ghaemiyeh.com
سرشناسه : العکبری، عبدالله بن الحسین، 616 - 692 ق.
عنوان و نام پديدآور : اللباب في علل البناء و الإعراب / تألیف أبی البقاء العکبری محبّ الدین عبدالله بن الحسین البغدادی؛ تحقیق محمد عثمان
مشخصات نشر : قاهره : مکتبة الثقافة الدینیة 1430ه = 2009م = 1387
مشخصات ظاهری : 561 صفحه
موضوع : زبان عربی -- نحو
شناسه افزوده : عثمان ، محمد
توضیح : «اللباب فی علل البناء و الإعراب»، اثر محبالدین عبدالله بن الحسین بغدادی، معروف به ابوالبقاء العکبری، با تحقیق محمد عثمان، کتابی نحوی است که پیرامون علل و اسباب اعراب و بنا به رشته تحریر درآمده است.آنچه باعث اهمیت کتاب میشود، این است که نویسنده آن علاوه بر نحو، لغت، فقه و قرائات قرآن، در علم فرائض، حساب، جبر و مقابله و ادبیات نیز صاحب اطلاع بود، تا آنجا که ابن جوزی مشکلات خود را در ادبیات، بر او عرضه میکرد و ابوالفرج ابن حنبلی، او را در تمامی این علوم، امام میخواند.
این کتاب، برای عامه خوانندگان نوشته نشده، بلکه برای خواص آنان و به عبارت دقیقتر، برای کسانی به نگارش درآمده است که از آموختن علم نحو و تدبر در اسباب و تفکر در علل آن، براعت از تسلسل و تغلغل در اسرار لغات، اکتشاف موارد پنهان و رد اقوال ضعیف و پی بردن به قول صحیح، لذت میبرند.
نمیتوان این اثر را کتابی صرفا نحوی دانست، بلکه به اعتقاد برخی شایسته است که مطالب آن را «ماوراء نحو»، «فلسفه نحو» و یا «نحو النحو» دانست.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا. شريك له ، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله ، وأمينه على وحيه ، وخيرته من خلقه ، وسفيره بينه وبين عباده ، المبعوث بالدين القويم ، والمنهج المستقيم ، أرسله الله رحمة للعالمين ، وإماما للمتقين ، وحجة على الخلائق أجمعين.
حمدا لمن رفع منزلة العلماء ، ونصب الأدلة على وحدانيّته فتنزه عن الشركاء ، وخفض أهل الكفر والضلال واتصف بالعظمة والكبرياء ، وأشهد أن لا إله إلا هو شهادة جزم مبرّأة عن وصمة التردد والرياء ، وصلاة وسلاما على من أعطي جوامع الكلم ، وعلى آله وصحبه والتابعين ، ومن نحا نحوهم إلى يوم الدين.
أما بعد :
فهذا كتاب قيم من كتب النحو المتخصصة الذي يتحدث عن موضوع جد لا يتصدى له سوى الفحول من أهل اللغة ، وقد تصدى له بحق إمام فحل هو الإمام العكبري - رحمهالله تعالى - وقد رأيت إتماما للفائدة أن أبدأ الكتاب بمقدمة في تعريف ومقاصد اللغة بوجه عام ، والنحو والإعراب بوجه خاص ، ثم أتبعتها بترجمة أرجو أن تكون وافية للإمام العكبري ، هذا وما كان من توفيق فمن الله ، وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان ، والآن أتركك عزيزي القارئ الكريم مع المقدمة ، فأقول بعون الله تعالى :
اللغة : ألفاظ يعبر بها كل قوم عن مقاصدهم ، واللغات كثيرة ، وهي مختلفة من حيث اللفظ ، متحدة من حيث المعنى ، أي : أن المعنى الواحد الذي يخالج ضمائر الناس واحد ، ولكنّ كلّ قوم يعبرون عنه بلفظ غير لفظ الآخرين.
واللغة العربية هي الكلمات التي يعبر بها العرب عن أغراضهم ، وقد وصلت إلينا من طريق النقل ، وحفظها لنا القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ، وما رواه الثّقات من منثور العرب ومنظومهم.
لما خشي أهل العربية عن ضياعها بعد أن اختلطوا بالأعاجم ، دوّنوها في المعاجم (القواميس) وأصّلوا لها أصولا تحفظها من الخطأ ، وتسمى هذه الأصول «العلوم العربية».
فالعلوم العربية : هي العلوم التي يتوصل بها إلى عصمة اللسان والقلم عن الخطأ.
وهي ثلاثة عشر علما : «الصرف ، والإعراب (ويجمعهما اسم النحو) ، والرسم ، والمعاني ، والبيان ، والبديع ، والعروض ، والقوافي ، وقرض الشعر ، والإنشاء ، والخطابة ، وتاريخ الأدب ، ومتن اللغة».
للكلمات العربية حالتان : حالة إفراد ، وحالة تركيب.
فالبحث عنها وهي مفردة ؛ لتكون على وزن خاصّ وهيئة خاصة هو من موضوع «علم الصرف».
والبحث عنها وهي مركبة ؛ ليكون آخرها على ما يقتضيه منهج العرب في كلامهم - من رفع ، أو نصب ، أو جرّ ، أو جزم ، أو بقاء على حالة واحدة ، من تغيّر - هو من موضوع «علم الإعراب».
فالصرف : علم بأصول تعرف بها صيغ الكلمات العربية وأحوالها التي ليست بإعراب ولا بناء ، فهو علم يبحث عن الكلم من حيث ما يعرض له من تصريف وإعلال وإدغام وإبدال وبه نعرف ما يجب أن تكون عليه بنية الكلمة قبل انتظامها في الجملة.
وموضوعه الاسم المتمكن (أي المعرب) والفعل المتصرّف ، فلا يبحث عن الأسماء المبنيّة ، ولا عن الأفعال الجامدة ، ولا عن الحروف.
وقد كان قديما جزءا من علم النحو ، وكان يعرف النحو بأنه علم تعرف به أحوال الكلمات العربية مفردة ومركبة.
والصرف من أهمّ العلوم العربية ؛ لأن عليه المعوّل فى ضبط صيغ الكلم ، ومعرفة تصغيرها والنسبة إليها والعلم بالجموع القياسيّة والسماعية والشاّة ومعرفة ما يعتري الكلمات من إعلال أو إدغام أو إبدال ، وغير ذلك من الأصول التي يجب على كل أديب وعالم أن يعرفها ، خشية الوقوع في أخطاء يقع فيها كثير من المتأدبين ، الذين لا حظّ لهم من هذا العلم الجليل النافع.
والإعراب (وهو ما يعرف اليوم بالنحو) : علم بأصول تعرف بها أحوال الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء ، أي : من حيث ما يعرض لها في حال تركيبها ، فبه نعرف ما يجب عليه أن يكون آخر الكلمة من رفع ، أو نصب ، أو جرّ أو جزم ، أو لزوم حالة واحدة ، بعد انتظامها في الجملة ، ومعرفته ضرورية لكل من يزاول الكتابة والخطابة ومدارسة الآداب العربية.
الكلمة : لفظ يدلّ على معنى مفرد ، وهي ثلاثة أقسام : اسم ، وفعل ، وحرف.
الاسم : هو ما دلّ على معنى في نفسه غير مقترن بزمان كخالد وفرس وعصفور ودار وحنطة وماء.
وعلامته : أن يصحّ الإخبار عنه كالتاء من «كتبت» ، والألف من «كتبا» والواو من «كتبوا» ، أو يقبل «أل» كالرجل ، أو التنوين ، كفرس ، أو حرف النداء ك (يا أيّها الناس) ، أو حرف الجرّ ك (اعتمد على من تثق به).
التّنوين : هو نون ساكنة زائدة ، تلحق أواخر الأسماء لفظا ، وتفارقها خطا ووقعا وهو ثلاثة أقسام :
الأول : (تنوين التمكين) وهو اللاحق للأسماء المعربة المنصرفة كرجل وكتاب. ولذلك يسمّى «تنوين الصرف» أيضا.
الثاني : (تنوين التّنكير) وهو ما يلحق بعض الأسماء المبنيّة كاسم الفعل والعلم المختوم به ، «ويه» فرقا بين المعرفة منهما والنكرة ، فما نوّن كان نكرة ، وما لم ينوّن كان معرفة. مثل «صه وصه ومه ومه وإيه وإيه» ، ومثل «مررت بسيبويه وسيبويه آخر» ، أي رجل آخر مسمّى بهذا الاسم.
(فالأول معرفة والآخر نكرة لتنوينه ، وإذا قلت : «صه» فإنما تطلب الى مخاطبك أن يسكت عن حديثه الذي هو فيه ، وإذا قلت له : «مه» فأنت تطلب إليه أن يكف عما هو فيه ، وإذا قلت له : «ايه» فأنت تطلب منه الاستزادة من حديثه الذي يحدثك إياه.
أما إن قلت له : «صه ومه وايه» بالتنوين ، فإنما تطلب منه السكون عنّ كل حديث والكف عن كل شيء ، والاستزادة من حديث أي حديث).
الثالث : (تنوين العوض) وهو إما أن يكون عوضا من مفرد وهو ما يلحق «كلا وبعضا وأيّا» عوضا مما تضاف إليه ، نحو «كلّ يموت» أي : كلّ إنسان. ومنه قوله تعالى : (وَكُلًّا وَعَدَ
اللهُ الْحُسْنى) [النساء : 95] وقوله : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) [البقرة : 253] ، وقوله : (أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) [الإسراء : 110].
وإمّا أن يكون عوضا من جملة وهو ما يلحق «إذ» عوضا من جملة تكون بعدها ، كقوله تعالى : (فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) [الواقعة : 83 - 84] أي : حين إذ بلغت الروح الحلقوم.
وإمّا أن يكون عوضا من حرف ، وهو ما يلحق الأسماء المنقوصة الممنوعة من الصّرف ، في حالتي الرفع والجرّ ، عوضا من آخرها المحذوف كجوار وغواش وعواد واعيم (تصغير أعمى) وراج (علم امرأة) ونحوها من كل منقوص ممنوع من الصرف ، فتنوينها ليس تنوين صرف كتنوين الأسماء المنصرفة ؛ لأنها ممنوعة منه ، وإنما هو عوض من الياء المحذوفة ، والأصل «جواري وغواشي وعوادي وأعيمي وراجي».
أما في حال النصب فترد الياء وتنصب بلا تنوين ، نحو : «دفعت عنك وعوادي ، أكرمت أعيمي فقيرا ، علّمت الفتاة راجي».
الفعل : ما دلّ على معنى فى نفسه مقترن بزمان كجاء ويجيء وجيء.
وعلامته : أن يقبل «قد» أو «السين» أو «سوف» ، أو «تاء التأنيث الساكنة ، أو «ضمير الفاعل» ، أو «نون التوكيد» مثل : قد قام. قد يقوم. ستذهب. سوف نذهب. قامت. قمت.
قمت. ليكتبنّ. ليكتبنّ. اكتبّن. اكتبن».
الحرف : ما دلّ على معنى في غيره ، مثل «هل وفي ولم وعلى وإنّ ومن». وليس له علامة يتميّز بها ، كما للاسم والفعل.
وهو ثلاثة أقسام : حرف مختصّ بالفعل بالاسم كحروف الجرّ ، والأحرف التي تنصب الاسم وترفع الخبر. وحرف مشترك بين الأسماء والأفعال كحروف العطف ، وحرفي الاستفهام.
المركب : قول مؤلف من كلمتين أو أكثر لفائدة ، سواء أكانت الفائدة تامة ، مثل «النجاة فى الصدق» ، أم ناقصة ، مثل «نور الشمس. الإنسانية الفاضلة. إن تتقن عملك».
والمركب ستة أنواع : إسنادي ، وإضافيّ ، وبيانيّ ، وعطفيّ ، ومزجيّ ، وعدديّ.
الإسناد : هو الحكم بشيء ، كالحكم على زهير بالاجتهاد في قولك «زهير مجتهد».
والمحكوم به يسمى : «مسندا». والمحكوم عليه يسمى : «مسندا إليه».
فالمسنّد : ما حكمت به على شيء. والمسند إليه : ما حكمت عليه بشيء.
والمركب الإسنادي (ويسمى جملة أيضا) ما تألف من مسند ومسند إليه ، نحو «الحلم زين. يفلح المجتهد».
(فالحلم مسند إليه ؛ لأنك أسندت عليه الزين وحكمت عليه به. والزين مسند ، لأنك أسندته الى الحلم وحكمت عليه به ، وقد أسندت الفلاح إلى المجتهد ، فيفلح مسند ، والمجتهد مسند اليه).
والمسند إليه : هو الفاعل ، ونائبه ، والمبتدأ ، واسم الفعل الناقص ، واسم الأحرف التى تعمل عمل «ليس» واسم «إن» وأخواتها ، واسم «لا» النافية للجنس.
فالفاعل مثل : (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ) [الإسراء : 81].
ونائب الفاعل مثل : «يعاقب العاصون ، ويثاب الطائعون».
والمبتدأ مثل : «الصبر مفتاح الفرج».
واسم الفعل الناقص مثل : (وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) [الفتح : 4].
واسم الأحرف التى تعمل عمل (ليس) مثل : «ما زهير كسولا. تعزّ فلا شيء على الارض باقيا. لات ساعة مندم. إن أحد خيرا من أحد إلا بالعلم والعمل الصالح».
واسم (إنّ) مثل : (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) [آل عمران : 119].
واسم (لا) النافية للجنس مثل : (لا إله إلّا الله).
والمسند : هو الفعل ، واسم الفعل ، وخبر المبتدأ ، وخبر الفعل الناقص ، وخبر الأحرف التي تعمل عمل (ليس) وخبر (إن) واخواتها.
وهو يكون فعلا ، مثل : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) [المؤمنون : 1] ، وصفة مشتقّة من الفعل ، مثل : «الحق أبلج» ، واسما جامدا يتضمن معنى الصفة المشتقة مثل : «الحق نور ، والقائم به أسد». والتأويل : (الحق مضيء كالنور ، والقائم به شجاع كالأسد).
الكلام : هو الجملة المفيدة معنى تاما مكتفيا بنفسه ، مثل : «رأس الحكمة مخافة الله. فاز المتّقون. من صدق نجا».
(فإن لم تفد الجملة معنى تاما مكتفيا بنفسه فلا تسمى كلاما ، مثل : (إن تجتهد في عملك) فهذه الجملة ناقصة الإفادة ؛ لأن جواب الشرط فيها غير مذكور وغير معلوم فلا تسمى كلاما ، فإن ذكرت الجواب فقلت : إن تجتهد في عملك تنجح ، صار كلاما).
المركب الإضافيّ : هو ما تركّب من المضاف والمضاف إليه ، مثل : «كتاب التلميذ. خاتم فضة. صوم النهار». وحكم الجزء الثاني منه أنه مجرور أبدا كما رأيت.
المركّب البياني : كلّ كلمتين كانت ثانيتهما موضحة معنى الأولى. وهو ثلاثة أقسام :
أ - مركّب وصفي : وهو ما تألف من الصفة والموصوف ، مثل : «فاز التلميذ المجتهد.
أكرمت التلميذ المجتهد. طابت اخلاق التلميذ المجتهد».
ب - ومركّب توكيديّ : وهو ما تألف من المؤكّد والمؤكّد ، مثل : «جاء القوم كلّهم.
أكرمت القوم كلّهم ، أحسنت إلى القوم كلّهم».
ج - ومركّب بدليّ : وهو ما تألف من البدل والمبدل منه ، مثل : «جاء خليل أخوك. رأيت خليلا أخاك. مررت بخليل أخيك».
وحكم الجزء الثاني من المركب البياني أن يتبع ما قبله فى إعرابه كما رأيت.
المركّب العطفيّ : هو ما تألف من المعطوف والمعطوف عليه ، بتوسّط حرف العطف بينهما ، مثل : «ينال التلميذ والتلميذة الحم والثّناء ، إذا ثابرا على الدرس والاجتهاد».
وحكم ما بعد حرف العطف أن يتبع ما قبله في إعرابه كما رأيت.
المركّب المزجيّ : كلّ كلمتين ركّبتا وجعلتا كلمة واحدة ، مثل : «بعلبك ، وبيت لحم ، وحضرموت ، وسيبويه ، وصباح مساء ، وشذر مذر».
وإن كان المركب المزجيّ علما أعرب إعراب ما لا ينصرف ، مثل : «بعلبك بلدة طيبة الهواء» و «سكنت بيت لحم» و «سافرت إلى حضرموت». إلّا إذا كان الجزء الثاني منه كلمة «ويه» فإنها تكون مبنيّة على الكسر دائما ، مثل : «سيبويه عالم كبير» و «رأيت سيبويه عالما كبيرا» و «قرأت كتاب سيبويه».
وإن كان غير علم كان مبنيّ الجزءين على الفتح ، مثل : «زرني صباح مساء» و «أنت جاري بيت بيت».
المركّب العددي : هو من المركّبات المزجية ، وهو كل عددين كان بينهما حرف عطف مقدّر. وهو من أحد عشر إلى تسعة عشر ، ومن الحادي عشر إلى التاسع عشر.
(أما واحد وعشرون إلى تسعة وتسعين ، فليست من المركبات العددية ؛ لأن حرف العطف مذكور ، بل هي من المركبات العطفية).
ويجب فتح جزءي المركب العدديّ ، سواء أكان مرفوعا مثل : «جاء أحد عشر رجلا» أم منصوبا مثل : (رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً) [يوسف : 4] أم مجرورا مثل : «أحسنت الى أحد عشر فقيرا». ويكون حينئذ مبنيا على فتح جزءيه ، مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا محلّا ، إلا اثني عشر ، فالجزء الأول يعرب إعراب المثنّى ، بالألف رفعا ، مثل : «جاء اثنا عشر رجلا» ، وبالياء نصبا وجرّا ، مثل : «أكرمت اثنتي عشرة فقيرة باثني عشر درهما». والجزء الثاني مبنيّ على الفتح ، ولا محلّ له من الإعراب ، فهو بمنزلة النون من المثنى.
وما كان من العدد على وزن (فاعل) مركّبا من العشرة - كالحادي عشر إلى التاسع عشر - فهو مبنيّ أيضا على فتح الجزءين ، نحو : «جاء الرابع عشر. رأيت الرابعة عشرة ، مررت بالخامس عشر». إلا ما كان جزؤه الأول منتهيا بياء ، فيكون الجزء الأول منه مبنيا على السكون ، نحو : «جاء الحادي عشر والثاني عشر ، ورأيت الحادي عشر والثاني عشر ، ومررت بالحادي عشر والثاني عشر».
إن كان العدد (واحدا) أو (اثنين) فحكمه أن يذكّر مع المذكر ، ويؤنث مع المؤنث ، فتقول :
«رجل واحد ، وامرأة واحدة ، ورجلان اثنان ، وامرأتان». و (أحد) مثل واحد ، ورجلان اثنان ، وامرأتان. و (أحد) مثل واحد ، فتقول : «أحد الرجال ، إحدى النساء».
وإن كان من الثلاثة إلى العشرة ، يجب أن يؤنث مع المذكر ، ويذكر مع المؤنث. فتقول :
«ثلاثة رجال وثلاثة أقلام ، وثلاث نساء وثلاث أيد». إلا إن كانت العشرة مركّبة فهي على وفق المعدود ، تذكر مع المذكر ، وتؤنث مع المؤنث ، فتقول : «ثلاثة عشر رجلا ، وثلاث عشرة امرأة».
وإن كان العدد على وزن (فاعل) جاء على وفق المعدود ، مفردا ومركبا تقول : «الباب الرابع ، والباب الرابع عشر ، الصفحة العاشرة ، والصفحة التاسعة عشرة».
وشين العشرة والعشر مفتوحة مع المعدود المذكر ، وساكنة مع المعدود المؤنث. تقول : «عشرة رجال وأحد عشرة رجلا ، وعشر نساء وإحدى عشرة امرأة».
إذا انتظمت الكلمات فى الجملة ، فمنها ما يتغير آخره باختلاف مركزه فيها لاختلاف العوامل التيّ تسبقه ؛ ومنها لا يتغير آخره ، وإن اختلفت العوامل التى تتقدّمه. فالأول يسمى (معربا) ، والثاني (مبنيا) ، والتغيّر بالعامل يسمى (إعرابا) ، وعدم التغيّر بالعامل يسمى (بناء).
فالإعراب أثر يحدثه العامل فى آخر الكلمة ، فيكون آخرها مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا أو مجزوما ، حسب ما يقتضيه ذلك العامل.
والبناء لزوم آخر الكلمة حالة واحدة ، وإن اختلفت العوامل التي تسبقها ، فلا تؤثر فيها العوامل المختلفة.
المعرب : ما يتغير آخره بتغيّر العوامل التي تسبقه كالسماء والأرض والرجل ويكتب.
والمعربات هي الفعل المضارع الذي لم تتصل به نونا التوكيد ولا نون النسوة ، وجميع الأسماء إلا قليلا منها.
والمبنيّ ما يلزم آخره حالة واحدة فلا يتغير ، وإن تغيرت العوامل التى تتقدّمه «كهذه وأين ومن وكتب واكتب».
والمبنيّات هي جميع الحروف ، والماضي والأمر دائما ، والمتّصلة به إحدى نوني التوكيد أو نون النسوة ، وبعض الأسماء والأصل فى الحروف والأفعال البناء. والأصل فى الأسماء الإعراب.
المبنيّ إما أن يلازم آخره السكون مثل : «اكتب ولم» ، أو الضمة مثل : «حيث وكتبوا» أو الفتحة مثل : «كتب وأين» أو الكسرة مثل : «هؤلاء» والباء من «بسم الله». وحينئذ يقال : إنّه مبني على السكون ، أو على الضمّ ، أو الفتح ، أو الكسر. فأنواع البناء أربعة : السكون والضمّ والفتح والكسر.
وتتوقف معرفة ما تبنى عليه الأصماء والحروف على السّماع والنقل الصحيحين ، فإنّ منها يبنى على الضمّ ، ومنها ما يبنى على الفتح ؛ ومنها ما يبنى على الكسر ، ومنها ما يبنى على السكون. ولكن ليس لمعرفة ذلك ضابط.
أنواع الإعراب أربعة : الرفع والنصب والجرّ والجزم.
فالفعل المعرب يتغير آخره بالرفع والنصب والجزم مثل : «يكتب ، ولن يكتب ، ولم يكتب».
والاسم المعرب يتغير آخره بالرفع والنصب والجزم ، مثل : «العلم نافع ، ورأيت العلم نافعا ، واشتغلت بالعلم النافع».
(نعلم من ذلك أن الرفع والنصب يكونان فى الفعل والاسم المعربين ، وأن الجزم مختص بالفعل المعرب ، والجر مختص بالاسم المعرب).
علامة الإعراب : حركة أو حرف أو حذف.
فالحركات ثلاث : الضمة والفتحة والكسرة.
والأحرف أربعة : الألف والنون والواو والياء.
والحذف إما قطع الحركة (ويسمّى السكون). وإما قطع الآخر. وإما قطع النون.
للرفع أربع علامات : الضمة والواو والألف والنون. والضمة هي الأصل.
مثال ذلك : «يحبّ الصادق ، (أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) [المؤمنون : 1]. (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) [الطلاق : 7]. يكرم التلميذان المجتهدان. تنطقون بالصدق».
للنصب خمس علامات : الفتحة والألف والياء والكسرة وحذف النون. والفتحة هي الأصل.
مثال ذلك «جانب الشرّ فتسلم. أعط ذا الحقّ حقّه. يحبّ الله المتقين. كان أبو عبيدة عامر بن الجرّاح وخالد بن الوليد قائدين عظيمين. أكرم الفتيات المجتهدات. (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران : 92]».
للجرّ ثلاث علامات : الكسرة والياء والفتحة. والكسرة هي الأصل.
مثال ذلك : «تمسّك بالفضائل ، أطع أمر أبيك. المرء بأصغريه قلبه ولسانه. تقرّب من الصادقين وانأ عن الكاذبين. ليس فاعل الخير بأفضل من الساعي فيه».
للجزم ثلاث علامات : السكون وحذف الآخر وحذف النون. والسكون هو الأصل.
مثال ذلك «من يفعل خيرا يجد خيرا ، ومن يزرع شرّا يجن شرّا. افعل الخير تلق الخير. لا تدع إلا الله. قولوا خيرا تغنموا ، واسكتوا عن شرّ تسلموا».
المعربات قسمان : قسم يعرب بالحركات ، وقسم يعرب بالحروف.
فالمعرب بالحركات أربعة أنواع : الاسم المفرد ، وجمع التكسير ، وجمع المؤنث السالم ، والفعل المضارع الذى لم يتّصل بآخره شيء.
وكلها ترفع بالضمة ، وتنصب بالفتحة ، وتجرّ بالكسرة ، وتجزم بالسكون. إلا الاسم الذي لا ينصرف ، فإنه يجرّ بالفتحة ، نحو : «صلى الله على إبراهيم» ، وجمع المؤنث السالم ، فإنه ينصب بالكسرة نحو : «أكرمت المجتهدات» ، والفعل المضارع المعتلّ الآخر ، فإنه يجزم بحذف آخره ، نحو : «لم يخش ، ولم يمش ، ولم يغز».
والمعرب بالحروف أربعة أنواع أيضا : المثنى والملحق به ، وجمع المذكر السالم والملحق به ، والأسماء الخمسة ، والأفعال الخمسة.
والأسماء الخمسة هي : «أبو وأخو وحمو وفو وذو».
والأفعال الخمسة هي : كلّ فعل مضارع اتصل بآخره ضمير تثنية أو واو جمع ، أو ياء المؤنثة المخاطبة ، مثل : «يذهبان ، وتذهبان ، ويذهبون ، وتذهبون ، وتذهبين».
أقسام الإعراب ثلاثة : لفظي وتقديريّ ومحلي.
الإعراب اللفظيّ : أثر ظاهر فى آخر الكلمة يجلبه العامل. وهو يكون في الكلمات المعربة غير المعتلّة الآخر ، مثل : «يكرم الأستاذ المجتهد».
الإعراب التقديري : أثر غير ظاهر على آخر الكلمة ، يجلبه العامل ، فتكون الحركة مقدّرة لأنها غير ملحوظة.
وهو يكون في الكلمات المعربة المعتلّة الآخر بالألف أو الواو أو الياء ، وفي المضاف إلى ياء المتكلم ، وفي المحكيّ إن لم يكن جملة ، وفيما يسمى به من الكلمات المبنيّة أو الجمل.
الألف تقدّر عليها الحركات الثلاث للتعذّر ، نحو : «يهوى الفتى الهدى للعلى».
أما في حالة الجزم فتحذف الألف للجازم ، نحو : «لم نخش إلا الله». ومعنى التعذر أنه لا يستطاع أبدا إظهار علامات الإعراب.
والواو والياء تقدر عليهما الضمة والكسرة للثّقل ، مثل : «يقضي القاضي على الجاني» و «يدعو الداعي إلى النادي».
أما حالة النصب فإن الفتحة تظهر عليهما لخفتها ، مثل : «لن أعصي القاضي» و «لن أدعو إلى غير الحق».
وأما في حالة الجزم فالواو والياء تحذفان بسبب الجازم ؛ مثل : «لم أقض بغير الحق» و «لا تدع إلا الله».
ومعنى الثقل أنّ ظهور الضمة والكسرة على الواو والياء ممكن فتقول : «يقضي القاضي على الجاني. يدعو الداعي إلى النادي» ، لكنّ ذلك ثقيل مستبشع ، فلهذا تحذفان وتقدّران ، أي تكونان ملحوظتين في الذهن.
يعرب الاسم المضاف إلى ياء المتكلم (إن لم يكن مقصورا ، أو منقوصا ، أو مثنى ، أو جمع مذكر سالما) - في حالتي الرفع والنصب - بضمة وفتحة مقدّرتين على آخره يمنع من ظهورهما كسرة المناسبة ، مثل : «ربي الله» و «أطعت ربي».
أما فى حالة الجر فيعرب بالكسرة الظاهرة على آخره ، على الأصحّ ، نحو : «لزمت طاعة ربي».
(هذا رأي جماعة من المحققين ، منهم ابن مالك. والجمهور على أنه معرب في حالة الجر أيضا ، بكسرة مقدرة على آخره ، لأنهم يرون أن الكسرة الموجودة ليست علامة الجر ، وإنما هي الكسرة التي اقتضتها ياء المتكلم عند اتصالها بالاسم ، وكسرة الجر مقدرة ، ولا داعي الى هذا التكلف).
فإن كان المضاف إلى ياء المتكلم مقصورا ، فإنّ ألفه تبقى على حالها ، ويعرب بحركات مقدّرة على الألف ، كما كان يعرب قبل اتصاله بياء المتكلم فتقول «هذه عصاي» و «أمسكت عصايّ» و «توكأت على عصاي». وإن كان منقوصا تدغم ياؤه في ياء المتكلم.
ويعرب في حالة النصب بفتحة مقدّرة على يائه ؛ يمنع من ظهورهما سكون الإدغام ، فتقول : «حمدت الله معطيّ الرزق».
ويعرب فى حالتي الرفع والجرّ بضمة أو كسرة مقدّرتين فى يائه ، يمنع من ظهورهما الثقل أولا ، وسكون الإدغام ثانيا ، فتقول : «الله معطيّ الرزق» و «شكرت لمعطي الرزق».
(ويرى بعض المحققين : أن المانع من ظهور الضمة والكسرة على المنقوص المضاف الى ياء المتكلم ، انما هو سكون الإدغام - كما هو الحال وهو منصوب -.
قال الصبان في باب المضاف الى ياء المتكلم عند قول الشارح (هذا راميّ) : فراميّ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء ياء المتكلم ، منع من ظهورها اشتغال المحل بالسكون الواجب لأجل الإدغام ، لا الاستثقال - كما هو الحال في غير هذه الحالة - لعروض وجوب السكون في هذه الحالة بأقوى من الاستثقال ، وهو الإدغام).
وإن كان مثنى تبق ألفه على حالها ، مثل : هذان كتابايّ. وأما ياؤه فتدغم في ياء المتكلم ، مثل «علمت ولديّ».
وإن كان جمع مذكر سالما ، تنقلب واوه ياء وتدغم في ياء المتكلم ، مثل «معلميّ يحبّون أدبي» وأما ياؤه فتدغم في ياء المتكلم ايضا ، مثل : «أكرمت معلميّ».
ويعرب المثنى وجمع المذكر السالم - المضافان إلى ياء المتكلم - بالحروف ، كما كانا يعربان قبل الإضافة إليها ، كما رأيت.
الحكاية : إيراد اللفظ على ما تسمعه. وهي إما حكاية كلمة ، أو حكاية جملة. وكلاهما يحكى على لفظه ، إلّا أن يكون لحنا. فتتعيّن الحكاية بالمعنى ، مع التنبيه على اللحن.
فحكاية الكلمة كأن يقال : «كتبت يعلم» ، أي كتبت هذه الكلمة ، فيعلم - في الأصل - فعل مضارع مرفوع لتجرّده من الناصب والجازم ، وهو هنا محكيّ ، فيكون مفعولا به لكتبت ، ويكون إعرابه تقديريا منع من ظهوره حركة الحكاية.
وإذا قلت : «كتب فعل ماض» فكتب هنا محكيّة. وهي مبتدأ مرفوع بضمة مقدّرة منع من ظهورها حركة الحكاية.
وإذا قيل لك : أعرب (سعيدا) من قولك : «رأيت سعيدا» ، فتقول : (سعيدا) مفعول به ، يحكي اللفظ وتأتي به منصوبا ، مع أن (سعيدا) في كلامك واقع مبتدأ ، وخبره قولك : مفعول به ، إلّا أنه مرفوع بضمة مقدّرة على آخره ، منع من ظهورها حركة الحكاية ، أي : حكايتك اللفظ الواقع في الكلام كما هو واقع.
وقد يحكى العلم بعد (من) الاستفهاميّة ، إن لم يسبق بحرف عطف ، كأن تقول : «رأيت خالدا» ، فيقول القائل : «من خالدا». فإن سبقه حرف عطف لم تجز حكايته ، بل تقول : «ومن خالد؟».
وحكاية الجملة كأن تقول قلت : «لا إله إلّا الله. سمعت حيّ على الصلاة. قرأت : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ.) كتبت استقم كما أمرت». فهذه الجمل محكيّة ، ومحلّها النصب بالفعل قبلها فإعرابها محليّ.
وحكم الجملة أن تكون مبنية ، فإن سلط عليها عامل كان محلها الرفع أو النصب أو الجر على حسب العامل. وإلا كانت لا محل لها من الإعراب.
إن سمّيت بكلمة مبنيّة أبقيتها على حالها ، وكان إعرابها مقدّرا في الأحوال الثلاثة ، فلو سميت رجلا «ربّ» ، أو «من» ، أو «حيث» ، قلت : «جاء ربّ. أكرمت حيث. أحسنت إلى من». فحركات الإعراب مقدّرة على أواخرها ، منع من ظهورها حركة البناء الأصلي.
وكذا إن سمّيت بجملة - كتأبط شرا ، وجاد الحقّ - لم تغيرها للإعراب الطّازىء ، فتقول : «جاء تأبط شرا ، أكرمت جاد الحقّ». ويكون الإعراب الطارئ مقدّرا ، منع ظهور حركته لحركة الإعراب الأصلي.
الإعراب المحليّ : تغيّر اعتباريّ بسبب العامل ، فلا يكون ظاهرا ولا مقدّرا.
وهو يكون في الكلمات المبنيّة ، مثل : «جاء هؤلاء التلاميذ ، أكرمت من تعلّم. وأحسنت إلى الذين اجتهدوا. لم ينجحنّ الكسلان». ويكون أيضا في الجمل المحكّية ، وقد سبق الكلام عليها.
(فالمبني لا تظهر على آخره حركات الإعراب ؛ لأنه ثابت الآخر على حالة واحدة فإن وقع أحد المبنيات موقع مرفوع أو منصوب أو مجرور أو مجزوم ، فيكون رفعه أو نصبه أو جره أو جزمه اعتباريا. ويسمى إعرابه «إعرابا محليا» أي باعتبار أانه حال محل مرفوع أو منصوب أو مجرور أو مجزوم. ويقال : أنه مرفوع أو منصوب أو مجرور أو مجزوم محلا ، أي بالنظر إلى محله فى الجملة ، بحيث لو حل محله معرب لكان مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا أو مجزوما).
والحروف ؛ وفعل الأمر ، والفعل الماضي ، الذي لم تسبقه أداة شرط جازمة ، وأسماء الأفعال ، وأسماء الأصوات لا يتغير آخرها لفظا ولا تقديرا ولا محلا ، لذلك يقال : إنها لا محل لها من الإعراب.
أما المضارع المبني فإعرابه محلي رفعا ونصبا وجزما ، مثل «هل يكتبن ويكتبن. والله لن يكتبن ولن يكتبن ولم تكتبن ولم يكتبن».
وأما الماضي المسبوق بأداة شرط جازمة ، فهو مجزوم بها محلا ، مثل «إن اجتهد علي أكرمه معلمه».
الكلمة الإعرابية أربعة : أقسام مسند ، ومسند إليه ، وفضلة ، وأداة.
وقد سبق شرح المسند والمسند إليه ، ويسمى كل منهما عمدة ، لأنه ركن الكلام ، فلا يستغنى عنه بحال من الأحوال ، ولا تتم الجملة بدونه ، ومثالهما : «الصدق أمانة».
والمسند إليه لا يكون إلا اسما.
والمسند يكون اسما ، مثل (نافع) من قولك : «العلم نافع» ، واسم فعل ، مثل : «هيات المزار» وفعلا ، مثل : «جاء الحق وزهق الباطل».
حكم المسند اليه : أن يكون مرفوعا دائما حيثما وقع ، مثل : «فاز المجتهد. الحق منصور. كان عمر عادلا».
إلا إن وقع بعد (إنّ) أو إحدى أخواتها ، فحكمه حينئذ أنه منصوب ، مثل : «إنّ عمر عادل».
حكم المسند - إن كان اسما - أن يكون مرفوعا أيضا ، مثل : «السابق فائز. إنّ الحقّ غالب».
إلا إن وقع بعد (كان) او إحدى أخواتها ، فحكمه النصب ، مثل : «كان عليّ باب مدينة العلم».
وإن كان المسند فعلا ، فإن كان ماضيا فهو مبنيّ على الفتح أبدا ك (انتصر) ، إلا إذا لحقته واو الجماعة ، فيبنى على الضم ك (انتصرا) ، أو ضمير رفع متحرك ، فيبنى على السكون ك (انتصرت وانتصرتم وانتصرنا).
وإن كان مضارعا ، فهو مرفوع أبدا ك (ينصر). إلا إذا سبقه ناصب ، فينصب ، نحو : «لن تبلغ المجد إلا بالجدّ» ، أو جازم فيجزم نحو : (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ.)
وإن اتصلت به إحدى نوني التوكيد بني على الفتح ك (يجتهدنّ ويجتهدنّ) ، أو نون النسوة بني على السكون ك (الفتيات يجتهدن).
وإن كان أمرا ، فهو مبنيّ على السكون أبدا ك (اكتب) ، إلا إن كان معتلّ الآخر ، فيبنى على حذف آخره ك (اسع وادع وامش) ، أو كان متّصلا بألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة ، فيبنى على حذف النون ك (اكتبا واكتبوا واكتبي) ، أو كان متصلا بإحدى نوني التوكيد ، فيبنى على الفتح ك (اكتبن واكتبنّ).
الفضلة : هي اسم يذكر لتتميم معنى الجملة ، وليس أحد ركنيها - أي : ليس مسندا ولا مسندا إليه - كالناس من قولك : «أرشد الأنبياء الناس».
(فأرشد مسند. والأنبياء مسند إليه ؛ والناس فضلة ، لأنه ليس مسندا ولا مسندا إليه ، وإنما أتي به لتتميم معنى الجملة ، وسميت فضلة لأنها زائدة على المسند والمسند إليه ، فالفضل في اللغة معناه الزيادة).
وحكمها : أنها منصوبة دائما حيثما وقعت ، مثل : «يحترم الناس العلماء. أحسنت إحسانا.
طلعت الشمس صافية. جاء التلاميذ إلا عليا. سافرت يوم الخميس. جلست أماك المنبر. وقف الناس احتراما للعلماء».
إلا إذا وقعت بعد حرف الجرّ ، أو بعد المضاف ، فحكمها أن تكون مجرورة ، مثل : «كتبت بالقلم. قرأت كتب التاريخ».
وما جاز أن يكون عمدة وفضلة ، جاز رفعه ونصبه ، كالمستثنى في كلام منفيّ ذكر فيه المستثنى منه ، نحو : «ما جاء أحد إلا سعيد ، وإلا سعيدا».
(فإن راعيت المعنى ، رفعت ما بعد (إلا) لوجود الإسناد ، لأن عدم المجيء إن أسند الى (أحد) فالمجيء مسند إلى سعيد وثابت له. وإن راعيت اللفظ نصبته لأنه في اللفظ فضلة ؛ لاستيفاء جملة المسند والمسند اليه».
فإن ذكر المستثنى منه ، والكلام مثبت ، نصب ما بعد (إلا) حتما ، لأنه فضلة لفظا ومعنى ، نحو : «جاء القوم إلّا سعيدا».
وإن حذف المستثنى منه من الكلام رفع في مثل : «ما جاء إلّا سعيد» لأنه مسند اليه ، ونصب في مثل : «ما رأيت إلا سعيدا». لأنه فضلة. وخفض في مثل : «ما مررت إلا بسعيد» ، لوقوعه بعد حرف الجر.
الأداة : كلمة تكون رابطة بين جزءي الجملة ، أو بينهما وبين الفضلة ، أو بين جملتين.
وذلك كأدوات الشرط والاستفهام والتّحضيض والتّمني والترجي ونواصب المضارع وجوازمه وحروف الجرّ وغيرها.
وحكمها : أنها ثابتة الآخر على حالة واحدة ، لأنها مبنية.
والأداة إن كانت اسما تقع مسندا إليه ، مثل «من مجتهد؟» ، ومسندا مثل : خير مالك ما أنفقته في سبيل المصلحة العامة ، وفضلة مثل : «احترم الذي يطلب العلم ، اتّق شرّ من أحسنت إليه».
وحينئذ يكون إعرابها في أحوال الرفع والنصب والجر محليّا.
الجملة : قول مؤلف من مسند ومسند إليه. فهي والمركّب الإسناديّ شيء واحد. مثل : (جاءَ الْحَقُّ ، وَزَهَقَ الْباطِلُ ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً).
ولا يشترط فيما نسميه جملة ، أو مركّبا إسناديا ، أن يفيد معنى تاما مكتفيا بنفسه ، كما يشترط ذلك فيما نسميه كلاما. فهو قد يكون تامّ الفائدة نحو : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) فيسمّى كلاما أيضا. وقد يكون ناقصها ، نحو : «مهما تفعل من خير أو شرّ» ، فلا يسمّى كلاما. ويجوز أن يسمّى جملة أو مركبا إسناديا. فإن ذكر جواب الشرط ، فقيل : «مهما تفعل من خير أو شرّ تلاقه» ، سمي كلاما أيضا ، لحصول الفائدة التامّة.
والجملة أربعة أقسام : فعليّة ، واسميّة ، وجملة لها محلّ من الإعراب ، وجملة لا محلّ لها من الإعراب.
الجملة الفعليّة : ما تألفت من الفعل والفاعل ، نحو : «سبق السيف العذل» ، أو الفعل ونائب الفاعل ، نحو : «ينصر المظلوم» ، أو الفعل الناقص واسمه وخبره نحو : «يكون المجتهد سعيدا».
الجملة الاسميّة : ما كانت مؤلفة من المبتدأ والخبر ، نحو : «الحقّ منصور» أو ممّا أصله مبتدأ وخبر ، نحو : «إن الباطل مخذول. لا ريب فيه. ما أحد مسافرا. لا رجل قائما. أن أحد خيرا من أحد إلا بالعافية. لات حين مناص».
الجملة إن صحّ تأويلها بمفرد ، كان لها محلّ من الإعراب ، الرفع أو النصب أو الجرّ ، كالمفرد الذي تؤوّل به ، ويكون إعرابها كإعرابه.
فإن أوّلت بمفرد مرفوع ، كان محلّها الرفع ، نحو : «خالد يعمل الخير» ، فإن التأويل : «خالد عامل للخير».
وإن أوّلت بمفرد منصوب ، كان محلّها النصب ، نحو : «كان خالد يعمل الخير» ، فإنّ التأويل : «كان خالد عاملا للخير».
وإن أوّلت بمفرد مجرور ، كانت في محلّ جرّ ، نحو : «مررت برجل يعمل الخير» ، فإن التأويل : «مررت برجل عامل للخير».
وإن لم يصحّ تأويل الجملة بمفرد ، لأنها غير واقعة موقعه ، لم يكن لها محلّ من الإعراب ، نحو : «جاء الذي كتب» ، إذ لا يصح أن تقول : «جاء الذي كاتب».
والجمل التي لها محلّ من الإعراب سبع
1 - الواقعة خبرا : ومحلّها من الإعراب الرفع ، إن كانت خبرا للمبتدأ ، أو الأحرف المشبهة بالفعل ، أو (لا) النافية للجنس ، نحو : «العلم يرفع قدر صاحبه. إن الفضيلة تحبّ. لا كسول سيرته ممدوحة». والنصب إن كانت خبرا عن الفعل الناقص ، كقوله تعالى : (وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ) [الأعراف : 177] ، وقوله : (فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) [البقرة : 71].
2 - الواقعة حالا : ومحلّها النصب ، نحو : (وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ) [يوسف : 16].
3 - الواقعة مفعولا به : ومحلها النصب أيضا ، كقوله تعالى : (قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ) [مريم : 30] ، ونحو : «أظنّ الأمة تجتمع بعد التفرّق».
4 - الواقعة مضافا إليها : ومحلّها الجرّ ، كقوله تعالى : (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) [الأنعام : 119].
5 - الواقعة جوابا لشرط جازم : إن اقترنت بالفاء أو ب (إذا) الفجائية. ومحلها الجزم ، كقوله تعالى : (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) [الرعد : 33] ، وقوله : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم : 36].
6 - الواقعة صفة : ومحلّها بحسب الموصوف إمّا الرفع ، كقوله تعالى : (وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى) [يس : 20]. وإمّا النصب ، نحو : «لا تحترم رجلا يخون بلاده». وإمّا الجرّ ، نحو : «سقيا لرجل يخدم أمته».
7 - التابعة لجملة لها محلّ من الإعراب : ومحلّها بحسب المتبوع. إمّا الرّفع ، نحو : «عليّ يقرأ ويكتب» ، وإمّا النصب ، نحو : «كانت الشمس تبدو وتخفى» ، وإمّا الجرّ ، نحو : «لا تعبأ برجل لا خير فيه لنفسه وأمته ، لا خير فيه لنفسه وأمته».
الجمل التي لا محلّ لها من الإعراب تسع :
1 - الابتدائية : وهي التي تكون في مفتتح الكلام ، كقوله تعالى : (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) [الكوثر : 1] ، وقوله (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [النور : 35].
2 - الاستئنافيّة : وهي التي تقع في أثناء الكلام ، منقطعة عمّا قبلها ، لاستئناف كلام جديد ، كقوله تعالى : (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [النحل : 3]. وقد تقترن بالفاء أو الواو الاستئنافيّتين. فالأول كقوله تعالى : (فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الأعراف : 190]. والثاني كقوله : (قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى) [آل عمران : 36].
3 - التّعليليّة : وهي التي تقع في اثناء الكلام تعليلا لما قبلها ، كقوله تعالى : (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) [التوبة : 103]. وقد تقترن بفاء التّعليل ، نحو : «تمسّك بالفضيلة ، فإنها زينة العقلاء».
4 - الاعتراضيّة : وهي التي تعترض بين شيئين متلازمين ، لإفادة الكلام تقوية وتسديدا وتحسينا ، كالمبتدأ والخبر ، والفعل ومرفوعه ، والفعل ومنصوبه ، والشرط والجواب ، والحال وصاحبها ، والصفة والموصوف ، وحرف الجر ومتعلّقه والقسم وجوابه. فالأول كقول الشاعر :
وفيهنّ ، والأيام يعثرن بالفتى
نوادب لا يمللنه ، ونوائح
والثاني كقول الآخر :
وقد أدركتني ، والحوادث جمّة
أسنّة قوم لا ضعاف ، ولا عزل
والثالث كقول غيره :
وبدّلت ، والدّهر ذو تبدّل
هيفا دبورا بالصّبا ، والشّمأل
والرابع كقوله تعالى : (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) [البقرة : 24].
والخامس نحو : «سعيت ، وربّ الكعبة ، مجتهدا».
والسادس كقوله تعالى : (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) [الواقعة : 76].
والسابع نحو : «اعتصم ، أصلحك الله ، بالفضيلة».
والثامن كقول الشاعر :
لعمري ، وما عمري عليّ بهيّن
لقد نطقت بطلا عليّ الأقارع
5 - الواقعة صلة للموصول الاسميّ : كقوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) [الأعلى : 14] ، أو الحرفيّ كقوله : (نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ) [المائدة : 52].
والمراد بالموصول الحرفيّ : الحرف المصدريّ ، وهو يؤوّل وما بعده بمصدر وهو ستة أحرف : «إن وأنّ وكي وما ولو وهمزة التسوية».
6 - التّفسيرية : كقوله تعالى : (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) [الأنبياء : 3] وقوله : (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ) [الصف : 10 - 11].
والتّفسيريّة ثلاثة أقسام : مجرّدة من حرف التفسير كما رأيت ، ومقرونة بأي ، نحو : «أشرت إليه ، أي أذهب» ، ومقرونة بأن ، نحو : «كتبت إليه أن وافنا» ، ومنه قوله تعالى : (فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) [المؤمنون : 27].
7 - الواقعة جوابا للقسم : كقوله تعالى : (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) [يس : 2 - 3] ، وقوله : (وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ) [الأنبياء : 57].
8 - الواقعة جوابا لشرط غير جازم : «كإذا ولو ولوا» ، كقوله تعالى : (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ،) وقوله : (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) [الحشر : 21] ، وقوله : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) [البقرة : 251].
9 - التابعة لجملة لا محلّ لها من الإعراب : نحو : «إذا نهضت الأمة ، بلغت من المجد الغاية ، وأدركت من السّؤدد النهاية».
أبو البقاء العكبري عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين الإمام العلامة ، محب الدين ، أبو البقاء العكبري البغدادي الأزجي الضرير ، النحوي الفرضي الحنبلي ، صاحب التصانيف.
مولده سنة 538 ه ، وذكر الدبيثي : أنه سأله عن مولده. فقال : سنة ثمان وثلاثين ، وقال القطيعي : سألته عن مولده؟ فقال : في حدود سمنة تسع وثلاثين.
وهو من من أهل باب الأزج ، وأصله من عكبرا ، قرأ النحو واللغة والأصول والحساب والخلاف والفرائض ، رحل إليه من الأقطار ، وكان يتردد على الصدور والأعيان.
قرأ على ابن الخشاب وأبي البركات ابن نجاح ، وبرع في الفقه والأصول وحاز قصب السبق في العربية. أضر في صباه بالجدري ، وكان إذا أراد أن يصنف شيئا أحضرت إليه مصنفات ذلك الفن وقرئت عليه ، فإذا حصل ما يريد في خاطره أملاه ، وكان يقال : أبو البقاء تلميذ تلامذته! وقال الشعر.
وسمع في صباه من أبي الفتح ابن البطي ، وأبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي ، وأبي بكر عبد الله بن النقور ، وأبي العباس أحمد بن المبارك بن المرقعاني وغيرهم.
وقرأ القرآن على أبي الحسن البطايحي ، وسمع الحديث من أبي الحسن ابن البطي ، وأبي زرعة المقدسي ، وأبي بكر ابن النقور ، وابن هبيرة الوزير. وقرأ الفقه على القاضي أبي يعلى الصغير ، وأبي حكيم النهرواني ، حتى برع فيه.
وأخذ النحو عن أبي محمد ابن الخشاب ، وأبي البركات ابن نجاح ، واللغة من ابن القصاب. وبرع في فنون عديدة من العلم ، وصنف التصانيف الكثيرة ، ورحلت إليه الطلبة من النواحي ، وأقرأ المذهب والفرائض والنحو واللغة ، وانتفع به خلق كثير.
وقرأ الأدب على عبد الرحيم بن العصار ، والفقه على الشيخ أبي حكم إبراهيم بن دينار النهاوندي.
كان الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي يفزع إليه فيما يشكل عليه من الأدب ، وكان رقيق القلب ، سريع الدمعة.
قال محب الدين ابن النجار : وكان ثقة ، صدوقا فيما ينقله ويحكيه ، غزير الفضل ، كامل الأوصاف ، كثير المحفوظ ، متدينا ، حسن الأخلاق ، متواضعا. ذكر لي أنه بالليل تقرأ له زوجته.
قال أبو الفرج ابن الحنبلي الملقب بناصح الدين : كان - يعني أبا البقاء - إماما في علوم القرآن ، إماما في الفقه ، إماما في اللغة ، إماما في النحو ، إماما في العروض ، إماما في الفرائض ، إماما في الحساب ، إماما في معرفة المذهب ، إماما في المسائل النظريات. وله في هذه الأنواع من العلوم مصنفات مشهورة.
قال : وكان معيدا للشيخ أبي الفرج ابن الجوزي في المدرسة ، وكان متدينا ، قرأت عليه كتاب «الفصيح» لثعلب ، من حفظي ، وقرأت عليه بعض كتاب «التصريف» لابن جني.
وقال الإمام عبد الصمد بن أبي الجيش : كان يفتي في تسعة علوم ، وكان واحد زمانه في النحو واللغة ، والحساب والفرائض ، والجبر والمقابلة والفقه ، وإعراب القرآن والقراءات الشاذة ، وله في كل هذه العلوم تصانيف كبار وصغار ، ومتوسطات ، وذكر أنه قرأ عليه كثيرا.
وقال ابن الدبيثي : كان متفننا في العلوم ، له مصنفات حسنة في إعراب القرآن وقراءاته المشهورة ، وإعراب الحديث ، والنحو واللغة ، سمعت عليه ، ونعم الشيخ كان.
وقال ابن النجار : قرأت عليه كثيرا من مصنفاته ، وصحبته مدة طويلة ، وكان ثقة متدينا ، حسن الأخلاق متواضعا ، كثير المحفوظ. وكان محبا للاشتغال والإشغال ليلا ونهارا ، ما يمضي عليه ساعة إلا وواحد يقرأ عليه ، أو يطالع له ، حتى ذكر لي : أنه بالليل تقرأ له زوجته في كتب الأدب وغيرها ، قال : وبقي مدة من عمره فقيد النظير ، متوحدا في فنونه التي جمعها من
عوام الشريعة والآداب ، والحساب ، في سائر البلاد ، وذكر لي : أنه أضر في صباه بالجدري ، وذكر تصانيفه.
وقال غيره : كان أبو البقاء إذا أراد أن يصنف كتابا أحضرت له عدة مصنفات في ذلك الفن ، وقرئت عليه ، فإذا حصّله في خاطره أملاه ، فكان بعض الفضلاء يقول : أبو البقاء تلميذ تلامذته ، يعني : هو تبع لهم فيما يلقونه عليه.
وقال المزاني : سمعت الشيخ أبا البقاء يقول : جاء إليّ جماعة من الشافعية فقالوا : انتقل إلى مذهبنا ونعطيك تدريس النحو واللغة بالنظامية ، فأقسمت وقلت : لو أقمتموني وصببتم عليّ الذهب حتى أتوارى ، ما رجعت عن مذهبي.
أخذ عنه العربية خلق كثير ، وأخذ عنه الفقه جماعة من الأصحاب ، كالموفق بن صديق ، ويحيى بن يحيى الحرانيين.
وسمع منه الحديث خلق كثير. وروى عنه ابن الدبيثي ، وابن النجار ، والضياء ، وابن الصيرفي ، وبالإجازة جماعة ، منهم : الكمال البزار البغدادي.
ذكر أبو البقاء في شرح الهداية وجها بدخول الاستحاضة في مدة النفاس ، وقد حكاه قبله القاضي في شرح المذهب.
وحكى فيما إذا حكّ أسفل الخف بعود ونحوه من النجاسة ، فهل يقوم مقام دلكه بالأرض في طهارته أو العفو عنه؟ وجهين. وقال فيه : الكلب والحمار الأهلي والوحشي سواء في قطع الصلاة.
قال : وقال الشريف : رأيت في بعض نسخ «المجرد» يقطع الحمار الأهلي.
وقال فيه : لم أجد لأصحابنا في بعض الآية التي يجوز للجنب قراءتها حدا ، وظاهر قولهم :
أنه يجوز ذلك ، وإن كثر البعض ، وكان بمنزلة آيات متوسطة.
والأمر محمول عندي على غير ذلك ، وهو أن يحمل البعض على مقدار دون آية متوسطة ، إذا كان كلاما تاما في متعلق بما قبله وما بعده.
وحكى ابن الصيرفي أيضا عن أبي البقاء : أنه كان يختار جواز أخذ بني هاشم من الزكاة إذا منعوا حقهم من خمس الغنيمة.
وقال ابن الصيرفي أيضا : خرجت جواز دفع الرشوة إلى القاضي الظالم لدفع ظلمه على محامل الخراج ، وذاكرت بذلك شيخي أبا البقاء ، فلم يصوبه ، قال : ثم رأيت ابن عقيل في فنونه صرح بما خرجته.
قال : وسمعت شيخنا أبا البقاء يقول فيمن رأى رجلا نائما ، وقد دخل عليه وقت الصلاة : لا يوقظه ؛ لأنه غير مخاطب ، قال : ويغلب على ظني أنه حكاه عن شيخه أبي حكيم.
قال : وقرأت بخط بعض أصحاب أبي الخطاب : أنه سأل أبا الخطاب عن هذه المسألة. فقال : نعم يوقظه.
قال : وحكى عن شيخنا أبي محمد بن قدامة المقدسي مثل ذلك.
قال : ورأيت في فنون ابن عقيل هذه المسألة ، وقد جرت فيها مذاكرات بين ابن عقيل ورجل آخر معين ، واختلفا في ذلك.
ومن كلامه في حواشي المفصل : «أفعل» تستعمل على وجهين :
أحدهما : يدل على أن فضل المذكور زائد على فضل من أضيف إليه أفعل فهذا يستعمل على ثلاثة أوجه ب «من» كقولك : زيد أفضل من عمر ، وهذا لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث ، لعلة ليس هذا موضعها ، وبالإضافة ، كقولك : زيد أفضل القوم ، وهذا لا يضاف إلى مضاف إلى ضميره ، فلا تقول : زيد أفضل إخوته ، وبالألف واللام ، كقولك : زيد الأفضل.
والوجه الثاني : أن لا يكون «أفعل» للزيادة ، بل لاشتهار المذكور بالفضل وتخصيصه من دونهم ، كقولك : زيد أفضل القوم ، كما تقول : فاضل ، وعلى هذا يجوز أن يضاف إلى ضميره ، كقولك : زيد أفضل قومه ، وأحسن إخوته ، أي هو الفاضل من بينهم ، وهذا يثنى ويجمع ويؤنث ، ومنه الفرق بين قوله : من دخل داري فله درهم ، ومن دخل داري له درهم.
بإسقاط الفاء ، أي إنه مع إثباتها يكون ضامنا له الدرهم على دخوله ، ومع سقوطها يحتمل أن يكون أخبر عنه بأنه يملك درهما ، لا أنه ضمن له شيئا ، وقال : الفرق بين «واو» مع «واو» العطف يتبين بقولك : «قم أنت وزيد» إذا رفعت «زيد» كنت آمرا لهما بالقيام ، لأن حكم
العطف أن يشرك بين المعطوف والمعطوف عليه في العامل ، وإذا نصت كنت آمرا المخاطب أن يتابع زيدا في القيام ، ولست آمرا زيدا بالقيام ، حتى لو لم يقم لم يلزم المخاطب القيام ، لأن هذا هو حكم «مع» لا.
ومن كلامه - ونقلته عن خط ابن الصيرفي - «لو» يقع في الكلام على ثلاثة أوجه :
أحدها : امتناع الشيء لامتناع غيره.
والثاني : أن يكون بمعنى (إن) الشرطية ، كقوله تعالى : (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ.) [البقرة : 221].
والثالث : أن تكون بمعنى (أن) الناصبة للفعل المستقبل ، ولكنها لا تنصب ، وهو كثير في القرآن والشعر ، كقوله تعالى : (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [القلم : 9] ، (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي) [المعراج : 11] ، ولا يجوز أن يكون للامتناع ، إذ لا جواب لها ، ولأن (ودّ) لا تعلق عن العمل ؛ إذ ليس من باب العلم والظن ولأن (أن) قد جاءت بعدها صريحة في قوله تعالى :
(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ) [البقرة : 266] ، وإنما لم تنصب ، لأن «لو» قد تعددت معانيها ، فلم تختص ، وجرت مجرى «حتى» في الأفعال. والقسم الأول يرد في اللغة على خمسة أوجه :
أحدها : أن تدل على كلام لا نفي فيه ، كقولك : لو قمت قمت ، ويفيد ذلك امتناع قيامك لامتناع قيامه.
والثاني : أن تدخل على نفيين ، فيصير المعنى إلى إثباتهما ، كقولك : لو لم تزرني لم أكرمك ، أي : أكرمتك لأنك زرتني ، فانقلب النفي ههنا إثباتا ، لأن «لو» امتناع ، والامتناع نفي ، والنفي إذا دخل على النفي صار إيجابا.
والثالث : أن يكون النفي فيما دخلت عليه دون جوابها ، كقولك : لو لم تشتمه لأكرمك ، فالشتم واقع ، والإكرام منتف ، والامتناع أزال النفي ، وبقي الإيجاب بحاله.
والرابع : عكس الثالث ، وهو قولك : لو أحسن إليك لم تسيء إليه ، والمعنى معلوم.
والخامس : آن تقع للمبالغة ، فلا تفيد مفادها في الوجوه الأول ، كقول عمر رضياللهعنه : «نعم العبد صهيب ، لو لم يخف الله لم يعصه» ، والمعنى : أنه لو لم يكن عنده خوف لما عصى ، فكيف يعصى وعنده خوف. ولو لم يرد المبالغة لكان معنى ذلك : أنه يعصي الله ، لأنه يخافه.
وقال أيضا : «لو» في الموضع اللغوي تعلق فعلا بفعل ، والفعل الأول علة الثاني ، إلا أن يكون هنا قرينة صارفة تصرفها عن هذا الأصل. وهو أن يدل المعنى على إرادة المبالغة ، كقولك : لو أهين زيد لأحسن إلى من يهينه ، والمعنى : أنه إذا أكرم كان أولى بالإحسان ، لا أنه إذا لم يهن لم يحسن.
ومن كلامه «بله» تستعمل على ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تكون بمعنى «غير».
والثاني : أن تكون بمعنى «دع» فتكون مبنية على الفتح.
والثالث : أن تكون بمعنى «كيف» فإن دخلت «من» عليها كانت معربة ، وجرّت بمن.
وذكر أن أبا علي الفارسي حكى عن أبي زيد القلب ، فيقال : «بهل» إلا أنها لا تستعمل مثل «بله» لأنها فرع.
وقال أبو البقاء : سألني سائل عن قوله صلىاللهعليهوسلم : «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» ، فقال : أيجوز في «الرحماء» الرفع والنصب؟ وذكر أن بعضهم زعم أن الرفع غير جائز. فأجبت : بأن الوجهين جائزان.
أما النصب : فله وجهان :
أقواهما : أن تكون «ما» كافّة لإن عن العمل فلا يكون في الرحماء ، على هذا إلا النصب ، لأن «إن» إذا كفّت عن العمل وقعت بعدها الجملة ابتدائية ، ولم يبق لها عمل ، فيتعين حينئذ نصب الرحماء ب «يرحم» إذ لم يبق لها تعلق بإن. ومثله : (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ) [البقرة : 173] على قراءة من نصب ، وفائدة دخول «ما» على هذا الوجه : إثبات المذكور ، ونفي ما عداه ، فتثبت الرحمة للرحماء دون غيرهم.
والوجه الثاني : أن تكون «ما» زائدة ، و «إن» بمعنى «نعم» وزيادة «ما» كثيرا ، ووقوع «إن» بمعنى «نعم» كثير. فمنه قوله تعالى : (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) [طه : 63] ، في أحد القولين. ومنه قول ابن الزبير ، حين قال له رجل : لعن الله ناقة حملتني إليك ، فقال : «إنّ وراكبها» وهو كثير في الشعر.
فإن قيل : إنما يجيء ذلك بعد كلام تكون جوابا له ، ولم تسبق «ما» يجاب عليه : «نعم»؟
قيل : إن لم يسبق لفظا فهو سابق تقديرا ، فكأن قائلا قال للنبي صلىاللهعليهوسلم : «يرحم الله من عباده من يرحم الخلق ، وإن كان مقصرا فيما بينه وبين الله تعالى ، فقال : نعم». وهذا مما يجوز أن يسأل عنه.
وأما الرفع : فجائز جوازا حسنا. وفيه عده أوجه :
أحدها : أن تكون «ما» ، بمعنى الذي ، والعائد إليها محذوف ، و «الرحماء» خبر «إن» ، والتقدير : إن الفريق الذي يرحمهالله من عباده الرحماء.
فإن قيل : يلزم من ذلك أن تكون «ما» هنا لمن يعقل؟
ففيه جوابان : أحدهما : أن «ما» قد استعملت بمعنى «من» كقوله تعالى : (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) [النساء : 3] ، وهو كثير في القرآن. ومنه : (وَالسَّماءِ وَما بَناها (5) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها) [الشمس : 5 - 6] ،. في أصح القولين ، وحكى أبو زيد عن العرب : سبحان ما سبحتنّ له.
وسبحان ما سخركن لنا.
والثاني : أن «ما» تقع بمعنى «الذي» بلا خلاف ، و «الذي» تستعمل فيمن يعقل ، وفيمن لا يعقل. وإنما يعرف ذلك بما يتصل بها ، وكذلك في «ما» لا سيما إذا اتصل بها ما يصير وصفا ، وإنما تفترق «ما» والذي «في» أن «الذي» يوصف بلفظها ، و «ما» لا يوصف بلفظها.
فإن قيل : كيف يصح هذا؟ والرحماء جمع ، صلىاللهعليهوسلم «ما» بمعنى «الذي» مفردة ، والمفرد لا يخبر عنه بالجمع؟.
قيل : «ما» يجوز أن يخبر عنها بلفظ المفرد تارة ، وبلفظ الجمع أخرى ، مثل للأمن «وكل» قال تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) [الأنعام : 25] ، وقال في آية أخرى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) [يونس : 42] وكذلك قوله تعالى : (بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة : 112] ، وقال في«كل» (وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ) [النمل : 87] ، (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً) [مريم : 95] ، فالإفراد محمول على لفظ «من» و «ما» و «كل» والجمع محمول على معانيها.
وأما «الذي» فقد استعملت مفردة للجنس ، ورجع الضمير تارة إلى لفظها مفردا ، وتارة إلى معناها مجموعا ، قال تعالى : (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ) [البقرة : 17] ، فجاء بالضمير مفردا ومجموعا ، وقال تعالى : (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [الزمر : 33] ، فأعاد الضمير بلفظ الجمع ، فكذلك في قوله : «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» ، ولك على هذا الوجه أن تجعل «إن» العاملة ، وأن تجعلها بمعنى «نعم» على ما سبق.
الوجه الثاني من وجوه «ما» التي يجوز معها رفع «الرحماء» : أن تكون «ما» نكرة موصوفة في موضع : فريق أو قبيل ، و «يرحم» صفة لها ، و «الرحماء» الخبر ، والعائد من الصفة إلى الموصوف محذوف ، تقديره : إن فريقا يرحمهالله : الرحماء.
فإن قيل : كيف يصح الابتداء بالنكرة ، والإخبار بالمعرفة عنها؟
قيل : النكرة هنا قد خصصت بالوصف ، والرحماء لا يقصد بهم قصد قوم بأعيانهم.
فكان فيه كذلك نوع إيهام. فلما قرنت النكرة هنا بالصفة من المعرفة ، وقرنت المعرفة من النكرة بما فيها من إبهام ، صح الإخبار بها عنها ، على أن كثيرا من النكرات يجري مجرى المعارف في باب الأخبار إذا حصلت من ذلك فائحة ، والفائحة هنا حاصلة.
الوجه الثالث : أن تكون «ما» مصدرية ، وفي تصحيح الإخبار عنها بالرحماء ثلاثة أوجه.
أحدها : أن يكون المصدر هنا بمعنى المفعول ، تقديره : إن مرحوم الله من عباده الرحماء. ومنه (هذا خَلْقُ اللهِ) [لقمان : 13] ، أي مخلوقه. وقال أبو علي : لك أن تجعل «ما» من
قوله : (وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) [البقرة : 72] مصدرية ، أي كتمانكم ، وكتمانكم بمعنى مكتومكم ؛ لأن الكتمان لا يظهر ، وإنما يظهر المكتوم.
الوجه الثاني : أن المضاف إلى المصدر ، أو إلى الخبر محذوف تقديره : إن ذوي رحمة الله من عباده الرحماء ، أي : المستحقون لها ، أو إن رحمة الله حق الرحماء. ومثل هذين الوجهين في قوله تعالى : (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ) [البقرة : 177] هل تقديره : ولكن ذا البر من آمن؟ ولكن البر برّ من آمن.
الوجه الثالث : أن لا تقدر حذف مضاف ، غير أنك تجعل «الرحماء» هم الرحمة على المبالغة ، كما قالوا : رجل عدل ، ورجل زور ، ورجل علم ، وقوم صوم ، إذا كثر منهم ذلك. ومنه قول الخنساء :
ترتع ما رتعت ، حتى إذا
أذكرت ، فإنما هي إقبال وإدبار
فثبت بما ذكرناه وهو قول من زعم امتناع الرفع في الرحماء. والله أعلم بالصواب.
توفى ليلة الأحد ثامن ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة - 616 ه - ، ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب ، رحمهالله تعالى.
تفسير القرآن
البيان في إعراب القرآن
إعراب الشواذ
متشابه القرآن
عدد الآي
إعراب الحديث
كتاب التعليق في مسائل الخلاف في الفقه
شرح الهداية لأبي الخطاب في الفقه
كتاب المرام في نهاية الأحكام في المذهب
كتاب مذاهب الفقهاء
الناهض في علم الفرائض
بلغة الرائض في علم الفرائض
كتاب آخر في الفرائض للخلفاء
المنفح من الخطل في علم الجدل
الاعتراض على دليل التلازم ودليل التنافي
جزء الاستيعاب في علم الحساب
اللباب في البناء والإعراب شرح الإيضاح
شرح اللمع
شرح التلقين في النحو
التلخيص في النحو
الإشارة في النحو
تعليق على مفصل الزمخشري
شرح الحماسة
غوامض الألفاظ اللغوية للمقامات الحريرية
شرح خطب ابن نباتة
شرح بعض قصائد رؤبة
شرح لغة الفقه أملاه على ابن النجار الحافظ
شرح ديوان المتنبي
أجوبة مسائل وردت من حلب
مسائل مفردة
المشرق المعلم في ترتيب إصطلاح المنطق على حروف المعجم
تلخيص أبيات شعر لأبي علي
تهذيب الإنسان بتقويم اللسان
الإعراب عن علل الإعراب.
اعتمدنا في تحقيقنا لهذا الكتاب على نسخة خطية من دار الكتب المصرية برقم (129) نحو تيمور ، وهي مخطوطة جيدة وإن كان قد أصابها بعض البياض في أماكن قليلة ، وهي تقع في جزئين ، وقد قسمها المؤلف إلى أبواب وفصول ، وميز أسماء الأبواب والفصول بخط أكبر من باقي الكلام ، وفي الصفحة (15) سطرا.
وقد كان عملي في الكتاب على النحو التالي :
1 - قمت بنسخ المخطوط وفق القواعد العلمية ، من تصويب الأخطاء ، ووضع علامات ترقيم النص حتى يسهل قراءته.
2 - قمت بتخريج الآيات القرآنية ، والدلالة على مواضعها.
3 - قمت بتخريج الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في الكتاب - على قلتها -.
4 - قمت بالتعليق على المواضع التي تحتاج إلى زيادة شرح وإسهاب وتوضيح.
5 - صنعت مقدمة علم اللغة والنحو والإعراب.
6 - صنعت فهارس تفصيلية للكتاب.
وأخيرا : أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب القارئ والسامع والناظر فيه ، وكل من شارك فيه ولو بنصح ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الصورة
الصورة
الصورة
بسم الله الرّحمن الرّحيم
عونك اللهم
الحمد لله أهل الحمد ومستحقه ، وأشهد أن لا إله لا الله وحده لا شريك له في إبداع خلقه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وعلى آله وأصحابه والشاهدين بصدقه ما سح سحاب بوابله وودقه.
أما بعد ؛ فإن علم العربية من أجل العلوم فائدة ، وأفضلها عائدة ، وحكمة وافرة جمة ، ومعرفته تفضي إلى معرفة العلوم المهمة ، والكتب المؤلفة فيه تفوت الإحصاء عدا ، وتخرج عن الضبط جدا ، وأنفعها أوسطها حجما وأكثرها علما.
وهذا مختصر أذكر فيه من أصول النحو ما تمس الحاجة إليه ، ومن علل كل باب ما يعرفك أكثر فروعه المرتبة عليه ، وقد بذلت الوسع في إيجاز ألفاظه وإيضاح معانيه ، وصحة أقسامه وإحكام مبانيه ، ومن الله سبحانه أستمد الإعانة على تحقيق ما ضمنت ، وإياه أسأل الإصابة فيما أبنت.
اعلم أن النحو (1)في الأصل مصدر : (نحا ينحو) إذا قصد ، ويقال : نحا له ، وأنحى له ، وإنما سمي العلم بكيفية كلام العرب في إعرابه وبنائه : (نحوا) ؛ لأن الغرض به أن يتحرى الإنسان في كلامه إعرابا وبناء طريقة العرب في ذلك.
فصل : وحده عندهم أنه علم مستنبط بالقياس والاستقراء من كلام العرب ، والقياس ألا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر ، ولكنه ثني وجمع لما تقل ، وسمي به ، ويجمع على : (أنحاء ونحو).
الكلام (2)
ولا يتركب الكلام إلا من اسمين نحو زيد قائم أو من فعل واسم كقام زيد وكقول المصنف استقم فإنه كلام مركب من فعل أمر وفاعل مستتر والتقدير استقم أنت فاستغنى بالمثال عن أن يقول فائدة يحسن السكوت عليها فكأنه قال الكلام هو اللفظ المفيد فائدة كفائدة استقم ، وإنما قال المصنف كلامنا ليعلم أن التعريف إنما هو للكلام في اصطلاح النحويين لا في اصطلاح اللغويين وهو في اللغة اسم لكل ما يتكلم به مفيدا كان أو غير مفيد.
والكلم اسم جنس واحده كلمة وهي إما اسم وإما فعل وإما حرف لأنها إن دلت على معنى في نفسها غير مقترنة بزمان فهي الاسم وإن اقترنت بزمان فهي الفعل وإن لم تدل على معنى في نفسها بل في غيرها فهي الحرف ، والكلم ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر كقولك إن قام زيد ، والكلمة هي اللفظ الموضوع لمعنى مفرد فقولنا الموضوع لمعنى أخرج المهمل كديز وقولنا مفرد أخرج الكلام فإنه موضوع لمعنى غير مفرد والقول يعم الجميع والمراد أنه يقع على الكلام أنه قول ويقع أيضا على الكلم والكلمة أنه قول وزعم بعضهم أن الأصل استعماله في المفرد. والكلمة قد يقصد بها الكلام كقولهم في لا إله إلا الله كلمة الإخلاص ، وقد يجتمع الكلام والكلم في الصدق وقد ينفرد أحدهما ، فمثال اجتماعهما قد قام زيد فإنه كلام لإفادته معنى يحسن السكوت عليه وكلم لأنه مركب من ثلاث كلمات ، ومثال انفراد الكلم إن قام زيد ، ومثال انفراد الكلام زيد قائم.
: عبارة عن الجملة المفيدة فائدة يسوغ السكوت عليها عند المحققين لثلاثة أوجه :1) النحو في الاصطلاح هو العلم لمستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها. قاله صاحب المقرب فعلم أن المراد هنا بالنحو ما يرادف قولنا علم العربية لا قسيم الصرف ، وهو مصدر أريد به اسم المفعول أي المنحو كالخلق بمعنى المخلوق ، وخصته غلبة الاستعمال بهذا العلم وإن كان كل علم منحوا أي مقصودا كما خصت الفقه بعلم الأحكام الشرعية الفرعية وإن كان كل علم فقها أي مفقوها أي مفهوما. وجاء في اللغة لمعان خمسة : القصد يقال نحوت نحوك أي قصدت قصدك والمثل نحو مررت برجل نحوك أي مثلك ، والجهة نحو توجهت نحو البيت أي جهة البيت ، والمقدار نحو له عندي نحو ألف أي مقدار ألف ، والقسم نحو هذا على أربعة أنحاء أي أقسام. وسبب تسمية هذا العلم بذلك ما روي أن عليا رضي الله تعالى عنه لما أشار على أبي الأسود الديلي أن يضعه وعلمه الاسم والفعل والحرف وشيئا من الإعراب قال : انح هذا النحو يا أبا الأسود.
2) الكلام المصطلح عليه عند النحاه عبارة عن اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها فاللفظ جنس يشمل الكلام والكلمة والكلم ويشمل المهمل كديز والمستعمل كعمرو ومفيد أخرج المهمل وفائدة يحسن السكوت عليها أخرج الكلمة وبعض الكلم وهو ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر ولم يحسن السكوت عليه نحو إن قام زيد.
أحدها : أنه مشتق من (الكلم) وهو الجرح ، والجرح مؤثر في نفس المجروح فيلزم أن يكون الكلام مؤثرا في نفس السامع.
والثاني : أن الكلام يؤكد به (تكلمت) كقولك : تكلمت كلاما ، والمصدر المؤكد نائب عن الفعل والفاعل ، وكما أن الفعل والفاعل جملة مفيدة كذلك ما ينوب عنه الكلام.
الثالث : أن الكلام ينوب عن التكليم والتكلم ، وكلاهما مشدد العين ، والتشديد للتكثير ، وأدنى درجاته أن يدل على جملة تامة.
فصل : وإنما قال المحققون : إن الكلام اسم للمصدر وليس بمصدر حقيقة ؛ لأن المصادر تبنى على الأفعال المأخوذة منها ، والأفعال المأخوذة من هذا الأصل (كلمت) ومصدره (التكليم) ، و (تكلمت) ومصدره (التكلم) ، و (كالمت) ومصدره (المكالمة) و (الكلام) ، والكلام ليس بواحد منها إلا أنه يعمل عمل المصدر ، كما عمل (العطاء) عمل (الإعطاء).
فصل : وأما القول فيقع على المفيد ؛ لأن معناه التحرك والتقلقل ، فكل ما يمذل به اللسان ويتحرك يسمى : (قولا) ، وهذا ما يتركب من : (ق ول) في جميع تصاريفها وتقلب حروفها نحو : القول والقلو والتوقل ، وغير ذلك.
إنما علم كون الكلم (1)ثلاثا فقط من وجهين :
أحدهما : أن الكلام وضع للتعبير عن المعاني ، والمعاني ثلاثة : معنى يخبر به ، ومعنى يخبر عنه ، ومعنى يربط أحدهما بالآخر ، فكانت العبارات عنها كذلك.
الثاني : أنهم وجدوا هذه الأقسام تعبر عن كل معنى يخطر في النفس ، ولو كان هناك قسم آخر لم يوقف عليه لكان له معنى لا يمكن التعبير عنه.
فصل : وإنما فرق بين هذه العبارات في التسمية لاختلاف المعبر عنه.
فصل : وإنما خص كل واحد منهما بالاسم الذي وضعوه له لوجهين :
1 - أحدهما : أن المراد الفرق بين الأسماء ليحصل العلم بالمسميات ، وأي لفظ حصل بهذا المعنى جاز.
2 - والثاني : أنهم خصوا المخبر عنه وبه بالاسم ؛ لأنه أي علا القسمين الآخرين إذ كان أحدهما يخبر به فقط والآخر لا يخبر به ولا عنه ، وسموا ما يخبر به فعلا ؛ لأنه مشتق من المصدر الذي هو فعل حقيقة ، ولم يسموه زمانا وإن دل على الزمان لوجهين :
أ - أحدهما : أن دلالته على المصدر أقوى إذ دلالته على الزمان تختلف ويصح أن تبطل دلالته عليه بالكلية وأما دللاته على المصدر فلا يصح ذلك فيها.
ب - والثاني : أنه لو سمي زمانا لم يدل على الحدث بحال ، وإنما سمي فعلا (2)
وإنما قال المصنف يا افعلى ولم يقل ياء الضمير لأن هذه تدخل فيها ياء المتكلم وهي لا تختص بالفعل بل تكون فيه نحو أكرمني وفى الاسم نحو غلامي وفى الحرف نحو إني بخلاف ياء افعلي فإن المراد بها ياء الفاعلة على ما تقدم وهي لا تكون إلا في الفعل ، ومما يميز الفعل نون أقبلن والمراد بها نون التوكيد خفيفة كانت أو ثقيلة فالخفيفة نحو قوله تعالى : (لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ) والثقيلة نحو قوله تعالى : (لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ.)
؛ لأنه دل على الحدث لفظا ، وعلى الزمان من طريق الملازمة ؛ إذ يستحيل فعل المخلوق إلا في زمان ، ولم1) الكلم اسم جنس واحده كلمة وهي إما اسم وإما فعل وإما حرف لأنها إن دلت على معنى في نفسها غير مقترنة بزمان فهي الاسم وإن اقترنت بزمان فهي الفعل وإن لم تدل على معنى في نفسها بل في غيرها فهي الحرف.
2) قال ابن عقيل في شرحه على الألفية : الفعل يمتاز عن الاسم والحرف بتاء فعلت والمراد بها تاء الفاعل وهي المضمومة للمتكلم نحو فعلت والمفتوحة للمخاطب نحو تباركت والمكسورة للمخاطبة نحو فعلت ، ويمتاز أيضا بتاء أتت والمراد بها تاء التأنيث الساكنة نحو نعمت وبئست فاحترزنا بالساكنة عن اللاحقة للأسماء فإنها تكون متحركة بحركة الإعراب نحو هذه مسلمة ورأيت مسلمة ومررت بمسلمة ومن اللاحقة للحرف نحو لات وربت وثمت وأما تسكينها مع رب وثم فقليل نحو ربت وثمت ويمتاز أيضا بياء أفعلي والمراد بها ياء الفاعلة وتلحق فعل الأمر نحو اضربي والفعل المضارع نحو تضربين ولا تلحق الماضي.
يسم عملا ؛ لأن الفعل من العمل وكان يقع على كل حركة وعزم ؛ ولهذا يقول من بنى حائطا : قد عملت ، وقد فعلت ، وإذا تكلم قال : قد فعلت ، ولا يقال : عملت.
وسمي القسم الثالث : (حرفا) (1)؛ لأن حرف كل شيء طرفه ، والأدوات بهذه المنزلة ؛ لأن معانيها في غيرها فهي طرف لما معناها فيه.
فصل : وللاسم (2)حد عند المحققين ؛ لأنه لفظ يقع فيه اشتراك والقصد من الحد تمييز المحدود عما يشاركه.
فصل : ومن أقرب حد حد به : أنه كل لفظ دل على معنى مفرد في نفسه ، وقال قوم : هو كل لفظ دل على معنى في نفسه غير مقترن بزمان محصل دلالة الوضع.
فصل : واشتقاقه عند البصريين من : (سما يسمو) إذا علا ، فالمحذوف منه (لامه) ؛ لأن المحذوف يرجع إلى موضع اللام في جميع تصاريفه نحو : سميت وأسميت ، وسمّى وسميّ ،
1) قال ابن عقيل في شرحه على الألفية : الحرف يمتاز عن الاسم والفعل بخلوه عن علامات الأسماء وعلامات الأفعال ثم مثل بهل وفي ولم منبها على أن الحرف ينقسم إلى قسمين مختص وغير مختص فأشار بهل إلى غير المختص وهو الذي يدخل على الأسماء والأفعال نحو هل زيد قائم وهل قام زيد وأشار بفي ولم إلى المختص وهو قسمان مختص بالأسماء كفي نحو زيد في الدار ومختص بالأفعال كلم نحو لم يقم زيد.
2) اختلف عبارات النحويين في حد الاسم وسيبويه لم يصرح له بحد فقال بعضهم : الاسم ما استحق الاعراب في اول وضعه وقال آخرون : ما استحق التنوين في اول وضعه وقال آخرون : حد الاسم ما سما بمسماه فأوضحه وكشف معناه. وقال آخرون : الاسم كل لفظ دل على معنى مفرد في نفسه. ولم يدل على زمان ذلك المعنى وقال ابن السراج : هو كل لفظ دل على معنى في نفسه غير مقترن بزمان محصل وزاد بعضهم في هذا دلالة الوضع.
وأسماء وأسام ، ولأن الهمزة فيه عوض من المحذوف ، وقد ألف من عاداتهم أن يعوضوا في غير موضع الحذف.
وقال الكوفيون : هو من السمة فالمحذوف (فاؤه) وهو خطأ في الاشتقاق ، وفيه الخلاف وهو صحيح في المعنى.
فصل : وإنما سمي هذا اللفظ : (اسما) من معنى العلو لوجهين :
أحدهما : أنه سما على صاحبيه في الإخبار كما تقدم.
والثاني : أنه ينوه بالمسمى ؛ لأن الشيء قبل التسمية خفي عن الذهن فهو كالشيء المنخفض ؛ فإذا سمي ارتفع للأذهان كارتفاع المبصر للعين.
فصل : والألف واللام (1)
بالجر والتنوين والندا وأل
ومسند للاسم تمييز حصل
من خصائص الأسماء ؛ لأنهما وضعا للتعريف والتخصيص بعد الشياع ولا يصح هذا المعنى في الفعل والحرف ، ألا ترى أن قولك : (ضرب يضرب) يقعان على كل نوع من أنواع الضرب ولا يصح تخصيصهما بضربة واحدة ، كما يكون ذلك قولك : (الرجل) ؛ فإنه يصير بهما واحدا بعينه.فصل : وحروف الجر (2)تختص بالأسماء ؛ لأن الغرض منها إيصال الفعل القاصر عن الوصول إلى ما يقتضيه ، والفعل لا يقتضى إلا الاسم فصار الحرف وصلة بين الفعل وما يتعدى إليه.
فصل : وتنوين (3)
أقلى اللوم عاذل والعتابن
وقولي إن أصبت لقد أصابن
فجيء بالتنوين بدلا من الألف لأجل الترنم وكقوله
أزف الترحل غير أن ركابنا
لما تزل برحالنا وكأن قدن
والتنوين الغالي وأثبته الأخفش وهو الذي يلحق القوافي المقيدة كقوله :
وقاتم الأعماق خاوي المخترقن
وظاهر كلام المصنف : أن التنوين كله من خواص الاسم وليس كذلك ، بل الذى يختص به الاسم إنما هو تنوين التمكين والتنكير والمقابلة والعوض وأما تنوين الترنم والغالي فيكونان في الاسم والفعل والحرف.
الصرف ، والتنوين : الفارق بين المعرفة والنكرة نحو : (صه) من خصائص الأسماء ؛ لأن ما دخلا له يختص بالأسماء وهو الصرف وتمييز المعرفة من النكرة.1) قال ابن مالك في الألفية :
2) الجر : وهو يشمل الجر بالحرف والإضافة والتبعية نحو مررت بغلام زيد الفاضل فالغلام مجرور بالحرف وزيد مجرور بالإضافة والفاضل مجرور بالتبعية وهو أشمل من قول غيره بحرف الجر لأن هذا لا يتناول الجر بالإضافة ولا الجر بالتبعية.
3) قال ابن عقيل في شرحه على الألفية : التنوين وهو على أربعة أقسام تنوين التمكين وهو اللاحق للأسماء المعربة كزيد ورجل إلا جمع المؤنث السالم نحو مسلمات وإلا نحو جوار وغواش ، وسيأتي حكمهما وتنوين التنكير وهو اللاحق للأسماء المبنية فرقا بين معرفتها ونكرتها ، نحو : مررت بسيبويه وبسيبويه آخر ، وتنوين المقابلة : وهو اللاحق لجمع المؤنث السالم نحو مسلمات فإنه في مقابلة النون في جمع المذكر السالم كمسلمين وتنوين العوض وهو على ثلاثة أقسام عوض عن جملة وهو الذي يلحق إذ عوضا عن جملة تكون بعدها كقوله تعالى : (وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) أي حين إذ بلغت الروح الحلقوم فحذف بلغت الروح الحلقوم وأتى بالتنوين عوضا عنه وقسم يكون عوضا عن اسم وهو اللاحق لكل عوضا عما تضاف إليه نحو كل قائم أي كل إنسان قائم فحذف إنسان وأتى بالتنوين عوضا عنه وقسم يكون عوضا عن حرف وهو اللاحق لجوار وغواش ونحوهما رفعا وجرا نحو هؤلاء جوار ومررت بجوار فحذفت الياء وأتي بالتنوين عوضا عنها ، وتنوين الترنم ، وهو الذي يلحق القوافي المطلقة بحرف علة كقوله :
فصل : ومن خصائص الاسم كونه فاعلا أو مفعولا أو مضافا أو مثنى أو مجموعا أو مصغرا أو منادى ، وسنذكر علة تخصيص الاسم بكل واحد من ذلك في بابه إن شاء الله.
فصل : وحد (1)
وقال أبو علي : (الفعل ما اسند إلى غيره ولم يسند غيره إليه) وهذا يقرب من قولهم في حد الاسم : ما جاز الاخبار عنه لأن الاسناد والاخبار متقاربان في هذا المعنى.
وهذا الحد رسمي إذ هو علامة وليس بحقيقي لأنه غير كاشف عن مدلول الفعل لفظا وانما هو تمييز له بحكم من احكامه والذي قال سيبويه في الباب الأول : (وأما الأفعال فأمثلة أخذت من لفظ احداث الاسماء وبنيت لما مضى ولما يكون (ولم يقع) ولما هو كائن لم ينقطع). وقد أتى في هذا بالغاية لانه جمع فيه قوله (أمثلة) والامثلة بالأفعال احق منها بالأسماء والحروف وبين انها مشتقة من المصادر وقوله : (من لفظ احداث الأسماء).
ربما أخذ عليه انه أضاف الاحداث إلى الأسماء ، والأحداث للمسميات لا للأسماء. وهذا الأخذ غير وارد عليه لوجهين : أحدهما ان المراد بأحداث الاسماء ما كان فيها عبارة عن الحدث وهو المصدر لانه من بين الاسماء عبارة عن الحدث وهو من باب اضافة النوع إلى الجنس.
والثاني : انه أراد بالاسماء المسميات كما قال تعالى : (ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ) والاسماء ليست معبودة وانما المعبود مسمياتها.
الفعل ما أسند إلى غيره ولم يسند غيره إليه ، وذكر الإسناد ههنا أولى من الإخبار ؛ لأن الإسناد أعم إذ كان يقع على الاستفهام والأمر غيرهما ، وليس الإخبار كذلك بل1) اختلفت عبارات النحويين في حد الفعل فقال ابن السراج وغيره : (حده : كل لفظ دل على معنى في نفسه مقترن بزمان محصل) ، وهذا هو حد الاسم الا انهم أضافوا إليه : لفظ (غير) ليدخل فيه المصدر وإذا حذفت (غير) لم يدخل فيه المصدر لأن الفعل يدل على زمان محصل ولان المصدر لا يدل على تعيين الزمان وإن شئت اضفت إلى ذلك دلالة الوضع كما قيدت حد الاسم بذلك وانما زادوا هذه الزيادة لئلا ينتقض ب (ليس وكان) الناقصة.
هو مخصوص بما صح أن يقابل بالتصديق والتكذيب ؛ فكل إخبار إسناد ، وليس كل إسناد إخبارا.
ولا ينتقض هذا الحد بقولهم : (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) ؛ لأن : (خيرا) هنا ليس بخبر عن (تسمع) بل عن المصدر الذي هو : (سماعك) وتقديره : (أن تسمع) وحذف (أن) وهي مراد جائز كما قال : [الطويل]
ألا أيّهذا الزاجرى أحضر الوغى (1)
ألا أيّهذا اللائمي أحضر الوغى
وأن أشهد اللذّات هل أنت مخلدي
والبيت من شعر : طرفة بن العبد : (86 - 60 ق. ه / 539 - 564 م) ، وهو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد ، أبو عمرو ، البكري الوائلي ،. شاعر جاهلي من الطبقة الأولى ، كان هجاءا غير فاحش القول ، تفيض الحكمة على لسانه في أكثر شعره ، ولد في بادية البحرين وتنقل في بقاع نجد.
اتصل بالملك عمرو بن هند فجعله في ندمائه ، ثم أرسله بكتاب إلى المكعبر عامله على البحرين وعمان يأمره فيه بقتله ، لأبيات بلغ الملك أن طرفة هجاه بها ، فقتله المكعبر شابا.
أي : عن أن أحضر ، ودل على حذفه قوله : (وأن أشهد اللذّات) ، وقيل : حده ما دل على معنى في نفسه مقترن بزمان محصل دلالة الوضع.
فصل : وإنما اختصت (قد) بالفعل ؛ لأنها وضعت لمعنى لا يصح إلا فيه وهو تقريب الماضي من الحال وتقليل المستقبل كقولك : قد قام زيد ، أي : عن قريب. وزيد قد يعطي ، أي :
يقل ذلك منه ، فأما قوله تعالى : (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) [الأنعام : 33] فمعناه : قد علمنا.
1) البيت كاملا :
فصل : وإنما اختصت (السين) بالفعل ؛ لأن معناها جواب (لن يفعل) ، وكذلك : (سوف) إلا أن (سوف) تدل على بعد المستقبل من الحال ، و (السين) أقرب إلى ذلك منها ، ولما كانت (لن) لا معنى إلا في المستقبل كان جوابها كذلك.
فصل : إنما دلت تاء التأنيث الساكنة على الفعل ؛ لأن الغرض منها الدلالة على تأنيث الفاعل فقط ، لا الدلالة على تأنيث الفعل ؛ إذ الفعل لا يؤنث ولا تجد تاء تأنيث متحركة متصلة بآخر الفعل ، وإنما ذلك في الأسماء مثل : (قائمة) والحروف مثل : (ربت) و (ثمت).
فصل : وإنما دل اتصال الضمير المرفوع الموضع بالكلمة على أنها فعل ؛ لأن الضمير المتصل المرفوع لا يكون إلا فاعلا ، والفاعل لا يتصل بغير الفعل.
فصل : وحد الحرف (1)
تنبيهان : الأول إنما عدت هل من المشترك نظرا إلى ما عرض لها في الاستعمال من دخولها على الجملتين نحو : (فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ) (الأنبياء : 80) و : (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) (المائدة : 112) لا نظرا إلى أصلها من الاختصاص بالفعل ، ألا ترى كيف وجب النصب وامتنع الرفع بالابتداء في نحو هل زيدا أكرمته كما سيجيء في بابه ، ووجب كون زيد فاعلا لا مبتدأ في هل زيد قام التقدير هل قام زيد قام وذلك لأنها إذا لم تر الفعل في حيزها تسلت عنها ذاهلة ، وإن رأته في حيزها حنت إليه لسابق الألفة فلم ترض حينئذ إلا بمعانقته. الثاني حق الحرف المشترك الإهمال ، وحق المختص يقبل أن يعملا لعمل الخاص بذلك القبيل ، وإنما عملت ما ولا وإن النافيات مع عدم الاختصاص لعارض الحمل على ليس ، على أن من العرب من يهملهن على الأصل كما سيأتي. ، وإنما لم تعمل ها التنبيه وأل المعرفة مع اختصاصهما بالأسماء ، ولا قد والسين وسوف وأحرف المضارعة مع اختصاصهن بالأفعال لتنزيلهن منزلة الجزء من مدخولهن ، وجزء الشيء لا يعمل فيه. ، وإنما لم تعمل إن وأخواتها وأحرف النداء الجر لما يذكر في موضعه. ، وإنما عملت لن النصب دون الجزم حملا على لا النافية للجنس لأنها بمعناها ، على أن بعضهم جزم بها كما سيأتي.
ما دل على معنى في غيره فقط ، ولفظ : (دل) أولى من قولك : (جاء) ؛ لأن الحدود الحقيقية دالة على ذات المحدود بها ، وقولنا : (ما جاء لمعنى) بيان العلة التى لأجلها جاء وعلة الشيء غيره ولا ينتقض ب (أين) و (كيف) لوجهين :1) قال الأشموني في شرحه على الألفية : (الحرف) لما علم من انحصار أنواع الكلمة في الثلاثة ، أي علامة الحرفية أن لا تقبل الكلمة شيئا من علامات الأسماء ولا شيئا من علامات الأفعال ، ثم الحرف على ثلاثة أنواع : مشترك (كهل) فإنك تقول هل زيد قائم وهل يقعد (و) مختص بالأسماء نحو (في و) مختص بالأفعال نحو (لم).
أحدهما : أنهما - مع دلالتهما على معنى في غيرهما - دالان على معنى في أنفسهما وهو المكان والحال ، وقد حصل الاحتراز عن ذلك بقولنا فقط.
والثاني : أن دلالتهما على معنى في غيرهما من جهة تضمنها معنى الحرف ، وذلك عارض فيهما.
فصل : ومن علامات الحرف : امتناعه من دخول علامات صاحبيه ؛ لأن معانيها لا تصح فيه.
فصل : ومن علاماته : أنه لا ينعقد منه ومن الاسم وحده ولا من الفعل وحده فائدة ، وهو معنى قولهم : (الحرف ما لم يكن أحد جزئي الجملة) فأما حصول الفائدة به وبالاسم في النداء فلنيابته عن الفعل ؛ ولذلك دلائل تذكر في باب النداء إن شاء الله.
الإعراب (1)
ومعناه الاصطلاحي ما ذكرت مثال الآثار الظاهرة الضمة والفتحة والكسرة في قولك جاء زيد ورأيت زيدا ومررت بزيد ألا ترى أنها آثار ظاهرة في آخر زيد جلبتها العوامل الداخلة عليه وهي جاء ورأى والباء ومثال الآثار المقدرة ما تعتقده منويّا في آخر نحو الفتى من قولك جاء الفتى ورأيت الفتى ومررت بالفتى فإنك تقدر في آخره في المثال الأول ضمة وفي الثاني فتحة وفي الثالث كسرة وتلك الحركات المقدرة إعراب كما أن الحركات الظاهرة في آخر زيد إعراب.
عند النحويين : هو اختلاف آخر الكلمة لاختلاف العامل فيها لفظا أو تقديرا ، ويدخل في هذا إعراب الاسم الصحيح والمعتل ، فالمقصور يقدر على ألفه الإعراب كاللفظ ، وليس كذلك آخر المبني فإن آخره إذا كان ألفا لا تقدر عليه حركة إلا أن يكون مما يستحق البناء على الحركة.فصل : وفي أصله الذي نقل منه أربعة أوجه :
أحدها : أنه من قولهم : (أعرب الرجل) إذا أبان عما في نفسه والحركات في الكلام كذلك ؛ لأنها تبين الفاعل من المفعول وتفرق بين المعاني كما في قولهم : (ما أحسن زيدا!) فإنه إذا عري عن الحركات احتمل النفي والاستفهام والتعجب ، وكذلك قولك : (ضرب زيد عمرا) لو عريته من الإعراب لم تعرف الفاعل من المفعول.
والثاني : أنه من قولك : (أعرب الرجل) إذا تكلم بالعربية كقولهم : (أعرب الرجل) إذا كان له خيل عراب ، فالمتكلم بالرفع والنصب والجر متكلّم كلام العرب وليس البناء كذلك ؛ لأنه لا يخصّ العرب دون غيرهم.
والثالث : أنّه من قولهم : (أعربت معدة الفصيل) إذا عربت ، أي : فسدت من شرب اللبن ، فأصلحتها وأزلت فسادها ، فالهمزة فيه همزة السلب كقولك : (عتب عليّ فأعتبته وشكا فأشكيته).
1) الإعراب أثر ظاهر أو مقدّر يجلبه العامل في آخر الاسم المتمكّن والفعل المضارع ، وللإعراب معنيان لغوي وصناعي ، فمعناه اللغوي الإبانة يقال أعرب الرجل عمّا في نفسه إذا أبان عنه وفي الحديث البكر تستأمر وإذنها صماتها والأيّم ، تعرب عن نفسها أي تبيّن رضاها بصريح النطق.
والرابع : أنّه مأخوذ من قولهم : (امرأة عروب) ، أي : متحبّبة إلى زوجها بتحسّنها ، فالإعراب يجبّب الكلام إلى المستمع.
فصل : والإعراب معنى لا لفظ لأربعة أوجه :
أحدها : أنّ الإعراب هو الاختلاف على ما سبق في حدّه ، والاختلاف معنى لا لفظ.
والثانى : أنّه فاصل بين المعاني والفصل ، والتمييز معنى لا لفظ.
والثالث : أنّ الحركات تضاف إلى الإعراب فيقال : حركات الإعراب وضمّه إعراب والشيء لا يضاف إلى نفسه.
والرابع : أنّ الحركة والحرف يكونان في المبنيّ ، وقد تزول حركة المعرب بالوقف مع الحكم بإعرابه ، وقد يكون السكون إعرابا ، وهذا كلّه دليل على أنّ الإعراب معنى.
فصل : والأصل (1)
والأصل : كون الرّفع بالضّمّة والنّصب بالفتحة والجرّ بالكسرة والجزم بالسّكون.
وأقول أنواع الإعراب أربعة : رفع ونصب وجر وجزم ، وعن بعضهم : أن الجزم ليس بإعراب وليس بشيء.
في علامات الإعراب الحركات دون الحروف لثلاثة أوجه :أحدها : أنّ الإعراب دالّ على معنى عارض في الكلمة ، فكانت علامته حركة عارضة في الكلمة لما بينهما من التناسب.
والثانى : أنّ الحركة أيسر من الحرف وهي كافية في الدلالة على الإعراب ، وإذا حصل الغرض بالأخصر لم يصر إلى غيره.
والثالث : أنّ الحرف من جملة الصيغة الدالّة على معنى الكلمة اللازم لها ، فلو جعل الحرف دليلا على الإعراب لأدّى ذلك إلى أن يدلّ الشيء الواحد على معنيين ، وفي ذلك اشتراك ، والأصل أن يخصّ كلّ معنى بدليل.
فصل : فأمّا الإعراب بالحروف فلتعذّر الإعراب بالحركة ، وسترى ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.
1) وأنواع الإعراب : رفع ونصب في اسم وفعل ك (زيد يقوم) وإنّ زيدا لن يقوم وجرّ في اسم ك (بزيد) وجزم في فعل ك (لم يقم).
فصل : وإنّما كانت ألقاب الإعراب أربعة ضرورة إذ لا خامس لها ، وذلك أنّ الأعراض إمّا حركة وإمّا سكون ، والسكون نوع واحد والحركات ثلاث ، فمن هنا انقسمت إلى هذه العدّة.
فصل : والإعراب دخل الأسماء لمسيس الحاجة إلى الفصل بين المعاني على ما سبق.
وقال قطرب : دخل الكلام استحسانا ؛ لأن المتكلّم يصل بعض كلامه ببعض ، وفي تسكين أواخر الكلم في الوصل كلفة فحرّك تسهيلا على المتكلم ولو كان الإعراب لحاجة الفصل وللفرق لاستغني عنه بتقديم الفاعل على المفعول ، ولكان الاتفاق في الإعراب يوجب الاتفاق في المعاني ، وليس كذلك ألا ترى أنّ قولك : (زيد قائم) مثل قولك : (هل زيد قائم) ، وقولك : (إنّ زيدا قائم) مثل قولك : (زيد قائم) في المعنى ، والجواب عمّا قاله من وجهين :
أحدهما : أن السكون أسهل على المتكلّم من الحركة.
والثانى : أنّ الغرض لو كان ما ذكر لكان المتكلّم بالخيار إن شاء حرّك بأي حركة شاء ، وإنّ شاء سكّن ، وأما التقديم فجوابه من وجهين :
أحدهما : أنّه لا يمكن في كلّ مكان ألا ترى أنّ التقديم في قولك : ما أحسن زيدا! غير ممكن.
والثانى : أنّ في لزوم التقديم تضييقا على المتكلّم مع حاجته إلى التسجيع وإقامة القافية.
وأمّا اختلاف الإعراب مع اتّفاق المعنى وعكسه فشيء عارض جاز لضرب من التشبيه بالأصول فلا يناقض به.
فصل : واختلفوا هل الإعراب (1)
وحجة الأولين : أن الإعراب أتي به لمعنى لا يصح إلا في الاسم فاختص بالاسم كالتصغير وغيره من خواص الاسم ، والدليل على ذلك : أن الأصل عدم الإعراب لأن الأصل دلالة الكلمة على المعنى اللازم لها والزيادة على ذلك خارجة عن هذه الدلالة. وإنما يؤتى بها لتدل على معنى عارض يكون تارة. والمعنى الذي يدل عليه الإعراب كون الاسم فاعلا أو مفعولا أو مضافا إليه لأنه يفرق بين هذه المعاني وهذه المعاني تصح في الأسماء ولا تصح في الأفعال فعلم أنها ليست أصلا بل هي فرع محمول على الاسماء في ذلك.
واحتج الآخرون بأن الإعراب في الفعل يفرق بين المعاني فكان أصلا كاعراب الأسماء وبيانه قولك : اريد أن ازورك فيمنعني البواب. إذا رفعت كان له معنى وإذا نصبت كان له معنى وكذلك قولك : لا يسعني شيء ويعجز عنك إذا نصبت كان له معنى وإذا رفعت كان له معنى آخر وكذلك باب الجواب بالفاء والواو نحو :
لا تأكل السمك وتشرب اللبن. وهو في ذلك كالاسم إذا رفعت كان له معنى وإذا نصبت أو جررت كان له معنى آخر.
والجواب : أما إعراب الفعل فلا يتوقف عليه فهم المعنى بل المعنى يدرك بالقرائن المحققة به والإشكال يحصل فيه بالحركة التي لا يقتضيها المعنى لا بعدم الحركة ألا ترى أن قوله : أريد أن أزورك فيمنعني البواب لو سكنت العين لفهم المعنى ، وإنما يشكل إذا نصبتها وإنما جاء الإشكال من جهة العطف لا بالنظر إلى نفس الفعل إذ لا فرق بين قولك : يضرب زيد في الضم والفتح والكسر والسكون فانه في كل حال يدل على الحدث والزمان.
سابق على البناء أم العكس؟ فالمحقّقون على أنّ الإعراب سابق ؛ لأن واضع اللغة حكيم ، يعلم أنّ الكلام عند التركيب لا بدّ أن يعرض فيه لبس ، فحكمته تقتضي أن يضع الإعراب مقارنا للكلام.1) المعرب بحق الأصل هو الاسم والفعل المضارع محمول عليه ، وقال بعض الكوفيين : المضارع أصل في الإعراب أيضا.
وقال الآخرون : تكلّمت العرب بالكلام عاريا من الإعراب ، فلمّا عرض لهم اللبس أزالوه بالإعراب وهذا لا يليق بحكمتهم.
فصل : واختلفوا في حركات الإعراب : هل هي أصل لحركات البناء ، أم بالعكس ، أم كلّ واحد منهما في موضعه أصل؟
فذهب قوم إلى الأوّل ، وعلته : أن حركات الإعراب دوالّ على معان حادثة بعلّة بخلاف حركات البناء وما ثبت بعلّة أصل لغيره.
وذهب قوم إلى الثاني ، وعلّته : أن حركة البناء لازمة وحركة الإعراب منتقلة ، واللازم أصل للمتزلزل إذ كان أقوى منه وهذا ضعيف ؛ لأن نقل حركات الإعراب كان لمعنى ولزوم حركة البناء لغيره معنى.
وذهب قوم إلى الثالث ؛ لأن العرب تكلّمت بالإعراب والبناء في أول وضع الكلام ، وكلّ واحد منهما له علّة غير علّة الآخر ، فلا معنى لبناء أحدهما على الآخر.
فصل : وإنّما كان موضع حركة الإعراب آخر الكلمة لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ الإعراب جيء به لمعنى طارئ على الكلمة بعد تمام معناها وهو الفاعلية والمفعوليّة ، فكان موضع الدالّ عليه بعد استيفاء الصيغة الدالّة على المعنى اللازم لها وليس
كذلك لام التعريف وألف التكسير وياء التصغير ؛ لأن التعريف والتكسير والتصغير كالأوصاف اللازمة للكلمة بخلاف مدلول الإعراب.
والثانى : أنّ حركة الإعراب تثبت وصلا وتحذف وقفا ، وإنّما يمكن هذا في آخر الكلمة إذ هو الموقوف عليه.
والثالث : أنّ أوّل الكلمة لا يمكن إعرابه لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ من الإعراب السكون والابتداء بالساكن ممتنع.
والثانى : أنّ أوّل الكلمة متحرّك ضرورة ، وحركة الإعراب تحدث بعامل والحرف الواحد لا يحتمل حركتين.
والثالث : أنّ تحرّك الأوّل بحركة الإعراب فإمّا يفضي إلى اختلاط الأبنية ، ولا يمكن أن يجعل الإعراب في وسط الكلمة لأربعة أوجه :
أحدها : ما تقدّم من الوجه الأخير في منع تحريك الأول.
والثاني : أنّه يفضي إلى الجمع بين ساكنين في بعض المواضع.
والثالث : أنه يفضي إلى توالي أربع متحركات في كلمة واحدة ك (مدحرج) إذا تحرّكت الحاء إذ ليس معك ما يمكن تحريكه من الحشو غيره.
والرابع : أنّ حشو الكلمة قد يكون حروفا كثيرة وتعيين واحد منها بحركة الإعراب لا دليل عليه.
فصل : وألقاب الإعراب (1)
والرفع يكون بالضمة والنصب يكون بالفتحة والجر يكون بالكسرة والجزم يكون بالسكون وما عدا ذلك يكون نائبا عنه كما نابت الواو عن الضمة في أخو والياء عن الكسرة في بني من قوله جا أخوبني نمر.
أربعة : رفع ونصب وجرّ وجزم ، وألقاب البناء : ضمّ وفتحّ وكسر ووقف ، وتسمية كلّ واحد منها باسم الآخر تجوز ، وإنّما فرّقوا بينها في التسمية لافتراقها قي المعنى ، وذلك أنّ حركة الإعراب تحدث عن عامل ، وحركة البناء لا تحدث عن عامل ،1) أنواع الإعراب أربعة الرفع والنصب والجر والجزم فأما الرفع والنصب فيشترك فيهما الأسماء والأفعال نحو زيد يقوم وإن زيدا لن يقوم وأما الجر فيختص بالأسماء نحو بزيد وأما الجزم فيختص بالأفعال نحو : لم يضرب.
وإذا اختلفت المعاني اختلفت الأسماء الدالّة عليها ؛ ليكون كلّ اسم دالّا على معنى من غير اشتراك وهو أقرب إلى الأفهام.
فصل : وإنّما خصّوا الإعراب بالرفع (1)
ويشترك في الرفع والنصب الاسم والفعل ، مثل قولك «العاقل يصون شرفه» و «أن العجول لن يتقن عملا». ويختصّ الجرّ بالاسم مثل : «في ساحة العلم الخلود» ويختصّ الجزم بالفعل ، مثل «لم ينل الخير ملول».
؛ لأن الرفع ضمّة مخصومة والنصب فتحة مخصومة ، وكذلك الجرّ والجزم وحركة البناء حركة مطلقة ، والواحد المخصوص من الجنس لا يسمى باسم الجنس كالواحد من الآدميين إذا أردت تعريفه علّقت عليه علما كزيد وعمرو ، ولا تسمّيه رجلا لا اشتراك الجنس في ذلك ، فضّمة الإعراب كالشخص المخصوص ، وضمة البناء كالواحد المطلق.فصل : والحركة مع الحرف لا بعده ولا قبله ، وقال قوم منهم ابن جني : هي بعده والدليل على الأوّل من وجهين :
أحدهما : أن الحرف يوصف بالحركة فكانت معه كالمدّ والجهر والشدّة ونحو ذلك ، وإنما كان كذلك لأن صفة الشيء كالعرض ، والصفة العرضية لا تتقدّم الموصوف ولا تتأخر عنه إذ في ذلك قيامها بنفسها.
والثاني : أنّ الحركة لو لم تكن مع الحرف لم تقلب الألف إذا حرّكتها همزة ، ولم تخرج النون من طرف اللسان إذا حركتها بل كنت تخرجها من الخيشوم ، وفي العدول عن ذلك دليل على أن الحركة معها.
واحتجّ من قال هي بعد الحرف بوجهين :
أحدهما : أنّك لمّ لم تدغم الحرف المتحرّك فيما بعده نحو : (طلل) دلّ على أنّ بينهما حاجزا وليس إلا الحركة.
والثاني : أنّك إذا أشبعت الحركة نشأ منها حرف ، والحرف لا ينشأ منه حرف آخر فكذلك ما قاربه.
1) علامات الإعراب الأصليّة : الضمة للرفع والفتحة للنصب ، والكسرة للجر ، وحذف الحركة للجزم.
والجواب عن الأوّل : أنّ الإدغام امتنع لتحصنّ الأوّل بتحرّكه (1)، لا لحاجز بينهما كما يتحصّن بحركته عن القلب نحو : (عوض).
والجواب عن الثاني : من وجهين :
أحدهما : أنّ حدوث الحرف عن الحركة كان لأنها تجانس الحرف الحادث فهى شرط لحدوثه وليست بعضا له ؛ ولهذا إذا حذف الحرف بقيت الحركة بحالها ، ولو كان الحادث تماما للحركة لم تبق الحركة ، ومن سمّى الحركة بعض الحرف أو حرفا صغيرا فقد تجوّز ؛ ولهذا لا يصحّ النطق بالحركة وحدها.
والثانى : لو قدّرنا أنّ الحركة بعض الحرف الحادث لم يمتنع أن يقارن الحرف الأوّل ، كما أنّه ينطق بالحرف المشدّد حرفا واحدا وإن كانا حرفين في التحقيق ، إلا أنّ الأوّل لمّا ضعف عن الثاني أمكن أن يصاحبه والحركة أضعف من الحرف الساكن فلم يمتنع أن يصاحب الحرف.
فصل : ويتعلّق بهذا الاختلاف مسألة أخرى ، وهي أنّ الحرف غير مجتمع من الحركات عند المحققين لوجهين :
أحدهما : أنّ الحرف أصله السكون ومحال اجتماع ساكن من حركات.
والثاني : أنّ الحرف له مخرج مخصوص والحركة لا تختصّ بمخرج ولا معنى لقول من قال : إنه يجتمع من حركتين ؛ لأن الحركة إذا أشبعت نشأ الحرف المجانس لها لوجهين :
أحدهما : ما سبق من أنّ الحركة ليست بعض الحرف.
والثاني : أنّك إذا أشبعت الحركة نشأ منها حرف تامّ وتبقى الحركة قبله بكمالها ، فلو كان الحرف حركتين لم تبق الحركة قبل الحرف.
فصل : وقد سبق أنّ المعرب بحقّ الأصل الاسم المتمكّن ، فأمّا الفعل المضارع ففيه اختلاف يذكر في باب الأفعال.
1) أي : بحركة حرف اللام الواقع بعد الطاء.
فصل : فيما يستحقّه الاسم وهو الرفع والنصب والجرّ ؛ لأنه يقع على ثلاثة معان الفاعليّة والمفعوليّة والإضافة فخصّ كل معنى منها بإعراب يدلّ عليه ، فأمّا ما يخصّص كلّ واحد منها بما خصّ به فيذكر في بابه (1)
يزن الأمور ؛ كأنما هو صيرف
يزن النّضار بدقّة وحساب
النصب ؛ ويدخل الاسم ، والفعل المضارع ؛ مثل ؛ إن سعيدا لن يقبل الهوان.
الجر ؛ ويدخل الاسم فقط ، مثل : بالله أستعين.
.فصل : ولم يدخل الجزم الأسماء لستّة أوجه :
أحدها : أنّ الإعراب دخل الأسماء لمعنى على ما سبق ، وقد وفت الحركات بذلك المعنى وهو الفرق بين الفاعل والمفعول والمضاف إليه وليس ثمّ معنى رابع يدلّ عليه الجزم.
والثانى : أنّ الجزم ليس بأصل في الإعراب ؛ لأنه سكون في الأصل ، والسكون علامة المبنيّ أصلّ في البناء بشهادة الحسّ والوجدان ، إلا أنّه جعل إعرابا فرعا فخصّ بما إعرابه فرع وهو الفعل.
والثالث : أنّ الجزم دخل عوضا من الجرّ في الأسماء ، فلو دخل الأسماء لجمع لها بين العوض والمعّوض.
1) الرفع ؛ ويدخل الاسم ، والفعل المضارع ؛ مثل : سعيد يقوم ، ومثل الخبر والمضارع فى قول الشاعر يمدح خبيرا حكيما :
حدّ البناء (1)لزوم آخر الكلمة سكونا أو حركة وهو ضدّ الإعراب والبناء بأوّل الكلمة وحشوها أشبه للزومه ، إلا أنّ آخر الكلمة إذا لزم طريقة واحدة صار كحشوها.
فصل : والبناء في الأصل وضع الشيء على الشيء على وصف يثبت كبناء الحائط ، ومنه سمّي كلّ مرتفع ثابت بناء كالسّماء ، وبهذا المعنى استعمله النحويّون على ما سبق.
فصل : والأصل في البناء السكون لوجهين (2):
أحدهما : أنّه ضدّ الإعراب ، والإعراب يكون بالحركات ، فضدّه يكون بالسكون.
والثاني : أنّ الحركة زيدت على المعرب للحاجة إليها ، ولا حاجة إلى الحركة في المبنيّ إذ لا تدل على معنى.
إنّما أخرا عن الإعراب والبناء ؛ لأنّهما مشتقان منه ، إذ كان الإعراب والبناء مصدرين والمشتق منه أصل للمشتق.
فصل : وليس في الكلام كلمة معربة لا معربة ولا مبنية عند المحقّقين ؛ لأن حدّ المعرب ضدّ حدّ المبني على ما سبق ، وليس بين الضّدّين هنا واسطة (3)
وحجة الأولين : أن القسمة تقضي بانحصار هذا المعنى في القسمين المذكورين : المعرب والمبني لان المعرب هو الذي يختلف آخره باختلاف العامل فيه لفظا أو تقديرا والمبني ما لزم آخره حركة أو سكونا وهذان ضدان لا واسطة بينهما لان الاختلاف وعدم الاختلاف يقتسمان قسيمي النفي والاثبات وليس بينهما ما ليس بمثبت ولا منفي يدل عليه ان الاضداد قد تكثر مثل البياض والحمرة والسواد ولكن لكل واحد منها حقيقة في نفسه والنفي والاثبات ليس بينهما واسطة هي ضد ينبئ عن حقيقة كالحركة والسكون.
واحتج الآخرون : بأن المضاف إلى ياء المتكلم ليس بمعرب إذ لو كان معربا لظهرت فيه حركة الإعراب لانه يقبل الحركة وليس بمبني إذ لا علة للبناء هنا فلزم أن ينتفي الوصفان هنا ويجب ان يعرف باسم يخصه وتلقيبه بالخصي موافق لمعناه لان الخصي معدوم فائدة الذكورية ولم يثبت له صفة الانوثية فهو في المعنى كالمضاف إلى ياء المتكلم فانه كان قبل الإضافة معربا (فلما عرضت له الإضافة زال عنه الاعراب ولم يثبت له صفة البناء) كما ان السليم الذكر والخصيين عرض له إزالتها ولم يصر بذلك انثى.
والجواب عما ذكروه من وجهين :
أحدهما : انا نقول : هو معرب تارة لكن ظهور الحركة فيه مستثقل كما يستثقل على الياء في المنقوص وكما يمتنع على الألف. ولم يمنع ذلك من كونه معربا. وتارة تقول : هو مبني. وعلة بنائه أن حركته صارت تابعة للياء فتعذر أن تكون دالة على الإعراب. ولذلك أشبه الحرف. لانه أصل قبل الإضافة وصار بعد الإضافة تابعا للمضمر الذي هو فرع كما أنك تحرك الساكن لالتقاء الساكنين حركة بناء. ولذلك إذا وجدت في المعرب كانت بناء. كقولنا : لم يسد. ولم يصر هذا الفعل معربا وضمه وفتحه وكسره بناء.
والوجه الثاني : أن تسميته خصيا خطأ. لان الخصي ذكر على التحقيق. ، وإنما زال عنه بعض أعضائه وحقيقة الذكورية وحكمها.
.1) البناء لزوم آخر الكلمة حالة واحدة لفظا أو تقديرا وذلك كلزوم هؤلاء للكسرة ومنذ للضمة وأين للفتحة.
2) قال ابن هشام في شرح شذور الذهب : شرعت في تقسيمه تقسيما غريبا لم أسبق إليه وذلك أنني جعلت المبنيّ على تسعة أقسام الأول المبني على السكون وقدمته لأنه الأصل والثاني المبني على السكون أو نائبه المذكور في الباب السابق وثنّيت به لأنه شبيه بالسكون في الخفة والثالث المبني على الفتح وقدمته على المبني على الكسر لأنه أخفّ منه والرابع المبني على الفتح أو نائبه المذكور في الباب السابق والخامس المبني على الكسر وقدمته على المبني على الضم لأنه أخفّ منه والسادس المبني على الكسر أو نائبه المذكور في الباب السابق والسابع المبني على الضم والثامن المبني على الضم أو نائبه والتاسع ما ليس له قاعدة مستقرة بل منه ما يبنى على السكون وما يبنى على الفتح وما يبنى على الكسر وما يبنى على الضم.
3) ليس في الكلام كلمة لا معربة ولا مبنية وذهب قوم إلى ذلك فقالوا في المضاف إلى ياء المتكلم نحو : غلامي وداري هو لا معرب ولا مبني.
وذهب قوم إلى أنّ المضاف إلى ياء المتكلّم غير مبنيّ ، إذ لا علّة فيه توجب البناء وغير معرب إذ لا يمكن ظهور الإعراب فيه مع صحّة حرف إعرابه وسمّوه : (خصيّا) والذي ذهبوا إليه فاسد ؛ لأنه معرب عند قوم مبنيّ عند آخرين ، وسنبين ذلك على أنّ تسميتهم إيّاه :
(خصيّا) خطأ ؛ لأن الخصيّ ذكر حقيقة وأحكام الذكور. ثابتة له وكان الأشبه بما ذهبوا إليه أن يسمّوه : (خنثى مشكلا).
والرابع : أنّ الجزم حذف ، وذلك تخفيف فيليق بالفعل لثقله ، أما الاسم فخفيف فجزمه يحذف منه التنوين والحركة ، وذلك إجحاف به.
والخامس : أنّ الجزم في الأسماء يسقط التنوين ، وهو دليل الصرف ، والحركة التى هي دليل المعنى وليس كذلك جزم الأفعال.
والسادس : أنّ الجزم يحدث بعوامل لا يصحّ معناها في الأسماء.
فصل : ولم تجرّ الأفعال لستّة أوجه :
أحدها : أنّ الجرّ في الأسماء ليس بأصل ؛ إذ كان الأصل الرفع للفاعل وما حمل عليه ، والنصب للمفعول وما حمل عليه ، وأمّا الجرّ فبالحرف وما قام مقامه ، وموضع الجارّ والمجرور رفع ونصب ، فحمل الفعل على الاسم فيما هو أصل فيه.
والثاني : أنّ الفعل محمول على الاسم في الإعراب ، فينبغي أن يحمل عليه في أضعف أحواله وعامل الرفع في الأسماء قويّ : وهو اللفظيّ ، وضعيف : وهو المعنويّ ، فحمل الفعل في الرفع على العامل الضعيف فارتفع الفعل لوقوعه موقع الاسم (1)، وكذلك عامل النصب في الأسماء قويّ وهو الفعل ، وضعيف وهو الحرف ، فحمل الفعل عليه في العامل الضعيف فلم يفعل في الفعل إلّا الحرف ، وأمّا الجرّ فليس له إلا عامل واحد وهو الحرف ، وأمّا الإضافة فمقدّرة بحرف الجرّ فليس للجرّ إلا عامل واحد فلم يكن حمل الفعل عليه إذ يلزم مساواته له.
والوجه الثالث : أنّ إعراب الفعل فرع على إعراب الاسم ، ولو أعرب بالجرّ ، وقد أعرب بالرفع والنصب لكان الفرع مساويا للأصل.
والرابع : أنّ الجزم دخل الأفعال وتعذّر دخوله على الأسماء لما تقدّم ، فلو جرّت الأفعال لزادت على الأسماء في الإعراب.
الخامس : أنّ الجرّ يكون بالإضافة ، والإضافة توجب أن يكون المضاف إليه داخلا في المضاف معاقبا للتنوين ، وليس من قوّة التنوين أن يقع موقعه الفعل والفاعل ، وفي امتناع الإضافة إلى الأفعال أوجه يطول ذكرها ، وسنذكرها في باب الإضافة إن شاء الله.
والسادس : أنّ الجرّ يكون بعامل لا يصحّ معناه في الفعل.
فصل : وألقاب البناء أربعة على عدّة ألقاب الإعراب ، فالضمّ في البناء كالرفع في المعرب ، والفتح كالنّصب ، والكسر كالجرّ ، والوقف كالجزم ، فأمّا ما يبنى على هذه الأشياء من الكلام فسنذكره بعد الفراغ من المعرب إن شاء الله تعالى.
1) إعراب الفعل استحسان لشبهه بالاسماء ، وأما اختلاف الإعراب واتفاق المعنى وعكس ذلك فلا يلزم لان هذه الأشياء فروع عارضة حملت على الاصول المعللة لضرب من الشبه وذلك لا يمنع من ثبوت الإعراب لمعنى.
فصل : الصحيح (1)والمعتلّ في الأسماء من صفات الأسماء المعربة المفردة ، وما كان في حكمها من جمع التكسير ولا يقال في : (حيث وأين وأمس) هي أسماء صحيحة ، ولا في : (إذا ومتى) معتلّ ؛ لأن حدّ الاسم الصحيح هو الذي يتعاقب على الحرف الأخير منه حركات الإعراب الثلاث وهو أولى من قولك : الصحيح ما لم يكن حرف إعرابه ألفا ولا ياء قبلها كسرة ؛ لأن المثنّى قد يكون بهذه الصفة ولا يسمّى صحيحا ولأنّ الحدّ الأوّل إثبات محض ، والثاني نفي ، والحدّ الحقيقي لا يكون نفيا ؛ لأن الحدّ الحقيقيّ ما أبان عن حقيقة المحدود والنفي لا يبين عن حقيقة المحدود.
فصل : وفي اشتقاق الصرف (2)
حجة الأولين من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه معنى ينبئ عنه الاشتقاق فلم يدخل فيه ما لا يدل عليه الاشتقاق كسائر أمثاله.
وبيانه : أن الصرف في اللغة هو الصوت الضعيف كقولهم : صرب ناب البعير وصرفت البكرة ومنه صريف القلم. والنون الساكنة في آخر الكلمة صوت ضعيف فيه غنة كغنة الاشياء التي ذكرنا.
وأما الجر فليس صوته مشبها لما ذكرنا لانه حركة فلم يكون صرفا كسائر الحركات ألا ترى أن الضمة والفتحة في آخر الكلمة حركة ولا تسمى صرفا.
والوجه الثاني : وهو أن الشاعر إذا اضطر إلى صرف ما لا ينصرف جر في موضع الجر ولو كان الجر من الصرف لما أتي به من غير ضرورة إليه وذلك أن التنوين دعت الضرورة إليه لإقامة الوزن والوزن يقوم به سواء كسر ما قبله أو فتح فلما كسر حين نون علم أنه ليس من الصرف لأن المانع من الصرف قائم وموضع المخالفة لهذا المانع الحاجة إلى إقامة الوزن فيجب أن يختص به.
الوجه الثالث : أن ما فيه الألف واللام لو أضيف لكسر في موضع الجر مع وجود المانع من الصرف وذلك يدل على أن الجر سقط تبعا لسقوط التنوين بسبب مشابهة الاسم الفعل والتنوين سقط لعلة أخرى فينبغي أن يظهر الكسر الذي هو تبع لزوال ما كان سقوطه تابعا له.
واحتج الآخرون من وجهين : أحدهما : أن الصرف من التصرف وهو التقلب في الجهات وبالجر يزداد تقلب الاسم في الإعراب فكان من الصرف.
والثاني : انه اشتهر في عرف النحويين ان غير المنصرف ما لا يدخله الجر مع التنوين وهذا حد فيجب أن يكون الحد داخلا في المحدود والجواب عن الأول من وجهين :
أحدهما : أن اشتقاق الصرف مما ذكرناه لا مما ذكروا وهو أقرب إلى الاشتقاق.
والثاني : أن تقلب الكلمة في الإعراب لو كان من الصرف لوجب أن يكون الرفع والنصب صرفا وكذلك تقلّب الفعل بالاشتقاق لا يسمى صرفا وإنما يسمى تصرفا وتصريفا.
وأما ما اشتهر في عرف النحويين فليس بتحديد للصرف بل هو حكم ما لا ينصرف فأما ما هو حقيقة الصرف فغير ذلك ثم هو باطل بالمضاف وما فيه الألف واللام فان تقلبه أكثر ولا يسمى منصرفا والله أعلم.
هنا وجهان :أحدهما : هو من صريف الناب والبكرة والقلم ، وهو الصوت الذي يكون من هذه الأشياء وعلى هذا يكون الصرف هو التنوين وحده ؛ لأنه صوت يلحق آخر الاسم.
والثاني : هو من صرفت الشيء ، وصرّفته إذا ردّدته وقلّبته في الجهات ، وعلى هذا يكون الجرّ من الصرف إذ به يزيد تقليب الكلمة والأوّل هو الوجه.
فصل : واختلف النحويّون في الصرف ، فمذهب المحقّقين أنّه التنوين وحده ، وقال آخرون : هو الجرّ مع التنوين ، والدليل على الأوّل من أربعة أوجه :
أحدها : أنّه مطابق لاشتقاق اسم الصرف على ما تقدّم.
والثاني : أنّ الاسم الذي لا ينصرف يدخله الجرّ مع الألف واللام والإضافة مع وجود العلّة المانعة من الصرف.
الثالث : أنّ الشاعر إذا اضطر إلى تنوين المرفوع والمنصوب ، قيل : قد صرف للضرورة ولا جرّ هناك.
والرابع : أنّه إذا اضطر إلى التنوين في الجرّ جرّ ونوّن ، ولو كان الجرّ من الصرف لفتح ونوّن ؛ لأن ضرورته لا تدعو إلى الكسر.
واحتجّ الآخرون من وجهين : أحدهما : أنّ الصرف من التصريف وهو التقليب والجرّ زيادة تغيير في الاسم فكان من الصرف.
والثاني : أنّ التنوين منع منه هذا الاسم لشبهه بالفعل لكونه من خصائص الأسماء والجرّ بهذه الصفة فيكون من جملة الصرف.
والجواب عن الأوّل من وجهين :
أحدهما : أنّ ما ذكروه لو صحّ لم يكن التنوين من الصرف ؛ لأنه ليس من وجوه تقليب الكلمة بل هو تابع لما هو تقليب.
والثاني : أنّ الرفع والنصب تقليب ، وليس من الصرف ، وأما الثاني فلا يصحّ أيضا ؛ لأن الألف اللام وغيرها من خصائص الاسم لا تمّسى صرفا ، وكذلك الجرّ.
فصل : إنّما زادوا التنوين في المنصرف دون غيره من الحروف ؛ لأن حروف المدّ تعدّدت زيادتها لما فيها من الثقل وما يلحقها من التغيير بحسب ما قبلها من الحركات والنون أشبه بحروف المدّ لما فيها من الغنّة ويؤمن فيها ما خيف من حروف المدّ.
فصل : والتنوين مصدر : (نوّنت) ، وحقيقته نون ساكنة تزاد في آخر الاسم المعرب ويثبت في الوصل دون الوقف ، وإنّما سميّ تنوينا لوجهين :
أحدهما : أنّه حادث بفعل الناطق به ، وليس من سنخ الكلمة.
والثاني : أنّهم فرّقوا بين النون الثابتة وصلا ووقفا وبين هذه النون.
فصل : واختلفوا في علّة زيادة التنوين (1)على أربعة أقوال :
أحدها : أنّه زيد علامة على خفّة الاسم وتمكّنه في باب الاسمّية وهو قول سيبويه ، وذلك أنّ ما يشبه الفعل من الأسماء يثقل ولا يحتمل الزيادة ، وما يشبه الحرف يبنى وما عري من شبههما يأتي على خفّته ، فالزيادة عليه تشعر بذلك إذ الثقيل لا يثقّل.
والقول الثاني : أنّه فرّق بين المنصرف وغير المنصرف وهو قول الفرّاء وهذا يرجع إلى قول سيبويه إلا أنّ العبارة مضطربة ؛ لأن معناها أنّ النون فرّق بها بين ما ينوّن وبين ما لا ينون وذا تعليل الشيء بنفسه.
والقول الثالث : أنّ التنوين فرّق به بين الاسم والفعل ، وهذا فاسد لوجهين :
أحدهما : أنّ ما لا ينصرف اسم ومع هذا لا ينوّن.
1) العلة في زيادة تنوين الصرف على الاسم أنه أريد بذلك بيان خفة الاسم وثقل الفعل وقال الفراء : المراد به الفرق بين المنصرف وغير المنصرف. وقال آخرون : المراد به الفرق بين الاسم والفعل. وقال قوم : المراد به الفرق بين المفرد والمضاف.
والثاني : أنّ الفوراق بين الاسم والفعل كثيرة كالألف واللام وحروف الجرّ والإضافة فلم يحتج إلى التنوين.
والقول الرابع : أنّه فرّق بين المفرد والمضاف ، وهذا أيضا فاسد من ثلاثة أوجه :
أحدها : أن غير المنصرف يكون مفردا ولا ينوّن.
والثاني : أن المفرد مفارق للمضاف ؛ لأنه يصح السكوت عليه والمضاف إليه كجزء من المضاف.
والثالث : أن ما فيه الألف واللام مفرد ولا ينون.
فصل : والمستحق للتنوين الاسم النكرة المذكّر ؛ لأن الغرض من زيادة التنوين التنبيه على خفة الاسم وأخفّ الاسم النكرة ، المذكر فأما الاسم العلم مثل : (زيد) والنكرة المؤنثة مثل :
(شجرة) فدخلها التنوين لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّهما أشبها الفعل من وجه واحد ، والاسم أصل للفعل ومشابهة الفرع للأصل من وجه واحد ضعيفة فلا تجذبه إلى حكمه بل غاية ما فيه أن يصير الوجه الواحد من الشبه معارضا بأصل الاسم إلا أنّه لا يرجّح الفعل عليه حتّى يلحق الاسم به.
والثاني : أنّ تعريف العلم بالوضع فأمّا اللفظ فمثل لفظ النكرة ؛ ولهذا يتنكر العلم كقولك : مررت بزيد وزيد آخر ، وليس كذلك الألف واللام.
والثالث : أنّ العلم متوسّط بين ما أشبه الفعل من وجهين وبين ما لم يشبه البتّة وإلحاقه بما لم يشبه الفعل أولى ؛ لأنه أصل للأفعال وإلحاق الفروع بالأصول أولى.
فصل : وإنّما لم يجتمع التنوين والألف واللام لوجهين :
أحدهما : أنّ الاسم ثقل بالألف واللام فلم يحتمل زيادة أخرى.
والثاني : أنّ الألف واللام يعرّف الاسم فيصير متناولا لشي بعينه فيثقل بذلك بخلاف النكرة فإنها أخف الأسماء.
فصل : ويتعلّق بهذا الكلام بيان خفّة النكرة وثقل الفعل (1)أمّا النكرة فإنها أخف إذا كان مدلولها معنى واحدا كقولك : (رجل) والسامع يدرك معنى هذا اللفظ بغير فكرة ، وأمّا (زيد) ونحوه من الأعلام فيتناول واحدا معيّنا يقع فيه الأشتراك فيحتاج إلى فواصل تميّزه.
فصل : وأمّا ثقل الفعل فظاهر ، وذلك أنّ لفظه يلزمه الفاعل والمفاعيل من الظرفين وغيرهما والمصدر والحال ، ويدلّ على حدث وزمان ويتصرّف تصرّفا تختلف به المعاني بخلاف الاسم ؛ فإنّه لا يدلّ إلا على معنى واحد.
فصل : وإنّما لم يجتمع التنوين والإضافة لوجهين :
أحدهما : أنّ التنوين في الأصل دليل التنكير والإضافة تعرّف أو تخصّص فلم يجمع بينهما لتنافي معنييهما.
والثاني : أنّ التنوين جعل دليلا على انتهاء الاسم والمضاف إليه من تمام المضاف ، فلو نوّن الأوّل لكان كإلحاق التنوين قبل منتهى الاسم وهذا معنى قولهم : التنوين يؤذن بالانفصال والإضافة تؤذن بالاتّصال فلم يجتمعا.
فصل : والكلام في غير المنصرف يستوفى بجميع أحكامه في باب ما لا ينصرف إن شاء الله.
1) معنى ثقل الفعل أن مدلولاته ولوازمه كثيرة فمدلولاته الحدث والزمن ولوازمه الفاعل والمفعول والتصرف وغير ذلك ؛ فإذا تقرر هذا فالفرق بينهما غير معلوم من لفظهما فوجب أن يكون على ذلك دليل من جهة اللفظ والتنوين صالح لذلك لانه زيادة على اللفظ والزيادة ثقل في المزيد عليه والاسم يحتمل الثقل ، لأنه في نفسه خفيف والفعل في نفسه ثقيل فلا يحتمل التثقيل وهذا معنى ظاهر فكان الحكمة في الزيادة.
الاسم المعتلّ : ما آخره ألف أو ياء قبلها كسرة ، وسمّي : (معتلا) ؛ لأن حرف إعرابه حرف علّة ، وحروف العلّة : الألف والواو والياء ، غير أنّ الواو المضموم ما قبلها لم تقع في آخر الاسم بحال.
وانّما سميت : (حروف علّة) ؛ لأن العلّة هي المعنى المغيّر للشيء ، وهذه الحروف يكثر تغييرها ووصف الاسم بكماله بالاعتلال وإن كان حرف العلّة جزءا منه كما وصف بالإعراب وهو في حرف منه.
ومذهب التصريفيين : أن يقال معتلّ اللام كما يقال معتلّ الفاء ومعتلّ العين ، ولم يحتج النحويّ إلى ذلك ؛ لأن عنايته بالإعراب والبناء الواقعين آخرا.
فصل : والمنقوص (1)ما كان آخره ياء قبلها كسرة ، ولا حاجة إلى قولك : ياء خفيفة ؛ لأن الياء المشدّدة ياءان الأولى منهما ساكنة.
فصل : وسمّي : (منقوصا) ؛ لأنه نقص في إعرابه الضمّ والكسر وبقي له النصب.
فصل : وإنّما لم تضم الياء ههنا ولم تكسر لوجهين :
أحدهما : أنّ الياء مقدّرة بكسرتين ؛ فإذا كانت قبلها كسرة ضممتها أو كسرتها جمعت بين أربع حركات مستثقلة.
والثاني : أنّ الياء خفيّة وتحريكها تكلّف لإبانتها بما هو أضعف منها ، وذلك شاق ؛ ولهذا قال الأخفش : ضمّها أو كسرها كالكتابة في السواد.
فصل : إنّما احتملت الفتحة لخفّتها ؛ لأنها بعض الألف ، والألف أخفّ حروف المدّ ، وبعض الأخفّ في غاية الخفّة.
فإن قيل : لو كان كذلك لصحّت الواو والياء في : (دار) و (باع) لانفتاحهما؟
قيل : الفتحة هناك لازمة بخلاف فتحة المنصوب هنا.
1) هو : الاسم المعرب الذى آخره ياء لازمة ، غير مشددة ، قبلها كسرة ، مثل : العالى ، الباقى ، المرتقى ، المستعلى.
فصل : وإذا كانت لام الكلمة واوا مثل : (غازي) فإنّها سكنت وانكسر ما قبلها فانقلبت ياء ؛ فإذا نصبت فقلت : (رأيت غازيا) لم تعد الواو لئلّا يختلف حكمها في اسم واحد لأمر عارض وهذا أقرب من حملهم : (أعد ونعد وتعد) في الحذف على (يعد).
فصل : إذا كان المنقوص منصرفا حذفت ياؤه الساكنة وبقي التنوين ؛ لأنّهما ساكنان والجميع بينهما متعذّر ، وتحريك الياء لا يجوز لوجهين :
أحدهما : الثقل المهروب منه.
والثاني : أنّه تحريك أوّل الساكنين في كلمة واحدة ، وذلك لا يجوز لما نبيّنه في باب المبنيّات وتحريك التنوين يثقله فيتعين الحذف ، وحذف الياء أولى لثلاثة أوجه :
أحدهما : أنّ حذف أوّل الساكنين في كلمة واحدة هو القياس ، نحو : لم يكن ، ولم يبع ، لا سيما ، والياء من حروف العلّة والنون حرف صحيح.
والثاني : أنّ الياء على حذفها دليل.
والثالث : أنّ التنوين دخل لمعنى فحذفه يخلّ له بخلاف الياء.
فصل : وقد جاء في ضرورة الشعر ضمّ الياء وكسرها في الرفع والجرّ على الأصل ، وقد سكنت الياء أيضا في الشعر من المنصوب ، قال أبو العبّاس : وهو من أحسن الضرورة وإذ كان تحريكها ثقيلا بكلّ حال.
فصل : وأمّا المقصور (1)فكلّ اسم آخره ألف وهذا يدخل فيه المذكّر والمؤّنث نحو :
(القفا) و (العصا) و (ذكرى) و (حبلى) وإن شئت قلت : كلّ اسم حرف إعرابه ألف ، ولا تحتاج أن تقول : ألف مفردة ؛ إذ قولك : (آخره ألف) يغني عن ذلك (2)
1 - أن يكون محذوف الفاء أي أوّل الكلمة كما إذا سمّيت بمضارع «وفى» وهو «يفي» لأنّ أصلها «يوفى» حذفت «فاؤه فلو حذفت لامه لكان إجحافا.
2 - أن يكون محذوف العين أي وسط الكلمة نحو «مر» اسم فاعل من «أرى» أصله «مرئي» نقلت حركة عينه وهي الهمزة إلى الرّاء ، ثمّ حذفت للتّخفيف ، وأعلّ قاض (قاض : أصلها قاضي بياء ساكنة وتنوين ساكن فحذفنا الياء الساكنة للتخلص من التقاء الساكنين) فلا يجوز حذف الياء في الوقف.
3 - أن يكون منصوبا منوّنا نحو (رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً) (الآية «193» من سورة آل عمران) ، أو غير منوّن نحو (كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ) (الآية «26» من سورة القيامة) ، فإن كان مرفوعا أو مجرورا جاز إثبات يائه وحذفها ، ولكنّ الأرجح في المنوّن الحذف نحو «هذا ناد» و «نظرت إلى ناد» ويجوز الإثبات (ورجحه يونس) وبذلك قرئ (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) (الآية «7» من سورة الرعد) ، (ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍ) (الآية «11» من سورة الرعد) والأرجح في غير المنوّن الإثبات نحو «هذا الدّاعي» و «مررت بالرّاعي» و «قرأ الجمهور (الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ) (الآية «9» من سورة الرعد) بالحذف».
.فصل : والمقصور من قولك : قصرته ، أي حبسته ومنه : (حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ) [الرحمن : 72] وامرأة قصيرة ومقصورة ، أي : محبوسة في خدرها ، ومنه قول كثيّر (1): [الطويل]
وأنت الّتي حبّبت كلّ قصيرة
إليّ وما يدري بذاك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد
قصار الخطا شرّ النساء البحاتر
فصل : وفي معنى تسميته : (مقصورا) أربعة أوجه :
أحدها : أنّ الإعراب قصر فيه (2)فيكون تقديره المقصور فيه الإعراب ، ثم حذف وجعل اسما للاسم الذي هذه صفته.
والثاني : أنّه قصر عن الإعراب ، أي : حبس عن ظهور الإعراب في لفظه.
1) كثير عزة : (40 - 105 ه / 660 - 723 م) وهو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن مليح من خزاعة وأمه جمعة بنت الأشيم الخزاعية. شاعر متيم مشهور ، من أهل المدينة ، أكثر إقامته بمصر ولد في آخر خلافة يزيد بن عبد الملك ، وتوفي والده وهو صغير السن وكان منذ صغره سليط اللسان وكفله عمه بعد موت أبيه وكلفه رعي قطيع له من الإبل حتى يحميه من طيشه وملازمته سفهاء المدينة. واشتهر بحبه لعزة فعرف بها وعرفت به وهي : عزة بنت حميل بن حفص من بني حاجب بن غفار كنانية النسب كناها كثير في شعره بأم عمرو ويسميها تارة الضميريّة وابنة الضمري نسبة إلى بني ضمرة. وسافر إلى مصر حيث دار عزة بعد زواجها وفيها صديقه عبد العزيز بن مروان الذي وجد عنده المكانة ويسر العيش. وتوفي في الحجاز هو وعكرمة مولى ابن عباس في نفس اليوم فقيل : (مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس).
2) تقدّر الحركات الثلاث في الاسم المعرب الذي آخره ألف لازمة لتعذّر ظهورها ك «الهدى» و «المصطفى». ويسمى معتلّا مقصورا.
والثالث : أنّ صوت الألف المفردة أقصر من صوتها إذا وقعت بعدها همزة ، فكان صوتها محبوسا عن صوت الألف التي بعدها همزة.
والرابع : أنّه نقيض الممدود.
فصل : وإنّما لم تظهر في الألف الحركة ؛ لأنها هوائية تجري مع النّفس لا اعتماد لها في الفم والحركة تمنع الحرف من الجري وتقطعه عن استطاعته فلم تجتمعا ؛ ولهذا إذا حرّكت الألف انقلبت همزة.
فصل : وإذا نوّن المقصور حذفت ألفه لسكونها وسكون التنوين بعدها ، والعله في ذلك كالعلّة في حذف الياء من المنقوص ، وقد تقدّم ذكره.
فصل : وألف التأنيث في نحو : (حبلى وبشرى) لا أصل لها في الحركة ولا يمكن تقدير الحركة عليها تقديرا يمكن تحقيقة ؛ لأنها غير منقلبة عن حرف يتحرّك ، ولكن لمّا وقعت خبرا جعلت إعراب إذ كانت في موضع ألف : (عصا ورحى) ، وفي موضع الهمزة في : (حمراء) والتاء في : (شجرة).
فصل : والممدود (1)
والعادم النظير ذا قصر وذا
مد بنقل كالحجا وكالحذا
هذا هو القسم الثاني وهو المقصور السماعي والممدود السماعي ، وضابطهما أن ما ليس له نظير اطرد فتح ما قبل آخره فقصره موقوف على السماع وما ليس له نظير الهرد زيادة ألف قبل آخره فمده مقصور على السماع ، فمن المقصور السماعي الفتى واحد الفتيان والحجا العقل والثري التراب والسنا الضوء ، ومن الممدود السماعي الفتاء حداثة السن والسناء الشرف والثراء كثرة المال والحذاء النعل.
وقصر ذى المد اضطرارا مجمع
عليه والعكس بخلف يقع
لا خلاف بين البصريين والكوفيين في جواز قصر الممدود للضرورة ، واختلف في جواز مد القصور فذهب البصريون إلى المنع وذهب الكوفيون إلى الجواز.
متصرّف بوجوه الإعراب ؛ لأن حرف إعرابه همزة وهي حرف صحيح يثبت في الجزم.1) قال ابن عقيل : هو الاسم الذي في آخره همزة تلى ألفا زائداة نحو حمراء وكساء ورداء ، فخرج بالاسم الفعل نحو يشاء ويقوله تلى ألفا زائدة ما كان في آخره همزة تلى ألفا غير زائدة كما وآء جمع آءة وهو شجر ، والممدود أيضا كالمقصور قياسي وسماعي ، فالقياسي كل معتل له نظير الصحيح الآخر ملتزم زيادة ألف قبل آخره وذلك كمصدر ما أوله همزة وصل نحو أرعوى أرعواء وأرتأى إرتئاء واستقصى استقصاء فإن نظيرها من الصحيح انطلق انطلاقا واقتدر اقتدارا واستخرج استخراجا وكذا مصدر كل فعل معتل يكون على وزن أفعل نحو أعطى إعطاء فإن نظيره من الصحيح : أكرم إكراما.
فصل : وإذا سكن ما قبل الياء جرت بوجوه الإعراب لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ المنقوص منع من ضم الياء وكسرها للثقل الحاصل بحركتها وحركة ما قبلها ، وقد زال ذلك.
والثاني : أنّك لو سكنت الياء لجمعت بين ساكنين.
والثالث : أنّ ما قبل الياء إذا سكّن أشبه الحرف الموقوف عليه في سكونه فتكون الياء كالحرف المبدوء به والابتداء بالساكن ممتنع (1).
فصل : والياء المشدّدة ياءان ؛ الأولى منها ساكنة فيصير كظبي ولحي.
1) حكمه : أن يرفع بضمة مقدرة على الياء فى حالة الرفع ، وينصب بفتحة ظاهرة على الياء فى حالة النصب ، ويجر بكسرة مقدرة عليها فى حالة الجر ؛ مثل : الخلق العالى سلاح لصاحبه ، إن الخلق العالى سلاح لصاحبه ، تمسّك بالخلق العالى. فكلمة : «العالى» فى الأمثلة الثلاثة نعت (صفة) ، ولكنه مرفوع فى المثال الأول بضمة مقدرة ، ومنصوب فى المثال الثانى بالفتحة الظاهرة ، ومجرور فى المثال الثالث بالكسرة المقدرة. ومثله : الباقى للمرء عمله الصالح. إن الباقى للمرء عمله الصالح. حافظ على الباقى من مآثر قومك. فكلمة : «الباقى» فى المثال الأول مبتدأ مرفوعة بضمة مقدرة ، وهى فى المثال الثانى اسم «إن» منصوبة بالفتحة الظاهرة ، وهى فى الثالث مجرورة بكسرة مقدرة ، وهكذا ، فالمنقوص يرفع ويجر بحركة مقدرة على الياء ؛ وينصب بفتحة ظاهرة عليها.
(1) فصل : (أب وأخ وحم وهن) محذوفات اللامات ولامها واو في الأصل ، وسنرى ذلك في التصريف إن شاء الله تعالى.
وفيها لغة أخرى ؛ وهي : (أبا وأخا وحما وهنا) مثل : عصا ؛ فأمّا في الإضافة فاللغة الجيّدة ردّ اللام نحو : (أبوك وأبو زيد).
وفيه لغة أخرى : حذف اللام مع الإضافة نحو : (أبك وأب زيد).
فصل : وأمّا فوك فأصله : (فوه) فحذفت الهاء اعتباطا وأبدل من الواو ميم ؛ لأنّهم لو أبقوها لتحرّكت في الإعراب فانقلبت ألفا وحذفت بالتنوين وبقي الاسم المعرب على حرف واحد والميم تشبه الواو وتحتمل الحركة ؛ فإذا أضفته رددت الواو.
فصل : وأمّا (ذو) فمحذوفة اللام ، وهل هي واو أو ياء؟ فيه خلاف يذكر في التصريف ، ومعناها (صاحب) ولا تستعمل إلا مضافة إلى جنس ؛ لأن الغرض منها التوصّل إلى الوصف بالأجناس إذ كان يتعذّر الوصف بها بدون (ذو) ، ألا ترى أنّك لا تقول : زيد مال ولا طول حتى تقول : ذو مال وذو طول ، وههنا لم يجز إضافتها إلى المضمر ؛ لأنه ليس بجنس وما جاء من ذلك فشاذ أو من كلام المحدثين ، وإنّما عدلوا عن (صاحب) إلى (ذو) وإن كانت بمعناها ؛ لأن صاحبا تضاف إلى الجنس والعلم وغير ذلك ، فخصّصوا (ذو) بالإضافة إلى الجنس لما ذكرناه (2)
وإذا لم يكن ذو بمعنى صاحب كان بمعنى الذي وكان مبنيّا على سكون الواو تقول جاءني ذو قام ورأيت ذو قام ومررت بذو قام وهي لغة طييء على أن منهم من يجريها مجرى التي بمعنى صاحب فيعربها بالواو والألف والياء فيقول جاءني ذو قام ورأيت ذا قام ومررت بذي قام إلا أن ذلك شاذ والمشهور ما قدّمناه وسمع من كلامهم لا وذو في السماء عرشه فذو موصولة بمعنى الذي وما بعدها صلة فلو كانت معربة لجرّت بواو القسم.
والخمسة الباقية شرطها أن تكون مضافة إلى غير ياء المتكلم كقوله تعالى : (وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ،) وقوله تعالى : (إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ،) وقوله تعالى : (ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ) فوقع الأب في الآية الأولى مرفوعا بالابتداء وفي الآية الثانية منصوبا بإنّ وفي الآية الثالثة مخفوضا بإلى وهو في جميع ذلك مضاف إلى غير الياء فلهذا أعرب بالواو والألف والياء وكذلك القول في الباقي ، ولو أضيفت هذه الأسماء إلى ياء المتكلم كسرت أواخرها لمناسبة الياء وكان إعرابها بحركات مقدّرة قبل الياء.
.1) الأسماء الستة وهي أب وأخ وحم وهن وفوه وذو مال فهذه ترفع بالواو نحو : جاء أبو زيد وتنصب بالألف نحو رأيت أباه وتجر بالياء نحو مررت بأبيه والمشهور أنها معربة بالحروف فالواو نائبة عن الضمة والألف نائبة عن الفتحة والياء نائبة عن الكسرة.
2) شرط ذو أن يكون بمعنى صاحب تقول جاءني ذو مال ورأيت ذا مال ومررت بذي مال قال الله تعالى : (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ) وقال تعالى : (أَنْ كانَ ذا مالٍ) وقال تعالى : (إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ) فوقع ذو في الأول خبرا لإنّ فرفع بالواو وفي الثاني خبرا لكان فنصب بالألف وفي الثالث صفة لظلّ فجرّ بالياء لأن الصفة تتبع الموصوف
فصل : وهذه الأسماء معربة في حال الإضافة ولها حروف إعراب ، واختلف الناس في ذلك ، فذهب سيبويه إلى أنّ حروف العلّة فيها حروف إعراب والإعراب مقدّر فيها واختلف أصحابه في الحركات التي قبلها.
فقال الربعيّ : الأصل في الرفع واو مضمومة لكن نقلت الضمّة إلى الحرف الذي قبلها ففي هذا نقل فقط ، وفي النصب تحرّكت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا ففيها قلب فقط ، وفي الجرّ تنقل كسرة الواو إلى ما قبلها فقلبت لسكونها وكسر ما قبلها ياء ففيها هنا نقل وقلب وهذا ضعيف ؛ لأنه يؤدّي إلى أن تكون الحركة المنقولة حركة إعراب ، فيكون الإعراب في وسط الكلمة ولا يصحّ تقدير الإعراب في حروف العلّة على قوله ؛ لأن المنقول ملفوظ به فلا حاجة إلى تقدير إعراب آخر.
وقال بعض أصحاب سيبويه : لم ينقل شيء بل حركات ما قبلها حروف العلّة تابعة لها تنبيها على أنّ هذه الأسماء قبل الإضافة إعرابها في عيناتها وأن ردّ اللام عارض في الإضافة.
والدليل على أنّ حروف العلّة هنا حروف الإعراب لا إعراب أربعة أوجه :
أحدها : أنّ الأصل في كلّ معرب أن يكون له حرف إعراب وأن يعرب بالحركة لا بالحرف ، وقد أمكن ذلك هنا إلا أنّ الحركة امتنع ظهورها لثقلها على حروف العلّة كما كان ذلك في المنقوص والمقصور.
والثاني : أنّ هذه الأسماء معربة في الإفراد على ما ذكرنا فكانت في الإضافة كذلك كغيرها من الأسماء.
والثالث : أنّ هذه الحروف لو كانت إعرابا لما اختلّت الكلمة بحذفها كما لا تختلّ الكلمة الصحيحة بحذف الإعراب.
والرابع : أنّ هذه الأسماء لو خرجت على أصلها من قلبها ألفات لكانت حروف إعراب والحركة مقدّرة فيها فكذلك لمّا ردّت في الإضافة.
فصل : وقال الأخفش هي زوائد دوالّ على الإعراب كالحركات وهذا لا يصحّ لوجهين :
أحدهما : أنّ الإعراب الذي يدلّ عليه لا يصحّ أن يكون فيها إذ كانت زوائد على المعرب كزيادة الحركة ، ولا يصحّ أن يكون في غيرها لتراخيها عنه.
والوجه الثاني : أنّها لو كانت زوائد لكان : (فوك وذو مال) اسما معربا على حرف واحد وذا لا نظير له.
فصل : وقال الجرمي : انقلابها هو الإعراب ، وهو فاسد لثلاثة أوجه :
أحدها : أن الرفع لا انقلاب فيه مع أنه معرب.
والثاني : أنّ الانقلاب لو كان إعرابا لاكتفى بانقلاب واحد كما قال في التثنية.
والثالث : أنّ الانقلاب في المقصور ليس بإعراب فكذلك ههنا.
فصل : قال المازني : هذه الحروف ناشئة عن إشباع الحركات والإعراب قبلها كما كانت في الأفراد ، وهذا فاسد لثلاثة أوجه :
أحدها : أن الإشباع على هذا من أحكام ضرورة الشعر دون الاختيار.
والثاني : أن ما حدث للإشباع يسوغ حذفه ، وحذف هذه الحروف غير جائز في اللغة العالية.
والثالث : أنّ يفضي إلى أن يكون : (فوك وذو مال) اسما معربا على حرف واحد (1).
فصل : وقال الفراء : هي معربة من مكانين فالضمّة والواو إعراب فكذلك الآخران ، وهذا فاسد لثلاثة أوجه :
1) الإعراب يدل عليه مرة الحركة وتارة الحرف كحروف المد في الاسماء الستة والتثنية والجمع وما هذه سبيله لا يكون معنى واحدا بل هو دليل على المعنى والدليل قد يتعدد والمدلول عليه واحد.
أحدها : أنّ الإعراب دخل الكلام ليفصل بين المعاني ، وذلك يحصل بإعراب واحد فلا حاجة إلى آخر.
والثاني : ما ذهب إليه لا نظير له ولا يصحّ قياسه على : (امرئ) و (ابن) ؛ لأن الحركات هنا تابعة لحروف العلّة وهذا يثبت الحركة في الوقف مع أنّ الإعراب يحذف في الوقف.
والثالث : أنّ (فوك) و (ذو مال) حرفان ويؤدي قوله إلى أن يكون الإعراب في جميع الكلمة.
وقال قطرب وأبو إسحق الزياديّ : هذه الحروف إعراب كالحركة ، وقد أفسدنا ذلك بما تقدّم.
وقال أبو عليّ وجماعة من أصحابه : هذه حروف إعراب دوالّ على الإعراب فجمعوا بين قول الأخفش وقول سيبويه ، إلا أنّهم لم يقدّروا فيها إعرابا وهذا مذهب مستقيم كما في التثنية والجمع ، ومذهب سيبويه أقوى لخروجه على القياس وموافقته للأصول.
فصل : وإذا أضفت : (أبا وأخا وحما وهنا) إلى ياء المتكلّم كانت بياء ساكنة مخفّفة ، وفي ذلك وجهان :
أحدهما : أنهم لم يعيدوا المحذوف هنا لئلّا يفضي إلى ياء مشدّدة قبلها كسرة مع كثرة استعمال هذه الأسماء فحذفوها تخفيفا.
والثاني : أنّ المضاف هنا مبني وهذه الحروف دوالّ على الإعراب وقائمة مقامه فلم يجتمعا ، وأمّا (في) فردّ فيه المحذوف لئلّا يبقى على حرف واحد وكان يشبه حرف الجرّ.
فصل : وإنّما أعربت هذه الأسماء بالحروف ؛ لأنها مفردة تحتاج في قياس التثنية والجمع إليها إذ كانت التثنية والجمع معربة بالحروف ضرورة وهي فروع والأسماء المفردة أصول ، فجعلوا ضربا من المفردات معربا بالحروف ليؤنس ذلك بالتثنية والجمع ، وإنّما اختاروا من المفردات هذه الأسماء ؛ لأنها تلزمها الإضافة في المعنى إذ لا أب إلا وله ابن ، وكذلك باقيها ولزوم الإضافة لها يشبهها بالتثنية إذ كان كلّ واحد منهما أكثر من اسم واحد.
أصل التثنية العطف من قولك : ثنيت العود إذا عطفته ، وكان الأصل أن يعطف اسم على اسم ، وقد جاء من ذلك في الشعر كثير لكنهم اكتفوا باسم واحد وحرف وجعلوه عوضا من الأسماء المعطوفة اختصارا.
فصل : وإنّما زادوا الحرف دون الحركة لوجهين :
أحدهما : أنّ الحركة كانت في آخر الواحد إعرابا ، فلو أبقوها لم يكن على التثنية دليل.
والثاني : أنّ الاسم المعطوف مساو للمعطوف عليه فكما كان الأوّل حروفا كان الدليل عليه حرفا.
فصل : وإنّما لم تثنّ الأفعال الخمسة (1)
وتنصب وتجزم بحذفها نحو قوله تعالى : (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) (الآية «24» من سورة البقرة) فالأول جازم ومجزوم ، والثاني ناصب ومنصوب.
أوجه :أحدها : أن لفظ الفعل جنس يقع بلفظه على كل أنواعه ، والغرض من التثنية تعدّد المسمّيات والجنس لا تعدّد فيه.
والثاني : أنّ الفعل وضع دليلا على الحدث والزمان ، فلو ثنّي لدلّ على حدثين وزمانين وهذا محال.
والثالث : أنّ الفعل لا بدّ له من فاعل فيكون جملة وتثنية الجمل محال ؛ ولهذا لا يثنّى لفظ : (تأبّط شرا) و (ذرّى حبّا).
والرابع : أن الفعل لو ثنيّ لكنت تقول في رجل واحد قام مرتين أو مرارا : (قاما زيد) أو : (قاموا زيد) وهذا محال.
والخامس : أنّ التثنية عطف في الأصل استغني فيها بالحروف عن المعطوف فيفضي ذلك إلى أنّ يقوم حرف التثنية مقام الفعل والفاعل ، وذلك الفعل دالّ على حدث وزمان ، وليس في لفظ حرف التثنية دلالة على أكثر من الكّميّة.
1) هي كلّ فعل مضارع اتصل به ألف اثنين مثل «يفعلان تفعلان» أو واو جمع مثل «يفعلون تفعلون» أو ياء المخاطبة مثل : «تفعلين» ، ترفع الأفعال الخمسة بثبوت النّون نحو «العلماء يترفّعون عن الدّنايا».
فصل : وإنّما لم تثن الحروف لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّها نائبة عن الأفعال ، وإذا تعذّر ذلك في الأصل ففي النائب أولى.
والثاني : أنّ الحرف جنس واحد كالفعل.
والثالث : أنّ معنى الحرف في غيره ، فلو ثنّيت الحرف لأثبت له معنيين فيما معناه فيه ، وذلك ممتنع ؛ لأن معنى الحرف غير متعدّد.
فصل : وكلّ ما تنكّرت معرفته أو تعرّفت نكرته صحّت تثنيته ؛ لأن أصل المثنىّ العطف ، وإذا استوى لفظ الاسمين وقع الاشتراك بينهما فصارا نكرتين.
ولهذا يدخل الألف واللام على المثّنى ، وإن كان معرفة قبل ذلك نحو : (الزيدان) فأمّا : (اللذان) (1)فليس بتثنية صناعيّة ؛ لأنه لا يتمّ إلا بالصلة والتثنية الصناعيّة لا تكون إلا بعد تمام الاسم ، وإنما هي صيغة للدلالة على التثنية وكذلك : (هذان) ؛ لأن (هذا) يقرب من المضمر والمضمر لا يثنّى بل يصاغ منه لفظ يدلّ على الاثنين ، وليس (أنتما) تثنية (أنت) في اللفظ ومن هنا بقي على تعريفه بعد التثنية.
فصل : وإذا أردت تثنية الجمل قلت : (هذان ذوا تأبّط شرا) أو اللذان يقال لكلّ واحد منهما تأبّط شرا لما تقدّم من استحالة تثنية الجملة ، وكذلك الأصوات والعلم المضاف إلى اللقب نحو : (قيس قفّة) و (ثابت قطنة).
