الآداب الطبیه فی الاسلام مع لمحه عن تاریخ الطب

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:عاملی، جعفر مرتضی، 1944 - م.

Amili, Jafar Murtada

عنوان و نام پديدآور:الآداب الطبیه فی‌الاسلام مع لمحه عن تاریخ الطب/ السیدجعفرمرتضی العاملی.

مشخصات نشر: دارالبلاغه - بیروت - لبنان 1412

مشخصات ظاهری:307 ص.

وضعیت فهرست نویسی:فیپا

يادداشت:عربی.

یادداشت:کتابنامه به صورت زیرنویس.

موضوع:اخلاق پزشکی-- جنبه های مذهبی-- اسلام

موضوع:Medical ethics -- Religious aspects -- Islam

موضوع:پزشکی اسلامی

موضوع:*Medicine, Islamic

موضوع:اسلام و پزشکی

موضوع:Medicine -- Religious aspects -- Islam

اشارة

الآداب الطبیه فی‌الاسلام مع لمحه عن تاریخ الطب

السیدجعفرمرتضی العاملی.

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

و الحمد للّه رب العالمين

و الصلاة و السلام على خير خلقه أجمعين،محمد و آله الطيبين الطاهرين.

و اللعنة على أعدائهم أجمعين،من الأولين و الآخرين،إلى قيام يوم الدين.

و بعد...

فقد مست الحاجة في بعض المجالات في العالم الإسلامي إلى الكتابة حول موضوع الآداب الطبية في الإسلام،مع اعطاء لمحة عن تاريخ الطب،و عن النهضة العلمية الإسلامية في هذا المجال،و غير ذلك.

فطلب مني أخي الأعز الأكرم،الشيخ علي الاحمدي الميانجي حفظه اللّه تعالى أن أكتب حول هذا الموضوع.

و رغم انني لست مؤهلا للقيام بمهمة كهذه-لا سيما و ان الآداب الطبية و سواها مما لا بد من التعرض له هنا،موضوعات جديدة لم يتطرق إليها

الباحثون فيما أعلم-فقد امتثلت أمره،شاكرا له ثقته بي،و أرجو من اللّه تعالى أن ينفع بما كتبت،و يجعله خالصا لوجهه الكريم.

18 جمادى الأولى سنة 1402 ه.

جعفر مرتضى العاملي

القسم الاول : تاريخ الطب

اشارة

الفصل الاول: الطب...قبل الاسلام

اشارة

تذكير:

اننا نرى:أنه لا بد من اعتماد التاريخ الهجري أساسا لضبط الوقائع و الأحداث لان النبي(صلی الله علیه و آله)هو الذي وضع هذا التاريخ،و به ضبطت وقائع التاريخ الإسلامي،و قد تحدثنا عن ذلك بالادلة القطعية في محله في غير هذا الكتاب...

و لكننا ربما ننقل هنا بعض المطالب عن الآخرين،الذين يعتمدون التاريخ المسيحي الميلادي...فنضطر إلى ذكر التاريخ الميلادي متابعة لهم؛ لاننا لا نعطي لأنفسنا حق تغيير النص الذي ننقله عنهم،و لو بهذا المقدار...

فليلاحظ ذلك...

و شكرا...

مبدأ ظهور الطب:

اشارة

أما متى و كيف كان ظهور علم الطب؟ففيه اختلاف بين المؤرخين...

فيرى البعض:أن سحرة اليمن هم الذين وضعوا أساس علم الطب.

و يرى آخرون:أنهم السحرة من فارس.و فرقة ثالثة:أنهم المصريون، و رابعة:الهنود،أو الصقالبة،أو قدماء اليونانيين،أو الكلدان،الذين نسب إليهم:أنهم كانوا يضعون مرضاهم في الأزقة،و معابر الطرق،حتى إذا مر بهم أحد قد أصيب بذلك الداء و شفي أعلمهم بسبب شفائه؛فيكتبون ذلك على ألواح،يعلقونها في الهياكل،فلذلك كان التطبيب عندهم من جملة أعمال الكهنة و خصائصهم (1).و قيل غير ذلك...

و لكن إبن أبي أصيبعة يرى:أن اختراع هذا الفن لا يجوز نسبته إلى بلد خاص،أو مملكة معينة،أو قوم مخصوصين،إذ من الممكن وجوده عند أمة


1) راجع في كل ما تقدم:عيون الأنباء ص 12 و قبلها،و الفهرست لإبن النديم ص 412، و طب الإمام الصادق للخليلي ص 5-6 و تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [1]ص 22،و دائرة معارف القرن العشرين لوجدي ج 5 ص 661 إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة.

قد انقرضت،و لم يبق من آثارها شيء،ثم ظهر عند قوم آخرين،ثم انحط عندهم حتى نسي،ثم ظهر على أساس هؤلاء لدى غيرهم؛فنسب اليهم اختراعه،أو اكتشافه (1).

هذا...و ثمة رأي آخر يقول:ان صناعة الطب مبدؤها الوحي و الإلهام،و قد قال الشيخ المفيد قدس اللّه نفسه الزكيّة:

«الطب صحيح،و العلم به ثابت،و طريقه الوحي،و انما أخذه العلماء به عن الأنبياء،و ذلك أنه لا طريق إلى علم حقيقة الداء إلاّ بالسمع،و لا سبيل إلى معرفة الدواء إلاّ بالتوفيق...الخ» (2)...هذا...و قد ذكروا لهذا القول دلائل و شواهد،لا مجال لإيرادها هنا؛فمن أرادها فليراجعها في مظانها (3).

أما نحن...فنرى:أن الطب قد وجد منذ وجد الإنسان على وجه هذه الأرض،فمنذ ذلك الحين عانى من الداء،فوفق بإلهام من اللّه إلى كثير من الامور الّتي يمكن أن تعتبر دواء...

كما أننا نرى:أن كثيرا من المعالجات.و إن كانت قد جاءت عن طريق ارشادات الأنبياء(ع)السلام للناس إليها،كما قاله الشيخ المفيد...الا أنه ليس كله كذلك،بل فيه ما جاء عن طريق التجرية أيضا،أو الصدفة،أو الفكر و الملاحظة،بعد الإطلاع على طبائع بعض الأشياء،كما هو مشاهد و ملموس...و لعلنا يمكن أن نجد لدى إبن أبي أصيبعة بعض الميل إلى هذا


1) راجع عيون الأنباء ص 27 ط سنة [1] 1965 و طب الإمام الصادق ص 5-6.

2) البحار ج 62 ص 75. [2]

3) راجع على سبيل المثال:عيون الأنباء ص 13،فما بعدها و البحار ج 62 ص 75 و [3]طب الإمام الصادق،حديث الاهليلجة ص 43-50 [4]عن البحار... [5]

الرأي (1)،و إن كان قد عبر في أول كلامه عن صعوبة الجزم برأي ما،في هذا المجال...

الصلة بين الطب،و السحر،و الكهانة:

ان الذي يراجع تاريخ الشعوب و الامم الخالية يجد:أنه قد كان ثمة صلة وثيقة جدا بين السحر و الطب،فقد كانوا يداوون مرضاهم بالسحر،و كان السّاحر طبيبا يداوي المريض بسحره:و كذلك كان الكهان يداوون المرضى ايضا.

نعم...لقد كانوا يداوون مرضاهم بالرقى و التضرعات و التوسلات للآلهة.و لاجل ذلك كان الطب من جملة اختصاصات الكهان عموما في تلك الأزمنة (2).

و قد تقدمت الإشارة إلى أن الكثيرين ينسبون هذا العلم إلى كهنة بابل، أو كهنة الفرس،أو كهنة اليمن إلى آخر ما تقدم...الأمر الذي يوضح الدور الهام لهذا الصنف من الناس...و لسوف نجد فيما يأتي أيضا بعض ما يشير إلى هذا:

الطب عند الامم السالفة:
اشارة

هذا...و لا بأس بأن نذكر لمحة عن حالة الطب لدى الأمم السالفة، و ان كنا لا نرى تفاوتا كبيرا في نوعية المعالجات و التوجهات الطبية بين تلك الأمم،بحيث يجعل في الحديث عن كل واحدة على حده كبير فائدة أو جليل أثر.


1) راجع عيون الأنباء ص 17-26.ط سنة [1] 1965.

2) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 380 [2] عن ارشاد الساري ج 8 ص 360. و تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [3]ص 22،و غير ذلك من المصادر الكثيرة...

و لكننا مع ذلك...سنحاول أن نظهر بعض التوجهات الخاصة التي نلمحها لدى كل أمة بقدر الامكان،و ذلك على النحو التالي:

1- الطب عند المصريين:

لقد كانت الرقى و العزائم أساس الطب المصري القديم،لاعتقادهم أن الأمراض من الآلهة،فلا تشفيها إلا التوسلات لها،فكانوا يلجأون إلى الكهنة لقربهم منها (1).

و أول طبيب عرف باسمه من المصريين هو(ايمتحب)الذي عاش حوالي القرن الثلاثين قبل الميلاد (2).

و توجد أوراق من البردى-و هي سبع-و قد كتب بعضها في القرن السادس أو السابع عشر،و بعضها قبل ألفي سنة للميلاد،و فيها ما يرتبط بالطب (3).

و يذكر وجدي أنه من المعروف:أن أحد فراعنة مصر،و هو نيتي بن فينيس،قد ألف كتابا في علم التشريح.و اشتهر الملك(نيخور دفس)و هو من الاسرة الثالثة من الفراعنة بوضعه رسالة في الطب،كما أن قيروش و دار ملكي الفرس قد عينا في قصورهما أطباء من المصريين.

و يقول وجدي:«كان للاطباء المصريين امتيازات،مثل اعفائهم من الضرائب و كان الناس يحملون إليهم هدايا بدل الأجور،و كان منهم من هو


1) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 381. [1]

2) تاريخ العلم ج 1 ص 112 تأليف:جورج سارتون.

3) تاريخ العلم ج 1 ص 113 و راجع ص 197/196 و دائرة معارف القرن العشرين لوجدي ج 5 ص 660/659.

موظف عند الحكومة تنقده أجره في كل شهر،و كان الناس يستشيرونه بدون أجر» (1)

راجع:تاريخ العلم ج 1 ص 196،و راجع دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 661.

.
2-الطب عند الكلدان،و البابليين،و الاشوريين،و الاسرائيليين:

أما الكلدان فكان أطباؤهم من السحرة،و كان جل اهتمامهم موجها إلى معالجة المريض بالرقى،مع السماح له بتعاطي بعض الأعشاب،و كانت جميع الأمراض عندهم تعزى إلى الأرواح الشريرة.

كما أن الأشوريين و البابليين كانوا يعتمدون في معالجاتهم على الرقى و العزائم بصورة عامة..و يعتمدون فيما عن البابليين على الوثائق التي وجدت في خزانة كتب الملك آشور بانيبال،و هي الآن في المتحف البريطاني، و يرجع حكم ذلك الملك إلى القرن السابع قبل الميلاد 2.

و قد تقدم:أن كهنة بابل كانوا يضعون مرضاهم في الأزقة،و معابر الطرق حتى إذا مرّ أحد كان قد اصيب بهذا المرض و شفي،أعلمهم بسبب شفائه،فيكتبون ذلك...الخ.

و يوجد في قانون حمورابي الأشوري،الذي حكم حوالي القرن العشرين قبل الميلاد مواد قانونية خاصة بالطب الجراحي (2).

أما الإسرائيليون،فقد كان الطب عندهم بيد رجال الدين،و قد وجد في التلمود بعض ما يرتبط بالطب (3).


1) (1-2)

2) تاريخ العلم ج 1 ص 199/198.

3) دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 662/661.

و لكن ليعلم:أن التلمود ليس له من القدم بحيث يعبر وجود ذلك فيه عن نبوغ خاص للإسرائيليين في علم الطب،بل هو قد وضع بعد أن قطع الطب شوطا كبيرا في كثير من مجالاته.

3- الطب عند الهنود:

و هو عندهم أيضا يعتمد على السحر و الرقى،و في كتابهم المسمى (ريجفيدا)الذي يتحدث عن خصائص أعشاب كثيرة تجد دعوات تتلى لكثير من الأمراض.

و«كان الطب عندهم بيد البراهمة،و قد عرف اليونانيون أيام مدنيتهم بأن الطب الهندي أرقى من طبهم،و لكنهم لم يفصلوا وجه هذا الرقى،فقد تكلم ابقراط كثيرا عن علاجاتهم،و كان تيوفراست يذكر أعشابا طبية أخذها عنهم» (1).

4- الطب عند الصينيين:

و يذكر وجدي ان الصينيين يزعمون:أنه كان لديهم حدائق لتربية النباتات الطبية قبل المسيح بثلاثة آلاف عام،و ينسبون إلى الملك(هوانج تي)كتابا في الطب ألفه-حوالي سنة 2600 قبل الميلاد،و هو باق عندهم إلى اليوم.

و قد استفاد منهم الاوروبيون في معارفهم الطبية،و يقال:ان العالم «بوردو»قد أخذ مباحثه في النبض عن الكتب الصينية،و المادة الطبية،كانت اهم ما شغلهم و يعتبر كتابهم المسمى(بنتاو)كنز المادة الطبية و فيه(1100) مادة يسرد خصائصها العلاجية.


1) المصدر السابق ج 5 ص 662.

و صناعة الطب عندهم حرة يتعاطاها من شاء،و كانت مدارسهم الطبية في المدن إلى القرن العاشر كثيرة،ثم إختفت إلا مدرسة في العاصمة (1).

5- الطب عند اليونان،و الرومان:

لقد رأينا في الإلياذة لهوميروس إشارات إلى كثير من المعلومات الطبية و لا سيما الجراحية (2).

و كان الطب موجودا لدى اليونان قبل ابقراط،لانه هو نفسه ينقل عن مؤلفات سابقة،و لكن ابقراط قد خلص هذا العلم مما علق به من الشعوذة و العقائد بالأرواح،و لم يقم ابقراط بما قام به إلا اعتمادا على الثروة الطبية الجيدة التي ورثها عن أسلافه (3).

و يذكر وجدي أيضا:أن الكتب الّتي سبقت ابقراط مفقودة،و ليس لدينا أقدم من كتبه الآن،و كان الطب عندهم سحريا يعتمد على الرقى و العزائم.ثم لما نبغ الفلاسفة أمثال أنكزيماندوا،و بارفيد،و هيراقليت و غيرهم تكلموا في الاهوية،و الاغذية،و الامراض،و غير ذلك.ثم جاء فيثاغورس فاشتغل بالطب و كتب امبيدو كل في الجنين و الحواس،و الوراثة و التوالد.

ثم ترقى الطب عندهم حتى أس بطليموس الأول و الثاني ملكا مصر مدرسة الإسكندرية،التي نبغ منها جالينوس،الذي عاش في القرن السادس قبل الهجرة.

و كان الطب الروماني مبنيا على الخرافات و الاوهام،و اليونان هم الذين


1) راجع:دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 663.

2) تاريخ العلم ج 2 ص 215.

3) تاريخ العلم ج 2 ص 217 و دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 664.

أدخلوا العلم الطبي إليهم من مدرسة الإسكندرية-التي استمرت-كما يقول البعض (1)إلى أواخر القرن الأول الهجري-و لعل أول طبيب يوناني دخل رومية هو أركاجانوس بن ليزانياس سنة 192 قبل المسيح،ثم سقط إلى الحضيض على أثر بعض أعماله الجراحية،ثم عاد فدخلها من العلماء اليونانيين من كان له أثر كبير في نشر هذا العلم هناك (2).

6- الطب عند الفرس:
اشارة

قد تقدم أن البعض يقول:ان كهنة الفرس هم واضعوا علم الطب.

و يذكر وجدي:أن الطب كان عندهم مخلوطا من الرقى و التعزيم، و شيء من المبادىء الطبية العلمية.و ان تاريخ الطب عندهم يصعد إلى نحو القرن الرابع قبل المسيح(ع)،و أصوله الأولية مذكورة في كتابهم المقدس زندافستا في الفصل المعنون به«فنديد»و خصوصا تحت عنوان«فارجاد»، و هو أحدث تاريخا من كتب«الفيدا»الهندية المقدسة (3).

و كحصيلة لما تقدم،فان جورج سارتون يقول:ان في وسعنا أن نقرر:

ان القسم الأكبر من المعارف الطبية يرجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد (4).

هذا...و لا همية جامعة جند يشابور في النهضة الإسلامية،نرى أنه لا


1) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 13.

2) دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 665/664 و في تاريخ العلم ص 215-320 [1] بحث شامل عن الطب اليوناني الأبقراطي...و لعل هذا التعمد في إظهار عظمة الطب اليوناني من أجل التقليل من أهمية النهضة الطبيّة الإسلامية العظمى الّتي أنست من قبلها و أعجزت من بعدها.

3) راجع:دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 663.

4) تاريخ العلم ج 1 ص 197.

بد من اعطاء لمحة عن هذه الجامعة الشهيرة،فنقول:

جامعة جند يشابور:

تقع مدينة جند يشابور بين شوشتر و خرابات شوش في خوزستان (1).

و يظهر من كلام القفطي:أنها كانت مركزا طبيا شهيرا من عهد شابور الأول،و أن الطب قد انتقل إليها من الروم (2).

و يحتمل البعض أن مدرسة الطب فيها كانت قبل القرن الرابع أو الخامس الميلادي (3).

يقول القفطي:أنه بعد أن انتقل إليها بعض الأطباء الروم مع إبنة ملكهم «و لما أقاموا بها بدأوا يعلمون أحداثا من أهلها،و لم يزل أمرهم يقوى في العلم،و يتزايدون فيه،و يرتبون قوانين العلاج على مقتضى أمزجة بلدانهم حتى برزوا في الفضائل.و جماعة يفضلون علاجهم و طريقتهم على اليونانيين و الهند؛لانهم أخذوا فضائل كل فرقة؛فزادوا عليها بما استخرجوه من قبل نفوسهم!فرتبوا لهم دساتير و قوانين،و كتبا جمعوا فيها كل حسنة،حتى ان في سنة عشرين من ملك كسرى اجتمع أطباء من جند يشابور بأمر الملك،و جرى بينهم مسائل و أجوبتها.و أثبتت عنهم.و كان أمرا مشهورا.و كان واسطة المجلس:جبرائيل درستباذ؛لانه كان طبيب كسرى.و الثاني:السوفسطائي و أصحابه.و يوحنا،و جماعة من الأطباء...


1) راجع مقالا للدكتور محمد محمدي في مجلة الهادي سنة 2 عدد 2 بعنوان:جامعة جند يشابور و كتاب تاريخ طب در إيران،و معجم البلدان للحموي،و غير ذلك.

2) تاريخ الحكماء ص 133.

3) هو الدكتور محمد محمدي في مقال له في مجلة الهادي سنة 2 عدد 2 ص 51 و هو بعنوان:جامعة جنديشابور.

و جرى لهم من المسائل و التعريفات ما اذا تأملها القارىء لها استدل على فضلهم و غزارة علمهم... (1).

و يقال:ان خسرو أنوشروان قد أرسل برزويه الطبيب،و المشرف على أمور الطب جنديشابور-أرسله-مع هيئة خاصة إلى مختلف البلدان لجلب الكتب الطبية (2).

و يرى البعض:أن الطب في جنديشابور مزيج من طب اليونان، و الهند،و إيران و مدرسة مرو (3).

7- الطب عند العرب قبل الإسلام:
اشارة

و قبل البدء في الحديث عن طب العرب في الجاهلية...نشير إلى أننا قد تعمدنا بعض التفصيل في هذا المجال،من أجل اظهار حقيقة الوضع الذي كان سائدا في المنطقة التي ظهر فيها الإسلام،الذي بعث أعظم ثورة ثقافية و إنسانية عرفها التاريخ...و الذي شهد عالم الطب في ظله تطورا هائلا و أسطوريا،كما سنرى،و لاجل ذلك نقول:

أما الطب عند العرب،فيقول وجدي:إنه كان مقتبسا عن اليوناني، و الهندي،و لم يزد العرب عليه شيئا إلاّ فيما يتعلق بالمادة الطبية (4).

فإذا كان وجدي يقصد بذلك:الطب في فترة ما قبل الإسلام؛فيمكن أن يكون له وجه...و ان كنا نرجح:أنه ليس إلاّ نتيجة لتجارب شخصية


1) تاريخ الحكماء ص 133.

2) راجع مقالا للدكتور محمد محمدي بعنوان:جامعة جنديشابور،في مجلة الهادي سنة 2 عدد 2 ص 52.

3) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 73.

4) دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 666.

محدودة،أو مأخوذة من أطباء جنديشابور،أو من أي من البلاد التي تحيط بهم.

و أما إذا كان يقصد طب ما بعد ظهور الإسلام؛فلا ريب في عدم صحة هذا الكلام،كما سنرى فيما يأتي...و يؤيد أنه يقصد هذا الثاني:قوله:أنه كان قبل الإسلام منقولا إليهم من السوريين (1).

فالظاهر:أنه قد تأثر بمزخرفات المستشرقين الذين يحاولون تعظيم و تضخيم دور أي من الأمم التي سبقت الإسلام بهدف التخفيف من عظمة البعث الإسلامي،في مختلف المجالات،و ذلك لاهداف حقيرة لا تخفى...

و على كل حال...فان مطالعة معالم النهضة الإسلامية الطبية لخير دليل على كذب هذا الإدعاء،و لسوف يأتي بعض ما يشير إلى ذلك كما قلنا.

أما الدكتور فيليب حتي فيقول:«أنشأ الطب العربي العلمي عن الطب السوري الفارسي،الذي كان يقوم بدوره على أسس من الطب الإغريقي.و قد أشرنا سابقا إلى أن الطب الإغريقي ذاته قد استقى كثيرا من الطب الشعبي القديم الذي كان معروفا في الشرق الادنى،و لا سيما الطب المصري» (2).

و لكن ما ذكرناه نحن آنفا هو الأكثر دقة في هذا المجال...فإن الطب قد كان عند جميع الأمم و لكن بمستويات مختلفة و متفاوتة،و قد استطاعت جنديشابور أن تحتوي معظم نتاج الأمم السابقة،ثم تصدر ما حصلت عليه إلى سائر الشعوب الّتي كانت بحاجة إلى مادة كهذه و منها العرب،و ان كان العرب


1) دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 655.

2) موجز تاريخ الشرق الادنى ص 191.

قد اقتبسوا أيضا من آخرين ممن حولهم،كالسوريين،أو غيرهم...و أضافوه إلى ما كان عندهم عن الكلدان غيرهم،و مما حصلوا عليه من تجاربهم،و ان كانت محدودة جدا.

أما جامعة جنديشابور نفسها؛فقد انتقل الطب إليها على يد الرومان، الذين تلقوا معارفهم عن اليونانيين،الذين قدموا إليهم من مدرسة الإسكندرية.

الطب الجاهلي:

و يقولون:ان المعالجات في الجاهلية كانت تعتمد على بعض النباتات،و بالعسل وحده،أو مع مواد أخرى:شربا تارة،و عجائن و لصقات أخرى.و بالحجامة،و الفصد،و الكي،و بتر الاعضاء بالشفرة المحماة بالنار...هذا بالإضافة إلى معالجاتهم بالرقى و العزائم،و الأذكار التي تطرد الجن و الأرواح الشريرة.

و يقول البعض:إنهم كانوا يعالجون الجراح المتعفنة و الدماميل بمواد ضد العفونة،و يعالجون الأمراض المسرية بالحجر الصحي،و يعالجون الجراح بالفتائل و التضميد (1).

و يقول الدكتور جواد علي: (2)«و قد عرف الجاهليون أيضا طريقة تغطية بعض العيوب،أو الإصابات التي تلحق بأعضاء الجسم بالوسائل الصناعية، فشدوا الأسنان،و قووها بالذهب،و ذلك بصنع أسلاك منه تربط الأسنان،أو


1) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 118.

2) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 415. [1]

بوضع لوح منه في محل الأسنان الساقطة (1)و اتخذوا أنوفا من ذهب لتغطية الأنف المقطوع،كالذي روى عن عرفجة بن أسعد (2)من أنه اتخذ أنفا من ذهب (3).و كان قد أصيب أنفه يوم الطلاب في الجاهليّة»انتهى.و لعل هذه القضية من الأمور المسلمة تاريخيا كما يعلم من مراجعة كتب الحديث و التاريخ (4)..و ان كان البعض يرى:أن ذلك لا يرتبط بالطب،و إنما بفن الصياغة...و لكنه على أي حال يعبر عن تطور ما في توجهات الناس آنئذ حتى ليفكرون بتغطية بعض العيوب بطرق،و وسائل كهذه...

و قد عرف الجاهليون الطب البيطري أيضا،فكانوا يعالجون الحيوان بالكي بالنار،و جب سنام الإبل،إذا أصيب بالدبرة،و قد كان العاص بن وائل بيطارا كما يقولون (5).

و كانوا ينقون رحم الفرس أو الناقة من النطف،و يخرجون الولد من بطن الفرس،أو الناقة،و يعبّر عن ذلك بلفظ(مسي) (6).

و أما عن الأمراض الّتي كانوا يعرفونها،و النباتات الّتي كانوا يستعملونها،


1) المعارف لإبن قتيبة:ص 82 و نزيد نحن:مسند أحمد ج 1 ص 73 و التراتيب الادارية ج 2 ص 65 و 69 [1] عن الترمذي و سنن أبي داود.

2) أو الضحاك بن عرفجة او طرفة بن عرفجة،كما يظهر من مراجعة المصادر الآتية.

3) بأمر من النبي(صلی الله علیه و آله).

4) مسند أحمد ج 5 ص 23.و سنن أبي داود ج 4 ص 92 و سنن الترمذي ج 4 ص 240، و سنن النسائي ج 8 ص 164 و طبقات ابن سعد ج 7 ص 30،و [2]العقد الفريد ج 6 ص 354،و [3]الإصابة ج 2 ص 223 و ج 3 ص 207 و 474 [4] عن إبن مندة و التراتيب الإدارية ج 2 ص 65. [5]

5) المعارف لإبن قتيبة ص 250،و [6]تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 24 و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 417. [7]

6) المفصل في تاريخ العرب ج 8 ص 417 [8] عن تاج العروس 342.

فهي كثيرة،و لسنا في صدد استقصائها.و قد ذكر أسعد علي في كتابه:

«المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»نبذة عن تلك الأمراض و معالجاتها، فليراجعها من أراد... (1).

ثم ان هذا الّذي ذكرناه إنما هو بالنسبة للطب عند الحضريين،أما طب البادية فقد كان تقليديا موروثا عن مشايخ الحي و عجائزه...

منزلة الطب في الجاهليّة:

و قد ذكر أبو حاتم:أنه قد كان في زهير بن جناب عشر خصال لم يجتمعن في غيره،من أهل زمانه:كان سيد قومه،و شريفهم،و خطيبهم، و شاعرهم،و وافدهم إلى الملوك،و طبيبهم-و الطب عندهم شرف-و حازي قومه-و الحزاة الكهان-و كان فارس قومه،و له البيت فيهم،و العدد منهم... (2).

أطباء العرب في الجاهليّة:

لم يكن في العرب قبل ظهور الإسلام توجه أو اندفاع نحو الطب، و لذلك،فانهم لم يكن لهم حضارة طبية ذات قيمة تذكر،نعم قد ظهر فيهم عدد محصور من الأطباء لم يكن لهم نبوغ مميز،و لا اشتهر عنهم ابداعات أو منجزات تذكر في هذا المجال...

و قد عرف من هؤلاء الأطباء،الذين عاش بعضهم إلى ما بعد ظهور الإسلام.


1) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 389. [1]

2) أمالي السيد المرتضى ج 1 ص 238،و معجم أدباء الأطباء ج 1 ص 178 و ص 175، و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 381/380 [2] كلاهما عن السيد المرتضى و نقله أيضا عيسى بن دأب في كتابه المناقب(المخطوط).

1-إبن حذيم:من تيم الرباب،و قد زعموا:أنه أطب العرب،حتى قيل:أطب في الكي من ابن حذيم... (1).

و هذه الكلمة كما ترى تدل على أنه إنما اشتهر بالكي أكثر من غيره من سائر المعالجات الّتي كانت معروفة آنذاك...و ليس لدينا ما يدل على براعة ما له في سائر فروع الطب و فنونه...

2-الحارث بن كلدة،بن عمرو،بن علاج:قال أبو عمر:توفي في أول الإسلام:و لم يصح إسلامه.و تعلم الطب من رجل جنديشابوري:

و يقال:انه عالج سعد بن أبي وقاص بأمر من النبي(صلی الله علیه و آله)،أو بمراجعة سعد له،بعد أن أمره(صلی الله علیه و آله)بمراجعته (2).

و يقول البعض:كان النبي(صلی الله علیه و آله)يأمر من كانت به علة أن يأتيه،فيسأله عن علته (3).


1) تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [1]ص 22،و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 386 [2] عن بلوغ الارب ج 3 ص 337.

2) راجع:تاريخ الحكماء للقفطي:و عيون الأنباء ط.سنة 1965 ص 161،و هامش الاشتقاق لإبن دريد ص 305،و تاريخ مختصر الدول لإبن العبري ص 92،و [3]الإصابة ج 1 ص 288 و [4]الاستيعاب بهامشها ج 1 ص 289،و الطب النبوي لإبن القيم ص 75 و طبقات إبن سعد ج 5 ص 372.و [5]الترجمة الفارسية لطبقات الأطباء و الحكماء لابن جلجل ص 124،و التراتيب الإدارية ج 1 ص 457/456 [6] عن سنن أبي داود و غيره، و كنز العمال ج 10 ص 14 و 47/46 عن أبي داود،و الحسن بن سفيان،و أبي نعيم. و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 382 [7] عن بعض من تقدم،و عن:بلوغ الارب ج 3 ص 328 و شرح ديوان لبيد ص 102 و اخبار الحكماء ص 111 و طبقات الأطباء لإبن صاعد ص 27،و طبقات الأطباء لإبن جلجل ص 54. [8]

3) طبقات إبن سعد ج 5 ص 372 و [9]التراتيب الإدارية ج 1 ص 457/456 [10] عنه و عن إبن طرخان.

و نسب إليه كتاب المحاورة في الطب بينه و بين كسرى،و لعله هو الذي ذكره إبن أبي أصيبعة،و إن عبد ربه،و غيرهما (1).

3-النضر بن الحارث،بن كلدة،بن عبد مناف،بن عبد الدار، يقال:أنه سافر إلى البلاد،و رأى العلماء و يذكر:أنه كان له معرفة بالطب (2).

4-إبن أبي رمثة:كان طبيبا على عهد الرسول،يزاول أعمال اليد، و صناعة الجراح (3).

5-الشمردل بن قباب،من نجران،و قد أسلم على يد النبي(صلی الله علیه و آله)و له كلام معه حول ممارسته لهذه الصناعة (4).

6-ضماد بن ثعلبة:كان صديقا للنبي(صلی الله علیه و آله)في الجاهليّة-كما يقال- و كان يتطبب،و يرقي:و يطلب العلم،و يداوي من الريح (5).


1) عيون الأنباء ص 162 و [1]العقد الفريد ج 6 ص 373 و [2]عن بلوغ الارب ج 3 ص 328 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 359. [3]

2) و زعم في عيون الأنباء ص 167: [4]أنه إبن الحارث بن كلدة الثقفي.و ليس كذلك لان هذا من قريش من بني عبد الدار،و قد أمر(صلی الله علیه و آله)بقتله يوم بدر..راجع:نسب قريش لمصعب ص 255،و الاشتقاق ص 160،و [5]سيرة إبن هشام ج 1 ص 320 و ج 2... و [6]غير ذلك.

3) التراتيب الإدارية ج 1 ص 462 و 464 و [7]طبقات الأطباء و الحكماء(الترجمة الفارسية) ص 128 و هوامشها،و مسند أحمد ج 4 ص 163،و تهذيب التهذيب ج 12 ص 97 و تاريخ الحكماء ص 436،و عيون الأنباء ص 170 و [8]لسان العرب ج 6 ص 232،و تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني ص 24،و المفصل ج 8 ص 386 [9] عن بعض من تقدم و عن إبن جلجل ص 57،و [10]إبن صاعد ص 47.

4) الإصابة ج 2 ص 156،و [11]لسان الميزان ج 4 ص 478.

5) التراتيب الإدارية ج 1 ص 462،و [12]الإصابة ج 2 ص 202،و [13]الإستيعاب [14]بهامشها ج 2

7-زهير بن جناب:الذي كان طبيب قومه،و قد تقدم ذكره.

8-و ثمة نفر من قبيلة أنمار،كانوا يزاولون الطب في زمن النبي(صلی الله علیه و آله) (1).

9-و كان العباديون أيضا معروفين بالطب (2)،و لعله بعامل تنصرهم، كما قيل (3).

النساء و الطب:

و يذكر هنا:أن بعض النساء اللواتي أدركن الإسلام،كن يزاولن مداواة الجرحى،و تمريض المرضى.و نعتقد:أن مهمتهن هذه كانت إلى التمريض أقرب،و لسوف يأتي ذكر أسماء طائفة منهن ممن عاش في زمن النبي(صلی الله علیه و آله)في القسم الثاني من هذا الكتاب،في الفصل الخامس،حيث الكلام على تمريض المرأة للرجل...فإلى هناك.


1) موطأ مالك ج 3 ص 121،و طبقات الأ [1]طباء و الحكماء لإبن جلجل(الترجمة الفارسية) ص 124 و الهوامش في ص 126،و المفصل ج 7 ص 276 عن إبن جلجل ص 54.

2) المفصل في تاريخ العرب ج 8 ص 412 عن الفاخر ص 58 [2].

3) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 412 و لم نستطع أن نتحقق اسم الطبيب الّذي جيء به لمداواة عمر حين طعن فسقاه النبيذ ثم اللبن،فخرجا من جرحه...

الفصل الثاني: الطب في العهد الاسلامي

اشارة

في القرنين:

الاول و الثاني الهجريين

العرب في اول الاسلام ...و الطب

اشارة

إننا نلاحظ،أن الإسلام قد ظهر في حين كان الطب لا يزال يقطع مراحل طفولته.و كان العرب في علم الطب خاصة أضعف من سائر الأمم،لانهم لم يكن لديهم حكومة مركزية يتوفر في ظلها عنصر الأمن و الإستقرار،ليكون ثمة مجال للتنافس و السعي لتحقيق الطموحات الّتي يمكن أن تعتلج في نفوس الكثيرين لأسباب مختلفة.

و باستثناء الحارث بن كلدة الذي استأثر بشيء من الشهرة الواسعة،و التي لم تكن له لو لا أنه تعلم الطب على أيدي الجنديشابوريين،و باستثناء ابن حذيم.

فإننا لا نجد في العرب ما يشجعنا على أن نعتبرهم قد أسهموا في تقدم هذا العلم،بل ليس ما يشجعنا لأن نعتبر أنه قد كان عندهم أطباء بالمعنى الحقيقي للكلمة،و حتى إبن كلدة،و إبن حذيم فاننا لا نعرف مقدار ما كانا يتمتعان به من براعة و حذق في هذا المجال.و ليس لهم آثار علمية،و لا في التاريخ ما يمكن أن نستدل به على شيء من هذا.و قد تقدم بعض ما يشير إلى ذلك في الفصل السابق.

الطب في الصدر الأول الإسلامي:

لقد أشرنا فيما سبق إلى:أن الإسلام يعتبر الطب وظيفة شرعية،و أحد الواجبات التي لا مجال للتساهل فيها.

كما أن من يراجع كلام النبي(صلی الله علیه و آله)،و الائمة(ع)،و ما وصل إلينا من كلام لهم في الطب و العلاج،و هو ثروة كبيرة جدا،لا تتناسب مع ما لاحظناه من سير هذا العلم في القرن الأول الهجري و نصف الثاني-نعم ان المراجع لذلك-يخرج بحقيقة هامة،تتلخص في أنهم(ع)كانوا يحاولون بعث نهضة شاملة في هذا المجال،تتسم بالشمولية و العمق و الدقة،مستمدة ذلك من الواقعية الرائدة التي تعتمد عليها،و على هدى من المعاني الإنسانية النبيلة الّتي تتجه إليها.

و لكن الّذي يظهر:هو أن العرب لم يستطيعوا أن يكونوا في مستوى هذا الحدث الجديد،الّذي هو ظهور الإسلام...و إنما كانت طموحاتهم و توجهاتهم منصبة على مجالات أخرى،تتناسب مع ما كانوا يعانونه من تأثرات و تغيرات نفسية و فكرية،و غيرهما،مما طرأ عليهم بعد ظهور الإسلام فيهم.

و لا نبعد كثيرا إذا قررنا هنا حقيقة:أنه قد كان ثمة أثر كبير للتوجهات الّتي كانت تفرضها عليهم طموحاتهم،الّتي ولدت في ظل ظروف موضوعية معينة متعددة بعد ظهور الإسلام...و الّتي كانت تتجه اكثر إلى نزعة التسلط و القهر للامم الأخرى،و بسط النفوذ على أكبر قدر ممكن من البلاد...

و قد ساعد على ذلك بشكل فعّال...بعض سياسات الحكام الذين جاؤوا بعد الرسول(صلی الله علیه و آله)-باستثناء علي(ع)-الذين كانوا غير مستعدين للاستعانة بغير العرب إلاّ بالمقدار الّذي يرفع ضرورتهم،من دون أي توجّه إلى

حاجات أبناء شعبهم،أو حتى التفكير فيها...هذا عدا عن أنهم شعوبا و حكاما لم تسطع نفوسهم و عقلياتهم أن ترقى إلى مستوى الحدث الّذي قد كان بمثابة القفزة الواسعة الّتي عرضت على مجمل حياتهم و واقعهم بظهور الإسلام فيهم.

كل ذلك مع عدم توجههم لاهداف و تعاليم نبيهم و دينهم،و عدم اهتمامهم بالعمل على تطبيقها و تحقيقها.

نعم...فبقيت علوم كثيرة،و منها علم الطب مهملة عندهم،ان لم تكن معدومة إلى مطلع الدولة العباسية،الّتي جاءت بعد انتهاء الحكم الأموي،الّذي ساهم في أشباع الرغبة في الحكم و التسلط،و بدأ الاتجاه إلى حياة الإستقرار و الرخاء،و مواجهة متطلبات الحضارة،الأمر الذي كان يفرض عليها الإستجابة لهذه المتطلبات و الحاجات،الّتي يصعب اهمالها أو تجاهلها.

فكان عصر النهضة العلمية،و بدأ العصر الذهبي...و استطاع المسلمون في فترة وجيزة جدا أن يحققوا على صعيد العلم و المعرفة أعظم المنجزات الّتي يمكن أن تحققها أمة في فترة زمنية كهذه.

دور غير المسلمين في النهضة العلميّة:

و كان طبيعيا أن يكون ظهور علم الطب بقوة عند المسلمين في أجواء كهذه في مطلع الدولة العباسيّة،بمساعدة متخصصين من الأمم الأخرى،و لا سيما اولئك الذين انتهت إليهم المعارف الطبيّة إلى تلك الفترة من الزمن،و هم أهل جند يشابور.

و ترجم هؤلاء و غيرهم الكثير من الكتب الطبيّة،و مارسوا الطب في بلاط الخلفاء و غيرهم من الأعيان،و حصلوا على الأموال بأرقامها الخيالية.

و لا غرو أن نجد الحكام و الخلفاء يهتمون في أن يكون أطباؤهم من هؤلاء الذين هم من غير المسلمين،بل من اليهود،و النصارى،و المجوس،حتى لقد كان للمتوكل(56)طبيبا كلهم من النّصارى (1)...فانهم ما كانوا يطمئنّون إلاّ إليهم،و لا يعتمدون في تنفيذ مآربهم السياسية-كتصفية خصومهم (2)-إلاّ عليهم.

رغم وجود النطاسيين في هذا الفن من المسلمين،و الّذي كان لهم فيه اليد الطولى،ابداعا و اختراعا،و شمولية و عمقا،مثل:أحمد بن أبي الأشعث،و علي بن عيسى الكحال،و أحمد بن محمد الطبري،و إبن الصوري،و غيرهم ممن يعد بالعشرات،و المئات.

و قد كان علماء المسلمين يلومون الخلفاء و الوزراء في تعظيمهم النّصارى للتطبب (3).

نعم...لقد استعان المسلمون بغيرهم في عالم الطب...و لكنهم لم تمض عليهم مدة وجيزة حتى حققوا فيه أعظم المنجزات،الّتي يمكن أن يحققها إنسان في فترة و ظروف كتلك الّتي مرت على المسلمين آنذاك...


1) تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [1]ص 200 عن طبقات الأطباء ج 2 ص 140. [2]

2) فقد كان إبن أثال النصراني،طبيب معاوية هو الاداة التي يستخدمها معاوية في تصفية خصومه السياسيين،(عيون الأنباء ص 172/171،و التراتيب الإدارية ج 1 ص 461 و نسب قريش لمصعب الزبيري ص 327 و غيره)،كما أن المعتصم قد تخلص من المأمون على يد يوحنّا بن ماسويه النصراني(عيون الانباء ص 254)و أبو الحكم النصراني الدمشقي كان يعتمد عليه معاوية في تركيب الادوية لأغراض قصدها منه (عيون الانباء ص 175 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 461)و غير ذلك كثير،لا مجال لتتبعه.

3) البحار ج 81 ص 209 [3] عن الدعوات للراوندي.

حتى لقد أرسوا القواعد و الأسس الصحيحة و السليمة لقيام النهضة الطبيّة في هذا القرن الرابع عشر الهجري...و على تلك القواعد،و هاتيك الأسس و المنجزات العظيمة اعتمدت أوروبا و غيرها في نهضتها الطبيّة الحاضرة،كما هو معلوم.

هذا...و نحن نشير هنا إلى مجمل بسيط عن الحركة العلمية الطبية الإسلامية،و ما يرتبط بذلك،مع مراعاة الاختصار الشديد،حسبما يقتضيه المقام...فنقول:

الطب في القرن الأول الهجري:

قد أشرنا فيما سبق إلى أنه قد كان في زمن النبي(صلی الله علیه و آله)بعض المعاريف من الأطباء آنئذ،و إلى بعض معارفهم،و نزيد هنا:

أن قوما من الأنصار قالوا:يا رسول اللّه.ان لنا جارا يشتكي بطنه، أ فتأذن لنا أن نداويه؟قال(صلی الله علیه و آله):بما ذا تداوونه؟قالوا:يهودي هاهنا يعالج من هذه العلة،قال:بما ذا؟قالوا:بشق بطنه،فيستخرج منه شيئا،فكره ذلك رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)و لم يجبهم فعاودوه.مرتين أو ثلاثا،فقال:افعلوا ما شئتم،فدعوا اليهودي فشق بطنه،و نزع منه رجراجا كثيرا،ثم غسل بطنه، ثم خاطه و داواه فصح...و أخبروا النبي بذلك،فقال:ان الذي خلق الادواء جعل لها الدواء...الخ (1).

و عن إبن سنان عن أبي عبد اللّه(ع)قال:سألته عن الرجل ينفصم سنه:

أ يصلح له أن يشدها بذهب؟و ان سقطت،أ يصلح أن يجعل مكانها سنّ شاة؟


1) البحار ج 62 ص 73،و [1]طب الإمام الصادق(ع)ص 16 [2] كلاهما عن دعائم الإسلام. [3]

قال:نعم،ان شاء،ليشدها بعد أن تكون ذكيّة...و عن الحلبي،عنه(ع) مثله (1).و عن زرارة،عن أبي عبد اللّه(ع)،قال:سأله أبي و أنا حاضر،عن الرجل يسقط سنه،فيأخذ من أسنان ميت فيجعله مكانه،قال:لا بأس (2).

و عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي:انه اصيبت سنته يوم أحد،فأمره رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)أن يتخذ ثنية من ذهب (3).

و حكم إبن حيان،على هذا الحديث بأنه مكذوب،و قال:«و كيف يأمر المصطفى باتخاذ الثنية من ذهب،و قد قال:ان الذهب و الحرير محرمان على ذكور أمتي و حل لاناثهم الخ» (4).

و نقول:لقد غلط إبن حيان هنا؛فان الذهب و الحرير،إنما يحرمان لو كان لأجل التزين بهما،لا لأجل ضرورة العلاج كما هو ظاهر.

و قد تقدم حين الكلام على الطب الجاهلي:أنه(صلی الله علیه و آله)قد أمر الضحاك الّذي تقدم الاختلاف في إسمه بأن يتخذ أنفا من ذهب...و تقدم:أن الحارث بن كلدة-و قد اختلف في اسلامه-قد ألف كتابا في الطب.

و فيما عدا ذلك،فاننا لا نجد في القرن الأول الهجري،بل...و حتّى مطلع الدولة العباسية أي نشاط طبي عند المسلمين-إلاّ ما يذكر عن النبي(صلی الله علیه و آله)،و الأئمة المعصومين(ع)-و إلاّ أسماء بعض أطباء عاشوا في الجاهلية،و صدر الإسلام مثل:إبن أبي رمثة،و الحارث بن كلدة،و النضر ابن الحارث،و غيرهم ممن قدمنا و يذكر أيضا:أنه لما ضرب أمير المؤمنين


1) البحار ج 66 ص 52/51 [1]عن مكارم الأخلاق ص 109. [2]

2) المحاسن للبرقي 644 و [3]البحار ج 66 ص 50 و 540 [4] عنه و عن مكارم الأخلاق ص 109. [5]

3) المجروحون ج 1 ص 99،و لسان الميزان ج 1 ص 22/21 و ميزان الاعتدال ج 1 ص 7.

4) المجروحون ج 1 ص 99.

علي(ع)جمع له الأطباء،و كان أبصرهم بالطب إبن عمريا،أثير بن عمرو السكوني.و كان صاحب كرسي يتطبب (1)كما ان الّذي جيء به لعلاج عمر حينما طعن كان من الأنصار من بني معاوية (2).

أما في عهد بني أمية،فنجد أن الحكام كانوا يعتمدون على بعض الأطباء من أهل الملل الأخرى،كإبن اثال النّصراني،و أبي الحكم النّصراني، و ثياذوق،و إبن أبجر المسيحي (3)طبيب عمر بن عبد العزيز،و ان كان البعض يحاول أن يدعي:أن خالد بن يزيد كان ماهرا في الطب أيضا (4)،و لكن ذلك لا يمكن الإعتماد عليه،نعم يمكن أن يكون قد شجع على ترجمة بعض الكتب الطبيّة كما سيأتي و إذا كان حقا له بصر بهذا العلم فانه و لا شك لم يتعد المجال النظري،فلم يمارسه في يوم من الأيام.و المشتهر عنه هو ميله إلى صناعة الكيمياء،أما اتقانه لعلم الطب فلم نجده إلاّ عند إبن خلكان.

و نجد أيضا في جملة من يعد ممن له معرفة بالطب،بعض النساء اللواتي عشن في زمنه(صلی الله علیه و آله)،مثل:رفيدة،الّتي كان لها خيمة في مسجد الرسول لمداواة المرضى و الجرحى،و إمرأة من عذرة،و ليلى الغفّارية،و أم سليم و أم عطيّة،و ربيع بنت معوذ،و غيرهن...ممن سنذكرهن مع المصادر في الفصل الخامس من القسم الثاني من هذا الكتاب،حين الكلام على معالجة و تمريض المرأة للرجل...فإلى هناك.


1) معجم البلدان ج 1 ص 93 و [1]الجوهرة في نسب [2]علي بن أبي طالب و آله للتلمساني البري ص 116/115 و [3]تيسير المطالب ص 79. [4]

2) تاريخ عمر لإبن الجوزي ص 245.

3) راجع بعض الهوامش المتقدمة عن قريب،حول دور هؤلاء الأطباء في الاغتيالات الّتي كان ينفذها الحكام على أيديهم ضد خصومهم السياسيين.

4) وفيات الأعيان ج 1 ص 168 و [5]التراتيب الإدارية ج 2 ص 263 [6] عنه.

و كانت أم جميلة تعالج من الكلف،و قد سألت عائشة عن ذلك،فأمرتها بالاستمرار على ذلك (1).

و في عهد بني أمية،كانت زينب الاودية تتطبب،و تعالج العين و الجراح (2)و أخيرا...فاننا لا نجد في تتبع الحركة الطبيّة في هذه الفترة كبيرة فائدة،لانها كانت ضعيفة جدا،بل تكاد تكون معدومة.

استدراك:و يذكر في الأطباء في القرن الاول:مرة بن شراحيل الطبيب كما عند البلاذري في أنساب الاشراف ج 2 ص 357،كما أن رواية إبن سنان الانفة تدخل في نشاط القرن الثاني،أما رواية زرارة فيحتمل فيها ذلك.

الطب في كلمات المعصومين:

نعم...لا بد من التوفر الكامل على دراسة الثروة الطبيّة الهائلة،الّتي أتحفنا بها النّبي(صلی الله علیه و آله)،و أهل بيته الكرام(ع)حيث انهم قد تكلموا في مختلف الشؤون الطبيّة بشكل واسع و شامل،حتى في فترة الركود الفكري و العلمي في زمن الأمويين و غيرهم،حسبما تقدمت الإشارة إليه.

و هذا ما يحتم التوفر التام على دراسة تلك الثروة،لاستخلاص الكنوز الرائعة،و الحقائق الجليلة،الّتي تضمنتها كلماتهم،و حوتها تعاليمهم الفذة.

و اننا لعلى يقين من أنه لو أوليت هذه النصوص ما تستحقه من عناية و اهتمام لامكن الخروج بنتائج يمكن أن تكون على درجة كبيرة من الأهمية حتّى


1) كنز العمال ج 10 ص 45 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 463 كلاهما عن إبن جرير.

2) عيون الأنباء ص 181،و [1]المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 387 و [2]تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني ص 201

بالنسبة للحياة الطبيّة الحاضرة.

هذا...و لا يسعنا هنا إلاّ أن نعبر عن أسفنا العميق،لاننا رأينا:أن المسلمين الذين عاصروا النبي(صلی الله علیه و آله)،و الائمة(ع)...لا يهتمون-حتى شيعتهم-إلاّ ببعض العلوم الدينية،الّتي كرسوا لها كل أوقاتهم و جهودهم و اهتماماتهم،و أهملوا ما عداها...حتى اننا لنجد الأئمة(ع)يحاولون توجيههم نحو البحث عن العلل و الاسباب،فنجد الإمام الباقر(ع)يأمر أصحابه إذا أفتاهم بفتوى:أن يسألوه عن مخرج الفتوى و مأخذها من القرآن الكريم...و لكن الملاحظ:هو أن ذلك التوجيه و التحريض لم يكن له الاثر المرجو و المطلوب،حيث نجد:أنهم-مع ذلك-كانوا يكتفون منه بالجواب عن المسألة فقط!!.

و لعل عدم اهتمامهم هذا يفسر لنا ما نلاحظه من عدم وجود سند صحيح- غالبا-للروايات الواردة في الطب،و المأكولات،و الادوية و نحوها،و لا اهتم أرباب الجرح و التعديل بنقد أسانيدها و تصحيحها.

و على كل حال...فأما بالنسبة إلى الطب فيما بعد القرن الأول الهجري فلا بد من إيجاز القول فيه على النحو التالي:

المسلمون...و الطب:

و يحاول كثيرون،و لاهداف لا تخفى!!أن يعطوا المنجزات الطبيّة، و كل تقدم علمي صفة قومية بالدرجة الأولى،فهذا يركز:

اليونان...

و هذا على المصريين...

و ذاك على الفرس....

و ذاك على العرب...

و هكذا...

و نقول لكل هؤلاء:لماذا لم تستطع تلك الأمم في كل تاريخها الطّويل الّذي يعد بألوف السنين،الّذي عاشته قبل ظهور الإسلام أن تحقق تقدما يوازي أو حتّى يدانى التقدم الذي حققته في هذه الفترة الوجيزة الّتي عاشتها في ظل الإسلام؟!

بل ان كل منجزاتها بدون الإسلام ليس شيئا يستحق الذكر إذا ما قورنت بمنجزاتها في هذه الفترة المحدودة.

مع أن تلك الأمم قد كانت تمتلك-قبل الإسلام-الدولة القوية، و الموارد المادية الضخمة،و المعنويات العالية،و الطموحات البعيدة،حسبما يدعون،أو حسبما يريدون الإيحاء به للبسطاء و السذج من النّاس.

و هكذا...فانه يجب أن يعزي ما حققه المسلمون على اختلاف أجناسهم إلى الإسلام نفسه،و اعتباره العامل الرئيسي في تفجير الطاقات، و تحقيق الطموحات.

بل اننا نجد الآخرين الذين لم يعتنقوا الإسلام،رغم أنهم كانوا المعلمين الأول للمسلمين في علم الطب،و هم أهل جنديشابور و غيرهم من أتباع الأديان المختلفة،قد بدأ يتقلص ظلهم،و يأفل نجمهم،كلما زاد تألق شمس المعارف الطبيّة في العالم الإسلامي (1)و الذي كان يتم بسرعة مذهلة.


1) و لا يختص ذلك في علم الطب،بل ينسحب على غيره من مختلف العلوم و المعارف كما يظهر لكل باحث،فراجع.

نعم...لقد تقلص ظلهم،و أفل نجمهم،مع أنه قد كان لخلفاء المسلمين و حكامهم عناية فائقة بهم،و اهتماما لا نظير له بشؤونهم.

و حسبنا ما ذكرناه هنا،و لننقل الكلام إلى عصر النهضة العلميّة لدى المسلمين...و الّذي يستدعي منا الحديث في نقاط عديدة،منها:

1-حركة الترجمة في العلوم الطبيّة و غيرها.

2-حركة التأليف،و ازدهار الطب عند المسلمين.

3-بعض المنجزات العلميّة للمسلمين،و أثر المسلمين في النهضة الطبيّة الحديثة.

4-أثر المسلمين في الصيدلة.

5-إشارة إلى بعض الخدمات الطبيّة،كبناء المستشفيات و نحوها.

إلى غير ذلك من الأمور الّتي يقتضيها البحث:و الّتي ربما لا يمكن تجاهلها فإلى المطالب التالية:

حركة الترجمة:
اشارة

لقد بدأت الترجمة في الحقيقة في القرن الأول الهجري،و لكن بشكل محدود جدا،و نشطت في مطلع الدولة العباسية(الّتي اسست سنة 132 ه) و انتعشت أكثر في زمن هارون،الّذي توفي سنة 193 ه.و بلغت ذروتها في زمن المأمون المتوفي سنة 218 ه.

و بنشاط حركة التأليف و الإبداع لدى المسلمين...بدأت حركة الترجمة بالتراجع،فلم يعد لها في أواسط القرن الثالث فما بعده رونق يميزها عن غيرها من النشاطات،ان لم نقل:انها لم يعد لها رونق أصلا...بل يرى البعض:أن أكثر الترجمات قد كانت ما بين أواسط النصف الأول من القرن

الثاني،و حتى النصف الأول من القرن الثالث (1).

و على كل حال...فقد كان غير المسلمين هم الذين يقومون بأمر الترجمة بصورة عامة،سواء في ذلك النّصارى،أو اليهود،أو غيرهم...

فهم رواد هذه الحركة،و عليهم كان الإعتماد فيها...و لكننا لا يجب أن ننسى هنا دور النوبختيين في الترجمة،و هم من الفرس،المسلمين الشيعة،فانهم قد أسدوا خدمات جلّى في هذا السبيل.

و يقول گوستاف لوبون:ان أول كتاب طبي ترجم إلى العربية قد ترجمه هارون سنة 685 م (2)...و نحن نعتقد:أنه قد غلط في ذلك،ف:

أولا:ان الكتاب هو كناش«أي مجموعة فيها قواعد و فوائد طبية»من مؤلفات(اهرن)،و قد ترجمه ماسرجويه ،اما في زمن عمر بن عبد العزيز، أو أنه ترجمه في زمن مروان بن الحكم،و بقي في خزائن الكتب حتّى أخرجه إبن عبد العزيز إلى الناس (3).

و ثانيا:إننا نجدهم يقولون:ان إبن أثال طبيب معاوية-الذي قتل في زمنه-قد سبق إلى ترجمة كتاب في الأدوية المفردة من اليونانية إلى العربية (4)...و بمثل ذلك يرد على من زعم أن خالد بن يزيد كان أول من


1) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 194.

2) تمدن إسلام و عرب ص 609.

3) عيون الأنباء ص 232 [1] عن إبن جلجل،و تاريخ الحكماء ص 325/324 و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 194 و راجع ص 215،و تاريخ الأطباء و الحكماء لإبن جلجل ص 133 الترجمة الفارسية و هوامشه،و التراتيب الإدارية ج 2 ص 270/269 [2] عن تاريخ آداب اللغة العربية ج 1 ص 233.

4) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 141.

ترجم كتب النجوم و الطب...الخ (1)،و يقول وجدي:أن إبن وحشية قد ترجم عن الكلدان كتابا في السموم و ذلك في سنة 170 م (2).

و هو غلط أيضا،فان إبن وحشية قد عاش في أواخر القرن الثالث،و في مطلع القرن الرابع الهجري (3)،و مما ذكرنا نعرف عدم صحة قولهم:ان جورجس هو أول من ابتدأ في نقل الكتب الطبيّة إلى العربية عند ما استدعاه المنصور (4).

و على كل حال...فانهم يقولون:ان الخليفة العباسي هارون قد أرسل إلى روما من جلب له الكتب الخطيّة الطبيّة...كما أنه هو نفسه قد جلب معه مخطوطات من أنقرة،و عمورية و غيرها من بلاد الروم،و طلب من يوحنا بن ماسويه،أن يترجمها من اليونانية إلى العربية (5).

أما في زمن المأمون فقد بلغ هذا الأمر ذروته،حتى ليذكرون،أنه كان يعطي وزن ما يترجم له ذهبا (6)،بل لقد ذكر وجدي:أن المأمون قد جعل بعض شروط الصلح مع اليونانيين اعطاءه نسخة من كتاب نادر الوجود (7).


1) البيان و التبيين ج 1 ص 328،و [1]شرح نهج البلاغة ج 15 ص 258،و التراتيب الإدارية ج 2 ص 269/268 [2] عنهما و عن أوائل السيوطي أنه أول من ترجمت له كتب الطب راجع محاضرة الأوائل ص 71،و الأوائل للعسكري ج 2 ص 145. [3]

2) دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 665.

3) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 294.

4) عيون الأنباء ص 279. [4]

5) تاريخ الحكماء للقفطي ص 380،و عيون الأنباء ص 246،و [5]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 208/207.

6) عيون الأنباء ص 260،و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 242.

7) دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 665.

كما أنه قد أرسل جماعة إلى بلاد الروم ليأتوه بالمخطوطات (1).و أسس دار الحكمة المشهورة،و كان فيها قسم للترجمة..و بعضهم ينسب دار الحكمة للرشيد،لكن من المؤكد أنها قد بلغت أوج عظمتها في عهد المأمون (2)...

كما أن الاهتمام بجمع المخطوطات لم يكن مقصورا على الخلفاء،بل كان غيرهم من الأعيان يهتم بذلك أيضا (3)...

