ghaemiyeh.com
مقتل الحسين
لِلأِمامْ العَلّٰامَةْ
الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء قدس سرّهُ
تَحْقیقُ
هادي الهلالي
هوية الكتاب
الكتاب مقتَلُ الحُسَين علیه السّلام
المؤلّف الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء (رحمه الله)
تحقیق هادي الهلالي
الناشر انتشارات الشريف الرضي
تنضيد الحروف رؤيا / 743067
تعداد الصفحات 88
عدد النسخ 1000 نسخة
الطبعة الاُولى في ايران
المطبعة أمير - قم
سنة الطبع 1419 ه. ق - 1377 ه. ش
السعر 250 تومان
شابک: 7-20-646-964
ISBN: 964-646-20-7
محرر الرقمي: رضوان پي سپار
هوية الكتاب
الكتاب مقتَلُ الحُسَين علیه السّلام
المؤلّف الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء (رحمه الله)
تحقیق هادي الهلالي
الناشر انتشارات الشريف الرضي
تنضيد الحروف رؤيا / 743067
تعداد الصفحات 88
عدد النسخ 1000 نسخة
الطبعة الاُولى في ايران
المطبعة أمير - قم
سنة الطبع 1419 ه. ق - 1377 ه. ش
السعر 250 تومان
شابک: 7-20-646-964
ISBN: 964-646-20-7
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحیمِ
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريّته محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعاديهم ومخالفيهم أجمعين
من الآن إلى يوم الدين.
أبا الشهداء يا من قد تربّى
بحجر (محمّد) نلتَ المرادا
فللحقِّ الصراح بذلت نفساً
زكت أصلاً وقد طابت مهادا
ولمّا لم تجد إلّا المنايا
لمحق الظلم أرخصتَ الفؤادا
«اسمه ونسبه»
هو الإمام الأكبر المبرّئ من كل شين الشيخ محمّد حسين ابن الشيخ علي - مؤلّف الحصون المنيعة في طبقات الشيعة - ابن الشيخ محمّد رضا ابن الشيخ موسى ابن الشيخ جعفر - مؤلّف كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء - ابن الشيخ خضر بن يحيى بن مطر بن سيف الدين المالكي.
«اُسرته»
تعتبر أسرة آل كاشف الغطاء التي ينتسب إليها من نحن بصدد الحديث عنه من أكبر وألمع الأسر العلمية والأدبية في العراق، بل في الشرق على الإطلاق.
قال المغفور له الشيخ جعفر محبوبة في ج3، ص126 من كتابه «ماضي والنجف وحاضرها» في حديثه عن هذه الأسرة الشريفة ما نصّه:
«آل كاشف الغطاء من أسر العلم ودوحة من دوحات الفضل... طبّقت شهرتها الآفاق وسار ذكرها وانتشر صيتها وعمّ فخرها... خدمت العلم والدين خدمات جليلة سجّلها لهم التاريخ بأقلام الإكبار والافتخار على صحائف ذهبية ناصعة ساطعة».
وقد نبغ من هذه الاُسرة الكريمة والعائلة النبيلة التي استوطنت النجف الأقدس في أوائل القرن الثاني عشر عدد غير يسير من أكابر العلماء ومشاهير الفقهاء وأمّاثل الاُدباء بوسعك أن تقف على تراجم الكثير منهم روّح الله أرواحهم وقدّس أشباحهم في الكتاب آنف الذكر حيث ترجم مؤلّفه لأكثر من 30 عالماً من علماء هذا
البيت الرفيع.
«ولادته»
ولد (قدّس سرّه الشريف) في النجف الأشرف عام 1294ه وقد أرّخ عام ولادته الشاعر الماهر السيّد موسى الطالقاني بقوله:
سرورٌ به خصُّ أهلُ الغريّ *** فعمّ المغارب والمشرقين
بمولد من فيه تمّ الهنا *** وقرّت برؤيته كلّ عين
وقد بشّر الشرع مذ أرخوا *** «ستثنى وسايده للحسين»
«نشأته وطلبه للعلم»
نشأ عطّر الله مرقده على أبيه المشهود له بغزارة العلم وسعة الاطّلاع وتوقّد الذهن
ولطافة الطبع وأريحية الروح وصفاء الضمير.
يقول المرحوم الشيخ علي الخاقاني في ج8، ص100 من كتابه الجليل «شعراء الغري» عن نشأته وطلبه الحثيث للعلم ما نصّه:
«نشأ على أبيه فقرأ مقدّمات العلوم من نحو وصرف ومنطق ومعاني وبيان وتوسّع في طلب العلوم فقرأ الكثير من العلوم التي ابتعد عن قرائتها كثير من أبناء
العرب كالهيئة والفلك والحساب والحكمة والكلام وتوغّل في دراسة الفقه والاُصول على أساتذة عصره كالإمام اليزدي والخراساني والفقيه ملّا رضا الهمداني والشيخ ميرزا محمّد تقي الشيرازي وفي العلوم الأخرى على الميرزا محمّد باقر الاصطهباناتي والشيخ أحمد الشيرازي والشيخ محمّد رضا نجف آبادي وغيرهم من مشاهير العلماء المتخصصين».
ويواصل العلّامة الأديب الشيخ الخاقاني حديثه الممتع عنه (رضوان الله تعالى عليه) فيقول:
«وأخذ عنه العلم المئات من الشخصيات العلمية وتخرّج على حلقته التي استمرّت زهاء أربعين عاماً الكثير من رجال العلم الذين طلبوا العلم للعلم لا للمال
والجاه».
«مؤلّفاته»
له طيّب الله ثراه مؤلّفات كثيرة ومصنّفات وفيرة، وهى على قسمين، منها ما مطبوع ومنها ما هو مخطوط، وإليك الآن بعضاً ممّا هو مطبوع:
1 - حاشية على تبصرة العلّامة الحلّي.
2 - حاشية على العروة الوثقى.
3 - حاشية على سفينة النجاة لأخيه الشيخ أحمد.
4 - حاشية على مجمع الرسائل.
ه - وجيزة الأحكام.
6 - زاد المتقين.
7 - مناسك الحج.
ج
8 - سؤال وجواب.
9 - الدين والإسلام.
10 - المراجعات الريحانية.
11 - أصل الشيعة واُصولها.
12 - الفردوس الأعلى.
13 - المُثُل العليا في الإسلام لا في بحمدون.
14 - التوضيح في بيان ما هو المسيح.
15 - الآيات البيّنات.
16 - مقتل الحسين (ع
الكتاب الذي تلامسه أناملك - أخي القارئ الكريم - وهو كما يظهر لك من عنوانه يتحدّث على نحو الايجاز والاختصار عمّا تعرّض له سيّد الشهداء (ع) وأهل بيته النجباء وأصحابه السعداء (سلام الله عليهم) ما دامت الأرض والسماء، من مصائب جسام ورزايا عظام يشيب لها رأس كلّ رضيع، ويهون، دونها كلّ رزء فضيع، باسلوبٍ مشرق وبيانٍ بديعٍ رائع.
وقد طبع هذا الكتاب الجليل لأوّل مرّة في النجف الأعلى قبل حوالي أكثر من أربعين عاماً، ولمّا لم يكن في طبعته تلك محقّقاً وخالياً من بعض الأخطاء والاشتباهات شأنه في ذلك شأن الكثير من الكتب التي لا تخلو - غالباً - من أخطاء وتحريف وتصحيف جاءك هذه المرّة على النقيض تماماً محقّقاً منقّحاً خالياً من الأخطاء، نقياً من كلّ ما يشينه.
17 - الخطب الأربع.
18 - الخطبة التاريخية.
19 - خطبة الاتحاد والاقتصاد.
20 - الأرض والتربة الحسينية.
وأمّا آثاره التي لم تطبع بعد أي أنها لا تزال مخطوطة فكثيرة، إليك طرفاً منها:
1 - شرح العروة الوثقى.
2 - حاشية على مكاسب الشيخ الأنصاري.
3 - حاشية على رسائل الشيخ الأنصاري.
4 - حاشية على الكفاية.
5 - حاشية على كتاب الأسفار لملّا صدرا الشيرازي.
6 - الدروس الدينية.
7 - الأخلاق والحِكم.
«شاعريّته»
يعتبر الإمام كاشف الغطاء عطّر الله تربته من أولئك العلماء الكرام والفقهاء العظام الذين ما آمنوا قطّ بالمقولة التالية: «الشعر يكمل الناقص، وينقص الكامل» بل اعتبرها على ما اعتقد كلاماً خاوياً فارغاً وآية ذلك أنّه راح ينظم الأشعار الرائقة والقصائد الجزلة والقطع الممتعة لا سيّما في اُمناء وحي الله عليهم أفضل الصلاه والسلام وخصّ منهم الشهيد المنتصر الحسين بن عليّ (ع) بالعديد من القصائد المطوّلة التي لا يزال بعضها يردّد في المحافل الحسينية المباركة، وإليك مطالع بعضها:
1 - دع الدنيا فما دار الفناء *** بأهل للمودة والصفاء
2 - لك الله من قلبٍ بأيدي الحوادث *** لَعِبن به الأشجان لعبت عابث
3 - في القلب حرّ جواً ذاكِ توهّجه *** الدمع يطفيه والذكرى تؤُجَجه
4 - نفسي أذابتها أسیً زفراتها *** فجرت بها محمّرة عباراتها
5 - خذوا الماء من عيني والنار من قلبي *** ولا تحملوا للبرق منّاً ولا السحب
6 - ماذا يذمّ المرء من أخلاقها *** دنيا ذعاف السمّ درّ فواقها
7 - بناء المجد في شرف المساعي *** وعز النفس في كرم الطباع
ومن شعره أعلى الله في الخلد مقامه قصيدة عنوانها «شعري وشعُوري وعواطفي ولطائفي»، إليك مطلعها:
بني آدمٍ إنّا جميعاً بنو أبي *** لحفظ التآخي بيننا وبنو اُمِّ
وهي طويلة تزيد أبياتها على 40 بيتاً بوسعك أن تقرأها بتمامها في ج8، ص177 من شعراء الغري».
ومن شعره قوله حينما وقف على قبر الشاعر والفيلسوف الباكستاني إقبال في 26 جمادى الاُولى عام 1371ه.
یا عارفاً جلّ قدراً في معارفه *** حيّاك منّي إكبار وإجلالُ
إن كان جسمك في هذا الضريح ثوى *** فالروح منك لها في الخلد إقبال
تحيّة لك من خلّ أتاك على *** بعد المزار بقولٍ مثل ما قالوا
(لا خيل عندك تهديها ولا مال *** فليسعد النطق إن لم يسعد الحال)
«وفاته»
في الثامن عشر من شهر ذي القعدة من سنة 1373ه، استأثرت بروحه الرحمة الإلهية في قرية من قرى كرمانشاه الايرانية يقال لها «كرند» ونقل جثمانه الطاهر إلى بغداد بعد أن حضر «كرند» (ممثّلوا الحكومة العراقية ومنها إلى كربلاء ترافقه عشرات السيّارات ومنها إلى مسقط رأسه وملعب صباه النجف الأشرف حيث استقبل من قبل النجفيّين أحسن استقبال ودفن في وادي السلام في قبره الذي أعدّه لنفسه قبل موته بمدّة مديدة - وبالمناسبة أتخطّر أنّني سمعت ممّن أثقُ بحديثه أنّ الإمام كاشف
الغطاء كان كثير الاختلاف والتردّد على قبره، وكان إذا انتهى إليه اضطجع فيه وراح يردّد قول الله تعالى بصوت حزين: «ربِّ ارجعوني لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت» - ودموعه جارية وحسراته وارية.
