جمال السالکین العالم الربانی السید عبد الأعلى السبزواری

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

جمال السالكين

العالم الرّباني السيد عبد الأعلى السبزواري

السيّد حسين نجيب محمد

انتشارات دارال

العنوان: قم المقدسة - شارع معلم، ساحة روح الله - تليفون: 7744212 - تلفاكس 7741621

اسم الكتاب: جمال السالكين (العالم الرباني السيد عبد الأعلى السبزواري)

• المؤلف : السيّد حسین نجیب محمد

الطبعة: الأولى

تاريخ النشر : 1385ه- . ش - 1427ه- . ق

المطبعة شريعت *

عدد المطبوع: 3000 مجلد *

شابك : 4-20-535-964

• ISBN: 964-535-020-4

اشارة

انتشارات دارال

العنوان: قم المقدسة - شارع معلم، ساحة روح الله - تليفون: 7744212 - تلفاكس 7741621

اسم الكتاب: جمال السالكين (العالم الرباني السيد عبد الأعلى السبزواري)

• المؤلف : السيّد حسین نجیب محمد

الطبعة: الأولى

تاريخ النشر : 1385ه- . ش - 1427ه- . ق

المطبعة شريعت *

عدد المطبوع: 3000 مجلد *

شابك : 4-20-535-964

• ISBN: 964-535-020-4

بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

{... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ }

(فاطر : 28)

{... إن الَّذِينَ أوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبَّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبَّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدَهُمْ خُشُوعاً }

(الإسراء : 107 - 109)

الإهداء

إلى سيّد الفقهاء والمجتهدين، وخاتم المحدثين، وإمام المفسرين، وجمال العارفين والسالكين، إلى الزاهد، التقي، الورع، العالم الرباني، السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري قدس سره.

أهدي هذا الكتاب.

مُقدمة

بسْمِ اللهِ الرَّحمن الرّحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين، سيّما

نبينا محمد وعلى آله الطاهرين.

وبعد:

1

فقد خلق الله تعالى الإنسان، وجعله في الأرض ليكون خليفته الذي يتخلق بأخلاق الله تعالى، ويجسّد صفاته؛ قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة }(1) (1)

وقد كان هذا الاستخلاف بعدما زوّده بنور العقل وقوة الإرادة، ومنحه قدرة اختیار سبيلي الخير والشر؛ قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِراً وَإمَّا کَفُوراً}.(2)(2)

وإكمالاً لهذه المهمة، أنزل إليه الكتب السماوية التي تحوي تعاليم الهدى والنور. كما بعث إليه الأنبياء والرسل، ليكونوا قدوةً عملية للوصول به إلى الكمالات الإنسانية؛ قال تعالى: {لَقَدْ كَان لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (3).


1) سورة البقرة : الآية 30.

2) سورة الإنسان الآية 3 .

3) (3) سورة الأحزاب : الآية 21 .

جمال السالكين

ومن بعدهم الأوصياء والأئمةعلیه السلام ، فقد جاء في كتاب الإمام علي علیه السلام إلى واليه على البصرة، عثمان حُنيف: «ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدى به ويستضئ بنور علمه . ».

وأمّا في عصر الغيبة الكبرى، فإنّ العلماء هم قدوة البشرية، وذلك لأنهم« أقرب الناس من درجة النبوة»، و «ورثة الأنبياء »، و «خلفاء الأنبياء»، كما الحديث عن رسول الله صلی علی علیه وآله (1)(1)

2

والمراد بالعالم، هو ذاك الإنسان العالم بالمعارف الإلهية، التي تمنح الإنسان الكمال والسعادة الأبدية، وترتقي به من مستوى الحيوانية إلى ذروة الإنسانية والروحانية. فعن رسول الله صلی علی علیه وآله: «إنما العلم ثلاثة :آيةً محكمة، أو فريضةً عادلة، أو سُنّةٌ قائمة، وما خلاهن فهو فضل» . (2)

وعن الإمام علي علیه السلام : «إن معرفة النفس أفضل العلوم» (3). (3)

وعنه علیه السلام : «رحم الله مَنْ عرف من أين وفي أين وإلى أين».

وعن الإمام الصادق علیه السلام: «وجدت علم الناس في أربع: أولها أن تعرف ربك، والثانية: أن تعرف ما صنع بك، والثالثة: أن تعرف ما أراد منك، والرابعة: أن تعرف ما يخرجك من دينك». (4)(4)


1) ميزان الحكمة : مادة « علم»

2) (2) ميزان الحكمة : مادة « علم»

3) تفسير الميزان : ج 6 / 182 .

4) ميزان الحكمة مادة « علم »

وهذا العلم هو الذي يورث العبودية والخشية من الله تعالى.

قال تعالى:{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ }. (1)(1)

وقال تعالى: {إن الذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبَّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبَّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ بيكون ويزيدُهُمْ خُشُوعاً}. (2)(2)

وعن الإمام جعفر الصادق علیه السلام : «مَنْ حُرم الخشية من الله تعالى، فليس بعالم، وإن شق الشعر في المتشابهات، ومن لم يكن عمله مطابقاً لقوله تعالى فليس بعالم»(3) (3)

«ومن ثمراته التقوى، واجتناب الهوى، واتباع الهدى، ومُجانبة الذنوب، ومودة الإخوان، والإستماع من العلماء، والقبول منهم، ومن ثمراته ترك الإنتقام عند القدرة، واستقباح مقارفة الباطل، واستحسان متابعة الحق، وقول الصدق ،والتجافي عن سرور في غفلة ، ومِنْ فِعْل ما يَعقِبُ ندامةً » (4). (4)

3

ومن أبرز أولئك العلماء الأعلام، العالم الرباني (5)(5)،العارف بالله تعالى، والفقيه


1) سورة فاطر : الآية 28

2) سورة الاسراء : الآية 107 - 109 .

3) مواهب الرحمان : ج 76/5 .

4) ميزان الحكمة مادة« علم»

5) (5) قال السيد السبزواري في تفسير قوله تعالى: {وَالرَّباتِيُّون والأخبار}، قال : أي المنسوبون إلى الرب، وهم العلماء المنقطعون إلى الله تعالى ، العرفاء به علماً وعملاً ، الذين لهم شأن في تربية الناس بالتربية الربانية، وف-ي الحديث عن الإمام على علیه السلام: «أنا ربّاني هذه الأمة » ، أي مرتيهم تربية الهيَّةة » . « مواهب الرحمان : ج 11 / 290».

النحرير، والمُفسّر الكبير، «السيّد عبد الأعلى الموسوي السبزواري قدس سره» ، فقد كان مصداقاً جلياً للعالم ،العامل ،العابد، الزاهد ،التقي، الورع.

يقول عنه آية الله السيّد علي البهشتي حفظه الله، بأنه:

«البدر العظيم القدر لطالبي الهداية، صاحب الطبائع الملائكية، الآية الكبرى، والحجّة العُظمى الحاج السيد عبد الأعلى السبزواري (خُلد ذكره السوي) وهو مصدر تعليم الفقاهة، والجوهرة الساطعة للنباهة، صاحب مبادئ التحقيق، وناخب دورة الفقه الكاملة على نحو دقيق».

ويقول عنه العلامة الشيخ باقر شريف القرشي، إنه :

«كان عطاءً متواصلاً للفكر الإسلامي، ومنبعاً أصيلاً للحياة العلمية في دُنيا الإسلام.... كما كان قاعدة مُشرقة لهدى الإسلام وروحانيته، فقد تجسّدت في سلوکه جميع القيم الأصيلة، والمثل العليا التي يسمو بها هذا الكائن الحي من بني الإنسان».

ويقول السيد عبد الستار الحسني، إنه:

«صفوة الفقهاء والمجتهدين، وإمام أهل العرفان الواصلين، وقرم الجهابذة وعَلمُ للأصوليين... فهو في العلم والفقاهة، والأصول والتفسير، والعرفان، وعلوم الحديث، ومعرفة الرجال، والفلسفة، والأخلاق والورع، وسائر الخصوصيات التي انفرد بها عن أعلام زمانه، آية الآيات، وحجّة الحجج، والقدر المتيقن من مصاديق قول جده صلب علیه وآله «العلماء ورثة الأنبياء».

وبناءً على ما تقدّم، فقد رأيت من الضروري الكتابة عن حياة العالم الرباني السيّد السبزواري قدس سره، فإن فيها الكثير من العٍبر والدروس التي تفيد الإنسان،

وخصوصاً فيما يتعلّق فى سيره وسلوكه نحو الله تعالى.

قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهَدَاهُمُ اقْتَدِه). (1)

وقد جاء في مقدمة كتاب «الأذكياء» لابن الجوزي:

«أحببتُ أن أجمع كتاباً في أخبارالأذكياء،الذين قويت فطنتهم، وتوقد ذكاؤهم، لقوة جوهرية عقولهم، وفي ذلك ثلاثة أغراض:

أحدها: معرفة أقدارهم بذكر أحوالهم.

والثاني: تلقيح ألباب السامعين، إذا كان فيهم نوع استعداد لئيل تلك المرتبة، وقد ثبت أن رؤية العاقل ومخالطته تفيد ذا اللُب، فسماع أخباره تقوم مقام رؤيته

والثالث: تأديب المعجب برأيه، إذا سمع أخباره من تعسر عليه».

وسنتناول في هذا الكتاب - بشكل موجز - الجانب الشخصي لحياة السيِّد، وكذا الجانب العلمي الأصولي والفقهي، وسنركز على الجانب الأخلاقي والعرفاني من حياته، لما له من الارتباط الوثيق في حياتنا اليومية، في سيرنا وسلوكنا إلى الله تعالى.

وقد قسمت الكتاب إلى ثلاثة فصول:

الفصل الأول: في حياته الشخصية والعلمية.

والفصل الثاني: في حياته الأخلاقية والعرفانية.

والفصل الثالث: في قبسات مما كتبه في «المُهذّب» و «المواهب».


1) (1) سورة الأنعام الآية 90

وبهذا الكتاب نستحضر حياة السيد السبزواري رحمة الله بيننا، فهو وإن غاب بجسده عنا، إلا أنه حاضر معنا بفكره، وماثل أمامنا بعلمه وآثاره، «والعُلَماء باقُونَ ما بَقِي الدهر أعيانُهُم مفقودةً وأمثالهم في القُلُوبِ موجودة».

الفصل الأول

حياته الشخصية والعلمية

حياته الشخصية والعلمية

نسبه الشريف:

هو سماحة آية الله العظمى ،السيد عبد الأعلى، خَلَف العلامة المقدّس السيّد علي رضا ،نجل السيّد عبد العلي ،بن السيّد عبد الغني، بن السيّد محمد ،بن السيّد حسين، بن السيّد محمّد بن السيّد علي، بن مسعود، بن إبراهيم ،بن حسن ،بن شرف الدين بن مرتضی، بن زین العابدین ،بن محمد ابن أحمد، بن محمد ،بن أحمد،بن محمدشمس الدين، بن أحمد، بن علي، ابن محمد أبو الغنائم، بن أبو الفتح الأخرس ،بن أبي محمد إبراهيم ،بن أبي الفتيان، بن عبد بن الحسن بركة، بن أبي الحسن معصوم، بن أبي الطيب أحمد، بن الحسن بن محمد الحائري، بن إبراهيم المجاب ،بن محمد العابد ،ابن الإمام موسى بن جعفر ،ابن الإمام محمد الباقر ، ابن الإمام علي بن الحسين، ابن الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام(1).

نسب كأنَ عليه شمس الضُحى نوراً ومِنْ فَلَق الصباح عموداً

أسرته:

ینتمي سماحة السيّد السبزواري رحمة الله ، إلى أسرة عريقة معروفة بالعلم والتقوى؛ فوالده سماحة السيّد علي رضا السبزواري رحمة الله ، معروف بالزهد والورع، وكان من أكابر علماء سبزوار، وعمه السيد عبد الله السبزواري رحمة الله عالم جليل، وفاضل خطيب متكلم، وأخوه آية الله السيّد فخر الدين السبزواري، وهكذا نشأ رحمة الله في


1) صفحات مشرقة : ص 16 .

كنف هذه الأسرة العلمية، فكان فرعاً من تلك الشجرة الطيبة، التي ما زالت تُثمر الأجيال.

وقد تزوّج السيد السبزواري رحمة الله علوية من آل المدرسي، وهي أسرة معروفة بالعلم والتقوى، وأنجب منها أربعة أولاد ، أنثى واحدة تزوجت من العلامة الحجة السيّد حسين الشاهرودي، وثلاثة من الذكور وهم:

1 - سماحة آية الله السيّد محمّد السبزواري رحمة الله ، وكان يُعد من كبار أساتذة الحوزة في النجف الأشرف ، على مستوى السطح العالي، ولما هاجر إلى إيران بدأ بتدريس البحث الخارج، وقد تُوفي في شهر ذي القعدة عام ه-، على أثر حادث مؤلم وقع له في الطريق بين قم المقدسة وطهران.

2 - سماحة العلامة الحجّة السيّد على السبزواري حفظه الله تعالى، وهو من أساتذة الحوزة العلمية النجف الأشرف ، ويُعرف في أوساطها بالتضلّع بالعلوم العقلية، وهو صورة مطابقة لوالده في التقى والوَرَع وذكر الله تعالى، ويشغل حالياً مكان أبيه في المهام الاجتماعية، وقضاء حوائج المؤمنين.

3 - سماحة العلامة السيّد حسين السبزواري حفظه الله، وهو يؤدّي دوره الرسالي من خلال صلاة الجماعة وبث التعاليم الدينية، وإرشاد الناس وتعليمهم وهو يقيم حالياً في مدينة مشهد المقدسة.

ولادته ووفاته :

ولد قدس سره قتل في مدينة سبزوار، في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، عام 1328 ه- 1910 / .م.

وتُوفّي في صباح اليوم السادس والعشرين من شهر صفر، عام 1414 ه- ثم نُقل الجسد المبارك إلى الحرم العلوي، وصلى عليه آية الله السيّد البهشتي رحمة الله، ودفن في المكان المُعد لدفنه في شارع الرسول الأعظ صلی علی علیه وآله ،بجوار المالذي كان يُصلي فيه.

نشأته ودراسته :

نشأ السيّد السبزواري قدس سره في كنف أبيه، وتحت رعايته، فتعلم القراءة والكتابة في سن مبكر، ثم درس الأوليات في النحو والصرف والمنطق، وبعض المتون الفقهيّة، حتى أكمل مرحلة السطوح، عند ذلك قرّر والده إرساله إلى مدينة مشهد المقدسة للدراسة في حوزتها العلمية العريقة.

يقول السيّد السبزواري: «جاء بي والدي إلى حرم الإمام الرضا علیه السلام: ووضع يدي على ضريحه مخاطباً الإمام الرضا علیه السلام: هذا وديعة وأمانة عندك، أطلب منك أن أراه مرجعاً من المراجع، وكان عمري آنذاك ثمان سنوات» (1).

وبعدها أخذه إلى إحدى المدارس الدينية، وائتمن عليه بعض الشيوخ من معارفه، فاتجه السيّد بكله إلى تلقي العلوم والمعارف بكل رغبة وشوق، وتتلمذ على كبار الأساتذة، ومنهم:

1 - الأديب النيشابوري الأوِّل، وقد تعلم منه علم الأدب.

2 - آية الله الشيخ محمّد حسن البرسي، وقد تعلم منه الفقه والأصول.

3 - آية الله آقا حكيم، وتعلّم منه الفلسفة والحكمة.


1) (1) صفحات مشرقة : ص 72 .

4 - آية الله الشيخ محمّد العصّار، وتعلّم منه الفلسفة منه الفلسفة والحكمة أيضاً.

5 - الإمام العارف بالله ، صاحب الكرامات الباهرة ، الشيخ حسن علي الأصفهاني (المقدادي)، فقد حضر سيدنا الأجل قدس سره دروس هذا العالم المقدّس، واقتبس من أنوار معارفه، وكان هذا الشيخ الجليل من أئمة السالكين ، وأصحاب الأحوال والمقامات العرفانية العالية، وكانت له كرامات ومكاشفات عجيب وسنتكلم عنه في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى.

ثم انتقل قدس سره من إلى النجف الأشرف، في سنة 1348 ه- فتتلمذ على يد كبار العلماء، فأما أساتذته في الفقه والأصول:

1 - آية الله العظمى الميرزا الشيخ محمد حسين النائيني رحمة الله .

2 - آية الله العظمى السيّد أبو الحسن الأصفهاني قدس سره.

3 - آية الله العظمى الشيخ آقا ضياء الدين العراقي قدس سره.

4 - آية الله العظمى الشيخ محمّد الحسين الأصفهاني قدس سره.

وأمّا أستاذه في الفلسفة والحكمة، فهم:

5 - آية الله العظمى السيّد حسين البادكوبي قدس سره.

وقد عبّر عنه السيّد السبزواري قدس سره بأنه:« سيد مشائخنا، العالم العامل، الزاهد العابد، سيّد الحكماء المتألهين، السيّد حسين البادكوبي قدس سره»(1).

وأما أستاذه في العرفان، فهو:

6 - الشيخ حسن علي الأصفهاني قدس سره، والحكيم الإلهي الشيخ محمّد حسين الأصفهاني قدس سره.


1) (1) مواهب الرحمان : ج 285/6 .

وأما أستاذه في التفسير، فهو:

7 - الشيخ محمد جواد البلاغي قدس سره.

وأمّا أساتذته في علم الحديث، فهم:

8 - آية الله الشيخ عبدالله المامقاني.

9 - العلامة الشيخ آقا بزرك الطهراني.

10 - المُحدّث الشيخ عباس القمي.

وبقي قدس سره ينهل من العلوم والمعارف ،حتى وصل إلى درجة عالية في علم الأصول والفقه، فشهد له العلماء الأعلام بالاجتهاد والفضل، وكان عمره لا يتجاوز الثانية والعشرين ، ومن أبرز من شهد له:

1 - السيد أبو الحسن الأصفهاني قدس سره.

2 - الشيخ محمد حسين النائيني قدس سره .

3 - الشيخ عبدالله المامقاني قدس سره.

4 - الشيخ محمد حسين الأصفهاني قدس سره.

5 - الشيخ ضياء الدين العراقي قدس سره.

شروعه في التدريس:

بدأ السيّد السبزواري تدريس الفقه والأصول لمرحلة السطوح، منذ نزوله في النجف الأشرف، ولمّا تُوفي آية الله السيّد أبو الحسن الأصفهاني

قدس سره سنة1365ه ،بدأ بتدريس مرحلة البحث الخارج، وكان عمره الشريف سبع وثلاثون سنة.

وبعدها شرع في البحث والتدريس فقهاً وأصولاً، فباحث في الفقه ثلاث دورات كاملة، وكان يقول: «هذه من نعم الله عليَّ»، وباحث أيضاً دورتين في المكاسب، وست دورات في علم الأصول. واستمرت حلقة بحثه الشريف طوال خمس وأربعين عاماً، بدأها عام 1365 ه-، وختمها عام 1410 ه- وكان مجلس درسه في بداياته ينعقد في مدرسة الآخوند الكبرى، الواقعة في شارع الرسول صلی علی علیه وآله إلى مدة عشر سنوات، وبعدها كان ينعقد في مدرسة القوام خلف مسجد الشيخ الطوسي قدس سره، إلى مدة أربع سنوات، ثم انتقل إلى مسجد الحويش، وكان هو المقرّ الأخير ، فلازمه بالبحث والتدريس، وإقامة صلاة الجماعة، بأمر من أستاذه الكبير السيّد أبو الحسن الأصفهاني قدس سره ، ولحب السيّد السبزواري قدس سره أن يكون مدفنه قريباً من مكان لازمه بالعلم والعبادة، كان هذا المسجد هو مثواه الأخير.

ومسيرة السيّد السبزواري قدس سره في تدريسه ، كانت لها ثلاث مثاليات في غاية الحسن والروعة.

1 - الأولى: أنّه كان شديد الالتزام بأوقات الدرس، ودائماً ما كان يسبق تلامذته في الحضور إلى مكان الدرس، مع حتّه وتشجيعه لهم على حواره و مناقشته والاستفادة منه.

2 - الثانية: أنه جعل يومي الخميس والجمعة، كسائر أيامه الأسبوعية، فكان يشتغل فيهما بتدريس الفلسفة والتفسير والعرفان، بينما العرف الحوزوي، يعتبر هذين اليومين من كل أسبوع راحة واستجماماً للطلبة الحوزويين.

3 - الثالثة : أنه كان يقوم بإلقاء ثلاثة دروس في اليوم الواحد، إثنين منها في

الفقه صبحاً وعصراً، والآخر عصراً في الأصول، بينما العادة الجارية عند الفقهاء، الاقتصار على درسين في كل يوم فقهاً وأصولاً.

وهذه المثاليات التي يجب أن تكون نبراساً يُستضاء به لكل تلامذة المدرسة المحمّدية، تكشف عن مزيد من الاهتمام، وقوة في النشاط، من أجل الوصول إلى أعلى مراتب العلم والمعرفة.

ونقل أحدهم عن آية الله العظمى السيّد علي الفاني قدس سره، قوله:

«إنّ من العلماء من يذهب إلى النجف الأشرف، ويعيش فيها عشرات السنين، فلا يعرف فيها إلا طريق الحرم العلوي الطاهر ، وموضع درسه لانشغاله بالعلم والتحصيل، أمثال السيد عبد الأعلى السبزواري قدس سره(1).

والله درّها من شهادة صادرة من نفس طاهرة مهذبة، إذ شهادة النّد لنده من أندر الشهادات في حياة الحوزة.

وقد تخرج على يديه المئات من العلماء الأفاضل، ومنهم:

1 - السيّد محمّد کلانتر قدس سره.

2 - الشيخ محمد علي التبريزي .

3 - الشيخ محمد صادق السعيدي.

4 - الشيخ مهدي الكرماني.

ه - الشيخ محمد الأصفهاني.

6 - السيد جلال الدين الحسيني.

7 - الشيخ جمال الدين الإسترآبادي.


1) (1) صفحات مشرقه : 73

8 - السيّد محمّد جواد فضل الله العاملي.

9 - الشيخ محمّد علي التوحيدي.

10 - الشيخ مرتضى الغروي الطهراني.

11 - الشيخ طالب الخليل اللبناني.

12 - السيّد محمّد الغروي.

13 - السيّد عبد العزيز الأردبيلي.

14 - السيّد نور الدين السبزواري

15 - السيّد محمّد السبزواري.

16 - السيّد على السبزواري.

17 - الشيخ نور الدين الكاظمي.

18 - الشيخ محمد حسن الإصطهباناتي.

19 - الشيخ أسد الله الأصفهاني.

20 - الشيخ عبد الله المحمدي.


مرجعيّته :

كان الإمام السيّد السبزواري قدس سره مقلداً منذ عام 1380 ه-؛ أي بعد وفاة المرجع العظيم السيّد الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي قدس سره، فرجع إليه في التقليد جماعة من المؤمنين في العراق وإيران، ولا سيّما مدينته سبزوار، وطبع رسالته العملية باللغة الفارسية، بعد عام من وفاة السيّد البروجردي، ثمّ اتسعت

دائرة تقليده، وازداد المقلّدون بعد وفاة السيّد الحكيم قتل عام 1390 ه-، وأصبح له مقلّدون غير أولئك، وطبع رسالته العلمية باللغة العربية الموسومة ب-(منهاج الصالحين) بعد التماس الناس منه ، ثمّ ازداد المقلّدون كثيراً، فطلب منه أن يؤلّف رسالة وجيزة في الأحكام الشرعية ، فطبع رسالته (جامع الأحكام الشرعية)، وبعد وفاة السيّد الخوئي عام 1413 ه- رجع إليه الناس في كثير من الأقطار، مثل العراق وإيران والخليج، وشيعة باكستان والهند، والشيعة القاطنون في الدول العربية، فأصبحت مرجعيّته عامة.

على أنه قدس سره- وهو صاحب تلك الروح العرفانية العالية - لم يتصد لها، وكانت عزلته وحرصه على الإبتعاد عن الأضواء مشهودين، إذ لم يكن دأبه وجهاده إلا الزهد والعزوف عن زخارف الدنيا، وزبرجها البراق، ولو كان يرغب في الزعامة الدينيّة، لكان له شأن آخر قبل هذا الأوان بأمد بعيد، فإنّ فضله كان مشهوراً، واجتهاده معلوماً كالشمس في رابعة النهار (1).

مؤلّفاته :

لمؤلفات السيّد رحمة الله سر عظيم، وذلك أنها خرجت من قلب نوراني، مملوء بالعلم اللّدني من الله تبارك وتعالى، والمطالع لها يجد فيها تأثيراً عجيباً، وما ذلك إلا لأنها خرجت من القلب،« وما خرج من القلب دخل إلى القلب».

ومما يُحكى حول مؤلفاته قدس سره:

إن سبب تسمية كتاب التفسير بمواهب الرحمن، أنه قدس سره قدر قبل سنوات رأى


1) (1). ألطاف الباري : ص 75 .

رسول الله صلّی علی علیه وآله في عالم الرؤيا، وقد أعطاه نسخة من الصحق الشريف، قائلاً له: «خذ مواهب الرحمن»، وبناءاً على تلك الرؤيا، سمّى تفسيره الجليل بهذا الاسم. إن أحد المؤمنين رآه في المنام، وهو في أحسن حال، وطلب منه أن يبيّن له ما جرى عليه في الليلة الأولى من دفنه، فقال:

كنتُ جالساً في غرفتي، فدخل أمير المؤمنين علیه السلام، وكانت مؤلفاتي حولي، فأخذ واحداً منها فورقه وتصفّحه، فقال: نٍعمَ ما كتبت.

وذكر هذا الشخص، أنه قال للسيّد قدس سره: إذا سألني أحد عن كتبك ومؤلفاتك، أنّها مرضيّة عند الحجّة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فبماذا أجيبه ؟

فقال : إن أمير المؤمنين عليه السلام قال : إنها حسنة (1).

1 - مؤلفاته فى الفقه :

1 - مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام.

وهو شرح استدلالي على كتاب «العروة الوثقى»، لفقيه عصره، السيّد اليزدي قدس سره، مع إضافة المتن وشرحه لبعض الأبواب الناقصة.

يقع في ثلاثين مجلداً، وقد طبع في النجف ولبنان، وتعاد طباعته حالياً في «قم المقدسة ».

2 - تعليقة على كتاب «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام»، للشيخ محمّد حسن الجواهري قدس سره، وهو غنيُ عن التعريف، تقع في ثلاثة وأربعين مجلداً تقريباً، المعدّ منها حالياً للطبع باب النكاح في أربعة مجلدات، والبقية قيد الإشراف والتحقيق.


1) (1) ألطاف الباري : ص 69

3 - تعليقة على «الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة »للفقيه المحدّث، الشيخ يوسف البحراني قدس سره، وهو من أدق الموسوعات الفقهيّة الاستدلالية عند الشيعة الإمامية.

4 - تعليقة على «مستند الشيعة»، للمولى الشيخ أحمد النراقي قدس سره.

5 - أحكام العدد في الوطئ المحرَّم.

6 - التقیّة.

7 - جامع الأحكام الشرعية، وهو عبارة عن رسالته العملية، وهي تقع في مجلد واحد.

8 - تعليقة على «العروة الوثقى»، للسيّد محمّد كاظم اليزدي قدس سره، تقع في مجلّدين.

9 - تعليقة على «وسيلة النجاة»، للسيّد أبي الحسن الأصفهاني قدس سره، تقع في مجلّدين.

10 - تعليقة على «منهاج الصالحين»، للسيّد محسن الحكيم قدس سره، تقع في مجلّدين.

11 - مناسك الحجّ.

2 - مؤلّفاته في الحكمة والكلام:

1 - تعليقة على كتاب «الحكمة المتعالية» ، المعروف بالأسفار ، لصدر المتألهين الشيرازي قدس سره ، المعروف بالملاصدرا، وقد كتب السيّد السبزواري قدس سره هذه التعليقة فى مرحلة تدريسه لهذا الكتاب الفلسفي العميق، الذي يعد من أعقد الكتب الفلسفية

2 - إفاضة الباري في نقض ما كتبه الحكيم السبزواري

وقد كتب السيد السبزواري قدس سره هذا الكتاب لنقض بعض المباني الفلسفية التي أسّسها الفيلسوف المشهور الملا هادي السبزواري قدس سره.

3 - تعليقة على الكتاب الدراسي المشهور «المنظومة» للملا هادي السبزواري قدس سره.

4 - لباب المعارف.

وهوكتاب كلامي في خصوص الأصول الاعتقادية الخمسة.

3 - مؤلفاته في الأصول :

1 - تهذيب الأصول :دورة أصولية كاملة تقع في مجلدين.

4 - مؤلفاته في التفسير :

1 - مواهب الرحمن في تفسير القرآن، يقع في ثلاثين مجلداً تقريباً.

2 - حاشية على تفسير «الصافي»، للفيض الكاشاني قدس سره.

5 - مؤلفاته في الحديث والرّجال:

1 - حاشية على «بحار الأنوار»، للشيخ المجلسي قدس سره.

2 - تعليقة على «الوافي»، للفيض الكاشاني قدس سره.

3- اختلاف الحدیث.

4 - تعليقة على إسناد «وسائل الشيعة»، للحرّ العاملي قدس سره.

5 - مباحث مهمة فيما تحتاج إليه الأمة(1).

مقامه العلمي:

إن السيّد السبزواري قدس سره كان آية في علم الفقه والأصول والتفسير والحديث والرّجال؛ فهو «إمام المجتهدين، وسيد الفقهاء المتبحّرين، وعَلَ م الأصوليّين، وقدوة العارفين، والعالم الفذّ في الرواية والدراية وسائر الفنون الحديثية، وله في الفلسفة الإسلامية الباع الأطول »(2).

علمه في الفقه:

أمّا علمه في الفقه، فيُعرف من خلال موسوعته الفقهيّة الاستدلالية التي تقع في ثلاثين مجلّداً، والتي تمتاز باحتوائها على كثير من الفروع الفقهية النادرة واستعراضها للمسائل المستحدثة، مع سلاسة البيان، ووضوح العبارة، ودقّة المطالب العلمية وعمقها.

وقد انعكس في هذه الموسوعة الفقهية، فقاهة السيّد رحمة الله التي تمتاز بأنّها فقه عرفي لا عقلي بحت، فقد تعامل رحمة الله له مع النصوص الفقهية بالذوق العرفي العامّ ،دون الغوص في الأدلة العقلية والفلسفية المعقدة التي تُبعد الفقيه عن روح النص الشرعي.

ويعود السبب في علو مقامه في الفقه، أنه رحمة الله قرأ الكتب الفقهية طوال حياته؛ فقد قرأ كتاب (جواهر الكلام ) - 42 مجلّداً - من البداية حتّى النهاية ست مرّات


1) (1) صفحات مشرقة : ص 91

2) (2) ألطاف الباري : ص 23.

كاملات، وقرأ كتاب بحار الأنوار - 110 مجلّداً - من البداية البداية حتّى النهاية مرتين وقرأ أحاديث كتاب القضاء من «وسائل الشيعة» ستّين مرّة.

وقام بتدريس الفقه على مستوى البحث الخارج، طوال خمسين سنة تقريباً، وذلك بعد أن قض من عمره الشريف خمسة وعشرين سنة في دراسته ودراسة مقدّماته.

واستطاع من خلال الخمسين عاماً المتقدمة، أن يباحث ثلاث دورات فقهية، وهو أمر تفرّد به، ولم يتسنّى لغيره، وذلك لعله لما تميّز به من منهجية تختلف عن منهجية الآخرين.

واستطاع أيضاً أن يباحث دورتين كاملتين في المكاسب.

يقول سماحة آية الله الشيخ الكشميري قدس سره: بأن السیِّد السبزواري قدس سره نتيجة قراءته لكتاب الجواهر، أصبح قادراً على تمييز الرواية المضمرة من أيّ المعصومين صدرت ، والمراد من الرواية المضمرة، هي الرواية التي لم يذكر فيها اسم المعصوم الواردة عنه.

ويقول: إن السيّد الأستاذ كثيراً ما يقول لي: إذا حُذف في كلّ حديث السند، والإمام المروي عنه ، وقُرئ علىَ نفس متن الحديث، فأنا متمكّن من أن أقول: إنّ هذا المتن صدر من أي معصوم من المعصومين علیه السلام، وهذه دعوى ليست بعيدة عن السيّد الأستاذ قدس سره ، ولم تكن في قبولها منه( طاب ثراه) أي صعوبة وإشكال وهو في هذه أتعب مَنْ بعده وأنسى مَنْ قبله (1).


1) (1) صفحات مشرقة : ص 102

علمه في الأصول:

فيُعرف من خلال كتابه القيم «تهذيب الأصول»، الذي عكس خلاصة آراء السيد رحمه الله في علم الأصول، إلا أن البارز في هذا المجال، أن السيدرحمه الله كان يرى الأصول أنه مقدمة لعلم الفقه، وليس مطلوباً بالذات، ولذلك فلابد أن يكون البحث فيه بقدر الاحتياج إليه في ذي المقدمة، لا زائداً عليه (1).

ومن هنا حذف السيدرحمه الله من الأصول ما لا دخل له في عملية الاستنباط من الناحية العملية، وقد أشار إلى هذا المعنى في مقدمة كتابه فقال:

«هذه خلاصة ما حقّقناه، وحَقَّقه مَهَرة مشايخنا قدس سره المبتكرين في هذه الصناعة، بعد طول الجهد، وتحمل المتاعب، أبرزتها في أسهل العبارات وأيسر الجملات، خالية عن جميع الزوائد ، مشتملة على كثير من الفوائد، وسمّيتها ب-(تهذيب الأصول )عن الزوائد والفضول، راجياً أن يهذبنا الله تعالى عن كل ما لا يرضيه، وأن يجعله كافياً لصحة الاعتذار في أحكامه المقدمة إلى يوم القيامة».

ويقول في موضع آخر:

«وقد جرت السيرة على الاهتمام بصناعة الأصول، لأنه مجمع مبادئ الاجتهاد، ومؤلف متفرّقاتها، وقد ذكرنا في الجزء الأول عند تعريفه أنه: بداية الاجتهاد ،ونهاية العلوم الدخيلة في الاستنباط، وإن اشتمل على ما ليس فيه ثمرة عملية ،بل ولا علميّة معتن بها، كجل مباحث الوضع، والصحيح والأعم، والمشتق، واتّحاد الطلب والإرادة، وبحث الانسداد، ونحوها ممّا هو كثيرُ كما هو واضح على الخبير .


1) (1) تهذيب الأصول : ج 1 ص 6 .

ويكفي في الاجتهاد في الأصول، الإحاطة بالمسلمات والمشهورات بين العقلاء والعلماء، وما هو المعتبر لدى الأذهان المستقيمة، ولا عبرة بالدقيّات العقلية، والاحتمالات البعيدة، لعدم ابتناء الفقه عليها، كما لا يعتبر إبداء الرأي المسبوق بالعدم في الأصول، لأن الآراء محصورة بين النفي والإثبات، بل يكفي الإذعان الاعتقادي عن تأمّل واجتهاد، بما هو المألوف بين أهل المحاورة، فى كيفية الاحتجاج والاستظهار، وتأليف الفقه الاستدلالي في هذه الأعصار وما قاربها، تشتمل على القدر اللازم من الأصول، ويمكن أن يعد الزائد عليه الفضول».

كتب أحد تلامذته الفضلاء، فقال :

وأمّا على مستوى علم الأصول، فالملاحظ من كتابه «تهذيب الأصول» عدم الاستغراق والاسترسال في البحوث الأصولية، لما يستلزم من تلف العمر في ذلك، وعدم إعطاء الفقه - وهو علم أهل البيت علیه السلام حقّه من الوقت والجهد العقلي.

وهو الذي ينقل عن أستاذه أبو الحسن المشكيني قدس سره- صاحب الحاشية على الكفاية - أنّه تأسف فى مرضه الذي توفّي فيه على ضياع عمره في تحرير الأصول والتعليق عليه.

علمه في الحديث:

وأما علمه في الحديث، فالمعروف عنه أنه أكثر الناس تبحراً في الأحاديث الشريفة، حتى أنه لقب ب- «إمام المحدثين »، و «خاتم المحدثين» ولكثرة إلمامه بالأحاديث، فقد كان رحمة الله يصحّح الأسانيد بالمتون، إذ يشمُ من المتن رائحة نَفَس

المعصوم، من دون الرجوع إلى الراوي؛ بمعنى أنه يجد الراوي عرضياً على الحديث، ولا يتعرّف على الحديث عن طريق الراوي، وإنما يتعرّف على الراوي من الحديث، وذلك لأن الحديث عنده ذو نَفْس ، وله مقياس روحي كأنّه حاضر عند المعصوم(1)

وعن النسّابة السيّد حسين أبو سعيدة:

أخبرني أحد علماء النجف الأشرف، بأنه دخل عدد من الزملاء له الزيارةسماحة السيّد المعظَم عبد الأعلى السبزواري، والاستنارة بنور. وكان معه كتاب رواية، فأراد أن يسأل سماحة السيّد عن رأيه في تلك الرواية، وأبعادها ومضامينها.

فقال: ماذا يقول سماحة السيّد في مضمون هذه الرواية، الواردة عن سيّدنا الإمام الباقر علیه السلام ؟

فقال سماحة السيّد: لا أشمّ من هذه الرواية رائحة الإمام الباقرعلیه السلام ، ولكن أشمّ منها رائحة الإمام الصادق علیه السلام وأسلوبه.

يقول: فقلت له: إن هذا الكتاب الذي بين يدي،يشير في الهامش أن الرواية منقولة عن الإمام الباقر عليه السلام .

فقال سماحته: هاتوا كتاب الوسائل، وعندما أخرجنا الرواية، وجدنا أنها مروية عن الإمام الصادق علیه السلام ، وليس هذا إلا لأن سماحته كان يرى بنور الله (2)

وأمّا علمه في تفسير القرآن الكريم:

فيظهر من خلال كتابه «مواهب الرحمن في تفسير القرآن»، فهو بحقّ الكتاب


1) (1) مع المقدس السيرواري : ص 11 .

2) (2) الأنوار الساطعة : ص 11 .

الذي يعكس مقدار تبحّر سيّدنا المعظّم في كافة العلوم العقائدية، والأخلاقية والفلسفية والعرفانية والتاريخية والأدبية، وقديماً قيل : الكتاب أحد اللّسانين، وير ويراع المرء ترجمان عقله، والشاهد على فضله، وقال بعضهم:

تلك آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار

يقول الشيخ محمّد حسين الأنصاري، في كتاب المواهب:

«هو كتاب في تفسير القرآن العظيم ،قد بيّن فيه زوايا كثيرة، وأظهر خفايا عجيبة، قد تفوح منه نسائم العرفان، وتطغى ما فيه من الجوانب الفلسفية القيّمة، والنواحي الأخلاقية القويمة، والحوادث والتحليلات التاريخية، والأمور الأدبية والروائية، مضافاً إلى ذلك كلّه، فإنّه يظهر فيه العمق الدلالي »(1).


1) (1) صفحات مشرقة : ص 126 .

الفَضْلُ الثاني

حياته الأخلاقية والعرفانية

شهرته بالأخلاق والعرفان

اشتهر السيّد السبزواري رحمة الله بين الناس، بأنه من أهل التقوى والورع ،وأصحاب السير والسلوك إلى الله تعالى ،ومن العرفاء المنقطعين إلى الله تعالى، والذين لهم كشوفات عن العالم الغيبي.

وقد كان قدس سره يقول: «كانت تنكشف لي بعض الحقائق في مرحلة من عمري»إلا أنه لم يبين ما هي تلك الحقائق.

يقول عنه العلامة الثبت السيّد محمّد حسن الطالقانی حفظه الله :

عُرف الإمام السبزواري بين صفوف أهل العلم وغيرهم من أصناف الناس ،بالتقوى وشدة الورع، والمحافظة والاحتياط، فقد كان عابدأ متهجداً، مواظباً على قراءة القرآن، والأدعية المأثورة ، والأذكار المتداولة، التي يحيى بها الأسحار. وقد كان من العرفاء الشامخين، والأولياء المخلصين، نَهَج طريق السير والسلوك إلى الله تعالى منذ يومه الأوّل، فقد فتح عينيه على أستاذه المربّي العارف، الشيخ حسن علي الأصفهاني في خراسان، ولازمه ملازمة الظل عشر سنين، يتبعُ خُطاه، ويقتفي أثره، ويضع قدمه في موضع قدمه، حتّى طُبع بطابعه... ولمّا سافر إلى النجف الأشرف، اتصل بالحكيم الإلهي الشيخ محمد حسين الكمباني الأصفهاني، والعارف الرباني السيّد حسين البادكوبي، فتأثّر بهما كثيراً، واتبع

خطاهما وتعاليمهما ، ويعرف عن ذلك قوله : «إن فعل بعض مشايخنا حُجّة علينا، ومنه نأخذ الفعل المندوب وما كان يتركه فهو محرم أو مكروه».


كراماته

وممّا يدل على سمو مقامه الروحي، تلك الكرامات التي صدرت منه في حياته وبعد وفاته ،فإنّ «الكرامات لأصحاب المقامات»، وقد اشتهر الكثير منها بين الناس، وتناقلها الثقاة من سائر الطبقات.

العملية الجراحية لعينيه:

وقبل ذكر كرامات السيّد رضوان الله عليه، يعجبني في هذا المجال أن أنقل عبارة له من كتابه «مهذب الأحكام»، وهي قوله:

«مقتضى العرف والعادة ،في جميع المذاهب والأديان والملل والنحل، أن يكون لعالمهم مقام إمامهم أو نبيهم ، جميع ما كان للإمام والنبي من الشؤون الدينيّة والمناصب مطلقاً، إلا ما خرج بالدليل، وبحسب هذا الارتكاز ، يترقب الناس من العلماء صدور الكرامة والمعجزة أيضاً ».(1).

حدّثني العلامة الحجّة السيّد علي السبزواري حفظه الله، أن طبيب العيون قرّر

إجراء عملية لعيني السيّد قدس سره ، ولما حان وقت العملية، وأراد الطبيب تزريق السيّد بإبرة البنج ، رفض السيّد رحمه الله ذلك ، لأنه يرى أنها تُسبّب يري الإغماء الذي يترتب عليه أحكام شرعية، والتي منها إبطال الوكالات التي أعطاها السيّد لو كلائه ، فأصرَّ الطبيب على وضع البنج ، لأن عملية العين حسّاسة جداً، كما هو واضح.


1) (1) مهذب الأحكام : ج 15 / 157 .

فقال السيّد علي - حفظه الله - للطبيب: إجر العملية كما يقول السيّد، وهكذا حصل، وعندها بدأ السيّد بالتسبيح، وأخذ الطبيب بإجراء العملية من دون تخدير، وانتهت العملية بالنجاح.

ولا شك أن مَنْ يتحمل إجراء عملية جراحية من دون ألم، لإنشغاله بالتسبيح الله تعالى ، لهو من أصحاب المقامات العالية، الذين يعيشون الانقطاع إلى الله تعالى، وهو بذلك يشبه جده أمير المؤمنين علبه السلام، الذي كان يستغرق في عبادة الله تعالى، إلى درجة أنه إذا أصيب بالسهام في جسده، تركوه حتّى يصلّي، فإذا توجّه إلى الله تعالى في صلاته، أخرجوا السهام من جسده، بدون أن يشعر بالألم.

في طريق الحجّ

1- الكرامة الأولى:

كان السيّد السبزواري قدس سره في إحدى سني عمره ، ذاهباً لحجُ بيت الله الحرام، مع حملة الحاج السيّد إسماعيل حبل المتين، وفي أثناء مسيرهم مروا بمنطقة ( عرعر ) السعودية، فتاهت قافلتهم في الصحراء، حتّى نفذ الماء الذي كان معهم، وحشرت السيارات في الرمال، إلى أن بلغ اليأس بهم أن حفر كلّ واحد منهم حفرة صغيرة فى الرِّمال، كقبر له، وضجّوا بالدعاء والتوسل.

وأما السيّد السبزواري قدس سره ، فقد ابتعد عن أنظار الحجّاج، تدفعه روح إيمانية صامدة إلى مناجاة السماء.

وهنا انقطع إلى الله بصلاته المحبوبة، وهي صلاة جعفر علیه السلام علي متوسلاً إليه بصاحب العصر والزمان أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.

وإذا برجلين أو ثلاثة قد أقبلوا إلى الحجّاج، وملؤوا قٍربهم ماءاً، ثمّ أرشدوهم إلى جادّة الطريق، بعد أن ساعدوهم في إخراج السيارات من رمال الصحراء، وبعدها لم يجد الحجّاج لأولئك الثلاثة أثراً.

2 - الكرامة الثانية:

كان السيّد السبزواري قدس سره متوجهاً لحجّ بيت الله الحرام، فأضاع قطعة من القماش ،كانت تحتوي على جواز سفره، وجميع ما يحمله من المال .