و قد نقلوا إلى العربية كتب جالينوس و ابقراط و غيرهما...و من المعروفين بالنقل:حنين بن اسحاق،و حبيش الأعسم (4)و أصطفان بن بسيل،و ثابت بن قرة،و اسحاق بن سليمان،و إبن البطريق،و منكه الهندي، و قسطا بن لوقا البعلبكي،و إبن دهن،و غيرهم كثير،فراجع الباب التاسع من عيون الأنباء للاطلاع على أسماء الكثيرين منهم...

المشتغلون بالطب في عصر الترجمة:

أما الذين كانوا يمارسون الطب في عصر الترجمة،فقد كان أكثرهم من


1) الفهرست لإبن النديم ص 353،و عيون الأنباء ص 260،و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 208 و تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 157.

2) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 302،و غيره.

3) تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني [1]ص 157،و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 207/242 و الفهرست لإبن النديم ص 354/353. [2]

4) و لعل بعض ما ترجمه حبيش،قد نسب إلى حنين،بسبب اشتباه الاسمين حين القراءة بسبب عدم نقط الكلمات في السابق،حتى قيل:من جملة سعادة حنين صحبة حبيش له فان أكثر ما نقله حبيش نسب إلى حنين.راجع:تاريخ مختصر الدول لإبن العبري ص 146/145 و [3]تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني [4]ص 160.

غير المسلمين...و أكثرهم من نفس أولئك الّذين كانوا يهتمون بالترجمة إلى اللغة العربية...

و قد اشتهر في ذلك العصر من هؤلاء آل بختيشوع،ابتداء من جرجيس الذي استقدمه المنصور من جنديشابور،ثم ولده بختيشوع،الذي استقدمه الرشيد (1)،و جعله كبير و رئيس الأطباء،ثم إبنه جبرائيل،ثم إبنه بختيشوع، الّذي غضب عليه الواثق فاعاده إلى جنديشابور و صادر كل ما يملك،ثم عاد فطلبه منها،فوصلها بعد موت الواثق...فاحتفى به المتوكّل،ثم يأتي عبيد اللّه بن بختيشوع.

و هناك من مشاهير أطبائهم:يوحنّا بن ماسويه،الّذي عينه المأمون رئيسا لبيت الحكمة سنة 215،و قسطا بن لوقا البعلبكي،و ثابت بن قرة،و سعيد بن يعقوب،و غيرهم كثيرون...

بين الشهرة...و الواقع:

لقد اشتهر الجنديشابوريون في بادىء الأمر بصناعة الطب،بشكل ليس له مثيل،و كان لتأييد الحكام لهم نصيب وافر من هذه الشهرة التي حصلت لهم،و في مقام التدليل على مدى هيمنة غير المسلمين في مجال الطب، و انبهار الناس بهم و تبعيتهم لهم،و لا سيما الجنديشابوريين منهم نذكر القصة الّتي رواها أو صنعها الجاحظ المتوفي سنة 255 ه.

و هي على النحو التّالي:

يقول الجاحظ:


1) و قيل استقدمه المهدي لمعالجة ولده الهادي،ثم عاد إلى بلده؛فاستقدمه هارون راجع:مجلة الهادي سنة 2 عدد 2 ص 52.

كان أسد بن جاني (1)رجلا طبيبا،و في فترة ما توقف عمله،و كسدت سوقه،فقال له أحد الأشخاص:الأوبئة كثيرة في هذه السنة،و قد انتشرت الأمراض كثيرا بين الناس،و أنت رجل عالم،و لك صبر و أناة،كما و أنك خدوم للناس،صاحب لسان،و عارف بأحوال الناس...و مع كل هذا فما هو السر في كساد سوقك؟!

فأجاب:أولا:إنني مسلم،و الناس قبل أن أكون طبيبا،بل و قبل أن أخلق،يعتقدون:أن المسلم لا يكون طبيبا ناجحا...

و ثانيا:أن إسمي(أسد)في حين يجب أن يكون أسمي صليبا،أو مرابل،أو يوحنّا،أو بيرا...و كنيتي:أبو الحارث.في حين أنها يجب أن تكون:أبا عيسى،أو أبو زكريا،أو أبو إبراهيم...و أرتدي عباءة من الكتان الأبيض (2).في حين أنه كان يجب أن ألبس عباءة من الحرير الأسود (3)نعم..هكذا أصبح الناس يعتقدون في غير المسلمين،و بالاخص


1) لا نعرف عن هذا الرجل إلاّ ما ذكره عنه الجاحظ،و لا ندري انه كان شخصية حقيقية أو مخترعة للجاحظ ليعبر عن مفهوم معين بهذا الاسلوب الطريف.

2) قال في عيون الأنباء ص 654:« [1]لما فتح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الكرك أتى إلى دمشق موفق الدين يعقوب بن سقلاب النّصراني،و هو شاب على رأسه كوفية،و تخفيفة صغيرة و هو لابس جوخة ملوطة زرقاء،زي أطباء الفرنج،و قصد الحكيم موفق الدين بن المطران و صار يخدمه و يتردد إليه لعله ينفعه؛فقال له:هذا الزي الذي أنت عليه ما يمشي لك به حال في الطب في هذه الدولة بين المسلمين؛ و إنما المصلحة أن تغير زيك،و تلبس عادة الأطباء في بلادنا،ثم أخرج له جبة واسعة عنابية و بقيارا مكملا،و أمره أن يلبسهما»انتهى...و هذا يدل على تغيير الزي السابق المشار إليه في المتن.

3) البخلاء ص 121 [2] ط.سنة 1960 و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 204 و مجلة الهادي سنة 2-عدد 2 ص 62.

الجنديشابوريين منهم،كما أرادوا هم لانفسهم و أراد لهم الحكام المتسلطون.

و قد كان العلماء يلومون الخلفاء و الوزراء في تعظيمهم النّصارى للتطبب،كما قدّمنا...

و لكننا لو راجعنا الوقائع التّاريخيّة،و أردنا ان نحكم عليها حكم المنصف و المتجرد عن كل هوى و تعصب،فاننا نجد:

أنه لم يكن لدى الأطباء غير المسلمين تلك البراعة الخارقة للعادة في صناعة الطب،و ان كان لهم الفضل في نقل تراث الأمم الاخرى إلى لغة الإسلام.

و كمثال على ذلك نذكر:أن سلمويه يعتبر يوحنّا بن ماسويه مثلا و هو أشهر طبيب في عهد المأمون من أجهل خلق اللّه بمقدار الداء و الدواء (1).

كما أن أبا قريش (2)قد كان عند المهدي:«نظير جرجس بن جبرائيل في المرتبة،بل أكبر منه حتى تقدمه في المرتبة،و توفي المهدي و استخلف هارون الرشيد،و توفي جرجس،و سار إبنه(أي بختيشوع)تبع أبي قريش في خدمة الرشيد» (3).

و لكن التّجليل و التّعظيم،و الصيت الواسع كان لبختيشوع،دون أبي


1) تاريخ الحكماء ص 385 و عيون الأنباء ص 237. [1]

2) يقال:ان المهدي كناه بهذا إشارة إلى عظمته الّتي جعلته بمنزلة أب للعرب كلهم حين يكون أبا لقريش-راجع عيون الأنباء ص 216. [2]

3) عيون الأنباء ص 216. [3]

قريش..كما أننا نجد أن هذا الصيت العظيم للأطباء من غير المسلمين،قد أثر على التاريخ كما يظهر ذلك من ملاحظة الموسوعات،و كتب التراجم.

فانهم يهتمون جدا في ترجمة الأطباء غير المسلمين و يطنبون فيها كثيرا..أما الطبيب المسلم الحاذق العظيم فان ترجمته لا تتجاوز الأسطر القليلة،إلاّ إذا كان مثل الرازي،و إبن سينا الّلذين لا يمكن تجاهلهما...

يكفي أن نذكر:أننا نلاحظ:انهم يترجمون الزهراوي الذي اعتمد عليه الاوروبيون في الطب الجراحي و غيره لم يترجم إلاّ بثلاثة أسطر،و كذا بالنسبة لعلي بن العباس و قد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم.

و قد بدا أن أهل جنديشابور كانوا مغرورين بأنفسهم جدا،و قد تجاوزوا الواقع في تصوراتهم لقدراتهم الحقيقية،حتى يقول القفطي:

«ان الجنديشابوريين كانوا يعتقدون أنهم أهل هذا العلم،و لا يخرجونه عنهم و عن أولادهم و جنسهم» (1):

نعم...و لكن نجم جنديشابور قد أفل،و اشعاعها قد خبا،بنبوغ مهرة الأطباء،افذاذ الفن و أساطينه من المسلمين-و ما أكثرهم...و آخر من ورد اسمه كرئيس لمستشفى جنديشابور هو سابور بن سهل المتوفي سنة 255 (2).

و آخر وقعة ورد فيها اسم جنديشابور هي ما بين سنة 262-265 حيث


1) تاريخ الحكماء ص 174 و مجلة الهادي السنة 2 عدد 2 ص 62 في مقال للدكتور محمدي بعنوان:جامعة جنديشابور.

2) راجع:الفهرست لإبن النديم ص 413. [1]

يذكرون أن يعقوب بن ليث الصفار قد جعل جنديشابور مقرا له،حينما تأهب لفتح خوزستان (1).

حركة التأليف،و ازدهار الطب عند المسلمين:
اشارة

و كانت العلوم في فترة حركة الترجمة تنضج شيئا فشيئا لدى المسلمين، و بدأت منذ عصر الترجمة حركة التأليف شيئا فشيئا،و نشطت كثيرا في النصف الثاني من القرن الثالث،و بدأ دور الترجمة بالتراجع و التقلص بنسبة ازدياد النشاط العلمي و التأليفي في البلاد.

و يظهر:أن التأليف الإسلامي قد بدأ من النصف الأول من القرن الثالث،حيث نجدهم يذكرون بعض المؤلفات لعلي بن ربن الطبري و غيره من الأطباء المسلمين،الذين عاشوا في القرن الثاني و مطلع القرن الثالث، هذا...ان لم نقل:ان الحارث بن كلدة-أول مسلم ألف في الطب...

على فرض ثبوت ذلك...كما اشرنا إليه فيما تقدم... (2).

و المهم هنا هو أننا نلاحظ:أن المسلمين قد عنوا بالطب عناية فائقة، و نبغ منهم علماء كبار،و جهابذة أفذاذ أنسوا من كان قبلهم،و مهدوا السبيل لمن جاء بعدهم،و على أساس نظرياتهم،و ابتكاراتهم،و منجزاتهم كانت النهضة الكبرى في القرن العشرين،أي الرابع عشر الهجري..فهم وحدهم آباء هذا العلم-كما كانوا آباء غيره من العلوم-في العصر الحديث.


1) تاريخ الطبري مطبعة الإستقامة ج 8 ص 34 و عنه في مجلة الهادي سنة 2 عدد 56 مقال الدكتور محمدي و معجم البلدان ج 2 ص 170 و 171 و فيه أن يعقوب بن الليث مات بها سنة 65 و قبره بها.

2) و قد ألّف اسحاق بن حنين كتاب:تاريخ الأطباء(الفهرست لإبن النديم ص 429)و لعله من أول من صنف في موضوع تاريخ الطب،ان لم يكن هو الأول...

كما أننا نجد:أن بغداد مقر الخلافة العبّاسية لم تعد هي المركز الطبّي الوحيد،فان انقسام الدولة الإسلامية إلى ممالك صغيرة مستقلة قد حمل معه ظاهرة تكون مراكز كثيرة للعلوم الطبية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، كغزنة،و القيروان،و مصر و غيرها؛الأمر الذي هيأ الجو لظهور نوابغ في هذا العلم في مختلف أرجاء الدولة الإسلامية...و مهد السبيل لتخرج أعداد هائلة من الأطباء من مختلف الاختصاصات.و من ثم إنتاج أعداد ضخمة جدا من المؤلفات في هذا العلم،لم يستطع المؤلفون في التراجم و الموسوعات حتى احصاء اسمائها،مع شدة عنايتهم بذلك،و اصرارهم عليه..و على مؤلفات المسلمين،و منجزاتهم العلمية كانت النهضة الطبيّة المعاصرة،كما سنشير إليه...و نستطيع أن نجمل مظاهر الحضارة الإسلامية في المجال الطبّي و أثر المسلمين في النهضة الطبيّة الكبرى في العناوين و البحوث التّالية:

المؤلفات الطبيّة،و أثرها في النهضة الأخيرة:

يقول الدكتور فيليب حتي:«في القرن العاشر للميلاد ظهر أطباء مسلمون من المرتبة العالية أغنوا بمؤلفاتهم التراث الطبّي في الشرق و في الغرب؛و كان معظم أولئك الأطباء من الفرس إنما كانوا يؤلفون كتبهم باللغة العربية» (1).

و عن كتاب القانون لابن سينا يقول:«و قد ترجمه إلى اللاتينية جرارد الكرموني في طليطلة في القرن الثاني عشر،فاحتل بذلك محل الكتب المدرسية الطبيّة السابقة،و ظل كتابا مدرسيا قرونا عديدة.

أما في الشرق فقد ظل كتاب القانون في الطب المرجع الأوحد في


1) موجز تاريخ الشرق الادنى ص 192.

الطب،إلى أن حل محله الكتب الطبيّة العصرية الّتي ظهرت في القرن التاسع عشر» (1).

أما محمد الخليلي،فيقول:انه قد نشر من كتاب القانون طبعة عربية في روما سنة 1593 م و في بولاق مصر سنة 1877 م و في الهند سنة 1323 م.

و ظهرت له في أوروبا عدة شروح،و ترجمت أجزاء أخرى منه إلى اللغة الإفرنسية و الإلمانية،و الإنجليزية،و غيرها من لغات أوروبا،كما ترجمت إلى التركية،و الفارسية.

و بالجملة:فقد كان القانون من أجل الكتب الّتي تدرس في جامعتي (مونبليه)و(لوفان)إلى أواسط القرن السابع عشر،كما كان البرنامج الطبّي في قينا سنة 1520 م و في فرنكفورت سنة 1558 م أكثره على القانون،و على المنصوري.

قال العلامة ساربوري في كتابه:تاريخ العلم:كان كتاب القانون ذلك المعلم الطبّي العظيم توراة الطب،أي دستوره المقدس.

و قال الدكتور(ماكس مايرهوف)في كتابه:تراث الإسلام:ان إبن سينا قد جمع في قانونه تراث اليونان إلى اختبار العرب،فكان أسمى ما بلغه من التنظيم العلمي العربي.ثم قال في موضع آخر:و المرجح أنه لم يوضع في تاريخ الطب كتاب عنى العلماء بدراسته كهذا الكتاب،أي القانون.

و لكن منذ القرن السابع عشر إلى التاسع عشر وضعت كتب افرنجية زاحمت القانون في نفوذه،و ان كان تأثيره لم ينقطع تماما... (2)انتهى.


1) المصدر السابق ص 194.

2) راجع:معجم أدباء الأطباء ج 1 ص 116.

و الخلاصة:أن أوروبا قد ظلت قرونا عديدة و كتب الشيخ الرئيس مرجعها الوحيد في الدراسة الطبيّة و الفلسفيّة (1).و كان إبن سينا يلقب في أوروبا بملك الأطباء،و ظل كتابه يدرس إلى سنة 1650 م في جامعة(لوون) في بلجيكا،(و مونبليه)في فرنسا (2)..

و يقول فيليب حتي عن كتاب«الملكي»لعلي بن العباس:«أنه الكتاب الوحيد الّذي نقله الصليبيون إلى اللغة اللاتينية.و قد ظل كتابا مدرسيا في الشرق و الغرب إلى ان حل محله الكتاب الذي وضعه إبن سينا،و هذا أشبه بموسوعة طبية» (3).

و يذكر گوستاف لوبون:أن كتاب الملكي قد ترجم سنة 1127 و طبع في سنة 1523 م (4).

كما أن كتاب الحاوي للرازي قد ترجم إلى اللاتينية،و طبع مرارا «يستعمل ككتاب مدرسي في المعاهد الطبيّة الاوروبية،ان علم الرازي و فضله على العلوم الطبيّة يرفعان من قدره،و يجعلانه يحتل مرتبة بين عظماء المفكرين الخلاقين في أوروبا الوسيطة..» (5).

و على كل حال..فان كتب الرازي قد بقيت مدة طويلة جزءا من الكتب الدراسية حتى القرن السابع عشر.و كذلك كتب إبن سينا،و يوجد بها فرمان


1) المصدر السابق ج 1 ص 115.

2) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 569.

3) موجز تاريخ الشرق الادنى ص 193 و راجع:تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 199.

4) تمدن إسلام و عرب ص 611.

5) راجع:موجز تاريخ الشرق الادنى ص 193.

لمدرسة دار الفنون مؤرخ في سنة 1617 م (1).

و لم يقتصر الأمر على كتاب الحاوي من مصنفات الرازي؛بل ان اكثر مصنفاته قد ترجمت إلى اللاتينية و طبعت مرارا ابتداء من سنة 1509 م (2).

أما گوستاف لوبون فقد أجمل ما تقدم بقوله:«لقد ترجمت كتب إبن سينا إلى مختلف لغات الدنيا،و بقيت حوالي ستة قرون تعتبر اصول و مباني الطب،كما أن مدارس الطب،و خصوصا دار الفنون في فرنسا و إيطاليا كانت تقتصر على تدريس كتبه،و لم يمض خمسون سنة،على خروج كتبه من الدراسة في فرنسا...

و لا يقصر عن ذلك اهتمام الاوروبيين بكتب الرازي ترجمة و تدريسا.

و هناك كتب إبن رشد الطبيّة الّتي طبعت مرارا في أوروبا،و كذلك كتاب علي ابن عباس...

و اكثر من ذلك،فان كل الجراحين الّذين جاؤوا بعد القرن الرابع عشر للميلاد قد اعتمدوا-كما يقول هالر-على كتب الزهراوي الاندلسي(المعروف بالبقاسس)المتوفي سنة 1107 م،صاحب كتاب:التصريف لمن عجز عن التأليف،و قد اخترع هذا العالم بنفسه كثيرا من آلات الجراحة،و بحث عن تفتيت الحصاة بشكل كامل،مع أن هذا يعد«غلطا»من الأعمال الجديدة، و أول طبعة لكتابه باللاتينية كانت سنة 1497 و آخرها سنة 1861 م،الخ كلامه (3).


1) راجع:تمدن إسلام و عرب ص 610.

2) المصدر السابق...

3) تمدن إسلام و عرب ص 609-614 بتصرف و تلخيص..

و هناك أيضا كتاب التيسير لابن زهر الاندلسي،الذي عاش في القرن السادس للهجرة،و قد استفاد منه الافرنج في نهضتهم الحديثة (1)و يقول بروكلمان عن كتاب الزهراوي المنسوب إلى الزهراء ضاحية في قرطبة، و المتوفي سنة 1023:«و الحق أن الاجيال التالية احتفلت احتفالا خاصا بالجزء المفرد للجراحة في هذا الكتاب بما يشتمل عليه من وصف مفصل للالات الجراحية،فنقل إلى اللاتينية في القرن الخامس عشر،و نشر في طبعات عدة» (2).

هذا..و بمراجعة بسيطة إلى لوائح مؤلفات الأطباء المسلمين و الفروع الّتي تطرقوا إليها يعرف إلى أي حد بلغ الطب عندهم في تشعباته و فروعه المختلفة...و يكفي أن نذكر أن البعض يعتبر أنه بعد أن شرع المسلمون يعملون مستقلين،برز عطاؤهم المبتكر بصورة خاصة في حقل التطبيب،و في الرياضيات و الجغرافيا (3).

و قد فاته أنهم قد برز عطاؤهم المبتكر في غير ذلك من العلوم أيضا كالكيمياء و غيرها،و قد يكون من بينها ما أبدعوا فيه أكثر من ابداعهم في هذه العلوم الّتي أشار إليها.

و أخيرا...فان گوستاف لوبون يقول:بما أن الكتب الطبيّة العربية قد ترجمت عموما إلى اللغات الاوروبية،فانها لم تتعرض للضياع كثيرا،كما كان الحال بالنسبة لسائر الكتب (4).


1) تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [1]ص 200.

2) تاريخ الشعوب الإسلامية ص 314.

3) موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 191.

4) تمدن إسلام و عرب ص 608.

و لكن الحقيقة هي:أن من يراجع كتب الموسوعات و التراجم يجد أسماء آلاف من الكتب الطبيّة فيها-و هم لم يذكروا إلاّ قسما محدودا منها-و لم يوجد لها في هذه الأيام عين و لا أثر،فليراجع على سبيل المثال:كتاب:كشف الظنون،و عيون الانباء،و تاريخ الحكماء،و الفهرست لابن النديم و غيرها ليجد أن معظم الكتب الطبيّة الإسلامية و لا تعرف إلاّ اسماء عدد محدود منها.

بعض منجزات المسلمين الطبيّة:

انه لا ريب في أن الطب كان يعتبر في شرق البلاد الإسلامية و غربها من أرفع العلوم شأنا،و أسماها مقاما،كما أشار إليه البعض (1).

كما أنه لا ريب في أن للمسلمين بحوثا عميقة في الطب،و حصلوا على نتائج كبيرة فيه (2)و قد طوروا علم الطب،و فن الجراحة إلى أعلى الدرجات (3).

و بقيت أوروبا تعتمد على تصانيفهم في الجراحة حتى الأزمنة المتأخرة، و كذا استعمالهم البنج في الجراحة،و غير ذلك كثير...و قد اكتشفوا الكثير من المعالجات الّتي لا تزال متداولة إلى اليوم (4).

كما أن الرازي هو أول من استعمل السبيرتو،و الفتيلة ذات الطرفين في معالجة الجراح،كما أنه أول من استعمل الماء البارد في الحمى الدائمة (5).


1) تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص 314.

2) تمدن إسلام و عرب ص 608.

3) مختصر تاريخ العرب ص 283.و تمدن إسلام و عرب ص 616.

4) راجع:تمدن إسلام و عرب ص 616.

5) تمدن إسلام و عرب ص 609.

قال محمد الخليلي عن الرازي:«هو أول من اكتشف زيت الزاج المسمى اليوم حامض الكبريتيك،و يدعى في اللغة العربية الزاج الأخضر، و كان قبلا يسمى زيت الرازي،و قد استخرجه من كبريتات الحديد،و طريقة استعماله لا تزال مستعملة كما هي،و هو أول من استخرج الكحول«أي السبيرتو»،و استحضرها من المواد النشوية و السكرية المختمرة:و هو أول من عرف الجدري و عزل المصابين به في مستشفاه،و أمر بعزلهم في البيوت.و هو أول من عرف الأمراض السارية،و هو أول من اخترع الخلال المعروف عند أطباء العرب،و هو أن يثقب الجلد،و يمرر فيه خيط غليظ ليسيل الصديد من الدنبلة،أو أي ورم آخر...انتهى» (1).

و على كل حال فان في اكتشاف الرازي للسبيرتو،و أسيد السولفوريك يكون قد أسدى خدمة جلى للطب (2).

أما الفتائل ذات الطرفين،و المشار إليها آنفا،فانها كانت لا تزال مستعملة إلى أواسط النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري.

كما أن الرازي هو أول من شرح تشعبات الأعصاب في الرأس و الرقبة بشكل واف و واضح،و هو أول من أجرى عملية خياطة جرح المعدة بواسطة المصران المعوج في الغنم،كما أنه أول من اكتشف الطب المفصلي، و استعمل القطن (3).

و يقول فيليب حتي:«...و قد ألف الرازي أقدم كتاب طبي يميز فيه سريريا بين الحصبة و الجدري،و لسنا نعلم:أن الاغريق أو غيرهم من


1) معجم ادباء الأطباء ج 2 ص 74.

2) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 414.

3) راجع:تاريخ طب در إيران ج 2 ص 428 و 421.

الشعوب توصل إلى هذه المعرفة قبل عهد الرازي» (1).

و يضيف:«أن علم الرازي و فضله على العلوم الطبيّة يرفعان من قدره و يجعلانه يحتل مرتبة بين عظماء المفكرين الخلاقين في أوروبا الوسيطة» (2).

و لست أدري أين هؤلاء العظماء الخلاقون في أوروبا الوسيطة؟!و هل كان في أوروبا آنذاك عظيم؟!أو ليست أوروبا لا تزال تعتمد على علم الرازي و أمثاله من علماء المسلمين حتى الامس القريب؟!..

أو ليس يقولون؟ان محمد بن أحمد الحتاتي الذي نشأ في القاهرة، و المتوفي سنة 1052 ه قد:«رحل إلى الروم،و مكث بها مدة طويلة،و لم يسعفه الدهر بما يروم،فتنقل في المدارس حتى صار رئيس الأطباء في اسكى سرايا ثم رجع إلى القاهرة؟ (3)».

و يدعى فيليب حتي:أن من مبتكرات كتاب الملكي لعلي بن العباس «اشارة إلى وجود الحركة الدموية الشعرية،و إلى أن الطفل عند الولادة لا يخرج من تلقاء نفسه،بل بفضل تقلصات عضلية الرحم» (4).

و قد فاته أن الحقيقة هي:أن الإمام الصادق(ع)هو أول من نبه إلى حقيقة الدورة الدموية و شرحها و أوضحها بشكل واف و كامل،كما أثبته محمد الخليلي في كتابه:«طب الإمام الصادق(ع)» (5)و قرر أنه قد سبق هارفي،


1) موجز تاريخ الشرق الادنى ص 192،و راجع تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 203.

2) موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 193.

3) معجم أدباء الأطباء ج 2 ص 55 تأليف محمد الخليلي.

4) موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 193.

5) طب الإمام الصادق(ع)ص 31/30. [1]

الذي لا يزال الكثيرون يهللون و يكبرون و يهتفون بإسمه على أنه هو مكتشف الدورة الدموية،و قد سبق بها غيره...

المنجزات الطبيّة لابن سينا:

و عن إبن سينا و قانونه في الطب،نجدهم يقولون:«ان من حسنات هذا الكتاب:أنه يميز بين التهاب المنصف الصدري(الحيزوم)و بين ذات الجنب،و ينص كذلك على أن السحاق ينتقل بالعدوى،و أن عدوى الأمراض تسري بواسطة الماء و التراب» (1).

قال الأستاذ محمد الخليلي:«لقد امتاز الرئيس إبن سينا على أبقراط و أرسطو و جالينوس بدقته في مناقشة الحالات المرضية،و مهارته في فن التشخيص،و مبحث أسباب الأمراض.

فهو أول من وصف الإلتهاب السحائي،أي البرسام الحاد،و ميزه عن سائر الأمراض الحادة المصحوبة بالهذيان.و قد كان ذلك يشتبه على اليونانيين،و هو أول من أوضح أن التهاب البلورا«ذات الجنب»،و التهاب الرئة«ذات الرئة»قد تنتج عنهما أعراض سر سامية،و أن التهاب السحايا في تلك الحالات يعتبر نذيرا بالموت.

و هو أول من أجاد في شرح أمراض الجهاز التنفسي،و أتقن وصف الأمراض العصبية.و له الفضل في إبتكار كثير من طرق العلاج النفساني.

و هو أول من اختص بالقول:بأن الحصبة اكثر ما تكون عدواها في الربيع و الخريف،و أنها اكثر وقوعا في هذين الفصلين،و أن الاطفال اكثر اصابة بهما.و هو أول من وصف علاج البواسير بالشق.


1) موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 194.

و هو أول من اكتشف اندعام عضلات العين،و أدخل من أنواع العقاقير الطبيّة في العلاج كثيرا لم يكن مستعملا من ذي قبل.

و هو أول من اكتشف الطفيلية أي الدودة الموجودة في الإنسان المسماة اليوم في اصطلاح الطب الحديث«انكلستوما»و قد ذكرها في فصل ديدان المعدة،من كتاب القانون.و قد اعاد اكتشافها«زوييني»الإيطالي في القرن التاسع عشر(أي القرن الثالث عشر الهجري)،أي بعد اكتشاف إبن سينا بتسع قرون،و قد أخذ جميع مؤلفي الغرب بهذا الرأي في مؤلفاتهم الحديثة سيما في مؤسسة(روكفلر)معترفين لإبن سينا بالفضل في سبقه.

و هو أول من اكتشف الآلة المسماة اليوم(الوارنية)و هي الآلة المستعملة لقياس الأطوال بالدقة المتناهية.

و هو أول من شرح قلب الجنين،و قسمه إلى الأقسام المعروفة عندنا اليوم،و وصف الثقب الموجود في الجدار الفاصل بين الاذنين،و قال:ان هذا الثقب يسد حالا عند ما يتنفس المولود لاول مرة،و بذلك تبتدىء الدورة الدموية الرئوية...» (1).

و ما قاله إبن سينا في تشريح العين،و وصف عضلات الحدقة مطابق تماما لما توصل إليه الطب في هذه الأيام،كما أنه قد أدرك أهمية عصب العين،و هو أول من تنبه لذلك فيما نعلم..

كما أن ما ذكره إبن سينا عن مرض السل،و مرض آسم(و هو الربو)هو نفس ما توصل إليه أطباء اليوم (2).


1) معجم أدباء الأطباء ج 1 ص 218/117.

2) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 589 و 592 و في ص 600-605 يذكر بعض ما ذكره إبن سينا مما لا يزال معترفا به حتى الآن و أيدته التجارب الحديثة.

و يقول جرجي زيدان و كذلك هم يقولون:«أما ما أحدثوه من عند أنفسهم رأسا؛فالاحاطة به من الأمور الشاقة الّتي يعسر تحقيقها،فنذكر ما ثبت عندنا حدوثه على سبيل المثال:

من ذلك:أنهم أحدثوا في الطّب آراء جديدة،تخالف آراء القدماء في تدبير الأمراض،و ان لم يصلنا إلاّ خبر القليل منها،مثل نقلهم تدبير أكثر الأمراض الّتي كانت تعالج قديما بالادوية الحارة على اصطلاحهم إلى التدبير البارد كالفالج،و اللقوة،و الاسترخاء،و غيرها...و العرب (1)

لم يكن العرب أهل ابداع و علم قبل الإسلام..و الإسلام هو الّذي صنع منهم و من غيرهم المعجزات،و المسلمون هم اكتشفوا في مجال الطب و في غيره،و حققوا أعظم المنجزات...

اول من استخدم المرقد(البنج)في الطب...و هم أول من استخدم الخلال...

و قد وجد محققوا الافرنج أن العرب 2أوّل من استخدم الكاويات على نحو استخدامها اليوم،و أنهم أول من وجه الفكر إلى شكل الاظافر في المصدورين،و وصفوا علاج اليرقان،و الهواء الأصفر.و استعملوا الأفيون بمقادير كبيرة لمعالجة الجنون.و وصفوا صب الماء البارد لقطع النزف، و عالجوا خلع الكتف بالطريقة المعروفة في الجراحة برد المقاومة الفجائي.

و وصفوا إبرة الماء الأزرق،و هو قدح العين،و أشاروا إلى عملية تفتيت الحصاة» (2).

و يضيف گوستاف لوبون:أن المسلمين كانوا يقومون بعمليات جراحية لإخراج الماء من العين،و يقومون باخراج«جليدية»منها..كما أن الزهراوي قد قدم شرحا وافيا عن عملية تفتيت الحصاة،و استعمال الماء البارد لقطع نزف


1) (1-2)

2) تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [1]ص 203/202.

الدم،و استعمال المكويات و الفتائل للجراح،و الكي بالنار.

و كان المسلمون يعتمدون على قوانين الوقاية الصحية كثيرا و معرفتهم بها كانت كاملة،و يستفيدون من الطبيعة اكثر،و مسألة الحمية التي هي من التعاليم الأكيدة في الطّب الحديث كانت أصلا عندهم،و كانوا موفقين جدا في ممارساتهم الطبيّة بالقياس إلى هذا العصر،بل لم يكن الأطباء المسلمون في القرن العاشر الميلادي يقدمون من الضحايا بقدر ما يقدمه أطباء اليوم، و الأحكام القرآنية،كالوضوء،و الغسل،و التيمم،و تحريم المسكرات، و ترجيح الأغذية النباتية على اللحوم في المناطق الحارة كانت حكيمة و نافعة جدا في الوقاية.كما أن التعاليم الصحية الّتي جاءت عن نفس النّبي(صلی الله علیه و آله)قد كانت في غاية الدقة و المتانة،و لا يمكن الاعتراض عليها،و قد وردت على شكل كلمات قصار يسهل حفظها على كل أحد (1).

الصيدلة:
اشارة

لقد نبغ المسلمون في الصيدلة،و اهتموا بالنباتات،و معرفة خواصها، و ممن نبغ منهم في علم النبات،إبن الصوري،و إبن البيطار،و إبن أبي أصيبعة،و غيرهم،و يقولون أيضا:أنهم هم الذين اخترعوا فن الصيدلة، و أنشأوا حدائق نظامية لدراسة علم النبات و الأعشاب في بغداد،و غيرها من المدن (2).و قد أدخل المسلمون في المادة الطبيّة كثيرا من أنواع الأعشاب و المعادن،مما لم يكن معروفا لغيرهم (3).

و كان رشيد الدين إبن الصوري،المتوفي سنة 639،صاحب كتاب


1) راجع:تمدن إسلام و عرب ص 616 و 615 و 614 بتصرف.

2) مختصر تاريخ العرب ص 283،و راجع تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني. [1]

3) دائرة معارف القرن العشرين ج 5 ص 666.

الأدوية المفردة الّذي استقصى فيه ذكر الأدوية المفردة،و ذكر فيه أدوية اطلع على معرفتها،و منافعها لم يذكرها المتقدمون (1)-كان رشيد هذا-يخرج لدرس الحشائش في منابتها،و يستصحب مصورا معه الأصباغ و الليق على اختلافها،و تنوعها،و يتوجه إلى المواضع الّتي بها النبات في جبل لبنان و غيره من المواضع؛فيشاهد النبات و يحققه،و يريه المصور؛فيعتبر لونه،و مقدار ورقه،و أغصانه و أصوله،و يصور بحسبها بالدقة.

ثم أنه سلك في تصوير النبات مسلكا مفيدا،و ذلك أنه كان يرى النبات للمصور في أبان نباته و طراوته فيصوره.ثم يريه إياه أيضا،وقت كماله و ظهور بزره،فيصوره تلو ذلك.ثم يريه إياه أيضا في وقت ذواه و يبسه،فيصوره، فيكون الدواء الواحد شاهده الناظر إليه في الكتاب و هو على أنحاء ما يمكن أن يراه في الأرض،فيكون تحقيقه له أتم،و معرفته له أبين (2)،قال زيدان:

و ذلك غاية ما يفعله الباحثون في هذا العلم اليوم (3).

و يقول إبن أبي أصيبعة:«و اطلع رشيد الدين إبن الصوري أيضا على كثير من خواص الأدوية المفردة،حتى تميز على كثير من أربابها،و أربى على سائر من حاولها،و اشتغل بها» (4).

و الظاهر أن إبن الصوري كان من الشيعة،لانه من أهل صور في جبل عامل،الذي كان شيعيا من قديم الأيام.

و على كل حال:..فقد كان للمسلمين:فضل كبير في الصيدلة،و قد


1) عيون الأنباء ص 703. [1]

2) عيون الأنباء ص 703،و [2]راجع تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [3]ص 205.

3) تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [4]ص 205.

4) عيون الأنباء ص 700. [5]

بذلوا الجهد في استجلاب العقاقير من الهند و غيرها،منذ أيام يحيى بن خالد البرمكي.و هم واضعوا أسس فن الصيدلة،و هم أول من اشتغل في تحضير الأدوية و العقاقير،فضلا عما استنبطوه من الأدوية الجديدة،و هم أول من ألّف الاقرباذين (1).

و كانوا يعتمدون أولا على اقرباذين سابور بن سهل المتوفي سنة 255 ه حتى ظهر أقرباذين أمين الدولة إبن التلميذ،المتوفي ببغداد سنة 560 ه (2).

و في حقل النبات لا بد و أن نذكر هنا إبن البيطار الذي راح يقوم هو بذاته بدراسة النّبات في إسبانيا،و شمال أفريقيا،و مصر،و سورية،و آسيا الصغرى،و قد ذكر في كتابه 1400 نبتة،منها مئتان جديدة،لا عهد للناس بها من قبل (3).

و على كتاب إبن البيطار المالقي في النّبات،و الفريد في بابه كان معول أهل أوروبا في نهضتهم الحديثة،كما يقوله جرجي زيدان.

كما أنه يقول:أن أسماء العقاقير الّتي أخذها الافرنج عن العرب لا تزال عندهم باسمائها العربية،أو الفارسية،أو الهندية،كما أخذوها عن العربية (4).

بل:«ان أعظم العلماء و النباتيين في پولندا يعتمدون في مؤلفاتهم بشكل كامل على مؤلفات إبن سينا،مثل:شيمون لونج،عالم النبات الپولندي


1) عن طبقات الأطباء ج 1 ص 183.

2) عيون الأنباء ص 371،و [1]تاريخ الحكماء ص 207،و [2]الكلام قد كان هنا لجرجي زيدان في تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني [3]ص 203.

3) موجز تاريخ الشرق الادنى ص 195/194.

4) تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني [4]ص 203.

الكبير...كما أن البروفسور آنانباچ زايا چوفسكي أستاذ جامعة وارشو،و رئيس اتحاد الشرق الأوسط في پولندا له تحقيقات قيمة حول كتب إبن سينا و خصوصا النباتات الطبيّة في كتاب القانون» (1).

كما أن گوستاف لوبون يقول:«الرقى الطبّي عند العرب كان في فن الجراحة،و علائم الأمراض،و أقرباذين الأدوية أكثر منه في غيره،و قد اكتشفوا الكثير من المعالجات الّتي لا تزال متداولة إلى اليوم،كما أن أكثر الأدوية الّتي ركبوها لا تزال مستعملة حتى اليوم،و كذا فان لهم اكتشافات في كيفية استعمال الأدوية،و بعضها يعد-غلطا-من المكتشفات الحديثة...

الخ» (2).

و أخيرا...فانهم يقولون:أن المسلمين هم أول من أنشأ حوانيت الصيدلة على هذه الصورة (3)،كما أن الشيخ الرئيس إبن سينا قد ذكر الكثير من المواد الطبيّة،الّتي لم تكن معروفة للقدماء،و هي من مكتشفات إبن سينا نفسه،و القسم المربوط بالنباتات الطبيّة المستعملة في أمراض الكبد ممتاز جدا،و هو مطابق تماما مع الطّب اليوم،كما أن آثار الأدوية في الطب من حيث وظائف الأعضاء و أقرباذين الأدوية صحيحة جدا (4).

كما ان الصيدلة تعتمد كثيرا على صناعة الكيمياء،و قد قطع المسلمون شوطا كبيرا في هذا المجال،الأمر الذي مكنهم من اختراع الكثير من الأدوية الّتي لا تزال مستعملة حتى اليوم.


1) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 605.

2) تمدن إسلام و عرب ص 616 باختصار.

3) تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [1]ص 203.

4) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 571 و 587.

امتحان الصيادلة:

و لقد كان الصيادلة كثارا،و شاع الغش منهم في الأدوية،فدعت الضرورة إلى امتحانهم،و اعطاء الإجازات أو المنشورات إلى من تثبت أهليته و أمانته و حرمان الآخرين،و منعهم من مزاولة هذه الصنعة.

و قد التفتوا إلى هذا الأمر في وقت مبكر،أي من زمن المأمون،الذي كتب إسما لا يعرف و لا واقع له،و أرسله إلى الصيادلة ليبتاع منهم،فكلهم ذكر:أن هذا الدواء عنده،و أخذ الدواء و أعطاه شيئا من حانوته،فصاروا إلى المأمون بأشياء مختلفة،فمنهم من أتى ببعض البزور،و منهم من أتى بقطعة من حجر،و منهم من أتى بوبر.

و في زمن المعتصم قال الافشين لزكريا الطيفوري:«يا زكريا ضبط هؤلاء الصيادلة عندي أولى ما تقدم فيه،فامتحنهم،حتى نعرف الناصح منهم من غيره،و من له دين،و من لا دين له».

فامتحنهم الأفشين بمحنة المأمون،فوقعوا فيما وقعوا فيه أولا،فكانت النتيجة أن نفى الأفشين من وقع في الفخ عن العسكر،و نادى المنادي بنفيهم و بإباحة دم من وجد منهم في عسكره (1).


1) راجع:عيون الأنباء ص 225/224،و [1]تاريخ الحكماء ص 189/188،و تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني ص 201 عن إبن العبري،و راجع مختصر تاريخ الدول ص 141/140.

الفصل الثالث: الطب كمظهر حضاري

اشارة

دراسة الطب عند المسلمين

اشارة

لقد كان الأطباء يلقون محاضراتهم الطبيّة على طلابهم في المستشفيات (1)بالإضافة إلى مرافقتهم لهم في زياراتهم للمرضى،حين ممارستهم الطب عمليا..

و قال إبن أبي أصيبعة:كان أبو الفرج إبن الطيب«يقرىء صناعة الطب في البيمارستان العضدي و يعالج المرضى فيه،و وجدت شرحه لكتاب جالينوس على اغلوتن،و قد قرىء عليه،و عليه الخط بالقراءة في البيمارستان العضدي،في يوم الخميس الحادي عشر من شهر سنة ست و أربعمئة» (2).

و كان إبراهيم بن بكس«يدرس صناعة الطّب في البيمارستان،العضدي لما بناه عضد الدولة» (3).

و كان إبن أبي الحكم يقعد في الايوان الكبير في البيمارستان،فكان


1) مختصر تاريخ العرب ص 283 و 369 و التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ص 92 و تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 207 و راجع ص 205.

2) عيون الأنباء ص 323. [1]

3) عيون الأنباء ص 329. [2]

جماعة من الأطباء و المشتغلين يأتون إليه،و يقعدون بين يديه،ثم تجري مباحث طبية،و يقرىء التلاميذ،و لا يزال معهم في اشتغال و مباحثة و نظر في الكتب مقدار ثلاث ساعات (1).

و مجلس الرازي لتعليم الطب معروف و مشهور،فقد كان يجلس في مجلسه،و دونه التلاميذ،و دونهم تلاميذهم،و دونهم تلاميذ آخرون،و كان يجيء الرجل،فيصف ما يجد لأول من يلقاه منهم،فإن كان عنده علم،و إلاّ تعداه إلى غيره،فان أصابوا و إلاّ تكلم الرازي في ذلك (2).

و أول مدرسة طبيّة منفصلة عن المستشفى كانت-فيما أعتقد-في سنة 622 ه قال إبن أبي أصيبعة:«..و لما كان في سنة اثنتين و عشرين و ست مئة.

و ذلك قبل سفر الشيخ مهذب الدين عبد الرحيم بن علي عند الملك الأشرف و خدمته له،وقف داره و هي بدمشق عند الصاغة العتيقة،شرقي سوق المناخلين،و جعلها مدرسة يدرس فيها من بعده الطب،و وقف لها ضياعا و عدة أماكن،يستغل ما ينصرف في مصالحها و في جامكية المدرس،و جامكية المشتغلين بها» (3).

امتحان الأطباء:

لقد رأينا:أن المسلمين كانوا يمتحنون الأطباء،و يعطونهم اجازة لممارسة التطبيب،و ممن كان يمتحن الأطباء في سنة 309 ه،سنان بن ثابت


1) عيون الأنباء ص 628. [1]

2) تاريخ الحكماء ص 273 و عيون الأنباء ص 416،و [2]غير ذلك كثير.

3) عيون الأنباء ص 733. [3]

في بغداد (1)و مهذب الدين الدخوار في مصر (2)،و إبن التلميذ،المتوفي سنة 560 ببغداد (3)و يضيف البعض إلى هؤلاء:إبراهيم بن سنان،و أبا سعيد اليماني (4).

و ذكر في كتاب:تاريخ البيمارستانات في الإسلام اجازتين قد بقيتا من القرن الحادي عشر الهجري،احداهما ترتبط بالفصد،و الاخرى ترتبط بالجراحة (5).

الاختصاص في الطب:

لقد كان الاختصاص في فروع الطب ظاهرة شائعة بين الأطباء المسلمين؛فهناك الطبيب المختص بالجراحة،و آخر بأمراض العين،و ثالث بأمراض النساء،و رابع بالأمراض العقلية،و خامس في الأسنان،و هكذا...

النساء و الطب:

و لم يكن الطب مقصورا على الرجال،بل لقد كان في النساء أيضا عالمات في الطب،و قد تقدمت الإشارة إلى هنيدة،و زينب الأودية


1) تاريخ الحكماء ص 191،و عيون الأنباء ص 302،و [1]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 282 و 686 و تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني [2]ص 201.و تاريخ مختصر الدول ص 162. [3]

2) عيون الأنباء ص 731،تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني [4]ص 201.

3) عيون الأنباء ص 351 و 352. [5]

4) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 686 و راجع ص 816 و فيه أن إبراهيم بن سنان قد كلف أبا سعيد بذلك،فكانت النتيجة:أن اجيز 800 طبيب و جراح.و لكن الظاهر هو أن الأمر قد اشتبه على هذا البعض فخلط بين سنان بن ثابت،و إبراهيم بن سنان كما يظهر من مراجعة:عيون الأنباء ص 302 و غيره.

5) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 820.

و غيرهما...و نزيد هنا:أنهم يقولون:ان أخت الحفيد ابن زهر الأندلسي و ابنتها كانتا عالمتين بصناعة الطب،و لهما خبرة جيدة بمداواة النساء،و كانتا تدخلان على نساء المنصور الأندلسي،و لا يقبل سواهما (1).

كثرة الأطباء المسلمين:

ان عدد الأطباء طيلة فترة الحكم الإسلامي كثير جدا لا يمكن حصره، و لا استطاع مؤلفوا الموسوعات و التراجم،حتى ذكر اسماء أقل القليل منهم...

و يكفي أن نذكر:أنهم قد أحصوا أطباء بغداد وحدها في زمن المقتدر باللّه سنة 309 و امتحنوهم؛فأجيز منهم(860)طبيبا،فأعطوهم الإذن في التطبيب،سوى من استغنى عن الإمتحان لشهرته،و سوى من كان في خدمة السلطان (2).

و كان سيف الدولة إذا جلس على المائدة حضر معه أربعة و عشرون طبيبا.و كان فيهم من يأخذ رزقين لاجل تعاطيه علمين (3).و كان في خدمة المتوكل 56 طبيبا (4).

و كان يخدم في المستشفى العضدي 24 طبيبا من مختلف الاختصاصات (5)و حين بنى المعتضد المستشفى،أراد أن يكون فيه جماعة من


1) عيون الأنباء ص 524،و [1]تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [2]ص 201 عنه.

2) عيون الأنباء ص 302،و [3]تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [4]ص 200 عنه.

3) عيون الأنباء ص 610،و [5]تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [6]ص 200 عنه.

4) تاريخ التمدن الإسلامي ج 2 ص 200 [7]عن عيون الأنباء ج 2 ص 140 و [8]فيه:أنهم كانوا من النصارى!!

5) عيون الأنباء ص 415.

أفاضل الأطباء و اعيانهم،فأمر أن يحضر له لائحة باسماء الأطباء المشهورين حينئذ ببغداد و أعمالها؛فكانوا متوافرين على الماءة فاختار منهم نحو خمسين الخ (1).

الخدمات الطبية عند المسلمين:

و كان للمسلمين أيضا عناية خاصة بالأيتام،و العميان،و القواعد من النساء فكان لهم رعاية و دواوين خاصة،تحت إشراف مسؤولين عن أمورهم و أحوالهم (2).

«و كان من الأطباء أو الصيادلة من هو خاص بالجند،يرافقه في اسفاره و منهم من هو خاص بالخلفاء و الأمراء،و لهؤلاء رواتب خاصة،و يعرفون بالمرتزقين،و منهم من يطببون العامة،و هم غير مرتزقين» (3).

و كان لدى المسلمين دار للمجانين،و صيدليات تعطي الدواء مجانا في أيام معينة،و كان الأطباء يذهبون مع أدويتهم إلى الأماكن الّتي لا يمكن بناء مستشفى فيها (4).

و قد ذكر القفطي و غيره في ترجمة سنان بن ثابت:أن الوزير علي بن عيسى الجراح-في سنة كثرت فيها الأمراض و الأوباء-قد وقّع إلى سنان بن ثابت يأمره:بأن يفرد لمن في الحبوس كلها أطباء يدخلون إليهم في كل يوم، و يحملون معهم الأدوية و الأشربة،و ما يحتاجون إليه من المزورات و يعالجوا من فيها من المرضى.


1) المصدر السابق. [1]

2) وفيات الأعيان ج 1 ص 495 [2] ط.سنة 1310 ه و العيون و الحدائق.

3) تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني [3]ص 201.

4) تمدن إسلام و عرب ص 615.

و وقع إليه توقيعا آخر،يأمره بانفاذ متطببين،و خزانة من الأدوية و الأشربة يطوفون في السواد،و يقيمون في كل صقع منه مدة ما تدعو الحاجة إلى مقامهم و يعالجون من فيه،ثم ينتقلون إلى غيره،ففعل سنان ذلك (1).

كما أن المسلمين قد أنشأوا ما نسميه اليوم بالعيادات الخارجية (2).

هذا...و لم يكن كل هؤلاء الأطباء يتقاضى أجره،بل كان من بينهم من يعمل مجانا،فمثلا لقد«كان أبو بكر بن القاضي أبي الحسن الزّهري يطبب الناس من دون أجرة،و يكتب النسخ لهم» (3).

و يلاحظ:أنهم كانوا في أوائل أمرهم يهتمون بفحص البول، و بالفصد،و الاستفراغ،و نحو ذلك...و لكن هذه المعالجات قد بدأت تتطور نحو الأفضل باستمرار،تبعا للتقدم و النبوغ الطبّي،الّذي كان يتجلى يوما بعد يوم،حتى بعث المسلمون في الطب روحا جديدة،كما هو معلوم و معروف لكل أحد.

المستشفيات:
الرازي...و بناء مستشفى:

يقول گوستاف لوبون:لقد بنيت المستشفيات الإسلامية موافقة لاصول حفظ الصحة،و كانت أحسن من المستشفيات الموجودة في هذه الأيام.و قضية الرازي حينما أراد أن يختار موقعا للمستشفى معروفة و مشهورة،فان الطريقة


1) تاريخ الحكماء 194/193،و عيون الأنباء ص 301. [1]

2) مختصر تاريخ العرب ص 283.

3) عيون الأنباء ص 536. [2]

الّتي استعملها،يؤيدها اليوم المحققون في الأمراض المعدية،فان الرازي أمر بعض الغلمان:أن يعلق في نواح مختلفة من بغداد قطع لحم،ليرى في أيّها لا يتفسخ اللحم و ينتن في وقت أقصر،ليكون الموقع الملائم لبناء المستشفى (1)و يقال:ان هذا المستشفى هو المستشفى العضدي.

و لكن ذكر إبن أبي أصيبعة:ان الرازي كان أقدم من عضد الدولة (2)، و عليه فلا بد و أن يكون الرازي قد أراد بناء مستشفى غير مستشفى عضد الدولة و ذلك لأن الرازي توفي سنة 320 ه،و قال الحسن بن سوار بن بابا،و كان قريب العهد منه:انه توفى في سنة نيف و تسعين و ماءتين،أو ثلاثمائة و كسر (3)و عضد الدولة إنما توفي سنة 372 ه،كما هو معلوم.

و لكن قد ذكر القفطي أن الرازي قد توفي سنة 364 و عاش في زمن المكتفي،و بعض زمن المقتدر (4)،و عليه فلا مانع من أن يكون قد شارك في اختيار موضع المستشفى العضدي،كما ذكروا.

بعض أحوال المستشفيات:

أما أحوال المستشفيات في العهد الإسلامي فقد تقدم:أن گوستاف لوبون يقول:أنها كانت موافقة لاصول الصحة،و أحسن من المستشفيات الموجودة في هذه الأيام،كما أنهم قد شيدوا في كل مدينة مستشفيات عامة، كما سنرى (5).


1) راجع تمدن إسلام و عرب ص 614 و قضية الرازي مذكورة أيضا في عيون الأنباء ص 415 و [1]موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 192.

2) عيون الأنباء ص 415. [2]

3) عيون الأنباء ص 420. [3]

4) تاريخ الحكماء ص 272 و راجع تاريخ الأطباء و الحكماء ص 153 الترجمة الفارسية.

5) مختصر تاريخ العرب ص 283.

و كان لكل مرض قاعة أو قاعات خاصة،يطوفها الطبيب المختص بها، و بين يديه المشارفون و القوام لخدمة المرضى،فيتفقد المرضى،و يصف لهم الأدوية،و يكتب لكل مريض دواءه (1).

و كانوا يعالجون جميع المواطنين في مستشفياتهم،سواء أ كانوا من المسلمين أو من غيرهم،و كانوا يقومون بعمليات التدفئة للمرضى على أكمل وجه،و يقدمون لهم المؤن،و الدثار،و غير ذلك (2).

و قال المقريزي عن مستشفى إبن طولون الذي اسّسه سنة 259 ه في القاهرة:«و شرط في المارستان أن لا يعالج فيه جندي،و لا مملوك،و عمل حمامين للمارستان،احداهما للرجال،و الأخرى للنساء،حبسهما على المارستان و غيره،و شرط:أنه إذا جيء بالعليل تنزع ثيابه،و نفقته،و تحفظ عند أمين المارستان،ثم يلبس ثيابا،و يفرش له،و يغدي عليه،و يراح بالأدوية و الأغذية و الأطباء حتى يبرأ،فإذا أكل فروجا و رغيفا أمر بالانصراف، و أعطي ماله و ثيابه» (3).

و قال عن المستشفى المنصوري،الّذي بني في القاهرة سنة 683 ه:

«...و رتب فيه العقاقير و الأطباء،و سائر ما يحتاج إليه من به مرض من الأمراض،و جعل السلطان فيه فراشين من الرجال و النساء لخدمة المرضى و قرر


1) تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [1]ص 207،عن طبقات الأطباء ج 1 ص 155.

2) تاريخ الحكماء ص 194،و عيون الأنباء ص 302 و 301.

3) الخطط للمقريزي ج 2 ص 405،و [2]راجع الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 2 ص 206/205 و المستشفى لإبن طولون ذكر في كتاب الولاة و القضاة للكندي ص 217/216.

لهم المعاليم،و نصب الأسرّة للمرضى،و فرشها بجميع الفرش المحتاج إليها في المرض.

و أفرد لكل طائفة من المرضى موضعا،فجعل أواوين المارستان الأربعة للمرضى بالحميات و نحوها،و أفرد قاعة للرمدى،و قاعة للجرحى،و قاعة لمن به إسهال،و قاعة للنساء،و مكانا للمبرودين،و ينقسم قسمين:قسم للرجال،و قسم للنساء و جعل الماء يجري في جميع هذه الأماكن.

و أفرد مكانا لطبخ الطعام،و الأدوية،و الأشربة،و مكانا لتركيب المعاجين و الأكحال،و الشيافات و نحوها،و مواضع يخزن فيها الحواصل.

و جعل مكانا يفرق فيه الأشربة و الأدوية،و مكانا يجلس فيه رئيس الأطباء لالقاء درس طب...الخ».و كان وقفه عاما لكل أحد (1).

المستشفيات الميدانية:

لقد كان لدى المسلمين مستشفيات تستصحبها الجيوش معها،فقد قال إبن خلكان،و القفطي عن أبي الحكم عبيد اللّه بن المظفر المغربي،المتوفي سنة 549 ه:«و ذكر العماد الأصفهاني في الخريدة:أن أبا الحكم المذكور كان طبيب البيمارستان الّذي كان يحمله أربعون جملا،و المستصحب في معسكر السلطان محمود السلجوقي حيث خيم».ثم ذكر خدمة إبن المرخم فيه ايضا طبيبا و فصادا (2).

و يقول سيد أمير علي:«...و كان يرافق الجيش في أبان المعارك فريق


1) راجع:الخطط للمقريزي ج 2 ص 406. [1]

2) وفيات الأعيان ج 1 ص 274 [2] ط.سنة 1309 ه،و تاريخ الحكماء ص 405 و تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [3]ص 207 عن الأول و عن:تراجم الحكماء.

من الأطباء،و مستشفى حسن التجهيز،الحقت به نقالات لنقل الجرحى بشكل محفات تنقلها الجمال.و قد استلزم مستشفى الميدان الخاص بكل من الرشيد.و المأمون عددا كبيرا من الجمال و البغال لنقل الخيام،و المؤن، و الأدوية.

و حتّى في العهود التالية أيام الملوك الضّعفاء أمثال السلطان محمود السلجوقي كانت لوازم مستشفى الجيش تنقل على أربعين جملا» (1).

مستشفيات الطوارىء:

و لم تقتصر الخدمات الطبيّة عند المسلمين على ما ذكر،بل لقد تعدت ذلك إلى إيجاد مراكز للطواىء في الإجتماعات العامة..فقد:

«قال جامع السيرة الطولونية،و قد ذكر بناء جامع إبن طولون:و عمل في مؤخره ميضأة:أو خزانة شراب،جعل فيها الشرابات و الأدوية،و عليها خدم، و فيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث للحاضرين للصلاة» (2).

اول مستشفى في الإسلام:

إننا نستطيع أن نقول:ان أول مكان خصص لنزول المرضى، و معالجتهم بعد ظهور الإسلام،كان مسجد الرسول الأعظم(صلی الله علیه و آله)في المدينة منذ عهد الرسول(صلی الله علیه و آله).

يقول الدكتور جواد علي و غيره:«و قد كان في مسجد الرسول موضع يعالج فيه المرضى و الجرحى،و كان الرسول و الصحابة يتفقدون المرضى


1) مختصر تاريخ العرب ص 369.

2) الخطط للمقريزي ج 2 ص 405،و [1]الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 2 ص 206.

النازلين به» (1).و سيأتي إن شاء اللّه في بحث مداواة المرأة للرجل الإشارة الى خيمة رفيدة،أو كعيبة بنت سعيد:الّتي كانت في مسجد النبي(صلی الله علیه و آله)تداوي فيها الجرحى.

و ما ذكر يدل على أن ما ذكره البعض من أن أول مستشفى في الإسلام هو مستشفى الوليد بن عبد الملك (2).

لا يصح...و إنما هو غفلة عن حقيقة الحال،و لعل الوليد:أول من اهتم بتوسعته لاتساع الحالة المادية في زمنه.

جريمة أموية نكراء!:

قال إبن قتيبة:«أبو الحسن،قال:مر سليمان بن عبد الملك بالمجذومين في طريق مكة،فأمر باحراقهم،و قال:لو كان اللّه يريد بهؤلاء خيرا ما ابتلاهم بهذا الإبتلاء» (3).و انها حقا لجريمة نكراء يندى لها جبين الإنسان الحر ألما و خجلا.

هذا...و لا بأس بالمقارنة بين أفاعيل فراعنة و جبابرة هذه الأمة، و الشجرة الملعونة في القرآن،و بين أمر الرسول(صلی الله علیه و آله)و الأئمة(ع)الناس بأن لا


1) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 412،و [1]التراتيب الإدارية ج 1 ص 454/453،و [2]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 763 عن تاريخ البيمارستانات في الإسلام ص 9.

2) الخطط للمقريزي ج 2 ص 405،و [3]تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 290،و التراتيب الإدارية ج 1 ص 454 و 455،و تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 205،و الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 2 ص 205،و تاريخ طب در إيران ج 2 ص 148.