اُقيمت على روحه الفاتحة من قبل الأسرة الكريمة في مسجدهم المعروف بمسجد آل كاشف الغطاء واستمرّت الفواتح إلى يوم الأربعين وأرّخ وفاته الشعراء وكان في طليعتهم الشاعر المعروف الشيخ علي البازي حيث قال:
محمّد الحسين مذ غاب عن *** مقامه وفاز بالحسنيين
الدين والإسلام والآي قد *** تصدّعت وانبجست كلّ عين
والكلّ في تاريخه (واله *** لله ما أعظم يوم الحسين)
وفي ختام هذه الكلمة المتواضعة والموجزة عن حجّة الإسلام وعلم الأعلام آية الله العظمى الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء رحمه الله أرى لزاماً عليَّ أن أتقدّم بوافر الشكر وعظيم الامتنان إلى الذي ما برح يتحف المكتبتين العربية والإسلامية بكتب نافعة مفيدة سليل الأكارم الاُستاذ محمّد صادق الكتبي حفظه الله على تصدّيه لطبع هذا الكتاب الصغير في حجمه الكبير في نفعه وفائدته، ونشره بین الملأ، ومن الحقّ سبحانه وتعالى أسأل أن يوفّقه لما فيه خير الدارين الحاضرة والآخرة وأن يثيبني على هذا الجهد المتواضع إنه سميع مجيب.
29 / شعبان / 1419ه
قم المقدسة
هادي الهلالي.
عن الإمام العسكري علیهِ السّلٰام في (تفسيره) المشهور: أنّ الحسين علیهِ السّلٰام قال لعسكره ليلة العاشر: أنتم في حلّ من بيعتي، فالحقوا بعشائركم ومواليكم، وقد أبحت لكم مفارقتي، فأنتم لا تطيقونهم لتضاعف أعدادهم قِواهم، وما المقصود غيري فدعوني والقوم، فإنّ الله يعينني ولا يخليني من حسن نظره كعادته في أسلافنا الطيّبين(1).
قال الإمام علیهِ السّلٰام: فأمّا عسكره،ففارقوه، وأمّا أهله الأدنون من أقربائه وخاصّته فأبوا ولازموه، فقالعلیهِ السّلٰام لهم:
1) (1) تفسير الإمام الحسن العسكري (ع): ص218.
فإن كنتم وطّنتم أنفسكم على ما وطّنت عليه نفسي، فاعلموا أنّ الله تعالى إنّما يهب المنازل الشريفة لعباده باحتمال المكاره.
وأنّ الله تعالى إن كان قد خصّني مع من مضى من أهلي الذين أنا آخرهم بقاءاً في الدنيا من الكرامات بهما يسهل عليّ معها احتمال المكاره فإنّ لكم شطر ذلك من كرامات الله، واعلموا أنّ الدنيا مرّها وحلوها حلم، والانتباه في الآخرة، والفائز من فاز فيها، والشقى من شقى فيها(1).
قال السيّد (رضوان الله عليه): وبات الحسين علیهِ السّلٰام وأصحابه تلك الليلة ولهم دويٌّ كدوي النحل، ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد، فعبر عليهم في تلك الليلة من معسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلاً(2).
ثمّ لمّا انشق أديم الليل عن صبحه كان مؤذّن الحسين علیهِ السّلٰام الحجّاج بن مسروق الجعفي(1)، ولكنّه علیهِ السّلٰام قال لولده علىّ الأكبر علیهِ السّلٰام:
يا بني، قم أنت في هذا اليوم، فأذَّن ثمّ تيمّم هو وأصحابه (سلام الله عليهم)، فأدّوا السنّة وأقاموا الفرض جماعة. لمّا سلّم قال علیهِ السّلٰام:
أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة... إلى آخره(2).
وقبل أن يتمّوا تعقيبهم ارتفعت أصوات الطبول والمزامير من عسكر أهل الكوفة، وأقبلوا إلى ناحية معسكر الحسين علیهِ السّلٰام يجولون عدّة زرافات ووحداناً رجّالة وفرساناً.
1) (1) له (رضوان الله عليه) ترجمة وافية في ص98 وما بعدها من كتاب «إبصار العين في أنصار الحسين» للشيخ السماوي.
2) (2) إليك تتمّة قوله (ع): «... وأنت لي في كلّ أمرٍ نزل بي ثقة وعدّة، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدوّ، أنزلته بك وشكوته إليك رغبةً مني إليك عمّا سواك، فكشفته وفرّجته فأنت ولي كلّ نعمة ومنتهى كل رغبة».
فقام سيّد أهل الإبى وخامس اصحاب العبا، فعبّأ أصحابه وانتظمت الصفوف من الجانبين ميمنة وميسرة.
وقد اختلف(1)في عدد أصحابه (سلام الله عليه)، بين مكثر مفرط ومقلّ مفرط، فأكثر ما قيل فيهم ما ذكره المسعودي في «مروجه»:
أنّهم ألف فارس، ومائة راجل(2)، وأقلّ ما قيل: إنّهم
1) (1) نعم، اختلفت أقوال المؤرّخين والمحدّثين وأصحاب السير في عدد أصحاب مولانا الحسين (عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام) اختلافاً كثيراً، وهنا أودّ أن اُحيلك -أخي القارئ - على ما كتبه في هذا الخصوص كلّ من الفاضلين الجليلين السيّد حسين بحرالعلوم في حاشية الصفحة 366 من كتاب والده آية الله السيّد محمّدتقي بحر العلوم الموسوم ب «مقتل الحسين» أو «واقعة الطف»، والشيخ باقر القرشي في ج3، ص125 من كتابه «حياة الإمام الحسين (ع)»، فراجع.
2) (2) أقول: لم يذكر المسعودي في «مروجه» ما ذكره الشيخ هنا من أنّهم ألف فارس ومائة راجل، بل الذي ذكره هو ما يلي: «ثمّ سار - أي الحسين (ع) - حتى لقي خيل عبيد الله بن زياد عليها عمر بن سعد بن أبي وقّاص فعدل إلى كربلاء وهو - أي الحسين - في مقدار خمسمائة فارس من أهل بيته وأصحابه ونحو مائة راجل» - انظر: مروج الذهب ج3، ص75.
لا يزيدون عن اثنين وسبعين(1).
ولكن ورد النصّ المعتبر عن الباقر (سلام الله عليه) برواية السيّد رَضِیَ اللهُ عَنهُ(2): أنّهم مائة راجل وخمسة وأربعون فارساً.
كما أنّ عدد أصحاب ابن سعد (لعنه الله) - على رواية - الصادق علیهِ السّلٰام- ثلاثون ألفاً(3)
روى أبو عبدالله الصادق (ع):
«إنّ الحسين دخل على أخيه الحسن في مرضه الذي استشهد فيه فلمّا رأى ما به بكى فقال له الحسن: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟
قال: أبكي لما صنع بك.
فقال الحسن (ع): إنّ الذي اُوتي إليَّ سمّ اُقتل به ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبدالله وقد ازدلف إليك ثلاثون ألفاً يدّعون أنّهم من أُمّة جدّنا محمّد وينتحلون دين الإسلام فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك فعندها تحلّ ببني أميّة اللعنة وتمطر السماء رماداً ودماً ويبكي عليك كلّ شيء حتى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار».
، وقيل: سبعون ألفاً(4)لو لم تكن جمعت كلّ العلى فينا *** لكان ما كان يوم الطفّ يكفينا
يوم نهضنا كالأمثال الأسود به *** وأقبلت كالدبى زحفاً أعداينا
جاءوا بسبعين ألفاً سل بقيتهم *** هل قابلونا وقد جئنا بسبعينا
1) (1) كما عليه الشيخ المفيد في ج2، ص95 من كتابه «الإرشاد».
2) (2) الملهوف على قتلى الطفوف: ص158.
3) (3) إليك نصّ الرواية كما في ص201 من «مقتل الحسين» للعلّامة السيّد عبدالرزاق المقرّم:
4) (4) يذكرني هذا الرقم وهو «سبعون» ألفاً بأبيات رائعة للمغفور له السيّد باقر الهندي (رحمه الله) أحببت إيرادها هنا وهي:
وكان الإمام علیهِ السّلٰام أمر أن يحفر تلك الليلة خندق وراء الخيام ويلقى فيه الحطب والقصب، وتشعل فيه النار؛ كي لا يبقى للعدو مجال للاقتحام من وراء الخيام ويكون القتال من وجه واحد(1)، ولا يكون سبيل للهجوم على حرم الرسالة، فإنّ أنصار الله صفّوا صفوفهم أمام البيوت المطهّرة.
وأقبل عسكر ابن سعد ليستديروا على معسكر الحسين علیهِ السّلٰام ويحيطوا بهم، فلمّا رأوا النار تضطرم نادى شمر(2)
أقول: ذكر الشيخ عبّاس القمّي في باب الشين بعده الميم ج4، ص492 من كتابه «سفينة البحار» نقلاً عن كتاب «مثالب العرب» لهشام بن الكلبي إنّ امرأة ذي الجوشن خرجت من جبّانة السبيع إلى جبّانة كندة فعطشت في الطريق ولاقت راعياً يرعى الغنم فطلبت منه الماء فأبى أن يعطيها إلّا بالإصابة منها، فمكّنته فواقعها الراعي فحملت بشمر.
(لعنه الله):يا حسين، تعجّلت بالنار قبل يوم القيامة.
فقال علیهِ السّلٰام: يابن راعية المعزى، أنت أولى بها منّي صِليّا.
واخذ مسلم بن عوسجة سهماً ليرميه، فقال له الحسين علیهِ السّلٰام: لا ترمه فإنّى أكره أن أبدأهم بقتال(1).
ونادى ابن أبي جويرية المزني: يا حسين، أبشروا بالنار، فقد تعجّلتموها فى الدنيا.
فقال الحسين علیهِ السّلٰام: اللّهمّ أذقه عذاب النار في الدنيا، فما مضى غير خطوات حتى حرنت به فرسه ثمّ نزت به وألقته من فوق ظهرها، وبقيت إحدى رجليه فى الركاب، والأُخرى مرفوعة. ومرّ الفرس يضرب برأسه الأرض حتى ألقته في الخندق والنار تضطرم فيه(2).
فكبّر عسكر الحسين علیهِ السّلٰام ونادوا: يا لها من دعوة ما أسرع إجابتها فلتهنك الإجابة يابن رسول الله.
قال مروان بن وائل: كنت في عسكر عمر بن سعد، فلمّا رأيت ذلك رجعت ناكصاً عن الحرب.
فقال لي ابن سعد: ما لك تركت القتال؟
قلت: رأيت من أهل هذا البيت ما لم تره عين، ووالله ما
أنا بمقاتل أحدٍ منهم أبداً(1).
قال تميم بن حصين الفزاري: يا حسين ويا أصحاب الحسين، أما ترون ماء الفرات يلوح كبطون الحيّات؟ فوالله لا ذقتم منه قطرة، حتى تذوقوا الموت جرعاً.
فقال الحسين علیهِ السّلٰام: اللّهمّ اقتل هذا عطشاً في هذا اليوم.
فاشتدّ به العطش من ساعته وذهب ليشرب فألقته الفرس تحت حوافر الخيل حتى هلك (لعنه الله)(2).
وقال له محمّد بن الأشعث الكندي (لعنه الله):
يا حسين بن فاطمة، أي حرمة لك من رسول الله ليست لغيرك؟
فتلى: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)(1). وإنّ محمّداً لمن آل إبراهيم، والعترة الهادية من آل محمّد.
ثمّ قال علیهِ السّلٰام: من السائل؟ فقيل له: ابن الأشعث.
فرفع يديه، وقال: اللّهمّ أذلّ محمّد بن الأشعث في هذا اليوم ذلّاً لا تعزّه بعده.
فذهب ليبول فسلّط الله عليه عقرباً فلسعته في دبره، فولّى يصيح وهو مكشوف العورة بين الجموع(2).
ولم تزل أمثال تلك الآيات الباهرات منه (صلوات الله عليه)
في ذلك اليوم تترى وتشع كرامة وفخراً.
ولكن قد حقّت عليهم كلمة العذاب، فلم ينتفعوا بعظة بالغة ولا بمعجزة دامغة.
ثمّ أنّ الحسين علیهِ السّلٰام: بعد التئام الصفوف وجلّهم سامعون وقوف. ركب راحلته واستنصتهم فأنصتوا له، فنادى بأعلى صوته: يا أهل العراق، اسمعوا قولي ولا تعجلوا، حتى أعظكم بما يحقّ لكم عليّ، وحتى أعتذر فيكم، فإن أعطيتموني النَصَفَ من أنفسكم، وإلّا فاجمعوا أمركم، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ثمّ اقضوا إليَّ ولا تنظرون، (إِنَّ وَلِيّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)(1).
