعراً ويترنم به ويقول:
ألا أيها البيتُ القريبُ مَزارُه *** سُقِيتَ ألم يحزنك من أهلك الهجرُ
فما كان هجرانيكَ من حدَثِ القلى *** ولكن هجرانيك في صَرْفه عُذر
قال عروة: فقال صاحبي: أعدْ ويحك كيف قلتَ:
فما كان هجرانيكَ من حَدِث القلى *** ولكن هجرانيك في صَرْفه عُذر
فأعاد عليه الأعرابيُّ. فقال: ويحكَ مَنْ قائلُ هذا الشعر؟
قال: الذي يقول:
وأكثر وجدِ ابن الغريزة أمّه *** على ما أصاب الناسَ به الدهر
فأصبح مالوساً تعادت همومُه *** عليه فأشجته وضاق به الصدر(4)
فباحَ وأبدى الدمعُ ما في ضميره *** من الوجد حتى قيل ليس له صبر
قال: ويحك مَنْ هو؟
قال: كَثير بن عبد الله(1)
وكثير هذا هو: كثير بن عبد الله بن مالك بن هبيرة التميمي أحد بني نهشل، والغريرة أمه. وهو مخضرم أدرك الجاهلية وعاش إلى أيام الحجّاج وقد رثى عثمان رضي الله عنه. والغريرة أمه سبية من بني تغلب، واسمها في الأغاني: الغريرة. وفي الإصابة: الغزيرة. (انظر المرزباني 240 والأغاني 97/10 والإصابة 294/3).
ابن الغريرة، أحد بني صخر بن نهشل. قال عروة: وهو القائل(2):نأتك أمامةُ نأياً جميلا *** وبُدّلت بالقُرب نأياً طويلا(3)
نأتك أمامة نأياً طويلا *** وحمّلك الحب عبثاً ثقيل.
وحال أبو حسنٍ دونها *** فما تسطيعُ إليها سبيلا(4)
فإنّ الشبابَ له لذةٌ *** ولا بُدَّ لذّتُةُ أن تزولا(5)
طِعانُ الكماة وركض الجياد *** وقولُ الحواضن ويلا وبيلا
(69 ظ /)
لَعمرُ أبيكِ فلا تكذبي *** لقد ذهب الخيرُ إلّا قليلا
لقد فُتن الناسُ في دينهم *** وخلّا ابن عفّان شرَّا طويلا
فقال الأعرابيّ: نعم. قال عروة: فقال الضحّاك: أنا - والله - أشعرُ منه حين أقولُ:
وهمٌّ عراني فعدّيته *** بناجيةٍ تستخفُّ الذميلا
وتمشي اختيالاً إذا ما مشت *** كما يخطرُ الفحلُ سامي الفحولا
تجوبُ المهامه خطّارةٌ *** إذا ما الوحوشُ أردنَ المقيلا
تمطّت بر حلي مُزوّدةً *** تبادرني أن أمدَّ الجديلا
وتُصبح والسيب موضوعها *** وإن قلتُ عاج رمت بي دلولا
مُضبّرةُ الخَلق مشهومةٌ *** أماج النواعج تهوى نسولا(1)
المشهوم: الفرس السريع النشيط القويّ.
نسول: يقال نسل الماشي إذا أسرع، وأنسل القوم تقدمهم.
تكاد تُقطّع أنساعَها *** إذا ما ازلأمت وترمَدُّ حولا(2)
از لأم: أسرع وترمّد: الناقة تضرع. والكلمة غير واضحة في ب.
إلى ملكٍ من بني غالبٍ *** يمدُّ إلى المجد باعاً طويلا(3)
إمامُ قريش ومَنْ أصبحت *** إليه قريشٌ تجدُّ الرحيلا
ومَنْ عزَّ بالحزم أهل الهدى *** وأضحوا إليه ثباتٍ حلولا
يُرجّونَ من سيبه نفحةً *** يُعيش بها اللهُ قوماً كلولا(4)
قال عروة: فقلت في نفسي: سَقطة من سقطات الرجل وهفوة وزلّة حين مدح نفسه، ولم أرَ شعره هذا شيئاً، ولم يرَ مني ارتياحاً، ولا تعجّباً. قال: يا أخا بني ليث، لستُ أعني أشعرَ منه في شعري هذا. إني قد أعرف أنك رجلٌ (70 و /) عربيٌّ تبصرُ الشعر وتعرفه.
فهل رأيتَ شعراً ارتُجل في هذا الوقت بلا رويّة؟
أما - والله - إني وإنْ كنتُ أقول ما أقولُ، إني لطبٌّ بما يقبلُ فيه الرجال، وإني لأنا الذي أقول فأُسمَع. هل ترى خللاً؟ قلت هاتِ فوالله لن تزيدني في نفسك إلّا رغبةً منذُ صحبتك. ولقد ظننتُ أنها هفوةٌ منك، فوجدتك عالماً بها. قال: ثم أنشدني شعراً، قال: قلتُه منذُ ستين سنةً، وأنا غلام حين راهقتُ الحلم(5):
أمخترمي الموتُ ابن عمرٍ فذاهبٌ *** بنفسي ولم أترك حصيناً مجدّلا
ينوءُ فلا يسطيعُ نهضاً وقد حشت *** يدي جوفه أضمىٰ المعالم مُنحلا(6)
جزى الله ما أولى حُصيناً عشيرتي *** وكلّ حصينٍ للهنات مؤمّلا(1)
أخي دون إخواني إذا الأمرُ نابني *** وحصنٌ إذا ما خِفتُ أمراً معضلا
سعى الدهرُ فيما بيننا فتركتُه *** بفيه ولم أحفل لذلك محفلا
وإنْ يك رَيبُ الدهر أردى ابنَ خالدٍ *** وكان معمّاً في الكرام ومخولا(2)
فرُبَّ يدٍ بيضاء أسدى ابنُ خالد *** إليّ ونابٍ قد تعدّاه أعصلا
حِفاظاً وإكراماً فأودت بلبِّه *** مهفهةُ الكشحين ترمي المقتلا
فغيّر ما بيني وبين ابن خالدٍ *** هوىٌ غالبٌ أعيا الرجالَ وعيّلا(3)
قال عروة: فقلتُ له:
كيف قلت هذه الأبيات؟ قال: أخبرك ولا أكذبكَ. كنت وحصين بن خالد ابن عمي دنيّة(4)لا يجري الماءُ بيننا، صفاءً ولي ابنةُ عمٍّ أحبُها، وقد سُمِّيتُ لها، وسُميَت لي، فلبثتُ أنتظرُ أنْ أصيب لهوةً(5)من مال (70 ظ /) فأتزوجها وأبني بها.
فأقبل(6)الحصين على أمّها فخدعها وعطف لبَّها(7)عني. حتى غلبت زوجَها فزوّجه ابنتَه، فلما كانت الليلةُ التي يبتني بها، قعدتُ له فرميتُه بسهمٍ. فوالله ما ظننتُ أنه أصابه، وهوى لفيه كأنّه مات منذُ ألف سنة، وأخذتُ فحُبستُ. فكان عبد الملك هو العامل لي في أمري والمستخرج لي من البليّة التي وقعتُ فيها. ويعلمُ الربُّ علماً صادقاً أني إنما أردتُ أنْ أذعرَه، ولم أردْ قتلَه. فمضى القدرُ السابق وأعززَ عليّ بمصرعه.
واللهُ إن كان - يرحمه اللهُ - لوسيماً، جميلاً نبيلاً، وإني لعلى خلافه، وإن عذرَ ابنةِ عمي في اختيارها إيّاه عليَّ لَبيّنٌ واضحٌ. أنا كما قد ترى، وقد أخبرتُك عن ابن
عمي ما سمعت. قال عروة: فتبسّمتُ. قال: الحقّ والله قلتُ. فإن شئت فاضحك، وإنْ شئت فاكفف، فإنّ اللهَ صادقٌ يحبُّ الصدقَ وأهله، ويبغض الكذبَ وأهله. واعلم أنّ الرجل الليبيبَ أعلمُ بعيبه(1)من غيره، فإني - والله - وإنْ أقحمتني عينُك، ونبَت عني
كما قال الأول. هل تدري من هو؟ قلتُ: لم أسمع شيئاً. قال: عجلتُ و من عجلةٍ خُلق الإنسانُ عجولا. قلتُ: هاتِ. قال:
أغرَّكمُ أني بمعروف شِيمتي *** رفيقٌ وأني بالفواحش أخرق(2)
ومثلي إذا لم يُجزَ أحسن سعيه *** تكلَّمُ نعماه بفيها فينطِق
قال عروة: فقلتُ: مَنْ هذا؟
قال: حاجب بن زرارة(3). قال: قلتُ: الدارميُّ؟ (71 و /) قال: فقال: تاللَّهِ ما رأيتُ كاليوم إنّ بحاجبٍ لغنىً عن دارم. واللهِ إنها منك لهفوةٌ حين جهلته حتى تنسبه إلى دارمٍ أكذاك(4)؟ قلتُ: نعم. قال: الصدق خيرٌ عاقبةَ. ثم انقطع حديثنا، وقدمنا الشام، فأعوزنا الإذنُ على عبد الملك فمكثنا ليالي ثم مرّ أبو الزُّعَيْزعة(5)
وهو في عيون الأخبار 19/3، أبو الزعيرة. وفي ابن الأثير 249/4 أبو الزعيرية.
، فقام إليه. فقال أبو الزُّعَيْزِعَة: أهلاً ومرحباً بامرىءٍ ظهر لنا جفاؤه، وقلَّ وفاؤه. قال: هيه . الآن(6)هو سلطان. ولا نصفة لي منه. فدخل، فلا أظنه وصل حتى قيل: الضحّاك بن عمارة العدوي. فقلت: لا تنسَ أخاك. قال: إني كما قال الأولُ القبيحُ الشحيحُ القليح. فما أظنّه زاد على السلام حتى دُعيتُ: أينَ عروة بن يعمر؟ قال:1) في ب: بعينه. تصحيف.
2) في ب: أعرق.
3) هو حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم التميمي، كان من رؤساء يوم جبلة قبل الإسلام بأربعين سنة. عاش إلى أن وفد على الرسول صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، وأسلم. وبعثه صلَّی الله علیه وآله وسلَّم على صدقات تميم. وهو الذي رهن قوسه عند كسری علی مال عظیم ووفی به (الإصابة 272/1).
4) في ب: كذاك.
5) هو غلام عبد الملك بن مروان. وله معه أخبار، وكان كاتبه على ديوان الرسائل. (انظر الطبري 145/6 و 180).
6) في ب: كان هو سلطان.
فدخلتُ وإنه لبارِكٌ بين يدي عبد الملك قد استحسن شعراً له ينشده وقد أذن له عبد الملك في إنشادِه إيَّاه، فسلّمتُ، فردّ بيده عليّ، وألحَّ في النظر إليه، والاستماعَ منه، فرفع رأسه إلى الضحّاك ثم قال: أعقب. ثم قال: يا أميرَ المؤمنين، رجلٌ، وأيُّ رجلٍ لدنيا وآخرةٍ. قال عبد الملك: دعْ عنا ابنَ يعمر، نحن أعلمُ به منك. هو رجلُ نفسه.
قال عاصمٌ: قال المتوكلُ: فحدّثني أبي(1)عروة بن يعمر، فحفظتُ من شعره الذي أنشده عبد الملك بن مروان:
وإنْ لا أمتْ أشهدْ سوابقَ غارةٍ *** تُساق المنايا بالوشيج المقوّم(2)
بكلِّ ردينيِّ كانّ *** سنانَه سنالهبٍ في عارضٍ متضرِّم(3)
فكم روقةٍ بيضاءَ دنّستُ لونَها *** بمعتبطٍ من قاني الجوف أسحَم(4)
(71 ظ /) وردتُ بها بَيضاءَ ثم رددتُها *** وقد شربت من جوف أبيض خضرم
سقاها فروّاها من الدم فانطوتْ *** على عَلَقٍ في ثعلبٍ متهضِّم
قال: فأمر له عبد الملك بجائزةٍ سنيّةٍ، وكتبه في أصحابه. ثم قال وملأتُ يديك. قال: وإنك لتذكرُ يومَ يومِ؟ قال: نعم. وقد أعملني(5)إليك.
إني وفتيّةٌ من قريشٍ عند قَينةٍ من قيانِ المدينةِ، ومعنا عبد الرحمٰن(6)بن حسّان بن ثابت، إذ استأذنَ حسّانُ بن ثابت، فكرهنا دخولَه، وشقّ علينا. قال: فقال
1) في ب: ابن. تحريف.
2) في ب: فإن لا أمت.
3) العارض: السحاب المعترض.
4) مرتبط: مدمّى وأسحم: أسود.
5) في الأصل: أعلمني، وفي هامش النسخة نفسها: أعملني. ومشار إليها بكلمة صح.
6) كان شاعراً كأبيه، وأمه سيرين أهداها رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم لحسان. انظر ترجمته في مقدمة كتابنا شعر عبد الرحمٰن بن حسان.
عبد الرحمٰن: أيسُرُّكم ألّا يجلسَ؟ قلنا: نعم قال: فمروها إذا نظرت إليه، رفعت عقيرتها تُغني(1):
أولادُ جَفنةَ حول قبر أبيهم *** قبرِ ابنِ ماريةَ الكريم المُفضل(2)
ومارية: مارية بنت الأرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة.
يُغشَوْنَ حتى ما تهرُّ كلابُهم *** لا يسألون عن السوادِ المقبل(3)
قال: فوالله بكى حتى ظننا أنه سيلفظ نفسَه. ثم قال: أفيكم الفاسقُ؟ لعمري لقد كرهتم مجلسي.
وفد عبد الرَحمٰن بن حسّان على معاوية، فقال له معاويةُ: ما نُطعمك يا ابن حسّان؟ قال: سمَكاً. قال: فما نسقيك؟ قال: سَويقاً(4). فقال نُعَيم بن عمرو بن الأهتم(5)، وكان حاضراً: إن السَويق مع الصَحناة(6)مَضرَطةٌ للآكلين. وبئسَ المطعم السَمَكُ (72 و /). وكان نُعيم رجلاً جميلاً، فأجابه ابن حسّان(7):
قل للذي كاد لولا خطُّ لحيتِه *** يكونُ أنثى عليها الوَدْعُ والمسَك(8)
أمّا الفخامةُ أو خَلقُ الرجال فقد *** أعطيتَ منه لو أنَّ اللُبَّ مُحتنِك(9)
1) الأبيات من قصيدة طويلة في ديوانه 309.
2) جفنة: أبو ملوك الغساسنة، ملوك الشام، وهو جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف.
3) يغشون: يقصدون من قبل الأضياف تهرّ: تنبح.
4) السويق: الخمر، وعقيبة بين الخليص والقديد. (القاموس).
5) هو نعيم بن عمرو بن سنان بن سمي بن سنان، كان من أجمل الناس، وفيه تأنيث. (انظر الشعر والشعراء 529).
6) الصحناة: أدام يتخذ من السمك الصغار مشهِ مصلح للمعدة.
7) الأبيات 1 - 3 في التاج 129/7. والأول والثالث في الشعر والشعراء 529/2 واللسان 307/12. وعجز الثالث في المحكم 158/1.
8) في الشعر والشعراء واللسان والتاج: عليه الدر والمسك. وفي الأصل والمسك، وهو تحريف. والودع خرز بيض تخرج من البحر بيضاء، تعلّق لدفع العين.
9) المحتنك: الذي أحكمته التجارب.
هل أنت إلّا فتاةُ الحيِّ ما لبسوا *** أمناً وأنتَ إذا ما حاربوا دُعَكَ(1)
الدعك: الضعيف الهزأة. وفي هامش الأصل: دعك: قليل الخير ملتات.
لا تحسبنِّي كأقوامِ غمزتَهمُ *** غمزَ الضعيفِ فما أعطوا وما تَركوا
دخل المذنوبُ الهمداني من ودَاعَة(2)همدان مسجد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فجلس إلى عبد الرحمٰن بن حسّان. قال أبو عبد الله الزبير(3): وكان عبد الرحمٰن معنًّا شريراً، هجّاءً للناس، مبتدياً لهم. فقال للمذنوب: ممّن أنتَ؟ قال: من أهل العراق. فاغتمزَ فيه، فقال:
أمیزانان من شؤم ولؤم *** أحبُّ إليك أم عدلا قبوح
فقال له المذنوب:
جذامٌ نازلٌ بك غير شكٍّ *** أحبُّ إليكَ أم برصٌ(4)يلوح
قال: أنت المذنوبُ؟ قال: إنّ ذاك ليقال(5). قال: إني عائذٌ بك.
جاء عبد الرحمٰن بن حسّان بن ثابت إلى قباء(6)، فسمع رجلًا من بني عمرو بن عوف يتغنّى في رأس عَذقٍ يقول:
لنا فرعُها الأعلى وطِيبُ تُرابِها *** ودارُ بني النّجار قاصِيَةٌ وَعْل(7)
1) في الشعر والشعراء: فتاة الحيّ إن أمنوا .. يوماً.
2) في الأصل: وادعة وما أثبتناه الصحيح، وهم من همدان، رهط بن مسروق بن الأجدع. (انظر المعارف 105).
3) سقطت كلمة (الزبير) من ب.
4) في ب: أبرص.
5) في ب: يقال.
6) قباء: قرية قبل المدينة، وقيل: كانت مدينة كبيرة متصلة بالمدينة المقدسة، والطريق إليها من حدائق النخل، وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار. (انظر المغانم المطابة ص 323).
7) في ب: قاضية. ووعل: المنطقة الجبلية.
فقال عبد الرحمٰن بن حسّان (72 ظ /)
كذبتم بل أنتمُ معشرٌ أهل حَرَّةٍ *** نفوكمْ وحَلّوا بالدِّماثِ(1)وبالسهل
أبوا واستعفّوا أنْ يُرى بجلودهم *** ندوبٌ فباعوا السقيَ بالحلة البعل(2)
أنّ عبد الرحمٰن بن حسّان كان يشبّب بابنة معاويةَ ويذكرُها في شعره، فقال الناسُ لمعاوية: لو جعلتَه نَكالاً(4)؟ فقال معاوية: لا، ولكنّي أداويهِ بغير ذلك، فأذنَ له، وكان يدخلُ عليه في أخريات الناسِ، فأجلسه على سريره معه، ثم أقبل عليه بوجهه وحديثِه، ثم قال: إن فلانةَ - لابنة له أخرى - عاتبةٌ عليك. قال: وفي أيِّ شيءٍ؟ قال: في مدحتك(5)أختها، وتركِها، قال: فلها العُتبى وكرامة، أنا ذاكرُها، وممتدحُها، فلمّا فعلَ، وبلغَ ذلك الناسَ، قالوا: قد كنّا نرى أن تشبيبَ ابنِ حسّان بابنة معاوية لشيءٍ، فإذا ذلك عن رأي معاويةَ وأمره(6).
كنّا في ضيافةِ معاويةَ ومعنا كعبٌ بن جُعيل التغلبيّ(8)، قال:
1) الدّماث: واحدها الدمث وهو المكان.
2) البعل: كل نخل وشجر وزرع لا يسقى، أو ما سقته السماء.
3) الخبر في الأغاني 15/ 110 دار الكتب. بالسند نفسه وفي العفو والاعتذار 58/1.
4) نکالاً: صنعت به صنيعاً يكون فيه عبرة لغيره.
5) في ب: مدحك.:
6) في الأغاني: وعلم من كان يعرف أنه ليس له بنت أخرى، أنه إنما خدعه يشبب بها. ولا أصل لها فيعلم الناس أنه كذب على الأولى لما ذكر الثانية.
7) في البيان والتبيين 172/1: قال أبو الوجيه. وأبو حيّة: هو الهيثم بن ربيع شاعر مخضرم، أدرك الدولتين الأموية والعباسية. وكان أهوج جباناً بخيلاً كان يروي عن الفرزدق. (انظر ترجمته في الأغاني 236/16 الثقافة وابن المعتز 143).
8) هو كعب بن جعيل بن عجرة بن قمير، شاعر معاوية وأهل الشام، يمدحهم ويرد عنهم ويرثي موتاهم، شهد مع معاوية صفين، ونظم فيها أشعاراً كثيرة. (انظر ترجمته في المرزباني 323 والشعر والشعراء ص 543 و ابن سلام 485).
فحدّثني(1): أن يزيدَ بن معاوية قال له: إنّ ابنَ حسّان قد فضحَ عبد الرحمٰن بن الحكم(2)، وغلبَه، وفضحَنا، فاهجُ الأنصارَ قال له: أرادِّي أنتَ في الشركِ(3)؟ أهجو أقواماً نصروا رسول اللهِ - صلى الله عليه وآله - وأوَوه، ولكنّي أدلُّكَ على غلامٍ منا نصرانيِّ لا يبالي أن يهجوهم(4)، كأن لسانَه لسانُ ثورٍ. قال: من هو؟ (73 و /) قلتُ: الأخطلُ. فدعاه فأمره بهجائهم. قال على أن تمنعني. قال: نعم.
أنّ عبد الرحمٰن كان يشببُ برملةَ بنتِ معاوية، فأمر يزيدُ كعب بن جُعيل أنْ يهجوه فدلّهُ على الأخطل. وقال غيرُ المدائني: لمّا غلبَ ابنُ حسّانَ عبد الرحمٰن بن الحكم، دسّ معاويةُ ابنَه يزيدَ إلى الأخطل، فأمره بهجائهم فهجاهم فقال(5):
ذهبتْ قريشٌ بالسَّماحة والنَّدى *** واللُّومُ تحت عمائم الأنصار
قومٌ إذا هدرَ العصيرُ رأيتَهم *** حُمراً عيونُهم من المُسطار
وإذا نسبتَ ابنَ الفُريعة خِلتَه *** كالجحشِ بين حِمارةِ وحمار
فردّ عليه النعمانُ بن بشير(6):
أبلغ قبائل تغلب ابنة واثلٍ *** مَنْ بالفراتِ وجانبِ الثَّرثار(7)
1) انظر النص في البيان والتبيين 172/1 والشعر والشعراء ص 394.
2) هو عبد الرحمٰن بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية، أخو مروان بن الحكم، شاعر إسلامي كان يهاجي عبد الرحمٰن بن حسّان. (انظر الأغاني 69/12 - التقدم -).
3) في البيان والتبيين: إلى الإشراك بعد الإيمان.
4) أضاف فى الشعر والشعراء: كافر شاعر.
5) ديوان الأخطل ص 314 والأغاني 142/13.
6) هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، يكنى أبا عبد الله، وهو ابن أخت شاعر الرسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم عبد الله بن رواحة، كان أول مولود في الإسلام من الأنصار بعد الهجرة بأربعة عشر شهراً. استعمله معاوية على الكوفة ونقله من أمرة الكوفة إلى أمرة حمص، قتل في الشام سنة خمس وستين. الإصابة 529/3 والمعارف 294.
7) الأغاني 147/13.
فاللؤمُ فوق أنوفِ تغلب بيّنٌ *** كالرَّقمِ فوق ذراع كل حمار(1)
فقال الأخطل:
عذرتُ بني الفُريعةِ أنْ هجَوني *** فما بالي وبالُ بني بشيرِ(2)
أفيجعُ من بني النجّار شَثْن(3)*** شديدُ القُصْريَين من السَّحور
قال: فلما بلغ بني النجّار قولُ الأخطل، خرج وفدٌ منهم حتى قدموا على معاويةَ فلما دخلوا عليه، وضعوا عَمائهم، وقالوا: أترى لؤماً يا أميرَ المؤمنين(4)؟ واستعدوا على الأخطل، فقال: لكم لسانُه إلّا أن يكونَ يزيدُ أجاره، ودسّ (73 ظ /) إلى يزيد فأجاره، فلم يصلوا إليه فقال يزيد:
دعا الأخطل الملهوف بالشرِّ دعوةً *** فأيّ مجيب كنتُ لمّا دعانيا
ففرّجَ عنه مشهدَ القوم مشهدي *** وألسنة الواشينَ عنهُ لسانيا(5)
قال: وكان أشدّ القوم الأخطل النعمان بن بشير يقول الأخطل(6):
أبا خالدٍ(7)دافعتَ عني عظيمةً *** وأدركت لحمي قبل أن يتبدّدا
وأطفأتَ عنِّي نار نُعمانَ بعدما *** أغذَّ لأمرٍ فاجرٍ(8)وتجرّدا
وقال ابن حسّان يعني معاويةَ:
ألا مَنْ رسولي أصلح اللهُ باله *** وأعطي من الحاجات ما كان يطلبُ
يبلّغْ أميرَ المؤمنين رسالةً *** تنخّلَها مملٍ وآخرُ يكتب
فيخبرُ فيها أنّ بيني وبينه *** أواصرُ لا تُرعى ولا هي تقرب
1) في الأغاني: بين أنوف تغلب.
2) الأغاني 147/13.
3) شتن: الغليظ الخشن.
4) في الأغاني: أن الذي وضع العمامة هو النعمان بن بشير.
5) الخبر والشعر في الأغاني /147/13 والعفو 65/1.
6) البيتان من قصيدة يمدح بها يزيد لوقوفه في وجه النعمان والأنصار في ديوانه 102.
7) يريد بأبي خالد يزيد بن معاوية.
8) في الأغاني: عاجز.
وأنّ يزيد ليس يطلبُ عندنا *** كتاباً ولا حقًّا وذو الحق يَطلُب
وأنّ يزيد كان في متنزَّهٍ *** وفي معزلٍ عمّا تداول تغلِب(1)
رجالٌ أصِحّاء الجلود من الخَنا *** والسنةٌ معروفةٌ أين تذهَب(2)
فلا تجعلنّا لُعبةً لقطينه *** فيعلم إنْ عشنا بمن كان يلعَب(3)
وأنّي ممّا أخمدُ الحربَ تارةً *** وأحمَلُ أحياناً عليها فأركب
لمّا (74 و /) أراد عبد الرحمٰن بن حسّان أن يُهاجي النجاشيّ(4)قال له أبوه: هلمّ فأنشدْني من شعرك، فإنك تهاجي النجاشيّ أشعرَ العربِ، فأنشده فأهوى حسّانُ إلى شيءٍ خلفَه فعلاه ضرباً، ثم قال: يا عاضَّ بُظرَ أمِّهِ أبهذا تهاجيه(5)؟ اذهبْ، فقل ثلاثَ قصائد قبلَ أنْ تُصبحَ. قال: فقال ثلاثَ قصائد، ثم جاءه فعرضها(6)عليه. فقال حسّانُ يا بُنيّ، اذهب فابسِط الشرَّ على ذراعيك، قال: يا أبه ما هذه وصيّةُ يعقوب بنيه(7)، وقام، فقال حسّان: يا بنيّ ما أبوك مثلُ يعقوب، ولا أنتَ مثلُ بني يعقوب، اعمد إلى امرأةٍ لطيفةٍ بأختِ النجاشيّ فمرْها فلتصفْها لكَ، واجعلْ لها جُعلاً ففعلَ، فوصفتْ له أشياءَ ذكرت خالاً(8)وشامةً، وقال: فخرج عبد الرحمٰن حتى هبطَ مكةَ،
1) في ب: عما تزاول. والبيت في الحيوان 354/6.
2) البيت في البيان والتبيين 148/1.
3) سقط البيت من ب.
4) هو قيس بن عمرو بن مالك من بني الحارث بن كعب، سمي النجاشيّ لأن لونه كان يشبه لون الحبشة، وكان فاسقاً رقيق الدين. (انظر ترجمته في الخزانة 368/4 والشعر والشعراء 246).
5) سقط هذا السؤال من ب ابتداء من (أبهذا).
6) في ب: يعرضها.
7) إشارة إلى قوله تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إنّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (البقرة آية 132).
8) سقطت جملة (ذكرت خالاً) من ب.
فلما كانت أيامُ منىّ، قيل له: إن ها هنا نفراً من بني عامرٍ إخوةٌ مطاعينُ في قومهم(1)، فخرج إلى أمّهم يكلمها وانتسبَ لها، وذكر الذي أراد فأرسلت إليهم، فقالت: قوموا مع هذا الرجل، وكلموا بني عمِّكم من يقوم معه(2)، ففعلوا وجعلوا له غبيطاً(3)على نجيبةٍ(4)، وجعلوا فوق الغبيط رجلاً، فجاء مشرفاً على الناس، وجاء النجاشيُّ على فرسٍ وهو يقول:
أنا النجاشيّ على جَمَّازِ *** فرِّ ابنُ حسّان بذي المَجاز(5)
وذو المجاز: موضع، وسوق للمناسبات قرب مكة والنص في شعره 166.
وراغَ لمّا سمع ارتجازي *** روغَ الحُبارى من خَواتِ الباز(6)
والخوات: دويّ جناح العقاب.
وقال ابنُ حسّان:
يا هندُ يا أختَ النجاشيّ اسلمي *** هل تذكرينَ ليلةً بإضَم(7)
وليلةً أخرى بجوِّ الحرَم *** والشَّامةَ السوداء بالمخدم(8)
(74 ظ /) والخالَ بالكِشحِ اللطيفِ الأهضم(9)
فانكسرَ النجاشيُّ لصفته، وقَال النجاشيّ(10):
ستأتي اليهوديين حسّانَ وابنَه *** قصائدُ لم يختمْ(11)عليهنَّ رَوْشم
لعينَ رسولِ الله ما لكَ ذمّةٌ *** ومالكَ من دينٍ ومالَكَ محرم
1) في ب: في قولهم.
2) سقطت عبارة (من يقوم معه) من ب.
3) الغبيط: المركب.
4) نجيبة: ناقة.
5) الجمّاز: البعير.
6) الحبارى: طائر للذكر والأنثى، والواحد والجمع.
7) إضم: جبل. والوادي الذي فيه المدينة المنورة، وماء بين مكة واليمامة.
8) مخدم. كمعظّم، موضع الخلخال، رباط السراويل عند أسفل رجل المرأة.
9) الخال: الشامة. والكشح الأهضم: قلة انحفار الجنبين.
10) النص في شعره 187.
11) (11) في ب: مختوم.
أبوك أبو سَوْءٍ وعمُّك مثلُه *** وخالُك شرٌّ من أبيك والأم
فقال ابنُ حسّان:
ألا ترونَ العبدَ إذ يهجو مُضَرْ *** منّا رسولُ اللَّهِ والقَوْمُ عُمر(1)
وقال أيضاً:
أشهد كلَّ مسلمٍ شَهاده *** مَنْ لا يَبيعُ دِينَه تلادَه(2)
ما بين أقصى ضرغد فصادَه *** أو ملك تلقى له آساده(3)
وقال النجاشيّ لقريشٍ، وكان هواهم مع ابن حسّانَ، ويقال: بل قالَها حينَ ضربَه [أميرُ المؤمنين](4)عليٌّ بن أبي طالب - رضوان الله عليه -(5)الحدَّ بالكوفة، ونفاه عنها(6):
ظهرَ النبيُّ وما قريشٌ وسطنا *** إلّا كمثلِ قُلامةِ الظُفر
فعسی قريشٌ أن تزلَّ بها *** غداً نعلٌ فنقسِمَها على ظهر
1) القرم: السيد.
2) التلاد: ما ولد عندك من مالك أو نتج.
3) في ب: ما بين أقصى ضرعه فصاده أو ملك يلقه له إسناده.
4) ما بين الحاصرتين تكملة من ب.
5) في ب: كرم الله وجهه.
6) جاء في ضربه الحدّ ونفيه: أنه خرج في رمضان على فرس له بالكوفة يريد الكناسة، فمر بأبي سمال الأسدي، فوقف عليه، فقال: هل لك في رؤوس حملان في كرش في تنور من أول الليل إلى آخره قد أينعت وتهرأت فقال له: ويحك، أفى شهر رمضان تقول هذا؟ قال: قال: أشهر رمضان وشوال إلّا واحداً. قال: فما تسقيني عليها؟ قال: شراباً كالورس، يطيب النفس، ويجري في العرق، ويكثر الطرق، ويشد العظام، ويسهل للغير الكلام فثنى رجله فنزل، فأكلا وشربا، فلما أخذ فيهما الشراب تفاخرا فعلت أصواتهما فسمع ذلك جار لهما، فأتى عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - فأخبره، فبعث في طلبهما، فأما أبو سمّال فشق الخص ونفذ إلى جيرانه فهرب، فأخذ النجاشيّ فأتى به عليّ بن أبي طالب، فقال له: ويحك، ولداننا صيام وأنت مفطر؟ فضربه ثمانين سوطاً وزاده عشرين. فقال له: ما هذه العلاوة يا أبا الحسن؟ فقال: هذه لجرأتك على الله في شهر رمضان، ثم وقفه للناس ليروه (الشعر والشعراء 246 والخزانة 368/4).
هاج الهجاء بين النجاشيّ من بني الحارثِ بن كعب وبين عبد الرحمٰن بن حسّان، أنّ امرأةَ من بني الحارث بن كعب كانت ناكحاً بالمدينة عند رجلٍ من بني مخزوم، وكانت من أجمل النساء، فكان ابنُ حسّان يشبّبُ بها حتى يرقا ذلك، فهجاه النجاشيُّ، (75 و /) وردّ عليه ابنُ حسّانَ، فتهاديا الشعرَ حيناً، وابنُ حسّان بالمدينة، والنجاشيُّ بنجران، ثم إنهما اتّعدا سوق ذي المجاز وكانت تقومُ حين يستهلُّ هلالُ ذي الحجّة، ثلاثةَ أشهر، ومنها كان يتجهّزُ الناسُ، ويمضون إلى مكةَ إلى الموسم، قال: فقالت الأنصارُ - وأتاهم ابنُ حسّان يستنفرُهم - شاعران سفيهان، يهجوان الناسَ ويُحييان أمرَ الجاهلية، فلم تنفرْ معه جِلَتُهم(1)، ولا ذوو أسنانهم(2)، وخفّ معه شبابٌ من سفهائهم وفتيانٌ(3)من قريشٍ، وأفناءُ أهل المدينة. قال عياض بن أبي واقد اللَّيثيّ، وكان مع ابنِ حسّان قال: لمّا قدمنا ذا المجاز، إذا النجاشيُّ قد وافى في بشرٍ كثيرٍ، فلمّا رأى ذلك ابنُ حسّان سألَ: مَنْ أعزُّ مَنْ ها هنا؟ قالوا: هذه بلاد هوازن وقد نزلنا بيهس بن عقال العقيلي، قال: فأتيناه فلم نصادفْه، ووجدنا امرأةً، فسألناها عنه، فقالت ليس هو ها هنا، انطلقَ يشتري كسوةً لأهلِه، قال: فقعدنا، فإذا الشيخُ قد أقبلَ، ومعه رجلٌ حاملٌ رزمةً من ثيابٍ، وفي كفِّ بيهسٍ أثوابٌ كأنه يشتد(4)بها، وإذا هو دالفٌ حتى إذا انتهى إلينا وضعَ ما معه، ورَحَّبّ بنا ونسَبَنا، فقال عبد الرحمٰن: أنا ابنُ حسّان بن ثابت، فرحّبَ به، وقال حاجتُك؟ فقال: إنّ النجاشيَّ يهجونا ويُقطّع أعراضَنا فواعدته، وقد وافى في بَشَرِ كثيرٍ، فأردتُ أنْ تمنعَني حتى ألقاه، فأواقفُه. فقال: نحٍّ هذا عنّي يا ابنَ أخي إلى غيري، فقد نويتُ الحجَّ، وأردتُ أن لا أدخلَ فيها (75 ظ /) شيئاً غيرَها، قال: ولعلِّي لا أرى حجّةً بعدَها. قال: فطلبنا إليه فأبى، فانصرفْنا، فلما جاوزنا سمِعنا امرأتَه تقول له: كأني بهذا المولى قد قال لكَ قولاً لا ينكحُ بنتاً لك كفؤ أبداً، أتاك رجلٌ من الأنصار لتمنعهُ
فنبوتَ عنه. فقال لها: ويحكِ أدعيهم فدُعينا(1)، فرجِعنا، فقال: نعم، أنا أمنعُكَ فمتى واعدته؟ قال: بالغداةِ. قال: فغدونا، وجاء النجاشيُّ(2)على جمّاز، وجاء بيهسٌ، فلما تناقضا، جعل بيهسٌ يرى أبصارَ الناس إلى النجاشيّ. وقد [كان].(3)كلَّ سمعُه من الكِبَر.
قال: فلما رأى ذلك ظنَّه قد غلبَه، فقال: أدنوني، فأدنوه من النجاشيّ، فسمعَه يقولُ، فشُقَّ عليه، وسمعَه يقولُ:
بنى اللؤمُ بيتاً فاستقرَّ عمادُه *** عليكم بني النجّارِ ضربَة لازم(4)
فلما سمعها كلّحَ فقال: يا آل هوازن. فلم يبقَ بيتٌ ولا خيمةٌ إلّا قُوّضتْ، ولم أرَ إلّا قوائم جَملِ النجاشيّ، وأفلتَ فولجَ فسطاطاً ثم خرج من ناحيته، واتّبعوه، وجاء رجلٌ من بني قاربٍ ابن الأسودِ الثقفيّ، على فرَسٍ فأردفه. قال: فسبقَ به حتى فاتَ القومَ. فقال النجاشيّ يعمّ(5)الأنصارَ:
وهلْ أنتمُ إلّا كأبناء نهشلٍ *** وآلِ فُقَيم قُتلِّوا ومُجاشِع
بذنبِ سُوید و هو من آلِ دارم *** لزيد بن عبد الله والأمرُ جامع(6)
قال: ورجزَ به فقال(7):
إذا دعوتَ مَذحجاً وحمَيرا *** والعُصب اليمانيّات الأخرا
فما أعزَّ ناصري وأكثرا
قال: واخترط رجلٌ من حِميَر سيفَه فضربَ (76 و /) به عُرقوبَ بعيرِ ابن حسّان، فقال حين كُسِر:
1) في ب: فدعتنا.
2) سقط سطر من ب ابتداء من (وجاء بيهس).
3) ما بين المحاصرتين تكملة من ب.
4) ضربة لازم: ضربة لاصق ثابت.
5) في ب: يعني والنص في شعره 170.
6) فقيم بن جرير بن دارم، وزید بن عبد الله بن دارم. قبيلتان يضربان مثلاً للقبيلة تؤتى إذا برزت عليها أختها. (انظر البيان والتبيين 40/2).
7) الرجز في شعره 156.
لقد شَمِتوا حينَ استخفّ حلومُهم *** كأنّ فتىً لم ينكسِر ساقُه قبلي
وإني لأرجو أنْ يروني وأنْ أرى *** سويًّا كأني غصنُ بانٍ على نَجل(1)
وأمسي تحلّات النجاح مُجازياً *** يؤدّي أهل الودّ والتبل بالتبل(2)
التبل: العداوة.
كأني أخو الحلفاء أصبح غازيا(3)*** شديدُ مشكِّ الرأس جهمٌ أبو شبل
تبيتُ بعوضُ الجدّ يعزفنَ حوله *** كعزف القِيان الضارباتِ على الطبل
إذا أنا قضَّيتُ الأمانيَ خاليّاً *** فأوّلها التقوى ومشيٌّ على رجل
كسيرتها الأولى وذلك نالها(4)*** إذا عدت الأشياء عندي فمَنْ مثلي
وما أنس مل الأشياءِ لا أنسَ مصرعي *** عَشيّةَ جمعٍ والمغيرون(5)في شُغل
صريعاً وأيدي(6)السانحات يَرِدنني *** كما ورد اليعسوبَ رِجلْ(7)من النَحل
فأدركني ربّي بفضلٍ ونعمةٍ *** وما زالَ عندي ذا بلاءٍ وذا فضل
توحَّد بالنُعمى عليَّ فأصبحت *** مصائبها كالثوب أنقيَ بالغُسْل(8)
آخر الجزء السادس عشر من أجزاء أبي عبد الله الكاتب. وأول الجزء السابع عشر من أجزائه. وترجمته الرابع من الرابع من الموفّقيات، وهو آخره. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين(9).
لمّا أخرج بهُدبةِ بن الخشرم(1)ليُقتلَ، لقيَه عبدُ الرحمٰن بن حسّان فقال له متعنّتاً له: يا هُدبةَ أنشدني. قال: على هذا الحال؟ قال: نعم. قال هُدبة(2):
ولستُ بمفراح إذا الأمر سرَّني *** ولا جازعاً من صرفِه المتقلِّب(3)
ولستُ بباغي الشرِّ والشرُّ تاركي(4)*** ولكنْ متى أحمل على الشرِّ أركب
وحَرَّبني مولايَ حتى غَشيتُه *** متى ما يُحرِّبك ابنُ عمِّك تحرَب(5)
لست بمفراح إذا الدهر سرّني *** ولا جازع من صرفه المتحوّل
فقال له عبد الرحمٰن:
علمتَ أني أريدُ أن أتزوجَ امرأتَك بعدك؟ قال أمّا أني قد نهيتُها عنك حيث أقولُ(6):
لا تنكحي إنْ فرَّقَ الموتُ بيننا *** أغمَّ القَفَا والوجهِ ليس بأنزعا(7)
ضروباً بلحيَيه على عظمِ زوْره *** إذا القومُ هشُّوا للفعال تقنَّعا
أصيهبَ لا يُرضيكِ في الحيّ جالساً *** إذا ما مشى أو قال قولاً بلتَعا(8)
يقال: رجلٌ بلتعان إذا كان يكثر كلامَه بالمُحال(9).
1) هو هدبة بن الخشرم بن كرز بن أبي حية بن الكاهن، يكنى أبا سليمان، وهو شاعر مفلق كثير الأمثال في شعره، قتل ابن عمه زياد بن زيد العذري في أيام معاويةَ فحبسه سعيد بن العاص خمس سنين أو ستاً، إلى أن بلغ المسور بن زيادة وكان صفيراً فقتله بأبيه. (ترجمته في المرزباني 460 والشعر والشعراء 581).
2) الأبيات في الشعر والشعراء 581 والأول والثاني في المرزباني 460.
3) في الشعر والشعراء والمرزباني: إذا الدهر. وفي الشعر والشعراء. ولا جازع.
4) في الشعر والشعراء: ولا أتمنى الشرّ والشرّ تاركي.
5) في الشعر والشعراء: أخذه من تأبط شراً.
6) البيت الأول وآخر له في المحاسن والمساوىء 481. والأول والثاني في الشعر والشعراء منسوبان إلى هدبة.
7) في الشعر والشعراء: إن فرق الدهر بيننا. وأنزع: الذي انحسر الشعر من جانبي جبهته.
8) بلتعا: أفصح في كلامه.
9) سقط هذا الخبر بأكمله من ب.
لمّا وصفَ عبدُ الرحمٰن أختَ النجاشيّ انكسَرَ النجاشيّ لصفته. قال: وبطح ابن حسّان عن الرَحل فسقط، فانكسرت، رجلُه، وجاء رجلٌ من هُذيل إلى حسّان فقال: قدم مسابق(1)الحجّاج قال: فأخبر ماذا(2)؟ قال: التقى ابنُك والنجاشيُّ. قال: فأيُّهما غلبَ؟ قال: غلبَه النجاشيُّ. فأهوى حسّانُ إلى ذكرِه، فقبضَ عليه، وقال: ما خرجَ إذاً مَن هذا، مَنْ أنتَ؟ قال: (76 ظ /) رجلٌ من هُذيل. فقال حسّان يهجو القائلَ الهذلي(3):
فمَنْ يكُ بين هُذيل الخَنا *** وبين ثُمالة لا يفزع(4)
صغارُ الجماجم ثُطُّ اللحى(5)*** كأنهم القَملُ بالبَلقع
إذا ورد الناسُ حوضَ الرسولِ *** ذِيدت هُذيلُ عن المشرع
قال: فجاءته هذيلٌ فكلَّمته، فقال: واللهِ لو لم يأتوني ما زلتُ أرجز بهم حتى الحول. ولحّ الهجاءُ بين النجاشيّ وحسّان، فأرسل إليه النجاشيُّ بأبيات من شعر منها(6):
بنى اللؤمُ بيتاً فاستقرَّ عمادُه *** عليكم بني النجّار ضربةَ لازم
وأرسل إليه ببيتٍ آخر(7):
لو كان عذرٌ مهلكاً أهلَ قريةٍ *** من الناسِ أفنى باقيَ الخزرج الغدر
فدخل بهما عبد الرحمٰن بن ضِرار الجُشَمي على حسّان، فقال: يا أبا الوليد أما
سمعتَ هذين البيتين اللذين أهدى إليكم النجاشيُّ، فقال: أعرضهما عليّ، ففعلَ فأنشأ حسّانُ يقول(1):
يا راكباً إمّا عرضت فبلِّغنْ *** عبدَ المَدان وجُلَّ آل قَنان(2)
قد كنت أحسبُ أن أصلي أصلكمْ *** حتى أمرتم عبدَكُم فهجاني(3)
وقال أيضاً(4):
أبني الحِماسِ ألا مروّة فيكم(5)*** إنّ المروءَةَ في الحِماس قليل
هيّجتُم حسّان عند ذكائهِ *** غيٌّ لما ولد الحماسُ طويل(6)
وعند ذكائه: أي عند تمامه واستتمام الغاية لديه وحنكته.
وقال أيضاً(7): (77 و /)
حاربن كعب ألا الأحلام تزجركم *** عنِّي وأنتم من الجُوف الجماخير(8)
الجوف الجماخير: الواسعو الأجواف. وفي شرح الديوان والمراد الضعفاء المستريحون.
لا عيب بالقوم من طولٍ ومن عِظَم *** جسمُ البغال وأحلامُ العصافير(9)
دعوا التخاجي وامشوا مشيةٌ سُجُحاً *** إن الرجال أولو عَصْب وتذكير(10)
التخاجي: التباطؤ في المشي. ومشية سجحا سهله.
وعصب: شدة.
1) البيتان في ديوانه ص 420 وفيه أنه قالهما يهجو بني الحماس، وهو ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب المجاشعي.
2) في الديوان: آل قيان. وعبد المدان هو ابن الديان بن قطن بن زياد وهم سادات بني الحارث بن كعب، رهط النجاشيّ.
3) عبدكم: النجاشيّ الذي كان يشبه الحبشة في لونه.
4) البيتان في ديوانه 357.
5) في الديوان: أبني الحماس أليس منكم ماجد.
6) في الديوان هاجيتم .. غي لمن ولد.
7) الأبيات في ديوانه ص 213.
8) في ب: ألا الأرحام. وفي الديوان: تزجركم عنا.
9) في الديوان: لا بأس بالقوم
10) في الديوان: ذروا التخاجؤ ... إن الرجال ذوو ...
كأنَّهم قَصَبٌ جوفٌ أسافلُه *** مثقَّب فيه أرواح الأعاصير(1)
وقال النجاشيُّ(2):
فلم أهجكم إلّا لأني حسبتكم
كرهط ابن بدرٍ أو كرهطِ ابنِ معبد(3)
فلما سألتُ الناسَ عنكم وجدتُكم
براذين شُقراً أربطت حول مِذود(4)
فأنتم بني النَّجار أكفاء مثلُنا
فأبعد بكم عمّا هنالك أبعد(5)
فإن شئتم نافرتم عن أبيكم
إلى منْ أردتم من تهامٍ ومُنجد(6)
وما كنتُ أدرى ما حسامٌ وما ابنُه
ولا أمُّ ذاك اليثربيّ المولَّد
فلما أتاني ما يقولُ ودونه(7)
سيرةُ شهرٍ للبريد المُبرّد
[سموتُ له بالمجدِ حتى رَدَدته
إلى نسبٍ ناءٍ عن المجدِ مقعد](8)
قال: وحسّان يومئذٍ شيخٌ كبيرٌ أعمى فقال يعيّرُ ابنه عبد الرحمٰن ويهجوهم(1):
أمّا الحِماسُ فإني غيرُ شاتِمهمْ
لا هم كِرامٌ ولا عِرضي لهُم خَطر(2)
أولادُ حامٍ فلا تلقى لهم شبَهاً
إلا التّيوسَ على أقفائها الشَعر(3)
وقال(4):
ألا أبلغْ بني الدَّيان عنّي *** مغلْغلةً ورهطَ بني قيان(5)
(77 ظ /)
وأبلغ كلَّ منتخَب هواءٍ *** رحيبِ الجوفِ من عبدِ المدَان(6)
میامسُ غزّةٍ ورماحُ غابٍ *** خفافٌ لا تقوم بها اليدان(7)
تفاقدتمْ علامَ هجوتموني *** ولمْ أظلم ولم أخلس لساني(8)
قال أبو عبد الله الزبير: الميمسُ الذي يسخر منه. وغزّة بالشام من عمل فلسطين وبها مات هاشمٌ بن عبد مناف(9). وأمّا قوله:
لا تقوم بها اليدان. فشبههم بالقصب في ضعفه.
قال: فلما بلغ النجاشيّ أن(10)حسّاناً قد هجاه، رجزَ به
1) البيتان من قصيدة في ديوانه 226.
2) الحماس: هو ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب. والخطر: المثل.
3) في الديوان: فلن تلقي ... على أكتافها.
4) المقطوعة في ديوانه 421.
5) في ب: بني يمان.
6) في الأصل: حبيب الجوف، منتخب هواء ورحيب الجوف: بمعنى جبان، منخوب الفؤاد لا قلب له. انظر شرح الديوان.
7) في ب: خطاف مكان خفاف.
8) في ب: تقاذفتم. وفي الديوان: ولم أخلس بياني. لم أخلس: لم يسلب مني لساني.
9) هاشم بن عبد مناف جلد رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم مات في غزة وبها قبره ولذلك يقال لها غزة هاشم.
10) سقطت (أن) من ب.
فقال(1):
یا أيها الراكبُ ذو المتَاع *** ذو الرَّحْل والبُردين والإقطاع
أآذن بني النجّار بالوقاعِ *** من شاعرٍ ليس بمُستطاع
ليس من الهرميِّ ولا الجزّاع *** لا يقتل الأقوامَ بالخداع(2)
إلّا صميم النقر والمِصاع(3)*** يسبقُ شأوَ النُّجُبِ السِراع
جاء على نجيبةٍ وساع *** في موكبٍ عرمْرمٍ قَضاع(4)
مثل أتيّ السيل ذي الدفاع *** إني امرؤٌ أوفى على يفاع(5)
في حَلبات المجد والجُماع
وهي طويلة.
وقال لحسّان وابنه:
إن اللعينَ وابنَه غُرابا *** حسّانَ لما ودّع الشبابا
قال أبو عبد الله: كان عبد الرحمٰن بن حسّان شديد السواد، فلذلك قال: وابنه غرابا.
ونقدتْ أنيابهُ وشابا *** اسألْ رسولَ اللهِ والكتابا
ما باله إذا افترى وحابا *** وأخطأ الحق وما أصابا
(78 و /)
فعجَّل الله له عذابا *** وأخَّر النارَ له مآبا
يا شاعريْ يثربَ لا ترتابا *** ولا مُعافاة ولا عتابا
إذ تهجوان شاعراً غِضابا *** للشعراء واتراً غلابا
لا مُفْحَمَ القولِ ولا هيَّابا *** كالليث يحمي جِزْعه الذئابا(1)
وأنت قينٌ تنحتُ الأقتابا(2)
وأنت فنن فتحت الأقتابا *** لشرّ أم إن دعي أجابا
*** لشرِّ أمر إن دُعي أجابااستثنى النجاشيّ على عبد الرحمٰن بن حسّان حين أجمعَ مهاجاتَه ألّا يعينَه أبوه حسّانُ. فسأل حسّانُ ابنَه عبد الرحمٰن عمَّا قال للنجاشي في ليلته. فأنشده، فلم يرضَ حسّانُ فقال:
دعوا التخاجي وامشوا مشيّةً سُجحاً *** إنّ الرجال أولو عصَب وتذكير
فلما أنشدها عبدُ الرحمٰن للنجاشيّ، عفط في وجهه، وقال: بأستك(3). أنت
تحسنُ ترخيمَ الكلام. هذا كلام الشيخ.
اجتمعت الأنصارُ في مجلس، فتذاكروا هجاءَ النجاشيّ إياهم وقالوا: مَنْ له؟ فقال لهم الحارث بن معاذ(4): حسّان(5)فقالوا(6): واللَّهِ إِنَّ طعامه ليغلبَه من ضَعفِ حِنكه. فيعرضه للنجاشي ولم يبلغه شاعرٌ. فقال: واللهِ ما أنزعُ قميصي حتى آتيه، فتوجه نحوه، وهم مُعظمون لذلك. حتى دقَّ عليه البابَ. فقال: مَنْ هذا؟ (78 ظ /).
فقال: الحارث بن معاذ. قال: افتحي فُريعةَ(7)لسيّدِ شبابِ الأنصار. فلما أنْ
1) الجزع: الوادي أو منعطفه.
2) في ب:
3) في الأصل: بأسنانك.
4) انظر ترجمته في الإصابة 290/1.
5) في الأصل: ابن حسّان وهو خطأ واضح.
6) في ب: فقال. وهو تحريف.
7) هي الفريعة ابنة خالد بن حبيش وقيل قيس بن لوذان الأنصارية والدة حسّان. واليها كان ينسب، وقد أسلمت وذكرها ابن سعد في المبايعات وفي شرح الديوان سماها الفريقة، وقال إنها ابنته ويؤيد أنها ابنته ما سيأتي. (انظر الإصابة 375/4).
دخلَ عليه شقّ قميصَه وأخبره الخبرَ. فقال: أين أنتم عن عبد الرحمٰن؟ قال: قد قاولَه عبدُ الرحمٰن فلم يصنعْ شيئاً. قال: كنْ وراء البابِ واحفظْ ما ألقي عليك. فقامَ فضربَه البابُ فشجَّه، فقال: بسم الله، اللهمّ احفظ عني(1)رسولَك. فعرفتُ واللهِ الغَلبةَ إذ قالها ثم قال(2):
أبني الحِماس أليس فيكم سيّدٌ *** إن المروءَةَ في الحِماس قليل(3)
هيّجتُم حسّان عند ذكائه *** غيٌّ لما ولدَ الحماسُ طويل
إِنَّ الهجاء إليكمُ لتعلّةٌ *** فتحشحشوا إِنَّ الذليلَ ذليل(4)
يا ويلَ أمِّكم وويلَ أبيكُم *** ويلٌ ترددَ فيكمُ وعويل
لا تجزعوا أنْ تُنسَبوا لأبيكمُ *** فاللؤمُ يبقى والجبالُ تزول
فبنو زيادٍ لم تلدْك نحولُهم *** وبنو صلاءَةَ فحلُهم مشغول(5)
وسری بكم تيسٌ أجمُّ مُجدَّرٌ *** ما للذَّمامةِ عنكمُ تحويل(6)
اجمّ: كثير اللحم، ومجذر: قصير، والذمامة: الذم.
فاللؤمُ حلَّ على الحِماس فما لهم *** كهلٌ يسودُ ولا فتىً بُهْلُول(7)
وقال أيضاً يهجوهم(8):
أمّا الحِماسُ فإني غيرُ شاتِمُهم
لا هُم كرامْ ولا عرضي لهم خطر
لا يربلون ولا يُلفى لهم شبَهٌ
إلا التيوسُ على أكتافها الشَّعَر(1)
إن سابقوا سُبقوا أو نافروا نُفِروا
أو كاثروا واحداً من غيرهم كُثِروا(2)
شِبه الزغاليل لا دينٌ ولا حسَبٌ
لو قامروا الزّنج عن أحسابِهم قُمِرو(3)
وقال أيضاً يهجوهم(4):
يا راكباً إما عرضت فبلِّغنْ *** عبَدَ المَدان و جُلَّ آل قَنان(5)
فلتُعرفنَّ قَلائدي برقابكمْ *** كالوشم لا يبلى على الحدَثان(6)
فلأجدَعنّ بني رُهيمة كلّها *** وبني الحصين بخزيةٍ وهوان(7)
أمّا الحِماس فلا أقول لثلّةٍ *** ترعى البقاعَ خبيثة الأوطان(8)
قال: ولما قال حسّان قصيدته التي يقول فيها:
هيجتم حسّان عند ذكائه *** عيٌّ لما ولدَ الحِماسُ طويل
قال: اكتبوها في رُقاع، وألقوها في أيدي الصبيان، ففعلوا، فلم يمرَّ بنا إلّا بضعٌ وخمسون ليلةً حتى طُرقت بنو عبد المدان بالنجاشيّ موثقاً معهم، فأرغوا ببابه، فقال لابنته: يا بُنيّة، ما هذا الذي أسمعُ؟ قالت: لا والله ما أدري. قال: إنّ أباك قد كان ذا شدّة في العرب بلسانه، فانظري مَنْ طرقني، فإن كانت الإبلُ تعوي عواء الكلابِ،
1) في الديوان وفي موضع سابق من الموفّقيات: أولاد حام فلن تلقى ..
2) في الديوان: أو كاثروا أحداً. ونافروا: فاخروا وحاكموا في الحسب كمنافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل إلى هرم الفزاري.
3) في الديوان: شبه الإماء. والزغاليل: واحدها الزغلول وهو الخفيف والطفل.
4) الأبيات في ديوانه 420.
5) في الديوان: آل قيان.
6) في الديوان: ولتعرفن. والقلائد: يريد بها الأشعار.
7) في الديوان: فلأذكرن بني رحيمة.
8) في الديوان: أبني الحِماس. وفي ب: جديبة.
توطأ على أذنابها، فهي إبلٌ مضريّةٌ، وإن كانت تَشكِي تشكّي الذئاب، فهي إبلُ بني الحارث بن كعب، وقد أُتيت بالعبد. قالت: يا أبه، هي واللهِ كما تصف تشكي(1)لي. قال: أرسلي إلى قومِك: أجيبوا حسّان، فما بقي بعاليّةٍ ولا سافلةٍ أحدٌ إلّا جاء، فلما اجتمع الناسُ، ووضع له سريرٌ، فقعد عليه وفي يدهِ مِخصرةٌ(2)، قام عبد الله بن الدّيّان(3)، فقال: يا ابن الفُريعةِ، جئناك بابن أخيك لترى فيه رأيَك، وأتي (79 ظ /) بالنجاشيّ، فأُجلس بين يديه، واعتذر إليه القومُ فقال: يا جارية، البقية التي بقيت(4)من الجائزةِ، فأتته بمائة دينار إلّا دينارين، فقال: خذها يا ابن أخي، فعوّضْها أهلَكَ، وحمله على بغلةٍ لعبد الرحمٰن، فقال له ابن الديان: يا ابن الفريعة، كنا نفتخرُ الناس بالعظم فأفسدتَه علينا، قال: كلا أنا الذي أقول:
وقد كنا نقول إذا سمعنا *** بذي جسم يعدُّ وذي بيان
كأنك أيّها المُعطي بيانا *** وجسماً من بني عبد المدان
أنَّ إنساناً عمل مأدبةً في زمانِ عثمان فدعا لها أصحابَ رسولِ الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - وفيهم حسّانُ بن ثابت، وقد ذهبَ بصرُه، ومعه ابنُه عبد الرحمٰن. قال: فجعل حسّان يقول لابنه عبد الرحمٰن إذا أتي بطعامٍ: أطعامُ ِيدٍ أمْ طعامُ يَدين؟ قال: فإذا قال له: طعامُ يدين. لم يأكل، وهو الشواء.
قال هشام عن أبيه عروة: وكان في المأدبة قينتان تغنيانهم، وجعلَ عبد الرحمٰن بن حسّان يُشير إليهما تغنياهم بشعر حسّان، فغنتا بقوله:
انظر نهارا بباب جُلّق هلْ *** تؤنسُ دون البلقاء من أحد(1)
انظر خليلي ببطن جلّق هل. جلق: بكسر الجيم وتشديد اللام المكسورة، هي دمشق أو قرية من قراها والبلقاء: كورة من أعمال دمشق.
؟قال: فبكى حسّان وجعل ابنُه يشير إليهما تغنيان بشعره أيضاً فيبكي.
إنّ أوّلَ ما هاجَ الهجاءَ بين عبد الرحمٰن بن الحكم وعبد الرحمٰن بن حسّان زمنَ معاوية وهما بالمدينة وعليها مروان بن الحكم أنهما خرجا إلى الصيد بأكلبٍ لهما فقال ابنُ الحكم:
أزْجرْ كلابَك إنها قَلطيّةٌ *** بُقْعْ ومثل كلابِكم لم تَصْطَد(3)
فردّ عليه ابن حسّان(4):
مَنْ كان يأكلُ من فريسة صَيده *** فالتمرُ يغنينا عن المتَصيِّد
إنا أناسٌ ريقون وإنكم *** ككلابِكم في الوَلْغ والمتزرِّد(5)
حُزناكمُ للضبِّ تحترشونَه *** والريف، نمنَعكم بكلِّ مهنَّد (6)عْبد
نقضي فنمضي ما أردنا فيكم *** فِعَل العزيز بعبده المستَعْبد
قال: ثم رجعنا إلى المدينة فجعلا يتقارضان الشعر، فقال عبد الرحمٰن في قصيدة:
ومثلُ أمّ أبيك العبدِ قد ضُربت *** عندي ولي بثقيلي مِزهر جَرِم(1)
المزهر: العود. والجرم: الصافي الصوت.
وأنت عند ذناباها تعاونها *** على القدور تَحسّى خاثر البرم (2)
قال هشام [قال] أبو المقَوّم فنقض عليه ابنُ حسّان فقال(3):
نحّاكم اللهُ يوم القسم وحدكم *** حتى قضى قسمةَ الجيران في الحرم
حتى إذا كان قسم اللؤم قال لكم *** حلّوا إلى حظّكم في غابر الأمم(4)
يا أيها الراكبُ المُزجي مطيَّتَه *** إمّا عَرضت فسائل عن بني الحكم(5)
المزجي: السائق. وعرضت: أتيت العرض وهو مكة والمدينة وما حولهما.
(80 ظ /)
القائلين إذا لاقوا عَدوّهم *** خرُّوا فكرُّوا على النِّسوان والنَّعم(6)
واللاصقين بحيٍّ غيرِ أصلهم *** كالخالطين صقور الطير بالرَخم(7)
ولا(8)تغرنَّك أبرادٌ وأقمصَةٌ *** فإنّ أربابها هُم رُضَّعُ الغنم
كم من أمينٍ نصيح الجيب قال لكم *** ألا نهيتمْ أخاكم يا بني الحَكم
عن رجلٍ لا بغيضٍ في عشيرتهِ *** ولا ذليل قصير الباع مُهتَضم(9)
فإنّ أمّكُم كانت ملعّنةً *** تَمري الخلايا وترعَىٰ عازب الغنم(10)
تمرى: تستدر اللبن. والخلايا: وأحدها الخلية، وهي من الإبل المخلّاة للحلب، أو التي عطفت على ولد غيرها.
1) في الأغاني: ومثل أمك أم العبد قد ضربت .. ولي بفنائي.
2) تحسّى: تشرب شيئاً بعد شيء.
3) الأبيات 3، 4، 7، 8 في الأغاني 114/15 وانظر شعر عبد الرحمٰن ص 53. وما بين الحاصرتين تكملة من ب.
4) في ب: خلوا.
5) في الأغاني: إذا عرضت.
6) في ب: فروا يكروا. وهو تحريف.
7) الرخم: طائر ضعيف.
8) في ب: فلا.
9) في الأغاني: معتصم.
10) في ب: غائب الغنم.
شبّت مُلعّنةً بظراء مؤذية *** مثلَ الذُبابة لم تَنكِح ولم تئم
وقال عبد الرحمٰن بن حسّان(1):
ألا أبلِغْ معاويةَ بن حربٍ *** فقد أبلغتُم الحَنق الصدورا
تَقونَ بنا نفوسكم(2)المنايا *** عست بكم الدوائرُ أن تدورا
بحربٍ لا ترى الأمويَّ فيها *** ولا الثقفیَّ إلّا مُستجيرا
فقال معاوية(3): لئن استجارَ الأمويُّ أنه لأسوأ(4)حالاً منه.
وقال عبد الرحمٰن بن حسّان(5):
صار العزيزُ ذليلاً والذليلُ له
عزٌّ وصار فروعُ الناس أذنابا(6)
إني لملتمسٌ حتى يبينَ لي(7)
فيكم متى كنتمُ للناسِ أربابا
فارقَوْا على ظلعكم ثم انظروا وسَلوُا(8)
عنا وعنكم قديم العلم نسّابا
فسوف يضحكُ أو تعتاده ذِكَرٌ
يا بؤسَ للدهر للإنسانِ ريّابا(9)
قومٌ إذا راهنوا عن مجدِهم جعلوا(10)
تحتَ العجاجةِ للمسبوق جلبابا
1) انظر شعر عبد الرحمٰن ص 26.
2) في ب: صدوركم.
3) في ب: فقال الأموي. وهو تحريف.
4) في ب: لأقوى.
5) الأبيات 1 - 4 في الأغاني 14/15 وانظر شعر عبد الرحمٰن ص 15.
6) في الأغاني: صار الذليل عزيزاً والعزيز به ذل ....
7) في الأغاني: حتى يبين لكم.
8) ارق على ظلعك: أي تكلّف ما تطيق.
9) :ريّاب: مفزع.
10) في ب: رهنوا. تحريف.
(81 و /)
شبابُكم شرُّ شبانٍ علمتُهمُ(1)
قِصراً وطولاً وأعراضاً وأحسابا
وشُمطُكم شر شُمط الشيبِ مخبرة(2)
وشرّهمُ في ثنا أمرٍ إذا غابا
يوصي أوائلُهم بالنوك آخرَهم(3)
النوك: الحمق.
وشرّ من ذاق طعمَ النُوكِ مَنْ شابا
إنْ تملكونا قليلاً في إمارتكم
فقد ملكتم بني الزرقاء أحقابا
قومٌ يرون بني الأحرار نافلةً
كانوا لهم خَوَلا بُرداً وأسلابا
فقال عبد الرحمٰن بن الحكم:
لن يَسلُبَ الله أهل الدينِ دينهم *** ولن تعودَ فروع الناس أذنابا
منّا الرسولُ ومنّا مَنْ يُلاذُ(4)به *** ولن نزال لهذا الدين أربابا
فقال عبد الرحمٰن بن حسّان: حسّان(5)
والأول في التاج 111/2.
والثالث في سيبويه 159/2 والمقتضب 166/1 والخصائص 14/13 والشافية 165 واللسان 1 / 186. وانظر شعره ص 18.
:وأمّا قولُك الخلفاءُ منّا *** فهم منَعوا وريدَك من وداج(1)
ولولاهُمْ لكنتَ كعظم حُوتٍ *** هَوَت في مُظلمِ الغمراتِ داج(2)
وفي العقد: لطحت کحوت بحر. داج: مظلم شديد الظلمة.
وكنتَ أذلَّل من وتَدٍ بقاعٍ *** يُشعّث رأسَه بالفهر واج(3)
ولولاهُم قُسِرتَ وطبتَ نفساً *** لنا يا ابن المفاضةِ بالخراج(4)
همُ دُعْجٌ ونسلُ أبيك زُرقٌ *** كأنّ عيونَهمْ فِلَقُ الزُجاج(5)
فقال عبد الرحمٰن بن الحكم:
وللأنصارِ أكلٌ في قُراها *** لخُبثِ المطعماتِ من الدجاج
وأرْبي من خميرهم وأبقى *** على لؤمِ الهوان من الرتاج
(81 ظ /) فقال عبد الرحمٰن بن حسّان(6):
كان أبي لكم في الكفر نكلا *** وفي الإسلامِ كنتُ لكم عِلاطا(7)
لقد أدركتُ عندكمُ حديثاً *** وما تضعون في بيتٍ بِساطا(8)
وما لنسائكمُ إذ ذاك رَقْمٌ *** سوى أدَمِ تشقّقه رِهاطا(9)
ولا لجميعهمُ إلّا رداءٌ *** قد اشترطوا للبسَتِه اشتراطا(10)
صغيرُ الرأس ليس بذي اتساع *** ولو شَقّوه أعجل أن يُخاطا
1) في ب: أما بإسقاط الواو. الوريد: أحد عرقين في العنق. ووداجه: قطعه.
2) في الروايات الأخرى لكنت كحوت بحر. وفي الوحشیات: سری مکان هوی.
3) في الروايات الأخرى: يشجج رأسه. يشعث: يشجّج. والفهر: حجر يملأ الكف. والواجي: منالوجيء، وهو الدق والضرب.
4) المفاضة: من النساء الضخمة البطن.
5) في الوحشيات: قطع الزجاج.
6) شعر عبد الرحمٰن ص 29.
7) النكل: اللجام أو حديدته. والعلاط: الحبل يجعل في عنق البعير.
8) في ب: وما تطؤون في بيت.
9) :رهاط جلد يشقق سيورا.
10) في ب: وما لجميعهم.
وقال أيضا(1)
عبد الرحمٰن ص 62.
:حدِّثْ حديثَك إذ أتاك بعيبةٍ *** رجُلٌ يظنُّك صالحاً وأمينا(2)
فبقرتَها بقرَ الحُوار بمعْوَلٍ *** يُدعا لوجد مذلّقاً مسنونا(3)
إنّ اللعينَ أبوك فارم عِظامَه *** إن ترمِ ترمِ مخلّجاً مجنونا(4)
يُمسي خميصَ البطن من عمل التقى *** ويظلّ من عملِ الخبيث بَطينا(5)
كان النبي - صلى الله عليه وآله - إذا مشى يتكفأ، وكان الحكمُ بن أبي العاص يحكيه، فالتفتَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فرآه يفعلُ ذلك، فقال صلى الله عليه وآله: فكذلك
فلتكنْ. فكان الحكمُ مختلجاً. فعيّره عبد الرحمٰن بذلك(7).
فلما أهذرا في التهاجي، وأفحشا، كتبَ معاويةُ بن أبي سفيان، وهو الخليفة يومئذٍ، إلى سعيد بن العاص، وهو عامله (82 و /) على المدينة: أن يجلِدَ كلَّ واحدٍ
1) البيتان، 4، 5 في أنساب الأشراف 151/1 و 5/ 125 والاستيعاب 174/3 وانظر شعر
2) في ب: بعينه.
3) في ب: يدعا الوجأ. والحوار بالضم وبالكسر. ولد الناقة ساعة تضعه أو إلى أن يفصل عن أمه.
4) المخلج: الذي يرتعش في مشيته. أما تسميته باللعين فروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمروان إذ قال في أخيها عبد الرحمٰن ما قال: أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يدخل عليكم رجل لعين. قال عبد الرحمٰن بن عمرو بن العاص: قد تركت عمراً يلبس ثيابه ليقبل إلى رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، فلم أزل مشفقاً أن يكون أول من يدخل، فدخل الحكم بن أبي العاص. (انظر الاستيعاب /317/1 والمعارف 253).
5) في أنساب الأشراف: يضحي خميص البطن. وخميص البطن: ضامرها.
6) سقطت جملة (وقال الزبير) من ب.
7) انظر الحادثة في الاستيعاب أيضاً.
8) الحادثة في الأغاني 151/13 برواية أبي الخطاب أيضاً.
منهما(1)مائة سوطٍ قال: وكان عبدُ الرحمٰن بن حسّان لم يمدح أحداً قطّ إلّا سعيد بن العاص. فكره أنْ يُقدَّمَ عليه بالضربِ وكرهَ أنْ يجلدَ ابنَ عمِّه. فكفَّ عنهما، وكان معاويةُ يولّي سعيداً المدينةَ سنةً ومروان سنةً. فلمّا كانت السنةُ التي يُعقَبُ فيها سعيدٌ مروان(2). قال: فأخذ مروان ابنَ حسّان فضربَه مائةَ سوطٍ، ولم يضرب أخاه عبد الرحمٰن بن الحكم. وكان النعمانُ بن بشير بن سعد الأنصاري عند معاويةَ بالشامِ، وكان أثيراً عنده مكيناً، فلم يلتفتْ إلى ابن حسّان، وإلى ما صنع به. قال: فكتب إليه ابنُ حسّان، يعاتبُه(3):
ليت شعري أغائبٌ أنت بالشا *** مِ خليلي أم راقدٌ نعمان
أيّة ما يكنْ فقد يرجعُ الغا *** ثبُ يوماً ويوقَظُ الوسنَان(4)
إنَّ عَمراً وعامراً أبوَينا *** وحراماً قدماً على العهد كانوا(5)
أفهمْ مانعوك أمْ قلّةُ الكتَّ *** اب أمْ أنت عاتِبٌ غضبانُ(6)
أمْ جَفاءٌ أمْ أعوزتك القراطي *** سُ أم أمري به عليك هوانُ يومَ أنبئت أنّ ساقي رُضّتْ *** وأتاكم بذلكَ الرُّكبان(7)
ثمَّ قالوا إن ابنَ عمِّك في بل *** وى أمورٍ أتى بها الحدَثان
فتئطُّ الأرحامُ والودُّ والصح *** بةُ فيما أتتْ به الأزمان(8)
أو ترى إنّما الكتابُ بلاغٌ *** ليس فيه لبيِّع أثمان
إنما الرمحُ فاعلمنَّ قناةٌ *** أو كبعضِ العيدان لولا السِّنان
1) في ب: منهم، تحريف.
2) سقطت من ب.
3) الأبيات 1 - 8 في الأغاني وشرح شواهد المغني ص 7 والأبيات 10 - 14 في حماسة البحتري ص 220 وانظر شعر عبد الرحمٰن ص 56.
4) الوسنان: الذي كثر نعاسه.
5) عمرو: هو عمرو بن زيد مناة بن عدي أو عمرو مزيقياء، وهما من أجداد الشاعر أما عامر فهو والد مزيقياء بن ماء السماء. وحرام جده. فهو والد المنذر جد حسّان بن ثابت.
6) في ب والأغاني: إنهم مانعوك.
7) في ب: يوم أيقنت.
8) في الأغاني: فيما أتى به الحدثان وتئط: تصوّت وتحنّ.
(82 ظ /)
لا يُهينِّني عليك بأني ض *** منُ النساق قد يصحُّ الضمان(1)
واعلمْ أني أنا أخوك وأني *** ليس مثلي أزرى به الأخوان(2)
واعلم أني بتلتُ منّي يميناً *** وقليلٌ في ذلك الأيمان
لا ترى ما حَييتُ مني كتاباً *** غيرَ هذا حتى يزولَ أبان(3)
أو يزول الشنطيُّ من جبل الثلج *** ويضحى صحارياً لُبنان
أو تُرى القورُ من عباثر بالشام *** ويضحى مکانها حوران(4)
أو أرى في الكتاب منك ثلاثاً *** مُدرجاتٍ لشدّهن قِران
إنّما الودُّ والنصيحةُ في القل *** بِ وليست بما يصوغُ اللسان
إن شرَّ الصفاءِ ما زوّق الح *** بُّ فيبدو وتحته الشنآن(5)
فأجابه النعمانُ بن بشير(6):
ليسَ فاعلمْ أخوكَ يغترُّ بالنوم *** ولكنْ محرّشٌ يقظانُ
إنْ جَدي الذي انتميتُ إليه *** كان في الناس شبهه الأضحيان(7)
قمر البدر بازغاً إذا تجلّى *** لیس من دون مجتلاه جنان
إنّ عمراً وعامراً أبوينا *** ورثَ المجد عنهما حسّان
شيَّد المجدَ بالفعال فأضحى *** وهو من دون مُرتقاهُ العَنان
إنّ وصفي ومَشهدي ومُقامي *** لكرهن تهابه الأركان
قال: ثم دخل النعمانُ بن بشير على معاويةَ فقال: كتبتَ إلى سعيدٍ أن يضربَ
1) في ب: الساق.
2) في ب: يزرى به.
3) أبان: اسم لجبلين الأسود لبني فزارة خاصة والأبيض شرقي الحاجر وهو العلم لبني فزارة أيضاً بينهما ميلان. (ياقوت).
4) القور: أصاغر الجبال. والعباثر: بالثاء المثلثة، واحدها عبثران وهو نبات مثل القيصوم في الغبرة. وهو نقب منحدر من جبل جهينة يسلك فيه من خرج من إضم. (ياقوت).
5) في ب: ماورق الحب.
6) المقطوعة مما أخلّ به شعره المطبوع.
7) الأضحيان: بالكسر نبت.
(83 و /) ابن الحكم وابنَ حسّان، فلم يفعل، فلما قدمَ أخوه مروانُ ضرب ابنَ حسّان، وترك أخاه. قال: فما تريدُ؟ قال: أريدُ أن تضربه كما كتبتَ، وكما كنتَ أمرتَ. قال: فكتب إلى مروان بعزيمةٍ، وسرّح في ذلك رجلاً أنْ يضرب ابن الحكم مائةً، وبعث إلى ابن حسّان بحُلّة، قال: فلما قدم ذلك على مروان دسّ إلى ابن حسّان وهو في السجن: مخرجُك، وإنما أنا بمنزلةِ والدِك، وإنما كان ما كان منّي إليك أدباً لك واعتذر إليه من ذلك، فقال ابنُ حسّان(1): ما بدا لابنِ الزرقاء في هذا؟ والله ما هذا إلّا لشيء قد جاءه. وأبى أنْ يقبل منه. فبلَّغَ الرسول مروان، فبعثَ إليه بالحُلّة، فأعادَ إليه الرسول، فلم يقبل، وطرح الحُلَّةَ في الحشّ(2)، فقيل له: حُلّةُ أميرِ المؤمنين ترمي بها في الحشّ؟ قال: نعم. وما أصنعُ بها؟
وجاءَه قومُه فأخبروه الخبرَ، فقال: قد عرفتُ أنه لم يفعل ما فعلَ إلّا لأمر قد حدثَ. فقال الرسولُ لمروانَ: ما تصنعُ بهذا؟ قد أبى أن يعفوَ(3)، فهلمّ ابن الحكم(4)، فبعث مروانُ إلى الأنصار، فطلبَ إليهم أن يطلبوا إليه أنْ يضربَه خمسينَ. فأجابهم إلى ذلك، فلقي ابنَ حسّان بعضُ مَنْ كانَ لا يهوي ما نزلَ به من ذلك. فقال له: ضربك مائةً، وتضربه خمسينَ. بئسَ ما صنعتَ إذ وهبتَها له. قال: إنه عبدٌ، وإنما ضربتُه ما يُضرَبُ العبدُ. نصف ما يُضرب الحرُّ. فحُملَ هذا الكلامُ حتى شاعَ بالمدينة، وبلغَ ابن الحكم، فشقَّ عليه ذلك، وأتى أخاه مروانَ فأعلمه (83 و /) ذلك، وقال: فضحتني لا حاجةَ لي فيما تركتَ. فبعثَ مروانُ إلى ابن حسّانَ: لا حاجة لنا فيما تركتَ، هلمّ فاقتصَّ، فضرب ابنَ الحكم خمسين أخرى، فقال عبدُ الرحمٰن بن حسّان يهجو عبدَ الرحمٰن بن الحكم(5)
والأبيات: 10 - 12 في الحِماسة البصرية 267/2 والزهرة ورقة 108.
والبيتان: 11، 12 في حماسة البحتري 251.
وانظر شعره ص 24.
:دعْ ذا وعَدِّ قريضَ شعرِك في امرىءٍ *** يُهذي ويُنشدُ شعره كالفاخر
واذكرْ له قِطعَ الشريطِ وشِدخَه *** بمهنّد ماضي الحديدةِ باتر
قلِق النصال من المغاوِل مرهَفٍ *** ظَمىء كقادمةِ العُقاب الكاسر(1)
النصال: واحدها، النصل، وهو حديدة السيف.
وقعدت تأكلُ مالَه وتركته *** بالشام يُنشِدُ كلَّ قصرٍ عامر(2)
وتركتَها عاراً عليكَ وسُبَّةٌ *** ما عشتَ تُذكر مثل طوقِ الطائر
عثمانُ عمُّكمُ ولستمْ مثله *** وبنو أميّةً منكمُ كالآمر
وبنو أبيك سخيفةٌ أحلامُهمْ *** فحشُ النفوسِ لدى الجليسِ الزائر(3)
جُبنُ القلوب لدى الحروب أذلّةٌ *** ما يُقبلون على صَفير الصافر
وسيوفُهم في الحربِ كلّ مفللٍ *** نابٍ مَضَاربه ودَانٍ دائر(4)
أحياؤهم عارٌ على أمواتِهم *** والميّتون مسَبَّةٌ للغابر(5)
لمْ تنظرون إذا هدرتُ إليكم *** نظرَ التيوسِ إلى شِفار الجازر(6)
وفي البحتري والبصرية: إذا مررت عليكم. وفي الزهرة الصدر: نظروا إليك بأعين محمرّة.
خُزْرَ العيونِ مُنكسي أذقانكم *** نظرَ الذليل إلى العزيز القاهر(7)
فقال ابنُ الحكم يهجو الأنصا.(8):
لقد أبقى بنو مروانَ حُزناً *** مبيناً عارُه لبني سواد
(84 و /)
يطيف به صَبيحٌ في مَشيدٍ *** ونادى دعوةً: يابْنَيْ سُعاد(1)
لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيَّا *** ولكنْ لا حياةَ لمن تنادي
فاعتنَّ(2)أبو واسعٍ أحدُ بني الأشعر(3)من بني أسد بن خُزيمة، دون عبد الرحمٰن بن الحكم لعبد الرحمٰن بن حسّان، فهجاه وعيّره بضربِ ابن المعطّل(4)أباه حسّانَ على رأسِه، وعيّرهم بأكلِ الخُصى فقال(5):
إنّ ابنَ المعطّل من سُلَيمِ *** أذلَّ قِيادَ رأسِكَ بالخِطام(6)
عمِدتَ إلى الخُصى فأكلتَ منها *** لقد أخطأتَ فاكهةَ الطعام
وما للجار حينَ يحلُّ فيكمْ *** لديكم يا بني النجّار حامِ
يَظلُّ الجَارُ مفترشاً يديه *** مخافتكم لدى مَلَث الظلام(7)
وينظرُ نظرةٌ في مِذرَويهِ(8)*** وأخرى في استهِ والطرفُ سامِ
قال: فلما عمَّ بني النجّارِ بالهجاء، ولا ذنبَ لهم دعوْا اللهَ عليه، فخرجَ من المدينةِ يريدُ أهلَه قال: فعرضَ له الأسدُ فقَضْقَضه(9)، فقال في ذلك عبد الرحمٰن بنُ حسّان(10):
1) في ب: فصاح به. وفي الأغاني: أطاف به.
2) اعتنّ: اعترض.
3) في ب: الأشتر.
4) هو صفوان بن المعطل السلمي، وهو الذي رميت به السيدة عائشة رضي الله عنها بهتاناً وكان حصوراً، لم يكشف عن امرأة قط، فنذر لئن برّأه الله ليضر بن حسّان ضربة بالسيف، فلما أنزل الله براءة عائشة رضي الله عنها وثب صفوان على حسّان فضربه ضربة بالسيف. (انظر دیوان حسّان 103).
5) الشعر في الأغاني 117.
6) في ب: كأن ابن المعطل.
7) في ب: مكث الظلام. تحريف وملث الظلام اختلاطه.
8) مذرويه: يعني فرعي اليتيه.
9) قضقضه: كسره وحطمه.
10) الأبيات في الأغاني 118/15 وأسد الغابة 44/3. وانظر شعره ص 30.
أبلغْ بني الأشعرِ إنْ جئتَهم *** ما بالُ أبناء بني واسع(1)
والليثُ يعلوه بأنيابه *** معتفراً في دمِه الناقع(2)
لا يرفعُ الرحمٰنُ مصروعَكم *** ولا يوهّن قوّةَ الصارع(3)
إذ تركوه وهو يدعُوهُمُ *** بالنَّسب الداني وبالشاسع(4)
(84 ظ /) قال: فقالت له امرأتُه ما دعا أحدٌ للأسد بخيرٍ قطّ قبلك، وذلك قوله: ولا يوهّن قوة الصارع.
كان عبد الرحمٰن بن حسّان معنّىً غريضاً(5)، ذا كِبر ونخوةٍ، فكتب من المدينة إلى مسكين(6)بن عامر بن شريح بن عمرو بن عمرو بن عدُس بن زيد بن عبد الله، بن دارم، يدعوه إلى المفاخرة والتهاجي في كتاب، وختمه، ودفعه إلى راكب وقال له: ائتِ الكوفة فاسأل عن بني عبد الله بن دارم فإذا دُللتَ عليهم فادفع هذا الكتاب إلى مسكين بن عامر. فارتحل حتى أتى الكوفة، فسأل عنه، فدُلَّ عليه، فانطلق حتى وضع الكتاب في يد مسكين، فلما قرأه دعا غلامه بشرب، ثم خلا فجعل يشرب ويقول الشعر ويكتبه حتى فرغ، فلما أصبح دعا بما قاله فجعل يُثبت ما أراد ويُلقى ما لم يرد، حتى أحكم ذلك، ثم ختمه ودفعه إلى الرسول، فلمّا قدِمَ الكِتاب عليه قرأه ثم أتاه شیوخ، قومه، فأقرأه إياهم، وشاورهم فنهوه عن جوابه، وقالوا: من أين لك مثل
1) في ب: بني الأشتر.
2) معتفراً: مفترساً.
3) في الأغاني: يوهي. وقد تأخر فيه هذا البيت عن الذي يليه.
4) الشاسع: البعيد.
5) المعنى: المعظم. والغريض: الطري.
6) هو ربيعة بن عامر، ومسكين لقب له. شاعر من العراق، عاصر ابن حسّان والفرزدق، وكان أحد سادات بني دارم و شعرائهم المجيدين. وقد جمع شعره وحققه الأستاذان عبد الله الجبوري وخليل العطية ببغداد 1970 انظر ترجمته في الأغاني 68/18 ومعجم الأدباء 126/11 والخزانة 0467/1
هؤلاء الرجال الذين فخر بهم. فلم يَقبلْ منهم، وأجابه، وذكر أن مآثر الأنصار لا تدنيها تميم، فقال مسكين بن عامر في قصيدة(1):
فإن يبلَ الشباب فكلُّ شيءٍ *** سمعتَ به سوی الرحمٰن بالِ(2)
ألا إنّ الشبابَ ثياب لبسٍ *** وما الأموال إلّا كالطّلال
(85 و /)
وما أدري وإنْ جامعت قوماً *** أفيهم رغبتي أم في الزِيال(3)
وحاملةٍ وما تدري أفيهِ *** يكون نجاحها أم في الحِيال(4)
لعلّك يا ابنَ فرخ اللؤم تَنمي *** تروم الراسيات من الجبال(5)
فإنّك لن تنال المجد حتى *** تردّ الماضيات من الليالي
أبي مُضر الذي حُدّثت عنه *** وكان ربيعة الأثرين خالي(6)
وإني حين أنسَب من تميم *** لفي الشُمِّ الشماريخ الطوال(7)
وآبائي بنو عُدس بن زيد *** وخالي البِشر، بِشرُ بني هلال
کساني غرّتي عمرو بن عمرو *** وردّاني زُرارة بالفعال
كفانا حاجبٌ كسرى وقوماً *** همُ البيضُ الكرام ذوو السِبال(8)
وسار عُطارد حتى أتاهم *** فأعطوه المنى غير انتحال(9)
1) القصيدة في ديوانه 59. وفيه التخريج الكامل.
2) في الأصل و ب: أن يبل. ولا يستقيم بها الوزن، والمثبت عن الأصول الأخرى.
3) الزيال: الزوال وفي ديوانه: أفيهم بغيتي.
4) الحيال: العقم وعدم الحمل.
5) في الديوان: ترجو زوال الراسيات.
6) في ب: الأمرين خالي.
7) الشماريخ: واحدها الشمراخ وهو العثكال عليه بسر ورأس الجبل وأعالي السحاب، ويريد بها هنا، الأنساب العالية.
8) هو حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم من رؤساء يوم جبيلة قبل الإسلام بأربعين سنة عاش إلى أن وفد على الرسول صلَّی الله علیه وآله وسلَّم و أسلم. وهو الذي رهن قوسه عند كسرى على مال عظیم ووفی به. (انظر الإصابة 272/1).
9) عطارد: هو عطارد بن حاجب بن زرارة المار ذكره صحابي معروف ارتدّ بعد النبي صلَّی الله علیه وآله وسلَّم مع من ارتد من بني تميم ثم عاد إلى الإسلام. وقد كان حاجب مات قبل أن يرجع قوسه من كسرى فرحل ابنه عطارد إليه يطلب قوس أبيه فردها عليه وكساه حلة. (انظر الإصابة 2 / 476).
قال أبو عبد الله الزبير: قوله كفانا حاجب يعني كفى العرب جميعاً أمر كسرى حيث منعهم أن يدعوا في بلاد العجم إلّا بضمين، فرهنه قوسه فأطلقه(1):
وذو القرنين آخاه لقيطٌ *** وكان صفيَّه دون الرجال(2)
وذو القرنين عمرو بن هند.(3)
هما حُبيا بديباجٍ كريمٍ *** وياقوتٍ يُفصَّل بالمَحال(4)
وكان الحازمُ القعقاع منّا *** لزاز الخصم والأمر العُضال(5)
ولزاز الخصم: شديد الخصومة. وفي الديوان: والأمر الفصال.
شُریح فارس النعمان جَدّي *** ونازلُها إذا دُعيت نزال(6)
شریح فارس النعمان عمّي *** وخالي البشر بشر بني هلال
وفي الاشتقاق ص 144: ومن رجالهم شريح، وكان فارسهم.
وقاتلُ خاله بأبيه منّا: *** سَماعةُ لم يبع حَسَباً بمال(7)
ونَدْمان ابن جفنة كان خالي *** ففارقه وليس له بقال
ويومٍ مظلمٍ لبني تميم *** جَلونا شمسه والكعبُ عالٍ
(85 ظ /)
نحبُّ المجد قد علمت معدٌّ *** ونُغلي المجد إنّ المجد غالِ (8)
1) سقط هذا التعليق بأكمله من ب.
2) لقيط: هو لقيط بن زرارة قتل يوم جبلة قبل الإسلام. (الاشتقاق 235).
3) سقط هذا الإيضاح من ب.
4) في ب: يفضل. والمحال: ضرب من الحلي.
5) هو القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس التميمي الدارمي، له صحبة كان يقال له تيار الفرات لسخائه. (الإصابة 231/3).
6) في ابن سلام ص 261.
7) سماعة بن عمرو بن عمرو بن عدس، وهو أخو شريح بن عمرو بن عمرو بن عدس المذكور آنفاً، وكان عمرو أغار على بني عبس في يوم أقرن، فقتل. وكانت أم سماعة بن عمرو بن عمرو من بني عبس فزاره خاله، فقتل خاله بأبيه. (انظر هامش ابن سلام ص 261).
8) في الديوان: نحث المجد.
دعتنا الحنظليةُ إذ لحقنا *** وقد حُملت على جمل ثقَال
فأدركها ولم يعدل شُريحٌ *** وأعوجُ عند مختلف العوالي
فغرنا أنّ غيرتنا كذاكم *** إذا برز النساء من الحِجال(1)
متى نأسرْ ونؤسَر في أناس *** ويوجع كلّما عقد الحبال(2)
فنحن الذائدون إذا بُدئنا *** ولا يرضون منّا بالبدَال
فدع قومي وقومك لا يسبوا *** واقبل للتمجد والفعال(3)
كلانا شاعرٌ من حيِّ صدق *** ولكنَّ الرَّحا فوق الثِّقال(4)
وحكِّم دغفلا نرحل إليه *** ولا تُرح المطي من الكَلال(5)
تعالَ إلى النبوّةِ من قريش *** وأكرم مَن علا شُعَب الرحال(6)
وإلّا فاعتمد سُوقاً كراماً *** يفضل فوق سَجْلكم سجالي(7)
تعال إلى بني الكوّاء يقضوا *** بعلمهم بأنساب الرجال(8)
تعالَ إلى ابن مذعورٍ شهابٍ *** يخبّر بالسوافل والعوالي(9)
وعند الكَيّس النمري النمري عِلمٌ *** ولو أمسى بمنخرَق الشمال(10)
كأنّ قدور قومي كلَّ يوم *** قباب الترك ملبسة الجلال(11)
1) في ب: أن غيرنا.
2) في الأصل: كلمتا عقد.
3) في الديوان: لا تسئنا.
4) الثفال: ما وقيت به الرحى من الأرض.
5) في البيان والتبيين 351/10: وارحل إليه. ودغفل: هو دغفل بن حنظلة بن زيد بن عبدة الشيباني الذهلي النسابة، يضرب به المثل في معرفة الأنساب قيل إنه غرق في يوم دولات في قتال الخوارج سنة سبعين. (الإصابة 465/1).
6) في الديوان: سقب الرحال.
7) السجل: المفاخرة.
8) بنو الكواء: من أصحاب الأخبار والنسب والخطب والحكم. (البيان 351/1).
9) في هامش الديوان: شهاب بن مذعور هو ابن الحارث بن حلزة الشاعر الجاهلي المعروف.
10) الكيس النمري: هو زيد بن الكيس النمري، كان نساباً معروفاً من طبقة دغفل. (البيان والتبيين 322/1).
11) في الديوان: قيان الترك.
أمام الحي تحملها اثاف *** ملَملمة كأثباج الرئال(1)
كأن الموقدين لها جِمَال *** طلاها الزفت والقِطران طال
(86 و /)
بأيديهمْ مغارفُ من حديدٍ *** يشبِّهها مقيَّرة الدوالي(2)
أسرت بنو أسد، رجلاً من بني زُرارة، وفي بني زرارة أسير من بني أسد، فعرضوه(4)به، فأبت بنو أسد حتى زادوهم في فداء الزُراري عُدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، ومسكين بن عامر بن شريح بن عمرو بن عمرو بن عدس، وبشر بن قيس بن زهير بن عقّة بن هلال بن ربيعة النمري، النمر بن قاسط، و عمرو بن عمرو بن عدس، وزرارة بن عُدس بن زيد بن عبد الله، وحاجب [بن زرارة بن عدس وعطارد بن حاجب](5)بن زرارة، كان وفدَ على كسرى بعد موت أبيه حاجب، فأخذ القوس من عنده، وأعلمه بموته، ولقيط بن زرارة، وذو القرنين، والقعقاع بن معبد بن زرارة، وشريح بن عمرو بن عدس، وهو جد مسكين أبو أبيه، وقاتل خاله بأبيه، منّا(6)سَماعة بن عمرو بن عمرو، وأمه عبسية، وكانت بنو عبس قتلوا عمرو بن عمرو يوم ثنيّة أقرن، فلما شبّ سَماعة جاء خاله من بني عبس يزوره فقال: ما أريد بأبي ثأراً أوفى من خالي، فقتله به، ودغفل بن حنظلة من بني ذهل بن ثعلبة بن بكر بن وائل وابن الكواء النسابة من بني يشكر، وكان بنو الكواء أهل علم، وشهاب بن مذعور يشكريّ، والكيّس نمريّ من النمر بن قاسط، واسم الكيس زيد بن حارثة، فردّ
(86 ظ /) عليه عبد الرحمٰن بن حسّان فقال(1): (86 ظ /)
أتاني عنك يا مسكينُ قولٌ *** بذلتَ النِّصفَ فيه غيرَ آل(2)
دعوت إلى التفاخر غير قحم
*** ولا غمرٍ يطيش لدى النِّضال(3)
أخا ثقةٍ بفرصته بصيراً *** شديد النزع معتدل الشمال(4)
فدونكَ فاستمع تخليص َفخرٍ *** يقصّر دونه أهل الكمال(5)
وقد ناضلتُ قبلكَ كلَّ عرض *** على الرسلات مرزوقَ الخِصال(6)
فما تلقی کشدوی شدوَ رامٍ *** وما يغلو كغلوى من أغالي(7)
فأورثني الفعالَ جدودُ صدقٍ *** مضوا متتابعينَ ذوو فِعال
بآیدِ منكبِ وأشدّ ركنٍ *** وأنزه طُعمة وأعفّ بال(8)
وإني في الحداثة رِستُ عَمراً *** وأحكمتُ الرياسة في اكتهال
فأيّةُ خصلةِ ترجو نكولي *** بها مسكينُ ويحكَ في الفِضال(9)
وحسّانُ الحسام أبي فمن ذا *** تجاري في الجِمام وفي الكلال(10)
أخذنا السبْقَ قد علمت معَدٌّ *** على الأكفاء في الركض الشلال(11)
وأمكنني الفعالَ بفعل قومي *** وأيامٍ تجلُّ عن المقال
وقد حادت كلابُ الحيِّ منّي *** وخافت بعد جدِّ واشتبال
1) انظر شعره ص 35.
2) النصف: الإنصاف والعدل. غير آل: غير مقصر ولا تارك.
3) القحم: الذي أقحمته السن. فيرى قد هرم من غير أوان الهرم. والغمر: الجاهل الغر.
4) في ب: بصيرة .. شديدة البزم. والبزم: صريمة الأمر.
5) في ب: فالتمس تلخيص.
6) في ب: كل عض.
7) في ب: فما يلقي كسردی سرودا ... من أغال.
8) آيد: من الفعلآد. أي اشتدّ وقوي.
9) في ب: ويحك في الكلال. ونكولي: نكوصي وجبني.
10) سقط هذا البيت من ب.
11) الشلال: الطرد، وحمار مثل كثير الطرد.
وقد لاقى بنو الزرقاء منّي *** لساناً صارماً طلْقَ العقال(1)
فما انتصفوا ومنزلهم أميرٌ *** يُرهب بالوعيدِ والاحتيال
فلم يفلل توعدُه لساني *** ولم يوهن ولم يقطع قَبالي(2)
(87 و /)
وفي خِيف المحصّب قد علمتم *** قهرتُ الحارثيّ بلا احتيال(3)
والحارثي قيس بن عمرو من قبيلة الحارث بن كعب.
نجاشيّ الحِماس وذلَّلْته *** قصائد من طرازي وانتحالي(4)
ولي عن سَبِّ قومك ما كفاني *** بقولٍ صادق غير المحال(5)
فإن يك شاعراً من حيِّ صدق *** فما ثمْد كبحرٍ ذي احتفال(6)
فأما ما تقول فغيرُ شكٍّ *** لفضل بيِّن غير انتحال
ببذل المالِ في عُسرٍ ويُسرٍ *** لأضيافِ الجُداة على الحلال(7)
وضرب الناس عن عرض جهاراً *** على الإسلام ليس بذي اعتقال
على رغم الأباعد والأداني *** من الأقصين والشَنِف الموالي(8)
فإنْ تفخرْ بقومك من تميمٍ *** فأين الأكمُ من صُمَّ الجبال(9)
والصم: واحدها الصماء وهي الصلبة.
أنا ابنُ مزيقيا عمرو نماني *** على أشراف أطواد الجبال(10)
1) يقال: اعتقل لسانه، أي لم يقدر على الكلام.
2) القبال: الزمام.
3) خيف المحصّب: الخيف ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء وقال القاضي عياض خيف بني كنانة هو المحصّب، وهو بطحاء مكة وقيل مبتدأ الأبطح. (انظر ياقوت).
4) في ب: وانتحال. والحِماس: حي من بني الحارث بن كعب، وهم رهط النجاشيّ.
5) المحال: والمماحلة، المقاواة حتى يتبين أيهما أشد.
6) في ب: فإن تك .. فما تمد كجرى ذي احتفال. تحريف. والثمد: الماء القليل لا مادة له.
7) الجداة: واحدها الجادى وهو طالب العطية (الجدوى).
8) الشنف: المبغض.
9) في ب: فإن. تحريف. والأكم: واحدها الأكمة وهي التل من حجارة واحدة.
10) مزيقياء: عمرو بن عامر بن ماء السماء جد الأنصار، ويعرف بالمزيقياء لأنه كان يمزق عنه كل يوم حلة، لئلا يلبسها أحد بعده. وكان من أجود العرب المعروفين بالسخاء والشجاعة.
ومن ماء السماء ورثتُ مجداً *** فدوني كلُّ فخر واختيال(1)
ففخري قاهرٌ للناس بادٍ *** قهور الشمس توماض الذُبال(2)
فإنْ تغصَصْ تِهامُ وبحرُ نجدٍ *** فكم غصّا وسارا بالرجال(3)
فما وسعاهما ضرباً وطعناً *** يمجُّ كمجِّ أفواه العَزالي(4)
فما صبروا لوقع سيوف قومٍ *** کفوها بالكفاح من الصّقال
إذا لبسوا سوابغَهم ليومٍ *** كريهِ النجم معتكر الظِّلال(5)
وبارز بعضُهم للموت بعضاً *** كطمي الخمس بادرَ للسِّحال(6)
(87 ظ /)
تيقّن من أدارته رحاهُم *** بصرف الموت إذ دُعيت نزال(7)
وجاشت قدرهمُ فرأيتُ فيهم *** جُناةَ الحرب عارية المجال(8)
تفور قدورهم ولها نفيٌّ *** يكبُّ المترفين على السِبال(9)
والسبال: واحدها السبلة وهو ما على الشارب من الشعر.
وخلْق الله كلّهمُ علينا *** بكلِّ عتادِ أمر واحتيال
فقلنا أسلموا أو قد ظعنا *** إليكم فاجهدوا عُقَد الحبال
نصبّحُ أو نمسِّي كلَّ قومٍ *** نهزْهزُ عن يمينٍ أو شمال
1) في ب: وثت جدا. وما السماء أحد أجداد الأنصار، وهو ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرىء القيس البطريق بن ثعلبة.
2) توماض: لمعان خفيف. والذبال: واحدها الذبلة، وهي رمانة الفتيلة.
3) تهام: مكة. شرفها الله.
4) العزالي: واحدها عزلاء، وهي فم المزادة أو السقاء.
5) السوابغ: الدروع التامة الطويلة.
6) في ب: بادرن.السحال.
7) في ب: تيقّن من ذا أنه رحاهم. تحريف.
8) في ب: عادية.
9) نفيّ: ما جفأت القدر عند الغليان أي ما نحّته.
ونغزوهم فنقتلُ كلَّ خِرق *** ونَسبي كلَّ آنسة الدَّلال(1)
فلا فرحٌ إذا نلنا منالا *** ولا جزَعٌ لأيام المدال(2)
لأنّ محمداً فينا فلسنا *** وإنْ جلّت مصيبتُنا نُبالي
فسائلٌ عن بلائهمُ ببدرٍ *** وقد يُشفى العمى عند السؤال
غداةَ رموا بجمعهمُ لؤيآ *** وكبشهُم يزيف إلى الصِّيال(3)
يزيف يتبختر في مشيته. الصيال: المصاولة والمواثبة.
فكانوا كالهشيم يشبُّ فيه *** حريقٌ شِبه لفحٍ في الشمال
وسائل عنهمُ الأحزاب لمّا *** تقحّمنا بهم حُدب التلال(4)
هجمناهم فخرت كالتلال.
ونضربُهم على ألمٍ وقرْح *** كضرب قلاة ولدان ثقال(5)
وقد حشدت لنا الأحزاب لمّا *** رأوا ناراً تشبّ لكلّ صالِ
ولفّوا لفّهم لِتنالَ تبلاً *** لدينا منهم عسرَ المنال(6)
فجدّدنا لهم تَبلا وآبوا *** كباغي الغيّ رُدَّ بلا بلال(7)
(88 و /)
ويومَ الفتح قد علموا بأنّا *** وطئناهم بواهضةٍ ثقال(8)
فما برَحت جياد الخيل تهوى *** خلالي بيوتِ مكةَ كالسعالي
تكفُّ أعنّةٌ منها مراراً *** وتثنيها فتعطفُ كلَّ جال
وسائل عن حنينٍ حين ولَّت *** جموعُ المسلمين على توال
1) الخرق: الفتى الحسن، الكريم الخليقة.
2) في ب: المثال.
3) لؤي: من آباء قريش. كبشهم: سيدهم أو قائدهم.
4) العجز في ب:
5) القرح: ويضم، عض السلاح ونحوه مما يخرج من البدن.
6) التبل: العداوة، يقال: تبل الدهر القوم: رماهم بصروفه وأفناهم.
7) البلال: واحدها البلّة من البلل. يقال جاء فلان فلم يأتنا بهلة ولا بلة.
8) الواهضة: من الوهضة وهي المطمئن من الأرض.
ونادانا بنُصرتنا منادٍ *** فثُبنا ثوبَ آلفةٍ الفِحال(1)
وما فينا غريبٌ من سِوانا *** نَؤْمُّ إلى المنوّه كالجِمال(2)
فوافينا الرسولَ فقال: شُدُّوا *** بعون الله واسمِه ذي الجَلال
فما صبروا لشدتنا ولكنْ *** تولّوا مجهَضين عن القتال(3)
وأُبنا بالنِهاب وبالأسارى *** وبالبيض المهفهفةِ الحِفال(4)
وهي في ب: الجذال. وقد تكون محرفة عن الحفال التي تعني: المجلوة اللون قال بشر يصف امرأة:
رأى درة بيضاء يحفل لونها *** سخام كغربان البحرين مقصّب
وأيامٍ سواها قد ذهبنا *** بسبقةِ مجدها أخرى الليالي
وآسينا الرسول ومَنْ أتانا *** يُصدِّق ما يقول بكل مال
فنحن أولو مؤازرة ونصرٍ *** نکانفه ونمنعُ من يوالي(5)
فسلْ عنّا القبائل حين رُدَّت *** عن الإسلام كالبقر الثمالي(6)
فوافينا بُزاخةَ غير ميلٍ *** ولا خرقٍ بمعترك النزال(7)
وأنزع بيننا حوضُ المنايا *** بانهال السُقاة وبالعِلال(8)
فأفلتنا طليحتهم جريضاً *** وأثكل من يُعزّ أبو حبال(9)
1) فى ب: فنبنا نوب. والفحال: واحدها الفحل.
2) في ب: إلى النبوة.
3) مجهضين: مغلوبين على أمرهم.
4) البيض: واحدها البيضاء وهي المرأة، والمهفهفة: الضامرة البطن، الدقيقة الخصر، توصف بها النساء.
5) نکانفه: نحيط به.
6) في ب: اليمالي.
7) بزاخة: موضع في بني أسد، وقعت عنده حروب الردة. والميل واحدها: أميل، وهو الذي لا سيف معه.
8) الأنهال: أول الشرب، والعلال: الشرب الثاني.
9) في ب: فأفلتهم. طليحتهم: طليحة بن خويلد الأسدي، زعيم قومه المتنبىء في الردة، أبو حبال: المعروف أنه حبال أخو طليحة كما في كتب التاريخ. (انظر حروب الردة في الطبري وابن الأثير).
وزرنا بالبطاح بني تميمٍ *** على جُردٍ ضوامر المغال(1)
(88 ظ /)
فما تابوا ولا امتنعوا ولكن *** وجدناهم كسائمة المثال(2)
تحارُ جيادنا ونُردُّ منها *** خسائسها ونصرف كلَّ حال(3)
تركنا مالكاً ومسوّدِيهم *** بمُنخرق لسافيةِ الشَمال(4)
وحُزنا عرسَه من بعد بيضٍ *** صفايا مصطفَين من الحِجال(5)
والصفايا: واحدها الصفي، أي ما اختار الرئيس من الغنائم قبل القسمة.
والحجال: مواضع تزين بالثياب والستور للعروس.
بلا مهرٍ أصبنا سوى حِدادٍ *** وسُمر من مثقّفةٍ نهال(6)
والنهال: التي تشرب الدماء.
وقُدنا لليمامة كلَّ طرْفٍ *** أقبَّ مقلّص نهْدٍ مقلّص نهد طوال(7)
نريد لقاء كذّاب لثيمٍ *** مسيلمةَ المصر على الضَلال(8)
ففاجأناه تحت النقع شُعثاً *** كأُسدٍ غامرت تحت الظلال(9)
وحاسيناهمُ جُرَعاً تؤدّى *** على كُره الحياة إلى الزوال
[وأوردنا الحديقةَ مترفيهم *** نسوقهم بهندي النصال(10)
1) البطاح: ماء في ديار بني أسد، حدثت عنده الحرب في الردة.