فصل : في مجاز التثنية من ذلك قولهم : (مات حتف أنفيه) أي : منخريه ، و (هو يؤامر نفسيه) أي : نفسه تأمره بأشياء متضادّة كالبخل والجود ونحوهما فكأنّ له نفسين ومنه : (القمران) للشمس والقمر فسمّي الشمس قمرا عند التثنية ؛ لأن القمر مذكّر ، ومنه : (العمران) في أبي بكر وعمر فغلّب عمر ؛ لأنه اسم مشهور وأبو بكر كنية والاسم أخفّ
1) الموصول الاسمي فالذي للمفرد المذكر والتي للمفرد المؤنثة فإن ثنيت أسقطت الياء وأتيت مكانها بالألف في حالة الرفع نحو اللذان واللتان والياء في حالتي الجر والنصب فتقول اللذين واللتين ، وإن شئت شددت النون عوضا عن الياء المحذوفة فقلت اللذان واللتان وقد قرىء : (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ) ويجوز التشديد أيضا مع الياء وهو مذهب الكوفيين فتقول اللذين واللتين وقد قرىء : (رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ) بتشديد النون ، وهذا التشديد يجوز أيضا في تثنية ذا وتا اسمي الإشارة فتقول ذان وتان وكذلك مع الياء فتقول ذين وتين وهو مذهب الكوفيين والمقصود بالتشديد أن يكون عوضا عن الألف المحذوفة.
و (الأذانان) للأذان والإقامة ، ومنه ذكر المثنى بلفظ الجمع كقولك : (ضربت رؤوسهما) ؛ لأن التثنية في الحقيقة جمع ، وقد أمن اللّبس ههنا إذ ليس للواحد إلا رأس واحد ويجوز : (رأساهما) على القياس.
فصل : وإنّما زادوا حروف المدّ (1)
(القسم الأول) : بعد واو الجماعة المتطرفة ، المتصلة بفعل ماض وأمر نحو «ذهبوا» و «اذهبوا» ومضارع منصوب أو مجزوم نحو : (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) فإذا كانت الواو غير واو الجمع لا تلحقها الألف نحو «يغزو» و «يدعو ؛ فإذا قلنا : «الرجال لن يغزوا ولن يدعوا» أثبتنا الألف لأن الواو صارت واو جمع ، وإذا كانت واو الجمع غير متطرفة لا تزاد معها الألف نحو «علموك» وكذلك لا تزاد الألف بعد واو الجمع المتصلة باسم ، وإن كانت متطرفة نحو «هؤلاء ضربوا زيدا» بدون ألف بعد الواو.
(القسم الثاني) : زيادتها في نحو : «مائة» فرقا بينها وبين «منه» (هذا حين لم يكن همز ولا إعجام - أي تشكيل أما وقد اختلف الحال فينبغي أن ترجع إلى أصلها ، فتكتب «مئة» نحو «فئة» وكتابتها «مائة» أفسد على كثير من الناس النطق بها على ما يجب أن تنطق به ، وإنما ينطقون بها بألف ، وكذا الخمسمائة مثلا ، والأولى أن تكتب خمس مئة ، ولا داعي أيضا لاتصالهما) وبعضهم كتبها «مأة» على اساس راي بعضهام أن الهمزة في الوسط تكتب ألفا في كل حال ، وهذا خلاف المشهور. ومن العلماء (كما ذكر السيوطي في الهمع وانظر التعليق قبله) من يحذف الألف من «مئة» في الخط وهو أقرب إلى الصواب واتفقوا على أن الإلف لا تزاد في الجمع نحو «مئات» و «مئون».
إذ كانت كالحركات لخفّتها بسكونها وامتداد صوتها ، وأنّ الكلام لا يخلوا منها أو من أبعاضها ، وهي الحركات وأنّهم لو زادوا غيرها لتوهّم أنّ الحرف الزائد من أصل الكلمة.فصل : وإنما جعلت الواو للجمع لقوّتها وخروجها من عضوين وأنّها دلّت على الجمع في الإضمار نحو : (قاموا) ، وأنّ معناها في العطف الجمع وخصّ بها الرفع ؛ لأنها من جنس الضّمة ، وأمّا (الياء) فخصّ بها الجرّ ولأنّها من جنس الكسرة ، وأمّا (الألف) فجعلت في التثنية لأربعة أوجه :
أحدها : أنّ الجمع خصّ بالواو والياء لمعنى يقتضيه فلم يبق للألف غير التثنية.
والثاني : أنّ الألف أخف من أختيها ، والتثنية أكثر من الجمع لدخولها في كلّ اسم وجعل الأخفّ للأكثر هو الأصل.
1) حروف الزيادة هي التي تكتب ولا ينطق بها ، وهي أولا الألف وهي قسمان :
والثالث : أنّ الألف أسبق من أختيها في المخرج والتثنية أسبق من الجمع فجعل الأسبق للأسبق.
والرابع : أن الألف جعلت ضميرا لاثنين في نحو : (قاما) فكذلك تكون في الأسماء.
فإن قيل : لم لم تجعل الواو في البنائين ويفتح ما قبلها في أحدهما ، ويضمّ في الآخر؟
قيل : لا يصحّ لوجهين :
أحدهما : أنّ في الأسماء المجموعة ما قبله واو مفتوح وهو : (مصطفون) وبابه فكان يؤدي إلى اللبس.
والثاني : أنّ الواو تناسب الضمّة والفتحة تناسب الألف ، فجعل مع كلّ واحد منهما ما يناسبه (1).
فصل : وإنّما جعلت الألف في الرفع لأربعة أوجه :
أحدها : أنّها لّما كانت أتمّ حروف المدّ مدّا كانت أصلا لأختيها ؛ ولهذا لم تقبل الحركة والرفع هو الأصل فجعل الأصل للأصل.
والثاني : أنّ الرفع أسبق من أخويه والألف أسبق من أختيها فجعل الأسبق للأسبق.
والثالث : أن الألف في الإضمار ضمير مرفوع ، وذلك يناسب جعلها علامة رفع.
والرابع : انّه إنّما وجبت الواو لرفع الجمع والياء لجرّ التثنية والجمع وبقيت الألف فلم يجز أن تكون للنصب لوجهين :
أحدهما : أنّها لو كانت كذلك لحمل المرفوع على غيره إذ لم تبق له علامة تخصّه.
والثاني : أنّ المنصوب قد قام الدليل على أنّه محمول على غيره فلم يجعل أصلا.
فصل : وإنّما حمل المنصوب على المجرور هنا (2)
وما ذكره المصنف من أن المثنى والملحق به يكونان بالألف رفعا والياء نصبا وجرا هو المشهور في لغة العرب ومن العرب من يجعل المثنى والملحق به ، بالألف مطلقا رفعا ونصبا وجرا فيقول جاء الزيدان كلاهما ورأيت الزيدان كلاهما ومررت بالزيدان كلاهما وكذلك إعراب الجمع المذكّر السّالم بالواو المضموم ما قبلها لفظا نحو «أتى الخالدون» أو تقديرا نحو : (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) وينصب ويجر بالياء المكسور ما قبلها لفظا نحو : «رأيت الخالدين» و «نظرت إلى الخالدين» ، أو تقديرا نحو «رأيت المصطفين» و (إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ) (الآية «47» من سورة ص).
لثمانية أوجه :أحدها : أنّ الجرّ أصل ينفرد به الاسم والرفع يشترك فيه القبيلان فكان حمل النصب على المختصّ أولى.
والثاني : أنّ الجرّ أقلّ في الكلام من الرفع والحمل على الأقلّ أخفّ.
والثالث : أنّ المنصوب والمجرور فضلتان في الكلام وحمل الفضلة على الفضلة أشبه.
والرابع : أنّهم سوّوا بين ضمير المنصوب والمجرور نحو : (إنّك) و (بك) و (إنّه) و (له) فكان في الظاهر كذلك.
الخامس : أنّ المجرور بحرف الجرّ حقّه النصب في الأصل فكأنّه المنصوب.
السادس : أن المجرور لمّا حمل على المنصوب فيما لا ينصرف عكس ذلك ههنا.
السابع : أنّ الجرّ بالياء وهي أخفّ من الواو والحمل على الأخفّ أولى.
والثامن : أنّ النصب من الحلق وهو أقرب إلى الياء إذ كانت من وسط الفم.
فصل : وأنّما فتح ما قبل ياء التثنية وكسر في الجمع لأربعة أوجه :
أحدها : أنّ الفتحة أخف والتثنية أكثر فجعل الأخف للأكثر تعديلا.
الثاني : أنّ الألف لمّا اختصت بالتثنية ولم يكن ما قبلها إلا مفتوحا حمل النصب والجرّ عليه طردا للباب ولم يمكن ذلك في الجمع.
والثالث : أنّ نون التثنية مكسورة لما نبينّه فكان فتح ما قبل الياء تعديلا.
الرابع : أن حرف التثنية يدلّ على معنى في الكلمة ففتح ما قبله كحرف التأنيث.
فصل : والأسماء المثنّاة والمجموعة معربة (1)، وحكي عن الزجّاج أنّها مبنيّة وكلامة في المعاني يخالف هذا والدليل على أنّها معربة وجود حدّ المعرب ، وهو اختلاف آخرها لاختلاف
1) تعددت علامات الاسم ، لأن الأسماء متعددة الأنواع ؛ فما يصلح علامة لبعض منها ، لا يصلح لبعض آخر ، كالجر ، فإنه لا يصلح علامة لضمائر الرفع ، كالتاء - ولا يصلح لبعض الظروف ؛ مثل : قطّ : وعوض. وكالتنوين ؛ فإنه يصلح لكثير من الأسماء المعربة المنصرفة ، ولا يصلح لكثير من المبنيات. وكالنداء فإنه يصلح وحده للأسماء الملازمة للنداء ؛ مثل : يا فل (أى : يا فلان) ، ويا مكرمان للكريم الجواد ، وغيرهما مما لا يكون إلا منادى. وهكذا اقتضى الأمر تعدد العلامات بتعدد أنواع الأسماء.
العامل وأنّها لم تشبه الحروف ولا يقال إنّها تضمنّت معنى واو العطف ؛ لأن تضمّن الإسم معنى الحرف لا يغيّر لفظه ك (أين) و (خمسة عشر) ولفظ التثنية غيّر لفظ الواحد بحيث لا يصحّ إظهار الواو فيه.
فصل : وحروف المدّ ههنا حروف إعراب عند سيبويه ، واختلف أصحابه فقال بعضهم :
فيها إعراب مقدّر ، وقال آخرون : ليس فيها تقدير إعراب.
وقال الأخفش والمازنيّ والمبردّ : ليست حروف إعراب بل دالّة عليه. وقال الجرميّ : انقلابها هو الأعراب. وقال قطرب والفرّاء : هي نفس الإعراب.
والدليل على مذهب سيبويه من خمسة أوجه :
أحدها : أنّ حرف الإعراب ما إذا سقط يختلّ به معنى الكلمة وهذه الحروف كذلك ، ولو كانت إعرابا لم يختلّ معناها بسقوطه.
والثاني : أنّ هذه الحروف مزيدة في آخر الاسم فكانت حروف إعراب كتاء التأنيث وألفه وحرف النسب.
والثالث : أنّك لو سمّيت رجلا ب (مسلمان) ثم رخمتّه حذفت منه الألف والنون والنون ليست حرف إعراب عند الجميع فكانت الألف كالثاء في : (حارث).
والرابع : أنّ العرب قالوا : (مذروان) و (عقلته بثنايين) فصحّحوا الواو والياء كما صحّحوهما قبل التأنيث نحو : (شقاوة) و (عباية) ولو لا أنّها حروف إعراب لم تكن كذلك.
والخامس : أنّ هذه الأسماء معربة والأصل في كلّ معرب أن يكون له حرف إعراب ؛ لأن الإعراب كالعرض المحتاج إلى محلّ والحرف محلّه.
وأمّا الأمثلة الخمسة فتعذر أن يكون لها حرف إعراب لما نبنيّه في باب الأفعال إن شاء الله تعالى.
وقد بيّنّا في الأسماء الستّة بطلان مذهب الأخفش والجرميّ والفرّاء وهو في معنى التثنية والجمع ، ونزيده ههنا أنّ الياء ههنا لا تستحق الحركة إذ لو كان كذلك لا نقلبت ألفا كما في المقصور.
ويبطل مذهب الفرّاء أيضا : أنّ هذه الحروف تدلّ على معان لا تدلّ عليها الحركات من التثنية والجمع ، وإنّما دلّت على الإعراب تبعا لا أصلا.
فإن قيل : لو كانت حروف إعراب لم تقع تاء التأنيث قبلها في نحو : (شجرتان)؟
قيل : لمّا كانت هذه الحروف دالّة على الإعراب من وجه وحرف إعراب من وجه جاز وقوع تاء التأنيث قبلها من حيث هي دالّة على الإعراب لا من حيث هي حروف إعراب ، وإنّما روعي ذلك ؛ لأن التأنيث معنى نحافظ عليه كما أنّ التثنية كذلك.
فصل : واختلف النحويّون في زيادة النون في التثنية والجمع لماذا زيدت فمذهب سيبويه وجمهور البصريّين أنّها عوض من الحركة والتنوين (1)
وتزاد النّون مع الياءات والواو والألف في التّثنية والجمع ، في رجلين ومسلمين ومسلمون ، وكذلك تزاد النون مع الألف في رجلان. وتزاد النّون علامة للصّرف - وهو التنوين - في نحو قولك : هذا زيد ورأيت زيدا ، فالتنوين لفظه نون ، وإن لم يكتب. وتزاد في الفعل لتوكيده مفردة في قولك : «اضربن زيدا» ومضاعفة في «أكرمنّ زيدا».
.ومن البصريّين من قال تكون عوضا منهما في نحو : (رجلان) ومن الحركة في نحو :
(الرجلان) ومن التنوين في نحو : (غلاما زيد) ومنهم من قال : هي بدل من الحركة في كل موضع ، ومنهم من قال من التنوين في كلّ موضع.
وقال الفرّاء : فرّق بها بين التثنية وبين المنصوب المنوّن في الوقف.
والدلالة على الأوّل من وجهين :
أحدهما : أنّ الاسم مستحقّ الحركة والتنوين ، وقد تعذّرا في التثنية والجمع والتعويض منهما ممكن والنون صالحة لذلك ورأينا العرب أثبتتها فيهما ففهم أنّهم قصدوا التعويض رعاية للأصل ، ومثل ذلك ثبوت النون في الأمثلة الخمسة عوضا من الضمّ.
1) تلحق النّون في أوائل الأفعال ، إذا خبّر المتكلّم عنه ، وعن غيره كقولك : «نحو نذهب» أو تلحق ثانية مثل «منجنيق» وزنه فنعليل ، بدليل ، جمعه على مجانيق بدون النّون ، و «جندب» و «عنظب» (العنظب : الجراد الضخم) لأنّه لا يجيء على مثال فعلل شيء إلا وحرف الزّيادة لازم له ، وتلحق رابعة في : «رعشن» و «ضيفن» لأنّ رعشن من الارتعاش ، وضيفن : إنما هو الجائي مع الضيف.
والوجه الثاني : أنّ النون تثبت في النكرة المنصرفة وتسقط في الإضافة كما يسقط التنوين فأمّا ثبوتها مع الألف واللام ففيه وجهان :
أحدهما : أنّ الاسم تثبت فيه النون قبل الألف واللام فلمّا دخلا لم يحذفاه لقوّته بحركته بخلاف الإضافة.
والثاني : أنّهما هناك بدل من الحركة وحدها وتعذّر أن يكون بدلا من التنوين ، وكلّ حرف دلّ على شيئين وتعذر دلالته على أحدهما وجب أن يبقى دالا على الآخر وهذا كالفعل ، فإنّه يدّل على حدث وزمان ثمّ إنّ (كان وأخواتها) أفعال خلعت دلالتها على الحدث وبقيت دلالتها على الزمان ، وكذلك العوض عن شئيين إذا تعذر قيامه عن أحدهما بقي عوضا عن الآخر.
أما سقوطها مع الإضافة فمن حيث هي بدل من التنوين ومن الحركة ولم يعكس فتحذف مع الألف واللام وتثبت في الإضافة لوجهين :
أحدهما : أنّ المضاف إليه عوض من التنوين في موضعه ؛ ولهذا كان من تمام المضاف وثبوت التنوين يؤدي إلى الجمع بين العوض والمعوض وإلى قطع الأوّل عن الثاني.
والوجه الثاني : أنّ النون لّما ثبتت مع الألف واللام بدلا من الحركة وحدها أرادوا أن يبيّنوا أنّها بدل من التنوين أيضا فحذفوها مع الإضافة عوضا من حذفها مع الألف واللام.
وأمّا ثبوتها في : (أحمدان) و (أحمران) ففيه وجهان :
أحدهما : ما تقدّم في الألف واللام.
والثاني : أنّ الاسم مستحقّ للتنوين في الأصل (1)، وإنّما سقط لشبهه بالفعل وبالتثنية بّعد من الفعل فعاد إلى حقّه.
1) قال العكبري : فأما من قال هو ما استحق الاعراب في اول وضعه او ما استحق التنوين فكلام ساقط جدا وذلك ان استحقاق الشيء لحكم ينبغي ان يسبق العلم بحقيقته حتى يرتب عليه الحكم الا ترى انه لو قال في لفظة (ضرب) : هذا اسم لأنه يستحق ، الاعراب في أول وضعه لاحتجت ان تبين أنه ليس باسم ولا يعترض في ذلك بالاعراب وعدمه ولو قال قائل : انا اعربه او احكم باستحقاقه الاعراب لقيل له : ما الدليل على ذلك فقال : لانه اسم فيقال له : ما الدليل على انه اسم فان قال بعد ذلك : لانه يستحق الاعراب ادى الى الدور لانه لا يثبت كونه اسما الا باستحقاق الاعراب ولا يستحق الاعراب الا بكونه اسما وهكذا سبيل التنوين وغيره.
وأمّا ثبوتها في : (عصوان) و (فتيان) فلأنّ الحركة ظهرت لمّا عاد الحرف إلى أصله ، وأمّا ثبوتها في : (هذان) ففيه وجهان :
أحدهما : أنّها صيغة وضعت للتثنية لا أنّها تثنية (هذا) على التحقيق ، وقد بيّنا علّته في أوّل الباب وكذلك : (اللذان).
والثاني : أنّ (هذان) و (اللذان) (1)بنيا في الإفراد لشبههما بالحرف وبالتثنية زال ذلك إذ الحرف لا يثنى ، وإذا استحقّا أعربا استقّا الحركة والتنوين.
وذهب قوم إلى أنّ النون فيهما عوض من الحرف المحذوف وهما الألف في : (هذا) والياء في : (الذي).
فإن قيل : حرف المدّ عندكم عوض من الحركة فكيف يعوّض منها النون أيضا؟
ففيه وجهان :
أحدها : أنّ حروف المدّ ليست عوضا من الحركة بل دالّة على الرفع الذي تدّل عليه الحركة ، والنون عوض من لفظ الحركة المستحقّة وبين لفظ الحركة واستحقاقها فرق بيّن ألا ترى أنكّ لو سميت امرأة ب (قدم) لم تصرفها لتحرّك أوسطها ، ولو سمّيتها ب (دار) و (فيل) لصرفت بلا خلاف وإن كانت الحركة مستحقّة لكنّها معدومة لفظا.
والثاني : أنّ حروف المدّ ضعفت نيابتها عن الحركة إذ كانت حروف إعراب وأدلّة على التثنية والجمع ؛ فجبروا ضعف نيابتها عنها بأن جعلوها عوضا من الحركة من وجه وعوضا من التنوين من وجه.
وأما مذهب الفرّاء فيبطل من أوجه :
1) من الأسماء المبنية : أسماء الإشارة التى ليست مثناة ؛ نحو : هذا كريم ، وتلك محسنة. بخلاف : «هذان كريمان ، وهاتان محسنتان». فهما معربان عند التثنية ؛ على الصحيح. وأسماء الموصول غير المثناة ، والأسماء الأخرى التى تحتاج بعدها - وجوبا - إلى جملة أو شبهها ؛ تكمل معناها ، ولا تستغنى عنها بحال. فمثال الموصول : جاء الذى يقول الحق. وسافر الذى عندك ، أو الذى فى ضيافتك.
أحدهما : أنّ الألف تثبت في الرفع خاصّة والعامل يميّز.
والثاني : أنّه لو كان كما قال لم تثبت النون بعد الياء.
والثالث : أنّها تثبت في الجمع ولا لبس هناك.
والرابع : أنّ الألف واللام تمنع من الألف في نصب الواحد وتثبت في التثنية.
فصل : وإنّما كسرت النون في التثنية وفتحت في الجمع لأربعة أوجه :
أحدها : أنّ تحريكها مضطر إليه لئلّا يلتقي ساكنان ، والأصل فيها السكون والتثنية قبل الجمع ، والأصل في حركة التقاء الساكنين الكسر ، فكانت التثنية بها أولى وفتحت في الجمع لتخالف التثنية.
والثاني : أنّ ما قبل حرف المدّ في التثنية مفتوح فجعلوا ما بعده مكسورا تعديلا وعكسوه في الجمع.
والثالث : أنّ التثنية تكون بالألف في الرفع وهي أخفّ من الواو والياء فجعلوا الكسر مع الأخفّ والفتح مع الأثقل.
والرابع : أنّهم لو فتحوا في الموضعين لوقع اللبس في بعض المواضع ، ألا ترى أنّك تقول : مررت بالمصطفين في الجمع بفتح ما قبل الياء وما بعدها ، فلو فعلت ذلك في التثنية لالتبسا.
فصل : وقد شذّ في التثنية شيئان :
أحدهما : جعل المثنّى بالألف في كلّ حال ، وهي لغة قليلة.
والثاني : فتح النون فيها وكسر النون في الجمع وهو قليل أيضا وبابه الشعر.
الجمع الذي هو نظير التثنية يسمّى : (جمع السلامة) و (جمع التصحيح) (1)؛ لأنه صحّ فيه لفظ الواحد بعينه ، وجمعا على حدّ التثنية ، وجمعا على هجائين. وحدّه ما سلم فيه نظم الواحد وبناؤه.
فأمّا : (بنون) فقال عبد القاهر رحمهالله : ليس بسالم لسقوط الهمزة منه ، وقال غيره : هو سالم ، وإنّما سقطت الهمزة إذ كانت زائدة توصّلا إلى النطق بالساكن ، وقد استغني عنها.
وأمّا : (أرضون) فحرّكت راؤها لما نبيّه من بعد.
فإن قلت : ف (صنوان) جمع : (صنو) ، وقد سلم فيه لفظ الواحد ، وليس بجمع صحيح؟
قيل : سلامته أمر اتّفاقي ، وإنّما هو مكسّر على (فعلان) ، والتحقيق : أنّ الكسرة في أوّله وسكون ثانية في الجمع غيرهما في الواحد ؛ لأن هذا الجمع قد يكون واحدة على غير زنة :
(فعل) نحو : غراب وغربان وقضيب وقضبان.
فصل : وإنّما اختصّ هذا الجمع بالأعلام لكثرتها فيمن يعقل واختصّ بالمذكّر منها ؛ لأن مسماه أفضل المسميّات ، وجمع السلامة لمّا صين عن التغيير كان ذلك فضيلة له.
ومطابقه اللفظ للمعنى مستحسنة ، فأمّا صفات من يعقل فجمعت جمع السلامة لوجهين :
أحدهما : أنّها جارية على أفعالها فكما تقول : (يسلمون) تقول : (مسلمون).
والثاني : أنّ هذه الصفات لّما اختصّت بالعقلاء خصّت بأفضل الجموع ، وأمّا قوله تعالى : (رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) [يوسف : 4] فإنّه لمّا وصفها بالسجود الذي هو من صفات من يعقل أجراها مجرى من يعقل ، وكذلك قوله : (قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) [فصلت : 11] ، وإنّما ثنّيّ : (قالَتا) وجمع : (طائِعِينَ) لثلاثة أوجه :
1) وينقسم هذا الجمع إلى جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم ، حكم هذا الجمع أنه يرفع بالواو نيابة عن الضمة ويجر وينصب بالياء المكسور ما قبلها المفتوح ما بعدها نيابة عن الكسرة والفتحة ، تقول جاء الزّيدون والمسلمون ومررت بالزّيدين والمسلمين ورأيت الزّيدين والمسلمين.
أحدها : أنّ السموات والأرض جمع في المعنى فجاء بالحال على ذلك.
والثاني : أنّ المراد : (أتينا ومن فيها طائعين) وغلّب المذكّر.
والثالث : أنّ المراد : (أهل السموات والأرض).
وأمّا : (العشرون) وإلى : (التسعين) (1)
(أحدها) أسماء جموع وهو «أولو» (اسم جمع ل «ذو» بمعنى صاحب) بمعنى أصحاب ، و «عالمون» (اسم جمع سالم ، وهو أصناف الخلق عقلاء أو غيرهم) و «عشرون» وبابه إلى «التّسعين».
(الثاني) جموع تكسير وهي «بنون» و «حرّون» (حرون : جمع حرّة : وهي أرض ذات حجارة سود) و «أرضون» و «سنون» وبابه ، وضابطه : «كلّ ثلاثي حذفت لامه ، وعوّض عنها هاء التّأنيث ولم يكسّر» نحو «عضة» (عضّة : من عضّيته وعضّوته تعضيه ، أي فرقته أو من العضة وهو البهتان) و «عضين» و «عزة (العزة : الفرقة من الناس) وعزين» و «ثبة وثبين» (الثبة : هي الجماعة) قال الله تعالى : (قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) (الآية «113» من سورة المؤمنون). وقال : (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ) (الآية «91» من سورة الحجر). وأصل سنة «سنو» أو «سنة» لقولهم في الجمع «سنوات وسنهات» ، فحذفت لامه وهي الواو أو الهاء ، وعوّض عنها هاء التّأنيث وهي الهاء من «سنة» ولم تكسّر أي ليس لها جمع تكسير فلا تجمع «شجرة وثمرة» لعدم الحذف ولا «زنة وعدة» لأنّ المحذوف منهما الفاء ، وأصلهما «وزن ووعد» ولا «يد ودم» وأصلهما يدي ، ودمي ، لعدم التّعويض من لامهما المحذوفة وخالف ذلك «أبون وأخون» لجمعهما مع عدم التّعوي ، ولا «اسم وأخت وبنت» لأنّ العوض غير الهاء ، وشذّ «بنون» لأنّ المعوّض عنه همزة الوصل ولا «شاة وشفة» لأنّهما كسّرا على «شياه وشفاه».
(الثالث) جموع تصحيح لم تستوف الشروط ك «أهلون» جمع أهل ، وهم العشيرة ، و «وابلون» جمع وابل وهو المطر الغزير ، لأنّ «أهلا ووابلا» ليسا علمين ولا صفتين ولأنّ «وابلا» لغير العاقل.
(الرّابع) ما سمّي به من هذا الجمع : ك «عابدين» ، وما ألحق به ك «عليّين» قال الله تعالى : (إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ) (الآية «19 ، 20» من سورة المطففين).
فيعربان بالحروف إجراء لهما على ما كانا عليه قبل التّسمية بهما ، ويجوز في هذا النّوع أن يجري مجرى «غسلين» في لزوم الياء ، والإعراب بالحركات الثّلاثة ظاهرة منوّنة إن لم يكن أعجميّا ، فتقول : «هذا عابدين وعلّيين» و «رأيت عابدينا وعليّينا» و «نظرت إلى عابدين وعليّين» فإن كان أعجميّا فتقول : «هذا عابدين وعلّيين» و «رأيت عابدينا وعليّينا» و «نظرت إلى عابدين وعليّين» فإن كان أعجميّا امتضنضع التّنوين ، وأعرب إعراب ما لا ينصرف فتقول : «هذه قنسرين» (قنسرين : كورة بالشام منها حلب ، وكانت مدينة عامرة إلى سنة 351) و «سكنت قنّسرين» و «مررت بقنّسرين».
فجمع جمع السلامة لوقوعه على من يعقل وما لا يعقل وغلّب فيه من يعقل ، وليس بجمع (عشر) على التحقيق ؛ لأن العشر من أظماء الإبل وهذا العدد لا يخصّ الأظماء ، وإنّما هو لفظ مرتجل للعدد.1) الملحق بجمع المذكّر السّالم : حمل النّحاة على هذا الجمع أربعة أنواع :
وأمّا : (قلة) و (برة) فجمعت جمع السلامة جبرا لها من الوهن الداخل عليها بحذف لاماتها ، وهذه علّة مجوّزة لا موجبة ، ألا ترى أنّهم لم يقولوا في (دم) : (دمون) وغيّروا بعضها نحو كسر السين من (سنين) تنبيها على أنّ ذلك ليس بأصل فيها.
وأمّا : (أرضون) فجمعوها جمع السلامة جبرا لما دخلها من حذف تاء التأتيث الراجعة في التصغير وفتحوا الراء لوجهين :
أحدهما : التنبيه على مخالفة الأصل.
والثاني : أنّها الفتحة التى تستحقّها في جمعها الأصلي وهو : (أرضات) وهذه العلّة استحسانيّة لا موجبة فعند ذلك لا تنتقض : (بشمس) و (قدر) ونحوهما.
وأمّا : (عليّون) فقيل إنّه جمع : (علّي) وهو الملك ، وقيل : اسم مكان مرتجل كعشرين.
وأمّا : (قنّسرين) و (يبرين) فمن العرب من يجريه مجرى عشرين ، ومنهم من يجعله بالياء في كلّ حال ويجعل النون حرف الإعراب.
وأمّا : (الذين) فصيغة مرتجلة للجمع في كلّ حال ، ومن العرب من يجعلها بالواو في الرفع وبالياء في الجرّ والنصب وهي مرتجلة أيضا مبنيّة.
وقد جاء فى الشعر كسر نون الجمع لالتقاء الساكنين كما جاء فتح نون التثنية.
إنّما زيد في الواحد هنا الحرف دون الحركة لما ذكرناه في التثنية ، وزيد حرفان لأن فيه معنيين التأنيث والجمع ، وهما فرعان فاحتاجا إلى زيادتين ، وليس كذلك التثنية والجمع ؛ لأنه معنى واحد (1)
ومفرد هذا الجمع قد يكون مؤنثا لفظيّا ومعنويّا معا ؛ مثل : سيدة ، وسعدى ولمياء. والجمع ؛ سيدات ، وسعديات ، ولمياوات.
وقد يكون مفرده مؤنثا معنويا فقط ؛ بأن يكون خاليا من علامة التأنيث مع دلالته على مؤنث حقيقى ؛ مثل : هند ، وسعاد. والجمع : هندات ، وسعادات.
وقد يكون مفرده مؤنثا لفظيّا فقط ؛ بأن يكون لفظه مشتملا على علامة تأنيث ، مع أن المراد منه مذكر. مثل : عطية ، اسم رجل ، وجمعه : عطيات ، وشبكة ، اسم رجل ، وجمعه : شبكات ... وقد يكون مفرده مذكرا ؛ كسرادق وسرادقات.
وحكم هذا الجمع : أنه يرفع بالضمة ، وينصب بالكسرة نيابة عن الفتحة ، ويجر بالكسرة ، كما فى الأمثلة السابقة ، وأشباهها. كل هذا بشرط أن تكون الألف والتاء زائدتين معا ؛ فإن كانت الألف زائدة والتاء أصلية ؛ - مثل : بيت وأبيات ، وقوت وأقوات ، وصوت وأصوات ، ووقت وأوقات ... - لم يكن جمع مؤنث سالما ، ولم ينصب بالكسرة ؛ وإنما هو جمع تكسير ، ينصب بالفتحة. وكذلك إن كانت ألفه أصلية والتاء زائدة ، - مثل : سعادة : جمع ساع ، ورماة : جمع رام ، ودعاة : جمع داع ، وأشباهها - ؛ فإنه يدخل فى جموع التكسير التى تنصب بالفتحة.
.فصل : وإنّما اختيرت الألف دون الواو والياء لخفّتها وثقل التأنيث والجمع ووقوع ذلك فيمن يعقل وما لا يعقل واختيرت التاء معها لوجهين :
أحدهما : أنّها تشبه الواو التى هي أخت الالف.
والثاني : أنّها تدلّ على التأنيث وكلا الحرفين دالّ على كلا المعنيين من غير تفريع ، وقال قوم : الألف تدلّ على الجمع والتاء على التأنيث وعكس هذا قوم ، والجمهور على الأوّل وهو أصح لوجهين :
أحدهما : أنّك لو حذفت الألف لم تدلّ التاء على الجمع ولا على التأنيث مقترنا بالجمع ، وكذلك لو حذفت التاء.
1) هو : ما دل على أكثر من اثنين بسبب زيادة معينة فى آخره ، أغنت عن عطف المفردات المتشابهة فى المعنى ، والحروف ، والحركات ، بعضها على بعض. وتلك الزيادة هى «الألف والتاء» فى آخره.
والثاني : أنّ التأنيث والجمع زيادتان ملتبستان متصلتان فكان الدالّ عليهما حرفين ملتبسين من غير تفريع ، ألا ترى أنّ علامة النسب حرفان وهو معنى واحد فكون العلامة هنا حرفين أولى.
فصل : وإنّما حمل المنصوب هنا على المجرور لوجهين :
أحدهما : أنّه جمع تصحيح فحمل النصب فيه على الجرّ كجمع المذكّر ؛ لأن المؤنّث فرع على المذكّر والفروع تحمل على الأصول ، فلو جعل النصب أصلا لكان الفرع أوسع من أصله وهذا استحسان من العرب لا أنّ النصب متعذّر.
والوجه الثاني : أنّ المؤنّث بالتاء في الواحد تقلب تاؤه هاء في الوقف ولا يمكن ذلك في الجمع فكما غيّر في الواحد غيّر في الجمع فحمل النصب على غيره إذ كان تغييرا والتغيير يؤنس بالتغيير.
فصل : وكسرته في النصب إعراب ، وقال الأخفش : بناء ، وهذا ضعيف إذ لا علّة توجب البناء ، ولو صحّ ما قال لكان فتح المجرور فيما لا ينصرف والتثنية والجمع في النصب بناء.
فصل : والتنوين الداخل هذا الجمع ليس تنوين الصرف.
وقال الربعيّ : هو تنوين الصرف ، وما قاله ضعيف بدليل ثبوته فيما لا ينصرف كقوله تعالى : (أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ) [البقرة : 198] وقولهم : (هذه عرفات مباركا فيها) فنصب الحال عنها يدلّ على أنّها معرفة وهي مؤنّثة ، وإنّما هذا التنوين نظير النون في : (مسلمون) إذ كان هذا الجمع فرعا على ذلك الجمع.
وقيل : التنوين هنا عوض ممّا منع هذا الاسم من الفتحة في النصب كما عوّضت النون من الحركة في التثنية والجمع ، ولّما كان المعوّض منه حركة واحدة جعلت هذه النون كتنوين الصرف في أنّها لا تثبت وقفا وخطّا ولا مع الألف واللام.
فصل : وإنّما حذفت التاء الأولى في نحو : (مسلمات) لوجهين :
أحدهما : أن الغرض منها التأنيث ، وقد حصل بتاء الجمع.
والثاني : أنّ تاء التأنيث لم تقع حشوا ؛ ولهذا لم تثبت في النسب فلا يقال : (بصرتيّ) ، وقيل : امتناعها في النسب لئلّا يقال : (بصرتية) فتجمتع علامتان.
وإنما كان حذف الأولى أولى لوجهين :
أحدهما : أنّ التثنية تدلّ على التأنيث والجمع مع الألف ، فلو حذفت لبطلت دلالة الجمع.
والثاني : أنّ الأولى حشو.
فصل : وإنّما لم تحذف ألف التأنيث في الجمع كما حذفت التاء لوجهين :
أحدهما : أنّها لو حذفت لالتبس ذلك الجمع بجمع ليس في واحده علامة أو بما علامته تاء.
والثاني : أنّ الألف لمّا أبدلت حرفا آخر لم تكن جمعا بين علامتين.
فصل : وإنّما قلبت : (ياء) لا واوا لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّها في الواحد تمال إلى الياء.
والثاني : أنّ الياء أشبه بالألف منها بالواو لقربها منها وخفّتها وخفائها.
والثالث : أنّهم قد أثّنوا بالياء نحو : (أنت تقومين) وبالكسرة التي هي أخت الياء نحو : (ضربت وأنت) (1)
وكلمة : «أولات» مضافة دائما ؛ ولهذا ترفع بالضمة من غير تنوين ، وتنصب وتجر بالكسرة من غير تنوين أيضا ؛ ومثلها : «اللّات» (اسم موصول لجمع الإناث) ، عند من يلحقها بجمع المؤنث ، ولا يبنيها على الكسر ، كالإعراب المشهور ، يقول : جاءت اللات تعلمن ، ورأيت اللات تعلمن ، وفرحت باللات تعلمن ؛ فاللات عنده اسم جمع لكلمة : (التى).
ثانيهما : ما سمى به من هذا الجمع وملحقاته ، وصار علما لمذكر أو مؤنث بسبب التسمية ؛ مثل : سعادات ، وزينبات ، وعنايات ، ونعمات ، وأشباهها مما صار علما على رجل أو امرأة. ومثل : عرفات ؛ (اسم مكان بقرب مكة) ، وأذرعات (اسم قرية بالشام). وغير ذلك ، مما لفظه لفظ جمع المؤنث ، ولكن معناه مفرد مذكر أو مؤنث. مثل : سافرت سعادات ، ورأيت سعادات ، واعترفت لسعادات بالفضل. فهذا النوع يعرب بالضمة رفعا ، وبالكسرة نصبا وجرّا ، مع التنوين فى كل الحالات ؛ مراعاة لناحيته اللفظية الشكلية التى جاءت على صورة جمع المؤنث السالم ، مع أن مدلولها مفرد.
وبعض العرب يحذف التنوين ، وبعضهم يعربه بالضمة رفعا من غير تنوين ، وينصبه ويجره بالفتحة من غير تنوين فى الحالتين ، أى : يعربه إعراب ما لا ينصرف مراعاة لمفرده ، بشرط أن يكون هذا المفرد مؤنثا فيقول : هذه عرفات ، زرت عرفات ، ووقفت بعرفات. وإذا أراد الوقوف على آخره وقف بالتاء المفتوحة ، فهذه ثلاثة أراء قد يكون أفضلها الأخير فيحسن الاقتصار عليه فى استعمالنا.
.1) ألحق بهذا الجمع نوعان ، أولهما : كلمات لها معنى جمع المؤنث ولكن لا مفرد لها من لفظها ؛ ، وإنما لها مفرد من معناها ، فهى اسم جمع ، مثل «أولات» ومفردها : «ذات» ، بمعنى صاحبة ، فمعنى كلمة : «أولات» هو : صاحبات. تقول : الأمهات أولات فضل ، عرفت أولات فضل ، احترمت أولات فضل.
فصل : وإنّما قلبت همزة التأنيث (واوا) ؛ لأنها تشبه الألف إذ هي من مخرجها وتخفّف إليها وتصوّر في الخطّ ألفا ، فلو بقيت لتوالى في التقدير ثلاث ألفات ، ولو حذفت لحذفت ألف أخرى لالتقائهما.
فصل : وإنّما قلبت : (واوا) لا ياء لثلاثة أوجه :
أحدهما : أنّ الهمزة تشبه الواو في النقل ومقابلتها في مخرجها ؛ ولهذا أبدلت منها في : (وقّتت) و (وجوه) فأبدلت الواو منها تعويضا.
والثاني : أنّها لو ابدلت ياء - والياء أشبه بالألف - لم يحصل الغرض من إبدالها ؛ لأن الياء كالألف.
والثالث : أنّهم فرّقوا بذلك بين جمع المقصور والممدود (1).
فصل : ولم تجمع الصفات بالألف والتاء نحو : (حمراء) و (صفراء) ؛ لأن هذا الجمع فرع على جمع المذكّر ، ولمّا لم يقولوا : (أحمرون) ، (أصفرون) في المذكّر لم يقولوا : (حمراوات).
والعلّة في ذلك : أنّ الصفة مشتقة من الفعل ففيها ضرب من الثقل ؛ ولهذا كانت إحدى علل منع الصرف والجمع والتأنيث ثقيلان فتزداد ثقلا ، فأمّا قوله عليه الصلاة والسلام : «ليس في الخضراوات زكاة» (2)فإنّه جعل كالاسم إذ كان صفة غالبة لا يذكر معها الموصوف : (كالأبطح) و (الأبرق).
1) قال ابن عقيل في شرحه على الألفية : الممدود إما أن تكون همزته بدلا من ألف التأنيث أو للإلحاق أو بدلا من أصل أو أصلا فإن كانت بدلا من ألف التأنيث فالمشهور قلبها واوا فنقول في صحراء وحمراء صحراوان وحمراوان ، وإن كانت للإلحاق كعلباء أو بدلا من أصل نحو كساء وحياء جاز فيها وجهان أحدهما قلبها واوا فتقول علباوان وكساوان وحياوان والثاني إبقاء الهمزة من غير تغيير فتقول علباءان وكساءان وحياءان والقلب في الملحقة أولى من إبقاء الهمزة وإبقاء الهمزة المبدلة من أصل أولى من قلبها واوا ، وإن كانت الهمزة الممدودة أصلا وجب إبقاؤها فتقول في قراء ووضاء قراءان ووضاءان ، وأشار بقوله وما شذ على نقل قصر إلى أن ما جاء من تثنية المقصور أو الممدود على خلاف ما ذكر اقتصر فيه على السماع كقولهم في الخوزلي الخوزلان والقياس الخوزليان وقولهم في حمراء حمرايان والقياس حمراوان.
2) أخرجه الترمذي من حديث معاذ بن جبل (638) ، وأخرجه الدار قطني في سننه (1900).
فصل : إذا سمّيت مذكّرا بمؤنّث بالتاء نحو : (طلحة) جمعته بالألف والتاء ولا يجوز بالواو والنون ، وقال الكوفيّون : تسكن عينه وتحذف تاؤه ويجمع بالواو والنون فيقال في (طلحة) : (طلحون) (1). وقال ابن كيسان كذلك إلا أنّه فتح العين.
والدليل على فساد مذهبهم : أنّ العرب جمعته بالألف والتاء فقالوا : طلحة الطّلحات ؛ لأن هذا الاسم مؤنث بالتاء وهي من خصائص التأنيث ، والواو من خصائص المذكّر فلم يجمع بينهما.
فأمّا المؤنّث بالألف والهمزة فيجمع بالواو والنون إذا سمّي به فيقال : (سكراوون) و (حمراوون) ؛ لأن الألف صيغت مع الكلمة من أوّل أمرها وثبتت في التكسير نحو : (سكارى) وقلبت في الجمع نحو : (سعديات) فصارت كالحرف الأصليّ (2).
وأمّا التاء ففي حكم المنفصل ؛ ولهذا قالوا : تحذف في هذا الجمع.
فإن قيل : المسمّى مذكّر وعلامة التأنيث تحذف ههنا فلم يبق مانع من هذا الجمع؟
قيل : العبرة في هذا الجمع باللفظ وهو مؤنث والتاء وإن حذفت فهي مقدّرة ، ألا ترى أنّك لو سميت مؤنثا بمذكر لجاز ولم يستحل المعنى ، وكذا لو سمّيت مذكّرا بمؤنّث جاز ولم تقل هذا جمع بين الضدّين ، فعلم أنّ تذكير المعنى لا يمنع من تأنيث اللفظ ، وأمّا تحريك العين فضعيف جدّا ؛ لأن ذلك من خصائص الجمع بالألف والتاء.
1) يشترط في الجامد أن يكون علما لمذكر عاقل خاليا من تاء التأنيث ومن التركيب فإن لم يكن علما لم يجمع بالواو والنون فلا يقال في رجل رجلون نعم إذا صغر جاز ذلك نحو رجيل ورجيلون لأنه وصف وإن كان علما لغير مذكر لم يجمع بهما فلا يقال في زينب زينبون وكذا إن كان علما لمذكر غير عاقل فلا يقال في لاحق اسم فرس لاحقون وإن كان فيه تاء التأنيث فكذلك لا يجمع بهما فلا يقال في طلحة طلحون وأجاز ذلك الكوفيون وكذلك إذا كان مركبا فلا يقال في سيبويه سيبويهون وأجازه بعضهم.
2) يسلم في هذا الجمع ما سلم في التّثنية (انظر المثنى). فتقول : في جمع «هند» «هندات» كما تقول : «هندان» إلا ما ختم «بتاء التأنيث» فإنّ تاءه تحذف في الجمع المؤنث لا في التّثنية سواء أكانت زائدة ك «مسلمة» أم بدلا من أصل ك «أخت» و «بنت» و «عدة» تقول في جمعها : «مسلمات» و «أخوات» و «بنات» و «عدات» وجمع المقصور والممدود يتغيّر فيه هنا ما تغيّر في التثنية تقول في جمع «سعدى» : «سعديات» بالياء وفي جمع «صحراء» : «صحراوات» بالواو.
إنّما بدئ بالأسماء لوجهين :
أحدهما : أنّها أصول الأفعال.
والثاني : أنّ إعرابها أصل لإعراب الأفعال.
وإنّما بدئ بالمرفوع (1)؛ لأن الجملة المفيدة تتمّ بالمرفوع ولا منصوب معه ولا مجرور ولا تجد منصوبا ولا مجرورا إلا ومعه مرفوع لفظا أو تقديرا.
فصل : وإنّما بدأ من بدأ بالمبتدأ قبل الفاعل لوجهين :
أحدهما : أنّه اسم تصدّر الجملة به والفاعل يتأخر عن الصدر.
والثاني : أنّ المبتدأ لا يبطل كونه مبتدأ بتأخيره ، والفاعل إذا تقدّم على الفعل صار مبتدأ لا غير.
فصل : والمبتدأ هو الاسم المجرّد من العوامل اللفظية لفظا وتقديرا المسند إليه خبر أو ما يسدّ مسدّه وفيه احتراز من قولك : أنّ زيد خرج خرجت ، فإنّ (زيدا) مجرّد من العوامل لفظا لا تقديرا إذ التقدير : إن خرج زيد فهو فاعل (2)
ويشترك النوعان في أمرين ؛ أحدهما : أنهما مجرّدان عن العوامل اللفظية ، والثاني : أن لهما عاملا معنويا وهو الابتداء ونعني به كونهما على هذه الصورة من التجرد للإسناد.
ويفترقان في أمرين ؛ أحدهما : أن المبتدأ الذي له خبر يكون اسما صريحا نحو (الله ربّنا) و (محمّد نبيّنا) ومؤوّلا بالاسم نحو (وأن تصوموا خير لكم) أي وصيامكم خير لكم ومثله قولهم : تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه ولذلك قلت المجرد ولم أقل الاسم المجرد ولا يكون المبتدأ المستغني عن الخبر في تأويل الاسم البتة بل ولا كل اسم بل يكون اسما هو صفة نحو أقائم الزّيدان وما مضروب العمران.
والثاني : أن المبتدأ الذي له خبر لا يحتاج الى شيء يعتمد عليه والمبتدأ المستغني عن الخبر لا بد أن يعتمد على نفي أو استفهام كما مثّلنا.
.1) قال ابن هشام في شرح الشذور : وبدأت منها بالمرفوعات لأنها أركان الإسناد ، والضمير في قولي وهو للفاعل وقولي ما قدّم الفعل أو شبهه عليه مخرج لنحو زيد قام وزيد قائم فإنّ زيدا فيهما أسند إليه الفعل وشبهه ولكنهما لم يقدّما عليه ولا بد من هذا القيد لأن به يتميز الفاعل من المبتدأ وقولي اسند اليه مخرج لنحو زيدا في قولك ضربت زيدا وانا ضارب زيدا فإنه يصدق عليه فيهما أنه قدّم عليه فعل أو شبهه ولكنهما لم يسندا إليه وقولي على جهة قيامه به او وقوعه منه مخرج لمفعول ما لم يسمّ فاعله نحو ضرب زيد وعمرو مضروب غلامه فزيد والغلام وان صدق عليهما انهما قدم عليهما فعل وشبهه واسندا إليهما لكن هذا الإسناد على جهة الوقوع عليهما لا على جهة القيام به.
2) المبتدأ وهو نوعان مبتدأ له خبر وهو الغالب ومبتدأ ليس له خبر لكن له مرفوع يغني عن الخبر.
وإنّما وجب أن يكون اسما ؛ لأنه مخبر عنه ولا يصحّ الإخبار عن غير الاسم ، وأمّا قولهم : (تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه) فتقديره : (أن تسمع) فلم يخبر عن الفعل إذن ، وإنّما شرط فيه التجرّد من العامل اللفظيّ ؛ لأن العامل اللفظيّ إذا تقدّم عليه عمل فيه ينسب إليه أكان فاعلا أو ما أشبهه.
وأما قولهم : (بحسبك قول السوء) فالباء زائدة ، وقد علمت في لفظ الاسم والموضع مرفوع وشرط فيه الإسناد لتحصل الفائدة.
وقد قال النحويّون : المبتدأ معتمد البيان ، والخبر معتمد الفائدة ، ومن ههنا شرط في المبتدأ أن يكون معرفة أو قريبا منها ليفيد الإخبار عنه إذ الخبر عمّا لا يعرف غير مفيد ، وقد جاءت نكرات أفاد الإخبار عنها وسنراها إن شاء الله تعالى.
فصل : واختلفوا في العامل في المبتدأ على خمسة أقوال :
أحدها : أنّه الابتداء وهو كون الاسم أوّلا مقتضيا ثانيا ، وهذا هو القول المحقّق وإليه ذهب جمهور البصريين (1)
والعامل في الخبر لفظي وهو المبتدأ وهذا هو مذهب سيبويه رحمهالله ، وذهب قوم إلى أن العامل في المبتدأ والخبر الابتداء فالعامل فيهما معنوي ، وقيل المبتدأ مرفوع بالابتداء والخبر مرفوع بالابتداء والمبتدإ ، وقيل ترافعا ومعناه أن الخبر رفع المبتدأ وأن المبتدأ رفع الخبر ، وأعدل هذه المذاهب مذهب سيبويه وهو الأول وهذا الخلاف مما لا طائل فيه.
.والقول الثاني : أنّ العامل فيه تجرّده عن العوامل اللفظيّة وإسناد الخبر إليه روي عن المبرّد وغيره.
والثالث : أنّ العامل فيه ما في النفس من معنى الإخبار روي عن الزجّاج.
1) قال ابن عقيل في شرحه على الألفية : مذهب سيبويه وجمهور البصريين أن المبتدأ مرفوع بالابتداء وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ ، فالعامل في المبتدأ معنوي وهو كون الاسم مجردا عن العوامل اللفظية غير الزائدة وما أشبهها واحترز بغير الزائدة من مثل بحسبك درهم فبحسبك مبتدأ وهو مجرد عن العوامل اللفظية غير الزائدة ولم يتجرد عن الزائدة فإن الباء الداخلة عليه زائدة واحترز بشبهها من مثل رب رجل قائم فرجل مبتدأ وقائم خبره ويدل على ذلك رفع المعطوف عليه نحو رب رجل قائم وامرأة.
والرابع : أنّ العامل فيه الخبر.
والخامس : أنّ العامل فيه العائد من الخبر.
والقولان الأخيران مذهب الكوفيّين ، والدليل على أنّ العامل فيه أوّليتّه واقتضاؤه ثانيا من وجهين :
أحدهما : أنّ هذه الصفة مختّصة بالاسم والمختصّ من الألفاظ عامل فكذلك من المعاني.
والثاني : أنّ المبتدأ معمول ولا بدّ له من عامل ، ولا يجوز أن يعمل في نفسه لامتناع كون المعمول عاملا في نفسه كما يمتنع أن يكون الشيء علّة لنفسه ، ولا يجوز أن يكون تعرّية من العوامل اللفظيّة عاملا ؛ لأن ذلك عدم العامل وعدم العامل لا يكون عاملا.
فإن قيل : العدم يكون أمارة لا علّة؟
قيل : الأمارة يستدلّ بها على أنّ ثمّ عاملا غيرها ، وقد اتّفقوا على أنّه لا عامل يستدلّ عليه بالعدم.
فإن قيل : التعرّي من العوامل ليس هو العامل بل صلاحية الاسم للعوامل اللفظيّة هو العامل؟
قيل : هذا يرجع إلى المذهب الأوّل ولا يجوز أن يكون إسناد الخبر عاملا ؛ لأن الإسناد يكون بعد المبتدأ ومن شرط العامل أن يتقدّم على المعمول لفظا أو تقديرا.
ولا يجوز أن يكون العامل ما في النفس من معنى الخبر لوجهين :
أحدهما : أنّ تصوّر معنى الابتداء سابق على تصوّر معنى الخبر والسابق أولى أن يكون عاملا.
والثاني : أنّ رتبه الخبر بعد المبتدأ ورتبة العامل قبل المعمول فيتنافيان.
والثالث : أنّ الخبر قد يكون فعلا ، فلو عمل في المبتدأ لكان فاعلا.
والرابع : أنّ الخبر يكون من الموصول والصلة ، فلو عمل لعملت الصلة فيما قبلها.
والخامس : أنّ الخبر كالصفة وكما لا تعمل الصفة في الموصوف كذلك الخبر.
والسادس : أنّ (إنّ) و (كان) إذا دخلا على المبتدأ أزالا الرفع والخبر لفظيّ ، والعامل اللفظيّ لا يبطل العامل اللفظيّ ، ولا يجوز أنّ يكون الضمير العائد عاملا لوجهين :
أحدهما : أنّ المضمر فرع المظهر ؛ فإذا لم يعمل الأصل فالفرع أولى.
والثاني : أنّ الضمير قد يكون في الصلة ، فلو عمل لعمل فيما قبل الموصول ، وإذا بطلت هذه الأقوال تعيّن القول الأوّل.
فصل : وأمّا عامل الخبر (1)ففيه خمسة أقوال :
1 - أحدهما : الابتداء وهو قول ابن السراج ؛ لأنه عمل في المبتدأ فعمل في الخبر ك (كان) و (ظننت) و (إنّ).
2 - والقول الثاني : أنّ المبتدأ هو العامل في الخبر وهو قول أبي عليّ ، وهذا ضعيف لوجهين :
أ - أحدهما : أنّ المبتدأ كالخبر في الجمود والجامد لا يعمل.
ب - والثاني : أنّ المبتدأ لو عمل في الخبر لم يبطل بدخول العامل اللفظيّ ؛ لأنه لفظي أيضا ومن مذهبه أنّ العامل اللفظيّ لا يعمل في المبتدأ والخبر.
3 - والقول الثالث : أنّ الابتداء والمبتدأ جميعا يعملان في الخبر ، وقد بيّنا أنّ المبتدأ لا يصلح للعمل فلا يصلح له مع غيره وأمّا العامل في الشرط والجزاء فسنبينّه في موضعه.
4 - والقول الرابع : أنّ العامل في الخبر التعرّي من العوامل ، وقد أفسدناه.
5 - والقول الخامس : أنّ العامل هو المبتدأ وهو قولّ الفرّاء وسمّوهما المترافعين وشبّهوهما بأسماء الشرط ، وإنّما تعمل في الفعل ويعمل الفعل فيها ، وهذا قول ضعيف لما بيّنا أن المبتدأ لا يصلح للعمل وتشبيهه بأسماء الشرط (2)لا يصحّ لخمسة أوجه :
1) بحث النحاة - كعادتهم - عن العامل الذى يوجد الضمة في كل منهما. ولما لم يجدوا قبل المبتدأ عاملا لفظيّا يوجدها ، قالوا إن العامل معنوى ؛ هو ؛ وجود المبتدأ فى أول الجملة ؛ لا يسبقه لفظ آخر ؛ وسموا هذا العامل المعنوى : الابتداء. فالمبتدأ عندهم مرفوع بالابتداء. أما الخبر فعامل الرفع فيه هو : المبتدأ ؛ أى : أن الخبر مرفوع بالمبتدأ. هذا رأى من عدة آراء لا أثر لها فى ضبط كل منهما ، ولا فى وضوح معناهما ، ومعنى الكلام. فالخير في إهمالها ، وتناسيها ، والاقتصار على معرفة أن المبتدأ مرفوع ، والخبر مرفوع كذلك.
2) خلاصة إعراب أسماء الشرط أن الأداة إن وقعت بعد حرف جر بعد حرف جر أو مضاف فهي في محل جر نحو : «عما تسأل أسأل» و «خادم من تكلم أكلم» - وإن وقعت على زمان أو مكان ، فهي في محل نصب على الظرفية لفعل الشرط إن كان تاما ، وإن كان ناقصا فلخبره - وإن وقعت على حدث فهي مفعول مطلق لفعل الشرط نحو «أي عمل تعمل أعمل». أو على ذات ، فإن كان فعل الشرط لازما ، أو متعديا واستوفى معموله ، فهي مبتدأ خبره على الأصح جملة الجواب نحو «من ينهض إلى العلم يسم» و «من يفعل الخير لا يعدم جوازيه».
أحدها : أنّهم بنوه على أنّ الخبر عامل في المبتدأ ، وقد أفسدناه.
والثاني : أنّ اسم الشرط لا يعمل بل العامل حرف الشرط مضمرا ولا يجوز إظهاره كما لا يجوز إظهار : (أن) مع (حتى).
والثالث : أنّ عمل اسم الشرط بالنيابة عن الحرف وعمله في الفعل ضعيف هو الجزم بخلاف المبتدأ والخبر.
والرابع : أن عمل اسم الشرط في الفعل من حيث ناب عن الحرف وعمل الفعل فيه من حيث هو اسم ، والأسماء معمولة الأفعال فجهة العمل مختلفة بخلاف المبتدأ والخبر.
والخامس : أنّ عمل أحدهما في الآخر مخالف لعمل الآخر فيه والعمل في مسألتنا واحد فهو كالآخذ ما يعطي ، وذلك كالعبث هذا تعليل جماعة من النحويّين وفيه نظر.
والصحيح : أن يقال العمل تأثير والمؤثر أقوى من المؤثّر فيه فيفضي مذهبهم إلى أن يكون الشيء قويّا ضعيفا من وجه واحد إذ كان مؤثرا فيما أثّر فيه.
فصل : وإنّما عمل الابتداء الرفع لوجهين :
أحدهما : أنّه قوي بأوّليته والرفع أقوى الحركات فكان ملائما له.
والثاني : أنّ المبتدأ يشبه الفاعل في أنّه لا يكون إلا اسما مخبرا عنه سابقا في الوجود على الخبر.
فصل : وإنّما كان المبتدأ معرفة في الأمر العامّ ؛ لأن الفائدة لا تحصل بالإخبار عمّا لا يعرف.
فأمّا إذا وصفت النكرة فالإخبار عنها مفيد لتخصّصها وأمّا قولهم : (سلام عليكم) (1)فالاسم واقع موقع الفعل أي : (سلّم الله عليكم) ، وأمّا إذا تقدّم الخبر وكان ظرفا فلتخصّص المبتدأ بالظرف المخصوص.
وأمّا قولهم : (ما أحد في الدار) فجاز لما في أحد من معنى الاستغراق.
1) هذا النوع يسمى : المبتدأ الذى للدعاء ؛ نحو : سلام عليكم ، وويل للأعداء.
وأمّا قولهم : (شرّ أهر ذا ناب ، ومأرب دعاك إلينا لا حفاوة) ففي معنى النفي ، أي : ما أهرّ ذا ناب إلا شرّ (1).
وأمّا قولهم : (أقائم زيد) فجائز لاعتماد النكرة على الاستفهام ونيابتها عن الفعل.
وأما : (ما) في التعجّب فلما فيها من الإبهام والعموم.
فصل : الاسم الواقع بعد : (لو لا) التي يمتنع بها الشيء لوجود غيره مبتدأ.
وقال الكوفيّون : هو فاعل فعل محذوف ، ومنهم من يرفعه بنفس (لو لا) ، وقالوا : (لا) فيه بمعنى (لم) ، والدليل على أنّه مبتدأ من وجهين :
أحدهمّا : أنّ (لو لا) هذه تقتضي اسمين (2)
وجاز الوجهان إن وجد الدّليل نحو : «لو لا أنصار زيد حموه ما سلم» ويجوز «لو لا أنصار زيد ما سلم» فجملة «حموه» خبر المبتدأ ويجوز حذف الخبر في المثال الثاني وهو : «لو لا أنصار زيد ما سلم».
، الثاني منهما خبر بدليل جواز ظهوره في اللفظ وإن لم يستعمل ، ولو كانت (لو لا) عاملة أو العامل مقدّرا بعدها لم يصحّ ذلك.والثاني : أنّ (لو لا) لا تختصّ بالأسماء بل تدخل عليها وعلى الأفعال.
1) الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة وقد يكون نكرة لكن بشرط أن تفيد وتحصل الفائدة بأحد أمور منها : أن تكون في معنى المحصور نحو شر أهر ذا ناب وشيء جاء بك التقدير ما أهر ذا ناب إلا شر وما جاء بك إلا شيء على أحد القولين والقول الثاني أن التقدير شر عظيم أهر ذا ناب وشيء عظيم جاء بك فيكون داخلا في قسم ما جاز الابتداء به لكونه موصوفا لأن الوصف أعم من أن يكون ظاهرا أو مقدرا وهو ها هنا مقدر.
2) هذه الحالة هي : أن يكون الخبر كونا مطلقا (وإيضاح الكون المطلق أن يقال : إن كان امتناع الجواب لمجرّد وجود المبتدأ كون مطلق ويقابله الكون المقيد ، كما إذا قيل : «هل زيد محسن إليك» فتقول «لو لا زيد لهلكت» تريد : لو لا إحسان زيد إليّ لهلكت ، فإحسان زيد مانع لهلاكي ، فالخبر كون مقيد بالإحسان والأصل في معنى «لو لا» أنها حرف امتناع لوجود ، وهو الوجود المطلق). و «المبتدأ بعد لو لا» نحو «لو لا العلماء لهلك العوام» فالهلاك ممتنع لوجود العلماء ، فالعلماء مبتدأ وخبره محذوف وجوبا ، التّقدير : لو لا العلماء موجودون لهلك العوام ، وإن كان الخبر كونا مقيّدا وجب ذكره إن فقد دليله كقوله : «لو لا زيد سالمنا ما سلم» (ف «زيد» مبتدأ وجملة «سالمنا» خبره ، وإنما ذكر الخبر هنا ، لأن وجود زيد مقيد بالمسالمة ولا دليل - إن حذف الخبر - على خصوصيتهما) وفي الحديث : (لو لا قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم) (لفظ الحديث كما روي في صحيح مسلم (لو لا أن قومك حديثو عهد بجاهلية أو قال بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ، ولجعلت بابها بالأرض ولأدخلت فيها من الحجر) ورواية الترمذي (لو لا أن قومك حديثو الحديث) وفي رواية مسلم : (لو لا حدثان قومك بالكفر لفعلت).
بدليل قول الهذلي (1): [الطويل]
ألا زعمت أسماء أن لا أحبّها
فقلت بلى لو لا ينازعني شغلي
وقال جرير (2)
أشعر أهل عصره ، ولد ومات في اليمامة ، وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم فلم يثبت أمامه غير الفردق والأخطل. كان عفيفا ، وهو من أغزل الناس شعرا.
: [البسيط]أنت المبارك والميمون سيرته
لو لا تقوّم درء الناس لاختلفوا
وقال آخر : [البسيط]
قالت أميمة لمّا جئت زائرها
هلّا رميت ببعض الأسهم السود
لا درّ. درّك إنّي قد رميتهم
لو لا حددت ولا عذرى لمحدود
فإن قيل : لو كان ما بعدها مبتدأ لم تقع موقعه (أنّ) المفتوحة ، وقد وقعت كقوله تعالى : (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) [الصافات : 143] ووقوع المفرد بعدها دليل على ارتفاعه بفعل محذوف أو بها؟
قيل : جوابه من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ (أنّ) المفتوحة تكون في موضع المبتدأ في كلّ موضع لا يصحّ فيه دخول (إنّ) المكسورة عليها لئلّا يتوالى حرفان بمعنى واحد ، وقد أمن هذا في (لو لا).
والثاني : أنّ خبر المبتدأ ههنا لمّا لم يظهر بحال صار الكلام كالمفرد.
والثالث : أنّ الكلام لا يصحّ إلا بشيئين ؛ أحدهما : جعل (لا) بمعنى (لم) ، والثاني : تقدير فعل رافع. والأوّل باطل لوجهين ؛ أحدهما : أنّ وضع (لا) موضع (لم) لا يصحّ ؛ لأن (لم) تختصّ بالأفعال المستقبلة لفظا و (لا) تختصّ. والثاني : أنّ (لو لا) هنا تختصّ بالأسماء أو تكثر فيها و (لم) لا يقع بعدها الأسماء ، وأمّا تقدير الفعل فلا يصحّ لوجهين ؛ أحدهما : أنّ الفعل لا
1) البيت من شعر أبي ذؤيب الهذلي ت 27 ه ، 648 م ، وهو خويلد بن خالد بن محرث أبو ذؤيب من بني هذيل بن مدركة المضري ، شاعر فحل ، مخضرم ، أدرك الجاهلية والإسلام ، وسكن المدينة واشترك في الغزو والفتوح.
2) جرير : (28 - 110 ه / 648 - 728 م) وهو جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي ، أبو حزرة ، من تميم.
يحذف عن الفاعل إلا إذا كان هناك فعل يفسّر المحذوف ، وليس ذلك ههنا. والثاني : أنّه لو كان الأمر على ما قالوا لصحّ العطف عليه بإعادة (لا) كقولك : لو لا زيد ولا عمرو ، كقولك : لو يقم زيد ولا عمرو.
فصل : وإذا اعتمد اسم الفاعل على الاستفهام أو حرف النفي أو كان صفة أو صلة أو حالا أو خبرا أو مبتدأ بعد مبتدأ جاز رفعه بالابتداء وكان ما بعده فاعلا (1)
وولى استفهاما أو حرف ندا
أو نفيا أو جاصفة أو مسندا
أشار بهذا البيت إلى أن اسم الفاعل لا يعمل إلا إذا اعتمد على شيء قبله كأن يقع بعد الاستفهام نحو أضارب زيد عمرا أو حرف النداء نحو يا طالعا جبلا أو النفي نحو ما ضارب زيد عمرا أو يقع نعتا نحو مررت برجل ضارب زيدا أو حالا نحو جاء زيد راكبا فرسا ويشمل هذين النوعين قوله أو جاصفة وقوله أو مسندا معناه أنه يعمل إذا وقع خبرا وهذا يشمل خبر المبتدأ نحو زيد ضارب عمرا وخبر ناسخه أو مفعوله نحو كان زيد ضاربا عمرا وإن زيدا ضارب عمرا وظننت زيدا ضاربا عمرا وخبر ناسخه أو مفعوله نحو كان زيد ضاربا عمرا وإن زيدا ضارب عمرا وظننت زيدا ضاربا عمرا وأعلمت زيدا عمرا ضاربا بكرا.
وقد يكون نعت محذوف عرف
فيستحق العمل الذي وصف
قد يعتمد اسم الفاعل على موصوف مقدر فيعمل عمل فعله كما لو اعتمد على مذكور ، إذا وقع اسم الفاعل صلة للألف واللام عمل ماضيا ومستقبلا وحالا لوقوعه حينئذ موقع الفعل إذ حق الصلة أن تكون جملة فتقول هذا الضارب زيدا الآن أو غدا أو أمس هذا هو المشهور من قول النحويين.
؛ لأن هذه الأشياء تقوّي شبهه بالفعل وارتفع بالابتداء ؛ لأن شروط الابتداء موجودة فيه ولا يحتاج إلى خبر ؛ لأنه ناب الفعل الذي هو خبر.فإن لم يعتمد على شيء كان خبرا مقدّما فيه ضمير ويثنّى ويجمع عند سيبويه ، وقال الأخفش : يكون مبتدأ كما لو اعتمد ويعمل فيما بعده وهذا ضعيف ؛ لأن اسم الفاعل فرع في العمل على الفعل فلم يعمل إلا بما يقوّيه.
1) قال ابن عقيل في شرحه على الألفية : لا يخلو اسم الفاعل من أن يكون معرفا بأل أو مجردا ، فإن كان مجردا عمل عمل فعله من الرفع والنصب إن كان مستقبلا أو حالا نحو هذا ضارب زيدا الآن أو غدا ، وإنما عمل لجريانه على الفعل الذي هو بمعناه وهو المضارع ومعنى جريانه عليه أنه موافق له في الحركات والسكنات لموافقة ضارب ل يضرب فهو مشبه للفعل الذي هو بمعناه لفظا ومعنى ، وإن كان بمعنى الماضي لم يعمل لعدم جريانه على الفعل الذي هو بمعناه فهو مشبه له معنى لا لفظا فلا تقول هذا ضارب زيدا أمس بل يجب إضافته فتقول هذا ضارب زيد أمس وأجاز الكسائي إعماله وجعل منه قوله تعالى : (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) ف (ذراعيه) منصوب ب (باسط) وهو ماض وخرجه غيره على أنه حكاية حال ماضية
فصل : وحقيقة الخبر ما صحّ أن يقال في جوابه صدق أو كذب ، فأمّا الأمر والنهي فضعيف جعلهما خبرا للمبتدأ ؛ لأنّهما ضدّ الخبر في المعنى وما جاء منه فهو متأوّل تقديره زيد أقول أضربه ، وحذف القول كثير أو يكون التقدير زيد واجب عليك ضربه ثم قام الأمر مقام هذا القول كقوله تعالى : (قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا) [مريم : 75] أي : فليمدّنّ له.
فصل : والخبر المفرد هو المبتدأ في المعنى إذ لو لا ذلك لم يكن بينهما علقة تربط أحدهما بالآخر ؛ ولهذا جاز أن يخلوا من ضمير يعود على المبتدأ كقولك : زيد غلامك ، وإنّما وجب أن يكون في الخبر المفرد المشتقّ ضميرّ ؛ لأنه يعمل عمل الفعل كقولك : زيد ضارب أبوه عمرا ، وإذا لم يكن ظاهرا كان مضمرا ؛ ولهذا قالوا : مررت بقاع عرفج كلّه خشن ، أي : كلّه. ومررت بقوم عرب أجمعون ، أي : تعرّبوا كلّهم أجمعون.
فصل : فإن لم يكن الخبر المفرد مشتقّا لم يكن فيه ضمير ، وقال الرّماني والكوفيون : فيه ضمير. وما قالوا فاسد لثلاثة أوجه (1):
أحدها : أنّ قولك : (هذا زيد) مبتدأ وخبر ، فزيد لا يصحّ تحمّله الضمير كما لا يعمل في الظاهر.
والثاني : أنّه لا يقع صفة فلم يكن فيه ضمير.
والثالث : أنّه قد يخالف المبتدأ في العدد كقولك : (زيد العمران أخواه) والضمير أبدا يكون على وفق المظهر ، وليس كذلك اسم الفاعل لما تقدّم.
ولا يقال قولك : زيد أخوك في معنى مناسبك ؛ لأنه لو كان كذلك لعمل في الاسم الظاهر ولوقع وصفا ، وإنّما هذا في المعنى صحيح ، والضمير يعتمد الفعل أو ما كان مشتقا منه ، ألا ترى أنّ قولك : مروري بزيد حسن وهو بعمرو قبيح ، وضربي زيدا حسن وهو عمرا قبيح ،
1) قال الأشموني في شرحه على الألفية : الخبر (المفرد الجامد) منه (فارغ) من ضمير المبتدأ خلافا للكوفيين (وإن يشتقّ) المفرد بمعنى يصاغ من المصدر ليدل على متصف به كما صرح به في شرح التسهيل (فهو ذو ضمير مستكن) فيه يرجع إلى المبتدأ والمشتق بالمعنى المذكور هو اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل. وأما أسماء الآلة والزمان والمكان فليست مشتقة بالمعنى المذكور فهي من الجوامد وهو اصطلاح.
جائز أن تعمل المصدر ولا تعمل ضميره ؛ لأن ضمير المصدر ليس فيه ضمير لفظ الفعل وإن كان معناهما واحدا.
فصل : اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو لزم إبراز ضمير فاعله كقولك : زيد عمرو ضاربه هو وقال الكوفيّون لا يلزم.
والدليل على لزومه من وجهين :
أحدهما : أنّ إبرازه يزيل اللبس في كثير من المواضع كهذه المسألة فيجب أن يلزم في الجميع ليطّرد الباب كما في باب : (يعد) بل هذا ألزم.
والثاني : أن اسم الفاعل فرع على الفعل في تحمّل الضمير ؛ ولهذا لا يجعل اسم الفاعل مع ضميره جملة بخلاف الفعل ولا يبرز ضمير التثنية والجمع في اسم الفاعل كما يبرز في الفعل وهذا مقتصر على الفعل ؛ فإذا انضمّ إلى ذلك جريانه على غير من هو له وجب إبراز الضمير ليظهر أثر قصوره وفرعيّته ، وليس كذلك الفعل فإنّ الضمير المتّصل لفظا قد يفصل ويزيل اللبس كقولك : (زيد أنا ضربت) ولا يظهر ذلك في اسم الفاعل كقولك : (زيد أنا ضارب) وإن جاء شيء من هذا لم يبرز فيه الضمير في الشعر فضرورة أو يكون هناك حذف جارّ ومجرور.
فصل : والجملة (1)هي الكلام الذي تحصل منه فائدة تامّة ، واشتقاقها من أجملت الشيء إذا جمعته ، وكلّ محتمل للتفصيل جملة والمبتدأ والخبر والفعل والفاعل بهذه الصفة إلا أنّه قد يعرض في الجملة يحوجها إلى ما قبلها ، وإنّما أخبرنا بالجملة مكان المفرد لثلاثة أشياء :
أحدها : الحاجة إلى توسيع العبارة في النظم والنثر.
1) ينقسم الخبر إلى مفرد وجملة ، فأما الجملة فإما أن تكون هي المبتدأ في المعنى أو لا ، فإن لم تكن هي المبتدأ في المعنى فلا بد فيها من رابط يربطها بالمبتدأ وهذا معنى قوله حاوية معنى الذي سيقت له والرابط إما ضمير يرجع إلى المبتدأ نحو زيد قام أبوه وقد يكون الضمير مقدرا نحو السمن منوان بدرهم التقدير منوان منه بدرهم أو إشارة إلى المبتدأ ، كقوله تعالى : (وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ) في قراءة من رفع اللباس أو تكرار المبتدأ بلفظه وأكثر ما يكون في مواضع التفخيم كقوله تعالى : (الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ) و (الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ) وقد يستعمل في غيرها كقولك زيد ما زيد أو عموم يدخل تحته المبتدأ نحو زيد نعم الرجل ، وإن كانت الجملة الواقعة خبرا هي المبتدأ في المعنى لم تحتج إلى رابط.
والثاني : أنّ ذلك قد يزيل اللبس في بعض المواضع كقولك : (زيد قام أبوه) لو قلت : (قام أبو زيد) لجاز أن يظن أنّ هذه كنية له لا أنّ له ولدا ؛ فإذا قدمت بطل كونه كنية.
والثالث : أنّ في ذكر الشيء مظهرا ومضمرا تفخيما.
وإنّما وجب أن يكون في الجملة ضمير المبتدأ ؛ لأن الخبر فيهما على التحقيق هو المتبدأ الأخير والأول أجنبيّ منه ، والضمير يربط الجملة بالأوّل حتّى يصير له بها تعلّق ، وإنّما يسوغ حذف هذا الضمير في موضع يعلم أنّه مراد من غير لبس كقولهم : السمن منوان بدرهم وكقوله تعالى : (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [الشورى : 43] أي : إنّ ذلك منه ، ولهذه العلّة جاز حذف الخبر تارة والمبتدأ أخرى وحذف الجملة بأسرها.
فصل : والظرف الواقع خبرا مقدّر بالجملة عند جمهور البصريين وقال بعضهم : هو مقدّر بالمفرد (1)
وإذا كان شبه الجملة بعد المعرفة المحضة صالحا لأن يكون صفة على الوجه السالف ، وهو صالح أيضا لأن يكون حالا بعدها كصلاحه للوصفية والحالية أيضا بعد النكرة غير المحضة - أمكن وضع قاعدة عامة أساسية هى : «شبه الجملة يصلح دائما أن يكون حالا أو صفة بعد المعرفة المحضة وغير المحضة ، وكذلك بعد النكرة بشرط أن تكون غير محضة - أو يقال : إذا وقع شبه الجملة بعد معرفة أو نكرة فإنه يصلح أن يكون حالا ، أو صفة : إلا فى صورة واحدة هى أن تكون النكرة محضة ؛ فيتعين أن يكون يعدها صفة ليس غير.
.والدليل على أنّه مقدّر بالجملة من وجهين :
أحدهما : أنّه كالجملة في الصلة كقولك : (الذي خلفك زيد) فكذلك في الخبر.
والثاني : أنّ الظرف معمول لغيره.
والأصل في العمل للأفعال والأسماء نائبة عنها وجعل العمل هنا للفعل أولى ، وإذا أنيب الظرف مناب الفعل دلّ عليه واحتجّ الآخرون من وجهين :
أحدهما : أنّ الأصل في الخبر أن يكون مفردا وحمل الفروع على الأصول أولى.
1) يجوز اعتبار شبه الجملة بنوعيه (الظروف والجار مع مجروره) صفة بعد المعرفة المحضة على تقدير متعلقة معرفة. وقد نص على هذا الصبان - ج 1 أول باب النكرة والمعرفة - حيث قال : «أسلفنا عن الدمامينى جواز كون الظرف (ويراد به فى مثل هذا التعبير : شبه الجملة بنوعيه) بعد المعرفة المحضة صفة ، بتقدير متعلقه معرفة). اه. أى : أن المتعلق المعرفة سيكون هو الصفة لمطابقته الموصوف فى التعريف. ولا مانع أن يكون شبه الجملة نفسه هو الصفة إذا استغنينا به عن المتعلّق تيسيرا وتسهيلا.
والثاني : أنّ الظرف إذا تقدّم على المبتدأ لم يبطل الابتداء ، ولو كان مقدّرا بالفعل لأبطله.
والجواب : أنّ الأصل في الخبر لا يمكن تقديره ههنا لما بيّنا من أنّ المفرد هو المبتدأ في المعنى والظرف ليس هو المبتدأ ، فعند ذلك نجعل العامل في الظرف ما هو الأصل في العمل لئلّا تقع المخالفة من وجهين ، وأمّا إذا تقدم الظرف ولم يعتمد فلا يبطل الابتداء به ؛ لأنه ليس بفعل على التحقيق بل هو نائب عنه ويصحّ ان يقدّر بعده المبتدأ بخلاف الفعل.
فصل : وإنّما لم يجز الإخبار بالزمان عن الجثّة لعدم الفائدة إذ كانت الجثّة غير مختصّة بزمان دون زمان ألا ترى أنّ قولك : (زيد غدا) إذا أردت مستقرّ ، غدا لا يفيد إذ هو مستقرّ في كلّ زمان وعلم السامع بذلك ثابت.
فلو قلت : يقدّر الخبر بما هو يختصّ به نحو قولك : حي أو غني أو قادم؟
قيل : إنّما يضمر ما عليه دليل ، ولا دليل على واحد من هذه بخلاف قولك : (زيد خلفك والرحيل غدا) فإنّ المحذوف منه الاستقرار والكون والحصول المطلق والظرف يدلّ عليه قطعا.
فأمّا قولهم : (الليلة الهلال) (1)فيروى بالرفع على تقدير : الليلة ليلة الهلال. وبالنصب على تقدير : الليلة طلوع الهلال. أو على أن تجعل الهلال بمعنى الاستهلال وهو من إقامة الجثة مقام المصدر ، وإنّما يكون فيما ينتظر ويجوز أن يكون ويجوز إلا يكون ، فلو قلت في انتهاء الشهر : (الليلة القمر) لم يجز ، وقد يجوز أن تقول : (زيد غدا) إذا كان غائبا وخاطبت من ينتظر قدومه.
فصل : ولا يجوز إظهار العامل في الظرف إذا كان خبرا ؛ لأن ذكر الظرف نائب عنه فلم يجمع بينهما للعلم به ، فأمّا قوله تعالى : (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ) [النمل : 40] فمستقرّ فيه بمعنى الساكن بعد الحركة لا الاستقرار الذي هو مطلق الكون.
1) قال ابن عقيل في شرح الألفية : ظرف المكان يقع خبرا عن الجثة نحو زيد عندك وعن المعنى نحو القتال عندك وأما ظرف الزمان فيقع خبرا عن المعنى منصوبا أو مجرورا بفي نحو القتال يوم الجمعة أو في يوم الجمعة ولا يقع خبرا عن الجثة قال المصنف إلا إذا أفاد نحو الليلة الهلال والرطب شهري ربيع فإن لم يفد لم يقع خبرا عن الجثة نحو زيد اليوم وإلى هذا ذهب قوم منهم المصنف وذهب غير هؤلاء إلى المنع مطلقا فإن جاء شيء من ذلك يؤول نحو قولهم الليلة الهلال والرطب شهري ربيع التقدير طلوع الهلال الليلة ووجود الرطب شهري ربيع هذا مذهب جمهور البصريين وذهب قوم منهم المصنف إلى جواز ذلك من غير شذوذ لكن بشرط أن يفيد كقولك نحن في يوم طيب وفي شهر كذا.
فصل : يجوز تقديم الخبر (1)على المبتدأ مفردا كان أو جملة ، ومنعه الكوفّيّون والدليل على جوازه السماع والقياس ، أمّا السماع فقول الشاعر (2): [الوافر]
فتى ما ابن الأغرّ إذا شتونا
وحبّ الزاد في شهري قماح
وقولهم : تميميّ أنا ومشنوء من يشنؤك.
وأمّا القياس فمن وجهين :
أحدهما : أن الخبر يشبه الفعل ، والفعل يتقدم ويتأخر.
والثاني : أنّ الخبر يشبه المفعول ؛ لأنه قد يصير مفعولا في قولك : ظننت زيدا قائما ، والمفعول يجوز تقديمه ، وكذلك خبر (كان) يتقدّم على اسمها ، وخبر (إنّ) يتقدّم على اسمها إذا كان ظرفا فكذلك ههنا ، واحتجّ الآخرون بأنّ تقديم الخبر إضمار قبل الذكر وهذا غير مانع من التقديم ؛ لأنه مؤخر تقديرا فهو كقولهم : (في بيته يؤتى الحكم) وكقولك : (ضرب غلامه زيد) إذا جعلته مفعولا ؛ لأن النيّة به التأخير (3).
فصل : إذا تقدم الظرف على الاسم واعتمد على أحد سبعة أشياء : مبتدأ على أن يكون هو خبرا أو صفة أو صلة أو حال أو كان معه استفهام أو حرف نفي أو كان عاملا في (أنّ والفعل) كقوله تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ) [الروم : 25] جاز أن يعمل فيما بعده عمل الفعل في الفاعل لقوّته بما اعتمد عليه وجاز أن يكون خبرا مقدّما.
1) يجوز تقديم الخبر وتأخيره ، وذلك فيما فقد فيه موجبهما أي فيما عدا ما يوجب تقديم الخبر. ووجوب تأخيره على الأصل ، ويجوز تقديمه لعدم المانع.
2) البيت لمالك الهذلي : وهو مالك بن خالد الخناعي الهذلي ، شاعر جاهلي من بني هذيل ، رويت له قصيدة خاطب فيها زوجته يخفف عنها ما أصابها يوم فقدت أولادها عمرو وعبد مناف وعباس.
3) قال الأشموني في شرح الألفية : (وجوّزوا التّقديم إذ لا ضررا) في ذلك نحو تميمي أنا ، ومشنوء من يشنؤك ، فإن حصل في التقديم ضرر فلعارض كما ستعرفه. إذا تقرر ذلك (فامنعه) أي تقديم الخبر (حين يستوي الجزآن) يعني المبتدأ والخبر (عرفا ونكرا) أي في التعريف والتنكير (عادمي بيان) أي قرينة تبين المراد نحو صديقي زيد ، وأفضل منك أفضل مني ، لأجل خوف اللبس ، فإن لم يستويا نحو رجل صالح حاضر ، أو استويا وأجدى بيان أي قرينة تبين المراد نحو أبو يوسف أبو حنيفة جاز التقديم ، فتقول حاضر رجل صالح ، وأبو حنيفة أبو يوسف ، للعلم بخبرية المقدم.
فإنّ لم يعتمد على شيء لم يعمل عند سيبويه وعمل عند الأخفش والكوفيين ، والمبرّد والدليل على أنّه لا يعمل من أربعة أوجه :
أحدهما : أنّ العامل يتخّطّى الظرف فيعمل فيما كان مبتدأ كقولك : إنّ خلفك زيدا ، ولو كان عاملا لم يبطله عامل خلف.
والثاني : أنّك تضمر المبتدأ في الظرف وهو مقدّم كقولك : في داره زيد ، ولو كان عاملا لكان واقعا في رتبته ولزم فيه الإضمار قبل الذكر لفظا وتقديرا (1).
والثالث : أنّ معمول الخبر يجوز أن يتقدّم على المبتدأ كقول الشمّاخ (2): [الوافر]
كلا يومي طوالة وصل أروى
ظنون آن مطّرح الظنون
و (كلا) منصوب الخبر وهو ظنون والمعمول تابع العامل ، والتابع لا يقع موقعا لا يقع فيه المتبوع.
والرابع : أنّ الظرف وحرف الجرّ غير مشتقّين ولا معتمدين فلم يعملا كقولك : هذا زيد ، فإن قالوا : الظريف نائب عن الفعل فيعمل عمله. فقد أجبنا عنه في المسألة السابقة.
فصل : فإن كان الخبر استفهاما لزم تقديمه ؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام إذ كان معناه فيما بعده ، ولو قدّمت المستفهم عنه على الاستفهام لعكست المعنى ، فأمّا قولهم : (صنعت ماذا) ف (ما) غير معمولة ل (صنعت) هذه ، والتقدير : (أصنعت) ثم حذفت همزة الاستفهام ثم أتيت ب (ما) دالّة عليها و (ما) منصوبة بفعل آخر استغني عنه بالمذكور.
1) الأصل ألا يعود الضمير على متأخر لفظا (أما أن يعود على متأخر لفظا فقط فجاز في جميع الأحوال نحو «في داره زيد» فالهاء تعود على زيد في اللفظ في الرتبة ، فرتبة زيد التقديم لأنه مبتدأ). ورتبة («الرتبة» هي أن الأصل في الفاعل ونائبه التقدم على المفعول به ، والمبتدأ مقدم على الخبر ، ورتبته الجار والمجرور والظرف بعد المفعول به ، ومثل ذلك اسم «إن» و «كان» وهكذا.) ، وقد يعود ، وذلك إذا كان الضمير مبهما محتاجا إلى تفسير.
2) الشماخ الذبياني : (ت 22 ه / 642 م) هو الشماخ بن ضرار بن حرملة بن سنان المازني الذبياني الغطفاني. شاعر مخضرم ، أدرك الجاهلية والإسلام ، وهو من طبقة لبيد والنابغة. كان شديد متون الشعر ، ولبيد أسهل منه منطقا ، وكان أرجز الناس على البديهة. جمع بعض شعره في ديوان. شهد القادسية ، وتوفي في غزوة موقان. وأخباره كثيرة. قال البغدادي وآخرون : اسمه معقل بن ضرار ، والشماخ لقبه.
فصل : وإنّما لزم تقديم الخبر (1)
«إحداها» : أن يكون المبتدأ نكرة ليس لها مسوغ إلا تقدم الخبر ، والخبر ظرف أو جار ومجرور أو جملة (وإنما وجب تقديم الخبر هنا لئلا يتوهم كون المؤخر نعتا ، لأن حاجة النكرة المحضة إلى التخصيص ليفيد الإخبار عنها أقوى من المخبر) ، نحو «عندي كتاب» و «في الدار شجرة» فإن كان للنكرة مسوغ جاز الأمران نحو «رجل عالم عندي» و «عندي رجل عالم».
«الثانية» : أن يشتمل المبتدأ على ضمير يعود على بعض الخبر ، نحو : (أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) (الآية «24» من سورة محمد). فلو أجزنا تقديم المبتدأ هنا لعاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة.
«الثالثة» : أن يكون الخبر له صدر الكلام نحو «أين كتابك» (ف «كتابك» مبتدأ مؤخر و «أين» اسم استفهام متعلق بمحذوف خبر مقدم ، ولا يجوز كتابك أين ، لأن لاسم الاستفهام الصدارة) و (مَتى نَصْرُ اللهِ) (الآية «214» من سورة البقرة).
«الرابعة» : أن يكون المبتدأ محصورا ب «إلا» نحو : «إنما المقدام من لا يخشى قولة الحق».
إذا كان ظرفا أو حرف جرّ على النكرة كقولك : له مال ؛ لأنه لو أخرّ لجاز أن يعتقد صفة وأنّ الخبر منتظر وبالتقديم ثمّ يزول هذا الظنّ.فمن ذلك : (جواب لو لا) في قولك : لو لا زيد لأتيتك. والتقدير : لو لا زيد حاضر وموجود ، فصار طول الكلام بالجواب دالّا على المحذوف ومغنيا عنه.
ومن ذلك : (لعمرك) (2)في القسم ، والتقدير : قسمي ، والجواب دالّ على المحذوف.
ومن ذلك قولهم : ضربي زيدا قائما. ف (قائما) حال من ضمير محذوف تقدير : ضربي زيدا إذا كان قائما. فحذفت (إذا) ؛ لأنها زمان واسم الفاعل يدلّ على الزمان ، و (كان) هذه التامّة ضميرها فاعل والحال منه.
فإن قلت : لم لا تكون الناقصة و (قائما) خبرها؟ قيل : لا يصحّ لوجهين :
أحدهما : أنّ (قائما) لم تقع في مثل هذه إلا نكرة ، وخبر (كان) يجوز أن يكون معرفة.
والثاني : أنّ الغرض من (كان) تعيين زمان الخبر ؛ فإذا حذفت لم يبق على زمانه دليل.
1) يجب تقديم الخبر في أربع مسائل :
2) قال الأشموني في شرح الألفية : (وفي نصّ يمين ذا) الحكم وهو حذف الخبر وجوبا. (استقر) نحو لعمرك لأفعلن ، وأيمن الله لأقومن ، أي لعمرك قسمي ، وأيمن الله يميني فحذف الخبر وجوبا للعلم به ، وسد جواب القسم مسده فإن كان المبتدأ غير نص في اليمين جاز إثبات الخبر وحذفه نحو عهد الله لأفعلن وعهد الله عليّ لأفعلن.
ومثل هذه المسألة : أكثر شربي السويق ملتوتا ، وأخطب ما يكون الأمير قائما. فأمّا قولهم : أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة. فيروى بالنصب على تقدير : أخطب أكوان الأمير يوم الجمعة. ف (يوما) ههنا خبر ، وفي الكلام مجاز وهو جعل الكون خاطبا ، ويروى بالرفع على تقدير : أخطب أيام كون الأمير ، ففيه على هذا حذف ومجاز.
ومن ذلك : كلّ رجل وضيعته. فالخبر فيه محذوف ، أي : مقرونان ، أغنى عن الخبر كون الواو بمعنى (مع) والضيعة ههنا الحرفة.
وأمّا قولهم : أنت أعلم وربّك. فتقديره : ربّك مكافئك أو مجازيك.
فصل : وأمّا قولهم : أمّا زيد فمنطلق. ف (زيد) مبتدأ و (منطلق) خبره ، وإنّما دخلت الفاء لما في (أمّا) من معنى الشرط ، فكان موضعها المبتدأ لكونها تكون في أوّل لجملة المجازى بها لكنّهم أخرّوها إلى الخبر لئلا تلي الفاء ما في تقدير حرف الشرط ، وجعلوا المبتدأ كالعوض من فعل الشرط ولا تدخل الفاء على الخبر في غير ذلك إلا في خبر (الذي) إذا وصل بفعل أو ظرف فيه ما يؤذن بأنّ ما في الخبر مستحقّ الصلة.
وكذلك صفة النكرة كقولهم : كلّ رجل يأتيني فله درهم ، فإن أدخلت على (الذي) (إنّ) جاز أن تدخل الفاء في الخبر.
وقال الأخفش : لا يجوز ، ووجه جوازه أنّ (إنّ) لا تغيّر معنى الكلام بل تؤكّد الخبر بخلاف أخواتها ، فإنّها تغيّر معنى الكلام ، والأخفش يحكم بزيادة الفاء إذا وجدها في شيء من ذلك.
الفاعل عند النحويّين : الاسم المسند إليه الفعل أو ما قام مقامه مقدّما عليه سواء وجد منه حقيقة أو لم يوجد (1).
وقال بعض النحويّين : الفاعل من وجد منه الفعل وغيره محمول عليه ، وهذا ضعيف لأربعة أوجه :
أحدها : أنّ قولهم : رخص السعر ، ومات زيد ، فاعل عندهم ولم يصدر منه فعل حقيقة.
والثاني : أنّه إذا كان فاعلا لصدور الفعل لم يجز بقاء هذا الاسم عليه مع نفيه ؛ لأن المعلول لا يثبت بدون علّة.
والثالث : أنّ قولك : ما قام زيد ، يصحّ أن تقول فيه ما فعل القيام فتنفي الفعل عنه ، فكيف يشتق له منه اسم مثبت.
والرابع : أنّ الاسم إذا تقدّم على الفعل بطل أن يكون فاعلا مع صدور الفعل منه.
فصل : وإنّما شرط فيه أن يتقدّم الفعل عليه لأربعة أوجه :
أحدها : أنّ الفاعل كجزء من الفعل لما نذكره من بعد ومحال تقدّم جزء الشيء عليه.
والثاني : أنّ كونه فاعلا لا يتصوّر حقيقة إلا بعد صدور الفعل منه ككونه كاتبا وبانيا فجعل في اللفظ كذلك.
والثالث : أن الاسم إذا تقدّم على الفعل جاز أن يسند إلى غيره كقولك : زيد قام أبوه ، وليس كذلك إذا تقدّم عليه.
والرابع : أنّ الفاعل لو جاز أن يتقدّم على الفعل لم يحتج إلى ضمير تثنية ولا جمع والضمير لازم له كقولك : الزيدان قاما والزيدون قاموا ، وليس كذلك إذا تقدّم.
فصل : والدليل على أن الفاعل جزء من أجزاء الفعل اثنا عشر وجها :
أحدها : أنّ آخر الفعل يسكّن لضمير الفاعل لئلّا يتوالى أربعة متحرّكات ك (ضربت) و (ضربنا) ولم نسكّنه مع ضمير المفعول نحو : (ضربنا) ؛ لأنه في حكم المنفصل.
1) الفاعل وهو ما قدم الفعل او شبهه عليه وأسند إليه على جهة قيامه به أو وقوعه منه ك علم زيد ومات بكر وضرب عمرو.
والثاني : أنّهم جعلوا النون في الأمثلة الخمسة علامة رفع الفعل مع حيلولة الفاعل بينهما ، ولو لا أنّه كجزء من الفعل لم يكن كذلك.
والثالث : أنّهم لم يعطفوا على الضمير المتّصل المرفوع من غير توكيد لجريانه مجرى الحرف من الفعل واختلاطه به.
والرابع : أنّهم وصلوا تاء التأنيث بالفعل دلالة على تأنيث الفاعل فكان كالجزء منه.
الخامس : أنّهم قالوا : (ألقيا) و (قفا) مكان : (ألق ألق) ولو لا أنّ ضمير الفاعل كجزء من الفعل لما أنيب منابه.
السادس : أنّهم نسبوا إلى (كنت) : (كنتي) ولو لا جعلهم التاء كجزء من الفعل لم يبق مع النسب.
السابع : أنّهم ألغوا : (ظننت) إذا توسّطت أو تأخّرت ولا وجه لذلك إلا جعل الفاعل كجزء من الفعل الذي لا فاعل له ومثل ذلك لا يعمل.
الثامن : امتناعهم من تقديم الفاعل على الفعل كامتناعهم من تقديم بعض حروفه (1)
ما للجمال مشيها وئيدا
أجندلا يحملن أم حديدا
يرفع «مشيها» على أنّه فاعل ل : «وئيدا» وهو - عند البصريين - ضرورة ، أو «مشيها» مبتدأ حذف خبره ، لسد الحال مسدّه ، أي : يظهر وئيدا.
.والتاسع : أنّهم جعلوا : (حبّذا) بمنزلة جزء واحد لا يفيد مع أنّه فعل وفاعل.
والعاشر : أنّ من النحويّين من جعل : (حبّذا) في موضع رفع بالابتداء وأخبر عنه والجملة لا يصحّ فيها ذلك إلا إذا سمّي بها.
والحادي عشر : أنّهم جعلوا : (ذا) في : (حبذّا) بلفظ واحد في التثنية والجمع والتأنيث كما يفعل ذلك في الحرف الواحد.
والثاني عشر : أنّهم قالوا في تصغير (حبّذا) : (ما أحيبذه!) فصغروا الفعل وحذفوا منه إحدى البائين ومن الاسم الألف ، والعرب تقول : لا تحبّذه عليه فاشتقّ منهما.
1) عند الكوفيين يجوز تقديم الفاعل تمسّكا بنحو قول الزّباء :
فصل : والعامل فى الفاعل الفعل المسند إليه وهذا أسدّ من قولهم : العامل إسناد الفعل إليه ؛ لأن الإسناد معنى والعامل هنا لفظيّ ، والذي ذكرته هو الذي أرادوه ؛ لأن الفعل لا يعمل إلا إذا كان له نسبة إلى الاسم فلمّا كان من شروط عمل الفعل الإسناد والنسبة تجوّزوا بما قالوا : والحقيقة ما قلت.
وقال خلف الكوفيّ : العامل في الفاعل الفاعليّة ، والدليل على فساد قوله من أربعة أوجه :
أحدها : أنّ (إنّ) عاملة بنفسها وهي نائبة عن الفعل فعمل الفعل بنفسه أولى.
والثاني : أنّ الفعل لفظ مختصّ بالاسم والاختصاص مؤثّر في المعنى فوجب أن يؤثّر في اللفظ كعوامل الفعل.
والثالث : أنّ الموجب لمعنى الفاعلية هو الفعل فكان هو الموجب للعمل في اللفظ.
والرابع : أنّ الاسم قد يكون في اللفظ فاعلا ، وفي المعنى مفعولا به كقولك : مات زيد ، ومفعولا في اللفظ وهو في المعنى فاعل كقولك : تصبّب زيد عرقا ، ولو كان العامل هو المعنى لانعكست هذه المسائل.
فصل : وإنّما أعرب الفاعل بالرفع (1)
أو يجر ب «من» أو «الباء» أو «اللام» الزوائد ، نحو : (أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ) (الآية «19» من سورة المائدة) أي ما جاءنا من بشير ، و (كَفى بِاللهِ شَهِيداً) (الآية «79» من سورة النساء) أي كفى الله ، (هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ) (الآية «36» من سورة المؤمنون). أي هيهات ما توعدون.
لأربعة أوجه :أحدها : أنّ الغرض الفرق بين الفاعل والمفعول ، فبأيّ شيء حصل جاز.
والثاني : أنّ الفاعل أقلّ من المفعول والضمّ أثقل من الفتح ، فجعل الأثقل للأقلّ والأخف للأكثر تعديلا.
والثالث : أنّ الفاعل أقوى من المفعول إذا كان لازما لا يسوغ حذفه ، والضّمة أقوى الحركات فجعل له ما يناسبه.
1) الأصل في الفاعل الرفع ، وقد يجرّ لفظا بإضافة المصدر نحو : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ) (الآية «251» من سورة البقرة) أو بإضافة اسم المصدر نحو قول عائشة (رض) «من قبلة الرّجل - امرأته الوضوء» (القبلة : مصدر قبل و «الرجل» فاعله وهو مجرور لفظا بالإضافة و «امرأته» مفعول به «الوضوء» مبتدأ مؤخر وخبره «من قبلة الرجل»).
والرابع : أنّ الفاعل قبل المفعول لفظا ومعنى ؛ لأن الفعل يصدر منه قبل وصوله إلى المفعول فجعل له أوّل الحركات وهو الضّمّة.
فصل : وإنّما لم يجز أن تكون الجملة فاعلا لثلاثة أوجه (1)
لعلّك والموعود حقّ لقاؤه
بدا لك في تلك القلوص بداء
وإما على السّجن بفتح السين المفهوم من قوله تعالى (لَيَسْجُنُنَّهُ) ويدلّ عليه قوله تعالى (قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) وكذلك القول في الآية الثانية أي وتبين هو أي التبيّن وجملة الاستفهام مفسّرة وأما الآية الثالثة فليس الإسناد فيها من الإسناد المعنوي الذى هو محلّ الحلاف وانما هو من الإسناد اللفظي اللفظي أي وإذا قيل لهم هذا اللفظ والإسناد اللفظىّ جائز في جميع الألفاظ كقول العرب زعموا مطيّة الكذب وفي الحديث لا حول ولا قوّة الّا بالله كنز من كنوز الجنّة.
:أحدها : أنّ الفاعل كجزء من الفعل ولا يمكن جعل الجملة كالجزء لاستقلالها.
والثاني : أنّ الفاعل قد يكون مضمرا ومعرفة بالألف واللام وإضمار الجملة لا يصحّ والألف واللام لا تدخل عليها.
والثالث : أنّ الجملة قد عمل بعضها في بعض ، فلا يصحّ أن يعمل فيها الفعل لا في جملتها ولا في أبعاضها إذ لا يمكن تقديرها بالمفرد هنا.
فصل : والأصل تقديم الفاعل على المفعول ؛ لأنه لازم في الجملة جار مجرى جزء من الفعل ، والمفعول قد يستغنى عنه ، والفاعل يصدر منه الفعل ثمّ يفضي إلى المفعول به بعد ذلك ، إلا أنّ تقديم المفعول جائز لقوّة الفعل بتصرفّه ، والحاجة إلى اتساع الألفاظ ، فإن خيفّ اللبس لم يجز التقديم مثل أن يكون الفاعل والمفعول لا يتبيّن فيهما إعراب ، فإن وصف أحدهما أو عطف عليه ما يفصل بينهما جاز التقديم.
1) قال ابن هشام في شرح الشذور : لا يكونان جملة هذا هو المذهب الصحيح وزعم قوم أن ذلك جائز واستدلّوا بقوله تعالى (ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ)(وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ)(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) فجعلوا جملة ليسجننه فاعلا ل (بدا) وجملة (كيف فعلنا بهم) فاعلا ل (تبين) وجملة (لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) قائمة مقام فاعل ولا حجة لهم في ذلك أما الآية الأولى فالفاعل فيها ضمير مستتر عائد إمّا على مصدر الفعل والتقدير : ثم بدا لهم بداء كما تقول بدالي رأي ويؤيد ذلك أن اسناد بدا الى البداء قد جاء مصرّحا به في قول الشاعر
فصل : وأولى الفعلين بالعمل الأخير منهما ، وقال الكوفيّون : الأوّل أولى واتّفقوا على أنّ كلا الأمرين جائز إذا صحّ المعنى ، وأنّه لا يخيّر في إعمال أيّهما شاء إذا لم يصحّ المعنى ، وإذا تقدّم الفعل الذي يحتاج إلى فاعل أضمر فيه كقولك : ضربوني وضربت الزيدين. وقال الكسائيّ : لا يضمر.
والدليل على أنّ إعمال الثاني أولى : السماع والقياس ، فمن السماع قوله تعالى : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) [النساء : 176] ، ولو أعمل الأول لقال : (فيها) وقوله تعالى : (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) [الكهف : 96] ولم يقل : (أفرغه) وقوله تعالى : (هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ) [الحاقة : 19] ولم يقل : (اقرؤوه) ومما جاء في الشعر قول الفرزدق (1): [الطويل]
ولكنّ عدلا لو سببت وسبّني
بنو عبد شمس من مناف وهاشم
ولم يقل : سبّوني ، وهو كثير في الشعر.
وأمّا القياس : فهو أنّ الثاني أقرب إلى الاسم وإعماله فيه لا يغير معنى فكان أولى كقولهم : خشّنت بصدره وصدر زيد بحرّ المعطو ، ف وكذا قولهم : مررت ومرّ بي زيد أكثر من قولهم : مر بي ومررت بزيد والعلّة فيه من وجهين :
أحدهما : أنّ العامل في الشيء كالعلّة العقلية وتلك لا يفصل بينها وبين معمولها.
والثاني : أنّ الفصل بين العامل والمعمول بالأجنبيّ لا يجوز كقولهم : كانت زيدا الحّمى تأخذ ، والمعطوف هنا كالأجنبي فأحسن أحواله أن يضعف عمل الأوّل ، ويدلّ على ذلك أنّ الفعل إذا تأخر عن المفعول جاز دخول اللام عليه كقولك : لزيد ضربت ، ومنه قوله تعالى : (لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) [الأعراف : 154] ولا يجوز ذلك مع تقديم الفعل ، وكذلك أيضا إذا جاوز
1) الفرزدق : (38 - 110 ه / 658 - 728 م) وهو همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي ، أبو فراس. شاعر من النبلاء ، من أهل البصرة ، عظيم الأثر في اللغة. يشبه بزهير بن أبي سلمى وكلاهما من شعراء الطبقة الأولى ، زهير في الجاهليين ، والفرزدق في الإسلاميين. وهو صاحب الأخبار مع جرير والأخطل ، ومهاجاته لهما أشهر من أن تذكر. كان شريفا في قومه ، عزيز الجانب ، يحمي من يستجير بقبر أبيه. لقب بالفرزدق لجهامة وجهه وغلظه. وتوفي في بادية البصرة ، وقد قارب المئة.
الفعل الفاعل المؤسنث الحقيقي لزمت فيه التاء وإن فصل بينهما لم يلزم كلّ ذلك اهتمام بالأقرب ، وكان أبو عليّ يتمثّل عند ذلك بقول الهذلي (1)
بلى إنّها تعفو الكلوم وإنّما
نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
: [الطويل]... وإنّما
نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
واحتجّ الآخرون بأبيات عمل فيها الأوّل ، وليس فيها حجّة على الأولى بل الجواز ، فأمّا قول أمرئ القيس (2)
شاعر جاهلي ، أشهر شعراء العرب على الإطلاق ، يماني الأصل ، مولده بنجد ، كان أبوه ملك أسد وغطفان وأمه أخت المهلهل الشاعر.
قال الشعر وهو غلام ، وجعل يشبب ويلهو ويعاشر صعاليك العرب ، فبلغ ذلك أباه ، فنهاه عن سيرته فلم ينته ، فأبعده إلى حضر موت ، موطن أبيه وعشيرته ، وهو في نحو العشرين من عمره.
أقام زهاء خمس سنين ، ثم جعل ينتقل مع أصحابه في أحياء العرب ، يشرب ويطرب ويغزو ويلهو ، إلى أن ثار بنو أسد على أبيه فقتلوه ، فبلغه ذلك وهو جالس للشراب فقال : رحم الله أبي! ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا ، لا صحو اليوم ولا سكر غدا ، اليوم خمر وغدا أمر. ونهض من غده فلم يزل حتى ثأر لأبيه من بني أسد ، وقال في ذلك شعرا كثيرا.
كانت حكومة فارس ساخطة على بني آكل المرار (آباء امرؤ القيس) فأوعزت إلى المنذر ملك العراق بطلب امرئ القيس ، فطلبه فابتعد وتفرق عنه أنصاره ، فطاف قبائل العرب حتى انتهى إلى السموأل ، فأجاره ومكث عنده مدة.
: [الطويل]فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة
كفاني ولم أطلب قليل من المال
فإنّما أعمل الأوّل فيه ؛ لأن المعنى عليه ، أي : لو كنت أسعى لأمر حقير كفاني القليل ، ولو نصب على هذا لتناقض المعنى.
فإن قالوا : الأوّل أهّم للبدء به؟
قلنا : لو اشتدّ الاهتمام به لّجعل معموله إلى جانبه على الاهتمام بالأقرب أشدّ على ما بيّنا.
(1) أحدها : ألا يكون للمتكلمّ في ذكره غرض.
والثاني : أن يترك ذكره تعظيما له واحتقارا.
والثالث : أن يكون المخاطب قد عرفه.
والرابع : أن يخاف عليه من ذكره.
والخامس : ألا يكون المتكلّم يعرفه.
فصل : وإنّما غيّر لفظ الفعل ليدلّ تغييره على حذف الفاعل ، وإنّما ضمّ أوّله وكّسر ما قبل آخره في الماضي وفتح المستقبل لوجهين :
أحدهما : أنّه خصّ بصيغة لا يكون مثلها في الأسماء ولا في الأفعال التي سميّي فاعلها لئلّا يلتبس.
فإن قلت : كان يجب أن يكسر أوّله ويضّم ما قبل آخره إذ لا نظير له؟
قيل : الخروج من كسر إلى ضمّ مستثقل جدّا بخلاف الخروج من ضمّ إلى كسر ، فأمّا : (دئل) فلا يعتدّ به لقلّته وشذوذه ، وإنّما فتح قبل الأخير في المستقبل لئلّا يلتبس بما سمّي فاعله.
والوجه الثاني : أنّهم ضمّوه عوضا من ضمّ الفاعل المحذوف وهذا ضعيف لوجهين :
1) قال ابن هشام : نائب الفاعل وهو الذي يعبرون عنه بمفعول ما لم يسمّ فاعله والعبارة الأولى أولى لوجهين احدهما أن النائب عن الفاعل يكون مفعولا وغيره كما سيأتي والثاني أن المنصوب في قولك أعطي زيد دينارا يصدق عليه أنه مفعول للفعل الذي لم يسمّ فاعله وليس مقصودا لهم ومعنى قولي أقيم هو مقامه أنه أقيم مقامه في إسناد الفعل إليه ، ثم قال : الفعل يجب تغييره الى فعل أو يفعل ولا أريد بذلك هذين الوزنين فإن ذلك لا يتأتّى الا في الفعل الثلاثي وانما أريد أنه يضمّ أوّله مطلقا ويكسر ما قبل آخره في الماضي ويفتح في المضارع ثم بعد ذلك يقام المفعول به مقام الفاعل فيعطى أحكامه كلها فيصير مرفوعا بعد أن كان منصوبا وعمدة بعد أن كان فضلة وواجب التأخير عن الفعل بعد أن كان جائز التقديم عليه ، والمفعول به عند المحققين مقدّم في النيابة على غيره وجوبا لأنه قد يكون فاعلا في المعنى كقولك أعطيت زيدا دينارا ألا ترى أنه آخذ وأوضح من هذا ضارب زيد عمرا لأن الفعل صادر من زيد وعمرو.
أحدهما : أنّهم غيّروا منه موضعا آخر بغير الضمّ.
والثاني : أنّ المحذوف قد أقيم المفعول مقامه.
فصل : وإنّما أقيم المفعول مقام الفاعل ليكون الفعل حديثا عنه ؛ إذ الفعل خبر ولا بدّ له من مخبر عنه ، ولمّا أقيم مقامه في الإسناد إليه رفع كما رفع الرافع له الفعل المسند إليه.
فصل : وإنّما لم يجز بناء الفعل اللازم لما يسمّ فاعله ؛ لأنه يبقى خبرا بغير مخبر عنه كقولك : جلس ، وقد ذهب قوم إلى جوازه على أن يكون المصدر المحذوف مضمرا فيه وساغ حذفه بدلالة الفعل عليه وهذا ضعيف جدّا ؛ لأن المصدر المحذوف لا يفيد إسناد الفعل إليه إذا كان الفعل يغني عنه ، ولا يصحّ تقدير مصدر موصوف ولا دالّ على عدد إذ ليس في الفعل دلالة على الصفة والعدد.
فصل : وإذا كان في الكلام مفعول به صحيح جعل القائم مقام الفاعل دون الظرف وحرف الجرّ لأربعة أوجه (1)
فالمصدر كقوله تعالى : (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ) وقوله تعالى : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) وكون نفخة مصدرا واضح ، وأما شيء فلأنه كناية عن المصدر وهو العفو والتقدير والله أعلم فأيّ شخص من القاتل عفي له عفو ما من جهة أخيه
وظرف الزمان كقولك : صيم رمضان ، وأصله : صام الناس رمضان.
وظرف المكان كقولك : جلس أمامك ، والدليل على أن الأمام من الظروف المتصرفة التي يجوز رفعها قول الشاعر
فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه
مولى المخافة خلفها وأمامها
والمجرور كقوله تعالى : (وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها) ف (يؤخذ) فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله وهو خال من ضمير مستتر فيه ومنها جار ومجرور في موضع رفع أي لا يكن أخذ منها ولو قدر ما هو المتبادر من أن في يؤخذ ضميرا مستترا هو القائم مقام الفاعل ومنها في موضع نصب لم يستقم لأن ذلك الضمير عائد حينئذ على كل عدل وكل عدل حدث والأحداث لا تؤخذ وانما تؤخذ الذوات نعم ان قدر أن لا يؤخذ بمعنى لا يقبل صحّ ذلك.
وفهم من قولي فإن فقد فالمصدر الى آخره أنه لا يجوز اقامة غير المفعول به مع وجود المفعول به وهو مذهب البصريين الا الأخفش.
:1) قال ابن هشام في شرح الشذور : إن لم يكن في الكلام مفعول به أقيم غيره من مصدر أو ظرف زمان أو مكان أو مجرور.
أحدها : أنّ الفعل يصل إليه بنفسه كما يصل إلى الفاعل بخلاف الظرف.
والثاني : أنّ المفعول به شريك الفاعل ؛ لأن الفاعل يوجد الفعل والمفعول به يحفظه.
والثالث : أنّ المفعول في المعنى قد جعل فاعلا في اللفظ كقولك : مات زيد ، وطلعت الشمس ، وهما في المعنى مفعول بهما بخلاف الظرف.
والرابع : أنّ من الأفعال ما لم يسمّ فاعله بحال نحو : عنيت بحاجتك ، وبابه ولم يسند إلا إلى مفعول به صحيح فدلّ على أنّه أشبه بالفاعل.
وقال الكوفيّون : يجوز إقامة الظرف مقام الفاعل وإن كان معه مفعول صحيح ؛ لأنه يصير مفعولا به على السعة وهذا ضعيف لما ذكرنا.
فصل : وأمّا إقامة المصدر مقام الفاعل مع المفعول به فللبصريّون فيه مذهبان :
أحدهما : لا يجوز ؛ لأن المصدر يصل إليه في المعنى فهو غير لازم بخلاف المفعول به. والآخر يجوز ؛ لأن الفعل يصل إليه بنفسه واحتجّوا على ذلك بقرأءة أبي جعفر المدنيّ : (لِيَجْزِيَ قَوْماً) [الجاثية : 14] أي : ليجزى الجزاء قوما ، وبقراءة عاصم : (وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء : 88] أي : نجي النجاء ، وبقول جرير :
فلو ولدت فقيرة جرو كلب
لسبّ بذلك الكلب الكلابا
وهذا ضعيف لما ذكرنا ، والقراءتان ضعيفتان على أنّ قراءة عاصم فيها وجه آخر يخرجها من هذا الباب ، وهو يكون أن الأصل : (ننجي) ثمّ أبدل النون الثانية جيما وأدغمها ، وأمّا قراءة أبي جعفر فعلى تقدير : (لنجزي الخير قوما) فالخير مفعول به وهذا الفعل يتعّدىّ إلى مفعولين وأضمر الأوّل لدلالة الثاني عليه ، وأمّا البيت فقد حمل على ما قالوا وحمل على وجه آخر ، وهو أن يكون التقدير : فلو ولدت قفيرة الكلاب ياجرو كلب لسبّ ، أي : جنس الكلاب.
فصل : وإنّما جاز إقامة حرف الجرّ والظرف والمصدر - أيّها شئت - مقام الفاعل لتساويها في ضعفها عن المفعول به ، وإنّما يقام الظرف مقام الفاعل إذا جعل مفعولا على السعة ؛ لأنه إذ كان ظرفا كان حرف الجرّ مقدّرا معه وهو : (في) ، و (في) يقع فيها الفعل لا بها ولأنّ الفعل
يصل إلى الفاعل بغير واسطة فلم يشبهه الظرف ، ولأنّ المفعول به يصحّ أسناد الفعل إليه ، وإذا قدّر مع الظرف : (في) لم يصحّ إسناد الفعل إليه.
فإن قلت : فكيف يصحّ إقامة (الباء) مقام الفاعل؟
قيل : إن (الباء) لم يؤت بها إلّا لتقوّي الفعل ، و (في) هي الدالّة على الظرفيّة وإقامتها مقام الفاعل تسلبها هذا المعنى ولا يقام المصدر مقام الفاعل إلا إذا وصف أو دلّ على المرة أو المرّات ؛ لأنه حينئذ يفيد ما لا يدلّ الفعل عليه.
فصل : ولا يجوز إقامة الحال مقام الفاعل لأربعة أوجه :
أحدها : أنّ الفاعل يكون مظهرا ومضمرا ومعرفة ونكرة والحال لا تكون إلا نكرة.
والثاني : أنّ الحال تقدّر ب (في) ولا يصحّ تقدير إسقاطها.
والثالث : أنّ الحال كالخبر على ما نبيّنه في بابه وخبر المبتدأ لا يصحّ قيامه مقام الفاعل ؛ لأنه مسند إلى غيره.
والرابع : أنّ الحال كالصفة في المعنى ؛ لأنها هي صاحب الحال ، وإنّما يقام مقام الفاعل غيره.
فصل : وإنّما لم يقم المميز مقام الفاعل لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّه لا يكون إلا نكرة.
والثاني : أنّ حرف الجرّ معه مراد.
والثالث : أنّه لو أسقط المميّز لم يبق عليه دليل ؛ ولهذا الوجه لن يجعل المستثنى مقام الفاعل.
فصل : وأمّا المفعول له فلا يقام مقام الفاعل لوجهين :
أحدهما : أنّ اللام مرادة.
والثاني : أنّه غرض الفاعل ، فلو أقيم مقامه لبطل هذا المعنى.
فصل : وإنّما لم يقم خبر كان مقام اسمها لوجهين :
أحدهما : أنّه هو الاسم في المعنى.
والثاني : أنّ الخبر مسند إلى غيره فلا يسند إليه.
ذهب الجمهور إلى أنّها أفعال لتصّرفها واتّصال الضمائر وتاء التأنيث بها ودلالتها على معنى في نفسها وهو الزمان (1).
فصل : وإنّما لم تدلّ على حدث ولا أكّدت بالمصدر لأنّهم اشتقوها من المصادر ثّم خلعوا عنها دلالتها على الحدث ؛ لتدلّ على زمن خبر المبتدأ حتّى صارت مع الخبر بمنزلة الفعل الدالّ على الحدث والزمان.
ومن عبّر من البصريّين عنها بالحروف فقد تجوّز ؛ لأنه وجدها تشبه الحروف في أنّها لا تدلّ على الحدث ، وإنّما هي أفعال لفظيّة أو يكون عنى بالحروف الطريقة ؛ إذ كان لهذه الأفعال في النحو طريقة تخالف فيها بقيّة الأفعال ، ولهذه العلّة خصّوها من بين الأفعال بالدخول على المبتدأ والخبر.
وأمّا : (ليس) (2)
فالمراد نفى القدوم عن القطار الآن. ولا تكون للنفى فى الزمن الحالى إلا عند الإطلاق ، أى : عند عدم وجود قرينة تدل على أن النفى واقع فى الزمن الماضى ، أو فى المستقبل : فإن وجدت قرينة تدل على أنه واقع فى أحدهما وجب الأخذ بها ؛ نحو : ليس الغريب مسافرا أمس ، أو : ليس سافر الغريب ، أو : وجود الفعل الماضي بعدها ، أو قبلها - دليل على أنه النفى للماضى ... أما فى نحو : ليس الغريب مسافرا غدا ، أو قوله تعالى في عذاب الكافرين يوم القيامة : (أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ،) فيكون النفى متجهما للمستقبل ؛ لوجود قرينة لفظية فى المثال ؛ وهى كلمة : «غد» الدالة عليه ولوجود قرينة عقلية فى الآية تدل عليه أيضا ، هى : أن يوم القيامة لم يأت حتى الآن.
وقد يكون المراد منها نفى الحكم نفيا مجردا من الزمن ؛ كقول العرب : ليس لكذوب مروءة ، ولا لحسود راحة ، ولا لسيء الخلق سؤدد.
شروط عملها ؛ وأحكامها :
1 - هى الشروط العامة.
2 - لا تستعمل تامة.
3 - لا يجوز تقدم خبرها عليها فى الرأى الأرجح.
4 - يجوز حذف خبرها ، إذا كان نكرة عامة ؛ نحو : ليس أحد. أى : ليس أحد موجودا ، أو نحو ذلك ...
ويجوز جره بالباء الزائدة ، بشرط ألا تكون أداة استثناء ؛ وبشرط ألا ينتقض النفى بإلا ؛ نحو : ليس الغضب بمحمود العاقبة. وقول الشاعر :
وليس بمغن فى المودة شافع
إذا لم يكن بين الضلوع شفيع
فإن نقض النفى بإلا لم يصح جر الخبر بالباء الزائدة ؛ فلا يجوز ليس الغثى إلا بغنى النفس ...
5 - لا يصح وقوع «إن» الزائدة بعدها.
فمن البصريّين من قال : هي حرف وإنّ الضمير اتّصل بها لشبهها بالأفعال كما اتّصل الضمير ب (ها) على لغة من قال في التثنية : (هاءا) ، وفي الجمع : (هاؤوا)1) كان وأخواتها وهي أمسى وأصبح وأضحى وظلّ وبات وصار وليس مطلقا وتالية لنفي أو شبهه زال ماضي يزال وبرح وفتيء وانفكّ وصلة لما الوقتية دام نحو (ما دمت حيّا) وأقول الخامس من المرفوعات اسم كان وأخواتها الاثنتي عشرة المذكورة فإنهن يدخلن على المبتدأ والخبر فيرفعن المبتدأ ويسمى اسمهن حقيقة وفاعلهن مجازا وينصبن الخبر ويسمى خبرهن حقيقة ومفعولهن مجازا.
2) ليس : تفيد مع معموليها نفى اتصاف اسمها بمعنى خبرها فى الزمن الحالىّ نحو : ليس القطار مقبلا.
وأبو عليّ يشير إليه في كتبه كثيرا ، ويقوّي ذلك أنّها لا تدلّ على زمان وأنّها تنفي كما تنفي (ما) ، وأنّهم شبّهوها ب (ما) في إبطال عملها بدخول (إلا) على الخبر في قولهم : ليس إلا الطيب المسك بالرفع فيهما.
ومن قال : هي فعل لفظيّ ، فقد احتجّ بما ذكرنا وسلبت التصرّف لشبهها بها ، ويدلّ على أنّها فعل جواز تقديم خبرها على اسمها عند الجميع وتقديمه عليها عند كثير منهم بخلاف (ما).
فصل : وإنّما كانت (كان) أمّ هذه الأفعال لخمسة أوجه :
أحدها : سعة أقسامها.
والثاني : أنّ (كان) التامّة دالة على الكون وكلّ شيء داخل تحت الكون.
والثالث : أنّ (كان) دالّة على مطلق الزمان الماضي ، و (يكون) دالّة على مطلق الزمان المستقبل بخلاف غيرها ، فإنّها تدل على زمان مخصوص كالصباح والمساء.
والرابع : أنّها أكثر في كلامهم ؛ ولهذا حذفوا منها النون إذا كانت ناقصة في قولهم : لم يك.
والخامس : أنّ بقيّة أخواتها تصلح أن تقع أخبارا لها كقولك : كان زيد أصبح منطلقا ولا يحسن أصبح زيد كان منطلقا.
فصل : وإنّما اقتضت الناقصة اسمين ؛ لأنها دخلت على المبتدأ والخبر للدلالة على زمن الخبر وإنّما عملت ؛ لأنها أفعال متصرّفة مؤثرة في معنى الجملة فأشبهت (ظننت) ، وإنّما رفعت ونصبت ؛ لأنها تفتقر إلى اسم تسند إليه كسائر الأفعال فما تسند إليه مشبّه بالفاعل الحقيقي.
وأمّا الخبر فمنصوب ب (كان) عند البصريّين ، وقال الكوفيّون : ينتصب على القطع يعنون الحال ، والدليل على انتصابه ب (كان) أنّه اسم بعد الفعل والفاعل ، وليس بتابع له فأشبه المفعول به ولا يصحّ جعله حالا ؛ لأن الحال لا يكون معرفة ولا مضمرا وليصحّ حذفه ، وليس كذلك خبر كان ؛ لأنه مقصود الجملة ألا ترى أنّه لو قال : كان زيد قائما ، فقال قائل : لا. كان النفي عائدا إلى القيام لا إلى كان.
فصل : وإنّما لم يكن منصوبها مفعولا به على التحقيق ؛ لأن المفعول به يسوغ حذفه ولا يلزم أن تكون عدّته على عدّة الفاعل ولا أن يكون المفعول به هو الفاعل وخبر كان يلزم فيه ذلك.
فصل : وإنّما جاز تقديم أخبارها على أسمائها لتصرّفها ، فأمّا تقديم خبر (ما زال وأخواتها) عليها فمنعه البصريّون والفرّاء ؛ لأن (ما) أمّ حروف النفي وما في صلة النفي لا يتقدّم عليه ؛ لأن النفي له صدر الكلام إذ كان يحدث فيما بعده معنى لا يفهم بالتقديم فيشبه حروف الجزاء والاستفهام والنداء.
فأمّا : (لا يزال) و (لن يزال) و (لم يزل) (1)
ومثالها مع النهى : لا تزل بعيدا عن الطغيان. ومع الدعاء (وأدواته هنا : «لا» ، أو : «لن») لا زال الخير منهمرا عليك فى قابل أيامك - لا يزال التوفيق رائدك فى كل ما تقدم عليه - لن تزال عناية الله تحرسك فيما يصادفك التوفيق رائدك فى كل ما تقدم عليه - لن تزال عناية الله تحرسك فيما يصادفك من مكايد ... ، بشرط أن يكون القصد من كل ذلك الدعاء للمخاطب ...
ولا تستعمل زال تامة ... ويشبهها فى الدلالة على النفى بذاتها ، وصيغتها ، وفى اشتراط أداة نفى قبلها ، أو شبهه للعمل - أخوات لها فى هذا ، هى : (فتئ - برح - انفك وسيأتى الكلام على الثلاثة).
شروط إعمالها :
1 - يشترط فيها الشروط العامة.
2 - أن يسبقها نفى أو نهى أو دعاء ؛ كالأمثلة التى سبقت. ولى فرق فى النفى بين أن يكون ظاهرا ؛ مثل : لا زال الغنى ثمرة الجدّ ، وأن يكون مقدرا لا يظهر فى الكلام ، ولكن المعنى يكشف عنه ، والسياق يرشد إليه ؛ مثل : تالله يزال الشحيح محروما متعة الحياة حتى يموت. أى : تالله لا يزال. وحذف النفى قياسى بشرط أن يكون بالحرف : «لا» وأن يكون الفعل مضارعا فى جواب قسم.
فيجوز تقديم الخبر عليها ؛ لأنها فروع على (ما) إذ كانت تردّ إليها وتستعمل في مواضع لا يصحّ فيها (ما) ؛ ولهذا عملت في الأفعال للزومها1) زال : تدل بذاتها على النفى ، وعدم وجوج الشئ ؛ من غير أن تحتاج فى هذه الدلالة للفظ آخر ؛ ؛ فإذا وجد قبلها نفى أو شبهه (وهو النهى والدعاء) انقلبت معناها للإثبات ؛ مثل : ما زال العدو ناقما. أى : بقى واستمر ناقما. وفى هذه الحالة تفيد مع معموليها اتصاف اسمها بمعنى الخبر اتصافا مستمرّا لا ينقطع ، أو مستمرّا إلى وقت الكلام ، ثم ينقطع بعده بوقت طويل أو قصير ؛ كل ذلك على حسب المعنى. فمثال المستمر الدائم : ما زال الله رحيما بعباده - ما زال الفير كبير الأذنين. ومثال الثانى : لا يزال الحارس واقفا. لا يزال الخطيب متكلما.
إياها فمفعول فعلها يتقدّم عليها كما يتقدّم على نفس الفعل العرّي عن حرف النفي بخلاف (ما).
وقال ابن كيسان وبقيّة الكوفيّين : يجوز تقديم الخبر عليها ؛ لأن (ما والفعل) صارا في معنى الإثبات وهذا ضعيف ؛ لأن لفظ النفي باق والاعتبار به لا بالمعنى ألا ترى أنّ قولك :
(لا تفعل) يسمّى : (نهيا) ، ولو جعلت مكانه : (اترك الفعل) كان المعنى واحدا ويسمى الثاني :
(أمرا).
وأمّا خبر (ما دام) (1)
وقت جوع المرء. والضرر يدوم كذلك بدوام وقت معين ، محدود ، هو : وقت الامتلاء ، ولا بد فى دوام ذلك الوقت المحدد من أن يستمر ويمتد إلى زمن الكلام.
شروط إعمالها :
1 - يشترط فيها الشروط العامة.
2 - أن تكون بلفظ الماضى - فى الرأى الأرجح - وقبلها ما المصدرية الظرفية. وإذا أسندت لضمير رفع متحرك وجب ضم الدال ، وحذف الألف.
3 - أن يسبقهما معا كلام تتصل به اتصالا معنويّا ، بشرط أن يكون جملة فعلية مضارعية.
4 - ألا يكون خبرها جملة فعلية ماضوية ؛ لأن دام مع معموليها تفيد استمرار المعنى إلى وقت الكلام ، والجملة الماضوية تفيد انقطاعه فيقع التنافى.
5 - ألا يتقدم خبرها عليها وعلى «ما» ؛ لأن «ما» المصدرية الظرفية لا يسبقها شئ من صلتها التى تسبك معها بمصدر. أما توسطه بينها وبين «ما» فجائز.
فلا يتقدّم عليها عند الجميع ؛ لأنها مصدريّة ومعمول المصدر لا يتقدّم عليه ، وكذلك (ما كان) ؛ لأن الكلام نفي لفظا ومعنى.1) دام : تفيد مع معموليها استمرار المعنى الذى قبلها مدة محددة ؛ هى مدة ثبوت معنى خبرها لاسمها ؛ نحو : يفيد الأكل ما دام المرء جائعا : ويضر ما دام المرء ممتلئا. ففائدة الأكل تدوم بدوام وقت معين ، محدد ، هو :
فأمّا : (ليس) فاتّفقوا على جواز تقديم خبرها على اسمها ، وأمّا تقديمه عليها فيجوز عند الكوفيّين وبعض البصريّين.
وحجّة من منع : أنّ (ليس) فعل لفظي جامد قويّ الشبه بالحرف فلم يقو قوّة أخواته وجاز تقديم الخبر فيه على الاسم إذ كان فعلا في الجملة فحاله متوسّطة بين (كان) وبين (ما).
واحتجّ من أجاز تقديم خبر (ليس) بقوله : (أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ) [هود : 8] فنصب (يوم) بالخبر ولا يقع المعمول إلا حيث يقع العامل ، ولأنّ (ليس) فعل يتقدّم خبره على اسمه فكذلك يتقدّم عليه ك (كان) ، وقد أجيب عن الآية من وجهين :
أحدهما : أنّه منصوب بفعل آخر يفسّره الخبر.
والثاني : أنّ الظروف تعمل فيها روائح الفعل.
فصل : وإنّما لم يجز الفصل بين (كان) وغيرها من العوامل بما لم تعمل فيه ؛ لأنه أجنبيّ غير مسند للكلام والعامل يطلب معموله فالفصل بينهما يقطعه عنه ، فإن جعلت في (كان) ضمير الشأن جاز تقديم معمول الخبر لاتّصال (كان) بأحد معموليها وكون الفاصل كالجزء من جنسهما.
فصل : وإنّما كان الأحسن في خبر (كان) إذا وقع ضميرا أن يكون منفصلا ؛ لأنه في الأصل خبر المبتدأ والخبر لا يكون متّصّلا ، وإنّما ساغ في (كان) أن يكون متّصّلا ؛ لأنه مشبّه بالمفعول فعلى هذا : (كنت إيّاه) أحسن من : (كنته).
فصل : وإنّما لم يجز دخول (إلّا) في خبر (ما زال) وأخواتها ؛ لأن معناها الإثبات فيصير ك (كان) فأمّا قول ذي الرّمة (1)
قال جرير : لو خرس ذو الرمة بعد قصيدته (ما بال عينيك منها الماء ينسكب) لكان أشعر الناس.
عشق (ميّة) المنقرية واشتهر بها. توفي بأصبهان ، وقيل : بالبادية.
: [الطويل]1) ذو الرمة : (77 - 117 ه / 696 - 735 م) وهو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي ، من مضر. من فحول الطبقة الثانية في عصره ، قال أبو عمرو بن العلاء : فتح الشعر بامرئ القيس وختم بذي الرمة. كان شديد القصر دميما ، يضرب لونه إلى السواد ، أكثر شعره تشبيب وبكاء أطلال ، يذهب في ذلك مذهب الجاهليين وكان مقيما بالبادية ، يختلف إلى اليمامة والبصرة كثيرا ، امتاز بإجادة التشبيه.
حراجيج ما تنفكّ إلّا مناخة
على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا
فيروى بالرفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف وموضع الجملة حال وبالنصب على الحال وتكون : (تنفكّ) تامّة و (على الخسف) حال أخرى ويجوز أن تكون الناقصة وتكون : (على الخسف) الخبر أي ما تنفكّ على الخسف إلا إذا أنيخت وعليه المعنى.
فصل : لا يجوز أن تبنى (كان) لما لم يسمّ فاعله لما ذكر في الباب الذي قبله ، وقال الفرّاء : يجوز وهو فاسد لما تقدّم.
فصل : ولا تؤكّد (كان) بالمصدر ؛ لأن المصدر دالّ على الحدث والناقصة لا تدلّ عليه ، وأجازه قوم على أن يكون المصدر لفظيّا كالفعل المؤكّد ، وقولهم : يعجبني كون زيد قائما فهو مصدر التامّة و (قائما) منصوب على الحال.
فصل : وحرف الجرّ الداخل على الخبر لا يعلّق بهذه الأفعال ؛ لأنه زائد وإنّما يتعلّق الحرف بالفعل الذي يعدّيه.
فصل : ولا تدخل (لام كي) على خبر كان ؛ لأنها تدلّ على المفعول له وهذا يجوز والخبر لا يجوز حذفه ولأنّ خبر كان يعلّل بغيره لا بنفسه ، وأمّا قوله تعالى : (ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران : 179] فالخبر فيه محذوف تقديره : ما كان الله مريدا ، ونحوه ، وقال الكوفيّون : هو الخبر ، وسنشبع القول فيه إن شاء الله تعالى في باب الأفعال.
فصل : وإنّما ساغ أن تزاد (كان) ؛ لأنها أشبهت الحروف في أنّ معناها في غيرها ، ول (كان) الزائدة فاعل مضمر فيها تقديره كان الكون على قول أبي سعيد السيرافي ، ولا فاعل لها عند أبي عليّ ، ومعنى زيادتها عند السيرافي في إلغاء عملها لا أنّها تخلو من فاعل ، وإنّما لم يظهر ضمير
فاعلها ؛ لأن الضمير يرجع إلى مذكور فيلزم أن يكون لها اسم ، وإذا كان لها اسم كان لها خبر ؛ ولهذا تبيّن فساد قول من قال في قول الفرزدق (1)
فكيف إذا رأيت ديار قومي
وجيرانن لنا كانوا كرام
من قصيدة مطلعها :
ألستم عائجين بنا لعنّا
نرى العرصات أو أثر الخيام
: [الوافر]وجيران لنا كانوا كرام
إنّ (كان) زائدة والصحيح أنّ خبرها (لنا) و (كرام) صفة لجيران ، وإنّما لم تقع الزائدة في أوّل الكلام ؛ لأن الزائدة فرع ومؤكّد وتقدّمه يخلّ بهذا المعنى.
فصل : وإنّما أكّد خبر : (ليس) بالباء لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ الكلام إذا زيد فيه قوي ؛ ولهذا زيدت (من) في قولك : ما جاءني من أحد.
والثاني : أنّها بإزاء (اللام) في خبر (إنّ).
والثالث : أنّ دخول حرف الجرّ يؤذن بتعلّق الكلمة بما قبلها من فعل أو ما قام مقامه ، ولو حذفه لكان مرفوعا أو منصوبا وكلاهما قد يحذف عامله ويبقى هو بخلاف حرف الجرّ.
فصل : وإنّما اختيرت (الباء) دون غيرها لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ أصلها الإلصاق ، والإلصاق يوجب شدّة اتصال أحد الشيئين بالآخر.
والثاني : أنّها من حروف الشفتين فهي أقوى من اللام وغيرها من حروف الجرّ.
والثالث : أنّ حروف الجرّ كلّها توجب مع تعديتها الفعل معنى كالتبعيض والملك والتشبيه وغير ذلك والباء لا توجب أكثر من تعدية الفعل ؛ ولذلك استعملت في القسم وهو باب التوكيد.
1) البيت كاملا :
القياس ألا تعمل (ما) ؛ لأنها غير مختّصة فهي كحرف الاستفهام والعطف وغيرهما ؛ ولهذا لم يعملها بنو تميم ، وإنّما أعملها أهل الحجاز لشبهها ب (ليس) وهي تشبهها في أربعة أشياء : النفي ، ونفي ما في الحال ، ودخولها على المبتدأ والخبر ، ودخول الباء في خبرها ، وقد تقرّر أنّ الشيء إذا أشبه غيره من وجهين فصاعدا حمل عليه ما لم يفسد المعنى ، ومنه باب ما لا ينصرف ولمّا أشبهتها عملت في المبتدأ والخبر ك (ليس) ، وقال الكوفيّون : خبرها منصوب بحذف حرف الجرّ ، وهذا فاسد لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ هذا يقتضي أنّ حرف الجرّ فيه أصل ، وليس كذلك.
والثاني : أنّ هذا هذا إيجاب العمل بالعدم.
والثالث : أنّ حرف الجرّ تحذف في مواضع ولا يجب النصب كقولك : بحسبك قول السوء ، وكفى بالله شهيدا ، وما جاءني من أحد.
فصل : وإنّما بطل عملها بدخول (إلا) لزوال شبهها ب (ليس) إذا كان الكلام يعود إلى الإثبات ، ولم يبطل عمل (ليس) بإلا ؛ لأنها أصل فأمّا قول الشاعر : [الطويل]
وما الدهر إلا منجنونا (1)
وأما قول عمرو بن أحمر :
ثمل رمته المنجنون بسهمها
فإنّ أبا الفضل أخبرني عن شيخ من أهل الأدب ، سمع أبا سعيد المكفوف يقول : هو الدهر في بيت أحمر.
قال أبو الفضل : المنجنون الدّولاب ، وأنشد :
ومنجنون كالأتان الفارق
بأهله
وما صاحب الحاجات إلا معذّبا
ففيه وجهان :
أحدهما : أنّ المنصوب مفعول به والخبر محذوف تقديره : إلا يشبه منجنونا وهو الدولاب في دورانه وإلا يشبه معذّبا.
والثاني : أنّ (منجنونا) و (معذّبا) منصوبان نصب المصادر ونائبان عن فعل تقديره : إلا يدور دورانا وإلا يعذب تعذيبا.
1) قال أبو الحسن اللحياني : المنجنون هي التي تدور ، جعلها مؤنثة.
فصل : وإنّما بطل عملها بتقديم الخبر ؛ لأن التقديم تصرّف ولا تصرّف ل (ما) ولأنّ التقديم فرع عمل و (ما) فرع فلا يجمع بين فرعين ، فأمّا قول الفرزدق (1)
زارت سكينة أطلاحا أناخ بهم
شفاعة النوم للعينين والسهر
: [البسيط]فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم
إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
بنصب مثل ، ففيه أربعة أوجه :
أحدها : أنّه غلط من الفرزدق ؛ لأن لغته تميميّة وهم لا ينصوبه بحال لكّنه ظنّ أنّ أهل الحجاز ينصبون خبرها مؤخرّا ومقدّما.
والثاني : أنّها لغة ضعيفة.
والثالث : أنّه حال تقديره : (إذ ما في الدنيا بشر مثلهم) فلمّا قدّم صفة النكرة نصبها وهذا ضعيف ؛ لأن العامل في الحال إذا كان معنى لا يحذف ويبقى عمله إلا أنّه سوّغه شبه : (مثل) بالظرف.
والرابع : أنّه ظرف تقديره : (وإذ ما مكانهم بشر) أي : في مثل حالهم إلّا أنّه سوّغه شبه مثل بالظرف.
فصل : ويبطل عملها بتقديم معمول الخبر (2)
بأهبة حزم لذ وإن كنت آمنا
فما كلّ حين من توالي مواليا
فإن كان غير ظرف أو مجرور بطل العمل نحو ما طعامك زيد آكل. ومنه قوله :
وقالوا تعرّفها المنازل من منى
وما كلّ من وافى منّى أنا عارف
وأجاز ابن كيسان بقاء العمل والحالة هذه (ورفع معطوف بلكن أو ببل من بعد) خبر (منصوب بما) الحجازية (الزم حيث حل) رفع مصدر نصب بالمفعولية لا لزم مضاف إلى مفعوله ، والفاعل محذوف ، والتقدير الزم رفعك معطوفا بلكن أو ببل إلى آخره. ، وإنما وجب الرفع لكونه خبر مبتدأ مقدر. ولا يجوز نصبه عطفا على خبر ما لأنه موجب وهي لا تعمل في الموجب ، تقول ما زيد قائما بل قاعد ، وما عمرو شجاعا لكن كريم ، أي بل هو قاعد ولكن هو كريم. فإن كان العطف بحرف لا يوجب كالواو والفاء جاز الرفع والنصب نحو ما زيد قائما ولا قاعد ولا قاعدا. والأرجح النصب.
كقولك : ما طعامك زيد آكل ؛ لأن معمول الخبر لا يقع إلا حيث يقع العامل فتقديمه كتقديم العامل ، ولو تقدّم العامل لكان مرفوعا1) من قصيدة مطلعها :
2) قال الأشموني في شرح الألفية : قال في شرح الكافية : من النحويين من يرى عمل ما إذا تقدم خبرها وكان ظرفا أو مجرورا وهو اختيار أبي الحسن بن عصفور (وسبق حرف جر) مع مجروره (أو ظرف) مدخولي ما مع بقاء العمل (كما بي أنت معنيّا) وما عندك زيد قائما (أجاز العلما) سبق مصدر نصب بالمفعولية لأجاز مضاف إلى فاعله ، والمراد أنه يجوز تقديم معمول خبر ما على اسمها إذا كان ظرفا أو مجرورا كما مثل. ومنه قوله :
فكذلك إذا تقدّم معموله وكلّ موضع لا ينتصب فيه خبر (ما) لا تدخل عليه الباء كما لا يدخل على خبر المبتدأ ، فإن قلت : (طعامك ما زيد آكلا) لم يجز نصبت الخبر أو رفعته ؛ لأن (ما) لها صدر الكلام وأجاز ذلك الكوفيّون وقاسوه على : (لا) و (لم) و (لن) ، وقد بيّنا فيما تقدّم أنّ (ما) أصل حروف النفي فلا يسوّى بينهما.
فصل : فإن قلت : (ما إن زيد قائم) بطل عملها لوجهين :
أحدهما : أنّ (ما) كفّت (إنّ) عن العمل فتكفّها عن عملها اقتصاصا.
والثاني : أنّ (ما) للنفي و (إن) تكون للنفي ، والنفي إذا دخل على النفي صار إثباتا فكذلك لفظ النفي وإن لم ترد به النفي.
فصل : ومن العرب من يعمل (لا) عمل (ما) لاشتراكهما في المعنى ، ومنه قول الشاعر (1)
وهو من ذرية الخطيب عبد الرحيم بن محمد بن نباتة. سكن الشام سنة 715 ه وولي نظارة القمامة بالقدس أيام زيارة النصارى لها فكان يتوجه فيباشر ذلك ويعود. ورجع إلى القاهرة سنة 761 ه فكان بها صاحب سر السلطان الناصر حسن.
وأورد الصلاح الصفدي في ألحان السواجع ، مراسلاته معه في نحو 50 صفحة. له (ديوان شعر - ط) و (سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون - ط). (سجع المطوق - خ) تراجم وغيرها.
: [مجزوء الكامل]من صدّ عن نيرانها
فأنا ابن قيس لا براح
أي : لا لي براح كقولك : مالي ، وقال العجّاج (2): [من الرجز]
1) البيت من شعر ابن نباتة المصري : (686 - 768 ه / 1287 - 1366 م) وهو محمد بن محمد بن محمد بن الحسن الجذامي الفارقي المصري أبو بكر جمال الدين. شاعر عصره ، وأحد الكتاب المترسلين العلماء بالأدب ، أصله من ميافارقين ، ومولده ووفاته في القاهرة.
2) العجاج : (ت 90 ه / 708 م) وهو عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صخر السعدي التميمي أبو الشعثاء راجز مجيد ، من الشعراء ، ولد في الجاهلية وقال الشعر فيها ، ثم أدرك الإسلام وأسلم وعاش إلى أيام الوليد بن عبد الملك ففلج وأقعد ، وهو أول من رفع الرجز ، وشبهه بالقصيد ، وكان بعيدا عن الهجاء ، وهو والد رؤبة الراجز المشهور.
تالله لو لا أن تحشّ الطبّح
بي الجحيم حين لا مستصرخ
ومنهم من يعملها مع الحين خاصّة كقوله تعالى : (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) [ص : 3] تقديره ، وليس الحين حين مستضرح.
وقال الأخفش : هو منصوب بفعل محذوف ، أي : ولات أرى حين مناص. وقال قوم : هو مبنيّ مع (لا). ومن العرب من يرفع الحين هنا ويحذف الخبر.
فأمّا : (التاء) فقال قوم هي متصلة ب (لا) دخلت لتأنيث الكلمة كما دخلت في (ربّ) و (ثمّ) وعلى هذا يوقف عليها بالتاء ؛ لأنها أشبهت التاء اللاحقة بالفعل في دلالتها على التأنيث في غير لفظها وفتحت ليفرقّ بين الحرف والفعل ، ولو قيل : حرّكت لالتقاء الساكنين كان وجها ، وقال الكسائيّ : يوقف عليها بالهاء لتحرّكها ، ومنهم من قال : هي متصّلة بحين كما قالوا : (تلان).
وهما فعلان (1)
(أحدهما) اسم ظاهر معرّف ب «أل» الجنسيّة نحو : (نِعْمَ الْعَبْدُ) (الآية «44» من سورة ص) و (بِئْسَ الشَّرابُ) (الآية «29» من سورة الكهف) أو معرّف بالإضافة إلى ما قارنها نحو : (وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ) (الآية «30» من سورة النحل) (فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) (الآية «29» من سورة النحل) أو بالإضافة إلى المضاف لما قارنها كقول أبي طالب :
فنعم ابن أخت القوم غير مكذّب
زهير حسام مفرد من حمائل
(الثاني) ضمير مستتر وجوبا مميّز إمّا بلفظ «ما» بمعنى شيء «ما» الواقعة بعد «نعم» على ثلاثة أقسام : «أ» مفردة أي غير متلوّة بشىء ، نحو دققته دقّا نعمّا ، وهي معرفة تامة فاعل ، والمخصوص محذوف ، أي نعم الشيء الدّقّ. «ب» متلوّة بمفرد نحو «فنعمّا هي» و «بئسما تزويج ولا مهر» وهي معرفة تامّة فاعل ، وما بعدها هو المخصوص ، أي نعم الشيء هو ، وبئس هذا الشيء تزويج ولا مهر.
عند البصريّين والكسائي واسمان عند الباقين ، والدليل على أنّهما فعلان ثلاثة أشياء :أحدهما : اتّصال تاء التأنيث الساكنة الدّالة على تأنيث الفاعل بها ، وليس كذلك تاء : (ربّت) و (ثّمت) ؛ لأنها متحرّكة غير دالة على تأنيث الفاعل ، وقد وقف عليها قوم بالهاء.
والثاني : أنّه يستتر فيها الضمير وليست اسم فاعل ولا مفعول ولا ما أشبههما ، وقد حكى الكسائيّ : نعموا رجالا الزيدون.
والثالث : أنّها ليست حرفا بالاتفاق ولا سيما وهي تفيد مع اسم واحد ، ولا يجوز أن تكون اسما إذ لو كانت اسما لكانت إمّا أن تكون مرفوعة ولا سبيل إلى ذلك إذ ليست فاعلا ولا مبتدأ ولا ما شبّه بهما ، وإمّا منصوبة ولا سبيل إليه أيضا إذ ليست مفعولا ولا ما شبّه به وإمّا مجرورة ولا سبيل إليه ، فأمّا دخول (الباء) عليها في بعض الحكايات فلا يدلّ على أنّها اسم كما قال الراجز : [مشطور الرجز]
والله ما ليلي بنام صاحبه ... (2)
والله ما ليلي بنام صاحبه
ولا مخالط اللّيان جانبه
والتقدير في ذلك كلّه بمقول فيه وحذف القول كثير.
وأمّا ما حكي أنّهم قالوا : (نعيم) فشادّ والياء فيها ناشئة عن إشباع الكسرة ، وأمّا دخول اللام عليها في نحو قوله تعالى : (وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ) [النحل : 30] فهو جواب قسم كما قال : [البسيط]
إذن لقام بنصري (1)
ومسّني في حمى أبنائهم حزن
إذن لقام بنصري معشر خشن
والقصيدة من شعر صفيّ الدين الحلّي : (675 - 750 ه / 1276 - 1349 م) وهو عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم ، السنبسي الطائي. شاعر عصره ، ولد ونشأ في الحلة ، بين الكوفة وبغداد ، واشتغل بالتجارة فكان يرحل إلى الشام ومصر وماردين وغيرها في تجارته ويعود إلى العراق.
انقطع مدة إلى أصحاب ماردين فتقّرب من ملوك الدولة الأرتقية ومدحهم وأجزلوا له عطاياهم. ورحل إلى القاهرة ، فمدح السلطان الملك الناصر وتوفي ببغداد.
له (ديوان شعر) ، و (العاطل الحالي) : رسالة في الزجل والموالي ، و (الأغلاطي) ، معجم للأغلاط اللغوية و (درر النحور) ، وهي قصائده المعروفة بالأرتقيات ، و (صفوة الشعراء وخلاصة البلغاء) ، و (الخدمة الجليلة) ، رسالة في وصف الصيد بالبندق.
ومطلع هذه القصيدة :
يا للحماسة ضاقت بينكم حيلي
وضاع حقّي بين العذر والعذل
...وكقول الآخر : [الطويل]
... (2)
حلفت لها بالله حلفة فاجر
لناموا فما إن من حديث ولا صال
وهو من شعر امرئ القيس.
لناموا فما إن من حديث ولا صالوأمّا دخول : (يا) عليها في نحو قولهم : (يا نعم المولى) فالمنادى محذوف ، أي : يا الله أنت نعم المولى كما قالوا : (يالعنه الله) وكقراءة من قرأ : ألا يا اسجدوا وكقوله : (يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) [يس : 26] ، وأمّا عدم تصرّفها فلم نذكره بعد.
فصل : والأصل في : (نعم) نعم الرجل إذا أصاب نعمة ، و (بئس) إذا أصاب بؤسا مكسور العين وفيها أربع لغات هذه أحداها ، وقد جاءت في شعر طرفة : [الرمل]
... (1)
خالتي والنفس قدما أنّهم
نعم الساعون في القوم الشطر
وهو من قصيدة مطلعها :
أصحوت اليوم أم شاقتك هر
ومن الحبّ جنون مستعر
نعم الساعون في الأمر المبرّوثانيهما : كسر النون وإسكان العين والوجه فيه أنّهم نقلوا كسرة العين إلى الفاء.
وثالثها : كسرها على الاتباع.
ورابعها : فتح النون على الأصل وإسكان العين على التخفيف وهذا مستمرّ في كلّ فعل أو اسم مكسور العين إذا كانت عينه حرفا حلقيا.
فصل : وإنّما كان هذا الفعل ماضيا غير متصرّف لوجهين :
أحدهما : أنّه لمّا أخرج إلى معنى أشبه الحرف في دلالته على المعنى فجمد كما جمد الحرف.
والثاني : أنّه موضوع للمبالغة في المدح والذمّ ، وإنّما يصدر ذلك ممّن علم أن ثمّ صفات توجب ذلك فهو ممدحة أو مذّمة بما فيه لا بما ينتظره.
فصل : وإنّما كان فاعل : (نعم) و (بئس) جنسا معرّفا باللام لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ (نعم) لّما كانت للمدح العامّ جعل فاعلها مطابقا لمعناها.
والثاني : أنّ الجنس يذكر تنبيها على أن المخصوص بالمدح أفضل جنسه.
والثالث : أنّ الجنس ذكر للإعلام بأنّ كلّ فضيلة وكلّ رذيلة افترقت في جميع الجنس مجتمعة في المخصوص بالمدح والذمّ.
فإن قيل : لو كان جنسا لما ثنّي ولا جمع؟
قيل : إنّما ثنّي وجمع على معنى : إنّ زيدا يفضل هذا الجنس إذا ميّزوا رجلين رجلين أو رجالا رجالا.
وقيل : إنّما ثنّي وجمع ليكون على وفاق المخصوص بالمدح والذمّ في التثنية ، وإنّما كان المضاف إلى الجنس كالجنس ؛ لأن المضاف يكتسي تعريف المضاف إليه ، وإنّما جاز إضماره لما فيه
1) والبيت كاملا في الديوان :
من الاختصار مع فهم المعنى ولم يظهر فيه ضمير التثنية والجمع استغناء بصيغة الاسم الممّيز للضمير ؛ إذ هو في المعنى وجاز الإضمار قبل الذكر لوجهين :
أحدهما : أنّه إضمار على شريطة التفسير.
والثاني : أنّ المظهر ليس يراد به واحد بعينه ففيه نوع إبهام والمضمر قبل الذكر كذلك وهذا مثل قولهم : (ربّه رجلا) والاختيار أن يجمع بين الفاعل والتمييز ؛ لأنّ التمييز ههنا مفسّر للمضمر ولا مضمر وإن جاء منه شيء في الشعر فشاذّ يذكر على وجه التوكيد ، وجعله أبو العبّاس قياسا.
فصل : وأمّا المخصوص بالمدح والذمّ ففي رفعه وجهان :
أحدهما : هو خبر مبتدؤه محذوف.
والثاني : هو مبتدأ والجملة قبله خبره ولم يحتج لى ضمير ؛ لأن الجنس مشتمل عليه فيجرى مجرى الضمير كما قالوا : [الطويل]
وأمّا القتال لا قتال لديكم (1)
فأمّا القتال لا قتال لديكم
ولكنّ سيرا في عراض المواكب
وهو من شعر الحارث المخزومي : (80 ه / 699 م) وهو الحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي ، من قريش.
شاعر غزل ، من أهل مكة نشأ في أواخر أيام عمر بن أبي ربيعة وكان يذهب مذهبه ، لا يتجاوز الغزل إلى المديح ولا الهجاء.
وكان يهوى عائشة بنت طلحة ويشبب بها ، وله معها أخبار كثيرة.
ولاه يزيد بن معاوية إمارة مكة ، فظهرت دعوة عبد الله بن الزبير ، فاستتر الحارث خوفا ، ثم رحل إلى دمشق وافدا على عبد الملك بن مروان فلم ير عنده ما يحب ، فعاد إلى مكة وتوفي بها.
...[البيت الآخر : الطويل]
وأمّا الصدور لا صدور لجعفر (2)
فأما الصدور لا صدور لجعفر
ولكن أعجازا شديدا ضريرها
...فصل : وقد حذف فاعل : (نعم) من اللفظ تارة والمخصوص أخرى ، وقد حذفا جميعا في نحو قوله تعالى : (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) [الكهف : 50] والتقدير : بئس البدل إبليس وذريّته وجاز ذلك لتقدّم ذكره ومن حذف المخصوص قوله تعالى : (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا) [الجمعة : 5].
ف- (الذين) صفة للقوم ، والتقدير : بئس مثل القوم هذا المثل ، ويجوز أن يكون الذين فى موضع رفع ، أي : بئس مثل القوم ، أي : مثل الذين فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، وأمّا قوله تعالى : (ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ) [الأعراف : 177] ف (ساء) بمنزلة (بئس). والتقدير : ساء المثل مثلا مثل القوم فعمل فيه ما ذكرناه ، وساء بمنزلة بئس فى جميع الأحكام.
فصل : إذا كان الفاعل مؤنّثا هنا كان ثبوت التاء كغيره من الأفعال ويجوز حذفها ؛ لأنّ الفاعل جنس ، والجنس مذكّر ، فغلّب المعنى كما قالوا : ما قام إلا هند ، أي : ما قام أحد إلّا هند.
(حبّ) (1)
ألا حبّذا عاذري في الهوى
ولا حبّذا الجاهل العاذل
ف «حبّ» فعل ماض ، والفاعل «ذا» وهي اسم إشارة ولا يغيّر عن صورته مطلقا لجريانه مجرى الأمثال ، وجملة «حبّذا» من الفعل والفاعل خبر مقدّم ، ومخصوصه وهو «عاذري» مبتدأ مؤخرا أو خبر لمبتدأ محذوف.
والحاء من حبّ مع «ذا» مفتوحة وجوبا ، وبدونها تفتح أو تضم ، ومثل حبّذا إعراب «لا حبّذا إعراب» لا حبّذا الجاهل «إلا» أنّ فيه زيادة «لا» وهي النافية ، وتفترق «حبّذا» عن نعم وبئس من وجوه :
(أ) أنّ مخصوص «حبّذا» لا يتقدّم بخلاف مخصوص «نعم».
(ب) مخصوصها لا تعمل فيه النّواسخ بخلاف مخصوص «نعم» نحو : «نعم رجلا كان عليّا».
(ج) أنّه قد يتوسّط بين حبّذا ومخصوصها حال أو تمييز يطابقانه نحو «حبّذا قارئا خالد» و «حبّذا مسافرين خالدان» و «حبّذا رجلا محمّد» بخلاف «نعم».
فعل ماض وأصله : (حبب) مثل ظرف ؛ لأن اسم الفاعل منه : حبيب ، وهو لازم ، فأمّا : (حببت الرجل) فهو فعلت مثل : ضرب ، واختلفوا فيها على ثلاثة أقوال :أحدها : أنّه غير مركّب وفاعله : (ذا) والاسم المرتفع بعده كالمرتفع بعد فاعل (نعم) فى الوجهين ، إلا أنّه لا يجوز تقديمه هنا على حبّذا ؛ لأن حبّذا صارت كالحرف المثبت لمعنى فيغيره فيكون له صدر الكلام وهذا هو الأصل.
والقول الثاني : أنّ (حبّ) ركّبت مع (ذا) وصارا فى تقدير اسم مرفوع بالابتداء ، و (زيد) خبره ، وتقدير المقرّب إلى القلب زيد ، واحتجّ على ذلك بحسن ندائه كقولهم : [البسيط]
يا حبّذا جبل الريّان من جبل (2)
يا حبّذا جبل الريّان من جبل
وحبّذا ساكن الريان من كانا
وهو من شعر ابن الرومي : (221 - 283 ه / 836 - 896 م) وهو علي بن العباس بن جريج أو جورجيس ، الرومي.
شاعر كبير ، من طبقة بشار والمتنبي ، رومي الأصل ، كان جده من موالي بني العباس. ولد ونشأ ببغداد ، ومات فيها مسموما قيل : دس له السمّ القاسم بن عبيد الله - وزير المعتضد - وكان ابن الرومي قد هجاه.
قال المرزباني : لا أعلم أنه مدح أحدا من رئيس أو مرؤوس إلا وعاد إليه فهجاه ، ولذلك قلّت فائدته من قول الشعر وتحاماه الرؤساء وكان سببا لوفاته. وقال أيضا : وأخطأ محمد بن داود فيما رواه لمثقال (الوسطي) من أشعار ابن الرومي التي ليس في طاقة مثقال ولا أحد من شعراء زمانه أن يقول مثلها إلا ابن الرومي.
...يا حبّذا القمراء (1)
يا حبّذا القمراء والليل الساج
وطرق مثل ملاء النساج
...وكقولهم : (ما أحيبذه) فصغروه تصغير المفرد ، وبأنّه لم يثنّ ولم يجمع ولم يؤنّث وبأنّه لا يحذف ويضمر فى الفعل كما فعل فى (نعم) ، وهذه الأوجه لا يعتمد عليها ؛ لأن المنادى محذوف تقديره : (يا قوم) كما قالوا : (ألا يا اسلمي ...) فأدخلوها على الفعل ، وأمّا المنع من تنثيته وجمعه فلما يذكر من بعد ، وأمّا قولهم : ما أحبيذه! فمن الشذوذ الذي لا يستدلّ به على أصل.
الثالث : أنّ جعل التركيب كالفعل وارتفع زيد به.
فصل : وإنّما لم يثنّ ولم يجمع كما فعل فى فاعل (نعم) لتركيبه عند من يرى التركيب ومن لم يره ففيه وجهان :
أحدهما : أنّ (ذا) لمّا كان عبارة عن المذكور أو المقرّب من القلب كان جنسا ولفظ الجنس مفرد لم يغيّره عن ذلك.
والثاني : أنّ المفرد هو الأصل ويبقى هنا على لفظه ؛ لأنه صار كالمثل والأمثال لا تغيّر عن أوّليتها ، ولم يضمر فاعل (حبّ) لئلّا يبطل معنى الإشارة.
فصل : والنكرة تنصب بعده على التمييز وجاز الجمع بينهما ؛ لأنها ليست من لفظ الفاعل بخلاف باب (نعم) والاسم المخصوص بالتقريب مرفوع وفيه أربعة أوجه :
الأوّل : هو خبر ابتداء بمحذوف.
والثاني : هو مبتدأ و (حبذا) خبره ولمّا كانت (ذا) تشبه الضمير كانت كالعائد على المبتدأ ، ولا يجوز على هذا الوجه زيد حبّذا كما جاز في (نعم) لجريان (حبّذا) مجرى المثل وحروف المعاني.
والثالث : أنّه تبيين للفاعل.
والرابع : أنّه بدل لازم ومن جعل (حبّذا) مركّبا كان (زيد) خبره أو فاعله.
1) البيت كاملا في القمراء :
وهي فعل بدليل اتّصال الضمائر بها وتاء التأنيث الساكنة نحو : عسيت وعسوا وعسين وعست ، ومعناها : الإشفاق والطمع في قرب الشيء كقولك : عسى زيد أن يقوم ، أي : أطمع في قرب قيامه وهي فعل ماض لأنّك تخبر بها عن طمع واقع في أمر مستقبل ، ولا يكون منها مستقبل ولا اسم فاعل بل هي فعل جامد ، وإنّما كانت كذلك لوجهين (1)
(أحدهما) أنّه إذا تقدّم على إحداهنّ اسم وهو الفاعل في المعنى ، وتأخر عنها «أن والفعل» نحو «عمرو عسى أن ينتصر» جاز تقدير عسى خالية من ضمير ذلك الاسم المتقدم عليها ، فتكون رافعة للمصدر المقدّر من أن والفعل مستغنى به عن الخبر وهي حينئذ تامّة ، وهي لغة الحجاز. وجاز تقديرها رافعة للضمير العائد إلى الاسم المتقدّم ، فيكون الضّمير اسمها ، وتكون «أن والفعل» في موضع نصب على الخبر ، فتكون ناقصة ، وهي لغة بني تميم.