ثمّ قال: أمّا بعد فانسبوني وانظروا من أنا، ثمّ راجعوا أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يصلح لكم قتلي، وانتهاك
1) (1) سورة الأعراف / 196.
حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيّكم، وابن وصيّه وابن عمّه، وأوّل مصدِّق به؟ أوَليس حمزة سيّد الشهداء عمّي؟ أوَليس جعفر الطيّار في الجنّة بجناحين عمّي؟ أوَلم يبلغكم قول رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم لي ولأخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنّة، فإن صدّقتموني فيما أقول وهو الحقّ، والله ما تعمّدت الكذب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله، وإن كذّبتموني فإنّ فيكم مَن إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبدالله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يخبروكم أنّهم سمعوا تلك المقالة من رسول الله لي ولأخي.
أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي، ثمّ قال: فإن كنتم تشكّون في ذلك، أفتشكّون أنّى ابن بنت نبيّكم؟ والله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم، ولا في غيركم. ويحكم، أتطلبونني بقتيل منكم قتلته؟ أو بمال استهلكته؟ أو بقصاص جراحة؟ فأخذوا لا يكلّمونه.
فنادى: يا شبث بن ربعي، ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليَّ أن اقدم، فقد أينعت الثمار، واخضرّ الجناب، وإنّما تقدم على جند لك مجنّدة؟
فقال ابن الأشعث: ما ندري ما تقول، ولكن انزل على حكم بني عمّك فإنّهم لم يروك إلّا ما تحبّ.
فقال له الحسين علیهِ السّلٰام: لا والله لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرُّ إقرار العبيد. ثمّ إنّه علیهِ السّلٰام أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان أن يعقلها فعقلها(1)
وقام لسان الله يخطب واعظاً *** فصمّوا لما عن قدس أنواره عموا
وقال انسبوني من أنا اليوم وانظروا *** حلال لكم منّي دمي أو محرّم
فما وجدوا إلّا السهام بنحره *** تراش جواباً والعوالي تقوم
ومذ أيقن السبط انمحى دين جدّه *** ولم يبقى بين الناس في الأرض مسلم
فدا نفسه في نصرة الدين خائضاً *** عن المسلمين الغامرات ليسلموا
وقال خذيني يا حتوف وهاك يا *** سيوف فأوصالي لك اليوم مغنم
.وذكر العلّامة التستري (2)(قدس الله روحه): إنّ تلك الناقة
بقيت معقولة حتى قتل الحسين علیهِ السّلٰام، فلم تزل تضرب برأسها الأرض حتى ماتت!!
وابن سمعان هذا هو الذي نقل عنه ابن الأثير (1)أنّه قال: كنت ملازماً لخدمة الحسين علیهِ السّلٰام من حين خروجه من المدينة إلى مكّة، ومن مكّة إلى الكوفة، ولم أُفارقه إلى حين شهادته، وسمعت جميع محاوراته وكلماته وكتبه، فوالذي نفسي بيده أنّى لم أسمع منه قطّ أنّه قال لأهل الكوفة:
أضع يدي في يد يزيد، أو امضي إلى ثغر من ثغور المسلمين.
نعم، كان يقول: حتى أرجع إلى المكان الذي جئت منه، أو أمضي في أرض الله الواسعة، حتى أرى ما يكون من أمر الناس. وهم لم يجيبوه إلى شيء من الأمرين.
ثمّ إنّه علیهِ السّلٰام دعى فرس رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم (المرتجز) وركبها و توجّه نحو عسكر ابن سعد، وبين يديه جماعة من أصحابه،
1) (1) في ج4، ص54 من كتابه «الكامل في التاريخ».
وفيهم برير بن خضير.
فلمّا قربوا منهم ناداهم برير: يا قوم، اتّقوا الله فإنّ ثقل محمّد صلَّی الله علیه وآله وسلَّم أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذرّيّته وعترته وحرمه، فهاتوا ما عندكم وما تريدون أن تصنعوا بهم.
فقالوا: نريد أن نأتي بهم الأمير عبيد الله بن زياد.
قال لهم: أفلا تقبلون أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤوا منه، ويلكم يا أهل الكوفة أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها، وأشهدتم الله عليها، ويلكم يا أهل الكوفة دعوتم أهل بيت نبيّكم، وزعمتم أنّكم تقتلون أنفسكم دونهم! حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، ومنعتموهم عن ماء الفرات! بئس ما خلفتم نبيّكم في عترته، ما لكم لا سقاكم الله يوم القيامة، فبئس القوم أنتم.
فقالوا: أكفف يا برير فما ندري ما تقول؟!!
فقال: الحمد لله الذي زادني بصيرة فيكم، اللّهمّ إنّى أبرأ
إليك من أفعال هؤلاء القوم، اللّهمّ ألقِ بأسهم بينهم، حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان(1).
ثمّ دنى الحسين علیهِ السّلٰام، وخطب خطبته الثانية التي يقول في أوّلها: أنشدكم الله، هل تعرفونني من أنا؟
قالوا: نعم، أنت ابن بنت رسول الله وسبطه، إلى آخرها.
وكان آخر جوابهم في هذه الخطبة: وقد علمنا كلّ ذلك، ونحن غير تاركيك أبا عبد الله حتى تذوق الموت عطشاً، فلمّا سمع ذلك، دمعت عيناه وضرب على لحيته المقدّسة، وقال: اشتدّ غضب الله على اليهود، حين قالوا: عزير ابن الله، وعلى النصارى؛ إذ قالوا: المسيح ابن الله، وعلى المجوس؛ إذ عبدوا النار دونه، واشتدّ غضبه على هذه العصابة التي قد اجتمعت على قتل ابن بنت نبيّهم، أما والله لا أُجيبهم إلى شيء ممّا
1) (1) بحار الأنوار ج45، ص5.
يريدون حتى ألقى الله مخضّباً بدمي(1).
فلمّا آيس الحسين علیهِ السّلٰام من نزوعهم عن بغيهم، ورجوعهم عن غيّهم. وطّن نفسه على الشهادة، والفوز بتلك السعادة، فأراد أن يعزّي نسائه وأهل بيته قبل موته.
قالت زینب (سلام الله عليها):
لمّا رجع الحسين علیهِ السّلٰام من محاورته مع القوم، جاء فدخل خيمتي، وكنت خلف الخيمة، فنادى: أين زينب؟ فقلت: لبّيك، فقال: أحضري رقية وأم كلثوم وصفيّة وسكينة وفاطمة وباقي بنات رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم، فلمّا حضرن قلنا:
فديناك ما حاجتك؟
قال: حاجتي أن أوصيكنّ إذا أنا قتلت فلا تشققن عليَّ جيباً، ولا تلطمن عليَّ خدّاً، ولا تخمشن عليَّ وجهاً(2).
فقالت زينب: يا أخي، هذا كلام من أيقن بالموت.
فقال لها: نعم يا اُختاه.
فصاحت واثكلاه، وا محمّداه، واعليّاه، واضعفاه، وا غربتاه، واقلّة ناصراه.
فقال لها الحسين علیهِ السّلٰام: يا أختاه تعزّي بعزاء الله، فإنّ أهل الأرض يموتون، وسكان السماء لا يبقون، ولا يبق إلّا وجهه فلا يذهبنّ بحلمك الشيطان.
فقالت: جعلت فداك ردّنا إلى حرم جدّنا، فاختنق (صلوات الله عليه) بعبرته وقال: هيهات لو ترك القطا لغفى ونام(1)
ولو كان القطاة بأرض نجدٍ *** قرير العين لن تجد الغراما
تولّته البزاة فهيّمته *** ولو ترك القطا لغفا وناما
.ثمّ رجع الحسين علیهِ السّلٰام إلى الميدان، فنظر إلى تلك الصحراء وقد غصّت بجنود الشيطان، كأنّها السحاب المتراكم وقد أظلم الجو، وانسدت الأقطار بالغبار(2)
بجحافلٍ بالطفّ أوّلها *** وأخيرها بالشام متّصل
.فتقدّم الإمام علیهِ السّلٰام وزهير بن القين أمامه، فنادى: أيّها الناس، إنّ من حقّ المسلم على المسلم النصيحة، ونحن وأنتم على دين،واحد، وقد ابتلانا الله بذرّيّة نبيّنا، لينظر ما نحن وأنتم صانعون؟ وأنا أدعوكم إلى نصرة وخذلان الطغاة.
فقالوا: نحن لا ندع صاحبك وأتباعه حتى يكونوا عرضة للسيوف، أو يبايعوا یزید و ابن زیاد.
فقال ويحكم إنّ الحسين علیهِ السّلٰام أولى بالنصرة والمودّة من ابن هند أو ابن سميّة، فإن كنتم غير ناصريه ولا مؤدّين حق
الله فيه، فلا تعينوا على قتله.
فأخذ الشمر سهماً ورماه وقال: قد أكثرت يا زهير في كلامك فاكفف.
ثمّ تقدّم الحسين علیهِ السّلٰام وخطب خطبته الثالثة، فقال:
الحمد لله الذي خلق الدنيا، فجعلها دار فناء وزوال، متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرّته، والشقي من فتنته، فلا تغرّنكم هذه الدنيا، فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيّب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنّبكم رحمته، فنِعمَ الربّ ربّنا، وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول، ثمّ زحفتم إلى ذريته وعترتهّ تريدون قتلهم، قد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذِكر الله العظيم، فتبّاً لكم ولما تريدون، إنا لله وإنا إليه راجعون. هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين.
فخشي ابن سعد أن تقع الفتنة في عسكره، وترجع إلى الحقّ زعمائهم، فقطع على الحسين علیهِ السّلٰام كلامه، وقال لهم: هذا ابن أبي طالب أُقسم بالله لو وقف فيكم سحابة يومه خطيباً ما
كلّ ولا انقطع.
فتقدّم شمر (لعنه الله) وقال: ما تقول يا حسين؟ أفهمنا ما تريد؟ فقال علیهِ السّلٰام: أقول: اتّقوا الله ربّكم ولا تقتلوني، فإنّه لا يحلI لكم قتلي وانتهاك حرمتي، وأنا ابن بنت نبيّكم.
وكان (سلام الله عليه) في جميع خطبه يتدرّج في اللين والشدّة من درجة إلى أُخرى، ومن مرتبة إلى أشدّ منها، وكلّ غرضه إتمام الحجّة وقطع المعذرة، وسوق من سبقت له العناية إلى جانبه.
ولمّا رأى ابن سعد أنّ كلماته وخطبه علیهِ السّلٰام كادت أن تلين لها الصخور، نادی بعسکره فأحاطوا بالإمام علیهِ السّلٰام وجعلوه في مثل الدائرة، وأحدقت به الخيل والأعنّة، وأُشرعت نحوه السيوف والأسنّة، وأرادوا أن يناجزوه القتال، فقال لهم: ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إليَّ وتسمعوا قولي، وإنّما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من الفائزين، ومن عصاني كان من الهالكين، فتلاوم العسكر ما بينهم، وقال بعضهم لبعض: ما عليكم لو سمعتم ما يقول.
فخطب (سلام الله عليه) خطبته الرابعة في ذلك اليوم، وهي أشدّ خطبة في تقريعهم، وبيان عذرهم ونفاقهم كفرهم ومكرهم، التي يقول في أوّلها:
تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً، أحين استصرختمونا والهين، فأصرخناكم موجفين(1)، سللتم علينا سيوفاً كانت لنا في أيمانكم، وحششتم(2)علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم، فأصبحتم ألبّاً (3)لأعدائكم على أوليائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم.
إلى أن قال: فسحقاً لكم يا عبيد الأمّة وشذّاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ومحرّ في الكلم، وعصبة الآثام، ونفثة الشيطان، ومطفي السنن.
ثمّ ختم خطبته هذه بالدعاء عليهم، فقال: اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سني كسني يوسف، وسلّط عليهم غلام ثقيف (1)يسقيهم كأساً مصبّرة، فإنّهم كذبونا وخذلونا، وأنت ربّنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك
المصير(2).
ثمّ دعى بعمر بن سعد(3)
أخبر الرسول الأعظم عن سوء عاقبته مراراً فقد روى الرواة أنه اجتاز يوماً على رسول الله فلمّا رأه نفر منه وقال: «يكون مع قوم يلحسون الدنيا بألسنتهم كما تلحس الأرض البقرة بلسانها».
