زینب الکبری بنت الإمام أمیرالمؤمنین علیهما السلام

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

تأليف

العلّامة المحقق الأديب الشيخ جعفر الربعي

المعروف بالنّقدي

المتوفى سنة 1370ه

نسخة مصحّحة ومنقّحة

دار جواد الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ)

حقوق الطبع محفوظة للناشر

الطبعة الاولى 1432ه- 2011 م

دار جواد الأئمة (ع) للطباعة والنشر والتوزيع

بيروت - لبنان - حارة حريك - شارع دكاش - بناية شحرور ت: 73 73 13 / 03 – 12 29 69 70 00961

محرر الرقمي: محمّد رادمرد

اشارة

زینبُ الكُبرى (عَلَيهَا السَّلَامُ)

بنتُ الأمام

أمير المُؤْمِنِينَ عَلَى بي ابی طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)

تأليف

العلّامة المحقق الأديب الشيخ جعفر الربعي

المعروف بالنّقدي

المتوفى سنة 1370ه

نسخة مصحّحة ومنقّحة

دار جواد الأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ)

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي حبانا بمودة أهل بيت نبيّه المختار، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الهادي وآله الأطهار، ما دجاليل وأضاء نهار.

(وبعد) فإنّ من أظهر مورد التعظيم لشعائر اللّه تعالى هو تعظيم من أمر عباده بمودتهم وطلب من أوليائه الإنحياز إلى حوزتهم، وهم نبيّه الأمين وأهل بيته الغرّ الميامين صلوات اللّه عليهم أجمعين، وإن خير ما يعظم به هؤلاء الكرام، هو بثّ مناقبهم، ونشر فضائلهم بين الخاصّ والعام، ولذلك ألف العلماء الأبرار، وحفظة الأخبار في كلّ قرن من القرون الإسلامية المؤلّفات المعتبرة، والمصنِّفات المطولة والمختصرة في تواريخهم وسيرهم وأحوالهم عليهم الصلاة والسلام، ولمّا لم أجد مؤلفاً خاصاً بالمعصومة الصغرى، سيّدتنا ومولاتنا (زينب الكبرى) بنت الإمام أمير المؤمنين صلوات اللّه عليها وعلى أبيها، يبيّن تفصيل أحوالها، ويشرح فضائلها ومناقبها، ومزاياها التي خصها بها الباري تعالى سوى الكتاب الفارسي المسمّى (بالطراز المذهب) الذي جمع فيه مؤلّفه بين الغثّ والسمين، ألّفت كتابي هذا في شرح سيرتها وبيان فضلها ورفعة شأنها وجلالتها (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) طالباً من الباري جل شأنه المعونة والتوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل.

نسبها صلوات اللّه عليها

أمّا أبوها فهو أمير المؤمنين، وسيّد الوصيين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، إلى جنات النعيم أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبدالمطّلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الذي ربّاه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) طفلاً وعلمه علم ما كان وما يكون شابّاً، ونصبه من بعده علماً لأمته،كهلاً، وفضائله لا تحصى، ومناقبه لا تستقصى، وبحار علمه لا تنزف، وأطواد حلمه لا تتزعزع، أعلم الناس بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وأحلمهم، وأجودهم، وأكرمهم، وأزهدهم، وأشجعهم، وأعبدهم، وأوفاهم، وأورعهم وأقضاهم.

ولد صلوات اللّه عليه في مكة المكرمة داخل البيت الحرام (1)يوم الجمعة


1) لا يرتاب كل من قرأ التاريخ و جوامع الحديث في ولادة أمير المؤمنين في الكعبة المقدسة، ولذلك قال الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 483 : تواترت الأخبار فيه، وتابعه جمع من علماء العامة منهم شاه ولي اللّه أحمد بن عبدالرحيم الدهلوي في إزالة الخفا، والسيد محمود الآلوسي المفسر في شرح عينية عبدالباقي العمري ص 15، وحمد اللّه المستوفي في تاريخ كزيدة طبع اورپا فارسي والمؤرخ نشابنج زادة محمّد بن أحمد بن محمّد بن رمضان في مرآة الكائنات ج 1 ص 383 طبع تبريز بالتركية، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب ص 260 طبع النجف، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة طبع ايران وعبد الحميد الدهلوي في سيرة الخلفاء ج 8 بالهندية، وسبط ابن الجوزي في التذكرة طبع ايران، والشبلنجي في نور الأبصار طبع مصر، وأحمد بن منصور الكازروني في مفتاح الفتوح فارسي، وعبدالرحمن الجامي في شواهد النبوة، والشيخ عبد الحق الدهلوي في مدارج النبوة، ومحمد صالح بن عبداللّه الكشفي الترمذي الأكبر آبادي في مناقبه مطبوع، وميرزا محمّد بن رستم معتمد خان الحارثي البدخشي في مفتاح النجا في مناقب آل العبا، والشيخ محمّد حبيب اللّه الشنقيطي المدرس بالأزهر في كفاية الطالب في مناقب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ص 37، وصدر الدين أحمد البردواني في روائح المصطفى ص 10، هذا ما أوقفنا البحث في كتب العامة على الإعتراف والتصديق بولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الكعبة، وقد اكتفينا بذلك عن ذكر كتب الخاصة البالغة إلى عدد لا منتهى له في الكثرة وكلّهم نصوا على ولادته فيها تركنا ذكر أسمائهم لعدم تحمّل هذا المختصر (نقلاً عن رسالة كتبها العلّامة الميرزا محمّد علي الأوردبادي في هذه المسألة خاصة مع تحقيقات رشيقة).

الثالث عشر من شهر رجب المرجّب سنة ثلاثين من عام الفيل، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت اللّه الحرام سواه عليه الصلاة والسلام وذلك إكراماً من اللّه تعالى له، وإجلالاً لمحلّه في التعظيم، وكانت إمامته بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الثلاثين سنة، منها أربع وعشرون سنة وأشهر أيّام الخلفاء الثلاثة ومنها خمس سنين وأشهر ممتحناً بجهاد الناكثين والقاسطين والمارقين.

وكانت وفاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبيل الفجر ليلة الجمعة في إحدى وعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة قتيلاً بسيف الخارجي عبدالرحمن بن ملجم المرادي لعنه اللّه في مسجد الكوفة، وقد خرج (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوقظ الناس لصلاة الصبح ليلة تسع عشرة من شهر رمضان، وكان هذا اللعين أرصده في أوّل الليل لذلك فلما مرّ به (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المسجد وهو مستخف بأمره متناوم بين النائمين في المسجد وانتظره حتى إذا دخل في صلاته قام إليه فضربه على أمّ رأسه بالسيف وكان مسموماً، فمكث يوم تسعة عشر وليلة عشرين ويومها وليلة إحدى وعشرين إلى نحو الثلث الأوّل من الليل ثمّ قضى نحبه شهيداً، ولقى ربّه مظلوماً، وبعد ما غسله وكفنه ولداه الحسنان (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) حملاه إلى الغري من نجف الكوفة فدفناه هناك، وعفيا موضع قبره بوصية كانت منه إليهما في ذلك، لما كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعلمه من دولة بني أمية. والذي أظهر قبره الشريف للناس هو الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).

روى محمّد بن جرير الطبري (الإمامي) في الدلائل عن حبيب بن الحسين عن عبيد بن خارجة عن علي بن عثمان عن فرات بن أحنف عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث زيارته لجدّه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : هاهنا قبر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمّا إنّه لا تذهب الأيّام حتّى يبعث اللّه رجلاً ممتحناً في نفسه بالقتل يبني عليه حصناً فيه سبعون طاقاً. قال حبيب بن الحسين : سمعت هذا الحديث قبل أن يبنى على الموضع شيء، ثمّ إن محمّد بن زيد (الداعي العلوي صاحب طبرستان) وجّه فبنى عليه فلم تمض الأيّام حتى امتحن محمّد نفسه بالقتل (انتهى).

وقد توفّي محمّد بن زيد الداعي سنة 287 على أثر جراحات أصابته في محاربته مع عسكر إسماعيل الساماني (في قصّة طويلة) أُنظر تاريخ أبي الفداء في حوادث سنة 287.

وروى أيضاً الصدوق في كتاب الزيارات من كتابه من لا يحضره الفقيه رواية فيها تعيين الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبر جدّه في موضعه المعروف في النجف لما زاره مع بعض أصحابه.

وفي بعض الروايات عن بعض الأئمة الهداة (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنّه لما كان أيّام السفّاح وجاء أبو عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الحيرة وأقام بها صار يزور قبر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع خواص الشيعة فصاروا يعرفونه ويدلّون عليه الخواص ولم يعرفه العامة وسائر الناس حتى أظهره الرشيد بالبناء عليه أيّام خلافته أو محمّد بن زيد الداعي العلوي على خلاف في ذلك بين أهل التواريخ.

وكان سنّ أمير المؤمنين يوم وفاته ثلاثاً وستين سنة على أصحّ الأقوال.

وأمّا أُمّها (عَلَيهَا السَّلَامُ) فهي البضعة الطاهرة سيّدة نساء العالمين الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه محمّد بن عبداللّه بن عبدالمطّلب بن هاشم بن عبد مناف صلوات اللّه عليه وآله، وهي أصغر بنات النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ولدت لسنتين من المبعث (وقيل) لخمس بعد المبعث (وقيل) قبله. وتزوجها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد الهجرة بسنة واحدة، وتوفيت بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بخمس وتسعين يوماً (وقيل) بخمس وسبعين (وقيل) بأربعين (وقيل) بستة أشهر (وقيل) غير ذلك والأصحّ الأوّل.

وفضائل فاطمة (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) كثيرة ومناقبها لا تعدّ (روى) ابن حجر في الإصابة بإسناده عن عمرو بن دينار قالت عائشة : ما رأيت قط أحداً أفضل من فاطمة غير أبيها.

(وفيه) عن ابن عباس أفضل نساء أهل الجنّة خديجة وفاطمة ومريم وآسية.

(وفيه) عن جابر حسبك من نساء العالمين أربع فذكرهنّ.

(وفيه) عن الصحيحين عن المسور بن مخرمة سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو على المنبر يقول : فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ويريبني ما رابها (1).


1) أخرج هذا الحديث البخاري في صحيحه (ج 2 ص 189) طبع مصر سنة 1320 في باب فاطمة ومثله مسلم في صحيحه (ج 2 ص 248) طبع مصر سنة 1290، وأورده ابن حجر الهيثمي في الصواعق (ص 113) وقال : أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن المسور بن مخرمة. (م ص).

(وفيه) عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الفاطمة : إن اللّه يرضى لرضاك ويغضب لغضبك.

وكانت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) التالية أبيها وبعلها في العبادة والتقوى والزهد والعلم والفضل والحلم والوقار وغير ذلك من الصفات الممتازة كما هو غير خفي على من نظر في تاريخ حياتها صلوات اللّه عليها.

ولدت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) ولدها الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في السنة الثالثة من الهجرة ولم يكن بينه وبين أخيه الحسين إلّا مدة الحمل، ثم ولدت زينب الكبرى ثمّ أم كلثوم واسمها رقية على الصحيح (وقيل) زينب أيضاً، ثم حملت بالمحسن وأسقطته لستة أشهر، وعلى هذا أكثر المؤرخين وحملة الأخبار والآثار.

وكان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يحبّ ذرية فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) حبّاً جماً حتى قال أبو هريرة: رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يمصّ لعاب الحسن والحسين كما يمص الرجل اللبن.

(وعن) اسامة بن زيد قال : طرقت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليلة لحاجة فخرج وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو، فلما فرغت من حاجتي قلت : ما هذا الذي أنت مشتمل علیه یا رسول اللّه ؟ فإذا هو حسن و حسین علی وركه، فقال : هذان ابناي وابنا بنتي، اللّهم إنك تعلم أنّي أحبّهما فأحبّهما - ثلاث مرّات -.

وعن جابر بن عبداللّه الأنصاري قال: دخلت على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعلى ظهره الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وهو يقول : نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما.

والأخبار الواردة في فضائل الحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) كثيرة جدّاً رواها المؤالف والمخالف في كتبهم وهي مشهورة نورد في كتابنا هذا شيئاً يسيراً منها تبرّكاً بها وإلحاقاً بهذا العنوان.

قال القندوزي البلخي في ينابيع المودة في الباب الرابع والخمسين منه : أخرج ابن عساكر عن علي وابن عمر، وابن ماجة والحاكم عن ابن عمر، والطبراني عن قرة ومالك بن حويرث، والحاكم أيضاً عن ابن مسعود مرفوعاً: ابناي هذان الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما.

(وفيه) أخرج الترمذي والطبراني عن اسامة بن زيد مرفوعاً: هذان ابناي وابنا

ابنتي، اللّهم إنّي أحبّهما وأحب من يحبّهما.

(وعن) زاذان عن سلمان قال : سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول في الحسن والحسين : اللّهمّ إنّي أحبّهما فأحبّهما وأحب من أحبّهما.

وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): من أحبّ الحسن والحسين أحببته ومن أحببته أحبّه اللّه، ومن أحبّه اللّه أدخله الجنّة، ومن أبغضهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه اللّه، ومن أبغضه اللّه أدخله النار.

و قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): هذان ريحانتاي من الدنيا.

و قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): الولد ريحانة وريحانتي الحسن والحسين.

وفي إرشاد المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري (رَحمهُ اللّه) : كان الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشبه الناس برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) خلقاً وهدياً وسؤدداً، روى ذلك جماعة منهم معمر عن الزهري عن أنس بن مالك قال : لم يكن أحد أشبه برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من الحسن ابن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).

(وروى) إبراهيم بن علي الرافعي عن أبيه عن جدّته زينب بنت أبي رافع وشبيب بن أبي رافع الرافعي عن جدته : أتت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) بابنيها الحسن والحسين إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في شكواه التي توفّي فيها فقالت : يا رسول اللّه هذان ابناك فورّثهما شيئاً. فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): أمّا الحسن فإنّ له هيبتي وسؤددي، وأمّا الحسين فإنّ له جودي وشجاعتي.

وفي مودّة القربى للعالم العارف السيّد علي بن شهاب الدين الهمداني عن سلمان الفارسي (رَحمهُ اللّه) قال : دخلت على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فإذا بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على فخذه وهو يقبل عينيه ويقبّل فاه ويقول : أنت سيّد وابن سيّد، أنت إمام وابن إمام، أنت حجّة وابن حجّة، وأنت أبو حجج تسعة تاسعهم قائمهم.

إخوتها وأخواتها عليها وعليهم السلام

نكتفي هنا بذكر إخوة زينب الكبرى الذين هم لأمها وأبيها بما تقدّم.

أمّا أختها أم كلثوم فسيأتي تفصيل أحوالها عند الكلام على موضع دفنها.

أمّا إخوتها وأخواتها الذين هم من غير الصديقة الطاهرة فاطمة صلوات اللّه عليها فأولهم محمّد بن الحنفيّة. قال سبط ابن الجوزي في تذكرته : كنيته أبو القاسم وقيل : أبو عبداللّه، وهو من الطبقة الأولى من التابعين، ولد بعد وفاة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). وقال أحمد في المسند: حدّثنا وكيع، حدّثنا مطر، حدّثنا منذر، حدّثنا محمّد بن الحنفيّة عن أبيه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قلت : يا رسول اللّه أرأيت إن ولد لي بعدك ولد أسميّه باسمك وأكنّيه بكنيتك ؟ قال : نعم. قال : وأمّ محمّد خولة بنت جعفر بن قيس الحنفي من سبي اليمامة. قال الزهري : كان محمّد من أعقل الناس وأشجعهم، معتزلاً عن الفتن وما كان فيه الناس. وقال ابن سعد في الطبقات : لمّا استولى ابن الزبير على الحجاز بعث إلى ابن الحنفيّة يقول له بايعني، وبعث إليه عبدالملك بن مروان يقول له كذلك، فقال لهما : أنا رجل من المسلمين، إذ اجتمع الناس على إمام بايعته، فلما قتل ابن الزبير بایع عبدالملك. وقال وهب بن منبه : كانت القلوب مائلة إلى محمّد بن الحنفيّة.

(أقول) كان محمّد بن الحنفيّة من أورع الناس وأتقاهم بعد أئمّة الدين، وكان عالماً عابداً متكلّماً فقيهاً زاهداً شجاعاً كريماً، خدم والده الكرار وأخويه السبطين (عَلَيهِم السَّلَامُ) خدمة صادقة، شهد حروب والده، وأبلى مع أخيه الحسن بلاءاً حسناً.

قال الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما تكلّم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين يدي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) إعظاماً له، ولا تكلّم محمد بن الحنفيّة بين يدي الحسين إعظاماً له.

وكفي في شأن محمّد وجلالة قدره ما رواه الكشي عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : تأبى المحامدة أن يعصى اللّه عزّ وجلّ، وهم محمّد بن جعفر. و محمّد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن الحنفيّة.

وكانت الكيسانيّة تقول بإمامته ولكنه تبرأ منهم ومن دعواهم، وكان يرى تقديم زین العابدین فرضاً وديناً، كان لا يتحرّك بحركة لا يرضى بها (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أمّا قضيّة التحاكم إلى الحجر الأسود المشهورة فإنّما كانت منه لإزاحة شكوك الناس في ذلك لما كان يبلغه من ادعاء الكيسانية الإمامة له.

وأمّا عدم خروجه مع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فالذي يظهر من الأخبار التي عليها المعوّل أنه كان مريضاً، وبه أجاب العلّامة الحلّي (رَحمهُ اللّه) في المسائل المهنائية. وفي رواية : إنّ يده كانت شلاء لعين أصابتها.

ولمّا اشتدّت محنة ابن الزبير على الهاشميين وكثر اضطهاده لهم وامتنع محمّد من بيعته، حبسه في مكان يقال له حبس عارم، وفيه يقول كثير عزة وهو من الكيسانية يخاطب ابن الزبير :

يخبر من لاقيت إنك عائذ***بل العائذ المظلوم في حبس عارم

ومن ير هذا الشيخ في الخيف والمنى***من الناس يعلم أنّه غير ظالم

سميّ نبيّ اللّه وابن وصيّه***وفكّاك أغلال وقاضي المغارم

ويقال : إنّه حبسه في قبة زمزم وحبس معه عشرين شخصاً من وجوه عشيرته وجماعة من بني هاشم وهم الذين لم يبايعوه، وضرب لهم أجلاً إن لم يبايعوه فيه وإلّا أحرقهم بالنّار، وأشار بعض من كان مع محمّد أن يبعث إلى المختار فيعرفه حديثهم وما توعدهم به ابن الزبير، وكان المختار قد ظهر أمره في الكوفة يدعو إلى الكيسانية والطلب بثار الحسين ويسمّي ابن الحنفيّة المهدي، فكتب إليه وقال في كتابه : يا أهل الكوفة لا تخذلونا كما خذلتم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ). فلمّا قرأ المختار كتابه بكى وجمع الأشراف وقرأه عليهم وقال : هذا كتاب مهديكم وسيّد أهل بيت نبيكم وقد تركهم الرسول ينتظرون القتل والحريق، ولست أبا إسحاق إن لم أنصرهم وأسرب الخيل في أثر الخيل كالسيل حتى يحل بابن الكاهلية الويل، ثمّ سرّح إليهم عبداللّه الجدلي في ألف فارس وأتبعه بألف ثمّ بألف وألف، فساروا حتى هجموا على مكة ونادوا يا لثارات الحسين، ووافوا الحطب على باب القبة ولم يبق من الأجل سوى يومين، فكسروا باب القبة وأخرجوا محمداً ومن معه وسلّموا عليه وقالوا: خلّ بيننا وبين عدوّ

اللّه المحلّ ابن الزبير، فقال محمّد : لا أستحل القتال في حرم اللّه، ثم لا تتابع عدا المختار حتى خرج محمّد في أربعة آلاف فخرج إلى أيلة فأقام بها مدة سنتين، وكان ابن الزبير قد أحرق داره، وقيل : بل أقام بالطايف وهو الأشهر.

وكانت وفاة محمّد بن الحنفيّة بالطائف سنة إحدى وثمانين، وله من العمر خمس وستّون سنة، واختلف في مدفنه، فقيل بالطائف، وقيل بأيله، وقيل بالمدينة، والأشهر هو القول الأوّل.

(وقد روى) عبداللّه بن عطا عن أبي جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال : أنا دفنت عمّي محمّد بن الحنفيّة ونفضت يدي من تراب قبره.

(أقول) وأخبار محمّد بن الحنفيّة وفضائله وفواضله كثيرة نكتفي منها بما نقلناه.

ومن إخوتها : العباس وعبد اللّه وجعفر، وعثمان، أمّهم أمّ البنين فاطمة ابنة حزام الكلابية، تزوّجها علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإشارة أخيه عقيل، وكان عالماً بأنساب العرب وأخبارهم، وكانت من النساء الفاضلات العارفات بحقّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) كما كانت فصيحة بليغة لسنة ورعة ذات زهد وتقى وعبادة، ولإكبارها وجلالتها زارتها زينب الكبرى بعد منصرفها من واقعة الطف كما كانت تزورها أيّام العيد (1).

ولقد كانت تخرج إلى البقيع حاملة ولد العباس عبيداللّه ترثي أولادها الأربعة فيجتمع الناس لسماع رثائها فيبكون، ولا يزال مروان يسمع ذلك ويبكي، فمن قولها:

لا تدعوني ويك أم البنين***تذكريني بليوث العرين

كانت بنون لي أدعى بهم***واليوم أصبحت ولا من بنين

أربعة مثل نسور الربى***قد واصلوا الموت بقطع الوتين

تنازع الخرصان أشلاء هم***فكلّهم أمسى صريعاً طعين

یالیت شعري أكما أخبروا***بأنّ عباساً قطيع الوتين


1) حكي ذلك عن مجموعة الشهيد الأوّل.

ومن قولها:

يا من رأى العباس كرّ***على جماهير النقد

ووراه من أبناء حي***در كلّ ليث ذي لبد

أنبثْتُ أنّ ابني أصي***ب برأسه مقطوع يد

ويلي على شبلي أما***ل برأسه ضرب العمد

لو كان سيفك في يدي***ك لما دنا منه أحد

ولدت لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) العباس وعبداللّه و جعفراً وعثمان :

أما العباس فكانت ولادته في الرابع من شعبان (1)سنة ست و عشرين من الهجرة. وله يوم قتله أربع وثلاثون سنة، وكان له من الولد عبداللّه والفضل والحسن و محمّد والقاسم وبنت ويكنّى أبا قربة، وأبا القاسم، وأبا الفضل، ويلقّب بالشهيد، والسقّا، وقمر بني هاشم، وباب الحوائج، وهو من عظماء أهل البيت علماً وورعاً ونسكاً وعبادة، ولكثرة السجود بين عينيه أثر ظاهر، وكان صلب الإيمان، نافذ البصيرة، لا تأخذه في اللّه لومة لائم ولا أماني متمرّد غاشم، يدلّنا على ذلك قول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): كان عمّنا العباس بن علي نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أخيه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبلى بلاءاً حسناً ومضى شهيداً. ويحدّث الإمام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قبله عمّا عوّضه اللّه تعالى عن يديه بأن جعل له جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كجعفر الطيّار، وعن منزلته في الجنان فيقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) : له منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة. ولفظ الجميع يشمل حتى حمزة أسد اللّه وجعفر الطيار مع الملائكة. وأخبار فضله وفواضله ومناقبه لا تحصى، وسنفرد لها كتاباً خاصاً انشاء اللّه تعالى.

ومن الناس في قرننا هذا يزعم أن لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عباساً آخر وذلك لاختلاف بعض الروايات في قتله وصفته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتبعه على هذا القول بعض الأفاضل


1) حكاه العلّامة الشيخ ميرزا محمّد علي الأردوبادي عن كتاب (أنيس (الشيعة) بالفارسية للعالم السيد محمّد بن عبدالحسين بن السيد محمّد عبدالهادي المدارسي الهندي من مؤلّفي عصر (فتح علي شاه) رأى الكتاب في تبريز وقرأ على ظهره بخط المؤلف أنّه أهداه إلى السلطان المذكور يوم الجمعة أوّل شعبان سنة 1244 وله من المؤلفات : زاد المؤمنين، وتذكرة الطريق، وعناية الرضا، كلّها بالفارسية.

من المعاصرين، وهو قول لا يعرفه النسابون ولا المؤرخون، وأمّا تسمية سبط ابن الجوزي للعباس بالأكبر واقتدى به الشبلنجي وغيره به فالمراد منه أكبر أولاد أم البنين أو أنّه أكبر من يسمّى بهذا الإسم من الطالبيين.

ومن إخوتها محمّد الأوسط، وأمّه أمامة بنت أبي العاص، وأُمّ أمامة زينب بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، تزوج بها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لوصية فاطمة. ومحمد هذا قتل مع أخيه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الطف، وقيل المقتول هو محمّد الأصغر وأمه أم ولد وقاتله من تميم من بني أبان بن دارم، والأوسط مات حتف أنفه.

(ومنهم) عمر ورقية الصغرى وأمهما أم حبيب بنت ربيعة التغلبي وكانت تسمّى الصهباء، قيل : ولد عمر وأخته تؤمين وعاشا. وقال الطبرسي في الإعلام : كانت رقية بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند مسلم بن عقیل (1)

وأمّا أبوه عقيل فناهيك في فضله وتقدّمه في قريش علمه المتكاثر في أنساب العرب ومثالبها وفواضلها، ورئي قريش الصائب في هذه الأحوال، أضف إلى ذلك استحضاره للجواب مع النكات البديعة وأجوبته المسكنة تشهد بفضل رفيع. ولد في مكة بعد ولادة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعشر سنين وكان أكبر من علي بعشر سنة، ومن جعفر بعشر سنين، وأصغر من طالب عشر سنين، وتوفي سنة ستّين من الهجرة قبل حادثة الطف، وقد أهمل المؤرخون إسلامه، وأرخه ابن حجر في الإصابة بعد الحديبيّة، ولا بدع إن أهملوا مثله وقد طعنوا من قبل في أبيه شيخ الأبطح ورئي قريش، وقد حمل وصايا الأنبياء وسلّمها إلى النبي العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

ونحن إذا قرأنا في تاريخ الطبري (ج 2 ص 282) قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأصحابه : (إنّي قد عرفت رجالاً من بني هاشم قد خرجوا إلى بدر كرهاً فمن لقي منكم رجلاً منهم فلا يقتله) يمكننا أن نستفيد إيمان عقيل بالنبوة قبل الهجرة، غير أن سياسة قريشاً اضطرته إلى التستّر والإستخفاء، كيف لا وهو يشاهد أباه وأمّه وإخوته مصدّقين بالنبوة، خاضعين للدعوة الإلهية، وهم أعضاد الحنيفيّة البيضاء، فلم يكن الغصن الباسق من ذلك الدوح اليانع بدعاً من أصله الكريم، ولو تنازلنا عن ذلك كلّه لدلنا ابن قتيبة في المعارف (ص 68) على إسلامه يوم بدر بأمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أضف إلى ذلك قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لعلي وقد قال له إنك لتحبّ عقيلاً ؟ قال : (إي واللّه أحبّه حبّين : حباً له وحبّاً لحبّ أبي طالب، وإن ولده المقتول في محبّة ولدك، تدمع عليه عيون المؤمنين وتصلي عليه الملائكة المقرّبون)، ثم بكى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال : إلى اللّه أشكو ما تلقي عترتي من بعدي.

وفي شخوصه إلى معاوية أسرار دقيقة لا يهتدي إليها إلا من استضاء بنور الولاية لأنّه كان عالماً بالآثار، واقفاً على خفي الأنساب سريع الجواب، وفي حضوره هناك أظهر من فضل بيته الطاهر والطعن في البيت الأموي ما لا يخفى على الباحث في السير والآثار، ويكفيه فخراً أنه يأتي يوم القيامة إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأئمّة من عترته رافعاً رأسه إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأمامه أبناؤه التسعة معتذراً عن حضوره في مشاهد أخيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكف بصره ومقدماً هؤلاء المتشخطين بدم الشهادة ونعمت الهدية ذلك اليوم.

فولدت له عبداللّه بن مسلم قتل يوم الطف

1) ولد مسلم من أم ولد نبطية من آل فرزند و هم ملوك النبط اسمها علية أو صهيلة اشتراها عقيل من الشام، وأولاده خمسة : عبداللّه وعلي أمهما رقية بنت الصهباء، ومحمد أمه أم ولد قتل بالطف في جملة آل أبي طالب، ومسلم وعبد العزيز، ذكر هما ابن قتيبة في المعارف، ويظهر من المجلسي في البحار (ج 8) في وقعة صفين أنه كان ممن يحمل السلاح فإنّه يقول : (وجعل أمير المؤمنين على ميمنته الحسن والحسين وعبداللّه بن جعفر ومسلم بن عقيل). وإن كلمة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الثمينة في كتابه لأهل الكوفة : (وأنا باعث إليكم بأخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل) ترشد البصير إلى مكانة مسلم العالية في العلم والكرامة والخبرة بأصول السياسة والإصلاح بين الأمة، ولو لم يعرفه الحسين بأن له القدرة على نشر مبادىء الدين القويم وإزاحة الشبه في مختلف المسائل وتنظيم الشؤون الإدارية والعسكرية لم يعتمد عليه في هذه السفارة المهمّة إذ (الرسول دليل عقل المرسل).

وعلياً ومحمد ابني مسلم.

وقال الداودي : عمر الأطرف ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويكنّى أبا القاسم، قاله الموضح النسابة، وقال ابن خداع يكنّى أبا حفص، وولد توأماً لأخته رقية. قال : وكان ذا لسان وفصاحة وجود وعفة. وقال : ولا يصح رواية من روى أنّ عمر حضر کربلا.

(قلت) وقد عمّر عمراً طويلاً، قيل تسعين سنة، وقيل خمساً وثمانين، ورويت عنه بعض الأحاديث.

(ومنهم) يحيى وعون ؛ أما يحيى فلا خلاف في أن أمه أسماء بنت عميس، وأمّا عون فقيل إنّ أمه أسماء أيضاً، وقيل أمه أم ولد، توفّي يحيى في حياة أبيه، واستشهد عون يوم الطف مع أخيه الحسين.

(ومنهم) أبو بكر قيل اسمه كنيته، وقيل هو محمّد الأصغر. وقال أبو الفرج : لم يعرف اسمه، وعبيد اللّه المقتول في المذار في جيش مصعب بن الزبير، وأمه ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة من تميم.

(ومنهم) زينب الصغرى ورقية الصغرى وكنيتها أم كلثوم، وقيل : هي كنية

زوجة مسلم بن عقيل وهذه لا كنية لها، وأمهما أم سعيد بنت عروة الثقفية وكانت الأولى منهما عند محمّد بن عقيل، فولدت له عبد اللّه وفيه العقب من ذرية عقيل. قال الذهبي : روى عن أبيه وخاله ابن الحنفيّة وآخرين، وذكره ابن سعد إلى أن قال : كان خيراً فاضلاً موصوفاً بالعبادة من أهل الصدق، مات بعد سنة 140. وماتت أمه بالمدينة و دفنت ببقيعها، وكانت الثانية عند عبد الرحمن بن عقيل فولدت له سعداً وعقيلاً.

(ومن أخواتها) بنت ماتت وهي صغيرة، قيل اسمها خديجة أمها محياة بنت امرىء القيس الكلابية، وكان من ذكائها أنّها كانت تلثغ باللام فكانت تحترز عن اللام في كلامها، وكان أصحاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسئلونها من أخوالك ؟ فتقول : وه وه احترازاً من لام كلاب.

(ومن إخوتها وأخواتها) لأمهات شتى (عمران) قيل أصيب جريحاً في النهروان ومات في بابل وقبره يزار هناك. (ورملة) زوجها أبوها من أبي الهياج عبد اللّه ابن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و (أم هاني) تزوّجها عبداللّه الأكبر بن عقيل بن أبي طالب فولدت له محمّداً قتل يوم الطف. و(عبدالرحمن) و(ميمونة) وكانت عند عقيل بن عبداللّه بن عقيل و (أمامة) وكانت عند الصلت بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطّلب وولدت له نفيسة وتوفيت عنده و (فاطمة) كانت عند أبي سعيد بن عقيل فولدت له حميدة، وعاشت فاطمة هذه حتّى رأت أبا عبداللّه جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد رويت عنها أحايث وهي التي أرسلت جابر بن عبداللّه الأنصاري التسلية علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من البكاء.

هؤلاء إخوة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) وأخواتها ذكرنا ما يتحمله الكتاب من ذكرهم، ولبعضهم أخبار وآثار ذكرنا شيئاً منها فيما ألّفناه من مناقب أبيهم المرتضى من كتبنا، وعسى أن نتعرّض لشيء منها مع الحاجة إليه.

اسمها وكناها والقابها وتاريخ ولادتها

لما ولدت زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) جاءت بها أمها الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) إلى أبيها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقالت : سمّ هذه المولودة. فقال : ما كنت لأسبق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) - وكان في سفر له - ولما جاء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و سأله علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن اسمها، فقال : ما كنت لأسبق ربي تعالى، فهبط جبرئيل يقرأ على النبي السلام من اللّه الجليل وقال له : سمّ هذه المولودة زينب، فقد اختار اللّه لها هذا الإسم، ثمّ أخبره بما يجري عليها من المصائب، فبكى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال : من بكى على مصاب هذه البنت كان كمن بكى على أخويها الحسن والحسين.

و تكنى بأم كلثوم كما تكنى بأم الحسن أيضاً، ولم نقف له على حقيقة. ويقال لها زينب الكبرى للفرق بينها وبين من سمّيت باسمها من أخواتها وكنّيت بكنيتها، كما أنّها تلقب بالصدّيقه الصغرى للفرق بينها وبين أمّها الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وتلقّب بالعقيلة وعقيلة بني هاشم وعقيلة الطالبيين - والعقيلة هي المرأة الكريمة على قومها، العزيزة في بيتها، وزينب فوق ذلك - وبالموثقة والعارفة، والعالمة غير المعلّمة، والفاضلة، والكاملة، وعابدة آل علي وغير ذلك من الصفات الحميدة والنعوت الحسنة.

وهي أوّل بنت ولد لفاطمة صلوات اللّه عليها في أشهر الأقوال، وهو القول الذي نعتمد عليه ونختاره، وقيل : أوّل بنات فاطمة اسمها رقية وكنيتها أم كلثوم، وهي التي تزوجها عمر بن الخطاب وأولدها زيداً، وماتت في حياة أخيها الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والصحيح المشهور هو ما اعتمدنا عليه. أما أم كلثوم فسيأتي تحقيق اسمها وأحوالها إن شاء اللّه تعالى عند تحقیق موضع قبرها (عَلَيهَا السَّلَامُ).

وممّا يدلّنا على أنّها أكبر بنات فاطمة أنّ الرواة في أيّام الإضطهاد كانوا إذا أرادوا الرواية عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول الرجل منهم هذه الرواية عن أبي زينب كما نقل ذلك ابن أبي الحديد في شرح النهج، وإنّما كنّوا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الكنية لأن زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) كانت

الأكبر من ولده بعد الحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ولم يكن يعرف بهذه الكنية عند أعدائه.

كانت ولادة هذه الميمونة الطاهرة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) في الخامس من شهر جمادي الأولى في السنة الخامسة أو السادسة للهجرة على ما حقّقه بعض الأفاضل. وقيل في شعبان في السنة السادسة للهجرة، وقيل في السنة الرابعة، وقيل في أواخر شهر رمضان في السنة التاسعة للهجرة وهذا القول باطل لا يمكن القول بصحته لأنّ فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) توفّيت بعد والدها في السنة العاشرة أو الحادية عشرة للهجرة على اختلاف الروايات، فإذا كانت ولادة زينب في السنة التاسعة وهي كبرى بناتها فمتى كانت ولادة أم كلثوم ومتى حملت بالمحسن وأسقطته لستة أشهر، لأن المدة الباقية من ولادة زينب على هذا القول إلى حين وفاة أمها غير كافية، والذي يترجّح عندنا هو أن ولادة زینب كانت في الخامسة من الهجرة وذلك حسب الترتيب الوارد في أولاد الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) علم أضف إلى ذلك أنّ الخبر المروي في البحار عن العلل في باب معاشرة فاطمة مع علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ما جاء فيه : (حملت الحسن على عاتقها الأيمن والحسين على عاتقها الأيسر وأخذت بيد أمّ كلثوم اليسرى بيدها اليمنى ثمّ تحوّلت إلى حجرة أبيها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) وأم كلثوم هذه إن كانت هي زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) فذلك دليل على أنها كانت كبيرة، وإن كانت أختها فذاك دليل على أنّ أمّها (عَلَيهَا السَّلَامُ)ان تركت زينب لتنوب منابها في الشؤون المنزلية فهي كانت كبيرة إذن.

وقد روى صاحب ناسخ التواريخ في كتابه : (إنّ زينب أقبلت عند وفاة أمها وهي تجرّ رداءها وتنادي : يا أبتاه يا رسول اللّه الآن عرفنا الحرمان من النظر إليك).

وروى هذه الرواية صاحب البحار عن الروضة بهذا اللفظ : (وخرجت أم كلثوم و عليها برقعة تجرّ ذيلها متجلببة برداء عليها تسحبهما وهي تقول : يا أبتاه يا رسول اللّه الآن حقاً فقدناك فقداً لا لقاء بعده أبداً) وأمّ كلثوم هذه هي زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) من غير شك كما صرّح باسمها في رواية صاحب الناسخ ولكونها أكبر بنات فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وهذا دليل واضح على أنها كانت عند وفاة أمّها في السادسة أو السابعة من عمرها، ولهذا الخبر نظائر ومؤيدات منها ما نقله في الطراز المذهب عن بحر المصائب عن بعض الكتب.

لما دنت الوفاة عمان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) رأى كل من أمير المؤمنين والزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) رؤيا

تدلّ على وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأخذا بالبكاء والنحيب فجاءت زينب إلى جدّها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقالت : يا جدّاه رأيت البارحة رؤيا أنّها انبعثت ريح عاصفة سودّت الدنيا وما فيها وأظلمتها وحرّكتني من جانب إلى جانب، فرأيت شجرة عظيمة فتعلّقت بها من شدّة الريح، فإذا بالريح قلعتها وألقتها على الأرض ثمّ تعلّقت على غصن قوي من أغصان تلك الشجرة فقطعتها أيضاً فتعلقت بفرع آخر فكسرته أيضاً فتعلقت على أحد الفرعين من فروعها فكسرتها أيضاً فاستيقظت من نومي. فبكى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال : الشجرة جدّك والفرع الأول أمك فاطمة والثاني أبوك علي والفرعان الآخران هما أخواك الحسنان، تسود الدنيا لفقدهم، وتلبسين لباس الحداد في رزيّتهم.

وسيأتي أنها روت عن أمّها الأخبار.

نشأتها وتربيتها عليها السلام

التربية هي من أهمّ الأمور للأطفال الذين يراد تثقيفهم وتهذيبهم وتأديبهم على الوجه الصحيح، لأنّها أساس كل فضيلة ودعامة كلّ منقبة، وأول شيء يحتاج إليه في التربية هو اختيار المربي الكامل العامل بالدروس التي يلقّبها على من يراد تربيته، ولذلك ترى الأمم الناهضة في كلّ دور من أدوار التأريخ ينتخبون لتربية ناشئتهم من يرون فيه الكفاءة والمقدرة من ذوي الأخلاق الفاضلة والصفات الكاملة علماً منهم أن الناشيء يتخلق بأخلاق مربيه ويتأدب بآدابه مهما كانت.

ولقد كان نشأة هذه الطاهرة الكريمة، وتربية تلك الدرّة اليتيمة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) في حضن النبوة، ودرجت في بيت الرسالة، رضعت لبان الوحي من ثدي الزهراء البتول وغذيت بغذاء الكرامة من كف ابن عم الرسول، فنشأت نشأة قدسيّة، وربّيت تربية روحانية، متجلببة جلابيب الجلال والعظمة، متردّية رداء العفاف والحشمة، فالخمسة أصحاب العباء (عَلَيهِم السَّلَامُ) هم الذين قاموا بتربيتها وتثقيفها وتهذيبها وكفاك بهم مؤدّبين ومعلّمين.

ولمّا غربت شمس الرسالة، وغابت الأنوار الفاطميّة، وتزوج أمير المؤمنين بأمامة بنت أبي العاص (1)وأمها زينب بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بوصية من فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) إذ


1) كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يحب أمامة بنت أبي العاص بن الربيع حبّاً شديداً، وكان يفضّلها على أهل بيته فيما يهدى إليه. (قالت عائشة) أهديت له هدية فيها قلادة من جزع، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : لأدفعنّها إلى أحبّ أهلي إلي. فقالت النساء : ذهبت بها ابنة أبي قحافة، فدعا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أمامة بنت زينب فأعلقها في عنقها. (وعن عائشة) أيضاً أنّ النجاشي أهدى إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حلية فيها خاتم من ذهب فصه حبشي، فأعطاه أمامة، خطبها المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطّلب، ثمّ أبو الهياج بن أبي سفيان بن الحرث، فروت عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه لا يجوز لأزواج النبي والوصي أن يتزوّجن بغيره بعده، هذا هو الصحيح، وأما ما رواه النوفلي وأمثاله فلا نصيب له من الصحة. وكان أبو العاص أبو أمامة هذه ابن أخت خديجة أم زينب بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، و اسم أمّه هالة بنت خويلد، أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر، ومات في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة من الهجرة.

