انوار ملکوت فی شرح یاقوت

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

أنوار الملکوتها

في شرح الياقوت

تأليف

جمال الدين ابي مَنصُور حَسَن بن يُوسُفٌ العَلَامَة الحلّي

بتحقيق

محمد نجمی الزنجاني

محرر القلمی: محمد مبین روزبهانی

اشارة

أنوار الملکوتها

في شرح الياقوت

تأليف

جمال الدين ابي مَنصُور حَسَن بن يُوسُفٌ العَلَامَة الحلّي

بتحقيق

محمد نجمی الزنجاني

الكتاب : أنوار الملكوت في شرح الياقوت

الماتن : أبو اسحق ابراهيم بن نوبخت (رحمه الله علیه)

الشارح : العلامة الحلي (رحمه الله علیه)

المحقق: محمد نجمی (رحمه الله علیه)

الطبعة : الثانية 1363 هـ - ش

فتوغراف : مطبعة أمير

الناشر: انتشارات الرضى . انتشارات بیدار

بسمه تعالی

كان للمحقق المغفور له في الطبع الأول من هذا الكتاب مقدمة مطولة بالفارسية . أخذنا ما يرتبط منها بالكتاب والمؤلف والشارح .

ثم رأينا تعريبه ليعم نفعه جميع المراجعين وذلك ما يلي والحمد لله .

[الناشر]

كتاب الياقوت

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يقول مؤلف کتاب «خاندان نوبختی» : «کتاب الياقوت على حد ما أعلم أقدم كتاب كلامي موجود بأيدي الامامية».

ولست أقدر على القول في هذا الباب ، لاني ما بحثت عنه ، ولان القول فيه صعب الى حد كبير ، اذ العلم به متوقف على التفحص التام في المؤلفات القديمة والمكتبات العامة والخاصة ، ولكن يمكن القول بأن لاشك ان الكتاب من أقدم الكتب الكلامية للامامية وانه ليس بأيدينا كتاب للامامية أقدم منها .

واما توصيف الكتاب فقد قال فيه شارحه العلامة (رحمه الله علیه) : «وقد صنف شيخنا الاقدم وامامنا الاعظم ابو اسحق ابراهيم بن أو بخت - قدس الله روحه الزكية ونفسه العليق مختصراً سماه «الياقوت» قد احتوى من المسائل على أشرفها وأعلاها ، ومن المباحث على أجلها وأسناها ، الا انه صغير الحجم ، كثير العلم ، مستصعب على الفهم في غاية الايجاز والاختصار ، بحيث يعجز عن تفهمه أكثر النظار» .

والكتاب من المتون القديمة التي لاغناء عنها للمثقفين لانه شرح فيه وضع علم الكلام والعقائد والاراء المختلفة للفرق المذكورة في الكتاب وفي عهد المؤلف فهو من الاسناد والمراجع للمحققين في تاريخ الفرق والعلوم الاسلامية .

المؤلف :

اسم المؤلف على ما يذكره الشارح في المقدمة : «ابو اسحق ابراهیم بن نوبخت» .

ولكن يقول مؤلف كتاب «تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام» : «الشيخ الجليل ابو اسحق اسماعیل بن اسحاق بن أبي سهل بن نوبخت صاحب کتاب الياقوت في علم الكلام ، قال المولى عبد الله أفندي الاصفهاني في رياض العلماء في الفصل الثالث من الخاتمة في الكنى المصدرة بالابن : ابن نوبخت هو قد يطلق على الشيخ اسماعيل بن اسحاق بن أبي اسماعيل بن نوبخت ، الفاضل المتكلم المعروف الذي هو من قدماء الأمامية ، صاحب الياقوت في علم الكلام»(1).

فعلى ماترى يوجد اختلافاً في اسم المؤلف واسم أبيه بين ما ذكره العلامة وما قاله في تأسيس الشيعة ورياض العلماء ، وان كان يحتمل كون الثاني ناشئاً عن التسامح في التعبير ، اذ حذف اسم الاب والنسبة الى الجد معمول متداول .

وايضاً يختلف تأسيس الشيعة ورياض العلماء في اسم جد المؤلف فانه في الأول «أبي سهل» وفي الثاني «أبي اسماعيل» .

وقال في كتاب «خاندان نوبخت» : «كلما ذكر في الكتب الكلامية قولا من الياقوت ذكر اسم المؤلف «ابن نوبخت» الا ان العلامة في مقدمة أنوار الملكوت ذكر انه الشيخ ابو اسحق ابراهيم بن نوبخت وهذه الكنية والاسم رأيتها في ثلاثة نسخ من كتاب أنوار الملكوت بشكل واحد وبدون اختلاف .

ومع تصريح العلامة باسم مؤلف الكتاب ما علمت دليل الميرزا عبدالله أفندي مؤلف رياض العلماء ومن تبعه من المؤلفين الحديثيين في العراق وسوريا بأن اسم المؤلف اسماعيل، وانه اسماعيل بن ابي سهل نوبخت، و مستند صاحب الرياض


1) تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام : 364.

في ذلك غير معلوم» .

لكني لا أرى ترجيحاً لقول العلامة على قول صاحب الرياض ، اذ لو كان قرب عهد المؤلف من العلامة مرجحاً لقوله فتضلع صاحب الرياض في تراجم العلماء وتبحره فيه أيضاً يرجخ قوله .

ثم ليس في كون العلامة (رحمه الله علیه) شارح الكتاب دليلا على أنه لم يخطأ في اسم المؤلف ، فقد وقع ذلك أحياناً من الشارحين كما ترى من قطب الدين الشيرازي شارح كتاب حكمة الاشراق اذ سمى المؤلف في كتابه «عمر بن محمد» على انه في كتب التراجم «يحيى بن حبش» وذلك مع ان مابين شارح حكمة الاشراق ومؤلفه أقل مما بين العلامة ومؤلف الياقوت .

واما ماقاله مؤلف «خاندان نوبختي» في ترجيح كون اسم المؤلف ابراهيم على اسماعيل بأن المؤلف عاش في النصف الأول من القرن الرابع وليس هو سبطاً لابي سهل بن نوبخت(1)، فيحتاج الى اثبات ملازمة بين مقدمته و نتيجته .

ويثبت هذا لو علمنا أسامي جميع رجال اسرة نوبخت ، وقطعنا بأنه ما كان منهم في النصف الأول من القرن الرابع من كان اسمه اسماعيل . وذلك بعيد المرمى على ماتراه.

ومع ذلك كله لو اكتفينا بالظن الضعيف كنا جديراً أن نسميه طبقاً لما قاله الشارح العلامة وكذا صاحب كتاب الكنى والالقاب(2)وأعيان الشيعة(3)- وان كان أغلب الظن انهما ايضاً استفادا ذلك من العلامة - وكذلك موافقاً للمجلسي (رحمه الله علیه) في بحار الأنوار ان اسمه «ابراهيم» ومادام لم نجد على خلاف ذلك دليلا قاطعاً فانا مضطرين على الاكتفاء بذلك .


1) خاندان نوبختی : 167 .

2) الكنى والالقاب : 92/1 .

3) أعيان الشيعة : 336 .

عهد مؤلف الياقوت :

وذلك أيضاً غير معلوم. زعم صاحب كتاب تأسيس الشيعة انه عاش في القرن الثاني وصاحب «خاندان نوبختي» يعتقد انه عاش في النصف الأول من القرن الرابع .

ومستند صاحب تأسيس الشيعة ان الجاحظ قال في كتابه «البخلاء» : «كان أبو نواس يرتعي على خوان اسماعیل بن نوبخت...» وان ابا نواس مات سنة ثمان وتسعين ومائة وقيل قبل ذلك ، فلابد أن يكون اسماعيل بن اسحاق المذكور من أعيان المائة الثانية .

ثم نقل عن صاحب الرياض ايضاً ان أبا نواس الشاعر كان معاصراً لاسماعيل ابن نوبخت(1).

وهذا الدليل مبني على كون اسم مؤلف الياقوت اسماعيل ، لا ابراهيم كما ذكره العلامة ومع الشك في ذلك يبقى هذا الاستدلال أيضاً مشكوكاً فيه.

ثم اني عند مراجعتي للكتاب جمعت قرائن يستنبط منها زمان المؤلف الا ان عند مراجعتي لكتاب خاندان نوبختى رأيت فيه تحقيقاً شيقاً في ذلك وذكر انه استفاد قسماً منه من المغفور له العلامة شيخ الاسلام الزنجاني ، فاستحسنت هنا نقل كلامه اذ رأيت فيه غنى عما كنت عازماً عليه من التحقيق مضافاً الى كونه مذكر ما كان من الصداقة بيني وبين العلامة شيخ الاسلام المرحوم .

قال : «يمكننا أن نخمن من مطالعة كتاب الياقوت عهد مؤلفه ، فأولا المؤلف أتى في آخر كتابه تبعاً لابي سهل التويختي مبحث الامامة اثر مبحث النبوة ، وعنون فيه مسئلة الغيبة وايرادات أهل السنة على الامامية فيها وما فيما بين الشيعة من الاختلاف في الفتاوى ، وأجاب عنها ، فيعلم منها ان عصر مؤلف الياقوت متأخر عن الغيبة أولا ، وبعد عصر وجد اختلاف بين الامامية في تعداد الأئمة ، وهذا العصر


1) تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام .

كما أشرنا اليه سابقاً لا ينطبق على قبل النصف الأول من القرن الرابع ، فذلك يقارن أواخر حيات أبي سهل اسماعيل بن علي النوبختي .

وثانياً اعتنى الشيخ ابو اسحق النوبختي في الياقوت في مواضع بنقض الاراء المخصوصة للاشاعرة ورئيسهم ابو الحسن علي بن اسماعيل الاشعري ، فانه وان لم يصرح باسمه ولكن توجد في الكتاب فقرات من المقالات الخاصة للاشعري التي هو منفرد بها ولم يسمع قبله من أحد ، وخصوصاً في المسائل الثلاثة - اثبات الصفات القديمة، والكسب، والكلام النفساني - التي من المقالات والموضوعات الشخصية لأبي الحسن الاشعري ، والشيخ أبو اسحاق رد هذه المقالات وطعن في قائليها وسمى الكسب والكلام النفساني هذياناً .

والامام الأشعري ولد في 260 وكان حتى قرب أربعين من عمره - يعني حتى أوائل القرن الرابع - حاضراً لحلقة أبي علي الجبائي وتابعاً له ، ومن هذه السنة فارق استاذه ونشر مقالات خاصة بنفسه وأسس المذهب الأشعري .

فيعلم من هذا انه الى حدود السنة 300 الهجرية - وبل حتى مدة بعدها - ما كان لمذهب الاشاعرة قوة ولا رائها انتشاراً حتى يعتني أحد بردها ، ومن الشواهد على هذا انه ليس في فهرس التأليفات الكلامية لأبي سهل النوبختي وأبي محمد حسن موسى كتاباً او اشارة في رد العقائد الأشعرية ، مع انهم عاشوا في عصر واحد ، و كأن في أيام حياتهما التي لا يتجاوز 311 لم ينشر الاشعري آراءه كما هو حقه ، و بأقرب الاحتمالات كان هذا الانتشار في القسم الاخير من عمره ، يعني بين سنين 310 و 324 .

فلابد أن يكون رد عقائده بتوسط الشيخ أبي اسحق النوبختي بعد هذه الايام وان لم يكن زمانه بعد الاشعري فلاشك انه لا يتقدم على الدورة الاخيرة من عمره .

وكما يعلم من اشارات العلامة الحلي في أنوار الملكوت كان عصر الشيخ أبي اسحق متقدماً بكثير على عصر السيد المرتضى (355-436) وابي الحسين محمد

ابن علي البصري المعتزلي المتوفى عام 436 ، وهذان المتكلمان الكبيران قبلا ببعض آراء صاحب الياقوت ، وردا على البعض الآخر .

ثم ان مؤلف الياقوت نقض القول المشهور لابي بكر محمد بن زكريا الرازي في باب اللذة فلهذا أيضاً لا يمكن أن يكون متقدماً على محمد بن زكريا المتوفى 320»(1).

الشارح:

هو جمال الدين أبو منصور حسن بن سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحلي، المعروف بالعلامة الحلي (رحمه الله علیه) الذي شرح كتاب الياقوت وسماه «أنوار الملكوت» .

ولد رحمه الله في 648 وعاش 77 عاماً وكانت وفاته في 21 المحرم من سنة 736(2).

كان (رحمه الله علیه) من مشاهير الفقهاء والاصوليين والمتكلمين ، وكان في العلوم العقلية تلميذاً للخواجة نصير الدين الطوسي (رحمه الله علیه) ويذكر ذلك في مقدمة كتابه «كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد» ويثني على استاذه بالتحقيق والتدقيق والاعراض عن طريقة المغاربة والمغالطة.

وكان رحمه الله تلميذاً لعدة من كبار العلماء :

1 - منهم خاله المحقق صاحب الشرايع والمعتبر والمختصر النافع (رحمه الله علیه).

2 - وأبوه الشيخ سدید الدين يوسف (رحمه الله علیه) .

3 - وابن عم أمه الشيخ نجيب الدين يحيى صاحب الجامع (رحمه الله علیه).


1) خاندان نوبختی : 168 - 170 .

2) روضات الجنات والكنى والالقاب وتأسيس الشيعة.

4 - والسيد الجليل جمال الدين أحمد بن طاوس العلوي (رحمه الله علیه) .

5 - والسيد الجليل رضي الدين علي بن طاوس العلوي (رحمه الله علیه) .

6 - والشيخ ميثم بن علي بن ميثم البحراني (رحمه الله علیه) .

7 - والشيخ نجم الدين دبيران الكاتبي القزويني وكان من أفاضل علماء الشافعية وعارفاً بالحكمة .

8 - والشيخ برهان النسفي .

9 - والشيخ عز الدين الفاروقي الواسطي من فقهاء أهل السنة(1).

وله - رحمه الله - تأليفات كثيرة مشهورة ذكر منها في كتابه خلاصة الرجال أربعاً وخمسين ، وأضاف عليها في كتاب تأسيس الشيعة من خط الشيخ زين الدين في حاشية الخلاصة عشراً أخر أعرضنا عن سرد أساميها لشهرتها ولكونها موجودة في أكثر التراجم ، كما طوينا عنان القلم في ترجمته (رحمه الله علیه) ايضاً لذلك روماً للاختصار .

الشرح :

لئن كان الاغلاق والاعضال معمولا متداولا في كتب القدماء فلكتاب الياقوت من بينها حظ أكثر من ذلك وقد صرح به العلامة حيث قال: «الا انه صغير الحجم ، كثير العلم ، مستصعب على الفهم ، في نهاية الايجاز والاختصار ، بحيث يعجز، عن تفهمه أكثر النظار» والشارح (رحمه الله علیه) أظهر مدى تسلطه وقدرته في شرح العبارات المشكلة والموجزة التي يقرب أحياناً من حد الالغاز، على أنه لم يقتصر على الشرح فقط ، بل أضاف كلما رأي لزوماً مطالب ثمينة تعلو بها قيمة الكتاب .

ومن خصوصيات الشرح ان الماتن ينقل الاراء والاقوال دون أن يشير الى قائليها ، والشارح رفع هذا النقص وعين القائلين والفرق المنتسبين بها ، ولا يخفى


1) نقل جميع هؤلاء الاساتيد من كتاب روضات الجنات .

أهمية هذا العمل على المحققين في تأريخ الكلام والباحثين عن عقائد الفرق المختلفة. على ان الشارح (رحمه الله علیه) بشرحه هذا الكتاب حفظ لنا متناً قيماً من المتون الكلامية القديمة الذي لولاه لكان عرضة للضياع والتلف كما هو شأن العديد من الكتب والرسائل الثمينة للعلماء السالفين ، ولولاه لما كان عندنا عن الياقوت خبر ولا أثر، كما انك لا ترى اسم الكتاب أو اشارة اليه في فهرستي ابن النديم والطوسي مع كونهما من علماء الامامية وان ابن النديم كتب فهرسه في 387 وتوفي في 460 الهجرية و كانا قريبين من عصر المؤلف .

نسخ الكتاب :

النسخ التي استفدت منها في المقابلة والتصحيح سبعة كما يلي:

نسخة المكتبة المركزية لجامعة طهران رقم 282 وهي من الكتب التي اهداها السيد الجليل السيد محمد مشكوة الى المكتبة . وليس فيها تأريخ الكتابة ولكن النسخة مع أربعة كتب أخرى كلها بخط واحد والنسخ كتبها على اكبر فرنچاهي في سنة 1036 . أشرت اليها بعلامة (الف) .

2- نسخة كلية الحقوق بجامعة طهران رقم 146 ج . منضماً الى كتاب مناهج البقين للعلامه (رحمه الله علیه) بدون تأريخ ، يظهرانها مكتوبة في القرن الحادي عشر والاشارة اليها (ب).

وهناك أقدم شكري للسيد المحترم محمد تقي دانش پژوه الذي مكنني من استنساخ النسختين ومقابلتهما.

3- نسخة السيد السميعي، استعارها صديقي العزيز الدكتور سيد حسن صفوي للمقابلة . بدون تأريخ ومشحونة بالاغلاط ، ولكني استفدت منها أحياناً في بعض اختلافات النسخ ورمزت لها (ج) . وهناك اقدم شكري الجزيل للدكتور صفوي والسيد السميعي .

4 - نسخة مكتبة ملك برقم 241 جاء في آخرها «تم في النصف من شهر رمضان عام 1276 من نسخة مكتبة آستان قدس المكتوبة في عام 754 وعليها اجازة الشهيد أعلى الله مقامه بخطه الشريف» .

والكاتب ذكر اسم الشهيد (رحمه الله علیه) واجازته ولكنه غير معلوم انه الشهيد الأول أو الثاني . والنسخة كتبة بدقة وخط جيد ورمزت لها (د) .

5 - نسخة اخرى لمكتبة ملك جاء في آخرها «تم الكتابة في شهر رجب المرجب سنة 1065» رمزت لها (هـ) .

6 - نسخة اخرى لمكتبة ملك ناقص. سقط منه المسئلة السادسة من المقصد الثاني عشر الى آخر الكتاب ، بدون تأريخ يظهر أنها أقدم من السابقتين رمزت لها (و) .

وهناك أقدم شكري الجزيل للسيد السهيلي مدير المكتبة الذي أعطاني النسخ للمقابلة وكانت عندي زهاء شهر.

7- نسخة لمكتبة السيد فخر الدين النصيرى الأميني رقم 271 جاء في آخرها : «في تأريخ عشرين رجب المبارك سنة خمس وثلثين وسبعمأة (735)» وبظهر الكتاب: «أنهى المولى الشيخ العالم الزاهد الورع العلامة عز الدين حسن ابن موسى من أوله إلى آخره ... (كلمة غير مقرؤه) وبحثاً وفهماً وضبطاً في مجالس آخرها ثامن عشر جمادي الآخرة من سنة أربع وستين وسبعماة ، وكتب حسن محمد بن خشنام» .

وهذه النسخة وصلت الى حين الطبع وحين كان التصحيح والمقابلة قدتم مع النسخ السنة السابقة ، ولكني استفدت ما تيسر لي منها ، وهذه أقدم ما بيدي من النسخ و رمزت لها (ح) .

وهذه النسخة والنسخة الرابعة كنت أكثر اعتماداً عليهما في التصحيح، وهناك أقدم شكري للسيد فخر الدين النصيري الذي أعطاني نسخته و كانت عندي زهاء من تسعة أشهر.

كيفية الاستنساخ والتصحيح :

شرعت في الاستنساخ وعندي النسخة الأولى والثانية وفي حينها وصلت الي النسخة الثالثة ورأيت النسخة الثانية مرجحة فجعلتها أصلا وأتيت باختلافات النسخ الأخرى في الحاشية .

وبعد أن تم العمل كذلك قابلتها بنسخ مكتبة ملك وخصوصاً نسخة (د) وكنت أعتمد عليها كثيراً .

وفي حين الطبع وصلت الي النسخة السابعة واذ كان العمل خالصاً فكنت أراجع اليها في موارد احتمال الغلط والحاجة .

و لست ادعى ان ماجئت به الكمال المطلوب، ولكنه في حد الميسور والمقدور.

وأحمد الله على ما وفقني من نشر هذا الكتاب

فانه الموفق لكل صواب .

أنوار الملكوتها

في شرح الياقوت

تأليف

جَمَالَ الدِينَ أَبِي مَنْصُورٍ حَسَن بن يُوسُفَ

العلامة الحلي

بتحقيق

محمد نجمي الزنجاني

ص: 15

ص: 15

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ذى القدرة القاهرة ، والغرة الباهره و الأيادي الفاخرة ، والنعم الظاهره والا لاء الوافرة ، نحمده على ما اولاه الينا ، من الطافه الغامره ، ونشكره على سوابغ فواضله الغابره ، و نسئله خير الزاد في الآخرة ، و الصلوة على اشرف النفوس الطاهره ، محمد المصطفى ، وعترتة الانجم الزاهرة ، وسلم تسليما .

وبعد، فان الله تعالى ، كمل الانسان ، بقدر الامكان ؛ وخصه بالعقل والنطق والبيان (1)، فبالاول يصل الى معرفته، التي هي غاية في خلقه ؛ و بالثاني ، يحصل له الافادة و الاستفادة ، في مسالكه ، وطرقه ، وكان من أطقه وحكمته ، وما اقتضاه واجب عنايته ، تكليفه بالأمور السمعيه(2)، و القضايا العقليه . و كان ذلك ، مما يمتنع الابعد معرفته ، ويتعذر بدون الوقوف على حقيقته . فلا جرم أوجب ذلك على عامة المكلفين ، ولم يكتف فى ذلك ، بتقليد المقدمين:(3)فوجب على كل عارف ، ارشاد الجاهلين ، و تنبيه الغافلين ، بتحصيل مقدمات معينة عندهم ، نافعة فى هذا المقام ، و محصلة لهذا المرام وقدصنف العلماء في ذلك ، كثيراً من المبسوطات ، واطنبو القول(4)فيه بكتب مختصرات ، ومطولات ؛ الاانهم لم يسلموا من زيغ في(5)تلك الإيردات، ولم يخلصوا من خطاء فى بعض الاعتقادات. وقد صنفنا كتباً متعددة ، أوضحنا منها سبل الرشاد ، و هدينا الى طريق السداد ، ترجومنها ذخراً ليوم المعاد.


1) فى د «باللسان».

2) فى ب و د «بالاوامر الشرعيه .

3) في ب و د «المتقدمين».

4) فى د «رصفوا» .

5) في ا «رفع تلك الايرادات».

و قد صنف شيخنا الاقدم ، وأمامنا الاعظم ، ابو اسحق ابراهيم بن نوبخت قدس الله روحه الزكية ونفسه العليّه ، مختصراً سمّاه الياقوت قد احتوى من المسائل على اشرفها اعلاها ، ومن المباحث على اجلها و اسناها ، الا انه صغير الحجم ، كثير العلم، مستصعب على الفهم ، فى غاية الايجاز ، والاختصار ، بحيث يعجز عن تفهمه أكثر النظار ، فاحببنا ان نصنع هذا الكتاب الموسوم بادوار الملكوت في شرح الياقوت ، على ترتيبه ونظمه ، موضحا لما التبس من مشكلاته ومبينالما استبهم(1)من مفصلاته ، مع زيادات لم يوجد في الكتاب مستعينين بالله ومتوكلين عليه ، هو حسبنا واسم الوكيل.

وقدر تبنا هذا الكتاب على مقاصد

المقصد الأول في النظر و مايتصل به و فيه مسائل

المسئلة الاولى في ماهيته

اختلف الناس في تعريف النظر و ماهيته ، فقال قوم: انه عبارة عن تجريد العقل عن (الغفلات)(2)وهؤلاء قد جعلوه امرا سلبياً ، واخرون قالوا : أنه عبارة عن مجموع علوم اربعة : أولها العلم بصحة المقدمات ، وثانيها العلم بترتيبها ، وثالثها العلم بلزوم اللازم عنها ، ورابعها بان مالزم عن الحق فهو حق . وقيل : انه عبارة عن تحديق العقل نحو المعقول، وقيل : أنه ترتيب تصديقات ليتوصل بها الى تصديق آخر، والكل ضعيف ابطلنا . في كتاب مناهج اليقين(3)

والحق: أن يقال: (إن)(4)النظر ترتيب امور ذهنية لينادى بها الى امر آخر.

و قد اعترض بعض المحققين : بانه اخص من النظر، لاختصاصه بالانفعال(5)من


1) فى ذ «اشتبهتهم».

2) فى د و هـ.

3) في د «بالانتقال» .

4) في د .

5) في د «المناهج».

المبادى الى المطالب ، وقلما يتوقف مثل هذا النظر ابتداء ، والاكثر الانتقال من المطالب الى مباديها، ثم من مباديها اليها وهذا لايدخل بتمامه فى الحد المذكور ؛ ثم جعل الحد هو الانتقال من امور حاصلة في الذهن الى امور مستحصلة هي المقاصد.

و الجواب ان ترتيب المبادى اعم من ان يكون مسبوقا بالانتقال من المطالب و من عدمه، وكل من القسمين داخل تحت النظر، واشتراط السبق في الكثرة لا يقتضى اشتراطه في الاعم لخروج(1)القسم الاخر منه ، خذ، ثم(2)اى فارق بين (الحد)(3)الذي ذكرناه وبين حده الذي ارتضاه ، وهذه المسئله لم يتعرض لها المصنف وانما ذكرناها التوقف مباحث النظر عليها.

المسئلة الثانية، فى أن النظر واجب

قال : على العبد نعم جمّة ، فلابد من أن يعرف المنعم فيشكره ؛ ولا طريق الى هذه المعرفة الواجبة الا النظر ، لان التقليد متردّد بين من لا ترجيح فيهم ، و و قول المعصوم لا يكون حجّة الا اذا، كان معصوما و من معرفة الله تعالى تستفاد عصمته فيكون دورا .

اقول : اعلم ان المعتزلة والأشاعرة واتفقوا على أن النظر واجب ، ويدل عليه و جهان :

الاول ما ذكره المصنف وتقريره : ان معرفة اله تعالى واجبة، ولا يتم الا بالنظر وما لا يتم الواجب الا به فهو واجب كوجوبه(4)، فيكون النظر واجباً.


1) فى ا «بخروج».

2) فى د «حنينذ» .

3) في د و هـ.

4) في د.

فهذا الدليل يتوقف على هذه المقدمات الثلاث :

المقدمة الاولى ان معرفة الله تعالى واجبة لأن شكره واجب ، ولا يتم الا بالمعرفة ، اما وجوب الشكر فلان لعمه على العبد اكثر من ان يحصى، وشكر المنعم واجب بالضرورة ، وأما أنه لا يتم الا بالمعرفة فبالضرورة.

لا يقال : لم لا يشكر المنعم مطلقا و ان لم يعلم مقصداً(1).

لا نا نقول : اثار النعمة لا يستلزمها الامع قصدها ، فلا بدوان يعرف المؤثر ليعلم هل قصد الاحسان فيجب شكره اولا ، فلا يجب ؛ و لان معرفة الله تعالى دافعة للخوف الحاصل من الاختلاف و دفع الخوف واجب .

المقدمة الثانية أن معرفة اله تعالى لاتتم الا بالنظر ، و هذه المقدمة بينة لا تفتقرا الى الاستدلال ، لان المعرفة ليست ضرورية قطعا ، بل الظرية ، و المفيد في النظريات انما(2)هو النظر ، لان العقلاء با سرهم في كل زمان ومكان يلتجئون اليه في استحصال مقاصدهم المجهوله ، ولو كان ، هناك طريق آخر لالتجوا اليه.

لا يقال : لم لا يجوز ان يكون التقليد كافيا في هذا الباب اوقول المعصوم ، لانا نجيب عن الأول بان التقليد متردد بين من لا ترجيح فيهم اذالاقوال مختلفه وليس الاستناد الى احدها اولى من الآخر ومثل هذا الطريق محصل للمعرفة ضرورة ؛ و عن الثاني بان قول المعصوم لا يكون حجة الا اذا عرفنا كونه معصوما ، وهو امر باطنى خفي ، لا يعلمه الا الله ، فتكون معرفتنا بالعصمة مستفادة من الله تعالى بالوحى على بعض الرسل و هو مسبوق بمعرفة الله فيلزم الدور المحال.

لا يقال : انا نعلم عصمته بالمعجز الظاهر على يده

لانا نقول : العلم بالمعجز مسبوق بالعلم بالله تعالى، وكونه غنياً ، فعله لاجل التصديق فيعود المحذور.


1) فى د «مفصلا».

2) في د .

اعلم ان المصنف ابطل بهذا قول الملاحدة ، حيث جعلوا المعارف، متوقفة على قول المعصوم .

المقدمة الثالثة ان مالايتم الواجب إلا به فهو واجب ، والا لزم خروج الواجب المطلق عن كرنه واجباً ، أو تكليف مالا يطاق وهما محالان.

والثانى ان النظر دافع للخوف فيكون واجبا.

المسئلة الثالثة، فى ان النظر مفيد للعلم

*فى ان النظر مفيد للعلم(1)

قال : والنظر طريق الى العلم ، وتقسيم الخصم فى استفادته من الضرورة او النظر ينعكس عليه في الابطال وان لم تعرض (لنقض)(2)تقسيمه و التهويلات بخبط اهل الكلام تدل على الصعوبة لا التعذر.

اقول : لما بين المنصف ان معرفة لله تعالى ، انما تحصل بالنظر ، وجب عليه ان يبين ان النظر طريق الى تحصيل المجهولات ؛ وذلك مما قد وقع الاتفاق عليه بين اكثر العقلاء.

و انكره السمنية وزعموا انه لا يفيد العلم اصلا؛ وجماعة من الاوائل ذهبوا الى أنه لا يفيد العلم في الالهيات بل في الهند سيات.

و العقلاء التجئوا في بيان هذا الى الضرورة : فان كل من علم ان العالم متغير ، و ان كل متغير محدث ، فانه يتجدد له علم ثالث (و)(3)هو : العلم بان * العالم محدث ، و ذلك ضرورى.


1) فى د «يفيد المعلم».

2) فى د ، ح و في هـ «لنقص» .

3) فى ج و فى د «يتجدد له علم ثالت بان العالم محدث».

احتج الخصم بوجوه :

احد ها التقسيم و هو ان قال: العلم يكون الاعتقاد الحاصل عقيب النظر علما اما ان يستفاد من الضرورة او من النظر ، و القسمان باطلان : اما الاول فلعدم اشتراك العقلاء فيه فانا مخالفكم : و اما الثانى فلانه يلزم التسلسل ، واثبات الشي" بنفسه.

الثانى ان العقلاء من ارباب الكلام، قد اختلفوا في اقرب الاشياء اليهم ، كاختلافهم في النفس ، فقال بعضهم انها جوهر مجرد ، و قال : الاخرون انها عبارة عن الهيكل المحسوس ، واخرون قالوا انها جزء لا يتجزى فى القلب وغير ذلك - واذا(1)كان حال اقرب الاشياء الى العملاء هكذا فما ظنك بحال ابعد ها عنه.

الثالث ان المطلوب ان كان معلوماً ازم تحصيل الحاصل ، و ان كان مجهولاً استحال توجه الطلب نحوه ، و كيف يعرف النفس انه(2)المطلوب.

والجواب عن الاول ان هذا التقسيم ينعكس على خصم في الابطال ، بان نقول : ابطال النظر اما ان يكون ضروريا ، او نظريا ، فان كان الأول لزم الاشتراك ونحن نخالفكم فيه ، و ان كان الثاني لزم ابطال الشي بنفسه ، و يناقضه(3)مذهبكم لانكم استفدتم من النظر شيئاً. هذا اذ الم نتعرض لنقض(4)التقسيم و اما اذا تعرضنا لنقضه فانا نقول : لم لا يجوز ان يكون ذلك الاعتقاد ضروريا و مكابرتكم لا اعتبار بها ، أو نظريا و لا يتسلسل ، وذلك لانه حاصل من مقدمتين أحد هما ان تلك النتيجه لازمة بالضرورة لمقدمتين ضروريتين ، و هذه مقدمة ظهرت فى المنطق ؛ وثانيهما ان كل لازم بالضروره لضروريتين(5)علم بالضروره فاذن نتيجه القياس المفروض علم بالضروره و هدالنتيجه نظريه مستفادة من مقدمتين ؛ ثم العلم بان نتيجه القياس المفروض علم


1) في د «اذ».

2) في ب «كنه» .

3) فى بود «مناقضة».

4) في ب «لنفس».

5) في «لضرورتين»

بالضروره بديهي يحصل(1)من نفس تصورها فانقطع التسلسل.

وعن الثاني انه يدل على صعوبة تحصيل المجهولات ، لاكلها ، بل بعضها ، و لا يدل على تعذر(2)الجميع .

و عن الثانث ان النفس شاعرة بالمطلوب من وجه دون اخر و المطلوب هو الشئى ذو الوجهين لا الوجهان .

المسئلة الرابعة، في ان وجوب النظر عقلي

قال : ووجوبه عقلى ، و الا ادى افحام(3)الرسل من تكذيبهم

اقول : لما بين انه واجب انه واجب بحث عن كيفيتة وجوبه ، فقال : انه عقلى ، و هو مذهب المعتزلة ، خلافا للأشاعرة الامن شد.

لنا أولم يكن وجوبه عقليا لزم افحام الانبياء من تكذيبهم ، و ذلك محال ، بيان الملازمة ان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) اذا جاء الى المكلف ، و امره باتباعه ، فقال له المكلف لا تفكر حتى اعرف صدقك ، ولا اعرف صدقك الا بالنظر ، والنظر لا افعله الا اذا وجب على ولا يجب على الابقولك ، وقولك اللان قبل النظر ليس حجة ، فينقطع(4)النبي (صلی الله علیه و آله و سلم). اما لو قلنا ان وجوبه عقلى ، اندفع هذا المحال ، لان قوله لا يجب على النظر الابقولك يكون باطلا .

لا يقال : هذا يرد عليكم لان وجوب النظر نظرى، فللمكلف ان يقول لا انظر حتى اعرف وجوب النظر ، ولا اعرف وجوبه الا بالنظر ، ويعود المحذور.


1) في | «محصل».

2) في ا «تقدير».

3) في ا «اقتحام».

4) في ب «فيقطع».

لانا نقول : وجوب النظر وان كان نظرياً الا انه فطري(1)القياس.

احتجوا بقوله تعالى «وما كنا معد بين حتى نبعث رسولا»(2)نفى التعذيب من دون البعثة و ذلك ينا فى التعذيب اللازم للوجوب من دونها.

والجواب المراد وما كنا معذبين بالاوامر السمعية حتى(3)نبعث رسولا هو العقل(4)

(وما كنا معذبين) و ما صح مناصحة تدعو اليها الحكمة ان نعذب قوماً الا بعد ان (نبعت) اليهم (رسُولاً) فتلزمهم الحجة . فان قلت : الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسل ، لان معهم ادله المقل التي بها يعرف الله وقد اغفلوا النظر و هم متمكنون منه. و استیجا بهم العذاب لاغفالهم النظر فيما معهم وكفرهم لذلك لالاغفال الشرايع التي لاسبيل اليها الا بالتوقيف والعمل بها لا يصح الا بعد الايمان. قلت بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر والايقاظ من رقدة الغفلة ، لئلا يقولوا : كنا غافلين فلولولا بعثت الينا رسولا ينبهنا على النظر في ادلة العقل.

و يقول الطبرسي وهو من كبار علماء الامامية في تفسيره (مجمع البيان) في تفسير الآية: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) معناه و ماكنا معذبين قوما بعذاب الاستيصال الابعد الاعذار اليهم و الانذار لهم با بلغ الوجوه و هوارسال الرسول اليهم مظاهرة في العدل و ان كان يجوز مؤاخذتهم على ما يتعلق بالعقل معجلا فعلهذا التأويل تكون الاية عامة في المقليات والشرعيات. وقال الاكثرون من المفسرين وهو الأصح : ان المراد بالاية انه لا يعذب سبحانه في الدنيا ولا بعد البعثة فتكون الآية خاصة فيما يتعلق بالسمع.

.

1) في | «نظرى القياس».

2) سوره اسراء اية 15 .

3) في د «اوحتى» .

4) الظاهر ان الرسول فى الاية الشريفة هو الرسول الظاهرى لا الرسول الباطني الذى هو العقل ولا ينا في هذا المعنى وجوب النظر عقلا. يقول الزمخشرى و هو من المعتزلة في تفسيره الكشاف في تفسير الآية في سورة الاسراء :

المسئلة الخامسة، فى انه اول الواجبات

قال : وهو اول الواجبات وقيل : القصد اليه .

اقول : قد ذهب الى ذلك البصريون من المعتزله ، و ابو اسحق الاسفراینی،

و ذهب آخرون منهم الى انه هو القصد الى النظر ، واختاره امام الحرمين من الاشاعرة ،

و نقل عن ابى حسن الاشعرى ان اول الواجبات هو المعرفة بالله ، و هو مذهب البغداديين من المعتزله(1)

من الشرعيات فاما ما كانت الحجة من جهة العقل و هو الايمان بالله تعالى فانه يجوز العقاب يتركه وان لم يبعث الرسول عند من قال ان التكليف العقلى ينفك من التكليف السمعى. على ان المحققين منهم يقولون انه : و ان جاز التعذيب عليه قبل بعثة الرسول فانه سبحانه لا يفعل ذلك مبالغة في الكرم والفضل و الاحسان والطول فقد حصل من هذا انه سبحانه لا يعذب احدا حتى نيفذ اليهم الرسل المنبهين الى الحق ، الهادين الى الرشد استظهارا في الحجة لانه اذا اجتمع داعى العقل وداعى السمع تاكد الامر وزال الريبة فيما يلزم العبد. وقد اخبر سبحانه في هذه الآية عن ذلك وهذا لا يدل على انه لولم يبعث رسولالم يحسن منه ان يعاقب اذا ارتكب القبائح المقليه الاان يفرض في بعثة الرسول اطفافان عند ذلك لا يحسن منه سبحانه ان يعاقب احد الا بعد ان يوجه اليه ما هو لطف له فيزاح بذلك عليه.

.

وذهب ابوهاشم الى ان أول الواجبات هو الشكر.

والاقرب في هذا ان يقال ان عنى باول الواجبات ما يجب بالقصد الأول فهو المعرفه وان عنى به ما يجب كيف كان فهو القصد.

المسئلة السادسة، فى الدليل

وهو يقال بالاشتراك على معنيين احدهما الذي يلزم من العلم به العلم بوجود المداول


1) فى ج و د هنا زيادة وهى «واليه اشار امیر المومنين في قوله: اول الدين معرفته» بقية حاشية صفحه قبل

وقد اعترض بعض المحققين على هذا بان المدلول قد لا يكون له وجود كالاستدلال بنفى الحيوة على فى العلم ، فالصواب ان يقال : الدليل هو الذى يلزم من النظر فيه العلم بالمداول .

و يمكن ان يقال : أنا لا نعنى بالوجود هيهنا الثبوت العيني ، بل مطلق الثبوت و مثل هذه الاعدام التي يستدل عليها ، لهانبوت ذهناً فيصح(1)اطلاق الوجود عليها وايضا الاستدلال على العدم المطلق غير ممكن ، بل عدم الملكة ، ومثل هذا العدم ليس نفيا محضا ، بل له نوع ، من التحقق ، ولهذا افتقر الى الموضوع(2)لافتقار(3)المملكة اليه ، بل الأقوى فى ابطال هذا الحد الزام(4)الدور. والحق ان يقال : الدليل هو الذي يلزم من النظر فيه العلم بشئى آخر.

الثاني الاستدلال بالمعلول على العلة ، و ذلك لان الدليل بالمعنى الأول يقال على الاستدلال بالعلة على المعلول ، ويقال على الاستدلال بالمعلول على العلة و يقال على الاستدلال بأحد المعلولين على الآخر. فالثاني من هذه الثلثة يختص باسم الدليل و هذا المعنى اخص من الأول.

المسئلة السابعة، فى أن الدليل السمعى هل يفيد اليقين ام لا

قال : والدليل السمعي لا يفيد اليقين اصلاً لجواز الاشتراك ، و التخصيص ، والمجاز ، الى غير ذلك عليه . ويفيده مع القرائن الظاهرة.

اقول : اعلم ان مقدمات الدليل قد يكون عقلية محضة كالمقدمات المستعملة في بيان حدوث العالم ، و وجود الصانع ، وصدق الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) و ما اشبها ، و قديكون مركبة عقلية وسمعية كساير السمعيات فانها مستندة الى قول الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو احدى


1) في ب «فصح» .

2) في ب «الى موضوع».

3) في ب و د «کافتقار» .

4) فى ب «ازوم» .

المقدمتين وهى نقلية، و الى وجوب صدق قوله وهي عقليته ، ولا يمكن ان يركب من السمعيات المحضة ، لان السمعى انما يكون حجة بعد العلم(1)بصدق المبلغ وتلك غير سمعية.

اذا عرفت هذا فتقول: من الناس من قال ان الدليل المركب من السمعي والعقلي لا يفيد اليقين لتوقفه على عشرة امورظنية :

الاول عصمة الرواة اما بان يبلغوا حد التواتر ، اوبان يكون الناقل معصوماً الثانى صحة اللغة والنحو والتصريف لاختلال المعنى باختلافها ، لكن ذلك يتوقف على عصمة الناقلين(2)

الثالث عدم الاشتراك فانه على تقديره لا يتعين المطلوب من اللفظ .

الرابع عدم المجاز الاحتمال ارادته على تقديره فيختل المعنى.

الخامس عدم النقل لذلك ايضا.

السادس عدم التخصيص اذ على تقدير ثبوته فى العام لا يحصل اليقين

السابع عدم النسخ

الثامن عدم الاضمار لاحتمال حصول مضمر يصرفه عن ظاهره

التاسع عدم التقديم و و التاخير.

العاشر عدم المعارض العقلى اذ مع وجوده يجب العمل به ، و يتناول النقل لاستحالة اعمالهما و اهمالهما و ترجيح الفرع الذى هو النقل لاستلزامه فساد اصله المستلزم لفاده فيتعين ما قلناه.

واعلم ان هذه الاحتمالات و ان كانت متقدمة في بعض السمعيات ، الا انه قديضم إلى الدليل السمعي من القراين ما يحصل معه اليقين ، وقد(3)يكون المفيد لليقين هو المجموع ؛ و اكثر محكمات القرآن من هذا الباب.


1) مش بعد التسليم بصدق المبلغ .

2) فى «الناقل» .

3) فى ب و ج و د «وحينئذ».

المسئلة الثامنة، فى ضبط الاستدلال بالدلائل السمعية

قال : وما يبنى عليه صدق الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يكتسب من جهته(1)

اقول : اعلم ان الدايل السمعية مستندة الى قول الرسول ، وانما يكون حجة بعد ثبوت صدقه، ويستخيل ثبوته بالسمع والألزم الدور، بل انما يثبت بالعقل وكذا كل مقدمة يتوقف عليها العلم بصدقه كوجود الله تعالى وكونه قادرا ، عالما ، حكيما ، اما مالا يتوقف السمع عليه فان لم يكن في العقل ما يدل على ثبوته فانه لا يثبت بالعقل ، لاستحالة ترجيح الممكن من غير مرجّح ، بل انما يثبت بالسمع و ذلك مثل التكاليف السمعية ، و ان كان في العقل ما يدل عليه جاز اثباته بالعقل و السمع كالعلم بالوحدة والكلام و ما اشبهما من الصفات.

المسئلة التاسعة، فى حد العلم

قال : والعلم معرفة المعلوم على ما هو به .

وقد حده شيوخنا أيضا بما يقتضى سكون النفس.

اقول : اختلف الناس فى انه هل يحد العلم ام لا فقال قوم انه لا يحدّ لوجهين احد هما ان ماعدا العلم لا ينكشف الا به فيستحيل ان يكون غيره كاشفاًله.

الثانى اعلم بالضرورة كونى عالما بوجودى و هو علم خاص مسبوق بتصور مطلق العلم .

اعترض بعض المحققين على الاول: بان المطلوب من حد العلم، هو العلم بالعلم


1) في ا «لجهة».

وماعدا العلم ينكشف بالعلم ، لانا نعلم بالعلم ، وليس من المحال : ان يكون هو كاشفا عن غيره ، و غيره كاشفا عن العلم به.

اقول: اذا قلنا : العلم هو صفة يقتضى سكون النفس مثلا ، كان هذا القول معرفا للعلم ، لكن هذا لا يعرف الابالعلم ، فاتجه الدور.

واعلم: أن التحقيق هيهنا ان يقال: العلم اما ان يكون صفة قائمة بالعالم اضافية أو صورة مساوية للمعلوم ، على اختلاف الرأيين و على كلا التقديرين ، فالمعلوم انما يعلم ، اذا حلت تلك الصورة ، او حصلت تلك الصفة (للعالم)(1)، والعلم بتلك الصفة او بتلك الصورة ، يكون بالحد او الرسم ، مماليس يعلم ، لكن توقف المعلوم على العلم في الأول مغاير لتوقف العلم بتلك الصورة على الحد والرسم فلادور.

اما الثاني فضعيف ، قدبينا ضعفه فى كتاب معارج الفهم.

وقال : آخرون : انه يحد ، واختلفوا في حدها.

فقال : قوم انه معرفة المعلوم على ماهو به ؛ وهو الذي اختاره المصنف.

و فيه نظر من وجهين:

احد هما: ان المعرفة ، والعلم متردفان ، فلا يصح اخذ احدهما في تعريف الاخر

الثاني : ان المعلوم لا يعلم الا بالعلم ، فتعريف العلم به دور.

وقال آخرون : انه ما يقتضى سكون النفس ، و هو باطل باعتقاد المقلد ، ومن اعتقد اشياء(2)الشبهة(3)فان انفسها ساكنة ، و ليس بعلم.

المسئلة العاشرة، في تقسيم العلم

قال : ومنه ضروری: کالمشاهد ، ومكتسب كالتوحيد.


1) فى د.

2) فى ب «شيئاً».

3) في ا «كشبهة».

اقول : اعلم ان العلم منه ما هو ضروري ، و منه ما هو كسبي ، فان العلوم كانت باسرها بديهية ، أما جهلنا شيئاً ؛ و التالى باطل بالضرورة ، فالمقدم مثله؛ لو كانت. باسرها كسبية لزم الدور أو التسلسل ، وهما باطلان.

الضروري : هو الذي لا يغتفر الى طلب وكسب ، هذا في باب التصورات ، وفى اب التصديقات هو الذي يكون تصور طرفيه، اى طرفي القضية ، كافياً في الحكم،والمكتسب : ما يقابلها .

والضرورى : منه البديهيات ، و المشاهدات ، و المجربات ، و الحدسيات ، (والمتواترات(1)) وفطرية القياس.

واما المكتب : فمثل العلم بحدوث العالم ، و وحدة الصانع.

المسئلة الحادية عشر، فی ان العلم بالدليل مغاير للعلم بالمدلول والدلالة

*فی ان العلم بالدليل مغاير للعلم بالمدلول والدلالة(2)

قال : والعلم بالدليل ، مغاير للعلم بالمدلول ، (والدلالة(3)) ويستلزمه ، والعلم يكون الدليل دليلا ، مغاير للعلم بالدليل والمدلول معاً.

اقول : أما الاول : وهو مغايرة العلم بالدليل ، العلم(4)بالمدلول، فلان العلم بالدليل، علة للعلم بالمدلول ، ويستحيل ان يكون الشى علة لنفسه، بل هو مستلزم له.

و اما الثاني : و هو مغايرة العلم بالدليل للعلم بالدلالة ، فقد خالف فيه بعض المتكلمين، قالوا: لانا نستدل بوجود ، سوى الله تعالى على وجوده: فلو كان وجه دلالة الدليل مغاير اللدليل والمدلول، وجب ان يكون وجه هذه الدلالة خارجة عن وجود ما سوى الله تعالى داخلة فيه لان كل ما خرج عن الله تعالى فهو داخل فيما سواه .


1) فى ب و د.

2) في ا «وللدلالة».

3) في ا.

4) فى ا «العلم» .

والحق ان هذا الكلام سخيف، وان العلم بالدلالة علم بنسبة امر الى امر، فهي مغايرة لهما ، بالضرورة ، وماذكروه امر اعتياري ، لا تحقق له في الخارج.

و اعلم ان قول المصنف : (ويستلزمه) اشارة (الى)(1)فايدة وهى ان المستلزم للعلم بالمدلول هو العلم بالدليل خاصه، لا العلم بالهلالة ، لانها اسبة ، فلو توقف العلم بوجود المدلول عليها لزم الدور.

قال بعض المحققين : يجوزان يكون ذات المدلول ، يفيد وجود هذه الاضافه ، من غير عكس ، لكن تصور هذه الاضافه يستلزم تصور علتها كما في برهان ان و لادور .

اقول : لو كان الامر كذلك لكانت الهلالة ، هي الدليل، اذا المعنى ، ما يلزم من العلم به العلم بالمدلول ، و ذلك محال قطعاً.

المسئلة الثانية عشر، في ان النظر يولد العلم

قال : والنظر يولد العلم كسائر الاسباب المولدة لمسبباتها .

اقول : اختلف الناس ، في ذلك فقالت المعتزلة : النظر الصحيح يولد العلم.

وقال الاشاعرة ، أن العلم يحصل عقيبه لمجرد(2)العادة من فعل الله تعالى،كالعاديات.

و قال أبو بكر الباقلاني(3)، وإمام الحرمين ،: ان العلم ما يلزم النظر لزوما واجبا وان لم يتولد عنه .

واستدلت المعتزله : بانا تعلم اذ انظرنا، حصل لنا العلم عند هذا النظر (وبحسبه)(4)اى يحصل لنا العلم بالمدلول الذي نطلبه بالنظر في دليله ، فوجب ان يكون متولد اعنه كساير الاسباب و المسببات.


1) فی د.

2) فى ب «المجرى».

3) فى بزيادة «والجويني» .

4) في ب.

و استدلت الاشاعرة : بان العلم ممكن فيكون المؤثر فيه هو الله تعالى وسياتي بطلان كلامهم في باب الافعال،

و قياسهم على التذكر فاسد ، لا يفيد اليقين ، ولا الزام الخصم على تقدير القول بالقياس ، لان المعتزله لم يقولوا بالتولد فى التذكر ، لان العلم فيه قد يحصل في غير قصد التذكر ، بخلاف النظر ، فان صحت هذه العلة بطل القياس ، والا منعوا الحكم في الأصل.

المسئلة الثالثة عشر، في ان المعارف مقدورة لنا

قال : و المعارف مقدورة لنا ، لان الجهل يقع منا ، ومن قدر على الشي" ، قدر علی ضده، وليست المعارف الضرورية كالمكتبه ، للتفاوت في المشقة الموجبه لارتفاع الدرجه .

اقول : نازع في ذلك جماعة قالوا : لان المعلوم اما تصور ، و هو بدیهی لان المطلوب المشعور به يستحيل طلبه لحصوله ، و المجهول ، لامتناع توجه النفس بالطلب الى مالا نتصوره ، و اما تصديق فيتوقف على تصورين بديهيين اذا حصلا ، فان كفيا في الحكم ، فلا مقدور به(1)، والا افتقر الى واسطة يعود البحث فيها، ولا يتسلسلو احتجت المعتز له على ذلك بوقوع الجهل منا ، لأن الخصم جاهل ، فجهله ، لا يستند إلى الله تعالى، التنزيهه عن فعل القبيح ، ولا الى غيره فيه لان القادر بقدرة لا يفعل فى غيره علما ولا جهلا ، فلم يبق الا استناده اليه ، و انا قدر على الجهل ، قدر على العلم لان القادر على الشي قادر على ضده بالاستقراء .

والوجه الأول ضعيف قدبينا فساده في كتبنا الكلاميه ، و كذا الثاني لابتنائه على الاستقراء الضعيف.


1) فى د «فلا مقدورية».

واعلم ان العلوم الضرورية ليست كالكسبية لأن في المكتسبة مشقة عظيمة، توجب ارتفاع الدرجة ، اما العلوم الضرورية، فان فاعلها هو الله تعالى ، فلا يحصل لنا بحصولها فينا ثواب .

المقصد الثانى فى تعريف الجوهر و العرض و الجسم

اشارة

قال : القول في الجوهر والعرض. الجوهر: هو المتحيز، والعرض: الحال، في المتحيز ولا واسطة بيهما . والجسم: ما يتركب من ثمانية جواهر فصاعدا.

اقول: اعلم ان الجوهر في اصطلاح المتكلمين عبارة عن المتحيز الذي لا ينقسم بوجه فالمتحيز جنس ، يندرج تحته الخط والسطح و الجسم. وقولنا الذى لا ينقسم يخرج عنه الجسم ، وقولنا بوجه يخرج عنه السطح والخط ، فانهما لا ينقسمان ، لامن كل وجه ، بل الخط لا ينقسم في العرص و العمق ، وان انقسم في الطول ، والسطح لا ينقسم في العمق ، و ان انقسم فى الباقين ؛ فلولم يقد عدم الانقسام بالعمومية لدخلا في الحد.

والحد الذي ذكره المصنف ناقص لانتقاضه بالجسم والخط و السطح ، ويمكن ان يقال : ان مقصوده حد جنس الجوهر(1)وهى موجوده في الجميع، أو يقال مقصوده تمييز الجوهر عن العرض ، فكان ماذكره كافيا.

واما عند الاوائل فانهم يطلقول الجوهر على ذات الشمى وحقيقته ، وعلى الموجود لا فى موضوع.

و العرض عند المتكلمين : عبارة عن الحال فى المتحيز ، كاللون ، و الحرارة ، والبرودة .


1) «الجوهريه».

و تحقيق هذا ان الشئى المختص بالجهة ، اما ان يشار اليه بانه هنا او هناك بالذات ، أو بالتبعية ، و الاول هو المتحيز ، و الثاني هو العرض القائم به الحال فيه ، لا كحلول الماء في الكوز .

و في عرف الاوائل العرض هو الموجود في موضوع (و)(1)لاواسطة بين المتحيز و الحال فيه من الممكنات ، وذهب اليه اكثر المتكلمين خلافا للاوائل فانهم اثبتوا جواهر مجرده ، هو العقول و النفوس.

احتج المتكلمون : بان تلك مشاركة الله تعالى في التجرد ، فيكون مشاركة له فى ذاته.

و هذا ضعيف ، لان الاشتراك فى الصفات الثبوتيه ، لا يقتضى اشتراك الحقايق فكيف السلبية.

ويمكن ان يكون قوله (ولا واسطه بينهما) ردّا على القائل باثبات ارادة محدثة لافى محل ، فان تلك عرض ، و العرض هو الحال في المتحيز ،

و اما الجسم في عرف المعتزلة ، فانه عبارة عن الطويل العريض العميق.

قال اكثر هم : و هوانما يحصل في ثمانية جواهر ، اذمن تالف الجوهرين يحصل الخط ، ومن الخطين، السطح ، و من السطحين ، الجسم.

وقال الكعبى : انه يحصل من اربعة جواهر ثلثة ، كمثلث ، ورابعها فوقها و يصير كمخروط .

وقال آخرون: انه يحصل من ستة جواهر مثلث مركب من ثلثه جواهر على مثله

وقال ابو الحسن الاشعرى: ان الجسم عبارة عن المولف مطلقا ، فالمتالف من الجوهرين جسم، و هو مخالف للعرف.

وقال الاوائل : الجسم يقال على الطبيعي ، و هو الجوهر القابل للابعاد


1) في ب.

الثلثة المتقاطعه على الزوايا القوائم ، و على التعليمي ، و هو الابعاد الثلثه انفسها و هو عرض عندهم ، و النزاع في ذلك لفظى.

المسئلة الثانية، فى الجزء الذي لا يتجزى

قال : ولابد في كل جسم من الانتهاء الى الجوهر ، وانكره النظام ، والنقطة لازمة له ، والكرة فوق السطح تلاقيه بجزء غير منقسم و الاكان الشكل مضلعا و قد فرضناه کریا

اقول : اختلف الناس في ذلك ، فذهب الاوائل الى ان الجسم واحد في نفسه متصل قابل للقسمة الى مالا يتناهى ، وان تلك لا يخرج بالفعل.

و اخرون منهم قالوا: انه مركب من اجزاء لا يتجزى غير متناهيه ، و هو مذهب النظام .

وهذ ان القائلان اتفقا على نفى الجوهر الفرد.

واما المتكلمون فانهم قالوا : الجسم مركب من اجزاء لا يتجزى متناهية.

وابطل المصنف كلام الفريقين بوجهين :

الاول ان النقطه امر وجودى ، لانهاية الخط ، ولان الخط انما يلاقى غيره بالنقطه ، وهي غير منقسمة اتفاقا، ولانها لو انقسمت لم تكن طرفا ونهاية ، بل أحد الجزئين ويعود البحث فيه ، فان كانت جواهر ثبت المطلوب ، وان كانت عرضا ، افتقر الى محل هو جوهر ، والا تسلسل ويكون غير قابل للقسمة ، والا انقسمت ، هذا خلف.

الثانى انا نفرض كرة حقيقية فوق سطح مستو ، فان تلك الكرة تلاقيه بما لا ينقسم والالم تكن كرة حقيقية ، لانا نخرج من مزكها الى طرفي ذلك المنقسم خطين

وتوقع عليه عموداً فيكون ذلك العمود اقصر من الخطين ، لانه يوتر الحادة وهما يوتران قائمتين ، فتكون مضلعة هذا خلف . فنقول اذا تحركت الكرة حتى لاقت السطح باجزائها كانت منتقلة من نقطة الى اخرى ، فتكون مركبة من النقطة وهو المطلوب.

احتجوا بالجوهر بين الجوهرين فانه ان ماسهما بشتى واحد لزم التداخل والألزم الانقسام.

وهذه حجة قوية اعتذر المتكلمون عنها بشئى ضعيف.

قال بعض المحققين : على الاول : النقطه لا يجب انقسامها لانقسام المحل لانها عرض غير سار .

قلنا المفهوم من العرض السارى هوان يكون شايعا في اجزاء حاملة، ومن غير السارى ان يكون حاصلا فى بعض اجزائه دون بعض فالنقطة يستحيل ان تكون من قبيل القسم الاول ، فيلزم ان تكون حاصلة فى البعض ، ثم نقول ذلك البعض ، اما منقسم او غير منقسم ، وهو ما ذكرناه بعينه .

وقال على الثانى ان ملاقات الكرة للسطح الما يكون بنقطة هي طرف قطر الدائرة المار بالمركز وموضع التماس

قلنا القطر انما يوجد للكرة بسبب الحركه او بالفرض و لا يجب من ملاقات الكرة للسطح حركتها ولا فرضنا القطر مع حصول الملاقات بالفعل المستلزم بوجود النقطه بالفعل فكيف يكون طرفا لمالم يوجد.