قُتِل (لعنه الله) عام 66ه، قتله أبو عمرة - وهو من أعوان المختار الأشدّاء - على فراشه وبذلك يكون قد خسر الدارين الحاضرة والآخرة.
(لعنه الله)، فجاءه على كراهة منه1) (1) يريد (ع) ب «غلام ثقيف» المختار بن عبيدة الثقفي.
2) (2) مقتل الحسين للخوارزمي ج2، ص8.
3) (3) ابن أبي وقّاص الزهري ممّن أُترعت نفوسهم بالحقد على النبيّ وأهل بيته الأطياب (عليه وعليهم صلوات العزيز الوهّاب). كان قائداً أعلى للقوات المسلّحة التي زحفت لقتال سبط الرحمة وفطيم النبوّة وربيب العصمة الحسين بن علي (ع) عام 61ه.
فقال: يا عمر، أنت تقتلني وتزعم أن يولّيك الدعي ابن الدعي بلاد الري وجرجان؟! والله لا تهنأ بذلك أبداً، عهداً معهوداً، فاصنع ما أنت صانع فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة وكأنّى برأسك على قصبة قد نصب في الكوفة، يتراماه الصبيان، فصرف اللعين وجهه الخبيث عنه، وقد امتلأ غيضاً وغضباً، ثمّ صاح بغلامه: يا دريد، ادن رايتك، فأدناها.
ثمّ وضع سهماً في كبد قوسه، ثمّ رمى وقال: اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل من رمى. ثمّ أقبلت السهام من تلك
الجموع كأنها السيل(1).
قال العلّامة التسترى(2)(أعلى الله مقامه):
قتل بهذه السهام التي انصبت كالمطر ما يقرب النصف من عسكر الحسين علیهِ السّلٰام الواقفين في الميمنة والميسرة. وكانت
كلّ الخطب المتقدّمة قبل الشروع في الحرب، للا للاعذار والانذار وإتمام الحجّة فقط، ولا تفادياً من الحرب وخوفاً من الموت وركوناً إلى حبّ الحياة - معاذ الله -، ولكنّه (سلام الله عليه) بما أنّه باب الوسيلة، ومفتاح خزائن الرحمة، وينبوع مجاري النجاة، لا جرم أنّ غرائز الحنان والرحمة كانت تدفعه إلى مدافعة ذلك الخلف التعوس عمّا حاولوه، وصمّموا عليه من قتله الذي فيه هلاكهم المؤبّد.
وغير بعيد أنّ أكثر تلك الرقّة والاستعبار والطلب والاصرار في أن يتركوه ولا يقتلوه كان إشفاقاً عليهم من ارتكاب تلك الجرائم الفظيعة التي ارتكب واحدة منها أشقى اُمّة من الأمم.
ولعلّ هذا هو السرّ أيضاً في تكرّر الاستغاثة وطلب الناصر والمعين، فإنّه ليس حرصاً في البقيا على نفسه المقدّسة، بل للبقيا عليهم وطلباً لنجاة بعضهم على الأقلّ بعد أن تعذّرت نجاة كلّهم.
فأوّل استغاثة صدرت منه عندما رأى تصميم القوم على قتاله، وعدم انتفاعهم بتلك المواعظ والخطب، فلمّا أقبلت السهام منهم كقطع الغمام، وقُتل من أصحابه من قتل، نادى أما من مغيث يغيثنا؟! أما من ذابّ يذبّ عنّا؟
فأثّرت هذه الاستغاثة في ثلاثة نفر ممّن سبقت لهم العناية وأدركتهم السعادة، وهم الحرّ(1)، وولده عليّ، وأخوه مصعب(2).
فجاء الحرّ إلى ابن سعد وقال له: أمقاتل أنت هذا
1) (1) هو الحر بن يزيد بن ناجية بن قعنب... التميمي اليربوعي الرياحي، من أشراف العرب وشجعانهم، كان من كبار القادة في جيش عمر بن سعد، غير أنّ العناية الإلهية أدركته صبيحة يوم عاشوراء فالتحق بمعسكر الحسين (ع) فجاهد بين يديه جهاد المخلصين حتى استشهد (رضوان الله عليه)، فمشى الحسين لمصرعه وأبّنه بعد وقوفه عليه بكلمته المعروفة: «أنت حرّ في الدنيا وسعيد في الآخرة».
2) (2) مقتل الحسين للخوارزمي ج2، ص9
الرجل؟ فقال: إي والله قتالاً أيسره أن تطير الرؤوس وتطيح الأيدي.
فقال: أما لكم فيما عرضه عليكم رأي؟
فقال: لو كان الأمر إليَّ لفعلت، ولكن أميرك قد أبى. فمضى الحرّ ووقف ناحية وأخذه مثل الإفكل(1). وهذه وهذه هي الإنابة إلى الله والهزّة الإلهية، فقال له المهاجر بن أوس: والله إنّ أمرك لمريب. ولو قيل من أشجع أهل الكوفة؟ لما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك؟!!
فقال: والله إنّى أخيّر نفسي بين الجنة والنار، والله لا أختار على الجنّة شيئاً، ولو قطّعت وأُحرقت(2)، ثمّ التفت إلى ولده علي، وقال: يا بني، لا صبر لي على النار فسر بنا إلى الحسين علیهِ السّلٰام لننصره، ونقاتل بين يديه لعلّ الله يرزقنا الشهادة والسعادة التي لا انقطاع لها.
ضرب فرسه واقبل نحو عسكر الحسين علیهِ السّلٰام واضعاً يده على رأسه وهو يقول:
اللّهمّ إليك أُنيب فَتُبْ عليَّ، فقد أرعبتُ قلوب
أوليائك(1).
فلمّا قرب من الحسين علیهِ السّلٰام، وقف قريباً منه مطأطئاً رأسه(2)
لن أبرح الباب حتى تصلحوا عوجي *** وتقبلوني على عيبي ونقصاني
فإن رضيتم فيا عزي ويا شرفي *** وإن أبيتم فمن أرجو لغفراني
، فقال علیهِ السّلٰام: من أنت؟ ارفع رأسك، فرفع رأسه وقال: سيّدي أنا صاحبك الذي حبسك عن الرجوع، وجعجع بك في هذا المكان الموحش، وما ظننت أن القوم يبلغون بك ما أرى، وأنا تائب إلى الله، فهل ترى لي من توبة؟فقال علیهِ السّلٰام: نعم، يتوب الله عليك، انزل. فقال: أنا فارس خير لك منّى راجلاً(3). ثمّ استقبل بوجهه عسكر ابن سعد وقال:
يا أهل الكوفة، لأمّكم الهَبَل والعبر (1)دعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا جاءكم أسلمتموه وزعمتم أنّكم قاتلوا أنفسكم دونه ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه، أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكلكله(2)، وأحطتم به من كلّ جانب، لتمنعوه التوجّه إلى بلاد الله العريضة فصار كالأسير في أيديكم، لا يملك لنفسه نفعاً، ولا يدفع عنها ضرّاً، وحلأتموه (3)ونسائه وصبيته عن ماء الفرات الجاري، تشربه اليهود والنصارى والمجوس وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، وها هم قد صرعهم العطش فبئسما خلفتم محمّد في ذرّيّته، فلا سقاكم الله يوم الظمأ، فقطعوا كلامه برشق النبال ورمي النصال، فرجع ووقف أمام الحسين علیهِ السّلٰام ينتظر الرخصة، وكانت الوجوه والقواد والأعيان من عسكر ابن سعد (لعنه الله) متثاقلين عن
المبارزة، لأنّهم أجمع ممّن كتب إلى الحسين علیهِ السّلٰام، وألحّ عليه بالتوجّه وإعطاء البيعة، لذا بقى الحال برهة من النهار على المصاف، والترامي بالنبال دون المكافحة والنزال.
ولكن أوّل من تقدّم من عسكر ابن سعد يسار غلام زياد فطلب المبارزة، فتقدّم إليه عبد الله بن عمير الكلبي(1)، فسأله يسار عن نسبه، فانتسب له، فقال له يسار: لا أعرفك ارجع وليبرز زهير بن القين (2)أو حبيب بن مظاهر(3)
كان عليه الرحمة والرضوان شيخ الأنصار وعميدهم، وموضع ثقة الحسين واعتزازه. انظر ترجمته في إبصار العين ص61.
، فإنّ1) (1) كان (رضوان الله عليه) بطلاً شجاعاً شريفاً مخلصاً لإمام زمانه وحجّة عصره الحسين بن علي (ع) محبّاً له متفانياً في سبيله - انظر ترجمته في «ابصار العين في أنصار الحسين»: ص 106.
2) (2) ابن قيس الأنماري البجلي وصفه العلّامة السماوي في «إبصار العين...: ص95: بقوله: «كان زهير رجلاً شريفاً في قومه، نازلاً بهم في الكوفة، شجاعاً له في المغازي مواقف مشهورة...».
3) (3) من عيون أصحاب مولى الموحدين الإمام أمير المؤمنين (ع)، ومن حملة علومه، وقد شهد حروبه كلّها «الجمل» و «صفّين» و «النهروان».
هؤلاء أقراني لا أنت، فقال له عبدالله: يابن الفاعلة أوَبك رغبة عن مبارزتي؟ ثمّ شدّ عليه فضربه بسيفه حتى بدره وأنّه لمشتغل بضربه شدّ عليه سالم مولی عبیدالله، فصاحوا به قد رهقك، فلم يشعر به حتى بدره بضربة اتّقاها ابن عمير بكفّه اليسرى فأطارت أصابعه، ثمّ شدّ عليه حتى قتله، واقبل ابن عمير وقد قتلهما وهو يرتجز ويقول: إن تنكروني فأنا ابن الكلبي(1)
إن تنكروني فأنا ابن كلبِ *** حسبي ببيتي في عليم حسبي
إِنّي امروءٌ ذو مرّة *** وعصبي ولست بالخوار عند الحربِ
إِنّي زعيم لكِ أمّ وهب *** بالطعن فيهم مقدماً والضرب
.وعندما أتى الحرّ إلى الحسين علیهِ السّلٰام وقال: يابن رسول الله، إنِّى حين خرجت من الكوفة مع عسكر هذا الطاغي سمعت منادياً ينادي من خلفي: أبشر يا حرّ بخير، فالتفتُّ فلم أرَ أحداً، فقلت: والله ما هي ببشارة، أخرج إلى حرب ابن رسول الله وأُبشّر بخير. والآن علمت صواب ذلك القول.
1) (1) إليك أخي القارئ نص رجزه (رضوان الله عليه) كما في ص107 من كتاب «إبصار العين» للشيخ السماوي:
ولمّا كنت أوّل خارج عليك، فأذن لي أكون أوّل شهيد بين يديك.
والصحيح أنّه لم يكن قد قتل من أصحاب الحسين علیهِ السّلٰام أحد.
نعم، قد أصيب بالجراحات جماعة، فأذن له الحسين علیهِ السّلٰام، فحمل حملة الليوث المغضبة(1)
إنّي أنا الحرّ ومأوى الضيف *** أضرب في أعناقكم بالسيف
عن خير من حلّ بلاد الخيف *** أضربكم ولا أرى من حيف
، فلم يحصر عدد من قتله الحرّ(2).أمّا ولده عليّ فقتل برواية أبي مخنف سبعين فارساً ثمّ استشهد(3)، فلمّا رآه أبوه الحرّ، قال: الحمد لله الذي رزقك الشهادة، وكان مصعب أخ الحرّ حينئذٍ في عسكر ابن سعد،
فلمّا رأى حملات الحرّ وتكالب القوم عليه، وشهادة ابن أخيه كرّ على الحرّ بفرسه، فحسبوه قد حمل على أخيه ليقاتله، فلمّا
وصل إليه عانقه وبكى، وجاء به إلى الحسين علیهِ السّلٰام، فتاب وأناب ورجع إلى الميدان، فقاتل حتى قتل.