3) عيون الأخبار لإبن قتيبة ج 4 ص 69. [4]

يديموا النّظر إلى أهل البلاء،فان ذلك يحزنهم...و بين ما كتبه علي في عهده للاشتر من الحث على القيام بامور ذوي البؤس و الزمني و اجراء الأرزاق عليهم،للاقصى و للادنى على حد سواء،فراجع (1).

المستشفيات في القرنين الأولين للهجرة:

1-ثم أنشأ الوليد بن عبد الملك في سنة 88 ه مستشفى في دمشق، و جعل فيه الأطباء،و أجرى لهم الأرزاق،و أمر بحبس المحدومين لئلا يخرجوا،و أجرى عليهم و على العميان الأرزاق (2).

2-و كان في زمن الرشيد دار للمجانين (3).و لا ندري!ان كانت قد أوجدت قبله،أو أنه هو الّذي أوجدها،فما جزم به جرجي زيدان،من أن المنصور هو الّذي بناها،أو الذي خلفه (4)في غير محله.

3-ثم أنشأ الرشيد مستشفى في بغداد،و عند ما أراد البدء به أحضر له بختيشوع(دهشتك)من جنديشابور،الّذي كان رئيس المسشفى هناك، و عرض عليه أن يتولى هذه المهمة،لكن دهشتك رفض العرض،و أشار عليه:أن يقلد هذا الأمر لماسويه،ففعل (5).


1) نهج البلاغة قسم الكتب،و البحار ج 77 ص 259 و 260 [1]عن تحف العقول ص 126. [2]

2) المصادر الّتي تقدمت قبل الحاشيتين الأخيرتين،بالإضافة إلى:تاريخ الطبري ج 5 ص 224،و [3]نقله في تاريخ طب در إيران ج 2 ص 763 و 764 عن صبح الأعشي ج 1 ص 431،و [4]تاريخ البيمارستانات في الإسلام ص 10،و غرر النقائص الفاضحة،و غرر الخصائص الواضحة ص 248.

3) الكشكول للشيخ البهائي ص 213،و تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 206 عنه.

4) تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني ص 206.

5) تاريخ الحكماء ص 384/383،و عيون الأنباء ص 245،و موجز تاريخ الشرق الأدنى

و يميل البعض إلى اعتباره أول مستشفى،ان لم نعدّ ما صنعه عبد الملك هو المستشفى الأول 1.

4-و أنشأ البرامكة مستشفى باسمهم،كان يتولى أمره إبن دهن الهندي 2.

5-و كتب طاهر بن الحسين لإبنه عبد اللّه:«و أنصب لمرضى المسلمين دورا توقيهم،و قواما يرفقون بهم،و أطباء يعالجون أسقامهم» 3.

6-و كان في بغداد مستشفى للمجانين هو دير هرقل القديم 4.

المستشفيات في القرن الثالث فما بعده:

و يقول البعض:«ثم مضى قرن بأكمله قبل ان يسمع المرء بانشاء مثل هذه المؤسسة في العاصمة بغداد من جديد...و هو القرن الذي دعى فيه أطباء البيمارستانات المشهورين في جنديشابور إلى قصر الخليفة.

و لعل السبب في ذلك راجع إلى سرّ من رأى،الّتي أصبحت المقام

الثاني للخلفاء» (1).

و على كل حال..فاننا نجد المسلمين قد اهتموا في القرن الثالث بإنشاء المستشفيات الكثيرة في مختلف الأقطار،و كمثال على ذلك نذكر:

1-المستشفى الّذي أنشأه أحمد بن طولون في مصر سنة 259 أو 261 حسبما تقدم.

2-و قبل انقضاء القرن الثالث بنيت المستشفيات في مكة و المدينة (2).

3-ثم أنشأ بدر،مولى المعتضد مستشفى في بغداد (3).

4-و في سنة 302 ه أنشأ الوزير علي بن عيسى مستشفى آخر،و قلده سعيد إبن يعقوب الدمشقي،مع غيره من مستشفيات بغداد،و مكة، و المدينة (4).

5-و في 306 ه أنشأ سنان بن ثابت مستشفى السيدة،و أنشأ المقتدر بيمارستانا آخر بإسمه (5)..و يقال:ان سنان هذا قد تقلد خمس مستشفيات في سنة 304 ه (6).


1) التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ص 91.

2) عيون الأنباء ص 316. [1]

3) تاريخ البيمارستانات في الإسلام ص 180 و التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ص 91.

4) عيون الأنباء ص 316 و [2]تاريخ طب در إيران ج 2 ص 288 و التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ص 91 و تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني [3]ص 206.

5) المصادر المتقدمة مع:الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 2 ص 207، و المنتظم ج 6 ص 146 و عيون الأنباء ص 302 و تاريخ الحكماء ص 195/194.

6) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 2 ص 206 عن المنتظم 114.

6-و في سنة 313 ه.أنشأ إبن الفرات،خصم علي بن عيسى السياسي مستشفى أسندت رئاسته إلى ثابت بن سنان (1).

7-ثم أسس أمير الأمراء التركي أبو الحسين قبل موته في سنه 329 ه.

مستشفى،أسندت رئاسته إلى سنان بن ثابت (2).

8-و في سنة 355 أسس معز الدولة مستشفى في بغداد أيضا (3).

9-و في سنة 368 أسس عضد الدولة المستشفى المشهور في بغداد.

و كان يخدم فيه 24 طبيبا،من مختلف الإختصاصات،و قد اسندت رئاسته إلى أكثر من 24 طبيبا على التوالي (4).

و قد زار الرحالة الاندلسي إبن جبير هذا المستشفى في بغداد سنة 580 ه.و كان لا يزال يعمل بنشاط،و يظهر:أنه لم يتعرض للخراب حين غزا المغول بغداد في سنة 656 ه (5).

ثم تتابعت المستشفيات في مختلف البلاد و الاصقاع،بشكل مكثف، كما يعلم من المراجعة إلى المؤلفات و الموسوعات،فراجع على سبيل


1) عيون الأنباء ص 305،و [1]الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 2 ص 207 عن المنتظم ص 23 و التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ص 92،و تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني ص 206.

2) التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ص 92،و الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 2 ص 207.

3) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 775 و الحضارة الإسلامية في القرن الرابع ج 2 ص 207 و المنتظم ج 7 ص 33.

4) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 775،و تاريخ التمدن الإسلامي،المجلد الثاني ص 207 و التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ص 92،و كثير من المصادر الاخرى.

5) التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ص 93.

المثال:تاريخ البيمارستانات في الإسلام،و تاريخ طب در إيران ج 2، و الخطط للمقريزي و الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري،و غير ذلك...

كما أن صاحب كتاب تاريخ طب در إيران ج 2 ص 787 فصاعدا قد أجمل وصف المستشفيات في البلاد الإسلامية،فمن أراده فليراجعه..

القسم الثاني : من الاخلاق الطبية ...في الاسلام

اشارة

الفصل الاول: الطب...كمسؤولية

اشارة

أحكام الاسلام

اشارة

أنه لا شك في أن اللّه الّذي هو خالق كل شيء..كما أنه عليم و بصير بكل ما في هذا الكون...و عليم بعباده،و بصير بهم..كما قال تعالى:

لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ، هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ، هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (1).و الآيات في ذلك كثيرة..

كذلك..فانه تعالى رحيم بعباده رؤوف بهم،لا يريد لهم إلاّ الخير و السعادة،و الصّلاح،كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ إِنَّ اللّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (2).

و قال تعالى: بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ


1) سورة الحديد،الآية:2-4. [1]

2) سورة الحديد،الآية:9. [2]

اَلرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1).

و الآيات في ذلك كثيرة..

و هكذا..فانه تعالى إذا شرع لهم أحكاما تنظم أمور معاشهم و معادهم- بما في ذلك أحكام القصاص-فانما يهدف من ذلك إلى تحقيق السعادة و الكمال لهم،و حفظهم من الإنزلاق في مهاوي الشقاء و الضلال و الضياع، كما أشارت إليه الآية المتقدمة من سورة الحديد...

و حينما سئل الإمام الباقر(ع)عن سبب تحريم الميتة،و الخمر،و لحم الخنزير،و الدم،قال:«ان اللّه تعالى لم يحرم ذلك على عباده،و أحل لهم ما وراء ذلك من رغبة فيما أحل لهم،و لا زهد فيما حرمه عليهم،و لكنه خلق الخلق،فعلم ما تقوم به أبدانهم و ما يصلحهم،فأحله لهم،و أباحه لهم:

و علم ما يضرهم فنهاهم عنه،ثم أحله للمضطر في الوقت الّذي لا يقوم بدنه إلاّ به» (2).

و روي بأسانيد عن الرضا(ع)،أنه قال:«وجدنا:أن ما أحل اللّه ففيه صلاح العباد،و بقاءهم،و لهم إليه حاجة،و وجدنا المحرم من الأشياء و لا حاجة (3)و لا حاجة بالعباد إليه،و وجدناه مفيدا».

و قال الحر العاملي:و الأحاديث في ذلك كثيرة (4).


1) سورة الفاتحة،الآية:1-3. [1]

2) الكافي ج 6 ص 242،و [2]المحاسن ص 334 و [3]التهذيب ج 9 ص 128 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 218 و الوسائل ج 17 ص 2 و [4]البحار ج 62 ص 82 [5]عن علل الشرايع، و [6]ميزان الحكمة ج 3 ص 366 عنه.

3) لعل الواو في قوله«و لا»زائدة.

4) الفصول المهمة ص 541 [7] عن علل الشرايع،و البحار ج 6 ص 93.و [8]راجع علل الشرايع ج 1 ص 250 و 252. [9]

و يكفي أن نذكر:أن اللّه تعالى قد اعتبر الإسلام نعمة أنعم اللّه بها على العباد،و قد أتم نعمته هذه بتنصيب علي(ع)إماما و قائدا في يوم الغدير،قال تعالى: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (1).

حق التشريع...لمن؟!:

و إذا كان اللّه تعالى هو الخالق و المالك لهذا الكون و الانسان،و الخبير به و المطلع على كل ما فيه من علاقات و روابط،و العارف بما يصلحه مما يفسده،فانه سيكون هو فقط الّذي يملك حق وضع قانون و تشريع يؤمن لهذا الإنسان سعادته و كماله،و يهيمن على كل حالاته و سلوكه.

و كل من يتصدى لهذا الأمر سوى المولى سبحانه و تعالى،ممن لا يعرف عن هذا الكون و الإنسان شيئا يذكر،فانه يكون خارجا عن جادة الإنصاف، و عن مقتضيات العقل،و الفطرة...بل و ظالما متعديا أيضا...و لن يستطيع أن يضع النّظام الكامل و الشّامل،و المطابق لكل مقتضيات و أحوال هذا الإنسان ان لم نقل:أنه سيضع في كثير من الأحيان ما يؤدي إلى شقائه و بلائه،إن لم يكن إلى دماره و هلاكه.

و كمثال على ذلك نقول:لو أن شخصا اخترع آلة في غاية الدقة و التعقيد و تتأثر بما حولها تأثرات مختلفة،فهل يحق لمن لا يعرف حقيقة تركيبها، و خصائصها:أن يمنع مخترعها عن التصرف فيها،و عن أن يضع لها نظاما يحفظ لها سلامتها و استمرارها،و يحافظ على كل دقائقها و خصائصها؟ثم يتصدى هو-ذلك الجاهل بها و بكل شيء عنها،أو بأكثره-لوضع ذلك النّظام


1) سورة المائدة،الآية:3. [1]

و القانون؟!و هل يمكن أن يمدحه أحد على ذلك؟!و هل ثمة من يتوقف في توجيه اللوم و التّقريع له؟!و هل يمكن أن لا يطالب كل عاقل منصف بإيقافه عند حده،ثم بتغريمه لكل النقائص و الخسائر الّتي نجمت عن طغيانه ذاك، بالإضافة إلى العقاب الرادع و الجزاء العادل (1)،ليكون ذلك موعظة له في نفسه،و عبرة لغيره.

فالمتحصل من كل ذلك اختصاص حق التشريع بالباري سبحانه و تعالى، العالم بكل شيء،و المهيمن على جميع المخلوقات.

شمولية قوانين الإسلام:

و بعد...فلا ريب في أن التشريعات الإلهية و التّعاليم القرآنية،إنّما تهدف إلى تحقيق الكمال و السّلامة و الهناء و السّعادة-كل السّعادة و الهناء-لهذا الإنسان،بالإضافة إلى تكامل الإنسان في إنسانيته،و في قربه من اللّه تعالى، و الفوز برضاه.

و بديهي:أنه كلما كانت النّظم أدق و أشمل كلما كانت السّعادة و السّلامة لهذا الإنسان أتم و أكمل،و وصوله إلى ذلك الهدف الأسمى أسرع و أيسر.

و من هنا...فقد كانت تعاليم الإسلام و قوانينه دقيقة و شاملة لجميع شؤون الإنسان،و مختلف أحواله و أوضاعه:سياسية كانت،أو إقتصادية،أو سلوكية،أو نفسية،أو غيرها...مما يرتبط بالفرد أو بالمجتمع...فكل شيء محكوم لقانون،و يهيمن عليه نظام،يوجهه لخير الإنسان،و يجعله في خدمته.


1) فان من سن سنة حسنة كان له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة،و من ؟؟؟ سنة سيئة كان عليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

نعم كل شيء...فبالنسبة لشخص الإنسان،نجده لم يغفل حتى عن أكله و شربه،و قيامه،و جلوسه،و مشيه،و نبرات صوته،بل لقد تدخل حتّى في اختيار،و مواصفات البيت الّذي يعيش فيه.و الثّياب الّتي يلبسها،و في كيفية تصرفه بها...بل و حتّى في خلجات الإنسان القلبية،و أفعاله الجوانحية.

كما اننا نجد:أن الإسلام لم يشرع أي قانون يضر بمكانة الإنسان الإجتماعية،أو بذوقه،و سجيته،أو بروحه و حالته النفسية،أو بصحته البدنية.

و كمثال على ذلك:نشير إلى تعاليم الإسلام المتعلقة بتقليم أظفاره، و ترجيل شعره،و أوامره له بالتنظيف و التطهر،حتى لقد ورد:ان اللّه يبغض الرجل القاذورة (1)،و ورد:أن النّظافة من الإيمان (2)،و عنه(صلی الله علیه و آله):«بئس العبد القاذورة» (3)...بل لقد حرم عليه بعض الألبسة الّتي تضر بمكانته الإجتماعية و توجب استهانة النّاس به.

إلى غير ذلك من الشؤون و الأحوال الّتي يمر بها الإنسان أو تمر به،و الّتي غفل عنها أي تشريع آخر سوى التّشريع الإلهي الحق،لإنه صادر عن ساحة الحق سبحانه و تعالى...حتى ليقول الإمام الصادق(ع):«ان عندنا الجامعة،قلت:(أي الراوي)و ما الجامعة؟قال:صحيفة فيها كل حلال و حرام،و كل شيء يحتاج إليه النّاس حتّى الأرش في الخدش،و ضرب بيده


1) البحار ج 76 ص 84 و ج 80 ص 106 [1] عن كنز الفوائد للكراجكي و ج 99 ص 303 فقه الرضا 48 و ج 99 ص 84،و [2]الخصال ج 2 ص 620،و تحف العقول حديث الأربعمائة ص 73.

2) البحار ج 62 ص 291 [3] عن طب النبي للمستغفري.

3) الفصول المهمة ص 441،و طب الصادق ص 15 [4] عن الدعائم.

إلي فقال:أ تأذن يا أبا محمد؟قلت:جعلت فداك،إنما أنا لك،فاصنع ما شئت،فغمزني بيده،حتى أرش هذ» (1).

طبيعية قوانين الإسلام:

و نحن لا نريد أن ندعي هنا:أن شمولية الإسلام هذه قائمة على أساس النّص الصّريح على كل كلية و جزئية،فان ذلك أمر متعسر بل متعذر...و إنّما تكمن شموليته في كونه قد نظر إلى الإنسان،و أحواله،و أوضاعه نظرة واعية تتسم بالشّمول و الدّقة،فقد لاحظ:

أولا:شؤونه الثّابتة الّتي لا يطرأ عليها تغيير و لا تبديل في أي من الظروف و الأحوال،فوضع لها قوانين ثابتة،و أنظمة محددة...و ذلك من قبيل قوانين الإرث،و الزواج،و الطّلاق،و نحوها...و يمكن أن يدخل في ذلك جميع الأحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الأولية،حسب الاصطلاح الاصولي.

ثم لاحظ:

ثانيا:الشّؤون الّتي يطرأ عليها التغيير و التبديل،و لا يمكن أن تكون في اطار ضابطة معينة و ثابتة،فجعل أصولا و قواعد عامة،يجري التغيير و التبديل في نطاقها.

فهذه القوانين و الضوابط ثابتة،و المتغير هو ما تنطبق عليه تلك القواعد و الأصول.

و يمكن أن يدخل في هذا الإطار سائر الموضوعات الّتي تعرض لها العناوين الثانوية،حسب الإصطلاح الأصولي.


1) الوسائل ج 19 ص 272 حديث 1. [1]

و من هنا...فقد كان للإسلام مرونة خاصة بالنسبة لموقفه من الثقافات و العلوم التي تفيد المجتمع الاسلامي،و بالنسبة لشؤون الإدارة الدّاخلية، و شؤون الأمن في البلاد الإسلامية،تبعا للضرورات الّتي تفرضها الظروف و الأحوال الطارئة و المتغيرة.

و قد أعطى ذلك للإسلام قدرة خاصة على استيعاب كل جديد،و على أن يساير التطورات الحضارية المختلفة على مرّ العصور،و على اتخاذ الموقف المناسب في الظروف و الأحوال و المتغيرات باستمرار،و لسوف يبقى محتفظا بهذه القدرة مستقبليا أيضا...فهو القانون الوحيد،الّذي يستطيع أن يكون إنسانيا،و حضاريا و عالميا،و أبديا.

الفقيه...و غيره الفقيه:

1-أما وظيفة الفقيه فليست إلا الكشف عن الأحكام الإلهية الثابتة لموضوعاتها،و تطبيق القواعد و الكليات الثابتة على مصاديقها المتحولة المتغيرة فالفقيه لا يجعل الأحكام الشرعية،و إنّما هو يكشف عنها،أو يطبق القاعدة على موردها.

2-هذا...و لا شك في أن الفطرة و العقل و العقلاء يحكمون على من ليس له قدرة الكشف و التطبيق هذه-حيث لا يمكن الإحتياط (1)و لا يمكن العمل به-بالرجوع إلى الّذي يملك هذه القدرة،و يمارسها فعلا...لانه هو المتخصص في هذه الجهة،و له خبرات تؤهله لان يكون مرجعا لمن يفقد هذه الخبرات تماما...كذلك الّذي يراجع الطبيب أو المهندس في ما يرتبط بهما من أمور الطب و الهندسة،لانه هو لا يملك خبرات في هذين المجالين.

3-كما أن الإنسان يفضل بحسب فطرته و سجيته و عقله:الأمهر من


1) كما في كثير من الموارد العامة:سياسية و اجتماعية و إدارية...و غيرها.

الأطباء و أصحاب الإختصاصات؛و لا يراجع غيره إلاّ إذا لم يقدر على الإستفادة منه.

و قد أمر اللّه تعالى إرشادا إلى ذلك،فقال: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (1)...و قال تعالى أيضا مشيرا إلى ان ذلك مرتكز في فطرة الإنسان و سجيته: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (2).

4-و من الجهة الثالثة:فان فطرة الإنسان و سجيته،تدفعه إلى أن يهتم بمراجعة من يثق بصدقه و إخلاصه من أهل الإختصاصات...و كلما كان الأمر أهم،كلما زاد اهتمام الشخص في أن يجد من يجمع أقصى الشروط الملائمة لإنجاح و سلامة العمل الّذي يرمي إليه على النّحو الأكمل و الأفضل..

5-و إذا كان الشرع و الدين هو أعظم قضيّة يمكن أن تواجه هذا الإنسان؛لانها تمس كل شؤون حياته الفردية و الإجتماعية،و يتوقف عليها مصيره و مستقبله،ان دنيا،و إن آخرة.و كل خلل يطرأ،أو تجاوز يحصل، فسيؤثر مباشرة على حياة الإنسان و مصيره..

-إذا كان كذلك-فانه لا بد و أن يسعى هذا الإنسان إلى أن يوفر كل الشروط و الضمانات الّتي تجعله يحصل على أعلى درجات الإطمئنان و الثقة في من يفترض فيه أن يكون قائدا و معلما و مرشدا له في هذا السبيل...سواء من النّاحية العلمية،أو السلوكية،أو غيرها من النواحي،الّتي لها مساس بالمهمة الّتي يريده لاجلها...

و ليس ذلك إلاّ الرّجل المجتهد العادل،الّذي بنى نفسه من الداخل قبل


1) سورة النحل،الآية:43. [1]

2) سورة الزمر،الآية:9. [2]

الظّاهر،و الّذي يكون ظاهره انعكاسا لباطنه..الرّجل الذي يملك أعظم المهارات و الكفاءات العلميّة في هذا المجال...إلى غير ذلك من مواصفات نص عليها الفقهاء في كتبهم المعدة لذلك.

الطب...و الفقيه:

و هكذا..و إذا كان الطب هو إحدى تلك المجالات الواسعة الّتي تخضع للاحكام و التشريعات الإسلاميّة بشكل مباشر أحيانا،أو غير مباشر أحيانا أخرى..فان من الطبيعي أن يرجع الطبيب و المريض،و غيرهما ممن له علاقة في هذا المجال-إلى الكتب الّتي ألّفها الرّجل الأعلم في التّشريع الإسلامي للتعرف على الأحكام الشرعية باستمرار،لأن ذلك يؤثر في أحيان كثيرة على مواقفهم و تصرفاتهم بشكل عام...

الطب في الإعتبار الشرعي:

لا شك في أن الطب يعتبر وظيفة شرعية،واجبا كفائيا،يعاقب الكل على تركه،و يسقط عنهم بقيام بعضهم به،و يمكن أن يؤيد ذلك ب:

1-ما روي عن الصادق(ع)،قال:لا يستغني أهل كل بلد عن ثلاثة يفزع إليه في أمر دنياهم،و آخرتهم؟فان عدموا ذلك كانوا همجا:فقيه عالم ورع،و أمير خير مطاع،و طبيب بصير ثقة (1).

2-و ما روي عن أبي عبد اللّه(ع)،قال:كان المسيح(ع)يقول:ان التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة،و ذلك أن الجارح أراد فساد المجروح،و التارك لاشفائه لم يشأ صلاحه؛فإذا لم يشأ صلاحه؛


1) تحف العقول ص 238،و [1]البحار ج 78 ص 235،و [2]سفينة البحار ج 2 ص 78. [3]

فقد شاء فساده إضطرارا الخ (1).

هذا كله...عدا عن أن الإسلام يعتبر المؤمنين اخوة،يجب الإهتمام بأمورهم،و قضاء حاجاتهم،و معونتهم،و أن يعضد بعضهم بعضا،في مواقع الإبتلاء،و ان يفيد المؤمن أخاه،و أن ينفس كربته إلى غير ذلك مما لا يمكن حصره...و لا يمكن أن تكون الناحية الطبيّة مستثناة من ذلك في أي من الظّروف و الأحوال،إن لم تكن من أجلى مصاديق الكثير من تلك الأوامر المتضافرة و المتواترة..

أهمية الطب إسلاميا:

و عدا عن كون الطب مسؤولية دينية تصل إلى حد الوجوب الكفائي...

فانه يكفي للتدليل على الأهمية الخاصة لهذا العلم بنظر الإسلام،أنه قد اعتبره و علم الأديان-و معهما غيرهما،كما في بعض النصوص-هما العلمان الّلذان ينبغي التوجه إليهما،و العمل في سبيل الحصول عليهما؛فعن أمير المؤمنين(ع):

العلم علمان:«علم الأديان،و علم الأبدان» (2).

و عنه(ع):العلم ثلاثة:«الفقه للاديان،و الطب للابدان،و النحو للسان» (3)..


1) روضة الكافي ص 345،و الفصول المهمة ص 404،و [1]الوسائل ج 2 ص 629 و ج 11 ص 401. [2]

2) طب الإمام الصادق(ع)ص 17 و [3]قضاء أمير المؤمنين(ع)للتستري ص 144 و البحار ج 1 ص 220 و [4]ميزان الحكمة ج 6 ص 527.

3) تحف العقول ص 144،و [5]طب الإمام الصادق(ع)ص 17 و [6]البحار ج 78 ص 45. [7]

و بلفظ الكراجكي في جواهره:العلوم أربعة:الفقه للأديان:و الطب للأبدان،و النحو للسان،و النّجوم لمعرفة الأزمان (1)...

شمولية الطب و لزوم التداوي:

و قد روي عن النّبي(صلی الله علیه و آله):«ما أنزل اللّه من داء إلاّ أنزل له شفاء» (2).

و عن علي(ع):«لكل علة دواء» (3)و عنه(صلی الله علیه و آله):«تداووا فان اللّه تعالى لم يخلق داء إلاّ خلق له شفاء،إلاّ السام.و السام:الموت» (4).

و في لفظ آخر عنه(صلی الله علیه و آله):«ان اللّه تعالى لم ينزل داء إلاّ أنزل له دواء علمه من علمه،و جهله من جهله إلاّ السام»الخ (5).

و عن الصادق(ع):«أن نبيا من الأنبياء مرض،فقال:لا اتداوى، حتى يكون الذي أمرضني هو الذي يشفيني.أوحى اللّه تعالى إليه:لا أشفيك حتى تتداوى،فان الشفاء مني» (6).

رسالية الطب:

و عدا عن كون الطب مسؤولية دينيّة؛فانه أيضا ضرورة إجتماعية إنسانية،و رسالة أخلاقية،و مسؤولية عقلية..ف:

1-هو ضرورة إنسانية إجتماعية؛حيث يفترض في الإنسان أن يساهم


1) طب الإمام الصادق ص 17 و [1]كنز الفوائد للكراجكي ص 240 و [2]البحار ج 2 ص 218. [3]

2) البحار ج 62 ص 68 و [4]عنه في ميزان الحكمة ج 3 ص 362.

3) غرر الحكم ج 2 و ميزان الحكمة ج 3 ص 362 [5] عنه.

4) ميزان الحكمة ج 3 ص 363 عن كنز العمال الحديث رقم 28090.

5) ميزان الحكمة ج 3 ص 362 عن كنز العمال الحديث رقم 28079.

6) البحار ج 62 ص 66 [6]عن مكارم الأخلاق و [7]ميزان الحكمة ج 3 ص 362 عنه.

في دفع المسيرة الإنسانية نحو تحقيق أهدافها و تطلعاتها،و آمالها بالسعادة و الهناء،و بالوصول إلى أعلى مراتب الكمال الإنساني المنشود،حيث تختفي كل عوامل و مظاهر الشقاء،و التعب و العناء...

2-و هو مسؤولية عقلية؛حيث لا بد منه لاجل بقاء النّوع الإنساني، و للتخفيف من شقاء و بلاء و آلام هذا الإنسان...

3-و هو بالتالي رسالة أخلاقية..لا مجال للمراء أو التشكيك فيها، حيث تعبر عن سمو و كمال نفسي يرضي النفوس و يطمئنها و يريحها..و لاجل ذلك لا نجد أحدا يعذر الطبيب الّذي يمتنع عن معالجة مريضه-إذا كان يقدر على ذلك إذا تعلل بعدم أو بقلة ما يبذل له من مال،و نجد النّاس كلهم يعتبرون ذلك الطبيب فاقدا للأخلاق النبيلة و الفاضلة...

الطب و التجارة:

و هكذا يتضح:أن الطب بنظر الإسلام ليس حرفة يهدف منها إلى جمع المال،و الحصول على حطام الدنيا و إنّما هو رسالة إنسانية و مسؤولية شرعية بالدرجة الأولى...

لان الحرفة الّتي يهدف صاحبها إلى أن يستخدمها في الحصول على المال...تجعل لصاحبها الخيار في أن يتعامل مع هذا أو مع ذاك،إذا وجد أن تعامله هذا يدر عليه نفعا يرضيه...و أن لا يتعامل معه إذا شاء،حينما لا يجد في تعامله ذلك ما يرضي جشعه،و يشبع جوعه و نهمه...

و ليس ذلك للطبيب قطعا؛فان التّارك لشفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة كما تقدم..

و لا يملك ان يتساهل أو ان يتعلل،إنتظارا للاجرة أو لزيادتها،أو لأي

سبب آخر..كما أنه لا يجوز له أن يتساهل أو أن يتوانى في معالجته له..كما سنرى إن شاء اللّه تعالى...

الإجرة للطبيب:

و لكن ما قدمناه لا يعني:أن لا يأخذ الطبيب أجرا أصلا،فان ذلك معناه أن يكون كثير من الأطباء عالة على الآخرين،كما أن ذلك يستدعي عدم إقبال النّاس على تعلم هذا العلم،و إتقانه،فضلا عن النبوغ و الإبداع فيه،و هو بالتالي يحرم الإنسانية من عنصر هام،بل هو من أهم عناصر راحتها و سعادتها،بل و تقدمها في مختلف مدارج الكمال،و العظمة و المجد.

و لأجل ذلك نجد:ان الإمام العسكري(ع)يعطي الطبيب الّذي فصده تخت ثياب،و خمسين دينارا (1).

و أعطاه أيضا في مرة أخرى-على الظاهر-ثلاثة دنانير،و كان الطبيب نصرانيا (2).

و في رواية عن علي(ع):ما دون السمحاق (3)أجر الطبيب (4).

و عن إبن عباس:أن النّبي(صلی الله علیه و آله):احتجم و أعطى الحجام أجره (5).

و الروايات الدالة على جواز أخذ الحجام للاجرة كثيرة جدا،و هي موجودة في


1) الوسائل ج 12 ص 75 [1] عن الخرائج و الجرائح.

2) الوسائل ج 12 ص 74 و [2]في هامشه عن الخرائج و الجرائح ص 213 و عن اصول الكافي ص 285.

3) السمحاق:قشرة رقيقة فوق عظم الرأس.

4) التهذيب للطوسي ج 10 ص 293 ح 18 و الوسائل ج 19 ص 294 و 304 و [3]الفائق ج 4 ص 67 عن الشعبي،و عبر ب«الموضحة»بدل:السمحاق.

5) الموطأ مع تنوير الحوالك ج 3 ص 141 و الطب النبوي لإبن القيم ص 41 و [4]في هامشه عن

كثير من المصادر.

إلا أن ثمة رواية عن سماعة تخالف ذلك،و قد حملها الشيخ على الكراهة (1).

و قال العلامة قدس سره في المنتهى:«..يجوز الإستيجار للختان، و خفض الجواري،و المداواة،و قطع السلع،و أخذ الإجرة عليه.لا نعلم فيه خلافا؛لانه فعل مأذون فيه شرعا،يحتاج إليه و يضطر إلى فعله؛فجاز الإستيجار عليه كسائر الأفعال المباحة.و كذا عقد الإستيجار للكحل،سواء كان الكحل من العليل أو الطبيب.و قال بعض الجمهور:ان شرط على الطبيب لم يجز» 2.

و أما بالنسبة للدواء،فقد روى محمد بن مسلم،عن أبي جعفر(ع)، قال:سألته عن الرجل يعالج الدواء للناس:فيأخذ عليه جعلا؟فقال:لا بأس به 3.

التجارة...و السطحية:

و واضح:أنه إذا أصبح الهدف من تعلم الطب هو الحصول على المال و النّوال،و خلا من الإحساس الإنساني،و الدفع العاطفي،و من المسؤولية


1) راجع:قرب الاسناد [1]ص 52 و 53،و الإستبصار ج 3 ص 58-60 و 64 و الوسائل ج 12 ص 71-74 و في هوامشه عن:التهذيب ج 2 ص 107 و 109 و عن فروع الكافي ج 1 ص 360 و عن الفقيه ج 2 ص 52 و 56 و عن البحار ج 10 ص 267 و عن العلل،و غير ذلك كثير...

الشرعية و الأخلاقية...فانه عدا عن أن ذلك يمكن أن يجعل من هذا العلم- كما جعل من كثير غيره-و بالا على الإنسان و على الإنسانية...لا بد و أن تقل فيه نسبة الإبداع و العمق،بحيث لا ينسجم ذلك مع حجم العمل و العاملين فيه...و لا يبقى ثمة ما يؤهله لأن يقدم للامة و للاجيال المزيد من المعارف الدقيقة و الهامة،و يفتح أمامها آفاقا جديدة في مجالاته المختلفة...كما..

و تصبح المؤسسات الطبيّة مجرد حرف جافة لا تهتم بإسعاد هذا الإنسان بقدر ما تهتم بسلبه و نهب ثرواته،و من ثم بزيادة شقائه و بلائه..

نعم..و حينئذ تبدأ عملية العد العكسي لإزدهار العلوم،و يتجه المتعلمون-في الأكثر-إلى السطحيّة،ثم إلى الجهل الذي يستتبع الكثير من التدليس و التزيف...ثم أن يفقد الإنسان أخلاقياته و إنسانيته،و ليتحول إلى موجود خسيس و رذل،و يكون كالبهيمة المربوطة،همها علفها،على حد تعبير أمير المؤمنين(ع).

حبس الجهال من الأطباء:
اشارة

و لاجل ما تقدم..نجد أن الإسلام قد وقف في وجه هذه الظّاهرة بقوة و حزم،حتى لقد روي عن أمير المؤمنين(ع)قوله:

«يجب على الإمام أن يحبس الفساق من العلماء،و الجهال من الأطباء الخ...» (1).

نعم...يجب ذلك؛لان ممارسة الجاهل لاعمال الطب،كثيرا ما تزيد من آلام و متاعب المريض،و تعرض راحته،و مستقبله-ان لم نقل تعرض حياة الكثيرين-للأخطار الجسام..و كما أن فساق العلماء يفسدون الدين،


1) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 20 و التهذيب للشيخ ج 6 ص 319 و النهاية للشيخ أيضا ص 62،و الوسائل ج 18 ص 221،و قصار الجمل ج 1 ص 299. [1]

فان جهال الأطباء يفسدون الأبدان،و يسلبون الإنسان الراحة و السعادة في الدنيا،فيجب ردعهم،و الوقوف في وجههم،بكل قوة و شدة...

ضمان الجاهل لما يفسده:

و انطلاقا مما تقدم...فان الجهال إذا مارسوا الطب،و أفسدوا ما يفترض فيهم أن يصلحوه؛فانهم يكونون مسؤولين عن إفسادهم ذاك عقلا، و عرفا،و شرعا،لقاعدة:الضمان على كل متلف...فإذا أدى ذلك إلى الموت:فانه يضمن دية الخطاء،كما هو معلوم.

و ذلك أمر مفروغ عنه بين الفقهاء«بلا خلاف في ذلك»بل في التنقيح:

«الطبيب القاصر المعرفة ضامن لما يتلفه بعلاجه اجماعا» (1).

كما أن هذا الأمر مجمع عليه لدى أهل العلم من غير شيعة أهل البيت(ع) (2).

كما أنهم قد رووا عنه(صلی الله علیه و آله):«من تطبب و لم يعلم منه الطب(قبل ذلك)فهو ضامن».و بمعناه غيره (3).

و في نص آخر:«من تطبب و لم يكن بالطب معروفا،فإذا أصاب نفسا


1) راجع:الجواهر ج 43 ص 44-45 و [1]المسالك كتاب الديات،موجبات الضمان، و الرياض ج 2 ص 537 و مباني تكملة المنهاج ج 2 ص 222،و عن مجمع البرهان كتاب الديات ص 1.فان هؤلاء جميعا قد نصوا على عدم الخلاف في ذلك،أو نقلوا الإجماع عن التنقيح.

2) الطب النبوي لإبن القيم ص 109. [2]

3) كنز العمال ج 10 ص 16،و رمز الى:مستدرك الحاكم،و سنن أبي داود،و إبن ماجة،و البيهقي،و النسائي،و الطب النبوي لإبن القيم ص 107 [3] عن بعض من ذكر، و التراتيب الإدارية ج 1 ص 466 [4] عن الدارقطني و غيره و معالم القربة ص 255 و [5]سنن إبن ماجة الحديث رقم 3466 و ميزان الحكمة ج 5 ص 533 عنه و عن كنز العمال.

فما دونها؛فهو ضامن» (1)...و التعبير بتطبب ظاهر بأنه يريد:أنه قد دخل فيما فيه عسر و كلفة،من قبيل تشجع،و تصبر،و نحو ذلك...

و أخيرا..فقد روي عن أمير المؤمنين(ع)قوله:من كنت سببا في بلائه،وجب عليك التّلطف في علاج دائه (2).

ضمان العارف بالطب:

هذا...و لا ريب في ضمان العارف بالطب،إذا قصر في اداء مهمته، سواء أخذ البراءة من المريض،أو من وليه،أم لا،و سواء عالجه باذن منه، أم لا.و الظّاهر عدم الخلاف في ذلك.هذا...عدا عما يترتب على ذلك من مسؤولية شرعية.

و الظّاهر:أن ما ورد:من أن عليا(ع)قد ضمن ختانا قطع حشفة غلام (3).قد كان من أجل تقصيره في أداء وظيفته...

قال إبن إدريس،«و الرواية هذه صحيحة لا خلاف فيها» (4)،و قد حمل الرواية على صورة التفريط؛فراجع.

و أما إذا لم يقصر في أداء مهمته،و كان حاذقا ماهرا،و تلف المريض،


1) التراتيب الإدارية ج 1 ص 266،و [1]كنز العمال ج 10 ص 17 عن إبن عدي في الكامل، و إبن السني،و البيهقي،و أبي نعيم في الطب.و [2]راجع المصنف لعبد الرزاق ج 9 ص 470.و ميزان الحكمة ج 5 ص 533 عن كنز العمال.

2) غرر الحكم للآمدي ج 2 ص 718 و [3]ميزان الحكمة ج 1 ص 500 [4] عنه.

3) التهذيب للشيخ ج 10 ص 234،و السرائر ص 429،و الكافي ج 7 ص 364،و الوسائل ج 19 ص 195،و [5]المسالك،كتاب الديات،بحث موجبات الضمان،و الرياض ج 2 ص 539،و قصار الجمل ج 1 ص 404،و [6]مباني تكملة المنهاج ج 2 ص 233،و [7]جاء في المصنف لعبد الرزاق ج 9 ص 470:ان عمر قد فعل ذلك.

4) السرائر ص 429.

أو تعطل بعض أعضائه بسببه،فان كان المريض صغيرا،أو مجنونا،و كان الطبيب قد أخذ البراءة من وليه،أو كان المريض بالغا عاقلا و قد أخذ البراءة منه..فانه لا يضمن.

فعن الضحاك بن مزاحم قال:خطب علي الناس،فقال:يا معشر الأطباء البياطرة و المتطببين،من عالج منكم إنسانا أو دابة،فليأخذ لنفسه البراءة؛فانه ان عالج شيئا و لم يأخذ لنفسه البراءة؛فعطب فهو ضامن (1).

و عن علي(ع)قال في الطّبيب:ان لم يشهد على ما يعالج فلا يلومنّ إلاّ نفسه.يقول:يضمن (2).

و قد روي عن أبي عبد اللّه(ع)،أنه قال:قال أمير المؤمنين(ع):«من تطبب أو تبيطر،فليأخذ البراءة من وليه،و إلاّ فهو له ضامن» (3).

و ضعف سندها منجبر بعمل المشهور.بل ادعى عليه الإجماع (4).

و ليس هذا من الابراء قبل ثبوت الحق،و إنّما هو من قبيل الإذن في الشيء، المقتضى لعدم ثبوت الحق،مضافا إلى أنه لو لم يجز التبري لم يقدم طبيب على علاج (5).


1) المصنف لعبد الرزاق ج 9 ص 471.

2) المصنف لعبد الرزاق ج 9 ص 471/470.

3) الكافي ج 8 ص 364،و [1]التهذيب ج 10 ص 234،و الوسائل ج 19 ص 195؛و [2]النهاية للشيخ ص 762،و قصار الجمل ج 1 ص 404،و [3]المسالك،كتاب الديات، [4]في موجبات الضمان.و الشرايع نفس البحث ج 4 ص 249 و الرياض ج 2 ص 537،و [5]مباني تكلمة المنهاج ج 2 ص 222 و بمعناه عن علي(ع)في المصنف لعبد الرزاق ج 9 ص 471.

4) راجع:المسالك ج 2 كتاب الديات باب موجبات الضمان و الجواهر ج 43 ص 47/46.

5) راجع:الجواهر ج 43 ص 48 و 47 و [6]هامش الوسائل ج 19 ص 195 و الشرايع ج 4 ص 249.

و هل يكفي إذن المريض أو وليه للطبيب بالعلاج من دون إبراء في عدم ضمانه؟ربما يقال:أنه لا يضمن حينئذ،و ذلك«لان الضمان يسقط بالإذن، و لانه فعل سائغ شرعا»فلا يستعقب ضمانا (1).

و لكن هذه الحجة غير كافية،فان كونه سائغا شرعا لا يوجب سقوط الضمان (2)،و السائغ هو المعالجة لا الإتلاف،و هو لم يؤذن به..،و أما قوله:أن الضّمان يسقط بالإذن...فيمكن أن يكون له وجه،إذا قلنا:أنه من قبيل إقدام المريض،أو وليه على تحمل نتائج عمل الطبيب،و رضاهم بها،لو اتفق وقوعها...فهو من قبيل الابراء...و لكن الظاهر:هو أن إذنهم لا يدل على عدم مطالبتهم بالدية و الضمان في صورة التلف،فهم يأذنون بالعلاج استنادا إلى أن الشارع قد ضمن لهم حقهم في صورة إتلاف الطبيب لمريضه،أو لعضو منه،فتبقى قاعدة:الضمان على من أتلف على حالها..

و لأجل كون ذلك مرتكزا لدى العرف نجد:أنه لو أخذ البعض ولده إلى الطّبيب،فعالجه،فمات بسبب ذلك العلاج؛فانه يشتكي عليه،و يعتبره مسؤولا عن إتلاف ولده (3).

و بعد كل ما تقدم يتضح:أنه لا يمكن الأخذ بما روي عن إبن عمر، عن النبي(صلی الله علیه و آله):«ليس على مداو ضمان»الخ (4).

إلا أن يكون المقصود هو عدم ضمانه،إن كان قد أخذ البراءة،و ذلك بعد حمل هذا المطلق على ذلك المقيد.


1) الشرايع ج 4 ص 249 و الجواهر ج 43 ص 45. [1]

2) الجواهر ج 43 ص 46 و مثل له بالضرب للتأديب.

3) راجع:الجواهر ج 43 ص 46.

4) المجروحون ج 2 ص 82 و راجع:ميزان الإعتدال ج 3 ص 198.

و أما الإستدلال على الضمان هنا بالإجماع،فهو في غير محله،لان الظاهر،أو على الأقل يحتمل:أنه اجماع على القاعدة،الّتي هي:الضمان على من أتلف؛فلا يكون حجة..

و كذا لا يصح الإستدلال باطلاق رواية تضمين علي(ع)للختان...

على الضمان هنا،لانها قضية في واقعة لا اطلاق فيها،فيحتمل قويا أن يكون تضمينه له بسبب تفريطه و تقصيره في أداء مهمته،كما أشرنا إليه سابقا.و قد أشار إلى ما ذكرناه أيضا في الجواهر،فراجع.

و لو أقدم الطبيب الحاذق على العلاج من دون إذن أحد،استنادا إلى وجوب ذلك عليه،لرواية:التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة،و ذلك مقدمة لحفظ النفس المحترمة،فتلف المريض بسببه،فانه يضمن أيضا،لان التلف سبب للضمان،فهو من قبيل تأديب الصبي، و نحوه (1).

روايتان لا ربط لهما بالضمان:

و في رواية«قلت(أي للإمام الصّادق(ع)):انا نبط الجّرح،و نكوي بالنار؟قال:لا بأس،قلت:نسقي هذه السموم:الأسمحيقون، و الغاريقون؟قال:لا بأس:قلت:انه ربما مات،قال:و ان مات» (2)

و عن حمدان بن إسحاق،قال:كان لي إبن،و كانت تصيبه الحصاة، فقيل لي:ليس له علاج إلاّ أن تبطه،فبططته،فمات،فقالت الشيعة:

شركت في دم إبنك قال:فكتبت إلى أبي الحسن،صاحب العسكر،فوقع-


1) راجع:المسالك و الجواهر ج 43 ص 45. [1]

2) روضة الكافي ص 193 و الفصول المهمة ص 402 و [2]البحار ج 62 ص 67 و [3]الوسائل ج 17 ص 177 و [4]طب الإمام الصادق ص 59. [5]

صلوات اللّه عليه-يا أحمد ليس عليك فيما فعلت شيء،إنّما إلتمست الدواء، و كان أجله فيما فعلت (1).

فالرواية الأولى ليست ناظرة للضمان و لا لعدمه...و إنّما هي ناظرة إلى جواز الإقدام على ذلك و عدمه...و إن أدى إلى موت المريض.

و في الثانية كان الممارس لبط الجرح هو الولي نفسه،و تعليله(ع) بقوله:إنّما إلتمست الدواء و كان أجله فيما فعلت،ليس تعليلا لعدم الضمان، ليؤخذ بعموم التعليل،بل هو ناظر لنفي العقاب الأخروي،حيث اعتبر الشيعة:أنه قد شرك في دم إبنه...هذا بالإضافة إلى عدم وضوح سند الرواية.

و الخلاصة:أنه لا بأس بأن يأخذ الطبيب الحاذق البراءة من ولي المريض،إذا كان المريض صبيا أو مجنونا،أو من المريض نفسه،إذا أراد أن يقدم على العلاج الّذي يحتمل فيه الخطر على المريض،حتى لا يتعرض للضمان الّذي ينشأ عن التّلف المحتمل.


1) الكافي ج 6 ص 53 و [1]البحار ج 62 ص 68. [2]

الفصل الثاني: التلميذ...قبل أن يصير طبيبا...

اشارة

مواصفات طالب العلم الطبي:

أما عن مواصفات طالب العلم الطبي،فلعلها لا تحتاج إلى بيان،إذا اتضح لدينا حقيقة نظرة الإسلام إلى المريض،و مكانته عند اللّه،و ما أعدّ اللّه له،كما يتضح ذلك بالمراجعة إلى الروايات الكثيرة جدا،و لا مجال لعدها و حصرها...إذا اتضح لدينا أيضا حقيقة المسؤولية الملقاة على عاتق الطبيب تجاه المريض،و واجباته تجاهه،و الّتي سنتحدث عنها في الفصل التالي إن شاء اللّه تعالى.

و نستطيع أن نجمل هنا مواصفات طالب العلم الطبي بكلمة واحدة و هي أن يتحلى بجميع مواصفات الإنسان المسلم،الّذي يمثل الإسلام وعيا و عمقا،و خلقا،و سلوكا،و يعيش أهداف الإسلام،و تعاليمه،و قيمه،بكل جهات وجوده،و مختلف شؤون حياته.

و قد ذكر القدماء بعض المواصفات لطالب العلم الطبي،لا نرى بأسا بالإشارة إليها هنا،ما دامت توافق مقتضيات الفطرة السليمة،و الإسلام دين الفطرة و ان كان في بعضها بعض الهنات.

فقد نسبوا إلى أبقراط الوصية المعروفة بترتيب الطب،و يقول فيها:

«ينبغي أن يكون المتعلم للطب في جنسه حرا (1)و في طبعه جيدا، حديث السن،معتدل القامة،متناسب الأعضاء،جيد الفهم،حسن الحديث،صحيح الرأي عند المشورة،عفيفا،شجاعا،غير محب للفضة، مالكا لنفسه عند الغضب،و لا يكون تاركا له في الغاية،و لا يكون بليدا.

و ينبغي أن يكون مشاركا للعليل،مشفقا عليه،حافظا للاسرار،لان كثيرا من المرضى يوقفونا على أمراض بهم لا يحبون أن يقف عليها غيرهم.

و ينبغي أن يكون محتملا للشتيمة،لان قوما من المبرسمين (2)، و أصحاب الوسواس السوداوي يقابلونا بذلك،و ينبغي لنا أن نحتملهم عليه، و نعلم:أنه ليس منهم،و أن السبب فيه المرض الخارج عن الطبيعة.

و ينبغي أن يكون حلق رأسه معتدلا مستويا،لا يحلقه،و لا يدعه كالجمة،و لا يستقصى قص أظافير يديه (3)،و لا يتركها تعلو على أطراف أصابعه.

و ينبغي أن تكون ثيابه بيضاء نقية،و لا يكون في مشيه مستعجلا،لان ذلك دليل على الطيش،و لا متباطئا،لانه يدل على فتور النفس.

و إذا دعي إلى المريض،فليقعد متربعا،و ليختبر منه حاله بسكون و تأن


1) هذا الشرط لا معنى له إسلاميا،إلاّ إذا كان العبد لا يستطيع أن يقوم بوظيفته بالشكل المناسب.

2) البرسام:علة يهذي فيها المريض.

3) لقد ورد في بعض الروايات أن المرأة لا تستقصي قص أظافير يديها،و لم نجد مثل ذلك بالنسبة للطبيب...فيبقى إستحباب قص أظافيره على النحو الكامل بلا معارض... إلاّ إذا كانت طبيعة عمله تستدعي ذلك.

لا بقلق و اضطراب...الخ» (1).

و في كتاب:«كامل الصناعة الطبيّة الملكي»لعلي بن العباس في الباب الثاني،المقالة الأولى،مجموعة وصايا جيدة في هذا المجال،و بعضها منسوب إلى أبقراط أيضا،كما يظهر لمن راجع كتاب إبن أبي أصيبعة،و يمكن أن يفهم منها إضافة لما سبق:

أن على طالب العلم الطبي:أن يطيع أوامر اللّه تعالى،و يحترم أساتذته و يكون في خدمتهم،و يعتبرهم بمنزلة والديه،و يحسن إليهم،و يشركهم في أمواله.

كما أن عليه أن يعتبر إبن معلمه أخا له،و يعلمه هذه الصناعة بلا أجرة، و لا شرط،و يشرك أولاده و أولاد معلمه في العلوم و الوصايا،و كذلك سائر التلاميذ الّذين يستحقون تعلم هذه الصناعة،دون غيرهم ممن لا يستحق ذلك.

و بعد أن ذكر أمورا أخرى،و من جملتها لزوم حفظ المطالب،و عدم الإعتماد على الكتاب،ذكر:أن عليه أن يتعلم مطالب هذا العلم في أيام صباه،لان ذلك أسهل عليه من أيام الشيخوخة...و على طالب هذا العلم أن يبقى في المستشفيات في خدمة أساتذته العلماء،و الحذاق في هذه الصناعة، فيمارس العمل في هذا المجال،و يشرف على المرضى و على أحوالهم، و يستفيد من صحبة الأساتذة،و خدمة المرضى ما يرتبط بأحوال و عوارض الأمراض،حسنا و سوءا،و يطبق ما قرأه عمليا...الخ (2).


1) عيون الأنباء ص 47/46. [1]

2) راجع كتاب:تاريخ طب در إيران ج 2 ص 456-458 بتصرف و عيون الأنباء ص 45 قسم أبقراط،و طبقات الأطباء و الحكماء لإبن جلجل ص 73،الترجمة الفارسية،في الهامش عن منتخب صوان الحكمة ص 82.

الطالب...و التّجارب الطبية:

و عدا عما تقدم...فاننا نجد:أن الشارع لم يقبل من طالب العلم الطبي:أن يجعل نفسه حقل تجارب،و لا سيّما في الموارد الّتي يحتمل فيها الضرر احتمالا معتدا به،فعن الصّادق(ع):«ثلاثة لا ينبغي للمرء الحازم أن يقدم عليها:شرب السّم للتجربة،و ان نجا منه،و إفشاء السر الخ...» (1).

و في حديث آخر عن الإمام البّاقر(ع):«لا تذوقن بقلة،و لا تشمها حتّى تعلم ما هي،و لا تشرب من سقاء حتّى تعلم ما فيه» (2).

الإستفادة من خبرات غير المسلمين:

و بعد...فان الحكمة ضالة المؤمن،اينما وجدها أخذها...فلما ذا إذن يمنع من الإستفادة و التّعلم من غير المسلمين:من اليهود و النّصارى، و غيرهم؟...إذا كانت لديهم خبرات يمكن الإستفادة منها،و إذا اقتصروا على ذلك،و لم يتعدوه إلى محاولة الدعوة إلى عقائدهم و مذاهبهم،و إذا لم يستلزم ذلك أي نحو من أنحاء النفوذ أو التدخل في الشؤون الخاصة بالمسلمين؟...و قد جاء عنهم(ع)بالنسبة لبني فضال:خذوا ما رووا، و دعوا ما رأوا...و ورد:أن«الحكمة ضالة المؤمن؛فاطلبوها و لو عند المشرك تكونوا أحق بها و أهلها»،و في معناه غيره (3).


1) راجع:البحار ج 78 ص 189 و ج 99 ص 123 [1] عن أعلام الدين،و مستدرك الوسائل ج 2 ص 45 و [2]غرر الحكم ج 1 ص 365.

2) تحف العقول ص 237 و البحار ج 78 ص 235 و 189 [3] عنه و عن أعلام الدين. [4]

3) أمالي الطوسي ج 2 ص 238 و [5]تحف العقول ص 138 و 292 و غرر الحكم ج 1 ص 394 و البحار ج 78 ص 34 و [6] 38 و 307 و ج 2 ص 17 و 96 و 97 و صفحات أخرى منه؛

بل لقد رأينا الرسول الأكرم(صلی الله علیه و آله):قد أمر أسرى المشركين في بدر، الّذين لا يجدون ما يفدون به أنفسهم:أن يعلم الواحد منهم عشرة من أطفال المسلمين القراءة و الكتابة،و يطلق(صلی الله علیه و آله):«سراحهم في مقابل ذلك»... (1)و لسنا بحاجة إلى التّعليق على هذه القضيّة،فانها بنفسها تعبر عن نفسها،و من أراد الإطلاع على بعض ما يمكن أن يقال في ذلك،فليراجع كتابنا:الصحيح من سيرة النبي(صلی الله علیه و آله)ج 2 ص 258/257.

القسم الإسلامي للطبيب:

و بعد أن يتخرج ذلك التلميذ،و يصير طبيبا حاذقا،فاننا نتصور شخصيا:أن من الراجح أن يقسم اليمين التالي،قبل أن يعطى إجازة للعمل في هذا المجال:

بسم اللّه الرحمن الرحيم:

و الحمد للّه رب العالمين،و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطّاهرين،و اللعنة على أعدائهم أجمعين،إلى قيام يوم الدين..

أقسم باللّه العلي العظيم،و بكل مقدساتي،و بكل الكتب السماوية:أن أبذل جهدي و طاقتي في معالجة المرضى،و لا أفرق بين غنيهم و فقيرهم،و لا


1) مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 247 و تاريخ الخميس ج 1 ص 395 و السيرة الحلبية ج 2 ص 193 و الروض الآنف ج 3 ص 84 و طبقات إبن سعد ج 2 قسم 1 ص 14 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 348 و ج 1 ص 49/48 عن السهيلي،و عن المطالع النصرية في الأصول الخطية لابي الوفا نصر الدين الهوريني،و كتابنا:الصحيح من سيرة النبي ج 3 ص 257 عمن تقدم و عن الامتاع ص 101 و عن المقريزي..

أغش،و لا أتساهل في ذلك،و أن أعاملهم بالأخلاق الإسلامية و الإنسانية الفاضلة،و أن ألتزم بالاحكام الشرعية في عملي هذا.و أن أعتبر ذلك أمانة في عنقي،يسألني اللّه عنها يوم ألقاه،و أن أعمل على أداء هذه الإمانة على أكمل وجه.

و أشهد اللّه تعالى على ذلك،و اللّه خير الشاهدين..

الفصل الثالث: ما ذا عن:الطبيب...و العلاج

اشارة

الطبيب أمام الواجب

اشارة

إن من الواضح.أن المريض لا يستطيع أن يعلق آماله فيما هو فيه على أحد،حتّى على أقرب النّاس إليه؛حتّى ولده،و أبويه؛لانه يعرف:أنهم لا يملكون لإنقاذه حيلة،و لا يجدون للتخفيف من آلامه سبيلا..

و إنّما هو يتجه بأماله و توقعاته إلى ذلك الّذي أمره اللّه بمراجعته في حالات كهذه،ألا و هو الطبيب العارف...فالطبيب هو الّذي يستطيع أن يقدم له معونة من نوع ما،و هو الّذي يمكنه أن يخفف من آلامه،و ينقذه مما هو فيه...

و من البديهي:أن التداوي و الرجوع إلى الطبيب لا ينافي التوكل،كما لا ينافيه الأكل و الشرب لدفع الجوع،كما ذكروه (1).

و إذن...فالطبيب يتحمل أعظم المسؤولية في هذه المجال...سواء على صعيد تقديم العون المادي بالدواء و العلاج النافع...أو على صعيد المعونة الروحية و النفسيّة،فهو الّذي يستطيع أن يبعث البهجة في نفس المريض،و ينعش فيه أملا،و يعيد إليه الثّقة بالحياة و بالمستقبل.


1) البحار ج 62 ص 77 و [1]فتح الباري ج 10 ص 114 و الطب النبوي لإبن القيم ص 10. [2]

و على هذا...فقد كانت مسؤوليات و مواصفات الطبيب في نفسه، و بالنسبة لعلاقته بمن يفترض فيه أن يعالجه كثيرة و متنوعة من وجهة نظر إسلامية...و نحن نجمل بعضها في هذا الفصل على النّحو التالي:

المبادرة إلى العلاج:

فلا يجوز للطبيب التّعلل بعدم الاجرة،أو بقلتها،فان التّارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة،لان جارحه أراد فساده،و هذا لم يرد صلاحه كما تقدم.

فالسلبية هنا لا تعني إلاّ اتخاذ الموقف المضاد،لانها تعني فسح المجال لفتك المرض بصاحبه،و التّغلب على سائر ما يملكه من قدرات و مناعات، و بالتالي إلحاق أفدح الخسائر فيه.

و بعد...فان المبادرة إلى العلاج هو ما تفرضه الأخلاق الفاضلة، و الإنسانية الرفيعة،و الفطرة السليمة و المستقيمة.و تنسجم مع أريحية الإنسان،و مع عواطفه النبيلة،و سجاياه الرضية الكريمة.

مداواة حكام الجور:

و بالنسبة لمداواة حكام الجور،فعدا عن أن ذلك يكون من قبيل تهيئة الفرصة لهم للاستمرار في بغيهم و ظلمهم،و ان لم يكن مساعدة مباشرة لهم على ذلك-عدا عن ذلك-فاننا نجد الإمام الحسين(ع)يقول:

«لا تصفن لملك دواء،فان نفعه لم يحمدك،و ان ضره اتهمك» (1).

و واضح:أن مراده(ع)هنا:هو ملوك الجور،لانهم هم الّذين يمتازون


1) البحار ج 78 ص 127 [1]عن اعلام الدين و [2]ج 75 ص 382 عنه و ميزان الحكمة ج 3 ص 367 عن البحار ج 75 ص 282 أيضا. [3]

بهذه الصّفة غير الحسنة...كما هو معلوم.