المسئلة الثالثة، فى تماثل الاجسام

قال ولا اجسام مماثلة، لاستوائها في التحيز ، و اشتباهها بتقدير الاستواء في الاعراض

اقول: هذه مسئلة يتوقف عليها مباحث مهمه تانى ، و قد اتفقت المعتزله على تماثلها الا ابا اسحق النظام فانه قال بتخالفها ، والا وائل والاشاعرة وافقو المعتزلة ،

والدليل على ثماثلها وجوه :

احدها انها متساوية في الحصول في الحيز ، ولا نعنى بالجسم الا الحاصل في الحيز .

الثاني بتقدير تساويها في الأعراض يقع فيها الاشتباه واولا تماثلها لما كان كذلك.

الثالث أنها متساوية في قبول الأعراض.

والكل ضعيف :

امالاول فلان الحصول فى الحيز من لوازمها ، والمتخلفات قد تتفق في اللوازم

واما الثاني فلانه انما يصح على تقدير ان نشاهد جميع الاجسام، وأيضا والتساوى في الحس لا يقيضى التساوى في نفس الامر.

و اما لثالث فكالاول .

والاقرب : ان يقال انها با سرها تتفق في حد واحد ، و يستحيل ذلك في - المختلفات ولان المفهوم من الامتداد شيء واحد ، وهو معنى الجسم ، ولا يتم الا بعد نفي الهيولى ، والى هذا أشار المصنف بقوله : لاستوائها في التحيز لانه هو الامتداد .

المسئلة الرابعة، في جواز خلو الاجسام عن الطعوم والالوان والروائج

قال : وقد يخلو الجسم من اللون ، والطعم ، والريح كالهواء .

اقول: اتفقت المعتزله عليه ، وخالفت فيه الاشعرية .

واحبجت المعتزلة بالهواء فانه لايحس بلون، ولاطعم ، ولا رائحة، وعدم الاحساس مع حصول الشرائط ، يقتضى العدم.

واحتجت الاشاعرة بقياس اللون على الكون، وبقياس ماقبل الانصاف في الأعراض القاره على ما بعده.

والجواب : انما ضعيفان ، لعدم الجامع ، و الفرق في الثاني أن العرض الباقي لا يزول بعد الطريان الا بصد ، بخلاف ما اذا لم يوجد .

المسئلة الخامسة، فى ان الاجسام مرئية

قال : وهى مرثيه ، واعتبارها بالحصول في الخيز ، المبطل أشبهة القوم في العرض

اقول: هذا مما لا خلاف فيه، لكن الاوائل قالوا : انها غير مرئية بالذات ، بل بواسطه اللون ، والضوء .

احتج المتكلمون : بانا نرى الطويل والطول ليس بعرض ، لماثبت من تركب الجسم من الجواهر ، فلو كان عرضا فكان محله جوهرا فردا ، لاستحالة تعدد المحل ، فيلزم انقسامه فيثبت أنه نفس الجوهر .

واعترض بعود المحذور عليهم ، لان الطول اذا كان نفس الجوهر لزم الانقسام فلم يبق الاان يكون عرضا هو التالف في سمت مخصوص ، والتالف عرض فالمرثى عرض

اجابوا: بانا ترى الطويل حاصلا في الحيز وليس العرض كذلك.

و المصنف جعل هذا الجواب دليلا براسه ، هو : انانرى ماهية حاصلة في الحيز ، ويمتنع ان يكون العرض كذلك.

وخلاصة الدليل : هوان المرئي يرى طويلا ، فليس بعرض ، والثانى انه يرى حاصلا في الحيز فليس بعرض.

المسئلة السادسة، فى اثبات الخلاء

قال: ولابد فى العالم من الخلاء، والألزم ان العالم لا يزال منتقلا عند تنقل بعوضة واحدة ، وهذا محال.

اقول: المتكلمون اتفقوا على اثباتة ، وخالف فيه الاوائل.

احتج المتكلمون بوجهين :

الاول انه لولا الخلاء لزم التداخل او الدور ، او حركة العالم عند حركة الخردلة و التالى باقسامه باطل. بيان الملازمه : ان الجسم اذا تحرك ، فاما الى مكان مملو او فارغ فان كان الأول فان بقى المالى حركة الجسم الأول لزم الأول وان انتقل فان كان الى مكان الأول لزم الثاني وان كان الى مكان آخر لزم الثالث .

الثانى انا اذا رفعنا صفحة ملساء عن مثلها لزم الخلاء في الوسط.

والاوائل اجابوا عن الأول بالتخلخل والتكاتف الحقيقيين ، وهو مبنى على كون المقدار زايداً على ذات(1)الجسم. و عن الثانى بان الرفع ان كان مستويا ارتفع الجسم الأسفل الاسفل ، وهذا مما يستعمله اصحاب الحيل ، وان لم يكن مستويا ، ارتفع جانب قبل آخر ، ويمتلى الوسط بالهواء الداخل اليه.

ثم احتجوا بان الخلاء مقدر فهو(2)كم.

والمتكلمون قالوا : التقدير للجسم المفروض فيه ، كما تعدد خارج العالم فنقول لو كان نصف قطر العالم ضعف ماهو الان ، لكان ذلك المحيط واقعا خارج العالم.

الثانى ان وجود الخلاء يستلزم مساوات الحركة مع العائق لها من دونه لفرض جسم متحرك في الخاليه في زمان وفيها مملوة فى اكثر و نقرض ورق ارق بنسبة الزمانين(3)فتساوئ الحركة ، الخلاء .

و المتكلمون قالوا : المحال ينشاء لوجعلنا الزمان مقابلاً للعايق(4)اما انا جعلنا بعضه للحركة و الباقى للعايق فيزيد وينقص على نسبته فلا استحالة(5).


1) في ب «عن» .

2) فى ب «وهو».

3) فی به «زمانین» .

4) فى ا «للزمان» .

5) في ب «ولا» .

اعترض عليهم بعض المحققين : بان الحركة بنفسها لا توجد الامع حدّما(1)من السرعة والبطوء فكيف يستدعي زمان يستحقه، فان اسحقت الزمان فانما يكون بسبب المقاومة(2)

والجواب : ان الحركة وأن استلزمت السرعه و البطوء لكنها لاتخرج عن حقيقتها ، وهى من حيث هي لاتعقل الامع الزمان.

المسئلة السابعة، في تعريف الحركة

قال : والحركة حصول الجوهر فى حيز عقيب حصوله في حيز قبله.

اقول : الحركة عند المتكلمين عبارة عن حصول الجوهر فى حيز عقيب حصوله فى حيز قبله ، و هو مبنى على القول بالجوهر الفرد و تتالى الانات و تتالى الحركات التي لا تنقسم .

والاوائل قالوا : الحركة كمال أول لما بالقوة من حيث هو بالقوة ، وجعلوا الحركة هى الانتقال ، لا الحصول في المكان الثاني ، لان الحركة تكون قد انتهت و انقطعت ، ثم جعلوها اسمالمعنيين احدهما الامر المتصل المعقول للمتحرك من المبداء الى المنتهى و الثانى التوسط بين المبداء والمنتهى ، وجعلوا وجود الأول ذهنيا في زمان و الثاني خارجيا في آن.

المسئلة الثامنة، في تعريف السكون

قال : السكون حصوله فى حيز اكثر من زمان واحد.

اقول: هذا تعريف السكون عند المتكلمين، وجعلوه مقابلا للحركة تقابل التضاد


1) فى ب «هدمها».

2) فى بود «المعاوقه».

واعلم ان على تفسيرهم الحركة والسكون بما فرهما به لايكون بيهما تقابل بل يكون الحركات هي السكنات، اذ قد اشترا كا في الحصول فى الحيز ، والفارق بينهما الثبات و الزوال ، وذلك لا يستدعى تغاير الشخص كالشاب و الشيخ.

اما الاوائل فجعلوا السكون عبارة عن عدم الحركة عما من شانه ان يتحرك فالتقابل بينه و بين الحركة ، تقابل العدم والملكة.

المسئلة التاسعة، فى أن ذلك الحصول ليس بمعن

قال : وليس حصوله بمعنى ، بل نفس الحصول ، الحركة.

اقول : اختلف الاماميه في هذه المسئلة فقال السيد المرتضى : ان الحركة معنى يوجب انتقال الجسم ، والسكون معنى يوجب لبث الجسم في الحيز ، وهو مذهب ابی هاشم و اتباعه قالوا : وذلك المعنى هو الكون و هو يقتضى الحصول في الحيز ، و الحصول يقتضى الكائنية.

والمصنف نفى هذا المعنى وهو مذهب أبي الحسين ، وساير النفاة.

والدليل على نفيه وجهان :

احد هما انه لو كان ذلك المعنى ثابتا من فعلنا، لعلمناه اجمالا او تفصيلا ، بالضرورة والعلم منتف.

الثانى ان ذلك المعنى الذي يوجب الحصول في الحيز ، ان صح وجوده قبل الحصول في ذلك الحيز ، فان اقتضى اندفاع الجوهر اليه ، فهو الاعتماد والا لم يكن بان يحصل بسبب ذلك المعنى ، فى حيز اولى من حصوله فى غيره الالمنفصل يعود الكلام فيه ، وان لم يصح وجوده الا الا بعد حصول الجوهر في ذلك الحيز لزم الدور ، لان حصول الجوهر فيه محتاج الى ذلك المعنى.

احتج المثبتون بانا او قدرنا على جعل الجسم متحر كا لقدرنا على ذاته، كالكلام.

و الجواب ان القياس باطل ، على انا نعلل القدرة في الكلام على الصفة بالقدره على الذات ، لا بالعكس.

المسئلة العاشرة، فى استحالة الانتقال و البقاء على الاعراض

قال : والاعراض لا يصح عليها الانتقال و البقاء لانهما عرضان ، والعرض لا يقوم بالعرض .

اقول : اما الانتقال عليها فشى قد اتفق عليه العقلاء ، و اعلم ان الانتقال : يفسر بالحصول في حيز بعد حصول فى حيز آخر، وهو واجب الانتفاء عن العرض قطعاء لا يحتاج فيه الى دليل ، انما المحتاج الى الدليل ، هو امتناع حلول العرض في محل بعد محل، والمصنف ابطال الانتقال عليها باي معنييه اخذ ، لان الانتقال عرض، فلا يقوم بالعرض ، لانه لابد في اخر الأمر من جسم يقوم فيه تلك الأعراض، فهو المحل بالحقيقة. وهذه الحجة ضعيفة ، لجواز قيام العرض بالعرض ، كالسرعة بالحركة ؛

وثلاوائل فى هذا الباب طريق آخر ، قالوا : العرض متشخص ، و علة تشخصه انما هو الحامل، والامكان العرض غنياً عن محله ، اما في وجوده قبالفاعل ، واما في تعينه فبا لشخص(1)و التالى باطل و اذ استندالى المحل امتنعت المفارقة ؛ واما امتناع البقاء عليها ، فشئى مختلف فيه ، ذهب الاشاعرة اليه ، وجوزت المعتزله بقائه و هو مذهب الاوائل .

وادعى ابو الحسين الضرورة في بقاء بعض الاعراض ؛

واستدل غيره بانها باقيه في(2)الزمان الأول ، فيجوز في الثاني ، والالزم الانتقال


1) فى ب «فبالتشخص» .

2) في ب «في الزمان» .

من الامكان إلى الامتناع ، وهذه حجة ابطلناها في كتاب المناهج.

و استدلت الاشاعرة بوجهين :

الاول انها لو بقيت لما عدمت لاستحالة استناد العدم الى الذات والاازم الانتقال من الامكان الى الامتناع ، والى طريان الضد لانه ليس أحد هما بالاعدام لصاحبه أولى من العكس.

لا يقال : الطارى يعدم السابق لكونه متعلق السبب، ونجواز ازدياده على السابق ولاستحاله اجتماع الوجود والعدم او عدم الطاري ، بخلاف الباقي .

لانا نجيب عن الأول باستوائهما في الحاجة ؛

و عن الثانى بالمنع من جواز جمع المثلين.

وعن الثالث بانه يلزم على تقدير ان نقول : يوجد الطارى ثم يعدم ونحن نقول : انه يمتنع وجوده ، ولا الى الفاعل ، لاستحالة استناد الاعدام الى الفاعل لانه ان لم يفعل شيئاً فلا اعدام، وان فعل كان وجوديا، فيكون ضداً ، ولا الى انتفاء شرط لان شرط العرض الجوهر وهو باق والكلام فى عدمه كالكلام فى عدم العرض.

و الحجنان ردیتان :

اما الاولى فلتوفقها على كون البقاء عرضا ، و امتناع قيام العرض بالعرض :

واما الثانية فلجواز استناد العدم الى ذاته ، كما هو قولكم في الزمان الثاني او الى زوال الشرط ، وهو ان يكون الأعراض الباقية ، مشروطة باعراض لاتبقى ، فعند انقطاعها يفنى الباقى ، اوالى الفاعل ؛

وقوله : (ان فعل كان وجوديا) ممنوع لان تأثيره فن امر متجدد ليس هو ايجاد معدوم بل اعدام موجود فلم قلتم : ان الأول ممكن دون الثاني ، وان الممكن اذا حصل معه ترجيح احد الطرفين وجب حصول الراحج وجودا كان او عدما، وقوله: شرط العرض الجوهر فقط ممنوع ، فان الجوهر قابل ، ويجوز توقف العرض على غيره.

المقصد الثالث فى احكام الجواهر والاعراض وفيه مسائل

المسئله الاولى، في حدوث الاجسام.

قال : القول في احكامها

مسئله ، الاجسام حادثة ، لانها اذا اختصت بجهة ، فهى اما للنفس وللزم(1)منه عدم الانفعال(2)، اولغيره، وهواما موجب او مختار؛

والمختار قولنا والموجب يبطل ببطلان التسلسل ، ولانها لاتخلو من الاعراض الحادثة لمدمها المعلوم، والقديم لا يعدم ، لانه واجب الوجود اذلوكان وجوده جایز الكان اما بالمختار ، وقد فرضناه قديماً ، أو بالموجب ويلزم منه استمرار الوجود فالمقصود ايضا حاصل.

اقول: هذه المسئلة من اعظم المسائل ، في هذا العلم، ومدار ،مسائله كلها عليها وهي المعركة العظيمه بين المسلمين وخصومهم

اعلم : ان الناس اختلفوا في ذلك اختلافا عظيما ، وضبط أقوالهم : ان العالم اما محدث الذات والصفات ، وهو قول المسلمين كافة ، و النصارى ، واليهود والمجوس واما ان يكون قديم الذات والصفات ، وهو قول ارسطو وثاوفرسطس(3)وسامسطيوس وابی نصر و ابی علی بن سينا فانهم جعلو السماوات قديمة ، بذاتها وصفاتها ، الا الحركات والاوضاع ، فانها قديمة بنوعها بمعنى ان كل حادث مسبوق بمثله الى مالايتناهى : و اما ان قديم الذات ، محدث الصفات ، و هو مذهب الكيساغورس و فيثاغورس و السقراط(4)و الثنويه.


1) فى ب و د «ويلزم» .

2) في ب و د «الانتقال» .

3) فى ب «بارفر سيطيس» وفي د «نافر سطيس».

4) في ب «سقراط».

ولهم اختلافات كثيره لا يليق بهذا المختصر، و اما ان يكون محدث الذات قديم الصفات ، وذلك معالم يقل به احد ، لاستحالته ؛

وتوقف جالينوس في الجميع.

والدليل على الحدوث وجهان :

الاول ان الاجسام لا بدلها ، من جهات ، و احياز ما يختص كل جسم بحيزو، جهة (بالضروره)(1)والا لكان الجسم حاصلا لا فى حيز وجهة ، وهو باطل قطعا، أو يكون حاصلا في كل الجهات وهو باطل ايضا بالضرورة ، اذا ثبت ذلك فنقول : اختصاص الجسم بذلك الحيز اما ان يكون لذات الجسم او غيره ، والأول باطل ، والالزم عدم انتقاله عن تلك الجهة وهو باطل بالضرورة : لانا نشاهد حركة الاجسام الفلكية والعنصريه ، و ان كان غيره فاما ان يكون قادرا مختارا و هو المطلوب ، لان بحث المتكلمين عن حدوث الاجسام ليس مقصوداً لذاته ، بل لاثبات ذات واجب الوجود تعالى ، و صفاته ، و اما ان يكون موجباً ويلزم التسلسل ، اما اولاً فلانه اما واجب فيلزم عدم الانتقال والتغير وهو باطل لما قلناه في امتناع الاستناد الى الذات ، و اما جائز فيفتقر الى مؤثر اما مختار وهو المطلوب ، او موجب ويعود المحال ، وأما ثانياً فلان ذلك الموجب ان كان مجردا ، تساوا اثره في الاجسام فلا يخصص البعض بجهة دون اخرى وان كان مقارنا افتقرا الجسم في الاتصاف به الى امر اما مختار و هو المطلوب او موجب اما مجرد أو مقارن ويتسلسل لكن التسلسل باطل على ما ياتي

وهذا دليل حسن اخذه المصنف من المثبتين الا ان بعض مقدمتهم كانت فاسدة والمصنف اصلحه حتى صار هكذا.

الوجه الثانى ان الاجسام لا تخلو عن الحوادث ، وكل مالا يخلوا عن الحوادث فهو حادث وهو المشهور عند المتكلمين وهو مبنى على اربع دعارو ، اثبات الحوادث ،


1) فى د و ب.

وامتناع خلو الاجسام عنها ، و وجوب سبق العدم على مجموعها، وحدوث كل ما لا ينفك عن مثل هذه. فالمقدمه الأولى قد اشتملت على الدعاوى الثلات المتقدمه : اما اثبات المقدمه الأولى ، فلانا تعلم ان الجسم ينتقل من الحركة الى السكون ، و بالعكس ، ويتبدل عليه أحدى الحالتين بالأخرى ، و كذا في الاجتماع والافتراق ، ولا يجوز ان يكون المرجع لهذه الى ذات الجسم لبقائه ، ولا الى العدم : اما اولا فلانها محسوسة والعدم لا يكون ، وأما ثانيا فلان الحركة مثلا تتبدل بالسكون ويرتفع به وذلك يقتضى ثبوت احدهما ، و أيا ما كان الاخر مثله ، لتساويهما فى الماهية و افتراقهما بعوارض : راما ثالثا فلانها ليست اعداما مطلقه بالضرورة ، ولا اعدام ملكات ، والالوجبان يتصور ملكاتها بل يكون تصور ملكاتها سابقا على تصورها ، و نحن لا نعقل شيئاً يكون نسبة اليها نسبة الملكة الى العدم، فلابد من امور زايدة على الجسم هى الاكوان

فان قيل هذا بناءً على ثبوت الجوهر في المكان ، وهو فرع على المكان ، وهوليس بثبوتى لانه اما جوهر او عرض ، والأول محال لانه ان كان مجردا استحال حلول المقارن فيه ، وان كان مقارنا لزم التداخل ان أن يعنى بذلك الممارسة ، و هو مسلم ، ولان كل متحيز له مكان ، ويلزم التسلسل لا دفعة واحدة ، وان كان عرضا لزم الدور ، واذا لم يكن ثبوتياً استحال حلول الجوهر فيه لانه لا يعقل حصول الجوهر في المعدوم ، سلمنا لكن التبدل لا يقتضى المثبوت ، لأنه تعالى قد كان عالما بان العالم سيوجد ، ثم بعد وجوده يبدل بعلمه بالوجود ، و لانه لم يكن فاعلا، تم صار فاعلا ، و ليست صفة ثبوتيه والاتسلسل

والجواب عن الأول أنه لم لا يكون المكان جوهرا كما ذهب اليه افلاطون، وذلك ان الجوهر ينقسم الى مقاوم للداخل عليه ، ممانع له ، وهو الذي يمتنع فيه التداخل والى غير مقاوم يمتنع عليه الانتقال و هو المكان ، وهو البعد والجوهر الممانع يمكن ان يداخل الممانع وذلك هو كون الجوهر في المكان ، سلمنا لكن لم لا يجوزان يكون

عرضاً هو(1)سطح الباطن من الجسم الحاوى المماس المسطح الظاهر من الجسم المحوى، والدور يلزم لو قلنا المكان يفتقر الى المتمكن ، اما اذا قلنا انه يفتقر الى غيره فلادور واذالم (يكن)(2)ثبوتيا لم يكن حصول الجوهر فيه حصوله في المعدوم بمعنى انه في العدم.

وعن الثانى ان التبدل في الاضافات و هو لا يقتضى التبدل في الذات والصفات هكذا قال بعض المتاخرين وليس بجيّد لانا نقول : التبدل هنا قد وجد فان اقتضى ثبوت التبدل فيه لزم المحذور ، والا اتجه النقض.

و الصواب أن يقال : ليس مطلق التبدل يقتضى ثبوت شيء من التبدل فيه بل التبدل الذي يستحيل خلو الماهية عنهما من حيث هماهما : ولو منع المتبدل في العلم وانتفاء الفاعلية على ما ياتى البحث فيها كان وجها .

و بهذا الدليل يظهر كون كل فرد من افراد الحركات و غيرها حادثا او تبدلها يقتضى انعدام افرادها والقديم لا يعدم لانه اما ان يكون واجب الوجود لذاته فيستحيل عدمه ، واما ممكن الوجود لذاته ، فيستند الى فاعل اما مختار وهو محال لان المختار انما يفعل بواسطة القصد وهو لا يتوجه الى الموجود فلا يجوز ان يكون فعل المختار قديما او موجب فيدوم .

لا يقال : نمنع استحاله عدم القديم فإن الله تعالى قادر على ايجاد زيد ابتداء وانا او جدو زالت(3)تلك القدرة الازلية وقد كان عالما بانه سيوجد فبعد الوجود زال ذلك العلم مع عدم العملية والعلم.

لانا نقول : إن تلك الاضافات(4)لا تحقق لها في الخارج فزوالها لا يقتضى جواز عدم القديم و اما المقدمة الثانيه و هى ان الجسم لا ينفك عنها فقريبة من البين لان كل جسم في مكان فان كان ثابتا فيه فهو الساكن والافه والمتحرك.


1) فى ب «وهو».

2) فی ح

3) فى ب «زالته».

4) فى ب «اضافات».

لا يقال : الجسم اول(1)ما خلقه الله تعالى ليس بمتحرك ولاساكن فبطل الحصر.

لانا نقول : كلامنا في الجسم الباقي لافي الحادث ، سلمنا لكن هذا المنع يعود بالابطال على الخصم ، وهو مساعدلنا : أما المقدمة الثالثه وهي الطامة العظمى.

فقد استدل المتكلمون عليها بوجوه :

احد ها ان كل واحد من هذه الحركات حادث فالكل كذلك

اعترض عليه بعض المحققين : بان حكم الكل قد يخالف حكم الافراد

الثانى انها يزيد و ينقض ، و مالايتناهي ليس كذلك ، فلها بداية و الكل حادث .

واعترض عليهم بالنقض فى المقدمة الثانيه بمعلومات الله تعالى و مقدوراته.

الثالث التطبيق وهو انا نطبق الحركة المبتدية من الان الى الازل و من زمان الطوفان اليه ، فيظهر التفاوت فى المبداء لاتحاد الطرفين عندنا فرضا

واعترض عليهم بان التطبيق هنا لا يفرض الا فى الوهم بشرط ارتسام المتطابقين فيه و ذلك محال فى مالايتناهى فاذن هذا الدليل موقوف على حصول مالا يحصل ، لا فى الوهم ولا في الوجود.

وايضا الزيادة والنقصان انما فرض في الطرف المتناهي لا في الطرف الذي وقع النزاع في تناهيه فهو غيره مؤثر فيه.

ثم احتج على هذا المطلب بان كل حادث موصوف بكونه سابقا على ما بعده لاحقا لما قبله و الاعتباران مختلفان فاذا اعتبرنا الحوادث الماضيه المبتدية من الان تارة من حيث كل واحد منها(2)سابق وتارة من حيث هو بعينه لاحق كانت السوابق واللواحق المتباينان (بالاعتبار)(3)متطابقتين في الوجود ولا يجتاج في تطابقها الى هم تطبيق


1) فى ب «الاول».

2) فى ب «هنا» .

3) فی ب و د .

ومع ذلك يجب كون السوابق اكثر من اللواحق فى الجانب الذى وقع النزاع فيه ، فاذن اللواحق متناهية في الماضى لوجوب انقطاعها قبل انقطاع السوابق و السوابق الزايدة عليها بمقدار متناه فيكون متناهية ايضا ولما تبين امتناع وجود حوادث لا اوّل لها في جانب الماضى وتبين فيمامر امتناع وجود حوادث ليس لها أول ينتهى اليه وهو سكون ازلى فقد تبين امتناع وجود مالا يخلوا الاجسام عنها في الازل وتبين منه امتناع وجود الجسم في الازل .

واعلم أنّ الاعتراض الأول غير صواب ، لان حكم الاجزاء و ان كان قد يخالف حكم الجملة لكن لا يجب بل (قد)(1)يتفق أحكامها وهيهنا الكل والجزء من المواضع التي ادعى المتكلمون وجوب الاتفاق فيهما ، و ذلك لان الكل قديراد به الكل النوعي وقد و قد يراد به الکل المجموعی و قدیراد به كل واحد ، و الثالث غير مراد هيهنا ، فبقى احد الاولين لكن ايهما فرض كان حدوث كل فرد مستلزماً لحدوثه لامتناع وحود النوع خارجا منفكاً عن شخص و وجود الكل بدون وجود جزئه .

واما الاعترض الثاني فقد اجاب المتكلمون عنه بالفرق فان معلومات الله تعالى و مقدورا ته لیست امورا ثابتة بل معناه ان الله تعالى لا يوجد فعلا الاوهو قادر على غيره و عالم به.

و عن الثالث أن الحاكم بالتطبيق ليس الوهم بل العقل الذي يعقل الامور التي لانتناهى ثم ما ادري كيف يقع(2)من التطبيق الذى هو عبارة عن مقابلة كل جزء بنظيره ومناسبته به ، مع أن مبنى برهانه على ذلك اذاعتبار السابقية واللاحقية لكل جزء انما هو بالقياس الى آخر، وذلك يتوقف على استحضار الجميع، فان اسند تموه هنا الى العقل فلم لانقول بمثله


1) فى ب .

2) في ب و د «منع» .

وقوله ان الزيادة والنقصان انما فرضنا في الطرف المتناهي مسلم لكنا(1)بعد التفاوت بينهما فرضا نفرض(2)تطابقهما .

ثم ان هذا البرهان استعمله الاوائل فى تناهى الاجسام والفرق بان تلك امور الى وجودية بخلاف الاشياء التى يقع التطبيق فيها هنا(3)فلا يحتاج تلك الى(4)حكم الوهم باطل لانه لابد من اعتبار عقلی او و همي يحكم بالتطبيق في تلك الامور الوجوديه .

واما المقدمة الرابعة ، فضرورية .

المسئلة الثانية، في ابطال التسلسل

قال : و بطلان التسلسل بفرض نقصان جملة ، فإما لايؤثر ، أو يؤثر، وكلاهما محالان. و لان مالايتناهى لا ينقضى(5)بالافراد . ولأن حركات بعض الافلاك اكثر من بعض وقبول التفاوت في مثل هذا محال . ومعلومات القديم و مقدوراته ليست اعداد متحققه ، لانهاية لها ، بل المعلوم الصلاحية .

اقول : لما كان الدليل الذي ذكرناه مبنياً على وجوب النهاية في الحوادث، امتناع تسلسلها ذكر ما يبطل التسلسل ، ليتم الدليل .

واعلم ان المراد من التسلسل هوتتالى امور بينها ارتباط لا الى نهاية ؛

والاوائل شرطوا فى ابطاله امرين : الاجتماع في الوجود ، و الترتيب الوضعي كالاجسام او الطبيعى، كالعلل والمعلولات ؛


1) فى ب «لكنهما» .

2) فى ا «يفرض».

3) في ا و ج «هيهنا» .

4) فى ا «فى تلك اى حكم الوهم».

5) في ا «يقتضي».

والمتكلمون لم يشر طوا ذلك ؛

و المصنف استدل على ابطاله مطلقا بوجوه :

احدها التطبيق و هو ان فرض جملة لا يتناهى من الان الى الأزل ، واخرى من زمان الطوفان اليه ، ثم الطبق احدى الجملتين بالأخرى ، و يعود البحث المذكور فى المسئلة السالفة ، و قوله (و كلاهما محالان) اى التاثير و عدمه : اما عدم التاثير فبالضرورة ، فانا تعلم ان الشئى ليس مع غيره كهو لامع غيره ، و اما التاثير ، فلوجوب تناهى الجملتين ضرورة انتقاص الناقصة(1)من الطرف الاخر فتتناهى الاخرى .

و ثانيها ان الحركات او كانت غير متناهية لكانت حركة اليوم موقوفة على انقضاء مالا ينتاهى ، وانقضاً مالایتناهی بالافراد محال ای کل فرد عقيب آخر والموقوف على المستحيل يكون مستحيلا .

و ثالثا ان حركات زحل أقل من حركات الشمس ، وهى اقل من حركات القمر وكل ما نقص عن غيره فهو متناه .

لا يقال : ينقض هذا بمعلومات الله تعالى ، و مقدوراته ، فانهما غير متناهيين و احدهما أقل من الأحر ، فثبت الحكم .

لانا نقول : يعنى قولنا انه لا يتناهى مقدورات الله ومعلوماته انه ما من فعل يوجد الا و هو عالم به وقادر عليه.

و الدليل على ابطال التسلسل على طريقة الاوائل : ان تلك الأمور ممكنة بالضّرورة فلا بدّلها من مؤثر ليس ذات المجموع والا كان الشئي موثرا في نفسه ، ولا كل واحد لانه لا يجب به الجملة ، ولا البعض لذلك ايضا ، و لانه لايوثر في نفسه ، ولا في علله فلابد من شتى خارج عن الممكنات فثبت المطلوب وهو وجود مبداء اول لا يسبقه غيره .(ولا حاجة الى التطبيق)(2)


1) فى د «الناقص» .

2) في د و فى ب «والتطبيق» و في ا «للتطبيق».

اعترض بعض المحققين فقال: هذا الدليل اثبتم به المجموع الامور الغير المتناهية موثراً بسبب احتياج المجموع الى احاده، وانما يجب من ذلك أن يكون المجموع موثرات لانهاية لها هى الاحاد و اذا لم يكن كل واحد من تلك الاحاد علة لنفسه و لا لعلله يلزم ان لا يكون علة بانفراده للمجموع و لا يلزم ان لا يكون هو مع(1)ساير الاحاد علة ، بل الحق ذلك وحينئذ يكون على المجموع داخلة فيه، ولا يلزم من ذلك ان يكون علة المجموع خارجة عنه فلايتم مطلوبه .

و في قوله و انا لم يكن علة لنفسه ولا لعلته لم يكن علة ذلك المجموع نظر لأنه ان اراد انه لم يكن علة تامة كان صحيحاًوان اراد به لا يكون جزء من علته لم يكن صحيحاً ، لانا ان فرضنا مجموعاً مولفاً من واجب وممكن هو معلوله لم يكن الواجب علة لنفسه ولم يكن الممكن علة لا لنفسه ولا عليه ومع ذلك يكون كل واحد منهما جزء من علة المجموع ولا يكون لذلك المجموع علة خارجة عنه.

و اقول : الافراد انا اجتمعت فقد يحصل لها مع الاحتمال صورة اخرى او هيئة وقد لا يحصل ما يزيد على الافراد والجملة التي اخذناها نخن هيهنا بمعنى التناهي ، فهى نفس احادها ، فلواثرت الاحاد فيها لزم ان يكون الشي موثرا في نفسه.

ثم نقول الممكنات كلها قداشتركت في امر هو امتناع وجودها بالنظر اليها، بل لابدلها من موثر خارج عنها والايشاركها في امتناع الوجود فكيف الوجود فيكون واجبا.

قال الشيخ فى الالهيات : الممكنات كلها متناهية او غير متناهية اشتركت فى كونها أوساطا الا المعلول الاخير فانه طرف فلابد من طرف آخر هو الواجب.


1) فی ب «في».

المسئلة الثالثة، في شبه الخصوم والرد عليها

قال : وحجة الخصم : ان حدوث العالم بعدان لم يحدث يفتقر الى مخصص و يلزم المذهب(1)، ولان الامكان متحقق از لا(2)فلابد من محل.

وايضا فهو جواد فكيف يكون يده عاطلا عن الجود ؛

وهذا كله يدفعه ان فرض قدم (3)الحادت محال فلا مخصص سواه و عليه يخرج الشبه .

اقول : لما استدل على مطلوبه شرع فى الشبه التي أوردها(4)الاوائل على مقتضی(5)مطلوبه و بين وجه الانفصال عنها وقد ذكر هيهنا ثلث شبه :

الشبهة الاولى وهى اقواها وتقريرها : ان الموثر التام في ايجاد العالم اما ان يكون قديما اوحادثا فان كان قديماً لزم وجود اثره معه والا كان تخصيص بعض الاوقات بالحدوث فيه(6)، ان لم يفتقر الى مخصص لزم رحجان احد طرفي المكن على الاخر لالمرحج(7)و هو محال وان افتقر لم يكن الموثر التام از ليا هذا خلف ولانا نتقل الكلام على ذلك المخصص ويلزم التسلسل ، و ان كان حادثا افتقر الى محدت بالضرورة فان كان موثره التام ازليّاً لزم ايجاده از لا هذا خلف و ان كان حادثا لزم التسلسل ايضا وهو المطلوب(8). هذا اقوى شبه القوم.


1) فى ا «الموهب».

2) في ا «اولا».

3) في ا «عدم» .

4) في ا «تعددها» وفي د «تورها» وفى ج «بوردها» .

5) فى ب و د «نقیض».

6) فى ب «منه».

7) في ب «الى مرجح».

8) فى د «لزم التسلسل وهو ايضا باطله».

الشبهة الثانية قالوا : كل حادث فهو مسبوق بامكان يفتقر الى ثابت ازلي و وهذا مفتقر الى مقدمات :

الاولى سبق الامكان وذلك ظاهر ، لانه فيل حدوثه ليس بواجب والا لوجد قبل وجوده ، ولا يمتنع والا لاستحال وجوده دائماً فيثبت الامكان.

المقدمة الثانية انه يفتقر الى محل ، و ذلك لان الامكان نسبة بين الوجود والماهية فهو مغاير لهما ، فليس بجوهر ، فكان عرضا محتاجا الى محل .

المقدمة الثالثة ان ذلك المحل يكون ثبوتياً لان الامكان ثبوتى وقد استدلوا عليه بانه نقيض الامكان وهو عدمى فيكون نقيضه ثبوتيا وهو مغاير لصحة اقتدار القادر (عليه)(1)لانا نمللنا به(2).

المقدمة الرابعه ان ذلك المحل يكون ازليا ، لانه لو كان حادثا لافتقر الى مكان آخر ، و لزم التسلسلة وذلك المحل هو الهيولى و اذا ثبت قدم الهيولى از مقدم الصورة لاستحالة انفكاكها عنها والالكانت نقطة، أو خطا، أو سطحا، او جسما، ان كانت ذات وضع او كونها مقارنة مع فرض التجرد والترجيح لحصولها في مكان خاص لالمرجح والكل محال والهيولى و الصورة هما الجسم فيكون الجسم قديما.

الشبهة الثالثة ان ايجاد العالم جود ، فلو كان حادثا لزم تعطيل الله تعالى من الجود مدة لايتناهى ، وهو محال .

واجاب المصنف عن الجميع بشيء واحد و هوان فرض وجود العالم فى الازل محال لانه حادث ، له اول ، والازل(3)ينا في ذلك ، وفيما لا يزال هو ممكن فقد ظهر الفرق والتخصيص ، : و هو ان ایجاده از لامحال ، و فيما بعد ممكن من غير احتياج الى حدوث أمر في الذات ، او خارج .


1) فى ب .

2) في ب «دللنا».

3) فى ب «والاول».

اما تحصيص ايجاده بوقت دون آخر ، فداك يستند الى المصلحة ، أو غيرها من الأسباب التي نعجز عن تفصيلها .

وبهذا ظهر الجواب عن الثانى لانه اذا كان مستحيلا لم يكن في الازل امكان ولامادة ولاغيرها .

وعن الثالث ايضا لان ترك الجود ، للاستحاله ليس تعطيلاً ؛ مع انه خطابي .

و قد اجاب المتكلمون عن الشبة الأولى بان وجوب قدم الأثر عند قدم الموثر انما يصح انا كان الموثر موجباً ، اما المختار قلا و لهذا يخصص الجايع ، و العطشان و الهارب احمد الرغيفين ، والا نائين ، والطريقين ، على الاخر لا المرجح.

و ايضا يجوز ان يكون المخصص هو الاراده الازليه ، او العلم بايقاعه ، في وقت وقوعه ؛ او المصلحة .

و ايضا طلب التخصيص انما يتوجه اوامكن غيره، و ایجاد العالم قبل وجوده محال، أولا قبل هناك ، وبالجملة فالاوقات التى يطلب فيه التخصيص معدومة ولاتمايز بينها الا في الوهم و احكام الوهم فى امثال ذلك غير مقبولة انما يبتدى وجود الزمان مع أوّل وجود العالم ولا يمكن وقوع ابتداء ساير الموجودات قبل ابتداء وجود الزمان اصلا .

و ايضا فهو معارض بالحادث اليومى .

وعن الشبهه الثانيه بالمنع من كون الامكان ثبوتياً بوجوه :

احد هما انه اما ان يكون واجبا وهو محال والا الممكن واجبا او ممكناً فيتسلسل او ممتنعاً فيكون الممكن ممتنعا .

الثاني : ان الشيء قبل حدوثه ممكن فيكون المعدوم متصفا بالثبوتي.

الثالث كيف يعقل حلول صفة الشيء في غيره .

الرابع ان الهيولى ممكنة فلها هيولى.

اجاب بعض المحققين عن الاول بان الامكان امر عقلى مهما اعتبر العقل الامكان ماهية و وجوداً حصل فيه امكان امكان وانقطع اعتبارها(1)و تحقيقه ان كون الشيء معقولا ينظر فيه العقل و يعتر وجوده ولا وجوده غير كونه الة للعاقل ، ولا ينظر فيه من حيث ينظر فيما هو الة لتعقله ، بل انما ينظر به ، مثلا العقل يعقل السماء بصورة في عقله ، و يكون معقوله السماء لا ينظر حينئذ في الصورة التي بها يعقل السماء ولا يحكم عليها بحكم بل يعقل ان المعقول بتلك الصورة هو السماء وهو جوهر ، ثم اذا فى تلك الصورة أى يجعلها معقولا منظور اليها ، لا الة بالنظر الى غيرها وحدها عرضا موجودا في محل هو عقله ممكن الوجود، و هكذا الامكان هو الة للعاقل بها يعرف حال الممكن فى أن وجوده كيف يعرض لماهيته ولا ينظر في كون الامكان موجودا او غير موجود او جوهرا او عرضا او واجبا او ممكنا ثم ان ينظر في امكانه ، او وجوده او وجوبه ، امكن بذلك الاعتبار امكانا لشيء ، بل كان عرضا في محل هو العقل و ممكنا في ذاته ، و وجوده غير ماهيته

و اذا تقرر هذا فالامكان من حيث هو امكان لا يوصف بكونه موجودا او ممكنا و اذا وصف بشيء من ذلك لا يكون حينئذ امكاناً ، بل يكون له امكان آخر ، وفى هذا اعتراف بكون الامكان امراً عقليا(2)و اعتبارا ذهنياً لا تحقق له عيناً و هو المطلوب فلا يلزم قدم الهيولي .

وعن الثاني بان الامكان صفة للمتصور المستند إلى الوجود الخارجي، فالشي حال عدمه يكون متصورا ، فيكون موصوفا بالامكان .

وعن الثالث ان ذلك الغير محل للممكن ، و اذا حل فيه الموصوف ، كان حلول امكانه فيه اولى .


1) فى ب «اعتباره» .

2) في ا «او اعتبارا».

وعن الرابع ان امكان الهيولى بحسب ماهيتها و هو امر عقلى يعقل عند انتساب الماهية الى وجودها ، و الذى نثبته . الاستعداد ، و هو استعداد وجود شيء فيكون موجودا قبل وجود ذلك الشيء ، و يحتاج الى محل لانه عرض من انواع الكيف.

واعلم ان الجوابين الأولين فيهما اعتراف بكون الامكان ذهنيا فلا يستدعى محلا في الخارج وفيه ابطال الدليل الذى اجاب عن الاعتراض عليه.

وجوابه عن الثَّالث ضعيف ، لأن حلول الشيء في غيره لا يقتضى جواز حلول صفات ذلك الشيء في ذلك الغير منفكة عنه.

وجوابه عن الرابع ضعيف ايضا لان الدليل انما يقتضى ثبوت الامكان الراجع الى الماهية اما الاستعدادى فلا فان قالوا ان كل حادث فلابد ان يسبقه استعداد موضوع يوجد فيه كان هو نفس النزاع .

المسئلة الرابعة، فى ان العالم لا يجب أن يكون ابديا

قال: مسئلة العالم لا يجب كونه ابديا ، لان قبول الماهية للعدم من لوازمها فكيف يكون ابديا .

و شبه الخصم ناشية من كيفية الاعدام لان عدم الشيء اما عدم الشيء اما بعدم(1)أو بضد(2)او انتفاء(3)شرط و في الانتفاء ما يتجه اولا اولا و الضد يلزم الدور والمعدم لا يفعل النفى ولابد من الوجود وهو الضد .

وهذه شبة باطلة بالواحد منا ، والمزم الضد ، والعلة غير محوجة الى المعلول.


1) فى د «بعدم» و في ا «بمقدم» .

2) في ا «اوقصد».

3) فى ا «اذ انتقاء شرط».

اقول: اتفق العقلاء على امكان عدم العالم نظرا الى ذاته الا من خالف من قدماء ائل القائلين بكونه واجبا لذاته وكلامهم قدبان بطلانه.

ثم اختلفوا فذهب المسلمون الا الكرامية و الجاحظ الى ان العالم ليس واجبا ره ايضا على الدوام بل يمكن عدمه نظرا الى الغير .

وقالت الاوائل ، والكرامية ، أنه يمتنع عدمه نظرا الى علته.

ثم اختلف القائلون بجواز عدمه هل هو معلوم عقلاً ، اوسمعاً ، قال ابو على جبائى والاشاعرة بالأول و قال ابوهاشم(1)بالثاني.

ثم اختلفوا أيضا في كيفية الاعدام ، فقالت الاشاعرة : انه(2)يفنى بان(3)الله تعالى لا يخلق(4)الاعراض التي تحتاج الجواهر الى وجودها .

وقال ابو بكر الباقلاني : وتلك الاعراض هى الاكوان ، و قال : في موضع آخر ان الفاعل المختار يفنى بلاواسطة ، و بمثله قال محمود الخياط وقال ان الجوهر يحتاج من كل جنس من اجناس الاعراض الى نوع ، فاذا لم يخلق اي نوع كان انعدم الجوهر. و بمثله قال امام الحرمين .

وقال الكعبى : ان لم يخلق البقاء و هو عرض انعدم الجوهر.

وقال ابو الهذيل : كما انه قال له كن فكان كذلك يقول له افن فيفنى

وقال الجبائيان : ان الله يخلق الفناء و هو عرض فيفنى جميع الجواهر الا ان ابا الهاشم جعل الفناء واحد ، و أبا على جعل لكل جوهر فناء و ذلك الفناء يفني لذاته .

فهذه هي المذاهب المشهورة


1) فى ا «ابو القاسم» .

2) في ا «انه» .

3) في ا «لان» و في د «یفنی بامر الله تعالى».

4) في ا «لا يخلف» .

و استدل المصنف على مطلوبه ، بان العالم محدث ، فقد كانت ماهيته متصفة بالعدم ثم اتصفت بالوجود فتكون قابلة لهما ، و ذلك من لوازم تلك الماهية ، والا كان عارضا فيفتقر الماهية في قبوله الى قبول آخر و يتسلسل ، و اذا كان من لوازمها استحال وجوب البقاء على تلك الماهية .

واعلم أن هذا الدليل صحيح يمكن الرديه على قدماء الأوائل ، أما على القائلين بالوجوب مستندا الى الغير فلا لان العالم حال وجوده مستند الى الغير فيكون واجبا به والا لما وجد و اذا كان واجبا به حالة الحدوث جاز أن يدوم ذلك الوجوب بدوام الموثر ، فاذا ليس طريق الرد هذا بل ان يقال : الموثر قادر مختار و العالم من حيث الماهية قابل للعدم فيكون قابلاله باعتبار ماهيته ، وفاعله ، و استحالة العدم عليه بالنظر الى الغير انما يكون اذا كان الموثر موجبا ، أو يستند في هذا الى السمع .

واحتج الاوائل بأن الموتر موجب فيدوم ، و بأن كل قابل للعدم له هيولى فلوصح العدم عليها تسلل ؛ وبان العدم بعد الوجوب يستلزم ثبوت بعدية لاحقة بزمان عارض لحركة قائمة بالجسم فيلزم ثبوت العالم حال عدمه .

احتجت الكرامية بان عدم العالم لا يمكن استناده الى ذاته ، والا لكان ممتنعاً ، ولا الى الغير ، لان ذلك الغير اما وجودى او عدمى ، والأول أما مختار ، او موجب ، لاجايز أن يستند الى المدمى ، لانه انما يكون انتفاء شرط ، او التقاء علة ، والالم يكن له مدخل في تاثير الاعدام لكن ذلك باطل ، لأن شرط الموجود ، و علته ، موجود ان فيكون الكلام في كيفية عدمه، كالكلام فى العالم وايضا شرط الجوهر هو العرض فيكون محتاجا اليه ، لكن العرض محتاج الى الجوهر فيلزم الدور ، ولا جايز ان يستند الى الموجب لانه ليس الا طريان الضد لكنه محال والالزم ، ولان حدوث الضد يتوقف على انتفاء الأول فلو علل انتفاء الأول به دار. و لان التضاد حاصل من الجانبين وليس انتفاء احدهما بالآخر اولى من العكس، فاما ان ينتفيا معاً أو يوجدا معاً لكن

انتفائهما محال ، لان العلة فى نفى كل واحد منهما وجود الاخر فلو انتقيا معاً لوجدا معا و وجود هما محال والالزم اجتماع الضدين ؛

لا يقال الحادث اولى لانه متعلق السبب فيكون اقوى ولانه حال حدوثه لوعدم لزم اجتماع الوجود والعدم فيه و هو محال ، ولانه جاز ان يكون أكثر عددا

لانا نجيب عن الاول بان الباقي متعلق السبب ايضا لا مكانه و عن الثاني ان المحال يلزم لوقلنا انه يوجد الحادث ثم يعدم ونحن نقول ان الباقي يمنع الحادث من الطريان. و عن الثالث ان اجتماع الامثال محال ، ولا يجوز أن يعدم بالفاعل ، لان الاعدام ان كان وجوديا لم يكن ذلك الوجود غير عدم العالم ، والا لكان الوجود غير العدم، اقصى ما في الباب انه يوجبه فيرجع الى طريان الضد وان لم يكن وجود يا كان عدها محضاً فيستحيل استناده الى الموثر لأنه لافرق فى العقل بين ان يقال لم يفعل و بين ان يقال فعل النفى والا لوقع التمايز في العدمات فتكون ثبوتيه.

والجواب عن الاولين ماياتي من كون الفاعل قادرا او ما تقدم من كون الامكان عدميا

وعن الثالث ان القبلية و البعدية من الصفات الاعتبارية ، لا يجب وجود معروضها كالامكان ، والامتناع ؛ ولانهما يلحقان الزمان فيلزم التسلسل ؛ ولان العدم يوصف بهما ، والبارى تعالى ؛ ولانهما لو كانا وجوديين لافتقرا الى قبلية وبعدية اخرى

ويتسلسل.

واجاب بعض المحققين عن الأول بان القبلية والبعدية يلحقان الزمان لذاته ولما عداه بسيه ، فلا يتسلل .

وعن الثانى بانا نلتزم صحة انصاف العدم بهما لكن وجود هما في الذهن يدل على وجود معروضيهما في الخارج .

و عن الثالث ان العقل اذا اعتبر لهما قبلية و بعدية حصلنا لهما ، لكن نقطع التسلل بانقطاع الاعتبار.

والاول ضعيف لانه اذا عقل في بعض الموجودات حصول السبق والتاخر من غیر زمان قلم لا يعقل في العدم و الوجود ، و كيف يصح أن يقال انهما يلحقان الزمان لذاته و اجزاء الزمان متساوية ، بل هى امور فرضية لا وجود لها الا بالفرض و اتصاف بعضها بالتقدم دون بعض يقتضى وجودها فعلا فيلزم تتالى الانات.

والثاني ضعيف لان المقتضى لثبوت المعروض فى الخارج اما ثبوتها في الذهن وهو محال بالامتناع و الامكان ، و أما كون الذهن يلحقهما بالغير و هو باطل ، لان الذهن يلحقهما بالعدميات .

و الثالث تسليم كونهما عقليين لايد لان على وجود معروضيهما في الخارج اذ المعروض هنا القبليات و البعديات الذهنيه .

وعن الرابع أنها شبهة باطله بالواحد منا.

واعلم انه قد نقل عن الكرامية ان الواحد منا اذامات يعدم فلهذا نقض الشيخ عليهم بذلك .

واجاب الشيخ ابو اسحق بوجه آخر: وهو أنه يعدم بطريان الضد و الدور غير لازم ، لان انتفاء الأولى بحدوث الثاني ، وليس حدوث الثانى محتاجا الى الاول وان كان لا ينفك عنه كما ان العلة لا ينفك عن المعلول و هي غير محتاجة اليه ، و حصول الرجحان من غير مرجح ليس بلازم لجواز ان يكون المحادث اقوى وان كنا لا نعرف وجه قوته و ايضا فان الباقى حافظ الموجود الحاصل و الحادث معط للوجود والمعطى أقوى من الحافظ فيتر حج الحادث

سلمنا لكن لم لا يعدم بالفاعل و ما ذكراه غير لازم لان قولنا لم يفعل حكم بالاستمرار على ماكان و بعدم صدور شيء عن الفاعل وقولنا فعل العدم حكم بتجدد

العدم بعد ان لم يكن و بصدوره عن فاعله فالتمايز واقع بالضرورة ولا استبعاد في التمايز بين العدميين بانتسابهما الى وجوديين او بانتساب احد هما دون الآخر و ايضا

فما ذكروه يقيضى ان لا يتجدد عدم اصلا لانا نقول : المتجدد ان كان وجوديا لم يكن عدميا و ان كان عدميا فهو محال لانه لافرق بين قولنا لم يتجدد شيء وبين قولنا تجدد العدم ولما كان ذلك باطلا بالضرورة فكذا ما قلتموه .

قال بعض المحققين : انه ليس بحل شك بل هو زياد شك و تاكيد لقول من يقول : الاعدام غير ممكن الا بطريان الضد ، وانتفاء الشرط و هو مذهب اكثر المتكلمين

و فيه نظر لان الجواب بالمعارضة انما هو بانسحاب كلام الخصم فيما علم بطلانه بالضرورة فيكون باطلا و ليس فيه زياد شك بل هو ابطال كلام الخصم.

سلمنا لكن يجوز ان يعدم بانتفاء الشرط والدور غير لازم لان دعوى ان الشرط لا يكون الاعرضا خالية عن الحجة لجواز ان يكون لا جوهرا ولا عرضا بل امرا عدميا .

او تقول : الجوهر مشروط بعرض لا يبقى فاذا لم يفعله الله تعالى انتفى الجوهر ويكون الجوهر والمعرض متلازمين و ان لم يكن لأحدهما حاجة الى الاخر كالمضافين فاذا لم يوجد احد المتلازمين انتفى الاخر .

قال بعض المحققين هولاء الكراميه يقولون ببقاء الاعراض فلا يرد عليهم ماذكرتموه والتلازم من غير الحاجة(1)محال ، و التمثيل بالمضافين غير صحيح لان اضافة كل واحد منهما محتاجة الى ذات الاخر .

ثم اجاب عن الدور بانه انما يلزم لو كان المحتاج اليه محتاجا الى المحتاج فيما يحتاج فيه اليه و هيهنا ليس كذلك فان احتياج الجوهر الى عرض مالا بعينه لا الى عرض معين ، و العرض المعين يحتاج الى جسم بعينه فلا يلزم الدور .


1) فى ا «غير الخارج» .

اقول : قول الكرامية ببقاء الأعراض ليس بمخرج الجواب عن الصحة لجواز بطلان قولهم بل الأولى ان يقال : ان هذه المسئلة تتوقف على استحالة البقاء على الأعراض فان ثبت صح الجواب والا فلا

و الجواب عن الاضافتين ضعيف لان حاجة الاضافة الى معروض الاخرى لا يقتضى حاجتها اليها مع التلازم وجوابه على دفع الدور جيد

المقصد الرابع في الموجودات وفيه مسائل

المسئلة الاولى، فى أن الوجود نفس الماهية

قال : القول في الموجودات ، وجود الشيء نفس ذاته ، والالزم التسلسل ووجب قيام الموجود بالمعدوم ، وكلاهما محال .

اقول : اختلف الناس فى ذلك فذهب البصريون من المعتزله والمثبتون من الاشاعره الى ان وجود الممكنات زايد عليها ، مشترك بينها .

وقال ابو الحسين البصرى وابو الحسن الاشعرى وجماعة من المتكلمين : ان وجود كل شيء نفس حقيقته . وقد اختار المصنف هذا المذهب.

وقالت الاوائل : ان الوجود مقول بالتشكيك بين الموجودات وهو زايد عليها ولكل موجود وجود خاص ، ففى الممكنات ذلك الوجود الخاص زايد ، وفي الواجب هو نفس الماهية .

واستدل المصنف بوجهين :

الأول ان الوجود لو كان زأبدا على الماهيته لم يكن عدماً محضا الاستحالة ان يكون الشى عين نقيضه، بل يكون ثبوتيا ، فيكون ثبوته زايدا عليه، ضرورة

مشاركته لغيره من الثابتات فى الثبوت ، وتخصيصه بامر زايد والمشترك غير المختص ، فيلزم أن يكون لذلك الوجود وجود آخر ويتسلسل.

الثانى ان الوجود لو كان وصفا بثوتيا قائماً بالماهيته لزم قيام الموجود و هو الوجود بالمحل المعدوم لاستحالة ان يكون تلك الماهية موجودة والا لزم اشتراط الشيء بنفسه او كون الماهية موجودة مرتين ، و الكل محال.

وايضا لو كان الوجود زأيدا لم يكن الموجود الواحد واحدا ، بل موجودين كل منهما موجود ، ويلزم ثبوت مالايتناهي.

احتج الاخرون با نا نفرق بين قولنا السواد سواد و بين قولنا السواد موجود ولان الوجود لو كان نفس الماهية لم يتحقق الامكان النسبي ، فلا يتحقق التاثير

ولانا نعقل الماهية ونشك في وجودها

ولان تصور الوجود بديهي بخلاف الماهية .

ولان الوجود مشترك لكون مقابله واحدا فلو لم يماثله لزم عدم الانحصار في النقضين .

و لتقسيمه إلى الواجب والممكن

و الزوال اعتقاد الخصوصيات و ثبات اعتقاده، فيكون زايدا ، و الاتسلسلت العلل والمعلولات ، وكان الجنس داخلا في طبيعة الفصل

والتحقيق عندى فى هذا الباب ان الوجود زايد في المفهوم لافي الخارج وليس الوجود حالاً في الماهية حلول السواد في الجسم ، وانما يكون الماهية محلاله من حيث هي هي ، لا باعتبار الوجود ، ولا باعتبار العدم، ولا باعتبار عدمهما ، وتلك ذهنية وبهذا التحقيق يزول جميع الاشكات الواردة من الجانبين .

المسئلة الثانية، في أن المعدوم ليس بشئى

قال : والمعدوم غير ذات في العدم، والعلم المدعى، والتميز حاصل في المستحيل الوجود ، و فيما لساعدون على انه غير متحقق(1)وان كان ممكناً.

اقول : زعم اكثر المعتزلة كابي يعقوب ، و ابي علی ، و ابنه ، و ابی الحسن الخياط ، و البلخي ، و ابی عبدالله ، و ابن عیاش، و عبد الجبار ، : ان المعدومات الممكنة قبل اتصافها بالوجود ، ذوات، و حقایق، و اعیان خارجية ، و الفاعل انما يؤثر في جعلها موجودة ، و انها متبايته بأشخاصها ، وان الثابت من كل نوع من تلك الاشخاص ، عدد غير متناه ، وانها متساوية في كونها ذوات ، وان اختلافها بالصفات.

ثم اختلفوا فذهب جمهور هم الى انها في العدم موصوفة بصفات الاجناس ، كالجوهرية والسوادية ، الا ابن عياش ، فانه نفى الصفات عدماً.

وزعم البصرى ان المعدوم(2)بكونه معدوما صفة ، وانكره الكل

وزعم الخياط : انها موصوفة بكونها اجساماً فى العدم، و انكره الباقون

اما النفاة من الاشاعرة ، و أبو الحسين البصرى من المعتزلة، و من تبعه، و ابوالهذيل العلاف ، فانهم قالوا : ان المعدومات قبل وجودها نفی محض ، و عدم صرف .

والاوائل زعموا : ان الماهيتة غير الوجود ، و انه يجوز تعريها عن الخارجي و عن الذهني ، و هل يجوز تعريها عنهما معاً ، منع المحققون منه ، و اتفقوا على


1) فى ب «مستحق» .

2) فى ا «للعدم» .

ان تلك الماهيات لا واحدة ، ولا كثيرة من حيت هي هي بل هذه لو احق يلحقها المقل بها .

لنا على انها نفى محض قبل الوجود : ان الوجود نفس الماهية ، ولا يمكن اجتماع الوجود والعدم فكذا الماهيته معه ؛

وهذه الدلالة يتمشى عند الشيخ ابى اسحق المصنف

اما عندنا فلا بل الذي نقول : إن الماهيات أو كانت ثابتة في العدم ، لكانت قد اشتركت فيه ، و امتازت بخصوصياتها ، و ما به الاشتراك غير مابه الامتياز ، ولانفى بالوجود الا ذلك النبوت ، و التحقق في الاعيان ، فتكون موجودة حال عدمها و هو محال .

احتجوا بان المعدوم متميز وكل متميز ثابت

واما الصغرى فلانه معلوم و مراد ، و مقدور ، وذلك متميز(1)عن غير المعلوم و المراد والمقدور

واما الكبرى فلان المعنى به کون المعدومات ماهيات متميزة ، متحققه ، و نحن نعلم ان امتياز هذه الماهيته عن غيرها انما يكون بعد تحققها .

ايضا الممكن متميز عن الممتنع والامتناع لكون محله عدماً ليس نبوتيا ، فنقيضه وهو الامكان ثبوتى ، فالممكن الموصوف ثابت .

و الجواب ان ما ذكرتموه من العلم والتميز حاصل في المستحيلات مع أنها غير ثابته و في المركبات مع اعترافكم بكونها نفيا محضا ، و ان كانت ممكنة و في الاضافيات(2)والوجود نفسه ، فإنه متصور وليس بثابت في العدم.