وبقي الحرّ يدير رحى الحرب وحده يحصد الرؤوس ويخمد النفوس، حتى قَتل في حملته الأخيرة ثمانين فارساً من أبطالهم، فضجّ العسكر وصعب عليهم أمره، فنادى ابن سعد بالرماة والنبالة فأحدقوا به من كل جانب حتى صار درعه كالقنفذ، هنالك اتقدت نار الغيرة في كانون فؤاده، ووقف وقفة المستميت فنزل عن فرسه وعقرها لأنّها لم تستطع الاقتحام من كثرة السهام. وأخذ يكرّ عليهم راجلاً إلى أن سقط على الأرض وبه رمق، فكّر عليه أصحاب الحسين علیهِ السّلٰام واحتملوه حتى ألقوه بين يدي الحسين، فجعل الحسين يمسح الدم والتراب عن وجهه وهو يقول:
ما خطأت أمّك إذ سمّتك حرّاً، أنت الحرّ في الدنيا والحرّ
في الآخرة(1)
ثمّ رثاه رجل من أصحاب الحسين (ع) ببيتين من الشعر على ما ذكره الشيخ المفيد في ج2، ص100 من «إرشاده»، أو علي الأكبر على ما ذكره الشيخ المجلسي في ج45، ص14 من «بحاره»، أو الإمام الحسين على ما ذكره الفتّال النيسابوري في ج1، ص186 من «روضته» والبيتان هما:
لنعم الحرّ حرّ بني رياح *** وحرّ عند مشتبك الرماح
ونعم الحرّ إذ نادى حسينٌ *** نجاد بنفسه عند الصباح
، ثمّ استعبر علیهِ السّلٰام.وكان للحرّ غلام اسمه عروة تخلّف في جيش ابن سعد، فلمّا رأى شهادة مولاه وابنه وأخيه، وتفانيهم في الحرب، أخذه مثل الجنون والحيرة لا بالإيمان والغيرة فجعل يضارب ويقاتل فى وسط عسكر ابن سعد. وقيل: إنّه قَتل مَن عن يمينه ويساره حتى أتى الحسين علیهِ السّلٰام فاستأذنه، فأذن له فقاتل حتى قتل. هنالك استعرتِ نار الحرب وألقت بأمراسها وعضّت بأضراسها.
1) (1) بحار الأنوار ج45، ص14.
فتقدّم برير بن خضير(1)، وكان سيّد القرّاء، ومن أعبد أهل زمانه، فاستأذن الحسين علیهِ السّلٰام فأذن له فحمل(2)
أنا برير وفتی خضيرِ *** أضربكم ولا أرى من ضيرِ
يعرف في الخير أهل الخيرِ *** كذاك فعل الخير من بريرِ
كالليث الضاري والصاعقة النازلة، ففرّوا من بين يديه، فجعل يناديهم: اقتربوا منّى يا قتلة أولاد النبيّين، فبرز إليه يزيد بن معقل، فتباهلا ان يقتل الله المبطل منهما على يد المحقّ فتجالدا، ولم يلبث برير أن ضرب يزيد بالسيف على المغفر، فقدَّ المغفر وفلق هامته نصفين حتى سال مخّ دماغه وسقط إلى الأرض(3)كران
، فكبّر العسكران، وحمل منقذ بن مرّة العبدي فاعتنقا وتصارعا فصرعه برير وجلس على صدره، ولم يكن معه سيف ليقتله فشدّ عليه من ورائه كعب بن جابر،فطعن بريراً فى ظهره، فلمّا احسّ بحرّ السنان عضّ أنف ابن منقذ فقطعه، وقام عنه.
فوجد كعب بن جابر فرصة فعلاه بالسيف، ففاضت نفسه الطيّبة، وولّى منقذ منهزماً.
قال ابن الأثير: لمّا رجع ابن جابر (لعنه الله) إلى زوجته قالت له: أعنت على ابن فاطمة، وقتلت بريراً سيّد القرّاء فلا كلّمتك بعدها أبداً(1).
ثمّ خرج وهب بن عبد الله الكلبي(2)
إن تنكروني فأنا ابن الكلب *** سوف تروني وترون ضربي
وحملتني وصولتي في الحرب *** أدرك ثأري بعد ثأر صحبي
وأدفع الكرب بيوم الكربِ *** فما جلادي بالوغا باللعب
، وكانت معه أمّه وزوجته.ويظهر من أنّ في أصحاب الحسين علیهِ السّلٰام رجل آخر يسمّى
وهب بن وهب، وكان نصرانياً، أسلم على يد الحسين علیهِ السّلٰام فيه الطريق. وكانت اُمّ وهب تحثّه على القتال وتقول له: قم يا بنيّ، فانصر ابن بنت رسول الله، فاستأذن الحسين علیهِ السّلٰام وانحدر إلى المعركة، فقاتل حتى قَتل جماعة ورجع إلى أُمِّه، وقال: أرضيتي يا اُمّاه فقالت:
لا أرضى حتى تُقتل بين يدي أبي عبدالله. فرجع من فوره وقتل تسعة عشر فارساً واثني عشر راجلاً.
وفي ناسخ التواريخ(1): أنّهم قطعوا يمينه، فصار يقاتل بشماله، فقطعوا شماله.
فأخذت زوجته عموداً من حديد وانحدرت إلى المعركة تقاتل، فقال لها وهب: الآن كنت تنهينني عن القتال، وتقولين لي: لا تفجعني بنفسك، فما بدا لكِ؟ فقالت: سمعت
1) (1) ناسخ التواريخ ج2، ص345.
من الحسين علیهِ السّلٰام كلاماً قطّع نياطَ،جناني، وهدّ أركاني، ورغبت معه عن الحياة، سمعته ينادي:
واغربتاه، واقلّة ناصراه، وا وحدتاه، أما من مجير يجيرنا، أمّا من ذابٍ يذبّ عنّا.
وسمعت أصوات نسائه قد ارتفعت بالبكاء في الخيمة، وخرجت لِاُقتل معك وأنال السعادة.
يقول صاحب الناسخ(1): ولمّا لم تكن له يد أنّه عضّ بأسنانه على ثيابها ليرجعها إلى الخيمة، فأفلتت نفسها منه، وعادت إلى الحرب، فاستغاث وهب بالحسين علیهِ السّلٰام، فقال: جزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي إلى النساء بارك الله فيكِ فإنّه ليس عليكن قتال، ولم يزل بها حتى أرجعها، فوقفت تنظر ما يكون من زوجها حتى قتل، فجائت وجعلت تخضب شعرها بدمه، وتمسح جبينها بنحره، فأمر الشمر (لعنه الله) غلاماً له يقال له رستم، فضربها بعمود من الحديد،
1) (1) ناسخ التوايخ ج2، ص345.
فصرت إلى جنب زوجها(1).
قال: وهي أوّل امرأة قُتلت في عسكر الحسين علیهِ السّلٰام، ويظهر من هذا أنّه قتل في عسكره علیهِ السّلٰام عدّة نساء.
وحُمِل جسد وهب إلى ابن سعد (لعنه الله)، فجعل ينظر إليه ويقول: ما أشدّ صولتك، وأمر فقُطع رأسه ورُمي به إلى معسكر الحسين(2).
فأخذته أمّه، وجعلت تمسح الدم والتراب عنه وتقول: الحمد لله الذي بيّض وجهي بشهادتك بين يدي أبي عبد الله علیهِ السّلٰام، ثمّ قالت: الحكم الله يا أاُمّة السوء. إنّ النصارى في كنايسها، واليهود في بِيعها لخير منكم، ثمّ رمت برأس ولدها نحو عسكر ابن سعد(3).
ويقول صاحب الناسخ(1): فمن عجيب الاتّفاق أنّه أصاب صدر قاتل وهب وقتله.
ثمّ أخذت عمود خيمة وتوجّهت إلى المعركة، فقتلت نفرين، وجاء الحسين علیهِ السّلٰام وردّها إلى الخيمة.
وبرز مسلم بن عوسجة(2)
إن تسألوا عنّي فإنّي ذو لبد *** من فرع قومٍ في ذرى بني أسد
فمن بغاني حايدٌ عن الرشد *** وكافر بدین جبّارٍ صمد
، ونافع بن هلال(3)، فلم يبرز إليهم رجل إلّا قتلوه. فنادى عمرو بن الحجّاج بأصحابه: يا حمقاء، أتدرون مَن تقاتلون؟ هؤلاء شجعان العصر1) (1) ناسخ التواريخ ج2، ص348.
2) (2) هو مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة.... الأسدي، كان كما وصفه الشيخ السماوي في ص 61 من «إبصار العين» رجلاً شريفاً، سرياً، عابداً، متنسكاً... برز وهو يقول:
3) (3) هو نافع بن هلال بن نافع بن جمل... المذحجي كان كما وصفه أهل السير رجلاً شريفاً، شجاعاً، مطيعاً لله، تالياً لكتابه المجيد، من أصحاب أمير المؤمنين (ع)، وحضر حروبه... -انظر ترجمته في ج3، ص266 من كتاب «تنقيح المقال»، وله ترجمة أيضاً في ص86 من «إبصار العين».
وفرسان المصر، إنّهم قوم مستميتون، فلا يبرز إليهم منكم أحد، وإنّهم لقليل وقليل ما يبقون. والله لو لم ترموهم إلّا بالحجارة لقتلتموهم. فقال ابن سعد: الرأي ما رأيت.
ثمّ دنى ابن الحجّاج إلى صفّ السعداء بأصحابه الأشقياء، وهو يحرّضهم على الصبر ورشق النبل، ويقول لهم: لا تخرجوا عن طاعة إمامكم، ولا تفرّقوا الحوزة المجتمعة، ولا يكن خروج هذه الشرذمة القليلة عن الدين وعصيانها للإمام يدخل بالشك عليكم.
فقال له الحسين علیهِ السّلٰام: يا بن الحجّاج، أعليَّ تحرّض الناس؟ وأنا الخارج عن الدين زعمت وأنت الثابت عليه؟!! اُقسم بالله لتعلمنّ من المارق من الدين، إذا انتزع ملك الموت نفسك(1).
ثمّ حمل ابن الحجّاج بالميمنة من جانب الفرات على أصحاب الحسين علیهِ السّلٰام فاقتتلوا ساعة، ثمّ انجلت الغبرة وإذا
1) (1) بحار الأنوار للشيخ المجلسي ج45، ص19.
بمسلم بن عوسجة صريع في المعركة(1).
فجاء علیهِ السّلٰام وحبيب وجلسوا عنده، وتكلّموا بما هو معروف(2)
وأمّا حبيب فقد دنا منه وكان به رمق الحياة وقال: «عزّ على مصرعك، يا مسلم ابشر بالجنّة». فقال له مسلم بصوت ضعيف: «بشّرك الله بخيرٍ» فقال له حبيب: لولا أعلم أنّي في الأثر لاحقٌ بك لأحببت أن توصني بكلّ ما أهمّك، فقال مسلم: أوصيك بهذا وأشار إليه سيّد الشهداء السعداء أن تموت دونه.
نصروه أحياءً وعند مماتهم *** يوصي بنصرته الشفيق شفيقا
رحمك الله يا مسلم، ما أعظمك وما أجلّك، لقد أعطيت وأيم الله وأنت في لحظاتك الأخيرة الناس دروساً رائعة في الولاء الباهر للحقّ وأهله.
.وصرخت جارية مسلم: واسيّداه، يابن عوسجتاه(3)، فعلم أصحاب ابن سعد أنّهم قتلوا مسلم فتباشروا.
فقال شبث بن ربعي (لعنه الله): ثكلتكم أُمّهاتكم تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتفرحون بذلك، أوَ يفرح مسلم بقتل
1) (1) نفس المهموم للشيخ عباس القميّ: ص264.
2) (2) إليك ما تكلّم به كلّ من الحسين وعميد أنصاره حبيب بن مظاهر حين وقفا على مسلم بن عوسجة، أمّا الحسين فقد قال كما - في ج45، ص20 من «بحار الشيخ المجلسي» -: «رحمك الله يا مسلم وتلى قوله تعالى: (فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرْ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)» - سورة الأحزاب / 23.
3) (3) نفس المهموم ص265.
مسلم، اُقسم لقد رأيت له مع جيوش المسلمين في حروب المشركين مواقف عظيمة، ومقامات كريمة(1).
ثمّ حمل شمر (لعنه الله) بالميسرة على أصحاب الحسين علیهِ السّلٰام فثبتوا رضوان الله عليهم، وقاتلوا بقلب ثابت وجأش رابط وهم مع ذلك لم يكونوا بأكثر من اثنين وثلاثين فارساً.