فلمّا لم يجدها، توجّه قاصداً البيت الإلهي المعمور، وهناك انقطع إلى خالق السماء، برفيقة دربه، وعشيقة عمره ألا و وهي صلاة جعفر علیه السلام متوسّلاً للحقّ تعالى، طالباً منه الفرج وتسهيل الأمور في تلك الظروف الشديدة، والساعات العصيبة.

وإذا بشاب نوراني أقبل إليه ،فوجده مشتغلاً بالعبادة والمناجاة، منقطعاً الله أيّما انقطاع، فقال له: سيّد عبد الأعلى هذا ما تبحث عنه.

وأعطاه تلك القطعة من القماش، وعندها انتبه السيّد السبزواري قدس سره من مناجاته، فلم يجد أثراً لذلك الشخص.

إن في هاتين الكرامتين دلالة واضحة على مدى انقطاع السيّد السبزواري إلى الله تعالى، في أحلك الظروف، وعلى قُربه من الله تعالى، حيث استجاب له الدعاء.

الشفاء من مرض القلب:

في سنة من سنيّ عمره الشريف، ابتلاه الله بمرض فى قلبه، فطلب منه الذهاب إلى المستشفى، فرفض ذلك وأصرّ على رفضه.

فذهب تلميذه الوفي سماحة السيّد محمّد كلانتر «دام ظله»، وجاء له بالطبيب محمّد سعيد الأسدي، لمباشرته بالعلاج والاطمئنان عليه.

وبعد إجراء الفحوصات اللازمة، قرّر الطبيب أن يذهب السيّد السبزواري قدس سره إلى المستشفى، لأن الحالة كانت خطرة للغاية. ولكن السيّد السبزواري قدس سره لا زال مصرًاً على موقفه، وما كان منه إلا أن توجّه إلى الله متوسّلاً بالإمام الصادق قدس سره ناذراً لإن ألبسه الله ثوب الصحّة والعافية، ليكتبنَّ دورة فقهيّة كاملة

وإذا بالمرض العضال لا أثر له، وأفاق من نومه تلك الليلة، وهو لا يشكو ألماً. وذهب إلى مسجد السهلة فور قيامه من نومه بعد منتصف الليل، وكأن لم يكن به شيء

فلمّا جاء الطبيب الأسدي لملاحظة أوضاعه الصحّية، تعجّب أيّما تعجّب، بعد أن ظهر له بأنّ السيّد السبزواري قدس سره قد شُفي تماماً. وعلم بأن الأمر ليس طبيعيّاّجزماً، بل هو خارج حدود الطبيعة.

شفاء ولده بالتوسّل:

عن العلامة السيّد حسين السبزواري حفظه الله، أنّه قال:

«كان عمري سبعة أعوام، فسقطت في سرداب عمقه حوالي 20 متراً، وكان سقوطي على قمّة رأسي، الذي خرقته عظمة دخلت في رأسي، حتى أوشكت أن تصل إلى المخ، وأمّا بطني فقد تمزّقت بالزجاج، فأغمي عليَّ، ولمّا افتقدتني أمّي، صارت تبحث عنّي فنادت لأبي وصار يبحث معها ، حتى وجداني، فأسرع بي أبي إلى الطبيب، فقال له الطبيب: سيّدنا هيئ نفسك للعزاء، وهكذا بقيتُ فی

المستشفى ثلاثة أيّام، وأنا في حالة إغماء، والأطبّاء ينظرون إليَّ بنظرة يأس، عند ذلك رفع والدي يديه إلى السماء، متوسّلاً بالإمام جعفر الصادق علیه السلام ، وهو يُقسم عليه بالضلع المكسور لجدته الزهراءعلیه السلام ، ثمّ حملني ليخرج من المستشفى، فما خطا إلا خطوات، وإذا بي أفتح عيني في وجهه، فاستغرب الأطبّاء وصاروا يؤمنوا بتأثير الأدعية (1).

السبزواري لم يسافر للحجّ ولكنّه حَجّ:

إن جماعة من المؤمنين الأخيار ، قصدوا دار السيّد عبد الأعلى السبزواري، في حاضرة العلم الكبرى النجف الأشرف، بعد انفضاض الناس من أداء فريضة الحج المباركة، وقدموا له التهاني والتبريكات بمناسبة رجوعه من بيت الله الحرام، وتوفيق الله إيّاه بالوقوف في تلك العرصات الشريفة، فشكرهم ولم يعترض بشيء، مع أنّ السيّد السبزواري لم يكن قد حجّ في ذلك العام. ولمّا خرجوا من داره ،سأله بعض خواصّه عن السبب في عدم بيان الأمر الواقع، فأجابه السيّد بأن الله تعالى قد وَكَلَ عن كلِّ عبد صالح مطيع، مَلكاً يحجُّ عنه كل عام، كما ورد في أخبار المعصومين علیه السلام ، ثمّ أمره بأن يكتم ما سمعه حال حياة السيّد، فامتثل أمره، ولم يخبر به انتقال السيّد إلى الرفيق الأعلى.

رجوع العقل ببركة السبزواري:

وعن السيّد حسين أبو سعيدة:


1) (1) قصص وخواطر ص 145 .

كتب لنا أحد الثقاة، أنّ أحد المؤمنين أصيب بجنون مطبق، وظلَّ هائماً على وجهه في شوارع بغداد، وقد عجز عنه الأطباء الأخصائيون. وانقطع عن عمله الوظيفي طوال تلك الفترة. فاتصلت بسماحة الإمام السيّد رحمه الله وأخبرته بذلك، فأعطانا قارورة ماء بعد بعد أن قرأ عليه بعض الأذكار، وأمر بغسل بدنه من ذلك الماء، وتمّ العثور عليه وكان رثّ الحال والهيئة، وأدخلناه إلى الحمّام، وعندما اغتسل عاد إليه عقله، ثمّ أخذ يتحدث مع عياله بشكل طبيعي.

الحدس عند السبزواري :

وعنه حفظه الله:

نقل أحد الثقاة عن أحد المؤمنين أنّه كان يرتكب بعض الأمور المنكرة في الخفاء، بحيث لا يعلمها إلا الله تعالى، حتّى زوجته لم تكن تعلم بذلك، قال: فاتفق أن زرت السيّد السبزواري قدس سره قتل في الكوفة، وعندما أردت تقبيل يده، قال لي :كفى فعل المنكرات، وكان قوله سبباً في ردعي عنها، وذهلت من إخباره إيّاي ،مع أنّي لم أخبر أحداً بذلك، وكان ارتكابي لها في السرّ فقط.

شفائه للمرضى:

التمس منه أحد المرضى، المبتلين بمرض الفقرات، أن يدعو له، فوضع السيّد يده الشريفة على ظهر المريض فبرأ من مرضه، ولا يزال حيّاً يرزق، وفي صحّة جيّدة، يُغبط عليها بعد معاناته المستديمة من ذلك المرض.

دعاؤه المستجاب:

للذين أتوا يلتمسون منه الدعاء لهم، وقد أخبر بعضهم أنّه التمس من السيّد أن يدعو يدعو له بأن يلهمه الله تعالى قوة الحفظ؛ فوضع يده المباركة على رأسه، ومن ذلك اليوم لم ينس ذلك الرجل شيئاً ممّا وهو الآن أحد الخطباء، ولا يزال هذا الرجل يذكر تلك الكرامة إن تعلمه استوجب الحال ذكرها.

إشعار مسبق برحيل السبزواري :

عن السيّد حسين أبو سعيدة:

أخبرني أحد الفضلاء، أنّ أحد العلماء من العرفانيّين، رأى في المنام في الليلة التي توفّى السيّد عبد الأعلى السبزواري في صباحها، أن النبيّ الأعظم صلی علی علیه وآله متوجّه إلى المدينة المنوّرة من النجف الأشرف، وبصحبته السيّد السبزواري طاب ثراه. قال العالم :فاضطربت كثيراً، ولمّا حلّ ظهر ذلك اليوم وصلني نعي السيّد، وأنّه توفى صباح ذلك اليوم. وقد تحدّث بهذا الإشعار الربّاني جملة من فضلاء الجامعة الدينية، وغيرهم من الناس (1) (1)



1) راجع كتابي : « الأنوار الساطعة » و « ألطاف الباري » .

عبادته

لقد شهد كلّ من عرف السيِّد السبزواري رحمه الله، بكثرة تعبّده الله تعالى ، وعدم التهاون في أداء الواجبات والمستحبّات، والابتعاد عن المحرمات والمكروهات. يقول السيّد الستار: «واشتهر عنه أنّه كان كثير العبادة، ملازماً لذكر مولاه ،مراقباً لنفسه، لا يفتر لسانه عن التسبيح والاستغفار، وسائر الأوراد والأذكار، حتّى أنّه لم يكن يترك نوافل الظهرين مع إمامته للجماعة».

وسأذكر طُرفاً من عبادته، مع مراعاة التفصيل والتبويب، لتكون مثالاً يُحتذى لمن أراد السير والسلوك إلى الله تعالى.

ولكن قبل الدخول في بيان العبادات، لابدّ لنا من وقفة عند أساتذة السيّد السبزواري رحمه الله له في العرفان ،لكي يعلم القارئ العزيز ما للأستاذ من دور كبير في العرفان والسير والسلوك.

قال السيّد له في المواهب :

«ليعلم أنه لا يمكن السير والسلوك، إلا بعد التزوّد بالمعرفة ،والعلوم الحقيقية ،والمُعلّم الذي يرشد الإنسان إلى طريق استكماله، ومن ذلك يعرف أهمية أهل الذكر في الرجوع إليهم» (1)

ويقول قدوة العرفاء السيّد علي القاضي رضوان الله عليه:

«أهمّ ما يلزم في هذا الطريق، الأستاذ الخبير البصير، الخارج من أسر الهوى


1) (1) مواهب الرحمان : ج 13 / 462

الواصل إلى المعرفة الإلهية ... وإذا أمضى الإنسان الذي يطلب طريق الله نصف عمره يبحث عن أستاذ هذا الطريق، فإنّه يكون مصيباً، فمن وصل إلى الأستاذ، وحصل عليه، فقد قطع نصف الطريق ». (1) (1)

فهنا نقول: إنّ لأساتذة السبزواري قدس سره دور كبير في تكوين شخصيّته العرفانية، فقد تتلمذ في مدينة مشهد المقدسة على يد الأستاذ المربى العارف، الشيخ حسن على الأصفهاني، ولازمه عشر سنوات ملازمة الظلّ، مريداً له وتابعاً لأقواله وأفعاله.

وقد تحدّث السيّد السبزواري عن أستاذه في العرفان، فقال:

«إنَّ الشيخ الأصفهاني قدس سره في أحد مجالس درس التفسير، كان يدرّس كتاب (الصافي) للفيض الكاشاني قدس سره ، فأغمض عينيه أثناء الدرس، وكأنه قد غطَّ في نوم عميق، ولم يجرأ أحد من تلامذته أن يوقظه، إلى أن مرّ وقت ليس بالقصير فتح عينيه، وهو يردّد «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، واعتذر عن الدرس، فأراد أحد تلامذته معرفة سرّ هذه الحالة، فلم يصرّح له بشيء.

يقول السيّد السبزواري قدس سره : لمّا علمت بأنّ هذه الحالة خاضعة لبعض الأسرار الغيبيّة، صرتُ ألحُّ عليه كثيراً لمعرفة السرّ، إلى أن أجابني، فقال:

إنّي في تلك الساعة ذهبتُ إلى النجف الأشرف لحضور تشييع جثمان أحد العلماء الصالحين.

يقول السيّد السبزواري قدس سره : وكنّا في مشهد الإمام الرضا علیه السلام ، فبادرت إلى ورقةٍ وكتبت اليوم والساعة بالتحديد.


1) سيماء الصالحين : ص 139

ومرَّ وقت على الحادثة، حتى جاء أحد المؤمنين من النجف الأشرف، فسألته عن يوم وفاة ذلك العالم، ووقت تشييعه، فأفاد بأن يوم الوفاة ووقت التشييع هو نفس اليوم ونفس الوقت الذي ذكره الشيخ الأصفهاني قدس سره .

وإلى هذه الحادثة يشير رحمه الله في كتابه المواهب ،في أثناء الكلام عن خلع الرّوح بالشكل الإرادي، وانتقال الجسد من مكان إلى آخر، فيقول: «وحينئذٍ قد يقدر العبد المجاهد المؤمن، على الخلع واللّبس، ومن حيث شروق نوره على هذا البدن، يتحرّك البدن بقدر ذلك الشارق، ومع درك هذه المرتبة، قد يصل إلى مرتبة جمع الجمع، بأن يكثر بدنه، كما نُسب إلى بعض الأولياء، من وجودهم في زمان واحد في أمكنة متعدّدة، وقد رأينا بعض مشايخنا رضوان الله تعالى عليه ،ورآه بعض أصحابه في عين هذا البدن في محل آخر»(1)(1).

وتتلمذ في النجف الأشرف على يد العالم الربّاني، محمِّد حسين الكمباني، والسيّد حسين البادكوبي ، وقد ذكررحمه الله في كتابه المواهب كرامة لأحد أساتذته، فقال رحمه الله فى التعقيب على قول رسول الله صلی علی علیه وآله: «تنام عيني ولا ينام قلبي».

«وقد رأينا بعض المشايخ أنّه رحمه الله تعالى في أثناء بحث التفسير ينام مع أنّه كان مشغولاً بالبحث حين النوم، بلا خللٍ منه في البين ».(2). (2)

والآن، فلنشرع بذكر عباداته:

1 - الصلاة :

لقد كان السيّد السبزواري قدس سره دل عاشقاً للصلاة، فهي قُرّة عينه، ومعراجه إلى الله


1) مواهب الرحمان : ج 83/7

2) مواهب الرحمان:ج4/263

تعالى، ولذلك فقد كان يوصي صي أتباعه بالصلاة في أول وقتها، لما في ذلك من التوفيق والبركة.

وكان لا يترك النوافل اليومية، مع إمامته للجماعة، وإلى مرحلة متأخّرة من عمره الشريف، فإذا لم يؤدّها في وقتها ،قضاها بعد الوقت، وقد رقد مدة في المستشفى، على أثر مرضه الذي أصيب فيه بجلطة فى القلب، فقضى النوافل التى لم يتمكّن من أدائها أثناء دخول المستشفى .(1)

وأمّا صلاته في الليل، فكان له فيها شأن آخر ، لأنه يرى فيها محلاً لعناية الله :تعالى

«وركم الله من نفحةٍ عطرة يمنُّ بها على من يشاء، وجائزة موفرة يخصُّ بها مَنْ أخلص في الدعاء، وكم من عبادة فيه (وقت السحر) هبّت عليها نسمات القبول، ودعوة من ذي طلبة مشفوعة ببلوغ المأمول، ومشكل مسائل اتّضح بمصابيح الهداية ، وعَريضُ من المطالب افتتح بمفاتيح الهداية ، فهو وقت العلماء العاملين، والعرفاء والمتعبّدين والسعيد مَن سعد بإحياء هذا الوقت الشريف، واستدر به أخلاف الكرام من الجواد اللطيف». (2) (2)

ولشدة حبّه لصلاة الليل ، فقد أدخل فى موسوعته الفقهية، كيفية صلاة الليل مع أدعيتها بالتفصيل ، ولمّا سُئل عن إدراجه لصلاة الليل في الفقه الاستدلالي، وهو عمل غير متعارف عند العلماء، قال: «لعل الله يوفّق من يطبعها في كتاب مستقلّ».


1) (1) ألطاف الباري : ص 36

2) مهذب الأحكام : ج 5 / 99 ، نقلاً عن كتاب الجواهر.

إضافة إلى ذلك، فقد كان السيّد در مواظباً على صلاة جعفر الطيّار، وكان يؤدّيها عند طلب الحوائج من الله تعالى ، وكم قضى الله له حوائج متعسّرة ببركتها وفضلها، كما تقدّم بعضها عند ذكر كراماته.

وكان قدس سره يُصلّي في مساجد النجف المهجورة، حتّى لا تشتكي إلى الله تعالى ، كما كان يتصدّى إلى قبور المؤمنين المندرسة، كى يتقرّب إلى الله تعالى عندها، ولما ورد أنّ نبي الله موسى علیه السلام ، سأل ربّه أين أجدك؟

فقال: تجدني عند القبور المندرسة والقلوب المنكسر (1)

أي كسرها حبّ الله جل جلاله ، وجبرها تجلّي المحبوب فيها ، فكسرت الهيبة الإيمانية جميع الحُجب الظلمانية ، بل الجهات الإمكانية ، فاتصلت إلى معدن النور ومنبع الخير والسرور، فاستعدت للإشراق فأشرق عليها المعارف الحقة ، والعلوم الغيبية » مواهب الرحمان : ج 5 / 266.

.

2 - تلاوة القرآن الكريم :

لقد كان للسيّد السبزواري قدس سره در ارتباطُ مستمرُ مع القرآن الكريم، لأنه يرى فيه أنه «مأدبة الله تعالى» «وأن الله عزّ وجلّ تجلّى لخلقه في كلامه»، ولذلك فإّنه كان يعيش معه في كل أوقاته، فقد كان يختمه في كلّ شهر ثلاث مرّات، وأمّا في شهر رمضان فكان يختمه عشر مرّات، وكان يُوصي بقراءته ولو بمقدار ورقة واحدة، بحيث لا يعد المسلم تاركاً له، وكان يواظب على بعض الآيات القرآنية ، كآية الكرسي، وآخر الآيات من سورة الحشر.

وقال في المواهب :

«إن المتأمّل من أهل العرفان في جملة من الآيات الشريفة من سورة آل عمران،


1) (1) قال رحمه الله في شرح الحديث المذكور أعلاه في كتابه :

والآيات المباركة في آخر سورة الحشر ، والآيات الأول من سورة الحديد، يعلم أنّها تتضمّن أبواباً من المعارف، وحقائق من الواقعيّات، وإشارات من المعنويات، ولا يصل إلى جميع ذلك، إلا بتصفية النفس والمجاهدة في سبيل الله.

وعن بعض المشائخ : أن في هذه الآيات أسراراً أفاضها الله تعالى علينا، إنّه ولي الإفاضة، خصوصاً في تكرار لفظ «هو» » أربع مرات»(1)(1).

وقد ترك لنا تفسيره «مواهب الرحمان» ليبقى شاهداً على مدى علاقته بالقرآن الكريم، تلاوة وتدبّراً وعملاً به.

3 - الدّعاء:

كان رحمه الله لدؤوباً على قراءة الأدعية والمناجاة، وخصوصاً منها أدعية الصحيفة السجادية، التى كانت تلازمه فى الأوقات، ولشدّة عشقه للدُّعاء، فقد جمع جملة من محفظته، يحملها معه في حلّه وترحاله، فيقرؤها حين تسنح له الفرصة، حتى أنه رحمه الله لم يترك دعاءً ورد عن الأئمة علیهم السلام إلا وقرأه.

وكان شديد الالتزام بالأحراز ، لاسيّما (الحرز اليماني)، الذي أخذه بإجازة من بعض مشايخه، ويقول : إنَّ فيه شروطاً معيّنة، وترتيباً خاصاً، لابد من الإجازة الخاصّة.

4 - الذكر :

كان السيّد السبزواري قدس سره در لهجاً بذكر الله تعالى في ليله ونهاره، فلا يحرّك لسانه إلا بذكر الله تعالى، فهو يرى أن الذكر «من أجلّ مقامات العارفين، بل هو


1) مواهب الرحمان : ج 5 / 30 .

من أعظم مظاهر حبّ الحبيب لمحبوبه ، فإنَّ مَنْ أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره، ومن علامات الحبيب الاستمتاع بذكر حبيبه».(1) (1)

ولذلك فقد كان يذكر كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) عشرة آلاف مرّة في اليوم، وذلك لما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله علیه آله «خير العبادة قول لا إله الله (2) (2)»

وكان يلهج بالذكر اليونسي، وهو «لا إله إلا أنت سبحانك إنّي كنتُ من الظالمين»، ويقول: رأينا منه العجب العجاب.

ويُعتبر الذكر اليونسي، من أهمّ الأذكار التي أوصى بالعمل بها كبار العرفاء، والتي تترك أثراً نورانيّاً في قلب العبد، خصوصاً إذا ذكره في حال السجود. وكانت أوراده الخاصّة ممّا أخذه من أساتذته الكرام، في علم العرفان كالشيخ الاصفهاني والسيد البادكوبي، وكان ضنيناً بها، لا يبوح بها حتّى لخلّص أصحابه، فليس من المبالغة في شيء أن يُقال إن الإمام السبزواري من أئمّة العرفان، وأرباب السلوك الكمّل الكتومين ، الذين لا يبوحون بكلّ ما يعلمون، أو لعلّ أساتذته قدس سره لم يأذنوا له فى أن يعطيها لغيره ، فمن تلك الأذكار ما ذكره السيّد قدس سره أنّه أعطاه السيّد البادكوبي، واشترط عليه قراءته في وقت الشدّة فقط، وكان مجرّباً، ففي إحدى الحالات طرأت على السيّد حالة مرضية شديدة، وهو في طريقه إلى إقامة الصلاة في مسجده الخاصّ به في محلّة الحويش، فلم يتمكّن من المسير، فتذكّر الذّكر الذي خصّه به أستاذه السيّد البادكوبي فقرأه فقام من


1) مواهب الرحمان : ج 2 / 159

2) السير إلى الله : ص 159

وقته، وواصل مسيره إلى المسجد ،وصلّى وبعد رجوعه إلى الدار أحضر له الطبيب، وبعد فحصه قرّر الطبيب بأنّ مرضه ورجع شديد، وكانت جلطة صعبة، وتعجّب كيف ذهب إلى الصلاة وأدّاها ورجع إلى الدار ، وكان المرض مهلكاً لولا ما تداركته العناية الربّانية ببركة ذلك الذكر الخاصّ.

ه - الرياضة النفسية :

كان قدس سره يجاهد نفسه، ويروّضها في كل حالاته، اقتداء بأمير المؤمنين عليه السلام الذي قال: «وإنّما هي نفسي أروضها بالتقوى، لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر»(1) (1). ولذلك فإنّه كان قليل النوم، بحيث أنه لا ينام في اليوم والليلة أكثر من ثلاث ساعات، وقليل الطعام، تاركاً للمكروهات، وفاعلاً للمستحبات، ولا يُعطي نفسه ما تشتهى من الأمور المادّية الدنيوية.

6 - المداومة على الطهارة :

كان قدس سره مداوماً على الوضوء والأغسال المستحبّة، محافظاً على الطهارة في كل الأوقات، وذلك لأنه كان يرى في الطهارة نوراً؛ فقد روي عن الإمام الصادق علیه السلام « الوضوء على الوضوء نور على نور». (2)(2)

7- العزلة :

كان قدس سره يحبّ الاعتزال، ولا يميل إلى الاختلاط بالناس، وخصوصاً في مرحلة الشباب، وكانت له أوقات يعتزل فيها ليعتكف في بعض المساجد البعيدة عن الناس.


1) نهج البلاغه :الکتاب45.

2) مهذب الأحكام : ج 2 / 280.

وقد جاء في مدح العزلة عن الإمام الصادق علیه السلام ، أنّه قال:

«صاحب العزلة متحصّن بحصن الله ،ومتحرّسُ بحراسته فيا طوبى لمن تفرّد به سرّاَ وعلانية، وفي العزلة صيانة الجوارح، وفراغ القلب، وسلامة العيش، وكسر سلاح الشيطان والمجانبة من كلّ سوء وراحة، وما من نبيّ ولا وصيّ إلا واختار العزلة في زمانه، إما في ابتدائه وإمّا في انتهائه ». (1) (1)

8 - الصمت :

من المعروف أنّه قدس سره كان كثير الصمت، ولا يتحدّث إلا عند الضرورة وبالمقدار اللازم، وقد انعكس ذلك على أجوبته على المسائل الشرعيّة بحيث كان الجواب كلمات معدودة، كما انعكس على دروسه وأبحاثه الفقهية، كما هو واضح في كتابه «مهذَّب الأحكام».

9 - التفكر:

كان كثير التفكّر والتأمُّل والتدبُّر فى القرآن الكريم.

10 - كتمان الأسرار :

كان السيّد العارف قدس سره قدر كتوماً على أسراره العبادية، بل ولا يسمح بذكر حالاته ومكاشفاته.

والمتتبع لكلمات السيّد رحمه الله، يجد أنّه رحمه الله كثيراً ما كان يتوقّف في التوسعة فی التوسعة في المباحث العرفانية، ويقول : - مثلاً - : «والبحث نفيس، لو وجدتُ لهذا العلم


1) (1) المنهج العبادي : ص 229

الشريف حملة».

ويقول في بحث الدُّعاء: «ولم نذكر جملة أخرى منها، لإمكان كونها من الأسرار». (1) (1)

11 - الارتباط بأهل البيت علیه السلام :

علاقة السيّد السبزواري قدس سره بأهل البيت علیه السلام لا توصف، فهو عاشق لهم مولعُ بذكرهم، ويتجلّى ذلك بوضوح في كتابه «مواهب الرحمان»، فهو لا يذكرهم إلا مع الألقاب الرفيعة، وحالات الخشوع والأدب تفوح من كلماته وقلمه.

وكان له ارتباط خاصّ بسيّد الشهداء الله علیه السلام ، فقد كان كثير البكاء عليه، وقد خرج ماشياً على قدميه - وهو في سنّ العشرين - من مشهد الإمام عليّ الرضا علیه السلام إلى مرقد أمير المؤمنين علیه السلام فی النجف الأشرف، كما أنّه كثيراً ما كان يخرج ماشياً من النجف إلى كربلاء لزيارة سيد الشهداء الإمام الحسين علية السلام .

وممّا يعكس مدى علاقته بالمعصومين علیه السلام، كلامه المذكور في كتاب كتاب مواهب الرحمان»، وممّا جاء فيه:

«ولا ريب في أن لسيّد الأنبياء علية السلام، أرفع الدرجات على سائر المرسلين علية السلام ،لما ورد عنه صلی علی علیه وآله: «آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة» وفي الدنيا أيضا ،يكون العلّة الغائية للخليقة مطلقاً، وقد ثبت في محلّه أن العلة الغائية علّة فاعلية بوجودها العلمي، وغائية بوجودها الخارجي »(2)


1) مهذب الأحكام : ج 7 / 140

2) (2) مواهب الرحمان : ج 4 / 186 .

وقال في مورد آخر :

«وتختلف درجات الإصطفاء، حسب اختلاف درجات الفضل، ورأس كلّ مصطفىّ ورئيسهم أشرف الكائنات على الإطلاق، وسيّد الخلائق مجمعُ كلّ فضيلة ومكرمة، ومظهر كلّ فيض ورحمة خاتم الأنبياء الذي وصل إلى ما لم يصل إليه أحد من العالمين، في الأخلاق السامية، والكمالات الإنسانية، حتّى وصل إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، ممّا لا يحظى به الأملاك والأفلاك، ويلحق به أهل بيته الذين هم من البضعة الطاهرة الصدّيقة، التي تربّت في حجر رسول الله صلی علی علیهم وآله ،ووصلت إلى مقام الرضا لأبيها ، وهو القائل فيها: «فاطمة منّي يرضيني ما

يرضيها ويغضبني ما يغضبها»، وهي مستودع علم رسول الله صلی علی علیهم وآله، ومظهر أخلاقه

القدسيّة، والذرّية الطيّبة من نسلها، وهم المعصومون المطهّرون الممتازون عن سائر الخلق ، خَلقاً وخُلقاً، وهم أسرار الله تعالى ،ومظهر أسمائه وصفاته، ومحالٌ تجلّياته الخاصّة، ومبلغ أمره ونهيه وهي من تلك الذرّية المصطفاة التي تبقى هذه الذرّية إلى آخر الدّهر، لتقيم العدل وتمحق الجور».(1) (1)



1) مواهب الرحمان : ج 5 / 327 .

نصائحه ووصاياه

ولاشتهار السيّد المُقدّس بالعرفان والكمال، فقد كان الكثير من طلابه ومريديه يطلبون منه النصائح التي توصلهم إلى الله تعالى، فكان رضوان الله عليه ينصحهم نصيحة الوالد المربّي، حتّى اشتهر بكثرة ،نصائحه، وممّا وصل إلينا من نصائحه

1 - الصلاة في أوّل الوقت لما فيها من التوفيق الكبير .

2 - قراءة القرآن.

3 - المداومة على النوافل، ويقول: إنّها تمنح الصبر على الطاعة، وترفع الدرجة.

4 - المداومة على نيّة الخير، فإنّ الله مُطَّلع على القلوب، فإذا أظهر الله نيّة العبد للملأ، فإنّه يكون في أبهى صورة، فلا يخجل بما نواه.

يقول السيّد محمّد تقي الحجّار حفظه الله سألته مرة :كيف يمكن لي الوصول؟

فقال: عليك بالتقوى، والمثابرة على الطاعة، والعمل الصالح.

وقد جاء في وصيّته إلى بعض وكلائه: «والوصيّة بملازمة التقوى، وسلوك سبيل الاحتياط».

ولاشك أنّ وصاياه مأخوذة من القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، وللتبرّك نذكر منها:

ما جاء في وصيّة رسول الله صلی علی علیه وآله إلى أسامة بن زيد، عندما سأله: :فقال يا رسول الله ما أيسر ما ينقطع به ذلك الطريق ؟

فقال صلى علي علیه وآله: «السهر الدائم، والظمأ في الهواجر ، وكفّ النفس عن الشهوات، وترك اتّباع الهوى، واجتناب أبناء الدنيا.

يا أسامة عليك بالصوم، فإنّه قربةً إلى الله، وليس شيءُ أطيب عند الله من ريح فم صائم ترك الطعام والشراب الله ربّ العالمين، وآثر الله على ما سواه، وابتاع آخرته بدنياه، فإن استطعت أن يأتيك الموت، وأنت جائعُ، وكبدك ظمانُ فافعل فإنّك تنال بذلك أشرف المنازل، وتحلُّ مع الأبرار والشُّهداء والصالحين ».

ومن وصيّة الإمام الصادق عابه السلام العنوان البصري:

«أوصيك بتسعة أشياء، فإنّها وصيّتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى، والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله.

ثلاثة منها في رياضة النفس، وثلاثة منها في الحلم، وثلاثة منها في العلم فاحفظها وإيّاك التهاون بها.

قال عنوان: ففرغت قلبي له.

فقال: أمّا اللواتي في الرياضة : فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه، فإنّه يورث الحماقة والبله ،ولا تأكل إلا عند الجوع ، وإذا أكلت فكُل حلالاً وسمّ الله، واذكر حديث الرسول صلی علی علیه وآله : «ما ملأ آدمي وعاءً شرّاً من بطنه، فإن كان ولابدّ فثلثُ لطعامه، وثلثُ لشرابه، وثلثُ لنفسه».

وأمّا اللواتي في الحِلْم: فمَن قال لك: إن قلت واحدةً سمعت عشراً فقل: إن قلت عشراً لم تسمع واحدةً.

ومَن شتمك فقل له : إن كنت صادقاً فيما تقول، فأسأل الله أن يغفر لي، وإن كنت كاذباً فيما تقول، فالله أسأل أن يغفر لك.

ومن وعدك بالخنى فعده بالنصيحة والرعاء.

وأمّا اللواتي في العلم: فاسأل العلماء ما جهلت، وإياك أن تسألهم تعنّتاً وتجربة ، وإياك أن تعمل برأيك شيئاً، وخذ بالاحتياط في جميع ما تجده إليه سبيلاً، واهرب من الفُتيا هَرَبك من الأسد، ولا تجعل رقبتك للناس جسراً.

قُمْ عَنّي يا أبا عبد الله، فقد نصحت لك، ولا تفسد عليَّ وردي، فإنّي امرىءّ ضنين بنفسي، والسلام على من اتبع الهدى».

نصائحه إلى طلبة العلم :

قال رحمه الله: «وعلى مرشدي الأمة، وطلاب العلم، لاسيّما علوم الديّن أن يزكّوا أنفسهم أوّلاً، ويتخلّقوا بمكارم الأخلاق، وأن يكونوا داعين إلى الله تعالى علماً ،وعملاً، بل يكونوا داعين إلى الله بعملهم أكثر من دعوتهم إليه بعلمهم، ولا يخرجوا عن زي العبودية أبدا.(1 )(1).

وقال قدس سره قتل في بيان صفات النائب عن المعصوم، في عصر الغيبة:

«الرابع: - وهو الأهمّ - إنسلاخه عن المادّيات بتمام معنى الإنسلاخ، وعلوّ همّته من كلّ جهة، وكثرة اهتمامه بالدّين وأهله وجهده في الورع والتقوى ومتنزّهاً عن الصفات الرذيلة ، بل المكروهة - عند الناس - وعدم توهم الاعتلاء في نفسه على أحد، وكثرة مواظبته على العبادة مع بعض الروايات - ويلهمه بما هو صلاح النوع (2)(2).


1) مواهب الرحمان : ج 104/6 .

2) مهذب الأحكام : ج 15 / 12 .

وكان طيّب الله رمسه، ينصح أهل العلم بمداومة المطالعة، والتفقّه في الدين، فإنّ المطلوب منهم عند الناس هو التفقّه ، فلا يرجعوا جُهّالاً بعد برهة من الزمن ، امتثالاً لقوله صاب علی علیهم وآله : «لا يزال الرجل عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظنّ أنّه قد علم فقد جهل»، وأن يصرفوا هممهم في كسب المكارم ، والإعراض عن الدنيا، حتّى تؤثّر أقوالهم وأفعالهم في القلوب ويكونوا في مأمن من المكر الإلهي في الدنيا

والآخرة.

وكان يوصيهم بالورع والتقوى، ثمّ التفقّه، فإنّه لا تُنال أحكام الله تعالى إلا بالتشبّه بأخلاق الله ، والتخلي عمّا يبغضه جلّ جلاله ، والتجربة أكبر شاهد على صدق ما قاله رضوان الله عليه وكان يأمر أهل العلم أيضاً بالمراقبة لأقوالهم وأفعالهم ، حتى لا يجدهم الله تعالى في غير طاعته.

جاء في موسوعته الكبرى «مهذب الأحكام»(1)عند قول الماتن:

«إن طلب الرزق ينقسم بانقسام الأحكام الخمسة - الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة - ، وكذلك طلب العلم ينقسم حكمه إلى الأحكام الخمسة، وعند المزاحمة وفقد المرجّح من كلّ جهة يرجّح طلب الفقه».

إذ قال السيّد رضوان الله عليه، معلّقاً وشارحاً لقول أمير المؤمنين عليه السلام:

«أيّها الناس اعلموا أنّ كمال الدين، طلب العلم والعمل به، ألا وإنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إنّ المال مقسومُ مضمونُ لكم، قد قسّمه عادلُ بينكم وضمنه وسيفي لكم ، والعلم مخزونُ عند أهله، وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه ».


1) (1) مهذب الأحكام : ج 16 / 212 و 213.

ويشهد له قول أبي جعفر علیه السلام: «قال رسول الله صلی علی علیه وآله : يقول الله تعالى :وعزّتي وجلالي ،وكبريائي ونوري، وعظمتي وعلويّ، وارتفاع مكاني، لا يؤثر عبدُ هواه على هواي، إلا شتّت عليه أمره ولبست عليه دنياه، وشغلت قلبه بها، ولم أعطه منها إلا ما قدرت له، وعزتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلويّ وارتفاع مكاني، لا يؤثر عبدُ هواي على هواه، إلا استحفظته ملائكتي ، وكفلت السماوات والأرضين رزقه، وكنت له من وراء تجارة كلّ تاجر ، وأتته الدنيا وهي راغمة».

وتشهد له التجربة والتأمّل في حالات العلماء الماضين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، لأنّهم كانوا في نهاية الفقر الذي قد لا يتصوّر فوقه فقر، وقد اختاروا طلب العلم ،واستقاموا في ذلك، فكفاهم الله شؤون دُنياهم، وتلك سنّة الله التي قد جرت في عباده، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}(1) (1){وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تحويلاً} (2)(2)، ولو أردنا أن نذكر في ذلك بعض ما شاهدناه في أنفسنا، ورأيناه من مشايخنا العظام، لصار ذلك كتاباً مستقلاً، وفي يسير من الكثير عبرة لمن اعتبر». انتهى كلامه قدس سره.

وفي تعليقة له رحمه الله على حديث الإمام محمّد الباقرعلیه السلام ، عندما سُئل: «إنّا نتحدّث نقول : مَنْ صلّى وهو جالسُ من غير علّة، كانت صلاته ركعتين بركعة وسجدتين بسجدة؟

فقال علیه السلام: ليس هو هكذا هي تامة لكم».

قال رحمه الله: يمكن أن يكون عدُّ الركعتين بركعة لغير العلماء العاملين،


1) سورة الأحزاب : الآية 62 .

2) سورة فاطر الآية 43 .

المشتغلين بالأهمّ، كاستفادة الأحكام الإلهية ونشرها وضبطها وحفظها، فإنّ ذلك أفضل من الصلوات المندوبة بالنسبة إليهم (1)(1).

وقد سُئل عن أعمال الطلبة فى ليلة القدر ، فقال : الدرس والمباحثة أولى.

وقال رحمه الله في بحث التجويد في القراءة:

«ثمّ إنَّ الظاهر، بل المعلوم أنّ التأمّل كثيراً في التجويد، سواء كان في الصلاة أو في قراءة القرآن، أو الأذكار والدعوات يسلب الخشوع، لأن توجيه النفس إلى جهة خاصّة، يوجب انصرافها عن سائر الجهات، ولعلّ هذا أحد الأسرار التي لم يهتمّ أئمّة الدّين بترغيب النّاس إلى ذلك ، وقال صلی علی علیه وآله: «مَن انهمك في طلب النحو سلب الخشوع» . (2) (2)

نصائحه إلى وكلائه :

وكان يقول أيضاً : إن الوكلاء الذين يأخذون الإذن في قبض الحقوق الشرعية ، لابدّلهم من أن يكونوا في أقصى درجات الضبط، وشدة الورع والتقوى والمعرفة بالأمور.

فإذا رأى من أحدهم ما ينافي هذه الأوصاف، فإنّه كان يعطيه بعض الإذن الخاصّ، لإرجاعه إلى رشده، وإرجاع ثقته بنفسه وثقة الناس به، فلا يتمادى في الغيّ، والابتعاد عن الحقِّ، فإذا رأى أنّه أثّر ذلك فيه رفع درجته من الإذن، وإلا سلب منه ذلك الإذن الخاصّ، وأرشد الناس إلى الابتعاد عنه، فكانت إجازته


1) مهذب الأحكام : ج 5 / 27 .

2) مهذب الأحكام : ج 6/ 338 .

ومأذونياته لبعض هؤلاء، عملية تربوية له، لا لجلب نفع منه، أو أن قصده إيذاء غيره من الأعلام. فإنّه كان أجلّ من ذلك وأسمى.

فقد ظهرت الرّوح العرفانية والتقوى على مقلّديه في هذه البرهة الوجيزة من ،مرجعيّته، وأخذ طلاب العلوم يبحثون عن أسباب التقوى والعرفان، لأنّ الناس يتأثرون بالمرجع وروحيّته على نحو المثل (المعروف الناس على دين ملوكهم)، ولكن مرجعيّته لم تدم طويلاً، حيث توفّي قدس سره قتل في سنة 1414 ه- (1)



1) (1) ألطاف الباري : ص 76 .

أخلاقه

تميّز المُقدَّس بأخلاق عظيمة، وسجايا فريدة، حتّى ملك قلوب الناس، ومن ثمّ أحبّته القلوب ورأت فيه أخلاق المعصومين علیه السلام، إلى درجة أنّ بعض الناس كانوا يبكون عندما ينظرون إليه.

يقول عنه مَن عرفه: «كان رحمه الله سكوتاً، لا يتكلّم إلا عند الحاجة، شديد الاحترام للعلماء والمشايخ ،كثير البكاء من خشية الله في جوف الليل، كثير الحياء حتّى في مرحلة شيخوخته؛ وقد وصفه السيّد أبو الحسن الأصفهاني قدس سره في رسالة بعث بها إلى والده بأنه« أفرط في الحياء»، كان عزوفاً عن المخالطة والأمور الدنيوية، ولا يخرج إلا لقضاء حقوق الإخوان، وكان زاهداً في حطام الدنيا، بحيث أنّه لم يملك منزلاً طوال حياته، وقد جاءه يوماً أحد تجّار البحرين، وعرض عليه شراء دار له، فأمره السيّد بإعادة بناء أحد المساجد المعروفة في النجف الأشرف ، ومات رحمه الله ولم يملك داراً.

وكان رحمه الله كريماً وسخيّاً كأجداده الطّاهرين علیه السلام ، بحيث كان السائل يكتفي بعطائه، فلا يقصد سواه، وكان بعضهم يقول : إنّ السيّد لو كان حيّاً لعمّ النفع جميع الناس ولما بقي فقير، ومع ذلك فقد كان يشترط على من يعطيه أن لا يبوح بذلك، كما كانت له مساعدات في المشاريع الخيرية، مع اشتراط عدم البوح بذلك، وكان يأمر ولديه العَلَمين بإعانة ،الفقراء، وخصوصاً طلاب العلم من دون إخبارهم أنّ المال من السيِّد رضوان الله عليه.

كان قدس سره يعيش على القرض والهدايا ، ولم يأكل من سهم الإمام علیه السلام .

وأمّا تواضعه فقد كان مضرب المثل ، فقد كان يقوم بغسل ثيابه بنفسه، ويقوم بتكنيس مسجده بنفسه، وربّما قُرع باب داره، فيقوم ليفتح الباب مع طلاقة الوجه، وعذوبة الأسلوب، ومن تواضعه أنّه كان أوّل الداخلين إلى مجلس الدرس ،كي لا يقف له أحد من طلابه، ولم يترك مجالاً من الوقت إلا وكان يملؤه بالعلم، حتّى أنّه كان إذا جلس مع عائلته على الطعام، حدّثهم بالروايات الشريفة، وكان له درسُ في التفسير خاصّ بعائلته.

و كان رحمه الله يتعامل مع المجتمع تعامل الوالد الحنون مع أولاده؛ فكان يتفقّد أحوال الفقراء والمحتاجين من الطلبة وغيرهم، وينقل عنه آية الله السيّد علي السيستاني حفظه الله، بأنّه كان كثير الاعتناء بالطلبة والمشتغلين، خصوصاً من هم حديثُ عهد بالنجف الأشرف ، وكان السيّد السيستاني ممّن شملتهم عناية السيِّد أبّان مجيئه إلى النجف الأشرف »(1).

ويقول عنه السيّد الطالقاني حفظه الله :

«وقد زهد في الدنيا زهداً منقطع النظير ، لم يعهد مثله إلا عند الأوائل من رجال السلف، فقد كان لا يعتدّ بالمال والجاه، بل قنع بالقليل من كلّ شيء، لم يكترث بما يأكل ويشرب ويلبس ويفترش، حتّى أواخر أيّامه وكان أثاثه متواضعاً جدّاً، ومظهره بسيطاً للغاية.

وقد كُتِب لى شرف التعرّف عليه منذ الصغر، ولا أزال أذكر أنّه كان قبل أكثر من نصف قرن من «الذين يمشون على الأرض هوناً»، وكان يلوذ في


1) (1) لاحظ كتابي : « صفحات مشرقة » و « ألطاف الباري » .

مشیه بجانب الزقاق، شبه منكسر في رواحه ،وغدوه من البيت إلى المسجد الذي يصلّي ويدرس فيه، إلى حرم أمير المؤمنين علیه السلام، الذي كان يزوره ليستمدّ من روحه، ويجدّد به وله العهد على الاستقامة، حتّى الانتقال إلى دار الإقامة...