وايضا لو كان متعلق القدرة والارادة ثابتا ازم تحصيل الحاصل والابطال كلامهم


1) في ب «يميز».

2) في ب «في الاضافيات» .

وقد سلف ان الامكان ذهني.

المسئلة الثالث، في قسمة الوجود الى القديم و المحدث

قال: والوجود اما ان يكون لا أول له و هو القديم او يكون و هو الحادث .

اقول: اعلم ان الوجود اما ان يكون مسبوقا بالعدم اولا يكون والثاني هو القديم والأول هو المحدث ثم لما كان السبق على خمسة معان سبق العلمية ، والذات ، والرتبة، والشرف ، و الزمان ، و علی سادس زاده المتكلمون وهو : تقديم امس على اليوم والأول و الثالث والرابع لا يعقل هيهنا فتعين الباقى الارادة فالسبق ان اخذ بالذات فهو المحدث الذاتي و ذلك لان الممكن لا يستحق من ذاته الوجود بل من غير. و ما بالذات اسبق مما بالغير(1)فالا كون اسبق على الكون بالذات ، و يقابله القديم الذاتي وان اخذ بالزمان كان هو المحدث الزماني و هو الذي يسبق عدمه وجوده بالزمان لا يصح ان يكون محدثا بهذا الاعتبار وان اخذ بالمعنى الأخير ، وهو المصطلح عليه بين المتكلمين ، دون الأولين ، فالقديم يقابله بالمعانى المذكورة.

المسئلة الرابعة، فى ان القديم لا يستند الى المؤثر

قال: القديم لا يستند الى الفاعل ان كان مختارا ويستند اليه ان كان موجباً

اقول : الذى يجرى فى الكتب ان هذه المسئلة مما وقع فيها الخلاف بين المسلمين والفلاسفه وليس كذلك لان المسلمين جوز و استناد القديم الى قديم موجب


1) فى ب «بالعرض».

لا يفعل بواسطة القصد واحالوا استناده الى المختار لان المختار انما يفعل بواسطة القصد وهو لا يتجه الى الوجود بل الى شى معدوم والفلاسفة سلّموا هذين فلا منازعة بينهم في الحقيقة نعم.

المتكلمون لما ابطلو الموجب لزم ان يكون حادثاً و ايضا منعوا من كون القديم يسمى مفعولاً

والاوائل جوّزره فالمنازعة لفظية .

و قال بعض المحققين : هذا صلح من غير تر اضى الخصمين لان المتكلمين يمنعوا القول بالعلة والمعلول فان السيد المرتضى رحمه الله تعالى واصحابه زعموا ان العالمية والقادرية والحبيبة ، والموجودية احوال كانت الذوات عليها في الأزل مع تعليلها بالحالة الخامسة .

و زعمت الكلامية : ان عالمية الله تعالى و قادريته قدیمتان مستند ان الى العلم و القدرة ، وهو مذهب أكثر الاشاعرة

و زعم ابو الحسين : ان العالمية حالة ممللة بالذات و اما الفلاسفه فانهم لم ينقو الاختيار من الله تعالى

واقول : هذا ضعيف جدا لاننا لم نقل : ان المتكلمين نفوا العملة و المعلول فى كل صورة بل نفوه في العالم وانه غير مستند الى علة فلايرد تعليل ما ذكره بعلل والاختيار الذي اثبته الاوائل ليس هو الذي اثبته المتكلمون بل الاختيار واقع عليهما بالاشتراك اللفظى .

المسئلة الخامسة، فى انقسام الموجود إلى الواجب والممكن

قال : والموجود اما أن يكون واجبا او ممكنا

اقول : هذه قسمة ضرورية لان الموجود اما ان يكون مستغنيا عن الغير اولا يكون والأول الواجب و الثاني الممكن .

و اعلم : ان الممكن يقال على اربعة معان بالاشتراك اللفظى

العام وهو الذي يحكم فيه برفع احدى الضروريتين .

الخاص و هو الذي حكم فيه برفمهما معاً

والاخص و هو الذي حكم فيه برفع الضروريات كلها ، الذاتيه ، والمشروطيه، والوقتيه ؛

والاستقبالى ، وهو الذي اعتبر فيه رفع الضرورة بالنظر الى الاستقبال.

و مرادنا في هذه القسمة هو الخاص و المنفصلة(1)حقيقية واواردنا العام لكان المنفصلة(2)التي ذكرها الشيخ ابو اسحق مانعة الخلو و اواردنا الاخص او الاستقبالي لكانت مانعة الجمع(3)

قيل هيهنا الوجوب مغاير للوجود الاشتراك الثاني دون الأول ولانا نقول موجود(4)واجب فيقيد(5)فان(6)لم يكن بينهما الملازمة صح الانفكاك بينهما

و هو باطل لعدم تعقل انفكال الوجود عن الوجوب و بالعكس لكونه صفة و ليست الملازمة من الطرفين لاستحالة الدور ولا من الوجود والا لاشتركت الوجوب بين الموجودات و يلزم كون الوجوب معلولا ولا بالعكس لان الوجوب نعت متاخر فلا يكون علة للوجود


1) فى ا «المتصله» وفي د «فالمنفصلة» .

2) في ا «المتصلة».

3) في ب «لكانت مانعة».

4) فى ا «بوجود واجب فيفيد».

5) في د «فيفعل».

6) في أوان ./

لا يقال : الوجوب عدمى

لانا نقول : انه تاكد الوجود ولان اللا وجوب المحمول على المدمى عدمى فالوجوب .

اجاب بعض المحققين بان الوجود لو اشترك بالتواطى لتساوت افراده بالاقتضاء و ليس كذلك ، و انما اشتراك بالتشكيك ، فكان كاقتضاء نور الشمس لابصار الاعشى بخلاف غيره من الانوار ، ولا يلزم من كون الوجوب لازماً كونه معلولا لان المعلول مستلزم لعلته ، و علته لازمة له مع استحالة كون المعلول علة لعلته

و الحق ان الوجوب ، والامكان ، والامتناع ، امور معقولة فيحصل في العقل من استناد المتصورات الى الوجود الخارجي و في انفسها معقولات للعقل بشرط الاستناد المذكور وليس بموجودات في الخارج حتى يكون علة للامور التي يستند اليها أو معلولا لها كما ان تصور زيد و ان كان معلولاً لمن يتصور فلا يكون علة لزيد ولا معلولاله ؛

وكون الشى واجبا في الخارج هو كونه بحيث اذا عقله عاقل مستندا الى الوجود الخارجي حصل في عقله معقول هو الوجوب ، و اذا كان الوجوب سلبيا لا يلزم منه(1)ان يكون نقيضا للوجود فإن السلبي هو سلب الشيء عن شيء وسلب الشي عن الوجود(2)لا يكون حمل العدم عليه .

وايضا إن كان الوجوب واللا وجوب نقيضين بمعنىی تقسیمان جميع الاحتمالات و الوجود والعدم كذلك وكان العدم محمولا على اللاوجوب فلا يلزم إن يكون الوجود محمولا على الوجوب حملا كليا لانه من الجائز أن يكون بعض ما هو وجوب عدميا ايضا فإن الممكن العام والممتنع نقيضان بالوجه المذكور والممتنع عدمى فلا يجب


1) فى ب «من» .

2) فی ب «وجوده» .

أن يكون كل ما هو ممكن بالامكان العام وجوديا بل بعضه وجودى وبعضه عدمی

المسئلة السادسة، في خواص الواجب لذاته تعالى

قال : خواص الواجب لذاته أن لا يكون وجوده بغيره والا ينا في الحال حال فرض عدم الغير و أن لا يتركب عن الغير و إلا لكان محتاجا اليه و أن لا يكون وجوده زائدا عليه وإلا لزم الاستغناء اوينا في الوجوب والامكان او لزم تأثير المعدوم فى الموجود والكل محال وأن لا يصح عدمه وإلا كان وجوده مفتقرا الى عدم موجه العدم فينا في الفرضان .

اقول : قد ذكر المصنف رحمه الله للواجب خواص :

الاولى انه لا يجب بذاته وبغيره معاً لأن ما بالذات لا يرتفع بارتفاع الغير و ما بالغير يرتفع بإرتفاعه فيلزم اجتماع النقيضين حال فرض عدم الغير .

الثانية انه لا يتركب عن غيره وإلا لكان محتاجا اليه ضرورة احتياج المركب الى مفرداته واجزائه فيكون ممكنا مع فرض وجوبه و يكون(1)واجبا بذاته وبغيره معا هذا خلف

الثالثة ان وجود نفس ماهیته و هو قول الأوائل ومذهب ابي الحسن البصرى، و ابي الحسن الاشعرى ، خلافا لاكثر المتكلمين

والدليل على ذلك أنه لو كان زايدا فإما ان يكون محتاجا الى الماهية | مستغنياً والثاني باطل بالضرورة لأنه لا يعقل استغناء الصفة عن المحل والأول يقتم أن يكون ذلك الوجود ممكناً و هو محال وهذا كاف إلا ان المصنف رحمه اله القسم الثاني الى امرين زيادة في الايضاح وهو أن يقال إذا كان الوجود ممكنا


1) فی ب «وجوده».

له من مؤثر فإما أن يكون المؤثر شيئاً غير الماهية وهو محال لانه يلزم منه احتياج واجب الوجود في وجوده الى غيره و هو محال او نفس الماهية فان اثرت وهي موجودة لزم التسلسل فيكون الماهية موجودة مرتين و ان اثرت و هى معدومة ازم تاثیر المعدوم فى الموجود و هو محال .

قيل عليه لم لاتؤثر من حيث هي هي كالقابلية ولان وجوده معلوم و ماهيته غير معلومة ولان الوجود إن اقتضى التجرّد أطرد فالممكنات ليست موجودة او وجودها نفس ماهيتها وإن اقتضى عدمه فهو المطلوب و إن لم يقتض شيئاً لزم افتقار واجب الوجود في تجرّده الى علة منفصلة.

وأجاب بعض المحققين عن الأول بأن المؤثر في الوجود لا يعقل أن يكون عدميّاً و الماهية من حيث هي هي إنما تكون موجودة في الذهن معدومة في الخارج فلا يكون حينئذ مؤثرا بخلاف القابل الذى ليس مبدأ(1)للتاثير.

و عن الثاني بأن الوجود الخاص به غير معلوم والوجود العام المقول بالتشكيك زايد في المعقول.

وعن الثالث بأن المقول بالتشكيك على أشياء إذا اقتضى شيئاً لا يجب اطراد تأثيره كالضوء الحاصل من الشمس المقتضى لابصار الاعشى بخلاف غيره من الانوار

الرابعه إنه لا يصح عدمه وهذه قضية بديهية لأن الواجب لذاته لا يكون ممكنا

واستدلت المصنف رحمة الله عليها ببرهان غير واضح : هو أنه لوجاز عدمه لمكان لعلة يجب معها فيكون وجوده متوقفا على عدم تلك العلة فيكون ممكنا وقد فرضناه واجبا هذا خلف .

وليس بعيد لأن عدم واجب الوجود ممتنع لذاته لا بغيره وتعليله لامتناع المدم


1) في ب «معدا» .

بتوقف وجوده على عدم سبب العدم تعليل ما ثبت للشيء(1)لذاته لعلة غير(2)ذاته

المسئلة السابعة، في خواص الممكن لذاته

قال : خواص الممكن لذاته أن لا يوجد احد طرفيه إلا بامر منفصل وإلا يكون احد الطرفين اولى به

والحاجة الى المؤثر من الامكان لا من الحدوث

اقول: لما ذكر خواص الواجب شرع في خواص الممكن وقد ذكر هنا ثلثا:

الاولى أن لا يوجد احد طرفيه اما الوجود أو العدم الا بعلة خارجة عن ذاته منفصلة عنه لانه لولا ذلك لزم احد الامرين إما استغنائه وهو باطل بالضرورة أو افتقاره الى علة هي ذاته و هو محال لأن العلة متقدمة فلو كان الشى علة في نفسه لزم تقدمه على نفسه وذلك باطل بالضرورة

الثانية أنه لا يعقل أن يكون احد الطرفين اولى به من الآخر لانه مع تلك الأولوية إن أمكن وقوع الطرف المرجوح فلنفرض في وقت فتخصيص احد الوقتين بوقوع احد الطرفين دون الآخر ترجيح من دون مرجّح و هو محال و إن لم يمكن ذلك كان وجوبا لا إمكانا

قالى بعض المحققين هذا يقتضى نقى الأولوية مطلقا و لقائل أن يقول الطرف الأولى يكون أكثر وقوعا اواً شدّ عند الوقوع أو أقل شرطا للوقوع وقد قيل في رجحان العلم في الموجودات الغير القارة كالصوت والحركة أن العدم لو لم يكن

اولی بها لجاز عليها البقاء


1) فى ب «الشي».

2) في ا «عين» .

واجيب عنه بأن كلامنا في الممكن لذاته لافي الممتنع بغيره وبقاء الغير القار ممتنع بغيره .

و اقول : ليس المراد من الأولوية كثرة وقوع الاشخاص في وقت واحد او اوقات او كثرة وقوع الشخص الواحد في ازمنة متعددة لان الوقوع واجب مستندالى علة ولا شدّة الواقع ولا قلة شرط وقوعه فإن جميع ذلك مستفاد من الخارج بل المراد بذلك الترجيح الذى لا ينتهى الى طرف الوجوب والامتناع المستند إلى ذات الممكن وليس المراد نفى الاولوية مطلقا لان المعلول المستند الى علة مركبة يكون وجوده اولى عند وجود بعض اجزاء العلة من وجوده عند عدم الجميع

الثالثه ان الامكان علة الحاجة الى المؤثر وذلك حكم قد وقع الخلاف فيه فإن جماعة من الناس(1)ذهبوا الى أن علة الحاجة هي الحدوث وهم قدماء المتكلمين ، اما المتأخرون منهم والأوائل فإنهم قالوا : علة الحاجة هي ! الامكان و هو الحق عندى بوجهين :

الأول ان العقل مع فرض كون التيء ممكنا يطلب العلة في ترجيح احد طرفيه على الآخر وإن لم يتصور شيئاً آخر ولوجوز وجوب الحادث لجزم باستغنائه الثانى ان الحدوث هو كون الموجود مسبوقا بالعدم فهو صفة له والصفة متأخره بالطبع عن الموصوف و الوجود متأخر عن تأثير موجده بالذات تأخر المعلول من العلة و تاثير الموجود متأخر عن احتياج الأثر اليه في الوجود بالطبع والاحتياج عن علته بالذات فلو كان الحدوث علّة لزم تقدّم الشيء على نفسه بمراتب

قيل الامكان صفة الممكن فهو متأخر عنه والممكن متأخر عن التأثير المتاخر عن الاحتياج المتأخر عن علته

و الجواب الكذب في قولكم الممكن متأخر عن التأثير بل المتأخر انما


1) فى ح .

هو وجوده أو عدمه وليس الامكان متأخرا عنهما.

المقصد الخامس في اثبات الصانع و توحیده و احکام صفاته

المسئلة الاولى في اثباته

قال : القول في اثبات الصانع و توحيده واحكام صفاته وثبوت محدث، يوجب ثبوت صانع ، لانه ممكن فلا بدّله من مؤثر

اقول: هذا هو الغاية القصوى في علم الكلام ، و استدل المصنف رحمة الله عليه بطريقة ابراهيم الخليل (صلی الله علیه و آله و سلم)، وتقريرها : ان العالم محدث وكل محدث ؛ فله محدث أما الصغرى فقد تقدمت ؛

و أما الكبرى فلان كل محدث ممكن و كل ممكن فله مؤثر

أما الصغرى فلان المحدث قد اتصفت ذاته بصفتى الوجود والعدم فهي قابلة لهما بالضرورة ولا نعنى بالممكن الا هذا

و أمّا الكبرى فضرورية وقد تقدمت

اذا ثبت هذا فنقول المؤثر ان كان ممكنا افتقر إلى مؤثر اخر فإما أن يتسلسل وهو محال لما تقدم او يدور و هو باطل بالضرورة عند قوم اولانه يلزم تقديم الشي على نفسه او ينتهى الى الواجب لذاته و هو المطلوب

فان قيل المعدوم نفى محض فلا يصح الحكم عليه بالقبول سلمنا لكن يجوز ان يكون الماهية واجبة العدم حين العدم وواجبه الوجود حين الوجود(1)فلا يلزم الامكان كما ان المحدث بشرط الحدوث لا يجوز في العقل فرض تقدمه(2)لا الى اول


1) فى ب «يجوز ان يكون الماهية واجبة العدم حين الوجود فلا يلزم الامكان»

2) في «تقديمه».

والالزم صحة كون الحادث بشرط الحدوث از ليا هذا خلف فلصحة وجوده بذاته(1)فقبلها هو ممتنع ثم انقلب ممكنا فجاز أن ينقلب واجبا سلمنا لكن الامكان باطل لان الوجود ان كان نفس الماهية كان قولنا السواد يصح وجوده وعدمه بمنزلة قولنا الموجود يصح وجوده و عدمه والقضية الاولى باطلة والا لكان الامكان منسوبا الى شيء الثانيه كذلك لان القابل مع المقبول و العدم واحد او اتصاف الوجود بالوجود و لا يجامع الماهية وان كان الوجود زايدا كان معناه ان المعدوم يصح ان يكون موجودا وهو باطل لما تبين من استحالة اجتماع القابل والمقبول هنا و لان الماهية اما موجودة فهي واجبة او معدومة فهي ممتنعة فلا امكان

و الجواب عن الاول ان المحكوم عليه هو الماهية المعقولة وذلك لانا نعقل الماهية من غير أن نفرض معها وجودا(2)و عدما و نقول تلك الماهية يمكن ان يكون مع الوجود الخارجي و يمكن ان لا يكون

و عن الثانى ان الماهية من غير اعتبار القيدين ممكنة و هو المطلوب و البداية لصحة وجود المحدث يلزم من جهة حدوثه لالذانه و تعيين وقت الحدوث يلحقه من خارج بسبب غير(3)الحدوث

وقيل البداية له امتناع بالغير اى يمتنع لكونه قبل صحة بدايته و مع توهم عدم تلك البداية يمكن ان يكون له بداية اخرى قبلها ولا يلزم من ذلك صيرورته ازليا مع ان الصحة التى له لذاته اذليه

و عن الثالث ان القايل يكون الوجود نفس الماهيه يريد بقوله : (الشيء)(4)يصح ان يكون موجودا او معدوما أنه من الممكن أن يحدث ما يسمى بعد حدوثه


1) فى ا «بداية» .

2) في ح «اوعدما».

3) فی ب «عن».

4) فى ا و د.

ذلك الشيء و يصح أن ذلك الشيء ينعدم مطلقا و من يقول بالزيادة لا يقول المعدوم يصح ان يتصف بالوجود و هو معدوم إذ الماهية من حيث هي هي لا موجودة ولا معدومة .

وعن الرابع ان ذلك الوجوب و الامتناع ضروريان بحسب المحمول لاحقان بعد حصول المنتسب اليه لا يوثران في الامكان السابق .

المسئلة الثانية في انه تعالى قادر

قال : والصانع قادر مختار والا لزم قدم العالم لقدم موجبه.

و احالة العالم على فاعل اوجبه الموجب مستفاد البطلان من الشرع وهو کاف و القدح بعدم بقاء القادرية لو فرضناها تهويل فانه في الحقيقة عدم الامور الاضافيه ولا وجود لها الا في الذهن

اقول : لما اثبت الذات شرع في الصفات ، و بداء بالقدرة

ومعنى القادر عند محققى المتكلمين : هو الذي يصح منه ان يفعل و ان لا يفعل و الدليل عليه ان العالم محدث فمؤثره ان كان مختارا فهو المطلوب ، وان كان موجبا فان كان حادثا لتسلسل . و ان كان قديماً فان توقف تاثيره على شرط حادث لتسلسل ، او على شرط قديم، أو لم يتوقف ازم قدم العالم لان عند وجود الملة يجب وجود المعلول.

فان قيل : لم لا يكون المؤثر مختارا ممكنا و علته واجبة موجبة له فالابلزم ماذكرتم من المحاذير . سلمنا لكن بقاء القادرية الازلية بعد وجود المقدور محال لاستحالة ايجاد(1)الموجود و ان عدمت ازم جواز عدم القديم سلمنا لكن لم لا يكون


1) فى ا «اتحاد».

المؤثر موجب قوله يلزم القدم قلنا القدم ان كان ممكنا التزمنا و ان كان مستحيلا لم يلزم قدمه لقدم المؤثر لان الاثر يتبرفيه القابل سلمنا لكن الممكنة(1)من الطرقين يستحيل حصولها حال حصول احدهما او جوبه و امتناع الاخر وقيله لان الحصول في الاستقبال مشروط بالاستقبال الممتنع فى الحال فلايكون مقدورا سلمنا لكن الترك غير مقدور لكونه نفيها صرفا فلا يصح نفيه عن القادر بانه الذي يمكنه الفعل و الترك

والجواب عن الاول ان نفى الواسطه معلوم بالاجماع ومثل هذه يمكن الاستدلال فيها بالسمع فلايكون دورا وهذا كاف فى نفى الواسطه اونقول الواسطة ممكنة لاستحالة تعدد الواجب لذاته فهي من جملة ماسوى الله و ثبوت واسطة بين وجود الله تعالى و وجود ماسواه غير معقول .

وعن الثانى ان القدرة صفة حقيقية يلزمها الاضافه الى مقدور دون آخر فاذا وجد المقدور عدمت تلك الاضافه لا القدرة والذات والاضافه انما يتحقق في الذهن لاستحالة التسلسل

وعن الثالث ان القدم مستحيل على تقدير الاختيار ممكن على تقدير الايجاب سلمنا لكن الاستحاله مستندة الى الازل فكان يلزم ان يوجد قبل ان وجد وهو محال

وعن الرابع ان التمكن حاصل قبل الفعل بمعنى انه الان متمكن من الفعل في ثانيه و حاصله ان الوقوع فى الاستقبال بجامع المكنة في الحال لا الى وقوع في الحال .

وعن الخامس ان القادر هو الذي يصح ان يفعل وان لا يفعل لا أنه يفعل الترك الاعند من يقول أنه وجودى.


1) فى ا «الكنه».

المسئلة الثالثة، في انه تعالى عالم

قال : وهو عالم لوقوع الافعال المحكمة منه ؛

والمحتذى و الزنبور عالمان ولان المختذى ان كان فعله فهو قبله عالم والا كان قديما و سنبطله.

اقول: انفق أكثر العقلاء على انه تعالى عالم

و الدليل عليه انه تعالى فعل الافعال المحكمة المتقنة و كل من كان كذلك فهو عالم و الصغرى محسوسة والكبرى بديهية

فان قيل : الكبرى منقوضة بالزنبور الفاعل للبيوت المسدسه التي يعجز عنها الاذكياء وبالمحتذى لفعل غيره فان افعالهما محكمة و هما غير عالمين و لان العلم نسبة فهو مغاير و المقتضى له ذاته فيكون قابلا فاعلا وهو محال لان نسبة القابل بالامكان و الفاعل بالوجوب ولان العلم ان لم يكن صفة كمال كان الله تعالى منزها عنه و ان كان صفة كمال كان الله مستفيد.

والجواب عن الاول ان الزنبور و المحتذى عالمان ان قلنا بصدور الفعل عنهما و اما القائلون بان لاموثر الا الله تعالى فلا يتمشى على اصلهم ولانا لو فرضنا ان الله تعالى احتذى فعل غيره فذلك الغير ان كان قديما لزم ثبوت قديمين وهو محال على ماسیانى و ان كان محدنا كان من فعله تعالى فيكون عالما بالضرورة .

وعن الثانى ان المحال يلزم لو اتحدت نسبة القابل بالامكان العام فلا ينا في في الوجوب

اعترض بعض المحققين : بان مراد هم ان الفعل مع فاعله يجب و مع قابله لا يجب و هذا الممكن بازاء الواجب فكيف يجامع الواجب ثم اجاب بان الاضافه

ไ

لا توجد الا في العقل وهى تكون بين شيئين يقتضى كل واحد منهما صفة الاخر(1)هی الاضافة فالفاعل غير القابل(2).

اقول : هذا بناءً على ان العلم اضافة و ان الاضافات لا وجود لها في الخارج وان الله تعالى مستفيد من غيره صفة و الكل مشكل

و عن الثالث ان الذات الناقصة يتكمّل بغيرها اما الكامل بذاتها فان صفاتها كاملة بكمالها لا انها موجبة له.

المسئلة الرابعة، في ان الله تعالى حي

قال : و هو حى و معناه أنه لا يمتنع عليه صدور الفعل.

اقول: اختلف الناس في معنى كونه تعالى حيا مع اتفاقهم على على ثبوته ، فالذي اختاره ابوالحسین و جمهور الأوائل ان معناه انه الذي لا يستحيل ان يكون قادرا عالما

و ذهب جمهور المعتزله الى ان هناك صفة زايدة باعتبارها يكون قادرا عالما و الدليل على انه تعالى حى بالمعنى الاول انه قادر عالم فيكون حيا بالضرورة

المسئلة الخامسة، فى ان أنه تعالى سميع بصير

قال : وهو سميع بصبر أى يعلم ما يسمع ويبصر وادعاء امر زايد على العلم ای لا يتلقى الامن الشاهد و تدركه الحواس فكيف تثبة غائباً والاعتماد على المشاركة


1) فى ج «للاخر» .

2) فى ب «فالفاعل القابل».

في الحيوة وعدم الافة لا يغنى لما ذكرنا ولان حيوته مخالفة لحياتنا فلا يلزم الاشتراك في كل حكم فحياتنا مصححة للشهوة دون حيانه

اقول: اتفق المسلمون على انه تعالى سميع بصير و اختلفوا في معناه ، فذهب شيخنا ابو اسحق المصنف الى ان معناه انه عالم بما يسمع ويبصر

و ذهب شيخنا المرتضى رحمه الله : الى ان السميع و البصير من كان على صفة(1)لكونها مختصة به صح ان يبصر المبصرو يسمع المسموع اذا وجدا و السامع (و)(2)المبصر هو المدرك للمسموع والمبصر ففى الأول(3)هو تعالى سميع بصير الاسامع مبصر.

و ذهب الاشاعرة الى انه تعالى سميع بصير بسمع و بصر قديمين .

و الدليل على انه تعالى سمي بصير ما يأتي في بيان كونه تعالى عالما بكل معلوم و مسموع .

احتج السيد المرتضى بان الادراك زائد على العلم في الشاهد فكذا في الغايب اما الاولى فلانا نجد تفرقة ضرورية بين حالنا عن فتح العين و عند فتح العين و عند المتغميض مع وجود العلم في البابين(4)، ولا يجوز ان يكون المرجع بذلك الى تأثير الحاسة لان الانطباع محال لاستحالة انطباع العظيم فى الصغير فلابد من امر زائد هو الادراك ، و أما الثانية فلان المصحح هو كون الواحد (منا)(5)حيا لا آفة به بالدوران وهو ثابت فى حقه تعالى فثبت الدائر و هو الادراك .

احتجت الاشاعرة على الزائد بانه تعالى حى ، و الحي يصح اتصافه بالسمع و البصر فلولم يتصف بهما لكان متصفا بضدهما و ضد هما نقص و هو على الله تعالى محال .

الجواب عن الأول أن ادعاء الزائد انما يستفاد من الشاهد لكن مدركه


1) في ح على «صفته».

2) فى ح .

3) في ح في «الازل» .

4) في ب «في الثاني».

5) في ب .

الحواس و هي منتفية عن الله تعالى فلا يتم الالحاق.

و تعويلهم على الاشتراك فى الحيوة وعدم الافة ضعيف لان عدم الافة عدمى فلا يصح التعليل به فلم يبق العلة الاكون الواحد مناحيا حساسا و ذلك لا يمكن اثباته في حقه تعالى على ما تقدم ، واليه اشار بقوله لما ذكرنا.

وأيضا حيونه تعالى مخالفة لحياتنا فلا يلزم اذا كانت حياتنا مصححة لشيء كون حيوته تعالى كذلك فان حياتنا مصححة للجهل و الشهوة و غيرهما مما يمتنع في حقه تعالى .

و به يظهر الجواب عن الثاني

وايضا انما يلزم من حصول المصحح حصول الصحة لو كانت الماهية قابلة.

وقوله كل حتى يصح إنصافه بالسمع والبصر باطل بكثير من الهوام كالديدان و غيرها فانها حيّة ولا يصح عليها الادراك فبطل ان يكون المقتضى هو الحيوة .

و ليس يلزم الاتصاف بالضد عند صحة الاتصاف بالضد الآخر فان الشفّاف يصح اتصافه بالضدين : اعنى السواد و البياض ولا يجب انصافه باحدهما.

سلمنا لكن لانسلم ان ضد هما نقص في حقه تعالى و ليس اذا كان الشيء نقصا في حقنا نقصا في حقه تعالى.

سلمنا لكن استحالة النقص عليه مستفاد من الاجماع(1)ومعرفة كون الاجماع حجة مستفاد من آثار غير قطعية الدلالة بالتمسك بالآيات الدالة على كونه سميعا بصيرا


1) نزاهته تعالى عن كل عيب ونقص واستحالة النقص عليه من القضايا التي برهن عليها بالبراهين والادلة القطعية العقلية والنقلية و هذه الادلة والبراهين مسطورة في كتب الحكمة الالهية و بعض كتب الكلام من المتاخرين وتفاسير القرآن الكريم العقلية كتفسير صدر المتألهين رحمه الله و غيره من الكتب الباحثة عن التوحيد والتنزيه.

المسئلة السادسة، فى انه تعالی مرید

قال : و هو مريد : اى يعلم المصلحة فى فعل فيدعوه علمه الى ايجاده ولا زيادة على ذلك إلا من الشاهد و هو غير ثابت غائباً لان الزايد ان كان اللذات(1)او المعنى القديم او الحادث فيه او فى الجماد اولا في محل فهو باطل بالمنافات للكراهية وبما يبطل به المعانى القديمة و باستحالة حدوثه و باستحالة قيام الارادة بالجماد ولوجوب رجوع حكم الارادة الى الحى و باستحالة حلول عرض لا في محل و تقديم الافعال و تاخیرها و امر عباده و نهیه و عقاب اهل الآخرة الى غير ذلك يكفي فيه الداعى واذا تاملته وجدته صحيحا

اقول: اتفق المسلمون على كونه تعالى مزيدا ، واختلفوا في معناه ، فالذي ذهب اليه الشيخ ابو اسحق رحمه الله تعالى ان المراد به انه عالم بما في الفعل من المصلحة الداعية الى الايجاد و تبعه على ذلك ابو الحسين البصرى فجعل الارادة هى الداعي والداعى نوع من العلم

وقالت الاشاعرة : ان له صفة زايدة على العلم وهو اختيار أبي هاشم

والدليل على كونه تعالى مريدا أنه قد خصص(2)بعض المقدورات بايجاد دون بعض ، مع تساوى النسبة فلابد من مرجح عن القدرة المتساوية النسبة وذلك هو الارادة

و اما الزايد فلا دليل على اثباته والقياس على الشاهد ضعيف لانا انما احتجنا الى صفة اخرى لاجل التردد الحاصل لنا عند ايقاع(3)افعالنا؛ اما الواجب تعالى، فانه


1) فى بـ «الذات او المعنى او الحادث فيه او فى الجماد اولا في محل فهو باطل».

2) فى ا «قد اختص».

3) فیب «امتناع».

ليس عليه التردد ، فلا يفتقر الى امر زائد على علمه بالمصلحة .

احتج المثبتون للزائد : بانه تعالى خصص بعض الاوقات بالايجاد فيه دون بعض مع امكان التقدّم و التاخر ، فلابد من الارادة الزايدة على القدرة التي شأنها الايجاد لاغير" والعلم التابع ؛ ولانه تعالى امر و نهى و اخبر ؛ وذلك لا يصح الامع الارادة ، اذ صيغة (الامر )(1)قد يراد للتهديد ، و الخبر قد لا يراد به الخبر ، و لانه تعالى يعاقب الكفار في الآخرة ، ويولهم ، والا يلام المستحق لا ينفصل عن الظلم الا بالارادة

واعترض عليهم المصنف ابو اسحق فقال هذه الوجود انما تدل على الداعى اما على الزايد فلا

ثم استدل ره على نفى الزايد فقال : لو كانت الارادة زائدة لكانت أما ذاتية ، او يكون)(2) مريدا بارادة قديمة ، أو حادثة ، و الكل باطل.

اما الاول فلانه لو كان مريدا لذاته، لكان كارها لذاته، وذاته متساوية النسبة الى كل المرادات ، و المكروهات ، فلا يختص ببعضها دون بعض فيكون الشيء الواحد المراد لزيد ، المكروه لعمرو ، مرادا و مکروها .

و اما الثاني فيأتي بطلانه عند الكلام على المعاني.

و اما الثالث فلان تلك الارادة : اما ان يكون حالة فى ناته أو في غيره ، او لا في محل ، و الأول باطل لاستحالة كونه محلا للحوادث و الثاني باطل ، وإلا لزم قدم المحل ، لان كل حادث مفتقر الى ارادة ، فلو كان محلها حادثا ، لافتقر الى ارادة محدثه ، مفتقرة الى محل آخر ، و يتسلسل و لانه ان كان حيا ، رجع حكم الارادة اليه ، او جمادا ، فلا يعقل حلول الارادات(3) فيه، لافتقارها الى نية .


1) فى ح .

2) فى ح.

3) في ب «الارادة».

و الثالث باطل ، لان العرض لا يقوم بنفسه ، و لعدم اختصاصه تعالى بها ، و الاشتراك فى التجرد اشتراك في عدمى .

المسئلة السابعة، فى أنه تعالى متكلم

قال : و هو متكلم، واستفادته من السمع، ومعناه انه فاعل الكلام ، لانه في اللغة كذلك ، و الالزم ان يقال : تكلم المصروع والصدى ،

وقول الخصم بكلام النفس باطل ، لانا نعلم ولا نجده ، وايضا فهو متابع متوال، ان صح فكيف يثبت قدمه.

اقول: اتفق الناس على كونه تعالى متكلما ، و اختلفوا في معناه ، فالذي ذهب اليه الامامية والمعتزله كافة : معناه انه تعالى أوجد حروفاً واصواتا دالة على معان مخصوصة في اجسام مخصوصة

و الاشاعرة اثبتوا معنى قائماً بالنفس ، سمّوه كلاماً و الله تعالى متصف به وهو قديم ، واحد ، و اعترفوا بجواز ماقال المعتزلة الا انهم نازعوا في تسمية من فعل الكلام متكلما ، بل جعلوه اسماً لمن قام به الكلام

و المعتزلة انكروا المقامات الاربع التي ذهب اليه الاشاعرة

الدليل على كونه تعالى متكلما «وكلم الله موسى تكليماً»(1)

لا يقال هذا اثبات الكلام بالكلام وهو دور

لانا نقول: انه اثبات مطلق الكلام الله تعالى باثبات نوع منه لا من حيث انه مستند إلى الله تعالى بل من حيث ان الرسول ص اخبر به و صدق الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يتوقف على اثبات الكلام .


1) سورة النساء آية 164 .

واستدل الشيخ ابو اسحق المصنف ره على تفسيره باطلاق اللغة عليه فانهم يقولون كلّم الجنّى ، على لسان المصروع فيسندون الكلام ، الى من فعله لا الى من قام به ، وكذلك الصوت القائم بالصدى(1)فاته ينسب الى فاعل الكلام ، لا الى من قام الصدى به

ثم ابطل قول الاشاعرة بانّ ذلك المعنى غير متصوّر بالعقل ، ولا يدرك بالحواس الباطنة والظاهرة فلا يصح الحكم عليه بالثبوت والانتفاء .

و استدل على ابطال القدم بان الكلام المعقول مركب من اجزاء متوالية متتابعة لا يوجد اللا حق مع السابق، فكل جزء لاحق حادث، كذا كل سابق ، لأنه انما سبق(2)عليه بزمان متناه .

و احتجت الاشاعرة بان ماهية الطلب معقولة لكل احد ، و هي غير الارادة ، لان الانسان قد يامر بمالا يريد كالسيد اذا امر عبده طلباً لاقامة عذره عند السلطان بالتخلف عن اوامره المزيل للمؤاخذة فذلك المعنى نحن نسميه(3)كلاماً و لان اهل اللغة تصوّروا هذا المعنى كما قال:

ان الكلام لفى الفؤاد وانما - جعل اللسان على الفؤاد دليلا.

و (كقول عمر زورت في نفسي كلاماً)

و احتجوا على المقام الثانى بانه تعالى حى يصح اتصافه بالكلام، فيتصف به والا اتصف بضده و هو نقص ، و لان افعال العباد متردّدة بين الحظر ، والا باحة ، والندب ، والوجوب فاختصاص بعضها بصفة من هذه يفتقر الى مخصص و لانه تعالى ملك مطاع و كلّ ملك فله الأمر والنهي


1) في ب «بالقايم الصدى».

2) في ب «نسبوه عليه».

3) فى ب «يحسن تسميته كلاما» .

و على الثالث بانه لو كان حادثا لكان الله تعالى محلا للحوادث وهو محال.

وعلى الرابع بان حقيقة الكلام هو الخبر و الأمر والنهي خبر ايضا لان الامر والنهي خبران عن ثبوت الثواب والعقاب على الفعل والترك.

و الجواب عن الأوّل بان المعقول هو الارادة او تصوّر المراد و الحروف الدالة على الارادة ، والطلب الذي اثبتموه هو الارادة نفسها(1)وليس هناك زائد ، و دليلكم باطل لانه كما انه لا يريد منه الفعل فكذا لا يطلب وقوعه ، والصحيح ان السيد حينئذ يأتى بصيغة دالة على الطلب من غير طالب .

والاستدلال بالبيت، وقول عمر ضعيف ، لوجود المعنى في الاخرس مع انه لا يسمى متكلما ، و مراد الشاعر تصوّر الكلام

وعن الثانى انه لا يلزم من صحة الاتصاف وجوبه او وجوب الضدّ على ماسلف سلمنا لكن لا نسلم صحة الانصاف به سلمنا لكن لا نسلم نقص ضده بل الأولى أن يكون هو نقصا فان توجه الأمر ، و النهى ، و الخبر الى غير مأمور ومنهى ومخبر غير معقول و نقص عظيم .

وعن الثالث ان المخصص هو الارادة وايضا (مع)(2)تردّد الافعال بين هذه الاحكام عند القائلين بالوجوه و الاعتبارات و هذا ايضا يناقض مذهبكم فان تردّد الافعال بين الحظر والا باحة قبل التخصيص باحد هما يدل على صحة الاتصاف باحدهما ، لا يعينه قبل ورود السمع المخصص وذلك مناقض(3)القول: بان ماهية الوجوب و الحظر مستفادة من السمع. وكونه تعالى ملكاً له الأمر والنهى لا يدل على محل النزاع ، و قيام الحادث به انما يلزم اوقلنا بقيام الكلام الحادث بذاته و لحن لانقول به بل انه فعله.

وكون الأمر والنهى خبراً باطل، والا دخله التكذيب و التصديق، واستحال العفو .


1) فى ب «بعينها» .

2) في ح.

3) في ح «يناقض» .

وايضا الخبر ليس بواحد لتركبه عن المخبر عنه و المخير به والنسبة ؛ نعم هو يدل على الصفة الواحدة التي هي المبدء و اذا كان كذلك فالقول بان الأمر والنهي خبر لكونهما اخباراً عن ترتب الثواب والعقاب على الفعل والترك ليس بشيء لان الدليل بالذات يغاير الدليل بالعرض بالضرورة

المسئلة الثامنة، في انه تعالى غنى

قال : و هو غنی : ای لاحاجة له الى غيره والالكان ناقصا ، و منه يستفاد الكمال.

اقول: لما فرغ عن البحث(1)عن الصفات الثبوتيه شرع في السلبية و ابتداء بكونه تعالى غنياً و هو قريب من الوضوح ، قد اتفق العقلاء عليه ، لأنه واجب لذاته ، و كل شيء منسوب اليه فلو احتاج الى الغير لكان ناقصا ، مستفيدا للكمال من غيره وهو محال.

وليس بمشته و لا نافر لان الشهوة ميل الطبع الى المشتهى ، و النفار مجانبة الطبع لما ينفر عنه و هما فرعان على الطبع وهو محال على الله تعالى.

المسئلة التاسعة، فى نفس المعاني والاحوال

قال : القول بالمعانى القديمة باطل ، لان العلم بذا غير العلم بذا ، فيلزم اثبات قدماء لانهاية لها .


1) فى ا و في بـ «من» .

ولانه ان حل فيه لم يعقل ، والا لم يكن (كونه)(1)عالما به اولی (منا)(2)ولان قديما غير الله تعالى باطل بالاجماع .

و ايضا فلم يكن هذا ذاتا و ذلك صفته اولى من عكسه .

و الاعتماد بتسميته عالما ليس بشيء لان اهل اللغة لم يعلم معنى ذلك ويثبته على اعتقادها . و استفادة امر زائد على الذات (من)(3)دليل العالمية مسلّم لكنه غير موجود في الخارج ، بل في الذهن كالطول للطويل ، والفعل المحكم يدل على انه تعالى عالم لا على ذات العلم .

اقول: اختلف الناس فى ذلك فالذى ذهب اليه اصحابنا و اكثر المعتزلة هو ان الله تعالى قادر ، عالم حی لذاته، : على معنى انه ذات متميّزة عن غيرها تميزا يجب معه صحة الفعل او تبين الشيء او عدم استحالة القدرة و العلم ، ولا يحتاج في ذلك الى ذات غيرها يوجب لها ذلك بل لولم يكن في الوجود الا الله تعالى لكان قادرا ، عالما ، حياً .

وقالت الكلامية والاشعرية : انه لابد وان يقوم بذاته معنى هو قدرة حتى يصح منه الفعل فيوصف لاجله بانه قادر، ولابد من معنى يقوم (به)(4)هو علم ليصح منه الاحكام فيوصف لاجله بانه عالم ، و معنى هو حيوة ليصح أن يعلم ، و يقدر و يوصف بانه حى ، وكذا في الادراك والارادة وغير ذلك.

وقال ابوهاشم و اصحابه : انه يوصف بهذه الصفات لاجل اختصاص من ذاته باحوال فيوصف بانه قادر لانه مختص بحالة لولاها لم يصح منه الفعل و يوصف


1) فى ب .

2) فى ا.

3) في ا .

4) فى ح .

بانه عالم لاختصاصه بحالة أولاها لما صح منه الأحكام ، وهكذا في كونه تعالى حيا ؛ وموجوداً .

وعنوا بالحال صفة لموجود لا يوصف بالوجود ولا بالعدم.

و استدل المصنف ابو اسحق ره بوجوه :

الاول : ان القول بالمعانى يستلزم اثبات مالانهاية له ، و التالى باطل قطعا ، على ما مر فالمقدم مثله : بيان الشرطية أن العلم المتعلق بالمعلومات المتغايرة متغاير و المعلومات غير متناهية ، هذا خلف : و بيان تغاير العلوم ان العلم من شرطه المطابقة، ويستحيل مطابقة شيء واحد لمختلفين.

ولانا قد تعلم كون الشيء عالما بهذا (الشيء)(1)و نغفل(2)عن كونه عالما بالآخر و ذلك يدل على المغايرة.

الثاني : ان ذلك المعنى ان حل فيه فهو غير معقول ، وان حل في غيره رجع حكمه اليه ، لا الى الله تعالى، وان تجرد لم يختص به تعالی دوننا.

الثالث : ان اثبات قدماء غير الذات باطل بالاجماع .

الرابع : لو كانت القدرة مثلا ذاتا قديمة لم يكن (الصفة)(3)صفة اولى من الذات ولا الذات ذاتا اولى من الصفة و هو باطل .

احتجت الاشاعرة بوجوه :

احد ها : ان اهل اللغة سمّوا من له علم بالعالم ، فيجب أن تثبت له صفة العلم.

والجواب : لا اعتبار في ذلك اقول أهل اللغة لأن مثل هذه المعانى لا يدركونها و انما يثبتون فى وضع الفاظهم على ما يعتقدونه .


1) فى ا .

2) في ا «ويعقل» .

3) في ب.

الثانى انا نعقل الذات ثم نستدل على كونها قادرة ، و عالمة إلى غيرها من الصفات فيحصل لنا بهذا الدليل علم لم يكن حاصلا اوّلا ؛ وذلك يدل على المغايرة بين الذات و هذه الصفات .

و الجواب: هذا الدليل انّما يدل على الزيادة في الذهن ؛ اما على ثبوت شيء في الخارج زائد على الذات : هو قدرة ، او علم ، او غير ذلك فلا ، وذلك مثل الطوليةللطويل فإن طولية الجسم وصف للجسم في الذهن ليس بموجود في الخارج.

الثالث: ماذكره الباقلانى من الكلامية في التمهيد؛ وتقريره : ان الفعل المحكم يدل على ان الفاعل عالم فلابد من مداول يتعلق به الدليل ، ولا يجوز ان يكون المدلول هو الذات و إلا لزم انتفائها عند انتفاء الفعل المحكم ولا يجوز ان يكون صفة ذات اذ لو كانت دلالة الفعل على ان الفاعل عالم ، قادر ، دلالة على صفة يرجع الى ذاته لو جب ان لا يوجد نفس العالم القادر الا عالما قادرا ، وان لا ينتفى عنه هذ ان الوصفان إلا بانتفاء ذاته ولما كان ذلك باطلا لم يجز أن يكون دلالة الفعل على ان الفاعل عالم قادر دالة على صفة يرجع الى نفسه موجب ان يكون مدلول الفعل و متعلقه هو العلم.

و الجواب : لم لا يدل على كون الفاعل عالما قادرا دلالة على صفة ترجع الى ذانه و نلتزم ماذكره فانه يستحيل عندنا خروج العالم القادر عن كونه قادرا عالما ولا ينتفيان عنه الا بانتفاء ذاته فالفعل المحكم انما يدل على ان فاعله ذات يبين الامور؛ ويصح منه الافعال المحكمة عند متأخرى علمائنا. و اما عند أوائلهم كالسيد المرتضى واتباعه فانه يدل على ذات مختصة بصفة لكونها على تلك الصفة صح منها الفعل المحكم. و على كلا التقديرين يبطل ماذكره المستدل. لانا نقول الفعل المحكم لا يدل على الذات المجرّدة بل على ذات مخصوصة تبين الأمور أو على ذات موصوفة بحال لكونها على تلك الحال يفعل افعالا محكمة وكلام أصحاب الاحوال معلوم البطلان بالضرورة.

وقد احتج نفاة المعانى بوجه آخر فقالوا: لو كان الله تعالى علم زائد على ذاته لكان تعلقه بالمعلوم كتعلق علومنا فيلزم تساوى العلمين فيشتركان في القدم او الحدوث واللازم باطل .

اعترض بعض المتأخرين بانه لا يلزم من الاشتراك في التعلق المساوات في الحقيقة فلو سلم منعنا الاشتراك فى القدم و الحدوث كما في الوجود.

اجاب بعض المحققين: بان العلم اذا كان نسبة او تعلقاً إلى معلوم فالنسب التي تكون الى معلوم واحد تكون ممائلة ولا يندفع بقياسها على الوجود لان الوجود يقع على وجوده وعلى وجودنا بالتشكيك فلا يوجب المساوات في اللوازم. اما الامور المتماثلة فلا يجب اشتراكها في اللوازم.

و اقول لا يكفى فى تماثل النسب واتحادها اتحاد المنسوب اليه فإن علم زيد و ظنّ عمرو اذا تعلق ما يشيء واحد لا يستلزم ذلك تساويهما و لو سلم تماثلهما منعنا وجوب اشتراكهما في القدم والحدوث لانهما ليسا لازمين بشيء فإن القدم هو الوجود الذى لم يسبقه شيء و الحدوث هو الوجود المسبوق؛ والوجود ليس بلازم لشىء من الماهيات لذواتها ؛ اما في حق الواجب تعالى فلان وجوده نفس حقيقته، واما في حق غيره فلانه مستفاد من الفاعل .

المسئلة العاشرة، فى انه تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض

قال : وليس بجسم، ولاجوهر، ولاعرض ، وإلا لكان حادثا لما ذكرنا ولم يصح ان يفعل الجسم. ولهذا يبطل المعاني ايضا في القدرة واستحالة خرق الاجماع في اثبات معنی و نفی معنی .

اقول: في هذه المسئلة ثلث مباحث :

الأول: انه ليس بجسم.

و ذهب الامامية وأكثر العقلاء الى انه ليس بجسم.

و ذهب الحشوية الى انه تعالى جسم .

فقال بعضهم : انه طويل عريض عميق.

وقال آخرون منهم : أنه جسم لا كالاجسام.

و هذا غير محقق لانهم ان عنوا انه طويل عريض عميق فهو المذهب الأول ، و دليل الإبطال مشترك بينهما ؛ ومع ذلك فقولهم لا كالاجسام مناقضة.

وان عنوا بكونه جسما انه قائم بذاته لا كالاجسام اى ليس بطويل ، عريض ، عميق فهو مسلم الا انه اطلقوا الجسم على القائم بذاته ، و هو غير مصطلح عليه فترجع المنازعة الى اللفظ.

و الدليل على نفى الجسمية عنه وجوه :

الاول : انه لو كان جسما لما انفك عن الاكوان الحادثة، فيكون حادثا ، وقد سلف تقريره في بيان الحدوث.

الثاني : انه لو كان جسما لم يصح عنه فعل الاجسام ، والتالى باطل لانه فاعلها على ما تقدّم ، فالمقدّم مثله ، بيان الشرطية وجهان :

الاول: ان الاجسام مماثلة فلوصح منه فعل الجسم صح منا والتالى باطل بالضرورة فالمقدم مثله.

الثاني: ان الجسم انما يفعل بصورته لانه انما يكون موجودا بالفعل بها وانما يفعل من حيث هو موجود ، و الصورة انما تفعل بمشاركة الوضع فان النار لاتسخن ای جسم انفق بل ما قرب منها وما بعد عنها انما تفعل بواسطة فعلها في القريب، والفاعل في المركب فاعل في جزئه و لامشاركة بين الصورة والهيولى في الوضع . وهذا دليل

الاوائل على انه تعالى ليس بجسم؛ مضافاً الى غيره من الادلة.

الثالث : ان كل جسم مركب إما من الاجزاء التي لا يتجزى او من المادة و الصورة، و واجب الوجود ليس بمركب.

قال المصنف : و بهذا يبطل المعانى ايضا في القدرة واشار بذلك الى الوجه الثاني : ومراده ان الواحد منا لما كان قادرا بقدرة لم يصح منه فعل الاجسام ، لانه اما ان يفعل مخترعا ، او متولدا ، او مباشراً ، والاول باطل ؛ لان المخترع لا يصح بالقدرة فان القوى الشديد لا يمكن ان يخترع فى بدن المريض الضعيف تحريكا أو تسكينا الا بالاعتماد والتالى باطل ايضا ؛ لانا إما نفعل في محل قدرتنا فيلزم التداخل ، اولا في محل القدرة و هو انما يكون بالاعتماد الواقع في الجهات المختلفة ، ولاجهة اولى بوقوعه من اخرى فلأنا لو اعتمدنا اوقاتا طويلة لم نفعل جسما والثالث باطل أيضا. والألزم التداخل واذا ثبت ان القدرة لا يصح منها فعل الجسم ثبت انه تعالى ليس قادرا بالقدرة و يلزم من ذلك نفى جميع المعانى كالعلم والحيوة وغيرها لوقوع الاجماع على احد الأمرين: اما اثبات الجميع أو نفيه. فالفرق ثالث خارق للاجماع فيكون باطلا.

المبحث الثاني، فى انه تعالى ليس بجوهر

الجوهر يقال : على معان :

احدها: المتحيز الذي لا يقبل القسمة و هو منفى عن الله تعالى ، لما يأتى من استحالة التحيّز عليه.

و لأن كل متحيز لا ينفك عن الحوادث فيكون حادثاً .

الثاني : ذات الشيء و حقيقته والله تعالى نات و حقيقة لأنه محقق كل حقيقة

فكيف ينفى عنه ما ثبت لكل حقيقة فهو جوهر بهذا المعنى.

الثالث : الموجود لا في موضوع والله تعالى جوهر بهذا المعنى عند القائلين يكونه وجوده زائدا على ماهيته وليس بجوهر عند القائلين بكون وجوده نفس ماهيته(1)فان قولهم : الموجود لا يعنون به الموجود بالفعل وإلا لكان الشك في وجود زيد شكاً في جوهريته بل الماهية التي لو وجدت لكانت لافي موضوع ؛ وهذا انما يعقل أو كان الوجود زائداً.

المبحث الثالث، فى انه ليس بعرض

حدوث الجسم والجوهر الذي لا يعقل قيام العرض الافيهما(2)يستلزم حدوثه، و واجب الوجود ليس بحادث فهو ليس بعرض .

المسئلة الحادية عشر، فیانه تعالى ليس بمتحيز

قال: وليس متحيزا لانه ان كان منقسما فقد ابطلمناء والا كان اصغر شيء تعالى (الله) عن ذلك علوّاً كبيراً .

اقول : اتفق العقلاء عليه إلا المجسمة .

و استدل المصنّف عليه : بانه او كان متحيزا لكان ام منقسما او غير منقسم والأول باطل لما تقدّم من نفى الجسمية عنه تعالى والتالى باطل وإلا لزم ان يكون


1) فى او فى بود «يكون الوجود نفس الماهية».

2) في ا «معهما».

الله تعالى أصغر الموجودات تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً . و ايضاً لو كان متحيزاً لم ينفك عن الأكوان بالضرورة و هى حادثة وكل ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث وواجب الوجود ليس بحادث.

المسئلة الثانية عشر، في انه تعالى ليس حالاً في غيره

قال : ولا حالا في شيء ، وإلا يقوم بالمحل ، وهو مستغن مطلقاً ، و يلزم عدم المحل أيضاً .

أقول : هذا حكم متفق عليه عند اكثر العقلاء خلا فالبعض النصارى القائلين بحلول الله تعالى في المسيح (صلی الله علیه و آله و سلم)؛ ولبعض الصوفية القائلين بحلوله تعالى في العارفين الواصلين .

و الدليل على نفى الحلول : ان المعقول منه قيام موجود بموجود على سبيل التبعية بشرط امتناع قيامه بذاته ، والحلول بهذا المعنى محال على واجب الوجود تعالى. فإن عنى بالحلول غير هذا المعنى فلا كلام فيه الأبعد إفادة تصوّره .

واستدل المصنّف ره عليه باله لوحل فاما مع وجوب ان يحل أو مع جوازه والأوّل باطل ، وألا لزم افتقاره الى المحل ، وتقومه به علی ماقسرنا الحلول به.

ولزم ايضا قدم المحل وهو باطل لما تبين من حديث العالم ، و الثاني(1)باطل لانه ينا في الحلول

قال بعضهم : المعقول من الخلول حصول العرض في الحيز تبعا لحصول الجوهر فيه ؛ وهذا انما يعقل في حق من يصح عليه الحصول في الحيّز.


1) في ا «والتالي» .

و هذا غير جيد لأن حلول الصور في المواد ، و حلول الاعراض النفسانية فى النفوس (البشرية)(1)ليس بهذا المعنى الذى ذكره و هو معقول . و لهذا اشتغل المتكلمون بنفيه وأولم يكن معقولا لنفوه بعدم المعقولية ، لا بأدلة لهم.

بل الحق : ان حلول الشيء في الشيء لا يعقل إلا إذا كان تغير الحال بواسطة المحل و واجب الوجود لا يتغير بغيره .

و إذا ثبت أنه ليس بمتحيّز ولاحال في المتحيّز ثبت أنه ليس في جهة ولا مكان بالضرورة ، خلافا للكراميّة ، والمجسمة القائلين بكونه تعالى في جهة فوق. و الدلائل السمعيّة مؤوّلة(2).

المسئلة الثالثة عشر، فى انه تعالى يستحيل قيام الحوادث بذاته تعالى

قال : ولا تقوم الحوادث بذاته ، وإلا كان حادثا.

اقول : اتفق العقلاء عليه إلا الكرامية

و الدليل عليه أنه تعالى يستحيل عليه التغيّر لاستحالة انفعاله تعالى عن غيره.

وقد استدل المصنف (رحمه الله علیه) عليه بالدليل المشهور عند المتكلمين : و هو أنه لوصح قيام الحوادث بذاته لم ينفك عنها والتالى باطل، وإلا لكان حادثا ، فالمقدم مثله. بيان الشرطية و جهان :

احد هما: أنه لو قامت الحوادث به لم يخل عنها ولا عن اضدادها وهي حادثة أيضاً.


1) في ب.

2) في ا «متأولة».

الثاني: ان صحة الاتصاف (بالحوادث من لوازم الماهية والالزم التسلسل)(1)و صحة الاتصاف يتوقف(2)على امكان الصفة و الحادث لا امكان له ازلا ، فالصحة اللازمة للماهية حادثة ، فالماهية كذلك ، وهذا خلف .

و هذا الدليل عندى لا يخلو من نظر وذلك لان صحة الاتصاف نوع من الامكان وقد سلف انه بيان عدمی.

وقوله : صحة الانصاف تتوقف على امكان الصفة أن عنى به الامكان الراجع الى الماهية فهو صحيح ، ولا ينفعه فان الحادث بالنظر الى ذاته ممكن أزلاً ، وان عنى به الامكان الاستعدادي فهو ممنوع : فان صحة صدور المقدور من القادر لا تتوقف على وجود المقدور ولا على صحة وجوده مطلقاً بل على الصحة الذاتية ، فان امتنع وجود المقدور لعائق او الفوات شرط لم يضر ذلك في صحة الصدور منه.

وقد اعترض قوم بأن الله تعالى لم يكن فاعلا ولا عالما بان العالم موجود حال (عدمه)(3)ولا رائيا، ولا ساهما ، ولا مخبرا ، ولاملزما بالتكاليف ، ثم تجدّدله(4)هذه الصفات فيكون الحوادث قائمة بذاته.

وهو ضعيف فان المتجدّد هنا(5)امور إضافية لا وجود لها في الخارج.

المسئلة الرابعة عشر فى استحالة رؤيته تعالى

قال : ولا يصح رؤيته ، لاستحالة الجهة عليه ، و وجوب رؤيته الآن ، لصحة


1) في ا و د .

2) في ب «متوقف» .

3) فی ب و د .

4) في ب «يحدث له».

5) في ا «میهنا» .

ابصارنا و ارتفاع الموانع ، والاعتذار بالعلم لا يغنى ، لان مخالفة الدليل شاهد(1)جايز ، فعلى الخصم بيان مثله ، وآية النظر محذوفة المضاف، ومعارضة لقوله تعالى (لأتدركه الابصار و هو يدرك الابصار)(2)عند التمدح وعليه يخرج قولهم بموجب الآية بناء على العموم و حملهم لها على بعض الاحوال فتدبره .