وقد ذكرهم أرباب المقاتل بهذه العبارة، قالوا: فلا يحملون على جانب من خيل الكوفة إلّا كشفوه.
وأرسل عروة بن قيس - وكان أميراً على فرسان أهل الكوفة - إلى ابن سعد يقول: أما ترى إلى ما تلقى خيلي من هذه العدِّة اليسيرة، ابعث إليهم الرجّالة والرماة.
فقال ابن سعد لشبث -وكان أميراً على الرماة: ألا تذهب إليهم وتكفينا أمرهم، فأظهر شبث الكراهيّة، ولم تزل آثار كراهيّة القتال ظاهرة عليه، فقال: سبحان الله، أكبر قبائل مضر وشيخ كافة أهل الكوفة ألم تجد من جملة هذه
1) (1) تاريخ الطبري ج4، ص332.
الشجعان ومشاهير الفرسان وسائر الرماة والنبالة أشجع ولا أقوى منّى، فعندها نادى ابن سعد الحصين بن نمير وانتخب له خمسمائة من الرماة فرموا أصحاب الحسين علیهِ السّلٰام الليل فثبتوا لرشق النبال، وشق الأنصال، وقد تتابعت كالقطر والمطر، فما مضى غير قليل إلّا وحمل أصحاب الحسين علیهِ السّلٰام
عليهم حملة الليوث الضواري وفرّقوهم تفريق الجراد المنتشر.
وقال ابن الأثير(1): إنّ أشد قتال أوجده الله في العالم ما برز من أصحاب الحسين علیهِ السّلٰام في ذلك اليوم، وكان علیهِ السّلٰام الأمر أن تجعل بيوته و خيامه و خیام اصحابه كلّها بعض إلى بعض حتى يصير كشيء واحد، وأن تجعل خلف ظهورهم وعن ايمانهم وشمائلهم ويستقبلوا بوجه واحد، رای ابن سعد ما أعياه من صبرهم وثباتهم وشجاعتهم أراد أن يأتيهم من ورائهم ويحيط من جميع جوانبهم، فأمر ابن سعد أن
1) (1) في ج4، ص59 من كتابه «الكامل في التاريخ».
تقوّض الخيام وتقطّع الأطناب، فأمر الحسين علیهِ السّلٰام بعض أصحابه فوقف بين الأطناب يدافع عن الخيام، فإذا دنى الفارس عقر فرسه، وإذا أبعد شُكٍّ بالنبل فى فؤاده، لذا أمر ابن سعد أن تحرق الخيام على مَن فيها من ودایع النبوة لينفتح لهم طريق العبور إلى أصحاب الحسين علیهِ السّلٰام من خلفهم.
فقال علیهِ السّلٰام: لا ضير عليكم من إحراقها فإنّها تكون خندقاً بينكم وبينهم تمنعهم الوصول إليكم، ثمّ إنّ أصحاب النار أحرقوا جملة من الخيام التي على اليمين واليسار ولم يمكّنهم العبور، كما قال الإمام.
وجاء شمر (لعنه الله) مع عدّة من زبائنه، فوقف على فسطاط الحسين وهو مضروب السرادق على حرم الرسالة وكبرياء العصمة ومخدّرات العزّة، فقال: عليَّ بالنار لِاُحرقه على مَن فيه، فخرجت الجواري وهنّ صوائح، فقال الإمام علیهِ السّلٰام للشمر: أنت تحرق بيتي على أهلي، أحرقك الله بالنار، فمنعه حميد بن مسلم فلم يمتنع، وما انفكّ يطلب النار حتى جاءه شبث بن ربعي فصرفه عن ذلك.
ثمّ إنّ الإمام علیهِ السّلٰام صلّى صلاة الزوال بأصحابه صلاة الخوف، وتقدّم سعيد بن عبدالله الحنفي(1)، وجعل بدنه وقاية للإمام علیهِ السّلٰام وقف يقيه بنفسه ما زال ولا تخلّى حتى سقط على الأرض وهو يقول: اللّهمّ العنهم لعن عاد وثمود، اللّهمّ أبلغ نبيّك عنّى السلام وأبلغه ما لقيت من الجراح(2)، ثمّ قضى (رضوان الله عليه) والذين جعلوا أنفسهم للحسين وقاية ومجناً جماعة من أصحابه، منهم: حنظلة بن سعد الشبامي(3)، وعمرو بن قرظة الأنصاري(4)، فكان لا يأتي الحسين علیهِ السّلٰام
سهم إلّا اتّقاه، ولا سيف إلّا تلقّاه، فلم يكن يصل إلى
1) (1) من أفاخم أصحاب مولانا الحسين (ع)، ومن ذوي الشجاعة والعبادة فيهم، له (رضوان الله عليه) ذكر وترجمة في ص125 من كتاب «إبصار العين في أنصار الحسين» للشيخ محمّد السماوي.
2) (2) إليك تَتَمّة كلامه كما في ص275 من كتاب «نفس المهموم» للشيخ عباس القميّ: «فإنّي أردت ثوابك في نصرة ذرّية نبيّك». ثمّ قضى نحبه.
3) (3) ترجم له المحقّق الثبت الشيخ محمّد السماوي في ص77 من كتابه «إبصار العين» فوصفه بأنّه من وجوه الشيعة ومن ذوي الفصاحة والشجاعة.
4) (4) له (قدس سره) ترجمة في ص92 من كتاب الشيخ السماوي آنف الذكر.
الحسين علیهِ السّلٰام سوء، حتى اُثخن بالجراح، فالتفت الحسين علیهِ السّلٰام وقال: أوفيت يابن رسول الله؟! فقال: نعم أنت أمامي في الجنة، فاقرأ جدّي السلام وأعلمه أنّى بالأثر(1).
والغرض أنّه قد ظهرت ذلك اليوم من تلك الليوث الضواري والبدور السواري شجاعة خارقة وجلادة صادقة، وقد أثر عن ثقات المحدّثين أنّ شجاعة تلك الفئة القليلة وبسالتهم في ذلك الموقف قد أدهشت عقول ذوي المعرفة وفاتت حدّ النعت والصفة(2)
قال ابن أبي الحديد المعتزلي في ج3، ص263 من «شرحه على النهج» قيل لرجلٍ شهد يوم الطفّ مع عمر بن سعد: ويحك أقتلتم ذرّية رسول الله، فاندفع قائلاً: «عضضت بالجندل إنّك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا، ثارت علينا عصابة أيديها على مقابض سيوفها كالاُسود الضارية تحطم الفرسان يميناً وشمالاً وتلقي أنفسها على الموت لا تقبل الأمان ولا ترغب...».
وقد تسابق شعراء أهل البيت (عليهم السلام) إلى تصوير شجاعتهم التي باتت مضرب الأمثال فهذا كبير شعراء عصره السيّد حيدر الحلّي (طاب ثراه) يقول في إحدى روائعه:
هم القوم إمّا أجروا الخيل لم تطأ *** سنابكها إلا دلاصاً ومغفرا
إذا ازدحموا حشداً على نقع فيلقٍ *** رأيت على الليل النهار تكوّراً
وقال في رائعة اُخرى:
دکّوا رباها ثمّ قالوا لها *** وقد جثوا نحن مكان الربا
و قال آخر لم يحضرني اسمه:
فلو وقفت صمّ الجبال مكانهم *** لمادت على سهل ودكّت على وعر
فمن قائم يستعرض النبل وجهه *** ومن مقدم يرمي الأسنّة بالصدر
.حتى إنّ زهير بن القين َضِیَ اللهُ عَنهُ ما سقط ولا قتل حتى قتل منهم مائة وعشرين فارساً(1).
وحبيب بن مظاهر اثنين وستّين من أبطالهم(2).
وكان نافع بن هلال كتب اسمه على أفواق سهامه وسقى نصاله السمّ، فقتل بسهم واحد اثني عشر رجلاً، ولما خلت كنانته من السهام، قاتل بسيفه حتى تكسّرت عضداه واُخذ أسيراً إلى ابن سعد فقتله الشمر صبراً(3).
قال ابن الأثير(1): إنّ أبا الشعثاء الكندي المعروف بيزيد ابن زیاد جثا بين يدي الإمام علیهِ السّلٰام على ركبتيه، ورمى مائة سهم فأصاب مائة رجل ما أخطأ سوى أربعة.
عابس بن شبیب (2)
وصفه الشيخ المامقاني في ج2، ص112 من كتابه «تنقیح المقال» بقوله: «كان عابس من رجال الشيعة، رئيساً، شجاعاً، خطيباً، ناسكاً، متهجّداً...».
وقال ربيع بن تميم: لمّا دخل المعركة عابس بن شبيب، أشجع فارس، ناديت: هذا أسد الاُسود، هذا ابن شبيب، فلا يبارزنّ إليه أحد، فوقف يطلب المبارزة، وينادي ألا رجل؟ فلا يجاب، وقد أحجم ذلك الجمع الغفير كلّهم عنه، فنادی ابن سعد: ويحكم ارضخوه بالحجارة(3)، فأحاطوا به وجعلوا يرضخونه بالصخور، فلمّا رأى عابس (رضوان الله عليه) ذلك نزع درعه ومغفرته وألقاهما وشدّ عليهم شدّة الصقر
على الرخم، فاُقسم بالله لقد رأيته طرد أكثر من مائتين، ثمّ رأيت رأسه بعد ذلك بين جماعة كلّ يقول أنا قتلته، فقال لهم ابن سعد: لا تختصموا فإنّ عابس لم يك ليقتله رجل واحد،
بل كلّ العسكر قتله.
شوذب مولى شاكر(1)
ثمّ تقدّم شوذب مولى شاكر، فقال:
يا أبا عبدالله، أما والله ما أمسى على وجه الأرض قريب ولا بعيد أعزّ عليَّ ولا أحبّ إليَّ منك، ولو قدرت أن أدفع الضيم عنك أو القتل بشيء أعزّ من نفسي وروحي لفعلت، السلام عليك يا أبا عبدالله، اُشهد الله أنّى على هداك وهدى أبيك.
ثمّ استأذن وبرز، فقاتل حتى قُتِل.
وعلى مثل هذا جلّهم، بل كلّهم.
1) (1) من رجال الشيعة ووجوهها، ومن الفرسان المعدودين، هكذا وصفه العلّامة السماوي في ص 76 من كتابه «إبصار العين».
ففي بعض الأخبار: إنّ حبيب بن مظاهر أحد السبعين الذين لاقوا جبال الحديد، واستقبلوا السيوف والرماح بوجوههم وصدورهم والأموال تبذل لهم والأمان يعرض عليهم، والبلاء المحدق بهم وبأهاليهم وهم يمتنعون أشدّ الامتناع ويقولون لا عذر لنا عند رسول الله صلَّی الله علیه وآله وسلَّم أن يصل إلى الله الحسين سوء وفينا عين تطرف، ولم يزالوا يبرز إلى الحرب واحد بعد واحد حتى قُتلوا جميعاً.
ولم يبق مع الحسين علیهِ السّلٰام سوى لحمته من أولاده وخاصّة أهل بيته، فاجتمعوا وجعل يودّع بعضهم بعضاً ويبكون(1).
فقيل: أوّل من تقدّم من بني هاشم بنو عقيل، بدأهم بذلك عبدالله بن مسلم، ثمّ أخوه محمّد، ثمّ عمّه جعفر بن
1) (1) مقتل الحسين (ع) للخوارزمي ج2، ص26.
عقيل، ثمّ أولاد جعفر بن أبي طالب، ثمّ أولاد الحسين علیهِ السّلٰام، ثمّ أولاد أمير المؤمنين، وهم يناهزون العشرة.
ولكن الأصحّ أوّل من تقدّم من بني هاشم عليّ الأكبر (1)
كنيته «أبو الحسن» كما يظهر من الزيارة المروية عن الإمام الصادق (ع) على لسان أبي حمزة الثمالي.
جاء في ص416 من «كامل الزيارات» لابن قولويه القمّى أنّ الإمام الصادق قال لأبي حمزة بعد كلامٍ: «ثمّ ضع خدّك على القبر - يريد قبر عليّ بن الحسين - وقل: صلى الله عليك يا أبا الحسن (ثلاثاً) بأبي أنت وأمي أتيتك ...».