وكان يتميّز بالهدوء والتواضع ، فإذا سلّم عليه أحد وقف احتراماً له كبيراً كان أو صغيراً ،شريفاً أو وضيعاً ، وجامله وعلى فمه علت ابتسامة موقّرة بريئة.... وأشهد الله - والرجل غني عن ثنائي وشهادتي - أنّه استمرّ على ذلك منذ اليوم الأوّل إلى اليوم الذي فارقته؛ فما رأيته مزهواًّ ، ولا متبختراً، ولا راغباً في الظهور أو متصدياًّ للبروز، أو طالباً للجاه والعنوان بل لاحظت أنّه بعد أن تقدّم به العمر والمقام، وعُرف في الأوساط كافّة، وصار له مقامه بين الجمهور، كان - يخرج من البيت أو المسجد وخلفه بعض طلابه أو المؤمنين أو أحد أنجاله، فكان يبدو طبيعيّاً مترسّلاً ، لا يفرق ذلك المظهر وبين ما إذا كان يمشى منفرداً، ومن أجل ذلك أحبّه الناس، كُلَّ الناس، وتعلّقوا به وقدّسوه»

الفضلُ الثَّالث

قبسات نورانية

من «مواهب الرحمن» و «مهذب الأحكام »

تضيء الدرب لأصحاب السير والسلوك إلى الله تعالى

المواضيع المذكورة في هذا الفصل عبارة عن أبحاث قيّمة أدرجها السيّد السبزواري في موسوعته الفقهيّة والتفسيرية، وقد اخترناها لما لها من الدخل في السير والسلوك إلى الله تعالى، وهي كالتالي:

العرفان

العرفان علمُ جليل، ليس له مثيل في سائر العلوم مطلقاً، في الشمولية والسعة والآثار، والسالك والمسلوك فيه، والمقصد والغاية، وكلّها جلائل عظام، والبحث في كلّ واحدة منها يقصر عنه الإفهام، إلا لمن كان ذا حظ من العلم والمعرفة ،وهم الأنبياء العظام، والأوصياء الكرام، فهم الأصل في هذا العلم الجليل، والقدوة في هذا الطريق، وغيرهم إن رجع ما قالوه فيه إليهم، فلا بأس به، وإلا فهو مجرّد كلام لا حقيقة له، وإن ادّعى الكشف والشهود فيما ادّعوه، ونحن لا نريد الدخول التفاصيل، فهو موكول إلى محلّه، إلا أنّنا نذكر في المقام ،بعض ما يتعلّق بالسالك والمسلوك، فنقول:

إنّ العرفان مأخوذٌ من المعرفة الحاصلة من العلم النفساني، الحاصل من النظر في النفس، وطرق صلاحها ، وأحوالها وأطوارها، ودائها ودوائها، وسائر خصوصيّاتها والنظر في الآيات الآفاقية، ومعرفة الله سبحانه وتعالى ممّا يوجب هداية الإنسان إلى التمسّك بالدين الحقّ، والشريعة الإلهية، التي تمثّل المعرفة الكاملة، وما لها من التعلّق بعلم التوحيد، والمعاد والنبوّة، فإن هذه المعرفة الحقّة

الحقيقيّة، بما لها من المراتب الكثيرة ، إذا تحقّقت في فرد، وجد نفسه متعلّقاً بمعدن العظمة والكبرياء، متّصلة في وجودها وحياتها وسائر خصوصيّاتها بمن لم يكن متناهياً في الحياة والعلم والقدرة، وغيرها من كلّ كمال، وأشرقت عليها من بهائه وسنائه وجماله وكماله، ما لم يقدر أيّ لسان أن يكشفه، فهو شهودي خاصّ. ولعلَّ هذه الكلمة (العرفان)، مأخوذة من تلك الأحاديث المتواترة التي اشتملت على قولهم علیه السلام : «من عرف نفسه فقد عرف ربَّه».

ويستفاد من هذه الكلمة الطيّبة أمور:

الأول: إنّ السبيل في معرفة الربّ إنّما يكون بمعرفة النفس، فإنّها مظهر عظمته وكبريائه وقدرته وسائر صفاته.

الثاني: إنّ معرفة النّفس كمعرفة الباري شهودياً أكثر من كونه نظرياً. فإنّ التصديق الفكري يحتاج إلى مقدّمات، ونظم الأقيسة، واستعمال البراهين، والتوجّه إلى الخصوصيات، وإلا يزول العلم بزوال التوجّه والإشراق، فتكثر فيه الشَّبهات، ويتوارد فيه الاختلاف، بخلاف العلم بالنفس، فإنّه علمُ حضوريُ، وإنّه من العيان، ويظهر ذلك لمن اشتغل بالنظر في النفس، وعرف داءها ودواءها، وطرق إصلاحها، وشاهد فقرها إلى ربّها، وحاجتها في جميع أطوارها إلى خالقها، فإنّه حينئذ يجد نفسه، متعلّقاً ببارئها، متفانياً في حبّه والتعلّق به كما ستعرف.

الثالث : إنّ المعرفة بالنفس لها مراتب متفاوتة، كما أن المعرفة بالرب كذلك.

الرابع: إنّ النفس لما كانت مضطرّة في سيرها وسلوكها، لا ها وسلوكها، لا همَّ لها إلا السير فی مسیرها الاضطراري ، والوصول إلى المرجع ، فإذا انتبهت إلى هذه الجهة تكون منقطعة عن كلّ شيء، يحتمل الاختلاط معه إلا ربّها المحيط بباطنها وظاهرها،

والعالم بجميع خصوصيّاتها فتكون في فرط التوجّه إلى ربّها، وانشغالها به وفي ذكر منه، وإن كانت في ملأ من الناس، واختلاط معهم، وهذا هو السرّ العظيم في هذا العلم الجليل ،الذي يجمع بين أمرين متنافيين ظاهراً، فإنّ النفس في عين اختلاطها مع الناس ،لا يمكنها ترك طريقها الاضطراري، فإذا انصرفت إلى بارئها، وتوجّهت إلى ربّها ، نسيت كلّ شيء، فتكون على ذكر منه ،تعالى فلا يحجبها حجابُ، ولا يسترها ساتر، وهذا هو حق المعرفة، وهي معرفة الله بالله. وأمّا المعرفة بالبراهين الحاصلة، فهي مقيّدة، ولا يمكن أن تتعلّق به تعالى لأنه لا يحيط به علماً .

الخامس: استحالة المعرفة الكاملة بالنفس، لاستحالة الإحاطة العلمية الكاملة بالله دون ما نكَرَهُ بعضهم من استحالة المعرفة بالنفس، فإنّه مردود بقوله صلی علی علیه وآله «أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه»، فيكون معنى الحديث من لم يعرف نفسه لا يعرف ربّه، ونحن نذكر بعض الأحاديث الواردة في هذا المجال، ثمّ نذكر ما يتعلّق ببعض الخصوصيّات.

في الغرر والدرر للآمدي، عن الإمام علي علیه السلام«المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين».

أقول : المراد من المعرفتين؛ المعرفة الآفاقية، والمعرفة بالنفس، كما قال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ}(1)، وقال تعالى: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} (2) (2)، وعرفت أن معرفة النفس أنفع


1) سورة السجدة : الآية 53 .

2) سورة الذاريات : الآية 20 - 21

من معرفة آيات الآفاق؛ لأنّ معرفة النفس لا ينفكّ عن التخلية والتحلية للنفس، وبالأخرة توصل معرفتها بمعرفة الله تعالى، وأمّا معرفة الآفاق، فإنّها توصل إلى معرفة الله من حيث أسماؤه وصفاته وأفعاله عزّ وجلّ، وإنّ كانت معارفه حقّة حقيقيّة تهدي العارف بها إلى سواء السبيل، وتوصله إلى السعادة والحياة المطمئنة، ولكن تلك معرفة عظيمة، وموقف علمي تهدي إلى دين الحقّ، كما تهدي معرفة النفس إليه، ويتّحد الطريقان في الغاية، لكنّ المعرفة الأخيرة تهدي إلى معرفة النفس، والعثور على دائها ودوائها ومراتبها وما يوجب اعتدالها وصلاحها، وما يسبّب طغيانها و خمودها. ومن المعلوم إذا صلحت النّفس، كان أقرب إلى المعرفة بالآيات الآفاقية والانتفاع بها، مضافاً إلى ما عرفت في أوّل البحث، من أنّ معرفة الآيات نظرية، ومعرفة النفس شهودية، ولكن يمكن أن يصل العارف بالله إلى الشهود في آيات الآفاق، كما قال عزّ وجلّ ،حكايةً عن النبي إبراهيم علیه السلام :

{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ }(1)(1).

ولكن لا يصل إلى هذه المرتبة ،إلا عن طريق معرفة النفس ،والخلوص في تهذيبها وإصلاحها وتكميلها بالكمالات حتّى تصل إلى مرتبة التجلّي بالحقّ وفي الحقّ، كما هو مفصّل في محلّه.

وفي الدُرر والغُرر أيضاً ، وعنه علیه السلام قال: «العارف مَنْ عرف نفسه فأعتقها ونزّهها عن كلّ ما يبعدها».

أقول: عرفت الوجه فى ذلك آنفاً، فإنّ أوّل مراتب المعرفة هي عتق النفس


1) سورة الأنعام: الآية 75.

عن اسارة الهوى، ورقيّة الشهوات، واسترقاق الملكات الرديئة، وسيئات الأعمال. أو بعبارة أخرى تخليتها من كلّ ما يشينها، ولا يتحقّق إلا بمعرفة النفس داءها، ثم علاجه بدوائه.

وفيه أيضاً: «أعظم الجهل جهل الإنسان أمر نفسه».

أقول: حكم المقابلة بين الجهل والعلم ،يقتضي أنّه كل ما كان الأخير أعظم نفعاً، كان الجهل بالنفس أعظم أنواع الجهل، فإنّ بهذا الجهل يفوت كلّ الخير، وتنسدّ جميع أبواب السعادة والفلاح، وتنفتح أبواب الشقاء والعناء.

وفيه عنه علي الكيّس من عرف نفسه وأخلص أعماله».

أقول :لأنّ الإنسان إذا عرف نفسه، وأمكن تهذيبها وإصلاحها، وعرف داءها ودواءها، استطاع تذليلها وجعل زمامها بيد العقل الذي لا يريد إلا الخير في إرشاداته وتوجيهاته ، فكان العارف كذلك كيّساً استعمل عقله ونفسه في طريق الهداية والصلاح، وأخلص في أعماله من شوائب الربا والنواقص، وممّا ذكرناه يظهر السرّ فيما ورد عنه فيما يأتي من أقواله علیه السلام.

فقيه أيضاً عنه علیه السلام: «أعظم الحكمة معرفة الإنسان نفسه».

وفيه عنه علیه السلام: «أفضل العقل معرفة المرء نفسه، فمن عرف نفسه عَقل، ومَنْ جَهَلَها ضل».

وفيه عنه علیه السلام: «عجبتُ لمن يَجهلُ نفسه، كيف يعرفُ ربّه ؟!».

وفيه عنه علیه السلام: غاية المعرفة أن يعرف المرء ُنفسه».

وفيه عنه علیه السلام: «كفى بالمرء معرفةً أن يعرف نفسه، وكفى بالمرء جَهلاً

أن يَجهل نفسه».

وفيه عنه علیه السلام: «عجبتُ لمن ينشدُ ضالّته، وقد أضلّ نفسه فلا يطلبها».

وفيه عنه علیه السلام قال: «مَنْ عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كلّ معرفة وعلم».

وفيه عنه علیه السلام قال: «مَنْ عرف نفسه كان لغيره أعرف، ومن جهل نفسه كان بغيره أجهل.».

وفيه عنه علیه السلام قال: «لا تجهل بنفسك، فإن الجاهلُ معرفة نفسه، جاهلُ بكل شيء ».

أقول: هذا ما يفسر ما قبله، فلما كانت معرفة النفس أمراً عظيماً، وتستلزم

تجردها عن العلائق المادية، فتشبه المجردات، ولا يعوق المجردات من العلم والمعرفة بكل شيء عائق.

وفيه عنه علیه السلام: من عرف نفسه «تجرَّد».

أقول: تقدّم آنفاً المراد منه، أي تجرّد عن علائق الدُّنيا، وهذا من آثار معرفة النفس العظيمة.

وفيه عنه علیه السلام: «مَنْ عَرٍف نفسه جاهدها، ومن جَهلٍ نفسه أهملها».

أقول: هذا أيضاً أثر من آثار معرفة النفس وفوائدها الكثيرة، فإنّ بمعرفة النفس تُعرف خصوصياتها، كما عُرفت سابقاً، فيقوم بإصلاحها وتهذيبها ، وهذا هو الجهاد معها، ولا يمكن الجهاد مع مجهول لا يعرف خصوصيّاته.

وفيه عنه علیه السلام: «من عرف نفسه جل أمره».

أقول : فائدة أخرى من فوائد معرفة النفس، وأثر من آثارها، فإنّ معرفتها

يوجب انشغاله بها، ويوصل إلى معرفة الله عزّ وجلّ من جلائل الأمور، أو يجل أمره ويعظم ثوابه.

وفيه عنه علیه السلام قال:« نال الفوز الأكبر مَنْ ظفر بمعرفة النفس »

أقول: أثر من الآثار العظيمة المترتّبة على معرفة النفس، وهو الفوز الأكبر، سواء كان معرفة الله عزّ وجلّ أو ثوابه أو السعادة العظمى، أو تلك الآثار المتقدّمة وغيرها التي هي بنفسها فوائد عظيمة.

إلى غير ذلك من الروايات التي وردت بهذه المضامين، وكفى بما أوردنا دليلاً على أنّ معرفة النفس هي من أعظم المعارف وأتمها وأشملها وأثبتها وأوصلها إلى المقصود، وقد تقدّم في أحد مباحثنا السابقة في سورة البقرة، إثبات النفس وتجرّدها الذي لا يمكن إنكاره ، إلا ممّن كان مكابراً للحقّ.

ولذلك ترى أنّ الجهاد مع النفس ،العرفانُ بها لم يكن مختصّاً بملّة الإسلام، بل كان في الملل الأخرى، حتّى الأديان الوضعية، بل أنّ منهج بعضها وشريعتها لا تكون إلا بعرفان النفس، ومعرفة سائر خصوصيّاتها و تشريع رياضات خاصّة في هذا السبيل، وحرمانها من اللذائذالجسمانية، وانعطاف الفرد إلى النفس بإصلاحها، ولذا كانت محورها وأساسها الارتياضات النفسانية، والزهد والتقشّف عن متاع الدّنيا، فإنّ الانكباب عليها، ومطاوعة هوى النفس، يصرف الإنسان عن الاشتغال بنفسه.

وقد عرفت أنّ هذا النوع من العرفان ،تترتّب عليه آثار عجيبة ،تشبه الموضوع الذي يجاهد فيه، وهي أعظم من ما يترتّب على الأمور المادّية من الآثار بمراتب كثيرة، فإنَّ النفس من عالم الأمر، ومن المجرّدات التي لها تعلّق بالبدن، فكانت

ذاتها منها، ولكن أفعالها مادّية لتعلّقها بالبدن، فكانت الآثار والفوائد المترتّبة على عرفان النفس تشبه هذا الموضوع المجرّد.

وعلى أيّ حال، فإنّ هذا النوع من العلم قديمُ جدّاً، بدء الخليقة، ومن السنن الدائرة بين الناس ما دام هذا المخلوق العجيب مركّباً من هذين الأمرين، وهما النفس والجسد ، فإنّ أحدهما لابّدَ أن يؤثّر في مستوى الإدراك والعلم والمعرفة التي عنده، كما عرفت آنفاً. بيد أنَّ الاشتغال بالنفس، وتوجيه المعرفة إليها على طرقها المختلفة بين الأقوام وأفراد الناس، للحصول على الآثار العجيبة قديم جدّاً، بل كان بعض الأفراد يعتبرها مهمّة عظيمة، يجب أن يبذل دونها الأنفس والأوقات، وأغلى الأثمان والأهل والدّيار.

راجع تاريخ الشعوب والأديان، ترى صحّة ما ذكرناه. وقد حكى القرآن الكريم رهبانية النصارى، فقال تعالى: {لَئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأتَ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(1)(1)، كما حكى تعبُّد بعض اليهود وتنسّكهم، قال تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ }"(2). هذه الآيات يتبيّن أنّ هذا النوع من العلم، وهذا القسم من العرفان ،له شروط و آداب وأحكام، فإذا رُوعيت وصل الفرد إلى المقصود، وهو رضوان الله تعالى، وأمّا إذا فُقدت ترتّب على هذه المجاهدة آثار خاصّة، إلا أنّهم قد يحرمون من المقصود الأهمّ كما عرفت


1) سورة الحديد: الآية 227 .

2) (2) سورة آل عمران : الآية 114 .

ومن ذلك يظهر الجواب عن جملة من الإشكالات التي أوردوها، ونحن نذكر الأهمّ منها:

الأوّل: إنَّ ما كانت تفعله الأقوام أو الأديان والمذاهب التي تدعو إلى العبودية، إنّما هو الزهد والانقطاع من الدُّنيا، وترك الهوى، والابتعاد عن الذُّنوب والآثام، واكتساب الفضائل، لأجل أنه الدستور الديني المترتّب عليه.

وبعبارة أخرى: أنَّ فعلهم إنّما كان امتثالاً لأحكام الشريعة، من دون أن يخطر بباله أنّ هناك نفساً مجرّدة، ولها نوعاً خاصّاً من المعرفة، وفيها آثار معيّنة ممّا توجب سعادتها ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون صاحب شريعة ودين، أو لم يكن ، كما إذا كان صاحب رياضة خاصّة، إمّا أملته عليه العادات والتقاليد، أو لحيازة مقام معيّن مترتّب على هذا النوع من المجاهدة والرياضة، كنفوذ الإرادة، والاتّصال ببعض الأرواح، أو جريان بعض الأمور الخارقة للعادة على يديه، وغير من المقاصد التي تترتّب على رياضة النفس والزُّهد في الدُّنيا، وهو يفعل ذلك لا عرفان للنفس، وما يتّرتب عليها من الأمور التي ذكرناها سابقاً. والجواب عن ذلك يظهر من سالف ما ذكرناه من أن هذه الحالات والمواقف إنّما يجمعها شيء واحد، وهو صرف النفس عن الشهوات والملذّات والأمور الخارجيّة، وأنواع التمتّعات المادّية، ولا ريب إنّ هذا النوع من المجاهدة، توجب صرف النفس إلى نفسها ، ويترتّب على ذلك آثار خاصّة لا يمكن الوصول إليها بالأسباب الطبيعيّة والأمور المادّية، فإنّها لا يمكن الوصول إليها إلا بالانقطاع هذه الأسباب العادية، والانقلاع عمّا يوجب بُعد النفس عن عالمها الروحاني المجرّد، والاستقلال بنفسه للحصول على تلك النتائج والآثار، وهذا الأمر لا

يختلف فيه المتدين بشريعة ودين، أو المتزهد والمتعبد الراهب، أو المنكر لجميع ذلك، ولكنّهم يرون أنّ السعادة فيما انتحلوه من هذه الطريقة في المجاهدة، لا يمكن أن تنال بالاسترسال في التمتّعات الحيوانية ، واتّباع الهوى، والخضوع إلى الهواجس المادّية، لكن المنتحلين للحياة الأخروية، يزيدون على سعادتهم هذه فى الحياة الدُّنيا الحياة الطيّبة في الآخرة، والدخول في رضوان الله، فالجميع إلى نوع من الاشتغال بأمر النفس، وهو ارتباط خاصّ معنوي يكون بين المرتاض وإرادته، والنتيجة المتوخّاة الموعودة، بأن يحصل للنفس اطمئنان بأنَّ المطلوب

مقدور يمكن الحصول عليه بهذه الرياضة الخاصّة، ولو وصل العلم هذا إلى اليقين بالله ،لكان الأثر عظيماً، وهذا لا يحصل إلا لمن كان على شريعة حقّة، ومشى على الصراط المستقيم الذي بيّنه الله تعالى في شريعة خاتم الأنبياء.

ولعلّه إلى هذا يشير ما رواه المجلسي رحمه الله عن إرشاد الديلمي، عن أمير المؤمنين علیه السلام قوله:

«فمن عمل برضائي، ألزمه ثلاث خصال: أعرفه شكراً لا يخالطه الجهل ،وذكراً لا يخالطه النسيان، ومحبّةً لا يؤثر على محبّتي محبة المخلوقين، فإذا أحبّني أحببته، وأفتح عينيّ قلبه إلى جلالي، ولا أخفي عليه خاصّة خلقي، وأناجيه في ظُلم اللّيل ونور النّهار، حتّى ينقطع حديثه مع المخلوقين، ومجالسته معهم، وأسمعه كلامي وكلام ملائكتي، وأعرفه السرّ الذي سترته عن خلقي، وألبسه الحياء حتّى يستحي منه الخلق كلّهم، ويمشي على الأرض مغفوراً له، وأجعل قلبه واعياً بصيراً، ولا أخفي عليه شيئاً من جنّةٍ ولا نار، وأعرّفه ما يمرُّ على الناس في القيامة من الهول والشدّة، ما أحاسب به الأغنياء والفقراء والجهال والعلماء، أنوّمه

في قبره، وأنزل عليه منكراً ونكيراً حتّى يسألاه، ولا يرى غمّ الموت، وظلمة القبر واللّحد، وهول المطلع ، ثمّ أنصب له الميزان ،وأنشر ديوانه، ثّم أضع كتابه في يمينه، فيقرؤه منشوراً، ثمّ لا أجعل بيني وبينه ترجماناً، فهذه صفات المحبين. يا أحمد ! اجعل همّك هماً واحداً، واجعل لسانك لساناً واحداً، واجعل بدنك حيّاً لا يغفل أبداً، مَنْ يغفل عنّي لا أبالى بأي وادٍ هلك».

وهذا مقامُ خطير ، لا يمكن الوصول إليه، إلا بإفناء النفس في الله تعالى والبقاء ببقائه لا مجرّد ترويضها وصرفها عن الشهوات والملذّات، فإنّ ذلك قنطرة واحدة من القناطر العديدة في هذا السير والسلوك.

الثاني: إن بعض الباحثين توهّم وجعل الدّين والشريعة ليس إلا التصوّف والعرفان ،حتّى جعل بعضهم كلّ متديّن من الصوفية، والدّين عرفانياً فقط ؛ فقال إنّ المسلك الحيوي الدائر بين الناس هو على قسمين :مادي، وعرفان الذي هو الدّين.

وفيه: ما ذكرناه آنفاً، إنَّ المجاهدة ورياضة النفس والتصوف في الدّنيا، ليس من العرفان المعروف الذي يسوق الإنسان إلى معرفة الله، ويهدي إلى الصراط المستقيم، وما يترتّب عليه من الجزاء العظيم ،والأجر الجزيل، أمّا هذه المعرفة فهي تختصُّ بالنفس، من حيث الوصول إلى غاية محدودة، يقصدها المجاهد والمرتاض في هذا المجال، وتسميته هذا بالعرفان أيضاً مسامحة، فهو شيء والدّين شيءُ آخر، وإن استلزم العرفان بالملازمة، لما فيه من الإعراض عن الدُّنيا، والإقبال على النفس ومراقبتها ،وتهذيبها من الرذائل، وتكميلها بالفضائل، وهذا هو الذي يدعو إليه الدّين.

وإذا أمعنا النظر في الشرائع الإلهية، والأديان السماوية، وسائر النّحل نرى أنّ العرفان بأيّة صورةٍ كان، إنّما مصدره الدّين، ولكن الخلاف كان من جهة تطبيقه، كما حكى عزّ وجل في كتابه الكريم، عن عُبّاد الأصنام والأوثان{ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى }(1). فإنّ عبادة الله الواحد الأحد مركوزة في الفطرة، وقد ذكرنا في أحد بحو بحوثنا السابقة، أنّ التوحيد دين الفطرة، والناس وإن تشعّبوا أهوائهم وعقائدهم، ولكنّها تميل إلى التوحيد، وأنّ الخطأ حصل من تطبيقه، والعرفان منبعه ومصدره هو هذا الأمر المركوز اللّذان يشتركان في الدعوة إلى السعادة الإنسانية، فإنّ الدّين يدعو إلى عرفان النفس على أنّه طريق إلى الاشتغال بوظائف العبودية، لا على نحو الاستقلال، فالدّين يدعو إلى العرفان الفطري، ويدعو إلى التوحيد كما عرفت ؛ فأحدهما يدعو إلى الآخر ويشتركان في الغاية والمقصود، وهما العبودية المحضة.

وأما غير ذلك من العرفان الذي يمارسه أصحاب الرياضات والأرواح والسحر، فهو ليس بالعرفان ؛ فإن الفطرة لا تدعو إلى مثل هذا، بل إنّما يمارسه لأجل الوصول إلى بعض الأعمال العجيبة، بعدما يرى أنها لا يمكن أن تنال إلا هذا الطريق، ولكن هذه الأعمال والآثار وإن ترتبت على هذا النوع من المجاهدة مع النفس ، التي هي من عالم الأرواح، فإذا قطعت من عالم المادّة اتّجهت إلى الأرواح بقدر انقطاعها عنه، ولا ريب أنّ الآثار حينئذ تكون ملائمة مع ذلك العالم، وتناسب تلك المقامات، ولذا نرى صدور بعض الخوارق على يد هؤلاء، إلا أنّها غير تلك التي تترتّب من عرفان النفس الذي تدعو إليه الفطرة،


1) (1) سورة الزمر : الآية 3 .

والفرق بينهما كالفرق بين الاثار المترتّبة على السحر وما يترتّب على المعجزة، وخوارق العادات التي تصدر على أيدي الأولياء والأصفياء؛ فهم في الواقع قد فاتهم معرفة حقيقة النفس التي هي عالم خاصّ وسيع و وفسيح جدّاً. وما يصدر منهم من هذه الأمور، ليست إلا أموراً مادّية في الحقيقة والواقع، لكن اشتبه الأمر عليهم فاعتبروها من الأمور المعنوية، فهي لا تخرج عن حيطة نفوسهم وإرادتهم وشعورهم الخاصّ الذي له دخل في هذه الحوادث المرتبطة به، ولم يتعد إلى ذلك العالم الفسيح الذي هو جزء من الغيب.

وهناك إشكالات أخرى أعرضنا عنها، وهى إنما نشأت من الخلط بين هذين المسلكين المختلفين والاتّجاهين المتنافيين ، فإنَّ أحدهما يكون بالاشتغال بعرفان النفس ،للحصول على بعض الآثار الغريبة الخارجة عن الطريق المألوف، المبني على قانون الأسباب والمسبّبات المادّية، كأصحاب السحر والطلسمات وأرباب تسخير الأرواح، سواء كانت أرواح الكواكب أو الموكّلين على الجنّ، وأرواح الآدميّين، وأصحاب التمائم والدعوات والعزائم ، وأرباب الذّكر وأصحاب الشعوذة وغير ذلك، وقد قلنا إنّها لا تخرج عن حيطة المادّة، وإنّ حقيقة النفس مغايرة لما عليه هؤلاء، فهم نالوا شيئاً من آثار النفس، ولكنّهم غفلوا عن واقع النفس وفاتتهم معرفة حقيقتها.

أمّا الاتّجاه الآخر، وهم المشتغلون بمعرفة النفس، والغوص في حقيقتها ومعرفة خصوصيّاتها ممّا يشينها ويزينها وأمراضها وأدوائها ، وغير ذلك ممّا لابدّ من معرفته، ولابدّ في هذا الطريق من الانصراف عن الأمور الخارجة عنها.

فهذه الطائفة أيضاً لا تخلو من تشتت وافتراق.

ففريق منهم : يسلك الطريقة لنفسها فلا يكون له همّ إلا معرفتها، ولكن لا تتم المعرفة لهم ، لأنّها إنّما تتمّ بمعرفة صانعها، وبدئها ومنتهاها، فكيف تتمّ لهم المعرفة وقد أغفلوا عن سبب وجودها والقائم بأمرها، ويسلك في هذا كثير ممّن يشتغل في هذا الطريق كالصوفية والكهّان وغيرهم، وهم قد يحصلون على شيء من آثار النفس وعلومها.

والقسم الآخر: هم الذين تمّت لهم المعرفة، وكانت معرفة النفس طريقاً لهم إلى معرفة بارئها، والوصول إلى حريم كبريائه، والدخول في رضوانه، وهم الذين جاهدوا في الله حقّ جهاده؛ وطريقتهم هي التي توافق الشرع المبين ويرتضيها الدّين، فتكون النفس عندهم آية من آيات الله ، وقد انجذبوا إليها بما أنّها توصل السالك إلى الله، فهو المقصد والغاية التي لابدّ من أن ينتهي إليها، فكان قوله تعالى {وَأنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى }(1)(1)، محطّ أنظارهم ، فلم يسلكوا طريقاً إلا بعد معرفة الغرض والفائدة والغاية والمنتهى ،فهم قد عرفوا الله قبل كلّ شيء وبعد كلّ شيء، ولم يكن شغلهم هو الحصول على بعض الآثار المادّية المرتبطة بالنفس، ولا على علومها، أو الآثار التي ترتبط بها التي تخرج عن حيطة المادّة وإرادة السالك وشعوره ، بل كان غرضهم وشغلهم الشاغل هو الحصول على رضاء الله تعالى والانتهاء إليه، فإنّه أعظم المقاصد وأهمّها عندهم، وتضمحلّ عنده جميع الغايات والمقاصد ، فهم إن حصلوا على شيء ممّا يحصله غيرهم كتموه بمقتضى قولهم علیه السلام «المؤمن مُلْجَم » ولم يتحدثوا بكلّ شيء وقع في سمعهم، أو عند أو جرت على أيديهم، فإن الأمر صعب مستصعب، لا يتحمّله إلا نبيُّ


1) سورة النجم : الآية 42 .

مرسل، أو وليُّ أو مؤمن امتحنه الله امتحاناً ، فهم كما وصفهم أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته المباركة التي وردت في وصف المتّقين وهم عرفوا أنفسهم بالله ولم يعرفوها بنفسهم من نفسهم، كما قال الإمام الصادق علیه السلام: «تعرف نفسك به (أي بالله) ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك وما تعلم إنّ ما فيه له و به ». فإنّ حقيقة النفس هي الفقر والحاجة إلى الله تعالى ،المملوكة له ملكاً لا تشتغل بشيء دونه، فكيف يمكنهم التخطّي عمّا يريده المالك ويتعدّى عليه، فلا إرادة لها دون إرادته عز وجل، ولا حاجة لها دون رضا سيّدها ومالك زمامها، وهو العرفان الحقيقي، فهو علم وعمل.

وأمّا غيره، فإنّ وصف به فإنّما هو على نحو المجاز، فاحفظ ذلك فإنّه نافع لك في تمييز العرفان الحقيقي ،من الذي يدّعيه كلّ واحد ممّن سلك سبيلاً. وقد ذكرنا في مباحثنا السابقة الشروط والآداب والأحكام فراجع، نفعنا الله عزّ وجلّ به، ورزقنا من فيوضاته، ليدخلنا في زمرة السالكين نحو جنابه، والعارفين بأنفسنا والقاصدين لرضوانه، إنّه سميعُ مجيب.

ثم إنّ هذه الآية المباركة، من أهمّ الآيات التي تدلّ على ثبوت المعاد الجسماني، بل تبيّن حقيقةً من الحقائق، وهي أنّ العلم بالنفس وحقيقتها يوجب العلم بالمعاد، والجاهل بها جاهل بحقيقة المعاد مطلقاً؛ الجسماني والروحاني، لأنه جاهل برجوع النفس إلى الله تعالى، فلا تغفل عن ذلك وتبصّر (1)(1).



1) مواهب الرحمان : ج 543/12.

التقرّب إلى الله تعالى

القرب معروف وهو الدنو من الشيء مقابل البُعد، فهما يستعملان في الزمان والمكان، وفي النسبة والقدرة والرعاية وغيرها، قال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ}(1)، وقال تعالى: {فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}(2)(2)، وقال تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} (3).(3)وقال تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ }(4)، وقال تعالى: ﴿{ِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }(5)(5). وقرب العبد من الله تعالى قرب روحاني لا قرب جسماني ولا مكاني، لأنّ ذلك من صفات الأجسام، والله جل شأنه يتعالى عن ذلك ويتقدّس، كما أنّ قرب الله إلى العبد هو بالإفضال، والفيض عليه من مواهبه وألطافه والإحسان إليه وترادف مننه عليه، وفى الحديث:

«إنَّ موسى قال: إلهي قال : إلهي أقريبُ أنت فأناجيك؟ أم بعيد أنت فأناديك ؟

فقال: لو قدرت لك البُعد لما انتهيت إليه ولو قدرت لك القرب لما اقتدرت عليه». وفي الحديث عن نبيّنا الأعظم صلی علی علیم وآله الله، فيما ذكر عن الله تعالى في القدسيات: «مَنْ تقرّب إلىَّ شيراً تقرّبت إليه ذراعاً .


1) (1) سورة الأنبياء : الآية 1 .

2) سورة التوبة : الآية 28

3) سورة النساء : الآية 8

4) (4) سورة ق : الآية 16 .

5) سورة الأعراف : الآية 56 .

وجاء في حديث قدسيّ آخر: «ما تقرّب إليَّ عبدُ بمثل أداء ما افترضت عليه، وأنّه ليتقرّب إليَّ بعد ذلك بالنوافل حتّى أحبّه».

ومعنى حبّه إزالة الأوساخ عنه، وتحلّيه بأكمل الصفات وأجلّها، وفي الحديث:« صفة هذه الأمّة في التوراة قربانهم دمائهم»، أي يتقرّبون إلى الله تعالى بإراقة دمائهم في الجهاد، وفي مرضاته جلّت عظمته (1).

وقال في موضع آخر:

لا شكَّ في أنّ تقرّب الإنسان إلى خالقه ومبدئه، هو من أسمى الكمالات وأجلّها، بل هو نتيجة جهد الأنبياء والأولياء به تطمئنّ النفوس وتستقرّ، ويحصل السعادة في عالم الشهادة وسائر العوالم ،وبه يذوق الإنسان لذّة الحضور في ساحة المعشوق، وإنّما خلقت الدّنيا لأجل ذلك؛ قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُون} (2) (2)، ويدلّ على ذلك الأدلة العقلية والنقلية.

ولكن للتقرّب إليه جلَّت عظمته درجات متفاوتة، وعرض عريض، وأنواع كثيرة تختلف حسب سب المقامات والاستعدادات، بل الاعتقادات؛ لأنَّ الذات غير متناهية وكذلك الصفات فالتقرّب إليه يكون كذلك فلا يمكن تحديده.

وإنّ التقرّب إليه سبحانه وتعالى لا يختصّ بالإنسان، فكلّ موجود ما سواه للتقرّب إليه جلّت عظمته، قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (3) (3).


1) (1) مواهب الرحمان : ج 248/8 .

2) سورة الذاريات الآية 56 .

3) سورة الاسراء:الآية44

وقد أثبت الفلاسفة الإلهيّون أن قوام العالم - بكليّاته وجزئياته والعلوي منه أو السفلي. - وسيره الإستكمالي، يدور مدار العشق لمظهر الأحدية، وهذا العشق قد يكون تكوينيّاً، وقد يحصل بالاختيار من الإشراق منه في الإنسان؛ لأنّ النفس الناطقة في الإنسان ليست ،من المادّيات المحضة، بل لها نحو تجرّد قابل للارتباط بعالم الغيب باختياره ، ولهذا الارتباط مراتب كثيرة شدّةً وضعفاً، ولذا قد يحصل

للإنسان بعض مراتب التقرّب إليه تعالى باختياره ، ثمّ تزول عنه كذلك، فيكشف أنّ التقرب إليه جلّ شأنه لم يكن عن إيمان عميق، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْشُوراً} (1)(1).

وسُبل التقرّب إليه تعالى والارتباط بعالم الغيب ،لابدّ وأن تفاض منه جلَّت عظمته إلينا بالإلهام على العقول البريئة عن المستلذّات والشهوات وتقرير الأنبياء والأولياء، وإلا لم تحصل تلك الغاية المنشودة والهدف الأسمى من خلق الإنسان، ويكون الإنسان في حيرة من التقرّب إليه دائماً، وقد ثبت في محلّه أن بعث الأنبياء واجب عقلي، له دخل في نظاميّ التكوين والتشريع، وليس ذلك إلا لأجل بيان سُبل التقرّب إليه تعالى، إمّا بالتقرير أو الكشف.

وتلك السُّبل هي الأحكام الشرعية بأقسامها، التابعة للمصالح العائدة إلينا والمفاسد التي تضرّنا - المجعولة ممّا حقّه وجب علينا - ولذا تكون الأحكام أمانات منه تعالى عندنا، لابدّ من مراعاتها وردّها إلى أهلها، وإنّما جُعلت لأجل ارتباط الإنسان معه جلَّ شأنه، ولا يحصل هذا الارتباط لو تخلّف أحد عن تلك الأحكام ولم يؤدَّ حقّها، ويدور التقرّب مدار الانقياد الذي يحصل من العمل بها


1) سورة الفرقان : الآية 23

وحفظها عن الضياع وردّها إلى أهلها من غير شكوك ولا عتاب ،والآية الشريفة {أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ }(1) (1)تؤكد سُبل التقرّب إليه جلَّ شأنه، وتبيّن للعبد مصاديقها، وذيل الآية المباركة {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }(2)(2)، يدلُّ على أنّ غير ذلك من السُّبل الباطل له التي لا يحصل بها التقرب إليه تعالى(3)(3).



1) سورة النساء : الآية 59 .

2) سورة النساء : الآية 59 .

3) مواهب الرحمان : ج 378/8.

جهاد النفس

قال أعلى الله مقامه تحت عنوان: «فصل في جهاد النفس» (1)من موسوعته الكبرى «مهذّب الأحكام »ما هذا لفظه : جميع ما يذكره الفقهاء في أحكام العبادات والمعاملات، من مقدّماته أيضاً والعمل بها، يكون من بعض مراتبه، قال أبو عبد الله عليه السلام في عبر السكوني:

«إن النبي صلی علی علیه وآله بعث سريّةً، فلما رجعوا قال صلی علی علیه وآله:مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر.

فقيل يا رسول الله ما الجهاد الأكبر ؟

قال صلی علی علیه وآله:جهاد النفس »

وقد ورد في الجهاد الأكبر في جميع الكتب السماوية، خصوصاً القرآن الكريم، ومن الأنبياء والأوصياء خصوصاً من خاتم النبّيين صلی علی علیه وآله وأوصيائه المعصومين ما لا يحصى ولا يُستسقى.

ثمّ قال السيّد (رضوان الله عليه) تعليقاً على قول السيّد صاحب «العروة»، من أنّ جهاد النفس هو أهمّ أقسام الجهاد، ما نصّه:

بل هو أهمّ شيء اعتنى به جميع الكتب السماويّة، خصوصاً القرآن المهيمن عليها، وهو نتيجة دعوة كلّ الأنبياء والمرسلين، ولاسيّ ما خاتم الأنبياء صلی علی علیه وآله وخلفائه المعصومين ، وهو غاية رياضات العرفاء الشامخين ،والحكماء المتألهين


1) (1) مهذب الأحكام : 15 / 201 .

من هبوط آدم علیه السلام إلى انقضاء العالم. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُون }(1) (1)فإن المراد إمّا معرفة الواقعيّات على ما هي عليها، أو العبادة الحقّة المطابقة للواقع، وكلّ منهما متقوّمة بمجاهدة النفس، وكيف لا يكون كذلك وفيها منطوية جميع الكمالات الإنسانية المعدّة له، وبه يصير الإنسان عالماً عقلياً مضاهياً للعالم الحسّي، بل أرفع منه من كلّ جهة، بل یصیر الإنسان أجلى مظهر للقدرة الإلهية غير المتناهية، فيوجد ما يشاء، ويخلق ما يريد، وبه يصير مسلّطاً على ملكوت الغيب ، فضلاً عن عالم الشهادة. وبه تنقاد له الموجودات فيغيّرها من صورة إلى أخرى، ويتصرّف فيها بما يشاء ويصير عالم الشهادة بين يديه كفلقة الجوزة بين يديّ أحدنا، وبه يقدر على إخماد نار الجحيم، ففي آثار المعصومين علیه السلام :إذا عبر المؤمن على الصراط تناديه نار جهنّم: «جز يا مؤمن، فإنّ نورك قد أطفأ لهبي». إلى غير ذلك ممّا ورد في شأن هذا المقام العظيم الذي لا تُدرك العقول منه إلا شيئاً يسيراً - فالعلم به حالي لا أن يكون مقالياً - لنهاية جلاله وعظمته ، وقد أشار إلى بعضها نبيّنا الأعظم صلی علی علیه وآله بقوله : «لي مع الله حالات لا يسعني فيها ملكُ مقرّب ولا نبيُّ مرسل».

أو قوله صلی علی علیه وآله: «أبيتُ عند ربّي فيطعمني ويسقيني».

ومن أهمّ مقدّمات هذا الجهاد، معرفة النفس الإنسانية أوّلاً، ولو في الجملة، لأنّ معرفتها بالكنه غير ميسّرة لأحدٍ إلا لمن خلقها، وقد كتبوا في ذلك كتباً كثيرة من المسلمين وغيرهم، وجاهدوا في معرفتها حقّ الجهاد ولكن لم يصلوا إلى حقّ المعرفة، وكلّ من أتى بشيء في بيانه إنّما أتى به بمقدار فهم-ه لا بقدر الواقع.


1) سورة الذاريات : الآية 56 .

ولعلَّ أقربها إلى الثواب ما عن بعض العارفين من أنه: «لو فرض تجلّى الذات الأقدس الربوبي في صورة الممكنات لا ينجلي إلا في حقيقة النفس الإنسانية، ولو فرض وصول ممكن إلى حضرة المرتبة الأحدية ، لا يصل إليها إلا النفس الإنسانية».

ولعلّه إلى هذا أشار الحكيم السبزواري حيث يقول:

وإنّها بحت وجود ظلّ حقّ عندي وذا فوق التجرّد انطلق

ولكن كلّ ذلك إشارة إلى بيان الآثار ومن شرح الاسم، لا أن يكون بياناً للحقيقة، فسبحان مَنْ تحيَّر ذوو العقول في فهم خلقِ من خلائقه فكيف بذاته؟! وعلى أيّ حال، هذه المرتبة التي تحيّرت عقول الحكماء والعرفاء في دركها، لا تحصل إلا بالمجاهدات النفسانية، وبالجهاد الأكبر الذي هو أشرف مقامات النفس، وبه يفضّل على الملائكة الكروبيّين. ولا ريب في أنَّ هذا ليس نصيب كلّ عامّي وبدوي وكلّ من يدّعي الإنسانية، بل هو مقام يتفضّل به الله تعالى على من يشاء من عباده بعد طول المجاهدة، والسعي بقدر الطاقة البشرية.

ولهذه المجاهدات مراتب كثيرة،منها ما قاله أبو عبد الله عليه السلام :

«من ملك نفسه إذا رغب، وإذا رهب ،وإذا اشتهى، وإذا غضب، وإذا رضي ،فقد حرَّم الله جسده على النار».

انتهى كلامه الشريف قدس سره.


الأخلاق

قد ذكر العلماء في السيطرة على الرذائل النفسية، وإصلاح النفس طرق كثيرة، وليس الكتاب موضوعاً لبيانها ، ولكن نشير إلى بعض ما ورد عن أئمّتنا الأطهارعلیه السلام في ذلك. وليُعلم أوّلاً : أنّه وقع الخلاف بين علماء الأخلاق والفلاسفة، أنه هل يمكن تغییر ذمائم الأخلاق وتبديلها إلى أضدادها أو لا يمكن؟

ذهب إلى كلّ فريق.

والحقّ أنّ هذا النزاع على نحو الكلّية لا وجه له أصلاً، إذ نرى بالوجدان تبديل الجبن إلى الشجاعة بالممارسة، أو البخل بالجود كذلك - وكذا العكس فإنّ الاهتمام على حفظ النفس، وعدم المعرضية لها لموجبات الشجاعة، وكثرة المخالطة مع الجبناء يوجب الجُبن، وكذا في انقلاب الجود إلى البخل، وكلّ صفة إلى ما يقابلها، وليس عمل الشياطين الإنسيّة أو الجنّية إلا تبديل المحاسن بالمساوئ والمكارم ،بالرذائل، وليس شأن الله عزّ وجل والأنبياء والمرسلين وأطبّاء النفوس إلا العكس، ولو لم يكن ذلك ممكناً لما اهتمّ الله تعالى وأنبيائه ورسله والأولياء والأصفياء هذا الاهتمام البليغ.

نعم ،لو فرض - والعياذ بالله - وصول الأخلاق السيئة والصفات الرذيلة إلى مرتبة انقلاب جوهر روحانية الإنسان إلى المرتبة الخسيسة التي لا يمكن تغيّرها ،

حتّى صار كقوله تعالى: {كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (1)(1)، بحيث صارت الطبيعة طبيعة ثانية غالبة على الطبيعة الأولى، فلا يمكن التغيير حينئذ، وقد أثبتوا ذلك في المعاد.

وعن صدر المتألّهين جعل ذلك من إحدى مقدّمات المعاد الجسماني، وأشار إليه الحكيم السبزواري بقوله:

قد خمرت طينتنا بالملكة وتلك فينا حصلت بالحركة

ويمكن الجمع بين كلماتهم بذلك، فمَنْ يقول بعدم الإمكان، أي فيما إذا صارت طبيعة ثانية، ومَن قال بالإمكان أي في غيره .

وعن الصادق علیه السلام : «إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب انمحت، وإن زاد زادت ،حتّى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبداً».

وفي صحيح زرارة، عن أبي جعفرعلیه السلام قال :

علي

«ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتةً سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى فى الذنوب، زاد ذلك السواد حتّى يغطّي البياض، فإذا غطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً، وهو قول الله عزّ وجلَّ {كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }.

ومن ذلك بفتح باب المسخ الواقع في الأمم السابقة، فإنّهم باختيارهم أوقعوا أنفسهم في مظاهر الحيوانات التي مسخوا إليها ،على ما فصّل في الأحاديث المعصومية، ومن شاء فليرجع إليها.