اقول: اتفق العقلاء على امتناع رؤيته إلا الأشاعرة والمجسمة إلا أن المجسمة إنما قالوا برؤيته لكونه جسما عندهم تعالى الله عن ذلك، وسلّموا لنا ان المجرد يمتنع رؤيته فالمذهب الذى صار إليه الاشاعرة مخالف لكل العقلاء .

والتجأ اكثر العقلاء فى ذلك الى الضرورة فإن الرؤية انما يصح لمن كان مقابلا او في حكم المقابل، كالعرض في المحل ، والصورة في المرثاة و المقابلة او حكمها انما يكون في حق الاجسام ذوات الجهة ، والله تعالى ليس في جهة على ما تقدم فلا يكون مرتباً.

وايضا لو كان مرتباً ارتبناه الآن، والتالى باطل فالمقدم مثله ، بيان الملازمة أن شرائط الادراك وهى سلامة الحاسة ، وكون المبصر كثيفاً ، وعدم افراطه في الصفر (و المحاذاة أو حكمها وتوسط الشفّاف و وقوع الضوء على المبصر)(3)و عدم افراط الضوء و عدم القرب المفرط (و البعد المفرط)(4)وان يتعمد(5)الابصار ذو الآلة (و)(6)يستحيل اشتراطها في حقه تعالى إلا الأول ولاشك أن حواسنا سليمة فلو كان الله تعالى


1) فى ب و ه «شاهدا».

2) سورة انعام آية 103 .

3) في ا و د .

4) فى ا و د .

5) في ب «يتغمد».

6) في ب .

يصح ان يرى لوجبت رؤيته فإن الحواس صحيحة و المواقع مرتفعة فيجب الادراك و إلا لجاز ان يكون بين ايدينا جبال شاهقة و انهار جارية ، و نحن لانراها ، وان حصلت الشرائط ، وارتفعت المواقع.

اعترضوا على هذا : بأن حاصله يرجع الى الاستدلال بالشاهد فالخصم يقول : الله تعالى جسم وإلا لماصح أن يكون معلوما : ولا عالما لأنا لانرى في الشاهد معلوماء ولا عالما إلاجسما وجوابكم عنه هو جوابنا نحن.

اجاب الشيخ بان مخالفة الدليل شاهدا جايز لاجل الدليل العقلي وقددل على انه تعالى ليس بجسم ، فعلى الخصم بيان مثله في صورة النزاع على أن الذى ذهبنا اليه ليس فيه إلحاق الغائب بالشاهد؛ و ايضا قال الله تعالى لموسى «لَن تَرَانِي» ولن لنفى الابد بالنقل لا هل اللغة و إذا لم يره موسى لم يره غيره بالاجماع.

احتجت الاشاعرة بوجوه :

الاول قوله تعالى «وجوه يومَئِذٍ نَاضِرة إلى ربها ناظرة»(1)و النظر إما الرؤية أو تقلب الحدقة نحو المطلوب التماساً لرؤيته ، و الثاني غير مراد لاستحالة الجهة عليه تعالى فيحمل على المجاز وهو الرؤية ، لا نه من باب اطلاق اسم السبب على المسبب . و أيضا النظر إذا اقترن بحرف إلى أفاد الرؤية في الاستعمال.

و الجواب من وجوه :

أحدها : يجوز ان يكون المضاف محذوفا ، فيصير التقدير: الى نعمة ربها ناظرة اى مبصرة جمعاً بين الأدلة ، وحذف المضاف شايع فى اللغة .

الثاني: يجوز ان يكون المراد بقوله : ناطرة : اى منتظرة فيصير التقدير الى ثواب ربها منتظرة(2)


1) سورة قيامة - آية 23٫22.

2) في ب «ناظرة» .

الثالث: لا نسلم أن النظر المقرون بحرف الى يفيد الرؤية ولهذا يقال : نظرت الى الهلال فلم أره ؛ وأنشد الربعي :

واذا نظر اليك من ملك *** والبحر(1)دونك زدتني نعماً

وليس النظر هنا بمعنى الابصار الاستحالة ابصاره - والبحر(2)دونهما - و قال حسان بن ثابت :

وجوه يوم بدر ناظرات *** الى الرحمن تأتى بالفلاح

وليس هنا بمعنى الانصار و ان اقترن بحرف الى

الرابع : قال السيد المرتضى ره : يجوز ان يكون المراد بالى واحد الآلاء ، وهى النعم.

الخامس: أن هذه الآية معارضة بقوله تعالى «لا تُدركه الأبصار وهو يدرك الابصار»(3)فى الادراك عنه على وجه المدح لان المدح موجود قبله و بعده وإدخال ماليس بمدح بين مدحين قبيح و اذا تمدح بنفى(4)الادراك وجب أن يستحيل رؤيته والالزم النقص فى حقه.

وعلى هذا يخرج تأويلاتهم في هذه الآية مثل قولهم : انا نقول(5)بموجبها(6)في الدنيا أو أن جميع الابصار لايدركه ، ولا يستلزم ذلك نفى ادراك المؤمنين لا يلزم من سلب الكل السلب الكلى لأنا بينا ان هذا النفى تمدح ، فائباته نقص ،


1) فى ب «والهجر».

2) في ب «والهجر».

3) سورة انعام آية 103.

4) فى ب «واذا المدح ينفى الادراك».

5) فى ب و «لانا» .

6) في ب «بمدحتها» .

فلا يجوز اثباته في الدنيا ، والآخرة ، ولا للمؤمن ، ولا للكافر.

الوجه الثاني: ان موسى (صلی الله علیه و آله و سلم) سأل الرؤية ، ولو كانت ممتنعة لماسئلها.

والجواب : ان موسى سأل عن لسان قومه بدليل قوله تعالى «اتهلكنا بما فعل السفهاء منا(1)- وقوله « لَن نُو مِن لَك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة»(2)

الثالث : الله تعالى علّق الرؤية على استقرار الجبل الممكن فتكون ممكنة .

والجواب أن الرؤية معلقة على استقرار الجبل حالة الحركة(3)وذلك محال.

والعجب أن الأشاعرة استدلوا باخبار الله تعالى عن ابي لهب انه لا يؤمن على عدم امكان إيمانه ، وهيهنا قد أخبر الله تعالى قبل ذلك بانه لا يراء ثم ادعوا الامكان .

الرابع : ان الجوهر و العرض قد اشتركا في صحة الرؤية و الحكم المشترك يستدعى علة مشتركة ولا يشترك إلا الحدوث او الوجود ؛ و الحدوث لا يصح للعلية لتركيه عن قيد عدمى فلم يبق إلا الوجود وهو ثابت فى حقه تعالى بسبب الحكم وهذه حجة عوّل عليها الأشاعرة ، وهي في غاية الضعف لأن وجوده عين ذاته فيكون مخالفا لوجودنا ، فلا يلزم الاشتراك في الحكم .

وايضا الصحة عدمية فلا يفتقر الى علة ، سلمنا لكن لا نسلم الاشتراك في الحكم لأن صحة رؤية الجوهر يخالف صحة رؤية العرض ، سلمنا لكن لا نسلم الحصر؛ سلمنا لكن(4)الحدوث هو الوجود المسبوق بالغير و هو امر ثبوتى ؛ سلّمنا لكن يجوز ان يكون الامكان علة . لا يقال إنه عدمى لأ نا نقول فإمكان الرؤية عدمى فيجوز تعليله به


1) سورة أعراف - آية 155 .

2) سورة بقرة - آية 55.

3) في ب «حال السكون».

4) في ا «أن».

سلمنا لكن يجوز تخلف الحكم لمانع او فقدان شرط سلمنا لكن معارض بصحة المخلوقية والملموسيّة وغيرها(1)من الأحكام المشتركة بينهما. وبالجملة فهذا الدليل في غاية الضعف .

المسئلة الخامسة عشر، فى انه تعالى قادر على كل مقدور

قال وهو سبحانه قادر على كل ما يصح أن يكون مقدوراً ، لان نسبة الذات الى كل ممكن متساوية و على أعمال عباده لانه (ان)(2)اتصف بها قبل خلقه لم يزل وان(3)لم يكن متصفاً بها فقد فقدت الملة فكيف لا يفقد الحكم ، وهو قادر على القبيح، وإلا لم يستحق مدحاً اذا لم يفعله ، ولم يصح ان يفعله ونحن الضعفاء و موجد الخبر خيرو موجد الشر شرير ان عنوا به نفس المسئلة فهو إلزامنا بمذهبنا و إلا(4)فلا معنى له وعدم الفعل إنما جاء لعدم الداعى فكيف يتمسك(5)بعدم المقتضى وقادر على خلاف المعلوم للامكان الذاتي و استحالة ان يبطل المتأخر متقدّماً وعلى امثال اعمال العباد فان صفاتها أحوال عارضة لا يدخل في حقائقها.

اقول: لما فرغ من بيان صفاته شرع في احكامها وابتد ، بكونه قادراً على كل مقدور وفى هذه المسئلة مباحث :

الاول : انه تعالى قادر على كل مقدور و هو اختيار اكثر علمائنا و مذهب الاشاعرة . وقد نازع في ذلك جماعة وسيأتى البحث معهم.


1) في هـ «غيرهما» .

2) فى ا .

3) في ا «والا».

4) فى ب «اولا».

5) في ا «یصح».

والدليل على انه قادر على كل مقدور ، ان ما لأجله صح ان يكون قادراً على شيء هو الامكان اذا لوجوب والامتناع محيلان للمقدورية والامكان في كل الممكنات حاصل فالمقدورية ثابتة فى الكل لتساوى النسبة اليها و أيضاً فإنما قدر على البعض لذاته لالشيء آخر وذاته متساوية النسبة الى الكل فالكل مقدور له تعالى.

المبحث الثاني، فى انه تعالى قادر على عين افعال العباد

و هو مذهب المصنف (رحمه الله علیه)، وجماعة من اصحابنا ، والأشاعرة . و ذهب ابو على و ابوهاشم و اتباعهما الى انه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد ، و ان قدر على مثله و اختاره السيد المرتضى و الشيخ ابو جعفر الطوسي (رحمه الله علیه).

و الدليل على ما ذهب اليه المصنف (رحمه الله علیه) ما تقدم .

و احتج المانعون بوجهين :

الاول : أنه يلزم من(1)وقوع مقدور بين قادرين وهو باطل والا استغنى(2)بكل واحد منهما عن كل واحد منهما هذا خلف.

الثانى : ان حقيقة القادر هو الذى يوجد منه الفعل عند الداعي وينتفى عند الصارف فلو اجتمع قدرة العبد و قدرة الله تعالى على الفعل الواحد، و ارادة الله تعالى و كره العبد او بالعكس لزم وقوعه وعدمه وهو محال .

و الجواب : عن الأول انه لا يلزم من اجتماع القدرتين اجتماع التأثيرين فإنه لا يجب التأثير بالقدرة وحدها.

والمصنف جعل الجواب عن ذلك استدلالاً على مطلوبه فقال : إن المانعين إنما


1) في هـ «منه» .

2) في «لزم استغناته».

ذهبوا إلى أنه لا يقدر على مقدور العبد حذراً من وقوع مقدور بين قادرين فلا يخلو إما أن يكون الله تعالى قبل خلق العبد متصفاً بالقادرية على تلك الحركة أولا يكون فإن كان الأول فعند خلق العبد إما أن (لا)(1)يكون العبد قادراً عليها وقد فرضناه قادراً هذا خلف أو يكون كلاهما قادرين وهو المطلوب او ينتفى قادرية الله تعالى لوجود قادرية العبد وهو محال لعدم الاولوية ، بل انتفاء قادرية العبد لوجود قادرية الله تعالى أولى والتالى باطل ، لأن المانع من الاتصاف حصول المقدور بين القادرين ، وهذه العلة منتفية قبل خلق العبد فيلزم من انتفائها انتفاء الحكم وهو عدم القادرية فثبت القادرية.

و عن الثاني: أن العدم أنما يتحقق عند تحقق الصارف اذا لم يوجد قادر آخر يدعو الداعي إلى فعله.

المبحث الثالث، فى إنه تعالى قادر على القبيح

ذهب إليه أكثر العقلاء وخالف فيه النظام من المعتزلة

والدليل عليه وجوه :

الأول: ما تقدّم من عموم القادرية.

الثاني: أنه لولم يكن قادراً عليه اما استحق المدح على تركه والتالى باطل بإجماع فكذا المقدم .

الثالث: أنه لولم يكن قادراً عليه لما قدرنا نحن والتالى باطل قطعاً والمقدم مثله.

بيان الملازمة أنه تعالى قادر لذاته و نحن قادرون بقدرة مستفادة منه فكيف ينسب الى قدرتنا مالا يمكن نسبته إليه تعالى ونحن الضعفاء .


1) في ا.

احتج النظام بوجهين :

الأوّل أنه قد تقرر أن موجد الخير خير و موجد الشر شرير فلو كان قادراً على الشرشر فعل الشرّ لكان قادراً على ان يحول نفسه شرير أفلا يكون قادراً على فعل الخير لاستحالة أن يكون الواحد خيراً وشريراً

الثانى أن وقوع القبيح منه يستلزم الجهل او الحاجة وهما مستحيلان عليه ، واستحالة اللازم يقتضى استحالة الملزوم.

و الجواب عن الأول : ان عنيتم بالخير والشرير موجد الخير والشر فلم قلتم أن الفاعل الواحد يستحيل ان يكون فاعلاً لهما فإن هذا نفس المسئلة وهو التزامنا(1)بمذهبنا ، و ان عنيتم به شيئاً آخر فبينوه وأيضا الخير والشر ليساذاتيين للشيء بل إنما يقالات بالاضافة الى غيرهما واذا امكن ان يكون الشيء بالقياس الى واحد خير أو بالقياس الى غيره شراً أمكن أن يكون فاعل ذلك الشيء واحداً.

وهذا الوجه استدل به المجوس ، والثنوية على أنه تعالى قادر على فعل الخير الاغير.

قالوا: لأن الخير هو الذى يكون جميع أفعاله خيراً و الشرير هو الذى يكون جميع أفعاله شرّاً .

و جوابهم ماذكرناه في الثاني.

وعن الثاني : أن المحال يلزم من الوقوع لالذاته بل امدم الداعى إليه فقدم الوقوع مستند إلى انتفاء الداعى إلى الفعل لا لعدم المقتضى وهو القدرة .

المبحث الرابع، فى أنه تعالى قادر على خلاف المعلوم

وهو مذهب أكثر العقلاء الأعباد (بن)(2)سلمان(3)العمرى.


1) في ا «الزامنا» .

2) فى هـ .

3) في ا و د «سليمان».

والدليل عليه وجهان:

الأوّل أن خلاف المعلوم ممكن فيكون مقدوراً على ما تقدم.(1)

الثانى أن العلم تابع للوقوع التابع للقدرة فكيف يكون المتأخر مبطلاً للمتقدّم؛ ولأنه يلزم أن لا يكون الله تعالى قادراً على شيء لأنه إما معلوم الوقوع أو العدم و الحاصل أن وجوبه بالنظر إلى العلم لاينا في إمكانه الذاتي ، و القدرة تتعلق به بالنظر إلى الامكان الذاتي لا الى الوجوب الحاصل للعلم.

احتج عباد بأن خلاف المعلوم محال لاستحالة انقلاب علمه جهلاً والمحال غير مقدور عليه .

والجواب الاستحالة المانعة عن المقدورية إتماهى الاستحالة الذاتية لا العارضة.

المبحث الخامس، فى انه تعالى قادر على مثل مقدور العبد

وهو مذهب أكثر العقلاء إلا البلخي.

والدليل عليه : أنه ممكن فيكون مقدوراً على ما سلف .

احتج ابو القاسم البلخي بأنه إما طاعة ، أوسفه ، أو عبث ، فالله تعالى يستحيل عليه ذلك .

و الجواب أن تلك الصفات لاتؤثر في الحقائق.

المسئلة السادسة عشر، فى انه تعالى عالم بكل معلوم

قال: وهو عالم بكل المعلومات ؛ الاستواء نسبة الذات إليها ، وبذاته، والمغايرة


1) فی ب «بقسم».

المدعى اشتراطها يبطل بعلمنا بأنفسنا ، (و) بالجزئيات ، و التغير في الأمور الاضافية لا يقتضي تغير الذات .

اقول: هذه المسئلة مما ذهب إليه المسلمون كافة وقد خالف فيها جماعة تأتى البحث معهم . وفي هذه المسئلة مباحث :

الأوّل أنه تعالى عالم بكل المعلومات لأنه تعالى حى يصح أن يعلم كل المعلومات فلو اختصت ذاته بمعلوم دون معلوم لزم الافتقار إلى المخصص وهو محال ولا نها صفة نفسيّة لاستحالة انفعاله عن الغير ، والنفسية متى صحّت وجبت ، وإلا توقفت فلا تكون نفسية.

المبحث الثاني، فى انه تعالى عالم بذاته

خلافاً لجماعة من الفلاسفة وبعض من المتكلمين .

والدليل عليه ما تقدم، ولأن العلم هو الحصول ولاريب في حصول الشيء المجرد القائم بذاته لنفه فيكون عالماً بها .

احتج المخالف بأن العلم إضافة ولا يعقل اضافة الشيء إلى نفسه و تغاير الذات لنفسها من حيث العالمية و المعلومية يتوقف على العلم المتوقف على المغايرة فليس بكاف والأدار.

والجواب أنه منقوض بعلم الواحد منا بنفسه.

قال بعض المحققين : المقتضى المغايرة هو العلم وليست المغايرة بمقتضية للعلم بل هذه المغايرة لا ينفك عن العلم كما لا ينفك المعلول عن علته ، ولا يلزم الدور وهو باطل لان العلم لا يقتضى المغايرة بل هو متوقف عليها توقف المشروط على الشرط.

المبحث الثالث، فى انه تعالى عالم بالجزئيات

خلافاً للفلاسفة. لنا ما تقدّم؛ ولأنها معلولة له مستندة إليه، والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول.

احتجوا بأنه يلزم منه التغير عند تغير المعلوم أو وقوع الجهل عند بقاء العلم عنده .

والجواب أن التغير واقع فى الاضافة وهذا لا يستلزم وقوعه في الذات. وتحقيقه أن الصفات منها ما هى إضافة محضة كالتيامن و التياسر ؛ ومنها ما هي حقيقية محضة كالسواد والبياض ، ومنها ما هو حقيقية يلزمها الاضافة كالعلم والقدرة فعند وقوع التغير فى المعلوم و المقدور يتغيّر الاضافات ، لا الصفات الحقيقية ، ولا الذات .

وهذا الجواب لا يتأتى على مذهب الشيخ أبي إسحق ره لأنه ينفى المعاني؛ والعلم الذى يتغير هو الاضافة ويلزم منه أن لا يكون الله تعالى عالماً في الأزل بالحوادث ، وفيه إشكال .

و قيل في الجواب عن ذلك أن العلم بأن الشيء سيوجد نفس(1)العلم بالوجود إذا وجد وهو ضعيف فإن العلم يستدعى المطابقة والفلاسفة قالوا : إنه يعلم الجزئيات حيث هي معقولات لا من حيث (هي)(2)متغيرات زمانية وهو باطل لأنه يلزم نفي علمه تعالى.

تهى وقد ذهب بعض الناس إلى أنه تعالى لا يعلم الجزئيات الابعد وقوعها وإلا لكان معلوم الوقوع واجباً و معلوم العدم ممتنعاً فيلزم الجبر.

وهو ضعيف ؛ لأنه إن أراد به وجوب صدوره عن علمه(3)فهو باطل لأنه عالم بذاته


1) فى «ليس».

2) في هـ.

3) فی ا «علم» .

و بالمعدومات ولا يلزم وقوعها . و إن عنى به واجب المطابقة لعلمه فهو صحيح ولا يلزم منه جبر لأنه عالم بما سيوجده ولا يكون مجبوراً لأن الوجوب لا حق لا يؤثر فى الامكان السابق .

و ذهب آخرون إلى أنه تعالى لا يعلم غيره لأنه يلزم منه تكثير الصور في ذاته تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

و الجواب : العلم إضافة الصورة وتكثير الاضافات لا يقتضى كثرة الذات .

وذهب آخرون إلى أنه لا يعلم بما لا يتناهى لأن المعلوم متميز و المتميز متناه.

والجواب منع الكبرى.

وذهب آخرون إلى أنه تعالى لا يعلم كل ماعداه والالكان عالماً بأنه عالم ويتسلسل.

و الجواب : التسلسل يلزم من ثبوت أشياء متغايرة لا يتناهى أما من ثبوت أشياء متحدة بالذات ومغايرة بالاعتبار(1)فلا.

المسئلة السابعة عشر، في انه تعالى واحد

قال : و هو واحد لأن اثبات ذاتين لا يتميزان كإثبات ذات واحدة لها حكم ذاتين واتصافهما بما يصح ممانعتهما فليفرض وقوعه فيؤدى الى الفساد. والأقوى الاعتماد على السمع.

اقول : اتفق أكثر العقلاء عليه .

واستدل الشيخ (رحمه الله علیه) بوجوه :

الأول: أنه لو كان في الوجود واجبا الوجود لكانا قد اشتركا في مفهوم كون كل


1) في «لمتحدة الذات و متغايرة الاعتبار».

واحد منهما واجب الوجود ، فإما أن لا ينفصلا أحدهما عن الآخر بفصل مميز ، وإما أن ينفصلا والأول محال لأن الاثنينية لا يعقل مع عدم الانفصال و ليس إثبات ذاتين لا يتميزان إلا كاتبات نات واحدة لها حكم ذاتين من الانفصال والتعدد. ولما كان الثاني باطلاً بالضرورة فكذا الأول والتالى باطل وإلا لزم وقوع التركيب في واجب الوجود فيكون ممكناً هذا خلف.

وهذا إنما يتمنى بعد إثبات كون الوجوب ثبوتيّاً.

قال بعض المحققين : الواجب غير(1)الوجوب ولاريب في كونه ثبوتياً وليس البحث في الوجوب.

وهو غير جيد لأن الواجب من له الوجوب فالوجوب إذا كان أمراً اعتبارياً كان الواجب ذاتاً مخصوصة متصفة بذلك الأمر الاعتبارى فإن عنوا بالاشتراك مع كثرة الواجب اشتراكهما في كون كل واحد منهما ذاتاً موصوفة بامر اعتبارى فهو مسلم لكن لا يدل على التركيب ولا الاشتراك في الذات و إن عنوابه الاشتراك فى الماهية فهو ممنوع.

قال بعض المتأخرين: إذا كان الوجوب مشتركاً كان مغايراً(2)المهويتين فإن استلزمناه كان ممكناً هذا خلف ، وان انعكس فلا اثنينية وان انتفى اللزوم فالاجتماع معلول .

قال بعض المحققين: الخلف يلزم لو كان الواجب ممكناً لا الوجوب أما اذا كانت هويته مستلزمة لوجوبه و ان كان وجوبه محتاجاً إلى هويته لم يلزم منه كون الهوية معلولة للغير بل يلزم منه كون الهوية غير واجبة بانفرادها؛ إنما(3)يكون واجبة بصفة تقتضيها ذاتها .


1) في ب «عين».

2) في ب «متغايراً» .

3) في ا «ان» .

وفيه نظر لأن الواجب إنما يجب بوجوبه فلو كان معلولا كان ممكناً يجوز زواله وحينئذ لا يكون الواجب لانتفاء الوجوب عنه هذاخلف.

والوجه الثانى دليل التمانع وتقريره أنا لو قدرنا إلهين فإما أن يصح من أحدهما فعل يخالف فعل الآخر أولا فإن صح فلنقدّر وقوعه لأن ما لا يمتنع لا يلزم من فرض وقوعه محال والتالى باطل لأن عند وقوع الاختلاف إن حصل مرادهما لزم اجتماع الصِّدِّين و إن لم يحصلا كان المانع من وقوع كل واحد منهما فعل الآخر فيقعان(1)معاً حال عدمهما هذا خلف وان حصل مراد أحدهما كان ترجيحاً من غير مرجح، ولأن من لا يقع مراده ليس بإله لعجزء و إن امتنعت المخالفة فهو محال لأن

هذا كل واحد منهما قادر على مالا يتناهى و القادر يصح منه فعل مقدوره فيصح من الحركة لولا الآخر و من الآخر السكون لولا هذا فمالم يقصد احدهما إلى الفعل لا يتعذر على الآخر القصد الى ضدّه وليس تقدّم(2)قصد أحد هما أولى من الآخر فلا يمنع قصد أحدهما قصد الآخر فتصح المخالفة.

لا يقال : يجوز أن يكونا حكيمين فلا يقصد ان المخالفة ولأن المحال نشاء من التعدّد و مع وقوع المخالفة فلا يستلزم استحالة احد جزئيه(3)على التعيين.

لأ نا نقول: يجوز أن يكون فعل كل واحد من الضدين مصلحة .

و عن الثانى أن التعدد ملزوم(4)لا مكان المخالفة المستلزم للمحال فيكون محالاً فالملزوم محال.


1) فى ب «فيقعا».

2) فی ب «امدم» .

3) في ا «جزئه».

4) في ب «بلزوم الامكان».

الثالث: السمع دل على الوحدة وهو أقوى الأدلة ولا استحالة في استفادة هذا الحكم من السمع فإنه لا يتوقف على الوحدة فلادور و إنما كان هذا اقوى لاشتمال الدليلين الأولين على دعاوى مشكلة.

المسئلة الثامنة عشر، فى ابطال الماهية

*فى ابطال الماهية(1)

قال : و الماهية باطلة ، لأنا نعلم وجوده ، وهو غير(2)الذات والحقيقة .

اقول : ذهب ضرار الى أن الله(3)تعالى ماهية لا يعلمها إلاهو ، للاجماع على قولهم لا يعلم ما هو الا هو لا نا لوراينا ذاته لعلمنا من حقيقته مالانعلمه الآن .

والشيخ ابطل ذلك : بأن ذات الله تعالى هى وجوده و وجوده معلوم فماهيته معلومة .

و قول ضرار عندى قوى والتحقيق فيه أنّ المعلوم لنا ليس الذات ، لأنا أنما تعلم صفاته الحقيقية كالوجود و القدرة و العلم ، و(4)الإضافية كالخالقية والرازقية ، و السببية(5)لكونه ليس لكونه ليس بجسم ولا عرض ولا مرئى ولا في جهة ؛ أما الذات الموصوفة بهذه الا وصاف فهى غير معلومة . وقوله الوجود معلوم إن عنى به المختص به تعالى فهو ممنوع ، و إن عنى به المشتركة فهو ذهنى فإن عنى(6)ضرار بالماهية تلك الحقيقه و الذات فهو حق وصواب و إن عنى به شيئاً آخر فهو جهالة .


1) في ا «مائية» .

2) في ح «عين».

3) في ح «لله».

4) فى ب «او».

5) فى ب «او» .

6) فی ح.

المسئلة التاسعة عشر، فى ان كلامه تعالى حادث

قال : وليس مخاطبا ، متكلما في الازل لقبح خطاب المعدوم .

أقول : اتفقت المعتزلة عليه خلافا للاشاعرة و الكلامية .

و الدليل : ان العالم حادث ، و خطاب المعدوم قبيح عقلا فإنه لا يحسن أن يجلس انسان في داره يأمر وينهى من ليس بحاضر عنده ويعده العقلاء سفيها.

و اثبت ابن كلاب كلاما قديما ليس بأمر ، ولا نهى ، ولا خبر وهو غير معقول لأن كلامهم النفساني إنما اثبتوه بالقياس على الطلب الذي نجده نحن عند الأمر والنهي و اثبتو المغايرة بينه وبين الإرادة بما قدمناه و أما اثبات غير ذلك فليس بمعقول إجماعاً منا ومنهم .

ثم إن الأشاعرة اثبتوا لله تعالى أمرا و نهيا في العدم ، وجوزوا خطاب المعدوم كمن يوصى غيره بأن يأمر ولده بالتعليم بعد موته فإن الولد يصير مأموراً بذلك الأمر.

وهو خطاء فإنّ الأمر توجه إلى موجود (وليس)(1)مع الله غيره ليأمره أن بأمرنا وقد بينا أزيد من هذا فيما سلف.

المقصد السادس في استناد صفاته الى وجوبه تعالى

اشارة

وفيه مسائل:


1) في ب.

المسئلة الاولى، فى أن المؤثر واجب الوجود لذاته

قال : القول في الدلالة على أن الصفات ثابتة من وجوب وجوده فقط (لأن)(1)مدبر العالم إن كان واجب الوجود فهو المقصود ، و إن حائز الوجود افتقر الى مؤثر فيتسلل أو ينتهى الى الواجب بذاته.

اقول : اتفق العقلاء على اثبات موجود (هو)(2)واجب الوجود بذاته(3)والشيخ (رحمه الله علیه) لما أثبت فى أول الكتاب الصانع أثبت هنا وجوبه .

والدليل عليه أن هيهنا موجود بالضرورة فإما أن يكون واجب الوجود و هو المطلوب أو ممكن الوجود فيفتقر الى المؤثر الواجب و إلا لزم إما الدور أو التسلسل وهما باطلان ؛ وقد مضى تقرير الشرطية وبرهان اللازمين ، وهذا برهان قطعى شريف أشير اليه في قوله تعالى أولم يكف بربك أنه عَلَى كُلشي شهيد.(4)

المسئلة الثانية، فى استناد سلب العرضية والجسمية عنه تعالى الى الوجوب

قال : و الموجود إما أن يتعلّق وجوده بغيره بحيث يلزم من عدم الغير عدمه اولا يتعلق ؛ والأوّل ممكن والثانى الواجب لذاته والله تعالى ليس بعرض لأن المعروض صفة تقوم بمحله ، و ما تقوم بغيره فهو ممكن وليس بجسم لما ذكرناه اولا


1) في ب.

2) في ب.

3) في ج «لذاته».

4) حم سجدة - آية 53 .

اقول : لما أثبت الشيخ أبو إسحق (رحمه الله علیه) اولا وجوب وجوده شرع في المسائل اللازمة عنه و هي اربع :

الأولى : أنه ليس بعرض ومهّد لذلك قاعدة : هى أن الموجود من حيث هو موجود إما أن يتعلق وجوده بغيره اولا يتعلّق والثانى الواجب والأول الممكن ونعنى بالتعلق هذا الاحتياج والافتقار كتعلق المعلول ، و المشروط والحال ، والمركب، بالعملة ، والشرط ، و المحل ، و الجزء ؛ إذا ثبت هذا فالعرض يتعلق بالمحل بحيث يستحيل وجوده منفكاً عنه ، ومحتاج فيه إليه ، لتشخصه ، و قوامه بالفعل ، و واجب الوجود لا يفتقر في وجوده إلى غيره فهو ليس بعرض .

الثانية أنه ليس بجسم لأن كل جسم مركب من الجوهر أو من المادة و الصورة وكل مركب مفتقر ، و ذلك ينا في الوجوب الذاتي .

المسئلة الثالثة، فى أنه تعالى ليس له صفة زايدة على الماهية

قال : وليس له وصف زائد على ذاته ، لأنه إن يقوم وجوده به كانت ذاته مفتقرة الى غيره ، و إن لم يتقوّم به فهو معلول ، و عليه إما الذات و يستحيل كونها فاعلة قابلة ، أو غيرها ، ولا علاقة لواجب الوجود بغيره(1).

اقول : هذا مذهب الأوائل و جماعة من المتكلمين ؛ اختاره الشيخ (رحمه الله علیه) استدل عليه : بأنه لو كانت (له)(2)صفة زائدة على ذاته فإما أن تكون مقوّمة للذات ، أو عارضة لها ، والأوّل باطل : أما اوّلا فلانه يلزم افتقاره اليها، و المفتقر ممكن ، و الواجب ليس بممكن: و أما ثانياً فلأن الصفة لا يعقل تقوم الذات بها .


1) فى ا «لغيره».

2) في ا.

والثاني باطل أيضاً لأنها تكون ممكنة حينئذ ، فالمؤترفيها إما الذات أوغيرها و الأوّل باطل وإلا لكان الشيء الواحد قابلاً فاعلاً معاً ، و هو محال ، لأن القابل نسبته الى المقبول نسبة الامكان ، ونسبة الفاعل نسبة الوجوب ولا يصح انتساب الشيء الواحد بالامكان والوجوب .

والثانى باطل وإلا لكان واجب الوجود متعلقا بغيره منفعلاً عنه، و واجب الوجود لا يتعلق بغيره على ما بيناه .

و فى هذا الدليل نظر من وجهين :

الاوّل: لا نسلم استحالة استناد القبول و الفعل إلى شيء واحد و ماذكره غير واضح لأن الإمكان باعتبار القبول لاينا في الوجوب باعتبار الفعل ، و المحال يلزم لو اتحد الاعتبار .

الثاني: لا نسلم امتناع تعلقه بالغير على الوجه الذي ذكره هنا ولا يلزم من استناد صفته الى الغير إمكانه.

والصواب هنا أن الصفات زائدة في المعقولية لا في الخارج .

المسئلة الرابعة، فى انه يستحيل عليه التغير

قال : وليس بمتغيّر ؛ لأن حدوث امر في ذاته ان اقتضاه غيره كانت الذات يقتضى دوام التغيّر .

اقول : اتفق العقلاء عليه إلا القائلين بجواز فيدم الحوادث به تعالى الله عن ذلك.

والدليل عليه أن التغير إما أن يقتضيه ذاته أو غيره و الثاني باطل ، وإلا لكان متعلقاً بغيره ، وواجب الوجود لا يتعلق بغيره والأول باطل أيضاً وإلا لزم دوام التغير لدوام

ذاته فلا يكون التغير تغيراً هذا خلف .

المسئلة الخامسة، فى انه تعالى مبتهج بذاته

*فى انه تعالى مبتهج بذاته(1)

قال : (المؤثر)(2)مبتهج بالذات لأن علمه بكماله الأعظم يوجب له ذلك فكيف لا و الواحد منا يلتذ بكماله النقصانى و كونها في الشاهد من توابع اعتدال المزاج لا ينفى ان يكون فى الغائب لغير ذلك لجواز تعدّد السبب ، ولسنا نقول : إنه يلند بخلق شيء ليجب وجوده أزلاً ، بل هو ملتذ بذاته ؛ و هذه المسئلة سطرنا فيها كتاباً مفرداً و سميناه (ب)(3)كتاب الابتهاج .

اقول : هذه المسئلة مما وافق الشيخ ابو اسحق ره فيها الحكماء وخالف الأمامية و باقى المتكلمين فيها؛ وقد اتفق الجميع على نفى الألم عنه تعالى .

وفي هذه المسئلة مباحث :

الأول فى حدّ اللذة قالوا ؛ هى ادراك و نيل بوصول ماهو عند المدرك كمال و خير من حيث هو كذلك والألم إدراك وقيل لوصول ما هو عند المدرك آفة و شرّ والادراك معلوم والنيل هو الاصابة والوجدان ولابد منهما . أما الأول فلدلالة المعاني(4)عليه بالمجاز و هو محترز عنه في التعريف .

واما الثاني فلان الإدراك قد يكون بحصول الصورة المساوية وهى غير ملتزمة لللنة. و قولنا لما هو عند المدرك كمال وخير لأن الكمال و الخير قد لا يدر كان


1) فى د «بالذات».

2) في ب و ج و د .

3) في ا و ج و د .

4) فى د «الثاني».

من حيث هما كذلك فلا يحصل اللذة بل المعتبر كماليته وخيريته عند المدرك . والخير : هو حصول شيء لما يليق به ذلك الحصول .

و قولنا : من حيث كذلك لأن الشيء قد يكون كمالاً ، وخيراً ، من حيثية دون أخرى ، والالتذاد بختص بالجهة التي هو فيها كمال و خير.

الثاني : إثبات اللغة العقلية وقد نازع فيها جماعة وذلك لأن اللذة هي الكمال ولكل قوة من القوى كمال يخصها فكما أن العين تلتذ بوصول كمالها وهو مشاهدتها للمحبوب، والذوق يلتدّ بوصول كماله إليه ، و هو الطعم اللايق به كذلك القوى العقليّة تلتذ بوصول كمالها إليها ، وهو ادراك الملايم لها .

الثالث : في أن اللذة العقلية أقوى لأن إدراكها أنتم فإنها تصل إلى كنه الحقيقة وتميز الماهية عن غيرها بفصولها(1)، و تفصلها إلى اجزائها ، و تميزها(2)عن أعراضها.

أما الحس فإنه يدرك ظاهر الشيء وأعراضه وايضاً مدرك العقلية واجب الوجود تعالى ، وصفاته ، والأشياء التي لا يجوز عليها التغير كالطبايع الكلية و الماهيات الباقية ومدرك الحس أشياء جزئية متغيرة ممكنة ، عدمية بذاتها مستفيدة للوجود من غيرها ، ولاريب في أنّ الأول أكمل فإدراكه يكون ألذ و أتم بهجة .

و إذ قد تمهدت هذه المباحث فلنرجع إلى الشرح فنقول : الابتهاج اللذة و السرور : و المراد منه الحال التي يحصل لذى الخير والكمال ؛ وقد ادعى المصنف (رحمه الله علیه) ثبوته الله تعالى ؛ لأنه عالم بذاته التى هى أكمل الموجودات و ذاته ملايمة لذاته و إدراك الملايم المكمال للكمال يوجب اللذة ، وكيف لا يكون كذلك و الواحد منا يلتذ بكماله النقصاني فكيف ينتفى عنه هذا المعنى مع بلوغ كماله إلى النهاية القصوى.

احتج المتكلمون بوجهين :


1) في ب «الفصولها» .

2) فى ب «ويميز بها» .

الأول : أن اللنّة من توابع اعتدال المزاج فلا يصح ثبوته فيه تعالى لانتفاء متبوعها و هو المزاج عنه .

الثاني: أن اللذة إن كانت قديمة و هي داعية إلى إيجاد الملتذبه وجب أن يوجد الملتذ به قبل أن يوجد لوجود(1)الداعى و انتفاء المانع و هو الأزل و إن كانت حادثة كان الله تعالى محلاً للحوادث .

و اجاب الشيخ عن الأول بأن كونها فى الشاهد من توابع المزاج لا يقتضى كونها في الغائب كذلك فإنه يجوز تعدد السبب مع وحدة المسبب بالنوع فاعتدال المزاج يوجب اللذة عندنا ولا يلزم من انتفاء السبب انتفاء المسبب .

وعن الثانى أن المحال يلزم لو قلنا إنه يلتذ بفعله ؛ أما إذا قلنا إنه يلتذ بذاته فلا. وقد ذكر المصنف ره أنه صنف كتاباً في هذه المسئلة ، ولم يصل إلينا.

المقصد السابع فى العدل وفيه مسائل :

المسئلة الاولى، في التحسين والتقبيح

قال : القول في العدل: والأفعال قد يستقل العقل بقبح بعضها دون بعض وبحسنه كالظلم ، والانصاف ، والكذب ، و الصدق ؛ لأنه معلوم ولا يستند إلى الشرع لاستقباح الجاهلية له فلابد من العقل ، ولأنا عند كونه ظلماً بحكم بقبحه فالمؤثر فيه نفس كونه ظلماً . و منا من ادعى الضرورة فى ذلك وهو الحق ، ولهذا إذا(2)شككنا في


1) فرب «بوجود» .

2) فى ب «لو» .

النبوة يرتفع قبح الزنا دون قبح الظلم ، و لو كان الحسن الأمر لم يكن أفعال الصانع حسنة و انتفاء النهى مقابلة في القبح انتفاء الأمر فوجب أن يكون أفعاله قبيحة.

اقول : أطلق المتكلمون العدل على العلوم التى لها تعلق بأحكام أفعاله تعالى من حسن الحسن منها و وجوب الواجب و نفى القبيح عنها .

و الأصل الذي يتفرع عليه مسائل العدل معرفة كونه تعالى حكيماً لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب فإذا اثبتوه بنوا عليه مسائل العدل من حسن التكليف ووجوب اللطف ، و غيرهما من المسائل الآتية .

و لما كان هذا الاصل يتوقف على معرفة الحسن والقبح ، و أنهما عقليان ابتدء المصنف (رحمه الله علیه) بالبحث ذلك.

و اعلم أن حقيقة الفعل الاختياري هو ما صدر عن مؤثر على جهة الصحة لاجهة الوجوب وينقسم إلى حسن و قبيح : فالحسن هو ما ليس لفعله مدخل في استحقاق الذّم : و القبيح هو ما لفعله مدخل في استحقاق الدّم و احترزوا في الحدين بالمدخلية عن الصغائر فإنّها و إن لم يستحق بها الدم إلا أن لها مدخلا فيه .

إذا ظهر هذا فنقول : الإمامية والمعتزلة ذهبوا إلى أن من الأفعال ما يحسن لوجوه يقع عليها : أي يقترن بحدوثها قرينة راجعة إلى النفى او الاثبات يوصف لاجل تلك الفرينة بأنها رفع ضرر مثلاً فيقضى العقل بحسنها ؛ ومنها ما يقبح لوجوه يقع عليها أن يقترن بحدوثها قرينة راجعة الى النفى او الا إثبات يوصف لاجلها بانها ظلم مثلا فيوصف بالقبح .

و قالت المجبرة إن الحسن و القبح إنما هو بالأمر والنهي الشرعيين ، والعقل لا يقضى في شيء من الأفعال بحسن ولا قبح .

و اختلفت المعتزلة هنا فقال بعضهم : أن العلم بحسن بعض الأفعال ، و قبح

بعضها ضروری ، و آخرون قالوا : استدلالى . واختار الشيخ (رحمه الله علیه) الأول .

و استدلت المعتزلة بوجوه :

الاول : إنا نعلم بقبح الكذب والظلم، وحسن الصدق و الانصاف و لامدرك إلا العقل أو الشرع و الثاني باطل، وإلا لما حكم به العقل قبل الشرع لكن الجاهلية يحكمون بالحسن و القبح و إن لم يعترفوا بالشرع ، وكذلك البراهمة المنكرون للشرايع.

الثاني : إنا عند العلم يكون الفعل ظلماً نحكم بقبحه و إن لم نعلم سبباً آخر و إذا انتفى هذا الوجه و ساير وجوه القبح لم نحكم بقبحه ، و ذلك ممّا(1)يقتضى استناد القبح إلى كونه ظلماً كما أنا عند علمنا بملاقاة النار، لليابس نحكم بالاحتراق ، فتسند الاحتراق إلى النار ؛ و وكذا هنا .

و ليس هذا استدلالاً بالدوران الظنّى ، بل هو نوع من القضايا البديهية يسمّى الحدستات .

الثالث : لو كان قبح المقبحات مستنداً إلى الشرع لما وقع الفرق بين ما علم قبحه من الشرع ، أو من العقل ، و التالى باطل بالضرورة فالمقدّم مثله بيان الشرطية ظاهر ؛ و بیان نفى التالى : أنا عند تشككنا في الشرع تتشكك في قبح الزنا ، وشرب الخمر ، ولا نشك(2)في قبح الظلم و الكذب.

الرابع : لو كان الحسن بالشرع لما كانت أفعال الله تعالى حسنة والتالى باطل بالاجماع ، فالمقدّم مثله ؛ بيان الشرطية : أن الحسن عندهم هو المأمور به ، والله تعالى غير مأمور ، فلايكون فعله حسناً .


1) فى ب «ما» .

2) في ا «لا يتشكك».

لا يقال : المقتضى لحسن أفعاله انتفاء النهى عنها ، لا الأمر (بها)(1)

لا نا نقول : لو كان انتفاء النّهى محسناً ، لكان انتفاء الأمر مقبحاً لاستحالة إيجاب الصِّدِّين حكماً واحداً فكان يجب أن يكون أفعاله كلها قبيحة ، لانتفاء الأمر عنها . و إلى هذا أشار المصنف (رحمه الله علیه) بقوله : و انتفاء النّهى أى المقتضى للحسن مقابلة في القبح انتفاء الأمر.

الخامس : لولا الحسن و القبح العقليان لم يقبح من الله تعالى شيء فكان يحسن منه إرسال الكذاب ، والخلف في خبره ، و هذا يقتضى ارتفاع الوعد والوعيد ، و فيه إبطال التكاليف ، و فيه من الفساد مافيه.

احتجوا بأن الله تعالى قد كلف(2)بما لا يطاق ، انقد كلف بالإيمان من علم كفره ولوكان قبيحاً لما فعله الله تعالى ؛ ولأنه كلف أبا لهب ، بالإيمان أعنى تصديق الله تعالى فى كل ما أخبر به ، ومن جملتها الاخبار بعدم إيمانه ، وهو تكليف بالجمع بين النقيضين ولأن القبح منفى عن الله تعالى ، بالاجماع و عن العبد ، لأن أفعاله اضطرارية فلا قبيح ولأن الكذب قديحسن إذا تضمّن تخليص النبي ، والاعتذار بالتعريض ، او بالتخلف المانع غير مفيد لجواز اطراده فلا كذب .

و الجواب أن العلم غير مؤثر في الا مكان ، فلا اضطرار وإلا لكان الله تعالى موجباً. و تكليف أبى لهب من حيث الاختيار والاخبار(3)من حيث العلم وهما غير متنافيين لمامر. وكون العبد مضطراً ممنوع لما بينا من عدم تأثير العلم . وحسن الكذب المتضمن للتخليص ممنوع ، بل هو قبيح ولكن العقل يقتضى ارتكاب أضعف القبيحين . والتخلف المانع لا يقدح في الحكم الكلى بقيح الكذب كما أن كذب الحسن أو العقل (في)(4)


1) فى ا و ج .

2) في ا «يكلف مالا يطاق» .

3) في ب و فى ج «الاختيار».

4) فى ب و ج .

بعض الاحكام لا يقدح في المحسوسات، والأحكام المقلية.

المسئلة الثانية، فى أن الله تعالى لا يفعل القبيح

قال : و الصانع تعالى لا يفعل القبيح ، لعلمه بقبحه ، و غنائه عنه ، و اعتباره بالشاهد، والتضرر(1)المدعى ملغى ، حالة الغفلة ، والحسن إنما يفعل لحسنه كالتكليف الذى لاغرض فيه إلا ذلك .

اقول : اتفقت الامامية وباقى المعتزلة على أن الله تعالى لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب .

والدليل عليه أنه تعالى عالم بكل معلوم غنى عن كل شيء وقد أسلفنا فيكون عالماً بقبح القبيح، و عالماً بغنائه عنه ، و كل من كان كذلك فإنه لا يفعل القبيح بالضرورة واعتبره بالشاهد ، فإنّ الواحد منّا ، إنما يفعل القبيح إما لجهله به ، أو لجهله بغنائه عنه فيظن حاجته إليه و إن كان غنيّاً ، و إما لحاجته فمتى انتفت عنه هذه الاحتمالات فإنه لا يفعل القبيح قطعاً.

و قول المصنف ره و غنائه عطف على قوله بقبحه لاعلى قوله لعلمه ، فإنّ العلم با القبح، والغناء عنه لا يكفيان فى الامتناع من الفعل لجواز جهل المتصف بهما ، بالاستغناء فيفعله ، و إذا جعل عطفاً على القبح تضمّن العلم بالغناء وحصوله لاستلزام العلم المطابقة .

لا يقال : إنما لا يصدر منا فعل القبيح لتضررنا بالدم ، والله تعالى لا يتضرر فجاز وقوعه منه .

لأنانقول : التعليل بما ذكرتم باطل لأنا قد ترك القبيح حال الغفلة عن الذم؛


1) في ح «الضرر».

ولا نا نترك القبيح وإن لم يشعر بنا أحد ولأنا قد نترك القبيح وإن زاد نفعه على الضرر الحاصل بالذم .

لا يقال ، نا كمالا نفعل القبيح إلا عند الجهل أو الحاجة كذا لانفعل الحسن إلا عند النفع ، أو دفع الضرر ؛ ولما استحال ذلك في حق الله تعالى بطل قياس الغائب على الشاهد فى انتفاء القبيح عنه تعالى.

لانا نقول : لا نسلم أنا إنما نفعل الحسن للنفع أو دفع الضرر بل تفعله لحسنه كماني شد الصال ونتجي الغريق ، مع انتفاء كل غرض سوى الحسن والله تعالى إنما يفعل الحسن لحسنه فإنه لاغرض له فى خلق العالم و التكليف لهم سوى كونه حسناً وأيضاً فقياس الحسن على القبيح بساطل فاذا فعلنا فعلا لحسنه(1)لايلزمنا(2)كل(3)حسن بخلاف ترك القبيح .

المسئلة الثالثة، فى أنا فاعلون

قال : ونحن فاعلون لأفعالنا الحسنة و القبيحة ، لأنها واقعة بحسب قصدی ، والذم و المدح يتعلّق بهما ، والكسب هذيان ، للزوم القول في فعل القلب على أصلهم و يلزمهم أن لا يكون الله تعالى نعمة على كافر، بل ولا على مؤمن، وأن يظهر المعجزات على الكذاب، فلا يبقى وشوق بالشرايع ، و أن يكون ظالماً، جابرا(4)و التعلق


1) في ب «فعل الحسن» .

2) في ب «لا يلزم» .

3) فی د «بل» .

4) في ب «جابراً».

بالحاجة إلى المرجح و الكلام فيه كالسالف. فلابد من مرجح ملجيء باطل لأن المرجح العلم بما فى العلم من المصلحة له وكذلك فى الوقت على أنّ ذلك بمنزلة طريقين للهارب من السبع ، وقد أجمعنا على عدم اشتراط المخصص و صدور فعل غير مشعور به ليس بشيء ، لأنا استدللنا على العالمية بالأحكام و أين الأحكام فيما يذكرونه .

اقول : اتفقت الامامية والمعتزلة كافة على أنّ العبد فاعل لتصرفاته و ذهب جهم بن صفوان و من تبعه إلى أن الله تعالى خالق لأفعال العبد فيهم و ليسوا محدثين لها ولا مكتسبين و ذهب النجار والأشعري و من تبعهما على أن الله تعالى هو الخالق لأفعال العبد فيهم وهم يكتسبونها(1).

واختلفوا في ماهية الكسب : فقال بعضهم : أن العبد اذا عزم على الطاعة وفعلها خلقها الله تعالى و إذا عزم على فعل المعصية خلقها الله تعالى .

و قال بعضهم : إن ذات الفعل واقعة بقدرة الله ، وكونه طاعة و معصية صفتان يحصل بقدرة العبد.

وقال آخرون: إن قدرة العبد يتعلق بحال الفعل وهى غير موجودة ولا معدومة ، ولا مجهولة ولا معلومة .

أمّا المعتزلة فقد اختلفوا فذهب أبو على وأبوهاشم إلى أن العلم بكوننا فاعلين نظرى ، وذهب ابو الحسين البصرى إلى أنه ضروري و استدل الشيخ ره على قولهم(2)بوجهين :

الأوّل أن أفعالنا واقعة بحسب قصدنا ؛ و دواعينا منتفية عند صوارفنا و ذلك مما يقتضى استناده إلينا ضرورة .


1) في ا «كتسبونها».

2) في ب «على مذهبهم» .

والأولى : أن يستدل بهذا على ضروريّة علمنا بأنا فاعلون (لا على أنا فاعلون)(1)كما استدل مشايخ المعتزلة .

لا يقال: لم لا يجوز أن يكون حاصلاً من الله تعالى وان وقع بحسب دواعين الأنه تعالى قادر عليه فجاز وقوعه منه .

لأ نا نقول: قدرة الله تعالى عليه لا يقتضى القدح في علمنا الضروري بإسناده إلينا .

لا يقال : هل تفضّلون بين خلقه تعالى المفعل بحسب دواعيكم وبين خلقكم لها بحسبها فإن اعترفتم بالفعل فبينوه وإلا جاز أن يكون مخلوقاً فيكم.

لا نا نقول: أجاب قاضي القضاة فقال: الفصل بينهما أنا متى أحد ثناء اقترن به علمنا ضرورة أنه اولا دواعينا لما حدث فإنه يجب حدوثه بحسبها و متى خلق فينالم يجز ان يقترن به هذا العلم لأنه يكون جهلاً وفيه اعتراف بمذهب أبي الحسين ؛ ولقائل أن ينازع فى وجوب اقتران العلم .

الثانى أنّ العقلاء يمدحون المحسن و يذمون المسيىء ولولا علمهم بوقوع الإحسان أو الاسائة منا لما جاز ذلك كما لا يجوز منهم مدح حسن الخلقة لحسنه وذم قبيح الخلقة لقبحه .

لا يقال : المدح و الدّم فرع على كونها فاعلين فلو استدللنا بها عليه لزم الدور.

لا نا نقول : إنما يستدل بهما على العلم بكوننا فاعلين لا على كوننا فاعلين.

وقد أجاب الأشعرى بأن المحال إنما يلزم لوسلينا عن العبد القدرة . أما إذا قلنا إنه مكتب صح توجه المدح ، و النّم إليه و إن لم يكن فاعلاً.

أجاب الشيخ أبو إسحق ره بأن الكسب هذيان إذ هو لفظ لا معنى يحسبه(2)فإنا تردّد ونقول : هل المعبد فعل أم لا ، فإن كان الأول فقد ناقضتم و إذا جاز وقوع فعل ما


1) فى ب و ج.

2) في ح «تحته».

منه ، فلم لا يجوز استناد أفعاله كلها إليه و إن كان الثاني لزمكم المحذور من قبح المدح والدم ، وقبح بعث الرسل، وإنزال الكتب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و غير ذلك .

وألزمهم الشيخ (رحمه الله علیه) في فعل القلب الذى هو العزم على الطاعة والمعصية هل هما من فعله أم لا فإن قالوا بالأول فقد ناقضوا وإلا فما معنى الكسب حينئذ .

تمّ إنّ الشيخ أبا إسحق ره ألزمهم أموراً شنيعة :

الأولى أن لا يكون الله تعالى نعمة على كافر ، ولا على مؤمن : أما الكافر فظاهر فإنه يخلق فيه الكفر والمعاصى عندهم ثم يعذبه عليهما فأى نعمة له عليه في إيجاده الحقير بالنسبة إلى العذاب الدائم؛ و أما المؤمن فلأنه إنما يكون منعماً عليه او فعله لا لمفسدة.

و إذا أسندنا القبائح إليه تعالى عن ذلك جاز أن يكون ما فعله الله تعالى بالمؤمن مفسدة له فلا يكون نعمة. وأيضاً فإن المؤمن عندهم يجوز أن بعد به الله تعالى على إيمانه و امتثال أوامره فأى نعمة له عليه و هذا من أشتع الأشياء و أقبحها .

الثاني: إنا جوزنا استناد القبائح إليه تعالى جاز إظهار المعجزة على يد الكذاب فلا يبقى وثوق بالشرايع .

اجابوا عنه بأنّ التجويز للعدم لاينا في القطع بالثبوت كما في العلوم العادية.

و هذا ضعيف لأن القطع مع هذا التجويز جهل، كيف و عندهم أن جميع الشرور و أنواع القبائح واقعة منه تعالى الله عن ذلك نعم لولم يعلم من عادته تعالى فعل القبائح لم يكن التجويز منافياً للقطع؛ أما مع علمنا فلا.

الثالث: يلزمهم أن يكون الله تعالى ظالماً جائراً لأنه فعلهما وذلك باطل بالا جماع ولقوله تعالى : «و ما ربك بظلام للعبيد» (سورة فصّلت - آية 46)

احتج الخصم بوجوه :

احدها : أن العبد إما أن يكون نسبة الفعل و العدم إليه على السوية أو يجب أحدهما . والثانى يلزم منه الجبر وعدم المكنة و هو المطلوب . والأول لا يخلو إمّا أن يفتقر في إيجاده أحد الطرفين إلى مرجّح غير القدرة أولا يفتقر ؛ و الثاني محال لاستحالة وقوع الممكن المتساوى من غير مرجّح؛ والأول لا يخلو إما أن المرجح من فعله أو من فعل الله تعالى ، والأول يلزم منه التسلسل ، و الثانى يلزم منه الجبر؛ لأن عند حصول ذلك المرجّح يجب الفعل وإلا كان الفعل والترك ممكنين فلابد من مرجح و يتسلسل فلابد من الانتهاء إلى مرجّح ملجيء يجب معه الفعل و ذلك عين الجبر.

أجاب المصنف ده بوجوه :

احدها أن المرجّح ليس أمراً يخترعه فيكون مرجحاً بل علم الإنسان بما في الفعل من المصلحة هو المرجح ؛ و الوجوب لا يستلزم الجبر ، لأنه بالنظر إلى القدرة ممكن و واجب بالنظر إلى هذا المرجح وهو العلم الحاصل من الله تعالى؛ وليس العلم هو المقتضى للفعل . و هكذا إذا علم اشتمال الوقت على مصلحة ، و انتفائها عن وقت آخر فإنه يقتضى إيجاد الفعل في ذلك الوقت .

و ثانيها أن القادر يترجح أحد المقدور ين على الآخر لمرجح كما في الهارب من السبع إذا عنّ له طريقان ، و الجايع إذا حصل له رغيفان متساويان ، و العطشان (حصل)(1)له قدحان فإن الفاعل يرجح أحدهما لالمرجح عند المشايخ .

و ثالثها أنا قد أجمعنا على اشتراط التخصيص فى حق واجب الوجود تعالى و إلا لزم الجبر على قولكم فليكن كذلك في حق العبد .


1) في ح .

الثانى أن العبد لو كان موجداً لأفعاله لكان عالماً بها و التالى باطل بالوجدان فإنا لفعل الحركة وهى مركبة من أجزاء لا يتجزى لا نعلمها ؛ والبطىء يفعل سكنات لا يعلمها فالمقدّم مثله ، والشرطية ظاهرة لان الفاعل بالاختيار عالم بالضرورة لتساوى نسبة آحاد الكل إلى الايجاد ، ولأنه يلزم نفى العلم عنه تعالى .

أجاب الشيخ (رحمه الله علیه) بالمنع من وجوب العلم عند الفعل لجواز أن يصدر عن الإنسان فعل لا يعلمه على سبيل التفصيل؛ ولا يقدح ذلك في عالميته تعالى لأنا إنما استدللنا على عالميته تعالى بوقوع الأحكام في أفعاله لا بمجرد الأفعال فلا ينتقض بوقوع الفعل غير المحكم من العبد.

الثالث لو أراد العبد خلاف مراده تعالى لزم المحال ، و التقدير ممكن لو كان العيد قادراً.

و الجواب مراد الله تعالى يقع لأن قدرته أقوى .

المسئلة الرابعة، فى انه تعالى لا يريد القبيح

قال : وليس القديم مريداً المقبايح من عباده و عندنا لا يكاد الخلاف يتحقق هنا لأن الإرادة هي العلم على ما سبق ، وإن سلمنا قول الشيوخ أمكننا إن يدل عليه بالأمر و النهى و أن الطاعة موافقة للارادة فيكون الكافر مطيعاً و أن الرضا واجب بقضائه وكيف يرضى بالكفر و تعلقهم بادعاء التعجيز(1)ليس بشيء، وأنما يكون عاجزاً أولم يقدر على إجبار هم و قدبينا أنه قادر.