لقبه «الأكبر» لكونه أكبر أولاد إمامنا الحسين (ع) على ما هو مشهور وفي الكتب مسطور.
كان سلام الله عليه حاوياً كما تنطق بذلك سيرته العطرة لصفات طيبة وخصال حميدة وسجايا رائعة ورثها من آبائه الكرام وأجداده العظام.
ولقد أجاد وأحسن مادحه وراثيه العلّامة الكبير الشيخ عبدالحسين الشيخ صادق العاملي، حيث قال:
جمع الصفات الفَرّ وهي تراثه *** من كلّ غطريفٍ وشهم أصيد
في بأس حمزة في شجاعة حيدرٍ *** بأبي الحسين وفي مهابة أحمد
وتراه في خلقٍ وطيب خلائقٍ *** وبليغ نطقٍ كالنبيّ محمّد
(سلام الله عليه)، كما فى نصّ زيارة الناحية:السلام عليك يا أوّل قتيل من نسل إبراهيم الخليل(2)
بحار الأنوار ج45، ص65.
.وعلى الجملة: فبعد شهادة أنصار الحسين علیهِ السّلٰام، تقدّم إلى مكافحة الأهوال ومناطحة الأبطال أولاده وأولاد عمّه جعفر وعقيل، وأولاد اخوته، فأبدوا من الشهامة والكرامة والبراعة والشجاعة والبسالة والنجدة ما أدهش العقول والألباب وفات حدّ العجب والاعجاب، كما هو مقتضى شرف عنصرهم، ونفاسة جوهرهم وقداسة ذواتهم، وجدوا واجتهدوا في إعلاء كلمة الله ومواسات ولي الله.
وإن الاُلى بالطفّ من آل هاشم *** تأسّوا فسنّوا الكرام التأسيّا
أمّا عليّ الأكبر، فقد قال أرباب المَقاتل أنّه لم يزل يقاتل
حتى ضجّ العسكر من كثرة القتلى(1)، ولذا لمّا صرع بضربة منقذ بن مرّة العبدي وحمله الفرس إلى معسكر الأعداء
1) (1) قَتل (سلام الله عليه) في حملته الاُولى - حسب ما ذكره الخوارزمي في ج2، ص30 من كتابه «مقتل الحسين» - مائة وعشرين رجلاً، وأكمل في حملته الثانية تمام المائتين حسب ما ورد في ص194 من كتاب «تظلم الزهراء».
قطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً(1).
وأمّا العباس: فناهيك من شجاعته أنّه كان حامل لواء الحسين علیهِ السّلٰام (2)
وهنا يعجبني أن تقرأ معي أبياتاً من قصيدة الشاعر الماهر السيّد جعفر الحلّي (رحمه الله) التي وصف فيها ما مني به الجيش الأموي من الرعب والفزع والهلع حين أطلّ أبو الفضل على أرض المعركة يقول:
وقع العذاب على جيوش أميّة *** من باسل هو في الوقائع معلم
ما راعهم إلّا تقحّم ضيغمٍ *** غیران يعجم لفظه ويدمدم
عبست وجوه القوم خوف الموت *** والعباس فيهم ضاحك يتبسّم
قلب اليمين على الشمال وغاص في *** الاُوساط يحصد للرؤوس ويحطم
ماكرَ ذو بأس له متقدماً *** إلّا وفرّ ورأسه المتقدّم
صبغ الخيول برمحه حتى غدا *** سيّان أشقر لونها والأدهم
ماشدّ غضباناً على ملومةٍ *** إلّا وحلّ بها البلاء المبرم
وله إلى الإقدام نزعة هارب *** فكأنّما هو في التقدّم يسلم
.وهذا اللواء حمل مع السبايا والصفايا إلى يزيد (لعنه الله)،
1) (1) تاريخ الطبري ج4، ص340.
2) (2) أدلُّ دليل ولا شكّ على شجاعة أبي الفضل التي ورثها من أبيه بطل الإسلام بل بطل العالم ومفخرة بني آدم هو حمله (ع) اللواء يوم الطفّ؛ لأنّ حمل اللواء كما هو معلوم مهمة لا تناط إلّا بالمشهود لهم بالشجاعة والإقدام ورباطة الجأش وفخرٌ عدنانٍ شهد له البعيد قبل القريب والعدوّ قبل الصديق بأنّه الفتى الباسل والبطل الضرغام.
فلمّا نشره لم يجد فيه موضعاً سالماً من رشق السهام، وطعن الرماح، وضرب السيوف، سوى موضع قبضة كفّ العباس.
فلمّا نظر إليه بهذه الصفة أخذه العجب وجعل يقوم ويقعد ويقول:
أبيت اللعن أبا الفضل، هكذا يصنع الأخ لأخيه؟!!
وأعظم من ذلك قول بني أسد (1)أنّ على المسناة بطلاً كلّما حملنا منه جانباً سقط الآخر. ولم يختصّ ذلك برجالهم وأبطالهم، بل ما بدى من غلمانهم وأطفالهم أدهى وأدهش.
فهذا القاسم بن الحسن، وهو غلام لم يبلغ الحلم.
وقال أرباب المَقاتل: لمّا نظر الحسين علیهِ السّلٰام قد برز، اعتنقه وجعلا يبكيان حتى غشي علیهما(2)، فلمّا أفاقا استأذن عمّه، فأبى أن يأذن له، فلم يزل يقبّل يديه ورجليه
ويبكي حتى أذن له(1).
فانحذر إلى الميدان ودموعه تسيل على خدّيه وهو يقول:
إن تنكروني فأنا نجل الحسن
سبط النبي المصطفى والمؤتمن
هذا حسين كالأسير المرتهن
بين اُناس لا سقوا صوب المزن
وكان جبينه كالكوكب الدرّي، ووجهه كفلقة قمر.
قالوا: فقاتل قتالاً شديداً حتى قَتل على صغر سنّه اثنين وثلاثين فارساً، وقيل: سبعين(2).
وفي الناسخ(3): أنّهم وجّهوا المبارزته فارساً يعدّ بألف،
فما لبث القاسم علیهِ السّلٰام أن قسّمه إلى نصفين.
وبرز هذا الغلام، وهو على ابّهته ووقاره وشارته
و شعاره، عليه رداءان، وفي رجليه نعلان، يتهادى إلى منيّته كأنّه يزفّ إلى حجلته. ثمّ لما انقطع شسع نعله، وهو بين الأسنّة والسيوف كالبدر في هالته، وقف يشدّ شسع نعله، غير ميّال ولا مكترث، كأن نقيبته الزكية وجنانه الثابت أبى له أن يمشي في ميدان البسالة والاقدام حافي الأقدام(1)
أهوى يشدّ حذاءه *** والحرب مشرعة لأجله
ليسومها ما إن غلت *** هیجاؤها بشراك نعله
متقلداً صمصامه *** متفيئاً بظلال نصله
لا تعجبنّ لفعله *** فالفرع مرتهنّ بأصله
السحب يخلفها الحيا *** والليث منصور بشبله
، فبينا هو منحنٍ يشدّ نعله إذ شدَّ عليه عمر بن سعد الأزدي (لعنه الله)، فضربه بالسيف على أمّ رأسه، فوقع لوجهه (2)ونادى: يا عمّاه، فانقضّ عليه كالصقر، وشدّ على الصفوف شدّة الليث في الحرب، وضرب عمراً قاتله بالسيف، فاتّقاه بيده فأطنّها(3)من المرفق، فصاح صيحةسمعها العسكر، وحملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوهّ فاستقبلته بصدورها ووطأته بحوافرها، حتى هلك(1). فانجلت الغبرة وإذا بالحسين علیهِ السّلٰام قائم على راس الغلام وهو يفحص برجليه. والحسين علیهِ السّلٰام يقول: يعزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا يعينك (فلا يغني عنك)، هذا والله يوم كثر واتره وقلّ ناصره(2).
ثمّ احتمله وقد وضع صدره على صدره، فجاء به وألقاه بين القتلى من أهل بيته(3)
بنيّ رعاك الله ما إن قضيت *** ومن كؤوس الموت لمّا ارتويت
بنيّ فوق الترب لمّا ثويت *** ضاق بعينيَّ بنيّ الرحاب
بنيّ كنت البدر عند الكمال *** يا قمر التمّ حميد الفعال
فكيف وسدّت بنيّ الرمال *** وكيف نجم الصبح في الترب غاب
بنيّ كنت الروضةَ الناضرة *** بنيّ كنت الدرّة الزاهرة
فبعدك العين غدت ساهرة *** فمذ رمى الدهر بقلبي أصاب
.هذا حال أطفالهم، وتلك حال أبطالهم، فعلى مثلهم
فليبك الباكون وليندب النادبون(1)
قال الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين (ع) كما في ص202 من كتاب «كامل الزيارات» لابن قولويه القميّ: «من قطرت عيناه فينا قطرة ودمعت عيناه فينا دمعة بوّأه الله في الجنة غرفاً يسكنها أحتقاباً.
.ثمّ إن الحسين علیهِ السّلٰام لمّا نظر إلى مصارع أنصاره وأهل بيته والتفت يميناً فلم ير أحداً، والتفت شمالاً فلم ير أحداً، استعبر باكياً واستغاث استغاثته الثانية ونادى: هل من ذاب يذبّ عن حرم رسول الله؟ هل من موحد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في اغاثتنا(2)؟ فلم يجبه سوی زین العابدين علیهِ السّلٰام، فمنعته أمّ كلثوم لما به من المرض، فقال: دعيني يا عمّتاه اُقاتل بين يدي ابن رسول الله.
فصاح الحسين علیهِ السّلٰام: خذيه يا أختاه لئلّا تبقى الأرض
خالية من نسل آل محمّد(1).
ثمّ عزم على لقاء القوم بنفسه، فجاء إلى الخيام للتوديع ثاني مرّة، فنادى: يا زينب، يا أاُمّ كلثوم، يا سكينة، يا فاطمة، عليكنّ منّى السلام، ثمّ جعل يوصيهنّ بالصبر والسكينة والتسليم لقضاء الله.
وقال لهنّ: استعدّوا للبلاء، واعلموا أنّ الله حافظكم وحاميكم، وسينجّيكم من شرّ الأعداء، ويعذِّب أعدائكم بأنواع العذاب، ويعوّضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة، فلا تشكّوا ولا تقولوا بألسنتكم ما يُنقص قدركم ويحبط أجركم(2).
فقالت سكينة: يا أبة، استسلمت للموت فإلى من تكلنا؟
فقال: يا نور عيني، كيف لا يستسلم للموت لا ناصر له ولا معين؟ ورحمة الله ونصرته لا تفارقكم في الدنيا ولا في الآخرة، فاصبري لقضاء الله ولا تشكّي، فإنّ الدنيا فانية والآخرة هي باقية(1)
هذا الوداع عزيزتي والملتقى *** يوم القيامة عند حوض الكوثر
فدعي البكاء وللأسار تهيّأي *** واستشعري الصبر الجميل وبادري
وإذا رأيتني على وجه الثرى *** دامي الوريد مبضعاً فتصبَري
.ثمّ بعد أن فرغ من ودائع حرائر النبوة وودائع الرسالة انحدر إلى المعركة موطّناً على مجالدة القوم بنفسه.
وقبل أن يضع السيف فيهم ألقى خطبته الخامسة عليهم وهي التي يقول فيها:
إيه أيّتها الجماعة، هذا آخر مقام أقرع فيه أسماعكم، واحتجّ به عليكم... إلى آخرها.
1) (1) ثمّ ضمّها إلى صدره ومسح دموعها بكمّه ولسان حاله يقول:
خطب تلك الخطب الأربع قبل الظهر، وخطب هذه الخطبة بعد الظهر، وليس معه أحد، ثمّ تقدّم للمكافحة(1)
أنا الحسين ابن علي *** آليت أن لا أنثني
احمي عيالات أبي *** امضي على دين النبي
.روى جميع أرباب المَقاتل واثبات المؤرّخين الأفاضل أنّه(صلوات الله عليه) حين بقي وحيداً وتقدّم للحرب صار يتقدّم إليه من جند ابن سعد من صناديد الأبطال وفرسان الرجال واحداً بعد واحد فيقتله(2).