2) في ب: المتال. ويظهر أنها تحريف لكلمة (المثال) التي هي جمع لكلمة المألة بمعنى الروضة.
3) في ب: خشائشها.
4) مالك: هو مالك بن نويرة. انظر تفصيل مقتله في مقدمة كتاب مالك ومتمم أبنا نويرة. المنحرق: الأرض القفر الواسعة. والساقية: الريح التي تحمل التراب.
5) عرسه: يريد امرأته، أي امرأة مالك.
6) في ب: أصبن. وحداد: جمع حديدة، والسمر: الرماح.
7) الطرف الكريم من البخيل. وأقّب، ونهد: قوى. وطوال: طويل.
8) في ب: يريد.
9) في ب: الضلال.
10) سقط من الأصل ابتداءً من هذا البيت مقدار ورقتين وأكملته من ب: والحديقة: بستان كان المسيلمة الكذاب، يسمى (حديقةالرحمٰن) فلما قتل عندها سميت (حديقة الموت).
وأقحمنا عليهم كلَّ خَرْق *** ركوبِ الخيل مضطلع النضال(1)
فكانوا كالحصيدِ غدت عليهم *** طآطم ليس توصَف بالنكا.(2)
وغودر فيهمُ الكذّابُ رَهناً *** لدائرة العواقب بالتوالي
ورُحنا بالسبايا لم تناظر *** مراضعُها متى أمدُ الفِصال(3)
فهاتِ كما أعدّوا هاتِ قوماً *** كقومي عند مختلَف العوالي(4)
ورُم مسكينُ حين تريح رأياً *** سوى الرأي المضلَّل والمقال
ولو جاريت قومك من معدٍّ *** كفوت الطرف عيراً في النكال
(89 و /)
سوى رهط النبيّ فتمَّ مجدٌ *** وفعلُ قاهرٍ للناس عال
وقبلك رامَ يجري ذو فَخار *** غزيرُ الشعر مشتهر الرجال
أتانا شامخاً يبدي سروراً *** بشأوِ كان منه وهو خال(5)
جعلنا بالقصيد له خِشاشاً *** فواتاً في العقيق والارتجال(6)
ولولا أن تحيدَ اليوم عنّي *** تركتك ترك حرِّ ذي اشتعال
يقول إذا هجاه غیر کفوءٍ *** ذروه ليس نبلُك بالنبال
قعيدَك قد أجبتك لا بفحشٍ *** ولم يك غير حقٍّ واستطال(7)
فإنْ تنزع فحظُّك نلتَ منه *** وإنْ تلجج فجَدُّك للسفال
ستبعث للجواب أخا حفاظٍ *** على الأقران يُعنف في السؤال
رحيب الباع لا قِصفاً هدوراً *** شديد الشغب يوصف بالبَسال(8)
1) الخرق: الفتى الحسن الكريم الخلقة.
2) طاطم: مصائب.
3) أمد الفصال: وقت فصل ولد الناقة عن أمه.
4) العوالي: واحدها العالية، وهي أعلى القناة، أو رأسها. أو النصف الذي يلي السنان. وعند مختلف العوالي: اشتجارها وقت الحرب.
5) شاو: سبق.
6) الخشاش: الغضب، فواتاً: فاته الأمر فواتاً، ذهب عنه.
7) قعيدك: بأبيك، استطال: تفضّل.
8) القصف: الرجل السريع الانكسار عن النجدة. والبسال: الشجاعة.
أريبٌ زانه حلم وعلمٌ *** ومجد كان في الحُقَب الخوالي
*** فإن تحلم فذو حلمٍ جسیم *** وإنْ تجهل فجهلٌ ذو اغتيال
أيّها الشاتمي لتجيبَ مثلي *** إنما أنتَ في ضلال تَهيم
لا تسبّنّني فلستَ ببذّي *** إنّ بذّي من الرجال الكريم(1)
وروايته في تفسير القرطبي 181/2 وروضة المحبين ص 22 واللسان والتاج والمسلسل ص 304
وسيرة ابن هشام 2/ 150.
... فلست بسبي .. إن سبي ....
البذ: الغلبة.
إنّ سبَّ الكريم فيه شفاء *** إنما الموت أنْ يُسبّ الزنيم
ما أبالي أنبَّ بالحَزْن تَيْسٌ *** أم هجاني بظهر غيبٍ لئيم(2)
قال أبو عبد الله: سرق هذا البيت والذي قبله من أبيه (89 و /) في هجائه لابن الزبعرى(3)
لا تسبنني فلست بسبيّ *** إن سبي من الرجال الكريم
ما أبالي أنب بالحزن تيس *** أم لحاني بظهر غيب لئيم
والثاني منهما في ديوانه ص 378. وابن الزبعرى هو عبد الله بن الزبعرى من شعراء قريش الكبار، ومن أشدهم على المسلمين. أسلم عام الفتح واعتذر من الرسول صلَّی الله علیه وآله وسلَّم شعراً. (الاستيعاب 300/2) والإصابة 300/2).
.أهدى المقوقس صاحب الاسكندرية إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - مارية ابنة شمعون القبطية وأختها شيرين، وخصيًّا يدعى «مابورا»(4)فاتخذ رسول الله -
1) انظر تخريج البيت في ديوانه ص 51
2) نبّ: صاح. والحزن: ما غلظ من الأرض.
3) في السيرة النبوية 2/ 150 بيتان لحسّان من قصيدة طويلة في هجاء ابن الزبعرى:
4) كان ذلك في سنة سبع حين بعث رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس بكتاب منه يدعوه فيه إلى الإسلام، فأعظم الكتاب، وقال: لولا الملك - يعني ملك الروم - لأسلمت. وأهدى إلى الرسول صلَّی الله علیه وآله وسلَّم مارية وشيرين وألف مثقال ذهباً وعشرين ثوباً وبغلة تعرف بدلدل وحماره يعفورا وخصيا. في أكثر المصادر اسم شيرين سيرين عدا الموفّقيات والأنساب. (انظر أنساب الأشراف 449/1 والطبري 1781 والمحبر ص 109).
صلى الله عليه وآله وسلم - مارية ابنة شمعون لنفسه، فهي أمّ إبراهيم، ووهب شيرين حسّان بن ثابت، فأولدها عبد الرحمٰن، فكان عبد الرحمٰن ابن خالة إبراهيم ابن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وقد انقرض ولد حسّان(1).
كان(2)عبد الرحمٰن بن حسّان في الكُتّاب، فتأخر عن الكُتّاب، فقال له معلمه: أين كنت؟ وأراد أنْ يضربه فقال(3):
اللهُ يعلم أني كنتُ معتزلا *** في دار حسّان أصطاد اليعاسيبا (4)
وقال أبو عبد الله(5): لسع عبد الرحمٰن زنبور - وهو صبيّ - فآتى أباه، فقال: يا أبه، عضّني دابة، كأنه برد حبرة(6). فقال حسّان: قلت الشعر وربّ الكعبة.
خلوت أنا وابن عزيز مع الرشيد فذكر شيئاً من أمر يحيى بن خالد(7)كأنه همّ بالنظر فيه، فقال إسحق بن عروة متمثلاً(8):
ليتَ هنداً أنجزتنا ما تعدْ *** وشفت أنفسنا مما تجد
1) في الشعر والشعراء 226: وأنقرض ولد حسّان فلم يبق له عقب.
2) الخبر في الكامل في اللغة 225/1.
3) البيت في الحيوان 354/6 وفيه: كنت مشتغلاً. وفي الكامل كنت منتبذاً.
4) اليعاسيب: واحدها اليعسوب وهو أمير النحل وذكرها.
5) الخبر في الكامل أيضاً /225/1 والحيوان 65/3 وأسرار البلاغة ص 219.
6) في جميع المراجع التي أوردت الخبر: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة. والحبرة: ضرب من ثياب اليمن.
7) هو يحيى بن خالد البرمكي، وزير الرشيد المعروف وقد فوضه أموره كلها، إلّا أنه عاد فسجنه في نكبة البرامكة وتوفي في سجنه عن سبعين عاماً في سنة 190. (انظر العبر 305/1 والشذرات 327/1).
8) البيتان لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه من قصيدة غزلية ص 76.
واستبدّت مرةً واحدةً *** إنما العاجز من لا يستبد
قال جدي عبد الله بن مصعب: فالتقيت أنا ويحيى بن خالد بعد هذا المجلس: (90 و /)، فقال لي: يا أبا بكر، هل وجدت عند أمير المؤمنين لي أثراً تكرهه؟. قلت: لا. قال: فخلوتُ معه الدهر لم أغبْ لك بسوءٍ، وخلوتَ ساعة فقرضتني(1). قلتُ: قد بلغك الحديث، كنت مع رجل فكرهت أن أخذله، واستطمعني أمير المؤمنين شكايتَك. فشكوتك بأهون الأشياء عليك.
فقلتُ: حبسُ أرزاقنا وشغلُ وجهِ أمير المؤمنين عنّا، ولو أردتُ قرضَك(2)لوجدت لي أثراً.
استعمل زياد بن عبد الله الحارثي(3)ابن أبي عاصية(4)على يَنبُع(5)، فدخل عليه يوماً عبد الله بن الحسن فجرى بينهما كلام، فأغلظ لابن أبي عاصية، فقال له ابن أبي عاصية: إني قد أقلتك، فإن عدت ضربتك - والله - مائة سوط. فبلغ ذلك المنصور، فكتب إلى زياد أنْ يشدّ ابن أبي عاصية في الحديد، ويرفعه إليه. ففعلَ، فلما دخل ابن أبي عاصية على المنصور قال له: يا أميرَ المؤمنين ما قلتُ إلّا لِما عُلم من رأيهِ، وأنا القائل يا أميرَ المؤمنين:
ليحبسكم أن تمنعوا بنباحكم *** ثمراتِ ينبع شر دار ينبع
هلّا أميّة وهي ظالمة لكم *** ولها عليك رحالة لا تنزع
1) في ب: فعرضتني.
2) في ب: قرصك.
3) هو زياد بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي. أمير المنصور على الحجاز منذ سنة 137 ه. (انظر الطبري وابن الأثير سنة 137).
4) انظر ذيل الأمالي 126 حيث أنشد له شعراً وسمّاه ابن أبي العاصية السلمي.
5) ينبع: كانت من عمل المدينة على سبع مراحل من المدينة، وكانت تسكنها الأنصار وجهينة وليث. وقيل بين مكة والمدينة. انظر المغانم المطابة ص 440.
ركبوك مرتحلاً فظهرك منهمُ *** داني الحراقف والفقار موقع](1)
(90 ظ /)
كالكلب يألف خانقيه وينتحي *** نحو الذين بهم يعزّ ويمنع
فأمر له بمالٍ، وخلّى سبيله.
وقال المأمون(2): الملوك تحتمل كلَّ شيء إلّا ثلاثة أشياء(3): القدح في المُلك، وإفشاء السرِّ، والتعرّض للحُرم(4).
استقبل الطالبيّون المأمونَ في منصرفه من خراسان إلى العراق في بعض الطريق، فاعتذروا مما كان منهم من الخروج. فقال المأمون لمتكلمهم: كفّ واسمعْ مني. أوّلنا وأولكم ما تعلمون، وآخرنا وآخركم ما تريدون، وتناسوا ما بين هذين.
1) إلى هنا ينتهي السقوط من الأصل.
2) النص في الطبري 88/8 عن قحطبة. والمحاسن والمساوىء 374 عن الشعبي. ولكنهما نسباه إلى المنصور بدلاً من المأمون.
3) في المصدرين السابقين: كل شيء من أصحابها إلّا ثلاثاً.
4) في الطبري: للحرمة.
5) ثمامة: هو ثمامة بن أشرس النميري، زعيم القدرية في عصر المأمون، وهو الذي دعاه إلى الاعتزال، قتل في عصر الواثق وقيل مات في سنة 213. انظر الفرق بين الفرق ص 157.
6) سقط من ب سطر ابتداء من (كلاماً).
قال: نعم يا أميرَ المؤمنين لم أتخلف عن الجواب إلّا لتشخص القلوب إلى فهمه. فجمعَ الناس إلى ثلاثة أيام، فلما جُمعوا وحضرهم في اليوم الثالث قال له المأمون: تكلّم. فقال(1): يا أميرَ المؤمنين لا تخلو هذه الأفعال من أن تكون كلها من الله، فما السبيل علينا؟ أو تكون منه(2)ومنا فمَن الحكَم بيننا؟ أو يكون منا والقُوى من الله. قال: فقال المأمون: (91 و /) بل ومنا والقوى من الله عزّ وجلّ.
كان لبكار بن رباح منزل إلى دار العجلة، فأعطاه به المهدي أربعة آلاف دينار. فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما كنت لأبيع جوارك بشيء، فترك له منزله، وأعطاه الأربعة آلاف دينار، ففيه بعض ولده اليوم. قال: وبكار بن رباح مولى لآل الأخنس بن شريف الثقفي، حليف بني زهرة.
ألا رحمة الرحمان في كلّ ساعةٍ *** على رمّة رُسَّتْ بماسبذان(4)
لقد غُيّب القبرُ الذي ثمَّ سؤدداً *** وكفّين بالمعروف تبتدران
كان إسحق بن غُرير(6)يتعشّق عبادة جارية المهلبيّة، وكانت المهلبية منقطعة إلى الخيزران(7)، فركب إسحق يوماً ومعه جدي عبد الله بن مصعب بن
1) سقطت (فقال) من ب.
2) سقطت (منه) من ب.
3) البيتان في تاريخ الطبري 171/8.
4) في الطبري: رمة رمت. وماسبذان: من بلاد فارس، وفيها قبر المهدي. (ياقوت).
5) الحادثة في الأغاني 155/3 برواية الزبير بن بكار أيضاً.
6) هو إسحق بن غرير الزهري من جلساء المهدي، وكان حلواً، وكان لعبد الله بن مصعب صديقاً ملازماً له. (انظرجمهرة نسب قريش 129/1).
7) هي الخيزران بنت عطاء أم هارون الرشيد، وكانت ذات نفوذ كبير عند زوجها المهدي وولديها موسى وهارون، وهي التي دبرت قتل الخليفة الهادي لما هم بقتل أخيه الرشيد. توفيت سنة 172 وخرج خلف جنازتها الرشيد حافياً يمشي في الطريق. (انظر العبر 258/1 والشذرات 280/1).
ثابت(1)، يريدان أمير المؤمنين المهدي، فلقيا عبّادة، فقال إسحق: يا أبا بكر هذه عَبّادة، وحرّك دابته حتى سبقها ثم استقبلها فنظر إليها، فضحك عبد الله بن مصعب(2)ومضيا فدخلا على أمير المؤمنين، فحدّثه عبد الله بن مصعب بما فعل إسحق فقال: أنا أشتريها لك، ودخل على الخيزران، فدعا المهلبية فسامها وأعطاها ثمنها خمسين ألف درهم، فقالت: يا أميرَ المؤمنين، إن كنت تريدها لنفسك فيها فداك اللهُ، هي لك. فقال: أريدها لإسحق بن غرير، فبكت وقالت: تؤثر عليّ إسحق، وهي يدي ورجلي ولساني في حوائجي. فقالت الخيزران: (91 ظ /) ما يبكيك؟ صار إسحق: يتعشّق جواري الناس لا يصل - والله - إليها أبداً. فأخبره أمير المؤمنين بما جرى(3)فيها. وقال له: الخمسون ألف(4)درهم لك مكانها. فأخذها، فقال أبو العتاهية(5):
مَن صدقَ الحبَّ لأحبابه *** فإنّ حب ابن غُرير غرور(6)
أنساه عبّادة ذات الهوى *** وأذهب الحبُّ لديه الضمير(7)
خمسون ألفاً كلها وازن *** حَسَن لها في كل كيس صرير(8)
1) وصفه الزبير بن بكار في جمهرة نسب قريش 124/1 فقال: كان مدرة قريش وخطيبها، وواحدها شرفاً وقدراً وصوتاً، وعناية بهم وبجميع أهل المدينة، وكان في صحابة المهدي وولاه اليمامة ومن بعده ولاه الرشيد المدينة ثم اليمن.
2) سقط من ب ابتداء من (ومضيا).
3) سقطت (بما جرى) من ب. وفي الأغاني: جواري الناس فخرج المهدي فأخبر ابن غرير بما جرى.
4) في الأغاني: الخمسون ألف لك مكانها. وأمر له بها فأخذها.
5) أبو العتاهية لقبه، واسمه إسماعيل بن القاسم وكنيته أبو إسحق، نشأ في الكوفة في العصر العباسي، وديوانه مطبوع متداول وأكثر شعره في الزهد والأمثال. ترجمته في الشعر والشعراء 675 والأغاني 126/3 وطبقات ابن المعتز 228.
6) الأبيات في الأغاني 60/4.
7) في الأغاني: ذا الهوى .. الحب الذي في الضمير.
8) في الأغاني: كلها راجح .. حسناً ..
وقال فيه أيضاً(1):
حبّك المال لا كحبِّك عبّادة *** یا فاضح المحبينا(2)
لو كنتَ أصفيتها الوداد كما *** قلت لما بعتها بخمسينا
كتبت إلى إسحاق بن إبراهيم التميمي:
يا ضيف إسحق كن في خيرِ منزلة *** فضيفُ إسحقَ محبور وممنوح(3)
واسمع من العلم أنواعاً على ثقةٍ *** أن لستَ نائلها ما هبّت الريحُ
لك الكرامةُ منه شيمةٌ خُلقٌ *** والعلم عن ضيفه محلٌ ومجلوح
هيهات في العلم إذ ترجو فوائده *** رمت الذي لم تُقعقعه المفاتيح
فكتب إليّ إسحق(4):
العلمُ عندي شيء لستُ مانعه *** وكلُّ باب له عندي فمفتوح
لولا مواقع أرعاها وأرقبها *** وإنّ لمثلك مني الحلم ممنوح
إذاً لجاءك منّي منطقٌ قَذعٌ *** يطير(5)منه إذا استسمعتَه الروح
لما ولي خالد بن عبد الله القسري العراقَ اتخذ أموالاً وضياعاً، وحفر أنهاراً، فكان يستغل عشرين ألف ألف درهم بالعراق، منها نهر خالد، وكان يغلّ خمسة ألف ألف درهم، والجامع، والمبارك ولوْبة سابور، والصلح(7)، وكان هشام حسوداً
متيقظا(1)، فبلغه ذلك فأحفظه، وأصرّ عليه فكلّم خالداً أخلاؤه(2)وصنائعه العُريان بن الهيثم(3)، وبلال بن أبي بُردة(4)وغيرهما. فقالوا: نشيرُ عليك برأي قد أصبناه ورأيناه صواباً فيه دوام نعمتك، وكَبت أعاديك. قال: وما هو؟ قالوا: قد بلغنا عن أمير المؤمنين هشام ما غمّنا من سؤاله وقتاً بعد وقتٍ عن غلاتك وأموالك، فاكتب إليه فاعرض عليه أموالك. فقال: والله ما يعارضني شكٌّ في نصيحتكم، ولكني - والله - لا أعطي الدنيّة، ولا أخرج عن يدي درهماً قسراً(5)فما فوقه أبداً. قالوا: فإن هشاماً أعذر منك، ولّاك ولا تملك شيئاً، وقد عرفت شرهه وحرصك، فإن هو قبض ما تعرض عليه فعلينا جمعه لك ثانية، فلما كان في سنة تسع عشرة ومائة كتب إليه هشام(6): بسم الله الرحمٰن الرحيم، أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين عنك أمرٌ لم يحتمله منك إلّا لِما أحبَّ من رب صنيعته(7)قبلك، واستتمام معروفه عندك، وكان أمير المؤمنين أحق مَن استصلح ما فسد منك، فإنْ تعُدْ لمثل مقالتك (92 ظ /) وما بلغ أميرَ المؤمنين عنك، رأى في معاجلتك بالعقوبة رأيه، إنّ النعمة إذا طالت بالعبد ممتدة أبطرته فأساء حمل الكرامة، واستغل النعمة(8)، ونسب(9)ما في يده إلى جبلته(10)وبيته ورهطه وعشيرته، فإذا نزلت به الغير، وانكشط(11)عنه عماية الغنى(12)والسلطان، ذل منقاداً وندم قسراً، وتمكّن منه عدوه قادراً عليه، قاهراً له،
1) في ب: مستيقظاً.
2) في ب: فكلم أخلاؤه خالداً وصنائعه.
3) هو العريان بن الهيثم بن الأسود النخعي.
4) هو بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري أمير البصرة وقاضيها. مات في حبس يوسف بن عمر سنة نيف وعشرين ومائة. (تهذيب التهذيب).
5) سقطت هذه الكلمة من ب.
6) الرسالة في الكامل للمبرد 297/2.
7) في الكامل: رب الصنيعة. ورب: نمّى وزاد.
8) في الكامل: واستقل العافية.
9) في الأصل: وسبب. وما أثبتناه عن الكامل أحسن.
10) في الكامل: حيلته.
11) في ب: وانكشف.
12) في الكامل: الغي.
ولو أراد أمير المؤمنين إفسادك لجمع(1)بينك وبين من شهد فلتات خطلك، وعظيم زللك، حيث تقول لجلسائك: والله ما زادني العراق(2)رفعةً ولا شرفاً ولا(3)ولّاني أمير المؤمنين شيئاً لم يكن مَنْ كان قبلي، ممّن هو دوني، يلي مثله. ولو(4)ابتليت ببعض مقاوم(5)الحَجّاج أهل(6)العراق في تلك المضايق بمثل الجماعات التي لَقي، لعلمتَ أنك من بَجيلة(7)، ولقد خرج عليك أربعون رجلاً فغلبوك على بيت مالك وخزائنك، فما استطعتم إلّا بأمانٍ، ثم أخفرتَ ذِمّتك، فيهم رزين وأصحابه، ولعمري لو حاول أمير المؤمنين مكافأتك بلفظك(8)في مجلسك، وجحودك فضله عليك، في تصغير عظيم ما أنعمَ به عليك، فحلَّ العقدة، ونقض الصنيعة، وردَّك إلى منزلة أنت أهلها، لكنتَ له مستحقّاً(9)، ولقد حشدَ جدُّك يزيد بن أسد(10)مع معاوية يوم صفّين، وعرض دينه ودمه(11)فما اصطنع إليه، ولا ولّاه ما اصطنع إليك أمير المؤمنين وولّاك، وقِبله من أشراف أهل (93 و /) اليمن والبيوتات مَن قبيلتُه أكرم من قبيلتك من كندة وغسّان وآل ذي يَزن وذي كَلَاع وذي رُعَين، في نظرائهم من بيوتات قومهم، كلُّهم(12)أكرم أوليّة، وأشرف أسلافاً من آل عبد الله بن يزيد. ثم آثرك أمير المؤمنين
1) في الأصل و ب: جمع.
2) في الكامل: ما زادتني ولاية العراق.
3) سقطت من ب.
4) في الكامل: ولعمري لو.
5) مقاوم: جمع مقام.
6) في الكامل: في أهل العراق.
7) بجيلة: قبيلة ينتمي إليها قسر بن عبقر. الذي ينسب إليه خالد بن عبد الله القسري.
8) في الكامل: بخطلك.
9) في الكامل: كنت لذلك مستحقاً.
10) هو يزيد بن أسد بن كرز القسري، جد خالد بن عبد الله، وفد على النبي صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، فأسلم، ونزل بالشام، وكان يروي عن الرسول صلَّی الله علیه وآله وسلَّم. (المعارف 398).
11) في ب: دينه وأمّانته.
12) سقطت هذه الكلمة من ب.
بولاية العراق، بلا بيت عظيم(1)ولا شرف قديم(2)ولَهذه البيوت تغمرك وتعلوك، وتُسكتك وتتقدمك في المحال والمجامع عند ابتداء(3)الأمور وأبواب الخلفاء. ولولا ما أحبّ أمير المؤمنين من ردّ غَربك لعاجلك بالتي كنتَ أهلها، وإنها لقريبٌ منك مأخذها، سريع مكروهها، فمنها(4)- إنْ اتّقى(5)الله أمير المؤمنين - زوال نعمة الله عليك، وحلول نقمته بك، فيما صنعت(6)وارتكبت بالعراق أهله، واستعانتك(7)من باليهود والنصارى والمجوس، تولِّيهم أموال المسلمين وخراجَهم، وتسلّطهم عليهم(8)، نزعَ بك إلى ذلك عرق سوءٍ من(9)التي قامت عنك، فبئس الجنين أنت(10)عُديّ نفسه، وإنّ الله لَما رأى إحسان أمير المؤمنين إليك وسوءَ قيامك بشكره، قلب قلبه لك فأسخطه عليك، حتى قبحت أمورك عنده، وآيسه مع شكرك(11)ما ظهر له من كفرك النعمة عندك، فأصبحتَ تنتظر غير(12)النعمة وزوال الكرامة، وحلول الخزي، فتأهبْ لنوازل عقوبة الله بك، فإنّ الله عليك أوجد، ولِما عملتَ أكره، فقد أصبحتَ وذنوبك أعظم من أن يبكّتك بها أمير المؤمنين ذنباً ذنباً، ومَن يرفع عليك عنده يُبكّتك منها بما نسيته وأحصاه اللهُ عليك، ولقد كان لأمير المؤمنين زاجر عنك بما عرفك(13)من التسرع (93 ظ /) إلى حمقاتك(14)في غير واحدة، منها القرشي
1) في الكامل: بيت رفيع.
2) سقطت عبارة (ولا شرف قديم) من ب.
3) في الكامل: بدأة.
4) في الكامل: فقيهاً.
5) في ب: أبقى الله.
6) في الكامل: ضيعت.
7) في الكامل: من استعانتك.
8) في ب: عليك.
9) سقطت (من) من ب.
10) سقطت من ب.
11) في ب: من شكره. تحريف.
12) سقطت جملة (فأصبحت) من ب.
13) سقط سطر من ب ابتداء من (وأحصاه).
14) في الكامل: حماقتك.
الذي تناولته بالحجاز، ظالماً، فضربك الله بالسوط الذي ضربته به، مفتضحاً على رؤوس رعيتك، ولعلّ أمير المؤمنين أن يعود عليك بمثلها، فإن فعل(1)فأنت أهلها، وإن صفح(2)فأهلُه هو، والله لو لم يستدلّ أمير المؤمنين على ضعف نحائزك(3)وسوء تدبيرك إلا فسالة(4)دخلائك(5)، وبطانتك وعمّالك، والغالبة عليك جاريتك الرائقة(6)، بائعة العهود(7)، ومُشغلة(8)الرجال، مع ما أتلفتَ من مال الله، بالمبارك(9)اثني عشر ألف ألف درهم(10)، واللهِ أنْ لو كنتَ من ولد عبد الملك لما احتمل لك من أمير المؤمنين ما أفسدت من أموال الله، وضيّعت من أمور المسلمين، وسلّطتَ من ولاة السوء على جميع كوَر الإسلام(11)، تُحمَل إليك هدايا النيروز والمهرجان(12)، خالساً لأكثرها، رافعاً لأقلّها مع كثرة(13)مساويك المتروك تقريرك بها، ومناصبتك أمير المؤمنين في موالاة حسّان ووكيله في ضياعه، وأحوازه(14)في العراق، وسيكون لك ولأمير المؤمنين نبأ إن لم يعفُ عنك، ولكنه يظن الله طالبك بأمور، غير تارك لتكشيفك عنها، وحملِك الأموال ناقصة عن وظائفها التي جباها عمر بن هبيرة، وترك رفعِ محاسبتك سنة كذا وكذا لما وليتَ من خراج العراق، وتوجيهك أخاك أسداً إلى خراسان، مظهراً بها العصبية، متحاملاً (94 و /) على هذا الحيّ من مضرَ، قد أتت
1) في الكامل: يفعل.
2) في الكامل: يصفح.
3) النحائز: جمع نحزة وهي الطبيعة،
4) في ب: بفسولة. والفسالة والفسولة، الرذالة وعدم المروءة.
5) في ب: بدخلائك. وفي الكامل: دخائلك.
6) في ب: الزانية.
7) في ب والكامل: الفهود.
8) في ب والكامل: ومستعملة.
9) المبارك: نهر بالبصرة احتفره خالد لهشام.
10) في الكامل: فإنك ادعيت أنك أنفقت عليه اثني عشر..
11) في الكامل: جميع أهل كور عملك.
12) في الكامل: تجمع إليك الدهاقين.
13) في الكامل مع مخابث مساويك.
14) أحوازه: جمع حوز وهو الموضع يحوزه الرجل يتخذ حواليه مسناة.
أمير المؤمنين عيونه بتصغيره لهم، واحتقاره إياهم، ناسياً لحديث زَرْنَب(1)وقِصَص الهجريّين كيف كانت في يزيد بن أسد(2)، فإذا خلوتَ أو توسَّطتَ مَلَا فاعرف نفسَك، واحذر(3)رواجع البغي عليك، وعاجلات العقوبة(4)، فإنّ ما بعد كتاب أمير المؤمنين هذا(5)أفسدُ لك، وأشدُّ عليك، فإن أمير المؤمنين قد تأنّى فَيئك، وأمّلَ رجعتك، واستنظرَ توبتك(6)، وقِبلَ أمير المؤمنين خلف كثير، في أحسابهم وبيوتاتهم وأديانهم، وفيهم عِوَضٌ منك، والله من ورائك إن شاء الله(7)، وكتب [عبد الله بن](8)سالم، مولى أمير المؤمنين سنة تسع عشرة ومائة.
فلما دخلت سنة عشرين ومائة كتب هشام إلى يوسف بن عمر وهو عامل اليمن بولايته على العراق لِما بلغه من شهامته ورُجلته وخبثه، فسار حتى نزل الكوفة فأرسل إلى طارق فحبَسه، وكان خالد استخلف زياد بن عبد الله الحارثيّ، فقال يوسف لزياد: مَنْ أنت؟ فانتسب له، فقال: النجرانيّ؟ قال: نعم. فخلّى سبيله، وأرسل إلى خالد وهو بالحَمَّة(9)، فأتى به، فحبسه وجميع عمّاله. فجاء عبدالله بن عياش المنتوف(10)
1) زرنب: يروى: أن كرز بن عامر جد خالد كان آبقاً من مواليه عبد القيس من هجر فظفرت به عبد شمس بن جوين، ثم وهبوه لقوم من طهية ثم هرب فأخذته بنو أسد فكان فيهم فتزوج مولاة لهم تدعى زرنب يقال أنها كانت بغياً فولدت له أسداً سماه باسم أسد بن خزيمة ثم إن قسراً مروا به فعرفوه، فأخذوه إلى مواليه حتى خرج معهم إلى الطائف فرأى دار بجيلة فأعجبته فاشترى نفسه وابنه وأقام في بجيلة وادّعى إليهم إلى أن مات. (انظر رغبة الآمل 294/8).
2) في الكامل: في أسد بن كرز.
3) في الكامل: وخف رواجع.
4) في الكامل: وعاجلات النقم فيك.
5) في الأصل: قد مكان هذا.
6) سقطت هذه العبارة من الكامل.
7) في الكامل: والله من وراء ذلك.
8) تكملة من الكامل.
9) الحمة: اسم لعدة مواضع. (انظر ياقوت (320/2).
10) أبو الجراح عبد الله بن عياش بن عبد الله الهمداني الكوفي المعروف بالمنتوف كان راوية للأخبار والآداب، ينادم المنصور ويضحكه. توفي سنة 158. (الشذرات 243/1 ولسان الميزان 322/2).
معه أخوه الفضل، وقد كان العريان بن الهيثم ضرب الجراح بن عبد الله بن عياش، فاستعدى عليه خالداً، فلم يُعده عليه، فحقدوا ذلك عليه، فوثب عبد الله والفضل على خالد بباب يوسف فشتماه، وكادا يطآنه بأرجلهما ويقولان على ما يعذَّب هذا ألّا يؤتى(1)بأمه النصرانية(2)، فتعذَّب حتى تسلح على الصليب ويُقتل (94 ظ /) هذا. فأقبل مَن هناك من الحرس عليهما، فهرب الفضل وضُرب عبد الله المنتوف وخُرّقت ثيابه، حتى لم يبقَ من قميصه إلّا الزيق، مكشوفَ الأست، مستقبلاً فتق أسته الشمس، وبلغ ذلك يوسف بن عمر فدعا به، فقال: من ضربك؟ قال: أهل الدنيا، ما رأيت إلّا ضارباً. قال: لكني أدري من ضربك. على(3)مَن كانت النوبةُ؟ قيل: على: فلان وفلان وفلان، فدعا بهم، فضربهم ألفاً ألفاً وأغزاهم الثغور، وعذب يوسفُ خالداً، من غير أن يبلغ نفسه، ثم أتاه كتاب هشام في استخلاصه(4)إلى ما قبله، فوجّهه إليه، فخلّى سبيله، فكان مقيماً بالشام إلى أن مات هشام في سنة خمس وعشرين ومائة(5)، فردّه الوليد بن يزيد إلى يوسف بالعراق فعذّبه حتى قتله.
لمّا كانت فتنة عليّ ومعاوية كلّم أهل مكة عثمان(6)بن شيبةَ من بني عبد الدارأن يتولّى أمرهم حتى يجتمع الناس على خليفة ففعل، وكلّم أهل الطائف عبد الله بن خالد بن أسيد(7)وسألوه أن يقوم بأمرهم حتى يجتمع الناس على خليفة فأجابهم إلى
1) في ب: يأتوا.
2) روى صاحب الأغاني 59/19 أنه كانت أمه رومية نصرانية وهبها عبد الملك لأبيه، فبنى لها كنيسة في ظهر قبلة المسجد الجامع بالكوفة فكان إذا أراد المؤذن في المسجد أن يؤذن ضرب لها بالناقوس. وإذا قام الخطيب على المنبر رفع النصارى أصواتهم بقراءتهم.
3) في الأصل: عن.
4) في ب: في شخوصه.
5) توفي الخليفة هشام بن عبد الملك في ربيع الآخر من هذه السنة وكانت خلافته عشرين سنة إلّا شهراً. (الشذرات 163/1).
6) انظر ترجمته في الإصابة 163/2.
7) هو عبد الله بن خالد بن أسيد المخزومي، في صحبته وروايته نظر، ولّاه زياد فارس في خلافة عثمان واستخلفه زياد على البصرة. (الإصابة 293/2).
ذلك، فجاء إذنه ذاتَ ليلة فقال: هذا عنبسة بن أبي سفيان بالباب. فقال: ائذن له. فدخل عليه وهو سكران، وعند عبد الله بن خالد ابنة عثمان بن عفان، وهي امرأته، فجعل عنبسة ينظر إلى جلا (99 و /) - يعني كوة -(1)في البيت، ويثب إليه لِما به من السكر. فقال عبد الله بن خالد: ما ابتُليتُ بذا(2)الليلة. فقالت له امرأته: والله ما جنى جنايةً قطّ. وهو أخو أمير المؤمنين، أرى أن تستر عليه، وتخلّي سبيله. قال: لا والله، لا أبطل حدّاً من حدود الله، فأرسل عبد الله بن خالد إلى عبد الرحمٰن بن أبي بن ربيعة، وكان بالطائف. فقال له ابن أبي ربيعة: لأيّ شيء بعثتَ إليّ؟ قال: بعثتُ إليك لتنظر إلى عنبسة بن أبي سفيان، وتشهد على سكره. فقال: لا وصلتك رحم، أما كان ها هنا أحد أهون عليك منّي. فقال: لا، ولكن لم يكن ها هنا أحد أوثق في نفسي منك. قال: أما إذا فعلت فابعث إلى رجل آخر. فبعثَ إلى رجل من ثقيف، فأشهده أيضاً عليه، فلما أصبح جلَده الحدَّ، فلما ولى معاوية قدم عليه عنبسة أخوه فأخبره الخبر، فبعث معاوية إلى عبد الله بن خالد بن أسيد وإلى عبد الرحمٰن بن أبي ربيعة وإلى الثقفيّ، فدسّ إلى الثقفيّ(3)وإلى عبد الرحمٰن أن يكذّب نفسه ليبطل الحدَّ، فأبى عبد الله بن خالد وعبد الرحمٰن، ورجع الثقفي عن شهادته، فمكث عبد الرحمٰن بن أبي ربيعة وعبد الله خالد بن أسيد بباب معاوية سنة لا يأذن لهما، فلما رأى ذلك عبد الرحمٰن بن أبي ربيعة أحرمَ يومَ جمعةٍ، ومعاوية(4)على المنبر، فبعث إليه معاوية، أن لا ولا كرامة والله ما استأذنتني(5)، ولا أذنت لك. فقال عبد الرحمٰن: أليس ذاك لك، إنما بعثتَ إليّ فسألتني عن أمر، فأخبرتك بعلمي فيه، فأذن له، فانصرف إلى مكة، وبقي عبد الله خالد سنة أخرى، ثم استأذنه في الرجوع إلى مكة حاجًّا (95 ظ /) فدخل عبد الله بن خالد فسأله أن يردّ عليه قطائع
كان أخذها بسبب عنبسة، فلم يردّها عليه، ثم إن عبد الله بن خالد خرج إلى العراق، وعليها زياد بن أبي سفيان، فحضرت زياداً الوفاة(1)فاستخلف عبد الله بن خالد على عمله، وكتب بذلك إلى معاوية، فقال: لا والله، لا نستعمله، لا على صلاتها، ولا على خراجها. ثم استعمل عبد الرحمٰن ابن أمّ الحكم الثقفي(2)
(الإصابة 7/3).
، فأخذ عبد الله بن خالد من بيت المال ألفي ألف درهم، وشخص إلى مكة حيث بلغه أن معاوية استعمل عبد الرحمٰن ابن أمّ الحكم، فلما بلغ معاوية ما أخذ من بيت المال. قال: الحمد لله الذي أمكنني منه، والله ما يسرّني أنها في بيت المال، ثم بعث إلى عنبسة، فقال: قد أمكنك الله من ثأرك، وأخبره بما قبض عبد الله من بيت المال. قال: قد ولّيتُك الحجاز. فتهيّأ، عنبسة، ثم دخل عليه يودّعه. فقال له(3): ما أنت صانعٌ بعبد الله بن خالد؟ قال: أضربُ - والله - بيده وجهَه. فقال معاوية: بأستك، بئس - والله - ابن العشيرة أنت. بعبد الله تصنع هذا؟ والله لقد كنتُ عليه حنيقاً مغتاظاً، وقد عطّفني عليه ما سمعت من عنفك به، هي له والله، ولا كتبتُ إليه في شيء منها أبداً. ليس مثلك ولي عبد الله بن خالد(4)قد عزلتك من عملك.بلغني أنّ أبا مسلم الخولاني(5)- وكان رجلاً من عبّاد أهل الشام - قام إلى معاوية فقال: يا معاوية على ما تقاتلُ علياً، وهو ابن عمّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وله من القدْر في الإسلام، والسابقة والقرابة ما ليس لك، إنما أنتَ رجل
1) توفي زياد بن أبي سفيان سنة ثلاث وخمسين. (الطبري 288/5).
2) هو عبد الرحمٰن بن أم الحكم بنت أبي سفيان، أبوه عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، ولّاه معاوية الكوفة سنة 57 فأساء السيرة فعزله وولّاه مصر ثم الجزيرة وظل فيها إلى أن مات معاوية.
3) سقطت (له) من ب.
4) سقطت (بن خالد) من ب.
5) هو عبد الله بن ثوب، الزاهد المعروف، من كبار التابعين توفي سنة اثنين وستين. ودفن في دمشق. (الفوات 443/1 والإصابة 88/4).
طليقٌ ابن طليق؟ فقال معاوية: يا أبا مسلم، إني - والله - ما أقاتله وأنا أدّعي في الإسلام مثلَ الذي يدّعي(1)ولي في الإسلام مثلُ ما له، ولكني أقاتله على دم عثمان، إن علياً قتل عثمان، فأنا أطلبه بدمه. فخرج أبو مسلم على ناقته يضرب حتى انتهى إلى الكوفة، فأناخها بالكناسة، ثم جاء يمشي حتى دخل على علي - عليه السلام والناس عنده، فسلّم ثم قال: مَنْ قتل عثمان؟ فقال عليٌّ: الله قتله، وأنا معه. فخرج أبو مسلم ولم يكلّمه، حتى أتى ناقته فركبها، فأتى الشام. وقيل لعلي: إن الذي كان قد دخل عليك أبو مسلم، فأرسل في طلبه، ففاته، وقدم أبو مسلم الشام، فانتهى إلى معاوية، وهو يتغدّى، فلما قيل لمعاوية: قد جاء أبو مسلم، ومعه لقمة، فما استطاع أن يسيغها حتى وقعت. قال: فدخل أبو مسلم فحيّاه وقرّبه، ورحّب به، وسأله عن سفره، وجعل معاوية يكره أن يتكلم بشيء مخافةَ أن يكون أبو مسلم قد جاء بشيء مما يكره معاوية. قال: فقال أبو مسلم: قم - فوالله - لنقاتلنَّ عليًّا، وليقاتلنّه الله، فإنه قد أقرَّ بقتل عثمان. قال: فقام معاوية فرحاً حتى صعد المنبر واجتمع الناس (96 ظ /) فحمد الله وأثنى عليه، وقام أبو مسلم خطيباً، فحرض الناس على قتال عليّ - رضي الله عنه -(2)وإنه أقرّ بقتل عثمان، وجمعَ معاوية لعليّ الجموع، وقد كان محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة(3)غَلبَ على مصرَ، فسار إليه معاوية قبل أن يصير إلى صفّين، فلم يزل يواربه(4)حتى قال(5): اخرج إليّ في ثلاثين رجلاً، وأخرج إليك في ثلاثين حتى ننظر في أمرنا ونصطلح على صُلح. ففعل ذلك محمد ومعاوية، وقد أمر معاوية جنده أنْ يسيروا من تحت ليلتهم، حتى يوافوهم بذلك المكان، وهو ومحمد خارجٌ من الاسكندرية فبيّتهم أصحاب معاوية، وأخذ معاوية أولئك الثلاثين وكبّلهم
1) في ب: تدعي. تصحيف.
2) في ب: عليه السلام.
3) كان محمد بن أبي حذيفة قد ولد بأرض الحبشة، وكان أبوه من السابقين الأولين استشهد أبوه باليمامة، وقد تولى عثمان تربيته بعد استشهاد أبيه، وحين كبر واستخلف عثمان استأذنه في السفر إلى مصر. فأذن له، فكان من أشد الناس تأليباً عليه. (الإصابة 354/3).
4) في ب: يداريه.
5) انظر هذه القصة في الإصابة 354/3.
في القيود وأتى بهم الشام، فبينا هم كذلك إذ صانعوا صاحب السجن، فخلّى سبيلهم، ولمّا أصبح معاوية قيل له إنّ محمداً قد خرج من السجن، وأتاه أنّ علياً(1)قد جمع له الجموعَ بالعراق ليسيروا إليه، وخُبّر أنّ صاحب الروم قد تهيّأ ليسير إليه، فدعا عمرو بن العاص، فقال له: إنه قد جاءني منذُ أصبحت أخبارٌ ثلاثة، ما جاءتني قطُّ أخبار أفظع منها، ولا أكرهُ إليّ، فهل عندك من مخرجٍ؟ خروج محمد بن أبي حذيفة من السجن وأصحابه، وكتاب صاحب الروم يتهددني، وجمع عليّ بن طالب أهل العراق حيلة، فقال عمرو بن العاص: لا يهولنّك من ذلك شيءٌ، فأمّا خروج محمد فابعث في أثره الخيولَ المضمّرة في كلّ طريقٍ نهجٍ وغامضٍ لا يُسلك تؤتَ به وأمّا صاحب الروم فأرسلْ (97 و /) إليه بهديّة يكفُّ عنك، وأمّا خبر عليّ بن أبي طالب، وما جمع من أهل العراق فهو الجليل الفظيع، لم يأتك مثله قطّ(2)، فاجمع له(3)جموعك ثم ارمهِ بهم، واستعنْ باللهِ عليهم، فبعثَ خلفَ محمد بن أبي حُذيفة رجلاً من خثعم، يقال له: عُبيد الله بن عمرو، فأدركه في غارِ دُلَّ، عليه، فأتى به وبعلقمة بن عُديس البلويّ(4)
أقبلن من بلبيس والصعيد *** مستحقبات حلق الحديد
نريد حقّ الله في الوليد *** وفي ابن عفان وفي سعيد
ما اهتز فيها خضر الجريد
، قاتل عثمان، فقتلهما(5)، وأهدى إلى صاحب الروم هديّةٌ، فكفَّ عنه، وأمّا عليّ بن أبي طالب(6)فجمع له قضَّه وقضيضه من(7)جموعه وخرج إليه.1) في ب: عليه السلام.
2) سقطت (قط) من ب.
3) سقطت (له) من ب.
4) في جميع المراجع التي ذكرت استشهاد عثمان اسمه عبد الرحمٰن بن عديس البلويّ ولم أجد ترجمة لعلقمة - انظر التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان والطبري 348/4 وابن سعد 44/1/3 وابن الأثير 68/3 وهو القائل يوم الدار:
5) في ب: فقتلهم.
6) في ب: عليه السلام.
7) سقطت (من) من ب.
لما قدم زياد البصرة، فرأى خِصاصَها(1)من بعيد، قال: رُبَّ فرحٍ بإمارتي لم تنفعه، وربَّ متبائس منها لن تضرّه، ثم مشى إلى المنبر متزمّتاً متلبّباً عليه قباء قوهي، وملاءة ممصّرة(2)، فخطب خطبة بتراء(3)، لم يصلِّ فيها على النبيّ - صلى الله عليه وآله وسلم - ثم قال(4): أيها الناس، إنّ معاوية قد قال ما قد بلغكم، وشهدت الشهود على ما قد سمعتم وقد قال الناس فيما قالوا، وإني امرؤ رفع الله منّي ما وضعوا، و حفظ مني ما ضيّعوا، وإن عُبيداً لم يَعدُ أنْ كان ربيباً مشكوراً وأباً مبروراً، ألا وإنا قد سُسنا وساسنا السائسون، فرأينا هذا الأمر لا يصلحه إلّا شدة في غير جبرية ولين في غير وهن، ألا وإنه ليست كذبة أكثر شاهداً عليها من الله، ومن المسلمين من كذبة أمير على منبرِ، فإذا (97 ظ /) سمعتموها مني فاحتسبوها(5)فيّ، واعلموا أنّ لها عندي أخوات، فإذا رأيتموني أجري الأمور مجاريها، وأمضيها(6)لسبيلها، فلتستقم لي قناتكم، فإنّ لي فيكم صرعى، فليحذر كلُّ امرىء منكم أنْ يكون من صرعاي، ألا وإنی آخذُ المقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والشاهدَ بالغائب حتى يلقى الرجل اخاه يقول: انجُ سعدٌ فإنّ سعيداً قد قُتل. قال: فقام إليه صفوان بن الأهتم(7)فقال:
1) الخصاص: واحدها الخص بالضم، وهو البيت من القصب، أو يسقف بخشبة.
2) ممصرة: مصبوغة بالمصر، وهو الطين الأحمر أو نبات أحمر طيب الرائحة تستعمله العرائس.
3) في البيان والتبيين 6/2 إن خطباء السلف وأهل البيان من التابعين ما زالوا يسمون الخطبة التي لم تبتدأ بالتحميد وتستفتح بالتمجيد: البتراء.
4) وردت الخطبة البتراء بهذه الرواية في نوادر القالي 185 وعيون الأخبار /241/2. وهي في الطبري 217/5 والبيان والتبيين 91/2 والعقد الفريد 110/4 وشرح ابن أبي الحديد 818/4 وابن الأثير /374/3. ليدن برواية المدائني التي سيوردها الزبير بعد هذه الرواية.
5) في ب: فاحسبوها.
6) في الأصل: وأميضها، تصحيف.
7) في البيان والتبيين وابن أبي الحديد والعقد الفريد وابن الأثير وعيون الأخبار اسمه عبد الله بن الأهتم. ولم يتفق مع الزبير في تسميته بصفوان إلّا القالي. وصفوان هو ابن عبد الله بن الأهتم التميمي من بني منقر، كان خطيباً رئيساً وابنه خالد بن صفوان. (انظر البيان والتبيين 355/1).
أيّها الأميرُ، قد آتاكَ الله الحكمةَ وفصلَ الخطاب. فقال زياد كذبتَ ذاك نبيُّ الله داود. فقام الأحنف بن قيس، فقال: إنّ الفَرس بشدِّهِ، والعيش بكدِّه، والسيف بحدِّه، والمرء بجدِّه، وإنّ جِدّكَ قد بلغ ما ترى، وإنّ الثناء بعد البلاء، وإنا لن نثني عليك حتى نتبيّنك، فابلُ خيراً نثنٍ خيراً. فقام أبو بلال مرداس بن أديّة(1)فقال: أيها الإنسان، إنّ الله - تعالى - أدّى عن وليّه وخليله غير الذي أدّيتَ. قال الله جلّ ثناؤه: وإبراهيمَ الذي وفَّى ألّا تزِرُ وازرةٌ وزرَ أخرى)(2)ثم خرج من المسجد فخرج عليه في أربعين رجلاً، فكان أول خارج خرج بالبصرة.
لما قدم زياد البصرة، قدمها والفسق بها ظاهر فاشٍ، فخطبهم فقال: الحمد لله على أفضاله وإحسانه، ونسأله المزيد من نِعَمه وإكرامه. اللهمّ كما أعطيتنا نِعماً، فألهمنا شكراً. أما بعدُ: فإن الجاهلية (98 و /) الجهلاء، والضلالة العمياء، والغيَّ الموفد(3)لأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم، وما يشتمل عليه حلماؤكم(4)من الأمور العِظام، ينبتُ فيها الصغير، ولا ينحاش(5)عنها الكبير، كأنكم لم تقرأوا كتاب الله، ولم تسمعوا ما أعدَّ الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته، في الزمن السرمد(6)الذي لا يزول، أتكونون كمن طرفت عينَه الدنيا(7)، فسَدَّت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ألم تكن فيكم نُهاة تمنع الغواة
1) هو مرداس بن عمرو بن حدير، من زعماء الخوارج، خرج أيام يزيد بن معاوية في البصرة على عبيد الله بن زياد، فأرسل إليه من هزمه وقتله سنة 61. (انظر الطبري 470/5).
2) سورة النجم آية 37 - 38.
3) كذا في شرح ابن أبي الحديد. وفي البيان: الموفى بأهله، وفي الطبري: الموقد لأهله النار.
4) في ب: علماؤكم.
5) في ب« منها.
6) في العقد: السرمدي.
7) طرفت عينه الدنيا: صرفته عن الحق.
عن دَلَج الليل(1)وغارة النهار؟! وكل امرىءٍ فيكم يذبّ عن سفيهه صنيع مَن لا يخافُ عاقبةً، ولا يرجو معاداً، فلم يزل بغواتكم(2)ما كان من قيامكم دونهم، وذبّكم عنهم، حتى انتهكوا حُرَمَ الإسلام، ثم أطرقوا وراءكم كُنوساً(3)في مكانس الرِّيَب، محرَّم عليّ الطعام والشراب حتى أضع هذه المواخيرَ الأرض هدماً وإحراقاً(4)، إني رأيتُ آخر هذا الأمر لا يصلح إلّا بما صلح به أوله. لينٌ في غير ضَعف، وشدّة في غير عُنف، وإني أقسم بالله لأخذن الوليَّ بالوليِّ، والمقيمَ بالظاعن، والمقبلَ بالمدبر، والصحيحَ بالسقيم، حتى يلقى الرجلُ منكم أخاه فيقول: انج سعدٌ فإنّ سعيداً قد قُتل(5). أو تستقيم لي قناتكم، إنّ كذبةَ المنبر، تُلقى(6)مشهورة، فإذا تعلّقتم عليّ بكذبة، فقد حلّت لكم معصيتي، مَن نُقبَ عليه منكم فأنا ضامن له، فإياكم ودَلَج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلّا سفكتُ دمه، وإياكم ودعوى الجاهلية (98 ظ /) فإني لا أظفر بأحدٍ دعا بها إلّا قطعتُ لسانه، وقد أحدثتم أحداثاً، وقد أحدّثنا لكل ذنبٍ عقوبةً، فمَن غرّق قوماً غرقناه، ومن حرّق على قوم أحرقناه، ومن نقب نقباً نقبنا عن قلبه، ومَن نبش قبراً دفناه حيًّا، فكفّوا عنّي أيديكم وألسنتكم، أكفُّ عنكم يدي ولساني [ولا (7)يظهر من أحد خلاف ما عليه عامتكم إنْ شاء الله(8).
1) دلج الليل: السير من أوله.
2) في ب: هو أنكم. وفي البيان: فلم يزل بهم ما يرون من قيامكم وفي العقد: فلم يزل بهم ما ترون. وفي الطبري وابن أبي الحديد: فلم يزل بهم ما ترون.
3) الكنوس: جمع كانس، وهو المستتر، وأصله من الظبي إذا دخل في كناسه.
4) في الطبري والعقد: حرم عليّ الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض .. وفي البيان: حرام عليّ الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض وفي الأصل: المآخير.
5) سعد وسعيد: هما ابنا ضبة بن أد. خرجا في طلب إبل لأبيهما، فوجدها سعد فردّها، وقتل سعيد، فكان ضبة إذا رأى سواداً تحت الليل قال: سعد أم سعيد!
6) في الطبري: تبقى مشهورة. وفي البيان والعقد: بلقاء. وفي ابن أبي الحديد: تلفى.
7) سقط من الأصل مقدار صفحتين ابتداء من هنا وأكملته عن ب والمصادر الأخرى.
8) في جميع المصادر: .. عامتكم إلّا ضربت عنقه.
وخطب زياد بالبصرة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: كم من مغتبط سيبتئس، وكم من مبتئس بنا سيغتبط، ألا إنّ القدرة تُذهب الحفيظةَ، ألا إنه قد كانت بيني وبين أقوام إحَنٌ وأشياء، وقد جعلتُ ذلك دُبرَ أذني، وتحت قدمي، فمن كان منكم محسناً فليزدد إحساناً، ومن كان منكم مسيئاً فلينزع من إساءته. إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعاً، ولم أفتح له باباً، ولم أهتك له ستراً، حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل ذلك لم أناظره، فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم، يرحمكم الله، ألا وإني لا أقول قولاً إلّا أنفَذته، فإذا رأيتموني أقول قولاً لا أنفذه ولا أفي به، فلا طاعة لي في أعناقكم.
قال(2): ثم نزل، فلما أمسى سمع أصوات الناس يتحارسون. فقال: ما هذا؟ فقيل: إن البلدة مفتونة، وإن المرأة من أهل المصر ليأخذها الفسّاق، فيقال لها: نادي ثلاثة أصواتٍ، فإنْ أجابك أحد، وإلّا فلا لوم علينا فيما صنعنا(3). (99 و /) قال زياد: ففيمَ أنا؟ وفيم قدمتُ؟ فلما أصبح أمر فنودي في الناس فاجتمعوا فقال: أيها الناس، إني قد أنبئتُ بما أنتم فيه، وسمعتُ بعض ذلك(4). ألا وإني قد أنذرتكم وأجّلتكم شهراً مسيرة الرجل إلى الشام، ومسيرة الرجل إلى خراسان، ومسيرة الرجل إلى الحجاز، ألا فمَنْ وجدناه بعد شهر خارجاً من منزله بعد العشاء الآخرة، عبيد الله بن زیاد، فمَن دونه، فدمه هدَرٌ.
قال: فانصرف الناس يقولون: هذا كقول بعض الحكماء(5). قال: فلما تمّ َّالشهرُ دعا زيادٌ صاحبَ شرطته عبد الله بن حصين اليربوعي(6)، وكانت شرطته أربعة آلاف رجل، فقال: هييء خيلك ورَجلك، فإذا صلَّيتُ العشاء الآخرة، وقرأ القارىءُ
1) في سائر المصادر السابقة: جعلت هذه الخطبة جزءاً من الخطبة البتراء.
2) انظر النص في شرح ابن أبي الحديد حيث أورده برواية الشعبي في 820/4.
3) في ابن أبي الحديد: نصنع.
4) في المصدر السابق: وسمعت ذروا منه.
5) في المصدر السابق: كقول من تقدمه من الأمراء.
6) كذا في ابن أبي الحديد. واسم أبيه في الطبري 222/5 والبيان والتبيين 256/2 حصن.
مقدار سبع من القرآن، ورُفع الطُّنُّ القصب من القصر، فسِرْ فلا تلقينَّ أحداً عبيد الله بن زياد، فمَن دونه إلّا جئتني برأسه(1).
قال: فصبح بباب القصر تسعمائة(2)رأس، ثم خرج الليلة الثانية فجاء بخمسين رأساً، ثم خرج الليلة الثالثة فجاء برأس واحد(3). فكان الناس إذا صلّوا العشاء الآخرة، أحضروا إلى منازلهم وتركوا نِعالهم(4). قال: ثم صعد زيادٌ المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: هدأت البلدةُ سائرَ اليوم، لكم بطونُ بيوتكم، ولنا ظهورها، لا حقَّ لكم في ظهورها. ثم قال: أيُّ سكك البصرة أخوف؟ قالوا: المِربد فأمر فألقي فيه كساء خزِّ، فبقي سبعة أيام، لا يقربه أحد. ثم قال للناس: افتحوا منازلكم وحوانيتكم (99 و ظ /) فمَن ذهب له شيء فزياد له ضامن، ثم قال: إني رأيتُ، ورأينا لكم خيرٌ من رأيكم لأنفسكم.
وخطب زياد حين قدم البصرة فقال(5): أيها الناسُ، إنا أصبحنا لكم سادة(6)، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بنِعَم الله الذي خوّلنا، فلنا عليكم السمعُ والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدلُ فيما ولِّينا. فاستوجبُوا عدلَنا بمناصحتكم، واعلموا أني مهما قصّرتُ فيه فلن أقصِّرَ عن ثلاث: لست مجمراً(7)لكم بعثاً، ولا محتجباً عن طالبِ حاجةٍ معكم ولو أتاني](8)طارقاً بليلٍ، ولا حابساً لكم عطاءً، ولا رزقاً عن إبّانه، فادعوا الله بالصلاح لأتمتكم، فإنهم ساستكم المؤدِّبون، وكهفكم الذي إليه تأوون، فمتى يَصلحوا تَصلحوا(9)، ولا تُشربوا قلوبكم بغضَهم،
1) في ابن أبي الحديد: وإن راجعتني في أحد ضربت عنقك.
2) في المصدر السابق: سبعمائة.
3) في المصدر السابق: ثم لم يجيء بعدها بشيء.
4) في المصدر السابق: أحضروا إلى منازلهم شدًّا حثيثاً، وقد يترك بعضهم نعاله.
5) الخطبة هنا تكملة لخطبته البتراء في سائر المصادر.
6) في أغلب المصادر: ساسة، ولم يتفق مع هذه الرواية إلّا البيان.
7) تجمير البعث: أن يحبسهم في أرض العدو، وأن يمنعهم عن العودة إلى أهليهم.
8) انتهى هنا النقص من الأصل.
9) سقطت (تصلحوا) من ب.
فيشتدّ لذلك غيضكم، ويعول له حزنكم، ولا تُدركوا حاجتكم، مع أنه لو استجيبَ لكم فيها(1)كان شراً لكم.
أسأل الله أن يعين كلًّا على كلِّ، وإذا رأيتموني آمرُ فيكم بالأمر فانفذوه على اذلاله(2)، وأيم الله إنّ لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذَر كلُّ امرىء منكم أن يكون صرعاي.
قال: فقام إليه عبد الله بن الأهتم(3)، فقال: أشهد أيّها الأمير لقد أوتيتَ الحكمة وفصل الخطاب. قال: كذبتَ ذاك نبيّ الله داود. فقام الأحنف بن قيس فقال: أيها الأمير، قد قلتَ فأسمعتَ ووعظتَ فأبلغتَ، أيّها الأمير(4)إنما السيف بحدِّه، والفرَس بشدِّه، والرجل بجِدِّه، وإنما الثناء بعد البلاء (100 و /) والحمد بعد القضاء، ولن تُثني حتى نبتلي. فقام أبو بلال مرداس بن أديّة، وهو يهمُ ويقول: قد أنبأنا الله بغير ما قلتَ، قال الله تبارك وتعالى: (أنْ لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أخرى) فسمعها زياد فقال: يا هذا إني لا أستطيع أن أبلغَ ما تريده حتى أَخوض الدماء خوضاً(5).
قدم زيادٌ الكوفةَ، فدنوتُ من المنبر لأسمعَ كلامه، فلم أرَ أحداً يتكلم فيحسن إلّا تمنيتُ أن يسكت مخافةَ أن يسيء، غير زياد، فإنه كان لا يزداد إكثاراً إلّا ازداد إحساناً. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:(7)
إن هذا الأمرَ أتاني وأنا بالبصرة، فأردتُ أن أخرج إليكم في ألفين من شرطها، ثم ذكرت أنكم أهل حقٍّ، وأنّ الحقَّ طالما دفعَ الباطلَ، فخرجتُ إليكم في أهل بيتي،
1) في ب: فيها.
2) على أذلاله: على طرق وجوهه، واحدة ذل. بالكسر، وهو ما مهد وذلل من الطريق.
3) مر الاختلاف في اسمه.
4) سقط ما يقارب السطر من ب ابتداءَ من (قد قلت).
5) في سائر المصادر: حتى نخوض إليكم الباطل خوضاً.
6) قول الشعبي في البيان والتبيين 65/2 والطبري 221/5 مع اختلاف بسيط في بعض الكلمات.
7) الخطبة في الطبري 234/5 وفيه أنه خطبها لما مات المغيرة وجمعت العراق لزياد. وروايته فيها عن عمر بن شبة وفيها بعض الاختلاف.
فالحمد لله الذي رفع منا ما وضع الناسُ، وحفظ منا ما ضيَّعوا.
أيها الناس، إنا قد سُسنا وساسنا السائسون وجرَّبنا المجرِّبون، فوجدنا هذا الأمرَ لا يصلحه إلّا شدَّةٌ في غير عنف، ولينٌ في غير ضَعف، فلا أعلمنَّ ما أغلقنا باباً ففتحتموه، ولا حللتُ عقداً فشددتموه، وإني لا أعدكم خيراً ولا شرّاً إلّا وفيتُ به، فإذا تعلَّقتم عليّ بكذبة فلا ولايةَ لي عليكم، وإني آمركم ما آمرُ به نفسي وأهلي، فمنْ حال دون أمري ضربتُ عنقه، ألا وإني لا أهتكُ لأحدٍ منكم ستراً، ولا أطّلع لكم من وراء باب، ولا أقيل أحداً منكم عثرةً(1).
قال: فحصَبوه من كلِّ جانب (100 ظ /) فجلس على المنبر، حتى سكنوا وأمسكوا، ثم أمر الشُّرَط فأخذوا بأبواب المسجد(2)، وألقى كرسياً على بعض الأبواب، ثم عرض الناسَ أربعةً أربعة يستحلفهم، فمَن حَلف له أنّه لم يحصبه تركه، ومن أبى حبسه. قال: فقطع يومئذ أيدي(3)ثمانين إنساناً ممّن لم يحلفْ.
1) سقطت كلمة (أحداً) من ب.
2) فى ب: فأخذوا باب المسجد.
3) سقطت (أيدي) من ب.
4) سقطت (قال الزبير) من ب.
5) قول الحسن في البيان والتبيين 66/2. فابتلى لأنه أصيب بالطاعون. (انظر الطبري 289/5).
6) قول الحسن فى البيان والتبيين 66/2 أيضاً.
7) الخطبة في البيان والتبيين 145/2 والعقد الفريد 151/2 وشرح ابن أبي الحديد 816/4. مع اختلاف في الألفاظ.
القدر، وتوقيرَ ذوي الأسنان، وإني أعاهد الله لا يأتيني شريفٌ بوضيع لم يعرف له فضلَ شرفه على ضَعته إلّا عاقبته له، ولا يأتيني كهل بحدَث لم يعرف فضلَ سنه على حداثته إلّا عاقبته له، ولا يأتيني عالم بجاهل لاحاه في علمه ليهجِّنه بذلك، إلّا عاقبته، فإنما الناس بأعلامهم وعلمائهم وذوي، أسنانهم، وقد قال ذلك الأفوه الأودّي(1):
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت *** فإنْ تولَّت فبالأشرار تنقادُ
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم *** ولا سراة إذا أشرارهم سادوا(2)
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصي مَنْ آمن بالله وصدَّقني بولاية عليّ بن أبي طالب(5)، مَنْ تولّاه فقد تولّاني ومَنْ تولّاني فقد تولّى اللهَ، ومن أحبَّه فقد أحبني، ومَنْ أحبني فقد أحبَّ الله عزّ وجلّ(6).
1) شاعر جاهلي، اسمه صلاءة بن عمرو من مذحج. ترجمته في الشعر والشعراء 149 والأغاني 41/11 ومعاهد التنصيص 159/2. وقد جمع شعره الأستاذ عبد العزيز الميمني ونشره في مجموعة الطرائف الأدبية (القاهرة 1937) والبيتان في ديوانه ص 10.
2) في الديوان: إذا جهالهم.
3) الخبر في شرح ابن أبي الحديد 817/4 واسم حاجبه فيه عجلان.
4) سقطت عبارة (فإنها كانت كتاباً موقوتاً) من ب.
5) في ب: عليه السلام.
6) الحديث في ذخائر العقبى للمحب الطبري ص 95. وروايته عن عمار بن ياسر أيضاً.
172 - أخبرنا عليّ بن عبد الله بن العباس بن المغيرة الجوهري قال: حدّثنا أبو جعفر الضبعي قال: حدّثني عبد الرحمٰن بن محمد بن منصور قال: حدّثنا الحسين بن حسن الأشقم قال: حدّثني عمر بن ثابت عن محمد بن عبد الله قال: حدّثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه عن جده عمار بن ياسر قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر نحوه(1).
173 - وأخبرنا عليّ بن عبد الله قال: وحدّثنا إسماعيل بن العبّاس الورّاق قال: وحدّثني إبراهيم بن محمد بن أبي الحميم البصري الصيرفيّ بمكة قال: حدّثنا عبد العزيز بن الخطّاب قال: حدّثنا عليّ بن هاشم عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم -، وذكر نحوه(2).
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه(3).
دخل عبد الله بن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر حين رأى من الناس ما رأى من خذلانهم، فقال يا أمه خذلني الناس حتى ولدي(5)وأهلي، فلم يبقَ معي إلّا
اليسير، ممّن ليس عنده من الدفع أكثر من صبرِ ساعة، والقوم يعطونني ما أردتُ من الدنيا، فما رأيكِ؟ قالت: أنت - والله - أعلم بنفسك يا بنيّ، إن كنتَ تعلم أنك على حقٍّ وإليه تدعو فامضِ له، فقد قُتل عليه مَنْ مضى من أصحابك، ولا تمكِّن من رقبتك يتلعَّب بها غلمان بني أميّة، وإن كنتَ إنما أردتَ الدنيا، فبئس العبد أنت، أهلكتَ نفسك، وأهلكت مَنْ قُتل معك، وإن قلتَ: كنتُ على حقٍّ، فلما وهن أصحابي ضعفت نِيَّتي، فكل (101 و /) هذا ليس من فعل الأحرار، ولا أهل الدين، كم خلودك يا بنيَّ في الدنيا؟ القتلُ أحسن(1). فدنا عبد الله بن الزبير فقبَّل رأسها ثم قال: هذا والله رأيي وعزمي، والذي هممتُ به داعياً إلى يومي(2)هذا، وما ركنتُ إلى الدنيا ولا أحببتُ الحياة فيها، وما دعوتُ إلى الخروج إلّا الغضب الله أن تُستحل حُرَمُه، ولكني أحببت أن أعلم رأيك، فزدتِني قوّةً وبصيرةً مع بصيرتي(3)، فانظري يا أمه فإني مقتول من يومي هذا أن لا يشتدَّ جزعك عليّ، وسلِّمي لأمر الله، فإن ابنك لم يتعمّد إتيان منكر، ولا عمِلَ(4)بفاحشة، ولم يجُرْ في حُكم، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمَّد ظلم(5)مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني عن أحد من عمّالي سوءٌ فرضيته، بل أنكرته، ولم يكن شيءٌ عندي آثر من رضا ربّي، أللهم لا أقول هذا تزكيةً لنفسي، أنت أعلم بي ولكني أقوله تعزية لأمي لتسلو عني. فقالت أمه:
إني لأرجو من الله أن يكون عزائي عنك(6)حسناً، إنْ تقدّمتني أو تقدّمتُك، ففي نفسي حرَجٌ حتى أنظر إلامَ يصير إليه أمرك(7)؟ فقال: جزاكِ الله خيراً يا أمّه، فلا تَدعِي الدعاء قبلي وبعدي(8). فقالت: لا أدعه - إن شاء الله - أبداً، فمن قُتل على باطل، فقد
1) في أكثر المصادر السابقة: والله لضربة بالسيف في عز، أحب إليّ من ضربة بسوط في ذل، قال: إني أخاف أن يمثلوا بي، قالت يا بني إن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها.
2) في ب: قومي. تحريف.
3) في ب: بصري.
4) في المصادر الأخرى: ولا عملاً.
5) في ب: ثلم.
6) في المصادر الأخرى: فيك.
7) في ب: تقدمتك مع نفسي فاخرج حتى أنظر. تحريف.
8) في ابن أبي الحديد: لي حياً وميتاً وفي المصادر الأخرى: لي قبل وبعد.
قُتلتَ على حق. ثم قالت أللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذاك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبرَّه بأبيه وبي. اللهمّ إني سلّمتُ(1)فيه لأمرك، ورضيت بما قضيتَ فأثبني في (102 و /) عبد الله ثواب الشاكرين الصابرين.
ثم خرج عبد الله من عندها ولبس درعاً ومغفراً، فوقف عليها، ثم دنا فتناول يدها وقبَّلها، فقالت: هذا وداعٌ، فلا تبعد إلّا من النار. فقال عبد الله: إنما جئتُ مودّعاً يا أمّه، إني لأرى هذا آخر يوم من الدنيا يمرّ بي، اعلمي يا أمه: إني إنْ قُتلت فإنما أنا لحمٌ، ما يضرّني ما صُنع بي. قالت: صدقتَ. ثم قالت: يا بني أتمم(2)على بصيرتكَ، ولا تمكّن بني أبي عقيل منكَ وادنُ مني حتى أودّعكَ، فدنا منها، فعانقها، وقالت حيث وجدت مسّ الدرع: ما هذا صنيع من يريد ما تريد. فقال: ما لبستُ هذا الدرع إلّا لأشدّ منكِ. فقالت: إنه لا يشدُّ مني، بل يخالفني. فخرج ابن الزبير من عندها، فنزع درعه، وتوجّه إلى القتال وهو يقول:
إني إذا أعرف يوماً أصبر *** إذ بعضهم يعرفُ ثم يُنكر
ففهمت أمه قوله، فقالت: تصبر(3)والله - إن شاء الله - أبوك أبو بكر والزبيرُ، وأمك صفية بنت عبد المطلب. ثم لاقاهم، فحملَ عليهم غير مرة فهزمهم، حتى قُتل.
قال مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير فما مكثتْ بعده إلّا عشراً حتى توفيتْ(4).
1) في المصادر الأخرى: قد سلمته لأمرك.
2) في شرح ابن أبي الحديد: أقم.
3) في ب: نصير. تصحيف.
4) في الإصابة 225/4 عن هشام بن عروة عن أبيه أن أسماء بنت أبي بكر بلغت مائة سنة لم يسقط لها سن ولم ينكر لها عقل. وفيه أيضاً: قيل عاشت بعد ابنها عشرين يوماً وقيل غير ذلك. وقال ابن عبد البر: إنها توفيت بمكة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير بيسير، لم تلبث بعد إنزاله من الخشبة ودفنه إلّا ليالي. وقال: واختلف في مكث أسماء بعد ابنها عبد الله فقيل: عاشت بعده عشر ليال. وقيل: عشرين يوماً، وقيل بضعاً وعشرين يوماً حتى أتى جواب عبد الملك بإنزال ابنها من الخشبة. (الاستيعاب 230/4).
1) في الاستيعاب 529/18 وكان يقال لزيد بن حارثة: حب رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم. روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أحب الناس إليّ من أنعم الله عليه وأنعمت عليه) يعني زيد بن حارثة، وأخرج البخاري: وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إليّ.
2) سقطت (ابن) من (ب).
3) في الاستيعاب: شراحيل بن كعب بن عبد العزى.
4) في الاستيعاب: هكذا نسبه ابن الكلبي وغيره، وربما اختلفوا في الأسماء وتقديم بعضها على بعض وزيادة شيء فيها. وانظر المعارف 101. وابن هشام 247/1.
5) سقطت كلمة (عبد) من ب. وفي الاستيعاب: بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلت.
6) النص في الاستيعاب برواية الزبير عن المدائني عن ابن الكلبي عن أبيه عن جميل بن يزيد الكلبي وعن أبي صالح عن ابن عباس. وروى القصة ابن حجر في الإصابة عن هشام بن محمد ابن السائب بن الكلبي عن أبيه وعن حميد بن مرثد الطائي وغيرهما.
7) أي بلغ حد الخدمة.
8) كان من المؤلفة قلوبهم وشهد حنيناً وأعطى من غنائمها مائة بعير ثم حسن إسلامه، وكان من العلماء بأنساب قريش وأخبارها، مات سنة خمسين، وقيل غير ذلك. (الإصابة 348/1).
الله عليه وآله وسلم - وهبته له، فقبضه رسول الله صلى الله عليه وسلم -(1)وقد كان أبوه حارثة بن شراحيل فقده، فقال(2):
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل *** أحيٌّ فيُرجى أم أتى دونه الأجل
فواللهِ ما أدري وإن كنتُ سائلاً(3)*** أغالكَ سهلُ الأرض أم غالك الجبلْ
(103 و /)
تذكرنيه الشمسُ عند طلوعها *** وتَعرض ذكراه إذا قاربَ الطفَلْ(4)
وإنْ هبَّت الأرواح هيّجنَ ذكرَه *** فيا طول ما حُزني عليه وما وجل(5)
سأعمل نصَّ العيش في الأرض جاهداً *** ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل(6)
حياتيَ أو تأتي عليَّ منيَّتي *** وکل امریء فانٍ وإن غرَّه الأمل
سأوصي به قيساً وعمراً كليهما *** وأوصي يزيداً ثم بعدُهم جبل(7)
يعني جبلة بن حارثة أخا زيد، وكان أكبر من زيد، ويعني بيزيد أخا زيد لأمه، وهو يزيد بن كعب بن شراحيل، فحجّ أناس من كلب فرأوا زيداً فعرفهم وعرفوه. فقال:
أبلغوا أهلي هذه الأبيات، فإني أعلم أنهم قد جزعوا عليّ، فقال(8):
أحنُّ إلى قومي وإن كنت نائياً *** فإني قطينُ البيت عند المشاعر(9)
فكفّوا من الوجد الذي قد شجاكمُ *** ولا تعملوا في الأرض نصَّ الأباعر
1) سقط من ب ابتداء من (وهبته).
2) الأبيات في السيرة 248/1 والاستيعاب 527/1، وأكثر كتب تراجم الصحابة،
3) في السيرة: وإني لسائل .. أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل. ومعنى غال: أهلك.
4) في السيرة: وتعرض ذكراه إذا غربها أفل. والطفل: الشمس قرب المغيب.
5) الوجل: الخوف.
6) النص: أرفع السير.
7) لا يوجد في السيرة.
8) الأبيات في الاستيعاب أيضاً. والأول منها في الإصابة.
9) في الاستيعاب: فإني نعيد البيت عند المشاعر.
فإني بحمد الله في خير أسرة *** کرام معدٍّ كابراً بعد كابر
فانطلق الكلبيون فأعلموا أباه. فقال: ابني وربّ الكعبة ووصفوا له موضعه، وعند مَن هو، فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل لفدائه وقدِما مكة، فسألا عن النبيّ - صلى الله عليه وآله وسلم - فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن هاشم، یا ابن سيّد قومه، أنتم أهلُ حَرَم الله وجيرانُه، وعند بيته تفكُّون العاني، وتُطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، فامنن علينا وأحسِن إلينا في فدائه (103 ظ /) فإنا سنرفعُ لك في الفداء. قال مَن هو؟ قالوا زيد بن حارثة. قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فهلّا غير ذلك؟ قالوا: ما هو؟ قال: أدعوه فأخيّره(1)، فإنْ اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإنْ اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على مَن اختارني أحداً. قالا: قد زدتنا على النَصف، وأحسنتَ.
قال: فدعاه، فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم. قال: مَنْ هذا؟ قال: أبي وهذا عمّي. قال: فأنا مَنْ قد علمتَ ورأيتَ صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما. قال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت منّي بمكان(2)الأب والعمِّ.
فقالا: ويحكَ يا زيدُ، أتختار العبودية على الحريّة وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئاً، ما أنا بالذي أختار عليه أحداً أبداً.
فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ذلك أخرجه إلى الحِجر(3)، فقال: يا مَنْ حضر اشهدوا أنّ زيداً ابني يرثني وأرثه فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما فانصرفا، فدُعي: زيد بن محمد، حتى جاء الله بالإسلام.
وقال ابن عباس في الحديث: فزوّجه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - زينب بنت جحش بن رثاب الأسديّة(4)، وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، فطلقها
1) في الاستيعاب: فأخبروه.
2) في ب: مكان.
3) الحجر: حجر الكعبة، وهو ما تركت قريش في بنائها من أساس إبراهيم عَلَیه السَّلام، وحجرت على المواضع ليعلم أنه في الكعبة، فسمي حجراً لذلك. (انظر ياقوت (حجر)).
4) في ب: بنت زياد. تحريف. وهي أم المؤمنين تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم سنة خمس من الهجرة وقيل سنة ثلاث.
زيد، فتزوجها رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم -، فتكلّم المنافقون في ذلك، وطعنوا فيه، وقالوا(1): محمد يحرّم نساء الولد، وقد تزوّج امرأة ابنه زيد، فأنزل الله تعالى (وما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالِكم). إلى آخر الآية(2)، وقال تعالى: (104 و /) (وادعوهُم لآبائِهم، هوَ أقسطُ عندَ اللَّهِ)(3). فدُعي يومئذٍ: زيد بن حارثة، ودُعي الأدعياء إلى آبائِهم،. فدُعي المقداد إلى عمرو، وكان يقال له قبل ذلك: المقداد بن الأسود(4)، وكان الأسود بن عبد يغوث الزهري قد تبنّاه.
زوّج رسول الله - صلى الله عليه وآله - زيدَ بن حارثة مولاته أم أيمن(5)، فولدت له أسامة بن زيد وبه(6)كان يكنى، وكان يقال لأسامة: الحبّ ابن الحبّ، وكان زيد وصي حمزة بن عبد المطلب(7).
1) انظر ذلك في الاستيعاب.
2) سورة الأحزاب الآية 40 وتتمتها: (و ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً).
3) سورة الأحزاب الآية 5. وتتمتها: (أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم، وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمّدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً).
4) هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراني، وقيل الحضرمي. قال ابن الكلبي: كان عمرو بن ثعلبة أصاب دماً في قومه فلحق بحضرموت فحالف كندة فكان يقال له: الكندي، وتزوج هناك بامرأة فولدت له المقداد فلما كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمرا بن حجر الكندي فضرب رجله بالسيف وهرب إلى مكة فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهري وكتب إلى أبيه فقدم عليه فتبّنى الأسود المقداد فصار يقال: المقداد بن الأسود وغلبت عليه واشتهر بذلك فلما نزلت (وادعوهم لآبائهم) قيل له: المقداد بن عمرو. (الإصابة 433/3).
5) هي مولاة النبي صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، وحاضنته، اسمها بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أم أيمن أمي بعد أمي. (الإصابة 415/4).
6) سقطت (وبه) من ب.
7) كان وصيه لأن رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم آخى بينهما، فأوصى إليه حمزة يوم أحد حين حضره القتال إن حدث به حادث الموت. انظر ابن هشام 505/1).
لما هاجر زيد بن حارثة إلى المدينة نزل على كلثوم بن الهِدْم.
قال الواقدي: وأمّا عاصم بن عمرو بن قتادة فقال: نزل على سعد بن خيثمة(1).
صلى عمار بن ياسر بأصحابه صلاة أوجز فيها، فقيل له: يا أبا اليقظان خففتَ. قال: أمّا على ذلك لقد دعوتُ بدعوات سمعتهن من رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: فقام رجل فاتّبعه فسأله عن الدعاء، فقال: اللهمّ بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحيّني ما علمتَ الحياة خيراً لي، وتوَفَّني ما كانت الوفاة خيراً لي، أللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحكم(3)في الغضب (104 ظ /) والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا يبيد، وأسألك قرة عينٍ لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك بردَ العيش بعد الموت، وأسألك لذَّة نظرٍ إلى وجهك، وأسألك الشوقَ إلى لقائك في غير ضرّاء مضرّة، ولا فتنة مضلة، اللهمّ زيّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداةً مهتدين.
خرج الوليد بن عبد الملك حاجًّا سنة أربع وسبعين(5)، وهو ولي عهد، فدخل
1) في ابن هشام 478/1 أن زيداً وحمزة وأبا مرثد ومرثداً وأنسة وأبا كبشة نزلوا على كلثوم بن هدم أخي بني عمرو بن عوف بقباء. ويقال: بل نزلوا على سعد بن خيثمة.
2) الحديث في الجامع الصغير 61/1.
3) في الجامع: الإخلاص.
4) في ب: خالد.
5) في الطبري 321/6: إن الوليد حج سنة ثمان وسبعين وكان أمير المدينة في تلك السنة أبان بن عثمان، فربما تكون الأربعة محرفة عن ثمان. إذ المعروف أن جابر بن عبد الله الذي ذكر في هذا الخبر أن الوليد وجده قد توفي قبل قدومه بشهر أجمعت المصادر أنه توفي في سنة ثمان وسبعين. (الاستيعاب 223/1 والإصابة 1 / 215 والعبر 89/1 والشذرات 85/1).
المدينة فنزل في دار مروان، فسأله: من بقي من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقيل: سهل بن سعد الساعدي(1). فأرسل إليه، فأتاه، فرحّب به، وأمر له بمائتي دينار، وسأل عن جابر بن عبد الله(2)، فأخبر أنه توفي قبل قدومه بشهر، فترحّم عليه وأمر لأناس من المدينة(3)بزيادات في دواوينهم، وقسمَ قسماً ليس بالكثير، وبعث إلى أبان بن عثمان(4)، وهو عامل على المدينة فقال: من أين أحرم؟ قال: من ذي الحُلَيفة(5)، من باب المسجد. فأرسل الوليد إلى سعيد بن المسيب، فقال: أحرم من البيداء(6)، وساق بُدناً وأهلَّ بالحج منفرداً، وجلّل بدنه اليُمنة والقباطيَّ، وسار من ذي الحُليفة حتى انتهى إلى بطن مَرِّ، فاستقبله وجوه أهل مكة، فقال: ما منعكم أن تستقبلوني بعُسفان؟ فتعذّروا إليه ببعض ما يتعذّر به الناس، (105 و /) فلم يقبل ذلك، وقال: لو كانت فتنة لكنتم إليها سِراعاً، خالفتم وشققتم العصا، ونازعتم الأمر أهله تسع سنين، ثم ولّى أمير المؤمنين، فصفح عنكم، وتجاوز عن مسيئكم، فلم تشكروا ذلك، ولم تعرفوا قدْرَ ما فعل بكم. فقال الحارث بن الله بن أبي ربيعة: أصلح الله الأمير، إنهم قومك وعشيرتك، وليس كلهم على خِلافِك، بل أكثرهم معك وإليك، ولكنهم غُلبوا وقُهروا، فما(7)يقدرون على غير عبد ما
1) أبو العبّاس سهل بن سعد الساعدي الأنصاري، توفي سنة إحدى وتسعين، وقد قارب المائة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة. (العبر 106/1).
2) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي الأنصاري، توفي سنة ثمان وسبعين وهو آخر من مات من أهل العقبة، وعاش أربعاً وتسعين سنة، وكان كثير العلم، من أهل بيعة الرضوان. (العبر 88/1).
3) في ب: من بيته.
4) أبان بن عثمان بن عفان الفقيه، كان مجتهداً يحمل عنه الحديث توفي سنة خمس ومائة. (الشذرات 132/1).
5) ذو الحليفة: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة ومنها ميقات أهل المدينة.
6) البيداء: أرض ملساء بين مكة والمدينة. إمام ذي الحليفة.
7) في ب: بما. تحريف.
صنعوا. فقال الوليد: ما أعرفني بطاعتك وطاعة مَنْ كان مثلك؟ فقال الحارث: فنحن على ما يحبُّ الأمير، قدم حاجًّا متبرّراً معظماً لهذا البيت في الشهر الحرام، فإن رأى الأمير أن يُعرض عن هذا فعل، ويقبل عليهم بوجهه، فإنّ(1)أميرَ المؤمنين عنده احتمالٌ لهذا، واتساع. قال: افعل، فأقبل عليه، وبلغ عبد الملك ماصنع بهم قبل أن يصل إليه، فكتب إليه، كتاباً وهو بالطريق يؤنّبه ويقول: ما كان حقك أن تفعل هذا بهم، وقد رأيتني صفحتُ عنهم، وأنا المرادُ بهذا، وأنت لك العهد، ولأخيك من بعدك(2)، وكان حقُّك أن تلينَ(3)الهم وتقرِّبهم، وتقبلَ عذرهم(4). لَعمري إنّ هذا لموضوعٌ عنهم، وقد رأيتُ أمير المؤمنين معاوية، وقبلك أبي - رحمه الله - وهو والٍ على المدينة ما يستقبلونه إلّا بذي طُوى وشبهها واشتدّ ذلك على عبد الملك، واغتمّ به.
لما استوى (105 ظ /) الصفَّان بالنهروان(5)، تقدمَ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - عليه السلام - بين الصفَّين ثم قال(6): أما بعدُ: أيتها العصابةُ التي أخرجتها عادةُ المِراء والضلالة، وصدفَ بها عن الحقّ الهوى والزيغ، إني نذيرٌ لكم أن تُصبحوا غداً صرعی(7)بأكناف هذا النهر أو بملطاط من الغائط(8)، بلا بيِّنةٍ من ربِّكم، ولا سلطان مبين. ألم أنهكم عن هذه الحكومة وأحذِّركموها، وأعلمكم أن طلب
1) في ب: قال. تحريف أيضاً.
2) في ب: من بعدي.
3) في الأصل و ب: تكين. والتصويب من هامش الأصل.
4) في ب: وتقتل عدوهم.
5) النهروان: بفتح النون. وقال ياقوت: وأكثر ما يجري على الألسنة بكسر النون. وهي بين بغداد وواسط حدثت فيها الوقعة بين الإمام علي رضي الله عنه والخوارج.
6) الخطبة في الطبري 84/5 وشرح نهج البلاغة 458/1 والإمامة والسياسة 109/1 والمستدرك على نهج البلاغة ص 68. مع بعض الاختلاف في الألفاظ.
7) في المصادر الأخرى: تصبحوا تلفيكم الأمة غداً صرعى بأثناء هذا النهر.
8) في المصادر الأخرى: وبأهضام هذا الغائط. والغائط: المطمئن الواسع من الأرض. وكذا الملطاط.
القوم(1)لها دَهنٌ منهم(2)ومكيدة، فخالفتم أمري، وجانبتم الحزم، فعصيتموني حتى أقررتُ بأن حكمتُ، وأخذت على الحكمين، فاستوثقتُ وأمرتهما أن يحييا ما أحيا القرآن، ويميتا ما أمات القرآن، فخالفا أمري، وعملا(3)بالهوى، ونحن على الأمر الأول، فأين تذهبون، وأين يُتاه بكم؟ فقال خطيبهم: أما بعدُ: يا عليّ فإنا حين حكّمنا كان ذلك كفراً منا، فإنْ تُبتَ كما تبنا، فنحن معك ومنك، وإن أبيتَ فنحن منابذوك على سواء، إنّ الله لا يحبُّ الخائنين(4). فقال علي: أصابكم حاصب(5)، ولا بقي منكم وابر(6)، أبعدَ إيماني بالله، وجهادي في سبيل الله، وهجرتي مع رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - أقرُّ بالكفر؟! لقد ضللتُ إذا وما أنا من المهتدين. ولكنْ مُنيتُ بمعشر أخفّاء الهامِ، سفهاء الأحلام، والله المستعان. ثم حمل عليهم فهزمهم.
حجّ عُتبة بن أبي سفيان(7)سنة إحدى وأربعين، والناسُ (106 و /) قريب عهدٍ بالفتنة، فصلّى بهم الجمعة، ثم قال: أيها الناس، إنا ولِينا هذا المقام الذي يُضاعَف فيه للمحسن الأجرُ، وللمسيء الوزْرُ، ونحن على طريقٍ ما قصَدنا، فلا تمدّوا الأعناق إلى غيرنا، فإنها تَقطَّع دوننا، ورُبَّ متمنٍ حتفُه في أمنيته، فاقبلوا العافية منّا ما قبلناها منكم، وإياكم وقول لوْ، فإنها قد أتعبت مَنْ كان قبلكم، ولن تريح مَنْ بعدَكم، وأنا أسأل الله أنْ يُعين كلّاً على كلٍّ برحمته. قال(8): ففتقَ به أعرابيٌّ من ناحية المسجد فقال: أيها الخليفة. قال: لستُ به ولم تُبعد. قال: يا أخاه. قال: قد سمعتُ فقل.
1) في ب: بها.
2) في الأصل و ب: وهن. وما أثبتناه عن المصادر الأخرى أحسن. ودهن: نفاق ومداراة.
3) في ب: وغلا بالهوى.
4) من قوله تعالى: (وأمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إنّ الله لا يحب الخائنين).
5) الحاصب: الريح الشديدة التي تثير الحصباء والحصى.
6) وابر: أحد. يقال ما بالدار وابر، أي ما بها أحد.
7) أخو معاوية، وكان خطيباً فصيحاً. قيل: إنه لم يكن في بني أميّة أخطب منه، شهد الجمل مع عائشة رضي الله عنها وولاه معاوية مصر (المعارف 345).
8) قول الأعرابي في البيان والتبيين 089/4
[قال:](1)والله لئن تُحسنوا وقد أسأنا خيرٌ من أن تُسيئوا وقد أحسنا، فإن يكن الإحسان منكم فما أحقكم باستتمامه، وإنْ كان منّا فما أحقَّكم بمكافأتنا. [قال له عتبة: من أنتَ؟ قال](2): رجلٌ من بني(3)عامر بن صعصعة يلقاكم بالعمومة، ويختصُّ إليكم بالخؤولة، وقد كثر عياله ورقَّ حاله، ووطئه دهرٌ، وبه فقرٌ، وفيه أجرٌ، وعنده شكرٌ. فقال عتبة: أستغفر اللهَ منك وأستعينه عليك، فقد أمرتُ لك بغِناك، فليت إسراعي إليك يقوم بإبطائي عنك.
أن أنساً(5)لما دخل على الحجّاج فقال(6)له: يا خبثةٌ، شيخاً جوّالاً في الفتن، مع أبي تراب(7)مرة، ومع ابن الزبير أخرى، ومع ابن الأشعث(8)مع مرة، ومع ابن الجارود(9)أخرى، أما - والله - لأجردنك جرد الضبِ.(10)(106 ظ /) ولأقلعنك قلعَ
1) ما بين الحاصرتين تكملة من ب والمصادر الأخرى.
2) سقطت عبارة: (قال له عتبة: من أنت؟ قال:) من الأصل وجميع المصادر الأخرى وأكملتها من ب.
3) سقطت (بني) من ب.
4) أبو الحسن عليّ بن زيد بن زهير بن أبي مليكة بن جدعان القرشي، أحد علماء التابعين، روى عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، توفي سنة 131. (ميزان الاعتدال 408/1).
5) أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، أبو حمزة خادم الرسول صلَّی الله علیه وآله وسلَّم شهد معه الحديبية والفتح وحنيناً والطائف، وكان آخر من بقي في البصرة من الصحابة توفي سنة 95. (الإصابة 84/1).
6) النص في البيان والتبيين 385/1 وفيه: قال الحجّاج لأنس بن مالك، حين دخل عليه في شأن ابنه عبد الله، وكان خرج مع ابن الأشعث وهو في العقد الفريد أيضاً 14/3 الأزهرية.
7) أبو تراب: كنية الإمام علي رضي الله عنه كنّاه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. (انظر ابن أبي الحديد 11/1).
8) عبد الرحمٰن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، خرج على الحجّاج من سجستان العراق سنة 81. وفي البصرة بايعه على حرب الحجّاج جميع أهلها وخرج معه القراء والعلماء. قتل سنة 83. المعارف 334 والعبر 96/1).
9) هو المنذر بن الجارود العبدي، ولد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولّاه علي رضي الله عنه اصطخر، وقد شهد الجمل معه، وولاه عبيد الله بن زياد في أمرة يزيد بن معاوية الهند، فمات هناك سنة 61. (الإصابة 458/3).
10) الجرد السلخ، لأن الضب إذا شوي جرد من جلده.
الصمغة(1)، ولأحزمنك حزم السَّلَمة(2)، العجبُ من هؤلاء الأشرار، أهل البخل والنفاق.
قال عليّ بن زيد: فقال أنس لمّا خرج واللهِ لولا ولدي لأجبتُه، ثم كتب إلى عبد الملك بما كان من الحجّاج إليه، فكتب إليه عبد الملك كتاباً مع إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر(3)، مولى بني مخزوم، فقدم على الحجّاج فبدأ بأنس فقال: إنّ أميرَ المؤمنين قد أكبر ما كان من الحَجّاج إليك، وأعظم ذلك، وأنا لك ناصح، إنّ الحجّاج لا يعدلُه أحد عند أمير المؤمنين وقد كتب إليه أنْ يأتيك، وأنا أرى لك أن تأتيه فيعتذر إليك، فتخرج من عنده وهو لك معظّمٌ، وبحقّك عارف.
قال: نعم. ثم أتى الحجّاج، فأعطاه كتاب عبد الملك فجعل يقرؤه ووجهه، تغيَّر فأقبل يمسح العرقَ عن وجهه ويقول: غفر اللهُ لأمير المؤمنين، ما كنتُ أراه يبلغ مني هذا.
قال إسماعيل: ثم رمى الكتاب إليّ، وهو يظنُّ أني قد قرأتُ ما فيه، ثم قال: قم بنا إلى أنس. فقلتُ: بل يأتيك. فأتيت أنساً، فقلت: اذهب بنا إليه، فأتاه، فرحّب به، ثم قال: عجلتَ باللائمة يا أبا حمزة(4)
، إنّ الذي كان مني إليك على غير تأنيةٍ، ولكنّ أهل العراق لا يحسّون الله عليهم سلطاناً يقيم حجّته، ومع هذا إني أردتُ أنْ يعلم منافقو أهل العراق، وفُسّاقهم أنى متى أقدمتُ عليك، فهم عليّ أهونُ، وأنا إليهم أسرعُ، ولك العُتبى والكرامة، فقال أنس: ما عجلتُ باللائمة حتى تناولنا العامةُ دون الخاصّة (107 و /) وحتى سمّيتنا الأشرار، وقد سَمّانا اللهُ الأنصار، وزعمتَ أنّا أهل بُخلٍ، ونحن المؤثِرون على أنفسهم، وزعمتَ أنا أهل النفاق ونحن الذين تبوَّؤا الدار والإيمان، وزعمتَ أنك اتخذتني ذريعةً لأهل العراق، باستحلالك مني ما حرّم الله عليك، وبيننا وبينك حَكَمٌ هو أرضى للرضا وأسخط للسخط، إليه ثواب العباد،
1) لأن الصمغة اليابسة إذا قلعت عن الشجرة انقلعت انقلاع القشرة التي تعلو الجرح عند البرء. انظر البيان والتبيين 336/1.
2) السلم: شجر.
3) إسماعيل بن عبد الله مؤدب أولاد عبد الملك وكان زاهداً عابداً. (الشذرات (181/1).
4) في الإصابة 1/ 84 أن النبي صلَّی الله علیه وآله وسلَّم كناه أبا حمزة ببقلة كان يجتنيها.
وجزاء أعمالهم (ليجزيَ الذينَ أساءوا بما عمِلوا ويجزيَ الذينَ أحسنوا بالحُسنى)(1)فوالله إن النصارى - على شِركهم - لو رأوا رجلاً قد خدم عيسى يوماً واحداً، لأكرموه وأعظموه، فكيف ولم تحفظ لي خدمةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرَ سنين(2)! فإن لم يكن منك إحسانٌ شكرنا ذلك، وإنْ يكُ غير ذلك صبرنا إلى أن يأتي الله بالَفرج.
قال(3): وكان كتاب عبد الملك إلى الحجّاج: أما بعدُ: فإنك عبدٌ قد طمت به الأمور حتى(4)عدوتَ طوركَ، وأيم الله، يا ابن المستفرمة(5)بعجَم الزبيب(6)، لقد هممتُ أن أضغمك ضغمةً كبعض ضغمات الليوث الثعالب(7)، وأخبطك خبطةً تودُّ أنك زاحمتَ مخرجك من بطن أمّك، قد بلغني ما كان منك إلى أنس، وأظنك أردتَ أن تخبر أمير المؤمنين، فإن كان عنده غيره، وإلّا مضيت، قُدماً، فلعنة الله عليك، أخفش العينين(8)، ممسوحَ الجاعرتين(9)، حمسَ(10)الساقين، كأنك نسيت مكاسب آبائك بالطائف، وما كانوا عليه من الدناءات واللؤم، إذ يحفرون الآبار في المناهل بأيديهم وينقلون الحجارة (107 ظ /) على ظهورهم، فإذا أتاك كتابي فالقَ أنساً في منزله، واعتذر إليه، ولولا أنّ أمير المؤمنين يظن أنَّ الولد والكتب كثّروا على الشيخ لقد بعث إليه من يسحبك ظهراً لبطنٍ، حتى يأتي بك أنساً فيحكمَ فيك، ولن يخفى على أمير المؤمنين نبؤك و (لكل نبأٍ مستقرٌّ وسوف تَعلمون)(11)فلا تخالف كتاب
1) سورة النجم آية 31.
2) في ب: عدد سنين. وفي الإصابة: قيل لأبي عاليه: أسمع أنس من النبي صلَّی الله علیه وآله وسلَّم؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبي صلَّی الله علیه وآله وسلَّم.
3) الرسالة في جمهرة رسائل العرب 246/2 مع اختلاف يسير في في الألفاظ.
4) سقطت (حتى) من ب.
5) المستفرمة: المرأة تستعمل دواء تتضيق به.
6) عجم: نوی.
7) في الجمهرة: لأغمزنك كبعض غمزات الليوث الثعالب. وضغم: عضّ.
8) أخفش العينين: الذي في عينيه ضيق، وضعف في البصر خلقة.
9) الجاعرتين: هما لحمتان تكتنفان أصل الذنب في الحيوان.
10) حمس الساقين: مهزولهما.
11) سورة الأنعام آية 67.
أمير المؤمنين، وأكرم أنساً وولده، وإلّا بعثتُ إليك من يهتك سترك، ويشمتُ بك عدوّك، والسلام.
قدم علينا سليمان بن عبد الملك حاجًّا سنة اثنتين وثمانين، وهو ولي عهد، فمرَّ بالمدينة، فدخل عليه الناس، فسلَّموا عليه، وركب إلى مشاهد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - التي صلَّى فيها، وحيث أصيب أصحابه بأُحد، ومعه أبان بن عثمان، وعمرو بن عثمان(1)، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي أحمد، فأتوا به قُباء(2)ومسجد الفضيخ(3)، ومشربة أم إبراهيم، وأحد، وكل ذلك يسألهم، ويخبرونه عمّا كان. ثم أمر أبان بن عثمان أن يكتب له سِيَر النبيّ - صلى الله عليه وآله وسلم - ومغازيه، فقال أبان: هي عندي، قد أخذتها مصَححة ممّن أثقُ به. فأمر بنسخها وألقى فيها [إلى](4)عشرةٍ من الكُتَّاب، فكتبوها في رِقّ، فلما صارت إليه نظر فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين، وذكر الأنصار في بدر، فقال: ما كنتُ أرى لهؤلاء القوم هذا الفضلَ (108 و /). فإمّا أنْ يكون أهل بيتي غمصوا عليهم، وإمّا أن يكونوا ليس هكذا. فقال أبان بن عثمان: أيّها الأمير لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم من خذلانه، إنَّ القول بالحق: هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا. قال: ما حاجتي إلى أنْ أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين، لعلّه يخالفه، فأمر بذلك الكتاب فحُرِّق. وقال أسأل أمير المؤمنين إذا، رجعتُ فإن يوافقه، فما أيسر نسخه، فرجع سليمان بن عبد الملك فأخبر أباه بالذي
1) سقط (عمرو بن عثمان) من ب. وهو عمرو بن عثمان بن عفان وكان أسن ولد عثمان وأشرفهم عقباً، هلك بمنى. (المعارف 191).
2) قباء: قرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة. وعندها بني أول مسجد في الإسلام. (ياقوت).
3) الفضيخ: (مسجد الشمس) يقع شرقي مسجد قباء في الشمال الشرقي لقرية العوالي، ويبعد عن المسجد النبوي بنحو ثلاثة أكيال. (المغانم المطابة 458).
4) تكملة لتمام المعنى.
كان من قول أبان، فقال عبد الملك: وما حاجتك أنْ تَقدم بكتابٍ ليس لنا فيه فضل، تُعرِّف أهلَ الشام أموراً لا نريد أن يعرفوها. قال سليمان: فلذلك يا أميرَ المؤمنين أمرتُ بتخريق ما كنتُ نسخته حتى أستطلع رأيَ أمير المؤمنين. فصوّب رأيه. وكان عبد الملك يثقل عليه ذلك، ثم إنّ سليمان جلس مع قبيصة بن ذؤيب(1)، فأخبره خبر أبان بن عثمان، وما نسخ من تلك الكتب، وما خالف أمير المؤمنين فيها، فقال قبيصة: لولا ما كرهه أمير المؤمنين لكان من الحظِّ أن تَعلَمها وتُعلِّمها ولدكَ وأعقابهم، إن حَظَّ أمير المؤمنين فيها لوافر، إن أهل بيت أمير المؤمنين لأكثر مَن شهد، بدراً، فشهدها من بني عبد شمس ستة عشر رجلاً من أنفسهم وحلفائهم ومواليهم(2)، وحليفُ القوم منهم، ومولى القوم منهم(3). وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وآله - (108 و /) وعمّاله من بني أميّة أربعة(4): عتّاب بن أسيد على مكة، وأبان بن سعيد على البحرين، وخالد بن سعيد على اليمن، وأبو سفيان بن حرب على نجران، عاملاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكنّي رأيتُ أمير المؤمنين كره من ذلك شيئاً، فما كرهَ فلا تُخالفه. ثم قال قبيصة: لقد رأيتُني وأنا وهو - يعني عبد الملك - وعدّةً - من أبناء المهاجرين، ما لنا علمٌ غير ذلك حتى أحكمناه، ثم نظرنا بعدُ في الحلال والحرام. فقال سليمان: يا أبا إسحق، ألا تخبرني عن هذا البغض من أمير المؤمنين وأهل بيته لهذا الحيّ من الأنصار وحرمانهم(5)إيَّاهم لِمَ كان؟ فقال: يا ابن أخي، أول من أحدثَ ذلك معاوية بن أبي سفيان، ثم أحدثه أبو عبد الملك، ثم أحدثه أبوك. فقال: علامَ ذلك؟ قال: فواللهِ ما أريد به إلّا لأعلمه وأعرفه.
فقال: لأنهم قتلوا قوماً من قومهم وما كان من خذلانهم عثمان - رضي الله عنه
1) هو أبو إسحق قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي، كان على خاتم عبد الملك بن مروان، وكان الزهري يروي عنه، وهو الذي أدخل الزهري على عبد الملك فوصله وفرض له. توفي بالشام سنة ست وثمانين أو سبع وثمانين. (المعارف 447 وانظر الطبري 43/6 أو 180 ومواضع أخرى).
2) انظر فيمن شهد بدراً من بني عبد شمس وحلفائهم ومواليهم ابن هشام 678/1.
3) سقط (ومولى القوم منهم) من ب.
4) انظر هذا الخبر في أنساب الأشراف 529/1 أيضاً.
5) في ب: حرمناهم. تحريف.
بلغني أن معاوية قال لعمرو بن (109 و /) العاص: إنّ الناس قد رفعوا أعينهم، ومدُّوا أعناقهم إلى بني عبد المطلب، فلو نظرنا إلى رجل منهم فيه لُوْثةٌ فاستملناه، فقال عمرو: عندك عقيل بن أبي طالب. فلما أصبح واجتمع الناس، دخل عليه عقيل فقال له(1): يا أبا يزيد(2)أنا خيرٌ لك أم عليٌّ؟ قال: أنت خيرٌ لنا من عليٍّ، وعليٌّ خيرٌ لنفسه منك(3)
وفي عيون الأخبار: إن أخي خير لنفسه وشر لي، وإن معاوية شر لنفسه، وخير لي.
. فضحِك معاوية، فضحِك عقيل. فقال له: ما يضحكك يا أبا يزيد؟قال: أضحك أني كنتُ أنظر إلى أصحاب عليّ يوم أتيتُه، فلم أرَ معه إلّا المهاجرين والأنصار وأبناءَهم والتفتُ الساعةَ فلم أرَ إلّا أبناء الطلقاء، وبقايا الأحزاب. فقال معاوية(4): يا أهل الشام، هل تدرون مَن هذا؟ قالوا: لا. قال أسمعتم قولَ الله عزّ وجلّ (تَبَّت يدا أبي لهبٍ) قالوا: نعم. قال: فإنه - والله - عمُّ هذا. قال عقيل: صدق - والله - أميرُ المؤمنين. فهل قرأتم في كتاب الله تعالى: (وامرأتُه حّمَّالَة الحَطب)(5)فهي - والله فهي - واللهِ - عمّة معاوية(6).
1) قول معاوية وجواب عقيل في البيان والتبيين 326/2 وعيون الأخبار 197/2.
2) أبو يزيد، كنية عقيل بن أبي طالب.
3) في البيان والتبيين: أخي خير لي في ديني، وأنت خير لي في دنياي.
4) انظر هذا النص في المصدرين السابقين. وبعضه في ذخائر العقبى للمحبّ الطبري 222.
5) سورة المسد آية 4.
6) إن حمالة الحطب التي يشير إليها تعالى هي، أم جميل امرأة أبي لهب وهي بنت حرب. (انظر عيون الأخبار (197/2).
فقال له معاوية: الحقْ بأهلك، حسبنا ما لقينا من أخيك. قال له عقيل: أمَا - والله - لقد تركتُ مع علي الدينَ والسابقة، وأقبلتُ إلى دنياك، فما أصبت دينه ولا نلت من دنياك طائلاً. فأعطاه وأكثر له. قال: فدعا معاوية عمرو بن العاص فقال: ويحكَ يا عمرو، هذا الذي زعمتَ أنه أهوج بني عبد المطلب؟!