ثّم إنّ أكثر الرذائل النفسائية بل جميعها، وكذا الشهوات الفاسدة والأمراض


1) سورة المطففين : الآية 14 .

الروحانية، إنّما هي في الدنيا ومن الدّنيا ولأجلها، وأجمع كلمة قالها نبيّنا الأعظم صل علی علیه وآله :«حبُّ الدُّنيا رأس كلّ خطيئة».

وقد ورد في فضل التفكّر ما يبهر منه العقول، وأنه أفضل من عبادة سبعين سنة، ولا ريب أنّ به تسيطر النفس على رذائلها وتعالج أمراضها، فمَنْ تفكّر في حقيقة الدُّنيا، وأنّها ليست إلا حقيقة البلاء والابتلاء في جميع شؤونها وأطوارها، في جميع لحظاتها، ينحط النفس عن لذّاتها وشهواتها، وتنتقل عن المادّيات إلى ما يمكنه من درجات المعنويات، فهذا مسلك عامُ في هدم الرذائل النفسانية والسيطرة عليها.

وممّا يوجب ذلك التفكّر فى عظمة الله تعالى، ثمّ التفكّر في ضعف النفس من كلّ حيثيّة وجهة، والتفكّر في قبح التجرّي ومخالفة هذا الموجود حضوره تعالى، وإحاطته بكلّ شخص من كُلِّ جهة وفي كُلِّ أن ولحظة، ولو لم يكن في اتّباع الأهَوية المُردية إلا نزول أشرف الممكنات، وهو النفس الإنساني عن العلوي، الذي أعدّ الله تعالى إلى حضيض النفس البهيمة الحيوانية، لكفى بذلك عيباً وعاراً، وهناك مسالك أخرى ذكرها علماء الأخلاق. وقد ذكروا مسالك وسبل خاصّة لاكتساب الفضائل وإزالة أخلاق الرذيلة نذكر بعضها:

منها: أن يلاحظ الإنسان الغايات الشريفة، والصفات المحمودة، ويهذّب النفس بها، فبالطبيعة تزول الأخلاق الرذيلة؛ فإنّ الشجاعة مثلاً ثبات يمنع النفس عن التلوّن، وأن القناعة توجب العزّة والعظمة في أعين الناس وتزيل الشرّ والخصاصة، أو أنّ العدالة توجب راحة النفس عن الهموم المؤذية إلى غير ذلك،

فمن تكرار الأعمال الصالحة والمداومة عليها يوجب زوال الأخلاق الرذيلة أيضاً.

ومنها: الغايات الأخروية، وسيأتي بيان ذلك في التفسير مفصّلاً.

ومنها: التأمّل فى آثار الأخلاق الرذيلة، وبأنّها توجب المنقصة لدى الخالق والمخلوق، فقد يحصل له الارتداع عنها، أعاذنا الله منها ووفّقنا للسيطرة عليها. ومنها :ما يوجب السيطرة على بعضها - أو أهمّها - ترويض النفس بما هو مطلوب الشارع، كما ورد في الصوم والصلاة وسائر العبادات

ومنها: المواظبة على ترك المشتهيات، وقطع المخالطة مع مع المترفين وأهل الشهوات وعدم الاهتمام باللذات، فإنَّ في الاعتناء بها أثرُ كبير في طغيان النفس، وقد ورد في الدُّعاء: «اللُّهم إنّي أعوذ بك من رفيع المطعم والمشرب»، وفي دعوات الأئمّة ودعاء الرّسول صلی علی علیهم وآله «اللهمَّ اجعل رزق آل محمّد العفاف والكفاف».

وبالجملة: الطرق إلى تصفية النفس لمن كان من أهلها ومتوجّهاً إليها، أحسنها وأكملها ما وصل إلينا عن الأئمة المعصومين علیه السلام في معارفهم وخطبه وكلماتهم(1) (1).

وقال رحمه الله في التفسير: «يختلف العلماء والباحثون في علم الأخلاق النظري في تقسيم المذاهب الأخلاقية المتعدّدة، بين مفصّل لها بتعداد سائر الاتّجاهات، وبين مجمل لها بذكر أصولها؛ والسبب في ذلك أنّ طائفة منهم ربطت المذاهب الأخلاقية بالمذاهب الفلسفية فى المعرفة الإنسانية، من الواقعية، والمثالية ،والعقلية، والحدسية، والتجريبية والمادّية، والتشكيكية وغير ذلك. وهذا المسلك


1) مهذب الأحكام : ج 15 / 244 .

وإن أمكن تطبيقه على بعض المذاهب الأخلاقية، فإنّه يكون امتداداً لتلك المسألة، إلا أنّه لا يمكن تطبيقه على البعض الآخر مثل الأخلاق المسيحية، فإنَّ لها خصائص ما يخالف تلك الاتجاهات.

وطائفة أخرى: أرجعت الاختلاف بعينه إلى الاختلاف في الغاية، وإنّها هی المنفعة، سواء كانت فردية أو اجتماعية، وابتغاء اللذة والسرور ودفع الآلام والشرور. وهذا المنهج كسابقه فإن كثيراً من المذاهب يخرج عن هذا التقسيم. وطائفة ثالثة : ذهبت إلى أنّ المناط هو الوجدان والزهد والتقشّف؛ كما يراه الاتّجاه الصوفي.

والحقّ أن شيئاً ممّا ذكره لا يصلح لأن يكون المناط في تقسيم المذاهب الأخلاقية، بل «إنّ جميعها تتّفق على أن ّالكمال والسعادة هما الغاية القصوى، والمقصد الأسنى للإنسان، وإنّما الاختلاف في ما يصدق عليه الكمال والسعادة، فالاختلاف في المصداق فقط»، وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم المذاهب الأخلاقية إلى ثلاثة:

الاتجاه العقلي :

الاتّجاه الذي يعتبر العقل هو الذي يحدّد الغاية في حياتنا، وأنّه الباعث الذي يحفّزنا إلى ابتغاء الحياة السعيدة والعزوف عن اللذات، وأنه الداعي إلى الطاعة الأوامر الشرع أو العقل، وأصحاب هذا الاتّجاه يعترفون بأصول مسلَّمة لا يمكن العدول عنها كحُسن العدل، وقبح الظلم وأمثال ذلك، فلابدَّ للإنسان - الذي يتميّز عن سائر الكائنات بطبيعته العاقلة - أن يتصرّف وفق القوانين المجعولة من قبل

العقل أو الشرع، وفي ذلك ابتغاء السعادة. ويشمل هذا الاتجاه من الأخلاقية المذهب الحدسي، والواقعي، والمثالي، وبعض المذاهب اليونانية القديمة أمثال الرواقيّين والأفلاطونين وغيرهم.

الاتجاه المادّي:

وهذا الاتجاه يرفض كلّ القيم الإنسانية المسبقة التي تحدّد للإنسان سلوكه، والتي لها التأثير في تشكيل حياته ، بل يعتبر عامل المادّة له الأثر الكبير في سلوك الإنسان، وزاد بعضهم أنّ الأفكار والمشاعر والرغبات والقيم الخُلُقية والجمالية هي وليدة النظام الاقتصادي، وما يستلزمه من العلاقات بين الأفراد بعضهم مع بعض، وأنّ المنفعة سواء في شكلها الحسّي أو العقلي، هي وحدها الخير الأقصى والمرغوب لذاته، وأنّها السعادة، والضرر والألم وحده هو الشرّ الأقصى، فالأفعال الإنسانية لا تكون خيراً إلا إذا حقّقت النفع مطلقاً، وإذا جلبت ضرراً أو عاقت عن وصول النفع كانت شرّاً.

وبالجملة: إنّ فى هذا الاتجاه على اختلاف مذاهبه يتوجّه النظر على نتائج الأفعال وآثارها بلا فرق بين أن تكون المنفعة فردية حسيّة عاجلة كما في مذهب القورنائيين، أو حسّية وعقلية وروحية كما في مذهب الأوبيقوريين، وجميعهم أصحاب اللذة الفردية الأنانية.

نعم، تحوّل بعض المذاهب إلى منفعة المجموع، والقول بالصالح العامّ، ولكنّه لا تخرجها عن ابتغاء اللذة والمنفعة، ولذا دعوا جميعاً ب- (الأنانيّين) حتى في تصوّرهم للصالح العامّ، وتشترك جميع هذه المذاهب في تقييد حرمة الفرد،

والقول بالجبر الأخلاقي والفوضى في الأخلاق، ومن ذلك يعرف أنه لا علاقة بين الفكر الفلسفي والمذهب الخلقي في هذا الاتجاه.

الاتجاه الصوفي :

وفي هذا الاتجاه يتنكّر الإنسان للمادّة في جميع مظاهرها، وأنَّ العزوف عن ملاذّ الدُّنيا هو المناط في الأخلاق الفاضلة ، ويرى أصحابه أنّ السعادة هي الابتعاد عمّا يشغل بال الإنسان عن التفكّر ، والكمال هو الوصول إلى مرحلة يصل بها إلى درك الحقائق، وفي هذا الاتجاه تعتبر المحبّة أصلاً لكلّ خير.

«هذه هي الاتّجاهات الأساسية للمذاهب الأخلاقية المختلفة المتعددة وهي جميعها قد أخفقت في حلّ المشكلات الخلقية للإنسان، سواء الفردية أو الاجتماعية، ولم يصل الفرد بها إلى ما يصبو من السعادة والكمال، بل لم تجلب للإنسان إلا الشقاوة، والوقوع في صراعات فكرية لا يجتنى منها فائدة تذكر»

المفهوم الأخلاقي في القرآن:

إنّ الطابع العام الأخلاقي الذي يُستمد من القرآن الكريم، يختلف كثيراً عمّا ذكرناه المذاهب الأخلاقية المختلفة، سواء من الناحيتين النظرية والعملية، فهو يحلّ جميع المشكلات الخُلقية، ويضع كلّ شيء في موضعه المعيّن، ويربط بين الفضل والفضيلة، فطالما يكون المرء فاضلاً ولا يعرف الفضيلة، ولذا ترى أنّ المفهوم الأخلاقي في القرآن لا يقتصر على الحاجة العقلية فقط؛ بل إنّ الجانب النظري والعملي كلّ واحدٍ منهما مكمّل للآخر، وتكون لهما وحدة خاصّة الحاسّة الأخلاقية التي أودعها الله تعالى في الإنسان.

كما أنّ المفهوم الأخلاقي فيه يمتاز عن غيره في أنّه يشتمل على روح التوفيق بين سائر النزعات الأخلاقية، ويُلبّي جميع المطالب للإنسان، فهو ينظر إلى الفرد كما ينظر إلى المجتمع ، ويعطي لكلّ واحدٍ منهما حقّه، ولهذه النزعة الأخلاقية خصائص يمكن تلخيصها فيما يلي:

خصائص الأخلاق في القرآن:

الأولى: إنَّ في الإنسان انبعاثاً داخلياً فطرياً إلى الأخلاق يساير جميع مراحله، يمكن التعبير عنه به (الحاسّة الأخلاقية )التي يميّز بها بين الخير والشرّ، كما يميّز (الحاسة الجمالية) المودعة فيه بين الجميل والقبيح ، قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (1)(1). ومن هذه الحاسّة الخلقية نستطيع أن نؤسّس القواعد الخُلقية والقانون الأخلاقي العام.

ولكن قد يلقى هذا النور الباطني الفطري موانع توجب طمسه، وهي كثيرة مثل العادات والوراثة والبيئة، وشواغل الحياة المادّية، بل إنّ نفس القواعد الخُلقية الفطرية لم تكن كافية في إرضاء الجميع، بحيث تكون قاعدة عامّة تجلب رضاء الكلِّ، ولهذا كان لابدّ من بعث الأنبياء ذوي النفوس المصطفاة الملهمة بالوحي، ليثيروا للناس دفائن العقول، ويزيلوا الغشاوة عن النور الفطري، ويكملوا ما كانوا يحتاجون إليه في إكمالهم، فكان نور الوحي مكملاً لنور الفطرة التي أودعها الله في الإنسان، فكان «نورُ على نور».

الثانية : إنّ القواعد الخُلُقية هى تلك القواعد التي تخاطب الضمير الإنساني


1) سورة الشمس الآية 8

ويرغب إليها الإنسان لأجل الحقيقة ذاتها وأهميّتها الخُلُقية فهي لم تكن غريبة عليه، فكانت لها صفة الإلزام، قال تعالى: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ }(1)، ويظهر ذلك بوضوح في تلك الآيات القرآنية التي ترجع الإنسان إلى عواطفه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأَنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(2)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُمْ بَعْضاً أيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رحيم} (3) (3)

الثالثة: إنّ القرآن الكريم يقرّر أنّ الإنسان مسؤول عن عمله، فقد أظهر فكرة المسؤولية الأخلاقية الفردية والاجتماعية بالمعنى الكامل ، قال تعالى: {وَأَن لَيْسَ لِلإِنْسَان إلا مَا سَعَى}(4)، وقال تعالى:{ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } (5)، سورة الإسراء الآية 15

فكلّ شخص مسؤول بالشروط المقرّرة عن أفعاله الخاصّة الشعورية والإرادية، كما أنّه فرد من مجتمع يحمل جانباً من المسؤولية الاجتماعية.

الرابعة: إنّ الإنسان حرّ في اختيار أفعاله الإرادية، ولا شيء - سواء كان داخلياً أو خارجياً - يستطيع إرغامه وسلب حريته، قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا


1) (1) سورة القيامة : الآية 15

2) (2) سورة الحجرات : الآية 13 .

3) سورة الحجرات الآية 12 .

4) (4) سورة النجم : الآية 39 .

فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }(1)(1)، وقال تعالى: {إن تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ ِبكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} (2)(2)، بل يعتبر القرآن أنّ أساس المسؤولية هي الحرّية، وقد مضى في ضمن الآيات القرآنية البحث عن ذلك مفصّلاً، وقد تنبّه إلى ذلك الفيلسوف الغربي كانت بقوله: (يستحيل علينا أن نتصوّر عقلاً في أكمل حالات ،شعوره، يتلقّى بشأن أحكامه توجيهاً من الخارج... فإرادة الكائن العاقل لا تكون إرادته التي تخصَّه بالمعنى الحقيقي إلا تحت فكرة الحرية».

الخامسة: الجزاء الأخلاقي وفقاً لقانون أنّ كلّ مسؤولية لابدّ لها من جزاء. وقد بيّن القرآن الكريم أنَّ كل عمل له جزاء خاصّ يلائمه، وقد تقدِّم في الآيات السابقة ما يرتبط بالمقام.

السادسة: النيّة وأن كلّ عمل لابدّ له من نيّة، وإعطاء الأهميّة للنيّة والبواعث الكامنة في النفس وراء العمل، ويعتبر أنَّ قيمة كلّ عمل تدور مدار شدّة التنزّه، وأنّ الهدف من كلّ عمل هو ابتغاء وجه الله تعالى .

السابعة : أنّ كلّ عمل لابدَّ أن يُقرن بالاعتقاد، كما هو ظاهر الآيات الشريفة التي يقرن فيها بين الإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَريمٌ} (3)(3)، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} (4).


1) سورة البقرة : الآية 284.

2) سورة الأحزاب: الآية 54 .

3) سورة سبأ: الآية 4 .

الإنسان كائن أخلاقي:

يتميّز الإنسان عن سائر الكائنات الحيّة في أنّه مزيج قوى متخالفة متصارعة ، فهو مركّب من عقل وقلب وإرادة، أي :له حياة عقلية، وانفعالية، وفاعلة، ولكلّ واحدة من هذه الثلاث آثارها ووظائفها التي من امتزاجها في هذا الكائن الخاصّ يكون إنساناً، وهذا ممّا لا ريب فيه، وقد دلَّت عليه التجارب وأثبتته البراهين العلمية.

وبتعبير آخر: وهو المتّبع في علم الأخلاق - إنّ الإنسان مركّب من قوى ثلاث، هي:

القوة الشهوية: التي هي مصدر الرغائب من محبّة المال والنساء وغيرهما من الشهوات الحيوانية، والأفعال المنسوبة إلى هذه القوّة، هي الأفعال التي تجلب المنفعة؛ كالأكل والشرب ونحو ذلك.

والقوة الغضبية: وهي مصدر العواطف كالشجاعة، والغضب، والأفعال المنسوبة إليها، هي الأفعال التي تدرأ المضارّ، كالدفاع عن النفس والمال والعرض وغير ذلك.

والقوة العاقلة: وهي التي تدبّر البدن وتسوسه، والأعمال الفكرية كلّها منسوبة إلى هذه القوّة.

ولكل واحدة من هذه القوى الثلاث آثارها وخصائصها، وهي متباينة في صفاتها وذواتها، ولكن من اجتماعها ينشأ الإنسان المفكّر الدرّاك، وباتّحادها تنشأ وحدة تركيبيّة تصدر منها أفعال خاصّة، وبها يبلغ الإنسان إلى سعادته التي خُلق لأجلها، ووظيفته هي أن يحافظ على هذه الوحدة التركيبيّة، وأن لا تخرج قوّة من

هذه القوى الثلاث عن حدّ الاعتدال إلى حدّي الإفراط أو التفريط، وإنَّ بذلك يصل إلى الغاية المرجوّة من خلقه، وهي السعادة الفردية والنوعية في الدُّنيا والآخرة، ولأجل ذلك كان الإنسان أخلاقيّاً دون سائر الكائنات الحيّة.

وعلم الأخلاق يبحث عن كيفيّة المحافظة على الحدّ الوسط، التي هي الفضيليّة، والاجتناب عن طرفى الإفراط والتفريط اللّذين هما الرذائل لتصدر منه أفعال يصل بها إلى السعادة المرجوّة.

الاعتدال في الأخلاق :

ذكرنا أنّ وظيفة الإنسان - ككائن أخلاقي - هي المحافظة على حدّ الاعتدال لكلّ واحدة من القوى الثلاث المتقدّمة. والمراد بحد الاعتدال - هو الوسط الأخلاقي - أي استعمال كلّ قوّة على ما ينبغي ليجلب بها السعادة. وقدّ جعل العلماء حدّ الاعتدال في القوّة الشهوية هي العفة، والجانبين الإفراط والتفريط - الشَرَه ، والخمول. وفى القوة الغضبية الشجاعة والجانبين التهوّر، والجُبن. وفي القوة الفكرية الحكمة، والجانبين الجُريزة، والبلادة. ثمّ قالوا إِنَّ في اجتماع تلك الملكات في النفس، تحصل ملكة رابعة وهي العدالة، والمراد بها هي وضع كلّ شيء موضعه الذي ينبغي له، وبها يمكن للإنسان أن يحافظ على حدّ الاعتدال في القوى الثلاث فيخرج عن والانظلام.

وهذه الأربعة هى أصول الأخلاق الفاضلة تكون نسبتها إليها.

وهذا هو التقسيم الشائع بين علماء الأخلاق منذ عصر أرسطو، وهو لا يخلو

عن المناقشة، ولكن الأمر سهل بعد أن كان ذلك لأجل تصنيف الفضائل والرذائل والتمييز بينها.

إلا أنّ للقرآن نظرية خاصّة في الوسط، تغاير النظريات الأخرى، فقد اعتمد القرآن على التقوى التي ورد ذكرها في أكثر من مائتين وخمسين مرّة، قال تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا }(1) (1)واعتبرها محور الكمالات الإنسانية ومعيار الفضائل، قال تعالى : ...{ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَن اتَّقَى وَأتُوا البُيُوت مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (2)(2)، وقال تعالى: {وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} (3)(3)، وقال تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (4)(4)وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }(5)(5)، وقال تعالى : {... وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُون يا أُولِي الألْبَابِ }(6)سورة البقرة الآية: 197 ، وقال تعالى: {...إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}(V) سورة التوبة: الآية7 . ، وقال تعالى: {... وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }(8)(6).

والمراد من التقوى في نظر القرآن: هي الجهد المحمود - الحاصل من الفرد _المتواصل في خدمة التكليف في جميع نشاطاته وعلاقاته مع نفسه، ومع ربّه،


1) سورة الشمس : الآية .8.

2) سورة البقرة: الآية 189

3) سورة النمل : الآية 53 .

4) سورة المائدة : الآية 27

5) سورة آل عمران : الآية 102

6) سورة التوبة : الآية .123 .

والناس أجمعين، وهذا هو المراد ممّا ورد في النصوص الكثيرة بأنّها «إتيان الواجبات وترك المحرمات».

وتظهر أهميّة هذا الملاك عن نظرية «الوسط العادل»، أي: تجنّب الإفراط والتفريط في أنّه يربط بين العمل والنيّة، فلا يمكن التفكيك بينهما، فيعتبر العمل بلانيّة لا قيمة له، كما أن النيّة الخالية عن أي عمل لا ثمرة لها، كما يظهر ذلك بوضوح من الآيات التي تقارن بين التقوى والعمل الصالح، كما تقدّم. قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُون }(1)(1).

كما أنّ بالتقوى يصير الإنسان بارّاً ويصبح من الصدّيقين، وإنّ بها يتهيّأ لقبول الملكات الفاضلة، ويحدّد سلوكه الأخلاقي، وبها يصير الإنسان عادلاً موفّقاً بين بين رغباته وأحاسيسه وعواطفه، فهي المقياس الحسّي للفضائل، يسهل معرفته لكلّ أحد، ويسلم عن الخطأ والالتباس من دون أنّ يقع في متاهات النظرية الوسطية القديمة، وهي العلة الغائية في السلوك الأخلاقي، والعلّة الفاعلية لاكتساب الفضائل وإزالة الرذائل . وأخيراً هي القاعدة العامّة التي يمكن التوفيق بها بين سائر التكاليف ويجلب بها الكمال، والدّين الذي أمرنا باتباعه. وبها صارت هذه الأمّة وسطاً في جميع الشؤون. نعم لها مراتب، كما تقدم سابقاً، ويأتي بيانها مفصّلا.

طرق اكتساب الأخلاق الفاضلة:

ذكرنا أنّ الأساس الذي يبتني عليه الأخلاق في القرآن هو التقوى، فإنّها الطريق


1) سورة الشعراء : الآية 110

إلى التخلق بالأخلاق الفاضلة، واكتساب الفضائل وإزالة الرذائل، وتقدّم أنّ التقوى الجهد المتواصل من الفرد، فلا تتحقّق إلا بالتواصل والعمل الدؤوب، وتكرار الأعمال الصالحة لتتمكّن الأخلاق الفاضلة في النفس ويتعذّر إزالتها. وفي التقوى يرتبط العمل بالنيّة، فكلّ ما كانت النيّة خالصة الله تعالى خالية عن الأغراض الدنيوية، ازدادت قيمة العمل وقَرُب إلى القبول، وصلح للجزاء الأوفى.

بل يعتبر القرآن أنَّ الغايات المرجوة من الأعمال، سواء كانت لجلب النفع، أو لدفع الضرر، هي نقص في مقابل الكمال المطلق، قال تعالى: {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جميعاً }(1)(1)، وقال تعالى :{ ... وَاتَّقُون يَا أُولي الألباب} (2)(2)، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تحصر الكمال فيه عزّ وجل. ولهذا الأمر أثرُ كبير في النفس. حیث يجعل العمل خالصاً لوجه الله ، منزّهاً عن كلّ غاية من غير الله تعالى، وأنَّ الغاية الله تعالى والتخلُّق بأخلاقه، وهذا مسلكُ جديد لم يكن معروفاً من قبل نزول القرآن، و يختلف عن سائر المسالك المتّبعة في تهذيب النفس بوجهين:

الأول: إنّ في هذا المسلك يعدّ الإنسان إعداداً علميّاً وعمليّاً لقبول الأخلاق الفاضلة والمعارف الإلهيّة، بحيث لا يبقى مجال للرذائل، وفيه تختلف الفضائل عن غيره من المسالك.

الثاني: إنَّ في هذا المسلك يكون الفعل صادراً عن العبودية المحضة والحبّ العبودي، فيكون الغرض هو وجه الله تعالى فقط، فهو مبني التوحيد الخالص بخلاف غيره.


1) سورة يونس : الآية 65 .

2) سورة البقرة : الآية 197

وهناك مسالك أخرى في تهذيب الأخلاق:

أحدها: هو تهذيب النفس بالآراء المحمودة، والعقائد العامة الاجتماعية في الحُسن والقبح، والغايات الصالحة الدنيوية، وهذا هو المعروف في علم الأخلاق، فهذا المسلك يدعو إلى الخُلُق الاجتماعي، والغاية هي حياة سعيدة دنيوية يحمدها كلّ الناس؛ ولم يرد في القرآن الكريم ما يدلّ على حسن هذا المسلك. نعم في بعض الموارد إشارة إلى بعض الأمور الاجتماعية، قال تعالى: {وَحَيْتُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةً}(1)(1)، حيث علّل الحكم بأن لا يكون للناس عليكم حجّة. وقال تعالى:{ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}(2)، حيث علّل ترك الصبر أو الاتحاد بالفشل وذهاب الريح. ولكن ذلك كلّه. الثواب والعقاب الأخرويّين.

ثانيها: تهذيب النفس بما جاء به الأنبياء علیه السلام و الكتب السماوية، من والتكاليف الدينية والآراء المحمودة بالغايات الأخروية، وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تدلّ على ذلك، قال تعالى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أَصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبي الأمي الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكتوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيل يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَن الْمُنْكَر ...} (3)(3)، وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ الله} (4) (4)، وقال تعالى:{ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ


1) سورة البقرة الآية 150 .

2) سورة الأنفال : الآية 46 .

3) سورة الأعراف : الآية 156 - 157 .

4) سورة لقمان : الآية 21 .

103

أَحْسَنَ عَمَلاً} (1)(1)، وقال تعالى: ...{وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ }(2)(2)، وغير ذلك من الآيات الشريفة التي ذكر فيها الأجر الأخروي بألسنة مختلفة.

ومن مبادئ هذا المسلك، هو إعداد الإنسان علمياً، بأنّ كلّ ما يصدر منه من الأفعال، وما يقع من الأمور كلها صادرة عن قانون القضاء والقدر الإلهي؛ قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }(3) (3)

وإنّه لابدّ من التخلُّق بأخلاق الله تعالى، والتذكَّر بأسمائه الحُسنى حتّى يمكن تهذيب النفس بالغايات الأخروية المتكفّلة لسعادة الدارين، فإنَّ الكمال الحقيقي والسعادة الواقعية ،هي الحياة السعيدة في الآخرة وتلازمها سعادة هذه الدنيا أيضاً. وهذا المسلك هو الغالب في الدّيانات الإلهية، وقد دعا إليه الأنبياء والمرسلون، وهو متين يغاير المسلك الأوّل في الغاية والسبب.

ثالثها :التغيّر فى الأخلاق والتبدّل في الفضائل، والقول بالتطوّر والتكامل في الأخلاق، فلا يمكن أن يكون للحُسن والقبح أصول مسلمة مطلقاً، والمناط كلّه هو ابتغاء المنفعة ودفع المضرة، سواء أكانتا فرديتين أو اجتماعيتين، وهذا مذهبّ قديم في الأخلاق، دعا إليه بعض المادّيين كما أشرنا إليه سابقاً، وهو مذهب فاسد، وسيأتي في الموضع المناسب ذكر وهو حججهم ودحضها (4)(4).



1) سورة الكهف : الآيه 30

2) سورة الزمر : الآية 10 .

3) سورة التغابن : الآية .11 .

4) مذهب مواهب الرحمان : ج 2 / 304.

الطاعة

المراد من الطاعة التي هي الوسيلة للوصول إلى الدرجات الرفيعة السامية، والأفق القريب منه جلّ شأنه، وهي التي أكّدت عليها الآيات الشريفة، ودعى إليها الأنبياء والأولياء بألسنة مختلفة، واهتمّوا بها، لأنها المبعث لتكريم الإنسان ونيله أشرف المراتب وأجلّ المقامات، وهي «الانقياد الكامل والامتثال مع الإخلاص لجلب رضا الحقّ وترك ما سواه».

ولها مراتب كثيرة - بل متفاوتة - حسب إخلاص العبد ومقام العبودية، بل حسب درجات الحبّ والمحبّة له جلّت عظمته، ففي الأثر «إِنَّ الله تعالى أودع أنوار الملكوت فى أصناف الطاعات».

فأعلى مراتبها قتل النفس في الحقيقة، وقمع هواها التي هي حياتها، قال تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}(1)(1)، وبالخروج عن عالم المادة، ومن مراتبها تسليم النفس إليه تعالى، ودوام المراقبة لها، كما ورد ذلك في روايات مستفيضة عن المعصومين علیه السلام وفي الدعوات المأثورة عنهم.

وفي الأثر: «كُنّا في طريق مكّة فإذا بشاب قائم في ليله يناجي ربّه ويقول يا مَنْ شوقي إليه، وقلبي محبُّ له، ونفسي له خادم، وكلّي فناء في إرادتك ومشيّتك، فأنت لا غيرك متى تنجيني - إلى آخره ..

قلت له: رحمك الله ما علامة حبّه ؟


1) سورة الشمس : الآية 10 .

قال: اشتهاء لقائه.

قلت :فما علامة المشتاق ؟

قال: ليس له قرار ولا سكون في ليل ولا نهار من شوقه إلى ربّه.

قلت :فما علامة الفاني؟

قال: لا يعرف الصديّق من العدوّ، ولا الحُلو من المرّ من فنائه عن رسمه وجسمه.

قلت: فما علامة الخادم؟

قال: إنّه يرفع قلبه وجوارحه وطعمه من ثواب الله - إلى آخره - ».

وعن نبيّنا الأعظم صلی علی علیه وآله « لا يكون أحدكم كالعبد السوء إن خاف عمل، ولا كالأجير السوء إن لم يُعطَ لم يعمل».

وعن سيّد العرفاء على علیه السلام : «إلهى عبدتك لا خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنّتك، بل وجدتك أهلاً لذلك فعبدتك».

وبالطاعة الحقيقية ينال الإنسان الدرجات الرفيعة والمراتب الشريفة، ويتجاوز حدّ الكمال، ويصل إلى درجة التكميل ، فتكون له «المعية في الدرجة لا الاتّحاد»، كما في بعض الروايات، لأنّ التساوي في كلّ جهة معه محال، كما ثبت الفلسفة الإلهية.

كما أنّ العصيان والتجرّي بالإعراض عن طاعة الرّحمان، والإقبال على طاعة الشيطان، يصل الإنسان إلى أسفل الهاوية ومنتهى الهلاك، وإنَّ له أيضاً مراتب وعن نبيّنا الأعظم الله صلی علی علیه وآله: «كلّ أمتي يدخلون الجنّة إلا مَنْ أبى.

قيل: يا رسول الله صلی علی علیه وآله ومَنْ أبي؟

قال: مَنْ أطاعني دخل الجنّة، ومن عصاني فقد أبى».

فإنَّ إطاعته إطاعة الله تعالى كما أنّ عصيانه كذلك كما تقدّم

وقد جعل سبحانه وتعالى في هذه الآية المباركة جزاء الطائع لله والرسول مرافقة الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين، ولم يجعل - كما في غير الطاعة - الجنّات التي تهفوا إليها القلوب، وتخلد فيها النفوس، لأنّ الطاعة ليست تكليفاً محضاً حتّى يجعل في مقابلها جزاءاً، وإنّما هي وسيلة لرقيّ النفس، وسبيلُ للوصول إلى المرتبة الكاملة والنيل إلى المرتقى. ومعنى رُقيّ النفس ورفعها بالوصول إلى الشاهق الأعلى، هو معاشرتها ومصاحبتها مع سنخها من النفوس سنخها من النفوس القدسية، كالأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين، لما ثبت في الفلسفة الإلهية وغيرها من أنّ السنخية في جميع الأشياء، وفي جميع العوالم ، لازمة وموجودة، فمقتضى قانون السنخية في عالم المصاحبة والمعاشرة - الذي يكون في عالم الشهادة وعالم البرزخ وعالم الآخرة - هو أن تكون النفوس الخيّرة مع أمثالها والنفوس الشريرة كذلك لما بينهما من التباعد والتباين، فلا تلائم بين الصنفين أيضاً فإنّ أرواح المطيعين ونفوس المؤمنين لا تميل ولا تستقرّ إلا مع النفوس التي تماثلها، وتكون قريبة بينهم وفي أفقهم، أي من سنخهم وهي النفوس الرفيعة القادسية.

على أنّ ذلك يلازم دخول الجنات التي تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. ولعلّ التعبير بقوله تعالى: {أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ }(1)، وقوله تعالى في ذيل الآية


1) (1) سورة النساء : الآية 69 .

المباركة: {ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ }(1) (1)يدلان على ما ذكرناه، والله العالم بالحقائق. وفي الآية الشريفة إشارة إلى أنّه ينبغي للمؤمن أن يسعى في تكميل نفسه بالصلاح، ويترقّى إلى مرتبة الشهادة ، ثمّ إلى مرتبة الصدّيقيّة التي ليست بينها وبين مرتبة النبيين أيّة واسطة إلا الوحي.

والحُسن الوارد في قوله تعالى: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رفيقاً }(2)(2)، من الصفات التي لها مراتب متفاوتة شدّةً وضعفاً وكمالاً وأنّ المراد من الحسن ،الحسن فى الرفاقة في عالم الدُّنيا، ويستلزم الحُسن في عالم الآخرة، بل لا يتمّ حسن إلا به (3)(3).



1) سورة المائدة : الآية 54 .

2) سورة النساء : الآية 69

3) مواهب الرحمان : ج 18/9 .

التقوی

وردت كلمة التقوى في القرآن والسنّة - بل في الكتب السماويّة - كثيراً، وحتّت عليها الشرائع الإلهية، ورغبت إليها، وهي صفة - أو حالة نفسانية - تعرض على الإنسان الملتزم بالدّين، وقد تزول عنه حسب العوامل النفسية والمكايد الشيطانية، فهي من الأمور الإضافية تختلف حسب درجات الإيمان والثقة بالمبدأ عزّ وجلّ.

وهي في اللغة: جعل النفس في وقاية ممّا يخاف. بل جعل نفس الخوف ،تقوى، من باب تسمية مقتضي الشيء باسم مقتضاه.

وقد عُرّفت في الشرع بتعاريف متعددة، ولعلّ أسلمها: «حفظ النفس عمّا يؤثم»، وذلك بترك المحظور، ويتحقّق باجتناب بعض المباحات، أي التنزّه عن الحلال مخافة الوقوع في الحرام، لما روي: «الحلالُ بَينّ والحرامُ بَينُ ومَن رتع حول الحمى فحقيق أن يقع فيه» وغيره من الروايات، قال الله تعالى: {يَا بَني آدَمَ إِمَّا يَأْتِينَكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَن اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}(1)(1).

وقيل: «إنّها صفة راسخةُ في النفس، توجب الاجتناب عن المآثم والمشتبهات »وهذا التعريف يرجع إلى الأوّل وإنّما الاختلاف في التعبير.

وقيل: «هي الامتناع عن الردي، باجتناب ما يدعو إليه الهوى».


1) سورة الأعراف : الآية 35 .

وهذا أعمّ ممّا تقدّم.

وكيف كان، فإنّه لا يمكن تحقّق التقوى إلا بترك المشتبهات، فضلاً عن المحرّمات، ففي رواية يونس عن الصادق علیه السلام في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }(1) (1): «أرشدنا للزوم الطريق المؤدّي إلى محبّتك، والمبلغ إلى جنّتك، من أن تتّبع أهواءنا فنعطب، ونأخذ بآرائنا فنهلك، فإنَّ من اتّبع هواه وأعجب برأيه، كان كرجل سمعت غثاء الناس تعظّمه وتصفه فأحببتَ لقائه تعظمه من حيث لا يعرفني لأنظر مقداره ومحلّه، فرأيته في موضع قد أحدقوا به جماعة من غثناء العامّة، فوقفت منتبذاً عنهم متغشّياً بلثام أنظر إليه وإليهم، فما زال يراوغهم حتّى

خالف طريقهم وفارقهم، ولم يقرّ ، فتفرّقت جماعة العامّة عنه لحوائجهم، وتبعته اقتفي أثره، فلم يلبث أن مرّ بخبّاز فتغفله فأخذ دكاّنه رغيفاً مسارقةً فتعجّبتُ منه، ثمّ قلت في نفسي: لعلّه معاملة، ثمّ مرَّ بعده بصاحب رمّان فما زال به حتّی تغفله، فأخذ من عنده رمانتين مسارقةً فتعجبت منه، ثم قلت في نفسي لعلّه معاملة، ثمّ أقول وما حاجته إذاً إلى المسارقة. ثمّ لم أزل أتبعه حتّى مرّ بمريض، فوضع

الرغيفين والرمّانتين بين يديه ومضى وتبعته حتّى استقرّ في بقعة من صحراء، فقلت له: يا أبا عبد الله لقد لحقت بك ، وأحببت لقاءك، فلقيتك لكنّي رأيتُ منك ما شغل قلبي، وإنّي سائلك عنه ليزول به شغل قلبي، قال: ما هو ؟ قلت: رأيتك مررت بخبّاز وسرقت منه رغيفين ثمّ بصاحب الرمّان فسرقت منه رمّانتين.

فقال لي: قبل كلّ شيء حدّثني مَن أنت؟

قلت :رجل من ولد آدم من أمة محمّد صلی علی علیه وآله


1) سورة الفاتحة : الآية 6 .

قال: حدّثني ممّن أنت؟

قلت :رجل من أهل بيت رسول الله صلی علی علیه وآله

قال: أين بلدك؟

قلت :المدينة.

قال: لعلّك جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؟

قلت: بلي.

قال لي : فما ينفعك شرفُ أصلك، مع جهلك ممّا شرّفت به وتركك علم جدّك وأبيك، لأنه لا ينكر ما يجبُ أن يُحمد ويمدح فاعله!!

قلت:وما هو ؟

:قال القرآن كتاب الله.

قلت: وما الذي جهلت ؟

قال : قول الله عزّ وجلّ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} ، وقال تعالى: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا}(1). وإنّي لما سرقت الرغيفين كانت سيّئتين، ولمّا سرقت الرمّانتين كانت سيّئتين، فهذه أربع سيئات. فلمّا تصدقت بكلِّ واحدٍ منها كانت أربعين حسنة أنقص من أربعين حسنة، أربع سيّئات بقي ستّ وثلاثون

قلت : ثكلتك أمّك! أنت الجاهل بكتاب الله، أما سمعت قول الله عزّ وجلّ:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ }(2) (2)؟ إنك لمّا سرقت رغيفين كانت سيّئتين، ولمّا


1) (1) سورة الأنعام الآية 160.

2) سورة المائدة : الآية 27

سرقت الرمّانتين كانت سيّئتين، ولمّا دفعتها إلى غيرها من غير رضا صاحبها كنت إنّما أضفت أربع سيئات ولم تضف أربعين حسنة إلى أربع سيئات، فجعل يلاحيني فانصرفت وتركته».

ويستفاد من هذه الرواية أنّ القبول مطلقاً يدور مدار التقوى، ولولاها فالأعمال مجرد صور لم يكن لها لُبّ. نعم، لكلّ منهما مراتب و درجات، والتقوى هي المسلك المهمّ للوصول إلى ساحة قربه ولاستقرار حبّه تعالى في القلب. وقد ذكر علماء السّير والسلوك أنّ مقامات الرقيّ هي مراتب التقوى، وقسّموها إلى تقوى العوام، وتقوى الخواصّ، وتقوى أخصّ الخواص. ثمّ إنّ المراد من التقوى في الآية المباركة : {إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ }هو مجرّد التقرّب إليه عزَّ وجلَّ مع تقريره به لا التقوى المصطلح لتناسب ذلك لبدء التشريع وتلائمه مع بثّ النسل، ولم تكمل الحجّة بتمام جهاتها. ولكن تقدّم أنّ للتقرّب إليه تعالى مراتب ودرجات، وأنّه لم يرد مثل هذا التعبير القرآني إلا في هذه الآية فقط (1)(1).



1) مواهب الرحمان : ج 11 / 230 .

الحبّ

من أقرب المعاني إلى النفس وأعذبها عليها الحبّ. ذلك هو الترابط الوثيق الذي يربط الموجودات بعضها مع بعض، وبه يجتذب كلّ صانع ،مصنوعه، فهو الطريق إلى الكمال كلُّ بحسب ما يريده كمالاً، وبه تتحقق الحياة السعيدة، ولأجله يعيش الفرد ويعمل.

يعرفه جميع الروحانيّين وأملاك السبع الشداد، ودوابّ الأرض المهاد، وجميع الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار الغامرات بل إنّ جميع الموجودات تحبّه تعالى وتعشقه، كما أثبته جمع من الفلاسفة.

وبهذه الصفة يدرك المخلوق خالقه، ومن هذه الجهة يعطف الخالق على خلقه، فلا حياة إلا بالحبّ، ولا سعادة إلا بالعشق. وهو من المعاني الوجدانية التي يدركها كلّ أحد وإن قصرت العقول عن الوصول إلى كنه حقيقته، فهل هو برق من نور الجمال الكامل المطلق يبرق ثمّ يختفى؟!!

أم هو تجلٍ من من وجه الله الأعظم ظهر وتجلّى ؟!!

أم هو تلك الجاذبية التي أثبتها العلم الحديث في جميع الموجودات ؟!!

أم هو هو ما بيّنه الإمام علي علیه السلام في مقام العارفين وخطبة همّام ؟!!

أم هو ما نسب إلى ابنه الإمام الحسين علیه السلام في دعائه لربّه:

«تعرّفت إليَّ في كلِّ شيء فرأيتك في كلّ شيء وأنت الظاهر لكُلّ شيء ؟!!

أم هو ما شرحه الإمام السجاد عليه السلام في مناجاة المحبين ؟!!

أم هو ما ذكره ابن الفارض في قصيدته التائية الكبرى المسمّاة بنظم السلوك، التي شُرحت بشروح كثيرة، مطلعها:

سقتني حُميّا الحبّ راحةً مقلتي وكأس حُميّا مَن عن الحُسن جلت؟!!

أم غير ذلك ممّا يقول العلم الحديث كما مرّ كُلِّ ذلك قطرات البحر لا يدرك ساحله، بل يغرق وارده، ومع ذلك فهو أوضح من كلّ شيء، ويوجد في

كلّ شيء.

وهو لا يختصّ بالإنسان، بل يشمل جميع الموجودات، الواجب منها والممكن ، وقد أثبت العلم الحديث عموم الجاذبية والمجذوبية في الموجودات، وفي حبّ الله تعالى وحبّ الإنسان، قال تعالى: «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُوني يُحْيْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ». (1) (1)

وحبّه تعالى لمخلوقاته من فروع رحمته الواسعة.

وأمّا محبّة سائر الموجودات له تعالى، فقد أثبتها جمعُ من الفلاسفة منهم صدر المتألّهين في كتابه القيّم (الأسفار الأربعة) أنّ الوجودات بأسرها عاشقة لجماله، ويكفي في ذلك أنّها سائرة إلى الكمال المطلق، ولا كمال كذلك إلا فيه تعالى ومنه عزّ وجلّ، فهو محبوبّ من كلّ جهة.

فالقول باختصاص الحبّ في غيره عزّ وجلّ نظراً لتنزهه عن معناه باطل ولا يخفى فساده، لا سيّما بعدما ورد في القرآن الكريم من إثبات حبّه عزّ وجلّ لبعض


1) سورة آل عمران : الآية .31 .

الأفراد، قال تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } (1)(1)، وقال تعالى: {فِيمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لأَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكَّلِينَ} (2)(2)، وقال جل شأنه: {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَاب الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (3).(3)

والحبّ من المعاني القلبية المنبثّة على جميع جوارح الإنسان وحواسّه، كما هو واضح، ويتعلّق بالأشخاص أو الأشياء العزيزة، أو الجذّابة، أو النافعة، ويكون باعثاً إلى التقرّب إلى المحبوب بكلّ وسيلة يحبّها المحبوب؛ كما في حبّ الله تعالى الداعي إلى إتيان ما يريده عزّ وجلّ، وترك ما لا يرتضيه، أو محرّكاً إلى الإتيان بالعمل المحبوب، كما في الأعمال الصالحة والحٍرفَ والصنائع ونحو ذلك، أو يكون داعياً إلى قضاء الحاجة من المحبوب كما في حبّ الأكل، وحبّ المال، وحبّ النساء وغير ذلك؛ أو يكون مصاحباً إلى البذل والعطاء من دون انتظار مقابل، كما فى حبّ الأم للأطفال. والحبّ المجرّد الذي لا يكون مقروناً بأيّ شيء لا أثر له، بل هو من مجرّد اللفظ فقط، وهو:

تارةً :يتركّز حول النفس ؛ ويسمّى بحبّ الذات الذي لا يخلو عن أيّ حيوان، وهو المعبَّر عنه في الإنسان بالأثرة.


1) سورة آل عمران : الآية 76 .

2) سورة آل عمران : الآية 159 .

3) سورة آل عمران : الآية 148 .