فصاح ابن سعد بأصحابه: الويل لكم أتدرون لمن تقاتلون؟ هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب، فاحملوا عليه بأجمعكم حملة رجل واحد(3).
فحملوا عليه من كلّ جانب حتى جعلوه في مثل
الدائرة، وجعل هو (سلام الله عليه) يغوص في الأوساط، ويقلب الميمنة على الميسرة حتى قتل عامّتهم، وأقام قيامتهم، ولم يزل يقتل في كلّ حملة جملة، وفي كلّ كرّة كثرة، وفي كلّ زحوف اُلوف(1)
سطى وسطو حتى تلاقت جموعهم *** وشتّان بين الثريا إلى الثرى
يصول على الجمع الصحيح بعزمة *** يعود بها الجمع الصحيح مكسَرا
سقى آل حرب سيفه أكؤس الردى *** وأفناهم لولا القضاء تقدّرا
.قال حميد بن مسلم: فوالله ما رأيت مكثوراً قطّ(2)
فلم أرى مكثوراً تفانت حماته *** بأربط جأشاً منه حتى قضى صبرا
قضى بعد ما أجرى الفرات من العدى *** نجيعاً وأرض الطفّ صيّرها بحرا
قد قُتل ولده وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جناناً ولا أشدّ إقداماً منه قطّ، وإن كانت الرجال لتشدّ عليه، فيشدّ عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب، ولقد كان يحمل فيهم، وقد تكملوا ثلاثين ألفاً، فينهزمون من بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر(3).وكان (سلام الله عليه) في كلّ تلك البرهة يقاتل فارسا تارة على (المرتجز)، وأخرى على غيره.
ولكنّ الظاهر أنّ الحجر المشوم والسهم المسموم ذو الثلاث شعب وطعنة صالح بن وهب، أوجبت في وجوده المقدّس ما لا يستطيع القلم أن يسطره ولا اللسان أن يذكره.
ولكن لمّا خلا سرج ذي الجناح من هيكل الوحي والتنزيل، أو فقل هوى على الأرض عرش الملك الجليل(1)، وفي المَثَل (عرش بر زمین افتاد)(2)جعل (صلوات الله عليه) يقاتل، وهو راجل في الأرض قتالاً أقعد الفوارس، وأرعد الفرائص، وأذهل عقول فرسان العرب، وأطار عن الرؤوس والألباب واللبيب.
يقول عزّ الدين ابن الأثير(3):
قاتل (سلام الله عليه) رجالاً قتال الفارس الشجاع يتّقي
الرمية، ويتفرس العودة، ويشدّ على الخيل وهو يقول: ويحكم أعلى قتلي تجتمعون؟! ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله(1).
قال المجلسي (رحمه الله)(2):
ثمّ حمل عليهم كالليث المغضب فجعل لا يلحق أحداً إلّا بعجه بسيفه فقتله، والسهام تأخذه من كلّ ناحية وهو يتّقيها بنحره وصدره ويقول:
يا أاُمّة السوء بئسما خلّفتم نبيّكم محمّداً في عترته.
ولم يزل علیهِ السّلٰام على هذا ومثله حتى اقتطعوه وحالوا بينه وبين رحله فصاح: ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم وأنسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون.
فناده شمر: ما تقول يابن فاطمة؟ قال: أقول: أنا الذي
اُقاتلكم وتقاتلونني والنساء ليس عليهنّ جناح، فامنعوا عتاتكم عن التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً(1).
فقال: لك ذلك يابن فاطمة، ثمّ قال: اقصدوه بنفسه فلعمري لهو كفو كريم(2). ثمّ جعل يحمل ويحملون عليه. وهو في ذلك يطلب شربة من الماء، ويتلطّى كبده من الظمأ، ويلوك بلسانه من شدة العطش، وقد صار كالخشبة.
ثمّ لمّا اشتدّ به الاعياء والعناء، وضعف منه الحال عن القتال، وقف ليستريح هنيئة ولكن سنان ابن أنس، وسيف زرعة بن شريك لم يتمكّن معهما حتى من الوقوف على الأرض، وكان قد أعيا فقعد.
وبينا (سلام الله عليه) هو جالس على الرمضاء، خرج من
الخيام غلام (1)كأنّ وجهه فلقة قمر، وفي اُذنيه قرطان يتذبذبان على خدّيه.
فجعل يعدو ويركض حتى جاء إلى عمّه الحسين علیهِ السّلٰام وكأنّه لمّا رأى عمّه تلك الحال والدماء تسيل من جميع جوانبه وجوارحه أدهش وذهل، وبينا هو واقف ينظر إلى عمّه مبهوتاً أهوى بحر بن كعب إلى الحسين علیهِ السّلٰام بسيفه ليضربه.
فقال له الغلام: أتضرب عمّي؟ يابن الخبيثة، فعدل بضربته إلى الغلام فأصابت يده فأطنّها من المرفق وبقيت معلّقة(2)، فصاح الغلام: واعمّاه فأخذه عمّه وضمّه إليه وأجلسه في حجره، فرماه حرملة بن كاهل فذبحه وهو في حجر عمّه(3)، فاحتسبه عند الله وقال:
هوّن علىَّ ما نزل بي أنّه بعين الله.
ثمّ جعل يبكى بكاءاً عالياً(1)، ثمّ انتهى به الحال (سلام الله عليه) أنّه من كثرة نزف الدماء، ومن شدّة العطش والظمأ، ومن حرارة الشمس ولفح الهجير وترادف المصائب والرزايا، لم يتمكّن حتى البقاء جالساً على الأرض فصنع له وسادة من الرمل ونام عليها.
ولكن احسب السهام التي في درعه الذي بنى عليه بنياناً وصار كالقنفذ منعته حتى من النوم، فجعل (أرواح العالمين له الفداء) ينوء ويكبو ويضطجع (2)ثمّ يرتفع، حتى اُغمي عليه وصار
فرسه النجيب يحامي عنه وعليه يحوم، والإمام تارة يقعد وأُخرى يقوم.
قال ابن شهر آشوب(1):
لمّا صرع الحسين علیهِ السّلٰام جعل فرسه يحامي عنه، فيثبّ على الفارس فيخبطه على سرجه ويدوسه برجله، حتى قتل الفرس أربعين فارساً. ثمّ تمرّغ في دم الحسين علیهِ السّلٰام وولىّ.
وكأنّ ذلك الفرس، بل الفارس، لمّا رأى أن قد غلب عليه، وأنّ الأمر قد خرج من يديه، وأنّ الشرّ قد تفاقم أو زاد، وأنّ سخط الله قد وقع على العباد أو كاد، قصد الخيمة وله صهيل عال(2)، وهو يضرب بيديه الأرض، ويقول في صهیله:
الظليمة الظليمة من اُمّة قتلت ابن بنت نبيّها!!
1) (1) في مناقبه ج4، ص58.
2) (2) جاء في زيارة الناحية المنسوبة إلى بقيّة الله في أرضه المهدي المنتظر (ع): «وأسرع فرسك شارداً إلى خيامك قاصداً محمحماً، باكياً، فلمّا رأين النساء جوادك مخزياً، والسرج عليه ملوياً، برزن من الخدور ناشرات الشعور، على الخدود لاطمات، وللوجوه سافرات، وبالعويل داعيات وبعد العزّ مذلّلات، وإلى مصرعك مبادرات.
قال: فخرجت زينب بنت عليّ من الفسطاط تنادي:
واأخاه، واسيّداه، ليت السماء اُطبقت على الأرض(1)، وليت الجبال تدكدكت على السهل(2)، يابن سعد أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟!
فصرف وجهه الخبيث عنها ودموعه تسيل على لحيته المشؤومة(3).
والحسين علیهِ السّلٰام في كلّ ذلك مغمىً عليه، تحاماه الناس وكلّ من أقبل عليه انصرف عنه مخافة أن يلقى الله بدمه(4)
عفيراً متى عاينته الكماة *** يختطف الراهب ألوانها
فما أجلت الحرب عن مثله *** صريعاً يجبّن شجعانها
، فتركوه قليلاً، ثمّ عادوا إليه.ونادى شمر (لعنه الله): ويلكم ما تنتظرون بالرجل؟ فلم يجسر عليه احد؟
فنزل هو إليه بنفسه(1)
فقال عدوّ الله والدين والإنسانية: أعرفك حّق المعرفة، اُمّك فاطمة الزهراء، وأبوك عليّ المرتضى، وجدّك محمّد المصطفى، وخصمك العليّ الأعلى، وأقتلك ولا أبالي. فضربه - شلّت يمينه ولحقتها شماله - اثنتي عشرة ضربة، ثمّ حزّ رأسه الشريف ودفعه إلى خوّلى ابن يزيد قائلاً: احمله إلى ابن سعد.
قتلوه بعد علم منهم *** إنه خامس أصحاب الكسا
یارسول الله يا فاطمة *** يا امير المؤمنين المرتضى
عظّم الله لك الأجر بمن *** كض أحشاء الظما حتى قضى
وارتفعت كما في بحار الشيخ المجلسي ج45، ص75 في ذلك الوقت غبرة شديدة سوداء مظلمة فيها ريح حمراء لا ترى فيها عين ولا أثر، حتى ظنّ القوم أنّ العذاب قد
جائهم، فلبثوا كذلك ساعة، ثمّ انجلت عنهم.
قال آية الله المغفور له الشيخ هادي كاشف الغطاء (عطّر الله تربته) في اُرجوزته المسمّاة ب «المقبولة الحسينية»:
واغبرَت الآفاق والأرجاء *** حزناً وهبَت زعزعٌ حمراء
حلّ بهم لولا ابنه العذاب *** وفاجئ البسيطة انقلاب
ليت السماء اُطبقت على الثرى *** ودكدكت شمّ الجبال والذرى
صبري غریب یا غریب الدار *** والدمع جارٍ لابن حامي الجار
(وكان ماكان من انفاذ مسطور).ولا حول ولا قوة إلا بالله
تمت بعون الله
1) (1) فلمّا انتهى إلى الحسين (ع) رمقه ببصره وقال له: أتقتلني أوما تعلم من أنا؟!
نبذة عن حياة المؤلّف
مقتل سيد الشهداء علیهِ السّلٰام ... 1
ليلة العاشر من المحرم ... 2
يوم العاشر من المحرم ... 3
تعبئة الحسين علیهِ السّلٰام لأصحابه ... 4
عدد أصحاب الإمام علیهِ السّلٰام ... 4
أمر الإمام علیهِ السّلٰام بحفر الخندق ... 6
معجزة وكرامة للإمام الحسين علیهِ السّلٰام ... 7
كرامة اُخرى للحسين علیهِ السّلٰام ... 8
كرامة اُخرى للحسين علیهِ السّلٰام ... 9
نصيحة الحسين علیهِ السّلٰام وخطبته الاُولى ... 10
نصيحة برير لعسكر ابن سعد ... 14
خطبة الحسين علیهِ السّلٰام الثانية ... 15
نصيحة زهير بن القين للقوم ... 18
خطبة الحسين علیهِ السّلٰام الثالثة ... 18
خطبة الحسين علیهِ السّلٰام الرابعة... 21
دعاء الحسين علیهِ السّلٰام على عسكر ابن سعد ... 22
وقوفه علیهِ السّلٰام مع ابن سعد ... 22
الاستغاثة الاُولى للحسين... 25
التحاق الحرّ بعكسر الحسين علیهِ السّلٰام ... 25
نصيحة الحرّ لعسكر ابن سعد ... 28
بدء القتال بين العسكرين ... 29
حملة الحرّ وولده وأخيه على العسكر ... 31
التحاق غلام الحرّ بعسكر الحسين علیهِ السّلٰام ... 33
شهادة برير ... 34
شهادة وهب بن عبد الله الكلبي ... 35
زوجة وهب (أول شهيدة) ... 36
أمّ وهب ... 38
مسلم بن عوسجة ونافع بن هلال ... 39
اهتمام الحسين علیهِ السّلٰام بصلاة الجماعة في المعركة ... 45
شهادة نافع بن هلال ... 47
عابس بن شبیب ... 48
شوذب مولی شاکر ... 49
حبيب بن مظاهر ... 50
أهل البيت علیهِم السَّلامُ في الميدان... 50
علي الأكبر علیهِم السَّلامُ ... 52
مصرع العباس علیهِم السَّلامُ ... 53