قال: ما ذنبي يا أميرَ المؤمنين، ما علمتُ منه إلّا ما تعلمُ. فقال معاوية في ذلك:
ألا يا عمرو عمرو قبيل سهمٍ *** لقد أخطأتَ رأيك في عقيل
(109 ظ /)
بُليت بحيّة صمّاء بانت *** تلفتُ أين ملتَمس القبيل(1)
بعينٍ تنفذ البيداء لحظاً *** ونابٍ غير موصول(2)کلیل
وقد كانت ترجّمه قریش *** على عمياءَ من قالٍ وقيل
ألا للهِ درُّ أبي يزيد *** لهرج الأمر والخطب الجليل
فما خاصمتُ مثلك من خصيمٍ *** ولا حاولتُ مثلك من حويل
أتاني زائراً ورأى عليّاً *** قليل المال منقطع الخليل
فقيل له معاويةُ بن حرب *** فمال أبو يزيد إلى مُميل
فأجزلت العطاء له ودبّت(3)*** عقاربه لسالفةِ الدخول
فلم يرضَ الكثير وقد أراه *** سخوطاً للكثير وللقليل
فرجع عقيل إلى عليّ فأخبره الخبر، فقال: كان في نفس معاوية شيء فما أحبّ أنك لم تأته، فقد انقطع ظهر من بني عبد المطلب.
اجتمع شريك(1)، والقاسم(2)بن معن عند أمير المؤمنين المهديّ، فقال لهما: ما تقولان في رجل رمى رجلاً بسهم فقتله؟ فقال شريك: يُقتل كما قَتل. فقال القاسم: ليس كما تقول. فقال شريك أليس يقول الله - عزّ وجلّ - (وإنْ عاقبتم فعاقِبوا بمثلِ ما عُوقبتم بهِ)(3)فقال: بلى. فقال: لمَ تَموقُ إذاً؟ قال: يا أبا عبد الله لو جاريناك لسبقتنا سَبقاً بعيداً. ثم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لا قوَد إلّا بالسيف(4)(110 و /) ونهى عن المُثلة(5). ثم قال لشريك: أرأيت لو رماه بسهمٍ فلم يقتله ثم ثنّى فلم يقتله، ثم ثلّث، أليس كانت تكون مُثلة؟ فصمت شريك.
قال المنصور لإسحاق بن مسلم العقيليّ(6): ما بقي من لذتك؟ قال: أخ أشتهي معه العَلَّة طول الليل، ودابة أشتهي معها طول السفر.
لمّا ولى الحسنُ بن زيد(7)المدينةَ منع النساء من المسجد والخروج إليه في شهر رمضان إلّا العجائز، وإنّ امرأة جاءت إلى المسجد تريد أنْ تدخل بين العجائز
1) هو القاضي أبو عبد الله شريك بن عبد الله النخعي، كان محدثاً فقيهاً. توفي سنة 133. (انظر الشذرات 287/1 والبغدادي 279/9).
2) هو القاضي أبو عبد الله القاسم بن معن بن عبد الرحمٰن الهذلي المسعودي كان أروى الناس للحديث والشعر وأعلمهم بالعربية والفقه توفي سنة 136. (الشذرات 286/1 وتهذيب التهذيب 338/8).
3) سورة النحل آية 126.
4) الحديث في الجامع الصغير 195 وابن ماجة 889/2.
5) المثلة: القتل بقود. والقود القصاص.
6) كان قد ولّاه مروان بن محمد على أرمينية، وحين بلغه هزيمة مروان تركها فرأسه أهل الجزيرة عليهم، وقد حاصره المنصور سبعة أشهر، وكان يقول في عنقي بيعة، فأنا لا أدعها حتى أعلم أن صاحبها قد مات أو قتل، وحين علم بمقتل مروان طلب الصلح، فأمنه المنصور وصار معه، وصار عظيم المنزلة عنده من قواده الكبار. (انظر الطبري 446/7).
7) في ب: الحسين تحريف وهو الحسن بن يزيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ولّاه المنصور المدينة. توفي سنة 168. (الشذرات 265/1 وانظر في ولايته المدينة الطبري 32/8).
ففطن لها شرطيٌّ فأخرجها وضربها ضرباً وجيعاً، وخرق طيلساناً كان عليها لزوجها لبسته سراً منه، فانصرفت وهي أخزى من التي باعت قميصها واشترت به هرّة، فلما أصبحت جاءت إلى حوّاء في المدينة، وأعطته درهماً، وقالت له: أطلب لي عشرَ عقارب حريّاتٍ سموميات(1)، والحريات هي أخبث ما تكون من العقارب، فجعلتْها في دُرج، وذرّت عليها ذريرةً ممسكة، فلما كان الليلُ جاءت إلى ذلك الباب بعينه، وقد عرفت الرجل فدنت منه، وقالت يا أخي،هذا المجمَر جئتك به فخذه فدخّن(2)به لهذا العيد، واتركني حتى أدخل وأصلّي هذه الليلة العظيمة، يأجُرك الله - جلّ ثناؤه - فأخذ الدرج منها، وأدخلها، ودسّه في حجرته، ثم أعجله الطمع حتى يعلم ما فيه، وفتح الدرج، فذهب ليشمّ ما فيه، فضربَ بعضُ العقارب أنفه ضربةً، فطار من عينيه مثل (110 و /) النار، وسقط، وانتثرت على جسده فليس منهن إلّا وقد لسعته، مرات، وصاح: الموت أدركوني. فابتدره الناس، فإذا جسده ينتغش عقارب. وبلغ الحسن بن زيد خبره. فقال: ما قصتك؟ فلم يقدر على الكلام. فلما أفاق سأله، فأراد كتمان الخبر، فقال: لن ينجيك منّي إلّا الصدق فأخبره فضحك، وقال: لو علمتُ أين هذه المرأة لأمرت لها بألف درهم، وجدتُها - والله - حرّة، وأمر له بصِلة.
جاء مزيد بامرأته إلى القاضي يخاصمها في نفقتها، فبكت حين جلست، فقال له القاضي: ويحك(3)، اتق الله، فإني لأحسبك(4)ظالماً. قال: وبأي شيء عرفتَ ذاك؟
قال: لم تبكِ هذه المرأة من خير.
قال: فقد جاء إخوة يوسف عشاءً يبكون، فكانوا ظالمين أو مظلومين؟
قال: فهي تشكو أنك قد(5)أجعتها.
قال: فأرسل إلى منزلها فإن لم تجد فيه خبزاً قد يبسته فصدقت. قالت: أما خبز فعندي خبز، ولكن لا يشتري لي سويقاً. قال: أنظر تطلب مني السويق مع الخبز، وقد حبس أبو جعفر العطاء ومنع البحر، وهي طالق ثلاثاً ألبتةَ، لئن عاش أبو جعفر خمس سنين إن لم تنس صنعةَ السويق، فلا تُحسنه. فتوفي أبو جعفرمن يوم لثلاث سنين حلف بطلاقها، فأتت به القاضي فقالت: حلف بطلاقي إن مات أبو سنين جعفر لتنسينَّ عمل السَويق، فلم أنسه. قال: إنما حلفتُ إن عاش خمس سنين.
قال القاضي: ترانا نسينا عمل السَويق في سنتين. قال: فإني على هذا حلفتُ. فما يدريكم لعلكم (111 و /) تنسون أو لعلكم تموتون. فلم يرَ عليه طلاقاً(1).
ماتت أختٌ لعمر بن عبد العزيز، قال فشهدها الناس وانصرفوا معه إلى منزله، فلما صار إلى بابه أخذ بحلقة الباب، ثم قال: انصرفوا أيها الناس مأجورين، أدّى اللهُ عنكم، فإنا أهل بيت لا نعزَّى في أحد من النساء إلّا في اثنتين: أمٌّ لواجب حقها، وما فرض الله من برِّها، وامرأة للُطف موضعها، وإنه لا يحل محلها أحدٌ(2).
كان في ديوان الرسائل أربعة نفر من الكتّاب الشاميين، فلما ولي سعدان بن يحيى(4)كاتب أم جعفر ديوان الرسائل أتاه جارٌ(5)له في ابن له يقال له: حفص بن عمر، فسأله أن يلزمه ديوان الرسائل ليتعلَّم فمكث وحفص يختلف إلى الديوان، ويخدم أولئك الشاميين، ويخفُّ لهم، ويمثِّلون له الخطَّ حتى تعلم،
1) انظر أخبار القضاة 321/2 حيث أورد بعض هذه القصة في فضاء شريح برواية الشعبي.
2) النص في العقد الفريد 36/2 و 280. مع اختلاف بسيط.
3) الشاعر العباسي أبو نواس.
4) كان سعدان من كتاب العصر العباسي الأول في خلافة الرشيد، وكان يكتب لأم جعفر، كما كان يكتب لجعفر أيضاً، وقد تولى ديوان الرسائل. (الوزراء والكتاب 256).
5) في ب: جاراً. تحريف.
وحرَّر(1)، فقال عمر لسعدان: إن ابني ملازم للديوان، وليس له رزق، فإن رأيتَ َأن تصيِّر لابني رزقاً يقوى به على الخدمة والملازمة، وينفعني بذلك فعلتَ، فقال له سعدان: إنما رزق هذا الديوان لهؤلاء الأربعة النفر المسمّين، ولستُ أقدر أن أخرج أحداً منهم ولا أستبدل به، ولا أنقصه من رزقه، ولكني أكلّمهم وأسألهم أن يجعلوا لك من أرزاقهم شيئاً. فكلمهم وقال: هذا الغلام ابن صديقٍ لي وقد خدمكم وخفَّ (111 ظ /) لكم فأحبُّ أنْ يهبَ له كل واحد منكم من رزقه شيئاً. فوهب له كل واحد منهم من رزقه خمسين درهماً، فدفع إليه مائتي، درهم فلما كان في الشهر الثاني دفع إليهم أرزاقهم ونقص كل واحد خمسين درهماً، فصارت رزقاً للغلام. فقال الشاميون: إن هذه سُنّة قد سنّها علينا سعدان، وانتقص من أرزاقنا شيئاً، وصار هذا الغلام كأحدنا، ولسنا - واللهِ - نرضى بهذا، فأجمعوا على شكايته إلى الفضل بن يحيى(2). قالوا: يكتب كل واحد منا رقعة، ويوقّع عليها اسمه ويصيّرها تحت مصلّى الفضل بن يحيى، فإنه سيقرؤها إذا خرجنا. فكتب كل واحد منهم:
ذهب الكتاب وملّهُ أصحابه *** وبكى لضيعة أمره الديوان
وبحسبِ ديوان الرسائل خزية *** إذ صار صاحب أمره سعدان
وكتب على رقعته فلان الشامي.
وكتب آخر رقعة فيها(3):
أيها القاتل(4)حرصاً *** نفسه قد مات موتا
إن سعدان بن يحيى *** قد بنى للقِبط بيتا
صبّ في قنديل سعدا *** ن مع التسليم زيتا
وقناديلُ بنيه *** قبل أن تحفى الكميتا
وكتب على الرقعة: فلان الشاميّ.
وكتب الثالث رقعة فيها:
أتاه حفصٌ معه رقعة *** أصلحك الله وأبقاكا
إني غلام رِخوة تكتي *** أطوع من يسراك يمناكا
وفيّ تخنیثٌ ولو قد ترى *** تحت السراويل لأرضاكا
فسمِّ(1)لي رزقاً ولا تجفني *** أكرمك الله وعافاكا
وقع سعدان على رأسها *** يُجاب حفصون إلى ذاكا
وكتب على الرقعة فلان الشامي. وألقيت الرقاع تحت مصلى الفضل بن يحيى، فلما أن قام من مجلسه أصابوا الرقاع تحت مصلى الفضل بن يحيى(2)فأوصلوها(3)إليه، فلما قرأها استضحك ثم دعا بسعدان فقال: مَنْ عرّضك لهؤلاء الشاميين، ومَنْ حفصون هذا؟ فقصّ عليه القصة، فقال: أخرج هذا إلى لعنة الله، وإياك ثم إياك أن تتعرض لثلم أرزاق أحد. فطرد الغلام، واعتذر إلى الشاميين واصطلحوا.
قال عبد الله بن جعفر(4)لجليس له من أهل المدينة فقده: أبا فلان أين كنت؟ قال: خرجت مع فلان أطلب عَرضاً من الأعراض. فقال له: إن لم تجد من صحبة الرجال بدّاً، فعليك بمَن إن صحبته زانك، وإن خفضت له صانك، وإن وعدك لم يحرمك، ولم (112 و /) يرفضك، وإن رأى منك حسنة عدّها، وإن رأى خَلّة سدّها، وإن سكتَّ عنه ابتدأك، وإن سألته أعطاك(5).
1) في ب: قسم.
2) سقط سطر من ب ابتداءً من (فلما أن).
3) في ب: فأوصلها. تحريف.
4) هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أحد أجواد العرب، ولد في الحبشة وتوفي بالأبواء سنة تسعين. (المعارف 206).
5) كتب في الأصل بعد هذا الخبر بخط مغاير للنص الشرح الآتي: العرض الناحية، والعرض ما ذم ومدح من الإنسان. والعرض بفتح العين الجيش. وأنشدوا للعجاج: كنا إذا قدنا الجيش عرضاً. والعرض بفتح العين والراء: حطام الدنيا. والعرض ساكنة الراء خلاف النقد. يقال: بعته بعرض أو بنقد. والعرض: بفتح العين والراء: الشيء يعرض لك. من قولهم: عرض له عرض سوء من مرض وغيره.
قال رجل من قريش لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أخبرنا عنّا وعن بني عبد شمس.
قال علي: نحن أصبح وأفصح وأسمح. فقال الرجل: ما بقّيت للقوم شيئاً. قال بلى هم أكثر وأمكر وأنكر(1).
كان عليّ بن أبي طالب حذراً في الحروب، شديد الروغان من قرنه، لا يكاد أحد يتمكن منه، وكانت درعه صدراً لا ظهرَ لها فقيل له: ألا تخاف أن تؤتى من قِبل ظهرك؟ فيقول: إذا أمكنتُ عدوي من ظهري فلا أبقى الله عليه إن أبقى عليّ.
قال رجل من الحكماء لبنيه: يا بنَيّ لا تعادوا الرجل، وإنْ ظننتم أنه لا يضركم، ولا تزهدوا في صداقة أحد، وإنْ ظننتم أنه لا ينفعكم، فإنكم لا تدرون متى تخافون عداوة العدوّ ولا متى ترجون صداقة الصديق، ولا يعتذر إليكم أحدٌ إلّا قبلتم عذره منه، وإن علمتم أنه كاذب.
1) في شرح نهج البلاغة 395/5 من جواب للإمام علي رضي الله عنه على من سأله عن قريش: وهم أكثر وأمكر وأنكر، ونحن أفصح وأنصح وأصبح.
2) هو برذع بن عدي الأوسي، أورد له صاحب مجموعة المعاني مقطعين من قصيدة واحدة ص 27 و 54. إلا أن صاحب الإصابة 149/1 سمّاه برذع بن يزيد بن النعمان الأنصاري، وأورد له بيتين مما أورده صاحب مجموعة المعاني. وهو في الإصابة صحابي شهد أحداً وما بعدها.
الخطيم(1):
بين بطحان فالسراة من *** صفَنة لعسٌ كأنها الأرام(2)
(113 و /)
ونخيلٌ كأنها دُهم ليل *** وسَوام يحُمن حول الخيام
وشبابٌ أولو بهاءٍ وشيبٌ(3)*** وحلومٌ علَت حلومَ الأنام
مجلسٌ جُنّب الخيانة والغدر *** وقيل الخنا (4)وفعل اللئام
قال عبيد الله بن عبد الله(5):
إذا كان لي سرٌّ فحدثته العدى *** وضاق به صدري فللنَاس أعذر
هو السرُّ ما استودعته وكتمته *** وليس بسرِّ حين يفشو ويظهر(6)
قال يزيد بن موهب(7)الرملي: إنما بقي من العيش صلاة في جماعة تكفي سهوها، وترزق فضلها. وكفاف من رزق الله ليس الله عليك فيه تَبِعةٌ، ولا لأحد عليك فيه مِنّة، وأخٌ يُحسن العشرة، إذا أصبتَ ثبّتك، وإنْ تعوّجتَ قومكَ.
1) هو قيس بن الخطيم بن عدي الأوسي الشاعر المشهور، من أهل يثرب، قيل إنه أدرك الإسلام، وقتل قبل الهجرة قبل أن يسلم. (الأغاني (1/3 والمرزباني 321).
2) بطحان: أحد أودية المدينة الثلاثة، وهي العقيق وبطحان وقناة. والسراة: أعالي السلسلة الجبلية المعروفة باسم الحجاز. وصفنة: موضع في المدينة وقيل بقبا. ولعس: موضع أيضاً.
3) في ب: لو أنها. تحريف.
4) في ب: وقيل الخيانة. تحريف.
5) هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان عالماً ناسكاً شاعراً توفي سنة 98. (نكت الهميان 197 والأغاني 92/8 (بولاق)).
6) البيتان في شعره 18. ورواية الثاني فيه: وسرك ما استودعته وكتمته.
7) في ب: موهوب.
قال عبد الله بن عروة بن الزبير(1):
ترى المرءَ يبكي للذي مات قبله *** وموت الذي يبكي عليه قريب
يحبُّ الفتى المال الكثير وإنما *** لنفس الفتى فيما يحوز نصيب
تمسك أبا قيس على أرحبية ...................
والبيتان في الحيوان 66/4 برواية أخرى. وأبو قيس: كنية القرد.
:كان يزيد بن معاوية في مجونه نادمَ، قرداً فأخذه يوماً فحمله على أتان وحشية، وشدّه عليها، رباطاً ثم أرسل الخيل في إثرها حتى كسرتها فماتت الأتان. فقال في ذلك يزيد بن معاوية:
تمسّك أبا قيس بفضل عنانها *** فليس علينا إن هلكتَ ضمان
(113 ظ /)
فما فعل الشيخ الذي سبقتْ به *** جيادَ أمير المؤمنين أتان
وبذلك سبّه أبو حمزة(3)في خطبته حين يقول: خالف القرآنَ واتّبع الكهّان،
ونادم الفردَ، وفعل ما يشبهه حتى مضى لسبيله لعنه الله(4).
1) في جمهرة نسب قريش 309/1 سماه عبيد الله، وقال عنه: قد عقل عن أبيه، ولم يحفظ من حديثه شيئاً، وله ولد، وكان يقول شيئاً من الشعر، وأورد البيتين في ص 311، وشطر الأول فيه: ترى المرء يبكيه الذي مات قبله. (وانظر نسب الزبيري ص 248 وشعر عبيد الله بن عبد الله بن مسعود 34).
2) القصة في المخصص 177/13 ورواية البيتين:
فقلت من الشخص الذي سبقت به .............
3) هو أبو حمزة يحيى بن المختار الخارجي، أحد نس،اك الأباضية الخوارج وخطبائهم. خرج على مروان بن محمد، فأوقع بن مروان وقتل في المدينة سنة 130. انظر الطبري في هذه السنة والبيان والتبيين 122/2).
4) من خطبة طويلة خطبها حين بلغه أن أهل المدينة يعيبون أصحابه. وهي مع تخريجها في جمهرة خطب العرب 469/2.
قال عمر بن عبد العزيز: إن أول من أيقظني لهذا الشأن مزاحمٌ(1)، حبستُ رجلاً، فجاوزت في حبسه القدر الذي يجب عليه فكلّمني في إطلاقه. فقلت: ما أنا بمخرجه حتى أبلغ في الحيطة عليه ما هو أكثر مما مرَّ به. قال: فقال مزاحم: یا عمر بن عبد العزيز، إني أحذّرك ليلة تمخّصُ بالقيامة، في صبيحتها تقوم الساعة، يا عمر لقد كدتُ أن أنسى اسمك مما أسمع.
قال الأمير: فوالله ما هو إلّا أن قال ذاك، فكأنما كشف عن وجهي غطاء، فذكّروا أنفسكم رحمكم الله، فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
أن ابن غزيّة الأنصاري(3)ثم النجاريّ قدم على عليّ بن أبي طالب - عليه السلام - من مصر، وقدم عليه عبد الرحمٰن بن شبيب الفزاري من الشام، وكان عيناً لعلي بن أبي طالب - عليه السلام - بها، فأما الأنصاري فكان مع محمد بن أبي بكر(4)، فحدثه ما رأى وعاين من قتل محمد بن أبي بكر، وحدثه الفزاري: إنه لم يخرج من الشام، (114 ظ /) حتى قدمت الرسل والبشرى من قِبل عمرو بن العاص تترى، يتبع بعضها بعضاً بفتح مصر، وقتل محمد بن أبي بكر حتى أذّن معاوية بقتله على المنبر، وقال: ما رأيت يا أميرَ المؤمنين سرور قوم قطّ أظهر من سرور رأيته بالشام حين أتاهم قتل محمد بن أبي بكر(5). فقال له علي - عليه السلام - حزننا على قتله على قدر سرورهم
1) هو مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز. (انظر أخباره في عيون الأخبار /18/2 والطبري 482/6).
2) النص في الطبري 108/5 برواية أبي مخنف وشرح نهج البلاغة 322/2.
3) هو الحجّاج بن غزية الأنصاري، وهو شاعر كان مع علي في صفين. انظر الطبري 479/4 ووقعة صفین 402.
4) في الطبري وشرح النهج: فحدثه الأنصاري بما رأى وعاين وبهلاك محمد.
5) سقط سطران من ب ابتداءً من (حتى أذن).
بقتله، لا بل يزيد أضعافاً، وحزن على قتله حزناً شديداً، [حتى](1)رُئي في وجهه، وتبيّن فيه، وقام على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال(2): ألا إنّ مصر قد، افتُتحت(3)، ألا وإن محمد بن أبي بكر أصيب - رحمه الله - وعند الله نحتسبه، أمان والله - إنْ كان ممن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء ويبغض شكل الفاجر، ويحب هدي المؤمنين. إني - والله - لا ألوم نفسي في تقصير، ولا عجز، إني بمقاساة الحرب لجِد خبير، وإني لأتقدم في الأمر فأعرف وجه الحزم، فأقوم فيكم بالرأي المصيب معلناً، وأناديكم نداء المستغيث(4)فلا تسمعون لي قولاً، ولا تطيعون لي أمراً، حتى تصير الأمور إلى عواقب الفساد(5)، وأنتم(6)لا تُدرك(7)بكم الأوتار، ولا يشفى بكم بي الغلُّ.
دعوتكم إلى غياث إخوتكم(8)منذ بضع وخمسين ليلة فجر جرتم جرجرة الجمل الأشر(9)
وفي الطبري: الأشدق، وفي شرح النهج: الأسر.
، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل مَن ليس له نيّة في جهاد العدو، ولا احتساب الأجر. ثم خرج منكم جنيد ضعيف (كأنما يُساقون إلى الموتِ وهم يَنظرون).(10)فأفٍّ لكم. ثم نزل فدخلَ رحله.1) تكملة من شرح النهج.
2) الخطبة في الطبري 108/5 وشرح نهج البلاغة 323/2.
3) في المصدرين السابقين: ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة.
4) في الطبري: المستغيث معرباً.
5) في الطبري: عواقب المساءة.
6) في الطبري: فأنتم القوم.
7) في الطبري وشرح النهج: ولا تنقض بكم.
8) في الطبري: إخوانكم.
9) الجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته.
10) سورة الأنفال آية 6.
11) هو محمد بن عروة بن الزبير بن العوام، كان من أحب ولد عروة إليه، وكان جميلاً بارع الجمال. انظر ترجمته في جمهرة نسب قريش 277/1 ونسب قريش 247 وتهذيب التهذيب 343/9.
یا هالکاً ترك الدموع كأنها *** وشَلٌ تغلغلَ من مَعين مهمَل
لو كنت أعلمُ أن بينك عاجل *** يومَ الوداع فعلتُ ما لم أفعل(1)
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم *** يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
وابن الخياط هو عبد الله بن سالم المكي في زهر الأدب.
:يأبى الجواب فما يُكلَّم هيبةً *** والسائلون نواكس الأذقان
هديُّ النبي وعز سلطان التقى *** وهو المهيب وليس ذا سلطان
قال عبد الملك بن مروان للربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة(3)
وقد تناشد الشعر مع أمرىء القيس لدى السموأل. (انظر الأغاني 72/8).
: الحمد لله الذي نسأ لي في الأجل حتى بلغت أن أرى(4)ربيعاً.وقام الربيع بن ضبع حين وفد إلى عبد الملك وأنشده:
ثلاث مئين من سنيّ فقد مضت *** وها أنا ذا قد أرتجي مرَّ رابع
فقال له عبد الملك: ما شهدتَ يا ربيع؟
قال: شهدتُ جمع جَدّي عدي بن فزارة للسودان جَدّي عدي بن فزارة للسودان في أمر إبرهة الأول حين
أدب الوقار وعز سلطان التقى *** فهو المطاع وليس ذا السلطان
3) انظر ترجمته في الإصابة 510/1.
4) سقطت (أن أرى) من ب.
أرسلت حِميَر تستصرخ على بيت الله الحرام، ودوّخت السودان أرض اليمن، وحوته إلّا مَن اعتصم بالجبال من حِمير فسار بهم، وسارت كنانة وخزاعة وأفناء خندف، وعليهم قصي حين هبطوا جُدّة.
قال: ومثل من أنت يومئذ يا ربيع؟
قال: يا أميرَ المؤمنين، أنا أسرع الناس وثبةَ عند الداعي، وأضبطهم لرأس فرس، وأجمعهم لسلاحي.
وأنشد جهم للربيع بن ضبع:
ألا أبلغ بنيَّ بني ربيع *** فأشرار البنين لهم فداء
وإني قد كبرتُ ورقّ عظمي *** فلا يغرركمُ مني النَساء
(115 و /)
وإنّ كنائني لنساء صدق *** وما عقّ البنون ولا أساؤا
إذا جاء الشتاء فأدفتوني *** فإنّ الشيخ يهدمه الشتاء
فأما حين يذهب كل قُرَّ *** فسربالٌ خفيف أو رداء(1)
قال جهم بن مسعدة: الخريف ما بين طول النهار إلى استوائه مع الليل، ويليه الربيع، وهو ما بين استوائهما إلى قصر النهار، ويليه الصيف، وهو ما بين قصر النهار إلى استوائهما، ويليه الحميم، وهو ما بين استوائهما إلى طول النهار.
1) النص في خزانة الأدب 306/3 وفي الإصابة الرابع والخامس فقط.
2) النص في الأغاني 96/11.
3) صحف اسم أبيه في الأصل إلى (علقمة). وقد ترجم له ابن سلام 561 وجعله في الطبقة الثامنة من الشعراء الإسلاميين، وهو عقيل بن علفة بن الحارث بن معاوية بن ضباب بن جابر المري والبرصاء أم شبيب الشاعر خالته، وكان شاعراً شريفاً تزوج إليه يزيد بن عبد الملك بن مروان، وكان غيوراً جافياً. انظر ترجمته في المرزباني 164 والأغاني 85/11.
4) هو شبيب بن يزيد بن جمرة والبرصاء أمه. وهو شاعر فصيح من شعراء الدولة الأموية، بدوي لم يحضر إلّا وافداً أو منتجعاً، وكان يهاجي عقيلاً ويعاديه. انظر ترجمته في ابن سلام 566 والأغاني 093/11.
سُهيّة(1)بعلقمة رجلٍ من بني دهمان بن أشجع، فلم يَقرهم، فقال عقيل بن علفة حين رحلوا:
أفي سالف الأيام أم في حديثها تعوّدتَ ألا تقري الضيف علقما(2)
وقال: انفد يا شبيب، فقال شبيب بن البرصاء(3):
لبثنا طليقا ثم جاء بمُذقةٍ *** كماء السِّلاء في مائل الشِدق أضجما(4)
فقال أرطاة:
فلما رأينا أنه عاتم القِرى *** رمينا بهنّ الليل حتى تجرَّما(5)
رأى عامر بن عبد الله(6)في النوم امرأة ثائرة الشعر بين أضعاف المقام، وهي تقول: (115 ظ /):
أأذنت زينة الحياة ببينٍ *** وانقضاء من أهلها وفَناء
فأوّل الناس خبر ذلك من رؤيا عامر الدنيا.
1) هو أرطاة بن زفر بن عبد الله من بني مرة وسهية أمه، وهو شاعر فصيح من شعراء الدولة الأموية أيضاً، وكان شريفاً جواداً. له مع عبد الملك بن مروان قصص وأحاديث. ترجمته في الشعر والشعراء 427 والأغاني 139/11.
2) في الأغاني: أفي حدثان ... تعلمت إلّا ..
3) سقط هذا السطر من ب.
4) في الأغاني: لبثنا طويلاً ... جانب القعب أكلما.
5) في الأغاني: فلما رأينا أنه شر منزل ... تخرما.
6) هو عامر بن عبد الله بن الزبير، كان من العباد المنقطعين. انظر ترجمته في جمهرة نسب قريش /20/1 ونسب قريش 243 وحلية الأولياء 166/3.
دخلت على عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من النصارى، فقال له عمر بن عبد العزيز: مَن تجدون الخليفة بعد سليمان؟ قال:النصراني: أنت. قال: فأقبل عمر بن عبد العزيز علي فقال: دمي في ثيابك يا أبا عبد الله.
قال محمد بن علي: فلما كان بعد ذلك جعلت ذلك النصراني من بالي، فرأيته يوماً، فأمرت غلامي أن يحبسه عليّ، وذهبت به إلى منزلي، وسألته عمّا يكون، وقلت له: عُدّ لي خلفاء بني مروان واحداً واحداً. فعدَّ لي خلفاء بني مروان واحداً واحداً، وتجاوز عن مروان بن محمد. قال محمد بن عليّ بن عبد الله: فقلت له ثم مَن؟ قال: ثم ابنك ابن الحارثيّة(2)، وهو اليوم حمْل.
لما ولي عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك(3)دمشق، ولم يكن في بني أميّة البّ منه في حداثة سنه. قال أهل دمشق: هذا غلامٌ شاب ولا علمَ له بالأمور. وسيسمع منا، فقام إليه رجل فقال(4): أصلح الله الأمير، عندي نصيحة. قال له: ليت شعري ما (116 و /) هذه النصيحة التي ابتدأتني بها من غير يدٍ سبقت مني إليك؟!
1) هو أبو عبد الله محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، والد السفاح والمنصور، وأول من دعا للعباسيين وكان دعاة العباسيين يكاتبونه ويلقبونه الإمام، توفي سنة مائة وخمس وعشرين. (الشذرات 266/1 وتهذيب التهذيب).
2) يريد أبا العباس السفاح عبد الله بن محمد. أول خلفاء بني العباس. وأمه ریطة، حارثية. بويع يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة (المعارف 372).
3) هو الأمير أبو الأصبغ عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك الأموي ابن أخت عمر بن عبد العزيز ولي نيابة دمشق لأبيه. (تاريخ الإسلام 51/4).
4) في العقد الفريد 192/1 قصة تشبه هذه الرواية إلّا أنه نسبها إلى الوليد بن عبد الملك حين ولى دمشق لأبيه.
قال: لي جار عاصٍ متخلف عن ثغره. فقال: ما اتّقيت الله، ولا أكرمت أميرك، ولا حفظت جوارك، إن شئتَ نظرنا فيما تقول، فإنْ كنتَ صادقاً لم ينفعك ذلك عندنا، وإنْ كنت َكاذباً، عاقبناك، وإن شئت أقلناك. قال: أقلني، أصلح الله الأمير. قال: اذهب حيث لا صحبك الله، إني أراك شرَّ جيل رجلاً، ثم قال: يا أهل دمشق، أما أعظمتم ما جاء به هذا الفاسق، إنّ السعاية أحسَب منه سجية، ولولا أنه لا ينبغي للوالي أن يعاقب قبل أن يعاتب، كان لي في ذلك رأي، فلا يأتيني أحدٌ منكم بسعاية على أحد بشيء، فإنّ الصادق فيها فاسق، والكاذب فيها بهّات.
فحدثت بهذا الحديث عبد الله بن داود، فقال: ما أشبه هذا الكلام بكلام عمر بن عبد العزيز!! فقلت عمر بن عبد العزيز خاله.
كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم فخماً مفخَّماً، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من (116 ظ /) المشذّب، عظيم الهامة، رَجل الشَّعر، إنْ الفرقت عقيقته فرق(3)، وإلّا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا
1) هند بن أبي هالة ربيب النبي صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، فصيح، بليغ، وصّاف، وقول الحسن رضي الله عنه «سألت خالي» لأن خديجة بنت خويلد كانت عند أبي هالة الأسيدي، من بني تميم، فولدت له هنداً أخا فاطمة رضي الله عنها لأمها، فهو خال الحسن بن علي. وقتل هند مع علي رضي الله عنه يوم الجمل.(انظر المعارف 133 وأنساب الأشراف 390/1 والإصابة 578/3).
2) النص بطوله في أنساب الأشراف 386/1 وطبقات ابن سعد 422/1 (دار صادر) والمختصر في الشمائل المحمدية للترمذي 39 و 227. وعيون الأثر 323/2 وشمائل الرسول لابن كثير ص 50.
3) العقيقة: شعر الرأس. وفي عيون الأثر: أراد أن انفرقت من ذات نفسها فرقها وإلّا تركها معقوصة، ويروى عقيصته. وفي الأنساب: فرقاً.
هو وفرَه أزهرَ اللون، واسع الجبين، أزجَّ الحواجب، سوابغَ في غير قرن(1)، بينهما عرق يُدرّه الغضبُ، أقنى العِرْين، له نور يعلوه يحسَبه مَنْ لم يتأمله أشمّ(2)، كثَّ اللحية، سهل الخدّين، ضليع الفم، أشنبَ(3)، مفلّجَ الأسنان، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جِيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادناً متماسكاً، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرّد، موصول ما بین اللّبة والسُّرّة بشعرٍ يجري كالخطِّ، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، سبط القصَب، شثن الكفين والقدمين وسائر الأطراف، خُمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبوعنهما الماء، إذا زال زال قُلعاً، يخطو تكفوءاً ويمشي هوناً، ذريع المشية كأنما ينحطّ من صبَب، وإذا التفتَ التفتَ جَمعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، يبدر(4)من لقيه بالسلام.
قلت: صف لي منطقه. قال: كان رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له، راحة، لا يتكلّم في غير حاجة، طويل (117 و /) السكت (5)، يفتح الكلام ويختتمه بأشداق(6)، ويتكلّم بجوامع الكلم، فصل، لا فضول ولا تقصیر(7)، دمثاً، ليس بالجافي ولا المهين يعظّم المِنّة وإنْ دقّت، لا يذمُّ منها شيئاً، ولا يذمّ ذَوَاقاً، ولا يمدحه(8)لا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعوطي(9)الحقَّ لم
1) في الأنساب وعيون الأثر: سابغهن: والقرن: اتصال شعر الحاجبين.
2) في الأنساب: له نور يعلوه بحسنه من يتأمله.
3) الضليع: الذي لا يكون ضيقاً. وفي الأنساب: أشنب الثغر.
4) في الأنساب وعيون الأثر: يبدأ.
5) في ب: السكوت.
6) في أنساب الأشراف وعيون الأثر: بأشداقه.
7) في أنساب الأشراف: قولاً فصلاً، لا فضلاً ولا تقصيراً. وفي عيون الأثر: فضلاً لا فضول فيه ولا تقصير. وفي ابن سعد: فضل لا فضول ولا تقصير.
8) في الأنساب: دواياه ولا يقبحه.
9) في ب: تعاطي، وفي ابن سعد: فإذا تعوطن، وفي الأنساب: فإذا كان.
يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصرَ له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا أشار بكفه أشار بكفه كلها(1)، وإذا تعجّب قلَبها، وإذا تحدّث اتّصل بها فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرضَ وأشاح، وإذا فرح(2)غضَّ طرفه، جلّ ضحكه التبسُّم، ويفترُ عن مثل حبِّ الغمام.
قال: فكتمتها الحسن زماناً، ثم حدّثتُه، فوجدته قد سبقني إليه، فسأله عمّا سألته، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومجلسه ومخرجه وشكله، فلم يدَعْ منها شيئاً.
قال الحسن: سألت أبي عن دخول النبي - صلى الله عليه وآله - فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم - دخوله لنفسه(3)مأذوناً له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزّا دخوله ثلاثة أجزاء: جزءاً لله - جلّ ثناؤه -، وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه، ثم جزءاً جزاه بينه وبين الناس، فيرد ذلك(4)على العامّة بالخاصّة، ولا يدّخر عنهم شيئاً.
وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار(5)أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدَر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألتهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: ليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ، وأبلغوني (117 ظ /) حاجة مَن لا يستطيع إبلاغ حاجته، فإنّ مَن أبلغ سلطاناً حاجة مَن لا يستطيع إبلاغها إياه، ثبّت الله قدميه(6)يوم القيامة، لا يذكر عنده إلّا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون روّاداً ولا يفترقون إلّا عن ذوَاق، ويخرجون أدلّة(7).
قال: فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه، فقال: كان رسول الله - صلى الله
عليه وآله - يخزن لسانه إلّا مما يعينهم ويؤلفهم ولا يفرقهم. أو قال: ينفّرهم. ويكرم كريم كل قوم، ويولّيه عليهم، ويحذر الناسَ(1)ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خُلقه، يتفقّد أصحابه، ويسأل عمّا في الناس، فيحسِّن الحسَن، ويقويه، ويقبّح القبيحَ ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا لكلِّ حال عنده، عَتاد لا يقصر عن الحقّ ولا يجوزه. الذين يلونه من الناس خيارهم(2)، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
قال: فسألتَه عن مجلسه، فقال كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لا يجلس، ولا يقوم إلّا على ذِكر(3)، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كلًّا من جلسائه بنصيبه، فلا يحسَب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه. مَنْ جالسه أو قاومه(4)في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومَنْ سأله حاجةً لم يردّه إلّا بها، أو بميسور من القول، وقد ووسع الناسَ منه بسطُه وخلقه فصار (118 و /) لهم أباً، وصاروا عنده في الحقّ سواء. مجلسُه مجلس حلم وحياء وصبر(5)وأمّانة، لا تُرفع عنده(6)الأصوات، ولا تؤبن(7)فيه الحُرم، ولا تُنثىٰ فلتاته [ترى جلساءه](8)متعادلين، يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين، يوقّرون الكبيرَ، ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون(9)الغريب.
1) في الأنساب: ويحذّر الناس الفتن.
2) في الأنساب: ولا يجوز الدين. أفضل الناس عنده أعمهم .. وفي ابن سعد: ولا يجوزه الدين.
3) في الأنساب: على ذكر الله.
4) في الأنساب: أو قارنه.
5) في أنساب: الأشراف وصدق مكان وصبر.
6) في المصادر الأخرى: فيه.
7) في أنساب الأشراف: توتن. وتؤبن: تذكر بسوء.
8) ما بين الحاصرتين تكملة من المصادر الأخرى. وتنثى: تشاع.
9) في أنساب الأشراف: ويحوطون. وفي عيون الأثر: ويرحمون.
قال: قلت: كيف سيرتُه في جلسائه؟
قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - دائم السرور، سهل(1)الخُلق ليّن الجانب، ليس بفظٍّ ولا غليظ ولاصخّاب ولا فحاش ولا عيّاب ولا مدّاح. يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يؤيس منه، ولا يجيب فيه. قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار وما لا يعنيه(2)، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يعيّره، ولا يطلب عثرته(3). ولا يتكلم إلّا فيما رجا ثوابه، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلّموا. ولا يتنازعون عنده، من تكلم أنصتوا له(4)حتى يفرغ، حديثُهم عنده حديث أوليتهم(5). يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب الحاجة(6)يطلبها فأرفدوه. ولا يقبل الثناء إلّا من مكافىء، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه(7)فيقطعه بنهيٍ أو قيام.
قال: قلت: كيف كان سكوته؟
قال: كان سكوت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على أربع: الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكير. فأما تقديره ففي تسويته النظر بين الناس، واستماعه منهم. وأمّا تفكيره، ففيما يبقى (118 ظ /) ويفنى، وجُمع له الحلم في الصبر(8)، فكان لا يعصيه شيء ولا يستقره، وجُمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسنى(9)ليُقتدى
به، وتركه القبيح ليُنتهى(1)عنه، واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته، والقيام فيما جمع لهم الدنيا والآخرة(2).
قال أبو عبد الله الزبير: قوله: كان فخماً مفخماً. قال: الفخامة في الوجه وهو نبله وامتلاؤه مع الجمال والمهابة، والمربوع من الرجال: الذي بين الطويل والقصير، والمشذّب: المفرط في الطول، وكذلك هو في كل شيء قال جریر(3):
ألوى بها شذب العروق مشذَّب *** فكأنما وُكنَتْ على طِربال
وقوله رجل الشعر: فالرجل الذي ليس بالسبط الذي لا تكسر فيه، والقطط: الشديد الجعودة. يقول: فهو جعد بين هذين، والعقيقة: الشعر المعقوص، وهو نحو من المضفور، ومنه قول عمر من لبد أو عقص أو ضفر فعليه الحلق. وقوله: أزجّ الحاجبين: سوابغ الزجج في الحواجب أن يكون تقوّس مع طول في أطرافها، وهو النبوغ فيها، قال جميل(4):
إذا ما الغانيات برزن يوماً *** وزجّجنَ الحواجبَ والعيونا
وقوله: في غير قرن: القرن، التقاء الحاجبين حتى يتصلا. يقول: فليس هو كذلك، ولكن بينهما فرجة. يقال للرجل إذا كان كذلك أبلج، والعرب تستحب دَرَ العرق الذي بين الحاجبين ودروره: غلظه. نتوءه: امتلاؤه. وقوله: أقنىٰ العرنين يعني الأنف، والقنا أن تكون فيه دقة مع ارتفاع في قصبته (119 و /) يقال منه: رجل
1) في ب: ليتناهي.
2) في أنساب الأشراف: وجمع لهم خير الدنيا والآخرة. وفي عيون الأثر: جمع لهم أمر الدنيا والآخرة.
3) البيت من قصيدة طويلة في مناقضة الفرزدق ديوان جرير 470 (الصاوي) وكن الطائر: اتخذ عشاً، له، والطربال: كل بناء عال. وكل قطعة من جبل أو حائط مستطيلة في السماء والصخرة العظيمة المشرفة من الجبل.
4) البيت شاهد نحوي معروف، وهو للراعي النميري وليس لجميل. إذ نسب للراعي في الدرر اللوامع للشنقيطي 191/1 وشرح الشواهد للعيني شاهد رقم 341. وكذا في هامش الخصائص 432/2 وهامش المغني 294/1. وهو غير منسوب في الصناعتين 182 وابن عقيل شاهد رقم 299 واللسان (زجج) وهمع الهوامع 191/1.
أقنى وامرأة قنواء، والأشم: أن يكون الأنف دقيقاً لا قناً فيه، وقوله: كثّ اللحية، الكثوثة أن تكون اللحية غير دقيقة ولا طويلة، ولكن فيها كثاثة(1)من غير عظم ولا طول. وقوله: أشنب، هو الذي في أسنانه رقة وتحدد والمفلج: هو الذي في أسنانه تفرق، والمسربة: الشعر الذي بين اللبة إلى السرة ثم فسره بقوله: ما بين السرة شعر يجري كالخط، وقوله: جِيد دمية، الجيد: العنق، والدمية: الصورة، وقوله: ضخم الكراديس: الكراديس: العظام، أي أنه عظيم الألواح، وقوله: شثن الكفين: والقدمين: يريد أن فيهما بعض الغلظ. والأخمص(2)من القدم في باطنها ما بين صدرها وعقبها، وهو الذي لا يلصق بالأرض من القدمين في الوطء. وقوله: خمصان: يعني أن ذلك الموضع من قدمه فيه تجافٍ عن الأرض وارتفاع، وهو مأخوذ من خموصة البطن، وهو ضمرها، يقال منه: رجل خمصان، وامرأة خمصانة، وقوله: مسيح القدمين: يعني أنهما ملساوان ليس في ظهورهما تكسّر ولا عروق، ولهذا قال: ينبو عنهما الماء، يعني أنه لا ثبات للماء عليهما. وقوله: إذا تخطّا تكفأ: يعني التمايل، أخذه من تكفي السفن، وقوله: ذريع المشية: يقول هو واسع الخطى كأنما ينحطّ من صَبب. أراه يريد أنه مقبل على ما بين يديه(3). غاض بصره: لا يرفعه إلى السماء، وكذلك يكون المنحط: ثم فسّره فقال: خافض الطرف، نظره (119 ظ /) إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، وقوله: إذا التفتَ التفتَ جميعاً: يريد أنه لا يلوي عنقه دون جسده، فإن في هذا بعض الخفّة والطيش، وقوله: دمث: هو اللين السهل، ومنه قيل للرمل(4)دمث، ومنه حديثه أنه أراد أن يبول فمال إلى دمث، وقوله: إذا غضب أعرض وأشاح، الإشاحة: الجَدّ، وقد يكون الحذر. وقوله: ويفتر عن مثل حب الغمام: الافترار أن يكشّر الأسنان ضاحكاً من غير قهقهة، وحب الغمام: أراد البرد شبّهَ بياض أسنانه به(5). وقوله: يدخلون رواداً، الرواد:
الطالبون واحدهم رائد. ومنه قوله(1): الرائد لا يكذب أهلَه(2)، وقوله: لكل حال عنده عتاد: يعني عدة قد أعدّ له، لا يوطن الأماكن: لا يجعل لنفسه موضعاً يعرف، إنما يجلس حيث يمكنه في الموضع الذي تكون فيه حاجته، ثم فسره فقال: يجلس حيث ينتهي به المجلس، وقوله: لا تنثا فلتاته: الفلتات السقطات، يقال منه: نثوت أنثو، والاسم منه النثا.
إن النبي - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - سئل عن الخط فقال: عِلم أوتيه نبيٌّ، فمَن وافق علمه عِلم ذلك
النبي، فقد عِلم، ومن لم يصبه فقد أخطأ.
خُصَّت العرب بخصال(3)
القيافة: الاستدلال بهيئات أعضاء البشر.
العيافة: تتبع آثار الأقدام ونحوها للاستدلال.
: بالكهانة والقيافة والعيافة والنجوم والحساب، فهدم الإسلام الكهانة (120 و /)، وثبّت الباقي بعد ذلك(4).اشترك ثلاثة في ظهر امرأة، فولدت، فجاءت بغلام، فتنازعه القوم، كلهم يدّعيه، فدعا عمر بن الخطاب ثلاثةَ من القافة، وكان عمر قائقاً، فأمر الصبي فوضع
قدمه على صعيد أو رماد، ووطىء القوم ذلك الصعيدَ، ثم قال لكل واحد من القافة: انظر. فينظر فيقول: قد أخذ الشبه منهم جميعاً فما أدري لأيّهم هو، فنظر عمر فقال مثل مقالتهم، وكل واحد منهم يقول ذلك سراً من صاحبه، فقال عمر: قد كانت الكلبة ينزو عليها الأبيض والأسود والأبلق والأنمر، فتؤدي إلى كل واحد منهم مشابهة، ولم أدرِ أنّ هذا الأمر في الناس فجعله عمر لهم، يرثهم ويرثونه، وهو للباقي منهم.
قدمَ قادمٌ من اليمن من عند عليّ بن أبي طالب - عليه السلام - فسأله رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - عن عليّ بن أبي طالب، وسأله عن الخبر، فقال: نُخبر عن عليّ بن أبي طالب أنّ ثلاثة نفر تقدموا إليه، وقد اشتركوا في ظهر امرأة، فقال: أنتم شركاء متشاكسون، وقد جاءت، بولد، فكلهم يدّعيه، فأقرع بينهم، فوقعت القرعة على واحد منهم فألحقه به، وأغرم (120 و /) الآخرين ثلثي الدية، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وآله - وما أنكر ذلك من فعل علي عليه السلام.
ولِد لرجل من قريش ابن أسود، فنفاه، فقدم عليه رجل من القافة فنزل قريباً منهم، فقال أبو الغلام لرجل من أصحابه: إن في نفسي من هذا الغلام شيئاً، ولَوددت أني لقيت فلاناً القائف، فأسأله.
قال: فهو - والله - منك قريب، أنا آتيك به، فآتاه به، فسأله، فقال: هو ابنك. قال: أنا رجل من قريش، ولا أعلمه ولدي أسود. قال فهو ابنك، فبينا هو يحدّثه، إذ خرج أسود من الدار، فقال: هذا - والله - أبوك، فدخل إلى أمه، فذكر ذلك لها. قالت: والله ما ذاك إلّا عقوبة بنفيك ابنك، أي والله لقد وقع عليّ وقعةً وهو شاب رأيته
1) القضية في أخبار القضاة 91/1 وقد خرّج المحقق هذه القضية في شعب الإيمان للبيهقي ومسند أحمد وأبي داود والنسائي.
فأعجبني، فعلقتُ بك.
سلم قال:
قلت لرجل من القافة: كيف أنتم في الأقدام؟ قال: ذلك أيسر الأشياء علينا، إن السرّاق ليجرُّون الأكيسة على أقدامهم ليخفوا آثارهم فنعرفهم.
رجل: شردت لنا إبل، فأتيت حلبَس الأسدي(1)، فسألته عنها، فقال لبُنية له: خطّي. فخطّت ونظرت، ثم تقبّضت وقامت، ونظر حلبس فضحك، فقال: أتدري لمَ قامت؟:قلت: لا. قال: رأت أنك تجد إبلك وأنك تتزوّجها، فاستحيَت فقامت. قال: فخرجتُ فأصبت إبلي، ثم تزوجتها بعدُ (121 ظ /).
1) من مشاهير القافة العرب، وهو الذي قال لذي الرمّة إنك لتنعت الفلاة (الثعلبية) نعتاً لا تكون منيتك إلّا بها، فمات فيها حين نفرت ناقته منه وعليها طعامه وشرابه، ولم تكن نفرت منه من قبل. (الأغاني 126/16).
2) هو أياس بن معاوية بن فرة بن أياس، قاضي عمر بن عبد العزيز على البصرة، وكان صادق الظن، وفاته سنة 122. (انظر أخباره في المعارف 467 وأخبار القضاة 312/1).
أنت؟ قلت: نعم. قال: عرفتك بشبه عمكَ عمرو بن مسلم(1).
قال: قلتُ: رحمك الله، وأين أنا من عمي، وعمي رجل ضخم أمعز(2)، وأنا آدم نحيف الجسم؟
قال: فقال إياس بن معاوية: ليس القياس على هذا.
أقبلنا من مكة من حج أو عمرة، فلما كنا بالثعلبية(4)أتى رجل منا حلبساً فسأله عن شيء، فخطّ له ونظر فقال: أما إنك لا تدخل الكوفة حتى تصيب مالاً (121 ظ /). فلما صرنا بالنجف، تلقّاه رجل فأخبره: أنّ أخاه مات فورّثه مالاً كثيراً، ورواه المدائني عن أبي اليقظان: تصيب مالاً مع مصيبة.
خرج عمر بن عبيد الله بن معمر(5)، ومالك بن خداش الخزاعي غازيين، فمرّا بامرأة وعليها جماعة وهي تخطُّ لهم، فنظر إليها وضحك مستهزئاً بها، فقالت: أيها الضاحك، أما والله لا تخرج من سجستان حتى تموت فيتزوج هذا الرجل امرأتك، وأشارت إلى عمر، فمات بسجستان، وتزوج امرأته عمر، وهي رملة بنت عبد الله بن
1) في الأصل وب: سلم، وهو تحريف، لأنه عمرو بن مسلم بن عمرو الباهلي أخو قتيبة. (انظر الطبري 454/6 و 30/7 - 33).
2) امعز: شديد.
3) هو أبو بكر محمد بن سوقة الغنوي الكوفي العابد. كان بزازاً، أدرك أنس بن مالك، وعامة روايته عن كبار التابعين. (صفة الصفوة 65/3).
4) الثعلبية: من منازل طريق مكة من الكوفة (ياقوت).
5) هو عمر بن عبيد الله بن معمر بن عثمان التيمي القرشي، من القادة الشجعان الأجواد، وكان من رجال ابن الزبير، وقد ولّاه البصرة وولاه مصعب فارس سنة 68. (انظر أخباره في الطبري ج 5 و 6).
خلف الخزاعي.
مرَّ زيد بن الأخنس(1)برجل يضرب امرأة، فقال: ما هذه؟ فقالت أم الرجل: إنها أتته بأسود ثم أسود، ولم يكُ في جنسه أسود، فنظر إليها وإلى ابنها، فقال له زید: لا تضرب المرأة، إنما أتيتَ من قِبل أمك. أبوك(2)عبدك الذي يرعى عليك، ثم مضى. قال: فسأل أمه عن ذلك، فأقرت له أنه أبوه.
ومرَّ زيد بن الأخنس وافداً إلى عبد الملك بن مروان، فرأى صبية على ماء من المياه، فقال: بنت أمير المؤمنين والله. فلما قدم عليه، قال: يا أميرَ المؤمنين، ما بنيّة لك، مررتُ بماء كذا وكذا، فإذا هي به؟ فسأل عنها، فوُجِدت من أمَةٍ كانت لعبد الله قد وطئها (122 و /) ثم خرجت لسبب من الأسباب.)
أتى قاضٍ من قضاتنا بصبي قد شكَّ فيه أبوه، فدعا له القافة، فقالوا: شرِك فيه بربريٌّ. فسألوا أمَّه، فقالت: اشتراني البربري، ثم وقع بي، ثم اشتراني هذا، فوقع بي.
فقال القاضي: لو كنتما اجتمعتما لألحقته بكما، فأما إذا كنت وحدك فقد ألحقته بك.
حججتُ فصحبني رجل من قريش فقال: لي ابن أشكُّ فيه، فبعث إلى
مُلأه(1)، فلم يترك أحداً من أهله إلّا أثر فيها أثرة وأثر المشكوك فيه، فلما قضينا النسك بعث إلى رجل منهم فنظر، فقال: هذا أثر المشكوك فيه، وهذا أبوه، وهذه أمّه، وهذا أخوه. حتى(2)ألحقه بقرابته من أبيه.
كان أبو جعفر المنصور ولّى الحسن بن زيد المدينة، ثم غضب عليه فعزله وبيعت أمواله، فاشترى رجل من أهل المدينة أمةٌ له، فلما أرادها قالت: إنّ ابنَ الحسن بن زيد قد وقع بي، وبي حَمل، فكفّ عنها، فوضعت غلاماً، فخرج به إلى ولد الحسن، فخرجوا جميعاً، فأتوا والي مكة، فبعث إلى شيخ من القافة، فقالوا: إنّ هذا الغلام له نسب يلحقه برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أو تنفيه منه. قال: فخرج (122 ظ /) الشيخ يتخطّى الناس ويفرق، فأخذ بيد الغلام فقال: هذا عمّه فصيح به فتركه، ثم أتى(3)آخر قال: هذا عمه. فصیح به فتركه، حتى عدّد ولد الحسن غير أبيه، وأراه كان متكئاً، فرفع رأسه، فقال الشيخ: الله أكبر، هذا أبو الغلام، فأُلحق به.
آخر الجزء السابع عشر من أجزاء أبي عبد الله بن الكاتب.
وكان في آخره هذا آخر الرابع من أجزاء الدمشقي.
وأول الجزء الثامن عشر من أجزائه، وترجمته الأول من الخامس من أجزاء الدمشقي من الموفّقيات. وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين(4).
دخل ابن السمّاك(5)على أمير المؤمنين هارون الرشيد حين ولي الخلافة، في
1) كذا في المخطوطة.
2) في ب: قد.
3) في ب ثم نأى.
4) انفردت نسخة الأصل بعنوان صغير هو (أول الخامس) كما انفردت بهذا التقسيم.
5) هو أبو العبّاس محمد بن صبيح مولى بني عجيل، واعظ وراوية كوفي، قدم بغداد في عهد الرشيد، وطالما وعظه، مكث في بغداد مدة ثم عاد إلى الكوفة وتوفي بها سنة 183. (تاريخ بغداد 2895 وصفة الصفوة 105/3).
شهر رمضان، وليس عنده أحد غير يحيى بن خالد البرمكي، فقال أمير المؤمنين: يا ابن السمّاك، إنّ أميرَ المؤمنين لم يزل يذكرك وهو إذ ذاك ولي عهد المسلمين، فلما استخلف أمير المؤمنين أحبَّ أن تكون منه في هذا الشهر قريباً، لِما بلغ أميرَ المؤمنين من صلاحك في نفسك، وحسن ذكرك.
فقال ابن السماك: أما ما ذكر أمير المؤمنين من صلاحنا في أنفسنا، فذلك ستر الله، والله يا أميرَ المؤمنين، لو يطلع الناس منا على ذنب واحد، ما ثبت لنا قلب على مودة، ولا لسان على مدحة، وقد خفت من الستر الفتنةَ، ومن المدح الغرّةَ، فأنا خائف أن أهلك بينهما، وأن أعطب من قلة الشكر(1)عليهما، ثم سكت ابن السماك.
فقال أمير المؤمنين: تكلم يا ابن السماك.
قال: وقد هيّأتُ له كلاماً كان عندي(2)مصوناً، فذهب والله عليّ، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، إنّ الله - تبارك وتعالى - لم يرضَ لخلافته على عباده، غيرك فلا ترضَ لله إلّا بطاعته، وبما يرضيه عنك، فإنك ابن عمِّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأحق (123 و /) الناس بذلك.
يا أميرَ المؤمنين، من عمل في فكاك رقبته في أيام مهله من قبل حضور أجله كان خليقاً أن يعتق نفسه. يا أميرَ المؤمنينّ من أذاقته الدنيا حلاوتها بركونٍ منه إليها، أذاقته الآخرة مرارتها بتجانفه عنها(3)، وما استوى الطعمان في عذوبتهما، ومرارتهما.
يا أميرَ المؤمنين، إني أنشدك الله، أن تقدم غداً(4)على جنة عرضها السماوات، والأرض، ليس لك فيها نصيب. إنك يا أميرَ المؤمنين، قد دُعيت إلى الجنة، ونُدبت إليها، فلا تقصرنّ بنفسك في الطلب، فإن الحجّة لك ألزم، وهي عليك أعظم.
يا أميرَ المؤمنين، تواضع لله، فإنه مَنْ تواضع لله، رفعه الله، إنّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - خرج وهو يريد قباء فلقيه رجل من أهلها معه إناء فيه لَبن قد خاض فيه عسلاً فناوله إياه، فلما تذوّقه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: طعامان وشرابان في إناء واحد، لا حاجة لي به، وإن كنت لا أحرّمه ولكن أحبّ أن يراني الله متواضعاً، فإنّ مَنْ تواضع لله رفعه الله(1). يا أميرَ المؤمنين، واللهِ لو لبست الغليظ لكان أحسن عليك من الدقيق، دع مواليك فليجرّوا الخزوز والبزوز(2)، وكن على التواضع من الله، فإنّ الله لا يضيع أجر مَن أحسن عملاً. واللهِ إن أكباداً باتت تخفق جوعاً أشبعتها وأرويتها، إن ذلك لسريعٌ في الخبر، هم رعيّتك يا أميرَ المؤمنين، وبين يديك، فألِن عِطفك، واخفض لهم (123 ظ /) جَناحك، واكسُ العراة، وأشبع البطونَ، فإنك يا أميرَ المؤمنين إنما تموت وحدك، وتُقبر وحدك، وتُبعث وحدك، وتُحاسب وحدك، واذكر المقام بين يدي الجبار، والوقوف بين الجنة والنار، فإنك لا تقدم إلّا على نادم مشغول، ولا تخلّف إلّا جاهلاً مغروراً، وإنّا وإياك في دار سَفر، وحيران ظعن، وقد أبلغ الريق وأرخي الخِناق، فمن لم يعمل فيما مضى من أجَلِه فليستدرك في قليل ما بقي من رمقه، فإنه بلغني يا أميرَ المؤمنين: أن ثلاثةً من العبَّاد اجتمعوا، قد أنحلتهم العبادة، ويبست جلودهم على أعظمهم من حَرِّ الصوم، فقيل لأحدهم: فيمَ عبادتك، رحمك الله؟ فقال: شوقاً إلى الجنة، قد أهلكني الشوق إليها لا أنتفع بشيء حتى أعلم أني قد وصلت إليها.
وقيل للآخر: فيمَ عبادتك؟ قال: فَرَقاً من النار، قد أهلكني الفرق منها، لا أنتفع بشيء حتى أعلم أني قد نجوتُ منها.
وقيل للثالث: فيمَ عبادتك؟ قال: استحياء من الله، ومن الوقوف بين يديه، لما عندي من الذنوب والعيوب، لا أنتفع بشيء حتى أعلم أني قد نجوتُ من
ذلك الموقف.
يا أميرَ المؤمنين، إنّ الموت أضرّ بالدنيا، وفضح أهلها، فبينما المرء مَهيب
عزيز إذ صار في التراب مَهينا(1)ذليلاً، بينما هو ذو الجمع والتَبع، إذ تفرّق عنه ذلك أجمع، إنما هو دبيب من سَقم حتى يؤخذ بالكظم وتزلّ القدم، ويقع الندم، فلا توبة تُنال، ولا عثرة تقال، ولا يقبل فداء بمال، إنما هي لحظة حتى يخرس اللسان، السمع (124 و /) ويعمى البصر، ويذهل العقل، فكم من معاين لرسل ربه قد صغرت الدنيا في عينه في جنب الذي نزل به، ندم(2)المسكين، فلم ينفعه، ندمه في منهاجه. فقال في كتابه - جلّ ثناؤه - (وحتى إذا جاء أحدَهم الموتُ قال: ربِّ ارجِعونِ)(3). ما يصنع بالرجعة المسكين؟ أراد أن يرجع إلى داره فيبدّد ما جمع من ماله، فأبى عليه ذلك.
يا أميرَ المؤمنين إنهم ندموا في ثلاثة مواطن: ندموا عند الموت، وندموا وهم في النشور، وندموا وهم في النيران، فقال تقدست أسماؤه: (حتى إذا جاءَ أحدَهم الموتُ، قال ربِّ ارجعون لعلّي أعمل صالحاً) فأخبرك أنه لم يكن من أهل الصلاح. وقال - جلّ ثناؤه - (وأنفقوا مما رَزقناكُم من قَبلِ أن يأتيَ أحدَكم الموتُ، فيقول: (ربّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصدَّق وأكنْ من الصالحين(4)هذا عند الموت.
وقال تبارك وتعالى، وهم في النشور: (ولو تَرى إذْ المجرمونَ ناكِسو رؤوسِهم عندَ ربِّهم، ربَّنا أبصَرنا وسَمِعنا فارجِعنا نعمَلْ صالحاً إِنَّا مُوقنون)(5).
وقالوا (وهُم يَصطرخُون فيها: ربَّنا أخرجنا نعملْ صالحاً غيرَ الذي كُنا نَعملُ)(6). فنظر امرؤٌ لنفسه، وبادَر امرؤ بعمله من قبل أن يؤخَذ بالكظم، فمن استطاع أن يعمل عملَ من مات وأدخل النار، وعاين بلاياها ثم سأل الرجعة، وأجيبت دعوته، ورجع إلى دنياه بعد موته، فليفعل.
قال: فبكى أمير المؤمنين بكاءً شديداً، فقال: (124 ظ /) ابن السماك: إنا بعدُ لم نخرج من الدور، وإنا بعدُ لم نصر إلى القبور، وإنا بعدُ لم نختبر عظائم تلك الأمور، ورسول ربنا - جلّ ثناؤه - إلينا سريع، وكُلنا بسرعته جاهل مغرور.
قال: فقال يحيى بن خالد، قم يا ابن السماك، فقد شققتَ على أمير المؤمنين. قال: فنهضتُ وأنا أسمع شهيقه وبكاءه، حتى خرجت واتبعني يحيى بن خالد فقال: يا ابن السماك، أنت(1)متكلم أهل الكوفة، ولو قلتَ: إنك متكلم أهل الدنيا لصدقتُ، دخلت على مَلك حَدث السنِّ لم يحزن قط، والله إنه ليموت له الولد النفيس فيُرى مبتهجاً، ولا يُظهر حزناً، فدخلتَ عليه في أول وهلة فذكّرته الحسابَ والموت والبعث والميزان(2)، فكلَمت قلبه، فإن رجعتَ إليه فارفق به.
قال ابن السماك: فقلت: يا أبا علي، إنك قد أصبحت في موضع قد كان فيه قبلك، وهو كائن فيه قوم بعدك، وقد مضى القوم بالمدائح والمعائب، فإن استطعت إذ صرتَ بالمنصب الذي أنت فيه أن تعمل عملاً يكرم مدخره، ويحسن منتشره فافعل. قال: ثم انصرفتُ.
سمعت عليّ بن أبي طالب - عليه السلام - قال: لقد غدوتُ في غداة شاتية جائعاً خصيراً، وأيم الله لو كان في بيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - طعام لأطعمت منه، وقد أخذتُ إهاباً (125 و /) معطونا.(3)فجئت وسطه، ثم شددته عليّ بخوص ليدفّيني التمس كسباً لعلي أجد شيئاً، آكله، فمررت بيهودي، وهو في حائط له، ينزع منه بيده يسقيه، فاطّلعت عليه من ثلمة في الحائط. قال: يا أعرابي ما لك؟ هل لكَ في كلِّ دلو بتمرة؟ فقلت: نعم افتح الباب. ففتحه لي، فدخلت، فأعطاني دلواً، فجعلت كلما نزعت دلواً أعطاني، تمرة، حتى إذا امتلأت كفّي طرحتُ إليه دلوه،
وقلت حسبي ثم أكلتهنّ، وحمدتُ الله، وشربت من الماء الذي نزعت بكفي حتى رويت، ثم أقبلت حتى جئت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فوجدته في المسجد جالساً الناس، فجلست إليه، فبينا نحن عنده إذ طلع مصعب بن عُمير(1)في بردة له خلق مرقوعة بفرو.
قال: فجاء وهو مستح يتقصّى الناس، حتى جلس في أدناهم، ورآه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فذكر ما كان فيه من النعمة، وذكر ما أصابه من الجهد في الإسلام.
قال: فذرفت عينا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ثم قال: توشكون أن يغدو أحدكم في حُلّة، ويروح أخرى، وأن يُغدا على أحدكم بجفنة، ويُراح عليه بأخرى، ويستر بينه كما يستر الكعبة، أفأنكم يومئذ خير أم أنتم اليوم؟
قال: قلنا: يا نبي الله، نحن يومئذ خير منا اليوم، كُفينا المؤونة، فتفرغنا للعبادة.
قال: بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ(2).
قالت لي مولاة لنا: ما يمنعك من فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنها تُخطب إليه؟
قال علي عليه السلام: فواللهِ ما زالت فوالله ما زالت بي حتى دخلتُ على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من الإجلال، ما ليس لأحد، فجلستُ بين يديه وأفحمت فلم
1) مصعب بن عمير بن هاشم العبدري، أحد السابقين إلى الإسلام، كان فتى مكة شباباً وجمالاً وتيها، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب، فكان أعطر أهل مكة. قتل يوم أحد ومعه لواء المسلمين. (الاستيعاب 448/3 والإصابة 401/3).
2) انظر هذه القصة مختصرة في الإصابة 401/3.
3) انظر قصة زواجه في الإصابة 365/4. ومسند أحمد 78/6.
أقدر على الكلام، فقال لي: ما لك يا أبا الحسن؟ هل لك من حاجة؟ فسكتُّ، حتى أعاد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: فلعلك تريد فاطمةَ؟ قال: فقلت: نعم.
قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ما فعلت درعٌ كنتُ سلحتكها(1)
وصحب النبي صلَّی الله علیه وآله وسلَّم هو وأولاده، وكان من فضلاء الصحابة استخلفه الرسول.
؟ فقلت: عندي. قال: فاذهب بها إليها فاستحلّها بهاقال عليّ بن أبي طالب - عليه السلام - لما أردت أن أجمع فاطمة أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - مِصراً من ذهب، فقال: ابتع بهذا طعاماً لوليمتك.
قال: فخرجت إلى محافل الأنصار، فجئتُ إلى محمد بن مسلمة(2)في جَرين له قد فُرِّغ من طعامه، فقلت له: يعني بهذا المصرّ طعاماً، فأعطاني، حتى إذا جعلتُ طعامي قال: من قال: من أنت؟
قلت: عليّ بن أبي طالب. فقال: ابن عمِّ رسول الله - صلى الله عليه وآله - ؟ فقلت: نعم.
قال: وما تصنع بهذا الطعام؟ قلت: أعرّس. فقال: وبمَن؟ فقلت: بابنة رسول الله - صلى الله عليه وآله.
قال: فهذا الطعام، وهذا المصرّ الذهب، فخذه، فهما لك. فأخذته ورجعت، فجمعت (126 و /) أهلي إليّ، وكان بيت فاطمة لحارثة بن النعمان(3)، فسألت فاطمةُ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن يحوّله. فقال لها: لقد استحييتُ من
1) في ب: سلحتها. وفي الإصابة: فما فعلت الدرع التي أصبتها؟ يعني من مغانم بدر.
2) هو محمد بن مسلمة بن سلمة الأنصاري الأوسي، شهد بدراً صلَّی الله علیه وآله وسلَّم على المدينة في بعض غزواته، له وكان ممن اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل ولا صفين توفي سنة ثلاث وأربعين. ترجمته في الاستيعاب 3/ 315 والإصابة 364/3.
3) هو حارثة بن النعمان بن نفيع الأنصاري من بني النجّار ممن شهد بدراً، أدرك خلافة معاوية ومات فيها بعد أن ذهب بصره. (الإصابة 298/1).
حارثة ممّا يتحوّل لنا عن بيوته.
فلما سمع بذلك حارثةُ انتقل منه، وأسكنه فاطمة(1)، وكان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يأتي الأنصار في دورهم فيدعو لهم بالبركة.
فيجتمعون إليه، فيذكّرهم ويحذرهم وينذرهم، ويأتونه بصبيانهم.
سمعت عبد الرحمٰن بن أبي الزناد ينشد لكنانة بن أبي الحُقيق اليهودي(2):
أرقتُ وأمسيت رهن الفراش *** من حرب قومي ومن مغرم
ومن سفهِ الرّأي بعد الهدى *** وعمه الرشاد فلم يُفهم
فلو أنّ قومي أطاعوا الحليم *** لم يتعدَّ ولم يظلم(3)
ولكنَّ قومي أطاعوا الغوا *** ةَ حتى تعكّس أهل الدم(4)
وأودى السفيه بأمر الحليم(5)*** فانتشر الأمر لم يُبرم
إخوةٌ ما حضرتُ سرونَ برون *** فإنْ غبت فالسِّباع الجياع
يأبنوني حتى إذا عاينوني *** بان فيهم تضاؤل واختشاع
فهم يغمزون منّي قناةٌ *** ليس يألونَ غمزها ما استطاعوا
ما كذا يفعل الكرام ولكنْ *** هكذا يفعل اللئام الرِضاع
1) في الإصابة: فبلغ حارثة فجاء فقال: يا رسول الله، والله الذي يأخذ أحب إليّ من الذي يدع. فقال: صدقت بارك الله فيك.
2) هو كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق من بني النضير، من يهود يثرب الذين أسهموا في التآمر على الإسلام والمسلمين في عصر الرسالة انظر ترجمته في المرزباني 246 حيث أورد له الأبيات 3 - 5 وانظر الأغاني 92/21. وابن هشام في مواضع عديدة.
3) في ب: فلم أرقومي. وفي المرزباني: لم يتعدوا.
4) في المرزباني: تعكظ.
5) في المرزباني: برأي الحليم.
6) في الأغاني (بولاق) 186/5 أبو همهمة مغنٍ أسود من أهل المدينة ليس بمشهور ولا ممن نادم الخلفاء.
كأنما خُلقت كفّاه من حَجرٍ *** فلیس بين يديه والندى عمَل
يرى التيممَ في بَر وفي بحرٍ *** مخافة أن يُرى في كفّه بلل
لا بارك الله في كعبٍ ومجلسهم *** ماذا يجمِّع من لؤم ومن وَضع
لا يدرسون كتاب الله بينهم *** ولا يصومون من حِرص على الشبع
أنشدني التيميّ(3)في الفضل بن الربيع الحاجب(4):
لعمرك ما الأشراف في كل بلدة *** وإنْ عظموا للفضل إلّا صنائع
ترى عظماء الناس للفضل خُشّعاً *** إذا ما بدا والفضل لله خاشع
تواضع لمّا زاده الله رفعةً *** وكل عزيز عنده متواضع(5)
لم يكن حادثٌ يشتِّتُ شَعباً لا ولا وحشةٌ تجرُّ التجافي
فتعالوا نردُّ حلو التصافي *** ونُميت الجفاء بالألطاف
1) الحزين لقب غلب عليه واسمه عمرو بن عبيد بن وهيب بن مالك الكناني من شعراء الدولة الأموية حجازي مطبوع، وكان هجّاء خبيث اللسان ساقطاً يرضيه القليل ويتكسب بالشر والبيتان في المؤتلف والمختلف ص 122 ترجمته في الأغاني (بولاق) 76/14.
2) البيتان في الأغاني 80/14 وفيه مرّ الحزين الدئلي على مجلس لبني كعب بن خزاعة وهو سكران فضحكوا عليه فوقف وقال: وفيه من (ضرع) مكان (من وضع).
3) التيمي هو أبو محمد عبد الله بن أيوب مولى بني تيم، كوفي من شعراء الدولة العباسية كان خليعاً ماجناً وصّافاً للخمر مدح البرامكة. ترجمته في الأغاني 18/ 115.
4) الأبيات في الأغاني 116/18.
5) في الأغاني: وكل جليل.
أنشدني بعض أهل المدينة:
إذا شئت َأن تلقى بناناً مخضباً *** وعينين دعجاوين فالقَ المواليا
وما بالموالي من دناة تعيبهم *** ولا قِصَرٌ عن أن ينالوا المعاليا
(127 و /)
يقولون مولاةٌ فلا تقربنّها *** ألا ليتنا كنا جميعاً مواليا
إنّ التي فخرت عشيّةَ زرتُها *** بكلامها الفتّان والإعراض
فخرت عليك بأنها عربيّة *** فتعرّضت لمُفاخِر نقّاض
(2) فأجبتها إني ابن كسرى وابن مَنْ *** دان الملوكُ له بغير تراض
فتطأطأت وتضاءلت من زهوها *** لفخار أصيد للذرى خفّاض
ولقد أقي عِرضي بما ملكت يدي *** وأرى العَروض وقايةَ الأعراض(3)
أنشدني الكثيري(4):
الموت أجمل بالفتى من خُطّة *** في الناس خوفَ شنارها يتقنّع(5)
شتَّان من أعطى الرجال ظلامةً *** حذر البلاء وآخرٌ لا يخضع
ليس الجزوع بمفلتٍ من يومه *** والحرُّ يصبر والأنوف تَجدّع
فتْح الإلٰه عداوةً لا تُتقى *** وقرابة يُدلي بها لا تنفع
1) أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن داود الكاتب، شاعر له شعر في 70 ورقة، وكتاب رسائل، وله تقدم في البراعة والبلاغة (الفهرست 179 ومعجم المؤلفين 14/1).
2) البيت الثاني والثالث والخامس في معجم البلدان 78/4 وفيه: فخرت عليّ.
3) في معجم البلدان: ولقد أتى (تحريف) .. إن العروض.
4) في ب: الكثير.
5) في ب:خوف شرارها.
أنشدني إبراهيم بن عبد الرحمٰن الكثيري:
رين
وددت وكاتب الحسنات قلبي *** تقلّبه يداكِ فتنظرينا
إلى أثر العلاقة في فؤادي *** وصدع الحبِّ في كفّي مبينا
ودِدتُ وكاتب الحسنات أني *** ومن أهوى بمنقطع التراب
(127 ظ /)
نعيشُ الدهر ما عشنا جميعاً *** ونُقرنَ يوم نُبعَث للحساب
أنشدني المساحقي(1)عبد الجبار بن سعيد بن سليمان للمجنون(2):
فلو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا
ومن دون رمسينا من الأرض منكب(3)
لظلَّ صدى رمسي ولو كنت رِمّةٌ
لصوتِ صدى ليلىٰ يهشُّ ويطرب
تقول سليمي حلّ أهلك فارتحل
وهل لكِ هل تدرين ويحكِ من أهلي(4)
ومالي أهلٌ غير ظهر مطيّتي
تروح وتغدو ما يحلُّ لها رحلي
1) في ب عبد الجبار بن سليمان. وقد ورى عنه ابن سلام في طبقاته ص 394 وله روايات كثيرة جداً في الأغاني.
2) المجنون، يريد به الشاعر العاشق قيس بن الملوح بن مزاحم بن عدس، من بني عامر بن صعصعة. وانظر الاختلاف في شخصه في ترجمة مجنون بني عامر في الأغاني 167/1 والبيتان له من قصيدة طويلة. انظر مجنون ليلى لمحمود كامل فريد ص 86.
3) في المصدر السابق: فلو تلتقي في الموت روحي وروحها ... ومن بين ...
4) في ب: وما لي هل تدرين ويحك من أهلي.
أنشدني حسن بن داود الجعفري العرارة الخياط(1):
صحبتك عشراً بعد عشرين حُجّة *** على غير تجريب لقد كنتُ جاهلا
فلما فتحت الكفَّ عمّا طويتها *** عليه وما أمّلتُ لم ألفِ طائلا
246 - وأنشدني الزبير لحُميد بن ثور(2):
لا يُبعد الله الشبابَ وقولنا *** إذا ما صبونا صبوةً سنتوب
ليالي أبصار الغواني وسمعها *** اليّ وإذريحي لهنّ جَنوب
وإذ ما يقول الناس شيء مهوَّن *** علينا وإذ غصنُ الشباب رطيب
أغثني أميرَ المؤمنين بنظرةٍ *** تزول بها المخافةُ والأزل
ففضلك أرجو لا البراءة إنه *** أبى اللهُ إلّا أن يكون لك الفضل
فإنْ لا أكن أهلاً لما أنت أهله *** فأنت أمير المؤمنين له أهل
1) هكذا اسمه في الأصل. وفي ب لغزارة.
2) الأبيات في ديوانه ص 52.
3) عثمان بن عمارة بن حريم بن عمرو بن الحارث الغطفاني المرّي، والي سجستان سنة 157، وفي زمنه ثار في خراسان الحصين الخارجي، فأرسل له عثمان جيشاً فهزمه الحصين. (ابن الأثير 89/5 والطبري 621/7).
4) اسمه عامر، كان رأس المضرية في الشام، وأحد فرسان العرب المشهورين ولم يذكر عنه أنه انهزم قط، توفي سنة 182. (الشعر والشعراء 731 وانظر الأعلام 23/4).
بينا الزبير في بعض مغازيه إذ اصطفى جاريةً. قال: فتخلّف عن العسكر، فنال من الجارية، ثم ركب يريد الجيش فعرض له لصّان في الطريق، فقالا: أطعمنا، فرمى إليهما(1)، بسفرته فقالا: أكسنا، فرمى إليهما بثوبين كانا معه، فقالا: خلِّ عن الظعينة، فقال لها: تنحي، ثم شدَّ عليهما فأبانهما بضربة واحدة.
وفد الصقب النهدي(2)على النعمان بن المنذر ومعه رجلان من قومه يقال لأحدهما البراء بن عمرو، والآخر الحارث بن مازن، وكانا شريفين، وكان الصقب قصيراً أفوه دميماً أسود أعور، فجلسوا بفناء قصر النعمان، وقد سمع النعمان بشرف الصقب ومنزلته في قومه، فقال لإذنه: ائذن للصقب.
قال: فخرج واعتمد رجلاً عظيماً جسيماً، فقال: ادخل، وهو يظنّه الصقب، فدخل فقال له النعمان: أأنت الصقب؟ قال: لا ولكني البراء بن عمرو النهدي. فقال: اجلس، فجلس (128 و /) ودعا له، بلبن، فشربه. ثم قال للآذن: ائذن للصقب. فخرج، فاعتمد آخر جميلاً جسيماً. فقال: ادخل فدخل، فقال: أأنت الصقب؟ قال: لا ولكني الحارث بن مازن النهدي. قال: اجلس، ودعا بلبن فشرب، ثم قال: نوّه بإذن الصقب. فنوّه به، فدخل فلما رآه النعمان ازدراه، ونبَت عينُه عنه، فقال: أأنت الصقب؟ ثلاث مرات. قال: نعم. قال تسمع بالمعيدي خيرٌ من أنْ تراه(3). قال: أبيت اللعن، الرجال ليس بمسوك يُستقى فيها الماء، وإنما المرء.
1) في ب: إليهم.
2) قال ابن دريد في الاشتقاق 320. ومن رجالهم (أي بني نهد) الوافد إلى النعمان واسم، الصقب خيثم بن عمرو، وكان سيد بني نهد قد أخذ مرباعهم دهراً، وله حديث في دخوله إلى النعمان. وقال قوم: بل اسمه البراء بن عمرو.
3) مثل معروف أورده الميداني 118/1. ونسب الخبر إلى المنذر بن ماء السماء واسم صاحب الحادثة فيه شقة بن ضمرة. والخبر في البيان والتبيين 171/1 وسماه ضمرة بن ضمرة. إلّا أنه استدرك على ذلك فقال: واليمانية تجعل هذا للصقب النهدي، فإن كان كذلك فقد أقروا بأن نهداً من معد. والمعيدي: تصغير رجل منسوب إلى معد. انظر اللسان ( ..1).
بأصغريه: قلبه ولسانه، إذا نطق نطق ببيان(1)، وإذا قاتل قاتل بجَنان.
قال: إنه لكما تقول، فكيف نظرك في الأمور؟
قال أنقُض فيها المفتول وأبرم منها المسحول، وأحلها إلى أن تحول، ثم انظر إلى ما تحول، وليس لها بصاحب من لم يكن له نظر في العواقب.
قال: فأخبرني عن الفقر الحاضر، والعجز الظاهر.
قال الفقر الحاضر المرء لا تستغني(2)نفسه، وإنْ كان ذهباً جليسه. فأما العجز الظاهر، فالشاب الضعيف، اللزوم للحليلة، التبوع(3)لها، الذي يحوم حولها، إن غضبت أرضاها، وإن رضيت فداها، فذاك الذي لا كان، ولا ولدت النساء مثله.
قال: فأخبرني عن السوءة السوءاء والداء العياء.
قال: السوءة السوءاء الحليلة السليطة، السَلْفَع(4)القصيرة، التي تغضب من غير غضب، وتعجب من غير عجب، فصاحبها لا ينعم باله، ولا يصلح حاله، إن كان مقلاً عيّرته، وإنْ كان ذا مال لم ينفعه ماله (129 و)، فتلك التي أراح الله منها بعلها، ولا متّع بها أهلها، وأمّا الداء العياء فجار السوء، الذي إنْ خالطته ظلمك(5)وإنْ غبت عنه سَبَعك(6)، وإنْ قاولته بهتك. فإذا كان ذلك جارك، فأخل له دارك، وعجّل منه فرارك، فإن(7)ضننت بالدار كنت كالكلب الهرّار، فأقمت بذلٍّ وصغَار.
وقال معاوية بن أبي سفيان لصحار العبدي(8)، وكان أزرقَ(9): يا أخا عبد القيس.
1) في ب: بلسان.
2) في ب: لا يستغني.
3) في ب: المتبوع. تحريف.
4) السلفع: الصخّابة البذيئة، السيئة الخلق.
5) في ب: قطعك.
6) سبعك: شتمك.
7) سقطت (فإن) من ب.
8) هو صحار بن عباس (أو عياس) بن صخر بن شراحيل بن منقذ العبدي، صحابي له أخبار حسان، وكان بليغاً مفوهاً، ونسّاباً، وكان عثمانياً، توفي نحو ستة وأربعين بالبصرة. (الإصابة 2/ 170).
9) انظر هذه المحادثة في البيان والتبيين 96/1 و 46/4 وعيون الأخبار 172/2 والإصابة 2/ 170 والصناعتين 32. والعقد الفريد 119/2.
قال: على ذاك قطع سيري - يعني قلادته - وما عبد القيس عليّ بعارِ.
قال: يا أحمر. قال: الذهب أحمر.
قال: يا أزرق(1). قال: البازيّ(2)أزرق.
قال: أنتم أخطب العرب؟ قال: إن ذلك ليقال.
قال: فما الخطيب فيكم؟ قال: مَن ردَّ بقليل الجواب كثير النطق.
قال: ما هذه البلاغة فيكم؟ قال: كلام يعتلج على قلوبنا فنقذفه كما يقذف البحرُ الموجَ.
قال: فما إلّا بلاغ؟ قال: أن تسرع فلا تبطىء، وتقول: فلا تخطىء(3).
كان يقال: اتَّقِ القرشيَّ ما لم تكن له عندك يد، فإذا كانت له عندك يدٌ فأمنه(4)فإنه لا يكدّرها.
كان عبّاد بن منصور الناجي(5)قاضياً، فتقدّم إليه رجلان، ادّعى أحدهما على صاحبه كفالة، فقال: إنما أنا كفيل، وليس الحقّ عليّ.
قال: أقول لك ما قال العربي، وما قال الفارسي، قال العربي(6):
إذا ما المرء كان له كفيل *** فأفلس أو لوى غرم الكفيل
(129 و /) وقال الفارسي: بانياز دَسُتَ الريش(1).
كان رجل في الجاهلية له محجن يسرق به مَتاع الحاج، فإذا قيل له: تسرق الحاج؟! قال ما أسرق، إنما يسرق محجني.
قال حماد: لو كان هذا حيًّا، اليوم، كان من أصحاب أبي حنيفة.
عُزّي خالدٌ على ربعيّ ابنه، فتمثّل أبيات أبي خراش الهذلي(2).
فوالله لا أنسىٰ قتيلاً رزيته *** بجانب قُوسي ما مشيت على الأرض
قال: فعلم والله أنه سيكذب فقال:
على إنّها تعفو الكلوم وإنما
نُوكَّل بالأدنى وإن جلَّ ما يمضي(3)
ورواية الثاني في ب: بل أنها تعفو. وفي الشعر والشعراء: بلى أنها.
1) ورد النص الفارسي هكذا في المخطوطة وهو واضح الحروف. وقد عرضناه على الدكتور حسين علي محفوظ والدكتور أحمد ناجي القيسي فبيّنا أن التحريف قد أصاب الكلمة الأخيرة وأوضحا أنه إذا افترض أن هذه محرفة من (مريش) أمكن أن يكون معناها فعل نهي من المصدر ريشتن الذي يأتي بمعنى (ريختن) وهو الصبّ. فيكون معنى الجملة الفارسية: لا تصبّ مع المحتاج: أي لا تأكل مع المحتاج، لأنه سيأكل أكثر منك فتكون الخسارة عليك.
2) هو خويلد بن مرة، شاعر مخضرم، نهشته حية، فمات في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. (الشعر والشعراء 554).
3) والبيتان في الشعر والشعراء وديوان الهذليين 157/2. قالهما في رثاء أخيه عروة. وقوسي: ببلاد السراة من الحجاز.
قال خشرم: دخلتُ الجنة فما رأيت فيها مولى.
قال: قلت: صعدتَ الغرف؟ قال: لا. قلتُ: الموالي في الغرف.
لقد ذهب الغزو المغرِّب للغنى *** ومات الندى والجود بعد المهلَّب(2)
أقاما بمرو الروذ رهينَي حَفيرةٍ *** وقد غُيّبا عن كلّ شرق ومغرب
فلما كان قتيبة بخراسان وفتح ما فتح قال(3)
والثاني: أعم لأهل الشرك مثلاً بسيفه. وهما في الشعر والشعراء أيضاً.
:ما كان مذكنّا ولا كان قبلنا *** ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم
(130 و /)
أشدّ على الأعداء فينا بسيفه *** وأكثر فينا مقسماً بعد مقسم
قال: أين هذا من قولك: لقد ذهب الغزو؟ قال: ذاك كان غزواً وهذا حشر.
فلما ولي نصر بن سيّار أتاه خلف الأقطع(4)فأحسن إليه فقال:
نهارٌ أمات الجوَد حيناً ولم يكن *** لصاحبنا علم بما في المغيَّب
لقد رجع الغازون واستؤنف الغنى *** بنصرٍ وعاش الجود بعد المهلّب
1) نهار بن توسعة بن أبي عتبان من بكر بن وائل، وكان أشعر بكر بن وائل في خراسان من شعراء الدولة العباسية، انظر الشعر والشعراء 448 والمؤتلف والمختلف 296.
2) البيتان في الأمالي 198/2 وفيه: الندى والحزم. والثاني: رهن ضريحه. والأول في الشعر والشعراء وروايته: ألا ذهب.
3) البيتان في الأمالي ورواية الأول: ولا كائن من بعد مثل ابن مسلم.
4) هو خلف بن خليفة، كان أقطع اليد. شاعراً مطبوعاً ظريفاً. (الشعر والشعراء 602).
5) هو خلاد بن يزيد الأرقط، أحد رواة القبائل، والعارفين بالقبائل والأشعار. (الفهرست 156).
6) الشاعر الأموي المعروف مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة، وهو مولى مروان بن الحكم، وكان أعتق أباه يوم الدار. (الشعر والشعراء 649).
7) الحادثة في الأغاني 41/9 برواية خلاد بن الأرقط أيضاً.
يغلطون في أنفسهم، والناس يلقونني بما أحبّ، فأصدقني عن نفسي، فأنشده قصيدته هذه:
حتى إذا وردت أوائل خيلِه *** جَيحان بثَّ على العدوِّ رعَالها(1)
وجيحان: نهر بالمصيصة بالثغر الشامي، ومخرجه من بلاد الروم ويصب في بحر الشام.
والرعال: واحدها الرعيل وهو القطعة من الخيل تتقدم العسكر.
فقال: أنت فيها أشعر من الأعشى في قصيدته:
رحلت سميّة غدوةً أجمالها(2)
عبد الرحمٰن الجمحي عن عوف قال:
قدم رجل من الشام من آل أبي صفرة، فكان يحدّث عن عتبة بن ربيعة، وهند ابنة ربيعة، وأبي سفيان بن حرب، ومعاوية بن أبي سفيان إلى أن قال لي رجل: ما تقول في كذا؟ فقلت: قال ابن سيرين كذا(3).
وقال: وسألني آخر فقال: ما تقول في كذا؟ فقلت: قال الحسن. فتعرضوا إليّ وتركوه، فقال: ألا تعجب من هؤلاء؟ أحدثهم عن هند وأبي (130 ظ /) هند، وزوج هند، وهذا يحدّثهم عن عِجلين من أهل ميسان، فيقومون إليه ويتركونني!
أنشدني محمد بن سلّام لبعض الشعراء في مَعن بن زائدة:
بأيّ الخلتين عليك أثني *** فإني عند منصرفي مسؤول
أبالحسنى فليس لها ضياء *** علي فمن يصدق ما أقول؟
1) البيت من قصيدة طويلة في مدح المهدي أوردها الشريف المرتضى في أماليه في مواضع عديدة هي 540/1 و 553 و 566 و 569.
2) هو الشاعر الجاهلي المعروف أبو بصير ميمون بن قيس. والبيت في ديوانه وتمامه فيه: غضبي عليك فما تقول بدالها. 0
3) ابن سيرين: أبو بكر محمد بن سيرين البصري كان من سبي ميسان، عرف بتعبير الرؤيا والزهد. توفي سنة 110. (صفة الصفوة 164/3).
دخل جدي عبد الله بن مصعب(1)على المهدي، فتكلّم بكلام، فلما انصرف لقيه مَن سمع، كلامه، فقال: يا أبا بكر، اكتبني ذلك الكلام الذي تكلمتَ به. قال: ما، أحفظه، ولا أعرفه، إنما كان كلاماً عنَّ ففنَّ(2).
دخل عبد الله بن الزبير على معاوية بن أبي سفيان، وعنده جماعة، فيهم مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، فأوسع له معاوية، فجلس معه على سرير، فلما انصرف عبد الله بن الزبير أقبل مروان على معاوية فقال:
للَّهِ ُدرّكَ من رئيس قبيلة *** تضع الكبير ولا تربي الأصغرا
فقال معاوية:
نفس عصام سودت عصاما(3)
نفس عصام سوّدت عصاما *** وعلّمته الكر والاقداما
والرجز للنابغة الذبياني وعصام هو عصام بن شهبر حاجب النعمان بن المنذر، وقد كان غلب على أمر النعمان، ولم يكن لآبائه شرف. فشرف بنفسه. (عيون الأخبار 227/1 والمستقصى 369/2 والفاخر 145 و 153).
262 - حدّثنا أحمد بن سعيد قال: حدّثني الزبيرُ قال: حدّثني أبو ضمرة عن أسامة بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة:
إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (131 و /) قال: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يُثربعليها. ثلاثاً، فإن زنت الرابعة فليبعها، ولو بضفيرٍ من
قال لي [أبو] عمر بن عبد العزيز: هل لك أنْ أبيعك نَعَماً من نَعم الصدقة(2)، وأنستك النصفَ؟
قال: فقال عروة: والله ما يسرّني أنّ صدقات مضر الحمراء كلها لي، لشهدتُ أباك - يعني مروان - على هذا المنبر أمر للناس(3)بنصف عطائهم.
وقال: إنّ المال قصّرَ، وقد أمرتُ لكم بالنصف الأخير من صدقات مال اليمن.
قال: فوثب الناس فقالوا: لا والله ما نريد، ذاك(4)مال الصدقة، وإنما مالنا مال الخراج.
فبلغ ذلك معاوية، فأمر لهم معاوية بمال الخراج.
كان عندي سيف طلحة بن عبيد الله، اشتريته، فبعث الخليفة جعفر المتوكل على الله يطلبه مني بثمن، فأهديته إليه، وكان عند آل عبد الله بن جحش(5)السيف الذي يسمى (العرجون)، وكان سببه أن سيف ابن أن سيف ابن(6)جحش انقطع يوم أحد، فأعطاه
1) الحديث في البخاري، 213/9 ونصه فيه: سئل الرسول صلَّی الله علیه وآله وسلَّم عن الأمة إذا زنت ولم تحصن. قال: «إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير»
2) في ب: الصدق. تحريف.
3) في ب: الناس. تحريف.
4) في ب: ذلك.
5) أحد السابقين إلى الإسلام هاجر إلى الحبشة وشهد بدراً واستشهد في أحد وكان أول أمير في الإسلام، وعقدت له أول راية في الإسلام في سرية نخلة. (انظر المغازي 13/1 والاستيعاب /26/2 والإصابة 278/2).
6) سقطت كلمة (ابن) من ب.
رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عرجون نخلة، فصار في يده سيفاً، يقال: إنّ قائمته منه، فبيع من بُغا التركي بمائتي دينار(1).
أتيتُ عبيد الله بن عبد بن الله عتبة بن مسعود، فإذا هو كالمغتاظ، فقلت: ما
لكَ؟ فقال: دخلت (131 ظ /) على عاملكم آنفاً، يعني عمر بن عبد العزيز، ومعه عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان(2)، فسلّمتُ فلم يردَّ عليّ فقلت(3):
مُسَّا تراب الأرض منها خُلقتما *** وفيها المعاد والمصير إلى الحشر(4)
ولا تعجبا أن تؤتيا فتكلّما *** فما حُشي الأقوام شراً من الكبر(5)
ولا تأنفا أن ترجعا فتسلما *** فما خشي الإنسان شراً من الكبر
وفي شعره:
ولا تأنفا أن تسألا وتسلّما.
فلو شئتُ أدلى فيكما غير واحد *** علانِية أو قال عنديَ في السرّ
فإن أنا لم آمرْ ولم أنه عنكما *** ضحكتُ له حتى تلجَّ ويستشرى
قال ابن شهاب: فقلت له: سبحان الله، ومثلك - يرحمك الله - في سنك وفضلك يقول الشعر؟ قال: إن المصدور إذا نفث برأ(6).
سمعت رجلاً من أهل مكة يقال له أبو الماهر يقول: قدم المنصور للحجِّ، فكان
1) قصة السيف في الاستيعاب نقلاً عن الموفّقيات. وفي الإصابة برواية الزبير أيضاً. وبغا هذا، هو بغا الكبير أبو موسى التركي مقدم فواد المتوكل توفي سنة 248: (الشذرات 117/2).
2) كان يقال لعبد الله المطرف من حسنه وجماله. وأمه حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب. نسب قريش 112).
3) انظر القصبة في البيان والتبيين 356/1 وأمالي المرتضى 2/ 60 وشعره 19.
4) في البيان منه خلقتما .. وفيه المعاد.
5) في البيان والأمالي.
6) في البيان: إن المصدور لا يملك أن ينفث. وفي نكت الهميان: لا بد للمصدور أن ينفث.
يخرج من دار الندوة إلى الطواف في آخر الليل مستتراً من الناس، فيطوف بالبيت، ويصلي ويدعو، لا يعرف موضعه، فإذا أضاء الفجر عاد إلى دار الندوة، وجاء المؤذنون فسلّموا عليه، وأقيمت الصلاة، فيخرج فيصلي بالناس، فخرج ذات ليلة حين أسحر، فطاف بالبيت، فسمع رجلاً في الملتَزم(1)يقول(2): اللهمّ إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يَحولُ بين الحقِّ وأهله من الطمع.
قال: فاقتصد المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله، ثم خرجَ من الطواف فجلس ناحيةً من المسجد، وأرسل إلى الرجل، فقال له: أجب أمير المؤمنين (132 و /) فصلى ركعتين، واستلم الركن، وأقبل مع الرسول، فسلَّم عليه(3)، فقال له المنصور: ما هذا الذي سمعتك تذكر من ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحقّ وبين أهله(4)من الطمع؟ فوالله لقد حشوتَ مسامعي ما أرمضني(5)وأقلقني(6).
قال: يا أميرَ المؤمنين، إنْ أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها، وإلّاّ احتجزتُ منك، واقتصرت على نفسي، ففيها شاغل عن سوى(7)ذلك.
قال المنصور: فأنت آمن على نفسك. فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين الحق، فأظهر طمعه في الأرض والفساد والبغي لأنتَ.
قال ويحك، وكيف يدخلني الطمعُ والصفراء والبيضاء في قبضتي والحلو والحامض في يدي(8)!!
1) الملتزم: ما بين باب الكعبة والحجر الأسود.
2) النص في عيون الأخبار 2 / 333 وشرح نهج البلاغة 304/5. والعقد الفريد 304/1 والمحاسن والمساوىء 339 برواية المفضل الضبي عن المسيب بن زهير.
3) في عيون الأخبار وشرح نهج البلاغة: بالخلافة.
4) في المحاسن: والمساوىء: ما هذا الكلام الذي سمعتك تلفظ به آنفاً عند الركن.
5) أرمضني: أغاضني وآلمني.
6) سقطت كلمة (وأقلقني) من المصادر الأخرى.
7) سقطت كلمة (سوى) من ب. في المحاسن: وشرح النهج: فلي فيها شاغل.
8) في أكثر المصادر السابقة: عندي.
فقال: يا أميرَ المؤمنين، وهل دخل أحد(1)من الطمع ما دخلك!؟ إنّ الله - تبارك وتعالى - استرعاك أمور المسلمين وأموالهم فأغفلت أمورهم، واهتممت بجمع أموالهم، وجعلتَ بينك وبينهم حجاباً من جصِّ وآجر، وأبواباً من حديد، بعضها على إثر بعض، وحجبةً عليها في أيديهم السلاح، ثم سجنتَ نفسك فيها، واحتجبت بها عنهم، وبعثت عمّالك في جباية الأموال وجمعها وحشرها إليك، وقوّيتهم بالرجال والكرّاع، وأمرت بألّا يدخل عليك من الناس إلّا فلاناً وفلاناً، لنفرٍ يسير، ونهيتهم أن يوصلوا إليك مظلوماً أو ملهوفاً أو جائعاً أو عارياً أو ضعيفاً فقيراً، له (132 ظ /) في هذا المال الذي قِبلك حقٌ(2)، فجبى عمّالك الأموال وجمعوها وحشروها إليك، فأودعتها الخزائن بمدينتك، ولم تعطها أهلها، فلما رآك - يا(3)أمير المؤمنين - هؤلاء - النفرُ الذين استخلفتهم لنفسك، وخصصتهم ببرِّك، وآثرتهم على رعيتك، تجم(4)الأموال وتجمعها وتستأثر بها، فلا تقسّمها على أهلها، وتمنعهم حقوقَهم منها، قالوا: هذا قد خان اللهَ فمالنا لا نخونه، وقد سجن نفسه، وأمكنتنا منه(5)الفرصة، واطّلعنا منه على العورة! فتوازروا(6)- يا أميرَ المؤمنين - على أن لا يصل إليك من علم خبر الناس إلّا ما أحبوا وأنْ لا تطّلع من أمورهم إلّا على ما أرادوا، وأنْ لا يخرج لك عامل فيخالف أمورهم(7)ويطرح رأيهم، إلّا قصبوه(8)عندك، واغتايوه(9)، حتى تسقط منزلته، ويتّضح أمره(10)، فأجمع رأيهم وأمرهم على ذلك، وانتشر لهم بذلك - يا أميرَ المؤمنين - عند الخاصّة والعامة من رعيتك، أنهم يضرّون
1) في ب: أحد.
2) في أكثر المصادر: ولا أحد ممن له في هذا المال حق.
3) سقطت (يا) من ب.
4) في المصادر الأخرى: تجبي. وتجم:ّ تكثّر.
5) في ب: فيه.
6) في المصادر الأخرى: فأتمروا.
7) في المصادر الأخرى: أمرهم.
8) قصبوه: عابوه وشتموه. وفي العقد: الاّخونوه. وفي شرح نهج البلاغة: بغضوه.
9) في عيون الأخبار والعقد: ونفوه. وفي شرح النهج: وبغوه الغوائل.
10) في عيون الأخبار وشرح النهج: ويصغر قدره.
وينفعون عندك من شاؤوا، وأنك تقبل قولهم، وتعمل برأيهم، فأعظمَهم مَنْ من وراء بابك، وخافوهم فكان أول مَن صانعهم من الناس وداراهم عمّالك، فأرسلوا إليهم بالهدايا، ليقووا بها على ظلم رعيتك، فامتلأت الأرض من طمعك الحاجز بينك وبين الحق، بغياً وفساداً، وصار - يا أميرَ المؤمنين - هؤلاء النفر الذين سجنت نفسك لهم بطمعك شركاءك في سلطانك، يكسبون لك الآثام، ويطوّقونك الخطايا، ويحمّلونك الأوزار، وأنت غافل (33 و /) أو متغافل، كأنك لا تعلم أنه إن ظلمَ أحد من عمالك أحداً من رعيتك، أو قويٌ من جندك غصب ضعيفاً من ذوي العَهد، فجاءك متظلّماً، أنه يُحال بينك وبينه، وإنْ أراد أنْ يرفع إليك قضيةً عند ظهورك، وجدك قد نَهیتَ عن ذلك، ووقفت للناس رجلاً ينظر في مظالمهم، فإن أتى ذلك الرجل بمظلمة لمسلم أو معاهِد، وبلغ ذلك بطانتك، أتوا الرجل فسألوه أنْ لا يرفع مظلمته، فإنّ الذي يتظلم منه له به حرمة. وما حرمته قدم خيانته، فأجابهم صاحب المظالم إلى ذلك، واختلف المظلومُ أياماً يلوذُ به، ويشكو إليه(1)، فيعتلّ عليه، ويدفعه ويمنِّيه، فإذا ظهرتَ صرخَ بين يديك مستغيثاً، فضُرب وجُعل نكالاً لغيره، وأنت - يا أميرَ المؤمنين - تنظر إليه، وتحتجُّ عليه بأنك قد وقفتَ له رجلاً ينظر في ظلامته، فما بقاء الإسلام وأهله على هذا؟
يا أميرَ المؤمنين(2)قد كانت بنو أمية على ما كان فيهم، وكانت العرب بطانتها، لا تنهى مظلوماً عن رفع مَظلمة، ولقد كان يأتي المظلوم في عصر بني أميّة من أقاصي الأرض حتى إذا وصل إلى باب سلطانهم نادى: يا أهل الإسلام. فيقولون: مالكَ؟ مالكَ؟ ليس في ذلك طلبُ ثوابِ إلّا التماس مكارم الدنيا. فيقول أخي إليّ في الإسلام كذا وكذا، فيبتدر بعضُهم بعضاً المنطقَ عند سلطانهم، فيقولون: بالباب رجل يشكو كذا وكذا، فينظر في ظلامته وينصف. (133 ظ /) وقد كنت - يا أميرَ المؤمنين - أسافر إلى أرض الصين، فقدمتُها في بعض أسفاري، وقد أصيب ملِكُهم بسمعه،
فبكى يوماً بين يدي وزرائه(1)، فقالوا له: ما أبكاك أيها الملك لا بكت عيناك؟ قال: أما إني لستُ أبكي للبليّة التي نزلت بي، ولكني أبكي لمظلوم يصرخ ولا أسمع صوته، ثم قال: أما إذا ذهب سمعي فإنّ بصري لم يذهب، نادوا في الناس: ألّا يلبس ثوباً أحمر إلّا مظلوم، ثم كان يركب [الفيل](2)طرفي النهار [وينظر](3)هل يرى مظلوماً.
يا أميرَ المؤمنينّ هذا مشرك باللهّ، قد غلبت رأفتُه بالمشركين شحَّ نفسه، وأنت مؤمن بالله، ثم أنت ابن عمّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -(4)فلا يغلبنّك شحُّ نفسك، فتدَع(5)الرأفةَ بالمسلمين(6)، فإنك - يا أميرَ المؤمنين - لا تجمع الأموال إلّا لواحد من ثلاث. إن قلتَ أجمعه لولدي فقد أراك الله عِبراً في الطفل الصغير، يسقط من بطن أمه ما لَه مالٌ وما من مال إلّا عليه يدٌ حاوية، ودونه يد شحيحة عليه، فلا يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه، فلستَ - يا أميرَ المؤمنين الذي تعطي، بل الله الذي يعطي من يشاء ما يشاء، وإن قلت: إنما أجمع الأموال لتشييد مُلكي(7)، فقد أراك الله عِبراً في بني أميّة، ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة، وما استعدوا من الخيل والرجال والكُراع حين أراد الله بهم ما أراد، وما ضرَّك وولد أبيك من الضعف وقلة (133 ظ /) الجدّ، والخمول حين أراد الله بكم ما أراد؟ وإن قلتَ: إنما أجمع الأموال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنا فيها، فوالله ما من غايات الدنيا غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها، ولا بعدها غاية هي أجسم منها، لا تنجو إلّا بما تعمل من العمل الصالح.
ثم قال يا أميرَ المؤمنين، هل تعاقب مَنْ عصاك من رعيتك بأشد من القتل؟
1) في المصادر الأخرى: فبكى يوماً بكاءً شديداً، فحثه جلساؤه على الصبر فقال.
2) ما بين الحاصرتين تكملة من المصادر الأخرى.
3) ما بين الحاصرتين تكملة من المصادر الأخرى.
4) في المصادر الأخرى: ثم من أهل بيت نبيه.
5) في ب: فقدم.
6) في المصادر الأخرى: لا تغلبك رأفتك بالمسلمين.
7) في المصادر الأخرى: لتشديد السلطان.