ويظهر أثر التّقديرين في حال التّأنيث والتثنية والجمع ، المذكر والمؤنث ، فتقول على تقدير الإضمار في عسى - وهو أنها ناقصة عاملة - «هند عست أن تفلح». «العمران عسيا أن ينجحا».
و «الزّيدون عسوا أن يفلحوا» و «الفاطمات عسين أن يفلحن» وتقول على تقدير الخلو من الضمير - وهو استغناؤها بالفاعل عن الخبر في الأمثة - جميعها من غير أن تتصل بعسى أداة تأنيث أو تثنية أو جمع وهو الأفصح ، تقول : «هند عسى أن تفلح» و «الخالدان عسى أن يأتيا» وهكذا في الباقي وبه جاء التنزيل قال تعالى : (لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ ، وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَ) (الآية «11» من سورة الحجرات).
(الفرع الثاني) أنه إذا ولي أحد هذه الأفعال الثّلاثة «أن والفعل» وتأخّر «عنها اسم هو الفاعل في المعنى ، نحو «عسى أن يجاهد عليّ» جاز الوجهان السّابقانن : أن يكون الاسم وهو «عليّ» في ذلك الفعل المقرون بأن خاليا من الضّمير العائد إلى الاسم المتأخر ، فيكون الفعل مسندا إلى ذلك الاسم المتأخّر ، وهو يجاهد وتكون عسى مسندة إلى أن والفعل مستغنى بهما عن الخبر فتكون تامّة.
والثاني : أنّه يجوز أن يقدّر ذلك الفعل متحمّلا لضمير ذلك الاسم المتأخّر (وعندئذ يعود الضمير على متأخر لفظا لا رتبة وهذا جائز) ، فيكون الاسم المتأخّر مرفوعا بعسى وتكون أن والفعل في موضع نصب على الخبريّة لعسى مقدما على الاسم ، فتكون ناقصة.
ويظهر أثر الاحتمالين أيضا في التأنيث والتّثنية والجمع المذكّر والمؤنّث ، فنقول على الثاني - وهو أن يكون الاسم المتأخّر اسما ل «عسى» - «عسى أن يقوما أخواك» و «عسى أن يقوموا إخوتك» و «عسى أن تقمن نسوتك» و «عسى أن تطلع الشّمس» لا غير.
:1) تختصّ «عسى واخلولق وأوشك» بجواز إسنادهنّ إلى «أن يفعل» ولا تحتاج إلى خبر منصوب ، فتكون تامّة ، نحو (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (الآية «216» من سورة البقرة) وينبني على هذا فرعان :
أحدهما : أنّها أشبهت الحروف إذ كان لها معنى فى غيرها وهو الدلالة على قرب الفعل الواقع بعدها ، وحكم الفعل أن يدلّ على معنى فينفسه وشبهها بالحرف يوجب جمودها كما أنّ الحرف جامد.
والثاني : أنّها تشبه (لعلّ) فى الطمع والإشفاق فتلزم صيغة واحدة ك (لعلّ).
فصل : إذا وقع الفعل الذي دلّت عليه (عسى) بعد الاسم كان موضعه نصبا كقولك : عسى زيد أن يقوم. وقال الكوفيّون : موضعه رفع على أنّه بدل ممّا قبله.
والدليل على القول الأوّل من وجهين :
أحدهما : أن (زيدا) هنا فاعل (عسى) ومعناها قارب زيد فيقتضي مفعولا وهو قولك : (أن يقوم).
والثاني : أنّ (عسى) دلّت على معنى في قولك : (أن يقوم) كما دلّت (كان) على معنى في الخبر فوجب أن يكون منصوبا كخبر (كان) يشهد له قول الشاعر (1)
وفي الوفيات : لما مات رؤبة قال الخليل : دفنا الشعر واللغة والفصاحة.
: [الرجز]أكثرت في العذل ملحّا دائما
لا تلحني إنّي عسيت صائما
ومنه المثل : (عسى الغوير أبؤسا) ولا يصحّ أن يقدّر ب (أن يكون أبوسا) لما فيه من حذف الموصول وإبقاء صلته ولا يصحّ جعله بدلا لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ البدل لا يلزم ذكره وهذا يلزم ذكره.
والثاني : أنّه في معنى المفعول والخبر الذي دلّت عليه (عسى) ، وليس هذا حكم البدل.
والثالث : أنّه قد جاء الفعل الذي دلّت عليه (عسى) وإبدال الفعل من الاسم لا يصحّ.
فصل : وإنّما كان خبر عسى فعلا مستقبلا ؛ لأنها تدل على المقاربة ، والمقاربة في الماضي محال ؛ لأنه قد وجد ولم يكن اسما إذ لا دلالة للاسم على الاستقبال ، وإنّما لزمت فيه (أن)
1) البيت من شعر رؤبة بن العجاج : (145 ه / 762 م) وهو رؤبة بن عبد الله العجاج بن رؤبة التميمي السعدي أبو الجحّاف أو أبو محمد. راجز ، من الفصحاء المشهورين ، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. كان أكثر مقامه في البصرة ، وأخذ عنه أعيان أهل اللغة وكانوا يحتجون بشعره ويقولون بإمامته ف اللغة ، مات في البادية ، وقد أسنّ.
لتمحّضه على الاستقبال ، ولم يكن : (السين) و (سوف) ؛ لأنّهما يدلّان على نفس زمان الفعل والغرض هنا تقريبه فإن جاء شيء من ذلك فهو شاذّ.
فصل : وإذا وقع : (أن والفعل) قبل الاسم فموضعه رفع على أنّه فاعل (عسى) ويكون معناها : (قرب) ولا تقتضي مفعولا أو يكون هذا الفاعل لم تضمنّه من الحدث مغنيا عن الخبر.
فصل : وأمّا (كاد) ففعل متصرّف يدلّ على شدّة مقاربة الفعل ومن ههنا لم يدخل خبرها :
(أن) ليكون لفظه كلفظ فعل الحال ، فإن جاءت فيه (أن) فهو شاذّ محمول على (عسى) كما حملت عسى على (كاد) فإن تقدّم الفعل كقوله تعالى : (مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) [التوبة : 117] كان فيها أربعة أوجه :
أحدها : أن يكون فيها ضمير الشأن والجملة بعدها مفسّرة.
والثاني : أن تكون : (تزيغ) حالا مغنية عن الخبر.
والثالث : أن تكون : (تزيغ) في نيّة التأخير.
والرابع : أن يكون فاعل : (كاد) ضميرا القبيل ، أي : كاد القبيل وأضمر ليقوم ما يدلّ عليه وهذا قول أبى الحسن.
فصل : إذا كانت : (كاد) مثبتة في اللفظ فالفعل غير واقع فى الحقيقة كقولك : كاد زيد يقوم ، أي : قارب ذاك ولم يقم ، وإن كانت منفية فهو واقع في الحقيقة كقولك : لم يكد يقوم ؛ لأن المعنى قارب ترك القيام.
فأمّا قوله تعالى : (لَمْ يَكَدْ يَراها) [النور : 40] فقد اضطربت فيه الأقوال ، فقال بعضهم : التقدير لم يرها ولم يكد وهذا خطأ ؛ لأن قوله : (لَمْ يَكَدْ) إن كانت على بابها نقض الثاني الأوّل ؛ لأنه نفى الرؤية ثمّ أثبتها ، وإن لم تكن على بابها فلا حاجة إلى تقدير الفعل الأوّل. وقال الآخرون : إنّه رآها بعد اليأس من ذلك وهذا أشبه بالمعنى واللفظ.
التّعجّب : هو الدهش من الشيء الخارج عن نظائره المجهول سببه ، وقد قيل : إذا ظهر السبب بطل العجب ، واللفظ الموضوع له بحقّ الأصل : (ما أفعله!) فأمّا : (أفعل به!) فمعدول به عن أصله على ما سنبيّنه.
فصل : و (ما) فى التّعجّب نكرة غير موصولة مبتدأ. و (أحسن) خبرها ، وقال أبو الحسن : هي بمعنى الذى و (أحسن) صلتها والخبر محذوف (1)
الصّيغة الأولى «ما أفعله» : هذه الصّيغة مركبة من «ما» و «أفعله» فأمّا «ما» فهي اسم إجماعا ، لأنّ في «أفعل» ضميرا يعود عليها ، كما أجمعوا على أنها مبتدأ ، لأنها مجرّدة للإسناد إليها.
ثم اختلفوا : فعند سيبويه أنّ «ما» نكرة تامّة بمعنى شيء ، وجاز الابتداء بها لتضمّنها معنى التّعجّب وما بعدها خبر ، فموضعه رفع. وعند الأخفش : هي معرفة ناقصة. بمعنى الذي ، وما بعدها صلة فلا موضع له ، أو نكرة ناقصة وما بعدها صفة ، وعلى هذين فالخبر محذوف وجوبا (وليس هذا القول بالمرضي كما في الرّضي ، لأنه حذف الخبر وجوبا مع عدم ما يسدّ مسدّه ، وأيضا ليس في هذا التقدير معنى الإبهام اللائق في التعجب كما كان في تقدير سيبويه) تقديره : شيء عظيم.
وأمّا «أفعل» فالصحيح (وهو قول سيبويه والكسائي) : أنها فعل للزومه مع ياء المتكلّم نون الوقاية نحو «ما أفقرني إلى رحمة الله». ففتحته فتحة بناء ، وما بعده مفعول به (وقال بقية الكوفيين : اسم لمجيئه مصغرا في قوله : «يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا» ففتحته فتحة إعراب) :
الصيغة الثانية «أفعل به» : أجمعوا على فعليّة «أفعل» وأكثرهم على أن لفظضه لفظ الأمر ومعناه الخبر ، وهو في الأصل ماض على صيغة «أفعل» بمعنى صار ذا كذا ، ثمّ غيّرت الصّيغة فقبح إسناد صيغة الأمر إلى الاسم الظاهر ، فزيدت الباء في الفاعل ليصير على صورة المفعول به ولذلك التزمت (وقال الفرّاء والزّجّاج والزّمخشري وغيرهم : لفظه الأمر ، وفيه ضمير للمخاطب ، والباء للتعدية ، فمعنى : «أجمل بالصّدق» اجعل يا مخاطب الصدق جميلا أي صفه بالجمال كيف شئت).
.والدليل على الأوّل من وجهين :
أحدهما : أنّ التعجّب من مواضع الإبهام ف (الذي) فيها إيضاح بصلتها.
1) هو انفعال في النّفس عند شعورها بما يخفى سببه ؛ فإذا ظهر السّبب بطل العجب. وصيغ التّعجّب : للتّعجّب صيغ كثيرة ، منها قوله تعالى : (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ) (الآية «28» من سورة البقرة) وفي الحديث : (سبحان الله إنّ المؤمن لا ينجس). ومن كلام العرب «لله درّه فارسا» والمبوّب له في كتب العربيّة صيغتان لا غير ولا تتصرّفان : «ما أفعله ، وأفعل به». لا طّرادهما فيه نحو «ما أجمل الصّدق» و «أكرم بصاحبه». وبناؤه أبدا - كما يقول سيبويه - من «فعل» و «فعل» و «فعل» و «أفعل».
والثاني : أنّ تقدير الخبر هنا لا فائدة فيه ؛ إذ تقديره الذي أحسن زيدا شيء وهذا لا يستفيد منه السامع فائدة ، وإنّما جاز الابتداء بهذه النكرة ؛ لأن الغرض منه التعجّب لا الإخبار المحض ، وإنّما عدل عن (شيء) إلى (ما) ؛ لأن (ما) أشدّ إبهاما إذ كانت لا تثنّى ولا تجمع ولا تقع للتحقير ، ولأنّها يؤكّد بها إبهام (شيء) فيقال : ما أخذت منه شيئا ما ، فإنّها تثنّى وتجمع وتذكر للتحقير كقولك : عندي شييء أي حقير.
ولم يستعملوا في التعجب : (من) بمن يعقل ولا : (أيّا) ؛ لأنها كشي فيما ذكرنا.
فصل : فأمّا صيغة : (أفعل) في التعجّب ففعل لثلاثة أوجه :
أحدها : إلحاق نون الوقاية بها في قولك : ما أحسنني! فهو كقولك : أكرمنى ، وليس الأسماء كذلك ولا عبرة بما جاز في الشعر من ذلك قوله : [البسيط]
... وليس حاملني إلا ابن حمّال
لشذوذه والاضطرار إليه.
والثاني : أنّ (أفعل) هذه تنصب المتعّجب منه على أنّه مفعول به ، ولا تجوز إضافته إليه على الفتح أبدا ، ولو كان اسما لأعرب.
وقال بعض الكوفييّن : هو اسم ؛ لأنه يصغر ولا تلحقه الضمائر ولا تاء التأنيث وتصحّ فيه الواو والياء كقولك : ما أخوفني وما أسيرني! ، وليس كذلك الفعل.
والجواب : أنّ التصغير جاز في هذا الفعل لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّه نائب عن تصغير المصدر كما أنّ الإضافة إلى الفعل في اللفظ وهي في التقدير إلى مصدره.
والثاني : أنّ هذا الفعل أشبه الاسم في جموده.
والثالث : أنّ لفظة : (أفعل) هنا مثل لفظة : (هو أفعل منك) وللشبه اللفظي أثّركما في باب مالا ينصرف.
وأمّا خلوّة عن الضمير فإنّما كان كذلك ؛ لأن فيه ضمير : (ما) وهي مفردة بكلّ حال ، وكذلك امتناع تاء التأنيث ؛ لأن : (ما) مذكّر ، وأمّا الواو والياء فلا حجّة فيها فإنّ من الأفعال
ما هو كذلك كقوله تعالى : (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ) [المجادلة : 19] ولأنّ هذا الفعل أشبه الاسم وأشبه لفظه : (أفعل منك) فأجري عليه في الصحّة حكمها.
فصل : ولا يكون التعجّب إلا من وصف موجود في حال التعجّب منه ؛ ولذلك كانت الصيغة الدالّة عليه صيغة الماضي ؛ لأن فعل الحال لا يتكامل حتّى ينتهي والمستقبل معدوم فأمّا قولهم : ما أطول ما يخرج هذا الغلام!! فجاز ؛ لأن أمارات طوله في المستقبل موجودة في الحال.
فصل : الأصل في فعل التعجّب أن يكون من أفعال الغرائز ؛ لأنها هي التي تخفى ؛ فإذا زادت تعّجب منها لخفاء سببها ، وأمّا قولهم : ما أضرب زيدا لعمرو فإنّما تعجّب منه لتكرّره وخفاء سبب ذلك حتّى صار كالغريزيّ.
فصل : ولا يبنى فعل التعجب إلّا من الثلاثيّ (1)
(الأوّل) أن يكون فعلا فلا يقال : ما أحمره : من الحمار ، لأنّه ليس بفعل.
(الثاني) أن يكون ثلاثيا فلا يبنيان من دحرج وضارب واستخرج إلا «أفعل» فيجوز مطلقا (عند سيبويه).
وقيل يمتنع مطلقا ، وقال يجوز إن كانت الهمزة لغير نقل (المراد بالنقل : نقل الفعل من اللزوم إلى التعدي ، أو من التعدي لواحد إلى التعدي لاثنين ، أو من التعدي لاثنين إلى التعدي لثلاثة وذلك بأن وضع الفعل على همزة). نحو «ما أظلم هذا الليل» و «ما أقفر هذا المكان».
(الثّالث) أن يكون متصرّفا ، فلا يبنيان من «نعم» و «بئس» وغيرهما ممّا لا يتصرّف.
(الرابع) أن يكون معناه قابلا للتّفاضل ، فلا يبنيان من فني ومات.
(الخامس) أن يكون تامّا ، فلا يبنيان من ناقص من نحو «كان وظلّ وبات وصار».
(السادس) أن يكونض مثبتا ، فلا يبنيان من منفيّ ، سواء أكان ملازما للنّفي ، نحو «ما عاج بالدّواء» أي ما انتفع به ، أم غير ملازم ك «ما قام».
(السابع) أن لا يكون اسم فاعله على «أفعل فعلاء» فلا يبنيان من : «عرج وشهل وخضر الزّرع». لأنّ اسم الفاعل من عرج «أعرج» ومؤنثه «عرجاء» وهكذا باقي الأمثلة.
(الثامن) أن لا يكون مبنيّا للمفعول فلا ينيان من نحو «ضرب» وبعضهم ويستثني ما كان ملازما لصيغة «فعل» نحو «عنيت بحاجتك» و «زهي علينا» فيجيز «ما اعناه بحاجتك» و «ما أزهاه علينا».
؛ لأن الغرض منه أن يصير ما كان فاعلا مفعولا كقولك : حسن زيد وتبني منه أحسن زيدا كقولك : فرح زيد وأفرحت زيدا ؛ ولهذا ينتقل عن اللزوم إلى التعدّي ، ولا يعدّى بالهمزة إلا الثلاثي ، فأمّا الرباعيّ يعدّى بها فلا1) لا يصاغ فعلا التّعجّب إلّا ممّا استكمل ثمانية شروط :
تقول في : (دحرج) : (أدحرجته) والعلّة في ذلك : أنّ الهمزة لمّا أحدثت معنى التعدّي صارت كحرف من الفعل أصليّ ، وليس فى الأفعال ما هو على خمسة أحرف أصول لما في ذلك من الثقل وكثرة أمثلة الفعل ؛ ولهذا لم يكن في الرباعي حرف إلحاق وكان في الثلاثيّ مثل : (جلبب) فأمّا قولهم : ما أعطاه للمال وأولاه للخير وأفقره إلى كذا!! وما أشبه فإنّه على أربعة أحرف غير همزة التعديّ إلا أنّ حرفا منها زائد كالهمزة في : (أعطى وأولى) فحذفوها فبقي : (عطى) و (ولى) ولهما معنى ، فلمّا أرادوا التعجّبّ حذفوا الهمزة التى كانت قبل ذلك وجعلوا همزة التعجّب عوضا عنها ، وأمّا (أفقر) فلا يستعمل منه : (فقر) ولكن : (افتقر) إلا أنّ الأصل يستعمل ؛ لأنه قد جاء الفاعل منه : (فقير) فهو مثل : (ظرف) وظريف) فلّمّا تعجبوا منه أخرجوه على الأصل.
وإنّما لم يتعجّب من الألوان ؛ لأن الأصل فيها أن تكون على أكثر من ثلاثة أحرف نحو : (أبيضّ) و (أحمرّ) ومثل ذلك لا يعدّى بالهمزة.
وقال الكوفيّون : يجوز فى البياض والسواد لأنهما أصلا الألوان ، وقد جاء فى الشعر : (أبيضهم) و (أبيض من كذا) و (أسود من كذا) وهذا مذهب ضعيف لما تقدّم ، وجعل البياض والسواد أصلين دعوى لا دليل عليها ، ولو صحتّ لم يستقم قولهم فيها وما جاء في الشعر فهو إمّا شاذّ أو يكون : (منه) التي بعده صفة له أو يكون : (أفعل) لا يراد به المبالغة.
فصل : ولا يبنى فعل التعجبّ من العيوب الظاهرة كالحول والعور لوجهين :
أحدهما : أن فعل هذه العيوب في الأصل زائد على ثلاثة أحرف نحو : (أحولّ) و (أعورّ) فلا يصحّ زيادة همزة التعجّبّ عليه ، وما جاء منه على ثلاثة أحرف فمعدول به عن أصله ؛ ولهذا يصحّ فيه الواو نحو : (حول) تنبيها على أنّه في حكم : (أحولّ) وما جاء منه ثلاثيا لا غير نحو : (عمي) فمحمول على الباقي.
والوجه الثاني : أنّ العيوب الظاهرة كالخلق الثابتة كاليد والرجل وكما لا يبنى من هذه الأعضاء فعل التعجّب كذلك العيوب الظاهرة.
أمّا العيوب الباطنة كعمى القلب والحماقة فيبنى منها فعل التعجّب نحو : ما أعمى قلبه! وما أحمره! تريد البلادة ، وكذلك : ما أسوده! تريد السيادة.
فصل : ولا يجوز العطف على فاعل فعل التعجبّ لاستحالة المعنى ولا البدل منه ؛ لأن ذلك يوضحّه ومبناه على الإبهام ، ولا يجوز أن يكون المفعول هنا نكرة غير موصوفة كقولك : ما أحسن زيدا! لأنه غير مفيد ولا يجوز الفصل بين فعل التعجّب ومفعوله إلا بالطرف ؛ لأنه بجموده أشبه : (إنّ).
فصل : وأمّا (أفعل به) فى التعجّب فلفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر كقوله تعالى : (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا) [مريم : 75] معناه : فليمدّنّ له الرحمن.
وحكي عن الزّجاج أنّه أمر حقيقة ، والتقدير : أحسن يا حسن بزيد ، أي : دم أيذم به وهذا ضعيف لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ الأمر طلب إيقاع الفعل والتعجّب لا يكون إلا من أمر قد وجد.
والثاني : أنّه يصحّ أن يقال في جواب هذا الكلام : صدقت أو كذبت ، وليس كذلك حقيقة الأمر.
والثالث : أنّ لفظه واحد يكون فى التثنية والجمع والمذكّر والمونّث كقولك : يا زيدان أحسن بعمرو! وكذلك بقية الأمثلة.
وعلى هذا الخلاف تترتّب مسألة ، وهي أنّ موضع الجار والمجرور رفع بأنه فاعل والتقدير : أحسن زيد ، أي : صار ذا حسنّ ، ومثله : (كَفى بِاللهِ شَهِيداً) [الرعد : 43] إلا أن الباء لا يجوز حذفها فى التعجّب لئلّا يبطل معنى التعجّب ويجوز حذفها في : (كَفى بِاللهِ شَهِيداً) وعلى قول الزّجاج : (بزيد) فى موضع نصب.
فصل : وتزاد (كان) في التعجّب نحو : ما كان أحسن زيدا! ولا فاعل لها عند أبي عليّ ، وإنّما دخلت تدلّ على المضيّ. وقال السيرافي : فاعلها مصدرها. وقال الزجّاجي : فاعلها ضمير (ما) ، وهذا ضعيف لوجهين :
أحدهما : أنها لو كانت كذلك لكانت هي خبر (ما) لا يكون هنا إلا (أفعل).
والثاني : أنّها إن كانت التامّة لم تستقم لفساد المعنى ، وإن كانت الناقصة لم تستقم أيضا ؛ لأن خبرها إذا كان فعلا ماضيا قدّرت معه (قد) ، وتقدير (قد) هنا فاسد ؛ لأنه يصير محض خبر.
إنّما دخلت : (إنّ) على الكلام للتوكيد عوضا عن تكرير الجملة ، وفي ذلك اختصار تامّ مع حصول الغرض من التوكيد ، فإن دخلت (اللام) في خبرها آكد وصارت : (إنّ واللام) عوضا من تكرير الجملة ثلاث مرّات ، وهكذا (أنّ) المفتوحة إذ لو لا إرادة التوكيد لكنت تقول مكان قولك : بلغني أنّ زيدا منطلق بلغني انطلاق زيد (1)
شروط إعمالها :
1 - يشترط لعملها ألا تتصل بها : «ما» الزائدة. فإن اتصلت بها «ما» الزائدة - وتسمّة : «ما» الكافّة - منعتها من العمل ، وأباحت دخولها على الجمل الفعلية بعد أن كانت مختصة بالاسمية. إلا : «ليت» فيجوز إهمالها وإعمالها عند اتصالها بكلمة «ما» السالفة ؛ فيجب الإهمال فى مثل : إنما الأمين صديق ، ولكنما الخائن عدوّ ، وفى مثل قول الشاعر يصف حصانا ببياض وجهه ، وسواد ظهره :
وكأنما انفجر الصباح بوجهه
حسنا ، أو احتبس الظلام بمتنه
ويجوز الأمران مع : «ليت» مثل : ليتما علىّ حاضر ، أو : ليّما عليا حاضر ، وهى فى الحالتين مختصة بالجمل الاسمية.
ب - يشترط فى اسمها شروط ، أهمها : ألا يكون من الكلمات التى تلازم استعمالا واحدا ، وضبطا واحدا لا يتغير ؛ كالكلمات التى تلازم الرفع على الابتداء ، فلا تخرج عنه إلى غيره ؛ ككلمة : «طوبى» وأشباهها - فى مثل : طوبى للمجاهد فى سبيل الله. - فإنها لا تكون إلا مبتدأ.
وألا يكون من الكلمات الملازمة للصدارة في جملتها ، إما بنفسها مباشرة ؛ كأسماء الشرط ، و : «كم» ... ، وإما بسبب غيرها ؛ كالمضاف إلى ما يجب تصديره ؛ مثل : صاحب من أنت؟ فكلاهما لا يصلح أسما.
والسبب : هو أن هذه الحروف الناسخة ملازمة للصدارة فى جملتها (ما عدا «أنّ» ؛ فإذا كان اسم واحد منها ملازما للصدارة وقع بينهما التعارض. ولهذا كان من شروط إعمالها - أيضا - أن يتأخر اسمها وخبرها عنها.
وألا يكون اسمها فى الأصل مبتدأ واجب الحذف ؛ كالمبتدأ الذى خبره فى الأصل نعت ، ثم انقطع عن النعت إلى الخبر ؛ نحو : عرفت محمودا العالم.
ح - ويشترط فى خبرها ألا يكون إنشائيّا ، (إلا الإنشاء المشتمل على : «نعم» و «بئس» وأخواتهما من أفعال المدح والذم) فلا يصح : إن المريض ساعده. وليت البائس لا تهنه ... ويصح : إن الأمين نعم الرجل ، وإن الخائن بئس الإنسان.
وكذلك يشترط فى خبرها إذا كان مفردا أو جملة - أن يتأخر عن اسمها ، فيجب مراعاة الترتيب بينهما ؛ بتقديم الاسم وتأخير الخبر ، نحو : إن الحقّ غلّاب - إن العظائم كفؤها العظماء - إن كبار النفوس ينفرون من صغائر الأمور ، وقول الشاعر :
إن الأمين - إذا استعان بخائن
كان الأمين شريكه فى المأثم
فلو تقدم هذا الخبر لم تعمل ، بل لم يكن الأسلوب صحيحا. وهذا الشرط يقتضى عدم تقدمه على الناسخ من باب أولى.
أما إذا كان الخبر غير مفرد وغير جملة ، بأن كان شبه جملة : (ظرفا أو جارا مع مجروره). فيجوز أن يتقدم على الاسم فقط ، فيتوسطه بينه وبين الناسخ عند عدم وجود مانع ، نحو ؛ إن فى السماء عبرة ، وإن فى دراستها عجائب.
.1) الغالب في : «إنّ» و «أنّ» : التوكيد ، وفى «لكنّ» الاستدراك ولا بد أن يسبقها كلام له صلة معنوية بمعموليها. وفى : «كأن» : التشبيه ؛ وفى : «ليت» التمنى. وفى : «لعل» الترجى والتوقع. وقد تكون للإشفاق.
فصل : والأصل في : (كأنّ زيدا الأسد) أنّ زيدا كالأسد ثمّ قدّموا (الكاف) فأدخلوها على (أنّ) ليبتدئوا بالمشبه ، وهو أولى من أن يبتدئوا بما لفظه لفظ التحقيق ثم يعود التشبيه إليه بعد ذلك ، ولمّا كانت كاف الجرّ تفتح لها (أنّ) كما تفتح بعد غيرها من حروف الجرّ فتحت ههنا وإن كانت قد ركّبت معها وجعلتا كحرف واحد تنبيها على الأصل الذي ذكرت ، إلا أنّها تفارق الكاف الجارّة في شيئين :
أحدهما : أنّها غير معلّقة بفعل فلا موضع لها ولما بعدها إذن.
والثاني : أنّ ما بعد الكاف ليس بمجرور الموضع كما يكون بعد اللام في قولك ؛ لأن زيدا منطلق ولأنّها لمّا ركّبت وصار المهّم معنى التشبيه في الخبر صارت قائمة بنفسها.
فصل : و (لكنّ) مفردة. وقال الكوفيّون : هي مركّبة من : (لا) و (إن) و (الكاف) زائدة و (الهمزة) محذوفة وهذا ضعيف جدّا ؛ لأن التركيب خلاف الأصل ثمّ هو في الحروف أبعد ثمّ إنّ فيه أمرين آخرين يزيدانه بعدا وهما زيادة الكاف في وسط الكلمة ، وحذف الهمزة في مثل هذا يحتاج إلى دليل قطعيّ (1)
ويترتب على التخفيف وجوب إهمالها ، وزوال اختصاصها بالجملة الاسمية ؛ فتدخل على الاسمية ، وعلى الفعلية ، وعلى المفرد ، ويبقى لها معناها بعد التخفيف وهو : الاستدراك. ومن الأمثلة قول الشاعر :
ولست أجازى المعتدى باعتدائه
ولكن بصفح القادر المتحلم
.فإن قالوا : معنى النفي والتأكيد باق لأنّك إذا قلت : قام زيد لكنّ جعفرا منطلق حصل معنى التأكيد والنفي؟
1) «لكنّ» فيجوز تخفيف نونها المشددة (فتحذف الثانية المفتوحة ، وتبقى الأولى ساكنة).
قيل : هذا خطأ ؛ لأن (لا) النافية لا يبطل نفيها بدخول (إنّ) على ما بعدها كقولك : قام زيد لا إن جعفرا قائم فهو كقولك : لا جعفر قائم في المعنى ، و (لكنّ) تثبت ما بعدها لا تنفيه فلم يصحّ ما قالوا.
فصل : واللام الأولى في (لعلّ) أصل في أقوى القولين ؛ لأن الزيادة تصرّف والحروف بعيدة منه ولأنّ الحرف وضع اختصارا والزيادة عليه تنافي ذلك.
وأمّا مجيئها بغير لام فلغة فيها أو حذف حرف أصليّ ، والحذف من جنس الاختصار فهو أولى من الزيادة.
وفي : (لعلّ) لغات وهي : لعلّ وعلّ وعنّ ولعنّ ورعنّ ولغنّ ، والمشهور الأوليان وأكثر العرب تنصب بها ومنهم من جرّ بها وهو قليل.
فصل : وإنّما عملت هذه الحروف لاختصاصها بضرب من الكلام واختصاص الشيء بالشيء دليل على قوّة تأثيره فيه ؛ فإذا أثرّ في المعنى أثر في اللفظ ليكون اللفظ على حسب المعنى.
فأما : (لام التعريف) فلا تعمل مع اختصاصها ؛ لأنها صارت كجزء من الاسم ؛ لأنها تعيّن المسّمى كما تعينه الأوصاف ؛ ولهذا يجوز أن يتوالى بيتان آخر أحدهما معرفة وآخر الآخر اسم مثل الأوّل نكرة ولا يعدّ إيطاء.
وأمّا : (السين) و (سوف) فلم يعملا ؛ لأنّهما كجزء من الفعل إذ كان الفعل دالّا على الزمان وهما تخصّصانه حتّى يدلّ على ما وضع له ، وهما مع الفعل بمنزلة فعل موضوع دالّ على الزمان المستقبل من غير اشتراك.
وأمّا : (قد) فتدخل على الماضي والمستقبل ثمّ إنّها تقرّب الماضي من الحال ، وهذا تأثير في زمان الفعل فصارت كالسين والأفعال إنّما عملت لاختصاصها وهذه الحروف مشّبة بها.
فصل : وإنّما عملت الرفع والنصب ؛ لأنها شابهت الأفعال في اختصاصها بالأسماء في دخولها على الضمائر نحو : (إنّك) و (إنّه) ، وفي أنّ معاينها معاني الأفعال من التوكيد والتشبيه وغير ذلك ، وفي أنّها على ثلاثة أحرف مفتوحة الآخر ومن حيث رفع الفعل ونصب فيما يقتضيه فكذلك هذه الحروف.
فصل : وقدّم منصوبها على مرفوعها لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ هذه الأحرف فروع في العمل على الفعل ، والفروع تضعف عن الأصول فيجب أن تشبه بالأصول في أضعف أحوالها وأضعف أحوال الفعل أن يتقدّم منصوبه على مرفوعه تقدّما كقولك : صرف زيدا غلامه.
والثاني : أنّ عمل الفعل في منصوبه أضعف من عمله في مرفوعه ؛ لأنه فى الرتبة متراخ عنه فلمّا كان المنصوب أضعف والمرفوع أقوى جعل الأضعف يلي : (إنّ) ليقوى بتقدمّه فيعمل فيه العامل الضعيف وأخّر لأنه المرفوع ؛ لأن بقوتّه يستغني عن قوة ملاصقة العامل.
والثالث : أنّ المرفوع لو تقدّم لجاز إضماره ، والحرف لا يتصّل به ضمير المرفوع كالتاء والواو) في : (قمت) و (قاموا) بخلاف ما إذا تأخر.
فصل : ولا يجوز تقديم المرفوع هنا لثلاثة أوجه (1)
الأولى : وجوب تأخيره إذا لم يكن شبه جملة ، وكذلك إن كان شبه جملة جارا مع مجروره ، ولا يعود على المجرور ضمير من الاسم.
الثانية : وجوب تقديمه إذا كان شبه جملة ، جارا مع مجروره ، وكان الاسم مشتملا على ضمير يعود على المجرور (أى : على بعض الخبر الجار مع مجروره).
الثالثة : جواز الأمرين إذا كان شبه جملة ، - غير ما سلف - ولم يمنع من التقدم مانع.
أما معمول الخبر (مثل : إن المتعلم قارئ كتابك ، وإنه منتفع بعلمك ،) فلا يجوز تقديمه على الحرف الناسخ ، لكن يجوز تقديمه على الخبر مطلقا (أى : سواء أكان المعمول شبه جملة ، أم غير شبهها ، فتقول : إن المتعلم - كتابك - «قارئ ، وإنه - بعلمك - منتفع. ففى الجملة الأولى تقدم المعمول : «كتابك» وليس بشبه جملة ؛ وفى الثانية تقدم المعمول شبه الجملة ، وهو الجار والمجرور :» بعلم.
:أحدها : ما تقدّم من تعذّر الإضمار.
والثاني : أنّ تقديم المرفوع لو جاز لكان أولى كما في الفعل ، وقد بينّا أنّ تقديم المنصوب هو الوجه.
والثالث : أنّ التقديم والتأخير تصرّف ولا تصرّف لهذه الحروف.
فصل : وإنّما جاز تقديم الظرف وحرف الجرّ إذا كان خبرا لثلاثة أوجه :
1) للخبر - فى هذا الباب - ثلاثة أحوال من ناحية تقديمه ، أو تأخيره على الاسم.
أحدها : أنّ (إنّ) غير عاملة فيه ؛ إذ ليس هو خبرا لها فى الحقيقة ، وإنّما الخبر ما تعلّق به الظرف من معنى الاستقرار ، وإنّما يمنتع تقديم خبرها الذي يعمل فيه.
والثاني : أنّ الظرف لا يصحّ إضماره وهو أحد ما يمنع التقديم ، وقد أمن.
والثالث : أنّ الظرف متعلّق بالخبر لاشتماله عليه فهو كاللازم للجملة فساغ تقديمه لذلك ؛ ولهذا ساغ الفصل بالظرف بين : (إنّ) واسمها به أيضا في قولك : إنّ خلفه زيدا قائم وجاز الفصل به بين المضاف والمضاف إليه فى الشعر.
فصل : وخبر : (إنّ) وأخواتها مرفوع بها ، وقال الكوفيّون : هو مرفوع بما كان يرتفع به قبل دخولها والدليل على أنّه مرفوع بها من وجهين :
أحدهما : أنّ هذه الحروف تعمل في الاسم الأوّل لاقتضائها إيّاه فتعمل فى الخبر كذلك أيضا ، ألا ترى أنّ الفعل يعمل فى الفاعل والمفعول لاقتضائه إيّاهما و (ظننت) وأخواتها تعمل في المفعولين ، وقد كانا قبل ذلك مرفوعين لاقتضائه إياهما.
والثاني : أنّ خبر : (إنّ) مرفوع ولا بدّ له من رافع ولا يجوز أن يرتفع بغير (إنّ) إذ لا عامل سواها ، والذي كان قبل دخول (إنّ) هو المبتدأ ، وقد بطل ابتداؤه ؛ ولهذا لا يعمل الخبر هنا في الاسم لعمل (إنّ) فيه فلذلك لا يعمل المبتدأ هنا في الخبر.
واحتجّ الآخرون بقول الشاعر : [الرجز]
لا تتركني فيهم شطيرا
إنّي إذن أهلك أو أطيرا
فنصب : (أهلك) ب (إذن) ولم يجعله خبر (إنّ).
واحتجّوا أيضا بقول العرب : إنّ بك تكفّل زيد فجعل الفعل في اسمها ، ولو كانت هي الفاعلة في الخبر لم تكن كذلك ، والعلّة فيه : أنّ هذه الحروف فروع في العمل فلم تقو على العمل في الاسمين.
والجواب : أمّا البيت فمن الشذوذ وتأويله أنّه حذف الخبر لدلالة الباقي عليه ، تقديره : إني أذلّ فأمّا المسألة المذكورة فلا حجّة فيها ؛ لأن اسم (إنّ) محذوف وهو ضمير الشأن فتقديره إنّه بك تكفّل زيد. وأمّا ضعف هذه الحروف فقد ظهر في عدم تصرّفها ، وذلك كاف.
فصل : وإنّما بطل ذلك ؛ لأنها هيّأتها لدخولها على الأفعال كقولك : إنّما قام زيد.
فصل : وإذا عطفت على اسم (إنّ) قبل الخبر لم يجز فيه إلا النصب ، وبه قال الفرّاء فيما يظهر فيه الإعراب ، وأجاز الرفع فيما لم يظهر فيه الإعراب ، ويجوز إنّ زيدا وأنت قائمان واختار الكسائيّ الرفع فيهما والرفع فاسد ؛ لأن الخبر إذا ثنّي كان خبرا عن الاسمين وكان العمل فيه عملا واحدا ، وقد وتقدّم عاملان أحدهما : (إنّ) والآخر المبتدأ المعطوف والعمل الواحد لا يوجبه عاملان.
واحتجّ الآخرون بقوله تعالى : (وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى) [المائدة : 69] فرفع قبل الخبر ، ويقول العرب : إنّ زيدا وعمرو ذاهبان حكاه سيبويه ، وبأنّ المعطوف على اسم : (لا) يجوز فيه الرفع فكذلك اسم : (إنّ).
والجواب عن الآية من وجهين :
أحدهما : أنّه معطوف على الضمير في : (آمَنُوا) وقام الفصل بينهما مقام التوكيد.
والثاني : أنّ خبر الصابئين محذوف والنيّة به التأخير تقديره إن الذين آمنوا إلى قوله : (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) والصابئون كذلك لا ويجوز أن يكون : (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) خبر الصابئين وخبر إنّ محذوف لدلالة هذا الخبر عليه كما قال الشاعر (1)
قال الميداني : كان سيد يثرب ، وكان له حصن فيها سماه المستظلّ ، وحصن في ظاهرها سماه الضحيان ، ومزارع وبساتين ومال وفير.
وقال البغدادي : كان سيد الأوس في الجاهلية وكان مرابيا كثير المال. أما شعره فالباقي منه قليل جدا.
وفي الأغاني أن سلمى بنت عمرو العدوية كانت زوجة لأحيحة وأخذها بعده هاشم بن عبد مناف فولدت له عبد المطلب وبهذا تكون وفاة أحيحة قبل وفاة هاشم المتوفى نحو عام 102 قبل الهجرة.
: [المنسرح]نحن بما عندنا وأنت بما
عندك راض والرأي مختلف
أي : نحن بما عندنا راضون ؛ ولذلك تجيز في الكلام إنّ زيدا وعمرو قائم على الوجهين ، وأمّا قول البرجمي (2): [الطويل]
1) البيت من شعر أحيحة بن الجلّاح : (129 ق. ه / 497 م) وهو أحيحة بن الجلاح بن الحريش الأوسي أبو عمرو. شاعر جاهلي ، من دهاة العرب وشجعانهم.
2) ضابئ البرجمي : (30 ه / 650 م) وهو ضابئ بن الحارث بن أرطأة بن غالب بن حنظلة البرجمي. شاعر ، أدرك النبي صلىاللهعليهوسلم ، وكان قد استعار كلبا من بني جرول فطال مكثه عنده فطالبوه به فامتنع. ثم عرضوا له فأخذوه ، فغضب ورماهم بهجاء شنيع ، فحبسه عثمان بن عفان ، فلم يزل به إلى أن مات ، له شعر في الأصمعيات.
فمن يك أمسى بالمدينة رحله
فإنّي وقيّار بها لغريب
ف- (غريب) خبر (إنّ) لا غير ؛ لأن اللام تكون في خبر : (إنّ) لا في خبر المبتدأ ، وأمّا (قيّار) فيجوز أن يكون مبتدأ و (بها) خبره والجملة حال ويجوز أن يكون خبره محذوفا دلّ عليه المذكور.
وأمّا الحكاية عن العرب فقد قال سبيويه ذلك من قائله على جهة الغلط كما فعلوا في خبر : (ليس) فجّروا لأنهم توهّموا الباء في قول الشاعر (1): [الطويل]
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة
ولا ناعب إلا ببين غرابها
وإنّما غلطوا في ذلك ؛ لأنه موضع تكثر فيه الباء كذلك في الحكاية.
وأمّا العطف على اسم : (لا) فالرفع لا يجوز ومن أجازه قال : (لا) وإسمها ركّبا وجعلا كاسم واحد موضعه رفع ، ومنهم من قال : (لا) لا تعمل في الخبر ؛ لأنها فرع فلم يلزم فيها ما لزم في : (إنّ).
فصل : واتّفقوا على جواز نصب المعطوف على اسم إنّ بعد الخبر على اللفظ ورفعه من ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون على معنى الابتداء ومعنى ذلك أنّك لو لم تأت ب (إنّ) لكان الاسم مرفوعا بالابتداء فجاء المعطوف على ذلك التقدير ولم ينقص رفعه معنى ، ومن قال : هو معطوف على موضع (إنّ) أو على موضع اسم (إنّ) فهذا المعنى يريد لا (إنّ).
الثاني : أن يكون مبتدأ والخبر على الوجهين محذوف دلّ عليه المذكور.
والثالث : أن يكون معطوفا على الضمير في الخبر فيكون على هذا فاعلا والأجود على هذا توكيده هذا كلّه في : (إنّ).
وأمّا : (لكنّ) فلا يجوز العطف فيها على معنى الابتداء عند أكثر المحقّقين ، وأمّا (أنّ) المفتوحة وما عملت فيه فلا تقع مبتدأ بل معمولة لعامل لفظيّ قبلها ويجوز الرفع على
1) من شعر أبي الأحوص الرياحي.
الوجهين الآخرين وكذلك : (كأنّ وليت ولعلّ ولكنّ) ؛ لأن هذه الحروف غيّرت معنى الابتداء.
فصل : وإنّما أكّد خبر (إنّ) باللام ؛ لأنها موضوعة لتأكيد المبتدأ فلمّا أريد زيادة التوكيد جمع بينها وبين (إنّ).
فصل : وموضعها الأصليّ قبل (إنّ) لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّه وجب لها الصدر قبل (إنّ) فكذلك بعد دخول (إنّ) ؛ ولهذا السبب سمّيت : (لام الابتداء).
والثاني : أن اللام تعلّق : (علمت) عن العمل ، فلو كانت (إنّ) قبلها لمنعتها عن العمل.
والثالث : أنّ (إن) عاملة وهي عامل ضعيف فكان وقوع معمولها يليها أولى.
فصل : وإنّما أخّرت (اللام) إلى الخبر لئلّا يتوالى حرفا معنى كما لا يتوالى حرفا نفي أو استفهام ، وكانت (اللام) أولى بالتأخير من (إنّ) لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ (اللام) غير عاملة و (إنّ) عاملة وتأخير غير العامل أولى.
والثاني : أنّ (اللام) تؤثّر في المعنى فقط و (إنّ) تؤثّر في اللفظ والمعنى فكان إقرارها ملاصقة اللفظ ملاصقة للفظ الذي تعمل فيه أولى.
والثالث : أنّ (إنّ) لو أخّرت إلى الخبر فنصبته وارتفع ما قبلها تغيّر حكمها وإن بقي ما قبلها منصوبا وما بعدها مرفوعا لزم منه تقديم معمولها عليها.
فصل : وإنّما لم تدخل اللام في خبر : (كأنّ وليت ولعلّ) لزوال معنى الابتداء والتحقيق والتوكيد إنّما يراد به تحقيق المحقّق الثابت.
فصل : وأجاز الكوفيّون دخول (اللام) في خبر (لكنّ) ؛ لأنها مركّبة من : (لا) و (إنّ) زيدت عليهما الكاف ، وقد جاء ذلك في الشعر : [الطويل](1)
أمّ الحليس لعجوز شهربه
ترضى من اللّحم بعظم الرّقبة
(الشّهربه : العجوز الكبيرة) وفي خبر «لكنّ» كقول الشاعر :
يلومونني في حبّ ليلى عواذلي
ولكنّني من حبّها لعميد.
... ولكننّي من حبّها لعميد
1) اللّام الزّائدة : وهي للتوكيد نحو قول رؤبة :
ولأنّ (لكنّ) لا تغيّر معنى الابتداء وهذا عندنا لا يجوز لوجهين :
أحدها : أنّه لم يأت منه شيء في القرآن ، وفي اختيار كلامهم وإن جاء في شعر فهو شاذّ سوّغته الضرورة.
والثاني : أنّ (اللام) لو جازت مع (لكنّ) لتقدّمت عليها ؛ لأن موضعها صدر الجملة ، وإنّما أخّرت في (إنّ) لئلّا يتوالى حرفا تأكيد و (لكنّ) ليست للتوكيد بل للاستدراك ، وبهذا تبيّن أنّ معنى الابتداء لا يبقى معها بالكلّيّة ؛ لأن الابتداء لا استدراك فيه.
فصل : والأصل في (إنّي) : (إنّني) وفي (كأنّي) : (كأنّني) فيؤتى بنون الوقاية (1)
وقال الناظم بل لأنها تقي الفعل اللبس في أكرمني في الأمر فلو لا النون لالتبست ياء المتكلم بياء المخاطبة ، وأمر المذكر بأمر المؤنثة ، ففعل الأمر أحق بها من غيره ، ثم حمل الماضي والمضارع على الأمر (وليتني) بثبوت نون الوقاية (فشا) حملا على الفعل لمشابهتها له مع عدم المعارض (وليتي) بحذفها (ندرا).
لئلّا ينكسر آخر الحرف ، وإنّما جاز حذفها تخفيفا لكثرة الاستعمال وكثرة النونات والمحذوف النون الثانية لوجهين :أحدهما : أنّها حذفت قبل دخولها على الضمير فقالوا (إن) وهي المخّففة فكذلك بعد دخولها على الضمير.
والثاني : أنّ النون الأولى لا يجوز حذفها لأنّك تحتاج إلى تسكين الثانية ؛ ليصحّ إدغامها فيصير معك حذف وتسكين وإدغام ولأنّ الثقل لا يقع إلا بالمكرّر لا بالأوّل.
فصل : فإن فصلت بين الخبريّة ومميّزها نصبت لئلّا يقع الفصل بين المضاف والمضاف إليه ومنهم مّن يجرّه ولا يعتدّ بالفصل.
فصل : وقد ترفع النكرة بعد : (كم) في الاستفهام ويكون المميز محذوفا ويقدّر ما يحتمله الكلام كقولك : كم رجل جاءك ، أي : كم مرّة أو يوما ورجل مبتدأ وما بعده الخبر ، وإذا رفعت لم يتعدّد الرجل بل تتعدّد فعلاته.
فصل : ويجوز أن يرجع الضمير إلى لفظ : (كم) فيكون مفردا وإلى معناها فيكون جمعا ، ومنه قوله تعالى : (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ) [النجم : 26].
1) قال الأشموني في شرح الألفية : مذهب الجمهور أنها إنما سميت نون الوقاية لأنها تقي الفعل الكسر.
وحذف الثالثة ضعيف ؛ لأنها دخلت لمعنى يختلّ بالحذف ، وقد ذهب قوم إلى أنّ المحذوفة هي الأولى وذهب آخرون إلى أنّ المحذوفة في الثالثة والصحيح ما ذكرنا فأمّا قولك : (إنّا) فالمحذوفة هي الثانية عند الجميع.
فصل : وأكثر ما جاء : (لعلّي) (1)
أريني جوادا مات هزلا لعلّني
أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا
بغير نون ؛ لأن اللام تشبه النون فلمّا ثقل اجتماع النونات ثقل دخول النون على اللام المشدّدة ، وقد جاء : (لعلّني) في الشعر ، وأمّا (ليتي) فضعيف في القياس قليل في الاستعمال ؛ لأن النون إذا لم تثبت توالت أشياء مستثقلة وهي الياء وكسرة التاء والياء بعدها.فصل : ويكون ضمير الشأن والقصّة اسم (إنّ) كما كان اسم (كان) إلا أنّ (كان) يستتر فيها الضمير إذ كانت فعلا و (إنّ) لا يستتر فيها ؛ لأنها حرف وإن جاءت الجملة بعدها كقولك : إنّ زيد قائم كان ضمير القصّة محذوفا للعلم به.
وقال الكسائيّ : تكون ملغاة عن العمل وهذا ضعيف لقوّة شبه (إنّ) بالفعل فإنّ جعلت بمعنى (نعم) جاز ذلك ، فأمّا قول الشاعر (2)
شاعر عالي الطبقة ، من أعيان العصر الأموي. من أهل الطائف ، سكن البصرة ، وولاه الحجاج كورة فارس ، ثم عزله قبل أن يذهب إليها. فانصرف إلى سليمان بن عبد الملك فأجرى له ما يعدل عمالة فارس.
وقطع عنه ذلك بعد سليمان فلما صار الأمر إلى يزيد بن عبد الملك وثار يزيد بن المهلب خالعا ابن عبد الملك كتب إليه ابن الحكم شعرا قال فيه :
أبا خالد قد هجت حربا مريرة
وقد شمرت حرب عوان فشمر
وقد كان أبي النفس ، شريفا ، من حكماء الشعراء. وقد أورد له أبو تمام في الحماسة شعرا.
: [الطويل]فليت كفافا كان خيرك كلّه
وشرّك عنّي ما ارتوى الماء مرتوي
1) رجحان ترك نون الوقاية : في «لعلّ» إذا نصبت ياء المتكلّم ، فحذف نون الوقاية أكثر نحو : (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ) (الآية «36» من سورة غافر) وشاهد إثباتها قول عديّ بن حاتم يخاطب إمرأته وقد عذلته على إنفاق ماله :
2) البيت من شعر يزيد بن الحكم الثقفي : (105 ه / 723 م) وهو يزيد بن الحكم بن أبي العاص بن بشر بن عبد بن دهمان الثقفي.
فصل : وممّا ألحق بكم : (كأيّن) في الكثير وفيها لغات وكلام لا يحتمله هذا المختصر إلا أنّها لا تضاف ولا بدّ من : (من) بعدها.
وممّا ألحق بكم : (كذا) كقولك : له عندي كذا درهما وكذا كذا درهما وكذا وكذا درهما ، وقد فرّع الفقهاء على هذا مسائل في الإقرار تحتاج إلى نظر.
ففيه أوجه :
أحدها : أنّ ضمير الشأن محذوف وهو اسم : (ليت) وخبرها الجملة التى بعدها و (كفافا) خبر (كان) ، (خيرك) اسمها ولم يثن الخبر ؛ لأنه كالمصدر.
والثاني : أنّ (كفافا) اسم : (ليت) وكان وما عملت فيه خبرها وخبر (كان) محذوف.
والثالث : أنّ (كان) زائدة ويروى : (شرّك) بالنصب على أنّه معطوف على اسم : (ليت) ، وأمّا قوله : (ما ارتوى الماء) فالصحيح في الماء النصب و (مرتوي) فاعل وتروى بالرفع على معنى ما أروى الماء مرتويا وسكن الياء في موضع النصب ثمّ حذف التنوين ، وقيل : جعل الماء مرتويا على المبالغة وكلّ ذلك ضعيف وقيل : (مرتوي) رفع خبر : (شرّك).
فصل : ويجوز أن تعمل : (أن) المخففة من الثقيلة عملها قبل التخفيف ، وقد جاء ذلك في الشعر كما قال الشاعر : [الطويل]
فلو أنّك في يوم الرخاء سألتني
فراقك لم أبخل وأنت صديق (1)
فلو أنك فى يوم الرّخاء سألتنى
طلاقك ، لم أبخل وأنت صديق
فقد وقعت «الكاف» اسم : «أن» وخبرها جملة : سألتنى. ومثل قول الآخر :
لقد علم الضيف والمرملون
إذا اغبرّ هناك تكون الشّمالا
ففى البيت الثانى تكررت «أن» المخففة مرتين ، واسمها ضمير «بارز» فيهما ، وخبر الأولى مفرد ، وهو كلمة : «ربيع» ، وخبر الثانية جملة فعلية هى : «تكون الثمال». وقد وصفت هذه الأمثلة الشعرية بأنها شاذة ، أو بأنها لضرورة الشعر ، كما وصفت نظائرها النثرية بأنها شاذة. فالواجب أن نقتصر على الكثير الشائع الذى سردنا قواعده وضوابطه ، منعا للاضطراب فى التعبير ، دون محاكاة هذه الشواهد التى تخالفها ، والتى نقلناها ، منعا للاضطراب فى التعبير ، دون محاكاة هذه الشواهد التى تخالفها ، والتى نقلناها ، ليعرفها المتخصصون فيستعينوا بها على فهم ما قد يكون لها من نظائرها قديمة. دون أن يحاكوها.
1) ورد فى بعض النصوص - اسم «أن» المخففة من الثقيلة ضميرا بارزا ، لا ضميرا محذوفا. ومعه الخبر جملة فعلية أو مفرد. من ذلك قول الشاعر يخاطب زوجته :
وقرأ بعض القرّاء : (وإن كلا لما ليوفيّنهم ربّك أعمالهم) بتخفيف النون ونصب : (كلّ) ولا يجوز أن يكون بمعنى : (ما) وأن ينصب : (كلا) بفعل مقدّر لأنّك إن قدّرته من جنس المذكور بعدها فسد المعنى ؛ لأنه يصير : (ما يوفّي كلّا أعمالهم) وإن قدرته من غير جنسه لم يكن لتقدير القسم هنا موضع ؛ لأن أحسن ما يقدّر به : (ما نهمل كلّا) على أنّ (لمّا) لا تكون بمعنى : (إلا) في غير القسم.
وإن كانت المخفّفة من الثقيلة وأضمرت عاملا غير : (ما) لم يصحّ لوجهين :
أحدهما : أنّ (أنّ) قد توهنت بالحذف فلا توهّن بحذف الفعل أيضا.
والثاني : أنّ المخففّة إذا وليها الفعل وحذف اسمها لا يخلو من عوض والعوض هو : (قد والسين وسوف ولم ولا وليس).
ويدلّ على جوازه ايضا أنّ المثقّلة مشتبهّه بالفعل ، وقد عمل الفعل بعد تخفيفه بالحذف كقولك : لم يك ولا أدر ولم أبل وقال الكوفيّون لا يجوز أن تعمل بعد التخفيف لضعفها ، وقد دللنا على الجواز ويكفي في ضعفها جواز إبطال عملها لا وجوبه فأمّا قول الشاعر (1): [الطويل]
فيوما توافينا بوجه مقسّم
كأنّ ظبية تعطو إلى وارف السلم
فيروى بالرفع مع الإلغاء ، والتقدير : كأنّها ظبية ، وبالنصب على الإعمال والخبر محذوف ، أي : كأن ظبية هذه المرأة وبالجرّ على زيادة (أن) والجرّ بكاف التشبيه.
1) البيت من شعر علباء بن أرقم : وهو علباء بن أرقم بن عوف بن سعد بن عجل بن عتيك بن يشكر بن بكر وائل. شاعر جاهلي كان معاصرا للنعمان بن المنذر. له شعر في الأصمعيات.
وإنّما فرّقوا بينهما لافتراقهما في المعنى ، والتباس المعنى في بعض المواضع ، ففرّقوا بالحركات ليزول اللبس ، ألا ترى أنّك إذا قلت أوّل ما أقول : إنّي أحمد الله يحتمل معنيين (1):
أحدهما : أن تجعل الحمد هو أول كلامك.
والثاني : أن تجعل الحمد هو الذي تحكيه بقولك : (أقول) ، وليس هو نفس الأوّل فعند ذلك يحتاج إلى الفرق بينهما ليتّضح المعنى.
وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام في التلبيه : (لبيك إنّ الحمد لك) إذا فتحت كان المعنى لبّيك ؛ لأن الحمد لك ، وإذا كسرت كان مستأنفا وهو أجود في التلبية.
فصل : والمكسور (2)
1 - أن تقق في الابتداء حقيقة نحو : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ) (الآية «1» من سورة القدر) أو حكما نحو : (أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (الآية «62» من سورة يونس) (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) (الآية «6» من سورة العلق).
2 - أن تقع تالية ل «حيث» نحو : «جلست حيث إنّ عليّا جالس».
3 - أن تتلو «إذ» ك «زرتك إذ إنّ خالدا أمير».
4 - أن تقع تالية لموصول اسميّ أو حرفيّ نحو قوله تعالى : (وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) (الآية «76» من سورة القصص) ف «ما» : موصول اسميّ ، ووجب كسر همزة «إن» بعدها لوقوعها في صدر الصّلة بخلاف الواقعة في حشو الصّلة نحو : «جاء الّذي عندي أنّه فاضل» ومثله قولهم «لا أفعله ما أنّ حراء مكانه» (حراء : جبل بمكة ، وفيه الغار الذي كان يتعبد فيه النبي صلىاللهعليهوسلم. فتفتح «أنّ» فيهما لوقوعها في حشو الصلة ، إذ التقدير : لا أفعله ما ثبت أنّ حراء مكانه ، فليست «أنّ» في التقّدير تالية للموصول الحرفي ، لأنّها فاعل بفعل محذوف ، والجملة صلة و «ما» الموصول الحرفي.
5 - أن تقع بعد «حتّى» تقول : «قد قاله القوم حتّى إنّ زيدا يقوله». وانطلق القوم حتّى إنّ زيدا لمنطلق «فحتّى ههنا لا تعمل شيئا في» إنّ «كما لا تعمل» «إذا» كما يقول سيبويه : ولو أردت أن تقول : حتّى أنّ ، في ذا الوضع ، أي حتى أن زيدا منطلق كنت محيلا ، لأنّ أنّ وصلتها بمنزلة الانطلاق ولو قلت : انطلق القوم حتّى الانطلاق كان محالا.
6 - أن تقع جوابا لقسم نحو : (حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ، إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ) (الآية «2 - 3» من سورة الدخان)
7 - أن تكون محكيّة بالقول (فإن وقعت بعد القول غير محكية فتحت نحو «أخصّك بالقول أنك فاضل».) نحو (قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ) (الآية «30» من سورة مريم)
8 - أن تقع حالا نحو (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ) (الآية «5» من سورة الأنفال)
9 - أن تقع صفة نحو «نظرت إلى خالد إنّه كبير».
10 - أن تقع بعد عامل علّق بلام الابتداء التي يسمّونها المزحلقة نحو : (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) (الآية «1» من سورة المنافقين) أي أن اللام في «لرسوله» سبب في كسر همزة إنّ لأنّ اللام المزحلقة لا تكون في خبر «إن» مفتوحة الهمزة.
11 - أن تقع خبرا عن اسم ذات نحو : «محمّد إنه رسول الله».
12 - في باب الحصر بالنّفي وإلا ، بمعنى الأمثلة الآتية تقول : «ما قدم علينا أمير إلا إنّه مكرم لنا». لأنه ليس ههنا شيء يعمل فيإنّ ولا يجوز أن تكون أنّ ، وإنّما تريد أن تقول : ما قدم علينا أمير إلّا هو مكرم لنا.
وقال سبحانه : (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ) (الآية «20» من سورة الفرقان)
.
هي الأصل لثلاثة أوجه :أحدها : أنّها تفيد في الجملة معنى واحدا هو التوكيد فهي ك (لام الابتداء) و (الباء) الداخلة في خبر (ليس) و (نون تأكيد الفعل) والمفتوحة تفيد التوكيد وتعلّق ما بعدها بما قبلها.
والثاني : أنّ (إنّ) المكسورة أشبه بالفعل لذا كانت عاملة غير معمول فيها كما هو أصل الفعل والمفتوحة عاملة ومعمول فيها فهي كالمركّب والمكسورة كالمفرد والمفرد أصل للمركّب.
والثالث : أنّ المكسورة ليست كبعض الاسم هي مستقلّة بنفسها والمفتوحة كبعض الاسم إذ كانت هي وما عملت فيه تقدير اسم واحد.
وقد قال قوم : المفتوحة أصل للمكسورة. وقال آخرون : كلّ واحدة منهما أصل بنفسها والصحيح ما بدأنا به.
فصل : وإنّما خصّت المصدريّة بالفتح لأنّهم لّما آثروا الفرق عدلوا إلى أخفّ الحركات وهي الفتحة ، إن شئت قلت : لّما كانت المصدريّة كبعض الاسم طال الكلام بها فخصّت بأخف الحركات ، وإن شئت قلت : لمّا كانت مصدرّية حملوها على (أن) الناصبة للفعل في الفتح كما حملوا الناصبة للفعل في العمل على الناصبة للاسم.
فصل : وكلّ موضع وقعت فيه (إنّ) وحسن أن يقع في موقعها فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر كانت مكسورة ، وكلّ موضع لم يحسن في موضعها إلا الفعل وحده أو الاسم وحده فهي مفتوحة وعلى هذا تبنى مسائل الفرق بين : (إنّ) و (أنّ) فمن ذلك كسرها بعد القول ؛ لأن القول تحكى بعده الجملة من الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر ومن ذلك كسرها إذا وقعت صلة (للذي) ، وإذا وقعت في جواب القسم ، وإذا وقعت اللام في خبرها.
وقد تقع في موضع يحتمل الأمرين كقولك : لقيت زيدا ؛ فإذا إنّه عبد بالكسر على معنى ؛ فإذا هو عبد وبالفتح على معنى ؛ فإذا العبوديّة أي : فاجأتني ذلّته ، ونحو ذلك.
ولها أقسام ستّة ؛ أحدها : أن تدخل على الاستفهام لتنفي عنه الخبر ، وهذا الباب مختصّ بها وبقيّة أقسامها تذكر في مواضعها واعلم أنّ (لا) هذه عاملة في الاسم على الجملة ؛ لأنها أشبهت : (أنّ) الثقيلة من أوجه :
أحدها : أنّها تدخل على مبتدأ وخبر كما أنّ (إنّ) كذلك.
والثاني : أنّ لها صدر الجملة كما أن (إنّ) كذلك.
والثالث : أنّها لتوكيد النفي كما أنّ (إنّ) لتوكيد الإثبات.
والرابع : أنّها نقيضة : (أنّ) وهم يحملون الشيء على نقيضه كما يحملونه على نظيره وسنرى ذلك مستقصى في موضعه.
وقال بعضهم هي محمولة على : (أن) الخفيفة لوجهين :
أحدهما : أنّها على حرفين مثلها. والثاني : أنّ الخفيفة وتلغي كما أن (لا) كذلك.
فصل : وتعمل النصب في الاسم عند الجميع كما عملت : (إنّ) ، وإنّما تعمله بثلاث شرائط :
إحداها : أن تلي الاسم من غير فصل.
والثانية : أن تكون داخلة على نكرة.
والثالثة : أن تكون تلك النكرة جنسا ، وإنّما عملت بهذه الشرائط ؛ لأنها اختصت بهذه الأشياء وكلّ مختصّ يجب أن يعمل ، وعملت النصب لما ذكرنا من مشابهتها (إنّ).
فصل : واختلفوا في الاسم النكرة المنفيّة ب (لا) نفيا عامّا إذا لم تكن مضافة ولا مشابهة للمضاف هل هي مبنيّة أو معربة؟ فمذهب أكثر البصريّين أنّها مبينّة ، وقال الزجاج والسيرافيّ وأهل الكوفة : هي معربة.
واحتجّ الأوّلون على بنائها من أوجه :
أحدها : أنّ بين : (لا) وبين النكرة حرفا مقدّرا وهو : (من) والاسم إذا تضمّن معنى الحرف بني ، وإنما وجب تقدير : (من) ههنا ؛ لأنها جواب من قال : هل من رجل في الدّار؟ وإنّما دخلت ههنا لتدلّ على الجنس ، وذلك أنّك إذا قلت : هل رجل في الدار؟ أو لا رجل في
الدار ، بالرفع والتنوين تناول رجلا واحدا حتّى لو كان هناك رجلان أو أكثر لم يكن الاستفهام متناولا لهما ؛ فإذا أدخلت (من) تناول الجنس كلّه ، وكذلك إذا قلت : ما جاءني من رجل ، لم يجز أن يكون جاءك واحد أو أكثر ، وإن حذفت (من) جاز أن يكن جاءك رجلان أو أكثر ، وإذا أثبت ذلك صار الاسم متضّمنا معنى (من) المفيدة معنى الجنس (1)
وقد تكون لنفي الحال ، وقد تعترض بين الخافض والمخفوض نحو «حضر بلا كتاب» وهي بالمثال بمعنى غير مجرورة بالباء ، وما بعدها مضاف إليه (وهذا عند الكوفيين بمعنى «غير» مجرورة بالباء وما بعدها مضاف إليه).
أو زائدة ولكنها تفيد النفي (وهذا عند البصريين وهو الصواب).
.والوجه الثاني : أن لا لما لم تعمل إلا إذا لاصقت الاسم ، وكانت (من) بينهما مرادة صارتا كالاسم المركب في باب العدد كخمسة عشر والمركب يبنى لتضمنه معنى الحرف.
والثالث : أنّ (لا) في هذا الباب خالفت بقيّة حروف النفي من وجهين :
أحدهما : أنّها جواب لما ليس بإيجاب بل لما هو استفهام وبقية حروف النفي يجاب بها عن الواجب.
والثاني : أنّها مختصّة بالنكرة العامّة التي هي جنس ، وليس شيء من حروف النفي مختصّا بضرب من الأسماء.
واحتجّ من قال الاسم هنا معرب بأربعة أوجه :
أحدها : أنّ الاسم المعطوف عليه معرب كقولك : لا رجل وغلاما عندك والواو نائبه عن (لا).
والثاني : أنّ خبرها معربّ وعملها في الاسمين واحد.
والثالث : أنّ (لا) عامله ، فلو حصل البناء هنا لحصل بعامل والبناء لا يحصل بعامل ؛ لأن العامل غير المعمول والبناء شبه التركيب وجزء المركّب شيء واحد.
1) لا النّافية : إذا وقعت على فعل نفته مستقبلا ، وحقّ نفيها بما وقع موجبا يالقسم ، كقوللك : «ليقومنّ زيد» فتقول : «لا يقوم» وقد تنفي الماضي ، فإن نفتة وجب تكرارها ، نحو «لا أكلت ولا شربت» وإذا نفت المستقبل جاز تكرارها ، نحو «زيد لا يقرأ ولا يكتب».
والرابع : أنّ الاسم لو كان مبنيّا لبني على حركه غير الفتح ؛ لأن (لا) تعمل النصب ؛ فإذا عرض البناء وجب أن تكون حركته غير حركة الإعراب كما في : (قبل وبعد).
والجواب : أنّ المعطوف عليه بني لتضمّنه معنى الحرف ، وإنّما يكون ذلك مع (لا) نفسها والواو لا تنوب عن (لا) في هذا المعنى بل تنوب عنها في العطف فقط ؛ ولهذا يسوغ إظهار (لا) مع (الواو).
قيل : أثر ضعفها قد ظهر في شيء غير التنوين ، فمن ذلك أنّه لا يفصل بينها وبين اسمها بالخبر ولا بغيره ولأنّ التنوين لا يحدث بالعامل حتى يحذف إذا ضعف العامل ، وإنّما هو تابع لحركة الإعراب.
فإن قيل : إنما حذف التنوين ؛ لأن هذا الباب خالف بقية العوامل في اختصاصه ببعض الأسماء وعلى وجه مخصوص فخولف به أيضا في التنوين؟ قيل : قد أجبنا عن هذا.
فصل : واتّفقوا على أنّ النكرة المضافة كقولك : لا غلام رجل عندنا ، وفي المشابه للمضاف كقولك : لا خيرا من زيد عندنا معرب ، وإنّما خالف هذا الاسم النكرة المفردة لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد وهما في اللفظ اسمان ، فلو بنيت الاسم الأوّل مع (لا) لكان لعلّة التركيب فتصير ثلاثة أشياء كالشيء واحد.
والثاني : أنّ المضاف إليه واقع موقع التنوين ، وكما أنّ التنوين لا يكون بعد حركة البناء كذلك المضاف إليه.
والثالث : أنّ المضاف عامل في المضاف إليه ، وقد ألف من كلّ مبنيّ إذا أضيف إلى مفرد أعرب فأمّأ (لدن) فبنيت مع الإضافة لإيغاها في شبه الحرف بخلاف باب (لا).
فصل : والمشابه للمضاف من أجل طوله ما كان عاملا فيما بعده وكان ما بعده من تمام معناه كقولك : لا ضاربا زيدا ولا حسنا وجهه قائم ولا خيرا من زيد لنا ووجه مشابهته للمضاف من وجهين :
أحدهما : أنّه عامل فيما بعده كما يعمل المضاف فيه المضاف إليه.
والثاني : أنّ ما بعده مفتقر إليه كافتقار المضاف إليه إلى المضاف ، وعلى هذا إذا قلت لا مرورا بزيد وعلقّت الباء بالمصدر نصبت ونوّنت ؛ لأنه عامل فيما بعده والخبر محذوف ، وإن جعلت : (بزيد) الخبر لم تنوّن المصدر ؛ لأنه غير عامل ههنا ، وكذلك لا آمر بالمعروف يوم الجمعة إن أعملت آمرا نوّنته وإن لم تعمله لم تنوّنه ولا يكون : (يوم الجمعة) خبرا ؛ لأن ظرف الزمان لا يخبر به عن الجثث والنفي على هذا التقدير خاصّ ببعض الآمرين وإن جعلت الباء الخبر كان النفي عامّا.
فصل : وموضع : (لا) واسمها رفع بالابتداء لوجهين :
أحدهما : أنّهما في حكم المركّب على ما تقدم ، والمركّب يجري مجرى المفرد في موضع الإعراب.
والثاني : أنّ الكلام قبل دخول : (لا) جملة خبريّة كقولك : عندنا رجل ؛ فإذا أدخلت : (لا) بقيت الخبريه على ما كانت إلا أنّ الخبر منفيّ وكان مثبتا وهذا مثل : (ما) في قولك : ما عندنا رجل إلا أنّك لّما أدخلت : (لا) أوليتها الاسم ؛ ولهذا إذا قدّمت الخبر أو فصلت بينهما رجع إلى الابتداء والخبر لفظا مثل قوله تعالى : (لا فِيها غَوْلٌ) [الصافات : 47] ، وليس ك (أنّ وليت ولعلّ) ؛ لأنها تغير معنى الابتداء (1)
(أ) أن تكون نافية.
(ب) أن يكون المنفّي بها الجنس ، ولو كانت لنفي الوحدة عملت عمل «ليس» نحو «لا رجل قائما بل رجلان» أمّا قولهم في المثل «قضيّة ولا أبا حسن لها» أي لا فيصل لها ، إذ هو كرّم الله وجهه كان فيصلا في الحكومات على ما قاله النبي صلىاللهعليهوسلم : أقضاكم عليّ ، فصار اسمه كالجنس المفيد لمعنى الفيصل ، وعلى هذا يمكن وصفه بالنكرة ، وهذا كما قالوا : «لكلّ فرعون موسى» أي لكل جبّار قهّار ، فيصرف فرعون وموسى لتنكيرهما بالمعنى المذكور.
(ج) أن يكون نفيه نصّا (وهو الذي يراد به النفي العام ، وقدّر فيه «من» الاسغراقية ، ؛ فإذا قلنا «لا رجل في الدار» وأنت تريد نفي الجنس لم يصح إلا بتقدير «من» فكان سائلا سأل : هل من رجل في الدار؟ فيقال : «لا رجل»).
(د) إلا يدخل عليها جار (وإن دخل عليها الخافض لم تعمل شيئا ، وخفضت النكرة بعدها نحو «غضبت من لا شيئ ، وشذ» جئت بلا شيء (بالفتح)
(ه) أن يكون اسمها نكرة متّصلا بها (وإن كان اسمها معرفة ، أو نكرة منفصلا منها أهملت ، ووجب تكرارها ، نحو «لا محمود في الدّار ولا هاشم» ونحو : (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) فإنّما لم تتكرّر مع المعرفة في قولهم «لا نولك أن تفعل» من النوال والتّنويل وهو العطية ، وهو مبتدأ ، وأن تفعل سدّ مسدّ خبره لتأول «لا نولك» بلا ينبغي لك أن تفعل).
(و) أن يكون خبرها أيضا نكرة.
.1) تعمل «لا» عمل «إنّ» بستّة شروط :
فصل : واختلفوا في خبر (لا) ، فقال سيبويه : هو مرفوع بالابتداء كما يرتفع قبل دخول :
(لا) وحجّته شيئان.
أحدهما : أنّه لمّا كان موضع (لا) واسمها رفعا كان الخبر مرفوعا على ذلك التقدير.
والثاني : أنّ (لا) ضعيفة جدا فلم تعمل في الاسمين بخلاف : (كان) و (إنّ).
وقال الأخفش : هو مرفوع ب (لا) ؛ لأنها اقتضت اسمين وعملت في أحدهما فتعمل في الآخر ك (إنّ) وعلى هذا تترتّب مسألة هي قول الشاعر (1)
ولا لغو ولا تأثيم فيها
ولا غول ولا فيها مليم
والبيت من شعر أمية بن أبي الصلت : (5 ه / 626 م) وهو أمية بن عبد الله أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي.
شاعر جاهلي ، حكيم ، من أهل الطائف. قدم دمشق قبل الإسلام وكان مطلعا على الكتب القديمة ، يلبس المسوح تعبدا وهو ممن حرموا على أنفسهم الخمر ونبذوا عبادة الأوثان في الجاهلية ، ورحل إلى البحرين فأقام ثماني سنين ظهر في أثنائها الإسلام. وعاد إلى الطائف فسأل عن خبر محمد صلىاللهعليهوسلم ، وقدم مكة وسمع منه آيات من القرآن وسألته قريش رأيه فقال : أشهد أنه على الحق. قالوا : فهل تتبعه؟ فقال : حتى أنظر في أمره.
ثم خرج إلى الشام وهاجر رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، إلى المدينة وحدثت وقعة بدر وعاد أمية يريد الإسلام فعلم بمقتل أهل بدر وفيهم ابنا خال له فامتنع وأقام في الطائف إلى أن مات.
أخباره كثيرة وشعره من الطبقة الأولى ، إلا أن علماء اللغة لا يحتجون به لورود ألفاظ فيه لا تعرفها العرب. وهو أول من جعل في مطالع الكتب باسمك اللهمّ ، فكتبتها قريش.
: [الوافر]فلا لغو ولا تأثيم فيها ...
على قول سيبويه : (فيها) خبر عن الاسمين ، وعلى قول أبي الحسن هو خبر عن أحدهما وخبر الآخر محذوف.
1) البيت كاملا :
فصل : إذا وصفت اسم (لا) قبل الخبر ففيه ثلاثة أوجه :
1 - أحدها : النصب بالتنوين حملا على موضع اسم (لا) كما حملت صفة المنادى المبنيّ على موضعه فنصبت ولم تبن الصفة كما لم تبن صفة المنادى.
2 - والثاني : الرفع والتنوين حملا على موضع (لا) واسمها إذ موضعها رفع على ما تقدّم.
3 - والثالث : الفتح بغير تنوين ، وفي ذلك وجهان :
أ - أحدهما : أنّها فتحة بناء وأنّما فعلوا ذلك ؛ لأن الصفة والموصوف كالشيء الواحد ؛ ولهذا قد لزمت في بعض المواضع كما تلزم الصلة نحو قولهم : يا أيّها الرجل ، وكقولهم : مررت بخلف الأحمر ، ولو لا ذكر : (الأحمر) لم تعلم أنّ المراد : (خلف) المعروف بالعلم أو غيره ولّما جرتا مجرى الشيء الواحد بنوهما قبل دخول (لا) كما بني : (خمسة عشر) وكما بنوا : (ابن أمّ) و (زيد بن عمرو) فيمن فتح الدال ثّم أدخلوا عليه حرف النداء دخلت : (لا) على اسم مركّب مبنيّ ولا يجوز أن تكون : (لا) دخلت عليهما وهما معربان فبنيتا معها ؛ لأن ذلك يوجب جعل ثلاثة أشياء كشيء واحد ولا نظير له.
ب - والوجه الثاني : أن تجعل فتحة الصفة فتحة إعراب وحذفت التنوين ليشاكل لفظ الصفة لفظ الموصوف كما أنّهم جعلوا : (كلا) و (كلتا) بلفظ التثنية إذا أضيفت إلى المضمر ؛ لأنّها في ذلك الموضع تتبع ما قبلها من المثنّى وهذا على مذهب من جعل اسم : (لا) معربا أظهر.
فصل : فإن جاءت الصفة بعد الخبر جاز فيها الرفع والنصب بالتنوين على ما تقدّم ولم يجز البناء للفصل بينهما بالخبر.
فصل : إذا عطفت على اسم (لا) ولم تكرّر كان لك في المعطوف الرفع على موضع (لا) واسمها كما ذكرنا في الصفة والنصب بالتنوين قياسا على الصفة أيضا.
ولا يجوز بناؤه ؛ لأن لفظ : (لا) غير موجود معه ولا يجوز بناؤه بسبب (لا) المتقدّمة ؛ لأن ذلك يفضي إلى جعل أربعة أشياء كشيء واحد.
فصل : فإن عطفت عليه معرفة لم يحز فيها النصب ؛ لأن (لا) لا تعمل في المعارف بل ترفعه على الموضع كقولك : لا غلام لك والعبّاس ، وكذلك إن ذكرت (لا) فقلت : (ولا العبّاس) ورفعه على الموضع.
فصل : ؛ فإذا كرّرت (لا) مع المعطوف جاز فيها عدّة أوجه (1)
(أحدها) فتح ما بعدهما ، (ووجهه أن تجعل «لا» فيهما عاملة كما لو انفردت ، ويقدر بعد - هما خبر لهما معا ، أي لا حول ولا قوة لنا ويجوز أن يقدر لكل منهما خبر) ، وهو الأصل نحو : (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ) (الآية «254» من سورة البقرة) بفتحهما بقراءة ابن كثير وأبي عمرو.
(الثاني) رفع ما بعدهما ، (ووجهه أن تجعل «لا» الأولى ملغاة لتكرّرها ، وما بعدها مرفوع بالابتداء ، أو على إعمال «لا» عمل ليس ، وعلى الوجهين ف «لنا» خبر عن الاسمين ، إن قدّرت «لا» الثانيه تكرارا للأولى ، وما بعدها معطوف ، فإن قدّرت الأولى مهملة والثّانية عاملة عمل ليس أو بالعكس ف «لنا» خبر عن إحداهما وخبر الأخرى محذوف) ، كالآية المتقدّمة في قراءة الباقين (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ) وقول عبيد الراعي :
وما هجرتك حتّى قلت معلنة
لا ناقة لي في هذا ولا جمل
برفع ناقة وجمل ، والمعنى : ما تركتك حتّى تبرأت منّي ، وقوله «لا ناقة لي ولا جمل» مثل ضربه لبراءتها منه.
(الثالث) فتح الأوّل ورفع الثّاني (ووجهه أنّ «لا» الأولى عاملة عمل «إن» و «لا» الثانية زائدة وما بعدها معطوف على محل «لا» الأولى مع اسمها ، ويجوز عند سيبويه أن يقدّر لهما خبر واحد ، وعند غيره لا بدّ لكلّ واحد من خبر) كقول هنيّ بن أحمر الكناني :
هذا لعمركم الصّغار بعينه
لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب
وقول جرير يهجو نمير بن عامر :
بأي بلاء يا نمير بن عامر
وأنتم ذنابى لا يدين ولا صدر
(«بأي» متعلق بمحذوف تقديره : بأي بلاء تفتخرون وأراد «بالذّنابى» الأتباع ، والمعنى لستم برءوس بل أتباع ، لا يدين لكم ولا صدر).
(الرابع) رفع الأوّل وفتح الثاني (ووجهه أن «لا» الأولى ملغاة ، أو عملها عمل ليس ، و «لا» الثانية عاملة عمل «إن» وتقدير الخبر في هذا الوجه كالذي قبله سواء على المذهبين) كقول أميّة بن أبي الصّلت :
فلا لغو ولا تأثيم فيها
وما فاهوا به أبدا مقيم
(اللغو : الباطل ، «التأثيم» من أثّمته : إذا قلت له أثمت ، والمعنى : ليس في الجنة قول باطل ولا تأثيم أحد لأحد).
(الخامس) فتح الأوّل ونصب الثاني (وجهه أن «لا» الأولى عاملة عمل «إن» و «لا» الثانية زائدة ، وما بعدها منصوب منون بالعطف على محلّ اسم «لا» الأولى.) كقول أنس بن العباس بن مرداس السلمي :
لا نسب اليوم ولا خلّة
اتّسع الخرق على الرّاقع
(الخلّة : الصداقة. الخرق : الفتق). وهو أضعف تلك الأوجه.
:1) إذا تكرّرت «لا» ب دون فصل نحو «لا حول ولا قوّة إلا بالله» فلك في مثل هذا التركيب خمسة أوجه :
1 - أحدها : أن تبني الاسمين على أن تجعل (لا) الثانية غير مزيدة كالأولى والواو عاطفة جملة على جملة.
2 - والثاني : أن تبني الأوّل على أصل الباب تنصب الثاني وتنّونه ، وتجعل (لا) زائدة كما زيدت في قولك : (ما لي دينار ولا درهم) فإنّها مزيدة لتوكيد النفي.
3 - والثالث : أن تبنى الأوّل على الأصل وترفع الثاني على ثلاثة أوجه :
أ - أحدها : أن تجعل (لا) زائدة وتحمل المعطوف على الموضع
ب - والثاني : أن تجعل (لا) عاملة عمل (ليس) فيكون اسمها مرفوعا وخبرها منصوبا ، وقد أجازوا ذلك إذا كان الاسم نكرة كما قال : [مجزوء الكامل]
من صدّ عن نيرانها
فأنا ابن قيس لا براح
أي : ليس لنا براح. وقال العجّاج : [الرجز]
تالله لو لا أن تحشّ الطبّح
بي الجحيم حين لا مستصرخ
وحمل (لا) على (ليس) قويّ في القياس ؛ لأنها نافية مثلها ، وإذا جاز قياسها على (إنّ) في العمل - مع أنّها نقيضتها - فحملها على نظيرتها أولى.
ج - والثالث : أن تلغي (لا) ويكون ما بعدها مبتدأ وخبرا على ما يوجبه القياس فيها.
ح - والوجه الرابع : أن ترفع الاسمين وتجعل (لا) الأولى على ما ذكرناه في رفع الثانية من حملها على : (ليس) وإلغائها.
خ - والخامس : أن ترفع الأولى على ما ذكرنا وتبني على أصل الباب (1)
فلا أب وابنا مثل مروان وابنه
إذا هو بالمجد ارتدى وتأزّرا
(يجوز «وابن» بالرفع ، ومعنى «ارتدى» لبس الرداء و «تأزر» لبس الإزار).
.1) العطف على اسم «لا» من غير تكرارها : إذا لم تتكرّر «لا» وعطفت على اسمها ، وجب فتح الأوّل وجاز في الثاني النّصب عطفا على اسم لا ، والرفع عطفا على محل «لا» مع اسمها ، وامتنع الفتح لعدم ذكر «لا» كقول رجل من بني عبد مناة يمدح مروان وابنه عبد الملك :
فصل : فإن كان اسم (لا) مثنّى أو مجموعا كان بالياء والنون ، أمّا : (الياء) فإنّها تدلّ على النصب في المعرب فجعلت ههنا دلالة على موضع المنصوب وعلى لفظ الفتح الذي في اسم (لا) كما قالوا في المنادى : يا زيدان أقبلا ، واختلفوا هل هذا اسم معرب أو مبنيّ على ما كان عليه في الإفراد.
فقال الخليل وسيبويه : هو على ما كان عليه ؛ لأن العلّة الموجبة للبناء قائمة ولا مانع منه والمثّنى يكون مبنيا كما في باب النداء ، و (النون) ليست بدلا من الحركة والتنوين في كلّ موضع على ما يبيّن في باب التثنية.
وقال أبو العبّاس هما معربان لوجهين :
أحدهما : أنّه ليس شيء من المركّبات ثنّيّ فيه الاسم الثاني وجمع.
والثاني : أنّ المثنّى في حكم المعطوف والعطف يمنع من البناء والذي ذكره غير لازم فإنّ المركّب إذا سمّي به صحّت تثنية الاسم الثاني وجمعه كما لو سمّيت رجلا ب (حضرموت) ، فإنّك تقول في التثنية والجمع : جاءني حضرموتان وحضرموتون ، وأمّا جعل التثنية كالمعطوف فذاك في المعنى لا في اللفظ.
فصل : وإذا دخلت (لا) على المعرفة لم تعمل فيها ولزم تكريرها كقولك : لا زيد في الدار ولا عمرو ، وإنّما لم تعمل هنا لبطلان شبهها ب (إنّ) ، وإنّما لزم التكرير ؛ لأنه جواب من قال : أزيد في الدار أم عمرو؟ فلو قلت : لا. مقتصرا عليها لم يطابق الجواب السؤال ، وكذا لو قلت : لا زيد. لم يستوف جواب السؤال.
فأمّا قولهم : لا نولك أن تفعل فجاز من غير تكرير حملا على المعنى ، والمعنى لا ينبغي لك.
فصل : فأمّا قولهم : (لا أبا لك) فالعرب يستعملونها على ثلاثة أوجه :
1 - الوجه الأول : (لا أب لك) بحذف الألف وهو الأصل ؛ لأن (لا) لا تعمل في المعرفة و (اللام) تقطع الاسم عن الإضافة فيبقى نكرة و (أب) و (أخ) وبابهما تحذف لاماتها في الإفراد.
2 - والوجه الثاني : (لا أبا لك) بإثبات الألف ، وفي ذلك ثلاثة أوجه :
أ - أحدها : أنّه جاء على لغة من قال : (لا أبا) في كلّ حال كالمقصور
ب - والثاني : أنّ الألف نشأت عن إشباع فتحة الباء
ج - والثالث : أنّ (اللام) في حكم الزائدة من وجه فكأنّ (الأب) مضاف إلى الكاف ولام هذا الاسم ترجع في الإضافة وهي أصل من وجه ، وذلك أنّ (لا) لا تعمل في المعارف ، وقد عملت ههنا فوجب أن تكون اللام مبطلة للإضافة وهذا كما قالوا : [البسيط]
... (1)
قالت بنو عامر خالوا بني أسد
يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام
وهو من شعر النابغة الذبياني : (18 ق. ه / 605 م) وهو زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني المضري ، أبو أمامة.
شاعر جاهلي من الطبقة الأولى ، من أهل الحجاز ، كانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ فتقصده الشعراء فتعرض عليه أشعارها. وكان الأعشى وحسان والخنساء ممن يعرض شعره على النابغة.
كان حظيا عند النعمان بن المنذر ، حتى شبب في قصيدة له بالمتجردة (زوجة النعمان) فغضب منه النعمان ، ففر النابغة ووفد على الغسانيين بالشام ، وغاب زمنا. ثم رضي عنه النعمان فعاد إليه. شعره كثير وكان أحسن شعراء العرب ديباجة ، لا تكلف في شعره ولا حشو. عاش عمرا طويلا.
يا بؤس للجهل[وقالوا أيضا من البسيط :]
يا بؤس للحرب (2)
يا بؤس للحرب يذكي نارها شره
يدعو إلى موبقات كلّها نقم
والبيت من شعر مصطفى الغلاييني : (1303 - 1364 ه / 1886 - 1944 م) وهو مصطفى بن محمد سليم الغلاييني.
شاعر من الخطباء الكتاب من أعضاء المجمع العلمي العربي مولده ووفاته ببيروت وتعلم بها وبمصر وتتلمذ على يد الشيخ محمد عبده سنة 1320 ه. ولما كان الدستور العثماني أصدر مجلة النبراس سنتين ببيروت ووظف فيها أستاذا للعربية في المدرسة السلطانية أربع سنوات. وعين خطيبا للجيش العثماني الرابع في الحرب العالمية الأولى فصحبه من دمشق مخترقا الصحراء إلى ترعة السويس من جهة الإسماعيلية وحضر المعركة والهزيمة.
وعاد إلى بيروت مدرسا وبعد الحرب أقام مدة بدمشق وتطوع للعمل بجيشها العربي وعاد إلى بيروت فاعتقل بتهمة الاشتراك في مقتل أسعد بك المعروف بمدير الداخلية سنة 1922 وأفرج عنه فرحل إلى شرقي الأردن.
فعهد إليه أميرها الشريف عبد الله بتعليم ابنيه فمكث مدة وانصرف إلى بيروت فنصب رئيسا للمجلس الإسلامي فيها وقاضيا شرعيا إلى أن توفي.
من كتبه : (نظرات في اللغة والأدب - ط) و (عظة الناشئين - ط) ، و (لباب الخيار في سيرة النبي المختار - ط) ، و (الدروس العربية - ط) ، و (ديوان الغلاييني - ط) وغيرها من الكتب المثيرة.
...ولا يجوز ذلك في غير اللام ؛ لأنها القاطعة للإضافة في هذا المعنى.
3 - واللغة الثالثة : (لا أبالك) بحذف اللام وهي أشدّها وأبعدها عن القياس والوجه فيها أنّه حذف : (اللام) وهو يريدها فهي في حكم الملفوظ به كما في قولهم : [الطويل]
... ولا ناعب إلا ببين غرائبها
وكما قيل لرؤبة : كيف أصبحت؟ فقال : خير إن شاء الله ، أراد بخير ومثل ذلك قولهم : (لا يدي لك بفلان) و (هذا قميص لا كمّي له) فحذف النون ههنا وإثبات الياء على الوجه. المقدّم.
فإن فصلت بين اللام وبين الاسم الأوّل ثبتت النون ؛ لأن ذلك يمنع من الإضافة ، وأمّا (لك) في قولك : (لا أبا لك) ففيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تجعلها الخبر.
والثاني : أن تجعلها صفة للاسم في موضع نصب أو رفع وتتعلق بمحذوف.
والثالث : أن تجعلها للتبيين والتقدير ، أعني لك والقول المحقّق في : (لا أبا لك) أنّ اللام في حكم الزائدة من وجه والاسم مضاف إلى (الكاف) ولم يعرّف ؛ لأن المعنى لا مثل أبيك كما قالوا : [الرجز]
لا هيثم الليلة للمطيّ
فصل : فإن أدخلت همزة الاستفهام على (لا) لم تغير حكم (1)
ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد
إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي
(«ألا» هو مجرد الاستفهام عن النفي ، والحرفان باقيان على معناهما وهو قليل «لسلمى» متعلّق بخبر محذوف تقديره : حاصل ، المعنى : إذا لاقيت ما لآقاه أمثالي من الموت ، هل عدم الاصطبار ثابت لسلمى أم لها تجلّد وتثبّت ، وأدخل «إذا» الظّرفية على المضارع بدل الماضي وهو قليل) وتارة يراد بهما التّوبيخ أو الإنكار وهو الغالب كقوله :
ألا ارعواء لمن ولّت شبيبته
وآذنت بمشيب بعده هرم
(«ألا» الهمزة للاستفهام و «لا» لنفي الجنس قصد بها التّوبيخ والإنكار «ارعواء» اسمها والخبر محذوف ، ومعناه : الانكفاف عن القبيح).
ومثله قول حسّان بن ثابت :
حار بن عمرو ألا أحلام تزجركم عنّا وأنتم من الجوف الجماخير (الجوف : جمع أجوف وهو الواسع الجوف ، وقال ابن الشجري : هو الذي لا رأي له ولا حزم ، والجماخير : جمع جمخور : العظيم الجسم القليل العقل) وجاء خبر «ألا» جملة فعلية.
وتارة يراد بها التمني وهو كثير كقوله :
ألا عمر ولّى مستطاع رجوعه
فيرأب ما أثأت يد الغفلات
(«ألا» كلمة واحدة للتمني ، وقيل الهمزة للاستفهام دخلت على «لا» التي لنفي الجنس ولكن أريد به التمني «عمر» اسمها مبني على الفتح وجملة «ولّى» صفة له ، وكذا جملة «مستطاع رجوعه» صفة أخرى وقوله «فيرأب» بالنصب جواب التمني من رأبت الإناء إذا أصلحته ، ومعنى «أثأث» أفسدت).
فعند سيبويه والخليل أن «ألا» هذه بمنزلة «أتمنّى» فلا خبر لها ، وبمنزلة «ليت» فلا يجوز مراعاة محلّها مع اسمها ، ولا إلغاؤها إذا تكرّرت ، وخالفهما المازني والمبرّد فجعلاها كالمجرّدة من همزة الاستفهام. وهذه الأقسام الثّلاثة مختصّة بالدّخول على الجملة الاسميّة.
(لا) في جميع ما ذكرنا ، إلا أنّ سيبويه يختار في الخبر النّصب فيقول : ألا رجل أفضل منك وإن قلت : ألا رجلا ، فعلى1) إذا دخلت همزة الاستفهام على «لا» لم يتغيّر الحكم ، ثمّ تارة يكون الحرفان باقيين على معناهما وهو قليل ، كقول قيس بن الملوّح :
معنى التمنّي ، أي : لا أجد ، وإن قلت : ألا رجل يكرمنا ، فهو على ما كان عليه قبل الهمزة في اللفظ.
واختلفوا في موضع الاسم فسيبويه يرى أنّه منصوب بما في (ألا) من معنى التمنّي ولم يغيّر اللفظ كما أن قولك : رحمهالله لفظه على شيء ومعناه على شيء آخر ، فعلى هذا القول لا يجوز رفع الصفة كقولك : ألا ماء باردا أشربه ، وقال أبو العباس : موضعه على ما كان عليه قبل الهمزة ورفع صفته جائز.
فصل : وأما (ألا) التي للتخضيض فكلمه واحدة وما بعدها منصوب بفعل مضمر ، ويأتي ذكر ذلك في المنصوبات إن شاء الله.
فصل : فإن استثيت بعد : (لا) رفعت المستثنى كقولك : لا إله إلا الله ؛ لأنه بدل من الموضع ، وقد بطل عمل : (لا) بالإثبات والتقدير لا إله في الوجود إلا الله أي الله وحده الإله.
فصل : وأمّا قولهم : جئت بلا شيء وغضبت من لا شيء ف (لا) فيه حرف عند البصريّين ولم تمنع تعدّي العامل إلى ما بعدها ؛ لأنها زيادة في اللفظ دون المعنى ، وقال بعضهم : هي اسم بمعنى : (غير) وتجرّ بالإضافة ، وأمّا قول الشاعر : [الطويل]
أبي جوده لا البخل واستعجلت به
نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله
فيروى : (البخل) بالجرّ على أنّه جعل (لا) اسما وأضافها إلى كلمة البخل وبالنصب بدلا من (لا) وبالرفع على إضمار (هو).
فصل : وأمّا قولهم : (لا خير بخير بعده النار ولا شرّ بشرّ بعده الجنّة) ففيه قولان :
أحدهما : أنّ قوله : (بخير) خبر (لا) و (بعده) صفة الخبر والباء بمعنى (في).
والثاني : أنّ (بعده) صفة اسم (لا) و (بخير) خبره مقدّم والباء زائدة ، والتقدير : لا خير بعده النار خير.
هذه الأفعال من عوامل المبتدأ والخبر ؛ ولذلك احتاجت إلى مفعولين ، فالأوّل ما كان مبتدأ ، والثاني ما صلح أن يكون خبرا (1)
ظننتك ، إن شبّت لظى الحرب ، صاليا
فعرّدت فيمن كان فيها معرّدا
وقد تكون لليقين ، كقوله تعالى(يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) وقوله (وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ)» ، أي علموا واعتقدوا.
(فان كانت بمعنى ، «اتهم» فهي متعدية إلى واحد ، مثل «ظن القاضي فلانا» ، أي اتهمه والظنين والمظنون المتهم. ومنه قوله تعالى (وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) أي متهم).
.وإنّما نصبتهما ؛ لأنّهما جاءا بعد الفعل والفاعل والذي تعلّق به الظن منهما هو المفعول الثاني ، وذكر المفعول الأوّل ؛ لأنه محلّ الشيء المظنون لا لأنه مظنون ، ألا ترى أنّ قولك : ظننت زيدا منطلقا. (زيد) فيه غير مظنون ، وإنّما المظنون انطلاقه ، ولكن لو قلت : ظننت منطلقا لم يعلم الانطلاق لمن كان ، كما لو ذكرت الخبر من غير مبتدأ.
فإن قيل : فلماذا دخلت هذه الأفعال على المبتدأ والخبر لتحدث في الجملة معنى الظنّ والعلم اللذين لم يتحقق معناها في المبتدأ والخبر ، ألا ترى أنّ قولك : (زيد منطلق) يجوز أن تكون قلت ذلك عن ظن وأن تكون قلته عن علم ؛ فإذا قلت : ظننت أو علمت صّرحت بالحقيقة وزال الاحتمال.
فصل : وإذا ذكرت هذه الأفعال مع فاعلها لم يلزم ذكر المفعولين ؛ لأن الجملة قد تّمت ولكن تكون الفائدة قاصرة ؛ لأن الغرض من ذكر الظن المظنون ؛ فإذا أردت تمام الفائدة ذكرت المفعولين لتبيّن الشي المظنون والذي أسند إليه المظنون ، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما ؛ لأن المفعول الأول إن اقتصرت عليه لم يعرف المقصود بهذه الأفعال وإن اقتصرت على الثاني لم يعلم إلى من أسند (2)
متى تقول القلص الرّواسما
يحملن أمّ قاسم والقاسما
ومثال الفصل بينهما بظرف زمانيّ أو مكانيّ «أيوم الخميس تقول عليّا مسافرا أو عند سعيد تقوله نازلا» ، قال الشاعر :
أبعد بعد تقول الدّار جامعة
شملي بهم؟ أم تقول البعد محتوما؟!
ومثال ما فصل فيه بينهما بالجارّ والمجرور «أبا الكلام تقول الأمّة بالغة مجد آبائها الأوّلين؟». ومثال الفصل بمعمول الفعل قول الشاعر :
أجهّالا تقول بني لؤيّ؟
لعمر أبيك ، أم متجاهلينا؟
فإن فقد شرط من هذه الشروط الأربعة ، تعيّن الرفع عند عامة العرب ، إلا بني سليم ، فهم ينصبون بالقول مفعولين بلا شرط.
ولا يجب في القول المتضمّن معنى الظن ، المستوفي الشروط ، أن ينصب المفعولين ، بل يجوز رفعهما على أنهما مبتدأ وخبر ، كما كانا.
وإن لم يتضمن القول معنى الظن فهو متعد إلى واحد. ومفعوله إمّا مفرد (أي غير جملة) ، وإمّا جملة محكيّة.
فالمفرد على نوعين مفرد في معنى الجملة ، نحو «قلت شعرا ، أو خطبة ، أو قصيدة أو حديثا» ، ومفرد يراد به مجرد اللفظ ، مثل «رأيت رجلا يقولون له خليلا» (أي يسمّونه بهذا الاسم) وأمّا الجملة المحكيّة بالقول ، فتكون في موضع نصب على أنها مفعوله ، نحو «قلت لا إله إلا الله».
وهمزة «إنّ» تكسر بعد القول العري عن الظن ، وتفتح بعد القول المتضمّن معناه.
.فصل : وحكم المفعول الثاني حكم الخبر في كونه مفردا وجملة وظرفا ، وفي لزوم العائد على المفعول الأوّل من المفعول الثاني على حسب ذلك في الخبر ؛ لأنه خبر في الأصل.
فصل : وإذا تقدّمت هذه الأفعال نصبت المفعولين لفظا أو تقديرا فاللفظ كقولك : ظننت زيدا قائما ، والتقدير في ثلاثة مواضع :
أحدها : أن يكون المبتدأ والخبر مفسّرا لضمير الشأن كقولك : ظننته زيد منطلق ، ظننت أي : الشأن والأمر فالجملة بعده في موضع نصب لوقوعها موقع المفعول الثاني كما كان ذلك خبر في خبر (كان).
والثاني : أن يكون المفعول الأوّل استفهاما كقوله تعالى : (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى) [الكهف : 12] فالجملة في موضع نصب ولم يعمل الظن في لفظ الاستقهام ؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام.
والثالث : أن تدخل لام الابتداء على المفعول الأوّل كقوله : علمت لزيد منطلق ولا يجوز هنا غير الرفع ؛ لأن الفعل وإن كان مقدّما عاملا ، ولكنه ضعيف إذ كان من أفعال القلب ، والغرض منه : ثبوت الشك أو العلم في الخبر ، ومن ههنا أشبهت هذه الأفعال الحروف ؛ لأنها أفادت معنى في غيرها واللام وإن لم تكن عاملة ولكنها قويت بشيئين :
أحدهما : لزوم تصدرها كما لزم تصدّر الاستفهام والنفي.
والثاني : أنّها مختصّة بالمبتدأ ومحقّقة له ، وإذا كانت اللام أقوى من هذا الفعل في باب الابتداء ، وكانت الجملة التي دخلت عليها هذه الأفعال مبتدأ وخبرا في الأصل لزم أن يمنع من عمل ما قبلها فيما بعدها لفظا ؛ ولهذا كسرت (إنّ) لوقوع اللام في الخبر وهذا مع أنّها لم تتصدّر.
فصل : وإذا توّسطت بين المفعولين جاز الإعمال والإلغاء وإنّما كان كذلك ؛ لأنها ضعيفة لما ذكرنا من قبل ، وقد ازدادت ضعفا بالتأخير ، ألا ترى أنّ الفعل الذي لا يلغى إذا تأخر حسن دخول اللام على مفعوله كقولك : (لزيد ضربت) ولا يحسن : (ضربت لزيد) فقد ازراد ضعفها بالتأخير ، وبدئ باسم يصلح أن يكون مبتدأ إذ لا عامل لفظيّ قبله وبعده ، وما يصلح أن يكون خبرا عنه غير (ظننت) ، والغرض حاصل من الرفع كما يحصل من النصب فجاز إلغاء الظنّ كما أنّ القسم يلغى إذا توسّط أو تأخر ، وهذه الأفعال تشبه القسم في جواز تلقّيها بالجملة ، وذلك مع : (اللام) و (ما) نحو : علمت لزيد منطلق ، وكقوله تعالى : (وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) [فصلت : 48] وأمّا إعمالها فلأنّها فعل متصرّف فعملت مؤخرة كما تعمل مقدمة (1)
والإلغاء جائز في أفعال القلوب إذا لم تسبق مفعوليها. فإن توسطت بينهما فإعمالها وإلغاؤها سيّان. تقول «خليلا ظننت مجتهدا» و «خليل ظننت مجتهد». وإن تأخرت عنهما جاز أن تعمل وإلغاؤها أحسن ، تقول «المطر نازل حسبت» ، و «الشمس طالعة خلت». فإن تقدّمت مفعوليها ، فالفصيح الكثير إعمالها ، وعليه أكثر النّحاة ، تقول «رأيت الحقّ أبلج». ويجوز إهمالها على قلة وضعف ، وعليه بعض النّحاة ، ومنه قول الشاعر :
أرجو وآمل أن تدنو مودّتها
وما إخال لدينا منك تنويل
وقول الآخر
كذاك أدّبت ، حتّى صار من خلقي
أنّي وجدت ملاك الشّيمة الأدب
والتعليق إبطال عمل الفعل القلبيّ لفظا لا محلا ، لمانع ، فتكون الجملة بعده في موضع نصب على أنها سادّة مسدّ مفعوليه ، مثل علمت لخالد شجاع».
فيجب تعليق الفعل ، إذا كان هناك مانع من إعماله. وذلك إذا وقع بعده أحد أربعة أشياء :
1 - ما وإن ولا النافيات نحو «علمت ما زهير كسولا. وظننت إن فاطمة مهملة. ودخلت لا رجل سوء موجود. وحسبت. لا أسامة بطيء ، ولا سعاد» ، قال تعالى (لَقَدْ عَلِمْتَ ، ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ).
2 - لام الابتداء ، مثل علمت «لأخوك مجتهد. وعلمت إنّ أخاك لمجتهد». قال تعالى (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ.)
3 - لام القسم ، كقول الشاعر
ولقد علمت لتأتينّ منيّتي
إنّ المنايا لا تطيش سهامها
4 - الاستفهام ، سواء أكان بالحرف ، كقوله تعالى : (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ؟) أم بالاسم ، كقوله عزوجل : (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً؟ ،) وقوله : (لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً؟.) وسواء أكان الاستفهام مبتدأ ، كما في هذا الآيات ، أم خبرا ، مثل «علمت متى السّفر؟» ، أم مضافا إلى المبتدأ ، مثل «علمت فرس أيهم سابق؟» أم إلى الخبر ، مثل «علمت ابن من هذا؟».
وقد يعلق الفعل المتعدي ، من غير هذه الأفعال ، عن العمل ، كقوله تعالى : (فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً) وقوله : (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ)
وقد اختصّ ما يتصرّف من أفعال القلوب بالإلغاء والتّعليق. فلا يكونان في «هب وتعلم» ، لأنهما جامدان.
.1) الإلغاء إبطال عمل الفعل القلبيّ الناصب للمبتدأ والخبر لا لمانع ، فيعودان مرفوعين على الابتداء والخبر ، مثل «خالد كريم ظننت».
فصل : واختلفوا في الإعمال والإلغاء هنا هل هما سواء أم لا؟ فقال قوم : هما سواء لتعارض الدليلين اللذين ذكرناهما ، وقال آخرون : الإعمال أرجح ؛ لأن الفعل أقوى من الابتداء.
وأمّا إذا تأخّرت عن المفعولين فالإلغاء أقوى عند الجميع ؛ لأن المبتدأ قد وليه الخبر وازداد الفعل ضعفا بالتأخير بخلاف ما إذا توسّط ؛ لأن نسبته إلى الرتبة الأولى كنسبة إلى الرتبة الثالثة ، وإذا تأخّر صار بينه وبين الرتبة الأولى مرتبة وسطى.
فصل : وتنفرد هذه الأفعال عن بقية الأفعال بخمسة أشياء :
أحدها : إضمار الشأن فيها كما أضمر في (كان).
والثاني : تعليقها عن العمل في المواضع الثلاثة التي ذكرت.
والثالث : جواز إلغائها إذا توسطت أو تأخرت ، وليس كذلك : (أعطيت) وبابه فإنّك لو قلت : زيد أعطيت درهم لم يجز.
والرابع : أنّه لا يجوز الاقتصار على أحد مفعوليها ، وقد ذكرت علّته.
والخامس : جواز اتّصال ضمير الفاعل والمفعول بها وهما لشيء واحد كقولك : ظننتني قائما ، ويذكر في موضعه.
فصل : وقد تكون (ظننت) بمعنى اليقين كقوله تعالى : (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) [البقرة : 46] ، وقد تكون بمعنى : (اتّهمت) فتتعدّى إلى واحد ؛ لأن التهمة لنفس زيد لا لصفته ، وقد تكون علمت بمعنى : (عرفت) فتتعدّى إلى واحد كقوله تعالى : (وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ) [الأنفال : 60]؛ لأن المعرفة والجهالة تتعلّق بعين زيد لا بصفته وتكون : (رأيت) من رؤية البصر فتتعدى إلى واحد فإن جاء منصوب معها فهو حال (1)
دعاني العواني عمّهنّ. وخلتني
لي اسم ، فلا أدعى به وهو أول
(أي دعونني عمّهنّ ، وقد علمت ان لي اسما ، افلا ادعي به وهو اول اسم لي. وياء المتكلم مفعول خال الاول ، وجملة «اسم» في موضع نصب على انها مفعوله الثاني).
.وأمّا (حسبت) : (خلت) (2)
حسبت التّقى والجود خير تجارة
رباحا ، إذا ما المرء أصبح ثاقلا
فبمعنى التوهّم لا غير ، وأمّا (زعمت) فهو عبارة عن القول المقرون بالاعتقاد ، وقد تكون حقّا ، وقد تكون باطلا ، وأمّا (وجدت) فتكون بمعنى : (علمت) كقولك : وجدت الله عالما. وتكون بمعنى : (صادفت) فتتعدّى إلى واحد وتكون لازمة كقولك : وجدت عليه. أي : غضبت وحزنت.فصل : وقد شبّه ب (ظننت) : (قلت) وللعرب فيه ثلاثة مذاهب :
أحدها : أن يعمل القول عمل الظنّ مع الاستفهام والخطاب والاستقبال كقولك : أتقول زيدا قائما ؛ لأن الغالب أنّ المستفهم شاكّ وأنّه يستفهم من بحضرته ليخبره ، ومنهم من يعملها في الخطاب خبرا كان الكلام أو استفهاما ، ومنهم من يعملها عمل الظنّ بكلّ حال.
وإذا اتّصل ب (ظننت) ضمير منصوب فإن كانت مقدمة جاز أن تكون الهاء ضمير الشأن ويكون ما بعدها جملة ، وأن يكون ضمير المصدر أو ضمير زمان أو مكان مفعولا به على السعة فينتصب المفعولان بعدها.
وإن كانت متوسّطة جاز ذلك أيضا إلا ضمير الشأن ؛ لأنه لا يفسّر إلا بجملة بعده ، فإن قلت : زيد ظننته قائما ، فإن رفعت الاسمين على أن الهاء ضمير زيد لم يجز ؛ لأنّك قد أعملت الفعل في مفعول فلا بدّ من آخر ، وإن جعلتها ضمير المصدر كان الوجه نصبهما لأنّك قد أكّدت الظنّ ، فإن أتيت بلفظ المصدر كان التأكيد أشدّ وإلغائها بعيد مع التوكيد ، فإن قلت : ظننت ذلك ، جاز أن يكون كناية عن المصدر وأن يكون كناية عن الجملة.
فصل : ولا يجوز الاقتصار على أحد المفعولين هنا لما تقدّم ، ويترتب عليه مسألتان :
إحداهما : إذا وقعت (أنّ) وما عملت فيه بعد هذه الأفعال فعند سيبويه قد سدّت الجملة مسدّ المفعولين ، وليس في الكلام حذف ؛ لأن الجملة مشتملة على الجزأين لفظا ومعنى.
وقال الأخفش : المفعول الثاني محذوف ؛ لأن (أنّ) مصدرّية ، فتكون هي وما عملت فيه في تقدير المصدر المفرد كقولك : علمت أنّ زيدا قائم ، أي : علمت قيام زيد كائنا ، وهذا مستغنى عن تقديره لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّه لا فائدة فيه.
والثاني : أنّ ما تعلّق به العلم والظنّ مصّرح به وهو القيام.
والثالث : أنّ (أنّ) للتوكيد مع بقاء الجملة على رمّتها فهي ك (لام الابتداء) وكما لا يحتاج هناك إلى تقدير مفعول كذلك ههنا.
المسألة الثانية : قولك : ظنّ زيد قائما أبوه. ف (زيد) فاعل و (قائما) مفعول و (أبوه) فاعل القيام ، وهذا لا يجوز عندنا إذ ليس في الكلام سوى مفعول واحد ، وأجازه الكوفيّون واحتجّوا بقول الشاعر (1): [الطويل]
أظنّ ابن طرثوث عتيبة ذاهب
بعاديتي تكذابه وجعائله
وهذا شاذّ لا يعرّج عليه.
1) البيت من شعر ذي الرمة.
أقصى ما يتعدّى إليه الفعل من الفاعل ثلاثة (1)
والغالب في «أنبأ» وما بعدها أن تبنى للمجهول ، فيكون نائب الفاعل مفعولها الأول ، مثل «أنبئت سليما مجتهدا» ، قال الشاعر
نبّئت زرعة ، والسفاهة كاسمها
يهدي إليّ غرائب الأشعار
وقال الآخر
نبّئت أنّ أبا قابوس أو عدني
ولا قرار على زأر من الأسد
، وذلك أنّ الأصل نسبة الفعل إلى المفاعيل ، ثمّ إنّ فعل الفاعل قد يفتقر إلى محلّ مخصوص يباشره مقصورا عليه مثل ضرب زيد عمرا ، وقد يحدث الفاعل الفعل لغيره بحيث يصير المحدث له الفعل فاعلا به كقولك : أضربت زيدا عمرا ، أي : مكّنته من إيقاع الضرب به فأنت فاعل التمكين من الضرب و (زيد) مفعول هذا التمكين و (الضرب) الممكّن منه حاصل من زيد في عمرو ف (زيد) فاعله و (عمرو) مفعوله.وقد يكون فعل الفاعل متعلّقا بشيئين لا يتحقق بدونهما ، كقولك : أعطيت زيدا درهما ، فالإعطاء من الفاعل لا يتمّ إلا بالآخذ والمأخوذ ، إلا أنّ أحد الشيئين مفعول الإعطاء وفاعل الأخذ والآخر مفعول لا غير.
وقد يكون الفعل متعلّقا بمفعول واحد ولكن يذكر معه غيره لتوقّف فهمه عليه كقولك : ظننت زيدا قائما ، فالمفعول على التحقيق هو المطنون وهو القيام ، ولكن لا يفيد ذكره ما لم يذكر من نسب إليه.
وقد توجب هذا الفعل لغيرك فتصير فاعلا في المعنى لما تحدثه له ، والمستعمل من ذلك بلا خلاف فعلان : (أعلمت) و (أريت) المتعدّيان إلى مفعولين بغير همزة التعدّي كقولك : أعلمت زيدا عمرا عاقلا ، وهو قبل النقل : علمت زيدا عاقلا ، ثم عدّيته بالهمزة فأوجبت لزيد العلم بعقل عمرو ، وليس بعد هذه العدّة غاية يقصد بها التعدّي إليها إذا لا يتصوّر أن يوجد الإسناد لأكثر من واحد حتّى يصير بذلك فاعلا.
1) المتعدّي إلى ثلاثة مفاعيل ، هو «أرى وأعلم وأنبأ ونبّأ وأخبر وخرّ وحدث». ومضارعها «يري ويعلم وينبيء وينبّىء ويخبر ويخبّر ويحدّث» ، تقول «أريت سعيدا الأمر واضحا ، وأعلمته إياه صحيحا ، وأنبأت خليلا الخبر واقعا ، ونبّأته إيّاه ، أو أخبرته إياه ، أو أخبرته إياه أو حدّثته إياه حقا».
فصل : فأمّا : (نبّأت) و (أنبأت) ففعلان متعدّيان إلى شيء واحد وإلى ثان بحرف الجرّ كقولك : نبّأت زيدا عن حال عمرو أو بحال عمرو ، وقد يحذف حرف الجرّ كقوله تعالى : (مَنْ أَنْبَأَكَ هذا) [التحريم : 3] أي : عن هذا ، وقد ذهب قوم إلى أنّه يتعدّى بنفسه واستدلّ بهذه الآية ، وليس فيه دليل ؛ لأنه قد استعمل في مواضع أخر بحرف الجرّ أكثر من استعماله بغير حرف الجرّ ، فالحكم بزيادة الحروف في تلك المواضع لا يجوز فأمّا حرف الجرّ فأسوغ من الحكم بزيادته ؛ ولهذا كان أكثر كقولك : [البسيط]
أمرتك الخير (1)
أمرتك الخير لكن ما ائتمرت به
وما استقمت فما قولي لك استقم
وهو من شعر شرف الدين البوصيري : (608 - 696 ه / 1212 - 1296 م) وهو محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي البوصيري المصري شرف الدين أبو عبد الله. شاعر حسن الديباجة ، مليح المعاني ، نسبته إلى بوصير من أعمال بني سويف بمصر ، أمّه منها. وأصله من المغرب من قلعة حماد من قبيل يعرفون ببني حبنون.
ومولده في بهشيم من أعمال البهنساوية ووفاته بالإسكندرية له (ديوان شعر - ط) ، وأشهر شعره البردة مطلعها :
أمن تذكّر جيران بذي سلم
مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
شرحها وعارضها الكثيرون ، والهمزية ومطلعها :
كيف ترقى رقيك الأنبياء
وعارض (بانت سعاد) بقصيدة مطلعها :
إلى متى أنت باللذات مشغول
...فأما قوله تعالى : (قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ) [التوبة : 94] ف (من) عند سيبويه غير زائدة على ما أصلّنا ، وقال الأخفش : هي زائدة والمفعول الثالث محذوف تقديره : قد نبّأنا الله أخباركم مشروحة ، وهذا ضعيف لثلاثة أوجه :
أحدها : الحكم بزيادة الحرف من غير ضرورة إلى ذلك.
والثاني : زيادة (من) في الواجب وهو بعيد.
والثالث : حذف المفعول الثالث ، وهو كحذف المفعول الثاني في باب (ظننت) وهو غير جائز.
1) البيت كاملا من البردة :
فصل : والفرق بين : (نبّات وأنبأت) وبين : (أعلمت) أنّ (أعلمت) استعملت بغير همزة التعدّي ثمّ عدّيت و (نّبأت وأنبأت) وضعتا على التعدّي ولم يستعمل منهما : (نبأ الرجل) و (خبرت وأخبرت وحدّثت) مثل : (نبّأت) ، وإنّما ساغ التعدّي إلى ثلاثة لشبهها ب (أعلمت) لأنّك إذا أخبرت إنسانا بأمر فقد أعلمته به.
فصل : واختلفوا في جواز تعدية : (ظننت) وأخواتها غير : (علمت ورأيت) فمذهب سيبويه ، والجمهور : أنّه لا يجوز إلا في : (علمت ورأيت) ؛ لأن تعدّي الفعل بالهمزة من باب وضع اللغة ألا ترى أنّ قولك : كّلمت زيدا لا تجوز تعديته بالهمزة ، فلا تقول : أكلمت زيدا عمرا ، بمعنى مكّنته من تكليمه ولم يرد السماع إلا ب (أعلمت وأريت) وأجاز الأخفش ذلك في جميع باب (ظننت) قياسا على : (أعلمت ورأيت) وهو بعيد لم قدّمنا.
فصل : لا خلاف في جواز الاقتصار على فاعل هذه الأفعال ، واختلفوا في جواز الاقتصار على المفعول الأول فذهب الأكثرون إلى جوازه كقولك : أعلمت زيدا ومنع منه قوم ، والدليل على جوازه أمران :
أحدهما : أنّه فاعل في المعنى والفاعل يجوز الاقتصار عليه في باب (ظننت) فكذلك ههنا.
والثاني : أنّ (زيدا) هنا مفعول الإعلام ، وليس بمبتدأ في الأصل بخلاف المفعول الأوّل في : (ظننت) فإنّه مبتدأ في الأصل غير مفعول به.
فصل : والمفعول الثالث في هذا الباب هو المفعول الثاني في باب (ظننت) فلا يجوز على هذا أن تقول : أعلمت زيدا عمرا بشرا فكلّ منهم غير الآخر إلا على تأويل ، وهو أن يكون المعنى أعلمت زيدا عمرا مثل بشر أو خيّلت له أنّ أحدهما هو الآخر أو يكون عمرو وبشر اسمين لرجل واحد.
فصل : ولا يجوز إلغاء هذه الأفعال بتعليقها عن العمل ولا بتوسّطها وتأخّرها ؛ لأن المفعول الأوّل فيها فاعل في المعنى ، وليس بمبتدأ في الأصل فعلى هذا لا تقول : أعملت لزيد عمرو ذاهب ، لأنّك إن جعلت : (ذاهبا) ل (عمرو) لم يعد على زيد ضمير ، وكذلك إن جعلته لزيد ثمّ إنّ المفعولين الآخرين غير المفعول الأول فلا يصحّ أنّ يجعل كباب (ظننت) ؛ لأن الثاني هو الأوّل.
المصدر (1)
(فالعلم مشتمل على أحرف «علم» لفظا. والقتال مشتمل على ألف «قاتل» تقديرا ، لأن أصله «قيتال» ، بدليل ثبوت هذه الياء في بعض المواضع ، فنقول «قاتل قيتالا ، وضارب ضيرابا» وهذه الياء أصلها الألف في قاتل ، انقلبت ياء لانكسار ما قبلها. والعدّة أصلها «الوعد» حذفت الواو وعوّضت منها تاء التأنيث.
والتسليم أصله «السلام». بكسر السين وتشديد اللام ، حذف أحد حرفي التضعيف ، وعوّض منه تاء التفعيل ، فجاء على «تسلام» كالتكرار. ثم قلبوا الألف ياء ، فصار إلى «التسليم». فالتاء عوض من إحدى اللامين.
فان تضمن الاسم أحرف الفعل ولم يدل على الحدث ، كالكحل والدهن والجرح (بضم الأول في الثلاثة) ، فليس ، بمصدر. بل هو امس للأثر الحاصل بالفعل ، أي الأثر الذي يحدثه في الفعل).
وان دلّ على الحدث ، ولم يتضمن كل أحرف الفعل ، بل نقص عنه لفظا وتقديرا من دون عوض ، فهو اسم مصدر ، كتوضأ وضوءا ، وتكلم كلاما ، وسلم سلاما.
: مشتقّ منك (صدرت الإبل عن الماء) إذا انصرفت ووّلته صدروها ، وسمّي بذلك لأن الفعل صدر عنه هذا مذهب البصريّين.وقال الكوفيّون : المصدر مشتق من الفعل. والدليل على الأول أمران :
أحدهما : أنّ المصدر يدلّ على الحدث فقط والفعل يدل على الحدث والزمان ، وما يدلّ على معنى واحد كالمفرد وما يدلّ على معنيين كالمركّب ، والمفرد قبل المركّب.
والثاني : أنّ المصدر جنس يقع على القليل والكثير والماضي والمستقبل فهو كالعموم ، والفعل يختصّ بزمان معيّن والعام قبل الخاصّ ، وقد شبّه المصدر بالنقرة من الفّضّة في أنّها فضّة فقط وما يتخذ منها من مرآة أو قاروة ونحو ذلك بمنزلة الفعل من حيث أنّ فيه ما في المصدر وزيادة ، كما أنّ المرآة فيها الفضّة والصورة المخصوصة.
واحتجّ الكوفيّون بأنّ الفعل يعمل في المصدر والعامل قبل المعمول وهذا لا يصلح دليلا على ما ذهبوا إليه من وجهين (2)
وهو قسمان مصدر للفعل الثلاثيّ المجرّد كسير وهداية ، ومصدر لما فوقه كإكرام وإمتناع وتدحرج.
وهو أيضا ، إما أن يكون مصدرا غير ميميّ «كالحياة والموت». وإما أن يكون مصدرا ميميا «كالمحيا والممات».
:أحدهما : أنّ الاشتقاق يوجد من جهة المعاني والتصريف لا من باب العامل والمعمول.
والثاني : أنّ الحرف يعمل في الاسم ، وليس الحرف مشتّقا من الاسم ، وكذلك الفعل يعمل في الأعلام والأجناس التي ليست مصادر ، ولا يقال : هي مشتقّة منه.
فصل : وإنّما سمّي المصدر مفعولا مطلقا لوجهين :
أحدهما : أنّه المفعول على التحقيق ألا ترى أنّ قولك : (ضربت) أي : أوجدت الضرب بخلاف قولك : ضربت زيدا ، فإنك لم توجد زيدا ، وإنّما أوجدت به فعلا.
والثاني : أنّ لفظ المصدر مجرّد عن حرف جرّ فلا يقال : (به) ولا (فيه) ولا (له) ولا (معه) ، وإنّما كان كذلك ؛ لأنه لو قيل لك : - وقد ضربت مثلا - ما فعلت؟ قلت : الضرب ، وإذا قيل لك : بمن أوقعت الضرب؟ قلت : بزيد. فقيّدته بالباء ، ولو قيل : في أيّ زمان؟ أو في أيّ مكان؟ لقلت : في يوم كذا ، وفي مكان كذا ، ولو قيل : لأيّ غرض؟ لقيل : لكذا وكذا ، فقد رأيت كيف تقيّدت هذه المفاعيل بالحروف ما عدا المصدر.
فصل : والمصدر يذكر لأحد أربعة أشياء :
أحدها : توكيد الفعل كقولك : ضربت ، ف (ضربا) نائب عن قولك : (ضربت) مّرة أخرى ؛ لأن التوكيد يكون بتنكير اللفظ ، وإنّما عدلوا إلى المصدر كراهية إعادة اللفظ بعينه ؛ لأن الفعل الثاني جملة والمصدر ليس بجملة فكان أخصر وأبعد من التنكير.
والثاني : أن يذكر لبيان النوع كقولك : ضربت ضربا شديدا ، ذكرت : (ضربا) لتصفه بالشدّة التي يدلّ عليها الفعل.
والثالث : أن يذكر لتبيين العدد ويحتاج في ذلك إلى زيادة على المصدر وتلك الزيادة : (تاء التأنيث) نحو قولك : ضربت ضربة ، فإنّ التاء تدلّ على المرة ، وهنا يثنّى ويجمع نحو : ضربتين وضربات ؛ لأن لفظ الفعل لا يدلّ على العدد فذكر المصدر لتحصيل هذه الزيادة.
والرابع : أن يذكر المصدر لينوب عن الحال كقولك : قتلته صبرا ، أي : مصبورا أو محبوسا ويذكر في باب الحال بالباء.
فصل : وتقوم الآلة مقام المصدر كقولك : ضربته سوطا ، ف (سوط) هنا اسم للضربة بالسوط ، وإنّما جاز ذلك لم بين الفعل والآلة من الملابسة وحصل من هذا شيئان الاختصار
والتنبيه على أنّ الفعل كان بالآلة المخصوصة ، ولو لا ذلك لقلت : ضربته ضربة بسوط ، وليس السوط ههنا منصوبا على تقدير حذف حرف الجرّ لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ حذف الحرف ليس بقياس.
والثاني : أن في قولك : (سوطا) دلالة على المرّة الواحدة ، ألا ترى أنّك تقول : ضربته أسواطا ، ولو كانت الباء مرادة لم تدلّ على ذلك.
والثالث : أنّك تقول : ضربته مائة سوط ، ولا تريد مائة ضربة بسوط ؛ إذ لو أردت ذلك لكان المعنى : أنّ جميع الضربات بآلة واحدة ، وليس المعنى عليه ، بل يقول : ضربته مائة سوط ، وإن كانت كلّ ضربة بآلة غير الآلة الأخرى.
فصل : والعدد المضاف إلى المصدر ينتصب نصب المصدر كقولك : ضربته ثلاث ضربات ، لما بين العدد والمعدود من الملابسه والاتّصال ، وكذلك صفة المصدر إذا أضيفت إليه كقولك : سرت أشدّ السير ؛ لأن الصفه هي الموصوف في المعنى وإنما قدّمت لتدلّ على المبالغه.
فصل : ولا يثنّى المصدر ولا يجمع ما دام جنسا لدلالته على جميع أنواع الحدث ، وإنّما يثنّى ويجمع ما لا يدلّ واحده إلا على مقدار واحد ، فإن اختلفت أنواعه ثني وجمع ؛ لأن كلّ نوع منها متّميّز عن الآخر بصفه تخصّه فيصير بمنزلة أسماء الأعلام ، وكذلك إن زيد فيه : (تاء التأنيث) كالضربة ؛ فإنه يدلّ على الواحد لا غير ؛ فإذا وجدت فيه أعداد احتيج إلى ما يدلّ عليها (1)
1 - اسم المصدر ، نحو «أعطيتك عطاء» ، و «اغتسلت غسلا» و «كلّمتك كلاما» و «سلّمت سلاما».
2 - صفته ، نحو «سرت أحسن السير» و (اذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً).
3 - ضميره العائد اليه ، نحو «اجتهدت اجتهادا لم يجتهده غيري». ومنه قوله تعالى (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ.)
4 - مرادفه - بأن يكون من غير لفظه ، مع تقارب المعنى - نحو «شنئت الكسلان بغضا». و «قمت وقوفا» و «رضته إذلالا» و «أعجبني الشي حبا» ، وقال الشاعر
يعجبه السّخون والبرود
والتّمر ، حبّا ما له مزيد
5 - مصدر يلاقيه في الاشتقاق ، كقوله تعالى (وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً) وقوله (تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً.)
6 - ما يدلّ على نوعه ، نحو «رجع القهقرى» و «قعد القرفصاء» و «جلس الاحتباء» و «اشتمل الصّمّاء».
7 - ما يدلّ على عدده نحو «أنذرتك ثلاثا» ، ومنه قوله تعالى (فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ.)
8 - ما يدلّ على آلته التي يكون بها ، نحو «ضربت اللصّ سوطا ، أو عصا ، ورشقت العدوّ سهما ، أو رصاصة أو قذيفة. وهو يطّرد في جميع أسماء آلات الفعل. فلو قلت «ضربته خشبة ، أو رميته كرسيّا ، لم يجز لأنهما لم يعهدا للضرب والرمي.
9 - «ما» و «أيّ» الإستفهاميّتان ، نحو «ما أكرمت خالدا؟» و «أيّ عيش تعيش؟» ، ومنه قوله تعالى (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.)
10 - «ما ومهما وأيّ» الشّرطيّات «ما تجلس أجلس» و «مهما تقف أقف» و «أيّ سير تسر أسر».
11 - لفظ كل وبعض وأي الكماليّة ، مضافات إلى المصدر ، نحو (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) و «سعيت بعض السعي» «واجتهتدت أيّ اجتهاد».
وسميت «أيّ» هذه بالكمالية ، لأنها تدل على معنى الكمال. وهي إذا وقت بعد النكرة كانت صفة لها ، نحو «خالد رجل أيّ رجل» أي هو كامل في صفات الرجال. وإذا وقعت بعد المعرفة كانت حالا منها ، نحو «مررت بعبد الله أيّ رجل». ولا تستعمل إلا مضافة وتطابق موصوفها في التذكير والتأنيث ، تشبيها لها بالصفات المشتقات. ولا تطابقه في غيرهما.
12 - اسم الإشارة مشارا به إلى المصدر ، سواء أأتبع بالمصدر ، نحو «قلت ذلك القول» أم لا ، كأن يقال «هل اجتهدت اجتهادا حسنا؟» ، فتقول «اجتهدت ذلك».
.1) ينوب عن المصدر - فيعطى حكمه في كونه منصوبا على أنه مفعول مطلق - اثنا عشر شيئا
فصل : وأمّا قولهم : (قعد القرفصاء) و (اشتمل الصماء) فاختلفوا في الاسم المنصوب هنا على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنّه منصوب بالفعل الذي قبله ؛ لأن (القرفصاء) نوع من القعود و (الصمّاء) نوع من الاشتمال ؛ فإذا عمل (قعد) في القعود الجامع لأنواعه كان عاملا في نوع منه لدخوله تحت الجنس هذا قول سبيويه.
ومن البصريّين من قال : هو صفة لمصدر محذوف تقديره : (القعدة القرفصاء) فعلى هذا في الكلام حذف ولكنّ العامل في الصفة العامل في الموصوف غير أنّه بواسطة.
ومن النحويّين من قال : ينتصب بفعل محذوف دلّ عليه (قعد) تقديره تقرفص القرفصاء ، وفي ذلك تعسّف مستغنى عنه ؛ لأن (تقرفص) لو استعمل لكان بمعنى (قعد) ؛ فإذا وجدت لفظة : (قعد) كانت أولى بالعمل إذ هي أصل (تقرفص).
فصل : ومن ذلك : (أبغضه كراهية) و (أعجبني حبّا شديدا) فالاسم هنا يتنصب بالفعل الذي قبله ؛ لأنه يقرب من معناه.
قد ذكرنا في باب الفاعل علّة انتصاب المفعول ، والكلام في هذا الباب في أقسام الفعل في اللزوم والتعدّي ، وهو على ضربين : لازم ومتعدّ.
فاللازم : ما لا يفتقر بعد فاعله إلى محلّ مخصوص يحفظه كقولك : قام وجلس وأحمرّ وتدحرج ، فإن اتّصل به جارّ ومجرور كقولك : (جلست إليه) كان الجارّ والمجرور في موضع نصب كأنّك قلت : أتيته وعاشرته ، ونحو ذلك.
وأمّا المتعّدي : فما افتقر بعد فاعله إلى محلّ مخصوص يحفظه ، وذلك على ثلاثة أضرب :
أحدها : لم تستعمله العرب إلا بحرف جرّ كقولك : مررت بزيد ف (مررت) يفتقر إلى ممرور به ولكن لم يستعمل إلا بالباء ، وكذلك عجبت من زيد فإن جاء في الشعر شيء بغير حرف فضرورة.
والضرب الثاني : يستعمل بحرف جرّ تارة وبغير حرف جرّ أخرى ، وكلّ ذلك اختيار كقولك : نصحت لك ونصحتك ، ففي الموضع الذي استعمل بغير حرف لا يقال حذف الحرف منه ؛ لأن حذف حرف الجرّ ليس بقياس ، وفي الموضع الذي ذكر لا يقال هو زايد ؛ لأن زيادة الجارّ ليست بقياس أيضا ، وإذا جاء الأمران في الاختيار دلّ على أنّهما لغتان.
والضرب الثالث : ما يتعدى بنفسه وهو على ثلاثة أضرب ؛ أحدها : يتعدى إلى واحد ك (ضربت زيدا) ونحوه من أفعال العلاج ، وك (أبصرت زيدا) وغيره من أفعال الحواس.
فأمّا : (سمعت) فالقياس أن يتعدّى إلى واحد ممّا يسمع كقولك : سمعت قولك وصوتك. فأمّا قولهم : سمعنا زيدا يقول ذلك ف (زيد) هنا لّما كان هو القائل واتّصل به ما يدل على المسموع جعل مفعولا أوّل و (يقول) في موضع المفعول الثاني ؛ لأن القول والقائل متلازمان فأمّا قوله تعالى : (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ) [الشعراء : 72] ففيه قولان :
أحدهما : أنّ التقدير هل يسمعون دعاءكم كما قال في الأخرى : (لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ) [فاطر : 14] والآخر أنّ المفعول الثاني محذوف أي يسمعونكم إذ تدعون.
والضرب الثاني : متعدّ إلى مفعولين فمنه : (ظننت وأخواتها) ، وقد ذكرت.
ومنه متعدّ إلى مفعولين ثانيهما غير الأوّل نحو : أعطيت زيدا درهما ؛ لأن الإعطاء يقتضي آخذا ومأخوذا ، ويجوز تقديم أحدهما على الآخر إلا أن يؤدّي إلى اللبس كقولك : أعطيت زيدا عمرا فكل واحد منهما يصلح أن يكون آخذا وأن يكون مأخوذا ؛ فإذا لم يبن أحدهما من الآخر إلا بتقديم الآخذ لزم تقديمه كما يلزم في الاسمين المقصورين أن يتقدّم الفاعل.
فصل : وقد يكون الفعل متعدّيا إلى مفعول واحد بنفسه وإلى آخر بحرف الجرّ ثمّ يحذف الحرف فيتعدى إليه الفعل بنفسه كقوله تعالى : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً) [الأعراف : 155] والتقدير من قومه.
فإن قيل : لم لا يكون الثاني بدلا من الأوّل؟
قيل : لأن الاختيار يقتضي أن يكون المختار بعضا من كلّ ؛ لأن ما هو واحد في نفسه لا يصحّ اختياره ، وإذا لم يكن بدّ من مختار منه لم يصحّ البدل ومن ذلك قولهم : [البسيط]
أمرتك الخير ...
أي : بالخير ، وأمّا قوله تعالى : (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) [الحجر : 94] ففيه وجهان :
أحدهما : أنّ (ما) مصدريّة أي بالأمر وهو المأمور به.
والثاني : هي بمعنى : (الذي) فتقديره بالذي تؤمر بالصدع به ، ثم حذفت (الباء) ووصل الضمير ، فصار (بصدعه) ثمّ حذف (الصدع) ، فصار : (تؤمر به) ثم حذفت الباء والهاء دفعة واحدة في قول سيبويه ، وعلى قول الأخفش حذف : (الباء) فصار : (تؤمره) ثمّ حذفت الهاء.
فصل : فيما يعدّي الفعل وهي خمسة الهمزة كقولك : فرح زيد وأفرخته وتشديد العين كقولك : فرّحته ومعناها واحد والباء كقولك : فرحت به ، ومعناه غير معنى الأوليّن والتمثيل المطابق للأوّلين ذهبت بزيد ، أي : أذهبته كقوله تعالى : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ) [البقرة : 20] وسين استفعل وزائدها وهما الهمزة والتاء كقوله : خرج الشيء واستخرجته ، وألف المفاعلة نحو : جلس زيد وجالسته ، وقربت من البلد وقاربته.
وهو الظرف وهو أسماء الزمان والمكان ، وسّميت بذلك لأن الأفعال تقع فيها وتحلّها ولا تؤثّر فيها فهي كالإناء والحالّ فيه غيره ؛ ولذلك سمّاها بعضهم : (أوعيه) وبعضهم : (محالّ).
فصل : والذي يطلق عليه : (الظرف) عند النحويّين ما حسن فيه إظهار (في) وليست في لفظه ؛ لأن الحرف الموضوع لمعنى الظرفيه (في) ؛ فإذا لم تكن ودلّ الاسم عليها صار مسمّى بها.
فصل : ولم يبن الظرف ؛ لأنه لم يتضمّن معنى (في) بدليل صحّة ظهورها معه ، ولو كان متضمّنا معناها لم يصحّ إظهارها معه كما لا يصحّ ظهور الهمزة مع : (أين) و (كيف) ، وإنّما حذفت : (في) للعلم بها.
فصل : وإنّما عمل الفعل في جمبع أسماء الزمان ؛ لأن صيغة الفعل تدلّ عليه كما تدلّ على المصدر إلا أنّ دلالتها على الزمان من جهة حركاته وعلى المصدر من جهة حروفه وكلاهما لفظ.
أحدهما : أنّها تخصّ جزءا من الجهة التي تدلّ عليها ك (الأمام) فإنّه لا يتناول بعض ما قابلك بل يقع على تلك الجهة إلى آخر الدنيا كما أنّ (قام) يدلّ على ما مضى من الزمان من أوّله إلى وقت إخبارك ، كذلك : (يقوم) يصلح للزمان المستقبل من أوّله إلى آخره.
والثاني : أنّ هذه الجهات لا لبث لها إذ هي بحسب ما تضاف إليه وتتبدل بحسب تنقّل الكائن فيها فقولك : (خلف زيد) يصير أماما له عند تحوّله أو يمينا له أو يسارا و (خلف زيد) هو أمام لعمرو ويمين لخالد ويسار لبشر كما أنّ الزمان لا لبث له بخلاف المكان المختصّ ، فإنّه بمنزلة الأشخاص إذ كان بجثّة محددة كالدار والبصرة فمن هنا لا تقول : جلست الدار ، كما تقول : جلست خلفك.
فأمّا قولهم : (هو منّي مناظ الثريا ومزجر الكلب) إذا أرادوا البعد ومقعد القابلة ومقعد الإزار ففيه وجهان :
أحدهما : أنّ الأصل فيها تستعمل ب (في) لكنّهم حذفوها تخفيفا كما قالوا : [البسيط]
أمرتك الخير ...
والثاني : أنّ هذه الأمكنة لّما أريد بها المبالغة ولم يقصد بها أمكنة معيّنة محدودة صارت كالأمكنة المبهمة.
مسألة : تقول : (دخلت البيت بغير في) واختلف النحويّون فيه فقال سيبويه : هو لازم ، وإنّما حذفت (في) تخفيفا لكثرة الاستعمال. وقال الجرميّ : هو متعدّ مثل : (بنيت) و (عمرت) ونحو ذلك.
أحدها : أنّه لو كان متعدّيا هنا لكان متعديا في كلّ موضع صحّ معناه فيه ، وليس الأمر على ذلك ألا ترى أنّك تقول : دخلت في هذا الأمر ، ولو قلت : دخلت الأمر ، لم يستقم مع أنّ معناه لابست الأمر ووليته.
والوجه الثاني : أنّك تقول دخلنا في شهر كذا و (في) هنا غير زائدة لأنّهم لم يستعملوه بغير : (في) ولأنّ الأصل إلا يزاد حرف الجرّ.
والثالث : أنّ مصدر دخلت : (الدخول) وكلّ مصدر كان على : (فعول) ففعله لازم كالجلوس والقعود.
والرابع : أنّ نظيره : (غرت وغصت وغبت) وكلّها لازم ونقيضه : (خرجت) وهو لازم أيضا ، وذلك يؤنس بكون : (دخلت) لازما.
فصل : يجوز أن يجعل ظرف الزمان والمكان مفعولا به على السّعة وتظهر فائدته في موضعين :
أحدهما : أن تضيف إليه كقولهم : [الرجز]
يا سارق الليلة أهل الدار
كما تقول : (يا سارق ثوب زيد) ولا يجوز أن يكون هنا ظرفا ؛ لأن (في) مع الظرف مقدّرة وتقدير (في) يمنع الإضافة.
والثاني : أنّك إذا أخبرت عنه - وهو مفعول به - لم تأت بحرف الجرّ مع ضميره كقولك : يوم الجمعة سرته ، فإن جعلته ظرفا قلت : سرت فيه.
وإنّما جاز حذف (في) مع الظرف دون ضميره ؛ لأن لفظ الظرف يدلّ على الحرف إذ كان صريحا في الظرف ، والضمير لا يختصّ بالظرف بل يصلح له ولغيره ، وأمّا قول الشاعر : [الكامل]
فلأبغينّكم قنا وعوارضا
ولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد
ف (قنا) و (عوارض) و (لابة ضرغد) أمكنة معيّنة وعدّى الفعل إليها بنفسه كما عدّى (دخلت) بنفسه ، وقيل : جعلها مفعولا بها على السعة.
من شرط المفعول له أن يكون مصدرا يصحّ تقديره باللام التي يعلّل بها الفعل ، والمفعول له هو الغرض الحامل على الفعل ، ولّما كان كّل حكيم وعاقل لا يفعل الفعل إلا لغرض جعل ذلك الغرض : (مفعولا من أجله) وهو منصوب بالفعل الذي قبله لازما أو متعديّا ؛ لأن الفعل يحتاج إليه كاحتياجه إلى الظرف وكما حذف حرف الجرّ في الظرف جاز هنا ، ويجوز أن يكون المفعول له نكرة بلا خلاف كقولك : (زرتك طمعا) فأمّا المعرفة فذهب الجمهور إلى جواز جعلها مفعولا له ومنعه الجرميّ ، والدليل على جوازه قول العجّاج : [الرجز]
يركب كلّ عاقر جمهور
مخافة وزعل المحبور
والهول من تهوّل الهبور
و (الهول) هنا معطوف على (مخافة) ولأنّ الغرض قد يكون معروفا عند المخاطب ؛ فإذا ذكر علم أنّه المعهود عنده ؛ ولذلك تجوز المعرفة مع ظهور اللام كقولك : (أتيتك للطمع) ولا فرق بين ظهور اللام وحذفه في المعنى ، ويجوز تقديم المفعول على الفعل لتصرّف العامل وأنّ المفعول له كالظرف في تقدير الحرف.
كلّ اسم وقع بعد الواو التي بمعنى : (مع) وقبلها فعل وفاعل فذلك الاسم منصوب واختلفوا في ناصبه.
فمذهب سيبويه والمحقّقين أنّه الفعل المذكور كقولك : (قمت وزيدا) فالناصب : (قمت) ؛ لأن الاسم منصوب والنصب عمل ولا بدّ للعمل من عامل و (الواو) غير عاملة للنصب ولا شيء هنا يصلح للعمل إلا الفعل.
فإن قيل : الفعل هنا لازم والواو غير معدّية له إلى المنصوب؟
قيل : المتعدّي إلى الاسم ما تعلّق معناه به والواو علقّت الفعل بالاسم فكان الناصب هو الفعل بواسطة الواو كما كان الفعل عاملا في المستثنى بواسطة : (إلا) ؛ لأنها علّقت الفعل بما بعدها ولم تصلح هي للعمل.
وقال الزجاج : الناصب له فعل محذوف تقديره : (قمت) أو (لابست) أو (صاحبت) زيدا ولا يعمل الفعل المذكور لحيلولة الواو بينهما وهذا ضعيف ؛ لأن الفعل المذكور إذا صحّ أن يعمل لم يجعل العمل لمحذوف ، وقد صحّ بما تقدّم ، وأمّا الواو فغير مانعة لوجهين :
أحدهما : أنّ بها ارتبط الفعل بالاسم فأثّر فيه في المعنى فلا يمنع من تأثيره فيه لفظا.
والثاني : أنّها في العطف لا تمنع كقولك : ضربت زيدا وعمرا. فالناصب ل (عمرو) الفعل المذكور لا الواو ولا فعل محذوف.
وقال الكوفيّون : ينتصب على الخلاف ، وقد أفسدناه في باب (ما). ومعنى كلامهم : أنّ الاسم الثاني غير مشارك للأوّل في الفعل المذكور فلم يرفع لذلك بل نصب كما ينصب المفعول للخلاف.
وقال أبو الحسن الأخفش : ينتصب الاسم انتصاب الظروف ؛ لأنه ناب عن (مع) كما أنّ (غيرا) في الاستثناء تعرب إعراب الاسم الواقع بعد (إلّا) ، وهذا ضعيف لبعد ما بين هذه الأسماء وبين الظروف و (مع) ظرف و (الواو) قائمة مقامها في المعنى ، فإذن ليس في اللفظ ما يصلح أن يكون ظرفا ولا فرق بين تقوية الفعل بحرف الجرّ والواو حتّى يتّصل معناه بالاسم
إلا أنّ حرف الجرّ عمل والواو لا تعمل فكان وصول الفعل إلى الاسم بعد الواو كعمل الفعل في موضع الجارّ والمجرور.
فصل : وإنّما حذفت (مع) اختصارا وتوسّعا ، وإنّما أقيمت مقامها دون غيرها لتقارب معناهما ؛ لأن (مع) للمصاحبة و (الواو) للجمع والاجتماع مصاحبة.
فصل : والفرق بين الرفع والنصب هنا أنّك إذا رفعت كان الاسم الثاني كالأوّل في نسبة الفعل إليه ، وإذا نصبت كان الفعل للأوّل ولكن تبعا للثاني مثاله : (اذهب أنت وزيدا) إذا رفعت كنت آمرا لهما بالذهاب ، وإن نصبت كنت آمرا للمخاطب دون زيد حتّى لو لم يذهب زيد لم يلزم المخاطب الذهاب ، وإنّما يلزمه متابعة زيد في الذهاب.
وتقول : كنت أنا وزيد أخوين إذا رفعت ثنّيت الخبر ، وإذا نصبت لم تجز المسألة لأنّك لو صرّحت ب (مع) لم تجز التثنية كقولك : كنت مع زيد أخوين.
فصل : ولا يجوز تقديم المفعول معه على العامل فيه ولا على الفاعل كقولك : والخشبة استوى الماء واستوى والخشبة الماء ، وإنّ الواو ولإنّ كانت بمعنى (مع) فمعنى العطف لا يفارقها ، فلو قدّمت لتقدّم المعطوف على المعطوف عليه ، وذلك غير جائز في الاختيار.
فصل : وإذا لم يكن فى الكلام فعل لم يجز النصب فيما بعد الواو بمعنى (مع) ؛ لأن الواو مقويّة للفعل حتّى يصل إلى الاسم فيعمل فيه ؛ فإذا لم يكن فعل لم يكن عامل يقوّي.
وقد أجازوا النصب في موضعين :
أحدهما قولهم : (ما أنت وزيدا).
والثاني : (كنت أنت وزيدا) فالرفع والنصب فيهما جائزان فالرفع على تقدير : (وما زيد) فإنّما تقول ذلك في المنع من التّعرض به والنصب على تقدير : ما تكون أنت وزيدا؟ وكيف تكون أنت وزيدا؟ فأضمروا (كان) لكثرة دورها في الكلام ؛ ولذلك أضمروها في مواضع منها إن خيرا فخير.
فصل : وأكثر البصريين يذهب إلى أنّ هذا الباب مقيس لصحّة المعنى فيه وتصوّر عامل النصب وامتنع قوم منهم من القياس على المسموع منه ؛ لأن إقامة الحرف مقام الاسم مع اختلاف معناهما وعملهما غير مقيس فيقتصر فيه على السماع.
الحال : مؤنثة لقولك في تصغيرها : (حويلة) ، وحقيقتها أنّها هيئة الفاعل أو المفعول وقت وقوع الفعل المنسوب إليهما.
وأصلها : أن تكون اسما مفردا ؛ لأنها تستحقّ الإعراب ، وكلّ معرب مفرد ، والأفعال ليست مفردة ، وإنّما لزم أن تكون نكرة لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّها في المعنى خبر ثان ، ألا ترى أنّ قولك : جاء زيد راكبا قد تضمّن الإخبار بمجيء زيد وبركوبه حال مجيئه ، والأصل في الخبر التنكير.
والثاني : أنّ الحال جواب من قال : كيف جاء؟ و (كيف) سؤال عن نكرة.
والثالث : أنّ الحال صفة للفعل في المعنى ؛ لأن قولك : (جاء زيد راكبا) يفيد أنّ مجئيه على هيئة مخصوصة والفعل نكرة فصفته نكرة.
وإنّما وجب أن تكون مشتقّة ؛ لأنها صفة وكلّ صفة مشتقة فإنّ وقع الجامد حالا فهو محمول على المعنى كقولك : (هذا زيد أسدا) أي : شجاعا جزئيا ، و (هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً) [الأعراف : 73] أي : دالّة معرّفة ، وكذلك نظائره.
وإنّما لزم أن تكون منتقلة ؛ لأنها خبر في المعنى والأخبار تتجدّد فيجهل المتجدّد منها فتمسّ الحاجة إلى الأعلام به.
وإنّما قدرت ب (في) ؛ لأنها مصاحبة للفعل على ما ذكرنا والمصاحبة مقارنة الزمان وعلامة الزمان : (في) ، وإنّما لزم أن يكون صاحبها معرفة أو كالمعرفة بالصفة ؛ لأنها كالخبر والخبر عن النكرة غير جائز ؛ لأنه إذا كان نكرة أمكن أن تجري مجرى الحال صفة فلا حاجة إلى مخالفتها إيّاه في الإعراب.
وقد جاءت أشياء تخالف مأصّلنا ردّت بالتأويل إلى هذه الأصول فمن ذلك وقوع الحال معرفة كقولهم : [البسيط]
أرسلها العراك ...
والتحقيق : أنّ هذا نائب عن الحال ، وليس بها ، بل التقدير أرسلها معتركة ثم جعل الفعل موضع اسم الفاعل لمشابهته إياه فصار : (تعترك) ثمّ جعل المصدر موضع الفعل لدلالته عليه ويدلّ على ذلك أنّ الحال وصف وصيغ الأوصاف غير صيغ المصادر.
ومن ذلك رجع عوده على بدئه ففي هذه المسألة الرفع والنصب ، ففي الرفع وجهان :
أحدهما : هو فاعل (رجع).
والثاني : هو مبتدأ و (على بدئه) الخبر.
وأمّا النصب ففيه قولان :
أحدهما : هو مفعول به ، أي : ردّ عوده وأعاده كقوله تعالى : (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ) [التوبة : 83].
والثاني : هو حال ، والتقدير : رجع عائدا ثمّ يعود ، ثمّ عوده كما تقدّم ومثل ذلك : (افعله جهدك) أي : مجتهدا ، ثمّ يجتهد قثّم ثمّ جهدك.
ومن ذلك : (كلّمته فاه إلى فيّ) تقديره : مكافحا أو مشافها ثمّ حذف هذا وجعل : (فاه إلى فيّ) نائبا عنه ويجوز : (فوه إلى فيّ) والجمله على هذا حال.
ومن ذلك مجيء صاحب الحال نكرة كما جاء في الحديث : «فجاء رسول الله على فرس سابقا» في قول من جعله حالا من الفرس ، فإن كانت الرواية هكذا أمكن أن يكون (سابقا) حالا من الفاعل ، وإن كانت الرواية لا يمكن فيها ذلك حمل على مجيء الحال من النكرة ، والفرق بينها وبين الصفة أنّك لو قلت : على فرس سابق ، فجررت جاز أن يكون معروفا بالسبق ، ولا يكون سابقا في تلك الحال وإن نصبت لزم أن يكون سبق في تلك الحال.
ومن ذلك وقوع الجامد حالا كقولك : بيّنت له حسابه بابا بابا ، والتقدير : بيّنته مفصلا.
ومن ذلك الحال المؤكدة كقوله تعالى : (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ) [البقرة : 91] وقول الشاعر (1): [البسيط]
أنا ابن دارة معروفا بها نسبي
فهل بدارة يا للنّاس من عار
1) البيت للشاعر سالم بن دارة.
وإنّما كانت هذه الحال مؤكّدة ؛ لأن الحق لا يكون إلا مصدّقا للحق ، وإنّما جيء بها لشدّة توكيد الحقّ بالتصريح المغني عن الاستنباط والعامل في هذه الحال ما في الجملة من معنى الفعل ، تقديره وهو الثابت مصدّقا وصاحب الحال الضمير في ثابت.
فصل : والعامل في الحال ضربان : فعل ومعنى فعل ، فالفعل مثل : أقبل وجاء ونحوهما ، فهذا يجوز فيه تقديم الحال على صاحبها وعلى العامل فيه ؛ لأن العامل قويّ متصرّف والحال كالمفعول.
وقال الفرّاء : لا يجوز تقديمها لما يلزم من تقديم الضمير على ما يرجع إليه وهذا ليس بشيء ؛ لأن النيّة به التأخير فيصير كقولهم : في أكفانه لفّ الميت ، ومنه قوله تعالى : (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى) [طه : 67].
وأمّا العامل المعنويّ فكأسماء الإشارة كقولك : هذا زيد قائما ، وإنّما عمل لأن معناه أنبّه ، وأشير إليه في حال قيامه ولا يتقدم الحال على هذا العامل ؛ لأنه غير متصرف والتقديم تصرّف فلا يستفاد بغير متصرّف (1).
وأما تقديمها على صاحب الحال فجائز كقولك : هذا قائما زيد ؛ لأنها بعد العامل.
فإن قيل : هلّا عملت أسماء الإشارة في المفعول به؟
قيل : المفعول به غير الفاعل ، فلو عملت فيه أسماء الإشارة بمعناها لعملت فيه جميع الحروف نحو : (ما) و (همزة الاستفهام) ومعلوم أنّها لا تعمل فيه.
والعلّة في ذلك : أنّ معنى الحرف في الاسم ، فلو عمل فيه بمعناه لصار العامل في الاسم المعنى القائم به ولأنّ الحروف نابت عن الجمل ، فلو عملت كانت كالجمل.
فأمّا عمل المعنى في الحال فلأنّها تشبه الظرف إذ كانت تقدّر ب (في) إلا أنّ الظرف قد يتقدم على العامل المعنويّ بخلاف الحال والفرق بينهما من وجهين :
أحدهما : أنّ الحال تشبه المفعول به إذ كانت ظرفا على الحقيقة.
1) يعمل في المفعول المطلق أحد ثلاثة عوامل الفعل التام المتصرّف ، نحو «أتقن عملك إتقانا» ، والصفة المشتقّة منه ، نحو «رأيته مسرعا إسراعا عظيما» ، ومصدره ، نحو «فرحت باجتهادك اجتهادا حسنا» ، ومنه قوله تعالى (فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً).
والثاني : أنّها تشبه الصفة والعامل في الصفة هو العامل في الموصوف والموصوف إمّا فاعل وإمّا مفعول به.
فصل : فأمّا تقديم الحال على العامل (1)
(فان كان العامل في الحال فعلا جامدا ، أو صفة تشبهه - وهي اسم التفضيل - أو معنى الفعل دون أحرفه ، فلا يجوز تقديم الحال عليه ، فالأول نحو «ما أجمل البدر طالعا!». والثاني «عليّ افصح الناس خطيبا». والثالث نحو «كأنّ عليا مقدما أسد» ، فلا يقال «طالعا ما أجمل البدر. ولا علي خطيبا أفصح الناس. ولا مقدما كأن عليا أسد» ويستثنى من ذلك اسم التفضيل في نحو ، قولك «سعيد خطيبا أفصح منه كاتبا. وابراهيم كاتبا أفصح من خليل شاعرا» ففي هذه الصورة يجب تقديم الحال ، كما ستعلم.
واعلم أن اسم التفضيل صفة تشبه الفعل الجامد ، من حيث أنه لا يتصرف بالتثنية والجمع والتأنيث ، كما تنصرف الصفات المشتقة ، كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة. فهو لا يتصرف تصرّفها إلا في بعض الأحوال ، وذلك إن اقترن بأل أو أضيف الى معرفة ، فيصرف حينئذ افرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا.
إذا كان ظرفا فقد أجازه أبو الحسن بشرط تقدّم المبتدأ عليها كقولك : زيد قائما في الدار. وتقدم الظرف عليهما كقولك : في الدار قائما زيد. ولا يجوز عند الجميع : قائما زيد في الدار ، ولا قائما في الدار زيد ، واحتجّ بشيئين :أحدهما : أنّ تقديم أحد الجزئين كتقديمهما لتوقّف المعنى عليهما.
والثاني : أنّ الظرف متعلّق بالفعل فكأنّ الفعل ملفوظ به.
والجواب : أنّ الظرف على كلّ حال غير عامل بلفظه فصار كأسماء الإشارة ، وتقدّم أحد الجزئين لا يخرجه عن أن يكون معنويّا ، وأن التقديم تصرّف والظروف لا تصرّف لها ثم هو باطل بقولك : زيد قائما. هذا إذا جعلت (زيدا) مبتدأ و (هذا) خبره ، وأمّا تعلّقه بالفعل فلا يوجب جواز التقديم ؛ لأن العمل للظرف لا لذلك الفعل ، وربما قيل : إنّ عمل الظرف أضعف من عمل معنى الإشارة ؛ لأن الفعل يصحّ إظهاره مع الظرف فتبيّن أنّ العمل للفعل ، وأمّا معنى الإشارة فلا يجتمع مع اسم الإشارة ، فصار اسم الإشارة بمنزلة نفس العامل.
1) الأصل في الحال أن تتأخر عن عاملها. وقد تتقدّم عليه جوازا ، بشرط أن يكون فعلا متصرفا ، نحو «راكبا جاء علي» أو صفة تشبه الفعل المتصرف - كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة - نحو «مسرعا خالد منطلق». ومن الفعل المتصرف قوله تعالى (خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ ،) وقولهم «شتّى تؤوب الحلبة» ، أي متفرّقين يرجعون.
فصل : ولا يجوز تقديم حال المجرور عليه ؛ لأن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال ، والعامل في صاحبها هو الحرف المعلّق بالفعل فصار كالشيء الواحد فتقديمها على الجارّ يفصل بين الفعل والحرف ؛ ولأنّ حرف الجرّ لا تصرّف له وهو العامل في صاحب الحال ، وليس له معنى يعمل به فامتنع قولك : (مررت قائما بزيد) و (قائما مررت بزيد) والقيام لزيد (1)
1 - أن يكون لها صدر الكلام ، نحو «كيف رجع سليم؟» ، فإن أسماء الاستفهام لها صدر جملتها.
2 - أن يكون العامل فيها اسم تفضيل ، عاملا في حالين ، فضّل صاحب إحداهما على صاحب الأخرى ، نحو «خالد فقيرا ، أكرم من خليل غنيّا» ، أو كان صاحبها واحدا في المعنى ، مفضّلا على نفسه في حالة دون أخرى ، نحو «سعيد ، ساكتا ، خير منه متكلما». فيجب والحالة هذه ، تقديم الحال التي للمفضّل ، بحيث يتوسط اسم التفضيل بينهما ، كما رأيت.
3 - أن يكون العامل فيها معنى التّشبيه ، دون أحرفه ، عاملا في حالين يراد بهما تشبيه صاحب الأولى بصاحب الأخرى ، نحو «أنا ، فقيرا ، كخليل غنيّا ، ومنه قول الشاعر :
تعيّرنا أنّنا عالة ونحن
صعاليك ، أنتم ملوكا
أو تشبيه صاحبهما الواحد في حالة ، بنفسه في حالة أخرى ، نحو «خالد ، سعيدا ، مثله بائسا». فيجب ، إذ ذاك ، تقديم الحال التي للمشبّه على الحال التي للمشبّه به ، كما رأيت. إلا إن كانت أداة التّشبيه «كأنّ» ، فلا يجوز تقديم الحال عليها مطلقا ، نحو «كأنّ خالدا ، مهر ولا ، سعيد بطيئا».
.وقال بعض النحويّين يجوز تقديمها عليه واحتجّ بقوله تعالى : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) [سبأ : 28] وبقول الشاعر : [الطويل]
فإن تك أذواد أصبن ونسوة
فلن يذهبوا فرعا بقتل حبال
أي : بقتل حبال. (فزعا) أي هدرا. والجواب : أمّا (كافّة) فحال من الكاف لا من الناس والهاء فيها للمبالغة ، والتقدير : ما أرسلناك إلّا كافّة للناس كفرهم ، وأمّا (فرغا) فحال من الفاعل ، أي : فلن يذهبوا ذوي فرغ.
فصل : العامل الواحد يعمل في أكثر من حال كقولك : جاء زيد راكبا ضاحكا ؛ لأن الحال كالظرف والعامل قد يعمل في ظرفين من المكان والزمان والمعنى لا يتناقض ، وقال البصرييّن : لا يعمل إلا في واحدة ؛ لأنها مشبّهه بالمفعول والفعل لا يعمل في مفعولين فصاعدا على هذا الحدّ ، فإن وقع ذلك جعلت الحال الثانية بدلا من الأولى أو حالا من المضمر فيها.
1) تتقدم الحال على عاملها وجوبا في ثلاث صور :
فصل : الفعل الماضي لا يكون حالا إلا ب (قد) مظهرة أو مضمرة كقولك : جاء زيد ركب ؛ لأن الحال إمّا مقارنة أو منتظرة والماضي منقطع عن زمن العامل ، وليس بهيئة في ذلك الزمان و (قد) تقربه من الحال ، وقال الكوفيّون : يجوز ذلك ؛ لأن أكثر ما فيه أنّها غير موجودة في زمان الفعل ، وذلك لا يمنع لا تمنع الحال المقدّرة.
والجواب : أنّ الفرق بينهما أنّ الحال والاستقبال متقاربان ؛ لأن المنتظر يصير إلى الحال ؛ ولذلك احتملها الفعل المضارع والماضي منقطع بالكلّية ، فأمّا قوله تعالى : (أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) [النساء : 90] فقيل : التقدير : (قوما حصرت) فالفعل صفة لا حال ، وقيل : هو دعاء مستأنف ، وقيل : لفظه ماض والمعنى على المضارعة ، أي : جاؤوكم تحصر صدورهم ؛ لأن الحصر كان موجودا وقت مجيئهم فحقه أنّ يعبّر عنه بفعل الحال ، وقيل : التقدير : (قد حصرت) (1)
1 - أن يكون العامل فيها فعلا جامدا ، نحو «نعم المهذار ساكتا. ما أحسن الحكيم متكلّما. بئس المرء منافقا. أحسن بالرّجل صادقا»
2 - أن يكون اسم فعل ، نحو «نزال مسرعا».