عدم التمييز بين الغني و الفقير:

أما لزوم عدم التمييز بين الغني و الفقير،فنحسب أنه لا يحتاج إلى بيان و لا إلى إقامة برهان،فان الوجوب الشرعي الكفائي،أو العيني أحيانا،لم يلاحظ فيه الغني دون الفقير،و لا الأبيض دون الأسود.

بل يمكن أن يقال:ان اهتمام الإسلام بالفقير يفوق كثيرا اهتمامه بالغني أضف إلى ذلك:ان الغني يقدر على الوصول إلى ما يريد،عن طريق بذل ماله دون الفقير.

و بعد...فان الأوامر القاضية برجحان قضاء حاجة المريض،و الإهتمام بأمره،و ترتيب الثواب على ذلك-و هي متواترة-لم تخصص غنيا،و لا فقيرا و لا غيرهما بذلك.

و كذلك الحال بالنسبة للروايات القاضية بلزوم المبادرة إلى شفاء المجروح من جرحه...بل جميع الروايات الّتي تتعلق بالطب،و هي تعد بالمئات،لا يمكن أن تلمح فيها أثرا لظاهرة التمييز هذه،مهما كان حجمه، و نوعه.

هذا...و لا يجب أن ننسى تلك الروايات الّتي تذم من يحترم الغني، و يجعل له امتيازا من أجل غناه...و يكفي أن نذكر هنا ما روي عن الإمام الرضا(ع):«من لقي فقيرا مسلما،فسلم عليه خلاف سلامه على الغني لقى اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة و هو عليه غضبان» (1).


1) أمالي الصدوق ص 396،و [1]سفينة البحار ج 2 ص 379،و [2]الوسائل ج 8 ص 442 و [3]في هامشه عن عيون أخبار الرضا ص 219 و [4]عن الأمالي. [5]

ثم هناك حكاية الرجل الّذي بنى قصرا،ثم صنع طعاما،فدعا إليه الأغنياء،و ترك الفقراء،فإذا جاء الفقير قيل له:ان هذا الطعام لم يصنع لك،و لا لاشباهك...فجاء ملكان في زي الفقراء فمنعا،ثم جاءا في زي الأغنياء فسمح لهما بالدخول،فأمرهما اللّه بخسف المدينة بمن فيها (1).

و الروايات في مدح الفقراء،و محبة اللّه لهم،و أنه ينبغي الإهتمام بشأنهم و ملاحظة أحوالهم كثيرة.

و أخيرا...فان حكم العقل،و الفطرة،و الأخلاق الفاضلة،لا يفرق بين غني،و فقير،و لا بين كبير و صغير...هذا...ان لم نقل أن إكرام الغني لغناه ليس فيه إكرام للإنسان و الإنسانية،بل هو يعبر عن رذالة في الطّبع،و خسة في النفس،و انحطاط أخلاقي مرعب و خطير.

و إذا كان الفقير يعاني في أحيان كثيرة من الآلام النفسيّة أكثر من الجسدية حيث أنه يشعر بعقدة الفقر الّذي ربما يتحول إلى حقد،ثم من عقدة الخوف من عدم تمكنه من الحصول على أدنى ما يجب الحصول عليه-إذا كان كذلك- فان القربة إلى اللّه تعالى تكون في مساعدته أكثر،و النّتيجة الّتي تترتب على هذه المساعدة أعظم و أكبر.

و قال علي بن العباس:أن على الطبيب:«أن يجدّ في معالجة المرضى،و لا سيّما الفقراء منهم،و لا يفكر في الإنتفاع المادي،و أخذ الاجرة من هذه الفئة،بل إذا إستطاع أن يقدم لهم الدواء من كيسه هو فليفعل، و إذا لم يفعل فليجدّ في معالجتهم ليلا و نهارا،و يحضر إلى معالجتهم في كل


1) سفينة البحار ج 2 ص 380. [1]

وقت...الخ» (1).

نعم...و هذا هو ما يجعل الفقير يثق بنفسه و بمجتمعه،و يطمئن إلى مستقبله،و يجعله أكثر حيوية،و نشاطا،و تفاعلا مع سائر الفئات الفاعلة في المجتمع.

كما أنه يزرع الحب و الوفاء و الرجاء في نفسه،و يبعد الحقد،و الحسد و سائر الصفات الذميمة عن روحه و نفسه،و لا يعود يعاني من عقدة الاحتقار و المهانة،و الخوف،و ذلك واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.

اقدام الطبيب على ما يعرف:

و إذا كان الطبيب متخصصا في أمراض العين مثلا،فليس له أن يتصدى للنظر في أمراض القلب،و كذا العكس،لانه جاهل في حقيقة الأمراض الّتي تعرض من هذه الجهة،فيلحق بالجهال من الاطباء،الّذين على الإمام أن يحبسهم إذا أرادوا التصدي للتطبيب في مجال يجهلونه.

و كذلك فانه يكون من القول بغير علم،الّذي جاءت الآيات الكثيرة، و الأقوال المتواترة عن المعصومين في المنع و الردع عنه (2)،و ذلك واضح للعيان فلا يحتاج إلى مزيد بيان،و لا إلى إقامة برهان.

و عن زين العابدين(ع)،انه قال:«من لم يعرف داءه أفسد دواءه» (3).

و قد جاء في القسم المنسوب إلى أبقراط:«و احفظ نفسي في تدبيري


1) راجع كتاب:تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب:كامل الصناعة الطبيّة الملكي،الباب الثاني؛المقالة الأولى.

2) راجع على سبيل المثال:البحار ج 2 من ص 111 حتى ص 124 و غيره من المصادر.

3) البحار ج 78 ص 160 و ميزان الحكمة ج 3 ص 367 عنه.

و صناعتي على الزكاة و الطهارة،و لا أشق أيضا عما في مثانته حجارة،و لكن أترك ذلك إلى من كانت حرفته هذا العلم» (1).

1-الحذق 2-الأمانة 3-استجلاب الثقة:

1 و 2-فالطبيب الحاذق هو الّذي يستطيع أن يؤدي واجبه على النّحو الأكمل و الأفضل،و هو بالتالي الّذي يكون خطؤه أقل،و استفادة المريض من خبراته أتم،و منفعته أعم...و هو أقدر على الحصول على ثقة المريض، و إعتماده عليه،و تسليمه له...الأمر الّذي يسهّل عليه علاجه،كما أنه يسهل على المريض الإلتزام بنصائحه،و العمل بتوجيهاته.

بل ان على الطبيب نفسه أن يسعى للحصول على هذه الثقة،كما يشير إليه ما روي عن الصادق(ع):«كل ذي صناعة مضطر إلى ثلاث خصال يجتلب بها المكسب،و هو أن يكون حاذقا بعمله،مؤديا للأمانة فيه،مستميلا لمن استعمله» (2).

و قد لوحظ:أن النّبي(صلی الله علیه و آله)يتحرّى لمعالجة بعض من جرح من أصحابه أطبّ الرّجلين الّلذين دعيا لهذا الغرض (3).

نعم...و هذا هو المنسجم مع الفطرة،و مع حكم العقل السليم، و النصيحة للمسلمين...و من أولى منه(صلی الله علیه و آله)بذلك،و بغيره من مكارم الأخلاق و معاليها؟

و بعد...فقد قيل:أن الطب معناه الحذق بالاشياء،و ان كان في غير


1) عيون الأنباء ص 45. [1]

2) تحف العقول ص 238 و [2]البحار ج 78 ص 236. [3]

3) موطأ مالك المطبوع مع تنوير الحوالك ج 3 ص 121،و زاد المعاد ج 3 ص 107، و الطب النبوي لإبن القيم ص 105.

علاج المريض،و رجل طبيب أي حاذق،سمي بذلك لحذقه (1).

3-و أما الأمانة و أداؤها في المجال الطبي،فهي من أوجب الأمور،لأن الطب-كما قدمنا-مسؤولية شرعية،عرفية،أخلاقية،إنسانية،و حتّى عقلية أيضا،هذا بالإضافة إلى ما أشار إليه الإمام(ع)من أن أداء الأمانة في الصنعة يوجب اجتلاب المكسب بها...حيث يطمئن النّاس إليه،و يعتمدون عليه، و يقبلون إليه بكل رضا و اطمئنان،كما هو أوضح من أن يحتاج إلى بيان.

1-النصح 2-الاجتهاد 3-التقوى:
اشارة

و عدا عن أن النصح،و الإجتهاد و تقوى اللّه وظائف إنسانية و أخلاقية، فانها وظيفة شرعية أيضا-و خصوصا في الطب-فعن علي(ع)انه قال:«من تطبب فليتق اللّه،و لينصح،و ليجتهد» (2).

و قال إبن إدريس:«و يجب على الطبيب أن يتقي اللّه سبحانه فيما يفعله بالمريض،و ينصح فيه» (3).

1-نعم...لا بد من الإجتهاد في معالجة المريض،و لا يجوز التعلل و لا التساهل في ذلك على الإطلاق،و لا بد أيضا من النصح في ذلك،لأن الغش فيه معناه الجناية على نفس محترمة،و تعريضها للخطر الجسيم،الأمر الّذي يكشف عن نفس مريضة و حاقدة،لا تملك شيئا من الخلق الإنساني الرفيع،بل هي أقرب إلى النفس السبعية،الّتي لا تعرف إلاّ الإعتداء، و الظلم و الشر،بل هي أكثر بشاعة و خطرا منها،حينما يمتزج الظلم بالخداع،


1) الطب النبوي لإبن القيم ص 108/107. [1]

2) البحار ج 62 ص 74 [2] عن الدعائم،و مستدرك الوسائل ج 3 ص 127. [3]

3) البحار ج 62 ص 65 [4] عن السرائر.

و الإعتداء بالتدليس و تزييف البغيض المقيت.

2-و لا بد كذلك من تقوى اللّه في المريض،لأن بتقوى اللّه لا يبقى غش،و لا اعتداء،و لا تزيف،و لا يبقى أيضا تساهل،أو تعلل،و لا يبقى كذلك أي لون من ألوان الرذيلة في داخل الإنسان،و بتقوى اللّه يندفع الإنسان إلى القيام بواجباته الشرعية و الإنسانية على النحو الأكمل و الأفضل...و لاجل ذلك نلاحظ أنه(ع)قد قدم الأمر بتقوى اللّه على الأمر بالنصح،و بذل الجهد و ليس ذلك عفويا،بل هو متعمد و مقصود،و لا سيّما في توجيه الطبيب الّذي بيده راحة المرضى،فهو إذن بأمس الحاجة إلى هذه التقوى:حتّى لا يفرط فيما جعله اللّه مسؤولا عنه.

3-و بعد...فان«اللّه يحب عبدا إذا عمل عملا أحكمه»كما روي عنه(صلی الله علیه و آله)حينما لحد سعد بن معاذ (1)،كما أننا نجد في نصائح علي بن العباس:ان«على الطبيب أن يجد في معالجة المرضى،و حسن تدبيرهم، و معالجتهم،سواء بالغذاء أو بالدواء» (2).

النصح:حدوده و أبعاده:

و من الواضح:أن على الطّبيب أن يمتنع هو أولا عما يطلب من غيره الإمتناع عنه عند الحاجة،و ان يلتزم هو بالتوصيات قبل أن يطلب من غيره الإلتزام بها.

و إلاّ...فانه إذا لم يستطع أن يعالج نفسه قبل ان يعالج غيره،فانه يكون و لا شك غير ناصح لذلك الغير،بل هو اما يجري عليه بعض تجاربه الّتي


1) الفصول المهمة للحر العاملي ص 503. [1]

2) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457.

لم تصل بعد لديه إلى درجة النجاح،و اما أنه يعطيه دواءا يعلم هو أنه لا ينفعه، ان لم يكن فيه الكثير من الضرر له...اما لاجل أن يحصل منه و من أمثاله على المال،أو من أجل الحفاظ على الشهرة الفارغة و الصيت الأجوف،أو لغير ذلك من أمور.

و لا أقل من أن يفكر المريض و المراجع له هذا التّفكير،الّذي يملك كل المبررات الموضوعية و الاخلاقية،يقول أبو الأسود الدؤلي:

يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام و ذي الضنا كيما يصح به و أنت سقيم

و أما إذا كان الطبيب يجر الداء إلى نفسه،فان من الواضح أنه سوف لن يكون ناصحا لغيره،لانه لن يحب غيره أكثر من محبته لنفسه،و لن يستطيع أن يضر نفسه و ينفع غيره،و من هنا فان من حق كل أحد أن يشير إليه بأصابع الإتهام و الشّك،و قد روي عن عيسى(ع)هذا المعنى،قال(ع)في حديث:

«فإذا رأيتم الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاتهموه،و اعلموا:أنه غير ناصح لغيره» (1).

1-الرفق بالمريض 2-حسن القيام عليه:

و لا نرى أن ذلك يحتاج إلى بيان،و يكفي أن نذكر:أنه قد ورد في بعض النصوص التعبير عن الطبيب ب«الرّفيق»من الرفق،فعن علي(ع):

«كن كالطبيب الرفيق،الّذي يدع الدواء بحيث ينفع» (2).

و في رواية عن الرضا(ع)قال:«سمعت موسى بن جعفر(ع)،و قد


1) البحار ج 2 ص 107 ح 5 و [1]ج 73 ص 140،و قصار الجمل ج 2 ص 65 و ج 1 ص 197 عنه.

2) البحار ج 2 ص 53 [2] عن مصباح الشريعة،و قصار الجمل ج 2 ص 63 عن البحار.

اشتكى فجاء المترفقون بالأدوية،يعني الأطباء» (1).

و في بعض:النصوص:«أن اللّه عزّ و جلّ الطبيب،و لكنك رجل رفيق»و في نص آخر:«أنت الرّفيق و اللّه الطبيب» (2).

و من أولى من المريض بأن يكون موضعا للعناية،و الرفق،و المداراة، و مراعاة الجانب.

و قد روي:أن أمير المؤمنين(ع)قد قطع أيدي سراق،ثم قال:«يا قنبر،ضمهم إليك فداو كلومهم،و أحسن القيام عليهم»،و بعد أن برئت كلومهم كساهم ثوبين ثوبين،و خلى سبيلهم،و أعطى كل واحد منهم ما يكفيه إلى بلده،و زاد في نص آخر:أنه أمرهم أن يدخلوا دار الضيافة،و أمر بأيديهم أن تعالج فأطعمهم السمن،و العسل،و اللحم حتّى برئوا (3).

و عن الصادق(ع)في حديث:«فانك قد جعلت طبيب نفسك،و عرفت آية الصحة و بين لك الداء،و دللت على الدواء،فانظر كيف قيامك على نفسك» (4).

و عن علي(ع):«من كنت سببا في بلائه وجب عليك التلطف في علاج


1) الفصول المهمة ص 415. [1]

2) راجع:كنز العمال ج 10 ص 3 و 1 عن أبي داود،و عن أحمد،و أبي نعيم في الطب و إرشاد الساري ج 8 ص 360،و التراتيب الإدارية ج 1 ص 462.

3) التهذيب للشيخ ج 10 ص 125-127 ح 126 و 119 و 118،و الكافي ج 7 ص 264 و 286،و [2]الوسائل ج 18 ص 529 و 528 [3] عنهما،و مستدرك الوسائل ج 3 ص 239 [4] عن دعائم الإسلام.

4) ميزان الحكمة ج 5 ص 534 [5]عن تحف العقول ص 224 و [6]عن الوسائل ج 11 ص 122 و [7]عن الكافي ج 2 ص 454. [8]

دائه» (1)فعبّر بالتّلطف لما ذكرناه.

رفع معنويات المريض:

و إذا كان ضعف الإنسان و انهزامه نفسيا أمام المرض في بادىء الأمر يكون أمرا طبيعيا،بسبب شعوره بآلام و متاعب يجد نفسه عاجزا عن دفعها، و مواجهتها-إذا كان كذلك-فان من الطبيعي،أن يكون لرفع معنويات المريض،و بعث الثّقة في نفسه بالشّفاء أكبر الأثر في تقوّيه و سيطرته على المرض،و بالتّالي في شفائه منه،و التخلص من آثاره.

و أما الإنهزام النفسي أمام المرض،فانه يعود بأسوأ الأثار عليه،و يجعل من الصعب عليه التغلب على المرض،و مواجهة عوارضه،لان الإنهيار النّفسي يتبعه الإنهيار الجسدي المريع و الخطير دون شك.

و لذلك نلاحظ:أن الإسلام يهتم في تطييب نفس المريض بل يكون دور العلاج الجسدي بالنسبة للعلاج النفسي ثانويا للغاية،و مما يوضح لنا هذه الحقيقة الهامة:أننا نجد في بعض النصوص بعد محاولة ربط المريض باللّه تعالى،و افهامه أنه هو الشافي له و ليس سواه يشير إلى أن دور الطبيب هو أن يطيب نفس المريض،و يبعث الأمل في نفسه،فقد ورد:أن المعالج يسمى بالطبيب لانه يطيب بذلك أنفسهم (2).

بل لقد جاء أنه حتّى الّذي يقومون بعيادة المريض ينبغي لهم:أن يفسحوا له في الأجل،كما سيأتي.


1) غرر الحكم ج 2 ص 718. [1]

2) العلل للصدوق ص 525،و [2]روضة الكافي ص 88،و الوسائل ج 17 ص 176 عنهما، و البحار ج 62 ص 62 و 75 [3] عنهما أيضا و عن الدعائم،و الفصول المهمة ص 400، و طب الإمام الصادق(ع)ص 75 و [4]ميزان الحكمة ج 5 ص 532 من البحار. [5]

يتقي اللّه،و يغض بصره عن المحارم:

و لعل أكثر النّاس ابتلاء بالنّظر إلى ما يحرم في الأحوال العادية النّظر إليه،هم الأطباء...و واضح:أن الأمر بغض البصر عما يحرم النّظر إليه يبقى واجب الإمتثال حتّى تحكم الضرورة،فيجوز حينئذ النّظر بمقدار ما ترتفع به الضرورة.

فلو استطاع أن يعالج المريض علاجا صحيحا،استنادا إلى وصف المريض له ما يعانيه من اعراض،فانه يجب الإقتصار على ذلك،و لا يجوز النظر...و إذا استطاع أن يعالج بالنّظر إلى دائرة أضيق لم يجز له التعدي إلى ما زاد.

بل أنه إذا تمكن من المعالجة بواسطة النّظر في المرآة لم يجز التعدي إلى النّظر المباشر،و قد امرهم أمير المؤمنين بذلك بالنسبة للنظر إلى الخنثى كما سيأتي في الفصل التالي.

و بعد...فانه إذا استطاع أن يعالجه استنادا إلى النّظر لم يجز له التعدي إلى اللمس...و هكذا يقال بالنسبة إلى التعدي من اللمس القليل إلى الكثير هذا ان لم يمكن اللمس بواسطة.

و من هنا نجده(ع)يأمر الطبيب أول ما يأمره بتقوى اللّه،ثم بأن ينصح و يجتهد،فعن علي(ع):«من تطبب فليتق اللّه،و لينصح،و ليجتهد».

و لسوف نتحدث عن هذا الأمر أيضا في الفصل التالي إن شاء اللّه تعالى.

و أخيرا...فقد جاء في نصائح علي بن العباس:«و أن لا ينظر إلى النساء بريبة،سواء كان النّظر للسيدة،أم للخادمة،و لا يدخل إلى منازلهن إلا

للمداواة»و قال:«و عليه أن يكون رحيما،بريء النظرة» (1).

و جاء في قسم أبقراط:«و أحفظ نفسي في تدبيري على الزّكاة و الطهارة»إلى أن قال:«و كل المنازل الّتي أدخلها،إنّما أدخل إليها لمنفعة المرضى،و أنا بحال خارجة عن كل جور و ظلم،و فساد إرادي مقصود إليه في سائر الأشياء،و في الجماع للنساء و الرجال،الأحرار منهم و العبيد» (2).

تجويز الافطار للصائم و نحو ذلك:

و نجد بعض الأطباء،إذا جاءهم المريض في شهر رمضان مثلا،و كان صائما فانهم يبادرون إلى تجويز الافطار له،بل انهم يوجبون عليه ذلك في كثير من الأحيان مع عدم وجود ضرورة تقتضي ذلك...بل قد لا يكون هناك ضرورة أصلا...و مثل ذلك أمرهم له بالصّلاة من جلوس مع قدرته على القيام،و عدم الضرر فيه عليه،و ما أشبه ذلك.

و نحن لا بد و أن نشير هنا:إلى أن الطبيب يتحمل مسؤولية في ذلك أمام اللّه تعالى و لاجل ذلك،فان عليه أن يتروى فيه،و يحققه قبل أن يقدم عليه فلا يجوّز له الافطار أو الصلاة من جلوس مثلا لأسباب تافهة لا تقتضي ذلك إلاّ إذا احتمل الحاجة إلى ذلك احتمالا قويا،لأن المريض إنّما يجوز له ان يأخذ بقوله و يستند إليه على إعتبار أنه من أهل الخبرة،فلا بد و أن يستعمل خبرته في اكتشاف السبب الّذي يحتم عليه ذلك،و الّذي يعتمد عليه المكلف في عملية اكتشافه،و تشخيصه.


1) راجع:تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب كامل الصناعة الطبيّة الملكي.

2) عيون الأنباء ص 45. [1]

من وصايا الأهوازي:

و قال علي بن العباس الأهوازي:«على الطبيب أن يكون نظيفا،يخاف اللّه،عذب اللسان،حسن السلوك،و أن يبعد عن كل سوء،و كل مشين، و ان لا ينظر إلى النساء...الخ» (1).

و قد تقدمت مواصفات طالب العلم الطبي في الفصل السابق،فلا نعيد.

الدواء...و العلاج:

و أما بالنّسبة للدواء و العلاج،فيمكن أن يستفاد من النصوص:أنه كلما أمكن أن لا يتداوى الإنسان كلما كان ذلك أصلح له...و ذلك مثل ما روي عن أبي عبد اللّه(ع):«من ظهرت صحته على سقمه،فيعالج نفسه فمات، فأنا إلى اللّه منه بريء» (2).

و كتلك الروايات الّتي تؤكد على عدم تناول الدواء ما احتمل البدن الداء أو مع عدم الحاجة إلى الدواء (3).


1) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب كامل الصناعة الطبية الملكي.

2) الخصال ص 26 ج 1 و الفصول المهمة ص 404.و [1]سفينة البحار ج 2 ص 78 و [2]الوسائل ج 2 ص 629 و [3]طب الأئمة ص 61 و [4]البحار ج 81 ص 207 و ج 62 ص 64 و 65 [5] عن الخصال و عن علل الشرايع ج 2 ص 151 و 150.

3) الكافي ج 6 ص 382،و [6]المحاسن للبرقي ص 571،و مستدرك الوسائل ج 1 ص 82 و الفصول المهمة ص 404 و 442،و طب الإمام الصادق ص 75 عنه،و سفينة البحار ج 2 ص 78،و الوسائل ج 2 ص 630 و ج 17 ص 190،عن العلل و مكارم الأخلاق و غيرهما،و مجمع الزوائد ج 5 ص 86 عن الطبراني،و البحار ج 81 ص 207 و 211 و [7]ج 62 ص 63 و 64 و 65 و 66 و 260 و 269 و 287 و ج 66 ص 456 و في هامشه عن كثير ممن تقدم و عن الدعوات للراوندي،و مكارم الأخلاق ص 418 و [8]عن فقه الرضا ص 46 و [9]عن الشهيد رحمه اللّه و غير ذلك.

و كذلك الروايات الّتي تنهى عن الاضطجاع مع وجود القدرة على القيام (1).

و الّتي تقول:امش بدائك ما مشى بك (2).

و الّتي تقول:ليس من دواء إلاّ و يهيج داء و ليس في البدن أنفع من امساك اليد إلاّ عما يحتاج إليه (3).

و عن الكاظم(ع):«ادفعوا معالجة الأطباء ما اندفع الداء عنكم فإنه بمنزلة البناء قليله يجر إلى كثيره» (4).

و الّتي تقول:لا يتداوى المسلم حتّى يغلب مرضه على صحّته (5).

و الّتي تقول:شرب الدواء للجسد كالصابون للثوب،ينقّيه،و لكن يخلقه (6).


1) البحار ج 81 ص 204 و [1]مستدرك الوسائل ج 1 ص 82 عن النهج.

2) نهج البلاغة قسم الحكم رقم 26 و الوسائل ج 2 ص 630 و 629 [2] عنه و البحار ج 62 ص 68 و ج 81 ص 204 و [3]الفصول المهمة ص 404 و [4]سفينة البحار ج 2 ص 78.و [5]غرر الحكم ج 1 ص 112. [6]

3) روضة الكافي ص 273 و البحار ج 62 ص 142 و 68 و [7]ميزان الحكمة ج 3 ص 363 و 364 و الوسائل ج 2 ص 629،و [8]سفينة البحار ج 2 ص 78،و [9]مقدمة طب الأئمة للخرسان ص 4. [10]

4) البحار ج 62 ص 63 ج 81 ص 207 و [11]في هامشه عن علل الشرايع ج 2 ص 151 و 150 و [12]علل الشرايع ص 465 و [13]ميزان الحكمة ج 3 ص 363.

5) راجع:طب الإمام الصادق(ع)ص 75 عن الفصول المهمة،و مستدرك الوسائل ج 1 ص 82،و [14]الوسائل ج 17 ص 17 و [15]في هامشه عن الخصال ج 2 ص 153 فصاعدا و البحار ج 62 ص 70 و ج 81 ص 203 [16] عن الخصال أيضا ص 161،و تحف العقول ص 73 ح 400. [17]

6) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 300 و قصار الجمل ج 1 ص 209 عنه.

و أما شرب الدواء من غير علة،فلا ريب في أنه غير صالح،و أنه يعقب مكروها كما ورد في بعض النصوص،فعن الصّادق(ع):«ثلاثة تعقب مكروها:حملة البطل في الحرب في غير فرصة،و ان رزق الظفر،و شرب الدواء من غير علّة،و ان سلم منه...الخ» (1)،كما أنه قد ورد عنه(ع) قوله:«ثلاثة لا ينبغي للمرء الحازم أن يقدم عليها:شرب السم للتجربة، و ان نجا منه و إفشاء السر إلى القرابة...الخ» (2).

لا اسراف في الدواء:

و من الجهة الاخرى،فإن على الطبيب:أن لا يحاذر في إعطاء الدواء للمريض من أن ذلك قد يعدّ اسرافا،إذا وجد للدواء موضعا،كما ورد في بعض النصوص (3)مهما كان ذلك الدواء كثيرا،أو ثمنه غاليا،فان صحة الإنسان و سلامته أغلى من ذلك مهما بلغ...أما إذا لم يجد للدواء موضعا فان عليه أن يمسك،ليس لاجل أن ذلك يخلق البدن،و لانه يهيج داء فقط...

و إنّما لاجل ان ذلك يعدّ اسرافا أيضا...و قد جاء في بعض النصوص:

«ليس فيما أصلح البدن اسراف،إنما الاسراف فيما أتلف المال و أضرّ البدن» (4).


1) تحف العقول ص 237 و [1]البحار ج 78 ص 234 [2] عنه.

2) تحف العقول ص 238/237،و [3]البحار ج 78 ص 235 [4] عنه،و غرر الحكم ج 1 ص 365.

3) روضة الكافي ص 345،و الوسائل ج 11 ص 401 و ج 2 ص 629 و البحار ج 82 ص 53،و قصار الجمل ج 2 ص 63.

4) المحاسن للبرقي ص 312،و [5]طب الإمام الصادق ص 77 عن الفصول المهمة و [6]البحار ج 75 ص 304 و 303 و [7]ج 76 ص 75 و 81 و 82 عن كامل الزيارة،و عن المحاسن، و مكارم الأخلاق ص 57،و [8]التهذيب للشيخ ج 1 ص 376،و الكافي ج 6 ص 499،و [9]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 68،و الوسائل ج 1 ص 397 و 398. [10]

و عن علي(ع):«الكلام كالدواء قليله ينفع،و كثيره يهلك» (1).

و ذلك واضح و لا يحتاج إلى مزيد بيان.

عدم إطالة فترة العلاج:

و أما بالنسبة لإطالة فترة العلاج و عدمها،فيمكن أن يستفاد من النصوص المتقدمة الآمرة بعدم العلاج لمن ظهرت صحته على سقمه،و من قوله(ع):«ما من دواء إلاّ و يهيج داء»،و من قوله:«إن الدواء يخلق الجسم»،و غير ذلك مما تقدم تحت عنوان:«الدواء...و العلاج»،يمكن أن يستفاد منه:ان الشارع يرغب في الاسراع بالتخلص من هذا الوضع الاستثنائي و في عدم الإستسلام له.

كما و يستفاد ذلك بوضوح من قول أمير المؤمنين(ع)المتقدم،الأمر للطبيب بالإجتهاد في العلاج.

و مما تقدم من أن التّارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة و ذلك أن الجارح أراد فساد المجروح،و التّارك لاشفائه لم يشأ صلاحه...

الخ.

و واضح:أن إطالة فترة المعالجة من قبل الطبيب تنافي الإجتهاد فيه، كما أنها نوع من ترك شفاء المريض،و من عدم النصح له.

و بعد...فقد تقدم في نصائح الأهوازي قوله:«على الطّبيب أن يجد في معالجة المرضى،و حسن تدبيرهم،و معالجتهم...الخ».

و من ذلك الّذي لا يحب أن يتخلص من الألم و المرض بسرعة،لينصرف


1) غرر الحكم ج 1 ص 105. [1]

إلى تدبير أموره،و النّظر في شؤون معاشه و معاده؟!

و لماذا لا يحاول الطبيب مساعدته في هذا الأمر الّذي يرغب فيه، و يخلصه من الآلام الّتي يعاني منها؟!،و هل إطالة فترة المعالجة إلاّ منافية لما يحكم به العقل،و الشّرع و الوجدان؟!

فلسفة الدواء للمريض:

و ان مما يزيد في ثقة المريض بالطبيب،و بمعرفته بالعلاج الّذي يقدم على تجويزه له،و بالدواء الّذي يفترض في المريض أن يتجرعه،و يساعد بالتّالي على نجاح العلاج له...هو أن يفلسف الطبيب له-بنحو مّا-سرّ تجويزه هذا الدواء له،و يبين له بعض منافعه ليطمئن إلى أن هذا الدواء ان لم ينفع في دفع المرض عنه،فانه لن يضره جزما،مع قوة احتمال نفعه من الجهة أو الجهات الاخرى...و لقد رأينا النبي(صلی الله علیه و آله)و الائمة المعصومين(ع)من بعده يذكرون منافع الادوية الّتي يوصون مراجعيهم بتناولها في موارد كثيرة جدا،لا تكاد تحصر (1).

و قد قال علي(ع):«من لم يعرف مضرة الشيء لم يقدر على الإمتناع منه» (2).

كما أن للاعتقاد دور هام في تأثير الدواء،و دفعه للمرض...و لاجل ذلك نجد الإمام الصادق(ع)حينما يروي عن النبي(صلی الله علیه و آله)دواء لوجع الجوف، و يعترض عليه البعض:بأنهم قد بلغهم ذلك ففعلوه،فلم ينفع-نجده(ع)- يغضب و يقول:


1) راجع على سبيل المثال:الوسائل ج 17 ص 76 و 135 و 136 و هوامشها و البحار، و الفصول المهمة،و طب النبي(صلی الله علیه و آله)،و طب الأئمة،و غير ذلك كثير جدا.

2) غرر الحكم ج 2 ص 703. [1]

«إنّما ينفع اللّه بهذا أهل الإيمان به،و التصديق لرسوله،و لا ينفع به أهل النفاق،و من أخذه على غير تصديق منه للرسول» (1).

إطعام المريض عند إشتهائه:

و بعد...فقد جاء في فقه الرضا(ع)و غيره،في حديث قوله:

«...فإذا اشتهى الطعام،فأطعموه،فلربما فيه الشفاء» (2).

و لعل مردّ ذلك إلى أن الجسد ربما يكون قد بدأ يشعر بما يحتاج إليه و يحاول التعويض عن النقص الّذي يعاني منه،و معنى ذلك هو:أن مقتضيات الصّحة و العافية قد بدأت تتغلب على عوامل المرض فيه...و اذن...فلا بد من تلبية حاجة الجسد هذه،و عدم منعه عما يتطلبه.

و لعل إلى هذا يشير ما روي عنهم(ع):«إذا جعت فكل،و إذا عطشت فاشرب،و إذا هاج بك البول فبل،و لا تجامع إلاّ من حاجة،و إذا نعست فنم» (3).

فإذا لم يكن لدى المريض إشتهاء إلى الطعام،فان اكراهه عليه لن يكون مفيدا كثيرا،ان لم نقل:أنه لربما يؤدي إلى مضاعفات غير حميدة:نفسيا، و جسديا،و لاجل ذلك نجد بعض النصوص تقول:


1) البحار ج 62 ص 73 [1]عن دعائم الإسلام. [2]

2) مستدرك الوسائل ج 1 ص 96،و [3]البحار ج 62 ص 261 [4]عن فقه الرضا ص 46 و [5]راجع: كنز العمال ج 10 ص 7 و 46 عن إبن ماجة عن إبن عباس،و عن إبن أبي الدّنيا و عبد الرزاق عن عمر،و راجع البحار ج 81 ص 224 و مجمع الزوائد ج 5 ص 97 عن الطبراني،و سنن إبن ماجة ج 1 ص 463،و الطب النبوي لإبن القيم ص 84.

3) مستدرك الوسائل ج 3 ص 128. [6]

عنه(صلی الله علیه و آله):«لا تكرهوا مرضاكم على الطعام،فان اللّه يطعمهم و يسقيهم» (1).

و لعل المراد بأن اللّه يطعمهم و يسقيهم:أنه تعالى يلطف بهم،و يكيّف أجسادهم بحيث تقل حاجتها إلى الطعام و الشراب،الّذي ربما لا يستطيع الجسد أن يتكيف معه،بملاحظة مضاعفات المرض الّتي تلم به...و ليس ذلك على اللّه تعالى ببعيد.

لا يكلف المريض المشي:

و قد روي عن أبي عبد اللّه(ع):أن«المشي للمريض نكس» (2).

و لعل ذلك بملاحظة:أن الطاقة الّتي يفترض أن يصرفها البدن في التّغلب على المرض...يصرفها في تكلف المشي،ان لم يصرف تكلّفه هذا أزيد من المعتاد،بملاحظة الحالة الخاصة الّتي يعاني منها...و معنى ذلك:

أن ينتكس المريض،و يعطي الفرصة ليتغلب عليه،و يفتك فيه من جديد.


1) البحار ج 62 ص 142 [1] عن الدعائم و ص 273 عن السرائر،أبواب الأطعمة و الأشربة، و لم ينسبه له(صلی الله علیه و آله)،و طب الصادق ص 16 عن الدعائم،و مستدرك الحاكم،ج 1 ص 350 و 410،و تلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة،و كنز العمال ج 10 ص 27 عنه و عن الترمذي،و سنن البيهقي ج 9 ص 347 و مجمع الزوائد ج 5 ص 86 عن البزار و الطبراني في الأوسط،و نوادر الأصول ص 66 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 127، و [2]الطب النبوي لإبن القيم ص 71 و [3]الترمذي ج 4 ص 384 و مصابيح السنة ج 2 ص 95 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 666 و لسان الميزان ج 5 ص 319 و المجروحون ج 2 ص 292 و ليس فيه العبارة الأخيرة.

2) راجع:الوسائل ج 2 ص 632 و [4]روضة الكافي ص 291،و البحار ج 62 ص 266 [5] عنه، و طب الصادق ص 76؛و [6]سفينة البحار ج 2 ص 78. [7]

حمل الأدوية في السفر:

و الّذي يلاحظ الروايات الواردة في مجال الطب العام يجد انها لم تهمل أيا من الحالات الّتي يتعرض لها الإنسان عادة،و من جملتها حالة السفر، حيث امرت الرواية باستصحاب الادوية الّتي ربما يحتاج إليها للعوارض الّتي تترافق مع السفر عادة،و الّتي تنتج عن المتغيرات الّتي يتعرض لها الإنسان في مواجهة المناخات و الأجواء المختلفة،أو عن استخدامه لوسائل النقل المختلفة،هذا عدا عن ان بعض الأمراض لربما تظهر في بعض البلاد دون بعض.

نعم...و لاجل هذا نجد لقمان ينصح ولده-إذا أراد السفر-فيقول:

«تزوّد معك الأدوية فتنتفع بها أنت و من معك» (1).

و عن علي(ع)في وصف رسول اللّه(صلی الله علیه و آله):«طبيب دوار بطبه،قد احكم مراهمه،و أحمى مواسمه،يضع ذلك حيث الحاجة إليه،فتتبع بدوائه مواضع الغفلة،و مواطن الحيرة الخ» (2).

و في هذه الكلمة إرشارات لامور أخرى في هذا المجال تتضح بالتأمل.

العلاج بما يخاف ضرره:

و بعد كل ما تقدم...فانه إذا كان الطبيب يرى ان الدواء الفلاني يفيد


1) المحاسن للبرقي ص 360 و [1]البحار ج 76 ص 275 و 273 و [2] 270 عنه و عن دعوات الراوندي و مكارم الأخلاق ص 254 و [3]الوسائل ج 8 ص 311 و [4]الكافي ج 8 ص 303 و [5]من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 185.

2) نهج البلاغة الخطبة رقم 108. [6]

في دفع المرض و استئصاله لكنه يعلم ان له مضاعفات سيئة على المريض فان كانت هذه المضاعفات مما لا يتسامح العرف و لا الشرع بالإقدام عليها لم يجز له ذلك،و إلا جاز.و كذا الحال بالنسبة للمريض نفسه،فانه يجوز له تناول الدواء و ان كان يحتمل ضرره احتمالا لا يعتد به العرف و العقلاء...و يشير إلى هذا ما عن الدعائم،عن جعفر بن محمد(ع):«أنه رخص في الكي فيما لا يتخوف فيه الهلاك و لا يكون فيه تشويه» (1).

و عن يونس بن يعقوب قال:سألت أبا عبد اللّه(ع)عن الرّجل يشرب الدّواء و ربما قتل،و ربما سلم،و ما يسلم منه أكثر،قال:فقال:«أنزل اللّه الدواء،و أنزل الشفاء،و ما خلق اللّه داء إلاّ و جعل له دواء،فاشرب و سم اللّه تعالى» (2).

و عن يونس بن يعقوب،قال:قلت لابي عبد اللّه(ع):الرجل يشرب الدواء،و يقطع العرق،و ربما انتفع به،و ربما قتله،قال يقطع و يشرب (3).

و في هذا المعنى روايات اخرى أيضا (4).

حفظ الأسرار الطبية:

سيأتي في بحث عيادة المريض:البحث في أنه هل ينبغي للمريض كتمان مرضه أم لا؟و الّذي نريد:أن نشير إليه هنا هو كتمان الطبيب للأسرار الطبيّة،و لا بد من التكلم في ذلك من ناحيتين:

الأولى:أنه لا بد و أن يحفظ الطبيب سر المريض فلا يبوح به لإحد..


1) البحار ج 62 ص 74. [1]

2) الوسائل ج 17 ص 179/178 و [2]طب الأئمة ص 63. [3]

3) الوسائل ج 17 ص 177-178 و [4]روضة الكافي ص 194.

4) الوسائل ج 17 ص 176-179 و في هامشه مصادر اخرى.

و قد ورد في الشريعة المطهرة الحث على كتمان سر المؤمن.و وعد اللّه أن يجعل من يكتم سر أخيه المؤمن يستظل بظل عرش اللّه يوم القيامة،يوم لا ظل إلا ظله (1).

و عن عبد اللّه بن سنان قال:قلت له:عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ قال نعم،قالت:سفلته؟قال:ليس حيث تذهب،إنما هو إذاعة سره (2).

كما أنه إذا اطمأن المريض إلى ان سره محفوظ؛فانه يصير أكثر شجاعة على البوح للطبيب بكثير من الامور الّتي قد يكون لها أكبر الأثر،أو الأثر الكبير في معرفة حقيقة الداء،الأمر الّذي يسهل على الطبيب وصف المناسب و الناجع من الدواء..كما أنه يمكن أن تصدر من المريض الكثير من الأمور الّتي يحب أن لا يعلمها منه أحد.و هذا أمر طبيعي و واضح..

نعم...و قد أمر الشارع المريض بان لا يكتم الطبيب مرضه،لإن كتمانه إياه يجعل الطبيب غير قادر على فهم حقيقة ما يعاني منه مريضه من جهة..

هذا ان لم يكن ذلك سببا في ان يفهم غير ما هو الواقع؛فيصف له ليس فقط ما لا يجدي،بل و ما قد يضر بحالته و يكون له مضاعفات خطيرة جدا عليه من جهة اخرى..و ورد ان عليا(ع)أشار إلى الجهة الأولى بقوله:«من كتم مكنون دائه عجز طبيبه عن شفائه» (3).و عنه(ع):«لا شفاء لمن كتم طبيبه داءه» (4).


1) قصار الجمل ج 2 ص 179 عن الوسائل كتاب النكاح باب 12 حديث 3. [1]

2) اصول الكافي ج 2 ص 267 [2] ط.المكتبة الإسلامية و المحاسن ص 104 و [3]الوسائل ج 8 ص 408 و ج 2 ص 367 و [4]راجع هامشها.

3) غرر الحكم ج 2 ص 668. [5]

4) غرر الحكم ج 2 ص 833. [6]

و أشار إلى الجهة الثانية فقال(ع)فيما روي عنه:«من كتم الأطباء مرضه خان بدنه» (1).

و لقد جاء في القسم المنسوب إلى أبقراط:«...و أما الأشياء الّتي اعانيها في أوقات علاج المرضى،و اسمعها في غير أوقات علاجهم في تصرف الناس في الأشياء،الّتي لا ينطق بها خارجا،فامسك عنها،وارى ان أمثالها لا ينطق به..» (2).

و جاء في الوصية المنسوبة لأبقراط أيضا أن الطبيب:«ينبغي أن يكون مشاركا للعليل مشفقا عليه،حافظا للاسرار،لأن كثيرا من المرضى يوقفونا على أمراض بهم لا يحبون ان يقف عليها غيرهم» (3).

و قال علي بن العباس:«يجب على الطبيب ان يحفظ أسرار المريض، و لا يفشيها،لا لأقاربه و لا لغيرهم ممن يتصل به،لأن كثيرا من المرضى يكتمون ما بهم عن أقرب الناس إليهم،حتى والديهم،و يبوحون به للطبيب كأوجاع الرحم و البواسير...فعلى الطبيب ان يحافظ على سر المريض أكثر من المريض نفسه» (4)..

الثانية:كتمان أسرار الطب عمن يمكن ان يسيء استعمالها..و قد روي عن الصادق(ع)ان:«لكل شيء زكاة،و زكاة العلم ان يعلمه أهله» (5)


1) غرر الحكم ج 2 ص 663. [1]

2) عيون الأنباء ص 45. [2]

3) عيون الأنباء ص 47/46. [3]

4) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب كامل الصناعة الطبيّة الملكي.

5) البحار ج 2 ص 25 و قصار الجمل ج 2 ص 56 و [4]راجع أصول الكافي ج 1 باب سؤال العلم و تذاكره.

و في معناه غيره.

و عن علي(ع):«شكر العالم على علمه ان يبذله لمن يستحقه» (1).

و في البحار ج 2 روايات متعددة يستفاد منها هذا المعنى.

و واضح ان من يسيء استعمال العلم ليس ممن يستحق العلم،و لا هو من أهله و لعل من أظهر مصاديق هؤلاء العدو الغاشم،فلا بد من الإحتياط منه و عدم اطلاعه لا على الأدوية و لا على أسرارها؛فعن علي(ع):ثلاثة لا يستحى من الختم عليها:«المال فنفي التهمة،و الجوهر لنفاسته،و الدواء للاحتياط من العدو» (2).

و اما بالنسبة لغير العدو فقد قال علي بن العباس:أن على الطبيب ان«لا يجوّز لهم الدواء الخطر،و لا يصفه لهم،و لا يدل المريض على أدوية كهذه، و لا يتكلم عنها أمامه،و لا يجوز لهم الادوية المسقطة للجنين،و لا يدل عليها أحدا» (3).

و ما ذلك إلاّ لان الطب لم يكن إلاّ لخدمة الإنسانية،و التخفيف من آلامها،فإذا أسيء استعماله،و كان مضرا بالإنسان و بالإنسانية،فان الإنسانية تكون في غنى عنه،و ليست بحاجة إليه.

و قد جاء في القسم المنسوب إلى أبقراط:«و اما الأشياء الّتي تضر بهم، و تدني منهم بالجور عليهم فأمنع منها بحسب رأيي،و لا أعطي إذا طلب مني دواء قتالا،و لا أشير أيضا بمثل هذه المشورة.و كذلك أيضا لا أرى ان أدنى


1) البحار ج 2 ص 81 [1] عن كنز الكراجكي و قصار الجمل ج 2 ص 60.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 289.

3) تاريخ طب در إيران ج 2 ص 457 عن كتاب:كامل الصناعة الطبيّة المكي.

من النسوة فرزجة تسقط الجنين» (1).

تحري الدقة في اجراء الفحوصات:

و بعد..فان على الطبيب ان يتحرى الدقة التامة في مجال إجرائه الفحوصات للمريض،فان ذلك بالإضافة إلى انه من مقتضيات الأمانة؛فانه مما تفرضه المشاعر الإنسانية النبيلة بالنسبة لهذا الإنسان الّذي سلم أمره إليه، و علق الكثير من آماله عليه..و قد أشار أمير المؤمنين علي(ع)إلى ذلك حينما قال-فيما روي عنه-:«لا تقاس عين في يوم غيم» (2).و قد تقدم ما فيه إشارة إلى ذلك أيضا.

الثقة بالعلاج-التشويه:

و بعد فانه لم يرخص بالمعالجة بما يتخوف فيه الهلكة..فلا بد من الإطمئنان لصلاحية العلاج،كما أن على الطبيب الحاذق أن يحافظ على سلامة المظهر لمريضه،فلا يستعمل علاجا يوجب تشويها.

فعن جعفر بن محمد(ع):«أنه رخص في الكي فيما لا يتخوف منه الهلكة،و لا يكون فيه تشويه» (3).

من مواصفات الطبيب الحاذق:

و أخيرا..فقد ذكر البعض بعض.المواصفات الّتي يفترض بالطبيب الحاذق أن يراعيها و يهتم بها..و قد تقدم بعض ما يشير إلى نقاط منها...

و بقي أن نشير منها إلى ما يلي:


1) عيون الأنباء ص 45.و [1]الفرزجة:شيء يتداوى به النساء...

2) الوسائل ج 19 ص 280 و [2]التهذيب ج 10 ص 268 و الفقيه ج 4 ص 101.

3) دعائم الإسلام ج 2 ص 146. [3]

1-أن يعرف نوع المرض.

2-أن يعرف سببه.

3-معرفة المزاج الطبيعي للبدن.

4-معرفة المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعي.

5-سن المريض.

6-عادات المريض.

7-ملاحظة حالة الجو الحاضرة و ما ينسجم معها.

8-ملاحظة كونه في أي فصل من فصول السنة.

9-النّظر في إمكان المعالجة لتلك العلة،أو تخفيفها،أم لا يمكن.

10-ملاحظة بلد المريض و تربته.

11-النظر في إمكان المعالجة بغير الدواء،كالحمية و الغذاء و الهواء، ثم بالادوية البسيطة،ثم بالمركب...و هكذا...

12-النظر في الدواء المضاد لتلك العلة،ثم الموازنة بين قوته و قوة ذلك المرض،بالإضافة إلى قوة المريض نفسه.

13-ان يربط المريض باللّه،و اعتباره القادر على شفائه،و توجيهه نحو تصفية النفس،و الإخلاص له تعالى (1)...

انتهى ما أردناه من كلامه،مع تصرف،و زيادة،و حذف...و بعضه


1) الطب النبوي لإبن القيم ص 112-114.

يمكن استخلاصه مما تقدم و من غيره من روايات أهل البيت(ع)،أو يدخل في قواعد عامة صدرت عنهم صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين...

معالجة غير المسلم للمسلمين:

و لم يمنع الإسلام من مداواة اليهودي و النصراني للمسلم،فقد روي عن أبي جعفر(ع)،قال:سألته عن الرجل يداويه النصراني و اليهودي،و يتخذ له الادوية،فقال:لا بأس بذلك،إنما الشفاء بيد اللّه (1).

و عن عبد الرحمن بن الحجاج قال:قلت لموسى بن جعفر(ع):إني احتجت إلى طبيب نصراني،أسلم عليه،و أدعو له،قال:نعم،انه لا ينفعه دعاؤك (2).

و قد داوى رجل يهودي بعض الناس على عهد النبي(صلی الله علیه و آله)،و أخرج من بطنه رجراجا،كما تقدم (3)كما أن الحارث بن كلدة قد عالج بعض الصحابة بأمر من النبي-كما يقولون-مع أنهم يقولون:انه لا يصح ان الحارث قد أسلم،فراجع كتب تراجم الصّحابة،و المصادر المتقدمة في الفصل الأول من الكتاب.

و قال الشهيد في الدروس:يجوز المعالجة بالطبيب الكتابي،و قدح العين عند نزول الماء (4).


1) الوسائل ج 17 ص 181،و [1]البحار ج 62 ص 73 و 65 و [2]الفصول المهمة ص 439 و قصار الجمل ج 1 ص 209. [3]

2) الفصول المهمة ص 440،و [4]الوسائل ج 8 ص 457 و [5]قال في هامشه:«الأصول ص 615: [6]أخرجه عنه؛و عن كتب أخرى في كتب أخرى في ج 2 في 46/1 من الدعاء»انتهى.و قرب الإسناد ص 129 و [7]البحار ج 75 ص 389. [8]

3) تقدمت المصادر لذلك..

4) البحار ج 62 ص 65 و 288. [9]

و ذلك يدل بوضوح على أن الإسلام يهتم بالكفاءات أينما وجدت،و لأن ذلك لا يؤثر على عقيدة الإنسان المسلم،و لا في سلوكه،بل هو يساهم في إعادة السلامة و المعافاة له...الأمر الّذي يمكّنه من العودة إلى مجال الحياة و النّشاط فيها،و خدمة نفسه و مجتمعه على مختلف الأصعدة.

إلاّ إذا كان ذلك يوجب مودة لليهود و النصارى،و محبة لهم،تكون سببا في الانحراف عن الجادة المستقيمة،و الوقوع في مهاوي الجهل و الحيرة و الضياع..

الفصل الرابع: التمريض و المستشفى

اشارة

بداية:

و بعد..فقد حان الوقت لإعطاء لمحة سريعة عن المواصفات الّتي ينبغي توفرها في المستشفى من وجهة نظر إسلامية.

ثم الإشارة إلى علاقة الممرض بالطبيب و بالمريض..

و بعد ذلك محاولة التعرف على رأي الإسلام الصريح في تمريض و تطبيب الرّجل للمرأة و عكسه،و كذلك في تشريح الموتى،مع مراعاة الإختصار مهما أمكن..فان كل ذلك مما تمس إليه الحاجة بالفعل..ف:

إلى ما يلي من صفحات...

المستشفيات النموذجية:

اشارة

و بعد..فانه إذا كانت خدمة المريض،و القيام بشؤونه يوجبان الأجر الجميل،و الثواب الجزيل،حيث كان قريبا من اللّه،مستجاب الدعاء؛فلا بد و أن يكون في محيط يتناسب مع حالته المتميزة هذه..

و من الجهة الأخرى..فانه إذا كان المرض يجعل لدى المريض قابلية التفاعل ببعض التلوثات،و الأجواء الموبوءة،الأمر الّذي يحمل معه احتمالات مضاعفات غير مرغوب فيها في هذا المجال..فان من المحتم-و الحالة هذه- أن يكون المريض في محيط يتوفر فيه عنصر الوقاية الصحية؛و الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يؤثر عكسيا،بشكل مباشر،أو غير مباشر على المستوى الصحي له..

و إذا كان بحث الوقاية الصحيّة يعتبر من الموضوعات الإسلامية المتنوعة،و المتعددة الأبعاد،و ليست الإحاطة بها بالأمر السهل اليسير، و تحتاج إلى دراسة معمقة،و شاملة..فاننا لا يسعنا في هذه العجالة إلاّ أن نكتفي هنا بالإشارة إلى بعض النقاط الّتي ترتبط بالحالة العامة في المستشفيات،و شؤونها و أوضاعها المختلفة،و بعض مواصفاتها،بشكل موجز

و محدود؛فنقول:..

مواصفات المستشفى الإسلامي:

لقد ورد عن النبي الأعظم(صلی الله علیه و آله)ذكر لكثير من المواصفات المطلوب توفرها في محل السكنى و المنازل..و نستطيع أن نفهم من التأمل في الحكمة في اعتبارها و مطلوبيتها:أن توفرها في المستشفى الّذي يعالج فيه المرضى أكثر ضرورة و إلحاحا..كما سنرى..

و يمكن أن نجمل هذه المواصفات الّتي يمكن استخلاصها من الروايات على النحو التالي:

ألف:ما يرتبط بموقع المستشفى..

1-أن تكون بقعته حسنة اللون جيدة الموضع (1)..

2-أن يكون الهواء طيبا (2)..

3-أن يكون ثمة ماء غزير عذب،بحيث يقع النّظر عليه (3)..

4-أن يكون في بقعة،تربتها لينة رخوة (4)في مقابل الصلبة.


1) راجع:مكارم الأخلاق ص 126/125 و 253 و البحار ج 76 ص 265 عن المزار الكبير و ص 154 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 195 و الوسائل ج 8 ص 324 و الكافي ج 8 ص 349 و المحاسن ص 375.

2) راجع:تحف العقول ص 237 و البحار ج 78 ص 234.

3) راجع تحف العقول ص 237 و 306 و البحار ج 78 ص 234 و ج 62 ص 144 و ج 78 ص 320 و ج 10 ص 368 و المحاسن ص 622 و الخصال ج 1 ص 92 و الوسائل ج 3 ص 589 و ج 14 ص 38 و قصار الجمل ج 2 ص 287 و 328.

4) تحف العقول ص 237 و البحار ج 78 ص 234 و ج 76 ص 265 عنه و عن المزار الكبير و مكارم الأخلاق ص 253 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 195 و الوسائل ج 8 ص 324 و الكافي ج 8 ص 349 و المحاسن ص 375.

5-أن يكون كثير العشب و الاشجار،بحيث لا يقع النظر فيه إلاّ على الخضرة (1)..

6-أن لا يكون في منخفض من الأرض،كواد،و نحوه (2).

7-أن يكون في المدينة (3).

8-أن يكون بعيدا عن أماكن الضوضاء و الضجة،كالشوارع المزدحمة و نحوها (4).

9-جودة المنظر الطبيعي العام الّذي يشرف عليه (5).

10-هذا..بالإضافة إلى لزوم كون المحيط نقيا و سالما،فلا يكون في


1) الكافي ج 8 ص 349،و المحاسن للبرقي ص 375 و 14 و 622 و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 40،و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 195 و الوسائل ج 8 ص 324 و ج 3 ص 589 و ج 14 ص 38 و قصار الجمل ج 2 ص 287 و مكارم الأخلاق ص 253،و تحف العقول ص 306 و الخصال ج 1 ص 92 و ج 2 ص 58،و البحار ج 76 ص 265 و 141 و 322 و ج 62 ص 44،و ج 78 ص 320 عن المزار الكبير و غيره.

2) من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 193 و مكارم الأخلاق ص 267 و 265 و البحار ج 76 ص 265 عن المزار الكبير و الوسائل ج 8 ص 316 و 317 عن المحاسن للبرقي ص 364 و قصار الجمل ج 1 ص 316.

3) البحار ج 76 ص 277 عن دعوات الراوندي.

4) سيأتي بعض ما يدل على ذلك...

5) فقد روي عن علي(ع)قوله:و أعوذ بك من..و سوء المنظر في الأهل و المال.راجع نهج البلاغة بشرح عبده ج 1 ص 92،و مستدرك الوسائل ج 2 ص 26 و 27 و راجع: البحار ج 76 ص 293 و 236 و 237 و 242 و في هامشه عن أمان الأخطار ص 30 و غيره.

مرعى و بي،و لا في مشرب دوي،أي فيه داء،كما عن أمير المؤمنين(ع) (1).

باء:ما يرتبط بهندسة البناء بصورة عامة؛و نشير إلى:

1-أن يكون البناء حسنا (2).

2-أن تكون الهندسة جيدة،بحيث تقل العيوب فيه بصورة عامة (3).

3-أن تكون الغرف واسعة،و كذلك الدار-الساحة- (4).

4-أن لا يكون ثمة تماثيل و صور لذوات الأرواح،حتّى و لو في السقوف (5).

5-أن يكون مريحا و هنيئا (6).


1) البحار ج 66 ص 412 عن النهاية...

2) البحار ج 76 ص 141 و 176 و ج 79 ص 300 و راجع أمالي الطوسي ج 1 ص 281.

3) الخصال ج 1 ص 100 و معاني الأخبار ص 149 و البحار ج 76 ص 150 و في هامشه عن أمالي الصدوق ص 145.

4) الكافي ج 6 ص 526 و 525 و مكارم الأخلاق ص 125 و 126 و 438 و المحاسن ص 610 و 611،و [1]شرح النهج للمعتزلي ج 20 ص 341 و 276 و قرب الإسناد ص 37 و معاني الأخبار ص 149،و الخصال ج 1 ص 100 و 126 و 159 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 50 و الوسائل ج 3 ص 557-560 و ج 14 ص 24 و البحار ج 76 ص 154 و 288 و 148 حتى ص 155 و ج 79 ص 303 و 289 و ج 77 ص 46 و 53 عن نوادر الراوندي و عن أمالي الصدوق ص 45 و فقه الرضا ص 48.و اولين دانشكاه ج 2 ص 186 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 282 و 291 و قصار الجمل ج 1 ص 194 و 238.

5) البحار ج 76 ص 159 و المحاسن ص 612 حتى ص 621 و الكافي ج 6 ص 526-528 و الوسائل ج 3 ص 560-563 و مصابيح السنة ج 2 ص 93 و 94.

6) راجع المصادر الّتي قبل الحاشية الأخيرة...

6-أن يكون منظر كل شيء فيه مريح و مقبول (1)،لان ذلك يبعث البهجة و الارتياح في النفس.

7-أن يكون فيه مسجد (2)،و أن تكون بقعة المسجد سهلة الموطىء، طيبة الموقع (3).

8-أن يكون فيه حمام-شرط أن يكون في أكناف الدار (4).

9-أن يكون فيه بيت خلاء بشرط:

ألف:أن يكون في أستر موضع من البناء (5).

باء:أن لا يكون في مقابل الشمس و القمر،بحيث يستقبلهما المتخلي بفرجه (6).

جيم:أن لا يكون إلى جهة القبلة (7).


1) راجع كثيرا من المصادر الّتي سبقت لتعوذه(ع)حين سفره من سوء المنظر في الأهل و المال..و المصنف ج 11 ص 433 و ج 5 ص 154 و 155 و 159 و في هوامشه عن مصادر كثيرة جدا و نهج البلاغة ج 1 ص 92.و [1]في غرر الحكم ج 1 ص 63 عن علي(ع):المنزل البهي إحدى الجنتين.