وأخرى يتعلّق بالغير، فهو إمّا أنّ يكون مصحوباً بالغيرة، وهو المسمّى بالحبّ العُذري، أو لا يكون كذلك.

وثالثة: يتعلّق بالله تعالى، ويسمّى بالحب الإلهي الذي هو وليد كمال معرفة الله تعالى والناشئ عن الجمال المطلق، ولا يحصل إلا بالتخلية عن الرذائل والتطهير عن كل ما يشغل القلب عن الله تعالى والتحلية بالفضائل. وهذا القسم هو أفضل أقسام الحبّ، ولا يشعر به ه إلا العارفون بالله ؛ وهو ذو مراتب متفاوتة، والجامع بينها أن يكون الحبّ الله وفي الله ، وكلّ ما كان الحبّ أشدّ كانت السعادة أتمّ وأعظم.

وهو يختلف باختلاف المحبوب، وينقسم بحسب القوى الظاهرية في الإنسان كحبّ البصر للرؤية، والسمع لسماع الأصوات الحسنة، وكذلك الشمّ للأرياح الطيّبة، وكذلك اللّمس والذوق.

كما أنّه ينقسم بحسب القوى المعنوية - كالعقل والفكر والإيمان - وفي جملة من الأخبار عن نبينا الأعظم صلی علی علیه وآله : «ليس الإيمان إلا الحبّ في الله، والبغض في الله» أي حبّ الله وحب أحكامه وتشريعاته، وحبّ محبّيه والبغض لأعداء الله والمحرَّمات الإلهية.

وقد ذكرنا أن هذا القسم من أفضل أفراد الحبّ الموجب لسعادة الإنسان في الدارين(1) .(1)

**


1) مواهب الرحمان : ج 249/3

التوبة

الثوبة باب من أبواب رحمة الله تعالى، وهي من أعظم أنحاء لطفه بعباده؛ ومن أقرب الطرق إليه عزّ وجلّ، وهي أوّل منازل السائرين إلى الله سبحانه، وأساس درجات السير والسلوك الإنساني، وهي مفتاح التقرّب إليه عزّ وجلّ، والوصول إلى المقامات العالية، بل لا تتحقق التخلية الصفات الرذيلة ،والتحلية بالصفات الحسنة إلا بها، ويكفي في فضلها أنّها من الباري عزَّ وجلّ، فإنّه «التواب الرحيم»، وقد من على عبيده أن تقرّب إليهم بالتوبة عليهم، بعد البُعد عنه تعالى بالمعاصي والذنوب، فقال تبارك وتعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(1)(1). وقد ورد في عظيم فضلها نصوص كثيرة ، ففي الكافي عن أبي عبيدة عن أبي جعفر علیه السلام : «إن الله تبارك وتعالى أشدّ فرحاً بتوبة عبده من رجل أضلّ راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها، فالله أشدّ فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها».

وروي عنهم علیه السلام: «إنَّ الله أعطى التائبين ثلاث خصال لو أعطى خصلة منها أهل السماوات والأرض لنجوا بها، قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ َيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرينَ }(2)(2)، فمن أحبّه الله لم يعذِّبه.


1) سورة الأنعام : الآية 54 .

2) سورة البقرة - الآية .222

وقوله عزّ وجلّ: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم }(1)(1)- الآية ..

وقوله عزّ وجلّ: {إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً }(2)(2).

إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الواردة في فضلها. وأنّ للجنة باباً من أوسع أبوابها يسمّى باب التائبين وهي من مظاهر رحمانيّته ورحيميته اللتين هما من أوسع صفات الله تعالى العليا، بل لا حدَّ لهما أبداً (3)(3).



1) سورة غافر : الآية 7 .

2) سورة الفرقان : الآية 70 .

3) مواهب الرحمان : ج 2 / 204 .

العبودية

العبودية الحقيقية لله تعالى، كنهها الربوبية، والتفاني في مرضاة الخير المطلق خير مطلق، ويصير العبد بذلك محبوباً لدى الجميع، من دون أن يكون في البين واسطة وشفيع، بل يصير العبد بها محبوب الممكنات، وتشرق عليه الشوارق من ربّ البريات.

ألم تر أنّ البدر يشرق ضوؤه بصفو غدير وهو في أفق السما

فإنّ استغراق العبد في العبودية المحضة، تلذّذ من الجمال المطلق الأتمّ، واستشعار بالكمال الأرفع الأهمّ، {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1)(1)، وفى مثل هذه المرتبة تتحد الحقيقة والفعل والفاعل وحينئذ يقصر القلم عن البيان، ويكلّ اللّسان عن الكلام.

وحيث لا يجد المدّعون لعبودية الله تعالى هذا المقام في أنفسهم، ويعترفون بعدم وجدانهم له، فلابدَّ أن يعترفوا بعدم وجدانهم لمقام العبودية المحضة، فإنّ عدم المعلول يكشف عن عدم العلّة، وكيف يصل أحد إلى هذا المقام وهو منغمر في الشهوات وأليف الغفلات .

وإنبما يعبد العابدون أهواءهم النفسانية التي أفنوا جميع حيثياتهم وشؤونهم فيها{ أرَأَيْتَ مَن اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}(2)(2).


1) سورة السجدة : الآية 17

2) سورة الفرقان : الآية 43.

العبودية

والعبودية الحقيقيّة هي التي تظهر آثارها على العبد، فلا يصدر منه معصية، ولا يخطر في باله غير رضاء الربّ، وفيها قال الإمام علي علیه السلام: «أعبد الله كأنَك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك واحذره أن يراك حيث نهاك».

وإنّها إذا استولت على القلب، فلا يشغله شاغل من الشواغل المادَية الدنيوية، ولا يمنعه مانع من الإنفاق في سبيل الله تعالى فإنّ الخلق كلَّهم عيال الله عزّ وجلّ. والعبودية الحقيقيَة إضافة بين المعبود والعابد ، وهي دواء لجملة من الأمراض النفسانية الروحانية، وفيها سرّ الخلوص والإخلاص.

والعبد يبذل المال اليسير والإنفاق في سبيل الله، يرتبط بذلك مع عالَم لا نهاية العظمته، ولا حدّ لجهة من جهاته، فيتضاعف بنفس الإضافة التشريعيّة أضعافاً مضاعفة، لا في الدُّنيا فحسب، بل في كلّ عالَم يظهر فقر الإنسان الذاتي من كلّ جهة، ولو أردنا بيان الأدلّة السمعية والشواهد العقلية لطال المقام.

فالإنفاق إمّا لأجل حبّه من حيث هو كمال للإنسان، كان الإنسان جواداً بنفسه، أو لأجل رضاء الله تعالى، أو لأجل حبّ المنفق عليه حبّاً يرجع إليه عزّ وجلَّ، فجميع ذلك يرجع إلى نفس العبد المنفق، ويكون كمالاً له، ويستكمل به استكمالاً حقيقيّاً تتبعه السعادة الأبدية، وهى غاية خلق الخليقة وتلزم ذلك السعادة الدنيوية والكمال الدنيوي الزائل، فلا استكمال إلا بالإضافة إلى الحيّ القيُّوم، وكلّ من أهمل ذلك، أهملغاية خلقه، وسعى في تعطيلها وتضييعها.

والإضافة إلى الله تعالى لابدّ أن تكون عن طريق الوحي المبين المنزل على سيّد المرسلين، كما أنّ أصل العمل المضاف إليه يجب أن يكون كذلك، وإليه تدعو جميع الآيات والسنّة المقدَّسة والأدلّة العقلية.

وبذل المحبوب في مرضاة المحبوب، من طرق إثبات خلوص المحبّة وصفاء المودّة، ويتضاعف ذلك حسب تضاعف عظمة المبذول له، وأهميّة الوصول إلى قربه ورضوانه، ونفس هذه الإضافة توجب للباذل درجة رفيعة مع قطع النظر عن سائر الجهات، ولذلك أجمل سبحانه وتعالى قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }(1)(1)، فالعين موجودة عنده سبحانه وتعالى، ولا يعقل فناؤها لكن مع إضافات لا تتناهى، وكلّ ما ورد فيه من التحديد، فإنّما هو بحسب موجودات هذا العالَم، لا بحسب ، الواقع الذي يُطلق عليه ( عند الله )، أو (عند الربّ )، ولا معنى للربوبية العظمى إلا تربية ما يصل إليه بما يليق به.

وأما الملكية، والمالكية، والاختصاص، فإنّها إذا لوحظت بحسب هذا العالَم، فهي قابلة للتغيُّر والتبدّل ، ولكن الإضافة الواقعية وهي سبيل الله والحقّ المطلوب له باقية لا تزول، بل تنمو وتزداد بالعناوين الخارجية، ولا يحدّها الزمان والمكان ولا غير ذلك من ملابسات الفعل.

ولذلك فكلّ إنفاق يصدر عن غير ذلك، ولا يقصد به الحق المتعال، يكون من ترجيح المرجوح على الراجح الذي هو قبيح عقلاً، ولا نصيب للفاعل منه في الآخرة فقد ذهب المال وبقي الحسرات(2)(2).



1) سورة البقرة الآية 110 .

2) مواهب الرحمان : ج 4 / 261.

التفكّر

والفكر : قوة مودعة في الإنسان توجب العلم بما يُراد، وبها امتاز عن سائر المخلوقات، والتفكُّر إعمال تلك القوّة، وقد ورد في الكتاب العزيز والسنّة الشريفة الاهتمام الكبير بإعمال هذه القوّة، التي هي من أعظم ودائع الله جلّ جلاله في هذا العالَم، ففي الحديث عن نبيّنا الأعظم صلی علی علیه وآله :« تفكّر ساعة خيُر من عبادة سبعين سنة». وسيأتي في الآيات المناسبة ما يتعلّق بذلك.

وفي الآية حثّ للإنسان على البحث عن حقائق الموجودات وأسرار الطبيعة، والتفكُّر في أمور المبدأ والمعاد، وجميع ما هو مرتبط بمصالح الإنسان من حيث سعادته أو شقاوته، وكشف المعارف والعلوم، وترغيب له في أن لا يأخذ شيئاً إلا بعد التروّي والتفكّر فيه.

ثمّ إنّه لم يرد في القرآن الكريم بالنسبة إلى الفكر المطلوب له تعالى إلا لفظ التفكُّر ، والغالب اقترانه بالآيات ،ومثل هذا التأكيد لا ينبغي أن يكون مورده الزائل الفاني، والحادث المتغيّر، بل يقصد القرآن من ذلك أن يستعمل الفكر فيما هو الأصلح والأنفع للإنسان في الدّنيا والآخرة، وهو جميع العلوم والأمور المرتبطة بالمبدأ والمعاد، فإنّ التفكّر فيهما يدعو الإنسان إلى اختيار الطريق المستقيم، وما هو سبب لنجاته من أهوال المعاد، كما يدعوه إلى اتّباع رشده والإيمان بالله تعالى، وما أنزله على الأنبياء والمرسلين، والعمل بما هو الصلاح له في الدّارين، وهذا هو

التفكير الصحيح الذي تدعو الكتب السماوية والسنّة الشريفة(1). (1)

وقال رحمه الله له في موضع آخر:

والفكر من أهمّ خصائص الإنسان وبه ينتظم شؤونه، ويقوم نظام الدّنيا والآخرة، وقد حنّت الكتب الإلهية الناس إلى التفكّر والتدبّر، ووردت مادّة (فكر) في القرآن الكريم في أكثر من ستّة عشر موضعاً، جميعها تدلُّ على عظمة هذه النّعمة الربّانيّة والموهبة الإلهية، وهي من الحقائق المعدودة التي يجهلها الإنسان لحد الآن، وإن عرف مفهومها فهو من الأمور التي:

مفهومها من أعرف الأشياء و كُنهها في غاية الخفاء

والمعروف بين الفلاسفة أنّه توجّه النفس بمبادئ معلومة، ليستنتج منها نتائج مطلوبة، تترتّب عليها قهراً، وهل هذا الترتّب من قبيل الأسباب التوليدية، أو أنّه من مجرّد الاقتضاء كما في جميع المقتضيات، أو أنّه عملية كيمياوية كما يدّعيها المادّيون، أو أنّه من مجرد الاتّفاق من دون دخل للأسباب في البين، أو أنّه من الإفاضات الغيبيّة حفظاً للنظام وتسهيلاً على الأنام؟

قال بكلّ جمع من الفلاسفة، وإن كان الحقّ هو الأخير، فتكون النتائج الفكرية كالمصابيح الكهربائية التي لا تضيء إلا مع الاتصال بأسلاك تربط بالمحل المولّد لتلك القوّة، وفي الفكر لابدّ من الاتصال بالمبدأ الفيّاض ولكن لا يمكن لأحد إنكار أنّ بعض الأقسام منها تكويني بديهي الإنتاج، وهذا لا ينافي ما ذكرناه، ففي مثل المقام التفكُّر في خلق السماوات والأرض، يورث التذكّر والإذعان بأنّها حادثة، وكلّ حادث يحتاج إلى مؤثّر ، والمؤثّر هو الله تعالى؛ ولأنّ


1) مواهب الرحمان : ج 3 / 330

العلة

فيها بدائع من النظم العجيب والإبداع الفريد والأسرار والدقائق والرموز والحكمة، التي لا يمكن أن تصدر إلا عن عليم حكيم ، فلابدّ أن يكون الخالق عليماً حكيماً متّصفاً بصفات الجمال والجلال وهذا النحو من الاستدلال يُسمّى عندهم بالبرهان الإتّي، أي العلم من المعلول بالعلّة، ويقابله البرهان اللّمي أي العلم من العلةّ بالمعلول، والقرآن الكريم مشحون بالقسمين، ويأتي في قوله تعالى: {قَالَ رُسُلُهُمْ أفي اللهِ شَكٍّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبَكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَان

يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبين}،(1)(1)بعض الكلام إن شاء الله تعالى.

وفي كلمات المعصومين الشيء الكثير من ذلك ؛ قال علىّ بن الحسين علیهما السلام :

«بك عرفتك وأنت دللتني عليك، ودعوتني إليك، ولولا أنتَ لم أدْرِ ما أنتَ». وقال علیهم السلام أيضاً: «وإنَّ الراحل إليك قريب المسافة، وإنّك لا لا تحتجبُ عن خَلْقِك إلا أن تحجبهم الأعمال دونك». وسئل عن بعض الأولياء فقيل له: ما قدر المسافة بين العبد ومعرفة الله تعالى؟

قال علیه السلام: «قدمان؛ قدم يضعها على الممكنات، وقدم يضعها في مقام العرفان». وسئل آخر عنها ؟ فقال علیه السلام : «قدم واحدة يضعها على نيّة نفسه، يتجلّى له ربّه،

فإِنَّ مَنْ عرف نفسه فقد عرف ربّه».

والبحث في ذلك طويل عقلاً ونقلاً، وعرفاناً وشهوداً.

ويستفاد من الآية المباركة، الترغيب إلى التفكّر والتدبّر، وفي الحديث عن نبيّنا الأعظم صلی علی علیهم وآله :« تفكُّر ساعة خير من عبادة سبعين سنة».


1) سورة إبراهيم : الآية 10 .

كما أن المستفاد الأدلّة الدالّة على حسن التفكُّر ، والحثّ على أن التفكُّر الحَسَن المرغوب إليه لابدَّ أن لا يكون منهيّاً عنه شرعاً، ففي الحديث: «تفكّروا في آلاء الله تعالى، ولا تتفكّروا في الله تعالى».

وفي حديث آخر: «تفكّروا في الخلق ولا تتفكّروا في الخالق»؛ فإنّ التفكّر في المبدأ تعالى، لابدّ أنّ يكون من جهة خلقه وصفاته الفعلية، وأمّا التفكّر في ذاته المقدّسة، وصفاته التي هي عين ذاته، فلا يفيد إلا تحيّراً، بل ربَّما ضلالاً، وقد ورد في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى}(1)(1)، أنّه إذا انتهى الكلام إلى الله تعالى فامسكوا.

وأمّا النظر والتفكُّر في ما هو منهيُّ عنه شرعاً، فلا يكون منتجاً، بل إنّ تسميته بالفكر مجاز، لأنّه في الحقيقة وهم باطل، أو النكراء أو الشيطنة أو من إيحاء الشيطان؛ قال تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذكر اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ كَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِن أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }(2)، (2)فلابد للمتفكّر أن يتأمّل في مقدمات فكره ،بأن لا تبتني على الأوهام والخيالات وإلا فيحرم من الفيض الأقدس الإلهي ، ويكون من الذين كان للشيطان عليه سبيلاً، وكلّ ما كان الفكر بريئاً من الخيال والأوهام ، وخالياً من الوسوسة، كان

إلى الواقع أقرب ، وإلا فإنّه يؤدّي إلى اختلال القوّة الفكرية، وانطفاء هذا النور الإلهي الذي أودعه الله تعالى فى الإنسان، فلابدّ من أن يلتمس سبباً صحيحاً إليه،


1) سورة النجم : الآية 41

2) سورة الأنعام : الآية 121 .

وهذا من شؤون الأنبياء والمرسلين ، ومَن يقوم مقامهم، فإنّهم يستنيرون بنور الله تعالى، كما في الحديث: «اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله » (1). (1)



1) مواهب الرحمان : ج 7 / 171 .

الذّكر

من أجل مقامات العارفين مقام الذكر ، بل هو من أعظم مظاهر حبّ لحبيب لمحبوبه ، فإنّ «من أحب شيئاً أكثر من ذكره»، ومن علامات الحبيب الاستهتار بذكر حبيبه، وقد قالوا: «إنّ المحبّ إذا صَمَت هلك، والعارف إذا نطق هلك»، لأن الأول مجبولّ على ذكر الحبيب، والثاني مأمور بستر الأسرار، ونسب إلى سيّد الساجدين علیه السلام:

يا ربُ جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت مٍمَّن تعبد الوثنا

والذكر - عندهم - على أقسام ثلاثة:

الأول: ذكر اللّسان المستمدّ من القلب.

الثاني : ذكر القلب مع عدم حركة اللسان، ويسمّى مناجاة الرُّوح والاستجماع للمذكور بالكلّية، وهذا ذكر الخواصّ.

الثالث: ذكر السرّ، ومعناه غيبة الذاكر في المذكور - في الجملة - فكأن المذكور يكون هو الذاكر، وهذا ذكر أخصّ الخواص. ومثَّلوا لكُلِّ ذلك بأمثلة

مذكورة في محالها .كما بيّنوا لكلّ واحد منها ثمرات ونتائج.

ولو أضفنا إلى ما ذكروه من الأقسام، ذكر عامّة الناس الذي يقوم بالجارحة اللّسانية فقط من دون استمداد من القلب، تصير الأقسام أربعة ولعلّهم لم يذكروا هذا القسم لتنزّههم عن مثل هذا الذكر.

ثمّ إنَّ ذكر الذاكر إنّما يتقوّم بحبّه للمذكور، ولولاه لم يذكره، والمذكور قد

يحبّ الذاكر، قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }،(1)(1)بل حبّه لجميع خلقه ممّا أثبتته الأدلة العقلية كما برهن في الفلسفة الإلهية - والنقلية، فيقع التجاذب في البين لكلّ الحبيبين.

وبعد تحقّق مراتب الحضور بينهما ، كيف يتحقّق التخالف ؟! لأنَّ ذكر الحاضر من تمام الجهات قبيحُ، قال الشاعر:

أما ترى الحق قد لاحت شواهده وواصل الكلّ من معناه معناكا

والبحث نفيس جدّاً لو وجدتُ لهذا العلم الشريف حملة (2) . (2)


1) سورة آل عمران : الآية .31

2) مواهب الرحمان : ج 2 / 159 . وللتوسعة لاحظ المبحث التالي

التقرّب والإفاضة المعنوية والذّكر

أثبت الفلاسفة المتألّهون أنّ السُّبل وما يوجب التقرّب إلى الله تعالى، ويوصل إلى الحقيقة والكمال، ويستلزم البُعد عن الأوهام والجهالات كثيرة جدّاً، بل وهي غالبة على طرق الضلال والإغواء، لما أثبتوه في محلّه من أن الحقيقة فائقة على غيرها ، وأنّ الواقع غالبُ على الأوهام والخيالات مهما بلغ أو طال الزمان.

وقد ذكر القرآن تلك السُّبل الموصلة إلى الحقّ والحقيقة، وأكد عليها بأمثلة كثيرة، وبعبارات مختلفة.

وأهمّها مخالفة النفس عن الهوى، والصبر في جنب الله تعالى، والتفكّر في عظمته جلّ شأنه، بل إنّ العبادات كلّها ليست إلا طرقاً شرعية لتزكية النفس وترقيتها، حتّى يتأهّل العبد للإفاضة عليه منه تعالى، وتحصل اللياقة له للتقرّب بساحته جلَّ شأنه بنبذ الجهات الإمكانية، فإنّ الفطرة قابلة للترقّي في عالم الشهادة أو في غيره إن لم تمنعه الموانع ، فلابدَّ في الإفاضة من الأهلية وإن اختلفت شدّةً وضعفاً، لقاعدة التناسب التي أثبتها المتألهون من الفلاسفة، وتدل ّعليها آيات شريفة، يأتي التعرّض لها إن شاء الله تعالى الروايات كثيرة.

وللإفاضة مراتب غير متناهية لا يمكن تحديدها؛ لأنّ الذات المفاض منها غير متناهية، وكذا صفاتها التي منها الإفاضة، قال تعالى:{ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً }(1)، وقال


1) (1) سورة الكهف : الآية 109 .

تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(1) (1)، وكذا تختلف لياقة المفاض عليه حسب إيمانه أو دركه ، أو أن الذوات تختلف - لا على سبيل سلب الاختيار عنه - وغير ذلك.

ولا تختصّ الإفاضة بعالم دون آخر، فهي تكون في جميع العوالم، عالم الشهادة، وعالم البرزخ، وعالم القيامة، وإن ناقش بعضهم في الإفاضة في عالم البرزخ، ولكّنها غير صحيحة، لما يأتي في محلّه. بل يمكن ابتناء مسألة الخلود على الإفاضة ، لأن التنعّم في الجنّة عناية ولطف وإفاضة منه تعالى، فلا يمكن تحديده لا كمّاً ولا كيفاً ولا زماناً لما تقدَّم، فيتحقّق الخلود لا محالة، كمّا أنَّ بُعد النفوس الشريرة عن النفوس المقدّسة بالتقابل والفاصل بينهم وبين المتّقين، والتباعد بين المؤمنين والكافرين، نعمةٌ ولطفُ وعناية للمؤمنين، فلابُدَّ وأن تكون غير محدودة أيضاً، فيتحقّق الخلود في النار، وإنّ كان دخول أصل النار من باب الجزاء قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَن مُؤَذَنَ بَيْنَهُمْ أَن لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} (2)،(2)وقال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ }(3).(3)


1) سورة لقمان : الآية 27 .

2) سورة الأعراف : الآية 44 .

3) سورة الأعراف الآية 50.

والإفاضة تارةً عامّة كالرّزق والخلق وغيرهما.

وأخرى: خاصّة، وهي ما يُفاض على الإنسان لأجل إيمانه وأعماله الصالحة، حسب الشرع.

ولكلّ منهما مراتب، كما مرّ.

وثالثة: أخصّ، وهي تخصّ الأولياء والأنبياء حسب درجاتهم، فعن نبيّنا أعظم صلی علی علیهم وآله وسلم أنّه قال: «أبيتُ عند ربّي فيطعمني ربّي ويُسقيني».

ومن أهمّ أسباب الإفاضة والتقرّب إلى الله تعالى ،الأذكار الواردة عن الأئمة الهُداة علیه السلام، المنتهية إلى الوحي من السماء ، وهي كثيرة مذكورة في محلّها. وأهمّها الاستغفار الموجب محو الذنوب، ورفع الدرجات، بل قال نبينا الأعظم صلی علی علیهم وآله انّه من خير العبادة، ففي الكافي بإسناده عن الإمام الصادق علیه السلام قال:

«قال رسول صلی علی علیهم وآله : الاستغفار وقول لا إله إلا الله خير العبادة»، وقال الله العزيز الجّبار{ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبك }، (1)(1)ولذا كان رسول الله صلی علی علیهم وآله وسلم يواظب عليه.

فعن الإمام الصادق علیه السلام:« أنّ رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم كان لا يقوم من مجلس وإن خفت حتّى يستغفر الله خمساً وعشرين مرّة».

وله آثار معنوية منها صفاء النفس؛ فعن مولانا الإمام الصادق علیه السلام : «إن للقلوب صدأ كصدأ النحاس فاجلوها بالاستغفار»

وعنه علیه السلام أيضاً: «إذا أكثر العبد من الاستغفار رفعت صحيفته وهي تتلألاً ».

و آثار خارجية كما عن بعض مشايخنا العرفان، وتدلُّ عليه فيروايات كثير


1) سورة محمّد صلی علی علیهم وآله وسلم الآية .19

فعن نبيّنا الأعظم صلی علی علیهم وآله وسلم: من كثرت همومه فعليه بالاستغفار ».

وعن الإمام الصادق علیه السلام : «من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كلّ هم فرجاً، ومن كلّ ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب ».

والاستغفار كسائر الأذكار الشريفة على أقسام ؛ فتارة باللسان فقط، وأخرى بالقلب، وثالثة بهما، والأخير من أجلّ المقامات، وبه يحصل بعض المكاشفات حسب مراتب التوجه والتأهّل.

ولعلَّ تأكيد الآية المباركة باستغفار الرِّسول لهم، لأجل حصول الاستعداد والأهلية بسبب الاستغفار والرجوع إليه تعالى بنبذ النفاق، حتّى يفيض عليهم ما يوجب كمالهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة (1).(1)


1) مواهب الرحمان ، ج 411/8.

الصلاة

من أسباب تزكية النفس ورقيّها «الصلاة»، بل هي من أهمّها وأسماها، لمّا علم الله تعالى من وجود الشره المؤدّي إلى الهلاك والخسران في الإنسان، جعل الطاعات والعبادات - خصوصاً الصلاة - صوناً للنفس وحفظاً لها عن الهلاك والخسران بل لرقيّها إلى مراتب الكمال، ففي الحديث: «ما افترض الله على خلقه بعد التوحيد شيئاً أحبّ إليه من الصلاة، ولو كان شيء أحبّ إليه من الصلاة تعبّد به ملائكته؛ فمنهم راكع وساجد وقائم وقاعد». فيها يزول الدنس - كما في بعض الروايات - وأنّها مطهّرة للقلوب من المساوئ والعيوب، وبها تفتح أبواب الغيوب، وبها تطمئن القلوب، وبها ترفع الدرجات، وفيها المناجاة برفع الأستار ، وتتسع فيها ميادين الأسرار، وبها تشرق شوارق الأنوار ، وبها تُزال الحُجُب والأستار بالقرب إليه، وبها تصفو المحبّة من كدر الجفاء، ويتّصل المحبّ مع حبيبه في محلّ الصفا .

ولقد علم الله تعالى ضعف الإنسان ووساوس الشيطان، فقلُّل أعدادها، وفرض في ليلة المعراج خمس صلوات في خمس أوقات بشفاعة نبينا الأعظم صلى الله علیه وآله وسلم وهذا لعوام ،الخلق، وإلا فالعارفون من الخواصّ: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ} (1)(1)منحهم ديمومة الصلاة من الأزل إلى الأبد، وهذا لا يدرك بالعقول القاصرة المشوبة بالمادّة الزائلة، فلا يعقلها إلا العالمون بالله تعالى.


1) سورة المعارج : الآية 23.

وإنّ المقصود والأثر المطلوب من إقامة الصلاة معنويتها لا مجرّد وجودها وشبحها، فإنّ الإقامة هي الإكمال والإتقان، يُقال: «فلان أقام داره» أي أكملها، وجعل فيها كلّ ما يحتاج إليه. وإنَّ إقامة الصلاة تعديلها من جميع الجهات بالتوجّه فيها إليه تعالى ، والتقرّب بها لديه جل شأنه، وحفظ أركانها وشرائطها حتّى تترتّب آثارها - فليس كلّ مصلٍ مقيم ، وكم من مصل ليس له من صلاته إلا التعب، وفي بعض الأحاديث: «مَن لم تنه صلاته من الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بُعدا».

وعن نبيّنا الاعظم صلى الله علیه وآله وسلم:« إذا صلّى العبد فلم يتمّ ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها لُفّت كما يُلفّ الثوب الخَلقٍ ثمّ يضرب بها وجهه».

فالمصلون كثيرون، والمقيمون قليلون، وأهل الأشباح كثير ، وأهل القلوب وأرباب المعرفة قليل.

والتعبيرات الواردة في القرآن الكريم، في مدح المصلّين أكثرها وأغلبها جاء بلفظ الإقامة، أو بمعنى يرجع إليها، قال تعالى: {الذينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}،(1) (1)وقال تعالى حكاية عن إبراهيم علیه السلام : {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ }(2)(2)، وقال تعالى: {وَأَقَامَ الصَّلاةَ }، (3)(3)ولمّا ذكر المصلّين بالغفلة ، قال تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} ، (4)ولم يقل سبحانه وتعالى


1) سورة البقرة : الآية 3

2) سورة إبراهيم الآية 40 .

3) سورة التوبة : الآية 18

4) (4) سورة الماعون الآية 5 .

فويلّ للمقيمين الصلاة ،وفي الحديث: «إنّ العبد إذا قام إلى الصلاة رفع الحجاب بينه وبينه ،وواجهه ،بوجهه، وقامت الملائكة من لدن منكبه إلى الهويّ يُصلّون بصلاته»، إلى غير ذلك من الروايات.

والتوجه أو الخشوع فيها على مراتب:

الأولى: خشوع خوف وإذلال وانكسار لعظمته وقهّاريته، وهي للعبّاد الزهّاد.

الثانية: خشوع تعظيم وهيبة وإجلال، وهي للمتّقين الأبرار.

الثالثة: خشوع فرح وسرور وإقبال، وهي للمقربين العارفين ويسمّى هذا المقام بقُرّة العين، قال تعالى:{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنِ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1). (1)

الرابعة : الجمع في مقام الجمع، وهذه تختصّ بالأولياء والمقربّين فيها تتمّ التصفية، وتظهر المحبّة، وتفتح الأبواب، ويرتفع الحجاب، فتخرج الروح من ضيق الأشباح إلى فضاء الكمال في عالم الأرواح ، أو من ضيق المُلك إلى سعة عالم الملكوت.

ولا شكّ أنّ إمداداته وإفاضاته جلَّت عظمته غير محدودة بحدّ، ولا بزمان معيّن لصدورهما عن ذات غير المتناهي. نعم ،ترد على العبد حالات خاصّة، وظروفاً معيّنة، يكون التوجّه فيهما إليه أشدّ وأكثر ، فلها آثار مخصوصة لنجح المقاصد وإنجاز المطالب.

منها حالة الصلاة، خصوصاً عند الانقطاع إلي-ه تعالى كالسفر والخوف والمرض وغيرها، ولأجل ذلك ورد الاستعانة بها وقالوا :«إن الصلاة لا تسقط في


1) سورة السجدة : الآية 17

أي حال» لأنّه لابدّ للعبد من حفظ الصلة بينه وبين ربّه، وبها تتمّ المحبّة وتحصل المودّة (1). (1)

وسيأتي المزيد عن الصلاة في البحث التالي.



1) مواهب الرحمان : ج 9/256 .

الصلاة والإخلاص والرياء

لا بأس بالإشارة إلى أمور:

الأول: لا ريب في أنّ الإنسان مركّب من أمرين :روح وقوى روحانية يكون من عالم الغيب والروحانيِّين، وجسم وقوى جسمانية تكون من عالم الأجسام، فالتئما برهة من الزمن لمصالح كثيرة ، فكما أن للجسم والقوى الجسمانية حوادث وآفات وأمراض، كذلك للروح والقوى الروحانية أيضاً، بل أمراضه أكثر بمراتب من أمراض الجسم ، لوقوعه بين جندين عظيمين من جنود الرحمان وجنود الشيطان، يدعوهما الأولى إلى التقرّب إلى الله تعالى والتخلق بأخلاقه، وامتثال ،أوامره، واجتناب نواهيه، والسعادة الأبدية، وتحرصها الثانية إلى الفساد والإفساد والشقاوة الدائمية، فيكون الروح الإنساني لكمال أهمية معركة الحرب العجيبة بين الجنودين العظيمين دائماً ، فكما أنّ للأمراض الجسمانية أطبّاء وأدوية خاصّة، للأمراض الروحانية أيضاً أطبّاء، أعني الأنبياء والمعصومين، والعلماء العاملين المبلّغين عنهم علیه السلام ، وأدوية خاصّة أهمّها العبادات بأنحائها المختلفة.

ومن أهم تلك العبادات وأفضلها الصلاة بشروطها ، فهي أحسن درجات سعادة الإنسان وأكملها، حتّى لقد اشتهر (إنّ الصلاة معراج المؤمن)، فكما أنّ معراج الأنبياء والمرسلين الانقطاع عن العلائق بالكلّية، والتوجّه إلى ربِّ الخلائق من كلِّ جهة، فيفيض عليهم ربِّهم ما يُغنيهم عمّا سواه من الكمالات والمعارف، فلابد وأن يكون صلاة المؤمن أيضاً فرعاً من فروع ذلك الأصل الأصيل، وغُصناً من أغصان

تلك الشجرة التي ليس لها نظير ومثيل، فلابد حين التوجّه إلى حضرته تعالى بالصلاة ،من الالتزام بالجهات الدينيّة، والخلوّ عن العلائق الدنيوية، ودفع الأنجاس نفسه الظاهرية منها والباطنية، ويتطهّر من دنس الذنوب والأخلاق الذميمة، حتّى تترتّب على صلاته الفوائد التي جعلها الله تعالى في الدّنيا والآخرة، التي منها الارتداع عن الفحشاء والمنكر. ويقبح كلّ القبح على من يحضر في اليوم والليلة خمس مرّات لدى مالك الملوك الرّحيم الودود ، ومصدر الجود والكرم والإفاضة، ولا يستفيد منه شيء ويرجع صفر الكفّ..

الثاني: حيث أنّ الصلاة أفضل القرب وأحسن العبادات، يتعلّق بها من الأحكام التكليفيّة والوضعية وسائر الجهات كثيرة جدّاً، حتّى قال مولانا الإمام الرضا عليه السلام : «الصلاة لها أربعة آلاف باب»، وعن الإمام الصادق علیه السلام «للصلاة أربعة آلاف حدّ».

وقد فسّر العلماء هذين الحديثين، فعن الشهيد : «إنّ المراد بهما الواجبات والمندوبات، فجعل الواجبات ألفاً تقريباً، ووضع لها كتابه الذي سمّاه ب-(الألفية)، والمندوبات ثلاثة آلاف ووضع لها كتابه الذي سمّاه ب-(النفلية)».

ولكن عن شيخنا الحرّ العاملي في كتابه ( بداية الهداية): إنّ الواجبات في الفقه بأجمعه ألف وخمس وثلاثين، والمحرّمات ألف وأربع مائة وثمانية وأربعين. فراجع وتأمّل في الجمع بينهما.

كما أنّ الدسائس الشيطانية ووساوسه بالنسبة إلى الصلاة أكثر من كلّ عبادة، فلابدّ وأن يهتمّ بدفعها اهتماماً بليغاً.

الثالث : الخلوص والإخلاص، وحضور القلب، وإقباله في الصلاة وسائر

العبادات روح العبادة وحقيقتها التي قوامها ،وبانتفائها تكون كجسد لا حياة فيه، وقد أمر الله تعالى بالإخلاص ومدح المخلصين في جملة كثيرة من الآيات. والإخلاص تارةً يكون بالنسبة إلى أصل التوحيد وأخرى بالنسبة إلى العمل العبادي.

وقد ورد عن أبي عبدالله عليه السلام تفسير كلّ منهما، فقال عليه السلام في خبر ابن حمران: «من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنّة، وإخلاصه أن يحجزه لا إله إلا الله عمّا حرّم الله ..

وقال علیهم السلام: «والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عزّ وجلّ».

ثمّ إن ثمرة الإخلاص والخلوص، تظهر في الدنيا والآخرة، وقد روى الفريقان عن النبي صلی علی علیهم وآله وسلم: «من أخلص الله أربعين يوماً فجُر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ».

وقال الإمام علي علیهم السلام «بالإخلاص يكون الخلاص».

وقال علیه السلام أيضاً: «وتخليص النيّة من الفساد أشدّ على العاملين من طول الجهاد». وإطلاقه يشمل الخلاص عن جميع المتاعب والمهالك الدنيوية والأخروية.

وقد ورد الترغيب إلى الخلوص والإخلاص في الكتاب والسنّة بما لا يحصى، ويمكن إقامة الدليل العقلي على لزومه، لأنّه من أهم مصاديق شكر المُنعم، وأهمّ العلاجات في الأمراض الروحية، وأسرع طريق لكشف الواقعيات عليه. وقال أبو عبد الله عليه السلام : «أفضل العبادة الإخلاص، وأدنى مقام المخلص في

الدُّنيا السلامة من جميع الآثام، وفي الآخرة النجاة من النار، والفوز بالجنة».

وفي الخطبة المتواترة عن النبي صلی علی علیهم وآله وسلم بين الفريقين، التي خطب بها في مسجد الخيف بمنى في حجّة الوداع:

«نَضَر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، ثمّ بلّغها إلى مَنْ لم يسمع ، فرُبَّ حامل فقهِ إلى غير فقيه، ورُبِّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغلّ عليهنَّ قلب امرء :مسلم: إخلاص العمل الله ،والنصيحة لأئمّة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإنَّ دعوتهم محيطة من ورائهم، المسلمون إخوة تتكافأ دمائهم يسعى بذمّتهم أدناهم، وهم يدّ على مَنْ سواهم».

وعن مولانا الإمام العسكري علیه السلام : «لو جعلت الدُّنيا كلّها لقمة واحدة ولقمتها مَنْ يعبد الله خالصاً لرأيت أني مقصر في حقّه».

ولو أردنا أن نتعرّض لما ورد في الإخلاص في الكتاب والسنّة وبيان فوائده الدنيوية والأخروية لاحتاج إلى وضع كتاب مستقلّ.

ولابدّ للإنسان أن يهتمّ بدفع الأمراض الروحانية المحيطة به من كلّ جهة، والتي أفسدت عليه دينه ودُنياه، وأظلمت الفضاء عليه، وانقطعت الأخوّة بيننا، كاهتمامه بدفع الأمراض الجسمانية بأيّ وجهِ أمكنه، مع أنّ العلاج موجود بين أيدينا، وسهل يسير علينا تناوله، وأبوابه مفتوحة على الجميع؛ ألا وهو ألا وهو الخلوص والإخلاص في أعمالنا خصوصاً التي هي وديعة الله تعالى لدينا.

الرابع : أهمّ الموانع عن حصول الخلوص والإخلاص، حبّ العلائق الفانية الدائرة التي تحيط ببني آدم إحاطة الدُّنيا بأبنائه، وقد جمع ذلك كلّه النبيّ الأعظم صلی علی علیهم وآله وسلم فى قوله: «حبُّ الدُّنيا رأس كل خطيئة»، فالإخلاص والخلوص مع حبّ

الدُّنيا متنافيان، ولكن حب الدُّنيا على قسمين:

أولها :ما يكون بنحو الموضوعية.

والثاني: ما يكون بنحو الطريقيّة، يعني يحبّها؛ لأن يعمل بها في طريق مرضاة الله تعالى، وهذا القسم لا بأس به، بل قد يؤيّد حصول الخلوص عصمنا الله عزّ وجل من القسم الأوّل.

الخامس : العوالم التي نردُّ عليها، إما عالم الشهادة، أو عالم الغيب، والأخير بالنسبة إلينا غير متناهية، وأما بالنسبة إلى الله عزَّ وجلَّ فلا تعدّد في البين لحضور ما سواه لديه تعالى فوق ما نتعلّقه من معنى الحضور ، وشهوده للكلّ فوق ما ندركه من معنى الحضور.

والخلوص والإخلاص في عبادة الله جلَّت عظمته، ارتباط مع عالم الغيب في الجملة، إذ الارتباط مع الملك والسلطان ارتباط، مع من يتعلّق وما يتعلّق به في الجملة، لاسيّما في الارتباط مع مالك الملوك، فيصير الإخلاص له تعالى إلى مرتبة يوجب صدور الكرامات و خوارق العادات على يد المخلصين له تعالى ويوجب عدم اقتدار الشيطان على الدنوّ منه ، {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (1)(1){إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانَ }(2)، لأن نسبة الشيطان إلى حرم الكبرياء، نسبة الكلب الواقف عند باب الدار، فيمنع الأغيار عن الدخول فيها، وأمّا أهل الدار فلا يقدر على منعهم، بل هم المسيطرون عليه، وتوجيهه لكلّ ما شاءوا وأرادوا.


1) سورة ص : الآيتان 82 83 .

2) (2) سورة الحجر : الآية 42 .

وبعبارة أوضح : الخلوص والإخلاص لله تعالى في الأعمال والحالات، کجواز سفر إلهي للسياحة في عوالم الغيب، وإتيان التحف منها إلى عالم الشهادة، بحسب مراتب الإخلاص وظرفية المخلص ، وهذا مقام عال جداً، ولذا تواترت نصوص الفريقين بما مضمونه «إنّ السعي في زيادة كيفيّة الأعمال أحسن من السعي في زيادة كمّيتها » و «أنّ السعي في تصحيح العقائد والأخلاق، أهمّ من السعي في الأعمال»، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلِ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً منثورا}ً. (1) (1)

وقال الإمام عليّ علیه السلام : «كم مِن صائم ليس له مٍن صيامه إلا الظماء والجوع وكم من قائم ليس له من قيامه إلا العناء، حبّذا نوم الأكياس وإفطارهم». وفي صحيح أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام : «مرَّ بي أبي - وأنا بالطواف وأنا حَدَثُ ، وقد اجتهدتُ في العبادة - وأنا أتصابُّ عرقاً، فقال علیه السلام : يا جعفر يا بُني ! إنّ الله إذا أحبَّ عبداً أدخله الجنّة، ورضي عنه باليسير».

ولو أردنا أن نأتي بالأدلّة العقلية والنقلية على ذلك، لاحتاج إلى وضع كتاب مستقلُ.

وقال علیه السلام في إقبال القلب في الصلاة :

للإقبال على الله تعالى وحضور القلب لديه، وكذا إخلاص العمل له درجات ومراتب متفاوتة، تدور تلك الدرجات مدار مراتب اليقين بالله تعالى، والإيمان به عزّ وجلّ، فهي من فروع ذلك الأصل.


1) سورة الفرقان : الآية .23

فمرتبة منه ما قاله رسول الله صلی علی علیه وآله وسلم:« من أسبغ وضوئه، واستغفر ذنبه، وأدّى النصيحة لأهل بيت رسول الله صلی علی علیه وآله وسلم فقد استكمل حقائق الإيمان، وأبواب الجنّة مفتحة له». هذا بالنسبة إلى بعض المراتب.

ومرتبة منه، ما قاله صلی علی علیه وآله وسلم أيضاً : «سكنوا فكان سكوتهم ذكراً، ونظروا فكان نظرهم عبرةً، ونطقوا فكان نُطقهم حكمةً ، ومَشَوا فكان مِشْيَهم بين الناس بركة، لولا الآجال التي كَتَب الله عليهم، لم تقرّ أرواحهم في أجسادهم، خوفاً من العذاب، وشوقاً إلى الثواب».

وبينهما مراتب دون الأولى وفوق مراتب الإيمان بالله تعالى الغير المتناهية، وما ذكر في الأخبار ، إنّما هو بحسب الغالب الواقع بين الناس لا بحسب الواقع، إذ لا تناسب للمتناهي مع غير المتناهي من جميع الجهات. وهنا أبحاثُ شريفة لا يقتضي الحال والمقام التعرّض لها».

وقال رحمة الله رجل في بحث الرياء :

في الرياء جهات من الكلام:

الأولى: تقدّم في نيّة الوضوء أنّ الرياء في العبادة حرام تكليفاً، بل من الكبائر؛ لإطلاق الشرك عليه، ولتوعيد النار به، وأنّ له جهة وضعية - مضافاً إلى الحرمة التكليفيّة - وهي كونه موجباً لبطلان العبادة.

الثانية: الشرك بالنسبة إلى الله تبارك وتعالى.

إما وجودي: بأن يُجعل شريك له جلَّ جلاله في مرتبة ذاته.

وإما فعليّ: بأن يُجعل شريك له تعالى في أفعاله.

وإمّا عبادي: بأن يُجعل شريك له في معبوديّته؛ وهو على قسمين:

فتارةً: يأتي بالعبادة لأجل عبادة غير الله تعالى، كما يعبد الله.

وأخرى: يأتي لإرائة الغير فقط من دون عبادته.

ولا ريب في أنّ كلاً منهما شرك، بل الأوِّل يوجب النجاسة، ولكن الرياء المبحوث عنه الفقه من قسم الأخير لمن يعتقد بوحدانية الله ذاتاً وفعلاً وعبادةً.