3 - أن يكون مصدرا يصحّ تقديره بالفعل والحرف المصدري ، نحو «سرّني أو يسرّني ، اغترابك طالبا للعلم».
(اذ يصح أن تقول «يسرني أن تغترب طالبا للعلم». فان كان يصح تقديره بالفعل والحرف المصدري. نحو «سمعا كلام الله متلوّا» ، جاز تقديمه عليه نحو «متلوّا سمعا كلام الله».
4 - أن يكون صلة لأل ، نحو «خالد هو العامل مجتهدا».
5 - أن يكون صلة لحرف مصدريّ ، نحو «يسّرني أن تعمل مجتهدا. سرّني أن عملت مخلصا ، يسرّني ما تجتهد دائبا. سرّني ما سعيت صابرا».
6 - أن يكون مقرونا بلام الابتداء ، نحو «لأصبر معتملا».
7 - أن يكون مقرونا بلام القسم ، نحو «لأثابرنّ مجتهدا».
8 - أن يكون كلمة فيها معنى الفعل دون أحرفه ، نحو «هذا عليّ مقبلا. ليت سعيدا ، غنيّا ، كريم. كأنّ خالدا ، فقيرا ، غنيّ.
9 - أن يكون اسم تفضيل ، نحو «عليّ أفصح القوم خطيبا» ، إلا إذا كان عاملا في حالين ، نحو «العصفور ، مغردا خير منه ساكتا» ، فيجب تقديم حال المفضّل على عامله ، كما تقدّم.
10 - أن تكون الحال مؤكدة لعاملها ، نحو «ولى العدوّ مدبرا ، فتبسّم الصديق ضاحكا».
11 - أن تكون جملة مقترنة بالواو ، على الأصحّ ، نحو «جئت والشمس طالعة».
.1) تتأخر الحال عن عاملها وجوبا في أحد عشر موضعا :
فصل : والأحوال أربعة منتقلة مقارنة كقولك : جاء زيد راكبا ؛ لأن الركوب قارن المجيء ، وليس بلازم لمجيئه إذ من الجائز أن يجيء ماشيا ومقارنة غير منتقلة وهي المؤكدة كقوله تعالى : (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ) [البقرة : 91] فالتصديق للحق مقارن للحقّ وغير منتقل عنه ، والعامل في هذه الحال معنى الجملة كأنه قال وهو الثابت مصدّقا وحال منتقلة غير مقارنة بل منتظرة كقولك : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا فالصيد غير مقارن لمرورك بل مقدّر ؛ لأنه كان متهيئا لذلك فعبر عن المال بالحال ، ومنه قوله تعالى : (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) [يوسف : 100] وحال موطّئة للحال الحقيقية كقولك : مررت بزيد صالحا ف (رجلا) موّطئ للحال ، ومنه قوله تعالى : (وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ) ثّم قال : (قُرْآناً عَرَبِيًّا) [الزمر : 27 - 28].
وهو (1)
والمفسّر للمبهم يسمّى تمييزا ومميّزا ، وتفسيرا ومفسّرا ، وتبيينا ومبيّنا ، والمفسّر يسمّى مميّزا ومفسّرا ومبيّنا.
والتّمييز يكون على معنى «من» ، كما أنّ الحال تكون على معنى «في». ؛ فإذا قلت «اشتريت عشرين كتابا» ، فالمعنى أنك اشتريت عشرين من الكتب ، وإذا قلت «طاب المجتهد نفسا» ، فالمعنى أنه طاب من جهة نفسه.
والتّمييز قسمان تمييز ذات (ويسمّى تمييز مفرد أيضا) ، وتمييز نسبة (ويسمّى أيضا تمييز جملة).
تخليص الأجناس بعضها من بعض ، ويسمى البيان والتبيين والتفسير.والممّيز : هو الاسم المحصل لهذا المعنى ، وهو على ضربين : جمع ومفرد ، فالجمع ضربان : مجرور ومنصوب ، فالمجرور : ما يضاف إليه العدد من ثلاثة إلى العشرة ويكون نكرة ومعرفة نحو : ثلاثة أثواب ، وثلاثة الأثواب ، ونبين علّة كونه جمعا في باب العدد إن شاء الله تعالى.
وأمّا المنصوب المجموع فالواقع بعد اسم الفاعل المجموع كقوله : (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً) [الكهف : 103] ، وأمّا المفرد فعلى ضربين ؛ أحدهما : منصوب وهو الواقع بعد : (أحد عشر) إلى : (تسعة وتسعين) ، والأصل في ذلك أن يأتي ب (من) والجمع المعرّف باللام كقولك : عشرون من الدراهم. ف (من) تجمع هنا التبعيض وبيان الجنس والألف واللام مع الجمع للاستغراق ، وكذلك المعنى ؛ لأن قولك : عندي عشرون مبهم في كلّ معدود وهي بعض ذلك المعدود ، ؛ فإذا أردت بيان جنسها قلت : (من الدراهم) و (من الغلمان) إلا أنهم حذفوا من والألف واللام واقتصروا على واحد منكر من الجنس لحصول الغرض به مع الاختصار.
فصل : والعامل في هذا الاسم : (عشرون) ونحوها ؛ لأنه أشبه اسم الفاعل المتعدّي ؛ لأنه مجموع بالواو والنون ، ونونه تسقط في الإضافة وهو مفتقر إلى الاسم الذي بعده فصار : (عشرون درهما) مثل : (ضاربون رجلا) فهو مشبه بالمفعول به (2)
واعلم أنّ مميّز الثلاثة إلى العشرة ، إنما يجرّ بالإضافة إن كان جمعا كعشرة رجال. فإن كان اسم جمع أو اسم جنس ، جرّ بمن. فالأول كثلاثة من القوم ، وأربعة من الإبل ، والثاني كستّة من الطّير ، وسبع من النّخل. قال تعالى (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ.) وقد يجرّ بالإضافة كقوله تعالى (وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ.) وفي الحديث «ليس فيما دون خمس ذود صدقة» ، وقال الشاعر :
ثلاثة أنفس ، وثلاث ذود
لقد جار الزّمان على عيالي
.1) التّمييز اسم نكرة يذكر تفسيرا للمبهم من ذات أو نسبة. فالأوّل نحو «اشتريت عشرين كتابا» ، والثاني نحو «طاب المجتهد نفسا».
2) تمييز العدد الصّريح مجموع مجرور بالإضافة وجوبا ، من الثلاثة إلى العشرة ، نحو «جاء ثلاثة رجال ، وعشر نسوة» ، ما لم يكن التمييز لفظ مئة ، فيكون مفردا غالبا ، نحو «ثلاث مئة». وقد يجمع نحو «ثلاث مئين ، أو مئات». أما الألف فمجموع البتة ، نحو «ثلاثة آلاف».
فصل : وأمّا (أحد عشر) إلى : (تسعة عشر) فإنّه يشبه (عشرين) في أنّه عدد مبهم وأنّ إضافته ممتنعة ؛ لأن الاسم الثاني صار ك (النون) في (عشرون) إذ كان تماما له ، ولأنّ المركب أصله التنوين كقولك : خمسة وعشرة ، وبعد التركيب لم يبطل (1)معنى التنوين مع وجود التنوين أو النون يلزم نصب المميز فكذلك مع ما يقوم مقامه.
فصل : وكذلك كلّ منّون يفتقر إلى ممّيز كقولك : (هذا راقود خلا) ؛ لأن التنوين يمنع الإضافة فإن أضفت فقلت : (رطل ذهب) احتمل أن يكون بمعنى (اللام) وبمعنى (من) ، وإذا نصبت لم تكن إلا بمعنى (من) ؛ لأنها الموضوعة للتبيين ، وكذلك النون في : (منوان وقفيزان).
فصل : فأمّا المضاف كقولك : لله درّه شجاعا ، وعلى التمرة مثلها زبدا ، وما في السماء قدر راحة سحابا ، فكل هذا ينتصب فيه المميّز بما قبله لشبهه بالمنوّن المبهم ؛ لأن مثل التمرة قد يكون زبدا أو غيره ، والمضاف إليه يمنع إضافة مثل إلى الزبد وهو مقدار كما أنّ (عشرين) مقدار ، وقيل : التقدير على التمرة زبد مثلها ، فلما أخرته انتصب لأنّك جعلته فضلة كما في قولك : طبت به نفسا.
فصل : ومن ذلك : هو أحسن الناس وجها ، فأمّا : هو أحسن منك وجها ، ف (منك) جرى مجرى المضاف إليه ؛ لأنه مبين له وتتّمة ومعمول له.
1) وأما مع أحد عشر إلى تسعة وتسعين ، فالتمييز مفرد منصوب ، نحو «جاء أحد عشر تلميذا ، وتسع وتسعون تلميذة». وأما قوله تعالى : (وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً ،) فأسباطا ليس تمييزا لاثنتي عشرة ، بل بدل منه والتمييز مقدّر ، أي قطعناهم اثنتي عشرة فرقة ، لأنّ التمييز هنا لا يكون إلا مفردا. ولو جاز أن يكون مجموعا - كما هو مذهب بعض العلماء - لما جاز هنا جعل «أسباطا تمييزا ، لأن الأسباط جمع سبط ، وهو مذكّر ، فكان ينبغي أن يقال وقطّعناهم اثنتي عشر أسباطا ، لأنّ الإثنين توافق المعدود ، والعشرة ، وهي مركبة ، كذلك ، كما مرّ بك في بحث المركبات.
فصل : وإذا قلت : (زيد أفره عبد) فجررت كان زيد عبدا ؛ لأن أفعل لا تضاف إلا إلى ما هي بعضه ، والأصل : (زيد أفره العبيد) فاختصر وأن نصبت فقلت : (أفره عبدا لم يكن زيد عبدا بل كان العبيد له) والوصف في المعنى لعبيده ، أي : عبيده أفره العبيد ، كما تقول : هو أكثر مالا وأقل شرّا.
فصل : ومن التمييز : (طبت به نفسا) ، ف (نفسا) منصوب بالفعل ، وأصله : طابت نفسي به ، ثمّ أردت المبالغة فنسبت الطيب إليك فجعلت ما كان مضافا إليه فاعلا (1)
وهو على قسمين محوّل وغير محوّل.
فالمحوّل ما كان أصله فاعلا ؛ كقوله تعالى (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ،) ونحو «ما أحسن خالدا أدبا!» ، أو مفعولا ، كقوله سبحانه (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً ،) ونحو «زرعت الحديقة شجرا» ، أو مبتدأ ، كقوله عزوجل (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً) ، ونحو «خليل أوفر علما وأكبر عقلا».
وحكمه أنه منصوب دائما. ولا يجوز جرّه بمن أو بالإضافة ، كما رأيت. وغير المحول ما كان غير محوّل عن شيء ، نحو «أكرم بسليم رجلا. سموت أديبا. عظمت شجاعا ، لله درّه فارسا ، ملأت خزائني كتبا. ما أكرمك رجلا».
وحكمه أنه يجوز نصبه ، كما رأيت ، ويجوز جره بمن ، نحو «لله درّه من فارس. أكرم به من رجل. سموت من أديب».
.فحدث من أجل ذلك إبهام فأمكن أن يكون طبت به نسبا وعرضا وثوبا وذكرا ؛ فإذا قلت : (نفسا) بيّنت الطيب إلى أيّ شيء هو منسوب في الحقيقة ، وانتصاب (نفس) على تشبيه اللازم بالمتعدي ؛ لأن (طبت) لا تتعدّى.
فصل : ولا يجوز تقديم المنصوب هنا على الفعل ، وقال المازنيّ والمبرّد والكوفّيون : هو جائز ، كقولك : نفسا طبت به.
وحجّة الأوّلين : أنّ المنصوب هنا فاعل في المعنى ، وإنما حول عن ذلك ونسب الفعل إلى المضاف إليه مبالغة ، ثّم ميّز بذكر ما هو فاعل في الأصل ، فلو قدم لصار كتقديم الفاعل على
1) من تمييز النسبة الاسم الواقع بعد ما يفيد التّعجّب ، نحو «ما أشجعه رجلا. أكرم به تلميذا. يا له رجلا. لله درّه بطلا. ويحه رجلا. حسبك بخالد شجاعا. كفى بالشّيب واعظا. عظم عليّ مقاما ، وارتفع ربتة».
الفعل ، وذلك باطل كذلك ههنا ويدلّ عليه أنّه مميز فلم يتقدم على العامل فيه كالمميز في : (نعم) وفي : (الأعداد) واحتجّ الآخرون بقول الشاعر (1)
قال الجمحي في كتابه طبقات فحول الشعراء : له شعر كثير جيّد هجا به الزبرقان وغيره ، وكان يمدح بني قريع ويذكر أيام بني سعد قبيلته. وقال الفيروزآبادي : المخبّل ثلاثة : ثمالي ، وقريعي ، وسعدي.
: [الطويل]أتهجر ليلى للفراق حبيبها
وما كان نفسا بالفراق تطيب
وقالوا : لأن العامل في هذا المنصوب فعل متصرف فجاز تقديمه عليه كالحال.
والجواب عن البيت من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ الرواية : (وما كان نفسي) فهو اسم كان.
والثاني : أنّ نصبه على أنّه خبر كان أي ما كان حبيبها نفسا ، أي : إنسانا يطيب بالفراق.
والثالث : أنّه من ضرورة الشعر فلا يحتج به على الإعراب في الاختيار ، وأمّا القياس على الحال ففاسد ؛ لأن الحال فضلة مخصة والمميز هنا في حكم اللازم وهو الفاعل فافترقا ، فأمّا تقديم المميّز على الفاعل نحو : (ما طاب نفسا زيد) فجائز لتقدم الفعل عليه.
1) البيت من شعر المخبّل السعدي : (12 ه / 633 م) وهو ربيع بن مالك بن ربيعة بن عوف السعدي ، أبو يزيد ، من بني أنف الناقة من تميم. شاعر فحل ، من مخضرمي الجاهلية والإسلام هاجر إلى البصرة وعمّر طويلا ومات في خلافة عمر أو عثمان رضياللهعنهما.
وهو استفعال من : (ثنيت عليه) أي : عطفت والتفت ؛ لأن المخرج لبعض الجملة منها عاطف عليها باقتطاع بعضها عن الحكم المذكور وحده أنّه إخراج بعض من كل ب (إلا) أو ما قام مقامها ، وقيل : هو إخراج ما لو لا إخراجه لتناوله الحكم المذكور.
فصل : وأصل أدوات الاستثناء (إلا) لوجهين :
أحدهما : أنّها حرف ، والموضوع لأفادة المعاني الحروف كالنفي والاستفهام والنداء.
والثاني : أنّها تقع في جميع أبواب الاستثناء للاستثناء فقط وغيرها يقع في أمكنة مخصوصة منها ويستعمل في أبواب أخر.
فصل : والمستثنى من موجب ب (إلا) منصوب بالفعل المقدم وما في معناه بواسطة (إلا) ، وروي عن الزّجاج أنّ نصبه ب (إلا) ؛ لأنها في معنى أستثني.
وقال الكوفيون : (إلا) مركّبة من : (إنّ) و (لا) ؛ فإذا نصبت كان ب (إنّ) ، وإذا رفعت كان ب (لا).
وحجة الأوّلين : أنّ الفعل هو الأصل في العمل إلا أنّ الفعل هنا لا يصل إلى المستثنى بنفسه وب (إلا) وصل إليه فصار كواو (مع) وكحروف الجر ، ويدلّ عليه أنّ (غيرا) في الاستثناء منصوبة بالفعل من غير واسطة لّما كانت مبهمة كالظرف واتّصل الفعل بها بنفسه ، وليس ثمّ ما يصح عمله فيها إلا الفعل ، وأمّا الزّجاج فيبطل مذهبه من أوجه :
أحدها : ما ذكرناه من (غير) ولا يصح معها تقدير : (أسنتني) ؛ لأنه يصير (زيد) داخلا في حكم الأول وغيره مخرجا منه ، وهذا معنى فاسد.
والثاني : أن إعمال الحروف بمعانيها غير مطرد ألا ترى أن (ما) النافية وهمزة الاستفهام وغيرهما لا تعمل بمعانيها ، وكذلك إلا.
والثالث : أنه ليس تقدير : (إلا) ب (أستثني) أولى من تقديرها ب (تخلّف) أو (امتنع) ونحوهما مما يرفع.
والرابع : أن المستثنى يرفع في مواضع مع وجود (إلا) في الجميع ، فلو قدرت ب (استثني) لما جاز إلا النصب.
والخامس : أنا إذا قدرنا : (أستثني) صار الكلام جملتين ، وتقديره بالجملة الواحدة أولى.
وأما مذهب الفراء فيبطل من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ دعوى التركيب فيها خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا بدليل ظاهر ولا دليل بحال.
والثاني : أنّه لو سلم ذلك لم يلزم بقاء حكم واحد من المفردين كما في : (لو لا) وكأنّ وغيرهما ؛ لأن التركيب يحدث معنى لم يكن وبحدوثه يبطل العمل.
والثالث : أنّ النصب ب (إنّ) فاسد ؛ لأنها إذا نصبت افتقرت إلى خبر ولا خبر و (لا) لا تعمل الرفع ، ولو عملت لافتقرت إلى خبر أيضا.
فصل : والبدل في النفي بعد تمام الكلام أولى لأمرين :
أحدهما : أن العمل فيهما واحد وهو أولى من اختلاف العمل.
والثاني : أنّك إذا جعلته بدلا كان لازما في الجملة كما أن المستثنى منه كذلك ، وهو أولى من جعله فضلة إذ كان الاستثناء لازما في المعنى المطلوب فيكون اللفظ كذلك.
فصل : وإنما لم يجز البدل في الموجب لفساد معناه ، وذلك أنّ (إلّا) يخالف ما بعدها ما قبلها ، وإذا قلت : (قام القوم إلا زيد) كان كقولك : (قام إلّا زيد) ف (زيد) إن جعلته في المعنى قائما لم يكن ل (إلا) معنى وإن نفيت عنه القيام احتجت إلى تقدير فاعل ولا يصح ؛ لأنه يصير قام كلّ واحد وهذا محال.
فصل : ولا يجوز عند جمهور النحويين أن يكون المستثنى أكثر الجملة مثله عليّ عشرة إلا ستة أوجه :
أحدها : أنّ الاستثناء في الأصل دخل الكلام للاختصار أو للجهل بالعدد كقولك : (قام القوم إلا) فاستثناء : (زيد) كان للجهل بعدد من قام منهم أو للإطالة بتعديدهم ولا شبه أنّ قوله عليّ أربعة أحضر من قوله عشرة إلا ستّة.
فإن قلت : فعشرة إلا أربعة جائز معنى مع أنّ (ستّة) أخضر؟
قيل : جاز للمعنى الآخر وهو الجهل ؛ فإنّه قد يعرف العدد القليل ولا يعرف الكثير ، وإذا الكثير عرف القليل هذا هو الأصل.
والوجه الثاني : أنّ التعبير عن الأكثر جائز فدخل الاستثناء ليرفع الاحتمال وتعيينه للأكثر وهو عكس التوكيد ؛ لأنه يعينه للكل ويمنع من حمله على الأكثر كقولهم : قام القوم كلهم.
فصل : وإنما يختار النصب دون البدل في غير الجنس ؛ لأن البدل في حكم المبدل منه فيما ينسب إليه ، وفي أنه يسقط الأول ويقوم الثاني مقامه ، فعند ذلك يصير أصلا في الجملة وكونه من غير الجنس لا يلزم ذكره ؛ لأن اللفظ الأول لا يشتمل عليه حتى يخرج بالاستثناء فيتمحض فضلة في المعنى فيجعل صفة في اللفظ وهو كقولك : (ما بالدار أحد إلا وتدا) ومن اختار البدل راعى اللفظ ، وفائدة استثناء غير الجنس ثلاثة أشياء : الإعلام بعموم الأول ، وأن الثاني من آثار الأول ، وإثبات ما كان يحتمل نفيه.
فصل : ومما قام مقام إلا من الأفعال : (ليس) و (لا يكون) و (عدا) وما بعدهن منصوب ، وإنما دخلت هذه الأفعال في الاستثناء لما فيها من معنى النفي ، وما بعد : (ليس) و (لا يكون) خبر لهما كقولك : (قام القوم ليس زيدا) أي : ليس بعضهم زيدا ، والضمير ههنا يوجد على كل حال ؛ لأنه ضمير : (بعض) و (لا يكون) اسمها مظهرا هنا للاختصار و (لا يكون) ك (إلا) في أنه ليس بعدها سوى المنصوب ؛ ولذلك لا يجوز العطف على المنصوب بها فلا تقول : جاء القوم ليس زيدا ولا عمرا.
وأمّا : (ما عدا) و (ما خلا) فأفعال كلها ؛ لأنها صلات ل (ما) ولا تكون الحروف صلة ، والفاعل فيها مضمر ، وموضع ما وصلتها حال كقولك : (قام القوم ما عدا زيدا) أي : عدوّ زيد ، والمصدر هنا حال ، أي : متجاوزين زيدا.
فصل : وإنّما تعين النصب في المستثنى إذا تقدّم ولم يجز البدل ؛ لأن البدل تابع للمبدل منه كالصفة والتوكيد ، وكما لا يجوز تقديمهما لئلّا يصيرا في موضع المتبوع كذلك هنا فيجب أن يخرج مخرج الفضلات ليكون في لفظه دلالة على أنّه ليس بأصل.
فصل : وإنّما أعربت (غير) إعراب الاسم الواقع بعد (إلا) ؛ لأنها اسم تلزمه الإضافة فمن حيث كانت اسما يجب أن تعرب ومن حيث أضيفت يحب أن يكون إعرابها إعراب الاسم المستثنى ؛ لأنها اسم في حيّز المستثنى ولم يحتّج إلى حرف مقّو لإبهامها وشبهها بالظرف فيصل الفعل إليها بنفسه.
فصل : وأمّا : (سوى) فهي ظرف في الأصل ، ولا تستعمل في الاستثناء إلا منصوبة إذا وقعت بعد تمام الكلام ليتوفّر عليها حكم الظروف ، وقد جاءت غير ظرف قليلا.
فصل : وأمّا (حاشا) فمذهب أكثر البصريين أنّها حرف جرّ ، وقد جاء ذلك في الشعر.
وقال المبّرد والكوفيّون هي فعل لأشياء أحدها : تصرّفها نحو : (أحاشي ومحاشى) وأصلها من حاشية الشيء ، أي : طرفه ، فقولك : (قام القوم حاشا زيدا) أي : صار في حاشية وناحية عنهم والحروف لا تتّصرف.
والثاني : أنّ الحذف يدخلها ، قالوا : حاش لله ، وحش لله.
والثالث : أنّ حرف الجرّ يتعلّق بها كقولك : (حاشا لله) ، وذلك من خصائص الأفعال.
والجواب : أمّا التصّرف فليس على ما ذكر ، فأمّا : (حاشا) فمشتق من لفظ الحرف كما قالوا : (سألته حاجة فلو لا) أي قال : لو لا كذا لفعلت كذا ، وقالوا : (هلّل) أي قال : لا اله الا الله. و (بسمل) أي قال : بسم الله ، وهو كثير.
فأمّا الحذف فقد دخل الحروف قالوا في ربّ : (ربّ) ، وفي سوف : (سو) ، وفي لعلّ : (علّ) في أحد المذهبين ، وأمّا اللام في : (لله) فزائدة ولا تعلق بشيء ، ويدلك عليه قولك : جاء القوم حاشا زيد ، بغير لام ولم يقل : إن اللام محذوفة.
فصل : وأمّا (خلا) فقد جرّ بها قوم ونصب بها آخرون وجعلوها فعلا من : (خلا يخلو) ، وأمّا (عدا) فمثل خلا ، وأمّا (ما خلا) و (ما عدا) ففعلان لما تقدّم في موضعه ، وأجاز أبو عليّ في كتاب الشعر أن تكون (ما) في (ما عدا) زائدة فتجرّ ما بعدها ، وتابعه الربعي على ذلك.
فصل : ولا يجوز تقديم المستثنى على جميع الجملة كقولك : إلا زيدا ضرب القوم ؛ لأن إلا بمنزلة : (واو مع) لما ذكرناه هناك وهي تشبه (لا) العاطفة كقولك : قام القوم لا زيد ، وهذان لا يتقدّمان على العامل ، فكذا قولك : (إلا) فإن وقعت بين أجزاء الجملة جاز كقولك : [الطويل]
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل (1)
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
وكلّ نعيم لا محالة زائل
والبيت من شعر لبيد بن ربيعة العامري : (41 ه / 661 م) وهو لبيد بن ربيعة بن مالك أبو عقيل العامري.
أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية. من أهل عالية نجد. أدرك الإسلام ، ووفد على النبي (صلىاللهعليهوسلم).
يعد من الصحابة ، ومن المؤلفة قلوبهم. وترك الشعر فلم يقل في الإسلام إلا بيتا واحدا. وسكن الكوفة وعاش عمرا طويلا. وهو أحد أصحاب المعلقات.
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضياللهعنه ، قال : قال النّبيّ صلىاللهعليهوسلم : «أصدق كلمة قالها الشّاعر : كلمة لبيد ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل وكاد أميّة بن أبي الصّلت أن يسلم».
1) البيت كاملا :
وكقولك : أين إلا زيدا قومك ، وعلى هذا تقول : ما ضرب إلا زيدا قومك. قال أصحابنا : إن استثنيته من (قومك) جاز. ومن أصحابنا من لم يجزه ، والفرق أنّ الفاعل أصل في الجملة.
فصل : ولا يعمل ما بعد (إلا) فيما قبلها كقولك : قومك زيدا إلا ضاربون ؛ لأن تقديم الاسم الواقع بعد (إلا) عليها غير جائز فكذلك معموله لما تقرّر أنّ المعمول لا يقع إلا حيث يقع العامل إذ كان تابعا له وفرعا عليه ، فإن جاء في الشعر أضمر له فعل من جنس المذكور.
فصل : ويجوز أن تقع (إلا) صفة بمعنى (غير) فيجري ما بعدها على ما قبلها كقولك : له عندي مائة إلا درهم ، فترفع كما ترفع (غيرا) هنا إذا جعلتها وصفا فيلزمك المائة بكمالها ، وإن نصبت : (درهما) لزمك تسعة وتسعون على أصل الباب ، وكذا إذا قلت : (غير درهم) فنصبت (غيرا).
فصل : إذا وقع استثناء بعد استثناء كان الاخير مستثنى من الذي قبله فما يبقى منه هو المستثنى من الذي قبل قبله فعلى هذا إذا قال له : (عليّ عشرة إلا تسعة) ثّم على ذلك نقص واحدا إلى أنّ قال : (إلا واحدا) لزمه خمسة دراهم ولك في تحقيق ذلك طريقان :
أحدهما : أن تأتي إلى آخر العدد فتسقطه من الذي قبله على ما بيّنا فيسقط ههنا من اثنين فيبقى واحد فتسقطه من ثلاثه فيبقى اثنان فتسقطهما من الأربعة فيبقى اثنان فتسقطهما من الخمسة ، فيبقى ثمّ على ذلك إلى العشرة فيبقى خمسة.
والطريق الثاني : أن تجمع العشرة والثمانية والستة والأربعة والاثنين وتسقط ما بين كلّ استثنائين ثمّ تجمع ذلك فيكون ثلاثين وتجمع ما أسقطت فيكون خمسة وعشرين فتسقطها من الثلاثين فيبقى خمسة وهذا يخرج على قول من أجاز استثناء الأكثر ومن لم يجزه ففيه وجهان :
أحدهما : أنّ جمع الاستثناء باطل ؛ لأن الأوّل بطل ؛ لأنه أكثر فيبطل ما يتفرع عليه.
والثاني : أنّه يبطل الأكثر إلى أن يصل إلى النصف فيصّح ثّم ينظر في الباقي على هذا السياق.
وهي اسم لوجود حدّ الاسم وعلاماته فيها ، وإنّما بنيت في الاستفهام (1)
فكم الاستفهامية ما يستفهم بها عن عدد مبهم يراد تعيينه ، نحو «كم رجلا سافر؟». ولا تقع إلّا في صدر الكلام ، كجميع أدوات الاستفهام.
ومميّزها مفرد منصوب ، كما رأيت. وإن سبقها حرف جرّ جاز جره - على ضعف - بمن مقدّرة ، نحو «بكم درهم اشتريت هذا الكتاب؟» أي بكم من درهم اشتريته؟ ونصبه أولى على كلّ حال. وجرّه ضعيف. وأضعف منه إظهار «من».
ويجوز الفصل بينها وبين مميّزها. ويكثر وقوع الفصل بالظّرف والجارّ والمجرور ، ونحو «كم عندك كتابا؟ كم في الدار رجلا؟». ويقلّ الفصل بينهما بخبرها ، نحو «كم جاءني رجلا؟» ، أو بالعامل فيها نحو «كمن اشتريت كتابا؟».
ويجوز حذف تمييزها ، مثل «كم مالك؟» أي كم درهما ، أو دينارا ، هو؟.
وحكمها ، في الإعراب ، أن تكون في محلّ جرّ ، إن سبقها حرف جرّ ، أو مضاف ، نحو «في كم ساعة بلغت دمشق؟» ، ونحو «رأي كم رجلا أّخذت؟» ، وأن تكون في محل نصب إن كانت استفهاما عن المصدر ، لأنها تكون مفعولا مطلقا ، نحو «كم إحسانا أحسنت؟» ، أو عن الظّرف ، لأنها تكون مفعولا فيه ، نحو كم يوما غبت؟ وكم ميلا سرت؟» ، أو عن المفعول به ، نحو «كم جائزة نلت؟» أو عن خبر الفعل الناقص ، نحو «كم إخوتك؟».
فإن لم تكن استفهاما عن واحد مما ذكر ، كانت في محل رفع على أنها مبتدأ أو خبر. فالأول نحو «كم كتابا عندك؟» ، والثاني نحو «كم كتبك؟». ولك في هذا أيضا أن تجعل «كم» مبتدأ وما بعدها خبرا. والأول أولى.
لتضمنّها معنى همزة الاستفهام وبنيت في الخبر لمشابهتها (ربّ) من أوجه :أحدها : أنّها تختصّ بالنكرة كما تختص (ربّ) بها.
والثاني : أنّها لغاية التكثير كما أن (ربّ) لغاية التقليل والجامع بينهما الغاية في طرفي العدد.
والثالث : أنّ (كم) لها صدر الكلام كما أنّ (رب) كذلك ، والمراد بذلك أنّه لا يعمل فيها ما قبلها.
فإن قلت : قد يدخل على ما هذا سبيله حرف الجرّ فيعمل فيه؟
قيل : حرف الجرّ الداخل عليها مما يتعلّق بما بعدها ، كقولك : بكم رجل مررت فيؤخّر العامل الأصلي ، وإنّما قدّمت الباء ؛ لأنها وصلة بين العامل والمعمول ، فلو أخرتهما جميعا لم تتحقّق الوصلة.
1) كم على قسمين استفهاميّة وخبريّة.
ومعظم النحويّين يقول : حملت على نقيضتها وهي : (ربّ) والحقّ ما خبرتك به ، وهو معنى كلامهم لأنّهم لا يعنون أنّ حكم الشيئين واحد لعلّة تضادّهما بل بين الضدّين معنى يشتركان فيه.
فصل : وبنيت على السكون ؛ لأنه الأصل ولم يوجد مانع من خروجه على ذلك.
فصل : وإنّما افتقرت (كم) إلى (مبيّن) ؛ لأنها اسم لعدد مبهم فيذكر بعدها ما يدلّ على الجنس المراد بها.
فصل : وإنّما ميّزت الاستفهامية بالمنصوب ؛ لأنها جعلت بمنزلة عدد متوسّط وهو من أحد عشر إلى تسعة وتسعين ؛ لأن المستفهم جاهل بالمقدار فجعلت للوسط بين القليل والكثير.
فصل : والحكمة في وضعها الاختصار والعموم الذي لا يستفاد بصريح العدد ، ألا ترى أنّك إذا قلت : (أعشرون رجلا جاءك؟) لم يلزمه أن يجيبك بكميّة بل يقول : (لا) أو : (نعم) ، وإذا قال : (لا) لم يحصل لك منه غرض السؤال مع الإطالة ، وإذا قلت : (كم رجلا جاءك؟) استغنيت عن لفظ الهمزة والعدد وألزمت الجواب بالكميّة.
فإن قيل : لو كانت : (كم) هنا للوسط من العدد لم جاز أن يبدل منها القليل ولا الكثير ، وقد جاز أن تقول : (كم رجلا جاءك؟ أخمسة أم أكثر؟ أو مائة أو أكثر؟).
قيل : الجيّد في مثل هذا أن يبدل منها العدد الوسط لما ذكرنا ، وإنّما جاز خلافه ؛ لأن (كم) مبهمة في نفسها تحتمل القليل والكثير والوسط ؛ ولهذا يصحّ الجواب بكّل منها ، وإنّما جعلت بمنزلة الوسط في نصب المميّز فقط.
فصل : وأمّا (كم) الخبريّة (1)
ويجوز الفصل بينها وبين مميّزها. فإن فصل بينهما وجب نصبه على التّمييز ، لامتناع الإضافة مع الفصل ، نحو «كم عندك درهما!» ، ونحو «كم لك يا فتى فضلا!» أو جرّه بمن ظاهرة ، نحو «كم عندك من درهم!». ونحو «كم لك يا فتى من فضل!». إلّا إذا كان الفاصل فعلا متعدّيا متسلّطاعلى «كم» ، فيجب جرّه بمن ، نحو «كم قرأت من كتاب» ، كيلا يلتبس بالمفعول به فيما لو قلت «كم قرأت كتابا».
(وذلك لأن الجملة الأولى تدل على كثرة الكتب التي قرأتها ، والجملة الأخرى تدلّ على كثرة المرّات التي قرأت فيها كتابا. فكم في الصورة الأولى في موضع نصب على أنها مفعول به مقدم لقرأت ، وفي الصورة الأخرى في موضع نصب على أنها مفعول مطلق له. لأنها كناية عن المصدر ، والتقدير كم قراءة قرأت كتابا فيكون تمييزها محذوفا).
ويجوز في نحو «كم نالني منك معروف!» ، أن ترفعه على أنه فاعل «نال» ، فيكون تمييز «كم» مقدّرا ، أي «كم مرّة!». ويجوز أن تنصبه على التمييز ، فيكون فاعل «نال» ضميرا مستترا يعود إلى «كم».
وحكم «كم» الخبريّة ، في الإعراب ، كحكم «كم» الاستفهامية تماما ، والأمثلة لا تخفى.
واعلم أنّ «كم» الاستفهامية مو «كم» الخبريّة ، لا يتقدّم عليهما شيء من متعلّقات جملتيهما ، إلا حرف الجرّ والمضاف ، فهما يعملان فيهما الجرّ. فالأولى نحو «بكم درهما اشتريت هذا الكتاب؟» ونحو «ديوان كم شاعرا قرأت؟» ، والثانية نحو «إلى كم بلد سافرت!» ونحو «خطبة كم خطيب سمعت فوعيت!».
وحكم مميّزها أن يكون مفردا ، نكرة ، مجرورا بالإضافة إليها أو بمن ، نحو «كم علم قرأت!» ونحو «كم من كريم أكرمت!». ويجوز أن يكون مجموعا ، نحو «كم علوم أعرف!». وإفراده أولى.
فتجرّ ما بعدها ؛ لأنها اسم بيّن بعدد مجرور فكان هو الجار ك (مائة رجل) ونحوه.1) كم الخبريّة هي التي تكون بمعنى «كثير» وتكون إخبارا عن عدد كثير مبهم الكميّة ، نحو «كم عالم رأيت!» ، أي رأيت كثيرا من العلماء ولا تقع إلّا في صدر الكلام ، ويجوز حذف مميّزها ، إن دلّ عليه دليل ، نحو «كم عصيت أمري!» ، أي «كم مرّة عصيته!».
وذهب بعضهم إلى أنّه مجرور ب (من) محذوفة لأنّك تظهرها كقولك : كم من جبل ونحوه ، وكم من عبد ولّما عرف موضعها بقي عملها بعد حذفها كما في ربّ مع الواو والمذهب الأوّل أقوى ؛ لأن حرف الجرّ ضعيف فلا يبقى عمله بعد حذفه ؛ ولهذا كّل موضع حذفت فيه حرف الجرّ نصبته إلا في مواضع دعت الضرورة إلى تقدير عمل الحرف المحذوف ولا ضرورة ههنا ؛ لأن : (كم) اسم والإضافة من أحكام الأسماء.
فإن قلت : لو كان مضافا لأعرب ك (قبل) و (بعد)؟
قيل : هذا غير لازم ، فإنّ (لدن) مبنية مع الإضافة.
فصل : ولا تميز الاستفهاميّة إلا بالمفرد ؛ لأنها كالعدد الذي نابت عنه ، وأمّا الخبريّة فالجيّد فيها كذلك ؛ لأنها ك (مائة وألف) ويجوز أن تبيّن بالجمع حملا على العشرة وما دونها.
فصل : ومن العرب من ينصب ما بعد الخبرية كما ينصب بعد مائة إذا نوّن كقول الشاعر (1)
قيل : أنه أدرك الإسلام وقد كبر وخرف ، وقيل أنه أسلم ، وقيل منعه قومه أن يسلم.
: [الوافر]إذا عاش الفتى مائتين عاما
فقد ذهب اللذاذة والفناء
ومنهم من يجرّ بالاستفهاميّة حملا على الخبريّة.
1) البيت من شعر الربيع بن ضبع الفزاري : (7 ق. ه / 615 م) وهو الربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة. كان من الخطباء الجاهليين ، ومن فرسان فزارة المعدودين وشعرائهم ، شهد يوم الهباءة وهو ابن مائة عام ، وقاتل في حرب داحس والغبراء.
أنّما لم يضف : (واحد واثنان) إلى مميّز لما فيه من إضافة الشيء إلى نفسه كقولك : (أثنا رجلين) ولأنّ قولك : (رجل ورجلان) يدلّ على الكّميّة والجنس ، وليس كذلك : (رجال) ؛ لأنه يقع على القليل والكثير فيضاف العدد إليه فتعلم الكمّيّة بالمضاف والجنس بالمضاف إليه (1).
فصل : وإنّما ثبتت (الهاء) في العدد من الثلاثة إلى العشرة في المذكّر دون المؤنث للفرق بين المذكّر والمؤنّث المميّزين ، وكان المذكّر بالتاء أولى لوجهين :
أحدهما : أنّ العدد جماعة ، والجماعة مؤنثة ، والمذكّر هو الأصل ، فأقّرت العلامة على التأنيث في المذكّر الذي هو الأصل وحذفت في المؤنّث لأنه فرع.
والثاني : أنّ الفرق لا يحصل إلا بزيادة ، والزيادة يحتملها المذكّر لخفّته ؛ ولذلك منع التأنيث من الصرف لثقله.
وقيل : المعدود ملتبس بالعدد وإضافته كاللازم ، فأغنى تأنيث المضاف إليه عن تأنيث العدد وخرج في المذكّر على ألاصل.
فصل : وإنّما أضيف هذا العدد إلى جموع القلّة لاشتراكهما في العلّة وجموع القلّة جمع التصحيح وأربعة من التكسير وهي : (أفعل وأفعال وأفعلة وفعلة) وما جاء فيه من جموع الكثرة فعلى خلاف الأصل.
فصل : وإنّما سكّنت الشين من (عشر) إذا أضيفت إلى المؤنّث وهي مفتوحة في المذكّر لثقل التأنيث ؛ إذ كانت الحركة كالحرف في بعض المواضع.
فصل : وإنّما بني من : (أحد عشر) إلى : (تسعة عشر) غير : (أثني عشر) لتضمّنه معنى واو العطف ، والأصل ثلاثة وعشرة فركّب اختصارا ومعنى العطف باق في الاسم يبنى لتضّمنه
1) الواحد والأثنان وما وازن فاعلا كثالث والعشرة مركبة يذكّرن مع المذكّر ويؤنّثن مع المؤنّث والثّلاثة والتّسعة وما بينهما مطلقا والعشرة مفردة بالعكس وتمييز المائة وما فوقها مفرد مخفوض والعشرة مفردة وما دونها مجموع مخفوض إلا المائة فمفردة وكم الخبرية كالعشرة والمائة والإستفهاميّة المجرورة كالأحد عشر والمائة ولا يميز الواحد والاثنان وثنتا حنظل ضرورة.
معنى الحرف. وإنّما حرّك الاسمان ؛ لأن لهما أصلا في الإعراب والبناء حادث وكانت الفتحة أولى لوجهين :
أحدهما : أنّ الاسم طال.
والثاني : أنّ الاسم الثاني بمنزلة : (تاء التأنيث) إذ كان مزيدا على الأوّل لمعنى ويفارقه في بعض المواضع وتاء التأنيث تفتح ما قبلها فكذلك هذا.
فصل : فأمّا : (اثنا عشر) فالاسم الأوّل معرب لأوجه :
أحدها : أنّهم أرادوا الدلالة على أنّ الأصل في هذه الأعداد الإعراب كما صححّوا الواو في : (قود) و (استحوذ).
والثاني : أنّ علامة الإعراب هي حرف التثنية ، فلو أبطلت لبطل دليل التثنيه.
والثالث : أنّ ما عداه من المركّب جرى مجرى الاسم الواحد وإعراب الاسم الواحد لا يكون في وسطه.
وأمّا : (اثنان) فبغير تاء في المذكّر وبتاء في المؤنّث كما كان قبل التركيب ويجوز في المؤنّث حذف الهمزه وإثباتها.
فصل : وأما : (عشر) ههنا فبنيت لوقوعها موقع النون المحذوفه من : (اثني) لا على جهة الإضافه فبنيت كما أنّ النون مبنيّه ويدلّ على أنّه غير مضاف أنّ الحكم المنسوب إلى المضاف غير منسوب إلى المضاف إليه كقولك : (قبضت درهم زيد) والحكم هنا منسوب إلى الاثنين والعشرة كقولك : قبضت اثني عشر درهما.
فصل : وإنّما ثبتت (التاء) من : (ثلاثة عشر) إلى : (تسعة عشر) ؛ لأنها كذلك في مرتبة الآحاد وحذفت من (عشر) لئلّا تجتمع علامتا تأنيث وعكس ذلك في المؤنّث حملا على (ثلاث نسوة) وثبتت التاء في (عشرة) لئلّا يخلو الاسم من علامة التأنيث ، وقيل : ثبتت فيه التاء ليوافق الاسم المميّز بعده إذ كان للمجاورة أثر في الموافقة.
فصل : أمّا : (أحد عشر) (1)
وما يحتاج الى تمييز مفرد مخفوض وهو المائة والألف تقول عندي مائة رجل وألف رجل. ويلتحق بالعدد المنتصب تمييزه تمييزكم الاستفهامية وهي بمعنى أيّ عدد ولا يكون تمييزها الا مفردا تقول كم غلاما عندك ولا يجوزكم غلمانا خلافا للكوفيين.
في المذكّر فلا علامة للتأنيث فيه ؛ لأن (أحدا) قبل التركيب لا علامة فيه فبقي على ذلك ، وأمّا (عشر) فبغير تاء كما ذكرنا في (ثلاثة عشر) ، وأمّا في المؤنّث فثبتت العلامتان ؛ لأن (إحدى) قبل التركيب تلحقها علامة التأنيث كقولك : (واحدة) و (إحداهما) فبقيت عليها في التركيب ، وأمّا (عشرة) فالتاء لما ذكرنا في (ثلاث عشرة) ولهذه العلّة قلت في المؤنّث (اثنتا عشرة) بالعلامتين.فصل : وأمّا (عشرون) فاسم موضوع لعشرتين ، وليس بجمع تصحيح على التحقيق ؛ لأن أقلّ هذا الجمع ثلاثة ، فلو كان (عشرون) جمع تصحيح لكان أقلّ ما يقع عليه ثلاث عشرات.
وحكي عن الخليل أنّه جمع (عشر) من أظماء الإبل ، وذلك أن العشر منها ثمانية ؛ لأنها ترد الماء يوما وتتركه ثمانية وترده اليوم العاشر فلا يحتسب بيومي الورود فتكون العشرون عشرين ونصفا فجمع على التكميل ، وفي هذا القول بعد.
وأمّا كسر العين من (عشرين) فقيل : كان الأصل أن يقال : (عشرتان) وهم اثنتان من هذه المرتبة فكسر كما كسر أوّل اثنين.
وقيل : العشرة تؤنّث وجمعها لا يؤنّث فكسر أوّله في الجمع عوضا من التأنيث إذ كان يؤنّث بالياء نحو تضربين والكسرة من جنس الياء.
وأمّا على قول الخليل فالكسرة فيه كسرة الواحد.
فصل : وأمّا (ثلاثون) إلى : (تسعين) فأسماء مشتقّة من ألفاظ مرتبة الآحاد وليس (ثلاثون) جمع (ثلاث) إذ لو كان كذلك لكان أقلّ ما يقع عليه ثلاثون (تسعة) ؛ لأنها ثلاث ثلاثات.
1) هذا النوع ما يحتاج الى تمييز مفرد منصوب وهو الأحد عشر والتّسعة والتّسعون وما بينهما نحو : (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً) (وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) (إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) وأما قوله تعالى (وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً) فليس (أسباطا) تمييزا بل بدل من (اثنتي عشرة) والتمييز محذوف أي اثنتي عشرة فرقة.
فصل : وأمّا (المائة) وما تكرّر منها فتضاف ؛ لأنها عدد مفرد فأضيف إلى ممّيزه كالعشرة وما دونها ، وإنّما كان المميّز مفردا ؛ لأن المائة أقرب إلى ما تمّم بالمفرد وهو تسعون فقد جمعت شبه الآحاد والعشرات.
فصل : وكان القياس أن يقال : (ثلاث مئات أو مئين) وكذا إلى تسعمائة كما تقول : (ثلاث نسوة) إلا أنّهم أضافوها إلى الواحد حيث طال الكلام بإلاضافة إلى (المائة) وإضافة المائة للدرهم ونحوه ولأنّ المميّز مفرد ، فلو جمعوا : (مائة) وهي عدد لأضافوا جمع العدد إلى المميّز المفرد ، وليس له أصل ؛ لأن مرتبة الآحاد تضاف إلى الجمع.
فصل : فأمّا : (الألف) فكالمائة ؛ لأنها تليها ، وإنّما قالوا ثلاثة آلاف درهم فأضافوا إلى الجمع ؛ لأن مرتبة الآلاف كمرتبة الآحاد إذ لم تكن مرتبة رابعة ؛ ولذلك يبقى لفظ العشرة والمائة فيها بخلاف المراتب الأول فإنّ كلا منها إذا جاوز التسعة تجدّد له اسم لم يكن.
فصل : إذا أردت تعريف العدد المضاف أدخلت أداة التعريف على الاسم الثاني : فتعرّف به الأوّل نحو : ثلاثة الرجال ومائة الدرهم كقولك : غلام الرجل ، ولا يجوز : (الخمسة دراهم) ؛ لأن الإضافة للتخصيص وتخصيص الأوّل باللام يغيه عن ذلك.
فأمّا ما لم يضف منه فأداة التعريف في الأوّل نحو : الخمسة عشر درهما. إذ لا تخصيص هنا بغير اللام ، وقد جاء شيء على خلاف ما ذكرناه وهو شاذّ عن القياس والاستعمال فلا يقاس عليه.
يجوز كسر نون النداء وضمّها مثل : (الهتاف) و (الهتاف) ولام النداء (واو) لقولهم ندوت القوم إذ جلست معهم في النادي ، وهو مجلسهم الذي ينادي فيه بعضهم بعضا ومصدره الندوة.
فصل : وحروفه : (ياء) و (أي) و (أيا) و (هيا) و (الهمزة) ، وفي الندبة حرف آخر وهو : (وا) والغرض منها تنبيه المدعوّ ليسمع حديثك فأمّا نداء الديار وغيرها فعلى طريقة التذكّر والتذكير.
فصل : والنداء تصويت لا يحتمل التصديق والتكذيب ، وقيل : أن كان يصفه نحو ياء فسق ويا فاضل كان خبرا لاحتماله ذلك وهذا يوجب أن يكون خبرا في الأعلام لأنّك إذا أقبلت على إنسان فقلت : يا زيد أمكن أن يقول كذبت لست زيدا.
فصل : والمنادى منصوب اللفظ والموضع واختلف في ناصبه فقال بعضهم : الناصب له فعل محذوف لم يستعمل إظهاره وهو : (أنادي وأدعو وأنّبه) ونحو ذلك وذلك ؛ لأن (يا) حرف والأصل في الحروف ألا تعمل ، ولأنّها لو عملت لكان لشبهها بالفعل وشبهها بالفعل ضعيف لقلّة حروفها لا سيّما الهمزة التي هي على حرف واحد فتعيّن أن يكون العامل فعلا لكنّه استغني عن إظهاره لدلالة : (يا) عليه (1)
وعامل النّصب فيه ، إمّا فعل محذوف وجوبا ، تقديره «أدعو» ، ناب حرف النداء منابه ، وإمّا حرف النداء نفسه لتضمنه معنى «أدعو» ، وعلى الأول فهو مفعول به للفعل المحذوف ، وعلى الثاني فهو منصوب ب «يا» نفسها.
فينصب لفظا (بمعنى أنه يكون معربا منصوبا كما تنصب الأسماء المعربة) إذا كان نكرة غير مقصودة ، أو مضافا ، أو شبيها به ، فالأول نحو «يا غافلا تنبّه» ، والثاني نحو «يا عبد الله» ، والثالث نحو «يا حسنا خلقه».
وينصب محلا (بمعنى أنه يكون مبنيا في محلّ نصب) إذا كان مفردا معرفة أو نكرة مقصودة ، فالأول نحو «يا زهير» ، والثاني نحو «يا رجل». وبناؤه على ما يرفع به من ضمّة أو ألف أو واو ، نحو «يا علي. يا موسى. يا رجل. يا فتى. يا رجلان. يا مجتهدون.
.وقال آخرون : العامل فيه حرف النداء ؛ لأنه أشبه الفعل من ثلاثة أوجه :
1) وحكم المنادى أنه منصوب ، إمّا لفظا ، وإمّا محلا.
أحدها : أنّ معناه معنى الفعل بل أقوى من حيث أنّ لفظ الفعل عبارة عن الفعل الحقيقيّ كقولك : (ضرب) و (يا) هي العمل نفسه وتعبّر عنه ب (نادى).
والثاني : أنّها أميلت ، وليس ذاك إلا لشبهها بالفعل.
والثالث : أنّه يعلّق بها حرف الجرّ في قولك : يا لزيد وحرف الجرّ لا يتعلّق إلا بالفعل أو ما عمل عمله.
وأمّا عملها في الخبر ففيه اختلاف سنذكره على أنّ عملها فيه لا يوجب بناءه ؛ لأن علّة البناء وجدت في الاسم دون الخبر ويدلّ عليه أنّ البناء لأجل التركيب ، ونحن نجعل الاسمين المركّبين بمنزلة اسم واحد وهو مع هذا مخالف للقياس فكيف نجعل ثلاثة أشياء بمنزلة شيء واحد.
وأمّا البناء ففير حادث ب (لا) من حيث هي عاملة بل حادث بالتركيب وتضّمنه معنى الحرف كما أنّ (يا) في النداء تعمل النصب في المعرب ؛ فإذا دخلت على المفرد بني لا بها بل بشيء آخر ، وأمّا جعل حركة المبنيّ هنا الفتح ففيه أوجه :
أحدها : أنّ الفتح اختير لطول الاسم بالتركيب كما اختير في خمسة عشر.
والثاني : أنّ النفي هنا لمّا خرج عن نظائره خرج البناء عن نظائره.
والثالث : أنّهم لو بنوه على الكسر لكانت مثل الحركة التي يستحقّها هذا الاسم في الأصل إذ أصله لا من رجل ، ولو بني على الضمّ لكانت حركته في حال عمومه كالحركة في حال خصوصه ففرّقوا بينهما وعدلوا إلى الفتح.
ويدلّ على فساد مذهب من قال هو معرب : أنّه لو كان كذلك لنون كما ينوّن اسم إنّ.
فإن قيل : إنّما لم ينّون ؛ لأن (لا) ضعفت إذ كانت فرع فرع فرع ، وذلك أنّ (كان) فرع في العمل على الأفعال الحقيقّة و (إنّ) فرع على (كان) ، و (لا) فرع على (إنّ) ، فلمّا ضعف خولف باسمها بقيّة المعربات.
فصل : وإنّما بني المفرد العلم في النداء والنكرة المقصودة لوجهين :
أحدهما : أنّه صار مع حرف النداء كالأصوات نحو : (حوب) و (هيد) و (هلا) زجر الإبل و (عدس) في زجر البغال ؛ لأن الغرض من الجميع التنبيه ، وليس بمخبر عنه ولا متصل بمخبر عنه ؛ ولذلك بنيت حروف التهجّي.
والثاني : أنّه أشبه المضمر في أنّه مخاطب غير مضاف والأصل في كلّ مخاطب أنّ يذكر بضمير الخطاب كقولك : أنت يا أنت ، وقد جاء ذلك في النداء قال (1)
شاعر إسلامي أموي هجّاء ، صافي الديباجة ، من طبقة جميل بن معمر ونصيب ، وكان معاصرا لجرير والفرزدق. وهو من سكان المدينة. وفد على الوليد بن عبد الملك في الشام فأكرمه ثم بلغه عنه ما ساءه من سيرته فردّه إلى المدينة وأمر بجلده فجلد ونفي إلى دهلك (وهي جزيرة بين اليمن والحبشة) كان بنو أمية ينفون إليها من يسخطون عليه.
فبقي بها إلى ما بعد وفاة عمر بن عبد العزيز وأطلقه يزيد بن عبد الملك ، فقدم دمشق ومات بها ، وكان حماد الراوية يقدمه في النسيب على شعراء زمنه.
: [الرجز]يا أبحر بن أبحر يا أنتا
أنت الّذي طلّقت عام جعتا
والواقع موقع المبنيّ يبنى (2)
1 - إذا كان المنادى ، المستحقّ للبناء ، مبنيّا قبل النداء ، فإنه يبقى على حركة بنائه. ويقال فيه إنه مبنيّ على ضمّة مقدّرة ، منع من ظهورها حركة البناء الأصليّة ، نحو «يا سيبويه. يا حذام. يا خباث. يا هذا. يا هؤلاء».
ويظهر أثر ضمّ البناء المقدّر في تابعه ، نحو «يا سيبويه الفاضل. يا حذام الفاضلة. يا هذا المتجهد. يا هؤلاء المجتهدون».
2 - إذا كان المنادى مفردا علما موصوفا بابن ، ولا فاصل بينهما ، والابن مضاف إلى علم ، جاز في المنادى وجهان ضمّه للبناء ونصبه ، نحو «يا خليل بن أحمد. ويا خليل بن أحمد». والفتح أولى. أمّا ضمّه فعلى القاعدة ، لأنه مفرد معرفة. وأما نصبه فعلى اعتبار كلمة «ابن» زائدة ، فيكون «خليل» مضافا و «أحمد» مضافا إليه. وابن الشخص يضاف إليه ، لمكان المناسبة بينهما. والوصف بابنة كالوصف بابن ، نحو «يا هند ابنة خالد. ويا هند ابنة خالد».
أمّا الوصف بالبنت فلا يغيّر بناء المفرد العلم ، فلا يجوز معها إلا البناء على الضمّ ، نحو «يا هند بنت خالد».
ويتعيّن ضمّ المنادى في نحو «يا رجل ابن خالد. ويا خالد ابن أخينا» لانتفاء علميّة المنادى ، في الأول ، وعلميّة المضاف إلى ابن في الثاني ، لأنك ، إن حذفت ابنا ، فقلت «يا رجل خالد ، ويا خالد أخينا» ، لم يبق للاضافة معنى. وكذا يتعيّن ضمّه في نحو «يا عليّ الفاضل ابن سعيد» ، لوجود الفصل ، لأنه لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه.
3 - إذا كرّر المنادى مضافا ، فلك نصب الاسمين معا ، نحو «يا سعد سعد الأوس» ، ولك بناء الأول على الضم ، نحو «يا سعد سعد الأوس». أما الثاني فهو منصوب أبدا.
(أما نصب الأول ، فعلى أنه مضاف إلى ما بعد الثاني ، والثاني زائد للتوكيد ، لا أثر له في حفض ما بعده. أو على أنه مضاف لمحذوف مماثل لما أضيف اليه الثاني. وأما بناؤه (أي بناء الأول) على الضم ، فعلى اعتباره مفردا غير مضاف. وأما نصب الثاني ، فلأنه على الوجه الأول توكيد لما قبله ، وعلى الوجه الثاني بدل من محل أو عطف بيان).
4 - المنادى المستحقّ البناء على الضمّ ، إذا اضطرّ الشاعر إلى تنوينه جاز تنوينه مضمونا أو منصوبا. ويكون في الحالة الأولى مبنيّا ، وفي الثانية معربا منصوبا كالعلم المضاف ، فمن الأول قول الشاعر :
سلام الله يا مطر عليها
وليس عليك يا مطر السّلام
.فصل : وإنّما بني على حركة ؛ لأن بناءه عارض فحرّك لينفصل عمّا بناؤه لازم وحرّك بالضمّ لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّه قوي بذلك زيادة في التنبيه على تمكّنه.
والثاني : أنّ المنادى يكسر إذا أضيف إلى الياء ويفتح إذا أضيف إلى غيرها فضمّ في الإفراد لتكمل له الحركات كما فعلوا ذلك في قبل وبعد.
والثالث : أنّهم لو فتحوه أو كسروه لالتبس بالمضاف فصاروا إلى ما لا لبس فيه.
فصل : وإنّما أعرب المضاف والمشابه له والنكرة غير المقصودة على الأصل ولم يوجد المانع من ذلك ، فإنّ المانع في المفرد شبهه بالمضمر والمضاف لا يشبه المضمر لأمرين :
أحدهما : أنّ المضمر لا يضاف.
والثاني : أنّ تعريف المضاف بالإضافة وتعريف المضمر هنا بالخطاب ، وكذلك المشابه للمضاف طال طولا فارق به المضمر أو عمل فيما بعده والمضمر لا يعمل وكذا النكرة الشائعة لا تقع موقع المضمر فهذا لبيان عدم الموجب للبناء.
ويمكن أن يقال : علّة البناء موجودة وهي ما تقدّم ولكن تعذّر البناء في المضاف إلى ياء المتكلم بتلك العلّة ؛ لأنه بني لعلّة أخرى والمضاف إلى غيره صار كالمنوّن ؛ لأنه المضاف إليه
يحلّ محلّ التنوين والتنوين لا يكون بعد حركة البناء ولأنّه لو بني الأوّل لم يكن عاملا في الثاني ، ولو بنيا لفسد الأمرين.
أحدهما : أنّ النداء دخل على الأوّل دون الثاني.
والثاني : أنّهما كانا يكونان كالمركّب.
فصل : وإنّما جاز في صفة المبني المفرد هنا النصب على الموضع ؛ لأن موضع الموصوف نصب ويجوز رفعها حملا على لفظ الموصوف وجاز ذلك في المنادى دون غيره من المبنيّات ؛ لأن حركة البناء فيه تشبه حركة المعرب ؛ لأنه مطرد مع (يا) لا يكون مع غيرها كما لا تحذف حركة الإعراب إلا بعامل ؛ ولذلك جاز حمل وصف (لا) على الموضع تارة وعلى اللفظ أخرى بخلاف : (أمس) و (هؤلاء) فإنّهما مبنيّان على كلّ حال لا عند شيء يشبه العامل.
فصل : فأمّا الصفة المضافة فليس فيها غير النصب ؛ لأن الصفة لا تزيد على الموصوف والموصوف المضاف ينصب البتّة فالصفة أولى.
فصل : والمعطوف الذي فيه الألف واللام وهو جنس كالصفة في الوجهين كقوله تعالى : (يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ) [سبأ : 10] ؛ لأن : (يا) لا تليه فصار كالصفة.
فأمّا الألف واللام في القياس ونحوه فكذلك ، وقال المبرّد : الرفع فيه أحسن ؛ لأنه علم والألف واللام فيه زائد أو في حكم الزائد.
فصل : فإن كان المعطوف ليس فيه لام التعريف فله حكم نفسه فتقدّر معه (يا) كقولك : يا زيد وعمرو ، ويا زيد وعبد الله ، لأنّك تقدر أن تقول : ويا عمرو ، وأجاز قوم النصب فيه بكلّ حال حملا على الموضع.
فصل : والتوكيد كالوصف فيجوز في المفرد الرفع والنصب كقولك : يا تميم أجمعون وأجمعين ، فإن كان مضافا نصبت البتة كالصفه كقولك : يا تميم كلّكم فتنصب ويجوز ب (الكاف) ؛ لأنه مخاطب وب (الهاء) ؛ لأن الاسم الظاهر غائب فيعود الضمير إليه بلفظ الغيبة.
فصل : ولا تدخل (ياء) على الألف واللام لأمرين (1)
وإذا ناديت علما مقترنا بأل وضعا حذفتها وجوبا فتقول في نداء العبّاس والفضل والسّموأل «يا عبّاس. يا فضل. يا سموأل».
:1) إذا أريد نداء ما فيه «أل» ، يؤتى قبله بكلمة «أيّها» للمذكر ، و «أيّتها» للمؤنث. وتبقيان مع التثنية والجمع بلفظ واحد ، مراعى فيهما التذكير والتأنيث ، أو يؤتى باسم الإشارة. فالأول كقوله تعالى (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) وقوله (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً) وقوله (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) والثاني نحو «يا هذا الرجل. يا هذه المرأة» إلا إذا كان المنادى لفظ الجلالة. لكن تبقى «أل» وتقطع همزتها وجوبا ، نحو «يا الله». والأكثر معه حذف حرف النداء والتعويض منه بميم مشدّدة مفتوحة ، للدلالة على التعظيم نحو «اللهمّ ارحمنا». ولا يجوز أن توصف «اللهمّ» ، على على اللفظ ولا على المحلّ ، على الصحيح ، لأنه لم يسمع. وأما قوله تعالى (قُلِ اللهُمَّ ، فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ، فهو على أنه نداء آخر ، قل اللهمّ ، يا فاطر السموات.
[أحدهما] : أنّ (الألف واللام) للتعريف و (يا) مع القصد إلى المنادى تخصّصه وتعنيّه ولا يجتمع أداتا تعريف.
والوجه الثاني : أنّ (اللام) لتعريف المعهود والمنادى مخاطب فهما مختلفان في المعنى ، وقد جاء ذلك في ضرورة الشعر قال : [الرجز]
فيا الغلامان اللذان فرّا
أيّاكما أن تكسبانا شرّا
وأمّا قول الآخر :
أحبّك يا التّي تيّمت قلبي
وأنت بخيلة بالودّ عنّي
فقيل هو من هذا الباب ، وقيل : الألف واللام فيه زائدتان وتعريف الموصول بالصلة.
وأمّا اسم الله تعالى فتدخل عليه لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ الألف واللام فيه لغير التعريف ؛ لأنه سبحانه واحد لا يتعدّد فيحتاج إلى التعيين ودخول (يا) عليه للخطاب.
والثاني : أن الألف واللام عوض من همزة (إله) ، وذلك أنّ الأصل فيه (الإله) فحذفت الهمزة حذفا عند قوم ، وعند آخرين ألقيت حركتها على (اللام) ثمّ أدغمت إحداهما في الأخرى فنابت اللام عن الهمزة فأجتمعت مع (يا) من هذا.
الوجه والثالث : أنّه كثر استعمالهم هذه الكلمة فخفّ عليهم إدخال (يا) عليها.
وقد اختص هذا الاسم بأشياء لا تجوز في غيره منها (يا) ومنها تفخيم (لامه) إلا إذا انكسر ما قبلها ومنها قطع همزته في النداء ، وفي القسم إذا قلت : (أفألله) ومنها اختصاصه ب (تاء القسم) ومنها لحوق (الميم) في آخره.
فصل : وأمّا قولهم : يا أيّها الرجل ف (أيّ) مفرد منادى مبنيّ ، وفي (ها) وجهان :
أحدهما : أنّهم أتوا بها عوضا من المضاف إليه ؛ لأن حقّ (أي) أن تضاف.
والثاني : أنها دخلت للتنبيه لتكون ملاصقة للرجل حيث امتناع دخول (يا) عليه.
وأمّا الرجل فصفة لأيّ على اللفظ ؛ لأنه المنادى في المعنى ؛ ولذلك لا يسوغ الاقتصار على (أيّها).
وإنّما أتي ب (أيّ) هنا توصّلا إلى نداء ما فيه الألف واللام ومن هنا لم يجز نصبه عند الجمهور وأجازه المازنيّ كسائر الصفات ، وإنّما اختاروا (أيّا) هنا ؛ لأنها اسم معرب فيه إبهام يصلح لكل شيء.
فصل : فإن وصفت الرجل هنا رفعت الصفة وإن كانت مضافة ؛ لأن الموصوف معرب ، وإذا حملت تلك الصفة على موضع (أيّ) جاز النصب والرفع في المفرد ولم يكن في المضاف إلى النصب.
فصل : والميم الزائدة في قولك : (اللهم) (1)
(الأول) أن تكون للنداء المحض ، نحو «اللهمّ اغفر لي».
(الثاني) أن يذكرها المجيب تمكينا للجواب في نفس السامع ، كأن يقال لك «أخالد فعل هذا؟» ، فتقول «اللهم نعم».
(الثالث) أن تستعمل للدلالة على الندرة وقلة وقوع المذكور معها ، كقولك للبخيل «إن الأمة تعظمك ، اللهم ان بذلت شطرا من مالك في سبيلها».
عوض من (يا) وقال الكوفيّون : أصله : (يا الله أمّنا بخير) وهو غلط لوجهين :أحدهما : أنّه لو كان كذلك لكثر الجمع بينهما ولمّا لم يأت ذلك إلا في الضرورة علم أنّه عوض فلم يجمع بينه وبين المعوض.
1) تستعمل «اللهمّ» على ثلاثة أنحاء :
والثاني : أنّه يصحّ أن يقع بعد هذا الاسم : (أمّنا بخير) وما أشبهه كقولك : اللهم أغفر لي وأن يقع بعده ضدّ هذا المعنى كقولك : اللهم العن فلانا ، وما أشبهه.
فصل : العلم إذا نودي بقي على تعريفه ومنهم من قال ينكّر ثّم يتعرّف بالقصد والإشارة وحجّة الأوّل من وجهين :
أحدهما : أنّك تنادي من لا يشاركه غيره في اسمه كقولك : (يا الله) و (يا فرزدق) ، ولو تنكّر لصار له نظائر فيتعيّن بالقصد.
والثاني : أنّ (يا) تدخل على النكرة غير المقصودة نحو : (يا رجلا) ، ولو كانت (يا) تحدث التعريف لحدث بها هنا ، وكذلك المضاف نحو يا عبد الله وتعريفه بالإضافة لا بالقصد.
واحتجّ الآخرون بأنّ (يا) تحدث التعريف في النكرة المقصودة فكذلك في العلم تحدثه بالخطاب ولن يصحّ ذلك إلا بنزع التعريف الأوّل ؛ ولذلك لم تدخل على الألف واللام.
فصل : إذا كان المنادى علما أو كنية ووصف ب (ابن) مضاف إلى علم أو نكرة جاز فيه الضمّ على الأصل والفتح اتباعا لفتحة نون ابن ولا يكون ذلك في غير هذا الموضع ؛ لأن العلم والكنية يكثر استعمالهما مع الوصف ب (ابن) للحاجة إلى التعريف بالنسب فيصير الموصوف والصفة كشيء واحد فيفتحان كالمركّب.
فصل : وتدخل (لام الاستغاثة) على المنادى إعلاما بالاستغاثة إذ ليس كلّ منادى مستغاثا به وتتعلّق بحرف النداء وتفتح كما تفتح مع ضمير المخاطب.
فأمّا : (لام المستغاث له) فتكسر ؛ لأنه غير واقع موقع الضمير.
وأمّا المعطوف على المستغاث به فتكسر لامه ؛ لأن واو العطف تغني عن الفرق بفتح اللام فتكسر كما تكسر مع كلّ ظاهر.
فصل : ويحذف حرف النداء من كلّ منادى إلا النكرة والمبهم أمّا النكرة فإنّها لا تتعرّف هنا إلا ب (يا) الدالّة على القصد والإشارة ؛ فإذا لم تكن بقي على تنكيره ؛ ولذلك إذا أرادوا تعريفه باللام جاؤوا ب (يا أيّها) ، فلو حذفوا للحق الإجحاف.
وأمّا المبهم فلشدّة إبهامه يحتاج إلى مخصص ، فلو حذف المخصّص لبقي على إبهامه ؛ ولذلك جاز أن يكون المبهم وصفا ل (أيّ) في النداء كما كان اسم الجنس.
فصل : إذا ناديت المضاف إلى نفسك وكان الأوّل صحيحا فلك فيه أوجه :
أحدها : حذف الياء نحو : يا غلام ؛ لأن الكسرة تدلّ عليها في الإثبات.
والثاني : إثباتها ساكنة على الأصل.
والثالث : فتحها ؛ لأن حقّ ياء الضمير الفتح كالكاف.
والرابع : إبدال الفتحة كسرة والياء الفا ليمتدّ الصوت زيادة مدّ.
والخامس : حذفها وضمّ الميم وتريد في هذا الوجه ما أردت في الإضافة (1)
والمراد هنا اسم الفاعل واسم المفعول ومبالغة اسم الفاعل.
فإن كان المضاف إلى الياء اسما صحيح الآخر ، غير أب ولا أم ، فالأكثر حذف ياء المتكلم والاكتفاء بالكسرة التي قبلها ، كقوله تعالى (يا عِبادِ فَاتَّقُونِ.) ويجوز إثباتها ساكنة أو مفتوحة ، كقوله عزوجل (يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ) وقوله (يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ). ويجوز قلب الكسرة فتحة والياء ألفا ، كقوله تعالى (يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ.)
وإن كان المضاف إلى (الياء) معتلّ الآخر ، وجب إثبات الياء مفتوحة لا غير ، نحو «يا فتاي. يا حاميّ».
وإن كان المضاف إليها صفة صحيحة الآخر ، وجب إثباتها ساكنة أو مفتوحة ، نحو «يا مكرمي. يا مكرمي».
وإن كان المضاف إليها أبا أو أمّا ، جاز فيه ما جاز في المنادى الصحيح الآخر ، فتقول «يا أب ويا أمّ. يا أبي ويا أمي. يا أبي ويا أمي. يا أبا ويا أمّا «ويجوز فيه أيضا حذف ياء المتكلم والتّعويض عنها بتاء التأنيث مكسورة أو مفتوحة ، نحو «يا أبت ويا أمّت. يا أبت يا أمّت». ويجوز إبدال هذه التاء هاء في الوقف ، نحو «يا أبه ويا أمّه».
وإن كان المنادى مضافا إلى مضاف إلى ياء المتكلم ، فالياء ثابتة لا غير ، نحو «يا ابن أخي. يا ابن خالي» إلّا إذا كان «ابن أمّ» أو «ابن عمّ» فيجوز إثباتها ، والأكثر حذفها والاجتزاء عنها بفتحة أو كسرة. وقد قريء قوله تعالى (قالَ ابْنَ أُمَّ ، إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي ،) وقوله (قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي ،) بالفتح والكسر. فالكسر على نيّة الياء المحذوفة ، والفتح على نيّة الألف المحذوفة التي أسلها ياء المتكلم. ومثل ذلك يقال في «يا ابن عمّ» قال الراجز :
كن لي لا عليّ ، يا ابن عمّا
نعش عزيزين ، ونكفى الهمّا
ويجري هذا أيضا مع «ابنة أمّ» و «ابنة عم».
واعلم أنهم لا يكادون يثبتون ياء المتكلم ، ولا الألف المنقلبة عنها ، إلا في الضرورة ، فإثبات الياء كقوله
يا ابن أمّي ، ويا شقيّق نفسي أنت خلّقتني لدهر شديد
وإثبات الألف المنقلبة عنها ، كقول الآخر :
يا ابنة عمّا ، لا تلومي واهجعي
لا يخرق اللّوم حجاب مسمعي
.1) المنادى المضاف إلى ياء المتكلم على ثلاثة أنواع اسم صحيح الآخر ، واسم معتلّ الآخر ، وصفة.
فإن كان بين الياء والاسم المنادى اسم آخر لم تحذف نحو : يا غلام أخي ويا ابن صاحبي ؛ لأن الوسط ليس بمنادى ، وقد جاء الحذف في : يا ابن عمي ، ويا ابن أمّي ، ويا ابن صاحبي ، وفيه أيضا الوجوه التي ذكرت في غلام إلا أنّ منهم من يحذف الياء ويفتح الميم فيقول : (يا ابن أمّ) وفيه وجهان :
أحدهما : أنّه ركّب الاسمين كخمسة عشر.
والثاني : أنّه أراد (ابن أمّا) فحذف الألف لطول الكلام اجتزاء بالفتحة ، وإنّما أختصّ هذان الاسمان بهذا الحكم في النداء لكثرة استعمالهما.
هي : (فعلة) من (ندبته) أي : حثثته فكأنّ النادب يحثّه حزنه على الندبة أو يحثّ السامع على الحزن على المندوب وحروفها : (وا) و (يا). وقيل : (آ) أيضا وأكثر من يتكلّم بها النساء لضعف قلوبهنّ (1)
ولا تستعمل لنداء المندوب من الأدوات إلا «وا». وقد تستعمل «يا» ، إذا لم يحصل التباس بالنداء الحقيقي. ولا يجوز في النّدبة حذف المنادى ولا حذف أداته.
وللمنادى المندوب ثلاثة أوجه
1 - أن يختم بألف زائدة لتأكيد التّفجّع أو التوجّع ، نحو «واكبدا!».
2 - أن يختم بالألف الزائدة وهاء السّكت ، نحو «وا حسيناه».
(وأكثر ما تزاد الهاء في الوقف فان وصلت حذفتها ، إلا في الضرورة ، كقول المتنبي «وا حرّ قلباه ممن قلبه شبم». ولك حينئذ ان تضمها ، تشبيها لها بهاء الضمير. وان تكسرها على أصل التقاء الساكنين. وأجاز الفرّاء إثباتها في الوصل مضمومة أو مكسورة من غير ما ضرورة).
3 - أن يبقى على حاله ، نحو «وا حسين!».
ولا يكون المنادى المندوب إلا معرفة غير مبهمة. فلا يندب الاسم النكرة ، فلا يقال «وا رجل!» ، ولا المعرفة المبهمة - كالأسماء الموصولة وأسماء الإشارة - فلا يقال «وامن ذهب شهيد الوفاء!» ، إلا إذا كان المبهم اسم موصول مشتهرا بالصّلة ، فيجوز ، نحو «وامن حفر بئر زمزم».
.فصل : وتزاد في آخر المندوب إذا وقف عليه (الألف) ليزداد مدّ الصوت ليشيع حال المندوب ويدل عليتفجّع النادب ، وتزاد عليها (هاء) لتبيين الألف فإن حذفت الهاء لم تأت بالألف لئلّا يظن أنّها بدل من ياء المتكلّم.
فصل : ولا يندب إلا العلم أو المضاف إذا كان المندوب مشهورا به ليكون عذرا للنادب كقولك : وا زيداه وا عبد الملكاه وا من حفر بئر زمزماه وا انقطاع ظهرياه.
فصل : وإذا خفت من إثبات الألف لّبسا قلبتها من جنس الحركة التي قبلها كقولك : في غلامه : (وا غلامهه) ولا تقول : (اغلامهاه) لئلّا يلتبس بغلامها للمؤنّث وتقول إذا ندبت غلامك : (وا غلامكيه) ولا تقول : (وا غلامكاه) لئلّا يلتبس بالمذكر وعلى هذا فقس.
مسألة : لا يجوز أن تلحق علامة الندبة الصفة نحو : (وا زيد الظريفاه) وأجازه الكوفيّون ويونس.
1) النّدبة هي نداء المتفجّع عليه أو المتوجّع منه ، نحو «وا سيّداه!. وا كبداه!».
ووجه المذهب الأوّل من وجهين :
أحدهما : أنّ الصفة غير مندوبة ولا لازمة للمندوب فلم تلحقها علامة الندبة بخلاف المضاف إليه ؛ لأنه من تتمّة المضاف.
والثاني : أنّ الصفة اسم معرب مفرد فلا تلحقها علامة الندبة كالنكرة وعلّة ذلك إلا يصير مبنيّا.
واحتجّ الآخرون من وجهين :
أحدهما : ما سمع من عربيّ فصيح ضاع منه قدحان من خشب فندبهما وا جمجمتيّ الشاميّتيناه.
والثاني : أنّ الصفة في بعض المواضع تلزم كصفة (أيّ) في باب النداء وصفة : (من) و (ما) النكرتين فجرى مجرى المضاف إليه ولأنّها توضحّ كما يوضحّ.
2 - العلم لمذكّر أو مؤنث على شرط أن يكون غير مركّب ، وأن يكون زائدا على ثلاثة أحرف ، نحو «يا جعف. يا سعا» ، في «جعفر وسعاد».
(فلا ترخم النكرة ، ولا ما كان على ثلاثة أحرف ولم يكن مختوما بالتاء ، ولا المركب. فلا يقال «يا انسا» ، في «انسان» ، لأنه غير علم ، ولا «يا حس» ، في «يا حسن» ، لأنه على ثلاثة أحرف ، ولا مثل «يا عبد الرحمن».
لأنه مركب. وأما ترخيم «صاحب» في قولهم «يا صاح» ، مع كونه غير علم ، فهو شاذّ لا يقاس عليه)
ويحذف للتّرخيم إمّا حرف واحد ، وهو الأكثر ، كما تقدّم ، وإمّا حرفان ، وهو قليل. فتقول «يا عثم. يا منص» ، في «عثمان ومنصور».
ولك في المنادى المرخّم لغتان.
1 - أن تبقي آخره بعد الحذف على ما كان عليه قبل الحذف - من ضمّة أو فتحة أو كسرة - نحو «يا منص. يا جعف. يا جار». وهذه اللغة هي الأولى والأشهر.
2 - أن تحرّكه بحركة الحرف المحذوف ، نحو «يا جعف. يا جار».
(وتسمى اللغة الأولى «لغة من ينتظر» ، أي من ينتظر الحرف المحذوف ويعتبره كأنه موجود. ويقال في المنادى حينئذ أنه مبني على ضم الحرف المحذوف للترخيم. وتسمى اللغة الأخرى «لغة من لا ينتظر» ، أي من لا ينتظر الحرف المحذوف ، بل يعتبر ما في آخر الكلمة هو الآخر فيبنيه على الضم).
وهو في اللغة لين الصوت وانقطاعه قال ذو الرّمة : [الطويل]
لها بشر مثل الحرير ومنطق
رخيم الحواشي لا هرآء ولا نزر
وبهذا المعنى سمّي الترخيم والنداء لأنّك تحذف من آخر الاسم فينقص الصوت ويضعف.
فصل : والترخيم حذف آخر الاسم المنادى المبنيّ الزائد على ثلاثة أحرف غير المؤنّث ، أمّا اختصاصه بالآخر فلأنّ ما بقي من الاسم يدلّ على ما يحذف من آخره إذا كان مشهورا ولا يدلّ آخره على أوّله ، وأمّا اختصاصه بالمنادى فلأنّ النداء قد كثر فيه التغيير ؛ لأنه موضع تخفيف وتنبيه بالأسماء المشهورة.
وأمّا اختصاصه بالمبنيّ فلأمرين :
1) التّرخيم هو حذف آخر المنادى تخفيفا ، نحو «يا فاطم». والأصل «يا فاطمة». والمنادى الذي يحذف آخره يسمّى «مرخمّا». ولا يرخّم من الأسماء إلا اثنان : 1 - ما كان مختوما بتاء التأنيث ، سواء أكان علما أو غير علم ، نحو «يا عائش. يا ثق. يا عالم» ، في «عائشة وثقة وعالمة».
أحدهما : أنّه معروف بنفسه لا بالإضافة ، وذلك بني كما بني ضمير الخطاب.
والثاني : أنّه لو حذف من المعرب لسقط منه الإعراب وحرفه ، وذلك إجحاف والمبنيّ لا يسقط منه إلا حرف لا إعراب فيه.
مسألة : لا يجوز ترخيم المضاف إليه ، وقال الكوفّيون : يجوز. وحجّة الأوّلين : أنّ المضاف معرب غير منادى فلم يرخمّ في الاختيار كما لو لم يكن قبله منادى.
واحتجّ الآخرون بما جاء في الشعر من ذلك نحو : [الطويل]
... (1)
خذوا حظّكم يا آل عكرم واذكروا
أواصرنا والرحم بالغيب تذكر
والبيت من شعر زهير بن أبي سلمى : (13 ق. ه / 609 م) وهو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني ، من مضر. حكيم الشعراء في الجاهلية وفي أئمة الأدب من يفضّله على شعراء العرب كافة.
قال ابن الأعرابي : كان لزهير من الشعر ما لم يكن لغيره : كان أبوه شاعرا ، وخاله شاعرا ، وأخته سلمى شاعرة ، وابناه كعب وبجير شاعرين ، وأخته الخنساء شاعرة.
ولد في بلاد مزينة بنواحي المدينة وكان يقيم في الحاجر (من ديار نجد) ، واستمر بنوه فيه بعد الإسلام.
قيل : كان ينظم القصيدة في شهر وينقحها ويهذبها في سنة فكانت قصائده تسمّى (الحوليات) ، أشهر شعره معلقته التي مطلعها :
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
ويقال : إن أبياته في آخرها تشبه كلام الأنبياء.
يا آل عكرم[وقول الآخر : من الطويل]
أبا عرو (2)
أبا عرو لا تبعد ، فكل ابن حرة
سيدعوه داعي موته فيجيب
...يريد : يا عكرمة ، ويا عروة ، ولأنّ المضاف إليه تتمّة للمنادى فصار كأنّه آخره.
والجواب : أمّا الشعر فلا حجّة فيه ؛ لأنه ممّار رخّم في غير النداء للضرورة ، وأمّا المضاف إليه فهو معرب غير منادى كما سبق.
فصل : ولا يجوز ترخيم الثلاثي غير المؤنثّ ، وقال الكوفّيون : يجوز إذا كان الأوسط متحرّكا نحو : (عمر).
حجّة الأوّلين : أنّ الثلاثيّ أقلّ الأصول فحذفه إجحاف ولم يرد به سماع يسوغّ الأخذ به واحتجّ الآخرون بأنّ في الأسماء المعربة ما هو على حرفين نحو : (يد) و (دم) و (غد).
والجواب : أنّ تلك الأسماء محذوفة اللامات اعتباطا فلا يقاس عليها ؛ ولذلك قلّت جدا.
فإن قيل : رخّموا (ثبة)؟
قيل : إنّ تاء التأنيث كاسم ركّب مع اسم بدليل أنّ ما قبلها لا يكون إلا مفتوحا فتحذف كما يحذف الثاني من المركّب ، فكأنّ الترخيم لم يحذف من الاسم شيئا.
مسألة : إذا رخّمت الرباعيّ لم تحذف منه سوى حرف واحد. وقال الفرّاء : إن كان الثالث ساكنا حذفته مع الأخير نحو : (سبطر) تقول : (يا سب) واحتجّ لذلك بأنّه إذا بقي الساكن أشبه الأدوات ، وهذا فاسد لوجهين :
أحدهما : أنّ بناء المتحرّك يلحقه بالأدوات ولم يمتنع.
والثاني : أنّ الاسم بعد ترخيمه قد بقي على زنة لا نظير لها في الأسماء كحذف الثاء من : (حارث) فإنّه جاء على : (فاع) ولا نظير له ، فعلم أنّ الحذف هنا والبناء عارضان لا يعتدّ بما يخرج عن النظائر لأجلهما ويؤكّد ذلك أنّ ما قبل آخره مكسور يحذف وتبقى الكسرة وهي تشبه ما يكسر لالتقاء الساكنين وهو مع ذلك جائز.
فصل : ولا ترخمّ النكرة ؛ لأنها في الأصل وصف ل (أيّ) فلم يجتمع عليها حذف الموصوف وحذف آخرها وما جاء في الشعر نحو : (يا صاح) شاذّ لا يقاس عليه.
فصل : ولا يرخّم المبهم وإن زاد على ثلاثة أحرف لأوجه :
أحدها : أنّه ضعف بالإبهام فلا يضعف بالحذف.
والثاني : أنّ إبهامه يقرّبه من النكرة ، والنكرة لا ترخّم.
والثالث : أنّه في الأصل وصف ل (أيّ) فلم يجمع بين حذفين.
والرابع : أنّه وصف ل (أيّ) والأوصاف لا ترّخم مع الموصوفات فكذلك ما هو في تقديرها.
فصل : ولا يحذف من الاسم الّذي فيه تاء التأنيث شيء غيرها وإنّ كان ما قبلها زائدا ؛ لأنها بمنزلة اسم ضمّ إلى اسم على ما ذكرنا من قبل.
فصل : إذا ناديت الصفة التي فيها تاء التأنيث لم تحذفها نحو : (يا فاسقة) لئلّا يلتبس بالمذكّر فإن كانت علما جاز.
فصل : إذا رخّمت (طيلسانا) حذفت الألف والنون ؛ لأنّهما زائدتان وضممت السين وإن شئت فتحتها هذا إذا فتحت اللام فإن كسرتها لم يجز ترخيمه عند المبرّد ، قال : لأنه على وزن لا نظير له وهو : (فيعل). وأجازه السيرافي وغيره وقالوا : لأنه قد يبقى بعد الترخيم بناء لا نظير له في غيره نحو : يا حار ، وقد بيّنا ذلك قبل.
فصل : فإن سمّيت ب (حبلوي) أو (حبليان) لم يجز أن ترخّمه على قول من قال : يا حار بالضمّ ؛ لأن الواو والياء هنا ينقلبان ألفين فيصير (فعلى) وألف فعلى لا تكون منقلبة أبدا لكنّها للتأنيث ، وأجازه السيرافيّ وعلّل بنحو ما تقدّم.
فصل : وللعرب في الباقي بعد الترخيم مذهبان :
أحدهما : تركه على ما كان عليه وهو الأجود ؛ لأن بقاءه على ذلك ينبّه على الأصل.
والثاني : أن يضم على كلّ حال ويجعل كأنّه اسم قائم برأسه.
وفائدة اختلاف المذهبين أنّك إذا رخّمت على المذهب الأوّل تركت الحرف الباقي على حاله ولم تغيّره على ما يوجب قياس التصريف ، وإذا رخّمته على المذهب الثاني غيّرته على ما يوجبه قياس التصريف وإذّ عرفت هذا الأصل استغنيت عن الإطالة بالمسائل.
إنّما سمّيت كسرة الإعراب جرّا لتسفّلها في الفم وانسحاب الياء التي من جنسها على ظهر اللسان كجرّ الشيء على الأرض ، ومنه قيل لأصل الجبل : (جرّ) لتسفله (1).
والكوفّيون يسمّونه : (خفضا) وهو صحيح المعنى ؛ لأن الانخفاض الانهباط وهو تسفّل.
فصل : وإنّما عملت هذه الحروف لاختصاصها بأحد القبيلين ، وقد ذكرنا علّة ذلك في باب (أنّ) ، وإنّما عملت الجرّ دون غيره لأمرين :
أحدهما : أنّ الفعل عمل الرفع والنصب فلم يبقى للحرف ما ينفرد به إلا الجرّ.
والثاني : أنّ الحرف واسطة بين الفعل وبين ما يقتضيه فجعل عمله وسطا والجرّ من (الياء) وهي من حروف وسط الفم بخلاف الرفع ؛ فإنّه من الضمّ ، والضم من الواو ، والواو من الشفتين وبخلاف النصب ؛ فإنّه من الألف ، والألف من أقصى الحلق.
فصل : والأصل في الجرّ للحروف لأمرين :
أحدهما : أن أصل العمل للأفعال والحروف دخلت موصولة لها إلى الأسماء فلمّا اختصّت عملت فكانت تلو الأفعال في العمل أما الأسماء فمعمول فيها فلم تكن عاملة.
والثاني : أن الإضافة تقدّر بالحرف فدلّ ذلك على أنّه الأصل وإنّما عملت في الأسماء لما يذكر في مواضعه.
فصل : و (من) (2)
1 - الابتداء ، أي ابتداء الغاية المكانيّة أو الزمانيّة. فالأول كقوله تعالى (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.) والثاني كقوله (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ.) وترد أيضا لابتداء الغاية في الأحداث والأشخاص. فالأول كقولك «عجبت من إقدامك على هذا العمل» ، والثاني كقولك «رأيت من زهير ما أحبّ».
2 - التّبعيض ، أي معنى «بعض» ، كقوله تعالى (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) أي بعضه ، وقوله «منهم من كلّم الله» ، أب بعضهم. وعلامتها أن يخلفها لفظ «بعض».
3 - البيان ، أي بيان الجنس ، كقوله تعالى (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ.) قوله (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ) وعلامتها أن يصحّ الإخبار بما بعدها عمّا قبلها ، فتقول الرجس هي الأوثان ، والأساور هي ذهب.
واعلم أن «من» البيانيّة ومجرورها في موضع الحال مما قبلها ، إن كان معرفة ، كالآية الأولى ، وفي موضع النّعت له إن كان نكرة ، كالآية الثانية. وكثيرا ما تقع «من البيانيّة» هذه بعد «ما ومهما» ، كقوله تعالى (ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها) وقوله (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) وقوله (مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ.)
4 - التأكيد ، وهي الزائدة لفظا ، أي في الإعراب ، كقوله تعالى (ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ ،) وقوله (لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) أي «بدلكم» ، وقوله (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً) أي بدل الله ، والمعنى بدل طاعته أو رحمته. وقد تقدّم معنى البدل في الكلام على الباء.
6 - الظّرفيّة ، أي معنى (في) ، كقوله سبحانه (ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) أي فيها ، وقوله (إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ،) أي في يومها.
7 - السّببيّة والتّعليل ، كقوله تعالى (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا) قال الشاعر
يغضي حياء ، وبغضى من مهابته
فما يكلّم إلّا حين يبتسم
8 - معنى «عن» ، كقوله تعالى (فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ) وقوله (يا وَيْلَنا! قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا.)
على أوجه :1) سمّيت حروف الجرّ ، لأنها تجرّ معنى الفعل قبلها إلى الاسم بعدها ، أو لأنها تجرّ ما بعدها من الأسماء ، أي تخفضه. وتسمّى «حروف الخفض» أيضا ، لذلك. وتسمّى أيضا «حروف الإضافة» ، لأنها تضيف معاني الأفعال قبلها إلى الأسماء بعدها. وذلك أنّ من الأفعال ما لا يقوى على الوصول إلى المفعول به ، فقوّوه بهذه الحروف ، نحو «عجبت من خالد ، ومررت بسعيد». ولو قلت «عجبت خالدا. ومررت سعيدا» ، لم يجز ، لضعف الفعل اللازم وقصوره عن الوصول إلى المفعول به ، إلا أن يستعين بحروف الإضافة.
2) من لها ثمانية معان :
أحدها : ابتداء غاية المكان كقولك : سرت من البصرة ، فالبصرة مبتدأ السير ، وقال ابن السرّاج : تكون (من) لابتداء غايه الفعل من الفاعل كما ذكرناه ولابتداء غاية الفعل من المفعول كقولك : نظرت من الدار إلى الهلال من خلل السحاب ف (من الدار) مكان الفاعل و (من خلل السحاب) مكان المفعول وقال غيره.
(من خلل السحاب) حال من الهلال ويمكن أن يكون : (من الدار) حالا من الناظر.
والثاني : التبعيض وعلامته أن يصلح مكانها : (بعض) كقولك : أخذت من المال ، وقال المبرّد : هي لابتداء المكان أيضا والتبعيض مستفاد بقرينة ، فإنّ قلت : أخذت من زيد مالا جاز أنّ تعلّق (من) بأخذت وأنّ تجعلها حالا من المال ، أي : مالا من زيد ، فلما قدّمت صفة النكرة صارت حالا.
والثالث : أنّ تكون بمعنى البدل كقوله تعالى : (أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) [التوبة : 38] أي : بدلا من الآخرة وموضعها حال ، ومنه قوله : (وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً) أي : بدلا منكم.
والرابع : أن تكون لبيان الجنس كقوله : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ) [الحج : 30] وهذه أشبه بالتي هي للابتداء ، فأمّا قولك : زيد أفضل من عمرو ف (من) فيه لابتداء الغاية والمعنى ابتداء معرفة فضل زيد من معرفة فضل عمرو ، أي : لمّا قيس فضله بفضل عمرو بانت زيادته عليه.
والخامس : أن تكون زائدة ، وذلك في غير الواجب نحو : ما جاءني من أحد و (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ) [مريم : 98] ، وإنّما زيدت هنا للتوكيد فقط ؛ لأن أحدا من أسماء العموم.
فأمّا قولك : ما جاءني من رجل ف (من) زائدة من وجه لأنّك لو حذفتها لاستقام الكلام وغير زائدة من وجه ؛ لأنها تفيد استغراق الجنس ، ألا ترى أنّك لو حذفتها لنفيت رجلا واحدا كقولك : ما جاءني رجل بل رجلان ، وإذا أثبتّها دللت بذلك على أنّه لم يأتك رجل ولا أكثر.
مسألة : لا تجوز زيادة : (من) في الواجب وأجازها الأخفش ، ودليلنا أنّ (من) حرف والأصل في الحروف أنّها وضعت للمعاني اختصارا من التصريح بالاسم أو الفعل الدالّ على ذلك المعنى كالهمزة ؛ فإنّها تدلّ على استفهام ؛ فإذا قلت : أزيد عندك؟ أغنت الهمزة عن : (أستفهم) وأخذت من المال أي بعضه وما قصد به الاختصار لا ينبغي أن يجيء زائدا ؛ لأن ذلك عكس الغرض ، وإنّما جاز في مواضع لمعنى من تأكيد ونحوه ولا يصحّ ذلك المعنى هنا ألا ترى أنّك لو قلت : (ضربت من رجل) لم تكن مفيدا ب (من) شيئا بخلاف قولك : ما ضربت من رجل.
واحتجّ الآخرون بقوله تعالى : (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ) [البقرة : 271] و (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [نوح : 4] والمراد الجميع.
والجواب : أنّ (من) هنا للتبعيض ، أي : بعض سيئاتكم ؛ لأن إخفاء الصدقّة لا يمحّص كل السيئات ، وأمّا (من ذنوبكم) فالتبعيض أيضا ؛ لأن الكافر إذا أسلم قد يبقى عليه ذنب وهو مظالم العباد الدنيويّة أو تكون : (من) هنا لبيان الجنس.
فصل : و (إلى) (1)
1 - الانتهاء ، أي انتهاء الغاية الزمانيّة أو المكانيّة. فالأول كقوله تعالى (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) والثاني كقوله (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.)
وترد أيضا لانتهاء الغاية في الأشخاص والأحداث. فالأول نحو «جئت إليك» ، والثاني نحو «صل بالتّقوى إلى رضا الله».
ومعنى كونها للانتهاء أنها تكون منتهى لابتداء الغاية.
أمّا ما بعدها فجائز أن يكون داخلا جزء منه أو كلّه فيما قبلها ، وجائز أن يكون غير داخل. ؛ فإذا قلت «سرت من بيروت إلى دمشق» ، فجائز أن تكون قد دخلتها ، وجائز أنك لم تدخلها ، لأنّ النهاية تشمل أول الحدّ وآخره. ، وإنما تمتنع مجاوزته. ومن دخول ما بعدها فيما قبلها قوله تعالى (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ.) فالمرافق داخلة في مفهوم الغسل. ومن عدم دخوله قوله عزوجل (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ.) فالجزء من الليل غير داخل في مفهوم الصيام. وقالت الشيعة الجعفرية إنه داخل. والآية - بظاهرها - محتملة للأمرين.
فإن كان هناك قرينة تدلّ على دخول ما بعدها فيما قبلها ، دخل ، أو على عدم دخوله لم يدخل. فإن لم تكن قرينة تدلّ على دخوله أو خورجه ، فإن كان من جنس ما قبلها جاز أن يدخل وأن لا يدخل ، نحو «سرت في النهار إلى العصر» وإلا فالكثير الغالب أنه لا يدخل. نحو «سرت في النهار إلى الليل». وقال قوم يدخل مطلقا ، سواء أكان من الجنس أم لا. وقال قوم لا يدخل مطلقا. والحقّ ما ذكرناه.
2 - المصاحبة ، أي معنى «مع» كقوله تعالى (قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ) أي معه ، وقوله (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ،) ومنه قولهم «الذّود إلى الذّود إبل» ، وتقول «فلان حليم إلى أدب وعلم».
3 - معنى «عند» ، وتسمّى المبيّنة ، لأنها تبين أن مصحوبها فاعل لما قبلها. وهي التي تقع بعد ما يفيد حبا أو بغضا من فعل تعجّب أو اسم تفضيل ، كقوله تعالى (قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) ، أي أحبّ عندي. فالمتكلم هو المحبّ. وقول الشاعر :
أم لا سبيل إلى الشّباب ، وذكره
أشهى إليّ من الرّحيق السّلسل
لانتهاء الغاية وهي مقابلة ل (من).وقال قوم : تكون (إلى) بمعنى (مع) كقوله تعالى : (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) [النساء : 2] و (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ) [الصف : 14] (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ) [هود : 52] (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) [المائدة : 6] وهذا كلّه لا حجّة فيه بل هي للانتهاء والمعنى لا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم وكنّى عنه بالأكل كما قال : (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) [النساء : 29] أي : لا تأخذوا. و (مَنْ أَنْصارِي) أي : من ينصرني إلى أن أتّم أمر الله أو موضعها حال ، أي : من أنصاري مضافا إلى الله ومثله : (إِلى قُوَّتِكُمْ.)
1) إلى لها ثلاثة معان :
وأمّا قوله : (إِلَى الْمَرافِقِ) ففيه وجهان :
أحدهما : أنّها على بابها وذاك أنّ المرفق هو الموضع الذي يتّكئ الإنسان عليه من رأس العضد ، وذلك هو المفصل وفويقه فيدخل فيه مفصل الذراع ولا يجب في الغسل أكثر منه.
والثاني : أنّ (إلى) تدلّ على وجوب الغسل إلى المرفق ولا تنفي وجوب غسل المرفق ؛ لأن الحدّ لا يدخل في المحدود ولا ينفيه التحديد كقولك : سرت إلى الكوفة فهذا لا يوجب دخول الكوفة ولا ينفيه ، وكذلك المرفق إلا أنّ وجوب غسله ثبت بالسّنة.
فصل : ومعنى (عن) المجاوزة والتعدّي ، وقولك : أخذت العلم عن فلان مجاز ؛ لأن علمه لم ينتقل عنه ووجه المجاز أنك لمّا تلقّيته منه صار كالمنتقل إليك عن محلّه.
فصل : وقد يكون : (عن) اسما يدخل عليه حرف الجرّ فيكون بمعنى جانب وناحية قال الشاعر (1)
شاعر الخوارج وفارسها وخطيبها والخليفة المسمّى أمير المؤمنين في أصحابه ، وكان من رؤساء الأزارقة وأبطالهم. من أهل قطر بقرب البحرين كان قد استفحل أمره في زمن مصعب بن الزبير ، لما ولي العراق نيابة عن أخيه عبد الله بن الزبير.
وبقي قطري ثلاث عشرة سنة ، يقاتل ويسلّم عليه بالخلافة وإمارة المؤمنين والحجاج يسير إليه جيشا إثر جيش ، وهو يردهم ويظهر عليهم. وكانت كنيته في الحرب نعامة و (نعامة فرسه) وفي السلم أبو محمد.
قال صاحب سنا المهتدي في وصفه : كان طامة كبرى وصاعقة من صواعق الدنيا في الشجاعة والقوة وله مع المهالبة وقائع مدهشة ، وكان عربيا مقيما مغرما وسيدا عزيزا وشعره في الحماسة كثير. له شعر في كتاب شعر الخوارج.
: [الكامل]ولقد أراني للرّماح دريئة
من عن يميني مرّة وأمامي
وهي إذا كانت اسما مبنيّة لشبهها بالحرف في نقصانها لأنّك لا تقول : جلست عن ، كما تقول : جلست ناحية وجانبا.
فصل : وأما : (في) فحقيقتها الظرفيّة كقولك : المال في الكيس ، وقد يتجوّز بها في غيرها كقولك : فلان ينظر في العلم ؛ لأن العلم ليس بظرف على الحقيقه ولكن لمّا قيّد نظره به وقصره عليه صار العلم كالوعاء الجامع لما فيه.
1) البيت من شعر قطري بن الفجاءة : (78 ه / 697 م) وهو جعونة بن مازن بن يزيد الكناني المازني التميمي أبو نعامة.
وقد تكون بمعنى السبب كقوله وآله وسلّم : «في النّفس المؤمنة مائة من الإبل» (1)أي : تجب بقتلها الإبل ، ووجه المجاز أنّ السبب يتضمّن الحكم ، والحكم يلازمه فصار للحكم كالظرف الحافظ لما فيه.
فصل : وأمّا (على) (2)
1 - الاستعلاء ، حقيقة كان ، كقوله تعالى (وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) أو مجازا ، كقوله (فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) ونحو «لفلان عليّ دين». والاستعلاء أصل معناها.
2 - معنى «في» ، كقوله تعالى (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها) أي في حين غفلة.
إذا رضيت عليّ بنو قشير
لعمر الله أعجبني رضاها
أي إذا رضيت عني.
4 - معنى اللام ، التي للتعليل ، كقوله تعالى (وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ) أي «لهدايته إيّاكم» ، وقول الشاعر
علام تقول الرّمح يثقل عاتقي
إذا أنا لم أطعن ، إذا الخيل كرّت
أي لم تقول؟
5 - معنى «مع» ، كقوله تعالى (وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ) أي مع حبه ، وقوله (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ) مع ظلمهم.
6 - معنى «من» ، كقوله سبحانه (إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) أي اكتالوا منهم.
7 - معنى الباء ، كقوله تعالى (حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ) أي حقيق بي ، ونحو «رميت على القوس» ، أي رميت مستعينا بها ، ونحو «اركب على اسم الله» ، أي مستعينا به.
8 - الاستدراك ، كقولك «فلان لا يدخل الجنة لسوء صنيعه ، على أنه لا ييأس من رحمة الله» ، أي لكنّه لا ييأس. ومنه قول الشاعر
بكلّ تداوينا. فلم يشف ما بنا
على أنّ قرب الدّار خير من البعد
على أنّ قرب الدّار ليس بنافع
إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ
وتكون حرف جرّ وحقيقتها للدلالة على الاستعلاء كقولك : زيد على الفرس فتكون مجازا فيما ما يغلب الإنسان كقولك : (عليه كآبة) أي : تغلبه وتظهر عليه وعليه دين ، أي : لزمه الانقياد بسببه كانقياد المركوب لراكبه وهو معنى قول الفقهاء : (على) للإيجاب.فصل : وقد تكون اسما بمعنى فوق مبنيّا وتقلب ألفها ياء مع الضمير كقول الشاعر (1)
وقيل لذي الرمة : أنت أشعر الناس ، فقال : لا ، ولكن غلام من بني عقيل يقال له مزاحم ، يسكن الروضات ، يقول وحشيا من الشعر لا يقدر أحد أن يقول مثله. وأورد البغدادي والجمحي بعض محاسن شعره.
: [الطويل]غدت من عليه بعدما تمّ ظمؤها
تصلّ وعن قيض بزيزاء مجهل
يعني : قطاة فارقت بيضها بعدما تمّ عطشها ، وإنّما بينت لنقصانها كما ذكرنا في (عن) وقلبت ألفها ياء حملا على حالها وهي حرف وألفها من واو ؛ لأنها من علا يعلو.
فصل : وأمّا (لام الجرّ) فمعناه الاختصاص وهذا يدخل فيه الملك وغيره ؛ لأن كلّ ملك اختصاص وما كلّ اختصاص ملكا ، وقولك : السرج للدّابة للاختصاص ولام التعليل كقولك : جئت لإكرامك للاختصاص أيضا لا للملك.
فصل : وتكسر هذه اللام مع المظهر غير المنادى وتفتح مع المضمر غير الياء ، وإنّما حرّكت وأصلها السكون ؛ لأنها مبتدأ بها ، وفي كسرها وجهان :
أحدهما : الفرق بيننها وبين لام الابتداء فإنّها في بعض المواضع تلتبس بها فجعل في نفسها ما يمنع من وقوع اللبس وأمن اللبس في المضمر فردّت إلى الأصل وكسرت مع الياء اتباعا ، وإنّما أمن اللبس مع المضمر ؛ لأن الضمير الواقع بعد لام الابتداء منفصل وبعد لام الجرّ متصّل واللفظان مختلفان.
والوجه الثاني : أنّ اللام تعمل الجرّ فجعلت حركتها من نفس عملها ومع المضمر لا عمل لها في اللفظ فخرجت على الأصل ، ولأنّ الضمائر تردّ الأشياء إلى أصولها.
فصل : وأمّأ (الباء) (2)
وقيل لذي الرمة : أنت أشعر الناس ، فقال : لا ، ولكن غلام من بني عقيل يقال له مزاحم ، يسكن الروضات ، يقول وحشيا من الشعر لا يقدر أحد أن يقول مثله. وأورد البغدادي والجمحي بعض محاسن شعره.
فللإلصاق في الأصل وتستعمل في غيره على التشبيه بالإلصاق كقولك : مررت بزيد ، أي : حاذيته والتصقت به. وتقول : أخذ بذنبه ، أي : ذنبه سبب لذلك1) البيت من شعر مزاحم العقيلي : (120 ه / 738 م) وهو مزاحم بن الحارث ، أو مزاحم بن عمرو بن مرة بن الحارث ، من بني عقيل بن كعب ، من عامر بن صعصعة. شاعر غزل بدوي ، من الشجعان. كان في زمن جرير والفرزدق ، وسئل كل منهما أتعرف أحدا أشعر منك؟ فقال : الفرزدق لا ، إلا أن غلاما من بني عقيل يركب أعجاز الإبل وينعت الفلوات فيجيد. وأجاب جرير بما يشبه ذلك.
2) البيت من شعر مزاحم العقيلي : (120 ه / 738 م) وهو مزاحم بن الحارث ، أو مزاحم بن عمرو بن مرة بن الحارث ، من بني عقيل بن كعب ، من عامر بن صعصعة. شاعر غزل بدوي ، من الشجعان. كان في زمن جرير والفرزدق ، وسئل كل منهما أتعرف أحدا أشعر منك؟ فقال : الفرزدق لا ، إلا أن غلاما من بني عقيل يركب أعجاز الإبل وينعت الفلوات فيجيد. وأجاب جرير بما يشبه ذلك.
والسبب يلازمه حكمه غالبا ، والملازمة تقرب من الإلصاق وتكون للبدل كقولك : بعته بكذا فهي للمقابلة كما أنّ السببية للمقابلة وتكون زائدة وسنذكر أقسامها في الحروف.
فصل : و (الكاف) للتشبيه تكون في موضع حرفا لا غير يجوز أن تقع صلة كقولك : الذي كزيد عمرو ، ولو كانت هنا اسما لما تمّت الصلة بها وتكون في موضع اسما لا غير مثل أن تكون فاعلة كقول الشاعر (1)
كان كثير الوفود على الملوك من العرب ، والفرس ، غزير الشعر ، يسلك فيه كلّ مسلك ، وليس أحد ممن عرف قبله أكثر شعرا منه.
وكان يغنّي بشعره فسمّي (صناجة العرب).
قال البغدادي : كان يفد على الملوك ولا سيما ملوك فارس فكثرت الألفاظ الفارسية في شعره.
عاش عمرا طويلا وأدرك الإسلام ولم يسلم ، ولقب بالأعشى لضعف بصره ، وعمي في أواخر عمره.
مولده ووفاته في قرية (منفوحة) باليمامة قرب مدينة الرياض وفيها داره وبها قبره.
: [البسيط]أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط
كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
والفاعل لا يكون إلا اسما مفردا ، وإذا دخل عليها حرف الجرّ كانت اسما كقوله : [الرجز]
يضحكن عن كالبرد المنهمّ
وتكون في موضع محتملة لهما كقولك : زيد كعمرو ، ومررت برجل كالأسد ، وجاء زيد كالأسد ، وتكون زائدة ويذكر في موضعه.
فصل : فإن قيل : لم فتحت (الكاف) وكسرت (اللام والباء)؟
قيل : الأصل في الحروف الأحاديّة الفتح ؛ لأنها يبتدأ بها والابتداء بالساكن الذي هو الأصل الأوّل محال فحرّكت والضرورة تندفع بأخفّ الحركات إلا أنّ (الباء واللام) كسر تا لما ذكرنا قبل ، فأمّا : (الكاف) فتكون حرفا وتكون اسما فبعدت من اللام والباء فردّت إلى ألاصل ، وقيل : إنّ الكاف من أعلى الحلق ففيها نوع من استعلاء فكسرها مستثقل ، وقيل : هي قريبة من مخرج الياء فيثقل كسرها كما يثقل كسر الياء.
1) البيت للأعشى :(- 7 ه / - 628 م) وهو ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي ، أبو بصير ، المعروف بأعشى قيس ، ويقال له أعشى بكر بن وائل والأعشى الكبير. من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات.
فصل : وأمّا (واو القسم وتاؤه) ففرعان على الباء فردّا إلى الفتح الذي هو الأصل.
فصل : وإنّما لم تدخل (الكاف) في الاختيار على مضمر لتردّدها بين الاسم والحرف ، وذلك اشتراك فيها والاشتراك فرع والضمائر تردّ الأشياء إلا أصولها ولا أصل لها ، ولهذه العلّة لم تدخل حتّى على المضمر ، وقيل : لمّا لم تكسر (الكاف) لم تدخل على المضمر ؛ لأن من المضمرات ما يوجب كسر ما قبله وهو ياء المتكلّم فألحق باقيها به بخلاف اللام والباء فأمّا الواو والتاء فيذكران في القسم.
فصل : وأمّا : (ربّ) فحرف عند البصريّين واسم عند الكوفيّين.
وحجّة الأوّلين من أوجه :
أحدها : أنّ معناها في غيرها فكانت حرفا كسائر أخواتها.
والثاني : أنّ ما بعدها مجرور أبدا ولا معنى للإضافة فيها فتعيّن أن تكون حرف جر.
والثالث : أنّها تتعلّق أبدا بفعل وهذا حكم حرف الجرّ.
وحجّة الآخرين من أوجه :
أحدها : أنّه أخبر عنها فقالوا : [الكامل]
... (1)
يا با حسين لو شراة عصابة
صبحوك كان لوردهم إصدار
إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن
عارا عليك وربّ قتل عار
يا با حسين والجديد إلى بلى
أولاد درزة أسلموك وطاروا
والشاعر حبيب بن خدرة الهلالي ، شاعر من شعراء الخوارج وهو من موالي بني هلال.
وقال الجاحظ عنه : أنه من خطباء الخوارج وشعرائهم وعلمائهم.
وقال : عداده في بني شيبان وهو مولى لبني هلال بن عامر ، وقد انتمى للخوارج في سن كبيرة ، ولهذا تتفاوت أشعاره تفاوتا ملحوظا. له شعر في كتاب شعر الخوارج.
وربّ قتل عارفرفع : (عار) يدلّ أنّه خبر عنها.
والثاني : أنّها لو كانت حرف جرّ لظهر الفعل الذي تعدّيه ولا يظهر أبدا.
1) من ثلاثة أبيات لحبيب الهلالي :
والثالث : أنّها نقيضّة : (كم) وكم اسم فما يقابله اسم يدلّ عليه أنّها جاءت للتكثير ك (كم).
والجواب : أمّا الإخبار عن (ربّ) فغير مستقيم ؛ لأن (ربّ) ليس لها معنى في نفسها حتّى يصحّ نسبة الخبر إليها ؛ ولذلك تكون الصفة تابعة للمجرور ب (ربّ) في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع و (ربّ) متّحدة المعنى فعلم أنّ الخبر ليس عن : (ربّ) (1)
ألا ربّ مولود ، وليس له أب
وذي ولد لم يلده أبوان
يريد بالأول عيسى ، وبالثاني آدم ، عليهماالسلام. ومن التكثير حديث «يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة» ، وقول بعض العرب عند انقضاء رمضان «يا ربّ صائمه لن يصومه ويا ربّ قائمه لن يقومه».
واعلم أنه يقال «ربّ وربّة وربّما وربّتما». والتاء زائدة لتأنيث الكلمة ، و «ما» زائدة للتوكيد. وهي كافة لها عن العمل.
وقد تخفّف الباء. ومنه قوله تعالى (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ.)
ولا تجرّ «ربّ» إلا النكرات ، فلا تباشر المعارف. وأمّا قوله «يا ربّ صائمه ، ويا ربّ قائمه» المتقدّم ، فإضافة صائم وقائم إلى الضمير لم تفدهما التعريف ، لأنّ إضافة الوصف إلى معموله غير محضة ، فهي لا تفيد تعريف المضاف ولا تخصيصه ، لأنها على نيّة الانفصال ، ألا ترى أنك تقول «يا ربّ صائم فيه ، ويا ربّ قائم فيه».
والأكثر أن تكون هذه النكرة موصوفة بمفرد أو جملة. فالأول نحو «ربّ رجل كريم لقيته». والثاني نحو «ربّ رجل يفعل الخير أكرمته». وقد تكون غير موصوفة ، نحو «ربّ كريم جبان».
وقد تجرّ ضميرا منكّرا مميّزا بنكرة. ولا يكون هذا الضمير إلا مفردا مذكّرا. أما مميّزه فيكون على حسب مراد المتكلم مفردا أو مثنّى أو جمعا أو مذكرا أو مؤنثا ، تقول «ربّه رجلا. ربّه رجلين. ربّه رجالا. ربّه امرأة. ربّه امرأتين. ربّه نساء». قال الشاعر
ربّه فتية دعوت إلى ما
يورث الحمد دائبا ، فأجابوا.
فأمّا قوله : ربّ قتل عار فشاذّ ، والوجه فيه : أنّه خبر مبتدأ محذوف ، أي : (هو عار) والجملة صفة لقتل ، وأمّا الفعل الذي تتعلّق به (ربّ) فيجوز إضهاره غير أنّهم اكتفوا بالصفة عنه في كثير من المواضع لظهور معناه ، وأمّا حملها على (كم) فلا يصحّ لوجهين :أحدهما : أن الاسميّة لا تثبت في معنى بالإلحاق في المعنى ألا ترى أنّ معنى (من) التبغيض ولا يقال هي اسم ؛ لأنها التبعيض ، وكذلك معنى (ما) النفي وهي حرف وهو اسم فعلم أنّ الاسمّية تعرف من أمر آخر.
1) ربّ تكون للتّقليل وللتّكثير ، والقرينة هي التي تعيّن المراد. فمن التقليل قول الشاعر :
والثاني : أنّ (كم) اسم لعدد ؛ ولذلك يخبر عنها وتدخل عليها حروف الجرّ ، ولو جعل مكانها عهدد كثير أغنى عنها كقولك مائة رجل أو ألف رجل وربّ للتقليل والتقليل كالنفي ؛ ولذلك استعملوا (أقلّ) بمعنى النفي كقولهم : أقلّ رجل يقول ذاك إلا زيد ، أي : ما رجل.
فصل : وتضمر (ربّ) بعد الواو والجرّ بها ، وقال المبرّد والكوفيّون : الجرّ بالواو.
وحجّة الأوّلين : أنّ الواو في الأصل للعطف ، والعطف يكون للأسماء والأفعال والحروف فهي غير مختصة وما لا يختصّ لا يعمل إلا أن ينوب عن مختّص لا يظهر معه البتة ك (واو القسم) فإنّها تدخل على (الباء) وهما للقسم ، ومن هنا لم تعمل حروف العطف ؛ لأن العامل يظهر معها فكذلك : (واو ربّ) هي للعطف وتدخل على (ربّ) كما تدخل عليها :
(الفاء) و (بل) ، وقد أضمرت بعد : (الفاء) و (بل) ولم يقل أحدّ إنّهما تجرّان فكذلك الواو فمن (الفاء) قول الشاعر : [الوافر]
فإمّا تعرضنّ أميم عنّي
وتنزعك الوشاة أولو النّياط
فحور قد لهوت بهنّ عين
نواعم في البرود ، وفي الرّياط
ومن بل قول الراجز : [الرجز]
بل بلد ملء الفجاج قتمه
لا يشترى كتانه وجهرمه
فإن قيل : الواو قد تأتي في أوّل الكلام ، وليس هناك معطوف عليه؟
قيل : إن لم يكن المعطوف عليه في اللفظ فهو مقدّر وهذه وهذه طريقة للعرب في أشعارهم وفيما ذكرناه جواب عمّا يتعلقون به.
فصل : وإنّما وجب ل (ربّ) صدر الكلام ؛ لأنها تشبه حروف النفي إذ كانت للتقليل والقليل في حكم المنفيّ ، وإنّما اختصّت بالنكرة ؛ لأن القليل يتصوّر فيها دون المعرفة ، وإنّما لم تدخل على مضمر ؛ لأن الضمائر معارف ، وأمّا قولهم : (ربّه رجلا) فشاذّ مع أنّ هذا الضمير نكره ؛ لأنه لم يتقدم قبله ظاهر يرجع إليه بل وجب تفسيره بالنكرة بعده ولم يستعمل إلا مذكرا مفردا.
فصل : وتكفّ (ربّ) ب (ما) فتدخل على الفعل الماضي خاصّة ؛ لأنه تحقّق فأمّا قوله تعالى : (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الحجر : 2] ففيه وجهان :
أحدهما : أنّ (ما) نكرة موصوفة ، أي ربّ شيء يودّه.
والثاني : هي كافّة ووقع المستقبل هنا ؛ لأنه مقطوع بوقوعه إذا خبرا من الله تعالى فجرى مجرى الماضي في تحقّقه ، وقيل : هو على حكاية الحال.
فصل : وقد حكي تخفيف الباء من (رب) وتحريكها بالفتح وحكي فتح رائها وحكي زيادة تاء التأنيث عليها فقيل : (ربت) فمنهم من يقف عليها (تاء) ليفرّق بين الحرف والاسم ومنهم من يقلبها (هاء) لتحرّكها كالتاء في الاسم.
ودخول التاء لا يدلّ على أنّها اسم ؛ لأنها قد دخلت على (ثمّ) وهي حرف بلا خلاف وكذا حذف إحدى اللامين لا يدل على انها اسم من حيث أنّ الحذف تصرّف والحروف تبعد عن التّصرّف ؛ لأن الحذف قد جاء في الحروف كقولهم : (سو أفعل) في سوف ، وفي ربّ أحسن من أجل التضعيف.
فصل : فأمّا : (حاشا) و (خلا) فيذكران في الاستثناء ، وأمّا (حتّى) فلها باب وكذلك : (مذ) و (منذ).
وهما حرفان في موضع واسمان في موضع ؛ فإذا كان معناهما (في) فهما حرفان ، وإذا كان معناهما تقدير المدّة وابتداءها فهما اسمان إلا أنّ الأكثر في (مذ) أن تستعمل اسما ، والأكثر في (منذ) أن تستعمل حرفا وعلّة ، وذلك أنّ أصل (مذ) : (منذ) فحذفت نونها والحذف تصرّف ، وذلك بعيد في الحروف ويدلّ على الحذف أنّك لو سمّيت ب (مذ) ثمّ صغّرته أو كسّرته أعدتها فقلت : (منيذ) و (أمناذ).
فصل : و (منذ) (1)
واعلم أنه يشترط في مجرورهما أن يكون ماضيا أو حاضرا ، كما رأيت. ويشترط في الفعل قبلهما أن يكون ماضيا منفيّا ، فلا يقال «رأيته منذ يوم الخميس» ، أو ماضيا فيه معنى التّطاول والامتداد ، نحو «سرت مذ طلوع الشمس».
مفرد عند البصريّين ومركّب عند الكوفيّين واختلفوا في تركيبه فقال الفرّاء : (من ذو) التي بمعنى (الذي) في اللغة الطائّية ، وقال غيره أصله : (من إذ) ثّم حذف وركّب وضمّ أوّله دلالة على التركيب وبنوا على هذا الإعراب.فقالوا تقدير قولك : ما رأيته منذ يومان ، أي : من الذي هو يومان ف (يومان) خبر مبتدأ محذوف ، وقال الآخرون : هو فاعل فعل محذوف ، أي : من إذ مضى يومان.
وعلى قول البصريّين : (منذ) مبتدأ و (يومان) خبره ، والتقدير : أمد ذلك يومان أو أوّل ذلك يوم الجمعة.
وحجّة البصريّين : أنّ الأصل عدم المركّب والانتقال عن الأصل يفتقر إلى دليل ظاهر ولا دليل عليه ، وأكثر ما ذكروا أنّ المعنى يصح على تقدير التركيب وهذا القدر لا يكفي في الانتقال عن الأصل ، وإنّما يكون حجّة إذا انضمّ إليه تعذّر الحمل على غيره وهنا يصحّ المعنى
1) مذ ومنذ تكونان حرفي جرّ بمعنى «من» ، لابتداء الغاية ، إن كان الزمان ماضيا ، نحو «ما رأيتك مذ أو منذ يوم الجمعة» ، وبمعنى «في» ، التي للظرفيّة ، إن كان الزمان حاضرا ، نحو «ما رأيته منذ يومنا أو شهرنا» أي فيهما. وحينئذ تفيدان استغراق المدّة ، وبمعنى «من وإلى» معا ، إذا كان مجرورهما نكرة معدودة لفظا أو معنى. فالأول نحو «ما رأيتك مذ ثلاثة أيام» ، أي من بدئها إلى نهايتها. والثاني نحو «ما رأيتك مذ أمد ، أو منذ دهر». فالأمد والدهر كلاهما متعدّد معنى ، لأنه يقال لكل جزء منها أمد ودهر. لهذا لا يقال «ما رأيته منذ يوم أو شهر» ، بمعنى ما رأيته من بدئهما إلى نهايتهما ، لأنهما نكرتان غير معدودتين ، لأنه لا يقال الجزء اليوم يوم ، ولا لجزء الشهر شهر.
على تقدير كونها مفردة فنفي دعوى التركيب تحكّم لا يعلم إلا بالخبر الصادق ثمّ دعوى التركيب تفسد من جهة أخرى ، وتلك الجهة هي ما يلزم من كثرة التغيير والحذف والشذوذ فالتغيير ضمّ الميم والحذف إسقاط النون والواو من (ذو) والألف من إذ ، وإسقاط أحد جزئي الصلة أو حذف الفعل الرافع على جهة اللزوم ، وذلك كلّه يخالف الأصول.
فصل : وتدخل (منذ) على الزمن الحاضر فتجرّه كقولك : أنت عندنا منذ اليوم وتقدّر ب (في) وتكون حرف جرّ فتتعلّق بالفعل الذي قبلها المظهر أو المقدّر ويكون الكلام جملة واحدة.
فأمّا دخولها على الماضي لابتداء الغاية أو تقدير المدّة فقليل في الاستعمال ولكن هو جائز في القياس.
وأمّا : (مذ) فتدخل على الماضي لابتداء مدّة الزمان أو بيان جملة المدّة فيرتفع ما بعدها وتدخل على الحاضر فتجرّه ؛ لأنها اسم فكان حكمها أوسع من حكم الحرف وجرّها الجميع جائز مثل : (منذ) ؛ لأنها تكون حرفا أيضا.
فصل : وإذا كانت للابتداء كان معرفة كقولك : ما رأيته مذ يوم الجمعة ؛ لأنه جواب متى ، وإذا كانت لتقدير المدّة كان ما بعدها عددا نكرة كقولك : ما رأيته منذ يومان.
فإن قيل : فما الفرق بينهما في المعنى؟
قيل له : التي للابتداء لا يمتنع معها أن تقع الرؤية في بعض اليوم المذكور ؛ لأن اللزوم أن تكون الرؤية قد انقطعت فيه واستمرّ الانقطاع إلى حين الإخبار به ، والتي تقدّر بعدها المدّة لا يجوز أن تكون الرؤية وجدت في بعضها ؛ لأن العدد جواب (كم) فكأنّك قلت : (كم زمن انقطاع الرؤية) فقال : يومان.
فإن قيل : ما الفرق بين رفع ما بعده وجرّه؟ قيل : من وجهين :
أحدهما : أنّك إذا رفعت كان الكلام جملتين عند الأكثرين ، وإذا جررت كانت واحدة كما في حروف الجرّ.
والثاني : أنّك إذا رفعت جاز أن تقع الرؤية في بعض ذلك الزمان ، وإذا جررت لم يجز.
فصل : واختلفوا في طريق الرفع ، فقال الكوفّيون فيه قولين :
أحدهما : هو خبر مبتدأ محذوف.
والثاني : هو فاعل فعل محذوف ، وقد ذكرناهما في أوّل الباب.
وللبصريّين مذهبان :
أحدهما : أنّ (مذ) مبتدأ وما بعده الخبر ، والتقدير : أوّل ذلك يوم الجمعة وأمد ذلك يومان وهو قول الأكثرين.
والثاني : أنّ (مذ) خبر مقدّم ، والتقدير : بيني وبين انقطاع الرؤية يومان ، وهو قول أبي القاسم الزجّاجي وهو بعيد ؛ لأن (أنّ) تقع بعد (مذ) كقولك : ما رأيته مذ أنّ الله خلقني ، و (أنّ) لا تكون مبتدأ.
فصل : وليس ل (مذ) وما بعدها موضع عند الجمهور بل هو جواب كلام مقدّر ؛ لأنه إذا قال : ما رأيته ، فكأنّك قلت : ما أمد ذلك ، أو ما أوّل ذلك ، فقلت : مذ كذا ، وقال أبو سعيد السيرافيّ : موضعه حال ، أي : ما رأيته متقدّما أو مقدّرا.
فصل : وإنّما بنيت (مذ) وهما اسمان لوجهين :
أحدهما : تضمّنهما معنى الحرف ، أي : ما رأيته من هذا الأمد إلى هذا الأمد.
والثاني : أنّهما ناقصتان فأشبهتا (كم) في الخبر.
القسم ليس بمصدر (أقسمت) ، بل هو عبارة عن جملة اليمين فهو بمعنى المقسم به فهو كالقبض والنقض بمعنى المقبوض والمنقوض.
فصل : والغرض منه توكيد الكلام الذي بعده من إثبات أو نفي.
فصل : المقسم به كلّ معظّم إلّا أنّه نهى عن الحلف بغير الله تعالى.
فصل : والأصل فيه : (أقسم) و (أحلف) ؛ لأن ذلك يدلّ بصريحه عليه إلا أنّ الفعل حذف لدلالة حرف الجر والجواب عليه.
فصل : وأصل حروف القسم (1)(الباء) ؛ لأن فعل القسم يتعدّى بها دون غيرها ؛ ولذلك جاز الجمع بين الفعل والباء ولم يجز إظهار الفعل مع الولو والتاء.
فصل : وتدخل (الباء) على المضمر والمظهر ؛ لأنها أصل فتجري في كلّ مقسم به.
فصل : و (واو) القسم بدل من الباء لأنّهم أرادوا التوسعة في أدوات القسم لكثرته في كلامهم و (الواو) تشبه الياء من وجهين :
أحدهما : أنّ الباء للإلصاق والواو للجمع والمعنيان متقاربان.
والثاني : أنّهما جميعا من الشفتين فأمّا الفاء وإن كانت من الشفتين ففيها معنى غير الجمع وهو الترتيب في العطف والجواب ولكون الواو بدلا لا تدخل على المضمر ؛ لأنه بدل من المظهر فلم يجتمع بدلان.
فصل : و (التاء) بدل من : (الواو) هنا كما أبدلت في : (تراث وتجاه وتهمة وتخمة) ولمّا كانت بدلا عن بدل اختصّت لضعفها باسم الله تعالى خاصّة ؛ لأنه أكثر في باب القسم ولا يجوز (تربّي) ، وقد حكي شاذّا.
فصل : وقد استعملوا (اللام) في القسم إذا أرادوا التعجّب كقولهم : لله أبوك لقد فعلت ، وإنما جاؤوا بها دون الحروف الأول ليعلم أنّ القسم قد انضمّ إليه أمر آخر ، وكانت اللام أولى بذلك لما فيها من الاختصاص والمقسم به مع التعجب مختصّ.
1) والواو والتاء والباء تكونان للقسم ، كقوله تعالى (وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ ،) وقوله (تَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ.) والتاء لا تدخل إلا على لفظ الجلالة. والواو تدخل على كل مقسم به.
فصل : وقد قال بعضهم : إنّ (من) الجارّة تستعمل في القسم مع : (ربي) ومع : (الله) وقال آخرون : هي محذوفة من (أيمن) وسيأتي القول فيها.
فصل : وقد عوّض من حرف القسم ثلاثة أشياء : همزة الاستفهام كقولك : الله. والهاء كقولك : إيها الله ولاها الله ف (إي) بمعنى : (نعم) وقطع الهمزة كقولك : أفألله وهذا كلّه يختص باسم الله والجرّ باق.
وقد اختص اسم الله بأشياء منها هذا ومنها : (تاء) القسم ومنها زيادة الميم في النداء ومنها قطع همزته فيه أيضا ومنها تفخيم لامه.
فصل : فإنّ حذفت حروف القسم وعوّضته نصبت بالفعل المقدّر وهو كقولهم : (أمرتك الخير) والجرّ جائز في اسم الله تعالى خاصّة لكثرة استعماله في القسم. وقال الكوفيّون : يجوز ذلك في كلّ مقسم به ، واحتجّوا لذلك بأشياء كلّها شاذّ قليل في الاستعمال لا يقاس عليه ؛ لأن حرف الجرّ كجزء من المجرور وكجزء من الفعل من وجه آخر فحذفه كحذف جزء منهما إذا بقي عمله فأمّا إذا لم يبق فالعمل للفعل ؛ ولهذا لم يكن الضمير المجرور إلا متصلا ولأنّ عمل حرف الجرّ قليل ضعيف على حسب ضعفه وإبقاء العمل مع حذف العامل أثر قوّته وتصرّفه.
فصل : وقد حذف القسم وأقيمت الجملة من المبتدأ والخبر والفعل والفاعل مقامه فالأولى كقولك : لعمرك لأقومنّ ف (عمرك) مبتدأ والخبر محذوف ، أي : لعمرك قسمي ، وحذف لطول الكلام وأنّه معلوم ، وعين (عمرك) مفتوحة في القسم لا غير ، ويجوز ضمّها في غيره واختاروا الفتحة لكثرته ولطول الكلام فإن حذفت اللام نصبت (عمرك) على فعل محذوف ونصبت اسم الله ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنّ التقدير : أسألك بتعميرك الله ، أي : باعتقادك بقاء الله ، ف (تعميرك) مفعول ثان و (الله) منصوب بالمصدر.
والثاني : أن يكونا مفعولين أي : أسأل الله تعميرك.
وأمّا الجملة الفعلية فكقولك : يمين الله ، فإن نصبت كان التقدير : ألزمك والتزم يمين الله ، وإن رفعت كان التقدير : يمين الله لازمة لي أو لك.
فصل : وجواب القسم إن كان إيجابا لزمته اللام والنون في المستقبل كقولك : والله لأذهبنّ ، وإنّما لزمها لدلالتها على التوكيد وحاجة القسم إليه وربّما جاء في الشعر حذف اللام.
وقد يكون الجواب مبتدأ وخبرا كقولك : والله لزيد منطلق وو الله إنّ زيدا لمنطلق ، وإن كان الجواب ماضيا قلت : والله لقد قام زيد ، فتؤكد باللام وإن كان الجواب نفيا قلت : والله ما قام وو الله لا يقوم ، ويجوز حذف (لا) في المستقبل لأمن اللبس بالإثبات ؛ لأنه في الإثبات تلزمه والنون.
فإن قيل : لم أكّد الإثبات دون النفي؟
قيل : لأن في الإثبات التزام إحداث الفعل أو ما يقوم مقامه ، وفي ذلك كلفة فاحتيج فيه إلى زيادة توكيد تحمل على الانتقال عن الأصل وتحمل المشقّة بخلاف النفي فإنّه بقاء على العدم.
فصل : وإذا قلت : لزيد منطلق من غير يمين في اللفظ فليست لام القسم بل لام الابتداء.
وقال الكوفيّون : هي لام القسم ، قالوا : والدليل عليه أنّها تدخل على الفضلات كقولك : لطعامك زيد آكل ، وليس الطعام بمبتدأ.
وحجة البصريّين : أنّ اللام إذا دخلت على مفعول (ظننت) ارتفع بالابتداء ولم يمكن تقدير القسم فيه ؛ لأن (ظننت) لا تلغى بالقسم فعلم أنّ تعليق (ظننت) لتحقّق الابتداء كما تعلّق بالاستفهام كقولهم : علمت أيّهم أخوك ، وأمّا قولهم : طعامك زيد آكل فإنّما جاز ؛ لأنها في حيّز الخبر إذ كانت معمولة له مقدّمة عليه فكأنّها داخلة على المبتدأ.
فصل : وممّا يستعمل في القسم : (أيمن الله) وهي مفردة عند البصريّين واشتقاقها من اليمن ، أي : البركة أو القوّة (1).
وقال الكوفيّون : هي جمع يمين ، واحتجّ الأوّلون بشيئين :
أحدهما : كسر همزتها فإنّها لغة مسموعة وهمزة الجمع لا تكسر.
1) من العلماء من يجعل لفظ «أيمن» كلمة وضعت للقسم ويجعل همزته همزة وصل ومنهم من يقول هو جمع يمين كأيمان ويجعل همزته همزة قطع تقول «يا خالد أيمن الله لأفعلنّ كذا» بقطع الهمزة ويقال في «أيمن الله» «أيم الله» أيضا بحذف النون.
والثاني : أنّها همزة وصل بدليل قول الشاعر : [الطويل]
فقال فريق القوم لمّا نشدتهم
نعم وفريق لا يمن الله ما ندري
وهمزة الجمع ليست همزة وصل.
واحتجّ الآخرون من وجهين :
أحدهما : أنّه جمع يمين كقول الشاعر (1): [الرجز]
تبري له من أيمن وأشمل
فقابلها بالأشمل ، وفي جمعها في القسم زيادة توكيد.
والثاني : أنّ همزتها مفتوحة وهمزة الوصل لا تفتح مع غير لام التعريف.
والجواب : أمّا الأوّل فلا حجّة فيه لأنّنا لا ننكر أنّ اليمين يجمع على (أيمن) في غير القسم ، وأمّا ما ذكروه فلا تعرّض له بالقسم ، وأمّا فتح همزتها فلغة فيها وللعرب فيها لغات فتح الهمزة وكسرها مع النون وفتحها وكسرها مع حذف النون كقولك : (ايم الله) والخامسة : (آم الله) بكسرها وفتحها مع حذف الياء والنون و (من الله) بضمّ الميم وكسرها و (م الله) بالضم والكسر.
وقال سبيويه : إنّ (من) هنا حرف جرّ وليست الباقية من (ايمن) ولو جعلت هذه الحروف والتصرّفات في هذه الكلمة دليلا على أنّها ليست جمعا كان متمسّكا صحيحا.
1) من قول العجاج بن رؤبة.
وهي حرف بلا خلاف ، وتدخل على المفرد (1)
ويزعم بعض النحاة أنّ ما بعد «حتى» داخل فيما قبلها على كل حال. ويزعم بعضهم أنه ليس بداخل على كل حال. والحقّ أنه يدخل ، إن كان جزءا مما قبلها ، نحو «سرت هذا النهار حتى العصر» ، ومنه قولهم «أكلت السمكة حتى رأسها». وإن لم يكن جزءا ممّا قبلها لم يدخل ، نحو «قرأت الليلة حتى الصّباح» ومنه قوله تعالى (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.)
واعلم أن هذا الخلاف إنما هو في «حتى» الخافضة. وأما «حتى» العاطفة ، فلا خلاف في أن ما بعدها يجب أن يدخل في حكم ما قبلها ، كما ستعلم ذلك في مبحث أحرف العطف.
والفرق بين غلى وحتى أنّ «إلى» تجرّ ما كان أخرا لما قبله ، أو متّصلا بآخره ، وما لم يكن آخرا ولا متصلا به.
فالأول نحو «سرت ليلة أمس إلى آخرها» والثاني نحو «سهرت اليلة إلى الفجر» ، والثالث نحو «سرت النهار إلى العصر».
ولا تجرّ «حتى» إلا ما كان آخرا لما قبلها ، أو متّصلا بآخره ، فالأول نحو «سرت ليلة امس حتى آخرها» ، والثاني كقوله تعالى (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) ولا تجرّ ، ما لم يكن آخرا ولا متصلا به ، فلا يقال «سرت الليلة حتى نصفها».
وقد تكون حتى للتّعليل بمعنى اللام ، نحو «اتّق الله حتى تفوز برضاه» ، أي لتفوز.
والجملة الاسمّية والفعل فدخولها على الفعل يذكر حكمه في نواصب الأفعال ، وأمّا دخولها على الجملة فلا يؤثّر فيها لفظا ولا تقديرا ، وذلك كقول الشاعر (2)وهو صاحب الأخبار مع جرير والأخطل ، ومهاجاته لهما أشهر من أن تذكر. كان شريفا في قومه ، عزيز الجانب ، يحمي من يستجير بقبر أبيه. لقب بالفرزدق لجهامة وجهه وغلظه. وتوفي في بادية البصرة ، وقد قارب المئة.
: [الطويل]فيا عجبي حتّى كليب تسبّني
كأنّ أباها نهشل أو مجاشع
وأمّا دخولها على المفرد فعلى ضربين ؛ أحدهما : أنّ تجر ك (إلى). والثاني : أن تكون عاطفة ك (الواو).
1) حتى للانتهاء كإلى ، كقوله تعالى (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.) وقد يدخل ما بعدها فيما قبلها ، نحو «بذلت ما لي في سبيل أمّتي ، حتى آخر درهم عندي». وقد يكون غير داخل ، كقوله تعالى (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) فالصائم لا يباح له الأكل متى بدا الفجر.
2) البيت للفرزدق : (38 - 110 ه / 658 - 728 م) وهو همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي ، أبو فراس. شاعر من النبلاء ، من أهل البصرة ، عظيم الأثر في اللغة. يشبه بزهير بن أبي سلمى وكلاهما من شعراء الطبقة الأولى ، زهير في الجاهليين ، والفرزدق في الإسلاميين.
فصل : ومعنى : (حتّى) اللازم لها الغاية في التعظيم والتحقير.
فأما عملها فليس بأصل بل محمول على غيرها ؛ لأنها لمّا دخلت على الجملة تارة وبمعنى : (إلى) أخرى وبمعنى : (الواو) ثالثة وبمعنى : (كي) رابعة لم يكن لها اختصاص تعمل بسببه ؛ لأن هذه المعاني تكون في الأسماء والأفعال.
فصل : وإنّما عملت عمل (إلى) ؛ لأن إلى لانتهاء الغاية و (حتّى) تشاركها في ذلك فعملت عملها في الموضع الذي يصحّ دخول (إلى) فيه.
فصل : وتفارق (حتّى) (إلى) في أشياء :
أحدها : أنّ ما بعد (حتّى) يدخل في حكم ما قبلها كقولك : قام القوم حتّى زيد. ف (زيد) هنا دخل في القيام ولا يلزم ذلك في قولك : قام القوم إلى زيد.
والثاني : أنّ ما قبل (حتّى) يجب أن يكون جمعا كقولك : قام القوم حتّى زيد ، ولو قلت : قام عمرو حتّى زيد لم يجز ، وعلّة ذلك : أنّ (حتّى) تدلّ على بلوغ العمل غايته ولفظ الواحد لا يتناول أكثر منه بحيث يجوز تخصيصه ببعضه بخلاف لفظ الجمع ؛ فإنّه جاز أن يضاف الفعل إلى القوم ولا يراد دخول (زيد) فيهم لعظمه أو حقارته ؛ فإذا جئت ب (حتّى) أزلّت هذا الجواز ، وتنزّلت (حتّى) منزلة التوكيد المانع من التخصيص.
والثالث : أنّ (إلى) تدخل على المضمر و (حتّى) لا تدخل عليه ، وعلّة ذلك : أنّه لمّا لزم أنّ يكون قبلها جمع وما بعدها واحد منه لم يتقدّم على (حتّى) اللفظ الظاهر ليعود الضمير إليه ، فلما أضمر لم يكن له ظاهر يعود عليه ضمير كقولك : قام القوم حتى زيد. ف (زيد) لم يتقدّم له ذكر يعود عليه ضمير.
فصل : وإنما جاز أن تقع (حتّى) بمعنى (الواو) ؛ لأن (الواو) للجمع و (حتّى) للغاية والشمول والمعنيّان متقاربان.
فصل : وتفترقان في أشياء :
أحدها : أن ما قبلها يجب أن يكون جمعا لما تقدّم.
والثاني : أن يكون ما بعدها من جنس ما قبلها ، فلو قلت : جاء الناس حتّى الحمير لم يجز لمّا ذكرنا من إفادة معنى الغاية والتوكيد.
والثالث : أنّ الواو تضمر بعدها (ربّ) ولا تضمر بعد (حتّى).
مسألة : تقول مررت بهم حتّى زيد ، إن جعلتها بمعنى (إلى) لم تحتج إلى إعادة الباء ، وإن جعلتها كالواو أعدت الباء كما تعيدها مع الواو.
مسألة : تقول : أكلت السمكة حتّى رأسها أكلته ، فلك فيه الرفع بالابتداء وما بعده خبر والنصب على وجهين :
أحدهما : أن تنصبه بمعنى الواو فيكون (أكلته) توكيدا.
والثاني : أن تنصبه بفعل محذوف دلّ عليه ما بعده ، أي : حتّى أكلت رأسها ف (حتّى) على هذا داخلة على الجملة تقديرا ، والجر بمعنى (إلى) وأكلته توكيد لا غير ومثل ذلك قول الشاعر :
ألقى الصحيفة كي يخفّف
رحله والزاد حتى نعلّة ألقاها
يروى (نعله) بالأوجه الثلاثة.
فإن لم تقل : (أكلته) جاز الجرّ بمعنى : (إلى) والنصب بمعنى : (الواو) والرفع على الإبتداء والخبر محذوف ، ومنع الزجاجيّ الرفع في كتاب «الجمل» وهو إمّا سهو وإمّا إن يريد أنّ الرفع بمعنى الواو لا يجوز ، فأمّا على تقدير الابتداء وحذف الخبر لدلالة الكلام عليه فلا مانع منه.
مسألة : تقولك اجلس حتّى إذا جاء زيد أعطيتك. ف (حتّى) هنا غير عاملة ؛ لأن (إذا) يعمل فيها جوابها النصب على الظرف ، فتغلوا : (حتّى) لدخولها على الجملة تقديرا وتصير كالفاء في ربط ما بعدها بما قبلها في المعنى.
الإضافة في اللغة : الإسناد ، قال امرؤ القيس : [الطويل]
فلمّا دخلناه أضفنا ظهورنا
إلى كلّ حاريّ جديد مشطّب
أي : أسندناها ، وبهذا المعنى في هذا الباب ؛ لأن الاسم الأوّل ملتصق بالثاني ومعتمد عليه كاعتماد المستند بما يستند إليه (1)
ويسمّى الأوّل مضافا ، والثاني مضافا إليه. فالمضاف والمضاف إليه اسمان بينهما حرف جرّ مقدّر.
وعامل الجرّ في المضاف إليه هو المضاف ، لا حرف الجرّ المقدّر بينهما على الصحيح.
.فصل : وإنما حذف التنوين من الأوّل لوجهين :
أحدهما : أنّ التنوين تدلّ على انتهاء الاسم ، والإضافة يدلّ على احتياج الأوّل إلى الثاني فلم يجتمعا.
والثاني : أنّ التنوين في الأصل يدلّ على التنكير والإضافة تخصّص فلم يجتمعا.
فصل : وأمّا جرّ الثاني بالأوّل فلأنّ الإضافة تقدّر بحرف الجرّ ، ولكنّه حذف ليحصل التخصيص أو التعريف فناب الاسم عن الحرف فعمل عمله كما يعمل الاسم عمل الفعل في مواضع ، وليس في الإضافة تقدير حرف على جهة التضّمن إذ لو كان كذلك لأوجب البناء.
فصل : والإضافة تكون بمعنى : (اللام) وبمعنى : (من) نحو : غلام زيد وأثواب خزّ ، ويتبيّن الفرق بينهما بأشياء : منها أنّ التي بمعنى : (اللام) يكون الثاني فيها غير الأوّل في المعنى ، والتي بمعنى : (من) يكون الأوّل فيها بعض الثاني.
ومنها أنّ التي بمعنى : (اللام) لا يصحّ فيها أن يوصف الأوّل بالثاني ، والتي بمعنى :
(من) يصحّ فيها ذلك.
ومنها أنّ التي بمعنى : (اللام) لا يصحّ فيها أن ينتصب الثاني على التمييز للأوّل ، والتي بمعنى : (من) يصحّ فيها ذلك كقولك : هذا باب حديدا.
فإن قيل : (يد زيد) من أيّ الإضافتين؟
1) الإضافة نسبة بين اسمين ، على تقدير حرف الجر ، توجب جرّ الثاني أبدا ، نحو «هذا كتاب التلميذ. لبست خاتم فضّة. لا يقبل صيام النهار ولا قيام اللّيل إلا من المخلصين».
قيل : من التي بمعنى اللام ؛ لأن العلامات التي ذكرناها في اللام توجد فيها دون الأخرى.
فإن قيل : ف (كلّ القوم) من أيّهما؟
قيل : من اللام لمّا تقدّم ، ألا ترى أنّ (كلّا) عبارة عن مجموع أجزاء الشيء المضاف إليه والمجزّأ غير الأجزاء ؛ ولذلك لا تقول : القوم كلّ ، ولا الكلّ قوم.
فصل : والإضافة المحضة تعرّف إذا كان الثاني معرفة كقولك : غلام زيد ، وصاحب الرجل فيتعدّى التعريف من الثاني إلى الأوّل لتخصّصه به.
وأمّا غير المحضة فهي على ضربين :
1 - أحدهما : لا يحصل منها تعريف ، وذلك في ثلاثة مواضع :
أ - أحدها : إضافة (مثل) ونظائره كقولك : زيد مثل عمرو ؛ لأن (مثلا) يقدّر فيها التنوين إذ كانت المماثلة بين الشيئين لا تقع من وجه مخصوص ، وكذلك (غير) ؛ لأن المثلين من وجه غيران من وجه آخر ، وكذلك الغيران مثلان من وجه آخر فإن وقعا بين متماثلين من كلّ وجه أو متغايرين من كلّ وجه تعرّفا كقولك : الحركة غير السكون.
ب - والثاني : أسماء الفاعلين والمفعولين العاملة عمل الفعل ؛ لأن التنوين فيها مقدّر مراد وحذف تخفيفا وانجرّ الثاني لوجود لفظ الإضافة كقولك : زيد ضارب عمرو غدا.
ج - والثالث : الصفة المشبهة (1)
ولا زمان لها لأنها تدلّ على صفات ثابتة. والذي يتطلّب الزمان إنما هو الصفات العارضة.
(وإنما كانت مشبهة باسم الفاعل ، لأنها تثنى وتجمع وتذكر وتؤنث ، ولأنها يجوز أن تنصب المعرفة بعدها على التشبه بالمفعول به. فهي من هذه الجهة مشبهة باسم الفاعل المتعدي الى واحد).
باسم الفاعل نحو : حسن الوجه ؛ لأن التنوين فيها مراد أيضا ، والتقدير : مررت برجل حسن وجهه.2 - والضرب الثاني : يحصل فيه التعريف ، وذلك في موضعين ؛ أحدهما : إضافة (أفعل) كقولك : زيد أفضل القوم. ف (أفضل) معرفة عند الأكثرين ، و (أفعل) هذه تستعمل على ثلاثة أوجه :
1) الصفة المشهبة بإسم الفاعل هي صفة تؤخذ من الفعل اللازم ، للدّلالة على معنى قائم بالموصوف بها على وجه الثّبوت ، لا على وجه الحدوث كحسن وكريم وصعب وأسود وأكحل.
أ - أحدها : ب (من) كقولك : زيد أفضل من عمرو ، وهذه نكرة.
ب - والثاني : الألف واللام كقولك : زيد الأفضل.
ج - والثالث : الإضافة.
فصل : و (أفعل) هذه تضاف إلى ما هي بعض له ؛ ولذلك لا تقول : زيد أشدّ الحجارة ، ولا أفضل الحمير ؛ لأنه ليس منهما ، ومن ههنا إذا قلت : زيد أفره عبد ، فجررت كان زيدا عبدا ، والتقدير : زيدا أفره العبيد ، وإنّ قلت : زيد أفره عبدا ، فنصبت لم يكن زيد عبدا ، والمعنى : عبيده أفره من عبيد غيره.
ومن المسألة المشهورة : (أفضل إخوته) لا يجوز ؛ لأن إضافة أفضل إليهم توجب أنّ يكون واحدا منهم وإضافتهم إليه تدلّ على أنّه غيرهم ؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه فيتنافيان ؛ ولذلك لو قيل : (من إخوته) لم تعدّه منهم ، ولو قيل : (زيد أفضل الإخوة) جاز ؛ لأنه واحد منهم ؛ ولذلك تعدّه منهم.
فصل : وأمّا الضرب الثاني : فهو إضافة الشيء إلى ما يصحّ أن يكون صفة له ك (صلاة الأولى ، ومسجد الجامع ، وجانب الغربيّ) فيجعلونه على غير محض ؛ لأن الأصل أن تقول : (الصلاة الأوّلين والمسجد الجامع) ولكن لمّا أضيف تؤول على حذف موصوف تقديره : (صلاة الساعة الأوّلى ، ومسجد المكان الجامع) ومن هذا الوجه لم يكن محضا إلا أن التعريف يحصل به.
مسألة : لا تجوز إضافة الشيء إلى نفسه ، وإن اختلف اللفظان وأجاز الكوفيّون ذلك إذا اختلف اللفظان.
وحجّة الأوّلين : أن الغرض بالإضافة التخصيص والشيء لا يخصص نفسه ، ولو كان كذلك لكان كلّ شيء مخصّصا ، واحتجّ الآخرون بإضافة الشيء إلى صفته كنحو ما ذكرنا ومنه : (دار الآخرة) و (حبل الوريد) و (حبّ الحصيد) والثاني هو الأوّل.
والجواب : أنّ جميع ما ذكروه متأوّل على غير ظاهره ، وذلك أنّ التقدير دار الساعة الآخرة ، وقد سماها الله تعالى : (ساعة) في نحو قوله : (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) [الروم : 12] ، وأمّا (حبل الوريد) فعلى ذلك أيضا ، والتقدير : حبل الشراب الوريد والدم الوريد ، أي الوارد فيه ،
وفعيل بمعنى فاعل كثير ، وأمّا (حبّ الحصيد) قتقديره : حبّ الزرع الحصيد ؛ لأن الذي يحصد هو الزرع لا الحبّ.
مسألة : تجوز إضافة الزمان إلى الفعل كقوله تعالى : (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) [المائدة : 119] ولا تجوز إضافة غير الزمان إليه ؛ لأن بين الزمان والفعل مناسبة إذ كان الفعل يدلّ على الزمان فكأنّك أضفت زمانا عامّا إلى خاص فتخصص (1)
على حين عاتبت المشيب على الصّبا
فقلت ألّما تصح؟ والشّيب وازع
وقول غيره
لأجتذبن منهنّ قلبي تحلّما
على حين يستصبين كلّ حليم
وإن كانت مصدّرة فالرّاجح والأولى إعراب الظرف ، كقوله تعالى (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ.) وقد يبنى ، ومنه قراءة نافع (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ ،) ببناء «يوم» على الفتح. ومن هذا الباب قول الشاعر
ألم تعلمي ، يا عمرك الله ، أنني
كريم على حين الكرام قليل
؛ لأن الفعل يدلّ على زمان ماض أو مستقبل والذي يضاف إليه لم يكن ماضيا بلفظه ولا مستقبلا كاليوم والساعة.فأمّا : (أمس) و (غد) فلا يضاف إلى الفعل ؛ لأنه مخصوص كتخصيص زمن الفعل وإن شئت قلت : الفعل هنا في تقدير المصدر فلذلك أضيف إليه إلا أنّ المصدر لا يدلّ على الحدث والفعل يدلّ عليه.
1) أسماء الزمان ، المضافة إلى الجمل ، يجوز بناؤها ، ويجوز إعرابها. ويرجّح بناء ما أضيف منها إلى جملة صدرها مبنيّ ، كقول الشاعر
التوكيد (1): تمكين المعنى في النفس ويقال : توكيد وتأكيد ووكّد وأكّد وبالواو جاء القرآن : (وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها) [النحل : 91] ولفظه على ضربين :
أحدهما : إعادة الأوّل بعينه ويكون ذلك في الأسماء والأفعال والحروف والجمل.
والثاني : غير لفظ الأوّل ولكن في معناه.
فصل : والغرض من ذكره إزالة الاتساع ، وذلك أنّ الاسم قد ينسب إليه الخبر ويراد به غيره مجازا كقولك : جاءني زيد ؛ فإنه قد يراد جاءني غلامه أو كتابه ، ومنه عمر السلطان دارا أو حفر نهرا ، أي : أصحابه بأمره ؛ فإذا قلت : جاء زيد نفسه كان هو الجائي حقيقة ، وقد يذكر العامّ ويراد به الخاص كقوله تعالى : (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) [آل عمران : 173] والمراد بعضهم ؛ فإذا قلت : (قال الناس كلهم) لم يحتمل بعضهم.
فصل : ويؤكد الواحد بلفظين : (نفسه) و (عينه) وهما عبارتان عن حقيقة ويوكد الاثنان ب (كلا) و (كلتا) والجمع ب (كلّهم) و (أجمع) و (أجمعين) و (جمعاء) و (جمع) ؛ لأن هذه الألفاظ موضوعة لحصر أجزاء الشيء والإحاطة بها فما لا يتجزأ لا تدخل عليه لعدم معناها فيه ألا ترى أنّك لو قلت كتب زيد كلّه أو أجمع لم يكن له معنى كما يكون في قولهم : كتب القوم كلّهم.
فصل : ولا تؤكّد النكرات وأجازه الكوفيّون.
وحجّة الأوّلين من وجهين :
أحدهما : أنّ التوكيد كالوصف وألفاظه معارف والنكرة لا توصف بالمعرفة.
والثاني : أنّ النكرة لا تثبت لها في النفس عين تحتمل الحقيقة والمجاز فيفرق بالتوكيد بينهما بخلاف المعرفة ، ألا ترى أنّك لو قلت : جاءني رجل لم يحتمل أن تفسّره بكتاب رجل ؛ لأن المجاز في هذا الاستعمال لا يغلب حتّى يدفع بالتوكيد بخلاف لفظة : (القوم) فإنّه يغلب استعمالها في الأكثر ؛ فإذا أردت الجميع أكّدت لرفع المجاز الغالب ، ومثل ذلك الاستثناء فإنّه دخل الكلام ليرفع حمل لفظ العموم على الاستغراق ؛ لأنه يستعمل فيه غالبا.
1) التّوكيد (أو التأكيد) تكرير يراد به تثبيت أمر المكرّر في نفس السامع ، نحو «جاء عليّ نفسه» ، ونحو «جاء عليّ عليّ».
احتّج الآخرون بإنّ ذلك قد جاء في الشعر فمن ذلك قول : [الرجز]
أرمي عليها وهي فرع أجمع
وهي ثلاث أذرع وأصبع
وقال الآخر : [الرجز]
إذا القعود كرّ فيها حفدا
يوما جديدا كلّه مطرّدا
وقال آخر : [الرجز]
قد صرّت البكرة يوما أجمعا
والجواب عن هذه الأبيات من وجهين :
أحدهما : أنّ التوكيد فيها للمعرفة لا للنكرة فقوله أجمع توكيد ل (هي) ولكنّه اضطر ففصل بالخبر بين المؤكد والمؤكد كما في الصفة ، وقيل : في (فرع) ضميرّ والتوكيد له وهذا بعيد ، وأمّا قوله : (جديدا كلّه) فهو مرفوع على أنّه تأكيد للضمير في (جديد).
والوجه الثاني : أنّ هذه الأبيات شاذةّ فيها اضطرار فلا تجعل أصلا.
فصل : وإنما لم ينصرف (جمع) ؛ لأن فيه العدل والتعريف فالعدل عن (جمع) ؛ لأن واحده : (أجمع) و (جمعاء) فينبغي أن يكون على (جمع) مثل : (حمر) ، ولكنّه فتحت ميمّه وصير ك (عمر). وقال أبو عليّ : هو معدول عن (جماعى) مثل صحراء وصحارى ، ولو كان عن جمع مثل : حمر لما جاز فيه أجمعون ، ولكان يؤكد به المذكر والمؤنّث كما يوصف بحمر المذكر والمؤنّث.
وأمّا التعريف فبوضعه توكيدا للمعرفة صار كالأعلام ، وليس فيه أداة للتعريف ، وأمّا (جمعاء) فلألفي التأنيث.
فصل : وأمّا (أكتع) و (أبصع) وما تصرّف منهما فلا تستعمل في التوكيد إلا تبعا ل (أجمع) فإنّ جاء شيء على غير ذلك في الشعر فضرورة (1).
1) خالف في عامة المبرد وقال إنما هي بمعنى أكثرهم (وبعد كل أكّدوا بأجمعا جمعاء أجمعين ثمّ جمعا) فقالوا جاء الجيش كله أجمع ، والقبيلة كلها جمعاء ، والزيدون كلهم أجمعون ، والهندات كلهن جمع (ودون كل قد يجيء أجمع جمعاء أجمعون ثمّ جمع) المذكورات نحو : (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر : 39) ، (لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر : 43) ، وهو قليل بالنسبة لما سبق ، وقد يتبع أجمع وأخواته بأكتع وكتعاء وأكتعين وكتع ، وقد يتبع أكتع وأخواته بأبصع وبصعاء وأبصعين وبصع ، فيقال جاء الجيش كله أجمع أكتع أبصع ، والقبيلة كلها جمعاء كتعاء بصعاء ، والقوم كلهم أجمعون أكتعون أبصعون ، والهندات كلهن جمع كتع بصع. وزاد الكوفيون بعد أبصع وأخواته أبتع وبتعاء وأبتعين وبتع. قال الشارح ولا يجوز أن يتعدى هذا الترتيب. وشذ قول بعضهم أجمع أبصع. وأشذ منه قول الأخر : جمع بتع. وربما أكد بأكتع وأكتعين غير مسبوقين بأجمع وأجمعين.
مسألة : وأمّا (كلا وكلتا) فاسمان مفردان مقصوران ، وقال الكوفيّون : هما مثنّيان لفظا ومعنى.
وحجّة الأوّلين من وجوه :
أحدها : أنّهما بالألف في الأحوال الثلاث إذا إضيفا إلى الظاهر ، وليس المثنى كذلك.
والثاني : أنّه لا ينطق بالواحد منهما فلا يقال في الواحد : (كل) بخلاف المثنى.
والثالث : أنّهما يضافان إلى المثنّى ، ولو كانا مثنّيين للزم أن يضاف الشيء إلى نفسه وهو باطل ، ألا ترى أنّك لا تقول : مررت بهما أثنيهما ، كما لا تقول : مررت به واحده.
فإن قيل : فكيف يقال : (مررت بهم خمستهم) فيضاف الجمع إلى الجمع؟
قيل : إنّما أجازوا ذلك ؛ لأن ضمير الجمع يحتمل العدد القليل والكثير فلا يلزمه من إضافة الخمسة ونحوها إضافة الشيء إلى نفسه.
والرابع : أنّ الضمير يرجع إليه بلفظ الإفراد كقوله تعالى : (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها) [الكهف : 33] ، ولو كان مثنّى في اللفظ لم يجز ذلك كما لا يجوز الرجلان قام.
واحتّج الآخرون بالسماع والقياس ، أمّا السماع فقول الشاعر : [الرجز]
في كلتا رجليها سلامى واحده
كلتاهما مقرونة بزائده
وأما القياس فمن وجهين :
أحدهما : أنّ الضمير يعود إليه بلفظ التثنية في بعض المواضع كقول الشاعر : [البسيط]
كلاهما حين جدّ الجري بينهما
قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
والثاني : أنّهما في الجرّ والنصب بالياء ، وفي الرفع بالألف إذا أضيفا إلى مضمر.
والجواب : أنّ الشعر لا يعرف قائلة على أنّه محمول على الضرورة ، وقد جاز حذف شطر الكلمة في الضرورة كقول لبيد : [الكامل]
درس المنا بمتالع فأبان (1)
درس المنا بمتالع فأبان
وتقادمت بالحبس فالسوبان
...أراد (المنازل). وقال العجّاج :
قواطنا مكّة من ورق الحمي (2)
ورب هذا البلد المحرم
قواطنا مكة من ورق الحمى
أراد (الحمام) وهذا لا يقاس عليه ولا يثبت به أصل.
وأمّا عود الضمير المثّنى إليه فعلى المعنى والإفراد على اللفظ وهذا مثل : (كلّ) و (من) فإنّ الضمير يعود إلى لفظهما تارة كقوله تعالى : (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً) [مريم : 95] و (بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) [البقرة : 112] وتارة يجمع حملا على المعنى كقوله تعالى : (وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ) [النمل : 87] و (وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) [الأنبياء : 82] (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) [يونس : 42].
وأمّا جعلها بالياء في الجر والنصب فلم يكن لما قالوا إذ لو كان كذلك لاستمرّ مع المضمّر والمظهر كما في كلّ مثنّى ، وإنّما قلبت الألف ياء مع المضمر لوجهين :
أحدهما : أنّ (كلا وكلتا) يشبهان : (على وإلى ولدى) في أنّها لا تستعمل واحده بل لا بد من دخولها على الاسم وأنّ آخره ألف كآخر هما وكما تجعل الألف في (على) ياء مع المضمر كذلك : (كلا) واختص ذلك بالنصب والجر ، كما أن (على) يكون موضعها نصبا بحقّ الأصل.
والثاني : أنّ (كلا) أذا أضيفت إلى المضمر لم تكن إلا تابعة للمثنّى فجعل لفظها كلفظ ما تتبعه استحسانا.
فصل : وألفا (كلا وكلتا) من واو عند قوم ، وياء عند آخرين. وتا : (كلتا) بدلّ من أحد الحرفين ، وألفها للتأنيث ، ونذكر ذلك في التصريف أن شاء الله.
فصل : وأقوى ألفاظ التوكيد في الجمع : (كلّهم) ؛ لأنها قد تكون أصلا يليه العامل كقولك : جاءني كل القوم وتكون مبتدأ كقوله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ)
[العنكبوت : 57] ، ومنه قوله تعالى : (إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) [آل عمران : 154] فيمن رفع ومن نصب جعله توكيدا.