2) المحاسن ص 612 و البحار ج 76 ص 161 و 162 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 87 عن سنن أبي داود..

3) المصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 510/509 عن علي(ع)و بهامشه عن إبن أبي شيبة 147/1 مخطوط.

4) الكافي ج 6 ص 529 و [2]الوسائل ج 3 ص 566 و المحاسن ص 609 و البحار ج 76 ص 151 و مكارم الأخلاق ص 128. [3]

5) توحيد المفضل،المطبوع مع أمالي الإمام الصادق ج 1 ص 205 و البحار ج 3 ص 76 و ج 80 ص 194.

6) البحار ج 80 ص 169 عن أمالي الصدوق ص 253 و 254.

7) المصادر لهذا كثيرة؛فراجع أي كتاب حديثي شئت.

10-أن تتسع الغرف لاكثر من سرير واحد (1).

11-أن لا يتم الإستعمال للمبنى و لغرفه،إلاّ بعد تجصيصه،و بعد وضع الأبواب و الستائر للغرف (2).و لا يكون فيه آثار الخراب.راجع:أولين دانشكاه ج 2 ص 186.

12-أن لا يزيد إرتفاع سقف الغرف-بل البناء مطلقا-على ثمانية أذرع (3)،و لا يكون عدة طبقات أيضا.

13-أن لا تكون الشرف و الميازيب ظاهرة إلى الطريق،فقد ورد أنه:

«إذا قام القائم(ع):...و وسع الطريق الأعظم،و كسر كل جناح خارج في الطريق،و أبطل الكنف و الميازيب إلى الطرقات» (4).كما أن عليا(ع)-كما روى-كان يأمر بالمثاعب و الكنف تقطع عن طريق المسلمين (5).

و المثعب:الميزاب،أو مسيل الحوض.و الكنف.جمع الكنيف،


1) حيث قد ورد النهى عن نوم الإنسان وحده؛فراجع:مشكاة الأنوار ص 319 و الكافي ج 6 ص 533 و 534،و المحاسن ص 398 و الوسائل ج 1 ص 232 و ج 3 ص 581-584 و ج 16 ص 528 و مكارم الأخلاق ص 437 و 436 و البحار ج 74 ص 21 و ج 76 ص 338 و 187 و ج 77 ص 51 و 46 و ج 80 ص 170 و 182 و 173 و الخصال ج 1 ص 125 و 93. ط.سنة 1389 و نقل عن ج 2 ص 102 في طبعة أخرى و قصار الجمل ج 1 ص 83 و 19 و ج 2 ص 120 و فقه الرضا ص 48 و عن الفقيه ج 2 ص 336.

2) الكافي ج 6 ص 533 و الوسائل ج 3 ص 577 و البحار ج 79 ص 304/303 و ج 76 ص 157 و في هامشه عن قرب الإسناد ص 90 و عن فقه الرضا ص 48.

3) المحاسن ص 408-510 و مكارم الأخلاق ص 126 و 127 و [1]الكافي في ج 6 ص 529 و الوسائل ج 3 ص 565-567. [2]

4) الإرشاد للشيخ المفيد ص 412 و [3]الوسائل ج 17 ص 347 و [4]أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 2 ص 193 و البحار ج 52 ص 333 و 339 و [5]الغيبة للشيخ الطوسي ص 283. [6]

5) المصنف لعبد الرزاق ج 10 ص 72.

و هو السقيفة أو الظلة تكون فوق باب الدار.

جيم:ما يرتبط بأوضاع المستشفى الدّاخلية،و نشير إلى:

1-أن تكون الغرف حسنة الترتيب،من حيث وضع الوسائل المحتاج إليها فيها (1).

2-نظافة كل ما يستعمله المريض من فراش،و لحاف و ثياب يلبسها و نحو ذلك (2).

3-كنس الغرف و تنظيفها،سواء من الوسخ،أو من حوك العنكبوت (3).

4-أن لا تبيت القمامة و التراب في الغرف خلف الباب مثلا،بل لا بد ان تخرج نهارا (4).

5-تنظيف أفنية المستشفى،و كل ما يتصل به من ساحات و مرافق،بل


1) راجع مكارم الأخلاق ص 126.

2) قرب الإسناد ص 34 و أمالي الطوسي ج 1 ص 281،و كنز الكراجكي ص 283 و الوسائل ج 1 ص 417 و في هامشه عن الفروع ج 2 ص 15 و البحار ج 76 ص 22 و 84 و 85 و 141 و 176 و ج 78 ص 93 و ج 79 ص 300 و 297 و في هامشه عن الخصال ج 2 ص 156 و 160 و غيره..

3) الوسائل ج 3 ص 571 و 574 و 575،و الكافي ج 6 ص 531 و 532 و مرآة الكمال للمامقاني ص 41،و المحاسن للبرقي ص 624 و [1]البحار ج 76 ص 314 و 315 و [2] 316 و 175 و 177 و ج 66 ص 176 و في هوامشه عن:قرب الإسناد ص 35 و عن الخصال ج 2 ص 93 و عن جامع الأخبار،و عن دعوات الراوندي و التراتيب الإدارية ج 1 ص 87.

4) الكافي ج 6 ص 531 و [3]المحاسن ص 624 و الوسائل ج 3 ص 571 و 572 و البحار ج 76 ص 177 و 175 و عن أمالي الصدوق ص 254،و راجع المصنف لعبد الرزاق ج 11 ص 32.

لقد اعتبر عدم نظافة الأفنية من التشبه باليهود (1).

6-أن لا يكون في السقوف صور،و لا يوضع في الغرف أي نوع من أنواع التّماثيل لذوات الأرواح،و قد تقدم..

7-أن تكون الثياب المستعملة في المستشفى لينة،لانها تسمن البدن، و يفرح بها الجسم (2).

8-أن لا يكون في المستشفى روائح كريهة (3).

9-أن تكون الاسرة بحيث يكون المريض مستقبل القبلة،نائما كان أو مستيقظا (4).


1) أمالي الطوسي ج 1 ص 281 و مكارم الأخلاق ص 126 و 127 و الكافي ج 6 ص 531 و الوسائل ج 3 ص 571،و المحاسن ص 624 و طب الصادق ص 76 عن الإثني عشرية، و رسالة آداب المتعلمين للمحقق الطوسي،بهامش جامع المقدمات ص 198 و البحار ج 66 ص 404 و ج 79 ص 300 و 303 و 304 و ج 76 ص 141 و 176 و 315 و 316 و 318 و في هامشه عن فقه الرضا ص 48 و عن دعوات الراوندي،و عن الخصال ج 1 ص 28 و 54 و ج 2 ص 93 و عن جامع الأخبار و غيرها.و أولين دانشگاه ج 2 ص 187 و 197 و 195 و الطب النبوي لإبن القيم ص 216 عن مسند البزار،و راجع النهاية ج 4 ص 147.

2) البحار ج 79 ص 299 و ج 76 ص 141 و ج 72 ص 190 و ج 62 ص 261 و 295 و في هوامشه عن:فقه الرضا ص 46 و عن الخصال ج 1 ص 74 و ج 2 ص 39 و عن طب المستغفري.

3) قرب الإسناد ص 13 و [1]أمالي الطوسي ج 1 ص 281،و الخصال ج 2 ص 620 و البحار ج 76 ص 84 و 119 و 176 و 141 و ج 79 ص 300 عن أمان الأخطار و غيره.و الوسائل ج 1 ص 434،و الكافي ج 56 ص 492 و فيه:رواجبكم.بدل روائحكم،و الرواجب هي:أصول الأصابع.

4) مشكاة الأنوار ص 204 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 76 عنه و عن لب اللباب،و عن كتاب الغايات و البحار ج 75 ص 469 و ج 77 ص 130 و تحف العقول ص 20 و قصار الجمل ص 106 ج 1.

10-أن يكون لكل مريض منديل يختص به (1).

11-أن لا يكون في الغرفة نار مشبوبة؟حين نوم المريض (2).

أضواء على بعض ما تقدم:

ان المحافظة على المريض،و ضمان عدم تعرضه لأية نكسة من أي نوع كانت،ثم تهيئة الأجواء الملائمة و المناسبة للاتجاه بالمريض نحو الصحة و السلامة..لا يمكن أن يكون سهلا و ميسورا كما ربما يبدو لأول وهلة،بل هو أمر صعب يحتاج إلى معاناة و إلى جد و عمل و مثابرة...و نحن في مجال إعطاء لمحة عامة عن بعض المواصفات الّتي تقدمت،و الّتي ينبغي توفرها في المستشفيات من وجهة نظر إسلامية..نشير إلى النقاط التالية:

1-أنه لا بد و أن يكون المستشفى في الموضع الّذي تشتد فيه حاجة الناس إليه،و يمكن أن نفهم هذا و رجحان تكثير المستشفيات أو الإستعاضة عنها بالمستوصفات العامة في الأماكن المختلفة،من الرواية المتقدمة في آخر الفصل السابق،و الّتي يأمر فيها لقمان إبنه،بحمل الأدوية معه في السفر، حتّى إذا احتاج أحد المسافرين إليها؛فانها تكون في متناول يده،الأمر الّذي يعكس مدى اهتمام الإسلام بصحة الناس و سلامتهم البدنية...

كما أننا يمكن أن نستفيد من ذلك:أن الإسلام يريد تعميم الطب، و تيسير الوصول إليه و الحصول عليه لكل أحد،في كل وقت،و دون مشقة..

و لا بد و أن نفهم من ذلك أيضا:أن الشارع يهتم في أن لا يكون في


1) فقد كان لامير المؤمنين(ع)خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ،ثم يعلقها على وتد،و لا يمسها غيره.راجع:المحاسن ص 429 و [1]البحار ج 80 ص 330. [2]

2) مكارم الأخلاق ص 128 و الوسائل ج 3 ص 577 و المصنف ج 11 ص 46 و في هامشه قال:أخرجه الشيخان و الترمذي 85:3.

المستشفيات أية تعقيدات إدارية تعيق المراجعين عن الوصول إلى الطبيب و إلى الدواء بالسرعة الممكنة..

2-كما أن بعض ما تقدم و ما سيأتي يجعلنا نبادر إلى القول:بأن المستشفيات لا بد و أن تخلو من كل ما يوجب سخط اللّه سبحانه و تعالى، و الحرمان من رحمته و غفرانه،لأن المريض يعيش الحالة الّتي هي رحمة إلهية،و كرامة ربانية،و من موجبات زكاة النفس،و الطهارة من الذنوب،كما صرحت به الروايات الكثيرة الّتي لا مجال لنقلها هنا...هذا من الناحية السّلبية.

و من الناحية الإيجابية فانه لا بد و أن تتوفر في هذه المستشفيات حالة روحية تنسجم مع ما أخبر عنه المعصومون بالنسبة لدرجات القرب،و الرحمة و الغفران للمريض،و لكل من يقوم بخدمته،أو يسعى لعيادته.كما سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى...

3-و بعد هذا...فلا بد من توفير عنصر الهدوء في المستشفيات،فلا ضجة،و لا ضوضاء فيها...الأمر الّذي يستدعي إضجار المريض،و إزعاجه و تبرمه،و هو من أحوج الناس إلى الراحة و الطمأنينة،هذا بالإضافة إلى وجوب توفر عنصر الرحمة له،و اللطف به،فلا يصح إثارة عواطفه و لا إغضابه...

و قد ورد عن أبي عبد اللّه الصادق(ع)قوله:«ثلاثة دعوتهم مستجابة:

الحاج،و الغازي،و المريض؛فلا تغيظوه،و لا تضجروه».أو«و لا تزجروه» (1)و قد ورد في القرآن الكريم الأمر بغض الصوت على لسان لقمان في نصائحه لإبنه:


1) أصول الكافي ط.المكتبة الإسلامية ج 2 ص 369،و البحار ج 81 ص 225 [1] عن عدة الداعي،و الوسائل ج 2 ص 637 و ج 4 ص 1162 [2] عن أصول الكافي.

وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ،إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (1).

و قد نعى القرآن أيضا على الّذين يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي(صلی الله علیه و آله)..و يستفاد هذا المعنى-أي حسن غض الصوت-من آيات أخرى كذلك...

يقول الدكتور پاك نجادر رحمه اللّه تعالى:«لقد أثبتت التجارب على الحيوان أن الضجيج يزيد من حساسيتها تجاه الميكروب،و يوجب مرض الكلى،و قرحة المعدة،بل يوجب الموت العاجل سواء بالنسبة للإنسان أو بالنسبة لغيره» (2).

و يقول:«قد ثبت لدى العلماء:أن السبب في ازدياد تناول الأقراص المهدئة للأعصاب هو الضجيج الناشىء عن الكثافة السكانية،و بالخصوص؛ فان وجود العمارات الشاهقة،و ناطحات السحاب له أثر حتمي في تحطيم الأعصاب» (3)..و يقول الدكتور هال:«يبدو أن السكنى في الطبقات العليا من البنايات لها مدخلية فيما يعانيه الساكن من غم و يأس.أما الّذين يعيشون في غرف لا منافذ لها،و لا يتصلون بالفضاء الخارجي إلا قليلا،فانهم يرتكبون خطأ أكبر» (4).

و ذلك يوضح عدم صحة كون المستشفى مؤلفا من طبقات عديدة؛فان ذلك يضر بحالة المريض،كما يضر من نواح أخرى لا مجال لها...و قد نهى الأئمة(ع)عن رفع البناء..فعن الصادق(ع)أنه قال:«إذا بنى الرجل فوق


1) سورة لقمان،الآية:19. [1]

2) أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 15 ص 162.

3) المصدر السابق ج 2 ص 184.

4) المصدر السابق ج 2 ص 182.

ثمانية أذرع نودي:يا أفسق الفاسقين أين تريد؟.و بمعناه غيره» (1).

كما أن ذلك يوضح ضرورة بعد المستشفى عن الأماكن،و الشوارع المزدحمة بالناس و بالسيارات،حيث العجيج و الضجيج،و يؤكد على لزوم كونه في مكان مطمئن و هادىء..كما أنه لا يمكن السماح بأي نوع من أنواع الضّجيج في داخل المستشفى،و لا سيّما في أوقات نوم المرضى،فان النّوم راحة الجسد (2)فلا بد من تمكين الجسد من التمتع بهذا القسط من الرّاحة.

4-لا بد و أن تكون غرف المستشفى بحيث تتسع لاكثر من سرير واحد، و ذلك لورود النهي الأكيد عن نوم الإنسان منفردا..و لا بد و أن يتأكد ذلك النهي بالنسبة إلى المريض الّذي يتعرض لحالات طارئة،بسبب مضاعفات المرض غير المتوقعة في أحيان كثيرة..الأمر الّذي يحتم وجود آخرين معه من المرضى أنفسهم،حيث لا يمكن السماح للأصحاء بالتّواجد معه في كثير من الأحيان..

كما أن الرّاحة النفسية للمريض تحتم سعة غرفته،وسعة السّاحة الّتي يشرف عليها،هذا عدا عن أن الحث على عيادة المريض يفرض أن تكون الغرف بحيث تتسع لاستقبال زائريه،من دون أن يضر ذلك بحالته،أو يؤدي إلى إضجاره و إزعاجه بأي نحو كان..كما لا بد للمريض من أن يشرف على فضاء أرحب،و تكون السّاحة الخارجية للمستشفى قادرة على تأمين ذلك بالإضافة إلى قدرتها على تأمين الإحتياجات الطبيعية لمؤسسة كهذه...

و الروايات تهتم كثيرا بالتّأكيد على لزوم السعة في المنزل،و في السّاحة...

5-لا بد من رسم أوقات للعيادة،بحيث تكون في كل ثلاثة أيام مرة،


1) المحاسن للبرقي ص 608 و [1]الوسائل ج 3 ص 566 و 565. [2]

2) طب الصادق ص 77 عن أمالي الصدوق.

مع مراعاة عدم إطالة فترتها-و سنشير إلى الروايات المرتبطة بذلك في الفصل الآتي إن شاء اللّه.

6-و بعد..فقد ورد في الروايات التأكيد الشديد على النّظافة، و اعتبرت من الإيمان...و أن اللّه يكره من عباده القاذورة..و قد ورد:أن غسل الثياب يذهب بالهم و الحزن (1)و عن علي(ع):«من نظف ثوبه قل همه» (2).

و معلوم:أن هذا الأمر-يعني الهم-سيء الأثر و العاقبة على المريض؛ إذ أن الهم نصف الهرم،كما عن علي(ع) (3)..و عن النبي(صلی الله علیه و آله):«من كثر همّه سقم بدنه» (4)..و عن الكاظم(ع):«كثرة الهم يورث الهرم» (5).

نعم..و قد أثبتت البحوث العلميّة صحة هذا الأمر،فان الهم يرهق الأعصاب و يترك أثرا كبيرا على نشاط الجسم و حيويته،و استمرار ذلك يؤدي إلى السقم و المرض...و تفصيل ذلك موكول إلى أهل الإختصاص في محله.

و أما بالنسبة لنظافة الغرفة،و جميع ما فيها من وسائل،و عدم إبقاء القمامة فيها ليلا..و كذلك نظافة السّاحات و الأفنية و المرافق،فقد ورد التأكيد عليها في كلامهم(ع)بالنسبة إلى بيت السكنى،و واضح أن تأكد ذلك بالنسبة للمستشفيات و المستوصفات أكثر وضوحا،ما دام أن ذلك يمس سلامة


1) البحار ج 76 ص 84 و 22 و [1]في هامشه عن الخصال ج 2 ص 156 و 160.

2) كنز الفوائد للكراجكي ص 283،و [2]البحار ج 78 ص 93 [3] عنه.

3) كنز الفوائد للكراجكي ص 287 و الخصال ج 2 ص 620 و البحار ج 78 ص 93 عن الأول.

4) أمالي الطوسي ج 2 ص 125 و [4]البحار ج 77 ص 126. [5]

5) تحف العقول ص 301 و [6]البحار ج 78 ص 326 [7] عنه.

المريض النفسية،هذا عدا عما له من آثار جسدية أيضا بملاحظة:أن التساهل و الإهمال في هذا الأمر لربما يكون له مضاعفات لا تحمد عقباها بالنسبة للمرضى الّذين يفترض الإهتمام بمعالجتهم،و بابعاد كل ما يمكن أن يحمل ميكروبا عنهم،لا بزيادة مشاكلهم،و متاعبهم و آلامهم..

7-و بعد هذا..فانه إذا كانت النار المتوقدة في الغرفة تساهم في تقليل كمية الأوكسيجين فيها،فان من الطبيعي أن يترك ذلك أثرا على تنفس المريض،حيث تقل كمية الأوكسيجين الّتي تصل إلى الجسم.و يمكن أن يترك ذلك أثرا سيئا على الحالة الصحيّة العامة للمريض،و يحدث له مشاكل و مضاعفات جديدة،كان في غنى عنها،و لعل هذا هو بعض السر في نهيهم(ع)عن النوم في الغرفة الّتي فيها نار مشبوبة.

8-و أما بالنسبة لكون المكان كثير العشب و الشجر (1)

و هذا كثير جدا..و هو يعطي حقيقة القيمة الّتي يعطيها الإسلام للشجرة حتّى ليهتم بتعويد النّاس على المحافظة على الشجر و الزرع و لو عن طريق وضع العقاب على المخالفة في ذلك،و حتّى في حال الحرب مع العدو.

..فان الأمر فيه واضح؛فعدا عن أن النظر إلى الخضرة من شأنه أن يبعث البهجة و الإرتياح في

1) ان اهتمام الإسلام بالشجر و الخضرة واضح جدا حتّى لقد حرم على الحجاج قطع شجر الحرم،و جعل عليهم الكفارة في ذلك..كما أن النبي(صلی الله علیه و آله)كان يوصي المقاتلين بأن لا يقطعوا شجرا،و لا يتلفوا زرعا..و في وصية علي(ع)لولده:«و ان لا يبيع من أولاد نخيل هذه القرى ودية،حتّى تشكل أرضها غراسا»قال الرضي:«و المراد:أن الأرض يكثر فيها غراس النخل،حتّى يراها النّاظر على غير تلك الصفة الّتي عرفها؛ فيشكل عليه أمرها،و يحسبها غيرها...»راجع نهج البلاغة [1]بشرح محمد عبده ج 3 ص 26.و قال تعالى: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ سورة سبأ،الآية:15.

النفس،و يجلو البصر..فان هذه الأشجار و الأعشاب بالذات هي الّتي تجعل الهواء طريا و صافيا،بالإضافة إلى أنها تغنيه بمادة الأوكسيجين الّتي تفرزها، و الّتي هي بمثابة الغذاء للجسم،و تصل إليه عن طريق التنفس و عن طريق خلايا الجسم الظاهرة،الّتي اهتم الإسلام بالمحافظة على قدرتها على القيام بوظيفتها عن طريق الأمر بالنظافة و الغسل،و غير ذلك من أمور ضرورية لذلك..

9-أما وضع الأسرة في المستشفى،بحيث يكون المريض مستقبلا للقبلة في مجلسه و في حال نومه..فانه هام أيضا؛حيث ان ذلك يمكّن الجسم-بسبب ملاحظة بعض التوازنات بالنسبة للدورة الدموية و للجاذبية و غيرها-من أن يحتفظ بذرات الحديد المتواجدة فيه في حالة متوازنة.و قد شرح ذلك المرحوم الشهيد الدكتور پاك نجاد في كتابه أولين دانشكاه و آخرين پيامبر،فراجع..

و حسبنا ما ذكرناه هنا..فان استقصاء الكلام في تلك الخصوصيات يحتاج إلى وقت طويل و تأليف مستقل،و غرضنا هنا هو الإشارة إلى بعض ذلك،لا كله..و للتوسع مجال آخر..

علاقة الطبيب بالممرض:

و أما عن العلاقة الممرض و الطبيب،فيجب أن تحكمها الرّوح الإسلاميّة و الإنسانية..

و على الطبيب أن لا يرهق الممرض،و يجعله يتضايق نفسيا،لان ذلك يمكن أن يؤثر على معاملته و أخلاقياته مع المريض،و بالتّالي على مستوى خدمته.له و نوعيتها.

كما أن على الممرض أن يحترم الطبيب،و يسارع إلى تلبية طلباته؛

لانها إنّما تكون من أجل المريض و في سبيله،و ليست طلبات شخصية له..

و إذا كان كل من الطبيب و الممرض يسعيان إلى هدف واحد،و هو إنقاذ المريض،و التخفيف من آلامه،ثم الحصول عن طريق ذلك على رضا اللّه سبحانه؛فلما ذا لا يتعاونان على الوصول إلى ذلك الهدف،الّذي يرضي اللّه، و الضمير،و الوجدان الإنساني؟!.

الممرض في المستشفى:

و بعد كل ما تقدم..فان العلاقة بين الممرض و المريض تصبح واضحة،و كذا السلوك العام للممرض في مختلف أحواله و مواقفه؛فان كل ذلك يجب أن يكون إسلاميا بكل ما لهذه الكلمة من معنى؛و ما ذلك إلاّ لان المريض-كما قدمنا-قريب من اللّه،و من رحمته و غفرانه،و هو مستجاب الدعوة،و ليس مرضه إلا كرامة ربانية،و رحمة إلهية.

و اننا بملاحظة ما تقدم و غيره نستطيع أن نشير إلى النقاط التالية:

1-إن على الممرض أن لا يزعج المريض و لا يغيظه،بل يحافظ على مشاعره،و يهتم براحته النفسية بكل ما أوتي من قوة و حول..و لا يحق له أن يزجره أو ينتهره بأي وجه..

كما أن عليه أن لا يضجره كذلك..و ذلك عملا بقول الصادق(ع):

«فلا تزعجوه و لا تضجروه»،أو«و لا تزجروه»..و عنه(ع):«إسماع الأصم من غير تضجر صدقة هنيئة» (1).و هذا يتأكد بالنسبة إلى الممرض الّذي ربما ينفد صبره أحيانا،بسبب المتاعب الّتي يتعرض لها في عمله.

نعم..و هذا هو ما تفرضه الأخلاق الإنسانية الفاضلة،و التعاليم الإلهية


1) البحار ج 74 ص 388 و [1]ثواب الأعمال ص 168.

الكريمة السامية،و تضافرت عليه النصوص و الآثار بالنسبة لغير المريض أيضا، فكيف بالنسبة إليه.

نعم و هكذا الحال بالنسبة إلى غير ذلك من أخلاق إسلامية و إنسانية، يفترض في كل مسلم أن يتحلى بها،و يعامل إخوانه المؤمنين على أساسها..

2-أن لا يكون ثمة تمييز بين الغني و الفقير-سواء في قبول المستشفى لهما،أم في العناية و الخدمات الّتي يفترض بالمستشفى و الممرض ان يقدمها لكل منهما،و قد تقدم ما يشير إلى ذلك في الفصل السابق.

3-أن يكون الممرض نظيفا حسن المظهر،بالإضافة إلى الإهتمام البالغ بالنظافة سواء بالنسبة للمريض،أو المستشفى بصورة عامة،ثم تصريفه لجميع الشّؤون المطلوبة منه،و الّتي يحتاج المستشفى إلى تصريفها بالسرعة الممكنة،و الإتقان و الجد اللازمين.

4-انه لا بد للذين يشرفون على المريض من أن لا يديموا النّظر إليه، و أن لا يسمعوه الإستعاذة من البلاء فان ذلك يجعله يلتفت إلى نفسه،و ما حاق بها من بلاء-و لا سيما إذا كان مبتلى بعاهة ظاهرة-و يعتبر أن هذا النظر إليه إنّما هو ليتجلى للناظر ذلك النقص الّذي يحب هو إخفاءه.و لا بد و أن يقايس هذا المبتلى بين النقص الّذي يحيق به،و بين كمال ذلك الناظر إليه،و هنا لا بد و أن يتملكه حزن عميق،و شعور قوي بالمرارة و الكآبة..

و قد«كان محمّد بن علي لا يسمع المبتلى الإستعاذة من البلاء» (1)و المراد بمحمد بن علي الإمام الباقر(ع).

و روي عن أبي عبد اللّه الصّادق(ع):«لا تنظروا إلى أهل البلاء؛فان


1) البيان و التبيين ج 3 ص 280 و 158 و [1]عيون الأخبار ج 2 ص 208. [2]

ذلك يحزنهم» (1).

و في نص آخر عن النبي(صلی الله علیه و آله):«اقلّوا النظر إلى أهل البلاء..أو:لا تديموا النظر»الخ... (2).

و في حديث آخر عنه(صلی الله علیه و آله):«لا تديموا النظر إلى المجذومين» (3).

و واضح:أن هذا لا يختص بالمشرفين على شؤون المريض،بل يعم كل ناظر إليه من غيرهم أيضا..و ان كان هؤلاء يتعرضون لهذا الأمر أكثر من غيرهم..

5-هذا..و لا بد من توفر عنصر حسن القيام على المرضى،و حسن معاملتهم،كما أمر به علي(ع)مولاه قنبرا،ثم الإهتمام بقضاء حوائجهم، فلا يكلفون القيام إليها بأنفسهم..و قد كان الإمام الباقر(ع)إذا أعتل جعل في ثوب،و حمل لحاجته-يعني الوضوء-و ذلك أنه كان يقول:ان المشي للمريض نكس،كما تقدم.

و بعد..فان المبادرة إلى قضاء حاجات المريض تستدعي حصول الرضا منه،و الدّعاء له منه،و سيأتي:أن دعاء المريض مستجاب،كدعاء الملائكة..هذا كله عدا عن أن ذلك يوفر له الراحة و الطمأنينة النفسية،الأمر الّذي يجعله أقوى على مواجهة المرض الّذي يلم به..كما هو معلوم..

و إذا كان المريض من أهل بيته؛فانه يكون أعظم قربة و أجرا عند اللّه


1) مشكاة الأنوار ص 28،و [1]البحار ج 75 ص 16 و [2]طب الأئمة ص 106 و قصار الجمل ج 1 ص 146. [3]

2) طب الأئمة ص 106 و [4]البحار ج 75 ص 15 و ج 62 ص 213. [5]

3) الطب النبوي لإبن قيم الجوزية ص 116 [6] عن إبن ماجة و في هامشه عن أحمد و الطيالسي،و الطبراني و البيهقي،و إبن جرير و التراتيب الإدارية ج 2 ص 342.

تعالى؛فعن النبي(صلی الله علیه و آله):«من قام على مريض يوما و ليلة بعثه اللّه مع إبراهيم خليل الرحمن،فجاز على الصّراط كالبرق اللامع» (1).

و روى علي بن إبراهيم في تفسيره،في قوله تعالى: إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قال:كان يقوم على المريض (2).

و عن الصادق(ع)،عن آبائه،عن النبي(صلی الله علیه و آله):«من سعى لمريض في حاجة،قضاها،أو لم يقضها،خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».فقال رجل من الأنصار،بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه،فان كان المريض من أهل بيته،أو ليس ذلك أعظم أجرا إذا سعى في حاجة أهل بيته؟قال:نعم (3).

و من الطبيعي:أن المريض يصير حساسا جدا،نتيجة لإحساسه بالضعف،و بحاجته إلى الآخرين؛فيتأثر،و يشعر بالمرارة لاقل شيء..كما أن النّاس الّذين يقومون عليه،إنّما يخدمونه و هم يرون فيه عبئا ثقيلا على كواهلهم..

و أما أولئك الّذين يكلفون بنظافته،و إبعاد القذارات عنه،فان إحساسهم بالتبرم و التضجر منه يزيد،و شعورهم بالقرف و الإشمئزاز من حالاته ينمو و يتعاظم..هذا بالإضافة إلى انفعالاتهم النفسية،تجاه معاناته للآلام و المصائب الّتي يرونها؛فمن يقوم على المريض يوما و ليلة؛فانه لا بد و أن


1) عقاب الأعمال ص 341 و الوسائل ج 11 ص 565 و [1]مستدرك الوسائل ج 1 ص 86 [2] عن اعلام الديلمي،و البحار ج 81 ص 225 و ج 76 ص 368. [3]

2) مستدرك الوسائل ج 2 ص 61. [4]

3) أمالي الصدوق ص 387 و [5]من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 10 و عقاب الأعمال ص 341 و الوسائل ج 2 ص 643 و ج 11 ص 565 و [6]البحار ج 81 ص 217 و ج 76 ص 368 و 336/335. [7]

يتحمل و يصبر،و يكبت عواطفه،و يتحمل المشقات الرّوحية و الجسديه، فيكون كإبراهيم الخليل،الّذي كبت عواطفه و تحمل المحنة في ولده الذبيح.

هذا..و قد ورد نص بالخصوص بالنسبة للسعي في قضاء حاجة الضرير؛فعن النبي(صلی الله علیه و آله):من كفى ضريرا حاجة من حوائج الدنيا،و مشى فيها حتّى يقضي اللّه له حاجته،أعطاه اللّه براءة من النفاق،و براءة من النار، و قضى له سبعين حاجة من حوائج الدّنيا،و لا يزال يخوض في رحمة اللّه حتّى يرجع (1).

هذا كله..عدا عن الرّوايات الكثيرة،الّتي تحث على قضاء حاجات المؤمنين و معونتهم،و تعد بالأجر الجزيل،و الثواب الجميل على ذلك..

و بعد فان ذلك هو ما تقتضيه الرّحمة الإنسانية،الّتي تنشأ عن رؤية عجز و ضعف الآخرين.و قد أشار الصّادق(ع)إلى ذلك-كما روي عنه-فقال:لا تنظروا في عيوب الناس كالارباب،و أنظروا في عيوبهم،كهيئة العبيد،إنما الناس رجلان،مبتلى،و معافى،فارحموا المبتلى؛و احمدوا اللّه على العافية (2).كما ورد أن اللّه إنما يقبل الصلاة ممن يتواضع لعظمته...إلى أن قال:و يكسو العاري،و يرحم المصاب (3)..

بقي أن نشير أخيرا إلى أنه لا مانع من أن تمرض المرأة الحائض،


1) أمالي الصدوق رحمه اللّه تعالى ص 387/386 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 9، و عقاب الأعمال ص 340،و الوسائل ج 2 ص 643،و [1]البحار ج 74 ص 388،و ج 76 ص 335 و 336. [2]

2) تحف العقول ص 225،و [3]البحار ج 78 ص 284 و [4]راجع ج 81 ص 173 عن دعوات الراوندي.

3) تحف العقول ص 226،و [5]البحار ج 78 ص 285 [6] عنه.

المريض (1)..و الّذي ورد النهى عنه هو أن تحضره حال احتضاره لا أكثر.

6-و بكلمة جامعة..لا بد أن يكون المحيط في المستشفيات و المستوصفات إنسانيا،و إسلاميا الهيا بكل ما لهذه الكلمة من معنى..و على ذلك..فلا بد من الإهتمام بالمحافظة على قواعد الشرع،و التوجيهات الواردة عن المعصومين-و قد تقدم بعضها-بدقة و أمانة في مختلف المظاهر و المجالات.

تمريض و معالجة الرجل للمرأة و العكس:

اشارة

و يواجهنا هنا سؤال،و هو:هل للرجل أن يتولى علاج،و تمريض المرأة؟و هل للمرأة ذلك بالنسبة للرجل أم لا،و إذا كان ذلك جائزا،فإلى أي مدى؟

و في مقام الإجابة على هذا السؤال نقول:

اننا إذا راجعنا أحاديث جواز النظر لكل من الرجل و المرأة إلى الآخر،مع الآية الكريمة إلا مرة بغض البصر من قبل كل منهما عن الآخر.فاننا نخرج بنتيجة:أن إختلاط الرجال بالنساء و عكسه،فضلا عن المعالجة و التمريض بالنظر أو باللمس أمر مرجوح و مرغوب عنه شرعا،و لكن لا بد لنا هنا من التكلم في ناحيتين:

الأولى:في مداواة المرأة للرجل.و نشير إلى:

1-اننا نجد في التاريخ:أنهم يذكرون:أن عددا من النساء كن يداوين المرضى و الجرحى،كما سنرى إن شاء اللّه.


1) الكافي ج 3 ص 138،و [1]البحار ج 81 ص 230،و [2]الوسائل ج 2 ص 595 و 671 و [3]في هامشه عن التهذيب ج 1 ص 121 و قرب الإسناد ص 129.

2-عن علي بن جعفر،عن أخيه(ع)قال:سألته عن الرجل يكون بأصل فخذه،أو اليته الجرح،هل يصلح للمرأة أن تنظر إليه،أو تداويه؟ قال:إذا لم يكن عورة فلا بأس (1).

و المراد هنا:العورة بالمعنى الأخص،لا ما كان عورة بالنسبة إلى الجنس الآخر،كما هو ظاهر.

3-قد تقدمت الرواية عن علي بن أبي حمزة،قال:قلت لابي الحسن(ع):المرأة تقعد عند رأس المريض-و هي حائض-في حد الموت؟ قال:لا بأس أن تمرضه؛فإذا خافوا عليه،و قرب ذلك؛فلتنح عنه و عن قربه؛فان الملائكة تتأذى بذلك (2).

و هذه الرواية هي العمدة.و لا يضر وجود علي بن أبي حمزة في سندها؛ لاننا نطمئن إلى أن الشيعة ما كانوا يروون عنه إلا أيام استقامته،أما بعد انحرافه و وقفه؛فقد كان الواقفة عند الشيعة منبوذين مبعدين كالكلاب الممطورة على حد بعض التعابير.و قد بحثنا هذا الموضوع في كتاب ولاية الفقيه في صحيحة عمر بن حنظلة،فليراجع.

و إحتمال..انصراف هاتين الروايتين إلى تمريض و مداواة النساء و المحارم للرجل..لا يمكن قبوله،لعدم الشّاهد على انصراف كهذا..

و لا سيما في رواية علي بن جعفر.

نعم يمكن أن يقال:أنه لا بد من حملها على صورة الضرورة،و أنه هو المنصرف منها،كما سيأتي في روايات معالجة الرجل للمرأة،على اعتبار:


1) قرب الإسناد ص 102/101 و [1]البحار ج 104 ص 34 [2] عنه،و الوسائل ج 14 ص 173. [3]

2) قد تقدمت المصادر لهذه الرواية آخر الحديث على عنوان:الممرض في المستشفى.

أن الحكم الأوّلي المشترك بين الرجل و المرأة،و الثّابت بالآيات و الروايات، مطلق،و لم يفرق بين تطبيب الرجل للمرأة و عكسه..

و يمكن أن يؤيد هذا الإنصراف بأنه لو كان هناك طبيبان أحدهما إمرأة و أمامهما رجل مريض،فلو تولت المرأة معالجته فان الناس ينتقدون ذلك، و يستنكرونه و يستغربونه.

و يمكن أن يؤيد ذلك أيضا بالرواية الآتية في النظر إلى الخنثى،حيث وافق الإمام(ع)فيها على عدم جواز نظر المرأة للرجل و عكسه،و حكم بلزوم النظر في المرآة..

إلاّ أن الإنصراف المذكور غير سليم عن المناقشة،فان التمثيل بالطبيبين الّذين أحدهما إمرأة لا يدل على ذلك،إذ من القريب جدا:أن يكون ذلك قد انغرس في أذهان الناس بسبب فتاوى العلماء على مر العصور،من دون أن يتصل بزمان المعصوم،فلا يكون ذلك كاشفا عن رأي الشارع..

و أما بالنسبة إلى الخنثى،فان الرواية المذكورة ناظرة إلى صورة النظر إلى العورة منها،و كلامنا إنما هو في النظر إلى ما سوى العورة..كما أن تلك الرواية لم ترد في بيان التكليف في مقام المعالجة أو التمريض،و إنما في مقام بيان الطريقة الّتي يتم بها التعرف على على حقيقة الخنثى لاجل الأرث..

و عدا عن ذلك..فاننا يمكن أن ندعي أن السيرة كانت قائمة في زمن النبي(صلی الله علیه و آله)و بعده على تولي النساء معالجة و تمريض الرجال..

فقد كان لرفيده خيمة في المسجد تعالج فيها المرضى،و تداوي الجرحى،و لما جرح سعد بن معاذ أمر النبي(صلی الله علیه و آله)أن يجعل في خيمتها حتّى

يعوده،و كان(صلی الله علیه و آله)يعوده في الصباح و المساء (1)..كما أنها كانت تداوي جرحى المسلمين يوم بني قريظة (2).

و قيل:ان كعيبة بنت سعيد الأسلمية كانت تكون لها خيمة في المسجد لمداواة المرضى و الجرحى،و كان سعد بن معاذ عندها تداوي جرحه حتّى مات.و هي أخت رفيدة (3)و لعل خيمتهما واحدة.

و كانت كل من:ليلى الغفارية،و أم كبشة القضاعية،و أم سلمة، و معاذة الغفارية،و أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط،و أم سليم،و ربيع بنت معوذ،و أم زياد الأشجعية في ست نسوة،و أم أيمن،و أم سنان الأسلمية،و أم عطية الأنصارية (4)كن كلهن يخرجن معه(صلی الله علیه و آله)في الغزوات لمداواة الجرحى،


1) سيرة إبن هشام ج 3 ص 250،و الإصابة ج 4 ص 302 و 303 [1] عن إبن إسحاق،و عن البخاري في الأدب المفرد،و في التاريخ بسند صحيح،و أورده المستغفري من طريق البخاري،و أبو موسى من طريق المستغفري و التراتيب الإدارية ج 2 ص 113 و ج 1 ص 462 و 454/453 [2] عمن تقدم،و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 311، و [3]المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 387 [4] عن الإصابة.

2) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 387 [5]عن نهاية الارب ج 17 ص 191. [6]

3) الإصابة ج 4 ص 396،و [7]التراتيب الإدارية ج 2 ص 113 و ج 1 ص 454. [8]

4) راجع فيما تقدم،كلا أو بعضا:التراتيب الإدارية ج 2 ص 113-116 و [9]مسند أحمد ج 5 ص 271 و 84 و ج 6 ص 407 و في ج 6 ص 358 عن إمرأة غفارية انها خرجت معه(صلی الله علیه و آله) لذلك،و قاموس الرجال ج 11 ص 33 و 48،و سنن البيهقي ج 9 ص 30،نوادر المخطوطات ج 1 ص 61 كتاب المردفات من قريش للمدائني و الإصابة ج 4 ص 402 و 301 و 433 و 487 و 454 و فيها عن أبي داود و النسائي،و إبن أبي عاصم، و الإستيعاب بهامش الإصابة ج 4 ص 311 و 472 و [10] 404،و أسد الغابة ج 5 ص 543 و 451،و [11]طبقات إبن سعد ج 8 [12] ترجمة أم سنان الأسلمية و ص 214 و 176،و صحيح البخاري ج 2 ص 97 ط.سنة 1309 و سنن الدارمي ج 2 ص 210،و سائر المصادر الّتي في الهوامش التّالية،و في تراجم المذكورات في كتب الرجال و المعجم الصغير ج 1

و معالجة المرضى..بل ان أم عطية قد خرجت معه(صلی الله علیه و آله)في سبع غزوات من أجل ذلك 1و امرأة أخرى خرجت معه في ست غزوات من أجل ذلك أيضا 2.

و عن أنس،قال:كان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)يغزو بأم سليم و نسوة معها من الأنصار،يسقين الماء و يداوين الجرحى 3.

و عن ربيع بنت معوذ:كنا مع النبي(صلی الله علیه و آله)نسقي و نداوي الجرحى،و نرد القتلى 4.و عن حشرج إبن زياد الأشجعي،عن جدته أم أبيه،أنها قالت:

أنها خرجت في خيبر مع خمس نسوة أخريات لاجل مداواة الجرحى و غير ذلك،فاسهم لهن(صلی الله علیه و آله)تمرا 5.

و عن أم سلمة،قالت:كان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)يغزو بنا نسوة من الأنصار نسقي و نداوي الجرحى 6.

و عن الزهري:كانت النساء تشهدن مع النبي(صلی الله علیه و آله)المشاهد،و يسقين

الماء و يداوين الجرحى (1).و مثل ذلك عن مالك في العتيبة (2).

و سئل إبرهيم عن جهاد المرأة،فقال:كن يشهدن مع رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)،فيداوين الجرحى،و يسقين المقاتلة (3).

و كتب إبن عباس في جواب نجدة الحروري:كتبت إلي تسألني:هل كان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)يغزو بالنساء؟و قد كان يغزو بهن،فيداوين الجرحى (4).

و عن يوم عماس يقول المسعودي و غيره:«و أقبل المسلمون على قتلاهم،فأحرزوهم،و جعلوهم وراء ظهورهم،و كان النساء و الصبيان يدفنون الشهيد،و يحملون الرثيث إلى النّساء،و يعالجونهم من كلومهم الخ..» (5).

فكل ذلك يكون مؤيدا لجريان السيرة على تمريض النساء للرجال،كما دلّ عليه خبر علي بن أبي حمزة،و علي بن جعفر..هذا..و لكننا نجد في مقابل ذلك:

1-ما رواه الطبراني من أن إمرأة من عذرة إستأذنت النبي(صلی الله علیه و آله)،أن


1) التراتيب الإدارية ج 2 ص 115 [1] عن عبد الرزاق.

2) التراتيب الإدارية ج 2 ص 116. [2]

3) مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 298 و في هامشه عن الشيخين بمعناه عن أنس و مسلم عن إبن عباس.و المنتقى ج 2 ص 768،و سنن إبن ماجة ج 2 ص 952.

4) الام للشافعي ج 4 ص 88،و صحيح مسلم ج 5 ص 197،و سنن البيهقي ج 9 ص 30، و مسند أحمد ج 1 ص 224:و 308 و [3]المنتقى ج 2 ص 768 عن أحمد و مسلم،و إبن ماجة،و الترمذي ج 4 ص 126 و [4]حلية الأولياء ج 3 ص 205.

5) مروج الذهب ج 2 ص 317.و [5]راجع:الفتوحات الإسلامية لدحلان ج 1 ص 114 و تاريخ الطبري ج 3 ص 58 و [6]الكامل لإبن الأثير ج 2 ص 477 و [7]العبر لإبن خلدون ج 2 قسم 2 ص 97 و 98.

تخرج في جيش كذا و كذا،فلم يأذن لها،فقالت:يا رسول اللّه،انه ليس أريد أن أقاتل،و إنّما أريد أن أداوي الجرحى و المرضى،أو أسقي المرضى؟!

قال:لو لا أن تكون سنة،و يقال:فلانة خرجت لأذنت لك،و لكن إجلسي (1).

و روي بهذا المضمون له(صلی الله علیه و آله)مع أم كبشة القضاعية (2)..

2-كما أنه(صلی الله علیه و آله)لم يأذن لأم ورقة الأنصارية بالغزو معه،لمداواة الجرحى،و تمريض المرضى (3).

و لكن الحقيقة هي:أن هذا لا يضر في دلالة كل ما سبق،بل هو مؤيد له،لأنه قد علل منعه لها في الأولى بأنه:لا يحب أن يكون ذلك سنّة،فهو لا يحب أن تجرى العادة على إخراجهن في الغزو كذلك،و لو لا ذلك لأذن لهن.

و أما بالنسبة لأم ورقة،فانه لم يظهر لنا الوجه في منعها،و لعله لخصوصية ترتبط بها،لا لأجل أن ذلك غير جائز للنساء مطلقا.

و هكذا..يتضح:أنه يمكن دعوى:أن السيرة كانت جارية في زمن الرسول على تمريض النساء للرجال..


1) مجمع الزوائد ج 5 ص 323 و قال:رواه الطبراني في الكبير و الأوسط،و رجالهما رجال الصحيح،و حياة الصحابة ج 1 ص 618 عن المجمع..

2) الإصابة ج 4 ص 487 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 115.

3) الإصابة ج 4 ص 505 و الإستيعاب بهامشها نفس الجلد و الصفحة،و التراتيب الإدارية ج 1 ص 47 عن طبقات إبن سعد،و عن السيوطي في المجمع،و عزاه لإبن راهويه، و أبي نعيم في الحلية،و البيهقي،قال:و روى أبو داود بعضه،و مسند أحمد ج 6 ص 605 و سنن أبي داود كتاب الصلاة ص 61.

إلاّ أن يقال:أن السيرة هذه لم تثبت إلاّ من طرق غير الشيعة،فلا حجية فيها و هو كما ترى.

أو يدعي اعراض المشهور عن خبري إبن أبي حمزة،و علي بن جعفر، و هو موجب-عند البعض-لضعف سندهما،و من ثم عدم الإقدام على الإفتاء بمضمونهما..أو حملهما على صورة الضرورة،و حمل ما تقدم نقله كله على هذه الصورة أيضا (1).و لعل لأجل هذا نجد:أهل الفتوى لا يفرقون-عموما- بين الرجل و المرأة في هذه المسألة كما سيأتي..كما أن الحمل على الضرورة أو غيرها و ملاحظة ما يرمي إليه الشارع في تحديداته للعلاقات بين الرجل و المرأة يستدعي الإقتصار على العجائز منهن،كما هو واضح.

الثانية:مداواة و تمريض الرجل للمرأة:

و قد تقدم:أن جسد المرأة كله عورة بالنسبة إلى الرجل،و ان كان النظر إلى بعض المواضع-كالعورة-أشد قبحا و مفسدة من النظر إلى البعض الآخر، كالذراع مثلا...

و من هنا..فان معالجة المرأة تنحصر في النساء أمثالها،فيجوز للمرأة أن تعالج المرأة،لكن يحرم عليها النظر إلى الفرج،إلاّ في مقام الضرورة، فيقتصر منها على ما تندفع به،فان أمكن الإكتفاء بالنظر في المرآة،لم يجز التعدي إلى النظر المباشر-كما سيأتي في رواية النظر إلى الخنثى-و ان لم يمكن إلاّ بالنظر المباشر جاز بمقدار الضرورة،زمانا،و كيفية،و لا يجوز الرجوع إلى الرجال مع وجود المماثل..و لأجل هذه الضرورة طلب


1) فقد حمل البعض الروايات المتقدمة عن الصحابيات على ذلك راجع،التراتيب الإدارية ج 2 ص 116 عن إبن زكري و القرطبي.

أمير المؤمنين(ع)من داية الكوفة أن تنظر إلى الجارية:أبكر هي،أم ثيب (1)،و روي مثله عن النبي(صلی الله علیه و آله) (2)إلاّ أن يقال:أن ذلك إنّما يتم باللمس و هو لا يلازم النظر».

ثم هناك ما يدل على قبول شهادة النساء فيما لا يحل للرجال النظر إليه، كالولادة و النكاح (3)،فراجع أبواب الشهادات في كتب الحديث و الرواية..

كما أنه إذا أمكن الإكتفاء بالنظر لم يجز التعدي إلى اللمس المباشر،مع عدم إمكان كونه من وراء ثوب و نحوه..إلى غير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه..

و يدل على عدم جواز مداواة الرجل للمرأة مع إمكان معالجة النساء لها..

1-ما عن علي بن جعفر،أنه سأل أخاه عن المرأة.يكون بها الجرح، في فخذها،أو عضدها،هل يصلح للرجل أن ينظر إليه،و يعالجه؟قال لا (4).

2-و عن علي بن جعفر عن أخيه(ع)،قال:سألته عن المرأة:لها أن يحجمها رجل؟قال:لا (5)..


1) و ان كان ليس في القصة تصريح بالنظر المباشر،و لكن ذلك هو الظاهر منها،فراجعها في:طب الإمام الصادق ص 19/18 و البحار ج 62 ص 168/167 و قال:ان ذلك قد رواه جم غفير من علمائنا كإبن شاذان و عن غيرهم كالاردبيلي المالكي.

2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 39.

3) راجع البحار ج 104 ص 321،باب شهادة النساء،و غيره [1]من الكتب..

4) قرب الإسناد ص 101 و [2]الوسائل ج 14 ص 173؛و [3]البحار ج 104 ص 34. [4]

5) قرب الإسناد ص 101،و [5]البحار ج 104 ص 34/33. [6]

3-بل لقد روي أن أمير المؤمنين(ع)سئل عن الصبي:يحجم المرأة؟ قال:إذا كان يحسن يصف،فلا (1).

و لعل نظره(ع)إلى كراهة أن يرى الصبي من المرأة المواضع الخفية إذا كان قد قارب البلوغ،و صار يحسن يصف..أو أنه ناظر إلى الحجامة في موضع يمنع عنه حتّى الصبي..

4-و يدل على ذلك الأخبار الدالة على الجواز في حال الإضطرار كما سنرى.

نعم لو اضطرت المرأة إلى أن يتولى الرجل معالجتها جاز ذلك،و لكن بمقدار ما ترتفع به الضرورة،فقد روي:

1-عن علي(ع)في المرأة يموت في بطنها الولد،فيتخوف عليها؟ قال:لا بأس أن يدخل الرجل يده فيقطعه،و يخرجه،إذا لم ترفق بها النساء (2)..

2-عن الباقر(ع):أنه سئل عن المرأة تصيبها العلل في جسدها، أ يصلح أن يعالجها الرجل؟قال:إذا اضطرت إلى ذلك فلا بأس (3).

و في نص آخر:سألته عن المرأة المسلمة،يصيبها البلاء في جسدها:

أما كسر أو جرح،في مكان لا يصلح النظر إليه،فيكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء أ يصلح له النظر إليها؟قال:إذا اضطرت إليه فليعالجها إن شاءت (4).


1) الوسائل ج 14 ص 172 و [1]الكافي ج 5 ص 534. [2]

2) البحار ج 82 ص 12 و ج 104 ص 36،و [3]قرب الإسناد ص 64 و [4]فروع الكافي ج 1 ص 155،و [5]الوسائل ج 2 ص 673 و [6]في هامشه عنهما و عن التهذيب ج 1 ص 98.

3) البحار ج 62 ص 74 [7]عن الدعائم.. [8]

4) الوسائل ج 14 ص 172 و [9]الكافي ج 5 ص 534. [10]

3-و يقال:أن الشمردل قال للنبي(صلی الله علیه و آله):إني كنت أتطبب فما يحل لي،فإنني تأتيني الشابة؟قال:فصد العرق،و تحسيم الطعنة،إن اضطررت الخ (1).

و أخيرا..فقد قال إبن إدريس في السرائر:«إذا أصاب المرأة علة في جسدها،و اضطرت إلى مداواة الرجال لها،كان جائزا..و قال العلامة قدس سره في المنتهى:يجوز الإسيتجار للختان،و خفض الجواري الخ» (2).

هذا..و لكن قال في العروة الوثقى:«يستثنى من عدم جواز النظر من الأجنبي و الأجنبية مواضع:«منها»مقام المعالجة،و ما يتوقف عليه من معرفة نبض العروق،و الكسر،و الجرح،و الفصد،و الحجامة،و نحو ذلك،إذا لم يمكن بالمماثل،بل يجوز المس و اللمس حينئذ» (3).

و قال:«إذا توقف العلاج على النظر دون اللمس،أو اللمس دون النّظر،يجب الإقتصار على ما اضطر إليه،فلا يجوز الآخر بجوازه» (4).

و قال نائب الإمام السيد الخميني،دام عزه و بقاه:«يستثنى من حرمة النظر و اللمس في الأجنبي و الأجنبية مقام المعالجة،إذ لم يمكن بالمماثل، كمعرفة النبض،إذ لم تمكن بآلة،نحو الدرجة،و غيرها.و الفصد، و الحجامة،و جبر الكسر،و نحو ذلك،و مقام الضرورة،كما إذا توقف استنقاذه من الغرق على النظر و اللمس.و إذا اقتضت الضرورة،أو توقف العلاج على النظر دون اللمس،أو العكس اقتصر على مقدار الضرورة،فلا


1) الإصابة ج 2 ص 156. [1]

2) البحار ج 62 ص 65. [2]

3) العروة الوثقى ص 626. [3]

4) العروة الوثقى ص 627. [4]

يجوز الآخر،و لا التعدي» (1).

و أما النظر إلى عورة غير المسلم و هم الّذين لا يهتمون عادة بالتستر، فيدخلون الحمامات بلا أزر-كما يفهم إجمالا أو أن ذلك هو القدر المتيقن- فليس فيه إشكال شرعي،كما نصت عليه الرواية المعتبرة (2).

النظر إلى الخنثى:

و أما بالنسبة للنظر إلى الخنثى فانه ينبغي الإجتناب عن النظر المباشر إليها لكل من الرجل و المرأة احتياطا للدين..فلو أمكن معالجتها بواسطة المرآة تعين ذلك.و أما بالنسبة إلى النظر إلى العورة؛مع عدم معرفة مماثلها،ليصار إليه،لا خفيّة المفسدة بالنسبة إلى نظر غير المماثل..فقد سأل يحيى بن أكثم الإمام الهادي(ع)،عن قول علي(ع):«ان الخنثى يورث من المبال»، و قال:فمن ينظر-إذا بال-إليه؟،مع أنه عسى أن تكون إمرأة و قد نظر إليها الرجال،أو عسى أن يكون رجلا و قد نظر إليه النساء،و هذا لا يحل.

فأجاب(ع):ان قول على حق،و ينظر قوم عدول؛يأخذ كل واحد منهم مرآة،و تقوم الخنثى خلفهم عريانة،فينظرون في المرايا فيرون الشبح فيحكمون عليه (3).

تشريح الموتى:

لقد منع الإسلام من الإعتداء على جسد الميت المسلم،بقطع رأسه؛


1) تحرير الوسيلة ج 2 ص 243. [1]

2) البحار ج 104 ص 42 و ج 76 ص 80 و [2]الوسائل ج 1 ص 365 و 366 و الفروع ج 6 ص 501 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 63 و مكارم الأخلاق ص 56. [3]

3) راجع:البحار ج 104 ص 359/358،و ج 61 ص 254،و [4]تحف العقول و [5]السؤال في ص 356 و الجواب في ص 359،و قضاء أمير المؤمنين(ع)ص 158/157 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 376. [6]

أو كسر عظمه،أو شق بطنه إلى غير ذلك من أنحاء الإعتداء،و قرر الدية و الارش في ذلك،و اعتبر،أن حرمته ميتا كحرمته حيا،بل أعظم.كما في بعض الروايات (1).

و هذا يعني:أنه لا يجوز ممارسة ما يسمى اليوم بالتشريح للميت،سواء أ كان لأجل التعلم،أو لأي سبب آخر،إلاّ إذا دعت الضرورة إلى ذلك؛فانها حينئذ تقدر بقدرها..

و يمكن أن يقال:

أن الروايات يمكن أن تكون ناظرة إلى التشريح،أو قطع العضو عدوانا و تشفيا،فلا تشمل التشريح لغرض عقلائي،كالتعلم مثلا..

و لكنه كلام لا يمكن قبوله:و ذلك لأمرين:

أحدهما:أن بعض النصوص قد قررت الكفارة على من جرح ميتا خطأ،مع أنه لا عدوان فيه إلاّ أن يقال:إن وجود الغرض الثلاثي كاف هنا (2)(فتأمل)..


1) راجع فيما تقدم:التهذيب للشيخ ج 10 ص 271 حتّى 274 و ج 1 ص 419، و الإستبصار ج 4 ص 275-298 و المحاسن للبرقي ص 305،و العلل للصدوق ص 543 باب 330 و الكافي ج 7 ص 348 و 349 و نقل عن ج 1 ص 302 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 117 و 118،و راجع:الوسائل ج 2 ص 875 و ج 19 ص 247-251 و المسالك أواخر الجزء الثاني،أواخر كتاب الديات،و البحار ج 81 ص 328 [1] عن قرب الإسناد ص 170 ط.نجف ص 130 ط.حجر و غير ذلك.

2) المسالك آخر كتاب الديات و التهذيب ج 10 ص 274 و الاستبصار ج 4 ص 299 و الكافي ج 7 ص 349 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 117 و العلل للصدوق ص 543 و المحاسن ص 306 و الجواهر ج 43 ص 385/384 و [2]مباني تكملة المنهاج ج 2 ص 423.

الثاني:ان التعليل بأن حرمته ميتا كحرمته حيا،لم يفصل فيه بين صورة التعليم و بين غيرها..فكما لا يجوز ذلك لأجل التعليم في حياته،فكذا لا يجوز ذلك في حال موته..إلاّ أن يجاب عن ذلك:بأن هذه الروايات ناظرة إلى الأعم الأغلب فلا يشمل التشريح الّذي هو فرد نادر أضف إلى ذلك:ان التشريح لأجل التعليم لم يكن موجودا في زمان المعصومين(ع):هذا كله..

عدا عن اننا لا نسلم أن التشريح للتعليم فيه هتك حرمة أصلا.

و أما الإستدلال على حرمة التشريح بأحاديث النهي عن المثلة،فهو لا يصح،و ذلك لأن النهي عنها يمكن أن يكون من أجل أن الغرض منها هو التشفي،و ليس هذا أمرا عقلائيا.بخلاف التشريح،فانه يتعلق به غرض عقلائي مطلوب و مرغوب فيه كالتعلم و نحوه..هذا بالإضافة إلى أن تجويز المثلة يستتبع أن يقدم العدو على مثل ذلك بالنسبة إلى الشهداء من المسلمين، فيكون سببا لهتك حرمتهم،و هو أمر مرغوب عنه شرعا،مع عدم ترتب فائدة معقولة على ما كان سببا أو داعيا له كما قلنا..