قالت: (وأوصيك أن تتزوج بأمامة بنت أختي زينب تكون لولدي مثلي). قامت أمامة بشؤون زینب خير قيام كما كانت تقوم بشؤون بقية ولد فاطمة.

وكانت أمامة هذه من النساء الصالحات القانتات العابدات، وكانت زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) تأخذ التربية الصالحة والتأديب القويم من والدها الكرّار وأخويها الكريمين الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) إلى أن بلغت من العلم والفضل والكمال مبلغاً عظيماً كما سيأتي في بيان علمها وفضلها.

شرفها ومجدها عليها السلام

الشرف في اللغة هو العلو، وشرف شرافة وشرفا أي علا في دين أو دنيا فهو شريف أي ذو شرف، والشرف في النسب اتصاله بعظيم من العظماء وأظهر أفراد هذا النوع هم الذرية الطاهرة من آل الرسول.

والمجد لغة يطلق على الشرف الواسع، ويطلق على الكرم والعزّ والجاه، والمجد المؤثل هو الشرف المؤصل، يقال : تأثل الشيء أي تأصّل وتعظّم. وعن الشيخ أبي علي : المجد هو العلوّ والكمال والرفعة والتمجيد إن ينسب الأنساب إلى المجد كما ينسب إلى الشرف في الآباء أو إلى عمله الشريف فهو التشريف والتعظيم، فإذا سمعت هذا فاستمع لما يوحى إليك.

قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): كلٌّ بني أمّ ينتمون إلى عصبتهم إلّا ولد فاطمة فإنّي أنا أبوهم وعصبتهم (1)، وقد روى هذا الحديث بالإسناد إلى فاطمة بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن فاطمة الكبرى (عَلَيهَا السَّلَامُ) بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

ورواه الطبراني وغيره بأسانيدهم المختلفة، كما في الشرف المؤبد للنبهاني (2)عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): إنّ اللّه عز و جل جعل ذريّة كلّ نبي في صلبه وإنّ اللّه تعالى جعل ذريّتي في صلب علي بن أبي طالب.

والروايات بهذا المعنى كثيرة، وهذا الشرف الحاصل لزينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) شرف لا مزيد عليه، فإذا ضممنا إلى ذلك أنّ أباها علي المرتضى وأمّها فاطمة الزهراء وجدتها خديجة الكبرى وعمها جعفر الطيار في الجنّة وعمتها أم هاني بنت أبي طالب وأخواها


1) أورده النبهاني في الشرف المؤبد (ص 51) وقال الصباني في إسعاف الراغبين : هذه الخصوصية لأولاد فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) فقط دون أولاد بقية بناته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فلا يطلق عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنّه أب لهم وإنّهم بنوه كما يطلق ذلك على أولاد فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، نعم يطلق عليه أنّهم من ذريته ونسله وعقبه.

2) ص 53، طبع بيروت سنة 1309.

سيّدا شباب أهل الجنّة وأخوالها وخالاتها أبناء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فماذا يكون هذا الشرف وإلى أين ينتهي شأوه ويبلغ مداه، وإذا ضممنا إلى ذلك أيضاً علمها وفضلها وتقواها وكمالها وزهدها وورعها وكثرة عبادتها ومعرفتها باللّه تعالى كان شرفها شرقاً خاصاً بها وبأمثالها من أهل بيتها ومجدها مجداً مؤثلاً لا يليق إلا بها وبهم (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ومما زاد في شرفها ومجدها أن الخمسة الطاهرة أهل العباء (عَلَيهِم السَّلَامُ) كانوا يحبّونها حبّاً شديداً.

(وحدّث) يحيى المازني قال : كنت في جوار أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المدينة مدة مديدة، وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته فلا واللّه ما رأيت لها شخصاً ولا سمعت لها صوتاً، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدّها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تخرج ليلاً والحسن عن يمينها والحسين عن شمالها وأمير المؤمنين أمامها، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحمد ضوء القناديل، فسأله الحسن مرّة عن ذلك، فقال : أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أختك زينب.

(وورد) عن بعض المطلعين أن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما وضع الطشت بين يديه وصار يقذف كبده سمع بأن أخته زينب تريد الدخول عليه، أمر وهو في تلك الحال برفع الطشت إشفاقاً عليها.

(وجاء) في بعض الأخبار أن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان إذا زارته زينب يقوم إجلالاً لها، وكان يجلسها في مكانه.

ولعمري إنّ هذه منزلة عظيمة لزينب لدى أخيها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما أنّها كانت أمينة أبيها على الهدايا الإلهيّة، ففي حديث مقتل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي نقله المجلسي (رَحمهُ اللّه) في تاسع البحار : نادى الحسن أخته زينب (1): أمّ كلثوم هلمّي بحنوط جدّي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فبادرت زینب (عَلَيهَا السَّلَامُ) مسرعة حتى أتته به، فلما فتحته فاحت الدار وجميع الكوفة وشوارعها لشدّة رائحة ذلك الطيب.

وجاء ذكر زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) في أحاديث نبويّة (منها) الحديث الذي ذكره الشيخ سليمان الحنفي في كتابه ينابيع المودة في الباب الثامن والخمسين عن ربيعة السعدي


1) في بعض نسخ البحار : زينب وأمّ كلثوم وما نقلناه أصحّ بقرينة هلمي بلفظ المفرد، وبقرينة فبادرت زينب الخ... ومن هذا يظهر أن أم كلثوم الوارد ذكرها مكرراً في هذه الرواية هي زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ).

قال: أتيت حذيفة (رَحمهُ اللّه) فسئلته عن أشياء، فقال : اسمع مني وعه وبلّغ الناس أني رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسمعته بأذني وقد جاء الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المنبر فجعله على منكبيه ثمّ قال :

أيّها الناس هذا الحسين خير النّاس جدّاً وجدّة ؛ جدّه رسول اللّه سيد ولد آدم، وجدّته خديجة سابقة إلى الإيمان من كل أمّة، وهذا الحسين خير الناس خالاً وخالة ؛ خاله القاسم وعبداللّه وإبراهيم، وخالته زينب ورقيّة وأمّ كلثوم، وهذا الحسين خير الناس عمّاً وعمّة ؛ عمّه حمزة وجعفر وعقيل، وعمّته أم هاني، وهذا الحسين خير الناس أباً وأمّاً وأخاً وأختا ؛ أبوه علي، وأمّه فاطمة، وأخوه الحسن، وأخته زينب ورقيّة، ثمّ وضعه عن منكبه فأجلسه في جنبه فقال : أيّها الناس هذا الحسين جدّه في الجنّة وجدّته في الجنّة وأخواله في الجنّة وخالاته في الجنّة وأعمامه في الجنّة وعماته في الجنّة وأبوه في الجنّة وأمه في الجنّة وأخوه في الجنة وأختاه في الجنّة وهو في الجنّة.

ثم قال : يا أيّها الناس إنه لم يعط أحد من ذرية الأنبياء الماضين ما أعطي الحسين بن علي خلا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

يا أيها الناس إنّ الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول اللّه وذريته فلا تذهبن بكم الأباطيل.

قال في الينابيع : أخرجه أبو الشيخ بن حيان في كتابه التنبيه الكبير، كذا أخرجه الحافظ جمال الدين محمّد بن يوسف الزرندي المدني في دور السمطين (اه).

(أقول) هذا الحديث يثبت لك ما حققناه من أنّ زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) هي أكبر بنات فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) ويثبت أيضاً أن أم كلثوم اسمها رقية.

ومن الشرف الذي لم يقابله شرف لزينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) أنّ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنتمنها على أسرار الإمامة كما في الخبر الذي رواه الصدوق في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة (1)قال : حدّثنا علي بن أحمد بن مهزیار، قال : حدّثني أبو الحسين محمّد بن جعفر


1) انظر ص 275 طبع ايران سنة 1301، ورواه أيضاً ص 278 عن علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب عن محمّد بن عبداللّه عن أبيه عبداللّه بن جعفر الحميري عن محمّد بن جعفر عن أحمد بن إبراهيم، وذكر الخبر (م ص).

الأسدي، قال : حدّثني أحمد بن إبراهيم قال : دخلت على حكيمة بنت محمّد بن علي الرضا أخت أبي الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سنة 262 بالمدينة فكلّمتها من وراء حجاب وسألتها عن دينها فسمّت لي من تأتم بهم، ثمّ قالت: فلان ابن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسمته، فقلت لها : جعلني اللّه فداك معاينة أو خبراً ؟ فقالت : خبراً عن أبي محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتب به إلى أمّه، فقلت لها : فأين المولود؟ فقالت : مستور، فقلت : إلى من تفزع الشيعة؟ فقالت : إلى الجدّة أم أبي محمد، فقلت لها : إقتدى بمن في وصيته إلى المرأة ؟ فقالت : إقتدى بالحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إن الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أوصى إلى أخته زينب بنت علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الظاهر، وكان ما يخرج عن علي بن الحسين من علم ينسب إلى زينب بنت علي ستراً على علي بن الحسين، ثمّ قالت : إنكم قوم أصحاب أخبار أما رويتم أنّ التاسع من ولد الحسين يقسم ميراثه وهو في الحياة ؟

(أقول) قد روى هذا الخبر شيخ الطائفة الطوسي(قدّس سِرُّه) في كتاب الغيبة عن محمد بن يعقوب الكليني عن محمّد بن جعفر الأسدي عن أحمد بن إبراهيم إلّا أنّه قال فيه : دخلت على خديجة بنت محمّد بن علي الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذكر الحديث، ولعلّ تبديل الإسم بخديجة من قلم الناسخ. (وروى) المجلسي (رَحمهُ اللّه) في البحار الخبر عنهما بلفظ حكيمة.

وفي هذا الخبر من الفضل لزينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) ما لا يخفى على من عرف منزلة هذه الوظيفة السامية التي يوظفها بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

(وممّا يدلّ) على شرف قدرها وعلوّ منزلتها ما نقله بعض المتتبعين للآثار أن بعض النساء تلقت كتاباً من أختها في أثناء وقعة الجمل وفيه (ما الخبر ما الخبر إنّ علياً كالأشقر إن تقدّم عقر وإن تأخر نحر) فجمعت هذه المرأة نساء قومها وصرن يضربن بالدفوف ويردّدن ذلك الكلام، فأخبرت زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) بذلك فعمدت إلى توبيخهنّ، فقالت لها أُمّ سلمة زوجة النبي أنت ابنة أمير المؤمنين وعقيلة آل أبي طالب قرّي مكانك ودعيني أخرج إليهن وأو بخهنّ، فأبت إلّا أن تخرج بنفسها إليهنّ وتزيت بزي الجواري وخرجت تحف بها الإماء ومعها أمّ سلمة وأم أيمن حتى دخلت على النسوة، فلمّا رأتها المرأة استحيت وفرّقت النساء وقالت لها : إنّهنّ فعلن ذلك بجهل، فقالت لها زینب (عَلَيهَا السَّلَامُ): إن تظاهر تما على أبى فلقد تظاهر تما على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من قبل

وعادت إلى بيتها.

و نقل شيخنا المفيد طاب ثراه هذه الرواية في كتاب النصرة في حرب البصرة قال فيه : لمّا بلغها نزول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذي قار كتبت إلى الأخرى : أما بعد فلما نزلنا البصرة نزل علي بذي قار واللّه داق عنقه كدقّ البيضة في الصفا بمنزلة الأشقر إن تقدّم نحر وإن تأخر عقر، فلمّا وصلها الكتاب استبشرت بذلك ودعت الصبيان وأعطت جواريها دفوفاً وأمرتهنّ أن يضر بن الدفوف ويقلن (ما الخبر ما الخبر علي في ذقر إن تقدّم نحر وإن تأخر عقر)، فبلغ أمّ سلمة رحمها اللّه اجتماع النسوة على ما اجتمعن عليه، فبكت وقالت : اعطوني ثيابي حتى أخرج إليهن وأقع بهن، فقالت أم كلثوم بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (وهي زينب بقرينة النقل الأوّل): أنا أنوب عنك فإنني أعرف منك بهنّ، فلبست ثيابها وتنكّرت و تخفّرت و استصحبت جواريها متخفّرات وجاءت حتى دخلت عليهن كأنّها من من النظارة، فلما رأت ما هنّ فيه من العبث والسفه كشفت نقابها وأبرزت لها وجهها ثم قالت : إن تظاهرت وأختك على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد تظاهر تما على أخيه رسول اللّه من قبل، فأنزل اللّه عزّ وجلّ فيكما ما أنزل، واللّه من وراء حربكما، فانكسرت تلك المرأة المكتوب إليها وأظهرت خجلا وقالت : إنّهنّ فعلن هذا بجهل وفرّقتهن في الحال وانصرفن من المكان (انتهى).

(وفي البحار) نقلاً عن أبي مخنف أنّ الذي قلنه في غنائهنّ (ما الخبر ما الخبر علي في سفر كالفرس الأشقر إن تقدّم عقر وإن تأخر نحر).

(وفي الطراز المذهب) عن ناسخ التواريخ أنّه قال: من معجزات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنّه كان يضع لسانه في فم أولاد فاطمة الرضّع فيغنيهم عن اللبن. قال: والأولاد الرضع يشمل الذكور والإناث، فزينب وأمّ كلثوم يشاركان الحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في هذه الفضيلة، ومن المعلوم أنّ من التقم لسان رسول اللّه عقل العقول ووارث علوم الأولين والآخرين وارتوى بمصه كيف يحصل على المراتب العالية وكيف يأخذ مقامات العلم والشرف.

(وفي البحار) عن معاني الأخبار بإسناده عن محمّد بن مروان قال : قلت لأبي عبد اللّه : هل قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرم اللّه ذريتها على النار ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نعم عنى بذلك الحسن والحسين وزينب وأمّ كلثوم.

(وفيه) بالإسناد عن حماد بن عثمان قال : قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : جعلت فداك ما معنى قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم اللّه ذريّتها على النار ؟ فقال : المعتقون من النّار هم ولد بطنها الحسن والحسين وأمّ كلثوم.

(قلت) إنّ لفظة وزينب سقطت من هذا الخبر من قلم الناسخين بقرينة الخبر الأوّل.

فضائلها ومناقبها (عَلَيهَا السَّلَامُ)

قال شهاب الدین بن حجر في الإصابة : زينب بنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمية سبطة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أمّها فاطمة الزهراء. قال ابن الأثير : إنّها ولدت في حياة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكانت عاقلة، لبيبة، جزلة، زوّجها أبوها ابن أخيه عبداللّه بن جعفر، فولدت له أولاداً، وكانت مع أخيها لمّا قتل، فحملت إلى دمشق وحضرت عند يزيد بن معاوية وكلامها ليزيد بن معاوية حين طلب الشامي أختها فاطمة مشهور يدلّ على عقل وقوّة جنان.

(أقول) وسيأتي انشاء اللّه هذا الكلام الذي عناه فيما نذكره من بلاغتها.

(وقال العلّامة البرغاني) في مجالس المتقين : إن المقامات العرفانية الخاصة بزينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) تقرب من مقامات الإمامة، وإنّها لما رأت حالة زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين رأى أجساد أبيه وإخوته وعشيرته وأهل بيته على الثرى صرعى مجزرين كالأضاحي وقد اضطرب قلبه واصفر وجهه، أخذت (عَلَيهَا السَّلَامُ) في تسليته وحدّثته بحديث أمّ أيمن من أنّ هذا عهد من اللّه تعالى.

(أقول) وسيأتي حديث أم أيمن إن شاء اللّه تعالى فيما نذكره من الأخبار المرويّة عنها (عَلَيهَا السَّلَامُ).

(وفي الطراز المذهّب) إن شئونات زينب الباطنية ومقاماتها المعنويّة كما قيل فيها أنّ فضائلها وفواضلها وخصالها وجلالها وعلمها وعملها وعصمتها وعفّتها و نورها وضياءها وشرفها وبهاءها تالية أمها (عَلَيهَا السَّلَامُ) ونائبها (عَلَيهَا السَّلَامُ).

(وفي مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج الإصبهاني : زينب العقيلة بنت علي بن أبي طالب وأمّها فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، والعقيلة هي التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) في فدك فقال : حدّثتني عقيلتنا زينب بنت علي.

(وفي جنّات الخلود) ما معناه كانت زينب الكبرى في البلاغة والزهد والتدبير

والشجاعة قرينة أبيها وأمّها (عَلَيهَا السَّلَامُ)، فإن انتظام أمور أهل البيت بل الهاشميين بعد شهادة الحسيني (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان برأيها وتدبيرها (عَلَيهَا السَّلَامُ).

(وقال ابن عنبة) في أنساب الطالبيين: زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كنيتها أم الحسن، تروي عن أمّها فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وقد امتازت بمحاسنها الكثيرة وأوصافها الجليلة وخصالها الحميدة وشيمها السعيدة ومفاخرها البارزة وفضائلها الظاهرة.

(وعن الحافظ جلال الدين السيوطي) في رسالته الزينبية : ولدت زينب في حياة جدّها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكانت لبيبة جزلة عاقلة لها قوّة جنان، فإنّ الحسن ولد قبل وفاة جدّه بثمان سنين والحسين بسبع سنين وزينب الكبرى بخمس سنين.

(وعن النيسابوري) في رسالته العلوية : كانت زينب ابنة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فصاحتها وبلاغتها وزهدها وعبادتها كأبيها المرتضى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأمّها الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ).

(وقال) عمر أبو النصر اللبناني في كتابه (فاطمة بنت محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) المطبوع ببيروت حديثاً : وأمّا زينب بنت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) فقد أظهرت أنها من أكثر آل البيت جرأة وبلاغة وفصاحة، وقد استطارت شهرتها بما أظهرت يوم كربلا وبعده من حجة وقوة وجرأة وبلاغة حتى ضرب بها المثل وشهد لها المؤرخون والكتاب.

وقال أيضاً في كتابه (الحسين بن علي) المطبوع حديثا أيضاً : وممّا يجب أن يصار إلى ذكره في هذا الباب ما ظهر من زينب بنت فاطمة وأخت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من جرأة وثبات جأش في مواقفها هذه يوم المعركة وعند ابن زياد وفي قصر يزيد إلى آخر ما قال.

(وقال) البحاثة فريد وجدي على ما نقله عنه بعض الأجلّاء : السيّدة زينب بنت علي رضي اللّه عنها كانت من فضليات النساء وشريفات العقائل، ذات تقى وطهر وعبادة، هاجرت إلى مصر وتوفيت بها (انتهى).

والذي رأيته في كتابه (كنز العلوم واللغة) : زينب بنت الحسين بن علي، ولعلّ الأصل أخت الحسين ابن علي وتبديله الأخت بالبنت غلط مطبعي.

(وقال) الفاضل الأديب حسن قاسم في كتابه (السيّدة زينب): السيدة الطاهرة

الزكية زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب ابن عمّ الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وشقيقة ريحانتيه، لها أشرف نسب وأجلّ حسب وأكمل نفس وأطهر قلب، فكأنها صيغت في قالب ضمخ بعطر الفضائل، فالمستجلى آثارها يتمثل أمام عينيه رمز الحق، رمز الفضيلة، رمز الشجاعة، رمز المروءة وفصاحة اللسان، قوة الجنان، مثال الزهد والورع، مثال العفاف والشهامة، إن في ذلك لعبرة..

(وقال أيضاً) فلئن كان في النساء شهيرات فالسيدة أولاهنّ، وإذا عدّت الفضائل فضيلة فضيلة !!.. من وفاء وسخاء وصدق وصفاء وشجاعة وإباء وعلم وعبادة وعفّة وزهادة فزينب أقوى مثال للفضيلة بكلّ مظاهرها.

(وقال) العلّامة السيد جعفر آل بحر العلوم الطباطبائي في تحفة العالم المطبوع بالنجف حديثا : زينب الكبرى زوجة عبداللّه بن جعفر تكنّى أم الحسن، ويكفي في جلالة قدرها ونبالة شأنها ما ورد في بعض الأخبار من أنها دخلت على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)وكان يقرأ القرآن فوضع القرآن على الأرض وقام لها إجلالاً.

(وقال) العلّامة الأجل السيّد هبة الدين الشهرستاني سلّمه اللّه في كتاب نهضة الحسين المطبوع (1)

وجاء في الخيرات الحسان وغيره أن مجاعة أصابت المدينة فرحل عنها عبد اللّه بن جعفر بأهله إلى الشام في ضيعة له هناك وقد حمت زوجته زينب من وعناء السفر أو ذكريات أحزان وأشجان من عهد سبي يزيد لآل الرسول ثم توفيت على أثرها في نصف رجب سنة 65 ودفنت هناك حيث المزار المشهور، وقال جماعة : إنّ هذا لزينب الصغرى كما مرسوم على صخرة القبر وإن الكبرى توفّيت بمصر ودفنت عند قناطر السباع حيث المزار المشهور بالقاهرة (انتهى).

(أقول) قد عرفت أخبار ولادتها ممّا تقدّم وسيأتي خبر تزويجها وتحقيق حال أم كلثوم ووفاة زينب و محل دفنها وغير ذلك من أحوالها وأحوال أختها صلوات اللّه عليهما في مطاوي كتابنا هذا، أمّا صاحب الناسخ فلم يخص زينب بمجلد من كتابه وكتاب الطراز المذهب هو لولده عباس قليخان المستوفي لا له.

: لزينب أخت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شأن مهم ودور كبير النطاق في قضية الحسين.

1) قال سلّمه اللّه تعالى في هامش النهضة : لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنتان بهذا الإسم ويلقّب أم كلثوم والكبرى هي سيّدة الطف، وكان ابن عباس ينوّه عنها بعقيلة بني هاشم، ولدتها الزهراء بعد شقيقها الحسين بسنتين، وتزوّجها عبداللّه ابن عمها جعفر الطيار بعد وفاة أختها في خلافة عثمان أو معاوية، وكانت قطب دائرة العيال في المخيم الحسيني، وقد أفرغ لسان الملك ترجمتها في مجلد خاص بها من موسوعة (ناسخ التواريخ).

(وفي نساء العرب): نوادر أمثالها ممن قمن في مساعدة الرجال وشاركتهم في تاريخهم المجيد، وقد صحبت زينب أخاها في سفره الخطير صحبة من تقصد أن تشاطره في خدمة الدين وترويج أمره، فكانت تدبّر بيمناها ضيافة الرجال وباليسرى حوائج الأطفال، وذاك بنشاط لا يوصف، والمرأة قد تقوم بأعمال يعجز عنها الرجل، ولكن مادام منها القلب في ارتياح و نشاط، أمّا لو تصدّع قلبها أو جرحت منها العواطف فتراها زجاجة أوارق وكسرها لا يجبر، ولذلك أوصى بهنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذ قال : ارفق بالقوارير، فجعلهنّ كزجاج القوارير يحتاج إلى لطف المداراة، فكانت ابنة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائمة بمهمات ورحل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أهله غير مبالية بما هناك من ضائقة عدو أو إحصار أو عطش إذ كانت تنظر في وجه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تراه هشاً بساً فتزداد به أملاً، وكلما ازداد الإنسان أملاً ازداد نشاطاً وعملاً. وإنّ في بشاشة وجه الرئيس أثراً في قوة آمال الأتباع و نشاط أعصابهم، غير أنّ زينب باغتت أخاها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خبائه ليلة مقتله فوجدته يصقل سيفاً له ويقول : (يا دهر أف لك) إلى آخر الأبيات والمعنى، يا دهر كم لك من صاحب قتيل في ممرّ الإشراق والأصيل فأف لك من خليل (1)ذعرت زينب عند تمثّل أخيها بهذه الأبيات وعرفت أن أخاها قد يئس من الحياة ومن الصلح مع الأعداء وأنّه قتيل لا محالة، وإذا قتل فمن يكن لها والعيال والصبية في عراء وغربة وألد الأعداء محيط بهم ومتربّص لهم الدوائر، لهذه ولتلك صرخت أخت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نادية أخاها وتمثل لديها ما يجري عليها وعلى أهله ورحله بعد قتله وقالت : (اليوم مات جدّي وأبي وأمي وأخي)، ثمّ خرّت مغشيّة عليها إذ غابت عن نفسها ولم تعد تملك اختيارها، فأخذ أخوها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأسها في حجره يرش على وجهها من مدامعه حتّى أفاقت وسعد بصرها بنظرة من شقيقها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أخذ يسلّيها (وبعض التسلية تورية) فقال : (يا أختاه إنّ أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون فلا يبقى إلّا وجهه، وقدمات جدّي وأبي وأمي وأخي وهم خير منّي فلا يذهبن بحلمك الشيطان)، ولم يزل بها حتّى أسكن بروحهه روعها ونشف بطيب حديثه دمعها، ولكن في المقام


1) ستأتي هذه القضية في محلّها وإنما نقلتها هنا استيناساً بعبارات هذا العلّامة الكبير وتحليلاته الثمينة دامت معاليه.

سرّ مكتوم، فإنّ زينب تلك التي لم تستطع أن تسمع من نعي أخيها وهو حي كيف تجلّدت في مذبح أخيها وأهلها بمشهد منها ورأت رأسه ورؤوسهم مرفوعة على القنا وتلعب بها صبيان كالأكر، ينكت ابن زياد ويزيد ثنايا أخيها بين الملأ بالقضيب إلى غير ذلك من مصائب لا تطيق رؤيتها الأجانب، فضلاً عن أمس الأقارب، فليت شعري ما الذي حول ذلك القلب الرقيق إلى قلب أصلد وأصلب من الصخر الأصم ؟

نعم، كانت شقيقة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخته بتمام معاني الكلمة فلا غرو إن شاطرت سيّدة الطف زينب أخاها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الكوارث وآلام الحوادث، فقد شاطرته في شرف الأبوين ومواريث الوالدين خلقاً وخلقاً ومنطقاً، وعليه فإنّها على رقة عواطفها وسرعة تأثرها تمكنت من تبديل حالتها والإستيلاء على نفسها بنفسها من حين ما أوحى إليها الحسين و بأسرار نهضته و آثار حركته وأنّه لابد أن يتحمّل أعباء الشهادة وما يتبعها من مصائب ومصاعب في سبيل الملة وإحياء شريعة جده، وشعائر مجده، لكنّه سيّار يطوي السرى إلى حد مصرعه في كربلا ثم لابد وأن تنوب هي عن أخيها في إنجاز مهمته، وإبلاغ حجّته، في تحمّل الخطوب وإلقاء الخطب، ومكايدة الآلام من كربلا إلى الكوفة، ثمّ إلى الشام، قائمة بوظيفته، محافظة على أسرار نهضته، ناشرة لدعوته في كلّ أين وآن، منتهزة سوانح الفرص، وهو معها أينما كانت يباريها، لكنه على عوالي الرماح، خطيباً كما هي الخطيبة بلسان المقال (انتهى).

(وقال) الفاضل العلّامة الأجل المولى محمّد حسن القزويني في كتابه المسمّى ب(رياض الأحزان وحدائق الأشجان): يستفاد من آثار أهل البيت جلالة شأن زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ووقارها وقرارها بما لا مزيد عليه حتّى أوصى إليها أخوها (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما أوصى قبل شهادته، وإنّها من كمال معرفتها ووفور علمها و حسن أعراقها وطيب أخلاقها كانت تشبه أمها ست النساء فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) في جميع ذلك، وفي الخفارة والحياء، وأباها في قوة القلب في الشدّة، والثبات عند النائبات، والصبر على الملمّات، والشجاعة الموروثة من صفاتها، والمهابة المأثورة من سماتها، وقد يستند في جميع ما ذكرناه إلى ما رواه في كامل الزيارة من موعظتها لابن أخيها الإمام السجّاد زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين المرور بمصارع الشهداء، ثم ساق حديث أمّ أيمن الآتي

الأخبار المروية عن زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ).

(وقال) محمّد علي أحمد المصري في رسالته التي طبعها بمصر : السيّدة زينب رضي اللّه تعالى عنها هي ابنة سيّدي الإمام علي كرم اللّه وجهه وابنة السيّدة فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهي من أجلّ أهل البيت حسباً وأعلاهم نسباً، خيرة السيدات الطاهرات، ومن فضليات النساء، وجليلات العقائل، التي فاقت الفوارس في الشجاعة، واتخذت طول حياتها تقوى اللّه بضاعة، وكان لسانها الرطب بذكر اللّه على الظالمين عضباً، ولأهل الحق عيناً معيناً، كريمة الدارين، وشقيقة الحسنين، بنت البتول الزهراء، التي فضلها اللّه على النساء، وجعلها عند أهل العزم أمّ العزائم، وعند أهل الجود والكرم أمّ هاشم.

(إلى أن قال) : ولدت رضي اللّه عنها سنة خمس من الهجرة النبوية أي قبل وفاة جدّها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بخمس سنين، فسرّ بمولدها أهل بيت النبوة أجمعين، ونشأة حسنة كاملة فاضلة عالمة من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وكانت على جانب عظيم من الحلم والعلم ومكارم الأخلاق، ذات فصاحة وبلاغة، يفيض من يدها عيون الجود والكرم، وقد جمعت بين جمال الطلعة وجمال الطوية حتى أنّها اشتهرت في بيت النبوة، ولقبت بصاحبة الشورى، وكفاها فخراً أنّها فرع من شجرة أهل بيت النبوة الذين مدحهم اللّه تعالى في كتابه العزيز (إلى آخر ما قال).

علمها وفضلها ومعرفتها (عَلَيهَا السَّلَامُ) باللّه تعالى

العلم من أفضل السجايا الإنسانية، وأشرف الصفات البشرية، به أكمل اللّه أنبيائه المرسلين، ورفع درجات عباده المخلصين، قال تعالى : «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ» وقرن أهل العلم بنفسه وبملائكته في آية أخرى فقال جل شأنه : «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ» وقال تعالى : «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» وإنّما صار العلم بهذه المثابة لأنه يوصل صاحبه إلى معرفة الحقائق، ويكون سبباً لتوفيقه في نيل رضاء الخالق، ولذلك لما سئل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن رجلين أحدهما عالم والآخر عابد فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم رجلاً). وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأئمة من أهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) يحبّون الأُمّة على طلب العلم، وكانوا يغذّون أطفالهم العلم كما يغذّونهم اللبن.

أمّا زينب المتربّية في مدينة العلم النبوي، المعتكفة بعده ببابها العلوي، المتغذّية بلبانه من أمّها الصدّيقة الطاهرة سلام اللّه عليها، وقد طوت عمراً من الدهر مع الإمامين السبطين يزقانها العلم زقا، فهي من عياب علم آل محمّد (عَلَيهِم السَّلَامُ) وعلب فضائلهم التي اعترف بها عدوّهم الألدّ (يزيد الطاغية) بقوله في الإمام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إنّه من أهل بيت زقّوا العلم زقّا)، وقد نص لها بهذه الكلمة ابن أخيها علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أنت بحمد اللّه عالمة غير معلّمة وفهمة غير مفهمّة) يريد أنّ مادّة علمها من سنخ ما منح به رجالات بيتها الرفيع، أفيض عليها إلهاماً لا يتخرج على أستاذ وأخذ عن مشيخة، وإن كان الحصول على تلك القوّة الربانية بسبب تهذيبات جدها وأبيها وأمّها وأخويها أو لمحض انتمائها إليهم واتّحادها معهم في الطينة المكهربين لذاتها القدسيّة، فأزيحت عنها بذلك الموانع المادية وبقي مقتضى اللطف الفيّاض وحده، وإذ كان لا يتطرّقه البخل بتمام معانيه عادت العلّة لإفاضة العلم كلّه عليها بقدر استعدادها تامّة فأفيض عليها بأجمعه إلا ما اختص به أئمّة الدين (عَلَيهِم السَّلَامُ) من العلم

المخصوص بمقامهم الأسمى، على أن هنالك مرتبة سامية لا ينالها إلّا ذو حظّ عظيم، وهي الرتبة الحاصلة من الرياضات الشرعية والعبادات الجامعة لشرائط الحقيقة لا محض الظاهر الموفي لمقام الصحة والإجزاء، فإنّ لها من الآثار الكشفية ما لا نهاية لأمدها، وفي الحديث: (من أخلص اللّه تعالى أربعين صباحاً إنفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) ولا شكّ أنّ زينب الطاهرة قد أخلصت اللّه كل عمرها، فماذا تحسب أن يكون المنفجر من قلبها على لسانها من ينابيع الحكمة، وما أحلى كلمة قالها علي جلال في كتابه (الحسين) : من كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) معلمه ومن كان أبوه علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأُمّه فاطمة الزهراء، ناشئاً في أصحاب جدّه وأصدقاء أبيه سادات الأُمّة، وقدوة الأئمة، فلا شكّ أنّه كان يغرّ العلم غرّاً كما قال ابن عمر.

(وفي كتاب بلاغات النساء) لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر بن طيفور قال : حدّثني أحمد بن جعفر بن سليمان الهاشمي قال : كانت زينب بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقول : (من أراد أن لا يكون الخلق شفعاءه إلى اللّه فليحمده ألم تسمع إلى قولهم سمع اللّه لمن حمده فخف اللّه لقدرته عليك واستح منه لقربه منك).

(و عن الصدوق) محمّد بن بابويه طاب ثراه : كانت زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) نيابة خاصّة عن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام، حتى برىء زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مرضه.

(وقال الطبرسي) : إنّ زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) روت أخباراً كثيرة عن أمّها الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ).

(وعن عماد المحدّثين) : إنّ زينب الكبرى كانت تروي عن أمّها وأبيها وأخويها وعن أمّ سلمة وأم هاني وغيرهما من النساء، وممّن روى عنها ابن عباس وعلي بن الحسين وعبداللّه بن جعفر وفاطمة بنت الحسين الصغرى وغيرهم.

(وقال أبو الفرج) : زينب العقيلة هي التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة صلّى اللّه عليها في فدك فقال: حدّثتني عقيلتنا زينب بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتفسير العقيلة في النساء السيّدة كعقال في الرجال يقال للسيّد.

(وروي مرسلاً) أنها في طفولتها كانت جالسة في حجر أبيها وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) يلاطفها بالكلام فقال لها : يابنيتي قولي واحد فقالت : واحد فقال لها : قولي اثنين، فسكتت. فقال لها : تكلّمي يا قرّة عيني، فقالت (عَلَيهَا السَّلَامُ): يا أبتاه ما أطيق أن أقول اثنين بلسان أجريته

بالواحد، فضمّها صلوات اللّه عليه إلى صدره وقبلها بين عينيها، انتهى.

ولكن الذي رأيته في كتاب مصابيح القلوب للشيخ الأجل الشيخ أبي سعيد الحسن بن الحسين السبزواري المعاصر للشهيد الأوّل (رَحمهُ اللّه) أنّ هذا السؤال من أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان لولده العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإنّه لمّا سكت قال أمير المؤمنين : لم لم تقل اثنين ؟ فقال : إنّي لأستحي أن أقول واحد ثمّ أقول اثنين، ففرح أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الكلام وقبله بين عينيه.

وإن زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) قالت لأبيها : أتحبنا يا أبتاه ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وكيف لا أحبكم وأنتم ثمرة فؤادي، فقالت (عَلَيهَا السَّلَامُ): يا أبتاه إنّ الحبّ اللّه تعالى والشفقة لنا، وهذا الكلام عنها (عَلَيهَا السَّلَامُ) روي متواتراً، وإذا تأمله المتأمّل رأى فيه علماً جماً، فإذا عرف صدروه من طفلة كزينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) اليوم ذاك بانت له منزلتها في العلم والمعرفة.

(ويظهر) من الفاضل الدربندي وغيره أنها كانت تعلم علم المنايا والبلايا كجملة من أصحاب الأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، منهم ميثم التمّار، ورشيد الهجري وغيرهما، بل جزم في أسراره أنها صلوات اللّه عليها أفضل من مريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم وغيرهما من فضليات النساء، وذكر (قدّس سِرُّه) عند كلام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) لها (عَلَيهَا السَّلَامُ): (يا عمة أنت بحمد اللّه عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة) أنّ هذا الكلام حجة على أن زينب بنت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانت محدثة أي ملهمة وأنّ علمها كان من العلوم اللدنية والآثار الباطنية. ومن نظر في أسرار الشهادة رأى فيه من الإستنباطات والتحقيقات في حق زینب صلوات اللّه عليها ما هو أكثر مما ذكرناه.

(وقال العلّامة الفاضل السيد نورالدين الجزائري) في كتابه الفارسي المسمّى بالخصائص الزينبيّة (1)، ما ترجمته عن بعض الكتب أنّ زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) كان لها مجلس في بيتها أيّام إقامة أبيها (عَلَيهَا السَّلَامُ) في الكوفة، وكانت تفسّر القرآن للنساء، ففي بعض الأيّام كانت تفسّر «كهيعص» إذ دخل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليها فقال لها : يا نور عيني سمعتك تفسّرين «كهيعص» للنساء ؟ فقالت : نعم. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذا رمز لمصيبة تصيبكم عترة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ثم شرح لها المصائب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فبكت بكاء عالياً صلوات اللّه عليها.


1) عن ترجمة الكتاب وطبع بمنشورات الشريف الرضي.

بعض الأكبار المروية عنها (عَلَيهَا السَّلَامُ)

أشهر ما روي عنها خطبة والدتها الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) التي احتجّت بها في خصوص فدك، قال ابن أبي الحديد في شرح النهج عند شرح قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (بلى كانت في أيدينا فدك) الخ : إنّا نتكلّم في شرح هذه الكلمات بثلاثة فصول (إلى أن قال) الأول فيما ورد من الأخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم لا من كتب الشيعة ورجالهم لأنا مشترطون على أنفسنا أن لا نحفل بذلك. ثمّ قال : وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في السقيفة وفدك.

(قال) وأبوبكر الجوهري هذا عالم محدّث كثير الأدب، ثقة ورع، أثنى عليه المحدّثون ورووا عنه مصنّفاته وغير مصنفاته، ثمّ سرد الأسانيد ومن جملتها : قال أبو بكر : حدّثني محمّد بن زكريا، قال : حدّثني جعفر بن محمّد بن عمارة الكندي قال : حدّثني أبي عن الحسين بن صالح بن حي، قال : حدّثني رجلان من بني هاشم عن زينب بنت علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ساق الكلام إلى أن ذكر الخطبة.

وقال المجلسي في البحار بعد نقله كلام ابن أبي الحديد وذكره أسانيد آخر للخطبة : وروى الصدوق رحمه اللّه بعض فقراتها المتعلقة بالعلل في علل الشرايع عن ابن المتوكل عن السعد آبادي عن البرقي عن إسماعيل بن مهران عن أحمد بن محمّد بن جابر عن زينب بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : وأخبرني علي بن حاتم عن محمّد بن أسلم عن عبد الجليل الباقطاني عن الحسن بن موسى الخشّاب عن عبداللّه بن محمّد العلوي عن رجال من أهل بيته عن زينب بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) بمثله. وأخبرني علي بن حاتم عن ابن أبي عمير عن محمّد بن عمارة عن محمّد بن إبراهيم المصري عن هارون ابن يحيى عن عبيد اللّه بن موسى العبسي عن حفص الأحمر عن زيد ابن على عن عمته زينب بنت علي عن فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وزاد بعضهم على بعض في اللفظ.

(أقول) وقد مرّ كلام أبي الفرج الإصبهاني أنّ ابن عباس روى هذه الخطبة عن

زينب بنت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

(ومن الأخبار) المروية عنها صلوات اللّه عليها ما روي عن نورالدين محمّد بن المرتضى بإسناده عن أم كلثوم زينب بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّها قالت: كان آخر عهد أبي إلى أخوي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنّه قال لهما : يا بني إذا أنا متّ فغسلاني ثمّ نشّفاني بالبردة التي نشف بها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وفاطمة، وحنّطاني وسجّياني على سريري، ثم انظرا حتّى إذا ارتفع لكما مقدّم السرير فاحملا مؤخّره. قالت : فخرجت أشيع جنازة أبي حتّى إذا كنا بظهر الكوفة وقدمنا بظهر الغري ركز المقدّم فوضعنا المؤخّر، ثمّ برز الحسن مرتدياً بالبردة التي نشف بها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وفاطمة وأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم أخذ المعول فضرب ضربة فانشقّ القبر عن ضريح فإذا هو بساجة مكتوب عليها سطران بالسريانية : بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا قبر حفره نوح النبي لعلي وصي محمّد قبل الطوفان بسبعمائة عام. قالت (عَلَيهَا السَّلَامُ): فانشق القبر فلا أدري أغاب سيّدي في الأرض أم أسري به إلى السماء إذ سمعت ناطقاً لنا بالتعزية وهو يقول : أحسن اللّه لكم العزاء في سيدكم وحجة اللّه على خلقه.