قال: لا. قال: فكيف تصنع بالملِك الجبّار الذي خوّلك مُلك الدنيا، وهو لا يعاقب مَن عصاه بالقتل، ولكن يعاقبهم بالخلود في العذاب الأليم؟! وقد رأى - جلّ ثناؤه - ما قد عقد عليه قلبك، وأضمرَتْه جوارحك، ونظر إليه بصرك، واجترحته يداك، ومشت إليه رجلاك، وما حملت على ظهرك، فماذا تقول إذا انتزع الملِك الجبّار ملك الدنيا من يدك، ودعاك إلى الحساب فيما خوّلكَ؟ هل يغني عنك ما شححتَ عليه من ملك الدنيا؟
فبكى المنصور، وقال: ليتني(1)لم أخلَق في الدنيا، ثم قال: كيف أحتال [لنفسي](2)؟
فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنك أضررت بآخرتك، فنلتَ من دنياك، فاضررْ بدنياك تنلْ من آخرتك.
قال: فكيف أصنع فيما خُوّلتُ ولم أرَ من الناس إلّا خائنا(3)؟.
فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ للناس أعلاماً يفزعون إليهم، فاجعلهم بطانتك يرشدوك، وشاورهم في أمورك يسدّدوك.
قال المنصور: قد بعثتُ إليهم، فهربوا مني. قال: هربوا مخافةَ أن تحملهم على مثل ما ظهر من فعل عمّالك(4)، ولكن (134 ظ /) افتح الأبواب، وسهّل الحجاب، وانتصرْ للمظلوم واقمعْ الظالم، وخذ الفيء والصدقات، مما حلَّ وطاب، واقسمه بالعدل والحق، وأنا الضامن(5)على الذين هربوا منك أن يأتوك ويشايعوك على صلاح أمورهم وأمورك، وصلاح رعيتك.
فقال المنصور: اللهمّ وفّقني لأن أعمل بما قال هذا الرجل. وجاء المؤذّنون، فسلّموا عليه، وأقيمت الصلاة، فصلّى بالناس، ثم عاد إلى مجلسه من المسجد فطلب
الرجلَ فلم يوجد، فقال بعض الناس: نظنه رجلاً من الأبدال، وقال بعض الناس: نظنه الخضر عليه السلام(1).
قال شبيب بن شيبة لأبي جعفر: يا أميرَ المؤمنين إنّ الله - تبارك وتعالى(3)- يوم(4)قسَّم أقسامه بين خلقه لم يرضَ لك منها إلّا بأعلاها وأسناها، فلم يجعل فوقك في الدنيا أحداً، فلا ترضَ لنفسك إذ فعل بك ذلك أنْ يكون فوقك في الآخرة أحد، واتَّقِ الله يا أميرَ المؤمنين، فإنها وصيّة الله، إليكم جاءت، ومنكم قُبلت، وإليكم تُردّ.
جعفر بن محمد قال:
قال محمد بن علي لابنه: يا بنيَّ إذا أنعم اللهُ عليك نعمةً فقل: الحمد لله. وإذا أحزنك أمرٌ فقل: لا حول ولا قوة إلّا بالله. وإذا أبطأ عليك رزق فاستغفر الله.
يا بَنيّ لا تعلّموا العلم لاثنتين: لا تعلموه للتماري، ولا للتباهي، ولا تدعوه رغبةً عنه ولا استحياءً من تعلمه.
1) سقطت هذه الفقرة من جميع المصادر الأخرى.
2) الخبر في المحاسن: والمساوىء 435 والعقد الفريد 307/18 ومقامات العلماء 77 ولكن المخاطب فيهما هو الخليفة المهدي وليس أبا جعفر.
3) سقطت من العقد الفريد وفي المحاسن: جل وعز.
4) في ب: فلم. وفي المحاسن: يوم.
5) زيد بن أسلم حبشي بجاوي، كان والده قد اشتراه الخليفة عمر رضي الله عنه فصار من مواليه، كثير الرواية عنه، وزيد كثير الرواية عن أبيه (المعارف 189).
لا يكون المعروف معروفاً إلّا باستصغاره وتعجيله وكتمانه.
كان أسماء بن خارجة(1)يقول(2): لا أشتم أحداً، ولا أمنع سائلاً أقدر على إعطائه، فإنما يشتمني أحدُ رجلين: كريم كان شتمُه إياي زلّة منه، فأنا أحقّ من غفر له، أو لئيم قاده إليّ لؤمه، فلا أرى(3)عِرضي لعرضه خطراً، وإنما يسألني أحد رجلين: كريم أصابته خَلَّة، فأنا أحقُّ مَن أعانه، أو لئيم أفتدي منه عِرضي.
كتب بعض العلماء إلى المنصور يعزيه، أما بعد فإن أحق الناس - يا أمير المؤمنين - بالرضا والتسليم لأمر الله، من كان إماماً بعد الله، ولم يكن له إمام إلّا الله.
كان رجل من بقايا عادٍ ممّن نجا مع هود - عَلَیه السَّلام - يقال له حمار بن مويلع(5)، وكان أشدَّ أهل زمانه، وأمنعه وكان قد حمى جوفاً من أرض عاد ينبت حُرَّ الشجر، وكان يزرع في نواحيه، وكان أخصب وادٍ في ذلك الزمان، وبه ماء مَعين، وكان يكرم الضيف، ويرعى من استرعاه (135 ظ /) في ذلك الجوف، وكان طوله مسيرة يوم، وعرضه فرسخين للراكب المجدّ، يسير الراكب من أسفله إلى أعلاه، ومن أعلاه إلى أسفله، فهو فيما شاء من رعي وشجر، وكان مؤمناً موحِّداً
1) أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة الفزاري كان من سادات العرب، وأشراف أهل الكوفة، فارساً شجاعاً كريماً. مدحه كثير من الشعراء في العصر الأموي. (انظر الأغاني 35/13).
2) بعض قوله في المبرد 210/1 اختلاف في الألفاظ.
3) في ب: فلا أرضى.
4) القصة في الفاخر ص 12 ومعجم البلدان 157/2 و 752/3 برواية ابن الكلبي أيضاً. والمستقصى في أمثال العرب 98/1 و 295.
5) ذكر صاحب الفاخر بعد ذكر القصة كاملة: وفي قول شرقي بن القطامي حمار بن ملك بن نصر من الأزد، والقول الأول أشبه بالحق. وفي ياقوت 157/2 سمّاه حمار بن طويلع.
أربعين سنة، وله بنون عشرة، ومعه نُفيرٌ من أهل بيته، فخرج بنوه في سفر لهم، فأصابتهم صاعقة، فماتوا كلهم، فأسف وغضب وقال: لا أعبد الله أبداً .. فرجع إلى عبادة الأوثان(1)، وكفر كفراً عظيماً، ومنع الضيافة ممن مرّ به من الناس، ودعا من أرعاه من الناس إلى عبادة الأوثان، فمَن أجابه تركه وأقرّه، ومن أبى عليه قتله وأخذ ماله، وقد أدركه أوائل قبائل مُهرة، وهي كُورة من كُوَر اليمن، فأقبلت نارٌ من أسفل الجوف بريح عاصف، فأحرقت بما فيه، ومَن كان معه في عبادة الأوثان قال الجوف امرؤ القيس(2)
وخرق كجوف العير قفر قطعته *** بأتلع سام ساهم الوجه حسّان
:ووادٍ كجوف العير قفرٍ قطعته *** به الذئبُ يعوي كالخليع المعيّل
وقال عواء بن ضمضم المهري:
وقفت على رسم لأسماء دارس *** أسائله وليس في الدار مأنس
تحمّل منها ساكنوها فأصبحت *** كجوف الحمار ليس فيها معرسُ
وقد كان جوفُ العير للعين منظراً *** أنيقاً وفيه للمجاور منفَسُ
(136 و /) وقال قفارة بن ميساك الكندي في الجاهلية(3):
مررت بجوف العِير وهي حثيثة *** وقد خلّقت بالأمس محل القراضم(4)
تُخاف من المصلى عدوّاً مكاشحا *** ودون بني المصلى هذيل بن ظالم(5)
ومالي بجوف العِير من متلدِّد *** مسيرة يوم للمطيّ الرواسم(6)
القراضم: من، مهرة، حيٌّ يقال لهم بنو قرضم، ومصلى بطن، ومتلدد متلفّت،
1) سقطت العبارة ابتداءٌ من (فرجع) من ب.
2) البيت في معلقته. انظر المعلقات العشر ص 65 وروايته في الفاخر:
3) الأبيات في معجم البلدان 158/2. وقدم لهما بقوله: وأنشد ابن الكلبي لفارس ميسان الكندي جاهلي. وهي في المستقصى 98/1 غير منسوبة.
4) في ياقوت: ومرت. وفي هامش المستقصى: على هامش الأصل: ومرت. وفي ياقوت: هجل القراضم. وفي المستقصى: هجل الضراغم.
5) في المصدرين السابقين: هديد بن ظالم.
6) في المستقصى: مسيرة شهر.
ويقال لناحيتي العنق: اللديدان(1).
وقال عياض بن عَديّ، وكان رجلاً من حاءٍ، وحكمّ وهم حيّ من اليمن يقال: حاءٌ وحكم حيّان من العرب، وهم: خلف الحكم بن سعد العشيرة، وكانوا على أرض لهم يقال لها: البوباة(2)، وكانوا يبغون فيها فاحترقت فقال عياض:
ألم ترَ للبوباة كيف تنكّرت *** معالمها من حيِّ حاءٍ ومن حكم
وصبّحها يوم عصيبٌ فأصبحت *** كجوف الحمار جَدبة ما بها علم
خراباً يباباً ليس فيها معرِّس *** لمقتبسٍ ناراً إذا نازل أزم
خرج الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس، ومعه سيّد الحيرة في عِيرٍ له يريد العراق في تجارة له، وكان سوق الحيرة سوقاً تجتمع إليها العرب كل سنة، وكان النعمانُ بن المنذر قد جعل لبني لأم(4)من طيىء ربع الطريق طمعة لهم، وذلك لأنّ ابنة سعد بن حارثة من لأم كانت عند النعمان (136 ظ /) فكانوا أصهاره فمرّ الحكم بن أبي العاص بحاتِم بن عبد الله، فسأله الجوار في أرض طيىء حتى يصل إلى الحيرة، فأجاره، وأمر حاتم بجزور فنُحرت ثم طُبخت أعضاءاً فأكلوا، ومع حاتم ملحان بن حارثة بن سعد بن الحشرج، وهو ابن عمّه، فلما فرغوا من الطعام، طيّبهم الحكمُ من طِيبه ذلك، فمرّ حاتم بسعد بن حارثة بن لأم، وليس مع حاتم من بني أبيه غير ملحان، وحاتم على ظهر راحلته، ومعه فرسه يُقاد فأتاه بنو لأم، فوضع حاتم سفرته، فقال: أطعموا حيّاكم الله. فقالوا: مَنْ هؤلاء معك يا حاتم؟ قال: هؤلاء
1) كذا في معاجم اللغة.
2) البوباة: صحراء بأرض تهامة وهي بلاد بني سعد بن بكر بن هوازن.
3) الخبر في الأغاني 269/17 (دار الكتب) عن ابن الأعرابي وابن السكيت. وديوان حاتم ص 24 ط الأهلية ببيروت.
4) في الأغاني: لأم بن عمرو بن طريف بن عمرو بن ثمامة بن مالك بن جدعان بن ذهل بن رومان بن حبيب بن خارجة بن سعد بن قطنة بن طيء.
جيراني، فقال له سعد: فأنت تجير علينا في بلادنا؟! فقال: أنا ابن عمّكم، وأحقُّ مَن لم تخفِروا ذمّته. فقالوا: لستَ هناك، وأرادوا أن يفضحوه كما فُضح عامر بن جوين، فوثبوا عليه، فتناول كندي(1)بن حارثة بن لأم حاتماً، فأهوى إليه حاتم بالسيف، فأطار أرنبة أنفه، فوقع الشرُّ حتى تحاجزوا، فقال حاتم(2):
وددتُ، وبيت الله، لو أنّ أنفه
هواء فما مَتَّ المخاط من العظم(3)
ولكنما لاقاه سيفُ ابن عمّه
فأبقى ومرَّ السيف منه على الخَطم(4)
فقالوا لحاتم: بيننا وبينك سوق الحيرة، فنما جدك بها، ونضع الرّهن، ففعلوا، ووضعوا تسعة أفراس رهناً على يدي رجل من كلبِ يقال له: امرؤ القيس بن عَديّ بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم من جَناب(5)، ووضع حاتم فرسه، ثم خرجوا حتى انتهوا إلى الحِيرة، وسمع بذلك إياس بن قبيصة الطائي، فخاف أن يعينهم النعمان (137 و /) بن المنذر، ويقوّيهم بماله وسلطانه للصِّهر الذي بينهم وبينه، فجمع /) إياسٌ بن قبيصة رهطه من بني حيّة، وقال: يا معشر بني حيّة، إن هؤلاء القوم قد أرادوا أن يفضحوا ابن عمكم حاتماً، ويصنعوا به كما صنعوا بعامر بن جوين، وحاتم وحده معه رجل من قومه، فأعينوا ابنَ عمكم في مجاده(6).
فقام رجل من بني حيّة فقال: عندي مائة ناقة سوداء، ومائة ناقة حمراء، ومائة ناقة أدماء(7).
وقام آخر فقال: عندي عشرة حُصن على كل حصان منها فارس مدجج، لا يُرى
1) في ب: سعد بن حارثة.
2) البيتان في ديوانه 118.
3) مت العظم: سال ما فيه من الودك.
4) في الديوان والأغاني: فأبّ ومرّ. والخطم: مقدم الفم والأنف.
5) في الأغاني: وهو جد سكينة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهما.
6) سقط ما بعد (ابن عمكم) من الأغاني. وورد فيه: ابن عمكم في مجاده أي مماجدته.
7) في الأغاني: ومائة ناقة حمراء أدماء.
منه إلّا عيناه.
وقال حسّان بن حنظلة الخير(1): قد عرفتم أنّ أبي مات وترك عليّ كَلّا كثيراً، ولكن عليّ كلّ خمرٍ وطعام ولحم يباع في سوق الحيرة(2).
ثم قال إياس: عليّ مثل جميع ما أعطيتم، وما في سوق الحيرة. قال: ولا يعلم حاتم بشيء مما صنعوا، وذهب حاتم إلى مالك بن جبّار، ابن عمّ له بالحيرة، وكان كثير المال، فقال: أعني في مخايلتي(3)وأنشده(4):
يا مالِ! إحدى خطوبِ الدهر قد طرقت
يا مالِ! ما أنتمُ عنها بزحزاح(5)
یا مالِ! جاءت حياضَ الموت واردةً
من بين غمرٍ فخضناه وضَحضاح(6)
فقال له مالك: ما كنت لأحرب نفسي ولا عيالي، وأعطيك. فانصرف عنه(7)، وأتى حاتم بن عبد الله ابن عمٍ له يقال له: وهم بن عمرو وكان مصارماً له يومئذ، لا يكلّمه، فقالت امرأته: أي وهم، هذا والله أبو سفّانة، حاتم قد طلع. فقال: ما لنا و لحاتم، أثبتي النظر. فقالت: هو واللهِ هو، لا شك (137 ظ /) فيه. فقال: ويحكِ هو لا يكلّمني، فما جاء به إليّ؟
فأقبل(8)حتى سلّم عليه، فرحّب به وقال: ما جاء بك يا حاتم؟ فقال: أخطرتُ(9)عن حسبي وحسبك. فقال: الرحبُ والسعة. هذا مالي - وعنده يومئذ
1) في الأغاني: جبلة الخير. وأورد رواية الموفّقيات في الهامش.
2) في ب: ولا في. وسقطت هذه الجملة من الأغاني.
3) المخايلة: المفاخرة. وقد شرحت كذلك في الأغاني.
4) البيتان في ديوانه 68.
5) في الديوان: إحدى صروف ... بنزاح و يا مال: ترخيم يا مالك.
6) الماء الغمر: الكثير والضحضاح: القليل.
7) في الأغاني بيتان لمالك في ذلك.
8) في الأغاني: فنزل.
9) في الأغاني: خاطرت على.
سبع(1)مائة بعير - فخذها مائةً مائةً حتى تذهب الإبل، أو تصيب الذي تريد.
فقالت امرأته إي وهم، أتخرجنا من مالنا فنبقى عالةً؟ فقال: إليك عني، فوالله
ما كان ما عندك ليردّني عمّا قِبلي(2)، فقال حاتم(3):
ألا أبلغا وهمَ بن عمرو رسالةً *** فإنكَ أنتَ المرء بالخير أجدر
رأيتك أدنى من أناس قرابةً(4)*** وغيرك منهم كنتُ أحبو وأنصر
إذا ما أتى يومٌ يفرِّق بيننا *** بموتٍ فكن يا وهمُ ذو تتأخر(5)
ثم قال إياس بن قبيصة: احملوني إلى المِلك، وكان به نِقرس، فحُمل حتى دخل عليه، فقال: أنعم صباحاً أبيتَ اللعن. فقال له النعمان: حيّاك إلٰهك.
فقال له إياس: أتمد أختانك بالمال والخيل، وجعلتَ بني ثُعَل(6)في قعر الكنانة؟ أظنَّ أختانُك أن يصنعوا بحاتم ما صنعوا بعامر بن جوين، ولم يشعروا أن بني حية بالبلد. فإن شئتَ - والله - ناجزنك حتى تسفح الأودية [دماً](7)فليحضروا مِجادَهم عند مجمع العرب، فعرف النعمان الغضبَ في وجهه وكلامه، فقال له النعمان: يا حليمنا لا تغضب(8). فأرسل النعمان إلى سعيد بن حارثة وأصحابه: انظروا ابن عمكم حاتماً، فأرضوه، فإني - والله - ما أنا بالذي (138 ظ /) أعطيكم مالي تبددونه(9)، وما أطيق بني حيّة. فخرج بنو لأم إلى حاتم فقالوا: أعرِض عن هذا المِجاد وندَعُ لكَ أرش(10)أنفِ ابن عمّك(11).
1) في الأغاني: وعدته يومئذ تسعمائة.
2) في الأغاني: يا حاتم، أنت تخرجنا من مالنا وتفضح صاحبنا يعني زوجها.
3) الأبيات في ديوانه 92.
4) في الديوان والأغاني: أدنى الناس منا.
5) في الديوان والأغاني: يتأخر. وشرحها في نص الأغاني: ذو في لغة طي: الذي.
6) بنو ثعل: بطن من طيء. انظر الإنباه لابن عبد البر 112.
7) ما بين الحاصرتين تكملة من الأغاني.
8) في الأغاني: يا أحلمنا لا تغضب فإني سأكفيك.
9) في الأغاني: تبذرونه.
10) أرش: ديّة.
11) في الأغاني: عمنا.
قال: لا والله لا أفعل حتى تتركوا أفراسكم، ويغلب مجادكم. فتركوا أفراسهم وأرش أنف صاحبهم، وقالوا: أبعدها(1)الله، فإنما هي مقاريفُ، فعمد حاتم إليها، فعقرها، وأطعمها الناس، وسقاهم الخمر، فقال حاتم يخاطب أوس بن حارثة(2):
ها إنما مُطرت سماؤكم دماً *** ورفعتَ رأسك مثل رأس الأصيد
ليكون جيراني اُكالاً بينكم *** بُخلا لكنديّ وسبّي مزند
وابن النجود إذا غدا متباطناً *** دخن القدور وذي العجان الأربد(3)
ولثابتٍ عينَي حر متماوت *** والمعط أوس إذ عرا المقلد(4)
بلّغ بني لأم بأنّ جيادهم *** عقرى وأنّ مِجادهم لم يرشد(5)
أبلغ بني ثُعل بأني لم أكن *** أبداً لأفعلها طوال المُسند
لأ جيئهم فلًّا وأترك صحبتي *** نهباً ولم تعد بقائمة يدي(6)
كندي بن حارثة بن لأم، ومرثد بن أوس بن حارثة بن لأم.
ابن النجود: الأفوه بن حارثة بن لأم، والنجود بنت ثور من بني ريف بن مالك، والعجّان: سعد بن حارثة بن لأم.
كان رجل يقال له: أبو الخيبري، مرّ مسافراً ونفر من قومه بقبر حاتم، بمكان
1) في الأغاني: قبحها الله وأبعدها.
2) الأبيات في الديوان 76 عدا البيت الرابع.
3) في ب: وابن العذوّر وفي الديوان: متلاطماً. العذور: السبيء الخلق. والعجان: الأست.
4) في الأغاني: جد متماوت .. وللعظ أوس قد عوى.
5) في الديوان والأغاني: أبلغ .. خيولهم .. لم يمجد.
6) في ب: ولم تغدر وفي الديوان: لا جئتهم.
7) الخبر في الأغاني 374/17 بسلسلة رواة الزبير. والشعر والشعراء ص 170 وتهذيب ابن عساكر 428/3 والخزانة 494/1.
يقال له: تبعة، حوله أنصاب نوائح من حجارة كأنهن نساء(1)، فنزلوا به، فبات أبو الخيبريّ ليلته كلها يناديه بأعلى صوته: أبا جعر(2)أقرِ أضيافك، أبا جعر أقرِ أضيافك، استهزاء به وسخرية.
قال: فينادىٰ في سواد الليل: مهلاً ما تكلّم من رِمّة بالية! والرمة: العظم البالي، وجمعها: رمم. فيجيب المنادي ردّاً عليه فيقول: إن طيئاً تزعم أنه لم ينزل به أحدٌ إلّا، قراه، فأجيب: ارقدْ فإنه سوف يقريك، فلما كان من آخر الليل قام أبو الخيبري حتى إذا كان في السَّحر هبَّ فزعاً وهو يصرخ بأعلى صوته(3): راحلتاه، راحلتاه، فقال له أصحابه: ويلك، ما دهاك؟ قال: خرج - والله - حاتم من قبره بالسيف، وأنا أنظر إليه حتى عقر ناقتي.
قالوا: كذبتَ - والله - لا يخرج ميّتٌ من بطن قبرٍ مرسوس(4)عليه. قال: بلى - والله - لقد فعل. فنظروا إلى راحلته فوجدوها عقرى لا تنبعث، فقالوا: فقد - والله - قراكَ فعمدوا إليها، فنحروها، فظلّوا يومهم ومن عندهم معرّسين عليها يأكلون من لحمها، ثم ساروا عند آخر النهار، وأردفوه خلف أحدهم، وهم سائرون في بلاد طيء، فساروا ما شاء الله(5)، فنظروا إلى راكب قد أقبل كأنه يريدهم، فلما انتهى إليهم، فإذا هو عدي بن حاتم(6)، وهو راكب بعيراً، قارنٌ جملاً أسود، وقد قرنه بحبل يقوده(7)، (139 و /) حتى إذا دفع إليهم قال: إنكم القوم الذين نزلوا بقبر حاتم؟ قالوا: نعم قال فأيكم أبو الخيبري؟ قالوا: هذا. قال: إن حاتماً أتاني في منامي فذكر لي تنقّصك له، وشتمك إياه، وأخبرني: انه قرى راحلتَك أصحابك(8)،
1) كذا في ديوانه 30 (لندن) وفي المصادر الأخرى: أنصاب متقابلات ... نساء نوائح.
2) كذا في الأغاني، وفي ب: جعفر، وفي الشعر والشعراء: أبا عدي. وابن عساكر: أبا العجراء.
3) في الأغاني: وثب فجعل يصيح.
4) مرسوس: من رس الميت أي قبر.
5) في الأغاني: ثم أردفوه وانطلقوا فساروا ..
6) في الأغاني: راكباً قارناً جملاً أسود نلحقهم.
7) في ب: القوم.
8) في الأغاني: راحلتك لأصحابك. وفي الشعر والشعراء: قراك وأصحابك راحلتك.
وأنشدني في النوم أبياتاً، وردّدها عليّ مراراً حتى حفظتها عنه، وقد أخلفك مكان راحلتك هذا الجمل الأسود، فاقتعده.
فقالوا: أنشدنا ما قال من الشعر، وما حفظت عنه. فأنشدهم(1):
أبا خيبريّ وأنت امرؤ *** ظلوم العشيرة شتّامها(2)
ماذا اذا أردتَ إلى رِمّة *** بداويةٍ صَخِبٍ هامها(3)
تبغي أذاها وتغتابها *** وحولكَ غوثٌ وأنعامها(4)
وإنا لنطعم أضيافنا *** من الكُوم بالسيف نعتاما(5)
الكوم: الإبل العظام الأسنمة.
وأخذ أبو الخيبري من عدي الجمل واقتعده.
اجتمع عند معاوية بن أبي سفيان جماعة، فتذاكروا الجود والسخاء، فقال رجل من القوم: أجود الناس حيًّا وميتاً حاتم. قال معاوية: فكيف ذلك؟ فوالله إن الرجل من قريش ليعطى في مجلس واحد ما لم يكن حاتم يملك مثله ولا قومه.
فقال الرجل: أخبرك يا أميرَ المؤمنين بجود حاتم، إما حيًّا فقد بلغك وإما ميتاً، فإنّ نفراً من بني أسد مروا بقبر حاتم مسافرين (139 و /) ورئيسهم رجل يكنى أبا الخيبري، فنزلوا بقبره معرّسين وقالوا: والله لنبخلنّه ولنخبرن العرب أنا نزلنا بحاتم فسألناه القِرى فلم يقرنا، وأرادوا عيبه وتهجينه، فجعلوا ينادونه في سواد الليل: أيا
1) الأبيات في ديوانه ص 120.
2) في الديوان: أبا الخيبري وفي ب: لوامها.
3) في ابن عساكر: تبغي لي الذنب عند المبيت وحولك طيء وأنعامها في الديوان بدوية: وفي الأغاني: ببادية، وتاريخ دمشق: أتيت بصحبك تبغي القرى.
4) في الديوان والأغاني: تبغي أذاها واعسارها.
5) في ابن عساكر: فإنا سنشبع أضيافنا. ونأتي المطي فنعتامها.
6) الحادثة في الأغاني 392/17. إلّا أنه ذكر البيت الأول فقط.
حاتم ألا تقري أضيافك، فإذا هم بصوت منادٍ في جوف الليل:
أبا الخيبري وأنت امرؤ *** ظلوم العشيرة لوّامها(1)
ماذا أردت إلى رمّة *** بداويةٍ صَخِبٍ هامها
تبغي أذاها وتغتابها *** وحولك غوثٌ وأنعامها(2)
وإنا لنطعم أضيافنا *** من الكوم بالسيف يعتامها
فهبّوا من الليل ينظرون، فوجدوا ناقة أحدهم تكوس عقيراً(3)، فعجب معاوية من حديثه، ومن كان معه(4).
العرب تتحدث بأشياء هي عندها صحيحة، وقد نطقت بذلك أشعارها، وتمثلت به ولا تكاد النفس تصدّق بها، وأحسب أمرَ حاتم حيلةً من ورثته ونسبوه إليه، والله أعلم، أو من الجنّ وهو عندي أشبه، وقد(6)كان حاتم شاعراً وجواداً، وكان شعره يشبه جوده، وكان حيث ما نزل لم يخفَ منزله(7)، لبذله الطعام، وكان شجاعاً مظفراً كريماً، وآلى(8)أن لا يقتل واحدَ أمه، ولا يأسره، من ذلك قوله:
(140 و /)
أماويّ إني رُب واحدِ أُمه *** أجرتُ فلا قتلٌ عليه ولا أسر(9)
وكانت قدوره التي يطبخ فيها الجُزر من نحاس عظاماً لا تزول عن الأثافي(10).
1) في ب: خيبري. وفي الديوان والأغاني: شتامها.
2) في الديوان: تبغي أذاها واعسارها.
3) في الأغاني: تكوس على ثلاثة أرجل عقيراً. وتكوس: تمشي على ثلاث قوائم.
4) في الأغاني: فعجب القوم من ذلك جميعاً.
5) سقطت كلمة (الزبير) من ب.
6) ورد هذا النص في الأغاني عن ابن الأعرابي 366/17.
7) في الأغاني: عرف منزله.
8) في الأغاني: وأقسم.
9) في الأصل: أما وأبي إني. تحريف. وهو من قصيدة طويلة في ديوانه 84.
10) ذكر ذلك ابن قتيبة في الشعر والشعراء أيضاً ص 165.
ولها أسماء، فاسم إحداهن ثفال، والأخرى مشبعة، والأخرى ربلة، والأخرى هواد.
وكان إذا أهلّ الشهر الأصمُّ، وهو رجب، الذي كان(1)مضر تعظمه في جاهليتها، كان ينحر كل يوم جزوراً، ويطعمها الناس ويجتمعون إليه فيه(2).
وكانت(3)أمه النوار(4)، رأت في منامها، وهي حامل به، فقيل لها: غلام سمح يقال له حاتم الأقل - أي يكون واحداً في جوده - أحبُّ إليكِ، أم غلمة عشرة كالناس، ليوث ساعة البأس، ليسوا بأوغال، ولا أنكاس؟
قال أبو عبد الله: الأوغال: الذين يدخلون مع القوم من غير أن يُدعوا، فيشربون والأنكاس: الجُبن الضعاف.
فقالت: بل حاتم أحبّ إلي، فولدت حاتماً، فلما شبّ وترعرع أقبل يخرج بطعامه، فإن وجد أحداً يأكل معه أكل، وإن لم يجد أحداً يأكله معه ألقاه.
فلما رأى ذلك أبوه من فعله، وأنه يبدّد طعامه قال له: إلحق بالإبل، فخرج إليها ليقوم في رعيها، ووهب له أبوه جارية وفرساً وفلوها، وكان اسم أبيه عبد الله، فلما أتى الإبل، وصار فيها، طفق يلتمس الناس ليقُريهم، فلا يجدهم، ويأتي الطريق فيقف عليها، فلا يجد عليه أحداً، فبينا هو في تلمسه الناس إذ بصر بركبٍ مقبلين، فأتاهم فلما بصروا به قالوا: يا فتى هل من قِرى؟ قال: أتسألونني القِرى وقد ترون الإبلَ؟! نعم وكرامةً (140 ظ /) انزلوا، وكانوا ثلاثة نفر يريدون النعمان بن المنذر بالحيرة، وهم عبيد بن الأبرص وبشر بن أبي خازم الأسديّان، وزياد بن جابر(5)
1) في ب:كانت.
2) النص في الأغاني أيضاً 366/17.
3) النص في الأغاني أيضاً.
4) هذا وهم. لأن أمه عتبة في جميع المصادر. الشعر والشعراء والأغاني ومجمع الأمثال 167. وخزانة الأدب 4 / 166. ونوار امرأته في الشعر والشعراء 166 وصاحب الأغاني لم يذكر أيا من هذين الاسمين في هذه القصة حين رواها.
5) لم أر أحداً سمى أباه جابراً غير الزبير. فأبوه في جميع المصادر القديمة والحديثة معاوية. (انظر ابن سلام 43 وابن قتيبة 92 والأغاني 162/9).
القيسي، وهو النابغة نابغة بني ذبيان(1)فنزلوا فانتحرَ لهم ثلاثة جُزر(2)، لكل واحد منهم جزوراً، فقال عبيد بن الأبرص: إنما سألناك القِرى اللبن، والذي كنا نكتفي به بكرة إذا كنتَ لا بدّ أردت بِقرانا الطعام.
قال حاتم: قد عرفت ذلك ولكني رأيت وجوهاً لا يشبه بعضها بعضاً، وألواناً مختلفة، فظننتُ الأنساب مفترقة، والبلد غيرَ جامع لكم، فأحببتُ أن يذكر كلُّ رجل منكم إذا هو أتى قومه ما رأى، فإن مرَّ بي نزل.
فلما أكلوا وشربوا من اللبن وشبعوا وارتووا، قال عبيد بن الأبرص فيه شعراً يمتدحه فيه، فيذكر حسن فِعاله، وحسن إضافته إيَّاهم، وقال بشر بن أبي خازم أيضاً يمتدحه، وقال النابغة أيضاً يمتدحه. فلما سمع ما قالوا قال(3): إنما أردتُ إكرامكم والإحسانَ إليكم فلكم الآن الفضل، أقسمُ بالله لأضربنّ عراقيبها من آخرها أو تقوموا إليها فتقسموها، بينكم أثلاثاً على ما أحببتم، فقاموا إليها فاقتسموها فأصاب كلَّ رجل منهم تسعٌ وثلاثون(4)ناقة، ومضوا في سفرهم، حتى وصلوا إلى النعمان بالحيرة، وإنّ أبا حاتم عبد الله بلغه ما فعل حاتم بالإبل فأتاه فقال له: يا بني ما فعلتَ بالإبل؟ قال: يا أبت طوّقتَ [بها](5)طوقَ الحمامة، وحويتَ بها مجد الدهر، لا يزال رجل يحمل فينا بيت شعر بمكان إيلك(6). (141 و /).
قال: أبابِلي أردتَ المجدَ؟ قال حاتم: نعم. فقال أبوه: واللهِ لا أسكن معك في بلد أبداً.
قال حاتم: إذا واللهِ لا أبالي ذلك. فخرج أبوه وترك حاتماً ومعه جاريته وفرسه وفلوها، وأقبل ركبٌ من بني أسد ومن قيس يريدون النعمان بن المنذر، فلقوا حاتماً،
1) الثلاثة شعراء جاهليون معروفون.
2) في الأغاني ثلاثة من الإبل.
3) في الأغاني: أردت أن أحسن إليكم فكان لكم الفضل علي.
4) في الأغاني: فأصاب الرجل تسعة وتسعين بعيراً.
5) ما بين الحاصرتين تكملة من الاغاني.
6) في الأغاني: طوقتك بها طوق الحمامة مجد الدهر، وكرماً لا يزال الرجل يحمل بيت شعر أثنى علينا عوضاً من إبلك.
فقالوا: إنا تركنا قومنا يثنون عليك، وقد أرسلوا معنا إليك برسالة. قال: وما هي؟ فأنشده الأسديّون شعراً لعبيد بن الأبرص ولبشر بن أبي خازم الأسديين(1)يمتدحانه فيه، وأنشد القيسيون شعر النابغة يمتدحه فيه، فلما أنشدوه قال: حاجتكم؟ قالوا: إنَّ لنا لحاجة. قال حاتم: وما هي؟ قالوا: صاحب لنا قد أرجل، وإنا لنراك معسراً من المال - يعنون من الإبل - فقال حاتم: خذوا فرسي هذه فاحملوا عليها صاحبكم، فأخذوها، فعمدت الجارية إلى فلوها فربطته بثوبها، كي لا يتبع أمّه، فأفلت وتبعَ أمه، فاتّبعته الجارية لتردّه، فقال حاتم: ما لحقكم من شيء فهو لكم فذهبوا بالفرس وفِلوها وبالجارية، ومضوا في مسيرهم ذلك فمرّوا بعبد الله أبي حاتم، فعرف الفرس وفلوها والجارية، فقال: من أين أصبتم هذا الذي معكم؟ ومَنْ أعطاكم؟ قالوا: مررنا بفتی کریم جواد وسیم، فسألناه فأعطانا، وأعطانا(2)ما لم نسأله.
قال وأين تركتموه؟ قالوا بموضع كذا وكذا سالماً(3).
وقال حاتم في مسير أبيه وتحوله عنه، وما صنع بالإبل(4): (141 ظ /)
وإني لَعفُّ الفقر ملتمس الغنى
وتاركُ شكل لا يوافقه شكلی
وشكليَ شكلٌ لا يقوم بمثله
من الناس إلّا كلّ ذي ثقة مثلي(5)
ولي نيقة في المجد والبذل لم يكن
تأنقها فيمن مضى أحدٌ قبلی(6)
وأجعل مالي دون عِرضي جُنّةً
لنفسي وأستغني بما كان من فضلي
وما ضرّني إن سار سعدٌ بأهله
وأفردني في الدار ليسَ معي أهلي
سيكفي ابتنائي المجدَ سعدَ بن حشرج
وأحمل عنكم كلَّ ما ضاع من ثِقل(1)
ولي مع بذلِ المالِ والجود صولة
إذا الحربُ أبدت عن نواجذها العُصل(2)
اجتمع عند معاوية بن أبي سفيان قوم فتذاكروا ملوك العرب حتى ذكروا الزبّاء بنت عفزر، فقال معاوية: إني لأحبّ أن أسمع حديث حاتم طيىء وماوية بنت عفزر، وكانت تلقّب بالزباء، وكان اسمها ماوية.
فقال رجل من القوم: أفلا أحدثك يا أميرَ المؤمنين؟ قال: بلى.
قال: فإن ماوية بنت عفزر كانت ملكة، وكانت تتزوج من أرادت، وأنها بعثت غلماناً لها، وأمرتهم أن يأتوها بأوسم من يجدونه بالحيرة، فجاءوها بحاتم، فقالت له: استقدمْ إلى الفراش، فقال حتى أنبئك بحالي. فقعد على الباب، فقال: إني أنتظر صاحبين لي. فقالت: دونك فاستدخل المِجمر.
فقال حاتم استي لم تُعوَّد المجمر. فأرسلها مثلاً (142 و /) وارتابت به، وسقته خمراً، فجعل يهريقه تحت الباب ولا تراه، تحت الليل. ثم قال: ما أنا بقارٍ ولا ذائق خمراً(4)حتى أنظر ما فعل صاحباي. فقالت: إنا سنرسل إليهما بقِرى.
1) في الديوان: كل ما حل من أزلي. وسعد بن الحشرج جد الشاعر ونصبه على النداء ويقول شيخو: وهذا الشعر يدل على أن جده صاحب هذه القصة معه لا أبيه.
2) في الأصل: مع بذلي المال. العصل: المعوجة مع صلابة.
3) الحادثة في الأغاني 380/17 وابن قتيبة 166 (مختصرة) وشعراء النصرانية 107/1.
4) في الأغاني: ما أنا بذائق قرى ولا قار.
فقال: ليس بنافعي شيئاً(1)حتى آتيهما(2)، فأتاهما، فقال: أفتكونان عبدين لابنة عفزر يرعيان عليها(3)أحبّ إليكما أم تقتلكما؟
فقالا: كلّ هذا، نقصُّه أي نتّبع أثره، ولَبعض الشر أهون من بعض.
فقال حاتم: فشأنكما والرحيل والنجاء في البلاد عنها هرباً، فأنشأ حاتم يقول في ذلك يذكرها في شعره وما حبس نفسَه عن الريبة، وإنه عفيف ليس ممن يأتي الريب. وابنة عفزر كانت بالحيرة، وكان النعمان من يأتيه يريد كرامته أنزله عليها فقال(4):
حنّت إلى الأجبال أجبال طيٍّ
وجنّت جنوناً أن رأت سوط أحمرا(5)
حننت إلى الأجبال أجبال طيء *** وحنت قلوصي إن رأت سوط أحمرا
أحمر: قال عمي: رجل من العرب كان يسوق لحاتم إذا وفد إلى الملوك، وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أحمر: اسم رجل كان يعمل السياط في الجاهلية.
فقلت لها: إن الطريق أمامنا *** وإنا لمحيُو أرضنا إن تَيسَّرا(6)
فيا أخوينا من جديلة إنما *** تُسامان ضيماً مستبيناً فتنظرا(7)
فما نكراه غير أنّ ابنَ مِلقَط *** أراء وقد أعطى المقادة أوجرا(8)
وإني لمزجاء المطيّ على الوجا *** وما أنا من خِلّانكِ ابنةَ عفزرا(9)
وما زلتُ أسعى بين نابٍ ودارة *** بلَحيان حتى خِفتُ أنْ أتنصّرا(10)
1) في ب: شيء. تحريف.
2) في الأغاني: أو آتيهما.
3) في الأغاني: ترعيان غنمها.
4) دیوانه ص 81 والأغاني 380/17.
5) في ديوانه ط الأهلية. وط عطوي والأغاني:
6) في الأصل: محیّوا ربنا وفي الديوان والأغاني: لمحيو ربعنا.
7) في الديوان والأغاني: فيا راكبي عليا جديلة ..
8) في المصادر السابقة: أعطي الظلامة. وأوجر: خائف.
9) في المصادر السابقة: لمزج للمطي.
10) في هامش الأصل: بلحيان قصر بالحيرة.
(142 ظ /)
وحتى حسبتُ الليل والصبح إذ بدا *** حصانين مشتالين جوناً وأشقرا(1)
وإني لوهّابٌ قطوعي وناقتي *** إذا ما انتشيت والكميتَ المصدرا(2)
لَشِعبٌ من الريان أملكُ بابه *** أنادي به أهل الكبير وجعفرا(3)
أحبُّ إليّ من خطيبٍ لقيته *** إذا قلتُ معروفاً له قال منكرا(4)
تُنادي إلى جاراتها إنّ حاتماً *** أراه لعمري بعدنا قد تغيّرا
تغيّرتُ إني غيرُ آتٍ دنيّة *** ولا قائل يوماً لذي العُرف منكرا
رأتني كأشلاء اللجام ولن ترى
*** أخا الحرب إلّا ساهم الوجه أغبرا(5)
أخا الحرب إن عضّت به الحرب عضّها *** وإن شمّرت عن ساقها الحربُ شمّرا(6)
متى تبغ ودّاً من جديلةَ تلقه *** مع الشن منه باقياً متأثرا
فإلّا يعاودنا جَهاراً نلاقهم *** لأعدائنا ردءاً دليلاً ومنذرا(7)
فلا تسأليني واسألي أيَّ فارس *** إذا الخيل جالت في قَناً قد تكسرا
ولا تسأليني واسألي [بيَ](8)صحبتي *** إذا ما المطيّ بالفلاة تَضوّرا
ولا تسأليني واسألي أيّ ياسرٍ *** إذا ورقُ الطلح الطوال تحسّرا(9)
فلا هي ما ترعى جميعاً عِشارها *** ويُصبح ضيفي ساهم الوجه أغبرا
متى ترني أمشي بسيفيَ وسطها *** تَخفني وتُضمر بينها أن تُجزّرا
1) في الأغاني والديوان: سيالين.
2) انفرد الزبير بن بكار وابن قتيبة في الشعر والشعراء 169/1 برواية هذا البيت. وفي هامش الأصل: المصدّر: المرتفع الصدر.
3) في الديوان: آل الكبير.
4) في الديوان والأغاني: خطيب رأيته .. تبدل منكرا.
5) في المصادر السابقة: وإني كأشلاء وأشلاء اللجام: سيور اللجام القديمة.
6) في المصادر السابقة: أخو الحرب.
7) في الأغاني: فإلا يفادونا.
8) سقطت (بي) من الأصل.
9) في الديوان أي فارس.
أي لا تخترط من الفرق(1).
إذا حال دوني من سُلامان رملةٌ *** وجدتُ توالي الوصل عنديَ أبترا
إن حاتماً دعته نفسه إليها بعد انصرافه من عندها فأتاها فخطبها، فوجد عندها النابغة الذبياني (143 و /) ورجلاً من الأنصار من النَبيت، وهم من الأوس فقالت:
انقلبوا إلى رحالكم، وذكر الحديث(3).
*280 - وقال غير أبي عبيدة فيما حدّثني عليّ بن صالح عن عامر بن صالح قال: حدّثني جماعة من علماء طيىء قالوا:
كانت امرأة يقال لها: ماوية نذرت نذراً، لا يخطبها كريم إلّا تزوجته ولا يخطبها لئيم إلّا جدعته، فتناذرها(4)الناس، فقدم عليها من الجبلين، جبلي طيىء، أوس بن حارثة بن لأم الجديلي(5)، وزيدُ الخيل النبهاني(6)، وهو رجل من طيىء، وحاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرىء القيس بن عدي بن أخزم بن أبي أخزم، واسمه هزومه، وهو ابن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء، فقالت: ما جاء بكم؟ قالوا: أتيناك خُطّاباً.
قالت: وما الذي قد بلغ من فِعالكم أن اجترأتم على خُطبتي؟
فقال أوس بن حارثة: إني أَخذت ذات يوم من شاربي، فقالت لي سعدى أمي: إن لأخذك من شعر شاربك عليك حقاً، فتلقّطت ما كان سقط من شعر شاربي،
1) سقط التعليق من ب.
2) سقطت كلمة (الزبير) من ب.
3) تكملة الحديث في الأغاني 382/17. وسيأتي على تمامه الزبير بعد قليل أيضاً.
4) في ب: فتبادرها.
5) كان أوس بن حارثة سيداً مقدماً معروفاً بالكرم. الكامل 198/1.
6) هو زيد بن مهلهل بن يزيد بن منهب الطائي: شاعر جاهلي فارس مغوار مظفر شجاع بعيد الصيت. أدرك الإسلام ووفد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم سمي زيد الخيل لكثرة خيله: الأغاني 246/17. وقد صنع ديوانه أخونا الدكتور نوري القيسي.
فأعتقتُ بكل شعرة سبية من العرب.
ولي أربعة آباء قد ربعوا الغوث وجديلة، ولي أربعة بنين كلهم مني خَلف.
قالت: أمسك. ثم أقبلت على زيد الخيل، فقالت: ما الذي جرّاكَ على خطبتي؟
قال: أنا زيد الخيل، وباسمي تَغير طيىء على العرب (143 ظ /)، ولي مرباع كلّ غارة، أخذتُ طريقي، ولم ألاحِ جاهلاً، ولم أمنع سائلاً. قالت أمسك.
ثم أقبلت على حاتم فقالت: ما الذي جرّاك على خطبتي؟ قال: أنا حاتم طيىء الثعلي، وفدتُ على الحيّين: الغوث وجديلة، وأنهبت مالي ثلاث عشرةّ مرّة. حكّمتني طيىء في أموالها.
فقالت: قولوا شعراً، واذكروا فيه كريم فِعالكم ما يصدّق فيه قولكم، وائتوني به. فقال زيد الخيل(1):
هلّا سألتِ بني نبهانَ ما حسبي *** عند الطعان إذا ما احمرّت الحدَق
وآبت الخيلُ مبتلّا سوالفها *** بالماء يسفح من لبّاتها العرَق(2)
قد أطعنُ الفارس الحامي حقيقته *** نجلاء يذهب فيها الزيت والخرَق(3)
وأطعن الكبشَ والخيلان واقفة *** يوم الأكُس به من نجدةٍ رَوَق(4)
والخيل تعلم أني كنت فارسها *** يوم الأكس به من نجدة روق
الكسّ: القصير الأسنان، والروق: الطول في الأسنان.
والخيلُ تعلم أني كنت فارسها *** والهامُ منا ومن أعدائنا فلَق(5)
وأضرب الكبش والخيلان جانحة *** والهام منا ومن أعدائنا فلق
إذ قال أوس أما من طيءٍ رجلٌ *** يحمي الذمار وبيضُ القوم تأتلق
والجار يعلم أني غير خاذله *** إن ناب دهر لعَظم الجار معترق(1)
إذ لا أرى المال ربّاً بل أرى غَبناً *** بُخلا به ومنايا القوم تعتلق(2)
هذا رضائي فإن ترضى فراضيةٌ *** أو تسخطي فإلى مَن تُعطف العنق(3)
فقال أوس: والله يا زيد لقد أطريتَ نفسك بالثناء، وخصصتها بالكرم، ولستُ أقول مثل مقالتك، ولكني أقول: (144 و /)
أماويَّ لم يخطبك من حيّ مذجحٍ *** كأوس بن لأم أو كزيد وحاتم
فإن تنكحي زيداً ففارس طيّء *** إذا الحرب يوماً أقعدت كل قائم
ومعقل نبهان الذي يُتّقى به *** ردىٰ الدهر عند الحادث المتفاهم
وإن تنكحي ماوية الخير حاتماً *** فما مثله فينا ولا في الأعاجم
فتى لا يزال الدهرَ أعظم همِّه *** فِكاك أسير أو معونة غارم
رأى أن ما يبقى من المال هالك *** فأعطى ولم يحفل ملامة لائم
وإنْ تنكحيني تنكحي غير فاحش *** ولا حافرٍ جرف العشيرة هادم
ولا متّقِ يوماً إذا الحرب شمّرت *** بأنفسها نفسي فِعالَ الأشائم
وإن طرق الأضياف ليلاً وعرَّسوا *** وجدتِ ابن سُعدى بالقِرى غير عاتم(4)
فأي امرىءٍ أهدى لك الله فاقبلي *** فإني كريمٌ من عروق الأكارم
وقال حاتم طيىء في ذلك:
سَلي الأقوام يا ماويَّ عني *** وإنْ تسأليهم فاسأليني
تخبرك المعاشر والمصافي *** وذو الرحم الذي قد يجتديني
بأني لا يَهرُّ الكلب ضيفي *** ولا تُقضى نجيُّ القوم دوني
أي لا يتناجون في الأمر من غير أن أشهدهم.(1).
ولا أعتلُّ من قَنع بمنع *** إذا نابت نوائب تعتريني
(144 ظ /) القنع: الطعام الكثير(2).
وإني قد علمت إزاءُ طيٍّ وتأبى طيٌّ أن تستطيني
إزاؤها: القائم بأمرها(3).
إذا عوراء من جنبٍ أتتني *** عن الأذنين قلت لها أنفُذيني
الجنب: البعيد، ويقال: القريب.
عُنيتُ بها كأنْ قيلت لغيري *** ولم يعرقْ لها منّي جبيني(4)
إذا أنا لم أرَ ابن العمِّ فوقي *** فإني لا أرى ابن العمِّ دوني
ومن كرمٍ يجور عليّ قومي *** وأيُّ الدهر ذو لم يحسدوني
وذو الوجهين يلقاني طليقاً *** وليس إذا تغيَّب يأتلينی(5)
بصُرتُ بعينه فصفحت عنه *** محافظةً على حسَبي وديني(6)
وليست شيمتي شتمُ ابن عمّي *** ولا أنا مخلفٌ مَنْ يرتجيني(7)
فأطرقت ماوية طويلاً تفكّر في مدحهم أنفسهم، لا تجيبهم، ثم دفعت رأسها
فقالت: انصرفوا حتى أفكّر في نقائبكم وتطريتكم أنفسكم، فانصرفوا عنها.
ثم(8)إنّ حاتماً دعته نفسه بعد انصرافه أنْ يرجع إليها، فرجع إليها فخطبها إلى
1) سقط الشرح من ب.
2) سقط السطر من ب.
3) سقط السطر من ب.
4) البيت في ديوانه 121 وصدره فيه: وعابوها عليّ، فلم تعبني.
5) البيت في الديوان أيضاً وفيه: وذي الوجهين ... يأتسيني.
6) البيت في الديوان. وفيه: نظرت بعينه فكففت عنه.
7) البيت في ديوانه. وفيه: وما من شيمتي.
8) حادثة رجوعه إليها في الأغاني 382/17 والشعر والشعراء 167.
نفسها، فوجد عندها النابغة ورجلاً(1)من الأنصار من النبيت، وهم قبيلة من الأنصار. قالت لهم: انقلبوا إلى رحالكم وليقل كل رجل منكم شعراً يذكر حُسن فعاله وكرمه، وخلائقه ومنصبه، فإني لا أتزوج إلّا أكرمكم حسَباً، وأعلاكم منصباً، وأشعركم شعراً(2)فانصرفوا، ونحر كلُّ واحدٍ منهم جزوراً، وبلغ ماوية ذلك، فلبست ثياباً لأمةٍ لها واتبعتهم، فأتت النبيتي متنكّرة(3)، واستطعمته من جزوره فأطعمها ثيلَ جزوره(4)، والثيل: القضيب. فأخذته.
ثم انتهت إلى النابغة، نابغة بني ذبيان، فاستطعمته فأطعمها ذنَب جزوره، فأخذته، ثم أتت حاتماً، فوجدته قد نصب، قدره، فاستطعمته، فقال لها: اصبري أعطيك ما يبهجك(5). فانتظرت حتى بلغت قدوره، فأطعمها من عَجُز الجزور، وقطعة من السنام، ومثلها من المِخدش، وهو عند الحارك(6). ثم انصرفت، وأهدى كل رجل منهم إليها ظهر جمله، وأهدى إليها حاتم مثل ما أهدى إلى جاراته(7). وكان حاتم إذا هو نحر وأطبخ لا يَدَع جاراته إلّا بهديّة وصبّحوها جميعاً. فاستنشدتهم، فأنشدها النبيتيّ:
هلا سألتِ بني النبيت ما حسَبي(8)*** عند الشتاء إذا ما هبّت الريح
وردَّ جازرُهم حرفاً مصرَّمة(9)*** في الرأس منها وفي الأطلاء تمليح
وقال رائدهم سِيّانَ مالهم *** مثلان مثلٌ لمن يرعى وتسريح
الصرار: الذي يُشدُّ على ظهر الناقة ليصرَّ لبنها في ضرعها ليجتمع محفوظاً.
1) في الأصل: ورجل، تحريف.
2) في الأغاني: فإني أتزوج أكرمكم وأشعركم.
3) سقطت كلمة (متنكرة) من المصدرين السابقين.
4) في المصدرين السابقين: ثيل حمله.
5) في المصدرين السابقين: قفي حتى أعطيك ما تنتفعين به.
6) الحارك: أعلى الكاهل. وعظم مشرف من جانبيه، والمخدش: الكاهل.
7) في الأغاني: وأهدى حاتم إلى جاراتها مثل ما أرسل إليها.
8) في الشعر والشعراء: هلا سألت - هداك الله - ما حسبي. وفي الأغاني: النبتيين.
9) الحرف: الناقة المهزولة. مصرمة: معظمة.
إذا اللقاح غدت ملقىً أصرّتها(1)*** ولا كريمَ من الولدان مصبوح
فقالت: لقد ذكرت مكرمةً(2)إنْ صدَّق قيلَك فعلُك.
ثم استنشدت النابغة، فأنشدها يقول(3):
هلّا سألت بني ذبيان ما حسبي *** إذا الدخان تغشّى الأشمط البَرَما(4)
البَرم: الذي لا يدخل مع القوم في أيسار جزورهم، وجمعه أبرام(5).
وهّبت الريح من تلقاء ذي أرلٍ *** تُزجي مع الليل من صُرّادها صِرَما(6)
إني أسامح أيسارى وأمنحهم *** مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما(7)
(145 ظ /) فلما أنشدها، قالت: ما ينفكُّ الناس بخير ما حييتَ لهم، ثم قالت لحاتم: يا أخا طيىء أنشدني، فأنشدها(8):
أماويّ قد طال التجنُّب والهجر *** وقد عذرتني في طِلابكمُ العذر
أماويّ إما مانع فمبيّنٌ *** وإما عطاءٌ لا ينهْنِههُ الزجر(9)
أماويّ إني لا أقول لسائل *** إذا جاء يوماً: حلَّ في مالنا نذْر(10)
أماويّ ما يغني الثراء عن الفتى *** إذا حشرجت يوماً وضاق به الصدر(11)
أماويّ إن يُصبح صدايَ بقفرة *** من الأرض لا ماء لدي ولا خم.(12)
1) أصرة: جمع صرار الذي شرحه في النص.
2) في الأغاني: مجهدة.
3) ديوان النابغة ص 66 (الأهلية بيروت).
4) الأشمط: الذي خالطه الشيب.
5) سقط هذا السطر من ب.
6) أرل: جبل بأرض غطفان. والصراد: سحاب لا ماء به. صرم: واحدها صرمة وهي قطع السحاب.
7) في الديوان والأغاني وابن قتيبة: إني أتمم. وأيسار: مقامرون.
8) دیوانه 83.
9) في ب: منهنهة.
10) في الديوان: نزر.
11) في الديوان: حشرجت نفس.
12) في الديوان: ماء هناك ولا خمر.
تَري أنّ ما أنفقتُ لم يكُ ضرّني(1)*** وأن يدي مما بخلتُ به صِفر
أماويَّ إني ربِّ واحدِ أمه *** أجرتُ(2)فلا قتل عليه ولا أسر
وقد علم الأقوام لو أنّ حاتماً *** أراد ثراءَ المال كان له وَفر
وإنيَ لا آلو بمالي صَنيعة *** فأوّله زادٌ وآخرهٌ ذُخر
يُفكّ به العاني ويؤكل طيبا *** وما إن تعرَّته القداح ولا الخمر(3)
ولا ألطم ابن العمّ إن كان إخوتي(4)*** شهوداً وقد أودى بإخوته الدهر
ولا آخذ المولى لسوء بلائه *** وإن كان محنو الضلوع على عمر(5)
غنينا زماناً بالتصعلك والغنى *** وكلاً سقاناه بكأسيهما الدهر(6)
عنينا زماناً بالتصعلك والغنى *** كما الدهر في أيامه العسر واليسر
لبسنا صروف الدهر لينا وغلظة *** وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر
فما زادنا بغياً على ذي قرابة *** غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر
إذا أنا دلّاني الذين أحبهم *** لملحودةٍ، زُلجٍ جوانبها غُبر(7)
(146 و /)
وأثنوا بما قد يعلمون وغَيره *** وما إن ندى ما ترين ولا سُخر(8)
وقاموا على أرجائه يدفنوني *** يقولون: قد أودى السماحة والذكر
وراحوا سراعا ينفضون أكفّهم *** يقولون: قد أدمى أظافرنا الحفر(9)
إذا المرء أثرى ثم لم يكُ ماله *** غنىً لأدانيه فحالفه العسر(10)
1) في ب: ضائري.
2) في الأغاني: أخذت.
3) في الديوان: تعريه.
4) في الديوان والأغاني: ولا أظلم.
5) البيت ليس في ديوانه ولا في الأغاني. ولكنه في ابن عساكر. وفيه ولا أخذل. وفي البيت أقواء.
6) سقط البيت من ب. وهو في الديوان (جميع الطبعات مع اختلاف بالرواية).
7) الملحودة: القبر. الزلج: المزلقة والصخرة الملساء.
8) البيت ليس في ديوانه ولا في أي مصدر ذكر النص، وكذا ما بعده.
9) في الديوان: راحوا عجالا .. قد دمّى.
10) البيت ليس في الديوان ولا في المصادر الأخرى.
فلما فرغ حاتم من إنشاده الشعر، دعت لهم بالغداء، وقد كانت أمرت إماءها أن يقدّمن إلى كل رجل منهم ما كان أطعمها حيث استطعمتهم، فقدّم الإماء إليهم ما أمرتهن، فلما وضعن(1)الإماء بين أيديهم ذلك عرف كلُّ رجل منهم ما كان أطعمها، فنكّس النبيتيّ والنابغة رأسيهما(2)، فلما رأى حاتم ذلك رمى بالذي قدّمن الإماء إليهما(3)وقدّم إليهما ما كان بين يديه.
فقالت(4): إن حاتماً لأكرمكم وأشعركم وأجودكم، رجل كريم النسبة، تعرفه العامة كمعرفة الخاصة، له جودٌ ومعروفٌ وبذلٌ، قد قبلتُ حاتماً، ورضيتُ به، فقاما منصرفين مستحيين، ثم أقبلت على حاتم، فقالت خلِّ سبيل امرأتك، فأبى أن يفعل، وأبت أن تزوّجه نفسها حتى يطلقها، فانصرف عنها.
ثم دعته نفسه بعد ذلك إلى تزوجها(5)، وحلّت بقلبه، وماتت امرأته، فزوّجته نفسها، فمكثت عنده زماناً، وابن عمٍّ لحاتم يقال له: مالك، قال لها: يا هذه ما تصنعين بحاتم، فوالله لئن ملكَ ليتلفنَّ، وإنْ لم يملك ليتكلفنَّ، ولئن مات ليتركنّ (146 ظ /) ولدك كَلّا عليك وعيالاً على قومك وأنا لكِ ناصح مشفق، ولك محبٌ وامق، فطلّقي(6)، فأنا أتزوج بكِ، وأنا خيرٌ لك من حاتم، لأني أكثر منه مالاً، وأحسن منه حالاً، وأنا أمسكُ عليكِ وعلى ولدك ما لهم، وتعيشين عيشاً رغداً، فمالي لكِ، وأنا قعيد لكِ.
فلم يزل بها حتى طلّقت حاتماً، وقالت: واللهِ لقد صدقتَ، وإنّ حاتماً لكما ذكرت.
قال أبو عبد الله: وكنّ النساء(7)هن(8)اللواتي يطلقن الرجال الجاهلية،
فكان طلاقهن، إن كنّ في بيوت من شَعر أو غيره، حَوّلن بابه(1)، فإذا كان بابه من قِبل المشرق حوّلنه إلى المغرب وإنْ كان من قِبل المغرب حَوّلنه إلى المشرق، وإن كان من قِبل اليَمن حوّلنه إلى قِبل (2)الشام، فإذا جاء زوج المرأة ورأى ذلك عرف أنها طلّقته، فيدع غشيانها، وكانت ماويّة من أجمل نساء زمانها(3)، فأتاها حاتم فوجدها قد حوّلت خباءها فأنكر ذلك من شأنها، فهبط حاتم إلى بطن وادٍ من الأودية فنزل به، واغتمّ لذلك غمّا شديداً، ولم تتهيّأ له حيلةٌ فيها(4).
ودخل بها مالك، وجاء قوم سَفرٌ فنزلوا على باب(5)الخباء، كما كانوا ينزلون كعاداتهم بحاتم، فما زال قوم ينزلون بعد قوم حتى توافوا قريباً من خمسين رجلاً، فضاقت بهم ماوية ذرعاً، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى ابن عمي مالك، فقولي له إن أضيافاً لحاتم قد نزلوا بنا، وهم في عداد خمسين رجلاً، فأرسل إلينا بنابٍ نُقرِهم (147 و /) ولبن نغبقهم. والناب:المسنة من الإبل، والغبوق: شرب اللبن بعد العشاء. وقالت لجاريتها: انظري(6)إلى جبينه وفمه، فإن بادرك بالقول: إي نعم فاقبلي منه، وإن ضرب بلحيته على زَوْره، أو ضرب بيده إلى رأسه، فاقبلي ودعَيه(7). قوله لحيته على زوره: المعنى إنْ نكس رأسه وضرب بذقنه على صدره(8).
فأتت الجارية مالكاً فوجدته متوسّداً وطَباً(9)من اللبن، وتحت بطنه وطَبٌ آخر، وهو نائم فأنبهته، وبلّغته الرسالة فرفع يده إلى رأسه، فحكّ رأسه بيده، ونكس رأسه، مفكّراً، فقالت له الجارية: إنما هي الليلة حتى تعلم الناس بمكان حاتم، ويبلغهم
حاله. فقال: أقرئي على مولاتك السلام، وقولي لها هذا الذي أمرتك أن تطلّقي فيه(1)حاتماً، وما عندي(2)ناب مُسنّة قد تركت العمل، فاستحقّت النحر، وما كنتُ لأنحر صغيرةً بشحم كُلاها مقبلة للخير(3)
وفي الأغاني: لا نحر صفية غزيرة بشحم كلاها.
، وما عندي من اللبن ما يكفي أضياف حاتم.فرجعت، فأخبرتها بما سمعت منه، وما رأت، وما ردّ عليها، فقالت: ويحكِ اطلبي حاتماً بالوادي، فإنْ وجدتيه فقولي: إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلةَ، وهم يرون أنك في منزلك كما كنتَ، فأرسل إلينا بنابٍ نُقرهم، ولبن نُغبقهم، فإنما هي الليلة حتى يعرفوا حالك. فأتت الجارية الوادي فصرخت به، فسمع صوتها، فقال مجيباً لها: لبيكِ، قريباً دعوتِ، فانتبهت إليه فقالت: إن ماوية تِقرئك السلام وتقول: إن أضيافك قد نزلوا بنا، فأرسل إلينا بناب ننحرها (147 ظ /) لهم، وبلبنٍ نسقيهم، فأرسل إليها(4)بناب، ثم قام إلى الإبل فأطلق اثنين من عقلهما، ثم صرخ بهما حتى انتهى إلى الخباء، ثم بادرهما فضرب عراقيبهما، فصرخت ماويّة من داخل الخباء تقول: لهذا طلّقتك، وقالت: تبذِّرُ مالَك وتتلفُ ما في يدك، وتترك ولدك من بعدك كَلًّا على قومك.
فأنشأ حاتم يقول(5):
هل الدهر إلّا اليوم أو أمسِ أو غدُ *** كذاك الزمانُ بيننا يتردّد
يردّ علينا ليلةً ثم يومَها *** فما نحن ما نبقى ولا الدهر ينفَدُ(6)
لنا أجل ما نتناهى أمامه *** فنحن على آثاره نتورَّ.(7)
وفي الديوان والأغاني: أما تناهى أمامه.
بنو ثُعَلٍ قومي فما أنا مدّعٍ *** سواهم إلى قوم ولا أنا مُسند(1)
بدرئهمِ أغشى دروء معاشرٍ *** ويَحنف عنّا الأبلخ المتعمِّد(2)
فمهلًا فدىً أمي ونفسي وخالتي(3)*** ولا يأمرنّي بالدنيّة أسود
أألان إذ ذكيتُ واشتدّ جانبي *** أسامُ التي أعييتُ إذ أنا أمرد(4)
فهل تركت قبلي حضورَ مكانها *** وهل أنا إنْ أعطيتُ خسفاً مخلّد(5)
وهل من أبي ضيماً وخسفاً مخلّد. وفي الأغاني: وهل من أتى ضيماً وخسفاً مخلد.
ومعتسفٍ بالرمح من دون صَحبه *** تعسّفته بالرمح والقوم هجّد(6)
ومعتسف بالرمح دون صحابه *** تعسفته بالسيف والقوم شهّد
فخرّ على حرِّ الجبين وداده *** إلى الموتِ مطرور الوقيعة مِذود(7)
فما رُمته حتى أزحتُ عويصَه *** وحتى علاه حالك اللون أسود(8)
إذا كان بعض المال ربَّا لأهله *** فإني بحمد الله مالي معبَّد
(148 و /)
يُفكُّ به العاني ويؤكل طيّباً *** ويُعطى إذا ضنّ البخيل المصرِّد(9)
إذا ما البخيل الخبءُ أحمد ناره *** أقول لمن يصلى بناريَ: أوقدوا
توسَّع قليلاً أو يكن ثمَّ حسبنا *** ومُوقدها البادي أعفّ وأمجد(10)
فإنّ الجواد من تلفَّتَ حوله *** وإنّ البخيل ناكسُ الطرف أقود(11)
فمنهم جواد قد تلفت حوله *** ومنهم لئيم دائم الطرف أقود
1) في الديوان والأغاني: وما أنا مسند.
2) في الديوان: الأبلج. ويحنف: يميل. الأبلخ: المتكبر.
3) في الديوان والأغاني: فداك اليوم أمي وخالتي.
4) في الديوان: على جبن إذ كنت واشتد جانبي.
5) في ب: فما تركت. وعجزه في الديوان.
6) في الديوان والأغاني:
7) مطرور الوقيعة: السيف.
8) في ب: حالك اللون أنكد.
9) في نسختي المخطوطة: إذا ظنّ. وفي الديوان: من البخيل المطرّد. والمصرد: المقلّل.
10) في الديوان: الباري أعف وأحمد. وفي الأغاني: أحمد.
11) في الديوان والأغاني:
كذاك أمور الناس راضٍ دنيّةً *** وسامِ إلى فرع العلا متورّد
وداعٍ دعاني دعوةً فأجبته *** وهل يدَعُ الداعين إلّا اليلَنْدد(1)
كانت سفانة بنت حاتم من أجود نساء العرب، وكان أبوها يعطيها الصِّرمة من ابله، فتهبها وتعطيها الناس، فقال حاتم: يا بنية، إنّ السخیّين إذا اجتمعا في مالٍ أتلفاه، فإما أن أعطي وتبخلين، وإما أنْ تعطي، وأبخل، فإنه لا يبقى(3)على هذا شيء.
وكان(4)
وعبد قيس شاعر جاهلي من بني حنظلة من البراجم قوم من تميم. (انظر الأصمعيات رقم 87 والمفضليات رقم 116).
أبو جبيل، وهو عبد قيس بن خفاف البرجمي، أتى حاتماً في دماء حملها عن قومه، أسلموه فيها، وعجز عن أدائها، فقال: واللهِ لآتينَّ مَن يحملها عنّي، وكان شاعراً شريفاً، فأتى حاتماً فقال له: قد كان بين قومي دماء، فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وإبلي(5)، فقدَّمتُ مالي، وكنتَ أملي(6)، فإن تحملها، فربَّ حقٍّ قد قضيتَه، وهمٍّ قد كفيته، وإنْ حال دون ذلك حائل، لم أذمَّ يومك، ولم آيسْ من غدك، ثم أنشد:حملتُ دماءَ للبراجم جمّة *** فجئتك لما أسلمتني البراجم(7)
(148 ظ /)
وقالوا سفاهاً: لِمْ حملتَ دماءنا *** فقلتُ لهم: يكفي الحمالة حاتم
1) في الديوان: إلّا المبلد، واليلندد: الخصم الشديد الخصومة.
2) النص في الأغاني 377/17 برواية ابن الكلبي عن أبي مسكين.
3) سقطت عبارة (فإنه لا يبقى) من ب.
4) الحادثة في الأغاني 152/7 (بولاق).
5) في الأغاني: مالي وأهلي.
6) في الأغاني: فقدمت مالي وأخرت أهلي وكنت أوثق الناس به في نفسي.
7) في ب: ثلاثة دماء للبراجم همة.
متی آته فيها يقلْ لي مرحباً *** وأهلاً وسهلاً أخطأتك الأشائم(1)
فيحملها عني وإنْ شئتُ زادني *** زيادةَ مَن جلّت إليه المكارم(2)
يعيش الندى ما عاش حاتم طيءِ *** وإنْ مات قامت للسخاء مآتم
ينادين مات الجودُ معْك فلا ترى *** له مجيباً ما دام للسيف قائم(3)
وقال رجال أنهب الجودُ ماله(4)*** فقلت لهم: إني بذلك عالِم
ولكنه يعطى من أموال طيء *** إذا خلّف المالَ الحقوقُ اللوازم
فيعطي التي فيها الغنى وكأنّه *** لتصغيره تلك العطيّة جارم
بذلك أوصاه عَديٌّ وحشرجٌ *** وسعد وعبد الله تلك القماقم(5)
القماقم: واحدها القمقام وهو السيد.
فقال له حاتم: إني كنتُ لأحبُّ أنْ يأتيني مثلك من قومك، هذا مرباعي من الغارة على تميم، فإن وفَت الحمالةُ، وإلّا كمّلتها لك، وهي مائتا بعير سوى بنيها وفِصالِها، مع أني لأحبُ أن لا توئسَ قومَك بأموالهم، فضحكَ أبو جبيل(6)، ثم قال: لكم ما أخذتم منّا، ولنا ما أخذنا منكم، وأيُّما بعيرٍ دفعته إليّ وليس له ذنب في يد صاحبه، فأنت منه بريٌّ، فأخذها منه، وزاده مائة، وانصرف راجعاً إلى قومه فقال حاتم(7):
(149 و /)
أتاني البرجميُّ أبو جُبيل(8)*** لهمِّ في حمالته طويل
فقلت له خذ المِرباع دهراً(9)*** فإني لست أرضى بالقليل
على حالٍ ولا عوّدتُ نفسي *** على علّاتها عِللَ البخيل
فخذها إنها مائتا بعيرٍ *** سوى النابِ الرَديّة والفصيل
ولا مَنٍّ عليك بها فإني *** رأيت المَنَّ يُزري بالجميل(1)
فقام البرجميُّ وما عليه *** من أعباءِ الحمالةِ من قتيل(2)
يجرُّ الذيلَ ينفضُ مِدذروَيهِ(3)*** خفيفَ الظهر من حملٍ ثقيل
كانت أمّ حاتم ذاتَ يسارٍ، وأسخى الناس، وأقراهم(5)لضيفٍ، وكانت لا تُليق(6)شيئاً تملكه، واسمها غنيّة بنت عفيف بن عمرو بن امرىء القيس بن عَديّ بن أخزم، فلمّا رأى إخوتها إتلافَها حجروا عليها، ومنعوها مالَها، حتى إذا ظنّوا أنها قد وجدت ذلك(7)أعطوها صِرْمَةٌ(8)من إبلها، فجاءتها امرأة من هوازن، كانت تأتيها كلَّ سنةٍ تسألُها. فقالت لها: دونكِ هذه الصِرْمةَ خُذِيها، فوالله لقد عَضّني من الجوع شيءٌ لا أمنع [معه](9)سائلاً أبداً، ثم أنشأت تقول(10):
لعمري لَقدْماً عضّني الجوع عضَّةً *** فآليتُ ألّا أمنعَ الدهرَ جائعاً
فماذا عسَيتُم أنْ تقولوا لأختكم(11)*** سوى عذلِكم أو عذلِ من كان مانعا
1) في ب: بلا منّ .. بالجزيل.
2) في ب: فضاء البرجمي. وفي الأغاني: فاب البرجمي.
3) المذروان: أطراف الالية بلا واحد. ويقال: جاء ينفض مذرويه أي باغياً متهدداً.
4) النص في الأغاني 365/17 برواية العباس بن هشام عن أبيه.
5) في نسختي المخطوطة: وأقراه. والمثبت من الأغاني.
6) كذا في المخطوطة والأغاني. وفي هامش الأغاني روايتان لا تملك. ولا تمسك.
7) في الأغاني: ألم ذلك.
8) الصرمة: القطعة من الإبل ما بين العشر إلى الثلاثين.
9) ما بين الحاصرتين تكملة من الأغاني.
10) في شاعرات العرب 91: لعمركِ قدماً.
11) في الأغاني والشاعرات: فماذا عساكم.
(149 ظ /)
فقولا لهذا اللائمي اليوم أعفِني *** وإنْ أنت لم تفعل فعَض الأصابعا
ولا(1)ما ترونَ اليوم إلّا طبيعةً *** فكيف بتركي يا ابن أمِّ الطبائعا
وعاذلةٍ هبّت بليلٍ تلومُني *** وقد غاب عيّوقُ الثريّا فعرّدا(3)
تلومُ على إعطائيَ المالَ ضِلَّةً *** إذا ضنَّ بالمال البخيلُ وصرّدا(4)
تقولُ: ألا أمسِك عليك فإنني *** أرى المال عند الممسكين مُعبّدا
ذريني ومالي إنّ مالك وافرٌ *** وکلُّ امرىءٍ جارٍ على ما تعوّدا(5)
وإلا فكُفِّي بعضَ لومكِ واجعلي *** إلى رأي مَنْ تلحينَ رأيَكِ مسندا(6)
ألم تعلمي أني إذا الضيفُ نابني *** وعزَّ القِرى أقري السديفَ المُسرْهدا(7)
وأني لأعراض العشيرة حافظٌ *** وحقِّهم حتى أكونَ مُسَوّدا(8)
يقولون لي: أهلكتَ مالك فاقتصد *** وما كنتُ لولا ما تقولون مُفسّدا(9)
كلوا اليومَ من رزق العباد وأبشروا *** فإنّ على الرحمٰن رزقكم غدا(10)
سأذخُرُ من مالي دِلاصاً وسابحاً *** وأسمرَ خطّيًّا وعضباً مهنّدا(11)
فذلك يكفيني من المال كلِّه *** مصوناً إذا ما كان عندي مُتلِدا
1) في الأغاني: وماذا ترون.
2) الديوان 74.
3) عیوق الثريا: النجم الذي يتلو الثريا ولا يتقدمها .. وعرّد: مال للغروب.
4) صرّد: قلّل العطاء.
5) في الديوان: ذريني وحالي.
6) تلحين: تلومين.
7) السديف: شحم سنام البعير. والمسرهد: المقطّع.
8) في الديوان: وألفي ... حافظاً ... المسوّدا.
9) في الديوان: سيّدا. يقال: فسّد الشيء أي أباره.
10) في ب: من رزق الإله.
11) الدلاص: الدرع اللينة الملساء. السابح: الفرس. والأسمر الخطي: الرمح.
مهلاً نوارُ، أقلي اللّومَ والعَذَلا *** ولا تقولي لشيءٍ فاتَ ما فعلا؟
ولا تقولي لمالٍ كنتُ أهلكه *** مهلاً وإنْ كنتُ أعطي الجِنَّ والخبلا(2)
(150 و /)
يَرى البخيلُ سبيلَ المالِ واحدةً *** إنّ الجواد يرى في مالِه سُبُلا
إنّ البخيلَ إذا ما ماتَ يتبعُه *** سوءُ الثناء ويحوي الوارثُ الإبلا
اصدُقْ حديثك إنّ المرءَ يتبعُه *** ما كان يبني إذا ما نعشُه حُمِلا(3)
لا تعذليني على مالٍ وصلتُ به *** رَحْماً وخيرُ سبيل المال ما وصَلا
يسعى الفتى وحِمام الموتِ مدركه *** وكلُّ يومٍ يُدَنّي للفتى أجلا(4)
إني لأعلمُ أنّي سوف يُدركني *** يومي وأصبحُ عن دُنيايَ مشتغلا
فليت شعري وليتٌ غيرُ مُدركَة *** بأيِّ حالٍ تُرى أضحىٰ بنو ثُعَلا(5)
أغزوا بني ثُعَل فالغزو جَدُّكم *** عُدُّوا الروابي ولا تبكوا لمن قُتِلا(6)
اغزوا بني ثعل فالغزو حظّكم *** عدوا الروابي ولا تبكوا لمن نكلا
وَيْهاً فدىً لكم أمّي وما ولدت *** حاموا على مجدكم واكفوا من اتكلا
إذ غابَ من غابَ عنهم من عشيرتنا *** وأبدت الحرب ناباً كالحاً عَصِلا(7)
اللهُ يعلمُ أني ذو محافظةٍ *** ما لم يُخنّي خليلي يبتغي بدلا
فإنْ تبدّل ألفاني أخا ثقةٍ *** عَفَّ الخليقة لا نِكساً ولا وكِلا(8)
أنا المفيدُ حاتمُ بن سعدٍ *** أعطي الجزيلَ وأفي بالعهدِ
وشِيمتي البذلُ وصِدقُ الوعدِ *** وأشتري الحمدَ بفعلِ الحمدِ
(150 ظ /)
أورثني المجدَ بُناةُ المجدِ *** أبي وجَدّي حشرجٌ ذو الوفدِ
هلّا سألتِ الوفدَ عني وحدِي *** كيف طِعاني بالقنا وشَدِّي
وكيف ضربي بالحسامِ الفردِ *** وكيف بَذلي المالَ غير كَدّي
وكيف تضيافي وكيف قصدي *** وكيف إطلاقي وكيف رِفدي
لا تَستُري قِدري إذا ما طبختها *** عليّ إذا ما تطبُخيه حَرام
ولكنْ بِهذاكَ اليفاعِ فأوقدي *** بجزْلٍ إذا أوقدتِ لا بِضَرام(3)
أغارت طيءٌ على إبل النعمان بن الحارث بن أبي شمرِ الجَفني(5)، وقتلوا ابناً له، وكان الحارثُ إذا غضِبَ حلفَ لَيقتلنَّ ولَيسبينَّ الذراري، فحلف لَيقتلنَّ من الغوث بن طيء(6)أهل بيتٍ جميعاً، حتى لا يُبقي منهم مقاتلاً على دمٍ واحدٍ. فخرج يريد طيئيًّا، فأصاب من بني عَديّ بن أخزم، قتل منهم سبعين رجلاً، وأصاب رئيسَهم، وهَم بن عمرو، وأصابَ رهطَ حاتم، وحاتمٌ يومئذٍ بالحيرة، عند النعمان بن
1) المقطوعة مما أخلّ به الديوان.
2) الديوان 117.
3) اليفاع: المرتفع من الأرض. والضرام: الدقيق من الحطب.
4) الحادثة وأشعارها في الأغاني 370/17 والعفو والاعتذار 376/2.
5) النعمان بن الحارث بن الحارث الأعرج الأكبر بن عمرو بن محرق، كان أبوه الحارث الأعرج، خير ملوك الشام، وأيمنهم طائراً، وأبعدهم مغاراً وأشدهم مكيرة. (المعارف 642).
6) (بن طيء) سقط من ب.
المنذر، فأصابتهم مقدّماتٌ خيله، فلمّا قِدم حاتِمٌ الجبَلَين، حملت المرأةُ الصبيَّ من ولدها(1)فتقول: يا حاتم أسِرَ أبو هذا، وجعلت النساء تُكثر عليه. فلم يلبثْ إلّا ليلةً حتى سار إلى النعمان، ومعه مِلحان بن حارثة (151 و /) وكان لا يُسافرُ إلّا وهو معه. فقال حاتم(2):
ألا إنني قد هاجني الليلةَ الذّكر *** وما ذاك من حبِّ النساء ولا الأشَرْ(3)
ولكنه مما أصاب عشيرتي *** وقومي بأقرانٍ حواليهم الصِّيَرْ(4)
الأقران الحبال. والصير واحدها الصيرة وهي الحظيرة. كذا شرحها الأصفهاني في الأغاني.
لياليَ نُمسي(5)بين جَوِّ ومِسْطحٍ *** نشاوى لنا من كلِّ سائمة جزرْ
فيا ليت خيرَ الناس حيًّا وميّتاً *** يقول لنا خيراً ويمضي الذي الئتمرْ
فإن كان شرّاً فالعزاءُ فإننا(6)*** على وقَعاتِ الدهرِ من قبلها صُبرْ
سقى اللهُ ربُّ الناس سَحًّا وديمَةً *** جَنوبَ السَّرَاةِ من مآبٍ إلى زُغَرْ(7)
بلادَ امرىءٍ لا يعرف الذمُّ بيته *** له المشربُ الصافي ولا المطعمُ الكدَر.(8)
تذكّرتُ من وهْم بن عمرٍو جلادةً *** وجُرأة مغداهُ(9)إذا صارخٌ بِكَرْ
فأبشِر وقرَّ العينَ منك فإنني *** أحيّ(10)كريماً لا ضعيفاً ولا حَصِرْ
قال هذه القصيدة، ثم دخل على النعمان بن الحارث بن أبي شمر الجفني،
1) في الأغاني: جعلت المرأة تأتيه بالصبي.
2) الديوان 88.
3) الأشر: البطر.
4) في الديوان: ولكنني .. صبر بالباء مصحفة.
5) في الأغاني: نمشي. وهو ساقط من العفو والاعتذار.
6) في الديوان: شر.
7) مآب: بلدة بالبلقاء، وزغر: قرية بمشارف الشام. قاله ياقوت وأورد هذا البيت والذي يليه شاهداً.
8) في الديوان: وليس له الكدر. وفي الأغاني: ولا يطعم الكدر.
9) في الديوان: معداه وفي الأغاني مغزاه. إذا صارخ. وفي العفو: مقدام.
10) في ب: أؤاخي. وفي العفو: أتيت.
فأنشده فأُعجِبَ به، واستوهبَ منه أسرى قومِه، فوهبهم له، وكان من وهَب له منهم بني امرىء القيس بن عَديّ ثم أنزله عنده، وأمر بحُسن ضيافته والإحسان إليه، وبتعهده، فحُمِل إليه الطعام والخمر(1). فقال له مِلْحان: أتشربُ الخمرَ وقومُك أسرى في الأغلال؟ سَلْه(2)أن يمنَّ عليهم، ويهبَهم. فدخل على النعمان الثانيةَ، وقال قصيدةً أخرى، فأنشده إيّاها(3):
إنّ امرأ القيس أضحت من صنائعكم *** وعبدَ شمس أبيتَ اللعن فاصطنعِ.(4)
(151 ظ /)
إنّ عديًّا إذا ملكتَ جانبها *** من أمر غوث على مرأى ومُستمع
وقال أيضاً(5):
أتبع بني عبدَ شمس أمرَ إخوتهم *** أهلي فداؤك إنْ ضرُّوا وإن نفعوا
لا تجعَلنَّا - أبيت اللعنَ - ضاحيَةً *** كمعشرٍ صُلِموا الآذانَ أو جُدعوا(6)
أو كالجناحِ إذا شُلَّت قوادمه(7)*** صار الجناحُ لفضل الريشِ يتَّبع
فأطلق له النعمانُ بن الحارث بني عبد شمس، وهم بنو عبد شمس بن عديّ بن أخزم بن أبي أخزم [وبقي قيس بن جحدر بن ثعلبة بن عبد رضيّ بن مالك بن ذُبيان بن عمرو](8)بن ربيعة بن جرول الأجئي، وأمه من بني عديّ، وهو جَدُّ الطرماح بن حکیم بن نفر بن قيس بن(9)جحدر(10)، فقال له النعمان أبقي أحدٌ من قومك؟ قال:
1) اختصرت في الأغاني فجاءت: فوهب له بني امرىء القيس بن عدي ثم أنزله فأتى بالطعام والخمر.
2) في الأغاني: قم إليه فسله إياهم، فدخل عليه فأنشده.
3) الديوان 99.
4) في الديوان: أضحى من صنيعتكم. وفي الأغاني: من صنيعتكم. فاصطنعوا.
5) سقطت العبارة من الأغاني فاختلفت القافية حين جعلها قصيدة واحدة.
6) في الديوان: ضاحكة: وصلموا: قطعت آذانهم. وجدعوا: قطعت أنوفهم.
7) في الديوان والأغاني والعفو: سلت.
8) يظهر أن الناسخ أسقط سطراً فأكملته من الأغاني.
9) سقطت (قيس بن) من ب.
10) هو الشاعر الأموي المعروف: ولد ونشأ في الشام ثم انتقل إلى الكوفة، وانضمّ إلى الخوارج. انظر الشعر والشعراء 489 والأغاني 148/10.
نعم. وأنشده حاتم(1):
فككتَ عديّاً كلَّها من إسارها *** فأفضِلْ وشَفّعني بقيسِ بن جحدر
أبوه أبونا فارعَ والأمُّ أمُّنا *** فأنعِمْ فدتَكَ النفسُ نفسي ومعشري(2)
أبوه أبي والأمهات أمهاتنا *** فأنعم فدتك اليوم نفسي ومعشري
فقال له النعمان: هو لك. ووهبه له مع جميع من أسرَ من قومِه. فقال حاتم: يمدحُ النعمان بن الحارث، ويذكر ما منَّ عليه من فكاك قومِه، وهِبته إيّاهم له(3):
أبلِغ الحارث بنَ عمرو بأني *** حافظُ الودِّ مُرصِدٌ للثواب
ومجيبٌ(4)دعاءه إنْ دعاني *** عجِلاً واحداً وذا أصحاب
إنّما بيننا وبينك فاعلم *** سَيرُ تسعٍ للعاجل المنتاب(5)
فثلاثٌ من الشراة إلى الحالة *** للخيل جاهداً والركاب(6)
وثلاثٌ یرٍدنَ تيماءَ رهواً *** وثلاثٌ يغرن بالإعجاب(7)
(152 و /)
فإذا ما مررتَ في مُسبَطرٍّ *** فأجمح الخيلُ مثل جَمح الكِعاب(8)
بينما ذاك أصبحتْ وهي عضديٰ *** من سبيِّ مجموعةٍ ونهاب(9)
ليت شعري متى أرى قُبّةٌ *** ذات قلاع للحارث الحرّاب
في يفاعٍ وذاك منها محلٌّ *** فوق ملْكٍ يدين بالأحساب(10)
1) البيتان في ديوانه 89 والشعر والشعراء 489.
2) في جميع المصادر الأخرى:
3) الديوان 63.
4) في الأصل: ومجيباً، تحريف.
5) سقط البيت من ب.
6) في الديوان والأغاني: السراة. وفي الديوان: إلى الحلة. وفي الأغاني: الحلبط. وهي مواضع.
7) في الديوان: يغررن. والأغاني: يقربن. الرهو: السير السهل.
8) في الأغاني: مررن. ومسبطر: ممتد.
9) في الأصل: غضبى. وعضدى مكسورة الأعضاد.
10) في ب: بالأصحاب.
أيها المُوعديّ فإنّ لَبوني *** بين حقلٍ وبين هضب ذباب(1)
حيث لا أرهبُ العدوَّ وحولي *** من هضابٍ محفوفة بهضاب(2)
حيث لا أرهب الخزاة وحولي *** ثعليون كالليوث الغضاب
وفي الأغاني: لا أرهب الجرأة.
ألا أرِقْت عيني فبتُّ أديرها *** حِذار غدٍ وأحج ألّا(4)يَضيرها
إذا النجمُ أمسىٰ مغربَ الشمس مائلا *** ولم يكُ بالآفاق برقٌ(5)يُنيرها
إذا ما السماءُ لم تكن غيرَ جُلبة *** كَجدّة بيت العنكبوت يُنيرها(6)
إذا الريحُ جاءت من أمام أطائفٍ *** وأخلف نوء الشِعر بَين دَبورها(7)
موضع. (ياقوت).
فإنّا نُهين المال من غير ضنّة(8)*** وما يشتكينا في السنين ضريرها
إذا ما البخيل الخبُّ هرّت كلابُه *** وشقّ على الضيفِ الغريبِ عَقورها(9)
فإني جبان الكلب بيتي مُوطًّأ *** أجودُ إذا ما النفس شحَّ ضميرها
وإنّ كلابي قد أقرت وعُوّدت *** قليلٌ على من يعتريني هريرها
وما تشتكي قِدري إذا الناسُ أمحلت *** أوثفُها طوراً وطوراً أميرُها(10)
1) في الأصل: ذناب. والأغاني: دباب. وذباب: جبل بالمدينة.
2) في الديوان:
3) الديوان 93.
4) في الديوان: أحجى بألّا.
5) في الديوان: بون.
6) جدة: حداثة. ينيرها: يجعل لها نيراً، وهو هدب الثوب ولحمته.
7) في الديوان: أخائف ... وألوت بأطناب البيوت صدورها. وفي ب: وأخلف يوم. وأطائف
8) في ب: ضنّه. والظنة: القليل من الشيء.
9) في الديوان: بخيل الناس .. الضيف الضعيف. والعقور: الذي يعضّ.
10) أوثفها: اجعلها على الأثافي وهي حجارة الموقد. أميرها: آتيها بالميرة وهي المونة.
وأبرز قِدري بالفناء(1)قليلُها *** يُرى غيرَ مَضنون به وكثيرها
(152 ظ /)
وليس على ناري حِجابٌ يكفها *** لمستوبِصٍ ليلاً ولكنْ أشيرها(2)
فلا وأبيك ما يظلُّ ابنُ جارتي *** يطوفُ حوالي قِدرنا ما يطورها(3)
وإبليَ رهنٌ أن يَكون كريمُها(4)عقيراً *** أمام البيتِ حين أثيرها
وما تشتكيني جارتي غيرَ أنّني(5)*** إذا غاب عنها بعلُها لا أزورُها
سيبلُغها خَيري ويرجع بعلُها *** إليها ولم تُقصَر عليّ ستورها
وخيلٍ تنادي للطعان شَهِدتُها *** ولو لم أَكن فيها لساء عذيرها(6)
وعَرْجَلةٍ شُعَثِ الرؤوس كأنهم بنو الجنِّ لم تُطبَخ بقدرٍ جَزورها(7)
شهدت و دعوانا أميمةَ أننا *** بنو الحرب نصلاها إذا اشتدّ نورها(8)
على مُهرةٍ كبداءَ قوداءَ ضامرٍ *** أمين شظاها مطمئن نسورها(9)
وغَمرة موتٍ ليس فيها هوادةٌ *** تكون صدور السمهريّ جُسورُها(10)
صبرنا لها في نهْكِها ومُصابها *** بأسيافنا حتّى يبوخ سعيرُها
وخوصٍ دقاقٍ قد حدوتُ بفتيةٍ *** عليهنّ إحداهنّ قد حُلَّ كُورُها(11)
1) في الديوان: بالفضاء.
2) في الديوان: حجاب يكنّها ... ولكن أنيرها. المستوبص: المستضيء بالنار ليلاً.
3) يطورها: يحوم حولها.
4) في الأصل: أن يكوس.
5) في الديوان: غير أنها.
6) عذيرها: نصيرها.
7) المرجلة: جماعة المشاة.
8) في الديوان: وعوّانا أميمة .. إذا اشتدّ.
9) في الديوان: كبداء جرداء. وفي الأصل: مطمئن ستورها. والكبداء: المرتفعة الكبد. وقوداء: منقادة. والشظى: عظم صغير لازق بالركبة أو الذراع. والنسور: جمع نسر وهو لحمة في باطن حافر الفرس.
10) في الديوان: يكون صدور المشرفيّ.
11) في الديوان: لفتية. والخوص: واحدها الخوصاء وهي الغائرة.
وقد علِمت غوثٌ بأنّا خيارُها *** إذا أعلمت بعد النجيّ أمورها(1)
وأني امرؤ من عُصبةٍ تُعليّةٍ *** کریم غناها مستعفّ فقيرها(2)
وأقسمتُ لا أعطي الملوك ظُلامةً *** وحولي عَديٌّ كهلُها وغريرها(3)
289 - حدّثنا أحمد بن سعيد قال: أنشدنا الزبير قال: وأنشدني عمي لحاتم(4):
أهاجك نصبٌ أم بعينك عائر *** إلى الصبحِ لم ترقدْ فيومُك ساهر
(153 و /)
وما هاجني ذكرُ النساء وإنني *** طروبٌ ولكن غيرُ ذلك ذاكر
فمن مبلغٌ عنّا سلامان مالِكاً(5)*** وسنبسَ هل حاذرتمُ ما أحاذرُ
أحاذرُ يوماً أن تسيرَ قبائلٌ *** تُورِّث شنوءاً بينهم وتُظاهِر(6)
وأبلغْ أبا النعمان عنّي رسالةً *** وذو الحِلم(7)قد يُرعى إلى من يؤامر
فليت أبا النعمان بُيّن قبرُه *** وكيف تجيب للدعاء المقابر
فلو كان حيًّا قد أبات عدوّهم(8)*** على آلةٍ حدباء ممّا يحاذر
بأنّ بنيه قد تناءوا بدارهم *** فحورانُ أدنى دارهم فأباير
ألا هل أتى قومي بأنّ محارباً *** تدبر منها الصهو بادٍ وحاضر
وحُلّت بلا جارٍ مباءاة نبتلٍ *** وحُلَّت جُديَّاتٌ وحُلَّت مصاخر
وأرسلت الأشواك جنبي بواعة *** عزين وترعى بالرداة العشائر
وهُم سَلبوا زيداً غداة قُراقر(1)*** رواحلَه والموتُ بالناس حاضر
فلم يُغنِ زيداً يومَ ذلك نفره(2)*** وأفلتهم يعدو به ثَمَّ ضامر
بزخَةَ من جَرم يمنّون جيفةً(3)*** ولم ينجهم من آل بولانَ واقر
فأين بنو العلّات إني عهِدتُهم *** إذا ما انتدوا فيهم نديّ وبوادر
وأين بنو هندٍ ألا حيَّ منهمُ *** فيسعوا على ما كان قدّم عامر
وألهى بني العلّات عنا وحارثاً *** عباثر تُحدي خلفهنَّ الأباعر(4)
وحنّوا إلى فتٍّ بجنبي بسيطةٍ(5)*** كما حنَّ للأكلاء نيبٌ صوادر
(153 ظ /)
أبعد بني رومان شدّوا حبالهم(6). *** بحبل بني جَدْعاءَ لم يتزاجروا
يقول لهم أوسٌ تعالوا جُنيبةً *** ألا إنما أوس وجدِّكَ فاجر
أيفعلها في الناس قومٌ عمارة *** لهم نسبٌ، ولا نساءٌ حرائر(7)
تبيّنْ فإنّ الحكم يهدي من العمى *** إذا ما التقينا أيّنا أنت ضائر
فإنْ لا تجيبونا تصرّ خيامنا *** إلى مذحج إنّ الأمورَ دوائر
وينأى حبيبٌ عن مزار حبيبه *** وترمح حميرٌ دوننا وأباقر
وينأى قبيلٌ لا قرابةَ بينهم *** لهم نسبٌ في أصل غوث مآثر
وإنْ تذهبوا إلى دياف وأرضها *** لنيّتكم فإنّ أصلي يحابر
فمَن مبلغٌ عني جديلة مالكاً *** وما إن أحبّ أن تُؤدّى الهواجر
فتاللهِ هل كنّا اختلفنا وأنتمُ *** على النصر ما دام الليالي الغَوابر
وهل تَعلمون إذ نزلنا وأنتمُ(1)*** وليس لنا إلّا الإلٰهُ مُناصر
عطاؤكمُ زَوْلٌ ويُرزأ مالكم *** فإني بكم ولا محالة ساخر
فلما أخذتم ما أردتُم لقومِكم *** وأدركتمُ ثاراً وأدرك واتر
قلبتم لنا ظهر المِجنّ عداوةً(2)*** فأيديكمُ بالنصر عنّا شواجر
صحا القلبُ عن هندٍ وعن أمّ عامر *** وكنتُ أراه عنهما غيرَ صابر(4)
صحاب القلب من سلمى ومن أم عامر *** وكنت أراني عنهما غير صابر
ودبّت وُشاةٌ بيننا وتقاذفت(5)*** نوَى غُربةٍ من بعد طول التجاور
(154 و /)
وفتيانِ صِدْقٍ ضَمهم دَلَجُ السُّرى(6)*** على ذُقُنٍ مثل السهام ضوامر(7)
فلمّا أتوني قلتُ: خيرُ معرِّس *** ولم أطّرِحْ حاجاتِهم بمعاذِر
وقمتُ لموشيّ المتون كأنّه(8)*** شهابُ غضاً في كفِّ ساعٍ مبادر
فیشقی به عرقوب كوماءَ جَبْلةٍ *** عقيلةِ كومٍ كالهِضاب بَهازِر(9)
فظلَّ عُفاتي مُكرَمين وطابخي *** فريقان منهم: بين شاوٍ وقادر(10)
1) في ب: إذا.
2) أي تغيّرتم علينا، وساء رأيكم فينا. وأصله مثل. انظر المستقصى 198/2.
3) الديوان 85.
4) في الديوان:
5) في الديوان: ووشّت.
6) في الديوان: على مسهمات كالقداح ضوامر دلج السرى: سير الليل.
7) الذقن: واحدها بكسر الذال وتسكين القاف. وهو البعير يحمل عليه ثقل ولا يقدر ينهض فيعتمد بذقنه على الأرض. ومنه المثل: مثقل استعان بذقنه.
8) في ب: بموشي. وموشي المتون: السيف.
9) في الديوان: ليشقى .. عقيلة أدم. وكوماء جبلة: ناقة غليضة. وبهازر: واحدها بهرزة وهي الناقة السمينة الضخمة.
10) قادر: يطبخ في القدر.
شاميّةٌ لم تُتّخذْ لدحَامس(1)*** الطبيخِ ولا ذمّ الخليط المجاور
يقمّص دهداق البضِيع كأنه(2)*** رؤوس القطا الكدر الدقاق الحناجر
كأنّ هبيرَ اللحمِ في فَوَراتها(3)*** إذا استحمشت أيدي نساءٍ حواسر
كأنّ أنيضَ اللحم حين تغطمطت(4)*** رياحُ عبيرٍ بين أيدي العواطر
إذا أنزلت كانت هدايا وطُعمة(5)*** ولم تُختزَن دون العيون النواظر
ألا ليت أنّ الموت كان حِمامُه *** لياليَ حلَّ الحيُّ أكناف حامر(6)
لياليَ يدعوني الصِّبا فأجيبه(7)*** حثيثاً ولا أرعي إلى قول زاجر
ودويَّةٍ قفْرٍ تعاوى سباعُها *** عُواءَ اليتامى من حذار التّراتر(8)
قطعتُ بمرداةٍ كان نُسُوعها(9)*** تُشدُّ على قَوْم عَلَنْدي مخاطر
ليَبكِ على مِلحان صيف مدفعٌ *** وأرملةٌ تُزجي مع الليل أرملا
(154 و /)
إذا ارتحلا لم يجدا بيتَ ليلةٍ *** ولم يلبسا إلّا بِجاداً وخيعلا(10)
وأوصيتني أنْ أرفعَ الظنّ صاعداً *** وصاتك واستُودعتُ تُربا وجندلا
فلا انفكَّ رِمسٌ بين أضرع فاللّوى *** يصبُّ عليه الله وَدْقاً مُجلّلاً
1) في الديوان: يتخذ له حاسر. والدحامس: الأسود من كلِّ شيء.
2) يقمّص دهداق البضيع: يحرك قطع اللحم.
3) في الديوان: كأن ضلوع الجنب.
4) في الديوان: كأن رياح اللحم. والأنيض: العصعص. وتغطمطت: اشتد عليها غليان مائها.
5) في الديوان: استنزلت.
6) في الديوان: حابر. وحامر: موضع على الفرات.
7) في الديوان: يدعوني الهوى.
8) التراتر: الشدائد.
9) المرداة: الصخرة. شبّه بها الناقة. النسوع: السير والعلندي: الشديد.
10) البجاد: كساء مخطط. والخيعل: الفرو أو ثوب غير مخيط الفرجين.
غزا حاتم، فأصاب راحلةً لبعض الملوك على ماءٍ يقال له: المزاج، فقال(1):
فلو شهِدَتْنا بالمزاج لأيقنت *** على ضُرنا أنّا كرامُ الضَّرائب(2)
عشيّةَ قال ابنُ الذميمةِ عارضٌ *** إخالُ رئيس القوم ليس بآيب(3)
وما أنا بالساعي بفضل زِمامها *** لأُشرِعَها في الحوض قبل الركائب(4)
وما أنا بالطّاوي حقيبةَ رَحلِها *** لأبعثها خِفّاً وأترُكَ صاحبي(5)
إذا كنتَ ربَّا للقَلوص فلا تدَعْ *** رفيقك يَمشي خلفها غيرَ راكب(6)
أنِخْها فأَرْدِفه فإنْ حملَتكما *** فداك وإنْ كان العقابُ فعاقب(7)
ومرقَبَةٍ دون السماء عَلوتُها *** أقَلِّبُ طَرْفي في فضاء سَباسب(8)
وما أنّا بالماشي إلى بيتِ جارتي *** طَروقاً أحیّيها كآخَر جانب(9)
ولستُ إذا ما أحدثَ الدهرُ نكبةً *** بأخضعَ ولّاج بيوت الأقارب(10)
إذا أوطنَ القومُ البيوتَ وجدتَهم *** عُماةً عن الأخبار خُرقَ المكاسب
1) الديوان 64. والمزاج: موضع في طريق الكوفة. وقيل في شرقي المغيثة.
2) في الديوان: ولو شهدتنا. والضرائب: السجايا.
3) في الديوان: ابن الذئيمة عارق.
4) في الديوان: التشرب ما في الحوض.
5) في الديوان: لأركبها خفاً.
6) القلوص: الناقة الشابة.
7) العقاب: المناوبة في الركوب.
8) المرقبة: موضع المراقبة. سباسب: مفازات واحدها سبسب.
9) جانب: غريب.
10) في ب: يرون الأقارب. تحريف.
11) هذه الأبيات مما أخل به الديوان.
12) الهجمة: من الإبل أوّلها.
أتيحَ له من أرضه وسمائه *** حَمامٌ وما يأمر به اللهُ يفعل
وكان يخالُ الأرض قفراً بريّةً *** ومَن لا يخف زَّوَّ المنيّةِ يجهل(1)
فما راعَهُ إلّا علوُّ جَبينه *** بعضبٍ جلت عنه مداوسُ صيقل(2)
فخرَّ وألقى ثوبَه وتركتُهُ *** لدى شَجراتٍ كالعكي المجدّل(3)
إذا ما بتُّ أختل عِرسَ جاري *** لِيُخفيني الظلام فلا خَفيت(5)
أأفضحُ تجارتي وأخونُ جاري *** فلا وأبيكَ أفعلُ ما حَيِيتُ(6)
وخرْق كنصل السيف قد رامَ مَصْدفي *** تعسَّفتُه بالرمح والقومُ شُهَّدِي(8)
فخرَّ على حُرِّ الجبين بضربة *** تقُطُّ صِفاقاً من حشاً غير مبلد(9)
فما رُمتُه حتى تركتُ عويصَه *** بقيَّة عرق يحفِزُ التُربَ مِذود(10)
وحتى تركتُ العائداتِ يعدنَه *** يقُلن فلا تبعدْ وقلتُ لهُ ابْعد(11)
فطافوا به طوفين ثم نموا به *** إلى ذاتِ إلجافٍ بزَخّاءَ قُرْدُ.(12)
1) الزوّ: القرينان وكل زوج. وفي هامش الأصل: الزوّ. القدر.
2) المداوس: واحدها المدوس وهو المصقلة التي تصقل السيف.
3) العكي: المقيّد.
4) الديوان 66.
5) في ب: عرسي. تحريف. وأختل: أخادع.
6) في الديوان: معاذ الله أفعل.
7) الديوان 71.
8) الخريق: الكريم. مصدفي: مصرفي وصدي.
9) (9) في الديوان: غير مسند. تقط: تقطع الصفاق: الجلد الذي يمسك البطن.
10) في الديوان وشعراء النصرانية: عرف.
11) في ب: العاديات. تحريف. وفي الديوان: ينادين لا تبعد.
12) في الديوان وشعراء النصرانية: أطافوا .. ثم مشوا الجاف: الحفر وعني به القبور. وزخاء: موضع. والقرود: ما غلظ وارتفع من الأرض.
ومَرقبةٍ دون السماءِ طمِرّةٍ
*** سبقتُ طلوع الشمس عنها بمرصَد(1)
وِسادي بها جَفْنُ السلاح وتارةً *** على عُدَوَاء الجنْب غيرُ مُوسَّد(2)
لمّا وقع حربُ الفساد، خرج حاتم حتى نزل في بني بدر بن عمرو زمن احتربت جديلة وثُعَل، وكان ذلك زمن الفساد، وكان نزول حاتم في بني بدر بن (155 و /)عمرو على عُيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري(4)، فأحسنوا جِوار حاتمٍ، وأكرموه، فقال حاتم في ذلك:
إنْ كنت كارهةً لعيشتنا(5)*** هاتي فحُلّي في بني بدر
جاورتُهم زمن الفساد فنع *** مَ الحي في العوصاء واليُسر
فسُقيتُ بالماء النّمير ولم *** أتركْ أواطِسَ حمأةِ الجَفْر(6)
ودُعيتُ في أولى النديِّ ولم *** يُنظرْ إليَّ بأعينٍ خُزر(7)
الضاربون لدى أعنّتهم *** والطاعنون وخيلُهم تجري
والخالطون نَحيتَهم بنُضارهم *** وذوي الغنى منهم بذي الفقر(8)
آخر الجزء الثامن عشر من أجزاء أبي عبد الله بن الكاتب وأول الجزء التاسع عشر من أجزاء أبي عبد الله الكاتب. وترجمته الثاني من الخامس من أجزاء الدمشقي. وهو آخر الموفّقيات. والحمد لله والصلاة على محمد النبي وآله وسلم.
1) في الأصل: عنه. وفي الديوان وشعراء النصرانية: منها بمرصد والطمّرة: المرتفعة.
2) عدواء: الأرض اليابسة الصلبة.
3) الديوان 87. وفيه جاور حاتم في بني بدر من احترب من جديلة وثعل، وكان ذلك زمن الفساد، فقال يمدح بني بدر.
4) يقال كان اسمه حذيفة فلقب عيينة لأنه كان أصابته شجة فجحظت عيناه. أدرك الإسلام، وكان من المؤلفة قلوبهم. ارتد في زمن أبي بكر ثم تاب. (الإصابة 55/3).
5) في الديوان: معيشتنا.
6) أو اطس وجفر: موضعان. وحمأة: الطين الأسود.
7) الندي: المجلس.
8) في الديوان: الضاربين. الطاعنين. والخالطين.
أنّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - دخل عليها، وعندها بعض نسائه فقال: يا عائشة، أنا لكِ كأبي زَرْع لأمِّ زَرْع(1). قالت يا رسول الله، وما حديثُ أبي زرع وأمِّ زرع؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: إنّ قريةً من قرى اليمنِ كان بها بطنٌ من بطون أهل اليمن، فكان منهم إحدى عشرة امرأةً، وإنّهنَّ خرجن إلى مجلس لهنَّ، فقال بعضُهنَّ لبعضٍ: تعالَيْن فلنذكرْ بعولتَنا بما فيهم، ولا نكذب، فتبايعنَ على ذلك، فقيل للأولى: تكلّمي بنعت زوجك. فقالت(2): الليلُ ليلُ تهامةَ، والغيثُ غيثُ عمامَة (155 ظ /) لا حَرٌ ولا وخامة(3).