1) فى ب «التعجز».

اقول : اتفقت الامامية والمعتزلة على أن الله تعالى لا يريد القبائح ولا يرضى بها، ولا يحبها، بل يكرهها، وأنه يريد الطاعات والايمان من الكافر (وغيره)(1)(وقالت المجبرة بل القبايح يريدها الله تعالى ويكره الطاعات والايمان من الكافر)(2).

و اعلم أن على قول الشيخ أبي إسحق في أن الارادة نوع من العلم لا يتحقق الخلاف هنا لأنه تعالى عالم بقبح القبيح فالمراد عنده إن كان من أفعال عباده فهو مما أمر به و إن كان من فعله فهو ما(3)دعاء الداعي إليه و الداعي هو الارادة .

أما على قول المشايخ الذين أثبتوا الله تعالى صفة المريدية زائدة على الداعى فيتحقق الخلاف منهم .

و استدل الشيخ على أنه تعالى يريد الطاعات ويكره المعاسى على قول المشايخ بوجوه :

الأول : أنه تعالى أمر بالإيمان ونهى عن الكفر ؛ ولابد في الأمر من طلب و اقتضاء للفعل وهو الإرادة :

الثاني : أن الله تعالى او أراد من أبي لهب الكفر لكان مطيعاً له و التالى باطل بالإجماع فالمقدم مثله ، وبيان الشرطية أن الطاعة موافقة الارادة مع الرتبة كقوله(4):

تمنّى أى موتاً لم يطع ولا يسمى الله تعالى مطيعاً إذا فعل مرادنا لانتفاء الرتبة .

الثالث : لو كان الكفر والفسوق وغيرهما من القبايح بقضاء الله تعالى لوجب الرضا


1) في ب و ج.

2) فى ب و ج .

3) فی ب «ما»

4) فى ج «كقول الشاعر».

به لوقوع الاجماع على وجوب الرضا بقضاء الله تعالى ، لكن الرضا بالكفر كفر.

أجاب بعض المحققين عن الأول : بأن إرادة الفاعل (لفعله(1)) غير إرادة غيره نغيره ، والأمر يدل على الإرادة الثانية، دون الأولى ، و مدعانا هي الإرادة الأولى وكذلك الكلام في الحجّة الثانية : فإنّ الطاعة موافقة الارادة الثانية دون الأولى .

و عن الثالث الرضا بالكفر من حيث هو قضاء الله تعالى طاعة ولا من هذه الحيثية كفر.

وأقول: المتكلمون لم ينازعوا في أن الأمر إنما يدل على الارادة الثانية وكذا الطاعة أيضاً و مدعا هم ليس ذلك(2)و لم يقل أحد إن الأمر يدل على إرادة الفاعل لفعله ولا الطاعة ؛ وقوله الرضا بالكفر من حيث هو قضاء الله طاعة من حيث استناد وجوده إلى الله تعالى ، وكفر لا من هذه الحيثية وهو باطل فإن القبيح لا يختلف بالنسبة إلى الفاعلين ، فإنّ الرضا(3)بالكفر قبيح مطلقاً سواء كان استند إلى الله تعالى أو إلى غيره .

احتج المخالف بأن الله تعالى أو أراد من الكافر الايمان لكان الكافر أقدر من الله تعالى لعدم وقوع ،مراده، و وقوع مراد الكافر ، فيكون الله تعالى عاجزاً وهو باطل بالاجماع : ولأنه تعالى عالم أن الكافر لا يؤمن فإيمانه محال والمحال غير مراد . والجواب عن الأوّل أن العجز إنما يلزم لوقلنا إنه لا يقدر على إجباره على الإيمان وليس كذلك لأن الله تعالى قادر على ذلك على مابينا : أنه قادر على كل مقدور و إنما لم يرد منه الإيمان على سبيل الجبر لانتفاء التكليف حينئذ.

و عن الثاني : أن خلاف المعلوم ممكن من حيث الذات على مابينا ، ولأنه وارد في الطلب على مذهبهم .


1) فى ا ج و د .

2) فى ح و د د «ليس الا ذلك».

3) في ح .

المسئلة الخامسة، فى المتولدات

قال : و يقع الأفعال المتولدة منا أيضاً لتوجه الأمر والنهى إلى الفعل و الترك ؛ وكيف لا وأصل القبايح و هو الظلم و الكذب متولد .

اقول : المباشر من الأفعال عند المتكلمين هو الذي يحدثه العبد ابتداءً في محل قدرته ؛ و المتولد ما يجب حدوثه من المباشر سواء يولّد فى محل القدرة كالعلم(1)أو خارجاً عنها كما إذا حرّكنا جسماً(2)بأيدينا .

و اختلف المتكلمون فى المتولّد هل هو من فعل العبد كالمباشر أم لا فذهب المصنف ره إلى أن كل ما تولد من فعل العبد فهو فعل له سواء تولد عن الفعل المباشر أو عن المتولّد عن المباشر وهو مذهب جمهور المعتزلة .

و قال النظام : إنه لا يفعل إلا ما يوجد في محلّ قدرته ، و ما يتجاوزه فهو واقع بطبع المحل .

و ذهب المجبرة إلى أن الأفعال المتولدة من الله تعالى وليس للعبد فيها كسب كما قالوه في المباشر .

احتج الشيخ أبو إسحق ره بأن المكلف مأمور بالإحسان و منهى عن الظلم و هما متولدان ولا يفعل الأمر والنهي إلا مع القدرة . ثم إن الشيخ استبعد عدم استناد المتولد إلينا بأن أصل القبائح وأشدّها قبحاً هو الظلم و الكذب ، وهما متولدان


1) فى ا «فالعلم» .

2) فی ا «جسمان» .

فكيف ينفى المتولّد عنا ، ولأنه يحسن منّا المدح والذم عليها بل هنا أظهر فإنّ الدّم على الفعل وغيره من الشتم و المدح على الكتابة وغيرها أعرف عند العقلاء من المدح على المباشر و الدم عليه .

احتجوا بأنه إذا التصق جسم بكفى قادرين وجذبه أحدهما حال دفع الآخر ، فليس وقوع الحركة بأحدهما أولى من الآخر و وقوعها بهما محال و إلا لزم اجتماع المؤثرين على أثر واحد .

و الجواب : قوة الجسم قابلة للتجزية فأحد القادرين يغلب بعض الأجزاء ، و الآخر الآخر و حصول الحركة بهما أقوى من حصولها بأحد هما ولولا ذلك لتساوت حركة الجسم عند صدوره عن قادر واحد لها عند صدورها عن قادرين و لم يكن أحدهما أشد من الآخرين(1)، و ذلك باطل قطعاً.

المقصد الثامن في الآلام و الأعواض وفيه مسائل

المسئلة الاولى، فى الوجه الذى يقبح له الألم

قال : والألم يقبح في الشاهد لأنه عبث و هو أن يفعل لغرض ممكن الوصول من دونه ولأنه ظلم : وهو ما لا نفع فيه ، ولا يستحق ولا يشارف للاستحقاق ويدخل في النفع دفع الضرر ولأنه مفسدة ويحسن عند عرائه من هذه الوجوه ، ولا يقبح الألم بمجرد(2)الضرر كالمستحق، ولا يسمّى ضرراً عند الاستحقاق ، والظَّنّ في النفع قائم مقام العلم .


1) في ا «الآخر».

2) في ب «المجرد» .

اقول : ذكر الشيخ وجوهاً ثلثة في قبح الألم:

الأول كونه عبئاً وهو اختيار أبي هاشم : و المراد بالعبث ما يفعل لغرض يمكن الوصول إليه من دون الألم، مثاله من استاجر غيره لينزح ماء البحر و يقذفه فيه أو أنقذ غيره من الفرق بشرط كسر يده ، ولا منفعة له فى كسرها ، ولاغرض فإنّ الألم يقبح هنا قطعاً ولاوجه لقبحه إلا كونه عبثاً لأنه بالعرض خرج عن كونه ظلماً.

الثاني كونه ظلماً وقد حدّه الشيخ بأنه الضرر الذى لا نفع فيه ولا هو مستحق ولا يشارف الاستحقاق ، ويدخل في النفع دفع الضرر فبالنفع يخرج بيع الانسان ثوبه المساوى در همين بثلثة فإنه وإن كان البيع ضرراً من خروج النوب عنه إلا أنه من حيث النفع انتفى وجه العالم عنه ودخل تحت قوله النّفع دفع للضّرر من يقطع بده المتأكلة لدفع التلف ، و خرج بالاستحقاق عقاب الكفار وتأديب العبد ؛ و بقوله : ولا يشارف الاستحقاق الألم الواقع على جهة المدافعة كما إذا دافعنا إنساناً و مانعناه فوقع به ضرر لم تقصده ؛ بل قصدنا الممانعة فإنه لا يكون ظلماً ، ولا يستحق عوضاً ؛ و إنما قلنا : يشارف الاستحقاق ؛ لأن جماعة من المتكلمين ذهبوا إلى أن هذا الألم مستحق(1)، و ليس بجيّد لأن المستحق ما يقع جزاءً على فعل ، و المدافع لم يفعل بعد ولأنه لو حسن الكونه مستحقاً يحسن منا قصد الإيلام .

و منهم من قال : إنما لم يقبح لأن العوض فيه على الله تعالى فإنه ركز في عقولنا حسن المدافعة المفضية إلى الألم كما ذكر في عقولنا حسن ذبح الحيوان ؛ و ليس بجيد وإلا لما حكم منكروا الشرايع بحسنه .

فالاً صوب ما ذكره الشيخ من أنّ هذا الألم يشارف الاستحقاق فلا يكون قبيحاً. ويمكن أن يكون قوله ولا يشارف الاستحقاق احترازاً من المستحق لنوع


1) في ب«يستحق» .

من الألم إذا فعل ما هو دونه من غير ذلك النوع أو مايساويه(1)فإنّ المفعول لم يكن مستحقاً فإنه غير قبيح لأنه يشارف الاستحقاق .

الثالث كونه مفسدة و قبحه على هذا الوجه ظاهر بل قبح كل مفسدة و إن لم يكن ألماً .

و إذا عرى الألم عن هذه الوجوه لم يكن قبيحاً وسيأتي تفصيل ذلك.

ولا يقبح الألم لمجرد الضرر خلافاً لأبي هاشم ، فإن الضرر المستحق غير قبيح و إن كان ضرراً .

قال أبوهاشم : إذا حصل نفع أو دفع ضرر خرج من كونه ضرراً والعاصي يعجل بلدة المعصية في الدنيا فقارنه نفع فلا يكون ضرراً .

أجابه السيد المرتضى (رحمه الله علیه): بأن عبادة الأصنام لالدة فيها ، مع حصول الألم بها.

و قد ذهب قوم من المتكلمين إلى أن الألم في النفع ودفع الضرر يسمى ضرراً.

و منعه المصنف ره لأن من سقى المريض دواء للمعالجة لا يسمّى مضراً به .

و الظنّ فى إخراج الألم من تسميته ضرراً يقوم مقام العلم، فإن من أتعب نفسه في العلم لا يسمّى مضراً بنفسه أقاموا(2)الظنّ مقام العلم فى إخراج الألم من كونه مضراً .

المسئلة الثانية، في الوجه الذى يحسن به الألم

قال : و حسنه به معلوم في الشاهد ، كالمبايعات ، ولا يكون الظلم على هذا


1) في ا «اوما بساوقه».

2) فى ا «أقام» .

حسناً لنقل المنافع لأن نقلها لم يكن مقصوداً فيه ؛ وحسنه لدفع الضرر معلوم كشرب المريض للدواء المر ، وليس فى الشاهد علم متعلق(1)بالتحصيل ، بل الظن.

حتى قال الشيوخ مثله في الأكل ؛ و الضرر المستحق حسن ، والضرر كاف فيه كمن أذنب ، وغاب عنا فإنا ندمه مع جواز توبته .

اقول : اعلم أن الضرر يحسن بوجوه جوه ثلثة ذكرها المصنف (رحمه الله علیه):

الأوّل النفع المتوفر : فإنا نحكم بحسن بيع التّوب المساوى بدرهمين بثلثة مع حصول الضرر بالبيع لوجود النفع المتوفر ؛ والعلم بذلك قطعى ؛ والظَّنّ كاف فيه فإنا نحكم بحسن بيع ما يساوى ديناراً بدينارين، مؤجّلاً عند غلبة الفان بحصول

التمن فى ثانى الحال .

ثمّ إنّ المصنف (رحمه الله علیه) اعترض على نفسه فقال لو كان الضّرر حسناً للنفع لكان الظلم حسناً لأن الله تعالى ينقل المنافع التي الظالم(2)إلى المظلوم ، ولا عاقل يحكم بحسنه، فلايكون ماذكرتموه علة .

و أجاب عنه : بأن المعتبر في حسن الألم كون النفع مقصوداً و الظالم لا يقصد بظلمه نقل منافعه(3)إلى المظلوم فلم يكن حسناً .

الثاني : دفع الضرر ، وحسن الألم به معلوم للعقلاء ، فإنهم يحكمون بحسن شرب الدواء للمريض و إن كان يكرههه ويتألم به لدفع ضرر المرض عنه.

الطن أيضاً قائم مقام العلم فى الباب فإنا نظن حصول الصحة مع القرب ، لا أنا نقطع بها فإنه ليس في الشاهد علم متعلق بتحصيل المعالموب من الشرب ، بل الفن حاصل حتى أن الشيوخ قالوا : مثله في الأكل أى لا يعلم حصول الشبع من الأكل


1) فى ب «يتعلق».

2) في ب «الظلم» .

3) في ب «المنافع».

اجواز أن يخرق الله تعالى العادة .

الثالث كونه مستحقاً ، وحسنه معلوم عند العقلاء فإنهم يستحسنون المطالبة بالدين و أن يألم المدين لما كان مستحقاً و الفن كاف في هذا الباب أيضاً فإنه يحسن منا ذم المذنب إذا غاب عنا مع جواز توبته بناء على بقاء(1)الاستحقاق وليس الاستحقاق بقطعي بل ظنّي .

المسئلة الثالثة، فى الوجه الذى يحسن منه تعالى فعل الألم به

قال : و الصانع تعالى لا يفعل الألم لدفع الضرر لقدرته على فعله ابتداء (و)(2)تهما فعله ، ولالظنّ ما لأنه عالم لنفسه، ولا لأنه يعلم أنه إن لم يولم زيداً فعل ما يستحق (به)(3)العقاب لقدرته على العفو وقدرة العاصى على الامتناع ، وإنما يفعله للاعتبار ولابد فيه من العوض يخرجه عن كونه ظلماً، ولا يفعله العوض فقط ليحسن الابتداء به ، إذ ليس كالنواب المقارن تعظيماً ، وتبجيلاً اقبح الابتداء به .

و اذا ساوى الألم اللذة في المصلحة لم يجز فعل الألم ؛ لا مكان التحصيل بغيره و التفضل بالعوض .

أقول اتفقت المعتزلة على أن الله تعالى لا يفعل الألم لدفع الضرر لوجهين :

الأوّل أنه تعالى قادر على إزالة الضرر المدفوع من دون توسيط هذا الضرر فيكون فعله عبئاً وهو قبيح .

الثاني أن ذلك الضرر المدفوع إما أن يكون من فعله تعالى أرمن فعل غيره ،


1) فى ب «تغاير».

2) في ا و ج .

3) في ب و ج و ا «بالعقاب» .

و الأول باطل لأنه تعالى قادر على أن لا يفعله من دون هذا فيكون فعله عبثاً ولهذا يقبح منا أن نولم زيداً لدفع ألم فعلمناه به ، سواء زاد على الأوّل أو نقص أو ساواه ، و إن كان من فعل غيره كان الله تعالى قادراً على دفع ضرر العالم من دون توسيط هذا الألم فيكون فعله قبيحاً .

و اتفقوا أيضاً على أنه لا يفعل الألم الظنّ ما من جلب نفع أو دفع ضررعن المولم ، أو عنه تعالى : لأنه عالم بكل شيء (ف)(1)يستحيل الظَّنّ عليه.

قالوا و لا يجوز أن يولم زيداً ليمنع من فعل ما يستحق به العقاب و إن كان قد المزع قوم فيه فإنهم قالوا إذا علم الله تعالى أنه أو لم يولم زيداً فعل ما يستحق به العقاب فإنه يحسن منه تعالى فعل الألم به دفعاً لضرر العقاب عنه، ولا يستحق بهذا الألم عوضاً لمافيه من النفع. و الشيخ المصنف ره أبطل هذا بوجهين :

الأول أن الله تعالى قادر على العفو المسقط للعقاب فيكون توسط الألم قبيحاً لكونه عبثاً .

الثانى أن العاصى قادر على الامتناع فهو قادر على دفع ضرر العقاب عن نفسه يغير ألم فدفعه بواسطة الألم منه تعالى يكون قبيحاً .

قال السيد المرتضى (رحمه الله علیه): العاصى متمكن من إزالة القبيح بالتّوبة فلا يحسن منه فعل الألم به و هو يتأتى عند القائلين بوجوب قبول التوبة عقلاً إلا أن يعنى السيد الوجوب الشرعى فحينئذ يتمنّى كلامه .

و إذا ثبت هذا فالاً لم الذى يفعله الله تعالى في الدنيا للاعتبار و اللطف و يفعله في الآخرة للاستحقاق : أما فعله للاعتبار فإنه جهة حسن فجاز فعله و أما الاستحقاق فقد تقدّم حسنه ولا بد فى الأوّل من العوض وإلا كان ظالماً .


1) فى ح .

واختلفوا فقال أبو على: إنه تعالى يفعل الألم للمعوض؛ وخالف(1)السيد المرتضى (رحمه الله علیه) و هو قول شيخنا المصنّف (رحمه الله علیه).

وقال بعض المعتزلة إن كونه لطفاً كاف في حسنه إن كان لطفاً لنفس المكلف .

احتج الشيخ المصنف ره بأن العوض يمكن الابتداء به فكان توسط الألم عبثاً، والعبث منفى منه تعالى.

لا يقال هذا ينتقض بالثواب فإنه يحسن الابتداء به كالعوض فيكون توسط التكليف قبحاً .

لأ نانقول: الفرق بينهما ظاهر فإن النواب الدائم الذي يقارنه التعظيم والتبجيل يقبح الابتداء به، ولا يحسن فعله إلا بالاستحقاق بخلاف العوض المنقطع الذى لا يقارنه التعظيم فانه يجوز الابتداء به.

احتج أبو على بأن العوض المستحق يقبح الابتداء به ؛ والعوض المستحق ليس کا لتفضل به .

والجواب الفرق بين النفعين إنما في الشاهد ؛ أما في حقه تعالى فإنه المتفضّل علينا وكيف لا يطلب تفضّله.

واختلفوا في إذا أمكن تحصيل الأطف بغير الألم من لذة أوغير ها هل يجوز فعل الألم أم لا ، منع منه الشيخ أبو إسحق المصنّف وجوزه السيد المرتضى وأبوهاشم.

احتج الشيخ بأن الألم إنما يحسن فعله ، للطف والعوض؛ و اللطف هيهن بحصل باللذة ، والعوض يحصل بالتفضّل . فكان توسط الألم عبثاً .

احتج السيد المرتضى بأن المنفعة و اللطف يخرجان الألم عن كونه ظلماً و عبثاً فساوى اللذة .


1) فى د «خالفه».

والجواب المنع من المساواة ، إن الألم إنما يحسن للمصلحة ، وقد أمكن تحصيلها من دونه فكان توسطه عبثاً ؛ أما اللذة فانه يحسن فعلها ابتداء .

المسئلة الرابعة، فى ابطال قول البكرية و التناسخية

قال و قول البكرية هذيان ؛ لأنا نعلم بألمنا أطفالاً ، وتألم البهائم . و قول التناسخيّة أقرب منه ؛ وقد قال شيوخنا القدماء به وهو باطل ؛ لوجوب تذكره ، و وقوع الألم في المعصومين ، و وجوب مقارنته الاستحقاق له ، و وجوب الهرب منه و الفزع و الجزع . وقد قد مناه في فعل غير المستحق ما يبطل قولهم جملة .

اقول : ذهب البكرية وهم قوم منتسبون إلى بكر بن أخت عبد الواحد إلى أن الأطفال والبهائم لا تألم ، وبنوه على أصلهم أن الألم إنما يكون حسناً بالاستحقاق لاغير. و ذهبت التناسخيّة إلى أن الألم إنما يحسن بمجرد الاستحقاق؛ قالوا : فالطفل المتألم إنما حسن ألمه ؛ لأنه قد كان قبل في هيكل أذنب فيه ، فاستحق العقاب ، فلما انتقلت روحه إلى هذا الهيكل الآخر عذب بالذنب المتقدم ؛ وكذا البهائم . و بنوه على أصل هو أن النفس شيء مجرّد عن(1)هذا الهيكل المحسوس .

والقولان باطلان : أما الأول فلانا نعلم بالضرورة أنا نتألم حال طفوليتنا ، بل قبل بلوغت نلحظ ألماً شديداً حاصلا بالاختراع الذى لا يقدر عليه إلا الله تعالى . وكذلك تعلم بألم البهائم ، و شدّة ما تجدّده عند قربها من النار ، وغيرها من الموذيات علماً ضرورياً لا يقبل التشكيك و أما الثانى فهو أقرب من الأول، وإن كان محالاً أيضاً. وأمّا و وجه كونه أقرب أنه إنكار العلم كسبى هو إبطال التناسخ بخلاف الأول الذى :


1) في ا «غير».

هو إنكار المعلوم ضروري هو وجود الألم .

وقد نقل الشيخ أبو إسحق (رحمه الله علیه) عن بعض قدمائنا القول به ؛ وهو مروى عن زرارة بن أعين(1)من علمائنا المتقدمين .

والدليل على فساده وجوه :

الأول اوكان الألم بسبب الذنب الصادر عنا في هيكل آخر أوجب أن تتذكر أحوالنا في ذلك الهيكل و التالى باطل بالضّرورة فالمقدّم مثله .

ولقائل أن يقول : جاز أن يكون التذكر مشروطاً بذلك الهيكل الأول .

الثانى أن الألم يقع فى المعصومين ، كالأنبياء و الأئمة ، فإنّ الله تعالى يمرضهم مع امتناع صدور الذنب عنهم قبل البعثة و بعدها و أيضاً فإنهم على تقدير الإصرار على الذنب . يجب الاستحقاق الاستحقاق بهم عند أمراضهم وذلك باطل بالإجماع .

لا يقال: لا يجوز الاستحقاق بهم عند المرض لجواز صدور التوبة منهم.

لانا نقول : قبول التوبة عند التناسخية واجب فكان حلول المرض فيهم ظلماً فعلمنا أنهم لم يتوبوا .

الثالث كان يجب الاستحقاق(2)بالبهائم والأطفال عند مرضهم ؛ لأنهم مذنبون حينئذ والتالى باطل بالإجماع .

الرابع أن الآلام الواقعة على جهة العقوبة يحسن الجزع منها ، والهرب والفزع إلى الله تعالى والتضرع إليه في إسقاطها ؛ وسؤال العفو عمن حلت(3)به والأمراض بالعكس فإنا مأمورون بالصبر عليها وترك الجزع والحزن فعلمنا أنها ليست عقاباً .

الخامس قدبينا أن الألم يحسن وإن لم يكن على جهة الاستحقاق وذلك يبطل


1) في ا «ایمن».

2) في د «الاستخفاف» .

3) في ا «عن الحلف به».

قول التناسخية و البكرية جملة ؛ لأنهم بنوا أصولهم عليه وأيضاً لاخلاف فى حسن التكليف المبتداء وهو شاق و ليس بمستحق إذ كلامنا في تكليف لا تكليف قبله .

المسئلة الخامسة، في اثبات العوض على الله تعالى

قال : والألم المبتداء منه سبحانه في المكلف و غيره من غير علقة العبد عليه عوضه ؛ وكذلك الآلام الواقعة بأمره وإباحته مع عدم الاستحقاق كفعله ولاعوض على ذابح الشاة ، وإلا لم يكن الفعل حسناً كذابح السنور . وأيضاً فالعوض لا يربو (1)على الألم ويحسن منا أن نبتدء بذبح المحرمات. وفاعل القتل دون الأمر يلزم(2)العوض لاختلاف الأمرين في التحسين ؛ واللطف في الدبح وإن تحقق فعدم وجوبه بغير مصلحة فإن علم سبحانه و تعالى وقوعه وإلا قام(3)غيره مقامه وقد يكون نافي العبثية ة الأكل(4)و أمثاله ؛ والإلجاء أكد من الأمر . و ليس الهرب من السبع على التوكة ملزم القديم (عوضاً)(5)بل الابتداء(6). والمعرفة حاصلة من قبيل إقدامه وفى استخدام العبيد عوض لهم عليه ؛ وجهة النواب غير جهة العوض .

اقول : اتفق أهل العدل على وجوب العوض على الله تعالى فيما يفعله من الالام المبتدأة فى المكلّف و غيره من غير علقة العبد وإلا كان ظلماً ، واحترزنا بالمبتداة


1) في «يرى» و فى ج لا «يوفي» و في د «يربي».

2) فی ج «یلزم».

3) في ح «أقام» .

4) فى ب «في الاكل».

5) ب و ج .

6) فى ج و د «بل الاسد».

عما يفعله بالاستحقاق كحد الزانى، وبمن غير علقة العبد عمّا إذا ألقينا إنساناً في النار فمات ؛ فإنّ المولم له هو الله تعالى ؛ و العوض على الملقى ؛ لان العادة و اطرادها اقتضت إيلامه ؛ ولا فرق بين ما يفعله للعوض أو للطف ؛ خلافاً لعباد سليمان فإنه قال: الألم الذى يفعله لمجرد اللّطف لا يجب فيه العوض ؛ والحق خلافه لا نه ظلم فلا يحسن وكذلك الآلام الواقعة بأمره كالأضحية و النذور والقرب، والآلام الواقعة بإباحته كذبح الشاة ، والآلام الواقعة بايجابه إذا لم يكن مستحقه كحد الزانى فإنها بمنزلة فعله يجب فيها العوض عليه تعالى .

ولا عوض على ذابح الشاة لوجوه :

الأول : لو كان العوض عليه لما وقع الفرض بينه وبين ذابح السنور في الحسن و التالى باطل بالضرورة فالمقدّم مثله .

الثانى أن العوض لا يربو على الألم أى لا يزيد عليه . والألم المساوى لا يحسن بل لا بد وأن يكون بالغاً مبلغاً يستحقر الألم في جنبه كأعواض الأطفال، يمرضهم الله تعالى .

الثالث أو كان العوض علينا يحسن منا ذبح المحرمات ابتداءً لأن العوض علينا، ولما لم يحسن ذلك فكذا هيهنا ، و هذا قريب من الأول .

اعترض الشيخ على نفسه ، بأن فاعل القتل يلتزم العوض دون الأمر فلم لا يكون العوض في الشاة على الذابح، دون(1)الآمر .

و أجاب بالفرق بين الأمرين فإنّ الأمر لا يحسن أمره بفعل القتل لأن الأمر ظالم ليس له عوض زائد على الألم الدّاخل على المقتول بحيث يقتضى حسنه ؛ أما الله تعالى إذا أمر بذبح الشاة فإنه غير ظالم وعنده من الأعواض ما يزيد على الألم ، فكان مقتضياً لحسن الذبح .


1) فی ب «لا».

و اعترض الشيخ على نفسه بسؤال آخر : وهو أن الألم إذا كان يتضمن الأطف وتحصيله واجب على المكلف ، أو مندوب - فليكن ذبح الحيوانات واجباً أو مندوباً لاشتماله على المصلحة ، وليس كذلك بل هو مباح.

وأجاب عنه بأنه وإن كان لطفاً إلا أنه لم يجب على الواحد منا لأن مصلحته قد تكون لغيره ، و تحصيل مصلحة الغير على الواحد منا غير واجب و المصلحة و إن وجبت على الله تعالى فإنا إن ذبحنا الحيوان فقد حصلت وإلا فعلى الله تعالى هنا(1)ما يقوم مقامه في اللطف : و أيضاً الألم يحسن إذا تضمن مصلحة ، إمادينية أو دنيوية فمعها ينتفى العبث ، و مع العوض ينتفى الظلم ، والأكل و شبهه مصالح دنيوية لا يجب علينا تحصيلها إلا عند الحاجة إليها فلا يكون الذبح واجباً و إذا ثبت وجوب العوض عليه تعالى عند الأمر والإباحة ثبت وجوبه عند الإلجاء فإنه إذا ألجأ زيداً بإ يلام عمرو كان العوض عليه تعالى لأن الإلجاء أكد من الأمر فإذا وجب العوض عليه في الأمر والإباحة ففى الإلجاء أولى .

و اعترض الشيخ (رحمه الله علیه) على نفسه بالهرب من السبع على الشوك فإنّ العوض على السبع و إن كان الله تعالى هو الملجيء بخلق المعرفة بضرر السبع .

أجاب الشيخ عنه بأن الماجي. هنا هو السبع لأنه الملجيء حقيقة وخلق المعرفة ليس بالجاء لحصولها قبل الإقدام مع عدم الهرب، و الهرب إنما حصلت من الاقدام و الملجيء ، لا الله تعالى .

و أما استخدام العبد فإنه يوجب عوضاً على الله تعالى لأنه الأمر به فكان كذبح الشاة.

لا يقال : العبد يثاب على طاعة السيد فلا يكون له عوض عليه .


1) فى ا «بنا» وفى ج «منا».

لا نا نقول : لا استبعاد فى اجتماع النواب والعوض من حيثيتين ، فإنّ جهة التواب طاعتهم الساداتهم ؛ وجهة العوض إلزامهم المشاق بمنع التصرف في أنفسهم . أو(1)نقول : هيهنا(2)شيئان : إباحة الاستخدام للسادات والعوض فيه على الله تعالى (كالذبح و أمر العبد بالامتثال والثواب فيه عليه تعالى)(3)فاختلف الجهتان(4).

المسئلة السادسة، في الانتصاف

قال : وهو تعالى بالتمكين ضامن للانتصاف لا العوض(5)كدفعى سيفاً إلى شخص ليقتل به كافراً ، فيقتل به مؤمناً ، ولا يجوز أن يمكن به أحداً من الظلم الاوله من الأعواض ما يوازى ظلمه وإلا كان تعليقاً للواجب بالتفضّل وهو غير جائز .

اقول : إذا مكن الله تعالى الظالم حتى فعله مع قدرته على منعه بالجبر فلابد من عوض ولا يجب عليه تعالى ، فإنّ الواحد منا إذا دفع إلى غيره سيفاً ليقتل الكافر به فيقتل به مؤمناً فإنه لا يستحق العوض على الدافع كذلك الله تعالى أعطى العبد قوة ، يتمكن بها من فعل الطاعة ففعل بها الظلم ، فالعوض عليه ، نعم إنه يجب عليه الانتصاف لتمكينه وقدرته على المنع بالقهر فإنه لولا ذلك لماحسن منه التمكين ؛ والانتصاف :

هو بأن يستو في من الظالم من منافعه التي يستحقها على الله تعالى ما يقابل فعله .

و اختلف الشيوخ هنا فى أنه هل يجوز ان يمكن الله تعالى الظالم من الظلم


1) فى ب «اذ».

2) في ب «هنا».

3) في ا و ج.

4) في ب «الحيثيتان» .

5) في ا «للمفوض».

وليس له من المنافع ما يوازى فعله املا ، فذهب الشيخ أبو إسحق (رحمه الله علیه)، والسيد المرتضى (رحمه الله علیه) الى أنه لا يجوز أن يمكن الله تعالى من الظلم من ليس له في الحال من المنافع ما یوازی ظلمه.

و قال أبوهاشم : إنه يجوز إذا علم الله تعالى أنه يكتسب من الأعواض ما يوازى فعله .

وقال أبو القاسم البلخى إنه يجوز مطلقاً ويتفضّل الله تعالى عليه .

قال أبوهاشم : ردّاً على أبي القاسم إن التفضّل غير واجب والانتصاف واجب، وتعليق الواجب بغير الواجب محال .

قال الشيخ أبو إسحق و السيد رحمهما الله التبقية تفضّل غير واجب والانتصاف واجب فلا تعلق(1)بها(2)وهو لازم .

المسئلة السابعة، في انقطاع العوض

قال : و العوض منقطع و الألم يحسن تحمّل ضرر شاهداً ، وإلا لماجاز إيلام الكافر المكلّف و احترامه وحديث الغم والضرر هذيان لجواز وصول العوض في الدنيا أو جعله بحيث يشعر الإنسان بانقطاعه .

اقول: ذهب أبو على إلى أن العوض دائم كالنواب وخالفه الشيخ أبو إسحق (رحمه الله علیه) و قال إنه منقطع و هو اختيار السيد المرتضى وأبى هاشم و قاضي القضاة ، و احتج الشيخ بوجهين :


1) فى د «تعلق» .

2) في ب «بهما» .

الأول : أن دوام العوض لو كان شرطاً لما حسن من دونه والتالى باطل بالوجدان فإنا استحسن تحمّل المشاق والآلام لمنافع منقطعة فالمقدّم مثله .

لا يقال: هذا لا يأتى فى العوض عليه تعالى .

لأنانقول : من قال : بدوام العوض جعله دائماً في نفسه ، شاهداً أو غائباً .

الثاني : لو كان الدوام شرطاً لما جاز إيلام الكافر واحترامه(1)و التالى باطل فالمقدّم مثله : بيان الشرطية أنه بكفره يستحق العقاب الدائم و بإيلامه يستحق العوض الدائم و الجمع بينهما محال .

أجاب أبو على بوجهين :

الأوّل أن العوض يتحبّط بالكفر .

الثاني أنه يخفّف عقابه .

وربما أجاب أصحابنا عن الأول بأن الاحباط في نفسه باطل ولا تتأتي هنا لأن الطاعة و المعصية متنافيان، لاقتضاء الطاعة التبجيل و المعصية الاستحقاق فلا يمكن الجمع بينهما بخلاف العوض الذى لا تعظيم فيه فإنه غير مناف للاستحقاق .

و عن الثاني : أن العوض فى الآخرة هو النفع بالاتفاق .

احتج أبو على بأنه لولا دوامه لزم التسلسل و التالى باطل فالمقدّم مثله بيان الشرطيّة أن القطاعه يوجب الغم و الحزن والضرر ؛ وذلك ألم يستحق به عوضاً آخر فإن كان دائماً فهو المطلوب وإلا تسلل .

والجواب يجوز أن يعوض الله تعالى فى الدنيا عوضاً يوفى على الألم كما في حق البهائم التى لا يجب حشرها والكفار وأيضاً ويجوز أن يوصلها الله تعالى إلينا ولا يشعر بانقطاعها فلا يلحقنا عم فيبطل ما قاله.


1) فى ا و د «خترامه».

المسئلة الثامنة، فى ان العوض (لا يسقط) بالهبة والابراء

*فى ان العوض (لا يسقط)(1)بالهبة والابراء

قال ولا يسقط العوض بالهبة والإبراء في الدارين معاً كما لا يسقط فى حق اليتيم و المحجور عليه بابرائه منه و العوض يزيد بالتأخير إن كان في التأجيل مصلحة و الافلا .

اقول : ذهب الشيخ إلى أن العوض لا يسقط بالهبة ولا بالإبراء في الدارين معا لعدم العلم بمقداره ، ولأن الاستيفاء ليس إلينا بل المستوفى هو الله تعالى فكان حالنا حينئذ كحال المحجور عليه واليتيم الذى لا يصح له التصرف في ماله بالهبة والإبراء.

واعلم أن العوض إن كان فى تأجيله(2)مصلحة جاز تأخيره بشرط أن يزاد العوض فيه وإلا لم يجز .

المقصد التاسع فی افعال القلوب و نظائرها

اشارة

يريد بافعال القلوب : الأفعال الصادرة عن الإنسان في القلب كالعلم والإرادة وشبههما من الشهوة والنفرة وغيرهما . ويريد بنظائرها ما هو متعلّق بالإنسان، بواسطة الحياة كالقدرة و شبهها و هذا المقصد يشتمل على مسائل :


1) فى ا و ج .

2) ا و ب و ح «تعجيله» .

المسئلة الأولى في العلم

قال : القول فى أفعال القلوب ونظائرها : العلم معرفة المعلوم على ماهوبه.

اقول : هذه المسئلة قد مضى البحث فيها في أوّل الكتاب فلاحاجة إلى إعادتها هذا .

المسئلة الثانية، في جواز تعلّق العلم بمعلومين

قال فقد يتعلق العلم الواحد بمعلومين كعلمنا بمنافات الحركة للسكون فإنّه لولا أن اعلم به كلاهما لم يصح الأول.

اقول : اختلف المتكلمون هنا . فقال الشيخ أبو إسحق المصنف (رحمه الله علیه) إن العلم الواحد يتعلق بمعلومين ؛ وإليه ذهب الجبائي ؛ وأوجب ذلك أبو منصور البغدادي .

و قال القاضي أبو بكر كل معلومين يصح أن يعلم أحدهما مع الذهول عن الآخر في العقل يجوز أن يتعلق بهم اعلم واحد ، والظاهر أن الشيخ اختار هذا ، لأنه أتى بلفظ قد الدالة على التقليل ، ويمثل بالمنافات بين الحركة والسكون الذى لا يعقل الامعها .

و قال آخرون : إن العلم لا يتعلق بمعلومين.

و قال بعض المتأخرين إن فرنا العلم بالتعلق لم يصح لأنه يصح أن يعلم كون الشخص عالماً بأحد المعلومين مع الذهول عن كونه عالماً بالآخر و إن فرناه بما يوجب التعلق لم يمتنع ؛ لأن العلم المتعلق بكون السواد مضاداً المبياض إن لم يكن هو بعينه متعلقاً بهما لم يكن متعلقاً بالمضادّة التي بينهما ، بل المطلق المضادّة

وليس كلامنا فيه، بل فى العلم المتعلق بالمضادة المخصوصة و إن(1)كان متعلقاً بهما فهو المطلوب .

تم أبطل قول أبي بكر بأن العلم بمضادة السواد (والبياض لما ثبت أنه متعلق بالسواد والبياض مع أنه يصح أن يعلم السواد)(2)وحده مع الجهل بالبياض فقد (تعلق)(3)ذلك العلم بأمرين يصح العلم بأحدهما دون الآخر.

قال بعض المحققين : إذا فسرنا العلم بالتعلق جاز تعلق العلم بالمجموع وتكون الأجزاء داخلة فيه ، وحينئذ قد يتعلق بأمرين وأنت حكمت بامتناع ذلك . واستدللت على الامتناع بصحة تعلّق العلم باحد المعلومين مع الذهول عن كونه عالماً بالآخر وهذا لا يتأتى هنا .

وفيه نظر لأن التعلق نوع من الإضافة ويتغاير بتغاير المضاف إليه قطعاً فنحن نمنع اتحاد التعلّق بين العلم و المجموع و بينه وبين الأجزاء نعم لاريب في الاستلزام عند الاعتبار ، أما الاتحاد فلا.

قال و أيضاً كان يجب أن يقول مع الذهول عن الآخر وهو قال مع الذهول عن كونه عالماً بالآخر ، وذلك لأن المطلوب هذا التعلق بمعلومين لا بمعلوم، وبالعلم بمعلوم آخر.

و فيه نظر لانا لو قلنا كما قال لكان الذهول صفة المشيء العالم فيصير التقدير أننا نعلم كون الشىء عالماً بأحد المعلومين و نعلم كونه ذاهلاً عن الآخر وذلك يدل على التغاير إلا أن يكون ممنوعاً ولا دليل عليه ؛ أما إذا قلنا كما قال المتأخر كان الذهول صفة لنا فيصبر التقدير أنا نعلم كون الشيء عالماً بأحد المعلومين و نذهل عن


1) فى ا «فان».

2) في ا و د .

3) في ب و ج و د .

كونه عالماً بالآخر فلولا التغاير في علمه(1)لاستحال ذلك لأن التقدير أن العلم التعلق ويستحيل أن يعلم كون الشيء متعلق بأحد المعلومات ونذهل عن كونه متعلقاً بالآخر إذا كان المتعلقان(2)واحداً .

قال و ايضاً على تقدير تفسير العلم بما يوجب التعلق جعل العلم بمطلق المضادة غير متعلق بشيئين(3)و ذلك غير معقول لأن المضادّة لا يعقل إلا بين شيئين بل يكون الابين النيئان شاملين لكل ما يقع عليه اسم الشيئية ولافرق بين المضادة المطلقة وبين المضادة المخصوصة إلا بعدم التعيين ووجوده فيما يتعلق المضادّة(4)بهما ولا يختلفان من حيث تعلقها(5)بمعلومين .

و فيه نظر فإن قوله وليس كلامنا فيه بل فى المضادّة بينهما لا يقتضى كون العلم بالمضادّة لا يتعلّق بشيئين مطلقين ولا تعرض له بل قال : إنّ البحث في المضادّة التي بين السواد و البياض فيجب أن يأخذ المضادّة المخصوصة في البيان لا مطلق المضادة قال وإبطال قول المجوّزين بقوله العلم بالسواد والبياض متعلق بأمرين يصبح العلم بأحدهما مع الجهل بالآخر غير صحيح لأن كلامهم في المضادّة المتعلقة بهما و تصوّر السواد وحده غير تصوّر المضاد للبياض فليس ما يصح العلم به مع الجهل بالآخر و هو أحد الشيئين الذين يتعلّق العلم بهما وهو جيد .

المسئلة الثالثة، فى اختلاف العلوم باختلاف المعلومات

قال : والعلوم المتعلقة بالمعلومات المختلفة ، مختلفة ؛ لأن النظر مناف للعلم.


1) في ب «علیه» و فی د «علميته» .

2) فى ب و ج «التطلقان».

3) فى ب «بشيء».

4) في و ج «بالمضادة بهما».

5) فی ح «تعلقهما» .

بالمداول(1)و مشروط بالعلم بالدليل .

اقول : اختلف المتكلمون فذهب قوم منهم إلى أن العلم المتعلقة بالمعلومات المختلفة كحدوث الأجسام ووجود الصانع تعالى مختلفة وقال آخرون: إنها متماثلة لأنها متفقة في كونها علوماً ومختلفة باعتبار التعلقات العارضة . والشيخ أبو إسحق ذهب إلى الأول : واحتج عليه بأن من صورة النزاع العلم بالقليل و العلم بالمدلول (وهما مختاغان فالباقى كذلك : بيان اختلافهما : أن النظر الذى هو طلب العلم بالمدلول مناف للعلم بالمدلول)(2)لأن طلب الحاصل مجال ، و مشروط بالعلم بالدليل فالعلم بالدليل يخالف العلم بالمدلول لأن المنافي لا يصح أن يكون مثله شرطاً لاتحاد المثلين في التنافي والاشتراط(3).

المسئلة الرابعة، فى مباحث متعلقة بالارادة

قال والإرادة منا القصد ومن الصانع العلم الداعي ، والفرق بين الإرادة و الشهوة أن الإنسان المريض ينفر طبعه عن الدواء المر ، ويريده وليست إرادة الشيء كراهة ضده لوجودها حالة الغفلة عن الضدّ .

والعزم إرادة جازمة حصلت بعد تروه .

والمحبة الإرادة لكن منه إرادة الثواب ، و منا إرادة الطاعة .

والرضا قيل : إنه الإرادة ، وقيل : ترك الاعتراض ؛ والإرادة لاتراد كالشهوة لاتشتهي ، والتمني لا يتمنى .


1) فى ب «بالمعلوم» .

2) في ا .

3) في ا «و للاشتراط» .

اقول في هذه المسئلة مباحث :

الأول فى الإرادة فينا فذهب قوم إلى أن الإرادة فينا : هي نفس الداعي .

و الشيخ أبو إسحق (رحمه الله علیه) أثبت زائداً عليه و هو اختيار أبي الحسن البصرى فإنّ الانسان قد يعلم ما في الفعل من النفع (ثم يجد ميلاً و قصداً إلى الإيجاد زايداً عليه وقد يعلم ما فيه من النفع)(1)ولا يقصده فلا يوجد وذلك يدل على ثبوت أمر زايد على الداعى فى حقنا .

الثاني أن الإرادة في حقه تعالى هى نفس الداعى ليس أمر زائداً عليه ؛ ذهب إليه الشيخ أبو إسحق (رحمه الله علیه) و اختاره ابو الحسين أيضاً .

و قال السيد المرتضى (رحمه الله علیه) : إنّ الإرادة في حقه صعة زائدة على ذانه و قدمضى البحث في ذلك.

الثالث : الفرق واقع بين الإرادة و الشهوة فإن الشهوة إرادة تتضمّن التذاذاً بالمشتهى والإرادة مجرد القصد ومع هذا فإن المريض يريد شرب الدواء المر ولا يشتهيه بل ينفر طبعه عنه وذلك يدل على المغايرة .

الرابع : ذهب قوم إلى أن إرادة الشيء كرامة ضدّه ؛ و الشيخ أبو إسحق المصنف ره أبطل ذلك بأنا قد نريد شيئاً حال الغفلة عن الضد وذلك يوجب المغايرة .

و الحق أن إرادة الشيء يلزمها كراهة الضد بشرط التفطن له فهؤلاء أخذوا لازم الشيء مكانه .

الخامس : العزم إرادة جازمة حصلت بعد التردّد بسبب الدواعي المختلفة ، المنبعثة عن الآراء(2)العقلية ، وعن الشهوات والنفرات المتخالفة ، وان لم يوجد ترجيح لأحد الطرفين حصل التحيّر و إن وجد حصل العزم فالإرادة المبتداة لاتسمّى عزماً ؛ و لهذا لا يوصف الله تعالى بالعزم .


1) فى ا .

2) في ح «الارادة» .

السادس : المحبة هى الإرادة لكنها من الله تعالى لنا هي إرادة الثواب ، و منا في حقه تعالى هى إرادة الطاعة . فهذا معنى ؛ وقد يطلق المحبّة على معنى آخر باشتراك الاسم : وهى تصوّر كمال من لذة أو منفعة أو مشاكلة كمحبّة العاشق لمعشوقه والمنعم عليه المتعمه و الصديق لصديقه .

السابع الرضا قيل : إنه الإرادة ذهب أبو الحسين الأشعرى إليه . وقيل إنها عبارة عن ترك الاعتراض ؛ و العجب أن أبي الحسن فسّر المحبة والرضا بالإرادة ، وعنده الكفر مراد فيكون محبوباً ومرضيّاً به وذلك ينا في قوله تعالى : والله لا يحب الفساد وقوله: ولا يرض لعباده الكفر.

الثامن : الإرادة لاتراد لأنها غير مقصودة بذاتها(1)، كما أن الشهوة لاتشتهى والتمنّى لا يتمنى وإن كان لذيذاً ، والفايدة فى ذلك أن بعض المجبرة قال : كل فعل مراد ، و إرادة الواحد منا فعل، فلها إرادة، فإما أن يتلل أو ينتهى إلى إرادة قديمة .

و الجواب : الإرادة و إن صدرت عنا فإنها لاتراد كالتمنى .

المسئلة الخامسة، فى ابطال كلام النفس

قال : وكلام النفس هذيان وإلا لم يجز أن نصف احداً بأنه غير متكلم أخرساً كان أوساكناً .

اقول: قدبينا في ما مضى أن أبا الحسن الأشعري مثبت معنى في النفس غير الإرادة هو الكلام النفسانى المغاير للحروف والأصوات، و بينا أنه غير معقول فإنّ العقلاء


1) فى ا «لذاتها» .

كافة لا يصفون بالتكلم إلا من صدر عنه الحروف والأصوات ، و يصفون الأخرس والساكت بعدم الكلام و او كان الكلام معنى قائما بالنفس لما صح سلبه عنهما لوجود المعنى منها . وقد مضى البحث في ذلك على الاستقصاء .

المسئلة السادسة، فى حدّ اللذة والالم

قال : والألم إدراك المنافى ، والله : إدراك الملايم وليس الخلاص عن الألم ، اللنّة ، المنّة للمبصر مبتداء لصورة جميلة .

اقول : هذا حدّ العلم واللذة عند الأوائل قالوا : الألم إدراك المنافي واللغة إدراك الملايم والمعتزلة أيضاً حد وهما بذلك .

واتفق الكل على أن الألم وجودى واختلفوا في اللذة فذهب محمد بن زكريا الطبيب إلى أنّ اللغة : عبارة عن الخلاص عن الألم و أن الألم(1): هو الخروج عن الحالة الطبيعية .(و أن اللذة هي العود الى الحالة الطبيعية بعد الخروج عنها)(2).

و أبطل الشيخ المصنف الأول بأن اللذة قد يحصل و إن لم يسبق الألم ، كمن وقعت عينه ابتداء على صورة جميلة فإنه يلتذبها من غير سابقة ألم الشوق ، فلا يكون اللذة خلاصاً منه ، و الثانى باطل أيضاً و السبب فيه أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات لأن اللذة إنما يحصل بالإدراك الذى لا يحصل إلا بانفعال الحاسة يقتضيه تبدل حال .

المسئلة السابعة، في ماهية القدرة

قال : والقدرة عبارة عن سلامة الأعضاء وصحتها لاستحالة الانفكاك وقد أثبتها


1) فى ا «اللذة».

2) في ج .

قوم من أصحابنا معنى.

اقول : اختلف الناس فى القدرة التى لنا ما هى فذهب الشيخ ابو اسحق المصنف (رحمه الله علیه) إلى أن المرجع بها الى سلامة الأعضاء وصحتها ، وصحة البنية والأعصاب ، واتصالها وهو اختيار أبى الحسين البصرى و جماعة من المعتزلة وذهب السّيّد المرتضى (رحمه الله علیه) و جماعة البصريين الى : أن القدرة معنى يخلقه الله تعالى في جزء من الجسم الحي المبتنى بنيّة مخصوصة يوجب كون هذه الجملة على حالة القادر ثم يصح منها الفعل لاختصاصها بتلك الحالة ؛ والاشعرية وافقوهم على ذلك إلا أنهم نفوا الحال .

احتيج المصنف : بأن البنية متى صحت صح وقوع الفعل عنها (و متى صح وقوع الفعل عنها)(1)كانت صحيحة فيهما غير متعارضين(2)فأحدهما هو الآخر .

و في الاستدلال نظر اذ التلازم لايدل على الاتحاد ؛ قوله : وقد أثبتها قوم من أصحابنا معنى إشارة إلى مذهب السيد المرتضى واحتج بأن افتراق الذاتين بالفعل و عدمه مع تساويهما يقتضى ثبوت زائد ولان القدرة يختص المحل وصحة الفعل صادرة عن الجملة فلم يجز أن يكون ما يرجع الى احدهما مقتضياً لما يرجع إلى الآخر. و البنية عبارة عن أعصاب، وحرارة ، وبرودة ، و رطوبة ، ويبوسة ، و هي راجعة إلى المحل فلا يكون مقتضية لما يرجع إلى الجملة ولأنها حاصلة في الميت .

و الجواب عن الأوّل أن الزائد هو سلامة الاعضاء و ذلك كاف فلادليل على الزايد.

وعن الثاني بالمنع من الاستحالة فإنه يجوز أن يكون أحدهما حالاً في المحل و مقتضياً للجملة حكماً وهو الجواب عن البنية و بنية الميت غير صحيحة بفقدان تردد الروح الذي هو شرط في صحة الفعل .


1) في ب و ج .

2) فى ا و ج «متفارقين».

المسئلة الثامنة، فى أن القدرة قبل الفعل

قال : و مما يصح وجودها قبل الفعل و استدامتها بعده وهى صحة الأعضاء . وقد نفى قوم كون القدرة قبل الفعل ويلزم منه تكليف مالا يطاق و حدوث قدرته تعالى ، أو قدم العالم وإثبات أمر مستغنى عنه لأن الحاجة إليها وجوده وقد وجد.

اقول : ذهب المعتزلة و الأوائل إلى أن القدرة متقدمة على الفعل ؛ وقالت الأشعريّة إنها مقارنة ، والشيخ أبو إسحق ره لما جعل القدرة عبارة عن البنية السليمة وهي موجودة قبل الفعل و بعده لم يحتج إلى البحث مع الأشاعرة في تقدّمها و إنما ذكر ما ذكر من ابطال قولهم بناء على أنها مضى كما ذهب إليه أصحابه و استدل على تقدمها بوجوه :

الأول أن الله تعالى كلّف الكافر بالإيمان حال كفره فلولم يكن قادراً عليه ازم تكليف مالا يطاق وهو باطل بالإجماع فوجب أن يكون قادراً على الإيمان حالة الكفر و ليست تلك حالة الايمان و القدرة متقدّمة .

الثاني : أن القدرة او كانت مع الفعل ازم قدم العالم أو حدوث قدرة الله تعالى ، و القسمان باطلان بالإجماع فالمقارنة باطلة .

الثالث : الفعل إنما يحتاج إلى القدرة لا يجاده فعند وجوده يكون مستغياً عنها فلا يقع بها فلا يكون قدرة .

و احتجوا بأنّ القدرة عرض لا يبقى فلو تقدمت بقيت .

و الجواب المنع من الملازمة و من صحة بقاء الأعراض و من إثبات أمر زائد على البنية .

و اعترض بعض المتأخرين على الأول بأنه وارد على المعتزلة لأنه حال حصول الفعل إذلا قدرة له عليه .

و على الثانى أن المؤثر في وجود أفعال الله تعالى هو تعلّق قدرته بها و بیان حدوثها ؛ وأما التعلقات السابقة فلا أثر لها ألبتة و هذا لا يمكن تحققه في قدرة العبد.

و على الثالث : أنه منقوض بالعلة والمعلول .

و الجواب عن الأوّل أن القدرة على الفعل ليست بأن توجد الفعل أول زمان وجودها ، بل بأن يوجده فى ثانى الحال .

و عن الثاني أن الفعل في زمان حدوثه يكون واجباً لا تأثير المتعلق(1)فيه ثم كيف يصح استناد التأثير إلى التعلق ؛ ومعنى تعلّق القدرة بالمقدور هو تأثيرها فيه .

و عن الثالث أن العلة قبل وجود المعلول يمنع(2)أن تكون مؤثرة فيه و كذلك حال وقوعه لانضياف(3)القبل(4)و الحال إليها.

و اعترض بعض المحققين على الأول بأن الكافر مكلف بالإيمان من حيث هو قادر حتى يؤمن في حال قدرته و هذا ليس تكليفاً بما لا يطاق و من حيث فرض وقوع الكفر منه في حال قدرته على الإيمان أو كان مخلفاً بالإيمان كان تكليفاً بمالا يطاق . وهكذا الوجه الثالث : فإن الحاجة إلى القدرة وحدها(5)لأجل أن يدخل فعل من العدم إلى الوجود لا إليها مأخوذة مع حدوث الفعل أو عدمه.

و على الثانى لا نسبة لقدرة الله تعالى إلى قدرة العبد مع أن قدرته تعالى إذا أخذت مع وجود الإرادة أو عدمها لا يبقى للاختيار وجه كما قيل في العبد.


1) فى د «للتعلق».

2) في د «يمتنع».

3) فى د «لا يضاف» .

4) فى د «الفعل».

5) في ب «وجودها» .

و الجواب عن الأول أن الكافر إنما يكون قادراً حال وجود الإيمان وهو غير مقدور حينئذ فلا يكون مطلقاً من حيث القدرة و ذلك تكليف مالا يطاق ، و الحاجة إلى القدرة إذا كان لأجل إدخال الفعل من العدم إلى الوجود وجب تقدمها على الفعل

وذلك هو المطلوب .

و اعتراضه على الوجه الثاني ليس بشيء.

المسئلة التاسعة، في تعلق القدرة بالضدين

قال : وهي متعلقة بالأضداد ، لتحققه فينا ولأنها لو تضادت لتضادّ المقدورات لكنا(1)على أحوال متضادة ، وذلك باطل.

اقول : ذهب المعتزلة و الأوائل إلى أن القدرة يتعلق بالضدين فإنّ القادر على الفعل قادر على الترك ؛ وخالفت الأشعرية فيه.

و احتج الشيخ أبو إسحق ره على ذلك بوجهين :

الأول : أنا نعلم قطعاً أنا قادرون على النقل(2)في الجهتين وهما متضادان .

الثانى او تعلّق القدرة بمقدور واحد لكانت القدرة على الحركة يمنة متضادّة على الحركة يسرة ؛ ومن المعلوم أننا قارون على الحركتين فيكون كل واحد من المعنيين يوجب للجملة حالاً مضادّة(3)للحالة الأخرى فيكون الجملة على الحالتين المتضادتين ، وهو محال .


1) فی ب «لكنها».

2) في د «التنقل».

3) في د «متضادة».

اجتجوا بأن مفهوم التمكن من هذا غير مفهوم التمكن من ذلك ولأن نسبة القدرة إلى الطرفين لو كانت على السوية لاستحال أن يصدر عنها الأثر الا عند مرجح فلا يكون مصدر الأثر إلا ذاك المجموع فقبل الضميمة لا قدرة و إن لم تكن على السوية لم تكن القدرة قدرة إلا على الراجح .

و الجواب عن الأوّل أن المعنى لا يتبدل بتبدّل الألفاظ و مفهوم التمكن هو القدرة . و التمكن من هذا مع التمكن من ذلك مشتركان في مطلق التمكن ولا نعنى(1). بالقدرة إلا ذلك المشترك إلا أن يعنى بهما المشترك مع الخصوصيات فحينئذ يكون لفظ القدرة واقعاً بالاشتراك على معان لاتتناهى بعدد المقدورات و هو باطل بالا جماع .

و عن الثاني أن احتياج القدرة الى زائد ليقع الفعل بها هو مذهبنا ولا يدل على مطلوبكم.

المسئله العاشرة في متعلّق القدرة

*في متعلّق(2)القدرة

قال : ولابد من تعلق القدرة بشيء ، و إلا نقص(3)كونها قدرة ، و هي متعلقة بالحدوث لا نه الحاصل بها .

اقول : ذهب من لا تحقيق له الى أن القدرة لا يتعلق بشيء و المصنف أحال ذلك لأن القدرة هى التى يصح بها الفعل فلا بدلها من متعلق ، و إلا لم يكن قدرة(4).


1) في د «معنی».

2) في د «نقض» .

3) فى ب «تعلّق».

4) في ب« قادراً» .

احتج المخالف بأن الممنوع قادر ولا متعلق(1)له .(و البارى تعالى فى الأزل قادر ولا متعلق له)(2).

و الجواب عن الأوّل أن الممنوع متعلق ، لأنا أوجبنا تعلق القدرة على بعض الوجوه ؛ و الممنوع عند زوال المنع قادر وكذا البارى تعالى فى الأزل .

إذا ثبت هذا فنقول : متعلّق القدرة هو الحدوث لاغير ، لأن الواقع بحسب تصوّرنا ودواعينا إنما هو الحدوث خاصة فهو المتعلق .