ومن الأخبار ما رواه الخزاز في كفاية الأثر بإسناده عن زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) عن أمها فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) وذكرت قصة ولادة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ومن ذلك ما في كتاب الورع لأحمد بن حنبل المطبوع بمصر حديثاً عن عطاء بن السائب قال: حدّثتني أم كلثوم ابنة علي (هي زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) إذا أطلقت في لسان المحدّثين وإذا أريد غيرها قيدوا الإسم بالوسطى أو الصغرى) قال : أتيتها بصدقة كان أمر بها قالت : احذر شباننا فإنّ ميمونا أو مهران أخبرني أنه مرّ على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال : يا ميمون أو يا مهران إنا أهل بيت نهينا عن الصدقة، وإن موالينا من أنفسنا فلا تأكل الصدقة.

ومن ذلك ما روي عن كتاب ثاقب المناقب لعماد الدين محمّد بن علي الطوسي طاب ثراه، قال : عن زينب بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالت : صلّى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) صلاة الفجر ثم أقبل على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : هل عندكم طعام ؟ فقال : لم أكل منذ ثلاثة أيّام طعاماً وما تركت في بيتنا طعاماً. فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): سر بنا إلى فاطمة، فلما دخلا على فاطمة نظر

إليها وقد أخذها الضعف من الجوع وحولها الحسنان (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا فاطمة فداك أبوك هل عندك شيء من الطعام ؟ فاستحيت فاطمة أن تقول لا، فقالت : نعم وقامت واستقبلت القبلة لتصلي ركعتين، فأحست بحسيس فالتفتت وإذا بصحفة ملأى ثريداً ولحماً فأتت بها ووضعتها بين يدي أبيها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فدعا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعلي والحسن والحسين، ونظر علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى فاطمة متعجباً وقال : يا بنت رسول اللّه أنّى لك هذا ؟ فقالت: هو من عند اللّه إن اللّه يرزق من يشاء بغير حساب. فضحك النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال : الحمد للّه الذي جعل في أهلي نظير زكريا ومريم إذ قال لها: «أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ».

وبينما هم مشغولون بالأكل وإذا بسائل بالباب يقول : السلام عليكم يا أهل البيت اطعموني مما تأكلون. فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): اخسأ اخسأ اخسأ. فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): من هذا يا رسول اللّه ؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): وهو ابليس لعنه اللّه علم أنّ هذا من طعام الجنّة أتانا بصورة سائل ليتناول من هذا الطعام. وبعد أن أكل رسول اللّه وعلي والزهراء والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) وشبعوا ارتفعت الصفحة إلى السماء (1).

ومن ذلك ما رواه الشيخ أحمد زين الدين الإحسائي في بعض مجاميعه عن عبداللّه بن الحسن عن أمّه فاطمة الصغرى عن أبيها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعمتها زينب بنت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) قامت في محرابها في جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة


1) حديث الجفنة أو الصفحة أو نزول المائدة من السماء لفاطمة في بيتها روي بطرق عديدة، والظاهر أن هذه المائدة تكرّرت لفاطمة صلوات اللّه عليها، وقد روى المجلسي (رَحمهُ اللّه) في البحار جملة من الأحاديث في ذلك منها ما نقله عن الخرايج : روي أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصبح يوماً فقال لفاطمة : هل عندك شيء تغذّينيه ؟ قالت : لا، فخرج واستقرض ديناراً ليبتاع لأهله ما يصلحهم فإذا المقداد في جهد وعياله جياع فأعطاه الدينار ودخل المسجد وصلّى الظهر والعصر مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم أخذ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بيد علي وانطلقا إلى فاطمة وهي في مصلاها وخلفها جفنة تفور، فلما سمعت كلام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) خرجت فسلّمت عليه فردّ السلام ثمّ قال : عشينا غفر اللّه لك (وقد (فعل) فوضعتها بين يدي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). قال : يا فاطمة أنّى لك هذا الطعام الذي لم أنظر إلى مثل لونه قط ولم أشم مثل رائحته قط وأكل أطيب منه ؟ قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): و وضع كفه بين كتفي و قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : يا علي هذا بدل عن دينارك إن اللّه يرزق من يشاء بغير حساب. ونقل عن الكشّاف مثله عند قصة زكريا ومريم بتغيير يسير، ثم قال : وبقي الطعام كما هو بعد أكلهم وجميع أهل البيت وأوسعت فاطمة على جيرانها.

حتّى اتّضح عمود الصبح وكانت تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقال لها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): ألا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك ؟ فقالت : الجار ثم الدار.

ومن ذلك ما روي في كامل الزيارة للشيخ الفقيه أبي القاسم جعفر بن محمّد ابن قولويه طاب ثراه، قال : حدّثني أبو عيسى عبيد اللّه بن الفضل بن محمّد بن هلال الطائي البصري، قال : حدّثني أبو عثمان سعيد بن محمد، قال : حدّثنا محمّد بن سلام بن يسار الكوفي، قال : حدّثني أحمد بن محمّد الواسطي، قال : حدّثني عيسى بن أبي شيبة القاضي، قال : حدّثني نوح بن درّاج، قال : حدّثني قدامة بن زايدة عن أبيه، قال : قال عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): بلغني يا زايدة إنك تزور قبر أبي عبداللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحياناً؟ فقلت : إنّ ذلك لكما بلغك. فقال لي : ولماذا تفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحداً على محبّتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا والواجب على هذه الأمة من حقنا ؟ فقلت : واللّه ما أريد بذلك إلا اللّه ورسوله ولا أحفل بسخط من سخط، ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه.

فقال : واللّه إنّ ذلك لكذلك ؟ فقلت : واللّه إنّ ذلك لكذلك، يقولها ثلاثاً وأقولها ثلاثاً، فقال : ابشر ثمّ ابشر ثمّ ابشر فلأخبرنك بخبر كان عندي في النخب المخزون، فإنّه لما أصابنا في الطف ما أصابنا وقُتل أبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا فعظم ذلك في صدري واشتدّ لما أرى منهم قلقي فكادت نفسي تخرج وتبينت ذلك مني عمتي زينب الكبرى بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقالت لي : مالي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي ؟ فقلت : وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي مصرّعين بدمائهم مرملين بالعراء مسلّبين لا يكفنون ولا يوارون ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر كأنّهم أهل بيت من الديلم والخزر.

فقالت : لا يجزعنّك ما ترى، فواللّه إن ذلك لعهد من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى جدّك وأبيك وعمّك ولقد أخذ اللّه ميثاق أناس من هذه الأمّة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمّة وهم

معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيّد الشهداء لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيّام، وليجهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً وأمره إلّا علوّاً.

فقلت : وما هذا العهد وما هذا الخبر ؟ فقالت : نعم حدّثتني أمّ أيمن (1)أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و زار منزل فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) في يوم من الأيّام فعملت له حريرة وأتاه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بطبق فيه تمر، ثمّ قالت أم أيمن : فأتيتهم بعسّ (2)فيه لبن وزبد، فأكل رسول اللّه وعلي وفاطمة والحسن والحسين من تلك الحريرة وشرب رسول اللّه وشربوا من ذلك اللبن، ثمّ أكلوا وأكل من ذلك التمر والزبد، ثمّ غسل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يده وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصبّ عليها الماء، فلما فرغ من غسل يديه مسح وجهه ثمّ نظر إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفاطمة والحسن والحسين نظراً عرفنا به السرور في وجهه، ثمّ رمق بطرفه نحو السماء مليّاً ثمّ إنه وجه وجهه نحو القبلة وبسط يديه ودعائم خر ساجداً وهو ينشج (3)فأطال النشوج وعلا نحيبه وجرت دموعه ثم رفع رأسه وأطرق إلى الأرض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر، فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) و حزنت معهم لما رأينا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهبناه أن نسأله حتى إذا طال ذلك قال له على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقالت له فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ): ما يبكيك يا رسول اللّه لا أبكى اللّه عينيك فقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك ؟

فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا أخي سررت بكم (وقال مزاحم بن عبدالوارث في حديثه هاهنا) فقال : يا حبيبي إنّي سررت بكم سروراً ما سررت مثله قط وإنّي لأنظر إليكم وأحمد اللّه على نعمته علي فيكم إذ هبط علي جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : يا محمّد إن اللّه تبارك وتعالى اطلع على ما في نفسك وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك فأكمل لك النعمة


1) أم أيمن كانت مولاة النبي وحاضنته وقد شهد لها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بأنّها امرأة من أهل الجنة، اسمها بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، تزوّجها عبيد بن زيد من بني الحارث بن الخزرج فولدت له أيمن واستشهد يوم خيبر، فتزوجها زيد بن حارثة فولدت له اسامة بن زيد وكانت وفاتها في خلافة عثمان، وصلى عليها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و دفنت في البقيع.

2) العسّ بضم العين القدح الكبير.

3) النشيج الصوت مع توجّع وبكاء والنحيب البكاء بصوت طويل.

وهناك العطيّة بأن جعلهم وذريّاتهم ومحبّيهم وشيعتهم معك في الجنّة لا يفرق بينك وبينهم، يحبّون كما تحب، ويعطون كما تعطى حتّى ترضى وفوق الرضا على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا ومكاره تصيبهم بأيدي أناس ينتحلون ملتك ويزعمون أنهم من أمتك، براء من اللّه ومنك خبطا (1)خبطاً وقتلاً، شتّى مصارعهم، نائية قبورهم خيرة من اللّه لهم ولك فيهم، فاحمد اللّه عزّوجلّ على خيرته وارض بقضائه، فحمدت اللّه ورضيت بقضائه بما اختاره لكم.

ثم قال لي جبرائيل : يا محمّد إن أخاك مضطهد (2)بعدك، مغلوب على أمّتك، متعوب من أعدائك، ثمّ مقتول بعدك يقتله أشرّ الخلق والخليقة وأشقى البرية، يكون نظير عاقر الناقة ببلد تكون إليه هجرته وهو مغرس (3)شيعته وشيعة ولده، وفيه على كلّ حال يكثر بلواهم ويعظم مصابهم. وإن سبطك هذا وأو مى بيده إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك وأخيار من أمتك بضفة الفرات بأرض يقال لها كربلا، من أجلها يكثر الكرب والبلاء على أعدائك وأعداء ذريتك في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تفنى حسرته، وهي أطيب بقاع الأرض وأعظمها حرمة، يقتل فيها سبطك وأهله وإنّها من بطحاء الجنّة، فإذا كان اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله أحاطت به كتائب أهل الكفر واللعنة، تزعزت الأرض من أقطارها، ومادت الجبال وكثر اضطرابها، واصطفقت البحار بأمواجها، وماجت السماوات بأهلها، غضباً لك يا محمّد ولذريّتك، واستعظاماً لما ينتهك من حرمتك، ولشرّ ما تكافىء به في ذريتك وعترتك، ولا يبقى شيء من ذلك إلا استأذن اللّه عزّ وجل في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين الذين هم حجة اللّه على خلقه بعدك، فيوحي اللّه إلى السماوات والأرض والجبال والبحار ومن فيهن : إنّي أنا اللّه الملك القادر الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه ممتنع وأنا أقدر فيه على الإنتصار والإنتقام وعزتي وجلالي لأعذبنّ


1) خبط بطاً يقال خبطه خبطاً أي ضربه ضربا شديداً.

2) مضطهد يقالى ضهدته فهو مفهود و مضطهد أي مقهور، وطاؤها بدل من تاء الافتعال.

3) مغرس شيعته أي منبتهم.

من وتر (1)رسولي وصفتي وانتهك حرمته وقتل عترته ونبذ عهده وظلم أهل بيته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، فعند ذلك يضجّ كل شيء في السماوات والأرضين بلعن من ظلم عترتك واستحلّ حرمتك، فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها تولّى اللّه عز وجل قبض أرواحها بيده وهبط إلى الأرض ملائكة من السماء السابعة معهم آنية من الياقوت والزمرد مملوءة من ماء الحياة وحلل من حلل الجنّة، وطيب من طيب الجنّة، فغسلوا جثثهم بذلك الماء، وألبسوها الحلل، وحنّطوها بذلك الطيب، وصلت الملائكة صفاً صفاً عليهم، ثم يبعث اللّه قوماً من أمتك لا يعرفهم الكفار، لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولانية، فيوارون أجسامهم ويقيمون رسماً لقبر سيّد الشهداء بتلك البطحاء، يكون علماً لأهل الحق وسبباً للمؤمنين إلى الفوز، وتحفّه ملائكة من كلّ سماء مائة ألف ملك في كلّ يوم وليلة ويصلّون عليه ويطوفون حوله ويسبحون اللّه عنده ويستغفرون اللّه لمن زاره ويكتبون أسماء من يأتيه زائراً من أمتك متقرباً إلى اللّه تعالى وإليك بذلك وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم، ويوسمون في وجوههم بميسم (2)نور عرش اللّه، هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الأنبياء، فإذا كان يوم القيامة سطع في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الأبصار يدلّ عليهم ويعرفون به وكأنّي بك يا محمّد بيني وبين ميكائيل وعلي أمامنا ومعنا من ملائكة اللّه ما لا يحصى عددهم ونحن نلتقط من ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق حتى ينجيهم اللّه من هول ذلك اليوم وشدائده وذلك حكم اللّه وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمّد أو قبر أخيك أو قبر سبطيك لا يريد به غير اللّه عزّ وجلّ، وسيجتهد أناس ممّن حقت عليهم اللعنة من اللّه والسخط أن يعفوا رسم ذلك القبر ويمحوا أثره فلا يجعل اللّه تبارك وتعالى لهم إلى ذلك سبيلا. ثم قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): فهذا أبكاني وأحزنني.

قالت زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ): فلما ضرب ابن ملجم لعنه اللّه أبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ورأيت عليه أثر الموت


1) وتره أي جعل له وتراً عنده فهو موتور، والموتور هو الذي قتل له قتيل فلم يدرك دمه، ومنه الحديث : أنا الموتور أي صاحب الوتر الطالب بالثار.

2) الميسم بالكسر اسم الآلة التي يكون بها الوسم أي العلّامة، واصله الواو وجمعه مباسم ومواسم الاولى على اللفظ والثانية على الأصل.

منه قلت له : يا أبة حدّثتني أم أيمن بكذا وكذا وقد أحببت أن أسمعه منك. فقال : يا بنية الحديث كما حدّثتك أمّ أيمن (1)وكأني بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد أذلّاء خاشعين تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبراً صبراً، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما للّه على ظهر الأرض يومئذ ولي غيركم وغير محبّيكم وشيعتكم، ولقد قال لنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حين أخبرنا بهذا الخبر : إن إبليس لعنه اللّه في ذلك اليوم يطير فرحاً فيجول الأرض كلها بشياطينه وعفاريته فيقول : يا معاشر الشياطين قد أدركنا من ذرية آدم الطلبة وبلغنا في هلاكهم الغاية وأورثناهم النار إلّا من اعتصم بهذه العصابة فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم وحملهم علي عداوتهم وإغرائهم بهم وأوليائهم حتى تستحكموا ضلالة الخلق وكفرهم ولا ينجو منهم ناج، ولقد صدق عليهم إبليس وهو كذوب أنّه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح ولا يضر مع محبتكم وموالاتكم ذنب غير الكبائر.

قال زائدة : ثمّ قال علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد أن حدّثني بهذا الحديث : خذه إليك مالو ضربت في طلبه آباط الابل (2)حولاً لكان قليلاً.


1) أي صدقت أمّ أيمن فيما حدّثتك به، ثم شرح (عَلَيهِ السَّلَامُ) لها ما يجري عليها.

2) ضرب آباط الايبل كناية عن الركض والإستعجال، فإن المستعجل يضرب برجليه آباط الإبل لتعدو به.

فصاحتها وبلاغتها وشجاعتها الأدبية

الفصاحة هي الإبانة والظهور، يقال : كاتب فصيح وشاعر فصيح والبلاغة هي الوصول والإنتهاء، يقال : كلام بليغ وإنسان بليغ ويجمعهما حسن الكلام. (قال أبو هلال العسكري) إنّما يحسن الكلام بسلاسته وسهولته، وتخيّر لفظه، وإصابة معناه، وجودة مطالعه، ولين مقاطعه، واستواء تقاسيمه، وتعادل أطرافه، وتشبه أعجازه بهواديه، وموافقة مآخره لمباديه، فتجد المنظوم مثل المنثور في سهولة مطلعه، وجودة مقطعه، وحسن رصفه وتأليفه، وكمال صوغه وتركيبه، ومتى جمع الكلام بين العذوبة والجزالة، والسهولة والرصانة، والرونق والطلاوة، وسلم من حيف التأليف وبعد من سماجة التركيب، ورد على الفهم الثاقب فقبله ولم يردّه، وعلى السمع المصيب فاستوعبه ولم يمجه، والنفس تقبل اللطيف، وتنبو عن الغيظ، والفهم يأنس بالمعروف، ويسكن إلى المألوف، ويصغى إلى الصواب، ويهرب من المحال، وليس الشأن في إيراد المعاني، فالمعاني يعرفها العربي والعجمي، والقروي والبدوي، وإنما هو جودة اللفظ،وصفاؤه، وحسنه وبهاؤه، ونزاهته ونقاؤه، وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صواباً مستقيماً، أما اللفظ فلا يقنع به قانع حتى يكون على ما وصفناه.

(قلت) وهذا الذي ذكره لا ينطبق كل الإنطباق إلّا على كلام سيد الفصحاء، وإمام البلغاء، أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الذي قيل فيه كلامه فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق، وشاهدي على ما أقول هو كتاب نهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي (رضیَ اللّهُ عنهُ)من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويعجبني أن أنقل كلمة العلّامة الشيخ محمّد عبده فيه، فإنّها كلمة ثمينة لا يمكنني الإعراض عنها. (قال) أو فى لي حكم القدر بالإطلاع على كتاب نهج البلاغة صدفة بلا تعمل أصبته على تغيّر حال، وتبلبل، وتزاحم أشغال، وعطلة من أعمال فحسبته تسلية، وحيلة للتخلية، فتصفحت بعض صفحاته، وتأملت جملاً من عباراته، من مواضع مختلفات، ومواضيع متفرقات، وكان يخيل لي في كل مقام أن

حروباً شبّت وغارات شنّت، وأن للبلاغة دولة، وللفصاحة صولة، وأنّ للأوهام عرامة، وللريب دعارة، وأنّ جحافل الخطابة وكتائب الذرابة في عقود النظام وصفوف الإنتظام، تنافح بالصفيح الأبلج، والقويم الأملج، وتملّج المهج، بروائع الحجج، وتفلّ ذعارة الوساوس، وتصيب مقاتل الخوانس، فما أنا إلا والحق منتصر، والباطل منكسر، ومرج الشك في خمود، وهرج الريب في ركود، وإن مدير تلك الدولة، وباسل تلك الصولة، هو حامل لوانها الغالب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، بل كنت كلّما انتقلت من موضع إلى موضع أحسّ بتغير المشاهد، وتحول المعاهد، فتارة كنت أجدني في عالم يعمره من المعاني أرواح عالية، في حلل من العبارات الزاهية، تطوف على النفوس الزاكية، وتدنو من القلوب الصافية، توحي إليها رشادها وتقوم منها منآدها، وتنفر بها عن مداحض المزال، إلى جواد الفضل والكمال، وطوراً كانت تنكشف لي الجمل عن وجوه باسرة، وأنياب كاشرة، وأرواح في أشباح النمور، ومخالب النسور، وقد تحفّزت للوثاب، ثمّ انقضت للإختلاب، فخلبت القلوب عن هواها، وأخذت الخواطر دون مرماها، واغتالت فاسد الأهواء وباطل الآراء، وأحياناً كنت أشهد أن عقلاً نورانياً، لا يشبه خلقاً جسدانياً، فصل عن الموكب الإلهي، واتصل بالروح الإنساني، فخلعه من غاشيات الطبيعة، وسما به إلى الملكوت الأعلى، ونما به إلى مشهد النور الأجلى، وسكن به إلى عمار جانب التقديس، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس وآنات كأنّي أسمع خطيب الحكمة ينادي بعلياء الكلمة، وأولياء أمر الأمّة، يعرفهم مواقع الصواب، ويبصرهم مواضع الإرتياب، ويحذّرهم مزالق الإضطراب، ويرشدهم إلى دقائق السياسة، ويهديهم طريق الكياسة، ويرتفع بهم إلى منصات الرياسة، ويصعدهم شرف التدبير، ويشرف بهم على حسن المصير (انتهى).

(إذا عرفت هذه المقدمات) فاعلم أنّ هذه الفصاحة العلوية والبلاغة المرتضوية، قد ورثتها هذه المخدرة الكريمة، بشهادة العرب أهل البلاغة والفصاحة أنفسهم، فقد تواترت الروايات عن العلماء وأرباب الحديث بأسانيدهم عن حذلم ابن كثير، قال : قدمت الكوفة في المحرم سنة إحدى وستين عند منصرف علي بن

الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كربلا ومعهم الأجناد يحيطون بهم، وقد خرج الناس للنظر إليهم، فلمّا أقبل بهم على الجمال بغير وطاء، وجعلن نساء الكوفة يبكين وينشدن، فسمعت علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول بصوت ضئيل وقد نهكته العلّة، وفي عنقه الجامعة، ويده مغلولة إلى عنقه : إنّ هؤلاء النسوة يبكين فمن قتلنا ؟

قال : ورأيت زينب بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم أر خفرة أنطق منها كأنّها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ). (قال) وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدت الأنفاس وسكنت الأصوات، فقالت : الحمد للّه والصلاة على محمّد وآله الطيبين الأخيار، أما بعد ؛ يا أهل الكوفة، يا أهل الختر (1)والغدر، أتبكون ؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة، إنّما مثلكم (2)كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، تتخذون أيمانكم دخلاً (3)بينكم، ألا وهل فيكم إلّا الصلف (4)والنطف (5)والكذب والشنف (6)، ومسلق الإماء، وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة (7)، أو كفضّة على ملحودة، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط اللّه عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون، إي واللّه فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، وسيّد شباب أهل الجنّة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجّتكم، ومدرّة،سنتكم، ألا ساء ما تزرون، وبعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي، وبتّت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من اللّه، وضربت عليكم الذلة والمسكنة.

ويلكم يا أهل الكوفة، أتدرون أي كبد لرسول اللّه فريتم، وأي كريمة له أبرزتم،


1) الختر بالتحريك الغدر والخديعة أو أقبح الغدر.

2) أي لا تكونوا كالتي غزلت ثمّ نقضت غزلها، يقال : كانت امرأة حمقاء تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار، ثمّ تأمر هنّ أن ينقضن ما غزلن ولا يزال ذلك دأبها.

3) أي خيانة ومكراً.

4) الصلف الإدعاء تكبّراً.

5) النطف التلطّخ بالعيب.

6) الشنف بالتحريك البغض والتنكّر.

7) الدمنة ما تدمنه الإبل والغنم بأبوالها وأبعارها.

وأيّ دم له سفكتم، وأيّ حرمة له انتهكتم، ولقد جئتم بها صلعاء عنقاء (1)سوداء فقماء، خرقاء شوهاء، كطلاع (2)الأرض، أو ملأ السماء، أفعجبتم أن مطرت السماء دما، و لعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنّكم المهل، فإنّه لا يحفزه (3)البدار، ولا يخاف فوت الثار، وإن ربكم لبالمرصاد.

(قال الراوي) فواللّه لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته بالدموع، وهو يقول : بأبي أنتم وأمّي كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النساء ونسلكم خير النسل، لا يخزى ولا يبزى(4)

(وفي ينابيع المودة) عن أبي سعيد الخدري ما رفع حجر في الدنيا إلا وجد تحته دم عبيط، ولقد أمطرت السماء دماً وبقي أثره في الثياب حتى تقطعت.

(وقال فيه) أخرج الثعلبي وأبو نعيم أنه أمطرت السماء دماً، وزاد أبو نعيم : فأصبحنا وحبابنا وجرارنا مملوءة دماً.

(قال) وفي رواية أنّ السماء أمطرت الدم على البيوت والجدران بخراسان والشام والعراق.

.

(أقول) وهذا حذلم بن كثير من فصحاء العرب، أخذه العجب من فصاحة زينب وبلاغتها، وأخذته الدهشة من براعتها وشجاعتها الأدبية، حتى أنه لم يتمكن أن يشبهها إلا بأبيها سيد البلغاء والفصحاء، فقال : كأنّها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين، وهذه الخطبة رواها كلّ من كتب في وقعة الطف أو في أحوال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ورواها الجاحظ في كتابه البيان والتبيين عن خزيمة الأسدي، قال : ورأيت نساء الكوفة يومئذ قياماً يندبن متهتكات الجيوب. ورواها أيضاً أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور في


1) الصلعاء الداهية، وما بعدها صفات لها في القبح والشدّة.

2) طلاع الأرض ملؤها.

3) الحفز الحثّ والإعجال.

4) لا يبزى أي لا يغلب ولا يقهر، وقد فهم من قولها أفعجبتم أن مطرت السماء دماً أن القوم لما رأوا قطرات الدم النازلة من السماء يوم قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانوا يتعجبون من ذلك ولم يلتفتوا إلى فعلتهم الشنعاء، ففي كامل الزيارة عن حكيم بن داود بن حكيم عن سلمة بن الخطاب عن محمّد بن أبي عمير عن الحسين بن عيسى عن أسلم بن القاسم، قال : أخبرنا عمرو بن وهب عن أبيه عن علي بن الحسين ابن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : إن السماء لم تبك منذ وضعت إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ). قلت : أي شيء كان بكاؤها ؟ قال : كانت إذا استقبلت بثوب وقع على الثوب شبه أثر البراغيث من الدم.

(بلاغات النساء)، وأبو المؤيّد الموفق بن أحمد الخوارزمي في الجزء الثاني من كتابه مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و شيخ الطائفة في أماليه وغيرهم من أكابر العلماء.

ومن بلاغتها وشجاعتها الأدبية ما ظهر منها (عَلَيهَا السَّلَامُ) في مجلس ابن زياد، (قال) السيّد ابن طاوس وغيره ممن كتب في مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن ابن زياد جلس في القصر وأذن إذناً عاماً، وجيء برأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوضع بين يديه وأدخلت عليه نساء الحسين وصبيانه (1)، وجاءت زينب ابنة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجلست متنكّرة، فسأل ابن زياد: من هذه المتنكّرة ؟ فقيل له : هذه زينب ابنة علي، فأقبل عليها فقال : الحمد اللّه الذي فضحكم، وأكذب أحدوثتكم (2)

ويوم فتحت سيفك من بعيد***أضعت وكل أمرك للضياع

وفي المعارف لابن قتيبة : كانت في ابن زياد لكنة. وفي كامل المبرد: كان ابن زياد الكن يرتضخ لغة فارسية، وقال لرجل مرّة واتهمه برأي الخوارج أهروري منذ اليوم يريد أحروري.

. فقالت (عَلَيهَا السَّلَامُ): إنما يفتضح الفاجر، ويكذب الفاسق وهو غيرنا. فقال : كيف رأيت صنع اللّه بأخيك وأهل بيتك ؟ فقالت : ما رأيت إلا خيراً، هؤلاء قوم كتب اللّه عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع اللّه بينك وبينهم فتحاج و تخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ، ثكلتك أمك يابن مرجانة.

فغضب اللعين وهم أن يضربها، فقال له عمرو بن حريث إنها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها. فقال لها ابن زياد لعنه اللّه : لقد شفى اللّه قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك. فقالت : لعمري لقد قتلت كهلي، وقطعت فرعي واجتثثت أصلي فإن كان هذا شفاءك فلقد اشتفيت. فقال لعنه اللّه : هذه سجاعة ولعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً. فقالت : يابن زياد، ما للمرأة والسجاعة، وإن لي عن السجاعة لشغلا.


1) في رواية المفيد (رَحمهُ اللّه) : فأدخل عيال الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ابن زياد، فدخلت زينب أخت الحسين في جملتهم متنكّرة، وعليها أرذل ثيابها، ومضت حتى جلست ناحية وحقت بها إماؤها، فقال ابن زياد لعنه اللّه : من هذه التي انحازت فجلست ناحية ومعها نساؤها ؟ فلم تجبه زينب، فأعاد ثانية يسأل عنها، فقالت له بعض إمائها : هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فأقبل عليها ابن زياد فقال لها (الحمد اللّه الخ).

2) يريد بالأحدوثة دين جدها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكانت في ابن زياد لكنة أعجمية يبدل الحاء هاء، قال الجاحظ : كانت اللكنة فيه لأنّه نشأ بالأساورة مع أمه مرجانة، وكان زياد تزوجها من شيرويه الأسواري وقال مرة افتحوا سيوفكم يريد سلوا سيوفكم، فقال يزيد بن مفرغ :

(ومن ذلك) خطبتها في مجلس يزيد بن معاوية في الشام (1)رواها جماعة من العلماء في مصنّفاتهم، وهي من أبلغ الخطب وأفصحها، عليها أنوار الخطب العلوية، وأسرار الخطبة الفاطمية (2)، ونحن ننقلها هنا من الإحتجاج للطبرسي. (قال) روى شيخ صدوق من مشائخ بني هاشم وغيره من الناس أنه لما دخل علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحرمه على يزيد وجيء برأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووضع بين يديه في طشت وجعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده وهو يقول :

ليت أشياخي ببدر شهدوا***جزع الخزرج من وقع الأسل (الأبيات)

فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب وأمها فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقالت : الحمد للّه ربّ العالمين وصلى اللّه على رسوله وآله أجمعين، صدق اللّه سبحانه حيث يقول : «ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ» أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسراء أنّ بنا هواناً على اللّه وبك عليه كرامة وإن ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك تضرب أصدريك (3)فرحا، وتنفض مذوريك،مرحا، جذلان مسروراً حين رأيت الدنيا لك مستوسقة (4)، والأمور متّسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلا (5)مهلا، أنسيت قول اللّه تعالى : «وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ».

أمن العدل يابن الطلقاء (6)تخديرك حرائرك وإمائك وسوقك بنات رسول اللّه


1) رواها أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور في كتابه بلاغات النساء، والخوارزمي في المقتل.

2) المراد بها خطبة فدك التي قدمنا أسانيدها عنها.

3) تضرب أصدريك أي منكبيك، وتنفض مذوريك، المدوران جانبا الإليتين ولا واحد لهما، وقبل هما طرفا كلّ شيء، يقال : جاء فلان ينفض مذور به إذا جاء باغياً يتهدد، وكذلك إذا جاء فارغاً في غير شغل.

4) مستوسقة أي مجتمعة، ومتسقة أي منتظمة.

5) يقال : مهلا يا رجل وكذا للأنثى والجمع بمعنى أمهل، والمهلة بالضم السكينة وكذا المهل بالسكون والحركة.

6) الطلقاء هم أبو سفيان ومعاوية وبقية الأمويين الذين أطلقهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم الفتح فقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء، وبهذا صار را عبيداً لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هم وذريتهم إلى يوم القيامة.

سبايا قد هتكت ستورهنّ، وأبديت وجوههن، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهنّ من رجالهن ولي ولا من حماتهنّ حمي، وكيف يُرتجى مراقبة ابن من لفظ فوه أكباد الأذكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنئآن، والأحن والأضغان، ثم تقول غير متألم ولا مستعظم:

لأهلوا واستهلّوا فرحا***ثم قالوا يا يزيد لا تشل

منحنياً على ثنايا أبي عبد اللّه سيّد شباب أهل الجنّة، تنكثها بمخصرتك (1)، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة (2)والستأصلت الشافة (3)بإراقتك دماء ذريّة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنّك تناديهم، فلتردن وشيكاً (4)موردهم، ولتودنّ أنّك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت اللّهم خذ لنا بحقّنا، وانتقم ممّن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دمائنا، وقتل حماتنا، فواللّه يا يزيد ما فريت (5)إلّا جلدك، ولا حززت إلّا لحمك، ولتردن على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بما تحملت من دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع اللّه تعالى شملهم، ويلم شعثهم، ويأخذ بحقهم «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» و حسبك باللّه حاكماً وبمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) خصيماً وبجبرائيل ظهيراً، وسيعلم من سوّل لك وأمكنك من رقاب المسلمين بنس للظالمين بدلا، وأيكم شرّ مكاناً وأضعف جنداً،


1) المخصرة بكسر الميم كالسوط، وكلّما اختصره الإنسان بيده فأمسكه من عصى ونحوها، وكانت الخلفاء تحمل هذه المخصرة.

2) تكأت القرحة بالهمزة من باب منع كثر جراحها.

3) استأصلت الشافة استأصل الشيء إذا قطعه من أصله، قال في القاموس : الشافة قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى وتذهب، وإذا قطعت مات صاحبها، والأصل استأصل اللّه شافته أذهبه كما تذهب تلك القرحة أو أزاله من أصله.

4) وشيكاً أي سريعا.

5) الفرى القطع.

ولئن جرت عليّ الدواهي (1)مخاطبتك، إنّي لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبري، والصدور حرّى، ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب اللّه النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف (2)من دمائنا، والأفواه تتحلّب (3)من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل (4)وتعفرها أمهات الفراعل (5)، ولئن اتخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرما حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربّك بظلام للعبيد، وإلى اللّه المشتكى، وعليه المعوّل، فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فواللّه لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا تدحض عنك عارها، وهل رأيك إلّا فند (6)، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة اللّه على الظالمين، فالحمد للّه رب العالمين، الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل اللّه أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل.

فقال يزيد:

یزید يا صيحة تحمد من صوائح***ما أهون النوح على النوائح(7)

و من شجاعتها الأدبية في مجلس يزيد ما نقله أرباب المقاتل وغيرهم من رواة الأخبار أن يزيد لعنه اللّه دعا بنساء أهل البيت والصبيان فأجلسوا بين يديه في مجلسه


1) الدواهي جمع داهية وهي النازلة بالإنسان من بلاء وغيره، ومخاطبتك إما بالرفع فاعل جرت أي إن أوقعت مخاطبتك عليّ النوازل فلست أبالي بك ولا أعظم قدرك، أو بالنصب مفعول والفاعل الدواهي أي إن أوقعتني دواهي الزمان إلى الإحتياج لمخاطبتك فلست معظمة لقدرك.

2) تنطف بكسر الطاء وضمها أي تقطر.

3) في القاموس تحلب عينه وفوه أي سالا.

4) العواسل الذئاب السريعة العدو.

5) امهات الفراعل الضباع جمع فرعل وهو ولد الضبع، والتعفير معلوم.

6) الفند الكذب، وهو بالتحريك. قيل : ويقال لضعف الرأي الفند أيضاً.

7) قوله يا صيحة تحمد (الخ) ليس هذا جواب مثل الخطبة الغراء الفريدة، ومثل يزيد الذي يقال عنه إنّه كان من رجال الفصاحة والبلاغة وإنّه قال الشعر وهو ابن سبع سنوات لا يخفى عليك ذلك، لكن الخطبة الكريمة ألجمته بأسلوبها البليغ، وبيانها الآخذ بالألباب، فلم يكن قادراً على أن يجيبها بشيء سوى هذا البيت الذي وصف الحالة ليس غير.

المشوم، فنظر شامي إلى فاطمة بنت الحسين، فقام إلى يزيد وقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية تكون خادمة عندي قالت فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): فارتعدت فرائصي وظننت أنّ ذلك جائز لهم، فأخذت بثياب عمّتي زينب فقلت: يا عمتاه أو تمت وأستخدم ؟ فقالت عمتي للشامي : كذبت واللّه ولؤمت، ما جعل اللّه ذلك لك ولا لأميرك.

فغضب يزيد وقال كذبت واللّه إن ذلك لي ولو شئت أن أفعل لفعلت. قالت : كلا واللّه ما جعل اللّه ذلك لك إلّا أن تخرج من ملّتنا وتدين بغير ديننا، فاستطار يزيد غضباً وقال : إيَّاي تستقبلين بهذا الكلام، إنما خرج من الدين أبوك وأخوك. فقالت زينب بدين أبي وأخي اهتديت أنت وأبوك وجدك إن كنت مسلما قال : كذبت يا عدوة اللّه. قالت : يا يزيد أنت أمير تشتم ظالما، وتقهر بسلطانك، فكأنه استحيى وسكت فأعاد الشامي كلامه : هب لي هذه الجارية. فقال له يزيد : اسكت، وهب اللّه لك حتفاً قاضيا.

(وروى) السيد ابن طاوس في اللّهوف هذه الرواية كما يأتي، قال : نظر رجل من أهل الشام إلى فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية. فقالت فاطمة لعمتها زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ): أو تمت وأستخدم ؟! فقالت زينب (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): لا ولا كرامة لهذا الفاسق. فقال الشامي: من هذه الجارية ؟ فقال يزيد هذه فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1)وتلك زينب بنت علي بن أبي طالب. فقال الشامي: الحسين بن فاطمة وعلي بن أبي طالب ؟ قال : نعم. فقال الشامي: لعنك اللّه يا يزيد أتقتل عترة نبيّك


1) ) فاطمة الصغرى بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هي من عالمات نساء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، تروي الحديث عن أبيها وعن أم سلمة وأمّ هاني وعن عمتها زينب الكبرى وعن أخيها زين العابدين، ويروي عنها ولدها عبداللّه وغيره، استودعها أبوها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مواريث الأنبياء وسلمتها إلى السجاد بعد برئه من المرض، وكأنّ اللّه عزوجل صرف عن هذه المواريث أبصار الظالمين، وأمّ فاطمة هذه أم إسحاق بنت طلحة، وفي الخبر أنّ الحسن بن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) سأل عمه الحسين لعل اللّه أن يزوجه إحدى ابنتيه فاختار له الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاطمة هذه وقال له : هي أكثر شبها بأمي فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وخطبتها في الكوفة تنبىء أنّها كانت على جانب عظيم من العلم والفضل، وفي بعض الأخبار : إنّها كانت عندها أشياء من آثار رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، توفيت في المدينة على الأصح. وقيل بحصر.

وتسبي ذريّته ؟! واللّه ما توهّمت إلّا أنّهم سبي الروم. فقال يزيد : لألحقنّك بهم، ثم أمر به فضربت عنقه، والذي يظهر أن هاتين القضيتين كلتيهما وقعتا في ذلك المجلس المشوم.

(أقول (إن بلاغة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) وشجاعتها الأدبية ليس من الأمور الخفيّة، وقد اعترف بها كل من كتب في وقعة كربلاء، ونوّه بجلالتها أكثر أرباب التأريخ، ولعمري إنّ من كان أبوها علي بن أبي طالب الذي ملأت خطبه العالم، وتصدّى لجمعها وتدوينها أكابر العلماء، وأمّها فاطمة الزهراء صاحبة خطبة فدك الكبرى، وصاحبة الخطبة الصغرى التي ألقتها على مسامع نساء قريش ونقلها النساء لرجالهنّ، نعم إن من كانت كذلك فحريّة بأن تكون بهذه الفصاحة والبلاغة، وأن تكون لها هذه الشجاعة الأدبيّة، والجسارة العلوية، ويزيد الطاغية يوم ذاك هو السلطان الأعظم والخليفة الظاهري على عامة بلاد الإسلام، تؤدي له الجزية الفرق المختلفة والأمم المتباينة، في مجلسه الذي أظهر فيه أبهة الملك وملأه بهيبة السلطان، وقد جرّدت على رأسه السيوف، واصطفت حوله الجلاوزة، وهو وأتباعه على كراسي الذهب والفضة، وتحت أرجلهم الفرش من الديباج والحرير، وهي صلوات اللّه عليها في ذلّة الأسر، دامية القلب، باكية،الطرف، حرى الفؤاد من تلك الذكريات المؤلمة، والكوارث القاتلة، قد أحاط بها أعداؤها من كل جهة، ودار عليها حسّادها من كل صوب، ومع ذلك كله ترمز للحق بالحق، وللفضيلة بالفضيلة، فتقول ليزيد غير مكترثة بهيبة ملكه ولا معتنية بأبهة سلطانه : (أمن العدل يابن الطلقاء) وتقول له أيضاً : (ولئن جرت عليّ الدواهي مخاطبتك إنّي لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك) فهذا الموقف الرهيب الذي وقفت به هذه السيّدة الطاهرة مثل الحق تمثيلاً، وأضاء إلى الحقيقة لطلابها سبيلا، وأفحمت يزيد ومن حواه مجلسه المشوم بذلك الأسلوب العالي من البلاغة وأبهتت العارفين منهم بما أخذت به مجامع قلوبهم من الفصاحة، فخرست الألسن، وكمّت الأفواه، وصمّت الآذان، وكهربت تلك النفس النورانية القاهرة منها (عَلَيهَا السَّلَامُ) تلك النفوس الخبيثة الرذيلة من يزيد وأتباعه بكهرباء الحق والفضيلة، حتى بلغ به الحال أنه صبر على تكفيره وتكفير أتباعه، ولم يتمكن من أن

ينبس ببنت شفة، يقطع كلامها أو يمنعها من الإستمرار في خطابتها، وهذا وهو التصرف الذي يتصرف به أرباب الولاية متى شاؤوا وأرادوا بمعونة الباري تعالى لهم، وإعطائهم القدرة على ذلك، وما أبدع ما قاله الشاعر المفلق الجليل السيد مهدي ابن السيّد داود الحلّي عمّ الشاعر الشهير السيد حيدر الحلي (رَحمهُ اللّه) في وصف فصاحتها وبلاغتها من قصيدة :

قد أسروا من خصها بآية ال***تطهير ربّ العرش في كتابه

إن ألبست فى الأسر ثوب ذلّة***تجمّلت للعز في أثوابه

ما خطبت إلا رأوا لسانها***أمضى من الصمصام في خطابه

وجليبت في أسرها أسرها***عاراً رأى الصغار في جلبابه

والفصحاء شاهدوا كلامها***مقال خير الرسل في صوابه

زهدها في الدنيا ونعيمها وقناعتها

الزهد في الشيء خلاف الرغبة فيه، وزهد الإنسان في الشيء أي تركه فهو زاهد.