وقيل للثانية: تكلّمي، وهي عمرة ابنة عمرو فقالت(4): المسرُّ مَسُّ أرنب، والرِّيحُ ريحُ زَرْنب، أغلبُه والناسَ يغلب، وقيل للثالثة: تكلّمي، وهي حُیيّ بنتُ كعبٍ، فقالت: مالكٌ وما مالكٌ(5)، ذو إبلٍ كثيرات المَبَارِك، قريبات المَسارِح، إذا سمعنَ صوتَ(6)المِزْهَرِ، أيقنَّ أنهنَّ، هوالكُ، وقيل للرابعة: تكلّمي، وهي مهرد ابنة أبي هزومةَ، فقالت: زوجي لحمُ جملٍ غثٍّ، على جبلٍ وعْرِ، لا سهلٌ فيُرتقى(7)، ولا سمينٌ فينتقى، وقيل للخامسة: تكلّمي، وهي كبشة. قالت:
زوجي رفيعُ العماد، عظيمُ الرَّمادِ، قريبُ البيت من النادي. وقيل للسادسة: تكلّمي وهي هندٌ، فقالت(8): زوجي كل داءٍ له داءٌ، إنْ حدّثته مسكَ، وإنْ مازحتُه فلك، والأجمعَ كلّاً لكِ. وقيل للسابعةِ: تكلّمي، وهي بنت أوس بن عبد،
1) الحديث في البخاري 35/7. ومسلم 375/2.
2) اختلف الترتيب في الصحيحين عما ورد هنا. ولم يذكر أسماء الزوجات.
3) في البخاري: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سآمة.
4) سقط ما بعد (زرنب) من الصحيحين. والزرنب: شجر طيب الرائحة.
5) في الصحيحين: أضافا عبارة مالك خير من ذلك.
6) سقطت كلمة (صوت) من ب.
7) في الصحيحين: فينتقل.
8) في الصحيحين: زوجي غياياء أو عياياء طباقاء، كل داء له داء، شجّك أو فلّك أو جمع كلا لك.
فقالت(1): زوجي إذا أكل لفَّ، وإذا شربَ اشتفَّ، وإذا رقدَ التفّ، ولا يُدخلُ الكفَّ فيعرف البثَّ. وقيل للثامنة: تكلّمي، وهي حُييّ بنت علقمة، فقالت(2): زوجي إذا خرج أسد، وإذا دخل فهد، ولا يَسألُ عمّا عهد ولا يرفعُ اليوم لغد. وقيل للتاسعة(3): تكلّمي. فقالت: زوجي لا أذكرُه، ولا أبثُّ خبرَه، أخافُ أَنْ لا أَذرَهُ. إِنْ أذكرهُ أذكر عُجَره، وبجرَه. وقيل للعاشرة: تكلّمي، وهي كبشة ابنة الأرقم، فقالت(4): نكحتُ العشنّقَ، إنْ سكتُّ عَلَّقَ، وإنْ تكلّمتُ طلّق. قيل(5)لأمِّ زرع، وهي (156 و /) أمُّ زرع بنتُ أكيمل بن ساعد: تكلّمي. فقالت: أبو زرع وما أبو زرع، وجدني في أهلِ غُنيمةٍ بشِقِّ فنقلني(6)إلى أهل صهيلٍ وأطيطٍ ودائس ومُنقٍّ، ملأ من شحمٍ عضديهْ، وأناسَ من حُلِّي أذنيه(7)، وبجَّحَ نفسي فتبجّحتُ إليه(8)، وأنا أنام وأتصَبّحُ، وأشربُ فأتقمّحُ، وأقولُ ولا أقَبَّح(9)، بنتُ أبي زرعٍ، وما بنتُ أبي زرع، مِلءُ إزارِها، وصفر ردائها، وزَينُ أمهاتها ونسائها، خرج من عندي أبو زرع، والأوطابُ تُمخَضُ، فإذا هو بأمّ غلامين كالفهدين، ترمي من تحت خصرها بالرمّانتين(10)، فتزوَّجها وطلّقني، فاستبدلت بعده، وكلُّ بدلٍ أعور، فتزوّجتُ شابّاً سَريّاً، ركبَ أعوجيًّا، وأخذ خطياً، وأراح نَعماً ثريَّا. وقال: كلي أمَّ زرعٍ ومِيري أهلَك، فجمعتُ أوعيتَه، فما تعدلُ وعاءً واحداً من أوعية أبي زرع.
1) في الصحيحين: .. وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف.
2) في الصحيحين: إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد.
3) في الصحيحين: زوجي لا أبث خبره إني أخاف ...
4) في الصحيحين: زوجي العشنق.
5) في الصحيحين: قالت الحادية عشرة زوجي أبو زرع.
6) في المصدرين السابقين: فجعلني.
7) وفيهما: عضدي .. آذنيّ.
8) وفيهما: فبجحت إليّ نفسي.
9) وفيهما: أم أبي زرع، فما أم أبي زرع عكومها رداح وبيتها فساح، ابن أم زرع فما ابن أم زرع، مضجعة كمسل شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة، بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع، طوع أبيها وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها، جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع لا تبث حديثنا تبثيثاً، لا تبث حديثنا تبثيثاً ولا تنفث ميرتنا تنفيثاً ولا تملأ بيتنا.تعشيشاً.
10) وفيهما: فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين.
لمّا قدم مصعبٌ بن الزبير الكوفة دخل عليه عبد الله بن الزَّبير الأسديّ(2)فقال له مصعَبٌ: أنت عبد الله بن الزَّبير الأسديّ؟ قال: فوجِل منه، ثم قال: نعم. قال: أأنت الذي تقول(3):
إلى رّجبٍ أو غُرّةِ الشهر بعده *** تُوافيكمُ بيضُ المنايا وسُودُها(4)
إلى رجب السبعين أو ذاك قبله *** تصبحكم حمر المنايا وسودها
ثمانون ألفاً دِينُ عثمان دِينُها *** مُسوَّمةٌ جبريلُ فيها يقودُها(5)
ثمانون ألفاً نصر مروان دينهم *** كتائب فيها جبرئيل يقودها
قال: قد كان ذاك(6). قال: فإنّا قد غفرنا لك ذنبَك، وأمرنا لك بمائة ألف درهم. قال: فخرج وهو يقول(7):
جزى اللهُ خيراً مُصعباً إنّ خيرَه *** ينال به الجاني ومَنْ ليس جانيا
(156 ظ /)
ويعفو عن الذنبِ الذي يعلمونه *** ويُعطى من المعروف ما ليس فانيا
قال: فلما كان بعد ذلك، وقُتل مصعب بن الزبير، اجتاز بابن ظبيان عُبيد الله بن زیاد(8)، فسلّم على عبد الله الزَّبَير، وفد عمي، فقال لقائده: من هذا؟ قال:
1) النص في الأغاني 13/ 38 وبرواية الزبير بن بكار مع اختلاف بسيط.
2) سقطت كلمة (الأسدي) من ب.
3) الأبيات في الأغاني من قصيدة طويلة 38/13. وانظر شعره ص 74.
4) في الأغاني:
5) في الأغاني:
6) في الأغاني: فقال أنا القائل كذلك، وإن الحر ليأبى الغدرة، ولو قدرت على جحده لجحدته، فاصنع ما أنت صانع. فقال: ما أصنع بك إلّا خيراً أحسن إليك قوم فأحببتهم وواليتهم ومدحتهم ثم أمر له بجائزة وكسوة، وردّه إلى منزله مكرماً.
7) شعره ص 138.
8) هو عبيد الله بن زياد بن ظبيان التميمي العائشي، كان شجاعاً فتاكاً، وكان مقرباً من عبد الملك بن مروان وهو الذي قتل مصعب بن الزبير وحمل رأسه إلى عبد الملك. (الطبري 186/7 ا(لحسينية)).
عبيد الله بن ظبيان، قال: بلّغنيه. فلما صار إليه قال(1):
أبا مطر شُلّت يمين تقرّعت *** بسيفِك رأسَ ابنِ الحواريّ مُصعب
ولا ظفرت كفّاك بالخير بعده *** ولا زِلتَ تسعى في تبابٍ مُتَبَبِ
قتلتَ امرءاً كانت نوافلُ فضلِه *** تجودُ على مَنْ بين شرقٍ ومغرب
أغرّ كأنّ البدر سُنَّة وجهه *** إذا ما بدا في الجحفل المتكتِّب
قال: قد كان ذاك فما أفلحنا، ولا أنجحنا، فهل من مخرج؟
قال: سَبقَ السيفُ العَذْلَ(2).
وقع مِيراثٌ بين ناسٍ من آل أبي سفيان [وبني مروان](4)فتشاحُّوا فيه، وتضايقوا فلما قاموا، أقبل عمرو بن عُتبةُ(5)على ولدِه فقال: إنّ لقريش دَرَجاً تزلُّ(6)عنها أقدامُ الرجال، وأفعالاً تخشعُ لها رِقابُ الأموال، وألسناً(7)تكلُّ معها الشَّفارُ المشحودةُ، وغاياتٍ تقصرُ عنها الجيادُ المنسوبة، فلو كانت الدنيا لهم، لضاقت عن سعة أخلاقهم، ولو احتفلت الدنيا ما تزيّنت إلّا بهم(8). ثم إنّ أناساً منهم تخلّقوا بأخلاق العوامّ، فصار لهم رِفقٌ باللؤم، وخُرق بالحرص، فلو أمكنهم قاسموا الطيرَ أرزاقَها، إنْ خافوا مكروهاً تعجّلوا له الغمّ(9)، وإِنْ عُجّلت لهم (157 و /) نعمةٌ أخّروا عليها
1) شعره 57.
2) في الأغاني: لا نجاة هيهات. سبق السيف العدل. والمثل في المستقصى 115/2 يضرب في الأمر الذي لا يقدر على ردّه.
3) الخبر في عيون الأخبار 182/3 برواية العتبي ولباب الأداب 344 والعقد الفريد 40/2.
4) ما بين الحاصرتين زيادة من عيون الأخبار. وفي العقد الفريد: بني هاشم وبني أميّة.
5) هو عمرو بن عتبة بن أبي سفيان، كان ممن خرج مع ابن الأشعث وقتل. (المعارف 365).
6) في عيون الأخبار: تزلف.
7) في ب: وألسنة.
8) سقطت كلمة (الدنيا) من عيون الأخبار.
9) في عيون الأخبار والعقد: الفقر.
قطع عبد الملك بن مروان عن آل أبي سفيان أشياء كان يُجريها عليهم، لتباعدٍ كان بينه وبين خالد بن يزيد(2)، فدخل عليه عمرو بن عتبة فقال: يا أميرَ المؤمنين، أدنى حقُّكَ متعبٌ، وتقصِّيه فادحٌ، ولنا مع حقِّك علينا حقٌ عليك، لقرابتِنا منك، وإكرام سَلفِنا لك، فانظرْ إلينا بالعين التي نظروا بها إليك، وضعنا بحيث وضعَتْنا الرحِمُ منك، وزِدنا بقدرِ ما زادك اللهُ. فقال عبد الملك: أفعلُ، وإنما يستحقُّ عطيّتي مَنْ استعطاها، فأمّا مَنْ ظَنَّ أنه يستغني بنفسه فسنكِلهُ إلى ذلك. يعرّض بخالدٍ، ثم أقطع عَمراً(3)هِزَاردرّ(4). قال: فبلغ ذلك خالد بن يزيد، فقال: أبالحرمانِ يهدّدني؟ يدُ الله فوق يده مانعةٌ، وعطاؤه دونه مبذولٌ، فأمّا عمرو فقد أعطى من نفسِه أكثرَ ممّا أخذ.
كتب عبدُ الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر(5)من الحبس إلى أبي مسلم، صاحب الدولة(6): من الأسير في يديه بلا ذنبٍ إليه، ولا خِلافٍ عليه، أمّا بعدُ: فآتاكَ
1) وفي عيون الأخبار: فكر الفقر. وفي العقد: أنضاء الفكر.
2) هو خالد بن يزيد بن معاوية. كان له معرفة بالطب والكيمياء وفنون من العلم. وله رسائل حسنة توفي سنة خمس وثمانين، وقيل إحدى وتسعين (الشذرات 96/1)
3) سقطت هذه الكلمة من ب.
4) هزاردر: موضع بالبصرة. والكلمة فارسية معناها ألف باب. (ياقوت).
5) هو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، من فتيان بني هاشم وأجوادهم وشعرائهم، ولم يكن محمود المذهب في دينه، وكان يرمى بالزندقة، وقد خرج بالكوفة ثم انتقل عنها إلى نواحي الجبل ثم إلى خراسان فأخذه أبو مسلم فقتله هناك. (الأغاني 72/11).
6) الرسالة في البيان والتبيين 85/2 وبعضها في الأغاني 75/11 ومما قال صاحب الأغاني: (رسالته المشهورة).
الله حِفظَ الوصيّة، ومنحك نصيحة الرعيّة وألهمكَ عدلَ القضيّة، فإنّك مستودَعٌ ودائع، ومَولى صنائع، فاحفظ ودائعَك، وأصلح صنائعك(1)، فإنّ الودائعَ عاريةٌ، والصنائعَ رعيّةٌ(2)، فلا النعمُ علينا وعليك بمنزور(3)(157 ظ /) نَداها، ولا مبلوغٍ مداها، فنبِّه للتفكر قلبَك، واتق اللهَ ربَّك، وأعطِ من نفسِك مَنْ هو تحتك من العفو ما تُحبُّ أنْ يُعطيك مَنْ هو فوقك من العدل والرأفة والأمن من المخافة، فقد أنعمَ اللهُ عليك بأنْ فوّضَ أمورنا إليك، فاعرفْ لنا حقَّنا(4)، فإنّ علينا من نقل الحديد وثِقَله أذىً شديداً، معالجة الأغلال، وقِلّة رحمة العُمّال، الذين تسهيلُهم الغلظة، وتيسيرُهم الفظاظةُ، وإيرادهم علينا الغموم، وتوجيههم إلينا الهموم، وزيادتهم الحراسة، وبشارتهم الإياسة، فإليك نَرفعُ كربة الشكوى(5)، ونشكو شدّة البلوى، ومتى تميل إلينا طرْفاً، وتردنا منك عطفاً(6)، تجدْ عندنا نُصحاً، وودّاً صريحاً(7)، لا يُضيع مثلُك مثلَه، ولا ينفي مثلُك أهلَه، فارعَ حُرمةَ مَنْ بحرمته أدركتَ، واعرفْ حُجّةً من بحجّته فلَجتَ، فإنّ الناسَ من حوضِك رِواءٌ، ونحن منه ظِماء، يمشون في الأبراد، ونحجل في الأقياد(8)، بعد الخير والسَّعة، والخفض والدَّعة، واللهُ المستعانُ، وعليه التُّكلان، صريخ(9)الأخيار، ومُنجي الأبرار، الناسُ في دولتنا في رخاء(10)، ونحن منها في بلاءٍ، حيث أمنَ الخائفون، ورجع الهاربون. رزقنا اللهُ منك التحنُّنَ، وظاهرَ علينا منك التمنُّن، فإنّك أمينٌ مستودَع، ورائدٌ
1) في البيان والتبيين: بحسن صنائعك.
2) في البيان: مرعية.
3) في البيان: فيه بمنزور. والمنزور: القليل.
4) في البيان والتبيين: فاعرف لنا لين شكر المودة، واغتفار مسّ الشدة، والرضا بما رضيت، والقناعة بما هويت فإن علينا من سهك الحديد ..
5) في البيان والتبيين: فإليك بعد الله نرفع.
6) في المصدر السابق: فمتى تمل إلينا طرفاً وتولنا منك عطفاً. وفي ب: تمد إلينا.
7) في المصدر نفسه: صحيحاً.
8) في المصدر نفسه: ونحن نرسف في الأقياد.
9) صريخ من الأضداد: المغيث والمستغيث وأراد المعنى الأول هنا.
10) في المصدر السابق: من دولتك.
قال عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفیان: دخلتُ على أبي، معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان وهو يجودُ بنفسه، وذلك أول ما ظهرت المُسودَة(3)، فقال لي: يا عمرو أقُتِلَ مروان؟ قلت نعم. قال: يا عمرو إنك خَلَفٌ، فلا تخلِف، إنه قد أتي ما لا أحبُّ أن أكونَ أُخرتُ عنه وأخِرتَ أنتَ لما أراك سَتتمنّى الموتَ معه، وتخاف الهلاكَ منه، وقد وقعتَ في بحرٍ عميقٍ، شديدِ الوصول إلى الساحل، والساحلُ وعرٌ مَهُولٌ، ومَنْ وقع بين البحر والوعر كانت راحتُه أنْ يموتَ، وهذه أيامُ حاجتِك إلى نفسك، وحاجةُ حُرمِك إليك، فافدِ حُرمَك بنفسك، وافدِ نفسَك بمالِك، وعِشْ حرّاً عن مِلك الطمع، وإنْ رددتَ الجوع بالماء. قال عمرو: فلما هلك أبي، وأنا حديثُ السنِّ منتشر الضياع(4)، فكنت لا أنزلُ في قبيلة من القبائلِ إلّا شُهِرَ أمري(5)، فلما رأيت ذلك عَزمتُ(6)على لِقاء سُليمان بن علي(7)، قال طارقٌ(8)مولى عمرو بن معاوية: فوافيتُ عَمراً على باب سليمان بن علي، وهو يريدُ
1) في المصدر نفسه: والسلام ورحمة الله.
2) انظر تفصيل قتله في الأغاني أيضاً.
3) المسودة: الجماعة الذين رفعوا الرايات السوداء مؤيدين الدعوة العباسية.
4) النص في البيان والتبيين 342/2 والأغاني 95/4 وفيهما: جاءت هذه الدولة وأنا حديث السن، كثير العيال، منتشر الأموال.
5) في الأغاني: فما أكون في قبيلة إلّا شهر أمري وعرفت. وفي البيان: فكنت لا أكون في قبيلة الأشهر أمري.
6) في البيان: فلما رأيت ذلك عزمت على أن أفدي حرمي بنفسي. قال المبارك: فأرسل إليّ أن وافني عند باب الأمير سليمان .. وفي الأغاني: وقد اعتزمت على أن أفدي حرمي بنفسي وأنا صائر إلى باب الأمير سليمان بن علي فصر إليّ فوافيته ...
7) سليمان بن عليّ بن عبد الله بن العباس، ولّاه السفاح إمارة البصرة وعمان سنة 133 وظل فيها إلى أن عزله المنصور سنة 139 فلم يزل في البصرة إلى أن توفي سنة 142. (انظر المعارف 375 والأعلام 163/3).
8) في المصدرين السابقين: طارق بن المبارك.
الدخول عليه، وعليه سراويل يُمنةٍ، وطيلسان أبيض(1)، وكان يحبُّ أن يدخلَ عليه متنكراً، فلما رأيتُه قلتُ: إنا لله، وإنا إليه راجعون ما تَصنعُ الحدَاثةُ بصاحبها(2)! أهذه الثيابُ من لباس هذا اليوم؟ فقال: إنّه والله يا طارق ما تركتُ في منزلي شيئاً إلّا وهو أشهر مما ترى. قال طارق: فأخذتُ طيلسانه وأعطيتُه (158 ظ /) طيلساني وشمّرتُ سراويله حتى بلغتُ به كعبَه(3)، ثم دخل، وجلستُ أنتظرهُ، فلما خرج قلت له: أخبرني بما جرى بينكما. قال: دخلتُ عليه وهو لا يعرفني ولا أعرفه، فقلت له: إنّ البلاء لفظني إليك(4)، وفضلُك دَلّني عليك، وأقامني رجاؤك بين يديك، فإمّا قبلتَني غانماً، وإمَّا رددتَني سالماً.
قال: ومَنْ أنتَ(5)؟ قلتُ: أنا عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان. قال اجلس، فتكلم آمناً غانماً، مرحباً بك، فما حاجتُك؟ قلتُ: إنّ الحُرمَ اللّاتي: أنتَ أحقُّ بهنَّ منّا، وأولى الناس بهنَّ بعدَنا قد خِفَن لخوفنا، ومَنْ خاف خيفَ عليه، قال: فوضع وسادتَه(6)، وما أجابني إلّا بدموعه على خدّيه.
ثم قال(7): تُصان - والله - حُرمك، ويُحقَن دمُك فكن(8)آمناً كمستخفٍ، ومستخفياً كآمنٍ، فلو أمكنني ذلك في سائر قومِك فعلتُ. قال طارقٌ: فذهبتُ لألقي عليه طيلسانَه، وآخذ طيلساني، فقال: مهْ، إنّ ثيابنا إذا زايلتنا(9)لم تعدْ إلينا. ثم كتب سليمانُ بن علي إلى أبي العباس: يا أميرَ المؤمنين، إنّه قد وفد إليّ وافدٌ من بني أميّة،
1) في المصدرين السابقين: طيلسان أبيض مطبق، وسراويل وشي مسدولة.
2) في المصدرين السابقين بأهلها، إن هذا ليس لباس هذا اليوم.
3) في المصدرين السابقين: ولويت سراويله إلى ركبتيه.
4) في المصدرين السابقين: لفظتني البلاد إليك.
5) في الأغاني: ومن أنت فأعرفك. وفي البيان: ومن أنت أعرفك.
6) سقطت من المصدرين السابقين.
7) في الأغاني: يا ابن أخي يحقن الله دمك، ويحفظك في حرمك، يوفر عليك مالك. ووالله لو ... وفي البيان رواية الأغاني عدا عبارة: يحقن والله دمك.
8) في البيان: فقلت: أكون متوارياً أو ظاهراً. قال كن متوارياً لظاهر. وزاد في الأغاني: وآمناً كخائف، ولتأتيني رقاعك.
9) في المصدرين السابقين: إذا فارقتنا لم ترجع إلينا. وبهذه العبارة تنتهي الحادثة فيهما.
وإنّا إنّما قاتلناهم على عقوقهم لا على أرحامهم، ثم يجمعنا وإيّاهم عبدُ مناف، فحقُّ الرحِم أنْ تُبَلَّ ولا توبَس، وتوصَل ولا تُقطع، فإن رأى أميرُ المؤمنين أنْ يهبَهم لي ممتَنَّا، ويجعلَ ذلك كتاباً عامَّا في بُلدانِ خلافته ليكون ذلك شكرَ نعمة الله عندنا فعلَ.
قال: فأجابه أبو العبّاس إلى ما سألَ (159 و /) فكان ذلك أوّل أمانِ بني أميّة.
لما نزل بهشام بن عبد الملك الموتُ نظر إلى ولده يبكون حوله، فقال لهم: جاد لكم هشامٌ بالدنيا، وجدتم له بالبكاء، وترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما اكتسبَ، ما أعظمَ منقلبَ هشام إنْ لم يغفر الله له.
وقفت عائشةُ على قبرِ عبد الرحمٰن بن أبي بكر فتمثّلَت:
وكنّا كندمانيْ جَذيمَةَ حِقْبةً *** من الدهر حتى قيل لن يتصدَّعا
فلما تفرَّقنا كأني ومالكاً *** لطولِ اجتماعٍ لم نبتْ ليلةً معا(2)
والبيت في الأغاني 247/21 بدون نسبة.
:وما تدري وإنْ أزمعتَ أمراً *** بأيِّ الأرضِ يُدركُكَ المقيلُ
وتمثّل(4):
1) الخبر في الإصابة 340/3 والكامل للمبرد 1198.
2) البيتان لمتمم بن نويرة التميمي من قصيدة في رثاء أخيه مالك. (انظر ديوان مالك ومتمم ابني نويرة ص 111).
3) في شرح نهج البلاغة 209/3 أن علياً - عليه السلام - مر بطلحة، وهو يكيد (يجود) بنفسه، فوقف عليه وقال: أما والله إن كنت لأبغض أن أراكم مصرّعين في البلاد، ولكن ما حتم واقع ثم تمثل: وما تدري إذا أز معت أمراً ...
ومعه بيتان آخران.
4) البيت من قصيدة للشاعر المخضرم سلمة بن يزيد الجعفي في رثاء أخيه قيس. (حماسة أبي تمام 455/1 وحماسة البحتري 91/1).
فتىً كان يُدنيه الغِنى من صديقه *** إذا ما هو استغنى ويُبعده الفقر
الجلّ يحمله النفرْ *** قرمٌ كريمُ المعتَصرْ(2)
أبكي وأندبُ صاحباً *** لا عين منه ولا أثرْ
قد خِفتُ بعدك أنْ أضام *** وأنْ أساء ولا أسَرْ
أو أنْ أسامَ بخطّتي *** ضيماً فآخذُ أو أذرْ
للهِ درُّك قد غَنّيتَ *** وأنتَ باقعة البشر(3)
إنّ تحت الأحجار حزماً وعزماً *** وخصيماً ألدَّ ذا مغلاق
حيّة في الوجار أربدلا ينفع منه السليمَ نفثُ الراقي
ثم قال: أما والله لقد كنتَ شديدَ العداوةِ لمن عاديتَ كريمَ الأخوّةِ لمن آخیت.
الآن لمّا كنتَ أكمل من مشىٰ *** وافترَّ نابُك عن شَباةِ القارح(6)
وتكاملتْ فيك المروءةُ كلُّها *** وأعنتَ ذلك بالفعال الصالح(7)
1) هو الصحابي الداهية المعروف المغيرة بن شعبة الثقفي. ترجمته في الإصابة 432/3.
2) في ب: الجد. وفي هامش الأصل كتب حاشية هي: هكذا قال الزبير بالجيم والصواب بالحاء.
3) الباقعة: الرجل الداهية، والذكي العارف لا يفوته شيء ولا يدهى.
4) النص في الأغاني 144/14 وفيه: ووقف على قبره ثم قال: والله لقد كنت - ما علمت - نافعاً لصديقك، صابراً لعدوك، وما مثلك إلّا كما قال مهلهل في أخيه كليب ...
5) النص في تعازي المدائني 58 والعقد الفريد 3/2 وفيهما اسم ابنه محمد. والراجح أنه الصحيح إذ لم أعثر لأبان على ذكر في أي مصدر.
6) في ب: كنت أجمل.
7) البيتان من مرثية رائعة في الأغاني 102/14 رثى بها المهلب بن المغيرة.
اليومَ يرحمنا من كانَ يغبطنا *** واليومَ نتبعُ من كانوا لنا تبعا
قال الحجّاجُ بن يوسف(2): ثلاثةٌ لو أدركتهم لقتلتُهم: مقاتل بن مسمع، فإنه أعطي مالاً كثيراً، بفارس، فأجفلَ الناسُ عليه، فقال: (لمثل هذا فليعمل العاملون)(3). تأوّل الفاسق كتابَ الله على غير تأويله، وعبيد الله بن زياد بن ظبيان(4)التيميّ، فإنه صعد المنبرَ فتكلّم بكلام أعجبَ قومَه، فقالوا: أكثرَ اللهُ فينا مثلَك. قال: لقد سألتم ربَّكم شَططا(5). وأبو سمّال الأسديّ(6)، فإنّ ناقتَه شردت، فقال: لئن لم يرددْها ربُّكم لا أصلي صلاةً، فتعلّقَ خطامُها بعرفجةٍ، فجاء حتى أخذها، فقال: علمَ ربُّكم أنّها مِنّي صِرَّي(7).
1) في ب: ووقفت جارية على قبر الحجّاج فقالت.
2) سقطت (بن يوسف) من ب. والخبر في العقد الفريد 244/1 وفي عيون الأخبار 270/1 وفيه: قال رجل للحجاج: أصلح الله الأمير كيف وجدت منزلك بالعراق؟ قال: خير منزل لو كان الله بلغني أربعة فتقربت بدمائهم إليه. قال: ومن هم؟ قال: مقاتل بن مسمع ... والحوادث مختلفة قليلاً عما هنا.
3) سورة الصافات آية 61.
4) سقطت (بن ظبيان) من ب. ومكان (تأوّل) تمثّل وعبيد الله هذا فاتك من الشجعان وهو قاتل مصعب بن الزبير. الطبري 186/7.
5) في عيون الأخبار: لقد كلفتم الله شططاً.
6) في العقد: أبو سمّال الحنفي. وفي عيون الأخبار: أبو سمّاك. وفي اللسان مادة (صرى) موافق لرواية الموفّقيات.
7) كذا في الصحاح واللسان. وهي الصحاح واللسان وهي كناية عن اليمين والعزيمة المؤكدة. وفي عيون الأخبار: إن يميني كانت صريّا. أما الرجل الرابع المذكور في المصادر الأخرى فهو معبد بن زرارة، وله قصة فخر.
يديه، وعليه درعٌ وترسٌ(1)، فقال الوليد: اركب يا أبا محمد. فقال: يا أميرَ المؤمنين دعني أستكثر من الجهاد، فإنّ ابنَ الزبير وابن الأشعث شغلاني عن الجهاد زمناً طويلاً، فعزم عليه الوليدُ فركب، ودخل مع الوليد فبينا هو يتحدّثُ، وهو يقول: فعلتُ بأهل العراق، وفعلتُ أقبلت جاريةٌ فسارَّت الوليدَ، ثم انصرفت فقال الوليد: يا أبا محمد أتدري ما قالت الجاريةُ؟ قال: لا. قال(2): أرسلتْ إليّ أمُّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان: إنّ مجالستَك هذا الأعرابيّ، وهو في سلاحه، وأنت في غِلالةِ غررٌ، فأرسلتُ إليها: إنّه الحجّاجُ بن يوسف فراعَها ذلك، وقالت: والله لإن يخلو بك ملَكُ الموت(3)أحبُّ إليّ من أن يخلوَ بك الحجّاجُ بن يوسف، وقد قتلَ أحبّاءَ اللهِ(4)، وأهل طاعته ظلماً وعدواناً. فقال الحجّاجُ(5): يا أميرَ المؤمنين، إنما المرأةُ رَيحانةٌ، وليست بقَهرَمانَةٍ، لا تُطلِعهنّ على أمرك، ولا تطمعهنّ في سرِّك، ولا تستعملهنّ بأكثرَ من زينتهنّ، ولا تكوننَّ لمجالستهنَّ بلزوم، فإنَّ مجالستهنَّ صغارٌ وذلّة(6). ثم نهض وخرج، فدخل الوليدُ على أمِّ البنين، فأخبرها بمقالته. فقالت: فإني أحبُّ أنْ يأمرَه أميرُ المؤمنين (160 ظ /) بالتسليم عليّ، فسيبلغك الذي يكونُ بيني وبينه(7). فغدا الحجّاجُ على الوليد فقال: ائتِ أمَّ البنين(8). قال: اعفِني يا أمير
1) في الأصل: وفرش.
2) الخبر في مروج الذهب 363/5 وهو في عيون الأخبار 169/1 وفيه: وقدم الحجّاج على الوليد بن عبد الملك فدخل وعليه درع وعمامة سوداء وقوس عربية وكنانة، فبعث إليه أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان فقالت: من هذا الأعرابي المستلئم في السلاح عندك وأنت في غلالة؟ فبعث إليها أنه الحجّاج ...
3) في عيون الأخبار: ملك الموت أحياناً.
4) في مروج الذهب: وقد قتل الخلق.
5) في عيون الأخبار: دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول فإنما المرأة .. فلا تطلعها على سرك ومكايدة عدوّك.
6) في مروج الذهب فلا تطلعهن على سرك ولا مكايدة عدوك ولا تطمعهن في غير أنفسهن، ولا تشغلهن بأكثر من زينتهن، إياك ومشاورتهن فإن رأيهن إلى أفن وعزمهن إلى وهن. واكفف عليهن من أبصارهن بحجبك.
7) في عيون الأخبار: حاجتي أن تأمره غداً بأن يأتيني مستلئماً.
8) في ب: أم المؤمنين. وفي الأصل أم الوليد. وما أثبتناه في هامش الأصل. ومؤشر عليه بكلمة صح ومن مروج الذهب.
المؤمنين قال: لتفعلن. فأتاها فحجبته طويلاً. ثم قالت: يا حجاج(1)، أأنت الممتنُّ على أمير المؤمنين بقتل(2)ابن الزبير، وابن الأشعث؟ وكنتَ المولّى غيرَ المستعلى، أما والله لولا إنّ الله علمَ أنك أهونُ خلقه عليه، ما ابتلاك برمي الكعبة، وبقتل ابن ذات النطاقين. ابن حواريّ رسول الله(3)- صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - فأمّا ابن الأشعث فلَعمري لقد استعلى عليك حتى عجعجت ووالى عليك الهزائمَ حتى غوّثت. فلولا أنّ أميرَ المؤمنين نادى في أهل اليمن، وأنت في أضيقِ من القَرن فأظلتك، رماحُهم، وعلاك كفاحُهم لكنت مأسوراً فيهم، قد أخذ الذي فيه عيناك، ومع هذا فإنّ نساءَ أمير المؤمنين قد نفضْنَ العِطرَ عن غدائرهنّ وبعنه في أعطيَةٍ أوليائه(4)، وأمّا ما أشرتَ به على أمير المؤمنين من قَطع لَذّاته، وبلوغ أوطاره من نسائه، فإن يكنْ إنما ينفرِجنَ عن مثل أمير المؤمنين فغيرُ مجيبِك إلى ذلك(5)وإن كنَّ إنما(6)ينفرجن عن مثل ما انفرجت به أمُّك البظراء، من ضَعف الغريزة، وقُبح المنظر في الخَلق والخُلق يا لُكع، فما أحقَّه أنْ يقتديَ بقولك(7)، قاتلَ اللهُ الذي يقول، وسِنان غزالة الحرورية(8)
وغزالة هذه زوجة شبيب الخارجي الذي عجز الحجّاج عن قتله وهرب منه. وكانت من الشجاعة والفروسية بالموضع العظيم. (انظر مروج الذهب 321/5).
بين كتفيك(9):1) في عيون الأخبار: له يا حجاج.
2) في عيون الأخبار: بقتال.
3) في المصدرين السابقين: سقط هذا الوصف ومكانه: أول مولود ولد في الإسلام وبعده في العيون: وأمّا نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء وبلوغ لذّاته.
4) في عيون الأخبار: أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من القرن. وفي المروج: ولولا ذلك لكنت أذل من النقد.
5) في عيون الأخبار: عن مثله فغير قابل لقولك.
6) سقطت (إنما) من ب.
7) سقطت هذه العبارة ابتداءً من (وإن كن) من عيون الأخبار.
8) سقطت كلمة (الحرورية) من عيون الأخبار. وفي مروج الذهب: قاتل الله الشاعر، وقد نظر إليك وسنان غزاله.
9) الأبيات في ديوان الخوارج ص 114 منسوبة لعمران بن حِطان.
أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةٌ *** ربداء تنفرُ من صفير الصافر(1)
(161 و /)
هلّا برزتَ إلى غزالة في الوغىٰ؟ *** أم كان قلبك في جَناحي طائر(2)
صَدَعتْ غزالةُ قلبه بفوارسٍ *** ترکتْ نواظرَه كأمسِ الدابر
ثم أمرت جاريةً لها فأخرجته، فلما دخل على الوليد قال:
ما كنتَ فيه يا أبا محمد؟ قال: والله يا أميرَ المؤمنين ما سكتَتْ حتى كان بطنُ الأرض أحبَّ إليّ من ظهرها. قال: إنها ابنةُ عبد العزيز بن مروان(3).
هنّا رجلٌ رجلاً في مجلس الحسن بمولودٍ فقال: هنّاكه الله، وهنّاهُوك حتى تكون كه ويكون كك. فقال الحسن: والله ما يبالي رجلٌ، أطمطم بالفارسيّة، أم تكلّم بمثل كلامك.
دخل عمرو بن معديكرب الزبيدي على عمر بن الخطاب، وعنده الربيعُ بن زياد(5)، وشَريك بن الأعور(6)الحارثيان، فسلّمَ عليه، ثم قال: يا أميرَ المؤمنين أأبرامٌ بنو مخزوم؟ قال: وما ذاك يا أبا ثور؟ قال: دخلتُ على خالك أبي سليمان - يعني
1) في عيون الأخبار: فتخاء تنفر من. وفي مروج الذهب: فزعاء تفزع من.
2) في عيون الأخبار: هلا كررت على غزالة ... في جوانح طائر.
3) في مروج الذهب: فضحك الوليد حتى فحص برجليه ثم قال: يا أبا محمد إنها ابنة عبد العزيز.
4) الحادثة موجزة في الأغاني 137/14.
5) هو الربيع بن زياد بن أنس بن الديان الحارثي، أدرك الرسول صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، و لا عبد الله بن عامر سجستان سنة 29. وله مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخبار كثيرة. (ترجمته في الإصابة 492/1).
6) هو شريك بن أبي الأغفل بن سلمة الشاعر، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل، أنه شهد فتح مصر. أشار ابن حجر إلى قصة عمرو هذه وحضوره في الإصابة نقلاً عن كتاب الجليس للمعافى. (انظر الإصابة 147/2).
خالد بن الوليد - فأتاني بثورٍ وقوسٍ وكعبٍ، فأطعمنيه. فقال عمر: إن في ذلك لسَعَةً. فقال: يا أميرَ المؤمنين، لك، أو لي، قال: بل لي ولك. قال: كلا يا أميرَ المؤمنين، فلقد رأيتُني أكل الجَدْعةَ(1)حتى أنقَّها عظماً عظماً (161 و /) وأشربُ التبنَ(2)من اللَبن رثيئةً وصريفا(3). قال: فنظر عمرُ إلى الربيع بن زياد كالمتعجب من قوله. فقال الربيعُ: يا أميرَ المؤمنين إنّه لكذاك(4)، وإنّ الخيل لَتتقي ذُراه إذا كان بين الصَّفين وانتعلت الخيلُ الدماءَ، على أنّه قد نقض إلّنا، وقطع أواصرَنا. فقال عمرو: يا أميرَ المؤمنين، جاورتُ هذا الحيّ من بني الحارث بن كعب عشرين سنةً فمشوا إليّ بالضرّاء، ودَبوا(5)إليّ الخمرَ، فلما بدت لي ضباب صدورهم، وحسك قلوبهم، أوجرتُهم أمرَّ من نقيع الحنظل، فقال شريكٌ بن الأعور: يا أميرَ المؤمنين، إنّ هذا أعجز(6)نا لمّا أخذته أنيابنا، وكلمته(7)أظافرُنا. فقال عمرو: إليك يا ابن الأعور، فإني لا أجلس على الدُبر، ولا أغمز غمزَ التين، ولا يُقعقعُ لي بالشنان. قال: فلما خشي عمرُ أنْ يتفاقم الأمرُ بينهم ويخرجوا إلى ما هو أعظم من هذا. قال: إيها عنكم الآن. فأقبل على عمرو فقال: يا أبا ثور، لقد حدّثت عن نفسك بمأكلٍ ومشربٍ، ولقد لقيتَ الناس في الجاهلية والإسلام. فأخبرني(8): هل صدقت فارس قطّ؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، قد كنتُ أكره الكذبَ في الجاهليةِ وأنا مشركٌ. فكيف إذ هداني اللهُ للإسلام(9)؟ ولقد قلتُ ذات يوم لخيلٍ من بني أسد(10): هل لكم في الغارة؟ قالوا: على مَنْ؟ قلتُ: على بني البكّاء. قالوا: مغارٌ بعيد، على شدّةِ
1) الجذعة: الدابة الصغيرة.
2) التبن: القدح العظيم، وقيل: يروى العشرين.
3) الرثيئة: اللبن الذي حلب على حامض فخثر. والصريف: اللبن ساعة حلبه.
4) في ب: لذاك.
5) في ب: ودنوا.
6) في ب: أعجز لما.
7) في ب: وحطمته.
8) المحادثة في الأغاني 137/14 مع اختلاف بسيط.
9) في الأغاني: إني لم أستحل الكذب في الجاهلية، فكيف أستحله في الإسلام.
10) في ب: بني زبيد. وفي الأغاني: قلت لجبهة من خيلي خيل بني زبيد أغيروا بنا على بني البكاء.
كلَبٍ، وقلةِ سلَبٍ.
قلت: فعلى مَنْ؟ قالوا(1): على هذا الحيِّ من كنانةَ، فإنّه بلَغنا أنّ رجالهم خُلوفٌ. فخرجتُ في (162 و /) خيلٍ حتى انتهيتُ إلى وادٍ من أوديتهم، فدُفعتُ إلى قومٍ سُراةٍ. فقال عمر: وما أدراك أنهم سُراة؟ قال(2): انتهيت إلى قُبابٍ عظيمةٍ من أدمٍ، وقدورٍ مثفأة، وإبل وغنمٍ. فقال: عمر(3)هذا العمري علامةُ اليُسر. وقال عمرو: فانتهيتُ إلى أعظمها قبة. فأكشفها عن جارية مثل المهاة، فلما رأتني ضربَت يدَها على صدرها، وبكت. فقلتُ ما يُبكيك؟ قالتْ: ما أبكي لنفسي ولا على المال. فقلتُ: علامَ تبكين؟ قالت على جَوارٍ أترابٍ لي، قد ألفتُهنَّ، وهنَّ في هذا الوادي. قال: فهبطتُ الواديّ على فرسي، فإذا أنا برجلٍ قاعدٍ يخصِفُ نعْلاً له، وإلى جانبه سيفٌ موضوع، فلما رأيتُه علمتُ أنَّ الجارية قد خدعتني، وماكرتني. فلما رآني الرجلُ قام غيرَ مكترِثٍ، ثم علا رابيَةً، فلما نظر إلى قُباب قومِه مُطَّرحةً، حمَل عليّ وهو يقول(4)
قد علمت إذ منحتني فاها *** أني سأجري اليوم من مجراها
يا ليت شعري اليوم من دهاها
:قد علمت إذ منحتني فاها *** ولحقتنی بكرة رداها
إني سأحمي اليوم مِن حِماها *** يا ليتَ شِعري ما الذي دهاها
قال: فقلتُ مجيباً له:
عمرو على طول السرى دهاها *** بالخيل يزجيها على وجاها
حتى إذا حلَّ بها احتواها
ثم حملتُ عليه وأنا أقول(5)
أهزّ نضر العيش في دار قدم *** أفيض دمعاً كلما فاض انسجم ............. *** ........وموف بالذم
............ *** كالليث إن همّ بتقضام قضم
.أنا ابن عبد الله محمودُ الشِيَم *** مؤتَمنُ الغيبِ وفيٌّ بالذِمم
من خير مَنْ يمشي بساقٍ وقدم
فحمل عليّ وهو يقول(1)
أنا ابن ذي التقليد في الشهر الأصم *** أنا ابن ذي الآكال قتّال البهم
من يلقني يود كما أودت إرم *** أتركه لحماً على ظهر وضم
(وانظر تخريج النص في ديوان عمرو 168).
: (162 ظ /)أنا ابنُ ذي الأقيال أقيال البُهَم *** مَنْ يلقني يودِ كما أودت إرم
أتركه لحماً على ظهر وضَم(2)
قال: فاختلفنا ضربتين(3)، فأضربه أحذر من العَقْعَق(4)، ويضربني أثقف من الهرِّ(5)، فوقع سيفُه في قَرَبُوس(6)سرجي فقطع القَرَبوسَ، وعضَّ بكاثبةِ الفرَس(7)، فوثبتُ على رجليَّ قائماً، وقلت(8): يا هذا، ما كان ليلقاني من العرب إلّا ثلاثة: الحارث بن ظالم للسنِّ والتجربة(9)
والحارث: هو الحارث بن ظالم بن يربوع المري، شاعر جاهلي عرف بوفائه وبفتكه، حتى ضرب المثل به في ذلك.
انظر أخباره في بحث الأستاذ عادل البياتي بمجلة كلية الآداب عدد 15.
، وعامر بن الطُفيل للشرف1) في الأغاني: فحملت عليه وأنا أقول:
2) الوضم: ما وقبت به اللحم عن الأرض من خشب وحصير. وتركهم لحماً على وضم: أوقعهم فذللهم وأوجعهم.
3) في ب: بضربتين.
4) أصله مثل: هو أحذر من عقعق. قيل ذلك لأنه يتعرف بإصابته ثقافة الرامي لشدة حذره واحترازه. (المستقصى 62/1)
5) الذي في كتب الأمثال: أثقف: من سنور: الثقف: الأخذ بسرعة. يقال: رجل ثقف لقف، إذا كان جيد الحذر في القتال. ويقال: هو السريع الطعن. (الميداني 157/1 والمستقصى 41/1).
6) القربوس: حنو السرج.
7) الكاتبة من الفرس: المنسج.
8) في الأغاني: فقلت: ويحك من أنت، فوالله ما ظننت أحداً من العرب يقدم عليّ إلّا ثلاثة.
9) في الأغاني: للعجب والخيلاء.
والنجدة(1)
وعامر: هو عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر العامري، الشاعر الجاهلي، وكان فارس قيس، وكان عامر أتى النبي صلَّی الله علیه وآله وسلَّم فقال له: تجعل لي نصف ثمار المدينة وتجعلني ولي الأمر من بعد، وأسلم. فقال النبي صلَّی الله علیه وآله وسلَّم: «اللهمّ اكفني، عامراً، واهد بني عامر» .. فطعن في طريقه فمات. (أخباره في الشعر والشعراء 252).
وربيعة بن مكدَّم للحياء والبأس(2)وربيعة: هو ربيعة بن مكدم بن عامر من كنانة، أحد فرسان مضر المعدودين وشجعانهم المشهورين، وهو شاعر جاهلي أيضاً. (أخباره في الأغاني 130/14).
، فمَن أنت ثكلتك أمُّك؟ قال: بل مَنْ أنت، ثكلتك أمُّك؟ قلت: أنا عمرو بن معديكرب. قال: وأنا ربيعةُ بن مكدَّم. قلت: فاختر مني إحدى ثلاثِ خِصالٍ: إمّا أنْ نضطربَ بسيفينا حتى يموت الأعجلُ منّا، وإمّا أن نصطرعَ، فأيّنا صرعَ صاحبَه، قتله، وإمّا المسالمةُ. قال: ذاك إليك. فاخترْ. قلتُ: إنّ بقومِك إليكَ حاجةً، وبقومي إليّ حاجة، والمسالمةُ خيرٌ لي ولك. ثم أخذت بيده فأتيت به أصحابي، وقلت لهم: خلّوا ما بأيديكم، فلو رأيتم ما رأيتُ لخلّيتم وزِدتم. سَلوني عن فرسي ما فعلَ قال: فتركنا ما بأيدينا وانصرفنا راجعين(3).1) في الأغاني: للسن والتجربة.
2) في الأغاني: للحداثة والصرامة.
3) تختلف هذه المحاورة قليلاً في الأغاني عما هنا، ورويت بأسلوب آخر في سمط اللآلىء 91/2.
4) سقطت (بن خارجة بن زيد) من ب.
5) هو زيد بن خارجة بن زيد بن أبي زهير بن مالك الأنصاري الخزرجي. شهد أبوه أحداً وشهد هو بدراً. قال ابن عبد البر في الاستيعاب هو الذي تكلم بعد الموت لا يختلفون في ذلك، وذلك أنه غشى عليه قبل موته، وأسرى بروحه، فسجى عليه بثوبه، ثم راجعته نفسه فتكلم بكلام حفظ عنه في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ثم مات من حينه، روى حديثه هذا ثقات الشاميين عن النعمان بن بشير، ورواه ثقات الكوفيين عن يزيد بن النعمان بن بشير عن أبيه. (الاستيعاب 1/ 541 والإصابة 547/1).
6) انظر حديثه في الاستيعاب والمغانم المطابة 28 والسمهودي 122/2 ومن عاش بعد الموت 15.
قال: أيُّها الناسُ أنصتوا. ثم قال: اللهُ أكبرُ، أحمد رسولُ الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في الكتاب الأول(1)، صدقَ صدقَ، ثم قال: جيفتان قد أصلّتا، وهما يرجوان رحمةَ الله أبو بكر صاحبُ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الضعيفُ جسمه القويُّ في نفسه، وعمرُ بن الخطاب أقوى الرجال، القويُّ الأمينُ، الذي لا يبالي في الله لومةَ لائم، ثم ذكر عثمان، ثم قال أميرُكم اليوم، له عليكم السمعُ والطاعةُ، اسمعوا وأطيعوا أيها الناسُ، أقبلوا على أميركم، ثم أعاد ذكرَ عثمان بن عفّان أميرُكم، له عليكم السَمعُ والطاعةُ، أنتم على منهاج عثمان بن عفان، اسمعوا له وأطيعوا، اللَّيّنُ يُعافي الناسَ، ويُنفقُ المالَ فمن تولّى فلا يعهدنَّ. ثم قال(2)
والذي في معجم البلدان: بئر أريس بئر بالمدينة ثم بقباب مقابل مسجدها. قال أحمد بن يحيى بن جابر: نسبت إلى أريس، رجل من المدينة من اليهود، عليها مال لعثمان بن عفان رضي الله عنه، وفيها سقط خاتم النبي صلَّی الله علیه وآله وسلَّم و من يد عثمان في السنة السادسة من خلافته، واجتهد في استخراجه بكل ما وجد إليه سبيلاً، فلم يوجد إلى هذه الغاية فاستدلوا بعدمه على حادث في الإسلام عظيم، وقالوا: إن عثمان لما مال عن سيرة من كان قبله، كان أول ما عوقب به ذهاب خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من يده. وقد كان قبله في يد أبي بكر ثم في يد عمر رضي الله عنه.
: بئر أريس وما بئر أريس. ثم ذكر الصحيفة التي كتب بها عمرو بن أبي العاص الثقفي إلى عثمان قبل أن يأتي خبرُه عن فتحٍ فتحَ اللهُ للمسلمين، ونصرِه إياهم. ثم قال: إنما كان الناسُ سَواءَ، ولكنما يفضّل بين الناس أعمالُهم. وقال: جيء بالنبيّين والشُهداء، يُرى مع كلِّ نبيِّ أمّته جثيًّا. وقال: هذه الجنةُ وهذه النارُ. ثم قرأ من القرآنِ آياتٍ: (كلّا إنَّها لظىَ، نزّاعَةَ لِلشَّوى، تدعو مَنْ أدبرَ وتولّى)(3). وقال: جاءت الفتنةُ ثم ذكر الشهداءَ، ثم كبَّر فقال: خارجةُ بن زيد(4)، (163 ظ /) وسعدٌ بن1) في الاستيعاب: أحمد أحمد في الكتاب الأول صدق صدق. أبو بكر الصديق الضعيف في نفسه، القوي في أمر الله في الكتاب الأول، صدق صدق، عمر بن الخطاب القوي الأمين في الكتاب الأول صدق صدق، عثمان بن عفان على منهاجهم، مضت أربع وبقيت ثنتان، أتت الفتن، وأكل الشديد الضعيف، وقامت الساعة، وسيأتيكم خبر بئر أريس، وما بئر أريس. اه. وشبيه بهذا في المغانم المطابة والسمهودي.
2) في المغانم المطابة والسمهودي: وأبيحت إلّا حما بئر أريس وماء بئر أريس.
3) سورة المعارج آية 15 - 17.
4) استشهد في أحد، وهو صهر أبي بكر. (الإصابة 399/1).
الربيع(1)، وعبد الله بن رواحة(2)، وخلّاد بن سويد(3)، وثابت بن قيس بن شمّاس(4)وعبادة بن قيس(5). وقال: خلَت اثنتان، وبقيت أربع، انفضّ الناسُ فلا نظام لهم، وأكل قويُّهم ضعيفَهم، وقال الناس: هذا أمرُ الله، وقامت الساعة.
قال: وقال إبراهيم: وأخبرتني جدّتي أم سعد بنت سعد بن الربيع: إنها كانت عند زيد بن خارجة حين توفي، وحين تكلّم بهذا الكلام، فأخبرتني ببعض ما أخبرني أبو بكر بن معمر، ولم تع ذلك كلَّه. قال عبد الرحمٰن: وكان أبو الزناد يحدّث نحو حديث إبراهيم بن يحيى، إلّا أنّ أبا الزناد كان يقول: صدق صدق(6). وكان يقول: كنا أخوةً ثلاثةً جيفتان قد اصلّتا، والثالثةُ ينتظرُ رحمةَ ربّه(7)، وإنّه كان يقول: فمن خالفه فلا يعهدنّ به، وأنه كان يقول: يا عبد الله بن رواحة، هل رأيتَ لي خارجة وسعداً، ثم كبّر، فكأنه رآهم فقال: هذا فلان وفلان للنفر الذين سمّاهم إبراهيمُ. وأنه كان يقول: جاءت الفتنة كأنها قِطعُ الليل. وأنّه كان يقول: كان أمرُ اللهِ قدراً مقدوراً، لا أعلمه إلّا ردّدها ثلاثاً. وأنه كان يزيدُ في صفةِ عمر، أنْ يقول: الذي يمنعُ الناسَ أن يأكل قويُّهم ضعيفَهم، وأنه كان يقول: مضت أربعٍ وبقيت ثمان.
1) هو سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير الأنصاري الخزرجي أحد نقباء الأنصار استشهد بأحد. (الإصابة 24/2).
2) الشاعر المشهور، ومن السابقين الأولين من الأنصار، استشهد بمعركة مؤتة. (الإصابة 298/2).
3) هو خلاد بن سويد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة وبدراً واستشهد يوم قريظة. (الإصابة 449/1).
4) هو ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرىء القيس الأنصاري الخزرجي، خطيب الأنصار، بشره الرسول صلَّی الله علیه وآله وسلَّم بالجنة في قصة شهيرة رواها أهل الحديث. استشهد يوم اليمامة. (الاستيعاب 193/1 والإصابة 1971).
5) في ب: جعل الناسخ كلمة (بن) بين شماس وعبادة. وهذا خطأ وقد ذكرنا نسب ثابت بن قيس، وعبادة هذا هو عبادة بن قيس بن عبسة بن أميّة بن مالك الأنصاري الخزرجي، استشهد بمؤتة. وقيل اسمه عباد. الإصابة 258/2).
6) في ب: صدق بن يحيى.
7) في ب رحمة الله.
توفي في ذلك الزمانِ بعد وفاة زيد(2)رجلٌ آخرُ، فكبّر - فيما بلغنا - بعد وفاته، فاستمعوا له. فقال: صدق زيدٌ بنُ خارجة. لم يبلغنا(3)أنه زاد على ذلك.
وتوفي رجلٌ ثالثٌ (164 و /) فقال - فيما بلغني -(4): لقيتُ ربّي، ولقيني برَوح ورَيحانٍ، وربًّا غيرَ غضبان، والأمرُ أيسرُ ممّا تظنون، فلا تغترّوا.
أردتُ الحجَّ، فقالت لي امرأةٌ كنتُ أتحدّثُ إليها: أقمْ فطفْ ببيتي سبعةَ أشواطٍ كما يطوفون بالبيت وأركضْ بعيرَك به كما يُركضون إبلَهم، واحلِق رأسَك كما يحلقون رؤوسَهم، وارم جارتَنا التي تسعى بنا كما يرمون الجِمارَ، وقبّلني كما يُقبّلون الركن. [قال](6): ففعلتُ، فقلتُ في ذلك:
قد كنتُ أجمعتُ حجَّ البيتِ أطلبُه *** والقلبُ عن حجِّ ذاك البيت مشتجِر
أرى خلافاً ذهابَ البيت أطلبُه *** وها هُنا بيتُ جمل ما له ستر(7)
1) في الاستيعاب 552/1: قال سعيد بن المسيب: ثم هلك رجل من بني خطمة فسجي بثوب، فسمعوا جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: إن أخا بني الحارث بن الخزرج صدق صدق وكانت وفاته في خلافة عثمان.
2) في ب: بعد وفاته.
3) في ب: لم يبلغني سلفنا.
4) وفي الاستيعاب أيضاً: قال ربعي بن خراش: مات أخ لي كان أطولنا صلاة، وأصومنا في اليوم الحار. فسجّيناه وجلسنا عنده فبينما نحن كذلك، إذ كشف عن وجهه ثم قال: السلام عليكم. قلت: سبحان الله أبعد الموت؟ قال: إني لقيت ربي فتلقاني بروح وريحان، ورب غير غضبان، وكساني خضراً من سندس واستبرق، أسرعوا بي إلى رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - فإنه قد أقسم أن لا يبرح حتى أدركه أو آتيه، وإن الأمر أهون مما تذهبون إليه، فلا تفترقوا. ثم والله كأنما كانت نفسه حصاة فألقيت في طست.
5) هو ميمون بن عبد الله بن ضماد والحضرمي نسبة إلى حضرموت، وهو أخو العلاء بن الحضرمي المستجاب الدعوة وإلى البحرين. وبئر ميمون بمكة منسوبة إلى ميمون، حفرها بأعلى مكة في الجاهلية وعندها قبر أبي جعفر المنصور. (المعارف 283 ومعجم البلدان 236/1).
6) ما بين المحاصرتين تكملة من ب.
7) في ب: حج بيت ما له ستر.
لله سبعةُ أطوافٍ أطوفُ به *** كما يطوفون شدّاً لستُ أقتصر
ورمي جارتها جَهدي كرمّيهم(1)*** رؤوس الجِمار، التي تُرمىٰ وتُبتَدَر
فسوف أحلقُ رأسي مثل حلقِهم *** حتى يكرّوا ورأسي ماله شَعَر
وسوف أركضُ نضوي مثل ركضهم *** حتى يكرّوا وهو مستنقَصٌ دَبر
كانت مناسكُهم تقبيلَهم حجَراً *** ومن يقبّلك لا يعرض له حجر
لو كان أدركها عثمانُ أو عمر *** ما حجَّ غيرَك عثمانٌ ولا عمر
قال: فلقيني أبو بكر بن محمد بن موسى بن عمران البكري فقال: ما حملكَ - رحمك الله - على أن أخرجتَ أبا بكر مما أدخلت فيه الشيخين؟ قال: قلتُ: يرحمك اللهُ، إني لم أخرجه ممّا يتنافسُ الناسُ فيه.
كنتُ مع أبي باليمامة وقد وفدَ على السَريّ بن عبد الله(3)فأنشدنا ابن هرمةَ(4):
هجوتُ الأدعياءَ فناصبَتْني *** معاشرُ خِلتُها عَرَباً صِحاحا
فقلتُ لهم وقد نَبَحُوا جميعاً *** عليّ فلم أجبْ لهم نباحا
أأنتم منهم فأصد عنكم *** وأنسبكم لنسبتهم صُراحا
وإلّا فاحمدوا رأيِّ فإنّي(5)*** أزحزحُ عنكم الابن القباحا
وحسبكُ تهمةً لصحيح قومٍ *** يمدُّ على أخي سقمٍ جَناح.(6)
1) في ب: ورمى جاراتها.
2) عبد العزيز بن عمران قائد عباسي معروف في عصر المأمون. (الأغاني 31/90).
3) السريّ بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب أحد الولاة العباسيين ولى على اليمامة. وللمنصور على مكة سنة 143. انظر الطبري 511/7 و 149.
4) الشاعر المعروف أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ بن سلمة بن هرمة، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية والنص في ديوانه ص 82. (ترجمته في الشعر والشعراء 639 والأغاني 102/4).
5) في ب: فإنني.
6) في الديوان: تعدّ.
كان السريّ بن عبد الله يقولُ(2): لوددتُ أنّ ابن هرمة أتاني فأقول له: لو كتبتَ إليه فيقول: أكرهُ أن يكلّفني ما لا أطيق. فكتبتُ أنا إلى ابن هرمة، فأبى أن يأتيه إلّا أن يكتب إليه، ثم غُلب صبرُه، فشخص إليه، فلما قدمَ دخلتُ على السري، فأخبرته فسُرَّ بذلك، وأذن للناس فدخل عليه ابنُ هرمة، وكان، ذميماً، فقعد وقعد راويتُه ابنُ زبَنّج(3)وكان جميلاً وسيماً. فقال له ابن هرمة: إني قد مدحتك أصلحك الله. قال: فأنشدْ فقال: هذا ابن زبنج(4)يُنشدُ. فأنشد ابن زبنّج. فقال له: مرحباً يا أبا إسحق، ما حاجتُك؟ قال: جئتك عبداً مملوكاً. قال: بل حرٌّ كريمٌ. قال: ما تركتُ لي مالاً إلّا، رهنتُه ولا صديقاً إلّا كلّفته. قال: حتى كان لي ريّانٌ وغالبٌ (165 و /) وهما مالان عظيمان(5)، جعل السلطانُ غلتهما لصدقاتِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يُنفق عليها(6)، فما يخرج يُطعمه الناسُ. قال: وكم دَيّنُك؟ قالَ: سبع مائة دينار. قال: هو عليّ(7). قال: فمكث ابن هرمة أياماً. ثم قال لي: لقد غرضتُ(8). فقلتُ: قل شعراً تذكرْ فيه غرضك، وأنشده إياه، فقال(9):
إن الحمامةَ في نخلٍ ابنِ هدَّاج *** هاجت فؤادَ سقيمٍ القلبِ مُهتاج(10)
1) سقط من ب ابتداءً من الزهري. وقد سمى الأصفهاني في الأغاني 108/4 هذا الرجل حين نقل الخبر عن الزبير: أبا زريق.
2) الخبر في الأغاني 108/4.
3) في الأغاني: ربيح. تصحيف. وانظر الديوان ص 38.
4) السطر مضطرب في الأصل. وسقط سطر من ب ابتداءً من (وكان جميلاً).
5) في الأغاني - الدار - حتى كأن له ديّاناً وعليه مالاً، فقال له السري: وما دَينك؟
6) في ب: عليهما الصدقات ينطق عليهما. وهو وهم من الناسخ.
7) في الأغاني: قال: قد قضاها الله جل وعز عنك.
8) في الأغاني: قد اشتقت. والغرض: الشوق.
9) الديوان 76.
10) في الديوان الحمامة .. هاجت صبابة عاني القلب مهتاج.
أما مخبِّرٌ أنَّ الغيثَ قد نُتجت *** منه عِشارٌ تماماً غيرَ إخداج(1)
شقّت سوائفُها بالفَرْش من ملَلٍ *** إلى الأعارف من حَزْنٍ وأولاج(2)
وقال فيها:
هاجَ العييُّ إلى شوقٍ فهيَّجني *** فعجت من قلبِ ماضٍ غير مُنعاج(3)
وابن الزبنَّج ممّا قد يهيّجني *** بحلق منتحبٍ بالليل نشّاج
فأمر له بدَينه، وأمر له بمالٍ غير ذلك، أراه إنْ شاء الله ألفَ دينار(4).
ما أسكَرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ(6).
قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: كلُّ مسكرٍ حرامٌ، وكلُّ مُسكرٍ
1) في ب: تمام. وفي الديوان: أم المخبّر - قد وضعت .. تماماً. والعشار: واحدها العشراء، وهي الناقة التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية، أو هي كالنفساء من النساء. والإخداج: إلقاء الناقة ولدها قبل تمام الأيام.
2) في الأصل: شقت سوائبها. وفي الأغاني: شوائفها. والمثبت من الديوان. والسوائف: واحدها السائفة. ما استرق من أسافل الرمل. والفرش: موضع بالحجاز. والأعارف: جبال باليمامة. وأولاج: واحدها ولجة (بالتحريك). كهف تستتر فيه المارة من مطر وغيره، ومنعطف الوادي.
3) في الديوان: هاج الصبي .. فعشت من قلب. والمنعاج. الذي ثقل قلبه من أكل لحم الضأن.
4) في الأغاني: فأمر له بسبعمائة دينار في قضاء دينه، ومائة دينار يتجهز بها، ومائة دينار يعرض بها أهله، ومائة دينار إذا قدم أهله. قوله يعرض بها أهله أي يهدي لهم بها هدية.
5) من هنا اضطرب ترتيب الأوراق في الأصل. فقد جعلت هذه الورقة بعد الورقة رقم 36. وطمس الجزء الأعلى منها الذي فيه هذا الخبر.
6) الترمذي 58/8 والجامع الصغير 121/2.
خمرٌ(1).
كنتُ فيمن كان يحرسُ خشبةً عبد الله بن الزبير، فدارت عليّ النوبةُ ليلةً، فبينا أنا بين النائم واليقظان، إذا رجلٌ يهمس همساً خفيًّا حتى وقف واضعاً يده عليها، فاعتمد ساعةً، ثم قال: السلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين، ورحمة الله وبركاته، عوّضكَ اللهُ الجنةَ من قتلتك، وأثابك سوءَ مثلتك، فقد كنتَ للحقّ إماماً، تجمعُ بين طرَفي ليلتِك الصِنَّبرة(3)قائماً، وبين طرَفي يومِك القائظ صائماً، تغضبُ في الله، وترضى له، حَدِباً شفيقاً، تُنفّسُ كلَّ خِطةٍ مربّةٍ(4)، وتحبسُ السِربَ دون الكلأ الوبيل، إنْ رتع لم تَذعره، وإنْ سكنَ لم تُنفره، وإنْ بغا كنت له مرتاداً، تراّمه ويُرَامّك على ذلك، ما كنّا وكنتَ حتى قعد بنا جَدُّنا، ونابكَ جَدُّك (مع الذين أنعمَ اللهُ عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقينَ والشهداءِ والصالحينَ، وحَسُنَ أولئك رفيقا)(5)قال: ثم ولّى واندفع يقولُ:
أالحقُ أم لا إن خير خيارنا *** صريعٌ على أيدي العداة ينفل
تهاداه ذؤبان العشائرِ بينها *** ويَفري له بالفأس جذع مرقل
أطوداً منيفاً مشمخراً ممرّدا رسا أصله بالأرض لا يتحلحل
علوتم به جِذعاً ليُعرف إنّما *** يُبان الذي يخفى ولا يتأمّل
(166 و /)
فلولا جزاءُ الله كلًّا بفعله *** لعاش وأوديتم والله موئل
فلله عينا مَن رأى مثلَ خيرنا *** قتيلا وهادى الناس عرفاً جبأل
قال: فاتبعته حتى أخذته، فقلتُ له: مَن أنت؟ قال: رجلٌ من قريش، ثم أنا ابن أبي ثور العامري، فإنْ لم تكونوا رويتُم يا أهل الشام من دمائنا، فاشربوا ما بدا لكم.
قال: قلتُ: إنك لَمستميتٌ! قال: فهل إلى المنيّة من سبيل؟ قال عبيد الله بن
عرفجة: فوالله ما منعني من قتله إلّا الإبقاءُ على نفسي.
الحسن المخزومي قال: حدّثني محمد بن موسى بن سلمة مولى منبوذ قال:
عزل عثمان بن عفّان عمرو بن العاص(1)عن مصر واستعمل عليها عبد الله بن سعد بن أبي سَرح(2)، فدخل عمرو المدينة، فدخل على عثمان، فقال له عثمان: كيف تركت عبد الله بن سعد؟ قال: تركتُه أميراً على عمله، جاهلاً بنفسِه، وليس ذلك بشرِّ عُمّالِك. قال: شتمتنا يا عمرو.
قال: إنّ المعزول غضبانٌ، ولا أحسَبُني فعلتُ. فقال له عثمان: يا أبا عبد الله، إنّ الناس قد كثروا عليّ فاخرج حتى تعذرَني عندهم. فخرج عمرو، فصلّى مع الناس العصرَ، فلما سلّمَ الإمامُ قام إلى المحراب، فحمدَ اللهَ، وأثنى عليه ثم(3)قال: يا أصحاب محمدٍ يا معاشرَ المهاجرين والأنصار إن منكم لمَنْ سبقني فرأى قبلي، ورأيتُ بعده (166 ظ /) واللهِ ما رأيت خصاصةً إلّا ألصقها رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - بنفسه وأهل بيته دون المسلمين ولا رأيت خيراً قطّ إلّا عمَّ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين، أوَ كذاك ذاك، وقد رأيتموه؟ قالوا: اللهمّ نعم، فجزاه الله عن هذه الأمّةِ خيراً.
قال: ثمّ وليكم أبو بكرٍ، فسار بسيرته، وحذا حذوه، وسلك سبيله، وشمّرَ في
أمرِ الله، حتى قبضَه اللهُ إليه في خَلق ثويبٍ ما له رداءٌ، أفكذاك ذاك(1)، وقد رأيتموه؟ قالوا: اللهمّ نعم، فرحمه الله، وجزاه عن الأمّة خيراً. قال ثم وليكم من بعده ابنُ حنتمة(2)، عمر بن الخطاب - رحمه الله - فبعجَت له الأرضُ أمعاءَها، وفلذَت له كبدَها ونكتت له مخّتها، وأبرزت له، شحمتها، وتزيّنت له بزخرفِها، وأمطرت عليه جوداً، وولدت له تماماً، فدرّت له غزراً، فقبضَ منها قبضاً، ومصّ ثديها مصًّا، ومشىٰ في ضحضاحها، وتنكّبَ غمرَتَها مشمِّراً إزارَه حتى خرج منها، وما ابتلّت قدماه، أو كذاك ذاك. وقد رأيتموه؟ قالوا: اللهمّ نعم، فرحمه اللهُ، وجزاه عن هذه الأمّة خيراً. قال: ثم وَليَكم من بعده، عثمان، فعرفتم وأنكرتم، وقال وقلتم، تلومونه ويعذرُ نفسَه.
قالوا: فمه؟ قال: فارفقوا به، فإنّ الكسيرَ يجبَر، وإنّ الحسيرَ يبلُغ، وإنّ الهزيل يَسمنِ. أقول قولي هذا وأستغفر اللهَ لي ولكم. قال: فقيل لعثمان: ما بلغَ منك أحدٌ ما بلغَ عمرو. فلما دخل عليه قال: يا عمرو (167 و /) قمِلَتْ فروتُك منذُ عزَلناك عن مصرَ. قال: إنّك إمامٌ، ولا يجمُل بي شتمُك، ولقد قلتُ بأحسن ما حضرني، ولو حضرني غيرُ ذلك لفعلتُ.
1) في ب: أو كذاك ذاك.
2) هي أم عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة المخزومية. (الإصابة 511/2).
3) كان ذلك في سنة تسعين. وانظر تفصيل هروبهم في الطبري 448/6.
4) انظر هذه المكاتبات في جمهرة رسائل العرب 278/2 وفيه مصادرها.
5) في الجمهرة: وهربوا مني ولحقوا بسليمان بن عبد الملك أخي أمير المؤمنين وولى عهد المسلمين، وأن أمير المؤمنين أعلى رأياً.
وكتب سليمان إلى الوليد أمّا بعدُ: يا أميرَ المؤمنين، فإنّ يزيد بن المهلّب وإخوته لجأوا إليّ، وقد أمّنتهم، وخَفِرتهم، وقد كان الحجّاج أغرمَهم ستةَ آلاف ألف درهم، وأدّوا منها ثلاثة آلاف ألف، وبقيت ثلاثة آلاف ألف درهم، فهي عليّ، والسلام.
فكتب إليه الوليدُ: أما بعدُ: فوالله لا أؤمنَّ يزيدَ ومَنْ معه حتى تبعثَ بهم إليّ.
فكتب إليه سليمان: أمّا بعدُ: يا أميرَ المؤمنين فإنك إن حملتني على أنْ أبعثَ بهم، قدمتُ عليك معهم(1).
فكتب إليه الوليد: والله لئن قدمتَ عليّ معهم لا أو منهم أبداً، فابعث بهم إليَّ في وثاق. قال: فبعث بهم سلیمانُ مع ابنه أيوب. وقال لابنه: يا بُنيّ إذا أردتَ الدخولُ على عمِّك فادخل أنت ويزيد في سلسلةٍ، واقرن نفسَك معهم ففعل أيوب (167 ظ /) ذلك. قال: فلما رأى الوليدُ ابنَ أخيه مع يزيد في سلسلة قال: لقد بَلغنا مبلغاً شاقًّا. ثم تكلّم أيوب بن سليمان فقال: يا أميرَ المؤمنين، نفسي فداؤك، لا تُخْفِر ذِمّةَ أخيك(2)، فإنّك أحقُّ مَنْ منعها، ولا تقطعْ رجاءَ مَنْ رجا السلامةَ في جواره لمكانه منك(3)، ولا تُذلَّ من أمَّلَ العِزَّ في الانقطاع إليه بعزّه منك(4). ثم دفعَ إليهِ كتابَ سليمان، فإذا فيه: أمّا بعدُ: يا أميرَ المؤمنين فوالله إنْ كنتُ لأظنُّ - لو استجار بي عدوٌ قد نابذَك(5)، وجاهدك، فأنزلته، وأجَرْته - أنك لا تُذلّ جاري، ولا تُخفر جواري، على أني لم أجِر إلّا امرءاً مسلماً، سامعاً مطيعاً، حسنَ البلاء والأثر في الإسلام، وفي طاعتنا، هو وأبوه، وأهل بيته(6)، وقد بعثتُ به إليك، فإنْ كنتَ يا أميرَ المؤمنين إنما تغزو(7)قطيعتي، وإلّا خفار بذمّتي، وإلّا بلاغ في مساءتي، فقد قدرتَ
إنْ فعلتَ وأنا أعيذك بالله يا أميرَ المؤمنين من احتراز(1)قطيعتي، وانتهاك حُرمتي، وترك برِّي وصِلتي فوالله يا أميرَ المؤمنين، ما تدري ما بقاؤك ولا بقائي، ولا متى يُفرّق الموتُ بيني وبينك، فإنْ استطاع أميرُ المؤمنين(2)أنْ لا يأتيَ علينا أجلُ الوفاة إلّا وهو لي واصل، ولحقِّي مؤدٍ، ولقرابتي حافِظٌ(3)، وعن مساءَتي نازعٌ، فليفعلْ، فوالله يا أميرَ المؤمنين ما أصبحتُ بشيء من أمور الدنيا - بعد تقوى الله - أسرّ(4)مني برضاك وسرورك، وإنّ رضاك مما ألتمس به رضوانَ الله (168 و /) فإنْ كنت يا أميرَ المؤمنين تريد يوماً من الدهر صلتي ومبرّتي(5)وإعظام حقّي فتجاوزْ لي عن يزيد وأهل بيته(6)، وكلُّ ما طالبتهم(7)به فهو عليّ، والسلام. فلما قرأ الوليدُ الكتاب قال: لقد شققنا على أبي أيوب.
ثم دعا أيوب بن سليمان فقرَّبه وأدناه، ثم تكلم يزيد بن المهلب فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ بلاءكم عندنا - أهل البيت -(8)أحسنُ البلاء، فمن ينسَ ذلك فلسنا ناسيه، ومن يكفره(9)فلسنا كافريه، وقد كان من بلائنا أهلَ البيت في طاعتكم، والطعن في أعدائكم في المواطن العِظام، وفي المشارق والمغارب، ما المِنّة(10)فيه علينا عظيمة. فقال له الوليدُ: اجلس، فجلس، فآمنَه وكفَّ عنه، وعن أهل بيته(11)، وردّهم إلى سليمان.
وكتب الوليدُ إلى الحجّاج: أمّا بعدُ: فإنّ أميرَ المؤمنين لم يصل إلى يزيد
1) في الجمهرة: احتراد. وهي رواية الطبري أيضاً. وتعني قصد. وفي ابن خلكان 2/ 270 اختيار.
2) في الجمهرة: أدام الله سروره.
3) سقطت هذه العبارة من الجمهرة.
4) في الجمهرة: بأسر.
5) في الجمهرة: ومسرتي.
6) سقطت (وأهل بيته) من الجمهرة.
7) في الجمهرة: طلبته.
8) سقطت (أهل البيت) من الجمهرة.
9) في الجمهرة: يكفر.
10) في الجمهرة: ما ان المنة.
11) (وعن أهل بيته) ساقطة من الجمهرة.
وإخوته مع سليمان، فلا تعرض لهم، ولا تراجعني فيهم(1)والسلام.
دخل يَعلىٰ بن مُنْيةَ(3)على معاوية بن أبي سفيان فقال: يا أميرَ المؤمنين إني هززتُ ذوائب الرجالِ إليك، إذ لم أجدْ مُعوّلاً إلّا عليك، وما زلتُ أستدلُّ(4)المعروفَ عليك وأجعلُ النهار إليك مطيَّتي، فإذا ألوى بي الليلُ، فقُبض البصرُ، وعفّا الأثرُ، أقام بدني وسافر أَملي، يقودني نحوك رجاءٌ، ويسوقني إليك بلوى، فالنفس مستبطئة، والاجتهادُ (168 ظ /) عاذرٌ، وإذا بلغتك فقط. فقال معاوية: أحطط عنْ راحلتكَ رحلها. ثم قال: يا كعب، أعطه ثلاثين ألفَ فلما ولّى شوّال(5)، وليوم الحمل ثلاثين ألفاً أخرى ثم قال: إلحَق بصِهرك عتبة(6). وكان عتبةُ متزوجاً بابنة يعلى. قال: فخرج إلى مصر، فلما دخل على عُتبة قال له: أصلحك اللهُ إنّي سِرتُ إليك شهرين أخوضُ فيهما المتالفَ ألبس أرديَة الليل مرّةً، وأسير في لُجج السوادِ أخرى، مُوْقرا (7)من حسنِ الظنّ بك، هارباً من دَينٍ قد آدنی(8) بعد غناءٍ جَدعْنا به أنوفَ الحاسدين، فلم أجد إلّا إليك مهرباً وإلّا عليك مُعوّلاً. فقال: مرحباً، وأهلاً، إنّ الدهر أعاركم غنىً، وخلطكم بنا، ثم استردّ ما أمكنه أخذَه، وقد أبقى لكم منّا ما لا ضَيعة عليكم بعد(9)ما بقيت النعمةُ علينا، وأنا رافعٌ يدي ويدَك بيد(10)الله.
1) في الجمهرة: فاكفف عنهم واله عن الكتاب إلى فيهم.
2) الخبر مختصر في محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء 535/2.
3) صحابي معروف بالغنى والسخاء. انظر الاستيعاب 624/3. ولم يسمه صاحب محاضرات الأدباء وقال: دخل رجل.
4) في ب: استبدل.
5) كذا في النسختين.
6) هو عتبة بن أبي سفيان.
7) :موقر: رزین.
8) آدني: أثقلني.
9) في ب: معه.
10) في ب: ويد الله.
ثم قال له: كم أعطاك أميرُ المؤمنين؟ قال: ستين ألفاً. فأمر له بمثلها.
دخلت ليلى الأخيليّة على مروان بن الحكم، فقال لها مروان: ويحكِ يا ليلى أكان توبةُ كما نعتِّ؟ قالت: أصلحك اللهُ والله ما قلتُ إلّا حقاً، ولقد قصّرتُ، وما رأيتُ رجلاً قطّ كان أربطَ جأشاً على الموت منه، ولا أقلَّ انحياشاً حين تحتدمُ براكاء(1) الحربِ، ويحمي الوطيسُ، وتَهِرُّ الكماةُ أقرانَها، كان - والله -(2) كما قلتُ(3):
فتيً لم يزلْ يزدادُ خيراً لدُن نشا *** إلى أنْ علاهُ الشيبُ فوق المسائح(4)
شجاعٌ إذا الهيجاء شبّت مُشايخ ٌ*** إذا حاد عن أقرانِهِ كلُّ شائح(5)
(169 و /)
تراه إذا ما الموتُ دَرَّ بودقِه *** ضروباً طَلىٰ أقرانِه بالصفائح(6)
فعاد حميداً لا ذميماً فعالُه *** وَصولاً لقُرباه يُرى غيرَ كالح(7)
فقال لها مروان: يا ليلى كيف يكونُ توبةُ كما تقولين، وكان خارباً(8)؟ قالت: أصلحك اللهُ ما كان خارباً، ولا للموتِ هائباً، ولكنه فتىً كانت فيه جاهليّةٌ، ولو طال عمرُه، وأنساه الموتُ لارعوى قلبُه، ولقضى من لهوٍ نحبه، ولكنّه كما قال ابن عمّه سَلَمة بن زيد بن عبد الله:
1) براكاء الحرب: ساحة القتال.
2) سقط القسم من ب.
3) الديوان ص 62 وفيه مناسبة النص أيضاً.
4) المسائح: واحدها المسيحة وهي الذؤابة.
5) في الديوان: لدى الهيجاء ثبت .. إذا انحاز .. سابح. والمشايح والشائح: المقاتل والجاد في الأمور.
6) في الديوان: الموت حلّ بورده .. ضروباً على أقرانه. الودق: المطر. الطلي الشخص.
7) في الديوان: فعاش حميداً.
8) خارب: لص. وفاسد في دينه.
للهِ قومٌ غادروا ابنَ حُمِّيرٍ *** أخاهم صريعاً بالسيوف البواتر
لقد غادروا حزماً وحلماً ونائلاً *** وصبراً على اليوم العَماس القُماطر(1)
إذا هابَ وِردَ الموتِ كلُّ صَفنددٍ(2)*** عظيم الحوايا خيرُه غيرُ حاضر
مضى قُدُماً حتى يُعامِسَ حميه *** وجاد بسيبٍ في السنين القواسر
يرى الجود مالاً يحتويه وصبره *** على الموت حقّاً فاعتلى كلَّ فاخر
فقال لها مروان(3): أبىٰ اللهُ يا ليلى إلّا ما أراد، فأعوذ باللهِ من درّك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، فوالله لقد هلك توبةٌ، وإنْ كان لمن فتيان العرب وسباعهم، ولكنّه أدركه الشقاءُ فهلك، وهو ذميمُ الفِعال، وترك لقومه عداوةً أخرى الليالي، ثم بعث إلى أناسٍ من بني عَقيل، فقال لهم: والله لئن بلغني عنكم أمرٌ أكرهه من أجل توبة لأصلبنّكم على جذوع النخل فإيّاكم ودعوى الجاهلية، والتشَبُّه (169 ظ /) بأهلها، فإنّ الله - تعالى - قد جاء بالإسلام، وهدم ذلك كلَّه، وإن توبةَ قُتل، وكان الله عدوّاً خارباً، لا يأمنُ جارُه بواثقَه، فالحمد لله الذي كفى المسلمين شرَّه، ثم قال:
مضى لا حميداً يرتجيه صديقُه *** ولا خائفاً منه العدوُّ المحاربُ
قال أبو عبد الله الزبير: وهذا البيتُ لابن البرصاء المرِّي(4)قاله لأحمر بن سالم المرّي(5)الذي يقول(6):
1) يوم عماس و قماطر: يوم حرب شديد.
2) الصفندد: الضخم الأحمق.
3) انظر خبر مقتل توبة بن الحمير في الأغاني 69/10.
4) هو شبيب بن يزيد بن جمرة، المري، والبرصاء أمه لقبت بذلك لبياضها وهو شاعر فصيح من شعراء الدولة الأموية بدوي لم يحضر إلّا وافداً أو منتجعاً. والبيت أخل به شعره المجموع. (الأغاني.(93/11).
5) الأحمر بن سالم المري شاعر أموي مدح عبد الملك وهجا الحجّاج فأحرقه في النار بالعراق. (تهذيب ابن عساکر 332/2).
6) الأبيات 1 - 4 في الحِماسة البصرية 113/1 و 1، 4 في المختار من شعر بشار والأول في تهذيب ابن عساکر 332/2. و 1- 4 في حماسة بدون نسبة أبي تمام 330/2.
مقِلٌّ رأى الإقلالَ عاراً فلم يزلْ *** يجوبُ بلاد الله حتى تموَّلا(1)
إذا جاب أرضاً أو ظلاماً رمتْ به *** مهامه أخرى عِيسُه متقلقِلا(2)
ولم يُثنه عمّا أراد مهابةً *** ولكنْ مضى قُدماً وما كان مسبَلا(3)
فلما أفاد المال جاد بفضله *** لمن جاءه يرجو جَداه مؤمِّلا(4)
... عاد بفضله على كل من يرجو. وجداه: عطاؤه.
وأعطى جزيلاً من أراد عطاءه *** وذو البخل مذموماً يرى البخل أفضلا
كثيباً فما يُرجا بخيرٍ ولا يُرى *** بجود لمن يرجو جَداه تفضُّلا
فشتّانَ ذو البخلُ الذميمُ وذو الندى *** إذا ذكرا أو نازعا المجدَ محفلا
يقال ذميمٌ ليس يُرجا فضوله *** قطوبٌ إذا ما جئته متوسَّلا
بداك بلا والبخلُ منه سجيّةٌ *** فما يستطيعُ الجودَ إلّا كلا ولا
وذو الجود يُعطي ضاحكاً متبرّعاً *** إذا جاد أمسى للتبرع أجملا
يرى الحقَّ بذلَ المال والجودَ بالندى *** إذا الباخلُ الهيابُ عن ذاك أجبلا
170 و /)
فلله مفقودٌ جوادٌ بماله *** لقد مات محمودَ الفِعال مُرقّلا
فلا زال يُسقى مستهلًّا سحابُه *** يدَ الدهر حتى يبعث اللهُ قُرمُلا(5)
ولا زال مذكوراً بخيرٍ وصالحٍ *** حميداً ثناه مجدُه لم يُحلحلا(6)
ولا زال ذو البخل الضَّنينُ بماله *** ذميماً إذا سام الرجال مُذلَّلا
مضى وبقى ما كان حاز لوارثٍ *** فأعطى ذوي الأرحام يوماً وأفضلا
فقيل جزى الرحمٰنُ خيراً أخا الندى *** ولا زال ملعوناً أخا البخل مُتبلا
قال: فدخل الأحمرُ بن سالم المرّي على عبد الملك بن مروان فقال له: يا
أحمر كيف قلتَ:
مقلٌّ رأى الإقلال عاراً فلم يزل *** يجوبُ بلادَ اللهِ حتّى تموّلا
فأنشده، فأصغى إليه مطرقاً، فلما فرغ قال له: حاجتُك؟ قال: أنت أمير المؤمنين أعلى بالجميل عيناً، فافعل ما أنت أهلُهُ، فإني لِما أوليتني غيرُ كافرٍ.
فأَمر له عبد الملك بعشرة آلاف درهم، وألحقه في الشرف، فخرج من عند عبد الملك وهو يقولُ:
بكفّ ابن مروان حَييتُ وناشني *** إلهيَ من دهرٍ كثيرِ العجائب
فأدركني والركنُ مني مضعْضعٌ *** وقد أشرف الأعداء من كلِّ جانب(1)
وقالوا هو المريُّ سيِّد قومِه *** عُروقٌ نمتْه من لؤيّ بن غالب
فقلت بحمد الله لا حَمدِ غيره *** وحَمد ابن مروان نجوتُ وصاحبي
من الليث إذ نحّى إليّ بنانه *** وكان أليماً أخذه للمحارب(2)
(170 ظ /)
فأفلَتُّ منه بعدما قد تشبّث *** بشلْوي منه موجَدات المخالب
(3) وكان ابن مروان يرأبُ الثأي *** ويُشعبُ ما أعيا به كلُّ شاعب(4)
ويُعطي المنى من جاءه متنصِّفا *** وفوق المنىٰ ورغبةَ المتراغب
وكم لابن مروان على الناس من يدٍ *** إذا ذُكرت لم تُخزه في المحاصِب
تداركَ دينَ الله إذ هُدّد ركنُه *** وأطمع فيه كلُّ نكسٍ وجانب
بحزمٍ وجدٍّ لا يُجارى وجدّةٍ *** وصبرٍ على وقع السيوف القواضب
وحلمٍ عن الجهّال إذ شنفوا له *** وساروا بجمعٍ مُطلخمِّ الكتائب(5)
وصياهب: واحدها صيهب. وهو اليوم الحار. والموضع الشديد.
فنازلهم بالسيفِ صلتاً وناصرٌ *** من الله إنّ الله ليس بغائب
فولّى جموعُ المحلدين وأدبروا *** كما أدبرت ملْ الأسدِ نور الثعالب(1)
و قوَّم دين الله مروانُ وابنُه *** ولم يَرْجُما ما جمّعوا بالتكاذب
همّا صدقا الأعداءَ في مُرجحنَّةٍ *** تولّوا حذارَ الشرمحيّ الضُباضِب(2)
الشرمحي من الرجال: التام الجميل الكريم(3).
ولو وقفوا صاروا حديثاً لخَلفِهم *** كما حدّث الأقوامُ عن أهل مأرب
وقام لنا من بعدُ مروانُ وابنُه *** بحزمٍ ورأيٍّ غير هَدٍّ موارب
فدوّخَ من عادى الإلٰه بصولةٍ *** يبصبصُ منها كلُّ خِرقٍ محارِب
فلما أنشد عبد الملك قال: أحسنت، ويحكَ يا ابن سالمٍ، هل كنت هيّأتَ شيئاً مما قلتَ قبل اليوم؟ قال: لا. قال: ويحك(4)فقد أمكنك القول، فلا تكثِر، وقليلٌ كافِ خيرٌ من كثير(5)ٍ غير شافٍ. ثم أمرَ له بخلعة وأربعة آلاف درهم وحمله. فقال: الزمْ بابي، وإيّاكَ وأعراضَ الناس، فإني أرى لك لساناً (171 و /) لا يدَعُك حتى يوقعَك في ورطة يوماً، فاحذر أنْ يوردَك شعرُك موردَ سوءٍ يصيّرك تحت كلكلِ هزبرٍ أبي شبل يضغمُك ضغْماً لا بقيّة بعد ضغمه فيك. فلم يلبث الأحمر بن سالم أنْ قدم العراق فهجا الحجّاج بن يوسف وقال في هجائه له:
ثقيفٌ بقايا من ثمودٍ ومالهم *** أبٌ ماجدٌ من قيس عيلان يُنسب
إذا انتسبوا في قيس عيلان كُذّبوا *** وقالوا ثمودٌ جدّكم والفخرنب
همُ ولدوكم غير شكٍّ فيمِّموا *** بلاد ثمودٍ حيث كانوا واعذبوا
وأنت دعيٌّ يابن يوسف فيهمُ *** زنيمٌ إذا ما حُصّلوا تتذبذبُ
فطلبه الحجّاج، وأجعلَ فيه، وتقدم إلى سائر عماله أنْ لا يُفلته(1)، فأخذه صاحبُ هِيت ووجَّه به مقيَّداً، فلمّا أدْخل على الحجّاج. قال: ما جزاؤك عندي إلّا أن أعذّبَك بما اختاره اللهُ لأعدائه من أليم عذابه، فأُحرِق بالنار.
وقال الحجّاج متمثّلًا(2)بقول ابن مخلاة الكلبيّ(3)
(الطبري 543/5 والأغاني 12/17).
يهجو هَمّام بن قَبيصة النَّميري(4)، وكان همام ضربه على وجهه ضربةً شترَ عينه، فلم يزل أشتر حتى مات، فقال:بما جرَمتْ كفَّاكَ لاقيتَ ما ترى *** فلا يبعدُ الرحمٰنُ غيرَك هالكا
غمصتَ نعيماً لم تكن أنتَ أهله *** فصادفتَ ليلاً موجه الركن تامكا(5)
فقضقضَ ركناً طال ما كان آيباً *** وأصبح تذروه الرياحُ سوامكا
(171 ظ /) فبُعداً لمن يبكيك ما هبَّت الصَبا *** وسُحقاً فقد لاقيت ليثاً مُعارِكا
قال أبو عبد الله الزبير: وكان الأحمرُ بن سالم والعلاء بن عتواره الليثيّ مع ابن الزبير، فلما قُتل ابن الزبير لحق الأحمرُ ببشر بن مروان، فطلبه إبراهيم بن عربي فظفر به، فبعث به إلى الوليد بن عبد الملك فطلب إليه فيه، فأمنه، وأمّا ابن عتوارة فقتله بعد ذلك شبيب الحروريّ مع الحجّاج، وكان ابن عتوارة شجاعاً وهو الذي يقول:
ماأبالى إذا لبستُ سِلاحي *** وركبتُ الجوادَ ما قلتما لي
1) في ب: يفلتهم.
2) سقطت كلمة (متمثلاً) من ب.
3) هو عمرو بن المخلاة الكلبي، شاعر أموي من تيم اللات بن رفيدة له مقطعات شعرية وأخبار في يوم مرج راهط الذي كان لمروان بن الحكم على الضحاك ابن قيس الفهري عامل يزيد بن معاوية.
4) أورد الطبري لهمّام خبراً سنة ست وخمسين فقال: دخل همّام بن قبيصة النمري فنظر إليه معاوية محمر العينين فقال: يا همّام إن عينيك لمحمرتان قال همام: كانتا صفين أشد يوم حمرة فغمّ معاوية ذلك. وقد قتل في يوم مرج راهط. ورثاه ابن مقبل. (الطبري 306/5 وأنساب الأشراف 136/5).
5) في ب: غمطت .. موجد الركن. تامك: طويل.
ما سئمتُ القتالَ مُذ كنت غَرّاً *** يافعاً لَذّتي مع الجهّال
أحسبُ الموت شربةً من عُقارٍ *** شُعشعت لي بماءِ عذبٍ زلال
فانقضت شِرَّتي ولاح بياضٌ *** واضحٌ عمَّ مِفرقي وقَذالي(1)
وتجنّيتُ بعد حُسن قوامٍ *** بعدما كنتُ رائعاً للرجال
رُبَّ قَرنِ رأيتُه مُسلحبَّا *** فوق عرنينه سفاه الشمال(2)
مُجلعباً حشوتُه أزرقيَّا *** صادقاً وقعُه غداةَ النزال (3)
قُتلَ ابنُ عفّانَ الإمامُ *** فضاعَ أمرُ المسلمينا(5)
وتشتّتت سُبلُ الرشا *** د بصادرين و واردينا(6)
(172 و /)
فانهض معاوي نهضة *** تُشفى بها الداءَ الدفينا
أنت الذي من بعدِه تُدعَىٰ أميرَ المؤمنينا
قتلتم وليَّ اللهِ في جوف داره *** وجئتم بأمرٍ جائرٍ غيرِ مُهتدي
فلا ظفِرت أيمانُ قوم تظاهرت *** على قتل عثمانَ الرشيدِ المسدَّد
فكفَّ يديه ثم أغلق بابَه *** وأيقنَ أنّ اللّهَ ليس بغافل(2)
وقال لأهل الدار لا تقاتلوا *** عفا الله عن كلِّ امرىءٍ لم يقاتل(3)
والشاعر يشير في هذا البيت والذي قبله إلى ما رواه عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى لي عليه سمعاً وطاعة أن يكف يده ويلقي سلاحه فألقى القوم أسلحتهم. (العقد الفريد 294/4 ط 2 (لجنة التأليف).
فكيف رأيتَ اللهَ ألقى عليهم ال- عداوةَ والبغضاءَ بعد التواصل(4)
وكيف رأيتَ الخير أدبرَ بعده *** عن الناس إدبار النَعام الجوافل(5)
وكيف رأيت الخير أدبر عنهم *** وولى كأدبار النعام الجوافل
سمعت سفيان بن عُيينة يقولُ: قيل لبعض السَلَف: أترجو الأجرَ فيما أحلَّ اللَّهُ لك؟ قال: نعم، أرأيتَ لو فعلتَ شيئاً وهو حرامٌ أكنتَ تخافُ الإثم؟ قال: نعم. قال: فارجُ الأجرَ فيما أحلَّ لك، كما تخافُ الإثم فيما حرّم اللهُ - عزّ وجلّ - عليك.
كان أبو شريح الخزاعي(6)
ونص الخبر في الاستيعاب برواية مصعب عن الواقدي. (الاستيعاب 4/ 102) والإصابة 102/4). من عقلاء أهل المدينة فكان يقول: إذا رأيتموني أبلغُ
1) سقط الترضي من ب.
والمقطوعة في ديوان كعب بن مالك 264 منسوبة لكعب. وفيه مصادرها. وفي الاستيعاب: إنهما مما ينسب لكعب والأبيات 1 - 3 مع بيت آخر في التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان ص 315 منسوبة للمغيرة بن الأخنس.
2) في ب والأغاني: كف. ولا يستقيم بها الوزن.
3) في الديوان: وقال لمن في داره.
4) في الديوان: رأيت الله صب عليهم.
5) في الديوان:
6) اسمه خویلد بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد وقيل كعب بن عمرو وقيل هاني بن عمرو. صحابي أسلم قبل الفتح. وكان يحمل أحد ألوية بني كعب بن خزاعة يوم فتح مكة توفي بالمدينة سنة ثمان وستين.
بمن أنكحتُه أو نكحتُ إليه السلطانَ فاعلموا أني مجنونٌ فاكووني، وإذا رأيتموني (172 ظ /) أمنعُ جاري أن يضعَ خشبةً في حائطي فاعلموا أني مجنونٌ فاكووني، ومَنْ وجدَ لأبي شريح سمناً أو لَبناً أو جدايةً فهو له حِلٌّ فليأكله وليشربْه(1).
قال الواقدي: وكان له مالٌ بالمدينة فيه ما ذكرَ فكان الناس يرَعوْن فيه.
لقيتُ النسّابةَ البكريّ بمنىَ فسألتُه، فإذا هو أعلمُ الناس، فقلت له: أيّ الشعراءِ أغزلُ؟ قال: أصدقُهم وجداً، الذي إذا سمعتَ شعرَه أويتَ لقائله، أما يقفُ في سمعك قولُ حُجَازيّكم عمرو بن عجلان(2)
أحب امرأة فقتل من أجلها. وضرب به المثل في ذلك. قال قيس بن ذريح:
وفي عروة العذري إن متّ أسوة *** و عمرو بن عجلان الذي قتلت هند
(انظر أمالي القالي 219/2 والأغاني 22/20 وديوان الهذليين 13/3).
، واستخفّه مرّةً الوجدُ فهرب، فوقع في أرض بني فزارة فقال:بکی فبكت له أجبالُ صُبحٍ *** وأسعدت الجبالُ بها مروتُ(3)
والمروت: المفازة بلا نبات
حجازيّ الهوى علقٌ بنجدٍ *** ضمينٌ ما يعيش ولا يموت(4)
فتردعُه الدبُورُ لها أجيجٌ *** ويُسلمهُ إلى الوجد المبيتُ
كأن فؤادَه كفَّا طريدٍ *** كأنهما بشاطي البحرِ حوت
لهندٍ منك عينٌ ذات سجلٍ *** وقلبٌ سوف يألم أو يفوت(5)
إذا اكتنفا بضرّهما سقيماً *** يعادي الداء ليس له مُقيت(1)
ولا أحملُ الحِقدَ القديمَ عليهمُ *** وليس رئيسَ القوم من يحمل الحقدا
وليسوا إلى نصري سِراعاً وإن هُمُ *** دعَوْني إلى نصرٍ أتيتُهمُ شَدَّا(4)
(173 و /)
إذا أكلوا لحمي وفَرْتُ لحومَهم *** وإنْ هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا(5)
يعيّرني بالدَّيْن قومي وإنما *** ديونيَ في أشياءَ تُكسِبُهم حمدا(6)
وكان من أجمل أهل زمانه، وأحسنهم وجهاً، وأتمهم قامةً، فكان إذا كشف وجهه لُطمَ، فكان مقنّعاً دهرَه، فسمي بذلك المقنّع(7).
ثلاثٌ من كنوز الجنّة: المصيبةُ والصدقة والمرض. وقال: ليس الحليمُ من ظُلمَ فحلمَ، وصبر حتى إذا قدر انتقم، ولكن من ظُلم فحلم حتى إذا قدر عَفا. وقال: صُنْ عقلك بالحِلم، ومروءَتك بالعَفاف، ونجدتَك بمجانبةِ الخُيلاء، ووجهَك بالإجمال في الطلب.
وقال: ما حُصِّنت النعَمُ بمثل المشاورة، ولا اكتُسِبت البغضاءُ بمثل الكِبر.
1) في الأصل: تعاد.
2) شاعر أموي مقل، واختلف في اسم أبيه فقيل عمير، وقيل ظفر بن عمير. وكان له محل كبير وشرف ومروءة وسؤدد في عشيرته. (الأغاني 157/15).
3) الأبيات من قصيدة طويلة في حماسة أبي تمام 32/28 وأمالي القالي 280/1 والتذكرة السعدية 287/1.
4) في الأمالي: أراهم إلى نصري بطاء وإن هم.
5) في الحِماسة والأمالي: فإن أكلوا.
6) في الحِماسة والأمالي: يعاتبني بالدين.
7) النص في الأغاني أيضاً.
أرى لك أخلاقاً حِسانا قبيحةً *** فأنت يقيناً مثلُ ما أنا واصف
سخيٌّ بخيلٌ أحمقٌ متظرِّفٌ *** جبانٌ شجاعٌ مستقيم مخالف(1)
رجل أحمق متطرق جبان *** شجاع مستقيم مخالف
كذلك إني عالمٌ بك جاهل(2)*** كما أنّ قلبيَ مُنكرٌ لك عارف
تلوّنتَ حتى لستُ أدري من العمى *** أريحُ سكونٍ أنت أم أنت عاصف؟
قال عمر بن عبد العزيز: اللهمّ إني أطعتُك في أحبِّ الأشياء إليك، وهو التوحيد، ولم أعصِك في أبغض الأشياء إليك وهو الكفرُ، فاغفر لي ما بينهما.
صلّى بنا يوماً من الأيام عبدُ الله (173 ظ /) بن الزبير فوجمَ بعد الصلاة ساعةٌ. فقال الناسُ: لقد حدَّث نفسه. ثم التفتَ إلينا، فقال: لا يبعدنَّ ابنُ هندٍ إنْ كانت فيه لمخارجٌ لا تجدُها في أحدٍ بعده، والله إنْ كنّا لنفرِّقه فيتفارقُ لنا، وما الليثُ الحربُ على براثنه بأجرأ منه وإن كنّا لنخدعه وما ابنُ ليلَةٍ من أهل الأرض بأدهى منه، فيتخادعُ لنا، والله لوددتُ أنّا مُتّعناً به ما دام في هذا الجبل حجَرٌ، وأشار إلى أبي قُبيس(3)، لا يتخونُ له عقلٌ، ولا تنقص له مرّةٌ. فقلنا أوحشَ واللهِ الرجل.
أنه كان يصلُ بهذا: كان والله كما قال بطحاء، وبطحاء رجلٌ من عذرة كان مدحَ معاوية فقال:
رَكوب المنابر وثّابُها *** معنٌ بخطبته مُجهر
تَريعُ إليه فصوص الكلام *** إذا خطل النثر المهمر
ثم يقول: كان والله كما قالت رُقَيقةُ(1)، وكانت امرأةً من قريش، وأمّها بنت أسد بن عبد العزّى أو بنت خویلد بن اسد:
ألا أبكيه ألا أبكيه *** ألا كلُّ الفتى فيه
لقد رأيتُ مشيخةً بالمدينة، وإنّ عليهم الغدائرُ، وإنّ عليهم الممصَّرُ(4)والمورَّد، وفي أيديهم المخاصِرُ(5)، وفي أيديهم أثرُ الحِنّاء في هيئة الفتيان (174 و /) ودين أحدِهم أبعدُ من الثريَّا إنْ أريد على دِينه.
كان لي غلام يسوق ناطحاً لي، فكان يرطنُ بالزنجيّة بشيء شِبه الشعر ولا أعرفُه، فجاءنا راعٍ يتفصَّح. فقلتُ له: تروي ما يقول هذا، وأخبرنا به. قال فإنه يقول:
فقلتُ لها إنّي اهتديت لفتيّةٍ *** أنا خوا بعَجْعاج(6)قلائصَ سُهَّما
فقالت كذاك العاشقون ومَنْ يخفْ *** عيونَ الأعادي يجعلْ الليل سُلّما
1) اسمها في شاعرات العرب 112 رفيقة بنت تباتة.
2) هو ربيعة الرأي بن فرّوخ مولى آل المنكدر التيميين، وتوفي سنة ست وثلاثين ومائة بالأنبار في مدينة أبي العباس، وكان أقدمه للقضاء. وكان يكثر الكلام. (المعارف 496).
3) الخبر في عيون الأخبار 299/1.
4) في العيون: المعصفر. والممصّر: المصبوغ بالأحمر.
5) المخاصر: واحدها، المخصرة كمكنسة. وهي ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوها.
6) العجاج: ذات عجاج، والصياح من كلِّ ذي صوت.
7) هو عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير. شاعر خطيب فصيح، ذو عارضة وبيان وقد نادم أوائل الخلفاء العباسيين وتولى لهم أعمالاً. (الأغاني 180/20).
قال عثمانُ زُر حبابة بالعرصة *** تُحدث تحيَّة وسلاما(1)
كذا في الأصل والبيت مكسور. (انظر الأغاني 154/13).
قلت زرها وانتِ أمَّ عديّ *** ترتدي ليلةً إلينا الظلاما
ثم نلهو إلى الصباح ولا نقربُ *** في اللهو والحديث حراما
وصفوها فلم أزلْ - علم الله - *** إليها مستولِهاً مُستهاما
هل عليها في نظرةٍ من جُناح *** من فتىً لا يزور إلّا لماما
حال فيها الإسلامُ دون هواهُ *** فهو هوي ويرقبُ الإسلاما
ويميلُ الهوى به ثم يخشىٰ *** أنْ يطيعَ الهوى فيلقى أثاما(2)
زعموا أنه لا يصفو لأحدٍ عيشٌ يوماً(5). ثم قال: لا تخبروني غداً بشيء. وجلس مع حبابة فأكلا فأكلا ثم أكلت حبابة رمّاناً فشرِقت بحبّةٍ فماتت. فمكثت ثلاثاً لا تُدفن، ثم غُسلت وأخرجت، فمرّ يزيد في جنازتها فلما دُفنت قال(6):
فإن تسلُ عنكِ النفس أو تدَع الصّبا *** فباليأس يسلو عنك لا بالتجلّد(7)
1) حبابة: مولدة من مولدات المدينة لرجل من أهلها يعرف بابن رمّانة، وقيل لغيره وكانت حلوة جميلة الوجه ظريفة حسنة الغناء. وكانت تسمى العالية ولما اشتراها يزيد بن عبد الملك سماها حبابة.
2) سقط هذا الخبر والشعر من ب.
3) سقطت كلمة (ابن) من ب.
4) طمست الكتابة في الأصل ابتداءً من هذه الكلمة إلى بداية الشعر. والخبر والشعر في الأغاني 165/13 برواية المؤملي عن أبي غانم الأزدي.
5) في الأغاني: زعموا أنه لا تصفو لأحد عيشة يوماً إلى الليل إلّا يكدرها شيء عليه، وسأجرب ذلك.
6) في الأغاني: وخرج معها لا يتكلم حتى جلس على قبرها، فلما دفنت قال أصبحت والله كما قال كثير:
7) في الأغاني: فإن يسل عنك القلب.