وأمّا : (أجمع) وما تصرّف منها فلا تكون إلا تابعة ؛ فإذا اجتمعت : (كلّ) و (أجمع) في التوكيد قدّمت : (كلّ) عليها لشبهها بالمتبوع.
فصل : ولا يعطف بعض ألفاظ التوكيد على بعض ؛ لأن معنى الجميع واحد بخلاف الصفة فإنّ الصفة تدلّ على معنى زائد على الموصوف.
فصل : وإذا جمعت بين لفظي توكيد كان الثاني مفيدا زيادة التوكيد فقط كقوله تعالى : (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) [الحجر : 30] وقال الزجاج : الفائدة في (أجمعون) بعد (كلّ) الدلالة على أنّ سجود الملائكة وقع في حال واحدة ، وفي هذا نظر.
النعت والوصف (1)
(فالصفة في المثال الأول بينت حال الموصوف نفسه. وفي المثال الثاني لم تبين حال الموصوف ، وهو الرجل ، وإنما بينت ما يتعلق به ، وهو الغلام). وفائدة النّعت التّفرقة بين المشتركين في الاسم.
ثمّ إن كان الموصوف معرفة ففائدة النّعت التّوضيح. وإن كان نكرة ففائدته التّخصيص.
(فان قلت «جاء عليّ المجتهد» فقد أوضحت من هو الجائي من بين المشتركين في هذا الاسم. وإن قلت «صاحب رجلا عاقلا» ، فقد خصصت هذا الرجل من بين المشاركين له في صفة الرجولية).
بمعّنى ، فأمّا (الصفة) فهي عند النحويّين بمنزلة الوصف ، وأصلها : (وصفة) فحذفت واوها كما حذفت في : (عدة وزنة) ، وأمّا المتكلمون فيقرقون بين الوصف والصفة ، فالوصف لفظ الواصف كقولك : ظريف وعالم. والصفة هي المعنى العامّ الموصوف.فصل : والغرض من الوصف الفرق بين مشتركين في الاسم أو المدح أو الذم أو التعظيم ، فقطع الاشتراك كقولك : مررت بزيد الظريف ، أي : أنّ ثمّ جماعة كل منهم اسمه زيد والمختص بالظرف منهم واحد ؛ ولذلك لم يوصف المضمر إذ لا اشتراك فيه لعوده إلى الظاهر والمدح والتعظيم يقعان في صفات الله عزوجل والذم كقولك : مررت بزيد الخبيث الفاسق ، فإنّك لا تقصد تمييزه عن غيره ، بل تقصد إعلام السامع بما فيه من الأوصاف المذمومة.
فصل : وإنّما لزم أن تكون الصفة بالمشتق أو الجاري مجراه ؛ لأن الفرق إنّما يحصل بأمر عارض يوجد في أحد الشيئين أو الأشياء دون باقيها وهذا إنّما يكون في المشتقات مثل الحلية نحو : الأسود والأزرق ، والغريزة مثل : العقل والحسن ، والفعل نحو : القيام والإكرام ، أو الصناعة نحو : البزّاز والعطّار ، والنسب نحو : بصريّ وهاشميّ.
وأمّا الجاري مجرى المشتقّ فمثل : مررت برجل ابي عشرة وبحيّة ذراع طولها / كأنّك قلت : مررت برجل كثير الأولاد وبحيّة مذروعة.
فصل : ولا بد في الصفة من ضمير يعود على الموصوف ؛ لأن ذلك من ضرورة كونه مشتقا أن يعمل في فاعل مضمر أو مظهر ، فالمضمر هو الموصوف في المعنى والمظهر لا بد أن
1) النّعت (ويسمّى الصّفة أيضا) هو ما يذكر بعد اسم ليبيّن بعض أحواله أو أحوال ما يتعلّق به. فالأوّل نحو «جاء التلميذ المجتهد» ، والثاني نحو «جاء الرجل المجتهد غلامه».
يصحبه ضمير الموصوف ليصير من سببه به كقولك : مررت برجل قائم زيد عنده ، فلو لا الهاء لكان الكلام أجنبيا من الاوّل ولم يكن صفة له.
فصل : وإنّما كانت الصفة كالموصوف في التعريف والتنكير والإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والإعراب ؛ لأن الصفة هي الموصوف في المعنى ، ومحال أن يكون الشيء الواحد معرفة ونكرة ومفردا وأكثر في حال واحدة.
فصل : فأمّا قولهم : ثوب أسمال وبرمة أعشار ، فإنّما جاز لمّا كان الثوب يجمع رقاعا ، وكأن كل ناحية منه سمل والبرمة مجتمعة من أكسار فصار التقدير : ذات أكسار.
فصل : والعامل في الصفة هو العامل في الموصوف ؛ لأنها هي هو في المعنى ؛ ولذلك جاز أن يحذف الموصوف ويولى العامل الصفة فتقول : (مررت بالظريف) ولا تكرر العامل معها فلا تقول : مررت بزيد بالظريف.
وقال الأخفش : العامل فيها معنويّ وهو كونها تابعة ، وهذا إن به أنّها تابعة للموصوف في الحقيقة فذلك لا يقتضي العمل ، وإن أراد أنّها تابعة له في الإعراب فليس ذلك بيانا للعامل وهو مذهب الجميع ، وإنّما الخلاف في العامل في هذا التابع ما هو ؛ لأن التبعية معنى واحد والشيء الواحد لا يعمل أعمالا مختلفة في معمول واحد.
فصل : وإذا اختلف العامل في الأسماء لم تنعت بنعت واحد كقولك : جاء زيد ورأيت عمرا الظريفين ، فلا يجوز نصب الصفة ولا رفعها ؛ لأنها لفظ واحد مثنى ، فلو رفعت أو نصبت لتبعت أحد الاسمين وعمل فيها عامله ، فينقطع تبعا للآخر والتثنية تأبى ذلك ؛ لأنها تدل على أنّ الصفة تابعة لهما.
فصل : فإن كان الإعراب واحدا والعامل مختلف فالحكم كذلك ؛ لأن العاملين لا يعملان عملا واحدا في معمول واحد كان العاملان بمعنى واحد كقولك : ذهب زيد وانطلق عمرو ، فالحكم كذلك عند بعض البصريّين ؛ لأن العامل لفظ ، وقد خالف لفظ الثاني لفظ الأوّل ، والمعنى لا يعمل هنا حتى يؤثّر اتّفاقهما في المعنى.
فصل : إذا تكّررت النعوت جاز حمل الجميع على الموصوف وهو الظاهر ، وجاز نصبها بإضمار أعني ورفعها على إضمار (هو) ، ودل هذا الإضمار على زيادة المدح والذّم ؛ لأنه يصير بذلك جملة مستقلة.
فصل : ويجوز عطف بعض الصفات على بعض تنبيها على زيادة المدح والذم كقولك : مررت بزيد الكريم والعاقل ، ف (الواو) تدلّ على أنّه المعروف بذلك.
وهو أن تجري الأسماء الجامدة مجرى المشتقة في الإيضاح إذا كان الثاني أعرف من الاوّل كقولك : مررت بزيد أبي عبد الله ، إذا كان بالكنية أعر ، ف وبأبي عبد الله زيد إذا كان الاسم أعرف ، وليس هو ههنا ببدل ؛ لأنه كالموصوف في التعريف والتنكير وجميع ما ذكرناه في الصفة ، وليس البدل كذلك (1)
(فعمر عطف بيان على«أبو حفص» ، ذكر لتوضيحه والكشف عن المراد به ، وهو تفسير له وبيان ، وأراد به سيدنا عمر بن الخطاب ، رضياللهعنه).
وفائدته إيضاح متبوعه ، إن كان المتبوع معرفة ، كالمثال السابق ، وتخصيصه إن كان نكرة ، نحو «اشتريت حليّا سوارا». ومنه قوله تعالى (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ).
ويجب أن يطابق متبوعه في الإعراب والإفراد والتّثنية والجمع والتّذكير والتأنيث والتعريف والتنكير.
ومن عطف البيان ما يقع بعد «أي وأن» التّفسيريتين. غير أنّ «أي» تفسّر بها المفردات والجمل ، و «أن» لا يفسّر بها إلا الجمل المشتملة على معنى القول دون أحرفه. تقول «رأيت ليثا ، أي أسدا» و «أشرت إليه ، أي اذهب». وتقول «كتبت إليه ، أن عجّل بالحضور.
.وفي بعض المواضع يجوز أن يكون عطف بيان وأن يكون بدلا ، وفي بعضها يتعين أحدهما كقولك : جاءني زيد أبو محمد يحتملها ، وفي قولك : يا أيّها الرجل زيد ، يتعين أن يكون عطف بيان ، وفي قولك : يا أخانا زيدا إن نصبت كان بيانا ، وإن أردت البدل ضممت : (زيدا) ؛ لأن حرف النداء يقدر عوده مع البدل.
1) عطف البيان هو تابع جامد ، يشبه النّعت في كونه يكشف عن المراد كما يكشف النّعت. وينزّل من المتبوع منزلة الكلمة الموضّحة لكلمة غريبة قبلها ، كقول الراجز «أقسم بالله أبو حفص عمر».
الغرض من البدل هو الغرض من الصفة ، وقد ذكر ، والفرق بين البدل والصفة : أنّ الصفة بالمشتقّ والبدل بغير المشتقّ ، وأنّ الصفة كالموصوف في التعريف والتنكير وغيرهما ، والبدل يجوز أن يخالف المبدل منه في التعريف والتنكير والإظهار والإضمار ، وأنّ البدل يكون ببعض من كلّ ، وبمعنى يشتمل عليه الأوّل والصفة بخلافه ، والفرق بين البدل وعطف البيان قد تقدّم (1)
(فعليّ تابع للامام في إعرابه. وهو المقصود بحكم نسبة وضع النحو اليه. والإمام انما ذكر توطئة وتمهيدا له ، ليستفاد بمجموعهما فضل توكيد وبيان ، لا يكون في ذرك أحدهما دون الآخر. فالإمام غير مقصود بالذات ، لأنك لو حذفته لاستقلّ «عليّ» بالذكر منفردا ، فلو قلت «واضع النحو عليّ» ، كان كلاما مستقلا. ولا واسطة بين التابع والمتبوع.
أما ان كان التابع مقصود بالحكم ، بواسطة حرف من أحرف العطف ، فلا يكون بدلا بل هو معطوف ، نحو «جاء علي وخالد» وقد خرج عن هذا التعريف النعت والتوكيد أيضا ، لأنهما غير مقصودين بالذات وانما المقصود هو المنعوت والمؤكد).
.فصل : وبدل الشيء في اللغة ما قام مقامه وهو على هذا المعنى في اصطلاح النحويّين ، ألا ترى أنّك لو حذفت الأوّل واقتصرت على الثاني لأغناك عنه ؛ ولذلك قال بعضهم : عبرة البدل ما صلح لحذف الأوّل وإقامة الثاني مقامه. وقال بعض النحويّين : لا يصحّ هذا الحدّ والدليل عليه قول الشاعر : [الكامل]
فكأنّه لهق السراة كأنّه
ما حاجبيه معيّن بسواد
لو حذفت الهاء هنا فقلت : كأنّ حاجبيه معيّن لم يستقم ؛ لأن المبتدأ مثنّى والخبر مفرد واستدلّوا أيضا بقولك : زيد ضربت أباه عمرا ، ف (عمرو) بدل من (أباه) ، فلو حذفته فقلت : زيد ضربت عمرا لم يجز لخلوّ الجملة من ضمير يعود على المبتدأ ، وهذا الاستدلال ضعيف جدّا ، أمّا البيت فوجه جوازه أنّه أفرد الخبر عن المثتّى وهو يريد التثنية كما قال الآخر : [الهزج]
لمن زحلوقة زلّ
به العينان تنهلّ
1) البدل هو التّابع المقصود بالحكم بلا واسطة بينه وبين متبوعه نحو «واضع النحو الإمام عليّ».
وكقول الآخر (1): [الكامل]
وكأنّ في العينين حبّ قرنفل
أو سنبلا كحلت به فانهلّت
وأمّا المسألة فالمانع ثمّ الإضمار وهو عارض.
فصل : وتبدل المعرفة من المعرفة ومن النكرة ، والنكرة من المعرفة ، إلا أنّك إذا أبدلت النكرة من المعرفة فلا بدّ من صفة النكرة كقوله تعالى : (لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (15) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ) [العلق : 15 - 16] ؛ لأن المعرفة أبين من النكرة ؛ فإذا لم تصف النكرة انتقض غرض البدل ، وإذا وصفتها حصل بالصفة بيان لم يكن بالمعرفة.
فصل : وكلّ الأسماء يصلح أنّ يبدل منها إلا ضمير المتكلم والمخاطب ؛ لأنّهما في غاية الوضوح كقولك : مررت بي بزيد وبك عمرو ، وأجازه قوم والذي جاء منه في بدل الاشتمال والبعض ، فالاشتمال كقول الشاعر (2)
ذريني ، إنّ أمرك لن يطاعا
وما ألفيتني أمري مضاعا
ألا تلك الثّعالب قد تعاوت
عليّ ، وحالفت عرجا ضياعا
فإن لم تندموا فثكلت عمرا
وهاجرت المروّق والسّماعا
ولا ملكت يداي عنان طرف
ولا أبصرت من شمس شعاعا
وخطّة ماجد كلّفت نفسي
إذا ضاقوا رحبت بها ذراعا
: [الوافر]ذريني إنّ أمرك لن يطاعا
وما ألفيتني حلمي مضاعا
ف (حلمي) بدل من : (الياء) ومن البعض قول : [الرجز]
أوعدني بالسجن والأداهم
رجلي ورجلي شثنة المناسم
ف (رجلي) بدل من الياء.
فصل : ولا يحتاج في بدل الكل إلى ضمير يعود على الأوّل ؛ لأن الثاني هو الأوّل ، ويحتاج إليه في بدل البعض والاشتمال ؛ لأن الثاني مخالف للأوّل ، فيرتبط به بضميره كالجملة في خبر المبتدأ ويجوز حذفه إذا كان معلوما كقوله تعالى : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران : 97] أي منهم.
فصل : وشرط بدل الاشتمال أن يكون الأوّل مشتملا على الثاني ، والثاني قائم به كقولك : يعجبني زيد عقله ، وعرفت أخاك خبره ، وحقّه التقديم أي : يعجبني عقل زيد ، ولكن لمّا كان يكتسب من عقله وصف الحسن والإعجاب جاز أن يؤخر ويجعل بدلا منه ؛ فإن لم يكن كذلك لم يجز كقولك : يعجبني زيد أبوه ؛ لأن (زيدا) لا يشتمل على الأب بل كلّ واحد منهما منفصل عن الآخر ويتضح بقولك : (مات زيد أخوه) فإنه ليس من الاشتمال بل من الغلط.
فصل : وحقّ بدل الغلط أن يستعمل ب (بل) ؛ لأنها موضوعة للإضراب عن الأوّل ولكن جاز حذفها لوضوح معناها.
فصل : والعامل في البدل غير العامل في المبدل منه ، وذلك العامل هو تقدير الإعادة ، أي : إعادة العامل الأوّل فقولك : مررت بزيد أخيك ، تقديره : بزيد بأخيك ، وقال قوم : العامل فيه عامل الأوّل.
وحجّة الأوّلين من وجهين :
أحدهما : أنّ العامل قد ظهر في كثير من الكلام فمن ذلك قوله تعالى : (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) [الأعراف : 75] فأعاد (اللام) مع البدل وقال تعالى : (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ) [إبراهيم : 1] فأبدل الصراط من النور وأعاد (إلى) وقال تعالى : (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ) [الروم : 31 - 32] فأعاد (من) وهو كثير في القرآن والشعر.
والوجه الثاني : أنّ البدل كالمبدل منه في جميع أحكامه بحيث لو ابتدئ به لم يقدّر هناك محذوف بخلاف الصفة وما أجري مجراها ، وفلمّا لم يكن تبعا في الحقيقة لم يكن تبعا في العمل فلذلك قدّر له عامل أغنى عن تقدّم ذكره.
واحتّج الآخرون بأنّه لو كان له عامل يخصّه للزم إظهاره إذ ليس هناك شيء ينوب عنه.
والجواب : أنّ تقدم العامل وكون الثاني هو الأوّل أغنى عن لزوم تكرّر العامل ، وليس كذلك الصفة ألا ترى أنّ المعطوف لمّا كان غير الأوّل احتاج إلى ما ينوب عن العامل فجيء بالحروف.
العطف : ليّ الشيء والالتفات إليه ، يقال : عطفت العود إذا ثنيته ، وعطفت على الفارس التفت إليه ، وهو بهذا المعنى في النحو ؛ لأنّ الثاني ملويّ على الأوّل ومثني إليه ؛ ولذلك قدّرت التثنية بالعطف والعطف بالتثنية (1).
فصل : ولا بدّ في عطف النسق من حرف يربط الثاني بالأوّل إذ كانا غيرين.
فصل : وقد وضعت له حروف تشرك بين الشيئين في العامل فمنها ما لا يفيد سوى التشريك ومنها ما يفيده مع غيره.
فصل : و (الواو) أصل حروف العطف ؛ لأنها لا تدل إلا على الاشتراك عند المحقّقين فأمّا : (الفاء) وغيرها فتدل على الاشتراك وشيء آخر فهي كالمركّب والواو كالمفرد والمفرد أصل للمرّكب وسابق عليه.
فصل : (الواو) لا تدلّ على الترتيب عند الجمهور ، وقالت شرذمة : تدلّ عليه.
وحجّة الأوّلين السماع والقياس فمن السماع قوله تعالى : (وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ) [البقرة : 58] وقال في آية اخرى : (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً) [الأعراف : 161] والقصة واحدة ، وقال لبيد : [الكامل]
أغلي السباء بكلّ أدكن عاتق
أو جونة قدحت وفضّ ختامها
ف (الجونة) الدنّ ، و (قدحت) غرفت ، و (فضّ الختام) يكون قبل الغرف ، وهو كثير في القرآن والشعر ، وأمّا القياس فهو أنّ الواو تقع في موضع يمتنع فيه الترتيب وتمتنع من موضع يجب فيه الترتيب.
1) عطف النسق وهو بالواو لمطلق الجمع وبالفاء للجمع والترتيب والمهلة والتعقيب وبثم للجمع والترتيب والمهلة وبحتى للجمع والغاية وبأم المتصلة وهي المسبوقة بهمزة التسوية أو بهمزة يطلب بها وبأم التعيين وهي في غير ذلك منقطعة مختصة بالجمل ، ومرادفة لبل وقد تضمن مع ذلك معنى الهمزة وبأو بعد الطلب للتخيير أو الإباحة وبعد الخبر للشك أو التشكيك أو التقسيم وببل بعد النفي أو النهي لتقرير متلوها وإثبات نقيضه لتاليها كلكن وبعد الإثبات والأمر لنفي حكم ما قبلها لما بعدها وبلا للنفي ولا يعطف غالبا على ضمير رفع متصل ولا يؤكد بالنفس أو بالعين إلا بعد توكيده بمنفصل أو بعد فاصل ما ولا على ضمير خفض إلا بإعادة الخافض.
فمن الأول قولك : المال بين زيد وعمرو ، ولو قلت : (فعمرو) لم بجز ؛ لأن (بينا) يقتضي أكثر من واحد ، ومن ذلك سواء زيد وعمرو سيّان زيد وعمرو ، و (الفاء) هنا لا تجوز لأنّ التساوي لا يكون في الواحد ، ومن ذلك اختصم زيد وعمرو ، والفاء لا تصلح هنا ومن ذلك أنّ العطف بالواو نظير التثنية ، والتثنية لا تفيد سوى الاجتماع.
ومن الثاني : أنّ (الواو) لا تستعمل في جواب الشرط لما كان مرتّبا على الشرط والفاء تستعمل فيه ، وأمّا الآخرون فتمسكّوا بشبه لا دلالة فيها على الترتيب من جهة الواو فأضربنا عن ذكرها لوضوح الجواب عنها.
فصل (1): (الواو) تقع على وجوه :
أحدها : العطف المطلق.
والثاني : (واو الحال) كقوله تعالى : (وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) [آل عمران : 154].
والثالث : أن تكون بمعنى (مع).
والرابع : أن تكون للقسم.
والخامس : أن تضمر بعدها (رب).
والسادس : أن تكون بمعنى (الباء) كقولك : بعت الشاء شاة ودرهم ، أي : بدرهم.
فصل : ولا تزاد (الواو) عند أكثر البصريّين لوجهين :
أحدهما : أنّ الحروف وضعت للاقتصار أو عوضا عن ذكر الجمل : (كالهمزة) فإنها بدل عن (استفهم) أو (أسأل) و (ما) بدل عن (أنفي) فزيادتها تنقض هذا الغرض.
والثاني : أنّ الحروف وضعت للمعاني فذكرها دون معناها يوجب اللبس وخلوّها عن المعنى وهو خلاف الأصل.
1) معنى كون الواو لمطلق الجمع أنها لا تقتضي ترتيبا ولا عكسه ولا معية بل هي صالحة بوضعها لذلك كله فمثال استعمالها في مقام الترتيب قوله تعالى (وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ) ومثال استعمالها في عكس الترتيب ، نحو (وَعِيسى وَأَيُّوبَ)(كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ)(اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)(اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) ومثال استعمالها في المصاحبة نحو (فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ) ونحو (فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ) ونحو (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ)
واحّتج الآخرون بقوله تعالى : (حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) [الزمر : 73] ف (الواو) زائدة والفعل جواب : (إذا) ؛ ولذلك لم تكن في الموضع الأول وقال الشاعر (1)
شاعر جاهلي ، من سادات تميم ، من أهل العراق ، كان فصيحا جوادا ، نادم النعمان ببن المنذر ، ولما أسن كفّ بصره ويقال له : أعشى بني نهشل.
: [الكامل]حتى إذا قملت بطونكم
ورأيتم أبناءكم شبّوا
وقلبتم ظهر المجنّ لنا
إنّ اللئيم العاجز الخبّ
والجواب : أن جواب (إذا) في هذه المواضع محذوف ، فالتقدير في الآية حتّى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها عرفوا صحّة وما وعدوا وعاينوه ، وقد دلّ عليه قوله تعالى : (وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ) [الزمر : 74] والتقدير في البيت حتى إذا فعلتم هذه الأشياء عرف غدركم وفجوركم ولؤمكم.
وحذف الجواب كثير في القرآن والشعر فمنه قوله تعالى : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) [النور : 10] ، وفي هذه السورة : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) [النور : 20] والتقدير لهلكتم وقوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ) [الرعد : 31] أي : لكان هذا القرآن ، وحذف الجواب أبلغ في هذا المعنى من ذكره ولأنّ الموعودّ أو المتوعد إذا لم يذكر له جواب ذهب وهمه إلى أبلغ غايات الثواب والعقاب فيكون أبلغ في الطاعة والانزجار.
فصل : ومعنى الفاء ربط ما بعدها في بما قبلها فالعاطفة تربط بين المعطوف والمعطوف عليه فيما نسب إلى الأوّل إلا أنّها تدل على أنّ الثاني بعد الأوّل بلا مهلة ، وإذا وقعت جوابا علّقت ما بعدها بما في قبلها ، ومن هنا قال الفقهاء : تدلّ (الفاء) على أنّ ما قبلها سببّ لما بعدها ومعتبر فيه.
1) الأبيات من شعر الأسود بن يعفر النهشلي : (23 ق. ه / 600 م) وهو الأسود بن يعفر النهشلي الدارمي التميمي ، أبو نهشل.
فصل : ولا تكون (الفاء) زائدة لما ذكرنا في (الواو) ، وقال الأخفش : قد زيدت في مواضع منها قوله تعالى : (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) [الجمعة : 8] ؛ لأن الفاء (1)تكون في خبر الذي غير زائدة والخبر هنا للموت ، وليس فيه معنى الشرط ، ومنه قول الشاعر (2)
شاعر جاهلي أدرك الإسلام وهو كبير فأسلم وعد من الصحابة وروى حديثا عن الرسول وكان له ولد يدعى ربيعة ، وأخ يدعى الحرث بن تولب (سيد معظّم في قومه) ، ونشأ بين قومه في بلاد نجد ثم نزلوا ما بين اليمامة وهجر.
توفي في آخر خلافة أبو بكر الصديق. وما عرف له في المدح إلا قصيدة واحدة مدح فيها الرسول وكذلك كان هجاؤه نادرا وكان شعره صادقا وألفاظه سهلة جميلة.
: [الكامل]لا تجزعي أن منفسا أهلكته
وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
فالفاء الأولى زاائدة ، وقيل : الثانية.
فصل : و (ثّم) (3)كالفاء في التشريك والتريب إلا أنّها تدلّ على المهلة إذ كانت أكثر حروفا من الفاء ، وقد جاءت لترتيب الأخبار لا لترتيب المخبر عنه كقوله تعالى : (فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ) [يونس : 46] وقال : (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) [هود : 3] وتقول : زيد عالم كريم ثّم هو شجاع.
فصل : وأمّا (أو) فتشرك في الإعراب ولها معان :
أحدها : الشكّ في الخبر كقولك : قام زيد أو عمرو ، والمعنى أحدهما ؛ ولذلك تقول : فقال كذا أو كذا ، ولا تقول فقالهما.
والثاني : أن تكون لتفصيل ما أبهم كقوله تعالى : (وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى) [البقرة : 111] أي : قالت اليهود لن يدخل الجنّة من إلا من كان هودا وقالت
1) الفاء تكون للترتيب والتعقيب. ؛ فإذا قلت «جاء عليّ فسعيد». فالمعنى أنّ عليّا جاء أوّل ، وسعيدا جاء بعده بلا مهلة بين مجيئهما.
2) البيت من شعر النمر بن تولب : (14 ه / 635 م) وهو النمر بن تولب بن زهير بن أقيش ، ينتهي نسبه إلى عوف بن وائل بن قيس بن عبد مناة.
3) ثمّ تكون للتّرتيب والتّراخي. ؛ فإذا قلت «جاء عليّ ثمّ سعيد» ، فالمعنى أن «عليّا» جاء أول ، وسعيدا جاء بعده ، وكان بين مجيئهما مهلة.
النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، وكذلك قوله تعالى : (كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى) [البقرة : 135] ، ومنه قول القائل : كنت بالبصرة آكل السمك أو التمر أو اللحم ، أي : في أزمنه متفرقة ولم يرد الشك.
والثالث : أن تكون للتخيير كقوله : (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [المائدة : 89] فلإن اتّصل بالأمر لم يجمع بينهما كقولك : خذ درهما أو دينارا ، فإن وجدت قرينة تدل على الإباحة جاز الجمع بينهما كقولك : جالس الفقهاء أو الزّهاد لمن يجالس الأشرار.
فصل : وإن اتّصلت بالنهي وجب اجتناب الأمرين عند محققّي النحوييّن كقوله تعالى : (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) [الإنسان : 24] أي : لا تطع أحدهما ، فلو جمع بينهما لفعل المنهيّ عنه مرّتين ؛ لأن كلّ واحد منهما أحدهما.
فصل : وقد تكون (أو) (1)
والفرق بين الإباحة والتّخيير ، أن الاباحة يجوز فيها الجمع بين الشيئين ، ؛ فإذا قلت «جالس العلماء أو الزّهّاد» ، جاز لك الجمع بين مجالسة الفريقين ، وجاز أن تجالس فريقا دون فريق. وأما التّخيير فلا يجوز فيه الجمع بينهما ، لأن الجمع بين الأختين في عقد النكاح غير جائز.
وإن وقعت «أو» بعد كلام خبريّ ، فهي إمّا للشّك ، كقوله تعالى (قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وإمّا للابهام ، كقوله عزوجل (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.) ومنه قول الشاعر
نحن أو أنتم الألى ألفوا الحقّ
فبعدا للمبطلين وسحقا
وإما للتقسيم ، نحو «الكلمة أسم أو فعل أو حرف» ، وإمّا للتّفصيل بعد الإجمال ، نحو «اختلف القوم فيمن ذهب ، فقالوا ذهب سعيد أو خالد أو عليّ». ومنه قوله تعالى (قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) أي بعضهم قال كذا ، وبعضهم قال كذا. وإمّا للاضراب بمعنى «بل» ، كقوله تعالى (وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ ، أَوْ يَزِيدُونَ) أي بل يزيدون ، ونحو «ما جاء سعيد ، أو ما جاء خالد».
للتقريب كقولك : ما أدري أأذنّ أو أو أقام ، أي لسرعته. وإنّ كان يعلم أنّه أذّن ومن ذلك قوله تعالى : (وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) [النحل : 77].1) أو إن وقعت بعد الطّلب ، فهي إمّا للتّخيير ، نحو «تزوّج هندا أو أختها» ، وإما للاباحة ، نحو «جالس العلماء أو الزهّاد». وإما للاضراب ، نحو «إذهب إلى دمشق ، أودع ذلك ، فلا تذهب اليوم» ، أي بل دع ذلك ، أمرته بالذهاب ، ثمّ عدلت عن ذلك.
فصل : ولا تكون (أو) بمعنى : (الواو) ولا بمعنى : (بل) عند البصرّيين وأجازه الكوفّيون.
وحجّة الأوّلين : أنّ الأصل استعمال كل حرف فيما وضع له لئلّا يفضي إلى اللبس وإسقاط فائدة الوضع.
واحتّج الآخرون : بأنّ ذلك قد جاء في القرآن والشعر فمن ذلك قوله تعالى : (وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافات : 147] أي : ويزيدون ، وقال تعالى : (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) [الأنعام : 146] وهي بمعنى الواو ، و (الحوايا) عطفت على الشحوم أو الظهور وقال الشاعر (1): [الطويل]
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى
وصورتها أو أنت في العين أملح
أي : بل أنت.
والجواب : أنّ (أو) في الآية الأولى لشكّ الرأي ، أي : لو رأيتهم لقلت هم مائة ألف أو يزيدون ، وقيل : هي للتخيير ، وقيل : للتقريب ، وقيل : للتفصيل ، أي : بعض الناس يجزرهم كذا وبعضهم كذا ، وأمّا الآية الثانية ف (أو) تنبّه على تحريم هذه الأشياء وإنّ اختلفت مواضعها أو على حلّ المستثنى وإن اختلفت مواضعه ، وهذا كما ذكرنا في دلالة (أو) على تفريق الأشياء على الأزمنة ، وأمّا البيت فالمحفوظ فيه : (أم أنت) ، ولو قدّر صحّة ما رووا فهي على الشكّ أي صورتها أو أنت أملح من غيركما ؛ ولهذا كقولهم : الحسن والحسين أفضل أم ابن الحنفية.
فصل : و (إمّأ) ك (أو) في الشك والتخيير والإباحة ، إلا أنّها أثبت منها في الشكّ لأنّك تبتدىء بها شاكّا و (أو) ياتي الشكّ بها بعد لفظ اليقين.
فصل : وقد زعم قوم أنّها مركّبة من (إن) الشرطية و (ما) النافية ؛ لأن المعنى في قولك : قام إمّا زيد وإما عمرو ، وإن لم يكن قام زيد فقد قام عمرو وهذا تعسّف لا حاجة إليه ؛ لأن وضعها مفردة أقرب من دعوى التركيب ، وليست (إمّا) من حروف العطف أمّا الأولى فليس قبلها ما يعطف عليه ، وأمّا الثانية فيلزمها الواو وهي العاطفة.
1) من شعر ذي الرمة.
فصل : وأمّا (لا) فتثبت الفعل للأوّل دون الثاني ، ولا يحسن إظهار العامل بعدها لئلّا يلتبس بالدعاء ، ألا ترى أنّك لو قلت : قام زيد لا قام عمرو ، لأشبه الدعاء عليه.
فصل : وإذا عطفت بالواو وزدت معها : (لا) أفادت المنع من الجميع كقولك : والله لا كلّمت زيدا ولا عمرا ، ولو حذفتها جاز أن تكّلم أحدهما ؛ لأن الواو للجمع وإعادة (لا) كإعادة الفعل فيصير الكلام بها جملتين.
فصل : وأمّا (بل) فتشرك بها في الإعراب وتضرب بها عن الأوّل نفيا كان أو إثباتا كقولك : ما قام زيد بل عمرو وقام زيد بل عمرو ، ومن هنا استعملت في الغلط ، وقد جاءت للخروج من قصّة إلى قصة كقوله تعالى : (أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ) ثمّ قال : (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ) [الشعراء : 165 - 166] ، وقيل : ههنا لا تدلّ على أنّ الأوّل لم يكن بل دلّت على الانتقال من حديث إلى حديث آخر ، وهذا كما يذكر الشاعر معاني ثمّ يقول : فعد عن ذلك ، أو : فدع ذا.
فصل : وأمّا : (لكن) فللاستدراك مشدّدة كانت أو مخففة وليست للغلط إلا أنّها في العطف مخفّفة البتّة وما بعدها مخالف لما قبلها ؛ لأن ذلك هو معنى الاستدراك ؛ ولهذا كان الاستثناء المنقطع مقدرا ب (لكن) ، وإذا كانت معها (الواو) فالعطف بها لا ب (لكن) فالاستدراك لازم والعطف عارض فيها.
فصل : ولا يعطف بها إلا بعد النفي وذهب الكوفّيون إلى العطف بها بعد الإثبات.
وحجّة الأوّلين : أنّ الاستدراك لازم لها والاستدراك لا يكون إلا المختلفين ؛ فإذا كان الأوّل نفيا كان الثاني إثباتا فيصح أن يقدر العامل بعدها كقولك : ما قام زيد لكن عمرو ، أي : لكن قام عمرو ولا يصح ذلك بعد الإثبات كقولك : قام زيد لكن عمرو ، لأنك إن قدرت لكن قام عمرو ، ولم يكن الثاني مخالفا للأوّل وإن قدرت لكن ما قام عمرو لم يصح لأنّك قدرت مع العامل ما ليس بعامل ، وحرف العطف إنّما ينوب عن العامل فقط ويدل على ذلك أنّك لو قلت : قام زيد لكن عمرو لم يقم ، كان جائزا فظهور النفي والفعل بعد الاسم دليل على أنّه لم يكن مقدرا بعد لكن.
واحتّج الآخرون بأن (لكن) ك (بل) في المعنى فكانت مثلها في العطف وهذا باطل لوجهين :
أحدهما : ما ذكرنا من اختلافهما في المعنى.
والثاني : أنّهما لو استويا في العطف لأدّى إلى الاشتراك ، والأصل أن ينفرد كل حرف بحكم ، وقد ذكرنا ما يبين به الفرق بين الحرفين في الفصل قبله.
فصل : وأمّا (أم) (1)
فالمتصلة هي التي يكون ما بعدها متّصلا بما قبلها ، ومشاركا له في الحكم وهي التي تقع بعد همزة الاستفهام أو همزة التسوية ، فالأول كقولك «أعليّ في الدار أم خالد؟» ، والثاني كقوله تعالى (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ.) وإنما سميت متصلة لأنّ ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر.
و «أم» المنقطعة هي التي تكون لقطع الكلام الأول واستئناف ما بعده. ومعناها الإضراب ، كقوله تعالى (هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ.) والمعنى «بل جعلوا لله شركاء» ، قال الفرّاء «يقولون هل لك قبلنا حقّ؟ أم أنت رجل ظالم» يريدون «بل أنت رجل ظالم» وتارة تتضمّن مع الإضراب استفهاما إنكاريّا ، كقوله تعالى (أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ.) ولو قدّرت «أم» في هذه الآية للاضراب المحض ، من غير تضمّن معنى الانكار ، لزم المحال.
فيعطف بها متصلة ومنقطعة فالمتّصلة هي المعادلة لحرف الاستفهام. ويقدّر الكلام فيها ب (أيّهما) كقولك : أزيد عندك أم عمرو ، أي : أيّهما عندك ، فإن كان بعد (أم) جملة تامة مخالفة للأولى كانت منقطعة كقولك : أزيد عندك أم عمرو في الدار ؛ لأن (أيّا) لا تقع ههنا ، وسببه أنّ (أيهما) اسم مفرد فالخبر عنه واحد ؛ فإذا اختلف الخبران لم يستند إلى أيّهما.فصل : فإن كان مكان الهمزة (هل) كانت (أم) منقطعة كقولك : هل زيد عندك أم عمرو ؛ لأن (هل) لا تستعمل في الإثبات توبيخا بخلاف الهمزة ، ألا ترى إلى قول الراجز (2): [الرجز]
أطربا وأنت قنّسري
ولو قلت : هل تطرب وأنت شيخ؟! على التوبيخ لم يجز ، وكذلك لا تستعمل.
(هل) في التسوية ، والهمزة تستعمل فيها ، فلما كانت الهمزة أوسع تصرفا خصّت (أم) بمعادلتها.
فصل : وقد تأتي (أم) بمعنى : (بل والهمزة) ، وذلك بعد الخبر والاستفهام ، فمن الخبر : إنها لإبل أم شاء ، وذلك أنّه رأى شيئا من بعيد فظنه إبلا ثم بان خلاف ذلك ، فاستفهم بعد
فرجع عن الأوّل ف (أم) جمعت الإضراب والاستفهام وتقول في الاستفهام : هل زيد عندك؟ أم عمرو في الدار؟ فهما سؤالان والمتصّلة سؤال واحد.
فصل : والفرق بين (أم) المتّصلة و (أو) أنّ (أو) لأحد الشيئين و (أم) سؤال عن المشكوك في عينه ، فمثاله أن تقول : أزيد عندك أو عمرو؟ شاكّ في أصل وجود أحدهما عنده ؛ فإذا قال : نعم ، أثبتّ وجود أحدهما مبهما ؛ فإذا أردت التعيين قلت : أزيد عندك أم عمرو؟ فالجواب أن تقول : زيد أو عمرو ، ولا تقول : (نعم) ولا : (لا) ، ولو قال في جواب (أو) : (لا) أو : (نعم) جاز.
فصل : وأمّا (حتّى) (1)فقد تكون بمعنى (الواو) بشروط قد ذكرت في بابها.
فصل : وحروف العطف غير عاملة ؛ لأنها لو عملت لعملت عملا واحدا ، والواقع بعدها أعمال مختلفة ، ولأنّها غير مختّصة بالأسماء ولا بالأفعال فعلم أنّها نائبة عن ذكر العامل لا نائبة عنه في العمل.
فصل : ولا يعطف على الضمير المرفوع المتصل حتّى يؤكد ، وقال الكوفّيون : يجوز من غير توكيد.
حجّة الأوّلين : أنّ الضمير إن كان مستترا لم يعطف عليه ؛ لأن العطف من أحكام الألفاظ لا المعاني ، وإن كان ملفوظا به فهو في حكم جزء من الفعل بدليل أنّ الفعل يسكن له وأدلة أخرى قد ذكرناها في باب الفاعل فالعطف عليه كالعطف على بعض الكلمة فإذا أكّد قوي.
واحتج الآخرون بقوله تعالى : (ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) [الأنعام : 148] وبقول الشاعر (2)
رفع إلى عمر بن عبد العزيز أنه يتعرض للنساء ويشبب بهن ، فنفاه إلى دهلك ، ثم غزا في البحر فاحترقت السفينة به وبمن معه ، فمات فيها غرقا.
: [الخفيف]1) حتى العطف بها قليل. وشرط العطف بها أن يكون المعطوف اسما ظاهرا ، وأن يكون جزءا من المعطوف عليه أو كالجزء منه ، وأن يكون أشرف من المعطوف عليه أو أخسّ منه ، وأن يكون مفردا لا جملة ، نحو «يموت الناس حتى الأنبياء. غلبك الناس حتى الصبيان. أعجبني عليّ حتى ثوبه». واعلم أنّ «حتى» تكون أيضا حرف جرّ ، كما تقدم. وتكون حرف ابتداء ، فما بعدها جملة مستأنفة.
2) البيت من شعر عمر بن أبي ربيعة : (23 - 93 ه / 643 - 711 م) وهو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي القرشي ، أبو الخطاب. أرق شعراء عصره ، من طبقة جرير والفرزدق ، ولم يكن في قريش أشعر منه. ولد في الليلة التي توفي بها عمر بن الخطاب ، فسمي باسمه. وكان يفد على عبد الملك بن مروان فيكرمه ويقربه.
قلت إذ أقبلت وزهر تهادى
كنعاج الملا تعسّفن رملا
وبأنّ العطف كالتوكيد والبدل.
والجواب : أمّا الآية فإنّ (لا) سد فيها مسدّ التوكيد ، وأمّا البيت فقيل : (الواو) واو الحال و (زهر) مبتدأ ، وقيل : هو شاذّ لا يقاس ، وأمّا التوكيد والبدل فهما المضمر في المعنى بخلاف المعطوف.
فصل : ولا يعطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الجارّ ، وأجازه الكوفّيون من غير إعادة ، وحجّة الأوّلين من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ الضمير المجرور مع الجارّ كشيء واحد ؛ ولذلك لم يكن إلا متصّلا فالعطف عليه كالعطف على بعض الكلمة.
والثاني : أنّ المعطوف لو كان مضمرا لم يكن بدّ من إعادة الجرّ ، فكذلك إذا كان معطوفا عليه.
والثالث : أنّ الضمير كالتنوين مع الإضافة وأنّه على حرف واحد كما لا يعطف على التنوين كذلك الضمير.
واحتّج الآخرون بقوله تعالى : (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) [النساء : 1] على قراءة الجرّ وبأبيات أنشدوها أمّا الآية فقراءة الجرّ فيها ضعيفة والقارئ بها كوفيّ تنبيها على أصولهم ، وقيل : هي واو القسم وجواب القسم ما بعدها ، وقيل : أراد إعادة (الباء) فحذفها ، وأمّا الأبيات فمنها ما لا يثبت في الرواية ، وما يثبت منها فهو شاذّ وبعضها يمكن إعادة الجارّ معه وله نظير نذكره من بعد.
مسألة : ولا يجوز العطف على عاملين ، وأجازه الأخفش وصورته : ما زيد بذاهب ولا قائم عمرو ، ف (قائم) معطوف على المجرور ، و (عمرو) معطوف على المرفوع ، ولا يجيزه الأخفش إلا إذا ولي المجرور المجرور وتأخر المرفوع كقولك : زيد في الدار والسوق وعمرو.
وحجّة الأولين من وجهين :
أحدهما : أنّ حرف العطف نائب عن العامل ، وليس من قوته أن ينوب عن اثنين فلذلك لا يصحّ إظهارهما بعده.
والثاني : أنه لو جاز العطف على عاملين لجاز على أكثر ولجاز أن يتقدم المرفوع على المجرور كقولك : زيد في الدار وعمرو السوق أنّه واحتج الآخرون بقوله تعالى : (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) إلى قوله : (آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الجاثية : 5] ف (اختلاف) بالجرّ معطوف على : (خَلَقَكُمْ) و (آيات) الثالثة معطوفة على (آيات) الأولى المنصوبة ب (إنّ) وبقول الشاعر (1): [المتقارب]
هوّن عليك فإنّ الأمور
بكفّ الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيّها
ولا قاصر عنك مأمورها
ف (قاصر) معطوف على (آتيك) ، و (مأمورها) على (منهيّهّها).
وقال آخر : [المتقارب]
أكلّ امرىء تحسبين امرءا
ونار توقّد في الحرب نارا
والجواب : أمّا الآية فلا حجّة فيها ؛ لأن الآيات ذكرت توكيدا رفعت أو نصبت لتقدّم ذكرها ، وأمّا البيت فيروى بالرفع على أنّه خبر مقدّم وبالنصب عطفا على موضع خبر ليس وبالجرّ على غير ما احتّج به ، وبيانه أنّ (مأمورها) مرفوع ب (قاصر) ؛ لأنه من سبب اسم : (ليس) فلا يكون عطفا على عاملين.
فإن قيل : من شروط ذلك أن يكون الضمير هو اسم ليس ليكون من سببه ، والضمير في (مأمورها) للأمور لا للمنهي؟
1) الأبيات للإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه.
قلنا : بل هي للمنهي ؛ لأن المنهي أمر من جملة الأمور وأنّث الضمير ؛ لأن المنهيّ مضاف إلى مؤنّث فجوز تأنيث ضميره كما قالوا : ذهبت بعض أصابعه ، وكما قال تعالى : (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) [الأنعام : 160] والتقدير : ولا يقصر عنك مأمور المنهيّات والإضافة للتمييز ؛ لأن في المنهيات مأمورا على هذا المعنى حمله سيبويه ، وأمّا البيت الآخر فالتقدير فيه : (وكلّ نار) فحذفه لتقدّم ذكره.
إنّما أعمل اسم الفاعل إذا كان للحال أو الاستقبال لوجهين :
أحدهما : أنّه جار على الفعل المضارع في حركاته وسكناته في الأغلب ف (ضارب) على زنة : (يضرب) ، و (يكرم) على زنة : (مكرم) ، فأمّا : (مضروب) فكان قياسه : (مضرب) ؛ لأنه على زنة : (يضرب) ولكنّهم زادوا (الواو) لينفصل الثلاثي من الرباعيّ ، وفتحوا (الميم) لثقل الضمّة مع الواو ، وأمّا (فعل وفعيل) فسيأتي الكلام عليهما.
والثاني : أنّ الأصل في الأسماء ألا تعمل ، كما أنّ الأصل في الأفعال ألا تعرب ، إلا أنّ المضارع أعرب لمشابهة اسم الفاعل فينبغي ألا يعمل اسم الفاعل إلا ما أشبه منه المضارع في الحال والاستقبال.
فصل : فأمّا اسم الفاعل إذا كان للمضيء فلا يعمل ، ومن الكوفيّين من يعمله.
وحجّة الأوّلين في ذلك : أنّ الماضي لا يشبه اسم الفاعل ، ولا اسم الفاعل يشبهه ، فلم تحمل علته في العمل كما لم يحمل الماضي على الاسم في الإعراب.
واحتجّ الآخرون بقوله تعالى : (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) [الكهف : 18] وبقوله تعالى : (فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً) [الأنعام : 96] فنصب المعطوف وبقولهم هذا معطي زيد درهما أمس ولا ناصب للدرهم إلا الاسم.
والجواب : أمّا الآية الأولى فحكاية حال كما يحكى الماضي بلفظ المضارع مثل قولك :
مررت بزيد أمس يكتب ، وأمّا الآية الثانية ففيها جوابان :
أحدهما : أنّه على الحكاية أيضا ؛ لأنه سبحانه وتعالى في كلّ يوم يفلق الإصباح ويجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا.
والثاني : أنّ الشمس والقمر ينتصبان بفعل محذوف ، أي : وجعل الشمس ، وهكذا يقدّر في المسألة المستشهد بها ، أي : أعطاه درهما.
فصل : اسم الفاعل (1)
ولا تجوز إضافته إلى فاعله ، كما يجوز ذلك في المصدر ، فلا يقال «هل مكرم سعيد ضيوفه».
وشرط عمله أن يقترن بأل. فإن اقترن بها ، لم يحتج إلى شرط غيره. فهو يعمل ماضيا أو حالا أو مستقبلا ، معتمدا على شيء أو غير معتمد ، نحو «جاء المعطي المساكين أمس أو الآن أو غدا».
فإن لم يقترن بها ، فشرط عمله أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال ، وأن يكون مسبوقا بنفي ، أو استفهام ، أو اسم مخبر عنه به ، أو موصوف ، أو باسم يكون هو حالا منه ، فالأول ، نحو «ما طالب صديقك رفع الخلاف». والثاني نحو «هل عارف أخوك قدر الإنصاف؟». والثالث نحو «خالد مسافر أبواه». والرابع نحو «هذا رجل مجتهد أبناؤه». والخامس نحو «يخطب عليّ رافعا صوته».
وقد يكون الاستفهام والموصوف مقدّرين. فالأول نحو «مقيم سعيد أم منصرف؟» والتقدير أمقيم أم منصرف؟ والثاني كقول الشاعر
كناطح صخرة يوما ليوهنها
فلم يضرها ، وأوهى قرنه الوعل
أي كوعل ناطح صخرة. ونحو «يا فاعلا الخير لا تنقطع عنه ، أي يا رجلا فاعلا.
واعلم أنّ مبالغة اسم الفاعل تعمل عمل الفعل ، كاسم الفاعل ، بالشروط السابقة ، نحو «أنت حمول النائبة ، وحلّال عقد المشكلات».
والمثنّى والجمع ، من اسم الفاعل وصيغ المبالغة ، يعملان كالمفرد منهما ، كقوله تعالى (وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً ،) وقوله (خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ.)
وإذا جرّ مفعول اسم الفاعل بالإضافة إليه ، جاز في تابعه الجرّ مراعاة للفظه ، والنصب مراعاة لمحله ، نحو «هذا مدرّس النحو والبيان ، أو البيان» ونحو «أنت معين العاجز المسكين ، أو المسكين».
المعمل عمل الفعل تجوز إضافته فيجرّ ما بعده ، والتنوين فيه مراد ، وحذف تخفيفا فإنّ ثنّي أو جمع حذف منه النون وأضيف لا غير إنّ لم يكن فيه ألف ولام ، وإن نونت نصبت به لا غير ، وكذا إذا أثبت النون فإن كان فيه ألف ولام وهو مفرد لم تضفه إلا لمّا فيها ألف واللام على ما نبيّنه ، وإن كان مثنّى أو مجموعا جاز أن تحذف النون وتضيف كقولك : هذان الضاربا زيد ، ويجوز أن تنصب ويكون حذف النون تخفيفا لطوله بالألف واللام فان أثبتّ النون لم تكن فيه الإضافة.فصل : وقد حمل قولهم : هذا الضارب الرجل على الحسن الوجه في الجمع بين الألف واللام والإضافة ؛ لأن الإضافة لم تعرف فيهما والجيّد النصب ؛ لأن الألف واللام تمنع الإضافة.
1) يعمل اسم الفاعل عمل الفعل المشتق منه ، إن متعديا ، وإن لازما. فالمتعدّي نحو «هل مكرم سعيد ضيوفه؟». واللازم ، نحو «خالد مجتهد أولاده».
فإن قلت : هذا الضارب زيدا لم تجز الإضافة ؛ لأن القياس ترك الإضافة في الجميع إلا أنّها جازت إذا كان في الثاني ألف ولام حملا على باب الحسن الوجه فيجري غيره على القياس.
فصل : وإنّما يعمل اسم الفاعل وما حمل عليه عمل الفعل إذا اعتمد على شيء قبله مثل أن يكون خبرا أو حالا أو صفة أو صلة أو كان معه حرف النفي أو الاستفهام ؛ لأنه ضعيف في العمل لكونه فرعا فقوي بالإعتماد ، وقال الأخفش وطائفة معه : يعمل وإن لم يعتمد لقوّة شبهه بالفعل.
فصل : ويعمل فعّال وفعول ومفعال عمل اسم الفاعل ؛ لأن ما فيها من المبالغة وزيادة الحرف جبر لما دخلها من النقص عن اسم الفاعل في جريانه على الفعل ومن الكوفيّين من منع إعمال ذلك وهو مذهب مخالف لنصوص العرب فقد قال الشاعر (1)
والد الإمام علي كرم الله وجهه ، وعم النبي صلىاللهعليهوسلم وكافله ومربيه ومناصره. كان من أبطال بني هاشم ورؤسائهم ، ومن الخطباء العقلاء الأباة.
وله تجارة كسائر قريش. نشأ النبي صلىاللهعليهوسلم في بيته ، وسافر معه إلى الشام في صباه. ولما أظهر الدعوة إلى الإسلام همّ أقرباؤه (بنو قريش) بقتله فحماه أبو طالب وصدهم عنه.
وفي الحديث : «ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب». مولده ووفاته بمكة.
: [الطويل]ضروب بنصل السيف سوق سمانها
إذا عدموا زادا فإنّك عاقر
وقال آخر : [الطويل]
فيال رزام رشّحوا بي مقدّما
إلى الموت خوّاضا إليه الكتائبا
فصل : فأمّا (فعل وفعيل) فيعملان عند سيبويه للمعنى الذي ذكرنا ، وقال الشاعر :
[الكامل]
حذر أمورا لا تضير وآمن
ما ليس ينجيه من الأقدار
فصل : و (فعل وفواعل) جمعا يعملان عمل المفرد لما بينهما من المشابهة ، قال طرفة : [الرمل]
ثمّ زادوا أنّهم في قومهم
غفر ذنبهم غير فجر
والعرب تقول : (هؤلاء حواجّ بيت الله) بالنصب على الإعمال وبالجرّ على الإضافة.
1) من شعر أبو طالب : (85 - 3 ق. ه / 540 - 619 م) وهو عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم من قريش ، أبو طالب.
وهي كل صفة (1)
ولك في معمولها أربعة أوجه :
1 - أن ترفعه على الفاعليّة ، نحو «عليّ حسن خلقه ، أو حسن الخلق أو الحسن خلقه ، أو الحسن خلق الأب».
2 - أن تنصبه على التّشبيه بالمفعول به ، إن كان معرفة ، نحو «عليّ حسن خلقه ، أو حسن الخلق ، أو الحسن الخلق ، أو الحسن خلق الأب».
3 - أن تنصبه على التمييز ، إن كان نكرة ، نحو «عليّ حسن خلقا ، أو الحسن خلقا».
4 - أن تجرّه بالإضافة ، نحو «عليّ حسن الخلق ، أو الحسن الخلق ، أو حسن خلقه ، أو حسن خلق الأب ، أو الحسن خلق الأب».
لا تجري على الفعل ممّا لا مبالغة فيه نحو : حسن وبطل وشديد ، ومشابهتها له في أنّها تثّنى وتجمع وتؤنث ، وهي مشتقّة كما أنّه مشتقّ ف (حسن وحسنان وحسنون وحسنه وحسنتان وحسنات) مثل : (ضارب وضاربان وضاربون وضاربة وضاربتان وضاربات) وينقص عن اسم الفاعل أنّه على غير زنة الفعل فلهذا نقص عن عمله فلا يتقدّم معموله عليه.فصل : وتجتمع الإضافة والألف واللام في هذا الباب وما حمل عليه لما ذكرنا في باب الإضافة ، إلا أنّه يجوز ههنا في الاسم الثاني عدّة أوجه :
أحدها : (مررت برجل حسن وجهه) على أنّ ترفع بالصفة ولا ضمير فيها لارتفاع الظاهر بها والهاء تعود على الموصوف.
والثاني : (برجل حسن وجهه) فنصب على التشبيه بالمفعول وأجاز قوم نصبه على التمييز.
والثالث : (برجل حسن وجهه) بالإضافة في قول سيبويه ، ومنعه الأكثرون واحتجّ بقول الشماخ (2): [الطويل]
1) تعمل الصفة المشبهة عمل اسم الفاعل المتعدّي إلى واحد ، لأنها مشبّهة به ويستحسن فيها أن تضاف إلى ما هو فاعل لها في المعنى ، نحو «أنت حسن الخلق ، نقيّ النفس ، طاهر الذّيل».
2) البيتين من شعر الشماخ الذبياني :(- 22 ه / - 642 م) وهو الشماخ بن ضرار بن حرملة بن سنان المازني الذبياني الغطفاني. شاعر مخضرم ، أدرك الجاهلية والإسلام ، وهو من طبقة لبيد والنابغة. كان شديد متون الشعر ، ولبيد أسهل منه منطقا ، وكان أرجز الناس على البديهة. جمع بعض شعره في ديوان. شهد القادسية ، وتوفي في غزوة موقان. وأخباره كثيرة. قال البغدادي وآخرون : اسمه معقل بن ضرار ، والشماخ لقبه.
أمن دمنتين عّرس الركب فيهما
بحقل الرّخامى قد عفا طللاهما
أقامت على ربعيهما جارتا صفا
كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما
ف (جونتا) صفة ل (جارتا) والضمير المثّنى لهما.
ومن حجة من خالفه : أنّ ذلك يفضي إلى إضافة الشيء إلى نفسه ، وتأوّلوا البيت على أنّ الضمير للأعالي وهو خلاف الظاهر ، فإنّ حمل التثنية على الجمع ليس بقياس ، وليست الإضافة هنا من إضافة الشيء إلى نفسه ؛ لأن (الحسن) للوجه و (الهاء) ليست للوجه ، وإنّما حصّلت التعريف كما تحصله الألف واللام.
والوجه الرابع : (مررت برجل حسن الوجه) بالإضافة.
والخامس : (الوجه) بالنصب على التشبيه بالمفعول أو التمييز.
والسادس : (الوجه) بالرفع وفيه ثلاث مذاهب :
أ - أحدها : أنّه فاعل والعائد محذوف تقديره : مررت برجل حسن الوجه منه فحذف للعلم به كما قال تعالى : (وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى) [النازعات : 41] أي : هي المأوى له ومثله حذف العائد في الصلة وأشباهها.
ب - والثاني : أنّ في (حسن) ضمير فاعل ، و (الوجه) بدل منه ، وجاز ذلك لما كان الوجه جزءا من الرجل ، والرجل مشتمل عليه ولا حذف على هذا الوجه.
ت - والثالث : أنّ الألف واللام بدل من الهاء ، وهو قول الفرّاء ، وهو في غاية الضعف لوجهين :
أحدهما : أنّ البدل ما كان في معنى الأصل ، والهاء تعرّف بالإضافة والألف واللام تعرّف بالعهد وهما مختلفان.
والثاني : أنّهما لو كانا بدلا من الهاء هنا لكانا كذلك في غيره ، وليس كذلك ألا ترى أنّك لو قلت : زيد الغلام حسن ، وأنت تريد غلامه لم يجز.
ومن المفعول قول الآخر (1):
ودعوا نزال فكنت أوّل نازل
وعلام أركبه إذا لم أنزل
ومنها أنّ الألف واللام دخلتا على بعضها كقولهم : النجاء بمعنى أنج.
فصل : وفائدة وضع هذه الأشياء من وجهين :
أحدهما : أنّه أبلغ في المعنى من الألفاظ التي نابت عنها.
والثاني : الاختصار ، فإنّه لا يظهر فيها علم التثنية والجمع والتأنيث إذ كانت اسما والامر يظهر فيه ذلك.
فصل : ومعظم هذه الأسماء تنوب عن الأمر للمخاطب ، وإنّما كان ذلك لوجهين ؛ أحدهما : أنّ المخاطب يتنبّه للمراد منه بالإشارة وما هو أخفى منها ؛ فإذا لم يكن اللفظ صريحا في الدلالة على المعنى كهذه الأسماء خص بها المخاطب ليقوى بالمواجهة.
والوجه السابع : أنّ يكون في الصفة الألف واللام كقولك : مررت بالرجل الحسن ، فإن كان (الوجه) بعدها فيه الألف واللام ففيه الرفع والنصب والجرّ على ما تقدّم ، وإن كان (وجهه) بالهاء ففيه الرفع والنصب على ما تقدّم ، وأمّا الجرّ فممتنع ؛ لأن الإضافة مع الألف واللام في الأوّل لا تكون إلا إذا كان في المضاف إليه الألف واللام لما بينهما من المشابهة وهنا التعريفان مختلفان ، وقد وقع في هذا الوجه خمسة أوجه جائزه وواحد ممتنع ، فإمّا أن يكون الوجه نكرة والصفة نكرة فالأوجه الثلاثة جائزة ؛ لأنه قد علم أنّه لا يريد إلا وجه الممرور به وإن كان في الصفة الألف واللام فالرفع والنصب جائزان والجرّ ممتنع لما تقدم ، فإذن جملة الوجوه الجائزة ستة عشر واثنان ممتنعان.
فصل : وأمّأ (أفعل منك) بعد اسم الفاعل فإنّه لا يثنّى ولا يجمع ولا يؤنّث ، فعند ذلك تقول : (مررت برجل أفضل منه أبوه) فترفع على أنّه خبر متقدّم ، ومثله : (مررت برجل خير منه أبوه وشرّ منه غلامه) ؛ لأن أصل خير وشرّ : (أخير وأشرر) ومن العرب من يعمل أفعل ؛ لأنه وصف مشتقّ.
1) البيت من شعر الضبي الشاعر : وهو ربيعة بن مقروم بن قيس بن جابر بن خالد بن عمرو ، ينتهي إلى ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار. شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام. وكان ممن أصفق عليه كسرى ثم عاش في الإسلام زمانا.
فصل : فأمّا ما عمله في المضمر فجائز ؛ لأن مضمره ليس بلفظ بل هو النيّة فإمّا يقع موقع المضمر فقولهم : ما رأيت رجلا أحسن في عينيه الكحل منه في عين زيد ، فالكحل مرفوع ب (أحسن) وجاز ذلك لما كان المعنى أحسن هو ؛ لأن الذي يحسن بالكحل الرجل لا الكحل ، ومنه الحديث المرفوع : «ما من أيّام أحبّ إلى الله فيها الصوم من عشر ذي الحجّة» (1).
فصل : وإذا صغّر المصدر لم يعمل لوجهين :
أحدهما : أنّ التصغير كالوصف.
والثاني : أنّه يبعد من شبه الفعل ؛ إذ الأفعال لا تصغّر ولا عبرة بتصغير فعل التعجب لما نذكره هناك.
فصل : فإن وصف المصدر قبل المعمول لم يعمل ؛ لأن الوصف يبعده من الفعل ؛ لأن الفعل لا يوصف ، ولأنّ الوصف يفصل بين الموصول وصلته والمصدر موصول ومعموله من صلته.
فصل : وأقوى المصادر عملا المنوّن ؛ لأنه أشبه بالفعل إذ كان نكره وإن الفعل لا يضاف ثّم يليه المضاف ؛ لأن الإضافة في حكم الأسماء ، وقد لا تعرفّ إذا حذف.
1) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة (758) ، وأخرجه ابن ماجه (1728) ، وأخرجه أحمد في مسنده (6469) ، وأخرجه ابن الأعرابي في معجمه (938).
فصل : كلّ مصدر صحّ تقديره ب (أن والفعل) عمل عمل فعله المشتقّ منه ، وإنّما كان كذلك ؛ لأنه يشبه الفعل في أنّ حروفه فيه ، وأنّه يشاركه في الدلالة على الحدث ، وأنّه يكون للأزمنة الثلاثة ، فإن لم يحس تقديره بأن والفعل لم يعمل ؛ لأن الأصل في العمل للفعل ، وإذا لم يصحّ تقدير الاسم بالفعل بطل شبهه به ، والذي لا يقدر بأن والفعل المصدر المؤكد نحو : ضربت ضربا ، فأما قولك : (ضربا زيدا) فالعمل للفعل المقدر الناصب للمصدر ، وربّما وقع في كلام بعض النحوييّن : أنّ (ضربا) هذا هو العامل ، وذلك تجوّز من قائله.
فصل : ويعمل المصدر وإنّ لم يعتمد بخلاف اسم الفاعل ؛ لأنه قوي بكونه أصلا للفعل وأنّه موصوف لا وصف (1)
فإن كان فعله لازما ، احتاج إلى الفاعل فقط ، نحو «يعجبني اجتهاد سعيد».
وإن كان متعدّيا احتاج إلى فاعل ومفعول به. فهو يتعدّى إلى ما يتعدّى إليه فعله ، إمّا بنفسه ، نحو «ساءني عصيانك أباك» ، وإمّا بحرف الجرّ ، نحو «ساءني مرورك بمواضع الشّبهة». واعلم أن المصدر لا يعمل عمل الفعل لشبهه به ، بل لأنه أصله.
ويجوز حذف فاعله من غير أن يتحمّل ضميره ، نحو «سرّني تكريم العاملين». ولا يجوز ذلك في الفعل ، لأنه إن لم يبرز فاعله كان ضميرا مستترا ، كما تقدّم في باب الفاعل.
ويجوز حذف مفعوله ، كقوله تعالى (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ،) أي استغفار إبراهيم ربّه لأبيه.
وهو يعمل عمل فعله مضافا ، أو مجرّدا من «أل» والإضافة ، أو معرّفا بأل ، فالأول كقوله تعالى (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) والثاني كقوله عزوجل (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ.) والثالث إعماله قليل ، كقول الشاعر
لقد علمت أولى المغيرة أنّني
كررت ، فلم أنكل عن الضّرب مسمعا
وشرط لإعمال المصدر أن يكون نائبا عن فعله ، نحو «ضربا اللصّ» ، أو أن يصحّ حلول الفعل مصحوبا بأن أو «ما» المصدريتين محلّه. ؛ فإذا قلت «سرّني فهمك الدّرس» ، صحّ أن تقول «سرّني أن تفهم الدرس». وإذا قلت «يسرّني عملك الخير» ، صحّ أن تقول «يسرّني أن تعمل الخير». وإذا قلت «يعجبني قولك الحقّ الآن» ، صحّ أن تقول «يعجبني ما تقول الحقّ الآن». غير أنه إذا أريد به المضيّ أو الاستقبال قدّر بأن ، وإذا أريد به الحال قدّر بما ، كما رأيت. لذلك لا يعمل المصدر المؤكّد ، ولا المبيّن للنوع ، ولا المصغّر ، ولا ما لم يرد به الحدث. فلا يقال «علّمته تعليما المسألة» ، على أنّ «المسألة منصوبة بتعليما» بل بعلّمت ، ولا «ضربت ضربة وضربتين اللصّ» ، على نصب اللص بضربة أو ضربتين ، بل بضربت ، ولا «يعجبني ضريبك اللصّ» ، ولا «لسعيد صوت صوت حمام» ، على نصب «صوت» الثاني بصوت الأول بل يفعل محذوف ، أو يصوت صوت حمام ، أي يصوّت تصويته. ويجوز أن يكون مفعولا به لفعل محذوف ، أي يشبه صوت حمام.
.1) يعمل المصدر عمل فعله تعدّيا ولزوما.
عرّفت كان التعريف ساريا من الثاني إلى الأوّل بعد أن مضى لفظه على لفظ النكرة بخلاف الألف واللام ، ثم ما فيه الألف واللام وعمله ضعيف ؛ لأن الألف واللام أداة زائدة في أوّله تنقله من التنكير إلى التعريف في أوّل أحواله ومع ذلك فعمله جائز ؛ لأن الشبه فيه باق وهو قليل في الاستعمال ، ولم يأت في القرآن منه معمل في غير الظرف فيما علمنا وإن جاء معملا في الظرف كقوله تعالى : (لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) [النساء : 148] فأمّا قول الشاعر : [المتقارب]
ضعيف النكاية أعداءه
يخال الفرار يراخي الأجل
فتقديره : (ضعيف النكاية في أعدائه) فلمّا حذف حرف الجر وصل المصدر ، وقيل : لا يحتاج إلى حرف يعدّيه فأمّا قول الشاعر (1)
شاعر كان جده خالد بن نضلة قائد بني أسد يوم الكلاب وعاش في العصر الأموي ، كان قصيرا مفرط القصر ، ولكنه كان شجاعا كريما ولكنه كان من الشعراء اللصوص وقد سجن مرتين كان من سكان البادية ، وكان كثير الشعر ، ولكن فقد أكثره وموضوعات شعره تتناول الوصف والرثاء والفخر والغزل والهجاء.
: [الطويل]لقد علمت أولى المغيرة أنّني
كررت فلم أنكل عن الضّرب مسمعا
ف (مسمعا) منصوب ب (الضرب) ، وقيل : منصوب ب (كررت) وحرف الجرّ محذوف والأوّل أقوى ؛ لأن المصدر أقرب إليه وهو معتد بنفسه ، ويروى : (لحقت) وهو الناصب في أقوى الوجهين ؛ لأن الفعل وإن تقدّم فهو أقوى من المصدر ولا سيما مع الألف واللام.
فصل : ولا يتقدّم معمول المصدر عليه ولا يفصل بينهما بخبر ولا صفة ولا أجنبي بحال ؛ لأنه موصول.
1) البيت من شعر المرار الفقعسي : وهو المرّار بن سعيد بن خالد بن نضلة الفقعسي الأسدي.
فصل : والمصدر لا يتحمل الضمير لأنه اسم جامد فهو ك (زيد والغلام) ، وإنّما يحذف الفاعل معه حذفا كقوله تعالى : (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً) [البلد : 14 - 15] ف (إطعام) خبر مبتدأ محذوف ، والفاعل محذوف ، أي إطعام هو ، وهو المذكور في قوله تعالى : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين : 4] وأجاز قوم أن يتحمّل الضمير كما تحمله الصفة المشبّهة وكالظرف ؛ لأنه يعمل في الظاهر فيعمل في المضمر وهذا ضعيف ؛ لأن تلك الأشياء يوصف بها وتكون أحوالا فجرت مجرى الفعل.
فصل : والمصدر يضاف إلى الفاعل ؛ لأنه غيره بخلاف اسم الفاعل ؛ لأنه هو الفاعل في المعنى ويضاف إلى المفعول ؛ لأنه كالفاعل في تحقّق الفعل به ، ويجوز أن يقدّر المصدر بفعل لم يسّم فاعله كقولك : عجبت من ضرب زيد ، أي : من أن يضرب.
فصل : وإذا عطفت على المضاف إلى المصدر جاز أن تجرّ المعطوف حملا على اللفظ وأنّ تنصبه أو ترفعه حملا على الموضع ، وكذلك الوصف.
واسم الفعل يلزم صيغة واحدة للجميع. فنقول «صه» ، للواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث ، إلا ما لحقته كاف الخطاب ، فيراعى فيه المخاطب فتقول «عليك نفسك ، وعليك نفسك ، وعليكما أنفسكما ، وعليكم أنفسكم ، وعليكنّ أنفسكنّ ، وإليك عني ، وإليك عني ، وإليكما عني ، وإليكم عني ، وإليكنّ عني ، وهاك الكتاب وهاك الكتاب ، وهاكما الكتاب ، وهاكم الكتاب ، وهاكنّ الكتاب».
وذلك نحو : (صه ومه ورويد ونزال) وكلّها أسماء والدليل على ذلك أشياء :
أحدها : أنّها تدلّ على معنى في نفسها ولا تدلّ على زمانه من طريق الوضع ، وحقيقة القول فيه : أنّ (صه) اسم ل (اسكت) وليس اللفظان عبارتين عن شيء واحد مثل : اسكت واصمت ، ف (صه) اسم ومسمّاه لفظ اخر وهو السّكت ، فالزمان معلوم من المسمّى لا من الاسم.
والوجه الثاني : أنّها تنوّن فرقا بين المعرفة والنكرة والتعريف والتنكير من خصائص الأسماء.
والثالث : أنّها تقع موقع الفاعل والمفعول فمن الفاعل قول زهير : [الكامل]
ولأنت أشجع من أسامة إذ
دعيت نزال ولجّ في الذعر
والثاني : أنّها لو جعلت أمرا للغائب أو خبرا لاحتاجت في الأمر إلى تقدير اللام واللام لا تقدر مع صريح الفعل فكيف تقدّر مع الاسم ، وأمّا الخبر عن الغائب فيفتقر إلى ذكره مقدما أو مؤخرا ، وقد جاء شيء منها للغائب كقوله : «يا معشر الشباب ؛ من استطاع منكم الباءة فليتزوّج ومن لم يستطع فعليه بالصوم» (2).
1) اسم الفعل كلمة تدلّ على ما يدلّ عليه الفعل ، غير أنها لا تقبل علامته. وهو ، إما أن يكون بمعنى الفعل الماضي ، مثل «هيهات» ، بمعنى «بعد» أو بمعنى الفعل المضارع ، مثل «أفّ» ، بمعنى أتضجّر ، أو بمعنى فعل الأمر ، مثل «آمين» ، بمعنى استجب. ومن أسماء الأفعال «شتان» بمعنى افترق ، و «وي» ، بمعنى أعجب ، و «صه» بمعنى اسكت ، و «مه» بمعنى انكفف ، و «بله» بمعنى دع واترك ، و «عليك» ، بمعنى الزم ، و «اليك عني» ، بمعنى تنحّ عني ، و «إليك الكتاب» ، بمعنى حذه ، و «ها وهاك وهاء القلم» أي خذه.
2) حديث صحيح أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود (1905) ، و (5065) ، و (5066) ، وأخرجه مسلم (1402) ، وأخرجه النسائي (2240) ، وأخرجه أبو داود (2046) ، وأخرجه ابن ماجه (1845) ، وأخرجه أحمد في مسنده (3581) ، وأخرجه الدارمي في سننه (2165).
وإنّما ساغ ذلك لتقدم الخطاب ، وقد حكي عن بعض العرب أنّه قال : عليه رجلا ليسي يريد ليطلب رجلا غيري ، والأصل : ليس إيّاي فحصل في الحكاية شذوذ من وجهين ، وحكي عن بعضهم أنّه قيل له : إليك ، فقال : إليّ أي ، قيل له : تنحّ ، فقال : اتنحى وهذا خبر.
فصل : وهذه الأسماء في لزومها وتعديها على حسب ما نابت عنه ف (صه) و (مه) و (واها) لازمة ؛ لأن (صه) ناب عن اسكت. (ومه) عن (اكفف). و (واها) عن (اتعجب).
ومنها ما يتعدى بحرف الجر كقولك : (عليك بالرفق) كأنك قلت : تخلّق به.
ومنها ما يتعدى بنفسه كقولك : (تراك زيدا ومناعه) أي : اتركه وأمنعه.
فصل : وأمّا ما جاء منها خبرا فهو : (شتان) وهو اسم ل (افترق) ولا يكون فاعله إلا اثنين كقولك : شتّان زيد وعمرو ، أي : افترقا حملا على أصله ، وقد تزاد معه : (ما) كما قال الشاعر (1): [السريع]
شتّان ما يومي على كورها
ويوم حيّان أخي جابر
فأمّا قول العامّة : شتان بين فلان وفلان فخطأ لعدم الفاعلين ، والحكم بزيادة (بين) هنا خطأ ؛ لأنها لم تزد في شيء من الكلام أصلا ، وإنّما تكرّر في بعض المواضع توكيدا ، ولأنّها لو كانت زائدة هنا لم يبق لشتان فاعل إذ كان ما بعدها مجرورا لا في موضع المرفوع ، إذ كانت (بين) لم تزد للتوكيد كما في قولك : ما جاءني من رجل ، فأمّا (شتّان ما بين زيد وعمرو) فأجازه الأصمعي ومنعه غيره.
فصل : وأمّا (هيهات) فبمعنى : (بعد) ومنه :
هيهات منزلنا بنعف سويقة
أي : بعد فأمّا قوله تعالى : (هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ) [المؤمنون : 36] فقيل : اللام زائدة ، و (ما) الفاعل ، وقيل : ليست زائدة والفاعل مضمر ، والتقدير : بعد التصديق لما توعدون.
فصل : وأمّا (رويد) فتستعمل مصدرا كقولك : (رويد زيد) أي : إمهال زيد ، ومنه قوله :
(فَضَرْبَ الرِّقابِ) [محمد : 4] وتكون صفة كقولك : ضعه وضعا رويدا ، وهي معربة فيهما
1) البيت من شعر الأعشى.
وتكون اسما للفعل كقولك : رويد زيدا أي أمهل زيدا ، وهي ههنا مبنيّة ، وهي تصغير إرواد على حذف الزوائد ؛ لأن الفعل منه : أرود إروادا.
فصل : وأمّا (بله) فيكون مصدرا بمعنى غير فيجرّ ما بعده ويكون اسما ل (دع) فينصب ما بعده (1)
وإما منقولة ، وهي ما استعملت في غير اسم الفعل ، ثم نقلت إليه.
والنّقل إما عن جارّ ومجرور كعليك نفسك ، أي خذه ، ومكانك ، أي اثبت. وإما عن مصدر كرويد أخاك أي أمهله ، وبله الشّرّ أي اتركه ودعه. وإما عن تنبيه ، نحو «ها لكتاب» ، أي خذه.
وإما معدولة كنزال وحّذار ، وهما معدولان عن انزل واحذّر.
(«رويد» في الأصل مصدر «ارود في سيره روادا أو رويدا» أي تأنى ورفق. وهو مصغر تصغير الترخيم ، بحذف الزوائد ، لأن أصله «ارواد». (بله) في الأصل مصدر بمعنى الترك ، ولا فعل له من لفظه ، وإنما فعله من معناه وهو «ترك». وكلاهما الآن اسم فعل أمر مبني على الفتح ، فإن نوّنتهما ، نحو «رويدا أخاك وبلها الشر» ، أو أضفتهما نحو رويد أخيك وبله الشر «فهما حينئذ مصدران منصوبان على المفعولية المطلقة لفعلهما المحذوف. وما بعد المنون منصوب على أنه مفعول به له ، وما بعد المضاف مجرور لفظا بالإضافة إليه ، من باب إضافة المصدر إلى مفعوله).
.فصل : وأمّا ألفاظ الإغراء (2)
وقائدته تنبيه المخاطب على أمر محمود ليفعله ، نحو «الاجتهاد الاجتهاد» مو «الصدق وكرم الخلق».
ويجب في هذا الباب حذف العامل إن كرّر المغرى به ، أو عطف عليه ، فالأول نحو «النجدة النّجدة».
فالمتّفق عليه منها عندك ودونك ووراءك ومن حروف الجرّ عليك وإليك ، فعند الأكثرين أنّه يقتصر على المسموع منها ؛ لأن القياس في ذلك ابتداء وضع لغة وقاس عليها قوم فأمّا عندك زيدا فمعناه خذه في أيّ نواحيك كان ودونك خذه من قرب وعليك بمعنى الزمه وإليك تنحّ.فصل : ومعنى الإغراء الإلصاق والحثّ حذرا من الفوات ، وأمّا التحذير فيشبه الإغراء وليس به ؛ لأن قولك : الأسد الأسد يدلّ على شدّة طلبك فراره من الأسد ، وقولك : عليك زيدا يدلّ على شدّة طلبك أخذ زيد ففي هذا التحذير من فواته وفي الأوّل التحذير من قربانه.
فصل : والكاف المتّصلة ب (رويدك) المبنيّة حرف للخطاب لا اسم والدليل على ذلك أنّها لو كانت اسما لكانت إمّا مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة فالرفع ممتنع لوجهين :
أحدهما : أنّ الكاف ليست من الضمائر المرفوعة.
والثاني : أنّه لا رافع للكاف هنا ؛ لأن المرفوع هنا ضمير لا يظهر.
والنصب باطل ؛ لأن هذا الاسم يتعدى إلى مفعول واحد وهو زيد والكاف للمخاطب فليس زيدا بل غيره.
والجر باطل أيضا ؛ لأن الجرّ يكون بالحرف وليست رويد حرفا أو بالإضافة وهذه الأسماء لا تضاف ولأنّها تثبت مع الألف واللام في النجاءك.
فأمّا الكاف في عندك وغيرها من الظروف وعليك وغيرها من الحروف فذكر الجماعة كالسيرافيّ وعبد القاهر وغيرهما أنّها اسم في موضع جرّ ؛ لأن هذه أسماء لا تستعمل إلّا مضافة وكذلك حرف الجرّ لا يدخل إلّا على اسم فلذلك قضي بكون الكاف اسما.
وقال ابن بابشاذ في شرح الجمل : هي حرف للخطاب كالكاف في رويدك.
فصل : وأسماء فعل الأمر لا يتقدّم معمولها عليها عند البصريّين لقصورها عن الفعل ، وأنّها غير مشتقّة منه وأجازه الكوفيّون واحتجّوا بقوله تعالى : (كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ) [النساء : 24] وبقول : [الرجز]
يا أيّها الماتح دلوي دونكا
إني رأيت الناس يحمدونكا
والجواب عن الآية من وجهين :
أحدهما : أنّ كتابا منصوب على المصدر وحرمت يدلّ على تقدير كتبت ذلك عليكم كتابا وعليكم المذكورة في الآية تتعلّق بالفعل المقدّر.
والثاني : أنّه منصوب بفعل محذوف تقديره : الزموا كتاب الله ، وعليكم متعلّق ب (كتاب) أو حال منه.
وأمّا البيت ف (دلوي) مرفوع بالابتداء وما بعده الخبر نبّهه بذلك على الاهتمام به ويجوز أن يكون منصوبا على تقدير خذ وفسّره دونك.
وذلك قولك : الأسد الأسد ، تريد : احذر الأسد ، ودلّ التكرير على الفعل المحذوف ، والأشبه أن يكون اللفظ الأوّل هو الدالّ على الفعل ؛ لأن موضع الفعل هو الأوّل (2)
وفائدته تنبيه المخاطب على أمر مكروه ليجتنبه.
ويكون التحذير تارة بلفظ «إيّاك» وفروعه ، من كلّ ضمير منصوب متصل للخطاب ، نحو «إياك والكذب ، إياك إياك والشرّ ، إياكما من النفاق إياكم الضّلال ، إياكنّ والرّذيلة.
ويكون تارة بدونه ، نحو «نفسك والشرّ ، الاسد الاسد». وقد يكون ب «إيّاه ، وفروعهما ، إذا عطف على المحذّر
.فصل : وأمّا إيّاك والشرّ فمنصوب بفعل محذوف أيضا ولا بدّ فيه من مفعول آخر معطوف ب (الواو) ومعدّى إليه بحرف جرّ كقولك : إيّاك من الشرّ وإنّما اختاروا إيّاك ؛ لأنها ضمير المنصوب المنفصل ، وإذا حذف الفعل لزم أن يكون الضمير منفصلا وجاؤوا بالواو وحرف الجرّ ليدلّوا على ذلك الفعل المحذوف كأنّه قال : اتّق الشرّ ، أو ابعد من الشرّ ، والمختار عندي : أن يقدّر له فعل يتعدّى إلى مفعولين نحو : جنّب نفسك الشرّ ، ف (نفسك) في موضع إيّاك ، وقد جاء بغير واو على هذا الأصل قول الشاعر : [الطويل]
فإيّاك إيّاك المراء فإنّه
إلى الشرّ دعّاء وللشرّ جالب
1) التّحذير نصب الاسم بفعل محذوف يفيد التّنبيه والتّحذير. ويقدّر بما يناسب المقام كاحذر ، وباعد ، وتجنّب ، و «ق» وتوقّ ، ونحوها. وفائدته تنبيه المخاطب على أمر مكروه ليجتنبه. ويكون التحذير تارة بلفظ «إيّاك» وفروعه ، من كلّ ضمير منصوب متصل للخطاب ، نحو «إياك والكذب ، إياك إياك والشرّ ، إياكما من النفاق إياكم الضّلال ، إياكنّ والرّذيلة. ويكون تارة بدونه ، نحو «نفسك والشرّ ، الاسد الاسد». وقد يكون ب «إيّاه ، وفروعهما ، إذا عطف على المحذّر
2) التّحذير نصب الاسم بفعل محذوف يفيد التّنبيه والتّحذير. ويقدّر بما يناسب المقام كاحذر ، وباعد ، وتجنّب ، و «ق» وتوقّ ، ونحوها.
فمن ذلك مرحبا وأهلا وسهلا وفي نصبها وجهان (1):
أحدهما : هي مفاعيل لفعل محذوف تقديره لقيت رحبا وأهلا وسهلا فاستأنس.
والثاني : أن يكون مرحبا مصدرا ، أي : رحبت بلادك مرحبا وسهلت سهلا وتأهّلت أهلا ، أي : تأهّلا فإن دخلت لا على هذه الكلمات بقي النصب على الوجهين ، ومن العرب من يرفعهما على تقدير خبر محذوف أي لك عندي مرحب.
فصل : وأمّا ويله وويحه وويسه فينتصب مع الإضافة على تقدير : ألزمه الله ويله ، أو على المصدر بفعل من معناها لا من ألفاظها ؛ لأنها لم يستعمل منها فعل فكأنّه قال : أحزنه الله حزنه ، فإن لم تضفها كان الرفع أجود كقوله تعالى : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) [المطففين : 1] وجاز الابتداء بالنكرة لما فيها من معنى الفعل والنصب جائز كالمضاف.
فصل : وأمّا (لبّيك وسعديك وحنانيك) فمصادر ، والتقدير : أقمت على طاعتك إقامة بعد إقامة ، وسعدت بها سعدا بعد سعد ، وتحنّن علينا تحنّنا بعد تحنّن ، واشتقاق لبّيك من ألبّ بالمكان ولبّ به إذا أقام ، وهذه التثنية في معنى الجمع عند سيبويه وأصحابه.
وقال سيبويه : هو مفرد قلبت ألفه ياء مع المضمر مثل كلا وهذا غير صحيح ؛ لأنه قد جاء بالياء مضافا إلى الظاهر قال الشاعر : [المتقارب]
دعوت لما نابني مسورا
فلبّي فلبّي يدي مسور
فصل : ومّما ينتصب بفعل محذوف قولك لمن رأيته يرمي بسهم : القرطاس ، أي : أصاب القرطاس ، ولمن يطلب إنسانا هرب منه : زيدا ، أي : اطلب زيدا ، وإنّما جاز حذفه ؛ لأن مشاهدة الحال أغنت عنه.
1) الفعل يجب حذفه في الأمثال ونحوها مما اشتهر بحذف الفعل ، نحو «الكلاب على البقر» ، أي أرسل الكلاب ، ونحو أمر مبكياتك ، لا أمر مضحكاتك» ، أي الزم واقبل ، ونحو «كلّ شيء ولا شتيمة حرّ» ، أي ائت كلّ شيء ، ولا تتي شتيمة حرّ ، ونحو «أهلا وسهلا» ، أي جئت أهلا ونزلت سهلا.
إذا كان في الكلام فعل فالأولى أن تقدّمه على ما يصحّ أن يكون فاعلا أو مفعولا كقولك : زيد قام وزيدا ضربت.
أمّا الأوّل : فلأنّ الفعل أوقى من الابتداء وتقديم الخبر أولى من تأخيره عند السامع ؛ لأن المعنى يثبت في نفسه من الابتداء.
وأمّا الثاني : فلأنّ رتبة المفعول بعد الفاعل والتأخير جائز ثم ينظر في الفعل فإن عمل في ضمير المفعول مثل زيد ضربته فالجيّد رفع زيد ؛ لأن الفعل المذكور لا يصحّ أن ينصبه لنصبه ضميره فيصير الكلام مبتدأ وخبرا إلّا أن يعرض له ما يكون أولى بالفعل على ما نبيّنه إن شاء الله.
ونصبه جائز بفعل محذوف يفسّره المذكور وهذا على ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تقدّر مثل المذكور في اللفظ كقولك : ضربت زيدا ضربته.
والثاني : أن تقدّر فعلا من معناه كقولك : زيدا مررت به ، وتقديره : لقيت زيدا ولا تقدّر مررت ؛ لأنه لا يتعدّى إلّا بحرف الجرّ ومن ذلك زيدا ضربت أخاه ، والتقدير : أهنت زيدا ضربت أخاه لأنّك لم تضرب زيدا لكن أهنته بضرب من هو من سببه.
والثالث : أن تقدّر فعلا من معنى الكلام كقولك : زيدا لست مثله ، أي : خالفت وخالفت هو معنى لست مثله والرفع في هذا كلّه أجود.
فصل : فإن تقدّم الاسم استفهام كقولك : أزيدا ضربته فالنصب أجود ؛ لأن الهمزة استفهام عن فعل فتقدّره إذا كان معك ما يفسّره ، فإن قلت : أزيد مضروب ، رفعت إذ ليس معك ما يفسّر المقدّر الناصب (1).
1) أجاز الكوفيون تقديم الفاعل على المسند إليه. فأجازوا أن يكون «زهير» في قولك «زهير قام» فاعلا لجاء مقدما عليه. ومنع البصريون ذلك. وجعلوا المقدم المبتدأ خبره الجملة بعده. كما تقدم. وتظهر ثمرة الخلاف بين الفريقين في أنه يجوز أن يقال ، على رأي الكوفيين «الرجال جاء» على أن الرجال فاعل لجاء مقدم عليه. وأما البصريون فلم يجيزوا هذا التعبير. بل أوجبوا أن يقال «الرجال جاءوا». على أن الرجال مبتدأ ، خبره جملة جاءوا ، من الفعل وفاعله الضمير البارز. والحق أن ما ذهب إليه البصريون هو الحق.
فصل : وكذلك الأمر والنهي كقولك : زيدا أضربه وعمرا لا تشتمه ؛ لأنّهما غير خبر والمبتدأ يخبر عنه بما يحتمل الصدق والكذب إلّا أن يعرض الاستفهام ، وإذا نصبت كان التقدير : اضرب زيدا ، وعليه المعنى (1)
إحداها : أن يكون الفعل المشغول طلبا نحو زيدا اضربه وعمرا لا تهنه.
الثانية : أن يتقدم عليه أداة يغلب دخولها على الفعل نحو (أبشرا منّا واحدا نتّبعه).
الثالثة : أن يقترن الاسم بعاطف مسبوق بجملة فعلية لم تبن على مبتدأ كقوله تعالى (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ)
.فصل : وأمّا النفي فإن كان بما قدّمته كقولك : ما ضربت زيدا أو ما زيدا ضربت أو ضربته ، ولا تقول : زيدا ما ضربته ، وإن كانت لا أو لم لم يلزم التقديم تقول زيدا لا اضربه ولم أضربه والفرق بينهما من وجهين :
أحدهما : أنّ ما أمّ باب النفي فأقرّت في موضعها.
والثاني : أنّ ما غير عاملة في الفعل ولم عاملة ولا قد تعمل فيه في النهي فكان جعلها إلى جنب ما تعمل فيه أولى تقول لا زيدا ضربته فتقدّمها وتضمر الفعل لاقتضائه إيّاه.
فصل : وإن الشرطية كذلك تقول إن زيدا تكرمه أكرمه ؛ لأن الشرط لا معنى له إلّا في الفعل.
فصل : وكذلك العرض كقولك : ألا زيدا تكرمه لتقاضيه الفعل.
فصل : فأمّا العطف فإذا كان المعطوف عليه اسما قد عمل فيه الفعل فالجيّد نصب المعطوف بفعل محذوف لتتشاكل الجملتان كقولك : قام زيد وعمرا كلّمته ولقيت بشرا وخالدا مررت به والرفع فيه جائز.
فصل : وكلّ جملة جعلتها مفسّرة للمحذوف فلا موضع لها من الإعراب ؛ لأن المفسّر المحذوف لا موضع له ، وإن استأنفت كان لها موضع.
1) الاسم الذي تقدم وبعده فعل أو وصف وكل منهما ناصب لضميره أو لسببيه ينقسم خمسة أقسام أحدها ما يترجّح نصبه وذلك في ثلاث مسائل :
(1) المعرفة في الأصل مصدر ك (العرفان) ؛ ولذلك تقول رجل ذو معرفة ثمّ نقل فجعل وصفا للاسم الدالّ على الشيء المخصوص ؛ لأنه يعرف به وهو يدلّ عليه.
وأمّا النكرة فمصدر نكرت الشيء نكرة ونكرا إذا جهلته ثمّ وصف به الاسم الذي لا يخصّ شيئا بعينه ؛ ولذلك تقول هذا الاسم النكرة وهذا اسم نكرة كما تقول هذا الاسم المعرفة واسم معرفة.
فصل : والنكرة سابقة على المعرفة لوجهين :
أحدهما : أنّ النكرة اسم للمعنى العامّ والعامّ قبل الخاصّ والخاصّ ليس فيه العامّ ألا ترى أنّ حيوانا فيه الإنسان وغيره والإنسان ليس فيه الحيوان العامّ فعلم أنّ الخاصّ واحد من العامّ والكلّ أصل لأجزائه.
والثاني : أنّ النكرة تقع على الأشياء المجهولة وعلى المعدوم والموجود والقديم والمحدث والجسم والعرض كقولك : شيء ومعلوم ومذكور وموجود فإذا أردت إفهام معنى معيّن زدت على ذلك الاسم الألف واللام أو الصفة وما لا زيادة فيه سابق على ما فيه زيادة.
فصل : وبعض النكرات (2)أنكر من بعض فكلّ اسم تناول مسمّيات تناولا واحدا كان أنكر من اسم تناول دون تلك المسمّيات فعلى هذا أنكر الأشياء معدوم ومنكور ، وأمّا شيء فكذلك عند قوم ؛ لأن المعدوم عندهم يسمّى شيئا ، وإذا اقتصر على التسمية فقط فالخطب فيه يسير فأمّا من جعل المعدوم ذاتا وموصوفا وعرضا فقوله يؤدّي إلى قدم العالم وهو مع ذلك متناقض وليس هذا موضع بيانه ، وأمّا موجود فأخصّ من معدوم لخروج المعدوم منه
1) قال ابن هشام في شرح الشذور : ينقسم الاسم بحسب التنكير والتعريف إلى قسمين نكرة وهو الأصل ولهذا قدمته ومعرفة وهو الفرع ولهذا أخرته.
2) يوجد كثير من النكرات لا معرفة له ، والمستقل أولى بالأصالة ، وأيضا فالشيء أول وجوده تلزمه الاسماء العامة ، ثم يعرض له بعد ذلك الأسماء الخاصة كالآدمي إذا ولد فإنه يسمى إنسانا أو مولودا أو موجودا ، ثم بعد ذلك يوضع له الاسم العلم واللقب والكنية. وأنكر النكرات مذكور ، ثم محدث ، ثم جوهر ، ثم جسم ، ثم نام ، ثم حيوان ، ثم إنسان ، ثم رجل ، ثم عالم ؛ فكل واحد من هذه أعم مما تحته وأخص مما فوقه : فتقول كل عالم رجل ولا عكس ، وهكذا كل رجل إنسان إلى آخره.
والمحدث أخصّ من الموجود لخروج القديم سبحانه منه وعلى هذا المراتب إلى أن يصل إلى المشار إليه والعلم المختصّ فإنّه أعرف المعارف فإنّه لا يتناول إلا واحدا.
فصل : والمعرفة (1)ما خصّ الواحد بعينه إمّا شخصا من جنس كزيد وعمرو.
وإمّا جنسا كأسامة للأسد وابن قترة لضرب من الحيّات وابن أوى ؛ فإنّ هذه الأشياء أعلام ينتصب عنها الحال.
فصل : والأداة التي تعرف بها النكرة من المعرفة ربّ والألف واللام فما حسن دخولها عليه فهو نكرة أمّا ربّ فسبب دلالتها على ما ذكرناه فيها في حروف الجرّ فأمّا قولهم : ربّه رجلا فالضمير هنا في حكم النكرة إذا لم يتقدّمه ظاهر يعود عليه وإنّما يفسّر بما بعده ولو لا السماع لما قبل ؛ ولذلك لا يثنّى هذا الضمير ولا يجمع ولا يؤنّث ، وأمّا اللام فسيأتي ذكرها (2)
(ربّ من أنضجت غيظا قلبه
قد تمنّى لي موتا لم يطع)
وقوله :
(لا تضيقنّ بالأمور فقد
تكشف غمّاؤها بغير احتيال)
(ربّما تكره النّفوس من الأمر
له فرجة كحلّ العقال)
فدخلت ربّ عليهما ولا تدخل الا على النكرات فعلم أن المعنى ربّ شخص أنضجت قلبه غيظا وربّ شيء من الأمور تكرهه النفوس.
فإن قلت فإنك تقول ربّه رجلا وقال الشاعر :
(ربّه فتية دعوت الى ما
يورث المجد دائبا فأجابوا)
والضمير معرفة وقد دخلت عليه ربّ فبطل القول بأنها لا تدخل الا على النكرات.
قلت : لا نسلم أن الضمير فيما أوردته معرفة بل هو نكرة وذلك لأن الضمير في المثال والبيت راجع الى ما بعده من قولك رجلا وقول الشاعر فتية وهما نكرتان وقد اختلف النحويون في الضمير الراجع إلى النكرة هل هو نكرة أو معرفة على مذاهب ثلاثة أحدها أنه نكرة مطلقا والثاني أنه معرفة مطلقا والثالث أن النكرة التي يرجع اليها ذلك الضمير اما أن تكون واجبة التنكير أو جائزته كما في قولك جاءني رجل فأكرمته فالضمير معرفة وانما كانت النكرة في المثال والبيت واجبة التنكير لأنها تمييز والتميز لا يكون الا نكرة وانما كانت في قولك جاءني رجل فأكرمته جائزة التنكير لأنها فاعل والفاعل لا يجب أن يكون نكرة بل يجوز أن يكون نكرة وأن يكون معرفة تقول جاءني رجل وجاءني زيد.
.1) المعرفة : اسم دلّ على معّين. كعمر ودمشق وأنت. والمعارف سبعة أنواع الضمير والعلم وإسم الإشارة والإسم الموصول والإسم المقترن ب (أل) والمضاف إلى معرفة والمنادى المقصود بالنداء.
2) وعلامة النكرة أن تقبل دخول ربّ عليها نحو رجل وغلام تقول ربّ رجل وربّ غلام وبهذا استدلّ على أن من وما قد يقعان نكرتين كقوله :
فصل : والمعارف خمس الضمائر والأعلام وأسماء الإشارة وما فيه اللام والمضاف إلى واحد من هذه إضافة محضة.
وأمّا الضمير (1)
ثم أتبعت قولي غائب بأن قلت معلوم نحو (إِنَّا أَنْزَلْناهُ) أو متقدّم مطلقا نحو (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ) أو لفظا لا رتبة نحو (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ) أو نية نحو (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى) أو مؤخّر مطلقا في نحو (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)(وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا) ونعم رجلا زيد وربّه رجلا وقاما وقعد أخواك وضربته زيدا ونحو قوله : (جزي ربّه عنّي عديّ بن حاتم ...).
والأصحّ أن هذا ضرورة ، وأقول لا بد للضمير من مفسّر يبيّن ما يراد به فإن كان لمتكلم أو مخاطب فمفسره حضور من هو له وان كان لغائب فمفسره نوعان لفظ وغيره.
فبمعنى المضمر كقتيل بمعنى مقتول وأصل الإضمار الستر ومنه قول الأعشى : [المتقارب]أيا أبتي لا ترم عندنا
فإنّا بخير إذا لم ترم
ترانا إذا أضمرتك البلاد
نجفى وتقطع منّا الرّحم
فصل : وحدّ المضمر هو الاسم الذي يعود إلى ظاهر قبله لفظا أو تقديرا والاشتقاق موجود فيه وهو الاستتار ؛ لأن الضمير لا يدلّ على المسمّى بنفسه وهو في نفسه محتمل فالراجع إليه الضمير لا يبين من نفس الضمير بل هو مستور فيه.
فصل : وإنّما جيء بالضمائر للاختصار وإزالة اللبس ، وذلك أنّك لو أعدت لفظ الظاهر لم يعلم أنّ الثاني هو الأوّل ، وفيه أيضا إطالة كقولك : جاءني زيد فقلت له ، ولو قلت : فقلت لزيد. لم يعلم أنّ زيدا الثاني هو الأوّل.
فصل : وإنّما كان في الضمائر المرفوعة والمنصوبة متّصل ومنفصل ؛ لأن المرفوع والمنصوب الظاهرين يتقدّمان على العامل فيهما ويتأخّران فضميراهما كذلك فإذا تقدّما انفصلا لحاجتهما إلى القيام بأنفسهما ، وإذا تأخّرا انفصلا لاعتمادهما على العامل ، وأمّا المجرور فلا يكون إلّا متّصلا لامتناع تقدّمه على الجارّ.
1) قال ابن هشام في شرح شذور الذهب : المضمر ويسمى الضّمير أيضا ويسمّيه الكوفيون الكناية والمكنى وانما بدأت به لأنه أعرف الأنواع الستة على الصحيح ، وهو عبارة عما دل على متكلم نحو أنا ونحن أو مخاطب نحو أنت وأنتما أو غائب نحو هو وهما.
فصل : وضمير المتكلّم المنفصل المرفوع أنا والألف بعد النون زائدة في الوقف لبيان الحركة في النون ؛ ولذلك تحذف في الوصل ، وقد جاءت في الشعر مع الوصل على إجراء الوصل مجرى الوقف وقرأ به نافع في بعض المواضع ، ومنهم من يبدل من الألف هاء في الوقف.
فصل : وأمّا نحن فللمخبر عن نفسه وعن غيره ذكرا أو أنثى ويكون في التثنية والجمع ، فإن قيل لم لم تفرّق في ضمير المتكلّم بين الذكر والأنثى ، قيل : لأن سماع النطق منه يميزه لمشاهدته وأما جعل نحن في الجمع والتثنية بلفظ واحد فلأنّ التثنية جمع في المعنى والمتكلّم قد سوّى فيه بين التذكير والتأنيث وهما صفتان للذات فجاز أن يسوّى فيما يدلّ على صفتين في الكمّيّة فإنّ التثنية والجمع صفتان في الكمّيّة إحداهما أكثر من الأخرى.
فصل : وإنّما حرّكت النون لئلّا يلتقي ساكنان وضمّت النون لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ الصيغة للجمع والواو تدلّ على الجمع نحو قاموا والزيدون والضمّة من جنسها.
والثاني : أنّ الجمع أقوى من الواحد فحرّك بأقوى الحركات وهي الضمّة وهذا الضمير مرفوع الموضع فحرّك بحركة المرفوع.
فصل : والاسم في أنت (1)الهمزة والنون وهو أن الذي للمتكلّم وزيدت عليه التاء للخطاب وهي حرف معنى وكان حقّه السكون ولكنّ حركته من أجل الساكن قبلها وفتحت ؛ لأن الفتحة أخفّ كما فتحت واو العطف ولام الابتداء ونحوهما فإن خاطبت المؤنّث كسرتها للفرق وكانت الكسرة أولى لوجهين :
أحدهما : أنّها أخفّ من الضمّة.
والثاني : هي أشبه ب (الياء) التي هي علامة التأنيث في تفعلين.
1) الضمير في (أنت وأنت وأنتما وأنتنّ) إنما هو (أن). والتاء اللاحقة لها هي حرف خطاب. والضمير في (هم وهما وهنّ) إنما هو (الهاء) المخففة من (هو). والميم والألف في (أنتما وهما) حرفان للدلالة على التثنية. أو الميم حرف عماد. والألف علامة التثنية. (كما سبق). والميم في (أنتم وهم) حرف هو علامة جمع الذكور العقلاء. والنون المشددة في (أنتنّ وهنّ) حرف هو علامة جمع الإناث. ومن النحاة من يجعل الضمير وما يلحق به من العلامات كلمة واحدة بإعراب واحد.
فصل : فإذا جاوزت الواحد جئت ب (الميم) بعد التاء لتدلّ على مجاوزة الواحد وكانت الميم أولى بالزيادة لشبهها ب (الواو) التي هي حرف مدّ فإن أردت الاثنين زدت عليها ألفا ؛ لأنها تشبه الألف في قاما وإن أردت جمع المذكر زدت عليها واوا هذا هو الأصل لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّها علامة الجمع في الفعل.
والثاني : أنّ المؤنّث يزاد عليه في الجمع حرفان نحو أنتن والمذكّر أولى والنون تشبه الواو والميم لما فيها من الغنّة.
والثالث : أنّك تظهر الواو بعد الميم مع الضمير نحو : أعطيتكموه والضمائر تردّ الأصول ، وأمّا من حذف من العرب فللتّخفيف وأمن اللبس.
فصل : واستوى المذكّر والمؤنّث في أنتما كما يستويان في المظهر نحو : الزيدان والهندان ؛ لأن العدّة متّحدة والكلمة لا تحتمل علامتين لمعنيين.
فصل : هو بكماله اسم ؛ لأنه ضمير منفصل فلم يكن على حرف واحد ولا يقال الواو زائدة ؛ لأن الضمير موضع تخفيف فلا تليق به زيادة الواو مع ثقلها وحرّكت تقوية للكلمة ولم تضمّ إتباعا لئلا تجتمع الضمّتان والواو وفتحت إذ كانت أخفّ وربّما جاء في الشعر سكونها وحذفها اضطرارا.
فصل : وتقول في التثنية هما وفي الجمع همو وهم على ما تقدّم والصحيح أنّهما صيغتان مرتجلتان للمعنيين ، وقيل : الأصل هو حذفت الواو لما زيدت عليه الميم تخفيفا.
فصل : والياء في هي أصل ك «الواو» في هو والتثنية هما والجمع هنّ على ما تقدّم وربّما جاء في الشعر هي بسكون الياء فإن دخلت الفاء والواو واللام على هي جاز أن تبقى الهاء على حركتها وأن تسكن ؛ لأنها أشبهت عضدا وفخدا فخذا.
فصل : والضمير المنصوب إيّاي (1)وإنّما يقع في ثلاثة مواضع وهي إذا تأخّر عنها الفعل أو إذا عطفت أو إذا وقعت بعد إلا.
1) الضمائر : اثنا عشر منها منصوبة ، وهي «إياي وإيانا وإياك وإياك وإياكما وإياكم وإياكنّ وإياه وإياها وإياهما وإياهم وإياهنّ».
فصل : واختلفوا فيها على أربعة مذاهب ؛ فمذهب سيبويه أنّ إيّا اسم مضمر والياء والكاف وغيرهما حروف معان والدليل على ذلك أنّ حدّ الاسم المضمر موجود في إيّا ؛ ولذلك لا يتنكّر بحال والياء والكاف لو كانا اسمين لكانا في موضع رفع أو نصب ولا عامل لهما هنا أو في موضع جرّ بالإضافة والاسم المضمر لا يضاف فصارت الكاف هنا كالكاف في ذاك وأولئك.
وقال الخليل : كلاهما مضمر إلا أنّ الأوّل أشبه المظهر لكثرة حروفه.
وحكي عن بعض العرب أنّه قال : إذا بلغ الرجل الستين ، فإيّاه وإيّا الشوابّ وهذا ضعيف لما تقدّم والحكاية شاذّة لا تقوّي الاحتجاج بها.
وقال الفرّاء : الكاف هو الضمير وإيّا أتي بها ليعتمد الضمير عليها إذ الحرف الواحد لا يقوم بنفسه وهذا ضعيف أيضا ؛ لأن إيّا على أربعة أحرف وتلك عدّة الأسماء المتوسّطة بين الخماسيّة والثلاثيّة فهي أقوى من الأصل الثلاثيّ فيبعد أن يؤتى بها لتقوية ما هو حرف واحد ولا نظير له.
وقال آخرون : الجميع اسم واحد وهو بعيد أيضا إذ ليس في الأسماء ما يتغيّر الحرف منه لتغيّر المعاني أمّا الحروف الزائدة على الاسم والفعل فتختلف لاختلاف المعاني.
فصل : والاسم في رأيته الهاء والواو عند سيبويه ولكنّ حذفت في الوقف ، وإذا وصلت ب (الميم) نحو : رأيتهم تخفيفا ودليله أنّ هذا الضمير هو الضمير المنفصل في قولك : هو وقال الزجاج : الاسم هو الهاء وحدها ، واتّفقوا على أنّ الهاء والألف في رأيتهما الاسم.
فصل : والتاء في قمت ضمير الفاعل وحرّكت لأمرين :
أحدهما : أنّ ضمير الفاعل من حيث هو فاعل يلزم ذكره فحرّك تنبيها على قوّته ؛ ولذلك سكّن له آخر الفعل.
والثاني : أنّه لو سكّن لالتبس بتاء التأنيث وإنّما حرّك بالضمّ للمتكلّم ؛ لأن المتكلّم أقوى من المخاطب وفتح في المخاطب للفرق بينهما وجعلت الكسرة للمؤنّث إذ كانت من جنس الياء.
فصل : وأمّا الكاف فلا تكون مع الفعل ضمير ، فاعل فلذلك لم تضمّ وفتحت في المخاطب وكسرت في المخاطبة.
فصل : والميم بعد الكاف مثلها بعد التاء في أنتما وأنتم وهي مضمومة مع الميم بكلّ حال كالتاء سواء وعلّة ذلك من وجهين :
أحدهما : أنّ الميم تشبه الواو فتحرّك بما هو مجانس للواو ويقوّي ذلك أنّ قبلها ضمّة التاء التي هي ضمير غير أنّ هذا لا يصلح للدلالة ابتداء ، ألا ترى أنّ الكاف قد ضمّت بعد الساكن نحو : أراكم وأعطيكم وضربتكم ، ولكن يصلح للترجيح.
والوجه الثاني : أنّها لو فتحت لالتبس في التثنية كقولك : رأيتكما وكذلك أنتما لو فتحت التاء لاشتبهت بانتماء ولأنّ التاء هنا في مجاورة الواحد فضمّت كنون نحن ومن العرب من يكسر الكاف قبل ميم الجمع إذا كانت قبلها كسرة كقولك : عجبت من حلمكم شبها بالهاء.
فصل : وياء المتكلّم بعد الفعل والحرف هي الاسم والنون قبلها حرف أتي به ليقي ما قبلها من الكسر نحو : كلّمني ومنّي ، وذلك أنّ الياء معتدّة بكسرتين فيجعل ما قبلها تبعا لها للتجانس فالاسم يصحّ كسر آخره ولا يصحّ ذلك في الفعل ؛ لأنه لمّا نبا عن قبول الكسرة الإعرابيّة الواجبة بعامل فأن ينبو عن التابعة أولى (1)
وإن لحقت الأحرف المشبّهة بالفعل ، فالكثير إثباتها مع «ليت» وحذفها مع «لعلّ» ، وبه ورد القرآن الكريم ، قال تعالى (يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) وقال جلّ شأنه (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ) وندر حذفها مع «ليت» وإثباتها مع «لعلّ».
.وأمّا الحرف فلا حظّ له من الحركة وتسمّى نون الوقاية والكوفيّون يسمّونها عمادا.
فصل : وإنّما لا يؤتى بالضمير المنفصل مع القدرة على المتّصل ؛ لأن علّة الإتيان بالضمير الاختصار والمتّصل أخصر وجاء في الشعر للضرورة.
فصل : والاسم العلم هو الموضوع على المسمّى تمييزا له لا لدلالته عليه اشتقاقا ؛ ولذلك يجوز أن يسمّى الأبيض حقيقة أسود ويسمّى الإنسان زيدا لا لزيادته ، وعبّاسا لا لعبوسه بل
1) نون الوقاية : إذا لحقت ياء المتكلم الفعل أو اسم الفعل ، وجب الفصل بينهما بنون تسمى (نون الوقاية) ، لأنها تقي ما تتّصل به من الكسر (أي تحفظه منه). تقول «أكرمني ، ويكرمني ، وأكرمني ، وتكرمونني ، وأكرمتني ، وأكرمتني فاطمة» ، ونحو «رويدني ، وعليكني».
للتمييز كما ذكرنا ، وإنّما يثبت أنّه علم يعرف به بعد المسمّي غيره بالتسمية وحكم الكنى والألقاب حكم الأعلام في المقصود بها.
فصل : والفرق بين العلم والكنية واللقب أنّ العلم هو الذي يعرّف المسمّى وضعا مبتدأ حتّى يصير كعلم الثوب.
والكنية من كنيت عن الشيء إذا عبّرت عن اسمه باسم آخر فالعلم سابق على الكنية ، وقد توضع الكنية موضع العلم.
وأمّا اللقب فأن يحدث للمسمّى قصّة فيلقّب بما تضمّنته القصّة ك أنف الناقة وعائد الكلب فأنف الناقة رجل تصدّق بأنف ناقة فعيّب به وعائد الكلب لقب لقّب به شاعر (1)قال : [الكامل]
ما لي مرضت فلم يعدني عائد
منكم ويمرض كلبكم فأعود
فصل : واسم الإشارة للمذكّر ذا وقال الكوفيّون الاسم الذال وحدها والألف زائدة للتكثير.
وحجّة الأوّلين من وجهين :
أحدهما : أنّ اسم الإشارة منفصل في حكم الظاهر وليس في الأسماء الظاهرة القائمة بنفسها ما هو. على حرف واحد ولا القياس يقتضيه ؛ لأن القياس يقتضي أن يبدأ بحرف ويوقف على آخر ومن الناس من جعل ذا اسما ظاهرا ؛ لأنه يوصف ويوصف به.
والثاني : أنّهم قالوا في تصغيره ذيّا فأعادوه إلى أصله إذ هذا شأن التصغير وسيتّضح لك في بابه.
فإن قيل : فقد يزاد في المصغّر ما ليس منه كما لو سمّيت ب (هل) ، وقد ثمّ صغرته فإنّك تزيد عليه حرفا آخر؟
قيل : دعت الحاجة بعد التسمية إلى تكميله في التصغير ولم يقم الدليل هنا على زيادة الألف قبل التصغير ليقال الزيادة مختصّة بالتصغير.
واحتجّ الآخرون بأنّ تثنية ذا ذان والألف والنون للتثنية فلم يبق سوى الذال.
1) البيت لابن نباتة المصري.
والجواب عنه من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ ذان ليس بتثنية ذا بل صيغة موضوعة للتثنية بدليل أنّه لا يتنكّر كما يتنكّر زيد إذا ثنّي فعلم أنّه بمنزلة أنتما في أنّه غير مثنّى.
والثاني : يقدّر أنّه مثنى ولكنّ الألف سقطت لالتقاء الساكنين ولم تقلب لإيغالها في البناء.
والثالث : أنّه قد عوّض من الذاهب بتشديد النون فكأنّه لم يذهب.
فصل : الأصل في ذا ذيّ العين واللام ياءان إلّا أن الثانية قد حذفت ليصير الاسم مبهما وأبدلت الأولى ألفا لئلّا تشبه كي.
وقال بعض البصريّين : أصل الألف واو متحرّكة ؛ لأن باب طويت وشويت أكثر من باب حييت ثمّ حذفت اللام وانقلبت الواو ألفا.
فصل : وحكم تا في المؤنّث حكم ذا في المذكّر إلأّ أنّ المؤنّث يقال فيه تا وتي وذي وذه فتبدل الهاء من الياء فأمّا أولاء فجمع المذكّر والمؤنّث من غير لفظه وفيه المدّ والقصر والكاف حرف للخطاب بلا خلاف.
فصل : وأمّا اللام في ذلك ففي زيادتها وجهان :
أحدهما : هي لبعد المشار إليه.
والثاني : هي عوض من ها التي للتنبيه ؛ ولذلك تقول هذاك ولا تقول هذلك لئلّا تجمع بين العوض والمعوّض وحرّكت لئلّا يلتقي ساكنان وكسرت لأمرين :
أحدهما : أنّه الأصل في التقاء الساكنين.
والثاني : للفرق بينها وبين لام الملك.
فصل : فأمّا اللام في تلك فبقيت على سكونها ؛ لأن الياء قبلها حذفت لئلّا تقع الياء بين كسرتين إذا الجمع يدعو إلى كسر اللام وكسرة التاء تدلّ على الياء المحذوفة.
فصل : إنّما بني اسم الإشارة ؛ لأن الإشارة معنى والموضوع لإفادة المعاني الحروف ولم يضعوا للإشارة حرفا فينبغي أن يعتقد أنّهم ضمّنوه إيّاه طردا لأصولهم ودلّ على ذلك بناؤهم إيّاه ولا بدّ للبناء من سبب.
فصل : هو وهي الاسم بكمالها وقال الكوفيّون الهاء هي الاسم وما بعدها مزيد للتكثير.
وحجّة الأوّلين أنّه ضمير منفصل قائم بنفسه فلم يكن على حرف واحدك أنا ونحن ، وذلك أنّ قيامه بنفسه يدلّ على قوّته والحرف الواحد ضعيف.
واحتجّ الآخرون من وجهين :
أحدهما : أنّ الواو والياء تحذفان في التثنية والجمع نحوهما وهنّ وهم وفي الواحد المتّصل نحو رأيته ولو كانا منه لما حذفا.
والثاني : أنّهما قد حذفا في الشعر كقول الشاعر (1)
من شعراء الدولة الأموية ، كان من أيام عبد الملك بن مروان ، كنيته أبو الفرزدق ، وأبو الفيل. وقيل : هو مولى لبني هلال ، واسمه عمير ، وعجير لقبه. كان جوادا كريما ، عدّه ابن سلام في شعراء الطبقة الخامسة من الإسلاميين ، وأورد له أبو تمام مختارات في الحماسة ، وقال ابن حزم : هو من بني سلول بنت ذهل بن شيبان.
: [الطويل]فبيناه يشري رحله قال قائل
لمن جمل رخو الملاط نجيب
وقال آخر : [الرجز]
دار لسعدى إذه من هواكا
وضرورة الشعر تردّ إلى الأصل.
والجواب : أمّا التثنية والجمع فصيغ مرتجلة لما ذكرناه في هذين.
والثاني : أنّهم حذفوا الواو والياء فرارا من الثقل وذاك أنّ الهاء مضمومة والميم تشبه الواو فلو أثبتوا الواو متحرّكة ثقل اللفظ أو ظنّ أنّها كلمتان ولو سكّنوها لجمعوا بين ساكنين فكان الوجه حذفها ، وأمّا حذفها في المتّصل ففرارا من الثقل ، وأمّا حذفها في الشعر فلا حجّة فيه للاضطرار إليه ، وقد حذفوا ما لا يشكّ أنّه أصل كقوله [من الكامل] : (درس المنا) ، أي : المنازل ، [ومن الرجز] : (ورق الحمي) ، أي : الحمام.
فصل : اللام وحدها للتعريف وقال الخليل الألف واللام للتعريف بمنزلة هل وبل.
وحجّة الأوّلين من وجهين :
أحدهما : أنّ التعريف الحاصل في الاسم يجعله غير النكرة ؛ ولذلك إذا جاء آخر بيت نكرة وآخر بعده معرفة لم يكن إيطاءك رجل والرجل كما لو كان الثاني : على غير لفظ الأوّل بالكلّيّة
1) البيت للعجير السلولي : (90 ه / 708 م) وهو العجير بن عبد الله بن عبيدة بن كعب ، من بني سلول.
ولا يتحقّق ذلك إلّا بامتزاج الأداة بالاسم كبعض حروفه وهذا في الحرف الواحد يتحقّق والدليل على أنّهم قصدوا ذلك أنّهم سكنوا اللام إذ كان امتزاج الساكنين أشدّ.
والثاني : أنّ الألف قبل اللام همزة وصل تسقط بغيرها ، وإذا تحرّكت اللام سقطت في لغة جيدة كقولهم : تجمرن لحمر ولو كانت من الأصل لم تسقط كهل ، وقد.
والثالث : أنّ التعريف ضدّ التنكير ودليل التنكير حرف واحد هو التنوين فينبغي أن يكون دليل مقابله واحدا.
واحتجّ الآخرون من وجهين :
أحدهما : أنّ الهمزة قبل اللام مفتوحة ولو كان همزة وصل لضمّت أو كسرت ، وإذا لم تكن وصلا كانت أصلا.
والثاني : أنّ الشاعر إذا اضطر إلى جعل اللام آخر بيت جاء في أوّل الآخر بالألف واللام كقول الراجز : [الرجز]
دع ذا وعجّل ذا وألحقنا بذل
بالشحم إنّا قد مللناه بجل
وقال آخر (1)
شاعر من دهاة الجاهلية وحكمائها ، وهو أحد أصحاب المجمهرات المعدودة طبقة ثانية عن المعلقات. عاصر امرؤ القيس وله معه مناظرات ومناقضات ، وعمّر طويلا حتى قتله النعمان بن المنذر وقد وفد عليه في يوم بؤسه.
: [الرمل]مثل سحق البرد عفّى بعدك ال
قطر مغناه وتأويب الشمال
فجعله بالألف واللام نصف البيت أو آخره دليل على أنّهما جميعا كلمة.
والجواب : أمّا فتح الهمزة فلكثرة وقوعها في الكلام ، وقد فتحت همزة ايمن وهي وصل ولم يخرجها ذلك عن زيادتها ، وأمّا قطعها في الشعر فلا يدلّ على ما ذكر لأنّا تقول : إنّ الهمزة سقطت والباقي اللام وحدها وإنّما أعاد الألف مع اللام ليصحّ سكون اللام.
فصل : واللام على وجوه :
1) البيت للشاعر عبيد بن الأبرص :(- 25 ق. ه / - 598 م) وهو عبيد بن الأبرص بن عوف بن جشم الأسدي ، أبو زياد ، من مضر.
أحدها : استغراق الجنس كقولك : الرجل أفضل من المرأة أي جميع هذا الجنس خير من جميع الجنس الآخر وليس آحاده خيرا من آحاده.
والثاني : أن تكون لتعريف الواحد من الجنس من حيث هو جنس كقولك : الدينار خير من الدرهم أي أيّ دينار كان فهو خير من أيّ درهم كان.
والثالث : أن تكون للمعهود بين المتكلّم والمخاطب كقولك : لمن تخاطبه جاء الرجل الذي عهدناه.
والرابع : أن تكون لتعريف الحاضر كقولك : هذا الرجل فأمّا قوله تعالى : (فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل : 16] فمن المعهود السابق لتقدّم ذكر الرسول نكرة فعاد إليه.
والخامس : أن تكون بمعنى الذي نحو الضارب والقائم.
والسادس : أن تكون زائدة كالداخلة على الذي وسنبيّن ذلك في الموصولات وحكي عن بعض العرب قبضت الخمسة العشر الدرهم ولا يقاس عليه.
وقال الكوفيّون الألف واللام تكون بدلا من هاء الضمير كقولك : مررت بالرجل الحسن الوجه إذا رفعت وليس بشيء إذ لو كان كذلك لجاز أن تقول مررت بزيد فكلّمني الغلام أي غلامه وليس بجائز ولأنّ الهاء اسم مضمر يعرّف بما قبله بالإضافة والألف واللام حرف يعرّف بوجه آخر فهما مختلفان من هذين الوجهين :
مسألة : أعرف المعارف المضمر عند سيبويه ومن تابعه.
وقال ابن السّراج : أسماء الإشارة أعرف منه ومن العلم.
وقال الكوفيّون : العلم أعرف منهما.
وحجّة الأوّلين : أنّ المضمر لا اشتراك فيه لتعينه بما يعود إليه ؛ ولذلك لا يوصف ويوصف به بخلاف العلم ؛ فإنه فيه اشتراك ويميز بالوصف والمبهم يوصف ويوصف به ويقع اسم الإشارة على كل حاضر ويقع فيه اشتراك حتى لو كان بحضرتك جماعة فقلت هذا من غير إقبال واحد لم يعلم المراد إلا بانضمام الإقبال إليه.
واحتج ابن السراج بأن اسم الإشارة يعرف بالعين والقلب فهو أقوى وهذا ضعيف ؛ لأن ذلك راجع إلى تعرفه عند المتكلم فأما السامع فلا يعلم ما في قلب الناطق ب (هذا) وإنما يعرف
المشار إليه بالإقبال عليه وهو شيء غير الاسم ويدل عليه أن اسم الإشارة يصفر ويثنى ويجمع ولا يفتقر إلى تقدم ذكر فهو في ذلك كالمظهر المحض.
واحتج الآخرون بأن العلم لا اشتراك فيه وضعا وإنّما تقع الشركة فيه اتّفاقا والضمير يصلح لكلّ مذكور ، وقد يكون المذكور قبله نكرة فيصير هو نكرة أيضا ؛ ولذلك دخلت عليه ربّ في قولهم : ربّه رجلا.
والجواب : أمّا العلم فيعرف بالوضع ويفتقر تعريفه إلى إعلام المسمّى به غيره بأني سميت هذا الشيء كذا ثمّ تقع فيه الشركة ، وقد زيدت فيه الألف واللام نحو قول الشاعر : [الرجز]
باعد أمّ العمرو من أسيرها
حرّاس أبواب على قصورها
يروي بالعين والغين وكلّ ذلك لا يوجد في المضمر ثمّ إنّ العلم يتنكّر كقولك : مررت بزيد وزيد آخر وفي التثنية والجمع والإضافة والضمير لا يتنكّر فأمّا عوده إلى نكرة فلا ينكّره ؛ لأنه يقطع على من عني بالضمير فهو متعيّن.
فأمّا ربّه رجلا فشاذّ ، وقد جعلت النكرة بعده مفسّره له بمنزلة تقدّمها عليه.
ويسمّيه الكوفيّون العماد وهو أنا ونحن وهو للغائب وهي ولا يفصل إلّا بضمائر المرفوع المنفصل على حسب ما قبله من المتكلّم والمخاطب والغائب وإنّما سمّي فصلا ؛ لأنه يجمع أنواعا من التبيين فيؤكد الخبر للمخبر عنه ويفصل الخبر من الصفة فيعيّن ما بعده للإخبار لا للوصف ويعلم أن الخبر معرفة أو قريب من المعرفة.
فصل : ولا موضع له من الإعراب وقال الكوفيّون له موضع فعند بعضهم هو تابع لما قبله وعند بعضهم حكمه حكم ما بعده.
والدليل على أنّه لا موضع له دخول اللام عليه في خبر كان كقولك : إن كنا لنحن الذاهبين ، وقد يقع لفظ الفصل في موضع لا يحتمل غيره كقوله تعالى : (تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً) [المزمل : 20] وجاز ذلك هنا ؛ لأن أفعل منك قد يخصّص فقرب من المعرفة وفي موضع يصلح أن يكون توكيدا فيكون له موضع ويحتمل أن يكون مبتدأ وما بعده الخبر.
فصل : وتقول : كنت أظنّ أنّ العقرب أشدّ لسعة من الزنبور فإذا هو هي. وقال الكوفيّون : فإذا هو إيّاها.
وحجّة الأوّلين : أنّ هو مبتدأ والخبر لا يخلو إمّا أن يكون إذا التي للمفاجأة ؛ لأنها مكان فيلزم أن يكون الضمير الثاني حالا ، وإمّا أن يكون الخبر الضمير الثاني وإيّا من ضمائر المنصوب لا المرفوع فإذا بطل القسمان تعيّن أن تكون هي خبر المبتدأ.
واحتجّ الآخرون من وجهين :
أحدهما : أنّ جماعة من العرب شهدوا عند يحيى بن خالد حين اجتمع سيبويه والكسائي وأصحابه بقول الكوفيّيون.
والثاني : أنّ التي للمفاجأة يجوز أن يرتفع ما بعدها بأنّه مبتدأ وخبر وأن ينتصب على إضمار أجد وعلى ذلك جاءت الحكاية.
وقال ثعلب : هو عماد أي وجدته إيّاها.
والجواب عن الحكاية من وجهين :
أحدهما : أنّ الذين اجتمعوا بباب يحيى بن خالد من العرب بذل لهم أصحاب الكسائيّ والفرّاء مالا على أن يقولوا بما يوافق قولهم ، ولم يشعر بذلك الكسائيّ والفرّاء.
والثاني : أنّ ذلك من شذوذ اللغة كما شذّ فتح لام الجرّ والجرّ ب (لعلّ) ، والجزم ب (لن) وغير ذلك ، وأمّا النّصب بعد إذا فلا يكون إلّا على الحال وإيّا لا يكون حالا ولا يصحّ النصب ب (يجد) ؛ لأنها تفتقر إلى مفعولين وليسا في الكلام على أن تقدير ذلك لا دليل عليه ولا يصحّ جعل هو فصلا ؛ لأن الفصل يكون بين اسمين وليسا هنا.
قد سبق في صدر الكتاب معنى الصرف ، وينبغي أن يعلم أنّ الأصل في الأسماء المعربة الصرف ؛ لأن العلّة في الإتيان بالصرف موجودة في جميعها إلّا أنّ ضربا منها شابه الفعل من وجهين فمنع ذلك الضرب من الجرّ والتنوين اللذين لا يدخلان الفعل.
فإن قيل : هلّا منع الشبه من وجه واحد؟ قيل : لا يمنع لوجهين :
أحدهما : أنّ استحقاق الاسم الصرف أصل متأكّد فالشبه الواحد دون تأكّده بالأصالة.
والثاني : أنّ الانتقال عن الأصل إلى حكم الفرع يفتقر إلى دليل يرجّح عليه إذ لو تساويا لم يكن الانتقال أولى من البقاء والشبه الواحد لا يرجّح الأصالة وصار كالحق في الذمّة لا يثبت إلّا بشاهدين ؛ لأن البراءة أصل.
فصل : ومعنى شبه الاسم للفعل أن يصير فرعا وبيانه أنّ الفعل فرع على الاسم من جهات :
إحداها : أنّه مشقّ من المصدر وهو اسم والمشتقّ ثان للمشتقّ منه.
والثانية : أنّ الفعل يخبر به لا عنه والاسم يخبر به وعنه والأدنى فرع على الأعلى.
والثالثة : أنّ الأفعال تحدث من مسمّيات الأسماء والحادث متأخّر عن المحدث ، وإذا ثبت هذا في الفعل فالاسم يصير فرعا بحدوث أمر ثان لغيره ومسبوق به.
وتلك الأمور تسعة وزن الفعل والتعريف والزيادة والوصف والعدل والعجمة والجمع والتركيب وكلّ منها مسبوق بضدّه أو خلافه.
فصل : فوزن الفعل مسبوق بوزن الاسم كسبق الاسم للفعل.
1) قال ابن هشام في شرح الشذور : باب ما لا ينصرف وحكمه أنه يوافق ما ينصرف في أمرين وهما أنه يرفع بالضمة وينصب بالفتحة ويخالفه في أمرين وهما أنه لا ينوّن وأنه يجر بالفتحة نحو جاءني أفضل منه ومررت بأفضل منه ورأيت أفضل منه وقال الله تعالى : (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها)(يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ)(وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) ويستثنى من قولنا ما لا ينصرف مسألتان يجر فيهما بالكسرة على الأصل إحداهما أن يضاف والثانية أن تصحبه الألف واللام تقول مررت بأفضل القوم وبالأفضل وقال الله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)
فصل : والتعريف مسبوق بالتنكير إذ هو الأصل يدلّ على ذلك أشياء.
أحدها : أنّ النكرة أعمّ والعامّ قبل الخاصّ ؛ لأن الخاصّ يتميّز عن العامّ بأوصاف زائدة على الحقيقة المشتركة والزيادة فرع.
والثاني : أنّ جميع الحوادث يقع عليها اسم شيء فإذا أردت اسم بعضها خصصته بالوصف أو ما قام مقامه والموصوف سابق على الوصف.
والثالث : أنّ التعريف يفتقر إلى علامة لفظيّة أو وضعيّة والنكرة لا تحتاج إلى علامة.
فصل : وأمّا التأنيث فمسبوق بالتذكير وفرع عليه لوجهين :
أحدهما : أنّ كلّ عين أو معنى فهو شيء ومعلوم ومذكور وهذه الأسماء مذكّرة فإذا علم أنّ مسمّياتها مؤنّثة وضع لها اسم دالّ على التأنيث.
والثاني : أنّ التذكير لا علامة له والتأنيث له علامة ، وذلك يدلّ أنّه فرع على التذكير.
فصل : والعدل هو أن يقام بناء مقام بناء آخر من لفظه فالمعدول عنه أصل للمعدول.
فصل : وأمّا الألف والنون الزائدتان فتشبهان الألف في حمراء من أوجه :
أحدها : أنّهما زيدا معا كما أنّ ألفي التأنيث كذلك.
والثاني : أنّ بناء الألف والنون في التذكير مخالف لبنائه في التأنيث كمخالفة بناء مذكّر حمراء لبناء مؤنّثها فالمؤنّث من فعلان فعلى.
والثالث : أنّ تاء التأنيث لا تدخل على فعلان فعلى كما لا تدخل على حمراء.
والرابع : أنّهما جاءا بعد سلامة البناء كما جاء ألفا التأنيث بعد سلامته.
والخامس : أنّهما اشتركا في ألف المدّ قبل الطرف الزائد.
فصل : فأمّا عثمان وعريان إذا سمّي فيمتنع صرفهما للزيادة والتعريف وينصرفان في النكرة بخلاف عطشان وسكران فإنّه لا ينصرف في النكرة أيضا لوجهين :
أحدهما : أنّ الألف والنون كألفي التأنيث فيما ذكرنا.
والثاني : أنّه وصف قد اجتمع فيه سببان.
فصل : فأمّا الجمع ففرع مسبوق بالواحد فإذا صار إلى أمثال مفاعل ومفاعيل لم ينصرف معرفة ولا نكرة وإنّما كان كذلك ؛ لأن جمعه هذا الجمع قائم مقام جمعين.
أحدهما : مطلق الجمع. والثاني : فيه وجهان :
أحدهما : أنّه لا يمكن جمعه مرّة أخرى فكأنّه جمع مرّتين وصار مطلق الجمع بمنزلة أسطار جمع سطر وأساطير جمع ثان لا يجمع مرّة أخرى فهو نظير مساجد ودنانير في أنّها لا تجمع.
والثاني : أنّه جمع لا نظير له في الآحاد وعدم النظير يؤكّد فيه الجمع حتى يجعله بمنزلة ما جمع مرّتين وليس كذلك رجال وكتب ؛ لأن لهما نظيرا في الآحاد وهو كتاب وطنب ، وقد نقض هذا ب (أكلب) وأجمال فإنّهما لا نظير لهما في الآحاد وهما مصروفان.
وقد أجبت عنه بأنّ الفرق بين أكلب وأجمال وبين الآحاد حركة فقط ، وذلك أنّ أكلبا مضموم اللام وفي الآحاد كثير على أفعل نحو أحمر وأفكل وليس بينهما إلّا اختلاف حركة وكذلك أجمال مثل إجمال إلّا في الفتحة والكسرة ، وذلك اختلاف يسير بخلاف هذا الجمع فإنّه يخالف الواحد في الحروف والحركات.
فإن قيل : فما الحكم في سراويل وشراحيل وحضاجر؟
قيل : أمّا سراويل فقيل هو أعجميّ مفرد فينصرف في النكرة ولا ينقض ما أصّلنا ؛ لأن المراد ما لا نظير له في الآحاد العربيّة ، وقيل : هو جمع سروالة فعلى هذا لا ينصرف معرفة ولا نكرة.
وأمّا شراحيل فجمع يسمى به الواحد.
وأما حضاجر فواحدتها حضجر ، قال الشاعر :
حضجر كأمّ التوأمين توكّأت
على مرفقيها مستهلّة عاشر
وسمّي الواحد بالجمع.
فصل : وأمّا العجمة ففرع على العربية ؛ لأنها طارئة عندهم بأوضاعهم.
فصل : وأمّا التركيب ففرع على الإفراد ؛ لأنه ضمّ مفرد إلى مفرد على قصد جعلهما اسما لشيء واحد ، وإذا تقررت الفرعيّة للاسم من هذه الوجوه ظهرت مشابهته للفعل من جهة الفرعيّة.
ويترتّب على هذه الأصول مسائل.
مسألة : وزن الفعل المانع من الصرف (1)هو ما يختصّ بالفعل ويغلب عليه نحو أحمد وأعصر ؛ لأن أفعل وأفعل في الأفعال أكثر منه في الأسماء فأمّا فعل فمن المختصّ بالأفعال والدّئل اسم لدويّبة تشبه الهرّة وهو في الأصل فعل نقل فسمّي به على أنّ جماعة لا يثبتونه ، وقيل : هو مغيّر.
وأمّا ما يوجد من الأوزان في الاسم والفعل كثيرا فمصروف ؛ لأن الفرعيّة لم تثبت فيه إذ ليس تغليب حكم الأفعال فيه أولى من العكس بخلاف المختصّ والغالب ، فإن كثرته في الأفعال وعدمه وقلّته في الأسماء توجب جعله كالمستعار في الأسماء فمن ذلك فعّل لم يأت منه في الأسماء إلّا خضّم وبذّر وعثّر مواضع.
وشلّم وهو بيت المقدس ، وبقّم وهو صبغ معروف ، وقيل : ليس بعربيّ ، فإن سمّيت به شيئا لم تصرفه لما ذكرنا.
مسألة : فإن سمّيت بوزن الفعل وفي أوّله همزة وصل قطعت الهمزة وأبقيتها على حركتها ؛ لأن القطع حكم الأسماء ، وإن كانت فيه تاء التأنيث نحو ضربت أبدلت منها في الوقف هاء ؛ لأنها تحرّكت بعد التسمية فصارت كتاء التأنيث الداخلة على الاسم.
مسألة : فإن سمّيت ب (قيل وبيع صرفت) ؛ لأن هذا الوزن يكثر في الأسماء ولم ينقل إلى أصله الذي هو فعل ؛ لأنه رفض وصار كأنّه أصل.
مسألة : فإن سمّيت بالفعل وفيه ضمير الفاعل حكيته ولم تعربه ؛ لأنه جملة.
فلا يكون لها حرف إعراب فمن ذلك تأبّط شرّا وذرّى حبّا وشاب قرناها وبرق نحره كلّ هذه أسماء رجال.
مسألة : إذا كان الاسم على ثلاثة أحرف ساكن الأوسط معرفة نحو هند ودعد فالأجود ترك صرفه وقال الأخفش لا ينصرف.
1) يمتنع من الصرف إذا وجد مع العلمية علة أخرى ، مثل «ابتعد من ثعالة». ولا يسبقه حرف التعريف ؛ فلا يقال «الأسامة» ، كما يقال «الأسد». ولا يضاف ، فلا يقال «أسامة الغابة» ؛ كما تقول «أسد الغابة». وكل ذلك من خصائص المعرفة. فهو بهذا الإعتبار معرفة.
وحجّة الأوّلين السماع والقياس فالسماع قول الشاعر (1)
خرج مع مصعب بن الزبير على عبد الملك بن مروان ، ثم انصرف إلى الكوفة بعد مقتل ابني الزبير (مصعب وعبد الله) فأقام سنة وقصد الشام فلجأ إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فسأل عبد الملك في أمره ، فأمّنه ، فأقام إلى أن توفي.
أكثر شعره الغزل والنسيب ، وله مدح وفخر. ولقب بابن قيس الرقيات لأنه كان يتغزل بثلاث نسوة ، اسم كل واحدة منهن رقية.
: [المنسرح]لم تتلفّع بفضل مئزرها
دعد ولم تغذ دعد في العلب
فصرف الأوّل ، وأمّا القياس فهو أنّه أخفّ الأسماء إذ كان أقلّ الأصول عددا وحركة فعادلت خفّته أحد السببين.
واحتجّ الآخرون بوجود السببين ولا عبرة بالخفّة ؛ لأن موانع الصرف أشباه معنويّة فلا معارضة بينها وبين اللفظ.
مسألة : فإن سمّيت مؤنّثا. بمذكّر ساكن الأوسط نحو عمرو لم تصرفه ؛ لأنه نقل الأصل إلى الفرع فازداد الثقل بذلك فعادلت الخفّة أحد الفروع فبقي فرعان.
مسألة : فإن تحرّك الأوسط لم تصرفه معرفة ك سقر ؛ لأن حركة الأوسط كالحرف الرابع لأمرين :
أحدهما : أنّ الحركة زائدة على أقلّ الأصول فصار الاسم بها كالرباعيّ.
والثاني : أنّها في النسب كالحرف الخامس : ألا ترى أنّك لو نسبت إلى جمزى لقلت جمزيّ فحذفت الألف كما تحذفها في الخماسيّ نحو المرتمي ولو كان الأوسط ساكنا لجاز إثبات الألف وحذفها كالنسب إلى حبلى يجوز حبليّ وحبلويّ.
مسألة : فإن سمّيت المذكّر بمؤنّث ثلاثيّ نحو هند وقدم صرفته معرفة ونكرة لأنّك نقلت فرعا إلى أصل أزال معنى الفرع وهو التأنيث فخفّ لذلك.
مسألة : فإن كان المؤنّث أربعة أحرف فصاعدا وسمّيت به مذكّرا أو مؤنّثا لم تصرفه معرفة ؛ لأن الحرف الرابع كتاء التأنيث بدليل أنّه يمنع من زيادة التاء في التصغير كقولك : في
1) البيت من شعر عبيد الله بن الرقيّات : (85 ه / 704 م) وهو عبيد الله بن قيس بن شريح بن مالك ، من بني عامر بن لؤي ، ابن قيس الرقيات. شاعر قريش في العصر الأموي. كان مقيما في المدينة.
عقرب عقيرب وفي زينب زيينب ولو كان ثلاثة أحرف مثل قدر وأذن لأتيت بالتاء فقلت : قديرة وأذينة فدلّ أنّ المانع الحرف الرابع فأشبه تاء التأنيث وإنّما يعرف تأنيث الأسماء بالسماع فإذا كان الاسم لم يوضع إلّا للمؤنّث جرى مجرى علامة التأنيث في لفظه.
مسألة : علامة التأنيث في الأسماء التاء والألف فإذا كان أحدهما فيه ، قلت : هو مؤنّث سواء سمّي به المذكّر أو المؤنّث ف (التاء) أحد وصفي العلّة المانعة فإذا انضمّ إليها التعريف امتنع الصرف ، وأمّا الألف فإذا لم يكن قبلها ألف سكنت نحو : حبلى ، وإن وقعت بعد ألف المدّ نحو : حمراء حرّكت فانقلبت همزة وإنّما حرّكت لئلّا يجتمع ساكنان وحذف إحداهما لا يجوز لأنّك إن حذفت الأولى بطل المدّ ، وإن حذفت الثانية بطلت علامة التأنيث وإن حرّكت الأولى بطل المدّ أيضا فتعيّن تحريك الثانية.
مسألة : ألف التأنيث علّة مستقلّة تمنع الصرف بخلاف التاء وإنّما كان كذلك ؛ لأن مطلق التأنيث فرع ولزومه كتأنيث آخر والألف بهذه المنزلة ؛ لأنها صيغت مع الكلمة من أوّل أمرها وتبقى معها في الجمع نحو : حبلى وحبالى وليست فارقة بين مذكّر ومؤنّث بخلاف التاء فإنّها تدخل على لفظ المذكّر فتنقله إلى المؤنّث ولا تلزم.
مسألة : فأمّا عريان فينصرف في النكرة إذ ليس فيه سوى الوصف والألف والنون لا يشبهان ألفي التأنيث ؛ لأن التاء تدخل عليه فتقول عريانة ، وأمّا سرحان فليس بوصف وتقول في جمعه سراحين فتقلب الألف ياء بخلاف ما قبل ألف التأنيث.
مسألة : إذا سمّيت ب (أحمر) وبابه زال معنى الصفة ؛ ولذلك يسمّى من ليس أحمر أحمر ، وقيل : التسمية لا توقعه إلّا على من له من الحمرة صفة له ويمتنع صرفه بعد التسمية للتعريف ووزن الفعل إجماعا فإن نكّرته لم تصرفه عند سيبويه وتصرفه عند الأخفش.
حجّة الأوّلين : أنّه صفة في الأصل مستعار في التسمية فإذا نكّر أجري عليه حكم أصله في الوصف والتنكير ألا ترى أنّ أربعا منصرف مع اجتماع الوصف والوزن كقوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ) [النور : 45] ما كان ذلك إلّا نظرا إلى الصفة وهو العدد وأنّ التاء تدخل عليه نحو أربعة وأنّ نقله لم يخرجه عن حكمه كذلك أحمر.
واحتجّ الآخرون بأنّ معنى الوصف غير باق بعد التنكير فليس فيه سوى الوزن ، وقد ذكرنا ما يصلح جوابا له.
مسألة : فإن سمّيت مؤنّثا ب (حائض وفاضل) لم تصرفه للتعريف والتأنيث فإن نكّرته صرفته اتّفاقا ؛ لأنه لم يبق فيه سوى التأنيث والوصف بفاعل غير مختصّ بالأوصاف فإنّ فاعلا يوجد في الأسماء نحو كاهل.
مسألة : إذا كان الوصف تاء التأنيث نحو ضاربة انصرف في النكرة مع اجتماع الوصف والتأنيث ؛ لأن تاء التأنيث هنا لا يعتدّ بها ؛ لأنها دخلت لمجرّد الفرق.
مسألة : المعدول عن المعرفة نحو عمر وزفر لا ينصرف معرفة للعدل والتعريف فإن قيل :
ما فائدة عدله قيل شيئان :
أحدهما : توكيد المعنى المشتقّ منه في المسمّى كالعمارة والزّفر.
والثاني : الإعلام بأنّ عامرا لا يراد به الوصف بل التسمية.
فإن قيل : على كم وجها فعل؟ قيل : على أربعة أوجه :
أحدهما : المعرفة وهو لا تدخله الألف واللام نحو جشم وقثم.
والثاني : الجنس نحو جرذ ونغر هذا ينصرف بكلّ حال ؛ لأنه غير معدول.
والثالث : الجمع نحو غرف ورطب.
والرابع : الوصف نحو حطم فأمّا فسق وخبث فيستعمل في النداء للمذكّر خاصّة وهو مبنيّ فإن سمّيت صرفته ؛ لأنه لم يعدل إلّا في النداء.
مسألة : وأمّا ما عدل من الصفات فيجيء على فعال نحو ثلاث ورباع وعلى مفغل نحو مثنى وموحد وهو غير مصروف على كلّ حال لاجتماع الوصف والعدل.
وقال بعضهم : هو معدول في اللفظ والمعنى فاللفظ معدول عن لفظ اثنين وثلاثة ، وأمّا في المعنى فإنّ مثنى يعبّر به عن جماعة جاؤوا اثنين اثنين وثلاث عن ثلاثة ثلاثة بخلاف اثنين فإنّه لا يدلّ على أكثر من أحدين وثلاثة لا يدلّ إلّا على ثلاثة آحاد.
مسألة : فأمّا أخر جمع آخر وأخرى فلا ينصرف للعدل والوصف وفي معنى عدله أوجه :
أحدها : أنّ أخر هنا للمفاضلة فأصله أن يقال آخر من كذا أي أشدّ تأخّرا منه ثمّ عدل عن من واستعمل استعمال الأسماء والصفات التي لغير المفاضلة نحو أبيض وأسود.
والثاني : أنّ القياس استعماله بالألف واللام ك الفضلى والوسطى والفضل والوسط فعدل عن الألف واللام.
مسألة : لا فرق في الجمع الذي لا نظير له بين أن يكون بعد ألفه حرف مشدّد أو حرفان منفصلان ؛ لأن المشدّد حرفان في الحقيقة فأمّا ما بعد ألفه ثلاثة أحرف فشرطه أن يكون الأوسط ساكنا نحو قناديل فإن كان متحرّكا ك صياقلة انصرف ؛ لأن له نظيرا في الآحاد نحو : طواعية ورفاهية ورجل عباقية ، وكذلك إن كان آخره ياء النسبة نحو مدائنيّ ، لأنها تشبه تاء التأنيث لما نبيّنه في النسب.
مسألة : فإن كان بعد الألف حرفان الثاني : ياء نحو جوار فهو منوّن في الرفع والجرّ غير منوّن في النصب واختلفوا في هذا التنوين فقال بعضهم هو تنوين الصرف ؛ لأن الياء حذفت تخفيفا فبقيت جوار مثل دجاج فانصرف وقال آخرون هو عوض من الياء وليس بمنصرف وقال آخرون هو عوض من حركة الياء المستحقّة فلمّا اجتمع التنوين والياء حذفت لالتقاء الساكنين فأمّا في النصب فلا ينصرف لكمال البناء.
مسألة : فأمّا الترامي والتعامي فينصرف بكلّ حال ؛ لأن وزنه تفاعل كتقاتل وتضارب ولكن كسرت عينه لتسلم الياء.
مسألة : لا تمنع العجمة من الصرف إلا مع التعريف ولو اجتمع في الاسم أكثر من علّتين ، وذلك نحو أذربيجان فإنّ فيها خمسّ علل التعريف والعجمة والتأنيث والتركيب والألف والنون الزائدتان فإن نكّرته صرفته ، وعلّة ذلك أنّ التعريف علّة قويّة كثيرة الدور في الكلام حتى إنّها في الشعر قد أقيمت مقام علّتين وليس ذلك لغيره.
مسألة : وقد يكون اللفظ محتملا للصرف وتركه لاختلاف أصله ، وذلك ك حسّان إن أخذته من الحسّ لم تصرفه للتعريف والزيادة ، وإن أخذته من الحسن صرفته ؛ لأن النون أصل وكذلك يعقوب إن كان أعجميّا لم تصرفه ، وإن أردت اسم ذكر القبج صرفته إذ ليس فيه سوى التعريف وهكذا إسحاق إن جعلته أعجميّا لم تصرفه ، وإن جعلته مصدرا في الأصل
صرفته فأمّا إبليس فلا ينصرف للعجمة والتعريف وقال قوم : هو من الإبلاس وليس كذلك ؛ لأنه لو كان منه لانصرف إذ ليس فيه سوى التعريف.
مسألة : فأمّا يربوع ونظائره فينصرف إذ ليس في الأفعال يفعول.
مسألة : فأمّا مرّان وهي الرماح فإذا سمّي به انصرف ؛ لأنه من المرانة للينها بالتدريب ، وأمّا رمّان إذا سمّي به فلا ينصرف عند سيبويه ؛ لأنه من الرمّ وهو الجمع والإصلاح وقال الأخفش النون أصل ؛ لأنه كثير في أسماء النبات فعّال نحو قلّام وثفّاء.
فأمّا أباتر فينصرف بكلّ حال ؛ لأنه كثير الأسماء مثاله نحو دلامص وعكامس وعلابط.
مسألة : يجوز في حضرموت ونحوه ثلاثة أوجه :
أحدها : بناء الاسم الأوّل وإعراب الثاني : إلّا أنّه لا ينصرف في المعرفة للتعريف والتركيب وبني الأوّل لشبه الثاني : بتاء التأنيث إذ كان مزيدا على الاسم وفتح للطول كما فتح ما قبل تاء التأنيث.
والوجه الثاني : أن تضيف الأوّل إلى الثاني فتعربهما إلا أن كرب لا ينصرف ؛ لأنه مؤنّث معرفة ، ومنهم من يصرفه فيجعله مذكّرا ، وأمّا ياء معدي فساكنة بكلّ حال ؛ لأن الكلمتين صارتا كالواحدة فلو حرّكت لتوالت الحركات وثقلت خصوصا في الياء بعد الكسرة.
والوجه الثالث : أن تبنيهما لتضمّنهما معنى حرف العطف ك (خمسة عشر).
مسألة : فأمّا سيبويه ونفطويه وعمرويه فمبنيّة ولكن تنوّن في النكرة كما تنوّن الأصوات وأسماء الفعل ويذكر ذلك في المبنيّات إن شاء الله تعالى.
مسألة : أسماء البلدان منها ما ذكّرته العرب فصرفته نحو واسط ودابق ومنها ما أنّثته نحو مصر ودمشق ومنها ما جوّزت فيه الأمرين.
مسألة : فأمّا أسماء القبائل فما كان موضوعا على القبيلة كان مؤنّثا نحو حمير وما كان اسما للحيّ أو أبي القبيلة كان مذكّرا نحو تميم ، وقد جاء الوجهان في ثمود.
مسألة : حكم ما لا ينصرف ألّا يجرّ ولا ينوّن لما ذكرنا في صدر الكتاب من أنّ الصرف هو التنوين فأمّا الجرّ فليس من الصرف على الصحيح وإنّما سقط تبعا لسقوط التنوين إذ كانا جميعا
لا يدخلان الفعل فما يشبهه كذلك ؛ ولذلك إذا اضطر الشاعر إلى تنوين المجرور كسره ؛ لأن سقوط الكسر كان تبعا لسقوط التنوين فإذا انتفى الأصل انتفى التبع.
فإن قيل : للأفعال أحكام وخصائص فلم لم يثبت للاسم المشبه للفعل غير منع الجرّ والتنوين وهلّا امتنع الألف واللام أو كونه فاعلا أو نحو ذلك؟
قيل : هذه الخصائص لها معنى في الأسماء فلو منعها الاسم لبطل ذلك المعنى بخلاف الجرّ والتنوين فإنّ منع الاسم منهما لا يبطل معنى فيه.
مسألة : إذا أضيف ما لا ينصرف أو دخلته الألف واللام كسر في موضع الجرّ وفي ذلك وجهان :
أحدهما : أنّ كسرة الجرّ سقطت تبعا لسقوط التنوين بسبب المشابهة وسقوطه بالألف واللام والإضافة بسبب آخر فلا يسقط الجرّ تبعا له ؛ ولذلك قال النحويّون فأمن فيه التنوين أي أنّ سقوط التنوين بسبب المشابهة كان استحسانا لا ضرورة ؛ ولذلك يجوز للشاعر اتّباعه فأمّا سقوط الألف واللام والإضافة فكالضرورة ؛ ولذلك لا يسوغ للشاعر الجمع بينهما.
والوجه الثاني : أنّه بالألف واللام والإضافة يبعد من شبه الفعل الحاصل بالفرعية فيعود إلى حقّه من الجرّ.
فإن قيل : فحرف الجرّ من خصائص الاسم وكذلك الفاعليّة والمفعوليّة ولا تردّه هذه الأشياء إلى الصرف؟
قيل : أمّا حرف الجرّ فلا يحدث في الاسم معنى ينافيه فيه الفعل فإنّ الاسم يبقى معناه مع حرف الجرّ بحاله بخلاف الألف واللام والإضافة فإنّهما تحدثان فيه التخصيص الذي ينبو عنه الفعل ، وأمّا كونه فاعلا أو مفعولا فهو أمر يرجع إلى ما يحدثه العامل.
مسألة : الاسم بعد دخول الألف واللام والإضافة غير منصرف لما تقدّم أنّ مانع الصرف قائم وأنّ الجرّ سقط لزوال ما سقط تبعا له وقال قوم هو منصرف وبنوه على أصلين.
أحدهما : أنّ الجرّ من الصرف.
والثاني : أنّه بدخول الألف واللام والإضافة ضعف شبه الاسم بالفعل على ما تقدّم.
مسألة : يجوز للشاعر أن يصرف مالا ينصرف للضرورة على الإطلاق.
وقال الكوفيّون : ليس له ذلك في أفعل منك.
وحجّة الأوّلين : أنّه اسم معرب نكرة فجاز للشاعر صرفه كبقيّة الأسماء التي لا تنصرف.
واحتجّ الآخرون بأنّ منك تجري مجرى الألف واللام والإضافة ؛ ولذلك ينوبان عن من فكما لا تنوّن مع الألف واللام والإضافة لا تنون مع من.
والجواب : أنّ ذلك لا يصحّ ؛ لأن من ، وإن خصّصت ولكن بعض التخصيص والاسم بعد ذلك نكرة بخلاف الألف واللام والإضافة.
مسألة : يجوز للشاعر ترك صرف ما ينصرف للضرورة ومنعه المبرّد.
واحتجّ الأوّلون بقول العبّاس بن مرداس (1)
شاعر فارس ، من سادات قومه ، أمّه الخنساء الشاعرة. أدرك الجاهلية والإسلام ، وأسلم قبيل فتح مكة ، وكان من المؤلفة قلوبهم ويدعى فارس العبيد ، وهو فرسه ، وكان بدويا قحا ، لم يسكن مكة ولا المدينة وإذا حضر الغزو مع النبي صلىاللهعليهوسلم ، لم يلبث بعده أن يعود إلى منازل قومه وكان ينزل في بادية البصرة وبيته في عقيقها ، وهو واد مما يلي سفوان ، وأكثر من زيارة البصرة ، وقيل : قدم دمشق وابتنى بها دارا.
وكان ممن ذمّ الخمر وحرّمها في الجاهلية. مات في خلافة عمر.
: [المتقارب]وما كان حصن ولا حابس
يفوقان مرداس في مجمع
وبأنّ التنوين زائد دالّ على خفّة الاسم وبالتعريف يحدث له نوع ثقل فلذلك جاز له إجراء السبب مجرى السببين ويدلّ عليه أنّ الشاعر يجري الوصل مجرى الوقف حتّى إنّه يصل الاسم المؤنّث بالهاء كما يقف عليه فلأن يجوز له حذف التنوين وإبقاء الحركة أولى والمبرّد يروي البيت :
يفوقان شيخي في مجمع
وما رواه سيبويه ثابت في الرواية فلا طريق إلى إنكاره.
1) العباس بن مرداس : (18 ه / 639 م) وهو العباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي ، من مضر ، أبو الهيثم.
قد ذكرنا في أول الكتاب حدّ الفعل وعلاماته وذكرنا في باب المصدر أنّه مشتقّ من المصدر وبقي الكلام في أقسامه وأحكامه.
فصل : وأقسام الأفعال ثلاثة ماض (1)
وليست حركة ما قبل تاء التأنيث هنا حركة بناء الماضي على الفتح ، لأن حركة البناء - كحركة الإعراب - لا تكون إلا على الأحرف الأخيرة من الكلمة والحرف الأخير هنا محذوف كما رأيت).
وإن كان معتل الآخر بالواو أو الياء ، فهو كالصحيح الآخر - مبني على فتح ظاهر كسروت ورضيت.
ويبنى على الضم إن اتصلت به واو الجماعة ، لأنها حرف مد وهو يقتضي أن يكون قبله حركة تجانسه ، فيبنى على الضم لمناسبة الواو نحو «كتبوا» ..
وحاضر ومستقبل. وأنكر قوم فعل الحال.وحجّة الأولين : أنّ الفعل اشتقّ من المصدر ليدلّ على الزمان فينبغي أن ينقسم بحسب انقسامه ولا أحد ينكر زمن الحال وهو الآن فكذلك الفعل الدالّ عليه فهو واسطة بين الماضي والمستقبل ؛ ولذلك قال تعالى : (لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ) [مريم : 64] قالوا :
أراد الأزمنة الثلاثة.
ومنه قول زهير : [الطويل]
وأعلم علم اليوم والأمس قبله
ولكنّني عن علم ما في غد عمي
واحتجّ الآخرون بأن ما وجد من أجزاء الفعل صار ماضيا وما لم يوجد فهو مستقبل وليس بينهما واسطة.
والجواب : أنّ النّحويين يريدون بفعل الحال فعلا ذا أجزاء يتّصل بعضها ببعض كالصلاة والأكل ونحوهما وهذا يعقل فيه الحال قسما ثالثا ؛ لأنه يشار إليه وهو متشاغل به ولم يقضه ويفرّق بين حاله الآن وحاله قبل الشّروع وبعد الفراغ.
1) يبنى الماضي على الفتح ، وهو الأصل في بنائه ، نحو «كتب». فإن كان معتلّ الآخر بالألف ، كرمى ، ودعا ، بني على فتح مقدّر على آخره. فإن اتصلت به تاء التأنيث ، حذف آخره ، لاجتماع الساكنين الألف والتاء ، نحو «ردت ودعت» والأصل «رمات ودعات». ويكون بناؤه على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين.
فصل : واختلفوا أيّ أقسام الفعل أصل لغيره ، فقال الأكثرون : هو فعل الحال ؛ لأن الأصل في الفعل أن يكون خبرا ، والأصل في الخبر أن يكون صدقا.
وفعل الحال يمكن الإشارة إليه فتحقّق وجوده فيصدق الخبر عنه ، وقال قوم : الأصل هو المستقبل ؛ لأنه يخبر عنه عن المعدوم ثم يخرج الفعل إلى الوجود فيخبر عنه بعد وجوده.
وقال الآخرون : هو الماضي ؛ لأنه لا زيادة فيه ولأنّه كمل وجوده فاستحقّ أن يسمّى أصلا.
فصل : الأصل في الفعل البناء ؛ لأن الإعراب دخل للفعل بين الفاعل والمفعول وليس في الفعل فاعل ولا مفعول فصار كالحرف.
فصل : والأصل أن يبنى على السكون ؛ لأن البناء ضدّ الإعراب على ما ذكر في صدر الكتاب إلا أنّ الفعل الماضي حرّك لشبهه بالمضارع إذ كان يقع موقعه في نحو قوله : (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ) [النمل : 87] أي : فيفزع.
وفي الشّرط والجزاء : إذا ذهبت ذهبت.
وفي الحال كقولك : مررت بزيد قد كتب كقولك : يكتب والشّبه يقتضي إثبات حكم من أحكام المشابه للمشابه والحركة من أحكام المضارع إلّا أنّ حركة المضارع إعراب وحركة الماضي بناء وعلّة ذلك أنّ إعراب المضارع فرع على الاسم والماضي فرع على المضارع والفروع تنقص عن الأصول فكيف بفرع الفرع.
فصل : وإنّما جعلت حركته فتحة لأمرين :
أحدهما : أنّ أمثلة الفعل الماضي كثيرة فاختير له أخفّ الحركات تعديلا.
والثاني : أنّ الغرض تمييز هذا المبنيّ على المبنيّ على السكون والتمييز يحصل بالفتحة وهي أخفّ فلا يصار إلى الثقيل.
وقيل : لو كسر لبني على كسرة لازمة والفعل لم يدخله الجرّ مع أنه عارض ولم يضمّ ؛ لأن من العرب من
يحذف واو الجمع ويجعل الضمة دليلا عليها نحو ضرب في ضربوا وهذا وجه ضعيف.
مسألة : فعل الأمر (1)الذي ليس فيه حرف مضارعة مبنيّ على السكون وقال الكوفيّون هو معرب بالجزم واحتجّ الأوّلون من وجهين :
أحدهما : أنّ الأصل في الفعل البناء وإنّما أعرب لمشابهته الإسم والمشابهة تتحقّق بحرف المضارعة فقط فإذا فقد فقدت فيخرج على الأصل.
والثاني : أن نزال وبابه مبنيّ لقيامه مقام الأمر فلو كان معربا لم يبن ما قام مقامه.
واحتجّ الآخرون من وجهين :
أحدهما : أنّ الأصل في قم لتقم فحذف تخفيفا ، وقد جاء ذلك في المضارع الصريح قال الشاعر (2)
شاعر فحل ، صحابي ، من أشراف قومه ، اشتهر في الجاهلية والإسلام ، وكان قصيرا أعور ، أشهر شعره رثاؤه لأخيه مالك ومنه قوله :
وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قبل لن يتصدعا ، وندمانا جذيمة : مالك وعقيل. سكن متمم المدينة في أيام عمر وتزوج بها امرأة لم ترض أخلاقه لشدة حزنه على أخيه.
: [الطويل]على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي
لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى
وقال آخر (3): [الوافر]
محمّد تفد نفسك كلّ نفس
إذا ما خفت من شيء تبالا
أي لتفد وقرئ : (فبذلك فلتفرحوا) على الخطاب ، أي : فافرحوا.
والوجه الثاني : أنّ حروف العلّة تسقط من هذا الفعل نحو اغز واسع وارم كما تسقط بالجازم.
والجواب عن الأول من وجهين :
1) ما لزم البناء على السكون أو نائبه وهو نوع واحد وهو فعل الأمر وذلك لأنه يبنى على ما يجزم به مضارعه فيبنى على السكون في نحو اضرب وعلى حذف النون في نحو اضربا ، واضربوا واضربي وعلى حذف حرف العلة في نحو اغز واخش وارم.
2) البيت من شعر متمّم بن نويرة اليربوعي : (30 ه / 650 م) وهو متمّم بن نويرة بن حمزة بن شداد اليربوي التميمي أبو نهشل.
3) من شعر أبي طالب بن عبد المطلب عم الرسول صلىاللهعليهوسلم.
أحدهما : أنّ قم واذهب أصل بنفسه وليس الأصل فيه ما ذكروا ؛ لأنه لو كان كذلك للزم منه حذف العامل وحرف المضارعة وتغيير الضيغة وكلّ ذلك مخالف للأصل ولا سماع يدلّ عليه.
والثاني : يقدّر أنّ الأصل ما ذكروا ولكن بهذا الحذف زال شبه الفعل بالاسم فعاد إلى البناء.
والثالث : أنّ الجزم يحتاج إلى جازم وتقدير الجازم ممتنع لوجهين :
أحدهما : أنّه لا يصحّ ظهوره مع هذه الصيغة فلا تقول لاذهب والمقدّر كالمنطوق به.
والثاني : الجازم أضعف من الجارّ والجارّ لا يبقى عمله بعد حذفه فالجازم أولى.
فأمّا البيت فهو خبر وليس بأمر وحذف الياء ضرورة ولو قدّر أنه حذف اللام فلا يصح مثله في مسألتنا لوجهين :
أحدهما : أنّ حرف المضارعة باق هناك وليس بموجود هنا فلا يلزم من حذف شيء واحد حذف شيئين ولا يلزم من حذف ما عليه دليل وهو حرف المضارعة حذف ما لا دليل عليه.