(قال الصدوق (رَحمهُ اللّه)) في معاني الأخبار : الزاهد من يحب ما يحب خالقه ويبغض ما يبغضه خالقه، ويتحرّج من حلال الدنيا، ولا يلتفت إلى حرامها.

(وقال بعض الأعلام) الزهد يحصل بترك ثلاثة أشياء : ترك الزينة، وترك الهوى، وترك الدنيا ؛ فالزاء علامة الأوّل، والهاء علامة الثاني، والدال علامة الثالث.

والقناعة الرضا بالقسمة، فهي تلازم الزهد دائماً، أو هما واحد بلسان الأخبار.

الزهد من أعلى مقامات السالكين، ومن أظهر صفات الأنبياء والمرسلين

وعباد اللّه الصالحين، به ينال الإنسان الدرجات الرفيعة، وبه يصل إلى المراتب العالية. (وقد جاء) عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال : من أراد أن يؤتيه اللّه علماً بغير تعلّم، وهدى بغير هداية فليزهد في الدنيا.

(وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) من زهد في الدنيا أدخل اللّه الحكمة في قلبه، فأنطق بها لسانه، و عرّفه داء الدنيا ودواءها، وأخرجه منها سالماً إلى دار السلام.

(وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) إزهد في الدنيا يحبك اللّه، وازهد فيما بأيدي الناس يحبّك الناس.

(وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) إذا أراد اللّه بعبد خيراً زهده في الدنيا، وفقهه في الدين، وبصّره، عيوبها، ومن أوتيهنّ فقد أوتي خير الدنيا والآخرة.

فالزهد من الصفات الكريمة التي خص اللّه بها المخلصين من عباده، وجعلها سبباً للتقرّب إلى حوزة قدسه، ولذلك كان نبيّنا الهادي والأئمّة المعصومون من أهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) على جانب عظيم من هذه الصفة الحميدة ؛ أمّا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقد أتاه جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) العالم بمفاتيح كنوز الدنيا وقال له : خذها ولا ينقص من حظك عند ربك شيء، فردّها إليه

ورفع رأسه إلى السماء فقال : لا يارب، ولكن أجوع يوماً وأشبع يوماً، فأمّا اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك فأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك.

وبلغ من زهده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنّه كان يشدّ حجر المجاعة على بطنه.

(وأمّا) أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان وهو خليفة المسلمين يرقع مدرعته عند الخيّاط حتّى أحصي فيها سبعين رقعة. وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): واللّه لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها ؟ فقلت : اغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى.

(ودخل) عليه سويد بن غفلة بعد ما بويع بالخلافة، فوجده جالساً على حصير صغير ليس في البيت غيره، فقال : يا أمير المؤمنين بيدك بيت المال ولا أرى في بيتك شيئاً ؟! فقال : يابن غفلة إنّ البيت لا يتأنّث في دار النقلة، ولنا دار أمن نقلنا خير متاعنا إليها وإنا عن قليل إليها صائرون.

(وأمّا) الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) فكان فراشها حصيراً افترش من سعف النخل، وجلد شاة، وكانت تلبس الكساء من صوف الإبل، وتطحن بيدها الشعير، وتعجن وتخبز، وهكذا كان زهد الذرية الطاهرة.

(وأما) زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) فقد كانت في بيت زوجها عبد اللّه بن جعفر الجواد وهو من علمت في ثروته ويساره وكثرة أمواله وخدمه وحشمه يوم ذاك، وكانت تخدمها العبيد والإماء والأحرار، ويطوف حول بيتها الهلاك من ذوي الحوائج وطالبين الاستجداء، وكان بيتها الرفيع وحرمها المنيع لا يضاهيه في العزّ والشرف وبعد الصيت إلّا بيوت الخلفاء والملوك، فتركت ذلك كله لوجه اللّه، وانقطعت عن علائق الدنيا بأسرها في سبيل اللّه، وأعرضت عن زهرة الحياة من المال والبيت والزوج والولد والخدم والحشم، وصحبت أخاها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الناصرة لدين اللّه، وباذلة للنفس والنفيس لإمامها ابن بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، مع علمها بجميع ما جرى عليها من المصائب والنوائب كما سمعته في حديث أم أيمن، مؤثرة الآخرة على الدنيا والآخرة خير وأبقى.

ومن زهدها (عَلَيهَا السَّلَامُ) بالدنيا وعدم ركونها إلى نعيمها هو ما رواه البكري وغيره أن

يزيد بن معاوية لعنه اللّه لما عزم على إرجاع سبايا النبوّة من الشام إلى المدينة بعد أن أحسّ بغضب الرأي العام عليه في قتله الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسبيه بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، يطاف بهنّ من بلد إلى بلد، خاف عاقبة أمره وأظهر أنّ هذه الأعمال لم تكن برضى منه، وصار يلعن عبيداللّه بن زياد على رؤوس الأشهاد، ومن جملة أعماله التي كان يراها بزعمه تبرىء أفعاله أنه صبّ الأموال العظيمة على الأنطاع وأحضر أهل بيت النبوة وقال لزينب : يا أمّ كلثوم خذي هذه الأموال عوضاً عن الحسين واحسبي كان قد مات. فقالت : يا يزيد ما أقسى قلبك ؟! تقتل أخي و تعطیني المال، واللّه لا كان ذلك أبداً، وخرجت مع أهل بيتها ولم تقبل منه شيئاً، وقد ردّ عليهن بعض ما كان أخذ منهنّ وفي ذلك مغزل فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومقنعتها وقلادتها وقميصها (عَلَيهَا السَّلَامُ). (وهذه) الرواية رويت عن أبي مخنف أيضاً بتغيير يسير.

و من زهدها ما روي عن السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) هم من أنّها صلوات اللّه عليها ما ادّخرت شيئاً من يومها لغدها أبداً.

(وروى) المجلسي وغيره أنّ الرسول الذي ساير أهل البيت في طريقهم من الشام إلى المدينة كان قد أحسن صحبته لهم، ولما قربوا من المدينة قالت فاطمة بنت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأختها زينب : قد وجب علينا حقّ هذا الحسن صحبته لنا، فهل لك أن تصليه ؟ قالت واللّه ما لنا ما نصله به إلّا أن نعطيه حلينا. قالت فاطمة فأخذت سواري ودملجي وسوار أختي ودملجها فبعثنا به إليه واعتذرنا من قلتها وقلها : هذا بعض جزائك لحسن صحبتك إيانا. فقال : لو كان الذي صنعت للدنيا كان في دون هذا رضاي، ولكن واللّه ما فعلته إلا للّه وقرابتكم من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

(أقول) ومن هذه القصة يعرف المتأمل الكرم الجبلي الذي تلبس به أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، والزهد الفطري الذي لازمهم، لأنّ تلك الحلي التي أكرمت بها زينب واختها هذا الرجل هو جميع ما كان لهما من متاع الدنيا، وذلك لكونهما لم يحصلا على غيرها من أموالهما المنهوبة يوم الطف وهذا نهاية الكرم وغاية الزهد.

عبادتها وانقطاعها إلى اللّه تعالى

العبادة من العبوديّة وهي غاية الخضوع والتذلّل، ولذلك كانت اللّه تعالى ولا تحسن لغيره، لأنّه جلّ وعلا وليّ كلّ نعمة وغاية كلّ رغبة، وأكثر الناس عبادة هو أعرفهم باللّه عزّ وجلّ كالأنبياء والأئمة صلوات اللّه عليهم، وكان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يصلّي الليل كله، ولقد قام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عشر سنين على أطراف أصابعه حتّى تورّمت قدماه واصفر وجهه، فأنزل اللّه عليه : «طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى» فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): أو لا أكون عبداً شكوراً.

وكان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، ولم يترك النافلة حتى في الحروب كما روي عنه ذلك في صلواته ليلة الهرير بصفين.

وكذلك كانت الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء صلوات اللّه عليها، تصلّي عامة الليل، فإذا اتضح عمود الصبح أخذت تدعو للمؤمنين والمؤمنات، وكان الأئمة من ولدها (عَلَيهِم السَّلَامُ) يضرب بهم المثل في العبادة.

(أمّا زينب صلوات اللّه عليها) فلقد كانت في عبادتها ثانية أمها الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وكانت تقضي عامة لياليها بالتهجد وتلاوة القرآن قال بعض ذوي الفضل : إنها صلوات اللّه عليها ما تركت تهجدها اللّه تعالى طول دهرها حتى ليلة الحادي عشر من المحرّم. (قال) وروي عن زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال : رأيتها تلك الليلة تصلّي من جلوس.

وعن الفاضل القائيني البيرجندي عن بعض المقاتل المعتبرة عن مولانا السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال : إن عمّتي زينب مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام، ما تركت نوافلها الليلية.

عن الفاضل المذكور : إن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما ودع أخته زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) وداعه الأخير قال لها : يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل. وهذا الخبر رواه هذا الفاضل عن بعض المقاتل المعتبرة.

وفي مثير الأحزان للعلامة الشيخ شريف الجواهري (قدّس سِرُّه): قالت فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وأمّا عمّتي زينب فإنّها لم تزل قائمة في تلك الليلة (أي العاشرة من المحرّم) في محرابها، تستغيث إلى ربها، فما هدأت لنا عين ولا سكنت لنا رنة.

(وروى) بعض المتتبعين عن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال : إن عمتي زينب كانت تؤدّي صلواتها من قيام الفرائض والنوافل عند سير القوم بنا من الكوفة إلى الشام، وفي بعض المنازل كانت تصلّي من جلوس، فسألتها عن سبب ذلك فقالت : أصلّي من جلوس لشدّة الجوع والضعف منذ ثلاث ليال، لأنها كانت تقسم ما يصيبها من الطعام على الأطفال، لأنّ القوم كانوا يدفعون لكلّ واحد منا رغيفاً واحداً من الخبز في اليوم والليلة.

(أقول) : فإذا تأمّل المتأمّل إلى ما كانت عليه هذه الطاهرة من العبادة اللّه تعالى والإنقطاع إليه لم يشك في عصمتها صلوات اللّه عليها، وإنها كانت من القانتات اللواتي وقفن حركاتهنّ وسكناتهنّ وأنفاسهنّ للباري تعالى، وبذلك حصلن على المنازل الرفيعة والدرجات العالية التي حكت برفعتها منازل المرسلين ودرجات الأوصياء عليهم الصلاة والسلام.

بعض كراماتها الجارية مجری المعجزات

الكرامات المروية عن زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والمنقولة في الكتب العربية والفارسية كثيرة ونحن اعتمدنا في كتابنا هذا على أمور حصل عندنا القطع بصحتها (فمن ذلك) تسخير الأسد لها صلوات اللّه عليها (قال) الفاضل في الأسرار : لما قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) روحي له الفداء أمر عمر بن سعد لعنه اللّه أن تطأ الخيل عليه غداً، فسمعت جارية الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فحكت لزينب أخته، فقالت : ما الحيلة ؟ قالت زينب : إنّ سفينة (1)

قال حماد بن سلمة عن سعيد بن جهمان عن سفينة : كنت مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في سفر فكان بعض القوم إذا أعي ألقى علي ثوبه حتى حملت من ذلك شيئاً كثيراً، فقال : ما أنت إلا سفينة، وكان يسكن بطن نخلة. وأمّا قصّته مع الأسد أنه سافر بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في البحر فانكسرت السفينة التي كان فيها بأهلها، فخرج سفينة إلى جزيرة من جزائر البحر يمشي وحده، فلما مشى ساعة لقي أسداً فقال له : أيها الأسد أنا سفينة عبد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فأقبل الأسد نحوه وأشار إليه اركب فركب على ظهره فأسرع في المشي حتى أتى به بلده فرآه الناس على ظهر الأسد، فأنزله الأسد ورجع.

عبد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) نجاه الأسد على ظهره لما قال له أنا عبد رسول اللّه، وسمعت أنّ في هذه الجزيرة أسداً فامضي إليه فقولي له : إن عسكر ابن سعد يريدون غداً أن يطوا بخيولهم ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فهل أنت تاركهم ؟

فلما مضت إليه الجارية وقالت له ما قالته زينب إلى قولها فهل أنت تاركهم ؟ أشار برأسه : لا، فلمّا كان الغد أقبل الأسد يأز أزاً، والعسكر واقف، فظنّ ابن سعد أنه جاء يأكل من لحوم الموتى فقال : دعوه نرى ما يصنع، فأقبل يدور حول القتلى حتّى وقف على جسد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوضع يده على صدره وجعل يمرّغ خدّه بدمه ويبكي فلم يجسر أحد أن يقربه، فقال ابن سعد فتنة فلا تهيّجوها، فانصرفوا عنه. (قال) هكذا


1) سفينة مولى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) اختلف في اسمه على أحد وعشرين قولاً تجدها في الإصابة لابن حجر، والذي صحّحه أهل التحقيق أن اسمه مهران، وكان أصله من،فارس فاشترته أمّ سلمة رضوان اللّه عليها ثم أعتقته واشترطت عليه أن يخدم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏). (قال ابن حجر) وقد روى عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعن أمّ سلمة وعلي، وعنه ولده عبدالرحمن وعمر وسالم ابن عبد اللّه بن عمر وأبو ريحانة وغيرهم.

ذكروا مجيء الأسد إلى المصرع في كتب جمع من أصحاب المقاتل.

(وفي المنتخب) لما قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد القوم أن يوطؤه الخيل، فقالت فضة (1)

وفي البحار عن أبي القاسم القشيري في كتابه : قال بعضهم : انقطعت عن الطريق في البادية عن القافلة فوجدت امرأة فقلت لها : من أنت؟

فقالت : «وَقُلْ سَلَام فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ».

فسلّمت عليها وقلت : ما تصنعين هاهنا ؟

قالت : «مَنْ يَهدِيَ اللّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ».

فقلت : أمن الجنّ أنت أم من الإنس ؟

قالت: «يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ».

فقلت : من أين أقبلت ؟

فقالت :«يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ».

قلت : أين تقصدين ؟

قالت : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ».

فقلت : متى انقطعت عن القافلة ؟

قالت : «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ».

فقلت : أتشتهين طعاماً ؟

فقالت : «وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ».

فأطعمتها ثم قلت : هرولي واستعجلي

قالت : «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا».

فقلت : أردفك ؟

فقالت : «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا».

فنزلت فأركبتها.

فقالت: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا».

فلما أدركنا القافلة قلت : ألك أحد فيها ؟

قالت: «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ»، «وَمَا مُحَمّدٍ إلّا رَسُول»، «يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ». «يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللّهُ»

فصحت بهذه الأسماء فإذا أنا بأربعة شباب متوجهين نحوها، فقلت : من هؤلاء منك ؟

قالت : «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا». فلما أتوها قالت: «يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ». فكافوني بأشياء فقالت : «وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ» فزادوا عليّ، فسألتهم عنها، فقالوا: هذه أمنا فضة جارية الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، ما تكلّمت منذ عشرين سنة إلّا بالقرآن.

الزينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) : يا سيّدتي إن سفينة صاحب رسول اللّه كان بمركب فضربته الريح

1) فضة هي جارية الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) علي اشتراها لها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قيل : إنها كانت من بنات الملوك ملك الهند، كما قال البرسى، أو ملك الحبشة كما قال غيره. كانت عندها ذخيرة من الأكسير صنعت النحاس ذهباً فأرته لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأراها (عَلَيهِ السَّلَامُ) كنوز الأرض، ثمّ قال : يا فضة إنا ما خلقنا لهذا.

فتكسر فسبح فقذفه البحر إلى جزيرة فإذا هو بأسد فدنا منه فخشي سفينة أن يأكله، فقال : يا أبا الحارث أنا مولى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فهمهم بين يديه حتّى أوقفه على الطريق، فركب ونجا سالماً وأرى أسداً في خلف مخيمنا، فدعيني أمضي إليه فأعلمه بما صانعون غداً.

فقالت : شأنك. قالت : فمضيت إليه فقلت : يا أبا الحارث، فرفع رأسه، ثم قلت : أتدري ما يريدون أن يعملوا غداً بأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ يريدون أن توطيء الخيل ظهره. قالت: فقام الأسد فمشى حتّى وضع يديه على جسد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجعل يمرّغ وجهه بدم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويبكي إلى الصباح، فلما أصبح بنو أمية أقبلت الخيل يقدمهم الأخنس لعنه اللّه، فلما نظروا إليه قال لهم عمر بن سعد فتنة لا تثيروها، انصرفوا فانصرفوا.

(قال) ويقرب ممّا في المنتخب ما ذكره ثقة الإسلام في الكافي.

(أقول) وهذه الكرامة هى كرامة عظيمة لزينب صلوات اللّه عليها على الرواية الأولى والثانية لأنّ إطاعة الأسد لجاريتها إنما هي لأجلها (عَلَيهَا السَّلَامُ).

(ومن ذلك) استجابة دعائها : قال أبو إسحاق الإسفرائيني في كتاب نور العين في مشهد الحسين روي عن زينب أخت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند هجوم القوم على الخيام أنها قالت : دخل علينا رجال وفيهم رجل أزرق العيون، فأخذ كل ما كان في خيمتنا التي كنا مجتمعين فيها، إلى أن قالت : فقلت له : قطع اللّه يديك ورجليك وأذاقك اللّه النار في الدنيا قبل الآخرة. (قال) فما كان إلا قليل حتى ظهر المختار الثقفي طالباً بثار الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوقع في يده ذلك الرجل وهو خولي ابن يزيد الأصبحي، فقال :المختار ما فعلت بعد قتل الحسين، فذكر أفعاله التي فعلها ودعوتها عليه، فقطع المختار يديه ورجليه وأحرقه بالنار، وسيأتي نظير هذا الخبر عند مصائب زينب عن الدمعة الساكبة عن أبي مخنف.

(ومن ذلك) ما رواه أرباب المقاتل وغيرهم أنّ شامياً تعرض فاطمة بنت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فدعت عليه زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) بقولها : قطع اللّه لسانك وأعمى عينيك وأيبس يديك، فأجاب اللّه دعاءها في ذلك الرجل، فقالت : الحمد للّه الذي عجّل لك العقوبة في الدنيا قبل الآخرة.

(ومن ذلك) أنّها حين وقفت على أخيها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مصرعه كشف عن بصرها فرأت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هو واقفاً في المعركة وقد قبض على كريمته الشريفة ودموعه تجري على خديه فنادت یا جداه یا رسول اللّه هذا حسينك بالعراء (الخ) هكذا نقل بعض المتبحّرين، ولهذا الخبر مؤيّدات :

(منها) ما في البحار عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمّا قتل أتاهم آت وهم في العسكر فصرخ فزبر فقال لهم : وكيف لا أصرخ ورسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قائم ينظر إلى الأرض مرّة وينظر إلى حزبكم مرّة، وأنا أخاف أن يدعو اللّه على أهل الأرض فأهلك فيهم، فقال بعضهم لبعض : هذا إنسان مجنون فقال التوابون تاللّه ما صنعنا بأنفسنا، قتلنا لابن سميّة سيّد شباب أهل الجنة، فخرجوا على عبيد اللّه بن زياد، فكان من أمرهم ما كان. قلت : جعلت فداك من هذا الصارخ ؟ قال : ما نراه إلا جبرئيل، أما أنه لو أذن له فيهم لصاح صيحة تخطف منها أرواحهم من أبدانهم إلى النار، ولكن أمهلهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب أليم.

(ومنها) خبر الطرماح المنقول عن أبي مخنف في المقتل، ونقله السيد الجزائري في الأنوار النعمانية والرضي القزويني في بيت الأحزان، وحاصله أنّ الطرماح بعد ما جرح ووقع في القتلى، ورأى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عند جسد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو ينادي : يا ولدي قتلوك، أتراهم ما عرفوك ؟ ومن شرب الماء منعوك، ما أجرأهم على اللّه، الخبر.

(ومن ذلك) ما نقله جماعة من الناس أنّ امرأة في الكوفة تسمى أمّ هجام أهانت رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند المرور به علی قصرها فدعت زينب على قصرها بالهجوم، فوقع القصر في الحال وهلك من فيه، وكانت هذه الإمرأة الخبيثة من نساء الخوارج.

(ومن كراماتها الباهرة (عَلَيهَا السَّلَامُ) علي اما نقله العلّامة النوري (رَحمهُ اللّه) في كتابه دار السلام، قال :

حدّثني السيد السند والحبر المعتمد العالم العامل وقدوة أرباب الفضائل، البحر الزاخر، عمدة العلماء الراسخين السيّد محمّد باقر السلطان آبادي، نفع اللّه به الحاضر والبادي، قال : عرض لي في أيّام اشتغالي ببر وجود مرض شدید، فرجعت من بروجرد إلى سلطان آباد فاشتد بي المرض بسبب هذه الحركة، المرض بسبب هذه الحركة، وانصبت المواد في عيني اليسرى فرمدت رمداً شديداً واعتراها بياض كان الوجع يمنعني من النوم فأحضر والدي أطباء البلد للعلاج، ولما رأوا حالتي قال أحدهم : يلزمه أن يشرب الدواء مدة ستة أشهر، وقال الآخر : مدة أربعين يوماً، فضاق صدري وكثر همي من سماع كلماتهم، لكثرة ما كنت شربت من الدواء في تلك المدّة.

وكان لي أخ صالح تقي أراد السفر إلى المشاهد المعظمة وزيارة سادات البرية، فقلت له : أنا أيضاً أصاحبك للتشرف بتلك الأعتاب الطاهرة لعلّي أمسح عيني بترابها الذي هو دواء لكل داء، ويأتيني ببركاتها الشفاء. فقال لي: كيف تطيق الحركة مع هذا المرض العضال وهذا الوجع القتال، ولما بلغ الأطباء عزمي على السفر قالوا بلسان واحد : إنّ بصره يذهب في أوّل منزل أو ثاني منزل، فتحرّك أخي وأنا جئت إلى بيته بعنوان مشايعته في الظاهر وكان هناك رجل من الأخيار سمع قصتي فحرّضني على الزيارة وقال لي : لا يوجد لك شفاء إلا لدى خلفاء اللّه وحججه فإني كنت مبتلى بوجع في القلب مدة تسع سنين وكلت الأطباء عن تداويه فزرت أبا عبداللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فشفاني بحمد اللّه من غير تعب ومشقة، فلا تلتفت إلى خرافات الأطباء وامض إلى الزيارة متوكلا على اللّه تعالى.

فعزمت من وقتي على السفر، فلما كنا في المنزل الثاني من سفرنا اشتدّ بي المرض ليلاً ولم أستقرّ من وجع العين، فأخذ من كان يمنعني من السفر يلومني، واتفق أصحابي كلهم على أن أعود إلى بلدي الذي جئت منه، فلما كان وقت السحر وسكن الوجع قليلاً رقدت، فرأيت الصدّيقة الصغرى زينب بنت إمام الأتقياء عليه آلاف التحية والثناء فدخلت عليّ وأخذت بطرف مقنعة كانت في رأسها وأدخلته في عيني و مسحت عيني به، فانتبهت من منامي وأنا لم أجد للوجع أثراً في عيني، فلما أصبح الصباح قلت لأصحابي : إني لم أجد اليوم ألماً في عيني، فلا تمنعوني من السفر، فما

تيقّنوا منّي فحلفت لهم وسرنا، فلما أخذنا في السير رفعت المنديل الذي كان علي عيني المريضة ونظرت إلى البيداء وإلى الجبال، فلم أر فرقاً بين عيني اليمنى الصحيحة واليسرى المريضة، فناديت أحد الرفقاء وقلت له : تقرّب مني وانظر في عيني، فنظر وقال : سبحان اللّه، لا أرى في عينك رمداً ولا بياضاً ولا أثراً من المرض، ولا فرق بين عينك اليمنى واليسرى، فوقفت وناديت الزائرين جميعاً وقصصت لهم رؤياي وكرامة الصدّيقة الصغرى زينب سلام اللّه عليها، ففرح الجميع وأرسلت البشائر إلى والدي فاطمأن خاطره بذلك.

(قال العلّامة النوري) وحدّثني بتلك الكرامة شيخنا الجليل النبيل، والعالم الذي عدم له النظير والبديل، المولى فتح علي السلطان آبادي، قال : إنّه شاهد هذه الحكاية بنفسه.

(أقول) نقلنا هذه الكرامة بتغيير فى الألفاظ مع المحافظة على المعاني.

(ومن كراماتها (عَلَيهَا السَّلَامُ)) انتقام الباري عزّ وجلّ من الكذابة التي ادّعت أنّها زينب وافتضاحها. قال ابن شهر آشوب في المناقب والمجلسي في البحار وغيرهما عن أبي الهلقام وعبداللّه بن جعفر الحميري والصقر الجبلي وأبي شعيب الحناط وعلي ابن مهزیار، قالوا : كانت زينب الكذابة تزعم أنّها ابنة علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأحضرها المتوكل وقال : اذكري نسبك. فقالت : أنا زينب ابنة علي، وإنّها كانت حملت إلى الشام فوقعت إلى بادية من بني كلب فأقامت بين ظهرانيهم. فقال لها المتوكل : إن زينب بنت علي قديمة وأنت شابة. فقالت : لحقتني دعوة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بأن يردّ شبابي في كل خمسين سنة.

فدعا المتوكّل وجوه آل أبي طالب فقال : كيف يعلم كذبها ؟ فقال الفتح : لا يخبرك بهذا إلا ابن الرضا (يريد أبا الحسن علي الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ)) فأمر بإحضاره (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : إن في ولد علي علامة. قال : وما هي ؟ قال : لا تتعرّض لهم السباع، فألقها إلى السباع فإن لم تتعرّض لها السباع فهي صادقة، فقالت : يا أمير المؤمنين اللّه اللّه في فإنّما أراد قتلي وركبت الحمار وجعلت تنادي : ألا إنّني زينب الكذابة.

(قال) وفي رواية إنه عرض عليها ذلك فامتنعت فطرحت للسباع فأكلتها.

(قال علي بن مهزيار) فقال علي بن الجهم جرب هذا على قائله فأجيعت السباع ثلاثة أيّام ثمّ دعي بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخرجت السباع، فلما رأته لاذت وتبصبصت بآذانها فلم يلتفت الإمام إليها وصعد السقف وجلس عند المتوكل ثم نزل من عنده والسباع تلوذ به وتبصبص حتى خرج (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : وقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): حرم لحوم أولادي على السباع.

(أقول) ونظير هذه الحكاية ما جرى للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ قال المجلسي في البحار كانت بخراسان امرأة تسمّى زينب، فادعت أنّها علويّة من سلالة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) علم وصارت تصول على أهل خراسان بنسبها، فسمع علي بن موسى الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فلم يعرف نسبها، فأحضرت إليه فرد نسبها وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذه كذابة، فسفهت عليه وقالت : كما قدحت في نسبي فأنا أقدح في نسبك، فأخذته (عَلَيهِ السَّلَامُ) العزّة العلويّة فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) السلطان خراسان وكان لذلك السلطان بخراسان موضع واسع فيه سباع مسلسلة للإنتقام من المفسدين يسمّى ذلك الموضع بركة السباع، فأخذ الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيد تلك المرأة وأحضرها (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند ذلك السلطان، وقال : هذه كذابة على علي وفاطمة (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وليست من نسلهما وإن من كان حقاً بضعة من علي وفاطمة (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فإن لحمه حرام على السباع فألقوها في بركة السباع فإن كانت صادقة فإنّ السباع لا تضرها وإن كانت كاذبة فتفترسها السباع.

فلما سمعت المرأة ذلك منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالت : فأنزل أنت إلى السباع فإن كنت صادقاً فإنّها لا تقربك ولا تفترسك، فلم يكلمها وقام فقال له ذلك السلطان إلى أين ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلى بركة السباع واللّه لأنزلن إليها، فقام السلطان والناس والحاشية وجاؤوا وفتحوا باب البركة فنزل الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) والناس ينظرون من أعلى البركة، فلما حصل بين السباع أقعت جميعا إلى الأرض على أذنابها وصار يأتي إلى واحد واحد يمسح وجهه ورأسه وظهره والسبع يبصبص له وهكذا إلى أن أتى على الجميع ثم طلع والناس يبصرونه، فقال لذلك السلطان: أنزل هذه الكذابة على علي وفاطمة (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ليتبيّن لك فامتنعت فألزمها ذلك السلطان وأمر أعوانه بالقائها، فمذ رأتها السباع وثبت إليها وأفترستها فاشتهر اسمها بخراسان بزينب الكذابة، وحديثها هناك مشهور.

(قلت) قبل سنوات قليلة في أيّام العثمانيين كان لمحمد باشا الداغستاني اصطبل ببغداد وكان أسدان كبيران مسسلسلان يتفرج الناس عليهما من وراء شباك في الإصطبل وأنا من جملة من كان يذهب هناك للتفرّج في أيّام زياراتي من النجف الأشرف إلى الكاظمين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وكان من لطائف المتفرجين أن أحدهم إذا مدّ اصبعه في الشباك تحرّك الأسد الأكبر وربما قام وصرخ، فحدثني بعض الثقات (والقضية متواترة لدى البغداديين والكاظميين) أن بعض السادة العلويين من سكنة الكاظمية كان قد ذهب للتفرج على الأسدين المذكورين، فقال له بعض الحاضرين : تروون إنّ لحوم العلويين محرّمة على السباع وإنّها لا تضرهم، فإذا كنت علويّاً فأدخل يدك في الشباك حتى نتحقق سيادتك، فقرب ذلك السيد العلوي من الشباك ومدّ يده إلى الأسدين، فغمّضا عينيهما المتذلّلين، فأبقى يده مدة طويلة ثمّ أخرجها، وكان هناك أحد من يدعي السيادة من أهل سامراء فقال له الحاضرون : إن كنت من العلويين فاعمل كما عمل ذلك السيد، فأراد أن يقرب من الشباك فقام الأسد واحمرت عيناه وصرخ صرخة رهيبة فانهزم السامرائي إلى ورائه فضحك الحاضرون منه، وقرب السيّد الكاظمي مرّة أخرى فأخذ الأسدان بتغميض أعينهما والخضوع والتذلل وهكذا تكررت العملية مراراً عديدة من السامرائي والكاظمي.

صبرها وتحملها المشاق وتسليمها لأمر اللّه

الصبر الممدوح حبس النفس على تحمّل المشاق تسليماً لأمر اللّه تعالى كحبسها عن الجزع والهلع عند المصاب وفقد الأحبة، وحبسها عن الشهوات نزولاً على حكم الشريعة، وحبسها على مشقة الطاعة تزلّفاً إلى المبدأ الأعلى، وهو من أفضل الأعمال ومن أشرف الخصال الإنسانية، وإنّما يكون من قوة الإيمان والثبات على المبدأ الحق، كما أنّ الجزع والهلع والتكاسل عن العبادات تنبعث عن ضؤلة الإيمان، وضعف اليقين، وقد مدح اللّه تعالى الصابرين في كتابه الكريم فقال عزّ وجلّ : «وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ»، وقال تعالى : «وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ»، وقال تعالى : «وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ»، والآيات كثيرة في الصبر والأحاديث أكثر.

قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): الإيمان شطران؛ شطر صبر وشطر شكر.

وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): جائني جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : يا رسول اللّه، إن اللّه أرسلني إليك بهدية لم يعطها أحداً قبلك. فقلت : ما هي ؟ قال : الصبر. قلت : فما تفسير الصبر ؟ قال : يصبر في الضرّاء كما يصبر في السرّاء، وفي الفاقة كما يصبر في الغنى، وفي البلاء كما يصبر العافية، فلا يشكو حاله عند المخلوق بما يصيبه.

و قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : ما من مسلم يصاب بمصيبة وإن قدم عهدها فأحدث لها استرجاعاً (أي يقول إنا للّه وإنا إليه راجعون) إلّا أحدث اللّه له مثل أجره يوم أصيب بها.

ولما كان الصبر بهذه المثابة عند اللّه، كان الأقربون إلى اللّه أكثر صبراً من غيرهم كالأنبياء وأوصيائهم ثمّ الأمثل فالأمثل، وهذه الصدّيقة الطاهرة قد رأت من المصائب والنوائب ما لو نزلت على الجبال الراسيات لانفسخت و اندكت جوانبها، لكنّها في كلّ

ذلك كانت تصبر الصبر الجميل كما هو معلوم لكلّ من درس حياتها، وأول مصيبة دهمتها هو فقدها جدّها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وما لاقى أهلها بعده من المكاره، ثمّ فقدها أمها الكريمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد مرض شديد وكدر من العيش والإعتكاف في بيت الأحزان، ثمّ فقدها أخاها المجتبى مسموماً تنظر إليه وهو يتقيأ كبده في الطست قطعة قطعة، وبعد موته ترشق جنازته بالسهام، ثمّ رؤيتها أخاها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تتقاذف به البلاد حتى نزل كربلاء وهناك دهمتها الكوارث العظام من قتله (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقتل بقية إخوتها وأولادهم وأولاد عمومتها وخواص الأمة من شيعة أبيها عطاشى، ثم المحن التي لاقتها من هجوم أعداء اللّه على رحلها وما فعلوه من سلب وسبي ونهب وإهانة وضرب لكرائم النبوّة وودائع الرسالة، وتكفّلها حال النساء والأطفال في ذلّة الأسر، ثمّ سيرها معهم من بلد إلى بلد ومن منزل إلى منزل ومن مجلس إلى مجلس، وغير ذلك الرزايا من التي يعجز عنها البيان ويكل اللسان، وهي مع ذلك صابرة محتسبة ومفوضة أمرها إلى اللّه تعالى قائمة بوظائف شاقة من مداراة العيال ومراقبة الصغار واليتامى من أولاد إخوتها وأهل بيتها رابطة الجأش بإيمانها الثابت وعقيدتها الراسخة حتى كانت تسلّي إمام زمانها زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أما ما كان يظهر منها بعض الأحيان من البكاء وغيره فذلك أيضاً كان لطلب الثواب أو الرحمة التي أودعها اللّه عزّ وجلّ في المؤمنين ؛ أما طلب الثواب فلعلمها بما أعده اللّه عزّ وجلّ للبكائين على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح بعوضة غفر اللّه ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر

و عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): كلّ الجزع والبكاء مكروه للعبد سوى الجزع والبكاء على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنّه فيه مأجور.

وقال الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): أيما مؤ من دمعت عيناه لقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) دمعة حتى تسيل على خدّه بوأه اللّه بها في الجنّة غرفاً يسكنها أحقاباً.

كما أن السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يبكي أباه مدة حياته وهو الإمام المقتدى به. (قال المجلسي (رَحمهُ اللّه)) بعد أن ذكر كثرة بكاء السجاد على أبيه وذكر حكاية ملامة أحد مواليه

له (عَلَيهِ السَّلَامُ): أن بكاء المقربين بعضهم بعضاً ليس لأجل المحبة البشرية بل لأغراض أخر، وهنا لما كان زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عالماً بأحوال والده مما يخفى على غيره ويعلم أنّه أحبّ الخلق إلى اللّه وإن فقده سبب لضلالة الناس وضياع واندراس شريعة سيد المرسلين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وظهور البدع بكى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لذلك (انتهى).

(أقول) وزينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) كان بكاؤها مضافاً إلى طلب الثواب لهذا الغرض أيضاً، وأمّا الرحمة التي أودعها اللّه المؤمنين فمثل ما كان من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) على ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك عند ما دخل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وولده إبراهيم يجود بنفسه، قال : فجعلت عينا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف وأنت يا رسول اللّه ؟ فقال : يابن عوف إنها رحمة ثمّ أتبعها بأخرى فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.

(و عن ابن ماجة) بإسناده عن أنس أيضاً قال : لما قبض إبراهيم ابن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال لهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : لا تدرجوه في أكفانه حتى أنظر إليه، فأتاه فانكب عليه و بكي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

(وعنه أيضاً) بإسناده عن أسماء بنت يزيد قالت : لما توفي ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إبراهيم، بکی رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال له المعزّي إمّا أبو بكر وإما عمر : أنت أحق من عظم اللّه حقه، قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب لولا أنه وعد صادق وموعود جامع وأنّ الآخر تابع للأوّل لوجدنا عليك يا إبراهيم ما وجدنا وإنا بك لمحزونون.

(وعنه أيضاً) بإسناده عن أسامة بن زيد قال : كان ابن لبعض بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، يقضي، فقام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقمت معه ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وعبادة بن الصامت، فلما دخلنا ناولوا الصبي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وروحه تقلقل في صدره قال فبکی رسول اللّه فقال له عبادة بن الصامت ما هذا يا رسول اللّه ؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): الرحمة التي جعلها اللّه في بني آدم وإنّما يرحم اللّه من عباده الرحماء.

(أقول) يكفي في علوّ مقام هذه الدرّة المكنونة والجوهرة المصونة في الصبر

وعظيم درجتها في التسليم لأمر اللّه والرضا بقضائه ما نقله في الطراز المذهب أنّها سلام اللّه عليها وعلى جدّها وأبيها وأمها وإخوانها لما وقفت على جسد أخيها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالت : اللّهم تقبل منا هذا القليل من القربان. قال : فقاربت أمها في الكرامات والصبر في النائبات بحيث خرقت العادات ولحقت بالمعجزات.

(قلت) وهذه الكلمات من هذه الحرّة الطاهرة في تلك الوقفة التي رأت بها أخاها العزيز بتلك الحالة المفجعة التي كان فيها تكشف لنا قوة إيمانها ورسوخ عقيدتها وفنائها في جنب اللّه تعالى وغير ذلك مما لا يخفى على المتأمل

تزويجها بعبد اللّه بن جعفر وشيء من حياته

لمّا بلغت زينب صلوات اللّه عليها مبلغ النساء ودخلت من دور الطفولة إلى دور الشباب، خطبها الأشراف من العرب ورؤساء القبائل، فكان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يردّهم ولم يجب أحداً منهم في أمر زواجها، وممّن خطبها (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأشعث بن قيس وكان من ملوك كنده (على ما في الإصابة) فزبره أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال : يابن الحائك أغرّك ابن أبي... حين زوّجك اخته - والحائك هنا المحتال أو الكذّاب (1)

(قلت) ومثله في قول البديع الهمداني.

یا دار منتجع الرسا***لة بيت مختلف الملائك

يابن الفواطم والعوا***تك والترائك والأرائك

أنا حانك إن لم أكن***مولى ولائك وابن حائك

وكان... زوج أخته أم فروة بنت أبي... من الأشعث وذلك أنّ الأشعث ارتد فيمن ارتد من الكنديين وأسر فأحضر إلى أبي بكر فأسلم وأطلقه وزوجه أخته المذكورة فأولدها محمّد بن الأشعث وهو أحد قتلة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

إنّ الذي كان يدور في خلد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يزوّج بناته من أبناء إخوته ليس إلا امتثالاً لقول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)(2)حين نظر إلى أولاد علي وجعفر وقال : بناتنا لبنينا وبنونا لبناتنا، ولذلك دعا بابن أخيه عبداللّه بن جعفر وشرفه بتزويج تلك الحوراء الإنسيّة إيَّاه على صداق أمها فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) أربعمائة وثمانين درهماً ووهبها إيّاه من خالص ماله (عَلَيهَا السَّلَامُ).

ويجدر بنا هاهنا أن نذكر شيئاً من حياة عبد اللّه بن جعفر (رضیَ اللّهُ عنهُ) (فنقول) هو عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب بن هاشم بن عبد مناف يلقب بالجواد ويكنّى بأبي محمّد


1) في المجمع ذكر حائك عند أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولو أنه ملعون فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إنّما ذلك الذي يحوك الكذب على اللّه ورسوله.

2) في البحار عن الخزاز القمي : نظر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى أولاد علي وجعفر فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : بناتنا لبنينا وبنونا لبناتنا.

وأشهر كناه أبو جعفر، أمه أسماء بنت عميس الخثعمية أخت ميمونة بنت الحرث أمّ المؤمنين لأمها، وهي أمّ ولد جعفر بن أبي طالب جميعاً. ولما قتل عنها جعفر تزوّجها أبو بكر فولدت له محمّداً، ولما توفي عنها تزوجها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فولدت له يحيى بن علي توفي في حياة أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هذا قول أبي الفرج الأصبهاني في المقاتل، وقيل : ولدت له يحيى ومحمّداً الأصغر.

(وفي مناقب) ابن شهر آشوب : محمّد الأصغر كان يكنى أبابكر قتل يوم الطف وقيل : كانت أمه أم ولد، وقيل : إنه مات في حياة أبيه أيضاً، وابوبكر المقتول يوم الطف من ليلى بنت مسعود النهشلية وهو الصحيح.

(وقال) ابن عبد البر في الإستيعاب : ذكر ابن الكلبي أن عون بن علي أمه أسماء بنت عميس ولم يقل ذلك غير (1).