بقي أن نشير إلى أنه قد ورد في بعض النصوص:أن حرمة«المؤمن»أو «المسلم»ميتا كحرمته حيا (1)،أما باقيها،فعبرت ب«الميت»و«رجل ميت»و نحو ذلك..و لم تذكر:أنه مؤمن أو مسلم..فيحمل المطلق منها على المقيد..كما أنه يمكن دعوى انصراف سائر الروايات إلى خصوص الميت من المسلمين،لأنه هو محل ابتلائهم،و هو الّذي يعنيهم السؤال عنه..

و عليه فلا يشمل جثة من لم يكن مسلما حتّى و لو كان ذميا..و ما ورد من


1) التهذيب ج 10 ص 272 و ج 1 ص 419،و الإستبصار ج 4 ص 297،و الوسائل ج 19 ص 251 و [1]في هامشه عنهما و عن الكافي ج 1 ص 302

وجود الدية في الذمي،أو الارش في أعضائه..فإنما هو حق جعل له من أجل حفظ حياته،و عدم حصول فوضى في المجتمع،نتيجة للإعتداء عليهم،كما تشير إليه موثقة سماعة،الّتي تثبت الدية في قتل الذمي (1).

أما بعد موته،فلا فرق بين جثته و بين غيرها من غير المسلمين..

إلاّ أن يتمسك بعموم التعليل،ليشمل كل من كان له حرمة في حال الحياة،حتّى الذمي مع عدم التفات إلى ما ذكرناه،من أن ذلك حق له،لا أكثر،و لا أقل،و لعل ذلك هو الدّاعي لصاحب القواعد لأن يعتبر أن«فيه عشر دية الحر الذمي» (2)..

و لكن ما ذكرناه هو الأظهر و الأقرب..

أما بالنّسبة للكافر المحارب للإسلام و للمسلمين،و المعاهد،فلا حرمة له حيا،فلا تكون له حرمة بعد موته،فلا مانع من تشريحه لأي غرض كان، و لا دية،و لا إثم فيه..


1) الوسائل ج 19 ص 163 و في هامشه عن التهذيب ج 10 ص 188 و الإسبتصار ج 2 ص 270.

2) الجواهر ج 43 ص 389 و [1]في هامشه عن:إيضاح الفوائد في شرح القواعد ج 4 ص 729 و فيه:«الذمي الحي»مكان:«الحر الذمي»..

الفصل الخامس: المريض و عواده

اشارة

في أجواء عيادة المريض

اشارة

و بعد..فاننا لا نرى حاجة إلى التذكير بما لعيادة المريض من فضل عند اللّه تعالى..و بما لها من آثار نفسية على المريض،و على كل من يلوذ به،بل و على العائد نفسه..

و بديهي:أن هذه الآثار ستنعكس-إيجابيا-في المستقبل على واقع التّعامل فيما بينهم،و على صميمية العلاقات و صفائها..

و يمكن استجلاء بعض هذه الآثار من دراسة الواقع الّذي يعاني منه المريض،و ذووه معه،و انعكاسات ذلك الواقع عليهم إيجابا أو سلبا.

و بملاحظة هذه المعاناة و انعكاساتها نعرف:أنه لا بد و ان يكون الإنفعال و التأثير في أجواء العيادة متناسبا و منسجما معها إلى حد بعيد..

و نحن لا نريد أن نفيض في الحديث في هذا المجال،و إنّما نكتفي بهذه الإشارة،و نترك المجال للقارىء الكريم فيما لو أحب التعمق و الإستقصاء..

و أما نحن فنسارع إلى الدخول في التحديد للمواصفات الّتي لا بد و أن يلاحظها كل من المريض،و زائريه..و نلاحظ مدى الدّقة في تنظيم العلاقة

بين المريض و بينهم.حيث تعرضت الروايات لمختلف الخصوصيات في هذا المجال،و قد تقدم أن من أطعم المريض شهوته أطعمه اللّه من ثمار الجنة و تقدم النهي عن إزعاجه،و النهي عن إضجاره،و غير ذلك مما لا مجال لاعادته..و الّذي نريد أن ننبه عليه هنا نستطيع أن نجمله في ضمن النقاط التالية..

إعلام المريض إخوانه بمرضه:

لقد ورد في بعض الروايات المعتبرة عن أبي عبد اللّه(ع):«أنه ينبغي للمريض أن يؤذن إخوانه بمرضه،فيعودونه،فيؤجر فيهم،و يؤجرون فيه..

قال:فقيل له:نعم،فهم يؤجرون فيه بممشاهم إليه،فكيف يؤجر هو فيهم،فقال:بإكتسابه لهم الحسنات فيؤجر فيهم،فيكتب له بذلك عشر حسنات،و يرفع له عشر درجات،و يمحى بها عنه عشر سيئات» (1).

إذنه لعواده بالدخول عليه:

كما و أنه ينبغي للمريض أن يأذن للناس بالدخول عليه،من أجل أن يروا ما هو فيه فيخصونه بدعواتهم،فانه ليس من أحد إلاّ و له دعوة مستجابة..

و المراد بالناس على ما جاء في بعض النصوص هم الشيعة.. (2).

هذا..و لا بد من الإشارة إلى أن الدعوات الخالصة لا تكون إلاّ عن رضا و محبة،و ذلك يستدعي أن تكون السمعة و الروابط فيما بينهم على درجة من الحسن،و الصفاء،و السلامة..كما أن ربط الآخرين بالمريض،


1) الكافي ج 3 ص 117،و [1]السرائر ص 482،و البحار ج 81 ص 218 [2] عنه،و الوسائل ج 2 ص 632 و [3]مكارم الأخلاق ص 235. [4]

2) طب الأئمة ص 16،و الكافي ج 3 ص 117،و الوسائل ج 2 ص 633،و البحار ج 81 ص 218.

و تحسيسهم بمشاكله،و إحساسهم بضعفة يجعلهم أكثر ارتباطا به،و يجعل إحساسهم بالضعف أمام اللّه أعظم..ثم يكون الإعتبار بما يرون غيرهم قد ابتلي به،مع عدم ضمانة واقعية لهم تكفل عدم تعرضهم لابتلاء مشابه-يكون هذا الإعتبار-أكثر عمقا،و أبعد أثرا..

استحباب عيادة المريض:

لا ريب في أن عيادة المريض محبوبة مطلوبة للّه تعالى،و مستحبة شرعا،و قد ورد عن الصادق(ع):«أن من عاد مريضا شيعه سبعون ألف ملك؛يستغفرون له حتّى يرجع إلى منزله» (1).

و الأخبار في هذا المجال كثيرة،لا مجال لاستقصائها،فمن أرادها فليراجعها في مظانها من كتب الحديث،كالوسائل ج 2،و البحار،و غير ذلك.

عيادة من لا يعود:

بل لقد ورد الأمر بعيادة الأشخاص الّذين لا يعودون:فقد روي عن النبي(صلی الله علیه و آله)قوله:«عد من لا يعودك،و اهد من لا يهدي لك» (2).

حد القصد إلى عيادة المريض:

و لربما يمكن أن يقال:أن قول النبي(صلی الله علیه و آله)لعلي(ع):«سر ميلا عد مريضا» (3)يستفاد منه عدم مطلوبية ذلك فيما فوق ميل..

و لكننا بدورنا لا نوافق على هذه الإستفادة؛و نرى:أن من القريب


1) الوسائل ج 2 ص 634،و [1]فروع الكافي ج 1 ص 120. [2]

2) ميزان الحكمة ج 9 ص 129 عن كنز العمال الحديث رقم 25150.

3) البحار ج 77 ص 52 و ج 74 ص 83 عن نوادر الراوندي ص 5 و [3]فقه الرضا ص 48 و مكارم الأخلاق ص 437،و مستدرك الوسائل ج 2 ص 22.

جدا،أن يكون المراد السير على الاقدام و نحوه،فهو كناية عن مطلوبية تحمل المشقة في هذا السبيل،و لو بأن يسير الإنسان ميلا،و ليس في مقام تحديد المسافة الّتي تستحب منها العيادة..و اذن..فحيث تتوفر الوسائل لعيادة المريض و لو بأن يسير أميالا بالسيارة مثلا،فان ذلك يكون مطلوبا و محبوبا،بل يزيد محبوبية كلما زادت المشقة في ذلك..

لا عيادة على النساء:

و أما بالنسبة لخروج النساء إلى عيادة المريض،فانه غير مطلوب منهن، و لا أمرن به،فقد ورد أنه:ليس على النساء عيادة (1)..و لعل ذلك يرجع إلى أن الشّارع يرغب في تقليل اختلاط الرجال بالنساء،حفظا للمجتمع من كثير من المتاعب،الّتي ربما تنشأ عن أمر كهذا..و من أجل ذلك نجد الزهراء(ع) ترجح للمرأة:أن لا ترى الرجل،و لا الرجل يراها،كأسلوب أنجح في مقاومة كل مظاهر الإنحراف،و لو بعدم المساهة في إيجاد محيط يساعد عليه..فهو لا يريد أن يقطع اليد الّتي تسرق،و إنّما يريد أن يهيء الظروف الّتي تمنع حتّى من التفكير بالسرقة،الّتي تؤدي إلى قطعها..

العيادة كل ثلاثة أيام:

و قد لاحظنا:أن الروايات الواردة عن المعصومين(ع)لم تصر على تكثير العيادة للمريض،فلم تجعل العيادة له في كل يوم،بل هي توصي بأن تكون في كل ثلاثة أيام مرة:بل عن الصادق(ع):«لا تكون العيادة في أقل من ثلاثة أيام،فإذا وجبت فيوم،و يوم لا،فإذا طالت العلة ترك المريض


1) مستدرك الوسائل ج 1 ص 97/96 و [1]الخصال ج 2 ص 585 و البحار ج 81 ص 224 و 215 و 228 و ج 82 ص 79 و ج 77 ص 54 و في هامشه عن الخصال ج 1 ص 218 و 97 و ج 2 [2]عن الخصال ج 1 ص 218 و 97 و ج 2 ص 145 و عن مكارم الأخلاق ص 500 و [3]عن دعوات الراوندي،و عن الدعائم.

و عياله» (1).

و في نص آخر عن النبي(صلی الله علیه و آله):«أغبوا في العيادة و أربعوا إلاّ أن يكون مغلوبا» (2).

فالمراد من هذه الرواية هو:أنه إذا كان المريض غير مغلوب،فتأخروا في عيادته...أما إذا كان مغلوبا فانه يعاد يوما،و يوما لا،حسبما ورد في الرواية الأولى..و يؤيده ما ورد في ذيلها أيضا.

لكن العلامة المجلسي رحمه اللّه يرى:أن المراد:أنه إذا كان مغلوبا فينبغي أن يترك المريض و عياله،كما في الرواية الأولى.و المراد بأغبوا:

العيادة له يوما و تركه يوما (3).

و نحن نستبعد ما ذكره،فانه إذا كان مغلوبا،فان العيادة تتأكد،كما هو مقتضى الطبع و الذوق و السليقة..و أما إذا طالت العلة،فانه أمر آخر:

و يناسب ان يترك المريض و عياله،ليمكن لهم مباشرة خدمته،و تحمل مشقاتها،فلا يزيد في إحراجهم،كما أن المريض نفسه لا يرى نفسه عبئا على غيره،و لا يضطر لأن يتطلب من عياله ما ربما لا يكون لديهم ميل إلى تحمله


1) الكافي ج 3 ص 117 و [1]الوسائل ج 2 ص 638 و [2]سفينة البحار ج 2 ص 285 و [3]مستدرك الوسائل ج 1 ص 84 و [4]البحار ج 81 ص 226 و [5]في هامشه عن مكارم الأخلاق ص 414. و [6]قد احتمل البعض:أن المراد:أن العيادة لا تكون في مرض لا يستمر ثلاثة أيام.. و لكن هذا الإحتمال في غير محله،و لا سيما بملاحظة ذيل الرواية،و بملاحظة رواية، أغبوا في العيادة و أربعوا،فانها ظاهرة فيما ذكرناه.

2) أمالي الطوسي ج 2 ص 253 و [7]مستدرك الوسائل ج 1 ص 84 و [8]سفينة البحار ج 2 ص 285 و [9]البحار ج 81 ص 222 [10] عن الأول،و عن الجوهري،و النهاية و ميزان الحكمة ج 9 ص 129 عن كنز العمال الحديث رقم 25153 و رقم 25161 من دون ذكر الإستثناء.

3) البحار ج 81 ص 223.

و إنجازه له..و العيادة تكون كل ثلاثة أيام مرة،و هو ما يظهر من الرواية الأولى بقرينة ذيلها و بقرينة الرواية الثانية أيضا،و الّتي تفيد:أن الأحسن أن لا تكون متوالية،بل الأرحج أن يغب(أي يباعد)في العيادة،فتكون في اليوم الرابع بعد الثلاثة أيام..

هذا..و لكن المجلسي رحمه اللّه قد فهم من الرواية الأولى:«أن المراد به:أنه لا ينبغي أن يعاد المريض في أول ما يمرض إلى ثلاثة أيام،فان برىء قبل مضيها،و إلاّ فيوما تعود،و يوما لا تعود.و يحتمل أن يكون أن أقل العيادة:أن يراه ثلاثة أيام متواليات،و بعد ذلك غبا.أو أن أقل العيادة أن يراه في كل ثلاثة أيام،فلما ظهر منه أن عيادته في كل يوم أفضل استثنى من ذلك حالة وجوب المرض،و لا يخفى بعد الوجهين الأخيرين و ظهور الأول» إنتهى (1).

و لكننا نرى-كما تقدم-أن الوجه الأخير هو الأظهر؛و الأولان بعيدان..

و ذلك بقرينة رواية أغبوا في العيادة أربعوا.إلاّ أن يكون مغلوبا.و لكن بمعنى أن العيادة في الحالة الطبيعية هي بعد مضي ثلاثة أيام فيعوده في اليوم الرابع، فإذا ثقل المريض،و وجبت،فإنه يعوده يوما و يوما لا..فإذا طالت العلة ترك المريض و عياله..

العيادة بعد ثلاثة أيام:

و عن علي(ع):العيادة بعد ثلاثة أيام الخ (2)..فإذا شفى المريض


1) البحار ج 81 ص 226 و [1]مستدرك الوسائل ج 1 ص 84 [2] عن المجلسي.

2) سفينة البحار ج 2 ص 285،و [3]البحار ج 81 ص 228 و في الهامش عن دعائم الإسلام ج 1 ص 218.و [4]مستدرك الوسائل ج 1 ص 84 و 96 عن الدعائم و الجعفريات،و روي هذا المعنى أيضا عن النبي(صلی الله علیه و آله)فراجع مجمع الزوائد ج 2 ص 295 عن الطبراني في الأوسط و سنن إبن ماجة ج 1 ص 462 و المنتفى ج 2 ص 67.

قبلها فلا عيادة له..و قد تقدم احتمال المجلسي إرادة هذا المعنى من الرواية الأولى المتقدمة تحت العنوان المتقدم،و قد تقدم:أنه ليس ظاهرا منها،و إلاّ لوجب طرح الرواية الأخرى..و ما ذكرناه نحن هناك هو الأوجه في الجمع بين الأخبار..

العيادة ثلاث مرات:

و على المؤمن أن يعود أخاه في مرضه ثلاث مرات فإذا زاد عن ذلك فقد طالت العلة..فليتركه و عياله،فقد روي عنه(صلی الله علیه و آله):«العيادة ثلاثة، و التعزية مرة» (1).

أوقات العيادة:

إنه يفهم من النصوص:أنه لا يفرق في العيادة بين أن تكون صباحا أو مساء،و قد روي عن أبي عبد اللّه(ع)،أنه قال:«أيما مؤمن عاد مريضا حين يصبح شيعه سبعون ألف ملك فإذا قعد معه غمرته الرحمة،و إستغفروا اللّه عزّ و جلّ له حتّى يمسي،و إن عاده مساء كان له مثل ذلك حتّى يصبح» (2).قال المجلسي:«ربما يستفاد منه:أن ما شاع من أنه لا ينبغي أن يعاد المريض في المساء لا عبرة به» (3).


1) البحار ج 81 ص 227 و [1]في هامشه عن مكارم الأخلاق ص 415. [2]

2) الكافي ج 3 ص 120 و [3]أمالي الشيخ ج 2 ص 248،و مستدرك الوسائل ج 1 ص 84 و [4]مكارم الأخلاق ص 236 و [5]الوسائل ج 2 ص 636،و [6]البحار ج 81 ص 221 و 224 و [7] 225 عن دعوات الراوندي و غيره و سنن إبن ماجة ج 1 ص 464 و راجع المنتقى ج 2 ص 66 و [8]هامشه و مصابيح السنة ج 2 ص 77 و جواهر الأخبار و الاثار المطبوع مع البحر الزخار ج 3 ص 86.

3) راجع البحار ج 81 ص 221. [9]

و بهذا المعنى روايات كثيرة لا مجال لاستقصائها و تتبعها.. (1)بل اننا نستطيع أن نقول:بما أن المريض في المساء يأخذه الملل،و يتوقع قدوم الليل الّذي يراه طويلا عليه..فزيارته في هذا الوقت لها فائدة أيضا،لأنها تخفف عنه وحشته،و ترفع عنه حالة الملل،و الإنتظار الّتي يعيشها،و لعله لأجل هذا نجد الإمام الحسن(ع)يقتصر على ذكر العيادة في المساء،فيقول لأبي موسى حينما جاءه عائدا:«ما من رجل يعود مريضا ممسيا إلاّ خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتّى يصبح،و كان له خريف في الجنة» (2)..أو لعله لأجل أن أبا موسى قد زاره ممسيا فكان من المناسب ذكر هذا القسم من الحديث له،فلا يدل على الإختصاص:هذا و لكن الرواية قد رويت أيضا بين علي و أبي موسى حينما جاء عائدا للحسن(ع).و روى ما يشبه ذلك بين علي(ع)؛و بين عمرو بن حريث،و في كليهما ذكر العيادة في الصباح و المساء معا (3)..و لا مانع من تكرر الحادثة في الجميع..

العيادة لمن؟!

و قد ورد أنه لا عيادة ل:


1) راجع جميع المصادر المتقدمة و غيرها في الصفحات المذكورة و ما قبلها و ما بعدها، و مجمع الزوائد ج 2 ص 296 عن أبي يعلى.

2) أمالي الطوسي ج 2 ص 17 و [1]سفينة البحار ج 2 ص 285،و [2]الوسائل ج 2 ص 637 و [3]البحار ج 81 ص 215 و 216. [4]

3) أمالي الطوسي ج 2 ص 249،و [5]البحار ج 81 ص 221 و 228 و عن دعائم الإسلام ج 1 ص 218،و [6]مستدرك الوسائل ج 1 ص 83 [7] عن الأول و عن الدعائم،و سفينة البحار ج 2 ص 285،و 534،و سنن البيهقي ج 3 ص 381/380،مستدرك الحاكم ج 1 ص 349 و 350،و تلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة،و صحيح الترمذي ج 3 ص 301/300 و [8]سنن أبي داود ج 3 ص 186/185،و راجح:سنن إبن ماجة ج 1 ص 462،و الترغيب و الترهيب ج 4 ص 320 عن غير واحد و المصنف لعبد الرزاق ج 3 ص 594،و المنتقى لإبن تيمية ج 2 ص 66 و هامشه عن غير واحد.

1-شارب الخمر،فعن الرضا(ع)،عن آبائه(ع):إن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)قال:«شارب الخمر إن مرض فلا تعودوه...»الخبر (1).

2-أهل الذمة،فقد روي عنه(صلی الله علیه و آله):«لا تعودوا مريضهم،و لا تشيعوا جنائزهم» (2).

و لكن قد روي في الجعفريات بسنده:أن النبي(صلی الله علیه و آله)عاد يهوديا في مرضه (3).

و الّذي يبدو لنا هو:أنه إذا كان ثمة مصلحة في عيادتهم،فلا مانع منها،كما فعله النبي(صلی الله علیه و آله)،إذ الظّاهر:أن مرادهم بذلك اليهودي هو ذلك الغلام الّذي مرض،فعاده(صلی الله علیه و آله)،فكانت النتيجة هي أنه قد أسلم نتيجة لذلك..كما روي (4)..

أما حيث لا مصلحة،فلا يعادون،كما هو ظاهر الرواية الأولى..

و أما بالنسبة لعيادة غير الشيعي،فقد ورد الأمر بها،لأن ذلك يوجب توثيق عرى المودة بين المسلمين و شد أزرهم على عدوهم،و تقريب القلوب فيما بينهم،كما أنه يعكس الأخلاق الرفيعة،و الإنسانية الفاضلة.


1) أمالى الصدوق ص 374،و [1]البحار ج 81 ص 267 [2] عن دعوات الراوندي،و مستدرك الوسائل ج 1 ص 96.و [3]الوسائل ج 14 ص 53 و [4]في الهامش عن الفروع ج 2 ص 190 و غير ذلك.

2) البحار ج 81 ص 224 [5] عن دعوات الراوندي،و مستدرك الوسائل ج 1 ص 95. [6]

3) مستدرك الوسائل ج 1 ص 83. [7]

4) راجع سنن أبي داود ج 3 ص 185 و سنن البيهقي ج 3 ص 383 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 30 و 391 عن غير واحد،و البحار ج 81 ص 234 و في هامشه عن أمالي الصدوق ص 239.

فعن الصادق(ع):إياكم أن تعملوا عملا نعيّر به..إلى أن قال:صلوا في عشائرهم،و عودوا مرضاهم،و اشهدوا جنائزهم،و لا يسبقونكم إلى شيء من الخير الخ (1)...

3-4-5-عن النبي(صلی الله علیه و آله):«ثلاثة لا يعادون:صاحب الدمل، و الضرس،و الرمد» (2).

6-وجع العين..فقد ورد عن الصادق(ع):«لا عيادة في وجع العين» (3).

و لكن قد ورد:أن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)قد عاد عليا(ع)في وجع عينه (4)إلاّ أن يقال:إن قول الصادق المتقدم يحمل على نفي تأكد الإستحباب،و ما فعله(صلی الله علیه و آله)يحمل على الرجحان في الجملة..أو على خصوصية لأمير المؤمنين(ع)في ذلك..


1) الوسائل ج 11 ص 471 و [1]في الهامش عن الأصول ص 419 [2] و راجع البحار ج 78 ص 372 عن تحف العقول ص 486 و [3]مستدرك الوسائل ج 2 ص 374 [4] عن دعائم الإسلام و البحار ج 75 [5] ص 420 و 431 و ج 74 ص 161 و 167 و أمالي الطوسي ج 2 ص 280 و [6]عن الكافي،و [7]عن المحاسن ص 18،و [8]عن العياشي ج 1 ص 48 و [9]عن صفات الشيعة، و قصار الجمل ج 1 ص 73.

2) البحار ج 81 ص 224 [10] عن الجواهر للكراجكي،و مستدرك الوسائل ج 1 ص 84 و [11]مجمع الزوائد ج 2 ص 300 عن الطبراني في الأوسط.

3) راجع هامش الحديث الأول الّذي مر تحت عنوان:العيادة كل ثلاثة أيام.

4) الكافي ج 3 ص 253،و الوسائل ج 2 ص 638،و مستدرك الوسائل ج 1 ص 84 عن الجعفريات.و قد روي في سنن أبي داود ج 3 ص 186،أنه(صلی الله علیه و آله)عاد أنسا في وجع كان بعينه و كذا في المنتقى ج 2 ص 66 و في هامشه عن المنذري و الحاكم و غيرهما و سنن البيهقي ج 3 ص 358 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 342 و تلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة.

عيادة الرجل للمرأة:

و قد ورد:أنه(صلی الله علیه و آله)قد عاد بعض النساء،كأم العلاء،و عاد أيضا إمرأة من الأنصار في مرض ألم بها (1)..

عيادة بني هاشم:

و إن إكرام من ينتسب إلى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)يكون إكراما للرسول نفسه، إذا كان المكرم قاصدا لذلك..و من أولى من الرسول بالتعظيم و التكريم؟!..

كما أن إكرام بني هاشم،الّذين يتعرضون إلى مختلف أنواع الإضطهاد و التنكيل،و يتحملون المصاعب و المصائب بسبب ارتباطهم بالرسول(صلی الله علیه و آله)، و انتسابهم إليه،هذا الإكرام يكون من أقرب القربات،و لعل هذا يفسر لنا ما روي عن الإمام الكاظم عن آبائه(ع)،عنه(صلی الله علیه و آله):

«عيادة بني هاشم فريضة،و زيارتهم سنة» (2).

عيادة الأقارب:

و قد ورد في وصية أمير المؤمنين(ع)لولده:«و أكرم عشيرتك فانهم جناحك..إلى أن قال:و أكرم كريمهم،و عد سقيمهم» (3).

إستحباب الهدية للمريض:

و لأن المريض يحتاج إلى إظهار المحبة و العطف،و لأن ذلك يربط على


1) راجع:الترغيب و الترهيب ج 4 ص 293 عن أبي داود و ص 298 عنه و عن الطبراني و المصنف ج 11 ص 196/195 و مجمع الزوائد ج 2 ص 307 و تيسير المطالب في أمالي الإمام أبي طالب ص 427.

2) مستدرك الوسائل ج 1 ص 83 [1] عن البحار،عن كتاب الإمامة و التبصرة.

3) كشف المحجة ص 173،و [2]البحار ج 77 ص 218 [3] عنه.

قلبه،و يجعله يطمئن إلى محبة الآخرين له،فان الهدية له تكون تعبيرا عن هذا الحب،و هذا العطف.

و قد روي بعض موالي الإمام الصادق(ع)قال:مرض بعض مواليه، فخرجنا إليه نعوده.و نحن عدة من موالي جعفر،فاستقبلنا جعفر في بعض الطريق،فقال لنا:أين تريدون؟فقلنا:نريد فلانا نعوده،فقال قفوا، فوقفنا..

فقال:مع أحدكم تفاحة،أو سفرجلة،أو أترجة،أو لعقة من طيب، أو قطعة من عود بخور؟

فقلنا،ما معنا شيء من هذا.

فقال:أما تعلمون أن المريض يستريح إلى كل ما أدخل به عليه؟ (1).

عدم شكوى المريض إلى عواده:

لقد ورد في كثير من النصوص الدّعوة إلى كتمان المرض،و اعتبار ذلك من كنوز البر (2)

و راجع:دستور معالم الحكم ص 23/22 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 81 و [8]ميزان الحكمة ج 9 ص 124 عنه.

،و إن من كتم وجعا أصابه ثلاثة أيام من الناس،و شكا إلى اللّه

1) الوسائل ج 2 ص 643 و [1]الكافي ج 3 ص 118 و [2]مكارم الأخلاق ص 236،و [3]البحار ج 81 ص 227 [4] عنه.

2) أمالي المفيد ص 4،و المواعظ العددية ص 6،و تحف العقول ص 216.و [5]البحار ج 82 ص 103 و ج 81 ص 208 و [6]ج 78 ص 175،و ص 37/36 و 137 لكنه عبر بكتمان المصيبة هنا و ج 77 ص 423 عن المصادر التّالية:دعوات الراوندي،و شهاب الأخبار، و إرشاد المفيد ص 140 و [7]بعض من تقدم.و غرر الحكم ج 1 ص 364.

عزّ و جلّ كان حقا على اللّه أن يعافيه منه (1)،و إن من مرض ليلة و لم يشك ما أصابه فيها إلى أحد كتب اللّه له عبادة ستين سنة (2)،و إن المريض في سجن اللّه ما لم يشك إلى عواده (3).

و قد مدح أمير المؤمنين(ع)رجلا،فكان مما قال:«و كان لا يشكو وجعا إلاّ عند برئه» (4).

و عن علي(ع):«إخفاء الفاقة و الأمراض من المروءة» (5).

و هناك مضامين أخرى في هذا المجال،لا مجال لتتبعها،فلتراجع في مظانها (6).


1) الوسائل ج 2 ص 628 و [1]في هامشه عن الخصال ج 2 ص 166 و البحار كتاب الإيمان و الكفر باب 12 حديث 54 و ج 81 ص 211 و 203 و ج 62 ص 287 عن الشهيد رحمه اللّه و عن معاني الأخبار و الخصال و غرر الحكم ج 2 ص 646 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 81 و [2]ميزان الحكمة ج 9 ص 125.

2) مشكاة الأنوار ص 281 و [3]الكافي ج 1 ص 115 و 116 و [4]الوسائل ج 2 ص 627 [5] و راجع البحار ج 81 ص 215 عن ثواب الأعمال ص 175. [6]

3) مستدرك الوسائل ج 1 ص 82/81 [7]عن الدعائم و [8]البحار ج 81 ص 211 و [9]في الهامش عن الدعائم ص 217 و [10]عن النهج و بمعناه غيره فراجع البحار،فصل:عيادة المريض. [11]

4) نهج البلاغة،قسم الحكم،الحكمة برقم 289 و البحار ج 81 ص 205/204. [12]

5) غرر الحكم ج 1 ص 39. [13]

6) المحاسن للبرقي ص 9،و البحار ج 76 ص 335 و ج 81 ص 203 و 208،و 206 و 177 عنه و عن دعوات الراوندي،و مجالس الصدوق ص 259/258،و مستدرك الوسائل ج 1 ص 81،و الوسائل ج 2 ص 628 و 627 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 10/9 و الكافي ج 1 ص 116 و 115 و مجمع الزوائد ج 2 ص 295 عن الطبراني،و الأوسط،و مستدرك الحاكم ج 1 ص 349 و تلخيصه للذهبي،بهامش نفس الصفحة؛و الترغيب و الترهيب ج 4 ص 292 و غرر الحكم ج 2 ص 662.

و نريد أن نشير هنا:إلى أن هذه النصوص ناظرة إلى الكتمان الّذي يكون من أجل الإعتماد على كرم اللّه سبحانه،و ألطافه،و يعطي المريض دفعة روحية قوية،تكون ثمرتها القرب من درجة المتوكلين،الّتي هي من أعظم الدرجات.و الّتي يفوز من وصل إليها،و يرتاح و يسعد من حصل عليها..

و أكثر من ذلك،فان الإنسان يصير مقتنعا تماما بأن اللّه وحده هو الّذي يملك النفع و الضرر.و هو الشفاء،و منه الشفاء،و به الشفاء.و أن كل من سواه لا يستطيعون بدونه حيلة،و لا يهتدون سبيلا.

نعم..يمكن أن يكونوا واسطة لافاضة الخير من قبل اللّه تعالى،مالك كل شيء و خالقه..

و لعل إلى هذا يشير ما ورد في النصوص المتقدمة من التأكيد على لزوم كون الشّكوى إلى اللّه سبحانه لا إلى غيره..

فان ذلك ليس إلاّ من أجل أن يمر هذا الإنسان بالتجربة الروحية الّتي تصهره في بوتقتها،و تنفي كل خبث عنه،و ليخرج بعد ذلك طاهرا مطهرا نقيا..

و ما أحلى التجربة،و ما أنجحها و أنجعها في هذا الوقت الّذي يشعر فيه الإنسان بالضعف و بالحاجة،و يبقى ثلاثة أيام يعيش في الأجواء الإلهية؛مع اللّه الغني و القوي و المالك لكل شيء..و تكون ظروفه الخاصة هذه،و هذه الأجواء الّتي يعيشها سببا في أن يخرج من مرضه هذا بروحية جديدة،تؤثر على كل حالاته،و مجمل سلوكه تأثيرا قويا و بعيدا و شاملا في أحيان كثيرة.و لربما يعادل الرّقي الرّوحي و الإنساني الّذي يحصل عليه خلال ليلة واحدة فقط ما يحصل عليه من عبادة ستين سنة،كما جاء في الرواية..

و بملاحظة النصوص الّتي وردت في هذا المجال نعرف:أن الشكوى الّتي ورد الترغيب في الإبتعاد عنها هي الشكوى الّتي تستبطن استدرار عطف المشكوّ إليه،نتيجة لشعوره بضعف الشاكي و عجزه،و اللّه لا يريد لعبده أن يكون ضعيفا و عاجزا إلاّ أمام اللّه عزّ و جلّ...

و من الجهة الأخرى،فان اللّه تعالى لا يريد لعبده أن يعتقد بأن غير اللّه تعالى يملك له شيئا من النفع أو الضر،فان هذا أمر مرغوب عنه و مرفوض، لأن اللّه وحده هو مالك كل شيء،و بيده النفع و الضرر،و هو الكبير المتعال..

و كذلك..فان الشكوى الّتي تستبطن استعظام الأمر الّذي نزل بالشاكي و اعتباره أن ذلك ينافي عدل اللّه سبحانه و تعالى و لطفه و رحمته..إن هذه الشكوى مرغوب عنها شرعا،و مرفوضة جملة و تفصيلا،بل لا بد من الصبر و التسليم؛فعن الصادق(ع):«من اشتكى ليلة فقبلها بقبولها،و أدى إلى اللّه شكرها كانت له كفارة ستين سنة،قال:قلت:و ما قبلها بقبولها؟قال صبر على ما كان فيها» (1)..و عنه(ع):«أيما رجل اشتكى،فصبر و احتسب، كتب اللّه له من الأجر أجر ألف شهيد» (2)..و عن النبي(صلی الله علیه و آله)،أنه قال:

«يكتب أنين المريض حسنات ما صبر،فان جزع كتب هلوعا» (3).

و ورد:أن الصادق(ع)سئل عن حد الشكاية للمريض،فقال:«إن الرجل يقول:حممت اليوم،و سهرت البارحة،و قد صدق،و ليس هذا


1) البحار ج 81 ص 205 و [1]في الهامش عن ثواب الأعمال ص 175. [2]

2) طب الأئمة ص 17 و [3]البحار ج 81 ص 206 [4] عنه و عن أعلام الدين.

3) البحار ج 81 ص 211 و [5]في هامشه عن الدعائم ص 217. [6]

شكاية،و إنّما الشكوى أن يقول:قد ابتليت بما لم يبتل به أحد،و يقول:لقد أصابني ما لم يصب أحدا» (1).

قال المجلسي رحمه اللّه تعالى:«هذا تفسير للشكاية الّتي تحبط الثواب،و إلاّ فالأفضل:أن لا يخبر به أحدا،كما يظهر من الأخبار السابقة.

و يمكن حمله على الأخبار لغرض كإخبار الطّبيب مثلا» (2).

و قد ورد الحث على إخبار الطبيب بالمرض،و يكفي في ذلك ما تقدم مما يدل على لزوم التداوي،أضف إلى ذلك:ما روي عن علي(ع)من أنه قال:«من كتم مكنون دائه عجز طبيبه عن دوائه» (3).

و عنه(ع):«من كتم الأطباء مرضه خان بدنه» 4.

فالإخبار بالمرض لا يلازم الشكوى،كما دل عليه الخبر الآنف..و قد تقدم أيضا:أن المريض في سجن اللّه ما لم يشك إلى عواده.و أن من مرض يوما و ليلة فلم يشك إلى عواده،بعثه اللّه يوم القيامة مع خليله إبراهيم.و أنه ما من عبد ابتليته ببلاء فلم يشك إلى عواده إلاّ أبدلته لحما خيرا من لحمه (4)الخ..و كل ذلك يدل على أن الاخبار بالمرض شيء،و الشّكوى المرغوب عنها شيء آخر..و أما اختلاف الروايات في الترغيب بعدم الشكوى ليلة،أو


1) الكافي ج 3 ص 116 و [1]مشكاة الأنوار ص 279 و [2]راجع:البحار ج 81 ص 202 و [3]في هامشه عن معاني الأخبار ص 142 و 253 و الوسائل ج 2 ص 631 و [4]ميزان الحكمة ج 9 ص 126 عنه.

2) هامش الكافي ج 3 ص 116 عن مرآة العقول،و راجع:البحار ج 81 ص 202. [5]

3) (3-4) ميزان الحكمة ج 9 ص 126 عن غرر الحكم.

4) راجع المصادر المتقدمة من أول البحث عن شكوى المريض إلى عواده و حتى الآن لتجد هذه النصوص و غيرها..

ثلاثة أيام،أو مطلقا،فيحمل على اختلاف درجات الفضل فيها..

و أما رواية من كتم وجعا أصابه ثلاثة أيام الخ..فيمكن أن يقال؛إن المراد فيها،أن إخباره لأخوانه بعد الثلاثة يصير له فضل.أو أن المراد بالكتمان عدم الشكوى،لا عدم الإخبار بالمرض مطلقا؛بقرينة قوله فيها، «و شكا إلى اللّه عزّ و جلّ»فتكون كغيرها من الروايات.

و أما الرواية الّتي تجعل كتمان المرض من كنوز البر،فلا بد و أن تحمل على ما ذكر أيضا.أو على صورة الشفاء السريع،حيث لا يطول المرض،أو على ما ذكره المجلسي آنفا..

و يبقى أن نشير إلى أن ما ورد من قول الإمام الصادق(ع)للحسن بن راشد:«يا حسن إذا نزلت بك نازلة،فلا تشكها إلى أحد من أهل الخلاف، و لكن اذكرها لبعض إخوانك،فانك لن تعدم خصلة من خصال أربع:أما كفاية،و أما معونة بجاه أو دعوة تستجاب،أو مشورة برأي» (1).

و كذا ما عن الصادق(ع):«من شكا إلى مؤمن فقد شكا إلى اللّه عزّ و جلّ،و من شكا إلى مخالف فقد شكا اللّه عزّ و جلّ» (2).

فان الظاهر هو أنها ناظرة إلى شكوى غير المرض،و حيث لا تستبطن الشكوى أيا من المعاني المرغوب عنها شرعا..

و يشير إلى ذلك قوله:«أما كفاية»و ذلك لأن المرض لا تتأتى فيه


1) البحار ج 78 ص 265 [1] عن التحف و ج 81 ص 207 عن كتاب الاخوان للصدوق ص 34، و الوسائل ج 2 ص 431 [2] عنه و روضة الكافي ص 170 و الفصول المهمة ص 502،و [3]تحف العقول ص 284. [4]

2) الوسائل ج 2 ص 632 و [5]البحار ج 81 ص 207 و [6]معاني الأخبار ج 2 ص 387 و بمعناه عن قرب الإسناد ص 52 و [7]راجع غرر الحكم ج 2 ص 683. [8]

الكفاية،و أما ما بعد هذه الفقرة كالمعونة بالجاه مثلا فيمكن أن تتأتى فيه،بأن يستعمل نفوذه لإيصاله إلى الطبيب الفلاني،أو إدخاله المستشفى الفلاني، و ما أشبه ذلك بالنسبة للمشورة بالرأي و استجابة الدعاء،فالأمر فيهما واضح...

و أما الحديث الثاني،فهو مطلق،و لعله يشير إلى ما تضمنه حديث الحسن بن راشد،لان السياق منسجم معه أكثر من غيره،حيث أن المريض قد منع من الشكوى حتّى إلى عواده،و ان كانوا من إخوانه،كما أشرنا إليه..

عدم إسماع المريض التعوذ من البلاء:

و قد تقدم:أن محمد بن علي(ع)كان لا يسمع المبتلي التعوذ من البلاء،و تقدم ما يشير إلى الحكمة في ذلك حين الكلام على موضوع «الممرض في المستشفى».

عدم إطالة الجلوس عند المريض:

و ان عوارض المرض،و الحالات المتغيرة،الّتي تطرأ على المريض، لربما تفرض عليه أحيانا:أن يكون في وضع لا يرغب أن يراه عليه أحد..

كما أن نفس الحالة العلاجية له لربما يكون اطلاع الغير عليها موجبا لتألم المريض نفسيا..و إذا كانت العيادة ضرورية أيضا،فوجه الجمع هو عدم إطالة مكث العائد عند المريض حتّى لا يزيد في إحراجه،أو في ألمه النفسي.

و من هنا..فقد ورد عنهم(ع)استحباب عدم إطالة الجلوس عند المريض،حتّى عبر عنها الإمام الصادق(ع)-كما روي-بقوله:

«العيادة قدر فواق ناقة» (1)أي حلبها.

و عن النّبي(صلی الله علیه و آله):«أعظم العيادة أجرا أخفها» (2)و في نص آخر عنه(صلی الله علیه و آله):«خير العيادة أخفها» (3).

و عن أمير المؤمنين(ع)،قوله:«إن من أعظم العواد أجرا لمن إذا عاد أخاه خفف الجلوس إلاّ إذا كان المريض يحب ذلك و يريده،و يسأله ذلك» الخ.و في معناه غيره (4).

فانه إذا كان المريض يريد ذلك،فان الإستجابة له يكون فيها تقرب إلى اللّه تعالى من جهة،كما أن طلبه هذا..يكشف عن عدم وجود ما يحتمل أن يكون موجبا للحرج بالنسبة إليه..من جهة أخرى..

وضع اليد على المريض،و الجلوس عند رأسه:

و لعل لأجل أن يطمئن المريض إلى أنه لا يزال مقبولا لدى الآخرين،و لا تنفر النفوس منه،و كذلك الحال بالنسبة للعائد نفسه...نلاحظ:أن ثمة أوامر بوضع العائد يده على المريض،و اعتبر أن الّذي يخالف ذلك يكون من الحمقى،و عيادة الحمقى أشد على المريض من وجعه،حيث يتسبب الأحمق بكثير من الآلام النفسية للمريض،بسبب تصرفاته غير اللائقة،و المشعرة


1) الكافي ج 1 ص 118/117 و [1]الوسائل ج 2 ص 642 و [2]نقله في ميزان الحكمة ج 9 ص 129 عن كنز العمال الحديث رقم 25155 و لكن عبارته هكذا:العيادة فاق ناقة.

2) ميزان الحكمة ج 9 ص 129 عن كنز العمال الحديث رقم 25149.

3) ميزان الحكمة ج 9 ص 129 عن كنز العمال الحديث رقم 25139.

4) راجع الوسائل ج 2 ص 642،و [3]الكافي ج 3 ص 119/118 و [4]قرب الإسناد ص 8 و [5]البحار ج 81 ص 214 و 227 و [6]سفينة البحار ج 2 ص 285 و مجمع الزوائد ج 2 ص 296 عن البزار و مصنف عبد الرزاق ج 3 ص 594 و كشف الاستار ج 1 ص 369.

للمريض بضعفه و نقصه..

و قد ذكر البعض:أن النبي(صلی الله علیه و آله)كان إذا عاد مريضا وضع يده على جبهته،و ربما وضعها بين ثدييه،و يدعو له (1).

و قد روي عن أبي عبد اللّه(ع):«تمام العيادة للمريض:أن تضع يدك على ذراعه و تعجّل القيام من عنده،فان عيادة النوكى أشد على المريض من وجعه» (2)..

و فهم الشهيد رحمه اللّه:أن وضع اليد على ذراعه و هو حال الدعاء له (3).

و لكن قد ورد عن أمير المؤمنين(ع)،قوله:«من تمام العيادة للمريض أن يضع العائد إحدى يديه على الأخرى،أو على جبهته» (4).و فهم المجلسي رحمه اللّه:أن المقصود هو أن يضع العائد يده على جبهة نفسه،و احتمل أن يكون ذلك لأجل إظهار الحزن و التأسف على مرضه،كما هو الشايع،فلا يبعد أن يكون ذكرهما على سبيل المثال (5)..

و لكن الأظهر هو ما تقدم من أنه يضع يده على المريض نفسه،أو على ذراعه...(و ذكر الذراع للمثال على الظاهر)..و يمكن حمل هذه الرواية


1) الطب النبوي لإبن القيم ص 92 و [1]راجع البخاري،المرضى 13.

2) الكافي ج 3 ص 118 و [2]الوسائل ج 2 ص 642 و [3]البحار ج 81 ص 227 و [4]في هامشه عن مكارم الأخلاق ص 415. [5]

3) البحار ج 81 ص 227 [6] عن الدروس.

4) قرب الإسناد ص 8 و [7]سفينة البحار ج 2 ص 285 و [8]الكافي ج 3 ص 119 و [9]الوسائل ج 2 ص 642 و [10]البحار ج 81 ص 214. [11]

5) البحار ج 81 ص 214. [12]

على ذلك،لأنها ليست نصا فيما ذكره المجلسي،فيمكن إرجاع الضمير إلى المريض فيها،و يشير إلى ذلك بالإضافة إلى النصوص المتقدمة ما عن النبي(صلی الله علیه و آله):«ان من تمام عيادة المريض:أن يدع أحدكم يده على جبهته أو يده فيسأله كيف هو،و تحياتكم بينكم بالمصافحة» (1)..و كذا قوله(صلی الله علیه و آله):

«من تمام عيادة المريض إذا دخلت عليه أن تضع يدك على رأسه،و تقول:

كيف أصبحت» (2).

فانها ظاهرة في أن يضع يده على المريض-كما اعترف به المجلسي قدس سره،و لكنه أورد عليه:بأنه و ان كان أظهر معنى،و لكنه-يعني هذا الأخير و الّذي قبله-عاميان (3)..

و لكننا نقول:إن الرواية الأخرى الّتي تقول:«تمام العيادة أن تضع يدك على المريض إذا دخلت عليه» (4)،و رواية وضع اليد على الذراع ليستا بعاميتين،و هما تؤيدان إرادة هذا المعنى،و هو وضع العائد يده على يد المريض،أو على جبهته.

و ثمة أحاديث أخرى في وضع العائد.يده على المريض،أو على جبهته، فمن أرادها فليراجعها (5).و أخيرا..فقد روي عن إبن عباس:أن


1) أمالي الطوسي ج 2 ص 253،و [1]مستدرك الوسائل ج 1 ص 86 و [2]البحار ج 81 ص 223 و 226 [3] كلاهما عنه و عن مكارم الأخلاق ص 414. [4]

2) سفينة البحار ج 2 ص 285 و [5]البحار ج 81 ص 223 و [6]أمالي الطوسي ج 2 ص 253 و [7]مستدرك الوسائل ج 1 ص 86. [8]

3) البحار ج 81 ص 223. [9]

4) الكافي ج 3 ص 118 و [10]الوسائل ج 2 ص 642 [11] عنه و عن قرب الإسناد ص 8.

5) مجمع الزوائد ج 2 ص 298 و سنن أبي داود ج 3 ص 187 و سنن البيهقي ج 1 ص 381 و 382 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 342 و تلخيصه للذهبي بهامشه.

النبي(صلی الله علیه و آله)كان إذا عاد المريض جلس عند رأسه (1).

دعاء المريض للعائد و العكس:

و حيث ان المريض يكون في هذه الحالة أقرب إلى اللّه تعالى منه في غيرها،فان دعاءه يكون أقرب إلى الإستجابة،و لأجل ذلك..و لأجل أن يشعر أنه أيضا يملك في مرضه هذا إمتيازا يفقده الآخرون،فلا يجب أن يشعر بالذل و الضعف،فانه كما هو محتاج إلى غيره،كذلك،فان غيره محتاج إليه..من أجل ذلك،نجد:أنه قد روي عن أبي عبد اللّه(ع)قوله:«إذا دخل أحدكم على أخيه عائدا له فليسأله يدعو له،فان دعاءه مثل دعاء الملائكة..» (2).

و ثمة أحاديث أخرى بهذا المعنى،فليراجعها من أراد (3)

كما أنه يستحب أن يدعو العائد للمريض أيضا،فعن زرارة،عن أحدهما:إذا دخلت على مريض،فقل:أعيذك باللّه العظيم إلخ.. (4)و قد


1) مجمع الزوائد ج 2 ص 297 عن أبي يعلى.

2) الكافي ج 3 ص 117 و [1]البحار ج 81 ص 219 و [2]في هامشه عن المنتهى للعلامة ص 425، و الوسائل ج 2 ص 637،و [3]مكارم الأخلاق ص 236 [4] ط.قديم و سنن إبن ماجة ج 1 ص 463،و الترغيب و الترهيب ج 4 ص 322.و جواهر الأخبار و الآثار،بهامش البحر الزخار ج 3 ص 87.

3) راجع،ثواب الأعمال ص 30،و البحار ج 81 ص 217 و 225 [5] عنه و عن عدة الداعي، و عن الكافي ج 2 ص 509.و [6]سفينة البحار ج 2 ص 285،و مكارم الأخلاق ص 236، [7]ط.قديم و مجمع الزوائد ج 2 ص 295 عن الطبراني في الأوسط،و الترغيب و الترهيب ج 4 ص 322 عن إبن ماجة و الطبراني،و إبن أبي الدنيا،و الوسائل ج 2 ص 638/637 و في هامشه عن بعض من تقدم و عن الأصول ص 356،و عن المنتهى للعلامة ص 425،و [8]عن الخصال و الدعائم.

4) البحار ج 81 ص 228 و 225 و [9]في هامشه عن مكارم الأخلاق ص 450 و [10]عن أعلام الدين.

تقدم:أنه يستحب للمريض أن يأذن لإخوانه بالدخول عليه،فانه ما من أحد إلاّ و له دعوة مستجابة..

دعاء المساكين للمريض:

و عن الصادق(ع):«لا تستخفوا بدعاء المساكين للمرضى منكم،فانه يستجاب لهم فيكم،و لا يستجاب لهم في أنفسهم» (1)..و عن الصادق(ع):«يستحب للمريض:أن يعطي السائل بيده،و يأمر السائل أن يدعو له» (2).

سؤال المريض عن حاله،و عما يشتهي:

و يذكر البعض:أنه(صلی الله علیه و آله)كان يسأل المريض عن شكواه،و كيف يجده،و يسأله عما يشتهي (3)و هذا يعبر للمريض عن الإهتمام بأمره،و بما يعاني..فيسر لذلك،و يرتاح له،و يطمئن به..

التأميل بالصحة و السلامة:

و المريض يحتاج إلى بعث الثّقة في نفسه ليقوى على المرض،و لا ينهار أمام عوارضه و عواديه الّتي لا يجد فيها حيلة،و لا لدفعها عن نفسه سبيلا..

و لعل هذا يفسر لنا ما روي عنه(صلی الله علیه و آله):«إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل،فان ذلك لا يرد شيئا،و لكنه يطيب النفس» (4).


1) البحار ج 62 ص 276 [1] عن السرائر،باب الأطعمة و الأشربة.

2) البحار ج 81 ص 209 [2] عن دعوات الراوندي.

3) الطب النبوي لإبن القيم ص 92. [3]

4) البحار ج 81 ص 225 [4]عن كنز الكراجكي.و [5]سفينة البحار ج 2 ص 285 و [6]مستدرك الوسائل ج 1 ص 96،و [7]سنن إبن ماجة ج 1 ص 462،و الطب النبوي لإبن القيم ص 92،و [8]في هامشه عن الترمذي و سنن الترمذي ج 4 ص 412 و مصابيح السنة ج 2 ص 78 و البحر الزخار ج 3 ص 86 و 87.

و المراد بالتنفيس:التوسعة،أي وسعوا له في الأجل،و أملوه بالصحة و السّلامة،كأن يقول له:لا بأس عليك،و ستشفى إن شاء اللّه قريبا (1).

و قد ذكر البعض:أن النبي(صلی الله علیه و آله)كان ربما قال للمريض:«لا بأس عليك طهور إن شاء اللّه» (2).

الأكل عند المريض:

عن أمير المؤمنين(ع)،أنه قال:«نهى رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)أن يأكل العائد عند المريض،فيحبط اللّه أجر عيادته» (3)..و لماذا لا..ما دام أنه لربما يكون المريض ممنوعا عن طعام كهذا،فإذا أكل عنده،فانه يجعله يشتهيه، و يتحسر على عدم قدرته على تناول مثله..فيكون قد زاده بعيادته له ألما، بدل أن يخفف عنه.

ما يقال للمريض بعد شفائه:

و لقد كان أمير المؤمنين(ع)،إذا رأى المريض قد برىء قال:يهنك الطهر من الذنوب (4)..

و عن الحسن بن علي(ع):«أنه قال رجل أبلّ من علته:إن اللّه قد


1) راجع:البحار ج 81 ص 225 و [1]سفينة البحار ج 2 ص 285. [2]

2) الطب النبوي لإبن القيم ص 93،و [3]مصابيح السنة ج 2 ص 76.

3) سفينة البحار ج 2 ص 285 و 535 و [4]مستدرك الوسائل ج 1 ص 96 و 127 [5] عن الجعفريات و الدعائم.و البحار ج 81 ص 228 و [6]في هامشه عن دعائم الإسلام ج 1 ص 218. [7]

4) كتاب أبي الجعد ص 21،و أمالي المفيد ص 25،و أمالي الطوسي ج 2 ص 244، و [8]مستدرك الوسائل ج 1 ص 79 و 81/80 و [9]البحار ج 81 ص 224 و 186 و [10] 86 عن دعوات الراوندي،و أمالي المفيد.

ذكرك فاذكره،و أقالك فاشكره..و روي ذلك عن علي أمير المؤمنين أيضا (1).

و عن السجاد(ع)ما جمع فيه بين ما تقدم عن عمه الحسن،و ما تقدم عن جده أمير المؤمنين(ع) (2)

نعم..و ما أحسنها من كلمة!..منسجمة كل الإنسجام مع الروحية الّتي يهتم الإسلام بتقويتها،و مع الأهداف الّتي يحاول أن يوجه إليها الإنسان الّذي يتعرض إلى الإبتلاء بالمرض،و متاعبه،و مضاعفاته..تلك الروحية، و هاتيكم الأهداف الّتي نطقت بها الروايات،و دلت عليها التوجيهات الّتي صدرت عنهم(ع)للمريض،و لعواده،كما قدمنا بعضا من الإشارة إليها فلا نعيد..

و حسبنا ما ذكرناه هنا فان فيما ذكرناه كفاية لمن أراد الرشد و الهداية..

و الحمد للّه،و صلاته و سلامه على عباده الّذين اصطفى،محمد و آله الطاهرين.


1) تحف العقول ص 165 و البحار ج 78 ص 106 و [1]شرح النهج للمعتزلي ج 20 ص 209 و قصار الجمل ج 2 ص 238 عنه.

2) تحف العقول ص 203 و البحار ج 78 ص 138.

القسم الثالث: الوقاية الصحية:

اشارة

إلفات نظر:

كانت النية متجهة إلى الكتابة في موضوع الوقاية الصحية..و لكننا..

و بعد كتابة الفصل الأول منه وجدنا أنه يمكن الإكتفاء بما كتبه الشهيد السعيد الدكتور پاك نجاد،فآثرنا الإنصراف إلى ما هو أهم،و بذل الجهد في معالجته أولى..

و لكننا أحببنا أن نورد هنا ما كنا قد كتبناه في هذا المجال-و ان كان ناقصا- كما هو،و من دون أي تصرف فيه،على أمل أن ينفع اللّه به..و هو الموفق و المسدد..

الفصل الأول: المقدمات

اشارة

الوقاية الصحية في مجالها الأوسع:

اشارة

لقد اهتم الإسلام بصحة الإنسان اهتماما بالغا،حتّى لقد روي أن النبي(صلی الله علیه و آله)قال:«إن في صحة البدن فرح الملائكة،و مرضاة الرب؛و تثبيت السنة» (1).و عنه(صلی الله علیه و آله):«لا خير في الحياة إلا مع الصحة..» (2).

و قد تقدم:أن الإسلام قد اعتبر العلم علمين:علم الأديان،و علم الأبدان.و الروايات في هذا المجال كثيرة،لا مجال لتتبعها..

كما أن الإسلام قد اهتم بأن يوجه الإنسان نحو الوقاية الصحية،حتّى لا يقع في براثن المرض أصلا،و قد ورد عن الإمام الصادق(ع):«إن عامة هذه الأرواح من المرة الغالبة،أو دم محترق،أو بلغم غالب،فليشتغل الرجل بمراعاة نفسه قبل أن تغلب عليه شيء من هذه الطبايع،فيهلكه..» (3).

و فسر المجلسي كلمة الأرواح بقوله:«و كأن المراد هنا:الجنون،


1) أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 2 ص 380 عن:آئين جاويدان ص 322.

2) أولين دانشگاه ج 2 ص 382 عن نهج الفصاحة.

3) طب الأئمة ص 110 و [1]البحار ج 62 ص 264 [2] عنه.

و الخبل،و الفالج،و اللقوة،بل الجذام و البرص،و أشباهها» (1).

و روي:لا تأكل ما قد عرفت مضرته،و لا تؤثر هواك على راحة بدنك (2)و عن الرّضا(ع):«إن الجسد بمنزلة الأرض الطيبة الخراب،إن تعوهدت بالعمارة و السقي،من حيث لا تزداد الخ» (3).

و إن إلقاء نظرة إجمالية على شمولية وسعة موضوع الوقاية الصحية في الإسلام ليعطينا:

أن الحديث عن هذا الموضوع بشكل علمي دقيق و مستوعب ليس سهلا و ميسورا و إنّما هو أمر بالغ الصعوبة..و ذلك لأنه يدخل فيه العديد من الموضوعات الواسعة و المتشعبة جدا..و قد يضطر الباحث فيما لو أراد استيفاء الحديث في هذا الإتجاه إلى الإستشهاد بأحاديث ربما تتجاوز المئات إلى الآلاف،فضلا عن العشرات من المصادر الإسلامية الموثوقة،ان لم نقل عن المئات أيضا..كما أن ذلك يحتاج إلى كتابة مجلدات كثيرة،و وقت طويل يبذله القارىء و الباحث على حد سواء.

كما أننا لا يجب أن ننسى:أن استيعاب هذا الموضوع،و استيفاء البحث فيه من جميع جوانبه،يحتاج إلى الكفاءات و الإختصاصات المتنوعة، الّتي تمتلك خبرات كبيرة في مجالات اختصاصها من جهة،ثم في مجال الإطلاع على النّصوص الإسلامية في القرآن و السنة النبوية و أهل البيت،و فهم تلك النّصوص،و الإستفادة منها في الموقع المناسب،من الجهة الأخرى..


1) البحار ج 62 ص 264. [1]

2) البحار ج 62 ص 269. [2]

3) الرسالة الذهبية ص 14/13. [3]

البحث في خصائص الأشياء:

و على ضوء ما تقدم؛فاننا نجد أنفسنا مضطرين إلى حصر البحث في الموضوعات الأكثر إلحاحا في هذا المجال..

فلن نتعرض للبحث في الأحاديث الكثيرة جدا،و الّتي تعد بالمئات ان لم يكن بالآلاف و الّتي تتعرض لكثير من الخصائص و المزايا لقسم وافر من البقول و الفواكه،و الخضار،و الحبوب،و اللحوم،و الأطعمة،و الألبان..

مثل:

التفاح،و الرمان،و العنب،و التمر،و التين،و الهندباء،و الجزر، و الفجل،و الثوم،و البصل،و السعتر،و الحنطة،و الزيتون،و الشعير، و لحم الضأن،و لحم البقر،و السمك،و ألبان الضأن و البقر،و البطيخ، و الإجاص،و المشمش،و الحمص،و العدس،و قصب السكر..إلى عشرات من الأنواع الأخرى،الّتي ورد في كل منها روايات كثيرة،لو أردنا جمعها،و ذكر مصادرها لاحتجنا إلى العشرات،بل المئات من الصفحات فكيف إذا أردنا استقصاء البحث فيها،و لا سيما و أنه قد ذكر في كثير منها خصائص وقائية لكثير من الأمراض،و قد كتب الشهيد السعيد الدكتور پاك نجاد في كتابه القيم:«أولين دانشگاه و آخرين پيامبر»عن عدد وافر منها،و قد أحسن و أجاد فيها أفاد،نسأل اللّه أن يوفيه أجر ذلك من جنانه أفسحها منزلا، و أفضلها غرفا،و يحشره مع الأئمة الطاهرين،بحق محمد و آله صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين..