وكلُّ حميم راءني فهو قائلٌ *** من أجلكِ: هذا هامة اليوم أو غد(1)
ورأت عُثيمةُ أنني متبذّلٌ *** نشوانُ قد أهلكتُ ماليَ أجمع
فتجهمتْني ثم كان جوابها *** ارجع بغيظك ليس فيها مَطمع(2)
(174 ظ /)
إنا قد أطرفنا سواك محدِّثاً *** سمحاً، سجيّتُه مَريٌّ مرتع(3)
قد طال ما منّيتنا وخدعتنا *** فاذهب بشعرك فابتغِ مَن تخدعُ
حتى متى تهذي بشعرك عندنا *** قدملَّ سمعي ليت شعرُك ينفع
تأتي فتخبرُنا بأنك شاعرٌ *** والشعر ليس بنافعٍ للجُوَّع(4)
اجعل مكان قصيدةٍ هيّأتها *** للقوم أقرن ذا قوائمَ أربع
أمّا الإهابُ فقِربةٌ تسقيهمُ *** واللحم يُجعل للقديد ويخلع
والشحمُ تحمله جميعاً كلَّه *** فيكون للمصباح شهراً ينفع
والرأسُ في كرشٍ فيصبح عندنا *** فهناك يُروى ما تقول ويُسمَع
والصوفُ يُجعَل في الوسائد نافعٌ *** وترى الأكارع في الحشيش تزلع
والقَرن تجعله نصاباً جيداً *** فإذا الذي أهديتَ كلٌّ ينفع
أكثرْ لهنَّ من الدقيق وزَيتِه *** والتمرُ أوصفُ بالعيال وأشبع
فتكون فينا سيّداً ما زرتنا *** وترى عُثيمةَ عند قولك تقنع
حدّثني أبي(1)قال: حدّثني قُدامة بن إبراهيم الجمحي(2)قال: وحدّثني عبد الله بن إبراهيم الجمحي عن أبيه عن جدّه قال:
حضرتْ رجلاً من ربيعة الوفاةُ فقال لابنه: يا بنيَّ إذا حَزبكَ أمرٌ فاحكك ركبتيكَ بركبة من هو أسنُّ منك ثم استشرْه(3). قال: فمات أبي، فأردتُ التزويج(4)، فجئت شيخاً من قومي، فجلستُ في ناديه، فلما قام مَنْ عنده، قال: ألك حاجةٌ يا ابن أخي؟ قلت: نعم يا عَمّ إني (175 و /) أردتُ التزويجَ. قال: أطويلةُ النسب أم قصيرتُه؟ [قلت:] فوالله ما اخترتُ ولا أدبتُ.
فقال: إني أعرفُ في العين إذا عرفت، وأعرفُ في العين إذا أنكرت، وأعرف في العين إذا لم تعرف، ولم تُنكر. فأما إذا عرفت فإنها تحاوصُ للمعرفة، وأمّا إذا أنكرتْ فإنها تجحظُ للنكرة، وإذا لم تعرف ولم تُنكر فإنها تسجو سجواً. يا ابن أخي إيّاك أن تَزوَّج إلى قومٍ أهلِ دناءةٍ أصابوا من الدنيا غَثَرةً(5)فتشركهم في دناءتهم، ويستأثرون عليك بدنياهم. فقمت وقد اكتفيتُ.
قال مالك بن أسماء لهند(6): أعطني صفة مسوحكِ(7). قالت: لا أعطيكه تعلّمه جواريك ولا حياء لهنّ، فألحّ عليها. فقالت: ما أخذتُه إلّا من شِعرك حيث تقول:
أطيبُ الطيب طيبُ أمّ أبان *** فأرُ مسكٍ بزنبقٍ مفتوق
خلّطته بعنبرٍ وبندِّ *** فهو أحوى على اليدين شريف
1) سقطت كلمة (أبي) من ب.
2) سقطت هذه العبارة ابتداءً من (قال).
3) سقطت عبارة (ثم استشره) من ب.
4) في التحفة: التزوج.
5) الغثرة: سفلة الناس.
6) هو مالك بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة الفزاري شاعر إسلامي غزل، وكان الحجّاج ولاه بأصبهان. بعد أن تزوج أخته هنداً. وكان حسن الصورة جميلاً. (الأغاني 41/16).
7) في ب:مسوكك.
قال لي عمي: وهي مسوح(1)أمِّك.
قدم المأمون من خراسان معه بشاعرٍ، فلقيه أبو العتاهية، فقال له أبو العتاهية: مَنْ أشعرُ أنا أو أنتَ؟ قال: أنت أشعرُ وأولى بالتقدمة، ووقّره. فقال له أبو العتاهية: كم تقول في الليلة من بيت. قال: ربما أقمتُ على القصيدة لا تكون ثلاثين بيتاً(3)شهراً(4). قال: فأنا أشعر منك، ربما دعوتُ الجاريةَ، فأمليتُ عليها خمسَ مائة بيتٍ. قال: فحميَ الخراساني (175 ظ /) وقال: لو كنتُ أرضى مثل شعرك لقلتُ في ليلةٍ خمسةَ آلاف بيتٍ(5). قال: مثلُ أيّ شعر؟ قال: مثلُ قولك:
ألا يا عتبةُ الساعه *** أموتُ الساعةَ الساعه
قال: فاستضحك القوم منه.
خرجنا مع رجلٍ من العُبّاد، يقال له: دَهُثَمٌ(6)، والأرض تكاد تخشعُ لخشوعه، فإذا نحن برجلٍ يضربُ عبداً له بالسوط، فوعظه دهثم، فقلب السوطَ، فوضعه بين أذنيه، فأسرعنا ونحن نريد أنْ نبلغَ منه. فقال لنا دهثم: مهلاً فإني سمعت(7)الله رضي وصيّة عبدٍ من عبيده حيث قال: (يا بُنيَّ أَقِم الصلاةَ، وأمرْ بالمعروفْ، وانهَ عن
1) في ب: مسوك.
2) الخبر في الأغاني 11/17. والشاعر الذي تحادث مع أبي العتاهية فيه محمد بن مناذر. وفي 29/17 رواية أخرى للخبر نفسه مع ابن مناذر أيضاً. والنص في الجليس الصالح 530/1 نقلاً عن الزبير وبالسند نفسه.
3) سقطت عبارة لا تكون ثلاثين بيتاً، من ب.
4) في الأغاني: أقول في الليلة إذا سنح القول لي واتسعت القوافي عشرة أبيات إلى خمسة عشر.
5) في الأغاني: ألف بيت.
6) هو أبو العلاء دهثم بن قران العكلي روى عن أبيه ويحيى بن أبي كثير (تهذيب التهذيب والبيان والتبيين 365/1).
7) كذا في الأصل.
المنكَر، واصبرْ على ما أصابك، إنّ ذلك من عَزمِ الأمور)(1)فقد أمرَنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، فدعوني أصبر على ما أصابني.
خرجت أنا ودهيَةُ مولاة محمد بن مصعب(3)
انظر جمهرة نسب قريش 336/1 ونسب قريش 250.
إلى مسجد الفتح فوجدنا فيه ابن جُندَب(4)قد صلّى فيه ثم خرج، فقلت له: إي عمّ. فقال:وإذا دعونَكَ عَمهُنَّ فإنّه *** نَسَبٌ يَزيدُكَ عندهنَّ خَبالا(5)
قالت: وأطلعتُ له يدي وقلتُ له: هذا الذي قلت:
يمشي إلى مسجد الأحزاب مختضبا
فقالت لي صاحبتي: أطمعتِه والله فينا. قالت: قلت لها: إنما (176 و /) يُطمَع في أهل الشرّ. قالت(6)فصَلّينا ثم خرجنا، فوجدناه قد عرَّض يديه على باب المسجد وقال:
أي مَنْ يجمعُ المواسم أنتم *** حدِّثينا حقّاً ولا تكذبينا
قالت: قلتُ له:
نحن من ساكني العراقِ وكنّا *** قبلها قاطنينَ مكةَ حِينا
قال: ألا تجلسنَ تحدثن ونُحدثكنّ، كما قال:
رطبُ السؤال له نعلان من بَقَرِ *** حلوُ المزاحَةِ معسولُ الأماثيل
قالت: فأبَينا فذهبنا.
لما كانت سنة اثنتين وسبعين استشار عبد الملك بن مروان عبد الرحمٰن بن زيد الحَكمي في المسير إلى العراق، ومُناجَزَة مصعب بن الزبير فقال: يا أميرَ المؤمنين قد واليتَ بين عامين تغزوهما، وقد خَسِرتَ خيلَك ورجالَك، وعامُك هذا عامُ جَدْبْ، فارحْ نفسَك وجسدَك، ثم ترى رأيَك(3). قال: إني أبادرُ ثلاثةَ أشياء: الشامُ أرضٌ المالُ بها قليلٌ، وأخافُ أن ينفد ما معي، وأشرافُ أهل العراق قد كتبوا إلي يدعونني إلى أنفسهم، وأهل العراق كلّا ولا. وثلاثةٌ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كبرُوا، ونفدَتْ أعمارُهم، فأنا أبادر بهم(4)الموتَ، أحبُّ أن يحضروا معي. ثم دعا يحيى بن الحكم(5)، وكان يقولُ: مَنْ أراد أمراً (176 ظ /) فليشاورْ يحيى، فإذا أشار عليه بأمرٍ فليعملْ بخلافه. فقال: يا(6)يحيى ما ترى في المسير إلى(7)العراق؟ قال: أرى أنْ ترضى بالشام، وتُقيمَ بها، وتدَعَ مصعباً والعراقَ، فلعنَ الله العراقَ(8). فضحك عبد الملك، ودعا عبد الله بن خالد بن أسيد فشاورَه فقال: يا أميرَ المؤمنين قد غزوتَ مرّةً فنصرك اللهُ، ثم غزوتَ الثانية فزادك الله عزّاً، فأقم عامَك هذا. فقال لمحمد بن مروان: ما ترى؟ قال: أرجو أن ينصرَكَ اللهُ أقمتَ أم غزوتَ، فاغرُ عدوَّك وشمِّرْ، فإنّ اللهَ ناصرُك.
1) من هنا المنشور في المجلد(3) من بحوث الجمعية الملكية للعلوم في جوتنجن.
2) الخبر في أنساب الأشراف 33/5 والأغاني 161/17.
3) في الأنساب: فأرج الأمر سنة أو سنتين واسترح.
4) في ب: ابادرهم.
5) هو يحيى بن الحكم بن أبي العاص أخو مروان بن الحكم. ولّاه عبد الملك المدينة سنة 75. وكان ممن قال شعراً ينكر على يزيد قتل الحسين رضي الله عنه. (انظر الطبري 460/5 و 202/6).
6) سقطت (يا) النداء من ب والمجلة.
7) سقط قوله (في المسير إلى) من ب.
8) سقط قوله (لعن الله العراق) من ب.
فأمرَ الناسَ، فاستعدّوا للمسير، فلما أجمع قالت عاتكة بنت يزيد(1): يا أمير المؤمنين، وجِّه الجنودَ، وأقمْ فليس من الرأي أنْ يباشرَ الخليفةُ الحربَ بنفسه، قال: لو وجّهتُ أهل الشام كلّهم، فعلم مصعبٌ أني لستُ معهم، لهلك الجيشُ كلُّهم، وتمثّل:
ومُستخبرٌ عنّا يريدُ بنا الردىٰ *** ومستخبراتٌ والعيونُ سَواكبُ
قال: فقدّم محمد بن مروان ومعه خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وبشرْ بن، مروان، ونادى منادٍ، إنّ أميرَ المؤمنين قد استعمل عليكم سيّدَ الناس محمد بن مروان وبلغ مصعبَ بن الزبير مسيرُ عبد الملك بن مروان، فأراد الخروج، فأبىٰ عليه أهلُ البصرة وقالوا: عدوُّنا مُطِلٌ علينا، يعنون الخوارجَ، فأرسلَ إلى المهلب وهو بالموصل عامله عليها، فولّاه قتالَ الخوارج، وخرج مصعب فقال بعض الشعراء، وكان مصعبٌ يخرج إلى باجُمَيْرَا(2)يريد (177 و /) الشامَ ثم يرجعُ، [وأولها:
أبيتَ يا مصعبُ إلّا سَيْرا](3).
أكل عامٍ لكَ باجُميْرا *** تغزو بنا ولا تُفيدُ خَيرًا(4)
أبيت يا مصعب إلّا مسيرا *** في كل يوم لك باجميرا
فأقبل عبد الملك حتى نزل الأخْنَونيَّة(5)، ونزل مصعبٌ بمسْكِن إلى جنب
1) هي عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان زوجة عبد الملك وأم أولاد يزيد ومروان ومعاوية وأم كلثوم. والخبر في الأغاني 162/17 وانظر الطبري 42/6.
2) باجميرا: موضع دون تكريت. في معجم البلدان: ذكر الأخباريون أن عبد الملك بن مروان كان إذا هم بقصد مصعب بن الزبير بالعراق يخرج كل سنة إلى بطنان حبيب، وهي من أدنى قنسرين إلى الجزيرة فيعسكر بها ويخرج مصعب إلى سكن فيعسكر بباجميرا من أرض الموصل كل واحد منهما يرى صاحبه أنه يقصده ولا يتم كل واحد منهما قصده. فإذا اشتد الشتاء وارتج الثلج انصرف عبد الملك إلى دمشق. ومصعب إلى الكوفة.
3) سقطت كلمة (وأولها) مع الشطر الذي يليها من الأصل والمجلة والأنساب والأغاني.
4) البيت في معجم البلدان 455/1 منسوب لأبي الجهم الكناني وهو في مروج الذهب 241/5 برواية أخرى هي:
5) الأخنونية: موضع من أعمال بغداد (ياقوت).
أوانا(1)، وخَندقَ خندقاً، ثم تحوّل، ونزل دَيْرَ الجاثليق وهو بمسكِن، وبين العسكرَين(2)ثلاثةُ فراسخ، ويقال: فرسخان. فقدّم عبدُ الملك محمدَ بن مروان وبِشرَ بن مروان، كلّ واحدٍ منهما(3)على جُندٍ(4)والأميرُ محمدٌ.
ووجّه مصعبٌ على مقدمته إبراهيمَ بن الأشتر(5). وكتب عبد الملك إلى أشراف أهل العراق يدعوهم إلى نفسِه، ويُمنّيهم، فأجابوه واشترطوا عليه شروطاً، وسألوه ولاياتٍ، وسأله أربعون رجلاً منهم أصبهانَ. فقال عبد الملك: ما أصبهانُ هذه؟ تعجّباً من كثرة مَنْ يطلبها. وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر(6): لك ولاية ما سقى الفراتُ إنْ بايعتَني، فجاء إبراهيم بالكتاب إلى مصعب، فقال: هذا كتاب عبد الملك إليّ، ولم يخصَّني(7)بهذا دون غيري من نظرائي، فأطعني فيهم. قال: أصنعُ ماذا؟ قال: تدعو بهم فتضرب أعناقَهم. قال: أقتلُهم على ظنٍّ ظننته؟ قال: فأوقِرْهم حديداً، وابعث بهم إلى أبيض(8)المدائن حتى تنقضي الحربُ. قال: إذا تفسُد قلوب عشائرهم، ويقولُ الناسُ: عبث مصعبٌ بأصحابه. قال: فإنْ لم تفعل واحدةً من هاتين فلا تَمُدّني بهم، فإنهم كالمُومِسةِ تُريد كلَّ يوم خليلاً، وهم يُريدون كلَّ يومٍ (177 ظ /) أميراً. وأرسلَ عبدُ الملك رجلاً إلى مصعب فقال: أقرىء ابنَ أختِك السَّلامَ، وقلْ له: يَدَعُ أنْ يدعوَ إلى أخيه، وأدَعُ أنْ أدعو إلى نفسي، وأصيّر الأمر شوری(9). فأتاه فأبلغه فأبىٰ، فقدّمَ عبد الملك أخاه محمّد بن مروان، وقال: اللهمّ
1) مسکن: موضع على نهر دجيل عند دیر الجاثليق به كانت الوقعة بين مصعب وعبد الملك، فقتل مصعب وقبره هناك معروف. وأوانا: بليدة كثيرة البساتين والشجر نزهة من نواحي دجيل بغداد من جهة تكريت. (ياقوت).
2) سقطت كلمة (العسكرين) من ب.
3) سقط من ب ابتداءً من (وبشر).
4) في الأغاني: جيش.
5) هو إبراهيم بن الأشتر النخعي سيد النخع وفارسها، قتل مع مصعب سنة اثنتين وسبعين. (العبر 81/1).
6) خبر الرسالة في الأغاني 162/17 والكامل في التاريخ 325/4.
7) في الأغاني: لم يخصصني.
8) في الأغاني: أرض المدائن.
9) في الأنساب: فقال مصعب: قل له: السيف بيننا.
انصر محمداً، اللهمّ إن مصعباً يدعو إلى عبد الله وأدعو إلى نفسي، اللهمّ انصرْ خيرَنا لهذه الأمّةِ. وقدَّم مصعبٌ إبراهيم بن الأشتر(1)فالتقت المقدَّمتان، وبين عسكر مصعب وبين ابن الأشتر فرسخٌ، ودنا عبد الملك(2)فصار بينه وبين عسكر محمد، فتناوَشوا، فقُتِل رجل على مقدَّمة محمد يقال(3)له: فِرَاسٌ. وقُتل صاحب لواء بِشرٍ، وكان يقال له: أسيدٌ. فأرسلَ محمدٌ إلى عبد الملك رجلاً، فقال: قل له إن بِشراً ضيَّعَ لواءَه، فصيَّرَ عبدُ الملك الأمرَ إلى محمد، وكفَّ الناسُ، وتواقفوا، وجعل أصحابُ ابن الأشتر يَهمّون بهم(4)، ومحمّد يكفّهم، فأرسل عبد الملك إلى محمد: ناجزهم. فأبىٰ، فردّ إليه رسولاً آخر يشتمُ محمداً. فأمرَ محمدٌ رجلاً فقال: قف في ناسٍ من أصحابك، فلا تَدَعَنَّ أحداً يأتيني من قِبَل عبد الملك. فوجَّه عبد الملك خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فلما رأوه أرسلوا إلى محمد: هذا خالدٌ بن الله بن عبد خالد بن أسيد. فقال: ردّوه بأشدّ ما رَددتم به مَن كان قبله. فلما كان قرب المساء. قال محمدٌ للناس: حرِّكوهم(5). فتهايج الناسُ، ووجّه مصعبٌ إلى إبراهيم عتّابَ بن ورقاء الرياحيّ(6)، فعجَّز إبراهيم بن الأشتر (178 و /) قال: قد قلتُ له: لا تمدني بأحدٍ من هؤلاء. واقتتلوا، وأرسل إبراهيم بن الأشتر إلى الناس(7)، فقال: لا تنصرفوا حتى ينصرفَ أهلُ الشام عنكم. فقال عتّابٌ: ولِمَ لا ننصرف؟ فانصرفَ، وانهزمَ الناسُ حتى أتوا مصعباً، وصبر إبراهيمُ بن الأشتر حتى قُتل، فلمّا أصبحوا أمرَ محمدٌ رجلاً فقال: انطلق إلى عسكر مصعبٍ، فانظر كيف تراهُم بعد قتل ابنِ الأشتر.
1) سقط قوله (إبراهيم بن الأشتر) من ب.
2) سقط من ب ابتداءً من (فرسخ).
3) سقط من ب ابتداءً من (على مقدمة).
4) في ب: به. وفي الأغاني: يهمون بالحرب.
5) في المجلة: احركوهم.
6) كنيته أبو ورقاء. وكان من أجود العرب، وكان الفرخان صاحب الريّ كفر فوجه إليه فقتله وفتح الري، وولي إصبهان في فتنة ابن الزبير. وولي المدائن وناحيتها. وأرسله الحجّاج سنة ست وسبعين لحرب شبيب الشيباني الخارجي فقتله شبيب. (المعارف 415 والشذرات 83/1).
7) في المجلة والأغاني: إلى الناس بحضرة الرسول ليرى خلاف أهل العراق عليه في رأيه أن لا تنصرفوا ...
قال: لا أعرفُ موضع عسكرهم. فقال له إبراهيمُ بن عربيّ الكِنانيُّ: انطلق، فإذا رأيتَ النخلَ فاجعله منك موضعَ سيفك يعني(1)يساركَ، فانطلقْ حتى تطلعَ على العسكر. فمضى الرجلُ حتى أتى عسكرَ مصعب. ثم رجعَ إلى محمد فقال: رأيتُهم مُنكسرين. وأصبحَ مصعبٌ فدنا، ودنا منه محمدٌ حتى التقوا، فترك قومٌ من أصحاب مصعبٍ مصعباً، وأتوا محمّداً(2)فدنا محمدٌ فقال لمصعب: فداك أبي وأمي، إنّ القومَ خاذلوك فأبىٰ. فدعا ابنَه عيسى(3)فقال له: انظر ما يريدُ محمدٌ. فدنا فقال: إني لكم ناصحٌ، إنّ القومَ خاذلوكم، ولكَ ولأبيك الأمانُ. وناشدَه، فرجع إلى أبيه فأخبرَه. فقال: إني أظنُّ القومَ سَيَفُونَ، فإنْ أحببتَ أنْ تأتيَهم فأتِهم(4). فقال: لا تُحدَّثُ نساءُ قريشٍ أني خذلتُك، ورغبتُ بنفسي عنك. قال: فتقدَّمْ حتى أحتسِبَك. فتقدّمَ، وتقدّمَ ناسٌ معه، فقُتل وقُتلوا، وترك الناسُ مصعباً حتى بقي في سبعةٍ، وجاء رجلٌ من أهل الشام ليحتزَّ رأس عيسى، فشدَّ عليه مصعبٌ فقتله، ثم شَدَّ (178 ظ /) على الناس فانفرجوا، ثم رجع فقعد على مِرْفَقة ديباجٍ، ثم جعلَ يشدُّ على أهل الشام، فينفرجون عنه، ثم يرجعُ فيقعد على المِرفقة، حتى فعلَ ذلك مراراً وأتاه عُبيد الله بن زياد بن ظَبْیان(5)، فدعاه إلى المبارزة، فقال: اغرُبْ يا كلْبُ(6). وشدّ عليه مصعبٌ فضربه على البَيْضة، فهشمها، وجرحَه، فرجع عبيد الله، فعصبَ رأسَه، وجاء ابنُ أبي فروة (7)، مولى عثمان، وكان كاتباً لمصعب، فقال لمصعب: جُعلتُ فداك، فقد تركَكَ الناسُ، وعندي خيلٌ مُقدَّحةٌ فاركبها وانجُ بنفسكَ(8).
1) سقط قوله (سيفك يعني) من ب والأغاني.
2) سقط من ب ابتداءً من (مصعباً).
3) سقط من ب ابتداءً من (فأبى).
4) في الأغاني: القوم سبقونا. وفي الأنساب: تأتيهم فافعل.
5) عبد الله بن زياد بن ظبيان التيمي العائشي، كان أفتك الناس، وأخطب الناس كنيته أبو مطر. (انظر أخباره في البيان والتبيين 325/1).
6) في أنساب الأشراف: يا كلب اغرب. مثلي يبارز مثلك لعمري لقد ألجأني الدهر إلى مبارزتك.
7) في أنساب الأشراف: عبد الله بن أبي فروة.
8) في أنساب الأشراف: .. تركك الناس وهذا الرجل - يعني عبد الملك. مستديم لك، لعلك تقبل أمانة وعندي خيل مقدّحة فاركب أيها شئت وانج بنفسك.
فدثَّ(1)في صدره، وقال: ليس أنا كالعبد أخيك(2). ورجع ظَبيانٍ إلى مصعبٍ، فحملَ عليه، وزرقَ زائدةُ بن قدَامةَ(3)مصعباً، ونادى: يا لَثارات المختار، فصرعه. وقال عبيد الله لغلامٍ له ديلمي: احتَز رأسَه. فنزل فاحتزَّه(4). فحمله عبيدُ الله إلى عبد الملك(5).
وقال يزيد بن الرِّقاع العامليُّ(6)
لعمري لقد أصحرت خيلنا *** بأكناف دجلة للمصعب
وهذا يرجح أن يكون هو صاحب البيتين المذكورين في الموفّقيات. (انظر نسب قريش 284/5 و 342 والأغاني 178/8).
، وكان شاعرَ أهل الشام يذكرُ قتلَ مصعبٍ، وإبراهيم ومسلم(7):ونحن قتلنا ابنَ الحواريّ مصعباً *** أخا أسدٍ والمذحجيّ اليمانيا(8)
1) الدثّ: الرمي المقارب من وراء الثياب. والضرب المؤلم. والدفع.
2) في ب: وقال: العبد أخوك.
3) زائدة بن قدامة الثقفي. ابن عم المختار، وأحد قادته في حروبه. بعثه سنة ست وسبعين لحرب شبيب بن قيس الخارجي فقتله شبيب. (انظر شذرات الذهب 83/1).
4) في الأنساب وضربه عبيد الله بن ظبيان حتى مات. ويقال: إن ابن ظبيان ضربه وزرقه زائدة أو رماه ونادى يا لثارات المختار فسقط ميتاً واحتز ابن ظبيان رأسه. ويقال: بل أمر غلاماً له ديلمياً فاحتز رأسه. وفي الطبري 158/6 وأثخن مصعب بالرمي، ونظر إليه زائدة فشدّ عليه فطعنه وقال: يا لثارات المختار. فصرعه ونزل إليه عبيد الله بن زياد فاحتز رأسه.
5) سقط اسم (عبد الملك) من ب.
6) في أنساب الأشراف. وقال عدي بن الرقاع العاملي ولكنه في موضع آخر ينسبهما مع بيتين آخرين للبعيث اليشكري. وكذا في الطبري 160/6 مع ثلاثة أبيات. وفي الأغاني: يزيد بن الرقاع العاملي أخو عدي بن الرقاع. ولم أر ترجمة ليزيد بن الرقاع. أما عدي فهو شاعر بني أميّة عدي بن زيد بن مالك بن عدي بن الرفاع العاملي. وكان شاعراً مقدماً عند بني أمية مداحا لهم خاصاً بالوليد بن عبد الملك وكان منزله بدمشق وهو القائل في الوقعة التي كانت بين عبد الملك بن مروان ومصعب من قصيدة طويلة.
7) إبراهيم: هو إبراهيم بن الأشتر الذي ترجمناه من قبل. ومسلم: هو مسلم بن عمرو الباهلي، كان من صنائع معاوية وابنه يزيد وكان في ذلك اليوم في جيش مصعب فأتى به عبد الملك، وقد أخذ له منه الأمان. فقيل له أنت ميت لا ترجو الحياة لما بك من الجراح فما تصنع بالأمان. قال: ليسلم مالي ويأمن ولدي بعدي، فلما وضع بين يدي عبد الملك قال: قطع الله يد ضاربك كيف لم يجهز عليك أكفرت صنائع آل حرب عندك؟ فآمنه على ماله وولده. ومات من ساعته. (مروج الذهب 250/5).
8) في الطبري وأنساب الأشراف: نحن قتلنا مصعباً وابن مصعب. والنخعي اليمانيا.
ومرّتْ عُقابُ الموت منّا بمسلمٍ *** فأهوت له ظفراً فأصبح ثاويا(1)
قال أبو عبد الله الزبير: وهذا الشعرُ يُروىٰ للبَعيث اليشكري(2).
وقال عُبيد الله بن قيس الرقيّات(3)يرثي مصعباً، ويذمّ أهل العراق من بكرٍ وتميمٍ(4):
لقد أورثَ المِصْرَين خزياً وذِلّةً *** قتيلٌ بدَير الجَاثِليق مُقيم(5)
فما قاتلتْ في اللهِ بكرُ بنُ وائلٍ *** ولا صبَرَتْ عند اللقاءِ تميمُ(6)
فلو كان قيسيًّا تعطّفَ حوله *** كتائبُ تَردي تارةً وتحوم(7)
ولو كان بكريّا تعطّف حوله *** كتائب يغلي حميمها ويدوم
ولكنّه رامَ القيامَ فلم يكن *** بها مُضريٌّ يومَ ذاك كريم(8)
وقال ابنُ قيس الرقيّات أيضاً(9):
إنّ الرزيّةَ يومَ مَسْكِنَ والمصيبةَ والفجيعه
يابنَ الحواريِّ الّذي *** لم يَعْدُهُ يومُ ال-وقِيعَه(10)
يا لهفِ لو كانت له *** بالدَّيْرِ يوم الدَّيْر شيعه(11)
1) في الطبري والأغاني: منا بمسلم، وفي الأنساب: قصداً بمسلم.
2) كذا في الأغاني برواية الزبير أيضاً، وفي نسب قريش.
3) اختلف في اسمه فقيل عبد الله وقيل عبيد الله وقد استوفى تحقيق ذلك البغدادي في خزانته 366/3 فلينظر هناك وهو ابن قيس بن شريح بن مالك وله أخ اسمه عبد الله وإنما سمى الرقيات لأنه شبب بثلاث نسوة يقال لهن جميعاً رقية وقيل لأن جدات له توالين يسمين رقية. شاعر غزل، وكان انقطاعه إلى آل الزبير فمدح مصعباً وهجا عبد الملك. (نسب قريش 435 وابن سلام 529 والأغاني 155/4).
4) الديوان 196.
5) في الأصل والمجلة: حزناً وذلة. ويعني بالمصرين: البصرة والكوفة.
6) في الديوان: فما نصحت الله.
7) في الديوان:
8) في الديوان: ولكنه ضاع الدمام ولم يكن.
9) الديوان 184.
10) في الديوان: أهل الوقيعه.
11) في الديوان .... بالطفّ يوم الطف شيعه.
قال أبو عبد الله الزبير: وقد ذكرنا في كتاب النسب من مراثيه شيئاً، ونحن ذاكرون ما لم نذكره في كتاب النسب(1).
أسيد، ويمدحُ آل الزبير، ويذكرُ صبرَهم في الحرب(3):
هلّا صبرتُم بني السوداءِ أنفسكم *** حتى تموتوا كما ماتت بنو أسد
حامت بنو أسد عن مجدِ أوّلها *** وأنتم كنعام القاعة الشّرد(4)
فأبلغ مصعباً عنّي رسولاً *** ولا تلقى النصيحُ بكلِّ وادٍ(7)
تعلّم أنَّ أكثرَ مَنْ تُناجي *** وإنْ أدنيتَهم فهمُ الأعادي
وابن الزبير الأسدي، شاعر أموي أيضاً كان من شيعة بني أميّة وذوي الهوى فيهم والتعصب والنصرة على عدوهم فلما غلب مصعب على الكوفة أتى به أسيراً، فمنّ عليه، ووصله وأحسن إليه فمدحه وأكثر وانقطع إليه فلم يزل معه حتى قتل مصعب ثم عمي بعد ذلك ومات في خلافة عبد الملك. وظروف حياته أقرب إلى روح الأبيات المذكورة من ظروف حياة الأقيشر. جمع شعره الدكتور يحيى الجبوري. بغداد 1974. (ترجمته في الأغاني 33/13).
1) سقط سطر من ب.
2) الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. قتل جده العاص في بدر مشركاً، عاش في عصر بني أميّة، وهو من شعراء قريش المعدودين، وأكثر شعره في الغزل. ولّاه يزيد بن معاوية مكة. (انظر أخباره في الأغاني 100/3).
3) البيت الأول فى أنساب الأشراف 343/5.
4) في ب: مجد سيدها .. كنعام القارع النرد. والقاعة: موضع.
5) سويد بن منجوف بن ثور السدوسي، كان من مقربي، مصعب، ووصف بأنه خفيف اللحية ليس بذي منظر، وقد هجاه الأخطل وكذا جرير. (انظر الطبري 511/5 والأغاني 184/7 والشعر والشعراء 398).
6) البيتان في أنساب الأشراف أيضاً.
7) في الأنساب: ألا أبلغ. وفي المجلة والأنساب: ولن تلقى.
8) في الأنساب: وقال الأقيشر في أبيات له. ويقال: ابن الزبير. وفي الكامل في التاريخ 334/4 وقال عبد الله بن الزبير الأسدي في إبراهيم بن الأشتر.
والأقيشر هو المغيرة بن عبد الله بن معرض بن عمرو الأسدي، والأقيشر لقب له لأنه كان أحمر الوجه أقشر. وعمر عمراً طويلاً فكان أقعد بني أسد نسباً. وهو شاعر كوفي خليع ماجن مدمن لشرب الخمر. قال عنه عبد الملك: وأشعر الناس الأقيشر جمع أخباره وأشعاره الطيب العشاش 1971. (ترجمته في الأغاني 84/10).
سأبكي وإن لم يَبكِ فتيان مذحج *** فتاها إذا الليل التمامُ تأوّبا(1)
فتىً لم يكن في مِرَّةِ الحربِ خاملاً *** ولا بمطيع في الوغىٰ مَنْ تهيَّبا(2)
(179 ظ /)
أمالَ بخوّار العِنَان لِجَامه *** وقال لمنْ خفّت نعامتُه اركبا(3)
أبانَ أنوفَ الحيِّ قحطانَ قتلُهُ *** وأنفَ نِزارٍ قد أبانَ فأوعبا(4)
فمن كان أمسىٰ خائناً لأميره *** فما خانَ إبراهيمُ في الحرب مُصعباً(5)
وصبر معه يحيى بن مبشِّر، أحدُ بني ثعلبة بن يَربوع التميمي(6): حتى قُتل. فقال أبو السفّاح بُكير بن مَعْدَان بن عميرة بن طارق اليربوعيّ يَرثي يَحيى، ويَذكر صبرَه حين قُتِل(7):
صلى على يحيى وأشياعِه *** ربٌّ غفورٌ وشفيعٌ مطاعْ
يا سيّداً ما أنتَ من سيّدٍ *** مُوَطَّأ البيتِ رحيبِ الذِراعْ
قوَّالِ معروفٍ وفعَّاله *** عَقَّارِ مَثنى أمهاتِ الرِّباعْ
الواضعِ الشِّيَزىٰ لأضيَافه *** كأنها أعضاد نهيٍ بِقاعْ(1)
يعدو فلا تكذبُ شَدَّاتُه *** كما عدا الليثُ بوادي السِّباعْ
يجمعُ حِلماً وأناةً معاً *** ثمَّتَ يَنبَاعُ انبياعَ الشُجاعْ
لمّا جفا المصعبَ خُلّانُه *** أدّى إليه الليلُ صاعاً بصاعْ
من لم یکن ساء فقد ساءني *** تركُ أبَيْنَيكَ إلى غير راعْ
إلى أبي طلحةَ أو واقدٍ وذاك عندي حَقٌّ عَين الضِياع
أبو طلحة وواقدٌ مولَيَان ليحيى كان أوصى إليهما، وأبو طلحة هذا جَدُّ أبي النضر يحيى بن كثير صاحب الحسن البصريّ، وكان يحيى بن مبشِّر من بني ربيعة (180 و /) بن حَصَبَة بن أرقم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع. وكان من أشراف أهل البصرة وكان خليفة بن حصن الثعلبيّ صاحبَ شُرط ابن زياد بالبصرة، فلما أتي عبد الملك برأسهِ لم يعرفه، فسأل عنه أصحابَه، فعرفه الحكمُ بن نُهيك الهُجيميّ فقال: يا أميرَ المؤمنين، هذا - والله - الوفيُّ الكريم، هذا يحيىٰ بن مبشِّر اليربوعيّ، فأمرَ بهِ فأُجِنّ، فقال جريرٌ بن الخطفىٰ يَرثيه(2):
صلّى الإلهُ عليك يا ابن مبشّرٍ *** إمّا ثَويْتَ بملتقى الأجناد(3)
والخيلُ ساطعةُ الغبار كأنها *** قصَبٌ يُحرَّق أو رعيلُ جَراد
ثبْتُ الطَّعان إذا الكماةُ أزلّها *** عَرَقُ المَنون يجُلن بالألباد
مأوىٰ الجياع إذا السنونُ تتابعت *** وفتى الطّعان عشيّة العصواد(4)
وهو سالم بن وابصة بن عبيد بن قيس بن كعب الأسدي شاعر فارس من شعراء عبد الملك بن مروان: (انظر المؤتلف والمختلف 303).
ويذكرُ(1)قتلَه إبراهيمَ ومصعباً(2)
والأبيات 4، 6، 7، 11 في شرح الحِماسة للمرزوقي 1792.
:أبلغ أميرَ المؤمنين رسالةً *** ليس المحامِرُ كالجَواد المُسَهب(3)
المحامر: الحصان سمن حتى صار كالحمار.
المسهب: الفرس الواسع الجري. الشديد.
فاذكر ولا تجعل بلاء محمّد *** والخاذليك لَدى الحَروب كجُندَب(4)
يُدعا إذا ما الجيش أحسِنَ أدمُه *** وإذا يكونُ كريهُه لم يُندب(5)
لا تجعلنَّ مؤثّلاً ذا أسرَةٍ *** ضخماً سرادقُه وطيء المركب(6)
لا تجعلن مندّياً ذا سرّة *** ضخماً مناكبه عظيم الموكب
وفي الأنساب: لا تجعلن مؤنّثاً ذا سرّة.
يغدو إذا ما الحربُ أطفِيءَ نارُها *** ويروحُ مَزهوّاً عظيمَ الموكب
كأغرَّ يتّخذُ السيوفَ سُرادقاً *** يمشي برايته كمشي الأنكب(7)
(180 ظ /)
فتح الإلٰهُ بشدَّةٍ لك شدَّها *** ما بين مَشرِقِها وبين المغرب
لما لقينا أهلَ مسكِنَ غُدوةً *** كالطَودِ في متهوّل مُتنكّب
تعدو جيادُهُم بكلِّ مُقصَّصٍ *** جُددِ الثياب وحنظلي مُذنَب(8)
ومُحَزّزينَ لِحاهُم خشبيَّةٍ *** قتلاهُم مجهولةٌ لم تُنسب
1) سقط قوله (مروان ويذكر) من ب.
2) الأبيات 1 - 6، 11، 12 في أنساب الأشراف 344/5 و 4، 5 في المؤتلف والمختلف 302.
3) في الأنساب: ليس المبلد كالجواد.
4) في الأنساب: والخاذلية. وفي المجلة: لدى الحرور.
5) في الأنساب: تكون عظيمة.
6) في المؤتلف:
7) في المرزوقي: بشدّة قد شدّها. والأنكب: المتطاول.
8) مقصقص: غليظ أو قصير أو عظيم الصدر.
والىٰ ابنُ مروان الأغرُّ محمد *** ما بين أشترهم وبين المصعَب(1)
نفسي فداؤك يومَ ذلك من فتىً *** يكفي بمشهدِه مكانَ الغُيَّب(2)
لمّا أتيَ عبد الله بن الزُبير بقتل مصعب بن الزبير أضربَ عن ذكرهِ أياماً، حتى
تحدَّث به إماءُ مكة في الطُرق، ثم صعَد المنبَر، فجلسَ مليًّا لا يتكلّمُ، فنظرتُ إليه، فإذا بدو الكآبةِ على وجههِ، وإذا حبينُه يَرشَحُ عرَقاً. فقلتُ لآخرَ إلى جَنبي: مالهُ، أتُراهُ يهابُ المنطقَ؟ فوالله إنه خطيبٌ أريبٌ، وإنه لتَهونُ عليه دُهاةُ الرجال عند الجِدالِ والنزالِ فما يهابُ؟
قال: أراهُ يُريد ذكرَ مقتلِ سيِّدِ العَرب المصعب، فهو يُقطعُ بذكره، وغيرُ ملوم. فقام فقال(4): الحمدُ للهِ الذي له الخَلْقُ والأمرُ، ومُلكُ الدنيا والآخرة، يُؤتي المُلكَ مَنْ يَشَاءُ، ويَنْزِعُ المُلْكَ ممّن يشاءُ، ويُعِزّ مَنْ يشاءُ، ويُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ. ألا(5)وإنه يُذلِل اللهُ - عزّ وجلّ - مَنْ كان (181 و /) الحقُّ، معه، وإنْ كان فرداً لا ناصرَ له(6)، ولم يُعزز اللهُ مَنْ كان أولياءُ الشيطانِ معه، وإنْ كان في العَدد والعُدّة والكثرة(7). وقال ابن الكلبيّ: وإن كان الأنامُ طُرّاً معه.
[إنه](8) أتانا خبرٌ من العراقِ أهلِ الغدرِ والشِّقاقِ، سَرَّنا وساءَنا، أتانا أنّ مُصعباً قُتلَ - رحمة الله عليه ومغفرته - فأما الذي أحزننا من ذلك، فإنّ لِفراقِ الحميمِ
1) في ب: بين ابن أشترهم. وفي المرزوقي: جمع ابن مروان.
2) في ب: بمشهدهم. تحريف. وفي الأنساب: حضور الغيّب.
3) في ب: جناب.
4) الخطبة في جمهرة خطب العرب 175/2 وفيها مراجع تخريجها.
5) في الجمهرة: أما بعد.
6) في الجمهرة: مفرداً ضعيفاً.
7) في الجمهرة: فإنه لم يعز من كان الباطل معه وإن كان معه الأنام طرّاً.
8) سقطت من الأصل والمجلة.
لذعَةٌ، يجدُها حميمُه عند المصيبةِ، ثم يَرْعَوي من بعدُ ذو الرأي والدِّين إلى جميلِ الصبر(1)، وأمّا الذي سرَّنا من ذلكَ فإنّا قد علِمنا أنّ قتلَه شهادةٌ، وأن اللهَ - جلّ ثناؤه - جاعِلٌ(2)لنا وله ذلك خَيْرَةً - إن شاء الله - إنّ أهلَ العراق أسلموهُ وباعوه بأقلِّ ثمنٍ كانوا يأخذونَ منه، وأخبثهِ(3)، أسلموه إسلام النَّعَام المخطَّم(4)فقُتل، ولئنْ قُتلَ لقد قُتِلَ أبوه وعمُّه وأخوه(5)
وأخوه: هو المنذر بن الزبير. وهو يتلو عبد الله في السن، وكان مع أخيه حتى قتل في حصار حين بن نمير وهو حصار ابن الزبير الأول سنة أربع وستين.
وعمّه: عبد الرحمٰن بن العوّام. استشهد في معركة اليرموك.
، وكانوا الخيارَ الصالحين، إنّا - والله - ما نموتُ حَبْجاً(6)، ما نموتُ إلّا قتلاً، قتلاً، قعصاً قعصاً بين قَصدِ الرّماح، وتحت ظِلال السيوف، ليس كما يموتُ بنو مروان، واللهِ ما قُتلَ منهم رجلٌ في جاهليّةٍ ولا إسلامٍ قطّ. إنما الدنيا عاريةٌ من الملِك القهّارِ، الذي لا يزولُ سُلطانُه ولا يَبيد مُلكُه، فإنْ تُقبل الدنيا عليَّ لا آخذُها أخذَ الأشِرِ البطِر، وإنْ تُدبر عنّي لا أبكِ عليها بكاءَ الخَرِف المُهتِر.فقال له رجلٌ من عَدْوان، من أهل المدينة، يأمرُه بالصبر والجِدِّ في مناهضة عدوّه: (181 ظ /)
لئن مُصعبٌ خلّىٰ عليكَ مكانَه *** لقد عاش عند الناسِ غيرَ مُليم
وإنْ مصعبٌ خلّاك والحربَ بعده *** فأنت لدى الهيجاء غيرُ سَؤوم
فشمِّر إلى الأعداء وانهض بقوةٍ *** فإنك عند البأس غيرُ ذَميم
وثِقْ بوليِّ المؤمنين فإنّما *** يُحامي على الأحساب كلُّ كريم
1) في الجمهرة: وكريم العزاء.
2) في ب: عاجل. تحريف.
3) في المجلة: وأخفه.
4) في الجمهرة: النعم المخطّمة. والمخطم: الذي يوضع على أنفه الخطام، وهو ما يقتاد به.
5) أبوه: الزبير بن العوام قتل بعد اعتزاله أصحاب الجمل في طريقه إلى وادي السباع من قبل عمرو بن جرموز. وهو قائم يصلي.
6) الحبج: البغتة. والقعص: أصابته ضربة أو رمية فمات.
رحِمَ اللهُ مُصعباً إنهُ ما *** ت كريماً وعاش فينا كريما(3)
يرحم الله مصعباً فلقد *** مات كريماً ورام أمراً جسيما
طَلبَ المُلكَ ثم ماتَ حفاظاً *** لم يعشْ باخلاً ولا مَذموما(4)
ليت مَن عاش بعده من بني العوامِ ماتوا وعاش فينا سليما
لن ترى مثلَه لدى الدهرِ نَدّاً *** أو تُزيلُ الرياحُ ذرواً يسوما(5)
کم له من يدٍ على الناس بيضا*** ءَ قد أحيا بها عِظاماً رميما
ویدٍ غادرت حريباً سليباً *** ذا غناءٍ فعادَ وَغداً لئيما
وكان أبو العبّاس يهجو آل الزبير غيرَ مصعب، فإنه كان يمدحه، ويمدحُ بني أميّة، فدخل على عبد الملك بعد قتل مصعبٍ، فسأله عن قوله فيه. فقال: اعفني(6). قال: هات فلسنا نتهمُك فأنشده هذه الأبيات، فقال له:وصدقت(7)، هو كما و صفت(8):
ولكنّه رامَ التي لا ينالُها *** من الناس إلّا كلُّ خِرْقٍ مُعمَّم(9)
1) هو السائب بن فروخ، مولى جذيمة بن عليّ بن الدئل، من شعراء بني أميّة المعدودين المقدمين في مدحهم والتشيّع لهم وانصباب الهوى لهم توفي بعد سنة 126. (الأغاني 59/15 ونكت الهميان 153).
2) البيت الأول والثاني في أنساب الأشراف 349 والأول في الأغاني 62/15.
3) في الأنساب أنه عاش جواداً وكان فينا كريماً وفي الأغاني:
4) في الأنساب: مات فقيداً.
5) يسوم: جبل في بلاد هذيل. وقيل جبل قرب مكة لا ينبت فيه غير النبع والشوحط ولا يكاد أحد يرتقيه.
6) سقط قوله (فقال أعفني) من ب.
7) سقط قوله (قال له صدقت) من ب.
8) الخبر والبيت الأول في الأغاني 62/15 والخبر بغير الشعر الذي تمثل به عبد الملك في أنساب الأشراف 349/5.
9) الخرق السيّد السخي كالخريق.
أراد أموراً لم يُردها إلٰهُهُ *** فخرَّ صريعاً لليدين وللفم(1)
لعمرُكَ إنّ الموتَ منّا لمولَع *** بكلِّ فتىً رحْبِ الذراع أريب
فإن يك [أمسى](2)مصعبٌ نال حتفَه *** لقد كان صُلْبَ العُود غيرَ هَيوب
جميلَ المحيا يَرهبُ القِرنُ درأَه *** وإِنْ عضَّه دهرٌ فغير قَطوب(3)
أتاه حِمامُ الموت وسْطَ جنوده *** فطاروا سلالاً واستقى بذَنوب(4)
ولو صبروا نالوا الحياةَ وسؤدداً *** ولكنّهم طاروا بغير قلوب(5)
نحن قتلنا ابنَ الحواريّ مُصعبا *** أخا أسدٍ والمذحجيّ اليمانيا
وألوت عُقابُ الموتِ منا بمُسلمٍ *** فأهوت له ظُفراً فأصبح ثاويا
سقينا ابن سيدانٍ بكأسٍ رَويّةٍ *** كفتنا وخيرُ الأمر ما كان كافيا(7)
ومرّت على الجبّار منّا سَحابةٌ *** سقتْه ذعافيًّا من الموت قاضيا
طواغيتُ همْ كانوا الصناديد إذ بدَتْ *** نواجدُ حربٍ تُمطِرُ الموتَ صافيا
سقينا بني العوّام كأساً مريرةً *** مُسكِّرةً أمست عليهم أمرَّتِ(8)
1) الأبيات في الأغاني 166/17.
2) ما بين الحاصرتين تكملة من الأصول الأخرى.
3) في ب: داره. وفي الأغاني: يوهن القرن غربه .... فغير هيوب.
4) في المجلة: شلالاً. وسلال: أي منسلّون وهم الهاربون خفية.
5) في الأغاني: نالوا حباً وكرامة. ولكنهم ولوا.
6) أورد ابن بكار البيتين الأول والثاني قبل قليل فانظر التخريج هناك في الخبر رقم 348.
7) ابن سيدان: هو مطرّف بن سيدان الباهلي أحد بني جثارة ولّاه المصعب شرطة العراق. (نسب قريش 284/5).
8) نصف الشطر الثاني بياض في ب.
لِما اكتسبتْ أيديهمُ وصدورُهم *** مَرَيْنا لهم حرباً عَواناً فدرّتِ
إذا ما رجَوْا أنْ تخمُدَ الحربُ عنهمُ *** شببْنا لهم نيرانَها فاستعَرَّتِ
بفتيانِ حربٍ لقحوها فأصبحت *** أصابت بني العوام حتى أضرَّتِ(1)
(182 ظ /)
أقمنا لهم سُوقاً بها قد تسوءهُمْ *** وقد نبحتْ منها قريشٌ وهرّتِ
إنّ الألى بالطَّفِّ من آل هاشمٍ *** تأَسَّوْا فسَنُّوا للكِرام التَّأَسِّيَا(4)
قال عروة: فعرفتُ أنَّ مصعباً لا يفرّ أبداً، فكان كذلكَ.
ولما أجمع عبدُ الملك السَيرَ إلى مصعبٍ نهتْه عاتكةُ بنتُ يزيد، فأبىٰ عليها، فلمّا رأتْ جِدَّه في الخروج بكتْ(6)، فتمثَّلَ عبدُ الملك بشعر كُثيّر(7):
إذا ما أرادَ الغزو لم تُثنِ همَّه *** حَصَانٌ عليها نَظمُ دُرِّ يزَينُها(8)
1) في ب: بفتيان صدق.
2) في ب: عليهما السلام. وعروة هذا كنيته أبو يعفور وقد استخلفه الحجّاج على الكوفة سنة 75 و 76. (الطبري 210/6، 240).
3) الخبر والبيت في الأغاني 165/17 وأنساب الأشراف 344/5. والطبري 156/6 والكامل 326/4 ولم ينسب البيت فيهما. والبيت في اللسان (أسى) من غير نسبة وفيه: التآسيا.
4) الطفّ: أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كانت وقعة الطفّ المعروفة التي استشهد فيها الحسين بن علي رضي الله عنه. (ياقوت).
5) الخبر والشعر في أنساب الأشراف 37/5 والكامل في التاريخ 324/4.
6) في الأنساب: وبكى جواريها. وفي الكامل: وبكى جواريها لبكائها. فقال: قاتل الله كثير عزة لكأنه يشاهدنا حين يقول.
7) الديوان ص 242.
8) في الأنساب: لم يثن رأيه. وفي الديوان: عزمه. وفي الكامل: عقد در.
نهتهُ فلمّا لم تر النهيَ عاقَهُ *** بكتْ فبكى ممّا عراها قطينُها(1)
إنّ زيادَ بن عمرو العَتكيّ(3)غدر بمصعبٍ، ولحِقَ بعبد الملك، فأقطعَه، ولما بلغ عبدَ الله بن خازم السَلَميّ(4)قتلُ مصعب. قال: أَشَهِدَهُ المهلّبُ بن أبي صُفرةَ؟ قالوا: لا. قال: أفشهدهُ عمر بن عبيد الله بن مَعْمَر؟ قالوا: لا. فقال:
خُذيه فجرِّيه سباعُ وأبشري *** بلحمِ امرىءٍ لم يشهد اليومَ اصرُه(5)
وفي الطبري والكامل: خذيني فجريني جعار وأبشري.
وفي الأنساب: خذيني فجريني ضباع.
ثم قال:
هُمامان لو دارت رحا الحربِ بَرْكَها *** لقاما ولو كان القيامُ على الجمر(6)
وفي المجلة والأنساب: قلوبهما حكّت وفي الأنساب: على رجل.
1) في الأنساب: مما شجاها. وفي الكامل: مما عناها. وقطين: خادم.
2) الخبر والشعر في الطبري 158/6 وأنساب الأشراف 345/5 والكامل في التاريخ 332/4.
3) هو زياد بن عمرو بن الأشرف العتكي الأزدي، رأس الأزد بعد مسعود. (الاشتقاق 284 وانظر العبر 80/1).
4) هو عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت أبو صالح، الأمير المشهور. يقال له صحبة. كان من أشجع الناس وولي خراسان عشر سنين، ولما وقعت فتنة ابن الزبير كتب إلى ابن خازم فأقره على خراسان فبعث إليه عبد الملك فلم يقبل فلما قتل مصعب بعث إليه عبد الملك برأسه فغسله وصلى عليه، وكان شاعراً. (الإصابة 292/3).
5) في ب: ناصره.
6) البيت غير موجود في الطبري والكامل.
7) الخبر في الأغاني 166/17 وبالسند نفسه.
8) یوم السبخة، كان بين الحجّاج وشبيب بن يزيد الخارجي عام 77 في موضع قرب الكوفة يقال له يوم السبخة. (انظر الطبري 257/6).
يوسف يُريد شَبيباً، الحروريّ، قال له الناسُ: أصلح الله الأمير لو تنحَيْتَ عن هذه العَذِرَة. فقال لهم الحجّاجُ: ما تُنحونَني إليه أنتن. والله ما ترك مصعبٌ لكريم مفرًّا. ثم تمثّلَ بيتاً قاله كَلْحبةُ العَرْنيّ(1)
وكلحبة لقب له واسمه هبيرة بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع. أحد فرسان تميم وسادتها. وشاعر محسن. (المؤتلف والمختلف 264 والخزانة 187/1).
والبيت له من قصيدة في المفضليات 4/1، ورغبة الأمل /18/1 والخزانة 188/1.
:إذا المرءُ لم يغشَ المكاره أوشكتْ *** حِبالُ الهُوينَي بالفتى أن تَقَطَّعا(2)
ألا مَنْ لهمٍّ آخرَ الليل مُنصِب *** وأمرٍ جليلٍ فادحٍ لي مُشَيِّب
أرِقتُ لِما قد غالني وتبادَرَتْ *** سواكبُ دمعِ العين من كلِّ مَسكب
فقلتُ وقد بلّت سوابقُ عَبرتي *** رِدائي مقالَ الموجَع المتحوِّب
الا بَهلةُ اللهِ الذي عزَّ جارُه *** على الناكثين الغادرين بمُصعب(4)
جزى الله عنه جمعَ قحطانَ كلِّها *** جزاءَ مُسيءٍ قاسط الفِعل مُذنب(5)
وجمعَ معدّ قومِه غابَ نصرُهم *** غداةَ
إذ عنه وربِ المُحصَب
جزاهم إلٰهُ الناس شرَّ جزائه *** بخذْلانِ ذي القربىٰ الأريب المدرِّب
إمامِ الهدى والحِلم والسِّلم والتُّقى *** وذي الحسَب الزاكي الرفيع المهذّب
لحىٰ اللهُ أشرافَ العراق فإنهم *** همُ شرُّ قومٍ بين شرق ومغرب
1) اسم الشاعر محرف في الأغاني إلى كلمة (الكلبية).
2) في المصادر الأخرى: لم يغش الكريمة.
3) أعشى همدان، يكنى أبا المصبح، شاعر فصيح كوفي من شعراء الدولة الأموية وكان زوج أخت الشعبيّ الفقيه، والشعبي زوج أخته، وكان أحد الفقهاء القرّاء ثم ترك ذلك وقال الشعر، وخرج مع ابن الأشعث فأتى به الحجّاج أسيراً فقتله صبراً. (المؤتلف والمختلف 11 والأغاني 146/5).
ومعظم القصيدة في ديوان الصبح المنير 312 ففيه الأبيات 1 - 56.
4) في المجلة والديوان: الناكبين. وبهلة: لعنة.
5) في المجلة: جزى الله عنا.
همُ مكروا بابنِ الحواريّ مُصعبٍ *** ولم يستجيبوا للصَّريخ المشوّب(1)
دعاهم بأنْ ذودوا العِدى عن بلادكم *** وأموالِكم في كلِّ أبيض مِقْضَب(2)
(183 ظ /)
فولَّوا ينادي المرءُ منهم عشيرَه *** ألا خَلِّ عنهم لا أباً لك واذهب
جزی اللَّهُ حَجَّاراً هناك ملامةً *** وفرخَ عُميرٍ من مُناجٍ مُؤلّب
حجار بن أبجر العجلي كوفيٌّ(3)، ومحمد بن عمير بن عُطارد الدارميّ(4)
علمت معد والقبائل كلها *** أن الجواد محمد بن عطارد
كوفيّ(5).وما كان عتَّابٌ له بمناصِح *** ولا كان عن سعيٍ عليه بمُغْرب
عتّابٌ بن ورقاء الرياحيِّ ِكوفيٌّ(6).
ولا قَطَنٌ ولا ابنُه لم يُناصحا *** فتبًّا لسعيِّ الحارثيّ المتَبِّب(7)
ولا العَتكيُّ إذ أمال لواءَه *** فولّی به عنه إلى شرِّ موكب(8)
زياد بن عمرو العتكيّ(9).
1) الصريخ: المستغيث. المثوب: الداعي.
2) في المجلة: بكل أبيض.
3) هو حجار بن أبجر بن جابر العجلي، مات أبوه أبجر على نصرانيته في زمن علي رضي الله عنه قبل استشهاده بقليل. (الإصابة 373/1).
4) هو محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب التميمي. كان من أشراف الكوفة، وله مع الحجّاج وغيره من أمرائها أخبار، وهو أحد أمراء الإمام علي رضي الله عنه بصفين، وعرف بجوده حتى قال فيه الشاعر:
5) سقط هذا التوضيح من ب.
6) سقط هذا السطر من ب.
7) هو قطن بن عبد الله بن حصين أبو عثمان الحارثي. ولّاه عبد الملك الكوفة أربعين يوماً ثم عزله. وابنه عثمان الملقب ذو الغصّة، قاتل مع الحجّاج شبيباً الحروري. (انظر الطبري 158/7 و 166 و 242).
8) في ب: مركب.
9) سقط هذا السطر من ب.
ولا ابنُ رُويمٍ لا سقىٰ اللهُ قبرَه *** فباءَ بجَدْعِ آخر الدهر مُوعَب(1)
يزيد بن أبي رويم شيبانيّ كوفيّ(2).
وما سرّني من هيثمٍ فعلُ هيثمٍ *** وإنْ كان فينا ذا غَنَاء ومنصِب
الهيثم بن الأسود النخعيّ(3)
وسقط هذا السطر من ب.
.ولكنْ على فيَّاض بَكر بن وائلٍ *** سأُثني وخيرُ القول ما لم يُكذِّب(4)
ولا فعل داود القليل وفاؤه *** فقد ظلّ محمولاً على شرّ مركب
دعا ابنُ الحواريّ الهُمامُ إمامه *** ليمنعه من كلِّ غاوٍ ومُجلِب(5)
فأضحى ابنُ تيم اللّات أمنع مانعٍ *** لجارٍ بلا شكٍّ ومأوى المعصَّب(6)
فيٰا سائراً نحو المشاعر لا يَني *** ألا ارفعْ بهدلاءِ المشافر تنعب(7)
ألا وانْعَ خيرَ الناس حيّاً وميّتاً *** إلى أهل بطحاءٍ قريشٍ ويثرب
فِداً لكَ فاذكر زحفَه ومسيرَه *** يُزجّي الخيولَ مِقنباً بعد مِقنب(8)
سَما مُصعِداً بالجيش يَسري أمامَه *** إلى بطلٍ من آل مروان مُحلِب(9)
1) موعب: يقال أوعب الجذع أي استأصله. فهو المستأصل.
2) هو يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الذي رفع على عمرو بن الحمق إلى زياد بن أبيه بأنه يفسد أهل الكوفة وذلك في سنة خمسين. وكان ممن كاتب الحسين بن علي من العراق بأن يقدم على جند له مجندة، وسقط هذا السطر من ب. (الطبري 236/5 و 353).
3) هو أبو العريان الهيثم بن الأسود بن قيس بن معاوية بن سفيان النخعي، له قصة مع المغيرة بن شعبة لما كان أمير البصرة في خلافة عمر رضي الله عنه وكان شاعراً. وقد بقي حتى علت سنّه. (الإصابة 585/3).
4) في الأنساب: ويعني بفيّاض بكر عكرمة بن ربعي من بني تيم الله بن ثعلبة وكان جواداً. وروى في الديوان وأنساب الأشراف 349/5 بيتاً بعد هذا البيت هو:
5) في ب: الهمام همامه.
6) في ب: ورب المعصب.
7) في المجلة والديوان: لا تني. تحريف.
8) المقنب: من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين.
9) في الأصول الأخرى: يسري ويغتدي. ومحلب: ناصر.
غزا بجنود الشام يكبدُ كبدَها *** يُجيز إليهم سبسباً بعد سبسب(1)
فلما توافينا جميعاً بمسكِنٍ *** عُصينا بنوعٍ من غرَام معذّب(2)
بمقتل ساداتٍ ومهلَكِ ماجدٍ *** رفيع الروابي مُحرَبٍ وابن مِحرَب
184 و /)
هو الضيغمُ النَّهد الرئيس ابنُ مالك *** إذا شدَّ يوماً شدّةً لم يكذّب
أتى مُصعباً فقال من كان منهمُ *** فعاقِبْ بوقعِ مَنْ بدا لك مُرهِب
وشُدَّ على الأشراف شدّة ماجدٍ *** وأعناقَهمْ قبل الصباحِ فضرِّب
وإلّا فكبكبْ في السجونِ سَرَاتهم *** إلى أنْ يفيق الناسُ تُصحبْ وتُرقب(3)
ودعَني وأهلَ القريتين أسِر بهم *** وغادرهُم في محبسٍ كالمؤدّب
ملامَ مُلحٍّ قد أمِنتَ اغتياله *** وما جاهلٌ بالأمر مثلُ المجرِّب
فقال له سِر بالجيوش إلى العِدى *** وناجِزْ وقارع واصدقِ القومَ تغلِب
فإني بحقٍّ لستُ أبدأُ مُسلِماً *** بغدرٍ ففي التقوى وفي الدين فارغَب
فسارَ إلى جمع ابن مروان مُعلَماً *** فناهضهمْ والحربُ ذاتُ تلهُّب
وجاهدَ في فرسانه ورجالِه *** وأقدمَ لم ينكُلْ ولم يتهيّب
فلاقيٰ أسيدٌ يوم ذلك حتفَه *** وقطَّره مِنّا فتىً غيرُ جأنب(4)
أشمُّ نراه عاليَ الجسم صَقْعباً *** وبالسيف مِقداماً نجيباً لمنجب(5)
وكادت جموعُ الشام يشمُلها الرّدى *** غَداةَ إذٍ فاسْمَع أحدّثْك تَعجَب
فلما رأى أبناءُ مروان وقعَه *** بجمعهمُ ظَلّوا بيومٍ عَصَبْصَب(6)
وأدبر عنه الغادرُ ابن القَبَعْثَري *** وما كان بالحامي ولا بالمذَبِّب(7)
غضبان بن القبعثري شيبانيّ كوفيّ(1).
وقد نقضَ الصفَّ ابنُ وَرقاءَ ثانياً *** وغادره يدعو إلى جانب النَبي(2)
فتاب إليه كلُّ أروعَ ماجدٍ *** صبورٍ على ما نابه متلَبّب
(184 ظ /)
فضاربَ حتى خرَّ غيرَ مُوائلٍ *** إلى جانبٍ منه عزيزٍ ومنكِب(3)
وصُرِّع أهلُ الصّبر في الصف كلُّهم *** وأجفلَ عنه كلُّ وانٍ محوِّب(4)
ولما أتىٰ قتلُ ابنِ الأشتر مُصعباً *** دعا عندها عیسی فقال له اهرُب(5)
فقال: معاذَ اللهِ لستُ بهاربٍ *** أأهرُبُ إِنْ دهرٌ بنا حان عن أبي(6)
فقال: تقدّمْ أحتسِبْك فأقبلتْ *** إليه جموعٌ من كلابٍ وأذؤب
فقال لفَّجار العراقين أقدموا *** فولّوا شِلالاً كالنَّعام المخضَّب(7)
شلالاً: متفرقين.
وشدُّوا عليه بالسيوف فلم يرم *** كليثِ العرينِ الخادرِ المتحرِّب
فضاربهم يحيى وعيسى أَمامَه *** وضاربَ تحت الساطع المتنصِّب(8)
فما برحوا حتى أزارهمُ القنا *** شعوبٌ ومن يسلُبْ وجدِّك يُسلَب
فبكِّ فتىٰ دُنيا وذا الدّين مصعباً *** وأعوِل عليه واسفحِ الدمع وانحَب(9)
لقد رحلَ الأقوامُ غَدْراً وغادَروا *** بمسكِنَ أشلاءَ الهُمام المحجَّب(10)
وإني مما أخمد الحرب تارة *** وأحمل أحياناً عليها فأركب
علماً بأن هذا البيت في أول الصفحة من الأصل. وهي صفحة أقحمت في الترتيب إذ سقط من الأصل مقدار ورقتين.
1) سقط هذا السطر من ب. والغضبان الشيباني: كان من زعماء المروانية في العراق، ممن كان يرعاهم عبد الملك. وقد حبسه الحجّاج. (الطبري 183/7) والبيان والتبيين 376/1).
2) في ب: إلى جاهل. تحريف.
3) موائل: لاجىء. وطالب النجاة.
4) في ب: وصرع الصبر. والمحوب: الموجع.
5) في الديوان: دعا عنده.
6) في ب: جار عن أبي.
7) في المجلة: قدّموا.
8) في هامش الأصل: يحيى بن مبشر تميمي قتل مع عيسى بين يدي مصعب.
9) في ب: وأسفح العين.
10) إلى هنا تنتهي قصيدة الأعشى في الأصل والمجلة والديوان إلّا أن المجلة والديوان أضافا بيتاً آخر ليس من وزن ولا قافية النص ولا يستقيم معناه مع النص وهو:
صريع فتىً تسفي على وجهه الصَّبا *** وريحُ شمالٍ بعدها ريحُ أجنب
وأضحى بدَيْر الجائليق مُلحّباً *** فلا يبعدنَّ من قتيلٍ مُلحّب(1)
سقى السارياتُ الجونُ جثمانَ مصعبٍ *** وأجلادَ عيسى المرتجىٰ صوبَ صَيِّب
وفتيانَ صدقٍ صُرّعوا ثَمَّ حولَه *** على الحقِّ مَنْ لا يعرف الحقَ يرتب
أمصعبُ مَنْ يحرب ويُذمم فعالُه *** فما كنتَ بالواني ولا المتحرّب
لقد عِشتَ ذا حزْم وجودٍ ونائل *** فيا عجباً لدهرك المتقلِّب
(185 و /)
ألم تكُ مِعطاءَ الجزيل وناعشَ *** الفقيرِ ومأوى كلِّ عافٍ ومُجدِبِ
وكنا متى نعتبْ عليك ونلتمس *** جَداك ينلنا من جَداك وتعتب
فقد جاءنا من بعدك المعشرُ العدىٰ *** ووالٍ متى يُنطقْ حواليه يغضب
وإن تُلتمس منه الزبادةُ والجَدا *** ويُستمطر المعروف يغضبٌ ويحرِ.(2)
وتسْمرْ بلا ذنبٍ أكفُّ غُزاتنا *** وتُقطَعُ أيديهم وشيكا ويُصلب
فیا دهرَنا من قبلِ مقتلِ مُصعبٍ *** ألا ارجعْ بدنيانا الرفيعة تحصب
وبالأمنِ والعيش الذي حلَّ دونه *** فهذا زمانُ الخائفِ المترقِّب
فبُعداً لقومٍ أسلموا أمسِ مُصعباً *** بحدّ سنانٍ سمهريٍّ مُذرَّب
وللسيف نغشاه ويفري شؤونه *** وكان الحيا للمُفلح المتشعّب
ودانوا لطاغٍ قد أراق دماءَهم *** عسوفِ صدوقٍ قاسطِ الفعل مُشغب
وقال لهم ذوقوا جنى ما غرستُمُ *** ألا رُبَّ بانٍ للعمارةِ مُخرِب
يرى مُصعبٌ أني تناسيتُ نابئاً *** لبئس لعمر الله ما ظنَّ مصعبُ(1)
فو الله ما أنساه ما ذرّ شارقٌ *** وما لاح في شرقٍ من الأرض كوكب ُ
سطوتَ عليه ظالماً فقتلته *** فقصرُك مني .....(2)
كتب عبدُ الملك إلى إبراهيم بن الأشتر وهو مع مصعب كتاباً، فأتى به مصعباً قبل أنْ يقرأه، ففضّه مُصعبٌ فقرأه. فقال يا أبا النعمان، أو ما تدري ما فيه. قال: لا وما فيه؟ قال: يعرض عليك دجلةَ وما سقَت، أو الفراتَ وما سقى، فإن أبيت جمعَهما لك جميعاً. قال: ألقى اللهَ - تعالى - وأنا أجذم! لاها الله إذاً(4). فقال مُصعب(5): إنّ هذا لمّا يُرغبُ فيه. فقال:إبراهيم: ما كان عبد الملك من أحدٍ أيأس منه مني، وما ترك أحداً ممن معك إلّا وقد كتب إليه، فابعث إليهم، فضرِّب أعناقَهم. قال: كيف، ولم أستيقن؟ قال إبراهيم: أمّا إذا أبيتَ ذلك فابعث فأوقِرْهم حديداً، واطرحهم في أبيض كسرى، ووكّل بهم مَنْ يقوم بأمرهم، فإن ظفرتَ عفوتَ، أو عاقبت، وإن كانت الأخرى ضرِّب أعناقهم. قال أخافُ أن يحتجّوا عليّ عند أمير المؤمنين، يقولون: حبَسَنا وفغلَ بنا. دعْ هذا عنك يا أبا النعمان، إنه واللهِ ما هو غيرتي أو غيرك، إمّا أن تسيروا، وإما أنْ أسير. قال: إني لستُ بصاحبِ خيل، إنّما صاحبُ الخيل مَنْ كرَّ، وفرَّ، وإنما أنا صاحب مزاحَفةٍ. قال: وكان إبراهيمُ إذا لقيَ الحربَ كان معه كرسيّان يحمل أحدَهما فيجلس عليه، ويقدّم الآخر، فإذا زحفَ القومُ
1) نابیء: هو نابيء بن زياد بن ظبيان أخو عبيد الله، قتله مطرف بن سیدان حين كان على شرطة العراق، بأمر من مصعب لأنه قطع الطريق، وبسبب قتله لحق عبيد الله بعبد الملك. (انظر أنساب الأشراف 284/5).
2) في المخطوطة بياض. ولم أجد الأبيات في مصدر آخر.
3) مر خبر رسالة عبد الملك إلى ابن الأشتر، وخرّجتها هناك في الأغاني والكامل. وهو بنصه في أنساب الأشراف 340/5 والعفو والاعتذار 385/2.
4) كذا في المخطوطة. وفي الأنساب: ما كنت لأتقلد الغدر والخيانة.
5) في الأنساب: لم يجعل هذا الكلام لمصعب. بل وصل بينه وبين ما قبله.
جلس على ذا وقدّم الآخر. فقال له إبراهيم: أنت غداً مقتول بمضيَعةٍ. (186 و /) فقال مصعبٌ: والله لو لم أجد إلّا أقذفَ بنفسي البحر بغضاً لأهل الشام لفعلتُ، ولو أجد إلّا النملَ، لقاتلتُ بهن أهل [الشام](1). فتقدّم، فلما اصطف، الناسُ مال عتَّابٌ بن ورقاء بالخيل فذهب بهم إلى أهل الكوفة، فجعَل إبراهيم يقولُ لرجلٍ رجلٍ: تقدّمْ. فيأبون عليه، فتقدمَ إبراهيمُ فقاتل حتى قُتل، ثم تقدّم الصفَّ مُصعبْ فخذله الناسُ، فقال لحجّار بن أبجر العجليّ: تقدّمْ يا أبا أسيد. قال: إلى هذه العَذرة(2)؟. قال: ما تتأخرُ إليه أنتنُ. ثم أقبل على الغضبان بن القبعثري، فقال: تقدّم يا أبا الشّمط. فقال: ما أرى ذاك. فالتفت إلى قَطن بن عبد الله الحارثيّ، وهو على مَذحج وأسَد. فقال: تقدّم. قال: أسفكُ دماء مذحج في غير شيء(3). فقال مصعبٌ: أفٍّ لكم. ثم أقبل في عدّةٍ. فلما برز قال زياد بن عمرو العَتَكيّ لعبد الملك بن مروان: يا أميرَ المؤمنين، إنّ أبا البختَريْ، إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله(4)كان لي صديقاً، وقد خفتُ أنْ يُقتَل، فآمنه. قال: هو آمنٌ. فأقبل زياد على فرسٍ له، فقال: يا أبا البختري إليّ أكلمك وأسائلك عن شيء، فأقبل، فلمّا اختلف رأسَا فرسيهما وضع يدَه في منطقته ثم جذبَه إليه، فقال إسماعيل: يا أبا المغيرة، أنشدَك اللهَ أن تليمَ اليوم(5). فقال: يا أبا البَختري أنا أضنُّ بك من ذاك. ثم انطلق به عبد الملك فآمنه (186 و /) وأقبل محمد بن مروان، وكان على مقدمة عبد الملك، فقال لمصعبٍ. يابنَ عمِّي، إنّ أميرَ المؤمنين يُؤمّنُك على كلِّ مالٍ ودمٍ أصبتَه. قال أمير المؤمنين بالحجاز. ورمى مصعبٌ من كلِّ، وجهٍ، فأُثخنَ. فقال لابنه عيسىٰ: انصرف. فقال: لا واللهِ لا تتحدّثُ بذلك النساءُ. قال: فتقدَّمْ أحتسبك. فتقدَّمَ فقاتلَ حتى قُتل. ثم أقبل عُبيد الله بن زياد بن ظبيان، وقد كان مُصعبٌ قتلَ أخاه النابيءَ، فدنا من مُصعبٍ، وقد كان أُثخن
فلم يستطع [التقدمَ فقال](1)لفتيان قومه: شدّوا ...(2)من ظهري، فتقدَّم، وما يحرّكُ مصعبٌ(3).
قال أبو عبد الله الزبير: لمّا تفرَّق أهل العراق عن مُصعب، فلم يثبت معه إلّا رجلان من أهل البصرة: يحيى بن مبشّر اليربوعي، ومسلم بن عمرو الباهلي، ومن أهل الكوفة: إبراهيم بن الأشتر. فقُتلوا جميعاً، وبقي مصعبٌ وحده في نفرٍ، فقاتل حتى عُقِرَ بهِ عيرُ، فرسٍ وصار يقعدُ على كرسيٍّ قد وُضع له، حتى يشدَّ على القوم فينفرجون له، ثم يعودُ إلى الكرسي، فلما رأوا أنهم لا يصلونَ إليه دثَّوه(4)بالحجارة، حتى أثخنوه فصُرعَ، فشدّ عليه عبيدُ الله بن زياد بن ظبيان فقتله، ثم أتى عبدَ الملك برأسِه وذلك حيث يقولُ البجليُّ:
نحن قتلنا مصعباً وعيسى *** نحن أذقنا مُضرَ التبئيسا
(186 ظ /)
وقد قتلنا منهمُ رئيسا
وتنقّصَ رجلٌ مُصعباً عند عبد الملك فقال: إنه كان شِرِّيباً. فقال عبد الملك: أسكتْ لا أمَّ لكَ. فلو علم مصعبٌ أنّ شربَ الماءِ يُنقِصُ من مروءته ما شرِبَه.
وقال الواقدي: قيل لعبد الله بن عمر: أيُّ بني الزبير أشجعُ؟ قال: وما منهما إلّا شجاع، وما منهما إلّا مَنْ مشى إلى الموت وهو يراه.
أذن عبد الملك يوماً لخاصَّته فأخذوا مجالسهم، فأقبل رجلٌ منهم على عَيْبِ مُصعبٍ بعد قتله، فنظر إليه عبد الملك نظر كراهةٍ لِما قال، وقال: أمسِك، أما علمتَ أنّ مَنْ صغّر مقتولاً فقد صغّر قاتله(1).
قال المهلّبُ بن أبي صُفرةَ: أشجعُ الناس ثلاثةٌ: ابن الكلبيّة، وأحمر قريش، وراكبُ(3)البغلَةِ، فابنُ الكلبيّة مصعب بن الزبير، أفردَ في سبعةٍ، وأُعطي الأمان وولاية، العراق، فأبىٰ، ومات كريماً. وأحمرُ قريشٍ عُمر بن عبيد الله بن مَعمَر، ما لقيَ خيلاً قطُّ إلّا كان في سَرعَانِها(4)، وراكبُ البغلة عبّاد بن حُصين الحبَطي، ما كنا في كربةٍ قطّ إلّا فرّجها. قال: فقال الفرزدقُ، وكان حاضراً: ويحك فأين أنت عن عبد الله بن خازم السَلَمي، وعبد الله بن الزبير؟ فقال: ويحك إنما ذكرنا الأنسَ، فأما الجنُّ فلم نذكرهم.
لمّا قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد بن العاص(5)أذِنَ للناسِ إذناً عامّاً، فدخلوا عليه، وجُثَةُ عمرو في ناحية البيتِ، فلما أخذوا مجالسهم تكلّمَ عبد الملك (187 و /) فقال(6): ارموا بأبصارِكم نحو مصارعِ أهلِ المعصية واجعلوا سَلفهم(7)لمن غَبرَ(8)منكم عِظةً، ولا تكونوا أغفالاً من حسنِ الاعتبار، فتنزلَ بكم
1) الخبر في أنساب الأشراف 347/5.
2) سقط قوله (قال أبو عبد الله) من ب ومكانه بياض.
3) سقط قوله (وأحمر قريش وراكب) من ب. ومكانه بياض.
4) سرعانها. أوائلها. ترجمته في التبيين في أنساب القرشيين ص 295.
5) انظر تفصیل خبر قتل عبد الملك ابن سعيد بن العاص في سنة 69 برواية عوانة بن الحكم أيضاً في الطبري 140/6.
6) الخطبة في صبح الأعشى 218/1.
7) في صبح الأعشى: سلفكم.
8) غبر: بقي. وهي من الأضداد.
جائحةُ السطوة(1)، وتجوس خِلالكم بوادرُ النقمة، وتطأَ رقابكم بثِقلها المعصيّةُ(2)، فتجعلكم هَمْداً(3)رُفاتاً، وتشتمل عليكم بطون الأرض أمواتاً. إيّاي من قول قائلٍ، وسفَهِ(4)جاهلٍ، فإنما بيني وبينكم أنْ أسمعَ النعْرَة(5)، فأصمِّم تصميم الحسامِ المطرورِ(6)، وأصولُ صِيالَ الحَنِق الموتور. إنما هي المصافحةُ والمكافَحة بظُبات السيوف، وأسنَّةِ الرِماح، والمعاودة لكم بسوءِ الصَّباح، فتاب تائبٌ، أو هلك(7)خائب، والتوبُ مقبول، والإحسانُ مبدولٌ، لمن أبصرَ حظَه، وعرفَ رُشدَه(8)فانظروا لأنفسِكم، واقبلوا على حظوظكم، وليكن أهل الطاعة منكم يداً على ذي الجهل(9)من سفهائكم، واستديموا النعمةَ التي ابتدأتكم برغد عيشها، ونفيس زينتها(10)فإنكم من من ذلك بين فضيلتين، عاجلِ الخفض والدَّعَةِ، وآجل الجزاء والمثُوبة، عصمكم الله الشيطان وفتنته ونزغِه، وأيَّدكم(11)بحسن معونته وحِفظه، انهضوا رحمكم الله لقبضِ أعطياتكم، غيرَ مقطوعةٍ، ولا مكدّرةٍ عليكم إن شاء الله.
قال: فخرج القومُ من عنده بِداراً، كلُّهم يخافُ أن تكون السطوة به.
جلس الوليدُ بن يزيد بن عبد الملك بن مروان مجلساً في زمانِ هشام (187 ظ /) بن عبد الملك، والوليدُ يومئذٍ وليُّ عهدٍ، وحضرَ معه في المجلس
1) الجائحة: الشدة المجتاحة. وفي صبح الأعشى: السطوات.
2) في صبح الأعشى: العقوبة.
3) همد: من الهمود وهو الموت وذهاب الحياة.
4) في صبح الأعشى: ورشقة جاهل.
5) في المصدر السابق: النغوة.
6) المطرور المشحوذ.
7) مكان قوله: تائب أو هلك. بياض في ب. وفي صبح الأعشى: وهدل خائب.
8) مكان قوله: حظه وعرف رشده. بياض في ب.
9) مكان قوله: منكم يداً على ذي الجهل. بياض في ب.
10) مكان قوله: عيشها ونفيس زينتها بياض في ب.
11) في صبح الأعشى: وأمدكم بحسن.
عبدُ الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فتمازحا ساعة، وتذاكرا الشُّعرَ وأيّامَ العربَ، حتى أفضى بهما الحديثُ إلى أنْ قال الوليدُ بن يزيد لعبد الله بن معاوية: هل لك يا أبا معاوية إلى المنافرةِ والمفاخرةِ في مجلسنا هذا بكلام يحسُنُ إنْ رويَ، ويعذبُ إن حُكيَ؟ فقال عبدُ الله بن معاوية: فخري فخرُك، وذكري ذكرُك، وما لأحدٍ منّا على صاحبه فضلٌ ولستُ آمنُ أَنْ يُخرجنا ذلك إلى ما لا نُحبه، ولا نريده. فقال الوليدُ: نشدتُكَ باللَّهَ أنْ يعرض هذا في نفسك، فإنه غيرُ كائنٍ. قال: فافتخرَ الوليدُ مبتدئاً فقال: أنا ابنُ يزيد السيّد العميد(1)مَنْ أناف ففاق شرفُه، وكرُم أصله وطرقُه. وسهُل بابُه وكفُّه، واشتدّ(2)من الضيم أنفه، هو الذي قُسمت منافعُه، وعمَّت صنائعه، وتتابعت وقائعُه(3)كانت إليه تعمدُ الوفودُ وبسياسته تُراض الجنود وبأمره تُعهدُ العهودُ وتتضاءلُ عند رؤيتِه الأسُودُ. ثم لعبد الملِك الذي كان إذا سابقَ الأكفَاءَ سبقَ، وإذا نطق صدقَ، ويَفري كلّما خلقَ، وتحيي مخائلُه إذا ودَقَ(4)، ويَرتِقُ إذا فُتِق، ولا يُفتَقُ ما رَتَقَ، كان تُهزَم الجيوشُ باسمِه، وتضلُّ الحلومُ في حِلمِه، ويعيشُ أهلُ الرأيِّ بعلمه، ويعدل في حُكمه وقسْمِه، ويَعرف فَضل أبيه وأمّه.
هو الذي قارعَ عن المُلك فَفَلجَ(5)، وأدمجَ حبلَ الجماعةُ فاندمجَ، وأرْتَجَ(6)بابَ الباطل (188 و /) فارتُتج، ولاقَ به (7)المُلكُ وابتهجَ. ثم لمروان بقيّة قريشٍ، وتالي القرآن، سَمَا للمُلكِ. فذلّلَ صَعبَه، ورَدَّ من كلِّ رئيس شَغبَه، ونفّسَ عن كلِّ مكروب كرْبَه، وأيّدَ اللهُ بالنصر حِزبَه، وورَّثَ الإمامةَ والخلافةَ عَقبَه، كان يُستَظَلُّ بظلِّه، ويفي بعهده ويَجبي المالَ من حِلِّه، ويضعُه في أهله، ويُعرف هدْيُه في سُبله، ثم للحَكَم الماجدِ العَلمِ، كان لا تخمدُ نيرانُه، ولا تُذمّ جَفانُه، ولا تؤمَنُ أَصْغَانُه،
ولا يُقدّرُ شانُه. ثم لأبي العاصِ، الكريمِ المحلِّ والعِراص، كان يُصدَرُ عن رأيّه، ويوثَق برأيِّه، ويُعاشُ بحبائه، ويُؤمَن بغنائه ويُقتاسُ على بنائه. ثم لأميّةَ الذي ولي كلَّ عليَّة، ولدَ القرومَ فأنجب، وغالىٰ بالحمدِ فأرغبَ، وزوّق عليه المجدُ وطنّب، وأورى زندَه وأثقبَ، وبذل ماله فأنهبَ. ثم لعبدِ شمسٍ فارجِ كلِّ لَبسٍ، لياذ قريشٍ إذا حُصّلوا وحليمِها إذا جهلوا، وجبلِها إذا زُلْزلوا، وزعيمِها إذا احتفلوا(1)وربيعها إذا أمحلوا. وأفتخر بفتىٰ الفتيانِ، يزيد بن معاوية، كان سمحَ السُمَحاء، ولبيبَ الألبّاء، الذي كمل الجود والأصالة والبراعة، ولدته القرومُ من قُضاعةَ. ثم(2)لقريع الأنام معاوية بن أبي سفيان، مَن أثمنَ في المكارم جوهرُه، ثَمَّ غطّى(3)الفاخرَ مفخرُه(4)، وبَذَّ أخيارَ الناس خيرُه، وزهَا بهِ سريرُه ومِنبرُه. طُبعت على الحِلم سجيّته، وكملت أخلاقُه ومُروءَتُه، واستوت علانيتُه وسريرتُه، ورضيت بسياسته رعيّتُه، وحَبرُ الأشرافِ عطيّتُه. مَنْ طلب فأدرك بثأره، وشمَّرَ للحرب بأنصاره (188 ظ /) [وأخذ الأمر من أقطاره](5). ثم لصخرٍ معدِنِ النُبل والفخر، مفزعِ قومِه إذا رَهبُوا وغياثِهم إذا أجدبوا، ومِدْرَهِهم(6)إذا خطبوا، وفارسِهم إذا ركبوا، مُيسِّر كلّ عسيرٍ، ورئيس كل كبير، وبدرِ كلِّ مُنير. ثم لحرْب، منفِّسِ كلّ كرْبٍ، قائدِ قومه في الحقائق وعصمتهم في الوثائق، وحاميهم في المضايق، يعلو على المنازع في خِصامه، وتثبتُ قدمُه في مقامِه، وتُؤثَر أمثالُ كلامه، ويزدحمُ الناسُ على طعامه، وتتحدَّث المواسمُ بأيامه(7).
فلما فرغ الوليدُ، قال لعبد الله: تكلّمْ. فقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: أنا عبدُ الله بن معاوية بن عبد الله، أنا ابن البدور الزواهر. والبحورِ الزواخر، والغيوثِ، المواطر، والليوثِ الهواصر(8)، الذين برز في الجاهلية
1) في ب: احتلفوا. تحريف.
2) مکان قوله: قضاعة ثم. بياض في ب.
3) الكلمة ساقطة من ب. ومكانها بياض. وهي غير واضحة في الأصل ورسمها يقرب ممّا أثبته.
4) مكان هذه العبارة بياض في ب.
5) ما بين الحاصرتين تكملة من ب.
6) المدره: كمنبر السيد الشريف والمقدّم في اللسان.
7) في ب: الموسم.
8) في ب الزاهرة .. الزاخرة ... الماطرة ... الهاصرة.
شأوهم، وأنافَ على كلِّ بناءٍ بناؤهم، وكان خيرَ الآباء آباؤهم. أنا ابنُ الفروعِ الزكيّةِ، والمصابيح المضيّةِ، والأشياخ الرضيّةِ، الهداةِ المهديّةِ، ضربوا بأسيافهم على التقىٰ، وأقاموا للناس معالمَ الهدى واستنقذوهم من الضَلالةِ والردى، ودوّخوا صناديدَ العدا.
أخرجنَا اللهُ من أكرم طِينةٍ، واصطفانا من الجواهرِ المكنونة، واختَصَّنا بالوحي والدينونة، وجعلَ لنا السُّنَنَ المسنونةَ، ينزلُ وحي اللهِ(1)في أبياتنا، ويُمليهِ رسولُ الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على آبائنا وأُمهاتِنا، تحلُّ الملائكةُ بعقواتنا(2)، فلنا كلُّ فضلٍ معدودٍ، وسَناءٍ محمودٍ، ونحن (189 و /) زَينُ كل مشهود، وغرَّةُ كلِّ طارفٍ ومتلودٍ. منّا خيرةُ اللَّهِ المصطفى، ورسوله المُجتبىٰ، وأمينُه المرتضىٰ(3)والمؤثَرُ بسدرةِ المنتهىٰ، -صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - ومنّا حمزُة أسدُ الله وأسَدُ رسولِه(4)وحاميةُ المسلمين، وآفةُ المشركين، وسيّدُ شهداء العالمين كان في الجاهلية مَهيباً، ولِمالِه وهوباً، وفي الإسلام سبّاقاً خطيباً وعلى الأعداء أبّاءً صليبا(5). ومنّا عليٌّ ذو السوابقِ الباسقة، والمناقبِ الفائقةِ، الذي ليست كسابقته سابقة، أقدمُ قريشٍ سَبْقاً وأعلمهم علماً، وأجودُهم فهماً، وأرجحهم حِلماً وأكرمُهم(6)بعد رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - نفساً، وأفضلهم ولَداً وعُرساً، وخيرُهم محتداً وجنساً. أصدقُ العرب بأساً وأشدُّهم مِراساً.
ومنّا العبّاس المفَضَّلُ بسريرته، المستمرُّ لمريرته(7)، المتحبِّب إلى عشيرته، كهفُ قريش إذا استكهفوا، ورؤوفهم إذا استرأفوا، وعَدلُهم إذا استنصفوا.
ومنّا ابنُه عبد الله حِبْرُ الأحبار، وبِرُّ الأبرار، العالِمُ بكلِّ مشكلةٍ، والقائمُ بكلِّ معضلة.
ثم أنا ابن، معاويةَ، وارثُ كلّ فضيلةٍ، ومصطنعُ كلّ جميلة، ومفرِّجُ كلّ جليلة، ومُسيل كلّ جزيلة. ثم لعبد اللهِ مشتري الحمدَ بنوَالِه، والمؤثرِ على نفسِه بماله، والمروّي الظِماءَ بسِجاله. مَنْ أنجد ذكرُه(1)وغار، وغمرَ جودُه البحار، وعمَّ عطاؤه الأمصارَ. سلك سبيلَ المروةِ وأخذ(2)بأخلاقِ النبوّةِ، وتقبَّلَ سُنَّةَ الأبوّة.
ثم لجعفر الطيّار مع الحِسانِ والمصارع للأقران والمظهرِ للبرهان، والقائِم (189 ظ /) بطاعةِ الرحمٰن، أشبهِ الناسِ بنبيّهِ خَلقاً وخُلقاً(3)وأقدمِهم في الإسلام سَبْقاً، وأحقِّهم بكلِّ سَناءٍ حقّاً.
ثم لابي طالبٍ مَدره قريشٍ إذا حشدوا، ورئيسهِم إذا عَقدوا، وعميدِهم إذا اعتمدوا وفارج كربهم إذا جَهدوا، ولَدَ الكرامَ وولدوه. وأشبَه أباه، وأشبَههُ بنوه.
ثم لعبدِ المطّلب الواري الزّناد الرفيع(4)العِماد، المُرغم للأعادي، القائل بالسَّدَادِ، مُحتفِرِ زمزمَ خير الحفائر، وساقي الحجيجَ فيه بالمفاخر. جمعَ قريشاً بعدما تفرّقوا، وقادَهم حتى استوسقوا(5)، وبذّهم حين نطقَ ونطقوا.
ثم لهاشمٍ مُطعِمِ الناس في الشتاء، والأصياف، ومُحلِّ الوفود والأضياف. و مَلجأ كلِّ هاربٍ ومَضاف والسابقِ إلى غايات الأشراف.
أطعمَ قريشاً حين أسنَتت(6)، وجاد بماله حين أمسكت، وساهم(7)المهمّة لمّا أضلعت، وقهرَ بناؤه بناءَها لمّا ابتنت.
فأنا خيرُ العالمين أشياخاً، وأكرمُهم أرومةَ وأسناخا(8)وأعزّهم سيّداً بذّاخاً
وأخصبُهم محلّةٌ ومُناخا. عليهم تنزلُ الأنباءُ، وبهم ولّفت قريشٍ الأحياء(1)، وأقرّت بفضلها الأمَلاء، وأذعنت الرؤساء. أنا ابنُ الأعلامِ للأعلامِ وابنُ سادة الإسلامِ، ومعدِنِ النبوّة والأحكام، وأكرمَ الإسلامُ أسلافَنا، وأطهرَ الأطرافَ أطرافُنا، وأعزّ الأحلافَ أحلافُنا، يضمَحلُّ(2)الفخرُ عند فخرنا، ويُنسيٰ كلُّ ذكرٍ مع ذكرنا، ويصغرُ كلُّ قَدْرِ عند قدرنا.
قال: فلما فرغا من كلامهما تفرّقا(3).
هذا آخر الخامس من أجزاء أبي الحسن الدمشقي. وهو آخر الموفّقيات.
وهو آخر الجزء التاسع عشر من أجزاء أبي عبد الله بن الكاتب.
وهو آخر الكتاب
وفرغ من نسخه في أواخر جمادى الأولى من سنة أربع وتسعين وخمسمائة(4)
وخط (سنة أربع وتسعين) غير واضح في المصورة التي بين يديّ وقد رجّحت هذه القراءة لورودها في المجلة أيضاً.
.الضائع من الموفقيات
فقالت أرى قبراً تراه مقابلي *** وضربة فأسٍ فوق رأسي فاغره(3)
أبى ليَ قبر لا يزال مقابلي *** وضربة فاس فوق رأسي فاقره
فيا معشر قريش، وليكم عمر بن الخطّاب، وكان فظًّا غليظاً مضيِّقاً عليكم فسمعتم له وأطعتم. ثم وليكم عثمان، فكان سهلاً ليّناً كريماً فعدوتم عليه فقتلتموه، وبعثنا عليكم مُسلماً يوم الحرّة فقتلتموه. فنحن نعلم يا معشر قريش أنكم لا تحبوننا أبداً، وأنتم تذكرون يوم الحرّة، ونحن لا نحبّكم أبداً، ونحن نذكر مقتل عثمان.
والسير عن الحسن البصري:
أربع خصال كنّ في معاوية، لو لم يكن فيه إلّا واحدة منهن لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزّها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة. واستخلافه بعده ابنَه يزيد، سكّيراً خمِّيراً، يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير. وادّعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: الولد للفراش وللعاهر الحَجر.
المدائني، وقد ذكرناه آنفاً في كلام ابن عباس لأبي موسى. وقوله:
إنّ الناس لم يرتضوك لفضلٍ عندك لم تشارك فيه(3)
فقال أبو موسى: رحمك الله. والله ما لي إمام غير عليّ، وإني لواقف عندما رأى، وإن حق الله أحب إلي من رضا معاوية وأهل الشام، وما أنت وأنا إلّا بالله.
... وذكر في آخره: فقال1) شرح نهج البلاغة 456/1.
2) نفس المصدر والصفحة.
3) تكملة الخبر في شرح نهج البلاغة 454/1 روى المدائني في كتاب صفين قال: أتاه عبد الله بن العباس، وعنده وجوه الناس وأشرافهم فقال له: يا أبا موسى، إن الناس لم يرضوا بك، ولم يجتمعوا عليك لفضل لا تشارك فيه، وما أكثر أشباهك من المهاجرين والأنصار والمتقدمين قبلك! ولكن أهل العراق أبوا إلّا أن يكون الحكم يمانياً، ورأوا أن معظم أهل الشام يمانٍ، وأيم الله، إني لأظن ذلك شراً لك ولنا، فإنه قد ضمّ إليك داهية العرب، وليس في معاوية خلة يستحق بها الخلافة، فإن تقذف بحقك على باطله تدرك حاجتك منه، وإن يطمع باطله في حقك يدرك حاجته منك. واعلم يا أبا موسى أن معاوية طليق الإسلام، وأن أباه رأس الأحزاب، وانه يدّعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة، فإن زعم لك أن عمر وعثمان استعملاه فلقد صدق، استعمله عمر وهو الوالي عليه، بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي، ويوجره ما يكره، ثم استعمله عثمان برأي عمر، وما أكثر من استعملا ممن لم يدّع الخلافة. واعلم أن لعمرو مع كل شيء يسرّك خبيئاً يسوؤك. ومهما نسيت فلا تنس أنّ علياً بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان. وإنها بيعة هدى، وإنه لم يقاتل إلّا العاصين الناكثين.
بعض شعراء قريش:
والله ما كلَّم الأقوام من بشرٍ *** بعد الوصيِّ عليٍّ كابن عبّاس
أوصى ابن قيسٍ بأمرٍ فيه عصمته *** لو كان فيها أبو موسى من الناس
إني أخاف عليه مكر صاحبه *** أرجو رجاءً مخوفاً شيب باليأس
أنّ يزيد بن حُجيّة التيميّ(2)شهد الجمل وصفّين ونهروان مع علي - عليه السلام - ثم ولّاه الريّ ودستبىٰ(3)، فسرق من أموالهما ولحق بمعاوية، وهجا علياً - عليه السلام - وأصحابه، ومدح معاوية وأصحابه، فدعا عليه عليّ - عليه السلام - ورفع أصحابُه أيديهم فأمّنوا وكتب إليه رجل من بني عمّه كتاباً يقبّح إليه ما صنع، وكان الكتاب شعراً. فكتب يزيد بن حُجيّة إليه: لو كنت أقول شعراً لأجبتك ولكنْ قد كان منكم خِلال ثلاث لا ترون معهنّ شيئاً مما تحبون: أما الأولى فإنكم سرتم إلى أهل الشام، حتى إذا دخلتم بلادهم وطعنتموهم بالرماح، وأذقتموهم ألم الجراح، رفعوا المصاحف فسخروا منكم وردّوكم عنهم، فوالله ووالله لا دخلتموها بمثل تلك الشوكة والشدّة أبداً. والثانية: أن القوم بعثوا حَكماً، وبعثتم حَكماً، فأما حكمهم فأثبَتهم، وأمّا حكمكم فخلعكم، ورجع صاحبهم يُدعى أمير المؤمنين، ورجعتم متضاغنين.
والثالثة: أن قرّاءكم وفقهاءكم وفرسانكم خالفوكم، فعدوتم عليهم فقتلتموهم.
ثم كتب في آخر الكتاب بيتين لعفّان بن شرحبيل التميمي:
أحببتُ أهل الشام من بين الملا *** وبكيتُ من أسفٍ على عثمان
أرضاً مقدّسة وقوماً منهمُ *** أهل اليقين وتابعو الفرقان
دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه فيتحدّث معه، ثم ينصرف إليّ
فيذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتمًّا فانتظرته ساعةً، وظننت أنه لأمرٍ حدث فينا فقلت: ما لي أراك مغتمًّا منذُ الليلة؟ فقال: يا بنيّ جئت من أكفر الناس وأخبثهم. قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوتُ به: إنك قد بلغت سنًّا يا أميرَ المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلتَ أرحامهم، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإنّ ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه؟ فقال: هيهات هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك، ذكره إلّا أن يقول قائل: أبو بكر. ثم ملك أخو عديّ، فاجتهد وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك، حتى هلك ذكره، إلّا أن يقول قائل: عمر.
وإنّ ابن أبي كبشة ليُصاح به كلَّ يوم خمس مرات (أشهد أن محمداً رسول الله) فأيّ عمل يبقىٰ؟ وأيُّ ذكر يدوم بعد هذا لا أباً لك؟ لا والله إلّا دفناً دفناً.
لما بايع بشير بن سعد أبا بكر، وازدحم الناس على أبي بكر فبايعوه، مرّ أبو سفيان بن حرب بالبيت الذي فيه عليّ بن أبي طالب - عليه السلام - فوقف وأنشد:
بني هاشم لا تطمِعوا الناس فيكمُ *** ولا سيّما تیم بن مرّة أو عديّ
فما الأمرُ إلّا فيكمُ وإليكمُ *** وليس لها إلّا أبو حسنٍ عليّ
أبا حسن فاشدُد بها كفَّ حازمٍ *** فإنكَ بالأمر الذي يُرتَجى ملي
وأيّ امرىء يرمي قصيّاً ورأيها *** منيع الحمى والناس من غالب قصيّ
فقال علي لأبي سفيان: إنك تريد أمراً لسنا من أصحابه، وقد عهد رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - عهداً فأنا له.
فتركه أبو سفيان وعدل إلى العباس بن عبد المطلب في منزله فقال: يا أبا الفضل، أنت أحقّ بميراث أخيك، امدد يدك لأبايعك، فلا يختلف عليك الناس بعد بيعتي إياك. فضحك العباس وقال: يا أبا سفيان يدفعها عليّ ويطلبها العبّاس.
فرجع أبو سفيان خائباً.
أن الأوس تزعم أنّ أول مَنْ بايع أبا بكر بشير بن سعد. وتزعم الخزرج أنّ أول مَنْ بايع أسيْد بن حُضير.
378 - قال الزبير بن بكّار(2):
فلما بويع أبو بكر أقبلت الجماعة التي بايعته تزفّه زفًّا إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما كان آخر النهار افترقوا إلى منازلهم، فاجتمع قوم من الأنصار، وقومٌ من المهاجرين، فتعاتبوا فيما بينهم فقال عبد الرحمٰن بن عوف: يا معشر الأنصار، إنكم وإن كنتم أولي فضل ونصر وسابقة، ولكن ليس فيكم مثل أبي بكر ولا عمر ولا عليّ ولا أبي عبيدة.
فقال زيد بن أرقم: إنا لا ننكر فضلَ مَنْ ذكرت يا عبد الرحمٰن، وإن منا لسيد الأنصار سعد بن عبادة، ومَنْ أمر الله رسوله أن يقرئه السلام وأن يأخذ عنه القرآن أبيّ بن كعب، ومن يجيء يوم القيامة إمام العلماء معاذ بن جبل، ومن أمضى رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - شهادته بشهادة رجلين: خزيمة بن ثابت، وإنا لنعلم أنّ ممن سمَّيت
من قريش مَنْ لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد: عليّ بن أبي طالب.
فلما كان من الغد، قام أبو بكر فخطب الناس، وقال:
أيها الناس، إني ولِّيتُ أمرَكم ولستُ بخيركم، فإذا أحسنت فأعينوني، وإن أساتُ فقوموني.
إنّ لي شيطاناً يعتريني فإياكم وإياي إذا غضبت، لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف منكم قويّ حتى أردّ إليه حقه، والقويّ ضعيف حتى آخذ الحق منه.
إنه لا يدَع قومٌ الجهاد إلّا ضربهم الله بالذلّ ولا تشيع في قوم الفاحشة إلّا عمّهم البلاء.
أطيعوني ما أطعتُ الله، فإذا عصيتُ فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم اللهُ.
قال ابن أبي عزة القرشيّ(2):
شكرا لمن هو بالثناء حقيق *** ذهب اللَّجاجُ وبويع الصدِّيق
من بعد ما زلت بسعدٍ نعله *** ورجا رجاءً دونه العَيّوق(3)
حفّت به الأنصار عاصب رأسه *** فأتاهمُ الصدِّيقُ والفاروق
وأبو عبيدة والذين إليهم، *** نفسُ المؤمِّل للّقاء تتوق
كنا نقول لها عليٌّ والرضا *** عمرٌ وأولاهم بذاك عَتيق
فدعت قریش باسمه فأجابها *** إنّ المنوّه باسمه الموثوق
قل للأُلى طلبوا الخلافة زلّةٌ *** لم يخطُ مثل خطاهمُ مخلوق
إنّ الخلافة في قريشٍ مالكم *** فيها وربّ محمد معروق
أنّ أبا بكر لمّا بويع افتخرت تيْمُ بن مرّة.
قال: وكان عامة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكّون أنّ علياً هو صاحب الأمر بعد رسول الله - صلى الله عليه وآله - فقال الفضل بن العباس: يا معشر قريش، وخصوصاً يا بني تيْم، إنكم إنما أخذتم الخلافة بالنبوّة. ونحن أهلها دونكم، ولو طلبنا هذا الأمرَ الذي نحن أهلُه لكانت كراهة الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا، حسَداً منهم لنا وحِقداً علينا، وإنّا لنعلم أنّ عند صاحبنا عهداً هو ينتهي إليه.
وقال بعض ولد أبي لهب بن عبد المطلب بن هاشم شعراً:
ما كنت أحسَب أنّ الأمر منصرف *** عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن
أليس أوّل مَن صلّى لقبلتكم *** وأعلم الناس بالقرآن والسُّنَن
وأقرب الناس عهداً بالنبيّ ومَن *** جبريل عونٌ له في الغسل والكفَن
ما فيه ما فيهمُ لا يمترون به *** وليس في القوم ما فيه من الحسن
ماذا الذي ردّهم عنه فتعلمه *** ها إنّ ذا غبننا من أعظم الغَبن
قال الزبير: فبعث إليه عليٌّ فنهاه وأمره ألّا يعود وقال: سلامة الدين أحبّ إلينا من غيره.
وكان خالد بن الوليد شيعةً لأبي بكر، ومن المنحرفين عن علي فقام خطيباً فقال: أيها الناس إنّا رُمينا في بدء هذا الدين بأمر، ثقُل علينا - والله - محملُه، وصعب علينا مرتقاه، وكنا كأنّا فيه على أوتار، ثم - والله - ما لبثنا أنْ خفّ علينا ثقله، وذلّ لنا صعبُه، وعجبنا ممن شك فيه بعد عُجبنا ممن آمن به حتى أمرنا بما كنا ننهىٰ عنه، ونُهينا عمّا كنا نأمرُ به، ولا والله ما سبقنا إليه بالعقول ولكنه التوفيق.
ألا وإنّ الوحي لم ينقطع حتى أحكم، ولم يذهب النبي - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - فنستبدل بعده نبيّا
ولا بعد الوحي وحياً، ونحن اليوم أكثر منا أمسِ ونحن أمسِ خيرٌ منا اليوم. مَنْ دخل في هذا الدين كان ثوابه على حسَب، عمله، ومَن تركه رددناه إليه، وإنه - والله - ما صاحب الأمر - يعني أبا بكر - بالمسؤول عنه ولا ليختَلف فيه، ولا الخفيّ الشخص ولا المغموز القناة، فعجب الناس من كلامه.
ومدحه حزن بن أبي وهب المخزوميّ، وهو الذي سمّاه رسول الله - صلى الله عليه وآله - «سهلًا»(1)وهو جد سعيد بن المسيب الفقيه، وقال:
وقامت رجالٌ من قريش كثيرةٌ *** فلم يك منهم في الرجال كخالد(2)
ترقّی فلم يزلقْ به صدرُ نعله *** وكفّ فلم يعرض لتلك الأوابد
فجاء بها غرّاء كالبدر ضوءها *** فسمّيتُها في الحسن أمّ القلائد
أخالد لا تعدم لؤيُّ بن غالب *** قيامك فيها عند قذف الجلامد(3)
كساك الوليدُ بن المغيرة مجدَه *** وعلَّمك الأشياخ ضرب القَماحِد(4)
القماحد: جمع قمحدوة، وهي الهنة الناشرة فوق القفا.
تقارع في الإسلام عن صُلب دينه *** وفي الشِّرك عن أحساب جَدٍّ ووالد
وكنت لمخزوم بن يقظة جُنّةٌ *** يعدّك فيها ماجداً وابن ماجد(5)
إذا ما سما في حربها ألفُ فارسٍ *** عدلت بألفٍ عند تلك الشدائد
ومن يكُ في الحرب المثيرة واحداً *** فما أنت في الحرب العَوَان بواحد
إذا ناب أمرٌ في قريشٍ مخلّج *** تشيب له رؤوس العذارى النواهد
تولَّيتَ منه ما يُخافُ وإن تغب *** يقولوا جميعاً حظنا غير شاهد
1) ترجمته في الإصابة 324/1 ونقل فيها عن الموفّقيات أيضاً نص هذا الخبر والشعر. 1، 4، 5، 7 وذكر عن تسمية الرسول صلَّی الله علیه وآله وسلَّم له باسم سهل ما يأتي: روى البخاري وأبو داود من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده أنه أتى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال له: «ما اسمك»؟ قال: حزن. قال: «أنت سهل - الحديث -».
2) في الإصابة: وقام رجال ... فلم يك في القوم القيام كخالد.
3) في الإصابة: يقاتل فيها عند قذف الجلائد.
4) في الإصابة: وعلّمك الشيخان.
5) في الإصابة كذا اسمك فيها ماجد وابن ماجد.