وهاجرت أسماء مع زوجها جعفر إلى الحبشة فولدت له أولاده هناك، وكانت أسماء من القانتات العابدات، روت الحديث عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن علي او الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وروى عنها كثيرون منهم ابنها عبد اللّه بن جعفر، وحفيدها القاسم بن محمّد بن أبي بكر، وهو جد إمامنا الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأمّه، وروى عنها عبداللّه بن عباس (رضیَ اللّهُ عنهُ) وهو ابن أختها البابة بنت الحارث، قيل : وكان عمر يسألها عن تفسير المنام ونقل عنها أشياء من ذلك ومن غيره.

(قال) في الإصابة : ويقال إنّها لما بلغها قتل ولدها محمّد بمصر قامت إلى مسجد بيتها وكظمت غيظها حتى شخب ثدياها دماً.

وكان جعفر بن أبي طالب من أحب الناس إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، هاجر إلى الحبشة بأمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأسلم النجاشي ومن تبعه على يديه.

(قال الشعبي) وقدم المدينة عند فتح خيبر فالتزمه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وجعل يقبّل بين عينيه ويقول : ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر ؟

وكان إسلام جعفر بأمر أبيه أبي طالب في السنة التي بعث فيها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وكان


1) ويروى أن أسماء أول من تزوجها هو حمزة بن عبد المطلّب وإنّها ولدت له بنتاً تسمّى أمة اللّه وقيل أمامة واللّه أعلم.

يصلي مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخديجة (عَلَيهَا السَّلَامُ) و الناس عاكفون على الأصنام هذا هو الصحيح. وعن إبن إسحاق : إنّه أسلم بعد خمسة وعشرين رجلاً، وقيل : بعد واحد وثلاثين، والذي يدلّ على صحة ما اخترناه ما نقله عامة أهل السير ورواه الرواة بإسنادهم عن عمران بن حصين أن أبا طالب قال لابنه جعفر حين رأى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يصلّي وخلفه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): صل جناح ابن عمّك.

(وفي الأمالي) للصدوق بإسناده عن محمّد بن عمر الجرجاني قال : قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): أول جماعة كانت إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان يصلّي وأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) معه إذ مرّ أبو طالب ومعه ولده جعفر فقال : يا بني صل جناح ابن عمّك، فلما أحسّه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تقدمها وانصرف أبو طالب مسروراً وهو يقول:

إنّ علياً وجعفراً ثقتي***عند ملمّ الزمان والنوب

واللّه لا أخذل النبي ولا***يخذله من بني ذو حسب

لا تخذلا وانصرا ابن عمّكما***أخي لأمّي من بينهم وأبي

قال : فكانت أوّل جماعة جمعت ذلك اليوم.

(أقول) وفي هذا المقام أخبار أخر أوردناها في كتابنا مواهب الواهب في فضائل أبي طالب. وقد جاءت في جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخبار كثيرة تدلّ على سمو قدره وعظم شأنه :

قال ابن حجر) كان أبو هريرة يقول إنه أفضل الناس بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

(قال) وفي البخاري عنه : كان جعفر خير الناس للمساكين.

وقال خالد بن الحذاء عن عكرمة : سمعت أبا هريرة يقول : ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطأ التراب بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أفضل من جعفر بن أبي طالب.

(وعنه) كان جعفر يحبّ المساكين ويجلس إليهم ويخدمهم ويخدمونه ويحدثهم ويحدثونه، فكان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يكنّيه أبا المساكين.

(قال) وقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): أشبهت خلقي وخلقي رواه البخاري.

(وفي التذكرة) لسبط ابن الجوزي استشهد جعفر بموته في أرض البلقاء إلى الحجاز وذلك في جمادي الأولى سنة ثمان من الهجرة.

قال إبن إسحاق : وسبب هذه الغزاة أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعث الحرث بن عمير

الأزدي إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل موتة عرض له شرحبيل بن عمر و الغساني فقتله ولم يقتل لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) غيره، فشقّ ذلك على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فندب الناس وعسكر بالحرب وهم ثلاثة آلاف و شيعهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى ثنية الوداع، فساروا حتى نزلوا موتة فالتفاهم هرقل في أربعمائة الف منهم أربعون ألفاً مقرنين، فالتقوا فثبت المسلمون ثمّ قتل زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة وكانوا أمراء الجيش.

قال ابن سعد في الطبقات : قال ابن عمر : وجد فيما أقبل من بدن جعفر ما بين منكبيه تسعين ضربة بين طعنة رمح وضربة سيف.

(قال) إنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) نعى جعفراً و زيداً وابن رواحة قبل أن يجيء خبرهم نعاهم وعيناه تذرفان.

(قال) وفي الطبقات بالإسناد إلى عبد اللّه بن جعفر : دخل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) على أمّي فنعى إليها أبي ومسح على رأسي ورأس أخي وعيناه تذرفان بالدموع ثم قال : اللّهم إن جعفراً قد قدم إلى أحسن الثواب فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحداً من عبادك في ذريته، ثمّ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا أسماء الا أبشرك أنّ اللّه قد جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنّة.

(وقال) أمهل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) آل جعفر ثلاثاً بعد ما جاء نعيه ثم أتاهم وجيء بحجام فحلق رؤوس أولاده محمّد وعون وعبد اللّه وقال : أما محمّد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عون فشبيه خلقي وخلقي، ثمّ أخذ بيد عبد اللّه ودعا له.

(أقول) كان عبداللّه بن جعفر ممن صحب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و حفظ حديثه، ثمّ لازم أمير المؤمنين و الحسنين (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأخذ منهم العلم الكثير.

(قال) في الإستيعاب) وكان كريماً جواداً ظريفاً خليقاً عفيفاً سخياً يسمّى بحر الجود.

(قال) ويقال إنّه لم يكن في الإسلام أسخى منه (1)

(أقول) اتهام عبد اللّه بن جعفر بالغناء واجتماع الشعراء عند سكينة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومحاكمتها بينهم، وطلاق عبداللّه بن جعفر لزوجته زينب بنت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأكثر الحكايات الطاعنة في بني هاشم بعد التتبع وجدناها من وضع الزبير بن بكار عدو أهل البيت، وبلغت عداوته إلى حد أن العلويين طلبوا الخلاص منه بقتله.

(قال) ابن الأثير الجزري في الكامل : قال أحمد بن سليمان ابن أبي شيخ : قدم الزبير بن بكار العراق هارباً من العلويين لأنه كان ينال منهم فتهدّدوه فهرب منهم وقدم على عمه مصعب بن عبداللّه بن الزبير وشكا إليه حاله وخوفه من العلويين وسأله إنهاء حاله إلى المعتصم فلم يجد عنده ما أراد وأنكر عليه حاله ولامه. قال أحمد : فشكا ذلك إلي وسألني مخاطبة عمه في أمره، فقلت له في ذلك وأنكرت عليه إعراضه عنه، فقال لي : إنّ الزبير فيه جهل وتسرع فأشر عليه أن يستعطف العلويين ويزيل في نفوسهم منه، أما رأيت المأمون ورفقه بهم وعفوه عنهم وميله إليهم ؟ قلت بلى. قال : فهذا أمير المؤمنين واللّه على مثل ذلك أو فوقه ولا أقدر أذكرهم عنده لقبيح، فقل له ذلك حتّى يرجع عن الذي هو عليه من ذمّهم.

(أقول) ولم ينفع معه القول لخبث ولادته وصار يضع المفتريات حتى على مشائخ العلويين.

(قال الذهبي) إنّ الحافظ أبا الفضل أحمد بن علي السليماني عد الزبير بن بكار من الوضّاعين للأحاديث ولم يقبل حديثه ولا يوجد لحديثه أثر في الصحيحين.

(وقال) الشيخ المفيد في محكي المسائل السروية أنّ الزبير بن بكار لم يوثق فيما ينقله وهو متهم وغير مأمون لما كان عليه من بعض أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

(قلت) ولما كان عليه من النصب قدمه النواصب من العباسيين فولوه القضاء بمكة المكرمة كما قدّموا الناصبي مروان بن أبي حفصة على الشعراء، وكانت وفاته سنة 256 وهو ابن ثمانين أو أربع وثمانين سنة، وبينه وبين عبد اللّه بن الزبير أربعة أظهر ليس غير، فإنّه الزبير بن أبي بكر بن عبداللّه بن مصعب بن ثابت ابن عبداللّه بن الزبير.

(قال الصدوق طاب ثراه) استحلف الزبير بن بكار رجل من الطالبيين على شيء بين القبر والمنبر فحلف وبرص، وأبوه بكار ظلم الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شيء فدعا عليه فسقط في وقت دعائه عليه من قصره فاندقت عنقه، وأبوه عبداللّه بن مصعب هو الذي مزق عهد يحيى بن عبداللّه بن الحسين بين يدي الرشيد وقال : اقتله فإنّه لا أمان له، وهو الذي استحلفه يحيى بالبراءة وتعجيل العقوبة فحم من وقته ومات بعد ثلاث و انخسف قبره مرّات كثيرة.

(قلت) وأوّل من أوى الزبير بن بكار ودرّ عليه المعاش هو المتوكل وعداوته لعلي وأولاده معلومة ظاهره.

(ففي تاريخ) الخطيب عن جحظة البرمكي قال : استأذن الزبير بن بكار على محمّد بن عبداللّه بن طاهر وأنا بحضرته، فلما دخل أكرمه محمّد وعظمه وقال : لئن باعدت بيننا الأنصاب لقد قربت بيننا الآداب وإن أمير المؤمنين (يعني المتوكل) ذكرك فاختارك لتأديب ولده وأمر لك بعشرة آلاف درهم وعشرة تخوت من الشباب وعشرة أبغل تحمل عليها رحلك إلى حضرته بسر من رأى فشكره على ذلك وقبله.

.

1) ثمّ قال في الإستيعاب : وكان لا يرى بسماع الغناء بأسا، ثمّ نقل حكاية في ذلك أرسلها إرسالاً.

(وقال في الإصابة) قال ابن جريج : أنبأنا جعفر بن خالد ابن سارة أنّ أباه أخبره

عن عبداللّه بن جعفر قال : مسح رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) رأسي وقال : اللّهم اخلف جعفراً في ولده.

وقال : كنّا نعلب فمر بنا على دابة فحملني أمامه، أخرجه أحمد وغيره بسند قوي.

(قال) ومن طريق محمّد بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد عن عبد اللّه بن جعفر (إلى أن قال) فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): وأما عبد اللّه فيشبه خلقي وخلقي، ثم أخذ بيدي فقال : اللّهمّ اخلف جعفراً في أهله وبارك لعبد اللّه في صفقة يمينه قالها ثلاث مرّات.

(وفيه) وأنا وليهم فى الدنيا والآخرة.

(قال) وقال البغوي : حدّثنا القواريري، حدّثنا عبداللّه بن داود عن قطر بن خليفة، عن أبيه، عن عمرو ابن حريث أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مرّ بعبد اللّه بن جعفر وهو يبيع مع الصبيان، فقال : اللّهم بارك في بيعه أو صفقته.

(قال) وقال ابن حيّان: كان يقال لعبد اللّه بن جعفر قطب السخاء، وكان له عند موت النبي عشر سنين.

(وفي التذكرة) عن صحيحي البخاري ومسلم عن عبد اللّه بن الزبير أنه قال لعبد اللّه بن جعفر : أتذكر إذ لقينا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنا وأنت وابن عباس ؟ فقال له عبداللّه بن جعفر : نعم فحملنا وتركك.

(وروى) ابن سعد بإسناده عنه قال : كان رسول اللّه إذا قدم من سفر تلقّى بصبيان أهل بيته، وإنّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) جاء مرّة فسبق بي إليه فحملني فجعلني بين يديه ثمّ جيء بأحد ابنی فاطمة الحسن أو الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فأردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة.

(قال) حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا إسماعيل بن عامر قال : كان عبداللّه بن عمر إذا لقى عبد اللّه بن جعفر يقول له : السلام عليك يابن ذي الجناحين.

(قلت) وأخبار عبداللّه بن جعفر في الكرم كثيرة، وكان بدعوة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من أيسر بني هاشم وأغناهم، وله في المدينة وغيرها قرى وضياع ومتاجرة عدا ما كانت تصله من الخلفاء من الأموال، وكان بيته محط آمال المحتاجين، وكان لا يرد سائلاً

قصده، وكان يبدأ الفقير بالعطاء قبل أن يسأله، فسئل عن ذلك فقال : لا أحب أن يريق ماء وجهه بالسؤال، حتى قال فقراء المدينة بعد موته ما كنّا نعرف السؤال حتى مات عبداللّه بن جعفر.

(ويحكى) أنّ الفرزدق الشاعر أتى عبدالملك بن مروان يستميحه فأبى أن يعطيه شيئاً فقال له عبداللّه بن جعفر : ما كنت تؤمل أن يعطيك ؟ فقال : كنت أؤمل أن يعطيني ألف دينار في كلّ سنة. قال : فكم تؤمّل أن تعيش في الدنيا يا أبا فراس ؟ قال : أؤمل أن أعيش في الدنيا أربعين سنة. فنادى عبداللّه بن جعفر غلامه يا غلام عليّ بالوكيل، فأتاه وكيله، فقال له : خذ الفرزدق وأعطه أربعين ألف دينار، فقبضها ومضى. و حكايات عبداللّه بن جعفر في الجود كثيرة ذكرنا شطراً منها في كتابنا خزائن الدرر.

(وممّا) يدلّ على سؤدده ومجده و فصاحته وبلاغته ما رواه عزّ الدين ابن أبي الحديد في شرح النهج عن المدائني قال : بينا معاوية يوماً جالس وعنده عمرو بن العاص إذ قال الآذن : قد جاء عبداللّه بن جعفر بن أبي طالب فقال عمرو : واللّه لأسوأنّه اليوم. فقال معاوية : لا تفعل يا أبا عبداللّه فإنّك لا تنتصف منه ولعلك أن تظهر لنا من مغبته ما هو خفي عنا وما لا نحب أن نعلمه منه، وغشيهم عبداللّه بن جعفر فأدناه معاوية وقربه فمال عمرو إلى بعض جلساء معاوية فنال من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) جهاراً غير ساتر له وثلبه ثلباً قبيحاً فالتمع لون عبداللّه واعتراه إفكل حتى أرعدت خصائله ثم نزل عن السرير كالفنيق، فقال عمرو : مه يا أبا جعفر، فقال له عبد اللّه مه لا أمّ لك ثمّ قال :

أظنّ الحلم دلّ علي قومي***وقد يتجهّل الرجل الحليم

ثمّ حسر عن ذراعيه وقال : يا معاوية حتى منتجرّع غيظك وإلى كم الصبر على مکروه قولك وسيّىء أدبك وذميم أخلاقك، هبلتك الهبول أما يزجرك ذمام المجالسة من القذع لجليسك إذا لم يكن له حرمة من دينك تنهاك عمّا لا يجوز لك، أما واللّه لو عطفتك أواصر الأرحام أو حاميت على سهمك من الإسلام ما أرخيت لبني الإماء المتك والعبيد المسك إعراض قومك، وما يجهل موضع الصفوة إلا أهل نجوة، وإنّك لتعرف رشایط قريش وصقوة عرايرها فلا يدعونك تصويب ما فرط من خطأك في سفك دماء المسلمين ومحاربة أمير المؤمنين إلى التمادي فيما قد وضح لك الصواب

في خلافه، فاقصد لمنهج الحق فقد طال عمهك عن سبيل الرشد وخبطك في ديجور ظلمة الغي فإن أبيت إلا أن تتابعنا في قبح اختيارك لنفسك فاعفنا عن سوء القالة فينا إذا ضمنا وإياك الندى وشأنك وما تريد إذا خلوت واللّه حسيبك، فواللّه لولا ما جعل اللّه لنا في يديك لما أتيناك. (ثم قال) إنّك إن كلفتني مالم أطق ساءك ما سرّك مني من خلق.

(فقال معاوية) يا أبا جعفر لغير الخطأ أقسمت عليك لتجلسنّ، لعن اللّه من أخرج ضبّ صدرك من وجاره محمول لك ما قلت، ولك عندنا ما أملت، فلو لم يكن مجدك ومنصبك لكان خلقك وخلقك شافعين لك إلينا وأن ابن ذي الجناحين وسيد بني هاشم فقال عبداللّه كلا بل سيّدا بني هاشم حسن و حسين لا ينازعهما في ذلك أحد. فقال أبا جعفر : أقسمت عليك لما ذكرت حاجة لك قضيتها كائنة ما كانت ولو ذهبت بجميع ما أملك. فقال : أما في هذا المجلس،فلا، ثم انصرف فأتبعه معاوية بصرة فقال : واللّه لكأنه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مشيه وخلقه وخلقه وإنّه لمن شكله ولوددت أنه ابني بنفيس ما أملك، ثم التفت إلى عمر و فقال : أبا عبد اللّه ما تراه منعه من الكلام معك ؟ قال : ما لاخفاء بن عنك. قال : أظنّك تقول إنّه هاب جوابك، لا واللّه ولكنّه ازدراك واستحقرك ولم يرك للكلام أهلاً، أما رأيت إقباله علي دونك زاهداً بنفسه عنك ؟ فقال عمرو : هل لك أن تسمع ما أعددته لجوابه ؟ قال معاوية : اذهب إليك أبا عبداللّه فلات حين جواب سائر اليوم، ونهض معاوية وتفرّق الناس

(وفي كتاب المحاسن والمساوي) للبيهقي قال : حضر مجلس معاوية عبداللّه ابن عباس (1)

(قال ابن حجر) قال ابن مندة : كان ابن عباس أبيض، طويلاً، مشربا صفرة، جسيماً وسيماً، صبيح الوجه، له وفرة يخضب بالحناء.

وأسند عن أبي إسحاق : رأيت ابن عباس رجلاً جسيماً قد شاب مقدم رأسه.

وعن ابن عمر : إنه كان يقرب ابن عباس ويقول : إني رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)دعاك ومسح رأسك وتفل في فيك وقال : اللّهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.

(وفي ينابيع المودة) إن ابن عباس قال يوماً: لو وجدت أحداً أعلم مني لأتيته وتعلمت منه، فقيل له : ما تقول في علي بن أبي طالب ؟ فقال : أولم آته.

وكان من الملازمين لأمير المؤمنين بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم ولازم الحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).

والعلة في عدم خروجه مع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو ما روي أن بصره كان مكفوفاً يومئذ.

وقد وردت في شأنه أخبار تنافي علمه وفضله وأكثرها من وضع الأمويين وأشباههم، أما ما ورد من طرقنا فقد تعرّض لها علماء الرجال بما لا مزيد عليه فليراجعها من شاء.

أمّا قضيّة أموال البصرة وكتاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) المذكور في نهج البلاغة وغيره، فقد قال المحقّقون : إن المخاطب هو عبيد اللّه بن عباس لا عبد اللّه، ونزّهوا عبد اللّه من ذلك الدنس، والتحقيق في شرح النهج لابن أبي الحديد فراجع، وقد كتب العلّامة الشهير السيّد هبة الدين الشهرستاني سلّمه اللّه رسالة جيّدة في تنزيه عبداللّه بن عباس.

وكانت وفاة ابن عباس في الطائف سنة ثمان وستين وصلى عليه محمّد ابن الحنفيّة

وابن العاص، فأقبل عبد اللّه بن جعفر فلما نظر إليه ابن العاص قال : قد

1) عبداللّه بن العباس بن عبدالمطلب ابن عم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أمّه أمّ الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، كان من علماء الصحابة، وكان يقال له حبر العرب وحبر الأمة، دعاله رسول اللّه وقال : اللّهم علمه الحكمة.

جائكم رجل كثير الخلوات بالتمني، والطربات بالتغني، محب للقيان كثير،مزاحه شدید طماحه، صدوف عن السنان ظاهر الطيش لين العيش، أخاذ بالسيف، منفاق بالسرف.

فقال ابن عباس : واللّه أنت وليس كما ذكرت، ولكنّه اللّه ذكور، ولنعمائه،شكور وعن الخناء زجور، جواد كريم، سيّد حليم ماجد هميم، إن ابتدأ أصاب، وإن سئل أجاب غير حصر ولا هياب، ولا فحاش عياب، حلّ من قريش في كريم النصاب كالهزبر الضرغام، الجريء المقدام، في الحسب القمقام، ليس يدعى لدعي، ولا يدنو لدني، كمن اختصم فيه من قریش شرارها، فغلب علیه جزارها، فأصبح ألأمها حسباً، وأدناها منصباً، ينوء منها بالذليل، ويأوي منها إلى القليل، يتذبذب بين الحيين، كالساقط بين الفراشين، لا المضطر إليهم عرفوه، ولا الظاعن عنهم فقدوه، وليت شعري بأي قدم تتعرّض للرجال، وبأي حسب تبارز عند النضال، أبنفسك فأنت الوغد الزنيم، أم بمن تنتمي إليه فأهل السفه والطيش، والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهلية شهروا، ولا بقديم في الإسلام ذكروا، غير أنك تتكلم بغير لسانك، وتنطق بغير أركانك، واللّه لكان أبين للفضل وأظهر للعدل أن ينزلك معاوية منزلة البعيد السحيق، فإنه طالما سلس داؤك، وطمح بك رجاؤك إلى الغاية القصوى التي لم يخضر بها رعيك، ولم يورق بها غصنك

قال عبداللّه بن جعفر : أقسمت عليك لما أمسكت، فإنّك عنّي ناضلت ولي فاوضت.

قال ابن عباس : دعني والعبد فإنّه قد كان يهدر خالياً إذ لم يجد مرامياً، وقد أتيح له ضيغم شرس، وللأقران مفترس وللأرواح مختلس.

فقال ابن العاص : دعني يا أمير المؤمنين انتصف منه فواللّه ما ترك شيئاً.

قال ابن عباس : دعه فلا يبقي المبقي إلا على نفسه فو اللّه إن قلبي لشديد، وإنّ جوابي لعتيد، وباللّه الثقة، فإنّي كما قال نابغة بني ذبيان :

وقبلك ما قذعت وقاذعوني***فما نزر الكلام ولا شجاني

يصدّ الشاعر العراف عنّي***صدور البكر من قرم هجان

(قال ابن حجر) في الإصابة : أخرج ابن أبي الدنيا والخرائطي بسند حسن إلى محمّد بن سيرين أن دهقاناً من أهل السواد كلّم ابن جعفر في أن يكلّم عليّاً في حاجة فكلّمه فيها فقضاها، فبعث إليه الدهقان أربعين ألفاً فقالوا : أرسل بها الدهقان، فردّها وقال : إنا لا نبيع معروفاً.

(وأخرج) الدارقطني في الافراد من طريق هشام بن حسان عن محمّد بن سيرين قال : جلب رجل من التجار سكراً إلى المدينة فكسد عليه فبلغ عبداللّه فأمر قهرمانه أن يشتريه وينهبه الناس.

(وأخرج) الطبري والبيهقي من طريق ابن إسحاق المالكي قال : وجّه يزيد بن معاوية إلى عبد اللّه بن جعفر مالاً جليلاً هدية ففرقه في أهل المدينة ولم يدخل منزله منه شيئاً، وفي ذلك يقول عبداللّه بن قيس الرقيات :

وما كنت إلا كالأغر ابن جعفر***رأى المال لا يبقى له ذكرا

وقال أبو زرعة الدمشقي : حدّثنا محمّد بن أبي أسامة عن علي بن أبي حملة قال : كان يزيد أمر لعبد اللّه بن جعفر بألفي ألف درهم.

قال الشماخ ابن ضرار يمدح عبداللّه بن جعفر:

إنك يابن جعفر نعم الفتى***ونعم مأوى طارق إذا أتى

ورت ضيف طارق الحي سرى***صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى

وكان عبد اللّه بن جعفر منقطعاً إلى عمه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم إلى الحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وله في الجمل وصفّين والنهروان ذكر مشهور.

أما عدم خروجه مع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى كربلاء فقد قيل إنّه كان مكفوف البصر، ولما نعي إليه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبلغه قتل ولديه عون ومحمد كان جالسا في بيته ودخل عليه الناس يعزّونه، فقال غلامه أبو اللسلاس: هذا ما لقينا من الحسين (1)، وكان الغلام قد ربي هذين الولدين، فحذفه عبداللّه بنعله وقال له : يابن اللخناء اللحسين تقول هذا ؟ واللّه لو شهدته لما فارقته حتى أقتل معه، واللّه إنهما لمما يسخى بالنفس عنهما، ويهون علي المصاب بهما إنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه، ثمّ إنّه أقبل على الجلساء فقال : الحمد للّه أعزز علي بمصرع الحسين إن لم أكن واسيت الحسين بيدي فقد واسيته بولدي.

(ومن أخبار) عبد اللّه بن جعفر أنه خرج هو والحسنان (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وأبو دحية الأنصاري من مكة إلى المدينة فأصابتهم السماء بمطر فلجؤوا إلى خباء أعرابي فأقاموا ثلاثة أيّام حتى سكنت السماء فذبح لهم الأعرابي شاة، فلما ارتحلوا قال عبداللّه للأعرابي : إن قدمت المدينة فسل عنا، فاحتاج الأعرابي بعد سنين فقالت له امرأته : لو أتيت المدينة فلقيت أولئك الفتيان، فقال : قد نسيت أسماءهم، فقالت : سل عن ابن الطيّار، فأتى المدينة فلقى الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأمر له بمائة ناقة بفحولها ورعاتها، ثم أتى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : كفانا أبو محمّد مؤنة الابل فأمر له بألف شاة، ثم أتى عبد اللّه بن جعفر (رضیَ اللّهُ عنهُ)فقال : كفانى إخواني الابل والشياه فأمر له بمائة ألف درهم، ثم أتى أبا دحية فقال : واللّه ما عندي مثل ما أعطوك ولكن ائتني بإبلك فأوقرها لك تمراً، فلم يزل اليسار في عقب الأعرابي من ذلك اليوم.

(ومنها) أنه خرج يوماً إلى ضيعة له فنزل على حائط به نخیل لقوم وفيه غلام أسود يقوم عليه فأتى بقوته ثلاثة أقراص فدخل كلب فدنا من الغلام فرمى إليه بقرص فأكله ثم رمى إليه بالثاني والثالث فأكلهما وعبد اللّه ينظر إليه، فقال : يا غلام كم قوتك


1) ذكر هذه القصة ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة 60. (م ص)

كل يوم ؟ قال : ما رأيت ؟ قال : فلم آثرت هذا الكلب ؟ قال : إن أرضنا ما هي بأرض كلاب وإنّ هذا الكلب جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت أن أرده، قال : فما أنت صانع اليوم ؟ قال : أطوي يومي هذا، فقال عبد اللّه بن جعفر أألام على السخاء وهذا العبد أسخى منّي، ثمّ اشترى الحائط وما فيه من النخيل والآلآت واشترى الغلام ثم أعتقه ووهبه الحائط بما فيه من النخيل، فقال الغلام : إن كان ذلك لي فهو في سبيل اللّه تعالى فاستعظم عبداللّه ذلك منه، فقال : يجود هذا وأبخل أنا لا كان ذلك أبداً.

(وقيل) إن الحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قالا يوماً لعبد اللّه بن جعفر إنك قد أسرفت في بذل هذه الأموال وكان عبد اللّه بذلها لغير مستحقيها، فقال : بأبي أنتما إن اللّه عزّ وجلّ عوّدني على التفضّل علي وعودته أن أتفضّل على عباده فأخاف إن أقطع العادة فيقطع عنّي المادة.

(ولام الناس) بعض الخلفاء وكان أرسل إلى عبد اللّه بن جعفر ثلاثة آلاف ألف فقال : واللّه ما أعطيته هذا المال إلا لجميع أهل المدينة، ثم لازم له من صحبه وهو لا يعلم لينظر ما يفعل فرآه فرّق جميع ذلك المال على فقراء أهل المدينة وزاد عليه من أمواله.

(قال ابن عبدالبر في الإستيعاب) : ويقولون إن أجواد العرب في الإسلام عشرة، (فأجواد) أهل الحجاز عبداللّه بن جعفر، وعبيد اللّه بن عباس بن عبدالمطلب، وسعيد بن العاص (وأجود) أهل الكوفة عتاب بن ورقاء أحد بني رياح بن يربوع، وأسماء بن خارجة بن حصن الفزاري، وعكرمة بن ربعي الفياض أحد بني تيم اللّه بن ثعلبة (وأجواد) أهل البصرة عمرو بن عبیداللّه بن معمر، وطلحة بن عبداللّه بن خلف الخزاعي ثمّ أحد بني مليح وهو طلحة الطلحات، وعبيد اللّه بن أبي بكرة (وأجواد) أهل الشام خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسد بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وليس في هؤلاء كلهم أجود من عبداللّه بن جعفر ولم يكن مسلم يبلغ مبلغه في الجود.

(قال) وعوتب في ذلك فقال : إن اللّه عودني عادة وعوّدت الناس عادة فأنا أخاف إن قطعتها قطعت عنّي.

(ومدحه) نصيب فأعطاه إبلا وخيلاً وثياباً ودنانير و دراهم، فقيل له : تعطي لهذا

الأسود مثل هذا ؟ فقال : إن كان أسود فشعره أبيض ولقد استحق بما قال أكثر مما نال وهل أعطيناه إلا ما يبلى ويفنى وأعطانا مدحاً يروى وثناء يبقى. وقد قيل إن هذا الخبر إنّما جرى له مع عبداللّه بن قيس الرقيات.

(قال) روى عنه ابناه إسماعيل ومعاوية، وأبو جعفر محمّد بن علي والقاسم ابن محمّد وعروة بن الزبير وسعد بن إبراهيم الأكبر والشعبي ومورق العجلي وعبداللّه بن شداد والحسن بن سعد و عباس بن سهل بن سعد وغيرهم (وقال ابن حجر العسقلاني) في تهذيب التهذيب بعد أن ذكر أسماء الرواة عنه (ما نصّه) : وأخباره في الكرم شهيرة، قال ابن حبّان كان يقال له قطب السخاء.

(وذكر له ابن عساكر) في تاريخ الشام (ج 7 ص 325 - 344) ترجمة طويلة أطنب في ذكر كرمه وشرفه و ممّا قال (ما نصّه) روى الحافظ إن معاوية كان يقول بنو هاشم رجلان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لكل خير ذكر، وعبد اللّه بن جعفر لكل شرف واللّه لكأن المجد نازل منزلا لا يبلغه أحد وعبد اللّه نازل،وسطه، وقال : قال الشعبي : دخل عبد اللّه بن جعفر على معاوية وعنده يزيد ابنه فجعل يزيد يعرض بعبد اللّه في كلامه وينسبه إلى الإسراف في غير مرضات اللّه، فقال عبد اللّه ليزيد : إني لأرفع نفسي عن جوابك ولو صاحب السرير لأجبته، فقال معاوية : كأنك تظنّ أنّك أشرف منه ؟ قال : اي واللّه ومنك ومن أبيك وجدك، فقال معاوية : ما كنت أحسب أن أحداً في عصر حرب بن أمية أشرف من حرب بن أمية، فقال عبد اللّه : بلى واللّه يا معاوية إن أشرف من حرب (من أكفأ عليه إناءه وأجاره برداءه) قال: صدقت يا أبا جعفر. ثم ذكر الشعبي معنى قول عبداللّه (من أكفأ عليه إناءه الخ) وأنه عبد المطلب بن هاشم (لقصة طويلة)، وجاء شاعر إلى عبداللّه بن جعفر فأنشده:

رأيت أبا جعفر في المنام***كساني من الخزّ درّاعه

شکوت إلى صاحبي أمرها***فقال ستؤتى بها ساعه

سيكسوكها الماجد الجعفري***ومن كفّه الدهر نفّاعه

ومن قال للجود لا تعدني***فقال لك السمع والطاعه

فقال عبداللّه لغلامه : ادفع إليه جبتي ادفع إليه جبتي الخز، ثم قال له : ويحك كيف لم تر جبّتي

الوشي التي اشتريتها بثلاثمائة دينار منسوجة بالذهب ؟ فقال : اغفى غفية أخرى فلعلّي أراها في المنام فضحك منه عبد اللّه وقال لغلامه ادفع إليه جبّتي الوشي أيضاً (إنتهى ما ذكره ابن عساکر) ملخصاً.

(أمّا وفاة عبداللّه) فكانت بالمدينة سنة ثمانين أو أربع أو خمس وثمانين (1)

مقيم إلى أن يبعث اللّه خلقه***لقاؤك لا يرجى وأنت قريب

تزيد بلى في كل يوم وليلة***وتنسى كما تبلى وأنت حبيب (م ص)

عام الجحاف (سيل كان ببطن مكة جحف بالناس فذهب بالحاج والجمال بأحمالها وذلك في خلافة عبدالملك بن مروان) وصلّى عليه السجّاد أو الباقر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وأمير المدينة يومئذ أبان بن عثمان.

(قال في أسد الغابة) عبد اللّه بن جعفر أوّل مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة، وتوفي سنة ثمانين عام الجحاف بالمدينة وأميرها أبان بن عثمان لعبد الملك

بن مروان فحضر غسل عبداللّه وكفنه والولائد خلف سريره قد شققن الجيوب والناس يزدحمون على سريره، وأبان بن عثمان قد حمل السرير بين العمودين فما فارقه حتى وضعه بالبقيع ودموعه تسيل على خديه وهو يقول كنت واللّه خيراً لا شرّ فيك وكنت واللّه شريفاً واصلا براً.

وخلّف عبداللّه بن جعفر (2)عدة أولاد (قال سبط ابن الجوزي) منهم جعفر الأكبر ، وبه كان يكنّى وأمه أم عمرو بنت خراش بن بغيض وعلي وعون الأكبر،


1) قال الداودي النسابة في عمدة الطالب ص 22 من طبع النجف الأشرف (ما نصّه) مات عبداللّه بالمدينة ما سنة ثمانين وصلّى عليه أبان بن عثمان بن عفان ودفع بالبقيع. (وقيل) مات بالأبواء، وقال شيخنا أبو الحسن العمري مات عبداللّه في زمان عبدالملك بن مروان وله تسعون سنة، وقال ابن عساكر (ج) ص (344 في تاريخ الشام : قال (هشام المخزومي) أجمع أهل الحجاز وأهل البصرة وأهل الكوفة على أنهم لم يسمعوا بيتين أحسن من بيتين رأوهما على قبر عبداللّه بن جعفر وهما:

2) قال جمال الدين النسابة الداودي الحسني في عمدة الطالب (ص (22) طبع النجف الأشرف (ما نصّه) ولد عبداللّه عشرين ذكراً (وقيل) أربعة وعشرين (منهم) معاوية بن عبد اللّه كان وصي أبيه (ومنهم) علي الزينبي أمه زينب بنت علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ومنهم) إسحاق العريضي أمه أم ولد (ومنهم) إسماعيل الزاهد قتيل بني أمية (أو بني أخيه) وهؤلاء الأربعة هم المعقبون من ولد عبداللّه بن جعفر رحمه اللّه تعالى.

ومحمد، وعبّاس، وأمّ كلثوم وأمهم زينب بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأمها فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و حسن،درج، وعون الأصغر قتل مع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الطفوف (1)ولا بقية له، وأمّهما جمانة بنت المسيّب بن نجبة الفزاري وأبو بكر، وعبيد اللّه، ومحمد وأمّهم الخوصاء بنت حفصة من بني بكر بن وائل، وصالح ويحيى وموسى لا بقية لهما، وهارون لا بقية لهما أيضاً، وجعفر وأمّ أبيها وأم محمّد وأمهم ليلى بنت مسعود، وحميد وأمّ الحسن لأمّ ولد، وجعفر وأبو سعيد وأمهما أم الحسين بنت عمرو من بني صعصعة، ومعاوية وإسحاق وإسماعيل وقتم وعباس لأمهات أولاد شتّى.


1) إنّ المقتول مع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الطفوف هو عون الأكبر الذي أمه زينب بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما هو الصحيح الثابت وذهب إليه جمع من المؤرخين وأرباب المقاتل منهم الشيخ المفيد في الإرشاد، وأما عون الأصغر الذي أمه جمانة بنت المسيب بن نجبة الفزاري فإنّه قتل في وقعة الحرة كما ذكره جمع من المؤرخين ووقعة الحرّة من الوقائع المشهورة في الإسلام وكانت في ذي الحجة سنة 63 من الهجرة أيّام يزيد بن معاوية لعنه اللّه وذلك حين أنهب المدينة عسكره من أهل الشام الذين ندبهم لقتال أهل المدينة من صحابة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و القراء والتابعين وأمر عليهم مسلم بن عقبة المري السفاك لعنه اللّه وعقيبها هلك يزيد الطاغية أخزاه اللّه. (م ص)

أسفارها صلوات اللّه عليها

الأسفار التي سافرتها زينب صلوات اللّه عليها هي ثلاث وعلى قول النسابة العبيدلي هي أربع:

(السفرة الأولى) كانت مع والدها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمّا هاجر من المدينة إلى الكوفة، سافرت زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) هذه السفرة وهي في غاية العز، ونهاية الجلالة والإحتشام، يسير بها موكب فخم رهيب من مواكب المعالي والمجد محفوف بأبّهة الخلافة، محاط بهيبة النبوة، مشتمل على السكينة والوقار، فيه أبوها الكرار أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإخوتها الحسنان سيدا شباب أهل الجنّة، وحامل الراية العظمى محمّد ابن الحنفيّة، وقمر بني هاشم العباس بن علي وزوجها الجواد عبداللّه بن جعفر، وابناء عمتها عبداللّه بن عباس وعبيد اللّه، وإخوتهما وبقية أبناء جعفر الطيار، وعقيل بن أبي طالب وغيرهم من فتيان بني هاشم، وأتباعهم من رؤساء القبائل، وسادات العرب، مدججين بالسلاح، غاصين في الحديد، والرايات ترفرف على رؤوسهم، وتخفق على هاماتهم وهي في غبطة وفرح وسرور، وكان موكبها في رجوعها إلى المدينة بعد صلح الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع معاوية لا يقلّ عن هذا الموكب فخامة.

(السفرة الثانية) سفرها مع أخيها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المدينة إلى كربلاء، سافرت زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) في الموكب الحسيني المهيب من المدينة إلى كربلاء، في عزّ وجلال وحشمة ووقار، تحملها المحامل المزركشة المزينة بالحرير والديباج قد فرشت بالفرش الممهدة ووسدت بالوسائد المنضدة، تحت رعاية أخيها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، تحفّ بها الأبطال من عشيرتها، وتكتنفها الأسود الضارية من إخوتها وأبناء إخوتها وعمومتها، كأبي الفضل العباس، وعلي الأكبر، والقاسم ابن الحسن، وأبناء جعفر وعقيل، وغيرهم من الهاشميين، والعبيد والإماء طوع أمرها، ورهن إشارتها.

(السفرة الثالثة) سفرها من كربلاء إلى الكوفة بعد قتل أخيها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأصحابه الأبرار، ومن الكوفة إلى الشام تحت رعاية الظالمين الفجار، سافرت وهي حزينة القلب، كسيرة الخاطر، باكية الطرف، ناحلة الجسم، مرتعدة الأعضاء قد فارقت أعز الناس عليها، وأحبهم إليها، تحف بها النساء الأرامل والأيّامى الثواكل، وأطفال يستغيثون من الجوع والعطش، وتحيط بها القوم اللثام من قتلة أهل بيتها وظالمي أهلها، وناهبي رحلها، كشمر بن ذي الجوشن، وزجر بن قيس، وسنان بن أنس، وخولي بن يزيد الأصبحي، وحرملة بن كاهل، وحجار بن أبجر، وأمثالهم لعنهم اللّه وأخزاهم ممن لم يخلق اللّه في قلوبهم الرحمة، إذا دمعت عينها أهوت عليها السياط، وإن بكت أخاها لطمتها الأيدي القاسية، وهكذا كانت سفرتها هذه.

(أما السفرة الرابعة) إلى مصر على قول النسابة العبيدلي، فسيأتي تفصيلها عند تحقيق مدفنها إن شاء اللّه تعالى وإليك تفصيل سفرها إلى كربلاء مع أخيها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما جاءت به الروايات المثبتة.

لما عزم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على السفر من الحجاز إلى العراق استأذنت زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) من زوجها عبداللّه بن جعفر أن تصاحب أخاها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سفرته هذه فأذن لها، ومن حينها انتقلت إلى بيت أخيها (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتأهبت للخروج معه، ولما دخل عليه ابن عباس وأراد انصرافه عن المسير كان آخر ما تكلّم به مع ابن عباس أن قال له : ما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت نبيهم من وطنه و داره،وقراره وحرم جده، وتركوه خائفاً مرعوبا، لا يستقر في قرار، ولا يأوي إلى جوار، يريدون بذلك قتله، وسفك دمائه، لم يشرك باللّه شيئاً، ولم يرتكب منكراً ولا اثماً. قال له ابن عباس : جعلت فداك يا حسين إن كان لابد من المسير إلى الكوفة فلا تسر بأهلك ونسائك. فقال : يابن العم إني رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في منامي وقد أمر بأمر لا أقدر على خلافه، وإنّه أمرني بأخذهم معي. فقال : یابن العم إنّهنّ ودائع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولا أمن عليهن أحداً وهنّ أيضاً لا يفارقننى. فسمع ابن عباس بكاء من ورائه وقائلة تقول : يابن عباس تشير على شيخنا وسيدنا أن يخلفنا هاهنا ويمضي وحده لا واللّه بل نحيا معه ونموت معه، وهل أبقى الزمان لنا غيره، فبكى ابن عباس بكاء شديداً وجعل يقول : يعزّ واللّه على فراقك يابن العمّ.