اتجاهات البحث:

و على هذا..فان بحثنا في هذا المجال سوف يقتصر على إعطاء نظرة سريعة و واضحة بقدر الإمكان عن الوقاية الصحية في المجالات الّتي وجه فيها

المعصومون إلى مواقف و أفعال معينة من شأنها أن تقي الإنسان من كثير من المخاطر،من دون أن يكون لخصائص الأشياء مدخلية كبيرة فيها،بل الفعل و الموقف منها هو الّذي يعطي القسط الأكبر من الفائدة في مجال الوقاية الصحية..

و لأجل ذلك فلسوف يكون بحثنا على النحو التالي:

نستعرض أولا قسما وافرا مما يرتبط بالنظافة الجسدية كالسواك و الخلال، و الوضوء و الغسل،و غير ذلك..

ثم نتعرض لنظافة الثياب و الأواني و البيت،و كثير من أوضاعه المطلوبة شرعا،و الّتي تؤثر في حفظ الصحة و الوقاية من كثير من الأخطار المحتملة في هذا المجال..

و بعد ذلك نستعرض بعض ما يرتبط بالمحيط و البيئة و المجتمع بشكل عام..

و لسوف نشير أيضا:إلى طائفة مما يرتبط بأحوال الإنسان في طعامه و شرابه و يقظته،و نومه،و سفره،و كذلك ما يرتبط بالوقاية الصحية فيما يتعلق بموضوع الجنس.

إلى غير ذلك مما تقتضيه ضرورة البحث،مع مراعاة جانب الإختصار و الوضوح مهما أمكن..

فإلى البحوث التالية،مع جزيل شكري و عميق تقديري للقارىء الكريم.

النظافة من مجالها العام:

اشارة

لقد اهتم الإسلام بالنظافة الجسدية اهتماما بالغا،يفوق حدّ التصور، و لا يستطيع أي دين أن يدعى:أنه اهتم بذلك و لو بمقدار معشار اهتمام الإسلام هذا..

و يكفي أن نذكر:أنه قد جعل الوضوء،و الغسل في أحيان كثيرة من الواجبات الّتي يعاقب تاركها؛بل و لا تتم كثير من أعماله العبادية الهامة جدا بدونها..كما هو الحال في الصّلاة الّتي هي عمود الدين،و معراج المؤمن، و غيرها..

بل لقد جعل ذلك من العبادات الّتي تقرب إلى اللّه،و يستحق فاعلها الثواب الجزيل،و الأجر الجميل..

و عدا عن ذلك كله،فقد اعتبر الإيمان شطر الوضوء؛و اعتبرت النظافة من الإيمان،و الإيمان مع صاحبه في الجنة..

إلى غير ذلك مما يعبر عن مدى اهتمام الإسلام البالغ في هذا المجال..

سواء في ذلك ما ورد ليؤكد على النظافة،أو الوضوء أو الغسل في مورده

الجزئي الخاص،أو ما ورد في مقام الحث على ذلك بصورة عامة..

أمثلة على ما تقدم:

و كأمثلة على ما تقدم نشير إلى رشحة هي غيض من فيض مما ورد عن المعصومين(ع)من الأمر بالنظافة بصورة عامة..

فقد تقدم في أوائل القسم الثاني الإشارة إلى قوله:«ان اللّه ليبغض من عباده القاذورة»:«و أن النظافة من الإيمان و الإيمان مع صاحبه في الجنة».

و قال الكراجكي:«و فيما صح عندنا من اجتهاد رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)في النّظافة،و كثرة استعماله للطيب على ما أتت به الرواية» (1).

و عن الرضا(ع):«من أخلاق الأنبياء التنظيف» (2).

و عن أمير المؤمنين(ع):«تنظفوا بالماء من الريح المنتن،الّذي يتأذى به،و تعهدوا أنفسكم،فان اللّه ليبغض من عباده القاذورة،الّذي يتأنف به من جلس إليه» (3).

و جاء في رواية عن الباقر و الصادق يذكر فيها:«أن دواء العرب في خمسة و عدّ منها الحمام» (4).و عن النّبي(صلی الله علیه و آله):«أتاني جبرائيل(ع)فقال:

يا محمد،كيف ننزل عليكم؟!،لا تستاكون،و لا تستنجون بالماء،و لا


1) البحار ج 80 ص 106 [1]عن كنز الفوائد.. [2]

2) تحف العقول ص 330،و [3]البحار ج 78 ص 335 [4] عنه.

3) الخصال ج 2 ص 620 حديث الأربعمائة و البحار ج 76 ص 84،و [5]تحف العقول ص 73 و [6]راجع المصادر المتقدمة في أول القسم الثاني.

4) طب الأئمة ص 55 و البحار ج 62 ص 263 و [7]راجع الوسائل ج 1 ص 361 عن الفقيه ج 1 ص 37 و غير ذلك.

تغسلون براجمكم» (1).

قال إبن الأثير:«فيه:من الفطرة غسل البراجم،و هي العقد الّتي في ظهور الأصابع،يجتمع فيها الوسخ الواحدة:برجمة» (2).

و قد نص القرآن على أن اللّه تعالى: يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (3).و قال تعالى مخاطبا المسلمين في مناسبة بدر: وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ (4).و قال تعالى: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (5).

قال المجلسي:«قيل:ربما دلت هذه الآية على استحباب المبالغة في الإجتناب عن النجاسات،و لا يبعد فهم استحباب النورة و أمثالها،بل استحباب الكون على طهارة و تأييد له،لا بل الأغسال المستحبة» (6).

و قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (7).

إلى غير ذلك من الآيات الّتي تتمدح التطهر،و تحث عليه تصريحا،أو تلويحا.و قد ورد عنهم(ع):ان«الطهر نصف الإيمان» (8).و عن


1) البحار ج 80 ص 210 [1]عن نوادر الراوندي.. [2]

2) النهاية لإبن الأثير ج 1 ص 113 و [3]البحار ج 80 ص 210 [4] عنه.

3) سورة البقرة،الآية:222. [5]

4) سورة الأنفال،الآية:11. [6]

5) سورة براءة،الآية:108. [7]

6) البحار ج 80 ص 5. [8]

7) سورة الواقعة،الآية:77-79. [9]

8) البحار ج 80 ص 237 و في هامشه عن الدعائم ج 1 ص 100. [10]

النبي(صلی الله علیه و آله)و علي(ع):«الوضوء شطر الإيمان» (1).

و عن أمير المؤمنين(ع):«من أحسن الطهور ثم مشى إلى المسجد فهو في صلاة ما لم يحدث» (2).

و عن النبي(صلی الله علیه و آله):«يا علي،على الناس في كل سبعة أيام الغسل، فاغتسل في كل جمعة،و لو أنك تشتري الماء بقوت يومك و تطويه،فانه ليس شيء من التطوع أعظم» (3).

و عن الصادق(ع):«ليتزين أحدكم يوم الجمعة،يغتسل، و يتطيب» (4)..الخبر.

و عن أمير المؤمنين(ع):«غسل الأعياد طهور لمن أراد طلب الحوائج، و اتّباع للسنة» (5).

بل يكفي أن نذكر:أن الأغسال المتسحبة،قد أنهاها بعضهم إلى أربعين غسلا تقريبا،كما أن بعض الروايات قد عدت منها و من الواجبات ثلاثة و عشرين غسلا في مناسبات مختلفة..و من يراجع الروايات في باب علل الأغسال و ثوابها في البحار ج 81 ص 3 و 22 و 23 و 24 يخرج بحقيقة:أن


1) أمالي الطوسي ج 1 ص 29 و فيه:«نصف»بدل كلمة«شطر»و البحار ج 80 ص 237 و 234 و [1] 266 و في هوامشه عن الأول و عن:أمالي المفيد ص 146 و عن نوادر الراوندي ص 40.

2) البحار ج 80 ص 237 و [2]في هامشه عن الدعائم ج 1 ص 100. [3]

3) البحار ج 81 ص 129 [4]عن جمال الاسبوع. [5]

4) المصدر السابق عنه.

5) تحف العقول ص 66 و [6]البحار ج 81 ص 15 و 22 و [7] 27 عنه و عن اختيارات إبن الباقي، في حديث الأربعمائة،و ليراجع في الخصال،و البحار،و [8]المواعظ العددية و غير ذلك..

الغسل مستحب أو واجب في أكثر من تلك الموارد الّتي ذكرها ذلك البعض.

نعم..و هذا غيض من فيض مما ورد عنهم(ع)في هذا المجال..و أما ما ورد عنهم(ع)في الموارد الخاصة و العامة مما يدل على مطلوبية النظافة، فانه لا يكاد يحصر لكثرته،و لا نرى أننا بحاجة إلى التعرض له..و لربما نشير في المواضع المختلفة إلى رشحات منه إن شاء اللّه تعالى..

و لنبدأ الآن في البحث حول السواك و الخلال،و بعض ما يرتبط بنظافة الفم..ف:

إلى الفصل التالي...

الفصل الثاني: السواك..و الخلال..

اشارة

السواك..و الخلال..

بداية:

لم يكن يخطر في بالي قبل أن أراجع كتب و مجاميع الحديث أن تزيد الرّوايات الواردة في موضوع السواك،عن أهل بيت العصمة(ع)على عشرة، أو خمسة عشر،أو عشرين حديثا،على أبعد التقادير.

و لكن كم كانت المفاجأة و الدهشة كبيرة لدي،و أنا أجد من الأحاديث أضعاف ذلك مرارا كثيرة..الأمر الّذي جعلني أدرك إلى حدّ ما مدى أهمية هذا الأمر و خطورته إسلاميا،و هو من الموضوعات التي لا داعي للكذب،و لا رغبة للوضاعين الّذين حذّر النبي(صلی الله علیه و آله)منهم..فيها.

هذا كله عدا عن كثير من الأحاديث الّتي تؤكد على لزوم نظافة الفم، و طيب رائحته،مما لا مجال لتتبعه..

سؤال و جوابه:

و السؤال الّذي يطرح نفسه بادىء ذي بدء،هو:

لماذا يهتم الشارع بنظافة الأسنان إلى هذا الحد؟!..و كيف لم نجده

يهتم بكثير من الواجبات بهذا المقدار الّذي يهتم فيه بالسواك،و نظافة الفم و هو مستحب؟!..

و الجواب عن ذلك واضح جدا..

فان ضرورة الأسنان للإنسان لا يمكن تجاهلها و لا إنكارها من أحد.

و هي نعمة لا يشعر الإنسان عادة بها أو بأهميتها إلاّ إذا فقدها..مع أنه يستفيد منها كل يوم أكثر من مرة،و أن أي ضرر يلحق بها يوقعه و لا شك في الضيق و الحرج،و يوجب اختلال أحواله جزئيا،و يؤثر عليه تأثيرا لا يكاد يخفى..

و لعل من الأمور الواضحة:أن الأسنان الصناعية لا تستطيع حتّى في أفضل حالاتها أن تقوم بوظيفة الأسنان الأصلية،و لا هي من الكفاءة بحيث تؤمن لصاحبها راحته الّتي يتوخّاها منها،كما لو لم يكن قد فقد مثيلاتها الطبيعية..

كما أن من البديهي:أن الأسنان كما تساعد المعدة،بتهيئة الطعام لها، و جعله في وضع يكون قابلا للهضم،أو على الأقل تجعل هضمه أيسر مما لو بقي على حالته الأولى..كذلك هي تساعد الانسان في المنطق،و يؤثر فقدانها عليها بشكل ملحوظ..

و ما علينا من أجل إثبات ذلك إلاّ أن نتذكر حالة من فقدوا أسنانهم، و مدى ما يبذلونه من جهد من أجل جعل الطعام في وضع تتمكن معه المعدة من هضمه و الإستفادة منه..و كذلك مدى ما يبذلونه من جهد من أجل إخراج الكلمات بنحو تكون واضحة و مفهومة..

و عدا عن ذلك..فان اختلال الوضع الطبيعي للأسنان،و مرضها و موبوئيتها،يؤدي في كثير من الأحيان إلى أمراض و مضاعفات سيئة في كثير من

أجهزة الجسم..و لسوف يتضح ذلك بعض الشيء في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى..

و من هنا..و من أجل أمور هامة أخرى سنشير إليها إن شاء اللّه كان اهتمام الإسلام بالأسنان،و كانت دعوته الملحة للعناية بها،و الحفاظ على سلامتها،فأمر بكل ما من شأنه أن يحفظها و يصونها،و نهى و حذر من كل ما يضر بها و بسلامتها،إيمانا منه بأن سلامة الأسنان الطبيعية تؤثر في سلامة الإنسان،و سقمها يؤثر في سقمه..و لذا..فان من المهم أن يحافظ الإنسان عليها ليستفيد منها أكبر قدر ممكن في حياته،و ان يحتفظ بها سليمة و معافاة، لان معنى ذلك هو احتفاظه و كثير من أجهزة جسمه بسلامة و المعافاة أيضا..

السواك:

اشارة

و كان من جملة ما أمر به الإسلام في نطاق اهتمامه بالأسنان،مما له أثر كبير على صحتها و سلامتها هو:

«السواك».أي غسل الأسنان و تنظيفها..

الّذي أجمع الفقهاء على استحبابه..و خصوصا للوضوء و الصلاة..

و الّذي قدمنا:أن الروايات الواردة في فضله،و في أحواله و كيفياته،و سائر ما يتعلق به تفوف المئة بكثير جدا..و لا بد من أجل استيفاء الإشارة إلى أكثر ما تضمنته الروايات من تقسيم البحث على النحو الّذي ينسجم مع ما تضمنته، فنقول:

موقف المعصومين(ع)من السواك:
اشارة

لقد اتبع النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله)،و الأئمة من ولده أساليب متنوعة في الدعوة إلى الإلتزام بالسواك..و نشير هنا إلى:أن النبي(صلی الله علیه و آله)و أهل بيته المعصومين قد التزموا بالسواك عملا-و عملهم سنة لنا،و ما علينا إلاّ أن نقتدي بهم،

و نهتدي بهديهم،سواء في أفعالهم،أو في أقوالهم..

و إذا كان من الممكن أن لا يلتفت كثير من الناس إلى ذلك،أو لا يتيسر لهم الإطلاع عليه لبعد شقتهم،فقد حاولوا(ع)توجيه الأنظار إلى هذا الأمر، و حدثوا الناس عنه،و سجلوه على أنه حقيقة جديرة بأن يتناقلها الناس،و أن يأخذوها بعين الإعتبار.

فعن الصادق(ع)،و هو يتحدث عن النبي(صلی الله علیه و آله):انه كان يستاك في كل مرة قام من نومه (1)..و كان(صلی الله علیه و آله)يستاك إذا أراد أن ينام و يأخذ مضجعه (2).

و كان(صلی الله علیه و آله)يستاك لكل صلاة (3).و روي:أن السنة السواك في وقت السحر (4).

و عن الباقر:أن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)كان يكثر السواك و ليس بواجب (5).

و كان(صلی الله علیه و آله)يستاك كل ليلة ثلاث مرات،مرة قبل نومه،و مرة إذا قام من نومه إلى ورده،و مرة قبل خروجه إلى صلاة الصبح (6).


1) الوسائل ج 1 ص 356 و [1]في هامشه:عن فروع الكافي ج 1 ص 124 و [2]البخاري نشر دار الفكر ج 1 ص 66 و سنن أبي داود ج 1 ص 15.

2) البحار ج 76 ص 202 و 203 و [3]في هامشه عن مكارم الأخلاق ص 40 و 41 و [4] 337.

3) الوسائل ج 1 ص 356 و [5]البحار ج 80 ص 344 و [6]في هامشهما عن المقنع ص 3 [7] ط.حجر ص 8 ط.قم.

4) الكافي ج 3 ص 23 و [8]الوسائل ج 1 ص 357 و [9]سنن إبن ماجة ج 1 ص 105.

5) المحاسن للبرقي ص 563،و [10]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33 و مكارم الأخلاق ص 49 [11]ط.6،و البحار ج 76 ص 134. [12]

6) مكارم الأخلاق ص 39 و [13]الوسائل ج 1 ص 356 و [14]سنن الدارمي ج 1 ص 175 و سنن أبي داود ج 1 ص 15 و سنن إبن ماجة ج 1 ص 105 و سنن النسائي ص 8 ج 1 و البحار ج 80 ص 343 و ج 76 ص 135. [15]

و عن أبي عبد اللّه(ع):«إني لأحب للرجل إذا قام بالليل ان يستاك» (1).

بل لقد كان(صلی الله علیه و آله)إذا سافر يحمل مع نفسه المشط و المسواك و..

الخ.. (2).

بل لقد بلغ التزامهم(ع)بذلك حدا:أنه لو ترك أحدهم السواك كان ذلك ملفتا للنظر،و مدعاة للتساؤل،فقد روي:أن الصادق(ع)ترك السواك قبل أن يقبض بسنتين،و ذلك لأن أسنانه ضعفت (3).

و أما أمرهم(ع)بالسواك،و حثهم عليه بالقول..فكثير جدا أيضا و يمكن تقسيم النّصوص الّتي وردت في ذلك إلى عدة طوائف:

الأولى:

ما دلت على لزوم الإلتزام بالسواك و تحذر من تركه من جهة عامة.أي من دون تعرض لبيان أية خصوصية فيه..حتّى لقد اعتبر الإمام(ع)،أن التّارك للسواك ليس من الناس..فلقد قيل للصادق(ع):

أ ترى هذا الخلق،كلهم من الناس؟.

فقال،ألق التارك منهم للسواك (4).


1) المحاسن ص 559 و [1]البخاري نشر دار الفكر ج 1 ص 66 و سنن أبي داود ج 1 ص 15 و البحار ج 76 ص 131. [2]

2) راجع:البحار ج 76 ص 235 و 232 و [3]مكارم الأخلاق ص 35 و 252. [4]

3) علل الشرايع ص 295 و [5]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33 و الوسائل ج 1 ص 359 و [6]مكارم الأخلاق ص 50 [7] ط.6 و البحار ج 76 ص 137 و 127. [8]

4) المحاسن للبرقي ص 11 و [9]الخصال ص 409 و الوسائل ج 1 ص 353 و [10]البحار ج 76 ص 128 و ج 75 ص 469 و [11]ج 81 ص 204 و ميزان الحكمة ج 9 ص 130 [12]عن الوسائل ج 2 ص 660 باب 33: [13]كراهة التمرض من غير علة.

و عن النبي(صلی الله علیه و آله)،أنه قال:نظفوا طريق القرآن.قيل:يا رسول اللّه، و ما طريق القرآن؟قال:أفواهكم.قيل:بما ذا؟قال:بالسواك..و في معناه غيره (1)..

و قد جعل في بعض الروايات عنه(صلی الله علیه و آله)من أسباب عدم نزول الملائكة عليهم:أنهم لا يستاكون،بالإضافة إلى أنهم لا يستنجون بالماء،و لا يغسلون براجمهم (2).

و عن الصادق(ع):من سنن المرسلين السواك.و بمعناه نصوص أخرى (3).

و عن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله):ما زال جبرائيل يوصيني بالسواك حتّى خفت أن أحفى و أدرد.و في بعضها:حتّى خفت أن يجعله فريضة.و في معناه غيره (4).


1) المحاسن ص 558 و [1]الوسائل ج 1 ص 357 و [2]البحار ج 80 ص 343 و ج 76 ص 131/130 و 138 و [3]عن مكارم الأخلاق ص 51. [4]

2) راجع:البحار ج 80 ص 210 و ج 76 ص 139،و [5]في هامشه عن نوادر الراوندي ص 40.

3) الكافي ج 6 ص 495 و ج 3 ص 23 و [6]الوسائل ج 1 ص 346 و [7]راجع:المحاسن ص 560 و [8]مكارم الأخلاق ص 41 و 49 [9] ط.6 و البحار ج 76 ص 97 و 127 و [10] 142 و راجع ص 131 و 135 و الخصال ص 142 و روضة الواعظين ص 308.

4) الكافي ج 6 ص 495 و 496 و [11]راجع:الوسائل ج 1 ص 346 و 347 و [12] 348 و المحاسن ص 560 و [13]من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 7 و ج 1 ص 32 و سنن إبن ماجة ج 1 ص 106 و البحار ج 76 ص 126 و 139 و [14] 132 و 333 و 131 و في هامشه عن الأمالي ص 253 و 357 و [15]عن نوادر الراوندي ص 40.

و عن الصادق(ع):نزل جبرائيل بالسواك،و الخلال،و الحجامة (1).

فإذا كان السواك من سنن المرسلين،فهو إذن ليس أمرا عاديا يمكن التغاضي عنه بسهولة..خصوصا..و أن جبرائيل ما زال يوصي به النبي(صلی الله علیه و آله) حتّى خاف أن يجعله فريضة.فما أحرانا إذن أن نقتدي بالمرسلين من أجل هدايتنا،و نهتدي بهديهم،حيث أنهم لم يرسلهم اللّه إلاّ من أجلنا،و بما فيه مصلحتنا و الخير لنا..و لعل هذا هو السر في التعبير بكلمة:«المرسلين»، بدل كلمة:«الأنبياء»!!.

نعم..و قد سمح الشارع حتّى للصائم بأن يستاك،رغم قيام احتمال سبق شيء إلى جوفه..كما و سمح للمحرم بأن يستاك،و إن أدمى.

فعن الحسين بن أبي العلاء قال:سألنا أبا عبد اللّه(ع)عن السواك للصائم؟فقال:نعم،أي النهار شاء (2).و عن النبي(صلی الله علیه و آله)إذا صمتم فاستاكوا بالغداة،و لا تستاكوا بالعشى،فانه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشى،إلاّ كان نورا بين عينيه يوم القيامة (3).و ثمة روايات أخرى.و عن أبي عبد اللّه(ع)،قال:قلت:المحرم يستاك؟قال:نعم،قلت:فان أدمى؟ قال:نعم،هو من السنة (4).

و عن الباقر(ع):و لا بأس أن يستاك الصائم في شهر رمضان أي النهار


1) المحاسن ص 558 و [1]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 32 و الوسائل ج 1 ص 346 و [2]البحار ج 76 ص 130 و 138 و [3]عن الكافي ج 2 ص 84 و [4]عن مكارم الأخلاق ص 51. [5]

2) الوسائل ج 1 ص 360 و ج 7 ص 57-60 [6] روايات كثيرة،و في هامشه عن عدد من المصادر.

3) البحار ج 76 ص 135 و [7]مكارم الأخلاق ص 49/48 [8] ط.6.

4) البحار ج 99 ص 180 و [9]علل الشرايع ص 407. [10]

شاء،و لا بأس بالسواك للمحرم (1).

و ثمة روايات كثيرة تأمر بالسواك و تحث عليه،لا مجال لاستقصائها في هذه العجالة..فمن أراد المزيد،فليراجع مجاميع الحديث و الرواية، كالبحار،و الوسائل،و مستدركاتها،و غير ذلك.

الثانية:السواك للوضوء و الصلاة:

ثم هناك ما دل على استحباب السواك و لا سيما عند الوضوء (2)و الصلاة (3)،و أنه لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند وضوء كل صلاة..أو عند كل صلاة (4).

و الظاهر:أن المراد:الأمر الوجوبي،و إلاّ:فان الأمر الإستحبابي ثابت..كما أن الظاهر هو أنه لا منافاة بينهما،فان السواك للوضوء معناه أن تكون الصلاة بسواك أيضا..فعبر باحدهما عن هذا و عن الآخر بذاك،لعدم


1) مكارم الأخلاق ص 49. [1]

2) راجع:من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 32 و البحار ج 76 ص 136 و [2] 132 و 140 و ج 80 ص 343 و 338 و 339 و 344 و ج 77 ص 71،و مكارم الأخلاق ص 49 و [3]عن المقنع ص 8.ط.قم،و عن كتاب الإمامة و التبصرة،و روضة الكافي ص 79،و المحاسن للبرقي ص 17،و 561. [4]

3) راجع:الكافي ج 6 ص 496 و [5]المحاسن ص 561،و [6]الوسائل ج 1 ص 355 و 354 و [7]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 34 و البحار ج 76 ص 132 و ج 80 ص 338 و [8]كشف الأستار ج 1 ص 240 و 241 و 243 و مجمع الزوائد ج 2 ص 97.

4) الوسائل ج 1 ص 254 و 355 و [9]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 18 و الكافي ج 3 ص 22 و [10]المحاسن للبرقي ص 561 و [11]علل الشرايع ص 293 و [12]البحار ج 76 [13] ص 126 و 137 و ج 80 ص 341 و 344/343 و مكارم الأخلاق ص 50 و [14]سنن الدارمي ج 1 ص 174 و [15]سنن إبن ماجة ج 1 ص 105 و سنن أبي داود ج 1 ص 12 و سنن النسائي ص 12 ج 1 و البخاري ج 2 ص 34 نشر دار الفكر.

الفرق في النتيجة بينهما.

و ورد أيضا:أن ركعتين بسواك أفضل من أربع ركعات (1)،أو سبعين (2)،أو خمس و سبعين ركعة بدونه (3).أو أن صلاة بسواك أفضل من الّتي يصليها بدونه أربعين يوما،بعد أن قال:عليك بالسواك،و ان استطعت أن لا تقل منه،فافعل (4)..

و أن السواك يضاعف الحسنات سبعين ضعفا (5)..و انه من السنن الخمس الّتي في الرأس (6)..و يرضي الرحمن (7)..و من سنن المرسلين، و قد تقدم.

و قال أبو عبد اللّه إذا قمت بالليل فاستك،فان الملك يأتيك فيضع فاه على فيك،فليس من حرف تتلوه،و تنطق به إلاّ صعد به إلى السماء،فليكن


1) المحاسن للبرقي ص 562،و [1]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33 و الوسائل ج 1 ص 355 و [2]البحار ج 76 ص 133 و ج 80 ص 339 و 344 [3] عن بعض من تقدم،و عن المقنع ص 8 ط.قم.

2) الكافي ج 3 ص 22 و [4]المحاسن ص 561،و [5]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33،و الوسائل ج 1 ص 355 و [6]البحار ج 76 ص 133 و [7] 137 و 139 و ج 80 ص 339 و 342 و الخصال ص 481 و مكارم الأخلاق ص 50 و [8]جامع الأخبار ص 68 و راجع كشف الأستار عن زوائد البزار ج 1 ص 244 و 245 و مجمع الزوائد ج 2 ص 98.

3) البحار ج 80 ص 344 [9] عن أعلام الدين.

4) البحار ج 76 ص 37 و ج 80 ص 344 و [10]مكارم الأخلاق ص 51. [11]

5) البحار ج 76 ص 128 و [12]الخصال ص 449.

6) البحار ج 76 ص 67 و 68 و [13]ج 80 ص 345 و في هوامشه عن المصادر التالية:الخصال ج 1 ص 130 و فقه الرضا ص 1 و تفسير القمي ص 50 و الهداية ص 17.

7) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 34 و البحار ج 76 ص 129. [14]

فوك طيب الريح..و في معناه غيره (1).

و الروايات في هذا المجال كثيرة لا مجال لاستقصائها..

إشارة:

هذا..و لا بد من الإشارة هنا إلى أن ما تقدم من الإختلاف بين أربع ركعات،أو سبعين،أو خمس و سبعين ركعة،أو أربعين يوما،في مقام إثبات الأجر و أفضلية الصلاة بسواك على غيرها..لا يستدعي التشكيك في هذه الروايات..إذ لعل السواك الّذي تكون المنافع الدنيوية هي المقصودة منه هو الّذي يفضل الركعتان معه الأربع ركعات؛أما الذي يقصد منه الثواب الأخروي...فان ركعتين معه تعدل سبعين ركعة..أو خمس و سبعين،أو أربعين يوما،على اختلاف درجات الإخلاص في النية في هذا المجال..

منافع السواك..و أوقاته..و كيفياته:

و لم يكتف النبي(صلی الله علیه و آله)و الأئمة(ع)بالمداومة على السواك عملا،و لا بما تقدم من الأوامر المطلقة به..أو بالإشارة لما يثبت استحبابه و عباديته،و أن الإنسان ينال عليه الثواب الجزيل،و الأجر الجميل..الأمر الّذي من شأنه أن يعطي الإنسان المؤمن قوة دافعة على ممارسته،و الإلتزام به،و المداومة عليه.

نعم..لم يكتفوا(ع)بذلك..و إنما زادوا عليه اهتمامهم الظاهر ببيان ما يترتب على السواك من المنافع،و ما في تركه من المضار..

و بديهي أن الشارع المقدس يهتم بالمحافظة على سلامة الإنسان، و حفظه في أفضل الحالات،و إذا كان للسواك أثر كبير في ذلك،فانه يكون


1) الكافي ج 3 ص 23 و [1]المحاسن ص 561 و 559 و علل الشرايع ص 293،و [2]الوسائل ج 1 ص 357،و [3]البحار ج 80 ص 339 و [4] 341 و 343 و ج 76 ص 126 و 132.

مرغوبا و مطلوبا له تعالى بذاته،حتّى و لو لم يقصد به القربة،و لا أتى به لأجل ما له من الأجر و الثواب.و إذا عرف الناس منافعه..و إذا كان هناك من لا يريد الإقتداء بالمرسلين،أو لا رغبة لديه فيما فيه من الثواب..فانه قد يفعله رجاء الحصول على ما فيه من فوائد و منافع،و ما يدفعه من مضار..فان الإنسان- بطبعه-محب لنفسه،يهمه جدا دفع كل بلاء محتمل عنها،و جلب كل نفع يقدر عليه لها..و في السواك الكثير الكثير مما يرغب فيه الراغبون،و يتطلع إليه المتطلعون،سواء بالنسبة لشخص الإنسان و ذاته،أو بالنسبة لعلاقاته بالآخرين من بني جنسه.

لو علم الناس ما في السواك:

و في مقام الإشارة إلى ما للسواك من المنافع الجليلة نجد الإمام الباقر(ع) يقول:«لو يعلم الناس ما في السواك لأباتوه معهم في لحاف» (1)..و تقدم قوله(صلی الله علیه و آله)لعلي:عليك بالسواك،و ان استطعت أن لا تقل منه فافعل..فان ذلك يعطينا:أن فوائد السواك تفوق حد التصور،و أن مضار تركه لا تقل أهمية في نظر الإسلام عن فوائد الإستمرار عليه.

انه لمن المدهش حقا أن تؤدي بنا معرفة السواك إلى أن نبيته معنا في لحاف!!..مع أن أحدنا حتّى لو كان مصابا فعلا بمرض،فانه لا يبيت الدواء معه في لحاف؛فكيف بالسواك الّذي لا يعدو عن أن يكون عملية تطهر و تنظف،تستبطن معها الوقاية من أمراض محتملة؟!!..

فلو لا أن ترك السواك يستتبع أمراضا خطيرة،تهدد حتّى حياة الإنسان و وجوده لم يكن معنى لقوله(ع):لا باتوه معهم في لحاف..و من يدري فلعله


1) ثواب الأعمال ص 34،و علل الشرايع ص 107 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 34 و الوسائل ج 1 ص 349 و 351 و [1]البحار ج 80 ص 344/343 و ج 76 ص 130. [2]

يشير(ع)بذلك إلى أن موبوئية الأسنان من أسباب مرض السل،أو إلى أن غازات الفم الكريهة قد تنفذ إلى مجرى الدم،و تفتك-من ثم-بالجسم كله..أو إلى غير ذلك مما ستأتي الإشارة إليه.

فوائد السواك ..في روايات أهل البيت(ع):

لقد تقدم في الروايات السّابقة ما يدل على أن السواك يطيب ريح الفم، حيث قال أبو عبد اللّه(ع):«فليكن فوك طيب الريح..و تقدم أنه ينظف الفم».لقوله(صلی الله علیه و آله):«نظفوا طريق القرآن».

و نزيد هنا:قول أمير المؤمنين(ع):«ان أفواهكم طرق القرآن؛ فطيبوها(أو فطهروها)بالسواك..»و بمعناه غيره (1).

و ورد:نظفوا الماضغين (2).

و عن الباقر(ع):«لكل شيء طهور،و طهور الفم السواك» (3)و نحوه غيره.و ورد أن السواك«مطيبة للفم» (4).

و عن أبي عبد اللّه(ع)،أنه قال:لما دخل الناس في الدين أفواجا أتتهم الأزد،أرقها قلوبا،و أعذبها أفواها..فقيل:يا رسول اللّه؛هذا أرقها قلوبا


1) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 32 و سنن إبن ماجة ج 1 ص 106 و الوسائل ج 1 ص 358، و [1]البحار ج 76 ص 130 و 131 و [2]ج 80 ص 344 عن المقنع ص 8 [3] ط.قم،و عن أعلام الدين،و صحيفة الرضا ص 11 و المحاسن للبرقي ص 558.

2) البحار ج 76 ص 127. [4]

3) راجع:من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33،و مكارم الأخلاق ص 49،و [5]البحار ج 76 ص 136 و 126 و [6]ج 69 ص 370 و في هامشه عن أمالي الصدوق ص 216.

4) البحار ج 76 ص 129 و 138 و [7] 139 و في هامشه عن الخصال ج 1 ص 155 و عن مكارم الأخلاق ص 55 و [8]عن نوادر الراوندي ص 40. [9]

عرفناه،فلم صارت أعذبها أفواها؟.فقال:لأنها كانت تستاك في الجاهلية..و في معناه غيره (1).

و عن أمير المؤمنين(ع):«السواك مرضاة اللّه،و سنة النبي،و مطهرة للفم..»و بمعناه غيره (2)..

و عن الصادق(ع):«في السواك إثنتا عشرة خصلة:هو من السنة، و مطهرة للفم،و مجلاة للبصر،و يرضي الرّب،و يبيض الأسنان،و يذهب بالحفر،و يشد اللثة،و يشهي الطعام،و يذهب بالبلغم،و يزيد في الحفظ، و يضاعف الحسنات سبعين ضعفا،و تفرح به الملائكة..»و في نص آخر للحديث«يذهب بالغم» (3)..و زاد في رواية ذكرها الشهيد پاك نجاد:

«و يصح المعدة» (4).

و عن الباقر(ع):«السواك يذهب بالبلغم،و يزيد في العقل»(و في نص آخر:في الحفظ) (5).


1) علل الشرايع ص 295/294 و [1]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33 و الوسائل ج 1 ص 349 و [2]مكارم الأخلاق ص 49 و [3]البحار ج 76 ص 127 و 136. [4]

2) المحاسن للبرقي ص 562 و 563 و [5]راجع:البحار ج 76 ص 133 و 139 و [6]ج 62 ص 204 و 203 عنه و عن تحف العقول ص 15،و [7]عن طب الأئمة ص 66. [8]

3) راجع الحديث في:المحاسن ص 562 و 563 و [9]الكافي ج 6 ص 496،و [10]الوسائل ج 1 ص 347 و 350 و [11] 349 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 34،و روضة الواعظين ص 308 و [12]الخصال ص 449،و ثواب الأعمال ص 34 و البحار ج 76 ص 129 و 137 و [13] 138 و 133 و ج 77 ص 55 و ج 80 ص 346 و 342/341 و مكارم الأخلاق ص 50 و [14]صحيح البخاري نشر دار الفكر ج 2 ص 234،و سنن النسائي ج 1 ص 10 و مصباح الشريعة ص 123 و عن الهداية ص 18. [15]

4) أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 12 ص 20.

5) ثواب الأعمال ص 34 و البحار ج 76 ص 130 و [16]الوسائل ج 1 ص 351. [17]

و عن الصادق(ع):«السواك يذهب بالدمعة،و يجلو البصر» (1).و في نص آخر عن الرضا(ع):«السواك يجلو البصر،و ينبت الشعر..» و عنهم(ع):«يذهب بغشاوة البصر».و في آخر:مجلاة للعين..

و الروايات بهذا المعنى كثيرة (2).

و عن النبي(صلی الله علیه و آله)أنه قال:«السواك يزيد الرجل فصاحة» (3).

و عن الصادق(ع):السواك و قراءة القرآن مقطعة للبلغم..و في نص آخر:ثلاثة يذهبن النسيان،و يحدثن الذكر:قراءة القرآن،و السواك و الصيام،«أو اللبان».و في نص آخر:يزدن في الحفظ،و يذهبن السقم..و في غيره:يذهبن بالبلغم،و يزدن في الحفظ (4).

و عن الصادق(ع):«أن النشرة في عشرة أشياء،و عدّ منها السواك» (5).


1) المحاسن ص 563 و [1]الوسائل ج 1 ص 348 و [2]الكافي ج 6 ص 496 و [3]البحار ج 62 ص 145 و ج 76 ص 133. [4]

2) المحاسن ص 563 و 562 و [5]مكارم الأخلاق ص 50 و 48 و [6]البحار ج 76 ص 139 و 96 و 134 و 133 و 145 و 137 و عن تحف العقول ص 15 و راجع مصادر حديث الاثنتي [7]عن تحف العقول ص 15 و راجع مصادر حديث الاثنتي عشرة خصلة و غير ذلك كثير..

3) مكارم الأخلاق ص 48 و [8]البحار ج 76 ص 135. [9]

4) راجع:البحار ج 76 ص 133 و 138 و [10] 319 و 320 و ج 66 ص 443 و ج 62 ص 262 و 266 و 272،و ج 77 ص 55 و مكارم الأخلاق ص 51 و [11]في هوامش البحار [12]عن مكارم الأخلاق ص 50 و 55 و [13] 46 و 45،و عن الخصال ج 1 ص 126 و عن السرائر،و عن كتاب طريق النجاة،و عن الشهيد قدس سره،و عن دعائم الإسلام و المصادر لذلك كثيرة.

5) الوسائل ج 1 ص 350 و 352 و [14]الخصال ص 443.

و عنه(ع):«عليكم بالسواك،فانه يذهب وسوسة الصدر» (1).

و في حديث عن أمير المؤمنين(ع):«أن السواك يوجب شدة الفهم، و يمرىء الطعام،و يذهب أوجاع الأضراس،و يدفع عن الإنسان السقم، و يستغني عن الفقر..»و الحديث طويل،و ما ذكرناه منه منقول بالمعنى (2).

و نصوص الأحاديث في هذا المجال كثيرة،و متنوعة،و ما ذكرناه يشير إلى أكثر ما تضمنته إن شاء اللّه تعالى..

مجمل ما تقدم:

و قبل أن نتكلم بالتفصيل عما ورد في الروايات المتقدمة،فاننا نجمل ما جاء فيها على النحو التالي:

1-ان السواك طهور،و معقم للفم.

2-انه منظف للفم.

3-يجعل الفم عذبا.

4-يذهب برائحة الفم الكريهة،و يطيب رائحته.

5-يذهب بالغم.

6-يزيد في العقل.

7-يذهب بالدمعة.

8-يذهب بالبلغم.


1) أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 279 و [1]البحار ج 76 ص 139 و [2]الوسائل ج 3 ص 383. [3]

2) راجع البحار ج 76 ص 138 و [4]جامع الأخبار ص 68. [5]

9-يزيد في الحفظ.

10-يجلو العين،و يجلو البصر،و يذهب بغشاوته.

11-يبيض الأسنان.

12-يذهب الحفر.

13-يشد اللثة.

14-يشهي الطعام.

15-و إذا كان بعود الاراك،فانه يسمّن اللثة أيضا.

16-ينبت الشعر.

17-يوجب النشرة،أو النشوة،حسب بعض النسخ.

18-يزيد الرجل فصاحة.

19-يذهب بالنسيان،و يحدث الذكر.

20-يذهب بوسوسة الصدر.

21-يوجب شدة الفهم.

22-يمرىء الطعام.

23-يذهب بأوجاع الأضراس.

24-يدفع عن الإنسان السقم،و يذهب به.

25-يغني من الفقر.

26-يصح المعدة.

كان ذلك هو ما استخلصناه من الرّوايات بالنسبة لفوائد السواك،و يمكن أن يأتي كثير مما ذكر هنا في الخلال أيضا...

و لا يجب أن يتخيل:أن فيما ذكر تكرار،فان انعام النظر فيه يظهر خلاف ذلك للمتأمل..بل قد يظهر:أننا قد تكلفنا إدخال بعضها تحت البعض الآخر.

و بعد..فان من المناسب:أن نقف وقفة قصيرة للتأمل فيما ذكر من الفوائد،بقدر ما يسمح لنا به المجال،و تسمح لنا به المعلومات الطبية المحدودة المتوفرة لدينا..في استكناه الأسرار الّتي أومأت إليها هذه الرشحة المباركة من رشحات أهل بيت العصمة(ع).و تضمنتها تلك الخريدة الفريدة، لنستوحي منها،و نستهدي طريق الخير،و الرشاد،و السداد..فنقول:و اللّه المستعان،و منه نستمد الحول و القوة..

السواك..يبيض الأسنان:

إن كثيرا مما تقدم قد يكون مما لا يزال العلم عاجزا عن كشف مدى ارتباطه بالسواك،و ارتباط السواك به بشكل دقيق و شامل..إلاّ أن مما لا شك فيه هو أننا نستطيع أن نلتمس من ذلك كله مدى اهتمام الإسلام بمختلف شؤون هذا الإنسان و أحواله،و مدى إحاطته و شموليته لهذه الأحوال،و تلكم الشؤون..

حتّى إنه لم يغفل حتّى عن أثر السواك في المظهر الخارجي للإنسان، إنطلاقا من حرصه الشديد على أن يبدو الإنسان في أبهى منظر،و أزهى حلّة..لأن جمال المظهر يؤثر في اجتذاب الآخرين إليه،و محبتهم له،بل و يؤثر حتّى في روحه هو و نفسه،فضلا عن غيره.

و من هنا..فقد ورد:أن السواك يبيض الأسنان (1)..و ورد أيضا قوله(صلی الله علیه و آله):«ما لي أراكم قلحا؟ما لكم لا تستاكون؟!» (2).

و القلح:صفرة في الأسنان..و لا شك في أن بياضها أفضل من صفرتها أو خضرتها؛و أكثر قبولا لدى الآخرين،لأنه هو اللون الطبيعي لها..

السواك.يطيب رائحة الفم:

و لا شك أن ذا الفم الكريه الرائحة ينفر الناس،بل و حتّى الملائكة منه، و الإنسان يريد لنفسه،و اللّه أيضا يريد له:أن يكون محببا لدى الناس،قريبا إلى قلوبهم و نفوسهم..

و من هنا فقد ورد:أن السواك يطيب رائحة الفم.

يذهب بالحفر:

و السواك أيضا يذهب بالحفر.أي أنه يقلع الحبيبات المتكلّسة على جدار السن،و الّتي تؤدي إلى جرح اللثة و تقيحها،و جعلها في معرض الإلتهابات و الأمراض.بالإضافة إلى أنه يمنع من وجود غيرها من جديد..

يقوي اللثة:

و هو إلى جانب ذلك عامل مهم من عوامل تقوية اللثة و سمنها،حيث إنه رياضة مستمرة لها،و ينبه عضلاتها و يحركها،كما و يحرك الدورة الدموية فيها..


1) سيأتي ذلك في حديث الإثنتي عشرة خصلة في السواك..

2) الكافي ج 6 ص 496،و [1]المحاسن للبرقي ص 561،و [2]البحار ج 76 ص 132 و [3]في المحاسن:ما لي أراكم قلحا مرغا..ففي التاج ذو شعر مرغ أي متشعث يحتاج إلى الدهن،أو دنس من كثرة الدهن..و راجع أيضا كشف الأستار ج 1 ص 243 و مجمع الزوائد ج 2 ص 97.

يجلو البصر:

و كذلك فان للسواك علاقة بالعين،فمرض الأسنان يؤثر في مرضها، و سلامتها تؤثر في سلامتها..و قد شوهدت حالات كثيرة من العمى المؤقت الناجم عن بعض أمراض الأسنان..حتّى إذا ما عولجت و شفيت عادت الرؤية إلى العين من جديد،و لعل ذلك أصبح من الأمور المتسالم عليها طبيا..و لذا نرى في كلماتهم(ع)التأكيد على هذه العلاقة،و أن السواك يجلو البصر، و يذهب بالدمعة،و يذهب بغشاواة العين..و غير ذلك مما تقدم..

ينبت الشعر:

و للأسنان علاقة وثيقة أيضا بشعر الإنسان..و قد لوحظ كثيرا:أن بعض المبتلين ببعض أمراض الأسنان يتساقط الشعر المسامت للأسنان المريضة عندهم..حتّى إذا عولجت أسنانهم و شفيت،فان ذلك الشعر يعود إلى النمو من جديد..و هذا ما يجعلنا ندرك بسهولة:أن السواك الّذي يؤثر في سلامة الأسنان،فانه يؤثر أيضا في إنبات الشعر،حسبما ورد في الرواية..

علاقة السواك بالحالة النفسية و العقلية و غيرها..

و كذلك..فانه مما لا شك فيه:أن تنظيف أي عضو من أعضاء الإنسان،و خصوصا الفم..يكون من أسباب بعث الحيوية و النّشاط في مختلف أجهزة الجسم الأخرى،حتّى الجهاز التناسلي منها-و من أسباب بعث السرور و الإبتهاج في نفسه..و إذا كان الإنسان مرتاحا نفسيا،و يتمتع بالحيوية و النّشاط الجسدي،فان ذلك ينعكس بطبيعة الحال على نشاطه الفكري و العقلي..حتّى لقد قيل:العقل السليم في الجسم السليم..

بل اننا نستطيع:أن نؤكد على علاقة الأسنان بسلامة الإنسان النفسية.

و من هنا..فاننا نلاحظ:إن ظهور ما يسمى ب«ضرس العقل»يصحبه في

أحيان كثيرة بعض الإختلالات النفسية لدى الإنسان،كما يقولون..و ذلك يؤكد على أنه ليس من المجازفة في القول:التأكيد على أن السواك له تأثير مباشر في الصفاء النفسي للإنسان،و يذهب بكثير من الوساوس و الهواجس الّتي قد تنتابه..

بل هو يؤثر في إذهاب حالات الغم و الهم الّتي قد تنتاب الإنسان أيضا، و لا يعرف لها سببا قريبا معقولا..مع أنها قد تكون ناشئة عن موبوئية الفم و الأسنان احيانا كثيرة..حتّى إذا ما نظفت ذهبت هذه الحالة عنه،ليحل محلها حالة من الفرح و الحيوية و النّشاط..

و إذا ما عرفنا:أن الهم و الغم من الأسباب الرئيسة للنسيان؛و عدم التمكن من الحفظ بسبب اختلال الحال،و اشتغال البال،و عدم القدرة على التركيز على نقطة معينة..

و عرفنا:أن النشوة و صفاء الفكر من أسباب سرعة الحفظ،و زيادة قوة الحافظة..إننا إذا عرفنا ذلك..فإننا ندرك مدى علاقة السواك بحافظة الإنسان،و مدى تأثيره في إذهاب حالة النسيان من الإنسان..

و مما ذكرنا نعرف:كيف أن السواك-على حد قولهم(ع)يذهب بالغم و النسيان،و يزيد في الحفظ و العقل.و يشهي الطعام،و من أسباب النّشاط و النشوة أو النشرة (1)و يزيد الرجل فصاحة،و يذهب بوسوسة الصدر،و يوجب شدة الفهم إلى غير ذلك مما ورد في الروايات عن أهل بيت العصمة صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين.


1) النشرة:هي إنتشار العضو التناسلي.و ذلك غير بعيد،بعد أن كان السواك من أسباب القوة و النشاط في مختلف أجهزة الجسم..

آثار موبوئية الفم..

و بما أن للأسنان علاقة بجميع أجهزة الجسم الأخرى..و يؤثر صحتها و مرضها و قوتها في مرض و صحة و قوة تلك الأجهزة..فان من الطّبيعي أن يكون ذلك حافزا و دافعا للانسان ليحافظ على أسنانه،و يهتم بصحتها،لانه يكون قد حافظ على سائر أجهزة جسمه تقريبا..

و يقول علماء الطب:

إن الجراثيم و الميكروبات المتكونة في تجاويف الأسنان من فضلات الطعام المتخلفة فيها،و الوافدة من الفم إلى المعدة،هي السبب في عسر الهضم،و حزّة المعدة،أو حموضتها.و هي السبب أيضا في بعض أمراض الكلى و الرئتين..

و قد تصل هذه الجراثيم إلى اللوزتين،و تؤثر أيضا على الأنف،بحيث توجب إلتهابات في الجيوب الأنفية..

بل إن أمراض الأسنان الناشئة من عدم تنظيفها و تعقيمها قد توجب إلتهابات في الاذنين،و تكون هي السبب في بعض أمراض العينين-و ذلك لاتصال كل من العين و الأذن بالأسنان عن طريق الأعصاب.

كما أن بعض أمراض الفم قد تؤثر في روماتيزم المفاصل،و تزيد من أعباء الكبد.بل إن أسنان المريض هي أول ما يلفت نظر الطبيب في معالجته المريض بالسل،و أسقام عديدة أخرى..

هذا..و يتكون من تخمر فضلات الطعام في الفم حامض:«الكتيك» الّذي يوثر في الطّبقة الخارجية لتاج السن فيذيبها و يفقدها نعومتها،و يجعلها خشنة الملمس..الأمر الّذي يساعد على تخلف مزيد من الفضلات،

و ليتكون من ثم المزيد من الجراثيم..و من ثم إلى مواجهة كثير من المتاعب.

كما أن هذه الأحماض المشار إليها..هي في الحقيقة من أسباب تسوس الأسنان،و من ثم فقدانها لصلاحيتها،حيث يكون لا بد من التخلص منها..

كما أن غازات الفم الكريهة قد تنفذ إلى مجرى الدم،و تفتك-من ثم- بالجسم كله..

و هذه الغازات الّتي تنشأ في الغالب من تخمر فضلات الطعام المتبقية في تجاويف الأسنان،الّتي لا تلبث أن تتعفن،و تصبح ذات رائحة كريهة جدا، يشعر بها كل من يحاول تنظيف أسنانه بعد إهماله لها مدة من الزمن..ثم تتحول شيئا فشيئا إلى ميكروبات و جراثيم تعد بالملايين و يتسبب عنها الكثير من أمراض الفم،و تفد-كما قلنا-مع الطعام إلى المعدة،و لتسبب للإنسان-من ثم-الكثير من المتاعب و الأخطار..

يضاف إلى ذلك كله:أن تلك الفضلات قد تسبب قروحا في اللثة،و مع كون الجراثيم حاضرة و جاهزة،فانها تعمد إلى الفتك باللثة عن طريق تلك القروح،و إذا ما أدت تلك القروح إلى كشف عنق السن،فلسوف ينتج عن ذلك ضعف ذلك السن و خلخلته.و ليصبح من ثم عديم الفائدة و مستحقا للقلع (1).

السواك..هو المنقذ:

و هكذا..فان النتيجة بعد ذلك تكون:هي،أنه لا بد للفم من منظف


1) راجع كتاب:الصحة و الحياة ص 36/35 فانه قد أوضح ذلك..

أو لا،و معقم و مطهر له ثانيا،يقتل هذه الجراثيم الّتي فيه،و يزيلها،و يمنع من حدوث أخرى مكانها..

و قد قرر الشارع:أن هذا المنظف و المطهر و المعقم هو السواك،الّذي يكون في نفس الوقت علاجا،كما هو عملية وقائية من كثير من الأمراض، الّتي يمكن أن يتعرض لها الإنسان نتيجة لموبوئية الأسنان،و منها أمراض المعدة،حيث إن السواك«يصح المعدة»كما تقدم،هذا عدا عن الآثار الكثيرة الّتي أشرنا و سنشير إليها إن شاء اللّه تعالى..كما و يلاحظ:أنه قد اعتبره مطهرا و معقما للفم كله،لا لخصوص الأسنان و حسب..و لكن شرط أن يستعمل على النحو الذي يريده الشارع،و في الأوقات و الوسائل الّتي قررها..

و من هنا،فاننا نعرف الحكمة في قولهم(ع)عن السواك:إنه طهور للفم،و منظف له،و أنه يدفع عن الأنسان السقم،و يذهب أوجاع الأضراس..إلى غير ذلك مما تقدم،و سيأتي إن شاء اللّه تعالى..

السواك يشهي الطعام:

كما أن من الواضح:أن موبوئية الفم،و كثرة الجراثيم فيه تقلل من اشتهاء الإنسان للطعام،و ميله إليه،و لا سيما إذا كان ثمة عسر هضم،أو حزة أو حموضة في المعدة..

بل إن من الأمور الثابتة علميا:أن تنظيف الأسنان يدفع الإنسان إلى الطّعام،و يزيد من الكميات الّتي يتناولها منه إلى حد ملفت للنظر..و هذا بالذات ما يفسر لنا ما ورد عنهم(ع)،من أن السواك يشهّي الطعام و يمريه..

عذوبة الفم..و الفصاحة..

و إذا كان الإستياك يوجب عذوبة الفم،و نقاوة اللعاب،و يشد اللثة و يقويها و يحافظ على الأسنان،و يوجب تقوية عضلات الفم،إلى آخر ما تقدم..فان من الطبيعي أن يكون من أسباب زيادة الرجل فصاحة،حيث تصير عضلات الفم أكثر قدرة على الحركة،و أكثر تحكما بالنبرات الصوتية، و أكثر نشاطا،و دقة في أدائها لوظيفتها..

السواك بالقصب و الريحان و غيرهما:

و مع أننا قد أطلنا نسبيا في موضوع السواك..إلاّ أن تشعب هذا الموضوع،و اختلاف مناحيه و أطرافه هو الّذي فرض علينا ذلك،مع اعترافنا بالعجز و القصور عن إدراك الكثير مما يرمي إليه النبي و الأئمة صلوات اللّه و سلامه عليهم،أو يشيرون إليه..

و لذا..فاننا لا نجد محيصا عن الالمامة السريعة فيما يتعلق بأحوال و كيفيات السواك و أوقاته كذلك..فنقول:

إن من الواضح:أن مجرد إخراج الفضلات من تجاويف الأسنان،و إن كان في حد ذاته مفيدا..إلا أنه إذا كان بطريقة غير صالحة،فلربما تنشأ عنه أضرار تفوق ما يمكن أن يجلبه من منافع..

و هذا..ما يبرز الحاجة الملحة لتوخي الطريقة الأصلح و الفضلى الّتي تؤدي المهمة المنشودة على أكمل وجه،و تتلافى معها جميع المضاعفات و الأضرار المحتملة..

و بديهي أن إخراج الفضلات من تجاويف الأسنان بواسطة آلة صلبة، كدبوس أو إبرة،أو أي آلة معدنية أخرى..لمما يتسبب منه جرح الجدار

الصلب الّذي يغلف تاج السن..كما أنه قد يؤدي إلى جرح النسيج اللثوي، الأمر الّذي ينتج عنه تعرض الأسنان للنخر،و اللثة للإلتهابات،بفعل تلك الجراثيم الّتي تتواجد في الفم،و الّتي ربما تعد بالملايين.

و إذن..فلا بد و أن يكون السواك و الخلال بوسيلة لا صلابة فيها،يؤمن معها من جرح الجدار الصلب لتاج السن،و جرح النسيج اللثوي أيضا..

و لأجل ذلك..فقد منع الإسلام عن السواك و الخلال بالقصب و عود الرمان لأن ذلك قد يجرح النسيج اللثوي،و يؤثر في تاج السن أيضا..

كما أنه قد منع عن عود الريحان..و لعل ذلك يرجع إلى أنه يحتوي على بعض المواد المضرة بالأسنان و في اللثة على حد سواء..

و مما يدل على المنع عن السواك بغير الأراك و الزيتون.

و ما روي عن النبي(صلی الله علیه و آله)من أنه نهى أن يتخلل بالقصب،و أن يستاك به (1)..

و عنه(صلی الله علیه و آله):أنه نهى عن السواك بالقصب و الريحان،و الرمان (2).

السواك بالأراك ،و نحوه:

و قد أمر الإسلام بالسواك بعود الأراك و حث عليه،و ما ذلك إلاّ لأن النسيج الداخلي لعود الأراك بعد ملاقاته للماء أو اللعاب يتخذ حالة ملائمة جدا لعملية السواك،حيث إنه يصير مرنا،و ناعما و طريا،يشبه الفرشاة المستعملة في هذه الأيام إلى حد بعيد،فلا يتعرض معه جدار السن،و لا النسيج اللثوي


1) المحاسن ص 564 و [1]مكارم الأخلاق ص 153. [2]

2) المصدران السابقان.

إلى أية حالة يمكن أن ينتج عنها ضرر مهما كان..كما أن عود الزيتون يؤدي نفس هذه المهمة أيضا على ما يبدو..

نعم..لم يأمر الإسلام باتخاذ فرشاة،و لا أرشد إلى صنع معاجين من مواد معينة،و معقمة و مطهرة للفم،و مضادة إلى حد ما للجراثيم..على النحو الشائع في هذا الأيام..إذ لم يكن في ذلك الزمان معاجين،و لا كان يخطر في بالهم،أو يمر في مخيلتهم أن يحتاج تنظيف الأسنان إلى مواد كيمياوية من نوع معين..و لو أنه(صلی الله علیه و آله)أراد أن يرشدهم إلى صنع فرشاة أو تركيب معاجين كيمياوية لهذا الغرض لوجد أنه سيتعرض لنسب و أباطيل لا يرضى أحد أن يتعرض لها..

و لكنه(صلی الله علیه و آله)أمرهم باتخاذ عود الأراك،أو عود الزيتون مسواكا،و ذكر له في الروايات منافع هامة،ثم أكد الأئمة بعده على ذلك..

فقد روي:عن الباقر(ع):«أن الكعبة شكت إلى اللّه عزّ و جلّ ما تلقى من أنفاس المشركين،فأوحى اللّه تعالى إليها:قري كعبة،فإني مبدلك بهم قوما يتنظفون بقضبان الشجر،فلما بعث اللّه محمدا،أوحى اللّه إليه مع جبرائيل بالسواك و الخلال..»و هو مروي بعدة طرق (1)..

و عن النبي(صلی الله علیه و آله):«أنه كان يستاك بالأراك،أمره بذلك جبرائيل» (2).

و في ما كتبه الرضا(ع)للمأمون:«و اعلم يا أمير المؤمنين:أن أجود ما استكت به ليف الأراك؛فانه يجلوا الأسنان،و يطيب النكهة،و يشد اللثة،


1) المحاسن للبرقي ص 558،و [1]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 34 و الوسائل ج 1 ص 357 و 348 و [2]مكارم الأخلاق ص 50 و [3]البحار ج 66 ص 439 و ج 76 ص 130 و 138 و [4]في هوامشه عن تفسير القمي ص 50 و [5]عن فروع الكافي ج 1 ص 314. [6]

2) مكارم الأخلاق ص 39،و [7]البحار ج 76 ص 135. [8]

و يسمنها.و هو نافع من الحفر،إذا كان باعتدال.و الأكثار منه يرق الأسنان، و يزعزعها،و يضعف أصولها» (1).

و بالنسبة للسواك بالزيتون فقد روي عن النبي(صلی الله علیه و آله):أنه قال:«نعم السواك الزيتون من الشّجرة المباركة،يطيب الفم،و يذهب بالحفر،و هي سواكي،و سواك الأنبياء قبلي» (2).