لما بويع أبو بكر واستقرّ أمره، ندِم قومٌ كثير من الأنصار على بيعته ولام بعضهم بعضاً، وذكروا عليّ بن أبي طالب وهتفوا باسمه. وإنه في داره فلم يخرج إليهم، وجزع لذلك المهاجرون، وكثر في ذلك الكلام، وكان أشدّ قريشٍ على الأنصار نفرٌ فيهم، وهم: سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي، والحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل المخزوميان، وهؤلاء أشراف قريش الذين حاربوا النبي - صلى الله عليه وآله - ثم دخلوا في الإسلام، وكلهم موتور قد وتره الأنصار.
أما سهيل بن عمرو فأسره مالك بن الدخشم يوم بدر، وأمّا الحارث بن هشام فضربه عروة بن عمرو فجرحه يوم بدر، وهو فارٌّ عن أخيه. وأمّا عكرمة بن أبي جهل فقتل أباه ابنا عفراء، وسلبه درعه يوم بدر زياد بن لبيد، وفي أنفسهم ذلك.
فلما اعتزلت الأنصار تجمّع هؤلاء، فقام سهيل بن عمرو فقال: يا معشر قريش، إن هؤلاء القوم قد سمّاهم الله الأنصار، وأثنى عليهم في القرآن فلهم بذلك حظٌّ عظيم وشأن غالب، وقد دَعَوا إلى أنفسهم وإلى عليّ بن أبي طالب، وعليٌّ في بيته لو شاء لردّهم، فادعوهم إلى صاحبكم وإلى تجديد بيعته، فإن أجابوكم وإلّا قاتلوهم، فوالله إني لأرجو الله أن ينصركم عليهم كما نُصرتم به.
ثم قام الحارث بن هشام فقال: إن يكن الأنصار تبوّأت الدار والإيمان من قبلُ، ونقلوا رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم إلى دورهم من دورنا، فآووا ونصروا، ثم ما رضوا حتى قاسمونا الأموال، وكفوْنا العمل، فإنهم قد لهجوا بأمرٍ إن ثبتوا عليه، فإنهم قد خرجوا مما وُسِموا به، وليس بيننا وبينهم معاتبة إلّا السيف، وإنْ نزعوا عنه فقد فعلوا الأولى بهم، والمظنون معهم.
ثم قام عِكرمة بن أبي جهل فقال: والله لولا قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأئمة من
1) شرح نهج البلاغة 275/2.
قريش»(1)ما أنكرنا إمرة الأنصار ولكانوا لها أهلاً، ولكنه قولٌ لا شكّ فيه ولا خيار، وقد عجلت الأنصار علينا، والله ما قبضا عليهم الأمر ولا أخرجناهم من الشورى، وإن الذي هم فيه من فلتات الأمور ونزغات الشيطان، وما لا يبلغه المنى ولا يحمله الأمل، أعذِروا إلى القوم فإن أبوا فقاتلوهم، فوالله لو لم يبقَ من قريش كلّها إلّا رجل واحد لصيّر الله هذا الأمر فيه. قال: وحضر أبو سفيان بن حرب فقال:
يا معشرَ قريش، إنه ليس للأنصار أن يتفضّلوا على الناس حتى يقرّوا بفضلنا عليهم، فإن تفضَّلوا فحسبنا حيث انتهى بها، وإلّا فحسبهم حيث انتهى بهم، وأيمُ الله لئن بَطروا المعيشة وكفروا النعمة، لنضربنّهم على الإسلام كما ضربوا عليه، فأما عليّ بن أبي طالب فأهلٌ - والله - أن يسوَّد على قريش وتطيعه الأنصار.
فلما بلغ الأنصارَ قول هؤلاء الرهط قام خطيبهم ثابت بن قيس بن شماس فقال:
يا معشر الأنصار، إنما يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهلُ الدين من قريش، فأما إذا كان من أهل الدنيا لا سيما من أقوام كلّهم موتور فلا يكبُرنّ عليهم، إنما الرأي والقول مع الأخيار المهاجرين. فإن تكلّمت رجال قريش الذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤلاء، فعند ذلك قولوا ما أحببتم وإلّا فأمسكوا.
وقال حسّان بن ثابت يذكر ذلك:
تنادی سُهیلٌ وابنُ حربٍ وحارثٌ *** وعكرمة الشَّاني لنا ابن أبي جهل
قتلنا أباه وانتزعنا سلاحه *** فأصبح بالبطْحاء أذلَّ من النعل
فأما سهيلٌ فاحتواه ابن دخشم *** أسيراً ذليلاً لا يُمِرُّ ولا يُحلي
وصخر بن حرب قد قتلنا رجاله *** غداة لوا بدرٍ فمِرجله يغلي
وراكضنا تحت العجاجة حارثٌ *** على ظهر جرداء كباسقة النخل
يقبّلها طوراً وطوراً يحثّها *** ويعدلها بالنفس والمال والأهل
أولئك رهطٌ من قريش تبايعوا *** على خطّة ليست من الخطط الفُضل
وأعجب منهم قابلو ذاك منهمُ*** كأنّا اشتملنا من قريشٍ على ذَحْل
1) انظر الأحكام السلطانية ص 6.
وكلّهمُ ثانٍ عن الحقّ عِطفه *** يقول اقتلوا الأنصار بئسَ من فِعل
نصرنا و آوینا النبيَّ ولم نخف *** صروف الليالي والبلاء على رَجْل
بذلنا لهم أنصاف مال اكفّنا *** كقسمة أيسار الجَزور من الفضَل
ومن بعد ذاك المال أنصاف دورنا *** وكنّا أناساً لا نعيَّر بالبخل
ونحمي ذمار الحيّ فهر بن مالك *** ونوقد نارَ الحرب بالحطب الجزل
فكان جزاء الفضل منّا عليهمُ *** جهالتهم حمقاً وما ذاك بالعدْل(1)
فبلغ شعر حسّان قريشاً، وأمروا ابن أبي عزّة شاعرهم أن يجيبه فقال:
معشر الأنصار خافوا ربّكم *** واستجيروا الله من شرِّ الفِتَن
إنني أرهب حرباً لاقحاً *** يشرق المرضعُ فيها باللَّبن
جرّها سعدٌ وسعدٌ فتنةٌ *** لیت سعد بن عبّادة لم يكن
خلف برهوت خفيّاً شخصُه *** بين بُصرى ذي رعين وجَدَن
ليس ما قدّر سعدٌ كائناً *** ما جرى البحر وما دام حَضَن
ليس بالقاطع منّا شعرة *** كيف يُرجى خيرُ أمرٍ لم يحِن
ليس بالمدرك منها أبداً *** غير أضغاثِ أماني الوسَن
لما اجتمع جمهور الناس لأبي بكر أكرمت قريش معن بن عديّ(3)وعويم بن ساعدة(4)، وكان لهما فضلٌ قديم في الإسلام.
فاجتمعت الأنصار لهما في مجلس ودعوهما، فلما أحضرا أقبلت الأنصار عليهما، فعيّروهما بانطلاقهما إلى المهاجرين، وأكبروا فعلهما في ذلك. فتكلم معن
1) النص مما أخل به ديوانه.
2) شرح نهج البلاغة 277/2.
3) هو معن بن عدي بن الحبر بن العجلان البلوي حليف الأنصار، شهد أحداً، وقتل شهيداً يوم اليمامة وكان طليعة لخالد بن الوليد في مائتي فارس (الإصابة 429/3).
4) هو عويم بن ساعدة بن عابس بن قيس بن النعمان الأنصاري الأوسي، شهد العقبة، قيل مات في خلافة عمر (الإصابة 45/3) .
فقال: يا معشر الأنصار، إن الذي أراد الله بكم خيرٌ مما أردتم بأنفسكم، وقد كان منكم أمرٌ عظيم البلاء وصغّرته العاقبة، فلو كان لكم على قريش ما لقريش عليكم ثم أردتموهم لما أرادوكم به، لم آمنْ عليهم منكم مثل ما آمن عليكم منهم، فإن تعرفوا الخطأ فقد خرجتم منه وإلّا فأنتم فيه.
ثم تكلّم عُويم بن ساعدة فقال: يا معشر الأنصار، إن من نعم الله عليكم أنه - تعالى - لم يُردْ ما أردتم بأنفسكم، فاحمدوا الله على حسن البلاء وطول العافية وصرف هذه البلية عنكم، وقد نظرت في أول فتنتكم وآخرها فوجدتها جاءت من الأماني والحسد، واحذروا النَّعَم، فوددتُ أنّ الله صيّر إليكم هذا الأمر بحقه فكنا نعيش فيه: فوثبت عليهما الأنصار، فأغلظوا لهما وفحشوا عليهما، وانبرى لهما فروة بن عمرو(1)فقال: أنسيتما قولكما لقريش: «إنا قد خلّفنا وراءنا قوماً قد حلّت دماؤهم بفتنتهم» هذا - والله - ما لا يغفر ولا يُنسى، وقد تُصرَف الحيّة على وجهها وسمّها في نابها. فقال معن في ذلك:
وقالت ليَ الأنصارُ إنك لم تُصِب *** فقلت: أما لي في الكلام نصيب
فقالوا: بلى قل ما بدا لك راشداً *** فقلت: ومثلي بالجواب طبيب
تركتُكمْ والله لمّا رأيتكم *** تُيوساً لها بالحرّتين نبيب(2)
تنادون بالأمر الذي النجم دونه *** ألا كلّ شيء ما سواه قريب
فقلتُ لكم قول الشفيق عليكمُ *** وللقلب من خوف البلاء وجيب
دعوا الركض واثنوا من أعنّة بَغيكمْ *** ودبُّوا فسيْر القاصدين دبيب
وخلّوا قريشاً والأمور وبايعوا *** لمن بايعوه تُرشدوا وتُصيبوا
أراكم أخذتم حقّكم بأكفّكمْ *** وما الناسُ إلّا مخطىءٌ ومصيب
فلما أبيتم زُلتُ عنكم إليهمُ *** فلي فيكم بعد الذنوب ذنوب
فلا تبعثوا مني الكلام فإنني *** إذا شئت يوماً شاعرٌ وخطيب
وإني لحلوٌ تعتريني مرارةٌ *** وملحٌ أجاج تارةً وشروب(1)
لكلّ امرىء عندي الذي هو أهله *** أفانين شتى والرجال ضروب
وقال عويم بن ساعدة في ذلك:
وقالت لي الأنصار أضعاف قولهمْ *** لمعنٍ وذاك القولُ جهلٌ من الجهل
فقلت: دعوني لا أباً لأبيكمُ *** فإني أخوكم صاحب الخطر الفَصل
أنا صاحب القول الذي تعرفونه *** أقطّع أنفاس الرجال على مهل
فإن تسكتوا أسكت وفي الصمت راحةٌ *** وإن تنطِقُوا أصمُت ْمقالتكم تبلي
وما لُمتُ نفسي في الخلاف عليكمُ *** وإن كنتمُ مستجمعين على عَذلي
أريدُ بذاك الله لا شيءَ غيره *** وما عند ربّ الناس من درَج الفضل
وما ليَ رِحْمٌ في قريش قريبةٌ *** ولا دارها داري ولا أصلها أصلي
ولكنهم قومٌ علينا أئمةٌ *** أدينُ لهم ما أنفذت قدمي نعلي
وكان أحقّ الناس أن تقنعوا به *** ويحتملوا مَن جاء في قوله مثلي
لأني أخفُّ الناس فيما يسركم *** وفيما يسؤكم لا أمرُّ ولا أحلي
وقال فروة بن عمرو - وكان ممن تخلف عن بيعة أبي بكر، وكان ممن جاهد مع رسول الله، وقاد فرسين في سبيل الله، وكان يتصدّق من نخله بألف وَسْق في كل عام، وكان سيّداً، وهو من أصحاب عليّ، وممن شهد معه يوم الجمل - قال: فذكر معناً
وعويماً، وعاتبهما على قولهما:
ألا قل لمعنٍ إذا جئتَه *** وذاك الذي شيخه ساعِدَه
بأنّ المقال الذي قلتما *** خفيفٌ علينا سوى واحده
مقالكمُ إنّ مَن خَلْفنا *** مراض قلوبهمُ فاسده
حلال الدماء على فتنةٍ *** فیا بئسما ربّتِ الوالده
فلم تأخذا قَذْر أثمانها *** ولم تستفيدا بها فائده
لقد كذب اللهُ ما قلتُما *** وقد يكذب الرائد الواعِده(2)
ثم إن الأنصار أصلحوا بين هذين الرجلين وبين أصحابهما، ثم اجتمعت جماعة من قريش يوماً وفيهم ناس من الأنصار وأخلاط من المهاجرين، وذلك بعد انصراف الأنصار عن رأيها وسكون الفتنة. فاتفق ذلك عند قدوم عمرو بن العاص من سفر كان فيه، فجاء إليهم فأفاضوا في ذكر يوم السقيفة وسعد ودعواه الأمر، فقال عمرو بن العاص: والله لقد دفع الله عنا من الأنصار عظيمة، ولما دفع الله عنهم أعظم، كادوا - والله - أن يحلّوا حبل الإسلام كما قاتلوا عليه ويخرجوا منه مَن أدخلوا فيه. والله لئن كانوا سمعوا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الأئمة من قريش» ثم ادّعوها لقد هلكوا وأهلكوا، وإن كانوا لم يسمعوها فما هم كالمهاجرين ولا سعد كأبي بكر، ولا المدينة كمكة، ولقد قاتلونا أمس فغلبونا على البدء، ولو قاتلناهم اليوم لغلبناهم على العاقبة.
فلم يجبه أحد وانصرف إلى منزله وقد ظفر فقال:
الا قل لأوسٍ إذا جئتها *** وقل إذا ما جئت للخزرجِ
تمنيتمُ الملك في يثربٍ *** فأنزلت القِدْر لم تنضج
وأخدجتمُ الأمر قبل التما *** مِ وأعجب بذا المعجَل المخدَج(2)
تريدون نَتج الحِيال العشا َ*** رَ ولم تلقحوه فلم ينتج
عجبتُ لسعدٍ وأصحابه *** ولو لم يهيجوه لم يَهتج
رجا الخزرجيّ رجاء السراب *** وقد يخلف المرءَ ما يرتجي
فكان كمُنْحٍ على كفِّه *** بكفِّ يقطّعها أهوج
فلما بلغ الأنصارَ مقالته وشعره بعثوا إليه لسانهم وشاعرهم النعمان بن العجلان، وكان رجلاً أحمر قصيراً تزدريه العيون، وكان سيّداً فخماً، فأتى عمراً وهو في جماعة من قريش فقال: والله يا عمرو ما كرهتم من حربنا إلّا ما كرهنا من حربكم،
وما كان الله ليخرجكم من الإسلام بمن أدخلكم فيه. إن كان النبي - صلى الله عليه وآله - قال: «الأئمة من قريش» فقد قال: «لو سلك الناسُ شِعباً، وسلك الأنصار شعباً لَسلكتُ شِعبَ الأنصار»(1). والله ما أخرجناكم من الأمر إذ قلنا: منا أميرٌ ومنكم أمير. وأمّا من ذكرتَ، فأبو بكر لعمري خيرٌ من سعد، لكن سعداً في الأنصار أطوع من أبي بكر في قريش.
فأما المهاجرون والأنصار فلا فرق بينهم أبداً، ولكنك يا ابن العاص، وَنرتَ بني عبد مناف بمسيرك إلى الحبشة لقتل جعفر وأصحابه، ووترتَ بني مخزوم بإهلاك عُمارة بن الوليد، ثم انصرف فقال(2):
فقل لقريشٍ: نحن أصحاب مكة *** ويوم حُنين والفوارس في بدر
وأصحاب أحْدٍ والنضير وخيبرٍ *** ونحن رجعنا من قُريظةَ بالذكر
ويوم بأرض الشام أدخل جعفر *** وزيد وعبد الله في عَلَقٍ يجري
وفي كل يوم ينكر الكلبُ أهله *** نطاعنُ فيه بالمثقّفةِ السُّمْر
ونضرب في نقع العجاجة أرؤساً *** بِبيضٍ كأمثال البروق إذا تسري(3)
نضرنا و آوينا النبيَّ ولم نخف *** صروف الليالي والعظيمَ من الأمر
وقلنا لقوم هاجروا قبلُ: مرحباً *** وأهلاً وسهلاً قد أمنتم من الفقر
نقاسمكم أموالنا وبيوتنا(4)*** كقسمة أيسار الجزور على الشَّطر
ونكفيكمُ الأمر الذي تكرهونه *** وكنّا أناساً نُذهبُ العُسر باليُسر
وقلتم: حرامٌ نصب سعد ونصبكمْ *** عتيق بن عثمان حلالٌ أبا بكر
وأهلٌ أبو بكر لها خير قائمٍ *** وإنّ علياً كان أخلق بالأمر
وکان هواناً في عليّ وإنه *** لأهلٌ لها يا عمرو من حيثُ لا تدري (5)
فذاك بعون الله يدعو إلى الهدى *** وينهى عن الفحشاء والبغي والنُّكر
وصيُّ النبيّ المصطفى وابنُ عمّه *** وقاتلُ فرسان الضلالة والكفر
وهذا بحمد الله يَهدي من العمى *** ويفتح آذاناً ثقلن من الوَقر
نجيُّ رسول الله في الغار وحده *** وصاحبه الصدِّيق في سالف الدهر
فلولا اتقاء الله لم تذهبوا بها *** ولكنّ هذا الخير أجمع للصبر
ولم نرضَ إلّا بالرضا ولربما *** ضربنا بأيدينا إلى أسفل القِدر
فلما انتهى شعر النعمان وكلامه إلى قريش غضب كثيرٌ منها، وألفى ذلك قدوم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن، وكان رسول الله استعمله عليها، وكان له ولأخيه أثر عظيم في الإسلام، وهما من أوّل من أسلم من قريش، ولهما عبادة وفضل.
فغضب للأنصار، وشتم عمرو بن العاص وقال: يا معشر قريش، إن عمراً دخل في الإسلام حين لم يجد بدًّا من الدخول فيه، فلما لم يستطع أن يكيده بيده كاده بلسانه، وإن من كيده الإسلام تفريقه وقطعه بين المهاجرين والأنصار.
والله ما حاربناهم للدين ولا للدنيا، لقد بذلوا دماءهم لله - تعالى - فينا وما بذلنا دماءنا لله فيهم، وقاسمونا ديارهم وأموالهم وما فعلنا مثل ذلك بهم، وآثرونا على الفقر وحرمناهم على الغنى، ولقد وصّى رسول الله بهم، وعزّاهم عن جفوة السلطان، فأعوذ بالله أن أكون وإياكم الخلف المضيّع، والسلطان الجاني.
وقال خالد بن سعيد بن العاص في ذلك:
تفوّه عمرو بالذي لا نُريده *** وصرّح للأنصار عن شنأة البغض
فإن تكن الأنصار زَلّت فإننا *** نقيل ولا نجزيهم القَرض بالقرض
فلا تقطعنْ یا عمرو ما كان بيننا *** ولا تحملنْ يا عمرو بعضاً على بعض
أتنسىٰ لهم يا عمرو ما كان منهمُ *** لياليَ جئناهم - من النّفل والفرض
وقسْمتَنا الأموال كاللحم بالمدي *** وقسمتَنا الأوطان كلٌّ به يقضي
1) شرح نهج البلاغة 281/2.
لياليَ كلُّ الناس بالكفر جهرة *** ثِقالٌ علينا مجمعونَ على البغض
فساووا وآووا وانتهينا إلى المنى *** وقرَّ قرارنا من الأمن والخفض
ثم إنّ رجالاً من سفهاء قريش ومثيري الفِتن منهم، اجتمعوا إلى عمرو بن العاص فقالوا له: إنك لسانُ قريش ورجلُها في الجاهلية والإسلام، فلا تدَع الأنصار وما قالت، وأكثروا عليه من ذلك، فراح إلى المسجد، وفيه ناس من قريش وغيرهم، فتكلّم وقال: إنّ الأنصار ترى لنفسها ما ليس لها، وأيمُ الله لوددت أن الله خلّى عنا وعنهم وقضى فيهم وفينا بما أحبّ، ولنحنُ الذين أفسدنا على أنفسنا، أحرزناهم عن كل مكروه، وقدّمناهم إلى كل محبوب حتى أمنوا المخوف، فلما جاز لهم ذلك صَغروا حقّنا ولم يراعوا ما أعظمنا من حقوقهم.
ثم التفت فرأى الفضل بن العباس بن عبد المطلب، وندم على قوله، للخؤولة التي بين ولد عبد المطلب وبين الأنصار، ولأن الأنصار كانت تُعظّم عليًّا، وتهتف باسمه حينئذ، فقال الفضل: يا عمرو، إنه ليس لنا أن نكتم ما سمعنا منك، وليس لنا أن نجيبَك وأبو الحسن شاهد بالمدينة إلّا أن يأمرنا فنفعل.
ثم رجع الفضل إلى عليّ فحدّثه، فغضب وشتم عمراً وقال: آذى الله ورسوله، ثم قام فأتى المسجد، فاجتمع إليه كثيرٌ من قريش وتكلّم مغضباً فقال:
يا معشر قريش، إن حبّ الأنصار إيمان وبغضَهم نفاق، وقد قضّوا ما عليهم وبقي ما عليكم. واذكروا أن الله رغب لنبيّكم عن مكة فنقله إلى المدينة، وكره له قريشاً فنقله إلى الأنصار، ثم قدِمنا عليهم، دارهم، فقاسمونا الأموال وكفونا العمل، فصرنا منهم بين
بين بذل الغنيّ وإيثار الفقير، ثم حاربَنا الناس فوقَونا بأنفسهم، وقد أنزل الله - تعالى - فيهم آية من القرآن، جمع لهم فيها بين خمس نِعَم فقال: (والذينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمانَ مِن قَبلِهم يُحبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِليهمْ ولا يجدونَ في صدورِهِم حاجَةً ممّا أوتوا، ويُؤثرونَ على أنفُسِهِمْ ولو كانَ بهِمْ خَصَاصَةٌ ومن يُوقَ شُحَّ نَفسِه فأولئكَ همُ
1) شرح نهج البلاغة 281/2.
المُفلِحونَ)(1).
ألا وإنّ عمرو بن العاص قد قام مقاماً آذى فيه الميّت والحيّ، ساء به الواتر وسرّ به الموتور فاستحق من المستمع الجواب ومن الغائب المقْت، وإنه مَن أحبّ الله ورسوله أحبّ الأنصار، فليكفف عمرو عنا نفسه.
فمشت قریش عند ذلك إلى عمرو بن العاص فقالوا: أيها الرجل، أما إذ غضب علي فاكفف.
وقال خزيمة بن ثابت الأنصاري يخاطب قريشاً:
أيا لَ قريش أصلحوا ذات بيننا *** وبينكمُ قد طال حبلُ التماحك(3)
فلا خير فيكم بعدنا فارفقوا بنا *** ولا خير فينا بعد فهر بن مالك
كلانا على الأعداء كفّ طويلة *** إذا كان یوم فيه جَبُّ الحوارك(4)
فلا تذكروا ما كان منا ومنكمُ *** ففي ذِكر ما كان مشيُ التساؤك(5)
وقال عليّ للفضل: يا فضل، أنصر الأنصار بلسانك ويدك، فإنهم منك وإنك منهم، فقال الفضل:
قلتَ يا عمرو مقالاً فاحشاً *** إن تعد يا عمرو والله فلك
إنما الأنصار سيفٌ قاطع *** مَن تصبه ظُبَة السيف هلك(7)
وسيوفٌ قاطع مضرَبُها *** وسهام الله في يوم الحلَك
نصروا الدين وآووا أهله *** منزلٌ رحْبٌ ورٍزق مشترك
وإذا الحربُ تلضّت نارُها *** بركوا فيها إذا الموت برَك
ودخل الفضل على عليّ فأسمعه شعره، ففرح به وقال: وريْتُ بك زنادي يا فضل، أنت شاعر قريش وفتاها، فأظهر شعرك وابعث به إلى الأنصار.
فلما بلغ ذلك الأنصار قالت: لا أحد يجيبُ إلّا حسّان الحسام. فبعثوا إلى حسّان بن ثابت، فعرضوا عليه شعر الفضل فقال: كيف أصنع بجوابه! إن لم أتحرَّ قوافيه فضحني، فرويداً حتى أقفو أثره في القوافي. فقال له خزيمة بن ثابت: اذكر علياً وآله يكفِك عن كلّ شيء، فقال(1):
جزى الله عنّا والجزاء بكفِّه *** أبا حسنٍ عنّا ومَنْ كأبي حسَن
سبقتَ قريشاً بالذي أنت أهله *** فصدرك مشروح وقلبك ممتَحن
تمنّت رجالٌ من قريش أعزّةٌ *** مكانك، هيهات الهزال من السّمَن
وأنت من الإسلام في كلّ موطن *** بمنزلة الدَّلو البَطين من الرّسَن
غضبت لنا إذ قام عمرٌو بخطبةٍ *** أمات بها التقوى وأحيا بها الإحَن
فكنتَ المرجّىٰ من لؤيّ بن غالب *** لما كان منهم والذي كان لم يكن
حفظت رسول الله فينا وعهده *** إليك ومَنْ أولى به منك مَنْ ومَن
ألستَ أخاه في الهدى ووصيّهُ *** وأعلمَ منهم بالكتاب وباسُّنن
فحقك ما دامت بنجد وشيجةْ *** عظيم علينا ثم بعد على اليمن
قال الزبير: وبعثت الأنصار بهذا الشعر إلى عليّ بن أبي طالب، فخرج إلى المسجد وقال لمن به من قريش وغيرهم: يا معشر قريش، إنّ الله جعل الأنصار أنصاراً، فأثنى عليهم في الكتاب، فلا خير فيكم بعدهم. إنه لا يزال سفيه من سفهاء قريش وتَره الإسلام ودفعه عن الحق وأطفأ شرفه وفضل غيره عليه، يقوم مقاماً فاحشاً فيذكر الأنصار، فاتقوا الله وارعوا حقهم، فوالله لو زالوا لزلتُ معهم لأن رسول الله قال لهم: «أزول معكم حيثما زلتم» فقال المسلمون جميعاً: رحمك الله يا أبا الحسن،
1) النص مما أخل به ديوانه.
قلت قولاً صادقاً.
إن الأنصار لترى لها من الحق علينا ما لا نراه، والله لئن كانوا آووا لقد عزّوا بنا، ولئن كانوا آسوا لقد منّوا علينا، والله ما نستطيع مودتهم لأنه لا يزال قائل منهم يذكر ذلَّنا بمكة وعزّنا بالمدينة، ولا ينفكّون يعيّرون موتانا ويغيظون أحياءنا. فإن أجبناهم قالوا: غضبت قريش على غاربها ولكن قد هوّن عليَّ ذلك منهم حرصُهم على الدين أمس، واعتذارهم من الذنب اليوم، ثم قال:
تباذَخت الأنصار في الناس باسمها *** ونسبتُها في الأزد عمرو بن عامر
وقالوا: لنا حقٌّ عظيمٌ ومِنَّة *** علی کلّ بادٍ من مَعدٍّ وحاضر
فإن يك للأنصار فضلٌ فلم تنلْ *** بحرمته الأنصار فضل المهاجر
وإن تكن الأنصار آوتْ وقاسمتْ *** معايشها مَنْ جاء قسمة جازر
فقد أفسدت ما كان منها بمنّها *** وما ذاك فعلُ الأكرمين الأكابر
إذا قال حسَّانٌ وكعب قصيدةً *** بشتم قريش غُنّيت في المعاشر
وسار بها الركبان في كل وجهة *** وأعملَ فيها كلُّ خُفٍّ وحافر
فهذا لنا من كلِّ صاحب خطبة *** يقوم بها منكم ومن كل شاعر
وأهلٌ بأن يُهجَوا بكل قصيدة *** وأهلٌ بأن يُرمَوا بنبل فواقر
قال: ففشا شعره في الناس، فغضبت الأنصار وغضب لها من قريش قومٌ، منهم
ضرار بن الخطاب الفهريّ وزيد بن الخطاب، ويزيد بن أبي سفيان، فبعثوا إلى الوليد فجاء.
فتكلم زيد بن الخطاب فقال: يابن عُقبة بن أبي معيط، أما والله لو كنتَ من الفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، لأحببتَ الأنصار، ولكنك من الجُفاة في الإسلام البطآء عنه الذين دخلوا فيه بعد أن ظهر أمرُ الله وهم كارهون.
إنا نعلم أنا أتيناهم ونحن فقراء فأغنونا، ثم أصبنا الغنى فكفّوا عنا. ولم يرزءونا شيئاً. فأما ذكرهم ذلّة قريش بمكة وعزّها بالمدينة فكذلك كنا. وكذلك قال الله تعالى: (واذكُرُوا إِذْ أَنتُم قليلٌ مستضعَفونَ في الأرضِ تخافُونَ أنْ يتخطَّفَكُمُ الناسُ)(1)فنصرنا الله - تعالى - بهم، وآوانا إلى مدينتهم.
وأمّا غضبك لقريش فإنا لا ننصرُ كافراً، ولا نوادّ ملحداً ولا فاسقاً. ولقد قلت وقالوا فقطعك الخطيب وألجمكَ الشاعر.
وأمّا ذكرك الذي كان بالأمس، فدع المهاجرين والأنصار فإنك لست من ألسنتهم في الرضا، ولا نحن من أيديهم في الغضب.
وتكلم يزيد بن أبي سفيان فقال: يابن عُقبة، الأنصار أحقُّ بالغضب لقتلى أحد، فاكفف لسانك فإن مَنْ قتله الحق لا يغضب له. وتكلم ضرار بن الخطاب فقال: أما - والله - لولا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الأئمة من قريش» لقلنا: الأئمة من الأنصار، ولكن جاء أمر غلَب الرأي، فأقمع شِرّتك أيها الرجل ولا تكن امرأ سَوْء، فإنَّ الله لم يفرق بين الأنصار والمهاجرين في الدنيا، وكذلك الله لا يفرّق بينهم في الآخرة.
وأقبل حسّان بن ثابت مغضَباً من كلام الوليد بن عُقبة وشعره، فدخل المسجد وفيه قوم من قريش فقال: يا معشر قريش، إن أعظم ذنبنا إليكم قتلُنا كفارَكم، وحمايتنا رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم وإن كنتم تنقمون منّا منّة كانت بالأمس فقد كفى الله شرها، فمالنا ومالكم. والله ما يمنعنا من قتالكم الجبنُ، ولا من جوابكم العِيّ. إنا لحيّ فِعال
1) سورة الأنفال آية 26 .
ومقال ولكنا قلنا: إنها حرب، أولها عار وآخرها ذلٌّ، فأغضينا عليها عيوننا، وسحبنا ذيولنا حتى نرى وتَروا، فإن قلتم قلنا وإن سكتّم سكتنا.
فلم يجبه أحد من قريش، ثم سكت كلٌّ من الفريقين عن صاحبه، ورضيَ القوم
أجمعون، وقطعوا الخلاف والعصبية.
لعبد الرحمٰن أو لعبيد الله بن عمر بن الخطاب جاءت إليه تشكوه فقالت: يا أميرَ المؤمنين، ألا تعذرني من أبي عيسى؟ قال: ومَن أبو عيسى؟ قالت: ابنك عبيد الله، قال: ويحك! وقد تكنّى بأبي عيسى! ثم دعاه فقال: إيهاً، اكتنيت بأبي عيسى! فحذر وفزع، وأخذ يده فعضّها، ثم ضربه وقال: ويلك! وهل لعيسى أب؟ أتدري ما كُنى العرب؟ أبو سلمة، أبو حنظلة، أبو عرفطة، أبو مرّة ..
قال الزبير: وكان عمر إذا غضب على بعض أهله لم يسكن غضبه حتى يعضَّ يده عضّاً شديداً. وكان عبد الله بن الزبير كذلك. ولقوة هذا الخُلق عنده أضمر عبد الله بن عباس في خلافته إبطال القول بالعوْل(2)وأظهره بعده، فقيل له: هلا قلت هذا في أيام عمر! فقال هبتُه، وكان أميراً مهيبا.
مواجهتنا معرفةً منهم بدحوض حجتهم، فإذا غابوا عنا يروح بعضهم إلى بعض يذكرنا. وقد وجدوا على ذلك أعواناً من نظرائهم ومؤازرين من شبهائهم، فبعداً بعداً ورغماً رغماً! ثم أنشد بيتين كأنه يومىء فيهما إلى علي عليه السلام:
توقّد بنار أينما كنتَ واشتعل *** فلستَ ترى مما تعالج شافيا
تشُطّ فيقضي الأمر دونك أهلُه *** وشيكاً ولا تُدعى إذا كنت نائيا
مالي ولفيئكم وأخذ مالكم! ألستُ من أكثر قريش مالاً، وأظهرهم من الله نعمة! ألم أكن على ذلك قبل الإسلام وبعده! وهبوني بنيتُ منزلاً من بيت المال، أليس هو لي ولكم! ألم أقِمْ أموركم وإني من وراء حاجاتكم؟ فما تفقدون من حقوقكم شيئاً، فلمَ لا أصنع في الفضل ما أحببتُ؟ فلمَ كنتُ إماماً إذاً؟ ألا وإن من أعجب العجب، أنه بلغني عنكم أنکم تقولون: لنفعلنّ به ولنفعلنَّ. فبمن تفعلون؟ الله آباؤكم! أبنقَد البقاع أم بفقع القاع؟ ألستُ أحراكم إن دعا أن يُجاب؟ وأقمنَكم إن أمر أنْ يُطاع؟ لهفي على بقائي فيكم بعد أصحابي، وحياتي فيكم بعد أترابي، يا ليتني تقدمت قبل هذا، لكني لا أحبُ خلاف ما أحبَّه الله لي عزّ وجلّ. إذا شئتم فإن الصادق المصدّق محمداً - صلى الله عليه وسلم - قد حدّثني بما هو كائن من أمري وأمركم، وهذا بدء ذلك وأوله، فكيف الهرب مما حتّم وقدّر! أما إنه - عليه السلام - قد بشّرني في آخر حديثه بالجنة دونكم، إذا شئتم فلا أفلح من ندِم.
قال: ثم هم بالنزول فبصر بعليّ بن أبي طالب - عليه السلام - ومعه عمار بن ياسر - رضي الله عنه - وناسٌ من أهل هواه يتناجوْن فقال: إيهاً إيهاً! أسراراً لا جهاراً! أما والذي نفسي بيده ما أحنِق على جِرّة ولا أوتي من ضعف مِرّة، ولولا النظر لي ولكم، والرفق بي وبكم لعاجلتكم فقد اغتررتم وأقلتم من أنفسكم.
ثم رفع يديه يدعو ويقول: اللهمّ قد تعلم حبّي للعافية فألبسنيها، وإيثاري للسلامة فأتينها.
قال: فتفرّق القوم عن علي - عليه السلام - وقام عديّ بن الخيار فقال: أتمّ الله عليك يا أميرَ المؤمنين النعمةَ، وزادك في الكرامة، والله لأنْ تُحسَد أفضل من أن تحسُد، ولأن تنافَس أجل من أن تنافِس. أنت - والله - في حسبنا الصميم ومنصبنا
الكريم، إن دعوت أجبت، وإن أمرت أُطعت، فقل نفعل وادعُ تُجب، جُعلت الخيَرة والشورى إلى أصحاب رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - ليختاروا لهم ولغيرهم، وإنهم ليرونَ مكانك ويعرفون مكان غيرك فاختاروك منيبين طائعين غير مكرهين ولا مجبَرين، ما غيّرت ولا فارقت ولا بدّلت ولا خالفت، فعلامَ يقدمون عليك وهذا رأيهم فيك! أنت والله كما قال الأول:
اذهب إليك فما للحسو *** د إلّا طلابك تحت العشار
حکمت فما جُرتَ في خَلّةٍ *** فحكمك بالحق بادي المنار
فإن يسبَعوك فسِرًّا وقد *** جهرت بسيفك كل الجهار(1)
قال: ونزل عثمان فأتى منزله، وأتاه الناس وفيهم ابن عباس، فلما أخذوا مجالسهم، أقبل على ابن عباس فقال: ما لي ولكم يا ابن عباس! ما أغراكم بي، وأولعكم بتعقب أمري! أتنقمون عليَّ أمر العامة؟ أتيتُ من وراء حقوقهم، أم أمركم، فقد جعلتهم يتمنون منزلتكم! لا والله لكن الحسد والبغي وتثوير الشر وإحياء الفتن، والله لقد ألقى النبي - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - إليّ ذلك وأخبرني به عن أهله واحداً واحداً! والله ما كذَبت ولا أنا بمكذوب.
فقال ابن عباس: على رسْلِك يا أميرَ المؤمنين، فوالله ما عهدتك جهراً بسرّك، ولا مظهراً ما في نفسك، فما الذي هيّجك وثوّرك؟ إنا لم يولعنا بك أمر، ولم نتعقب أمرك بشيء، أتيت بالكذب وتُسوّق عليك بالباطل. والله ما نقمنا عليك لنا ولا للعامة، قد أوتيت من وراء حقوقنا وحقوقهم، وقضيتَ ما يلزمك لنا ولهم، فأما الحسد والبغي وتثوير الفتن وإحياء الشر فمتى رضيت به عِترة النبي وأهل بيته؟ وكيف وهم منه وإليه، على دين الله يثورون الشر، أم على الله يحيون الفتن؟ كلا ليس البغي ولا الحسد من طباعهم.
فاتئذ يا أميرَ المؤمنين وأبصرْ أمرك، وأمسك عليك فإنّ حالتك الأولى خير من حالتك الأخرى. لعمري إن كنت لأثيراً عند رسول الله، وإن كان ليفضي إليك بسره ما يطويه عن غيرك، ولا كذبت ولا أنت بمكذوب، أخْسَ الشيطان عنك لا يركبك
1) يسبعونك: يشتمونك.
واغلب غضبك ولا يغلبك، فما دعاك إلى هذا الأمر الذي كان منك؟
قال: دعاني إليه ابن عمك عليّ بن أبي طالب. فقال ابن عباس: وعسى أن يكذبَ مبلّغك. قال عثمان: إنه ثقة. قال ابن عباس: إنه ليس بثقة مَنْ بلّغ وأغرى. قال عثمان: يا ابن عباس آلله إنك ما تعلم من علي ما شكوتُ منه؟ قال: اللهمّ لا إلّا أن يقول كما يقول الناس، وينقم كما ينقمون، فمن أغراك به وأولعك بذكره دونهم؟ فقال عثمان: إنما آفتي من أعظم الداء الذي ينصب نفسه لرأس الأمر وهو علي ابن عمك، وهذا والله كله من نكده وشؤمه. قال ابن عباس: مهلاً استثنِ يا أميرَ المؤمنين، قل: إن شاء الله. فقال: إن شاء الله. ثم قال: إني أنشدك يا ابن عباس الإسلام والرحم، فقد والله غُلِبت وابتليت بكم، والله لوددت أن هذا الأمر كان صار إليكم دوني فحملتموه عنّي، وكنتُ أحدَ أعوانكم عليه إذاً. والله لوجدتموني لكم خيراً مما وجدتكم لي، ولقد علمت أن الأمر لكم، ولكن قومكم دفعوكم عنه واختزلوه دونكم، فوالله ما أدري أدفعوه عنكم أم دفعوكم عنه؟
قال ابن عباس: مهلاً يا أميرَ المؤمنين، فإنا ننشدك اللهَ والإسلامَ والرحمَ، مثل ما نشدتنا، أن تُطمع فينا وفيك عدوّاً، وتُشمِت بنا وبك حسوداً. إن أمرك إليك ما كان قولاً، فإذا صار فعلاً فليس إليك ولا في يديك. وإنا والله لنخالفنّ إن خولفنا، ولننازعنّ إن نوزعنا، وما تمنّيك أن يكون الأمر صار إلينا دونك إلّا أن يقول قائل منا ما يقوله الناس ويعيب كما عابوا! فأما صرف قومنا عنّا الأمر فعن حسدٍ قد والله عرفته، وبغي قد والله علمته، فاللهَ بيننا وبين قومنا! وأمّا قولك: إنك لا تدري أدفعوه عنّا أم دفعونا عنه؟ فلعمري إنك لتعرف أنه لو صار إلينا هذا الأمر ما زدنا به فضلاً إلى فضلنا ولا قدراً إلى قدرنا، وإنا لأهلُ الفضل وأهل القدر، وما فضَل فاضلٌ إلّا بفضلنا، ولا سبَق سابق إلّا بسبقنا، ولولا هدينا ما اهتدى أحد ولا أبصروا من عمىً ولا قصدوا من جور.
فقال عثمان: حتى متى يا ابن عباس يأتيني عنكم ما يأتيني؟ هبوني كنتُ بعيداً أما كان لي من الحقّ عليكم أن أراقب وأن أناظر. بلى. وربّ الكعبة، ولكنّ الفرقة سهَّلت لكم القول في وتقدمت بكم إلىّ. والله المستعان.
قال ابن عباس: مهلاً حتى ألقى عليًّا ثم أحمل إليك على قدر ما رأى. قال عثمان: افعل فقد فعلت، وطالما طلبت فلا أطلَب(1)، ولا أجاب ولا أعتب.
قال ابن عباس: فخرجت فلقيتُ عليًّا وإذا به من الغضب والتلظّي أضعاف ما بعثمان، فأردتُ تسكينَه فامتنع، فأتيتُ منزلي وأغلقت بابي واعتزلتهما.
فبلغ ذلك عثمان فأرسل إليّ، فأتيته وقد هدأ غضبه، فنظر إليّ ثم ضحك وقال: يا ابن عبّاس ما أبطأ بكَ عنا؟ إن تركك العوْد إلينا لدليلٌ على ما رأيت عند صاحبك، وعرفت من حاله، فالله بيننا وبينه، خذ بنا في غير ذلك.
قال ابن عباس: فكان عثمان بعد ذلك إذا أتاه عن عليّ شيءٌ فأردتُ التكذيب عنه يقول: ولا يوم الجمعة حين أبطأتَ عنا وتركت العوْد إلينا؟ فلا أدري كيف أردّ عليه.
خرجتُ من منزلي سَحَراً أسابق إلى المسجد وأطلب الفضيلة، فسمعت خَلفي حِسًّا وكلاماً، فتسمّعتُه فإذا حسُّ عثمان وهو يدعو ولا يَرى أنّ أحداً يسمعه، ويقول: اللهمّ قد تعلم نيّتي فأعنّي عليهم، وتعلم الذين ابتليتُ بهم من ذوي رحمِي وقرابتي، فأصلحني لهم وأصلحهم لي.
قال: فقصّرت من خطوتي وأسرع في مشيته، فالتقينا فسلّم فرددت عليه فقال: إني خرجت ليلتَنا هذه أطلب الفضلَ والمسابقة إلى المسجد، فقلت: إنه أخرجني ما أخرجك، فقال: والله لئن سابقت إلى الخير، إنك لمن سابقين مباركين، وإني لأحبّكم وأتقرّب إلى الله بحبّكم، فقلت: يرحمك الله يا أميرَ المؤمنين، إنا لنحبّك ونعرف سابقتك وسنّك وقرابتك وصهرك. قال: يا ابن عباس، فما لي ولابن عمّك وابن خالي! قلت أيّ بني عمومتي وبني أخوالك؟ قال: اللهمّ اغفر. أتسأل مسألة
الجاهل؟ قلت: إن بني عمومتي من بني خؤولتك كثير، فأيّهم تعني؟ قال: أعني عليًّا لا غيره. فقلت: لا والله يا أميرَ المؤمنين ما أعلم منه إلّا خيراً ولا أعرف له إلّا حسناً. قال: والله بالحريّ أن يستردونك ما يظهره لغيرك، ويقبض عنك ما ينبسط به إلى سواك. قال: ورمينا بعمار بن ياسر، فسلّم فرددت عليه سلامه، ثم قال: مَنْ معك؟ قلت: أمير المؤمنين عثمان، قال نعم وسلّم بكنيته، ولم يسلّم عليه بالخلافة، فردّ عليه، ثم قال عمّار: ما الذي كنتم فيه، فقد سمعت ذَرْواً منه؟(1)قلت: هو ما سمعتَ.
فقال عمار: رُبّ مظلوم غافل، وظالم متجاهل. قال عثمان: أما إنك من شُنَّائنا وأتباعهم، وأيم الله، إنّ اليدَ عليك لمنبسطة وإنّ السبيل إليك لسهلة، ولولا إيثار العافية ولمّ الشّعث لزجرتُك زجرة تكفي ما مضى وتمنع ما بقي.
فقال عمار: والله ما أعتذر من حبّي عليًّا، وما اليدُ بمنبسطة ولا السبيل بسهلة، إني لازم حجّة ومقيمٌ على سنّة.
وأمّا إيثارك العافيةَ ولمّ الشعث، فلازم ذلك. وأمّا زجري فأمسِك عنه، فقد كفاك معلّمي تعليمي.
فقال عثمان: أما والله إنك ما علمتُ من أعوان الشرِّ الحاضّين عليه، الخذَلة عند الخير المثبّطين عنه. فقال عمار: مهلاً يا عثمان، فقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله - يصفني بغير ذلك، قال عثمان: ومتى؟ قال: ومتى؟ قال: يوم دخلتُ عليه منصرفَه عن الجمعة، وليس عنده غيرك، وقد ألقى ثيابه، وقعد في فُضُله(2)، فقبلت صدره ونحره وجبهته فقال: «يا عمّار، إنك لتحبّنا وإنا لنحبّك، وإنك لمن الأعوان على الخير المثبّطين عن الشرّ». فقال عثمان: أجل ولكنك غيّرت وبدلت. قال: فرفع عمار يده يدعو وقال: أمّن يا ابن عبّاس. اللهمّ مَنْ غيّر فغيِّر به. ثلاث مرات.
قال: ودخلنا المسجد، فأهوى عمار إلى مصلاه، ومضيت مع عثمان إلى القبلة، فدخل المحراب وقال: تلَبَّث عليّ إذا انصرفنا فلما رآني عمار وحدي أتاني فقال: أما رأيت ما بلغ بي آنفاً! قلت: أما والله لقد أصعبت به وأصعب بك، فإن له
لسنّه وفضله وقرابته. قال: إن له لذلك ولكن لا حقّ لمن لا حقّ عليه. وانصرف.
وصلّى عثمان وانصرفتُ معه يتوكأ عليّ فقال: هل سمعت ما قال عمّار؟ قلت: نعم، فسرّني ذلك وساءني، أمّا مساءته إياي فما بلغ بك، وأمّا مسرّته لي فحلمك و احتمالك. فقال: إن عليًّا فارقني منذ أيام على المقاربة، وإن عماراً آتيه فقائل له و قائل، فابدُره إليه، فإنك أوثق عنده منه وأصدق قولاً، فألق الأمرَ إليه على وجهه. فقلت: نعم.
وانصرفتُ أريد علياً - عليه السلام - في المسجد، فإذا هو خارج منه، فلما رآني تفجّعَ لي من فَوْت الصلاة وقال: ما أدركتها! قلت: بلى ولكني خرجت مع أمير المؤمنين، ثم اقتصصت عليه القصّة، فقال: أما والله يا ابن عبّاس، إنه ليقرف قرَحة(1)، ليحورنّ عليه ألمها.
فقلت: إنّ له سنّه وسابقتَه وقرابته وصهره. قال: إنّ ذلك له، ولكن لا حقّ لمن
لا حقّ عليه. قال: ثم رهِقنا عمّار فبشّ به عليٌّ وتبسم في وجهه وسأله.
فقال عمّار: يا ابن عباس هل ألقيت إليه ما كنا فيه؟ قلت: نعم. قال: أما والله إذاً لقد قلت بلسان عثمان ونطقت بهواه. قلت: ما عدوتُ الحقّ جُهدي، ولا ذلك من فعلي، وإنك لتعلم أيّ الحظين أحبّ إليّ. وأيّ الحقين أوجب عليّ.
قال: فظنّ عليّ أنّ عند عمار غير ما ألقيتُ إليه، فأخذ بيده وترك يدي، فعلمت أنه يكره مكاني، فتخلّفت عنهما، وانشعب بنا الطريق، فسلكاه ولم يدعُني، فانطلقتُ إلى منزلي، فإذا رسول عثمان يدعوني. فأتيتُه فأجد ببابه مروان وسعيد بن العاص، في رجالٍ من بني أميّة فأذن لي وألطفني، وقرّبني وأدنى مجلسي، ثم قال: ما صنعت؟ فأخبرته بالخبر على وجهه وما قال الرجل، وقلتُ له - وكتمته قوله: إنه ليقرف قرحةً ليحورنّ عليه ألمها - إبقاء عليه، وإجلالاً له، وذكرتُ مجيء عمار، وبشّ عليّ له، وظنّ عليّ أن قبله غير ما ألقيت عليه، وسلوكهما حيث سلكا، قال وفعلا؟.
قلت: نعم. فاستقبل القبلة، ثم قال: اللهمّ ربّ السموات والأرض، عالم
1) قرف القرحة: قشرها بعد يبسها. ويحور: يعود.
الغيب والشهادة، الرحمٰن الرحيم، أصلح لي عليًّا، وأصلحني له! أمّن يا ابن عباس، فأمّنتُ. ثم تحدّثنا طويلاً، وفارقته وأتيت منزلي.
ما سمعت من أبي شيئاً قطّ في أمر عثمان يلومه فيه ولا يعذره، ولا سألته عن شيء من ذلك مخافَة أن أهجُم منه على ما لا يوافقه. فإنا عنده ليلةً ونحن نتعشّى إذ قيل: هذا أمير المؤمنين عثمان بالباب، فقال: الذنوا له. فدخل فأوسع له على فراشِه، وأصاب من العشاء معه، فلما رُفع قام مَنْ كان هناك، وثبتُّ أنا. فحمد عثمان الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا خالُ، فإني قد جئتُك استعذرك من ابن أخيك عليّ، سبّني وشهر أمري وقطع رحِمي وطعن في ديني، وإني أعوذ بالله منكم يا بني عبد المطلب، إن كان لكم حق تزعمون أنكم غلِبتم عليه، فقد تركتموه في يديْ مَنْ فعل ذلك بكم، وأنا أقرب إليكم رحماً منه. وما لمت منكم أحداً إلّا عليًّا، ولقد دعيتُ أن أبسط عليه، فتركته لله والرّحِم، وأنا أخاف أن يتركني فلا أتركه.
قال ابن عباس: فحمد أبي الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا ابن أختي، فإن كنتَ لا تحمَد عليًّا لنفسك فإني لا أحمدك لعليّ، وما عليّ وحده قال فيك، بل غيره، فلو أنّك اتّهمت نفسك للناس، انّهم الناس أنفسهم لك، ولو أنك نزلت مما رقِيت وارتقوا مما نزلوا، فأخذتَ منهم وأخذوا منك ما كان بذلك بأس.
قال عثمان: فذلك إليك يا خال، وأنت بيني وبينهم. قال: أفأذكرُ لهم ذلك عنك؟ قال: نعم. وانصرف.
فما لبثنا أن قيل: هذا أمير المؤمنين قد رَجع بالباب، قال أبي: الئذنوا له، فدخل فقام قائماً ولم يجلس. وقال: لا تعجل يا خالِ حتى أوذنَك، فنظرنا فإذا مروان بن الحكم كان جالساً بالباب ينتظره حتى خرج، فهو الذي ثناه عن رأيه الأول، فأقبل عليَّ أبي وقال: يا بنيّ ما إلي هذا من أمره شيءٌ، ثم قال: يا بنيّ، أملك عليك
1) شرح نهج البلاغة 136/3.
لسانك حتى ترى ما لا بد منه، ثم رفع يديه فقال: اللهمّ اسبق بي ما لا خير لي في إدراكه. فما مرّت جمعة حتى مات رحمه الله.
أرسل إليّ عثمان في الهاجرة، فتقنّعت بثوبي وأتيته، فدخلت عليه وهو على سريره، وفي يده قضيب، وبين يديه مال دَثْرٌ: صبرتان من ورِق وذهب، فقال: دونك خذ من هذا حتى تملأ بطنك فقد أحرقتَني. فقلت: وصلتْك رَحم! إن كان هذا المال ورثته أو أعطاكه معطٍ، أو اكتسبته من تجارة كنتُ أحدَ رجلين: إما آخذ وأشكر أو أوفر وأجهَد. وإن كان من مال الله وفيه حقّ المسلمين واليتيم وابن السبيل - فوالله - ما لك أن تعطينيه ولا لي أن آخذه. فقال: أبيتَ والله إلّا ما أبيت. ثم قام إليّ بالقضيب فضربني، والله ما أردّ يده حتى قضى حاجته، فتقنّعتُ بثوبي، ورجعت إلى منزلي، وقلت: الله بيني وبينك إن كنتُ أمرتُك بمعروف أو نهيت عن منكر!
لما أُتي عمر بجوهر كسرى، وضع في المسجد، فطلعت عليه الشمس فصار كالجمر، فقال لخازن بيت المال: ويحك! أرحني من هذا، وأقسِمه بين المسلمين فإنّ نفسي تحدّثني أنّه سيكون في هذا بلاء وفتنة بين الناس، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنْ قسمته بين المسلمين لم يَسعهم، وليس أحد يشتريه لأن ثمنه عظيم، ولكن ندَعه إلى قابلٍ فعسى الله أن يفتح على المسلمين فيشتريه منهم مَنْ يشتريه. قال: ارفعه فأدخله بیت المال، وقُتل عمر وهو بحاله، فأخذه عثمان لما ولّي الخلافة فحلّى به بناته.
قال الزبير(3):
فقال الزهري: كلُّ قد أحسن، عمر حين حرَم نفسه وأقاربه، وعثمان حين وصل أقاربه.
جاء رجل إلى عليّ - عليه السلام - يستشفع به إلى عثمان فقال: حمّال الخطايا! لا والله لا أعود إليه أبداً. فايسه منه
سمعت عثمان وهو يخطب، فأكبّ الناس حوله، فقال: اجلِسوا يا أعداء الله! فصاح به طلحة: إنهم ليسوا بأعداء الله لكنهم عبادُه وقد قرأوا كتابه.
شهدتُ المسجد يوم جمعة، فخرج عثمان، فقام رجل فقال: أنشد كتاب الله. فقال عثمان: اجلس، أما لكتاب الله ناشدٌ غيرك! فجلس، ثم قام آخر فقال مثل مقالته، فقال: اجلس، فأبى أن يجلس، فبعث إلى الشُّرَط ليجلسوه، فقام الناس فحالوا بينهم وبينه، قال: ثم تراقوْا بالبطحاء حتى يقول القائل: ما أكاد أرى أديم السماء من البطحاء. فنزل عثمان، فدخل داره ولم يصلّ الجمعة.
صلّيتُ العصر يوماً ثم خرجت فإذا أنا بعثمان بن عفان في أيام خلافته في بعض
أزقة المدينة وحده، فأتيته إجلالاً وتوقيراً لمكانه، فقال لي: هل رأيت عليًّا؟ قلت:خلّفته في المسجد، فإن لم يكن الآن فيه فهو في منزله. قال: أمّا منزله فليس فيه فابغِه لنا في المسجد. فتوجّهنا إلى المسجد، وإذا عليٌّ - عليه السلام - يخرج منه. قال ابن عباس: وقد كنت أمس ذلك اليوم عند عليّ فذكر عثمان وتجرّمه عليه، وقال: أما والله يا ابن عباس إن من دوائه لقطع كلامه، وترك لقائه. فقلت له: يرحمك الله كيف لك بهذا! فإن تركتَه ثم أرسل إليك فما أنت صانع؟ قال: أعتلّ، وأعتلّ، فمَنْ يَقْسِرني؟ قال: لا أحد. قال ابن عباس: فلما تراءينا له وهو خارج من المسجد، ظهر منه التفلُّت والطلب للانصراف ما استبان لعثمان، فنظر إليّ عثمان وقال: يا ابن عبّاس، أما ترى ابنَ خالنا يكره لقاءنا؟ فقلت: ولم وحقّك الزم، وهو بالفضل أعلم؟ فلما تقاربا رماه عثمان بالسلام، فردّ عليه، فقال عثمان: إنْ تدخل فإياك أردنا، وإن تمضِ فإيّاك طلبنا. فقال عليّ: أي ذلك أحببتَ؟ قال: تدخل. فدخلا وأخذ عثمان بيده، فاهوی به إلى القِبلة، فقصّر عنها وجلس، قُبَالتها، فجلس عثمان إلى جانبه، فنكصتُ عنهما، فدعوَاني جميعاً، فأتيتهما، فحمد عثمان الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله، ثم قال: أما بعد يا ابني خالي وابنيْ عمّي، فإذا جمعتكما في النداء فاستجمعكما في الشكاية عن رضايَ على أحدكما، ووجدي على الآخر. إني أستعذركما من أنفسكما، وأسألكما فيئتكما، وأستوهبكما رَجْعتَكما، فوالله لو غالبني الناس ما انتصرت إلّا بكما، ولو تهضّموني ما تعزّزتُ إلّا بعزّكما. ولقد طال هذا الأمر بيننا حتى تخوّفتُ أن يجوز قدرَه ويعظُم الخطر فيه، ولقد هاجني العدوّ عليكما، وأغراني بكما فمنعني الله والرحم مما أراد، وقد خلونا في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى جانب قبره، وقد أحببتُ أن تظهِرا لي رأيَكما فيّ، وما تنطويان لي عليه، وتصدُقا فإنّ الصدق أنجىٰ، وأسلم، واستغفر الله لي ولكما.
قال ابن عبّاس: فأطرق عليٌّ - عليه السلام - وأطرقت معه طويلاً، أما أنا فأجللتُه أن أتكلّم قبله، وأمّا هو فأراد أن أجيب عنّي وعنه. ثم قلت له: أتتكلّم أم أتكلّم أنا عنك؟ قال: بل تكلّم عني وعنك. فحمدت الله وأثنيت عليه وصلّيت على رسوله، ثم قلت: أما بعد يا ابن عمّنا وعمّتنا، فقد سمعنا كلامك لنا، وخلطَك في الشكاية بيننا على رضاك - زعمتَ - عن أحدنا ووجْدك على الآخر، وسنفعل في ذلك،
فنذمُّك، ونحمَدك، اقتداءً منك بفعلك فينا، فإنّا نذمّ مثل تهمتك إيانا على ما اتّهمتنا عليه بلا ثقة إلّا ظنًّا، ونحمد منك غير ذلك من مخالفتك عشيرتَك، ثم نستعذرك من نفسك استعذارَك إيانا من أنفسنا، ونستوهبك فيئتَك استيهابك إيانا فيئتنا، ونسألك رجْعتك مسألتك إيانا رجعتنا، فإنا معاً أيّما حمِدت وذممت منا، كمثلك في أمر نفسك. ليس بيننا فرق ولا اختلاف، بل كلانا شريك صاحبه فى رأيه وقوله. فوالله ما تعلمنا غير معذرين فيما بيننا وبينك، ولا تعرِفنا غير قانتين عليك، ولا تجدُنا غيرَ راجعين إليك، فنحن نسألك نفسك مثل ما سألتَنا من أنفسنا. وأمّا قولك: لو غالبتْني الناسُ ما انتصرتُ إلّا بكما أو تهضّموني ما تعزّزت إلّا بعزّكما، فأين بنا وبك عن ذلك، ونحن وأنت كما قال أخو كنانة: بدا بُحترٌ ما رام نال وإنْ يُرَم *** نَخُض دونه غَمْراً من الغرِّ رائمه
لنا ولهم منّا ومنهم على العدى *** مراتب عزِّ مصعدات سلالمه
وأمّا قولك في هيْج العدوّ إياك علينا، وإغرائه لك بنا، فوالله ما أتاك العدوّ من ذلك شيئاً إلّا وقد أتانا بأعظم منه، فمنعنا مما أرادَ منعك من مراقبة الله والرحِم، وما أبقيت أنت ونحن إلّا على أدياننا وأعراضنا ومروءاتنا. ولقد لَعمري طال بنا وبك هذا الأمر حتى تخوّفنا منه على أنفسنا، وراقبنا منه ما راقبت. وأمّا مساءلتك إيّانا عن رأينا فيك، وما ننطوي عليه لك فإنّا نخبرك أنّ ذلك إلى ما تحبّ، لا يعلم واحدٌ منا من صاحبه إلّا ذلك، ولا يقبل منه غيرَه، وكلانا ضامن على صاحبه ذلك وكفيل به. وقد برّأتَ أحدَنا، وزكّيته، وأنطقت الآخر وأسكتّه، وليس السقيم منا ممّا كرهت بأنطقَ من البريء فيما ذكرت، ولا البريء منا ممّا سخطتَ بأظهرَ من السقيم فيما وصفت. فإما جمعتَنا في الرضا، وإمّا جمعتنا في السخط لنجازيَك بمثل ما تفعل بنا في ذلك مكايلةَ الصاع بالصاع، فقد أعلمناك رأينا، وأظهرنا لك ذات أنفسنا، وصدَقناك، والصدق كما ذكرت أنجىٰ وأسلم، فأجب إلى ما دعوتَ إليه، وأجلِلْ عن النقض والغدر مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وموضع قبره، واصدق تنجُ وتسلم، ونستغفر الله لنا ولك.
قال ابن عبّاس: فنظر إلى عليّ - عليه السلام - نظر هيبة، وقال: دعه حتى يبلغ
رضاه فيما هو فيه، فوالله لو ظهرت له قلوبنا وبدت له سرائرنا حتى رآها بعينه كما يسمعُ الخبرَ عنه بأذنه، ما زال متجرّماً منتقماً، والله ما أنا ملقىً على وضَمَةٍ(1)، وإني لمانع ما وراء ظهري، وإن هذا الكلام لمخالفةٌ منه وسوء عشرة. فقال عثمان: مهلاً أبا حسن، فوالله إنك لتعلم أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفني بغير ذلك يوم يقول وأنت عنده: «إنّ من أصحابي لقوماً سالمين لهم، وإن عثمان لمنهم، إنه لأحسنهم بهم ظنا، وأنصحهم لهم حبّا». فقال عليٌّ - عليه السلام - فصدّق قوله - صلى الله عليه وسلم - بفعلك، وخالف ما أنت الآن عليه، فقد قيل لك ما سمعتَ وهو كافٍ إن قبِلتَ.
قال عثمان: تثق يا أبا الحسن؟ قال: نعم أثق ولا أظنك فاعلاً.
قال عثمان: قد وِثقت وأنت ممن لا يخفِرُ صاحبه ولا يكذّب لقيله.
قال ابن عباس: فأخذت بأيديهما حتى تصافحا وتصالحا وتمازحا، ونهضت عنهما، فتشاورا وتآمرا وتذاكرا ثم افترقا، فوالله ما مرّت ثالثة حتى لقيني كل واحدٍ منهما يذكر من صاحبه ما لا تبرك عليه الإبل. فعلمتُ أن لا سبيل إلى صلحهما بعدها.
مرِض عليٌّ - عليه السلام - فعاده عثمان ومعه مروان بن الحكم، فجعل عثمان يسأل عليًّا عن حاله، وعليّ ساكتٌ لا يجيبه، فقال عثمان: لقد أصبحت يا أبا الحسن مني بمنزلة الولد العاقّ لأبيه، إن عاش عَقّه، وإنْ مات فجعه. فلو جعلت لنا من أمرك فرَجاً، إما عدوًّا أو صديقاً، ولم تجعلنا بين السماء والماء. أما والله لأنا خير لك من فلان وفلان، وإن قتلتُ لا تجد مثلي. فقال مروان: أما والله لا يُرام ما وراءنا حتى تتواصلَ سيوفُنا وتقطع أرحامنا.
فالتفت إليه عثمان وقال: اسكتْ لاسكتّ. وما يُدخلك فيما بيننا!
خرجتُ أريد عمر بن الخطاب فلقيته راكباً حماراً، وقد ارتسنه بحبل أسود، في رجليه نعلان مخصوفتان، وعليه إزار وقميص صغير، وقد انكشفت منه رجلاه إلى، ركبتيه، فمشيت إلى جانبه، وجعلتُ أجذبُ الإزارَ وأسوّيه عليه، كلّما سترتُ جانباً انكشف جانبٌ، فيضحك ويقول: إنه لا يطيعك، حتى جئنا العَاليَة(2)فصلّينا، ثم قدّم بعض القوم إلينا طعاماً من خبز ولحم، وإذا عمرُ صائم، فجعل ينبذ(3)إليّ طيّب اللحم ويقول: كلْ لي ولك، ثم دخلنا حائطاً، فألقى إليّ رداءه وقال: اكفنيه وألقى قمیصه بين يديه، وجلس يغسله، وأنا أغسل رداءه، ثم جفّفناهما وصلّينا العصر، فركب ومشيت إلى جانبه، ولا ثالث لنا.
فقلت: يا أميرَ المؤمنين، إني في خِطبة فأشر عليّ. قال: ومَنْ خطبت؟ قلت: فلانة ابنة فلان. قال: النسب كما تحبّ، وكما قد علمت، ولكن في أخلاق أهلها دِقة(4)لا تعدمك أن تجدها في ولدِك. قلت: فلا حاجة لي إذاً فيها. قال: فلمَ لا تخطبُ إلى ابن عمّك - يعني عليًّا -؟ قلت: ألم تسبقني إليه؟ قال: فالأخرى، قلت: هي لابن أخيه. قال: يا ابن عبّاس إنّ صاحبكم إن وليَ هذا الأمر أخشى عُجبه بنفسه أن يذهب به، فليتني أراكم بعدي.
قلت: يا أميرَ المؤمنين، إن صاحبنا ما قد علمتَ إنه ما غيّر ولا بدّل، ولا أسخط رسولَ الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - أيام صحبته له.
قال: فقطع عليَّ الكلام، فقال: ولا في ابنة أبي جهل، لمّا أراد أن يخطبها على فاطمة!.
قلت: قال الله تعالى: ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)(1)وصاحبنا لم يعزم على سخط رسول الله - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - ولكن الخواطر التي لا يقدر أحدٌ على دفعها عن نفسه، وربما كان من الفقيه في دين الله، العالم العامل بأمر الله.
فقال: يا ابن عباس، مَنْ ظنّ أنه يردُ بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظنّ عجزاً. أستغفر الله لي ولك خذ في غيرها. ثم أنشأ يسألني عن شيء من أمور الفُتيا، وأجيبه فيقول: أصبتَ أصاب الله بك. أنت والله أحق أن تُتَّبع.
قال لي عمر يوماً: يا مغيرةُ، هل أبصرت بهذه عينك العوراء منذ أصيبت؟:قلت: لا. قال: أما والله ليُعْورنّ بنو أميّة الإسلام كما أعورت عينك هذه، ثم ليُعمينَّه حتى لا يدري أين يذهب ولا أين يجيء. قلت: ثم ماذا يا أميرَ المؤمنين؟ قال: ثم يبعث الله - تعالى - بعد مائة وأربعين أو بعد مائة وثلاثين وفداً كوفد الملوك، طيّبة ريحهم، يعيدون إلى الإسلام بصره وشتاته. قلت: مَنْ هم يا أميرَ المؤمنين؟ قال: حجازيّ وعراقيّ، وقليلاً ما كان، وقليلاً ما دام.
أنّ أبا بكر قال في الجاهلية لقيس بن عاصم المنقري: ما حملك على أنْ وأدتَ؟ قال: مخافة يخلف عليهنّ مثلك.
أن علياً - عليه السلام - لما بعث جريراً إلى معاوية، خرج وهو لا يرى أحداً قد سبقه إليه. قال: فقدمت على معاوية فوجدته يخطب الناس وهم حوله يبكون حول
قميص عثمان، وهو معلّق على معلق على رمح مخضوب بالدم، وعليه أصابع زوجته نائلة بنت الفَرافصة مقطوعة، فدفعتُ إليه كتاب عليّ - عليه السلام - وكان معي في الطريق رجل يسير بسيري، ويقيم بمقامي، فمثُل بين يديه في تلك الحال وأنشده:
إنّ بني عمّك عبد المطلب *** همْ قتلوا شيخكُمُ غيرَ كذِب
وأنت أولى الناب بالوثب فِثِبْ
قال: ثم دفع إليه كتاباً من الوليد بن عُقبة بن أبي معيط، وهو أخو عثمان لأمه، كتبه مع هذا الرجل من الكوفة سراً أوله:
معاويَ إنّ المُلْكَ قد جُبَّ غاربُه(1)
قال: فقال لي معاوية: أقم فإنّ الناس قد نفروا عند قتل عثمان حتى يسكنوا. فأقمتُ أربعة أشهر، ثم جاء كتاب آخر من الوليد بن عقبة أوّله:
ألا أبلغْ معاويةَ بن حربٍ *** فإنك من أخي ثقةٍ مُليم(2)
قطعتَ الدهرَ كالسَّدم المعنّى *** تهدر في دمشق ولا ترِيم(3)
وإنك والكتابَ إلى عليّ *** كدابغةٍ وقد حِلم الأديم(4)
فلو كنتَ القتيل وكان حيًّا *** لشمَّر لا الفٌ ولا سَؤوم
قال: فلما جاءه هذا الكتاب وصل بين طُومارين(5)أبيضين، ثم طواهما وكتب عنوانهما: من معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب. ودفعهما إليّ، لا أعلم ما فيهما، ولا أظنهما إلّا جواباً، وبعث معي رجلاً من بني عَبْس لا أدري ما معه، فخرجنا حتى قدمنا إلى الكوفة، واجتمع الناس في المسجد، لا يشكّون أنها بيعة أهل الشام. فلما فتح عليّ - عليه السلام - الكتاب لم يجد شيئاً، وقام العبسيّ فقال: مَنْ ها هنا من أحياء قيس، وأخصّ من قيس غطفان، وأخصّ من غطفان عبساً؟ إني أحلف
بالله لقد تركت تحت قميص عثمان أكثر من خمسين ألف شيخ خاضِبي لِحاهم بدموع أعينهم، متعاقدين متحالفين، ليقتُلن قتَلَته في البرّ والبحر، وإني أحلف بالله ليقتحمنّها عليكم ابنُ أبي سفيان بأكثر من أربعين ألفاً من خِصيان الخيل، فما ظنّكم بعد بما فيها من الفحول. ثم دفع إلى عليّ - عليه السلام - كتاباً من معاوية ففتحه فوجد فيه:
أتاني أمرٌ فيه للنفس غُمّةٌ *** وفيه اجتداعٌ للأنوف أصيلُ
مصابُ أمير المؤمنين وهدّةٌ *** تكادُ لها صُمُّ الجبال تزول(1)
أن عبد الملك أجرى خيلاً، فسبقه عبّاد بن زياد، فأنشد عبد الملك:
سبَّق عبّاد وصلت لحيته *** وكان خرَّازاً تجود قربتُه(3)
فشكا عبّاد قول عبد الملك إلى خالد بن يزيد بن معاوية، فقال له: أما والله لأنصفنَّك منه بحيث يكره. فزوجه أخته، فكتب الحجّاج إلى عبد الملك: يا أميرَ المؤمنين، إن مناكح آل أبي سفيان قد ضاعت. فأخبر عبدُ الملك خالداً بما كتب به الحجّاج، فقال خالد: يا أميرَ المؤمنين، ما أعلم امرأة منا ضاعت ونزلت إلّا عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فإنها عندك، ولم يعنِ الحجّاجُ غيرك. قال عبد الملك: بل عنى الدعيّ ابن الدعيّ عباداً، قال خالد: يا أميرَ المؤمنين، ما أنصفتَني، أدَّعي رجلاً ثم لا أزوّجه! إنما كنت ملوماً لو زوّجت، دعيّك، فأما دعيّي فلمَ لا أزوّجه!
جلّ ثناؤه - لو أراد أن ينزّل القرآن جملة نزله، ولكنه أنزل الآية والآيتين حتى استكثر الإيمان في قلوبهم.
ثم قال: يا بني مما أنا فيه أمر هو أهم إلى أهل بيتك، هم أهل العدَّة والعدَد، وقبلهم ما قبلهم، فلو جمعتُ ذلك في يوم واحد خشيتُ انتشارهم عليّ، ولكني أنصف من الرجل والاثنينُ فيبلغ ذلك من وراءهما، فيكون أنجع له، فإن يُرد الله تمام هذا الأمر، أتمه، وإن تكن الأخرى فحَسْب عبدٍ أن يعلم اللهُ منه أنه يحب أن ينصف جميع رعيته.
يا لقومي لخفّة الأحلام *** وانتظاري لزَّلة الأقدام
قبلُ كانوا من الدعاة إلى الله *** وكانوا أزمّة الإسلام
إنّ ذا الأمر دوننا لقريش *** وقريش همُ ذوو الأحلام
في قصة سقيفة بني ساعدة قال: فقام الحارث بن هشام وهو يومئذ سيد بني مخزوم، ليس أحد يعدل به إلّا أهل السوابق مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال: والله لولا قول رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «الأئمة من قريش» ما أبعدنا منها الأنصار ولكانوا لها أهلاً، ولكنه قول لا شك فيه، فوالله لو لم يبق من قريش كلها إلّا رجل واحد لصيَّر الله هذا الأمر فيه.
متى ألقَ زنباع بن روح ببلدةٍ *** لي النّصفُ منه يقرع السنّ من ندم
ويعلم أن الحي حي ابن غالب *** مطاعين في الهيجا مضاريب في الهيم
رآني الأشعري فقال بال *** على بال ولم يعلم بلائي
ومثلك قد قضيت الرمح فيه *** فباء بدائه وشفيت دائي
لبّيك تعظيما إليك عذرا *** هذي زبيد قد أتتك قسرا
يقطعن خبتا وجبالاً وعرا
الحديث. وفيه: وكنا نمنع الناس أن يقفوا بعرفة ونقف ببطن محسّر يمنة عرفة فرقاً من أن يتخطفنا الجن. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أجيزوا بطن عرفة فإنما هم إذ أسلموا إخوانكم. قال: فعلَّمنا النبي - صلَّی الله علیه وآله وسلَّم - التلبية: لبيك اللهمّ لبيك. إلى آخرها.
في (الموفّقيات)(1):
أن حصن بن حذيفة وصّى ولده عند موته، وكانوا عشرة قال: وكان سبب موته أن كرز بن عامر العقيلي طعنه فاشتد مرضه. فقال لهم: الموت أروح مما أنا فيه فأيّكم يطيعني؟ قالوا: كلنا فبدأ بالأكبر. فقال: خذ سيفي هذا فضعه على صدري ثم اتَّكيء عليه حتى يخرجَ من ظهري. فقال: يا أبتاه، هل يقتل الرجل أباه؟ فعرض ذلك عليهم واحداً واحداً. فأبوا إلَّا عيينة. فقال له: يا أبت أليس لك فيما تأمرني به راحة وهوى؟ ولك فيه مني طاعة؟ قال: بلى. قال: فمرني كيف أصنعُ؟ قال: ألقِ السيف يا بني، فإني أردت أن أبلوكم فأعرف أطوعكم لي في حياتي، فهو أطوع لي بعد موتي، فاذهب أنت سيد ولدي من بعدي. ولك رياستي. فجمع بني بدر فأعلمهم ذلك. فقام عيينة بالرياسة بعد أبيه وقتل كرزاً.
كأنها رأس حضن *** في يوم غيم ودخن
كالخشف هذا المحتضن *** أحسن من شيء حسن
ثم قام فسقط فقال:
لأنهضن في مثل زماني الأول *** محدب الساق شديد الأسفل
يا أولى يا أولى يا أولى
الكلبي عن أبيه قال: أذن عمر للناس فدخل عمرو بن براقة، وكان شيخاً كبيراً يعرج فأنشد أبياتاً يقول فيها:
ما إن رأيت مثلك الخطابي *** أبرّ بالدين وبالكتاب
بعد النبي صاحب الكتاب
قال: فقال له عمر وطعنه بالسوط: فما فعل أبو بكر. قال: لا علم لي به. فقال: لو كنت عالماً به لأوجعتُ ظهرك.
الفقر يزري بالفني في قومه *** والعين يغضيها الكريم على القذى
والمال يبسط للئيم لسانه *** حتى يصير كأنه شيء يرى
والمال جد بفضوله ولتعلمن *** أن البخيل يصير يوماً للثرى
قال: لا أدري يا أميرَ المؤمنين، غير أني عرفت أن أخا بني ضبيعة أشعر الناس حيث يقول:
وإصلاح القليل يزيد فيه *** ولا يبقى الكثير مع الفساد
فقال عمر: قول الله عزّ وجلّ: (ومَنْ يُوقَ شُحَّ نفسِهِ فأولئك هم المُفْلِحُونَ)(2)أفضل.
قال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ الله - تعالى - يقول: (إن المبذرينَ كانوا اخوان الشياطين)(3)قال عمر: فبين ذلك قواماً. يا فرات اتق اللهَ وإنما لك من مالك ما
أنفقتَ. يا فرات أطعم السائل وكن سريعاً إلى داعي الله، إنّ الله جواد يحب الجود وأهله، وإن البخل بئس شعار المسلم.
يا فرات أتدري من الذي يقول؟
سأبذل مالي للعُفاة فإنني *** رأيت الغنى والفقر سيَّان في القبر
يموت أخو الفقر القليل متاعه *** ولا تترك الأيام مَنْ كان ذا وفر
وليس الذي جمعت عندي بنافع *** إذا حل بي يوماً جليلٌ من الأمر
قال: لا أدري يا أميرَ المؤمنين.
قال هذا شعر أخيك قسامة بن زيد. قال: ما علمته. قال: بلى هو أنشدنيه، وعنه أخذته، وإن لك فيه لعبرة.
قال يا أميرَ المؤمنين، وفّقك الله وسدّدك، أمرت بخير وحضضتَ عليه. وترك فرات كثيراً مما كان عليه.
والبيت في شعره ص 106. وروايته: كفّن المنهال.
متمم:
لقد غيّب المنهال تحت ردائه *** فتى غير مبطان العشيات أروعا
أيها الناس هذا حنظلة بن نَهد فكّاك الأسير، وطارد العسير، فهل منكم اليوم مجاز بفعله، أو حامل عنه من ثقله، كلا وأجل، إن مع كل جرعة لكم شرقاً، وفي كل أكلة لكم غصصاً، لا تنالون نعمة إلّا بفراق أخرى، ولا يستقبل معمَّرٌ يوماً من عمره إلا بهدم آخر من أجله، ولا يجد لذة زيادة في أكله إلّا بنفاد ما قبله من رزقه ولا
يحيي له أثرٌ إلّا مات أثر، إن في هذا لعِبراً ومزدجراً لمن نظر، لو كان أصاب أحد إلى البقاء سلما، ووجد إلى المرحل عن الفناء سبيلاً، لكان ابن داود المقرون له النبوة بملك الجن والإنس، ثم أنشأ يقول:
وهذا صاحبُ الملكيْن أضحى *** تُخرّقُ في مصانعه المنونُ
فكان عليه للأيَّام دَيْنٌ *** فقد قُضيَت عن المرء الديون
وخانته العصا من بَعدِ ما قدْ *** أتى مَيْتاً له حِينٌ فحين على الكرسيّ معتمداً عليه *** تحارُ الشمسُ فيه والعيون
وتضحى الجنُّ عاكفة عليه *** كما عكفت على الأُسْد العرين
وسخرت العيونُ له جميعا *** عليه الطير عاكفةً عرين
فلم أرَ مثله حياً وميْتا *** على الأيام كان ولا يكون
فدانَ له الخلائق ثم هبّوا *** ودانَ فيما قدْ يدين
بني صرحاً له دون الثريا *** وأجريَ تحته الماء المعين
تراه متقناً لا عيب فيه *** يخال بصرحه الذهنُ الذهين
وقد ملكَ الملوكَ وكل شيء *** تدينُ له السهولةُ والحزون
فأفنى ملكه مرُّ الليالي *** وخَونُ الدهر فيما قد يخون
وكلُّ أخي مكاثره وعزٍّ *** إلى رَيب الحوادث مستكين
كذاكَ الدهر يُفني كل حيٍّ *** ويَعقِبُ بعد قوّته اليقين
ثم قام ابن كثير بن عُذرة بن سعد بن تميم فقال:
أيها الناس هذا حنظلة بن نهد معدن الحكماء، وعز الضعفاء، ومعطي اليانع، ومطعم الجائع، فهل منكم له مانع؟ أو لِما حلّ به دافع!.
أيها الناس، إنما البقاء بعد الفناء، وقد خلقنا ولم نكُ شيئاً، وسنعود إلى ذلك. إن العواري اليوم والهبات غداً. ورثنا من قبلنا ولنا، وارثون، ولا بد من رحيل عن محل نازل، ألا وقد تقارب سلب فأحسن أو أهبط أجوى، وقد أصبحتم في منزل لا يستتب به سرور بيسر إلّا تبعه حصير عسر، ولا تطول فيه حياة مرجوة إلّا اخترمها موت، مخوف، ولا يوثق فيه بخلف باق إلّا ويستتبعه سابق ماض، فأنتم أعوان
للحتوف على أنفسكم لها بكل سبب منكم صريع، مجتزر، ومعازب منتظر، فهذه أنفسكم تسوقكم إلى الفناء، فلمَ تطلبون البقاء! اطلبوا الخير ووليه، واحذروا الشرَّ وموليه، واعلموا أن خيراً من الخير معطيه، وأن شراً من الشر فاعله، ثم أنشأ يقول:
يا قلبُ إنك من أسماء مغرورُ *** فاذكر وهل ينفعك اليوم تذكير
قد بحت بالحب ما تخفيه من أحد *** حتى جرت بك إطلاقاً محاضي(1)ر
تبغي أموراً فما تدري أعاجلها *** أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيراً وارضينَّ به *** فبينما العسر إذ دارت مياسير(2)
وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌ *** إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريبُ عليه ليس يعرفه *** وذو قرابته في الحي مسرور
حتى كأن لم يكن إلّا تذكُّره *** والدهرُ أينما حالٍ دهاريرُ
ما سمعتُ بأحد أجرأ ولا أسرع شعراً من عبد الله بن رواحة يوم يقول له رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم:
قل شعراً تقتضيه الساعة وأنا أنظرُ إليك، ثم أبدَّه بصره، فانبعث عبد الله بن رواحة يقول:
إني تفرّستُ فيكَ الخيرَ أعرفه *** واللهُ يعلم ما إن خانني بصرُ(4)
فراسة خالفتهم في الذي نظروا.
أنت النبيُّ ومَنْ يُحرَم شفاعته *** يوم الحساب فقد أزرى به القدرُ
1) في شرح الشواهد: إطلاق. جمع طلق. بفتحتين. يقال: جرى الفرس طلقاً أو طلقين، أي شوطاً أو شوطين. والمحاضير: جمع محيضر بكسر الميم، وهو الفرس الكثير العدو.
2) المياسير: جمع ميسور، بمعنى اليسر.
3) شرح شواهد المغني ص 293.
4) الخبر والشعر في ابن هشام 16/4 والمؤتلف والمختلف 126 وابن سلام 188 وسير أعلام النبلاء 169/1 وعجزه في ابن سلام وسير أعلام النبلاء:
فثبّت الله ما أتاك من حَسَنٍ *** كالمرسلين ونصراً كالذي نصروا(1)
تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنت فثبتك الله(2).
قال هشام بن عروة: فثبته الله أحسنَ ثبات، فقتل شهيداً، وفتحت له أبواب الجنة فدخلها.
في كفه خيزَرانٌ ريحُها عبِقٌ *** من كف أروعَ في عرينه شمَمُ(5)
يُغضي حياءً ويُغضىٰ من مهابته *** فلا يُكلّم إلّا حين يبتسمُ
1) في ابن سلام وسير أعلام النبلاء:
2) في سير أعلام النبلاء: فأقبل بوجهه مستبشراً وقال: وإياك فثبّت الله.
3) شرح شواهد المغني ص 734.
4) الحزين هذا اسمه عمرو بن عبيد بن وهب بن مالك، حجازي من شعراء الدولة الأموية، يكنى أبا الحكم. (شرح شواهد المغني ص 735).
5) البيتان في حماسة أبي تمام 286/2 (عسيلان) وفيها مصادر تخريجهما. وانظر زهر الآداب 105/1. في شرح الشواهد: الأروع من الرجال: الذي يعجبك حسنه. والعرنين (بالكسر) الأنف. وفي الحِماسة: بكفه الحِماسة: بكفه .. ريحه .. بكف ..
6) شرح شواهد المغني ص 876.
منظور الفزاري قال(1):
كان رماح بن أبرد المعروف بابن ميادة يتشبب بأم جحدر بنت حسّان المريّة إحدى نساء بني جذيمة بن غيظ، فحلف أبوها ليُخرجنَّها إلى رجل من عشيرته ولا يزوجها بنجد.
فقدم عليه رجل منهم بالشام، فزوجه إياها، فلقي عليها ابن ميَّادة شدّة، فرأيته وما لقي عليها، فلما خرج بها زوجها نحو بلاده اندفع يقول(2):
ألا ليت شعري هل إلى أم جحدر *** سبيلٌ فأما الصبرُ عنها فلا صبرا
وهل تأتينّي الريحُ تدرجُ موهِنا *** بريَّاكِ يعروري بها دِنفا ضُرّا(3)
ويعروري: يركب.
ألّما على تيماء يسألْ يهودَها *** فإنَّ على تيماء من ركبها خُبرا
وبالغمر قد جازت وجاز مطيُّها *** فأهلُكِ روضاتٍ ببطن اللوى خضرا(4)
وبالغمر قد جازت وجاز مطيها *** عليه فسل عن ذاك نيّان فالغمرا
ويا ليت شعري هل يحلن أهلها *** وأهلك روضات ببطن اللوى خضرا
ألا لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، ولو كانت بنت ذي الغصة، يعني يزيد بن الحصين الحارثي، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقامت امرأة من صف النساء طويلة فقالت: ليس ذلك لك. قال: ولم؟ قالت:
لأن الله عزّ وجلّ يقول: (وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئا) فقال
عمر رضي الله عنه: امرأة أصابت ورجل أخطأ
تزوج مصعب بن الزبير سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، فأمهر كل واحدة منهما ألف ألف درهم.
قال الزبير: فقال فيه عبد الله بن همام:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة * من ناصح لك لا يريد خداعا
بضع الفتاة بألف ألف كامل *** وتبيت حراس الثغور جياعا
قال: وهل فيما ذكرت قضاء؟!
فقال: إنها تشكو مباعدة زوجها عن فراشه وتطلب حقها في ذلك.
فقال له عمر: أما إن فهمت ذلك فاقض بينهما.
فقال كعب: علي بزوجها.
فأحضر فقال: إن امرأتك هذه تشكوك.
فقال: هل قصرت في شيء من نفقتها؟
قال: لا. فقالت المرأة:
يا أيها القاضي الحكيم أرشده *** ألهى خليلي عن فراشي مسجده
نهاره وليله ما يرقده *** فلست في حكم النساء أحمده
زهده في مضجعي تعبده *** فاقض القضا يا كعب لا تردده
قال: فقال زوجها:
زهدني في فرشها وفي الحجل *** إني امرؤ أذهلني ما قد نزل
في سورة النمل وفي السبع الطول *** وفي كتاب الله تخويف جلل
فقال كعب:
إن لها حقاً عليك يا رجل *** تصيبها في أربع لمن عقل
قضية من ربنا عزّ وجلّ *** فاعطها ذاك ودع عنك العلل
إن خير القاضين من عدل *** وقضى بالحق جهراً وفصل
ثم قال: إنّ الله تعالى قد أباح لك من النساء أربعاً فلك ثلاثة أيام ولياليها تعبد فيها ربك ولها يوم وليلة.
فقال له عمر: والله ما أدري من أي أمريك أعجب؟ أمن فهمك أمرهما أم من حكمك بينهما؟ اذهب فقد وليتك قضاء البصرة.
(اي بنية: إني زوجتك غلاماً عزيز النفس فلا تدني منه كل الدنو فيملك، ولا له تبعدي عنه كل البعد فينساك، واغلبي أحماءك بالخير ولا تغلبيهم بالشر، وكوني له أمة يكن لك عبداً، وتتبعي من الطيب مواقع أنفه، واعلمي أن طيب النساء الماء).
ثم خرج وقال: جهزوها إلى زوجها، فلما أهديت إليه قالت: (مروا بي على
1) تحفة العروس ص 155.
أبي أسلم عليه). فمروا بها عليه فسلمت عليه وانصرفت، فقال لها: (أي بنية اذهبي فلا أيسرت ولا اذكرت).
فقالت (أي أبت: أهنتني صغيرة، وغربتني كبيرة، زودتني عند الفراق أسوا الزاد).
فقال: (إنك لتأتين البعداء، وتلدين الأعداء، وتذهبين بالقلاد، وتحلين في غير الصديق). ثم ذهبت عنه.
انتهى ما ذكره الزبير في الموفّقيات.
قالت: أصلح الله الأمير، أقول حقاً وأخبرك صدقاً، رأيت وجهاً كالمرآة الصقيلة يزينه حالك كذنب الحسيلة، فيه حاجبان كأنما خطا بقلم أو سودا بحمام تقوسا على مثل عيني الظبية المعبهرة يبهتان المتوسم أن ينعتهما ويجللان بأشفارهما ما تحتهما، بينهما أنف كحد السيف الصقيل، لم يزر به قصر، ولم يعبه طول، حفت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض كالجمان، شق فيه فم لذيذ المتبسم، فيه ثنايا ذات أشر وأسنان، كالدر ينطق فيه لسان ذو فصاحة وبيان، ركب ذلك على عنق بض فوق صدر غض، نتأفى ذلك الصدر ثديان كالرمانتين يحرفان عنهما ثيابها ويمنعانها
1) تحفة العروس ص231.
من تقلد سخابها، تحت ذلك بطن كالقباطى المدبجة كسا عكنا كالطوامير المدرجة، أحاطت تلك العكن بسرة لها كمدهن العاج، ينتهي ذلك إلى خصر لطيف تحته كفل ينهضها إذا قامت ويقعدها إذا نهضت، كأنه دعص رمكة، وتحته فخذان لفاوان متصل بهما ساقان أبيضان يحمل ذلك كله قدمان كجدار اللسان، فتبارك الله مع صغرهما كيف يطيقان حمل ما فوقهما، وأمّا ما سوى ذلك فإني تركت وصفه لوقت مشاهدته، قال: فأرسل الحارث إليها فتزوجها وهي أم أولاده المتوجين
انتهى ما ذكره الزبير.
مراده بذلك أن الذي قال أجامع مرة واحدة في اليوم والليلة وربما لم أفعل، فکلامه کلام عارف مجرب، فلذلك أبعده وزجره عن القرب من داره والمرور بمنزله، وأمّا الثاني الذي أجابه أنه يجامع في اليوم والليلة عشرين مرة، فكلامه كلام من لا يعرف للنكاح حقيقة، ولو عرف حقيقته لم يقل ما قال.
يا بني إياك والغيرة في غير موضعها فإنها تدعو الصحة إلى السقم، ولكن أحكم أمرهن، فإن رأيت ذنباً فاجعل النكير على الكبير والصغير، وإياك أن تعيرهن الذنب فيهون عليهن العيب.
مصعب قال: شكا إليّ هارون الرشيد وهو ولي عهد أن زوجته زبيدة أم جعفر لا تحمل، فقلت له: أغرها، وحدثته حديث إبراهيم - عليه السلام - مع زوجته سارة أنها كانت لا تحمل فاتخذ هاجر فحملت بإسماعيل فغارت سارة فحملت بإسحاق قال: فاتخذ هارون الرشيد مراجل فحملت بالمأمون وحملت زبيدة بالأمين. انتهى ما ذكره الزبير.
قال: وكانت تقول له: إياك أن تجعلني في منزلة إمائك اللاتي تريد التلذذ والتمتع بهن - قال: وكنت أهاب الجلوس على فراشها مع جليل موقعها من قلبي: إعظاماً لها.
438 - الزبير في (الموفّقيات)(1)عن عمه قال: أتى موسى بن مصعب امرأة مدنية لها قينة مغنية يعترضها فإذا امرأة بارعة الجمال لها هيئة وحال. ورأى في الدار شاباً ذميماً يأمر وينهى ويذهب ويجيء. فسألها موسی عنه فقالت: هو بعلي وأنا له الفداء. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. مصيبة ما أعظمها ورزية ما أفظعها. أهذا الجمال وهذه الهيئة الحسنة لهذا الرجل الذي أرى. فقالت له: يا ابن أم أما والله لو استدبرك بما يستقبلني به لبعت طارفك وتالدك عليه. ولعظم في عينيك حسناً فقال لها: بارك الله لك فيه.
439 - الزبير في (الموفّقيات)(2)عن سليمان بن عباس قال: أخبرني أبي قال: مررت في أرض بني عقيل فرأيت جارية بيضاء تدافع في مشيها تدافع الفرس المخيال تنظر عن عينين نجلاوين بأهداب كقوادم النسر لم أر أكمل جمالاً منها فوقفت لأكلمها فقالت لي عجوز بفناء مدلها: مالك ولهذا الغزال النجدي الذي لاحظ لك فيه. فقالت لها الفتاة: دعيه يا أماه يكن كما قال ذو الرمة(3)
وإن لم يكن ...
:وإلّا تكن إلّا تعلّل ساعة *** قليلاً فإني نافع لي قليلها
1 - الاحتجاج - الطوسي، مط المرتضوية، النجف 1350 ه.
2 - الأحكام السلطانية - الماوردي، مط البابي الحلبي. مصر.
3 - أخبار النساء - ابن قيم الجوزية، ت نزار رضا. بيروت.
4 - أخبار القضاة - القاضي وكيع، ت عبد العزيز المراغي. مصر.
5 - أدب الدنيا والدين - الماوردي، مصر. ط 9.
6 - أسرار البلاغة - الجرجاني، ت ريتر. استانبول.
7 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب - ابن عبد البر الأندلسي، مط مصطفى محمد. مصر.
8 - أسد الغابة في معرفة الصحابة - ابن الأثير، مط الإسلامية. طهران.
9 - الاشتقاق - ابن دريد، القاهرة 1958.
10 - الأصمعيات - الأصمعي، ت عبد السلام هارون وأحمد شاكر. مصر.
11 - إعجاز القرآن - الباقلاني - ت السيد أحمد صقر. مصر.
12 - الأعلام - الزركلي، ط 2 1955.
13 - الأغاني - الأصفهاني، ط بولاق. ودار الكتب المصرية.
14 - الأمالي - أبو علي القالي، مركز الموسوعات العالمية، بيروت.
15 - الإمامة والسياسة - ابن قتيبة - مط مصطفى محمد. مصر.
16 - الإمتاع والمؤانسة - أبو حيان التوحيدي، ت أحمد أمين والزين. مصر.
17 - إنباه الرواة - القفطي، ت أبو الفضل إبراهيم. مصر.
18 - الإنباه على قبائل الرواة - ابن عبد البر الأندلسي، القاهرة 1350 ه.
19 - الانتقاء في فضائل مالك والشافعي وأبي حنيفة - ابن عبد البر الأندلسي، القاهرة 1350 ه.
20 - أنساب الأشراف - البلاذري، ح 2 ت حمید الله مصر ح 4 - 5. ط القدس.
21 - بلاغات النساء - أحمد بن أبي طاهر، مط الحيدرية. النجف.
22 - البيان والتبيين - الجاحظ، ت عبد السلام هارون. القاهرة.
23 - تاج العروس - الزبيدي، مط بولاق. القاهرة.
24 - تاريخ الأدب العربي - بروكلمان، ترجمة المرحوم عبد الحليم النجّار.
25 - تاريخ الإسلام - الذهبي مط القدسي. مصر.
26 - تاريخ بغداد - الخطيب البغدادي، مط السعادة. مصر 1931.
27 - تاريخ الرسل والملوك - الطبري، ت أبو الفضل إبراهيم. مصر.
تحفة العروس ونزهة النفوس - محمد بن أحمد التجاني مكتبة التراث الإسلامي. القاهرة 1987.
التذكرة السعدية في الأشعار العربية - العبيدي ت د. عبد الله الجبوري بغداد 1972.
28 - التعازي - المدائني، ت ابتسام الصفار وبدري محمد فهد. بغداد.
29 - التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان - الأشعري، ت د. محمود يوسف زايد. بيروت.
30 - تهذيب ابن عساكر - عبد القادر بدران، 1 - 7 دمشق 1329.
31 - تهذيب التهذيب - ابن حجر العسقلاني، حيدر آباد.
32 - ثمار القلوب في المضاف والمنسوب - الثعالبي، القاهرة 1908.
33 - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي، دار الكتب المصرية.
34 - الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير - السيوطي، مط الخيرية. مصر 1321 ه.
35 - جمهرة أنساب العرب - ابن حزم، ت عبد السلام هارون. مصر.
36 - جمهرة خطب العرب - أحمد زكي صفوت، ط 2 مصر.
37 - جمهرة رسائل العرب - أحمد زكي صفوت، ط 1 مصر.
38 - جمهرة نسب قريش وأخبارها - الزبير بن بكار، ت محمود محمد شاکر. مصر.
39 - الحماسة البصرية - ابن البصري، ت د. مختار الدين أحمد. حيدر آباد.
40 - الحماسة - أبو تمام، ط 2. مط صبيح. مصر.
وطبعة السعودية بتحقيق د. عبد الله عسيلان 1981.
41 - الحماسة - البحتري، ت كمال مصطفى. مصر.
42 - الحيوان - الجاحظ، ت عبد السلام هارون. مصر.
43 - خزانة الأدب - البغدادي، مط السلفية، مصر.
44 - الخصائص - ابن جني، ت محمد علي النجّار، مصر.
45 - الدرر اللوامع على همع الهوامع - الشنقيطي، القاهرة 1910.
46 - الديارات - الشابشتي، ت كوركيس عواد. بغداد.
47 - ديوان إبراهيم بن هرمة - ت محمد جبار المعيبد. النجف 1969
48 - ديوان الأفوه الأودي - ت عبد العزيز الميمني. مجموعة الطرائف الأدبية.
49 - ديوان الإمام علي - الشركة الحديثة للطباعة والنشر. بيروت.
50 - ديوان جرير - ت الصاوي. مصر.
51 - ديوان حاتم الطائي - خمسة دواوين العرب. مط الأهلية بيروت ط لندن 1872.
ت فوزي عطوي. بيروت ت كرم البستاني. مكتبة صادر. بيروت.
52 - دیوان حسّان بن ثابت - ت عبد الرحمٰن البرقوقي. مصر.
53 - دیوان زهير بن أبي سلمى - دار الكتب المصرية ط 2.
54 - دیوان زيد الخيل - ت د. نوري القيسي. بغداد.
55 - ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات - ت د. محمد يوسف نجم. بيروت.
56 - ديوان عدي بن زيد العبادي - ت محمد جبار المعيبد. بغداد.
57 - ديوان عمر بن أبي ربيعة - بيروت 1961.
58 - ديوان عمرو بن معديكرب - ت هاشم الطعان. بغداد.
59 - ديوان ليلى الأخيلية - ت خليل وجليل العطية. بغداد.
60 - ديوان كثير عزة - ت د. إحسان عباس. بيروت.
61 - ديوان كعب بن مالك الأنصاري - ت سامي مكي العاني. بغداد.
62 - ديوان مسكين الدارمي - ت عبد الله الجبوري. بغداد.
63 - ديوان النابغة الذبياني - ت د. شكري فيصل. دار الفكر. بيروت.
64 - ديوان الهذليين - ط دار الكتب المصرية 1965.
65 - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى - المحب الطبري مط القدسي. مصر 1356 ه.
66 - رغبة الآمل من كتاب الكامل - المرصفي ط 2. دار البيان.
67 - الروض الأنف في تفسير ما اشتمل عليه حديث السيرة النبوية لابن هشام - السهيلي، مط الجمالية مصر 1914.
68 - روضة المحبين - ابن قيم الجوزية، ت أحمد عبيد. مصر.
69 - زهر الآداب - الحصري، مصر 1953.
70 - الزهرة - ابن داود الظاهري، مخطوطة مكتبة المتحف العراقي.
71 - سمط اللآلىء في شرح أمالي القالي - البكري، ت الميمني. القاهرة 1901.
72 - السنن (الجامع الصحيح) - الترمذي، ت أحمد محمد شاكر. مصر.
73 - السنن - ابن ماجه، ت محمد فؤاد عبد الباقي. مصر.
74 - سير أعلام النبلاء - الذهبي، ت المنجد والأبياري. مصر.
75 - سيرة عمر بن الخطاب - ابن الجوزي، القاهرة.
76 - السيرة النبوية - ابن هشام، ت السقا وجماعته ط 2. مصر.
77 - شاعرات العرب - عبد البديع صقر، بيروت.
78 - الشافية - ابن الحاجب، مصر.
79 - شرح ألفية ابن مالك - ابن عقيل، ت محمد محيي الدين عبد الحميد. مصر.
80 - شرح ديوان الحِماسة - المرزوقي، القاهرة 1951.
81 - شرح شواهد المغني - السيوطي، دمشق.
82 - شرح الشواهد الكبرى - العيني، القاهرة 1299.
83 - شرح ديوان أبي العتاهية - دار التراث - بيروت.
84 - شرح الشافية - الأستر أبادي، ت محمد محيي الدين عبد الحميد وجماعته. مصر.
85 - شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد دار مكتبة الحياة. بيروت.
86 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب - ابن العماد الحنبلي، مط القدسي. مصر 1350.
87 - شعب الإيمان - البيهقي، مصر.
88 - شعر الأخطل - صنعة السكري، ت د. فخر الدين قباوة حلب.
89 - شعر عبد الرحمٰن بن حسّان - ت د. سامي مكي العاني بغداد.
90 - شعر يزيد بن مفرغ الحميري - تد. داود سلوم. بغداد.
91 - الشعر والشعراء - ابن قتيبة. دار الثقافة. بيروت 964.
92 - شعراء النصرانية - الأب لويس شيخو، دار المشرق. بيروت 967.
93 - شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم - ابن كثير، مصر.
94 - الصبح المنير في شعر أبي بصير الأعشى والأعشين الآخرين - ت جاير. بيانه.
95 - صبح الأعشى - القلقشندي، دار الكتب المصرية.
96 - الصحاح - الجوهري، ت أحمد عبد الغفور العطار. مصر.
97 - صحيح البخاري - البخاري، مط صبيح. مصر.
99 - صفة الصفوة - ابن الجوزي، ط حيدر آباد.
100 - الصناعتين - العسكري، ت البجاوي وأبو الفضل إبراهيم. مصر.
101 - طبقات الشعراء - ابن المعتز، ت عبد الستار فراج. مصر.
102 - الطبقات الكبير - ابن سعد، ط ليدن. ودار صادر بيروت.
103 - طبقات فحول الشعراء - ابن سلام، ت محمود محمد شاکر. مصر ط 1.
عبد الله بن همام السلولي د. نوري القيسي، مجلة المجمع العلمي العراقي ح 4 م 37 سنة 1986.
عبيد الله بن عبد الله المسعودي. وما بقي من شعره. مهدي عبد الحسين النجم مجلة البلاغ ع 6 و 7 سنة 1980 بغداد.
104 - العبر في خبر من غبر - الذهبي، ت المنجد. الكويت.
105 - عصر المأمون - رفاعي، دار الكتب المصرية 1928.
106 - العقد الفريد - ابن عبد ربه الأندلسي، مصر. بولاق.
107 - العمدة - ابن رشيق القيرواني، ت محيي الدين عبد الحميد. مصر.
108 - عيون الأثر في المغازي - ابن سيد الناس اليعمري، مط القدسي. مصر 1356 ه.
109 - عيون الأخبار - ابن قتيبة، دار الكتب المصرية.
110 - غرر الفوائد ودرر القلائد (الأمالي) - الشريف المرتضى، ت أبو الفضل إبراهيم. مصر.
111 - الفاخر - المفضل بن سلمة، ط بريل. لیدن 1915.
112 - فتوح البلدان - البلاذري، ت صلاح الدين المنجد. مصر.
113 - الفخري في الآداب السلطانية - ابن الطقطقي. مصر.
114 - الفرق بين الفرق - البغدادي، ت محيي الدين. مصر.
115 - الفهرست - ابن النديم، مط الاستقامة. مصر.
116 - فهرست ابن خير - ابن خير الإشبيلي، مط قومش. إسبانية. 1894.
117 - فوات الوفيات - ابن شاكر الكتبي، القاهرة 1953.
118 - القاموس المحيط - الفيروز آبادي مط البابي الحلبي. مصر ط 2.
119 - الكامل في التاريخ - ابن الأثير، دار صادر - بيروت.
120 - الكامل في اللغة والأدب - المبرد، ت أحمد محمد شاكر. القاهرة.
121 - الكتاب - سیبویه، بولاق 1370.
122 - لباب الآداب - أسامة بن منقذ، ت أحمد محمد شاكر. القاهرة 1935.
123 - اللباب في تهذيب الأنساب - ابن الأثير، مط القدسي. القاهرة 1357.
124 - لسان العرب - ابن منظور، بولاق.
125 - لسان الميزان - ابن حجر العسقلاني، حيدر آباد 1330 ه.
126 - مالك ومتمم ابنا نويرة - ابتسام الصفار، بغداد 1968.
127 - مجمع الأمثال - الميداني، ت محي الدين عبد الحميد 1959.
128 - محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء - الراغب الأصبهاني مكتبة الحياة. بيروت.
129 - المحاسن والمساوىء - البيهقي، بيروت 1960.
130 - المجسّر - محمد بن حبیب، حیدر آباد.
131 - المحكم والمحيط الأعظم - ابن سيدة، مط الحلبي. مصر.
132 - المختار من شعر بشار - الخالديان، ت محمد بدر الدين العلوي. القاهرة.
133 - مختصر التاريخ - ابن الكازروني، ت د مصطفی جواد بغداد 1970.
134 - المختصر في الشمائل والسير للترمذي - محمود سامي. مط مصر 1950.
135 - مروج الذهب ومعادن الجوهر - المسعودي. طهران.
136- المستقصى في أمثال العرب - الزمخشري، ت محمد عبد المعيد خان. حيدر آباد.
137 - المستدرك على نهج البلاغة - هادي كاشف الغطاء. النجف.
138 - المسلسل - التميمي، ت محمد عبد الجواد. مصر.
139 - المسند - التميمي، ت محمد عبد الجواد. مصر.
140 - المشتبه - الذهبي، ت البجاوي القاهرة 1965.
141 - المعارف - ابن قتيبة، ت د. ثروة عكاشة. مصر.
142 - معاهد التنصيص - العباسي، مصر 1947.
143 - معجم الأدباء - ياقوت، ط مرغليوث. مصر.
144 - معجم القاب الشعراء - الدكتور سامي مكي العاني، بغداد 1972.
145 - معجم الشعراء - المرزباني، ت عبد الستار فراج. مصر.
146 - معجم المؤلفين - كحالة، ط 3. مط الترقي دمشق.
147 - معجم البلدان - ياقوت، طهران 1965.
148 - مغازي رسول الله - الواقدي، ت مارسدن آکسفورد.
149 - المغانم المطابة في معالم طابة - الفيروز آبادي، ت حمد الجاسر. دار المعرفة.
150 - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب - ابن هشام، القاهرة 1959.
151 - المفضليات - المفضل الضبي، ت عبد السلام هارون وأحمد شاكر. مصر.
152 - المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة - السخاوي، ت عبد الله الصديق. دار الأداب.
153 - المقتضب - المبرد، ت محمد عبد الخالق عضيمه. مصر.
154 - الملل والنحل - الشهرستاني، ط الكيلاني. القاهرة.
155 - من عاش بعد الموت. الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا. الدار العربية. بغداد.
156 - الموشح - المرزباني، ط القاهرة 1325 ه.
157 - الموفقي في النحو - ابن كيسان. مخطوطة المغرب ومصورة لدى الدكتور عبد الحسين الفتلي.