(قال) في الكبريت الأحمر : فالتفت وإذا المتكلمة هي زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ)، كانت

زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) تخصّ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمحبة والمودة دون إخوتها، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخصّها كذلك.

(وقد روى) بعض الأجلاء أن هذه المحبّة من زينب كانت للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اليوم من أيّام طفولتها حتّى أنّها كانت لا تستقر إلّا في جنبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإن فاطمة أخبرت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بذلك فبكى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) اللّه وأخبر فاطمة بمصائبها واشتراكها في النائبات.

(وذكر) بعض حملة الآثار أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما زوج ابنته زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) من ابن أخيه عبداللّه بن جعفر اشترط عليه في ضمن العقد أن لا يمنعها متى أرادت السفر مع أخيها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأراد عبد اللّه بن جعفر أن يصرف الحسين عن سفره فلم ينصرف (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما يئس منه أمر ابنيه عوناً ومحمّداً بالمسير معه والملازمة في خدمته، والجهاد دونه عليه الصلوة والسلام.

(ولما سار الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)) قاصداً الكوفة كان كل من يلقاه من الناس يحذّره أهل الكوفة غدرهم، وكان يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): أيم اللّه لتقتلني الفئة الباغية وليسلّطنّ عليهم من يذلّهم.

(قال في المناقب) ولما نزل الخزيمية أقام بها يوماً وليلة، فلما أصبح أقبلت إليه أخته زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) فقالت : يا أخي ألا أخبرك بشيء سمعته البارحة ؟ فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وما ذاك يا أختاه ؟ فقالت : إني سمعت الليلة هاتفاً يقول :

ألا يا عين فاحتفظي بجهد***ومن يبكي على الشهداء بعدي

على قوم تسوقهم المنايا***بمقدار إلى إنجاز وعد

فقال لها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أختاه كلّ الذي قضى فهو كائن.

(وفي غيره من الكتب) إنّها (عَلَيهَا السَّلَامُ) لمّا سمعت ذلك من أخيها أيقنت بنزول البلاء واغرورقت عيناها بالدموع، وسكنت على نفسها مخافة أن يحسّ بذلك أحد من العيال.

زينب عليها السلام ومصائب كربلاء

إنّ المصائب التي ألمت بالصدّيقة الصغرى زينب الكبرى ابنة علي في كربلاء مصائب متنوعة :

(منها) ما رأته أوّل ما نزلت في كربلاء من معارضة الحر وإجبار أخيها (عَلَيهِ السَّلَامُ) على النزول.

(ومنها) ما شاهدته من القلة في أصحاب أخيها وكثرة جيوش الأعداء.

(ومنها) ما شاهدته من تفرّق من كان مع أخيها وذهاب الأكثر ممّن تبعه حين خطبهم بخطبته المشهورة بعد ما بلغه خبر قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة رضي اللّه عنهما فتفرق الناس عنه يميناً وشمالاً حتى لم يبق إلا الذين قتلوا معه.

(ومنها) ما كانت تشاهده من اضطراب النساء وخوفهن حين نزلوا كربلاء.

(ومنها) ما شاهدته من عطشها وعطش أهل بيتها عندما منعهم القوم الماء.

(ومنها) ما كانت تقوم به من مداراة الأطفال والنساء وهم في صراخ وعويل من العطش.

(ومنها) ما كانت تنظر إليه من الإنكسار في وجه أخيها اللّه

(ومنها) حين شاهدت إخوتها وبني أخواتها وبني عمومتها وشيعة أخيها يبارزون ويقتل الواحد منهم بعد الواحد.

(ومنها) ما شاهدته من مقتل ولديها.

(ومنها) حين شاهدت أخاها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحيداً فريداً لا ناصر له ولا معين وقد أحاط به الأعداء من كل جانب ومكان.

(ومنها) حين شاهدت رأس أخيها على الرمح دامي الوجه خضيب الشيبة.

(ومنها) حين ازدحم القوم على رحل أخيها ومناديهم ينادي : أحرقوا بيوت الظالمين.

(ومنها) حين أحرق القوم الخيام وفرت النساء والأطفال على وجوههم في البيداء.

(ومنها) مرورها على مصرع أخيها ورؤيتها جسده الشريف ملقى على الأرض تسفي عليه الرياح.

(ومنها) لما أركبوها النياق المهزولة هي والعيال والأطفال.

(ومنها) مداراتها زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو من شدّة مرضه لا يطيق الركوب وقد قيدوه من تحت بطن الناقة، وهناك مصائب أخر أشدّها أنها كانت تنظر إلى قتلة أخيها وأصحابه وهم يسرحون ويمرحون والسياط بأيديهم يضربون الأطفال والنساء وهم في غاية الشماتة بها وبأهل بيتها.

(وبالجملة) فإنّ مصائب هذه الحرّة الطاهرة زادت على مصائب أخيها الحسين الشهيد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أضعافاً مضاعفة، فإنّها شاركته في جميع مصائبه وانفردت عنه (عَلَيهَا السَّلَامُ) بالمصائب التي رأتها بعد قتلة من النهب والسلب والضرب وحرق الخيام والأسر وشماتة الأعداء.

(أما القتل) فإنّ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قتل ومضى شهيداً إلى روح وريحان وجنّة ورضوان، وكانت زينب في كل لحظة من لحظاتها تقتل قتلاً معنوياً بين أولئك الظالمين وتذري دماء القلب من جفونها القريحة، ونحن تحت هذا العنوان نذكر من أخبار الطف ما فيه اسم صريح لزينب (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وإن كانت أمّ كلثوم الواردة في أكثر الموارد المراد بها هذه الطاهرة أيضاً بقرينة أنّ بعض الرواة يذكر اسم زينب في الخبر الذي يذكره غيره باسم أمّ كلثوم، ولأنّها هي الرئيسة المطلقة للحرم الحسيني والكفيلة الوحيدة لعياله وأطفاله (عَلَيهِ السَّلَامُ).

«1»

قال السيّد الأجل رضي الدين ابن طاوس (قدّس سِرُّه): ورد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كربلاء في اليوم الثاني من المحرّم، فلما وصلها قال : ما اسم هذه الأرض ؟ فقيل : كربلاء، فقال : اللّهم إنِّي أعوذ بك من الكرب والبلاء، ثمّ قال : هذا موضع كرب وبلاء، انزلوا هاهنا محطّ

ركابنا وسفك دمائنا، وهنا محل قبورنا بهذا حدّثني جدّي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فنزلوا جميعاً ونزل الحرّ وأصحابه ناحية، وجلس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصلح سيفه ويقول :

یا دهر أن لك من خليل***كم لك بالإشراق والأصيل

من طالب وصاحب قتيل***والدهر لا يقنع بالبديل

وكلّ حيّ سالك سبيلي***ما أقرب الوعد من الرحيل

وإنّما الأمر إلى الجليل

قال: فسمعت زينب ابنة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) ذلك فقالت : يا أخي هذا كلام من أيقن بالقتل. فقال : نعم يا أختاه فقالت زينب والكلاه ينعى الحسين إلى نفسه، قال: وبكين النسوة ولطمن الخدود وشققن الجيوب وجعلت أم كلثوم تنادي : وا محمداه وا عليّاه وا أماه وا أخاه واحسيناه واضيعتنا بعدك أبا عبد اللّه. قال : فعزّاها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال لها : يا أختاه تعزّي بعزاء اللّه فإن سكان السماوات يفنون وأهل الأرض كلّهم يموتون، وجميع البريّة يهلكون، ثم قال : يا أختاه يا أمّ كلثوم وأنت يا زينب وأنت يا فاطمة وأنت يا رباب انظرن إذا أنا قتلت فلا تشققن عليّ جيبا ولا تخمشن علي وجها ولا تقلن هجراً.

(ثمّ قال السيّد) وروي من طريق آخر (وذكر رواية المفيد التي سنذكرها بعد هذا) وقال (رَحمهُ اللّه) بعد أن ذكر نزول الجيوش المقاتلة للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أميرهم عمر بن سعد كربلاء وتضييقهم على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتّى نال منه العطش ومن أصحابه، فقام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واتّكأ على قائم سيفه ونادى بأعلى صوته فقال : أنشدكم باللّه هل تعرفونني؟ قالوا : نعم أنت ابن رسول اللّه وسبطه، قال : أنشدكم اللّه هل تعلمون أن جدّي رسول اللّه ؟ قالوا : اللّهمّ نعم، قال : أنشدكم اللّه هل تعلمون أن أُمّي فاطمة بنت محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟ قالوا : اللّهمّ نعم، قال : أنشدكم اللّه هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب ؟ قالوا : اللّهمّ نعم، قال : أنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ جدّتي خديجة بنت خويلد أوّل نساء هذه الأمة إسلاما ؟ قالوا : اللّهم نعم، قال : أنشدكم اللّه هل تعلمون أن ّسيد الشهداء حمزة عمي ؟ قالوا : اللّهم نعم، قال : أنشدكم اللّه هل تعلمون أن جعفر الطيّار في الجنّة عمّي ؟ قالوا : اللّهمّ نعم، قال : أنشدكم اللّه هل تعلمون أن هذا سيف

رسول اللّه أنا متقلّده ؟ قالوا : اللّهم نعم، قال : أنشدكم اللّه هل تعلمون أن هذه عمامة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنا لابسها ؟ قالوا : اللّهم نعم، قال : أنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان أوّل القوم إسلاماً وأعلمهم علماً وأعظمهم حلماً وأنه ولي كل مؤمن ومؤمنة ؟ :قالوا اللّهمّ نعم، قال : فبم تستحلون دمي وأبي الذائد على الحوض يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادر عن الماء ولواء الحمد بيد أبي يوم القيامة ؟ قالوا : قد علمنا ذلك كله ونحن غير تاركيك حتّى تذوق الموت عطشا.

فلمّا خطب هذه الخطبة وسمعن بناته وأخته زينب كلامه بكين وندبن ولطمن وارتفعت أصواتهن فوجه إليهن أخاه العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعليّاً ابنه وقال لهما سكتاهن فلعمري ليكثرن بكاؤهنّ.

«2»

قال المفيد طاب ثراه في الإرشاد : قال علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنّي جالس في تلك العشيّة التي قتل أبي في صبيحتها وعندي عمتي زينب تمرّضني إذ اعتزل أبي في خباء له وعنده جون مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول :

یا دهر أف لك من خليل***كم لك بالإشراق والأصيل

من صاحب أو طالب قتيل***والدهر لا يقنع بالبديل

وإنما الأمر إلى الجليل***وكلّ حيّ سالك سبيلي

فأعادها مرتين أو ثلاثا حتّى فهمها، وعرفت ما أراد فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل، وأمّا عمّتي فإنّها سمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شأن النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجرّ ثوبها وإنّها لحاسرة حتّى انتهت إليه فقالت : واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت أمي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يا خليفة الماضي وشمال الباقي، فنظر إليها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال لها : يا أخيّة لا يذهبن بحلمك الشيطان، وترقرقت عيناه بالدموع وقال : لو ترك القطا لنام، فقالت : يا ويلتاه أفتغتصب نفسك اغتصابا فذاك أقرح لقلبي وأشدّ على نفسي ثم لطمت وجهها وهوت إلى جيبها فشفته وخرت مغشياً عليها، فقام

إليها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فصب على وجهها الماء، وقال لها : أختاه اتّقي اللّه وتعزي بعزاء اللّه واعلمي أنّ أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون وأنّ كلّ شيء هالك إلّا وجه اللّه الذي خلق الخلق بقدرته ويبعث الخلق ويعيدهم وهو فرد،وحده جدّي خير منّي وأبي خير منّي وأمي خير منّي وأخي خير مني ولي ولكل مسلم برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أسوة، فعزّاها بهذا ونحوه، وقال لها : يا أخيّة إنّي أقسمت عليك فابري قسمي، لا تشقّي علي جيباً، وتخمشي علي وجها، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور، إذا أنا هلكت، ثمّ جاء بها حتى أجلسها عندي ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرب بعضهم بيوتهم من بعض، وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا بين البيوت، فيستقبلوا القوم من وجه واحد والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم قد حقت بهم إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم، ورجع (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مكانه يصلّى ويستغفر ويتضرع وقام أصحابه كذلك يصلّون ويدعون ويستغفرون.

«3»

قال في اللّهوف ولمّا رأى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حرص القوم على تعجيل القتال وقلة انتفاعهم بموا اعظ الفعال والمقال، قال لأخيه العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن استطعت أن تصرفهم عنا في هذا اليوم فافعل لعلنا نصلي لربنا في هذه الليلة فإنّه يعلم أنّي أحبّ الصلاة له وتلاوة کتابه، قال : فسألهم العباس ذلك فتوقف عمر بن سعد وقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي : واللّه لو أنّهم من الترك والديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم فكيف وهم آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فأجابوهم إلى ذلك، فكان لهم في تلك الليلة دوي كدوي النحل من الصلاة والتلاوة. قال : وجلس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرقد ثم استيقظ وقال : يا أختاه إني رأيت الساعة جدي محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأبي عليّاً وأمّي فاطمة وأخي الحسن وهم يقولون : إنّك يا حسين رائح إلينا عن قريب... قال : فلطمت زينب وجهها وصاحت، فقال لها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): مهلا لا تشمتي القوم بنا.

(أقول) وفى الإرشاد : إن عمر بن سعد زحف نحو خيام الحسين بعد العصر من يوم التاسع وكان الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جالساً أمام بيته محتبياً بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه

فسمعت أخته الضجّة فدنت من أخيها فقالت : يا أخي أما تسمع الأصوات قد اقتربت، فرفع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأسه فقال : إنّي رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الساعة في المنام فقال لي : إنّك تروح إلينا فلطمت أخته وجهها ونادت بالويل فقال لها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليس لك الويل، اسكتي رحمك اللّه، ثم ذكر إرسال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخاه العباس وأخذه المهلة من القوم سواد ليلة العاشرة.

«4»

روي ذوي بعض الفضل : إنّ الحسين لما نزل كربلاء ركز راية ولم يسلّمها لأحد من أصحابه، فسئل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : سيأتي صاحبها، فبينما هم ينتظرون وإذا هم بغبرة ثائرة، فقال الإمام لأصحابه : هذا صاحب الراية قد أقبل، وإذا هم بحبيب بن مظاهر (1)فقاموا


1) هو حبيب بن مظاهر بن رئاب بن الأشتر بن جخوان بن فقعس بن طريف بن عمرو بن قيس بن الحرث ابن ثعلبة بن دودان بن أسد، أبو القاسم الأسدي الفقعي الصحابي، واختلف علماء الرجال في ضبط والد حبيب، ففي رجال الشيخ الطوسي ورجال ابن داود والتحرير الطاوسي أنّه (مظاهر) فيكون على وزن مفاعل كمقاتل، وحكى الشهيد الثاني في حاشيته على الخلاصة عن ابن طاوس أنه وجده كذلك بخط عميد الرؤساء وصححه، وبه حدث أبو مخنف الثقة الثبت وعليه سار ابن الأثير الجزري في الكامل (ج 4 ص 8) وعند ابن حجر في الإصابة (ج 1 ص 373) أنّه (مظهر) فهو على وزن محمد، ومثله الدينوري في الأخبار الطوال (ص 254) وابن نما في مثير الأحزان، وضبطه العلّامة (رَحمهُ اللّه) في الخلاصة بضمّ الميم وفتح الظاء المعجمة وتشديد الهاء بعدها الراء المهملة، ويشهد لهذا الرأي الرجز المنسوب له يوم الطف، فإنّه على رواية ابن نما في مثير الأحزان وغيره هكذا (أنا حبيب وأبي مظهر) ولعلّ مناسبة الروي تساعد هذه الرواية دون ما في الرواية الأخرى (أنا حبيب وأبي مظاهر) لمخالفتها لروي ما بعده، نعم شيخنا المامقاني في رجاله بعد أن اختار الرأي الأوّل حمل الرأي على الإغترار بما جرت به العادة من كتابة نظائره مثل اسماعيل واسحق والقسم بغير ألف حتى تخيل أنه الأصل، وكيف كان فالمترجم (وهو حبيب) أجل من أن يطريه الكاتب وما عسى أن يقول فيه وهو ممن أودع عنده علم المنايا والبلايا، وإخباره ميثما التمار بقتله وصلبه شاهد عدل على هذه الدعوى المدعومة بالبرهان، كيف لا وقد هدّ مقتله الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو الذي لا توازن بصبره الجبال، وإذ قد وضح ذلك لزهير بن القين قال له : ما هذا الإنكسار يابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؟ فقال : عند اللّه أحتسب نفسي وحماة أصحابي، ومما يؤسف عليه أن التاريخ لم يعين يوم ولادته لنعرف مقدار عمره، ويحدث صاحب كتاب ذخيرة الدارين (ص 192) عن دفنه حيث قبره الآن بأن أبا نعيم قال في حلية الأولياء : إن بني أسد دفنوا حبيباً عند رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث قبره الآن اعتناء بشأنه لأنه منهم ورئيسهم فليلاحظ، ونسب العلّامة الكبير السيد محسن الأمين العاملي ذلك في أعيان الشيعة (ج 4) إلى قائل مجهول.

و تنادوا جاء حبيب، فسمعت زينب بنت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالت : من هذا الرجل الذي قد أقبل ؟ فقيل لها : حبیب بن مظاهر، فقالت : اقرأوه عنّي السلام، فبلغوها سلامها، ولما كان اليوم العاشر من المحرّم جاء حبيب وجلس إزاء خيمة النساء واضعاً رأسه في حجره وهو يبكي ثمّ رفع رأسه وقال : آه آه لوجدك يا زينب يوم تحملين على بعير ضالع يطاف بك البلدان ورأس أخيك الحسين أمامك، وكأني برأسي هذا معلق بلبان الفرس تضربه بركبتيها فضربت زينب رأسها بعمود الخيمة وقالت: بهذا أخبرني أخي البارحة.

«5»

لما قتل علي الأكبر (1)

ولد علي الأكبر (ويكنّى بأبي الحسن) في حدود سنة ثلاث وثلاثين، فله يوم الطف سبع وعشرون سنة، ويلقب بالأكبر لأنه أكبر من الإمام السجاد الذي له يوم الطف ثلاث وعشرون سنة كما يلقب الإمام بالأصغر، وعلى هذا بنى علماء النسب والتاريخ والسيرة، منهم ابن جرير الطبري في ذيل المذيل وهو الجزء 13 الملحق بجزء 12 من التاريخ الكبير، وكامل ابن الأثير (ج 4 ص 34) ومقاتل الطالبيين (ص 31) ومروج الذهب للمسعودي (ج 2 ص 65) والتنبيه والإشراف له (ص 263) وتاريخ اليعقوبي (ج 2 ص 219) طبع النجف، والمعارف لابن قتيبة (ص 93) والأخبار الطوال للدينوري (ص 254) وتاريخ الخميس (ج 2 ص 319) ولواقع الأنوار للشعراني (ص 23 ج 1) ومرآة الجنان لليافعي (ج 1 ص 131) والروض الأنف للسهيلي (ج 2 ص 326) وشذرات الذهب لابن العماد (ج 1 ص 66) ووفيات الأعيان لابن خلكان بترجمة السجاد وغرر الخصائص للوطواط (ص 274) وذخائر العقبي للمحب الطبري (ص 152) وتذكرة السبط (ص 145) و مطالب السؤل لابن طلحة (ص 143) ونور الأبصار للشبلنجي (ص 125) وإسعاف الراغبين بهامشه (ص (194) والفصول المهمة لابن الصباغ، وكشف الغمة (ص 186) ومزار السرائر لابن إدريس الحلي، والنفحة العنبرية في النسب، والمجدي للعمري في النسب، ومنظومة الحر العاملي - وهذه الثلاثة مخطوطة، وشفاء الصدور في شرح زيارة عاشوراء بالفارسية، والأنوار النعمانية، وحكى العلّامة الأستاذ الشيخ ميرزا محمّد علي الاوردبادي ذلك عن جلاء العيون للمجلسي وتذكرة الأئمة للمولى محمّد باقر اللاهيجي، ومفتاح النجا للحارثي البدخشي، وكفاية الأثر للخزاز الرازي إلى غيرها.

وأما أمه ليلى فهي ابنة أبي مرة بن عروة الثقفي أحد العظيمين المعني بقوله تعالى «وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» أسلم عروة سنة تسع من الهجرة ورجع إلى قومه وبينا يؤذن للصلاة رماه أحدهم بسهم فمات وخرج والده أبو مرة وأبو المليح إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأعلماء بقتله وأسلما ورجعا إلى الطائف مسلمين.

وأمّا فضل علي الأكبر فحدّث عنه ولا حرج، ويكفينا في القناعة بذلك كلمة الحسين الذهبية (اللّهم اشهد عليهم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس برسولك خلقا وخلقا ومنطقا) فإنّها ترشدنا إلى أنّ الأكبر كان في وقته مرآة الجمال النبوي ومثال كماله الأسمى وأنموذجاً من منطقه البليغ الرائع، حتى أن أباه إذا اشتاق إلى محيا الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الأبهج عطف نظره إليه، أو أراد سماع صوته المبهج أصاخ إلى أقبله، أو أراد تجديد العهد بتلكم الخلائق الكريمة توجّه بكله إليه، أضف إلى ذلك تخصيص الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بزيارة خاصة له على أن لعامة الشهداء وفيهم ولد أمير المؤمنين والحسن وعقيل وجعفر زيارة تعمهم، وليس ذلك إلا من جهة تبرز الأكبر الظاهر ومنزلته العالية وأخذه بكل فضيلة إنتهى.

على ما رواه المفيد والسيد وغيرهما - جاء الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

1) لقد وقفنا على رسالة كتبها في ترجمة علي الأكبر العلّامة البحاثة السيد عبدالرزاق المقرم فرأينا من المناسب النقل عنها وقد اختصرنا منها ما يلي وقد طبعت في المطبعة الحيدرية في النجف :

حتّى وقف عليه فقال (قتل اللّه قوماً قتلوك ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) وانهملت عيناه بالدموع. قالوا: وخرجت زينب أخت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تنادي : يا حبيباه وابن أخاه وجاءت حتى انكبت عليه، فأخذ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) برأسها فردّها إلى الفسطاط وقال لفتيانه: احملوا أخاكم، فحملوه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه، وهناك تأمل ما جرى على زينب وبقية النساء.

(وفي الإيقاد) العلّامة الشاه عبدالعظيمي طاب ثراه وروي أنّ زينب خرجت مسرعة تنادي بالويل والثبور وتقول : يا حبيباه يا ثمرة فؤاداه يا نور عيناه وا ولداه وا قتيلاه واقلة ناصراه واغربتاه وا مهجة قلباه ليتني كنت قبل اليوم عمياء، وليتني وسدت الثرى، فجاءت وانكبت عليه فبكى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رحمة لبكائها وقال : إنا للّه وإنا إليه راجعون، وجاء وأخذ بيدها إلى الفسطاط.

(قال) وروي أن سكينة لما رأت نعشه وقعت عليه وغشي عليها.

«6»

قال في اللّهوف : ولما رأى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) المصارع فتيانه وأحبته عزم على لقاء القوم بمهجته ونادى هل من ذابَ يذب عن حرم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟ هل من موحّد

يخاف اللّه فينا ؟ هل من مغيث يرجوا اللّه بإغاثتنا ؟ هل من معين يرجو اللّه في إعانتنا ؟ فارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدم إلى باب الخيمة وقال الزينب (عَلَيهَا السَّلَامُ): ناوليني ولدي الصغير حتّى أودعه، فأخذه وأومأ إليه ليقبله، فرماه حرمة بن كاهل الأسدي بسهم فوقع في نحره فذبحه، فقال لزينب: خذيه، ثمّ تلقى الدم بكفّيه ثمّ قال : هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين اللّه تعالى. قال الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض.

«7»

لما بقي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحيداً بعد أصحابه الكرام، جاء إلى خيمة العيال ونادى : يا زينب يا أمّ كلثوم يا فاطمة يا سكينة يا فلانة يا فلانة (يناديهنّ بأسمائهنّ) عليكن منّي السلام فقالت سكينة : يا أبت استسلمت للموت ؟ فقال : يا بنية كيف لا يستسلم للموت من لا ناصر له ولا معين ؟ فقالت : يا أبتاه ردّنا إلى حرم جدّنا. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هيهات لو ترك القطا لنام ليلا، فتصارخن النساء فسكتهن (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال : البكاء أما مكنّ، وأوصى أخته زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) بالعيال و الأطفال، ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): آتوني بثوب لا يرغب فيه أحد أجعله تحت ثيابي، فأتته بتبان فرماه من يده وقال : هذا لباس من ضربت عليه الذلة، فأتته بثوب خلق فخرقه وجعله تحت ثيابه ثم استدعى بسراويل ففزرها ولبسها وتوجّه للقتال (الخبر).

«8»

قال المفيد في الإرشاد والسيد في اللّهوف واللفظ للثاني : وقف الحسين يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال فبينا هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته فأخذ الثوب ليمسح الدم فأتاه سهم مسموم له ثلاث شعب فوقع على قلبه، فقال : بسم اللّه وباللّه وعلى ملة رسول اللّه، ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال : الهي أنت تعلم إنّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره، ثمّ أخذ السهم فأخرجه من وراء ظهره فانبعث الدم كالميزاب فضعف عن القتال ووقف فكلما أتاه رجل انصرف عنه

كراهة أن يلقى اللّه بدمه حتى جاءه رجل من كندة يقال له مالك بن النسر فشتم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وضربه على رأسه الشريف بالسيف فقطع البرنس ووصل السيف إلى رأسه فامتلأ البرنس دماً.

(قال) فاستدعى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخرقة فشدّ بها رأسه واستدعى بقلنسوة فلبسها واعتمّ عليها فلبثوا هنيئة ثم عادوا إليه وأحاطوا به فخرج عبداللّه بن الحسن بن علي (1)وهو غلام لم يراهق من عند النساء فلحقته زينب بنت علي لتحبسه فأبى وامتنع امتناعا شديداً وقال : لا واللّه لا أفارق عمّي فأهوى أبحر بن كعب (وقيل) حرملة بن كاهل إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالسيف، فقال له الغلام : ويلك يابن الخبيثة أتقتل عمّي فضربه بالسيف فأتقاه الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد فإذا هي معلقة فنادى الغلام : يا عمّاه فأخذه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وضمّه إليه وقال : يابن أخي اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير فإنّ اللّه يلحقك بآبائك الصالحين. (قال) فرماه حرملة بن كاهل لعنه اللّه بسهم فذبحه وهو في حجر عمّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

«9»

قال السيّد : قال الراوي : ولما أثخن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالجراح طعنه صالح بن وهب لعنه اللّه على خاصرته طعنة فسقط الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن فرسه إلى الأرض على خده الأيمن وهو يقول : بسم اللّه وباللّه وعلى ملة رسول اللّه، ثمّ قام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

(قال الراوي) وخرجت زينب بنت علي من باب الفسطاط وهي تنادي : وا أخاه وا سيداه وا أهل بيتاه، ليت السماء أطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل (قال) وصاح شمر لعنه اللّه بأصحابه ما تنتظرون بالرجل. قال : فحملوا عليه من كل جانب. (ثم ذكر مقتله (عَلَيهِ السَّلَامُ)).

(وقال المفيد (رَحمهُ اللّه)) وخرجت أخته زينب إلى باب الفسطاط فنادت عمر بن سعد


1) قال أبو الفرج أمه بنت الشليل بن عبد اللّه أخي جرير بن عبداللّه البجلي (وقيل) إنّ أمّه أم ولد، قال : وكان أبو جعفر محمّد بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما رويناه عنه يذكر أن حرملة قتله، وذكر المدايني في إسناده عن هاني بن ثبيت القابضي أنّ رجلاً منهم قتله.

بن أبي وقاص : ويلك يا عمر أيقتل أبو عبداللّه وأنت تنظر إليه، فلم يجبها عمر بشيء فنادت : ويحكم أما فيكم مسلم ؟ فلم يجبها أحد.

(وفي مقتل أبي مخنف) قال حميد بن مسلم لعنه اللّه وخرجت زینب بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي تقول : ليت السماء انطبقت على الأرض، يا عمر بن سعد أيقتل أبو عبداللّه وأنت تنظر إليه، ودموع عمر تسيل على خدّه ولحيته المشومة وهو يصرف وجهه عنها والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جالس وعليه جبّة خز وقد تحاماه الناس، فنادى شمر: ويلكم ما تنتظرون به اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم، ثم ذكر مقتله (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وفي الدمعة الساكبة عن ابن رياح أنّه قال : شهدت وقعة كربلاء، فلما قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أتته امرأة وهي تعثر بأذيالها حتى سقطت على الأرض ثمّ قامت تنادي : وا حسيناه وا إماماه واقتيلاه وا أخاه، ثم إنها أتت إلى جسده وهو جثة بلا رأس فلما رأته اعتنقته و شهقت شهقات متتابعات حتى أبكت كل من كان حاضراً فسألت عنها فقالوا: هي زينب بنت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

«10»

قال المفيد (رَحمهُ اللّه) : لما قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وانتهبوا رحله وإبله وأثقاله، قال حميد ابن مسلم : فواللّه لقد كنت أرى المرأة من نسائه وبناته وأهله تنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه.

(وفي الإيقاد) أقبلوا حتى أحدقوا بالخيمة ومعهم الشمر فقال : ادخلوا فأسلبوا زينتهنّ، فدخل القوم فأخذوا ما كان في الخيمة حتى أفضوا إلى قرط كان في أذن أمّ كلثوم أخت الحسين فأخذوه وخرموا أذنها.

(وفيه) لما ارتفع صياح النساء صاح ابن سعد: ويلكم اكبسوا عليهنّ الخباء واضرموها ناراً فأحرقوها.

(وفي الدمعة الساكبة قال أبو مخنف : قالت زينب بنت علي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): كنت في ذلك الوقت واقفة في الخيمة إذ دخل رجل أزرق العينين فأخذ ما كان في الخيمة ونظر إلى علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو على نطع من الأديم وكان مريضاً، فجذب

النطع من تحته ورماه إلى الأرض والتفت إليّ وأخذ القناع من رأسي ونظر إلى قرطين كانا في أذني فجعل يعالجهما وهو يبكي حتى نزعهما، فقلت : تسلبني وأنت تبكي ؟ فقال اللعين : أبكي لمصابكم أهل البيت !! فقلت له : قطع اللّه يديك ورجليك وأحرقك اللّه بنار الدنيا قبل نار الآخرة (ثم ساق الكلام إلى استجابة دعائها على يد المختار وقد تقدم عن نور العين).

(وفي معدن البكاء) وهم الشمر لعنه اللّه بقتل ابن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو مريض، فخرجت إليه زينب بنت علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوقعت عليه وقالت : واللّه لا يقتل حتى أقتل، فكفّ عنه.

(وفي الإيقاد) عن مقتل ابن العربي ما مضمونه أنّ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند وداعه أوصى إلى أخته زينب بجمع العيال بعد أن يحرقوا الأعداء الخيام، فبعد أن أحرقوا الخيام وتفرّقت الأطفال ذهبت زينب في جمعها، ففقدت طفلين للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فذهبت في طلبهما، فرأتهما معتنقين نائمين على الأرض، فلما حركتهما فإذا هما ميّتين عطشاً، ولما سمع بذلك العسكر قالوا لابن سعد رخص لنا في سقي العيال فلمّا جاؤا بالماء كان الأطفال يعرضون عن الماء ويقولون : كيف نسقي وقد قتل ابن رسول اللّه عطشاناً.

(وهاهنا خبر لأبي مخنف) لا بأس بذكره قال : لمّا سقط الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ظهر جواده إلى الأرض أقبل فرسه إلى الخيام، فلما سمعت زينب صهيله أقبلت على سكينة وقالت لها : جاء أبوك بالماء، فخرجت سكينة فرأت الجواد عارياً والسرج خالياً فنادت واقتيلاه وا أبتاه وا حسناه واحسيناه واغربتاه وا بعد سفراه واکر بتاه، فلمّا سمع باقي الحرم خرجن فنظرن الفرس فجعلن يلطمن الخدود ويقلن : وا محمداه وا علياه واحسناه واحسيناه اليوم مات محمّد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء (الخ).

تسييرها من كربلاء إلى الكوفة وما رأته من المصائب

«1»

لمّا عزم ابن سعد على الرحيل من كربلاء أمر بحمل النساء والأطفال على أقتاب الجمال ومروا بهنّ على مصارع الشهداء، فلما نظرن النسوة إلى القتلى صحن وضربن وجوههن وفيهن زينب بنت على (عَلَيهِ السَّلَامُ) تنادي بصوت حزين و قلب کتیب یا محمّداه صلى عليك مليك السماء، هذا حسين مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء، وبناتك سبايا، إلى اللّه المشتكى، وإلى محمّد المصطفى، وإلى علي المرتضى، وإلى فاطمة الزهراء، وإلى حمزة سيّد الشهداء، يا محمّدا، هذا حسين بالعراء تسفي عليه الصبا، قتيل أولاد البغايا، واحزناه واكرباه عليك يا أبا عبداللّه، اليوم مات جدّي رسول اللّه، يا أصحاب محمداه هؤلاء ذرية المصطفى، يساقون سوق السبايا، وهذا حسين محزوز الرأس من القفا مسلوب العمامة والردى، بأبي من أضحى معسكره يوم الإثنين نهبا بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا غائب فيرجى، ولا جريح فيداوى بأبي من نفسي له الفداء، بأبي المهموم حتى قضى بأبي العطشان حتى مضى، بأبي من شيبه يقطر بالدما، بأبي من جده محمّد المصطفى بأبي من جده رسول إله السما، بأبي من هو سبط نبي الهدى، بأبي محمّد المصطفى، بأبي خديجة الكبرى بأبي علي المرتضى بأبي فاطمة الزهراء، بأبي من ردّت عليه الشمس حتى صلّى، فأبكت كل عدوّ وصديق.

«2»

(في البحار والعوالم) عن بعض الكتب المعتبرة روي مرسلا عن مسلم الجصاص قال : دعاني ابن زياد لعنه اللّه لإصلاح دار الإمارة بالكوفة، فبينما أنا أجصص الأبواب وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلت على خادم كان معنا

فقلت : مالي أرى الكوفة تضجّ ؟ قال : الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد فقلت: من هذا الخارجي ؟ فقال : الحسين بن علي، قال : فتركت الخادم حتى خرج ولطمت وجهي حتى خشيت على عيني أن يذهبا، وغسلت يدي من الجص وخرجت من ظهر القصر وأتيت إلى الكناس، فبينما أنا واقف والناس يتوقّعون وصول السبايا والرؤس إذ أقبلت نحو عشرين شقة يحملن على أربعين جملاً فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وإذا بعلي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على بعير بغير غطاء وأوداجه تشخب دماً وهو مع ذلك يبكي ويقول:

يا أمة السوء لا سقياً لربعكم***يا أمة لم تراع أحمداً فينا

لو أنّنا ورسول اللّه يجمعنا***يوم القيامة ما كنتم تقولونا

تسيّرونا على الأقتاب عارية***كأننا لم نشيد فيكم دينا

بني أمية ما هذا الوقوف على***هذي المصائب لم تصغوا لداعينا

تصفقون علينا كفكم فرحا***وأنتم في فجاج الأرض تسبونا

أليس جدّي رسول اللّه ويلكم***أهدى البرية من سبل المضلّينا

يا وقعة الطف قد أورثتني حزنا***واللّه يهتك أستار المسيئينا

(قال) وصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين هم على المحامل بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم أمّ كلثوم وقالت : يا أهل الكوفة إن الصدقة علينا حرام، وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به إلى الأرض. (قال) كلّ ذلك والناس يبكون على ما أصابهم، ثمّ إنّ أمّ كلثوم اطلعت رأسها من المحمل وقالت لهم : صه يا أهل الكوفة، يقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم فالحاكم بيننا وبينكم اللّه يوم فصل القضاء، فبينما هي تخاطبهم وإذا بضجّة قد ارتفعت وإذا هم أتوا برأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو رأس زهري قمري أشبه الخلق برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولحيته كسواد السبج قد اتصل بها الخضاب ووجهه دائرة قمر طالع، والريح تلعب بها يميناً وشمالاً، فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدّم المحمل حتى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها وأومت إليه بحرقة وجعلت تقول :

يا هلالاً لما استتم كمالا***غاله خسفه فأبدى غروبا

ما تو همت یا شقيق فؤادي***كان هذا مقدّراً مكتوبا

(أقول) وهذا الخبر رواه الفاضل الطريحي في المنتخب أيضاً والظاهر أنه هو المنقول عنه.

«3»

خطبت خطبتها التي نقلناها في عنوان بلاغتها التي أوّلها بعد الحمد والصلوة، أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختر والغدر أتبكون فلا رقأت الدمعة - الخ-.

«4»

لمّا أدخلوا الأسارى مجلس ابن زياد لعنه اللّه وجرى بين ذلك الخبيث وبين زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) من الكلام ما نقلناه في عنوان بلاغتها وفصاحتها، غار علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على عمّته فصاح : يابن زياد إلى كم تهتك عمّتي بين من يعرفها وبين من لا يعرفها ؟ فالتفت إليه وقال : من أنت ؟ قال : أنا علي بن الحسين فقال : أليس اللّه قد قتل علي ابن الحسين ؟ فقال : قد كان لي أخ يسمّى عليّاً (1)قتله الناس بأسيافهم. فقال ابن زياد بل اللّه قتله. فقال علي بن الحسين : «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا». فقال ابن زياد أولك جرأة على جوابي وفيك بقية للردّ ؟ يا غلمان اذهبوا به


1) في المنتخب من ذيل المذيل لابن جرير الطبري الملحق بالجزء 12 ص 88، قال السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابن زياد كان لي أخ أكبر مني يقال له علي قتله الناس الخ، ومثله أبو الفرج في المقاتل (ص 31)، وكانت ولادة الإمام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمدينة سنة ثمان وثلاثين من الهجرة أيّام خلافة جده أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك أنّ عامله عين على جانب من المشرق حريث ابن جابر الحنفي أصاب بنتي يزدجرد بن شهريار ابن کسری فتحل ابنه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شاه زنان فأولدها زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و نحل الأخرى محمّد بن أبي بكر فأولدها القاسم وهذا هو الصحيح الذي أثبته شيخنا المفيد رحمه اللّه تعالى في الإرشاد، وأما الرواية الأخرى الحاكية تزويج الحسين من شاه زنان أيّام عمر بن الخطاب فليس لها نصيب من الصحة، كالقول بأنها أتلفت نفسها بالفرات لما جييء بها سبية مع آل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنها ماتت بالنفاس، فأين هي ويوم الطف، وبقي السجاد مع جده سنتين وشهوراً، ومع عمه الحسن عشر سنين، ومع أبيه عشر سنين وبعد أبيه أربعاً وثلاثين سنة، وتوفي بالمدينة لخمس بقين من المحرم سنة 95 عن ست وخمسين سنة وشهور.

واضربوا عنقه، فأتته الجلاوزة فتعلقت به عمته زینب (عَلَيهَا السَّلَامُ)فقالت : يابن زياد حسبك من دمائنا واعتنقته وقالت : واللّه لا أفارقه فإن قتلته فاقتلني معه. هذه رواية المفيد (رَحمهُ اللّه).

(وقال في اللّهوف) فقالت : يابن زياد إنّك لم تبق منا أحداً فإن كنت عزمت قتله فاقتلني على معه. فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعمّته : اسكتي يا عمّة حتى أكلمه، ثم أقبل عليه وقال : أبالقتل تهددني يابن زياد ؟! أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة ؟!

(قال المفيد) فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة ثم قال : عجباً للرحم واللّه إنِّي لأظنّها ودّت أنّي قتلتها معه، دعوه فإنّي أراه لما به مشغولا.

«5»

(قال) رواة الواقعة (1): أمر ابن زياد بعلي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومن معه من الأسارى فحملوا إلى دار إلى جنب المسجد الأعظم فقالت زينب بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا تدخلنّ علينا عربية إلّا أمّ ولد أو مملوكة فإنّهنّ سبين كما سبينا وأقمن المأتم تلك الليلة إلى الصباح.

وفي روضة الواعظين : إن ابن زياد حبسهم في سجن وضيق عليهم.


1) منهم السيد بن طاوس في اللّهوف والخوارزمي في المقتل.