الثالثة: ظاهر الأدلّة حرمة الرياء نفسيّاً في الصلاة - وكل عبادة - كحرمة الغصب فيها ، وكحرمة لبس الذهب والحرير على الرّجال، ولو حال الصلاة ،فينتزع الفساد من الحرمة النفسية في العبادة، وعليه فإذا رآنا في العبادة الباطلة، أو أتى بالعبادة أولاً صحيحة، ثمّ أتى بعبادة أخرى ورأى فيها، لا يكون حراماً من جهة انتفاء موضوع الحرمة.

إلا أن يُقال: إنَّ موضوع حرمته مطلق العبادة، ولو كانت باطلة، فلو صلّى بلا طهارة، أو توضّأ بماء نجس مع العلم والالتفات ورأى فيها، فعل حراماً، ولكنّه مشكلُ؛ لأن ذات مثل هذا العمل لا يصلح للعبادية، حتّى يتحقّق فيه موضوع الرياء.

إن قيل : فعلى هذا لا وجه للحرمة والإثم، لأنّه بمجرّد حصول الرياء تبطل العبادة فلا يبقى موضوع للحرمة.

يُقال: موضوع الحرمة الصحّة التعليقية لا الفعلية من كلّ جهة.

الرابعة المشهور ، بل المتّفق عليه بطلان العبادة المرائي فيها. ونسب إلى المرتضى رحمة الله عدم ترتّب الثواب لا البطلان ،فإن كان مراده عدم البطلان حتّى مع فقد قصد القربة، فهو ضروري البطلان لتقوّم العبادة بقصد القربة عند كلّ أحد،

وهو رحمة الله علیه المعترف به، وإنّ كان نظره إلى أنّ الرياء من الضمائم التي لا تضرّ بقصد القربة، فإطلاق صحيح ابن جعفر، وخبر السكوني يرده، ففي الأول« قال رسول الله صلی علی علیه وآله وسلم: يؤمر برجال إلى النار - إلى أن قال - فيقول لهم خازن النار: يا أشقياء ما كان

حالكم؟

قالوا: كنّا نعمل لغير الله، فقيل لنا: خذوا ثوابكم ممّن عملتم له».

إذ كيف يمكن أن يكون العمل صحيحاً، ومع ذلك يوجب استحقاق النار لعامله ؟!

وفي الثاني، قال النبي صلی علی علیه وآله وسلم: «إنّ الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به، فإذا صعد بحسناته يقول الله عزّ وجل: اجعلوها في سجّين، إنّه ليس إيّاي أراد به»، وكيف يمكن أن يكون العمل صحيحاً، ومع ذلك أمر الله تعالى أن يُجعل في سجّين.

الخامسة : إنّ الرياء من الأمور القصدية المتقوّمة بالقصد ،والاختيار، وهو تارةً: يكون بإتيان العبادة بمجرّد إرائة الناس من دون قصد القربة.

وأخرى: يأتي بالعمل بقصد القربة، لكن بداعي أن يجعل نفسه عند الناس في عِداد الصالحين، أو لرفع الذمّ عن نفسه، أو لجلب خير الناس إلى نفسه، أو لمجرّد كونه في مجمع الناس، أو لمجرّد الشهرة بالعبادة، أو لغير ذلك من الأغراض. والذي يكون حراماً ويوجب بطلان العبادة، هو الأوّل دون البقية، مع تحقّق قصد القرية فيها، إذا كانت تلك الدواعى فى طولها لا فى عرضها بحيث ينافيها ولكن لا ريب في أنّها تنافي الإخلاص والخلوص، وإن صحّت العبادة بحسب القواعد الفقهية.

السادسة: مقتضى إطلاق بعض الأخبار - كصحيح ابن جعفر، وخبر السكوني - وإن كان تعميم الرياء بالنسبة إلى تمام الأعمال والحسنات مطلقاً، سواء من العباديات أو غيرها ، لكن مقتضى جملة من الاخبار الاختصاص بالعباديات ،ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال :

«لو أنّ عبداً عمل عملاً يطلب به وجه الله والدار الآخرة، وأدخل فيه رضا أحدٍ من الناس كان مشركاً».

وعن أبي عبد الله علیه السلام : «مَنْ عَمِل للناس، كان ثوابه على الناس، ومن عمل الله كان ثوابه على الله ».

فيستفاد منها اختصاص حرمة الرياء بخصوص العباديات.

السابعة : إذا كان الرياء فى العبادات المندوبة - بناءً على الحرمة الغيرية - تبطل ولا إثم على المرائي، وأمّا بناءً على الحرمة النفسية، مضافاً إلى الفساد تبطل مع الإثم، كما هو واضح، وقد استظهرنا الأخير من الأدلّة فراجع.

الثامنة: يمكن أن يكون بطلان العبادة المرائي فيها موافقاً للقاعدة إن كان الرياء في أي أصل إتيان العمل، لفقد قصد القربة حينئذ، وكذا إن كان في الجزء، وقلنا إنَّ فساد الجزء يسري إلى الكلّ؛ لأنّ المركّب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه إن اكتفى بالمأتى به، وإن أعاده بعنوان الجزئية من الزيادة العمدية المبطلة.

التاسعة: إذا شكَّ في حصول الرياء له أو لا، أو شكَّ في أنَّ الحالة الحاصلة له رياءُ أو لا، فمقتضى الأصل عدم تحقّق المانع وصحّة عمله، وإذا حصل حالة سرور بعمله، وحالة فرح بعباداته، أو فرح بأن يراه الناس مصلّياً مثلاً - فكلّ ذلك ليس من الرياء، لقول أبي عبد الله عليه السلام:

«من سرّته حسنته وسائته سيئته فهو مؤمن».

وعن أبي جعفر عليه السلام : «سُئل النبيّ صلی علی علیه وآله وسلم خيار العباد، فقال: الذين إذا أحسنوا استبشروا ، وإذا أساؤا استغفروا ، وإذا أعطوا شكروا ، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا غضبوا غفروا ».

وتكون مقيّدة لتلك المطلقات، مضافاً إلى أصالة الصحّة فى غير المتيقن من الدليل

العاشر: لا بأس بتحسين العبادة لترغيب الغير إليها، أو لغرض صحيح آخر، للأصل وخبر عبيد، قال:

«قلت لأبي عبد الله عليه السلام :الرجل يدخل في الصلاة فيجوّد صلاته ويحسّنها،

رجاء أن يستجر بعض من يراه إلى هواه ؟

قال علیه السلام : ليس هذا من الرّياء».

وعلى هذا لو كانت الصلاة في البيت - مثلاً - على نحو ، وفي الملأ بنحو آخر بداعي تعليم الناس، وترغيبهم إلى الاهتمام بالصلاة، أو لغرض شرعي آخر، لا بأس به، ولكن لابدّ من الحذر عن خدائع الشيطان، إذ المقام من مزالّ الأقدام. (1)



1) (1) مهذب الأحكام : ج 6 / 99

معنى فصول الآذان والإقامة

في معنى فصول الآذان والإقامة، وفيه أمور:

الأمر الأول: يتصوّر في افعل التفصيل - في جملة الله أكبر - وجوه، لأنّ حذف المتعلق يفيد العموم:

الأول : الله أكبر من أن تصل العقول إلى كنه ذاته، لأنّ اكتناه المتناهي من كلّ جهة للغير المتناهى المطلق محال.

الثاني: الله أكبر من أن يوصف ،لأنّ توصيفه تعالى كما هو حقّه غير ممكن للمخلوق.

الثالث: الله أكبر من أن يوصف بصفات الأجسام والجسمانيات، لأنّ ذاته المقدَّس فوق جميع مخلوقاته.

الرابع: الله أكبر من أن يتقرّب إليه بالعبادات المقرونة بموانع القبول التي هي كثيرة، ولابدّ من رفعها مهما أمكن ، ولكن الجواد الكريم ينظر في الهدية إلى قدر المُهدي، لا إلى عظمة نفسه، والمرجوّ منه تعالى ذلك، بل هو أولى بذلك الخُلق الكريم.

الخامس : الله أكبر من أن يطلق أسمائه وصفاته المقدَّسة على غيره تعالى بالمعنى الذي يُطلق عليه.

السادس : الله أكبر من أن يعبد غيره على ما يعبد به، ويمكن أن يتصوّر وجوه أخرى والكلِّ صحيح وبعضها منصوص».

148

الأمر الثاني: معنى الشهادات ، أمّا الشهادة بالتوحيد : فهو أنّي أعلم أنّه لا معبود إلا الله عزّ وجلّ، وكلّ معبود دونه باطل، وأقرّ بلساني كما في قلبي، وهكذا معنى الشهادة بالرسالة ، فتكون اعترافاً برسالته صلی علی علیه وآله وسلم في كلّ ما أتى به منه تعالى.

الأمر الثالث : معنى حيَّ على الفلاح، وحيَّ على خير العمل: توصيفُ للصلاة، وعبارة أخرى منها، وفي صحيح ابن أبي عمير:

«أنّه سأل أبا الحسن علیه السلام عن حيَّ على خير العمل، لٍمَ تركت من الأذان؟

قال: تريد العلّة الظاهرة أو الباطنة ؟

قلت: أريدهما جميعاً.

فقال: أمّا العلّة الظاهرة، فلئلا يدع الناس الجهاد اتّكالاً على الصلاة، وأمّا الباطنة فإنَّ خير العمل الولاية ، فأراد من أمَرَ بترك حيَّ على خير العمل من الآذان، أن لا يقع حثُّ عليها، ودعاء إليها ».(1)


1) (1) مهذب الأحكام : ج 6 / 35

الإخلاص

الأفعال الصادرة من الإنسان في حقيقتها - تكون كالأشياء النامية - لها صورة خارجية، وروحُ يمتاز بها عن أفعال سائر الحيوانات، فالإنسان الذي هو أشرف المخلوقات في عالم الإمكان مركّبُ، في واقعه من جسم وروح، و وروح ، وكذا أفعاله لها صورة - وهي عبارة عن ما يتشخّص في الذهن من الكيفيّات، وهذا يعمُّ جميع أفعال الحيوانات - وروح يتفرّد بها عن بقيّة الحيوانات، وهي أمرُ معنويُ يحصل من التوجّه إلى الباري جلَّ شأنه، والسوق إلى الخالق جلَّت عظمته - ولا ربط له بالإرادة - وأثره إفراد القلب له تعالى بارتباطه إلى ساحة كبريائه، والتبرّي عن كلّ ما دونه تعالى، وهو الباعث لتحقّق الإضافة إليه تعالى، التي هي السبب لتحقّق الفعل خارجاً، وإذا وجد الفعل بدونها، كان مجرّد صورة كالأفعال التعليميّة. ويعبّر عنه في الكتاب والسنّة بالإخلاص في الأفعال العبادية، أو المضافة إليه تعالى المتفرّد بها الإنسان عن غيره، قال تعالى:{ أنا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ إِنَّا فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} (1)(1)، وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ }(2).(2)فكما لا قيام للأشباح إلا بالأرواح، وإلا كانت ميّتة ساقطة، كذلك الأعمال العبادية، فلولا الإخلاص والرّوح المعنوي فيها، كانت مجرّد شبح وهيكل، ومراتب الإخلاص كدرجاتها تختلف حسب درجات الإيمان، كما يأتي.


1) (1) سورة الزمر : الآية 2 .

2) (2) سورة البينة : الآية 5

حقيقة الإخلاص

وهى من الحقائق المحجوبة ، ولا تعرف إلا بالأثر ، ولا يمكن وصفها وإن أدركها العرفاء الشامخون، فإنّها تشرق على القلب، وتنوّر النفس، ويتشرّف المؤمن بالإخلاص إلى أعلى مراتب الكمال، بلذّة ذلّ العبودية له تعالى، وبه يخرق الحُجب، ويصل إلى معدن العظمة.

فعن نبيّنا الأعظم صلی علی علیه وآله وسلم : «أنه سُئل عن الإخلاص، فقال صلی علی علیه وآله وسلم :حتّى أسأل جبرائيل، فلمّا سألته قال: أسأل ربّ العزّة، فلمّا سأله، قال له:

هو سرُّ من أسراري أودعه قلب مَن أحببت من عبادي، لا يطّلع عليه مَلكُ فيكتبه، ولا شيطان فيفسده».

وعن سيّد العرفاء أمير المؤمنين صلی علی علیه وآله وسلم :« هو أن تعبد الله كأنّك تراه».

فحقيقة الإخلاص يدركها الخُلّص من عباده، ولكنّها لا توصف، والإخلاص من أعلى مراتب التفويض.

درجات الإخلاص :

كما أنّ للعبودية درجات، ولكلّ منها مراتب، ولكلّ مرتبة منزلة حسب درجات الإيمان، ومراتب المعرفة ومنازلهما، وأنّ التقرّب لديه جلَّ شأنه يحصل

بجميعها، وأنَّ أسمى المراتب وأعلى الدرجات قبوله عزّ اسمه بالعبودية - وإن كان للقبول مراتب أيضاً - فإنّه هو الفوز العظيم، فعن بعض العرفاء: «قيل له بعد وفاته في الرؤيا - : كيف حالك مع المَلَكين (النكير والمنكر)؟ فقال لمّا قالا لي: مَنْ ربّك ؟ قلت لهما إسألا ربّي، فإن قال هو عبدي وأنا ربّه يكفي، وإلا فلو قلت هو

ربّي وأنا عبده مراراً لا يفيد بلا قبوله». كذلك للإخلاص له درجات، وفي كلّ منها مراتب، وفي كلّ مرتبة أنواع، أهمّها وجامعها أقسام ثلاثة:

إخلاص العوام، وإخلاص الخواصّ، وإخلاص أخصّ الخواصّ.

وإن شئت قلت: مطلق الإخلاص، وإخلاص المحبّين وإخلاص الموحّدين. الأوّل: هو الإخلاص في العبادة، لأجل الحظوظ - سواء كانت دنيوية أم

أخروية - كحفظ البدن وسعة المال والقصور والحور.

والثاني : لأجل السعادة الأخروية، والدخول في الجنّة، دون الحظوظ الدنيوية.

والثالث : هو إخراج الحظوظ بالكلّية، بل الإخلاص، لأجل جنّة الشوق بالقرب له جلَّت عظمته «وفؤادي ليس فيه غيره».

ولكلِّ من هذه الأقسام مراتب كما مرّ، وأن جميعها ،حسن ، إلا أن أسماها وأعلاها القسم الأخير.

وفي دعاء كميل: «هب لي صَبَرتُ على حَرِّ نارك، فكيف أصبرُ على فراقك». وعن سيّد العرفاء المتألهين الشامخين، أمير المؤمنين عليه السلام «إلهي عبدتُك لا خوفاً من نارك ولا طمعاً لجنّتك بل رأيتُك أهلاً لذلك فعبدتك».

وعن بعض العرفاء المتألّهين:

ليس سؤلي من الجنان نعيماً غير إنّي أحبّها لأراكا

ولهذا القسم درجات ومراتب، نسأل الله العظيم الفوز بمرتبة منها، ولا تنال هذه النعمة الكبرى، إلا لمَن عصمه الله تعالى، وأمدّه بحقّ اليقين بالتجلّي له، وكشف الأسرار له بإفاضة العلوم عليه، وقرَّبه إلى ساحته بخلع الأنداد عنه، وكرَّمه

بتطهير النفس بمخالفة الهوى ونبذ الأغيار، وشرّفه بالرقيّ إلى مقام عرفانه بالتوجّه إليه والقرب لديه.

منافيات الإخلاص:

الصفات الحميدة تقابلها الحالات السيّئة، وتفسدها الصفات المنافية لها، فالشجاعة مثلاً يفسدها الخوف، لأنّه ينافيها، ولا يمكن الجمع بين المتنافيين في النفس ، وكذا القناعة ينافيها الحرص والجشع ، كما أنَّ الزهد ينافيه طول الأمل، وكذا غيرها في الصفات.

والإخلاص : ينافيه أمور كثيرة لأنَّ سبب الإخلاص الله تعالى المعرفة والخوف، فإذا زال أحدهما لم يتحقّق الإخلاص وأهمّ ما ينافي الإخلاص أمور: منها : الرياء - نستجير بالله العظيم منه - فعن نبيّنا الأعظم صلی علی علیه وآله وسلم عن الله تعالى في القدسيات: «أنا أغنى الشركاء، مَنْ أشرك معي غيري تركته لغيري».

وعنه صلی علی علیه وآله وسلم: «أخوف ما أخاف على أمّتي الشرك الخفيّ وهو الرّياء».

وغيرهما من الروايات، وأنّه دقيق جدّاً «أدق من دبيب النمل في صخرة ملساء» وسببه حبُّ الدُّنيا بأقسامه، وللتخلّص منه طرق كثيرة لا يسع المجال للتعرض لها .

ومنها: العُجب بالعمل، فإنّه مناف للإخلاص، وقادح في كمال العمل، وقد ورد في ذمّه روايات كثيرة.

ومنها :الاستهانة بالعمل وتحقيره ،كما دلّت عليه روايات كثيرة.

ومنها: الإيكال في الأمور على غيره تعالى سواء كان على النفس أو غيرها.

ومنها: التعمّق في حكمة الأشياء، والبحث عن حٍكَم الأحكام الشرعية، فإنّه مناف للإخلاص، كما دلَّ عليه بعض الروايات؛ فعن نبيّنا الأعظم صلی علی علیه وآله وسلم : «إيّاكم والغلوّ في الدين» أي البحث عن عللها وغوامض متعبّداتها، وعن بعض مشايخنا من أهل العرفان ادّعاء التجربة ذلك.

ومنها :عدم الثقة بالله العظيم، فإنّ ذلك مناف للإيمان، فكيف بالإخلاص، وأنّه من المعاصي الكبيرة على ما فصّل في محلّه.

وهناك أمور أخرى منافية للإخلاص، ذكرها علماء الأخلاق، ومشائخ العرفان في كتبهم ورسائلهم ومن شاء فليرجع إليها.

الفرق بين الرضا والإخلاص:

تقدّم أنّ للإخلاص مراتب أدناها مرتبة الرضا، بل هو كتمهيد له، ولذا إنّ الإخلاص يتضمّن الرضا ولا عكس هذا كلّه في العبيد ، وأمّا رضائه تعالى فهو عين محبّته، وأنَّ محبته عين إخلاصه، فلا يمكن التفكيك بينهما.

وممّا ذكرنا :يظهر أنّ للرّضاء مراتب و درجات، وأنَّ أسماها هو التفويض، وأنَّ أعلى مراتب التفويض الإخلاص الذي هو مختصّ بالأولياء والصالحين. وأنَّ الصفات الحسنة المذكورة في الآية المباركة، من الصدقة والمعروف، والإصلاح بين الناس، إذا كانت صادرة لابتغاء مرضاته تعالى وخالصاً لوجهه الكريم، كان ذلك مظهراً من مظاهر أسمائه، ويكون أدوم وأنفع للمجتمع كما تقدّم وإلا فالأمر إضافي(1).(1)



1) مواهب الرحمان : ج 306/9 .

الصوم

ثمّ إنّ الصوم من أشرف الطاعات، وأفضل القربات، ويكفيه فضلاً ومنقبةً إنّه تشبّه بالكروبيّن ،والملائكة الروحانيّين، في الخروج عن حضيض النفس البهيميّة، إلى ذروة المقام الروحانية، وبه وصل أبونا آدم إلى مقام الاصطفاء بعد أن أبتلي بما قصّه الله تعالى عنه من الابتلاء، فهبط من الجنّة فصام حتّى تاب الله عليه وهدى. والصوم من أهمّ عبادات الأنبياء والأولياء، وكيف لا يكون كذلك الخمسة التي بُني عليها الإسلام، وبه تضعف القوى الشهوية التي تضلُّ بها الأنام، وبه يصفو العقل والفّكر الذي يصل به الإنسان إلى أعلى الدرجة والمقام. وما أقول في عبادةِ قال الله تعالى فيها: «لخلوق فم الصائم أطيب عندي من ريح المٍسك ».

وقال النبي صلی علی علیه وآله وسلم : «إنها تباعٍدُ الشيطان عن الناس، كما يتباعد المشرق من المغرب». وقال الإمام الصادق علیه السلام : «نومُ الصائم عبادة، وصَمْته تسبيح، وعمله متقبَّل ودعائه مستجاب ».

وقال الإمام الرضا علیه السلام: «إنّ الله ملائكة موكلين بالصائمين والصائمات يمسحونهم بأجنحتهم، ويسقطون عنهم ذنوبهم ، وإنَّ الله ملائكة قد وكلهم بالدُّعاء للصائمين والصائمات لا يُحصى عددهم إلا الله تعالى»، إلى غير ذلك ممّا لا يُحصى ولا يُستقصى (1). (1)



1) (1) مهذب الأحكام : ج 10 / 4 .

شهر رمضان

ثمّ إنّه لشهر رمضان فضائل كثيرة:

الأول: إنَّ فيه نزلت الكتب السماوية من التوراة ،والإنجيل ،والقرآن. قال أبو عبدالله عليه السلام: «نزلت التوراة في ستّ مضين من شهر رمضان، ونزل الإنجيل في إثنتي عشرة مضت من شهر رمضان، ونزل الزبور في ثماني عشر مضت من شهر رمضان ،ونزل الفرقان في ليلة القدر».

وقال علیه لسلام أيضاً: «غُرّة الشهور شهر الله عزَّ ذكره، وهو شهر رمضان، وقلب شهر رمضان ليلة القدر،ونزل القرآن فى أوّل ليلة من شهر رمضان، فاستقبل الشهر بالقرآن».

ويمكن الجمع بينهما بتعدّد النزول، أو بالإجمال والتفصيل، أو بالنزول إلى سماء الدُّنيا، ثمّ منها إلى النبيّ صلی علی علیه وآله وسلم ، أو بالتبعيض في النزول، بأن نزل بعضه في وقتِ وبعضه الآخر في وقت آخر، أو بغير ذلك.

الثاني: إِنَّ فيه تفتح أبواب الجنان، وتُغلُّ فيه الشياطين، قال رسول الله صلی علی علیه وآله وسلم:«شهر رمضان، شهرُ مبارك، شهرُ فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنان وتغلُّ فيه الشياطين».

الثالث: إِنَّ الله عزّ وجلَّ فى كلّ ليلةٍ من شهر رمضان عتقاء وطُلقاء من النار، قال أبو عبدالله علبه السلام «إِنَّ الله عز وجل في كل ليلةٍ من شهر رمضان عتقاء ،وطلقاء، إلا مَن أفطر على مُسْكر، فإذا كان في آخر ليلةٍ منه، أعتق فيها مثل ما أعتق في جميعه».

الرابع : وهو أهمّها أنَّ فيه ليلة القدر ، التي هي {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} ولا بأس بالتعرض لبعض ما يتعلّق بها:

الأول: لا ريب في أصل ثبوته كتاباً، وسنّة متواترة بين الفريقين، وإجماعاً بين المسلمين، وإنّها باقية إلى يوم القيامة بإجماع الإماميّة. ونصوصهم المستفيضة؛ قال أبو عبد الله صلی علی علیه وآله وسلم: «لو رُفٍعت ليلة القدر لَرُفٍع القرآن».

الثاني: تنزّل فيها الملائكة كتاباً وسنّة متواترة، وتنزل بكلّ ما الله تعالى تقديرُ بالنسبة إلى عباده من العزّة والذلّة، والغنى ،والفقر، والصحّة، والسقم، والموت، والحياة، والسفر... إلى غير ذلك من قضائه وتقديره بالنسبة إلى عباده ،وتنزّل التقديرات على الإمام المعصوم في كلّ زمان. فليلة القدر، والإمام المعصوم، والقرآن ،متلازم، ومع رفع أحدها يرفع الآخران، وذلك لا يكون إلا قبل قيام الساعة بزمان يسير ، قال علیه السلام: «وحينئذ ترفع الحجّة»، وقال الإمام الصادق علیه السلام : «إنّ آخر من يموتُ الإمامَ».

أقول: بدأت البشرية بالحجّة وهو آدم علیه السلام ، وتُختم بموت الحجّة، ولا يعلمه إلا الله تعالى، وذلك كلّه لئلا يكون الله على الناس حجّة ويكون الحجّة الله تعالى على الخلق.

الثالث: إنّها واحدة أو متعدّدة؟ ليلة القضاء الحتمي الذي لا يردّ ولا يُبدل، والإبرام الذي لا بداء فيه واحدة لا محالة. ويمكن التعدّد بحسب مراتب التقدير ومراتب القضاء ، ولا مانع فيه ثبوتاً وإثباتاً، وبذلك يجمع بين الروايات فراجع، فإنَّ هذه المباحث لا تناسب المقام .

السادس: ممّا أوجب زيادة الفضل لشهر رمضان، وقوع أعظم الفتوحات

الإسلاميّة النبويّة فيه، وهو فتح بدر يوم السابع عشر منه، الذي ضبط تفصيله في جميع التواريخ الإسلامية، إلى غير ذلك من فضائل هذا الشهر التي تعرّض لها الفريقان فيما كتبوا في هذا الشهر بالخصوص ، ولنشر إلى بعض ما قلناه :

الصوم جُنّة من العذاب وهو نجاة نشأة الحساب

تقرّب من حضرة الرحيم تشبّهُ بالملك الکريم

يقرّب النفس إلى المعارف يعرفه وجدان کلّ عارف

يربطها بالملكوت الأعلى بل جبروت صار منه أولى

ینوّر القلوب بالعرفان يهديهُم إلى حقائق القرآن

يُعلّمهم مراتب التنزيل يكشف عنهم شُبهة التأويل

ليس لأجرهم ثوابُ محدود ولا لصبرهم جزاءُ معدود

بل أجرهم يعطى بلا نهاية لظاهر الحديث والرواية

لقد تجلّى مبدء المبادئ في مظهر الصوّام من عبادي

أنفاسهم تسبيح ذات الباري ونومهم عبادة الجبّار

لهم نشاط عند وقت الإفطار و آخرُ عند تلاقي القهّار

والنّور نور الله في جبينهم والسّرُّ سرُّ الله في حنينهم

يخصّهم زمرة أملاك السما تبرّكاً لما لديهم من دعاء

فأمسكوا عن شهوات نفسكم حتى توافوا نعماً من ربّكم

فاستدركوا ما فات من أعماركم وامتثلوا من يعرف أسراركم

واغتنموا الصوم فإنّه وقاء عن كلِّ مكروه يُرى يوم الجزاء

هذا صيام هو كفّ الشهوة فكيف صوم هو كفّ الخطرة

عن غير ذات الأحد القيّوم مهيمن العظيم والديموم

ولازموا أحكام ما للصائم لتخرجوا عن رتبة البهائم

والصومُ سلَّم إلى السلامة في نشأة الدنيا والقيامة (1) (1)


1) مهذب الأحكام : ج 10 / 356 .

الدُّعاء

لا ريب في أنّ أقوى مراتب سلوك السالكين إلى الله جلَّت عظمته، وأهمّ مقامات سيرهم وسفرهم، إنّما هو السفر من الخلق إلى الحقّ، أي: التوجّه التامّ بحيث ينقطع عمّا سواه تعالى، وهو السير في الحقّ بالحقّ. وهذا السفر الروحاني يصحّ أن يعبّر عنه: «بأنه سفر من المحدود من كلّ جهة إلى غير المحدود من جميع الجهات، وعطفُ وحَنان ممّن لا حدَّ لرحمته وحنانه وعنايته إلى ما هو المحتاج على الإطلاق».

وهذا السفر وهذه الرحمة والعطف يتحقّقان في حقيقة الدُّعاء، مع الإيمان بالله جلَّت عظمته، وبما جاء به نبّينا الأعظم صلی علی علیه وآله وسلم ، لأنّ هذه الحقيقة مع ذلك عبارة عن تخلّي النفس عن جميع الرذائل، وطهارة روحية عن جميع الصفات الذميمة، والأهواء الشرّيرة، وارتباط روحي مع عالَم الغيب.

وإن قلت: إنّها تجلّي الرحمة الرحيميّة والرحمانية بالنسبة إلى الداعين.

أو قلت: إنّها عروج النفوس المستعدّة عند الانقطاع عمّا سوى ربُّ العالمين إلى أعلى الدرجات التي أعدّت لها، ولذا قال تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ}(1) (1)، وقال الإمام الصادق علیه السلام كما تقدّم: «الدُّعاء مخّ العبادة»، ولذا كان الأنبياء والأوصياء والعلماء العارفون بالله تعالى يواظبون عليه أشدّ المواظبة في


1) سورة الفرقان : الآية .77

جميع أحوالهم حالاً ومقالاً (1)(1).

وقال رحمة الله في مهذّب الأحكام:

يدلُّ على رجحان الدُّعاء الأدلة الأربعة:

فمن الكتاب: آيات منها: قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }(2) (2)

وقوله تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِرَاماً }(3) (3)

ومن الأخبار، نصوص متواترة من الفريقين:

منها: صحيح ابن سنان، عن أبي عبدالله علیه السلام:

«الدُّعاء يردّ القضاء بعدما أبرم إبراماً، فأكثر من الدُّعاء، فإنّه مفتاح كلّ رحمة، ونجاح كلّ حاجة، ولا ينال ما عند الله عزّ وجلَّ إلا بالدُّعاء، وإنّه ليس باب يكثر قرعه إلا يوشك أن يُفتح لصاحبه».

وعن الإمام أبي جعفر عليه السلام : «أفضل العبادة الدُّعاء».

وعنه عليه السلام أيضاً: «ما من شيء أفضل عند الله عزَّ وجلَّ من أن يُسئل ويطلب ممّا عنده ».

إلى غير ذلك من الأخبار التي سيأتي بعضها.

ومن الإجماع: إجماع المسلمين، بل جميع المليّين.


1) مواهب الرحمان :ج81/3

2) سورة غافر : الآية 60 .

3) سورة الفرقان : الآية 7

الدعاء

وقد ورد عن أئمّتنا المعصومين علیه السلام في الدُّعاء دعوات كثيرة، ولهم المنّة في فتح باب المعارف الإلهية، والارتباط مع العوالم الغيبيّة، بالدعوات الصادرة عنهم، صلى الله عليهم ما دعا الله داع.

ومن العقل : حكمه الفطري برجحان الاستعانة بالعظيم، والقدير من كلّ جهة، تمشية الأمور وقضائها، مع مكالمة الشخص مع مالك الملوك توجب نحو كمال وصفاء لنفسه، وأنّه من أعظم الارتباطات إلى عالم الغيب التي هي أجلّ مقامات الإنسانية ،وأعلاها، وقد أثبت ذلك أعاظم حكماء المسلمين وغيرهم في كتبهم، وقد كتب صدر المتألّهين قدس سره رسالة مستقلّة في ذلك، من شاء فليراجعها، وكذا غيره من كبار العرفاء والحكماء.

ولابدَّ من بيان أمور :

الأوّل: لا ريب في احتياج الممكن إلى الله تعالى حدوثاً وبقاء، وقد ثبت ذلك بالأدلّة العقلية في محلّه، ولا تختصّ الحاجة إليه تعالى بجهة دون أخرى، بل تعمُّ الجهات الممكنة، لفرض الإمكان فيها، وهو مناط الحاجة مطلقاً، وكلّما كان الممكن أشرف، كان احتياجه إليه عزّ وجل أكثر ، وكانت عنايته تعالى له أكثر وأشدّ، فالإنسان محتاج إليه تعالى بجميع ما يتعلّق به من الجهات والخصوصيّات، وعناية الله به أكثر من عنايته لسائر مخلوقاته، وقد فتح عز شأنه باب الدّعاء عليه، ورغّب إليه لإظهار حاجاته، وإرائة عناياته وألطافه بالنسبة إليه.

الثاني: الحاجة إليه سبحانه إمّا تكوينية غير التفاتية، وهي عبارة عن حيثيّة الإمكان، التي عمّت الموجودات بالسويّة، وإمّا التفاتية - شخصية كانت أو نوعية والدُّعاء ينفع لجميع ذلك، كما تأتي الإشارة إلى دليله وتفصيله، مع أنَّ في الوجدان غنى عن إقامة البرهان.

ويمكن أن يُقال: إنّ الدُّعاء في الجملة فطري ، لكلّ محتاج إلى شيء مع اعتقاده الإجمالي بقدرة الله على كلّ شيء.

الثالث : أجلّ المقامات الممكنة للإنسانية، مقام العبودية الحقّة الواقعية الذي أتى به الأنبياء علیه السلام للأممهم ، لاسيّما خاتمهم صلی علی علیه وآله وسلم الذي شرحه وبسطه بما أمكنه من الشرح والتفصيل، فقد ربط الإنسان بربّه وخالقه ومعبوده ربطاً منظماً متقناً، والدُّعاء من إحدى طرق ذلك الربط ؛ لأنّ له أهميّة في توجيه النفس إلى المُبدأ الغنيّ المطلق، ونحو انقطاع إليه تعالى، وهذا التوجّه والانقطاع من طرق استكمال النفس في المعنويات، بل من أهمّها، ولكن له مراتب متفاوتة حسب مراتب انقطاعات الداعين وتوجّهاتهم.

الرابع: لا ريب في أنّ لكُلِّ حادث من الحوادث أسباب خاصّة، ولا يتصوّر حدوث حادث بلا سبب، والدُّعاء من جملة أسباب حدوث المطلوب، جعله الله تعالى سبباً عامّاً تسهيلاً على عباده، وامتناناً عليهم، ونسبته إلى المطلوب نسبة الدواء إلى الشفاء بأنواعه الشتّى، فكما أنّ لكلّ داء دواء خاصّ، وهناك دواء عام ينفع لجملة كثيرة من الأدواء، كذلك الدُّعاء أيضاً، كما أنّ الدواء مقتضى ،ويحتاج إلى صيرورته علّة تامّة منحصرة إلى انضمام جهات أخرى، يكون الدُّعاء هكذا أيضاً. وصيرورته علّة تامّة يحتاج إلى جملة ،أمور، ذُكٍر بعضها في الأخبار، ولم نذكر جملة أخرى منها، لإمكان كونها من الأسرار التي لا يمكن أن يطّلع عليها غير علام الغيوب، والحكيم العليم لابدّ وأن يستجيب الدعاء على وفق

الحكمة الواقعية، لا على وفق ما يقتضيه الداعي، وإن كان على خلاف الحكمة، فإنّه نقصُ بالنسبة إليه تعالى.

الخامس: الدعوات الصادرة عن المعصومين علیهم السلام مشتملة على أعظم المعارف الربوبية، التي حرص الأئمّة علیهم السلام على بيانها بأسهل ،بيان، وهذا أحسن تدبير في إشاعة المعارف الحقّة، وبيانها للناس مقتبس من تدبير القرآن، فتشتمل على التوحيد، ونفى الشرك مطلقاً، وبيان الصفات الثبوتية والسلبية والأسماء الحسنى، وما يتفرّع منها، والقضاء والقدر إلى غير ذلك من الربوبيّات، ولعلّ هذا من إحدى جهات فضل الدُّعاء على سائر المندوبات ، كفضل علم الربوبيّات على سائر العلوم.

ومن نظر إلى دعوات الأنبياء السابقين، كمزامير داود، وصحف إدريس، يجد الفرق بينهما أوسع ممّا بين السماء والأرض.

قال صدر المتألّهين فى ما كتبه في الدعاء:

«الأدعية المأثورة عن أئمّتنا وسادتنا الهاشميّين الأكابر، والمعصومين من الذُّنوب الصغائر ، فضلاً عن الكبائر، كثيرة شائعة بين جميع الأمم، ذائعة بين طوائف العالم ، المؤالف والمخالف، ولم يوجد مثلها في شيء من الملل والأديان، ولم يرَ عين الأعيان نظيرها الأعيان نظيرها من أحد من أئمة القرون والأزمان، يعرف صحّة هذا الكلام المستغنى عن البيان ويشهد لصدق هذا الدعوى الغنية عن البرهان، مَن تتّبع آثارهم واقتفى منازلهم».

وقال قدس سره أيضاً: «الدُّعاء من أعظم مقامات العارفين، وإنّه شعار الصالحين، وأدب الأنبياء والمرسلين، والفرقان ناطقُ بصحّته عن الصدّيقين، والأحاديث مشحونة بالأدعية المأثورة عن الرسول صلی علی علیه وآله وسلم وأهل بيته علیهم السلام، بحيث لا مساغ للإنكار ، ولا مجال للعناد، وإن شئت فانظر إلى الصحيفة الملكوتية المنسوبة إلى

سيّد العابدين عليّ بن الحسين علیهما سلام... إلى أن قال قدس سره:

ومن فوائد الدُّعاء إظهار شعار الذلّ والإنكسار والإقرار بسمة العجز والافتقار وتصحيح نسبة العبودية والانغماس في غمرات النقصان الإمكاني،

والإفلاس عن ذروة الترفّع، والاستغناء إلى حضيض الاستكانة والفقر والفاقة.

السادس: نسبة الدُّعاء إلى الداعي كنسبة التوبة إلى التائب، فكما أنّ توبة التائب مسبوقة بتوبة الله تعالى، كما قال عزّ وجلّ: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلَفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحْبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أن لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إلا إلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}(1)(1)وملحوقة بقبوله تعالى لها، كذلك دعاء الداعي مسبوقة بعناية الله تعالى، وتوفيقه للدُّعاء وإذنه له في قرع بابه والورود في ساحة جنابه ، ثمَّ بعد الدُّعاء يستجيب، فالدُّعاء منه تعالى ،والاستجابة منه أيضاً، وكما في سائر الخيرات، فهو الذي يُعطي ثمّ يستقرض بقوله: {وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} (2)(2)، ثمّ هو الذي يُثيب على ذلك، فمنشأ كلّ خير يصدر من العبد منه عزَّ وجلَّ، مع أن الإثابة على كلّ خير منه تعالى أيضاً. فلا وجه لما يتوهّم من أنّ العلَّة لا يتأثّر عن المعلول، لأنّ العلّة هو الذي شاء ذلك وأراد وحقّق مقتضاه.

السابع: لا ريب في أنّ تغيّر القضاء والقدر بإرادة الله تعالى واختياره، كما في مقتضاتنا ومقدّراتنا، فما لم يتحقّق مورد مشيئته وإرادته عزَّ وجلَّ في الخارج، يكون قابلاً للتغيّر، بل وبعد الوقوع في الخارج أيضاً في الجملة كما يأتي.


1) سورة التوبة : الآية .118

2) سورة الحديد: الآية .18

ويدلُّ عليه مضافاً إلى الوجدان ، والمستفيضة الواردة في البداء، وإنّه يدخل في جميع أسباب الفعل، قول الإمام الصادق علیه السلام: «إنَّ الدُّعاء يردّ القضاء وقد نزل من السماء وقد أبرم إبراماً».

وعنه علیه السلام أيضاً : «إنّ الدُّعاء يردّ القضاء، ينقضه كما ينقض السلك وقد أبرم إبراماً».

وعن أبي الحسن علیه السلام: «إن الدُّعاء يردّ ما قد قَدُّر وما لم يقدُر.

قلت: وما قد قدّر قد عرفته، فما لم يقدّر؟

قال علیه السلام: حتّى لا يكون».

أقول: يعني إنَّ الدُّعاء يزاحم جميع مراتب اسباب الفعل، من القضاء والقدر والمشيّة وغير ذلك من الأسباب، التي هي مذكورة في «الكافي: باب أسباب الفعل »فراجع.

وعنه علیه السلام: «إنَّ الدُّعاء يدفع البلاء النازل وما لم ينزل».

وبالجملة: إنَّ الدُّعاء ينفع لدفع البلاء ولرفعه أيضاً من حيث الكمية والكيفية وسائر الجهات.

الثامن: المدافعة مع المكاره والمؤذيات بأيّ نحو ٍأمكن من الأُمور الفطرية، ومكاره الإنسان وخطراته أكثر وأعظم من كلّ موجود، لأّنه من أعجب خلق الله تعالى وأعظمه، وقد ركّب فيه قوى كثيرة جسمانية وروحانيّة، دنيوية وأخروية، فهو الهدف الوحيد لجميع مهام البلايا والرزايا، مع أنّه معركة الجيشين العظيمين جيوش العقل وجيوش الجهل ، وقد أعيا الأنبياء علیه السلام والأطبّاء الروحانيّين عن إطفاء هذه المعركة وإخماد نارها ولن تخمد.

ولا يجدي لدفع تلك المكاره التي حقّت بالإنسان شيء إلا الدُّعاء، وذلك لأنّ جميع ما في عالم الشهادة منبعث من عالم الغيب، والدُّعاء تصرّف غيبي في سلسلة علل الأشياء بأنواعها، ولذا ترى الأنبياء والقائمين مقامهم لا يسلكون سبيلاً في قضاء حوائجهم جزئية وكلّية إلا بالدُّعاء، فسبحان من أظهر في عالم الشهادة أموراً من عالم الغيب ليستكمل إيمان عباده ليسوقهم إلى الجنّة زمراً وأفواجاً.

وقال نبّينا الاعظم صلی علی علیه وآله وسلم: «ألا أدلكم على سلاح يُنجيكم من أعدائكم، ويدرّ أرزاقكم؟!!

قالوا: بلى.

قال صلی علی علیه وآله وسلم: تدعون ربّكم بالليل والنّهار، فإنَّ سلاح المؤمن الدُّعاء».

وقال الإمام عليّ علیه السلام: إذا اشتدّ الفزع فإلى الله المفزع».

وقال الإمام الصادق علیه السلام: الدُّعاء أنفذ من السّنان الحديد».

وقال الإمام الرّضا علیه السلام«عليكم بسلاح الأنبياء.

فقيل: ما سلاح الأنبياء؟ قال صلی علی علیه وآله وسلم: الدُّعاء».

والأخبار في هذا المعنى كثيرة جدّاً من الفريقين.

التاسع : الدُّعاء، مع أنّه مطلوب مقدمي لإنجاح الحوائج ونيل المقاصد، مطلوب نفسي أيضاً في كلّ حين وزمان، وحال ومكان، ولا تختصّ مطلوبيّته بحال دون حال، وأيّ مطلوب نفسي أعظم منه مع كونه من الانقطاع إلى الله، ومظهر العبودية المحضة الله تعالى ويدلُّ على ما قلناه الأدلّة الأربعة:

فمن الكتاب: الإطلاقات المرغّبة إلى الدُّعاء بعبارات شتّى كقوله تعالى :

{فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } (1) (1)، وقوله تعالى في مدح أوليائه: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبَاً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}(2)(2)، بل ذم قوماً اقتصروا في دعائهم على وقت الحاجة فقط كقوله تعالى:{وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (3)(3)، وقوله تعالى: {فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٍّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون }(4).

ومن الإجماع: إجماع المسلمين.

ومن العقل :وما مرَّ من حكمه الفطري بحسن الانقطاع إلى الله تعالى مطلقاً وقبح تركه كذلك.

ومن السُنة: أخبار مستفيضة؛ منها قول الإمام الصادق صلی علی علیه وآله وسلم في موثّق سماعة: «من سرّه أن يُستجاب له فى الشدّة، فليكثر الدُّعاء فى الرّخاء».

وقوله : «من تقدّم في الدُّعاء أستجيب له إذا نزل به البلاء، وقيل: صوتُ معروف ولم يحجب عن السّماء، ومن لم يتقدّم في الدُّعاء لم يستجب له إذا نزل به البلاء، وقالت الملائكة: إنَّ ذا الصوت لا نعرفه».

وعن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال:


1) سورة غافر : الآية 65 .

2) سورة الأنبياء : الآية 90 .

3) سورة يونس : الآيه 12

4) (4) سورة الزمر : الآية 49

«كان جدّي يقول : تقدّموا في الدعاء، فإنَّ العبد إذا كان دعّاء فنزل به البلاء فدعا ، قيل : صوتُ ،معروف، وإذا لم يكن دعّاء فنزل به البلاء فدعا، قيل: أين كنت قبل اليوم؟!».

وفي خبر إسحاق بن همّار عن الإمام الصادق علیه السلام ، عن آبائه عن الإمام عليّ علیه السلام أنه كان يقول: «ما من أحد أُبتلي وإن عظمت بلواه أحق من المعافى الذي لا يأمن البلاء.»

وعن عبدالله بن ميمون عن الإمام الصادق، عن أبيه علیهما السلام، قال الفضل بن العبّاس : قال لي رسول الله صلی علی علیه وآله وسلم་

«احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة».

إلى غير ذلك من الأخبار.

العاشر : الدُّعاء في الأمور المتقوّمة بإضافتين، إضافة إلى الدّاعي، وإضافة إلى المدعو، وهو بالنسبة إلى الأولى من كمالاته المعنوية أستجيب له أو لا، لأنَّ التوجه إلى الله تعالى وبثّ الحاجة إليه بذاته شرفُ للنفس الإنسانية، وقال أبو جعفر عليه السلام: «أفضل العبادة الدُّعاء».