158 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال - الذهبي، ت البجساوي القاهرة 1382 ه.
نثر الدرر - أبو سعد منصور بن الحسين الأبي بتحقيق محمد علي قرنة القاهرة دار الكتب المصرية.
النجاشيّ الحارثي. أخباره وشعره. جمعها وحققها وقدمها صالح البكاري والطيب العشاش حوليات الجامعة التونسية. العدد 12 سنة 1982.
159 - نسب قريش - مصعب الزبيري، ت بروفنسال مصر.
160 - نكت الهميان في نكت العميان - الصفدي، مصر 1911.
161 - نهاية الأرب في فنون الأدب - النويري، دار الكتب المصرية 1929.
162 - نور الأبصار في مناقب آل النبي المختار - الشبلنجي. مط مكتبة الجمهورية العربية 1951.
163 - نور القبس المختصر من المقتبس - اليغموري. بيروت 1964.
164 - همع الهوامع شرح جمع الجوامع - السيوطي، مط السعادة مصر 1327 ه.
165 - الوحشيات - أبو تمام دار المعارف مصر.
166 - الوزراء والكتاب - الجهشياري، ت السقا وجماعته. مصر.
167 - وفاء الوفا بإخبار دار المصطفى - السمهودي، مط السعادة مط السعادة مصر 1955.
168 - وفيات الأعيان - ابن خلكان، مط النهضة، مصر.
169 - وقعة صفين - نصر بن مزاحم، ت عبد السلام هارون. مصر.
ثبت الآيات القرآنية
ثبت الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثبت الأعلام والأقوام
ثبت الرواة
ثبت الأماكن والمواضع الجغرافية
ثبت الشواهد الشعرية
الآية ... السورة ... رقم لآیة ... الصفحة
واتيتم إحداهن قنطارا ... النساء ... 20 ... 507
وإن أحد من المشركين استجارك ... التوبة ... 6 ... 44
إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم ... التغابن ... 14 ... 64
فأكله الذئب ... يوسف ... 18 ... 116
أنا خیر منه خلقتني من نار وخلقته من طين ... الأعراف ... 12 ... 76
ألم تر كيف فعل ربك بعاد ... إن ربك لبالمرصاد ...الفجر ... 14- 16... 130
ألا لعنة الله على الظالمين ... هود ... 18 ... 137
وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى ... النجم ... 37- 38 ... 254
ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ... الأحزاب ... 5 ... 267
وامرأته حمالة الحطب ... المسد ... 4 ... 277
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ... النحل ... ...
كأنما يساقون إلى الموت ... الأنفال ... ...
وانتقوا مما رزقناكم ... المنافقون ... 10 ...
واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون ... الأنفال ... ...
إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ... الإسراء ... ...
تبت يدا أبي لهب ... المسد ... ...
جعلوا أصابعهم في آذانهم ... نوح ... ...
حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ... المؤمنون ... 96 ...
الآية ... السورة ... رقم لآیة
والذين تبوءوا الدار والإيمان ... فأولئك هم المفلحون ... الحشر ... 9 ... 475
عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ... الجن ... 46 ... 116
العين بالعين والسن بالسن ... المائدة ... 45 ... 116
قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ... التوبة ... 30 - 31 ... 66
كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها ... النحل ... 112 ... 92
كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى ... المعارج ... 15 -17 ... 395
لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون ... الأنعام ... 67 ... 2740
ولا يصلح الساحر حيث أتى طه ... 69 ... 97
بلسان عربي مبين ... الشعراء... 195 ... 116
ولتعرفنهم في لحن القول ... محمد ... 30 ... 127
ولو ترى إذا المجرمون ناكسو رؤوسهم ... السجدة ... 12 ... 309
ولم نجد له عزما ... طه ... 115 ... 494
وما أرسلنا من رسول إلّا بلسان قومه ... إبراهيم ... 4 ... 116
ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ... الأحزاب ... 40 ... 267
لمثل هذا فليعمل العاملون ... الصافات ... 61 ... 387
مع الذين أنعم الله عليهم ... وحسن أولئك رفيقا ... النساء ... 69 ... 401
ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ... الحشر ... 9 ... 501
وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا ... فاطر ... 37 ... 308
ويل للمطففين ... المطففين ... 1 ... 65
يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا ... الإنسان ... 7 ... 63
يا ابن أم لا تأخذني بلحيتي ولا برأسي ... طه ... 94 ... 116
يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ... الحجرات ... 6 ... 135
ليجزي الذين أساءوا بما علموا أو يجزي الذين أحسنوا بالحسنى ... النجم ... 31 ... 274
يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ... لقمان ... 17 ... 423
أنت ومالك لأبيك ... 105
أوصي من آمن بالله وصدقني بولاية عليّ بن أبي طالب،
من تولاه فقد تولاني ... 260
إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثرب عليها ثلاثاً ... 323
أنا لك كأبي زرع لأم زرع ... 367
الأئمة من قريش ... 467، 473، 479، 498
أزول معكم حيث زلتم ... 477
أجيزوا بطن عرفة ... 499
وأنت فثبتك الله ... 506
زن فأرجح ... 68
سئل صلَّی الله علیه وآله وسلَّم عن الخط فقال: علم أوتيه نبي، فمن وافق علمه
علم ذلك النبي فقد علم، ومن لم يصبه فقد أخطأ ... 300
طعامان وشرابان في إناء واحد، لا حاجة لي به ... 307
كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... 129
كل مسكر حرام وكل مسكر خمر ... 400- 401
لا قود إلّا بالسيف ... 279
لو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شعباً
لسلكت شعب الأنصار ... 473
ما أسكر كثيره فقليله حرام ... 400
الولد للفراش، وللعاهر الحجر ... 461
حرف الألف
آدم (ع): 76، 87، 129.
أبان بن الحجّاج: 386.
أبان بن سعيد: 276.
أبان بن عثمان بن عفان: 79، 269، 275، 276.
إبراهيم (ع): 512.
إبراهيم بن إسماعيل بن داود الكاتب: 314.
إبراهيم بن الأشتر: 426، 427، 429، 431، 434، 447، 448، 449.
إبراهيم بن بريهة: 81.
إبراهيم الحاسب: 59.
إبراهيم بن جبلة بن مخرمة السكوني: 145.
إبراهيم بن عبد الرحمٰن الكثيري: 314، 315.
إبراهيم بن عربي: 412، 428.
إبراهيم بن محمد (صلى الله عليه وسلم): 237
إبراهيم بن مخرمة الكندي: 112
أبرهة: 289.
أبي بن كعب: 463.
الأثرم (أبو الحسن): 37.
أحمد بن الحسن بن الفضل الكاتب: 20.
أحمد بن أبي دؤاد: 72، 122.
أحمد بن علي السليماني: 15.
أحمد بن محمد بن کیسان: 22.
أحمد بن محمد بن عبد الله بن
خالد: 20، 26.
أحمد ناجي القيسي (الدكتور): 25، 26.
الأحنف بن قيس: 141، 151، 181،
أحمر: 346.
أحمر بن سالم المري: 408، 409، 410، 411، 412.
أحمر قريش (انظر عمر بن عبيد الله) بنو الأحوص: 77.
الأخطل الشاعر: 195، 196،
الأخنس بن شريف الثقفي: 240.
أرطاة بن سهيه: 290.
ابن أذنية (ابن أنهية): 91.
الأزد: 141.
أسامة بن زید بن حارثة: 267.
إسحق بن إبراهيم التميمي: 20، 99، 242، 289.
إسحق بن إبراهيم: 42، 43.
إسحق بن عروة: 237.
إسحق بن غرير: 240، 241.
إسحق بن مسلم: 279.
أبو إسحق: 62.
بنو أسد:228، 340، 343.
أسد بن خزيمة: 246.
أسد بن عبد الله القسري: 120، 121.
بنو إسرائيل: 102.
أسماء بنت أبي بكر: 261.
أسماء بن خارجة: 334.
إسماعيل بن إبراهيم (ع): 640.
إسماعيل بن جعفر: 124.
إسماعيل بن عبد الله: 273.
إسماعيل بن علي: 140، 142. إسماعيل بن موسی: 124، 125.
الأسود بن عبد يغوث الزهري: 267.
أسيد: 427
أسيد بن حضير: 463.
الأشتر مالك النخعي: 169.
بنو الأشقر: 223.
الأعشى (الشاعر): 52.
أعشى همدان (الشاعر): 322، 441.
الأقيشر (الشاعر): 431.
الأفوه الأودي (الشاعر): 260.
الأفوه بن حارثة: 33.
امرؤ القيس (الشاعر): 333.
امرؤ القيس بن عدي: 335، 367.
أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم: 266
الأمين:((الخليفة): 127، 512، 640.
أمية بن عبد شمس: 90، 156، 215، 276، 292، 328، 384، 437، 453.
أنس بن مالك الأنصاري: 272، 273، 275.
الأنصار: 193، 195، 200، 209، 221، 222، 239، 272، 275، 276، 311، 312.
أهل خراسان: 46.
الأوس: 348، 363.
أوس بن حارثة: 335، 348، 357،
421، 423،
إياس بن قبيصة: 335، 336، 337. إياس بن معاوية: 302، 303.
أم أيمن: 267.
أيوأيوب (ع): 135.
أيوب بن زيد بن قيس (انظر ابن القرية).
أيوب السختياني: 164.
أيوب بن سليمان: 403، 404، 405.
حرف الباء
باهلة: 105.
البجلي: 560.
بجيلة: 244
أبو البختري إسماعيل: 74، 448.
ابن البختكان: 126.
بنو بدر بن عمر: 376.
البراء بن عمرو: 317.
البراجم: 94.
برذع بن عدي: 284.
ابن البرصاء المري، شبيب: 408.
بسيل الرومي: 40.
بشر بن أبي خازم: 342 343.
بشر بن قيس بن زهير: 228.
بشر بن مروان: 412، 425، 427.
بشر بن المعتمر: 145.
بشير بن سعد: 462، 463.
بصيص (الجارية): 40.
بطحاء العذري: 417.
البعيث بن عمرو اليشكري (الشاعر): 430، 438.
البغدادي: 21.
بغا التركي: 391، 623.
بنو البكاء: 391.
بكار بن رباح: 240.
بکار بن المهدي: 286.
أبو بكر الصديق: 115، 173، 263، 395، 398، 462، 463، 464، 465، 466، 467، 469، 471، 472، 494، 503.
أبو بكر بن عبد الله بن أبي أحمد:
أبو بكر بن محمد بن موسى البكري:
أبو بكر بن معمر 396.
أبو بكر بن العربي: 20.
أبو بكر الهذلي: 140، 141.
بكر بن وائل: 160، 430.
أبو بكرة: 242.
البكري (النسابة): 415.
بكير بن معدان اليربوعي: 432.
بلال بن أبي بردة: 243.
أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان: 388.
بيان التبيان: 140.
بيهس بن عقال العقيلي: 200، 201.
حرف التاء
أبو تراب = عليّ بن أبي طالب.
بنو تمیم: 52، 105، 141، 225، 430.
تميم بن مقبل: 412.
توبة بن الحمير: 407، 408.
التيمي، عبد الله بن أيوب: 313.
حرف الثاء
ثابت: 126.
ثابت بن عبد الله بن الزبير: 136.
ثابت قطنة (الشاعر): 175.
ثابت بن قيس بن شماس: 396، 468.
بنو ثعل: 337
ثعلبة بن يربوع: 432.
ثقيف: 249.
ثمامة بن الأشرس: 46 239.
ثمود 97، 172.
أبو ثور العامري: 402.
حرف الجيم
جابر بن عبد الله: 269.
ابن الجارود: 270.
جالينوس: 45.
ابن جامع: 150.
جبلة بن حارثة: 265.
أبو جبيل: 359.
جحدر بن مالك العجلي (الشاعر): 151، 152، 153، 154.
أم جحدر بنت حسّان المرية: 507.
جديلة: 249.
جديلة بن أسد بن ربيعة: 513. الجراح بن عبد الله بن عياش: 248.
جرجير: 109.
جرير (الشاعر): 141، 298، 433.
جرير بن عبد الله البجلي: 494.
أم جعفر: 281.
جعفر بن حنظلة البهراني: 120.
جعفر بن سليمان: 74، 163.
جعفر بن الصادق: 75، 76، 134، 135، 149.
جعفر بن أبي طالب: 455، 473.
جميل بثينة (الشاعر): 298.
ابن جندب: 423.
أبو جهل: 493.
جهم بن مسعدة: 289، 290.
حرف الحاء
حاء: 334.
حاتم بن عبد الله الطائي (الشاعر): 45، 334، 335، 336، 337، 338، 339، 340، 341، 345، 346، 348، 349، 350، 351، 352، 353، 355، 356، 357، 359.
360، 361، 362، 368، 373، 374، 376.
حاجب بن زرارة: 190، 228. الحارث بن خالد المخزومي: 534.
الحارث بن الخزرج: 384.
الحارث بن أبي شمر: 498.
الحارث بن ظالم: 393.
الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: 269، 270.
الحارث بن عمرو الكندي: 510.
حارث بن كعب: 200، 212، 391.
الحارث بن مازن 317.
الحارث بن معاذ: 209.
الحارث بن نضر السهمي: 497، 264.
الحارث بن وهب: 498.
الحارث بن هشام: 467.
حارثة بن شراحيل: 264، 265، 266.
حارثة بن النعمان: 311، 312
ابن الحارثية = أبو العبّاس السفاح.
أبو حازم المديني، سلمة: 134.
حبابة: 419، 420.
حبيب بن زيد الطائي: 502. الحجّاج الثقفي: 37، 38، 39، 88، 89، 90، 94، 95، 96، 97، 98، 101، 152، 153، 166، 224، 259، 272، 273، 274، 386، 387، 389، 403، 404، 405، 411، 412، 440، 441، 494.
حجار بن أبجر العجلي: 442، 448. ابن أبي الحديد: 21.
حذيفة بن بدر الفزاري: 172.
حرب بن أمية: 156.
أبو حرب بن أمية: 156.
حرورية: 184.
حزن بن أبي وهب المخزومي: 466.
الحزين الدئلي: 313.
الحزين (الشاعر): 506.
حسّان بن ثابت (الشاعر): 197، 200، 204، 205، 207، 208، 209، 211، 212، 237، 413، 414، 468، 469، 477، 479.
حسّان بن حنظلة الخير: 336.
الحسن البصري: 98، 99، 167، 180،
حسن بن داود الجعفري: 316
الحسن بن زيد بن علي: 37، 140، 143، 279، 280، 305.
الحسن بن عليّ بن أبي طالب: 171
.390
الحسن بن هاني (أبو نواس): 281. الحسناء بنت عوف الشيباني: 510.
الحسين بن علي: 149، 439.
حسين علي محفوظ (الدكتور): 385.
حصن بن حذيفة: 500.
الحصين بن خالد: 189.
حفص بن عمر: 281، 282.
حفص بن عمر بن عباد الذهليّ: 119.
حفصة بنت عبد الله بن عمر: 325.
الحكم بن سعد العشيرة: 334.
الحكم بن أبي العاص: 136، 218،
.334
الحكم بن المنذر بن الجارود: 158.
الحكم بن نهيك: 433.
حكيم بن حزام بن خويلد: 264.
حلبس الأسدي: 302.
حمار بن مويلع: 332.
أبو حمزة الخارجي: 286.
حمزة بن عبد الله بن الزبير: 261.
حمزة بن عبد المطلب: 267، 454.
حمل بن بدر الفزاري: 172.
حميد بن ثور (الشاعر): 144، 316.
حميد بن عبد الحميد: 125.
حمير: 201، 290.
حنتمة أم عمر: 403.
حنظلة بن نهد بن زيد: 630، 631.
أبو حنيفة القاضي: 75، 76، 320.
أبو حية النميري: 194.
بنو حية: 335.
حيي بنت علقمة: 377.
حيي بنت كعب: 377.
حرف الخاء
خارجة بن زيد: 395، 396
خالد بن أسيد: 431.
خالد بن سعيد: 276، 474.
خالد بن صفوان: 96، 112، 113، 117، 143.
خالد بن عبد الله القسري: 77، 78، 176، 242، 121، 120، 79 24، 247، 0248
خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد: 427.
خالد بن عتاب بن ورقاء: 178.
خالد بن الوليد: 391، 465، 466، 502.
خالد بن يزيد: 381، 496.
خالد: 320.
خبيب بن عبد الله بن الزبير: 261.
خثیم: 38.
خديجة بنت خويلد: 264.
أبو خراش الهذلي (الشاعر): 144،
ابن خریم: 82، 83.
خزاعة: 290.
الخزرج: 463.
خزيمة بن ثابت: 463، 476، 477.
خشرم: 320.
الخضر (ع): 331.
أبو الخطاب: 140.
خلاد بن سويد: 396.
خلاد بن یزید: 321.
خلف الأقطع: 321.
خليفة بن حصن الثعلبي: 433.
خندف: 290.
ابن الخياط (الشاعر): 289.
أبو:الخيبري: 338، 339، 410، 411.
الخيزران: 240، 241.
حرف الدال
بنو دارم: 190.
داود (ع): 135، 254، 258.
داود بن أبي الكرام الجعفي: 70.
داود بن قحذم: 446.
داود بن علي العباسي: 164.
درواس بن دروان العجلي: 133، 135.
درید بن الصمة: 500.
دعبل الخزاعي (الشاعر): 73.
دغفل بن حنظلة: 228.
أبو دلامة: 80
أبو دلف العجلي: 72.
دهثم بن قران العكلي: 422.
دهمان بن أشجع: 291.
دهية: 423.
حرف الذال
ذات النطاقين: 389.
أبو ذر الغفاري: 45.
ذو الرئاستين = الفضل بن سهل.
ذو رعين: 244.
ذو الرمة (الشاعر): 512.
ذو كلاع: 244.
ذو القرنين = عمرو بن هند.
ذو القرنين: 41.
ذهل بن ثعلبة: 228.
أبو ذؤيب الهذلي (الشاعر): 162.
حرف الراء
راكب البغلة: 450.
ربعي بن خالد: 320.
الربيع بن زیاد: 390 393.
الربيع بن ضبع بن وهب: 289، 290.
الربيع بن يونس (أبو الفضل): 82، 134، 135، 136، 173، 387.
بنو ربيعة: 142، 151، 421.
ربيعة بن جرول الطائي: 348.
ربيعة بن أبي عبد الرحمٰن: 418.
ربيعة بن كعب بن الحارث: 207، 210.
ربيعة بن مكدم: 394.
رسول الله (صلَّی الله علیه وآله وسلَّم) = محمد النبي (صلَّی الله علیه وآله وسلَّم).
رزین: 244.
رشيد بن رميض العنزي (الراجز): 91.
الرشيد (الخليفة): 41، 71، 74، 131، 137، 237، 305، 316، 512.
رقيقة: 418.
رماح بن أبرد (ابن ميادة الشاعر): 507، 635.
رملة بنت عبد الله بن خلف الخزاعي: 303.
رملة بنت معاوية: 195.
روح بن زنباع: 181.
الروم: 69.
رويشد بن رميض العنبري (الراجز): 91.
حرف الزاي
زائدة بن قدامة: 429.
الزباء بنت عفزر (انظر ماوية).
ابن زبنج: 399، 493.
زبيدة: 512.
الزبير بن بكار (ورد في معظم صفحات الكتاب).
الزبير بن العوام: 263، 317، 431، 437، 502.
زرارة بن عدس بن زيد: 228.
أبو زرع: 367، 368.
أم زرع بنت أكيمل: 367، 368.
زرنب 247.
ابن الزرقاء = مروان بن الحكم.
أبو الزعيزعة: 190.
زنباع بن روح الجذامي: 498.
أبو الزناد 396.
ابن أبي الزناد عبد الرحمٰن: 148، 312، انظر الرواة.
بنو زهرة: 240.
الزهري: 489، 499.
زهير بن أبي سلمى (الشاعر): 503.
زياد الأعجم (الشاعر): 475.
زياد بن أمية: 155، 176، 253،
254، 258، 259، 260.
زیاد بن جابر: 342.
زياد بن عبد الله الحارثي: 238، 247.
زياد بن عمرو العتكي: 442، 448.
زیاد بن لبيد: 467.
زيد بن الأخنس: 304، 367.
زيد بن أرقم: 463.
زيد بن حارثة الكيس: 228.
زید بن حارثة: 264، 266، 267، 268.
زيد الخيل النبهاني: 348، 349.
زید بن خارجة: 394، 395، 396، 397.
زید بن الخطاب: 479.
زيد بن عبد الله بن دارم: 201.
زينب بنت جحش الأسدية: 266.
زينب بنت حدير التميمية: 51. زينب
بنت أبي سلمة: 121.
حرف السين
سارة: 512.
سالم بن وابصة الأسدي (الشاعر) 433.
سحيم بن وثيل الرياحي (الشاعر): 90.
السري بن عبد الله: 398، 399.
ابن سريج المغني: 168.
سعدان بن يحيى: 281، 282.
بنو سعد: 304.
سعد بن بكر: 304.
سعد بن جابر: 126.
سعد بن حارثة بن لأم: 334، 335، 338.
سعد بن خيثمة: 268.
سعد بن الربيع: 395، 396.
سعد بن عبادة: 463، 472.
سعدان بن يحيى: 281، 282.
سعدى (أم زيد بن حارثة): 264.
سعيد بن حارثة: 337.
أبو سعيد الخدري: 59.
سعيد السعدي: 64.
سعيد بن ضبة بن أد: 255
سعيد بن العاص: 72، 128، 154، 157، 162، 168، 218، 219، 220، 322.
سعيد بن المسيب: 111، 269، 300، 466.
سفانة بنت حاتم الطائي: 359.
سفيان بن أمية: 156.
أبو سفيان بن أمية: 156.
أبو سفيان بن حرب: 156، 380، 462، 463، 468.
سفيان بن عوف الغامدي: 106.
سفيان بن عيينة: 105، 149، 150، 300، 414.
أبو سفيان: 180، 181، 276، 322.
سكينة بنت الحسین: 335، 508، 635.
سلم بن زياد بن أبي سفيان: 39.
سلم بن قتيبة الباهلي: 118، 119، 302.
سلمان الفارسي: 171.
أم سلمة (رضي الله عنها): 121.
سلمة بن زيد بن عبد الله: 407.
سليمان بن الأصم: 74.
سلیمان بن مجالد: 130.
سليمان بن داود (ع): 504.
سليمان بن عبد الملك: 52، 53، 80، 163، 275، 276، 292، 403، 404، 405.
سليمان بن علي العباسي: 383، 384.
سليمان بن قتة (الشاعر(: 87، 439.
سماعة بن عمرو: 269، 272.
ابن السماك: 305، 306، 309.
أبو سمال الأسدي (الحنفي): 387.
سويد بن أبي كاهل )الشاعر): 97.
سويد بن منجوف السدوسي: 431.
سهل بن سعد الساعدي: 268.
سهيل بن عمرو: 467، 584.
حرف الشين
ابن شبرمة: 75.
شبيب بن البرصاء: 290، 291.
شبيب الحروري: 512، 441.
شبيب بن حجل بن نضلة الباهلي: 499.
شبيب بن شيبة: 147، 180، 331.
شراحيل بن كعب بن عبد العزي: 317.
شريح بن الأقعس العنبري: 365.
شريح القاضي: 48، 49.
أبو شريح الخزاعي (خويلد): 414، 415.
شريح بن عمرو بن عدس: 228
شريك بن الأعور: 390، 391.
شريك (القاضي): 279.
الشعبي: 48، 52، 97، 101.
شقة بن ضمرة: 317.
شمر بن ذي الجوشن: 149.
شهاب بن مذعور (الشاعر): 228، 273.
ابن شهاب: 392.
شیرین بنت شمعون القبطية: 236.
الشيعة: 123.
حرف الصاد
صالح (ع): 97.
صالح أحمد العلي (الدكتور): 5، 25.
صحار العبدي: 318
بنو صخر بن نهشل: 187.
صعصعة بن صوحان: 139
صعصعة بن معاوية: 151.
صعصعة بن ناجية المجاشعي: 499.
آل أبي صفرة: 322.
صفوان بن الأهتم: 253.
صفية بنت عبد المطلب: 263.
الصقب النهدي: 317، 318.
صلتان: 120، 121.
حرف الضاد
الضحاك بن عروة العدوي (الشاعر): 185، 187.
الضحاك بن قيس الفهري: 412.
ضرار بن الخطاب: 479.
حرف الطاء
طارق (المولی): 383، 384.
أبو طالب: 455.
الطالبيون: 239.
طاهر بن الحسين: 57.
طاووس: 80.
الطرماح بن حكيم: 366.
طلحة بن عبد الله خلف: 39.
طلحة بن عبيد الله: 324 385، 489.
أبو طلحة: 537.
ابن الطوسي (حميد): 136.
طييء: 339.
حرف الظاء
ظبیان: 429.
ابن ظبيان: 446.
ظبية 423.
حرف العين
عائشة بنت أبي بكر (رضي الله عنها): 121، 377، 385.
عائشة بنت طلحة: 508.
عاتكة بنت يزيد: 425، 439.
:عاد: 172، 332.
ابن عارض الجشمي: 500.
العاص بن أمية: 156.
أبو العاص بن أمية: 156، 453.
العاص بن وائل: 156.
عاصم بن عمرو 522.
ابن أبي عاصية: 238.
بنو عامر 77، 85، 198.
عامر بن جوين: 335، 404، 405.
عامر بن صعصعة: 272.
عامر بن الطفيل: 52، 393.
عامر بن عبد الله: 291 .
عامر بن وائلة: 138، 139.
أبو عباد: 72، 125.
عباد بن حصين: 450.
عباد بن زیاد: 496.
عباد بن منصور الناجي: 319.
عبادة (الجارية): 240.
عبادة بن قيس: 396.
أبو العبّاس الأعمى (الشاعر): 437.
أبو العبّاس السفاح: 112، 114، 117، 140، 164، 166، 170، 292.
العباس بن عبد المطلب: 165، 179، 239، 454، 463.
ابن عبد البر الأندلسي: 21.
عبد الجبار المساحقي: 315، 323.
عبد الدار: 248.
عبد ربه اليشكري: 177.
عبد الرحمٰن بن الأشعث: 272، 302، 388، 389.
عبد الرحمٰن بن أبي بكر: 385.
عبد الرحمٰن بن الحارث بن هشام:
عبد الرحمٰن بن حسّان بن ثابت (الشاعر): 191، 192، 193، 194، 195، 196، 197، 198، 199، 200، 203، 204، 205، 207، 208، 209، 211، 213، 214، 215، 216، 217، 218، 219، 221، 223، 224، 228، 237، 266، 273، 282.
عبد الرحمٰن بن الحكم: 179، 195، 210، 212، 213، 216، 217، 221، 222، 223.
عبد الرحمٰن بن أم الحكم: 250، 299.
عبد الرحمٰن بن خالد بن الوليد: 106، 178
عبد الرحمٰن بن أبي ربيعة 249.
عبد الرحمٰن بن أبي الزناد = ابن أبي الزناد.
عبد الرحمٰن بن زيد الحكمي: 424.
عبد الرحمٰن بن شبيب الفزاري: 287.
عبد الرحمٰن بن ضرار الجشمي: 204.
عبد الرحمٰن بن عمر بن الخطاب: 480.
عبد الرحمٰن بن عوف: 462.
عبد السلام بن مزاحم السلمي: 118، 120.
عبد شمس: 159، 276، 453.
عبد العزيز بن عمران: 490.
عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك: 292.
عبد العزيز بن مروان: 390.
بنو عبد قیس: 142، 319.
عبد الله بن الأهتم: 99، 254، 258.
عبد الله بن أيوب = التيمي.
عبد الله بن ثوب = أبو مسلم الخولاني.
عبد الله الجبوري: 26.
عبد الله بن جحش: 297، 324.
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: 79، 80، 149، 283، 455.
عبد الله بن الحسن المثنى: 238.
عبد الله بن الحصين اليربوعي: 256.
عبد الله بن خازم السلمي: 440، 450.
عبد الله بن خالد بن أسيد: 248، 249، 250، 424، 425، 426.
عبد الله بن دارم: 224.
عبد الله بن رواحة: (الشاعر): 396، 505.
عبد الله بن الزبعرى (الشاعر): 236.
عبد الله بن الزبير بن العوام: 110، 261، 262، 263، 272، 323، 389، 390، 410، 412، 417، 427، 450.
عبد الله بن الزبير الأسدي (الشاعر): 94، 379، 465، 535.
عبد الله بن سعد بن أبي سرح: 108، 402.
عبد الله بن صفوان: 137، 138.
عبد الله بن عامر: 176، 178.
عبد الله بن عامر بن ربيعة: 109.
عبد الله بن عباس: 102، 108، 111، 115، 264، 266، 454، 460، 461، 462، 463، 464، 482، 483، 484، 486، 487، 490، 491، 492، 493.
عبد الله بن عروة بن الزبير: 285، 345.
عبد الله بن علي: 171.
عبد الله بن عمر: 149، 150، 171.
عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: 325.
عبد الله بن عياش المنتوف: 247، 248.
عبد الله بن مسعود الفرازي: 107.
عبد الله بن مصعب بن ثابت: 287. 322، 418، 640.
عبد الله بن محمد بن حفص: 362.
عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: 100، 381، 452، 453.
عبد الله بن همام: 508.
عبد الله بن يزيد: 244
عبد قيس بن خفاف البرجمي: 359، 360.
عبد المدان بن الديان بن قطن: 211.
عبد المطلب: 266، 277، 278، 455، 487.
عبد الملك بن حنظلة التميمي: 118، 119.
عبد الملك بن عمير: 89
عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز: 496.
عبد الملك بن مروان: 52، 53، 54، 88، 89، 93، 136، 144، 167، 173، 174، 181، 182، 184، 185، 186، 190، 191، 246، 270، 276، 277، 289، 384، 381، 409، 410، 411، 424، 425، 426، 427، 429، 430، 437، 439، 440، 448، 449، 452، 459، 496، 506.
عبد مناف: 385.
بنو عبس: 228.
عبيد الثقفي: 156، 253.
عبيد الله بن الحسن القاضي: 180.
عبيد الله بن زیاد: 256، 379، 428، 429.
عبيد الله بن زیاد بن ظبيان 448،
عبيد الله بن ظبيان: 466.
عبيد الله بن عبد الله بن مسعود: 285، 324.
عبيد الله بن عمر بن الخطاب: 480، 602.
عبيد الله بن قيس الرقيات (الشاعر): 430.
أبو عبيدة بن الجراح: 463.
عبيد بن الأبرص: 342، 344.
عبيد (عبد ثقيف): 156، 253.
عتاب بن أسيد: 276.
عتاب بن ورقاء الرياحي: 427، 442، 448.
أبو العتاهية: 241، 242.
عتبة بن ربيعة: 322.
عتبة بن أبي سفيان: 271، 406. ابن أبي عتيق: 511.
عثمان بن شيبة: 248
عثمان بن عفان: 94، 115، 136، 160، 161، 173، 175، 250، 252، 274، 276، 395، 402، 403، 413، 414، 428، 460، 480، 482، 483، 484، 486، 490، 492، 602.
عثمان بن عمارة: 316
عثمان بن محمد بن أبي سفيان: 137
عجيف بن عنبسة: 54، 55، 56.
عدوان: 436.
عدي بن حاتم الطائي: 339، 340.
عدي بن الخيار: 481.
عدي بن فزارة: 289.
عدي بن زيد العبادي (الشاعر): 158.
عرابة الأوسي: 163.
عرارة الخياط: 316.
عروة بن الزبير: 182، 185.
عروة بن عمرو: 467.
عروة بن المغيرة بن شعبة: 439.
عروة بن يعمر الليثي: 185، 186، 187، 188، 189، 190، 191.
العريان بن الهيثم: 243، 248.
ابن عزیز: 237.
ابن أبي عزة (الشاعر): 464، 469.
عطارد بن حاجب بن زرارة: 228.
عفان بن شرحبيل التميمي: 462.
ابنا عفراء: 467.
عقبة بن أبي معيط: 478، 479.
بنو عقيل: 408.
عقيل بن أبي طالب: 277، 278.
عقيل بن علفة: 290، 291.
عكرمة بن أبي جهل المخزومي: 467، 584.
العلاء بن عتوارة الليثي: 412.
علقمة بن حر: 500.
علقمة بن عديس البلوي: 252.
علقمة بن علاثة: 52.
علي بن جعفر: 125.
علي بن صالح: 60، 61، 64، 69، 124.
علي بن أبي طالب: 45، 62، 86، 87، 105، 115، 121، 162، 168، 169، 172، 239، 248، 250، 251، 252، 270، 272، 276، 277، 278، 284، ؟، 301، 309، 310، 311، 385، 391، 454، 461، 464، 465، 467، 468، 471، 472، 476،477، 481، 483، 484، 485، 486، 487، 488، 489، 490، 491، 511.
علي بن عيسى الهاشمي: 18.
عليّ بن موسى: 177.
عمار بن ياسر: 268، 481، 485.
عمار بن حمزة: 69، 166.
عمارة بن الوليد: 473.
ابن عمران: 125.
عمر بن الخطاب: 101، 115، 131، 171، 259، 300، 301، 390، 391، 392، 395، 396، 403، 460، 462، 480، 488، 489، 498، 501، 507، 508، 509.
عمر بن أبي ربيعة: 237.
عمر بن عبد العزيز: 173، 180، 181، 281، 287، 292، 293، 324، 325، 417.
عمر بن عبيد الله بن معمر: 303، 440، 450.
عمر بن هبيرة: 241.
عمرة بن عمرو: 377
عمرو بن أمية: 156.
عمرو بن براقة: 501.
عمرو بن سعيد بن العاص: 128، 137، 450.
عمرو بن ضابىء البرجمي: 89، 94.
عمرو بن أبي العاص الثقفي: 395.
عمرو بن العاص: 137، 138، 155، 156، 161، 277، 278، 287، 402، 403، 472، 473، 475، 476، 478، 591، 592، 593، 594، 595، 596، 597، 599.
عمرو بن عبيد بن وهيب الدئلي: 129، 130، 167.
عمرو بن عتبة: 380، 381، 383.
عمرو بن عثمان: 275.
عمرو بن عجلان: 415.
عمرو بن عمرو بن عدس: 228
بنو عمرو بن عوف: 193.
عمرو بن المخلاة: 50، 412.
عمرو بن مسعدة: 72.
عمرو بن مسلم: 303.
عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة: 383، 384.
عمرو بن معد يكرب (الشاعر): 148، 390، 391، 394، 499.
عمرو بن هند: 226، 228.
عنبسة بن سعيد بن العاص: 94.
عنبسة بن أبي سفيان: 249، 250.
عواء بن ضمضم: 331.
عويم بن ساعدة: 469، 470، 471.
عیاض بن عدي: 333.
عیاض صاحب البحر: 113.
عياض بن أبي واقد الليثي: 200.
عیسی بن داود: 481.
عيسى بن علي العباسي: 107، 147، 171.
عيسى بن مصعب: 428، 448.
عيسى بن موسى العباس: 107، 147، 171.
العيشي: 43.
العيص بن أمية: 156.
أبو العيص بن أمية: 156.
حرف الغين
الغريض المغني: 149.
غزالة الحرورية: 389.
ابن غزية الأنصاري: 287.
غسان بن عباد: 81، 82.
غضبان بن القبعثري: 445.
غنية بنت عفيف بن عمرو: 361.
الغوث: 349، 364.
غيلان الدمشقي: 180.
حرف الفاء
فاطمة بنت عبد الملك: 181.
فاطمة بنت عمر بن مصعب: 423.
فاطمة بنت محمد (ص): 169، 310، 311، 312، 493.
فرات بن زيد الليثي: 501، 502.
فراس: 427.
الفرزدق (الشاعر): 71، 194، 450، 499.
الفرس: 143.
فروة بن عمرو: 470، 471.
ابن أبي فروة: 428.
الفريعة أم حسّان: 209.
ابن الفريعة = حسّان بن ثابت.
بنو فزارة 415.
الفضل بن الربيع: 60، 107، 134، 313.
الفضل بن سليمان: 80.
الفضل بن سهل: 127، 128.
الفضل بن العباس: 465، 475، 476، 477.
الفضل بن عياش المنتوف: 248.
الفضل بن يحيى: 282، 283.
فقیم جریر بن دارم: 201.
حرف القاف
القاسم بن جعفر: 125.
القاسم بن معن: 279.
القبط: 143.
قبيصة بن ذؤيب: 182، 276، 277.
قتيبة بن مسلم: 141، 321.
قثم بن جعفر: 125.
قدامة بن إبراهيم الجمحي: 421.
قدامة بن مظعون: 498.
بنو قرضم: 333.
قریش: 77، 137، 138، 163، 180، 181، 183، 191، 200، 284، 301، 319، 380، 455، 456.
ابن القرية: 166.
قسامة بن زيد: 502.
قصي: 290.
قضاعة بن مالك بن عمرو: 264.
قطن بن عبد الله الحارثي: 448.
قطن بن قتيبة بن مسلم الباهلي: 118.
القعقاع بن معبد بن زرارة: 226، 228.
قفار بن ميساك الكندي: 333.
قیس بن ثعلبة: 446.
قيس بن حجدر بن ثعلبة: 366.
ابنة قيس بن الخشخاش العنبري: 302.
قيس بن الخطيم (الشاعر): 285.
قيس بن زهير (الشاعر): 198.
قيس بن عاصم المنقري: 494، 503.
قيس بن عمرو بن مالك (انظر النجاشيّ).
قیس عیلان: 104، 141.
قيس بن الملوح: 315.
القين بن جسر: 264.
حرف الكاف
كبشة بنت الأرقم: 371، 378.
كثير بن عبد الرحمٰن بن الغريزة: 187.
ابن كثير بن عذرة: 504.
كثير عزة: 439.
أم كثير الحارثية: 386.
الكذاب الحرمزاوي (الراجز): 141.
كرز بن عامر: 294، 500.
کسری 158، 226، 488.
كعب بن جعيل التغلبي: 194، 195.
كعب بن زهير (الشاعر): 503.
كعب بن سور: 508، 509، 636.
كعب بن شراحيل: 266.
كعب بن مالك الأنصاري (الشاعر): 406.
كعب بن مامة: 45.
بنو کلاب: 77
كلب، كلبيون: 265، 266.
كلثوم بن هدم: 276.
ابن الكلبية = مصعب بن الزبير.
كلحبة العرني (الشاعر): 441.
بنو كنانة: 391.
كنانة بن أبي الحقيق (الشاعر): 312.
كنانة بن الربيع: 376.
كندة: 52، 244.
كندي بن حارثة: 335.
ابن الكواء: 228
حرف اللام
بنو لأم: 334.
لقيط بن زرارة: 228، 509.
أبو لهب: 465.
بنو ليث بن بكر بن كنانة: 119، 184، 188.
ليلى الأخيلية: 407، 408، 413.
ابن أبي ليلى الأنصاري: 140.
حرف الميم
مابورا 236.
مارية بنت شمعون القبطية: 236.
مالك بن أدهم: 165.
مالك بن أسماء: 421.
مالك بن أنس: 289.
مالك بن جبار: 337.
مالك بن خداش الخزاعي: 303.
مالك بن الدخشم: 467.
مالك بن دينار: 95.
مالك الطائي: 355.
مالك بن عمارة اللخمي: 182، 211.
مالك بن مسمع: 141.
مالك بن نويرة: 502، 629، 630.
المأمون (الخليفة): 42، 43، 44، 45، 46، 47، 54، 56، 57، 59، 60، 61، 68، 69، 70، 71، 72، 122، 123، 124، 125، 127، 128، 130، 239، 422، 522، 640.
أبو الماهر: 325.
ماوية بنت عفزر: 345، 346، 348، 351، 356، 357، 420، 423.
المبارك بن عبد الجبار الصيرفي: 20.
متمم بن نويرة (الشاعر): 503.
المتوكل (الخليفة): 324.
مجاشع بن مسعود: 148.
المحشر بن مزاحم السلمي: 127.
مجنون البكرات: 72
المجنون (الشاعر): 315.
محجن الثقفي: 503.
محمد بن الأشعث: 170.
محمد بن أبي بكر: 287، 288.
محمد بن أبي حذيفة: 251.
محمد بن عبد الله بن طاهر: 16.
محمد بن عبد الله بن الحسن: 163.
محمد بن عروة: 289.
محمد بن علي العباسي: 292.
محمد بن علي الطالبي: 331.
محمد بن عمير بن عطارد الدارمي: 89، 442.
محمد بن عيسى الجعدي: 40.
محمد بن عیسی بن المنصور: 20.
محمد بن كعب القرظي: 373.
محمد بن مخزوم 423.
محمد بن مروان: 424، 425، 433، 448.
محمد بن مسلمة: 311
محمد بن مصعب: 423.
محمد النبي (ص): 44، 66، 68، 77، 81، 105، 14، 121، 140، 179، 218، 236، 237، 250، 253، 260، 261، 264، 265، 266، 267، 268، 270، 274، 275، 276، 279، 293، 294، 295، 296، 297، 300، 301، 301، 305، 309، 310، 311، 323، 377، 389، 394، 399، 402، 460، 462، 463، 465، 471، 472، 481، 482، 611.
محمد بن يحيى العلوي: 70.
محمد بن يزداد المروزي: 43.
المختار الثقفي: 429.
ابن مخرمة: 114.
بنو مخزوم: 119، 200، 213،
المدائني: 22، 304.
ابن مخلاة الكلبي: 412.
المذنوب الهمداني: 192.
مراجل: 512.
بنو مراد: 121.
مرثد بن أوس بن حارثة: 338
مرداس بن أدية: 254، 258،
المرجئة: 123.
بنو مروان: 292.
مروان بن أبي حفصة (الشاعر): 321.
مروان بن الحكم: 117، 155، 158، 175، 213، 219، 221، 276، 323، 380، 407، 452.
مروان بن محمد: 173، 292، 383.
مزاحم (مولی عمر بن عبد العزيز): 287.
مزيد المديني: 38، 39، 280
مسعود بن قيس: 509.
المسعودي: 19
مسكين الدارمي: 224، 225، 236.
أبو مسلم الخراساني: 127، 381.
أبو مسلم الخولاني: 250، 251.
مسلم بن عمرو الباهلي: 429، 449.
مسلمة بن عبد الملك: 52، 53،
173، 174، 175.
مسكين الدارمي (الشاعر): 266، 267، 272، 273، 281.
أبو مسهر الدمشقي: 43.
المسيب بن زهير: 111
مصعب بن ثابت الزبيري: 263.
مصعب بن الزبير بن العوام: 143، 424، 425، 426، 429، 430، 431، 434، 435، 437، 438، 439، 440، 441، 446، 447، 448، 449، 450، 508.
مصعب بن عمیر: 310
مصقلة بن هبيرة الشيباني: 386.
مصلی: 333.
مضر:، 77، 112، 114، 173، 246، 324.
مطرف بن سيدان الباهلي: 438.
معاذ بن جبل: 463.
معاوية بن أبي سفيان: 46، 106، 137، 138، 139، 155، 163، 173، 192، 194، 195، 199، 213، 215، 218، 219، 244، 248، 249، 250، 251، 252، 253، 276، 277، 278، 287، 318، 322، 323، 326، 340، 345، 406، 417، 452، 460، 461، 462، 494، 495، 500، 503.
معاوية بن عبد الله الجعفري: 455.
معاوية بن عمرو بن عتبة: 383.
معبد المغني: 149.
المعتصم: 42.
ابن المعطل صفوان: 253.
المعلى: 42.
معن بن أوس: 503.
معن بن زائدة، 37، 38، 322.
معن بن عدي: 469، 470.
المغيرة بن الأخنس: 511، 512.
المغيرة بن سعيد: 140.
المغيرة بن شعبة: 386، 462، 494.
المغيرة بن عبد الله: 39.
مقاتل بن مسمع: 387.
المقداد بن الأسود: 267.
المقداد بن عمرو البهراني: 267.
المقنع الكندي (الشاعر): 416.
المقوقس: 236
أبو المقوم: 214.
ملحان بن حارثة بن سعد: 334، 457، 365، 373، 457.
منبوذ 402.
المنذر بن بشر بن عمرو: 158.
المنذر بن الجارود: 142.
المنذر بن الزبير: 502.
المنصور (الخليفة): 37، 69، 71،
80، 82، 107، 112، 126، 129، 136، 163، 171، 173، 179، 238، 279، 281، 305، 325، 330، 331، 332، 399، 400.
المنهال التميمي: 502.
موسی (ع): 82، 139.
أبو موسى الأشعري: 460 498، 499
موسى بن کعب: 170.
موسی بن مصعب: 512.
موسى الهادي: 166.
الموفق: 21، 22.
المهدي (الخليفة): 69، 70، 71، 75، 80، 147، 148، 180، 240، 241، 279، 323.
مهرد بنت أبي هزومة: 377.
المهلب بن أبي صفرة: 141، 321، 403، 440، 450.
المهلبية: 240، 241.
ابن ميادة 507.
ميسرة: 52.
میمون الحضرمي: 488.
حرف النون
نائلة بن الفرافصة: 494.
النابغة الذبياني (الشاعر): 97، 342، 352، 353، 355، 459.
بنو النبيت: 88.
بنو النجّار: 196، 223.
النجاشيّ: 143.
النجاشيّ (الشاعر): 197، 198، 199، 200، 201، 202، 204، 105، 206، 207، 208، 211، 246، 249، 275.
النجود بنت ثور: 338.
أبو نصر: 131، 132.
نصر بن سيّار: 118، 120، 321.
أبو نصر (الزاهد): 132.
النعمان بن بشير (الشاعر) 195، 196، 219، 220.
النعمان بن ثابت = أبو حنيفة.
النعمان بن الحارث: 364، 366، 367.
النعمان بن العجلان: 472، 474.
النعمان بن المنذر: 158، 316، 334، 335، 337، 342، 343، 346.
نعيم بن عمرو الأهتم: 192.
نفیس بن محمد: 40.
النمر بن قاسط: 173، 228.
نهار بن توسعة: 321.
النوار أم حاتم: 342.
نوري القيسي (الدكتور): 26.
حرف الواو
الواثق: 99.
أبو واسع: 223.
واقد: 433.
ابن وثيمة النضيري: 500.
وضاح (الشاعر): 181.
وهم بن عمرو 336 337.
الوليد بن عبد الملك: 52، 53، 54، 269، 270، 387، 388، 390، 403، 412.
الوليد بن عقبة بن أبي معيط: 478، 479، 495.
الوليد بن يزيد بن عبد الملك: 248، 403، 404، 405، 451، 452، 453،
وهم بن عمرو: 364.
حرف الهاء
هاجر: 512.
الهادي: 71 .
هارون الرشيد = الرشيد.
هاشم بن عبد مناف: 268، 455.
الهاشمیون: 73 ،117.
ابن هداج: 399.
هدبة بن الخشرم (الشاعر): 203.
هذيل: 204.
هر مس: 45
ابن هرمة (الشاعر): 398، 399
هشام بن عبد الملك: 118، 119، 133، 134، 173، 243، 247، 248،
هشام بن عروة: 417، 505، 506.
همام بن قبيصة النميري: 412.
أبو همهمة: 312
هند بنت أسماء: 421.
هند بنت أوس: 377.
هند بنت ربيعة: 322
هند بن أبي هالة: 299.
هوازن: 200، 201، 361.
هود: 332.
الهيثم بن الأسود النخعي: 443.
أبو الهيذام المري: 316.
حرف الياء
يحيى بن أكثم: 42، 45، 46، 133.
يحيى بن الحصين الذهليّ: 118.
يحيى بن الحكم: 424.
يحيى بن خالد، 237، 238، 306،
.309
يحيى بن كثير: 433.
يحيى بن مبشر: 432، 433، 449.
يزيد بن أسد: 244، 246.
يزيد بن أسيد: 127.
يزيد بن حجية التيمي: 461.
يزيد بن الحصين: 507.
يزيد بن الرقاع العاملي: 429.
يزيد بن رويم الشيباني: 442.
يزيد بن أبي سفيان: 479.
يزيد بن عبد الملك: 419.
يزيد بن كعب بن شراحيل: 265.
يزيد بن مارية (الشاعر): 420.
يزيد بن مزيد 316.
یزید بن معاوية: 137، 172، 194، 195، 286، 453.
يزيد بن مفرغ (الشاعر): 158.
يزيد بن المهلب: 142، 403، 404، 405.
يزيد بن موهب الرملي: 285. يعقوب (ع): 197.
يعلى بن منية: 406.
يوسف (ع): 135، 280.
يوسف بن عمر: 87، 242، 247، 248.
اليونانية: 42.
یونن بن یونان: 41.
إبراهيم بن جعفر: 197.
إبراهيم بن حمزة: 291، 400.
إبراهيم بن سعيد الزهري: 497.
إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز: 325.
إبراهيم بن المنذر الحزامي: 108
إبراهيم بن يحيى بن زید بن ثابت: 394، 396، 459.
أحمد بن سعيد الدمشقي: 131، 132، 133، 134، 136، 137، 138، 139، 143، 144، 147، 148، 149، 155، 163، 175، 183، 184، 202، 224، 239، 242، 253، 260، 268، 274، 278، 281، 291، 300، 331، 334، 340، 345، 359، 361، 368، 370، 372، 379، 381، 385، 394، 398، 400، 401، 406، 415، 435، 440، 449، 450، 451.
أحمد بن سليمان: 74، 83، 84، 451.
أحمد بن عبيد الله بن أبي رافع: 261.
أحمد بن محمد بن نصر: 261.
إدريس بن أبي حفصة: 238.
أسامة بن سعيد المقبري: 323.
أسباط بن عيسى العذري: 202.
إسحق بن إبراهيم التميمي: 20، 42، 43، 127، 184.
أبو إسحق بن ربيعة: 304
إسحق بن سعيد بن العاص: 213، 238، 242.
إسرائيل: 489
إسماعيل بن أبي أويس: 400.
إسماعيل بن أبي خالد: 489.
الأسود بن قيس: 489.
الأصمعي ي: 74، 82، 83، 84.
أنس بن عياض: 149، 331.
البغوي: 449.
أبو بكر بن معمر بن عبد الله بن زید: 394.
أبو بكر الهذلي: 253.
ثابت بن الزبير بن هاشم: 422.
جعفر بن سليمان الضبعي: 272.
جعفر بن عوان: 301.
جعفر بن محمد الصادق: 331.
أبو جعفر الضبعي: 261.
جميع بن عمر العجلي: 293.
جميل بن مرثد الكلبي: 264.
جهم بن مسعدة: 289، 290
أبو حاتم السجستاني: 499.
الحارث بن خالد المخزومي: 431.
الحارث بن محمد العوفي: 287.
أبو الحسن الأثرم: 37، 155، 192،
194، 199، 206، 21، 218، 224، 332، 345.
الحسن: 489.
الحسن البصري: 259.
الحسن بن عبد الجبار: 54.
الحسن بن علي: 293، 295.
الحسين بن الحسن الأسقم: 261.
أبو الحكم بن خلاد الدوسي: 440.
أبو حيان الكلبي: 435.
خالد بن سويد بن العاص: 213.
خالد بن عطية: 137.
أبو الخطاب الأنصاري: 218.
ابن دأب: 121، 194.
داود بن عيسى: 294.
ذكوان: 121.
ربيعة بن أبي عبد الرحمٰن: 418.
الزبير بن عبادة بن حمزة: 291
زكريا بن عيسى: 197.
أبو الزناد: 396، 397.
ابن أبي الزناد عبد الرحمٰن: 261، 394، 396.
زهير بن حسن: 387.
زيد بن أسلم: 331
ابن أبي سبرة: 275.
السري بن إسماعيل: 48.
سعد بن سعید بن قيس الأنصاري: 197.
سعد بن طريف: 102.
سعد القصر: 406.
سعيد بن عبد العزيز التنوخي: 401.
سفيان بن عيينة: 303، 489.
سلیمان بن عباس: 512.
سليمان بن عياش السعدي: 415.
سهل بن طلحة: 320.
سويد بن منجوف السدوسي: 431.
شراحيل بن القعقاع: 499.
الشرقي بن القطامي: 435 499.
شريج بن ابن الأقمس: 32.
الشعبي: 181، 258.
شعیب بن صفوان: 194.
ابن شهاب 197، 325، 502.
أبو صالح: 264.
صفوان بن سليم: 300.
أبو ضمرة: 323، 418.
الطبري: 499.
أبو طليق الغامدي: 499.
الطوسي: 459.
ابن ظبیان، عبد الله: 380.
عاصم بن الحدثان: 184، 191.
عامر بن صالح 53، 134، 139، 248، 316، 324، 334، 361.
أبو العبّاس الأعمى: 437.
عبد الرحمٰن الهمداني: 138.
عبد الرحمٰن بن محمد البكاء: 261.
عبد الرحمٰن بن محمد بن منصور: 261.
عبد الرحمٰن بن يزيد: 275.
عبد الله بن إبراهيم الجمحي: 284، 421.
عبد الله بن داود 293
عبد الله بن سالم: 179.
عبد الله بن أبي عبيدة الياسري: 104، 108، 133، 148، 151، 173، 250، 260، 261، 268، 292،
317، 34، 381، 390، 407، 501.
عبد الله بن عمر: 400.
عبد الله بن فائد: 302
عبد الله بن محمد بن حفص: 300.
عبد الله بن مسلم: 302
عبد الله بن مصعب 40، 59، 60، 101،، 112، 150، 212،، 238، 240، 241، 260، 277، 278، 305، 323، 331، 368، 417، 418، 503، 507، 511.
عبد الله بن معاوية: 85.
عبد الله بن نافع: 281، 511.
عبد الله بن أبي نجيح: 310.
عبد الله بن وهب: 331.
عبد العزيز بن الخطاب: 261.
عبد العزيز بن عمران: 398.
عبد العزيز بن المطلب: 400.
عبد الوهاب بن يحيى بن عباد الزبيري: .191
عبيد بن حارثة: 489.
أبو عبيد الله: 127
عبید الله بن عرفجة الأزدي: 401، 402.
عبيد الله بن عمرو بن شعيب: 400.
عبيد الله بن موسى بن طلحة.387.
أبو عبيدة: 199، 206، 208، 224.
عتبة بن أبي لهب: 456 .
العتبي محمد بن عبد الله: 71، 72، 73، 172، 180، 271، 406، 451.
عثمان بن عبد الرحمٰن الجمحي: 322.
عطاء بن يسار: 300.
عكرمة: 102.
علي بن أبي سعيد: 127.
عليّ بن سليم: 137.
عليّ بن صالح: 53، 134، 139، 248 270، 316، 331، 334، 361،
علي بن محمد عبد الله بن محمد: 32، 37، 38، 88، 128، 300، 301، 303، 304.
علي بن عبد الله الجوهري: 261.
علي بن زيد بن جدعان: 272، 273.
علي بن المغيرة: 359.
عليّ بن هشام: 240، 261.
عمر بن أبي بكر المؤملي: 104، 108، 133، 137، 148، 151، 173، 179، 197، 250، 268، 292، 317، 340، 364، 401، 407،
419، 501.
عمر بن ثابت: 261.
عمران بن مناح: 268.
عوانة بن الحكم: 81، 88، 99،
106، 450، 489.
عوف: 322.
ابن عياش: 447.
أبو غزية الأنصاري: 209، 240، 309، 310.
أبو غسان: 419.
أبو الفرج الإصبهاني: 508.
ابن أبي فديك: 131، 132.
قحذم: 242.
قدامة بن إبراهيم: 421.
مالك بن إسماعيل: 293.
مبارك الطبري: 75، 80، 82، 111، ، 127، 129، 166، 170، 173.
المتوكل الليثي: 184، 191.
مجالد: 258.
مجاهد 97، 310.
محرز بن جعفر: 285.
محمد بن إبراهيم بن محمد الصيرفي: 261.
محمد بن إسحق: 309، 310، 463، 465، 490، 495.
محمد بن إسماعيل بن جعفر: 398.
محمد بن جعفر الأنماطي: 44.
محمد بن حرب: 489.
محمد بن الحسن المخزومي: 118، 131، 132، 139، 172، 178، 197، 285، 286، ، 312، 331، 402، 422.
محمد بن رفاعة بن ثعلبة: 268.
محمد بن رزين: 164.
محمد بن السائب الكلبي: الكلبي: 332.
محمد بن سعد: 499.
محمد بن سلّام: 19، 77، 96، 105، 138، 151، 164، 166، 167، 179، 253، 316، 319، ، 321، 322، 390، 403.
محمد بن سوقة: 303.
محمد بن الضحاك: 286، 394.
محمد بن عبد الله القرشي: 75، 261.
محمد بن عبد الرحمٰن المخزومي: 292.
محمد بن عبد الرحمٰن بن يزيد: 459.
محمد بن عليّ بن محمد بن علي: 106.
محمد بن فليح: 502.
محمد بن كعب القرظي: 309.
محمد الكلبي: 218.
محمد بن مسلمة بن محمد بن هشام: 292.
محمد بن المغيرة بن إسماعيل المخزومي: 400.
محمد بن معبد: 508.
محمد بن موسی بن سلمة: 402، 467.
مخرمة بن سليمان الوالبي: 261.
أبو مخنف: 169.
المدائني: 39، 41، 79، 80، 81، 87، 97، 99، 108، 136، 143، 163، 167، 169، 171، 177، 178، 181، 242، 254، 263، 301، 302، 303، 332، 389، 424، 447، 449، 450، 499.
أبو مسكين: 359.
مروان بن إبراهيم بن رشيد: 283.
مسلم بن عبد الله: 316.
مسلمة بن محارف: 303.
المطرف بن المغيرة بن شعبة: 462.
مصعب بن عبد الله: 40، 46، 69، 70، 81، 101، 112، 124، 134، 147، 163، 168، 175، ، 261، 269، 275، 277، 284، 302، 305، 362، 376، 383، 413، 414، 421، 425، 507.
معاوية بن ميسرة الكندي: 85.
معمر بن المثنى: 155، 192، 194، 345، 346.
المغيرة بن عبد الرحمٰن المخزومي: 400.
ابن المغيرة: 500.
أبو المقوم: 214.
ابن منده: 499.
أبو المنكدر: 105.
موسى بن زهير بن مفطور: 507.
موسى بن عقبة: 121، 400، 502.
موهوب بن رشید: 283.
ميسرة بن شريح الكندي: 85.
میمون الحضرمي: 397.
أبو النضاح بن حبيب التميمي: 118.
نوفل بن عمارة: 284، 287.
هارون بن أبي بكر: 401.
هارون بن عبد الله الزهري: 399.
أبو هالة التميمي: 293.
هبيرة بن مرة القشيري: 418.
أبو هريرة: 323.
هشام بن صالح: 406.
هشام بن عروة: 212، 324، 417،
.505، 506
هشام بن محمد الكلبي: 169، 213، 264، 332، 359، 377.
همام بن يحيى: 300.
الهيثم بن عدي: 48، 194.
الهيثم بن كليب: 499.
الواقدي: 122، 175، 268، 275، 415.
أبو وجزة السعدي: 415.
الوليد بن هشام: 172.
وهب بن جرير: 191.
-ي-
يحيى بن عبد الله بن ثوبان: 498.
یزید بن زیاد: 309.
یزید بن موهب: 285.
يزيد بن هارون: 300.
أبو اليقظان، محمد بن حفص: 303، 320، 403.
يونس بن عبد الله بن سالم: 420.
الأبطح: 106، 112.
أجياد: 106.
أُحُد: 275، 324، 496.
الأخنونية: 425.
أرمينية: 316.
اسبیجاب: 58، 59.
الاسكندرية: 236، 251.
اصبهان: 426.
افريقية: 109، 170.
انقرة: 41.
الأهواز: 126، 140.
أوانا: 426.
باجميرا: 425.
بئر أريس: 395.
بئر ميمون: 112.
بستان موسی: 123.
البصرة: 117، 125، 140، 141، 168، 180، 253، 254، 256، 257، 258، 275، 425، 431، 433، 445، 467، 478، 498، 509.
بطن مر: 269.
البلقاء: 103.
البوباة: 334.
البيداء: 269.
ت.
تبعة: 339.
الثعلبیة: 303.
ثنیة أقرن: 228.
الجامع: 242.
جبلا طييء: 341.
الحبشة: 473.
الحجاز: 246، 250، 256، 448.
حجر: 151، 260.
الحرم: 106.
حمص: 178، 179، 401.
الحمة: 247.
الحيرة 334، 335، 343، 345، 346، 364.
خراسان 118، 120، 121، 140، 178، 239، 246، 256، 321، 403422.
الخلد: 47.
دار العجلة: 240.
دار الندوة: 326.
دجلة: 447.
دستبی: 461.
دستمیسان 65.
الدسكرة: 64.
دمشق: 42، 43، 292.
دير الجاثليق: 426.
دير الجماجم: 96.
ذو طوى: 270.
ذو الحليفة: 269.
ذو المجاز: 200.
الرافقة: 80.
الربة: 102.
الرصافة: 69.
بلاد الروم: 41، 106، 252.
الري: 178، 461.
الزاب: 64.
زمزم 114، 455.
الزاوية: 96.
السبخة: 440.
سجستان: 140، 303.
سرخس: 119.
سقيفة بني ساعدة 239، 472.
السماوة: 144.
السند: 170، 175.
الشام: 97، 112، 143، 184، 190، 207، 219، 241، 252.
253، 256، 277 ، 322، 559، 322، 356، 402، 424، 827، 429، 448.
صفين: 244، 251، 461.
الصلح: 242.
ضرية: 73.
الطائف: 175، 248، 201، 274.
بلاد العجم: 226.
العراق، 75، 77، 88، 89، 90، 92، 93، 96، 97، 99، 121، 140، 176، 239، 246، 247، 248، 250، 334، 388، 411، 424، 426، 435، 436، 446، 449، 480.
العربة: 64.
عسفان: 269.
العقبة: 275.
غزة: 207
فارس: 140، 387.
الفرات: 447.
فلسطین: 207، 403.
قباء: 193، 275، 307.
أبو قبيس: 416.
القريتان: 88.
قصر نفیس: 40.
:کرمان: 140.
الكعبة: 62، 64، 98، 164، 182، 266، 310.
الكناسة: 252.
الكوفة: 39 141، 224، 247، 252، 258، 303، 309، 449، 431، 439، 495.
لوبة سابور: 242.
المبارك: 242.
المدائن: 177، 426.
المدينة المنورة: 40، 79، 131، 132، 134، 136، 137، 163، 168، 172، 180، 181، 191.
200، 213، 218، 221، 223، 240، 263،، 268،، 269، 270، 275، 279، 283، 305، 314، 402، 414، 418، 436، 459،472، .478
المربد: 257.
مرو الزوذ 120.
مسجد الرسول: 463.
مسجد الفضيخ: 275.
مسكن: 96، 425، 426.
مصر: 47، 180، 181، 251، 252، 287، 288، 402، 403، 406.
المغيثة: 124.
مکران: 140.
مكة، 38، 54، 106، 107، 136، 150، 197، 200، 248، 249، 263، 266، 269، 303، 305، 325، 435، 472، 478، 480، 490.
الملتزم: 326.
منی: 198.
الموصل: 64، 425.
المهرة: 333
:نجران 200.
النجف: 303.
نهر بلخ: 142.
نهر خالد: 242
النهروان: 64، 270، 0461
هیت 412.
-ي -
اليمامة: 151، 152، 398.
اليمن: 117، 143، 247، 290، 301، 324، 333، 334، 356، 474.
ينبع: 238.
مطلعها ... القافية ... الصفحة
(أ)
تحمل أهلها ... العفاء ... 41
أأذنت زينة ... وفناء ... 291
ألا أبلغ ... فداء ... 290
رآني الأشعري ... بلائي ... 498
(ب)
رأيت رجالاً يضربون ... زينبا ... 52
أقول لإبراهيم ... متصعبا ... 97
إن تك ناعياً ... الترابِ ... 121
من الناس ... الأقرب ... 157
يا قوم لاماء ... التعبا ... 165
ولا أكن خطيباً ... الخطيب ... 176
ألا من رسولي ... يطلب ... 196
ولست بمفراح ... المتقلب ... 203
إن اللعين ... غرابا ... 208
ونقدت أثيابه ... والكتابا ... 208
صار العزيز ... أذنابا ... 215
مطلعها ... القافية ... الصفحة
لن يسلب الله ... أذنابا ... 216
الله يعلم ... اليعاسيبا ... 237
ترى المرء يبكي ... قریب ... 286
وددت وكاتب ... التراب ... 315
فلو تلتقي أصداؤنا ... منكب ... 315
لا يبعد الله ... سنتوب ... 316
لقد ذهب ... المهلب ... 321
نهار أمات الجور ... المغيب ... 321
فلو شهدتنا ... الضرائب ... 374
فككت عدياً ... للثواب ... 367
أبا مطرٍ ... مصعب ... 380
مضى لا حميداً ... المحاربُ ... 408
بكف ابن مروان ... العجائبِ ... 410
ثقيف بقايا ... ينسب ... 411
يمشي إلى مسجد ... مختضبا ... 423
ومستخبر عنا ... سواكب ... 425
سأبكي ... تأوبا ... 432
أبلغ أمير المؤمنين ... المسهب ... 434
لعمرك إن الموت ... أريب ... 438
ألا من لهم ... مشیب ... 441
يرى مصعب ... مصعب ... 447
وقالت لي الأنصار ... نصيب ... 470
إن بني عبد المطلب ... كذب ... 495
(ت)
إذا ما بت ... فلا خفیت ... 375
بكي فبكت له ... فروتُ ... 415
مطلعها ... القافية ... الصفحة ...
سقينا بني العوام ... أمرّت ... 430
كنا كغصتين ... جنات ... 85
أيها القاتل ... موتا ... 282
(ج)
يا جُمْلُ إنك ... وعجاج ... 154
وكأنما خيطت ... الديباج ... 154
بنت الخليفة ... زوجها ... 181
وللأنصار ... من الدجاج ... 217
وأمّا قولك ... من وداج ... 217
إن الحمامة في نخل ... مهتاج ... 399
(ح)
يا ضيف إسحق ... وممنوح ... 242
العلم عندي ... فمفتوح ... 243
جذام نازل ... یلوح ... 193
أميزانان من ... قبوح ... 193
یا مال ... بزحزاح ... 336
هلاً سألت بني النبيت ... الریح ... 351
فتى لم يزل ... المسائح ... 477
الآن كما كنت ... القارح ... 386
(د)
أولى الأمور ... أبو عباد ... 73
ما علتي وأنا شيخ ... عُرّدُ ... 91
لا ألفينك ... زادي ... 139
مطلعها ... القافية ... الصفحة
أترضى يا معاوية ... العبيدا ... 156
فلم أهجكم ... ابن معبد ... 206
انظر نهاراً ... أحد ... 213
از جر كلابك ... لم تصطد ... 213
ومن كان يأكل ... المتصيد ... 213
لقد أبقى ... لبني سواد ... 222
ليت هنداً ... تجد ... 237
ها إنما مطرت ... الأصد ... 238
هل الدهر ... يتردد ... 357
وعاذلة هبت ... فعرّدا ... 362
أنا المقيد ... بالعهد ... 364
وخرق كنصل السيف ... شهدي ... 375
ولا أعمل الحقد ... الحقدا ... 416
فإن تسلُ عنك ... بالتجلد ... 419
هلّا صبرتم ... بنو أسد ... 431
وقامت رجال ... کخالد ... 466
ألا قل لمعن ... ساعده ... 472
يا أيها القاضي ... مسجده ... 509
واصلاح القليل ... الفساد ... 501
يا حكم ... الجارود ... 142
أبا خالد ... يتبدد ... 196
اشهد كل مسلم ... تلاده ... 199
فأبلغ مصعبا ... واد ... 431
(ر)
إذا زينت زارها ... زوارها ... 51
مطلعها ... القافية ... الصفحة
حبذا رجعها إليها ... الإزارا ... 53
ما بلغ المداح ... المعشر ... 59
أبو جعفر من أصل ... طهور ... 79
سأثني بما أوليتني ... کافره ... 80
هل خبر ... بزائريه ... 83
قد لفها الليل ... شمري ... 91
من يك ذا ... زعري ... 99
طربت إلى ... المزار ... 99
أشكو إلى الله ... كبر ... 99
إذا ما خشينا ... فعسكرا ... 141
أعود على ... بحري ... 160
إذا تخازرت ... عور ... 161
محجوبة سمعت ... السحرُ ... 167
ألا أيها البيت ... الهجرُ ... 186
ذهبت قریش ... الأنصار ... 195
أبلغ قبائل ... الثرثار ... 195
عذرت بني الفريعة ... بشیر ... 196
ظهر النبي ... الظفر ... 199
إذا دعوت ... وخميرا ... 201
جار ابن کعب ... الجماخير ... 205
أما الحِماس ... خطر ... 207، 210
دعوا التحاجي ... وتذكير ... 209
ألا ترون العبد ... عمر ... 199
ألا أبلغ معاوية ... الصدورا ... 215
دع ذا ... كالفاخر ... 222
من صدق ... غرور ... 241
مطلعها ... القافية ... الصفحة
إني إذا ... ينكر ... 263
أحسن إلى ... المشاعر ...265
إذا كان لي ... أعذر ... 285
الله درّك ... الأصغرا ... 323
مُسَّا تراب الأرض ... الحشر ... 325
ألا أبلغا ... اجدرُ ... 337
أماوي إني ... ولا أسر ... 341
فقلت لها ... إن تيسرا ... 346
أماوي قد طال ... العذر ... 353
ألا أرقت عيني ... يضيرها ... 368
ألا إنني ... الأشر ... 365
أهاجك نصب ... ساهر ... 370
صحا القلب ... صابر ... 372
إن كنت كارهة ... بدر ... 376
إلى رجب ... و سودها ... 379
أسدٌ عليَّ ... الصافر ... 390
قد كنت أجمعت ... مشتجر ... 397
الله قوم ... البواتر ... 408
ركوب المنابر ... مجهر ... 417
أبيت يا مصعب ... باجميرا ... 425
خذيه فجريه ... أصره ... 440
فقالت أرى مبترا ... فاعره ... 459
فقل لقريش ... في بدر ... 473
لبيك ... عذرا ... 499
سأبذل مالي ... في القبر 502
لقد غيب المنهال... أروعا ... 503
مطلعها ... القافية ... الصفحة
يا قلب إنك ... تذكير ... 505
إني تفرست ... بصر ... 505
ألا ليت شعري ... صبرا ... 507
فتى كان يدنيه ... الفقر ... 386
الجل يحمله النفر ... المعتصر ... 386
اذهب إليك ... العشار ... 482
يا قلب إنك ... تذكير ... 505
(ز)
أنا النجاشيّ ... جماز ... 198
(س)
وقفت على رسم ... مأنس ... 333
لو حز بالسيف ... راسي ... 53
نحن قتلنا ... التبئيسا ... 449
والله ما كلّم ... عباس ... 461
(ض)
تفوه عمرو ... البعض ... 474
فوالله لا أنسى ... الأرض ... 320
بل إنها ... ما يمضي ... 145
أبا منذر ... المتبغض ... 158
إن التي فخرت ... والإعراض ... 314
(ط)
كان أبي ... علاطا ... 217
مطلعها ... القافية ... الصفحة
(ع)
ويراني كالشجا ... لم يُطع ... 97
وأغضي على ... موضعا ... 162
أعاذل ما يغني ... تطلع ... 184
وهل أنتم ... ومجاشع ... 201
لا تنكحي إن فرق ... بأنزعا ... 203
أبلغ بني الأشعر ... واسع ... 224
فمن يك ... لا يفزع ... 204
يا أيها الراكب ... ذو المتاع ... 208
ليحبسكم أن تتعموا ... ينبع ... 238
ثلاث مئين ... رابع ... 289
إخوة ما حضرت ... الجياعُ ... 382
لا بارك الله في كعب ... وضع ... 313
لعمرك ما الأشراف ... صنائع ... 313
الموت أجمل ...يتقنع ... 314
العمري لقدماً ... جائعا ... 361
إن امرؤ القيس ... فاصطنع ... 366
اتبع بني ... نفعوا ... 366
وكنا كندماني ... يتصدعا ... 385
ورأيت عثمة ... أجمع ... 420
صلى على يحيى ... مطاع ... 432
إذا المرء ... تقطعا ... 441
أبلغ أمير المؤمنين ... خداعا ... 508
أمن المنون ... من يجزع ... 145
مطلعها ... القافية ... الصفحة
(ف)
أرى لك أخلاقاً ... واصف ... 417
(ق)
هذا والدي ... حقا ... 104
قال بني ... فصدقه ... 104
أغركم أني ... اخرق ... 190
هلا سألت ... الحدق ... 349
إن تحت الأحجار ... مغلاق ... 386
أطيب الطيب ... مفتوق ... 421
شكراً لمن هو ... الصديق ... 464
(ك)
فلا غرو ... كذلكا ... 74
ليث وليث ... وفتك ... 153
قل للذي كاد ... والمسك ... 192
أتاه حفص ... وأبقاكا ... 283
بما جرمت ... هالكا ... 412
أنا لقريش ... التماحك ... 476
قلت يا عمرو ... فلك ... 476
(ل)
وأخضع للعتبى ... اتنصلُ ... 41
فإن تقبلوا ... المنازل ... 41
ما مركب وركوب ... وخلخال ... 53
وما ذرفت عيناك ... مقتل ... 53
مطلعها ... القافية ... الصفحة
وقبلك ما أعيت ... حبائله ... 71
أطوف ... المسبل ... 150
واسجد بالليل ... المنزل ... 150
لكل اجتماع ... قليل ... 169
نأتك أمامة ... طويلا ... 187
وهمٌّ عراني ... الزميلا ... 187
أمتخرمي الموت ... مجدلا ... 188
أولاد جفنة ... المفضّل ... 192
لنا فرعها ... وعل ... 193
كذبتم ... وبالسهل ... 194
ابني الحِماس ... قليل ... 205، 210
فإن يبل ... بال ... 225
أتاني عنك ... آل ... 229
بكيت على زيد ... الأجل ... 265
الا يا عمرو ... عقیل ... 278
يا هالكاً ... مهمل ... 289
ألوي بها ... طربال ... 298
كأنما خلقت ... ... عمل ... 313
تقول سليمى ... أهلي ... 315
صحبتك عشراً ... جاهلاً ... 316
أغثني ... والأزل ... 316
إذا ما المرء ... الكفيل ... 319
حتى إذا وردت ... رعالها ... 322
بأي الخلتين ... مسؤول ... 322
وواد كجوف ... المعيل ... 333
وإني لعف ... شكلي ... 344
مطلعها ... القافية ... الصفحة
أتاني البرجمي ... طويل ... 360
يرى الخيل ... سبلا ... 363
ليبك على ملحان ... وخيعلا ... 373
وأشعرت معزال ... عسل ... 374
وما تدري ... المقيل ... 385
اليوم يرحمنا ... تبعا ... 387
أألحق أم لا ... ينفل ... 401
مقل رأى ... تموّلا ... 409
ما أبالي ... قلتما لي ... 412
فكف يديه ... بغافل ... 414
وإذا دعونك ...خبالا ... 423
رطب السؤال ... الأماثيل ... 423
تناذی سهیل ... أبي جهل ... 468
وقالت لي الأنصار ... من الجهل ... 471
أتاني أمر ... أصيل ... 496
لأنهضن في ... الأسفل ... 500
زهدني فرشها ... نزل ... 508
إن لها حقاً ... عقل ... 509
وإلّا تكن ... قليلها ... 509
لقد شتموا ... قبلي ... 202
(م)
وكنت أحبكم ... السلام ... 40
إليك ابن عبد الله ... سواهم ... 78
هذا أوان ... حطم ... 91
قد سمع ... فهم ... 105
مطلعها ... القافية ... الصفحة
یال تميم ... أمم ... يقيمها ... 105
أقم يابن ... 107
أغر رجالاً ...والتكرم ... 138
أرى بصري ... وتسلما ... 144
أما والذي ... وسلما ... 159
لقد كدتم ... ضيغما ... 161
يا مال عني ... وتسليم ... 166
أظن الحلم ... الحليم ... 191
وإذ لا أمت ... المقوّم ... 198
يا هند يا أخت ... بإضم ... 198
ستأذي اليهوديين ... روسم ... 198
بنى اللؤم بيتا ... لازم ... 201، 204
ومثل أم أمك ... جرم ... 214
نحاكم الله ... في الكرم ... 214
إن ابن المعطل ... بالخطام ... 223
أيها الشاتمي ... تهيم ... 236
بين بطحان ... حول الخيام ... 285
أفي سالف ... علقما ... 291
لبثنا طليقاً ... أضجما ... 291
أرقت وأمسيت ... مغرمٍ ... 312
نفس عصام ... عصاما ... 323
مرمرت بجوف العير ... القراضم ... 333
ألم تر للبوباة ... ومن حكم ... 334
وددت وبيت الله ... من العظم ... 335
أبا خيبري ... شتامها ... 340، 341
أما لم يخطبك ... وحاتم ... 350
مطلعها ... القافية ... الصفحة
هلا سألت بني ذبيان ... البرما ... 353
حملت دماء ... البراجم ... 359
لا تستري في قدري ... جزام ... 364
أنا ابن عبد الله ... الشيم ... 393
فقلت لها ... سهما ... 418
قال عثمان ... وسلاما ... 419
لقد أورث المصرين ... مقیم ... 430
رحم الله مصعبا ... كريما ... 437
يا لقومي ... الأقدام ... 497
متى ألق زنباع ... من ندم ... 498
(ن)
أنا ابن جلا ... تعرفوني ... 90
هم ورعي ... مجني ... 97
كانوا إذا شعبوا ... عنانا ... 141
لقدماً هاجني ... تجاوباني ... 152
ألا أبلغ معاوية ... اليماني ... 158
أنت خير المتاع ... للإنسان ... 169
دعا الأخطل ... دعانيا ... 196
يا راكباً إما ... آل قنان ... 205، 211
ألا أبلغ بني ... قیان ... 207
حدث حديثك ... وأمينا ... 218
ليت شعري ... نعمان ... 219
ألا رحمة ... بماسبذان ... 240
حبك المال ... المحبينا ... 242
ذهب الكتاب ... الديوان ... 282
تمسك أبا قيس ... ضمان ... 286
مطلعها ... القافية ... الصفحة
يأبى الجواب ... الأذقان ... 289
إذا ما الغانيات ... والعيونا ... 298
وددت وكاتب ... فتنظرينا ... 315 ...
جزى الله ... حانيا ... 315
قتل ابن عفان ... المسلمينا ... 413
ونحن قتلنا ... اليمانيا ...429، 438
إذا ما أراد ... يزينها ... 439
أي من يجمع ... تكذبينا ... 423
أجبت أهل ... عثمان ... 462
ما كنت أحسب ... أبي حسن ... 465
معشر الأنصار ... الفتنِ ... 469
جزى الله عنا ... كأبي حسن ... 477
كأنها ... ودخن ... 500
وهذا صاحب الملكين ... المنون ... 504
سلي الأقوام ... فاسأليني ... 350
(ه)
يا لهف نفسي ... ربيعة ... 143
بنت الخليفة ... زوجها ... 181
قد علمت ... فاها ... 392
ألا أبكيه ... فيه ... 418
ألا يا عتبة ... الساعة ... 422
إن الرزية ... والفجيعة ... 430
بدا بحتر ... دائمه ... 491
(ي)
لم يكن جاءث ... التجافي ... 313
مطلعها ... القافية ... الصفحة
إذا شئت ... المواليا ... 314
بني هاشم ... أو عديّ ... 462
توقد بنار ... ساميا ... 481
الفقر يزري ... القذى ... 501
تقديم ... 5
مقدمة التحقيق .... 13
المؤلف ... 13
قيمة الكتاب ومنهجه ... 18
مصادر الموفّقيات ... 19
توثيق النص ... 20
وصف نسخ المخطوطة ... 22
منهج التحقيق ... 24
نماذج من المخطوط ... 27
النص المحقق ... 35
الرقم ... الخبر .... الصفحة
1 أبو جعفر المنصور يثني على الحجّاج ... 37
2 عبث مزيد المخنَّث ... 38
3 حيلة زوج ... 39
4 سلم بن زياد يكرم طلحة بن عبد الله الخزاعي ... 39
5 تقاطعا في بيتين وتواصلا في بيتين ... 40
6 الرشيد في بلاد الروم .... 41
الرقم ... الخبر ... الصفحة
7 من كرم المأمون ... 42
8 المأمون يمتحن أبا مسهر الدمشقي ... 43
9 يحيى بن أكثم يصف المأمون ... 44
10 جهل العامة ... 46
11 القاضي شريح يتزوج ... 48
13 عبد الملك بن مروان يستنشد أبناءه أرق بيت ... 52
14 المأمون يناظر صاحب الكفن ... 54
15 يا إبراهيم احسب هذا ... 59
16 الفضل بن الربيع يسأل رضا المأمون ... 60
17 المأمون وأبناء عليّ بن صالح ... 60
18 المنصور والزمنى ... 69
19 المأمون يدخل قبر محمد بن يحيى العلوي ويبكيه ... 70
20 هذا رجل بحلّ الدراهم أعلم منه بحلّ الطلق ... 71
21 أخلاق أبي عباد ... 72
22 خطبة أعرابي ... 73
23 الأصمعي في مجلس الرشيد ... 74
24 خطبة المنصور بعد مبايعته بالخلافة ... 75
25 محاورة بين أبي حنيفة وجعفر الصادق ... 75
26 بين خالد بن عبد الله القسري وأعرابي ... 77
27 کرم عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ... 79
28 أبو دلامة ينصح المنصور ... 80
29 موعظة طاووس لسليمان بن عبد الملك ... 80
30 طعام عمرو بن حريث ... 81
31 مباراة في الجود ... 81
32 المنصور يسأل عمّا يعيب الناس من أمره ... 82
33 من حفظ الأصمعي ... 83
الرقم ... الخبر ... الصفحة
34 بلاغة امرأة ... 84
35 من قضاء الإمام علي (رضي الله عنه) ... 85
36 من خطب يوسف بن عمر ... 87
37 عبد الملك يولّي الحجّاج على العراق ... 88
38 كلمات الحجّاج تقذ مالك بن دينار ... 95
39 من خطب الحجّاج ... 96
40 من خطب الحجّاج ... 97
41 الحسن البصري يصف الحجّاج ... 98
42 من خطب الحجّاج بالكوفة ... 98
43 إسحاق بن إبراهيم التميمي والواثق ... 99
44 وصية عبد الله بن الأهتم لابنه ... 99
45 عبد الله بن معاوية يكتب إلى صديق له ... 100
46 من أقوال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ... 101
47 الحجّاج يتكلم بكلام ما سبقه إليه أحد ... 101
48 لا تهتكوا ستراً ... 102
49 من قضاء الإمام علي (رضي الله عنه) ... 104
50 بين تميمي وباهلي ... 105
51 أنت ومالك لأبيك ... 105
52 معاوية يسأل ما يصنع بعهده ... 106
53 المنصور يذكر ماضيه ويشكر حاضره ... 107
54 سلم بن قتيبة ينصح المدائني ... 108
55 حبر العرب عبد الله بن عباس ... 108
56 رؤيا المنصور ... 111
57 مفاخرة خالد بن صفوان وإبراهيم بن مخرمة ... 112
58 عبد الملك بن حنظلة يرشح لهشام من يتولى خراسان ... 118
59 السيدة عائشة واستشهاد علي (رضي الله عنه) ... 121
الرقم ... الخبر ... الصفحة
60 من توقيعات المأمون ... 122
61 من حكم المأمون ... 122
62 أخلاق المأمون ... 122
63 عدم تثبت عليّ بن صالح ... 124
64 أبو عباد يصف المأمون ... 125
65 قتل أبي مسلم الخراساني ... 127
66 لماذا منع المأمون لعن المخلوع ... 127
67 وصية أب ... 128
68 عمرو بن عبيد يعظ المنصور ... 128
69 أبو نصر يعظ الرشيد ... 131
70 دعاء مستجاب ... 132
71 إن الصنيعة عند درواس لتضاعف على الصنائع ... 133
72 من أجوبة أبي حازم المدائني ... 134
73 دعاء جعفر بن محمد يمنع المنصور من قتله ... 134
74 لماذا كان عبد الله بن الزبير يشتم ابنه ... 136
75 عمرو بن سعيد بن العاص يصف نفسه ... 137
76 من مجالس معاوية ... 137
77 بين معاوية وعامر بن واثلة ... 138
78 بین عثمان (رضي الله عنه) وصعصعة بن صوحان ... 139
79 مفاخرة بين البصريين والكوفيين ... 139
80 من بلاغة خالد بن صفوان ... 143
81 أي نصف بيت شعر أحكم وأوجز ... 144
82 جابر بن سلمى يصف عامر بن الطفيل ... 145
83 صحيفة بشر بن المعتمر ... 145
84 عيسى بن موسى يخلع نفسه ... 147
85 عمرو بن معد يكرب ومجاشع بن مسعود ... 148
الرقم ... الخبر ... الصفحة
86 حب الدراهم ... 148
87 سفيان بن عيينة وحب الدراهم ... 149
88 تأخر الرؤيا ... 149
89 الغناء المنهى عنه ... 149
90 غناء ابن جامع ... 149
91 عبد الله بن عمر يعلم ما ينفع الله به ... 150
92 ممن أخذ الأحنف أخلاقه وعلمه ... 151
93 جحدر بن مالك والحجّاج ... 151
94 جزع الأمويين من ادعاء معاوية زياد وإيثاره ابن العاص ... 155
95 سليمان بن عبد الملك يشيد بفضل الأعاجم ... 163
96 سجن القرشي وجلد العربي وقطع يد المولى ... 163
97 بأي شيء ساد عرابة الأوسي قومه ... 163
98 العاقل يأخذ من كلِّ شيء أحسنه ... 164
99 خطبة داود بن علي في بيعة أبي العباس ... 164
100 الشجاع الهاتف ... 165
101 السفاح يأمر بكتابة كلام عمارة بن حمزة ... 166
102 وصف خاتم ... 166
103 جارية عبد الملك بن مروان ... 167
104 الحسن البصري يصف علياً (رضي الله عنه) ... 167
105 أمر سعيد بن العاص ... 168
106 عندما دفن الإمام علي فاطمة (رضي الله عنها) ... 169
107 عندما نعي الأشتر لعلي (رضي الله عنه)... 169
108 عندما بُشر أبو العبّاس بفتح المشرق والمغرب ... 170
109 سلمان الفارسي يعترض عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ... 171
110 يزيد بن معاوية يكتب إلى أهل المدينة ... 172
111 أعرابي يدعو لرجل أعطاه ... 172
الرقم ... الخبر ... الصفحة
112 دعاء أعرابي في الصلاة... 173
113 الخلفاء والملوك ... 173
114 فصاحة أعرابي ... 173
115 من حديث عثمان رضي الله عنه عندما ارتج عليه... 175
116 من حديث عثمان (رضي الله عنه) عندما ارتج عليه أيضاً ... 175
117 عندما ارتج على ثابت قطنة... 175
118 عندما ارتج على خالد بن عبد الله القسري ... 176
119 عبد الله بن عامر يشكو الحصر على المنبر ... 176
120 عندما ارتج على عبد ربه اليشكري ... 177
121 عندما ارتج على أخ لخالد بن عتاب ... 178
122 عندما ارتج على عبد الله بن عامر وعبد الرحمٰن بن خالد ... 178
123 عبد الله بن سالم ينصح المنصور ... 179
124 بلاغة عبيد الله بن الحسن ... 180
125 نباهة عمر بن عبد العزيز ... 180
126 لا خير فيمن لا يذكر إذا وعد وينسى إذا أوعد ... 181
127 عروة الليثي والضحاك العدوي يقصدان عبد الملك بن مروان ... 183
128 بيتان يؤذيان حسّان بن ثابت ... 191
129 عبد الرحمٰن بن حسّان ونعيم بن عم191 رو بن الأهتم ... 192
130 بين المذنوب وعبد الرحمٰن بن حسّان ... 193
131 ابن حسّان يكذب رجلاً من بني عمرو بن عوف ... 193
132 معاوية يخدع عبد الرحمٰن بن حسّان ... 194
133 الأخطل يهجو الأنصار ... 194
134 شعر للأخطل في هجاء الأنصار ... 195
135 حسّان يعلم ابنه عبد الرحمٰن الهجاء ... 197
136 أول ما هاج الهجاء بين النجاشيّ وابن حسّان ... 199
137 عبد الرحمٰن بن حسّان وهدبة بن الخشرم ... 202
الرقم ... الخبر
138 عبد الرحمٰن بن حسّان يصف أخت النجاشيّ ... 204
حسّان يعير ابنه عبد الرحمٰن ... 206
139 النجاشيّ يستثني عبد الرحمٰن ألا يعينه أبوه ... 209
الأنصار يستعينون بحسّان على النجاشيّ ... 209
140 حسّان بن ثابت يبكي ... 212
141 أول ما هاج الهجاء بين عبد الرحمٰن بن الحكم وابن حسّان ... 213
142 الحكم بن أبي العاص يسخر من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ... 218
143 عبد الرحمٰن بن حسّان يعاتب النعمان بن بشير ... 218
144 عبد الرحمٰن بن حسّان يدعو مسكيناً الدارمي إلى المهاجاة ... 224
145 ابن حسّان يرد على الكيس بن زيد ... 228
146 عبد الرحمٰن بن حسّان يهجو مسكين بن عامر الدارمي 236
147 شيرين أم حسّان ... 236
147 انقراض ولد حسّان ... 236
148 ابن حسّان يقول الشعر صبياً ... 237
149 خلوت ساعة فقرضتني ... 237
150 شفاعة الشعر لدى المنصور ... 238
151 عفو المأمون ... 239
152 المأمون والطالبيون ... 239
153 المأمون والأنصار ... 239
154 كلام ثمامة بن أشرس في الاستطاعة وذكر الأفعال ... 239
155 ما كنت لأبيع جوارك بشيء ... 240
156 البكار بن رباح يرثي المهدي ... 240
157 إسحق بن غرير ومعشوقته عبّادة ... 240
158 الزبير يكتب شعراً إلى إسحاق بن إبراهيم وجواب إسحاق ... 242
159 بین هشام بن عبد الملك وخالد القسري ... 242
160 إقامة الحدّ على عنبسة بن أبي سفيان ... 248
الرقم ... الخبر ... الصفحة
161 معاوية يستعين بدهاء عمرو بن العاص في قتال علي رضي الله عنه) ... 250
162 خطبة زياد البتراء ... 253
163 الخطبة البتراء برواية المدائني ... 254
164 خطبة لزياد في البصرة ... 256
165 أول لخطبة لزياد حين قدم البصرة ... 257
166 خطبة لزياد في الكوفة ... 258
167 من أقوال الحسن البصري في زياد ... 259
168 من أقوال الحسن أيضاً في زياد ... 259
169 من خطب زیاد ... 259
170 زياد يوصي حاجبه ... 260
171 رسول (صلَّی الله علیه وآله وسلَّم) يوصي بولاية علي (رضي الله عنه) ... 260
172 وصيته (صلَّی الله علیه وآله وسلَّم) برواية أخرى ... 261
173 وصيته (صلَّی الله علیه وآله وسلَّم) برواية ثالثة ... 261
174 وصيته (صلَّی الله علیه وآله وسلَّم) برواية رابعة ... 261
175 أسماء بنت أبي بكر توصي ابنها عبد الله بن الزبير ... 261
176 قصة زيد حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ... 264
177 الحب ابن الحب ... 267
178 هجرة زيد بن حارثة ... 268
179 من أدعية رسول الله (صلى الله عليه وسلم)... 268
180 الوليد بن عبد الملك وأهل مكة ... 268
181 خطبة علي (رضي الله عنه) بين الصفين بالنهروان ... 270
182 خطبة عتبة بن أبي سفيان في الحج ... 271
183 أنس بن مالك والحجّاج ... 272
184 أبان بن عثمان يكتب سير النبي (صلى الله عليه وسلم) ومغازيه ... 275
185 عقيل بن أبي طالب ومعاوية ... 277
186 بین قاضيين ... 278
الرقم ... الخبر ... الصفحة
187 ما بقي من اللذة ... 279
188 العقارب رشوة للشرطى ... 279
189 مزيد يخاصم امرأته أمام القاضي ... 280
190 عمر بن عبد العزيز يعزّى بأخته ... 281
191 الكتّاب الشاميون ورزق الغلام ... 281
192 من أقوال عبد الله بن جعفر ... 283
193 قریش وبنو عبد شمس ... 284
194 مصعب بن عبد الله يصف علياً (رضي الله عنه) ... 284
195 حكيم يوصي بنيه ... 284
196 من شعر برذع بن عدي ... 284
197 من شعر عبيد الله بن عبد الله ... 285
198 من أقوال يزيد بن موهب ... 285
199 شعر لعبد الله بن عروة بن الزبير ... 286
200 يزيد بن معاوية ينادم قرداً ... 286
201 إن الذكرى تنفع المؤمنين ... 287
202 حزن علي (رضي الله عنه) على محمد بن أبي بكر ... 287
203 الزبير يرثي محمد بن عروة ... 288
204 شعر ابن الخياط في مالك بن أنس ... 289
205 رأي عبد الملك في الربيع بن ضبع ... 289
206 بين عبد الملك والربيع بن ضبع ... 289
207 هجاء رجل من بني دهمان لم يقرِ الشعراء ... 290
208 رؤيا عامر بن عبد الله ... 291
209 نصراني يتنبأ بالخلفاء ... 292
210 عمر بن عبد العزيز خاله ... 292
211 صفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ... 293
212 النبيّ (صلى الله عليه وسلم) يصف الخط ... 300
الرقم ... الخبر ... الصفحة
213 ما خصّت به العرب من خصال ... 300
214 اشتراك ثلاثة في ظهر امرأة ... 300
215 من قضاء الإمام علي (رضي الله عنه ... 301
216 عقوبة نفي الابن ... 301
217 من حديث القافة ... 302
218 حلبس الأسدي ... 302
219 صدق القافة ... 302
220 صدق ظن إياس بن معاوية ... 302
221 من قيافة حلبس ... 303
222 من حديث القافة ... 303
223 قيافة زيد بن الأخنس ... 304
224 قيافة زيد أيضاً ... 304
225 من حديث القافة ... 304
226 قرشي يشك في ابنه ... 304
227 أمة الحسن بن زيد ... 305
228 ابن السمّاك يعظ الرشيد ... 305
229 علي رضي الله عنه وصاحب الدلو اليهودي ... 309
230 علي يخطب فاطمة (رضي الله عنهما) ... 310
231 وليمة علي (رضي الله عنه) في عرسه ... 311
232 شعر لكنانة بن أبي الحقيق اليهودي ... 312
233 شعر لأبي همهمة ... 312
234 شعر للحزين الدئلي ... 313
235 شعر للحزين أيضاً ... 313
236 شعر للتيمي في الفضل بن الربيع ... 313
237 شعر للزبير ... 313
238 شعر لبعض أهل المدينة في الموالي ... 313
الرقم ... الخبر ... الصفحة
239 شعر لإبراهيم بن إسماعيل الكاتب ... 314
240 شعر للكثيري ... 314
241 شعر للكثيري أيضاً ... 314
242 شعر للزبير ... 315
243 شعر للمجنون 315
244 شعر للمساحقي ... 315
245 شعر لعرارة الخياط ... 316
246 شعر لحميد بن ثور ... 316
247 عثمان بن عمارة يستعطف الرشيد ... 316
248 الزبير يشدّ على لصين ... 316
249 تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه ... 317
250 بين معاوية وصحار العبدي ... 318
251 اتّقِ القرشي ... 319
252 غرم الكفيل ... 319
253 إنما يسرق مجني ... 320
254 تعزية خالد بابنه ربعي... 320
255 الموالي في الغرف ... 320
256 نهار بن توسعة يرثي القادة ... 321
257 شعر مروان بن أبي حفصة ... 321
258 حديث الأمويين وحديث الموالي ... 322
259 شعر في مدح معن بن زائدة ... 322
260 عبد الله بن مصعب لا يحفظ كلامه ... 323
261 نفس عصام سوّدت عصاما ... 323
262 عقوبة الأمة إذا زنت ... 323
263 بين عمر بن عبد العزيز وعروة ... 324
264 السيف العرجون ... 324
الرقم ... الخبر ... الصفحة
265 إن المصدور إذا نفث برأ ... 325
266 رجل يشكو المنصور ثم ينصحه ... 325
267 شبيب بن شيبة يعظ المنصور ... 331
268 محمد بن علي يوصي ابنه ... 331
269 زيد بن أسلم ينصح بنيه ... 331
270 المعروف ... 331
271 من أقوال أسماء بن خارجة ... 332
272 تعزية المنصور ... 332
273 قصة حمار بن مويلع ... 332
274 حاتم الطائي يماجد بني لأم ... 334
275 حاتم وأبو الخيبري ... 338
276 حاتم أجود الناس حياً وميّتاً ... 340
277 أبو عبد الله الزبير يصف حاتماً ... 341
278 حاتم والزبّاء بنت عفزر ... 345
279 حاتم يخطب ماوية ... 348
280 حاتم يباري شاعرين للزواج من ماوية ... 348
281 جود حاتم وابنته سفانه ... 359
282 جود أم حاتم الطائي ... 361
283 من شعر حاتم ... 362
284 من شعر حاتم ... 363
285 من شعر حاتم ... 364
286 من شعر حاتم ... 364
287 حاتم يستوهب أسرى قومه من النعمان بن الحارث ... 364
288 من شعر حاتم ... 368
289 من شعر حاتم ... 370
290 من شعر حاتم ... 372
الرقم ... الخبر ... الصفحة
291 حاتم يرثي ملحان بن حارثة ... 373
292 شعر حاتم في غزو المزاج ... 373
293 من شعر حاتم ... 347
294 من شعر حاتم ... 375
295 من شعر حاتم ... 375
296 شعر حاتم في بني بدر ... 376
297 حديث أبي زرع وأم زرع ... 377
298 مصعب بن الزبير وعبد الله بن الزبير الأسدي ... 379
299 ميراث بين آل أبي سفيان وبين مروان ... 380
300 عبد الملك بن مروان وعمرو بن عتبة ... 381
301 عبد الله بن معاوية يكتب من الحبس إلى أبي مسلم ... 381
302 أول أمان أميّة ... 383
303 لما نزل بهشام بن عبد الملك الموت ... 385
304 تمثل السيدة عائشة على قبر عبد الرحمٰن بن أبي بكر ... 385
305 تمثل علي (رضي الله عنه) على قبر طلحة ... 385
306 تمثل امرأة المغيرة بن شعبة على قبر زوجها ... 386
307 مصقلة الشيباني يتمثل على قبر المغيرة بن شعبة ... 386
308 تمثل الحجّاج على قبر ابنه ... 386
309 تمثل جارية الحجّاج على قبر الحجّاج ... 387
310 ثلاثة لو أدركتهم لقتلتهم ... 387
311 أم البنين تحذّر الوليد بن عبد الملك من الحجّاج... 387
312 تهنئة ... 390
313 عمر بن الخطاب وعمرو بن معد يكرب ... 390
314 زيد بن خارجة يتكلم بعد موته ... 394
315 المتكلمون بعد موتهم... 397
316 رجل يحجّ إلى امرأة ويطوف بيتها ... 397
الرقم ... الخبر ... الصفحة
317 شعر لأبي هرمة ... 398
318 السري بن عبد الله وابن هرمة ... 399
319 ما أسكر كثيره فقليله حرام ... 400
320 كل مسكر حرام ... 400
321 رجل يكلم ابن الزبير وهو مصلوب على الخشبة ... 401
322 عندما عزل عثمان (رضي الله عنه) عمرو بن العاص ... 402
323 هروب يزيد بن المهلب من حبس الحجّاج ... 403
324 يعلى بن منية ومعاوية ... 406
325 مروان بن الحكم يسأل ليلى الأخيلية عن توبة ... 407
من أخبار الأحمر بن سالم المري ... 408
326 ليلى الأخيلية ترثي عثمان (رضي الله عنه) ... 413
327 حسّان بن ثابت يرثي عثمان (رضي الله عنه) ... 413
328 حسّان يرثي عثمان (رضي الله عنه) أيضاً ... 414
329 من أجوبة السلف ... 414
330 من أقوال أبي شريح الخزاعي ... 414
331 أغزل الشعراء ... 415
332 شعر للمقنع الكندي ... 416
333 من أقوال الزبير ... 416
334 شعر لبعض المدينين ... 417
335 من أدعية عمر بن عبد العزيز ... 417
336 عبد الله بن الزبير يصف معاوية ... 417
337 هشام بن عروة ... 417
338 تزيّن مشيخة المدينة ... 418
339 راعٍ يترجم شعر زنجي ... 418
340 شعر لعبد الله بن مصعب ... 418
341 حبابة ويزيد بن عبد الملك ... 419
الرقم ... الخبر ... الصفحة
342 شعر ليزيد بن معاوية مولى الأنصار ... 420
343 الجمحي يستشير في زواجه ... 420
344 هند تأخذ مسوحها من شعر مالك بن أسماء ... 421
345 بين أبي العتاهية وشاعر من خراسان ... 422
346 صبر دهثم على ما أصابه ... 422
347 ظبية وابن جندب ... 423
348 عبد الملك بن مروان يستشير في المسير إلى العراق ... 424
قتال مصعب في العراق ... 426
شعر ابن الرقاع العاملي ... 427
ابن قيس الرقيات يرثي مصعباً ويذم أهل العراق ... 430
349 الحارث المخزومي يهجو بني خالد بن أسيد ويمدح آل الزبير ... 431
350 سويد بن منجوف يحذر مصعباً أهل الكوفة ... 431
351 الأقيشر يرثي مصعباً ... 431
352 بكير بن معدان يرثي يحيى بن مبشر من أصحاب مصعب ... 432
جرير يرثي يحيى أيضاً ... 433
353 سالم بن وابصة يمدح محمد بن مروان ... 433
354 عندما أُخبر عبد الله بن الزبير بقتل مصعب ... 435
355 أبو العبّاس الأعمى يرثي مصعباً ... 437
356 رجل من بني أسد يرثي مصعباً ... 438
357 شعر للبعيث في مقتل مصعب ... 438
358 شعر للبعيث أيضاً ... 438
359 مصعب لا يفرّ أبداً ... 439
360 عاتكة بنت يزيد تنهى عبد الملك عن السير إلى مصعب ... 439
361 غدر زياد العتكي بمصعب ... 440
362 ما ترك مصعب لكريم مفرّاً ... 440
363 شعر أعشى همدان في قتل مصعب وذكر قصته .... 441
الرقم ... الخبر ... الصفحة
364 شعر لابن ظبيان ... 446
365 كتاب عبد الملك إلى إبراهيم بن الأشتر ... 447
366 عبد الملك يعترف بفضل مصعب ... 449
367 عبد الملك ينهى عن عيب مصعب بعد قتله ... 449
368 أشجع الناس ثلاثة ... 450
369 حديث عبد الملك بعد قتل عمرو بن سعيد ... 450
370 مفاخرة الوليد بن يزيد ومعاوية بن عبد الله ... 451
الضائع من الموفّقيات ... 457
371 بين عبد الملك وأهل المدينة ... 459
372 أربع خصال كنّ في معاوية ... 460
373 كلام ابن عباس لأبي موسى ... 460
374 علي (رضي الله عنه) ويزيد بن حجية ... 460
375 جئت من أكفر الناس وأخبثهم ... 462
376 أبو سفيان يحرّض علياً بعد بيعة أبي بكر ... 462
377 أول من بايع أبا بكر ... 463
379 خطبة أبي بكر بعد مبايعته ... 464
380 كلام الفضل بن العباس بعد بيعة أبي بكر ... 465
381 خطبة خالد بن الوليد بعد بيعة أبي بكر ... 465
382 أشد قريش على الأنصار بعد بيعة أبي بكر ... 467
شعر حسّان في الرد على قريش
شاعر قريش يردّ على حسّان ...
468
383 ردّ معن بن عدي وعويم بن ساعدة على الأنصار ... 469
فروة بن عمرو يعاتب معناً وعويماً ... 471
384 قول عمرو بن العاص يوم السقيفة وجواب الأنصار ... 472
385 شعر خالد بن سعيد بن العاص يوم السقيفة ... 474
386 عمرو بن العاص يردّ على الأنصار وجواب علي (رضي الله عنه) ... 475
الرقم ... الخبر ... الصفحة
387 شعر خزيمة بن ثابت في مخاطبة قريش ... 476
388 شعر الفضل بن العباس في نصرة الأنصار ... 476
حسّان يجيب الفضل بن العباس
... 478
...
389 عمرو بن العاص يخرج من المدينة حتى يرضى عنه علي والمهاجرون ... 478
390 الوليد بن عقبة يشتم الأنصار ويذكرهم بالهجر ... 478
391 عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يستنكر التكني بأبي عيسى ... 480
392 خطبة لعثمان بن عفان (رضي الله عنه) ... 480
393 بين عثمان وعبد الله بن عباس ... 484
394 عثمان يشكو علياً إلى العباس ... 487
395 بين عثمان وعلي ... 488
396 أحسن عمر وأحسن عثمان ... 488
397 رجل يستشفع علياً إلى عثمان ... 489
398 اجلسوا يا أعداء الله ... 489
399 اضطرار عثمان على ترك صلاة الجمعة ... 490
400 عثمان يستنصر علياً وابن عباس ... 490
401 عثمان يعود علياً في مرضه ... 492
402 بين عمر وابن عباس ... 493
403 حجازي وعراقي يعيدان إلى الإسلام بصره وشتاته ... 494
404 بين أبي بكر وقيس بن عاصم المنقري ... 494
405 مكاتبات علي ومعاوية ... 494
406 بين عبد الملك وعبّاد بن زياد ... 494
407 إن نفسي مطيّتي ... 496
408 سیف عبد الله بن جحش ... 497
409 من تصحيف العتبي ... 497
410 شعر الحارث بن نصر يوم السقيفة السقيفة .. 497
411 قول الحارث بن هشام يوم السقيفة السقيفة ... 497
الرقم ... الخبر ... الصفحة
412 قصة الحارث بن وهب مع عمر ... 498
413 من أخبار عمر بن الخطاب في الجاهلية ... 498
414 بين أبي موسى الأشعري وشبيب الباهلي ... 499
415 رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يسأل صعصعة بن ناجية عن مضر ... 499
416 رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعلّم قبيلة زبيد التلبية ... 499
417 حصن بن حذيفة يمتحن ولده قبل وفاته ... 499
418 قصة ابن عارض ... 500
419 عمرو بن براقة وعمر بن الخطاب ... 500
420 عمر بنَ الخطاب يوصي فرات بن زيد الليثي ... 501
421 خالد بن الوليد يأمر بنصب رأس مالك بن نويرة ... 502...
422 المغيرة بن الأخنس يهجو الزبير بن العوام... 502
423 المنهال التميمي يكفّن أشلاء مالك بن نويرة ... 502
424 أول من وأد في الجاهلية ... 503
425 معاوية يفضل مزينة في الشعر ... 503
426 وفاة حنظلة بن نهد ... 503
427 سرعة وجرأة ابن رواحة في الشعر ... 505
428 الحزين الشاعر وابن عبد الملك بن مروان ... 506
429 ابن ميادة وأم جحدر ... 506
430 عمر بن الخطاب وغلاء المهور ... 507
431 مصعب بن الزبير وجهر زواجه ... 507
432 كعب بن سور يقضي أمام عمر ... 508
433 زواج لقيط بن زرارة ... 508
434 عصام تصف الحسناء بنت عوف بن محلم ... 510
435 جارية ابن أبي العتيق ... 511
436 علي يوصي ولده ... 511
437 شكوى إلى هارون الرشيد ... 511