تسييرها من الكوفة إلى الشام وما جرى عليها هناك

المصائب التي جرت على زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) في طريق الشام كثيرة جدّاً كالمصائب الجارية عليها في طريقها من كربلاء إلى الكوفة وحيث إنّي التزمت أن لا أذكر من الأخبار إلا ما اشتمل على ذكرها (عَلَيهَا السَّلَامُ) صريحاً أعرضت عن تلك المصائب العامة التي لم يصرّح فيها باسمها، سيّما وإن أكثرها مما لا يمكن التعويل عليه لكثرة ما فيه من الإضطراب والتشويش

«1»

قال السيد ابن طاوس : قال الراوي : ثمّ أدخل ثقل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونساؤه ومن تخلّف من أهل بيته على يزيد بن معاوية وهم مقرّنون في الحبال، فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال، قال له علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أنشدك اللّه يا يزيد ما ظنك برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولو رأنا على هذه الصفة ؟ فأمر يزيد بالحبال فقطعت، ثمّ وضع رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين يديه وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرون إليه، وأمّا زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) فإنّها لمّا رأته أهوت إلى جيبها فشقّته ثمّ نادت بصوت حزين يقرح القلوب يا حسيناه يا حبيب رسول اللّه، يابن مكة،ومني، يابن فاطمة الزهراء سيّدة النساء، يابن بنت المصطفى، فأبكت واللّه كل من كان في المجلس ويزيد ساكت.

«2»

عن مقتل ابن عصفور أنّ بعض الأوغاد الطغام قال في مجلس يزيد لعنه اللّه : إنّ الحسين جاء في نفر من أصحابه وعترته فهجمنا عليهم وكان يلوذ بعضهم بالبعض فلم تمض إلّا ساعة إلّا وقتلناهم عن آخرهم. فقالت الصدّيقة الصغرى زينب سلام اللّه عليها : ثكلتك الثواكل أيها الكذاب، إنّ سيف أخي الحسين لم يترك في الكوفة بيتاً إلا وفيه باك وباكية ونائح ونائحة.

«3»

وفي (المنتخب) نقل أنه لما دعا يزيد بسبي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعرضوا عليه قالت زینب بنت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا يزيد أما تخاف اللّه سبحانه من قتل الحسين ؟ وما كفاك حتى تستحت حرم رسول اللّه من العراق إلى الشام ؟ وما كفاك انتهاك حرمتهنّ حتى تسوقنا إليك كما تساق الإماء على المطايا بغير وطاء من بلد إلى بلد ؟ فقال يزيد : إن أخاك الحسين قال: أنا خير من يزيد وأبي خير من أبيه وأمي خير من أمه وجدّي خير من جده، فقد صدق في بعض وألحن في بعض ؛ أمّا جدّه رسول اللّه فهو خير البرية، وأمّا إنّ أمّه خير من أمّي وأباه خير من أبي، فكيف ذلك وقد حاكم أبوه أبي فغلبه ثم قرأ «قُلِ اللّهُمَّ مَالِكِ المُلكِ» الآية، فقالت : «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ»، ثمّ قالت : يا يزيد ما قتل الحسين غيرك ولولاك لكان ابن مرجانة أقل وأذل، أما خشيت من اللّه بقتله وقد قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيه وفي أخيه : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة؟ فإن قلت لا فقد كذبت، وإن قلت نعم فقد خصمت نفسك. فقال يزيد ذرية بعضها من بعض، وبقي خجلا.

«4»

لمّا رأت يزيد يضرب ثنايا أخيها (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو ينشد أبيات ابن الزبعري:

ليت أشياخي ببدر شهدوا***جزع الخزرج من وقع الأسل

قامت وقالت : الحمد للّه، إلى آخر الخطبة التي نقلناها تحت عنوان فصاحتها وبلاغتها.

«5»

كلامها مع يزيد لعنه اللّه حين طلب الشامي الأحمر فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1).


1) هذا برواية الشيخ المفيد في الإرشاد والطبرسي في إعلام الورى وابن نما في مثير الأحزان وابن طاوس في اللّهوف، ولكن عند ابن جرير في تاريخه ج 6 ص 265، وابن الأثير في الكامل ج 4 ص 35 والفتال في روضة الواعظين ص 164، والصدوق في المجالس (ص 101) مجلس 31 إنّها فاطمة ابنة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعبارتهم (فأخذت بثياب أختي زينب) وكانت أبر وأعقل (الخ).

من يزيد بقوله : هب لي هذه الجارية، وقد تقدم في عنوان فصاحتها (عَلَيهَا السَّلَامُ).

«6»

قال ابن جرير الطبري في تاريخه (ج 6 ص 266) وابن الأثير في الكامل (ج 4 ص 36) : لما أرجعهم يزيد إلى المدينة بصحبة رجل من أهل الشام وشاهد عيال الحسين منه الفعل الجميل في حلّهم وارتحالهم، قالت فاطمة ابنة علي لأختها (زينب) : يا أخية لقد أحسن هذا الرجل الشامي إلينا في صحبتنا فهل لك أن نصله ؟ قالت زينب : ما معنا إلّا حلينا، فأخذت سواري ودملجي وأخذت سوارها ودملجها وبعثنا به إليه واعتذرنا من قلته، فقال لهم الرسول : إني لم أفعل معكم ذلك إلّا لقرابتكم من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وليس لي الطمع في الدنيا...

رجوعها من الشام إلى المدينة

قال المفيد في الإرشاد : ندب يزيد النعمان بن بشير وقال له : تجهّز لتخرج بهؤلاء النسوة إلى المدينة وأنفذ معهم في جملة النعمان بن بشير رسولاً تقدم إليه أن يسير بهم في الليل ويكونوا أمامه حيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا انتحى عنهم، و تفرّق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم، وينزل منهم بحيث إن أراد إنسان من جماعتهم وضوء أو قضاء حاجة لم يحتشم، فسار معهم في جملة النعمان، ولم يزل ينازلهم في الطريق ويرفق بهم كما وصاه يزيد حتى دخلوا المدينة.

(وقال السيد ابن طاوس) : لما بلغوا العراق قالوا للدليل مر بنا على طريق كربلاء، فوصلوا إلى موضع المصرع فوجدوا جابر (1)بن عبد اللّه الأنصاري (رَحمهُ اللّه) وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد وردوا لزيارة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوافوا في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد فأقاموا على ذلك أياماً.

(قال) ثم انفصلوا من كربلا طالبين المدينة، قال بشر بن حذلم فلما قربنا منها نزل علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فحطّ رحله و ضرب فسطاطه وأنزل نساءه وقال : يا بشر رحم اللّه أباك لقد كان شاعراً فهل تقدر على شيء منه ؟ فقلت: بلى يابن رسول اللّه إنّي الشاعر، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أدخل المدينة وانع أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ). قال بشر : فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة، فلما بلغت مسجد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) رفعت صوتي بالبكاء، وأنشأت


1) جابر بن عبداللّه بن حزام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، كنيته أبو عبداللّه، من أجلاء الصحابة، وردت في فضله أخبار كثيرة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وكان من المنقطعين إليهم، عاش إلى أن رأى الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبلغه سلام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، و هو أوّل من زار الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد قتله، وكان يقول : غزا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إحدى وعشرين غزوة شهدت منها تسع عشرة غزوة، مات سنة 78، وعاش أربعاً وتسعين عاماً.

أقول :

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها***قتل الحسين فأدمعي مدرار

الجسم منه بكربلا مضرّج***والرأس منه على القناة يدار

قال : ثم قلت : هذا علي بن الحسين مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم، أعرفكم مكانه. قال : فما بقيت في المدينة مخدّرة ولا محجّبة إلا برزن من خدورهن، مكشوفة شعورهن، مخمشة وجوههن، ضاربات خدودهنّ، يدعين بالويل والثبور، فلم أر باكياً وباكية أكثر من ذلك اليوم، ولا يوماً أمر على المسلمين منه. وساق الكلام إلى خطبة السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وقال أبو مخنف في مقتله بعد نقله نظير ما نقله السيد (رَحمهُ اللّه) : ثم قام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) يمشي إلى أن دخل المدينة، فلما دخلها زار جده رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم دخل منزله.

(وفي المنتخب) وأما أم كلثوم فحين توجهت إلى المدينة جعلت تبكي وتقول :

مدينة جدّنا لا تقبلينا***فبالحسرات والأحزان جينا(1)

(قال) وأما زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) فأخذت بعضادتي باب المسجد ونادت : يا جدّاه إنّي ناعية إليك أخي الحسين، وهي مع ذلك لا تجف لها عبرة، ونقل مثل ذلك في البحار والعوالم ولا تفتر من البكاء والنحيب، وكلما نظرت إلى علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تجدّد حزنها وزاد وجدها.

وقد عنّ لي أن أختم هذا العنوان بأبيات تختص زينب من منظومة الحجة الكبير الشيخ هادي الكاشف الغطاء (رَحمهُ اللّه) يفصل فيها مصائب زینب (عَلَيهَا السَّلَامُ)، قال (رَحمهُ اللّه) :

للّه صبر زينب العقيلة***کم صابرت مصائباً مهولة

رأت من الخطوب والرزايا***أمراً تهون دونه المنايا

رأت كرام قومها الأماجد***مجزّرين في صعيد واحد

تسفي على جسومها الرياح***وهي لذوبان الفلا تباح

رأت عزيز قومها صريعا***قد وزّعوه بالضبا توزيعا


1) هذا البيت من قصيدة يغلب على أن أكثرها أو كلها ليس من نظمها بل من نظم غيرها من المتأخرين فلاحظه.

رأت رؤساً بالقنا تشال***وجثثا أكفانها الرمال

رأت رضيعاً بالسهام يفطم***وصبية بعد أبيهم أيتموا

رأت شماتة العدوّ فيها***وضعه ما شاء في أخيها

رأت عنا أسراً هوانا ذلا***ظلماً جفا جوراً سبايا ثكلا

وإن من أدهى الخطوب السود***وقوفها بين يدي يزيد

وفاتها ودفنها سلام اللّه عليها

إنّ من المأسوف عليه أن حملة التأريخ على توسعهم في سرد القصص والأحوال في أشياء كثيرة ربما يكون القارىء في غنى عنها، أهملوا حقائق من التاريخ تمس إليها حاجة المنقب، وتساق إليها طلبة الباحث، ولسنا الآن في صدد الأسباب الباعثة على ذلك، ولعلّها لا تخفى على الناقد البصير، غير أن المهم في هذا الكتاب هي ناحية واحدة أصبحت من مواضيعه وهو البحث عن وفاة (عقيلة بني هاشم زينب الكبرى) وتحري الوقوف على مدفنها، وإن كانت المصادر التي نستمد منها لا تخلو جملة منها من تشويش واضطراب، وعلى العلات فنحن نتقدم إلى القارىء الكريم ما قيل في ذلك ونحيل الحكم إليه.

(فقيل) إنّها توفّيت ودفنت في المدينة المنورة، وكان ذلك بعد رجوعهم من الشام، ذكره صاحب الطراز عن بحر المصائب، ولو صح هذا البقي لعظيمة بيت الوحي أثر خالد ومشهد يزار كما بقي لمن دونها في المرتبة من بني هاشم بل لمن يمت إليهم بالولاء من رجالات الأمّة.

(وقيل) إنّها توفّيت حوالي الشام، نقله صاحب الطراز أيضاً عن أنوار الشهادة وبحر المصائب، في تفصيل لا مقيل له من ظل الحقيقة وهو بالروايات الخرافية أشبه فالإعراض عنه أجدر.

(وقيل) إنّها توفّيت في الشام، نقله في الطراز أيضاً عن كنز الأنساب، لكن قائله تفرد بروايته قصة في ذلك لم تتأكّد.

(وقيل) إنها توفيت في إحدى قرى الشام، نسبه في الطراز أيضاً إلى بعض المتأخرين، وتلهج الألسن بسبب ذلك بحديث المجاعة التي أصابت أهل المدينة المنورة فهاجرت مع زوجها عبداللّه إلى الشام وتوفيت هنالك ؛ وهو حديث لا أثر له في كتب التأريخ والسير والأنساب والتراجم، ولم يذكره المنقبون في الآثار ممّن كتب

في أهل البيت كالكليني، والصدوق، والشيخ المفيد، والسيّد المرتضى، والشيخ الطوسي، وابن شهر آشوب، والطبرسي، وابن الفتال والعلّامة الحلي، وابن طاوس، والوزير الاربلي، والمجلسي الذي جمع فأوعى، وقد احتوت مكتبته على ما لا يوجد في غيرها من آلاف الكتب إلى غيرهم كسبط ابن الجوزي، وابن الصباغ المالكي، وابن طلحة الشافعي، والحافظ الكنجي، وابن الصبان والشبلنجي، والمحب الطبري، والبدخشي، والسيد علي الهمداني إلى نظرائهم، وما أدري (ولا المنجم يدري) من أين جاء القائل بحديث المجاعة وقد خلت عنه زبر الأولين الذين هم أقرب عهداً بأمثال هذه الوقائع من هذا القائل وذويه، وأغرب من ذلك أن بعض من (يدّعي وصلا بليلي) عزاه إلى كتاب لم نجده فيه بعد الفحص والتتبع.

وذكر النسابة العبيدلي (1)في (أخبار الزينبيات) على ما حكاه عنه مؤلف كتاب (السيدة زينب) ص 21 أنّ زينب الكبرى بعد رجوعها من أسر بني أمية إلى المدينة أخذت تؤلب الناس على يزيد بن معاوية، فخاف (عمرو بن سعد الأشدق) انتقاض


1) هو شيخ الشرف أبو الحسين يحيى بن الحسن العقيقي بن جعفر الحجة ابن عبيد اللّه الأعرج بن الحسين الأصغر ابن الإمام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) العبيدلي النسابة، تولد سنة 214 ه، وتوفي سنة 277 ه، أول من صنف في نسب الطالبيين كما في عمدة الطالب، وهو من مشاهير أصحاب القاسم الرسي كما في (مطلع البدور) وتوفي سنة 246 ه، وينقل عن المترجم السيد أحمد العبيدلي في تذكرة النسب وجعل رمزه (يح). ویروی کتابه نسب آل أبي طالب شيخ الشرف أبو الحسين محمّد بن أبي جعفر محمّد العبيدلي بن علي الجواد بن الحسن بن علي بن إبراهيم بن علي الصالح بن عبيد اللّه الأعرج... النسابة المتوفى سنة 435، يروى الكتاب المذكور عن حفيد المؤلف أبي محمّد الحسن بن أبي الحسن محمّد الأكبر ابن أبي الحسين يحيى المؤلف، ويعرف أبو محمّد هذا (بالدنداني) النسابة، ويعرف أيضاً بابن أخي طاهر لأن عمه طاهر بن يحيى المترجم من المشاهير وينسب إليه جماعة، فالملقب بشيخ الشرف من النسابة العبيدليين رجلان (أحدهما) يحيى المترجم من أهل القرن الثالث (وثانيهما) أبو الحسين محمّد المذكور الراوي لكتاب الأول عن حفيده من أهل القرن الخامس، وهناك رجل ثالث من العبيدليين لم يعهد له هذا اللقب، وهو السيد أحمد بن محمّد بن المهنا بن علي بن المهنا الحسيني العبيدلي صاحب التذكرة في الأنساب المشجرة، وألحق بآخره نسب الصفويين السيد عز الدين إسحاق بن إبراهيم بن إسحاق الحسني الحسيني الطباطبائي الشيرازي العبيدلي وهو معاصر للعلامة الحلي. وأما (أخبار الزينبيّات) فذكره ابن الأعرج الحسيني الواسطي النسابة في الثبت المصان وأبو يعقوب الأزموري الأمغاري في اقنوم الآثار وغيرهما (إنتهى منقولا من خط العلّامة المتتبع الشيخ ميرزا محمّد علي الاوردبادي).

الأمر فكتب إلى يزيد بالحال، فأتاه كتاب يزيد يأمره بأن يفرق بينها وبين الناس، فأمر الوالي بإخراجها من المدينة إلى حيث شاءت، فأبت الخروج من المدينة وقالت : قد علم اللّه ما صار إلينا قتل خيرنا وسقنا كما تساق الأنعام وحملنا على الأقتاب، فواللّه لا أخرج وإن أهرقت دماؤنا. فقالت لها زينب بنت عقيل : يا ابنة عمّاه، قد صدقنا اللّه وعده وأورثنا الأرض نتبوء منها حيث نشاء، فطيبي نفساً وقري عيناً وسيجزي اللّه الظالمين، أتريدين بعد هذا هواناً ؟ ارحلي إلى بلد آمن، ثم اجتمع عليها نساء بني هاشم وتلطفن معها في الكلام فاختارت (مصر) وخرج معها من نساء بني هاشم فاطمة ابنة الحسين وسكينة فدخلت مصر لأيام بقيت من ذي الحجّة فاستقبلها (الوالي مسلمة ابن مخلد الأنصاري) في جماعة معه فأنزلها داره بالحمراء، فأقامت به أحد عشر شهراً وخمسة عشر يوماً وتوفيت عشيّة يوم الأحد لخمسة عشر يوماً مضت من رجب سنة اثنتين وستين هجرية ودفنت بمخدعها في دار مسلمة المستجدة بالحمراء القصوى (1)حيث بساتین عبداللّه بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، إنتهى نص العبيدلي.

ونقل الموافقة له فى الدفن الشريف ناشر کتاب الزينبات عن ابن عساكر الدمشقي في تاريخه الكبير، والمؤرخ ابن طولون الدمشقي في الرسالة الزينبية، ووجدنا الموافقة له أيضاً في كتاب لواقح الأنوار للشعراني (ص 23 ج 1) وفي كتاب إسعاف الراغبين للشيخ محمّد بن صبان (ص 196) بهامش نور الأبصار، وفي كتاب نور الأبصار للشبلنجي (ص166)، وفي الإتحاف للشبراوي (ص93) وفي مشارق الأنوار للشيخ حسن العدوى (ص 100) نقلاً عن الشعراني في الأنوار القدسيّة والمنن. وعن العلّامة المناوي في طبقاته، وعن جلال الدين السيوطي في رسالته الزينبيّة، وعن العلّامة الأجهوري في رسالته على مسلسل عاشوراء.

قال مؤلف كتاب (السيدة زينب) ص 60 : ثمّ بعد مرور عام على وفاتها، وفي


1) الحمراء القصوى هي إحدى الحمراوات الثلاث (الحمراء الدنيا) خطة بلي بن عمر بن الحاف بن قضاعة، (والحمراء الوسطى) خطة بني نبه وهم قوم من الروم حضر الفتح منهم مائة رجل (والحمراء القصوى) وهي خطة بني الأزرق وبني روبيل وهم من الروم، وهي من درب معاني إلى القناطر الظاهرية يعني قناطر السباع وهي حد ولاية مصر من القاهرة وكانت هذه الحمراوات الثلاث جل عمارة مصر.

نفس اليوم الذي توفيت فيه اجتمع أهل مصر قاطبة وفيهم الفقهاء والقراء وغير ذلك وأقاموا لها موسما عظيماً برسم الذكرى على ما جرت به العادة، ومن ذلك الحين لم ينقطع هذا الموسم إلى وقتنا هذا من يوم وفاتها إلى الآن وإلى ما شاء اللّه، وهذا الموسم المذكور هو المعبر عنه بالمولد الزينبي الذي يبتدىء من أول شهر رجب من كلّ سنة وينتهي ليلة الختام، وتحيا هذه الليالي بتلاوة آي القرآن الحكيم والأذكار الشرعية ويكون لذلك مهرجان عظيم، وتفد الناس من كل فج عميق إلى زيارة ضريحها الشريف، وكذلك تقصدها الناس بالزيارة بكثرة لاسيما في يوم الأحد وهي عادة قديمة ورثها الخلف عن السلف. قال : والأصل في ذلك أن أفضل ما يزار فيه الولي من الأيّام هو اليوم الذي توفي فيه، بل قالوا لا يزار إلا في هذا اليوم، إن علم ذلك وإلا ففي اليوم المجمع عليه جريا على العادة والسيّدة رضي اللّه عنها وأرضاها لا يقصدها الزائرون بكثرة إلا في هذا اليوم اقتداء بما تواتر عن أسلافهم وكان يزورها كافور الأخشيدي في ذلك اليوم كما كان يزور السيدة نفيسة بنت سيّدي الحسن في يوم الخميس وكذلك كان يفعل أحمد بن طولون وكان الظافر بنصر اللّه الفاطمي لا يزورها إلا في نفس هذا اليوم وإذا أتى إلى مقامها الشريف يأتي حاسر الرأس مترجلاً ويتصدق عند قبرها وينذر لها النذور وغير ذلك، واقتفى أثر هؤلاء من جاء بعدهم من الملوك والسلاطين والأمراء، وكان الظاهر جقمق أحد ملوك مصر في القرن الثامن الهجري يوقد له في هذا اليوم الشموع وتنار ارجاء المشهد بالقناديل الملونة، ولازم زيارتها في هذا اليوم كثير من العلماء والأولياء وأهل الفضل، ولا زال ذلك جاريا إلى الآن.

المشهد الزينبي في مصر

يتحدّث في وصف هذا المشهد الرحالة أبو عبد اللّه محمّد الكرهيني الفاسي الأندلسي وقد دخل القاهرة في 14 محرم سنة 369 والخليفة يومئذ أبوالنصر نزار بن المعز لدين اللّه أبو تميم معد الفاطمي، فزار جملة من المشاهد من بينها هذا المشهد (قال) دخلنا مشهد زينب بنت علي فوجدناه داخل دار كبيرة وهو في طرفها البحري يشرف على الخليج، فنزلنا إليه بدرج وعاينا الضريح فوجدنا عليه در بوزاً، قيل لنا : إنّه من القمارى فاستبعدنا ذلك لكن شممنا منه رائحة طيبة ورأينا بأعلى الضريح قبة بناؤها من الجص ورأينا في صدر الحجرة ثلاثة محاريب أطوالها الذي في الوسط وعلى ذلك كله نقوش غاية في الإتقان ويعلو باب الحجرة زليجة قرأنا فيها بعد البسملة «وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا» (هذا ما أمر به عبداللّه ووليه أبو تميم أمير المؤمنين الإمام العزيز باللّه صلوات اللّه تعالى عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المكرمين أمر بعمارة هذا المشهد على مقام السيّدة الطاهرة بنت الزهراء البتول زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب صلوات اللّه تعالى عليها وعلى آبائها الطاهرين وأبنائها المكرمين).

وفي القرن السادس أيّام الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب أجرى في هذا المشهد عمارة أمير،مصر، ونقيب الأشراف الزينبيين بها الشريف فخر الدين ثعلب الجعفري الزينبي صاحب البساتين التي عرفت بمنشاة ابن ثعلب ومنشىء المدرسة الشريفية التي تعرف الآن بجامع العربي بالجودرية، وما برح هذا المشهد على هذه العمارة إلى أن كان في القرن العاشر الهجري فاهتم بعمارته وتشييده وجعل له مسجداً يتصل به الأمير علي باشا الوزير والي مصر من قبل السلطان سلیمان خان ابن السلطان سليم الفاتح، وكان ذلك في شهور سنة 956. وفي سنة 1174 أعاد بنيانه وشيّد أركانه الأمير عبدالرحمن كتخدا القاز دو غلي وأنشأ به ساقية وحوضاً للطهارة، وبنى أيضاً

مقام الشيخ محمّد العتريس. وفي سنة 1210 جدّدت المقصورة الشريفة من النحاس الأصفر وكتب فيه على بابها (يا سيدة زينب يا بنت فاطمة الزهراء مددك سنة 1210). وفي سنة 1212 ظهر الصدع في حوائط المسجد وبنائه فندبت حكومة المماليك عثمان بك المرادي لتجديده وإنشائه فابتدأ بالبناء فيه وما لبث أن توقف العملة لدخول الفرنسيين القطر المصري فأكمله بعد ذلك يوسف پاشا الوزير في شهور سنة 1216، وأرخ ذلك بأبيات خطت على لوح من الرخام (ونصّها):

نور بنت النبي زينب يعلو***مسجداً فيه قبرها والمزار

قد بناه الوزير صدر المعالي***يوسف وهو للعلى مختار

زاد إجلاله كما قلت أرخ***(مسجد مشرق به أنوار)

(قلت هذا التاريخ كما تراه لا يوافق العدد المذكور ولعله كان متقدما على هذا الإكمال.

(قال) ثمّ حالت دون تمام عمارته موانع فأكملها المغفور له محمّد علي پاشا الكبير جد الأسرة العلوية، وأراد عباس پاشا أيّام حكومته أن يجدد هذا المسجد ويوسعه وشرع في ذلك ووضع الأساس بيده سنة 1270، ولكنه عاجله الأجل فانقطع العمل فأتمه من بعده المرحوم سعید پاشا وأمر بتجديد الواجهة الغربية والبحرية ومقام العتريس والعيدروس، وكان ذلك في سنة 1276 وبعد تمام هذه العمارة كتب على لوح من الرخام تاريخها في أبيات (ونصّها):

في ظل أيّام السعيد محمّد***رب الفخار مليك مصر الأفخم

من فائض الأوقاف أتحف زينبا***عون الورى بنت النبي الأكرم

من يأت ينوي للوضوء مؤرخا***(يسعد فانّ وضوءه من زمزم)

وكتب على باب المقام هذا البيت:

یا زائريها قفوا بالباب وابتهلوا***بنت الرسول لهذا القطر مصباح

وفى سنة 1294 جدّد الباب المقابل لباب القبة من المرمر المصري والإستانبولي على الهيئة الموجودة الآن بأمر الخديوي محمّد توفيق پاشا، وفي سنة 1297 أمر بتجديد القبة والمسجد والمنارة فتمّ ذلك في شهور سنة 1302 وكتب على أبواب القبة الشريفة.

باب الشفاعة عند قبة زينب***يلقاه عاد للمقام ورائح

من يمن توفيق العزيز مؤرخ***(نور على باب الشفاعة لائح)


قف توسل بباب بنت علي***بخضوع وسل إله السماء

تحظ بالعز والقبول وأرخ***(باب أخت الحسين باب العلاء)

(قلت) يوافق العدد بإسقاط الهمزة من علاء.

رفعوا لزينب بنت طه قبة***علياء محكمة البناء مشيّده

نور القبول يقول في تاريخها***(باب الرضا والعدل باب السيّده)

(قلت) وهذا التاريخ كما تراه 1293 وهو ينقص واحداً عن تجديد الباب بأمر الخديوي محمّد توفيق سنة 1294.

قال : وفي عصر هذا التاريخ نقشت القبة والمشهد بنقوش بديعة ألبستها ثوباً جديداً وأنيرت أرجاء المسجد والمشهد بالأنوار الكهربائية (إنتهى).

أولادها

ولدت العقيلة زينب الكبرى لعبد اللّه بن جعفر الطيار (وكما في تاريخ ج 2 ص 317) عليّاً وعوناً الأكبر وعباساً وأمّ كلثوم.

(وذكر) النووي في تهذيب الأسماء واللغات جعفر الأكبر.

(وذكر) السبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص (ص 110) محمّداً أما العباس وجعفر ومحمد فلم نقف لهم على أثر ولا ذكرتهم النسابة من المعقبين.

وأمّا علي وهو المعروف (بالزينبي) ففيه الكثرة والعدد، وفي ذريته الذيل الطويل والسلالة الباقية (وهو كما في عمدة الطالب) أحد أرجاء آل أبي طالب الثلاثة :

(الأولى) بنو موسى الجون بن عبد اللّه المحض بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط (عَلَيهِ السَّلَامُ).

(الثانية) بنو الإمام موسى الكلام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

(الثالثة) بنو جعفر السيد إبراهيم بن محمّد بن علي الزينبي.

وفي تاج العروس بمادة زنب) (والزينبيون بطن من ولد علي الزينبي بن عبداللّه الجواد بن جعفر الطيار، نسبة إلى أمه زينب بنت سيدنا على (رضیَ اللّهُ عنهُ)، وأمّها فاطمة رضي اللّه عنها، وولد علي هذا أحد أرجاء آل أبي طالب الثلاثة، أعقب من ابنه محمّد والحسن وعيسى ويعقوب، وأبو الحسن علي بن طلحة بن علي بن محمّد الزينبي تولى الخطابة والنقابة بعد أبيه في زمن المستنجد وتوفي سنة 561).

وأمّا عون الأكبر فهو من شهداء الطف قتل في جملة آل أبي طالب وهو مدفون مع آل أبي طالب في الحفيرة ممّا يلي رجلي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما نصّ عليه الشيخ المفيد في الإرشاد والطبرسي في إعلام الورى.

(وجاء) في المزار الكبير للشيخ الجليل محمّد بن المشهدي بسند (هذا نصّه) أخبرني الشريف الجليل العالم أبو الفتح محمّد بن محمّد الجعفري أدام اللّه عزّه، قال :

أخبرني الشيخ الفقيه عماد الدين محمّد بن أبي القاسم الطبري عن الشيخ أبي علي الحسن بن محمّد الطوسي وأخبرني عالياً الشيخ الفقيه أبو عبداللّه الحسين بن هبة اللّه بن رطبة (رضیَ اللّهُ عنهُ)، قال : أخبرني شيخي المفيد أبو علي الحسن بن محمّد الطوسي، عن الشيخ أبي جعفر محمّد الطوسي، قال : حدّثنا الشيخ أبو عبداللّه محمّد بن أحمد بن عياش المعادي (رَحمهُ اللّه) قال : خرج من الناحية على يد الشيخ محمّد ابن غالب الأصبهاني حين وافاه أبي (رَحمهُ اللّه) وكنت حدث السن فكنت أستأذن في زيارة مولاي أبي عبداللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) او زيارة الشهداء رضوان اللّه عليهم، فخرج إلي منه (بسم اللّه الرحمن الرحيم إذا أردت زيارة الشهداء رضوان اللّه عليهم فقف عند رجلي علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنّ هناك حومة الشهداء وأوم وأشر إلى علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وقل: السلام عليك يا أوّل قتيل) (وساق الزيارة إلى أن قال) (السلام على عون بن عبداللّه بن جعفر الطيّار في الجنان، حليف الإيمان، ومنازل الأقران، الناصح للرحمن، التالي للمثان، لعن اللّه قاتله عبد اللّه بن قطبة النبهاني)

وقال السيد ابن طاوس في مصباح الزائر عند ذكر زيارة الشهداء في يوم عاشوراء : (فإذا أردت زيارة الشهداء رضوان اللّه عليهم فقف عند رجلي علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فاستقبل القبلة بوجهك فإنّ هناك حومة الشهداء وساق الزيارة بعين ما ذكره محمّد بن المشهدي (ثم قال) في زيارتهم أوّل يوم من رجب (امض وقف على ضريح علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) مستقبل القبلة وقل: السلام من اللّه (إلى أن قال) السلام على عون بن عبداللّه بن جعفر بن طالب) من هاهنا لا يرتاب القارىء في أنّ عوناً مقبور مع الشهداء في الحائر المقدس فما ذهبت إليه المزاعم من أن مشهده هي القبة الماثلة اليوم على يسار السابلة من كربلاء إلى المسيب غير صحيح.

(نعم) ذكر النسابة السيد جعفر بن السيد محمّد الأعرجي الكاظمي المتوفى سنة 1333 ه في (بشت كوه) من قرى ايران في كتابه (مناهل الضرب في أنساب العرب) ما نصّه : (إنّ عون بن عبداللّه بن جعفر بن مرعی بن علي بن الحسن البنفسج ابن إدريس بن داود بن أحمد المسود بن عبداللّه بن موسى الجون بن عبداللّه المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان في الحائر المقدس

الحسيني وكانت له ضيعة على ثلاثة فراسخ عن بلد كربلاء فخرج إليها وأدركه الموت فدفن في ضيعته فكان له مزار مشهور وقبة عالية والناس يقصدونه بالنذور وقضاء الحاجات، ويظنّ الناس أنه قبر عون بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبعض يزعم إنه قبر عون بن عبد اللّه بن جعفر الطيار، وكلاهما وهم لأنهما دفنا في حفيرة العلويين (إنتهى).

(أقول إن السيّد المؤلف وإن أصاب في حكمه بدفن عون بن عبداللّه بن جعفر في حفيرة الهاشميين إلا أنّه أخطأ في زعمه دفن عون بن علي في الحفيرة أيضاً لأنه لم يحضر يوم الطف على التحقيق وإن وقع في كلام بعض أرباب المقاتل لكنّه من دون روية ودراية.

ويتحدث بعض المؤرخين أنّ المقتول في الطف عون الأصغر ابن عبداللّه بن الطيار الذي أمّه الخوصاء وهو خطأ واضح لأنه قتل يوم (حرة بني واقم) كما صرّح به أبو الفرج في المقاتل وغيره.

(وأمّا أمّ كلثوم) ابنة زينب فهي التي زوجها الحسين بن (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ابن عمّها القاسم بن محمّد بن جعفر الطيار وأنحلها (البغيبغات) كما نص عليه المبرّد في الكامل (ج 3 ص 114) والسمهودي في تاريخ المدينة (ج 2 ص 263) وياقوت الحموي في معجم البلدان (ج 2 ص 248) وهي ثلاث عيون في ينبع (عين) يقال لها خيف ليلى (وثانية) خيف الاراك (وثالثة) خيف بسطاس.

وذكر ابن شهر آشوب في المناقب (ج 2 ص 171) إنَّه لمّا طلب معاوية بن أبي سفيان من مروان بن الحكم (وهو واليه على المدينة) أن يخطب ليزيد (أمّ كلثوم) هذه فقال أبوها عبداللّه بن جعفر : إن أمرها ليس إلي إنما هو إلى سيدنا الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو خالها، فأخبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك فقال : أستخير اللّه تعالى اللّهم وفق لهذه الجارية رضاك من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فلما اجتمع الناس في مسجد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أقبل مروان حتّى جلس إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال : إن أمير المؤمنين (يعني معاوية) أمرني بذلك وأن أجعل لها مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ مع صلح ما بين هذين الحيين مع قضاء دينه وأعلم أنّ من يغبطكم بيزيد أكثر ممّن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد وهو

كفؤ من لا كفؤ له وبوجهه يستسقى الغمام فردّ خيراً يا أبا عبد اللّه. فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): الحمد للّه الذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه إلى آخر كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم قال : يا مروان قد قلت فسمعنا.

(أمّا) قولك مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنّة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في بناته ونسائه وأهل بيته وهو اثنتا عشرة اوقية يكون اربعمائة و ثمانين درهما.

(وأمّا قولك) مع قضاء دين أبيها فمتى كنّ نساؤنا يقضين عنّا ديوننا.

(وأمّا) صلح مابين هذين الحيين فإنا قوم عاديناكم في اللّه ولم نكن نصالحكم للدنيا، فلعمري لقد أعيي النسب فكيف السبب.

(وأمّا) قولك والعجب كيف يستمهر يزيد فقد استمهر من هو خير من يزيد ومن أبي يزيد ومن جدّ يزيد.

(وأمّا) قولك إنّ يزيد كفؤ من لا كفؤ له له فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم ما زادته إمارته في الكفاءة شيئا.

(وأمّا) قولك وجهه يستسقى به الغمام فإنما كان ذلك وجه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

(وأمّا) قولك من يغبطنا به أكثر ممّن يغبطه بنا فإنّما يغبطنا به أهل الجهل ويغبطه بنا أهل العقل.

(ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ)) بعد كلام : فاشهدوا جميعاً إني قد زوّجت أم كلثوم بنت عبداللّه ابن جعفر من ابن عمها القاسم بن محمّد بن جعفر على اربعمائة وثمانين درهماً وقد نحلتها ضيعتين بالمدينة (أو قال : أرضي بالعقيق) وإن غلتها بالسنة ثمانية آلاف دينار ففيها لهما غنى إنشاء اللّه تعالى.

(قال) فتغير وجه مروان وقال : أغدراً يا بني هاشم تأبون إلا العداوة، فذكره الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطبة الحسن عائشة وفعله (ثمّ قال) فأين موضع الغدر يا مروان ؟ فقال مروان:

أردنا صهركم لنجد وداً***قد أخلقه به حدث الزمان

فلما جئتكم فجبهتموني***وبحتم بالضمير من الشنان

فأجابه ذكوان مولى بني هاشم:

أماط اللّه عنهم كلّ رجس***وطهّرم بذلك في المثاني

فما لهم سواهم من نظير***ولا كفؤ هناك ولا مداني

أتجعل كل جبّار عنيد***إلى الأخيار من أهل الجنان

(وفي كتاب) بلاغات النساء تأليف أحمد بن أبي طاهر (ص 134) طبع مصر إنّ أمّ كلثوم هذه ولدت للقاسم فاطمة تزوّجها طلحة بن عمر بن عبيد اللّه بن مغمر، فولدت له رملة تزوّجها هشام بن عبد الملك فلم تلد له، فقال لها هشام : أنت بغلة لا تلدين قالت له رملة : (يأبى كرمي أن يدنسه لؤمك).

مرحها ورثائها

من جلية الحقائق أن نظم القريض في أي أحد فيه اشادة بذكره وإقامة لأمره فإنّ المأثرة مهما عظمت فقد تنسى ويحمل ذكرها بمرور الحقب والأعوام لكن الشعر الخالد الذي تسير به الركبان يؤيد ذلك الفضل البائد ويلفت الأنظار إلى جهته، وبما أن ذكرى أهل بيت العصمة صلوات اللّه عليهم هي أساس الدين وجذم الإصلاح لما يتبعها من اعتناق تعاليمهم واقتفاء آثارهم تواتر الحثّ على سرد الشعر فيهم مدحا ورثاء ورتبت عليه المثوبات العظيمة في أحاديث أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وعد ذلك من أفضل الطاعات، ففي عيون الأخبار لشيخنا الصدوق (رَحمهُ اللّه) بالإسناد عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي قال : قال أبو عبداللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): من قال فينا بيت من شعر بنى اللّه له بيتاً في الجنّة.

(وفيه) عن علي بن سالم عن أبيه عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال : ما قال فينا قائل بيت شعر حتّى يؤيد بروح القدس.

(وفيه) عن الحسن بن الجهم قال : سمعت الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : ما قال فينا مؤمن شعراً يمدحنا به إلا بنى اللّه له مدينة في الجنة أوسع من الدنيا سبع مرات يزوره فيها كل ملك مقرّب وكلّ نبي مرسل.

(وفي رجال الكشي) دخل الكميت (الشاعر) على أبي جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأنشده (من لقلب متيم مستهام) القصيدة، فلما فرغ منها قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) الكميت : (لا تزال مؤيداً بروح القدس ما دمت تقول فينا).

(وفيه) أن عبداللّه بن الصلت كتب إلى أبي جعفر الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستأذن أن يرثي أباه أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكتب إليه (اندبني واندب أبي).

(وفيه) أن أبا طالب القمي قال : كتبت إلى أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأبيات شعر وذكرت فيها أباه وسألته أن يأذن لي في أن أقول فيه، فقطع الشعر وحبسه وكتب في صدر ما بقي من

القرطاس : (قد أحسنت جزاك اللّه خيراً).

(وفي كامل الزيارة) لابن قولويه عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث طويل، وفيه: (بلغني أن قوماً يأتون (قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)) من نواحي الكوفة، وناسا غيرهم ونساء يندبنه وذلك في النصف من شعبان فبين قارىء يقرأ، وقاص يقص، ونادب يندب، وقائل يقول المراثي، الحمد للّه الذي جعل في الناس من يفد إلينا ويمدحنا ويرثي لنا، وجعل عدونا من يطعن عليهم ويهددونهم ويقبحون ما يصنعون) إلى غير ذلك مما جاء من الأخبار الكثيرة في مدحهم ورثائهم.

وبما أنّ زينب العقيلة سلام اللّه عليها من أولئك الأفراد الذين هم عمد الدين وأعضاء الشريعة وشاركت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نهضته المقدسة والذب عن شريعة جدّها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تبادر أفذاذ ممّن يمتهم بالولاء إلى تحري ذلك الأجر الجزيل بنظم مدايحها ومراثيها (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فمن أولئك :

1 - حجة الإسلام آية اللّه الشيخ محمّد حسين الإصفهاني (رَحمهُ اللّه) (1):

وليت وجهي شطر قبلة الورى***ومن بها تشرفت أم القرى

قطب محیط عالم الوجود***في قوسي النزول والصعود

ففي النزول كعبة الرزايا***وفي الصعود قبلة البرايا

بل هي باب حطة الخطايا***وموئل الهبات والعطايا

أم الكتاب في جوامع العلا***أم المصاب في مجامع البلا

رضيعة الوحي شقيقة الهدى***ربيبة الفضل حليفة الندى

ربّة خدر القدس والطهارة***في الصون والعفاف والخفارة

فإنّها تمثّل الكنز الخفي***بالسر والحياء والتعفف

تمثّل الغيب المصون ذاتها***تعرب عن صفافته صفاتها


1) ولقد نظم أيده اللّه أراجيز في النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأئمة الاثني عشر والزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) وأبي طالب وحمزة وجعفر الطيار والعباس بن أمير المؤمنين ومسلم بن عقيل وعلي الأكبر والقاسم بن الحسن السبط وعبد اللّه الرضيع والسيد الجليل السيد محمّد بن الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) المدفون في بلد وسمّي ب(الأنوار القدسية) وطبع في المطبعة الحيدرية في النجف.