أما بالنسبة لعود الزيتون الّذي لم نجده إلاّ في هذا النص الأخير،فلا نملك معلومات يقينية عنه يمكن الإعتماد عليها..

و ما يهمنا هنا هو الكلام عن عود الأراك..فاننا إذا لاحظنا ما في عود الأراك من المنافع فلسوف ندرك:أنه ليس من اللازم،بل و لا من الراجح العدول عنه إلى الفرشاة،و لا إلى المعاجين الّتي يدعى أنها تساعد التنظيف،و التعقيم و التطهير،بل لا بد من الإقتصار على عود الأراك،حيث قد أثبتت المختبرات الحديثة أفضليته على الفرشاة.حيث إن«للأراك رائحة طيبة،لعابية،و فيه مواد تبيض الأسنان» (3)و قال وجدي:«و له فائدة بالنسبة إلى الأسنان و هي صلاحية أغصانه للإستياك بها.و فيها من حسن النكهة،و تمام الإستعداد لاستخراج فضلات الأغذية من بين الأسنان ما يجعل استعماله أفضل من الفرشة» (4).

نعم..و«قد وجد أحد معامل الأدوية في المانيا مادة خاصة في


1) راجع الرسالة الذهبية ص 50 [1] ط.سنة 1402 ه.و الأنوار النعمانية ج 4 ص 180 و [2]البحار ج 62 ص 317. [3]

2) مكارم الأخلاق ص 49 و [4]البحار ج 76 ص 135. [5]

3) أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 12 ص 134.

4) دائرة معارف القرن العشرين ج 1 ص 201.

المسواك المأخوذ من شجر الأراك،تكسب الأسنان مناعة على النخر،شبيهة بمادة«الفلور»،و قاتلة للجراثيم.

و لوحظ:أن نسبة نخر الأسنان لدى الّذين يستعملون المسواك أقل بكثير من الّذين يستعملون فرشاة الأسنان.و ما زال هذا المعمل يواصل بحوثه و تحرياته،و يحاول الاستفادة من هذه المادة،و إضافتها إلى معاجين الأسنان».

أما الفرشاة،فليس فيها هذه المادة القاتلة للجراثيم،و لهذا ينصح الأطباء بوضعها في الماء و الملح بعد تنظيف الأسنان بها،ليقضي بواسطة ذلك على الجراثيم العالقة،أو الّتي ربما سوف تعلق بها.و حتّى لا تعود تلك الميكروبات للفم مرة ثانية..

أما عود الأراك،فان كل ما علق أو يعلق به،فانه يقضي عليه تلقائيا بواسطة تلك المادة الموجودة فيه من دون حاجة إلى جعله في الماء و الملح،أو غير ذلك..هذا..إذا استطاع الماء و الملح أن يقضي على جميع أنواع المكروبات،و من اين له ذلك و أنى،فان ذلك مما لم يثبت حتّى الآن..

السواك عرضا..لا طولا:

ثم إن لكيفية السواك مدخل في التنظيف الكامل و عدمه،إذ أنه مرة يمرّ المسواك على الأسنان إمرارا ظاهريا..و هذا لا يكفي-بطبيعة الحال-في الوصول إلى الغاية الّتي شرع من أجلها السواك.

و مرة يصل المسواك إلى جميع تجاويف الأسنان،و يخرج الفضلات منها..و هذا هو المطلوب..لأنك إذا دعكت الأسنان بالمسواك صعودا و نزولا،فلسوف تدخل شعب المسواك إلى جميع التجاويف،و الفجوات،

و الخلايا..حتّى لا يبقى أي شيء من الفضلات يمكن أن يسبب ضررا على الأسنان،أو على أي من أجهزة الجسم الأخرى..و قد ورد الأمر من الأئمة(ع) بهذه الطّريقة قبل أربعة عشر قرنا،و لم يتنبه لها علماء الطب إلاّ في هذه السنوات المتأخرة،و بدؤا ينصحون بإتباعها (1).

و على كل حال..فقد ورد عن النّبي(صلی الله علیه و آله)قوله:«إستاكوا عرضا،و لا تستاكوا طولا» (2).

و عن النبي(صلی الله علیه و آله):«إكتحلوا وترا،و استاكوا عرضا» (3)..و كان(صلی الله علیه و آله) إذا استاك،استاك عرضا (4).كان أمير المؤمنين(ع)«يستاك عرضا،و يأكل هرثا» (5).

المضمضة بعد السواك:

إلاّ أن من الواضح:أن مجرد إجراء عملية السواك هذه،لا يكفي في إخراج الفضلات من الفم،و تنظيفه و تطهيره..مع أن هذا هو أحد الأهداف الهامة من عملية السواك،كما صرحت به الروايات الكثيرة..

بل لا بد من القيام بعملية أخرى لإخراج هذه الفضلات من الفم؛


1) الصحة و الحياة ص 37.

2) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33 و راجع البحار ج 80 ص 343 و ج 66 ص 414.

3) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33 و مكارم الأخلاق ص 50 و [1]البحار ج 76 ص 137 و [2]الوسائل ج 1 ص 412. [3]

4) مكارم الأخلاق ص 35 و [4]الكافي ج 6 ص 297 و [5]مجمع الزوائد ج 2 ص 100.

5) الوسائل ج 16 ص 497 و [6]في هامشه عن الفروع ج 2 ص 164 و قصار الجمل ج 1 ص 18 و الهرث:أن يأكل بأصابعه جميعا.

و ليكون الفم من ثم نظيفا،طاهرا،طيب الرائحة الخ..

و قد بين لنا أئمة أهل البيت(ع)هذه الطريقة،فحكموا بلزوم المضمضة بعد السواك،و إذا كان ذلك الغرض لا يحصل من المضمضة مرة واحدة،فقد ورد الأمر بالمضمضة ثلاث مرات بعده.

فعن الصادق(ع):«من أستاك فليتمضمض» (1).

و جاء في رواية أخرى لمعلى بن خنيس عن السواك بعد الوضوء، قال(ع):«يستاك،ثم يتمضمض ثلاث مرات» (2).

أدنى السواك:

و نلاحظ:أن اهتمام الإسلام بالسواك قد بلغ حدا لربما يصعب تفسيره على الكثيرين،أو إدراك معطياته بشكل كاف..حتّى لنجده يكتفي من السواك بالدلك بالأصبع،فعن النبي(صلی الله علیه و آله):«التسوك أو التشويص بالإبهام و المسبّحة عند الوضوء سواك» (3)..و عنهم(ع):أدنى السواك أن تدلكه باصبعك (4)..بل لقد اكتفى فيه بالمرة الواحدة كل ثلاث،فعن الباقر(ع):

لا تدعه في كل ثلاث،و لو أن تمره مرة واحدة (5).


1) الوسائل ج 1 ص 354 و [1]المحاسن ص 653 و 561 و [2]البحار ج 76 ص 134. [3]

2) المحاسن ص 561 و [4]البحار ج 80 ص 339. [5]

3) البحار ج 80 ص 344 [6] عن دعوات الراوندي،و الوسائل ج 1 ص 359 و [7]في هامشه عن التهذيب ج 1 ص 101.

4) الكافي ج 3 ص 23 و [8]الوسائل ج 1 ص 359، [9]و راجع البحار ج 76 ص 127 و 137 عن علل الشرايع ج 1 ص 278 و عن مكارم الأخلاق ص 52 و راجع مجمع الزوائد ج 2 ص 100.

5) الكافي ج 3 ص 23 و [10]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33،و مكارم الأخلاق ص 50 و [11]الوسائل ج 1 ص 359 و 353 و [12]البحار ج 76 ص 137،و [13]راجع هوامش الوسائل..

و هذا تعبير صادق عن مدى اهتمامهم(ع)بالسواك،كما أنه يوحي بما للسواك من عظيم الفائدة،و جليل الأثر.،فان الدلك بالاصبع،و إن لم يكن محققا للغاية المرجوة بتمامها،إلاّ أن الميسور لا يترك بالمعسور،إذ أن الدلك بالأصبع مفيد على الأقل في تقوية اللثة،و تحريك عضلاتها..كما أنه يهتك الأغشية الّتي ريما تغلف الأسنان و اللثة،و تستبطن معها الكثير من الفضلات الّتي يمكن أن تكون مسرحا لكثير من الجراثيم و الميكروبات،الّتي تنشأ عن تخمر الفضلات-الأمر الّذي يؤثر و لو جزئيا في محدودية فعالية تلك الجراثيم على الأقل..و هذا بالذات ما يفسر لنا قولهم(ع):لا تدعه في كل ثلاث، و لو أن تمره مرة واحدة،كما هو ظاهر لا يخفى.

السواك بماء الورد:

نعم..و من أجل أن تطيب رائحة الفم أكثر،لأن السواك مطيبة للفم أيضا،نجد:أن الحسن(ع)كان يستاك بماء الورد (1).

السواك في الحمام:

هذا..و لعل من الأمور التي لا تحتاج إلى بيان:أن السواك في الحمام غير صحي،لأن السواك عبارة عن تنظيف الخلايا و الفجوات من الفضلات، فإذا تعرضت تلك الخلايا و الفجوات لجوّ الحمام المزدحم بالميكروبات، فلسوف تتعرض لغزو عنيف منها.و لن يمكن التخلص منها بعد بسهولة و يسر، لا سيما و أنه و هو في ذلك الجو كلما أخرج منها فوجا استقر في مكانه فوج آخر،و اتخذ مواقعه..

نعم..و لا يوجد ثمة أي شيء يحجزها عن الوصول إلى الأمكنة


1) البحار ج 80 ص 346 [1] عن الهداية ص 18.

الحساسة،لمباشرة أعمالها التخريبية رأسا..

أما في غير جو الحمام،فان اللعاب يمنعها إلى حد ما من الوصول بهذه السرعة إلى الأمكنة الحساسة،و ذلك بسبب تغطيته لها و لزوجته،الّتي يحتاج إختراقها من قبل الجراثيم إلى بعض الوقت،مضافا إلى تبدل اللعاب و تغيره باستمرار،و لو بقي منها شيء مع هذا التبدل،فان النوبة الثانية لاستعمال السواك تكون قد أزفت..و أما اثناء السواك في الحمام،فان اللعاب لا يصل إلى المناطق الّتي عليها المسواك،بل تبقى مكشوفة معرضة للعطب بأسرع ما يكون..هذا..مع ملاحظة أن جو الحمام يكون أغنى بهذه الميكروبات، و تكون أكثر حيوية فيه..

و هذا..ما يفسر لنا ما ورد عن أبي عبد اللّه(ع)في حديث:«و إياك و السواك في الحمام،فانه يورث و باء الأسنان..»و في معناه عدة روايات أخر (1).

السواك على الخلاء:

و نفس ما تقدم-تقريبا-يأتي بالنسبة إلى السواك على الخلاء،فان نفس تلك الرائحة الكريهة عبارة عن جراثيم و ميكروبات..فإذا ما وصلت إلى الفم،و استقرت فيه،و لا سيما في المناطق الحساسة و المكشوفة نسبيا، و تناسلت و تكاثرت،فان النّفس يبدأ بقذف الزائد منها إلى الخارج،فتلتقطه حواس الشم لدى الآخرين..الأمر الّذي ينشأ عنه شدة تنفرهم و انزعاجهم منه..و من هنا..نجدهم(ع)ينهون عن السواك على الخلاء.


1) أمالي الصدوق ص 253 و 254 و الوسائل ج 1 ص 359 و 360 و [1]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33 و مكارم الأخلاق ص 49 و [2]الكافي ج 6 ص 208 و [3]البحار ج 76 [4] ص 136 و 70 و 72/71 و 74 و 75 و 81 و 328 و عن علل الشرايع ج 1 ص 276 و [5]فقه الرضا ص 4. [6]

فعن الصّادق(ع)في حديث:«و السواك في الخلا يورث البخر» (1)

من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 32 و مكارم الأخلاق ص 48 و 51 و [1]البحار ج 80 ص 191 و ج 76 ص 135 و 138 و [2]عن الهداية ص 15. [3]

.

و عن(ع):السواك على المقعد يورث البخر 2.

أوقات السواك ،و السواك للصائم:

قد تقدم ما يدل على استحباب السواك عند كل وضوء،و عند كل صلاة..و إذا أراد أن ينام و يأخذ مضجعه،و وقت السحر،و في كل مرة قام من نومه،و حين طلوع الشمس و الخ..

أما الصائم فانه يستاك أي النهار شاء (2).و كان علي يستاك في أول النهار و في آخره،في شهر رمضان (3).و لكن لم يرجع له الإستياك بسواط رطب أيضا (4)..و لعل ذلك من أجل أن لا يجعل الصائم في حرج من جهة صومه، مع الحرص على القيام بعملية السواك حتّى في حال الصوم..

و نحن نشير هنا إلى:

أن وفود الجراثيم إلى الفم لا ينحصر في تخمر فضلات الطعام فيه،لأن من الممكن أن تصل إلى الفم عن طريق ملامسة بعض الأجسام الأخرى غير


1) (1-2)

2) الكافي ج 3 ص 23،و [4]المحاسن ص 563 و البحار ج 76 ص 136 و 134 و [5]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 33 و الإستبصار ج 1 ص 91 و مكارم الأخلاق ص 49 و [6]الوسائل ج 1 ص 360 و 57 و [7] 58 و البخاري نشر دار الفكر العربي ج 2 ص 234 و سنن أبي داود ج 2 و سنن إبن ماجة..

3) الوسائل ج 7 ص 60 و [8]في هامشه عن قرب الإسناد ص 43. [9]

4) الإستبصار ج 2 ص 92/91 و الوسائل ج 1 ص 360 و ج 7 ص 55 و 59 و [10] 58 و في هوامشه عن العديد من المصادر.

الطعام..بل و من الطعام نفسه إذا كان ملوثا بما هو خارج عنه..كما أن من الممكن أن تتوافد إلى الفم عن طريق الهواء غير النقي،الذي يصل إلى الفم، و إلى غيره من أجهزة الجسم عن طريق التنفس.

و لأجل هذا..فقد اختلفت الميكروبات الّتي يعاني منها الفم و تنوعت، و لا يضاهيه في اختلافها و تنوعها أي عضو آخر في الإنسان على الإطلاق..

و هو أكثر الأعضاء قابلية لاستقبالها،و هو المكان الأمثل لنموها و تكاثرها..لأن اللعاب الّذي يتدفق باستمرار-و إن كان في حالة سلامة الجسم-يمكنه أن يقضي على كثير من أنواع الميكروبات- (1)إلا أنه في غير هذه الحالة يمثل الدرع الواقي و الغطاء الطبيعي لها،الّذي يمكنه أن يحميها من كثير من العوارض:.بل أنه يمثل الغذاء لها لو حرمت الغذاء..و إذا لاحظنا مدى حساسية هذا العضو-الفم-بالنسبة لسائر أجهزة الجسم الأخرى..فاننا نعرف السر في تجويز الإستياك للصائم..و في دعوة الإسلام للإستياك في الأوقات المختلفة المتقدم ذكرها..

أضف إلى ذلك:أن بقاء محيط الفم لعدة ساعات في حالة هدوء معناه:

أنه إذا كان فيه شيء من الفضلات المتبقية فان التخمير يتم فيه بيسر و سهولة حينئذ،كما أنه لو كانت بعض الجراثيم متخلفة في الفم فانها تستطيع مهما كانت ضئيلة و محدودة أن تقوم بنشاط واسع من دون وجود أي وازع أو رادع.

فإذا استاك قبل النوم فانه يقضي بذلك على كل ذلك،و لا يبقى ثمة فرصة لنشاط الجراثيم،و لا لتحمر الفضلات..


1) فان لم يمكن فان أسيد المعدة يقضي عليها،فان لم يمكن قضت عليها تركيبات الصفراء(راجع:أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 12 ص 122 و 126).

كما أن السواك بعد النوم يقضي على الجراثيم الوافدة إلى الفم عن طريق التنفس و غيره.و يقول البعض:«إن تدفق اللعاب باستمرار في الفم عامل مهم في منع إصابة الأسنان بالتسوس و الخراب،لأن اللعاب يؤثر في تنظيفها ميكانيكيا،و حيث انه يقل تدفق اللعاب ليلا،فان قابلية الأسنان للتعرض للخراب تزيد طبعا،و هذا ما يؤكد الحاجة للسواك بعد النوم كما قلنا» (1)..

كما أن السواك يقضي على الميكروبات الّتي يمكن أن تكون قد نشطت أثناء النوم،و على بعض الفضلات لو فرض تخلفها في تجاويف الفم،فيما لو كان السواك قبل النوم غير فعال،بسبب التقصير في الإستقصاء فيه..نعم..

و لعل ما ذكرناه يلقي بعض الضوء على ما تقدم من قولهم(ع):لو علم الناس ما في السواك لأباتوه معهم في لحاف..و هذا ما يؤكد لنا عظمة الإسلام، و انسجامه مع الحاجات الطبيعية،الّتي تكتنف وجود هذا الكائن،و تهيمن عليه..

جرح اللثة..

و يلاحظ هنا:أن جرح اللثة بالسواك ثم تعفنها غير وارد هنا بالنسبة للإنسان السليم..و ذلك لأن الفم يتمتع بمناعة خاصة ضد تعفن جراحة الفم، و لعل هذا هو السر في اعتبار الإسلام الفم طاهرا،مطهرا،بحيث لو ظهر فيه دم فانه يطهر بنفسه بمجرد ذهاب آثاره..كما أن اللعاب نفسه قاتل للميكروب لدى الرجال الأصحاء،كما قدمنا (2).

و لكن ذلك لا يعني عدم تولد ملايين الجراثيم في الفم بفعل التخمر الّذي


1) أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 12 ص 156/155.

2) أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 12 ص 122 و 126 و راجع:من أمالي الإمام الصادق ج 1 ص 100.

تغلفه أغشية تمنع من تأثير اللعاب في مكافحتها عادة..كما أشرنا إليه من قبل..

المساويك المختلفة:

هذا..و نجد:أن الرضا(ع)يستاك في كل مرة بأكثر من مسواك واحد،و لعله لأجل أن يتلافى ما يمكن أن يعلق بكل واحد منها أثناء عملية السواك هذه،ثم يمضغ الكندر بعد سواكه..

فقد ورد:أن الرضا(ع)كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه إلى ان تطلع الشمس.ثم يؤتى بخريطة فيها مساويك،فيستاك بها واحدا بعد واحد، ثم يؤتى بكندر فيمضغه الخ (1).و لعل مضغه للكندر بهدف تطييب رائحة فمه، صلوات اللّه و سلامه عليه و على آبائه أجمعين..

السواك:.و التلوثات الخارجية:

لقد ورد عن الصادق(ع):ان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)كان إذا صلى العشاء الآخرة أمر بوضوئه و سواكه،فيوضع عند رأسه مخمرا،فيرقد ما شاء اللّه،ثم يقوم،فيستاك إلخ (2).

كما..و تقدم:أن الرضا(ع)كان و هو بخراسان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه إلى أن تطلع الشمس،ثم يؤتى بخريطة فيها مساويك،فيستاك بها واحدا بعد واحد،ثم يؤتى بكندر إلخ..


1) الوسائل ج 1 ص 360 و [1]البحار ج 67 ص 137 و [2]مكارم الأخلاق ص 50،و [3]عن التهذيب ج 1 ص 163 و أولين دانشگاه ج 12 ص 132.

2) الكافي ج 3 ص 445 و [4]الوسائل ج 1 ص 356 و [5]أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 2 ص 129.

و هذا يعكس رغبة النبي(صلی الله علیه و آله)و الإمام(ع)بالمحافظة على المساويك، و لو بجعلها في خريظة،أو الإحتفاظ بها مغطاة إلى وقت الحاجة..حتّى لا يصل إليها أي من أنواع الجراثيم من أي سبب كان،حتّى من الهواء،فضلا عن ملامسة أي شيء آخر لها..و هذا هو منتهى المداقة في المحافظة على سلامة البدن..و لا سيما إذا لاحظنا:أن الرضا(ع)نفسه يجعل لكل صلاة مسواكا خاصا بها،من أجل أن لا يبقى في المسواك حين استعماله للمرة الثانية أي أثر للرطوبة من العملية السابقة،لأن الرطوبة يمكن أن تنسجم مع حياة بعض الجراثيم الّتي ربما تعلق بها (1)،و يكون اللعاب حاجزا من تأثير المواد الّتي في المسواك في إهلاكها و إبادتها..

إستحباب الوضوء للطعام:

هذا..و قد ورد في الأحاديث ما يفيد استحباب الوضوء قبل الطعام، و قد تقدم:أن السواك مستحب عند كل وضوء،و هذا يعني أن السواك سيسبق الطعام و وضوءه،و إذن فلا مجال بعد لتلوث الطعام،ثم وروده إلى المعدة مصاحبا للجراثيم،فيضرّ بها كما تقدم.أما السواك بعد الطعام،فقد استغنى الإسلام عن النّص عليه بسبب تشريعه السواك في فترات كثيرة،طيلة اليوم و الليل،بحيث يصير تخمر الفضلات أمرا غير معقول و لا ممكن..

الخلال بعد الطعام:

اشارة

و كثيرا ما لا تخرج بعض الفضلات المتخلفة في تجاويف الأسنان بالمضمضة بل ربما يعسر إخراجها بواسطة السواك أيضا..فتمس الحاجة إلى إستعمال وسيلة أخرى لاستكراه تلك الفضلات على الخروج،حتّى لا تتحول بفعل التخمير إلى مناطق موبوءة،تضج بالجراثيم،و تؤثر في التهابات اللثة،


1) أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 12 ص 132.

و خراب الأسنان و غير ذلك من أعراض تقدمت الإشارة إليها في بحث السواك..و قد ورد الأمر بالخلال في الإسلام بانحاء مختلفة..كما و بيّن النّبي(صلی الله علیه و آله)و الأئمة(ع)ما يترتب عليه من الفوائد،بالإضافة إلى ذكر الوسائل الّتي لا يصح استعمالها في هذا المجال..إلى غير ذلك مما سيتضح من النّصوص التالية.

و لسوف لن نصغي إلى أولئك الّذين يقولون:إن الخلال يهيء الفرصة للإبتلاء بالتهابات اللثة و تقيحها،و خراج السن الموجبة لقلعه (1)..فان الخلال الموجب لذلك هو خصوص الخلال العنيف الّذي تستعمل فيه الوسائل الحادة الّتي تجرح اللثة و جدار السن،الأمر الّذي ينشأ عنه ما ذكر..و قد نبه النّبي(صلی الله علیه و آله)و الأئمة(ع)لهذه الجهة،و أرشدوا إلى ما يمنع من ظهورها، و سنرى..حين الكلام على وسائل الخلال بعض ما ورد عنهم في ذلك..

كما أنه مع تعدد عملية الخلال و السواك و المضمضة يوميا،فانه لا تبقى فرصة لظهور مرض كهذا على الإطلاق (2).

الخلال في الإعتبار الشرعي:

عن النّبي(صلی الله علیه و آله):«رحم اللّه المتخللين من أمتي في الوضوء و الطعام» (3)و عنه(صلی الله علیه و آله):«حبذا المتخلل من أمتي» (4).

عن أبي الحسن(ع)عنه(صلی الله علیه و آله):رحم اللّه المتخللين.قيل:يا


1) أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 12 ص 172.

2) المصدر السابق..

3) مكارم الأخلاق ص 153 و [1]البحار ج 66 ص 436 و 432 [2] عنه و عن الدعائم و الشهاب و في الهامش عن الدعائم ج 2 ص 121/120 و [3]مستدرك الوسائل ج 3 ص 100 و 101. [4]

4) مكارم الأخلاق ص 153 و [5]البحار ج 66 ص 436 و [6]مستدرك الوسائل ج 3 ص 101. [7]

رسول اللّه،و ما المتخللون؟قال:يتخللون من الطعام،فانه إذا بقي في الفم شيء تغير فآذى الملك ريحه (1).و ليراجع ما عن سعد بن معاذ عنه(صلی الله علیه و آله) (2).

و بمعناه عن الباقر(ع)عنه(صلی الله علیه و آله):و فيه،فليس اثقل على ملكي المؤمن من أن يريا شيئا من الطعام في فيّه و هو قائم يصلي (3).

و عنه(صلی الله علیه و آله):و الخلال يحببك إلى الملائكة،فان الملائكة تتأذى بريح من لا يتخلل بعد الطعام (4).

و عنه(صلی الله علیه و آله):نزل عليّ جبرائيل بالخلال (5).

و عن الصادق(ع):«نزل جبرائيل بالسواك و الخلال و الحجامة» (6).

و قد تقدم نفس هذا المعنى حين الكلام على السواك في حديث شكوى الكعبة إلى اللّه ما تلقاه من أنفاس المشركين فراجع..

و عن الإمام الكاظم(ع):«ينادي مناد من السماء:اللهم بارك في


1) المحاسن للبرقي ص 558 و [1]البحار ج 66 ص 439 [2] عنه،و ليراجع مجمع الزوائد ج 5 ص 30/29 و الوسائل ج 16 ص 532. [3]

2) مكارم الأخلاق ص 152 [4] عن الفردوس و البحار ج 66 ص 436 [5] عن المكارم و مستدرك الوسائل ج 3 ص 100. [6]

3) راجع:البحار ج 66 ص 436 و 442 و [7]ج 80 ص 345 عن دعائم الإسلام ج 1 ص 123 و [8]ليراجع مكارم الأخلاق ص 153 و [9]مستدرك الوسائل ج 3 ص 100. [10]

4) تحف العقول ص 12 و [11]البحار ج 76 ص 139 و ج 77 ص 69 و [12]الوسائل ج 1 ص 352. [13]

5) المحاسن ص 558 و [14]البحار ج 66 ص 439 و [15]الكافي ج 6 ص 376 و [16]الوسائل ج 16 ص 531.

6) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 32 و الكافي ج 6 ص 376 و [17]المحاسن ص 558 و [18]الوسائل ج 16 ص 532 و [19]البحار ج 66 ص 439. [20]

الخلالين و المتخللين..إلى أن قال:و الّذين يتخللون،فان الخلال نزل به جبرائيل مع اليمين و الشهادة من السماء» (1).

و قد جعل الخلال من العشرة أشياء الّتي هي من الحنيفية،الّتي أنزلها اللّه على إبراهيم (2).

إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه (3).

التأسي برسول اللّه(صلی الله علیه و آله):

و نلاحظ هنا:أن الأئمة(ع)لم يكتفوا بإثبات أهمية الخلال بالاخبارات عن أهميته لدى الشّارع،حتّى إن جبرائيل هو الّذي نزل به..بل تعدوا ذلك،فوجهوا النّاس نحو التأسي،و الإقتداء برسول اللّه(صلی الله علیه و آله)،فعن وهب بن عبد ربه،قال:رأيت أبا عبد اللّه يتخلل،فنظرت إليه:فقال:إن رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)كان يتخلل (4).

الحرج في ترك الخلال:

و بعد هذا..فقد تعدى الأمر ذلك إلى التلويح بما يترتب على ترك الخلال من عواقب سيئة،فقد روي عن أبي عبد اللّه(ع)،أنه قال:«من أكل طعاما فليتخلل،و من لم يفعل فعليه حرج» (5).


1) السرائر،قسم المستطرفات ص 476 و الوسائل ج 16 ص 533 و [1]البحار ج 66 ص 442/441،و [2]مكارم الأخلاق ص 153. [3]

2) مجمع البيان ج 1 ص 200 و البحار ج 76 ص 68 و [4]بهامشه عن تفسير القمي ص 50 و الوسائل ج 1 ص 424.

3) راجع:المصادر المتقدمة و غيرها..

4) المحاسن ص 559 و 560 و [5]البحار ج 66 ص 439 و [6]الكافي ج 6 ص 376 و [7]زاد فيه«و هو يطيب الفم»و الوسائل ج 16 ص 531 و [8]في هامشه عن الفقيه ج 2 ص 115.

5) الوسائل ج 16 ص 533 و [9]البحار ج 66 ص 441 و [10]المحاسن للبرقي ص 564. [11]

الخلال للمحرم:

هذا..و قد وردت الرخصة بالخلال للمحرم،مع أنه يحتمل إدماء اللثة فعن عمار بن موسى،عن أبي عبد اللّه(ع)قال:«سألته عن المحرم يتخلل؟ قال:لا بأس» (1).

فوائد الخلال:

و اما عن فوائد الخلال،و مضار تركه،فيمكن أن نستخلصها من الروايات على النحو التالي:

1-يطيب الفم.

2-مصحة(أو مصلحة)للفم،و النواجذ.

3-ينقي الفم.

4-مصحة(أو مصلحة)للّثة و النواجذ.

5-يجلب الرزق على العبد.

6-هو نظافة.

7-يذهب بالبادجنام،و هو حمرة منكرة على الوجه و الأطراف،كما سيأتي..

8-يمنع من حدوث الروائح الكريهة في الفم.

و قد وردت هذه الفوائد في العديد من النصوص،مثل ما روي عن


1) الوسائل ج 9 ص 179 و [1]في هامشه عن:الفروع ج 1 ص 66،و عن التهذيب ج 1 ص 266 و عن الإستبصار ج 2 ص 183.

الصادق(ع):«من ان الخلال يطيب الفم» (1).و عن النبي(صلی الله علیه و آله):«تخللوا على أثر الطّعام فانه مصحة للفم و النواجذ،و يجلب الرزق على العبد».و في نص آخر:أنه(صلی الله علیه و آله)ناول جعفرا خلالا و أمره بالتخلل،معللا له ذلك بما ذكر (2).

و عنه(صلی الله علیه و آله):«تخللوا،فانه من النّظافة،و النّظافة من الإيمان، و الإيمان مع صاحبه في الجنة» (3).و قد تقدم:أن الكعبة شكت إلى اللّه ما تلقاه من أنفاس المشركين،فأوحى اللّه لها:إنه مبدلها بهم قوما يتنظفون بقضبان الشجر إلخ..

قال الشهيد رحمه اللّه:«و التخلل يصلح اللثة،و يطيب الفم» (4).

و روي أن النبي(صلی الله علیه و آله)قال لعلي(ع):عليك بالخلال،فانه يذهب بالبادجنام إلخ (5).قال المجلسي:البادجنام:كانه معرب بادشنام.و هو على ما ذكره الحكماء حمرة منكرة شبه حمرة من يبتدىء به الجذام،و يظهر على الوجه و الأطراف؛خصوصا في الشتاء و البرد،و ربما كان معه قروح (6)..

و في رواية عنه(صلی الله علیه و آله):«من استعمل الخشبتين أمن من عذاب


1) الكافي ج 6 ص 376 و [1]الوسائل ج 16 ص 531 و في هامشه عن الفقيه ج 2 ص 115.

2) مكارم الأخلاق ص 153 و [2]البحار ج 62 ص 291 و ج 66 ص 436 [3] عنه و ص 442 و 441 عن الدعائم ج 2 ص 121/120 و [4]عن طب المستغفري و المحاسن ص 559 و 564 و [5]الكافي ج 6 ص 376 و [6]راجع الوسائل ج 16 ص 532 و 533 و [7]مستدرك الوسائل ج 3 ص 100 [8] عن الجعفريات و ص 101 عن المستغفري.

3) البحار ج 62 ص 291 [9] عن طب المستغفري و مستدرك الوسائل ج 3 ص 101. [10]

4) البحار ج 66 ص 443 [11] عن الدروس.

5) بحار الأنوار ج 66 ص 437 [12] عن دعوات الراوندي و مستدرك الوسائل ج 3 ص 100. [13]

6) البحار ج 66 ص 437. [14]

الكلبتين» (1)

و لسنا بحاجة إلى التعليق على ما ذكر للخلال من فوائد،فقد تقدم في بحث السواك ما يوضح كثيرا مما ذكر هنا،فلا حاجة لإعادته..

إلاّ أن ما ذكر من أنه يجلب الرزق..لعله ناظر إلى أنه إذا كان يوفر على العبد الكثير من المتاعب الجسدية،بالإضافة إلى أن يفسح المجال أمام الملائكة لأن تقترب من العبد،فانه-و لا شك-سيوفر على العبد الكثير من النفقات،كما أنه يعطيه نشاطا،بل و روحية جديدة يستحق معها الألطاف الإلهية،و العنايات الربانية،و منها تهيئة موارد الرزق له أيضا.

و أما بالنسبة للحمرة المشار إليها فلم نستطع حتّى الآن أن نعرف السر في ذلك..و لعل تقدم العلم الطبي في المستقبل يفسح المجال للتعرف على الكثير من القضايا الّتي لا تزال رهن الإبهام و الغموض إن شاء اللّه تعالى..

لزوم لفظ ما يخرج بالخلال:

هذا..و قد ورد في الأحاديث الكثيرة لزوم لفظ ما يخرج بواسطة الخلال من بين أضعاف الأسنان،أما ما كان على اللثة،أو في اللهوات و الأشداق، مما يتبع اللسان،فقد رخص في أكله (2).

و ما ورد:من أنه لا حرج من بلع ما يخرج بواسطة الخلال (3)فهو ناظر


1) البحار ج 62 ص 291 [1] عن طب المستغفري.

2) راجع الأحاديث في ذلك في:المحاسن للبرقي ص 451 و 559 و [2] 560 و البحار ج 66 ص 438 و 436 و [3] 408 و 407 و 440 و 441 و 421 و مكارم الأخلاق ص 152 و 153 و 145 و الكافي ج 6 ص 377 و 378 و [4]الوسائل ج 16 ص 542 و [5]مستدرك الوسائل ج 3 ص 101.

3) المحاسن ص 560/559 و البحار ج 66 ص 440 و الوسائل ج 16 ص 536 و راجع الهوامش.

إلى الحرج من حيث العقاب في الآخرة.أما الحرج و الضرر الدنيوي فهو موجود،و لهذا..فقد أمر بلفظ ما يخرج بالخلال في هذه الرواية بالذات، فضلا عن غيرها..

و السر في ذلك واضح،فان ما يستكره بالخلال مما يكون عالقا في تجاويف الأسنان يكون عرضة للتلوث بالجراثيم المتواجدة في تلك الأمكنة، الّتي يصعب الوصول إليه على وسائل التنظيف،و لربما لا تصل إليها إطلاقا..

أما ما كان في مقدم الفم،أو في اللهوات و الأشداق،أو حيث يمكن للسان أن يستخرجه حين يدار في جنبات الفم..فانه يكون في مواضع لا يمكن لشيء أن يستقر فيها،و حيث يتدفق اللعاب باستمرار..فلا يكون ثمة أية فرصة لتخمرها و تكاثر أي نوع من أنواع الجراثيم فيها.

هذا..و قد ذكر الدكتور پاك نجاد:أن من يداوم على أكل ما يخرج بالخلال،فانه يخشى عليه من قرحة الإثني عشري و المعدة (1)..و لذا فلا يجب أن نعجب إذا رأينا رواية عن الإمام الصادق(ع)تقول:«لا يزدردنّ أحدكم ما يتخلل به،فانه يكون منه الدبيلة» (2).

و الدبيلة:جراح و دمل كبير يظهر في الجوف،فتقتل صاحبها غالبا (3)و هو ما يعبر عنه الآن بقرحة الإثني عشري أو المعدة،كما هو معلوم..

المضمضة بعد الخلال:

لقد روى المستغفري في طب النبي:تخللوا على الطعام و تمضمضوا،


1) أولين دانشگاه و آخرين پيامبر ج 2 ص 170.

2) الكافي ج 6 ص 378 و [1]الوسائل ج 16 ص 535. [2]

3) النهاية لإبن الأثير ج 2 ص 99. [3]

فانها مضجعة(الصحيح:مصحة)الناب و النواجذ (1).و عن الحسين(ع):

كان أمير المؤمنين يأمرنا:إذا تخللنا أن لا نشرب الماء حتى نمضمض ثلاثا (2).

و ما ذلك إلاّ لأن التخلل وحده لا يكفي لإخراج الفضلات من الفم..

و قد لا تخرج بتمامها في المرتين الأولى و الثانية،فيحتاج إلى الثالثة،و ذلك من أجل تفادى وفود الجراثيم إلى المعدة،الأمر الّذي يتسبب بالكثير من المضاعفات السيئة حسبما قدمناه في بحث السواك،فلا نعيد..

وسائل لا يصح إستعمالها في الخلال:

و نجد في الروايات المنع عن استعمال بعض الوسائل في عملية الخلال،و واضح أن المنع عن استعمال بعضها إنما هو من أجل أنها يمكن أن تجرح اللثة،و أما البعض الآخر،فيمكن أن يكون من أجل وجود مواد كيمياوية معينة يمكن أن تضر بصحة الإنسان عموما..و نشير في هذا المجال إلى النصوص التالية:

عن الرضا(ع):«لا تخللوا بعود الرمان،و لا بقضيب الريحان،فانهما يحركان عرق الجذام».و في نص آخر:«الاكلة» (3).

و عن الدعائم و غيره:«و نهى(صلی الله علیه و آله)عن التخلل بالقصب،و الرمان،


1) مستدرك الوسائل ج 3 ص 101.

2) سفينة البحار ج 1 ص 425 و [1]البحار ج 66 ص 438 و [2]في هامشه عن الصحيفة ص 37.

3) الكافي ج 6 ص 377 و [3]الوسائل ج 16 ص 533 و 534 و [4]مستدرك الوسائل ج 3 ص 101 [5]عن الدعائم و [6]الجعفريات و مكارم الأخلاق ص 152 و 153 و [7]البحار ج 66 ص 436 و 437 [8] عنه و عن الخصال ص 63 و عن مجالس الصدوق ص 236 و عن علل الشرايع ج 2 ص 220 و [9]المحاسن ص 564 و [10]روضة الواعظين ص 311. [11]

و الريحان و قال:إن ذلك يحرك عرق الجذام»،أو الاكلة (1)

و عن علي(ع):«التخلل بالطرفاء يورث الفقر» (2).

و قال الشهيد رحمه اللّه:يكره التخلل بقصب،أو عود ريحان،أو آس،أو خوص،أو رمان (3).

و كان رسول اللّه(صلی الله علیه و آله)يتخلل بكل ما أصاب ما خلا الخوص و القصب (4).

و في رواية:من تخلل بالقصب لم تقض له حاجة سبعة(أو ستة) أيام (5).

و عن الصادق(ع):لا تخللوا بالقصب،فان كان و لا محالة فلتنزع الليطة (6).الليطة:قشر القصبة (7).

و عن الصادق(ع):نهى رسول اللّه أن يتخلل بالقصب و الريحان(أو:


1) البحار ج 66 ص 442 و 443 [1]عن الدعائم ج 2 ص 121/120 و [2]عن الدروس و مكارم الأخلاق ص 153 [3] عن الفقيه،و مستدرك الوسائل ج 3 ص 101. [4]

2) مكارم الأخلاق ص 152 و 153 و [5]البحار ج 66 ص 436 و 438 [6] عنه و عن الخصال ص 505 و الوسائل ج 16 ص 534 و [7]مستدرك الوسائل ج 3 ص 101. [8]

3) البحار ج 66 ص 443 [9] عن الدروس و راجع مكارم الأخلاق ص 153 [10] عن الفقيه و راجع مستدرك الوسائل ج 3 ص 101. [11]

4) المحاسن ص 564 و [12]مكارم الأخلاق ص 152 و 153 و [13]البحار ج 66 ص 441 و 436 و [14]الكافي ج 6 ص 377 و [15]مستدرك الوسائل ج 3 ص 101. [16]

5) المحاسن ص 564 و [17]مكارم الأخلاق ص 153،و [18]البحار ج 66 ص 436 و 441 و [19]الكافي ج 6 ص 377 و [20]الوسائل ج 16 ص 533 و [21]مستدرك الوسائل ج 3 ص 101. [22]

6) البحار ج 66 ص 436 و [23]مكارم الأخلاق ص 153 و [24]مستدرك الوسائل ج 3 ص 101. [25]

7) محيط المحيط ص 833.

و الرمان)،و زاد في أخرى:(الآس)،و قال:«و هن يحركن عرق الاكلة» (1).

المحافظة على اللثة:

لقد رأينا آنفا:النهي عن التخلل بالقصب،فان كان و لا محالة،فلتنزع الليطة.يعني قشر القصبة..

كما و روي عن الإمام الكاظم(ع)في حديث-:«ثم أتى بالخلال فقلت:ما حدّ هذا؟.قال:أن تكسر رأسه،لانه يدمي اللثة» (2).

الخلال للضيف:

و أخيرا..فقد لا يتمكن الضيف من تهيئة الخلال المناسب،و من هنا..فقد روي عن النبي(صلی الله علیه و آله):«ان من حق الضيف أن يعدّ له الخلال» (3).

و قد حكم بعض الفقهاء بإستحباب إعداده له أيضا (4).

كلمة أخيرة هنا:

و هكذا..يتضح أخيرا:أن السواك و الخلال يؤثران في مظهر الإنسان، و في سلامته البدنية،بل و حتّى النفسية،و العقلية و الرّوحية إلى آخر ما تقدم..فما أحرانا:أن نلتزم به،و نستفيد منه الكثير مما عرفنا،و مما لم


1) البحار ج 66 ص 441 و [1]المحاسن ص 564 و [2]الكافي ج 6 ص 377 و [3]راجع الوسائل ج 16 ص 534. [4]

2) البحار ج 66 ص 423 و [5]مكارم الأخلاق ص 152 و 153. [6]

3) المحاسن ص 564 و [7]البحار ج 75 ص 455 و ج 66 ص 441 و [8]الوسائل ج 16 ص 460 و [9]راجع هوامشه..

4) البحار ج 66 ص 443 عن الدروس للشهيد..

نعرف بعد..حيث ان ما ذكرناه و عرفناه يمكن أن يكون بالنسبة لما لم نذكره و لم نعرفه بمثابة غيض من فيض..كما أنه ليس إلاّ بمثابة خطوة أولى على طريق التّعرف على كافة الحقائق الّتي ترتبط بهذا الموضوع،الّذي هو واحد من تلك التعاليم الإسلامية السامية الّتي أهملناها،و لم نعد نلتفت إليها،و أصبحنا نستوردها-فيما نستورد مهما كانت هزيلة و ممسوخة-من أوروبا و غيرها من مناطق العالم..

و لا يسعنا هنا إلاّ أن نذكر بقوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ.. .صدق اللّه العلي العظيم..

كلمة ختامية

و أخيرا..فإنني أرجو أن أكون قد وفقت لإنجاز هذا العمل على النحو المرضي و المقبول..و أن يجد القارىء فيه الملامح الكافية لإظهار الصورة الحقيقية لهذا الموضوع،من دون أي نقص أو تشويه..

و إذا ما وجد القارىء الكريم في ثنايا هذا البحث بعض الهنات أو القصور،فان رجائي الأكيد منه هو:أن يلتمس لي العذر،و أن ينبهني إلى ذلك،و له مني جزيل الشكر و التقدير،و خالص المحبة و العرفان..

و في الختام..فإنني أسأل اللّه أن ينفع بهذا الجهد المتواضع،و يجعله خالصا لوجهه الكريم.و يجعل ثوابه لشهداء الإسلام الأبرار،لا سيما في إيران الإسلام و الثورة.

و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

جعفر مرتضى العاملي

الفهارس:

اشارة

1-المصادر و المراجع.

2-فهرست اجمالي للكتاب.

3-محتويات الكتاب بالتفصيل.

4-كتب مطبوعة للمؤلف.

1-المصادر..و المراجع

اشارة

لقد اعتمدنا في هذا الكتاب على المصادر التالية:

القرآن الكريم:

ألف

1-آداب المتعلمين للمحقق الطوسي

2-الإرشاد للمفيد

3-إرشاد الساري للقسطلاني

4-الإستبصار للطوسي

5-الإستيعاب لأبي عمر

6-أسد الغابة لإبن الأثير

7-الإشتقاق لإبن دريد

8-الإصابة للعسقلاني

9-الأغاني لأبي الفرج

10-الام للشافعي

11-الأمالي للصدوق

12-الأمالي للطوسي

13-الأمالي للمرتضى

14-الأمالي للمفيد

15-الأنوار النعمانية للجزائري

16-الأوائل للعسكري

17-أولين دانشگاه و آخرين پيامبر لپاك نجاد

باء

18-البحار للمجلسي

19-البحر الزخار لإبن المرتضى

20-البخلاء للجاحظ

21-البيان و التبيين للجاحظ‌

تاء

22-تاريخ الأمم و الملوك للطبري

23-تاريخ التمدن الإسلامي لزيدان

24-تاريخ الحكماء للقفطي

25-تاريخ الخميس للدياربكري

26-تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان

27-تاريخ طب در إيران لنجم‌آبادي

28-تاريخ العلم لسارتون

29-تاريخ مختصر الدول لإبن العبري

30-تاريخ اليعقوبي لإبن واضح

31-تحرير الوسيلة للإمام الخميني

32-تحف العقول للحراني

33-التراتيب الإدارية للكتاني

34-التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية لبدوي

35-الترغيب و الترهيب للمنذري

36-تلخيص المستدرك للذهبي

37-تمدن إسلام و عرب للوبون

38-التهذيب للطوسي

39-تهذيب التهذيب للعسقلاني

40-التوحيد للمفضل

41-تيسير المطالب في أمالي الإمام أبي طالب لأبي طالب الزيدي

ثاء

42-ثواب الأعمال و عقاب الأعمال للصدوق

جيم

43-جامع الأخبار لمحمد السبزواري

44-الجواهر للنجفي

45-جواهر الأخبار و الآثار للصعدي

46-الجوهرة في نسب علي و آله للتلمساني البري

حاء

47-الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري لآدم متز

48-حياة الصحابة للكاندهلوي

خاء

49-الخصال للصدوق

50-الخطط للمقريزي

دال

51-دائرة معارف القرن العشرين لوجدي

52-دستور معالم الحكم للقاضي النعمان

53-دعائم الإسلام للقاضي النعمان

راء

54-الرسالة الذهبية(المنسوبة)للرضا(ع)

55-الروض الآنف للسهيلي

56-روضة الواعظين للفتال النيسابوري

57-الرياض للسيد علي الطباطبائي

زاى

58-زاد المعاد لإبن قيم الجوزية

س

59-السرائر لإبن إدريس

60-سفينة البحار للقمي

61-السنن لإبن ماجة

62-السنن لأبي داود

63-السنن للبيهقي

64-السنن للترمذي

65-السنن للدارمي

66-السنن للنسائي

67-السيرة الحلبية للحلبي

68-السيرة النبوية لإبن هشام

ش

69-شرايع الإسلام للمحقق الحلي

70-شرح النهج للمعتزلي

صاد

71-الصحة و الحياة لسلمون

72-الصحيح للبخاري

73-الصحيح لمسلم

74-الصحيح من سيرة النبي(صلی الله علیه و آله)للمؤلف

طاء

75-طب الأئمة لإبني بسطام

76-طب الإمام الصادق(ع)للخليلي

77-الطب النبوي لإبن قيم الجوزية

78-طبقات الأطباء و الحكماء(فارسي)لإبن جلجل

79-الطبقات الكبرى لإبن سعد

ع

80-العبر و ديوان المبتدا و الخبر لإبن خلدون

81-العروة الوثقى لليزدي

82-علل الشرايع للصدوق

83-العقد الفريد لإبن عبد ربه

84-عيون أخبار الرضا للصدوق

85-عيون الأنباء في طبقات الأطباء لإبن أبي أصيبعة

غ

86-غرر الحكم للآمدي

87-الغيبة للشيخ الطوسي

فاء

88-الفائق للزمخشري

89-فتح الباري للعسقلاني

90-الفتوحات الإسلامية لدحلان

91-الفصول المهمة للحر العاملي

92-فقه الرضا للشلمغاني

93-الفهرست لإبن النديم

قاف

94-قاموس الرجال للتستري

95-قرب الإسناد للحميري

96-قصار الجمل للمشكيني

97-قضاء أمير المؤمنين(ع)للتستري

كاف

98-الكافي للكليني

99-الكامل لإبن الأثير

100-كتاب أبي الجعد لأبي الجعد

101-كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي

102-كشف المحجة لإبن طاووس

103-الكشكول للشيخ البهائي

104-كنز العمال للهندي

105-كنز الفوائد للكراجكي

لام

106-لسان العرب لإبن منظور

107-لسان الميزان للعسقلاني

ميم

108-مباني تكملة المنهاج للخوئي

109-المجروحون لإبن حبان

110-مجمع البيان للطبرسي

111-مجمع الزوائد للهيثمي

112-المحاسن للبرقي

113-محاضرة الأوائل للبسنوي

114-محيط المحيط للبستاني

115-مختصر تاريخ العرب لأمير علي

116-مرآة الكمال للمامقاني

117-المردفات من قريش للمدائني

118-مروج الذهب للمسعودي

119-المسالك للشهيد الثاني

120-المستدرك على الصحيحين للحاكم

121-مستدرك الوسائل..للنوري

122-المسند للحميدي

123-مسند أحمد لإبن حنبل

124-مشكاة الأنوار للطبرسي

125-مصابيح السنة للبغوي

126-مصباح الشريعة ينسب للصادق(ع)

127-المصنف لعبد الرزاق

128-المعارف لإبن قتيبة

129-معالم القربة لإبن الأخوة

130-معاني الأخبار للصدوق

131-معجم أدباء الأطباء للخليلي

132-معجم البلدان للحموي

133-المعجم الصغير للطبراني

134-المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لأسعد علي

135-مكارم الأخلاق للطبرسي

136-مناقب آل أبي طالب لإبن شهرآشوب

137-من أمالي الإمام الصادق للخليلي

138-المنتظم لإبن الجوزي

139-المنتقى لإبن تيمية

140-من لا يحضره الفقيه للصدوق

141-المواعظ العددية للمشكيني

142-موجز تاريخ الشرق الأدنى لحتي

143-الموطأ لمالك

144-ميزان الإعتدال للذهبي

145-ميزان الحكمة لري شهري

نون

146-نسب قريش لمصعب الزبيري

147-النهاية لإبن الأثير

148-النهاية للشيخ الطوسي

149-نهج البلاغة جمع الرضى

150-نوادر الأصول للحكيم الترمذي

هاء

151-الهادي(مجلة)

واو

152-الوسائل للحر العاملي

153-وفيات الأعيان لإبن خلكان

154-الولاة و القضاة للكندي

155-ولاية الفقيه في صحيحة عمر بن حنظلة للمؤلف

2-فهرست اجمالي للكتاب.

القسم الأول:تاريخ الطب 7

الفصل الأول:الطب قبل الإسلام 9

الفصل الثاني:الطب في العهد الإسلامي 29

الفصل الثالث:الطب كمظهر حضاري 67

القسم الثاني:من الأخلاق الطبية في الإسلام 85

الفصل الأول:الطب كمسؤولية 87

الفصل الثاني:التلميذ قبل أن يصير طبيبا 111

الفصل الثالث:ما ذا عن الطبيب و العلاج 119

الفصل الرابع:التمريض..و المستشفى 151

الفصل الخامس:المريض..و عواده 191

القسم الثالث:الوقاية الصحية 219

الفصل الأول:مقدمات 221

الفصل الثاني:السواك..و الخلال 233

كلمة ختامية 283

الفهارس 285

المصادر و المراجع 287

فهرست اجمالي للكتاب 297

محتويات الكتاب بالتفصيل 299

كتب مطبوعة للمؤلف 309

3-محتويات الكتاب بالتفصيل

تقديم 5

القسم الأول:تاريخ الطب 7

الفصل الأول:الطب قبل الإسلام 9

تذكير 10

مبدأ ظهور الطب 11

الصلة بين الطب،و السحر،و الكهانة 13

الطب عند الأمم السالفة 13

1-الطب عند المصريين 14

2-الطب عند الكلدان،و البابليين،و الأشوريين،و الإسرائيليين 15

3-الطب عند الهنود 16

4-الطب عند الصينيين 16

5-الطب عند اليونان،و الرومان 17

6-الطب عند الفرس 18

جامعة جنديشابور 19

7-الطب عند العرب قبل الإسلام 20

الطب الجاهلي 22

منزلة الطب في الجاهلية 24

أطباء العرب في الجاهلية 24

النساء و الطب 27

الفصل الثاني:الطب في العهد الإسلامي 29

العرب في أول الإسلام..و الطب 31

الطب في الصدر الأول الإسلامي 32

دور غير المسلمين في النهضة العلمية 33

الطب في القرن الأول الهجري 35

الطب في كلمات المعصومين(ع)38

المسلمون..و الطب 39

حركة الترجمة 41

المشتغلون بالطب في عصر الترجمة 44

بين الشهرة و الواقع 45

حركة التأليف و ازدهار الطب عند المسلمين 49

المؤلفات الطبية و أثرها في النهضة الأخيرة 50

بعض منجزات المسلمين الطبية 55

المنجزات الطبية لابن سينا 58

الصيدلة 61

امتحان الصيادلة 65

الفصل الثالث:الطب كمظهر حضاري 67

دراسة الطب عند المسلمين 69

امتحان الأطباء 70

الإختصاص في الطب 71

النساء و الطب 71

كثرة الأطباء المسلمين 72

الخدمات الطبية عند المسلمين 73

المستشفيات:الرازي و بناء مستشفى 74

بعض أحوال المستشفيات 75

المستشفيات الميدانية 77

مستشفيات الطوارىء 78

أول مستشفى في الإسلام 78

جريمة أموية نكراء 79

المستشفيات في القرنين الأولين للهجرة 80

المستشفيات في القرن الثالث فما بعده 81

القسم الثاني:من الأخلاق الطبية في الإسلام 85

الفصل الأول:الطب..كمسؤولية 87

أحكام الإسلام 89

حق التشريع لمن؟91

شمولية قوانين الإسلام 92

طبيعية قوانين الإسلام 94

الفقيه..و غير الفقيه 95

الطب..و الفقيه 97

الطب في الإعتبار الشرعي 97

أهمية الطب إسلاميا 98

شمولية الطب و لزوم التداوي 99

رسالية الطب 99

الطب..و التجارة 100

الاجرة للطبيب 101

التجارة..و السطحية 102

حبس الجهال من الأطباء 103

ضمان الجاهل لما يفسده 104

ضمان العارف بالطب 105

روايتان لا ربط لهما بالضمان 108

الفصل الثاني:التلميذ..قبل أن يصير طبيبا 111

مواصفات طالب العلم الطبي 113

الطالب..و التجارب الطبية 116

الإستفادة من خبرات غير المسلمين 116

القسم الإسلامي للطبيب 117

الفصل الثالث:ما ذا عن:الطبيب..و العلاج 119

الطبيب أمام الواجب 121

المبادرة إلى العلاج 122

مداواة حكام الجور 122

عدم التميز بين الغني و الفقير 123

اقدام الطبيب على ما يعرف 125

1-الحذق 2-الأمانة 3-استجلاب الثقة 126

1-النصح 2-الإجتهاد 3-التقوى 127

النصح:حدوده و أبعاده 128

1-الرفق بالمريض 2-حسن القيام عليه 129

رفع معنويات المريض 131

يتقي اللّه،و يغض بصره عن المحارم 132

تجويز الافطار للصائم،و نحو ذلك 133

من وصايا الأهوازي 134

الدواء..و العلاج 134

لا إسراف في الدواء 136

عدم إطالة فترة العلاج 137

فلسفة الدواء للمريض 138

إطعام المريض عند اشتهائه 139

لا يكلف المريض المشي 140

حمل الأدوية في السفر 141

العلاج بما يخاف ضرره 141

حفظ الأسرار الطبية 142

تحري الدقة في اجراء الفحوصات 146

الثقة بالعلاج 146

من مواصفات الطبيب الحاذق 146

معالجة غير المسلم للمسلمين 148

الفصل الرابع:التمريض..و المستشفى 151

بداية 153

المستشفيات النموذجية 155

مواصفات المستشفى الإسلامي 156

أضواء على بعض ما تقدم 163

علاقة الطبيب بالممرض 169

الممرض في المستشفى 170

تمريض و معالجة الرجل للمرأة و العكس 175

الأولى:في مداواة المرأة للرجل 175

الثانية:مداواة و تمريض الرجل للمرأة 182

النظر إلى الخنثى 186

تشريح الموتى 186

الفصل الخامس:المريض..و عواده 191

في أجواء عيادة المريض 193

اعلام المريض اخوانه بمرضه 194

اذنه لعواده بالدخول عليه 194

استحباب عيادة المريض 195

عيادة من لا يعود 195

حد القصد إلى عيادة المريض 195

لا عيادة على النساء 196

العيادة كل ثلاثة أيام 196

العيادة بعد ثلاثة أيام 198

العيادة ثلاث مرات 199

أوقات العيادة 199

العيادة لمن؟200

عيادة الرجل للمرأة 203

عيادة بني هاشم 203

عيادة الأقارب 203

استحباب الهدية للمريض 203

عدم شكوى المريض إلى عواده 204

عدم اسماع المريض التعوذ من البلاء 210

عدم إطالة الجلوس عند المريض 210

وضع اليد على المريض،و الجلوس عند رأسه 211

دعاء المريض للعائد،و العكس 214

دعاء المساكين للمريض 215

سؤال المريض عن حاله،و عما يشتهي 215

التاميل بالصحة و السلامة 215

الأكل عند المريض 216

ما يقال للمريض بعد شفائه 216

القسم الثالث:الوقاية الصحية 219

إلفات نظر 219

الفصل الأول:المقدمات 221

الوقاية الصحية في مجالها الأوسع 223

البحث في خصائص الأشياء 225

اتجاهات البحث 225

النظافة في مجالها العام 227

أمثلة على ما تقدم 228

الفصل الثاني:السواك..و الخلال 233

بداية 235

سؤال و جوابه 235

السواك 237

موقف المعصومين(ع)من السواك 237

اشارة 244

منافع السواك..و أوقاته..و كيفياته 244

لو علم الناس ما في السواك 245

فوائد السواك في روايات أهل البيت(ع)246

مجمل ما تقدم 249

السواك يبيض الأسنان 251

السواك يطيب رائحة الفم 252

يذهب بالحفر 252

يقوي اللثة 252

يجلو البصر 253

ينبت الشعر 253

علاقة السواك بالحالة النفسية و العقلية و غيرها 253

آثار موبوئية الفم 255

السواك هو المنقذ 256

السواك يشهي الطعام 257

عذوبة الفم و الفصاحة 258

السواك بالقصب،و الريحان،و غيرهما 258

السواك بالاراك و نحوه 259

السواك عرضا..لا طولا 262

المضمضة بعد السواك 263

أدنى السواك 264

السواك بماء الورد 265

السواك في الحمام 265

السواك على الخلاء 266

أوقات السواك،و السواك للصائم 267

جرح اللثة 269

المساويك المختلفة 270

السواك..و التلوثات الخارجية 270

استحباب الوضوء للطعام 271

الخلال بعد الطعام 271

الخلال في الإعتبار الشرعي 272

التأسي برسول اللّه(صلی الله علیه و آله)274

الحرج في ترك الخلال 274

الخلال للمحرم 275

فوائد الخلال 275

لزوم لفظ ما يخرج بالخلال 277

المضمضة بعد الخلال 278

وسائل لا يصح استعمالها في الخلال 279

المحافظة على اللثة 281

الخلال للضيف 281

كلمة أخيرة 281

كلمة ختامية 283

الفهارس:285

المصادر و المراجع 287

فهرست اجمالي للكتاب 297

محتويات الكتاب بالتفصيل 299