وبالنسبة إلى الثانية، فهو جلال الله تعالى وقدرته لعباده، لأنه إذا عرف الداعي أنَّ تقدير الأمور على طبق مشيئة الله تعالى ، يعترف بكمال قدرته وجلاله.

الحادي عشر : ما يُرجى فيه استجابة الدُّعاء، إمّا من جهة الزمان أو المكان أو الفعل، أو حالة الداعى، أو الآداب التي لابدّ وأن يؤتى بها قبل الدُّعاء أو حينه أوبعده، وسنشير إلى بعض ما ذكرناه في المسائل الآتية.

ثمّ إنّه قد ورد في الأخبار جمعُ ممن يُستجاب دعائهم وجمع ممّن لا يُستجاب لهم.

فمن الأوّل: دعاء الوالد لولده إذا برَّه، وعليه إذا عقّه ، وكذا الوالدة، والمظلوم على ظالمه ولمن انتصر ،له والمؤمن المحتاج لأخيه إذا وصله وعليه إذا قطعه مع التمكن من صلته واحتياجه إليه، ومن لا يعتمد في حوائجه إلا إلى الله عزَّ وجلَّ، والإمام المقسط، والتقديم في الدُّعاء لأربعين، ومن طيب مأكله ومكسبه، ومن اتّقى الله تعالى حقَّ تقاته.

وفي الثاني: كلّ من ترك الأسباب الظاهرية التي جعلها الله عزّ وجل لأمور خاصّة، كمن ترك التكسّب وهو يقدر عليه، وجلس في بيته ودعا لطلب الرّزق ومن دعى على جارٍ يؤذيه وهو يقدر على التحوّل عن جواره، والمصرّ على المعصية، والمحتمل لتبعات المخلوقين، وآكل الحرام، ومن دعى بقلب قاس أو ساءٍ، ومن دَعى وظنّه عدم الإجابة، إلى غير ذلك ممّا هو كثير مذكور فيه وتأتي الإشارة إلى بعض أدلّتها.

ولكن مع ذلك كلّه لابدّ وأن لا يتحقّق اليأس عن رحمة الله تعالى، ولا يخفى إنَّ هذه الآداب المستفادة من الأخبار، كلّها من باب تعدد المطلوب لا القيديّة الحقيقيّة، لأنَّ قدرة الله تعالى وألطافه وعناياته الخفية والجلية، ورأفته بخلقه خصوصاً عباده غير متناهية وأسرار استجابة الدعوات غير معلومة لغيره ،تعالى والبداء جارٍ في الجميع، والله تعالى هو العليم الحكيم (1) .(1)


1) مهذب الأحكام : ج 7 / 138 ، وللتوسعة راجع : « مواهب الرحمان » : ج 3 / 63 .

الحجب

الحجّ: هو القصد والسعي إلى شيء، غلب في اصطلاح الكتاب والسُنّة على القصد إلى بيت الله تعالى لإتيان أعمال خاصّة في أوقات مخصوصة، وينبغي تقديم أمور:

الأوّل: حسن السعي إلى معالم المعبود ومشاعره، وإتيان مراسم العبودية فيها، من فطريات كلّ عابد بالنسبة إلى معبوده، ولا تختصّ بملّة دون أخرى والشوق إلى معالم المحبوب فطري لكلّ حبيب، وإلا لكان في أصل الحبّ خللاً، وتكون دعوى المحبّة باطلاً، ولذاك كان البيت المعمور في السماء الرابعة مزدحم بالملائكة، بحيث كلّ من طاف حوله مرّة لا تصل إليه النوبة مرّةً أخرى إلى الأبد، والكعبة المقدّسة مُزْدَحم طواف الملائكة والمسلمين من البشر، يسعون إليها بولع وعشق وانقطاع، ويرون تحمّل جميع المتاعب خفيفاً، في جنب الوصول إلى أهمّ معالم ربّهم ومشاعره ، ولا تزال في ازدياد عاماً بعد عام، وبيت المقدس مقصد أهل الكتاب، وهناك معالم أخرى موجودة في ظهر الأرض يقصدها عبادها. ولقد كان الطواف حول البيت العتيق وهذا المحلّ الرفيع قبل هبوط آدم وخلقه، ففي الصحيح عن الإمام الصادق عليه السلام: «لمّا أفاض آدم من منى تلقّته الملائكة ،فقالت :يا آدم برّ حجّك، فإنّا قد حججنا هذا البيت قبل أن تحجّه بألفي عام».

ولا يدري أنّ هذه الأعوام من أعوامنا التي كلّ يوم وليلة منها أربعة وعشرون

ساعة، أو من الأعوام التي كلّ يوم فيها خمسون سنة، «وإنَّ يوماً عند ربّك خمسون سنة»، أو من الأيّام التي هي خمسون ألف سنة، و «إنَّ يوماً عند ربّك خمسين ألف سنة ، وكُلِّ محتمل ، وإنّ كان المنساق هو الأوّل.

الثاني: كلّما ضبطته الكتب في فضل البيت العتيق والطواف حوله، والوقوف في تلك المشاعر العظام، ليس إلا كقطرة من البحر ولمعة من الشّمس، وماذا يُقال في بيت جعله الله مباركاً وهدى للعالمين ، و «استعبد الله خلقه ليختبر طاعتهم في إثباته ، فحثّهم على تعظيمه وزيارته، وجعله محلّ أنبيائه، وقبلة للمصلّين له، فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدّي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال،ومجمع العظمة والجلال، خَلَقه الله قبل دحو الأرض بألف عام، فأحق من أطيع في ما أمر وانتهى عمّا نهى عنهم».

وماذا يُقال في بيتِ مَنْ نظر إليه لم يزل تُكتب له حسنة، وتُمحى عنه سيئة، حتّى ينصرف بصره عنه.

وماذا يُقال في بيت أحد أركانه يمين الله في أرضه يصافح بها خلقه، وأنّه باب من أبواب الجنّة لم يغلقه الله تعالى منذ فتحه، وأنَّ عليه ملكُ موكّل منذ خلق الله السماوات والأرض، ليس له عمل إلا التأمين على دعائكم، وعنده نهر من أنهار الجنّة تلقى فيه أعمال العباد عند كلّ خمسين، وقال نبّينا الأعظم صلی علی علیه وآله وسلم :

«وما أتيت الركن اليماني، إلا وجدتُ جبرئيل قد سبقني إليه يلتزمه».

وفي ركن آخر حجرُ استودع الله تعالى فيه ميثاق عباده، إذ أخذ ميثاقهم، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ....} (1) .(1)


1) سورة الأعراف : الآية 172 .

الثالث: تشريع الحجّ كان بعد هبوط آدم بمباشرة جبرئيل، ففي خبر إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام :

«لمّا بلغ الوقت الذي يريد الله عزّ وجلّ أرسل إليه جبرئيل، فقال: السلام عليك یا آدم ،الصابر ليلته ،التائب عن خطيئته، إنّ الله عزّ وجلّ بعثني إليك لأعلّمك المناسك التي يريد الله أن يتوب بها عليك، فأخذ جبرئيل عليه السلام بيد آدم عليه السلام حتّى أتى به مكان البيت..... »والأخبار في ذلك كثيرة.

وقد واظب النبّيون على الحجّ بعد أبيهم آدم، قال أبو الحسن عليه السلام: «إنّ سفينة نوح كانت مأمورة طافت بالبيت حتّى غرقت الأرض ثمّ أتت منى في أيّامها .

«وأمّا إبراهيم وإسماعيل، فلقد تحمّلا المشاق في الحجّ وتشعير المشاعر بما ذكر في القرآن، وفُصّل ذلك في الروايات المستفيضة بين الفريقين، قال الإمام الصادق عليه السلام:

«أمر الله عزّ وجلّ إبراهيم عليه السلام أنّ يحجّ ويحجّ بإسماعيل معه، فحجّا على جمل أحمر وما معهما إلا جبرئيل - والخبر طويل -».

فالتشريع وقع ثانياً اهتماماً للقضية بالوحي السماوي ،وأمين الوحي، والنبي الجليل الخليل، وقد تقدم في طواف سفينة نوح التي كانت مأمورة.

وقال أبو جعفر عليه السلام:« حجَّ موسى بن عمران ومعه سبعون نبيّاً من بني إسرائيل، خطّم أبلهم من ليف، يلبّون وتجيبهم الجبال، وعلى موسى عبائتان قطوانيان يقول: لبّيك عبدك وابن عبدك».

و «مرّ يونس بن متى بصفائح الروحاء وهو يقول: «لبّيك كشّاف الكرب العظام لبّيك..».

ومرّ عيسى بن مريم بصفائح الروحاء ، وهو يقول: «لبّيك عبدك وابن أمّتك لبّیك ».

ومرّ محمّد صلی علی علیه وآله وسلم: بصفائح الروحاء ، وهو يقول: «لبّيك ذا المعارج لبّيك».

وعن أبي جعفر عليه السلام : «إنّ سليمان بن داود قد حجَّ البيت في الجنّ والإنس، والطير والرّياح وكسى البيت القباطي».

وعنه عليه السلام أيضاً : «صلّى في مسجد الخيف سبعمائة نبي، وأّنّ ما بين الركن والمقام لمشحون بقبور الأنبياء» .

فيُرجى من المسلمين الاهتمام بهذا الأمر العظيم، الذي اهتمّ به جميع الأنبياء والمرسلين. وقد أفرد المحدّثون والمؤرّخون من المسلمين ما يتعلّق بحجّ خاتم النبيّين مؤلّفات وأبواب مستقلّة.

والمستفاد من مجموع الأخبار المستفيضة في الحجّ أنّ تشريعه وقع ثلاث مرّات:

الأول: بعد هبوط آدم.

والثاني: في زمان النبيّ الجليل إبراهيم الخليل.

والثالث : بعد بعثة نبّينا الأعظ الله علی علیه وآله وسلم، ولا اختلاف بينها. نعم، تشريع حجّ التمتّع وقع في حجّة الوداع.

ولم يفصل أحكام الحجّ والعمرة من نبيّ ولا وصي نبيّ، كما فصّله خليفة رسول الله علی علیه وآله وسلم أبو عبد الله جعفر بن محمّد علیهما السلام حتّى قال أبو حنيفة النعمان بن

ثابت إمام الحنفية: «لولا جعفر بن محمّد علیهم السلام ما علم الناس مناسك حجّهم».

وقد بذل الفقهاء - رفع الله شأنهم - كمال جهدهم في تفريعات الأحكام بحسب الأدلة الواصلة إليهم، والقواعد المعتبرة لديهم، ومع ذلك كلّ سنة ترد فروع محدثة، ليس لها في كتب فقه الفريقين ذكر ولا أثر، وكيف لا يكون كذلك، فقد ورد في صحيح زرارة:

«قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلني الله فداك! أسألك في الحجّ منذ أربعين عاماً فتفتینی .

فقال عليه السلام: يا زرارة بيتُ حجّ إليه قبل آدم بألفي عام تريد أن تفنى مسائله في أربعين عاماً.

وقال في الجواهر: «كما إنّه ينبغي التفقّه في الحجّ، فإنّه كثير الأجزاء، جمّ المطالب، وافر المقاصد ، وهو مع ذلك غير مأنوس وغير متكرّر، وأكثر الناس يأتونه على ضجر وملالة سفر ، وضيق وقت وانشغال قلب، مع أنّ الناس لا يحسنون العبادات المتكرّرة اليومية مثل الطهارة والصلاة مع الفهم لها ومداومتهم عليها، وكثرة العارفين بها، حتّى أنّ الرجل منهم يمضي عليه الخمسون سنة والأكثر ، ولا يحسن الوضوء، فضلاً عن الصلاة، فكيف بالحجّ الذي هو عبادة غير مألوفة، لا عهد للمكلّف بها مع كثرة مسائلها وتشعّب أحكامها وأطولها ذيلاً».

الرابع: إنّ سفر الحجّ - كما هو من الأسفار الجسمانية - سفر روحاني أيضاً، لأنّه الوفود إلى الله عزّ وجلّ، والتشرّف ببيته تعالى، ومشاعره العظام، والاستفادة من الإفاضات المعنوية المفاضة من ربِّ العالمين على الواقفين في تلك المواقف المباركة، والطائفين حول الكعبة المقدّسة، وقد وردت في الشريعة المقدّسة

آداب كثيرة لمطلق السفر من جميع الجهات المتعلّقة به، لعلّنا نشير إلى بعضها في آخر الكتاب.

ولابدّ في سفر الحجّ من ملاحظة الآداب الروحانية أيضاً، إذ السفر سفر روحاني، وأهمّ الأمور في هذا السفر التوبة عن المعاصي قبله وحين التلبّس به، وملازمة الهدوء والوقار والسكينة، والاهتمام بالواجبات وترك المحرّمات والانقلاع عن المعاصي والعلائق والانقطاع إلى ربِّ الخلائق، والتخلّق بأخلاق الله تعالى، وهذه هي الهدية التي يهدي بها إلى الله تعالى، ليست الهدية أنعام تُراق دمائها في منى وفي حريم حرّم الله عزّ وجلَّ، لتصريحه تعالى بأنّها لا اعتبار بها، فقال عزّ وجلَّ:{ وَلَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}.(1) (1)

والتلبّس بمخالفة المحبوب عند زيارته، والورود إلى بيته، ممّا ينكره كلّ ذي شعور، فإذا كانت القلوب محجوبة عن الله تعالى، لأجل النفاق والشقاق والمعاصي، فكيف يُطاف بها حول البيت، وتوقف بها في المواقف، فعن أئمّة الدّين: «من حَجَّ بمال حرام نُودي بمال حرام نودي عند التلبية لا لبيك عبدي ولا سعديك»

الخامس :من أعظم مظاهر عزّ الربوبية وذلّ العبودية، الذي لا يتصوّر أعظم منه أبداً، إنّما هو الحشر الأكبر الذي يعمُّ جميع الأنبياء وأممهم، وقد تحيّر عقول الحكماء العارفين في خصوصيّات هذا العالم العظيم ، وأشير إلى بعض جهاتها في القرآن الكريم، وجعل الحجّ نموذجاً لذلك، وقد سمّي الحجّ بالحشر الأصغر، وكتب العلماء مسائل في وجوه المطابقة بين الحشرين - من الفقهاء والعرفاء فأحسنوا وأجادوا رضوان الله عليهم أجمعين، وقد استفادوا ذلك ما شرحه أمير


1) سورة الحج : الآية 37 .

المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة في خطبته التي هي من جلائل خطبه الشريفة وقد ذكر فيها أسرار الحجّ ومن أهمّها تذكر الحشر الأكبر الذي يرد على جميع أفراد البشر، فيتذكّر مِنْ خلع الثياب، ولبس ثياب الإحرام، والوقوف في موقف واحد، والتوشّح بالأكفان والحشر في صعيد واحد، ومن السعي والطواف اضطراب الناس فى المحشر ، فيطلبون ملجأ وملاذاً إلى غير ذلك ممّا يتوجّه إليه العاقل الملتفت إلى الأهوال التي ترد عليه في المحشر.

ثمّ إنَّ من أهم الأمور النوعية التي لابدّ للحجّاج من مراعاتها، إظهار محاسن الآداب، ومكارم الأخلاق، وليس المراد بذلك كفّ الأذى عن الناس فقط ، بل المراد هو تحمّل الأذى تحمّل الأذى حتّى يصير جميع أهل الجمع كنفس واحدة، ومن أهمّها الناس لقضاء الحوائج بعضهم عن بعض، فإنَّ لذلك فضلّ عظيم في هذا الجمع، فعن الخثعمي :

قلت لأبي عبد الله علیه السلام : إمّا إذا قدمنا مكّة ذهب أصحابي يطوفون ويتركوني أحفظ متاعهم.

قال علیه السلام: أنت أعظم أجراً».

وقال علیه السلام أيضاً :من أماط أذىً عن طريق مكّة كتب الله له حسنة، ومن له حسنة لم يعذّبه».

إلى غير ذلك ممّا يحتاج شرحه إلى وضع كتاب مستقلّ (1) (1)

وقال رحمة الله في التفسير :

«تقدم في أحد المباحث السابقة، أنّ الطاعات والعبادات في الإسلام إنّما هي


1) (1) مهذب الأحكام : ج 03/12

نفسه

ألطاف إلهية، لتكميل النفوس المستعدّة، والوصول إلى الغاية المتوخاة من خلق الإنسان، فبالعبادة ينال الإنسان مقام العبودية، التي هي مجمع الكمالات الإنسانية، وبها يصل إلى درجة الخلّة الحقيقية، وبها يتقرّب العبد إلى خالقه، ويصل إلى ساحة قدسه، وبها تتخلّى النفس من الرذائل، وتتحلّى بالفضائل، وتتخلّق بالأخلاق الإلهيّة، لتتجلّى أنوار الغيب على القلوب، وتفوز بالسعادة التي هي فوق كلّ مطلوب، وبها ينال العبد مرتبتي الفناء في الله تعالى والبقاء به عزّ وجل. كُلِّ ذلك إذا أتى العبد بها على وجهها المطلوب.

ومن العبادات في الإسلام ، الحجّ الذي هو السفر إلى الله تعالى، للوقوف بين يديّ عظمته، والدخول في ضيافته في بيته وحرمه الذي جعله من أبواب رحمته فمن دخله كان من الآمنين.

وهو سَفَر يتضمن كثيراً من الأسرار التي لا يطّلع عليها إلا من خلع عن نفسه ، الأغيار، ودخل في حريم كبرياء الجبّار.

وهو السَّفر الذي تتحقق فيه الأسفار الأربعة، التي تكون للسلّاك من العرفاء، ولا ينال العبد ما في هذا السفر، ولا يصل إلى الوجه المطلوب، إلا إذا كان ملتفتاً إلى سَفَره :مبدئه ،وغايته ومتوجهاً إلى كُلِّ جليل ودقيق فى الحركات والأفعال، بل حتّى الخطرات، فإنّ المقام جليل، والمطلب خطير ، ولا يناله إلا من كان بانياً على التكميل، لأن أصل تشريع هذا السفر إنّما هو لتحريك النفس الإنسانية إلى المشاعر الربوبيّة، والانتقال منها إلى المنازل المعنوية، والتوجّه فيها إلى المعارف الإلهية، وتحلّي النفس بأخلاق الله تعالى، فتصير الدنيا والآخرة عنده كمر آتين متقابلتين، تحكي إحداهما عن الأخرى، على نحو النقص والتمام، اللذين هما من

خصوصيّات الذات والزمان، لا من جهات أخرى.

وفي هذا السفر منازل ومقامات لا يمكن الوصول إليها إلا بعد طيّها، والخروج منها على الوجه المطلوب، ونبذ ما هو المعتاد والمألوف، فإنّ الشيطان حريص على الغواية والتضليل.

وأوّل تلك المنازل، حمل الزاد وتهيئة المركب، كما في سائر الأسفار الدنيوية؛ فإنّ أوّل ما يفعله المسافر حمل الزّاد، ومعرفة أمن الطريق، وتوثيق الصلة مع أرباب النواحي، وتثبيت الارتباط مع مدبّر كلّ بلد ومدبّره ليأمن كيدهم، وكُلّ ما عظم السَفَر اشتدّت الحاجة إلى الزّاد.

والسَفر إلى الحجّ سفر إلى الله تعالى، فلابدّ من الاهتمام بما يأخذه من الزّاد، وقد أخبرنا الله عزّ وجلّ أنّ التقوى هي خير الزّاد، فإنّها من أعظم السُّبل في توثيق الصلة والارتباط - مع مالك المُلك، ومُدبّر الأمور، وهي مالكية أزمّة الآخرة، ويتبعها مالكية أزمّة الدنيا، فإنّها تبع الآخرة، فإنّ للدُّنيا جهتين: الأصالة: لكونها محلُ العمل، فلولا الدُّنيا لما كان عمل ولا عامل، ولا تكليف ولا جزاء.

وجهة التبعية :لكونها مزرعة الآخرة. فلولا الآخرة لما خُلقت الدنيا، فبالتقوى ينال محبّة الله تعالى وبها يمتطي صهوة النفس الأمّارة ويأخذ بزمامها. وهي مفتاح كلّ خير وصلاح.

ومن منازل هذا السفر الخطير، الإعراض عمّا سواه عزّ وجلّ، والابتعاد عن الأغيار ، لأنّه السَّفَر إلى الله، والسير إلى حريم كبريائه عزّ وجل، فلابدَّ أن يكون حجّه وعمرته الله ربّ العالمين.

ومن منازله أيضاً البناء والعزم على إتيان العمل جامعاً للشرائط، وأن لا يقدم عليه إلا وهو مطمئنّ النفس على إتمامها، فإنَّ قطع العمل والرجوع عن السَّير بعد التلبُّس به ممّا لا يليق بمقام العبودية، بل قد يوجب الحرمان كما هو معروف لدى أهل العرفان.

ثمّ يحرم عند الوصول إلى الميقات، وهو أوّل المقامات، فيحرم النفس المشتهيات، ويوقفها عن كافّة الشهوات، ويطرح عنها كلّ كافة الشهوات، ويطرح عنها كلّ مشتبه وحرام عند خلعه الثياب عن الأبدان.

ويتهيأ للدخول في الحرم الإلهي، والورود في ضيافة الرّحمن، ولابدَّ أن يلاحظ أنّه في المأمن الإلهي، وهو من أهمّ ما يبتغيه أهل السَّير والسلوك في الله تعالى، فيجب أن يكون السعي والعمل متّفقين مع الإرادة القلبية، وكلاهما الله تعالى فترتفع الأغيار، وتزول الحُجب والأستار.

ثمّ الطواف بالبيت رمز العشق بالله عزَّ وجلَّ، وهو جذبُ روحي، وإظهار للعبودية، فلابدّ وأن يكثر من ذلك، كالمحبّ الذي تيّمه الحبّ وذلله وهو يطوف حول بيت الحبيب، وقد علا صوته بالبكاء والنحيب، لعلّه يلقاه أو يُجيب، وفي الطواف حِكَمْ وإشاراتُ منها التردد في محالّ القدس، والإعلام بأنّ الطالب للحبيب لابدّ من الفناء فيه ليفوز بلقياه ونيل إفاضاته.

والصلاة في المقام، إشارة إلى التشبّه بخليل الرّحمن في تركه طاعة الشيطان. وفي السّعي بين الصّفا والمروة، انقطاعُ إلى ربّ الخلائق، وإبراز التحيُّر في ذاته المقدّسة، وإظهار العشق له، ونبذ كلّ صنم ووئن ومعبود سواه.

والوقوف بالمشاعر العظام، إنّما هو تذكير بالوقوف بين يدي الله تعالى في

عرصات يوم القيامة، وإبراز الخضوع والخشوع لعظمته تعالى، وإظهار التذلُّل والعبودية لساحة قدسه، فلابدّ وأن يكون على سكينة ووقار، طالباً مغفرته ورضوانه، فإنَّ تلك المشاعر العظام، ليست إلا من مظاهر التوحيد وإلقاء الشرك والكفر. والوقوف فيها مع ما فيها من الزحام، إراءة نموذج ما يكون في طريق المصير إليه تعالى، وظهور الحقّ وفناء التكثّرات فيه.

والإفاضة منها مع ضجيج الحجيج، والنداء والعجيج، وهم يفيضون من كلّ حَدَب وصوب، قد تخلّوا عن الأهل والأوطان، وهم ضيوف جنابه يريدون ساحة قدسه، قد تلقّاهم الربُّ الرحيم بكلّ حنان ورأفة، وعناية ورحمة، وهو الربُّ الرحيم، قد وعدهم أن يزيل عنهم كُلَّ أهوال المحشر، فكان هو المبدأ والمنتهى، وتجلّت الإفاضة منه وإليه.

وفي رمي الجمرات استعداد الإنسان للابتعاد عن الشيطان، والإعراض عن الخطيئات والسيئات.

وفي إفناء حياة الهَدي بالذبح إشارةً إلى إفناء النفس الأمّارة بعد الإهلال وإظهار التقصير والعجز وكناية عن طرح كلّ رذيلة عن النفس، والمجاهدة معها في كل حقير وكبير.

والرجوع من الحرم إلى الأهل، يعتبر رجوعاً لتكميل معارف الدّين، وأحكام شريعة سيّد المرسلين، فيتجلّى فى هذا السفر كُلّ ما يبتغيه أهل العرفان.

ولابد أن يكون في جميع الأحوال مولعاً بذكر الحبيب، طالباً منه مغفرته ورضوانه ، فإنَّ الحبيب لا ينفكّ عن البكاء والنحيب، إذا صدَّ عن حبيبه وطرد عن بابه

ملأت به سمعي وقلبي وناظري وكُلّي وأجزائي، فأين يغيبُ

هذه نبذة ممّا لابدّ أن يعمله السائر في هذا الطريق، فإنَّ في الحجّ قد اجتمعت قواعد السير والسلوك المتّبعة في تهذيب النفس.

وفي الحجّ تتجلّى المشارقات الربوبية على الروح الإنساني، فكم من عناية إلهية تُفاض على أهل عرفات؟!!

وكم من شروق غيبيّ يشرق على النفوس المستعدّة في المشعر الحرام؟؟!!

وكم من تجلّيات ربوبية تظهر للذوات القابلة في الرّكن والمقام!!

وكم من نفس تلوّثت بالذّنوب والآثام تُطهّر عند إراقة الدّماء في مني!!

وكم من ذنوب يحطّمها الربّ العظيم عند الحطيم !!

وكم من خطايا يغفرها الرَّبُّ الغفور الرحيم عند التعوّذ بالملتزم والمستجار !!

وكم من نفس تصل إلى مُناها عند الوصول إلى مٍنى !!

وكم من عناية ولطف تظهران لعبده عن استلام الرُّكن ،الذي هو يمين الله في الأرض يصافح بها عباده!! (1). (1)


1) مواهب الرحمان : ج 3/ 208

زيارة قبور المعصومين علیه السلام

ويمكن إثبات رجحان زيارة قبور الصلحاء والأبرار، والمتّقين الأخيار، بالأدلّة الأربعة، فضلاً عن زيارة الأنبياء، والأوصياء المعصومين، والعلماء العاملين. أمّا من الكتاب: فبالآيات المرغّبة إلى التفكّر في الآخرة، والدالّة على فناء الدُّنيا، وأنّها لهو ولعب، وهي كثيرة، ولا ريب في أنّ زيارة القبور من أهمّ موجبات ذلك، فتكون راجحة لذلك.

وأمّا من العقل: فلا شبهة عند كلّ عاقل أنّ أهل السعادة والأبرار، ممّن يتبرّك الناس بهم في حياتهم، وتلك البركات لا تنقطع بموتهم، بل تزداد لورودهم إلى معدن الخيرات والبركات، وانقطاع نفوسهم الشريفة عن عالم المادّيات والشهوات والعقل يحكم بحسن التماس تلك البركات، والسعي في عدم الحرمان عنها، بل زيارة قبور مطلق المؤمنين نحو تودّدٍ وتحبّب بالنسبة إليهم، وهو ممّا يوجب الثواب العظيم، كما في زمان حياتهم، فتكون حسنة، ولابدَّ من دركها والاهتمام بعدم فوتها، بل هو نحوُ من حقوق المؤمنين بعضهم على بعض حيّاً وميّتاً لابدّ من إعمالها، والقيام بدرك مصالحها.

وأمّا من الإجماع: فإجماع جميع المسلمين بل العقلاء، من جميع المسلمين على رجحان زيارة قبور أهل الإيمان والصلاح في كلّ ملّة، فضلاً عن الأنبياء والمعصومين، والشهداء والعلماء العاملين والمتّقين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض من انتحل الإسلام، وقد تصدّى لردّه علماء الفريقين ،ومن شاء فليرجع إلى الكتب

المعدة لذلك، كالغدير للعلامة الأميني رحمة الله ، وقد روى الفريقان عن نبيّنا الأعظم صلی علی علیه وآله وسلم أنّه قال: «نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها »أو قوله صلی علی علیه وآله وسلم: «من أراد أن يزور فليزر وهذا الخبر مذكور في أبواب الذبائح من الحجّ، وفي أبواب الجنائز

من كتب الفريقين.

وأمّا من السنة :فهي مستفيضة، بل متواترة بالنسبة إلى زيارة خاتم النبيّين صلی علی علیه وآله وسلم ، قال صلی علی علیه وآله وسلم:

«من زارني أو زار أحداً من ذرّيتي زرته يوم القيامة فأنقذته من أهوالها».

وقال صلی علی علیه وآله وسلم لعلي علیه السلام : يا عليّ مَن زارني في حياتي أو بعد موتي، أو زارك في حياتك أو بعد موتك، أو زار ابنيك في حياتهما أو بعد مماتهما، ضَمِنْتُ له يوم القيامة أن أخلّصه من أهوالها وشدائدها، أهوالها وشدائدها ، حتّى أصيّره معي فيدرجتي».

وقال صلی علی علیه وآله وسلم للحسن عليه السلام: «مَنْ زارني حيّاً أو ميتاً، أو زار أباك حيّاً أو ميتاً، أو زار أخاك حيّاً وميتاً كان حقاً علىَّ أن أستنقذه يوم القيامة».

وقال صلی علی علیه وآله وسلم للحسين عليه السلام: يا بُني من أتاني زائراً بعد موتي فله الجنّة، ومَن أتى أباك زائراً بعد مو ابعد موته فله الجنّة، ومن أتى أخاك زائراً بعد موته فله الجنّة، ومَن أتاك زائراً بعد موتك فله الجنّة».

إلى غير ذلك من النصوص.

وعن العامّة بطرق شتّى عن النبي صلی علی علیه وآله وسلم: «مَن حجَّ فلم يزرني فقد جفاني».

فائدة : لا يخفى أن شرف الزيارة وكمالها وثوابها يدور مدار شرف المزور وكماله وقربه عند الله تعالى، فكلّ ما كان قربه إلى الله تعالى واتّصاله بالعوالم

الغيبيّة أقوى وأكمل ، تكون كذلك مرتبة زيارته ،حتّى تكون زيارته كزيارة الله تعالى ،تنزيلاً تشريفيّاً لا حقيقيّاً، حتّى يُقال إنّه محال بالنسبة إليه عزَّ وجلَّ (1)


1) (1) مهذب الأحكام : ج 4 / 467 .

الاستخارة

دعاءُ ومسألةً من الله تعالى ،وإيكالُ الأمر إلى علمه ومشيئته، وإظهار ذلّ العبودية لدى حضرة المعبود ، وتسليم الأمور إلى القهُار على طبق أحسن الحكمة وأتمُ النظام، فالاستخارة بهذا المعنى نحو توحيدٍ فعليُ وإظهار عملي لمعنى «إنّه لا جبر ولا تفويض ولكن أمرُ بين الأمرين».

فإنَّ الروح عند الحيرة تتوجّه إلى عالمها الذي نزل منه، لعلّه يستفيد منه شيئاً، فإن كان موحّداً يلزمها التوجّه إلى الله تعالى، وإلا فتقف في الغيب الممكن ، ولا يمكنه التوجّه إلى الغيب الواجب بالذات لقصور ذاته عن ذلک .

ومنه يُعرف أنّ الاستخارة لا اختصاص لها بمذهب الإسلام، بل كلّ من يعترف بالله تعالى ،له طريقُ في رفع حيرته وجلب الخير ودفع الشر، ومثلها في ذلك مثل الصدقة والمشورة الجارية بين البشر ، فكلّ مَنْ يعتقد بعالم غيب في الجملة، يكون له توجّهات إلى ما يعتقد به عند التحيّر والضرورة، سواء كان موحّداً أو لا، والكلّ جائز للأصل، ما لم يرد نهي في الشرع، لفرض أنّهم يستندون وصول الخير ودفع الشرِّ إلى الله تعالى، فلا موضوعية لهذا السبب الذي جعلوه سبيا.

ولم أظفر على نهي إلا ما في خبر الحميري، عن الحجة علیه السلام:

«عن الرجل تعرض له الحاجّة ممّا لا يدري أن يفعلها أم لا، فيأخذ خاتمين فيكتب في أحدهما: نعم أفعل، وفي الآخر: لا تفعل، فيستخير الله مراراً ثمّ يرى

فيهما فيخرج أحدهما فيعمل بما يخرج، فهل يجوز ذلك أم لا؟ والعامل به والتارك له، أهو يجوز مثل الاستخارة أم هو سوى ذلك؟

فأجاب علیه السلام : الذي سنّه العالم علیه السلام ، وهذه الاستخارة بالرّقاع والصلاة».

وهو مضافاً إلى قصور سنده مجملُ دلالته أيضاً، وغايته الدلالة على أفضلية الاستخارة بالرّقاع والصّلاة، ولا يدلُّ على مرجوحيّة غيرهما، ولعلَّ السرّفي الحديث أنَّ الخاتم كان يُلعب به أحياناً ، فلا ينبغي أن يقع به الاستخارة.

ويدلُّ على استحباب الاستخارة - مضافاً إلى ما ذكرناه - الأخبار الكثيرة الدالّة على الترغيب إلى الاستخارة، وهي على أقسام:

القسم الأول: المطلقات، وهي كثيرة، كقول الإمام الصادق علیهم السلام في خبر هارون بن خارجة: «من استخار الله راضياً بما صنع خار الله له حتماً».

وفي خبر عمرو بن حُريث، عن أبي عبدالله عليه السلام:

«فوالله ما استخار الله مسلمُ إلا خار له البتة».

وفي وصيّة النبي صلی علی علیه وآله وسلم لعلى علیه السلام:

«يا عليّ ما حار من استخار، ولا ندم من استشار ».

وفي خبر ابن مضارب، عن أبي عبدالله عليه السلام:

«من دخل في أمر بغير استخارة ثمّ ابتلى لم يُؤجر».

وعنه عليه السلام أيضاً قال الله عزّ وجل: «من شقاء عبدي أن يعمل الأعمال فلا يستخيرني»

وعنه عليه السلام: «كُنّا نتعلم الاستخارة كما نتعلَّم السورة من القرآن».

ثم قال عليه السلام: ما أبالي إذا استخرت على أيّ جنبي وقعت».

القسم الثاني: الاستخارة بالصلاة، وهي أيضا كثيرة، منها: خبر عمرو بن

حُريث، عن أبي عبد الله عليه السلام:

«صلّ ركعتين واستخر الله فوالله ما استخار الله مسلم إلا خار له البتّة». وخبر جابر، عن أبي جعفرعليه السلام : كان عليّ بن الحسين علیهما السلام اله إذا همَّ بأمرٍ حجّ وعمرة أو بيع أو شراء أو عتق تطهّر ثمّ صلى ركعتي الاستخارة».

وعن علىّ بن أسباط:

«قلت لأبي الحسن الرّضا عليه السلام: جُعلت فداك ما ترى آخذ براً أو بحراً فإنَّ طريقنا مخوف شديد الخطر؟

فقال عليه السلام: اخرج برّاً، ولا عليك أن تأتي مسجد رسول الله صلی علی علیه وآله وسلم وتُصلّي ركعتي في غير وقت فريضة، ثمّ تستخير الله».

القسم الثالث :الاستخارة بالرّقاع، ففي خبر هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام:

«إذا أردت أمراً فخذ ستّ رقاع فاكتب في ثلاث منها «بسم الله الرحمن الرحيم حيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان ابن فلانة إفعل»، وفي ثلاث منها: «بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان ابن فلانة لا تفعل»، ثمّ ضعهما تحت مُصلّاك، ثمّ صلّ ركعتين فإذا فرغت فاسجد سجدة وقل فيها مائة مرّة: «أستخير الله برحمته خيرَةً في عافية »، ثمَّ استو جالساً، وقل: «اللهمَّ خر لي واختر لي في جميع أموري في يُسر منك وعافية»، ثمّ أضرب بيدك إلى الرّقاع فشوشها، وأخرج واحدة واحدة، فإن خرج ثلاث متواليات إفعل، فافعل الأمر الذي تريده، وإن خرج ثلاث متواليات لا تفعل فلا تفعله، وإن خرجت واحدة

إفعل والأخرى لا تفعل، فأخرج من الرّقاع إلى خمس فانظر أكثرها فاعمل به، ودع السادسة لا تحتاج إليها».

وإليها يرجع الأخبار الواردة في الاستخارة بالبنادق التي جمعها المجلسي قدس سره في البحار، فراجع .

القسم الرابع : الاستخارة بالحَصى والسّبحة، ففي مرسل ابن طاووس عن الإمام الصادق عليه السلام:

«من أراد أن يستخير الله تعالى فليقرأ الحمد عشر مرّات.....

إلى أن قال عليه السلام : ثمّ تأخذ كفّاً من الحصى أو سبحة، ويكون قد قصد بقلبه إن خرج عدد الحصى والسبحة فرداً كان افعل، وإن خرج زوجاً كان لا تفعل».

القسم الخامس : بالدُّعاء، والأخبار الواردة في هذا القسم كثيرة جدّاً، فراجع مجامع الأخبار، كالبحار وغيره. ويمكن أن يرجع إليها ما ورد من «أَنَّ رسول الله صلی علی علیه وآله وسلم كان يعلّم أصحابه الاستخارة، كما يعلّمهم السورة من القرآن».

القسم السادس: الاستخارة بالقرآن، ففي خبر القمّ ي:

«قلت لأبي عبد الله عليه السلام أريد الشيء فأستخير الله فيه فلا يوفّق فيه الرأي أفعله أو أدعه ؟

فقال عليه السلام : أنظر إذا قمت إلى الصلاة، فإنَّ الشيطان أبعد ما يكون من الإنسان إذا قام إلى الصلاة أي شيء يقع في قلبك فخُذ به، وافتتح المصحف فانظر إلى أوّل ما ترى فيه فخُذ به إن شاء الله».

القسم السابع : الاستخارة بمشورة النّاس، لقول الإمام الصادق عليه السلام- في خبر هارون بن خارجة - :

«إذا أراد أحدكم أمراً فلا يشاور فيه أحداً من الناس حتى يبدأ فيشاور الله تبارك وتعالى.

قال :قلت: جُعلت فداك وما مشاورة الله ؟

قال عليه السلام :تبتدأ فتستخير الله فيه أوّلاً، ثمّ تشاور فيه، فإنّه إذا بدأ بالله أجرى له الخيرة على لسان من يشاء من الخلق».

القسم الثامن : الاستخارة لحدوث العزم له على ما كان متحيّراً فيه، فعن ابن فضّال :

«سأل الحسن بن الجهم أبا الحسن عليه السلام بن أسباط، فقال: ما ترى له - وابن أسباط حاضر - ونحن جميعاً نركب البحر أو البر إلى مصر، وأخبره بخبر طريق البر.

فقال عليه السلام: البر، وائت المسجد في غير وقت صلاة الفريضة، فصلّ ركعتين فاستخر الله مائة مرّة، ثمّ انظر أيّ شيء يقع في قلبك فاعمل به».

ويمكن تقليل هذه الأقسام بالأخذ بالجامع القريب بينها، كما لا يخفى. والظاهر أنّ ما ذُكر في هذه الأخبار من السبحة والحصى والمشورة، وحدوث العزم وغيرهما مما مرَّ من باب الغالب والمثال لا الخصوصيّة، ومقتضى الأصل جواز استكشاف خيرة الله تعالى بكُلِّ حَبَّه أمكن ذلك، ما لم يكن فيه نهيُ شرعيّ، أو عنوانُ محرمُ أو مكروه، إذ لا دليل على حرمة استكشاف الغيب بلا جزم ويقين، بل بطريق الرجاء، وقد كان رسول الله صلی علی علیه وآله وسلم يحبّ الفأل ويكره الطيرة.

وقال صاحب الجواهر في كتاب البيع : «ولعلَّ ذلك كلّه من فضل من فضل الله على عباده، وهدايته لهم بنحو ما جاء عنهم في

الرقي، لأنّها تدفع ،القدر، فقال: إنّها من القدر، وإنَّ هذا الباب باب عظيم ليس المقام مقام ذكره ، خصوصاً ما يتعلّق بالحروف والطلسمات وخواصّ الحروف، وبعض الأشياء وغيرها».

وعليه فيجوز أن يجعل كلّ شيء مباح طريق للاستكشاف بعد الدُّعاء والتوجّه، فإنّ ظهور الأخبار في أنّ جميع ذلك من طرق الاستكشاف ممّا لا يُنكر. وبناء الفقهاء على أنّ القيود الواردة في المندوبات إنّما هو من باب تعدّد المطلوب، ولكن الأولى على ما ورد في الأخبار ، وما عليه سيرة العلماء الأبرار. ثمّ إنَّ الظاهر أنّ الدعوات الواردة في الأخبار من باب الأفضلية، فيجزى بكلّ دعاء يشتمل على الثناء على الله تعالى وطلب الخير منه عزَّ وجلَّ وإيكال الأمر ،إليه، والصلاة على محمّد وآل محمّد بأيّ وجهِ كان ذلك، كما أنّ الظاهر أنّ عدد مائة مرّة في ذكر أستخير الله، أو سبع مرّات، أو ثلاث مرّات وغيرها من الأعداد من باب الأفضلية، فيجزي غيرها.

ثمّ إنّه من الاستخارات ما تسمّى بالجلالة على التفصيل المذكور في البحار، وقيل إنّها مجرّبة.

وما يُنسب إلى الحجّة عجّل الله فرجه: «تقرأ الفاتحة عشر مرّات وأقلّه ثلاثة ودونه مرّة، ثمّ تقرأ القدر عشراً ثمّ تقول هذا الدّعاء ثلاثاً: «اللّهمَّ إنّي أستخيرك لعلمك بعاقبة الأمور، وأستشيرك لحسن ظنّي بك في المأمول والمحذور، اللهمَّ إن كان الأمر الفلاني ممّا قد نيطت بالبركة إعجازه وبواديه، وحقّت بالكرامة أيّامه ولياليه، فخر لي اللهمَّ لي فيه خيرةً ترد شموسه ذلولاً، وتقعض أيّامه سروراً، اللهمَّ إمّا أمر فأيتمر وإمّا نهيُ فانتهي اللهمَّ إنّي أستخيرك برحمتك خيرةً في عافية، ثمّ

تقبض على قطعة من السبحة تضمر ، فإنَّ كان عدد القطعة زوجاً فهو إفعل، وإن كان فرداً لا تفعل أو بالعكس».

ولنا استخارة أخذناها عن بعض مشايخنا قدس سره وقال: إنّها مجرّبة، وهي أن يقرأ التوحيد مرّة واحدة، وتقول: «يا أبصر الناظرين ويا أسمع السامعين، ويا أسرع الحاسبين، ويا أرحم الراحمين صل على محمّدٍ وآله »ثمّ يؤخذ قبضة من السبحة، وتعدّ زوج ويقول: إفعل، ثمّ يعد زوج آخر ويقول: لا تفعل، فإن بقي في الآخر زوج إفعل فحسنُ جدّاً، وإن بقي زوج لا تفعل فهو ترك، وإن بقي واحد إفعل فيكون فعله أرجح من تركه، وإن بقي واحد لا تفعل يكون تركه أرجح من فعله.

وهذه كلّها من طرق الجعل والمواضعة، ويجوز أن يجعل طريقة أخرى غير ما ذكرناه (1). (1)

الاسم الأعظم :

وفي تعليقة له رحمة الله على ما روي أنّ علياً علیه السلام قال: «يا مَن هو يا من ليس هو إلا هو»، وعرض ذلك على سيّد الأنبياء صلی علی علیه وآله وسلم الله فقال لعلي: «علمت الاسم الأعظم». قال قدس سره: «نعم هو اسم أعظم لمن انقطع إليه تعالى كمال الانقطاع فتجلّى له حينئذٍ حقيقة أنّه ليس هو إلا هو (2).(2)

وفي تعليقة له على رواية ابن عبّاس عن النبي صلی علی علیه وآله وسلم أنّه قال: «اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب في هذه الآية - آية الملك ».


1) مهذب الأحكام : ج 9 / 105 .

2) مواهب الرحمان : ج 5 / 9 .

قال قدس سره : «المراد من كون الاسم الأعظم في هذه الآية الشريفة، إمّا الاسم الأعظم الحالي لمن حصل له حالة خاصّة، أو المقالي لكن مع شروط خاصّة لابدّ منها» .

ثمّ قال: عن بعض الأعاظم أنّ من قرأ هذه الآية وبعد تمامها، قال: يا رحمان الدُّنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي منهما ما تشاء وتمنع منهما ما تشاء، أقض عنّي ديني »يقضي عنه دينه، وقد جرّب ذلك بعض ، والله العالم» (1)(1)



1) المصدر نفسه ص 226

حول الولاية

ثمّ إنَّ خلق الدُّنيا بما فيها من الأرض، والجبال والبحار، والمعادن إلى غير ذلك ممّا لا يمكن تحديد منابع منافعها بحدّ معيّن:

إمّا أن يكون من مجرد العبث.

أو لأجل أن ترعى فيها الأنعام، والبهائم، والوحوش فقط .

أو لأجل أن يسيطر عليها أناس ، ويحكموا فيها بأوهامهم التي لا واقعية لها، ويظهر خلافها عندهم بعد مضيّ زمن يسير.