والثاني : أنّ ذلك شاذّ سوّغته الضرورة.
وأمّا الوجه الثاني فليس بشيء ؛ لأن البناء يذهب الحركة فيذهب الحرف القائم مقامها وحروف العلّة قامت مقام الحركة على ما نبيّنه.
مسألة : الفعل المضارع أعرب لشبهه بالاسم من أوجه :
أحدها : أنّه يكون شائعا فتخصص بالحرف كقولك : زيد يصلّي فيحتمل أن يكون في الصلاة وأن يكون لم يشرع فيها ، وإذا قلت : سيصلي اختص كما أنّ رجلا يحتمل غير واحد ثم يختصّ بواحد بالألف واللام.
والثاني : أنّ اللام تدخل عليه في خبر إنّ كقوله تعالى : (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ) [النحل : 124] ولا تدخل على الأمر والماضي وحقّها أن تدخل على الاسم ؛ لأنها لام الابتداء زحلقت إلى الخبر فلو لا قوة الشّبه لم تدخل على هذا الفعل.
والثالث : أنه على زنة اسم الفاعل عدة وحركة وسكونا ف (يضرب) مثل ضارب في ذلك ويكرم مثل مكرم ، وقد شذّ عنه ينصب فهو نصب وبابه ولما أشبهه من هذه الأوجه الخاصّة أعطي حكما من أحكامه ؛ لأن ذلك قضاه الشّبه كما أنّ الاسم لمّا شابه الفعل منع الصرف.
فإن قيل : لم لم يجعل من أحكام الاسم غير الإعراب؟
قيل : الإعراب لا يغيّر معنى الفعل وغيره من أحكام الاسم تغيّر معنى الفعل فينبو عن قبوله.
مسألة : إعراب الفعل المضارع استحسان وقال الكوفيون أعرب كما أعرب الاسم واحتجّ الأولون بأنّ معنى الفعل واحد في كلّ حال وهو الدّلالة على الحدث وزمانه ولا يضاف إليه بالعامل الدّاخل عليه معنى آخر وإعراب الأسماء يفرق بين المعاني المختلفة الحادثة العارضة على المسمّى وإنما أعرب الفعل للشبه على ما تقدّم.
واحتجّ الآخرون بأنّ الإعراب في الفعل يفرق بين المعاني ألا ترى أنّ قولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن إذا جزمت الثاني : كان له معنى فإذا نصبته أو رفعته كان له معنى آخر وكذلك أريد أن أزورك فيمنعني البواب فالرفع يدلّ على خلاف ما يدل عليه النصب وكذلك لا يسعني شيء ويعجز عنك وكذلك لتضرب زيدا إن جزمت كان أمرا ، وإن نصبت كان علّة.
والجواب : إنّ اختلاف المعنى فيما ذكروا حاصل بالإعراب لا بعدم الإعراب فإنّك لو سكّنت في هذه المواضع كلّها لعرفت المعنى بدليل آخر فالواو في قولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن للعطف فيحتمل أن يعطف على لفظ الفعل الأوّل فيكون نهيا عنهما جميعا مجتمعين ومنفردين فعند ذلك يجزم على تقدير ولا تشرب اللبن ويحتمل أن تريد به العطف على الموضع ومعنى الجمع ولا يصحّ ذلك إلا بإرادة أن ليصير المعنى لا تجمع بين أكل السمك وشرب اللبن ولو ظهرت أن لفهم المعنى بدون الإعراب ، وكذلك لو ظهرت لا فاللّبس جاء من حذف العامل فأقمت الحركات مقام ظهوره لا أنّ معنى الفعل تغيّر بالعامل كما تغيّر الاسم بالفعل فيكون تارة فاعلا وتارة مفعولا والفعل مع عامله قد يكون له موضع الاسم المفرد المفتقر الى عامل ومن ها هنا كان الرفع في قولك : فيمنعني البواب هو الوجه لأنك لو نصبت عطفته على أزورك ، وذلك مراد والمنع ليس بمراد فيفسد المعنى بسبب العطف الموجب
للتشريك ؛ ولذلك لو سكنت لم يفسد المعنى فقد رأيت الإعراب بالنصب كيف أفسد المعنى ولو نصبت العرب الفاعل ورفعت المفعول لحصل الفرق ولو نصبت هنا لفسد المعنى لما ذكرنا والرفع فيه لم يتعيّن ليصحح المعنى بل النصب هو المتعين لفساد المعنى وكذلك لا يسعني شيء ويعجز عنك الرفع يفسد المعنى ؛ لأنه يصير لا يسعني شيء ولا يعجز عنك فبوجود الرفع يفسد المعنى وفي الأسماء بعدم الإعراب يفسد المعنى وأما قولك : ليضرب زيد فلا يلتبس إذا كان هذا الكلام وحده بل يكون أمرا لا محالة فإذا انضمّ إليه كلام آخر يصلح أن يكون علّة له فهم المعنى ، وإن سكّنته.
فصل : لا يصير الفعل مضارعا إلا بزيادة الحروف ؛ لأن الحركات موجودة في الماضي من ضمّ وفتح وكسر وإنّما زيدت الحروف المذكورة ؛ لأن أولى ما زيد حروف المدّ لما ذكرنا في أوّل الكتاب إلّا أنّ الألف لسكونها لا يمكن الابتداء بها فجعلت الهمزة بدلها إذ كانت أختها في المخرج والواو لا تزاد أولا لوجهين :
أحدهما : ثقلها ؛ ولذلك لم تزد أولا في موضع ما.
والثاني : أنّه يؤدي في بعض المواضع إلى اجتماع ثلاث واوات فاء الكلمة وحرف المضارعة وحرف العطف ، وذلك مستثقل مستنكر فجعلت التاء بدلها لما ذكرناه في القسم ولم يعرض للياء مانع واحتيج إلى حرف آخر لتمام أدلّة المعاني فزيدت النون إذ كانت تشبه الواو.
فصل : والفعل هنا إمّا أن يكون خبرا عن المتكلّم وحده أو عنه وعمّن معه أو عن المخاطب أو عن الغائب ؛ ولذلك كانت حروفه أربعة.
فصل : وإنّما خصّت الهمزة بالمتكلم لوجهين :
أحدهما : أنّها أوّل الحروف مخرجا فجعلت دليلا على المتكلم إذ كان مبدءا للكلام.
والثاني : أنّ الواحد مقابل للجمع وعلامة الجمع الواو فجعل علامة الواحد المتكلم الهمزة التي مخرجها مقابل لمخرج الواو فمخرجحما أوّل ومخرج الواو آخر وما بينهما وسط كما أنّ الواحد أوّل والجمع آخر والتثنية وسط.
فصل : وإنّما جعلت النون للجمع لوجهين :
أحدهما : أنّها تشبه الواو والواو علامة الجمع.
والثاني : أنّها جعلت ضميرا لجمع المؤنث نحو ضربن فلذلك زيدت أولا للجمع.
فصل : وأما التاء فمختصّ بها المخاطب المذكّر كما جعلت ضميرا له في قولك : ضربت وفي المؤنث هي علامة تأنيث الفاعل نحو قامت فجعلت أولا في المضارع لهذا المعنى ، وأمّا الياء فجعلت للغائب لما فيها من الخفاء المناسب لحال الغائب ؛ ولذلك لم يكن للغائب الواحد ضمير ملفوظ به في الفعل نحو زيد قام.
فصل : وإنّما جعلت هذه الحروف أولا لأمرين :
أحدهما : أنها ناقلة للفعل من معنى إلى معنى آخر فكونها أولا يدل على المعنى المنقول إليه بأوّل نظر.
والثاني : أنّ الآخر موضع الإعراب والحشو موضع اختلاف الأبنية فلم يبق سوى الأوّل.
مسألة : إذا تجرّد المضارع عن عامل الجزم والنصب ارتفع لوقوعه موقع الاسم وقال الفرّاء يرتفع لتعرّيه من الجوازم والنواصب وقال الكسائيّ يرتفع بحرف المضارعة.
واحتجّ الأوّلون بأن وقوعه موقع الاسم يكسبه قوّة يشبه بها الاسم وأوّل أحوال الاسم في الاعراب الرفع فيصير كالمبتدأ في ارتفاعه لأوّليته وأنّ الرفع أوّل ولا فرق بين أن يكون ذلك الاسم مرفوعا أو غيره ؛ لأنه ارتفع لوقوعه موقع الاسم من حيث هو اسم لا من حيث هو مرفوع.
واحتجّ الفرّاء من وجهين :
أحدهما : أن تعرّيه من العوامل اللفظية واستقلاله دونها يدلّ على قوّته فأشبه بذلك المبتدأ.
والثاني : أنّ ارتفاعه لوقوعه موقع الاسم باطل بخبر كاد ؛ فإنه مرفوع ولا يقع موقع الاسم ومذهب الكسائي فاسد فتعيّن التعليل بالتعرّي واحتجّ للكسائي بأنّ الفعل قبل حرف المضارعة مبنيّ وبعد وجوده وحده مرفوع والرفع عمل لا بدّ له من عامل ولم يحدث سوى الحرف فوجب أن يضاف العمل إليه وإنّما بطل عمله بعامل آخر ؛ لأنه أقوى منه كما إن الشرطية يبطل عملها ب (لم).
والجواب عن كلام الفرّاء من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه تعليل بالعدم المحض ، وقد أفسدناه في باب المبتدأ.
والثاني : ما ذكرتموه يؤول إلى ما قلناه ؛ لأنه بيّن قوة الفعل باستقلاله وبذلك وقع موقع الاسم.
والثالث : أنّ ما قاله يفضي إلى أنّ أوّل أحوال الفعل مع النّاصب والجازم والأمر بعكسه ، وأمّا خبر كاد فالأصل أن يكون اسما لما ذكرنا في بابه وإنّما أقيم الفعل مقامه ليدلّ على قرب الزّمان ، وأمّا كلام الكسائيّ إن حمل على ظاهره ففاسد لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّه عدّد حرف المضارعة وغيره وهو وقوعه موقع الاسم فلم يلزم إضافة العمل إلى الحرف.
والثاني : أنّ حرف المضارعة صار من سنخ الكلمة وبعض الكلمة لا يعمل فيها.
والثالث : أنّ الناصب والجازم يزيل الرفع ولو كان حرف المضارعة عاملا لما بطل بعامل قبله بخلاف إن ؛ لأن عملها بطل بعامل بعدها.
مسألة : مثلة الخمسة وهي تفعلان ويفعلان وتفعلون ويفعلون وتفعلين معربة وليس لها حرف إعراب والدليل على أنّها معربة من وجهين :
أحدهما : أنّ المعنى الذي أعرب به المضارع موجود فيها من غير مانع.
والثاني : أنّ النون تثبت في رفعها وتسقط في غيره.
وهذا الاختلاف إعراب والدليل على أنه لا حرف إعراب لها أنّه لو كان لكان إمّا الحرف الذي قبل حرف العلة أو حرف العلة أو النون ، والأوّل باطل ؛ لأنه لو كان حرف إعراب لكانت حركته حركة إعراب وليست كذلك بل هي تابعة لحرف العلّة مناسبة لطبيعته ، والثاني باطل أيضا ؛ لأنه اسم في موضع رفع معمول للفعل فليس منه ولا علامة لشيء هو فيه ، والثالث باطل أيضا لوجهين :
أحدهما : أنّ النون حرف صحيح تسقط في النّصب والجزم فلم تكن حرف إعراب كسائر الحروف.
والثاني : أنّها واقعة بعد الفاعل الموصول بالفعل وهذا الحائل يحيل كونها من الفعل لفظا أو حكما فثبت ما قلنا.
مسألة : الفعل المعرب يعرض له البناء لشيئين :
أحدهما : نون التّوكيد ؛ لأن حركة آخره صارت دالّة على معنى وهو كون الفاعل واحدا أو جماعة أو مؤنثا فلم يبق الحرف محلّا لحركة الإعراب فيعود إلى أصله من البناء.
والثاني : نون جماعة المؤنث نحو يضربن ؛ لأن هذه النون أوجبت تسكين الحرف الأخير في الماضي فوجب إسكانه في المضارع وإنما كان ذلك لأمرين :
أحدهما : أنّ الماضي سكّن لئلّا تتوالى أربع حركات وكذلك هو في المضارع وسكون الثاني : عارض لا يعتدّ به ، وإن السّاكن غير حصين وحرف المضارعة متحرّك وهو من نفس الفعل وإنّ زيادة الحرف ناب مناب الحركة.
والثاني : أنّه أشبه الماضي في أنّ حروفه باقية فيه وأنّ أحدهما يقع موقع الآخر فحمله عليه في البناء أقرب من حمل الفعل على الاسم في الإعراب.
مسألة : الفعل المعتلّ الآخر نحو يغزو ويرمي لا يحرّك آخره بالضمة لثقلها عليه على الاسم المنقوص بل أكثر فأمّا تقدير الضمّة فيحتمل وجهين كما ذكرنا في ياء قاضي وأما الالف فتقدّر الحركة عليها البتة كالاسم المقصور.
مسألة : تقول الرجال يعفون والنّساء يعفون فاللفظ واحد والتقدير مختلف ففعل الرجال حذفت منه اللام لسكونها وسكون واو الضمير بعدها كما حذفت الياء من يرمون والنون علامة الرفع وفعل النّساء لم يحذف منه شيء ؛ لأنه مبنيّ وواوه لامه والنون اسم مضمر ؛ ولذلك ثبتت في الأحوال الثلاث على صورة واحدة.
أصلها أن المصدريّة (1)وإنّما عملت لاختصاصها بالفعل وإنّما نصبت ؛ لأنها أشبهت أنّ العاملة في الأسماء من أربعة أوجه :
أحدها : أنّ لفظها قريب من لفظها ، وإذا خفّفت صارت مثلها في اللفظ.
الثاني : أنّها وما عملت فيه مصدر مثل أنّ الثقيلة.
والثالث : أنّ لها ولما عملت فيه موضعا من الإعراب كالثقيلة.
والرابع : أنّ كلّ واحدة منهما تدخل على جملة.
فصل : وأن والفعل في تقدير المصدر ؛ ولذلك يقدّر المصدر بأن والفعل وأنه لا يجوز تقديم معمول أن عليها ولا معمول معمولها عليها ولا عليه كقولك : أريد زيدا أن تضرب ولا أريد أن زيدا تضرب ؛ لأن الصّلة لا تتقدّم على الموصول.
مسألة : إذا حذفت أن فالجيّد أن لا يبقى عملها إلّا أن يكون ثمّ بدل مثل الفاء ونحوها وقال الكوفيون يبقى عملها.
وحجّة الأوّلين قوله تعالى : (تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ) [الزمر : 64] وبأنّ عوامل الأفعال ضعيفة ولا تعمل محذوفة.
واحتج الآخرون بأشياء جاءت في الشعر وهي شاذّة أو متأوّلة ، وقد قاسوا ذلك على عوامل الأسماء وهو قياس فاسد ؛ لأنها أقوى من عوامل الأفعال ولو جاز مثل ذلك لجاز يضرب زيد وأنت تريد ليضرب.
فصل : وأما لن فتعمل لاختصاصها وتنصب لشبهها بأن من وجهين :
أحدهما : أنّها تخلّص الفعل للاستقبال كما تخلّصه أن.
والثاني : أنها نقيضتها فتلك تثبته وهذه تنفي ما ثبتته تلك ولن جواب سيفعل أو سوف تفعل وجواب أريد أن تفعل ؛ فإنه يقول : لن أفعل.
مسألة : لن مفردة وقال الخليل هي مركّبة من لا وأن إلّا أنّ الهمزة حذفت تخفيفا ثم حذفت الألف لسكونها وسكون النون بعدها.
1) التي تنصب الفعل المضارع ، وتؤول هي والفعل بعدها بمصدر.
واحتج الأولون بأنّ الأصل عدم التركيب وإنّما يصار إليه لدليل ظاهر ولا دليل على ذلك بل الدليل يدلّ على فساده وبيانه من وجهين :
أحدهما : جواز تقدّم معمول معمولها عليها كقولك : زيدا لن أضرب وأن لا يتقدم عليها ما في حيّزها وبذلك احتج سيبويه على الخليل ، وقد اعتذر عنه بأنّ التركيب غيّر الحكم كما غيّر المعنى وهذه دعوى ألا ترى أنّ لو لا لما تغيرت في المعنى للتركيب لم يتغيّر الحكم في التقديم والتأخير.
والوجه الثاني : أن لا أن يتقدّمها ما يتعلق بالمعنى ولن لا يلزم فيها ذلك.
فصل : وأما كي فتكون ك (أن) في العمل بنفسها فلا يضمر بعدها شيء ، وذلك إذا أدخلت عليها اللام كقوله تعالى : (لِكَيْلا تَأْسَوْا) [الحديد : 23] إلّا أن فيها معنى التعليل فلذلك لا يحسن أن تقول أريد كي تقوم.
والوجه الثاني : أن تكون حرف جرّ بدليل دخولها على الاسم كقولك : كيمه بمعنى لمه وما اسم للاستفهام والهاء لبيان الحركة والألف محذوفة ولو كانت كي بمعنى أن لم تدخل على الاسم فإذا دخلت هذه على الفعل كانت أن بعدها مضمرة ؛ لأن حرف الجرّ لا يعمل في الفعل فتضمر معه أن لتصير داخلة على الاسم في التقدير وهذا هو حكم اللّام فإن دخلت اللام على كي وجب أن تصيّر بمعنى أن ؛ لأن حرف الجرّ لا يدخل على مثله.
فصل : وأمّا إذن فحرف مفرد وقال الخليل أصلها إذ أن فحذفت الهمزة وركّبا كما قال في لن وهذه دعوى مجرّدة.
و (إذن) تعمل بخمس شرائط :
أحدها : أن تكون جوابا.
والثانية : أن لا يكون معها حرف عطف.
والثالث : أن يعتمد الفعل عليها.
والرابعة : أن لا يفصل بينها وبين الفعل بغير اليمين.
والخامسة : أن يكون الفعل مستقبلا.
فإن قيل : لم عملت إذن ثمّ لم عملت عند وجود هذه الشرائط لا غير ثم لم عملت النصب؟
والجواب عن الأول والثاني : أنّها اختصّت بالفعل عند اجتماع هذه الشرائط وكلّ مختصّ يعمل.
وأما الجواب عن الثالث : فلأنّها أشبهت أن في إخلاص الفعل للاستقبال واختصاصها بالجواب واختصاص الجواب في مثل هذا بالفعل فعلى ما ذكرنا تترتّب المسائل.
مسألة : إذن في عوامل الأفعال ك ظننت في عوامل الأسماء ؛ لأن ظننت تعمل إذا وقعت في رتبتها وتلغى إذا أزيلت عنها وكذلك إذن ؛ لأنها إذا اعتمد الفعل عليها وابتدئ بها في الجواب وقعت في رتبتها كقول القائل : أنا أزورك. فتقول مجيبا : إذن أكرمك ، فإذا قلت : أنا إذن أكرمك ، فقد وقعت إذن بين المبتدأ وخبره فيبطل عملها ويعتمد الفعل على أنا ، وكذلك إن قلت : أنا أكرمك ، إذن ، فإن قيل إذن هنا يلزم إلغاؤها وظننت في مثل هذا لا يلزم قيل الفرق بينهما أنّ عوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال خصوصا إذا كانت أفعالا وعامل الفعل لا يكون إلّا حرفا.
مسألة : فإن فصلت بينهما ب (لا) أو باليمين لم يبطل عملها ؛ لأن لا لا تبطل عمل أن واليمين مؤكدّة.
مسألة : فإن كان معها حرف عطف كقولك : فإذن أكرمك وإذن أحسن إليك جاز إعمالها ؛ لأن الواو والفاء قد يبتدأ بهما وجاز إلغاؤها ؛ لأن حرف العطف يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها فيبطل الاعتماد عليها ومنه قوله تعالى : (فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً) [النساء : 53] وفي بعض المصاحف : (وإذا لا يلبثوا خلفك) والجيد الإلغاء.
مسألة : إذا حدّثك إنسان حديثا فقلت إذن أظنّك صادقا رفعت ؛ لأن الظنّ هنا ثابت في الحال ، وقد ذكرنا أنها لا تعمل إلا في المستقبل.
مسألة : إذن إذا وقعت خبرا ووقف عليها جاز أن تبدل نونها ألفا ؛ لأنها أشبهت التنوين إذ كانت ساكنة بعد فتحة.
فصل : تضمر أن بعد الفاء في جواب الأشياء الثمانية الأمر والنّهي والاستفهام والنّفي والتمنّي والدّعاء والعرض والتحضيض.
وقال الجرمي : تعمل الفاء بنفسها وقال الكوفيون ينتصب الفعل على الخلاف.
وحجّة الأولين : أنّ الفاء لا تنفكّ من معنى العطف والربط ولا تختصّ بل تدخل على الكلمات الثلاث وما هذا سبيله لا يعمل فعند ذلك يحتاج الى إضمار لاستحالة العطف هنا على اللفظ ألا ترى أنّ قولك : زرني لا يصحّ أن تعطف عليه فأزورك ؛ لأن العطف يشرك بين الشيئين ومعلوم أنّ الأمر لا يشارك الخبر وأنّ الأول سبب للثاني والسبب والمسبّب مختلفان فعند ذلك يعدل إلى العطف على المعنى ولا يتحقق ذلك إلا بإضمار أن وأن يقدّر الأوّل بمصدر فالتقدير لتكن منك زيارة فزيارة منّي وبذلك يتبين ضعف قول الجرمي ، وأمّا مذهب الكوفيّين فقد أبطلناه في غير موضع.
فصل : وتضمر أن بعد اللّام وقال الكوفيون هي العاملة بنفسها.
حجّة الأوّلين : أنّ اللام حرف جرّ داخلة للتّعليل وهي الّتي تدخل على المفعول له وحرف الجرّ لا يعمل في الفعل فتضمر أن ليصير الفعل معها في تقدير الاسم فتدخل اللام عليه ؛ ولذلك يجوز أن تظهر أن معها كقولك : جئت ؛ لأن تكرمني.
واحتجّ الآخرون من وجهين :
أحدهما : أنّها بمعنى كي وكي تعمل بنفسها فكذلك ما هو في معناها.
والثاني : أنّ جعلها جارّة يفسد من جهة دخولها على الفعل وتقدير أن لا يصحح ذلك ، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول أمرتك تكرم زيدا تريد بأن تكرم زيدا فيتعيّن أن تكون هي الناصبة.
والجواب عن الأول من وجهين :
أحدهما : أنّ كي حرف جرّ أيضا وأن بعدها مضمرة فلا فرق بينهما.
والثاني : يسلم إلى أنّ كي تنصب بنفسها ولكن لم تكون اللام كذلك واتفاقهما في المعنى يوجب اتحادهما في العمل ألا ترى أنّ أنّ الناصبة للاسم مثل أن الناصبة للفعل المستقبل في المعنى إذ كلّ واحدة منهما مصدريّة يعمل فيها ما قبلها ولم يلزم من ذلك اتحادهما فإنّ تلك
تختصّ بالأسماء حتى لو وقع الفعل بعدها مخففة لم تعمل بخلاف أن الخفيفة ؛ ولذلك استعملت اللام مع صريح المصدر ولم تستعمل كي معه وإن كانا سواء في المعنى.
وأمّا الفرق بينها وبين الباء فلأنّ اللّام تدلّ على غرض الفاعل وما من فاعل إلّا وله غرض في الفعل وليس كلّ فعل يكون له سبب تستعمل الباء معه فلمّا كثر استعمال اللام جاز أن تحذف أن لظهور معناها كما كثر حذف ربّ مع الواو والباء في القسم وحذف لا في جوابه.
فصل : وتضمر أن بعد الواو في قولك : لا تأكل السّمك وتشرب اللبن إذا نهيته عن الجمع ونصبه عند الكوفيين على الصّرف وهو معنى الخلاف.
حجّة الأوّلين : أنّ الواو هنا ليست عاطفة في اللفظ ؛ لأن ذلك يوجب كون النّهي عن كلّ واحد منهما وعن الجمع بينهما ، وذلك يوجب جزم الثاني : فإذا لم ترد هذا المعنى عدلت إلى تقدير يصحّ معه هذا المعنى ، وذلك بإضمار أن ليصير المعنى لا تأكل السّمك مع أن تشرب اللّبن لأنّك تريد لا يجمع بينهما والواو ومع تفيدان الجمع ولكن لا يصحّ ذلك إلّا مع أن ؛ لأن الواو لا تعمل بنفسها كما أنّ مع لا تضاف إلى الفعل ومذهب الكوفيين مبنيّ على النصب على الخلاف ، وقد بيّنا فساده.
مسألة : لو رفعت وتشرب اللبن على أن تكون في موضع الحال استقام المعنى والإعراب فأمّا قول الشاعر (1)
تابعي ، واضع علم النحو ، كان معدودا من الفقهاء والأعيان والأمراء والشعراء والفرسان والحاضري الجواب.
قيل أن علي بن أبي طالب (رضياللهعنه) رسم له شيئا من أصول النحو ، فكتب فيه أبو الأسود ، وفي صبح الأعشى أن أبا الأسود وضع الحركات والتنوين لا غير ، سكن البصرة في خلافة عمر (رضياللهعنه) وولي إمارتها في أيام علي (رضياللهعنه).
ولم يزل في الإمارة إلا أن قتل علي (رضياللهعنه) ، وكان قد شهد معه (صفين) ولما تم الأمر لمعاوية قصده فبالغ معاوية في إكرامه ، وهو في أكثر الأقوال أول من نقط المصحف ، مات بالبصرة.
: [الكامل]لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
1) البيت من شعر أبي الأسود الدؤلي : (1 ق. ه - 69 ه / 605 - 688 م) وهو ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي الكناني.
فالنّصب فيه هو الوجه والجزم خطأ ؛ لأن المعنى يصير لا تنه عن قبيح ولا تفعل قبيحا وترك النّهي عن القبيح قبيح وإنّما أراد الشاعر أنّ من ينهي غيره عن شيء وهو يرتكبه فقد غشّ نفسه ونصح غيره والرفع في البيت جائز في المعنى واللفظ.
مسألة : تقول لا يسعني شيء ويعجز عنك فتنصب ما بعد الواو ب (أن مضمرة).
والمعنى لا يجتمع في شيء واحد أن يسعني وأن يضيق عنك أي أنا وأنت مشتركان فيما يحسن ويقبح ويضيق ويتسع فكيف نفترق في ذلك ولو رفعت لصار المعنى نفيا وآل المعنى إلى أنّه لا يسعني شيء ولا يضيق عنك وهذا عكس المعنى.
مسألة : إذا عطفت الفعل على مصدر أضمرت معه أن ونصبته ليصير عطف اسم على اسم وبقّيت النصب ليدلّ على العامل المراد ومنه (1)
شاعرة إسلامية تزوجها معاوية بن أبي سفيان ومن قبله تزوجت من زامل بن عبد الأعلى فقتله أخ له كان قد خطبها ثم تزوجها معاوية فولدت له يزيد ، وطلقها وهي حامل به.
ومطلع قصيدة هذا البيت :
لبيت تخفق الأرواح فيه
أحبّ إليّ من قصر منيف
ومنها أيضا :
وأصوات الرياح بكل فجّ
أحبّ إلي من نقر الدّفوف
وكلب ينبج الطرّاق عنّي
أحبّ إليّ من قطّ ألوف
وبكر يتبع الأظعان صعب
أحبّ إلى من بغل زفوف
وأكل كسيرة في كسر بيتي
أحبّ إليّ من أكل الرّغيف
وخرق من بني عمي نحيف
أحبّ إليّ من علج عليف
خشونة عيشتي في البدو أشهى
إلى نفسي من العيش الظّريف
: [الوافر]ولبس عباءة وتقرّ عيني
أحبّ إليّ من لبس الشّفوف
مسألة : والواو الّتي تضمر بعدها أن بمعنى الجمع يقال هي بمعنى الجواب ؛ لأن المعنى إذا أكلت السّمك فلا تشرب اللّبن وإن شربت اللّبن فلا تأكل السمك وإن وسعني وسعك.
1) البيت من شعر ميسون بنت بحدل : وهي ميسون بنت بحدل بن أنيف بن قتافة بن عدي بن حارثة بن جناب.
فصل : وتضمر (أن) بعد (أو) إذا كانت بمعنى حتّى وإلّا كقولك : سأزورك أو تمنعني لأنّك أردت إلّا فلا بدّ من إضمار أن ليصير التقدير على وفق المعنى أي سأزورك إلّا مع منعك أو إلا عند منعك ولو رفعت لصارت لأحد الشيئين ، أي : سأزورك أو ستمنعني.
مسألة : تقول ما تأتينا فتحدّثنا فيجوز الرفع على معنيين :
أحدهما : نفي الأمرين جميعا ، أي : ما تأتينا وما تحدّثنا.
والثاني : أن تكون نفيت الإتيان وأثبتّ الحديث أي أنت تحدّثنا وما تأتينا.
والنّصب جائز على معنيين أيضا :
أحدهما : أن تريد نفيهما على سبيل الإنكار على مدّعي الإنكار أي أنت ما تأتينا فكيف تحدّثنا.
والثاني : أنّ تنفي الحديث وثثبت الإتيان أي ما تأتينا إلا لم تحدّثنا وإنّما أضمرت أن هاهنا ليصير المصدر معطوفا على المعنى إذ كان معنى الثاني مخالفا لمعنى الأوّل.
فصل : وتضمر أن بعد حتّى إذا كانت غاية أو كان ما قبلها سببا لما بعدها.
فالأوّل كقولك : لأنتظرنّه حتّى يقدم فالانتظار يتّصل بالقدوم ؛ لأن المعنى إلى أن فحتّى هاهنا جارّة فلذلك أضمرت بعدها (أن).
وأمّا الثاني : فكقولك أطع الله حتّى يدخلك الجنّة أي كي يدخلك فالطّاعة سبب للدّخول ولا يلزم امتداد السبب إلى وجود المسبّب وكما أنّ كي واللام تضمر بعدها أن كذلك حتّى.
وقال الكوفيون : حتّى هي النّاصبة ؛ لأن أن لا تظهر معها في غالب الاستعمال فصارت بدلا منها.
وقال الكسائيّ : النصب ب (إلى وكي) بعد حتى ؛ لأن المعنى عليهما وحتّى غير عاملة ؛ ولذلك تدخل على الجملة فلا تعمل فيها.
والمذهب الأوّل فاسد ؛ لأن حتّى حرف جرّ بمعنى إلى وبمعنى اللام وليست بدلا من أن أمّا عندنا فلأنّها جارّة بنفسها.
مسألة : ينتصب الفعل بعد حتّى على المعنيين المذكورين ويرتفع على معنيين :
أحدهما : أن يكون الفعل الذي بعدها وسببه ماضيين كقولك : سرت حتّى أدخلها إذا كنت قد سرت ودخلت فكأنّك قلت : سرت فدخلتها ماضيا.
والثاني : أن يكون السبب ماضيا وما بعدها حالا كقولك : سرت حتّى أدخلها إذا قلت ذلك وأنت في حال الدخول وإنّما رفعت فيهما ؛ لأن النصب يكون بإضمار أن وأن تخلّص الفعل للاستقبال فلذلك إذا كان ماضيا أو حالا لم ينتصب ؛ لأن أن لا تصلح فيه وكذلك لا يرتفع بعد النفي والاستفهام ؛ لأنّهما سببين في الحال كقولك : ما سرت حتّى أدخلها وأسرت حتّى تدخلها وكلّ ما في معنى النفي نفي.
فإن قلت : من سار حتّى يدخلها جاز الرفع ؛ لأن الاستفهام عن السائر لا عن السير.
فإن قلت : كان سيري حتّى أدخلها لم يجز الرفع ؛ لأنه خبر كان والرفع على معنى العطف فيصير داخلا في المعطوف عليه ولا يبقى لكان خبر.
فإن قلت : كان سيري أمس حتى أدخلها جاز الأمران.
مسألة : لا يجوز إظهار أن بعد حتّى ؛ لأن ذلك لم ينقل إلا في شاذّ لا يعتدّ به ووجهه من القياس أنّ حتّى لمّا كانت عاملة في موضع وغير عاملة في آخر كان معناها الغاية في كلّ موضع أشبهت بذلك واو القسم فلم يظهر الفعل معه وهو العامل الذي يتعلّق به الجار وكذلك عامل الظّرف وخبر المبتدأ في لو لا وفي لعمرك.
مسألة : لا يجوز إظهار أن مع لام كي في النفي كقوله تعالى : (ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران : 179] وأكثرهم يخصّ التمثيل بكان وأجاز الكوفيّون إظهارها.
وحجّة الأوّلين من وجهين :
أحدهما : أنّ النفي هنا جواب إثبات فعل لا يظهر معه والجواب على وفق المجاب عنه فكأنّ قائلا قال سيذر المؤمنين فقال : ما كان ليذر المؤمنين.
والثاني : أنّ الكلام طال بالنفي فلم يزد عليه شيء آخر مع ظهور المراد كما في خبر لو لا وخبر لعمرك ومن العجب إجازة الكوفيين إظهار أن بعدها في قولهم : اللام هي العاملة.
الجازم فعلا واحدا : أربعة أحرف وهي «لم ولما ولام الأمر ولا الناهية» وإليك شرحها :
لم ولما تسمّيان حرفي نفي وجزمّ وقلب ، لأنهما تنفيان المضارع ، وتجزمانه ، وتقلبان زمانه من الحال أو الاستقبال الى المضيّ ، فإن قلت «لم أكتب» أو «لمّا أكتب» ، كان المعنى أنك ما كتبت فيما مضى.
والفرق بين «لم ولمّا» من أربعة أوجه :
1 - أنّ «لم» للنفي المطلق ، فلا يجب استمرار نفي مصحوبها إلى الحال ، بل يجوز الاستمرار ، كقوله تعالى (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) ويجوز عدمه ، ولذلك يصحّ أن تقول «لم أفعل ثمّ فعلت».
وأما «لمّا» فهي للنفي المستغرق جميع أجزاء الزمان الماضي ، حتى يتصل بالحال ، ولذلك لا يصحّ أن تقول «لمّا أفعل ثم فعلت» ، لأنّ معنى قولك «لمّا أفعل» أنك لم تفعل حتى الآن ، وقولك «ثم فعلت» يناقض ذلك.
لهذا تسمّى «حرف استغراق» أيضا لأن النفي بها يستغرق الزمان الماضي كله.
2 - أن المنفي لم لا يتوقّع حصوله ، والمنفيّ بلمّا متوقّع الحصول ، فإذا قلت «لمّا أسافر» فسفرك منتظر.
3 - يجوز وقوع «لم» بعد أداة شرط ، نحو «إن لم تجتهد تندم». ولا يجوز وقوع «لمّا» بعدها.
4 - يجوز حذف مجزوم «لمّا» ، نحو «قاربت المدينة ولمّا» ، أي «لو ما أدخلها». ولا يجوز ذلك في مجزوم «لم» ، إلا في الضرورة ، كقول الشاعر :
احفظ وديعتك التي استودعتها
يوم الأعازب ، ان وصلت وان لم
أي «وإن لم تصل» ويروى «إن وصلت» بالمجهول ، فيكون التقدير (وإن لم توصل) ، قال العينيّ وهو الصواب.
ولام الأمر يطلب بها إحداث فعل ، نحو (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ.)
ولا الناهية يطلب بها تركه ، نحو (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ، وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ، فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً.)
الجزم في اللغة القطع فلذلك كان في الكلام حذف الحركة أو ما قام مقامها.
فصل : إنّما أعملت لم ؛ لأنها اختصّت وإنما جزمت لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ الفعل في نفسه ثقيل ولم تنقله إلى زمن غير زمن لفظه فيزداد ثقلا فناسب أن يكون عملها الحذف.
والثاني : أنّها تشبه إن الشرطية من حيث أنّها تنقل الفعل من زمان إلى زمان فجزمت كما تجزم إن.
1) الجوازم. وهي قسمان. قسم يجزم فعلا واحدا ، نحو «لا تيأس من رحمة الله» ، وقسم يجزم فعلين ، نحو «مهما تفعل تسأل عنه». وجزمه إما لفظيّ ، إن كان معربا ، كما مثّل ، وإما محلي ، إن كان مبنيّا ، نحو «لا تشتغلنّ بغير النافع».
والثالث : أنّ لم تردّ المضارع إلى معنى المضيّ فالفعل باعتبار لفظه يستحقّ الحركة الإعرابية وباعتبار معناه يستحقّ البناء فجعل له حكم متوسط وهو السكون الذي هو في المبنيّ بناء وفي المعرب حاصل عن عامل.
فصل : فإن دخل حرف الشّرط على لم أقرّ معنى الاستقبال فيه ؛ لأن الشرط لا يكون إلّا بالمستقبل فلذلك قدّم عليها وبقيت لم للنفي فقط فب إن بطل أحد معنييها ولو بقي المضيّ لم يبق ل (إن) معنى وكلّ أمر يحافظ فيه على معنى اللفظين ولو من وجه أولى من أمر يلزم منه حذف أحد المعنيين بالكلّيّة.
فصل : وأمّا لمّا فهي لم زيدت عليها ما وصار لها معنى آخر فإذا وقع المستقبل بعدها جزمته وجاز أن تقف عليها كقولك : تكلمت ثمّ قطعت ولمّا أي ولما تنه ولا يجوز ذلك في لم وإن وقع بعدها الماضي صارت ظرفا واقتضت جوابا كقوله تعالى : (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ) [القصص : 22] ولو لا ما لم يجز ذلك.
فصل : وأمّا لام الأمر فعملت لاختصاصها وإنّما جزمت لأمرين :
أحدهما : ما تقدم من أنّها أحدثت في الفعل معنى زاد ثقله به.
والثاني : أنّ الأمر طلب وهو غرض للآمر فأشبهت لامه لام المفعول له وتلك جارّة فيجب أن تكون هذه جازمة ؛ لأن الجزم في الأفعال نظير الجرّ في الأسماء ولشبهها بها كسرت.
فصل : فإن دخلت عليها الواو والفاء سكّنت في اللغة الجيّدة لئلا تتوالى الحركات فإن دخلت عليها ثمّ فالجيّد كسرها ؛ لأن ثمّ منفصلة ، وقد سكّنها قوم لشبهها بالواو.
فصل : وأمّا لا في النهي فعملت لاختصاصها وجزمت لما جزمت له الّلام ، وقيل : النّهي كالأمر من طريق المعنى فصح حمله عليه في الجزم.
فصل : وأما (إن) الشرطية فهي أمّ أدوات الشرط لوجهين :
أحدهما : أنها حرف وغيرها من أدواته اسم والأصل في إفادة المعاني الحروف.
والثاني : أنها تستعمل في جميع صور الشّرط وغيرها يخصّ بعض المواضع ف (من) لمن يعقل و (ما) لما لا يعقل وكذلك باقيها كلّ منها ينفرد بمعنى وإن مفردة تصلح للجميع.
مسألة : فعل الشّرط والجزاء معربان وحكي عن المازني أنّهما مبنيّان.
وحجّة الأوّلين : أنّ المعنى الذي أعرب له الفعل موجود ودخول معنى التعليق فيه لا يبطل ذلك كما لا تبطله أن ولم ولن.
واحتجّ الآخرون بأنّ الفعل هنا لا يقع موقع الاسم فكان مبنيّا كالأمر.
وهذا لا يصحّ لوجهين :
أحدهما : أنّه لم يعرب لوقوعه موقع الاسم حتى يبنى لزوال ذلك وإنما رفع لهذا الموقع.
والثاني : هو باطل ب (لن) يفعل ؛ فإنه لا يقع موقع الاسم وهو معرب.
مسألة : واختلف الأولون في الجازم لفعل الشرط وجوابه فقال محققو البصريين إن هي الجازمة لهما وقال بعضهم إن تجزم الأوّل ثم تجزمان الجواب وقال بعضهم إن تجزم الأوّل ثمّ يجزم الأوّل الجواب.
وقال الكوفيون : (إن) تجزم الأوّل وينجزم الجواب على الجوار.
وحجة الأوّلين : أنّ إن تقتضي الفعلين فعملت فيهما كالابتداء وك (كان وإنّ وظننت).
واحتج القائل الثاني : بأنّ إن ضعيفة فلا تعمل في شيئين فتقوّى بالثاني : كما ذكرنا في عامل الخبر.
واحتج الثالث : بأنّ الفعل الأول يقتضي الثاني : فعمل فيه.
واحتجّ الرابع : بأنّ الحرف ليس في قوّته العمل في الفعلين والفعل لا يعمل في الفعل فتعيّن أن يكون على الجوار لما فيه من مشاكلة للأوّل ، وقد جاء الإعراب على الجوار كثيرا.
والجواب : إنّ عمل الفعل في الفعل غير سائغ ؛ لأن الفعل لا يقتضي الفعل ولا عمل بدون اقتضاء العامل للمعمول وهذا يمنع أن يعمل وحده أو مع غيره ، وأمّا الإعراب على الجوار فلا يصار إليه إلّا عند الضرورة ولا ضرورة.
مسألة : إذا دخلت إن على لم كان الجزم ب (لم) لا بها وإن دخلت على لا كان بها لا ب (لا) والفرق بينهما أنّ لم عامل يلزمه معموله ولا يفرّق بينهما بشيء ، وأن يجوز أن يفرّق بينها وبين معمولها بمعمول معمولها نحو : إن زيدا تضرب أضربه ، وتدخل أيضا على الماضي فلا تعمل في لفظه ولم لا تفارق العمل وأمّ لا فليست عاملة في النفي فأضيف العمل إلى أن فالأوّل كقوله : (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا) [المائدة : 73]. والثاني : كقوله تعالى : (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي) [هود : 74].
مسألة : لا تكون إن بمعنى إذ وأجازه الكوفيّون.
حجّة الأوّلين من وجهين :
أحدهما : أنّ إذ اسم وإن حرف ووقوع الحرف بمعنى الاسم بعيد في السماع والقياس.
والثاني : أنّ معنى إن مخالف معنى إذ.
واحتجّ الآخرون بقوله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) [البقرة : 23] والمعنى إذ كنتم ؛ لأن إن للمتردّد ولم يكن في ريب اليهود تردّد.
والجواب : أنّ العرب تذكر مثل ذلك على جهة الاحتجاج والإلزام للخصم حتّى يعترف وكذلك يقول الرجل لابنه : إن كنت ابني فأطعني. ويدلّ على أنّها للشرط مجيء الفاء في جوابها ، وأنّه لا يعمل فيها ما قبلها.
فصل : ولما كانت من للعموم وفي العموم إبهام وقعت شرطا لشبهها بإن في هذا المعنى وكذلك بقيّة أدوات الشرط إلا أنّ في من وأخواتها ما ليس في إن إذ كانت اسما يقع مبتدأ ومفعولا ومجرورا.
فصل : وأمّا مهما ففيها قولان :
أحدهما : هي اسم مفرد للعموم ؛ لأن الأصل عدم التركيب.
والثاني : هي مركبة ، وفي أصلها قولان :
أحدهما : أصلها - ما ما فالأولى شرطية والثانية للتوكيد مثلها في إن ما - إمّا واينما إلا أن الألف الأولى قلبت هاء لئلا يستنكر تكرير اللفظ وهو قول الخليل.
والثاني : أن اصلها مه التي بمعنى اكفف وما شرطية والمعنى اكفف عن كل شيء ما تفعل افعل.
ويدلّ على أنّ مهما اسم أو فيها اسم عود الضمير إليها في مثل قوله تعالى : (مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ) [الأعراف : 132].
فصل : وأمّا حيث فلا تجزم إلّا إذا كانت معها ما لوجهين :
أحدهما : أنّ حيث تلزم إضافتها إلى الجمل والمضاف يعمل الجر وهو من خصائص الأسماء فلا يعمل الجزم المختصّ بالأفعال.
والثاني : أنّ حيث تقع بعدها الأسماء والأفعال فلم تختصّ فأدخلت عليها ما لتقطعها عن الإضافة فتهيء لها العمل في الفعل بخلاف أين ومتى فإنهما يجزمان من غير ما لأنهما لا يضافان.
فصل : أصل إذما عند سيبويه إذ الزمانية ركّبت معها ما فنقلتها عن الاسميّة فهما حرف ولمّا نقلت عن ذلك جعلت شرطيّة ؛ لأنها في الأصل ظرف زمان ماض فلمّا نقلت استعملت فيما مقتضاه الزمان وقال غيره ليست مركبة.
فصل : ولا يجازى ب (إذا) في الاختيار ؛ لأنها تستعمل فيما لا بدّ من وقوعه كقولك : إذا احمرّ البسر تأتينا ، فاحمراره كائن لا محالة ووقتها معين فيما تضاف إليه وباب الشرط مختصّ بما هو محتمل للكون ، وقد جاء الجزم بها في الشعر.
مسألة : لا يجوز أن يعمل في أدوات الشرط شيء قبلها إلّا حرف الجرّ ؛ لأن أداة الشرط تثبت فيما بعدها معنى فكان لها صدر الكلام كأداة الاستفهام والنفي فأمّا قول الشاعر (1): [الخفيف]
إنّ من لام في بني بنت حسّان
ألمه وأعصه في الخطوب
ففي إنّ ضمير الشأن ومن مبتدأ كقوله تعالى : (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً)[طه : 74].
فصل : وإذا وقع بعد أداة الشّرط اسم كان العامل فيه فعلا إمّا الذي يليه كقولك : إن زيدا تضرب أضربه أو فعل محذوف يفسره المذكور كقوله تعالى : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ) [التوبة : 6] ف (أحد) فاعل أي إن استجار أحد ، وقال الكوفيون : يرتفع بالعائد ، وقال بعضهم : هو مبتدأ.
ولدليل الأوّل أنّه لا معنى ل (إن) إلّا في الأفعال ؛ ولذلك لا تقع بعدها جملة من اسمين فإذا لم يكن مذكورا قدّر لتصحيح المعنى ؛ ولذلك يبقى الجزم في الفعل بعد الاسم كقول الشاعر : [الرمل]
صعدة نابتة في حائر
أينما الريح تميّلها تمل
1) البيت من شعر الأعشى.
وقال عديّ : [الخفيف]
ومتى واغل ينبهم يحيّوه
وتعطف عليه كأس السّاقي
فصل : والجزاء يكون بالفعل المجزوم ولا يحتاج إلى الفاء ؛ لأن حكم الفعل المعلّق بفعل الشرط أن يعقبه فاستغنى عن حرف يدلّ على التعقيب ؛ فإذا لم تجزم أو جئت باسم جئت بالفاء في الجواب لتدلّ على التعقيب الذي هو حكم الجزاء وربّما حذفت وهو قليل وأكثر ما يأتي حذفها إذا كان فعل الشرط ماضيا كقوله تعالى : (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الأنعام : 121] ، وقد جاء مع المستقبل كقول الشاعر (1)
شاعر النبي (صلىاللهعليهوسلم) وأحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ، عاش ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام. وكان من سكان المدينة.
واشتهرت مدائحه في الغسانيين وملوك الحيرة قبل الإسلام ، وعمي قبل وفاته. لم يشهد مع النبي (صلىاللهعليهوسلم) مشهدا لعلة أصابته. توفي في المدينة.
قال أبو عبيدة : فضل حسان الشعراء بثلاثة : كان شاعر الأنصار في الجاهلية وشاعر النبي في النبوة وشاعر اليمانيين في الإسلام.
وقال المبرد في الكامل : أعرق قوم في الشعراء آل حسان فإنهم يعدون ستة في نسق كلهم شاعر وهم : سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام.
: [البسيط]من يفعل الحسنات الله يشكرها
والشرّ بالشرّ عند الله مثلان
ولا يقاس عليه.
فصل : وتقام إذا التي للمفاجأة مقام الفاء كقوله تعالى : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم : 36] ؛ لأن المفاجأة تعقيب.
فصل : فأما قول الشاعر : [الرجز]
يا أقرع بن حابس يا أقرع
إنّك إن يصرع أخوك تصرع
فمذهب سيبويه أنّ تصرع خبر إنّ والشرط معترض بينهما وجوابه محذوف أغنى عنه ما قبله ومذهب المبرّد هو خبر مبتدأ محذوف ، أي : فأنت تصرع.
1) البيت من شعر حسان بن ثابت : (54 ه / 673 م) وهو حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري ، أبو الوليد.
فصل : ويجوز أن يحذف جواب الشرط تارة وفعل الشرط أخرى فمثال الأوّل (1)
هل للفتى من بنات الدهر من واق
أم هل له من حمام الموت من راق
وفي القرآن (كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وَقِيلَ مَنْ راقٍ)
قال أبو عمرو بن العلاء : هي أول شعر قيل في ذم الدنيا.
: [الطويل]أقيموا بني النّعمان عنّا صدوركم
وإلّا تقيموا صاغرين الرؤوسا
أي : إن لا تقيموها مختارين تقيموا الرؤوس صاغرين.
ومن الثاني قول الآخر : [الوافر]
فطلّقها فلست لها بكفء
وإلّا يعل مفرقك الحسام
أي : إلّا تطلّق ويجوز في البيت الأول مثل هذا.
فصل : ومن وما وما أشبههما إذا وقعت مبتدأ في الشرط فالخبر فعل الشرط وحدّه وقال بعضهم الخبر الشرط والجزاء.
وحجّة الأوّلين أن من اسم تام وفعل الشرط فيه ضمير يعود عليه لا محالة ولا يلزم في الجواب أن يكون فيه ضميره وهذا حكم الخبر كقولك : من يقم يقم زيد.
وحجّة الآخرين أنّ الكلام لا يتمّ إلا بالجواب فكان داخلا في الخبر ويصير كقولك : زيد إن يقم أقم معه فالشرط والجواب جميعا الخبر.
وقد أجيب عن هذا بأنّ الجواب هنا أجنبيّ عن المبتدأ ومن يعمل الفعل فيها بعدها النصب كقولك : من تضرب أضرب فيكون هو الخبر عنها كقولك : زيد ضربته ؛ لأنه لو تجرّد عن ضمير المفعول كان ناصبا لزيد ، وأمّا افتقار الكلام إلى الجواب فشيء أوجبه التعليق ألا ترى أنّ قولك : لو لا زيد لأكرمتك لا يتمّ فيه.
الكلام إلّا بالجواب وليس الجواب داخلا في الخبر ؛ ولذلك جعلت الخبر في الاستفهام هو الفعل كقولك : من قام لمّا لم يحتج إلى التمام بالجواب.
1) البيت من شعر يزيد الشنّي : وهو يزيد بن الخذّاق الشنّي العيدي بن عبد العتيق. شاعر جاهلي كان معاصرا لعمرو بن هند. من شعره :
مسألة : لا يجازى ب (كيف) وقال الكوفيون : يجازى بها.
حجّة الأولين : أن كيف لو جوزي بها إما أن يعرف ذلك بالسماع أو بالقياس على المسموع لا وجه إلى الأول فإنّه لا يثبت فيه سماع ولا وجه إلى الثاني لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ معنى أدوات الشرط تعليق فعل بفعل وكيف لو علّقت لعلّقت حال الفاعل أو المفعول بحال أخرى والفعل يمكن الوقوف عليه لظهوره والحال لا يمكن ذلك فيها لخفائها.
والثاني : أنّ من الأحوال ما لا يدخل تحت الاختيار فلا يصحّ أن يعلّق عليها حال ألا ترى أنّه لو قال كيف تذهب أذهب فذهب مكرها أو مغموما لم يصحّ تكلّف ذلك في جواب الشرط ومثل ذلك لو كان فعلا لم يصحّ المجازاة به كقولك : إن متّ متّ.
والثالث : أنّ تلك الأدوات التي هي أسماء يرجع إليها ضمير لا محالة وكيف اسم لا يصحّ أن يرجع إليها ضمير فلم يصحّ قياسها عليها ولا يصحّ قياسها على الحرف في عدم عود الضمير كما تقاس بقية الأسماء على أن في عدم الضمير إليها.
واحتج الآخرون بأنه يصحّ أن يقال كيف تصنع أصنع بالرفع فكذلك في الجزم والجواب عنه من وجهين :
أحدهما : أنّ استعمال مثل هذا بعيد ولو ورد عن ثقة فوجهه أنّه قصد حالا معلومة بقرينة تميّزها عنده وهذا يصحّ مع الرفع لا مع الجزم ؛ لأن أسماء الجزم حكمها العموم إذا جزمت.
فصل : فإذا حذفت الفاء جزمت في جميعها إلّا في النفي ؛ لأن النفي عدم والعدم لا يجازى به أو لا يصحّ التعليق به ولا يكون سببا لغيره والفاء تدلّ على أنّ الأول سبب للثاني.
مسألة : تقول لا تدن من الأسد تسلم منه فتجزم والتقدير إن لا تدن تسلم فالتباعد منه سبب السّلامة.
فإن قلت : لا تدن من الأسد يأكلك لم يجز ؛ لأن تقديره : إلّا تدن منه يأكلك ، والتباعد منه ليس بسبب في أكله.
فإن قيل : لم لم يقدّر إن تدن؟ قيل : يجب أن يكون المقدّر من جنس الملفوظ به فكما لا تقدّر في الأمر النهي كذلك لا تقدّر في النهي الإيجاب ألا تراك لا تقول ابعد من الاسد يأكلك تريد إلّا تبعد يأكلك.
مسألة : الأمر والنهي ونحوهما لا يجزم بأنفسهما بل بشرط مقدّر ؛ لأن الكلام تمّ عليهما بدون الجواب كقولك : زرني ولا تهنّي جملة تامة بخلاف إن ومن.
مسألة : لا تدخل هاتان النونان (1)على غير الأفعال ؛ لأن المراد منهما توكيد ما لم يقع ليكون حاملا على الإيقاع ولذلك اختصّا بالقسم والأمر والنهي والاستفهام وهذا لا يتحقق في غير الفعل.
مسألة : الفعل المضارع يبنى مع نون التوكيد ؛ لأنها تؤكّد فعليته فيعود إلى أصله من البناء ، وقد ذكرنا ذلك قبل بأشبع من هذا.
مسألة : إنّما فتح ما قبل هذه النون في الواحد لأمرين :
أحدهما : أنّ الضمة تدلّ على الجمع والكسرة تدلّ على التأنيث والسكون على جمع المؤنث فبقيت الفتحة للواحد.
والثاني : أنّ وقوع هذه النون في الواحد أكثر فاختير له الفتح تخفيفا.
مسألة : الحركة قبل النون بناء وقال قوم هي لالتقاء الساكنين وحجّة الأولين أنّها لو كانت لالتقاء السّاكنين لم يردّ المحذوف قبلها نحو بيعنّ وقولنّ ؛ لأن حركة التقاء الساكنين غير لازمة فيصير كقوله : (قم اللّيل ، وبع المتاع) ولمّا قلت : قومنّ وبيعنّ صحّ ما ذكرنا.
مسألة : النون الخفيفة أصل كما أن الثقيلة أصل وقال الكوفيون هي مخففة من الثقيلة.
وحجّة القول الأوّل : أنّ الثقيلة أشدّ توكيدا من الخفيفة واصل التوكيد سابق على زيادته والسابق أصل للمسبوق وتخفيفها من الأخرى يدلّ على أنّ الثقيلة أصل فهي بأن تكون فرعا على الخفيفة أولى من العكس ولأنّ التخفيف تصرّف والحروف تبعد عنه.
مسألة : لا تدخل النون الخفيفة على فعل الاثنين وجماعة النسوة وقال يونس والكوفيون يجوز.
1) إذا كان المضارع مبنيا لاتصاله بإحدى النونين وسبقه ناصب أو جازم وجب أن يكون مبنيّا فى محل نصب أو جزم ، أى أنه يكون مبنيا فى اللفظ ، معربا فى المحل. ولهذا أثر إعرابىّ يجب مراعاته. ففى التوابع - مثلا - كالعطف ، إذا عطف مضارع على المضارع المبنى المسبوق بناصب أو جازم وجب فى المضارع المعطوف أن يتبع محل المعطوف عليه فى النصب أو الجزم. وكذلك المضارع المبنى إن كان معطوفا عليه ؛ فإنه يكون مبنيّا فى محل رفع - فى الرأى المشهور.
وحجّة الأوّلين من وجهين :
أحدهما : أنّ السماع لا يشهد به والقياس على الثقيلة متعذّر ؛ لأن كلّا منهما أصل يفيد ما يفيده الآخر ولا بدّ في الأصل المقيس عليه من اتّحاد العلّة وتماثل الحكمين.
والثاني : أنه يلزم من ذلك جمع بين ساكنين ، والثاني غير مدغم ، وذلك لا يجوز ولا يجوز تحريك الثّاني ؛ لأنه يخرج النون عن حكمها وهو السكون فلذلك لم تحرك هذه النون لساكن بعدها.
واحتجّ الآخرون بأنها نون توكيد فلحقت ما تلحقه الثقيلة واعترضوا على ما ذكرنا من وجهين :
أحدهما : أن الألف فيها مدّ يشبه الحركة فيجوز وقوع الساكن بعدها.
والثاني : أن الجمع بين ساكنين قد ورد كقولك : التقت حلقتا البطان وغير ذلك.
والجواب : أنّا قد بيّنا الفرق بين الخفيفة والثقيلة ، وأمّا مدة الألف فلا تجري مجرى الحركة لاستحالة تحرك الألف ولأنها لو كانت كالحركة لجاز أن يليها كلّ ساكن وليس كذلك ، وأمّا وقوع المدغم بعدها نحو دابّة وأصيّم وتمودّ الثوب فسبب ذلك أن المدغم حرف واحد متحرك في اللفظ ، وإن كان في التقدير حرفين ؛ ولذلك حسن فيه ولم يحسن في غير المدغم ، وقد دعا توهّم الجمع بين ساكنين هنا بعضهم إلى قلب الألف همزة مفتوحة فقال دأبّة وشأبّة ، وأمّا حلقتا البطان فشاذّ لا يقاس عليه.
مسألة : النون الثقيلة تفتح إلّا أن تقع قبلها ألف نحو تضربانّ واضربنانّ وإنّما حرّكت لئلا يجتمع ساكنان وفتحت طلبا للتخفيف خصوصا مع المثلين وإنما كسرت بعد الألف تشبيها بنون تضربان وهو الأصل في التحريك لالتقاء الساكنين.
مسألة : إنّما زيدت الألف قبل نون التوكيد في فعل جماعة النسوة لئلّا تتوالى ثلاث نونات زوائد على الفعل ففصل بالألف بينهما فإن قيل : فقد قالوا في المضارع تحننّ من حنّ يحنّ وفي الماضي حنّنّ وهي ثلاث نونات قيل ثنتان منها من نفس الفعل وواحدة ضمير بخلاف التوكيد.
فإن قيل : كيف تؤكّد جمع المؤنث من هذا الفعل هل تقول احننّانّ فمعك الآن خمس نونات ثنتان من نفس الفعل وواحدة ضمير وثنتان للتوكيد.
فإن قيل : فإن كان هذا الأمر من أنّ يئنّ كيف يلفظ به ، قيل : يقال ايننان فتقلب الهمزة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فإن أردت ذلك من ودّ قلت : ايددنان فتقلب الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فإن أردت ذلك من سنّ يسنّ قلت : اسنننانّ وإن أردته من وضؤ يوضؤ قلت : اوضؤنانّ ، وإن أردته من أزّ يئزّ قلت : أوززنانّ ، فإن أردت ذلك من وقع قلت : قعنانّ وإن أردته من رأى قلت : رينانّ ووزنه فينانّ فالمحذوف عين الكلمة ولامها ، فإن أردته من خاف وقام قلت : خافنّ يا زيد وخافنّ وخافنّ وخفنانّ ، وإذا تفطّنت لهذه المسائل وقفت على حقيقة الباب إن شاء الله تعالى.
مسألة : إذا وقفت على النون الخفيفة المفتوح ما قبلها أبدلت منها ألفا كقوله تعالى : (لَنَسْفَعاً) [العلق : 15] (وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ) [يوسف : 32] ؛ لأن هذه النون أشبهت التنوين في نصب الأسماء فإن وقفت على المضموم ما قبلها والمكسور لم تبدل منها شيئا بل تحذفها وتردّ الكلمة إلى أصلها فتقول اضربوا واضربي وهل تضربون ؛ لأن التنوين لا يبدل منه مع غير الفتحة فالنون في الأفعال أولى.
مسألة : إذا وقفت على بدل النون ثم أجريت الوصل مجرى الوقف حذفت الألف من اللفظ لالتقاء الساكنين ولا تثبت النون التي هي أصل لأنّك لو أثبتّها لحرّكتها ، وذلك لا يجوز بخلاف التنوين فإنّه يحرّك لالتقاء الساكنين والفرق بينهما أنّ التنوين أكثر تصرّفا من النون وهو واقع في الأسماء التي هي الأصل وللأموال من التصرف ما ليس للفروع.
فصل : إذا وقعت نون التوكيد بعد الواو حركتها بالضمّ وبعد الياء حركتها بالكسر نحو اخشونّ ولا ترضين فالواو هاهنا ضمير الجماعة ولام الكلمة محذوفة والفتحة تدلّ على الألف المنقلبة عن اللام ولم يجز حذف الضمير لأنّك قد حذفت اللام فلو حذفت الضمير لضممت ما قبل النون أو كسرته فلا يبقى على الألف دليل وليس كذلك قولك : ارمنّ وارمنّ ؛ لأن ضمة الميم تدلّ على الواو والكسرة تدلّ على الياء المحذوفة.
مسألة : إذا أمرت جماعة النساء وأكّدته من قولك : وأي ، قلت : اينانّ ، أمّا الواو التي هي فاء الفعل فحذفت لوقوعها بين ياء وكسرة في قولك : ءئي وبقيت الهمزة والياء والنون بعد الياء ضمير والأخيرة للتوكيد ، فإن كان ذلك من أوى قلت : ايتونيانّ فالأولى همزة وصل والياء بدل من الهمزة الأصليّة فإن أكّدت فعل الواحدة قلت : من وأى إنّ يا هند ففاء الكلمة محذوف فبقي اي فحذفت الياء لسكونها وسكون النون بعدها وتقول من أوى ايونّ.
قد ذكرنا في أوّل الكتاب معنى الإعراب وحدّه ، ونحن نذكر في هذا الباب معنى البناء وحدّه ، وعلله ، والحركات التي تبنى الكلمة عليها ، وامتناع الجمع بين الساكنين ولم كان الأصل في التحريك الكسر.
أما معنى البناء (1)
والمبنيّات هي جميع الحروف ، والماضي والأمر دائما ، والمتّصلة به إحدى نوني التوكيد أو نون النسوة ، وبعض الأسماء. والأصل فى الحروف والأفعال البناء. والأصل فى الأسماء الإعراب. أنواع البناء
المبنيّ إما أن يلازم آخره السكون ، مثل «اكتب ولم» أو الضمة مثل «حيث وكتبوا» أو الفتحة ، مثل «كتب وأين» أو الكسرة ، مثل «هؤلاء» والباء من «بسم الله». وحينئذ يقال إنّه مبني على السكون ، أو على الضمّ ، أو الفتح ، أو الكسر. فأنواع البناء أربعة السكون والضمّ والفتح والكسر.
وتتوقف معرفة ما تبنى عليه الأصماء والحروف على السّماع والنقل الصحيحين ، فإنّ منها يبنى على الضمّ ، ومنها ما يبنى على الفتح ؛ ومنها ما يبنى على الكسر ، ومنها ما يبنى على السكون. ولكن ليس لمعرفة ذلك ضابط.
فهو الثبوت واللزوم كبناء الحائط وحدّه في النحو لزوم آخر الكلمة سكونا أو حركة ، وإن شئت قلت : هو أن لا يختلف آخر الكلمة لاختلاف العامل فيها.فصل : والحروف كلّها مبنيّة وكذلك الأصل في الأفعال ولا يفتقر ذلك إلى علّة ؛ لأن الكلمة موضوعة عليه وإنّما يعلّل الإعراب ؛ لأنه زائد على الكلمة ولمّا كان الأصل في الأسماء أن تعرب لما بيّنا في أول الكتاب احتيج إلى تعليل ما بني منها ولمّا كان الأصل في كلّ مبنيّ! السكون احتيج إلى تعليل ما حرّك منه وإلى تعليل تعيين حركة دون غيرها وسأبيّن ذلك إن شاء الله تعالى.
فصل : وإنّما كان الأصل في البناء السكون لأمرين :
أحدهما : أنّه ضدّ الإعراب والإعراب يكون بالحركة فضدّه بضدّها.
والثاني : أنّ الحركة زائدة والأصل أن لا يزاد شيء إلا للحاجة إليه.
فصل : وإنّما يحرّك المبنيّ لأمرين :
أحدهما : التقاء الساكنين والآخر شبهه بالمعرب وإنّ وإنما احتيج إلى تحريك.
1) والمبنيّ ما يلزم آخره حالة واحدة ، فلا يتغير ، وإن تغيرت العوامل التى تتقدّمه «كهذه وأين ومن وكتب واكتب».
الثاني : لالتقاء الساكنين لأنّك إذا نطقت بالسّاكن الأوّل صار كالموقوف عليه فإذا أردت النطق بالثاني كنت كالمبتدئ به والابتداء بالساكن ممتنع.
فصل : والأصل في التحريك لالتقاء الساكنين الكسر لأربعة أوجه :
أحدها : أنّ الكسرة علامة الجر والسكون علامة الجزم والجرّ والجزم نظيران إذ الجرّ مختصّ بالأسماء والجزم بالأفعال فعند الحاجة إلى تحريك المجزوم حرّك بحركة نظيره ثم حمل بقيّة السواكن عليه لاتّفاقهما في السكون.
والثاني : أنّ الكسرة أقلّ من الضمّة والفتحة ؛ لأنّهما يكونان في الأسماء والأفعال إعرابا وبناء ولا كسر في الأفعال ولا فيما لا ينصرف من الأسماء والحمل على الأقلّ عند الحاجة أولى.
والثالث : أنّ الضمة ثقيلة جدا والفتحة قريبة من السكون جدا والكسر وسط بينهما.
والرابع : أنّ الفعل يدخله الضمّ والفتح مع الاختيار فكسر عند الاضطرار لتكمّل له الحركات.
فصل : وتحريك أحد السّاكنين أولى من حذفه ؛ لأن الضرورة تندفع به مع بقاء حروف الكلمة والحذف ينقصها فلا يصار إليه إلا للضرورة.
فصل : والأصل تحريك الساكن الأوّل ؛ لأنه به يتوصّل إلى النطق بالثاني : فهو كهمزة الوصل وقال قوم الأصل تحريك ما هو طرف الكلمة أوّل الساكنين كان أو ثانيهما ؛ لأن الأواخر مواضع التغيير ؛ ولذلك كان الإعراب آخرا.
وهي ظرف مكان وقال الأخفش تكون زمانا أيضا كقول طرفة : [المديد]
للفتى عقل يعيش به
حيث تهدي ساقه قدمه
أي : مدّة حياته وهذا غير لازم إذ يمكن أن يكون المعنى في أيّ مكان كان.
فصل : وهي مبهمة يبيّنها ما بعدها ولا تكاد العرب توقع بعدها المفرد بل تبيّنها بالجملة ، وذلك لشدة إبهامها وإرادة تعيّنها بإضافتها إلى المعيّن ، وذلك لأنّك لو قلت : جلست حيث الجلوس أو حيث زيد لم يكن في ذلك إيضاح تامّ لاحتماله ، فإذا قلت : حيث جلس زيد لم يبق فيه احتمال ، وقد جاء المفرد بعدها في الشعر كقول الراجز :
أما ترى حيث سهيل طالعا
ويروى سهيل بالرفع على الابتداء والخبر محذوف دلّت عليه الحال وهي قوله : (طالعا) ويروى بالجر فمنهم من يقول بإضافتها إلى المفرد وهي مبنيّة كقوله تعالى : (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود : 1] ، ومنهم من ينصب حيث ويعربها ويجرّ ما بعدها بالإضافة.
فصل : وأمّا حالها في الشّرط فتكفّ عن الإضافة على ما بيّناه.
فصل : وهي مبنية على الضمّ في اللغة الجيدة وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها ناقصة لا تتمّ إلّا بجملة توضحها فهي كالذي.
والثاني : أنّها خرجت عن نظائرها من أسماء الأمكنة فإنّ مبهمها يتّضح بالإضافة إلى المفرد نحو خلفك وقدامك.
والثالث : أنّها تضمّنت معنى حرف الإضافة إذ من حكم كل مضاف أن يظهر بعده حرف الإضافة نحو غلامك وثوب خز وقدّام لك فلمّا لم يظهر كان متضمنا لها والاسم إذا تضمّن معنى الحرف بني.
1) إن سمّيت بكلمة مبنيّة أبقيتها على حالها ، وكان إعرابها مقدّرا في الأحوال الثلاثة. فلو سميت رجلا «ربّ» ، أو «من» ، أو «حيث» ، قلت «جاء ربّ. أكرمت حيث. أحسنت إلى من». فحركات الإعراب مقدّرة على أواخرها ، منع من ظهورها حركة البناء الأصلي. وكذا إن سمّيت بجملة - كتأبط شرا ، وجاد الحقّ - لم تغيرها للاعراب الطّازىء ، فتقول «جاء تأبط شرا ، أكرمت جادا الحقّ». ويكون الإعراب الطارئ مقدّرا ، منع ظهور حركته لحركة الإعراب الأصلي.
فصل : وإنّما حرّك آخرها لئلا يلتقي ساكنان فأمّا من ضمّها فله في ذلك وجهان :
أحدهما : أنّها أشبهت قبل وبعد في وقوعها على كلّ الجهات وأبعاضها فألحقت بهما.
والثاني : أنّ معظم أسماء الأمكنة معرب يتّضح بالمفرد فلمّا خالفت أخواتها قوّيت بأن بنيت على الضمّ تنبيها على أنّ حقّها الإعراب ومن العرب من يبنيها على الفتح طلبا للخفة ، ومنهم من يبنيها على الكسر وهو الأصل في التقاء الساكنين.
وهما معربان بالنّصب أو مجروران بمن. ويبنيان في بعض الأحوال وذلك إذا قطعا عن الإضافة لفظا لا معنى - بحيث يبقى المضاف إليه في النية والتّقدير - كقوله تعالى (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) ، أي من قبل الغلبة ومن بعدها». فإن قطعا عن الإضافة لفظا ومعنى لقصد التّنكير - بحيث لا ينوى المضاف إليه ولا يلاحظ في الذهن - كانا معربين ، نحو «فعلت ذلك قبلا ، أو بعدا» ، تعني زمانا سابقا أو لاحقا ، ومنه قول الشاعر.
فساغ لي الشّراب ، وكنت قبلا
أكاد أغصّ بالماء الفرات
وهما ظرفان على حسب ما يضافان إليه إن أضيفا إلى المكان كانا مكانين وإن أضيفا إلى الزمان كانا زمانين ، وقد يحذف الزمان بينهما وبين ما يضافان إليه كقولك : جئت قبل زيد أي قبل مجيء زيد.
فصل : وهما مبهمان إذا كانا ظرفين فلا يبين معناهما إلا بذكر ما هما ظرفان له ومن هنا لزمتهما الإضافة لفظا أو تقديرا.
فصل : ويضافان إلى المفرد ؛ لأن الإبهام يزول به إذا كانا بعضه أو مضافين له من جنسه.
فصل : ويعربان في الإضافة إذا لم توجد فيهما علّة البناء فخرجا على الأصل. ويبنتيان إذا قطعا عن الإضافة كقوله تعالى : (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) [الروم : 4] وفي ذلك ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّهما تنزّلا منزلة بعض الكلمة إذ كانا مبهمين لا يتّضحان إلا بالمضاف إليه فإذا قطعا عنه لم يزل الإبهام إلّا بالنّظر في معنى الكلام ، وإذا أضيفا فهم معناهما باللفظ المتّصل بهما وليسا كالحروف التي معناها في غيرها ولا كالذي المفتقرة إلى الجملة.
والوجه الثاني : أنّهما تضمّنا معنى لام الإضافة إذ كانا مختصين مع القطع كاختصاصهما مع ذكر المضاف إليه والإضافة مقدّرة بالّلام وبتقديرها يتضمنان معناها والاسم إذا تضمّن معنى الحرف بني.
1) قبل وبعد ظرفان للزمان ، ينصبان على الظّرفيّة أو يجرّان بمن ، نحو «جئت قبل الظهر ، أو بعده ، أو من قبله ، أو بعده». وقد يكونان للمكان نحو : «داري قبل دارك ، أو بعدها».
والثالث : أنّه لا يخبر بهما ولا عنهما بعد قطعهما عن الإضافة ولا يتمّ بهما الصلة فجريا مجرى الحرف.
فصل : وحرّكا تنبيها على أنّ بناءهما عارض فلهما تمكّن ولم يحرّكا لاجتماع الساكنين ألا ترى أنّ قولك : يا حكم في النداء محرّك ولا ساكن قبل الطّرف لكن لما ذكرنا.
فصل : وحرّكا بالضمّ لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ الضمّ أقوى من غيره فاختير زيادة في التنبيه على تمكّنهما.
والثاني : أنّهما في حال الإضافة يحركان بالفتح والكسر دون الضمّ فضمّتا في البناء لتتكمّل لهما الحركات.
والثالث : أنّهما لمّا اقتضيا المضاف إليه وحذف عنهما عوّضا منه أقوى الحركات.
فصل : ويسمّى قبل وبعد وفوق وتحت وبقية الجهات الست غايات وفيه وجهان :
أحدهما : أنّها حدود ونهايات لما تحيط به وغاية الشيء آخره فسمّيت بمعناها.
والثاني : أنّ تمام الكلام يحصل بالمضاف إليه بعدها فإذا قطعا عنه صارت هي آخرا وغاية نائبة عن غيرها.
أمّا المخففة فبمعنى حسب وبنيت ؛ لأنها وقعت موقع المبنيّ وهو فعل الأمر مثل صه ومه وسكّنت على الأصل ومثلها قد بمعنى حسب ولا تنوّن في المعرفة وتنوّن في النكرة ، فإذا أدخلتهما على ياء المتكلم قلت : قطي وقدي فلم تلحق النون ؛ لأنّهما اسمان ومن العرب من يلحق النون فيقول قطني وقدني لتسلم السكون.
فصل : فأمّا قط المشدّدة فمعناها ما مضى من الزمان دون المستقبل وبنيت لوجهين :
أحدهما : أنّها أشبهت الفعل الماضي إذ كانت لا تكون إلّا له.
والثاني : أنها تضمنت معنى في ؛ لأن حكم الظرف أن تحسن فيه في ولمّا لم تحسن ها هنا كان الظرف متضمنا لها ، وقيل : تضمنت معنى منذ التي تقدر بها المدة أو ابتداء المدة ؛ لأن قولك : ما رأيته قطّ أي منذ خلقت وإلى الآن.
فصل : وحرّكت لئلا يجتمع ساكنان وضمّت ؛ لأنها أشبهت منذ ، وقيل : قوّيت بالضمّ إذ كانت نائبة عن منذ وما بعدها.
فصل : وإذا حذفت المضاف إليه مع فوق وتحت وعل بنيت الباقي على الضمّ للعلّة التي ذكرناها في قبل.
فصل : واين مبنية لتضمّنها معنى حرف الاستفهام والشّرط وحرّك آخرها لئلا يلتقي ساكنان وفتح ولم يكسر على الأصل فرارا من اجتماع الياء والكسرة مع كثرة الاستعمال.
فصل : وكيف مبنية مثل أين وهي اسم والدليل على ذلك السّماع والقياس فالسماع قول بعض العرب على كيف تبيع الأحمرين.
وقال الآخر : انظر إلى كيف تصنع وهذا شاذّ الاستعمال والحكاية الثانية شاذّة القياس أيضا ؛ لأن كيف استفهام والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إلّا حرف الجرّ إذا تعلّق بما بعده وها هنا قد تعلّق بما قبله ، وأمّا القياس فمن ثلاثة أوجه :
1) هذا النوع ما يلازم النصب على الظرفيّة ابدا ، فلا يستعمل إلا ظرفا منصوبا ، نحو «قط وعوض وبينا وبينما وإذا وأيّان وأنّى وذا صباح وذات ليلة». ومنه ما ركّب من الظروف كصباح مساء وليل ليل. النوع الثاني ما يلزم النصب على الظرفيّة أو الجرّ بمن أو إلى أو حتى أو مذ أو منذ ، نحو «قبل وبعد وفوق وتحت ولدى ولدن وعند ومتى وأين وهنا وثمّ وحيث والآن».
أحدها : أنّ الاسم يبدل منها كقولك : كيف زيد أصحيح أم مريض والاسم لا يبدل إلّا من الاسم.
والثاني : أنّ الاسم يجاب به عنها كقولك : كيف زيد فتقول صحيح ولو كانت حرفا لما أجيب عنها إلا بالحرف.
والثالث : التقسيم وهو أن يقال لو كانت حرفا لما تمّ الكلام بها مع اسم واحد مع أنها ليست حرف نداء ولو كانت فعلا لما وليها الفعل من غير حاجز بينهما ، وقد وليها كقولك : كيف صنعت فتعيّن أن تكون اسما ؛ لأنه الأصل.
فصل : وأمّا أيّان فهي بمعنى متى وبنيت لتضمّنها معنى حرف الاستفهام وفتح آخرها ؛ لأنه أخفّ بعد الياء والألف التي بينهما حاجز غير حصين.
فصل : وأمّا الآن فاسم لدخول الجار عليها كقولك : من الآن وإلى الآن وكذلك الألف واللام.
وقال الفرّاء : هي فعل وهذا بعيد ؛ لأنها لو كانت فعلا لم تدخل عليها اللام ولا عبرة باليجدّع واليتقصّع لشذوذهما ولأنه لو كان فعلا لكان فيه ضمير الفاعل ولا يصح تقدير ذلك فيه وهي اسم للوقت الحاضر وقال قوم الآن حدّ ما بين الزمانين أي طرف الماضي وطرف المستقبل ، وقد يتجوز بها عمّا قرب من الماضي ويقرب من المستقبل وألفها منقلبة عن ياء ؛ لأنها من آن يأين إذا قرب ، وقيل : أصلها أو ان فقلبت الواو ألفا ثم حذفت لالتقاء الساكنين وهذا بعيد ؛ لأن الواو قبل الألف لا تقلب كالجواد والسّواد واتفقوا على بنائها فعلى قول الفرّاء هي فعل ماض فلا ريب في بنائها.
واختلف الباقون في علّة البناء ، فقال المبرّد وابن السرّاج : خالفت نظائرها ؛ لأنها نكرة في الأصل استعملت من أوّل وضعها بالألف واللام وباب اللام أن تدخل على النكرة. وقال الزجاج : بنيت لتضمّنها معنى حرف الإشارة ؛ لأن المعنى في قولك : فلان يصلّي الآن أي في هذا الوقت. وقال أبو عليّ : بنيت لتضمّنها معنى لام التعريف ؛ لأنها استعملت معرفة وليست علما والألف واللام فيها زائدتان.
أحدهما : هي اسم للفعل فلا يظهر فيه علم التثنية والجمع والتأنيث وبها جاء القرآن قال الله عزوجل : (هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ) [الأنعام : 150] وفي آية أخرى : (وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا) [الأحزاب : 18].
والقول الثاني : هي فعل تظهر فيه علامة التثنية والجمع والتأنيث نحو : هلمّا وهلّموا وهلّمي ، وأمّا جماعة النسوة فالجيد فيها هلممن ، وقد قيل غير ذلك ولا يعرّج عليه.
فإذا جعلت اسما للفعل فمعناها احضروا أو أقبلوا وهي مركّبة إذا كانت فعلا من ها ولمّ فأصلها هاالمم فحذفت ألفها وهمزة الوصل فلزم الإدغام لمّا تحركت اللام وبنيت إذا كانت اسما لوقوعها موقع المبنيّ وفتحت لطول الكلمة وثقل الضمّ للإدغام.
فصل : ومن أسماء الفعل ها بمعنى خذ وفيها لغات :
إحداها : هاء بهمزة مفتوحة للمذكر وفي المؤنث هاء وفي التثنية هاءا وفي الجمع هاؤوا ومنه قوله : (هاؤُمُ اقْرَؤُا) [الحاقة : 19].
واللّغة الثّانية : ها بغير همز في كلّ حال.
والثّالثة : هاك فيجعل مكان الهمزة كافا وبنيت لوقوعها موقع الأمر.
فصل : وأما هيت فاسم للفعل ومعناه هيت لك فبني لوقوعه موقع الفعل الماضي ، وقيل : لوقوعه موقع الجملة ، وقيل : هو مقدّر بمبتدأ وخبر أي أنا متهيّئة لك ، وقيل : هو واقع موقع الأمر أي ايتني.
فصل : وأما هات ففعل صريح يقال هاتا يهاتي مهاتاة مثل رامى وحامى.
فصل : وأمّا هنا فاسم للمكان الحاضر ، وقد تستعمل في الزمان مجازا كقوله تعالى : (هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ) [آل عمران : 38] فإذا دخلت عليها الكاف صار للمكان البعيد ؛ لأن الحاضر يعرفه المخاطب ، وإذا لم يعرفه كان بعيدا وصار بمنزلة هذا ، فإن زدت اللام فقلت هنالك كان أبعد كما ذكر في ذلك وإنّما بنيت هنا لتضمّنها معنى حرف الإشارة.
فصل : وأمّا ثمّ فاسم للمكان البعيد عنك وبني لتضمّنه حرف الإشارة أيضا ولا يجوز ثمّك كما جاز هناك ؛ لأن ثمّ للبعيد فلا حاجة إلى إدخال الكاف عليه ؛ لأن من شأنها أن تنقل القريب إلى البعيد.
فصل : أسماء العدد إذا استعملت في العدّ مبنيّة كقولك : واحد اثنان ثلاثة ؛ لأن الغرض منها العدّ فقط فهي كالأصوات فإن وصلت بعضها ببعض أبقيت الهاء على لفظها ، وإن اجتمع ساكنان حركت الأوّل كقولك : واحد اثنان والجيّد أن تحرك الدال بالكسر على الأصل وريّما يجوز أن تلقي حركة الهمزة على الهاء في ثلاثة أربعة فتفتح الهاء ، فإن أخبرت عن العدد أو وصفته أعربته.
فصل : وحروف التهجي إذا أردت بها الهجاء فقط مبنيّة ؛ لأنها كالعدد فيما ذكرنا من حيث الغرض منها العدّ فهي كالأصوات ، فإن أخبرت بها أو عنها أو وصفتها أعربتها وما كان آخره ألفا نحو با تا ثا تزيد عليه ألفا أخرى ليكمّل اسما ثم تحرّك الثانية فتقلب همزة.
فصل : والأصوات المحكيّة مبنيّة ك غاق في حكاية صوت الغراب وعدس في زجر البغال ؛ لأن الغرض منها نفس الحكاية والإعراب يراد للفرق بين المعاني.
وما التقى فيه ساكنان حرّك الثاني بالكسر على الأصل إلّا أن يعرض فيه ثقل فيحرّك بالفتح نحو هيد في زجر الإبل.
فصل : وأمّا جير فبمعنى نعم في أكثر الاستعمال فهي حرف ك نعم وحرّك بالكسر لالتقاء الساكنين ولم يكثر استعمالها ففتح كما فتحت أين.
فصل : ومن اسماء الفعل إيه بمعنى حدّثنا وتنوّن في التنكير على ما هو أصل الباب فإن أردت أن تكفّه عن الحديث قلت : إيها وفتحت هذه للفرق بين طلب الحديث وطلب السكوت.
فصل : والمضاف إلى ياء المتكلّم مبنيّ عند الجمهور لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ الاسم المعرب صار تابعا للياء إذ لا يكون ما قبلها إلّا مكسورا ، وإذا صار تابعا في الحركة صار تابعا للمضمر في البناء.
والثاني : أنه خرج عن نظائره من المضافات إذ ليس فيها ما يتبع غيره.
والثالث : أنّ الإعراب اختلاف آخر الكلمة وهذا ممتنع ها هنا لفظا وتقديرا فكان مبنيّا بخلاف المقصور فإنّ المانع من ظهور الحركة الألف فلو خرج المقصور على أصله لأمكنت فيه الحركة وحرف الإعراب في صاحبي وما أشبهه قابل للحركات بنفسه وإنما امتنع لغيره فافترقا.
وما أصاحب من قوم فأذكرهم
إلا يزيدهم حبّا إلىّ هم
2 - تقديم الضمير على عامله لداع بلاغى ، كالحصر (القصر) والضمير المتصل لا يمكن أن يتقدم بنفسه على عامله ؛ فيحل محلّه المنفصل الذى بمعناه. ففى مثل : نسبحك ، ونخافك يا رب العالمين - لا نستطيع عند الحصر أن نقدم الكاف وحدها ، لذلك نأتى بضمير منصوب بمعناها ، وهو : «إياك» فنقول : إياك نسبح ، وإياك نخاف.
اعلم أن ضرورة إقامة الوزن تدعو إلى جواز ما تمهّد في القواعد الكلية خلافه ؛ ولذلك جاز للشاعر زيادة كلمات يقوّم بها الوزن وحذف شيء ليصحّح كما قال لبيد : [الكامل]
درس المنا بمتالع فأبان
يريد المنازل. وقال العجاج : [الرجز]
قواطنا مكّة من ورق الحمي
يريد الحمام ، وسنذكر في هذا الباب ما يجوز للشاعر عند الضرورة مفصّلا إن شاء الله تعالى.
واعلم أنّ معظم ما يجوز في ضرورة الشعر يرجع إلى أصل قد رجح عليه أصل آخر فالشّاعر يحاول ذلك الأصل المتروك عند الضرورة.
فصل : فمن ذلك صرف ما لا ينصرف ، وقد ذكرناه في بابه وكذلك ترك صرف ما ينصرف.
فصل : ويجوز للشاعر قصر الممدود مطلقا ، وقال الفرّاء : لا يجوز إلا إذا كان له بعد القصر نظير في الأبنية.
وحجّة الأوّلين : أنّ القصر جاز للضّرورة وهو حذف الزائد والرجوع إلى الأصل فسوّي فيه بين ما له نظير وما لا نظير له.
واحتجّ الفرّاء بأن الضرورة تردّ إلى أصل وجوابه من وجهين :
1) هناك حالات أخرى يتعذر فيها مجئ الضمير متصلا ؛ فيجئ منفصلا وجوبا. وتسمى حالات الانفصال الواجب. وأشهرها : 1 - ضرورة الشعر ؛ مثل قول الشاعر يتحدث عن قومه :
أحدهما : أن هذا لا يطّرد في كلّ موضع ؛ ولذلك جاز تأنيث المذكر وهو رجوع من الأصل إلى الفرع.
والثاني : أن قصر الممدود ردّ إلى الأصل من وجه وهو حذف الزائد ولا يعتبر أن يكون ردّا إلى كلّ الأصول إذ ذلك محال.
فصل : وأما مدّ المقصور فغير جائز عند البصريين ؛ لأنه زيادة في الكلمة ؛ ولذلك لم يسغ للشاعر أن يزيد أيّ حرف شاء بخلاف قصر الممدود ؛ فإنه حذف الزائد والأصل عدم الزيادة.
وقال الكوفيون هو جائز واحتجوا بقول الشاعر : [الوافر]
سيغنيني الذي أغناك عنّي
فلا فقر يدوم ولا غناء
فمدّ الغنا وهو مقصور.
والجواب أنّه يروى بفتح العين على أنه مصدر أغنيت عنه غناء وإغناء ومن رواه بالكسر جعله مصدر غانيت وتغانيت مثل قولك : قاتلته قتالا وترامينا رماء أي تراميا.
فصل : ويجوز له إظهار المدغم ؛ لأنه الأصل كما أنّ الأصل التصحيح ومنه قول الشّاعر : [الرجز]
الحمد لله العليّ الأجلل
وقال الآخر : [البسيط]
مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقي
أنّي أجود لأقوام وإن ضننوا
أي : الأجلّ ، وإن منّوا وهذا أحسن من الزيادة والنقصان.
فصل : ويحذف التنوين في الشعر لالتقاء الساكنين ، قال أبو الأسود الدؤلي:[المتقارب]
فألفيته غير مستعتب
ولا ذاكر الله إلّا قليلا
بنصب اسم الله وقرأ بعض القرّاء : (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) بالنصب أي سابق النهار.
فصل : ومن ذلك حذف الياء بعد الكسرة والواو بعد الضمّة فمن الأوّل قول الشاعر (1): [الوافر]
1) البيت من شعر مضرس بن ربعي الأسدي : وهو مضرس بن ربعي بن لقيط الأسدي. شاعر حسن التشبيه والرصف ، أورد له البغدادي أبياتا جيدة في وصف ليلة ويوم ، ومقطوعة فيها حكمة. وقال : (هو شاعر جاهلي) واختار أبو تمام (في الحماسة) قطعتين من شعره. وروى له المزرباني عدة مقطوعات وقال : (له خبر مع الفرزدق) فإن صح هذا فلا يكون جاهليا.
فطرت بمنصلي في يعملات
دوامي الأيد يخبطن السّريحا
أي : الأيدي.
ومن الثاني : قول الشاعر : [الطويل]
فبيناه يشري رحله قال قائل
لمن جمل رخو الملاط نجيب
وقال آخر في حذف الياء : [الرجز]
دار لسعدى إذه من هواكا
وإنّما ساغ ذلك لدلالة الكسرة والضمّة على المحذوف.
فصل : ويجوز حذف حركة الياء هي وهو على إجراء الوصل مجرى الوقف كقول الشاعر : [البسيط]
ثمّ انصرفت وهي منّي على بال
فصل : ومن ذلك تذكير المؤنّث ؛ لأن الأصل هو المذكّر فروج فيه الأصل ولأن المؤنث والمذكّر يشتركان في اسم آخر مذكر كالمنزل والدار فإنّ الدار منزل فمن ذكّرها حمله على معنى المنزل ومما جاء في ذلك من المؤنّث الذي ذكّر وهو لمن يعقل قول الشاعر : [السريع]
قامت تبكّيه على قبره
من لي من بعدك يا عامر
ترتكتني في الدار ذا غربة
قد ذلّ من ليس له ناصر
أرادات ذات غربة وجاز لمّا كانت المرأة إنسانا ، وقال آخر من الهزج :
وممّن ولدوا عامر
ذو الطول وذو العرض
يريد ذات الطول ؛ لأن عامر قبيلة ؛ ولذلك لم يصرف. وقال آخر : [المتقارب]
فلا مزنة ودقت ودقها
ولا أرض أبقل إبقالها
فإن قيل : كان يمكن أن يقول : أبقلت إبقالها فيلقي كسرة الهمزة على التاء؟
قيل : الجواب عنه من أوجه :
أحدها : أنّ إلقاء حركة الهمزة يلزم منه حذف أصل أو كالأصل وحذف التاء حذف زائد.
والثاني : أن الإلقاء أقلّ في الاستعمال من حذف التاء في مثل هذا.
والثالث : أن هذا طريق والإلقاء طريق فلا يتخيّر على اللغوي أحدهما وقال :[المتقارب]
فإمّا تريني ولي لّمة
فإنّ الحوادث أودى بها
أي : أودت فجاز ذلك لمّا كان الحوادث والحدثان بمعنى والجمع هنا للجنس والمفرد جنس فإن قيل : لو قال أودت لاستقام الوزن قيل نعم ولكن يلزم منه حذف الرّدف والقافية مردفة.
فصل : فأمّا تأنيث المذكر فأضعف من عكسه إذ كان ترك الأصل إلى الفرع مع أنّه قد جاء حملا على المعنى فمن ذلك قراءة بعض القرّاء : (تلتقطه بعض السيّارة) فأنّث والفاعل بعض لما كان بعض السيارة سيارة وقالوا ذهبت بعض أصابعه وقال جرير (1)
أشعر أهل عصره ، ولد ومات في اليمامة ، وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم فلم يثبت أمامه غير الفردق والأخطل.
كان عفيفا ، وهو من أغزل الناس شعرا.
: [الوافر]إذا بعض السنين تعرّقتنا
كفى الأيتام فقد أبي اليتيم
وقال آخر : [الكامل]
لمّا أتى خبر الزبير تواضعت
سور المدينة والجبال الخشّع
وفي التأنيث هنا وجهان :
أحدهما : أنه ذهب بالسّور مذهب الجدران.
والثاني : أنّه لمّا أضافه إلى المؤنّث جعل له حكمه كما قال تعالى : (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) [الأعراف : 160].
1) جرير : (28 - 110 ه / 648 - 728 م) هو جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي ، أبو حزرة ، من تميم.
فأنّث العشر والأمثال مذكّرة ولكن أضيفت إلى ضمير الحسنة وروي عن بعض الفصحاء أنّه قال : ألم تر إلى ما كان من فلان؟ فقيل له : ماذا؟ فقال : جاءته كتابي فاحتقرها فأنكر ذلك عليه ، فقال : أليس صحيفة.
فصل : وقد يشدّد المخفف في نحو قول الشاعر : [الرجز]
ببازل وجناء أو عيهلّ
وقول الآخر : [الرجز]
تعرّضت لي بمكان حلّ
تعرّض المهرة في الطّولّ
وكقول الآخر (1)
والبيت كاملا :
ثمّت جئت حيّة أصمّا
ضخما يحبّ الخلق الأضخمّا
: [الرجز]ضخما يحبّ الخلق الأضخمّا
والأصل تخفيف هذه الأواخر والوجه في تشديدها أنه أراد الوقف ومذهب كثير من العرب الوقف على المشدّد على أن تجعل التشديد بدل الحركة أو التنوين إلّا أن الشاعر أجرى الوصل مجرى الوقف.
فصل : ويجوز له تخفيف المشدّد ، وذلك في القوافي كقول امرئ القيس : [المتقارب]
تحرّقت الأرض واليوم قر
ومنها :
ويحك ألحقت شرّا بشر
وهذا أسهل من الذي قبله ، ومنه قول الفرزدق من الطويل :
تنظّرت نصرا والسّماكين أيهما
عليّ مع الغيث استهلّت مواطره
يريد أيّهما.
فصل : ومن ذلك حذف الهمزة تخفيفا كقوله : [البسيط]
ويل أمّها في هواء الجوّ طالعة
ولا كهذي الذي في الأرض مطلوب
أي : ويل أمّها.
1) الشطر من شعر رؤبة بن العجاج.
فصل : ومن ذلك قلب الهمزة ألفا إذا انفتح ما قبلها وياء إذا انكسر وواوا إذا انضمّ إلا أن هذا قريب إلى القياس وقرئ به القرآن.
فصل : ومن ذلك قطع ألف الوصل كقول الشاعر (1): [الطويل]
فما ترب أثرى لو جمعت ترابها
بأكثر من ابني نزار على العدّ
وكقول الآخر (2)
شاعر من عشاق العرب ، افتتن ببثينة من فتيات قومه ، فتناقل الناس أخبارهما. شعره يذوب رقة ، أقل ما فيه المدح ، وأكثره في النسيب والغزل والفخر.
كانت منازل بني عذرة في وادي القرى من أعمال المدينة ورحلوا إلى أطراف الشام الجنوبية. فقصد جميل مصر وافدا على عبد العزيز بن مروان ، فأكرمه وأمر له بمنزل فأقام قليلا ومات فيه.
: [الطويل]إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه
بنشر وإفشاء الحديث قمين
والوجه فيه أنّه أجرى الوصل مجرى الابتداء كما أجري مجرى الوقف ، وأمّا وصل همزة القطع فيكون بالإلقاء ويذكر في موضعه.
فصل : وأمّا الترخيم في غير النداء ونصب ما بعد الفاء في غير جواب الأشياء السبعة وحذف الفاء في الجواب فقد ذكر في موضعه.
فصل : وأمّا إبدال أحد الحرفين في التّشديد فيذكر في التصريف إن شاء الله.
فصل : ويجوز إبقاء حروف المدّ في الفعل المجزوم كقول الشاعر : [البسيط]
هجوت زبّان ثم جئت معتذر
من هجو زبّان لم تهجو ولم تدع
فلم يحذف الواو ومن الألف قول الآخر (3)
واعمد لأخرى ذات دلّ مؤنق
ليّنة المسّ كمسّ الخرنق
إذا مضت فيه السياط المشّق
: [الرجز]1) البيت من شعر أبو الأخيل العجلي : هو مولى لبني عجل ، كان شاعرا أعمى ، وله شعر قاله آخر أيام بني أمية ، ووفد على عمر بن هبيرة الفزاري. له شعر في قصائد نادرة من كتاب منتهى الطلب من أشعار العرب.
2) البيت من شعر جميل بثينة :(- 82 ه / - 701 م) وهو جميل بن عبد الله بن معمر العذري القضاعي ، أبو عمرو.
3) من شعر رؤبة بن العجاج ، وفيها :
إذا العجوز غضبت فطلّق
ولا ترضّاها ولا تملّق
وقال آخر (1)
شاعر جاهلي يماني وفارس شجاع وسيد لقومه من بني الحرث بن كعب وكان قائدهم في يوم الكلاب الثاني. وهو من أهل بيت عريق في الشعر في الجاهلية والإسلام منهم : اللجلاج الحارثي ، ومسهر بن يزيد بن عبد يغوث ، وجعفر بن علبه.
وهو صاحب القصيدة التي مطلعها : ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا. ويقال أنه أسر يوم الكلاب الثاني وخير كيف يرغب أن يموت فاختار أن يشرب الخمر صرفا ويقطع عرقه الأكحل ، فمات نزفا.
: [الطويل]وتضحك مني شيخة عبشميّة
كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا
ومن الياء من الوافر (2)
كان فارسا شاعرا داهية يضرب به المثل (فيقال : أدهى من قيس) وهو أمير عبس وأحد السادة القادة في عرب العراق كان يلقب بقيس الرأي لجودة رأيه وله شعر جيد فحل زهد في أواخر عمره فرحل إلى عمان وما زال إلى أن مات فيها.
وهو صاحب الحروب بين عبس وذبيان وأصلها أن قيسا تراهن على السباق بفرسه داحس مع حذيفة بن بدر فجعل بنو فزارة كمينا ، فلطموا داحسا وأخذوا رهان الإبل فقالت عبس أعطونا جزورا فإنا نكره القالة في العرب فأبوا ذلك. فما هي إلا أيام حتى أغار قيس عليهم فلقي عوف بن بدر فقتله وأخذ إبله ... ثم اشتعلت الحرب سنين طويلة حتى ضرب بها المثل.
:ألم يأتيك والأنباء تنمي
بما لاقت لبون بني زياد
ووجه ذلك أنّه أخرج الأفعال على الأصل وجعل الجزم في الحركات المستحقّة في الأصل وقال قوم لا مات هذه الأفعال محذوفة بالجزم والجروف الموجودة الآن فاشية عن إشباع الحركات فأمّا فاعل يأتيك في البيت الأخير فقيل هو مضمر دلّ عليه ما قبله ، وقيل : فاعله بما لاقت والباء زائدة.
فصل : وقد حذف الإعراب في الشعر ورويت في ذلك أبيات منها : [الرجز]
لما رأى أن لادعه ولا شبع
مال إلى أرطأة حقف فأضطجع
وقول الآخر : [الرجز]
إذا اعوججن قلن صاحب قوّم
فأجرى الوصل مجرى الوقف والمبرّد والزجّاج ينكران ذلك ولا يعتدان بالأبيات الواردة فيه لشذوذها وضعف الرواية فيها وقال آخر (1): [السريع]
فاليوم أسقى غير مستحقب
إثما من الله ولا واغل
فسكن ، وقالوا الرواية : فاشرب.
فصل : ومما جاء في ذلك من الشعر ضرورة حذف الضمير من الفعل لدلالة الضمّة عليه كقول الشّاعر : [الوافر]
فلو أنّ الأطبّا كان حولي
وكان مع الأطبّاء الأساة
أي كانوا ، وقد جاء أشدّ من هذا كقول الآخر : [الرجز]
لو أنّ قومي حين أدعوهم حمل
على الجبال الصمّ لا رفضّ الجبل
أي : حملوا هذا مع الإسكان.
ومما جاء للضرورة حذف بعض الكلمة كقول لبيد : [الكامل]
درس المنا بمتالع فأبان
أي : المنازل. وقال العجاج : [الرجز]
قواطنا مكّة من ورق الحمي
أي : الحمام فحذف الألف والميم وكسر الميم الأخرى ، وقيل : حذف الميم الأخيرة وحدها وكسر الأولى فصارت الألف ياء ، وقال آخر (2)
من شعره في مدح معاوية :
إني امرؤ قلما أثني على أحد حتى
أرى بعض ما يأتي وما يذر
قال البكري : النجاشي من أشراف العرب إلا أنه كان فاسقا وكانت أمه من الحبشة فنسب إليها.
: [الطويل]فلست بآتيه ولا أستطيعه
ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
أي : ولكن وضرورة الشّعر أكثر من هذا ، وقد نبّهنا على أصلها.
الأسماء الموصولة الخاصة : هي التي تفرد وتثنّى وتجمع وتذكّر وتؤنّث ، حسب مقتضي الكلام.
وهي (الذي) للمفرد المذكر ، (واللّذان واللّذين) للمثنى المذكر ، و (الّذين) للجمع المذكر العاقل ، و (التي) للمفردة المؤنثة ، و (اللّتان واللّتين) للمثنّى المؤنّث ، و (اللّاتي واللّواتي واللّائي) - بإثبات الياء وحذفها - للجمع المؤنث ، و (الألى) للجمع مطلقا ، سواء أكان مذكرا أم مؤنثا ، وعاقلا أم غيره ، تقول «يفح الذي يجتهد ، واللذان يجتهدان والّذين يجتهدون. وتفلح التي تجتهد ، واللّتان تجتهدان ، واللّاتي ، أو اللّواتي ، أو اللّائي ، يجتهدن. ويفلح الألى يجتهدون. وتفلح الألى يجتهدن. واقرأ من الكتب الألى تنفع».
(و «الّلذان والّلتان» تستعملان في حالة الرفع ، مثل جاء الّلذان سافرا ، والّلتان سافرتا». والّذين واللتين تستعملان في حالتي النصب والجر ، مثل «أكرمت اللذين اجتهدا ، واللتين اجتهدتا ، وأحسست الى اللذين تعلما ، واللتين تعلمتا» وهما في حالتي الرفع مبنيان على الألف ، وفي حالتي النصب والجر مبنيان على الياء.
وليستا معربتين بالألف رفعا ، وبالياء نصبا وجرا ، كالمثنى ، لأن الأسماء الموصولة مبنية لا معربة ، ومن العلماء من يعربها إعراب المثنى. وليس ببعيد عن الصواب).
ويجوز تشديد النون في مثنى (الذي والتي) ، سواء أكان بالألف أم بالياء. وقد قريء «واللّذانّ يأتيانها منكم» ، كما قريء (رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ) بتشديد النّون فيهما.
وأكثر ما يستعمل (الألى) لجمع الذكور العقلاء.
الموصول : أسماء وحروف فالأسماء الّذي والّتي وفروعهما ومن وما وأي ، وأمّا الحروف ف (ما وأنّ الثقيلة والخفيفة).
فصل : وإنّما سمّيت هذه موصولات ؛ لأنها نواقص تتمّ بما توصل به ؛ ولذلك بنيت ؛ لأنها كبعض الكلمة أو كالحرف الذي يفتقر إلى جملة.
فصل : والغرض من الإتيان بالذي والتي وصف المعارف بالجمل إذ كانت الجمل تفسّر بالنكرات وينبغي أن يتوصّل إلى وصف المعرفة بالجملة لئلّا يكون للنكرة ما ليس للمعرفة وهذا كجعلهم ذو وصلة إلى الوصف بالأجناس وأي وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام فإن قيل : ف (من وما وأيّ) أسماء موصولة ولا يوصف بما قيل عنه جوابان :
أحدهما : أنّ من وما على حرفين وليس لهما في الصفات نظير بخلاف الذي ؛ ولذلك ثنّي الذي وجمع دون من وما ، وأمّا أيّ فلزمتها الإضافة وحكم الصفة أن تستقلّ وتعرّف بالألف واللام والإضافة تمنع من ذلك.
1) الاسم الموصول : ما يدلّ على معين بواسطة جملة تذكر بعده. وتسمّى هذه الجملة (صلة الموصول). والأسماء الموصولة قسمان خاصة ومشتركة :
والثاني : أنّ من وما تختصان ف (من) لمن يعقل و (ما) لما لا يعقل والذي تصلح لهما ، والأصل في الصفة أن تكون مشتقّة من الفعل والفعل لا يختصّ فالمشتقّ منه كذلك ف (من وما) لاختصاصهما أشبها الأعلام فلم يوصف بهما.
فصل : والياء واللّام في الذي أصلان وقال الكوفيون الاسم الذال وحده وما عداه زائد.
وحجّة الأوّلين : أنّ الذي اسم ظاهر فلم يكن على حرف واحد كسائر الأسماء الظاهرة يدلّ عليه أنّ الذال لم تستعمل في هذا الاسم وحدها فلو كانت الياء واللام زائدتين لجاز حذفهما في هذا الجنس.
واحتجّ الآخرون من وجهين :
أحدهما : أنّ الياء تسقط في التثنية فلو كانت أصلا لم تسقط ، وأمّا اللّام فزيدت ليمكى النطق بالذال ساكنة ولتدخل الألف واللام على متحرك.
والثاني : ما جاء في الشعر من حذف الياء وتسكين الذال كقول الشاعر : [الرجز]
كاللّذ تزبّى زبية فاصطيدا
ولا نظير له فيما هو على أكثر من حرف.
والجواب : أمّا حذف الياء في التثنية فقد أجبنا عنه في باب التثنية وحذف الياء في الشعر شاذّ لا يدلّ على أنّها زائدة ؛ لأنه قد حذف في الشعر كثير من الأصول كقوله : (درس المنا) ، و (من ورق الحمي) ، وقد تقدّم ذكر ذلك.
فصل : والألف والّلام في الذي زائدتان لا للتعريف لوجهين :
أحدهما : أنّ تعريف الذي بالصلة بدليل تعرّف من وما بها إذ لا لام فيهما وما يعرّف في موضع بشيء يعرّف في موضع آخر بذلك الشيء.
والثاني : أنّ الألف واللام لو حصّلا التعريف لكان الاسم مستعملا بدونهما نكرة إذ جميع ما تدخل عليه لام التعريف كذلك فإن قيل : لو كانا زائدتين لجاز حذفهما قيل من الزوائد ما يلزم كالفاء في قولك : خرجت فإذا زيد ونحوها.
فصل : وإنّما تعرفت هذه الأسماء بالصّلات ؛ لأن الصّلات تخصّصها ؛ لأن الصلة جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر وكلاهما خاصّ فجريا مجرى الصفة المخصصة نهاية التخصيص.
فإن قيل : كيف تعرّف الجملة وهي نكرة ؛ ولذلك تفسّر بالنكرة ففيه جوابان :
أحدهما : أنّ الجملة التي هي صلة لا تخلو من ضمير هو الموصول في المعنى والضمير معرفة فتخصصت الجملة به وكان الفعل من الجملة يلزمه الفاعل وهو معرفة وكذلك المبتدأ وصارت الجملة مع الذي بمنزلة وصف معرّف بالألف واللّام.
والثاني : أنّ الجملة ليست نكرة باعتبار نفسها بل تقدّر باسم نكرة فإذا انضمّ إليها الذي صار في حكم المركّب فالجملة كالمفرد النكرة والذي نعت لما قبلها فحدث عند التركيب معنى لم يكن للمفرد على ما هو المألوف في المركّبات.
فصل : وإنّما كانت الصلة جملة خبريّة لأربعة أوجه :
أحدها : أنّ الغرض منها إيضاح الموصول وغير الخبريّة من الأمر والاستفهام مبهم فلا يحصل الإيضاح.
والثاني : أنّ الذي اسم ظاهر والأسماء الظاهرة للغيبة فلو وصلت بالأمر والنهي للمواجه لتناقضا ؛ لأن المواجهة خطاب وإن كانا للغائب لزم أن يكون فاعلهما غير الذي والضمير العائد على الذي هو الذي في المعنى فيتدافعان وكذلك الاستفهام.
والثالث : أنّ الذي وصلته مقدّران باسم واحد والاسم الواحد لا يدلّ على الأمر والنهي والاستفهام مع دلالته على مسمّى آخر.
والرابع : أنّ الذي وصلته يخبر عنهما تارة وبهما أخرى والأمر والنهي والاستفهام لا يصحّ فيها ذلك ، فإن قيل : فما تقول في بيت الفرزدق : [الطويل]
وإنّي لرام نظرة قبل الّتي
لعلّي وإن شطّت نواها أزورها
فجعل الصّلة لعلّ قيل هو شادّ وتأويله أنّه حذف القول وتقديره التي أقول لعلّي وما جاء من ذلك فهذا سبيله.
فصل : وفي الذي أربع لغات الجيدة الذي بسكون الياء والثانية حذفها اجتزاء بالكسرة عنها والثالثة تسكين الذّال على إجراء الوصل مجرى الوقف والرابعة تشديد الياء على المبالغة كما زيدت في الصفات كأحمريّ ودوّاريّ.
فصل : واللغة الجيدة في تثنيتها حذف الياء ؛ لأن الكلمة طالت بالصّلة وزيادة حروف التثنية فخفّت بالحذف ، وقد حذفت نونها في الشعر تخفيفا وأما الجمع فالجّيد الذين في كلّ حال وياء الأصل محذوفة من أجل ياء الجمع ومن العرب من يجعلها في الرفع بالواو وفي الجرّ والنصب بالياء وليس ذلك إعرابا بل تشبيه له بالمعرب.
فصل : والأصل في اللاتي أنّه اسم وضع للجمع ووزنه فاعل مثل الجامل والباقر ويجمع على اللّواتي على فواعل ، وأمّا اللائي فعلى فاعل أيضا ومن العرب من يحذف منه الياء وهي لام الكلمة.
فصل : والألى بمعنى الذين كقولك : هم الألى قالوا كذا أي الذين وذو في لغة طيء تكون بمعنى الذي وتكون في المؤنث والمذكر والواحد وما زاد عليه بلفظ واحد وبالواو في كل حال.
مسألة : اسم الإشارة غير موصول وقال الكوفيون هو موصول.
وحجّة الأوّلين : أنّه اسم تامّ بنفسه يحسن الوقف عليه فلم يكن موصولا كسائر الأسماء الظاهرة ؛ ولذلك يحسن أن يجمع بينه وبين الذي فيقال إنّ هذا الذي عندنا كريم.
واحتجّ الآخرون بقوله تعالى : (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) [البقر : 85] و (ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ) [آل عمران : 119] وبقول الشاعر (1)
اشتهر بشعره الساخر من عبّاد وعبيد الله بن زياد بن أبيه. وله شعر في المدح والغزل.
: [الطويل]عدس ما لعبّاد عليك إمارة
نجوت وهذا تحملين طليق
والجواب عن الآية : أن (تقتلون) و (تحبّونهم) حال وليس بصلة ، وقد استوفيت القول على ذلك في إعراب القرآن وأمّا البيت ففيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ طليقا خبر هذا وتحملين حال من الضمير في طليق والعائد محذوف أي تحملينه.
والثاني : هو خبر بعد خبر.
1) البيت من شعر يزيد بن مفرغ الحميري : (69 ه / 689 م) وهو يزيد بن زياد بن ربيعة الحميري. من أصل يمني من قبيلة يحصب ، كانت أسرته في حلف مع قريش. ولد في البصرة ، ونشأ بها ، كان يعرف العربية والفارسية ، بدأ اتصاله بالبلاط نديما لسعيد بن عثمان بن عفان ، وأصبح بعد ذلك من شعراء البلاط.
والثالث : أن يكون حالا والعامل فيه معنى الإشارة.
مسألة : الاسم الظاهر إذا دخلت عليه الألف واللام لم يكن موصولا لما ذكرنا من قبل ، وقال الكوفيون : يكون موصولا واحتجّوا بقول الشاعر (1)
شاعر فحل ، مخضرم ، أدرك الجاهلية والإسلام ، وسكن المدينة واشترك في الغزو والفتوح ، وعاش إلى أيام عثمان فخرج في جند عبد الله بن سعد بن أبي السرح إلى إفريقية سنة (26 ه) غازيا.
فشهد فتح آفريقية وعاد مع عبد الله بن الزبير وجماعة يحملون بشرى الفتح إلى عثمان ، فلما كانوا بمصر مات أبو ذؤيب فيها. وقيل مات بإفريقية.
أشهر شعره عينية رثى بها خمسة أبناء له أصيبوا بالطاعون في عام واحد مطلعها :
«أمن المنون وريبه تتوجع».
قال البغدادي : هو أشعر هذيل من غير مدافعة. وفد على النبي صلىاللهعليهوسلم ليلة وفاته ، فأدركه وهو مسجّى وشهد دفنه. له (ديوان أبي ذؤيب - ط).
: [الطويل]لعمري لأنت البيت أكرم أهله
وأجلس في أفيائه بالأصائل
أي : أنت الذي أكرم وجوابه من وجهين :
أحدهما : أنّ البيت مبتدأ ثان وأكرم أهله الخبر.
والثاني : أنه أراد البيت الذي أكرم فحذف الذي للضرورة.
مسألة : ماذا تكون على وجهين :
أحدهما : هما اسمان ف (ما) استفهام و (ذا) بمعنى الذي فعلى هذا يكون الجواب مرفوعا كقوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) [البقرة : 219] في قراءة من رفع.
والوجه الثاني : أن يكون ما وذا اسما واحدا للاستفهام بمعنى أيّ شيء فعلى هذا انتصب العفو في الآية ويكون موضع ماذا نصبا ب (ينفقون).
فإن قيل : كيف جاءت ذا بمعنى الذي هنا؟
قيل : لمّا ركّبا حدث لهما معنى وحكم لم يكن في الإفراد على ما عرف في تركيب الحروف وغيرها وإنّما كانت مع ما بهذا المعنى ؛ لأن ما في الاستفهام في غاية الإبهام فأخرجت ذا من التخصيص إلى الإبهام وجذبتها إلى معناها وأصارتها إلى إبهام الذي فإن قيل : أفيجوز مثل ذلك في من ذا قيل لا ؛ لأن من تخصّ من يعقل فليس فيها إبهام ما.
1) البيت من شعر أبي ذؤيب الهذلي : (27 ه / 648 م) وهو خويلد بن خالد بن محرّث أبو ذؤيب من بني هذيل بن مدركة المضري.
مسألة : أيّهم يكون بمعنى الذي فإن وصلت بجملة كانت معربة اتفاقا كقولهم : لأضربنّ أيّهم هو أفضل ، فإن وصلتها بمفرد كانت مبنيّة عند سيبويه وذهب بعض البصريين والكوفيون إلى أنّها معربة.
وحجّة الأوّلين : أنّ الأصل في أيّ أن تكون مبنية في الشرط والجزاء والاستفهام لتضمّنها معنى الحرف ، وإذا كانت بمعنى الذي يجب أن تبنى لنقصانها إلّا أنّ ذلك خولف لما نذكره في الاستفهام ، وإذا حذف من صلتها شيء خالفت بقيّة أخواتها فازداد نقصانها ومخالفتها للأصل فيجب أن ترجع إلى حقّها من البناء واحتجّ بقوله تعالى : (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا) [مريم : 69].
واحتجّ الآخرون بما قال الجرميّ : خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكّة أحدا يقول لأضربنّ أيّهم أفضل بالضم بل بنصبها ولأنّ أيّهم معربة في غير هذا الموضع فتكون معربة ها هنا قالوا والآية محمولة على غير ما ذكرتم وفي هذه المسألة أقوال قد ذكرناها في إعراب القرآن.
والجواب : أمّا حكاية الجرمي فيجوز أن يكون ما سمعه لغة لبعض العرب فإنّ سيبويه حكى خلافها فيجمع بين الحكايتين ويحمل الأمر فيها على لغتين إلّا أنّ الأقيس البناء ، وأمّا قياسها عليها في الاستفهام والجزاء فلا يصحّ ؛ لأنها هناك تامّة وهي ها هنا ناقصة مخالفة لأخواتها من الموصولات.
مسألة : لا بدّ في الصلة من عائد على الموصول ؛ لأن الذي يصلح وصله لكلّ جملة والجملة في نفسها تامّة فلا تصير الجملة تماما ل (الذي) وكالجزء منه إلّا بالضمير الرابط لأحدهما بالآخر كما في الجملة التي هي خبر المبتدأ.
فصل : ويجوز حذف العائد المنصوب كقوله تعالى : (أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ) [الفرقان : 41] لأنّ الاسم طال لاجتماعه من أربعة أشياء الذي والفعل والفاعل والمفعول ولا يجوز حذف المرفوع ؛ لأنه فاعل والفاعل لا يحذف ولا المجرور ؛ لأنه كجزء من الجارّ ؛ ولذلك لم يكن إلّا متّصلا ، وقد جاء حذف المجرور أيضا قليلا إذا كان الفعل موجودا وطريقه أنّه
يعدّي الفعل بنفسه بعد حذف الحرف ثم يحذف الضمير ، وذلك كقوله تعالى : (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) [الحجر : 94] أي به ثمّ حذفت الباء فبقي بما تؤمره ثم حذفت الهاء هذا إن جعلت ما بمعنى الذي أو موصوفة وإن جعلتها مصدريّة لم تحتج إلى تقدير ضمير ، ومنهم من يحذف الجارّ والمجرور دفعة واحدة.
فصل : وأمّا أنّ الثقيلة المفتوحة وأن الناصبة للفعل فهما موصولتان وهما حرفان بلا خلاف فأمّا ما المصدريّة فموصولة أيضا وهي حرف ، وقال الأخفش : هي اسم.
وحجّة الأوّلين : أنه لا يعود إليها ضمير ولو كانت اسما لاحتاجت إليه.
واحتجّ الآخرون بأنّها موصولة غير عاملة فكانت اسما كأمثالها من الموصولات.
والجواب : أنّ الاسميّة لا تثبت من حيث كانت موصولة غير عاملة فإنّ ذلك ليس من حدّ الأسماء ولا علاماتها ؛ لأن كونها موصولة يخرجها عن حكم الأسماء إذ من حكم الأسماء التّمام وكونها لا تعم حكم أكثر الحروف فعلم أنّ الاسمية تثبت بدليل غير هذا ، وقد ذكرنا ما يصلح أن يكون دليلا على حرفيتها.
مسألة : الألف واللّام بمعنى الّذي اسم وحكي عن الأخفش أنها حرف.
وحجّة الأولين : احتياجها إلى عود الضمير إليها على ما سبق.
واحتج الآخرون بأنّها تفيد التعريف فكانت حرفا كحالها إذا دخلت على الأسماء المحضة وسبب ذلك أنّ الاسم الموصول تعرّفه صلته والألف واللّام يعرّفان ما يدخلان عليه.
والجواب : أنّ الألف والّلام ليست للتعريف هنا بل هي ك الّذي والفرق بينهما وبين اللّام المعرّفة أنّ حرف الجرّ إذا وقع قبل الموصول لم يتعلّق بالصّلة كقوله تعالى : (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) [يوسف : 20] وإن جعلت الألف واللام للتعريف جاز أن يتعلّق الجار بما دخلت عليه إذا صلح للعمل.
فصل : ولا يتقدّم شيء من الصّلة على الموصول ؛ لأن الصلة كجزء من الاسم وتقديم بعض أجزاء الاسم على بعض ممتنع ، وذلك قولك : سرّني ما صنعت اليوم إن نصبت اليوم سرّني جاز تقديمه وتأخيره وإن جعلته ظرفا ل (صنعت) لم يجز تقديمه بحال وللعلّة التي
ذكرنا لم يجز إيقاع الأجنبيّ بين الموصول والصلة ولا إيقاع الصفة والبدل والعطف قبل تمام الصلة كقولك : عجبت من الضاربين إخوتك الظريفين وزيد ونحو ذلك فلو قدمت هذه الاشياء على إخوتك لم يجز ، فإن قلت : من الضاربين أجمعون إخوتك ، فجعلت أجمعين تأكيدا للضمير في الضاربين جاز ؛ لأنه لا فصل فيه إذ كان تابعا لمعمول الموصول.
الاستفهام : طلب الإفهام والإفهام تحصيل الفهم والاستفهام والاستعلام والاستخبار بمعنى واحد ، وقد يكون الاستفهام لفظا وهو في المعنى توبيخ أو تقرير فالتوبيخ كقوله تعالى : (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ) [البقرة : 28] والتقرير كقوله : (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى) فقرّره ليقول : (هِيَ عَصايَ) [طه : 17 - 18] فإذا رآها صارت حيّة لم يخف لعلمه أنّ الله تعالى جعل ذلك آية له.
فصل : وحروف الاستفهام ثلاثة الهمزة وأم ، وقد ذكرا في العطف وهل ، إلّا أنّ هل قد تكون بمعنى قد ومنه قوله تعالى : (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) [الإنسان : 1] في أحد القولين.
فصل : وقد شبّهت بهذه الحروف أسماء وظروف فالأسماء من ويستفهم بها عمّن يعقل وتستعمل في غيره مجازا وما لما لا يعقل ، وقد جاءت لمن يعقل وأي تصلح لهما وأين في المكان ومتى في الزمان وكم في العدد وكيف في الحال وأنّى تكون بمعنى متى وكيف ومن أين فمن الأوّل قوله تعالى : (أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها) [البقرة : 259].
ومن الثاني : قوله تعالى : (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) [البقرة : 223].
ومن الثالث : قوله : (أَنَّى لَكِ هذا) [آل عمران : 37] ، ومنه قول الراجز :
من أين عشرون لها من أنّى
فصل : والغرض من الاستفهام بهذه الأسماء عموم السؤال المقتضي للجواب بالمسؤول عنه وهذا لا يحصل من الاستفهام بالحرف ؛ لأن المستفهم عنه يختصّ ببعض الجنس كقولك : أزيد في الدار فيمكن المجيب أن يقول لا ولا يلزمه شيء آخر بمقتضى هذا السؤال فيحتاج أن يحدد سؤالا آخر وربّما تسلسل وفإذا قلت : من في الدار؟ ألزمت المسؤول الجواب بالمطلوب بأوّل مرة.
1) إسم الإستفهام هو اسم مبهم يستعلم به عن شيء ، نحو «من جاء؟ كيف أنت؟». وأسماء الإستفهام هي «من ، ومن ذا ، وما ، وماذا ، ومتى ، وأيّان ، وأين ، وكيف ، وأنّى ، وكم ، وأيّ».
فصل : وأسماء الاستفهام تامّة ؛ لأن الجملة تتمّ بها وبجزء آخر بخلاف الموصولة وكذلك هي في الجزاء تامّه.
فصل : وإعراب الجواب مثل إعراب السّؤال كقولك : من عندك فهذا مبتدأ وخبر فإذا قلت : زيد عندي ، كان زيد مبتدأ كما كانت من ؛ لأنها سؤال عنه وهو جواب لها ، وإذا قلت : من رأيت؟ قلت : زيدا ، أي رأيت زيدا فتقدّر العامل المذكور في السؤال. فإذا قلت : بمن مررت؟ قال : بزيد ، فيلزم إعادة الجارّ ؛ لأنه لا يعمل مضمرا لضعفه لاحتياجه إلى ما يتعلّق به فلو حذفته حذفت شيئين.
فصل : فإن كان الجار اسما بقي الاستفهام في اللفظ على حاله كقولك : لأضربنّ غلام أيّهم في الدار؟ وقال كثير من النحويين هو ضعيف ؛ لأن الجار لا يعلّق عن العمل بخلاف الناصب والرافع.
فصل : ولا يعمل في الاستفهام ما قبله ؛ لأن أداة الاستفهام لها صدر الكلام إذ كانت تفيد في الجملة معنى لم يكن فلو أعملت فيها ما قبلها لصارت وسطا ، وذلك ممتنع كما يمتنع قولك : لأضربنّ أزيدا في الدار.
فإن قيل : فقد جاء في الحديث صنعت ماذا؟ قيل : هو محمول على أنّه قدّر حذف الفعل وتركه ثم ابتدأ وقال : ماذا ولم يذكر بعده فعلا لدلالة المذكور المقدّر الحذف عليه ، وقيل : أراد ماذا صنعت فحذف ماذا ثم جاء بماذا بعدها دليلا على المحذوف.
وقيل : التقدير أصنعت ثم استأنف استفهاما آخر ، وقد حذفت أداة الاستفهام لدلالة الكلام عليها كقول الشاعر : [الكامل]
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
غلس الظّلام من الرّباب خيالا
أي : أكذبتك عينك وعلى هذا حملت قراءة من قرأ : (اتّخذناهم سخريّا) بكسر الهمزة.
فصل : وجميع أسماء الاستفهام مبنيّة لتضمّنها معنى الهمزة إلا : (أيّا) فإنها معربة قالوا ؛ لأنها حملت على نظيرها وهو بعض ونقيضها وهو كلّ ؛ لأنها لا تنفكّ عن الإضافة كما لا ينفكّان عنها والإضافة من أحكام الأسماء فإذا لزمت عارضت ما فيه من معنى الحرف فلم يقو على بنائها.
(1) معنى الحكاية : أن يأتي الاسم أو ما قام مقامه على الوصف الذي كان قبل ذلك والحكاية تكون في المعارف والنكرات.
فالمعارف المحكيّة مختصّة بالأعلام والكنى عند أكثر العرب نحو زيد وأبي محمّد وعلّة ذلك من وجهين :
أحدهما : أنّها أكثر دورا في الكلام إذا كانت التعريفات على الاختصار لا تحصل إلّا بها وما كثر استعماله يخصّ بأحكام لا توجد فيما قل ؛ لأنه لا يلتبس.
والثاني : أن الاعلام قد غيّرت كثيرا نحو محبب ومكوزة وموهب وتهلل والحكاية تغيير فهو من جنس ما لحقها من التغيير.
فصل : فإذا قال القائل : جاءني زيد ، قلت : من زيد؟ رفعت في السؤال البتة وفي رفعة وجهان :
أحدهما : هو خبر من.
والثاني : هو فاعل فعل محذوف كأنّك قلت : أجاءك زيد من الذي من صفته كذا ليكون محكيا ؛ لأن الأوّل فاعل فيكون في الحكاية فاعلا كما في النصب ، وإذا قال : رأيت زيدا قلت : من زيدا ف (من) مبتدأ و (زيدا) مفعول سدّ مسدّ الخبر وكذلك في الجرّ.
فصل : وإنّما حكى الإعراب أهل الحجاز ؛ لأن السامع لهذا السؤال قد لا يكون سمع الكلام الأوّل فأراد المتكلّم أن ينبّهه أنّ ينبه على أن هناك كلاما متقدّما هذا جوابه وإعرابه فأمّا بنو تميم فلا يحكمون بل يرفعون بل يرفعون بكلّ حال.
1) الحكاية : إيراد اللفظ على ما تسمعه. وهي ، إما حكاية كلمة ، أو حكاية جملة. وكلاهما يحكى على لفظه ، إلّا أن يكون لحنا. فتتعيّن الحكاية بالمعنى ، مع التنبيه على اللحن. فحكاية الكلمة كأن يقال «كتبت يعلم» ، أي كتبت هذه الكلمة ، فيعلم - في الأصل - فعل مضارع ، مرفوع لتجرّده من الناصب والجازم ، وهو هنا محكيّ ، فيكون مفعولا به لكتبت ، ويكون إعرابه تقديريا منع من ظهوره حركة الحكاية. وإذا قلت «كتب فعل ماض» فكتب هنا محكيّة. وهي مبتدأ مرفوع بضمة مقدّرة منع من ظهورها حركة الحكاية.
فصل : فإن عطفت أو وصفت لم يحك كقولك : ومن زيد أو من زيد الظريف وعلّته أنّ الواو تعلق ما بعدها بما قبلها فلا يحتاج في ذلك إلى حكاية الإعراب والوصف يخصّص فينبّه على كلام قبله.
فصل : ولا تحكى النكرة ؛ لأن النكرة إذا أعيدت أعيدت بالألف واللام لئلا يتوهم أنّها غير الأوّل ومنه قوله تعالى : (كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (15) فَعَصى فِرْعَوْنُ) [المزمل : 15 - 16].
ومن هنا قال ابن عبّاس لن يغلب عسر يسرين والمعنى أنّ قوله تعالى : (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) [الشرح : 5 - 6] فاليسر نكرة في الموضعين والثاني : غير الأوّل والعسر بالألف واللام فيهما فهما واحد.
ومن العرب من يحكي النكرة ومنه قول بعضهم تكفيني تمرتان فقال له الآخر دعنا من تمرتان وقال آخر ما أنت قرشيا فقال : لست بقرشيا.
فصل : وإذا أردت أن تحكي النكرة حكيتها ب (من) و (أي) ف (من) تزيد عليها في الرفع واوا وفي النصب ألفا وفي الجرّ ياء وتثنّى وتجمع جمع التصحيح مذكرا كان أو مؤنثا وكلّ ذلك في الوقف ، فإذا قال : جاءني رجل قلت : منو ، ورأيت رجلا قلت : منا ، ومررت برجل مني ، وجاءني رجلان فتقول : منان ، وفي الجرّ والنصب : منين ، وجاءني رجال فتقول : منون ، وفي الجرّ والنصب منين ، وتزيد الهاء للمؤنث فتقول : منه ومنتان ومنتين بسكون النونين ومنات.
فصل : و (من) في جميع ذلك مبنيّة وحروف المدّ علامات على الإعراب وليست إعرابا ولا حروف إعراب والدّليل على ذلك من ثلاثة أوجه :
أحدها : أن : (من) تضمّنت معنى الحرف ، وذلك مستمرّ فيها فيستمرّ البناء.
والثاني : أن هذه العلامات لا تثبت إلّا في الوقف والإعراب يزول في الوقف وأما قول الشاعر من الوافر (1)
من مضر ، شاعر عدّاء ، من فتاك العرب في الجاهلية ، كان من أهل تهامة ، شعره فحل ، قتل في بلاد هذيل وألقي في غار يقال له رخمان فوجدت جثته فيه بعد مقتله.
:أتوا ناري فقلت منون أنتم
1) البيت من شعر تأبط شرا : (85 ق. ه / 540 م) وهو ثابت بن جابر بن سفيان ، أبو زهير ، الفهمي.
فمن إجراء الوصل مجرى الوقف اضطرارا.
والثالث : أنّ هذه الحروف لو كانت إعرابا لكان الكلام تامّا ليس كذلك.
فقد قال بعض العرب : ضرب من منا قيل هذا شاذّ لا يعّول عليه.
فصل : إذا حكيت ب (أيّ) أعربتها فتقول إذا قال جاءني رجل ايّ وكذلك في النصب والجرّ وتثنّى وتجمع فتقول أيّان وأيّين وأيّون وأيّين وأيّه وأيّتان وأيّتين وأيّات.
فصل : فإذا وصلت : (من) و (أيّا) بشيء بعدها بطلت الحكاية وكان الكلام مستأنفا.
فصل : وأمّا الجمل فتحكى بلفظها سمّيت بها أو لم تسمّ فمما سمّي به تأبّط شرا وذرّى حبّا وما لم يسمّ به كقولك : جاءني زيد ونحوه ، وممّا يحكى ما يرى مكتوبا على خاتم ونحوه فإنّه ينطق به بصورته فممّا جاء من ذلك من المتقارب :
وأصفر من ضرب دار الملوك
يلوح على وجهه جعفرا
قيل : كان على الدينار مكتوب : (جعفرا) أي : اقصدوا جعفرا.
وقيل : جعفرا منصوب بفعل محذوف دل عليه يلوح والتقدير يلوح المكتوب فيبيّن جعفرا ، وقيل : هو منصوب بالمصدر أي من أن ضرب صاحب دار الملوك جعفرا وهذا بعيد ؛ لأن يلوح يفصل بين المصدر ومعموله.
حرف الخطاب الكاف في ذاك ، وقد دللنا على أنّها حرف في باب المعرفة فإن قيل : فكيف تثنّى وتجمع وهي حرف ، قيل : فيه جوابان :
أحدهما : أنّ ذلك ليس بتثنية ولا جمع بل صيغة وضعت لهما كما ذكرنا في أنتما وأنتم.
والثاني : أنّ الكاف في الأصل اسم مضمر ثمّ خلعت دلالة الاسمية عنها وبقيت لمجرّد الخطاب فبقي عليها اللفظ الذي كان لها وهي اسم وهذا يرجع إلى معنى الأوّل ؛ لأن الاسم المضمو لا يثنّى ولا يجمع على التحقيق.
فصل : ومقصود هذا الباب أنّك إذا سألت عن شيء جعلت أوّل كلامك للمسؤول عنه اهتماما به وجعلت آخره للمسؤول المخاطب فتفرد وتثنّى وتجمع وتؤنّث على حسب ذلك كقولك : كيف ذلك الرجل يا رجل ف (ذا) للغائب المسؤول عنه ، والكاف للمسؤول المخاطب فتفتحه في المذكر وتكسره في المؤنث وجميع ما يتصوّر من المسائل ستّ وثلاثون مسألة ، وهذا المقدار أدّت إليه القسمة الضروريّة لأنّك إذا سألت عن رجل كان في المخاطب ستّ مسائل وهي أن يكون المخاطب رجلا ورجلين ورجالا وامرأة وامرأتين ونساء فتقول كيف ذاك وذاكما وذاكم وذاك وذاكما وذاكنّ وإن كان المسؤول عنه رجلين فكذلك تقول كيف ذانك الرجلان يا رجل وكيف ذانكما وذانكم وذانك وذانكما وذانكنّ وإن كانوا رجالا قلت : أولئك وأولئكما وأولئكم وأولئك وأولئكما وأولئكن ، وإن كان المسؤول عنه امرأة قلت كيف تلك وتلكما وتلكم وتلك بكسر الكاف وتلكما وتلكنّ وكذلك كيف تانك وتانكما وتانكم وتانك وتانكما وتانكنّ ، وإن كانوا نساء كانت الإشارة بأولاء كالرجال فتقول : أولئك وأولائكما وأولئكم وأولئك وأولئكما وأولئكنّ والرجل وصف لذا أو بيان.
(وفي النسبة معنى الصفة ، لأنك إذا قلت «هذا رجل بيروتي» ، فقد وصفته بهذه النسبة. فان كان الاسم صفة ، ففي النسبة اليه معنى المبالغة في الصفة ، وذلك أن العرب إذا أرادت المبالغة في وصف شيء ، ألحقوا بصفته ياء النسب ، فاذا أرادوا وصف شيء بالحمرة ، قالوا «أحمر». فإذا أرادوا المبالغة في وصفه بالحمرة ، قالوا «أحمري»).
وإذا نسبت إلى اسم ألحقت به ياء النسبة ، وكسرت الحرف المتّصل بها. ويحدث بالنسب ثلاثة تغييرات ، الأول لفظي وهو إلحاق آخر الاسم ياء مشددة ، وكسر ما قبل آخره ، ونقل حركة الإعراب إلى الياء. الثاني معنوي وهو جعل المنسوب إليه اسما للمنسوب. الثالث حكمي وهو معاملته معاملة اسم المفعول من حيث رفعه الضمير والظاهر على النائبية عن الفاعل ، لأنه تضمن بعد إلحاق ياء النسب معنى اسم المفعول. فإذا قلت «جاء المصري أبوه» ، فأبوه نائب فاعل للمصري. وإذا قلت «جاء الرجل المصري» ، فالمصري يحمل ضميرا مستترا تقديره «هو» يعود على الرجل. لأن معنى «المصري» المنسوب إلى مصر).
والمنسوب على أنواع منها مالا يتغيّر عند النسب كحسين وحسينيّ. ومنها ما يتغير كفتى وفتويّ ، وصحيفة وصحفيّ.
ويسمّى إضافة ومعناها أن يضيف شيئا إلى بلد أو قبيلة أو صناعة إضافة معنويّة كقولك : مكيّ وتميميّ وإنّما سمّي نسبا لأنّك عرّفته بذلك كما تعرّف الإنسان بآبائه.
فصل : وإنّما زيد على الاسم في النّسب حرفان لنقله إلى المعنى الحادث كتاء التأنيث وعلامة التثنية والجمع وإنّما زيدت الياء دون غيرها من حروف المدّ لأوجه :
أحدها : أنّ الواو والألف لو زيد أحدهما لم يبقلفظه من أجل الإعراب والياء يبقى لفظها معه.
والثاني : أنّ علامة النّسب تشبه علامة التأنيث لما نبيّنه من بعد والياء أشبه بتاء التأنيث.
والثالث : أنّ الياء أخفّ من الواو والألف لو زيدت لصار كالمقصور.
فصل : وإنّما كانت مشددة لأمرين :
أحدهما : أنّها إذا شدّدت احتملت الإعراب ، وإذا كانت واحدة لم تحتمله إذا تحرّك ما قبلها.
1) النسبة هي إلحاق آخر الاسم ياء مشدّدة مكسورا ما قبلها ، للدّلالة على نسبة شيء إلى آخر. والذي تلحقه ياء النسبة يسمّى منسوبا كبيروتيّ ودمشقيّ وهاشميّ.
والثاني : أنّ النسب إضافة شيء إلى شيء في المعنى فاشبه التثنية والجمع وكما زيد عليهما حرفان كذلك زيد ها هنا.
فصل : وإنّما كسر ما قبل الياء لأمرين :
أحدهما : أنّ الكسرة من جنس الياء فهي معها أخفّ من غيرها.
والثاني : أنه لو ضمّ لوجب تحويلها إلى الكسر ؛ لأن الياء الساكنة لا تثبت بعد الضمّة ولو فتح لالتبس بالمثنى والمضاف فلم يبق سوى الكسر.
فصل : ويشبه النّسب التثنية من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ في آخر كلّ واحد منهما زائدين.
والثاني : أنّ كلّ واحد منهما منقول فالتثنية نقلت المعرفة إلى النكرة والنسب نقل من الجمود إلى الوصف.
والثالث : أنّ حرف الإعراب في كل واحد منهما هو الزائد دون ما كان قبل ذلك حرف إعراب.
فصل : وتشبه ياء النّسب تاء التأنيث من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّه ينقل الجنس إلى الواحد مثل : زنج وزنجيّ وروم وروميّ كما تقول تمر وتمرة ونخل ونخلة.
والثاني : أنّها تنقل الاسم من الأصل إلى الفرع فالأصل الاسم والفرع الصّفة كما تنقل التاء من التذكير إلى التأنيث.
والثالث : أنها تصير حرف الإعراب كما أنّ التّاء كذلك.
فصل : وإذا نسبت إلى اسم أقررته على حاله إلّا ما أستثنيه والمستثنى من ذلك ضربان مقيس ومسموع لا يقاس عليه.
فمن المقيس الثلاثيّ المكسور العين مثل : نمر وشقرة ، فإنّ عينه تفتح في النّسب فرارا من توالي الكسرتين والياءين.
فصل : فإن كان المكسور العين أربعة أحرف مثل : المغرب وتغلب ، فأكثرهم يقرّ الكسرة في النّسب لوجهين :
أحدهما : أنّه لما سكّن ما قبل العين صار المتحرك بمنزلة أوّل كلمة والذي قبله كآخر كلمة موقوف عليها فيقرّ الكسرة كالنسب إلى عدة عديّ.
والثاني : أنّ كثرة الحروف والفصل بالسّاكن غلبا على الكسرة وصارت كالمنسيّ معهما ومن العرب من يفتحها قياسا على الثّلاثيّ.
فصل : إذا نسيت إلى مقصور ثلاثيّ قلبت ألفه واوا ؛ لأن ياء النسب لا يسكّن ما قبلها والألف لا تكون إلّا ساكنة وقلبت واوا لا غير سواء كان أصلها الواو أو غيرها ؛ لأنها مع ياء النّسب أخفّ من الياء ولم تحذف الالف لالتقاء الساكنين ؛ لأن الاسم الثلاثيّ أقل الأصول فالحذف منه إجحاف به ومؤدّ إلى اللبس.
فصل : فإن كان المقصور أربعة أحرف ففيه القلب ؛ لأن الاسم لم يبلغ غاية الأصول فخرج على الأصل وجاز الحذف ؛ لأنه يبقى على زنة أقلّ الأصول ويصير بالزيادة زنة أكثرها ، ومنهم من يزيد الواو فيقول دنياويّ وهو شاذّ ضعيف في القياس وهو يشبه مدّ المقصور.
فصل : فإن كان خمسة أحرف حذفت لا غير نحو قولك : في مرتجى مرتجيّ ؛ لأن الاسم بلغ أكثر الأصول وبالزيادة يصير سبعة أحرف.
فصل : فإن نسبت إلى منقوص ثلاثيّ نحو عم وشج أبدلت من الكسرة فتحة كما فعلت في نمر فتقلب الياء ألفا فيصير كالمقصور.
فصل : فإن كان أربعة أحرف نحو : قاض جاز إبدال الكسرة فتحة فتقلب الياء الفا ثم واوا ؛ لأنه أوسط الأصول وجاز حذف الياء وتبقى الكسرة كما ذكرنا في المقصور الرّباعيّ ، فإن كان خمسة أحرف فالحذف للطّول لا غير.
فصل : فإن كان قبل الطّرف ياء مشدّدة نحو أسيّد وحميّر حذفت الثانية المتحركة لئلّا تتوالى الكسرتان والياءان والتي تبقى الساكنة فإن كان بعد المشدّدة ياء ساكنة لم تحذف شيئا كقولك : في تصغير مهوّم مهيّم مهيّميّ ؛ لأن الطّرف لا كسرة تليه.
فصل : فإن كان في آخر الاسم ياء مشدّدة قبلها حرف واحد نحو حيّ فككت الإدغام وقلبت الياء الثانية ألف ثم واوا فتقول حيويّ ، وإنّما فعلت ذلك لئلّا يتوالى أربع ياءات وتقول
في ليّ وطيّ لوويّ وطوويّ فأظهرت الواو التي هي عين لزوال الموجب لتغييرها وقلبت الياء على ما ذكرنا.
فصل : فإن كان قبل الياء المشدّدة حرفان مثل عديّ وقصيّ فمن العرب من يقرّه على حاله ويجمع بين أربع ياءات وهو مستثقل والأكثر الأقيس أن تحذف الياء الساكنة وهي ياء فعيل وتبدل من الكسرة فتحة فتقلب الياء المتحركة ألفا ثم واوا فتصير إلى عدويّ فرارا من الثقل.
فصل : فإن سكّن ما قبل الياء نحو ظبي أقررت الياء فقلت ظبييّ لا خلاف في هذا فإن نسبت إلى ظبية فكذلك إلا عند يونس ؛ فإنه يقول ظبويّ ووجهه على ضعفه أنّه قدّره فعلة بالكسر فأبدل من الكسرة فتحة فانقلبت الياء ألفا ثم واوا احتيالا على الأخفّ وخصّ ذلك بالمؤنث ؛ لأنه موضع التغيير وقال في عروة عرويّ بفتح الرّاء وهو بعيد ؛ لأنه لا يستفيد بذلك خفّة فإنّه إذا كسر الرّاء ثم فتحها فالواو باقية بحالها فالسكون أخفّ.
فصل : فإن نسبت إلى ممدود لم تحذف منه شيئا ؛ لأن الهمزة حرف صحيح ولذلك تثبت في الجزم وتدخلها الحركات الثلاث مع تحرّك ما قبلها وهمزة الممدود على أربعة أضرب :
أحدها : أصل نحو قرّاء فهذه تقرّ في النّسب ، وقد أبدلت واوا شاذّا شبّهت في ذلك بالزائدة.
والثاني : أن تكون بدلا من أصل نحو كساء ورداء فالوجه إقرارها ؛ لأن بدل الأصل أصل ، ومنهم من يقلبها واوا لضعفها بالإبدال فقد أشبهت الزائدة.
والثالث : أن تكون بدلا من ملحق نحو علباء وحرباء ففيها الإقرار ؛ لأن الملحق كالأصليّ في جريان أحكامه عليه وفيه الإبدال ؛ لأنه بدل من زائد فضعف.
والرابع : أن تكون زائدة للتأنيث نحو حمراء وصحراء فالوجه القلب ؛ لأنها كالمقصورة في دلالتها على التأنيث ، وذلك نحو : حمراويّ وصحراويّ.
فصل : فإن نسبت إلى اسم على حرفين قد حذفت فاؤه نحو عدة لم يردّ المحذوف ؛ لأنه بعيد من موضع الياء ، وإن كان المحذوف لامه نحو شفة رددت المحذوف فقلت : شفهيّ وتقول في شاة شاهيّ وتقول في شية على قول سيبويه وشويّ فتردّ الواو وتقلب الياء ألفا ثمّ
واوا ؛ لأن ما قبلها لزمته الحركة بعد الحذف وردّ المحذوف عارض فلا تعيده إلى السكون الذي هو الأصل وكذلك مذهبه في يد يدويّ.
وقال أبو الحسن : يردّ المحذوف والسكون فتقول وشييّ ويدييّ ؛ لأن الحركة عرضت بعد الحذف فردّ المحذوف يردّ الأصل.
فصل : إذا نسيت إلى فعيلة كحنيفة أو فعيلة كجهينة حذفت الياء والتاء وأبدلت من الكسرة فتحة فرارا من توالي الكسرات والياءات ولمّا حذفت الياء بقي مثل شقرة فأبدلتها فتحة واختصّ ذلك بالمؤنّث ؛ لأن ياءه يلزم حذفها في النسب والتغيير يؤنس بالتغيير ، أو لأن المؤنّث يخفّف لئلّا يجتمع ثقل اللفظ والمعنى فإن كانت العين واوا نحو : حويزة لم يحذف لئلا تنقلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وإن كان مضاعفا نحو مديدة لم يحذف كيلا يلزم الإدغام ، وقد خرج منه شيء على الأصل فقالوا في السّلفية سليقيّ فأمّا فعولة نحو شنوءة فمذهب سيبويه الحذف والفتح فتقول شنئيّ فرارا من ثقل الضمّ والواو والكسر والياء وقال المبرّج لا يغيّر ؛ لأن الواو لا تثقل في النسب.
فصل : وأمّا ما لا تاء فيه نحو وقريش فالجيّد أن لا يغيّر لما ذكرنا من أن التنقل مع التأنيث أكثر وأن التغيير يؤنس بالتغيير ، وقد جاء شيء منه محذوفا قالوا ثقفيّ وسلّميّ تشبيها له بفعيلة.
فصل : فإن نسبت إلى جمع مثل رجال وفرائض رددته إلى الواحد لوجهين :
أحدهما : أنّ النسب ينقل إلى الوصف والوصف هنا يصير واحدا ؛ لأن الموصوف واحد فينبغي أن يكون اللفظ مفردا ليطابق المعنى.
والثاني : أنّ الجمع والنسب معنيان زائدان فلم يجمع بينهما فرارا من الثّقل ولا لبس ؛ لأن الواحد المنسوب إليه يشتمل على الجمع وليس المراد في النسي الدّلالة على الجمع بل النسب إلى الجنس فيصير في ذلك كالتمييز فإنّ الواحد فيه يغنى عن الجمع فأمّا مدائنيّ وأنباريّ فجاز لمّا سمّي الواحد بالجمع.
فصل : وما شذّ في النّسب يحفظ ولا يقاس عليه فمن ذلك قولهم : طائيّ وأصله طيئيّ ؛ لأن المنسوب إليه طيّء فحذفت الياء الثانية وأبدلت الساكنة ألفا وكأنّهم هربوا من الأصل لما فيه من الثّقل بكثرة الياءات وأنّ في الهمزة ثقلا.
ومن ذلك قولهم في النسبة إلى الدّهر : دهريّ ، بضمّ الدّال. وفي السهل : سهليّ ، بضمّ السين ، ومنه : إمسيّ بكسر الهمزة ، والأصل فتحها ، ولكن أتبعوا ، ومنه : حرميّ بكسر الحاء وسكون الراء والأصل فتحهما ؛ لأنه منسوب إلى حرم مكّة ، ومنه : مروزيّ فزادوا الزّاي ، والأصل : مرويّ منسوب إلى مرو.
فصل : فإذا نسبت إلى مسمّى بجملة مثل : تأبّط شرّا نسبت إلى صدرها فقلت تأبطيّ فتنقل الفعل إلى الصّفة ، وذلك يكفي في تعريف المنسوب فإن نسبت إلى مضاف ومضاف إليه مثل ابن الزّبير ، وعبد القيس نسبت إلى ما حصل به الشهرة فتقول : زبيريّ وقيسيّ ، وقالوا في عبد الدّار : عبديّ وعبدريّ ، وفي عبد الشمس : عبشميّ ، وقالوا أيضا في عبد القيس : عبقسيّ ، فنحتوه من أصلين ، وذلك يسمع ولا يقاس عليه.
والاسم الذي تلحقه ياء التّصغير يسمى (مصغّرا).
ويشترط فيما يراد تصغيره أن يكون اسما معربا ، قابلا للتّصغير ، خاليا من صيغه وشبهها.
(فلا يصغر الفعل ولا الحرف. وشذ تصغير فعل التعجب. مثل «ما احيلاه! وما اميلحه!» ، ولا يصغر الاسم المبني. وشذ تصغير بعض الأسماء الموصولة وأسماء الإشارة ، كالذي والتي وذا وتا فقالوا في تصغيرها «اللذيا واللتيا وذيا وتيا». ولا يصغر ما ليس قابلا للتصغير ككبير وعظيم وجسيم ، ولا الأسماء المعظمة ، لما بينها وبين تصغيرها من التنافي. ولا يصغر نحو الكميت ، لأنه على صيغة التصغير ، ولا نحو مبيطر ومهيمن ، لأنه شبيه بصيغة التصغير).
التّصغير التحقير ويقع في الكلام على ثلاثة أضرب :
1 - تحقير ما يتوهّم عظيما كقولك : رجيل.
2 - وتقليل ما يتوهّم كثيرا ك (دريهمات).
3 - وتقريب ما يتوهّم بعيدا كقولك : قبيل العصر وبعيد الفجر.
وقال الكوفيون : في كلامهم تحقير التعظيم كقول الشاعر : [الطويل]
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم
دويهية تصفرّ منها الأنامل
وهو عندنا على التحقير ، أي : أنّ أصغر الدّواهي تفسد الأحوال العظام ، وكذلك قول الآخر : [الطويل]
فويق جبيل سامق الرأس لم تكن
لتبلغه حتّى تكلّ وتعملا
أي : إنّه جبل صغير العرض دقيق طويل في السماء شاقّ المصعد لطوله.
وأمّا قولهم : فلان أخيّ وصديقيّ فهو من لطف المنزلة وصغر الأمر الذي أحكم الوصلة بينهما.
فصل : والتّصغير كالوصف ؛ لأن قولك : رجيل في معنى رجل حقير ؛ ولذلك إذا صغّرت المصدر واسم الفاعل لم يعمل كما لا يعمل مع ظهور الوصف.
فصل : وعلامة التّصغير ياء تقع ثالثة وتضمّ أوّل الاسم وتفتح ثانيه وتكسر ما قبل آخره فيما زاد على الثّلاثة ، وإنّما حرّك بهذه الحركات لوجهين :
1) التّصغير أن يضم أول الاسم ، ويفتح ثانيه ، ويزاد بعد الحرف الثاني ياء ساكنة تسمّى (ياء التّصغير). فنقول في تصغير قلم ودرهم وعصفور (قليم ودريهم وعصيفير».
أحدهما : أنّه قصد بذلك صيغة تخلص للتّصغير من غير مشاركة ولم يوجد سوى هذه الصيغة.
والثاني : أنّ المصغّر لمّا جمع الوصف والموصوف في المعنى بلفظ واحد جمعت له الحركات ، وأمّا زيادة الياء دون غيرها فلأنّها أخفّ من الواو هنا ؛ لأن الواو لو كانت هنا لم يخلص المثال للتصغير ؛ لأنه كان يصير فعولا ونحوه وأمّا الألف فلا يخلص بها المثال للتّصغير بل كان يصير فعالا ونحوه ولأنّ الألف خصّ بها التكسير.
فصل : وإذا كان المصغّر ثلاثيا مؤنّثا بالألف المقصورة أو الممدودة أو بالتاء أقررته كقولك : في حبلى حبيلى وفي حمراء حميراء وفي طلحة طليحة وإنّما كان كذلك ؛ لأن علامة التأنيث دخلت لمعنى فلا ينبغي أن تحذف لئلا يبطل معناها ولم يكسر ما قبلها ؛ لأن الألف تنقلب ياء بعد الكسرة فيبطل لفظ العلامة ؛ لأن علامة التأنيث مفتوح ما قبلها أبدا فهي كاسم ضمّ إلى اسم فيبقى الصدر بحاله.
فصل : فإن كان الاسم على فعلان علما أو نكرة مؤنّثة فعلى أقرّ ما بعد ياء التّصغير كقولك : في عثمان عثيمان ولا يجوز عثيمين وفي سكران سكيران لا سكيرين ؛ لأن الألف والنون هنا ضارعتا ألفي التأنيث لما ذكرنا فيما لا ينصرف.
فأمّا سرحان فتقول فيه سريحين فتقلب الألف ياء لانكسار ما قبلها ؛ لأنها لم تشبه ألف التأنيث لتفتح ما قبلها فأمّا عريان فتقول فيه عريّان لأنك لا تقول في تكسيره عرايين بل عراة.
فصل : فإن كان المؤنّث بالألف رباعيا مثل قرقرا حذفت ألف التأنيث فقلت : قريقر لئلّا يصير بناء التصغير ستة أحرف ويكون عجز الكلمة مساويا لصدرها ومن شأن الصدر أن يكون أكثر من العجز وجاز حذف علامة التأنيث للثّقل وأنّ التصغير عارض بعد معرفة المكبّر فلا لبس إذن.
فصل : فإن كان المؤنّث خمسة مثل حبارى كنت مخيّرا إن شئت حذفت الألف الأولى فقلت حبيرى ؛ لأن في ذلك تخفيف الكلمة والمحافظة على علامة التأنيث وإن شئت حذفت ألف التأنيث لتطرّفها كما حذفت ألف قرقرا وفي ذلك محافظة على ألف المدّ وأجاز بعضهم
حذف الف التأنيث وقلب ألف المدّ ياء وزيادة تاء التأنيث فيقول حبيرة ؛ لأنه ألحقه بعد حذف الألف بعمامة.
فصل : فإن صغّرت لغّيزى حذفت ألف التأنيث وفككت الإدغام فقلت : لغيغيز فصار كسفيرج وإن صغّرت قبعثرى قلت : قبيعث فحذفت الألف والراء ؛ لأن خمسة منها أصول والألف زائدة والخماسيّ يحذف منه آخره وهو أصل فأولى أن يحذف منه الزائد.
فصل : والخماسيّ الذي كلّه أصول نحو سفر جل يحذف منه الحرف الخامس ؛ لأن الخمسة أكثر الأصول وياء التّصغير صارت كالأصليّ ؛ لأنها دلّت مع الصيغة على معنى غير التكبير فلو أقرّ بحاله لصارت ستة أحرف في حكم الأصول وليس لنا أصل على هذه العدّة ولأنّ ياء التصغير تقع ثالثة فيصير ما قبلها صدرا وما بعدها عجزا فلو لم يحذف من الأخير لزاد العجز على الصّدر وهو إلى أن ينقص عنه أقرب.
فإن قيل : فكيف جاز أن يكون على ستة أحرف في مثل صنيديق ودنينير؟
قيل : لمّا كانت الياء الأخيرة حرف مدّ ساكنا بعد كسرة خفّ النطق به.
فصل : فإن صغّرت ما هو على حرفين رددته إلى أصله نحو : يد ودم تقول فيهما يديّه ودميّ ؛ لأن ياء التصغير تكون ثالثة ساكنة فلا بدّ من ردّ المحذوف لئلا تقع ثانية أو أخيرة ، وذلك يوجب قلبها أو حذفها وتقول في عدة وعيدة فتردّ الواو لأنّك لو أوقعت الياء بعد الدّال لحرّكتها لوقوع تاء التأنيث بعدها.
وتقول في شاة : شويهة تقلب الألف واوا وهو أصلها وتردّ الهاء المحذوفة.
وتقول في فم : فويه ؛ لأنه في الأصل فوه.
وتقول في شفة : شفيهة وعلى هذا فقس.
فصل : فإن كان الاسم على ثلاثة أحرف أوسطه ألف وعرفت أصلها رددتها إليه فتقول في باب بويب وفي حال حويلة وحويل فيمن ذكّره وفي مال مويل وفي ناب نييب لقولك نبت فيه وفي الجمع أنياب وفي عاب عييب ؛ لأن العاب والعيب بمعنى.
فصل : فإن كانت الألف مجهولة حملتها على الواو ؛ لأنه الأكثر في هذا الأصل فتقول في آءة وهي شجرة أويأة وفي صاب وهو شجر مرّ صويب.
فصل : فإن كانت الألف ثالثة نحو حمار قلبتها ياء ؛ لأنها صارت في موضع حرف مكسور لوقوعه بعد ياء التصغير قبل الطّرف وأدغمت فيها ياء التّصغير.
فصل : فإن كانت الياء وسطا رددتها إلى اصلها تقول في ريح : رويحة كما تقول في الجمع أرواح.
فأمّا (عيد) فتقول فيه : عييد كما تقول في جمعه : أعياد ، وأصلها واو ولكنّها أبدلت بدلا لازما ليفرق به بين جمعه وتصغيره في الموضعين وبين جمع عود وتصغيره فتقول في عود أعواد وعويد وفي عيد أعياد وعييد.
فصل : فإن كانت الياء أصلا لم تغيّرها نحو عين وشيخ وفي تصغيره ثلاثة مذاهب :
أحدها : شييخ بضمّ الأوّل على الأصل مثل : فليس.
والثاني : كسر الأوّل إتباعا للياء.
والثالث : ضمّ الأوّل وإبدال الياء واوا من أجل الضمّة قبلها وهو ضعيف جدا.
فصل : فإن كانت الواو ثالثة قلبت ياء وأدغمت نحو قسور وأسود تقول قسيّر وأسيّد ويجوز أن تقرّ الواو فتقول قسيور حملا على قساور فأمّا عروة وغزوة فتصغير هما عريّة وغزية بالإبدال والإدغام لا غير ؛ لأن الواو لم تصحّ في الجمع.
فصل : فإن كان في الخماسيّ حرف زائد ليس بحرف مدّ حذفته أين كان ؛ لأن الحرف الخامس الأصليّ يحذف البتة ، فإذا وجد الزائد لم يحذف سواه سواء كان لمعنى أو لغير معنى فالذي لمعنى كمدحرج والذي لغير معنى جحنفل تقول : دحيريج وجحيفيل.
فصل : فإن كان فيه زائدان أحدهما لمعنى والآخر لغير معنى حذفت الذي ليس لمعنى ؛ لأن الذي لمعنى أشبه بالأصل فكان إقراره أولى ، وذلك نحو مقتطع تقول في تصغيره مقيطع فتحذف التاء وتقول في مقدّم ومؤخّر ومسخّر مقيدم ومؤيخر ومسيخر فتحذف أحد المشدّدين ، كما تقول في الجمع مقادم ومآخر فأمّا مقعنسس فالميم والنون فيه زائدتان والسين مكررة للإلحاق ففيه مذهبان :
أحدهما : مقيعس بحذف النون والسّين وتبقى الميم ؛ لأنها لمعنى.
والثاني : بحذف الميم والنون فنقول قعيسس ؛ لأن السين أشبهت الأصليّ إذ كانت للإلحاق.
فصل : فإن كان الإسم على مستفعل نحو مستخرج حذفت السين والتاء وأبقيت الميم ؛ لأن الميم لمعنى والسين والتاء زيدا معا فحذفا معا.
فصل : فإن حقّرت المصادر التي في أوائلها همزة وصل حذفت همزة الوصل للزوم تحرّك ما بعدها ؛ لأن ثاني المصغّر محرّك أبدا تقول في انطلاق نطيليق فتقلب الألف ياء ؛ لأنها رابعة في مفرد كسرداح وتقول في افتقار فتيقير وفي اضطراب ضتيريب فتردّ التاء إلى أصلها وهي تاء افتعال لأنّك قلبتها لمّا سكّن ما قبلها ، وقد تحرّك في التصغير ومن شأن التصغير ردّ الأشياء إلى أصولها وكذلك تقول في ميزان مويزين فتردّ الواو لزوال علّة القلب.
فصل : فإن كان الاسم مشدّدا ثلاثيّا نحو خلّ وسلّ فككت الإدغام لحجز الياء بينهما وإن كان رباعيا والمشدّد أخيرا لم تفكّه كقولك : أصيّم ومديقّ ؛ لأن في الياء مدّة تجري مجرى الفصل بين الساكنين كما جاز في دابّة والحاقّة.
فصل : فإن كان المؤنّث ثلاثيا بغير علامة ردّت التاء في تصغيره نحو قديرة وشميسة ؛ لأنه وضع على التأنيث ولم يكن في المكبّر علامة له فلو لم تردّ في التصغير لم يبق من أحكام التأنيث في اللفظ شيء ، وقد شذّ من ذلك شيء فلم تلحق به التّاء في التصغير من ذلك فرس ذهبوا به إلى معنى المركوب وحريب تصغير حرب القتال ذهبوا بها إلى معنى القتال أو إلى الحرب وهو الغضب ؛ لأنه يلازمها ، وقد قالوا قويس حملوه على معنى العود.
فصل : فأن كان أربعة أحرف لم يردّوا إليه التاء نحو زيينب وعقيرب وعنيّق ؛ لأن الحرف الرابع طالت الكلمة به حتى صار عوضا من تاء التأنيث ، وقد خرج عن هذا الأصل ثلاثة ألفاظ ظرفان وهما وراء وقدّام تقول فيهما وريّئة وقديديمة وعلّة ذلك أنّ الظروف كلّها مذكّرة إلّا هذين فإنّهما مؤنثان فلو لم تردّ التاء عليهما للتّصغير لألحقا ببقية الظّروف واللّفظة الثالثة السماء ذا الكواكب ، فإنّ تصغيرها سميّة وإنّما قصدوا بذلك الفرق بينها وبين سماء المطر فإنّه مذكّر.
إذا صغّرت الاسم المبهم تركت أوّله على ما كان عليه من فتح أو ضمّ بخلاف المعربة ؛ لأنها لمّا خالفتها في الإعراب والبيان خالفتها في التصغير ؛ لأن التصغير كالوصف لها ووصفها لا يغيّرها فمن ذلك ذا تقول في تصغيره ذيّا بالفتح فالألف في آخره عوض عن الضمّة المستحقّة في أوّل المصغّر فهي زائدة ولمّا كان ذا على حرفين لم يمكن تصغيره مع بقاء ألفه ؛ لأن الألف لا يكون قبلها ساكن وياء التصغير ساكنة ولا يمكن أن تقلب الألف ياء وتدغم فيها ياء التصغير ؛ لأن ذلك مخالف لما عليه باب التصغير إذ من حكم التصغير أن تكون ياؤه ثالثة وبعدها حرف فوجب أن تكمّل هذه الكلمة ثلاثة أحرف كما تكمّل سائر الكلمات التي على حرفين بحرف آخر في التصغير فزادوا ياء تقع بعد ياء التصغير وصارت الألف ياء قبل ياء التصغير فصار معك ثلاث ياءات ، وذلك مرفوض على ما ذكرنا في تصغير عطاء وبابه فحذفوا إحداها والقياس يقتضي أن تكون المحذوفة الأولى ؛ لأن الثالثة بعدها الألف ولا تكون إلا متحركة وياء التصغير لا تحرّك ولا تحذف لئلا يبطل معناها ولا شيء يخلفها فحذفت الأولى ووقعت ياء التصغير ثانية وعندي أنّ ياء التصغير لو جعلت ثانية من الابتداء أو جعل بدل الألف ياء متحركة لتقع الألف المعوّضة من الضمّة بعدها ، وكان أقرب إلى القياس من الزيادة والحذف والرجوع أخيرا إلى هذا المذهب ولو أمكن في الاسم المعرب أن تقع ياء التصغير ثانية لأوقعت وإنّما منع منه انضمام ما قبلها وتقول في هذا هاذيّا فتأتي بحرف التنبيه وتدع الاسم في التصغير على ما كان عليه وفي ذاك ذيّاك والكاف للخطاب.