مليكة الدنيا عقيلة النسا***عديلة الخامس من أهل الكسا

شريكة الشهيد في مصائبه***كفيلة السجاد في نوائبه

بل هي ناموس رواق العظمة***سيّدة العقائل المعظمة

ما ورثته من نبي الرحمة***جوامع العلم أصول الحكمة

سر أبيها في علوّ الهمّه***والصبر في الشدائد الملمة

ثباتها ينبيء عن ثباته***كأن فيها كل مكرماته

لها من الصبر على المصائب***ما جلّ أن يعد في العجائب

بل كاد أن يلحق بالمعاجز***لأنه حرفة كلّ عاجز

فإنّها سلالة الولاية***ولاية ليس لها نهاية

بیانها يفصح عن بيانه***كأنّها تفرغ عن لسانه

ناهيك فيه الخطب المأثورة***فإنّها كالدرر المنثورة

بل هي لولا الحط عن مقامها***كاللؤلؤ المنضود في نظامها

فإنّها وليدة الفصاحة***والدها فارس تلك الساحة

وما أصاب أمها من البلا***فهو تراثها بطف كربلا

لكنها عظيمة بلواها***من الخطوب شاهدت أدهاها

رأت هجوم الخيل بالنار على***خبائها أو محور السبع العلى

واستلبوا يا ويلها قرارها***مذ سلبوا إزارها خمارها

وسبيهم ودائع المختار***عار على الإسلام أي عار

يكاد أن يذهب بالعقول***سبي بنات الوحي والتنزيل

وما رأت بالطف من أهوالها***جلّ عن الوصف بيان حالها

ومن يطيق وصف سوء حالها***مذ رأت السبط على رمالها

معفر الخد مضرجا بدم***لهفي على جمال سلطان القدم

وحوله فتيانه على الثرى***كالشهب الزهر تحفّ القمرا

واهاً على كواكب السعود***عقد نظام الغيب والشهود

كيف هوت وانتثرت اشلاؤها***بأيّ ذنب سفكت دماؤها

و شاهدت ريحانة الرسول***تدوسها حوافر الخيول

فأصبحت خزانة اللاهوت***حلبة خيل الجبت والطاغوت

صدر تربى فوق صدر المصطفى***ترضها الخيل على الدنيا العفا

ترى العوالي مركز المعالي***مدرجة لذروة الكمال

أو هي عرش وعليه التاج***أو إنّها البراق والمعراج

نال من العروج ما تمنّى***كقاب قوسين دنا أو أدنى

حتّى تجلّى قائلا (إنّي أنا)***من سجر القناة في طور القنا

لسان حاله لسلطان القدم***سعياً على الرأس إليك لا القدم

وسوقها إلى يزيد الطاغية***أشجى فجيعة وأدهى داهية

وما رأته في دمشق الشام***يذهب بالعقول والأحلام

أمامها رأس الإمام الزاكي***وخلفها النوائح البواكي

أو الكتاب الناطق المبين***حف به الحنين والأنين

وأفظع الكل دخول الطاهرة***حاسرة على ابن هند العاهرة

ومالها ومجلس الشراب***وهي ابنة السنة والكتاب

أتوقف الحرة من آل العبا***بين يدي طليقها واعجبا

يشتمها طاغية الإلحاد***وهي سلالة النبي الهادي

بل سمعت من ذلك اللعين***سبّ أبيها وهو أصل الدين

أتنسب الطاهرة الصديقة***بالكذب وهي أصدق الخليقة

أصفوة الولي نخبة النبي***عدوة اللّه فيا للعجب

واحر قلباه لقلب الحرّة***فما رأته لا أطيق ذكره

شلت يد مدت بقرع العود***إلى ثنايا العدل والتوحيد

تلك الثنايا مرشف الرسول***وملثم الطاهرة البتول

و ما جناه باللسان أعظم***وكفره المكنون منه يعلم

وقد أبانت كفر ذاك الطاغي***بأحسن البيان والبلاغ

حنت بقلب موجع محترق***على أخيها فأجابها الشقي

(يا صيحة تحمد من صوائح***ما أهون النوح على النوائح)

2- العالم الفاضل شاعر أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الشيخ محمّد نصّار :

هاج وجدي لزينب إذ عراها***فادح في الطفوف هدّ قواها

يوم أضحت رجالها غرضاً للنّب***ل والسمر فيه هاج وغاها

ونعت بين نسوة تاكلات***تصدع الهضب في حنين بكاها

آه و الهفتاه ماذا تقاسي***من خطوب تربو على ما سواها

ولمن تسكب المدامع من عين***جفا جفنها لذيذ كراها

ألنهب الخيام أم لعليل***ناحل الجسم أم على قتلاها

أم لأجسامهم على كتب الغب***راء مخضوبة بفيض دماها

أم لرفع الرؤوس فوق عوالي ال***سّمر أم رضّ صدر حامي حماها

أم لأطفالها تقاسي سياق الموت***أم عظم سيرها وسراها

أم لسير النساء بين بين الأعادي***تاکلات يندبن یا آل طاها

وهي ما بينهن تندب من قد***ندبته الأملاك فوق سماها

وقال (رَحمهُ اللّه) أيضاً من قصيدة له :

وأتته زينب والمصاب يقودها***لشجى له بين الضلوع دبيب

وغدت لما قد نالها تدعو به***ولها بمحنى الضلوع وجيب

يا خير من هلت عليه مدامع***حزناً ومن شقت عليه جيوب

فهوت عليه تضمّه وتشمّه***والدمع مثل المرسلات يصوب

اللّه في كبد يمزقها الجوى***حزناً وقلب بالمصاب يصوب

اللّه في أيتامنا اللّه في***تلك النساء فما لهن رقيب

أأخي يا بحراً يسوغ لوارد***منه الروى كيف اعتراه نضوب

أأرى الشراب وأنت مشبوب الحشا***ظماً وآلفه وأنت غريب

وأرى الثياب وأنت لا كفن ترى***أم كيف ألبسها وأنت سليب

وأرى الخضاب إذا لقيت منيتي***عجلا وجسمك بالدماء خضيب

3- العلّامة الأستاذ الميرزا محمّد علي الاوردبادي الغروي:

قد عاد مصر للحفيظة مغربا***فسنا ذکاها واضح لن يغربا

يمليكة حسبا زكت فيه ولم***يعقد عليه غير صنويها الحبا

ومن النبوة في أسرة وجهها***بلج كمثل الشمس يجلو الغيهبا

وتضوع منها للخلافة عبقة***تطوى بنفحتها الصحاصح والربى

بجلال أحمد في مهابة حيدر***قد أنجبت أمّ الأئمة زينبا

فبمجمع الشرفين بضعة فاطم***حصلت على أكرومة عظمت نبا

وسرت مع الدنيا مكارمها كما***يسري لها أرج الثناء مع الصبا

حشدت مناقبها جحافل فاعتدت***من كلّ منقبة تحشد مقنبا

ولها بمنقطع الفخار منصّة***کرمت بها حسبا وفاقت منصبا

وربيبة الخدر المقدس زانها***علم حوته حبوة لا مكسبا

وندى كمثل البحر دون نفاده ال***يم الخضم ولجه ان ينضبا

ومتآثر كثر النجوم عدادها***زهواً على كرّ الليالي ما خبا

ورجاحة في اللب تهزأ بالنهى***تقفو وقارا يستخف الأخشبا

وبآية التطهير والقربي لها***خطران قد خصا بأصحاب العبا

وعن الوصي بلاغة خصّت بها***أعيت برونقها البليغ الأخطبا

ما استرسلت إلا وتحسب أنّها***تستل من غرر الخطابة مقضبا

أو إنّها اليزني في يد باسل***أخلى به ظهراً وأوهى منكبا

أو إنّها تقتاد منها فيلقاً***وتسوق من زمر الحقائق موكبا

أو إنّ في غاب الإمامة لبوة***لزئيرها عنت الوجوه تهيبا

أو إنّها البحر الخضم تلاطمت***أمواجه علماً حجى باسا أبا

أو إنّ من غضب الإله صواعقا***لم تلف عنها آل حرب مهربا

أو أنّ حيدرة على صهواتها***يفني كراديس الضلال ثباثبا

أو إنّه ضمته ذروة منبر***فأنار نهجا للشريعة الحبا

أو إنّ في اللئوا عقيلة هاشم***قد فرّقت شمل العمى أيدي السبا

وبجاش ذي لبد وقلب أخي حجى***أولت صروف الدهر ثغراً أشنبا

وتشاطرت هي والحسين بدعوة***حتم القضاء عليهما إن يندبا

هذا بمشتبك النصول وهذه***في حيث معترك المكاره في السبا

بدم الشهادة إذ أريق ومدمع***أذرى مذار القلب دمعا صيبّا

نهضا بأعباء الهدى مابين منح***طم الوشيج وبين محترق الخبا

مضيا ولابن المصطفى زجّ القنا***عن باحة التذكير أصبح محتبى

وتلا الكتاب بموقف راموا به***إطفاء نور اللّه لكن قد أبى

ولزينب شهد الحزوم بمثله***إذ يممت قفراً وأمت سبسبا

فبصدرها ثقل الإمامة مودع***و بنطقها زهت الهداية مذهبا

وعلى الأسارى من بنات محمّد***من باسها العلوي منصوب الخبا

وغداة جلق كم لها من وقفة***يزورّ عنها الغي مفلول الشبا

فرمتهم من لفظها بقوارع***قد أوقعت بهم البلا المكربا

فكأن من جمل الكلام بوارقا***وكأن منها في المرائر منهبا

هدأت لها الأنفاس قل بفريسة***قد أنشبت فيها الضياغم مخلبا

و دهوا بفاقرة تبلد حولا***ثبت الجنان لدى الهزايز قلبا

من عظم ما اجترحوا هناك فناحب***أو حائر منع الشجا أن ينجبا

وبعين جبار السما عمل لها***أملا لنوكي آل حرب خيّبا

إذ زعزعت سلطانها بظلامة***لبني علي جمرها قد ألهبا

ورأت الرجس في نفثاتها***إنّ الدّعي عن الصراط تنكّبا

هذا ولكن الصدور بما بها***حرى وصدع نالها لن يرتبا

وعيون آل محمّد عبرى لما***غمزوا لهم من قبل عوداً أصلبا

ونساء آل أميّة محبورة***وعقائل المختار ترسف في السبا

وإليكم آل النبي قصيدة***أمضى على الخصماء من حدّ الضبا

وعليكم صلى المهيمن كلّما***يشؤشذى علياكم نشر الكبا

وقال أيضاً:

لزينب والأسى يومان أضحت***بكل تلتقي دهراً كؤدا

فيوم المجتبى والطشف فيه***رأيت منه مقطعة كبودا

وفي يوم الحسين غداة ألفت***بحلق بينه ثغراً وعوداً

4 - للعلامة الشيخ قاسم محيي الدين النجفي (رَحمهُ اللّه):

قلبي بسلمى مرتهن***وبحبّها حلف المحن

و یکاد من شوق يطي***ر إذا له التذكار عن

ولقد وقفت بربعها***أبكي المساكن والسكن

وبقيت وقفا للشجو***ن مفارقا طعم الوسن

أنا لست ممن هاجني***ذكر المعاهد والدمن

بل إنما أبكي لرزء***طبق الدنيا شجن

رزء أذاب حشاشتي***مهما له قلبي فطن

مثل العقيلة زينب***يحدو بها حادي الظعن

ساروا بها فوق المطي***وبكتفها شدّوا الشطن

وإذا بكت عين لها***في منكبيها السوط حن

ترنو بعينيها الجسو***م على البسيطة ترتهن

رأت الحسين مجدلا***ما بينها دامي البدن

رضّت قراه سلاهب***عدواً بغارات تشن

طحنت قراه أميّة***برحی عداء بها طحن

والجسم منه درية***لسهام عابدة الوثن

مستلفعا بدمائه***بين الأسنة مرتهن

عريان تنسج في العرا***سافي الرياح له كفن

ملقى على وجه الثرى***أبكى الفرائض والسنن

دامي الوريد مسلفعا***بالبيض رهنا للطعن

وغدت تعاتبه بص***سوت طبّق الدنيا مسحن

أأخي كيف نساق أس***رى في السهول وفي الحزن

أأخي غادرت العليل***مصفداً بي مصفداً بي ممتحن

ممّا يكابد من أميّة***أظهر الشكوى وأن

في الأسر لا يفدى ولا***بفكاكه أبداً يمن

قد غادروه مكبلا***لهفي له من ممتهن

أأخي غادرت الفؤا***د عليك وقفاً للشجن

أأخي رأسك قد سروا***فيه على رمح علن

يتلو الكتاب مرتّلا***آیاته بين الظعن

أأخي إن خدري***هتكته عابدة الوثن

أأخي قد شحذ العدو***علي صارمه وسن

أأخى إنّ سحاب همّي***من نواك قد ارجحن

أأخي قد أرخصت قد***رألا يقوم به ثمن

أأخي بعدك قد رأت***عيني مرنات المحن

أأخي قد نالت عدا***ك أباك ذاك أبا الحسن

أأخي لا يقوى الفؤا***د على الإقامة والظعن

أأخي تسمعني سباب***أجلها فضلا ومن

أأخي إن لم يأتني***العباس يحميني فمن

وعلى يزيد أدخلت***تبدي النياحة والحزن

دخلت على حال لها***حتّى العدوّ رثى وحن

موثوقة بالحبل أظ***هر من جفاها ما أجن

نثلت عليه سهامها***لما لها أبدى الضغن

وانصاع يقرع مرشف ال***هادي النبي المؤتمن

والمسلمون بمنظر***ممّا جناه به علن

والسيّد السجّاد ما***بين العيال قد امتحن

راموا العزيزة عندهم***يستخدمون بها السكن

علمت بذلك زينب***نادته يا عبد الوثن

أقصر فلا تسطاع إلّا***بالخروج عن الشنن

فأجابها إنّي القدير***عليه ما بي من وهن

عجبا لحلم اللّه كيف***عن النواظر لم تصن

آل النبي المصطفى***آل الوصي أبي الحسن

وبر محه زجر إذا***حنّت لها حقداً طعن

فالمتن مسود القنا والرأس مبيض الحزن

5 - للفاضل الخطيب الشيخ قاسم بن الشيخ محمّد الملا الحلّي:

تجنى علي الحب وهو محبب***وأمرضني وهو الطبيب المجرّب

وجرّعني مرّ التجنّي بهجره***وعذب والتعذيب في الحبّ يعذب

وكم لامني فيه العذول وإنني***أهيم على عذل العذول وأطرب

أدانيه بالشكوى فيعرض قسوة***ويبعد عني كلّما منه أقرب

أعامله الصفح والذنب ذنبه***بحيث يراني إنني أنا مذنب

كشفت له منّي حجاب مودة***ولم يبد لي إلا الجفا والتجنّب

قلبت له ظهر المجن فلم يفد***وإنّي فيه حول الحب قلب

أطارحه عتباً ولا يرعوي له***فعدت وقلبي من جوى العتب متعب

ويقسو معي مهما ألنت خطابه***كأنّي وإيّاه يزيد وزينب

بنفسي ابنة الزهراء عقيلة حيدر***وجل قراباتي وقل التقرب

لقد أشبهت فخراً أباها وأمها***لقد أنجبت أم وأنجبها أب

يناط إلى بيت النبوة بيتها***وأستاره بالنيرات تطنّب

حصان بأسرار الغيوب عليمة***من اللّه إلهاما لها لا تكسب

فأين بنات العرب منها وإنّها***لأفصح ممن قد نماهنّ يعرب

فإن خطبت فالسيف دون لسانها***وإن خاطبت فالسمهري المدرّب

لقد ألبست كوفان عاراً ووصمة***وكلهم جلباب خزي تجليبوا

وقد سكنت أجراس أنعامهم لها***كما ارتدت الأنفاس إذ هي تخطب

ودان لها أهل الخطابة ناكسو***رؤوس وإن لم يجد فيها المؤنب

ولكنها أبكت قلوبهم دماً***بتقريعها واستاء كهل وأشبب

لخطبتها بالشام أكبر موقع***بها ثغر أبناء الضلال مقطب

لقد ألبست فيها ابن ميسون خزية***بها برد عار للقيامة يسحب

بها أشبهت آيات فرقان أحمد***فإن أو جزت أغنت بما عنه تطلب

ولم يجر في الأوهام يوماً خيالها***وما مثلها إلا المليك المحجّب

ومن فوقها ستر النبوة مسبل***عليه من النور الآلهي مضرب

لتربتها إن أم أعمى بصيرة***تبصّر حتى ما عن الرشد يعزب

بصبر أبيها المرتضى تاه ذو الحجي***وفي صبرها الأمثال للحشر تضرب

وقد وكل الرحمن في حفظ قلبها***ملائكة كيلا أسى يتشعب

ومن حين عزّت ما استذلّ أباءها***فراعن لا دين لديهم ومذهب

ففي جدّها المختار شرف مشرق***وبالوالد الكرار قدس مغرب

حوت شرف الدارين بنت محمّد***ففيها إلى باري الورى نتقرب

فإن وجبت يوماً محبّة مؤمن***فحبّي بنص الذكر في اللّه أوجب

وإن كان للقربي الموة أنزلت***فها هي من خير النبيين أقرب

فیا بنت فخر الأنبياء وسيّد***على الأوصيا من ذا بهذا يكذب

ومن أمّها الزهراء بنت محمّد***إخوانها السبطان كل مقرب

بجاهك عند اللّه نرجو شفاعة***بدهر عصيب بالبلا يتوتب

وأن تشفعي فينا فأنت عزيزة***لدى اللّه يسمو في الدعالك منصب

وإنّي أرجو أن أزورك قاصداً***فمنك ومن آبائك الغرّ أطلب

علیکم سلام اللّه ما دام ذكركم***أفوه به بين الأنام وأخطب

6 - الفاضل الأديب الطبيب الميزا محمّد الخليلي النجفي :

إذا نابك الدهر لا تعجب***فليس على الدهر من معتب

ولا تغترر بابتساماته***فبالناب يغدر والمخلب

وكن جلداً عند دهم الخطو***ب فمن يرتدي الصبر لم يغلب

وإن داهمتك صروف الزما***ن تذكر عقيلة آل النبي

تذکر مصائبها سلوة***وحمر الدمع عليها اسكب

فكل النوائب تسلى لدا***نوائب خير النسا زينب

رضيعة درّ العلى والابا***ربيبة بنت الهدى الطيب

حكت أمها وأباها وقد***أنافت على أمها والأب

فكانت كتلك لدى النائبا***ت وكانت كهذا متى تخطب

رأت خطب طه نبي الهدى***بقلب بنار الأسى ملهب

وسقط البتولة بين الجدا***ر والباب عصراً ولم ترقب

وغصب الوصي وسحب الولي***إذا حيث لا يرتضيه الابي

و شاهدت المجتبى قاذفا***حشاه بسم له معطب

وناهيك أرزاؤها في الطفوف***فمهما تحدثت لم تكذب

أتتها تحاط بتلك الليوث***فمن أغلب لحمى أغلب

وباتت وأقمارها حرس***يزول بها حالك الغيهب

ليوث الكريهة من هاشم***نجیب تناسل عن أنجب

ولكنّها أصبحت لا ترى***حمى بعد أنجمها الغيب

يباح حماها ولا من مجير***وإن فزعت في الفلا تسلب

یسار بها فوق عجف النياق***فمن سبسب ليدي سبسب

ترى رهطها صرعاً في الثرى***ضحايا الحفاظ ولم تندب

ورأس الحسين وباقي الرؤس***تسير مقدمة الموكب

ولم تدر من فزع النائبات***تصب كهطل الحيا الصيب

أتلحلظ أسرها زاجراً***أم الطفل مهما بكى يضرب

أم القيد أثقل زين العباد***أم السوط يلوى على المنكب

أم السير أضعف ذات الخدور***بوخد المطى الهزل المتعب

أم الشتم تسمعه جهرة***یکود من شامت مطرب

رزايا يحار لديها الصبور***احتمالا ومنها يشيب الصبي

وقد قابلتها بكظم الوصي***وصبر البتول وحلم النبي

إلى أن قضت وهي حلف الأسى***بصبر مدى الدهر لم ينضب

فيا قلب ذبّ بعدها حسرة***و يا عين فيضي لها واسكبي

7 - الخطيب الأديب الشيخ كاظم الشيخ سلمان نوح الكاظمي :

في السفح ظبي باغم وربرب***في السفح قناص هناك يرقب

كم شرك أخفى خلال رمله***قل لهما قولا فأين المهرب

عليكما عزّت نجاة إذ غدا***مصعداً يعقبه التصوب

یا مرحبا بظبية وربرب***من بكما ضاق الفضاء الأرحب

لو زرتما ربعي لا ودى بكما***عنّي همي والجوى والكرب

عوجا لربعي فالفخاخ نصبت***لتأمنا وفي الفخاخ العطب

يا ظبية البان ويا ربربها***إليكما قد جدّ منه الطلب

إنّي أراه تعبا لا تخشيا***منه فقد أضر فيه التعب

فيمما ربعي وفي فنائه***قد زال خوف عنهما والريب

باتا ضجيعين سميري حلم***والرقباء عنهما لغيب

والورق في الأغصان باتت صدحاً***تسمعنا هديرها فنطرب

والأفق صاح والنسيم منعش***والطير سجاع وربعي معشب

واخصب الوادي حيال ربعنا***تاللّه ما حكاه ربع مخصب

فلم يفقه غير ربع فخم***بناؤه قد ملكته زینب

بنت علي المرتضى وأمها***فاطمة من مثل حيدر أب

وجدها محمّد النبي من***به نزار شرفت و يعرب

ما النسب الوضاح الّا نسب***لزينب ذاك الشريف النسب

بنت حجاب و عفاف زینب***يفخر فيها الصون والتحجب

أعبد أهل عصرها بعصرها***لربها أخطبهم لو تخطب

تقية عالمة فقيهة***من ربّها أخبتهم وأقرب

من أنجبتها فاطم فتلك من***إن عدت النساء فهي أنجب

من أهل بيت أشرف الخلق هم***أنسابهم قد شرفت والحسب

عم أبيها حمزة أعمامها***طالب جعفر عقيل المنجب

وخالها القاسم ابن أحمد***خالتها أخت البتول زينب

وجدها عبد مناف كافل ال***نبي من كان عليه يحدب

وكم على ظهر النبي صاعداً***صنو لها أذيرتقي ويركب

ذاك حسين صنوها وسيّد ال***شباب والشيوخ وهو أشيب

سيّدة النساء كانت زینب***بعصرها والمرتضى لها أب

سيف أبيها حصد الكفر وما***منه ابن ود قد نجا ومرحب

وکم به فل جموعا حاربت***محمداً عن الهدى قد نكبوا

قد نكبوا وجرعوها غصصاً***تصدع القلب ويوهى المنكب

صابرة عند نزول حادث***وقارع بالطف وهو مكرب

من جدها من السماء أنزلت***عليه بالوحي ومنها الكتب

من جدّها على البراق للسما***حتی دنا من ربه المقرب

وعند سدرة تسمّى المنتهى***عر الجبريل هناك الرهب

وقد عرا محمّداً لما أتى ال***نداء يا طاهر هم والطيب

أنت حبيبي والوصي حيدر***بلّغهم وقل لهم لا تغضبوا

قد ارتضاه اللّه من بعدي لكم***وزیر حق وهو ليث أغلب

فجاءهم مبلغاً وحياً أتى***له من اللّه ومنه اضطربوا

وقد أطاعوا أحمدا وبعده***عن الوصي والوزير انقلبوا

وقد قضت فاطمة بكى لها***علي والابنا بكت وزينب

وقد غدت يتيمة من أمها***وفي الحشا منها يشب اللّهب

ولم تزل واجدة من بعدها***وقد أحاطت بحماها الكرب

وقد دهاها حادث مفاجی***قتل أبيها وأباها تندب

ثمّ أصيبت بعده بحادث ال***زكي وهو الحسن المنتجب

يوم قضى وشيع النعش إلى***قبر النبي والعدي تألّبوا

و صوبوا سهامهم لنعش***هل علموا لنعش من تصوبوا

شكت سهام حقدهم قلب الهدى***بغياً وقد أعماهم التعصب

والهاشميون أرادوا حربهم***إذ الحسين قام فيهم يخطب

يا إخوتي أبناء عمي حافظوا***وصية الزكي وهو الطيب

عودوا إلى البقيع في نعشكم***به يضم مجتبانا الترب

وبعدها حادثة الطف غدت***لعظم بلواها لتنسى النوب

بها أصيبت زينب بقارع***لبعض وقعه تهد الهضب

كم من شيوخ و شباب قتلوا***عطشى ومن يرد روى لم يشربوا

وأضرموا نارهم في خيم***فأخرج العيال منها اللّهب

وزينب حائرة مرعوبة***والادنيا خيامهم قد نهبوا

وكم رضيع ذبحوا ونسوة***قد ضربوا وبعد ضرب سلبوا

ثم انيخت للرحيل نيبهم***وقيل للنسوة هيا فاركبوا

أخذن قسراً والسياط تلتوي***يقد فيها مهمه وسبسب

للشام يهدين وهن حسر***لا برقع وجوههن يحجب

صلى عليك اللّه يا سيدتي***ما طلعت شمس وهلت سحب

8 - الفاضل الخطيب السيد حسن ابن السيد عباس البغدادي:

یا قلب زینب ما لاقيت من محن***فيك الرزايا وكلّ الصبر قد جمعا

لو كان ما فيك من صبر ومن محن***في قلب أقوى جبال الأرض لا نصدعا

يكفيك صبراً قلوب الناس كلهم***تفطّرت للذي لاقيته جزعا

9 - للمؤلف عفي عنه :

ما جف دمع المستهام المغرم***بعد الوقوف ضحى بتلك الأرسم

دار عفت آثارها وقضت على***أطلالها أيدي القضاء المبرم

غابت محاسنها غياب شموسها***وبدورها غربت غروب الأنجم

يا أرسما شبت لهنّ جوانحي***ناراً بجمر فؤادي المتضرّم

حياك وكاف الدموع أو الحيا***من صوب غادية السحاب المرزم

لا زال ذكراك القديم بخاطري***باق يعللني وذكرك في فمي

واحن من شوقي إليك بمقلة***تهمي مدامعها وقلب تيّم

یا دهر کف سهام خطبك عن حشى***لم يبق فيها موضع للأسهم

في كل يوم للنوائب صارم***يسطو على قلبي ويقطر من دمي

وأبيت والأرزاء تنهش مهجتي***نهشاً يهون لديه نهش الأرقم

أو كان ذنبي إنني متمسك***بالعروة الوثقى التي لم تفصم

آل النبي المصطفى من مدحهم***وردي وفيهم لا يزال ترنمي

وإلى العقيلة زينب الكبرى ابنة ال***كرار حيدر بالولاية أنتمي

هي ربّة القدر الرفيع ربيبة ال***مخدر المنيع وعصمة المستعصم

من في أبيها اللّه شرف بيته***وبجدّها شرف الحطيم وزمزمم

من بیت نشأتها به نشأ الهدى***وبه الهداية للصراط الأقوم

ضربت مضارب عزّها فرق السها***وسمت فضائلها سمو المرزم

فضل کشمس الأفق ضاء فلو يشا***أعداؤها كتمانه لم يكتم

كانت مهابتها مهابة جدّها***صير البرية والرسول الأعظم

كانت بلاغتها بلاغة حيدر ال***كرار إن تخطب وإن تتكلم

قد شابهت خير النساء بهديها***ووقارها وتقى وحسن تكرّم

ومقيمة الأسحار في محرابها***تدعو وفي الليل البهيم المظلم

شهدت لها سور الكتاب بأنّها***من خير أنصار الكتاب المحكم

زهدت بدنیاها وطيب نعيمها***طلبا لمرضات الكريم المنعم

و تجرعت رنق الحياة وكابدت***من دهرها عيشاً مرير المطعم

فأثابها ربّ السماء كرامة***فيها سوى أمثالها لم يكرم

فلها كما للشافعين شفاعة***يوم الجزاء بها نجاة المجرم

بلغت من المجد الموثل موضعا***ماکان حتى للبتولة مريم

كلا ولا للظهر حوا أو لا***سية وليس لأخت موسى كلثم

هذي النساء الفضليات وفي العلا***كل أقامت في مقام قيّم

فاقت به كل النساء وربّها***في الخلد أكرمها عظيم المغنم

لكنّ زينب في علاها قد سمت***شرفا تأخر عنه كل مقدّم

في علمها وجلالها وكمالها***والفضل والنسب الصريح الأفخم

من أرضعتها فاطم در العلى***من ثديها فعن العلى لم تفطم

عن أمّها أخذت علوم المصطفى***وعلوم والدها الوصي الأكرم

حتى بها بلغت مقاما فيه لم***تحتج لتعليم ولا لمعلم

شهد الإمام لها بذاك وإنها***بعد الإمام لها مقام الأعلم

ولها بيوم الغاضرية موقف***أنسى الزمان ثبات كل غشمشم

حملت خطوباً لو تحمّل بعضها***لانهار كاهل يذبل ويلملم

ورأت مصابا لو يلاقي شجوها ال***عذب الفرات كساه طعم العلقم

في الرزء شاركت الحسين وبعده***بقيت تكافح كل خطب مؤلم

كانت لنسوته الثواكل سلوة***عظمى وللأيتام أرفق قيّم

ومصابها في الأسر جدّد كلّما***کانت تقاسيه بعشر محرّم

ودخول كوفان أباد فؤادها***لكن دخول الشام جاء شأم

لم أنس خطبتها التي قلم القضا***في اللوح مثل بيانها لم يرقم

نزلت بها كالنار شب ضرامها***في السامعين من الفؤاد المضرم

جاءت بها علوية وقعت على***قلب ابن ميسون كوقع المخذم

أوداجه انتفخت بها فكأنما***فيها السيوف أصبنه في الغلصم

أشقيقة السبطين دونك مدحة***قس الفصاحة مثلها لم ينظم

تمتاز بالحق الصريح لو أنها***قیست بشعر البحتري ومسلم

يسلوا المحب بها وتطعن في حشا***أعداء أهل البيت طعن اللّهدم

بيمين إخلاصي إليك رفعتها***أرجو خلاصي من عذاب جهنم

وعليك صلى اللّه ما رفعت له***أيدي محلّى بالدماء ومحرم

10 - وقال أيضاً:

أطلت على منازلهم سؤالي***متى أضحت مرابعها خوالي

مرابع كانت الأيّام تزهو***بهنّ وتستضيء بها الليالي

وكانت تملأ الدنيا عبيراً***متى هبت بها ريح الشمال

مرابع كانت البيض المواضي***تحفّ بهن والسمر العوالي

مرابع كانت الآساد ذلّا***تدين لمن حوته من رجال

مرابع كانت الأضياف فيها***تثاب على قراها بالنوال

مرابع لم يكن إلا إليها***يليق من الورى شد الرحال

وقفت بهنّ والأضلاع تطوى***على جمر ودمعي بانهمال

ورحت أسائل الأطفال عنهم***وكيف جواب إطلال بوالي

سقى صوب الحيا تلك الروابي***وحيا أرض هاتيك التلال

ففيها لم يزل قلبي مقيما***وجسمي بين حل وارتحال

سلوت مصائب الدنيا ولكن***فؤادي عن هواها غير سالي

ألا يا دهر قد أوهنت ركني***وغيرت النوائب منك حالي

جنيت علي بالأرزاء ظلماً***فما لك أيها الجاني ومالي

وبعد أحبتي لم يبق منّي***سوی جسم حكى عود الخلال

فليس يطيب لي عيش هنييء***ولا التد بالماء الزلال

قضيت بعلة الأشجان لولا***بمدحي زينب الكبرى اعتلالي

عقيلة أهل بيت الوحي بنت ال***وصي المرتضى مولى الموالي

شقيقة سبطي المختار من قد***سمت شرفا على هام الهلال

حكت خير الأنام علا وفخراً***وحيدر في الفصيح من المقال

وفاطم عفة وتقى ومجداً***وأخلاقا وفي كرم الخلال

ربيبة عصمة طهرت وطابت***وفاقت في الصفات وفي الفعال

فكانت كالأئمة في هداها***وانقاذ الأنام من الضلال

وكان جهادها بالقول أمضى***من البيض الصوارم والنصال

وكانت في المصلّى إذ تناجي***وتدعو اللّه بالدمع المذال

ملائكة السماء على دعاها***تؤمن في خضوع وابتهال

روت عن أمها الزهرا علوماً***بها وصلت إلى حد الكمال

مقاما لم تكن تحتاج فيه***إلى تعليم علم أو سؤال

و نالت رتبة في الفخر عنها***تأخرت الأواخر والأوالي

فلولا أمها الزهراء سادت***نساء العالمين بلا جدال

لها تنمي المكارم حيث كانت***وفيها ينتهي شرف الخصال

بأنوار النبوة قد كساها***وقار الوحي هيبة ذي الجلال

وابهة الإمامة جلبيتها جلابيب***الفضائل والمعالي

لها في هامة الجوزاء بيت***رفيع الشأن سامي القدر عالي

بناه المتصطفى وحمى حماه***بأنفسها الكريمة خير آل

مسحل مهبط الأملاك فيه***تنزّه عن مثيل أو مثال

به اللاجي يلوذ من الدواهي***على ما فيه من بعد المنال

وزاهدة لدار الخلد تاقت***ولم تركن إلى دار الزوال

فسعافت كلّما ملكت يداها***لوجه اللّه من نشب ومال

و شاركت الحسين بكل خطب***يهد الراسيات من الجبال

لان بذل الأولى نصروا حسينا***نفوسهم الكريمة في النزال

وضحوا في سبيل السبط ما من***رخيص كان عندهم وغالي

فزينب في رزايا الطف كانت***تذوق الموت حالا بعد حال

رأت أنصارها وبني أبيها***مسحلئة عن الماء الحلال

رأت أطفال إخوتها عطاشى***كؤس الحتف تسقى بالنبال

رأت إخوانها الأبرار صرعى***مجزرة على وجه الرمال

رأت تسلك الوجوه معفرات***مغيرة المحاسن والجمال

رأت خيل العداة ترض صدراً***لكافلها بميدان القتال

رأت أبيات آل اللّه نهباً***وفيها النار تلهب باشتعال

رأت خفرات أحمد حائرات***حواسر قد برزن من الحجال

رأت تسلك الأيّامى واليتامى***تسير إلى الشام على الجمال

رأت تلك الرؤس يد الأعادي***تطوف بها على الاسل الطوال

رأت زين العباد يئن شجواً***من الأغلال والداء العضال

رأت بيد العدى تلك الأسارى***وهن مربقات بالحبال

وراحت للشام ولا كفيل***سواها لليتامى والعيال

بكوفان رأت والشام مالا***يمرّ من المصاب على خيال

ولم تعهد له الأيّام شبها***ولم يخطر لذي نظر ببال

أبنت المرتضى سمعا لمدح***يفوق بنظمه نظم اللئالي

إذا سارت به الركبان حدواً***أذاع عبيره أرج الغوالي

إليك رفعته ليكون فيه***غداً بالعروة الوثقى اتصالي

واحشر في الأولى والوا علياً***ولاذوا باللوا تحت الظلال

مال عدوّكم ناراً تلظى***يكون وجنة المأوى مالي

احن لمدحكم يا آل طه***حنين المستهام إلى الوصال

11 - أهدى إلينا شاعر العمارة الوحيد وبلبلها الغريد الفاضل الأديب الشيخ حسين الحاج وهج هذه القصيدة الغراء يمدح بها عقيلة الهاشميين زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ):

بنفسي من حوت أسمى المزايا***ومن للمكرمات غدت خليله

ومن يسمو الثناء بها ويحلو***وأجدر بالنعوت المستطيله

فإن كثرت مدائحها وفاضت***تعد بشأنها السامي قليله

هي الحوراء زينب عن علاها***لتقصر كلّ ذات يد طويله

سليلة أحمد مولى الموالي***ألا نعمت لأحمد من سليله

فمهما تبلغ الألباب علما***فلن تحصي مواهبها الجليله

وكم قد جاء برهان جلي***بعصمتها وعفتها النبيله

وكم قال ابن عباس فخوراً***عقيلتنا ويا نعم العقيله

فكانت في البرية كنز طهر***ومصدر كل منقبة جزيله

إليها قد تناهى كل فخر***وفضل بعد فاطمة البتوله

ولا عجب إذ الباري حباها***صفات في العقائل مستحيله

بها من أمها الزهرا سجايا***وشيمة حيدر رمز البطوله

إذا ربّ الفصاحة قد نماها***فقد ورثت فصاحته وقيله

كفاها مفخراً مذ يوم ألقت***على كوفان خطبتها المهوله

كأن لسانها إذ ذاك نصل***شباه يفضح البيض الصقيله

به قد أخرست نطق الأعادي***وردّت منه أعينهم كليله

لقد أدلت بخطبتها معان***بها قد مثلت عز القبيله

فأضحى الجمع مندهشا مروعا***ولاقى كل ذي لب ذهوله

ومن نشأت بعز، مستحيل***أمام الجمع وقفتها ذليله

بربك من كزينب في البرايا***لوقع النائبات غدت حموله

فيا اللّه ما لاقت و قاست***من الأشرار أرباب الرذيله

أتحمل فوق ظهر العجف قسراً***وفتيتها على الرمضا جديله

فأبدت بعد يوم الطف حزما***وما من حرة أبدت مثيله

وحلما لا يقاس بثقل رضوی***محال أن يرى رضوى عديله

لقد وثق الحسين بها لكيما***تقوم بحمل أعباء ثقيله

وقد بانت كفاءتها لديه***وأعلن عن بني الدنيا رحيله

فناداها أزينب أنت بعدي***لحفظ عوائلي كوني كفيله

فجل الفادحات وإن تناهت***غدت في حزمها السامي ضئيله

صلاة اللّه تترى كل حين***عليها ما تلا الشادي هديله

12 - ولنتختم هذا الكتاب بقصيدة الشيخ عبد الرحيم الاجهوري الذي نظمها متوسلاً بالسيدة الطاهرة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) ملتجئا بها من كرب شديد وقد خلصه اللّه تعالى من ذلك الكرب ببركتها، كما روى ذلك عنه الشيخ الشبلنجي في نور الأبصار – وهي- :

آل طه لكم علينا الولاء***لا سواكم بمالكم آلاء

مدحكم في الكتاب جاء مبينا***أنبأت عنه ملة سمحاء

حبم واجب على كل شخص***حدثتنا بذلك الأنباء

إنني لست أستطيع امتداحا***لعلاكم وأنتم البلغاء

كيف مدحي يفي بعلياء من قد***عجزت من بلوغه الفصحاء

مدحكم إنما يريد بليغا***عجزت عند حده الشعراء

منكم بضعة الإمام على***سیف دین لمن به الإهتداء

خيرة اللّه أفضل الرسل طرّاً***من له في يوم المعاد اللواء

زینب فضلها علينا عميم***وحمانا من السقيم شفاء

كعبة القاصدين كنز أمان***وهي فينا اليتيمة العصماء

وهي بدر بلا خسوف و شمس***دون كسف والبضعة الزهراء

وهي ذخري وملجأي وأماني***ورجائي ونعم ذاك الرجاء

قد أنحت الخطوب عند حماها***فعسى ينجلي بها الضراء

من كراماتها الشموس أضائت***أين منها السها وأين السماء

من أتاها وصدره ضاق ذرعا***من عسير أو ضاق عنه الفضاء

جلت الخطب مسرعا وجلته***فانجلی عنه عشره والعناء

لا يضاهي آل النبي وصيف***لا يوفي كما لهم أدباء

نوروا الكون بعد كان ظلاما***إذ أضائت ذراهم الغراء

لهم الفضل من ألست فإنّي***من سواهم يكون فيه استواء

إن هل يستوي الذين دليل***ولتطهير هم بذاك اكتفاء

لست أخشي الضياع والحب عند***ي طب قلبي ومقلتي وجلاء

بيتكم مهبط لجبريل وحيا***فيه تغدو الملايك الكرماء

من أتى حيكم وكان أسيراً***لدواعيه زال عنه الشقاء

یا کرام الورى أغيثوا نزيلا***أجحفته الخطوب والأدواء

هذا آخر ما تيسر لنا إيراده في هذا الكتاب الوجيز مما وصلت إليه يد التتبّع والحمد للّه رب العالمين وصلّى اللّه على محمّد وآله الطّاهرين.

المحتوية

نسبما صلوات اللّه عليها...4

إخوتها وأخواتها عليها وعليهم السلام...9

اسمها وكناها وألقابها وتاريخ ولادتها...16

نشأتها وتربيتها (عَلَيهَا السَّلَامُ)...19

شرفها ومجدها (عَلَيهَا السَّلَامُ)...21

فسائلها ومنلقبها (عَلَيهَا السَّلَامُ)...27

علمها وفصلها ومعرفتها (عَلَيهَا السَّلَامُ) باللّه تعالى...33

بعض الأخبار المروية عنها (عَلَيهَا السَّلَامُ)...36

فصاحتما و بلاغتما وشجاعتها الأدبية...44

زهدها في الدنيا ونعيمها وقناعتها...55

عبادتها وانقطاعها إلى اللّه تعالى...58

بعض كراماتها الجارية مجري المعجزات...60

صبرها وتعملها المشاق وتسليمها لأمر اللّه...68

تزويجها بعبد اللّه بن جعفر وشيء من حياته...72

اسفارها صلوات اللّه عليها...87

زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) ومصائب كربلاء...90

تسييرها من كربلاء إلى الكوفة وما رأته من المصائب...102

تسييرها من الكوفة الی الشام وما جرح عليها هناك...106

رجوعها من الشام الی المدينة...109

وفاتها ودفنها سلام اللّه عليها...112

المشهد الزينبي في مصر...116

أولادها...119

مدحها ورثائها...124