أو يكون خلق الدُّنيا لأجل الحق والحقيقة، وعباد الله الذين اختصّهم الله لنفسه. وينظّمون الدُّنيا نظماً إلهيّاً واقعياً، ويصلحون الدُّنيا شخصياً ونوعياً، إصلاحاً حقيقيًا بنحو النظام الأتمّ الأكمل على أحسن ما يمكن أن يتصوّر عليه.

والعقل المستقلّ يحكم ببطلان الأوّل؛ لأنّه تعطيل للفيض المطلق، مع استعداد المحل وكمال قدرة الفاعل، كما قد ثبت كلّ ذلك في محله.

وكذا الثاني ظلمُ وتعطيل للحقِّ عن أهله ومحلّه، مضافاً إلى مفاسد نوعية وشخصية تترتّب عليه.

فتعيّن القسم الأخير، وتدلّ عليه الأخبار المستفيضة، منها خبر المعلى :

«قال: قلت لأبي عبد الله عله السلام: ما لكم من هذه الأرض؟

فتبسّم ثمّ قال : إنَّ الله بعث جبرئيل وأمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في الأرض ؛ منها سيحان، وجيهان ، وهو نهر بلخ، والخشوع، وهو نهر الشاش، ومهران

وهو نهر الهند ،ونيل مصر، ودجلة والفرات، فما سقت أو أسقت فهو لنا، وما كان لنا فهو الشيعتنا، وليس لعدوّنا منه شيء إلا ما غصب عليه ، وإنَّ وليّنا لفي أوسع فيما بین ذه إلى ذه يعني ما بين :يعني ما بين السماء والأرض.

ثمّ تلا هذه الآية: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } (1)(1)المغصوبين عليها «خالصة لهم يوم القيامة » بلا غصب ».

وعنه علیه السلام أيضاً: «إنَّ جبرئیل علیه السلام کری برجله خمسة أنهار، لسان الماء يتبعه الفرات ودجلة، ونيل مصر، ومهران ،ونهر بلخ، فما سقت أو سقى منها فللإمام، والبحر المطيف».

وعن أبي جعفر علیه السلام، قال : «قال رسول الله صلی علی علیه وآله وسلم :خلق الله آدم، وأقطعه الدُّنيا قطيعة، فما كان لآدم لهو لرسول الله صلی علی علیه وآله وسلم، وما كان لرسول الله صلی علی علیه وآله وسلم فهو للأئمّة من آل محمّد».

وعنه علیه السلام أيضاً: «وجدنا في كتاب علي علیه السلام : إنّ الأرض الله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين. أنا وأهل بيتي اللذين أورثنا الأرض، ونحن المتّقون والأرض كُلّها لنا فمن أحيا أرضاً ميّتاً من المسلمين فليعمرها ، وليؤدّي خراجها إلى الإمام علیه السلام الحديث - ».

إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة المتفرَّقة في الأبواب المختلفة - كالجهاد، وإحياء الموت، وأحكام الأراضي - وقد جعلناها مطابقة لحكم الفطرة، فلا تعبد ولا استعجاب فيها بشيء أبداً.

ثمّ إنَّ مالكية الإمام للأرض بما فيها وعليها تتصوّر على وجوه:


1) سورة الأعراف : الآية 32 .

الأوّل: الملكية الشخصية كسائر أملاكه الشخصية التي اكتسبها في حياته وتصل بعد موته إلى وارثه مطلقاً، إماماً كان أو غيره، ولا ريب في بطلان هذا الوجه.

الثاني: أن يكون ملكاً للإمام ملكاً شخصيّاً، وبعد ارتحاله ينتقل إلى الإمام بعده لا إلى الورثة نظير ملكية الحياة الوالد الأكبر بعد الانتقال إليه بالإرث بأنّه يملكها ملكاً شخصياً مطلقاً وهذا أيضاً باطل.

الثالث: أن يكون للإمام حق فيها من جهة صرفها وصرف منافعها في المصالح البشرية، من حيث أنّه علیه السلام رئيسهم، وأنه الباب المبتلى به الناس، ويجب عليه تنظيم أمور دُنياهم وآخرتهم نظماً واقعياً إلهياً، ولا ريب في تقوّم ذلك كلّه ،بالمال فبسط الله يد خليفته لإصلاح عباده، وتنظيم بلاده، والظاهر تعيّن هذا الوجه.

ويمكن أن يجمع بين الكلمات، فمن يقول بعدم الملكية، أي بالنحو الأوّل، ومن يقول بها أي بالنحو الأخير.

كما أنّ الظاهر عدم كون هذا المنصب لنائب الغيبة، لأنّ لمرتبة العصمة موضوعيّة خاصّة في هذا المنصب العظيم، بل ما قلنا سابقاً من صحّة تصرّفه في صفايا الملوك مشكلُ أيضاً؛ لاحتمال اختصاصها بمرتبة العصمة.

نعم، الظاهر ثبوت الولاية في الجملة بالنسبة إلى بعض الأراضي، والمعادن، ونحوه لنائب الغيبة أيضاً (1). (1)


1) مهذب الأحكام : ج 11 / 425 .

وقال رحمة الله في موضع آخر:

ثم إنّ الولاية بجميع فروعها ومشتقّاتها، تتضمّن معنى السلطة والاستيلاء والأولوية ونحو ذلك، ومقتضى الأصل عدم تعدّد الوضع تعدد الوضع مع إمكان إرجاع جميع ما ذكره أهل اللغة في معاني هذه المادّة إلى جامع قريب عرفي، ولو فرض اختلافُ بعد ذلك في البين، فيصحّ أن يكون ذلك من اختلاف دواعي الاستعمال في الجامع القريب العرفي ،هذا في جملة كثيرة ممّا ذكر في معاني هذه المادّة. وأمّا في جملةٍ منها، فلابدّ من القول بالاشتراك اللفظي، ولا مجال للبحث عن أكثر من هذا. ولابدَّ من بيان أمور:

الأول: مقتضى الأصل العملي والأدلّة الاجتهادية مثل قوله علیه السلام : «لا يحلُّ مال امرء مسلم إلا بطيب نفسه»، وقوله علیه السلام: «الطلاق بيد من أخذ بالساق»، وأدلّة سائر المسبّبات المتوقّفة على أسباب خاصّة، عدم الولاية لأحدٍ على أحد في نفسه أو ماله أو عرضه، إلا بدليل قطعي صريح ، وهذا الأصل نظير أصالة عدم الحجّية والاعتبار التي أثبتوها بالأدلة الأربعة، بل الشكّ في ثبوت الولاية يكفي في عدم

ثبوتها.

الثاني : الولاية إمّا ذاتية عامة تكوينيّة وتشريعيّة معاً، فوق ما تتعقّله من معنى الولاية، وهي مختصّة بالقُّيوم المطلق على كلّ شيء، وهو الله جلّ جلاله بإجماع جميع الأنبياء والمرسلين والفقهاء والحكماء المتألّهين والعرفاء الشامخين، بل جميع المليّين من الناس أجمعين، وقد أثبت ذلك علماء المٍلل والأديان السماوية بأدلّة عقلية ونقلية، ولا معنى للقيُّوم الذي هو أمّ الأسماء الإلهية إلا هذا، والتفصيل يطلب من غير المقام.

وأمّا غيرية إفاضية، وهي مختصّة بإفاضة الله تعالى على من يشاء من عباده بما يشاء كيفيّة وكمّية ،تكوينيّة كانت أو تشريعيّة، وهي مختصّة بالأنبياء والمرسلين، وفي رأسهم سيّدنا خاتم الأنبياء وخلفائه المعصومين صلی علی علیه وآله وسلم وخلفائه المعصومين علیه السلام ، فقد أفاض لهم الله تعالى من الولايتين بما شاء وأراد عزّ وجلَّ، وطريق إثبات ذلك ما تواتر عنهم من المعاجز التكوينيّات وبيان الأحكام في التشريعيّات، مع أنّ هذا البحث ساقطُ أصله، لأنّ وجوب إطاعتهم في التشريعيّات من الضروريات، وكذا وجوب الاعتقاد بقدرتهم على الإعجاز في الجملة، ولا دليل من عقل أو نقل على وجوب الاعتقاد بأكثر من ذلك، حتّى تتّرتب على البحث ثمرة عملية ويصرف الوقت فيما عن ليست فيه ثمرة عملية بل ولا علمية.

الثالث: دلّت الأدلّة الأربعة على أنّ النبيّ صلی علی علیه وآله وسلم أولى بأمّته من أنفسهم: فمن الكتاب: قوله تعالى : {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}.(1) (1)

ومن السنّة: ما استفاض عنه صلی علی علیه وآله وسلم من طريق الفريقين: «أنا أولى بكُلٍّ مؤمن من نفسه »وما يقرب من هذا التعبير.

ومن الإجماع: إجماع جميع المسلمين.

ومن العقل : أنّه صلی علی علیه وآله وسلم أعلمهم بمصالحهم ومفاسدهم، شخصياً ونوعياً، ولا يرضى لهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم، بخلاف نفس الإنسان حيث أنّه قد يرد نفسه في مهالك عظيمة في الدُّنيا والآخرة، ولا اختصاص لهذه الأولوية بنبيّنا الأعظم ، بل كلِّ نبيّ أولى بأمّته من نفوسهم، بل يجري ذلك في العالم الربّاني


1) سورة الأحزاب : الآية 6 .

الداعي إلى الله والحاكي قولاً وعملاً عنه تعالى، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فضلاً عن النبيّ المعصوم المؤيّد بالتأييدات السماوية.

فما معنى هذه الأولوية التي تطابقت عليها الأدلة؟!

فهل المراد بها التسلّط المطلق على نفوس الناس وأعراضهم وأموالهم، بكُلِّ ما شاء وأراد، فيجوز له أن يستخدم الناس جبراً عليهم بلا أجرة المثل، وأن ينكح المرأة الزوجة قهراً على زوجها وأن ينكح الفتاة البكر بدون إذن منها ومن وليّها، وأن يأخذ أموال الناس بلا إذنهم ورضائهم ؟!!

حاشا أنبياء الله وسيّدهم عن هذه الأولوية التي تستنكرها الطّباع، وتنفر عنها النفوس، بل لا يليق بالله تعالى أن يرضى بهذه الأولوية لخاتم أنبيائه ولسفرائه، وقد روى عنه صلی علی علیه وآله وسلم الفريقان :

«مَنْ ترك مالاً فلورثته ، ومَنْ ترك دينا أو ضياعاً فعلى واليَّ».

وقال أبو الحسن عليه السلام : فصارصلی علی علیه وآله وسلم بذلك أولى بالمؤمنين من أنفسهم».

فالمراد بهذه الأولوية: ولاية العناية والتدبير والإصلاح، مع حفظ جميع القوانين العقلية والشرعية بواجباتها ومحرَّماتها ومندوباتها ومكروهاتها ومباحاتها، فأصل جعل الأولوية إنّما يكون لحفظ القوانين وتنظيمها، كما يُقال الطبيب أولى بالمريض من نفسه، والمعلّم أولى بالمتعلّم من نفسه، والمعمار المهندس الخبير أولى بهندسة الدار من صاحبها إلى غير ذلك ممّا هو شائع كثير، وهذه الأولوية فطرية عقلية. لا أن يكون من الشرعيّة، فالحكم بها مطابق للعقول السليمة والفطرة المستقيمة. نعم، لو تصرف المعصوم علیه السلام في مال أحدٍ أو في نفسه أو في عرضه، يكشف ذلك عن وجود مجوّز شرعي في البين، وإن كنّا لا نعلمه .

إنّما الكلام أنّه مع إحراز عدم المجوّز الشرعي في البين بوجه من الوجوه، هل لهم الولاية على التصرّف أيضاً أو لا؟

وحيث أنَّ المسألة غير ابتلائية لا وجه للتفصيل، بل لعلَّ بعض التفصيلات من سوء الأدب.

وتظهر الثمرة فيما إذا قلنا بثبوت هذه الولاية للفقيه أيضاً، ولكنّه لا ثمرة له أيضاً، لأنّه على فرض ثبوت هذه الولاية له، ما لم يقطع بمجوّز شرعي لا يتصرّف، فلا ثمرة في البين أصلاً.

إن قيل : فما معنى ما ورد من الأرض كلّها لهم، والناس عبيدُ لهم، وهذا ينافي ما قلت في معنى الأولوية؟

يُقال : معنى مملوكية الأرض، وكذا الناس، لابدّ إمّا أن يُراد المملوكية من سنخ مملوكية الموجودات الله تعالى، ومالكيّته لما سواه التي لا تنافي الملكية الإضافية للناس بالنسبة إلى ما يملكون.

أو يُراد بها الأنفال والمراد بمملوكيّة الناس ملك الطاعة ، لا ملك الذات، كما فُسّرت به في بعض الروايات، وقد أشرنا إلى بعض ذلك في كتاب الخمس، فراجع.

فتلخّص: أنَّ الأولوية التدبيرية للناس ثابتة للنبيذصلی علی علیه وآله وسلم وخلفائه المعصومين بالأدلّة الأربعة، في جميع ما له دخل في الإسلام حدوثاً وبقاء، نوعياً وشخصياً، للمسلمين دعوة إلى الإسلام، وبياناً للأحكام وإنفاذاً لها، وعقوبة على تركها، وتنظيماً للبلاد، وبثّ ما هو صلاح العباد في شؤونهم الاجتماعية والشخصية، ولا معنى للحكومة الإلهية التي بعث بها النبيّ صلی علی علیه وآله وسلم إلا ذلك، وفي كلّ ذلك يكون

النبي صلی علی علیه وآله وسلم وخلفائه المعصومون أولى بالمؤمنين من أنفسهم، لفرض أنّه يختار ذلك ما هو الأصلح لهم في دينهم وفي دُنياهم.

ثمّ إنه لا ريب في وجوب إطاعة النبيّ صلی علی علیه وآله وسلم والإمام فيما يبلّغ عن الله تعالى، لاستقلال العقل بوجوب إطاعته تعالى من باب وجوب شكر المنعم.

وأمّا لو كان أمر النبىّ صلی علی علیه وآله وسلم أو الإمام شخصياً، بحيث لا يرجع إلى الله تعالى، فهل تجب الإطاعة أيضاً؟

الظاهر ذلك لكونهم وسائط الفيوضات المعنوية والظاهرية، فتشملهم ما دلَّ على وجوب شُكر المنعم ، ولكن يظهر من الآية الكريمة: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(1)(1)إنّهم أسقطوا حقوقهم ، فلا تبقى ثمرة مهمّة لهذا البحث أصلاً .

الرابع: لا ريب في أنّ للفقيه الجامع للشرائط منصب الفتوى، فيما يحتاج إليه العامّي، ومنصب فصل الخصومة بما يراه حقّاً في المرافعات ،والدليل عليه - مضافاً إلى ما تعرّضنا له من الأخبار في الاجتهاد والتقليد والقضاء - ما ارتكز في الأذهان من الرجوع إلى أهل الخبرة، ولا ريب في أنّه من أهل الخبرة، ولذا لا اختصاص لثبوت المنصبين بعلماء دين الإسلام، بل هما ثابتان لعلماء الأديان عند المتديّنين بها، لما مرّ ! من الارتكاز في نفوسهم وحكم فطرتهم بذلك.

وهل يثبت للفقيه الجامع للشرائط، ما ثبت للمعصوم عليه السلام من الولاية على المسلمين، في جميع ما له دخل في شؤونهم الإسلامية، ممّا تقدّم التعرّض لبعضه، أو ليس له إلا منصبىّ الإفتاء والقضاء؟ 3


1) سورة الشورى : الآية 23

قولان، والظاهر أنّ هذا النزاع على طوله وتفصيله صغروي، لا أن يكون كبروياً، كما يظهر من أدلّة الطرفين، والنقض والإبرام الوارد منهم في البين؛ لأنّ المراد بالفقيه الذي يكون مورد البحث في المقام من استجمع ما ذكرناه من الصفات في كتاب الجهاد، وما سنشير إلى بعضها في كتاب القضاء، فإذا وُجِد من اتّصف بتلك الصفات، تنطبق عليه الولاية المطلقة قهراً شاء أو لم يشأ.

وبعبارة أخرى: لو تحقّق ما تقدم من الصفات في شخص، يصير كأنّه الإمام عليه السلام بعد استقرار إمامته الظاهرية، ولا يكفي تحقّق بعض ما سبق من الصفات لثبوت مثل هذه الولاية، فلمجموعها من حيث المجموع دخل في تحقّقها. نعم، مع وجود بعضها وتيسّر الأسباب، يجوز له التصدّي فيما تيسّر، بل قد يجب ذلك، ولكن لا ربط له بالولاية المطلقة التي هي مورد البحث، فجواز التصدّي أو وجوه أعمّ ممّا يبحث عنه في المقام، ومقتضى الأصل عدم هذه الولاية المبحوثة عنها إلا في المتيقّن من مورد ثبوتها ، وهو الذي قلناه، ويتمّ مقام الإثبات قهراً بعد ثبوت المقتضى، وفقد المانع ، وليس لمثل صاحب الحدائق قصر ولاية مثل هذا الشخص على خصوص الإفتاء والقضاء، فإنّه خلاف ما يرتضيه الناس بالنسبة إليه.

ثمّ إنّه قد استدلَّ على ثبوت الولاية له بوجوه:

الأوّل: أن تنظيم تلك الأُمور التي تكون مورد الولایة العامّة والخلافة العظمى، مطلوب الله تعالى إلى يوم القيامة أو لا؟

والثاني باطل لما ورد الأمر بها والترغيب والتحريض إليها، وعلى الأوّل إما أن يكون المتقمّص لها كلِّ مَنْ استولى عليها ولو من الظَلمة، وهو باطلُ بالضرورة، أو يكون هو شخص خاصُ ذات منصبي الإفتاء والقضاء، وهذا هو المتعيّن وهو المطلوب

الثاني: أنّ ما ثبت للنبي صلی علی علیه وآله وسلم والإمام علیه السلام من حيث الزعامة الكبرى والزعيم الديني من الأمور الفطرية التي يرجع فيها كلّ ذي ملّة ونحلة إلى رئيسهم الديني، فهذه سيرة عقلائية في جميع الأعصار والدُّهور، وهي متّبعة في الشريعة الإسلامية، إلا مع وجود دليل خاصّ على الردع ، ولا رادع عنها في البين، فتشملها إطلاقات الأدلّة وعموماتها.

وأشكل عليه تارةً :بأصالة عدم الولاية، وعدم ترتّب الأثر.

وأخرى :بأنّ بعض تلك الأمور مرتبط بولاية غيره، كمورد ولاية الأب والجدّ؛ أو بنظر غيره لكونه أبصر بها منه، كما هو معلوم في جملة كثيرة من

العرفيات.

والكلِّ باطل : أمّا الأولى، فلأنّه لا وجه للأصل مع السيرة القطعية، وإن غصب جملة من مواردها الظَلمة، والكلّ يعترفون بأنّهم غصبوا المنصب. وأمّا الثانية، فلأنّ تلك الموارد خرجت بالدليل، ولا منافاة بينه وبين أصل السيرة العامّة ، لأنها كالعامّ يصلح للتخصيص.

وأمّا الأخير، فلأنّ لهذا الزعيم الروحي بُصراء وخُبراء يصدرون عن رأيه وأمره، ولا منافاة بين الزعامة الكبرى ومثل هذه الأمور ، كما هو واضح . الثالث: ما ثبت للإمام علیه السلام من الولاية، إنّما هو لأجل كونه ملجأ الخلق وملاذهم، ومرجع شؤونهم الدينيّة، ولا موضوعيّة للعصمة من حيث هي في ذلك كلّه، وإنّما هي بالنسبة إلى هذه الأمور طريقية للاستيمان، ووضع الأشياء في ،مواضعها وإن كانت معتبرة من حيث الموضوعية فى الإمامة، فللعصمة حيثيّتان: حيثيّة كونها من أعلى كمالات النفس الإنسانية، وحيثيّة كونها موجباً لتنظيم

الأمور على طبق الوظيفة الشرعية، وموجباً لسكون النفس إليها، والجهة الأخيرة هي مناط الولاية، وهذه الحيثيّة موجودة في الفقيه العدل الجامع للشرائط، المخالف لهواه ،فيثبت له ما كان لهم علیه السلام من الولاية أيضاً.

الرابع: بعد سدّ باب ولاية الجور والظلم بالكلّية، فإن انسدّ باب ولاية الفقيه الجامع للشرائط، يكون تضييقاً على الشيعة، وأيّ تضييق أشدّ منه.

الخامس : أنّ أمير المؤمنين علیه السلام أعطى مثل هذه الولاية لمحمّد بن أبي بكر ومالك الأشتر، ولا ريب في أنّ الفقيه الجامع للشرائط أرفع منهما قدراً، وأجلّ شأناً ، فلابدّ من ثبوتها له بالفحوى.

قال صاحب الجواهر في كتاب الزكاة، ونعمَ ما قال:

«إطلاق أدلّة حكومته، خصوصاً رواية النصب التي وردت عن صاحب الأمر له الفداء، يصيّره من أولى الأمر الذي أوجب الله علينا طاعتهم. نعم، من المعلوم اختصاصه بكلّ ما له في الشرع مدخلية حكماً أو موضوعاً.

ودعوى: اختصاص ولايته بالأحكام الشرعية.

يدفعها معلومية كثير من الأمور التي لا ترجع إلى الأحكام، كحفظه لمال الأطفال والمجانين والغائبين، وغير ذلك ممّا هو محرّر في محلّه، ويمكن تحصيل الإجماع عليه من الفقهاء، فإنّهم لا يزالون يذكرون ولايته في مقامات عديدة، لا دليل عليها سوى الإطلاق الذي ذكرناه المؤيّد بمسيس الحاجة إلى ذلك أشدّ من مسيسها في الأحكام الشرعية».

وقال فى كتاب الخمس أيضاً ما يقرب منه.

السادس: إنّ عقيدة الإمامية أنّ الفقيه الجامع للشرائط، يقوم مقام الإمام في

كلّ ما له من المناصب والجهات إلا مختصّات الإمامة كالعصمة ونحوها.

السابع: إطلاقات الأدلّة الواردة لتقرير مرتكزات الناس، مثل قوله صلی علی علیه وآله وسلم:«اللهمَّ ارحم خلفائي ثلاثاً ، قيل : ومَن خلفاؤك يا رسول الله ؟

قال صلی علی علیه وآله وسلم : الذين يأتون بعدي ويروون حديثي وسُنّتي».

وقول أبي عبد الله علیه السلام : «إنّ العلماء أمناء »

وقوله علیه السلام: «مجاري الأمور بيد العلماء الأُمناء بالله على حلاله وحرامه».

وقوله علیه السلام: «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً».

وقوله علیه السلام: «فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً».

وقول الحجّة علیه السلام: «فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله».

وقوله علیه السلام: «أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا».

إلى غير ذلك ممّا ورد عنهم، فإنّ المنساق من إطلاق الخلفاء، والأمناء، والحجّة، والرجوع في الحوادث الواقعة، إنّما هو التنزيل منزلة النفس من كل جهةٍ، إلا ما خرج بالدليل.

واحتمال أنّ المراد خصوص بيان الأحكام وفصل الخصومة، مخالفُ لهذا الاهتمام البليغ الذي اهتمُ به الأئمة علیه السلام .

وبالجملة، الفطرة تحكم بأنّه إذا انقطع يد الرئيس عن رعيته ظاهراً، وجعل شخصاً نائباً منابه تعمُّ النيابة جميع ما للرئيس من الجهات والمناصبً، إلا ما دلَّ الدليل على التخصيص والخروج.

إن قيل: إنّ الدليل على التخصيص أصالة عدم الولاية والحجّية، إلا في المتيقّن وهو الإفتاء والحكومة.

يُقال: لا وجه للأخذ بالمتيقّن مع ظهور الإطلاق، وما تقدّم من الأدلّة. نعم، لو بني على التشكيك لنا أن نشكّك حتّى في الضروريات، ولم أرَ تشكيك في الإطلاقات في كلمات القدماء فيما تفحّصت عاجلاً، وإنّما حدث ذلك عن بعض متأخّري المتأخّري.

ولكن مع ذلك كلّه موارد تشخيص الولاية في غير المتيقّن منها في هذه الأزمان مشكل جدّاً، فلابدّ من التأمّل التامّ.

وحيث لا ثمرة في البحث، فلا وجه للتفصيل بأكثر من ذلك؛ لأنّ هذه الولاية الكلّية منوطة ببسط اليد من كلّ جهة، وهو كان مفقوداً في إمام الأصل علیه السلام فضلاً عن نائبه. نعم، فيما يتمكّن وتبسط يده فيه فله الولاية وإن كان نظرة ثبوتها له.

الأمر الخامس: التصرف في الأمور:

تارةً: تكليف مباشري للرئيس.

وأخرى: منوط بإذنه من أي شخص صدر.

وثالثة: تكليف شخصي بالنسبة إلى كلّ أحد.

ورابعة :يشك في أنّه من أيّ الأقسام.

ولا إشكال في حكم غير الأخير منها ، إمّا هو فإن كان من المصالح ولم تكن فيه مفسدة، يجوز لكلّ أحد تصديّه؛ لإطلاق قوله تعالى: {وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ ِبكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْ قَديرٌ} (1) (1)، وقوله علیه السلام : «كلّ معروف صدقة»، وقوله عليه السلام : «الله في عون المؤمن ما


1) سورة البقرة : الآية 148 .

دام المؤمن في عون أخيه»، إلى غير ذلك من الأدلّة المرغّبة إلى مثل هذه الأمور. وإن كانت فيه مفسدة فلابدّ فيه من مراجعة الحاكم الشرعي.

الأمر السادس: ما كان منوطاً بإذن الفقيه ونظره ، ولم يكن فقيةُ في البين يجوز للمؤمنين القيام به، لفرض أنّ أصله مطلوب ومرغوب إليه من الشارع، والقطع ببقاء التكليف وعدم سقوطه الإذن فيه من الفقيه شرطّ اختياري ويسقط عدم التمكّن منه ، وتفصيل المقام سيأتي في ضمن المسائل الآتية (1). (1)


1) مهذب الأحكام : ج 396/16، وللتوسعة براجع كتاب «الزكاة » من « مهذب الأحكام » ج 276/11 .

طلاق الدنيا

تقدَّم بعض ما يرتبط بطلاق الزوج لزوجته، وهو أمر مبغوض عند الخالق والمخلوق، وهناك طلاق آخر هو مجمع الكمالات الإنسانية، وأهمّ طرق السير والسلوك إلى الله تعالى، وتتجلّى أهميّته في اجتماع التخلية عن الرذائل، والتحلية بالفضائل والتجلية بصفات الباري عزَّ وجلَّ فيه، وهو طلاق الدُّنيا وما سوى الله جلّت عظمته، وهو أيضاً مرتان{ فإمْسَاكَ بِمَعْرُوف أو تشريح بإحْسَان }(1) (1)، وإنّ له درجات :

الأولى : ما إذا كانت الدُّنيا سبباً للانغمار في عالَم الغرور، وحجاباً عن عالَم النُّور، فترتع النفس في الجهالات والظلمات ، فلا يفيدها منع مانع ولا ترتدع بأيّ رادع. وطلاق مثل هذه الحالة واجبُ على كلّ نفس تريد الاستكمال والترفّع عن دار الوهم والخيال ، والارتقاء إلى عالَم الحقائق التي لم تزل ولا تزال.

الثانية: ما إذا أمسك نفسه عن الانغمار في عالَم الغرور طلباً للاستكمال، فتشرق على النفس من عالَم الأنوار، فترفض الدُّنيا وما يبعدها عن ساحة قدسه تعالى، ولا ريب في حُسن هذا الطلاق الشرائط المقرّرة فى الشريعة المقدَّسة، وبعد ذلك تصل النوبة إلى الإمساك بالمعروف، فيعمل بما يرتضيه الرحمان، ويرتقي بذلك إلى درجات الجنان.

الثالثة: وهي آخر المراتب وأعلاها، وهي قطع العلاقة والإضافة القلبية مطلقاً،


1) سورة البقرة : الآية .229

عملاً بما يُقال: «إنّ التوحيد إسقاط الإضافات»، وهذا هو التسريح بالإحسان. وطلاق الدُّنيا في أيّ مرتبة حصل، لا ينافي بقاء الدُّنيا تحت سلطته وإرادته، كما في طلاق أولياء الله تعالى للدُّنيا، فقد تمثّلت الدَّنيا في صورة خارجیة_وهي صورة أجمل نساء_ لسیّد الانبیاء في لیلیة المعراج و في صورة بُثينة _التي كانت أجمل نساء عصرها - لعليّ علیه السلام ، فقال لها:

«غُرِّي غيري لا حاجة لي فيكٍ قد طلّقتكٍ ثلاثاً لا رجعة فيها».

فطلاق الدُّنيا بالشرائط المقرّرة في الشرع ،من أفضل الدرجات وأعلى المقامات، واجب عند المخلصين والصدّيقين المتفانين في حبّ الله تعالى. وهو أوّل منزل السَّير إلى ربّ العالمين، ومن جهة الاستقامة والبقاء عليه تجتمع فيه سائر المقامات من التخلية والتحلية والتجلية بل الفناء، والثباتُ عليه ثباتُ في الرحمة الواسعة التي لم تزل ولا تزال، ويشتدّ مقام التوحيد فيعبد الله جلّت عظمته حبّاً له لا لشوق الوعد ولا خوف الوعيد (1).(1)

وقال في مورد آخر:

هذا في سكر الخمر وثمالتها والميسر الذي يلهي عن ذكر الله، فما بالك بسكر الدُّنيا الناشئ من حبّها، الذي هو من أمراض النفس الخطيرة فيسلب لبّ الإنسان ويفقده صوابه.

ولحبّ الدُّنيا وسكرها مظاهر كثيرة ، فقد يحصل من المال أو الجاه والرياسة، وقد يدخل في أمور دقيقة عند السالكين والعارفين، وقد يغفل عنها فتظهر على نواياه أو أقواله وأفعاله، فإن لم يعالجها يرجعه إلى أسفل السافلين، ولذا كان


1) مواهب الرحمان : ج 4 / 32 .

الأنبياء والمرسلون يتعوّذون بالله منهما، ويتوبون ويستغفرون الله ممّا قد يصدر منهم في أطوار حياتهم المعنوية، فإنّ الأمر دقيق جدّاً، والإنسان في اختبار وامتحان مستمريّن، وكانت سيرة الأئمّة الأطهار علیه السلام في تعاملهم مع الدُّنيا على حذر شدید

وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام :

«والله لقد نَزَلَت الدُّنيا عندي منزلة الميتة متى اضطررت إليها أكلت».

فإنَّ جمالها الفاتن يخلب القلوب، ويصدّ السالك المجذوب.

وقد نقل عن بعض العرفاء في حقّ منه كان مشغولاً بنفسه، وزاهداً عن الدُّنيا ومفاتنها مدّة طويلة، لما عرضت عليه القضاء ،فقبلها، قال: إنّه كان يضمر حبّ الدُّنيا مدّة أربعين سنة، وهو صحيح فإنّه يبقى في مكنون النفس مدّة طويلة، ويكون صاحبها مشغولاً في جهة أخرى (1). (1)



1) مواهب الرحمان : ج 12 / 418

مقطوعات شعرية مقتبسة من كتاب (مهذّب الأحكام)

المقطوعة الأولى: في السجود

سرالعبودية للمعبود يظهر فيالإتيان بالسجود

وهو مقام شامخُ للساجد أفضل فعل للمصلّي العابد

قد مَدَح السجود القرآن مدحاً بليغاً ظاهر البيان

وضع الوجوه الغَرّ فى ترب الفلا تخضّعاً لربّ الأرض والسما

غاية قرب العبد الله العلي إفاضة الخفيّ منه والجلي

ولو رأى قلبك حال الأوليا من راكع أو ساجد أو في الدُّعا

رأيت فيهم شرفاً عظيما ومنبتاً - طاب لهم - كريما

تجلّت الأنوار في قلوبهم والنور والسيماء في وجوههم

وأخلصوا نياتهم من ريب ورابطوا بجهدهم بالغيب

جارية دموعهم في الخدٍّ يطالبون ربّهم بالجدّ

في حال عبرة وخوف وبكا تخفيف أهوال تُرى يوم الجزا

قنوتهم في ظلمات الليل له هديرُ كهدير السير

أنیهم یرفع للسماء دموعهم تجري من البكاء

اضطربوا بكلّ معنى القول لما يلاقي الخلق يوم الهول

قد أنحلوا أبدانهم بالطاعة أدهشهم خوف قيام الساعة

حالاتهم داعية إلى الله أحوالهم حاكية عن الله

فلو نظرت نحو أطراف الفلك ترى سجوداً فرقاً من الملك

لا يرفعون رأسهم إلى الأبد تخضعاً للواحد الفرد الصمد

أنفاسهم تسبيح أو تقديس شعارهم يا نور یا قدّوس

أشواقهم خارجة عن حدّ حالاتهم مثوبة بالوجد

لقد تفانوا في حريم الكبريا فاكتشفوا بذاك سرّ الأوليا

نشاطهم من عالم السرور لا كنشاط عالم الغرور

تغشاهم الجذبة من نور الأحد وهي عناية بهم من غير حدّ

إن السجود مع ما فيه اعتبر أعظم باب الحوائج البشر

حبواً إلى أوسع باب الرحمة وكان ذاك من علوّ الهمّة

أفضل حال لاستجابة الدُّعا حال السجود فاستمع لمن وعى

وحقّقوا حاجاتكم في السجدة فإنّها لذاك نِعْمَ العُدّة

فكم دعاء استجيب فيه ونال جمع فيه ما يرضيه

فاغتنموا حال السجود مطلقا إلى مقام القرب منه يرتقى (1)(1)


المقطوعة الثانية في القيام

وقُم قيامَ البائس الذّليل بين يديه يدي مُهيمن جليل

فالسِّرُّ في حُضورهٍ علانيَه وليسَ مسوراً عليه خافيه

ولازم الوقَار في حضور مٍن أسرارنا لدى جَنَابِهِ عَلَن


1) مهذب الأحكام: ج 7 / 44.

يُحبُّ كُلَّ مَن دَنَا إِليهِ بفِيضُ من ألطافهِ عليهِ (1)(1)


المقطوعة الثالثة : في الركوع

واركع ركوع خائف مسكين لدى مليك راح مليك راحِمٍ مُعين

وطوّلِ الرُّكوعَ في الصلاةِ فإنّها من سُبُل النجاةٍ

واخلٍص لمن قد فَرَضَ العبادَه قد رفع الله بها عٍبادَه

واخلٍص لمن قد فَرَضَ العبادَه قد رفع الله بها عٍبادَه

استِكانَةُ العُبّادِ في رُكُوعِهم تُنَزٍّلُ الرَحمةَ في رُبُوعهٍم

إنّ الركوعَ والسجودَ والتّنا أعظمُ طاعةٍ لخالقِ السَّما

واخضع بها للقاهٍر العظيم مُكَوِّن الأكوانٍ بالتّنظيمٍ

إنَّ الرّكوعَ والسجودَ حقُّهُ بذاتِهِ لذاكَ یسَتَحِقُّهُ (2)(2)


المقطوعة الرابعة : في الصوم

الصومُ جُنَّة من العذاب هو نجاةُ نشأةٍ الحِسابٍ

تقرّبُ من حضرة الرّحيمٍ تشبّه بالمَلَكِ الكريمٍ

يُقرٍّبُ النفسَ إلى المعارفٍ يعرفُهُ وُجدان كلٍّ عارفٍ

يَربطُها الملكوتٍ الأعلى بل جبروتٍ صارَ منهُ أولى

ينوِّرُ القلوبَ بالعرفانٍ يَهدي إلى حقائق القرآنٍ


1) مهذب الأحكام : ج 6 / 249 .

2) مهذب الأحكام : ج 6 / 414.

يُريهم مراتبَ التنزيل يكشفُ عنهمُ شُبَةَ التأويل

ليسَ لأجرهٍم بهِ حُدودُ ولاجزاءُ صبرهٍم معدودُ

بل أجرُهُم يُعطى بلا نهايه لظاهر الحديث والروايه

لقد تجلّى مبدأ المبادي فيمظهر الصوّام من عبادِ

أنفاسهم تسبيح ذات الباري ونومهم عبادةُ الجبّار

لهم نشاطُ ساعةَ الإفطار وآخَرٌ عند لقى القهّار

والنُّورُ نورُ الله في جبينهم والسرُّ سٍرُّ ٍ الله في حنينهم

يخُصُّهم زُمرَةُ أملاك السّما تبرُّكاً بما لديهم من دُعا

فأمسكُوا عن شهوات النفس توافٍكُم نعماء ُذات القُدس

واستدركوا ما فات من أعمار وامتٍثلوا لعالٍم الأسرار

واغتنمُوا الصوم ففيه احتُرزا عن كلٍّ مكروهٍ يُرى يوم الجزا

هذا الصيامُ هو كَفَّ الشهوةِ فكيفَ صومُكُم بكفّ الخطوةٍ

عن غير ذاتِ الأحد القُّيوم المُهيمن العظيم والدَّيموم ٍ

عن غير ذاتِ الأحد القيوم المُهيمن العظيم والدَّيمومٍ

ولازِمُوا حكام ما للصّائم لتخرُجوا عن رّتبةٍ البهائٍمٍ

والصومُ سُلَّم إلى السّلامه في النّشأةِ الدُّنيا وفي القيامه (1) (1)


المقطوعة الخامسة : في العدالة

أعلى صفات نفسٍكَ العداله لقُربها من ساحةِ الجَلالَه


1) مهذب الأحكام : ج 10 / 339 .

خٍصّيصةُ الله العليّ الأعلى ونورُهُ الذي بهٍ تجلّى

فكُلُّ مخلوقٍ رأيتَ فٍعلَه فيه علاماتُ تُحاكي عدلَه

فليكتسب هذا المقام العالي تقرُّباً من مصدرِ الجَلالِ

جهَادُكَ النّفس جِهادُ أكبرُ والقتلُ بالسّيف جهادٌ أصغرُ

فهو الكمالُ المُحض للإنسان دلَّ عليه واضٍحُ البُرهان

فوازِنُوا أعمالكُم بالعدلٍ من قبل أن يأتي يومُ الفصل

وراقٍبوا حالاتِكُم في الدُّنيا لكي تنالوا الدّرجات العُليا

وتبذُ ما عُدَّ من الكبائر وهَجرُ الإصرار على الصغائر

تزيّنُ الإنسانَ بالفضائل تحفظُهُ عن دَنَس الرّذائٍل

فليجتهد فيها جميعُ النّاس فإنها المَنجي بلا التباس

عن حادثاتِ نشأةٍ الغُرورِ ومُهلكاتِ عالِمَ النَّشورِ

والجِدُّ في مخالفاتِ النّفس يرفعُها إلى محلَّ القُدس (1)(1)


المقطوعة السادسة : في الحجّ

لبّيك يا مقصدَ كُلّ عارفٍ ومَلجَأ النّاس من المخاوفٍ

لبّيك يا كاشفَ كُلّ كُرَبَه ومَبدأ الخير وكلّ نٍعمَه

لبّيك ياسٍرّ القلوبٍ الوالِهَة ومالِكَ المُلك وننفي الآلهَه

تنفي شريكاً من كُلّ جهَه في الذّات والفِعل وفي كُلِّ صفَه

لبّيك يا ذا العِزّ والمعارج ومُنزلَ القرآنٍ ذي المناهج


1) مهذب الأحكام : ج 129/8

حئتُكَ مُحتاجاً إلى نوالِكَ ومُستجيراً بك في المهالٍك

ما قَدَرُ ذَنبٍ بل ذُنُوبِ تنتَهي في جنبٍ فضل هو ليس ينتهي


وله أيضاً:

وفَدنا إليك بشوقٍ شديد وأفئدة والهةٍ من بعيد

أتيناك يا شاهداً لا يُرى بآمالَ ليسَ لها ناظرا

سوى فَيض إحسانكَ المُنتظَر لِتَعَفُ بهِ ذنبَ كُلِّ البَشَر

أليس دَعانا إليك الخليل ونادى هلُمّوا لبيتِ الجَليل

أليس المُضيف يُسِرُّ الضُّيوف ألستَ المَلِيكَ العَطُوف الرؤوف

ألستَ ترَغُّبنا بالکَرَم و تطلبُ منذا معالي الشّيم

وتطلبُ أن تعفو عمّن ظَلَم فأنتَ الأحقُ ووالي النّعَم

ومن كُلّ فجَ بعيد عميق وفدنا إليك وأنت الشفٍيق

أتينا لتُرفدَنا من نَداك أَنجُبَهُ ردّاً إلى من سٍواك

وحقّك لا ينبغى منكَ ذاكَ ولا أرتضي ما يُنافي عُلاك (1)(1)



1) مهذب الأحكام : ج 13 / 115 .

مصادر الكتاب

1 - القرآن الكريم.

2 - ألطاف الباري من نفحات الإمام السيّد السبزواري - تأليف السيبد عبد الستّار الحسني.

3 - الأنوار الساطعة - تأليف السيّد حسين أبو سعيدة.

4 - صفحات مشرقة من حياة الإمام السبزواري - تأليف: السيد عدنان الخبّاز القطيفى.

5 - صفحة من حياة الإمام السبزواري - تأليف السيّد محمّد حسن الطالقاني.

6 - مهذّب الأحكام في بيان الحلال والحرام - تأليف السيّد عبد الأعلى السبزواري قدس سره .

7- مواهب الرحمان في تفسير القرآن - تأليف السيّد عبد الأعلى السبزواري قدس سره . 8

8 - ميزان الحكمة - تأليف الشيخ محمّدي الري شهري.

الفهرس

الاهداء .......4

المقدمة ......5

الفصل الأول

حياته الشخصية والعلمية

نسبه الشريف ......13

أسرته.........13

ولادته ووفاته ........14

نشأته ودراسته .........15

شروعه في التدریس........17

مرجعيّته .......20

مؤلّفاته

1 - مؤلفاته في الفقه .......22

2 - مؤلّفاته في الحكمة والكلام ........23

3 - مؤلفاته في الأصول .........24

4 - مؤلفاته في التفسير........24

5 - مؤلفاته في الحديث والرّجال ........24

مقامه العلمي ........25

علمه في الفقه .........25

علمه في الأصول ........27

علمه في الحديث......28

الفصل الثاني حياته الأخلاقيّة والعرفانيّة

شهرته بالأخلاق والعرفان ........33

كراماته.........34

العملية الجراحية لعينيه .......34

في طريق الحجّ.......35

1 - الكرامة الأولى.......35

2 - الكرامة الثانية........36

الشفاء من مرض القلب .......36

شفاء ولده بالتوسّل.........37

السبزواري لم يسافر للحجّ ولكنّه حَجَّ.........38

رجوع العقل ببركة السبزواري........38

الحدس عند السبزواري.........39

شفائه للمرضى........39

دعاؤه المستجاب........40

إشعار مسبق برحيل السبزواري .........40

عبادته ..........41

1 - الصلاة........43

2 - تلاوة القرآن الكريم..........45

3 - الدُّعاء ..........46

4 -الذکر.......46

5 - الرياضة النفسية .........48

6 - المداومة على الطهارة...........48

7 - العزلة...........48

8 - الصمت..........49

9 - التفكر .........49

10 - كتمان الأسرار ..........49

11 - الارتباط بأهل البيت علیه السلام........50

نصائحه ووصاياه..........52

نصائحه إلى طلبة العلم............54

نصائحه إلى وكلائه............57

أخلاقه...........59

الفصل الثالث

قبسات نورانية من« مواهب الرّحمن» و «مهذّب الأحكام»

العرفان..........65

التقرّب إلى الله تعالى..........80

جهاد النفس............84

الأخلاق...........87

الاتجاه العقلي...........91

الاتجاه المادّى.............92

الاتجاه الصوفي............93

المفهوم الأخلاقي في القرآن............93

خصائص الأخلاق في القرآن.............94

الإنسان كائن أخلاقي.............97

الاعتدال في الأخلاق ...............98

طرق اكتساب الأخلاق الفاضلة.............100

الطاعة..................104

التقوى..........108

الحبّ...........112

التوبة................116

العبودية..............118

التفكّر .................121

الذكر...................126

التقرّب والإفاضة المعنوية والذّكر .................128

الصلاة...................132

الصلاة والإخلاص والرياء ...............136

معنى فصول الآذان والإقامة..............147

الإخلاص ..................149

حقيقة الإخلاص.................150

درجات الإخلاص................150

منافيات الإخلاص.............152

الفرق بين الرضا والإخلاص.............153

الصوم.................154

شهر رمضان..............155

الدُّعاء .................159

الحج ّ.............170

زيارة قبور المعصومين علیه السلام..........182

الاستخارة............158

الاسم الأعظم.............191

حول الولاية...........193

طلاق الدنيا .............207

مقطوعات شعرية مقتبسة من كتاب (مهذّب الأحكام )............ 210

مصادر الكتاب...................216

الفهرس .................217