فأمّا في المؤنّث فقد قالوا : هذه وهاذي وتاوتي ، إلّا أنّه في التّصغير لا يقال إلّا تيّا لئلا يلتبس المؤنّث بالمذكّر وتقول في ذلك ذيّالك فتأتي باللّام والكاف ، وفي تلك : تيّالك فأمّا أولاء الذي هو جمع ذا فيقصر ويمدّ فإن صغّرت المقصور قلت : أوليّا فالضمّة باقية وأبدلت الألف ياء وأدغمت والألف التي بعدها عوض من ضمّة التّصغير فأمّا الممدود فهو على مثال فعال فإذا صغّر وقعت ياء التصغير بعد اللّام وبعدها ألف فتقلب الألف ياء فأمّا الألف التي تزاد عوضا من ضمّة التصغير فاختلفوا في موضع زيادتها هنا فقال المبرّد الوجه أن يزاد قبل الهمزة ثم يعمل بالقياس في ذلك وإنّما قال ذلك لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّه لو زاد الألف بعد الهمزة للزم حذفها ؛ لأنها تقلب ياء مثل الهمزة في عطاء إذا صغّرت ، وإذا قلبت ياء وجب حذفها لاجتماع ثلاث ياءات كما حذفت في عطيّ فتقع الألف بعد الياء المشدّدة فتصير أوليّا كتصغير المقصور فلا يبقى على المدّ في المكبّر دليل.
الوجه الثاني : أنّ الألف إذا وقعت بعد الهمزة كانت خامسة زائدة وحكم مثل ذلك الحذف في التصغير كحبارى فإنّك تحذف الألف الأخيرة ، وإذا حذفت قلبت الهمزة ياء وحذفت وصارت إلى مثل أوليّ مثل عطّيّ فيزول عوص الضمّة ويبقى لفظ أقلّ من لفظ المقصور.
والثالث : أنّ الألف المزيدة عوضا من ضمّة التّصغير تصيّر الكلمة إلى مثل حميراء في عدّة الحروف فينبغي أن تكون الألف قبل الهمزة وتكون الألف التي كانت في المكبّر بمنزلة الراء في حمراء في أنّها ثالثة فإذا صغّرت قلبت الألف الأولى ياء فينبغي أن تبقى الألف والهمزة بعدها كما بقيت في حميراء.
وقال الزجاج : الألف المعوّضة من الضمّة زيدت أخيرا على ما عليه الباب والهمزة بدل من ألف وقبلها الألف الزائدة في المكبّر فأبدلت الأولى ياء وردّت الهمزة إلى أصلها فاجتمع ألفان فهمزت الثانية كما همزت ألف التأنيث في حمراء.
وتقول في تصغير الّذي : اللّذيا وفي اللّتيّا ، فتبقي الفتحة وتزيد الألف فإن ثنيت قلت : اللّذيّان واللّذيّون ، فحذفت الألف الزائدة دون الف التثنية لالتقاء الساكنين ، وكان حذف الأولى أولى ؛ لأن الثانية تمحضّت للتّثنية ودلّت على الإعراب فهي أقوى واختلف في تقدير حذفها فقال سيوبيه هي محذوفة غير مقدّرة.
ويظهر أثر الخلاف في الجمع فعند سيبويه اللّذيّون بضمّ الياء واللّذين بكسرها كأن لم يكن فيه ألف ، ولو كان مقدرا كما أنّ التنوين في قولك : واغلام زيداه حذف كأن لم يكن ولو كان مقدّرا لكانت الألف ياء لكسرة الدال.
وعند الأخفش والمبرّد بفتح الياء في الحالين لتكون الفتحة دالّة على الألف المحذوفة كالمطفين والأعلين.
وأمّا تصغير اللّائي واللّاتي فقال سيبويه : استغنوا عنه بتصغير واحده المتروك في جمعه وهو قولهم : اللّتيات وهذا يدلّ على أنّ العرب امتنعت منه ، وأمّا الأخفش فيقيسه فيقول في اللائي : اللّويئا فيقلب الألف واوا ؛ لأنها مثل ألف فاعل ويوقع ياء التصغير بعدها ويقرّ الهمزة ويزيد ألفا أخيرا ويحذف الياء التي بعد الهمزة لئلا تصير الكلمة على ستة أحرف وكأنه حذف الياء لالتقاء الساكنين وكانت أولى بالحذف ؛ لأن الألف لمعنى ويقول في اللاتي اللّويئا على قياس ما تقدّم وقال المازنيّ لمّا لم يكن بدّ من حذف حذفت الألف التي بعد اللّام ؛ لأنها زائدة فتقع ياء التصغير بعد الهمزة والتاء وتدغم فتصير الليّا واللّتيا كلفظ الواحد وحكي عن بعضهم من العرب ضمّ اللام في اللّذيا واللّتيّا. وأمّا من وأيّ فقد تقدّم الكلام في تصغيرهما.
فصل : فإن صغّرت جمع التكسير الكثرة رددته إلى جمع القلّة إن كان له جمع قلّة نحو جمال تقول في تصغيره أجيمال فتردّه إلى أجمال ثم تصغّره وإنّما كان كذلك ؛ لأن التصغير تقليل فلم يجتمع مع ما يدلّ على الكثرة فإن لم يكن له جمع قلّة جمعته بالألف والتاء نحو دريهمات ورجيلات ؛ لأن هذا الجمع جمع قلّة فإن لم يجز في مكبّره الألف والتاء وجاز فيه الواو والنون رددته إلى الواو والنون كقولك في تصغير حمقى إن أردت به جمع أحمق : أحيمقون ، وإن كان جمع حمقاء قلت : حميقاوات ؛ لأن الواو والنون من جموع القلّة.
فجمع القلّة ما وضع للعدد القليل ، وهو من الثلاثة إلى العشرة كأحمال. وجمع الكثرة ما تجاوز الثلاثة إلى ما لا نهاية له كحمول.
وهو جمع لشيئين. (الأوّل) اسم ثلاثي ، على وزن «فعل» صحيح الفاء والعين ، غير مضاعف ، كنفس ، وأنفس ، وظبي ، وأطب. وأصله «أظبي» بوزن «أفعل» وشذ مجيئه من معتلّ الفاء. كوجه وأوجه. ومن معتل العين. كعين وأعين. ومن المضاعف. كصكّ وأصكّ ، وكفّ وأكفّ.
(الثاني) اسم رباعيّ مؤنث ، قبل آخره حرف مدّ كذراع وأذرع ، ويمين وأيمن ، وشلّ مجيئه من المذكر كشهاب وأشهب ، وغراب ، وأغرب وعتاد وأعتد ، وجنين وأجنن.
وحدّه كلّ اسم جمع تغيّر فيه لفظ واحده ومن هنا يسمّى تكسيرا لتغيّر هيئة واحده كما تتغيّر هيئة الإناء بالتكسير ، والتغيير تارة يكون باختلاف الحركة وزيادة الحرف نحو : أفلس ورجال ، وتارة بتغيّر الحركة فقط نحو : جوالق فالمفرد مضموم الأوّل ، فإذا جمع فتحت وتارة يكون بالنّقصان نحو : حمار وحمر ، وتارة يكون على لفظ الواحد وهو في التقدير مختلف نحو : فلك ، فإنّ الفاء فيه مضمومة في الواحد والجمع ولكن يجب أن يعتقد أنّ الضمّة في الجمع غيرها في الواحد لأنّا وجدنا الضمّة تكون لما الواحد فيه مفتوح أو مكسور نحو : فدّان وفدن وحمار وحمر فدلّ على أنّ حدوث الضمّة في هذا الجمع معلّل بالجمع وهذا مثل ضمّ العين في عريب في التصغير ؛ لأنها غير الضمّة في المكبّر ؛ لأن أوّل المصغّر يضمّ بكلّ حال وكذلك ضمّة الصّاد في قولك : يا منص على قولهم : يا حار غير الضمّة في منصور وعلى هذا تقول في هجان ودلاص الكسرة والالف في الجمع غيرهما في الواحد.
فصل : والجمع على ضربين قلّة وكثرة فجمع القلّة جمع السّلامة وأربعة من التكسير أفعل وأفعال وأفعلة وفعلة نحو أفلس وأجمال وأحمرة وغلمة وما عدا ذلك جمع كثرة وإنّما كان كذلك لأنّك تميّز بها العدد القليل وهو من الثلاثة إلى العشرة.
1) جمع التكسير ، ويسمى الجمع المكسر أيضا هو ما ناب عن أكثر من اثنين ، وتغيّر بناء مفرده عند الجمع ؛ مثل «كتب وعلماء وكتّاب وكواتب». والتّغيير ، إما أن يكون بزيادة على أصول المفرد كسهام وأقلام وقلوب ومصابيح ، وإما بنقص عن أصوله كتخم وسدر ورسل ، وإما باختلاف الحركات ، كأسد. وهي جمع «سهم ، وقلب ومصباح وتخمة وسدرة ورسول وأسد». وهو قسمان جمع قلّة ، وجمع كثرة.
فصل : وإنّما استعمل كلّ واحد منهما موضع الآخر في بعض المواضع لاشتراك الجميع في كونه جمعا وأنّ اللفظ لا يدلّ على الكميّة المخصوصة.
فصل : والألفاظ المقيّدة للجمع أربعة :
1 - جمع السلامة نحو : الزّيدون والهندات.
2 - وجمع التكسير نحو ما ذكرنا.
3 - واسم الجنس : وهو ما كان بين واحده وجمعه الهاء نحو : نخلة ونخل وتمرة وتمر ، وهذا ليس بجمع في اللفظ ؛ لأنه مفرد يذكّر ولا يؤنّث فتقول : هذا تمر ، ولا تقول : هذه تمر ، بخلاف جمع التكسير فإنّك تؤنّثه تقول : هذه رجال وهؤلاء رجال.
4 - والرابع : اسم مفرد في اللّفظ موضوع للجمع نحو : الرّهط والنّفر والجامل والباقر.
فصل : وأبنية الثّلاثيّ عشرة أخفّها وأكثرها دورا في الكلام فعل بفتح الفاء وسكون العين نحو : فلس وكعب وجمعه القليل على أفعل نحو : أفلس دون أفعال ، وإنّما كان كذلك لأن أفعلا أقلّ حروفا من أفعال فاختير لما يكثر استعماله تخفيفا ، وقد شذّ منه شيء فجاء على أفعال ، وذلك نحو فرخ وأفراخ وساغ فيه ذلك لأمرين :
أحدهما : أنّ الرّاء تشبه حروف المدّ لما فيها من التّكرير.
والثاني : أنه حمل على طير ؛ لأنه بمعناه ومن ذلك أنف وآناف ؛ لأن النّون تشبه الواو بغنّتها وكذلك زند وأزناد ، وفيه وجهان :
أحدهما : ما تقدم من شبه النون بالواو.
والثاني : أنّ الزّند عود فحمل على جمعه.
فصل : وأمّا المعتلّ العين نحو ثوب فيجمع في القلّة على أثواب لا على أثوب ؛ لأن الضمّة على الواو تستثقل وكذلك الياء في بيت وأبيات ، فأمّا في الكثرة فتجيء الواو فعال نحو : ثياب دون فعول لئلّا يثقل بضمّه الأوّل والثاني : واجتماع الواوين وجاء ذلك في الياء نحو : بيوت ؛ لأن الياء أخفّ من الواو.
فصل : وإنّما جمع فعل نحو صرد ونغر على فعلان بالكسر لأمرين :
أحدهما : أنّ هذا البناء اختصّ بضرب من المسمّيات وهو الحيوان ولا يكاد يوجد في غيره فخصّوه في الجمع ببناء لا يكون لغيره من الثلاثي.
والثاني : أنّ فعلا قد يكون مقصورا من فعال وفعال يجمع على فعلان نحو غراب وغربان فلمّا قرب منه جمع جمعه فأمّا ربع فشذّ جمعه على أرباع حملا على غيره من الثلاثي.
فصل : وقد شذّ من أبنية الثّلاثي غير السّاكن العين زمن فجاء على أزمن إذ كان زمن بمعنى دهر فحمل جمعه على أدهر.
فصل : فإن كان الاسم مذكّرا على أربعة أحرف ثالثه حرف مدّ نحو : حمار وسحاب وغراب وقضيب ورسول جمع في القلّة على أفعلة وفعلة دون أفعال وأفعل ؛ لأنه لمّا زادت حروفه على الثلاثة زيد في حروف جمعه فأمّا في الكثرة فقد جاء على فعل بضمّ العين وإسكانها نحو حمر وحمر في جمع حمار ؛ لأنه اكتفي بمعنى الكثرة عن تكثير الحروف فأمّا أحمر وحمراء فلا يجوز فيه إلا حمر بإسكان الميم فرقا بين الاسم والصفة ، وقد جاء هذا البناء على فعلان نحو جربان وفعلان نحو غزلان فأمّا في المؤنث فالأكثر فيه في القلّة أفعل نحو عناق وأعنق وعقاب وأعقب لئلّا يجمعوا بين التأنيث وكثرة الحروف.
فصل : وإنّما قلبت الف فاعل في الجمع واوا ؛ لأن الف التكسير تقع بعدها والجمع بينهما متعذّر لسكونهما وحذف أحدهما يخلّ بالدّلالة على الجمع فقلبوها واوا لا ياء لخمسة أوجه :
أحدها : الفرق بين ألف فاعل وياء فيعل نحو صيرف وبيئس فلو قلت : ضارب ، لجاز أن يقال الواحد ضيرب.
والثاني : أن الألف لمّا قلبت في التصغير واوا نحو : ضويرب قلبت إليها في الجمع لقوّة اشتباه البابين.
والثالث : أنّ بعد الألف كسرة فلو قلبت ياء لوقعت الألف بين كسرة وبين ما هو في تقدير الكسر وقوعا لازما.
والرابع : أنّ ألف فاعل حرف معنى والواو كثرت زيادتها للمعنى أكثر من زيادة الياء له.
والخامس : أنّ الواو هنا لمّا اختصّت بالجمع أشبهت واو الضمير في قاموا والزّيدون.
فصل : وإنّما جاء في جمع فاعل من المنقوص فعلة نحو : قاض وقضاة فرقا بين الصحيح والمعتلّ واختاروا له هذه الزّنة ؛ لأنها أخفّ وأنّها لا مثل لها في الآحاد المعتلّة.
فصل : وجميع الرّباعي له جمع واحد وهو فعالل سواء كانت حروفه كلّها أصولا أو كانت بعضها للإلحاق ؛ لأن الأربعة لا بدّ فيها من زيادة ألف التكسير لتدلّ على الجمع فلو زادوا حرفا آخر لطالت الكلمة وهم قد حذفوا من الخماسيّ فرارا من الطّول ولم يأت على شيء من صيغ الثلاثيّ ؛ لأنه لا بدّ فيه من تكرير لامه كما كانت مكررة في الواحد فلو جاء على شيء من تلك الصّيغ لم تتكرر اللام بل كان يعود إلى الثلاثي.
فصل : إذا كان الرابع واوا أو ألفا زائدا في الرّباعي نحو جرموق وحملاق قلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
فصل : وأمّا الخماسيّ فتحذف منه الحرف الأخير لما ذكرنا في التّصغير وكذلك إذا كان في الكلمة زائدان أحدهما لغير معنى حذف دون الآخر وإن كان فيه زائد واحد واحتيج إلى الحذف حذف لما ذكر في التّصغير أيضا.
فصل : وإن كان فيه زائدان إذا حذفت أحدهما لزمك حذف الآخر وإن حذفت الآخر لم يلزمك حذف صاحبه حذفت الذي تأمن معه حذف الآخر نحو عيضموز تحذف منه الياء ليبقى يعقوب فتنقلب واوه ياء ولو حذفت الواو وأبقيت الياء لقلت عياضمز ، وذلك لا يجوز ؛ لأنه مثل سفار جل فتحذف الياء ليبقى أربعة أحرف مثل جعفر وجعافر ، فإذا حذفت الياء بقي مثل يعقوب كما تقدّم.
فصل : وإنّما حرّكت العين من فعلة إذا كانت اسما في الجمع نحو جفنة وجفنات ولم تحرّك في الصّفة نحو صعبات ليفرّق بين الاسم والصّفة وكان إبقاء الصّفة على السّكون أولى ؛ لأن
الصّفة أثقل من الاسم لاحتياجها إلى الموصوف وإلى الفاعل المضمر والمظهر ولكونها مشتقّة من الفعل الذي هو ثقيل.
فصل : فإن كانت العين واوا أو ياء لم تحرّكا لئلا تنقلبا ألفين ، وقد جاء التحريك في الشّعر شاذا كما جاء التسكين في الاسم الصحيح العين شاذّا أيضا وهكذا أيضا إن كان مضاعفا نحو سلّة وسلّات لانّك لو حرّكت اللّام الأولى لالتقى مثلان ومن شأنهم أن يدغموا الأوّل في الثاني : فيما هو أصل فكيف فيما حركته عارضة.
فصل : فإن كانت الفاء مضمومة والعين ساكنة صحيحة جاز ضمّها إتباعا وفتحها فرارا من الضّمتين وتسكينها على الأصل نحو : حجرات ، فإن كانت العين واوا نحو سورة لم تحرّك لئلا تنقلب الواو بالضمّ أو تقلب ألفا إن فتحت ، وقد جاء في سورات بالفتح ، فإن كانت اللّام واوا نحو خطوة فالجيّد تسكين العين لئلا تجتمع الضمّتان والواو وزيادة الجمع ، وقد جاء تحريكها على الأصل ، فإن كانت ياء نحو كلية فالتّسكين هو الوجه لما تقدّم في الواو ولو فتحت العين لأدّى القياس إلى قلب اللّام ألفا أو حذفها لالتقاء الساكنين ، وقد جاء ذلك شاذّا أيضا.
فصل : فإن كانت فعلة مكسورة الفاء مثل سدرة ففيها الأوجه الثلاثة التي في المضمومة :
الكسر على الإتباع.
والفتح للتخفيف.
والإسكان على الأصل.
إذا كان أفعل اسما نحو أفكل جمع على أفاعل ؛ لأنه بالحرف الزائد لحق بجعفر فجمع جمعه وهو اسم مثله فإن كان صفة غالبة وهي التي لا يكاد يذكر الموصوف معها نحو : الأبرق والأبطح جمعته هذا الجمع ؛ لأنه اشبه الاسم من حيث لم يذكر الموصوف معه فتقول أبارق وأباطح وإن كان صفة يذكر معها الموصوف نحو : أحمر جمعته على فعل بإسكان العين وضمّها
شاذّ ولم يجمع على أفاعل ؛ لأن الصفة مشتقّة من الفعل واشتقاقها وكونها فرعا على الموصوف يلحقها بالثلاثيّ الذي هو أصلها.
فصل : وتكسير الصّفة ليس بقياس لما ذكرنا في فعلة من مشابهة الصفة للفعل فأمّا جمعها بالواو والنون فليس بقياس ؛ لأن الفعل تتصل به هذه العلامة فضاربون مثل يضربون.
فصل : وقد شذّت من الجموع ألفاظ فجاءت على خلاف نظائر آحادها فمن ذلك ليلة جمعت على ليال وكان قياسها ليال مثل جفان أو ليلا مثل تمرة وتمر وقياس وأحدها : ليلاة مثل سعلاة وسعال ، وقد جاء في الشعر ليلاه شاذا ، ومن ذلك حوائج جمع حاجة وقياس وأحدها : حائجة مثل ضاربة وضوارب وقياس حاجة حاج وحاجات ، وهما مستعملان ومن ذلك ذكر ومذاكير وكأنه جمع مذكار وكأنّهم توهّموا في جمعه ما يدلّ على التكثير.
ألف الوصل (1)
وحكمها أن تلفظ وتكتب ، إن قرئت ابتداء ، مثل «إسم هذا الرجل خالد» ، ومثل «إستغفر ربك» ، وأن تكتب ولا تلفظ ، وإن قرئت بعد كلمة قبلها ، مثل «إنّ إسم هذا الرجل خالد» ، ومثل «يا خالد إستغفر ربك».
وهي قسمان سماعيّة وقياسيّة.
فالسّماعية محصورة في كلمات وهي «ابن وابنة وامرؤ وامرأة واثنان واثنتان واسم وأيمن».
والقياسيّة تكون في كل فعل أمر من الثّلاثيّ المجرّد «كاعلم واكتب». وفي كل ماض وأمر ومصدر من الفعل الخماسيّ والسداسيّ «كانطلق وانطلق وانطلاق ، واستغفر واستغفر واستغفار».
وهمزة الوصل مكسورة دائما ، إلّا في «أل وأيمن) ، فإنها مفتوحة فيهما ، وفي الأمر من وزن» يفعل - المضموم العين - فإنها مضمومة فيه ، مثل «أكتب ، أدخل».
والماضي المجهول من الخماسيّ والسداسيّ تضمّ همزته تبعا للحرف الثالث ، فتقول في «إحتمل ، إستغفر» «أحتمل ، أستغفر».
: مزيدة توصّلا بها إلى النّطق بالسّاكن بعدها ؛ ولذلك إذا وصلت بالكلمة شيئا قبلها سقطت الهمزة ؛ لأن الساكن قد نطق به بواسطة ما قبله فلا تثبت همزة الوصل إلّا في الابتداء وأمّا همزة القطع (2)وحكمها أن تكتب وتلفظ حيثما وقعت ، سواء قرئت ابتداء ، مثل «أكرم ضيوفك» ، أم بعد كلمة قبلها ، مثل «يا عليّ أكرم ضيوفك».
وهمزة الفصل همزة قياسيّة. وهي تكون في أوائل بعض الجموع كأحمال وأولاد وأنفس وأربع واتقياء وأفاضل.
وتكون أيضا في الماضي الرّباعيّ وأمره ومصدره ، مثل أحسن وأحسن وإحسان» ، وفي المضارع المسند إلى الواحد المتكلم مثل «أكتب وأكرم وأنطلق وأستغفر» ، وفي وزن «أفعل» ، الذي هو للتّفضيل ، مثلث «أفضل وأسمى» ، أو صفة مشبّهة ، مثل «أحمر وأعور». وهي مفتوحة دائما ، إلا في المضارع من الفعل الرباعي ومصدره ، فإنها في الأول مضمومة ، مثل احسن وأعطي» ، وفي الآخر مكسورة ، مثل «إحسان وإعطاء».
فتثبت وصلا وابتداء.فصل : وإنّما اختيرت الهمزة لذلك لوجهين :
أحدهما : أنّ القياس كان أن تزاد الألف لخفّتها ولكن تعذّر ذلك لاستحالة تحريكها واستحالة الابتداء بالساكن فعدل إلى الهمزة إذ كانت أختها في المخرج وشبيهتها في أحكام كثيرة ، وقيل : حرّكت الألف فانقلبت همزة.
والثاني : أنّ الهمزة أوّل حروف الحلق فخصّت بالابتداء لتناسب المعنيين.
فصل : وأصل حركتها الكسر ؛ لأن الأصل الإسكان ولكن دعت الضرورة إلى التحريك فصار التحريك لالتقاء الساكنين أو كالتحريك له ، وإنّما يضمّ إذا انضمّ الثالث ؛ لثقل الخروج من كسر إلى ضمّ لازم وضمّت اتباعا للثالث.
فإن قيل : فكيف كسرت همزة ابنو وارموا وضمّت همزة أدعي وأغزي؟
قيل : لأن الضمّة في النون والميم عارضتان والأصل كسرهما ، والأصل في العين والزّاي ضمّهما والكسرة عارضة وذهب قوم إلى أنّها حرّكت اتباعا للثالث المضموم والمكسور فأمّا المفتوح فلم نتبعه لئلا يلتبس بهمزة المتكلّم.
فصل : فأمّا الهمزة مع لام التعريف فمفتوحة ، وذلك لكثرة استعمال أداة التّعريف فاختير لها أخفّ الحركات فرارا من الثّقل.
فصل : فأمّا همزة ايمن فقد ذكرت في القسم ، وقيل : هي همزة الجمع حذفت واجتلبت همزة الوصل وفتحت إيذانا بالتغيير اللّاحق الكلمة ، وقد دخل هذه الكلمة ضروب من التّغيير على ما ذكر في القسم.
فصل : فأمّا ما يدخل عليه همزة الوصل من الأسماء فعشرة تذكر أحكامها في التّصريف إن شاء الله وهي اسم واست وابن وابنة وابنم واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة وايمن.
وأمّا الأفعال فتدخل فيه همزة الوصل إذا كان الفعل أربعة أحرف فصاعدا غير الهمزة ، ويسكّن الحرف الذي يلي الهمزة نحو : انطلق واستخرج واقترف ونحو ذلك ومصدره كذلك نحو الانطلاق والاستخراج ولسكون الحرف الثاني علّة نذكرها في التصريف إن شاء الله تعالى.
وأمّا دخولها في الأمر ففي كلّ فعل سكّن فيها ما بعد حرف المضارعة ؛ فإنّ همزة الوصل تدخل عليه ليبقى الحرف على سكونه نحو : اضرب واركب واقرب ، فأمّا نحو : قم وعد فلم يحتج إلى الهمزة ؛ لأنه لمّا تحرّك في المضارع نحو يقوم ويعد بقي متحرّكا في الأمر.
فصل : إذا دخلت همزة الاستفهام على همزة الوصل حذفت همزة الوصل ؛ لأن السّاكن يمكن النّطق به بعد الاستفهام فلا حاجة إلى الهمزة الأخرى وكانت همزة الاستفهام أولى ؛ لأنها دخلت لمعنى فأمّا همزة لام التّعريف فلا تحذفها همزة الاستفهام ؛ لأنها لو حذفت لصار لفظه لفظ الخبر ولم يقرّ الهمزة على لفظها ؛ لأنها ساكنة ولام التعريف ساكنة فلم تجتمعا ولكنّها تبدل ألفا ؛ لأن الألف فيها مدّ يصحّح وقوع الساكن بعدها ومنه قوله تعالى : (آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) [النمل : 59].
الوقف ضدّ الابتداء ؛ لأنه يكون عند انتهاء الكلمة ولمّا استحال الابتداء بالساكن استحسنوا في ضدّه وهو الوقف ضدّ الحركة وهو السكون وجملة مذاهب العرب في الوقف سبعة (1)
وما كان متحركا ، كيتب وكتب والكتاب وأين وليت ، وقفت عليه بحذف حركته (اي بالسكون).
وإليك أشهر قواعد الوقف واكثرها دورانا
1 - إذا وقفت على منوّن ، حذفت تنوينه بعد الضمة والكسرة ، وأسكنت آخره ، مثل «هذا خالد. مررت بخالد». فإن كانت الحركة فتحة ، ابدلت التنوين ألفا ، مثل «رأيت خالدا». هذه هي اللغة الفصحى وهي أرجح اللّغات وأكثرها. وربيعة تجيز الوقف على المنوّن المنصوب ، كما يوقف على المرفوع منه والمجرور ، فيقولون «رأيت خالد».
2 - إذا كتبت «إذا» بالألف مع التنوين ، طرحت التنوين ، ووقفت عليها بالألف ، وإذا كتبتها «إذن» ، بنون ساكنة ، أبدلت نونها ألفا ، ووقفت عليها بها. ومنهم من يقف عليها بالنون مطلقا. وهو اختيار بعض النحاة.
وإجماع القرّاء السبعة على خلافه.
3 - إذا وقفت على نون التوكيد الساكنة (وهي الخفيفة) ، ابدلتها الفا ، ووقفت عليها ، سواء اكتبت بالألف مع التنوين كقوله تعالى (لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ.) أم كتبت بالنون ، مثل «اجتهدن». فتقول في الوقف على لنسفعا.
«لنسفعا» ، وفي الوقف على اجتهدن «اجتهدا». قال الشاعر «ولا تعبد الشيطان ، والله فاعبدا» ، أي «فاعبدن».
4 - هاء الضمير للمفرد المذكر ، توصل ، في درج الكلام ، بحرف مد يجانسها ، إلا إذا التقت بساكن بعدها ، فمثل رأيته وسررت به ، يلفظان «رأيتهو سررت بهي» فإذا وقفت عليها حذفت صلتها (وهي الواو أو الياء) ، فتقول رأيته «مررت به» ، إلا في ضرورة الشعر ، فيجوز الوقف عليها بحركتها ، كقول الرّاجز كأنّ لون أرضه سماؤه». ولو كان في النّثر لوجب أن يقول «سماؤه» بإسكان الهاء.
أما «ها» ، ضمير المؤنثة ، فتقف عليها بالألف ، مثل رأيتها.
5 - إذا وقفت على المنقوص ، فإن كان منصوبا ثبتت ياؤه ، سواء أكان منوّنا ، مثل (سمعنا مناديا) أم غير منوّن ، مثل (طلبت المعالي). وما سقط تنوينه من الصّرف ، فهو ثابت الياء ، كالمقترن بأل ، مثل (رأيت مراكب في البحر جواري).
وإن كان مرفوعا أو مجرورا ، فإن كان منوّنا ، فالأرجح حذف يائه ، كقوله تعالى (فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ ،) ومثل (مررت بقاض) ويجوز إثباتها ، كقراءة ابن كثير (ولكلّ قوم هادي ... وما لهم من دونه من والي) وإن كان غير منوّن ، فالأفصح إثبات يائه ، مثل (جاء القاضي ، ومررت بالقاضي). ويجوز حذفها ، كقوله تعالى (الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ ... لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ) ووقف ابن كثير بالياء.
6 - إذا وقفت على المقصور ، فإن كان غير منوّن ، وقفت عليه كما هو كجاء الفتى ، وإن كان منوّنا ، حذفت تنوينه ، ورددت إليه ألفه في اللفظ «كجاء الفتى ، ورأيت فتى ، ومررت بفتى» تقف عليه بلا تنوين.
7 - إذا وقفت على تاء التأنيث المربوطة ، كحمزة وطلحة وشجرة وقائمة وفاطمة ، أبدلتها في الوقف هاء ساكنة ، فتقول (حمزه ، وطلحه ، وشجره ، وقائمه وفاطمه). هذه هي اللغة الفصحى الشائعة في كلامهم. فإن وصلت ، رددتها إلى التاء ، مثل (هذا حمزة مقبلا).
ومن العرب من يجري الوقف مجرى الوصل ، فيقف عليها تاء ساكنة ، كأنها مبسوطة ، فيقول «ذهب طلعت ، وهذه شجرت! وجاءت فاطمت. وقد سمع بعضهم يقول» يا أهل سورة البقرت؟ فقال بعض من سمعه «والله ما أحفظ منها آيت».
:1) الوقف قطع النّطق عند آخر الكلمة. فما كان ساكن الآخر ، وقفت عليه بسكونه ، سواء أكان صحيحا كاكتب ولم يكتب وعن ومن ، ام معتلّا كيمشي ويدعو ويخشى والفتى وعلى ومهما.
1 - الإسكان.
2 - والإشمام.
3 - والرّوم.
4 - والنّقل.
5 - والتّشديد.
6 - والإبدال من التنوين. 7 - ومن حرف العلّة والحذف.
فصل : وأجودها الإسكان في الرفع والجرّ والنصب في غير المنوّن لوجهين :
أحدهما : ما تقدّم من مضادّة الوقف للابتداء.
والثاني : أنّ الوقف يكون للاستراحة فيناسب الإسكان لخفّته.
فصل : وأما الإشمام فهو أن يشير بشفتيه إلى الضمّ دون الكسر والفتح وهذا يدرك بالبصر دون السمع ويسمّى روما عند قوم وإنّما فعلوا ذلك تنبيها على استخفاف الحركة ولم يجز في الكسر لما يفضي إليه من تشويه الخلقة ولا في الفتح لتعذّر ذلك.
فصل : وأمّا الرّوم فهو أن يضمّ شفتيه في الرفع بعض الضمّ ويكسر في الجرّ بعض الكسر فيضعف الصّوت بهما وهذا يدركه السمع ويسمّى روما ؛ لأن الرّوم الإرادة فكأنّه اراد الحركة التامّة ولم يأت بها وبقي على إرادتها دليل.
فصل : وأمّا النّقل فهو أن تنقل الضمّة في الرفع والكسرة في الجرّ إلى الساكن قبلها بشرط أن لا يخرج بالنقل عن النظائر وأن يكون المنقول إليه صحيحا مثاله هذا بكر بضمّ الكاف ومررت ببكر بكسرها ومنه : [الرّجز]
أنا ابن ماويّة إذ جدّ النّقر
وقرأ بعضهم : (وتواصوا بالصّبر) وإنّما فعلوا ذلك اهتماما بالإعراب فجمعوا بين الوقف على السكون والإتيان بالحركة وتقول مررت برجل فتكسر الجيم ، ولا تقول : هذه رجل لئلا تخرج من كسر إلى ضمّ في حشو وتقول هذا بسر فتضمّ ولا تقول أكلت من بسر فتكسر لئلا تخرج من ضمّ إلى كسر لازم في حشو ولا تقول هذا زيد فتنقل لئلا يتحرك حرف العلّة.
فصل : وأمّا التشديد فهو أن يشدّد حرف الإعراب إذا كان صحيحا قبله متحرّك في الرفع والجرّ وفي النّصب إذا لم يكن منوّنا كقولك : هذا خالد وهو محمد ورأيت الرجلّ ، وإنّما فعلوا ذلك اهتماما بالإعراب أيضا وجعلوا الحرف السّاكن عوضا من الحركة كما جعلوا حروف المدّ في موضع كالحركات.
فصل : وأمّا الإبدال من التنوين فأكثر العرب تبدل منه في النصب ألفا ولا تبدل منه في الرفع والجرّ وفي ذلك وجهان :
أحدهما : أنّ القياس يقتضي ترك البدل في الجميع ؛ لأن البدل كالأصل وكما لا تثبت الاصل فكذا ينبغي في البدل ولكن أبدل في النصب لخفّة الفتحة والألف.
والثاني : أنّ القياس هو الإبدال في الجميع ليتبيّن أنّ التنوين هو مستحقّ فخرج في النصب على الأصل.
وامتنع في الرفع والجرّ لأمرين :
أحدهما : ثقل الضمّة والواو والكسرة والياء.
والثاني : اللّبس فالواو تلتبس بواو الجمع أو واو الاستذكار والياء في الجرّ تلتبس بياء الجمع أو ضمير المتكلّم ومن العرب من لا يبدل في النصب ، كما قال الأعشى : [المتقارب]
وآخذ من كلّ حيّ عصم
أي : عصما وقاسوه على الرفع والجر.
ومنهم من يبدل في الرفع واوا وفي الجرّ ياء كما يبدل في النصب ألفا وهم أزد السراة ولا يحتفلون بالثّقل واللّبس.
فصل : وأمّا الإبدال في غير التنوين فمن التّاء والألف والهمزة والياء أما التاء ، فإن كانت للتّأنيث أبدلت في الوقف هاء في الأحوال الثلاث لأنّهم أرادوا أن يفصلوها من غير تاء التأنيث وإنّما اختاروا الهاء لما نذكره في حروف البدل إن شاء الله نحو ضاربه ولمّا كانت التّاء تثبت في الكلمة إمّا أصلا أو كالأصليّ وصلا ووقفا نحو : الرّفات والفرات أبدل منها إذا كانت تاء تأنيث للفرق ، ومن العرب من يثبتها في الوقف ومنه قول : يا أهل سورة البقرة ، فقال مجيب : ما أحفظ منها ولا آيت ولا يبدل هنا من التنوين ألفا.
فصل : وأمّا الإبدال من الألف فقد جاء ذلك في نحو : حبلى وأفعى فمنهم من يقف على الألف وهو الأكثر ، ومنهم من يبدلها واوا قبلها الفتحة ، ومنهم من يبدلها ياء قبلها الفتحة ، ومنهم من يبدل ألف فعلى همزة فتقول : حبلا.
فصل : وأمّا الهمزة فإن كانت قبلها ألف مدّ نحو : كساء فالحكم فيها كسائر الحروف الصّحاح فتحقق الهمزة في الوقف على ما يمكن فيها من المذاهب المذكورة ، وإن لم تكن قبلها ألف بل كان متحركا نحو : الخطأ والكلأ ، فالجيّد همزها وفيها من المذاهب ما ذكرنا.
ومنهم من يبدلها واوا في الرفع وألفا في النصب وياء في الجرّ ويتبعها ما قبلها وإن كان ما قبلها ساكنا صحيحا نحو : الخبء والوثء ، فالمشهور إقرارها في الوقف ساكنة وفيها من المذاهب ما تقدّم ، ومنهم من يلقي حركة الهمزة على ما قبلها ويحذفها فيقول هذا الوث بغير همز في الأحوال الثلاث ، لكن يضمّ الثاء في الرفع وبفتحها في النصب وبكسرها في الجرّ كما كانت الهمزة كذلك ، ومنهم من يبدلها واوا في الرّفع ويضمّ ما قبلها وياء في الجرّ ويكسر ما قبلها وألفا في النصب.
فصل : وأما الياء إذا سكّن ما قبلها نحو ظبي ورمي وعديّ فالجيّد إقرار الياء ، ومنهم من يبدلها جيما.
فصل : وأمّا الحذف ففي المنقوص نحو قاض وعم إذا نوّن ووقف عليه رفعا أو جرّا ففيه مذهبان :
أحدهما : حذف الياء وإسكان ما قبلها كالصحيح فإنّه يحذف منه التنوين والكسرة التي قبله.
والثاني : إثبات الياء ؛ لأنها حذفت في الوصل بسبب التنوين ولا تنوين في الوقف فلا علّة للحذف ، فإن قيل هذا يوجب أن يكون إثباتها أولى قيل لا ؛ لأن الوقف عارض والعارض كغير المعتدّ به فأمّا في النصب فيوقف بالألف المبدلة ؛ لأن الياء تثبت فيه وصلا.
فصل : فإذا لم يكن المنقوص منوّنا للألف واللام فالجيّد الوقف عليه في الرفع والجرّ ؛ لأنّها تثبت في الوصل لعدم موجب الحذف فلم تتغيّر في الوقف ويجوز حذفها وفيه وجهان :
أحدهما : الفرق بين الوصل والوقف ولا فارق إلّا الياء.
والثاني : أنّهم قدّروا الاسم نكرة موقوفا عليه ثم أدخلوا عليه الألف واللّام وهو كذلك فبقي على حاله ، فأمّا في النصب فالياء لا غير ؛ لأنها تتحرّك في الوصل وحذفت حركتها وكفى به فرقا.
فصل : فإن ناديت الاسم المنقوص فمذهب سيبويه إثبات الياء ؛ لأنه موضع لا ينوّن ومذهب يونس حذفها للفرق واتفقوا على إثباتها في قولك : يا مري وهو اسم الفاعل من أرى لأنّهم لو حذفوها لبقي الاسم على حرفين.
فصل : وأمّا الوقف على المقصور المنوّن ففيه ثلاثة مذاهب :
أحدها : الوقف على الألف التي هي من نفس الكلمة في الرفع والجرّ وعلى بدل التّنوين في النصب وحذف حرف الإعراب لالتقاء الساكنين وهو قول سيبويه.
والمذهب الثاني : الوقف على حرف الإعراب في الأحوال الثلاث.
والمذهب الثالث : الوقف على ألف التنوين فيهنّ.
وحجّة الأوّلين : أنّ المعتلّ مقيس على الصحيح والمختار في الصحيح أن لا يبدل من تنوينه في الرفع والجرّ ويبدل منه في النصب.
فإن قيل : يلزم عليه أمران :
أحدهما : أنّ الصحيح فعل به ذلك ؛ لأن الفرق فيه يظهر وهنا لا يظهر.
والثاني : ما يذكر في حجّة المخالف.
قيل عنه جوابان :
أحدهما : أنّ الفرق ثابت ، وذلك أنّك إذا وقفت على الألف المبدلة من ياء في الرفع والجرّ كتبتها ياء وأملتها وجعلتها روما وفي النصب لا يثبت شيء من ذلك.
والثاني : أنّ الحكم إذا كانت له علّة ووجدت أثبت حكمها سواء ظهر الفرق أو لم يظهر.
واحتجّ للمذهب الثاني بثلاثة أشياء :
أحدها : عدم الفرق.
والثاني : الألف في النصب قد أميلت وكتبت ياء في قوله : (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) [طه : 10].
والثالث : أنّها وقعت رويّا كقول الشاعر : [الرجز]
إنّك يابن جعفر خير فتى
إلى أن قال :
وربّ ضيف طرق الحيّ سرى
صادف زادا وحديثا ما اشتهى
إنّ الحديث طرف من القرى
فالألف في سرى رويّ كما أنّ الألف في باقي الأبيات كذلك إذا كان ما قبل الألف مخالفا والرويّ لا يختلف ولو كانت بدلا من التنوين لم يكن رويّا كما لا يصحّ أن تجمع في قصيدة بين قولك : رايت زيدا وبين العصا والعلا.
واحتجّ أرباب المذهب الثالث : بأنّ الموجب لإبدال التنوين ألفا في الاسم الصحيح فتحة ما قبله والتنوين في المقصور كذلك في الأحوال الثلاث.
والجواب : أمّا الفرق فقد ذكرناه ، وأمّا إمالتها وكتبها بالياء في الآية فجوابه من وجهين :
أحدهما : أنّ ذلك جاء على لغة من لم يبدل من التنوين ألفا في الصحيح.
والثاني : أنّها أشبهت لام الكلمة في اللفظ فقط فأجري عليها شيء من أحكامها ، وقد أميلت في نحو كتبت كتابا.
وأمّا وقوعها رويّا فجوابه هذان الوجهان ، وأمّا شبهة المذهب الثالث فضعيفة ؛ لأن التنوين في الاسم الصحيح أبدل بعد فتحة الإعراب والفتحة قبل التنوين في المقصور فتحة بناء ؛ لأنها عين الكلمة أو ما يجري مجراها فلا تكون تابعة لها.
فصل : وقد زيدت الهاء في مواضع قصد بها بيان الحركة فمن ذلك قولهم : لمه وعلامه ؛ لأن الألف هنا محذوفة من ما فلو سكّنت لم يبق على المحذوف دليل ولو وقف عليها متحركة لخفّفت الحركة ولكان مناقضا لحكم الوقف فزيدت الهاء لتبقى الحركة ويكون الوقف على الهاء ساكنة ومن ذلك اغزه وارمه واخشه ما ذكرنا ، ومن ذلك : (كِتابِيَهْ حِسابِيَهْ) [الحاقة : 19 - 20] ومن ذلك قراءة بعضهم : (لعلّكم تتفكّرونه) والمتّقينه وكأنه كره اجتماع الساكنين.
وينبغي أن يقدّم الشّروع فيه أبنية الأسماء والأفعال لتعلم الحروف الأصلية والزائدة فأمّا الحروف فلا يعرف لها اشتقاق حتّى تقضي على بعض حروفها بالزّيادة والانقلاب ، ألا ترى أنّ الألف في ما لو كانت منقلبة لكانت عن واو أو ياء ولو كان كذلك لخرجتا على الأصل ؛ لأنّهما في مثل ذلك ساكنان فكانت تكون مو أو مي مثل : (لو) و (كي).
فصل : والأسماء الّتي كلّ حروفها أصل على ثلاثة أضرب : ثلاثية ورباعية وخماسيّة ، وليس فيها سداسيّة وإنّما اجتنب ذلك لطوله وأقلّ الأصول ثلاثة أحرف ؛ لأن الحاجة تدعو إلى حرف يبدأ به وحرف يوقف عليه وحرف يفصل به بينهما لئلّا يلي الابتداء الوقف ؛ لأن المتجاورين كالشّيء الواحد والابتداء والوقف متضادّان فلذلك فصل بينهما.
فصل : وإنّما لم يكن السّداسيّ أصلا ؛ لأنه ضعف الأصل الأوّل فيصير كالمركّب مثل حضرموت فنقصوه عن ذلك.
فصل : وقد يبلغ الاسم الثلاثيّ بالزيادة إلى سبعة أحرف كقولك : اشهابّ الشيء اشهيبابا واحمارّ احميرارا ولم يزد على ذلك. فأمّا قرعبلانة فالحرف الثامن تاء التأنيث وهو في حكم المنفصل.
فصل : وأمّا أصول الأفعال فأصلان ثلاثية ورباعية ، ولم يأت منها خماسيّ لوجهين :
أحدهما : كثرة تصرّفها والزيادة عليها فلو كانت خمسة لثقلت.
والثاني : أنّ الفعل فرع على الاسم فنقص عنه لمكان الفرعيّة.
فصل : وأكثر ما يصير الفعل بالزيادة ستة أحرف ، وذلك أنّهم زادوا على أكثر أصول الأسماء حرفين ففعلوا مثل ذلك في الفعل ، فلو زادوا ثلاثة لكان الفعل أوسع من الاسم وهم قد منعوا الفعل من أن يساوي الاسم في الأصول فكذا في الزيادة.
فصل : وقد يزاد على الفعل الثّلاثيّ حرف مثل : أجرم ، وحرفان مثل : انطلق ، وثلاثة مثل : استخرج ، وعلى الرباعي حرفان مثل : احرنجم.
أمّا الثلاثيّة فجميع ما يتصوّر منها اثنا عشر ، وسبب ذلك أنّ الأوّل والأخير متحركان لا محالة فيبقى الوسط فيمكن أن يكون ساكنا ، وله أن يكون متحركا بثلاث حركات فيصير مع السكون أربعة ، فيضرب ذلك في عدّة الحروف فيكون اثنى عشر إلّا أنّ بناءين منها سقطا للثّقل أحدهما فعل بكسر الفاء وضمّ العين لثقل الخروج من كسر إلى ضمّ لازم.
والثاني : عكسه ، وهو ضمّ الفاء وكسر العين ، وقد حكي الدّئل اسم دويبة ورئم اسم آخر ، ومنهم من قال : هما فعلان في الأصل سمّي بهما.
فأمّا العشرة المستعملة : ففعل كفلس ، وفعل كجبل ، وفعل مثل عضد ، وفعل مثل كتف ، وفعل كجذع ، وفعل مثل ضلع ، وفعل مثل إبل ، والذي جاء منه قليل وهو إبل وإبد وامرأة بلز وإطل ، وفعل مثل قفل ، وفعل مثل طنب ، وفعل مثل جرذ.
فصل : وأمّا الرباعية فجاء منها خمسة بغير خلاف : فعلل مثل جعفر ، وفعلل مثل برثن ، وفعلل مثل زبرج ، وفعلل مثل درهم ، وفعل مثل سبطر.
والمختلف فيه فعلل مثل جخدب ، فسيبويه لا يثبته وأثبته الأخفش.
فصل : وأمّا الخماسيّة فجاء منها أربعة بلا خلاف وواحد مختلف فيه.
فالأربعة : فعلّل مثل سفرجل ، فعللل جحمرش ، فعلل جردحل ، فعلّل قذعمل.
والمختلف فيه : فعللل هندلع فلم يثبته سيبويه وحكاه ابن السراج.
فصل : وأمّا الفعل فأصلان ثلاثيّ ورباعيّ ، ونقصوه عن أكثر الأسماء لحاجتهم إلى كثرة تصريف الفعل وإلحاق الزوائد به للمعنى.
فصل : وأبينة الثّلاثيّ ثلاثة : مفتوح العين ومكسورها ومضمومها ، فأمّا الفاء فمفتوحة أبدا إلا أن تنقل إليها حركة العين أو تتبع العين وذلك نحو : ضرب وعلم وظرف ، والمنقول نحو : قيل وبيع ، وقد حسن وجهه والمتبع نحو : لعب وشهد ونعم تريد لعب وشهد ونعم.
وبناء الرباعيّ واحد وهو فعلل نحو دحرج وسرهف ، وكلّ ذلك يبنى لما لم يسمّ فاعله فيضمّ أوّله إلّا أن يعرض له ما يوجب الكسر.
فصل : وأبنية الأفعال أصليّها وزائدها تسعة عشر ثلاثة في الثلاثي وواحد في الرباعيّ هذا بغير زيادة فأمّا مع الزيادة فالثّلاثي يجيء بالزيادة على ثلاثة عشر بناء.
أحدها : أفعل مثل : أكرم.
والثاني : فعّل مثل : كرّم.
والثالث : فاعل نحو : قاتل.
والرابع : انفعل مثل : انطلق.
والخامس : استفعل مثل : استخرج.
والسادس : افتعل مثل : اقتطع.
والسابع : افعلنى مثل : احرنبى واسلنقى.
والثامن : تفعّل مثل : تكسّر وتقطّع.
والتاسع : تفاعل مثل : تحامل وتقادم.
والعاشر : افعلّ مثل : احمرّ واصفرّ.
والحادي عشر : افعالّ مثل : احمارّ واشهابّ.
والثاني عشر : افعوعل مثل : اخشوشن واحلولى من الحلو.
والثالث عشر : افعوّل من اخروّط من الخرط.
وأمّا زوائد الرباعيّ فلها بناءان :
أحدهما : تفعلل نحو : تدحرج وتقرطس.
والثاني : افعنلل نحو : احرنجم واعلنكس.
فأمّا اقشعرّ واطمأنّ فهو رباعي لقولك : القشعريرة والطّمأنينة ، إلّا أنّهم ألحقوه باحرنجم فزادوا في أوّله همزة الوصل وأدغموا الأخير فوزنه الآن : افعللّ ، ولا يمتنع أن تجعل هذا بناء ثالثا في زوائد الرباعيّ فتكمل به العدّة عشرين ، وفي هذه الزوائد ما هو لإلحاق أصل بأصل آخر وسنبيّن معنى الملحق وحكمه.
أمّا حدّه فهو تغيير حروف الكلمة الأصول بزيادة أو نقصان أو إبدال للمعاني المطلوبة منها وهذا يتعلّق بحدّ الاشتقاق ، وقد قال الرّماني : الاشتقاق اقتطاع فرع من أصل يدور في تصاريفه الأصل وهذا يحصل منه معنى الاشتقاق وليس بحدّ حقيقيّ (1)
وهو يطلق على شيئين :
الأول : تحويل الكلمة إلى أبنية مختلفة ، لضروب من المعاني كتحويل المصدر إلى صيغ الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول وغيرهما ، وكالنّسبة والتصغير.
والآخرك تغيير الكلمة لغير معنى طارئ عليها ، ولكن لغرض آخر ينحصر في الزيادة والحذف والإبدال والقلب والإدغام.
فتصريف الكلمة هو تغيير بنيتها بحسب ما يعرض لها. ولهذا التغيير أحكام كالصحّة والإعلال. ومعرفة ذلك كلّه تسمّى (علم التصريف أو الصّرف).
ولا يتعلّق التصريف إلا بالأسماء المتمكّنة والأفعال المتصرّفة. وأما الحروف وشبهها فلا تعلّق لعلم التصريف بها.
والمراد بشبه الحرف الأسماء المبنيّة والأفعال الجامدة ، فإنها تشبه الحرف في الجمود وعدم التصرّف.
ولا يقبل التصريف ما كان على أقل من ثلاثة أحرف ، إلا أن يكون ثلاثيّا في الأصل ، وقد غيّر بالحذف ، مثل ع كلامي ، وق نفسك ، وقل ، وبع». وهي أفعال أمر من وعى يعي ، ووقى يقي ، وقال يقول ، وباع يبيع» ، ومثل «يد ودم» ، وأصلها «يدي ودمو ، أو دمي».
.فصل : وأمّا فائدة التصريف فحصول المعاني المختلفة المتشعبة عن معنى واحد والعلم به أهمّ من معرفة النحو في تعرّف اللغة ؛ لأن التصريف نظر في ذات الكلمة ، والنحو نظر في عوارض الكلمة.
فصل : واشتقاق التّصريف من صرفت الشيء إذا قلبته في الجهات فتصرف ، أي : قبل التصرّف ، وصرفته بالتخفيف فانصرف أي : قبل هذا الأثر.
فصل : وحروف الكلمة الأصول هي التي تلزم الكلمة في جميع تصاريفها إلّا لعارض ، ويقابل أوّلها بالفاء وثانيها بالعين وثالثها باللام ، فإن كانت رباعية أو خماسية كررت فيها اللام إلا أن يكون الأصليّ مكررا فإنّك تكرر ما يقابله في المثال الموضوع.
1) التّصريف لغة التّغيير. ومنه تصريف الرياح ، أي تغييرها. واصطلاحا هو العلم بأحكام بنية الكلمة ، وبما لأحرفها من أصالة وزيادة وضحّة وإعلال وإبدال وشبه ذلك.
وأمّا الزائد فيؤتى بع بعينه في المثال المصوغ للاعتبار مثاله ضرب ، فهذا مصدر هو مادّة للأفعال المأخوذة منه وأسماء الفاعلين والمفعولين وأسماء الزمان والمكان فالفعل ضرب يضرب اضرب ، وقد يزاد عليه للمعاني السّين والتاء وهمزة الوصل ونون الانفعال والتاء والألف لوقوعه من اثنين نحو : استضرب واضطرب وانضرب وتضاربا وما يتشعب عن ذلك.
وتزاد الميم في الفاعل والمفعول والزمان والمكان نحو : مضارب ومضروب ومضرب ومضرب وما أشبه ذلك والضاد والراء والباء أصول كلّها لوجودها في جميع الأمثلة ، وأمّا الميم والنون والتاء والهمزة فزوائد ؛ لأنها توجد في بعضها دون بعض.
فصل : وإنّما قابلوا الحروف الأصول بالفاء والعين واللام دون غيرها من الحروف لوجهين :
أحدهما : أنّ التصريف في الأصل من أحكام الأفعال فلمّا أرادوا اعتبارها جعلوا المعيار لذلك حروف الفعل تنبيها على هذا الأصل.
والثاني : أنّهم بنوا هذا المعيار من مخارج الحروف الثلاثة وهي الشفتان ووسط الفم والحلق فالفاء شفهية والعين حلقية واللام من وسط الفم.
فصل : وإذا كان التصريف عبارة عن تغيير الكلمة ، فالتغيير إمّا أن يكون بزيادة أو نقصان أو إبدال والزيادة إمّا بحرف أو بحركة وكذلك النقصان والبدل.
فأمّا زيادة الحروف فعلى ضربين زيادة من جنس الأصل وزيادة من غير جنسه فالّتي من جنس الأصل تضعيف العين واللّام ، فأمّا الفاء فلم تتكرر وحدها إلّا في كوكب وأوّل على رأي البصريين وليس معنى تكريره أنّ الفاء تكرّر في المثال فيقال فوفل ولا أفّل ؛ لأن مثال الأصل هنا ثلاثة ولم تتكرر الفاء بعد استيفاء الأصل ، وقد كرّرت الفاء والعين في مرمريس ومرمريت ووزنه فعفعيل ، وأمّا تكرير العين فكقولك علّم وضّرّب ووزنه فعّل بتشديد العين.
وأمّا تكرير اللّام وحدها فمثل : جلبب وشملل ووزنه فعلل ولم يدغم ؛ لأن الزيادة للإلحاق ، وقد تكرر اللام مرتين نحو : سفر جل ووزنه فعلّل وهذا من غير جنس الأصل وإنما تكرّر في المثال ، وقد تكررت العين واللام مثل : صمحمح مثاله فعلعل فأمّا قلقل وزلزل فوزنه
فعلل ، وقال قوم : فعفل وهو ضعيف ؛ لأن تكرير اللام هو الكثير وتكرير الفاء شاذ وكون الحرف الثالث : من جنس الأوّل لا يوجب مقابلته بالفاء ألا ترى أنّ أصله قلق ووزنه فعل مثل : سلس.
وأمّا الزيادة من غير الجنس فعشرة أحرف وهي : الواو والياء والألف والهمزة والميم والتّاء والنون والسين والهاء واللّام ، وقد جمعتها في : (لم يأتنا سهو) ، وقد جمعت في : (اليوم تنساه) وفي : (سألتمونيها) وفي : (اسلتمونيها) وفي : (يا أوس هل نمت) وفي : (هويت السّمان) ومعنى كونها زائدة أنّها تكون في بعض المواضع زائدة لا في كلّ موضع ، بل قد تكون كلّها أصولا ، ألا ترى أنّ أوى ويوم وسل كلّها أصول.
فصل : ويعرّف الزائد من الأصليّ بثلاثة أشياء :
الاشتقاق وهو أثبتها.
وعدم النظير في الأصول.
وكثرة زيادة ذلك الحرف.
فمثال المعروف بالاشتقاق مضروب ومستضرب فالميم والواو والسين والتاء زوائد ؛ لأنها غير موجودة في ضرب وضرب.
ومثال عدم النظير كنهبل ، فالنون زائدة لا من طريق الاشتقاق بل من جهة أنّها لو جعلت أصلا لكان وزن الكلمة فعلّل ولا نظير له في الأصول فيقضى عند ذلك بزيادة النون.
ومثال الكثرة زيادة الهمزة أفكل ، فإنّ الهمزة فيه زائدة لا من طريق الاشتقاق إذّ لا يعرف من الفاء والكاف واللّام بناء غير هذا ولا من عدم النظير ؛ لأن الهمزة لو كانت أصلا لكان وزن الكلمة فعللا ونظائره كثيرة.
وقد يجتمع في الكلمة دليلان من هذه الثلاثة يقضيان زيادة الحرف مثل : أحمر فإنّ الاشتقاق والكثرة يدلّان على زيادة الهمزة.
وتنضب يدلّ الاشتقاق وعدم النظير على أنّ التاء زائدة ، واجتماع الثلاثة قليل وسنبيّن ذلك في كلّ حرف نمرّ به إن شاء الله تعالى.
فصل : وإذا اعتبرت الكلمة قابلت الأصول بالفاء والعين واللّام وأتيت بالزائد بعينه فتقول في ضارب فاعل ، وفي مضروب مفعول ، وفي ضريب فعيل ، وفي مستضرب مستفعل ، وكذلك ما أشبهه فإن كان قد نقص من أصله شيء نقصته في المثال نحو : أقمت فوزنه أفلت ، وإن قدّم أصل من موضعه قدّمته في المثال نحو : أينق وزنه أعفل.
فصل : وحروف الزّيادة تزاد لسبعة أشياء وهي في المعنى مثل ألف ضارب وميم مكرم والإلحاق مثل الباء في جلبب والمدّ في الألف والياء والواو في كتاب وقضيب ورسول والتّعويض ، وذلك في التكسير والتّصغير نحو : سفارج وسفيرج ، والتكثير مثل ألف قبعثرى والتوصّل وهي همزة الوصل ؛ لأنها توصّل بها إلى النّطق بالسّاكن والبيان مثل هاء السكت في (كِتابِيَهْ) و (حِسابِيَهْ.)
فصل : والأصل في هذه الحروف في الزيادة حروف المدّ لسكونها واستطالتها ولين الصّوت بها وعذوبة النّطق بها ، والباقي مشبّه بها أو بما يشبهه فالهمزة تشبه الألف إذ هي من مخرجها وتحوّل إليها وتصوّر بصورتها والنون تشبه الواو أيضا في مخرجها وغنّتها وتغير طبيعتها بالحركة والميم تشبه الواو في مخرجها وغنتها والتاء تشبه الواو لقرب مخرجها منها وهمسها وانتشارها والنفخ المصاحب لها والسّين تشبه التاء في الهمس والهاء تشبه الألف لخفائها وقربها منها في المخرج وتشبه الهمزة أيضا واللّام تشبه النون في انبساطها وتقرب من مخرجها ؛ لأن اللّام تخرج من أسلة اللسان وحافته اليمنى والنون من أسلة اللسان.
فصل : وتكثر زيادة هذه الحروف وتقلّ على قدر نسبتها من حروف المدّ ؛ لأن حروف المدّ أكثرها زيادة.
فصل : وأصل التّصريف الزيادة ؛ لأن الأغراض التي ذكرناها لا تتعلّق إلّا بها فأمّا البدل فلأمر لفظيّ.
وهي : الواو والياء والألف
اعلم أنّ الألف لا تكون أصلا في الأفعال والأسماء المعربة وإنّما تكون إمّا بدلا وإمّا زائدة ، فكونها بدلا يذكر في بابه ، وأمّا كونها زائدة فلا تقع أوّلا بحال ؛ لأنها ساكنة والابتداء بالسّاكن محال بل تقع ثانية كالألف في فاعل مثل : ضارب وكابر وثالثة كألف التكسير نحو :
دراهم ودنانير وكألف المدّ المحض مثل كتاب وحساب ورابعة نحو : شملال وحملاق وخامسة نحو حبركى وسادسة للتكثير نحو قبعثرى وضبغطرى ولم يجيء على غير هذا.
فأمّا ألفات الحروف مثل : ألف ما ولا وبلى فأصل ؛ لأنه لا اشتقاق للحروف يعرف به الأصل من الزّائد وكذلك الأسماء الموغلة في شبه الحروف نحو ألف إذا ومتى وما يعرف به زيادة الألف فيما ذكرنا قد تقدّم ذكره.
فصل : وأمّا الياء فقد زيدت أوّلا للمضارعة نحو : يضرب ، وثانية في فيعل نحو : صيرف وخيفق ، وثالثة في فعيل نحو : قضيب وظريف ، وفي فعيل بكسر الفاء نحو : عثير وحذيم ، فأمّا فعيل بفتح الفاء فليس في الكلام ، ورابعة كالياء في قنديل ، وخامسة كياء قناديل والسّلحفيّة.
وأمّا الواو فلا تزاد أوّلا لوجهين :
أحدهما : ثقلها في نفسها ولزوم تحرّكها بالابتداء ، وإذا زيدت حشوا أمكن أن تكون ساكنة.
والثاني : أنّها لو زيدت أوّلا لجاز أن يكون أوّل الكلمة واوا وتدخل عليها واو العطف فتشبه صوتا منكرا ، وقيل : لو زيدت أوّلا لجاز أن تكون مضمومة فكان يجوز قلبها همزة فكان يؤدّي إلى اللّبس ، وقد زيدت ثانية كجوهر وشوذر وثالثة مثل جدول وقسور ورابعة مثل زنبور وعصفور وخامسة مثل قلنسوة وقمحدوة.
فصل : والضّابط في زيادة الواو والياء من غير جهة الاشتقاق أنّك إذا وجدت واحدة منهما مع ثلاثة أحرف أصول من غير تكرير قضيت بزيادتها ؛ لأنها في الاشتقاق كذلك فحملت على الأكثر.
فصل : أمّا المكرر مثل وسوسه وصصية فالواو والياء فيهما أصلان لأنّك لو قضيت بزيادتها في كلا موضعيهما لبقي الأصل معك حرفين ولا تكون الأصول على ذلك وإن قضيت بزيادتها في أحد الموضعين عينا كنت متحكّما ، وإن تخيّرت كان تحكّما أيضا فلم يبق إلّا القضاء بأصالتها في الموضعين.
إذا وقعت الهمزة أوّلا وبعدها ثلاثة أحرف أصول حكم بزيادتها وأكثر ما يقضى بذلك بالاشتقاق مثل : أحمر وأفضل وغيرهما من الصّفات ؛ لأن ذلك من الحمرة والفضل فأمّا الأسماء التي في أوّلها همزة ولا يعرف لها اشتقاق فيحكم بزيادة الهمزة فيها حملا على الأكثر ، وذلك نحو : أفكل وهو الرّعدة ولا اشتقاق له وجمعه أفاكل ، ولو سميت به رجلا لم تصرفه للوزن والتعريف.
وأمّا (أيدع) فقيل هو طائر ، وقيل : هو الزّعفران وهمزته زائدة حملا على الأكثر ، وذلك أكثر من زيادة الياء هنا إذا كان أفعل أكثر من فيعل وحكى بعضهم عن بعض العرب يدّعت الثوب إذا صبغته بالزّعفران فأسقط الهمزة فهذا الدّليل من جهة الاشتقاق.
وأمّا (الأوتكى) فهي أفعلى ؛ لأن زيادة الهمزة أوّلا أكثر من زيادة الواو ثانية وهو ضرب من التمر.
وإمّا (إصليت) فإفعيل للكثرة والاشتقاق ؛ لأنه من صلت وانصلت أي أسرع.
وأمّا (إدرون) فإفعول ؛ لأنه مشتقّ من الدّرن ؛ لأنه درديّ الزيت ، وذلك كالدّرن. وإعصار أفعال من العصر.
وأمّا (أرونان) فيحتمل ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنّها أفعلان من الرّون وهو الشّدّة يقال : يوم أرونان ، أي : شديد ، قال الشاعر : [الوافر]
فظلّ لنسوة النّعمان منّا
على سفوان يوم أروناني
والقوافي مجرورة وأراد أرونانيّ فسكّن.
والوجه الثاني : أن يكون أفوعالا فالرّاء فاؤه والنونان عينه ولامه والباقي زوائد من الرنّة.
والثالث : فوعلانا من أرن يأرن أرنا وهو النشاط فعلى هذا الهمزة والراء والنون أصول فوزنه فوعلان.
وأمّا (إمّعة) فالهمزة فيه أصل لوجهين :
أحدهما : أنّه صفة وليس في الصفات إفعلة ولا إفعل بكسر الهمزة.
والثاني : أنّا لو قضينا بزيادتها لكانت الميم فاءها وعينها وهو شاذّ لم يأت منه إلّا ددن وكوكب ويجب أن يحمل على الأكثر لا على الشاذّ ، وأمّا إمّر وإمّرة فأصل أيضا لما ذكرنا.
فإن قيل : فإمّعة من مع ؛ لأنه الذي يكون مع كلّ أحد؟
قيل له : إمّعة ليس مشتقّا من مع ؛ لأن مع اسم جامد لا يشتقّ منه وإنّما اللفظ قريب من الفظ والمعنى قريب من المعنى وهذا لا يوجب الاشتقاق ألا ترى أنّ سبطا وسبطرا ودمثا ودمثرا بمعنى واحد ولا يحكم بزيادة الراء ويدلّ على أن إمّرا همزته أصل أنّه من الأمر ؛ لأنه المؤتمر لكلّ أحد.
وأمّا (أولق) ففيه قولان :
أحدهما : أنّه أفعل من الولق وهو السّرعة ومنه قوله تعالى : (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) [النور : 16] على قراءة من قرأ بكسر اللام وتخفيف القاف وضمّها ومنه قيل للأحمق أولق لسرعته فعلى هذا لو سمّيت به لم تصرفه.
والقول الثاني : هو فوعل والواو زائدة والدليل عليه قوله للمجنون : مألوق ومؤولق على مفعول ومفوعل ويجوز أن تكون من الولق أيضا وتكون الهمزة مبدلة من واو كما أبدلت واو أواصل همزة.
وأمّا (أرنب وإصبع وأبلم وإثمد وإثلب) فالهمزة فيهنّ زائدة وهي أسماء حملت على الأكثر وبعضها مشتقّ وهو إثمد ؛ فإنه من الثّمد وهو الماء القليل.
مسألة : أوّل أفعل الهمزة فيه زائدة والكلمة من باب ددن فاؤها وعينها من موضع واحد والدّليل على ذلك أنّها أفعل التي للتّفضيل ؛ لأنها تصحبها من نحو قولك : هذا أوّل من هذا ولا يجوز أن تكون فوعلا ولا فعّلا ؛ لأن هذين البناءين ليسا للتفضيل.
وذهب قوم إلى أنّ أصل أوّل من آل يؤول وأصله أأول فقلبت الهمزة الثانية واوا ثمّ أدغمت.
وقال آخرون : هو من وأل يئل فاصله أوأل ثم أبدلت الهمزة التي بعد الواو واوا ثم أدغم وكلا القولين خطأ ؛ لأن حكم الهمزة السّاكنة الواقعة بعد همزة مفتوحة أن تقلب ألفا مثل آدم وحكم الهمزة المفتوحة إذا أريد تخفيفها أن تنقل حركتها إلى ما قبلها فأمّا أن تبدل واوا فلا.
فإن قيل : الإبدال هنا شاذّ كما أنّ دعوى كون الفاء والعين واوين شاذّ قيل عنه جوابان :
أحدهما : أنّ كون الفاء والعين هنا من موضع واحد ليس من الشاذّ ؛ لأن الهمزة هنا قبلهما وبسبب ذلك لزم الإدغام فلم يلزم الثقل المحذور.
والثاني : أنّ شذوذ التكرير أقرب من شذوذ الإبدال فيما ادّعوا.
مسألة : الهمزة في إوزّة زائدة وأصلها إفعلة ؛ لأن الهمزة بعدها ثلاثة أحرف أصول وهو اسم غير صفة فلا يمنع مجيئه على هذا البناء كما امتنع في إمّعة ولا يجوز أن تكون الهمزة والواو أصلين إذ ليس في الأصول وزّ ولا أن تكون الواو زائدة ؛ لأن ذلك يصير إلى فوعل ولا نظير له.
مسألة : الهمزة في إشفى زائدة وهو اسم من شفى يشفي والجمع أشافي وليس ذلك بشاذّ إنّما الشذوذ فيه إذا كان صفة.
مسألة : أروى فعلى والجمع أراويّ ولم تنصرف لألف التأنيث.
مسألة : إدرون إفعول من الدّرن ؛ لأن معناه درديّ الزيت ويقال أيضا فلان على إدرونه أي على أصله.
مسألة : أفعوان أفعلان وأصل الكلمة من الفعو وهو السّمّ ، وقيل : هو مقلوب من فوعة الطيّب أي حدّته فالفاء والعين والواو أصول ووزن أفعى أفعل.
مسألة : في وزن أرطى قولان :
أحدهما : هو فعلى وألفه للإلحاق بجعفر والدليل على ذلك قولهم : أديم مأروط أي مدبوغ بالأرطى ومأروط مفعول البتة.
والثاني : هو أفعل فهمزته زائدة والدليل على ذلك قولهم : أديم مرطيّ في لغة صحيحة ، وقد قالوا : أديم مؤرطي ، فيحتمل أن يكون مفعلى فتكون الهمزة أصلا وهو مثل : مسلفى ومجعبى وأن يكون وزنه مفعلا على القول الثاني والأوّل أقيس ، فإن سمّيت به رجلا مع الحكم بزيادة الهمزة لم تصرفه للوزن والتعريف.
مسألة : أثفيّة فعليّة عند قوم لأنّهم أخذوه من تأثّف القوم حوله إذا أحاطوا به وأفعولة عند آخرين ودلّ على ذلك قول الشاعر :
وصاليات ككما يؤثفين (1)
والبيت كاملا :
حي ديار الحي بين السهبين
لم يبق من آي بها تبقين
غير رماد وحطام كنفين
وصاليات ككما يؤثفين
ووزنه يؤفعلن ، وقيل : يفعلين ، فيخرّج القولان على المذهبين في الهمزة.
مسألة : يقال عجين أنبجان وشيء أخطبان ووزنهما أفعلان فالهمزة زائدة ويدلّ على ذلك وجود الشرط الذي ذكرناه من وقوعها مع ثلاثة أصول ولأنّ أنبجان من معنى النّبج وهو ما يخرج باليد من نفخ فكذلك العجين وأخطبان من الخطبة وهي لون.
مسألة : إصليت إفعيل من صلت وأصله السرعة ، وإجفيل إفعيل من جفل وإخريط من خرط وشرط زياتها مذكور موجود على ما ذكرنا.
فصل : وأمّا زيادة الهمزة حشوا فقليل لا يقدّم عليه إلّا بدليل ظاهر ومهما أمكن أن يكون أصلا لم يحكم بزيادتها وعلّة ذلك انّ الهمزة ثقيلة والزيادة في الحشو والطّرف تكون لمعنى نحو التّصغير والتكسير والمدّ والتأنيث وليست الهمزة من حروف هذه المعاني بخلاف زيادتها أوّلا فإنّها تأتي لمعنى وهو المبالغة والتعدية وما أشبههما فإن وجدتها حشوا أو طرفا فاحكم بأصالتها إلّا أن يصحّ دليل على زيادتها فمن الأصول زئبق وضئبل.
فصل : ومما جاءت فيه زائدة وسطا حطائط وإنّما علم ذلك بالاشتقاق ولأنّ الحطائط الصغير فكأنّه محطوط.
ومن ذلك جمل جرائض همزته زائدة لوجهين :
أحدهما : قولهم في معناه جرواض.
والثاني : أنّه الجمل الكثير اللحم العظيم فهو من الجرض وهو الغصص في الصدر ؛ لأن ذلك تطابق وازدحام.
1) من شعر خطام الريح المجاشعي واسمه عياض بن بشر بن عياض :
ومنها النئدلان همزته زائدة وهو الكابوس لوجهين :
أحدهما : قولهم في معناه النيدلان بالياء فقد ذهبت الهمزة.
والثاني : أنّه من معنى الندل وهو أحذ الشيء بعد الشيء.
ومنها شمأل بزيادة الهمزة ثانية وثالثة ؛ لأنها من شملت الريح والريح شمل وشمول وشمال بستّ لغات.
فصل : ومن زيادتها أخيرا امرأة ضهياء وضهياء بالمدّ والقصر وهي التي لا تحيض. وقيل :
التي لا ثدي لها ، وقال الزجاج : همزتها في القصر أصل وحجّة الأولين من ثلاثة أوجه :
أحدهما : أنّ اشتقاقها من المضاهاة وهي من الياء والمرأة التي هذه صفتها تضاهي الرجال.
والثاني : أنها لو كانت أصلا لكانت الياء زائدة فكان البناء لا نظير له إذ ليس في الكلام فعيل بفتح الفاء.
فإن قيل : لم لا تكون الياء أصلا أيضا؟
قيل : لأن الياء لا تكون أصلا مع ثلاثة أحرف أصول.
والثالث : قولهم في معناها ضهياء بالمدّ وهذا قاطع بزيادة الهمزة ؛ لأن الهمزة هنا للتأنيث.
فإن قيل : لم لا تكون أصلا على وزن فعلال كناقة خزعال؟ قيل : لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ الياء لا تكون أصلا مع ثلاثة أحرف أصول كما تقدّم.
والثاني : أنّها غير مصروفة ولا سبب إلا همزة التأنيث.
والثالث : أنّ فعلا لا ليس في كلامهم وخزعال لا يثبته البصريون ، وإذا ثبت كان شاذا.
مسألة : الهمزة في الغرقئ وهو قشر البيضة الأسفل أصل وقال الزجاج : هي زائدة ، قال : لأنه من معنى الغرق ؛ لأن تلك القشرة تغترق ما تحوي عليه أي تخفيه أو يغترقها ما فوقها ، وقال ابن جنّي وغيره : لا يحكم بزيادة الهمزة غير أوّل إلا بثبت وما ذكر من الاشتقاق فليس بقاطع لبعده من المعنى ولو قرب لم يكن حجّة أيضا إذ يجوز أن يكون معناهما واحدا والأصول مختلفة مثل : دمث ودمثر وسبط وسبطر وأشبه شيء مما نحن فيه قولهم : كرف الحمار
إذا تشمّم البول ورفع رأسه والكرفئ السّحاب المرتفع وهمزته أصل ولا يقال هو من كرف الحمار وإن تقارب معناهما.
مسألة : أرجوان أفعلان من معنى الرجا وهو صبغ أحمر ؛ لأنه يرجى أي يطلب لحسنه أو يرجى بقاؤه لشدّته فالهمزة والنون زائدتان ، وقيل : وزنه أفعوال من رجن إذا أقام فكأنّ هذا الصّبغ يدوم ، وقيل : فعلوان من الأرج وهو الرّيح ؛ لأن له ريحا.
مسألة : الهمزة في إصطبل وإردخل أصل لوجهين :
أحدهما : أنّ معها أربعة أحرف أصول ومثل هذا يحكم على حروفها كلّها بالأصالة ؛ لأن الهمزة ثقيلة والأربعة مستثقلة وليست زيادة الهمزة فيها لمعنى فلا وجه إذا للزّيادة.
والثاني : أنّ الكلمة أعجمية والأعجميّ لا يعرف له أصول حتى يحكم على بعض حروفه بالزّيادة إلا في الألف فإنّها لخفتها وكثرتها يحكم عليها بالزيادة في الأعجمية ، وعلى هذا قالوا همزة إبراهيم وإسماعيل وأبريسم أصل.
مسألة : الألف على أربعة أضرب :
1 - أصل ، وذلك في الحروف والأسماء الموغلة في شبهها.
2 - وبدل من أصل ، نحو : ألف ماء وقال وباع.
3 - وبدل من زائد ، كألف معزى وحبنطى ؛ فإنّها بدل من الياء التي للإلحاق.
4 - وزائدة للتأنيث ، كألف حبلى وزائدة للتكثير كألف قبعثرى وليست للإلحاق إذ ليس في الأسماء سداسيّ فتحلق به.
مسألة : الألف في موسى الحديد لام الكلمة في أحد القولين والميم زائدة واشتقاقه من أوسيت رأسه إذا حلقته فموسى مفعل مثل معطى فالحديدة مفعل بها والرأس مفعل به.
والقول الثاني : هي للتأنيث واشتقاقه من ماس يميس فكأنّ الحديدة لكثرة تحرّكها في الحلاق تميس أي تضطرب فوزنها فعلى.
وأمّا موسى وعيسى علمين فالألف فيهما لغير التأنيث ؛ ولذلك قال سيبويه إذا نكّرتهما صرفتهما ؛ لأنّهما أعجميان فلا يقضى على ألفهما بالتأنيث.
مسألة : الألف في قطوطى بدل من الواو وأصل الكلمة من القطوان ، وقد كرّرت فيها العين واللام فأصلها من قطوطو فقلبت الواو الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وقيل :
هي للتأنيث ووزنها فعلا فلامها طاء مكرّرة ولامها الأولى واو فهي مثل : حبركى.
وقيل : الواو زائدة والألف مبدلة من واو ووزنها فعولل مثل : فدوكس وسرومط.
وقيل : وزنها فعولا فألفها للتأنيث ، وعلى هذين الوجهين تكون الكلمة من القطّ.
مسألة : الياء في يربوع ويرمع ويعملة زائدة لوجهين :
أحدهما : الاشتقاق فإنّه من ربع ورمع وعمل.
والثاني : أنّ بعدها ثلاثة أحجرف أصول ، وذلك قاطع بزيادتها ومن هنا حكم على ياء ضيغم وخفيدد بالزّيادة.
مسألة : الياء في يستعور أصل عرف ذلك بالسبر ، وذلك أنّ الواو فيها زائدة بلا خلاف فبقي فيها من حروف الزيادة الياء والسين والتّاء ويمتنع أن تكون كلّها زائدة ؛ لأن الكلمة تبقى على حرفين والحكم على أحد الثّلاثة بالزّيادة تحكّم.
فإن قلت : لم لا تكون السّين أصلا والآخران زائدان من معنى سعر؟ قيل : لوجهين :
أحدهما : أنّ جعل السين أصلا دون الياء والتاء مع إمكان كونه من يعر تحكّم.
والثاني : أنّ مثال يفتعول معدوم فلا يحمل عليه.
مسألة : الواو في ترقوة زادئة لأمرين :
أحدهما : أنّها مع ثلاثة أحرف أصول.
والثاني : أنّها لو كانت أصلا لكانت على فعلل ولا نظير له فإن قيل : لم لا تكون التّاء زائدة والواو أصلا قيل لوجهين :
أحدهما : أنّ هذا تحكّم إذ لا مرجّح.
والثاني : أنّ الحكم بزيادة الواو أولى لكثرة زيادتها ومثله عرقوة ، وأمّا قلنسوة فواوها زائدة أيضا ؛ لأن النون فيها زائدة فتبقى الواو مع ثلاثة أحرف أصول.
مسألة : الياء في يأجج أصل والكلمة من الملحق وإنّما كان كذلك ؛ لأنها لو كانت زائدة لأدغم الجيم في الجيم ولمّا لم تدغم علم أنّه ملحق بجعفر ونظيره قردد.
حكم الميم إذا وقعت أوّلا حكم الهمزة إذا كان بعدها ثلاثة أحرف أصول حكم بزيادتها ، وإن كان مع أربعة أصول فهي أصل.
فمن الأوّل زيادتها في اسم الفاعل والمفعول نحو : مكرم ومضروب ومضراب ومنحار للمبالغة وتزاد في أوّل المصدر نحو : مضرب ومدخل وفي أوّل المكان نحو مجلس وفي أوّل الزمان نحو أتت الناقة على منتجها أي وقت نتاجها وهذا كلّه ظاهر فإنّ الاشتقاق يدلّ عليه.
ومن الثاني : ميم مرزجوش الميم فيه أصل ؛ لأن أربعة أحرف أصول والكلمة أعجمية أيضا.
فصل : فأمّا زيادتها وسطا وآخرا فلا يحكم به إلّا بدليل ظاهر كما ذكرنا في الهمزة ، فممّا زيدت فيه وسطا لبن قمارص أي قارص ؛ لأنه بمعناه من غير فرق والفعل المأخوذ منه قرص اللبن فذهاب الميم من الفعل واسم الفاعل الذي هو الأصل دليل زيادتها هنالك.
ومن ذلك أسد هرماس ؛ لأنه من الهرس وهو الدقّ وكأنّ الكلمة قوّيت بالميم لتدلّ على كثرة هرسه.
ومن ذلك دلامص ؛ لأنه مأخوذ من الدّلاص وهو البرّاق ويقال دلمص بغير ألف ودملص بتقديم الميم على الألف وحذفها والتقديم والتأخير دليل على زيادتها ؛ لأن الاصل لا يتلاعب به.
وقال المازنيّ : الميم أصل كدمث ودمثر.
فصل : وممّا زيدت الميم في آخره زرقم وحلكم بمعنى الأزرق والحالك وفسحم أي منفسح وناقة دلقم من الاندلاق ؛ لأنها التي أسنّت حتى اندلقت أسنانها ورجل ستهم ؛ لأنه العظيم الاست.
مسألة : الميم في منجنيق أصل والنّون الأولى زائدة ، والدليل على ذلك أنّهم جمعوه على مجانيق فحذفوا النون ولا يجوز أن تكون المحذوفة أصلا ؛ لأن الأصليّ لا يحذف وهو ثان ولا يجوز أن تكون الميم زائدة مع أصالة النون إذ لو كان كذلك لحذفت وبقي النون ولا يجوز أن يكونا زائدين إذ ليس في الأسماء ما هو كذلك إلا ما انبنى على الفعل نحو منطلق ومستخرج.
فأمّا (إنقحل) فقيل حروفه كلّها أصول مثل : جردحل ولا يمنع ذلك كونه من معنى القحولة لما ذكرنا من نحو : سبط وسبطر ، والصحيح أنّ الهمزة والنون زائدتان وهو شاذ ولم يأت منه إلّا هذه الصفة.
وقولهم : رجل إنزهو ، وامرأة إنزهوة ، وقولهم : جنقوهم شاذ على انّه مشتقّ بحذف بعض الأصول كما تقول حولق إذا قال : لا حول ولا قوّة إلّا بالله.
مسألة : الميم في منجنون وهو الدّولاب أصل وكذلك النّون الأولى والنون الأخيرة مكررة ووزنه فعللول مثل عضر فوط ودليل ذلك قولهم : مناجين فأثبتوا النون الأولى وحذفوا الأخيرة كما حذفت الطّاء من عضافير.
مسألة : الميم في معزى أصل لقولهم ما عز ومعيز ومعز وأمعز والألف للإلحاق.
مسألة : الميم في مأجج ومهدد أصل ؛ لأنها لو كانت زائدة لأدغم المثل في المثل كما في مكر ومفر فلمّا أظهروا دلّ على أنّهم قصدوا الإلحاق بجعفر.
فإن قلت : محبب كذلك وميمه زائدة؟
قلنا : الأصل محبّ إلّا أنّه غيّر كما تغيّر الأعلام ولا يلزم مثله في مأجج ومهدد لأمرين :
أحدهما : الأصل عدم التغيير والزيادة.
والثاني : أنّ محببا ظاهر في معنى الحبّ وليس مأجج ومهدد ظاهرين في معنى أجّ وهدّ.
مسألة : الميم في معدّ أصل لقولهم تمعددوا ووزنه تفعللوا أي كونوا على أخلاق معدّ.
فإن قلت : قد جاء تمفعل ، نحو : تمدرع وتمندل وتمسكن؟
قيل : هذا شاذّ لا يقاس عليه على أنّ الجيّد فيه تندلّ وتدرّع وتسكّن.
مسألة : الميم في مرعزاء بكسر الميم والعين وإسكان الرّاء والمدّ والتخفيف زائدة.
ودليل ذلك قولهم : فيه مرعزّى بفتح الميم وإسكان الراء وكسر العين والتشديد والقصر ؛ لأن الألف فيه زائدة والزّاي مكررة فيبقى مرعز ولا نظير له إذ ليس في الكلام مثل جعفر ، وإذا ثبتت زيادتها في أحد البناءين ثبتت في الآخر كما قالوا في ترتب ولو لا ذلك لكانت الميم أصلا إذ له في الكلام نظير وهو طرمساء.
مسألة : الميم في بلعوم وحلقوم زائدة ؛ لأنّهما من البلع والحلق ويخرج على قول المازنيّ أن يكون أصلا كما قالوا في دلامص.
مسألة : اختلفوا في ميم ملك فذهب الجمهور إلى أنّها زائدة ثمّ اختلف هؤلاء في الأصل فقال أكثرهم أصلها ملأك وهو مفعل واستدلّوا على ذلك بقول الشّاعر : [الطويل]
فلست لإنسيّ ولكن لملأك
تنزّل من جوّ السماء يصوب
وبقولهم : ألكني إليها وهو أفلني ، وأصله : ألئكني ، إلّا أنّهم ألقوا حركة الهمزة على اللّام وحذفوها ويدلّ عليه قولهم : في الجمع ملائك وملائكة على وزن مفاعلة ، ولو كانت غير زائدة لكانت فعايلة الواحد فعيلة وليس كذلك.
ومنهم من قال : هو من الألوكة ، وهي الرسالة ووزنها فعولة وأصل ملك على هذا مألك ثم حذفت الهمزة.
وقيل : أصله من لاك يلوك إذا ردّد الشيء في فيه والرسالة كذلك إلّا أنّ عين الكلمة حذفت تخفيفا.
وقال قوم : الميم أصل مأخوذ من الملكة وهي القوّة وهذا بعيد ؛ لأن الجمع يبطله إذ لو إذ كان جمع فعل لا يكون مفاعل ، فإن قيل فقد جاء فيه أملاك قيل هو شاذّ على أنّه يحتمل أن يكون جمع على اللفظ لا على الأصل.
قد ذكرنا أنّ النون من حروف الزيادة لشبهها بالواو ، وقد زيدت أولا للمضارعة (1)نحو : نذهب ، وتدلّ على المتكلّم ومن معه اثنين كانوا أو جماعة وتكون للواحد العظيم ؛ لأن الآمر إذا كان مطاعا توبع على الفعل وتزاد ثانية نحو : انطلق ، وبابها أن تجيء للمطاوعة كقطعته فانقطع وأطلقته فانطلق ومعنى المطاوعة قبول المحلّ لأثر فعل الفاعل فيه فالانفعال اسم لذلك الأثر وممّا زيدت فيه ثانية عنسل للنّاقة السريعة ؛ لأنه من العسلان وهو مشي الذئب ؛ لأنه سريع ومن ذلك عنبس للأسد وهو من العبوس والأسد كريه الوجه ومن ذلك خنفقيق ؛ لأنه من الخفق ، وهو الاضطراب والقاف لام الكلمة مكررة فأمّا سنبك فقيل النون فيه زائدة وهو من السّبك ، وقيل : لطرف الحافر ذلك لصلابته كأنه سبك ، وأمّا النون في سنبل فقال ابن دريد هي زائدة وهو من السّبل والإسبال وهو من الاستطالة فكأنّ السّنبلة لسبوغها وانتشار أعلاها مسبلة كالإزار.
فصل : وقد زيدت ثانية في كنهبل ؛ لأنها لو جعلت أصلا لم يكن لها نظير في الأصول إذ ليس في الأصول مثل سفرجل ؛ ولذلك تحذفها في الجمع نحو : كهابل وكذلك النون في قرنفل والنون في شرنبث زائدة لوجهين :
أحدهما : أنّها ثالثة وقبلها حرفان وبعدها حرفان وما كان كذلك حكم بزيادتها فيه ؛ لأنه موضع تكثر فيه الزيادات كألف التكسير وياء التحقير والياء في سميدع والواو في فدوكس.
والثاني : قولهم في معناه : شرابث ومثل ذلك جحافل ويؤكد زيادتها فيه أنّه من معنى الجحفلة والجحفل ، وأمّا النّون إذا كانت زائدة ساكنة ولم تخرج الكلمة بها عن الأصول فهي أصل إلّا أن يدلّ الاشتقاق على زيادتها ، وذلك نحو : حنزقر النون فيه أصل لما ذكرنا ، وعلّة ذلك أنّ الثاني لم تكثر زيادته ككثرة زيادة الثالث ، وممّا دلّ الاشتقاق على زيادته من هذا عنسل وعنبس ، وقد ذكرا ومنه : قنفخر النون فيه زائدة لقولهم في معناه قفاخريّة والنّون في عرنتن زائدة لقولهم في معناه عرتن ومثله دودم ودوادم فالألف فيه كالنون في عرنتن ؛ لأنها سقطت
1) أي للدلالة على الفعل المضارع.
كما سقطت والنّون في العفرنى زائدة ؛ لأنها من العفر والعفريت والنّون في العرضنة زائدة ؛ لأنه من معنى الاعتراض والنون في بلهنية زائدة لقولهم عيش أبله ، وذلك أنّ البله قريب من الغفلة والعيش الواسع يغفل فيه والياء فيه أيضا زائدة ؛ لأنها لا تكون أصلا في بنات الأربعة والنّون في نرجس زائدة إذ ليس في الكلام فعلل بفتح الأول وكسر الثالث وقد يسمع فيه كسر الأوّل وهذا له نظير وهو زبرج إلّا أنّ النون فيه أيضا زائدة قد ثبتت زيادتها في اللغة الأولى فلا يجوز أن يحكم بأصالتها وزيادتها فإن قيل : ألا حكمت بأصالتها لمجيئها مع الكسر على مثال الأصول قيل لا يصحّ إذ يلزم منه على اللغة الأخرى مخالفة الأصول وليس إذا حكمنا بزيادتها مع الكسر ممّا يخالف الأصول والنون في سكران وعطشان وبابه زائدة بدليل الاشتقاق والأصول.
أمّا الاشتقاق فظاهر وأمّ الأصول فإنّه ليس في الكلام فعلال بالفتح فأمّا عثمان وعمران فتعرف زيادتها فيهما بالاشتقاق وكذلك كلّ هذا الباب وكذلك المصادر نحو الغليان والشّنآن والنون في جندب زائدة على قول سيبويه لوجهين :
أحدهما : الاشتقاق ؛ لأنه من الجدب لصولة الجندب.
والثاني : عدم النّظير.
وعلى قول الأخفش هي زائدة للاشتقاق وحده.
وأمّا (قنبر) فكذلك ؛ لأنّهم قالوا قبّرة بغير نون ولعدم النظير أيضا.
وأمّا (عرند) بضمّ العين والرّاء وسكون النون فنونه زائدة لعدم النظير ولقولهم : عردّ جاء ذلك في الرجز والنّون في كنثأو وسندأو وقندأو زائدة أيضا والأصول الكاف والثاء والهمزة والسين والدال والهمزة والقاف والدال والهمزة والدليل على ذلك كثرة ما جاء من النّون في نظائره زائدة والواو لا تكون مع ثلاثة أصول أصلا ، ويحقّق ذلك عندي أنّا لو جعلنا النون أصلا لكانت الهمزة إمّا أصلا فيكون الوزن فعللو ولا نظير له وإمّا أن تكون زائدة وهو بعيد ؛ لأن زيادة النّون أسهل من زيادة الهمزة حشوا ولا يصحّ أن يجعل الجميع أصلا لعدم النظير.
والنون في (عنصر وعنصل) زائدة لعدم النظير ولأنّه من العصر والعصل وهو الاعوجاج ، ومن ضمّ الضاد حكم بالزيادة أيضا لثبوت الزيادة في المثال الآخر والاشتقاق والنّون في رعشن وضيفن وخلبن وخلفنة زائدة للاشتقاق ، وقد زيدت النون علامة للرفع في الأمثلة الخمسة لعلّة ذكرناها في باب الأفعال من هذا الكتاب.
فإن قيل : فقد ذكرتم أشياء من الألفاظ الأعجمية وحكمتم على بعض حروفها بالزيادة مثل نرجس ومن أين يعلم ذلك وهي كالحروف في جمودها.
قيل : لمّا تكلمت بها العرب وصرّفوها في الجمع والتصغير وغيرهما أجروها مجرى العربيّ ومن هنا حكمنا على ألف لجام وواو نيروز وياء إبراهيم بالزّيادة لقولهم : لجم ونواريز وأبارهة أو براهمة.
وأمّا النون في جنعدل فزائدة لعدم النظير في قول من ضمّ الجيم وفتح الدال. والأكثرون على فتحهما وجعل النون أصلا وأمّا (جندل) بفتح الجيم والنون وكسر الدال فالنون فيه زائدة لعدم النظير.
وأمّ النون في (نهشل) فاصل ؛ لأنه من نهشلت المرأة إذا أسنّت.
وأمّا (نهصر) فقيل هي أصل كجعفر ، وقيل : هي زائدة ؛ لأنه من معنى الهصر.
وأمّا النّون في (عنتر) فأصل عند البصريين ؛ لأن له نظيرا وهو جعفر ولم يقم دليل على الزّيادة من طريق الاشتقاق وقال غيرهم هي زائدة ؛ لأنه مشتقّ من العتر وهي الشّدة يقال عتر الرمح إذا اشتدّ وعتر أيضا اضطرب ويجوز أن يكون من عتر إذا ذبح ومنه العتيرة.
وقد زيدت التاء أوّلا في المضارع (1)للخطاب نحو : أنت تقوم ، وأنت تقومين ، وأنتما تقومان ، في خطاب مذكّر ومؤنّث تغليبا وللتأنيث هي تقوم وهما تقومان وأنتما تقومان للمؤنثين ، فأمّا هنّ يقمن فاستغني عن علامة التأنيث في الأوّل لدلالة الضمير عليه ، وأمّا هما يقومان لمذكّر ومؤنّث فبالياء تغليبا فأمّا أنتنّ تقمن فللخطاب لا غير.
وقد زيدت التّاء أوّلا في الأسماء نحو : ترتب ، وفيه ثلاث لغات : فتح التّاء الأولى وضمّ الثّانية وضمّ التاء الأولى وفتح الثّانية وضمّهما فيلزم مثل ذلك في الثالثة والثاني أنّه الشيء الرّاتب فاشتقاقه من رتب أي ثبت واطّرد.
والتّاء في تنضب زائدة لأمرين :
أحدهما : عدم النّظير إذ ليس في الكلام فعلل بفتح الفاء وضمّ اللّام.
والثاني : أنّ تنضبا شجر طويل دقيق الأغصان فهو من معنى نضوب الماء كأنّ الماء بعد عنه ومثله الشوط وهو شجر يشبهه كأنّ الماء شحط عنه.
وأمّا (تتفل) ففيه ثلاث لغات : ضمّ التّاء والفاء ، وفتح التّاء وضمّ الفاء ، وعكس ذلك.
والتّاء الأولى زائدة لأمرين :
أحدهما : زيادتها واجبة في اللّغة الوسطى لعدم النّظير وكذلك على اللغة الأخيرة في قول سيبويه وتلزم زيادتها على اللغة الأولى وهكذا إن دخلت عليه تاء التّأنيث لوجوب زيادتها قبلها.
والثاني : أنّه قريب من معنى التّفل وهو البصق ؛ لأن ولد الثعلب وهو التّتفل يجري في مشيه بسهولة كرقّة البصاق أو كأنّه يقذف جريه كقذفه البصاق.
وأمّا التّاء في (تنبال) ففيها وجهان :
أحدهما : هي أصل والنون زائدة ؛ لأنه القصير وهو من التّبل الذي هو القطع إذ القصير قطعة من الطّويل.
1) للدلالة على المضارعة.
والثاني : عكس ذلك واشتقاقه من النّبل ؛ لأنه قصير مثله.
وأمّا التصدير فتاؤه زائدة ؛ لأنه من الصّدر.
فأمّا التّاء الأولى من تربوت فأصل لأمرين :
أحدهما : أنّ الأخيرة زائدة فلو زيدت الأخرى لم يبق ثلاثة أحرف أصول.
والثاني : أنّه من معنى التّراب فكأنّ الناقة المذلّلة كالتراب في السّهولة ، وقد أبدلت التّاء وإلا فقالوا : ناقة دربوت أي مدرّبة ويجوز أن يكون ذلك أصلا آخر.
وأمّا التّاء في (تولج) فبدل من الواو.
وأمّا التّاء في (الرّهبوت) وبابه فزائدة بدليل الاشتقاق وعدم النّظير.
وكذلك التّاء في (عنكبوت) لقولهم : عناكب.
وأمّا التّاء في (تدرأ) فزائدة لعدم النظير والاشتقاق ؛ لأنه من الدّرء.
وأمّا التاء في (سنبتة) وهي القطعة من الدّهر فزائدة لقولهم في معناها : سنبة.
وقد اطّردت زيادة التّاء في الفعل للمعاني نحو : تفعّل وتفاعل وافتعل ، وفي مصادرها وفي مصدر فعّل نحو : قطّع تقطيعا فزيادة التّاء والياء عوض من تشديد العين في الفعل ليدلّ على التكثير والتوكيد ، وأمّا التّاء في الطّاغوت فهي زائدة ، وأمّا الكلام على ألفها ووزنها فيأتي في البدل إن شاء الله تعالى.
قد زيدت تاء التأنيث آخرا في الفعل نحو : ذهبت وهي ساكنة أبدا والغرض منها الدّلالة على تأنيث الفاعل على ما نبيّنه في بابه ، وفي الاسم نحو : قائمة وشجرة ، وفي بعض الحروف نحو : ربّت وثمّت أرادوا تأنيث الكلمة ويوقف عليها هاء ، ومنهم من يقف على التّاء حملا على الفعل إذ لم يدلّ على تأنيث في المعنى.
وأمّا (لات) كقوله تعالى : (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) [ص : 3] فهي لا زيدت عليها التّاء وعملت عمل ليس ، وقد استوفيت ذلك في إعراب القرآن.
وقد زيدت مع الألف في جمع المؤنّث نحو : مسلمات ، وقد ذكر في صدر الكتاب ، وأمّا إبدال التّاء هاء فيذكر في حرف الهاء.
قد ذكرنا شبه الهاء بالألف في خفائها وقربها من مخرجها ، إلّا أنّها في الجملة تقلّ زيادتها بحسب بعدها من حروف اللّين ، وقد زيدت أوّلا وحشوا وآخرا.
فمن الأوّل هركولة على قول الخليل ؛ لأنه أخذه من الركل ؛ لأنه رأى أنّ الهركولة المرأة العظيمة الأوراك فهي تركل في مشيها أي ترفع وتضع بشدة وقال غيره : هو أصل ، واحتجّ بأنّ الأصل عدم زيادتها وهذا البناء يمكن أن تكون فيه أصلا وإن كان في معنى الثّلاثي كما أنّ سبطا وسبطرا بمعنى.
ومن ذلك : (هبلع) أخذ من البلع ؛ لأنه الرجل الكثير البلع وهجرع الكثير الجرع فزيادة الهاء تنبّه على المبالغة في هذين المعنيين وقال قوم : هما أصلان. وقد زيدت ثانية في أهراق ؛ لأن أصل الكلمة من راق يريق والدليل عليه قولهم : تريّق الماء تردّده على وجه الأرض وهو من الياء إذ لو كان من الواو لقالوا تروّق الماء تردّده وقال قوم هو من الواو من راق يروق إذا ضفا وهو لازم فإذا أردت تعديته زدت عليه الهمزة فقلت : أرقته مثل بات وأبتّه فإذا قالوا : أهرقته فقد زادوا الهاء ، ومنهم من يقول : هرقت الماء فالهاء هنا بدل من الهمزة ، فإذا بنيت منه اسم فاعل قلت على الأوّل فهو مهريق والمفعول مهراق فالهمزة محذوفة والهاء تحرّكت كما كانت في الفعل ، ونظيره من الصحيح : أكرم إذا زدت عليه الهاء قلت : أهكرم فهو مهكرم والأصل مؤهكرم فأمّا من أبدل الهمزة هاء فقال هراق فاسم الفاعل مهريق وأصله مثل مؤريق ثم نقلت حركة الياء إلى الرّاء وسكّنت الهاء فهو مثل مقيم في الأصل من أقام إذ لو جعلت مكان الهمزة هاء فقلت : مهقيم فأثبت الهاء ولم تحذفها كما حذفت الهمزة ؛ لأن العلّة في حذف الهمزة ما نذكره في الحذف ، وذلك مخصوص بها دون بدلها.
وقد زيدت الهاء في أمّهات والأصل أمّ على فعل ؛ ولذلك قلت : أمّ بيّنة الأمومة وأمّ كلّ شيئ أصله ومنه قيل لمكّة : أمّ القرى ، ورئيس القوم : أمّهم وزيادة الهاء في أمّهات الناس للفرق بينها وبين أمّات البهائم ، وقد جاء بغير هاء في الناس فقال : [المتقارب]
فرجت الظّلام بأمّاتكا
ومنهم من يقول : أمّهات البهائم وهو قليل كقلّة أمّات الناس ، وقال قوم الهاء في أمهات أصل وهو بعيد لوجهين :
أحدهما : أنّ الواحد لا هاء فيه وهو الأصل.
والثاني : أنّ الأصل الذي يوجد منه على القول بأصالة الهاء هو الأمه وهو النّسيان ولا معنى له ههنا.
وقد زيدت الهاء آخرا للسكت ومعنى ذلك أن يكون الحرف الأخير خفيّا فيبيّن بالوقف بالهاء نحو كتابيه وحسابيه أو تكون حركة الحرف دالّة على حرف محذوف نحو : (لم وبم) فإنّ فتحة الميم تدلّ على الألف المحذوفة فلو وقفت عليها وسكّنت لم يبق على المحذوف دليل وإن حرّكت لتدلّ وقفت على الحركة فزادوا الهاء لتبقى الحركة ويكون الوقف على الساكن وإنّما اختاروا الهاء لضعفها وخفائها وبذلك أشبهت حروف المدّ.
ومن ذلك : (اغز وارم واسع واخش) إذا وقفت عليها ألحقتها الهاء ويجوز أن تقف بغير هاء في ذلك وهو الأصل فأمّا ما حذفت فاؤه ولامه في الأمر من وقى ووفى فأكثرهم يقف عليه بالهاء نحو : قه وفه وعه تقوية للكلمة إذ بقيت على حرف واحد ولاستحالة تسكينها إذ كانت مبدوءا بها موقوفا عليها ، ومنهم من يجوّز ترك الزّيادة ويقف على الحركة فأمّا إن كانت الحركة حركة إعراب لم يوقف عليها بالهاء كضرب ويرمي وإن كان السكون إعرابا فكذلك نحو لم يضرب ولم يرم ولم يغز.
وأجاز قوم في المجزوم المعتلّ الوقف على الهاء نحو : إن تف أفه وإن ترم أرمه تشبيها له بالمبنيّ.
وممّا يوقف عليه بالهاء والنون بعد الواو والياء نحو : مسلمونه ومسلمينه وتتفكّرونه ؛ لأن حركتها حركة بناء بعد حرف ساكن فكرهوا أن يقفوا على السّاكن بعد السّاكن ؛ ولذلك أجازوا كيفه ؛ لأن حركة هذه الحروف كلّها حركة بناء بعد حرف ساكن.
وقد زيدت في الاستفعال وما تصرّف منه بمعنى الطّلب (1)نحو : استسقى الماء ، أي : طلب أن يسقاه ، وقد جاء استفعل بمعنى فعل نحو : استقرّ بمعنى قرّ ، وقد زيدت عوضا في اسطاع ، وفي هذه الكلمة أربع لغات : أطاع وأسطاع بقطع الهمزة ، واسطاع بوصلها ، واستطاع بالتّاء ، ولغة خامسة استاع.
فأما : (أطاع) فمثل (أقام) فالألف بدل من الواو لما نذكره في البدل.
وأمّا : (اسطاع) بوصل الهمزة فأصله استطاع فحذفت التاء لمجانستها الطّاء كما يحذف أحد المثلين.
وأمّا : (أسطاع) بقطع الهمزة وفتحها فالسّين فيه بدل من حركة لفظ حركة الواو ، وذلك أنّ أصله أطوع فنقلت حركة الواو إلى الطّاء على ما يوجبه القياس ثم أبدلت السّين ممّا ذكرنا والدليل على ذلك من وجهين :
أحدهما : أنّ همزة أسطاع مفتوحة مقطوعة مثل همزة أطاع.
والثاني : أنّ حرف المضارعة فيه مضموم مثل يطيع ولو كانت سين استفعل لم يكن كذلك وقال المبرّد هذا غلط ؛ لأن حركة الواو قد نقلت إلى الطّاء فهي موجودة فكيف تصحّ دعوى البدل منها من موجود.
فالجواب عمّا قال من وجهين :
أحدهما : أنّ الواو لمّا سكّنت قلبت ألفا وتعرّضت للحذف في الجزم ولو كانت الحركة باقية في حكم الموجود لم يكن كذلك.
والثاني : أنّ السين بدل من الحركة الكائنة في الواو ونقلها إلى غيرها لا يخرجها عن استحقاق الحركة وأنّها ليست موجودة فيها ، وقد زيدت السّين في بعض اللّغات بعد كاف المؤنث نحو : رأيتكس ومررت بكس وبعضهم يزيد الشين وهو شاذّ.
1) وهي في هذه الحالة تزاد مع الألف والسين.
اعلم أنّ زيادتها بعيدة في القياس ؛ لبعدها من حروف المدّ وإنّما زيدت في حروف قليلة قالوا في زيد : زيدل ، وفي عبد : عبدل ، وقالوا في الأفحج : فحجل ، وقالوا في أولئك : أولالك ، وهذا شاذ فأمّا اللّام في ذلك فزائدة لبعد المشار إليه ، وقيل : هي بدل من ها التي للتّنبيه وكذلك هي زائدة في تلك ، وقد زيدت للتّعريف على ما ذكرنا في باب المعرفة والنّكرة.
فصل : كلّ حرف مشدّد في أصل ثلاثيّ فالثاني : منهما زائد ، وقد تكرّر حرفان الفاء والعين نحو مرمريس ومرمريت ولا نظير لهما ووزنه فعفعيل.
فأمّا : (دردبيس) فلا تكرير فيه ؛ لأن الدّال الثانية لم تتكرر معها الراء فوزنه فعلليل.
وأمّا : (ددن وددى ودد) فلا يقال الفاء مكررة بل فاؤه وعينه من موضع واحد ، وقد يفصل بين المثلين في مثل ذلك نحو : كوكب.
فأمّا : (أوّل) ففاؤه وعينه واوان وله موضع يذكر.
فصل : الأصل أن تكون الزيادة أخيرا ؛ لأنه موضع الحاجة إليها إذ البدأة بالاصول ممكنة وإنّما يقترض بعد إنفاق الحاصل إلّا أنّه قد زيد أوّلا وحشوا على حسب المعنى.
اعلم أنّ القصد من الإلحاق أن تزيد على بناء حتّى يصير مساويا لبناء أصل أكثر منه ، وهذا يوجب أن يزاد على الاسم الثّلاثيّ حتّى يصير رباعيا وخماسيا فقد تلحقه زيادتان ؛ لأن أكثر أصول الأسماء خمسة فأمّا الفعل فيزاد على الثّلاثي واحد فيلحق بالرّباعي ؛ لأن الفعل لا خماسيّ فيه.
واعلم أنّ حرف الإلحاق لا يكون أوّلا ؛ لأن الزيادة أوّلا تكون لمعنى إذ حقّ المعنى أن يدلّ عليه من أوّل الكلمة ليستقرّ المعنى في النفس من أوّلها فقد يكون حرف الإلحاق حشوا وآخرا.
واعلم أنّ الإلحاق إذا كان آخرا جاز أن يكون بالحروف كلّها إذا كان الملحق من جنس اللّام.
وأمّا الإلحاق إذا كان حشوا فيكون بالياء والواو والنّون فمثال الواو ثانية جوهر ملحق بجعفر فالواو بإزاء العين والياء ثانية مثل خيفق ومثالهما ثالثة جدول فالواو بمنزلة الفاء من جعفر وعثير فالياء بإزاء الهاء من درهم.
وأمّا الألف فلا تكون للإلحاق حشوا ؛ لأن ما فيها من المدّ يخرجها عن مساواة حروف الأصل من غيره ويؤيّد ذلك أنّها لا تكون أصلا في الأسماء المتمكّنة والأفعال فلا يقابل بها أصل ، وأمّا زيادتها أخيرا للإلحاق فجائز.
فصل : ويستدلّ على الألف إذا كانت أخيرا أنّها للإلحاق بثلاثة أشياء :
أحدها : أن لا تكون منقلبة عن أصل وأن تنوّن فالشرّط الأوّل يدلّ على أنّها إن كانت منقلبة عن أصل لم تكن زائدة ومن شرط حرف الإلحاق أن يكون زائدا ، وأمّا التنوين فيدلّ على أنّها ليست للتأنيث.
والثاني : أن تكون على بناء غير مختصّ بالتأنيث فحبلى ونحوه من فعلى لا يكون إلّا للتأنيث ومن هنا كانت ألف بهمى للتأنيث والألف في بهماة زائدة للتكثير وعلى قول الأخفش تكون للإلحاق بجخدب.
والثالث : أن تنقلب الألف في التصغير ياء كما تنقلب المنقلبة إلى الياء نحو معزى وتصغيرها مغيز ، وأمّا الهمزة في علباء فمبدلة من ألف مبدلة من ياء زائدة للإلحاق بسرداح ؛ ولذلك تقول في تصغيرها عليبيّ فتقلب ألف المدّ ياء لانكسار ما قبلها وتعيد اللّام إلى أصلها ، وقد جاءت ألفاظ تكون الألف في آخرها للإلحاق في لغة وللتأنيث في أخرى نحو ذفرى وتترى فمما جاء على الإلحاق.
معنى البدل (1): إقامة حرف مقام حرف آخر والغرض منه التخفيف وموضع البدل موضع المبدل منه بخلاف العوض فإنّه في غير موضع المعوّض منه كتعويضهم تاء التأنيث في عدّة وزنة من فاء الكلمة التي هي واو وكالهمزة في اسم فإنّها عوّضت من لام الكلمة التي هي واو فإن قيل : لم فرّقوا بين العوض والبدل فيما ذكرت البدل في اللغة من جنس المبدل منه يقام مقامه والعوض جزاء الشّيء ، وقد يكون من غير جنسه ألا ترى أنّ الثّواب والعقاب على الفعل تسمّى عوضا ويقال عوّضه الله من ولده مالا أو علما.
فصل : والبدل على ضربين مقيس وغير مقيس.
فغير المقيس كإبدالهم الياء من الباء في الأرانب فقد قالوا : الأراني وإبدال من السين في سادس فإنهم قالوا : سادي.
وأمّا المقيس فضربان أيضا : لازم مطّرد ولازم غير مطّرد.
فالأوّل : ما أبدل لعلّة ؛ فإنّه لازم حيث وجدت العلّة ما لم يمنع منه مانع كإبدال الواو والياء ألفا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما.
واللازم غير المطّرد نحو : إبدال الياء من الواو في أعياد.
وأمّا ما ليس بلازم ولا مطّرد فهو الجائز ، كإبدالهم الواو همزة في وشاح ووعاء فإنّه جائز غير مطّرد ألا ترى أنهم إذا علّلوا الإبدال بكسر الواو بطل عليهم ب (ورد وقر) وغير ذلك ممّا لا يجوز فيه الإبدال مع وجود العلّة وعدم المانع.
وهي أحد عشر منها ثمانية من حروف الزّيادة تسقط منها السين واللام ، ويزاد عليها ثلاثة من غيرها وهي الدّال والطاء والجيم وسيأتي ذلك حرفا فحرفا إن شاء الله تعالى.
1) الإبدال إزالة حرف ، ووضع آخر مكانه. فهو يشبه الإعلال من حيث أنّ كلّا منهما تغيير في الموضع إلا أنّ الإعلال خاصّ بأحرف العلّة ، فيقلب أحدها إلى الآخر ، كما سبق. وأما الإبدال ، فيكون في الحروف الصحيحة ، بجعل أحدهما مكان الآخر ، وفي الأحرف العليلة ، بجعل مكان حرف العلّة حرفا صحيحا.
وقد أبدلت الهمزة من خمسة أحرف من الألف والواو والياء والهاء والعين إبدالها من الألف.
مسألة : إذا وقعت ألف التأنيث بعد ألف المدّ قلبت همزة البتة كقولك : صحراء وحمراء ؛ لأن الألفين التقتا ومحال اجتماعهما وحذف الأولى وتحريكها يخلّ انقلبت المدّ وحذف ألف التأنيث يخلّ بالتأنيث فتعين تحريكها ، وإذا حرّكت انقلبت همزة لقرب مخرج الهمزة منها ولا يقال إنّ الهمزة علامة للتأنيث في الأصل ؛ لأنها لو كانت كذلك لجاءت للتأنيث من غير علّة توجب التغيير كما جاءت الألف والياء.
مسألة : إذا وقعت الألف قبل الحرف المشدّد نحو دابّة وابياضّ فمن العرب من يبدلها همزة ، وقد قاس ذلك النحويون ، ومنهم من لم يقسه ، وقال المبرّد للمازنيّ : أتقيسه؟ قال : لا ، ولا أقبله ومعنى ذلك أنّه يستعفه لا أنّه يردّ الرواية به ؛ لأنها صحيحة فاشية وعلّة القلب ؛ لأن الألف ساكنة وبعدها حرف ساكن فحرّكت الألف كراهية لاجتماع الساكنين وانقلبت همزة لما تقدّم وإنّما ضعف هذا في القياس وقلّ في السّماع أنّ الألف لامتداد صوتها كأنّها متحرّكة فلا جمع إذن بين ساكنين.
مسألة : حكى سيبويه عن بعض العرب أنّه يقلب ألف التأنيث في الوقف همزة فيقول هذه حبلا فكأنّه أراد أن يقف على السّاكن المتحرك في الوصل فعدل إلى ما يتصوّر فيه ذلك وهي الهمزة لقربها منها وحصل بذلك الفرق بين الوقف والوصل وكذلك أبدل من ألف التنوين همزة كقولك : رأيت رجلا وكذلك في قولك : هو يضربها فإذا وصل أعاده إلى الأصل.
مسألة : في قول الراجز :
من أيّ يوميك من الموت تفر
أيوم لم يقدر أم يوم قدر
بفتح الراء ، ففيه للنّحويين ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّه حرّك السّاكن للضّرورة.
والثاني : أنّه أراد النون الخفيفة فأبدل منها ألفا ثم حذفها للوصل وهذا ضعيف ؛ لأن ذلك يكون لأجل الساكن بعدها.
والثالث : وقال أبو الفتح قدّر الراء متحركة بحركة الهمزة المجاورة لها كما همزا الواو السّاكنة لانضمام ما قبلها نحو : لمؤقدان ومؤسى ثم همزة الألف لسكونها وسكون الميم بعدها قلت ولو قيل : إنه ألقى حركة الهمزة على الراء وأبدلها ألفا ثم عمل ما ذكر كان أوجه ؛ لأنه أقلّ عملا. والسّؤق ثم أبدل من الهمزة ألفا كما قال في المرأة مراة وفي الكمأة كماة.
مسألة : الهمزة في قول الشّاعر : [الرجز]
بالخير خيرات وإن شرّافا
ولا أريد الشرّ إلّا أن تا
وأصلها ألف ويريد فشرّ فلمّا ذكر الفاء وحدها أشبعها فنشأت الألف فأضاف إليها ألفا أخرى وحرّكها كالأولى لالتقاء السّاكنين ، ومنهم من يرويه فا بألف واحدة.
وذلك على ضربين : جائز ولازم ، فالجائز أن تنضمّ الواو ضمّا لازما أوّلا كانت أو وسطا ؛ فإنّه يجوز قلبها همزة كقولك : في وعد أعد وفي وجوه أجوه وفي أثوب أثؤب إنّما كان كذلك ؛ لأن الواو مقدّرة بضمّتين فإذا انضمّت ضمّا لازما فكأنّه اجتمع ثلاث ضمّات وكلّ واحد منها مستثقل فهرب منها إلى ما لا يقدّر بضمتين وهو الهمزة وكانت أولى من الياء ؛ لأنها مقدّرة بكسرتين فضمّها مستثقل ولأنّ الهمزة نظيرة الواو في المخرج ؛ لأن الهمزة من أقصى الحلق والواو من آخر الفم فهي محاذّتها ، فإن قيل فهلّا كان قلبها لازما قيل لوجهين :
أحدهما : أنّ الضمّة في الواو مجانسة لطبيعتها وإن كان مستثقلا.
والثاني : أنّ الأصل في الإبدال اللازم أن يكون لعلّة ملازمة ولم يوجد.
فصل : فإن كانت الواو مكسورة نحو وعاء وسادة فقد همزها قوم ووجهه أنّ طبيعة الواو الضمّ فكسرها مخالف لطبيعتها فكأنّ الواو خالطتها الياء ، وذلك شاقّ على اللسان فعدل عنها إلى الهمزة لما ذكرنا في المضمومة.
فصل : فإن كانت مفتوحة لم تقلب همزة إلّا أن ينقل ذلك لخفّة الفتحة وأنّ الواو المفتوحة أخفّ من الهمزة ، وقد جاء قلبها همزة في ثلاثة مواضع وهي أحد في وحد كقوله تعالى : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) [الإخلاص : 1] ؛ لأنه من الوحدة فأمّا أحد المستعمل للعموم كقولك : ما جاءني من أحد فهي أصل إذ ليس معناها واحدا ومن ذلك امرأة أناة وأصلها وناة ؛ لأنها المتثنيّة في مشيتها فهي مشتقّة من الونية والتّواني ، ومن ذلك قولهم : أسماء اسم امرأة واصلها وسماء من الوسامة وهو الحسن وهذا لا يقاس عليه.
فصل : إذا وقعت الواو عينا في فاعل نحو قائل وجائر قلبت همزة وفيه أسولة :
أحدها : لم قلبت؟ والجواب : أنّها لمّا اعتلّت في قال وجار اعتلّت في قائل ؛ لأنه من فروع فعل والقلب هنا يعرف من علّة القلب في الفعل ؛ لأن الواو هنا متحرّكة وقبلها فتحة القاف والحاجز بينهما غير حصين ولأنّ الألف لاستطالتها كالحرف المفتوح وكان قياس ذلك أن تقلب ألفا إلّا أنّ قبلها ألفا فلم يجمع بين ساكنين.
والسؤال الثاني : لم قلبت همزة؟ ففيه وجهان :
أحدهما : أن القياس أن تقلب ألفا فلمّا تعذّر ذلك قلبت إلى أخت الألف.
والثاني : أنّها لو قلبت ياء لكان حكمها حكم الواو في وجوب إعلالها فقلبوها حرفا لا يجب إعلاله مع مشابهته حروف العلّة.
فصل : إذا وقعت الواو طرفا بعد ألف زائدة أصلا كانت أو زائدة قلبت ألفا ثمّ قلبت الألف همزة نحو : كساء.
فإن قيل : لم أبدلت؟ قيل : لأنها تطرّفت وتحرّكت والواو المتحرّكة مستثقلة والطرف ضعيف فلذلك قلبت وقبلها ساكن ألا ترى أنّها صّحت في : (شقاوة) و (عبايه) لمّا لم يتطرّفا فإن قيل : فقد أبدلها ههنا بعض العرب همزة فقالوا عباءة وصلاءة قيل هي لغة ضعيفة.
والوجه فيها : أنّه أدخل الهاء بعد القلب فلم يعدها إلى أصلها إذ كان حرف التانيث زائدا والتأنيث فرع فلم يتغيّر بهما الاصل فإن قيل : فلم أبدلت ألفا ثمّ همزة قيل هو اشبه بالقياس ؛ لأن حكم الواو إذا تحرّكت وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ، وقد بيّنّا أن قبلها فتحة أو كالفتحة فلمّا صارت ألفا حرّكت فانقلبت همزة لئلا يحذف أحد السّاكنين وكلّ منهما يجب أن يراعى.
فصل : إذا اجتمع واوان في أوّل الكلمة أبدلت الأولى منهما همزة نحو الأولى وجمع واصل. وتصغيره أواصل وأويصل وإنّما كان كذلك ؛ لأن الواو مستثقلة لكونها خارجة من عضوين وهي مقدّرة بضمّتين فالواوان في تقدير أربع ضمّات ثم هما من جنس واحد والنّطق بالحرف بعد حرف مثله شاقّ على اللسان حتى أوجب ذلك الإدغام إذا أمكن وهنا لا يمكن ؛ لأن المدغم الأوّل يجب أن يكون ساكنا والأوّل لا يمكن إسكانه فعند ذلك هرب إلى حرف آخر وهو الهمزة لما ذكرنا من قبل.
فصل : وأمّا إبدالها من الياء فقد جاء شاذّا في أيد قالوا قطع الله أده وأديه وأبدلت من الياء إذا وقعت عين فاعل نحو بائع وسائر ومن الياء لاما نحو قضاء ورداء والعلّة في ذلك كلّه ما تقدّم قبل.
وقد أبدلت من الياء الزائدة للإلحاق في نحو علباء وحرباء. فإن قيل : من أين أعلم أنّ أصلها ياء لا واو ، قيل لوجهين :
أحدهما : أنّهم لمّا ألحقوا الهاء هذا الحرف أظهروا الياء فقالوا درحاية ودعكاية ولم يأت فيه الواو.
والثاني : أنّهم لمّا ارادوا الإلحاق زادوا أخفّ الحرفين وهو الياء فإنّها أخفّ من الواو.
مسألة : فإن سمّيت رجلا ب (صحراء) ونسبت إليه قلت : صحراويّ فأبدلت الهمزة واوا فإن رخّمته بعد النّسب على من قال يا حار ، قلت : يا صحراء فأبدلت الواو همزة فهذه الهمزة مبدلة من واو مبدلة من همزة مبدلة من ألف.
فصل : وأمّا إبدال الهمزة من الهاء فقد جاء ذلك في حروف ليست بالكثيرة والوجه في إبدالها أنّ مخرجيهما متقاربان إلّا أنّ الهاء خفيّة والهمزة أبين منها فأبدل الخفيّ من البيّن فمن ذلك ماء والأصل فيه موه لقولك في جمعه أمواه ومياه وماهت الركيّة تموه فقد رأيت لام الكلمة كيف ظهرت هاء في التّصريف فأبدلوها همزة والواو ألفا ، وقد جاءت في الجمع أمواء على الشّذوذ.
ومن ذلك (آل) والأصل أهل فأبدلت الهاء همزة ثم أبدلت الهمزة ألفا لاجتماع الهمزتين وسكون الثانية وانفتاح الأولى مثل آدم وآخر.
فإن قيل : لم قلت : إنّها أبدلت همزة ثمّ ألفا دون أن تقول : أبدلت ألفا من الابتداء؟
قيل : لوجهين :
أحدهما : أنّها لم نجدهم أبدلوا الهاء ألفا في غير هذا.
والثاني : أنّها لو كانت بدلا من الهاء كان استعمال الاصل والبدل بمعنى واحد كما في وجوه وأجوه وليس كذلك وإنّما خصّوا البدل ببعض المواضع فيقال آل الملك يريدون أشراف قومه ولم يقولوا آل الخياط وآل الإسكاف وهذا حكم فرع الفرع ألا ترى أنّ التّاء في القسم لمّا كانت بدلا عن بدل خصّوها بأفضل الأسماء فقالوا : تالله ، ولم يقولوا : تربّك ولا غير ذلك.
قد جاء ذلك في بعض الاستعمال فالوجه فيه أنّ الهمزة والعين متجاورتان في المنخرج فمن ذلك قولهم في عباب : أباب ويجوز أن تكون الهمزة أصلا من قولهم : أبّ للشيء إذا تهيّأ له وعباب البحر معظمه ومعنى التهيؤ موجود فيه وقالوا عفرّة الحرّ وأفرّته والهمزة بدل من العين ويجوز أن تكون أصلا من قولهم : أفر يأفر أفرا إذا إدا وأصل الكلمة من الشدّة والمعنيان يجتمعان فيها ويؤنّس بإبدال العين همزة إبدال الهمزة عينا في مثل قول الشّاعر : [الطويل]
أعن ترسّمت من خرقاء منزلة
ماء الصّبابة من عينيك مسجوم
والوجه فيه أنّ العين تقرب من مخرج الهمزة وهي أبين من الهمزة ففرّوا إليها خصوصا عند اجتماع الهمزتين.
وقد أبدلت من حروف عدّة (1)
فإن اعتلّت لامه جمعته على مثال (فعالى) كزاوية وزوايا ، وراوية وروايا.
(وزوايا ونحوها جاءت على مثال «فعالى» من حيث الحركات والسكنات وهي في الأصل على مثال «فواعل» لأن اصلها «زوايي» ، بياءين ، اولاهما مكسورة. قلبوا كسرتها فتحة ، ثم قلبوا الياء الثانية ألفا ، لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فاصرت إلى «زوايا» وإنما كان اصلها «فواعل» ، لأن واوها اصلها ألف «فاعلة» ، كما في «كاتبة وكواتب» واما واو «زاوية» ، فقد انقلبت إلى الياء في «زوايا»).
فمن ذلك الواو والياء إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما قلبا ألفين عينين كانتا أو لامين ، وقد خرج عن هذا الأصل أشياء لم تقلب فيها لعلل نذكرها إن شاء الله تعالى ، وإنّما كان الأصل القلب ؛ لأن كلّ واحدة من الواو والياء مقدّرة بحركتين لما ذكر في غير هذا الموضع فإذا انضمّ إلى ذلك حركتها وحركة ما قبلها اجتمع في التقدير أربع حركات متواليات في كلمة ، وذلك مستثقل ، وقد تجنّبوا ما هو دونه في الثّقل كاجتماع المثلين نحو : مدّ وشدّ ، وأصله مدد وشدد فأدغموا فرارا من ثقل التّضعيف ، وقيل : إنّ الياء والواو إذا تحركتا صارت كلّ واحدة منهما بمنزلة حرف مدّ وبعض حرف مدّ آخر أو بمنزلة حرفي مدّ قالوا والمفتوحة كواو وألف والمكسورة كواو وياء والمضمومة كواوين وهكذا حكم الياء واجتماع حروف المدّ يستثقل النّطق به فلذلك قلبوهما إلى الألف.فإن قيل : لم شرطوا انفتاح ما قبلهما ولم قلبوهما ألفا دون غيره؟
قيل : إنّما كان كذلك ؛ لأن الغرض قلبهما إلى حرف يمتنع تحريكه وليس إلا الألف إذ لو كان القلب إلى حرف متحرّك لكان القلب عبثا والألف لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحا ويترتّب على هذا مسائل.
مسألة : لا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون الحرفان عينين أو لامين مثل : باب ودار ، وناب وعاب ، والعصا والرّحى.
فإن قيل : إذا كانت الواو والياء لاما كانت حركتها عارضة فلم قلبتا؟
1) إذا توّسطت الف ما جمع على مثال (مفاعل) بين حرفي على في اسم صحيح الآخر ، ابدل ثانيهما همزة كأوّل وأوائل ، وسيّد وسيائد ، ونيّف ويائف. والأصل (أو اول وسياود ونياوف) فإن توسطت بينهما الف (مفاعيل) امتنع الإبدال كطاووس وطواويس.
قيل : حركة الإعراب لازمة وإنّما تحذف في الوقف وهو عارض والأصل الوصل فأمّا الحركة العارضة على التحقيق فلا يقلب الحرف لها كقولك : (ولو انّهم) في لو أنّهم. (ولا تنسوا الفلل الفضل بينكم) و (لترونّها). (فَإِمَّا تَرَيِنَّ).
مسألة : إذا تحرّكت الواو والياء وانكسر ما قبلهما أو انضمّ نحو : عوض وسور لم تنقلبا ؛ لأن شرط انقلابها قد فقد وهو انفتاح ما قبلهما لينقلبا ألفا غذ لا فائدة في انقلابهما إلى الياء والواو المجانسين لحركة ما قبلهما ولأنّ القلب يفضي بهما إلى مثلهما.
مسألة : إنّما صحّت الواو والياء في الغليان والنّزوان لوجهين :
أحدهما : أنّ ذلك يفضي إلى حذف إحدى الألفين لاجتماعهما فيبقى اللفظ النزان والغلان فيلتبس بما نونه أصل كالأمان والضّمان وكذلك الصّميان.
والثاني : أنّ هذا البناء لا يشبه أبنية الفعل والتّغيير بابه الأفعال فما لا يشبهه يخرج على الأصل ، وأمّا الطّوفان والجولان ممّا عينه معتلّة فصحّت لوجهين :
أحدهما : أنّ هذا البناء قريب من باب الغليان والنّزوان فحملت الصّحة عليه للوجهين المذكورين.
والثاني : أنّ الواو لو قلبت ألفا لاشتبه فعلان بفاعال فاجتنب لذلك.
مسألة : إنّما صحّت الواو والياء في غزوا ورميا لئلا تنقلب ألفا فتحذف إحدى الألفين فيصير كلفظ فعل الواحد.
مسألة : إنّما صحّت الواو في اجتوروا وبابه ؛ لأنه في حكم تجاوروا إذ لا فرق بينهما في المعنى ولا موجب للقلب في تجاوروا فحمل اجتوروا عليه وهكذا حول وعور ؛ لأن الاصل احول واعورّ ، وهذا لم توجد فيه علّة القلب فكان التصحيح دليلا على هذا الأصل.
مسألة : إنّما صحّت الواو في خونه وحوكة لوجهين :
أحدهما : أنّ تاء التأنيث بعدّته من شبه الفعل فخرج على الأصل.
والثاني : أنّ ذلك أخرج على الأصل تنبيها على أنّ أصل الباب كلّه التصحيح وعلى ذلك جاء استحوذ ووجهه ، وقد قالوا : حاكه وخانه ، فأجروه على القياس.
مسألة : إنّما صحّت الواو في الهوى والنّوى لئلا تحذف أحد الألفين فأمّا صحتها في نوويّ فلئلّا يتوالى إعلالان ، وذلك أنّ أصل الواو الثانية ياء أبدلت ألفا ثم أبدلت واوا لأجل النّسب ولأنّها لو أبدلت ألفا لصار لفظها فاعيلا فيلتبس ولأنّها لو صحّت قبل النّسب بقيت على صحّتها.
مسألة : إذا سكّنت الواو والياء وانفتح ما قبلهما لم تقلبا لزوال الموجب للقلب وهو الحركة ، وقد جاء ذلك شاذا قالوا في طيّء : طائيّ ، وفي الحيرة : حاريّ ، وفي زبنية : زبانيّ ؛ لأن الألف على كل حال أخفّ منهما ، وقد وقع في زبنية تغييران فتح الباء وقلب الياء فأمّا دويّة فقد قالوا فيها داويّة فقال قوم هي لغة ، وقيل : أبدلت الواو الأولى ألفا ، وقيل : الألف زائدة ووزنها فاعيلة وفيه بعد ؛ لأن ذلك من أبنية الأعجمي وممّا صحّت فيه الواو القود والأود نبّه بذلك على أصل الباب.
إذا اجتمعت همزتان وسكّنت الثانية وانفتحت الأولى أبدلت الثانية ألفا ألبتة نحو : آدم وآخر ، وفي الفعل نحو : آمن وآزر وإنما كان كذلك ؛ لأن الهمزة إذا انفردت ثقل النّطق بها فإذا انضمّ إليها أخرى تضاعف الثّقل ، وإذا تصاقبا وسكّنت الثانية ازدادت الكلفة بالنّطق بهما لا سيّما إذا أراد النطق بواحدة بعد أخرى ومن هنا وجب الإدغام في المثلين والإدغام هنا مستحيل والحذف يخلّ بالكلمة فتعيّن المصير إلى إبدال الثانية ألفا لانفتاح ما قبلها ولا يصحّ تليينها ؛ لأن الهمزة المليّنة في حكم الهمزة المحقّقة ولا يصحّ إبدال الأولى ولا تليينها لتعذّر الابتداء بالألف وما يقرب منها ، وإذا صغّرت آدم أو جمعته أبدلت الألف واوا فقلت أويدم وأوادم كما تقول في ضارب : ضويرب وضوارب ، ولا يجوز تحقيق الثّانية في التصغير والجمع لما ذكرنا من الثّقل وأنّ حركتها عارضة.
مسألة : إذا سكّنت الهمزة وانفتح ما قبلها وانفردت جاز تحقيقها نحو : رأس وكأس ومأتم وجاز إبدالها ألفا تخفيفا إلّا أن يقع ذلك في الشّعر مقابلا لردف ؛ فإنّه يلزم إبدالها ألفا لتستقيم الأرداف مثل أن يقع في آخر البيت ناس ، وفي آخر آخر راس فالإبدال في رأس لازم لما ذكرنا وإن وقع في آخر بيت درهم في آخر آخر مأتم فالجيّد تحقيق الهمزة ، وقال بعضهم : يجوز إبدالها فيكون بيت مؤسّسا وبيت غير مؤسس في قصيدة واحدة.
مسألة : الألف في قولهم : أإدني من فلان بمعنى أنصفني بدل من الهمزة وفي الهمزة المبدل منها وجهان :
أحدهما : بدل من عين والأصل أعدني لأنّهم قالوا ذلك وقالوا أيضا استأديت أي استعديت من العدوى.
والثاني : هي بدل من الهمزة ثمّ فيها وجهان :
أحدهما : هي أصل من الأداة وهو ما يستعان به على العمل.
والآخر : هي بدل من الياء في يد لأنّهم يقولون يدي وأدي وهذه الهمزة بدل من الياء والمعنى كن أيدا عليه.
وقال المبرّد : هي من الأيد والأد وهو القوّة ، وهذا لا يصحّ إلّا أن يدّعى فيه القلب وهو تحويل الياء إلى ما بعد الدال فأمّا من غير قلب فلا يجوز لوجهين :
أحدهما : أنّه لو اراد ذلك لقال أايدني كما يقول : أطيبني فتصحّح الياء.
والثاني : أنّ الدال مكسورة فدلّ على أنّ لامها معتلّة ولام الأيد صحيحة.
قد أبدلت الألف من التنوين في النّصب نحو : رأيت زيدا ، والوجه في ذلك أنّ التّنوين والنون غنّة تشبه الواو فكأنّ الواو وقعت بعد فتحة فأبدلت ألفا ، وقصد بذلك الفرق بين النّصب وبين أخويه وخفّ ذلك على ألسنتهم ودلّوا به على العناية بالتّنوين والإعراب ، وقد أبدلت من النون الخفيفة في التوكيد نحو : اضربا في الوقف ؛ لأنها أشبهت التنوين فس سكونها وزيادتها وانفتاح ما قبلها واختصاصها بالأفعال كما أنّ تلك مختصّة بالأسماء.
وأبدلت أيضا من نون (إذن) الناصبة للفعل تشبيها بالتنوين والنّون الخفيفة وجواز الوقف عليها وسواء عملت أو ألغيت. وقال الفرّاء : إذا أعملت لم تبدل لئلا نلتبس بإذا الزّمانية وإن ألغين جاز إبدالها ؛ لأنها في ذلك الموضع لا تلتبس بالزّمانية.
قد أبدلت من حروف كثيرة منها مقيس ومنها شاذّ ونحن نذكرها مرتّبة.
إذا سكّنت الهمزة وانكسر ما قبلها جاز إبدالها ياء ولم يلزم نحو : ذيب ، ووجه ذلك أنّ الهمزة مستثقلة ويزداد ثقلها بانكسار ما قبلها وهي من حروف البدل ، فأبدل منها ما هو مجانس لما قبلها وهو الياء وتخفيفها كإبدالها ههنا وهو جعلها ياء خالصة كما كانّ ذلك في آدم ، ومن ذلك جاء الأصل فيه جايئ فأبدلت الهمزة لما ذكرنا.
واختلفوا في كيفية ذلك ، فقال الخليل : تقدّم الهمزة التي هي لام على المبدل من العين فتصير على وزن فالع ثم تصير الأخيرة ياء وإنّما قال ذلك ؛ لأنها ياء في الأصل وقعت بعد الألف فصيّرت همزة فإذا وقعت طرفا لم تغيّر لعدم المغيّر ولو لم تغيّر لاجتمع همزتان ، وإذا أخّرت لم تجتمعا ثم يلزم من عدم النّقل توالي إعلالين وهو إبدال العين همزة وإبدال اللام ياء ، وإذا نقل لم يلزم ذلك.
وقال غيره : تبدل اللّام ياء من غير نقل ؛ لأنه يلزم من النّقل تأخير حرف عن موضعه وردّه إلى أصله ، وذلك إعلالان أيضا وإقرار الكلمة على نظمها أولى وعلى هذا الخلاف يترتب جمع جائي وجائية ، وقد أبدلت الياء من الهمزة في إيمان وإيلاف لسكونها وانكسار ما قبلها.
إذا وقعت الألف في موضع ينكسر ما قبلها قلبت ياء لاستحالة بقائها بعد الكسرة فقلبت إلى ما يجانس الكسرة نحو : قرطاس وقراطيس ، فإن وقعت قبلها الياء السّاكنة قلبت أيضا نحو : تصغير حمار تقول فيه : حميّر ، وههنا قد أبدلت الألف ياء وحرّكت الياء لسكونها وسكون ياء التصغير قبلها.
فصل : وقد أبدلت الباء ياء إذا تكررت نحو : لبّب ، تقول : لبيت ، فالياء بدل الباء الثّالثة ، وإنّما فعلوا ذلك كراهية لاجتماع الأمثال.
فأمّا (لبيك) ففيه قولان :
أحدهما : هو من هذا الباب وأصله من : (ألبّ بالمكان) إذا أقام به.
والثاني : تثنية لبّ.
والأوّل أقوى والدليل على ذلك قولهم في الفعل من لبّى : تلبية ، وقد تبدل الباء وإن لم تتكرّر ثلاثا نحو : تلبية ، وأصلها : تلبية ، وكذلك جميع حروف المعجم إذا تكرّرت في نحو ما ذكرنا نحو : شدّدت وشدّيت ، وتقضض البازي وتقضّي البازي ، وتظنّنت وتظنّيت.
فأمّا (قصّيت أظفاري) ففيه وجهان :
أحدهما : الياء بدل من الصّاد على ما ذكرنا.
والثاني : أصلها واو والمعنى تتّبعت أقصاها وهذا كما تقول تقصّيت الكلام إذا استقصيت أقسامه.
وأمّا قولهم : (تسرّيت في النّكاح) ففيه وجهان :
أحدهما : هو من هذا الباب وهو مأخوذ من الشّرّ وهو النّكاح يقال للذّكر : سرّ.
والثاني : هي تفعّلت من سراة الشيء أي : خياره ، وكلّ هذه الأشياء لا يلزم فيها البدل بل هو جائز.
فصل: وقد أبدلت الباء ياء وإن لم تتكرر البتة في الشّعر شاذّا كقول الشّاعر: [البسيط]
لها أشارير من لحم تتمّره
من الثّعالي ووخز من أرانيها
يريد الثعالب والأرانب وقالوا : ديباج ، والأصل دبّاج في قول من جمعه على دبابيج ، وقد قالوا : ديابيج أيضا فعلى هذا لا إبدال وكذلك أبدلوا السين ياء في خامس وسادس فقالوا : خامي وسادي وهو شاذ وموضعه الشعر.
قالوا : قيراط ، والأصل قرّاط لقولهم : قراريط وقريريط ، والوجه فيه ما تقدّم من تجافي التكرير ويزيده هنا حسنا أنّ في الرّاء في نفسها ضربا من التكرير ، فإذا كانت مشدّدة صارت في حكم أربع ياءات فازدادت ثقلا ففر منه إلى ما هو أخفّ.
قالوا : دينار والأصل دنّار لقولهم دنانير ودنينير وشيء مدنّر منقوش على شكل الدّينار ، والوجه فيه ما تقدّم ويؤكّده أنّ النّون تشبه الواو في غنّتها وتثقّل بالتّشديد فيزداد ثقلها ، فإذا انكسر ما قبلها حوّلت إلى الياء.
مسألة : قد أبدلت الياء من الواو إذا سكّنت وانكسر ما قبلها نحو : ميزان وميعاد ، والعلّة في ذلك أنّ الواو من جنس الضمّة فإذا سكّنت ضعفت قليلا والكسرة قبلها من جنس الياء ، وتخليص الواو السّاكنة بعد الكسرة ثقيل جدا فجذبتها الكسرة إلى جنسها وكان ذلك أخفّ على اللّسان ، وهكذا إن وقعت عينا نحو : ريح ، وقيل : وعيد ؛ لأن الأصل في الرّيح الواو ؛ لأنها من الرّوح وهو السّعة ، ومنه راح يروح رواحا إذا ذهب وجمعها أرواح ، وقد حكي فيها شاذا أرياح وهو كالغلط فأمّا رياح فعلى القياس ، وهو من باب حوض وحياض ، وذلك مما أبدلت الياء فيه من الواو بخمس شرائط :
أحدها : أن تكون الواو ساكنة في الواحد.
والثاني : أن تقع بعدها الألف.
والثالث : أن تقع بعدها الألف.
والرابع : أن يكون. لام الكلمة صحيحا.
والخامس : أن ينكسر فاء الكلمة.
وإنّما شرطوا ذلك لمعان تقتضيه أمّا الكسرة فلبعدها من الواو وقربها من الياء ، وأمّا سكون الواو في الأصل فلبيان ضعفها ، وأمّا اشتراط الجمع فلئلا يجتمع ثقل الواو مع ثقل الجمع ، وأمّا اشتراط تعقّب الألف إيّاها فلأنّ الألف أقرب إلى الياء منها إلى الواو ، وأمّا صحّة اللّام فلئلّا يكثر الإعلال وعلى هذا صحّت في عوان ؛ لأنه واحد ولم تنكسر الفاء وكذلك صوغ وصحّت في الجمع المعتلّ اللام نحو رواء جمع راو من الماء.
مسألة : الأصل في عيد الواو ؛ لأنه من عاد يعود عودا فأبدلت الواو ياء لما ذكرنا من قبل.
فإن قيل : فقد قالوا في الجمع أعياد لا غير فأعلّوا على خلاف أرواح؟
قيل : جعلوا البدل لازما نفيا للّبس ؛ لأنّهم لو قالوا : أعواد ، لا لتبس بجمع عود ، وكذلك قالوا في التصغير : عييد ، وفي تصغير عود : عويد ، للفرق ولم يوجد مثل ذلك في ريح.
مسألة : إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت الأولى بالسّكون أبدلت ياء وأدغم الأول في الثاني نحو : شويت شيّا وطويت طيّا.
والعلّة في ذلك : أنّ الياء أخفّ من الواو وتخليص الواو ساكنة عن الياء مستثقل فأبدلت الواو ياء طلبا للتخفيف ولمّا اجتمعا وتماثلا أدغم الأوّل في الثاني فحصّل بذلك ضرب من التّخفيف أيضا.
مسألة : قد أبدلت الواو ياء في أفعل مما لامه واو نحو : دلو وأدل وحر وأجر.
والعلّة فيه : أن خروجه على الأصل مستثقل لاجتماع الضمّة والواو وكونها طرفا وطريق الإبدال أن أبدلوا من الضمّة كسرة فوقعت الواو بعد الكسرة فجذبتها إلى جنسها وهو الياء ، ومما جاء من المصادر من ذلك : عتيّ ، والأصل عتوّ فأبدلوا من الضمّة كسرة فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ثمّ وقعت الواو الثانية بعد ياء وكسرة فأبدلت ياء وأدغمت الأولى فيها ومن العرب من يكسر العين إتباعا وأما بكيّ فجمع باك ، والأصل : بكوي ، فأبدل من الضمّة كسرة ومن الواو ياء ثم عمل في ذلك ما تقدّم.
مسألة : الأصل في ياء غاز وغازية ومحنية الواو وإنّما أبدلت وإن كانت متحركة لثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ حركتها حركة إعراب فهي كالحركة العارضة ؛ ولذلك يسكّن أمثالها في الوقف والعارض غير معتدّ به ولمّا تقرر إبدالها قبل دخول الهاء بقيت على حالها ؛ لأن تاء التّأنيث في حكم المنفصل.
الوجه الثاني : أنّ لام الكلمة موضع التغيير وفي الواو بعد الكسرة وإن تحرّكت نوع ثقل ، وذلك كاف لقلبها.
والثالث : أنّ حركات الإعراب تعتور على لام الكلمة فلو تركت الواو لضمّت وكسرت وهما مستثقلان بعد الكسرة ؛ ولذلك سكّنت ياء المنقوص فيهما وثقل الواو بذلك أكثر ثم حمل الفتح عليهما.
مسألة : قد أبدلت الواو ياء في عصيّ وأصله عصوّ فأبدلت من ضمّة الصاد كسرة لتنقلب الواو ياء ثم عمل في ذلك ما ذكرناه في عتوّ ، ومنهم من يكسر العين إتباعا.
مسألة : الأصل في قيل ضمّ القاف وكسر الواو مثل ضرب فاستثقلت الكسرة على الواو بعد الضمّة كما تستثقل ضمّة الياء بعد الكسرة فنقلت كسرة الواو إلى القاف فسكّنت الواو وانكسر ما قبلها فأبدلت ياء لما ذكرناه في ريح ، ومنهم من قال : كسرت القاف من غير نقل إليها وسكّنت الواو ، ومن العرب من يشمّ القاف شيئا من الضمّ مع بقاء الياء تنبيها على الأصل ، ومنهم من يبقي الضمّة ويسكّن الواو فيقول قول وهذا القائل يقلب الياء واوا فيقول بوع لسكونها وانضمام ما قبلها.
مسألة : الأصل في ديمة الواو يقال : (دوّمت السحابة) إذا دام مطرها ثم عمل فيها ما عمل في ريح.
مسألة : إذا كانت الواو مشدّدة وانكسر ما قبلها فالأصل صحّتها لتحصّنها بالإدغام ، وقد شذّت أشياء فجاءت على الإبدال قالوا ديوان فأبدلوا الواو الساكنة ياء والأصل : دوّان لقولهم : دويوين ودواوين ودوّن الشعر.
مسألة : الياء في شيراز فيها اختلاف فقال قوم : هي زائدة عن بدل ، وأصل من شرز ؛ ولهذا قالوا في الجمع : شياريز ، وفي التصغير : شييريز ، وقال آخرون : أصلها شرّاز ، فأبدل من الراء الأولى ياء كما فعل ذلك في قيراط. وقال آخرون : أصلها واو ولأنّهم قالوا شواريز وشويريز ، ومن هؤلاء القائلين من قال : الواو بدل من الرّاء وليس بشيء إذ لو كانت كذلك لرجعت في الجمع والتصغير ، وإنّما الواو فيه زائدة للإلحاق بشملال وليس لفظ شيراز مصرحا بها في كتب اللغة ولكن يمكن أن يكون لها أصل ، وذلك أن الشّرز والشّراسة غلظ الخلق والشيراز لبن فيه غلظ.
مسألة : الياء في ذرّيّة فيها ثلاثة أوجه :
أحدها : هي زائدة من غير بدل وهي فعليّة من الذرّ.
والثاني : هي بدل وفيما أبدلت منه ثلاثة أوجه :
أحدها : من الرّاء وأصلها ذرّوة فأبدلت الرّاء واوا ثم أبدلت من الضمّة كسرة فانقلبت الواو الأولى ياء والثانية كذلك ثم أدغم الأوّل في الثاني ويجوز أن يكون وزنها فعليلة ثم عمل بمقتضى القياس.
والثاني : أن تكون من ذرا يذرو فيكون وزنها فعّولة أو فعّيلة ثم عمل فيه بمقتضى القياس.
والثالث : أن يكون من ذرأ يذرأ فيكون وزنها فعّولة أو فعيلة على ما تقدّم ثم أبدلت الهمزة واوا أو ياء وعمل فيها بمقتضى القياس.
مسألة : الياء في أينق وأيانق بدل من الواو ؛ لأن ألف ناقة مبدلة من واو لقولهم استنوق الجمل وخرجت في نياق مبدلة من موضعها فأمّا أينق فأصلها أونق مقلوبة عن أنوق ووزنها أعفل وأبدلت الواو السّاكنة ياء لاطّراد البدل فيها وايانق جمع أينق.
وقد أبدلت من الياء والألف والهمزة :
1 - أمّا الياء فإذا سكّنت وانضمّ ما قبلها أبدلت واوا نحو : موقن وموسر والأصل فيه الياء ؛ لأنه من اليقين واليسر فإن تحرّكت لم تبدل نحو مييقن ومياسر وإنّما أبدلت إذا سكّنت ؛ لأنها ضعفت بالسّكون ووقوعها بعد الضمّة فتخليصها عنها يشقّ على اللسان جدا فأبدلت واوا لمجانستها الضمّة ومن ذلك الطّوبى والكوسى ؛ لأنّهما من الطّيب والكيس وهما نظير الرّيح والقيل.
2 - وأمّا إبدال الواو من الألف فنحو قولك في ضارب : ضويرب ، وفي ضاربة :
ضوارب ، وإنّما أبدلت في التّصغير لانضمام ما قبلها والألف لا تقع بعد الضمّة كما لا تقع بعد الكسرة وأبدلت واوا لتجانس الضمّة قبلها ثم حمل حالها في الجمع على التّصغير ؛ لأن التكسير والتصغير من واد واحد ولأنك لو أبدلتها ياء فقلت : ضيارب لا لتبس بجمع ضيرب وبابه.
فإن قلت : فلم أبدلتها؟ قيل : لمّا زيد في الجمع ألف لم يمكن إقرار ألف فاعل لسكونهما وحذف إحداهما يخلّ بمعناه فأبدلت لهذا المعنى ، ومن ذلك ألف فاعل إذا بني لمّا لم يسمّ فاعله نحو ضورب في ضارب وتمودّ الثوب في تمادّوا ومنه قوله تعالى : (ما وُورِيَ عَنْهُما) [الأعراف : 20].
3 - وأمّا إبدالها من الهمزة ، فإذا سكّنت الهمزة وانضمّ ما قبلها كقولك في بؤس ولؤم :
بوس ولوم.
قد أبدلت من النّون الساكنة إذا وقعت قبل الباء نحو : عنبر وشنباء هي في اللفظ ميم وفي الخطّ نون.
والعلّة في ذلك : أنّ الميم فيها غنّة تتّصل بالخيشوم إذا سكّنت كالنون إذا سكّنت ، فإذا وقعت النون قبل الباء اتّصلت غنّتها لمخرج الباء فيشقّ إخراجها ساكنة بلفظها فجعلت الميم
بدلا عنها لشبهها بها ومشاركتها الباء في المخرج ، فإذا تحرّكت النون صحّت نحو الشّنب ؛ لأنها بحركتها تزول غنّتها وتصير من حروف اللّسان ، وقد أبدلت الميم من الواو في قولهم : فمّ واصله فوه مثل فوز فحذفت الهاء اعتباطا فبقي فو واستحقّت الحركة الإعرابية فلو قلبت ألفا لحذفت بالتنوين وبقي الاسم المعرب على حرف واحد فأبدلوا منها حرفا من جنسها يشبه الواو ويتصوّر تحريكه والدليل على أنّ أصله فوه ما نذكره في باب الحذف والميم والواو من مخرج واحد فأمّا قول الفرزدق : [الطويل]
هما نفثا في فيّ من فمويهما
على النّابح العاوي أشدّ رجام
فقد جمع بين الميم والواو وفيه قولان :
أحدهما : أنّه جمع بين البدل والمبدل ومثل ذلك جائز في البدل دون العوض فوزنه الآن فمع.
والقول الثاني : أنّ الميم بدل من الياء التي هي لام الكلمة ثم قدّمتها على العين فوزنه الآن فلع وفيه بعد ؛ لأن الميم لا تشبه الهاء إلّا أنّها في الجملة من حروف الزيادة وفيها خفاء فساغ له أن يبدل منها حرفا أبين منها يشبه ما يشبهها وهو الواو فإنّ الميم تشبه الواو والواو تشبه الهاء ؛ ولهذا أبدلت منها في مواضع.
فأمّا قول العجّاج : [الرجز]
خالط من سلمى خياشيم وفا
ففيه وجهان :
أحدهما : أنّه أقرّ ألف النّصب مع غير الإضافة ؛ لأن آخر الأبيات قد أمن فيه التّنوين الحاذف للألف.
والثاني : أنّه نوى الإضافة لوجوب تقديرها فأراد في الحذف ما ثبت مع الإظهار.
وقد أبدلت الميم من لام المعرفة قالوا في السّفر امسفر وهو شاذّ وإنّما جوّزه قرب مخرج الميم من اللّام.
النّون في (صنعاويّ) بدل وفيما أبدلت عنه وجهان :
أحدهما : الواو في صنعاويّ لشبه النّون بالواو في الغنّة ؛ ولذلك أدغمت فيها نحو : وّاقد ومن وّعد ورعد وّ برق وفي أنّ كلّ واحدة منهما ضمير الجمع نحو : قاموا وقمن ، وعلامة الجمع نحو : قاموا إخوتك وقمن جواريك ، وهي علامة الإعراب كنون الأمثلة الخمسة نحو يضربان وأخواتها والواو في أبوه والزيدون فالنّون إذن بدل من الواو والواو بدل من الهمزة والهمزة بدل من ألف التّأنيث.
والقول الثاني : النّون بدل من الهمزة ؛ لأنها أشبهت ألف التّأنيث في حمراء ؛ لأن ألف المدّ وألف التّأنيث في صنعاء كالألف والنّون في غضبان وسكران لاشتراكهما في منع الصّرف واختصاص أحدهما بالتأنيث واختصاص الآخر بالتذكير وفيه بعد وهذا القياس بعيد ؛ لأن النون لا تشبه الهمزة ولم تبدل منها في موضع آخر وهذا الأصل يشير إلى مسألة مختلف فيها وهي نون سكران وبابه فعند قوم ليست بدلا من شيء بل زيدت ابتداء كالألف التي قبلها وهذا هو الصحيح لما تقدّم.
وقال آخرون : هي بدل من همزة التأنيث كحمراء وبابها لما تقدّم من مشابهتها لها في باب مالا ينصرف وهذا بعيد لوجهين :
أحدهما : أنّ إبدال الحرف من الحرف إنّما يكون مع بقاء معنى الأصل والهمزة للتأنيث ونون غضبان تختصّ بالمذكّر وهما ضدّان ومنع الصرف حكّم يعلّل بالشّبه لا بالإبدال.
والثاني : أنّ النّون في حمدان وعمران تؤثّر في منع الصّرف وليست بدلا بل زيدت ابتداء كذلك ههنا.
مسألة : قد أبدلت النّون من اللّام في لعلّ في لغة بني تميم فقالوا لعنّ وإنّما جاز ذلك لوجهين :
أحدهما : قرب ما بين النون واللّام.
والثاني : كثرة اللّامات في لعلّ ففرّوا منها إلى النون وكانت النون ألين منها إذ كانت تشبه حرف المدّ.
مسألة : ذهب قوم في تلنّة إلى أنّ النّون بدل من اللّام والأصل تللّة من قولهم : تلّة إذا دفعه وهذا بعيد ؛ لأن التّلنّة التمكّث والبقية ، وذلك بعيد من معنى الدفع والصحيح أنها أصل.
وذهب قوم إلى أن النّون في اللّغنون بدل من الدال في اللّغدود وهو بعيد والصحيح أنّها لغة.
قد أبدلت من الواو إذا كانت فاء ووقعت بعدها تاء افتعل نحو : اتّعد واتّزن والعلّة في ذلك أنّ الواو هنا ساكنة بعد كسرة وبعدها تاء وبين التّاء والواو مقاربة ؛ لأن التّاء من طرف اللّسان وأصول الثنايا وفيها نفخ يكاد يخرج من بين الثّنايا إلى باطن الشّفة والواو تخرج من بين الشفتين بحيث تكاد تقرب من باطن الشّفة ، وإذا كان كذلك شقّ إخراج الواو ساكنة قبل التّاء فحوّلت إليها وأدغمت ، وهما أبدل الواو منه تاء أسنتوا والأصل أسنووا ؛ لأنه من سنة الجدب والأصل فيها سنوة وهذا البدل غير مطّرد ألا ترى أنّك لا تقول من أعطوا أعطيوا.
وقال بعضهم : أبدلت الواو ياء ثم أبدلت الياء تاء على ما نذكره فأمّا التّاء في تراث فبدل من الواو للعلّة التّي ذكرنا من مقاربة التاء للواو ويدلّ على ذلك أنّه من ورثت والوراثة والموروث والوارث ، وكذلك تخمة وهو من الوخامة وتكأة من توكأت وتكلة من توكّلت ووكله ووكيل وتهمة من الوهم ؛ لأن المتّهم يبني الأمر على مجرّد الوهم وقالوا : تولج ، والأصل : وولج فوعل من الولوج ، وقالوا : تيقور وهو فيعول من الوقار.
(تالله) التاء بدل من الواو ، وقد ذكرنا ذلك في باب القسم وقالوا : هنت وهي من الواو لقولهم : هنوات وفي التصغير هنيّة فالياء الثانية بدل من الواو وقالوا : بنت وهي من البنوّة ، والأصل : بنوة فأبدلوا منها التاء وجعلوها على مثال جذع وعدل وخصّوا الإبدال بالتأنيث وليست التاء للتأنيث ؛ لأنها تثبت في الوقف وقبلها ساكن وليست كذلك تاء التأنيث والتاء في أخت بدل من الواو ؛ لأنها من الأخوّة وتقول في الجمع إخوة وإخوان ففعلوا فيها ما فعلوا في بنت ووزنها فعل مثل : قفل ، فإن جمعت بنتا قلت : بنات فحذفت لام الكلمة التي أبدلت في الواحد تاء فوزنها الآن فعات وإن جمعت أختا قلت : أخوات فلم تحذف اللّام ، والفرق بينهما
أنّ كلّ واحد منهما بني على مذكّره فمذكّر بنات في الجمع بنون فلامه محذوفة كذلك مؤنّثه والجمع في أخ إخوة من غير حذف كذلك مؤنّثه.
وتبدل التاء من الواو في (كلتا) وأصلها : كلوى ووزنها فعلى وقال الجرميّ التاء زائدة ووزنها فعتل.
وحجّة الأوّلين : أنّ الكلمة مؤنثة لاختصاصها بتوكيد المؤنّث والأصل أن يكون للتأنيث علامة والألف هنا تصلح لذلك والتاء قبلها لا تصلح للتأنيث ؛ لأنها تكون حشوا وزيادتها في هذا المثال لا نظير له ، وقد احتجّ الجرميّ بأنّ الألف لو كانت للتأنيث لم تقلب في الجرّ والنصب ياء وهذا ليس بشيء لوجهين :
أحدهما : أنّ القلب ههنا استحسان وحمل على ألف على وإلى كما أبدلت في المذكّر وهي لام الكلمة والمنقلبة في الجرّ والنصب لا تكون لاما.
والثاني : أنّهم قد قلبوا ألف التأنيث ياء فقالوا في سعدى سعديات لأجل الدّليل المقتضى للقلب فكذلك هنا ، وقد ذهب قوم إلى أنّ التاء فيها بدل من الياء ؛ لأن الإمالة في كلا جائزة ، والأصل في مثل ذلك للياء.
وهو قليل لبعد مخرج الياء منها إلّا أنّ بينهما مشابهة من وجهين :
أحدهما : أنّ في التاء همسا وفي الياء خفاء والمعنيان متقاربان.
والثاني : أنّ التّاء تشبه الواو من الوجه الذي ذكرنا قبل وبين الياء والواو مشابهة في المدّ والاعتلال وقلب كلّ واحدة منهما إلى الأخرى ومرادفتها إيّاها في أرداف الأبيات ، نحو : سرحوت وتكريت ، وبين أختيهما وهما الضمّة والكسرة تقارب بحيث جاز وقوعهما في الإقواء في القصيدة الواحدة.
فمن ذلك : (ثنتان) والأصل ثنيان ؛ لأنه من ثنيت وليس له واحد من لفظه وتقول هذا ثني هذا.
ومن هذا : (ذيت وكيت) والأصل : ذيّة وكيّة بتشديد الياء والهاء المبدلة من التاء في الوقف فأبدلوا من الياء الثانية تاء ثانية وصلا ووقفا والكلمتان مبنيّتان على الفتح ؛ لأنّهما كنايتان عن الحديث المتّصل بعضه ببعض تقول كان من الأمر كيت وكيت كما تقول : كان من الأمر كذا وكذا إبدال التّاء من السّين. وهو ضعيف ، وقد جاء منه شيء قليل ووجهه أنّ التّاء تشارك السين في الهمس وقرب المخرج فمن ذلك طست والأصل طسّ لقولهم في تصغيره : طسيس وفي الجمع طساس وقالوا : أطسّة.
وقد أبدلت منها في (ستّ) والأصل : سدس لقولهم : سديسة وسديس وأسداس ثم أبدلت الدّال تاء لقربها منها في المخرج وأنّها هنا ساكنة يعسر النّطق بها قبل التّاء فإذا فصلت بينهما عدت إلى الأصل.
وقالوا : نات في ناس ، وأكيات في أكياس قال الشاعر : [الرجز]
يا قاتل الله بني السّعلاة
عمرو بن يربوع شرار النّات
غير أعفّاء ولا أكيات
يريد الناس ولا أكياس ، وحكى الأصمعيّ عن بعض العرب أنّه قرأ : (قل أعوذ بربّ النّات) في جميعها بالتّاء.
وقد أبدلت التاء من الصاد قالوا في لصّ : لصت ، والأصل الصّاد لقولهم : تلصّص عليهم وهو من اللصوصية ، وقد تجاوز بعضهم الحدّ فأتى بها في الجمع قال الشّاعر : [الكامل]
فتركن نهدا عيّلا أبناؤها
وبني كنانة كاللّصوت المرّد
وقد أبدلوها من الطاء فقالوا فستاط وأقرّوها في الجمع ، وأبذلوها بين الدال فقالوا ناقة تربوت والأصل الدال ؛ لأنها من الدّربة.
قالوا : هذه ، والأصل : هذي ؛ لأن الألف في ذا من الياء فمنهم من يبدلها في الوقف ، ومنهم من يبدلها في الحالين ، ومنهم من يصلها بياء في الوصل والوجه في إبدالها منها اجتماعهما في الخفاء وقرب الهاء من الألف الّتي هي من حروف المدّ وهي أخت الياء في ذلك.