المسئلة الحادية عشر، فى أن القدرة غير موجبة للفعل

قال : و ليست موجبة وإلا لزم إذا خلق الله تعالى في الضرير الأمى قدرة على الكتابة أن يكتب ؛ وأيضاً فإن كانت علة لم تتعلق إلا بالموجود و إن كانت سبباً وجب أن لا يستطيع رد المقدور وكلاهما باطلان.

اقول : ذهبت المعتزلة إلى أن القدرة غير موجبة للفعل خلافاً للأشاعره . و استدل الشيخ بوجهين :

الأوّل أن القدرة أو كانت موجبة لكان اذا خلق الله تعالى فى الضرير الأمى ، القدرة على الكتابة وجب أن يكتب لأن العلم والقدرة متغايران ، فإن محل العلم القلب و ليس هو محلاً للقدرة واذا تغاير المحل لم يتنافيا .

و فيه نظر : فإنّ لقائل أن يقول : يجوز أن يكون العلم شرطاً في صحة وقوع المقدور بالقدرة .


1) في ب و ج و د.

2) فى ا «يتعلّق» .

الثانى : أنّ القدرة لو أوجبت الفعل لكانت إما علة أوسبباً، والأول باطل لأن العلم لا يتعلق إلا بالموجود كالمعنى الموجب المتحرّك المقارن له ؛ والقدرة لاتقارن الفعل على ما تقدّم ، والثانى باطل لأن عند وجود السبب تخرج عن اختيارنا ؛ ولا نقدر على ردّ المقدور كالاعتماد ، ولانقدر على ردّ حركة الجسم عند حصوله ؛ و نحن نعلم القدرة على الشيء ولا تخرج عن اختيارنا فعله و تركه و يمكننارة المقدور مع حصولها .

المسئلة الثانية عشر، في أن القدرة غير باقية

قال : وهى غير باقية لاستحالة قيام المعنى بالمعنى ؛ و هي موجودة قبل الفعل بزمان واحد فإذا وجد استغنى عنها (و)(1)عن مقارنتها .

اقول ذهبت الأشاعرة والبغداديون من المعتزلة إلى أن القدرة غير باقية ، و شك السّيّد المرتضى فى ذلك ، و ذهبت جماعة من المعتزلة البصريين الى أنها باقية. (واختار المصنف أبو إسحق ره الأول تفريقاً على القول بأنها معنى لأنها(2)غير باقية)(3)لأن البقاء عنده معنى فلا يقوم بالقدرة لاستحالة قيام المعنى بالمعنى ؛ و هو ضعيف لما تقدم .

و احتج البصريون بحسن ذم من منع الوديعة و إن بعدت ولا يحسن إلا والقدرة موجودة فيكون باقية .

و فيه نظر لأنّ الدّم يحسن و إن تعدّدت القدرة والقدرة عند من أثبتها معنى


1) في ا.

2) في ج «انها».

3) في ب و ج .

موجود قبل الفعل بزمان واحد وهى متعلق بالفعل و إن كان معدوماً كمتعلق قدرة الله تعالى بالفعل حال عدمه. ثم لا يزال تجدّد قدرة بعد أخرى عند القائلين بامتناع بقائها إلى أن تشارف الفعل المدخول فى الوجود أو يبقى دائمة إلى ذلك الوقت عند القائلين ببقائها فإذا وجد الفعل استغنى عنها و عن مقارنتها لأنه إنما يحتاج إليها في الحدوث ، وقد حدث.

المقصد العاشر فى التكليف وفيه مسائل

اشارة

الأولى في شروطه قال : القول في التكليف. من جملة شرايط التكليف : العقل والقدرة و العلم بما كلف به أو التمكن من العلم به.

اقول : التكليف بعث من يجب طاعته على مافيه مشقة على جهة الابتداء بشرط الإعلام ؛ وله شروط : منها ماهو راجع إلى المكلف وهو كونه عالماً بصفات الأفعال لئلا يكلف بالقبيح و كونه عالماً بمقدار المستحق من النواب ، و إلا لجاز أن ينقصه فيكون ظلماً ، وأن يكون قادراً على إيصال النواب وأن يكون حكيماً لا يفعل القبيح ولا يخل بواجب و قدمضى بيان ذلك كله.

فلما أهمل المصنّف ذكرها وقال من جملة شرايط التكليف تنبيهاً على وجود شروط(1)أخر . وقد ذكر المصنف الشرائط الراجعة إلى المكلف وهو كونه عاقلا وقد مرّ تفسير العقل الذى مناط التكليف ، لأن تكليف من ليس بعاقل قبيح ؛ و أن يكون قادراً على ماكلف به و إلّا ازم تكليف مالا يطاق و هو قبيح ؛ و أن يكون عالماً يكلف به أو متمكناً من العلم وإلا لزم تكليف مالا يطاق ؛ وإنما لم يفتقر على


1) فى ا «شرط».

العلم لأن الجاهل بالله تعالى متمكن من العلم به وهو مكلف به.

و هيهنا شروط أخر ذكرناها في كتاب المناهج داخلة تحت هذه المسئلة.

المسئلة الثانية، في ماهية الإنسان

قال : وما يشير إليه الإنسان بقوله إنا هذه البنية والجملة لأن الأحكام ترجع اليها والإدراك يقع بها والأفعال المبتداة تظهر في أطرافها و ليست شيئاً في القلب والا لم يصح تحريك يد المريض منه .

اقول : لما ذكر الشيخ التكليف أشار إلى ماهية المكلف ماهي ؛ وقد اختلف النّاس فى ذلك فالذي اختاره المصنف ره أنه هذه البنية المخصوصة والجملة المشار إليها و هو الذى يعبّر عنه بقوله : إذا فعلت ، و هو اختيار السيد المرتضى (رحمه الله علیه) و أكثر المعتزلة ، و ذهب الشيخ أبو سهل بن نوبخت من أصحابنا ، والمفيد محمد بن نعمان (رحمه الله علیه) الى أنه شيء مجرّد غير مشار إليه بالحس متعلق بهذه البنية تعلق العاشق بمعشوقه لاتعلق الحال" بمحل و هو مذهب محققى الأوائل واختاره معمر من المعتزلة و ذهب ابن راوندى الى أنه جزء لا يتجزى فى القلب . و قال جماعة من المتكلمين إن المكلف هى الأجزاء الأصليّة فى هذا البدن لا يتطرق اليها الزيادة و النقصان باقيه أول العمر الى آخره.

احتج الشيخ أبو اسحق (رحمه الله علیه) بأن الأحكام كاللذة والألم و الإدراك يرجع الى هذه الجملة ؛ ولهذا اذا لمسنا حرارة أدركناها بمحل اللمس واذا فعلنا فعلاً مباشراً ظهر فى الأطراف و هذه الآثار آثار الماهية فدل على أن ماهية الإنسان هي هذه الجملة .

ثمّ إنّ الشيخ أبطل قول ابن الراوندي بأن ماعدى ذلك الجزء يكون ميتاً إن ماهية الإنسان هي المدرك(1)وذلك اشارة الى الجزء الذى لا يتجرى فيكون ما عداء ميتاً فلا يصح من المريض تحريك اليد)(2). و في بعض النسخ و إلا لصح تحريك يد المريض منه و وجهه أنّ الإنسان لو كان عبارة عن الجزء الذي لا يتجرى في القلب لكان فعله في أطرافه بمجرد الاختراع فكان المريض المؤلف الذي انتهت حاله الى تعدّر تحريك اليد قادراً إليه قادراً على أن يخترع في يده التحريك من ذلك الجزء الذى لا يتجزى و التالى باطل فالمقدم مثله . وأظن أن التالية أصح.

و احتج الأوائل بأن العلم بما لا ينقسم غير منقسم و كل جسم أو جسماني فهو منقسم فالمحل ليس أحدهما .

ويعارضون بالنقطة والوحدة ؛ والاعتذار بأنهما غير ساريين بأتي في العلم فإنّي لم أقف لهم على دليل بأن العلم من الأعراض السارية .

المسئلة الثالثة، في بيان حسن التكليف

قال : وأفعال الصاع لابد فيها من الأغراض، وإلا كانت عبئاً ، والغرض في التكليف التعريض لنفع عظيم لايوصل إليه إلا به اذ يقبح الابتداء بالثواب، وتكليف المعلوم كفره حسن لأجل التعريض ؛ وكفره من نفسه لأمن قبل القديم تعالى . ولهذا يحسن منا أن ندعو الى طعام من تعلم امتناعه، وإلى الدين من تعلم إبائه .

اقول: فى هذه المسئلة ثلث مباحث :


1) فى ب و ج «الدراك» .

2) فى ا .

الأول فى أن أفعاله تعالى معللة بالأغراض ، و لما كان هذا البحث مقدّمة فى بيان حسن التكليف ، قدّمه المصنف و هذا حكم متفق عليه بين المعتزلة ، خلافاً للمجبرة ، فإنهم نفوا الغرض فى أفعاله تعالى و جملوها موجودة على سبيل العبث و الاتفاق .

و المعتزلة قالوا كل فعل لا يقارنه غرض و غاية فهو عبث وسفه والله تعالى منزّه عن ذلك .

واحتجت الأشاعرة بأن كل فعل لغرض فإنه يدل على نقص فاعله ، واستكماله بذلك الغرض .

وهو ضعيف جداً لأن الكمال والنقصان خطابي لا يجوز الاستدال به في المقامات العلمية ؛ وعلى تقديره فالغرض عندنا هو علمه تعالى باشتمال الفعل على المصلحة العائدة الى عبده لا إليه تعالى .

المبحث الثاني : فى إثبات الغرض فى التكليف لأنه فعل من أفعال الله تعالى فالغرض لازم فيه على ما تقدم فنقول ذلك الغرض لا يجوز أن يكون لإضرار لأنه تعالى غنى فلابد وأن يكون هو التعريض للنفع ولا يجوز عوده اليه تعالى لأنه كامل مطلق فيبقى أن يكون عائداً إلى العبيد ولا يجوز عوده في الدنيا لأن العاجل ليس الا الألم فيبقى أن يكون في الآخرة ، ولا يجوز أن يكون ذلك النفع مما يصح الابتداء به وإلا كان توسط التكليف عبثاً فهو نقع لا يصح الابتداء به ، و ذلك النفع هو النواب المقارن للتعظيم والإجلال الذى لا يصح فعله ابتداء من دون الاستحقاق ؛ و ذلك يقتضى حسن التكليف .

المبحث الثالث : في حسن تكليف الكافر هذا مذهب الإمامية كافة و باقي المعتزلة خلافاً للجبرية . والدليل عليه أنّ التّعريض للنفع العظيم موجود في حقه

لأن الله تعالى كما عرّض المؤمن للنفع فكذا عرض الكافر له بالتكليف فكان حسناً وعلمه بعدم إيمانه لا يؤثر فى هذا ولا كفره فإنه يحسن هذا أن ندعو الى طعام من نعلم امتناعه منه ، وندعو إلى الإيمان من فعلم أنه لا يفعله(1).

احتجوا بأنه تعالى علم أنه لا يؤمن فكان تكليفه قبيحاً .

و الجواب : قلنا إن العلم غير مؤثر .

المسئلة الرابعة، في استحالة تكليف مالايطاق

قال : وقد قررنا أنه لا يفعل القبيح ، ولا يجوز منه أن يكلف عباده مالا يطيقوله كما لا يجوز مخاطبة الجماد ، و العلم لايؤثر فى المعلوم ، بل يتعلق به ، على ما هو عليه(2)فكل فرض يفرض يقتضى فرضاً في الأزل يوافقه(3)ان لولم يكن كذلك فكان لا يجوز إلا تكليف مالا يطاق ولم يقل به أحد من العقلاء .

أقول : اتفق الإمامية والمعتزلة كافة الى استحالة أن يكلف الله تعالى بما لا يطاق و خالف فيه المجبرة فإنهم جوزوه .

لنا : أن تكليف مالا يطاق قبيح فإنّه يقبح منا أن الكلف الأعمى لقط المصاحف و المقعد الطيران في الهواء. و العلم بذلك ضرورى ؛ و الله تعالى - قديينا أنه حكيم لا يفعل القبيح - فلايجوز منه أن يكلف بما لايطاق كما لا يجوز مخاطبة

الجماد .


1) في «لا يعقله».

2) في ب «على ما مر عليه».

3) في ب «لواقعة» .

احتجوا بأنه تعالى علم من الكافر أنه لا يؤمن ، فلو آمن لزم انقلاب علمه تعالی جهلاً و هو محال إن المستلزم للمحال محال . أجاب الشيخ عنه بأن العلم تابع فلا يؤثر فى المتبوع وإلا لزم أن لا يكون الله تعالى قادراً. وأيضاً ماذكرتموه مغالطة لأن الله تعالى علم في الأزل أن الكافر يكفر و أن إيمانه ممكن فلو آمن لم ينقلب العلم جهلاً بل دلّ إيمانهم على أن الله تعالى قد كان علم فى الأزل أنه يؤمن . وأى فرض فرضته اقتضى فى الأزل فرضاً مطابقاً له ؛ إذ لولا ذلك لزم أن يكون الله تعالى لا يكلف أحداً إلا بما لايطاق لأن كل واقع أو معدوم معلوم. و العلم يخرج من المقدورية. وذلك لم يقل به أحد.

المقصد الحاد يعشر في الألطاف وفيه مسائل

اشارة

الأولى فى حده . قال : اللطف أمر يفعله الله تعالى بالمكلف لاضرر فيه يعلم عنه وقوع الطاعة منه ، ولولا لم يطع .

اقول : هذا حد اللطف وقد حده قوم : بأنه هبة مقربة إلى الطاعة ومبعدة عن المعصية . ولم يكن له حظ في التمكين ولم يبلغ به الهبة(1)(حد)(2)الإلجاء والآلة ليست لطفاً لأن لها حظاً في التمكين والإلجاء ينافي التكليف بخلاف الأطف. وهذا أولى من حدّ الشيخ لأن قوله يعلم عند وقوع الطاعة يقتضى أن لا يكون المكافر لطف ؛ وهذا باطل .

وقد قسم المعتزلة اللطف إلى قسمين :


1) في ا و ج و في ب «السيد» .

2) فی ا و ب «الی» .

أحدهما : ما يختار عنده المكلف الطاعة ويسمى توفيقاً أو يختار عنده ترك القبيح ويسمى عصمة .

والثاني : ما يقرب من الطاعة ويقوى داعيه إليها .

والمفسدة ما يقابل اللطف . و هذا على ضربين : إما مقربة و إما ما يختار عندها الفعل .

المسئلة الثانية، فى وجوبه

قال : فهو واجب الفعل لأن قاعدة التكليف يقتضى إيجابه كالتمكن ولأن تركه لطف فى ترك الطاعة ؛ واللطف في المفسدة مفسدة .

اقول : اتفقت الامامية ، والمعتزلة على وجوب اللطف وخالفت فيه المجبرة . لنا وجوه:

الأوّل أن قاعدة التكليف يقتضى إيجابه كالتمكين و التكليف ثابت فاللطف واجب. بيانه : أن من دعى غيره الى طعام وأراد تناوله وعلم أنه لا يقدم عليه إلا بفعل يفعله الداعى من سياسة أو تأدب. فإنه متى لم يفعل ذلك كان ناقضاً لغرضه مبطلاً المراده و جارياً مجرى منعه من التناول كذلك التكليف إذا علم الله تعالى أن مع فعل اللطف يكون العبد أدعى إلى ماكلف به ، ومع تركه يكون أقرب من الامتناع فإنه متى لم يفعله كان ناقضاً بفرضه وهو محال .

الثانى أن ترك اللطف مفسدة فيكون فعله واجباً : أما أنه مفسدة فلان ترك اللطف لطف في ترك الطاعة و اللطف في المفسدة مفيدة .

الثالث : القدرة على اللطف ثابتة والداعى موجود لأن الداعي إلى الفعل يكون داعياً إلى مالا يتم الفعل إلا به ، ومتى اجتمعت القدرة والداعي وجب الفعل .

احتجوا بأنّ التكليف تفضّل ولا يجب على المتفضل بلوغ النهاية فيه.

الثانى أنه لو كان واجباً لفعله بالكفار والتالى باطل وإلا لآمنو فالمقدم مثله .

و الجواب عن الأوّل أنه لا فرق بين التفضّل والواجب فإنّ من تفضّل بالضيافة و علم أنه لا يتم إلا باستبشار فإنه متى لم يفعله عده العقلاء سفيهاً .

و عن الثانى أن اللطف لا يجب عنده الفعل بل يكون العبد أقرب الى الطاعة .

المسئلة الثالثة، في أنه لا يجوز فعل اللطف بالقبيح

قال : و من لطفه فى فعل قبيح لا يحسن تكليفه لدوران الأمر بين أمرين ممتنعين .

أقول إنا قدرنا أن الله تعالى علم أن لطف المكلف في فعل قبيح هل يجوز أن يكلف أم لا اختار الشيخ أنه لا يجوز ، لأن الأمر دائر بين أمرين ممتنعين على تقدير التكليف فيكون التكليف ممتنعاً . بيانه : أن الله تعالى إما أن يكلفه ولا يفعل اللطف فيكون قد حرمه لطفاً مقدوراً عليه والتكليف مع منع اللطف قبيح ، أو يكلفه ويفعل اللطف فيكون قد فعل فعلاً قبيحاً وهو ممتنع عليه تعالى فاستحال أن يكنفه .

المسئلة الرابعة، فى أنه تعالى لا يحسن منه العقاب عند منع اللطف

قال : وأولم يفعل القديم لطفاً واجباً لم يخسن منه عقاب المكلف لأنه لمنعه

يفده و كان الفساد منسوباً إليه لا إلى العبد.

أقول إذا لم يفعل الله تعالى اللطف بالمكلف لم يحسن منه عقابه على ترك ما كلف به ؛ لأنا قدييّنا : أن اللطف يجرى مجرى التمكن كما لا يحسن عقابه مع ترك التمكن فكذا ماقام مقامه ؛ ولأن المنع من اللطف حمل للمكلف على المفسدة فيكون وقوعها منسوباً إليه ، لا إلى العبد ، وكلّ ذلك محال .

المسئلة الخامسة، في الأصلح في الدنيا

قال : والأصلح واجب في الدنيا إذ لامانع منه و تركه بخل ؛ و أيضاً فعدم وقوعه ينقص حقيقة القادر ، و الإخلال منه تعالى بواجب، لأنه إنما يحرمنا ذلك بوجود مفسدة فيه و هكذا نقول فى مرض الطفل و البهيمة ؛ وأهل الجنة لعلمه منزهون عمّا ينفرون ، و زيادة الشهوات يفتقر إلى زياد البنى و كان مفسدة من هذا الوجه والشكر المتعلّق به هذيان اوجوده في الثواب والأعواض وفعل الأسباب مقابل بمثله ؛ و أيضاً فشكره على الألطاف الدينية مشهور ؛ و قول ابراهيم من - و اجنبني و بنى أن نعبد الأصنام - معلوم ؛ وكيف يحسن من العاقل أن يمنع الإنسان الصادي من بحر يملكه أو يمنعه من السكون والاستظلال بظل داره ، واقط ماتناثر من حبه ؟ أو الانتفاع بما يلقيه مما أكله(1)، رغبة عنه والصانع مالك خزائن الدنيا ، فهو بأن لا يمنعنا أولى .

أقول : اختلف المتكلمون في الأصلح فى الدنيا هل هو واجب على الله تعالى أملا و ذلك كما إذا علم الله تعالى أنه إن أعطى زيداً ألف درهم انتفع به وليس فيه


1) في ب «من تأكله» في د «ما كله» .

مضرة ولا لأحد ولا مفسدة ولاوجه قبح ؛ فذهب شيخنا أبو اسحق (رحمه الله علیه) الى وجوبه و هو مذهب البغداديين و أبي القاسم البلخي . وقال باقى أصحابنا و البصريون من المعتزلة والأشاعرة أنه لا يجب

و احتج الشيخ بوجهين :

الأوّل أنه لا مانع من فعله فيجب ، إذ الداعى و هو علمه باشتمال الفعل على المصلحة موجود و الصارف وهو وجود القبح منفى فوجب الفعل لأنّ العقلاء يعدّون من لم يفعل ذلك بخيلاً والله تعالى أكرم الأكرمين فوجب صدوره عنه .

الثانى أن حقيقة القادر هو الذى إذا وجدت القدرة وتحقق الداعى و انتفى الصارف وجب الفعل و قد بينا أن الله تعالى قادر على كل مقدور ، و عالم بكل معلوم و الصوارف منتفية ، فلولم يتحقق الفعل لانتقص معنى القادر .

لا يقال : لو كان الأصلح واجباً لكان الله تعالى مخلاً بالواجب لانه قادر على مالايتناهى من المنافع فكل نعمة أفاضها الله تعالى علينا هو القادر على الأزيد منها. أجاب الشيخ عنه بأنه تعالى إنما يحرمنا ذلك لاشتماله على مفسدة لا نعلمها

نحن و ذلك يخرجه عن باب الأصلح .

لا يقال علمه بوجود مفسدة في زيادة المنافع يتأتى فى المكلفين فلو فرضنا طفلاً خلقه الله تعالى في موضع لا يطلع عليه مكلف ، أو بهيمة لا يطلع عليها أحد ، فإنه يجب عليه إفاضة الجود عليهما ، ولامفدة فيه لأحد من المكلفين .

أجاب الشيخ عنه بأن خلق مثل هذا الحيوان لا يقع وإلا لزم ما ذكرتم أما ما شوهد من الحيوانات والاطفال فإنما لم يجب إفاضة الخير عليها لاشتماله على المفسدة لغيرها من المكلفين .

لا يقال : هذا يستقيم في الدنيا ؛ أما الآخرة فلا مفسدة هناك فكان يجب عليه تعالى أن يزيد شهواتهم و لذاتهم ، وذلك يؤدى الى مالا يتناهى.

أجاب الشيخ عنه بأن زيادة القهوة إنما يكون مع زيادة البنية فكان يجب أن

يزيد بنيتهم إلى أن يصير أحدهم كالجبل العظيم وذلك منفر غاية التنفّر و أهل الجنة منزهون مما يوجب التنفّر .

لا يقال : لو كان الأصلح واجباً لما استحق الله تعالى الشكر عليه ، لأنه يصير كقضاء الدين .

أجاب الشيخ عنه : بأن النواب و العوض واجبان عندكم ؛ ومع ذلك إنا شكره عليهما .

لا يقال : إنما نشكره على فعل سبب النواب وهو الخلق و التكليف .

أجاب الشيخ عنه بأنه مقابل بمثله فإنه إنما تشكره لأنه خلقنا و كلفنا ، و أيضاً فإنا نشكره تعالى على الألطاف الدينية مع أنها واجبة . وبيان(1)الشكر على الألطاف الدينية أنه مشهور بين النّاس . ولان ابراهيم (صلی الله علیه و آله و سلم) سأل الله تعالى أن يجنبه . وبنيه عبادة الأصنام فقد سأل الله تعالى أن يلطف له فيجنبه الكفر .

ثم إن الشيخ ره تعجب من عدم القول بالأصلح فقال : كيف يحسن من العاقل أن يمنع الإنسان العطشان من بحر يملكه لايقل شربه منه ، أو يمنعه من السكون والاستظلال بظل داره ، أو أن يلقط ما تناثر من حبّة، أو الانتفاع بما يلقيه مما يأكله رغبة عنه ؛ ولاريب أن ملك الله تعالى كالبحر و ما يتناوله الإنسان ممّا يفيضه عليه أقل من نسبة الجنّة إلى الحب المتناثر والشيخ كثر الأمثلة استظهاراً في البيان.


1) فی ب «بنیان».

مسائل اربع فى التوحيد

المسئلة الاولى في كونه عالماً في الازل

قال : نكت من التوحيد أغفلناها في بابها . الصانع عالم فيما لم يزل لأنه لو تجدّد له ذلك لقامت به الحوادث و استحال أن يحدث العلم إلا وهو عالم .

أقول : ذهب هشام بن الحكم من علمائنا على ما تقل عنه إلى أن الله تعالى يعلم الأشياء المتجدّد بعلم متجدد ، لا أزلى ، وباقى الامامية على خلاف هذا و أنه تعالى عالم فيما لم يزل .

و استدل الشيخ بوجهين :

الأوّل أنه لو تجدّدت هذه لكان الله تعالى محلاً للحوادث ، وقد سلف بطلانه . الثانى أنه لو تجدّدت له هذه الصفة لكان عالماً قبل حدوثها ، و التالى باطل فالمقدّم مثله بيان الشرطية : أن العلم من أحكم الأشياء لأنه إيجاد شيء ليطابق المعلوم فلو كان محدثاً لكان فاعله عالماً ففاعله إن كان غير الله تعالى لزم أن يكون الله تعالى منفعلاً عن غيره وهو محال و إن كان هو الله تعالى كان عالماً قبل تجدّد العلم و أما بطلان التالى فلاستحالة الجمع بين النقيضين .

المسئلة الثانية فی کونه تعالى قادراً فى الأزل

قال : و قادر فيما لم يزل لأنه لو تجدّد له ذلك لكان مفيد ذلك اما هو ويلزم منه سبق القادرية ، أوغيره ولابد أن يكون خلقه وكيف خلقه وهو غير قادر .

أقول : يدل على قدم كونه تعالى قادراً و جهان :

الأول : أنه لولا ذلك لكان محلاً المحوادث. و هذا الدليل لظهوره لم يذكره المصنّف استغناء بما ذكره في باب العلم .

الثانى : أنها او تجدّدت قادريته، فالمؤثر فى ايجادها إما ذاته أو غيره فإن كان ذانه فإما بالإيجاب أو بالاختيار ، فإن كان بالإيجاب لزم وجودها أولا : وإن بالاختيار لزم سبق القادرية على القادرية ، هذا خلف ؛ و إن كان غيره كان من خلقه تعالى فإما أن يخلفه بالقدرة فيلزم سبق القادرية على نفسها ، أو أن يكون خالقاً من غير قدرة وهو محال .

المسئلة الثالثة فى كونه حياً أزلياً

قال و حى فيما لم يزل لتداخل المعاني .

أقول : إذا ثبت كونه تعالى قادراً عالماً في الأزل ثبت كونه حباً لأن المعنى بالحى هو الذى لا يستحيل أن يقدر ويعلم وثبوتهما يقتضى نفى الاستحالة بالضرورة.

المسئلة الرابعة في الجواب عن كلام هشام

قال : و عالم(1)بأن العالم معدوم حال عدمه لم يتغير لأن علمه كذلك في حالة مخصوصة ، و علمه بغيره فى حالة أخرى ؛ وقد ذهب قوم من شيوخنا إلى حدوثالعلم و ذلك فرعاً(2)من تكليف المعلوم كفره ، و قد دللنا على حسنه .


1) فى ا «وعلمه».

2) فى ح «فرع».

أقول : احتج هشام بن الحكم على أن علمه تعالى متجدد بأنه إذا علم بعدم العالم وقت عدمه فإذا وجد ، فإن بقى علمه بعدمه كان جهلاً تعالى الله عن ذلك و إن زال و تجدّد له علم بحدوثه فهو المطلوب .

أجاب الشيخ بأن علمه بعدم العالم إنما كان مقروناً بوقت عدمه، وعلمه بوجوده مقرون بوقته ؛ والعلمان لم يتغير لأن عدم العلم وقت عدمه لم يتغير وكذا الوجود. فهو فى حالة الوجود عالم بأنّ العالم معدوم في الوقت الفلاني قبل الوجود و بعده ، وكذا البحث في الوجود فلاتغير حينئذ .

و نقل الشيخ عن هشام أنه إنما صار إلى هذا المذهب لأنه يؤدى إلى قبح تكليف الكافر ، لأن من علم الله تعالى كفره كيف يحسن منه أن يكلف ، و التكليف واقع بالاجماع ، و العلم بالكفر قبل ثبوته متنفر.

و أجاب الشيخ أبو إسحق ره بأن التكليف حسن و إن علم الكفر ؛ وقد تقدّم.

المقصد الثانيعشر فى اعتراضات الخصوم فى التوحيد و العدل و الجواب عنها وفيه مسائل

المسئلة الأولى فى الاعتراض على القدرة والجواب عنه

قال : القول في تتبع اعتراضات مخالفينا في التوحيد على طريق الإشارة الجميلة أحالتهم في العذر عن إبطال الموجب عدم الصدور على مانع يلزم منه أن لا يوجد العالم لاستحالة عدم القديم، وأحالتهم العالم على فاعل صادر عن الموجب باطل او جوب صدور أمثاله بل نحن كلنا عنه فلابد من مخصص غيره . و الكلام فيه كما في الأول

والقدح في القادر الأزلي باستحالة قدم العالم فاسد لأن المشدود قادر على المشى ولكن المانع منعه.

أقول : اعلم أنا استدللنا على كونه تعالى قادراً : بأنه لو كان موجباً لزم قدم ! العالم و هو محال لأنا بينا حدوثه فأورد الشيخ عليه مع الاعتراضات السالفة ثلثة أسؤلة:

الأول: ام لا يجوز أن يكون المؤثر موجباً ولا يلزم من قدمه قدم العالم لأن الأثر كما يعتبر فيه حصول المؤثر يعتبر فيه انتفاء المانع فلا يلزم من تحقق المؤثر تحققه ، مالم ينتف المانع فلم لا يجوز أن يكون هناك مانع يمنع المؤثر من التأثير فى الأزل ثم فيما لايزال يعدم ذلك المانع فيفعل المؤثر أثره و إن كان موجباً .

و حاصل السّؤال أنهم اعتذروا عن إبطال الموجب بالحوالة على المانع المقتضى لانتفاء الازلية مع الإيجاب .

والجواب أن المانع لكونه(1)قديماً يستحيل عدمه أبداً ويلزم من استحالة(2)عدمه استحالة وجود العالم و اللازم باطل بالضّرورة فالملزوم مثله .

السؤال الثاني: لم لا يجوز أن يقال (المؤثر)(3)في العالم و إن كان قادراً لكنه ممكن مستند إلى علة واجبة لذاتها ، و هذا السؤال هو طلب الدليل على نفى الواسطة. و أجاب المصنف (رحمه الله علیه) بأن العلة الواحدة قد يقتضى أثرين وأكثر فإن العلة الواحدة لا ينحصر أثرها في معلول واحد ، و إذا جاز أن يصدر عنها أكثر من معلول واحد فتخصيص المؤثر الواحد بالصدور ذاتاً واحدة دون مازاد يفتقر إلى مخصص آخر و يتسلسل .


1) في ب «فى كونه» .

2) في ب «من استحاله عدم استحالة وجود العالم».

3) في ا و ج .

و هذا الجواب فيه نظر ؛ والأقرب في نفى الواسطة ما تقدّم .

السؤال الثالث : قالوا لو كان الله قادراً فى الأزل لأمكنه إيجاد العالم فيه إذ هو شأن القادر لكن العالم يستحيل أن يكون أزليّاً فلا يكون مقدوراً .

و أجاب الشيخ بأنّ القدرة لا يستلزم التأثير ولا إمكان التأثير إلا . بحسب الماهية لا بالنظر إلى حصول الاستعداد التام بانتفاء الموانع و حصول الشرائط فإنّ مشدود الرجلين قادر على المشى و إن لم يمكنه حينئذ الحصول المانع ؛ كذلك الازل المانع. من التأثير غير مانع من ثبوت القدرة.

المسئلة الثانية، فی تحقیق معنی کونه تعالی سمیعاً بصيراً

قال : و ليس سميعاً بصيراً بسمع و بصر ، لأن الإبصار اتصال الشعاع بسطح المرئى فلا يعقل إلا بالأجسام. وتفسيره بأنه حتى لا آفة به فاسد لأنه فينا لمعنى لا يتحقق فيه فلا يحال به على الشاهد ؛ بل هو العلم فقط .

أقول : قدمضى الخلاف في معنى كونه سميعاً بصيراً.

واعلم أن الأوائل أنكروا ذلك لأن السمع والبصر إنما يكون بالآلات الجسمانية و هي مستحيلة في حقه تعالى فلأجل ذلك نفوا عنه هاتين الصفتين .

و المتكلون افترقوا في الجواب عن ذلك فقال قوم : إن السمع والبصر و إن كان في حقنا بالآلات لكنه في حقه تعالى ايس كذلك كما أنا لا توجد إلا في أمكنة و أحياز ؛ فلا يلزم مثل ذلك في حقه تعالى .

و قال آخرون : إن معنى كونه تعالى سميعاً بصيراً علمه بالمسموعات و

المبصرات إذا وجدت و هو الذي اختاره المصنف ره. وأبطل الأول بأن الإبصار هو اتصال الشعاع بسطح المرئى وذلك لا يعقل إلا في الأجسام فلا يجوز أن يكون)(1)المرجع به إلا إلى العلم.

و أبطل الثاني بأن كون الواحد منا حياً لا آفة به ليس بمقتضى الإدراك أن عدم الآفة أمر عدمى ، فلا يكون علة للوجودى فليس المقتضى للإدراك فينا إلا الحواس ؛ وهي منتفية عنه تعالى فلايجوز إلحاقه تعالى بنا في ذلك مع أن دليلهم على كونه سميعاً بصيراً هو القياس على الشاهد بمشاركة كونه حيّاً لا آفة به .

المسئلة الثالثة، فی تحقیق گونه تعالی مریداً

قال : و إحالة الإرادة على القصد باطل لأنه لا دليل عليه ؛ و خلقها لا في محل معارض بخلقها في جماد، و منعه لعدم الشرط يعكس عليهم بالإبطال لأنهم نفوا الشرط و عليه ممازاد عليه(2).

أقول : قد ثبت فيما مضى مذهب الشيخ أبي اسحق (رحمه الله علیه) في الإرادة و أنها عبارة عن الداعي.

و أثبت جماعة صفة زايدة عليه لصفة المريد منا : لكن اختلفوا فذهب قوم إلى أنها موجودة لا في محل ، اختاره السيد المرتضى (رحمه الله علیه) و أكثر أصحابنا .

و قال الكلامية : إنها صفة ذاتية . واستدلوا على ثبوتها بالقياس على القصد الحاصل لنا فإنّه لما كانت أفعالنا يجوز وقوعها وقت وقوعها ، وقبله ، وبعده افتقرت إلى مخصص هو القصد والإرادة ؛ فكذلك أفعاله تعالى .

و أبطل الشيخ (رحمه الله علیه) ذلك بأن الأفعال عندكم لا يقع منا ، لأنكم مجبرة فكيف


1) فى ح .

2) فى حد د غيره فما زاد عليه .

يصح القياس على مالم يثبت أصله فإنه لا دليل على جواز التقديم والتأخير فينا .

أما السيد المرتضى فقد استدل على مذهبه بأن الإرادة لو كانت قديمة لزم قدم المراد لتحقق المقتضى و هو القدرة و الداعى، وإن كانت محدثة فإن كانت في فانه ازم كونه تعالى محلاً للحوادث ، إن كانت في غيره فإن كان حياً رجع حكمه الية و إن كان جماداً لزم وجود المشروط بدون الشرط، أعنى الحياة فوجب أن يكون لا في محلّ .

أبطال الشيخ أبو اسحق ره ذلك بأن خلقها لا فى محل معارض بخلقها في جماد وماذكرتموه يرجع عليكم بالإبطال فإن ثبوت الإرادة في محل قول بثبوت المشروط و نفى الشرط أعنى المحل.

المسئلة الرابعة، فى ابطال قدم الكلام

قال : ليس بقديم الكلام وتقسيم الخصم ذلك إلى أنه يحل فيه أو في غيره و إبطال الثاني بوجوب الاشتقاق ممنوع وكم من الأشياء القائمة بالمحال ولا اشتقاق كرائحة الكافور وغيره وأيضاً فالوجوب باطل عندهم لأنه متلقى من السمع. أقول : قدبيّنا فيما مضى مذهب الأشاعرة في الكلام وأنهم أثبتوا معنى قائماً بالنفس هو الكلام وزعموا أنه قدیم و قدمضى إبطال ذلك .

و احتجت الأشاعرة عليه بأن كلامه تعالى إما أن يكون قائماً بذاته تعالى فيكون قديماً لاستحالة قيام الحوادث به؛ وإن كان قائماً بغيره وجب أن يشتق لذلك الغير منه اسم و يكون المتكلم هو ذلك الغير لا الله تعالى .

واعترض الشيخ عليه بالمنع من الاشتقاق فإن كثيراً من الصفات القائمة بالمحال لا يشتق لمحالّها منه اسم كأنواع الروائج ؛ وأيضاً فإيجاب الاشتقاق عندكم باطل لأن اللغات عندكم توقيفية و لم يرو إلى المكلفين(1)التوقيف في ذلك . والله تعالى لا يجب عليه شيء عندكم فبطل كلامكم بالكلية .

المسئلة الخامسة، فی ابطال دليل الأشاعرة فى الرؤية

قال : والوجود(2)في الرؤية باطل ؛ لوجود(3)رؤية الروية بغيرها و رؤية الطعم و الرايحة و أيضاً فالوجود مختلف ، لأنه الذات عين و الذوات منا متساوية و هو مخالف لها.

أقول : قدبيّنا فيما سلف مذهب الأشاعرة في كونه تعالى مرتباً ودليلهم عليه : من أن الجوهر و العرض يشتر كان فى صحة الرؤية، فلابد من علة مشتركة هي الوجود، و هو ثابت في حقه تعالى .

و أبطل الشيخ (رحمه الله علیه) ذلك بالنقض بالرؤية نفسها ، فإنها موجودة ولا تصح رؤيتها ، وكذلك الطعوم و الروايح وغيرهما من المعانى المعقولة والأعيان التي لا يحسن الإشارة الحسية إليها ؛ و أيضاً الوجود مختلف لأنه نفس الذات على ما مر فلا يلزم من كون وجود نا المتساوى لتساوى(4)ذواتنا(5)علة لشيء كون وجوده المخالف علة


1) فرب «المتكلمين» .

2) فى ا «وجوب» .

3) فى ا «وجوب» و في ح «لوجوب» .

4) فى ا «تساوی» .

5) في ج «دواعينا» .

لذلك الشيء .

المسئلة السادسة، في جواب شبهة المجبرة في التحسين و التقبيح

قال . القول في تتبع اعتراضاتهم في مسائل العدل إلزامهم في مسئلة تحسين العقل و تقبيحه الكذب لتخليص النّبي باطل لأنه قبيح لكن الحسن التعريض و وقوع فعل الرعيّة بحسب ارادة الملك . وكذلك العبد مع السيد لا يطابق ماذكرناه للوجوب(1)الفاصل(2)و إلزام الخصم ايجاد الجواهر لعلة الوجود المطردة باطل لأن تعلق قدرته لا يملل واو علل فمن أين أن العلة فيه هى الوجود دون غيره و التعليق بالمشية ليس تعليقاً حقيقة بل هو إيقاف(3)حكم اليمين(4)والزام الخصم لنا في التولد دفعاً وجذباً حصلا معاً فكان مقدوراً بين قادرين باطل لأنهما بمنزلة شخص واحد ويستحيل وجود الانتقال بهما فإن طنناه كما نشاهده و القدرة على ايجاد الداعية في اللطف باطل لعدم وقوع النّواب المطلوب من التكليف .

أقول : هذه شبه أوردها الشيخ أبو اسحق ره عن الأشاعرة على التحسين والتقبيح و خلق الأفعال ، و اللطف :

الشبهة الأولى على التحسين و التقبيح : قالوا : لو كان الكذب مثلاً قبيحاً لذاته لما اختلف بالنسبة إلى الأوقات والفروض والتالى باطل فالمقدم مثله ، والشرطية ظاهرة ، و بيان بطلان التالى أن الكذب قديستحسن إذا تضمّن تخليص النّبي أو الولى


1) فى ا «هووجوب» .

2) فى ج «الفاضل» .

3) فى ا و ج «اتفاق» .

4) في ب «الرئيس» .

من يد الظالم .

و الجواب : لاتسلّم أنّ الكذب هناك حسن بل الحسن هو التعريض إلى الإتيان بضميمة (مضمرة)(1)تصرف اللفظ عن ظاهره عند اللافظ لا السامع .

قال : بعض المحققين ترك إنجاء النبي قبيح والكذب قبيح .

و الثانى أضعف فإذا تعارض قبيحان وجب عندهم ارتكاب الأضعف مع الشعور لقبحه و قبح الأقوى فلهذا أوجب الكذب(2)و إن كان قبيحاً .

وفيه نظر لأن الموجب إنما هو الله تعالى والله تعالى إنما يوجب أنا خلا الفعل من جميع جهات المفسدة(3).

الشبهة الثانية : قالوا أسندتم الأفعال إلينا من حيث وقوعها بحسب تصوّرنا و دواعينا ، و هذا ينتقض بالرعية فإنهم يفعلون بحسب قصد الملك و كذلك العبد مع السيد.

و الجواب ما ذكرتموه لا يطابق ما قلنا نحن لأنا أوجبنا الفعل عند القصد و الداعى بخلاف الرعية و العبد فإنهما لا يحسبان(4)عند قصد الملك و السيد ودواعيهما .

الشبهة الثالثة : لو أوجدنا الحركة مثلاً لأ وجدنا الجوهر لأن علة الإسناد إلينا هناك إنما هى الوجود و هو حاصل في الفرع .

أجاب الشيخ (رحمه الله علیه) بأن تعلق القدرة بالحركة لا يعلل فيبطال الإلحاق سلّمنا فلم قلتم إن العلة هى الوجود دون غيره .


1) في ب و ج .

2) في ا «الكفر» .

3) فى ا «اذا خلل الفعل من جميع جهات الحسن» .

4) فى ب و ج «لا يحبان» .

الشبهة الرابعة : قالوا لو كان الله تعالى يريد الطاعات لكان إذا حلف المكلف أن يطيع الله إن شاء الله حالاً إذا لم يفعل والتالى باطل بالاجماع فلو كان الله مريداً لكان حانثاً لحصول الشرط .

و الجواب أنه ليس تعليقاً حقيقة بل هو إيقاف(1)اليمين ومنع عن انعقادها .

الشبهة الخامسة : أو كانت الأفعال المتولدة مستندة إلينا ازم اجتماع مؤثرين على أثر واحد ، والثالي باطل فالمقدم مثله.

بيان الشرطية : أن الجزء الواحد إذا جذبه انسان حال ما دفعه غيره فإما أن تستند الحركة إليهما وهو قول بالاجتماع أو إلى واحد منهما دون الآخر وهو ترجيح من غير مرجح .

والجواب أنّ الحركة قابلة للشدّة والضعف فالحركة الحاصلة بهما لها نوع من الشّيّة لا يمكن حصولها بأحدهما ؛ و مجموعهما هو العلة ولا استبعاد في تركيب العلة ويكون الشخصان هنا بمنزلة شخص واحد إذا أثر حركة معينة ويستحيل وقوع الانتقال بهما معاً على معنى أن كل واحد علة تامة في الانتقال الحاصل و إن ظنننا استناده إليهما كما نشاهده في هذه الصورة و يمكن ان يكون قوله ويستحيل وقوع الانتقال بهما و إن طننناه كما نشاهده إشارة إلى جواب ثان عن هذه الشبهة ؛ وتقريره : إنما يمنع وقوع الانتقال بهما لأن الحركة شيء واحد فلا يقع بهما و ما نشاهده من المثال وكل واحد منهما له حركة غير حركة صاحبه وناقل له إلى حيّز غير الحيّز الذي نقله الآخر إليه وحينئذ يجتمعان على أثر واحد .

الشبهة السادسة لمنكرى اللطف : قالوا : إن الله تعالى إنما قصد باللطف ايجاد الداعى من المكلف إلى فعل الطاعة و الله تعالى قادر على ايجاد تلك الداعية من غير توسط فيكون عبثاً .


1) فى ا «اتفاق».

و الجواب : لو خلق الله تعالى ثلث الداعية لكان مجبراً فلا براً فلا يستحق المكلف النواب لحصولها فيه وهو ينا فى التكليف لنا إذا فعل فعلاً يختار المكلف عنده الطاعة فإنه يسقط هذا المحذور .

المقصد الثالث عشر فى الوعد والوعيد وفيه مسائل:

المسئلة الأولى، في أن وجوب الثواب والعقاب سمعى

قال : القول في مسائل الوعد والوعيد ليس في العقل ما يدل على ثواب ولا عقاب لكثرة النعم التي لا يستحق العبد معها جزاءً على طاعاته و إن استحق فلا دليل على الدوام عقلاً ولاعقاب إذ لا يقتضى العقل تعذيب المسيء في الشاهد أبداً .

أقول : اختلف المتكلمون فى ذلك : مذهب جمهور المعتزلة إلى أن استحقاق النواب والعقاب عقلی و ذهب آخرون الى أنه سمعي ، وهو اختيار الشيخ أبي اسحق ره و اختلفوا أيضاً في دوامهما . فقال قوم إنه عقلى و آخرون قالوا إنه سمعى .

احتج الشيخ على أنه لا يجب النّواب عقلاً بأن نعم الله كثيرة فلا يستحق العبد بإزاء الطاعة ثواباً أبداً عليها كما أن المولى إذا أحسن إلى عبده بنعم كثيرة حتى أمره السيد ففعل العبد ثم طلب على فعله جزاء قبح عند العقلاء فكذا صورة النزاع .

أحتج الموجبون للنواب عقلاً بأن الله تعالى كلف المشاق فلابد من منفعة في مقابلتها : هو النواب كما أنه إذا أنزل المشقة وجب عليه العوض و إلا لزم الظلم فكذا اذا ألزم المشقة .

و الجواب قد بينا أن العبد لا يستحق على سيده شيئاً في مقابلة فصله لما أمره به و يصح(1)من السيد إيلامه لأجل ما أنعم عليه أولاً بل لابد من عوض و إذا وقع الفرق فى الشاهد بين إلزام المشاقة وإنزالها امتنع الإلحاق .

احتج على عدم الدّوام مع تسليم الاستحقاق بعدم الدليل الدال عليه و هذا يتم بعد إبطال أدلة الخصوم .

وقد احتجوا بوجهين :

الأول : أن التفضل يحسن إدامته فلو لم يستحق الثواب دائماً لكان التفضّل الدائم آثر عند العقلاء من الثواب المنقطع فكان يصح التكليف تعريضاً له .

الثاني : أنه لو كان منقطعاً لكان المئاب متألماً بالقطاعه و هو ينا في بخلوصه عن الألم .

و الجواب عن الأوّل أنه مبنى على أن التكليف إنما يحسن التعريض للثواب الدائم وهو نفس النزاع سلّمنا لكن الفرق بين الاستحقاق و التفضّل ثابت وقد يختار العاقل الاستحقاق المنقطع على تفضّل الدائم ، ولأن النواب يقارنه التعظيم والتبجيل و زيادة المنافع بخلاف التفضّل .

و عن الثانى أن التألم يحصل مع النمور بانقطاعه و الشعور (غير واجب)(2)

و احتج الشيخ على أن العقاب لا يجب دوامه عقلاً فإن المسيء في الشاهد لا يجب عقابه أبداً في العقل والانتقام منه دائماً .

لا يقال : هذا يقتضى قبح دوام العقاب و أنتم تقولون به سمعاً لأن نقول العقل لا يقضى بقبحه بل يحكم بحسنه فإذا ورد السمع بثبوته و علم أن الله تعالى لا يفعل


1) في ج «يقبح».

2) في ا و ج .

القبيح ثبت حسنه كما في غيره من السمعيات .

المسئلة الثانية، في ابطال الاحباط

قال : والإحباط باطل لأن العقل لا يقضى بمحو الإحسان الكثير بالإسائة القليلة ولا منافات بين النواب والعقاب و لأن انتفاء الأقدم بالأحدث ليس أولى من عكسه والمزوم الدور المشهور ولأن الطارى إن أحبط وبقى أدى إلى مخالفة قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ» (سورة الزلزال آية) وإن لم يبق استحال زوال شيء منهما إذ لا مقتضى له إلا بإلزام وجودهما حال عدمهما أوجوب وجود العلة مع المعلول .

أقول : اختلف النّاس في ذلك فالذى ذهب إليه أكثر الإمامية وجماعة من المعتزلة إبطال الإحباط ؛ وقال أكثر المعتزله بالإحباط . ثم اختلفوا فقال أبو على إن المتأخر يحبط المتقدم ، و يبقى . وقال أبو هاشم إنه يحبط ، و ينحبط و هذا هو الموازنة .

احتج الشيخ رحمه الله على إبطال الإحباط بوجوه :

الأول : أنه يقبح فى الشاهد إحباط إحسان المحسن دائماً بفعل بسير من المعصية ؛ والعلم به ضروري.

الثاني : أن القول بالإحباط مبنى على المنافات بين الثواب والعقاب ؛ و لا منافات بينهما فيبطل القول بالإحباط : و بيان عدم المنافات أنهما إما أن تكون في سببهما أو في استحقاقهما و الكل باطل أما عدم المنافات في سببهما فلأنه يمكننا أن الفعل طاعة ببعض الجوارح ومعصية بالبعض الآخر دفعة واحدة ؛ وأما عدم المنافات في استحقاقهما فظاهر إذلا استبعاد في ثبوت حق لشخص و آخر عليه حالة واحدة .

و أما عدم المنافات في استيفائهما فلا مكان الجمع بينهما بأن يفعل أحدهما قبل الآخر .

الثالث : أن المعصية الطارية ليست أولى فى اقتضاء عدم النواب السابق من العكس فإما ان لا ينتفيا و هو المطلوب ، أو ينتفيا معاً و هو باطل لما يأتي .

الرابع : أنه يلزم منه الدور لأن طريان الطارى مشروط بزوال السابق لاستحالة اجتماع الضدين فلو كان زوال السابق معدّلاً بطريان الطارى لزم الدور .

و يمكن أن يكون مراده بلزوم الدوران بطلان كل واحد منهما لصاحبه يقتضى وجود كل واحد منهما حال عدم صاحبه المتوقف على وجود صاحبه وذلك محال . أو يقال اذا استحال توقف وجود كل واحد من الشيئين على صاحبه للدور كذا في جانب العدم .

الخامس: أنّ الطّارى إما أن يزيل النواب السابق ويبقى أو ينتفى أيضاً ؛ والقسمان باطلان : أما الأول فلقوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خير آيره، و اذا زال النواب لم يبق العموم ثابتاً . و أما الثانى فلانه يلزم اجتماع الوجود والعدم في الاستحقاقين و هو باطل : بيانه أن المقتضى لزوال السابق وجود الحادث والمقتضى لزوال الحادث وجود السابق الدارى و العلة موجودة مع المعلول فكما حصل الانتفاء لهما(1)وجب أن يحصل الوجود لهما(2)(وهو محال)(3)


1) فى ب «لها».

2) فی ب «لها».

3) ج و هـ.

المسئلة الثالثة، فى أن عقاب الفاسق منقطع

قال : والفاسق من المؤمن لا يخلد فى النّار لأن ثواب طاعاته قد بطل أن يحبط و بقائه من تنقله من الجنّة إلى النّار خلاف الإجماع ولأنه تعالى وصف نفسه بأنه غفور رحيم فلو كانت الصغائر مكفّرة والكبائر غير مكفّرة لبطل الوصف ؛ وأيضاً فالجمع بين العمومين في الآيتين المذكورتين واجب لابد منه و عموم الخصوم ظاهر لا تفيد العلم و معارضة بأمثالها .

أقول : ذهب كثير من أصحابنا الإمامية إلى أن المؤمن الفاسق لا يخلد في النار قطعاً ، و يجوز أن لا يدخلها أصلاً ، و قالت الوعيدية بالخلود .

و احتج الشيخ أبو اسحق المصنف بوجوه :

الأول : أنا قد بينا فساد الإحباط ، و النواب السابق مستحق والعقاب مستحق فلابد من إيصال إليه فإما أن يثاب ثم يعاقب فهو باطل بالاجماع، أو يعاقب ثم يثاب و هو المطلوب .

الثاني : أن الله تعالى وصف نفسه بالعفو و الغفران ، و أجمع المسلمون عليه ؛ فإما أن يثبت هذا الوصف بالنسبة إلى الصغائر أو إلى الكبائر ، و الأول باطل لأنه تقع مكفرة . و الثانى : إما مع التوبة وهو باطل لأن الغفران حينئذ واجب أو بدونها و هو المطلوب .

(الثالث)(1): أن العمومين(2)في قوله تعالى «فمن يعمل مثقال ذرة خير أيره


1) فى ا.

2) فى ب «المؤمنين».

و من يعمل مثقال ذره شرابره و لابد من العمل بهما عملاً بالأصل ولا يمكن ذلك إلا بإيصال النواب إليه بعد استيفاء ما عليه من العقاب و هو المطلوب.

احتج الخصم بعمومات الوعيد كقوله تعالى «و من يعص الله و رسوله و يتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها» (سورة النساء - آية 14) و قوله « و من يقتل مؤمناً متعمداً فجزائه جهنم خالداً فيها» (سورة النساء - آية 93) إلى غيرها من الآيات .

و الجواب : أنه لا يفيد القطع في العموم بل ظاهرة فيه لكن الظاهر قد يصار إلى خلافه الدليل وقد بيناه فيحمل الآية الأولى على من تعدى جميع الحدود التي من جملتها الإيمان . و الثاني على من يقتل مؤمناً لأجل إيمانه وكذلك ما يذكرونه من الآيات . و أيضاً فهى معارضة بآيات الوعد كقوله «إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء» (سورة النساء - آية 116) و قوله تعالى «و إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم» (سورة الرعد - آية 6) و على بقيد الحال ، قوله «إن الله يغفر الذنوب جميعاً» (سورة الزمر - آية 53)

المسئلة الرابعة، في اثبات الشفاعة

قال : والشفاعة من النبى ص فى أهل الكبائر متحققة ، للخبر القاطع ولوجوب شفاعتنا في النبي لولم يكن كذلك

أقول ذهب أصحابنا الإمامية إلى إثبات الشفاعة للنبي ص في إسقاط العقاب عن أصحاب الكبائر.

و قال بعض المعتزلة : إن شفاعته ص ليست في إسقاط العقاب بل في زيادة المنافع .

و احتج" الشيخ (رحمه الله علیه) بوجهين :

الأول : ما تواتر من قوله ص : ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتى .

الثاني : لو كانت الشفاعة إنما هى فى طلب زيادة المنافع لكنا شافعين في النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و الثانى باطل بالإجماع فكذا المقدّم .

احتجوا بقوله تعالى «وَ لا يَشْفَعُونَ إِلا لَمَنْ إرتضى» (سورة الأنبياء - آية 28) و بقوله «مَا لِلظَّالِمِينَ مِن حميم ولا شفيع يطاع» (سورة المؤمن - آية 18)

و الجواب : المراد «إلا لمن ارتضى من المؤمنين» و الفاسق مؤمن إن ارتضى إيمانه ؛ وفي الثانية المراد بالظالم الكافر و لأن نفى الشفيع المطاع لا يستلزم نفي المجاب(1)لأن الله تعالى لا يطيع أحداً.

المسئلة الخامسة، في (عدم) وجوب قبول التوبة

*في (عدم)(2)وجوب قبول التوبة

قال : و التوبة لا يجب قبولها على الله تعالى لأن المسيء في العرف يحسن قبول توبة و يحسن الإعراض عنه ، والإجماع على الدعاء يمنع وجوبها أيضاً .

أقول : اختلف المتكلمون هنا : فقالت البصريون إنه يجب على الله تعالى قبول التّوبة و يقبح منه العقاب لأنه يسقط بها.

وقالت البغداديون : إنه يجب قبولها في الجود فلا يحسن بعده العقاب ، ويكون إسقاطه تفضلاً.


1) في ا «المحاب».

2) في ا .

و ذهب قوم من أصحابنا الامامية إلى أنه يحسن من المكلف عقاب التائب و إسقاط عقابه تفضّل ؛ و هو اختيار الشيخ أبي إسحق (رحمه الله علیه) و استدل عليه بوجهين :

الأول : أنا (فى الشاهد)(1)نحكم بحسن قبول التوبة من المسيء المذاب و بحسن(2)الإعراض عنه تارة أخرى فإنّ من أساء إلى غيره بأنواع الإسائات ثم أقبل يعتذر إليه فإنه لا يجب قبوله .

الثاني : أن الأمة مجتمعة على الدّعاء إلى الله تعالى في قبول توبتهم و التضرع إليه فيه ولو كان ذلك واجباً لأحسن فعل ذلك.

المسئلة السادسة، فى أن التوبة واجبة

قال : و التوبة على العبد واجبة لقضاء العقل و الشرع بوجوبها.

اقول اتفق أصحابنا على وجوب التوبة عن الكبائر و هو مذهب المعتزلة . و أما الصغائر فقد ذهب أبو على أنها واجبة عنها أيضاً ؛ و خالف فيه أبوهاشم .

أما ما يدل على وجوب التوبة فالعقل والسمع: أما العقل فلا نها دافعة لضرر معلوم أو مظنون ودفع الضرر واجب فإذا لم يتم إلا بها كانت واجبة ، وأما السمع فقوله تعالى فتوبوا إلى الله توبة نصوحاً» (سورة التحريم - آية 8) ؛ وأما ما يدل على وجوبها عن الصغيرة قعموم الآية ، و لأن ترك التوبة إصرار على المعصية، والإصرار قبيح، لا يمكن


1) في ا و ج .

2) في ا «یحسن» .

التخلّص عنه إلَّا بالتّوبة فتكون واجبة ، و لأن التوبة عن القبيح إنما تنجب لكونه قبيحاً ، وهو عام .

و حجّة أبى هاشم و هى أن التوبة إنما تجب دفعاً المضرر و هو غير حاصل في الصغيرة باطلة ، لأنا بينا أن وجه الوجوب هو اشتمال الصغيرة على القبيح سواء اشتمل على ضرر أولا(1).

المسئلة السابعة، فى أن التوبة يصح من قبيح دون قبيح

قال : وليس من شرطها الندم على جميع الذنوب و إلّا ازم لو أذنبت ذنوباً إلى شخص و كسرت قلماً أن لا يقبل توبتى لولم أذكر القلم واعتذر من كسره و ذلك باطل.

أقول : ذهب جماعة من أصحابنا الإمامية إلى أن التوبة تصح من فبيح دون قبيح . و قال أبوهاشم لا تصح . و حجّة أصحابنا أن الشخص منا لو أساء إلى غيره بأنواع الإساءات ثم فعل به أدنى يسيراً كما لو كسر قلمه ثم اعتدز إليه من تلك الإسائات ، و ترك الاعتذار من كسر القلم فإنه يصح اعتذاره و يقبل فلولم تصح التوبة من قبيح دون آخر لكان الاعتذار و عدمه سواء ، و هو باطل قطعاً، ولأن اليهودي لوسرق در هماً ثم ناب عن اليهودية ، دون السرقة فإنه يكون مسلماً بالإجماع.

و حجة أبى هاشم أن التوبة عن القبيح إنما يصح لكونه قبيحاً و هو يقتضى


1) في ا «ام».

الندم عن كل قبيح.

و جوابه ما تقدم في مثال اليهودي

المسئلة الثامنة فى أن المؤمن لا يكفر

قال : و المؤمن لا يصح منه الكفر و إلا أدّى الى تعدد استيفاء الحق منه لانعقاد الإجماع على أنه لا ينفك عن إحدى النفعين(1).

أقول : ذهب الشيخ أبو إسحق ره إلى أن المؤمن لا يصح منه الكفر. و الدليل عليه أنه اوصح منه الكفر لتعذر استيفاء الحؤمنه ، لأنه بإيمانه يستحق النواب الدّائم و بكفره العقاب الدائم ، والإحباط قد أبطالمناه فيلزم أن يتعذر استيفاء الحق منه ، ولا ينتقض بالكافر إذا آمن لأن الله تعالى وعده بإسقاط عقابه تفضّلاً بخلاف ما نحن فيه، فإنه يستجيل إسقاط ثوابه المستحق.

المسئلة التاسعة، فى أن الفاسق يسمى مؤمناً و بيان ماهية الايمان

قال : و المؤمن إذا فسق يسمّى مؤمناً لأن الإيمان هو التصديق وهو مصدق و ليست الطاعات جزء من الإيمان وإلا لكان قوله تعالى «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات» (سورة البقرة - آية 277) تكريراً .

أقول: ذهب أصحابنا الإمامية إلى أن المؤمن إذا فق لا يخرج عن اسم الإيمان


1) فى ب «ينقل لاثنين عن احدى المنفعتين».

بل يسمى مؤمناً ، فاسقاً .

و قالت المعتزلة : لا يسمّى مؤمناً، ولا مسلماً ، ولا كافراً ، بل هو منزلة بين المنزلتين .

و قالت الخوارج : إنه كافر .

و الدليل على ما قلناه أن الفاسق مصدّق بالله تعالی و رسوله و جميع ما يتوقف عليه الأحكام الشرعية ، والتصديق : هو الإيمان فكان مؤمناً . و الذى يدل على أن الإيمان هو التصديق نقل أهل اللغة ، وفد نقل في الشرع إلى التصديق بالله تعالى و رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) و ما علم مجيئه به ، و ليس فعل الطاعات جزء من الإيمان ، و إلا لزم أن يكون قوله تعالى «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات» (سورة البقرة - آية 277) تكريراً لافائدة فيه وهو باطل .

المسئلة العاشرة، فى اثبات الصراط و الميزان وغيرهما من السمعيات

قال : وسائر السمعيات من الصراط، والميزان نقول به ؛ لأن العقل يجيز ذلك و قدورد به السمع فكان حقاً .

أقول: جميع السمعيات : من الصِّراط والميزان و عذاب القبر و مسايلة الملائكة فيه وتطائر الكتب و أحوال القيامة أمور جائزة يمكن في العقل ثبوتها و قدورد السمع به فيجب المصير إليه لعدم المعارض.

المسئلة الحادية عشر، فى اعتراضات الخصوم على مسائل الوعد والوعيد

قال : القول في تتبع(1)اعتراضات الخصم على مسائل الوعد والوعيد . ادّعائهم حسن المدح ابتداء و قياس النواب عليه قياس من غير جامع ، و التجائهم إلى الإغراء بالقبيح واقع لولم نقل بدوام العقاب باطل بالتوبة عندهم و يسير(2)العقاب كاف للعاقل واعتصامهم(3)في الإحباط(4)بما لو كسرت لغيري قلما ونجيت ولده من المهلكة باطل بإحسان الكافر إلينا فإنه يذم ويمدح معاً و عذرهم في الشفاعة باعتبار الرتبة في المشفوع فيه كسقوطها في المأمور له و إن اعتبرت الشافع والمشفوع إليه والآمر و المأمور.

أقول : هذه اعتراضات على ما تقدّم من المسائل مع الجواب عنها :

الأول : العقل يدل على حسن مدح المحسن أبداً فكذا المطيع بحسن دوام ثوابه ، فيبطل قولكم إنّ العقل لا يدل عليه . بيانه : أن المحسن يحسن مدحه أبداً فكذا المطيع يحسن دوام ثوابه .

و الجواب أنه قياس من غير جامع مع قيام الفرق فإن مدح المحسن غير واجب على العقلاء ، و ثواب المطيع يجب تأييده عندهم فكيف يحمل أحد هما على الآخر .


1) فى ا «منع» .

2) فى ا «و اعتقادهم».

3) في ا «بصير» و في ج «ليس».

4) في ج «بالاحباط» .

الثانى : قالوا كمادل العقل على دوام النواب فكذا على دوام العقاب : بيانه : أنه لولم يكن دائماً لزم الإغراء بالقبيح و الإغراء بالقبيح قبيح، بيان الاستلزام أن العاصى إذا أقدم على المعصية ، و علم ما فيها من اللذة ، وعلم انقطاع عقابه في الآخرة كان باعثاً له على الإقدام عليها مرة ثانية أما إذا علم أن عقابه دائم فإنه ينزجر بذلك.

أجاب الشيخ بوجهين:

الأول النقض بالتوبة عندهم فإنه إذا علم أن التوبة مسقط للعقاب أقدم على المعصية و إنما كان هذا النقض مختصاً بهم لأنهم يوجبون على الله قبول التوبة ، أما على رأى الشيخ أبي إسحق فلا.

الثاني : أن يسير العقاب يمنع العاقل من الاقدام على المعصية فإنه قد يترك ما هو أعظم من المعصية لذة إذا اشتملت على نقص ما و إذا كان ذلك زاجراً كان كافياً.

الثالث : قالوا لا يجتمع المدح والذم معاً فى حق المؤمن الفاسق فإنا لو فرضنا أن انساناً كسر قلماً لغيره حتى لحقه بذلك أذى يسيراً ثم فعل في جنب ذلك إحساناً عظيماً بأن ينجى واده من الهلاك، أو أنقذه من ظالم فإنه لا يحسن ذمه بكسر ذلك القلم ، بل يعدم في جنب هذا الإحسان وذلك يدل على الإحباط.

أجاب الشيخ بالمنع من قبح الدم على كسر القلم . و لهذا يحسن منا مدح الكافر المحسن إلينا على إحسانه و ذمه على كفره ، و ذلك يدل على اجتماع المدح و الذم .

الرابع في الشفاعة : قالوا أنتم استدللتم على أن الشفاعة إنما هي في إسقاط المضار لا في جلب النفع وإلا لكنا شافعين فى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهذا غير لازم لأن الرتبة معتبرة في الشفاعة بأن يكون الشافع أعلى من المشفوع فيه كما في الأمر فلابد

و أن يكون الأمر أعلى من المأمور .

أجاب الشيخ ره بأن الرتبة معتبرة بين الآمر و المأمور، لابين الأمر والمأمور به فإنّه يحسن أن يأمر السيد عبده بالذهاب إلى الأعلى والأدنى كذلك الرتبة في الشفاعة معتبرة بين الشافع و المشفوع إليه ،

المقصد الرابع عشر في النبوات

و فيه مسائل : الاولى : في جواز البعثة

قال : يجوز أن يعلم الله سبحانه وتعالى أن لنا في بعض الأفعال مصالح أو مفاسد فبعث الأنبياء لتكليف المكلف ذلك .

أقول : اتفق العقلاء على جواز بعثة الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) خلافاً للبراهمة . والدليل عليه أنه يجوز أن يعلم الله سبحانه أن لنا في بعض الأفعال مصالح و مفاسد ، نحن لا نعلمها فيحسن بعثة الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) التعريف المكلف ذلك ؛ والعلم بجواز ذلك ضرورى.

احتجوا بأن الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) أتوابما لا فايدة فيه كنزع التّياب في الحج ، ورمى الحصى ، و الطواف وغير ذلك من أفعال الحج وكلما لافائدة فيه فهو قبيح، ولأنهم أتوا بالتكليف وهو قبيح .

و الجواب عن الأوّل أنه لابد من فايدة . أما العلم فغير مشترط .

و عن القاني ما بينا من حسن التكليف .

المسئلة الثانية، فى شرائط المعجز

قبال : و شرائط المعجز أن يكون من فعله تعالى أو جارياً مجرى فعله ؛ و الغرض به التصديق .

أقول : المعجز أمر خارق للعادة ، مقرون بالتحدى ؛ فالأمر يتناول فعل غير المعتاد ، و المعتاد(1)، و الخارق للعادة فصل يتميّز به عن غيره . والاقتران بالتحدى يتميّز به عن الكرامات ، وقد يزاد فى الحدّ مع عدم المعارضة ليتميز به عن السحر و الشعبدة، وليس بشيء إذ ذلك ليس بخارق للعادة وشرط المعجز أن يكون من فعله تعالى، أو جارياً مجرى فعله : بأن يكون بأمره أو تمكينه ، لأن المصدّق للنبي بالمعجز هو الله تعالى فلابد وأن يكون المعجز منسوباً إليه ، و أنه يظهر في زمان التكليف ، لأن اشتراط الساعة ينتقض بها عادته تعالى مع أنها لاتدل على نبي، والغرض من المعجز إنما هو التصديق .

المسئلة الثالثة، فى اثبات نبوة محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم)

قال: محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) رسول الله لظهور المعجز على يده : وهو القرآن لأنه تحدّى به& وعجز العرب عن معارضته، وتحديه به في قوله تعالى فأتوا بسورة من مثله» (سورة البقرة آية 23) وغيرها من الآيات ، وعجزوا عن معارضتها ، لأنه لو عورض لنقل وعجزهم عن


1) في د «وفعل المعتاد» .

المعارضة كان للتعذر ، دون غيره لشدّة شعفهم بإطفاء نوره و إبطال أمره فلو قدروا على المعارضة لعارضوا .

و غير القرآن من الآيات دليل على صدقه كانشقاق القمر و الاخبار عن الغيوب في مواضع كثيرة .

أقول : اعلم أن نبوّة نبينا عليه السلام يتوقف على اثبات مقدمات:

احديها أنه ادعى النبوة ؛ وذلك معلوم بالتواتر لاشك فيه .

الثاني ظهور القرآن على يده وهو أيضاً متواتر.

الثالث أنّ القرآن معجز و قد احتج الشيخ بأنه تحدى به فصحاء العرب و عجزوا عن المعارضة فيكون معجزاً . أما التحدّى فلقوله تعالى : «فلئن اجتمعت الجنّ والإنس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله» (سورة أسرى - آية88). وقوله تعالى : «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مثله» (سورة البقرة - آية 23) .

و أما العجز عن المعارضة ، فلأنه لو عورض لنقل ، لأنه من الوقائع العظيمة المشتملة على إسقاط التكاليف الشاقة ؛ و العلم بالملازمة ضروري ، و لما انتفى اللازم انتفى الملزوم .

لا يقال : عدم المعارضة لايدل على تعذرها لاحتمال تركها لغير ذلك : إما للاستهانة أو الخوف مع القدرة .

لا نانقول : لو كانوا قادرين لما التجاؤا إلى الحرب وهو الا شق وتركوا المعارضة و هي الأسهل ، فلما تركوا المعارضة دل على إمتناعها عليهم ، لأنهم كانوا مشعوفين بإطفاء نوره (صلی الله علیه و آله و سلم) مجتهدين فى إبطال أمره ، والاستهانة به باطلة لأنه كان أشرف منهم و أعلاهم نسباً و فخراً . و أما الخوف فضعيف لأنه ص بقى وحيداً نحواً من ثلثة عشر سنة منهم و لم يتمكنوا من المعارضة .

و قد يستدل بغير ذلك على نبوته ص من ظهور الآيات كانشقاق القمر ونبوغ الماء بين أصابعه و تسبيح الحصى في كفّه ، و جنين الجذع ، و غير ذلك من المعجزات المشهورة و إن كانت منقولة بالآحاد إلا أنها متواترة في المعنى ، و إخباره بالغيوب في مواضع كثيرة في القرآن كقوله تعالى: «سيهزم الجمع و يولون الدبر» (سورة القمر - آية 45) وقوله «ستغلبون» (سورة آل عمران - آية 12) وقوله «لتدخلن المسجد الحرام» (سورة الفتح - آية 27) و قوله «و إن أخر جو الايخرجون معهم» (سورة الحشر آية 12) إلى آخرها ، وغيرها من الآيات ؛ وفي غير القرآن كقوله لعلي: «ستقاتل بعدى الناكثين و الفاسقين، والمارقين.» وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم) له ع «إن أشقى النّاس من يضربك على هذا فتختضب هذه» وقوله ص (صلی الله علیه و آله و سلم) له ع «ستغدر بك الأمة من بعدى» وغيرها من الأخبار الدالة على نبوته (صلی الله علیه و آله و سلم).

المسئلة الرابعة، في جواز الكرامات

قال : وظهور المعجزات على أيدى الأولياء والأئمة جائز ودليله ظهور المعجز على آصف ، و على مريم إلى غير ذلك .

أقول : اتفقت الإمامية ، و جماعة من الأشاعرة على جواز الكرامات وإظهار المعجزة على يد الأئمة، والصالحين، خلافاً للمعتزلة.

لنا أنه غير مستحيل، ولا قبيح فجاز إظهاره . أما عدم الإستحالة ضروري(1)لأنه ممكن ، والله تعالى قادر على جميع الممكنات ؛ و أما عدم قبحه فإنّ جهة القبح


1) في ح «ضروری».

هو الكذب و هو منفي هنا إذ صاحب الكرامات لا يدعى النبوة ، فانتفى وجه القبح بل فيه جهة حسن لأن خلق المعجز على يد الرسول تصديقاً له ليعرف الأحكام التي لا نعلمها بالمعجز حسن ، فكذا تصديق مدعى الإمامة ليعرفنا الأحكام حسن أيضاً و لأنه واقع فيكون ممكناً قطعاً . و بيان وقوعه : قصة آصف ، و إتيانه بعرش بلقيس ، وقصة مريم عليها السّلام و غير ذلك مما نقلته الإمامية بالتواتر من ظهور المعجزات على أيدى الأئمة عليهم السلام.

احتجت المعتزلة بأنه لو جاز إظهاره على يد صالح لجاز على يد كل فيخرج عن كونه معجزاً و لأن ظهوره على يد غير النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ينفر عن النبي .

و الجواب عن الأول المنع من ذلك بل نجوزه(1)ما لم يكثر كما في حق الأنبياء .

و عن الثانى بالمنع من النفرة كما في حق النبي أيضاً .

المسئلة الخامسة، فى أن الأنبياء أشرف من الملائكة

قال : الأنبياء أفضل من الملائكة لأختصاصهم بشرف الرسالة مع مشقة التكليف. أقول : اختلف النّاس في ذلك فذهب الإمامية وجماعة من الأشاعرة إلى أن الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) أفضل من الملائكة . وقالت المعتزلة والفلاسفة بل الملائكة أشرف.

لنا أن الأنبياء اختصّوا بشرف الرسالة ، وبعض الملائكة ليس كذلك والمشارك لهم فيه امتياز النبي عنه لمشقة التكليف. ولأن الأنبياء عليهم السّلام مكلفون مع


1) فى ا «نجيزه» .

وجود المنافى فيكون عبادتهم أشق ، و لقوله تعالى: «إن الله اصطفى آدم و نوحا وآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمرانَ عَلَى الْعَالَمِينَ» (سورة آل عمران آية 33)

احتجوا بقوله تعالى: «ماهذا بشراً إن هذا إِلَّا ملك كريم» (سورة يوسف آیة 31) وقوله تعالى : «مانها كما ربكما عَنْ هذه الشجرةِ إِلَّا أَن تَكُونَا ملكين أو تكونا من الخالدين» (سورة أعراف - آية 20).

و الجواب عن الأول أنه راجع إلى حسن الصورة إن قد تقرر في أوهام العقلاء : أن الملائكة أحسن صوراً من البشر.

و عن الثانى أن الملائكة لا تأكل فلذلك نسبهما إليهم.

المسئلة السادسة، في الاعتراضات على النبوة و الجواب عنها

قال : القول في تتبع الاعتراضات على النبوّة القدح باستغناء العقل عنها فاسد لأن العقل لا مدخل له إلا في الكليات . و تجويز أن يكون الموصى غير ملك مدفوع بإمكان اضطرار النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى أنه ملك إما بالعلم أو بالعمل ؛ و القرآن لا يقدح في كونه من عند الله لجواز أن يكون الذى ألقاء(1)شيطاناً لأنه تعالى يجب عليه دفع ذلك الشيطان و منعه من الإضلال وأيضاً فالشيطان لا قدرة له على الإخبار عن ؛ الغيوب التي تضمنها القرآن و تجويز أن يكون النّبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أفصح العرب لا يمنع من معارضته بما يماثله أو يقاربه . و تجويز وجود المعارضة و إن لم ينقل كما نقوله فى النص عن الإمام ليس بشيء لأنّ النّص نقله أهل التواتر ، و المعارضة لم ينقلها يهودي ولأنصراني فضلاً عن المسلمين.


1) فى ا «لاقاه» .

والقدح في كرامات الأولياء بالتنغير المدعى باطل لأنه إنما يكون عند التحدى لا عند سواه ، والتمسك بكون الملك روحانياً لا تأثير له في الفضل على ما يقتضى به أوائل العقول .

أقول: هذه اعتراضات على النبوة :

الأول : اعتراض البراهمة قالوا الأنبياء إن جاؤا بالمعقول فلاحاجة إليهم و إلا فهو مردود .

والجواب أن العقل إنما يحكم في الأمور الكلية النظرية. أما الأمور الجزئية أو العلمية فإنه يحتاج إلى معين، والأنبياء إنما أتو بهذا النوع الأخير فلا يقع الاستغناء بالعقل عنهم.

الثاني : لم لا يجوز أن يكون الواسطة بين الله و بينه غير تلك بأن يكون شيطاناً ، فلا يكون ما بلغه حقاً.

و الجواب : هذا التجويز مندفع لأنه قد ثبت أنه تعالى حكيم لا يفعل القبيح وهذا النوع من أعظم القبائح فلا يفعله الله تعالى ولا يمكن منه وحينئذ يعلم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن الواسطة هو الملك : إما باضطرار بأن يخلق الله تعالى فيه علماً ضرورياً بذلك أو بمعجزات تظهر على يده مع الاقتران بالدعوى .

الثالث لم لا يجوز أن يكون للقرآن شيطاناً .

و الجواب عنه بمامر فى الثانى : من أنّ الله يجب عليه أن لا يمكنه فيه لما فيه من الإضلال : و أيضاً فالشيطان لا يمكنه الاخبار بالغيوب و القرآن قد تضمنه ، فاندفع ما ذكر تموه .

الرابع : لم لا يجوز أن يكون النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أفصح العرب فعجزوا عن معارضته من هذه الحيثية لا باعتبار كونه معجزاً، فإنا لو قدرنا مساويه في الفصاحة لعارضه .

و الجواب : أنّ هذا لا يمنع من المعارضة بالمثل ، أو بالمقارب فإنه وإن كان أفصح العرب لكن غيره لقاربه فيمكن الإتيان بمثل سورة أو بمقاربها ، ولما لم يكن كذلك بطل هذا الاحتمال. ويؤيده أن الحافظ لكلام العرب المطلع عليه يمكنه استعمال كلامهم و نظمه على طريقهم في غاية الفصاحة بخلاف قرآن المجيد فإنّ المبالغ في حفظه التّالي له على مر الدهور لا يمكنه الإتيان بمثله، فوقع الفرق ؛ و ظهر أنه ليس من جنس كلام العرب .

الخامس : يجوز قد عورض و إن لم ينقل إلينا كغيره من الوقايع مثل النص على الإمام الذى ينقله الشيعة .

و الجواب : أنّ مثل هذه الواقعة الشهيرة يستحيل أن لا ينفك بالتواتر عادة ، و النّصّ على الإمام نقله أهل التواتر فإنّ الشيعة على اختلاف طبقاتهم ينقلون خلفاً عن سلف النص على علي (علیه السّلام) بخلاف المعارضة فإنه لم ينقلها يهودى ولا نصراني، مع أن نقلها مما يتوفر دواعيهم عليه ، فضلاً عن المسلمين .

السادس : قالوا الكرامات باطلة وإلا لزم التنفير عن الأنبياء عليهم السّلام المساوات غيرهم لهم فلا اختصاص لهم بالفضيلة .

و الجواب : المنع من التنفير بل ذلك مما يوجب كمال الرفعة لهم من حيث أن أتباعهم مخصوصون بهذه الكرامات نعم لو تحدّى إنسان كاذب و ظهرت المعجزة عليه لزم التنفير.

السابع : قالوا الملائكة أفضل، لأنهم روحانيون مجردون عن العلايق الجسمانية بخلاف الأنبياء (صلی الله علیه و آله و سلم) فإنهم أجسام كثيفة غير مجرّدين .

و الجواب : أنّ التجرّد غير مقتض للفضل بالبديهة ولا بالدليل لعدمه.


المسئلة السابعة، فى الاعادة وأحكامها

قال : القول في الإعادة وأحكامها : الأجزاء بعد الموت تجمع وتؤلف ؛ لإخبار الصادق بذلك. واعتذاء(1)الحيوان بمثله يعاد الأصل(2)دون الزايد ، و إعادة المعدوم جائزة ، وإلا لم يصح جمع الأجزاء بعد التفرق لعدم الأعراض الأولى(3).

أقول : اتفق المسلمون على إعادة الأجساد خلافاً للفلاسفة واعلم أن الإعادة يقال بمعنيين : أحد هما جمع الأجزاء و تأليفها بعد تفريقها و انفصالها ؛ و الثاني : إيجاد ها بعد إعدامها .

وقد استدل الشيخ ره على الإعادة بالمعنى الأول بأنه ممكن إذ واجب الوجود لذاته عالم بكل معلوم ، قادر على كل مقدور فيعلم كمّيّة الأجزاء ، فيقدر على تأليفها؛ و الصادق ع أخبر بذلك بالتواتر فيكون حقاً .

لا يقال : إنه يغتذى الحيوان بغيره بحيث يصير أجزاء المغتذى به بدلاً من أجزاء المغتذى فإن أعيدت إلى المغتذى لم أعاده المفتذى به ، و بالعكس .

لا نا نقول : المغتذى له أجزاء أصلية باقية لا يتطرق إليها الزيادة والنقصان و كذلك المغتذى به فإذا اغتذى أحدهما بالآخر صارت الأجزاء الغذائية فواضل بالنسبة إلى المغتذى و إن كانت أصولاً بالنسبة إلى المغتذى به فإذا أعيد المغتذى لم يعد تلك الأجزاء معه بل تعاد مع المغتذى به ، و من هنا ظهر أن مقصود الشيخ ره بقوله فيما مضى : إن الإنسان هو هذه الجملة ؛ و البنة هو الأجزاء الأصلية ، لاغير.


1) في ا «اغتذ».

2) فى ا «الأصيل» .

3) فی ب «الأول».

وأمّا الثانى : فقد اختلف النّاس فيه فذهب قوم إلى امتناعه وهو الحق وآخرون إلى جوازه. و اختاره المصنف واحتج عليه بأن إمكان الإعادة بالمعنى الأول مستلزم لإمكانها بالمعنى الثاني ، وقد ثبت الملزوم ، فيثبت اللازم : بيان الملازمة أن الإنسان ليس هو عبارة عن هذه الأجزاء الأصلية، لاغير ؛ بل لا بد معه من أعراض كالتاليف و المقدار و غيرهما ولاشك في أن تلك الأعراض تزول و تعدم فإذا أعيد ذلك الشخص أن بعينه وجب يعاد ذلك العرض بعينه فظهر التلازم و هيهنها إشكال على الشيخ (رحمه الله علیه) و هو أنه قد ذهب إلى أن الأعراض باقية وأن الإنسان باق فنقول إن كفي في الشخص المعين العرض المطلق بطل الاستلزام و إلا لزم فناء الإنسان عند فناء كل عرض وهو باطل بالضرورة .

المسئلة الثامنة، في بقاء الجواهر

قال : و الجواهر باقية لعلمى بأنى أنا الذى كنت بالأمس، لاغيره، ولا ينتفى بانتفاء ما يحتاج إليه لعدم الحاجة فلا ينتفى إلا بالضّدّ .

أقول : اتفق العقلاء على بقاء الجواهر إلا ما حكى عن النظام فإنه نقل عنه أنها لاتبقى . وقيل : إن مقصود. أنها ممكنة فهي لا تبقى بذاتها إلا بالفاعل فتوهم الناقل عدم بقائها مطلقاً و هو حسن . والدليل على بقائها أنا نعلم بالضرورة أننا الذين كنا بالأمس موجودين وذلك يدل على البقاء. وقوله ولا ينتفى بانتفاء ما يحتاج إليه ، لعدم الحاجة إشارة إلى إبطال مذهب النظام فإنه نقل عنه أن الجسم يحتاج إلى العرض فإذا لم يخلق الله تعالى العرض انتفت الأجسام. والدليل على بطلانه : أن الجسم او احتاج إلى العرض مع أن العرض محتاج إليه ، لزم الدور و إذا ثبت أنه لا ينتفى بانتفاء ما يحتاج إليه ، ولا بالفاعل كما ذهب إليه بعضهم لأن فعل الفاعل هو الإيجاد وجب أن يكون ابتغاء بطريان الصد و هو الفناء الذى يوجد لا في محل كما ذهب إليه المشايخ و هو ضعيف .

المسئلة التاسعة فى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

قال جمل متفرّقه : الأمر بالمعروف واجب وكذلك النّهى (عن المنكر)(1)و من(2)شرط وجوب النّهى أن لا يغلب في ظنّ المشكر مفسدة يلزم من الإنكار.

أقول : اتفق المسلمون على أن الأمر بالمعروف الواجب و النهي عن المنكر واجبان سمعاً . واختلفوا في وجوبهما عقلاً : فذهب إليه قوم ، و خالف فيه آخرون . و حجة الفريقين ذكرناها في كتاب المناهج .

أما المعروف المندوب فإن الأمر سر به مندوب . و من شرط الا و من شرط الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر أن يعلم الأمر والناهي بكون المعروف معروفاً و المتكر منكراً و أن يكون المعروف مما سيقع و المنكر مما سيترك لأن الأمر والنهي بعد الوقوع عبث و أن يجوز تأثير الانكار ؛ وأن يغلب على الظن انتفاء المفسدة . و ذلك كله ظاهر .

المسئلة العاشرة، في الآجال

قال : والأجل هو الوقت والميت يموت بأجله . و ليس كذلك مقتول يقتل بأجله ، وإلا كان الملك أو قتل أهل بلدة في يوم (واحد فإن)(3)حياتهم واجبة وهو خرق للعادة .


1) فى ا .

2) فى ا «في» .

3) في ح «كان»..

أقول : الأجل فى اللغة هو الوقت فأجل الدين هو وقت وجوب أدائه ؛ و أجل الحيوة هو الوقت الذى علم الله تعالى وقوع الحيوة فيه ؛ وأجل الموت هو الذى علم الله تعالى وقوعه فيه ؛ فالميت يموت بأجله ، يعنى إنّ الله تعالى علم أنه يموت فى الوقت الذي مات فيه فمات .

أما المقتول فهو يقتل بأجله، فإن أريد أنه يقبل في الوقت الذي علم الله تعالى فيه بطلان حياته فهو كذلك. ولو أريد أنه لو بقى لماش أومات فالذي اختاره المصنف : أن منهم من أو بقى أماش قطعاً، ومنهم من يجوز عليه الأمران . (و)(1)احتج على لوبقى القطع بحيوة البعض إن ملكاً لو قتل أهل بلدة فإنا نحكم بأنه او لم يقتلهم لعاشوا لأنه لولا ذلك لزم خرق العادة إذ من المستحيل عادة موت أهل تلك البلدة في يوم واحد ، وخرق العادة لا يجوز إلا في زمان الرسالة .

المسئلة الحادية عشر، فى الأسعار

قال : و السعر تقدير البدل(2): و هو من الله تعالى عند الأفعال التي لا تقبح و منا عند الأفعال القبيحة . أقول : السعر هو تقدير البدل(3)فيما يباع به النيء و هو على ضربين رخص ، و غلاء ، فالرخص هو نقصان السعر عن القدر المعتاد مع اتحاد الوقت والمكان ؛ والغلاء هو زيادة السعر عن المعتاد ، مع اتحاد الوقت والمكان . و قد ينبان إلى الله تعالى ،


1) فى ا .

2) فى ا «البلد» .

3) في ا «البلد».

و إلى العبد ، فالرخص يكون من الله تعالى بفعل(1)أسبابه ، كأن يكثر الأمتعة ، و يقلل رغبة النّاس فيها ، أو يقلل عددهم ؛ والغلاء يكون منه تعالى بأن يعكس الحال فيه و يكون الرخص من الناس بأن يجلب السلطان الأمتعة إلى بلدة و يفرقها فيها ، و الغلاء يكون منهم بأن يفعل العكس.

المسئلة الثانية عشر، في الارزاق

قال : والرزق ماصح أن ينتفع به، و جايز أن يأكل الإنسان رزق غيره كما يأكل الغير ، و ليس الرّزق مالا فقط ، بل يكون حياة و ولداً ، إلى غير ذلك .

أقول : الرزق حده عند العدلية : أنه ماصح أن ينتفع به وليس لأحد المنع منه ، و هو مشترك بين الانتفاع بالمال والولد ، والحيوة و غير ذلك ؛ فوجب التحديد .

و قول المصنف : ما صح أن ينتفع به : يعنى بذلك ما صح عقلاً ، و شرعاً ، ليخرج عنه الحرام ، فإنه ليس برزق ، لأنه تعالى أمر بالإنفاق منه ، ولا استبعاد في أن يأكل مال غيره .

المسئلة الثالثة عشر، في بيان عصمة الانبياء

قال : والقول في بيان عصمة الانبياء و الرد على مخالفى الملة أجمع : العصمة لطف يمنع من اختص به من الخطاء ولا يمنعه على وجه القهر ، وإلا لم يكن المعصوم


1) فى ب «لفعل».

مثاباً و وجه عصمة الأنبياء أنهم أو لم يكونوا معصومين لأدى إلى التنفّر عن قبول أقوالهم ، و ذلك مما يدراء(1)المعجز و دلالته .

أقول : ذهبت الامامية إلى أن الأنبياء معصومون قبل البعثة وبعدها عن الصغاير عمداً و سهواً ، وعن الكباير كذلك . وخالفهم فيه جميع الفرق .

أمّا المعتزلة فذهب أكثر هم إلى عصمتهم عن الكبائر وتعمّد الصغائر وجوزوا عليهم الصغاير سهواً ؛ ومنهم من جوز صدورها عنهم عمداً . و من المجبرة من أجاز الكباير وهم الحشوية .

والأشعرية منهم جوزوا تعمّد الصغاير . والخوارج جوّزوا عليهم الكفر .

وقبل الخوض في ذلك لابد من البحث عن العصمة ماهي فنقول : ذهب قوم إلى أن المعصوم هو الذى لا يمكنه الإتيان بالمعاصى بأن يكون مختصاً بكيفية بدنية أو نفسانية تقتضى امتناع الإقدام ؛ كما ذهب إليه بعضهم أو يكون قادراً على الطاعة لاغير، أو غير قادر على المعصية كما اختاره أبو الحسن الأشعرى . وهذه الأقوال مشتركة في سلب القدرة ، والحق خلافه ، وإلّا لزم أن لا يكون المعصوم مثاباً على ترك القبائح ؛ والتالى باطل إجماعاً فالمقدّم مثله فإذن وجب أن نفسر العصمة بغير ذلك . والأقرب ما اختاره الشيخ أبو إسحق (رحمه الله علیه) وهى : عبارة عن لطف يفعله الله تعالى بالمكلف لا يكون له معه داع إلى المعصية و إلى ترك الطاعة ، مع قدرته عليهما.

إذا ثبت هذا فنقول : الدليل على عصمة الانبياء أنه او وقع الخطاء ازم التّنفّر عن أقوالهم. و التالى باطل ؛ وإلا لزم نقض الغرض من البعثة فالمقدّم مثله ؛ ولأن الالزم المعجزة دالة على صدقهم وأتباعهم ، فلو صدر الذنب عنهم البطلت دلالة المعجز على ما دلت عليه ، ولأنه كان يجب الاستخفاف بهم ، و النّهى لهم عن ذلك و التوالى باطل فالمقدم مثله .


1) فى ب «مداره» .

المسئلة الرابعة عشر، فى الردّ على اليهود

قال : وما يدعى اليهود من استحالة النسخ باطل لجواز تغير المصلحة كما في المريض و عليه يخرج قولهم إن لم يكن السبت مصلحة كان الأمر به قبيحاً ، وإن كان مصلحة كان النهي قبيحاً ؛ على أن في التورية أوامر كثيرة منسوخة . و ادعائهم أن موسى (صلی الله علیه و آله و سلم) قال أنا خاتم النبيين باطل لأنهم لا تواتر لهم بحادثة بخت اصر؛ على أن ألفاظ التأبيد لا يدل على الدوام كقصد دم الفصيح ، و العبد المعتق .

أقول : إن اليهود لعنهم الله بنوا مذهبهم على إبطال النسخ : قالوا : إن النسخ باطل فنبوة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) غير ثابتة ؛ والملازمة غير ظاهرة ؛ و بيان ثبوت المقدّم أن المأمور به إن كان منشأ المصلحة استحال النّهى عنه و إلّا استحال الأمر .

و الجواب أن المصالح تتغير بتغير الأوقات المكلفين . و إذا كان كذلك جاز أن يكون المأمور به منشاء المصلحة فى وقت دون آخر ، وامكلف دون آخر ، فجاز النسخ والتخصيص كما فى حق المريض يكون الدواء مصلحة في وقت دون آخر.

ومن هذا يظهر الجواب عن قولهم : التمسك بالسبت إن كان مصلحة كان النّهى عنه قبيحاً و إن كان مفسدة كان الأمر به قبيحاً.

و مما يبطل قولهم ماورد فى شرعهم من النسخ فإنّ الجمع بين الأختين كان مباحاً في شرع يعقوب ، ثم حرمه موسى (صلی الله علیه و آله و سلم) و غير ذلك من الأحكام.

قالوا : قال موسى : أنا خاتم النبيين ؛ وقال : تمسكوا بالسبت أبداً وذلك يدل على دوام شرعه .

و الجواب : عن الأول : بالمنع من ذلك فإن ادعوا التواتر في نقله منعنا تواتر هم فإنّ بخت نصر استأصلهم .

و عن الثانى بذلك أيضاً وبأن لفظ التأبيد لا يدل على الدوام قطعاً فإنه قد وردت ألفاظ التأبيد و لم يرد بها الدوام ؛ كما جاء في التورية : إن الله تعالى قال لنوح (صلی الله علیه و آله و سلم) عند خروجه من الفلك : إني جعلت كل داية حية مأكلاً لك ، ولذريتك ، وأطلقت ذلك لكم كتبات العشب أبداً ماخلا الدم فلا تأكلوه ؛ ثم حرم على لسان موسى (صلی الله علیه و آله و سلم) كثيراً من الحيوان ؛ وجاء فيها قربوا إلى كلّ يوم خروفين خروف غدوة ، و خروف عشية بين المغارب قرباناً دائماً لأحقابكم، ثم انقطع ذلك الدوام . وقال أيضاً في موضع كل عبد خدم ست سنين يعرض عليه العتق فإن لم يقبل(1)أذله و يستخدم أبداً و غير ذلك من الأحكام. و إن كان كذلك فلم لا يجوز أن يكون المراد ذلك مع ثبوت النقل .

المسئلة الخامسة عشر، في الرد على النصارى

قال : وادعاء النّصارى أقانيم ثلثة باطل لأنها إن كانت كالمعاني فقد بطلت ، و إن كانت عين الذات فهو متناقض .

أقول : المتكلمون لم يحصلوا كلام النصارى لاضطرابه إذ لا محصول له فإنهم يقولون البارى سبحانه و تعالى جوهر واحد ثلثة أقانيم : أقنوم الأب، و أقنوم الإبن ، و أقنوم روح القدس ، فمذهبهم أن الإله واحد ثلثة و ذلك غير معقول و


1) في ا «ثبت» .

اضطر بوا في معنى الأقانيم ؛ ويخلص من أقوالهم أن أقنوم الأب أقنوم الوجود وأن أقنوم الإبن أقنوم العلم ، و أن أقنوم روح القدس أقنوم الحيوة ، و هؤلاء أثبتوا ذواتاً ثلثة فهو باطل بمامر من أن الإله واحد ؛ و إن أرادوا بذلك الصفات وأنها زايدة على الذات فهو مذهب الأشاعرة و قد مضى إبطاله أيضاً ؛ و إن عنوا به أحوالاً فقد سلف بطلانه ؛ و إن عنوا به شيئاً آخر فلابد من بيانه واضطرابهم في هذا الباب عظيم.

المسئلة السادسة، عشر فى الرّد على المنجمين

قال : وقول المنجمين يبطله قدم الصانع و اشتراط اختياره و يلزم عليهم أن لا يستقر الفعل على حال من الأحوال و قول أهل الطبيعة يبطل بمثل ذلك .

أقول : اختلف قول المنجمين على قسمين :

أحدهما قول من قال إن الكواكب السبعة حيّة مختارة .

و الثانى قول من قال إنها موجبة . والقولان باطلان :

أمّا الأوّل فلأنها أجسام محدثة فلاتكون آلهة ، و لأنها محتاجة إلى محدث غير جسم فلابد من القول بالصانع . و أما الثاني فلان الكواكب المعين(1)كالمريخ مثلاً إذا كان مقتضياً للحرب ازم دوام وقوع الهرج والمرج في العالم ؛ و إن لانستقر

أفعالهم على حال من الأحوال - و لما كان ذلك باطلاً- كان ما ذكروه باطلاً.

و أما القائلون بالطبايع الذين يستندون الأفعال إلى مجرد الطبيعة فيبطل قولهم بمثل ذلك أيضاً فإن الطبيعة قوة جسمانية وكل جسم محدث وكل قوة حالة


1) في ب «المعنى لها».

فيه فهي محدثة تفتقر إلى محدث غير طبيعية وإلا لزم التسلسل فلابد من القول بالصانع سبحانه و تعالى .

المسئلة السابعة، عشر، فى ابطال قول التنوية

قال وقول الثنوية فاسد بتحو ما ذكرناه ، وقد ألزموا اعتذار الجاني وغير ذلك. أقول : ذهب التنوية إلى أن المدير فى العالم هو النور والظلمة ، وأنهما امتزجاً بعد افتراقهما فحدث هذا العالم .

و هذا القول باطل ، لأنهما إما جسمان أو عرضان ، و على التقديرين فهما محدثان فلابد من صانع غيرهما.

و اعلم أنهم أسندوا الخير إلى النور و الشر إلى الظلمة ، و أحالوا أن يفعل النّور شرّاً ، و الظالمة خيراً فألزمهم الشيخ أبو إسحاق ره و غيره من المتكلمين اعتذار الجانى فإنه حسن فإن كان صادراً عن الظلمة فقد ناقضوا مذهبهم ، و إن كان صادراً عن النور و هولم يحسن كان قبيحاً وسفها و هو يناقض مذهبهم ، و غير ذلك من الإلزامات لحصول الخير من المظلمة أحياناً .

المسئلة الثامنة، عشر في الرد على المجوس

قال و قول المجوس باطل بمثل ذلك.

أقول : ذهب المجوس إلى أن الخير واقع من الله تعالى و أن النر واقع من الشيطان ؛ و اختلفوا في قدمه و حدوثه. وقال بعضهم: إنه قديم . و قال آخرون إنه

حادث من فكرة الله تعالى (و)(1)هي(2)أنه (قال)(3)كيف يكون حالی او نازعنى غيرى فتولّد الشيطان من هذه الفكرة ثم تحاربا واصطلحا ، وجعلا سيف المنازعة عند القمر إلى مدة ؛ وهذا الكلام في غاية السخافة ؛ ثم نقول: حدوث الشيطان شر فقد صدر عن صانعهم فيلزم بطلان مذهبهم.

المسئلة التاسعة عشر، فى الردّ على عبادة الأصنام

قال : وقول عبدة الأصنام يبطل لعلمنا بعدم فعلها .

أقول: هذا المذهب في غاية السخافة إن جعلوا الأصنام آلهة فإنها محدثة ومخلوقة لنا فكيف تكون خالقة ولا أحسب أنّ عاقلاً يقول ذلك ، وقد نقل عن بعضهم أن الأصنام إنما يتقرب إليها ؛ لأنها على شكل الوسائط بين العالم و بين الله تعالى من ملك أو كوكب ، و هذا المذهب فاسد أيضاً ؛ لأن عبادتهم قبيحة فإنا نعلم بالضرورة أنها لا تعلم شيئاً ولا تقربنا إلى الله تعالى والفرق بين توجهنا إلى الكعبة و الحجر و توجههم إلى الأصنام ظاهر لأنا قصد الله تعالى ، لا المتوجّه إليه ، بخلافهم.

المسئلة العشرون، في الرد على الغلاة

قال : وقول الغلاة يبطل اصله ، استحالة كون البارى تعالى جسماً ، ومعجزات


1) في ب.

2) فى ج «نهی» .

3) ب.

أمير المؤمنين (علیه السّلام) معارضة بمعجزات موسى (علیه السّلام) و عيسى (علیه السّلام).

أقول الغلاة افترقوا على أقوال : منهم من جمل أمير المؤمنين على بن أبي طالب إلهاً حقيقة ؛ و منهم من قال : إنه نبى. وهذه الأقوال باطلة فإنا قد بينا أن الله تعالى ليس بجسم وأنه يستحيل عليه الحلول؛ والاتحاد باطل بما تقدم. وقد بينا أن محمداً (صلی الله علیه و آله و سلم) خاتم الأنبياء فبطل قولهم جملة.

والسبب في غلطهم ما شاهدوا من معجزاته (علیه السّلام). وتلك لا يدل على أقوالهم لصدور أمثالها من الأنبياء المتقدمين كموسی (علیه السّلام) و عيسى (علیه السّلام).

المقصد الخامس عشر - فى الامامة و فيه مسائل

المسئلة الاولى، فى أنها واجبة

قال : الإمامة واجبة عقلاً ؛ لأنها لطف يقرب من الطاعة و يبعد عن المعصية، ويختل حال الخلق مع عدمها وقد ذكر أصحابنا فيها وجوهاً : من إرشاده إلى الصانع و تميز الأغذية من السموم وغير ذلك . و واجبة سمعاً أيضاً لقوله تعالى : «و الشارق وَ السَّارِقَةُ فَاقْعَامُوا أَيْدِيَهُمَا» (سورة المائدة آية 41). والأمر بالشيء إمربما لا يتم ذلك الشيء إلا به ؛ وبقوله ص : الأئمة من قريش ، و هو الزام . و إجماع الصحابة حجّة على ذلك .

أقول : ذهبت الإمامية إلى أن الإمامة واجبة عقلاً وسمعاً، وهو مذهب الكعبي و أبي الحسين البصرى(1)وجماعة من المعتزلة . و ذهب جمهور المعتزلة و الأشاعرة


1) فى ب «أبي الحسن الرومى».

إلى أنها واجبة سمعاً.

و احتج الشيخ على وجوبها عقلاً بأنها لطف واللطف واجب فالإمامة واجبة. بيان الصغرى أنها تقرب من الطاعة. تبعد من المعصية فإنا نعلم بالضرورة أن الناس إذا كان لهم رئيس قاهر ينتصف للمظلوم من الظالم ويردعهم عن المعاصي و يأمرهم بالطاعات ؛ فإن النّاس يكونون من الطاعات أقرب ومن المعاصى أبعد.

و أما الكبرى فقد تقدّمت .

و هذا البرهان قطعى و الشكوك عليه ضعيفة أبطلناها في كتاب المناهج . وقد ذكر أصحابنا في وجوب الإمامة وجوهاً آخر :

منها أنه ينبه على النظر.

و منها أنه يعين على دفع الشبهات . وبعضد العقل بتحصيل المقدّمات . و منها أنه يرشد إلى الصنايع الخفية

ومنها أنه يرشد إلى السموم القاتلة لتجتنب و إلى الأغذية ليتناول، ويميز بينها وغير ذلك من الفوائد.

و أما وجوبها سمعاً فيدل عليه وجوه :

أحدها قوله تعالى: «وَ السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا» (سورة المائدة- آية 41) أمر الله تعالى بقطع يد السارق ، وليس المتولى اذلك مجموع الأمة بالاتفاق ، بل الإمام فقد أمرنا بما لا يتم إلا بنصب الإمام، والأمر بالشيء أمر بما لا يتم ذلك الشيء إلا به فيكون نصبه واجباً .

الثانى قوله (صلی الله علیه و آله و سلم): «الأئمة من قريش ، و هو وإن كان في صيغة الخبر إلا أن المقصود به الأمر : أى يجب كون الإمام من قريش ؛ وهذا إلزام و أمر، لاغير حقيقة .

و يحتمل أن يكون قول المصنف وهو إلزام أى الخبر فإن راويه ضعيف عند المصنف فلا احتجاج به إلا على الخصوم القائلين بعدم وجوب الإمامة كضرار ، والاصم

الثالث أجماع الصحابة على ذلك فإنهم لم يخلوا من نصب إمام ، ولو لم تكن واجبة لأخلوا به فى بعض الأوقات .

المسئلة الثانية، في وجوب العصمة

قال و واجب في الإمام عصمته وإلا كانت علة الحاجة إليه فيه فيؤدى إلى التسلسل ؛ وأيضاً فنحن مأمورون بطاعته فلو أمر بمعصيته لتناقض القول فلابد من عصمته و لأنه إمام والإمام من يفعل الشيء لأجله وإلا كانت اليهود والنصارى أئمّة لنا و يستحيل التعبد باتباع غير المعصوم لقبحه ، ولأن الأمة مختلفة في الأحكام فلابد من حجّة يقطع اختلافهم، ويظهر لنا منه العلم ؛ ولأن أدلّة غيره باطلة من الرأى و الخبر المفرد فلابد من إثباته : ولأن الشريعة إما أن يحفظ بالأمة ، أو به ، والأمة يجوز خطائها وإلا لم يجز له أن يقول ألا ترجعوا بعدى كفاراً ، ولا قوله : أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، فلابد منه ؛ ولأن خصايص الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) متحققة في الإمام من كونه يولّى ولا يولى ، ويعزل ولا يعزل إلى غيره فوجب عصمته كمصمته.

أقول : ذهب أصحابنا الإمامية رحمهم الله إلى وجوب عصمة الإمام وهو قول الإسماعيلية خلافاً لجميع الفرق.

لنا وجوه :

الأول أنه أولم يكن الإمام معصوماً لزم التسلسل والازم باطل فالملزوم مثله ؛ بيان الملازمة أنا قد بينا أن علة الحاجة إلى الإمام هي جواز الخطاء فلو كانت هذه العلة موجودة في الإمام ازم احتياجه إلى إمام آخر ؛ وذلك عين التسلسل .

الثانى أنا مأمورون بطاعة الإمام بالإجماع ؛ ولقوله تعالى: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول و أولى الأمر منكم» (سورة النساء - آية58) . فلو أمر بمعصيته لزم التناقض » لثبوت النّهى عن المعصية مع الأمر بطاعته و الأزم باطل فالملزوم مثله ؛ وهو عدم العصمة .

الثَّالث أنه إمام و الإمام من يفعل الشيء لأجل أنه فعله لامن يفعل مثل فعله مطلقاً و إلا كانت اليهود والنصارى أئمّة لنا في كثير من الأحكام ؛ وذلك باطل بالاتفاق ؛ و إذا كان كذلك ثبت أنا مأمورون باتباعه و بأن يفعل مثل فعله ليتحقق الإمامة فيجب أن يكون معصوماً ؛ لأن الأمر باتباع غير المعصوم قبيح ؛ لجواز إقدامه على الخطاء .

الرابع أنا مكلفون في كل واقعة باتباع الحوفيها ، والناس مختلفون، ولا يجوز أن يكون الحؤ من كل واحد منهم لاستحالة حقية النقيضين فلابد وأن يكون بعضهم محقاً واتباعه يستلزم العلم بصدقه ، وغير المعصوم ليس كذلك فوجب أن يكون معصوماً.

الخامس : أن الأحكام الشرعيّة غير بديهيّة ولا يستقل العقل بإدراك الكل منها فلابد من أدلّة ترشد إليها ، والرأى باطل : لوقوع الخلاف فيه وإفادته الظن وهو منهى عنه ؛ ولاتفاق أكثر الصحابة على إبطاله . وكذلك الخبر الواحد ، والتواتر مفقود في أكثر الأحكام فلابد من المعصوم الذى يعلم الحكم بقوله .

السادس : أن الشريعة غير مختصه بالقرن الأول بالإجماع بل هي ثابتة في حق المكلفين إلى يوم القيمة فلابد لها من حافظ، ولا يجوز أن يكون هو الكتاب : لوقوع النزاع : و لعدم إحاطته بجميع الأحكام ولا السنة ؛ لذلك أيضاً ، ولوقوع الإجماع على ذلك ، ولا مجموع الأمة لجواز الخطاء على كل واحد منهم إذا خلوا عن المعصوم فيكون الكل كذلك ؛ ولأنه من قال : أن لاترجعوا بعدى كفاراً ؛ وذلك نهى للجميع فيجب

تصوّر الخطاء عليهم ؛ وإلا لكان النّهى قبيحاً ؛ ولقوله تعالى : «أَفَإِنْ مَاتَ أو قُتِلَ انقَلَبْتُم على أعقابكُمْ» (سورة آل عمران - آية 144) وذلك خطاب للجميع ولو كان المجموع معصوماً لاستحال ذلك فلم يبق الحافظ إلا الإمام ، وإنما يكون حافظاً لو كان معصوماً و إلا لجاز وقوع الخلل في الشريعة .

السابع أن خصايص الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) متحققة في الإمام : من كونه يولي ولا يولّى، و يعزل ولا يعزل ، وغير ذلك فثبت فيه أحكامه فيكون معصوماً كعصمته.

لا يقال : هذا قياس وأنتم متعتم من العمل به .

لا نا نقول لا نسلم أنه قياس و إنما هو إثبات حكم الجزئى لثبوته للكلى ؛ إذ قد ثبت : أنّ المولى للرّعيّة الّذي فيه الخصايص المذكورة فيجب أن يكون معصوماً ؛ صوناً لأفعاله عن الخطاء كما في حق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، و الإمام بهذه الصفات فثبت فيه الحكم .

المسئلة الثالثة، في باقي صفات الامام

قال : و واجب فى الإمام : أنه أفضل بالعلم والشجاعة و الزهد ، لقبح تقديم المفضول على الفاضل ؛ و واجب أن لا يشذ عنه شيء من أحكام الشريعة ، لقبحه كقبح نصب وزير لا يطلع بأعباء الوزارة ، و التمكن ليس بشيء ، و إلا جاز أن يولى البقال وزيراً لتمكنه .

أقول : ذهبت الإمامية إلى أن الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته في العلم الشجاعة والزهد ، فإنّ الاحكام والانتصاف منوطة بالعلم وبقاء الاعتقاد . و السياسة والانتصاف منوطة بالشجاعة ؛ وطريق النجاة منوطة بالزهد، فيجب أن يكون الإمام أفضل

من رعيّته فيها؛ لأنا نعلم بالضرورة قبح تقديم المفضول على الفاضل، و إليه أشار تعالى في قوله: «أَفَمَنْ يَهْدِى إِلَى الحَقِّ أَحَق أَنْ يُتَّبَعَ أَمَنْ لَا هِدِى إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تحكمُونَ» (سورة يونس - آية 35)

و يجب في الإمام أن لا يشذ عنه(1)شيء من أحكام الشريعة و لا يتطرق عليه(2)خلافها لقبحه كما يقبح في الشاهد نصب وزير لا يقوم بإعباء الوزارة .

لا يقال : التمكن من المعرفة بالتعلّم كاف في ذلك .

لأنا نمنع ذلك و لهذا يقبح فى الشاهد أن يولى البقال و شبهه الوزارة و إن كان متمكناً من العلم بما يحتاج إليه.

المسئلة الرابعة، في وجوب النص

قال : وجوب النص والشرط الخفى تحققه لابد من إثباته(3)لنص ، أو المعجز و العلم بالإصابة لا يكفى لقبحه في الاعتبار بالشاهد . والأفضلية خفية أيضاً لوجوب المساوات ؛ ثم النظر. وهذا يظهر في كثرة النواب ظهوراً بيناً ويستدل عليه بامتناع التنفر وتحققه لوزاد ثواب أحد من رعيته عليه ؛ ولأن الإمامة ركن عظيم كالصلوة و غيرها فكما لم يثبت ذلك إلا بالنص فكذلك هنا.

أقول : ذهبت الإمامية (رحمه الله علیه) إلى أن طريق الإمامة هو النص ، لاغير.

وقالت الزيدية : الطريق إما النص أو القيام والدعاء إلى نفسه .

وقالت العباسية : طريق الإمامة الإرث .


1) في ا «لا يشك عند» .

2) في ا «اليه الخلل فيها» .

3) في ا «ابافته» .

و باقى الجمهور قالوا : الطريق : النَّص أو الاختيار .

واعلم أنّ النّص قديكون بأن ينص النبي ص عليه كما نص على على (علیه السّلام) أو بأن ينص الإمام المعصوم عليه كما في الأئمة عليهم السلام ، أو بأن يفعل الله تعالى، المعجزة عقب ادعائه كما ظهر على يد زين العابدين عليه السّلام وغيره من الأئمة عليهم السلام.

لنا وجوه :

أحدها أن الإمام يجب أن يكون معصوماً فيجب أن يكون منصوصاً. أما المقدّمة الأولى فقد تقدّم بيانها. وأما المقدّمة الثانية فلأن العصمة من الأمور الباطنية و الأشياء الخفية التى لا يمكن الإطلاع عليها فلولم يجب النَّص لزم التكليف بما لا يطاق .

لا يقال : لم لا يجوز أن يكون الله تعالى يفوّض التعيين إلينا لعلمه بأنا لا نختار الا المعصوم .

لانا نقول اختيار نامع علم الله تعالى لا يخرج التكليف عن القبيح فإن تكليف مالا دليل عليه ولا إمارة مميزة للمكلف قبيح، ولا يخرجه عن القبح العلم بوقوع ما هو المطلوب بالاتفاق فان المكلف يفتقر إلى دليل مميز قبل الفعل ليختار ماله الصفة المطلوبة و علمه بعد وقوع الفعل بالصفة غير مفيد لعدم الحاجة بعد وقوع الفعل إلى التخيير . و إنما يحتاج قبل الفعل.

الثانى أن الإمام قد بيّنا أنه يجب أن يكون أفضل من رعيته، والأفضلية من الأمور الخفيّة لأنه إنما نقول على الظاهر. ويجب أن يكون ظاهر الإمام أفضل من ظاهر غيره. ويجب أن يكون باطنه مساوباً لظاهره ؛ لأنه معصوم ولأن غيره لو كان باطنه أفضل من باطنه لكان أكثر ثواباً منه . وذلك يوجب التنفّر عن الإمام .

الثالث: أن الإمامة ركن عظيم من أركان الدين و أصوله فيجب أن يثبت النص لأن ما هو دولها كالصلوة ، والزكوة ثابت بالنَّص فثبوتها بالنَّص أولى.

المسئلة الخامسة، في جواب الاعتراضات على ما تقدّم

قال : القول في تتبع اعتراضات مخالفينا في وجوب الإمامة والعصمة . والقدح لغيبة الإمام ، وإلزامهم إيجاب ظهوره باطل ، لوجود الطريق كما قلناه في المعرفة .

و إلزامهم وجود أئمّة متعدّدة باطل، لأنا نكتفى بخلفائه(1)الذين يرجعون إليه ، و قيام غيرها مقامها لا يصح ؛ لأنه لا يعقل العصمة (إلا العصمة)(2)، وكلامنا في رعيّة غير معصومين. وتخيل امتناع جريان العصمة فاسد؛ لا نه مما يزجر عنها كالكبائر لاسيما عندنا . وحاجة أمير المؤمنين (علیه السّلام) إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يكن لامتناع من الفسيح، . بل لتعليم الأحكام ، والتمسك بأن الحدود زمان الغيبة إما لاتسقط فيحتاج إلى ظهوره أو تسقط وهو نسخ للشريعة باطل ؛ لأن الحدود ثابتة في جنوب مستحقيها فإن أدركهم ظهوره استوفاه ، و إلا فأمرهم إلى الله ؛ وأئمتهم المخفية ، والاقتداء بنوّابه في الأطراف ، البعيدة لا يوجب عصمتهم؛ لأن الاقتداء بهم ، ما كان لاجل فعلهم ولهذا يقتدون بإمامهم : واختلاف الشيعة كان لغيبة الإمام ، فما أجمعوا عليه حق ، و ما اختلفوا فيه رجعنا فيه إلى أصله و ما يدعى من اختلاف قول أمير المؤمنين (علیه السّلام) دعاوى آحاد فاسدة . وقد تكلم أصحابنا عليهم في كتبهم . و التمسك بوقوع البعد عن الإمام فلابد . من النقل و إذا اكتفى به عن الإمام جملة فسد(3)لأنه يكتفى به للكون الإمام من ورائه . و إذا عدم لم يوجد الحافظ. و تقديم عمر بن العاص على أبي بكر كان فى السياسة و هو أعلم بها


1) في ا «بملاقاته».

2) في ب .

3) فی ا «فاسد» .

منهم . القول في الاعتراض على وجوب النَّص و بتبع التسوية بين الأوصياء والأمراء والأئمة فاسد ؛ لعدم اختصاصهم بالصفة الخفية. واعلم أن هذه الصفة إذا ثبت لم يبق للخصوم مضطرب و الكلام كله فى ثبوتها وقد قررنا فيها ما تقرر بعون الله تعالى.

أقول : هذه اعتراضات المخالفين في وجوب الإمامة و العصمة و النص مع الجواب عنها :

الأول قالوا : لو كان الإمام لطفاً لكان الله تعالى مانعاً لنا عنه لأنه ليس بظاهر ، ولا قاهر اليد فلالطف لنا .

و الجواب أن الله تعالى خلق الإمام و كلفه القيام بالإمامة و الإمام تقبل ذلك و أطاع الله تعالى ؛ وهذا هو الواجب على الله تعالى وعلى الإمام . أما الواجب على المكلفين : وهو امتثال أوامره وطاعته فذلك شيء يرجع إلى الأمة ففى زمان الغيبة الطريق إلى اللطف حاصل من الله تعالى ، ومن الإمام ، والناس قد منعوا أنفسهم الأطف فاللوم عليهم. و هذا كما فى المعرفة فإنها لطف إذا فعل الله تعالى الطريق إليها من الايجاد وخلق القدرة على تحصيل المقدمات فلو منع العبد نفسه من النظر لم يكن ذلك قادحاً في كونها لطفاً.

الثانى: قالوا الإمام غير موجود في كل مكان وذلك يقتضى عدم اللطف في المكان الذى يخلو عنه فكان يلزم أن يتعدّد الأئمة وهو غير مذهبكم.

والجواب عنه أن الاكتفاء يحصل باتباع نوابه الراجعين إليه في الأحكام .

الثالثة قلتم : الإمامة لطف فتكون واجبة ، و هذا إنما يتمّ لولم يقم غيرها مقامها ؛ و إذا قام غيرها مقامها فانها لاتجب على التعيين .

والجواب أن العقلاء بأسرهم في كل يقع و زمان ملتجون إلى نصب الروساء في دفع الفساد و لو كان هناك طريق آخر لفعلوه و لما لم يكن كذلك لزم الانحصار ؛ و

لأنْ الرّعيّة غير معصومين إذ البحث فيهم ، فيحتاجون إلى معصوم يؤمن عليه الخطاء .

و غير الإمام لا يتصوّر أن يكون معصوماً.

الرابع قالوا : الامام كغيره فى باب القدرة فكما كان معصوماً أمكن أن يكون. غيره كذالك لكن ذلك محال لأنه إما أن يكون إماماً فيلزم تعدد الأئمة أو لا يكون إماماً ولا مأموماً لعدم حاجته إلى الإمام إذ لا يصدر عنه القبيح والكل محال .

و الجواب : العصمة ممكنة، وما ذكرتموه باطل لأن الحاجة إلى الإمام ليس الدفع الفاسد لاغير بل ليعلم الشرايع أيضاً كما هو الحال عليه في أمير المؤمنين على (علیه السّلام) فى حيات الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) فإنه محتاج لا في الامتناع من القبيح بل في تعليم الشّرايع و كذلك حال الحسن والحسين عليهما السّلام في حيوة أبيهما .

الخامس : قالوا : أنتم استدللتم على أن الإمام محتاج إليه في تعليم الأحكام ، و إقامة الحدود ففى زمان الغيبة إما أن يبقى تشريع الحدود ثابتاً أولاً ، و الثاني يلزم منه نسخ الشريعة ؛ وذلك باطل بالإجماع. والأول يلزم منه إيجاب ظهوره على الله تعالى وهو عندكم باطل.

والجواب: الحدود ثابتة غير ساقطة فإن أدرك ظهور الإمام المستحقين لا قامتها عليهم أقامها و إلا تولى أمرها الله تعالى يوم القيمة ، وكان الإثم بالترك بالاستيفاء على المخيف له عليه السّلام .

السادس : قالوا : الإمام يمتنع أن يكون في كل بلد ومكان ؛ و تعدد الأئمة غير واجبة بالاجماع ، فلابد من النواب القائمين مقامه ليقتدى بهم من ناء عن الإمام (علیه السّلام) وذلك التايب يجب أن يكون معصوماً لأن الحاجة إنما هي إلى المعصوم .

و الجواب : أن وجود المعصوم في الدنيا كاف فإن النايب يراجعه و يخاف مؤاخذته ؛ و هذان يقتضيان ارتفاع المعصية بخلاف ما إذا لم يكن هناك معصوم أصلاً

والاقتداء بالتايب من حيث أتباعه لأمر الامام المعصوم؛ ولهذا يقتدى النايب به.

السابع : اختلاف الشيعة يدل على فساد مقالتهم .

و الجواب : الاختلاف لأجل الغيبة ولو كان الامام ظاهراً لما اختلفوا وحينئذ ما أجمعوا عليه فهو حق وما اختلفوا فيه برجعوا إلى الأصل .

الثّامن : قالوا : إنّ أمير المؤمنين (علیه السّلام) وهو الإمام الأول ، وقد ظهر عنه عليه السّلام اختلاف أقوال في الفتاوى و حكم القضايا و رجع عنها ؛ وذلك يدل على بطلان العصمة .

و الجواب هذه أخبار فاسدة لعقتها(1)الحاسدون و هي شاذة لا يلتفت إليها مع وقوع الاتفاق على أنه عليه السّلام كان يرجع إليه في الفتاوى ، وقد أورد المخالف و المؤالف الأخبار الدّالّة على فضله ، وكمال منزلته فى العلم عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في (صلی الله علیه و آله و سلم) «أنا مدينة العلم وعلي بابها» وقوله (صلی الله علیه و آله و سلم) «أقضاكم علي (علیه السّلام)» وقوله «الحق مع على و علي مع الحقِّ يدور حيث مادار»؛ و غير ذلك من الأحاديث المشهورة ، و الأخبار المتواترة .

التاسع : قالوا : الإمام إذا كان نائياً عن بلد لم يسقط التكليف من أهله ، ولا طريق إلى معرفة الطريق إلا النقل و إذا اكتفى بالنقل هنا وقع الاكتفاء بالنقل عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عن الإمام جملة .

و الجواب : النقل إنما يكون محفوظاً من الغلط إذا كان الإمام من ورائه يعرفنا الفاسد من الصحيح ، وهو ممكن مع وجوده في غير البلد بخلاف ماذكرتم.

العاشر قالوا : إن النبي ص قدم عمر بن العاص على أبي بكر و عمر وهما أفضل منه ؛ فلم يكن تقديم المفضول قبيحاً.


1) ا «لا يتعلمها الا».

والجواب أنه ص قدّمه في أمر الحروب وهو قد كان أعلم منهما.

الحاديعشر : قالوا يجب تساوى الأئمة والأوصياء و الأمراء في النَّص عليهم وهو خلاف مذهبكم.

و الجواب : الأئمّه إنما أوجبنا النص فيهم لوجود الصفات الخفيه فيهم منالعصمة والأفضلية بخلاف غيرهم .

ثم إن المصنف ره ذكر أن مبنى قواعد الامامية في الإمامة على وجوب العصمة وقد ثبت فانقطع الخصم بالكلية .

المسئلة السادسة، فى تعيين الإمام

قال : القول(1)في إثبات إمامة أمير المؤمنين بعد الرسول صلوات الله عليهم بغير فصل . الكلام على أن أبا بكر غير معصوم، مع اشتراط العصمة يعطل إمامته ، فتعين إمامة إمامنا ، و أصحابنا على كثرتهم ينقلون أنه استخلفه بألفاظ صريحة كقوله : «هذا خليفتي عليكم و إمامكم من بعدى» و هم أهل تواتر ، و ينقلون أن أسلافهم كانوا أهل تواتر فدل على استواء الأطراف في الشروط ؛ ولأنه لو حدثت هذه الدعاوى لعلم وقت حدوثها كعلمنا بالوقت الذى حدثت فيه أقوال الفرق ونصه عليه أفعالاً من إخائه(2)و تزويجه ابنته وغير ذلك ؛ ولأن أصحابنا على كثرتهم ينقلون معجزاته عقب ادعائه الإمامة و ذلك دليل على صدقه ؛ ولأن التورية والإنجيل، يصرحات بإمامته في مواضع نقلها أصحابنا كثيرة .


1) فى ا «الاول».

2) فی ا «اخائيته».

أقول : اختلف النّاس فى الامام بعد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) فقالت الإمامية وباقى فرق القيمة : أنه علي بن أبى طالب (علیه السّلام). و قال آخرون إنه عباس بن عبد المطلب ؛ و هم قليلون ، ومع ذلك فقد انقرضوا ؛ وقال باقى المسلمين : إنه أبو بكر بن أبي قحافة .

و الحق هو الأول وقد احتج عليه المصنف (رحمه الله علیه) بوجوه :

الأول أن الإمام إن كان معصوماً فهو على تلا ، و التالي كالمقدم في أنه حق ؛ و بيان صدق المقدّم ما بينا من وجوب العصمة ؛ و بيان الملازمة أن الاتفاق واقع على أن أبا بكر و العباس كانا غير معصومين فتعينت إمامة على (علیه السّلام).

الثانى أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ونص على علي (علیه السّلام) بالأقوال الصريحة فإن الشيعة على اختلاف طبقاتهم وتباعد أمكنتهم ينقلون تواتراً أن جماعة متواترين أخبروهم إلى أن انتهى النقل كذلك عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه استخلفه، وقال له : أنت الخليفة من بعدى وقال لهم هذا خليفتي عليكم و إمامكم من بعدى.

لا يقال لم لا يكون هذه الأقوال مبتدعة .

لأ نا تقول لو كان كذلك تعلم وقت ابتدائها كغيرها من أفعال الفرق المبتدعة كما يعلم أن مذهب الشافعي وأبي حنيفة مثلاً ظهراً في وقتهما .

الثالث : أن النبي ص نص عليه بالأفعال كما نص عليه بالأقوال فإنه ظهر له من الاختصاص به و القرب مالم يحصل لأحد كإخانه(1)له و إنكاحه سيدة النساء عليها السلام ولم يول عليه أحداً من الصحابة ولم يبعثه في جيش أوامر إلا كان هو الوالي عليه ولم يقيم عليه أمراً ألبتة مع ملازمته ، وكثرة مصاحبته مع توجه عينه إلى كثير من الصحابة .

الرابع ما تواثرت به الشيعة ، نقله غيرهم من معجزاته و إخباره بالغيب وأفعاله


1) في ب «كاخائته» .

الخارقة للعادة عقب ادعائه الإمامة ؛ وذلك يدلك على صدقه بالضرورة .

الخامس : ماورد في التورية و الإنجيل من التصريح بإمامته في مواضع كثيرة نقلها أصحابنا .

المسئلة السابعة، فى الجواب عن اعتراضات الخصوم

قال تتبع اعتراضاتهم عدم علمهم بذلك لا يقدح في الدوائر امدم مخالطتهم لنا و لدخول الشبهة و التقليد ؛ ولا يلزم مثل ذلك فى إنكار البلدان لعدم الداعي، وبالدعاوى فارق نقل تأميره وإمامته نقل تأهير غيره و ساير الحوادث .

و توضيحه أن كيفيات العبادات مما وقع فيها النزاع وفقد النقل القاطع ، فلوكان ما ذكروه دون ما ذكرناه كما لم يقع في الأصل مع تساويهما في النَّص و إِلَّا لم يصح الامتثال والاعتذار لوقوعهما مختلفاً لوجب نقل وقوعها مختلفاً ، ولأنهم يقولون إن النَّص وقع على الفعل وخالفناه لشبهة . و هذا مما يمكن قوله لهم في هذا المقام لأن معجزات الرسول قد وقعت ولم يتوائر ، وقد قابلتهم أصحابنا في إنكار النبوت و جوّز ناله كتأمير زيد فى غزاة موتة بإنكار الانتفاء إذ وجدناه ليس كانتفاء النَّص على أبى هريرة ؛ وكل جواب لهم جواب لنا و الالتجاء إلى سقوط تكليفهم إذ لم يعلموا باطل لأنهم قادرون على العلم وتخلية الشبهة ، والاعتقادات الفاسدة فهو كقول اليهودي إنى لم أعلم بنبوة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) فيسقط تكليفي ، و المعارضة بأبي بكر في ادعائه النص عليه فاسد ؛ لأنه غير معصوم، ولا أفضلهم ، ولا عالماً بكل الأحكام فيستحيل النص عليه ولأن أحداً لا يدعى النص عليه إلا شذوذاً انقرضوا ، وذهبوا ؛ و ما يدعى ليس صريحاً بل من أخفى الخفى . و ما ظهر من حاله و حال أوليائه يمنع من وقوع النّص

عليه. وبمثل ذلك يبطل قول من عارضنا بالقياس . وعدم ذكر النَّص الجلى يوم الثقيفة و موافقة بعضهم بعضاً عليه كان لدخول الشبهة وظن القوم أن تقديم أبي بكر للصلوة ناسخ لما تقدّم و سكوت أمير المؤمنين (علیه السّلام) كان للتقية و الخوف على النفس تارة ، وللدين أخرى . وما نقل عنهم من التظلم يدل على ماذكرناه، و أما نقل القوم لفضائله فليس موجباً خلال أحد منهم وتفسيقه ؛ وليس كذلك نقل النص الجلى والنّص الخفى يقارب نقل الفضائل لا مكان دخول الشبهة .

اقول : هذه اعتراضات الخصوم على ما تقدم مع الجواب عنها :

الأوّل قالوا : ادّعيتم النقل المتواتر بالنَّص ؛ ولو كان حقاً لشار كناكم فى العلم لعدم الاختصاص لكن لا نعلم ذلك فلم يكن متواتراً .

و الجواب : عدم علمكم بالمنقول لا يخرج النقل عن كونه متواتراً ؛ لأن الناقل هو الشيعة وأنتم غير مخالطين لهم ولا معاشرين فانتفى العلم؛ لذلك أو لدخول الشبهة عليكم و التقليد لمن سلف منكم .

لا يقال : أوجاز ذلك لجاز في البلدان .

لانا نقول : الفرق واقع لعدم الداعى في إخفاء النّقل هناك بخلاف صورة النزاع ولأجل الداعى وقع الفرق بين تأمير أمير المؤمنين (علیه السّلام) و إمامته ، وبين تأمير غيره ؛ و ممّا يوضح ذلك . أن كيفية العبادات قد وقع النزاع فيها ، وفقد النقل القاطع فيها فإنه لو كان ما يذكره الخصم متواتراً دون ما ذكرناه لم يقع النزاع كمالم يقع في الأصل مع تساوى العبادة ، وكيفيتها في كونهما منصوصين و إلا لم يصح الامتثال.

لا يقال . العبادة كانت تقع مختلفة كما يقال إنه ع كان يكتف تارة ويسجل أخرى.

لأ نا نقول : ذلك يوجب نقل وقوعها مختلفاً لا اختلاف نقل وقوعها و عدمه ؛ و أيضا فإنهم يقولون إن النّص وقع على الفعل ، وخالفناء لشبهة وهذا مما يمكن قوله لهم هنا و أيضاً فإنّ معجزات الرسول ص قد وقعت ولم تتوافر فليس كل غير مواتر غیر واقع

قالوا : وجدنا النص على تأميره ليس كالنص على تأمير زيد فى غزاة موته إذلم يقع فيه خلاف فدل على الانتفاء.

قلنا نحن نقا بلكم بمثله إذ قد وجدنا النص على تأميره (علیه السّلام) ليس كبقاء النص على أبى هريرة ؛ وذلك يدل على ثبوته .

قالوا نحن غير مكلفين باتباعه إذ لم يعلم التواتر.

قلمنا لم يشترط فى التكليف العلم بل إمكانه و هم قادرون تخلية الشبهة والاعتقادات الباطلة ، والاجتهاد في الأدلة . ويجرى ذلك مجرى قول اليهودى لم اعلم بنبوة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) فلايجب على اتباعه.

قالوا : إن النص وقع على أبي بكر.

قلنا : الفرق بين ما ادعيناه ، و بين ما ادعيتموه : أنا قد بينا أن شرط الإمامة العصمة والأفضلية و العلم بالأحكام ؛ وذلك غير موجود في أبي بكر فيستحيل وقوع النَّص عليه فيكون ما ذكرتموه كذباً ؛ وأيضاً فإنّ المدعى للنص لم يدعى التواتر ، بل النقل الشاذ : مع أن المدعى لذلك قد انقرض ؛ وأيضاً فإن المدعى النص عليه لم يدع التصريح بذلك بل ادعى ماهو أخفى الأشياء . فإنهم قالوا : إن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) نص على أبى بكر. فإنّ امرأة سئلت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عن أمر ، فقال إيتيني في غد فقالت فان لم أجدك يا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال امضى إلى أبي بكر ، و إنما قال لها ذلك لكونه خليفة له .

وهذا استدلال سخيف جداً مع عدم ثبوت النقل. ويكفى فى البطلان الاستدلال بهذا ؛ و أيضا فما ظهر من حاله ، و حال اوليائه مقالا يسوغ كمنع فاطمة عليها السلام من أرث أبيها مع وجود نص القرآن عليه ، و غير ذلك ، يمنع من وجود النص عليه وهذا برهان قاطع لمّى ؛ بمثل ذلك يبطل دعوى من ادعى إمامة العباس.

قالوا : لو كان على (علیه السّلام) منصوصاً عليه الذكر الصحابة النص يوم السقيفة ، و لما اختلفوا في اختيار الأئمة.

قلنا : النّاس فى ذلك اليوم افترقوا منهم من طلب الخلافة لنفسه أو قريبه و هؤلاء لم يظهروه لذلك، ومنهم من ترك ذكره خوفاً ومنهم من تركه حداً ، ومنهم من تركه لعدم علمه ولدخول الشبهة عليه ، ومنهم من ذكره و هم الأقلون فلم يعتدوابه .

قالوا : تقديم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أبا بكر في الصلوة ناسخ لما تقدم من الأدلة .

قلنا هذا باطل من وجوه :

الأول المنع من النقل بل المنقول أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) كان مريضاً وسمع الصلوة ؛ فقال ص من تقدّم ؟ قالوا : أبوبكر. فقال آخر جونی فخرج على يد على (علیه السّلام) و العباس فتقدّم . و أزاح أبا بكر و صلّى بالناس .

الثاني لو سلمنا ذلك لكنه لا يدل على النص فإنّ تقديمه في الصلوة لا يدل على شيء من الإمامة أصلا.

الثالث : لودل على (ذالك)(1)لكان أخفى (من)(2)الأدلة فكيف يكون معارضاً لما تقدم من الأدلة القاطعة(3).

قالوا : سكت أمير المؤمنين (علیه السّلام) عن طلب الخلافة فلو كان منصوصاً عليه لا متنع ذلك .

قلنا إنما سكت للتقية و الخوف ؛ ولأنه لما سئله العبّاس عن السبب عن ترك متابعته(4)قال له : إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، أسرني بالسكوت لمكان التقية(5)،


1) فى ح .

2) فى ح .

3) في ا «الناطقة».

4) في د «مبايعته» .

5) في ج «الفتنة».

فكان الدين و التقيّة يقتضيان ذلك . وما نقل عنه ص من التظلم على الجماعة والاشتكاء منهم يدل على ذلك ونقل القوم لفضائل الصحابة بل صاحبهم، لا يوجب خلال أحد ، ولا تفسيعة ؛ بخلاف نقل أصحابنا للنصر الجلي على على (علیه السّلام) فإنه يوجب ضلال مخالفيه و تفسيعة أما نقل النَّص الخفى فانه يقارب نقل الفضائل فلا يقتضى مخالفته، فسقاً ، ولا ضلالاً ، لا مكان دخول الشبهة .

المسئلة الثامنة، في النص الخفى

قال : القول فى النَّص الخفى ممّالا شك في تواتره ؛ لأن اليهودى والنصراني (لعلمه(1)فضلاً عن قول فرق المسلمين ؛ و كذلك(2)قوله : أنت منى بمنزلة هارون ؛ من موسى ، إلا أنه لا نبى بعدى ، (وقوله : من كنت مولاه فعلى مولاه(3): إلى غيرهما من النصوص ، و لفظة مولى صريحة في الإمامة، دليله أقوال أهل اللغة ؛ لأنها بمعنى أولى . ومنه قوله تعالى : «النَّارُ مَولاكُمْ» أى أولى بكم ، و إن كانت مشتركة إلا أن القرائن المنقلة في الخبر تدفع احتمالات غيرها و تهنية الصحابة يدل على ذلك و إلا فأى معنى لتهنيته بذلك ؛ مع أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يزل يذكر فضائله و فضائل غيره . و احتجاجات أمير المؤمنين (علیه السّلام) في مواضع كثيرة يدل على ما ذكرناه و مقدّمة الخبر صريحة أيضاً ؛ وإلا لم يحسن فاء التعقيب ، فخبر المنزلة دليل صريح و إلا لم يكن الاستثناء فايدة .


1) فى ا.

2) في ا «وهو».

3) في ا.

أقول : هذه وجوه آخر دالّة على إمامته إمامنا على بن ابى طالب (علیه السّلام) تحتاج إلى مزيد فكر ؛ ولهذا سميت خفية ، و قد أكثر أصحابنا منها ، و غيرهم من المخالفين حتى اليهود ، و النصارى (فإنهم)(1)تقلوا فضائله و قربه من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، واختصاصه به و شدّة ملازمته له ، و طول صحبته بحيث لم يحصل لأحد من الصحابة الجزء اليسير بالنسبته إليه (علیه السّلام)؛ وذلك يدل على إمامته لدلالته على أفضليته على غيره ، و تقديم المفضول قبيح على ما تقدّم .

و قد ذكر المصنف خبرين متواترين دالين على الإمامة واقتصر عليها لكثرة هذا الباب :

الأول قوله ص : أنت منى بمنزلة هارون من موسى ص إلا أنه لا نبى بعدى . والاستدلال به يتوقف على أمور :

الأوّل أنه أراد بالمنزلة هنا كل المنازل ؛ لوجهين : الأول أن المفهوم من قول القائل : أنت عندى بمنزلة زيد ؛ أى فى كل الأمور ، و ذلك مشهور ، معروف.

الثانى أنه استثنى منه ولوكان مفرداً لاستحال الاستثناء منه ، فلابد وأن يكون عاماً . الثانى أنّ هارون كان خليفة موسى ص ؛ وذلك معلوم بالتواتر . الثالث أن من جملة منازل هارون أنه لو بقى بعد أخيه لكان خليفة و ذلك ظاهر ؛ لأن عزله عما ثبت له من الرتبة إنما يكون لصدور ذنب عنه وذلك مستحيل في حق الأنبياء و إذا ثبت هذه المقدّمات وجب أن يكون على (علیه السّلام) خليفة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بلافصل .

الحديث الثاني خبر الغدير ؛ و هو أنه لما رجع من حجة الوداع كان سايراً وقت الظهيرة فأمر بالنزول بغدير خم و جعل الأحمال على شبه المنبر ، و صعد عليه و قال يا أيها الناس ألست أولى منكم بأنفسكم ، قالوا بلى يا رسول الله قال فمن كنت


1) في ا .

مولاه فهذا على (علیه السّلام) مولاه و من كنت نبيه فهذا على (علیه السّلام) أميره اللهم وال من والاه ،

و عاد من عاداه ، و انصر من نصره ، واخذل من خذله ، وادر الحق مع على كيفما دار.

و لفظة مولى يدل على معان بالاشتراك ، من جملتها : الأولى بالنقل عن أهل اللغة ؛ و لقوله تعالى «النَّارُ مَولَاكم» أى أولى بكم وهو المراد هنا لوجود:

أحدها أن القرائن المنقوله في الخبر تدل عليه ، فإنه من المستحيل أن يفعل النبى ص ما فعله بالناس فى ذلك الوقت لبيان أن على بن أبي طالب ابن عمه ، و أنه حليفه ، أوجاره ، وهذا لا يقوله محصل .

الثانى أن الصحابة ، هنوه بذلك ، حتى قال له عمر بن الخطاب : بخ بخ يا على، أصحبت مولالی ، و مولى كل مؤمن ومؤمنة و التهنية إنما يكون بالإمامة لاستحالة التهنية على ما تقدّم .

الثالث أن مقدّمة الخبر يدل عليه ، وهو قوله من : ألست أولى منكم بأنفسكم ثم أتى بفاء التعقيب ؛ وذلك نص بأن المراد بالمولى الأولى .

المسئلة التاسعة، في تتبع اعتراضات الخصوم

قال تتبع اعتراضهاتهم القدح بعدم الإمامة فى الحال فاسد ؛ لا نا نقول بها تارة و احمل الكلام على الاستحقاق عاجلاً ، و التصرف أجلا ثانياً أو ترك(1)الظاهر، لدليل ثالثاً . و حمله على واقعة زيد بن حارثه هذيان لقتله فى الموتة و المقدّمة تدفعه و تدفع كل احتمال ولا يصح حمله على وقت البيعة لأن النبي ص مولى المتقدمين ؛


1) فى ا «نترك».

ولأن أحداً لا يثبت الإمامة له . وذلك(1)بالنص . وقد أبطل أصحابنا كل الاحتمالات و الإمامة ظاهرة. وإرادة الغير ملتبس لا يجوز على الحكيم. و ليس هذا كمتشابه القرآن : للطف في ذلك عند التأمل دون هذا . و القدح بموت هارون قبل موسى (صلی الله علیه و آله و سلم) فاسد ؛ لأنه مستخلف(2)في الحيوة ؛ ولأنه لو بقى لتصرف، فإن الاستثناء يدفعه .

حمله على خلافة المدنية فاسد ؛ لأن غيره قدوليها . فأى فخر له في ذلك حتى شرع يفتخر به ؛ و (أيضاً)(3)الاستثناء يدفعه.

أقول : هذه وجوه من الاعتراضات أوردها الخصوم .

قالوا : حديث الغدير يدل على الإمامة فى الحال ، و أنتم لا تقولون به إذ في حيوة الرسول لاولاية لأحد غيره ؛ و بأنه يحتمل أن يكون الحديث قد خرج عن سيب و هو واقعة زيد بن حادثة أو على وقت البيعة ؛ و لحن نقول بموجبه إن هو إمام في تلك الحال فهو أولى من غيره حينئذ ؛ و بأن الحديث يحتمل إرادة غير الإمامة و إن كانت الإمامة ظاهرة ؛ فإنّ الظهور لاينا في إرادة نقيضه كمتشابه القرآن . و حديث المنزلة لايدل على الإمامة فإنّ هارون مات قبل موسى ؛ فلا يعلم حاله : هل يكون إماماً بعده أم لا ؛ و يحتمل أن يكون المراد بذلك خلافته على المدينة . لا للإمامة .

و أجاب أصحابنا عن الأول بوجوه :

أحدها بالمنع من استحالة إمامته في الحال ونقول إنه إمام على غيره ، أولى منه بالتصرف.


1) فى د «اذ ذاك الا» .

2) في د «خليفة» .

3) في ب .

الثاني : يحمل على استحقاقه للإمامة عاجلاً ، و نفوذ التصرف منه آجلاً.

الثالث أن الظاهر و إن دل على ثبوت الإمامة في الحال فنتركه لدليل أقوى منه ؛ تقول : إن المراد من الإمامة بعد الرسول ، لأدلة خارجة ؛ وذلك غير مستبعد ؛ و الحمل على واقعة زيد بن حارثة لا يقوله محصل ؛ لأن مقدمة الحديث تدفعه و تدفع كل احتمال غير الإمامة ؛ وهو قوله : ألست اولى منكم بأنفسكم ؟ قالوا : بلى يارسول الله قال (صلی الله علیه و آله و سلم): فمن كنت مولاه فهذا على مولاه . وهذا البيان لا يفيد غير الامامة.

و الحمل على وقت البيعة باطل لأن النبي من هو المولى للمتقدمين لإجماع أهل الحل والعقد كما يقوله الخصم ؛ ولأن أحداً لا يثبت الإمامة حينئذ بالنّص إذ القائل فريقان : منهم من أثبت الإمامة بالنّص . وهولاء يقولون بإمامته بعد وفات الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بلافصل ؛ ومنهم من أثبتها بالبيعة ، و هؤلاء لايقون بالنص لا وقت البيعة ، ولا قبلها . فإحداث ثالث باطل . ولمّا بطل القول الثاني تعين الأول .

والحمل على إرادة غير الإمامة ، باطل ، لما بينا من كون السياق يدل على الإمامة قطعاً ؛ و ليس ذلك كالمتشابه لوجود الأطف هناك ، و المفسدة هنا(1).

و القدح بموت هارون قبل موسى ص فاسد لأن هارون كان خليفة موسى فى حيانة ؛ ويستحيل زوال هذه الصفة عنه في حال الحيوة ؛ لأنها منزلة جليلة ، لا يجوز أن يزول عن نبي ص بعد ثبوتها له فكذا أمير المؤمنين (علیه السّلام) لا يجوز زوالها عنه كما ثبت هذا الوصف لهارون ؛ ولأن هارون لو عاش بعد موسى ص لكان خليفه له لما تقدّم من كون زوالها عنه بعد ثبوتها صقة نقص ؛ و إذا ثبت لهارون ، هذه المنزلة و هو الخلافة التقديرية ، ثبت لأمير المؤمنين ع حقيقة ؛ لأنه عاش بعد الرسول ؛ ولأن استثناء النبوة بعده يدل على ثبوت جميع المنازل بعده ؛ ان قد ظهر أن المراد بالمنزلة


1) فى ا «ههنا» .

هنا العموم .

و حمله على خلافة المدنية باطل ؛ لأن غيره من الصحابة قدوليها فلا افتخار لأمير المؤمنين (علیه السّلام) في ذلك ؛ مع أن الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ذكر ذلك في معرض التخصيص بالإعظام ؛ وقد كان أمير المؤمنين (علیه السّلام) يفتخر بهذا الحديث ويبتهج به ، وأيضاً الاستثنا يدفع هذا الاحتمال .

المسئلة العاشرة، في نصوص دالة على امامتة

قال القول في أدلة أخر على النَّص . وذلك قوله تعالى : «إنما وَلَيَكُم الله و رسوله»(1)ولا يجوز أن يخاطب به المؤمنين لأجل التهاون ، ولاخطاب الكفار للاية السابقة ودفع الخاتم معلوم، بالاجماع ؛ ولا يقدح بالأفعال في الصلوة ؛ لأن ذلك ليس كثيراً .

و قوله أنت وصييي يدل عليه.

و ولايته المدنية وترك عزله عنها يدل عليها .

و عزل أبي بكر عن برأنه يدل على أنه لا يصلح الإمامته ، ولو لم يذكر نصاً أصلاً لصح مذهبنا ؛ لأن العصمة المشترطة يقتضى النَّص . و قد انفقت(2)على فقده فى أبي بكر فتمين في إمامنا .


1) (سورة مائدة آية 55) .

2) في ا «اتفقنا» .

و قدحهم بفترة الرسل ليس بشيء لأنها ليست فترة إمام والمعلوم من حال الأمم قبلنا ادعاء العصمة في أشخاص معينين .

وقد قدح أصحابنا في الاختيار بوجوه ليس هذا موضع ذكرها ، وكذلك(1)في أئمة الخصوم.

أقول : هذه وجوه أخر دالة على إمامة علي (علیه السّلام) من طريق النَّص .

الأول قوله تعالى : «إنما وليكم الله و رسوله و الَّذِينَ امنوا الذين يقيمون الصلوة ويونون الركوة وهم راكعون».

و تقرير الاستدلال بهذه الآية يتوقف على مقدمات :

أحدها افظة إنما للحصر : وذلك معلوم عند أهل اللغة : قال الشاعر : : وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى ، وقال وإنما الغرّة للكاشر. و المطلوب ما قلنا ، ولأن لفظة إن للإثبات ، وما للنفى حالة الإفراد ؛ فكذلك حالة التركيب ؛ لأن الأصل عدم النقل . ولا يجوز توارد هما على محلّ واحد ضرورة ولا ورود النفى إلى المذكور : وصرف الإثبات إلى غيره بالاجماع فتعين العكس ، وهو المطلوب.

الثانية أن المراد بالولى هنا : المتصرّف والمستحق لوصف الأولى : وهو معلوم من أهل اللغة ، حيث يقال : فلان ولى المرئة لمن هو أولى بالعقد عليها ويصفون العصبة بأنهم أولياء الدم ؛ لأنهم أولى بالمطالبة ؛ ويقولون : الممرشح للخلافة أنه ولى عهد المسلمين أي هو الأولى بالقيام في تدبيرهم . و إذا وجد معنى المشترك في هذه المواطن المختلفة وجب صرف اللفظ إليه صوناً عن المجاز والاشتراك ؛ و أيضاً فليس المراد بذلك المحبة والموالات لأنها عامة لقوله تعالى : «و المؤمنون و المؤمنات


1) في ب «ولذلك».

بعضهم أولياء بعض و هذه الأمة مخصوصته ثم اجتمعت له هذه الصفات

الثالث أن المراد بذلك هو على (علیه السّلام) و يدل عليه وجوه :

أحدها اتفاق المفسرين على أنها نزلت فيه (علیه السّلام).

الثانى أنها يدل على ثبوت الإمامة لمن اجتمعت فيه صفته اينان الركوة حين الركوع و لم يتصف بذلك غير على (علیه السّلام) لما تصدق بخاتمه في صلواته حال الركوع بالا جماع.

الثالث قد بينا أنها ليست عامة حق المؤمنين ، كافة وإلا لكان كل واحد ولى نفسه و هو محال و كل من خصصها ببعض المؤمنين قال المراد بها على (علیه السّلام).

لا يقال : يصح منه عليه السّلام ايتاء الزكوة حالة الركوع والصلوة بمنع من فعل غيرها فيها

لأنا نقول : إنه ليس من الأفعال الكثيرة، ومثل ذلك عندنا جايز فعله في الصلوة .

الوجه الثانى ما نقل عنه بالتواتر من النص على على (صلی الله علیه و آله و سلم) بقوله (صلی الله علیه و آله و سلم) : أنت وصيى و خليفتي من بعدي.

الثالث أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ولاه المدينة و لم يعزل عنها فتقول ولاية المدينة باقية له عن بعد موته من لعدم عزله بعد الولاية وكل من قال بثبوت الولاية في مكان مخصص. قال إنه الإمام حقاً .

الرابع أن أبا بكر لم يكن صالحاً للإمامة فتعين إمامة إمامنا .

أما المقدّمة الأولى فيدل عليها وجوه :

الأول أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ولاه الحج بالناس ، و أن يقرء عليهم سورة برائة ثم عزله عن ذلك ، و جعل الأمر إلى أمير المؤمنين (علیه السّلام) و قال لا يؤدي عني غيري أورجل

منى حتى رجع أبو بكر إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).

الثانى أنه لم يكن عالماً بالأحكام الظاهرة و المسائل الشهيرة التي تعرفها النّسوان فكيف يصلح للرّرياسته العلمة الدينية والدنيوية فإنه سئل عن الكلالة فلم پدر ماهي ، و قال أقول فيها برأيس فإن يكن صواباً فمن الله و إن يكن خطاء فمني؛ ولم يكن يعرف ميراث الجدة .

الثالت ، ما روى عنه من ترك الحق فإن قصة خالد بن وليد شهيرة حكم فيها بغير الحق فإن خالداً قتل مالك بن نويرة و ضاجع امرأته من ليلته ولم يقم عليه الحد دعا بهما عمر ؛ وقال أقتله فإنه قتل مؤمناً فقال إنه سيف من سيوف الله على أعدائه مع أن الله قد أوجب عليه القتل ، والحد .

الرابع ماظهر من مخالفته للرسول في تأخير جيش أسامته مع أن النبي ص يكرر الأمر بإنفاذه حريصاً عليه ، و منع عمر بن خطاب عن النفود مع القوم على أن واقعة أسامة أقوى الأدلة على الإمامة فإنه خلف عليّاً (صلی الله علیه و آله و سلم) عنده وأنفذ أبا بكر و عمر و عثمان مع الجيش ليتعهد الأمر لعلي (علیه السّلام) بحيث لا يحصل له منازع ، و تأخر أبو بكر عن المضى و منع الجيش عن المبادرة .

الخامس ما روى عنه من الندم على قبول الإمامة ؛ و هو يدل على أنه ليس مستحقاً ، و أنه كان ظالماً ؛ وقد روى أنه قال : أقيلواى فلست بخيركم وعلي فيكم؛ و قال في مرضه ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكفه(1)و ليتني في ظلة بني ساعدة ضربت على يد أحد الرجلين و كان هو الأمير وكنت وزيراً، وظهر منه الشك في استحقاق الإمامة فقد روى أنه قال عند موته ليتنى كنت سألت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عن


1) في «أكشفة» .

هبته فدك لى اخذها ليتنى كنت سألته هل للأنصار من هذا الأمر حق(1)؛ وهو يدل على الشك في صحة البيعة .

السادس ماروى عن الصحابة من التندم على بيعته فقد قال عمر بن خطاب : كانت بيعة أبي بكر فلتة وحق الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه وذلك يدل على ارتكاب خطاه عظيم. وقال عمر للمغيرة بن شعبة ولأبي موسى الأشعري في حديث طويل يشتمل على نقص أبي بكر : كان والله احسد قريش كلها ، وأعتى، و أظلم ثم قال و الهفاه على بني تيم بن مرة لقد بعد منى ظالماً و خرج إلى هنا(2)آئماً.

السابع ماروى عنه من مداخلة الشيطان له فى أفعاله فإنّه قال : إنّ لى شيطاناً يعتريني ؛ ومثل هذا لا يصلح للامامة .

الثّامن ما ظهر عنه من المناكير في حق فاطمة عليها السلام واذها فإن أبا سعيد

الخدري قال ، لما نزل قوله تعالى : «و آت ذی القربى حقه» أعطى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قدك فاطمة عليها السلام ؛ ولذا جعله عمر بن عبد العزيز على اولادها ومنعها أبو بكر و استشهدت أمير المؤمنين و أم أيمن فلم يقبل بحديث اخترعه من قوله ماتركناه صدقة و ترك أزواج النبي في بيوتهن ولم يجعلها صدقة وصدقهن في تملك ذلك. و لم يصدق فاطمة عليها السلام حتى ماتت ساخطة عليه ، و أمرت بالصلوة عليها ليلاً و منعت أبا بكر وعمر من الصلوة عليها . وقد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) «فاطمة بضعة منى يؤذيني ما يؤذيها ؛ والأخبار فى ذلك كثيرة ذكرنا بعضها .


1) فى ا و ج «قال عند موته ليتنى كنت سألت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عن ثلثة فذكر في أحدها ليتنى كنت سألته هل للأنصار في هذا الامرحق. .

2) فى ا «منها» .

و اما المقدمة الثانية فبالإجماع:

الخامس قدبيّنا وجوب عصمة الإمام سواء(1)ادعينا لصاً أولم تدع يصح مطلوبنا لأن العصمة أمر باطنى لابد فيها من النص و أبو بكر غير منصوص عليه بالإجماع فيكون النَّص متوجهاً إلى إمامنا .

قالوا قد مضت قرون من الأزمتة خالية من نبي .

قلنا : إلّا(2)إنها لا يخلو من إمام معصوم ؛ وجيع الملل ادعوا العصمة في أقوام محصورين ؛ وذلك يدل على عدم خلو الزمان من المعصوم .

المسئلة الحادية عشر، فی امامة باقى الائمة الاثنى عشر

قال : القول في إمامة الأحد عشر بعده نقل أصحابنا متواتراً النَّص عليهم بأسمائهم من الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) يدل على إمامتهم ؛ وكذلك نقل النَّص من إمام على امام؛ وكتب الأنبياء سالفا يدل عليهم وخصوصاً خبر مسروق يعترفون بهم واشتراط العصمة يبطل غيرهم و إلا خرج الحق عن الأئمّة قاطبة .

أقول : أما إمامة باقى الأئمة عليهم السّلام فهي ظاهرة بعد إمامة علي (علیه السّلام)؛ وذلك من وجوه :

أحدها النَّص المتواتر عن النبي (علیه السّلام) على تعيينهم ، و اصبهم أئمة ؛ فقد نقل الشيعة


1) فى ا «فواء» .

2) في ب «لا» .

بالتواتر أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : الحسين (علیه السّلام) هذا ابنى إمام ابن إمام أخو إمام أبو إئمة تسعة ، تاسعهم قائهم ؛ وغير ذلك من الأخبار المتواترة.

الثاني مانقل من النص على إمام من إمام لسبقه بالتواتر من الشبعة .

الثالث أن أساميهم والنَّص على إمامتهم موجودة في كتب الأنبياء السالفة كالتورية و الانجيل .

الرابع أن أخبار الخصوم مشهورة في النص عليهم من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لخبر مسروق و هو أنه روى مروان و ان قال بينا لحن عند عبد الله بن مسعود إذ يقول لنا شاب هل عهد إليكم نبيكم (علیه السّلام) من يكون من بعده خليفته قال إنك لحدث السن وإن هذا شيء ما سألنى عنه أحد قبلك ، نعم عهد إلينا بينا ص أن يكون بعده إثنى عشر خليفة عدد نقباء بنى إسرائيل وكذا ما نقل في غيره .

الخامس : قد بينا أن الإمام يجب ان يكون معصوماً، ولأنشىء من غيرهم بمعصوم ولا شيء من غيرهم بإمام مع وجود الإمام فتعين أمامة هولاء عليهم السلام بالضرورة .

و هذا آخر ما كتبنا و الحمد الله رب العالمين وصلى اله على سيدنا محمد واله الطاهرين الاخبار.

و فرغ المصنف ادام الله ايامه من تصنيفه في جمادى الأخرى من سنة أربع و ثمانين وستماة؛

و الصلوة على محمد واله و سلم تسليماً كثيراً


فهرس الموضوعات والمباحث

فهرس الموضوعات و المباحث / ص

خطبة الكتاب ... 1

المقصد الاول - فى النظر وما يتصل به ... 1

المسئلة الأولى فى ماهيتة ... 2

المسئلة الثانية، فى ان النظر واجب ... 3

المسئلة الثالثة فى ان النظر مفيد للعلم ... 5

المسئلة الرابعة في ان وجوب النظر عقلى ... 7

المسئلة الخامسة، في انه اول الواجبات ... 9

المسئلة السادسة في الدليل ... 9

المسئلة السابعة ، فى ان الدليل السمعي هل يقيد اليقين ام لا ... 10

المسئلة الثامنة ، في ضبط الاستدلال بالدلائل السمعية ... 12

المسئلة التاسعة ، في حد العلم ... 12

المسئلة العاشرة ، في تقسيم العلم ... 13

المسئلة الحادية عشر ، فى ان العلم بالدليل مغاير للعم بالمدلول و الدلالة ... 14

المسئلة الثانية عشر ، في أن النظر يولد العلم ... 15

المسئلة الثالثة عشر ، فى ان المعارف مقدورة لنا ... 16

المقصد الثاني - فى تعريف الجوهر والعرض والجسم ... 17

المسئلة الثانية ، فى الجزء الذى لا يتجزى ... 19

فهرست مطالب و اعلام را دخترم حشمت نجمی دانشجوی دانشکده ادبیات تهیه کرده است

فهرس الموضوعات والمباحث / ص

المسئلة الثالثة ، فى تمائل الأحسام ... 20

المسئلة الرابعة ، في جواز خلو الاجسام عن الطعوم والالوان والروائج ... 21

المسئلة الخامسة ، فى ان الاجسام مرئية ... 22

المسئلة السادسة ، في اثبات الخلاء ... 22

المسئلة السابعة ، في تعريف الحركة ... 24

المسئلة الثامنة ، في تعريف السكون ... 24

المسئلة التاسعة ، فى ان ذلك الحصول ليس بمعنى ... 25

المسئلة العاشرة ، فى استحالة الانتقال والبقاء على الاعراض ... 26

المقصد الثالث في احكام الجواهر و الاعراض ... 28

المسئلة الأولى ، فى حدوث الاجسام ... 28

المسئلة الثانية ، في ابطال التسلل ... 34

المسئلة الثالثة ، في شبه الخصوم والردّ عليها ... 37

المسئلة الرابعة ، في أن العالم لا يجب أن يكون ابدياً ... 41

المقصد الرابع - في الموجودات ... 47

المسئلة الأولى ، فى ان الوجود نفس الماهية ... 47

المسئلة الثانية ، فى ان المعدوم ليس بشيء ... 49

المسئلة الثالثة ، في قسمة الوجود الى القديم والمحدث ... 51

المسئلة الرابعة ، في ان القديم لا يستند إلى المؤثر ... 51

المسئلة الخامسة ، في انقسام الموجود الى الواجب والممكن ... 52

فهرس الموضوعات والمباحث / ص

المسئلة السادسة ، في خواص الواجب لذاته تعالى ... 55

المسئلة السابعة ، في خواص الممكن لذاته ... 57

المقصد الخامس - فى اثبات الصانع و توحيده و احكام صفاته ... 59

المسئلة الأولى في اثباته ... 59

المسئلة الثانية في انه تعالى قادر ... 61

المسئلة الثالثة ، فى انه تعالى عالم ... 63

المسئلة الرابعة ، فى ان الله تعالى حى ... 64

المسئلة الخامسة ، فى انه تعالى سميع بصير ... 64

المسئلة السادسة ، فى انه تعالى مريد ... 67

المسئلة السابعة ، فى انه تعالى متكلم ... 69

المسئلة الثامنة ، في انه تعالى غنى ... 72

المسئلة التاسعة ، في نفى المعاني والأحوان ... 72

المسئلة العاشرة ، في انه تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولاعرض ... 76

في هذه المسئلة مباحث الأول انه ليس بجسم ... 77

المبحث الثانى ، فى انه تعالى ليس بجوهر ... 78

المبحث الثالث ، فى انه ليس بعرض ... 79

المسئلة الحادية عشر ، فى انه تعالى ليس بمتحيز ... 79

المسئلة الثانية عشر ، فى انه تعالى ليس حالاً حالاً في غيره ... 80

فهرس الموضوعات والمباحث / ص

المسئلة الثالثة عشر ، فى انه تعالى يستحيل قيام الحوادث بذاته تعالى ... 81

المسئلة الرابعة عشر ، في استحالة رويته تعالى ... 82

المسئلة الخامسة عشر ، فى انه تعالى قادر على كل مقدور ... 87

في هذه المسئلة مباحث الأول انه تعالى قادر على كل مقدور ... 78

المبحث الثانى ، فى انه تعالى قادر على عين افعال العباد ... 88

المبحث الثالث ، فى انه تعالى قادر على القبيح ... 89

المبحث الرابع ، فى انه تعالى قادر على خلاف المعلوم ... 90

المبحث الخامس ، فى انه تعالى قادر على مثل مقدور العبد ... 91

المسئلة السادسة عشر ، فى انه تعالى عالم بكل معلوم ... 90

في هذه المسئلة مباحث الأول ، انه تعالى عالم بكل المعلومات ... 92

المبحث الثاني ، في انه عالم بذاته ... 92

المبحث الثالث ، فى انه تعالى عالم بالجزئيات ... 93

المسئلة السابعة عشر : في انه تعالى واحد ... 94

المسئلة الثامنة عشر ، في ابطال الماهية ... 97

المسئلة التاسعة عشر ، في ان كلامه تعالى حادث ... 98

المقصد السادس - في استناد صفاته الى وجوبه تعالى ... 98

المسئلة الأولى ، فى ان المؤثر واجب الوجود لذاته ... 99

المسئلة الثانية ، في استناد سلب العرضية والجسمية عنه تعالى الى الوجوب ... 99

المسئلة الثالثة ، فى انه تعالى ليس له صفة زايدة على الماهية ... 100

فهرس الموضوعات والمباحث / ص

المسئلة الرابعة ، فى انه يستحيل علميه التغير ... 101

المسئلة الخامسة ، في انه تعالى مبتهج بذاته ... 102

المقصد السابع في العدل وفيه مسائل ... 104

المسئلة الاولى ، في التحسين و التقبيح ... 104

المسئلة الثانية ، فى انه تعالى لا يفعل القبيح ... 108

المسئلة الثالثة ، فى أنا فاعلون ... 109

المسئلة الرابعة ، فى انه تعالى لا يريد القبيح ... 114

المسئلة الخامسة ، في المتولدات ... 117

المقصد الثامن فى الالام والاعواض وفيه مسائل ... 118

المسئلة الاولى، فى الوجه الذى يقبح له الالم ... 118

المسئلة الثانية ، فى الوجه الذي يحسن به الالم ... 120

المسئلة الثالة فى الوجه الذي يحسن منه تعالى فعل الالم به ... 122

المسئلة الرابعة، فى ابطال قول البكرية التناسخية ... 125

المسئلة الخامسة ، فى اثبات العوض على الله تعالى ... 127

المسئلة السادسة، فى الانتصاف ... 130

المسئلة السابعة ، في انقطاع العوض ... 131

المسئلة الثامنة ، فى ان العوض لا يسقط بالهبة والابراء ... 133

فهرس الموضوعات والمباحث / ص

المقصد التاسع في افعال القلوب ونظائرها ... 133

المسئله الأولى ، في العلم ... 134

المسئلة الثانية ، في جواز تعلق العلم بمعلومين ... 134

المسئلة الثالثة ، فى اختلاف العلوم باختلاف المعلومات ... 136

المسئلة الرابعة ، في مباحث متعلقة بالارادة ... 137

المسئلة الخامسة ، في ابطال كلام النفس ... 139

المسئلة السادسة ، في حد اللذة والالم ... 140

المسئلة السابعة ، في ماهية القدرة ... 140

المسئلة الثامنة ، فى أن القدرة قبل الفعل ... 142

المسئلة التاسعة ، في تعلّق القدرة بالضدین ... 144

المسئلة العاشره في متعلق القدرة ... 145

المسئلة الحادية عشر ، فى أن القدرة غير موجبة للفعل ... 146

المسئلة الثانية عشر ، في أن القدرة غير باقيه ... 147

المقصد العاشر في التكليف وفيه مسائل ... 148

الأولى في شروطه ... 148

المسئلة الثانية ، فى ماهية الإنسان ... 149

المسئلة الثالثة ، في بيان حسن التكليف ... 150

المسئلة الرابعة ، في استحالة تكليف مالا بطاق ... 152

فهرس الموضوعات والمباحث / ص

المقصد الحاد يعشر فى الالطاف وفيه مسائل ... 153

الأولى في حده ... 153

المسئلة الثانية ، في وجوبه ... 154

المسئلة الثالثة ، فى أنه لا يجوز فعل اللطف بالقبيح ... 155

المسئلة الرابعة ، فى أنه تعالى لا يحسن منه العقاب عند منع الأطف ... 155

المسئلة الخامسة ، في الأصلح فى الدنيا ... 156

مسائل اربع في التوحيد -

المسئلة الأولى في كونه عالماً في الازل ... 159

المسئلة الثانية ، في كونه تعالى قادراً في الازل ... 159

المسئلة الثالثة ، في كونه حيّاً أزلياً ... 160

المسئلة الرابعة ، فى الجواب عن كلام هشام ... 160

المقصد الثاني عشر في اعتراضات الخصوم في التوحيد و العدل والجواب عنها وفيه مسائل ... 161

المسئلة الأولى فى الاعتراض على القدرة و الجواب عنه ... 161

المسئلة الثانية ، فى تحقيق معنى كونه تعالى سميعاً وبصيراً ... 163

المسئلة الثالتة ، في تحقيق كونه تعالى مريداً ... 164

المسئلة الرابعة ، في ابطال قدم الكلام ... 165

المسئلة الخامسة ، في ابطال دليل الأشاعره في الرؤية ... 166

المسئلة السادسة، في جواب شبهة المجبره في التحسين والتقبيح ... 167

فهرس الموضوعات والمباحث / ص

المقصد الثالث عشر فى الوعد والوعيد وفيه مسائل ... 170

المسئلة الاولى ، فى أن وجوب التواب والعقاب سمعى ... 170

المسئلة الثانية ، في ابطال الاحباط ... 172

المسئلة الثالثة ، في أن عقاب الفاسق منقطع ... 174

المسئلة الرابعة ، فى اثبات الشفاعة ... 175

المسئلة الخامسة ، فى (عدم) وجوب قبول التوبة ... 176

المسئلة السادسة ، في أن التوبة واجبة ... 177

المسئلة السابعة ، فى أن التوبة يصح من قبيح دون قبيح ... 178

المسئلة الثامنة في أن المؤمن لا يكفر ... 179

المسئلة التاسعة ، فى أنّ الفاسق يسمى مؤمناً وبيان ماهية الايمان ... 179

المسئلة العاشرة ، فى اثبات الصراط والميزان وغيرهما من السمعيات ... 180

المسئلة الحادية عشر ، فى اعتراضات الخصوم على مسائل الوعد والوعيد ... 181

المقصد الرابع عشر - في النبوات وفيه مسائل ... 183

الاولى - في جواز البعثة ... 183

المسئلة الثانية ، في شرائط المعجز ... 184

المسئلة الثالثة ، فى اثبات نبوة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 184

المسئلة الرابعة ، في جواز الكرامات ... 186

المسئلة الخامسة ، في أن الأنبياء أشرف من الملائكة ... 187

المسئلة السادسة ، في الاعتراضات على النبوة و الجواب عنها ... 188

فهرس الموضوعات والمباحث / ص

المسئلة السابعة ، في الاعادة واحكامها ... 191

المسئلة الثامنة ، في بقاء الجواهر ... 192

المسئلة التاسعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... 193

المسئله العاشرة ، في الأجال ... 193

المسئلة الحادية عشر ، في الاسعار ... 194

المسئلة الثانية عشر ، في الارزاق ... 195

المسئلة الثالثة عشر ، في بيان عصمة الانبياء ... 195

المسئلة الرابعة عشر ، في الرد على اليهود ... 197

المسئلة الخامسة عشر ، في الرد على النصارى ... 198

المسئلة السادسة عشر ، في الرد على المنجمين ... 199

المسئلة السابعة عشر ، في ابطال قول الثنوية ... 200

المسئلة الثامنة عشر ، في الرد على المجوس ... 200

المسئلة التاسعة عشر، في الرد على عبادة الأصنام ... 201

. المسئلة العشرون ، في الرّد على الغلاة ... 201

المقصد الخامس عشر - في الامامة وفيه مسائل المسئلة الاولى ، أنها واجبة ... 202

المسئلة الثانية ، في وجوب العصمة ... 204

المسئلة الثالثة، فى باقى صفات الامام ... 206

المسئلة الرابعة ، في وجوب النّص ... 207

فهرس الموضوعات والمباحث / ص

المسئلة الخامسة ، في جواب الاعتراضات على ما تقدم ... 209

المسئلة السادسة ، في تعيين الإمام ... 213

المسئلة السابعة ، في الجواب عن اعتراضات الخصوم ... 215

المسئلة الثامنة ، في النض الخفي ... 219

المسئلة التاسعة ، في تتبع اعتراضات الخصوم ... 221

المسئلة العاشره ، فى نصوص دالّة على امامتة ... 224

المسئلة الحادية عشر ، في امامة باقي الأئمة الاثنى عشر ... 229

فهرس الاعلام

ابو سعيد الخدري ... 228

ابراهیم ... 158-156

ابن ابی علی ... 49

این راوندی ... 149

ابن عباش ... 49

ابو اسحق ... 53-102-45-117-117-20-65-200-196-182-176-165-170-164-174-167-161-157-141-137-131-126-138-134-149-147-144-142-138-115-112-100-94-93-74-70-67-68

ابو اسحق ابراهیم بن نوبخت ... 2

ابو اسحق الاسفراینی ... 9

ابو بكر ... 228-227-224-214-215-213-212-209-217-218-226

ابو بكر الباقلاني ... 15

الشيخ ابو جعفر طوسی ... 88

ابوالحسین ... 52-25-138-26-111

ابو الحسين البصرى ... 47-67-110-49-141-202-138-55

ابي الحسن الخياط ... 49

ابي الحسن الاشعرى ... 55-47-9-18

ابی الحسن الرومى ... 202

ا بو سهل بن نو بخت ... 149

ابوعلی ... 49-88-131-172-177-132-110-124

ابو على الجبائي ... 42

ابو القاسم ... 42 حاشیه

ابو القاسم البلخی ... 131-157-91

ابو منصور البغدادی ... 134

ابوهاشم ... 131-42-88-25-378-172-131-134-120-110-73

ابو هذيل ... 42-49

ابی حنیفه ... 214

ابن عبد الله ... 49

ابي على بن سينا ... 28

ابی موسى الاشعرى ... 228

ابی نصر ... 28

ابی هریره ... 217

ابي يعقوب ... 49

ارسطو ... 28

الاشعرى ... 110-111

الاصم ... 203

افلاطون ... 30

امام الحرمين ... 9-15

ام ایمن ... 228

انکیساغورس ... 28

البصرى ... 49

البلخي ... 49-91

ثاوفر سطس ... 28

الجاحظ ... 42

الجبائي ... 134

الجبائيان ... 42

الحسين بن على (علیه السّلام) ... 229

خالد بن ولید ... 227

الخياط ... 49

زمخشری ... 8-حاشیه

زيد بن الحارثه ... 221

سامسطبوس ... 28

السقراط ... 28

سلیمان ... 90

الشافعي ... 214

الضرار ... 79-203

الطبرسي ... 8 حاشیه

عباد بن السلمان ... 90

عباد سلیمان (فرح عباد بن سلیمان) ... 128

عباس ... 214-217-218

عباس بن عبد المطلب ... 214

عبد الجبار ... 49

عثمان ... 227

علی (علیه السّلام) ... 229-227-2233-224-226-209-211-214-213-212-202-221-219-218-228

عمر بن خطاب ... 228-227-221

عمر بن العاص ... 212-209

عمر بن عبدالعزيز ... 228

فاطمه (علیه السّلام) ... 228-217

فيثاغورس ... 28

القاضي ابو بكر ... 134

قاضي القضاة ... 111-131

الكعبي ... 42-18-202

محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) (الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)- النبی) (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 228- 229-223-226-215-217-221-216-212-220-219-218

مروان ... 230

محمد بن زكريا الطبيب ... 140

مغيرة بن الشعبه ... 228

محمود الخياط ... 42

السيد مرتضى ... 149-131-88-65-25-164-165-141-138-147-124-120-123-85-52

مسروق ... 230

مفید محمد بن نعمان ... 149

185-184 - 186-18

موسی (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 222-220-219-86

النجار ... 110

النظام ... 192-19-117

هارون ... 223-222-220-219

السید هاشم ... 141

هشام بن الحکم ... 161

اسماء الكتب

الابتهاج ... 102

الانجيل ... 230

التوراة ... 230

القران ...185-284-186-189

الكشاف ... 8-حاشیه

مجمع البيان ... 8-حاشیه

المناهج ... 149-203-193

فهرس الفرق والمذاهب والديانات والطوائف والجماعات

الاسماعيلية ... 204

الاشاعرة ... 87-98-65-49-74-70-69-65-42-27-146-142-151-20-165-157-166-186-187-202-199-21-3-16-9-88-26-52-47-84-15-73-144-141-196

الامامية ... 105-108-102-151-110-115-69-177-187-152-214-172-178-179-186-213-207-202-154-196-206-8-25

الاوائل ... 49-100-52-149-144-142-43-20-24-18-5-22-42-26-55-58

اهل العدل ... 127

البراهمه ... 106-183

البصريون ... 147-176-9-47

البغداديون ... 9-176

البكريه ... 125

بنی اسرائیل ... 227

التناسخية ... 125-126

الثنوية ... 28-90-200

الجبرية ... 151

الجمهور (العامة) ... 208

الحشوية ... 196

الحكماء ... 102

الخوارج ... 180

الزيدية ... 207

السمنية ... 5

الشيعة ... 190-229-230

العباسية ... 207

عبدة الاصنام ... 201

الغلاة ... 201-202

فرق الشيعة ... 214

الفلاسفة ... 52-92-51-191

المكرامية ... 42-43-45-46-47-81

المارقين ... 186

المتكلمون ... 103-81-52-103-105-117-116-134-137-23-198-24-20-18-39-33-51-58-61-55-46-29-17-200-149-119-120-100-92-52-73-98-164

المجبرة ... 105-152-154-164-196-117

المجسمة ... 83-81

المجوس ... 28-90-200

المسلمون ... 67-65-191-92-193

المعتزلة ... 105-106-98-49-108-73-69-172-15-146-21-115-110-111-124-149-157-144-143--122-147-151-140-8-حاشیه-3-20-117-152-175-170-180-186-187-177-154-153-142-16-15-9-26-47

الناكثين ... 186

النصارى ... 80-204-205-198-28-220-219

اليهود ... 205-204-28-220-215-217-219-178