وقالوا في دهديّة الجعل : دهدوهة والأصل الياء لقولهم : دهديت الحجر.
قالوا في إيّاك : هيّاك ، وفي إنّك : هنّك. وفي أردت : هردت ، وفي اراق : هراق ، والوجه في ذلك أنّ الهمزة ثقيلة والهاء خفيفة وهي مصاقبتها في المخرج ومما يترتب على هذا مسألة وهي قول امرئ القيس : [المتقارب]
وقد رابني قولها يا هناه
ويحك ألحقت شرّا بشرّ
أحدها : هي بدل من الواو التي هي لام الكلمة ووزنها فعال وقالوا في الجمع : هنوات ، كأنّه قال : يا هناو ، فأبدلت ألفا الواو هاء لما تقدّم في الياء ويقوّي ذلك أن الواو حذفت قبل الإضافة وأبدلت ألفا في النّصب وياء في الجرّ ، وذلك تصرّف فيها وجعلها هاء تصرّف.
وقال آخرون : أبدلت الواو ألفا لوقوعها طرفا بعد الف زائدة ، ثم أبدلت الألف هاء لمشابهتها إيّاها في الخفاء وقربها منها في المخرج.
وقال آخرون : أبدلت الألف همزة لما ذكرنا في كساء ثم الهمزة هاء وقال أبو زيد : الهاء لمدّ الصوت كما ألحقت في النّدبة أو للوقف والألف قبلها لام الكلمة وهذا المذهب ضعيف ؛ لأن ألفها تثبت في النّصب مع الإضافة ولا إضافة هنا إلّا أن يدعى أنّها أتمّت كما جاء في أب وهو
قياس لو ساعده سماع وعندي فيها قول حسن وهو أن يكون هنّ أضيف إلى ياء المتكلّم فصارت هني مثل أبي ثم نادى فأبدل من الكسرة فتحة وأبدل الياء ألفا إمّا لالتقاء السّاكنين ، وإمّا لتحركها وانفتاح ما قبلها كما ذكرنا في قولك : يا غلاماه وهذا شيء لم أجده عنهم وهو قياس قولهم : في نظائره.
قالوا في أنا : أنه ، لقرب ما بين الهاء والألف في الخفاء والمخرج حتى قال الأخفش : إنّهما من مخرج واحد ، وقالوا : هنه ، والأصل : هنا.
وقالوا : الأصل في مهما : (ماما) فأبدلوا من الألف الأولى هاء في أحد القولين ، وقد ذكر في حروف الشّرط ، وقد جاء في الشرط بعد مه نريد بعد ما.
وقد أبدلوا الهاء من تاء التأنيث في الأسماء نحو : شجرة وقائمة ليفرقوا بين الوصل والوقف.
إذا كانت فاء افتعل حرف إطباق وحروف الإطباق أربعة : الصّاد والضّاد والطّاء والظّاء قلبت التاء طاء فمنها ما ليس فيه إلّا لغة واحدة وهي الطّاء نحو : اطّلع ، ومنها ما فيه لغتان وهي الصّاد نحو : اصطلح واصّلح ، ومنها ما فيه ثلاث لغات وهي : الظّاء ، نقول : اظطلم اظلم واطّلم.
وأمّا الضّاد ففيها لغتان تقول في افتعل من الضّرب اضطرب واضّرب والعلّة في قلب التّاء طاء أنّ حروف الإطباق مستعلية مجهورة والتّاء متسفّلة مهموسة والجمع بينهما شاقّ على اللسان فحوّلوا التاء طاء ؛ لأنها من مخرجها والطّاء مجانسة لبقيّة حروف الإطباق.
فأمّا من قال : اصّلح ، فأبدل من الطاء صادا وأدغم ليكون العمل من وجه واحد ولم يمكن قلب الصّاد تاء لئلا تبطل قوّة المستعلية وجهرها ولا طاء لأمرين :
أحدهما : أنّ الطّاء أخت التّاء في المخرج ، وقد تجنّبوا قلبها إليها فكذلك ما يقرب منها.
والثاني : أنّه كان يلتبس بما فاؤه طاء.
وأمّا اضطرب فالوجه في قلبها طاء أنّها أقرب إلى بقيّة حروف الإطباق ؛ لأن الضّاد تليها والطاء بعيدة منها فكان تحويل الطّاء لقربها منها ومجانستها لها وكذلك من قلبها طاء وأدغم ، وأمّا ببيت زهير : [البسيط]
ويظلم أحيانا فيظّلم
فيروى الأوجه الثلاثة وبالنّون أيضا.
قد أبدلت من تاء افتعل إذا كانت الفاء دالا أو زايا ، وعلّة ذلك : أنّ هذه الحروف فيها صفير وجهر وشدّة والتاء مهموسة رخوة ، فإذا سكّن الحرف القويّ وبعده ضعيف كان في إخراج القويّ بصفته وسكونه وإتباع الضعيف إيّاه بلا فصل كلفة شديدة فأبدل من التّاء حرف يقرب منها في المخرج ويقرب من الحرف الآخر في الصّفة ، وذلك هو الدّال فإنّها من مخرج التّاء فالدّال في قولك : درأ ادّرأ ، وأصله : ادترأ فقلبت التاء دالا وأدغمت الأولى فيها وأتيت بهمزة الوصل لسكون الدال الأولى بسبب الإدغام ، ولا يجوز قلب الدّال هنا تاء وترك تاء الافتعال لئلا تبطل القوّة التي في الدّال.
وأمّا الذال فكقولك من ذرأ : اذّرأ ، والأصل : اذترأ فقلبت التّاء دالا والذال دالا ؛ لأنها قربت منها وفعل فيهما ما تقدّم.
وإن شئت قلبت التّاء ذالا لتجانس الذال تقول : اذّرأ ، وأمّا افتعل من الذّكر فأصله اذتكر فحوّلت التّاء إلى الدّال والذال إلى الدّال ، وأتيت بهمزة الوصل لما تقدّم وإن شئت حوّلت الثاني إلى الأول فجعلتهما ذالا مشدّدة والأوّل أقوى.
وأمّا الزّاي فكقولك من زجر وزان ازدجر وازدان ، والأصل التّاء فحوّلت إلى الدّال لما تقدّم ، ولو قلبت التاء زايا وأدغمت جاز فقلت ازّجر ومثله ازّان والأوّل أقوى ولا يجوز قلب الزّاي تاء لئلا يبطل ما في الزّاي من زيادة الصفات على التّاء.
مسألة : قالوا في تولح دولج فأبدلوا من التّاء دالا لمّا كثر إبدالها منها في المواضع التي ذكرنا ويضعف أن يكونوا أبدلوا الواو ابتداء دالا لبعدها منها.
مسألة : يقال وتد بكسر التاء ثم تسكّن على مثال كتف وكتف ، ومنهم من يبدل التاء دالا ويدغمها لما تقدّم.
قد أبدلت من الياء السّاكنة في الشّعر وهو كالضرورة ، وعلّة ذلك : أنّها من مخرجها والجيم أبين منها ، وذلك كقول الشاعر : [الرجز]
يا ربّ إن كنت قبلت حجّتج
فلا يزال شاحج يأتيك بج
أقمر نهّات ينزّي وفرتج
وأمّا قول الآخر :
خالي عويف وأبو علج
المطعمان اللحم بالعشج
وبالغداة فلق البرنج
يقلع بالودّ وبالصيصج
فإنّه قدّر الوقف على الياء فسكّنت ثمّ أبدلها جيما مشدّدة ثم كسر بعد ذلك ، والقياس أن لا تبدل المتحركة ؛ لأنها قويت وبانت بحركتها ، وأمّا الصّيصيّ فأصلها التخفيف ؛ لأن الواحد صيصة خفيفة الياء وإنّما شدّد على لغة من يشدّد في الوقف نحو هذا خالد ثم كسرها لما تقدّم ، وأمّا قول العجاج :
حتّى إذا ما أمسجت وأمسجا
فالأصل : أمست وأمسى فحذفت الألف من اللفظ الأوّل لسكونها وسكون التّاء بعدها ، فلمّا اضطرّ عاد إلى الأصل وهو الياء ولم يتركها متحركة ؛ لأن حكمها عند ذلك القلب فأبدلها جيما ليمكنه النطق بها فجمع بين أمرين :
أحدهما : ترك النطق بالياء المتحركة مع ما يقتضي قلبها.
وثانيهما الإتيان بحرف من جنس رويّ القصيدة ولا يلزم تغييره.
قد أبدلت في أصيلال والأصل أصيلان وإنّما جاز ذلك لقرب مخرجها والمكبّر منه أصلان والواحد أصيل مثل : رغيف ورغفان ، وفيه أقوال قد ذكرت في باب التصغير فأمّا إبدال لام التعريف إلى جنس الحرف بسبب الإدغام فيذكر في باب الإدغام.
فصل : إذا أردت أن تزن الكلمة بعد الإبدال ففيه قولان :
أحدهما : أنّك تعيدها إلى الاصل ثم تزنها على ذلك.
والثاني : أنها أنك تزنها على لفظها بعد الإبدال ومثال ذلك إذا قيل ما وزن ازدجر فتقول على المذهب الأوّل افتعل ، وعلى المذهب الثاني افعل وتقول في ادّرأ افتعل ، وعلى الثاني افّعل وتقول في ازدان افتعل ، وعلى الثاني افعل وتقول في ودّ فعل مثل كتف ، وعلى الثاني فلّ بتشديد اللّام لأنّك قلبت العين إلى لفظ اللّام.
وهو على ضربين : حذف لعلّة فيطّرد أين وجدت ، وحذف لا لعلّة فيقتصر فيه على المسموع.
فالأوّل يكون في أحرف أحدها الواو إذا وقعت بين ياء مفتوحة وكسرة حذفت كقولك :
في وعد ووزن يعد (1)
(فإن لم يعوض عنها بالتاء فلا تحذف. فلا يقال «وعد وعدا» لعدم التعويض. ولا يجوز الجمع بينهما ، فلا يقال «وعدة» ، إلا أن تكون التاء مرادا بها المرة ، أو النوع ، لا التعويض كوعدته عدة واحدة ، أو عدة حسنة.
وإن كان الفعل مجهولا لم تحذف كيوعد. وكذلك إن كان مثالا يائيا كيسر ييسر أو كان مثالا واويا على وزن «يفعل» المفتوح العين. كيوجل ويوجل. وشذ قولهم «يدع ويذر ويهب ويسع ويضع ويطأ ويقع» بحذف الواو مع انها مفتوحة العين).
الثالث أن يكون الفعل معتلّ الآخر ، فيحذف آخره في امر المفرد المذكر كاخش وادع وارم ، في المضارع المجزوم ، الذي لم يتصل بآخره شيء كلم يخش ، ولم يدع ، ولم يرم. غير أن الحذف فيهما لا للإعلال ، بل للنيابة عن سكون البناء في الأمر ، وعن سكون الإعراب في المضارع.
ويزن وعلّة ذلك أنّ الواو من جنس الضمّة وهي مقدّرة بضمّتين والكسرة التي بعدها من جنس الياء التي قبلها ووقوع الشيء بين شيئين يخالفانه مستثقل يفرّ منه لا سيّما إذا غلب الشيئان على الشيء الواحد ، وقد وجد ذلك ههنا ؛ لأن الياء متحرّكة فهي كثلاثة حركات والكسرة رابعة والواو كحركتين والمتجانسات أكثر فغلبت يدلّ عليه أنّهم استثقلوا الخروج من كسر إلى ضمّ لازم وهذا في حكمه ولا بدّ في الحكم الذي ذكرناه من تقييد الياء وبالفتحة ؛ لأن الياء إذا ضمّت تثبت الواوك يوعد ويولد إذا سمّيت الفاعل.وعلّة ذلك : أنّ الواو جانسها ما قبلها وهو ضمّ الياء فقويت لمجانستها ولم يبق إلّا الكسرة وحدها.
فإن قيل : فقد قال بعض العرب وجد يجد بضم الجيم وقد حذف؟
قيل : الأصل الكسر وإنّما ضمّت الجيم على الشذوذ بعد أن استقرّ الحذف.
فإن قيل : فقد قالوا وهب يهب ووسع يسع فحذفوا مع انفتاح ما بعدها؟
1) أن يكون الفعل معلوما مثالا واويّا على وزن «يفعل» ، المكسور العين في المضارع ، فتحذف فاؤه من المضارع والأمر ، ومن المصدر أيضا ، إذا عوّضص عنها بالتاء كيعد وعد وعدة.
قيل : الفتحة عارضة والأصل الكسر وإنّما فتحوا من أجل حرف الحلق والعارض يعتدّ به.
فإن قيل : فقد قالوا يولد فأثبتوها مع اجتماع الضمّة والواو إذا انفتح ما بعدها فهلا استثقلوا الضمّات؟
قيل : لا تنافر بين المتجانسات بل بين المتضادّات ، ولذلك لم يحذفوا الياء إذا وقعت بين ياء وكسرة نحو : يسر ييسر ويمن ييمن ويئس ييئس ، وقد قال بعضهم : يئس بياء واحدة بعدها همزة ، وذلك شاذّ شبّهوا الياء فيه بالواو بسبب الهمزة.
فأمّا ورث يرث فلا ينقض ما أصّلناه ؛ لأن الواو قد وقعت بين ياء مفتوحة وكسرة وإنّما الشّذوذ في مجيء فعل يفعل بكسر العين فيهما ليس ممّا نحن فيه.
فإن قيل : كيف حذفت الواو في أعد وتعد ونعد ولا علة إذ ليس قبل الواو ياء؟
قيل : فعلوا ذلك ليطّرد حكم الفعل المضارع لاشتراك أنواعه وله نظائر فمنها أنهم حملوا نكرم وتكرم ويكرم على أكرم.
فإن قيل : الواو في يوعد قد وقعت قبل الكسرة ولم تحذف؟ قيل : عنه جوابان :
أحدهما : ما تقدّم من أنّ قبلها ضمة.
والثاني : أن الأصل يؤوعد بهمزة ، وقد حذفت فلو حذفت الواو لأجحف بالكلمة.
فإن قيل : فلم حذفت في يذر؟
قيل : كان القياس كسر الذال إلا أنها فتحت حملا على يدع ، وقد ذكرت العلّة فيه.
فصل : فإن انفتح ما بعد الواو نحو وجل يوجل لم تسقط لعدم العلّة ومن العرب من يقلب هذه الواو ألفا فيقول ياجل وهو شاذّ ، والوجه فيه الفرار من ثقل الواو بعد الياء فقلبت حرفا من جنس الفتحة قبلها ، ومنهم من يقلبها ياء ساكنة لتجانس ما قبلها ، ومنهم من يكسر حرف المضارعة إتباعا.
فصل : كلّ فعل حذفت واوه لوقوعها بين ياء وكسرة حذفت في مصدره وعوّض منها تاء التأنيث نحو : عدة وزنة ، والأصل وعدة فحذفت الواو هنا كما حذفت في الفعل والوجه في
ذلك أنّ الواو هنا مكسورة ، وقد أعلّت في الفعل فأعلّت في المصدر ليلازمها ، وكانت الكسرة فيها كالياء قبلها في الفعل إلّا أنّه عوّض منها تاء التأنيث لئلا يدخل الوهن بالكلّيّة على الأسماء التي هي الأصول وليست موضعا للتصريف فإن حذفت التاء أعدت الواو مفتوحة فقلت وعد ووزن لزوال علّة الحذف.
فإن قيل : فقد قالوا وجهة فجمعوا بين العوض والمعوّض ففيه وجهان :
أحدهما : ليست مصدرا بل هي اسم للجهة المتوجّه إليها.
والثاني : يقدّر أنّها مصدر ولكن خرجت على الأصل تنبيها على أنّ القياس الإتمام في الجميع وهذا كما قالوا : القود والأود واستحوذ فلم يعلّوا لما ذكرنا.
فمن ذلك همزة أفعل إذا وقعت بعد همزة المضارعة ؛ فإنّها تحذف لئلّا يجمع بين همزتين خصوصا متحركتين فإذا كانوا لم يجمعوا بينهما مع سكون الثّانية فالحذف مع الحركة أولى ، وذلك نحو : أكرمت أكرم والأصل أؤكرم ، مثل : دحرجت أدحرج فحذفت الثّانية لما ذكرنا ، ولم تحذف الأولى لدلالتها على الاستقبال والمتكلّم فأمّا اسم الفاعل والمفعول نحو : مكرم ومكرم فالهمزة فيه محذوفة لبنائه على الفعل واشتقاقه منه وليس كذلك مصدره ؛ فإنّها لا تحذف فيه نحو الإكرام فأمّا بقية الافعال المضارعة فتحذف فيها الهمزة طردا للباب وكذلك اسم الفاعل والمفعول نحو : ونكرم ويكرم ومصدرها خارج عن الأصل وهو أحد ما يدلّ على أنّ الفعل مشتقّ من المصدر إذ لو كان بالعكس لحذفت همزته كما حذفت في اسم الفاعل والمفعول ، وقد خرج ذلك على الأصل في ضرورة الشعر نحو : يؤكرم ويقوّى ذلك أنّ العلّة في الأصل لم توجد ههنا وهي اجتماع الهزتين ؛ ولذلك لم يأت في الضّرورة أؤكرم.
فصل : فإن كانت الهمزة أصلا وضوعفت العين بعدها أو أو لم تضعّف نحو : أسس وأخذ وأكل أبدلت مع همزة المتكلّم واوا إذا انضمّت وألفا إذا انفتحت نحو أؤسس وأاخذ وأاكل أمّا إبدالها واوا فللضمّة قبلها وإبدالها ألفا للفتحة قبلها ولا يجوز جعلها بين بين ؛ لأن ذلك تقريب لها من الألف ولا يكون ما قبل الألف إلّا مفتوحا وإن كانت بعد غير الهمزة فتحقيقها هو الوجه نحو نأكل وتأكل ويأكل ويؤسّس وتخفيفها جائز بإبدالها واوا خالصة.
فصل : وأمّا ما يحذف للجزم فقد ذكر في باب الجوازم مستوفى وكذلك ياء المنقوص السّاقطة لالتقاء السّاكنين وألف المقصور.
فصل : واختلفوا في واو مفعول ممّا عينه معتلّة نحو مقول ومبيع وأصله مقوول ومبيوع ، وقد جاء منه على الأصل قالوا : مسك مدووف وثوب مصوون وهو في الياء أكثر ، وقد قالوا : طعام مكيول ومزيوت وتفّاحة مطيوبة فقال الخليل وسيبويه المحذوف منه الواو الزائدة.
وقال أبو الحسن الأخفش : المحذوف عين الكلمة وحجّة الأوّلين من وجهين :
أحدهما : أنّ حذف الزائد أولى إذا لم يخلّ حذفه بمعنى وهنا لا يخلّ بمعنى إذ ليس في اللفظ فرق بين الحذفين ، وإنّما ذلك أمر تقديري حكميّ والمعنى مفهوم على التقديرين جميعا فإبقاء الاصليّ على هذا أولى.
والوجه الثاني : أنّ الأصل في هذا المثال أن تدلّ الميم وحدها مع حركة العين على معنى المفعول كما في اسم الفاعل نحو : مقيم ومكرم فكذلك يجب أن يكون في مفعول وإنّما قصدوا بالواو الفرق بين الثلاثي والرباعي نحو : مكرم ومضروب ، والفرق حاصل بينهما سواء حذفت الأصليّ أو الزائد ويقوّى ذلك أن المحذوف لو كان الأصليّ لقلت مبوع إذ لا حاجة إلى قلب الواو ياء إذ كان في قلب الواو ياء حذف أصل وقلب زائد وفي حذف الزائد إقرار الاصليّ فكان أولى ، وإذا تقررت هذه القاعدة فإنّ الحذف على مذهب سيبويه أن تحذف الزائد وتنقل حركة الواو إلى القاف فوزنه مفعل بضم الفاء وإسكان العين وعلى قول الأخفش نقلت ضمة الواو الأولى إلى القاف فاجتمع ساكنان فحذفت الأولى ، وأمّا في مبيع فإنّ ضمّة الياء تقلب العين فاجتمعت الواو والياء ساكنين فحذفت الواو وكسرت العين لئلّا تنقلب الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها ، وحجّة الأخفش : أنّ الزّائد دخل لمعنى فكان ما قبله المحذوف كياء المنقوص وألف المقصور إذا نوّنا ، وما ذكرناه في حجّة الأوّلين جواب عن هذه الشبهة.
فصل : ومثل هذه المسألة الاستعانة والإرادة ؛ لأن الأصل فيهما استعوانة وإروادة ؛ لأنّهما مصدر استفعل وأفعل ونظيره من الصحيح استقبالة وإقبالة إلّا أنّ الواو تحركت وانفتح ما قبلها في الأصل فقلبت ألفا فاجتمعت ألفان فحذفت الثّانية عند سيبويه والأولى عند أبي الحسن وعليهما ما تقدم وجعلت الهاء عوضا من المحذوف ، وقد جاءت مع الإضافة بغير هاء كقوله تعالى : (وَأَقامَ الصَّلاةَ) فكان المضاف إليه عوضا من الهاء أو من المحذوف.
اعلم أنّ هذا الباب يقتصر فيه على المسموع ولا يقاس إذ لا علّة تقتضي الحذف فيطّرد وهذا الحذف يكون في الحروف والحركات فالحروف عشرة أوّلها الهمزة ، وقد حذفت فاء وعينا ولاما ، فالفاء قد حذفت في مواضع :
الأوّل قولهم : من أكل وأخذ وأمر كل وخذ ومر والأصل اأكل فالهمزة الأولى وصل.
والثانية : فاء الكلمة إلّا أنّهم حذفوا الثانية تخفيفا لثقل الجمع بين الهمزتين ، وكان القياس قلب الثانية واوا لسكونها وانضمام ما قبلها ، وقد جاء أومر غير حذف على الأصل فأمّا مع واو العطف فلم يأت إلا على الأصل كقوله تعالى : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) [طه : 132] ، وأمّا أختاها فبالحذف على كلّ حال فأمّا أجر يأجر وأسس يؤسس فلا يحذف فيه وفي أمثاله البتة بل تقول أؤجره وأوسس ؛ لأن السّماع لم يرد إلّا في الامثلة الثّلاثة ولا علّة تجوّز ذلك.
الموضع الثاني : ناس والأصل عند سيبويه أناس فعال من الإنس فحذفت الهمزة تخفيفا فوزن ناس على هذا عال ولا تكاد تستعمل إلّا بالألف واللّام كأنّهما عوض من المحذوف.
وقال آخرون : لا حذف في ناس بل هو فعل من ناس ينوس نوسا إذا تحرّك فالنّاس يتحركون في مراداتهم ولا يكاد أناس يستعمل بالألف واللام ، وقد جاء ذلك قليلا قال الشاعر : [مجزوء الكامل]
إنّ المنايا يطّلعن
على الأناس الآمنينا
الموضع الثالث : قولهم في إيت من أتى إذا جاءت قال الشاعر : [الطويل]
ت لي آل زيد واندهم لي جماعة
وسل آل زيد أيّ شيء يضيرها
والوجه في ذلك أنّه شبّه الهمزة التي هي فاء الكلمة بالواو في وفى إذ كانت الهمزة تقلب إلى الواو نحو : صحراوات والواو إلى الهمزة ، نحو : أجوه فكما تحذف الفاء واللام هناك في الأمر كذلك تحذف الهمزة والياء هنا ، وقيل : شبّهه ب (كلّ) وفيه بعد.
الموضع الرّابع اسم الله تبارك وتعالى ، وفي أصله قولان :
أحدهما : لاه ثم أدخلت عليه الألف واللّام وفخّمت اللّام إلّا أن ينكسر ما قبلها ولا حذف فيه على هذا.
والقول الثاني : أصله إلاه وهو فعال من أله يأله إذا عبد فإلاه فعال بمعنى مفعول أي معبود ثم ألقيت حركة الهمزة على لام التعريف فالتقت اللّامان فسكّنت الأولى وأدغمت في الثّانية وفخمّت ، وقال أبو عليّ : حذفت الهمزة من غير نقل وعلى هذا يكون العمل أقلّ ؛ لأن لام التعريف تبقى على سكونها ثم تدغم فوزنه الآن العال وصار لزوم الألف واللام عوضا من المحذوف ؛ ولذلك جاز قطع الهمزة في النداء والألف على القول الأوّل بدل من أصل وهو ياء لأنّهم قالوا في مقلوبه لهي أبوك وعلى القول الثاني هي زائدة.
فصل : وأمّا حذف الهمزة عينا فقولهم في مضارع رأى وأخواتها يرى ، والأصل يرأى فنقلت حركة الهمزة إلى الراء وحذفت فوزنه الآن يفل وكذلك ما تصرّف منه نحو : أرى زيد عمرا بكرا فهو مر والمفعول مرى ، فأمّا رائي اسم فاعل من رأى يرى فهو خارج على الأصل مثل راعي ، وقد جاء في الشّعر تاما للضرورة فقال الشّاعر وهو سراقة البارقيّ : [الوافر]
أري عينيّ ما لم ترأياه
كلانا عالم بالتّرهات
فصل : وممّا حذفت الهمزة منه وهي لام قولهم : سؤته سواية ، والأصل : سوائية مثل كراهية ورفاهية فحذفت الهمزة وهي لام ؛ لأنه من ساء مثل ساع والياء زائدة كما زيدت في كراهية.
مسألة : اختلف الناس في أشياء هل هي جمع شيء أم لا؟
على قولين : فقال بعضهم : هي جمع شيء مثل بيت وأبيات وترك صرفه لكثرة الاستعمال وهذا بعيد جدّا ؛ لأن كثرة الاستعمال لا توجي منع الصّرف عند الجميع.
وقال آخرون : جمع على أشياء شاذا كما قالوا : سمح وسمحاء فجاؤوا به على الشذوذ ثم حذفت الهمزة الأولى لاجتماع همزتين بينهما ألف والألف تشبه الهمزة كأنّها ثلاث ألفات أو ثلاث همزات فوزنه الآن أفعاء.
وقال الفرّاء : أصله شيّئ مثل هيّن ثم جمع على أشيياء وعمل به بعد تخفيف الواحد على ما ذكرنا على مذهب أبي الحسن.
وقال الخليل وسيبويه : أصلها شيئاء اسم الجنس مثل حلفاء وقصباء فقدّمت الهمزة الأولى لما تقدّم فوزنه الآن لفعاء.
فصل : واعلم أنّ شيئا على التّحقيق مصدر شاء يشاء شيئا ثم جعل اسما عامّا لكلّ موجود ولكلّ معدوم عند من قال المعدوم شيء.
فأمّا على قول الآخرين فليست مصدرا وهي على ثلاثة أقوال :
أحدها : أصلها شيئاء ثم قدّمت الهمزة الأولى على ما ذكر.
والثاني : أصلها شيّئ مثل هيّن ثمّ جمع على أشيئاء مثل أهوناء ثمّ حذفت الهمزة الأولى لما تقدّم.
والثالث : شيّئ مثل صديق واصدقاء ثم حذفت الهمزة أيضا.
وفيها قول رابع : أنّ الواحد شيء ثم جمع على أشياء شاذا كما قالوا : سمح وسمحاء فأجروا فعلاء مجرى فعيل في الجمع ك عليم وعلماء.
فإن قيل : فقد قالوا في جمع أشياء أشاوى ولو كان واحده على شيئاء لما جمع على ذلك؟
قيل : لمّا قدّمت الهمزة أو حذفت على القول الآخر صار لفظها على لفظ صحراء فالهمزة بإزاء الصّاد والشّين بإزاء الحاء والياء بإزاء الرّاء والألف فيهما زائدة للمدّ والهمزة الأخيرة مبدلة من ألف التأنيث ، وكما جمعت صحراء على صحارى جمعت أشياء على أشاوى فالألف الثالثة حادثة للجمع والواو بدل من الياء والالف الأخيرة بدل من ياء ، وكان القياس أشاوي كما كان في صحاري فالياء فيهما بدل من ألف المدّ والمبدلة من ألف التأنيث محذوفة وهذا مثل شملال في أنّ الألف تقلب ياء ثم أبدل من كسرة الواو فتحة فصارت الياء ألفا.
فإن قيل : لو كانت جمعا لما صحّت إضافة الثلاثة إلى العشرة إليها ، وقد صحّت فدلّ أنّها أفعال كما يقال ثلاثة أثواب؟
قيل : لمّا أصارها التغيّر إلى مثال أفعال جاز ذلك فيها.
القياس أن لا تحذف ؛ لأنها في غاية الخفّة وهي جارية مجرى النّفس لا تنقطع على مخرج ، وقد حذفت في الشّعر لإقامة الوزن والوجه في ذلك قلّة الاحتفال بها لفرط خفّتها وأنّ الفتحة تغني عنها وكأنّها ليست حرفا فمن ذلك قولهم : المعل في الشعر يريد المعلّى ولهف في لهفى وقال قوم أم والله يريدون أما والله ؛ لأنها يفتتح بها الكلام مثل ألا ، وقيل : معناها حقّا وفيه بعد وقالوا يا أبت يريدون الألف المصرّح به في قول الراجز :
يا أبتا علّك أو عساكا
وقالوا : يابن أمّ ، والأصل يابن أمّا محوّل عن يابن أمّي وكذلك يابن عمّ ، وقيل : لا حذف هنا بل ابن مركب مع أمّ مثل خمسة عشر وقالوا لم وبم فحذفوا الألف من ما الاستفهامية مع حرف الجرّ فرقا بينها وبين الخبريّة.
قد حذفت فاء نحو يعد وعد وعدة ، وقد ذكر وحذفت عينا فقالوا لوسط الحوض ثبة وأصلها ثوبة من ثاب يثوب ؛ لأن الماء يثوب إلى ذلك الموضع أي يرجع ومنه الثّواب والإثابة والمثابة فأمّا الثّبة بمعنى الجماعة فالمحذوف منها لامها وهي واو لقولهم تثبّينا أي اجتمعنا وليس دليلا على كونها ياء ؛ لأنها قد وقعت رابعة ويدلّ على أنّها واو أنّ الأكثر في هذا الباب حذف الواو ، وقد حذفت حذفا صالحا قالوا أب والأصل أبو لرجوع الواو في التثنية والجمع والفعل قالوا : ماله أب يأبوه ، وقالوا : أبوان وآباء ، والأصل في ابن بنو لقولهم البنوّة ولم يسمع في شيء من اشتقاقه الياء وليس كذلك الفتى لأنّهم قد قالوا الفتيان فلذلك لم تدلّ الفتوّة على الواو.
وقيل : أصله بنيّ ؛ لأنه من بنى يبني فكأنّ الابن من بناء الأب لكونه متولّدا عنه.
وقالوا : (أخ) فحذفوا الواو لقولهم : أخوان والإخوة والإخوان.
والأصل في هن : هنو لقولهم : هنوات.
فأمّا (ذو) فأصلها ذوي ؛ لأن باب طويت وشويت أكثر من باب قوّة وحوّة فالمحذوف منها الياء.
فأمّا (حمء) فالأكثر أنّه من الواو لقولهم حموان وفيه لغة أخرى حم مثل : غد ، والأصل :
غدوّ ، لقولهم : غدا يغدو ، وقد جاء تامّا.
وقالوا : (قلة) والأصل الواو لقولهم : قلوت بالقلة وهي عصيّة يلعب بها الصّبيان.
وقالوا : (ظبة) والأصل الواو.
فأمّا كرة ففيها قولان :
أحدهما : المحذوف منها اللام وهي واو لقولهم : كروت بالكرة ، وفي شعر المسيّب بن علس (1): [الكامل]
... كأنّما
تكرو بكفّي لاعب في صاع
1) المسيب بن علس : (100 - 48 ق. ه / 525 - 575 م) هو المسيب بن مالك بن عمرو بن قمامة ، من ربيعة بن نزار. شاعر جاهلي ، كان أحد المقلّين المفضلين في الجاهلية. وهو خال الأعشى ميمون وكان الأعشى راويته. وقيل اسمه زهير ، وكنيته أبو فضة. له ديوان شعر شرحه الآمدي.
والقول الثاني : المحذوف منها العين ؛ لأنها من كار العمامة يكورها كورا إذا دوّرها والكرة كذلك.
قد حذفت لاما في يد ويدلّ على أنّ الأصل الياء قولك : يديت إليه يدا إذا أسديت إليه نعمة وسمّيت النعمة يدا ؛ لأن الإنعام بها يكون أو لأنها نعمة إذا كانت آلة البطش ، وقد جاء في الشّعر : [الكامل]
يديان بيضاوان عند محلّم
قد تمنعانك أن تذلّ وتضهدا
وقد قالوا في الجمع أيد وهو أفعل ، وذلك يدلّ على سكون عين الكلمة في الأصل ؛ لأنه مثل فلس وأفلس فأمّا أياد فأكثر ما يأتي في جمع يد النعمة ، وقد جاء في الجارحة ، وإذا رجع المحذوف فعند سيبويه بفتح الدّال ؛ لأن الحذف فيها كالأصل والتّمام عارض فأبقيت حركتها وعند أبي الحسن يردّ إلى السّكون الذي هو الأصل.
وقد حذفت الياء من دم واصله دمي لقولهم في التثنية : دميان وقال بعضهم دموان وقالوا في الفعل دميت مدمي وهو محتمل الأمرين والأكثر الياء ، وقد جاء في الشّعر دما مثل عصا مقصورا متمما وهو أحد القولين في قوله : [الرّمل].
فإذا هي بعظام ودما
وفي قول الآخر : [الطويل]
ولكن على أقدامنا يقطر الدّما
وقالوا في مئية : مئة فحذفوا الياء وهو الأصل ، وقالوا في الفعل منه : أمأيت الدراهم وهو أفعلت من هذا الأصل ، وحكى الأخفش : أخذت منه ميئية على التمام ، وحذف الياء أقل من حذف الواو ؛ لأن الواو أثقل منها وحذف الأثقل أقرب إلى القياس وحذف الياء أكثر من حذف الألف ؛ لأنها أثقل منها ، وإذا أشكل أمر اللام المحذوفة فاحكم على كونها واوا عند أبي الحسن أخذا بالأكثر وعلى كونها ياء عند سيبويه لخفائها وجعلها تبعا للحركة في هاء الضمير ونحوها.
قد حذفت لاما في مواضع وعلّة ذلك شبهها بحروف العلّة وربّما كانت أضعف منها ؛ لأنها تقع وصلا في الشعر متحركة وليس كذلك حروف العلّة ، فمن ذلك شاة والأصل شوهة بسكون الواو وهو أقيس فحذفت الهاء وتحرّكت الواو لتطرّفها فانقلبت ألفا ، وقيل : الواو متحركة في الأصل فانقلبت لتلك الحركة ويدلّ على أنّ الأصل الهاء قولهم : (تشوّهت شاة) أي صدتها وقالوا في الجمع شياه ، وأمّا قولهم في الجمع : (شاء) فقيل قلبت الواو ألفا والهاء همزة مثل ماء ، وقيل : هو أصل آخر والمعنى متّحد ، وقد قالوا أشاويّ وهو أصل ثالث ولا واحد له من لفظه.
ومن ذلك : (شفة) حذفت منها الهاء يدلّ على أنّ أصلها ذلك قولهم في التصغير : شفيهة ، وفي الجمع : شفاه ، وفي الفعل : شافهته مشافهة.
ومن ذلك فم والأصل فوة لقولك : فويه وأفواه ورجل أفوه ومفوّه وتفوهت فحذفت الهاء وأبدل من الواو ميم ، وقد ذكر في البدل. ومن ذلك سنة.
وفي المحذوف قولان :
أحدهما : الهاء لقولك : عاملته مسانهة وليست بسهناء.
والثاني : الواو لقولهم : سنوات ومساناة وابدلوا منها التاء ، فقالوا : أسنتوا فعلى هذا تصغّر على سنيهة وسنيّة.
ومن ذلك : (أست) والأصل : ستهة ، لقولهم : ستيهة واستاه ، ورجل ستاهى عظيم الاست.
ومنهم من يحذف التاء فيقول : (سه) ومنه الحديث عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «العينان وكاء السّه» (1).
1) أخرجه الدارمي في سننه من حديث معاوية بن ابي سفيان (722) ، وأخرجه البوصيري في إتحاف الخيرة (896) ، وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (3433) ، وأخرجه ابن عدي في الكامل ج 2 / 208.
ومن ذلك : (عضّة) وهي واحدة العضاه من الشجر والمحذوف منها الهاء لقولهم في الجمع : عضاه ، وعضهت الإبل إذا أكلت العضاه ، وبعير عضهيّ وعضاهي ، وقيل : المحذوف منها الواو لقولهم في الجمع عضوات ، وقد جاء في الشعر ومن هذا الأصل قوله تعالى : (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) [الحجر : 91] أي : فرّقوه كما تفرّق شعب الشّجرة.
قالوا في ربّ : رب بالتخفيف كراهية التضعيف ، وقد قرئ به.
قالوا في إنّ الثقيلة المفتوحة والمكسورة : (إن وأن) بسكون النون ، وقد ذكرنا عملهما في بابهما.
وقالوا في منذ مذ ، وقد ذكرنا في بابها.
قالوا في الحرح : (حرّ) والأصل حرح لقولهم : حريح وأحراح ، وقد جاء في الشعر.
فصل : وقد حذفت الخاء من بخّ فقالوا : (بخ) بسكون الخاء ، وهي كلمة تقال عند استعظام الشيء يقال : بخ بخ وبخ بخ.
(مهدد) ووزنه فعلل ملحق بجعفر إذ لو كانت الميم زائدة لقال : مهدّ ، فأدغم وكذلك يأججّ ومأجج وزنهما فعلل إذ لو لم يكن كذلك لأدغم.
فصل : وقد حذفت الفاء من سوف فقالوا : سوافعل ، حكاها ثعلب وحذفوها من أفّ ، فقالوا : أف بالإسكان وهي كلمة تقال عند التضجّر بالشيء ، وفيها تسع لغات : أفّ بضم الفاء وتشديدها وحرّكت بالضمّ إتباعا وتفتح ميلا إلى الخفّة في الحرف المضاعف وتكسر على أصل التقاء الساكنين ، وإذا كانت معرفة لم تنوّن وكان التقدير : أتضجّر التضجّر وإن كانت نكرة نوّنت على اللغات المذكورة ويقال أفّي على الإمالة ويقال تفّ بالتاء.
ويسمى ما يقابل فاء الميزان من أحرف الموزون. «فاء الكلمة» ، وما يقابل عينه «عين الكلمة» ، وما يقابل لامه «لام الكلمة». فإن قلت «كتب» ، فتكون الكاف فاء الكلمة ، والتاء عينها ، والباء لامها.
ويجب أن يكون الميزان مطابقا للموزون حركة وسكونا وزيادة أحرف. فإن قلت «كرم» كانت على وزن «فعل». وإن قلت «أكرم» كانت على وزن «أفعل». وإن قلت «كسر» كانت على وزن «فعل» وإن قلت «انكسر» كانت على وزن «انفعل» وهلّمّ جرّا.
وكلّ ما يزاد في الموزون يزاد في الميزان هو بعينه ، إلا إن كان الزائد من جنس أحرف الموزون فيكرّر في الميزان ما يماثله ، فيقال في وزن عظّم «فعّل» ، وفي وزن أغرورق «إفعوعل» وفي وزن إحمارّ «افعالّ».
الأفعال على ضربين : ثلاثية ورباعيّة ؛ فالثلاثيّة صحيحة ومعتلّة ، فالصحيحة على ثلاثة أمثلة : ضمّ العين وفتحها وكسرها ، فأمّا الفاء فلا تكون إلا مفتوحة إلّا أن تنقل إليها حركة العين فتضمّ أو تكسر ، فالضمّ كقولك في حسن : حسن بضمّ الحاء وإسكان السّين ، ويجوز فتح الحاء وإسكان السّين على التخفيف.
والكسرة لعب وشهد يجوز كسر الفاء وإسكان العين وكسر هما على الإتباع وفتح الأوّل وإسكان الثاني وهذا يكثر في حروف الحلق.
وأمّا فعل ما لم يسمّ فاعله فقد ذكر في بابه.
وأمّا الرباعيّة فلها مثال واحد وهو : فعلل ، وقد ذكر في أوّل التصريف.
فصل : وأمّا الثلاثيّ المعتلّ فعلى ثلاثة أضرب : معتلّ الفاء ومعتلّ العين ومعتلّ اللام.
الأوّل نحو : وعد وورد ومستقبله يعد بحذف الواو ، وقد ذكرنا علّته وما يرد عليه من الإشكالات في باب الحذف.
ومن المكسور العين : وجل يوجل ، وفيه أربع لغات ؛ أجودها : إثبات الواو لعدم علّة التغيير ، والثانية : إبدالها ألفا إيثارا للتخفيف ؛ لأنها لم تخفف بالحذف فخففت بالإبدال ، والثالثة : إبدالها ياء ، فقالوا : ييجل إيثارا للتّجانس ، والرابعة : كسر ياء المضارعة مع الياء الثانية إتباعا.
1) لكلّ فعل ميزان يوزن به. والميزان يتألّف من ثلاثة أحرف ، وهي «الفاء والعين واللام». فيقال «كتب» على وزن «فعل» و «يكتب» على وزن «يفعل» و «اكتب» على وزن «افعل». ويقال لأحرف «فعل» ميزان ، ولما يوزن بها «موزون».
وأمّا فعل يفعل من هذا الباب فلا يجيء من هذا أصلا ، وإنّما تفتح عينه في لأجل حرف الحلق ويبقى حكم كسرها وهو حذف الواو نحو : وقع يقع.
فصل : وأمّا المعتلّ العين بالواو نحو : عاد يعود ، وجاب الأرض يجوبها ، فأصله فعل بفتح العين يفعل بضمّها ولم يأت إلا كذلك ، وكان الأصل يعود بسكون العين وضمّ الواو مثل :
قتل يقتل فاستثقلت الضمّة على الواو فنقلت إلى ما قبلها وبقيت ساكنة ومن أجل ذلك تقول في الأمر عد وقل ؛ لأن ما بعد حرف المضارعة فقد تحرّك فاستغني عن همزة الوصل وهذا إسكان متحرك وتحريك ساكن وهو المسمّى تغييرا ، فإن اتصل بهذا الفعل تاء الضمير نحو :
قلت وعدت نقلته من فعل بفتح العين إلى فعل بضمّها فصار التقدير قولت مثل : ظرفت ، ثمّ نقلت ضمة الواو إلى القاف فسكّنت الواو وبعدها ساكن فحذفت الواو لالتقاء الساكنين وبقيت الضمّة تدلّ عليها ، وإنّما فعلوا ذلك توصّلا إلى حذف الواو.
فإن قيل : فهلا أقرّوها ألفا وحذفوها مع التّاء لالتقاء الساكنين وتركوا القاف بحالها مفتوحة؟
قيل : لو فعلوا ذلك لم يفرّق بين ذوات الياء والواو والفرق بينهما مطلوب.
فإن قيل : فهلا زعمت أنّ أصل هذا الفعل فعل بضمّ العين وكنت تستغني عن كلفة التّغيير؟
قيل : لا يصحّ ذلك ؛ لأن فعل لا يجيء متعديا وهذا الباب جنسه يتعدّى نحو عدت المريض وجبت الأرض ألا ترى أنّ ما كان منه على فعل لازما نحو : طال الشّيء ضدّ قصر ، حكمه على ما ذكرت من أنّ ضمّة الواو تقلب إلى ما قبلها ، وحذفت ولم يقل : إنّها غيّرت من فعل إلى فعل ، وأمّا طاله يطوله إذا فضل عليه في الطّول وهو الفضل فمثل جاب الأرض يجوبها.
فصل : وقد جاءت من هذا الباب لفظتان مخالفتان له وهما : مات ودام ، وفيهما ثلاث لغات :
1 - الجيّدة : مات يموت ودام يدوم كأخواتها فعلى هذا تقول : متّ ودمت ، - بضم الأول -.
2 - واللغة الثّانية : مات يمات ودام يدام على فعل بكسر العين في الماضي وفتحها في المستقبل فعلى هذا تقول : متّ تمات ودمت تدام مثل خفت تخاف.
3 - واللّغة الثّالثة : مركّبة من اللّغتين وهي : متّ ودمت بكسر الميم والدال أموت وأدوم على اللغة الأولى.
فصل : وقد جاء من الواو فعل يفعل نحو : خاف يخاف ، فتحرّكت الواو في الماضي وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فأمّا المستقبل ففي علّة الانقلاب وجهان :
أحدهما : أنّ الواو تحرّكت في الأصل وسكون ما قبلها عارض بسبب حرف المضارعة فأعلّت نظرا إلى الأصل.
والثاني : أنّ الواو نقلت حركتها إلى ما قبلها فسكّنت وانفتح ما قبلها فقلبوها ألفا حملا للمستقبل على الماضي فإذا رددته إلى نفسك قلت : خفت ، فنقلت كسرة الواو إلى الحاء كما فعلت في قلت ، وتقول في الأمر : خف من غير همزة الوصل للعلّة المتقدّمة.
فصل : فإن كانت العين ياء جاء على ضربين : فعل يفعل ، مثل ضرب يضرب ك باع يبيع فتحركت الياء وانفتح ما قبلها في الماضي فقلبت ألفا فأمّا في المستقبل فنقلت كسرة الياء إلى الباء لثقل الكسرة عليها وبقيت ساكنة ، فإن رددته إلى نفسك نقلته من فعل إلى فعل توصّلا إلى حذف الياء وإبقاء الكسرة دليلا عليها كما فعلت في قلت ، فإن أمرت قلت : بع بغير همزة لما تقدّم.
والضّرب الثاني : جاء على فعل يفعل مثل علم يعلم نحو : هاب يهاب والألف أصلها ياء لقولك : تهيّبت والهيبة ففعل فيها ما فعل في خاف ، وتقول : هبت فتنقل كسرة الياء إلى الهاء كما ذكرنا ، وتقول في الأمر : هب ، فتفتح الهاء كما فتحت الخاء في خف ؛ لأنها مفتوحة في يخاف ويهاب ، وأمّا كاده يكيده من المكر فمثل باعه يبيعه ، وأمّا كاد يكاد التي للمقاربة فمثل هاب يهاب وهي من الياء ، وقد جاء فيهما لغة أخرى كدت بضمّ الكاف أكاد بضمّ الألف فالمستقبل على الأصل والماضي مغيّر من فعل إلى فعل كما جاء فضل يفضل على الشّذوذ وهذا نقيض متّ أموت.
وهي تجيء على ثلاثة أضرب : فعل يفعل نحو : ردّ يردّ ، وفعل يفعل نحو : عضّ يعضّ ، وفعل يفعل نحو : فرّ يفرّ ، والأصل في ذلك كلّه حركة الحرف الثاني ، إلّا أنّهم استثقلوا الجمع. بين المثلين ، وسبب ذلك أنّه إذا نطق بالحرف ثم نطق بمثله عاد إلى الموضع الذي رفع لسانه عنه من غير فصل وفي ذلك كلفة ، وقد شبّهوا ذلك بمشي المقيّد كالذي يتحرك للمشي ولا يفارق موضعه فعند ذلك سكّن الحرف الأوّل ولم تنقل حركته إلى ما قبله في الماضي ؛ لأن أوّل الماضي متحرك فلم يحتمل حركة غيره.
فأمّا في المستقبل فكلّهم ينقل حركته إلى ما قبله ؛ لأن ما بعد حرف المضارعة ساكن يقبل الحركة ثم أدغموا العين في اللّام فصار يردّ ويعضّ ويفرّ هذا إذا كان الفعل معربا بالحركة ، فإن كان مجزوما أو مبنيّا على السكون نحو لم يردّ وردّ ففيه مذهبان :
أحدهما : الإدغام استثقالا للنّطق بالمثلين ، إلّا أنّ المثلين إذا كان مضموم الأوّل جاز تحريك الطّرف بالضمّ إتباعا وبالفتح إيثارا للأخفّ ، وبالكسر على أصل التقاء السّاكنين ولا بدّ من التحريك لئلّا يجمع بين ساكنين ، والأجود في المجزوم أن لا يحرّك بالضمّ لئلا يشبه الرفع وإن كان أوّله مفتوحا أو مكسورا نحو : عضّ وفرّ جاز فيه الكسر على الأصل والاتباع والفتح تخفيفا أو إتباعا وإنّما سكّن الأوّل ليصحّ إغامه ؛ لأن المتحرك قويّ بحركته فلا يصحّ رفع اللّسان عن الحرفين رفعة واحدة مع تحرّك الأوّل ؛ لأنها تصير كالحاجز بينهما ولا يصحّ الإدغام فإن بني الماضي لما لم يسمّ فاعله فالوجه ضمّ أوّله على الأصل ويجوز كسره بأن ينقل حركة المدغم إليه.
وأمّا قال وباع فالجيّد كسر الأوّل وقلب الواو ياء ويجوز أن يشمّ الضمّ ، وأن يضمّ ضمّا خالصا فتصير العين واوا بكلّ حال.
فإن جعلت هذا الفعل لما لم يسمّ فاعله واتّصلت تاء الفاعل كان لفظه كلفظ ما سمّي فاعله كقولك : بعت يا عبد ، وخفت يا سلطان ، بمعنى باعك غيرك وخافك سواك والإشمام جائز.
ومن مسائل المعتلّ العين صيد البعير وعورت عينه ، وقد ذكرنا أنّه صحّ ؛ لأنه في معنى ما يلزم تصحيحه.
ومنها سوط الألف والواو والياء في الأمر نحو : خف وقم وبع لالتقاء الساكنين ؛ فإن حرّكت الطّرف حركة لازمة رددت المحذوف نحو : بيعت وخيفت كانت الحركة عارضة لم تردده ؛ لأنه غير لازم نحو خف الله وقم الليل وسر اليوم.
ومنها انقلاب الواو والياء ألفا في المضارع نحو : يخاف ويهاب ، والأصل : يخوف ويهيب فنقلت حركة العين إلى الفاء وأبدلت الواو والياء ألفا.
فإن قيل : ولم كان كذلك وهما ساكنان ففيه وجهان :
أحدهما : أنّ سكون الفاء هنا عارض لحرف المضارعة فلم يعتدّ به وكأنّها تحرّكت وانفتح ما قبلها وهي معنى قولهم : قلبت لتحرّكها الآن وتحرّك ما قبلها في الأصل.
والثاني : أنّ الواو والياء هنا يثقل النطق بهما وإن سكّنا فأبدلا ألفا ؛ لأنه أخفّ منهما ومثله أقام واستبان وأما يقيم فنقلت فيه كسرة الواو إلى القاف وابدلت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها وكذلك مقيم.
وأما ليس فلا تكون في الأصل مضمومة العين ؛ لأن ذوات الياء لا يجيء فيها ذلك ولا مفتوحة إذ لو كانت كذلك لأبدلت ألفا أو لما سكّنت فيلزم أن تكون في الأصل مكسورة سكّنت للتخفيف ، وقد ذكرنا علّة جمودها في بابها.
ومن مسائل المعتلّ اللّام : أنّ فعل من ذوات الواو لم يأت مستقبله إلّا يفعل بضمّ العين نحو : غزا يغزو وعلا يعلو.
وأمّا فعل فعلى يفعل نحو : رضي يرضى الأصل رضو ؛ لأنه من الرّضوان فأبدلت الواو ياء لانكسار ما قبلها.
وأمّا فعل مثل ظرف فتصير الياء فيه واوا نحو : قضو الرجل ورضو الثوب لئلا تقع الياء بعد ضمّة فلو سكّنت العين لم يردد الأصل ، بل تقول : قضو الرجل ورضي زيد بسكون الضّاد ؛ لأن السكون في الضّاد عارض.
وفيها أنّك إذا بنيت من ذوات الواو أفعل نحو : غزا قلبتها في المضارع ياء ، فقلت : يغزي لوقوعها بعد كسرة وكذلك استغزي ، فأمّا إبدالها في تغازيت مع انفتاح ما قبلها فمحمول على أغزي لئلا يختلف الباب.
مسألة : قد يتفق لفظ اسم الفاعل والمفعول ويختلفان في التقدير نحو : مختار ومجتاز ، وهو محتمل لهما وسبب ذلك أن عين الكلمة ياء متحرك ما قبلها ، فإن كان للفاعل فهي مكسورة فتقديره مختير مثل مخترع ، وإن كان للمفعول فتقديره مختير مثل مخترع وعلى كلا التقديرين تنقلب الياء ألفا ولفظهما واحد ، ولكن تقدّر على الألف كسرة للفاعل وفتحة للمفعول وكذلك محمّر إن جعلته للفاعل كانت الراء الأولى مكسورة ، وإن جعلته للمفعول كانت مفتوحة فتسكّن الراء الأولى وتدغم في الثانية ويكون اللفظ واحدا والتقدير مختلفا وكذلك مقشعرّ.
مسألة : الأصل في مقام ومعاش مقوم ومعيش فتحرّكت الواو وانفتح ما قبلها في الأصل فقلبت ألفا ، وقد ذكرنا تتمّة هذا التعليل في يقال ويباع.
مسألة : الأصل في معيشة معيشة بكسر الياء على قول سيبويه ، وقد أجازوا أن يكون أصلها الضمّ فعلى تقدير الكسر قد نقلت كسرة الياء إلى العين إيثارا للتّخفيف ، وأمّا على تقدير الضمّ فإن حركة الياء نقلت إلى العين وأبدلت من ضمة العين كسرة فانقلبت الواو ياء لمجاورتها الطّرف وأنّ التّاء غير معتدّ بها فصارت مثل أدل وأحق وقال الأخفش لو كان الأصل الضمّ لبقيت الواو مثل معونة ومصوفة ، وإن كان هذا الاسم جمعا مثل : معايش جمع معيشة فالحكم كذلك.
وقال الأخفش : يجوز في الجمع أن يكون الأصل الضمّ فحوّل إلى الكسر والياء لثقل الجمع ، ومثل ذلك : محيص في أنّ الأصل محيص بالكسر مثل منزل ، وأمّا بيض فأصلها بوض مثل سود وحمر إلّا أنّ الياء في القياس نقلت واوا لسكونها وانضمام ما قبلها ، ولكنّهم خالفوا القياس فكسروا ليحصل الفرق بين بيض جمع أبيض وبيضاء وبين قولهم : دجاج بيض جمع بيوض إذا سكّنوا الياء قلبوها واوا.
مسألة : إذا وقعت الواو رابعة قلبت ياء ثم قلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، وأصل ذلك أن الفعل المعتلّ اللام إذا كانت لامه واوا وانكسر ما قبلها قلبت ياء للكسرة قبلها ، ثم يحمل الباب كلّه على ذلك نحو : أغزى يغزي وادّعى تدّعي والمصدر مغزى ومدعى
فالألف منقلبة عن ياء منقلبة عن واو وتقول في تراجى وتغازى أصل الألف ياء مبدلة من واو وإن لم يكسر ما قبل الطّرف ؛ لأن الأصل رجّى يرجّي ثم دخلت الزيادة عليه بعد استمرار الإبدال وكذلك تغازى وتعاطى.
مسألة : قد ذكرنا حكم الفعل المشدّد نحو : مدّ وشدّ وردّ ، وعلى قياسه يجب أن يكون استردّ واقشعرّ ؛ لأن الأصل استردد واقشعرر فنقلت حركة المثل الأوّل إلى السّاكن وأدغم في الذي بعده ، فإن وجب تسكين الثاني انفكّ الإدغام وعادت حركة الأوّل إليه نحو : استرددت واقشعررت ، فإن كان المثلان للإلحاق لم يدغم لئلا يبطل حكم الإلحاق ، وذلك نحو : قردد وهو ملحق بجعفر ، فلو أدغمت لسكّنت الأوّل وبطلت مماثلة هذا البناء لجعفر وكذلك اسحنلك واقعنسس هو ملحق باحرنجم.
مسألة : قد تنقل الحركة إلى ما بعدها لضرب من التخفيف أو المجانسة فمن ذلك قوله تعالى : (وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ) [النور : 52] تقرأ بكسر القاف وإسكان الهاء والأصل كسر ؛ لأنّها هاء الضمير إلّا أنّهم سكّنوا القاف والهاء أمّا الهاء فوقفوا عليها فسكّنت ، وأمّا القاف فخفّفوها كما سكّنوا التاء في كتف وشبّهوا المنفصل بالمتّصل فالتّاء والقاف والهاء مثل : كتف فلمّا اجتمع ساكنان حرّكوا القاف بالكسر ، وقد جاء في الشّعر والنثر فمن الشّعر قول الراجز :
قالت سليمى اشتر لنا سويقا
بسكون الراء كأنّه كان ترل مثل : كتف ففعل ما ذكرنا ، وقيل : نوى الوقف على اشتر ثم جعله في الوصل كذلك وقال آخر : [الطويل]
ألا ربّ مولود وليس له أب
وذي ولد لم يلداه أبوان
وإن كان الاسم على أكثر من أربعة أحرف لزم الحذف نحو : كينونة وديمومة من كان ودام ، وذلك لطول الاسم ، وقد جاء تاما في الشعر قال الراجز :
يا ليت أنّا ضمّنا سفنه
حتّى يعود الوصل كينونة
والأصل سكون الدّال للجزم ؛ إلّا أنّه حذف حركة اللّام فسكنت فانفتحت الدال لالتقاء الساكنين فمنه قوله تعالى : (وَأَرِنا مَناسِكَنا) [البقرة : 128] على قراءة من سكّن الراء ومن النثر قولهم : منتفخ ومنتصب بسكون الفاء والصاد.
مسألة : إذا اجتمعت الواو وسكّنت الأولى قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء الأخرى ، وقد ذكرنا علّة ذلك في البدل إلّا أنّ الاسم إذا كان على أربعة أحرف نحو : سيّد وميّت جاز فيه التّشديد وهو الأصل ، والتّخفيف بحذف الياء المنقلبة عن الواو ؛ لأنها قد غيّرت أولا بالإبدال فكانت أولى بالحذف ؛ لأن التغيير يؤنس بالتغيير ، وهذا يكثر فيما عينه واو لثقلها ، وقد جاء منه شيء في الياء فأمّا ريحان ففيه وجهان :
أحدهما : أصله روحان ، فقلبت الواو الساكنة ياء تخفيفا لانفتاح ما قبلها وشبهوها بالمتحركة في القلب كما فعلوا ذلك في آية وطائيّ.
والثاني : أصله ريّحان فيعلان من الرّوح ففعل فيه ما ذكرنا ، وأمّا شيبان ففيه الوجهان.
وقد جاءت الواو والياء غير مغيّرة قالوا : ضيون في السّنّور ، فتركوا القياس فيه تنبيها على الأصل ولقلّة استعمالهم إيّاه وقالوا في الأعلام : حيوة. والقياس : حيّة ، والأعلام يكثر فيها التغيير على ما بيّن في موضعه من النّداء والحكاية وغيرهما.
مسألة : إذا وقعت الواو ثانية بين ألف وكسرة في جمع أو مصدر قلبت ياء فالجمع مثل : حوض وحياض وقد ذكرنا علّته في البدل ، وأمّا المصدر فأبدلت منه الواو مثل حيال ؛ لأنه قد أعلّ في الفعل نحو حال فسرى الإعلال إلى المصدر فإن تحرّكت الواو في الواحد نحو : طويل لم تقلب في الجمع لقوّتها بحركتها في الأصل ، وقد جاء إبدالها في الشّعر فقالوا : طيال.
مسألة : إذا وقعت ألف التكسير بين واوين وجاورت الواو الطرف أبدلت همزة كقولك في جمع أوّل : أوائل ، وفي ذلك وجهان :
أحدهما : أنّه لمّا اجتمعت ثلاثة أحرف معتلّة غيّروا أحدها فرارا من الثّقل واجتماع ذرات العلل فكانت الأخيرة أولى بالتغيير لقربها من الطّرف ووقوع الثّقل بها لتكررها.
والثاني : أنّ الواو لو وقعت طرفا لغّيّرت فكذلك إذا جاورته ؛ لأن الجار يحكم عليه بحكم المجاور فإن اضطرّ شاعر إلى زيادة ياء بعد هذه الهمزة أقرّها ؛ لأن الزّيادة عارضة فحكم المجاورة باق وإن كانت الياء بعد الواو الثانية غير زائدة لم تهمز الواو لبعدها من الطّرف نحو : طواويس ، فإن حذفت هذه الياء لضرورة الشّعر لم تهمز الواو ؛ لأن الحذف عارض فحكم البعد عن الطّرف باق.
واختلفوا فيما اذا وقعت ألف التكسير بين ياءين أو ياء وواو نحو : عيلة وعيائل وسيّقة وسيائق ، فمذهب سيوبية همز الأخير كما ذكرنا في الواو.
وقال الأخفش : لا تهمز هنا ؛ لأن الياء أخفّ من الهمزة ومعها من جنسها والياء لم تبدل همزة بخلاف الواو ؛ فإنّها قد أبدلت في وجوه وصحراوات ، وحجّة سيبويه السّماع والقياس فالسّماع ما رواه المازني أنّه سأل الأصمعي عن جمع عيّل فجمع وهمز والظّاهر أنّه سمعه ، وأمّا القياس فإنّ العلّة التي أوجبت الهمز في الواوين موجودة ههنا.
مسألة : إذا جمعت صحيفة ورسالة وعجوزا على صحائف ورسائل وعجائز همزت حرف المدّ ؛ لأنه جاور الطّرف وقبله ألف والإعلال لازم فكأن همزها جعلها حرفا صحيحا وكان ذلك تغييرا لحرف العلّة وأشبه في ذلك العين في قائل وبائع.
مسألة : نقول في جمع خطيئة خطايا ، وفي كيفيّة التغيير أقوال :
أحدها : أنّك ليّنت همزة خطيئة فبقي مثل : عطيّة ، فلمّا جمعت زدت الف التكسير وهمزت الياء الأولى ووقعت الياء بعدها فصار اللفظ خطا ، أي مثل : عذراء وعذاري ، ثم أبدلت من الكسرة فتحة فانقلبت الياء ألفا ثم أبدلت الهمزة ياء ، وإنّما فعلوا ذلك فرارا من وقوع الهمزة بين ألفين ؛ لأن ذلك يصيّرها في تقدير ثلاث الفات أو ثلاث همزات ، وذلك مهروب منه وكانت الياء أولى من الواو ؛ لأنها أخفّ منها أو ؛ لأن أصلها الكسر وهو أشبه بالياء.
وقال الخليل : تجمع خطيئة على خطاأئى أي بهمزتين مثل سفائن فالهمزة الأولى مبدلة من الياء الزائدة والثانية لام الكلمة ثم قدّمت لام الكلمة على الهمزة الزائدة لتعود إلى أصلها وهي الياء ثمّ أبدل من الفتحة كسرة ومن الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ومن الهمزة ياء لما تقدّم ووزنه فعالى وفيه نقل وإبدال الهمزة المنقولة ياء وفتح المكسور وقلب الياء المتطرّفة ألفا وقلب الهمزة ياء وقال سيبويه كذلك إلا أنّه لم يقدّم شيئا على شيء.
مسألة : نقول في عطيّة ومطيّة عطايا ومطايا ، وقد أشرنا إلى كيفية تغييره وعلّة ذلك.
مسألة : تقول في جمع شاوية وراوية شوايا وروايا ، وكيفيّة ذلك أنّك جمعته على مثال فعائل مثل قائمة وقوائم فابدلت من الألف واوا وزدت بعدها ألف التّكسير وقلبت الواو التي هي عين همزة كما فعلت في عين قائمة فوقعت اللام وهي ياء هنا بعد الهمزة فصار شواأي ثم
أبدلت الكسرة فتحة ثم أتممت العمل كما ذكرنا في خطيئة فصارت شوايا على فواعل ، وهنا اتّفق الخليل وسيبويه ؛ لأن اللام لا زائد قبلها.
مسألة : تقول في معيشة : معايش بغير همز ووزنه مفاعل وإنما لم يهمزوا ؛ لأن الياء أصل وإنّما يهمز الزّائد للفرق ، وقد همزها بعض القرّاء شبّهها بالزائدة ، وقد خطّؤوه.
مسألة : فأمّا مدينة فإن أخذتها من دان يدين إذا أطاع فكأنّ أهل المدينة أطاعوا رئيسها فههنا لا تهمز ؛ لأنها مثل : معيشة وإن أخذتها من مدن بالمكان إذا أقام همزت ؛ لأن ياءها زائدة ومثلها معين إن أخذته من غاينت الشيء لم تهمز بل تقول معاين وإن أخذته من معن إذا أقام همزته لما تقدّم.
مسألة : الياء في مصيبة عين مبدلة من واو ؛ لأنه من صاب يصوب فجمعها يجب أن يكون على مصاوب بغير همز مثل مقام ومقاوم ، إلّا أنّ العرب همزتها على خلاف القياس وهذا خلاف تركهم الهمز في بريّة وخابية والنّبيّ فإنّ الأصل في ذلك كلّه الهمز ، وقد تركوه فكذلك همزوا في مصائب ما ليس أصله الهمز.
مسألة : إذا اعتلّت عين فعل نحو : قال وباع وخاف ، ثمّ بنيت منه اسم فاعل زدت عليه ألفا لتفرّق بين الاسم والفعل فتقع الألف المبدلة بعدها وهما ساكنتان وحذف إحداهما يخلّ بمعنى وتحريك الاولى يخرجها عن المدّ ولأنّه لا حظّ لها في الحركة فحرّكت الثانية ؛ لأنها تستحقّ الحركة في الأصل وكسرت على أصل التقاء السّاكنين ، وإذا حرّكت الألف انقلبت همزة لما ذكرنا في غير موضع فصار اللفظ به بائعا وقائلا وخائفا ويجوز تليين هذه الهمزة لتحرّكها ولا يجوز أن تجعل ياء خالصة ولا واوا ؛ لأن ذلك من حكم الحروف التي لم تعلّ نحو قولك : في صيد البعير وعورت عينه ؛ لأنها صحّت في الماضي فتصحّ في اسم الفاعل.
مسألة : إذا أدغمت الواو والياء فيما بعدهما ولم تكن مجاورة للطّرف تحصّنت من القلب نحو : اخروّط اخروّطا واجلوّذا اجلوّذا ، وكذلك فلان من صيّابة قومه أي من خيارهم ولو بنيت من صاد يصيد فعّالا لقلت صيّاد ولم تغيّر ؛ لأنها تحصّنت لدخولها في حمى حرف متحرّك ممتنع عن التّغيير ، وقد أبدل في بعض المواضع نحو : ديوان ، وقد ذكرناه في البدل ، فإن جاور الطّرف فقد جاء فيه الوجهان قالوا : صيّم وقيّم وصوّم وقوّم والإبدّال أقوى لمجاورة الطّرف
وهو محلّ التغيير والتصحيح على الأصل فقد قالوا فيما بعد عن الطّرف : نيّام ، والجيّد نوّام ، وطريق القلب أنّهم أبدلوا الواو الثانية ياء لقربها من الطّرف ولأنّها قد أبدلت في الفعل نحو : صام فاجتمعت الياء والواو وسبقت الأولى بالسكون ، فأبدلت ياء لما ذكرنا في موضعه وهذا البدل إنّما يجيء في الجمع لثقله وليس كذلك الواحد نحو : اخروّاط.
مسألة : إذا كانت عين الكلمة ولامها واوين نحو : جوي ودوي ، والأصل : جوو ودوو ؛ لأنه من الجوّ والدوّ قلبت الثانية ياء لئلا يجتمع المثلان ولم تدغم لثقل الواو والتّضعيف ولم تقلب الياء ألفا ؛ لأن ما قبلها مكسور فصار هذا الحكم مثل : شقي ورضي ، وهما من الواو لقولك في المصدر الشقوة والرّضوان وتقول في التّثنية جويا ، وفي الجمع : جووا فتحذف اللام هنا ؛ لأن أصله جويوا فاستثقلت الضمّة على الياء فسكّنت وبعدها واو الجمع ساكنة فحذفت الياء لالتقاء السكاكين وبقيت الواو لتدلّ على الجمع ثم ضمّت الواو التي هي عين تبعا لواو الضمير ولأنّها حرّكت بحركة الياء المحذوفة ونطيرها من الصّحيح العين عموا ونسوا ورضوا.
مسألة : فإن كانت العين واللّام ياءين نحو : حيي وعيي ففيه وجهان : التّصحيح الأصل والإدغام نحو : حيّ وعيّ فرارا من اجتماع الأمثال وطريقه أنّه سكّن الأوّل ليصحّ إدغامه وحمل على الصّحيح نحو : ضنّ بالشيء ، وأصله : ضنن مثل بخل ، فعلى هذا إن لحقته ألف التّثنية أو واو الجمع قلت على الوجه الأوّل حييا فجمعت بينهما ؛ لأنه موضع يجب فيه تحريك الحرفين ومع الواو حيّوا وعيّوا فتحذف الثانية لثقل الضمّة عليها كما ذكرنا في جووا.
وعلى اللغة الثانية وهو الإدغام حيّا وعيّا وحيّوا وعيّوا بالتّشديد فيهما مثل شدّا وشدّوا ، فإن بنيت هذا الفعل لما لم يسمّ فاعله انبنى ذلك على اللغات الثلاث في قيل فتقول على اللغة المشهورة : حيّ وعيّ ، فتنقل كسرة الياء الأولى إلى الحرف الأوّل وتدغم وإن أشرت هناك أشرت ههنا وإن جعلته مثل قول قلت : حيّ وعيّ ، فالأوّل مضموم والياء الأولى سكّنت وأدغمت في الثانية ، فإن عدّي هذا الفعل بالهمزة وهو لما لم يسمّ فاعله ، قلت على لغة التصحيح : أحيي وأعيي ، وفي الجمع : أحيّوا وأعيّوا فحذفت الياء الثانية لما تقدّم ، وعلى لغة من أدغم أحيّ مثل أقرّ ومع واو الجمع أحيّوا مثل : أقرّوا ، فإن سمّيت الفاعل قلت : أحيى
فأبدلت الياء الثانية ألفا لتحركها وانفتاح الياء الأولى وتقول مع واو الجمع أحيوا فتحذف الألف لسكونها وسكون واو الجمع وتبقى فتحة الياء تدلّ عليها. ومثل ذلك : استحيى وتحيّى ، وتقول في مستقبله : يستحيي بياءين من غير حذف ولا إدغام أمّا الحذف فلا حاجة إليه ؛ لأن الياء الثانية ساكنة مثل ياء يرمي ، وأمّا الاولى فقبلها ساكن فلم تثقل ، وأمّا الإدغام فممتنع أيضا ؛ لأنه لو أدغمت لضممت فكنت تقول تستحيّ مثل تستعدّ وهذا مستثقل جدّا فتحرّزوا منه بفكّ الإدغام ، وقد قال بعضهم استحيت منك بياء واحدة ساكنة وفتح الحاء وهو ضعيف ووجهه من طريقين :
أحدهما : أنّه نقل فتحة الياء الأولى إلى الحاء فانفتحت الحاء وسكّنت الياء وقلبها ألفا وبعدها ياء ساكنة فحذفت الألف لالتقاء السّاكنين ، ومنهم من قال : اجتمعت الياءان ساكنتين فحذفت الأولى ونظيره قولهم : مست وظلت وحست في مسست وظللت وحسست فسكّن السين الأولى واللام الأولى ثم حذفها لالتقاء الساكنين وبقيّ الأوّل مفتوحا ، ومنهم من ينقل هذه الكسرة إلى الأوّل فيكسره فيقول : مست.
والطريق الثاني : أن تكون الياء الأولى قلبت الفا لتحرّكها الآن وانفتاح ما قبلها في الأصل كما ذكرنا في استقام ، فإذا سكّنت الياء الثانية من أجل الضّمير حذفت الألف لالتقاء السّاكنين فقال استحيت مثل استقمت وهذا أضعف الوجهين.
مسألة : قد جاء من الأفعال ما عينه ولامه ياءان نحو حييّ وعييّ لا خلاف في ذلك وهذا علم بالسّبر والتقسيم.
فأمّا (السّبر) فإنّا سبرنا جميع أبنية الفعل فلم نجد فيها ما عينه ولامه واو بل وجدنا عكس ذلك وهو ما عينه واو ولامه ياء نحو : طويت وشويت ولو كان حيي منه لقلت حويت ووجدنا ما عينه ولامه واوان ولو كانت حييت منه لقلت حويت أيضا كما قالوا قويت من القوّة فثبت بهذا أنّ الياءين أصلان.
فأمّا (الحيوان) فقال المازنيّ الواو أصل غذ لا موجب لانقلابها عن شيء وزعم أنّ هذا الأصل لم يشتقّ منه فعل بل هو كقولهم : فاض الميت فيضا وفوضا فالياء توحّد في التصريف
والواو لم يجيء منها فعل. وقال الباقون : أصل الواو ياء قلبت واوا لئلا تلتبس بالمثنّى وهو مثل جبيت الخراج وجبوته لغتان والياء هي المتصرّفة وأمّا حيوة ففيه شذوذ من وجهين :
أحدهما : قلب الياء واوا. والثاني : ترك الإدغام ، وقد ذكرنا وجه ذلك في موضعه.
مسألة : وممّا جاء عينه ولامه واوان الحوّة والقوّة فلو بنيت من هذا فعلا ثلاثيا قلت : حوي وقوي فأبدلت الواو الثانية ياء لانكسار ما قبلها ، فإن بنيت منه افعلّ مثل احمرّ قلت حوّى بواو مشدّدة مثل قوّى وسوّى وأصله احووو مثل أصل احمرّ فنقلت فتحة الواو الأولى إلى الحاء واستغني بذلك عن همزة الوصل وأدغمت الواو المسكّنة في الثانية وأبدلت الثالثة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت حوّى وإنما فعلوا ذلك لأنّهم لو بقّوا الكلمة على أصلها لقالوا يحووّ في المضارع فضمّوا الواو وهذا لا يجوز في الأفعال فأصاروه بالتغيير إلى ما يجوز.
فأمّا مصدر هذا الفعل فقياسه أن يفكّ فيه الإدغام وتقلب الألف همزة ؛ لأن الواو وقعت طرفا بعد ألف زائدة وهي الحادثة في المصدر فصار احوواء فنقلت كسرة الواو الأولى إلى الحاء واستغني عن همزة الوصل ففيه بعد هذا مذهبان :
أحدهما : حيواء قلبت الواو السّاكنة ياء لوقوعها بعد كسرة ولم تدغم فيما بعدها ؛ لأن سكونها عارض.
والمذهب الثاني : حوّاء ؛ لأن الواو لما سكّنت أدغمت في الأخزى فإن بنيت منه أفعال مثل احمار قلت : احواوى لأنّك لو أخرجته على الأصل لضممت الواو في المستقبل ، وذلك مرفوض فقلبت الواو الأخيرة ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ولم يحتج إلى تغيير آخر فالواو الأولى عين الكلمة والألف بعدها الزائدة والواو الثانية لام الكلمة والألف الأخيرة منقلبة عن الواو المكرّرة فأمّا مصدر هذا الفعل ففيه وجهان :
أحدهما : احويواء ، فالواو الأولى عين والياء منقلبة عن الألف الزائدة ولم تدغم فيما بعدها ؛ لأنها غير لازمة والواو الثانية لام والأالف التي بعدها الزائدة في المصدر قبل الطّرف والهمزة بدل من الواو المتطرّفة.
والوجه الثاني : احويّاء ؛ لأن الواو والياء اجتمعا وسبقت الأولى بالسّكون ففعل فيها ما هو القياس في نظائرها.
مسألة : إذا كانت العين واللّام معتلّتين ودعت الحاجة إلى التّغيير فالقياس تصحيح الأوّل لبعده عن الطّرف وإعلال الثاني لتطرّفه ، وذلك مثل : حوى يحوى وطوى يطوي ، وقد جاء عكس ذلك قالوا غاية والأصل غيبة فأعلّوا العين وصحّحوا اللام وكذلك ثاية وراية وكأنّهم راعوا الطّرف من أجل الإعراب.
مسألة : في أصل آية أربعة أقوال :
أحدها : قول سيبويه هي فعلة بسكون العين فلو خرج على الأصل لكان أيّة فقلبت ألفا لثقل التّضعيف ولئلا تلتبس ب (أيّة) التي للاستفهام عن المؤنث.
والقول الثاني : أصلها فعلة بفتح العين فقلبت ألفا لوجود علّة ذلك.
والقول الثالث : أصلها آيية مثل ضاربة فكان القياس أن تقول آيّة مثل دابّة فحذفت الياء الأخيرة تخفيفا وهو قول الكسائيّ ووزنها على هذا فاعة.
والقول الرّابع : أصلها أيية مثل كلمة فقلبت ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
مسألة : إذا كانت عين الثّلاثي ياء ساكنة وجعلتها صفة أقررتها نحو : طيبى وكيسى وإن جعلتها اسما ضممت الأوّل فصارت الياء واوا ، مثل : طوبى وكوسى ليفرق بين الاسم والصفة وكان التغيير بالاسم أولى ؛ لأنه أخفّ من الصفة فإن كانت اللام ياء وكان ذلك صفة على فعل بفتح الأول أقررتها نحو : الخزيا والصّديا ، وإن كانت اسما مثل التّقوى والشّروى قلبت الياء واوا للفرق أيضا فإن كانت الكلمة على فعلى بضمّ الأوّل واللام واو أقررتها في الاسم مثل حزوى وأبدلتها في الصّفة نحو : الدّنيا والعليا للفرق أيضا.
فإن قيل : قلم غيّرت هنا في الصفة وهناك في الاسم؟
قيل : فعل ذلك إيثارا للتخفيف ، وبيانه من وجهين :
أحدهما : أن فعلى مضمومة الأوّل.
والثاني : أنّ الواو أثقل من الياء فجعل في الاسم ؛ لأنه أخفّ.
وأمّا الصّفة فثقيلة حوّلت فيها الواو إلى الياء ؛ لأنها أخفّ بخلاف فعلى فأمّا قصوى فهي صفة ، وقد خرجت على الأصل وهو شاذّ منبه على الأصل في الجميع ، ومثله في المفتوح ريّا
وكان القياس في الاسم روّى وفي الصفة ريا ، ولكنه جاء بالعكس على الشّذوذ ، وكذلك العوّى وهي من عوى يده يعويها إذا لواها فالعوّى نجوم مجتمعة.
فهي من هذا الأصل وكان القياس عيّا في الصفة فسوى بينهما هذا على لغة من قصر ، ومنهم من يمدّها وكان قياس ذلك أن يقول عياء ؛ لأن الاسم هنا تقلب فيه الواو ياء وأجود ما قيل فيه أن تكون الألف نائة عن إشباع فتحة الواو فوقعت ألف التأنيث بعدها فقلبت همزة.
مسألة : إذا كانت لام فعلاء الممدودة واوا صحّت في الصّفة نحو : القنواء والعشواء ، وإن كانت اسما قلبت ياء نحو : العلياء اسم موضع وفعلوا ذلك للفرق أيضا فأخرجوا الصّفة على الأصل مثل : خزيا وغيّروا في الاسم مثل تقوى وليست العلياء تأنيث الأعلى لتكون صفة ؛ لأن تأنيثه عليا بالضمّ والقصر الفضلى والوسطى ولو كان صفة لكان علواء مثل : قنواء.
مسألة : ليس في الكلام ما فاؤه ولامه واوان إلّا قولهم : واو وهذا الحرف اختلف في الألف التي بينهما فقال قوم أصلها ووو فتكون الكلمة كلّها من مكرّر الواو كما جاء في بيّة وفي قولهم : هذا الشيء ببّان ، فإنّ الكلمة مركّبة من تكرير الباء وحجّة هذا القائل أنّه وجد الألف في قولك : كاف ودال ونحوهما منقلبة عن واو لقولهم : كوّفت كافا ودوّلت دالا وهذا القياس في ميم وجيم إلّا أنّ الواو قلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
وقال آخرون : أصل الألف في الواو ياء فرارا من تجانس الثّلاثة وليس كذلك في بقية الحروف ، فإنّه لا يلزم من جعل الألف عن واو اتّحاد الحرف ، وقد جاءت الفاء واللام ياءين مثل يديت ، وقد تقدّم ذكره ، وقد جاءت العين واللّام ياءين على ما ذكرنا في حيي ، وقد جاءتا واوين نحو : قوّة وحوّة ، وقد جاءت العين واوا واللام ياء نحو طويت وشويت وهو الأكثر ، وقد جاءت الفاء واوا واللام ياء نحو وقيت ووفيت ولم يأت ما عينه ياء ولامه واو البتة إلّا ما قاله أبو عثمان في الحيوان ، وقد ذكرناه قبل.
مسألة : إذا وقعت الواو والياء طرفا بعد ألف زائدة قلبتا همزة ، وقد ذكرنا علّة ذلك وكيفيّته في باب الإبدال ، فإن وقعت تاء التّأنيث بعدها فمن العرب من يبقي الهمزة لوجهين :
أحدهما : أنّه شبّه ذلك بقائل وبائع لمجاورته الطّرف.
والثاني : أنّه أبدل قبل دخول تاء التأنيث ، ثمّ أدخل تاء التأنيث بعد ذلك فلم يغيّر ، ومنهم من يجعلها واوا أو ياء عباية وشقاوة ؛ لأنها ليست الآن طرفا.
مسألة : الأصل في طاغوت : طغيوت ؛ لأنه من طغى يطغى طغيانا ، ثمّ قدّمت الياء قبل العين وقلبت ألفا لوجود شرط القلب فوزنه الآن فلعوت محوّل عن فعلوت مثل ملكوت ، وقيل : أصل الألف واو وهي لغة في طغا ؛ ولذلك تقول في الجمع : طواغيت ، وعلى القول الأوّل تكون الواو مبدلة من الألف ؛ لأنها في اللفظ تشبه ألف فاعل.
وأمّا (طالوت) فوزنه إذا جعل عربيا : فعلوت من طال يطول فلا قلب فيه.
وأمّا (جالوت) فيحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون من جال يجول فيكون وزنه فعلتا فعلوتا.
والثاني : أن يكون من جلا يجلو فيكون مقلوبا ووزنه فلعوت مثل طاغوت.
اعلم أنّ التصريفيين ذكروا من هذا الفنّ أمثلة كثيرة قصدوا بها إثبات علم التّصريف في الأذهان بالرّياضة والعمل ، وذلك أدعى إلى ترسّخ هذا العلم في القلب كما أنّ الحاسب لا يحكم علم الحساب إلّا عمل وتدرّب على العمل ، والأصل في ذلك أنّك إذا قلت : ابن من كذا مثل كذا معناه أن تأخذ الحروف الأصول من الكلمة المطلوب بناؤها فتقابل بها الفاء والعين واللام ثم تغيّر الكلمة المذكورة بالحركة أو السّكون أو الزيادة ما تماثل به الكلمة المطلوب مماثلتها وما كان فيها من زيادة تأتي به في المثال بعينها.
فصل : ولا يبنى من الشّيء مثله من كلّ وجه فلو قال : ابن من غزا مثل ضرب لم يجز ؛ لأن مثال غزا ضرب فهو مبنيّ على مثاله قبل سؤاله ، ويجوز أن يبنى من الثلاثيّ ثلاثيا يخالفه في شيء ما ، ومن الثّلاثي رباعيا وخماسيا وتكرّر فيه ما تكرّر في المطلوب مثاله ولا يبنى من رباعيّ ولا خماسيّ أقلّ منه ؛ لأن ذلك نقض لا بناء وسنذكر على ذلك أمثلة تكشف المقصود إن شاء الله تعالى.
مسألة (1): إذا قيل : ابن من ضرب مثل علم أو ظرف أو كلّم ، قلت : ضرب وضرب وضرّب فإن قال : ابن منه مثل دحرج قلت : ضربب فكررت الباء ؛ لأنها لام الكلمة كما أنّ دحرج مكرّر اللّام ، فإن بنيت منه مثل درهم قلت : ضربب فجعلت حركات البناء وسكناته مثل حركات درهم وسكناته وإن بنيت منه مثل سبطر قلت : ضربّ ومثل زبرج ضرب ومثل جخدب ضربب فأمّا جخدب بفتح الدال ، فعلى الخلاف يجوز عند الأخفش أن تقول : ضربب ولا وجود لهذا المثال عند سيبويه ، وإن بنيت منه مثل سفرجل قلت : ضربب هذا تسوق بقية الأمثلة.
وتقول في مثال : جوهر وصيرف وحاتم ضروب وضيرب وضارب ، وهكذا في جميع الزّيادات تأتي بها بعينها إلّا أن يمنع من ذلك مانع مثاله إذا قيل ابن من ضرب مثل عنسل لم تقل ضنرب ؛ لأن النّون الساكنة تدغم في الرّاء لقربها منها في المخرج ، وإذا أدغمتها لم يكن
1) للماضي من الأفعال خمسة وثلاثون وزنا. ثلاثة منها للثّلاثيّ المجرّد ، واثنا عشر للثلاثيّ المزيد فيه ، وواحد للرباعي المجرّد ، وسبعة للملحق به ، وثلاثة للرباعي المزيد فيه ، وتسعة للملحق به.
فصل بين ما تزاد فيه النون وبين ما تكررت فيه العين وكذلك إن قال : ابن من علم مثل عنسل لأنّك لو فعلت ذلك لقلت علّم ، وإن أظهرت النّون خالفت باب الإدغام وكذلك إن بنيت منه مثل عمل ؛ لأن النون الساكنة تدغم في الميم وهذا يتضح كل الاتضاح في باب الإدغام وسنذكره إن شاء الله تعالى ، وإنّما تقع الصّناعة فيما بني من المعتلّ وما يشبهه وعليه أكثر المسائل.
إذا قيل : ابن من قرأ مثل : دحرج (1)أو جعفر قلت : قرأا فقلبت الهمزة الثانية ألفا لثقل الجمع بين الهمزتين ، وكانت الألف أولى لسكونها وانفتاح ما قبلها ، فإن بنيت مثل درهم أبدلت الهمزة أيضا إلّا أنك تكسر أوله فإن بنيت منه مثل : زبرج قلبت الثانية ياء لانكسار ما قبلها فتصير في الإعراب مثل قاض.
وإن بنيت مثل : برثن فقلبت الثانية ياء وكسرت الهمزة الأولى لتصير إلى مثل أدل ، ولو قيل : تبدل الثانية واوا ثمّ تغيّر تغيير أدل لكان وجها من أجل الضمّة الأولى ، فإن بنيت منه مثل جردحل صار معك ثلاث همزات الأولى مفتوحة والثانية ساكنة والثالثة طرف فتدغم الساكنة في التي بعدها ثم تغّير ذلك لاجتماع الهمزات بأن تقلب الهمزة السّاكنة ياء لتحجز بين الهمزتين وتكسر الأولى تبعا للياء ولا تغيّر الأولى ولا الثانية لأنّك أيّهما غيّرت بقيت همزتان لا فاصل بينهما.
وإن بنيت مثل (سفرجل) قلت : قرأيأ فأبدلت الوسطى المفتوحة ياء وبقيت قبلها همزة ساكنة ولم يغيّر غيرها لما تقدّم ، فإن بنيت منه مثل : جحمرش ، قلت : قرأإء فأبدلت الثّانية ياء ثم قلبتها ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، فإن بنيت منه مثل : جحنفل ، قلت : قرأيأ فقلبت الثانية ياء ثم ألفا لما تقدّم.
مسألة : إذا بنيت من قال وباع مثل : كتف ، قلت : قال وباع فقلبتهما ألفا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما وإن جعلتهما على قول من سكّن التّاء من كتف قلبتهما أيضا ؛ لأن التّغيير عارض.
1) إن كانت أحرف الموزون الأصليّة أربعة ، فتكرّر لام الميزان ، فيقال في وزن دحرج «فعلل» والمزيد في منه تكرّر لامه أيضا ، كما تكرّر في الأصليّ ، فتقول في وزن احرنجم «افعنلل» وفي وزن اقشعرّ «افعللّ».
وإن بنيت منهما مثل : جعفر ، قلت : قولل وبيعع فلم تغيّر.
وإن بنيت من غزا ورمى مثل : كتف ، قلت : غز ورم فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلهما فصار مثل شج وعم.
وإن بنيت منهما مثل : درهم ، قلت : غزوا ورميا فقلبت الثانية ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ولم تغيّر الأولى لسكون ما قبلهما ومثله إن بنيت منهما مثل جعفر.
فإن بنيت منهما مثل : سفرجل ، قلبت الأخيرة ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ولم تغيّر الأولى ولا الثّانية للتحصّن بالإدغام فتقول غزوّا فإن بنيت مثل جحمرش ففيه وجهان :
أحدهما : غزوو فقلبت الثالثة ياء لكونها طرفا بعد كسرة.
والثاني : غزواو فتقلب الوسطى ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ولم تغيّر الأولى لسكون ما قبلها وما بعدها وإلّا تجمع بين إعلالين وكلّ من هذه علّة مستقلّة فكيف إذا اجتمعت ولم تغيّر الاخيرة ؛ لأن قبلها ألفا أصلية فليست مثل كساء ورداء.
مسألة : إذا بنيت من غزا وعفا مثل : صمحمح ، قلت : غزوزى وعفوفي فكرّرت العين واللام وقلبت الواو الأخيرة الفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
فإن بنيت من غزا مثل : عنكبوت ، قلت : غزوووت على الأصل ثم تقلب الواو الوسطى المضمومة ياء وتحذفها لئلا تجتمع ثلاث واوات ، ومثل ذلك لو بنيت مثله من رميت لقلت رميوت فحذفت الياء الثانية لئلا تجتمع ياءان بعدهما واو ، وإن شئت حذفت واو غزوووت من غير قلب وهو أوجه.
مسألة : فإن بنيت من أوى مثل : عنكبوت ، كان في الأصل أوييوت فتكرّر الياء ، وقد اجتمعت الواو والياء وسبقت الاولى بالسّكون فتقلبها ياء وتدغمها في الياء الأخرى فتصير أيّيوت ثم تحذف الياء الأخيرة لئلا تجتمع ثلاث ياءات فبقي أيّوت ، فإن بنيت مثله من وأى كان الأصل وأييوت فتحذف الياء الثانية فيبقى وأيوتا ، فإن بنيت مثله من آءة وهي شجرة فالأصل أن تقول أوءؤوت بهمزتين بعد الواو الأولى فتقلب الهمزة الآخرة ياء ثمّ تحذفها فيبقى أوءوت.
مسألة : فإن بنيت من حيي مثل : عصفور ، قلت : حيويّ على لفظ النسب والأصل حيّوي بثلاث ياءات فأدغمت الأولى في الثانية لسكونها واجتمعت الواو والياء الأخيرة وشرط القلب فيها موجود فصار اللفظ بها حيّيّا بياءين مشدّدتين فقلبت الثانية واوا فصار حيويّا مثل : أمويّ ، فإن بنيت مثلها من وأى فالأصل أن تقول ويؤوي فلام الكلمة ياء فتجتمع الواو والياء والأولى ساكنة فتصير إلى الياء المشددة والياء الأولى خفيفة مضمومة فيصير ويؤيّ ، فإن بنيت مثلها من أوى قلت : أيّيّ ثم تصير إلى لفظ النسب فتقول أيويّ.
قد ذكرنا في أوّل الكتاب : أنّ المقصور لا يكون إلا في المعرب ، فإن سمّي شيء من المبنيات مقصورا أو ممدودا فعلى التجوّز لوجود مدّ الصوت فيه أو قصره واعلم أنّ كثيرا من الممدود والمقصور لا يعرف إلّا سماعا ، والمرجع في ذلك إلى كتب اللغة ، وإنما يذكر في هذا الباب ما يعرف به المقصور والممدود من المقاييس ، والأصل في ذلك أن تحمل الكلمة التي تشكّ في قصرها أو مدّها على نظيرها من الصحيح ، فإن كان قبل الحرف الصحيح المقابل لألف الكلمة التي يشكّ فيها ألف فهي ممدودة وإلا فهي مقصورة إلّا أن يردّ السّماع بذلك ، وإن لم يجز أن تكون قبله ألف فهو مقصور البتة (1)
ولا تكون ألفه أصليّة أبدا وإنما تكون منقبلة ، أو مزيدة.
والمنقلبة ، إما منقلبة عن واو كالعصا ، وإما منقلبة عن ياء كالفتى ، فإنك تقول في تثنيتهما «عصوان ، وفتيان».
والمزيدة ، إما أن تزاد للتأنيث كحبلى وعطشى وذكرى ، فإنها من الحبل والعطش والذكر. وإما أن تزاد للإلحاق كأرطى وذفرى. الأولى ملحقة بجعفر والأخرى ملحقة بدرهم. وتسمى هذه الألف «الألف المقصورة».
.أمثلة ما يعرف به المقصور وهي أربعة :
الأوّل : المصدر ، وشرطه : أن يكون فعله على فعل يفعل فهو أفعل أو فعل أو فعلان فالأوّل العشي والعمى ؛ لأن فعلهما عشي وعمي يعشى ويعمى فهو أعشى وأعمى.
والثاني : الصّدى والطّوى ؛ لأن فعلهما صدي وطوي يصدى ويطوى فهو صديان وطيّان.
والثالث : الهوى والرّدى ؛ لأن فعلهما هوي وردي يهوى ويردى فهو هو ورد ، ونظير ذلك كلّه من الصحيح قرع يقرع قرعا فهو أقرع وعطش يعطش عطشا فهو عطشان ونصب ينصب نصبا فهو نصب.
ومن شروط المصدر المقصور أيضا أن يكون على مفعل بفتح الميم ثلاثيا كان أو أكثر نحو المسرى والمدعى ؛ لأن نظيره من الصّحيح المضرب والمقتل ومن الزائد أعطى معطى واستدعى
1) الاسم المقصور : هم اسم معرب آخره ألف ثابتة ، سواء أكتبت بصورة الألف كالعصا ، أم بصورة الياء كموسى.
مستدعى ونظيره من الصحيح أخرج مخرجا واستكرم مستكرما ولفظ هذا المصدر على لفظ اسم المفعول ومن شروطه أنّ كلّ مصدر كان على فعّيلى فهو مقصور نحو الخلّيفى والخطّيبى وأما أي الخلافة والخطابة ، وأمّا الخصّيصى فمقصورة وحكى الكسائي فيها المدّ وهو بعيد ، والله أعلم.
فصل : والقسم الثاني : من أقسام المقصور اسم المفعول وهو كلّ معتلّ اللام زائد على ثلاثة أحرف فاسم المفعول منه مقصور نحو : أعطي فهو معطى وحلّي هو محلّى وعوفي فهو معافى واستدعي فهو مستدعى واشتري فهو مشترى ؛ لأن نظائر هذه المصادر من الصحيح ليس قبل آخره ألف.
فصل : وأمّا القسم الثالث : فمما جاء من الجموع مقصورا.
أمّا ما كان من المفردات على فعلة مثل عروة أو على فعلة مثل : لحية وكسوة فجمعه مقصور ، نحو : عرى ولحى وكسى ومن الجموع المقصورة ما كان واحده على فعيل أو فاعل أو فعل أو أفعل ما كان آفة أو علّة نحو : جريح وجرحى ومريض ومرضى وأسير وأسرى وهالك وهلكى ومائق وموقى وزمن وزمنى ووجع ووجعى وأحمق وحمقى وأنوك ونوكى نعوذ بالله منها.
فصل : وأمّا القسم الرابع : فمما جاء من نحو : القهقرى والجمزي والبشكى والخوزلى ، وهذا أكثر ما يكون فيما كانت حروفه الصحيحة كلّها متحركة ؛ لأنه جاء في المصادر على نحو مجيء النّزوان والغليان.
فصل : وأمّا الممدود (1)
وإمّا أن تكون مبدلة من واو أو ياء. فالمبدلة من الواو مثل «سماء وعدّاء» وأصلهما «سماو وعدّو» لأنهما من «سما يسمو ، وعدا يعدو». والمبدلة من الياء ، مثل «بنّاء ومشّاء» ، وأصلهما «بناي ومشاي» لأنهما من «بنى يبني ، ومشى ويمشي». وإما أن تكون مزيدة للتأنيث كحسناء وحمراء ، لأنهما من الحسن والحمرة.
وإما أن تكون مزيدة للإلحاق كحرباء وقوباء.
المعروف من جهة القياس ، اعلم أنّ الممدود كلّ اسم آخره همزة قبلها ألف وهذه الهمزة على أربعة أوجه :1) الاسم الممدود هو اسم معرب ، آخره همزة قبلها ألف زائدة ، مثل «السّماء والصّحراء». (فان كان قبل آخره ألف غير زائدة فليس باسم ممدود ، وذلك مثل «الماء والداء». فهذه الألف ليست زائدة ، وانما هي منقلبة. والاصل «موء ودوء». بدليل جمعهما على «أمواء وأدواء»). وهمزته إمّا أن تكون أصلية ، كقرّاء ، ووضّاء لأنهما من «قرأ ووضوء».
أحدها : أن تكون أصلا نحو : قرّاء ووضّاء ؛ لأنه من قرأ ووضؤ.
والثاني : أن تكون مبدلة من أصل نحو : كساء ورداء ؛ لأنه من الكسوة والرّدية.
والثالث : أن تكون بدلا من ملحق نحوك حرباء وعلباء ، هو ملحق بسرداح وسربال.
والرابع : أن تكون للتأنيث نحو : حمراء وصحراء.
والممدود من هذا الباب على أربعة أقسام :
أحدها : في المصادر وهو كلّ مصدر ماضيه أربعة أحرف على أفعل معتلّ اللام فهو ممدود نحو أعطى إعطاء وأغنى إغناء ؛ لأن نظيره من الصحيح أحسن إحسانا وأكرم إكراما فقبل آخره ألف زائدة.
ومن المصادر الممدودة ما كان فعله على أكثر من أربعة أحرف وفي أوّله همزة وصل ومن معتلّ اللّام نحو : اعتلى اعتلاء وارعوى ارعواء وانشوى اللحم انشواء واستدعى استدعاء واحرنبى الديك احرنباء واقلولي اقليلاء وكذلك الباقي ؛ لأن نظيرها من الصحيح قبل آخره ألف نحو الانطلاق والاحمرار وما أشبهها.
ومن المصادر الممدودة ما كان فعله المعتلّ اللام على فاعل نحو : رامى رماء ووالى ولاء ؛ لأن نظيرهما من الصحيح قاتل قتالا ومن المصادر الممدودة ما كان صوتا معتلا على فعال نحو : الدّعاء والثّغاء والعواء ؛ لأن نظيرها من الصحيح الصّراخ والنّباح وعلى فعال النّداء والنّزاء ، فأمّا البكاء فهو صوت ، وقد جاء فيه المدّ والقصر.
ومن المصادر الممدودة ما كان على تفعال نحو : التّقضاء والتّشراء ؛ لأنه نظير التكرار والتّسيار.
فصل : والقسم الثاني : من الممدود ما يستدلّ عليه بالجمع.
كلّ جمع على أفعلة من المعتلّ اللام فواحده ممدود نحو هواء وأهوية وخباء وأخبية ؛ لأن نظيرهما من الصحيح قبل آخره ألف نحو : حمار وأحمرة وقذال وأقذلة فأما أندية في جمع ندى فالوجه فيه أنه جمع ندى على نداء مثل جبل وجبال ثم جمع الجمع على أفعلة.
ومن الجموع الممدودة : ما كان على فعال وأفعال نحو : ظبي وظباء واسم وأسماء وحيّ وأحياء ؛ لأن نظيرها من الصحيح أجمال وأكباد وأحمال.
ومن الجموع الممدودة : كلّ ما كان واحده على فعيل مضاعفا أو معتلا فجمعه على أفعلاء وهمزته للتأنيث نحو : شديد وأشدّاء وغنيّ وأغنياء وصفيّ واصفياء ونبيّ وأنبياء.
ومن الجموع الممدودة : ما كان على فعلاء نحو : علماء وظرفاء ، فهذا مختصّ بما كان واحده مذكرا نحو : فعيل غير مضاعف ولا معتلّ نحو عليم وظريف ، وقد جاء منه في المؤنث حرفان قالوا : امرأة سفيهة وسفهاء وفقيرة وفقراء فأمّا خليفة فقد يجمع على خلفاء وهو للمذكر وفيه وجهان :
أحدهما : أنّه لما اختصّ بالمذكّر كان بمنزلة ما لا تاء فيه.
والثاني : أنّه يجمع على خليف ثم يقال : خلفاء فعلى هذا هو من الباب وأمّا خلائف فجمع خليفة أيضا وهو القياس نحو : كريمة وكرائم.
فصل : والقسم الثالث : من الصّفات كلّ مؤنث مذكّره أفعل لا تلزمه الألف واللام ولا تدخل عليها تاء التأنيث ولا هو بمعنى أفعل من كذا فهو ممدود نحو : أحمر وحمراء وأصفر وصفراء.
فصل : والقسم الرّابع من الأسماء الخارجة عمّا ذكرنا نحو : صحراء وخنفساء وما أشبه ذلك كلّها ممدودة.
وأمّا ما يدرك بالسّماع فما عدا ما ذكرنا ، والله أعلم.
اعلم أنّ الهمزة نبرة تخرج من أقصى الحلق يشبه صوتها التهوّع ومن هنا شقّ النطق بها والنطق بحروف الحلق أخفّ من النّطق بها واشقّ من النطق بحروف الفم والشفتين ؛ ولهذا السبب جوّزت العرب في الهمزة ضروبا من التخفيف وهو التخفيف القياسيّ والإبدال على غير قياس والحذف ، واعلم أنّ الهمزة حرف صحيح يثبت في الجزم نحو : لم يخطئ ولم يقرأ.
فصل : ولا تخلو الهمزة من أن تكون مفردة أو تلقاها همزة أخرى ، فإن كانت مفردة أولا جاز تخفيفها ، وقد أبدلت في مواضع ذكرناها في باب الإبدال فأمّا جعلها وهي أوّل بين بين فلا يجوز ؛ لأن ذلك تقريب لها من الألف والألف لا يبتدأ بها.
فصل : فإن وقعت حشوا ساكنة جاز تخفيفها على الأصل وتخفيفها بأن تبدل حرفا مجانسا لحركة ما قبلها فتبدل بعد الفتحة ألفا نحو : راس وباس ، وبعد الكسرة ياء نحو : الذّيب والبير وبعد الضمّة واوا نحو : بوس وموس.
فصل في الهمزة المتحركة : وهو على ضربين :
أحدهما : أن يسكّن ما قبلها.
والثاني : أن يتحرك.
والأول على ضربين :
أحدهما : أن يكون الساكن قبلها حرف مدّ وما جرى مجراه.
والثاني : غير حرف مدّ.
فحرف المدّ الواو الزائدة المضموم ما قبلها والياء الزائدة المكسور ما قبلها والهمزة بعدهما يجوز تخفيفها وتخفيفهما وبأن تبدل واوا بعد الواو ؛ لأنها تجانس ما قبلها وما قبل قبلها وهو الضمّة نحو مقروءة وقروء وتقول فيهما مقروّة وقروّ ، وإن وقعت بعد الياء قلبتها ياء للعلّة المتقدّمة تقول في نحو : خطيئة خطيّة ، وفي النسيء نسيّ وما جرى مجرى حرف المدّ ياء التصغير ؛ لأنها زائدة لا تتحرك وهي نظير ألف التكسير تقول في تصغير أفؤس جمع فاس أفيّس.
فصل : فإن وقعت الهمزة المتحرّكة بعد الألف جاز تخفيفها وتخفيفها هو أن تجعل بين بين ، ومعنى ذلك أنّها تليّن فتجعل بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها فتجعل المكسورة بين الياء
والهمزة والمفتوحة بين الألف والهمزة والمضمومة بين الواو والهمزة وهي في كلّ ذلك متحرّكة تؤذن بالمتحرك ، ومثال أن تقول في مسائل : مسايل ، وفي هباءة : هباية ، وفي جزاؤه : جزاوه.
وقال سيبويه : لا تجعل الهمزة بين بين إلا في موضع يقع موقعها الساكن لئلا يفضى إلى الجمع بين الساكنين والألف يصحّ أن يقع الساكن بعدها نحو : شابّة ودابّة.
فصل : فإن كان قبل الهمزة المتحركة حرف ساكن ليس من حروف المدّ فتخفيفها أن تنقل حركتها إلى الساكن ويحذف كقولك في المتصل : مرة في مرأة ، وسل في اسأل ، وفي المنفصل كم بلك ومن مّك ومن بوك فتحذف الهمزة في هذا كلّه وتحرّك الساكن بحركتها وكذلك تفعل في لام المعرفة نحو : النّثى والحمر والايمان ، ومن العرب من إذا حذف الهمزة وحرّك لام المعرفة حذف همزة الوصل قبلها لاستغنائه عنها بحركتها فيقول لحمر ولنثى وليمان يجعل العارض كاللازم ؛ لأنه منقول عن لازم وتقول في قوله تعالى : (يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ) [النمل : 25] يخرج الخب ، فتحذف الهمزة ومن العرب من قال في تخفيف امرأة وكمأة مراة وكماة مثل قناة والوجه فيه أنّه خفّف الهمزة بنقل حركتها إلى ما قبلها فصار ما قبلها مفتوحا وبعده همزة ساكنة فقلبها ألفا كما يفعل في راس وهو قليل في اللغة.
فصل : ومما خفّفوه بالحذف والإلقاء مضارع رأى فقالوا : يرى ، والأصل : يرأى ، ففعلوا به ما ذكرنا فعلى هذا تقول في الأمر ريا زيد فلا تدخل همزة الوصل لتحرّك الأوّل وفي المؤنّث ري وفي التثنية ريا وفي الجمع روا.
فصل : فإن كان قبل الهمزة المتحركة حرف متحرك فتخفيفها يختلف بحسب اختلاف حركتها وحركة ما قبلها ، فإن كانت مفتوحة قبلها فتحة فتخفيفها أن تجعل بين بين كقولك : في سأل سال ، وإن كان قبل المفتوحة ضمة أو كسرة لم تجعل بين بين ؛ لأن جعلها كذلك مقرّب لها من الألف والألف لا تقع بعد ضمّة ولا كسرة ولكن تبدلها واوا بعد الضمّ وياء بعد الكسرة كقولك : في تؤدة تودة وفي مئر مير.
فصل : فإن انضمّت وقبلها ضمّة أو فتحة جعلت بين الهمزة والواو نحو : قام غلام أختك ورأيت غلام أختك ، وإن كان قبل المضمومة كسرة جعلت بين الياء والهمزة كقولك :
من عند أختك ، ومنه يستهزئون ويستهزيون ، وإن وقعت مكسورة بعد ضمّة نحو : سيل ، ومن عند إبلك جعلت بين بين أيضا ، وهذا مذهب الخليل وسيبويه.
وقال الأخفش : لا يجوز تخفيفها في الموضعين ؛ لأن وقوع الواو الساكنة بعد كسرة والياء الساكنة بعد ضمّة متعذّر فهو كتخفيف المفتوحة بعد الضمّة والكسرة ، وذلك محال ووقوع الواو بعد الكسرة والياء بعد الضمّة ممكن ، ولكنّه شاقّ والحاصل أنّ الهمزة المتحركة المتحرك ما قبلها إمّا أن تتّفق حركتاهما فيقع منهما ثلاثة أضرب : ضمتان وفتحتان وكسرتان ، وإمّا أن يختلفا فيقع منهما ستّة أضرب : ضمّة بعد فتحة وكسرة وكسرة بعد فتحة وفتحة بعد ضمّة وكسرة وكسرة بعد ضمة وفتحة والمختلف فيها ضمّة بعد كسرة وكسرة بعد ضمّة ، فالأخفش يبدل الهمزة فيهما ياء بعد الكسرة واوا بعد الضمّة.
قد ذكرنا في باب البدل : أنّ الهمزتين إذا اجتمعتا وسكّنت الثانية أبدلت من جنس ما قبلها فتبدل بعد الفتحة ألفا نحو : آدم وآمن وبعد الكسرة ياء نحو : إيمان وإيلاف وإيذن لي وإيتني وبعد الضمّة واوا نحو : اوتمن اومرني.
فأمّا الهمزة في جائي فاعل من جاء فهما همزتان الأولى مبدلة من عين الكلمة وهي ياء في الأصل همزت لمّا وقعت في فاعل والثانية لامها أبدلت ياء للكسرة قبلها فصار من المنقوص ولو بنيت من جاء مثل جعفر قلت : جيأا فأبدلت الثانية ألفا ، وقد ذكر.
فصل : فإن التقت الهمزتان من كلمتين منفصلتين فهما تجيئان متّفقتين أو مختلفتين فالمتفقتان ثلاث مضمومتان كقوله تعالى : (أَوْلِياءُ أُولئِكَ) [الأحقاف : 32] فبعض العرب وهو قليل ، ومنهم من يحذف الأولى ويحقّق الثانية ، ومنهم من يعكس ذلك ، ومنهم من يحقّق الأولى ويجعل الثانية واوا والمفتوحتان كقوله تعالى : (جاءَ أَشْراطُها) [محمد : 18] وفيه المذاهب المذكورة إلا أنّ من خفّف الثانية وحقّق الأولى جعل الثانية الفا والمكسورتان كقوله تعالى : (هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [البقرة : 31] وفيه المذاهب المذكورة إلّا أنّ الثّانية تصير ياء من أجل الكسرة قبلها ، ومنهم من يجعلها ياء ساكنة وأمّا المختلفتان فعلى ستة أضرب.
1 - مضمومة بعد مفتوحة كقوله : (جاءَ أُمَّةً رَسُولُها) [المؤمنون : 44] فمنهم من يحقّق الأولى ويجعل الثانية واوا لانضمامها ، ومنهم من يجعل الأولى بين بين والثانية واوا ، ومنهم من يحقّقهما.
2 - وبعد مكسورة كقولك : من خباء أختك.
3 - ومفتوحة بعد مضمومة كقوله تعالى : (السُّفَهاءُ أَلا) [البقرة : 13] ففيهما التحقيق وقلب الثانية واوا.
4 - ومفتوحة بعد مكسورة كقوله : (النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ) [البقرة : 235] ففيهما التحقيق وقلب الثانية ياء.
5 - ومكسورة بعد مضمومة كقوله : (يَشاءُ إِلى) [يونس : 25] فيهما التحقيق وجعل الثانية واوا.
6 - ومكسورة بعد مفتوحة كقوله : (شُهَداءَ إِذْ) [البقرة : 133] ففيهما التحقيق وتجعل الثانية ياء. والله أعلم.
مسألة : في قوله تعالى : (قالُوا لَئِنْ) [الشعراء : 116] ففيها أربعة أوجه :
أحدها : حذف الواو والوقف على اللّام وقفة يسيرة.
والثاني : كذلك إلّا أنّه من غير وقف.
والثّالث كذلك إلّا أنّه من غير همز مع فتح لام المعرفة.
والرابع : كذلك إلّا أنّه بإثبات الواو في اللفظ.
مسألة : قوله تعالى : (عاداً الْأُولى) [النجم : 50] فيها أوجه :
1 - أحدها : إثبات التنوين وكسرها وسكون لام المعرفة وهمز ما بعدها من غير وقف.
2 - وبوقف بإلقاء حركة الهمزة على اللام وضمّ اللام.
3 - وبإدغام التنوين مع ضمّ اللام.
الإمالة (1)
فالإمالة الكبرى عدها أن ينطق بالألف مركبة على فتحة تصرف إلى [الكسر كثيرا والإمالة الصغرى حدها أن ينطق بالألف مركبة على فتحة تصرف إلى] الكسرة قليلا والعبارة المشهورة في هذا بين اللفظين أعني بين الفتح الذي حددناه وبين الإمالة الكبرى والبطح والإضجاع عبارتان بمعنى الإمالة الكبرى.
إلى الشيء : التقريب منه ، وهي في هذا الباب تقريب الألف من الياء والفتحة قبلها من الكسرة والغرض من ذلك تجانس الصوتين لسبب وللإمالة أسباب وموانع فأسبابها ستة : الياء والكسرة والانقلاب وما في حكمه وكون الحرف ينكسر في حال والإمالة للإمالة.السّبب الأول : الياء الكائنة قبل الألف بحرف أو حرفين نحو : شيبان وغيلان وشيال ، فأهل الحجاز لا يميلون وتميم تميل الألف في هذا كلّه ليقرب من صوت الياء.
السّبب الثاني : الكسرة ، وقد تكون بعد الألف نحو عائد ، وقد تكون قبلها وبينهما حاجز نحو : جبال وحبال ، وقد يكون بينهما حرفان ومن شرطه أن يكون ما بعد الكسرة ساكنا نحو : سربال وجلباب ، فإن كان ذلك مفتوحا أو مضموما فلا إمالة ، وقد يشبّه المنفصل بالمتّصل كقولك : للرجل من ماله.
السّبب الثالث : كون الألف منقلبة عن ياء ، وذلك قولك في رمي : رمي. وفي باع : باع ؛ فإن كانت الألف رابعة فصاعدا أمليت من أيّ أصل كانت كقولك في مرمى : مرمى ، وفي مغزى : مغزى ، وفي تدعى : وتدعى ، وهذا حكم ألف التّأنيث نحو : حبلى وبشرى.
السّبب الرّابع : ما شبّه بالمنقلب عن الياء ، وذلك نحو : غزا ودعا فإنّه يمال ؛ لأن الياء تقع هنا كثيرا ولأنّ هذه الألف تصير إلى الياء إذا جاوزت ثلاثة أحرف نحو : يدعى ومستدعى.
السّبب الخامس : كسر ما قبل الألف في بعض الأحوال ، وذلك في الفعل خاصّة نحو : خاف وطاب وجاء لأنّك تقول : خفت وما أشبهها فأمّا في الأسماء يجوز نحو : باب ودار ، وقد أمال بعضهم فلان ماش في الوقف وهو قليل.
السّبب السّادس : الإمالة كقولك : رأيت عمادا ، وكتبت كتابا ، فتميل ألف التّنوين من أجل الإمالة الأولى.
1) الإمالة هي عبارة عن ضد الفتح وهي نوعان : إمالة كبرى وإمالة صغرى :
فإن قلت : زيد يضربها لم تمل الألف ؛ لأن بينها وبين كسرة الرّاء حاجزين قويين وهما الضمّة والهاء ، فإن كانت الباء مفتوحة نحو : يريد أن يضربها ، فأكثرهم لا يميل ، ومنهم من أمال لضعف الحاجز ؛ لأن الفتحة خفيفة والياء خفيّة ، ومنهم من يقول على هذا : رأيت يدها وهو بيننا وفينا وعلينا فيميل من أجل الياء.
وهي حروف الاستعلاء والرّاء ، فحروف الاستعلاء سبعة وهي : الخاء والغين والقاف والصّاد والضّاد والطّاء والظّاء ، وهذه إذا وقعت قبل الألف سواء أو بعدها بحرف أو أكثر منعت الإمالة والعلّة في ذلك أنّ الحرف المستعلي ينحى به إلى أعلى الفم والإمالة تحرف الحرف إلى مخرج الياء ، وهي من أسفل الفم والصّعود بعد التسفّل شاقّ فلذلك منع وهذا نحو : قاعد وغالب ، ونحو : نافخ وناشط.
وهذا مذهب كلّ العرب إلّا ما حكي عن بعضهم إمالة مناشيط ، وذلك لبعد الطّاء من الألف وكون الياء معها.
فصل : فإن كان حرف الاستعلاء قبل الحرف الذي يليه الألف مكسورا جازت الإمالة نحو : خفاف وقباب وضراب ونحو ذلك ؛ لأن الصوت أخذ في التسفّل والتحدّر فاستمرّ في المستعلي إلى أن بلغ الألف على التسفّل ، وذلك سهل وكذا إن كان بينهما حرفان نحو : مصباح ومقلات ، ومنهم من لا يميل هنا ؛ لأن حرف الاستعلاء ساكن والكسرة في غيره ، فإن كان حرف الاستعلاء هنا مفتوحا أو مضموما لم تجز الإمالة ؛ لأن الصوت لم يكن متسفّلا حتى يجانس ما بعده.
فصل : فإن كان حرف الاستعلاء مع الألف المبدلة التي يجوز إمالتها مع غير المستعلي جازت مع المستعلي نحو : سقى وأعطى ومعطى وخاف ويشفى وما أشبه ذلك ؛ لأن سبب الإمالة قويّ فغلب المستعلي.
فصل : وإذا كان الحرف بعد الألف مشدّدا لم يمل نحو : مادّ وجادّ ؛ إذ لا كسرة تليه والحرف الأوّل من المشدّد سكّن فرارا من الحركة مع المثلين فأولى أن يهرب من الإمالة معه ، وقد أماله قوم في الجرّ وهو قليل.
فصل : فأمّا الرّاء فتمنع الإمالة إذا كانت مفتوحة أو مضمومة وانفردت نحو هذا سراج وفراش ورأيت حمارا ، فإن كانت مكسورة جازت الإمالة وإنما منعت الراء الإمالة ؛ لأنها بمنزلة الراءين إذ كان فيها تكرير ، وإذا كسرت قربت من الياء ؛ ولذلك لم تمنع مع الحرف المستعلي نحو ضارب وقادر ، ومنهم من يجيز الإمالة إذا كانت الكسرة والرّاء قبل الألف نحو :
هذا فراش ، فإن كان بعد الرّاء راء مكسورة جازت الإمالة وغلبت المكسورة المفتوحة نحو : (القرار) و (الأبرار).
وأمّا : (الكافر) فإمالته جائزة في الجر فأما في الرفع والنصب فأكثرهم لا يميله من أجل الرّاء وكذلك : (الكافرين) و (الكافرون).
فصل : والهاء المبدلة من تاء التأنيث في الوقف تجوز إمالتها ؛ لأنها تشبه ألف التأنيث في حصول التأنيث بها وخفائها وانقلابها ، وذلك نحو : (الحكمة) و (مبثوثة) ويمنعها ما يمنع الإمالة.
فصل : وقد شذّت أشياء في باب الإمالة ولها وجيه من القياس فمن ذلك ذا وهو اسم إشارة والجيّد تفخيمه والأوائل يسمّون التفخيم نصبا ؛ لأنه فتح ، وقد أماله قوم ؛ لأنه يشبه الأسماء المعربة في الوصف به وفي وصفه وجمعه وتصغيره ولأن ألفه منقلبة عن ياء.
ومن ذلك : أنّى ووجه إمالتها أنّها اسم تامّ وألفها تشبه ألف التأنيث والنون فيها تشبه حروف العلّة.
ومن ذلك : أسماء حروف التهجّي بي تي ثي ؛ لأنها أسماء يكثر استعمالها.
ومن ذلك : الحجّاج والعجّاج والنّاس والوجه تفخيمها ؛ لأن الألف زائدة أو منقلبة عن واو ومن أمالها حملها على تصرّف الأسماء وإمالتها في الجرّ أقرب لمكان الكسرة.
والأسماء المبنيّة الأصل : أن لا تمال لعدم تصرّفها واشتقاقها وإنّما أميل منها ما أشبه المتصرّف كما ذكرنا في ذا.
وهكذا حكم الحروف بل أبعد إلّا أنّهم أمالوا منها لا ؛ لأنها تقوم بنفسها في الجواب وبلى كذلك وحرف النداء ؛ لأنه قام مقام الفعل ، وقد ذكر في بابه ولم يميلوا حتّى ؛ لأنها لا تقوم بنفسها وأمّا كذلك.
فصل : قد أمال بعض العرب الفتحة نحو الكسرة نحو : ضرر وبقر وأقرب ذلك ما كانت فيه راء ، وإذا قربت هذه الفتحة من الكسرة قرّبت ما بعدها من الحروف من الكسرة أيضا.
اعلم أنّ مخرج كلّ حرف ما ينقطع الحرف عنده من الحلق والفم والشفتين ، وإذا أردت أن تختبر ذلك فزد على الحرف الذي تريد معرفة مخرجه همزة الوصل مكسورة ثم انطق به ساكنا فعند ذلك تجد جرس الحرف منقطعا هناك فثمّ مخرجه نحو : اع اق اص ام ، ومن ههنا لم يكن للألف مخرج ؛ لأن صوتها لا ينقطع عند جزء مما ذكرنا بل هي نفس مستطيل بحيث يمكن مدّه من غير حصر (1)
فللحلق ثلاثة مخارج لسبعة أحرف : فمن أقصاه الهمزة والألف لأن مبدأه من الحلق ولم يذكر الخليل هذا الحرف هنا والهاء ، ومن وسطه العين والحاء المهملتان ، ومن أدناه الغين والخاء ، وللسان عشرة مخارج لثمانية عشر حرفا : فمن أقصاه مما يلي الحلق وما يحاذيه من الحنك الأعلى القاف دونه قليلا مثله الكاف ، ومن وسطه الحنك الأعلى الجيم والشين والياء ، ومن وسطه ووسط الحنك الأعلى الجيم والشين والياء ، ومن إحدى حافتيه وما يحاذيها من الاضراس من اليسرى ، صعب ومن اليمنى أصعب الضاد ، ومن رأس حافته وطرفه ومحاذيها من الحنك الأعلى من اللثة اللام
ومن رأسه أيضا ومحاذيه من اللثة النون ، ومن ظهره ومحاذيه من اللثة الراء ، هذا على مذهب سيبويه وعند الفراء وتابعيه مخرج اللثة واحد ، ومن رأسه أيضا وأصول الثنيتين العليين الطاء والتاء والدال ، ومن رأسه أيضا وبين أصول الثنيتين الظاء والذال والثاء ، ومن طرفي الثنيتين وباطن الشفة السفلى الفاء ، وللشفتين الباء والميم والواو ، والغنة من الخيشوم من داخل الأنف هذا السادس عشر ، وأحرف المد من جو الفم وهو السابع عشر.
.فصل : والحروف الأصول تسعة وعشرون وهي الهمزة والألف والهاء والعين والحاء والغين والخاء والقاف والكاف والضاد والجيم والشين والياء والرّاء واللام والنون والصاد والسين والزاي والطاء والتاء والدال والظاء والثاء والذال والفاء والميم والباء والواو.
ولهم ستة أحرف فروع مستحسنة وإنما كانت فروعا لقربها من الأصول وامتزاجها بها وهي النون الساكنة والألف الممالة وهمزة بين بين وألف التفخيم والصاد المشمّة صوت الزاي والشين المشمّة صوت الجيم.
ولهم سبعة أحرف أخر مستقبحة وهي :
1) مخارج الحروف عند الخليل سبعة عشر مخرجا وعند سيبويه وأصحابه ستة عشر لإسقاطهم الجوفية وعند الفراء وتابعيه أربعة عشر لجعلهم مخرج الذلقية واحدا ويحصر المخارج الحلق واللسان والشفتان ويعمها الفم.
1 - الكاف التي تقرب من الجيم.
2 - والجيم التي تقرب من الكاف والجيم التي تقرب من الشين.
3 - والضاد الضعيفة التي تقرب من الذال.
4 - والصاد التي تقرب من السين.
5 - والطاء التي تقرب من التاء.
6 - والظاء التي تقرب من الثاء.
7 - والباء التي تقرب من الفاء.
ومخرج كلّ حرف منها بين مخرج أصلها الصحيح وبين الحرف الذي يقاربه ولا يقرأ بها البتة إلا مضطر.
وهي ستة عشر ثلاثة في الحلق :
1 - فأقصاها وأقربها من الصدر مخرج الهمزة والألف والهاء.
2 - وأوسطها من الحلق مخرج العين والحاء.
3 - وأدناها إلى الفم مخرج الغين والخاء.
والرابع : أقصى اللسان وما فوقه من الحنك مخرج القاف.
والخامس : دون مخرج القاف وما يليه من الحنك مخرج الكاف.
والسادس : من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك مخرج الجيم والشين والياء.
والسابع : ما بين أوّل حافّة اللسان وما يليها من الأضراس الضّاد ، فإن شئت أخرجتها من الجانب الأيسر ، وإن شئت من الأيمن.
والثامن : ما بين أوّل حافّة اللسان ومن أدناها إلى منتهى طرف اللسان ما بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى ومما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية مخرج اللام.
والتّاسع : النون وهي من طرف اللسان بينه وما بين ما فوق الثنايا مخرج.
والعاشر : ومن مخرج النون غير أنّه أدخل في ظهر اللسان قليلا لانحرافه إلى اللام مخرج الراء.
والحادي عشر : مما بين طرف اللّسان وأصول الثنايا مخرج الطّاء والدّال والتّاء.
والثاني عشر : مما بين طرف اللّسان وفويق الثّنايا مخرج الزّاي والسين والصاد.
والثالث عشر : مما بين طرف اللّسان وأطراف الثّنايا مخرج الظّاء والثّاء والذّال.
الرابع عشر : من باطن الشّفة السّفلى وأطراف الثنايا العليا مخرج الفاء.
الخامس عشر : مما بين الشفتين الباء والميم والواو.
والسادس عشر : من الخياشيم مخرج النون الخفيفة.
وهي أحد عشر جنسا وهي : المجهورة والمهموسة والشّديدة والرّخوة والمنحرفة والشّديدة التي يخرج معها الصوت والمكررة والليّنة والهاوية والمطبقة والمنفتحة.
فالمجهورة تسعة عشر حرفا : الهمزة والألف والعين والغين والقاف والجيم والياء والضاد واللام والزاي والراء والطاء والدّال والنون والظاء والذال والباء والميم والواو وسمّيت مجهورة ؛ لأنها أشبع الاعتماد في موضعها ومنع النّفس أن يجري معها حتى ينقضي الاعتماد عليه ويجري الصوت إلّا أنّ النون والميم قد يعترض لهما في الفم والخياشيم فيصير فيهما غنّة ودليل ذلك أنّك لو أمسكت طرف أنفك اختلّ صوتهما حين سددت الخيشوم.
الثاني : المهموسة وهي بقية الحروف التسعة والعشرين وسمّيت بذلك ؛ لأن الهمس صوت خفيّ وهذه كذلك ؛ لأن اعتمادها ضعف حتّى جرى معه النّفس.
والثالث : الشديدة سمّيت بذلك لقوّتها وامتناع مدّ الصوت معها وهي ثمانية الهمزة والقاف والكاف والجيم والطّاء والتّاء والباء والدّال ويجمعها أجدت طبقك الرابع الرّخوة ، وهي تسعة : الهاء والحاء والغين والخاء والشّين والظّاء والثّاء والذّال والفاء وسمّيت بذلك ؛ لأنها خلاف الشديدة فأمّا العين فبين الرّخوة والشديدة تصل إلى الترديد فيها لشبهها بالحاء.
والخامس : المنحرفة وهي اللّام وحدها سمي بذلك لانحراف اللسان مع صوته من ناحيتي مستدقّ اللسان فويق ذلك وبهذا خالف الشديدة والرخوة.
والسادس : الشديدة التي يخرج معها الصوت وهي النّون والميم وسمّيت بذلك لغنّتها الخارجة من الألف.
والسابع : المكرّر وهو الرّاء سمّيت بذلك لتكرير صوتها وانحرافها إلى مخرج اللّام.
الثّامن : اللينة وهي الواو والياء سمّيت بذلك ؛ لأن مخرجهما يتّسع لهواء الصّوت أشدّ من اتّساع غيرهما.
التّاسع : الهاوي وهو الألف سمّيت بذلك لزيادة اتّساع هواء صوته على الواو والياء.
العاشر : المطبقة وهي أربعة الصّاد والضّاد والطّاء والظّاء سمّيت بذلك لشدّة التصاق ظهر اللّسان بما يلاقيه من أعلى الحنك.
الحادي عشر : المنفتحة وهي ما عدا المطبقة سمّيت بذلك ؛ لأن موضعها لا ينطبق مع غيره ولا ينحصر الصوت معها كانحصاره مع المطبقة.
الهمزة : حرف مجهور شديد مستعل منفتح.
الألف : حرف هوائي مجهور شديد.
الهاء : حرف مهموس رخو خفيّ ضعيف.
العين : حرف مجهور شديد متسفل رخو منفتح.
الحاء : حرف مهموس مستفل رخو منفتح.
الغين : حرف مجهور مستعل رخو منفتح.
الخاء : حرف مستعل شديد منفتح.
القاف : حرف مستعل شديد منفتح.
الكاف : حرف مهموس شديد متسفّل منفتح الجيم حرف مجهور شديد متسفّل منفتح.
الشّين : حرف مهموس رخو متسفّل متفشّ.
الياء : حرف مجهور شديد متسفّل منفتح ثقيل خفيّ.
الضاد : حرف مستطيل مجهور مستعل منطبق رخو.
الصاد : حرف مهموس رخو مستعل مطبق.
السين : حرف مهموس متسفّل رخو منفتح.
الزاي : حرف مجهور متسفّل رخو منفتح وهذه الثلاثة الأخيرة فيها صفير.
الظاء : حرف رخو مجهور مستعل مطبق.
الذال : حرف مجهور مستفل رخو منفتح.
الطّاء : حرف مهموس متسفّل رخو منفتح.
الثاء : حرف مهموس متسفّل رخو مطبق.
الدّال : حرف مجهور شديد متسفّل منفتح.
التّاء : حرف مهموس شديد متسفّل منفتح.
الرّاء : حرف مكرر مجهور شديد متسفّل منفتح.
اللام : حرف مجهور منحرف شديد متسفّل منفتح مرقق.
النون : حرف مجهور شديد متسفّل منفتح ذو غنّة.
الفاء : حرف مهموس رخو متسفّل متفشّ.
الباء : حرف مجهور شديد متسفّل.
الميم : حرف مجهور شديد متسفّل منطبق.
الواو : حرف مجهور شديد ممتد منطبق ليّن.
الإدغام (1): وصلك حرفا ساكنا بحرف مثله من موضعه من غير فاصل بينهما بحركة ولا وقف فتصيّرهما بالتداخل كحرف واحد ترفع لسانك بهما رفعة واحدة وتشددّه وهو مقدّر بحرفين الأوّل منهما ساكن.
وأصل الإدغام في اللغة : الإخفاء والإحكام.
والعلّة في الإدغام : أنّ الحرفين إذا كانا مثلين كان مخرجهما واحدا فيثقل على اللسان أن يرفعه ثم يعيده في الحال إلى موضعه وهذا شبّه بمشي المقيّد ؛ لأنه كان لا يزايل موضعه ويقع في الكلام على ضربين :
أحدهما : إدغام حرف في مثله قبل الإدغام.
والثاني : أن يكون الأوّل مقاربا للثاني فيبدل حرفا مثله ليمكن إدغامه.
فالضّرب الأوّل على ضربين :
أحدهما : أن يكون في كلمة واحدة ، فإن كانت فعلا ثلاثيا لزم الإدغام نحو شدّ ومدّ وفرّ وقصّ وعضّ ، وقد سبق ذكره ، وإن كانت اسما على وزن الفعل فكذلك نحو : رجل ضفّ الحال أي ضفف بكسر الفاء الأولى ولا يستثنى من ذلك إلّا الاسم المفتوح العين نحو : طلل وشرر.
فأمّا المضموم نحو : سرر جمع سرير وسرر جمع سرّة فلا يدغم إذ ليس في الأفعال له نظير ، وقد يجيء في الشذوذ فكّ الإدغام بالقياس نحو لححت عينه وقوم ضففوا الحال والقياس إدغامه.
فأمّا قصّ الشاة وقصصها فليس من فكّ الإدغام بل هما لغتان سكون العين وفتحها ، وقد يفكّ الشاعر الإدغام للضرورة ، وقد ذكر في موضعه.
1) الإدغام هو عبارة عن خلط الحرفين وتصييرها حرفا واحدا مشددا وكيفية ذلك أن يصير الحرف الذي يراد إدغامه حرفا على صورة الحرف الذي يدغم فيه فإذا تصير مثله حصل حينئذ مثلان وإذا حصل مثلان وجب الإدغام حكما إجماعيا فإن جاء نص بإبقاء نعت من نعوت الحرف المدغم فليس ذلك الإدغام بإدغام صحيح لأن شروطه لم تكمل وهو بالإخفاء أشبه.
مسألة : فإن بنيت من المضاعف بناء في آخره ألف ونون ، فقال الخليل وسيبويه : إن كان مصدرا فككت الإدغام نحو الرددان ، وإن كان مكسور العين أو مضمومها لم يفكّ يحمل كل واحد منهما على بابه فالمصدر هنا مثل الغليان والنّزوان.
وقال الأخفش : يفكّ الإدغام في الجميع فأمّا الملحق فلا يدغم ؛ لأن ذلك يبطل معنى الإلحاق ، وقد سبق ذكره فأمّا اقتتلوا فالأكثرون لا يدغمون ؛ لأن التاء زيدت لمعنى فلا تذهب بالإدغام وليس هنا حرف علّة ، ومنهم من يدغم فيقول قتّلوا بكسر القاف وفتح التاء ، ومنهم من يكسر التّاء ويقول في المستقبل يقتّلون وفي اسم الفاعل مقتّلين ، ومنهم من يضمّ فيقول مردّفين فيتبع ، ومنهم من يكسر الميم إتباعا لكسرة الراء.
والضرب الثاني : أن يكونا من كلمتين وهو على ضربين أيضا جائز ولازم.
فالجائز : أن يكون الأوّل متحرّكا ، والإظهار أجود لئلا يلزم الإسكان والتغيير فيما ليس بلازم ؛ لأن الكلمتين قد تفترقان والإدغام جائز للتخفيف وأحسن ذلك أن يتوالى فيه أربع متحركات فصاعدا نحو : (جعل لكم) و (ضرب بكر).
فصل : فإن كان قبل الحرف الأوّل ساكن لم يجز الإدغام لئلا يجمع بين ساكنين إلّا أن يكون ذلك الساكن حرف مدّ كقولك : اسم موسى وبكر رافع هذا لا يدغم ومثال حرف الحدّ : (الرحيم ملك) والمال لك والغفور ربّنا ومثله في المتّصل تمودّ الثوب.
فصل : فإن كان قبل الياء والواو فتحة نحو جيب بكر والقول لك جاز الإدغام أيضا ؛ لأن المدّ الجاري مجرى الحركة موجود فأمّا مثل : (آمَنُوا وَهاجَرُوا) فلا يدغم ؛ لأن الواو الأولى تامّة المدّ فهو فيها كالفاصل بالحركة ولا يصح زوال مدّها كما لا يصحّ تسكين المتحرك فأمّا مثل قوله تعالى : (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ) [البقرة : 267]. فأصله (تتيمموا) فيجوز إدغام التاء في التاء ؛ لأن قبلها ألف لا ، ومنهم من يحذف التاء فأمّا قوله تعالى : (فَلا تَتَناجَوْا) [المجادلة : 9] فيجوز الإدغام وترك الإدغام.
فصل : وأمّا الإدغام اللازم فأن يكون الأوّل ساكنا والثاني : مماثل له كقولك : (وقد دخلوا) و (هل لكم).
فصل : فإن أدغم في حرف المدّ لم يجز إدغامه في مثله نحو : وليّ يزيد ، وعدوّ وليد ؛ لأن المدّ قد بطل بالإدغام فيه وصار كالحروف الصحيحة التي قبلها ساكن نحو خبر رجل ، ولكن إن شئت أخفيت وهو في حكم المظهر.
ونحن نذكرها حرفا فحرفا :
أوّلها : الهمزة ، وليس يدغم فيها شيء ولا تدغم في شيء إلّا أن تكون همزة مثلها. نحو :
اقرأ إنا أنزلنا ، وقد قيل : ليس هذا إدغاما بل هو حذف ، وإنّما تدغم حقيقة في كلمة واحدة وهو فعّال نحو : رأاس ، وسأال ، ولأّال.
وأمّا الألف فلا يدغم فيها.
وأمّا الهاء فتدغم في مثلها نحو : وجّه هبة وتدغم في الحاء نحو : اجبه حملا والإظهار أحسن ولا تدغم الحاء في الهاء ؛ لأن الحاء أقوى وأظهر من الهاء فلا تحوّل إليها.
العين تدغم في مثلها نحو : اسمع عمرا وتدغم في الحاء ، نحو : اقطع حبلا ، والإظهار أحسن وتدغم في الخاء بأن تجعلا حاءين نحو : اقطع خلالا ؛ لأن الخاء أقرب إلى العين في مخرجها وصفتها فتحوّلان جميعا إليها ، وقد قال بنو تميم : كنت محم ، يريدون معهم وكلّ ما قرب من حروف الحلق إلى الفم لا يدغم فيما قبله ، فإن أردت إدغام الحاء في العين جاز بأن تجعل الحاء عينا نحو امدعّ رفة تريد عرفة.
الغين تدغم في الخاء والخاء فيها نحو : ادمغ خلفا ، واسلخ غنمك ، تحوّل الأول إلى مثل الثاني.
القاف تدغم في الكاف والكاف فيها نحو : الحق كلدة وانهك قطنا.
الجيم تدغم في الشين والشين فيها نحو : اخرج شطرك واعطش جحدرا.
النون تدغم في مثلها وفي الرّاء نحو : من راشد بغنّة ولا غنة.
فأمّا إدغام الراء فنذكره فيما بعد.
وتدغم النون في اللّام نحو : من لك بغنّة ولا غنّة ولا تدغم اللام فيها نحو : هل نحن.
وتدغم النون في الميم بغنّة نحو : من مّعك ، ولا تدغم الميم فيها نحو : اسلم نافعا ، فإن وقعت الباء بعدها أبدلت ميما نحو : عنبر و (فسوق بكم) ، وقد ذكر في البدل ، فإن وقعت الفاء بعدها كانت غنة لا مظهرة ولا مدغمة نحو من فيها ، وإن وقعت الواو بعدها أدغمت فيها بغنّة وبغيرها نحو من وعدك وتدغم في الياء بغنّة وغير غنّة نحو : من يقول ، ولا تدغم الياء فيها نحو : في نفسي.
ولا تدغم في حروف الحلق لبعد مخرجها منها وتبيّن بيانا تاما ، وبعض العرب يخفيها عند الخاء والغين كما يفعل ذلك عند القاف والكاف نحو : (من خلق ، ومن غيرك) ولا تدغم فيهما بحال.
مسألة : إذا كانت النون ساكنة قبل الميم والياء والواو في كلمة واحدة لزم تبيينها كقولك :
شاة زنماء وشياه زنم وكذلك قنية وقنواء وكنية ومنية لا تدغم شيئا من ذلك ولا تخفيه لئلا يلتبس بمضاعف الميم والياء والواو ؛ لأن في الكلام مثله ، ألا ترى أنّك لو قلت : زنماء فأدغمت لجاز أن تكون من الزمّ ، ولو قلت : قيّة وقوّة لجاز أن يكون من الأرض القيّ ، فأمّا قولهم : امحى الشيء فجاز إدغامه ؛ لأن اللبس مأمون إذا كانت الميم هنا فاء الكلمة والفاء لا تكون مضاعفة ؛ ولذلك لو بنيت من وجل ورأى انفعل جاز الإدغام اوّجل وارّأى.
مسألة : لا تعرف في اللغة كلمة فيها نون ساكنة بعدها راء ولا لام فلم يقولوا : مثل قنر ولا عنل ، وسبب ذلك أنّ النون الساكنة فيها غنّة وهي تقارب الحرفين جدا فلمّا تقاربت في المخرج واختلفت في الصفة ثقل الجمع بينهما.
مسألة : يجوز إدغام اللّام في النون نحو : (هل نرى) لتقاربهما ، وأنّ النون أبين من اللّام ويقوي ذلك إدغام النون فيها إلّا أنّ إظهار اللّام عند النون أحسن وإدغام النون في اللام أحسن والفرق بينهما أنّك إذا أدغمت اللّام في النون أبطلت قّوة اللّام ، وإذا أدغمت النّون في اللّام راعيت قوّة اللّام.
مسألة : لا تدغم الميم في النون نحو : (لم نكن) ؛ لأنها لمّا لم تدغم في الباء وهي من مخرجها فإدغامها في النون مع بعدها منها أبعد.
مسألة : وتدغم لام المعرفة في حروف الفم وهي ثلاثة عشر حرفا وهي : التّاء والثّاء والدّال والذّال والرّاء والزّاي والسّين والشّين والصّاد والضّاد والطّاء والظّاء والنّون.
وعلّة ذلك : كونها مقاربة لهذه الحروف ، فإنّ جميعها من حروف طرف اللسان إلا الضّاد والشّين فإنّهما يبعدان عن طرفه إلّا أنّ الشين فيها تفشّ وانتشار يقربّها من اللّام والصّاد من حافة اللسان فيها انبساط يكاد يقرب من اللّام واختصّ ذلك بلام المعرفة لكثرة الاستعمال.
فأمّا لام (هل وبل) فيجوز إظهارها وهو الأقوى ، وقد أدغموها في التّاء والثّاء والرّاء والزّاي والشّين والصّاد والضّاد والطّاء والظّاء والنّون إلّا أنّ إدغامها في الرّاء حسن وفيما عداها ضعيف ، وذلك نحو : (هل ترى) (هل ثوّب) و (هل رأيت) وكذلك الباقي.
مسألة : تدغم الطّاء في الدّال ويبقى إطباق الطّاء نحو : اضبط دلامة وبعض العرب يذهب الإطباق وهو ضعيف.
وتدغم الدال فيها قيّد طرفة ويبقى الإطباق أيضا.
وتدغم الطّاء في التّاء مع بقاء الإطباق نحو : انقط توأما والتّاء فيها تدغم نحو : أفلت طرفة.
مسألة : تدغم التّاء في الدّال والدّال فيها نحو : انعت دلامة وقيد تلك والإظهار في هذا كلّه مستثقل.
مسألة : الصّاد والسّين والزّاي يدغم بعضها في بعض لتقاربها كقولك : لم تفحص سالما ويبقى إطباق الصّاد وتقول خلّص زيدا واحبس صابرا واحفز صابرا واحفز سالما والإدغام في هذا كلّه قويّ.
مسألة : الظّاء والذّال والثّاء يدغم بعضها في بعض كقولك : احفظ ذلك واحفظ ثابتا وابعث ظالما وابعث ذلك.
مسألة : إدغام مخرج في مخرج يقاربه جائز كإدغام الظّاء والثّاء والصّاد والسّين والزّاي وكذلك إدغام الطّاء والتّاء والدّال فيهنّ ولا تدغم الصّاد والسّين والزّاي في الحروف الستة لئلا يذهب الصفير الذي فيهنّ وتدغم الطّاء والثّاء والذّال والظّاء والدّال والتّاء في الضّاد ،
نحو : احفظ ضابطا وكذلك الباقي وتدغم الضّاد فيهنّ ولا تدغم الضّاد في الصّاد وأختيها لاستطالتها.
مسألة : من حكم الحرف النّاقص أن يدغم في الزّائد ولا يدغم الزّائد في الناقص كالسّين لا تدغم في الجيم وتدغم الجيم فيها كقولك : احبس جامعا هذا لا يدغم واخرج سالما هذا يدغم.
مسألة : إذا سكّنت الصّاد وبعدها دال فمن العرب من يخرجها على أصلها وهو أولى ، ومنهم من يقرّبها من الزّاي ؛ لأنه لمّا لم يكن إدغام الصّاد في الدّال قرّبها منها ليحصل التشاكل ، ومنهم من يجعلها زايا خالصة وهو قليل ، وذلك نحو : يصدر ، والمصدر والقصد فإن تحرّكت الصّاد لم يغيّرها ؛ لأن الحركة كالحاجز.
وأمّا الصّراط فالأصل فيه السّين ؛ لأنه من سرطت الشيء ، وإنّما أبدلت صادا لتجانس الطاء ، ومنهم من يجعلها زايا ، ومنهم من يجعلها بينهما والسّين مع الدّال كالصّاد معها نحو يرذل ثوبه.
وأمّا الشّين قبل الدال فتضارع بها الزّاي نحو : رجل أشدق ولا تجعل زايا خالصة ، وقد قالوا : اجدّمعوا واجدرؤوا في اجتمعوا واجترؤوا.
مسألة : من العرب من يقول في بني العنبر بلعنبر ، وفي بني الحارث بلحارث ، فيحذف النون والياء ووجه ذلك أنّ النون تدغم في اللام ولكن لمّا حالت الياء بينهما لم يمكن الإدغام فخففوا بالحذف.
وقد قالوا : (علماء) يريدون على الماء ولا يجوز ذلك في غير اللام ، فلا تقول في (بني النجار) بنجار ؛ لأن النون مشددة بسبب إدغام لام المعرفة فيها فلم تحذف النون لئلا يجتمع إعلالان بخلاف بلعنبر ؛ فإنه ليس فيه إلا إعلال واحد.
اعلم أنّ الحاجة الى ذكر هذا الباب : أنّ الكتّاب اصطلحوا على كتابة حروف ليست في اللفظ وحذف ما هو في اللفظ وعلى قطع ما يمكن وصله ووصل ما يمكن قطعه ، فهذه أربعة أقسام ينشعب منها أكثر من ذلك ، وقد ذهب جماعة من أهل اللغة الى كتاب الكلمة على لفظها إلّا في خطّ المصحف فإنّهم اتّبعوا في ذلك ما وجدوه في الإمام والعمل على الأوّل (1)
والأصل في كل كلمة أن تكتب بصورة لفظها ، بتقدير الإبتداء بها والوقف عليها. وهذا أصل معتبر بالكتابة.
ومن أجل ذلك كتبوا همزات الوصل في درج الكلام ، وإن لم ينطق بها ، لأنه إذا ابتديء بالكلمات ، التي هي أولها ، نطق بهمزاتها ، مثل جاء الحقّ ، وسافر ابنك» ، فإنك ، إن قدّمت وأخرت ، فقلت «الحقّ جاء ، ابنك سافر» ، نطقت بالهمزة إلّا إذا سبقت «أل» لام الجرّ او لام الإبتداء ، فتحذف همزتها ، مثل «للرّجل ، للمرأة ، للرّجل أقوى من المرأة ، وللمرأة أرقّ عاطفة منه».
وكتبوا هاء السكت في نحو «ره زيدا ، وقه نفسك» ، لأنك في الوقف تقول «ره وقه».
وكتبوا ألف «أنا» ، مع أنها لا تلفظ في درج الكلام ، لأنها إذا وقف عليها ، وقف عليها بالألف. ومن ذلك قوله تعالى (لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي ،) لأن اصله «لكن أنا».
وكتبوا تاء التأنيث ، التي يوقف عليها بالهاء ، هاء كرحمة وفاطمة ، وكتبوا التي يوقف عليها بالتاء ، تاء كأخت وبنت ورحمات وفاطمات. ومن وقف على الأول بالتاء المبسوطة ، كتبها بالتاء كرحمت وفاطمت ومن وقف على الأخرى بالهاء ، كتبها بالهاء كرحماه وفاطماه.
وكتبوا المنوّن المنصوب بالألف ، لأنه يوقف عليه بها ، مثل «رأيت خالدا».
وكتبوا «إذا» ، ونون التوكيد الخفيفة كاكتبا ، بالألف ، لأنه يوقف عليها. ومن وقف عليهما بالنون ، كتبهما بالنون ، مثل «إذن واكتبنّ» كتب كلّ ما كتب اعتبارا بحال الوقف.
وكتبوا المنقوص ، الذي حذفت ياؤه للتنوين كقاض ونحوه ، بغير ياء ، لأنه يوقف عليه بها. ومن وقف على الأوّل بالياء ، أثبتها في الخط كقاضي ومن وقف على الثاني بحذفها ، حذفها من الخط كالقاض. والأول أفصح.
كما مرّ في باب الوقف.
وكتبوا ما لا يمكن الوقف عليه ، من الكلمات ، متصلا بما بعده ، وما لا يمكن الابتداء به ، متصلا بما قبله فالأول كحروف الجرّ الموضوعة على حرف مواحد ، مثل «لخالد ، وبالقلم. والثاني كالضمائر المتّصلة ، مثل «منكم ، وأكرمتكم».
أما الحروف التي تقع في الحشو (أي ما بين الابتداء والوقف) فترسم كما تلفظ ، لا يغيّر من ذلك شيء ، إلا ما كان من أمر بعض الأحرف ، في بعض كلمات محصورة ، قد خالف رسمها لفظها.
.1) الخط تصوير اللفظ بحروف هجائه التي ينطق بها ، وذلك بأن يطابق المكتوب المنطوق به من الحروف.
وهو على ضربين : إبدال وزيادة.
فالإبدال كجعل الألف ياء في الخط وهذا له شرطان :
أحدهما : أن تكون الكلمة ثلاثية آخرها ألف فلا تخلو تلك الكلمة من أن تكون مبهمة أو معربة فالمبهم مثل هذا ، وإذا والمعربة مثل العصا والرحى هذا في الأسماء فأمّا الأفعال الثلاثية نحو : رمى وغزا.
والثاني : أن تكون الألف مبدلة والضّابط فيه أنّ الألف إذا انقلبت عن واو كتبت ألفا وإن كانت منقلبة عن ياء كتبت ياء وإنما فرقوا بينهما لينبّهوا على أصل الحرف وجملة ما يستدلّ به ههنا على أصل الألف عشرة أشياء.
أحدها : التثنية ، فإن انقلبت الألف فيها واوا كتبت بالألف ، وإن انقلبت ياء كتبت بالياء فالأول نحو العصا تكتب بالألف ؛ لأنها عن واو لقولك : عصوان ، والثاني نحو : الفتى والهدى تكتب ياء كقولك : فتيان وهديان ، وأمّا الرحى فالأكثر في اللغة رحيان بالياء فعلى هذا تكتب الرحى بالياء ، ومنهم من يقول رحوان فيكتبها بالألف.
والثاني : من الأدلّة الجمع بالألف والتاء نحو : القنا والحصى فالقنا من الواو لقولهم :
قنوات فتكتب بالألف والحصى جمعه حصيات فتكتب بالياء.
والدليل الثالث : ما كانت عينه واوا وآخره ألف نحو الطّوى والشّوى يكتب بالياء لكثرة ما جاء من ذلك ولامه ياء ومن ههنا كتب الهوى المقصور بالياء وكذلك هو في الفعل نحو : طوي وشوي وهوي.
والدليل الرابع : ظهور الياء والواو في المستقبل نحو يرمي ويغزو ف (رمى) تكتب بالياء لكون الألف منقلبة عنها وغزا بالألف ؛ لأنها من الواو والدّليل الخامس : المصدر كقولك : الغزو والرّمي فمن ههنا تكتب غزا بالألف ورمى بالياء.
والدليل السّادس : أن تكون فاء الكلمة واوا ولامها معتلّة فلا تكون ألفها إلّا عن ياء فعلى هذا تكتب وفى ووعى بالياء.
والدليل السّابع : الفعلة نحو الغزوة والرّمية.
والدّليل الثّامن : أن تعود اللّام إذا أضفت الفعل إلى نفسك ياء أو واوا وقبلها فتحة نحو : غزوت ورميت فأمّا شقيت ورضيت فلا يدلّ ذلك على أنّ الأصل الياء لأجل الكسرة.
والدليل التّاسع : إمالة الألف متى حسنت فيها كتبت ياء نحو : الهدى والتّقية من ههنا كتبت متى وبلى بالياء.
والدليل العاشر : أن تنقلب مع المضمر ياء نحو إلى وعلى ولدي كقولك : عليه وإليه ولديه ، فأمّا كلا إذا أضيفت إلى المظهر كتبت ألفا عند الأكثرين ؛ لأنه يقول هي بدل من الواو ، ومنهم من يكتبها ياء ويقول هي من الياء ، فإن أضفت إلى مضمر كانت في الرفع بالألف ؛ لأنها دليل الرفع ، وأمّا كلتا فتكتب بالياء إذا أضيفت إلى مظهر لكون الألف رابعة.
فصل : فإن كانت الكلمة أربعة أحرف فصاعدا وآخرها ألف كتبت جميع ذلك بالباء ؛ لأنّه إذا ردّ فعله إلى نفسك كان بالياء نحو : تغازى وتعاطى ، لقولك : تغازيت وتعاطيت وكذلك في التثنية ، نحو : المولى والأعلى لقولك موليان وأعليان ، وقد استثنى من ذلك ما قبل ألفه ياء نحو العليا والدّنيا ، فإنّه كتب بالألف لئلا تتوالى ياءان إلا أنّهم كتبوا يحيى اسم رجل وريّى اسم امرأة بياءين فأمّا يحيا ويعيا فعلين فيكتبان بالألف على قياس الباب.
فصل : فإن أضيف المقصور إلى مضمر يكتب بالألف ثلاثيا كان أو زائدا عليه نحو : عصاه وهداك وإحداها وأخراهنّ ، ومنهم من يكتبها بالياء على ما كانت عليه قبل الضمير.
إذا كانت الهمزة أولا كتبت على القياس إلا أنهم كتبوا (يا أوخيّ) بالواو لانضمامها وليفرّقوا بين المصغّر والمكبّر في قولك : يا أخي.
وإن كانت وسطا ساكنة كتبت ألفا نحو : رأس وبأس ، وإن كانت قبلها ضمّة كتبت واوا نحو : (البؤس واللؤم) وإن كان قبلها كسرة كتبت ياء نحو : (البئر والذئب).
وإن كانت طرفا ساكنة دبّرها ما قبلها أيضا فتكتب بعد الكسرة ياء نحو : لم يخطئ وبعد الفتحة ألفا ، نحو : اقرأ وبعد الضمّة واوا نحو : لم يوضؤ.
فصل : فإن كانت الهمزة متحركة قبلها ساكن نحو : الخبء والجزء ، فالأكثرون يحذفون الهمزة ؛ لأن تخفيفها أن تلقى حركتها على ما قبلها وتحذف والخط على التخفيف ، ومنهم من يكتبها ألفا إذا انفتحت وياء إذا انكسرت وواوا إذا انضمّت فإن أضيفت إلى المضمر ففيه هذان الوجهان نحو : هذا خبؤك وقرأت جزأك فتكتب المضمومة واوا والمفتوحة ألفا والمكسورة ياء ، ومنهم من يحذفها فإن كانت وسطا مضمومة وقبلها فتحة أو ضمّة كتبت واوا نحو : جؤن وياء إن كانت قبلها كسرة نحو : مير وفيما عدا ذلك تدبّرها حركتها فتكتب المكسورة ياء نحو : سئم ، والمفتوحة ألفا نحو : سأل ، وفي هذا الباب مواضع قد ذكرناها في تخفيف الهمز فتكتب على مذهب التخفيف.
الممدود : إذا لم يضف كتب في الخط بألف واحدة نحو : الكساء والدّعاء وتجعل للهمزة علامة للخطّ ، ومنهم من يكتبه ألفين ، فإن أضيف إلى مضمر كتبت المفتوحة ألفا والمضمومة واوا والمكسورة ياء ، نحو : هذا كساؤه ورأيت كساءه ومررت بكسائه.
فصل : إذا كان قبل الهمزة واو زائدة نحو : مقروءة كتبتها بواو واحدة ؛ لأن تخفيفها كذلك وإن كان قبلها ياء زائدة كتبتها ياء واحدة نحو : خطيئة ، فإن كانت الواو بعدها نحو مسؤول ففيه وجهان :
أحدهما : تكتبه بواو واحدة. والثاني بواوين.
فصل : فإن كانت الواو ضميرا نحو : (يستهزئون) أو علامة رفع نحو : (مستهزؤون) كتبت بواو واحدة ، ومنهم من يكتب المكسورة ياء وتقع الواو بعدها وهو ضعيف.
فصل : فإن كان المدود منصوبا منوّنا نحو قوله تعالى : (إِلَّا دُعاءً وَنِداءً) [البقرة : 171] فالاختيار أن يكتب بألفين ؛ لأن الثانية بدل التنوين يوقف عليها بالألف كذلك الخط.
وكذلك تكتب برآءات بألفين الأولى قبل الهمزة للمدّ ، والتي بعد الهمزة للجمع ولا تكتب الهمزة ألفا لئلا تجتمع ثلاث ألفات وتكتب وجدت ملحاء بألف واحدة.
اعلم أنّهم يزيدون في الخطّ حروفا للفرق ، وكان ذلك يحتاج إليه قبل حدوث الشّكل والنقط ثم استمرّ أكثرهم عليه ، ومنهم من يقول يزاد للتوكيد.
فمما زيد للفرق كتابتهم (عمرا) بالواو في الرفع والجرّ إذا لم يضف ليفرّق بينه وبين عمر.
ومن ذلك كتابتهم (كفروا) وردوا بالألف لئلا تشتبه واو الجمع بواو العطف ثم طردوا ذلك في جميع واوات الجمع ، ومنهم من لا يكتبها البتة.
ومن ذلك زيادتهم الألف في (مائة) لئلا تلتبس ب (منه).
ومن ذلك (الربوا) تكتب بالواو لئلا تشتبه ب (الزنا).
ومن ذلك (الصلوة ، والزكوة ، والحيوة) تكتب بالواو إذا لم تضف ولا يقاس عليه اتباعا للمصحف.
وهو كثير من ذلك (بسم الله) تكتب بغير ألف لكثرة الاستعمال ، فإن قلت : لاسم الله بركة ، أو باسم ربّك أثبت الألف.
ومن ذلك : (الرحمن) تكتب بلا ألف تخفيفا مع أمن اللّبس.
ومن ذلك : (الحرث والقسم) علمين يكتبان بغير ألف لكثرة الاستعمال ، فإن لم يكن فيهما ألف ولام أو كانا صفتين كتبا بالألف وكذا صالح ومالك وخالد تكتب أعلاما بغير ألف ، وإن لم يكن فيهما ألف ولام وتكتب بالألف صفات.
ومن ذلك : (إبرهيم ، وإسمعيل ، وهرون ، وسليمن ، ومعوية ، وسفين ، ومرون) فتكتب ذلك كلّه بغير الألف لاشتهارها وربّما كتبوا بعض ذلك بالألف ، فأمّا : (إسرافيل ، وميكائيل ، وإلياس) فتكتب بالألف ؛ لأنها لم تشتهر وأما : (السموات ، والصالحات) فتكتب بألف وبغير ألف.
فصل : وأمّا ألف (ابن) فتثبت في الخطّ في كل موضع إلا إذا كان ابن صفة مفردا واقعا بين علمين أو كنيتين على ما هو شرط فتح ما قبله في النداء ؛ فإنّه يكتب بغير ألف فعلى هذا تكتبه بالألف إذا كان مثنّى أو كان خبرا لمبتدأ.
وتكتب (ابنة) تأنيث ابن بالألف في كلّ حال.
فصل : وتكتب (فيم جئت) و (علام فعلت) و (حتّام تقول ذاك) و (ممّ خلق كلّ ذلك) بغير ألف على اللفظ.
إذا دخلت لام التعريف على لام أخرى نحو : اللّيل واللّحم كتبت بلامين إلا التي والذي والذين في الجمع ، فإنها تكتب بلام واحدة وكذلك اللّتان واللّاتي ، ومنهم من يكتب هذه التثنية والجمع بلامين وأما اللذان في التثنية فبلامين ، وإذا أدخلت لام الخبر على لام الأصل نحو للّوم وللّيل كتبت بلامين ، وإن دخلت اللام المفتوحة أو المكسورة على لام المعرفة وبعدها لام نحو : (لله وللّحم) كتبت بلامين لئلا تجتمع ثلاث لامات ، وإن أدخلت اللام المفتوحة أو المكسورة على لام المعرفة لم تثبت ألفها في الخط كقولك : للرجل خير من المرأة ، وللرجل أفضل ، ولله أفرح بتوبة عبده ، بغير ألف بين اللامين.
وفيه فصول (1)
1 - وصلوا «ما» الإسميّة بكلمة «سيّ» مثل «أحبّ أصدقائي ، ولا سيّما زهير» ، وبكلمة «نعم» إذا كسرت عينها ، مثل «نعما يعظكم به» ، فإن سكنت عينها ، وجب الفصل ، مثل «نعم ما تفعل».
2 - ووصلوا «ما» الحرفية الزائدة أيّا كان نوعها ، بما قبلها ، مثل «طالما نصحت لك ، (أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) أتيت لكنما أسامة لم يأت. (عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ.)(مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا.)(أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ.) فلا عدوان عليّ. أينما تجلس إجلس. إما تجتهد تنجح. (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ.) اجتهد كيما تنجح».
3 - وصلوا «ما» المصدرية بكلمة «مثل» مثل «اعتصم بالحق مثلما اعتصم به سلفك الصالح» ، وبكلمة «ريث» ، مثل «انتظرني ريثنما آتيك» ، وبكلمة «حين» مثل «جئت حينما طلعت الشمس» ، وبكلمة «كل» مثل (كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ.) كلما زرتني أكرمتك». «وما» بعد كلّ» مصدرية ظرفية.
4 - وصلوا «من» استفهامية كانت ، أو موصوليّة ، أو موصوفية ، أو شرطيّة ، بمن وعن الجارّتين فالاستفهاميّة مثل «ممن أنت تشكو؟» والموصوليّة مثل «خذ العلم عمّن تثق به». والموصوفيّة مثل «عجبت ممّن محب لك يؤذيك» ، أي من رجل محبّ لك. والشرطيّة مثل ممّن تبتعد ابتعد ، وعمّن ترض أرض» ، أي من تبتعد عنه أنت أبتعد عنه أنا ، ومن ترض عنه أرض عنه. وصلوا (من) الإستفهاميّة بفي الجارّة ، مثل «فيمن ترغب أن يكون معك؟. فيمن ترى الخير؟».
5 - وصلوا «لا» بكلمة «أن» الناصبة للمضارع ، مثل (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) ويجب ألا تدع لليأس سبيلا إلى نفسك». ولا فرق بين أن تسبقها لام التعليل الجارّة وألا تسبقها ، كما رأيت.
هذا مذهب الجمهور. وذهب أبو حيّان ومن تابعه إلى وجوب الفصل قال وهو الصحيح ، لأنه الأصل ، مثل «يجب أن لا تهمل».
فإن لم تكن «أن» ناصبة للمضارع ، وجب الفصل ، كأن تكون مخففة من «أن» المشددة ، مثل «أشهد أن لا إله إلا الله» أي أنه ، أن تكون تفسيرية ، مثل «قل له أن تخف».
6 - وصلوا «لا» بكلمة «إن» الشرطية الجازمة ، مثل (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ)(إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ.)
7 - منهم من يصل «لا» بكلمة «كي» ، مثل «لكيلا يكون عليك حرج ، ومنهم من يوجب الفصل.
والأمران جائزان. وقد جاء الوصل والفصل في القرآن الكريم ، وقد وصلت في المصحف في أربعة مواضع ، منها (لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ) ومن الفصل قوله تعالى (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ) وقوله (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ.)
:أحدها : في النون ، اعلم أنّ النون الساكنة إذا لقيها ميم من كلمة أخرى حذفت النّون في الخطّ من أجل الإدغام في اللفظ.
1) قد وصولا ، في بعض المواضع ، ما حقّه أن يكتب منفصلا ، كأنهم اعتبروا الكلمتين كلمة واحدة. وإليك تلك المواضع
كقولك : (سل عمّ شئت) و (عَمَّ يَتَساءَلُونَ) [النبأ : 1] و (عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ) [المؤمنون : 40] ومن ذلك : (مِمَّ خُلِقَ) [الطارق : 5] ، (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ) [التوبة : 101] سواء أكانت استفهاما أو خبرا ، وقد فعل بعض ذلك في المصحف وهو شيء بليغ.
إذا لقيتها لا كتبتها بغير نون إذا كانت عاملة في الفعل الذي بعدها كقولك : أريد ألا تذهب وفي الشرط إلّا تذهب أذهب ، وإن لم تكن عاملة كتبته بالنون كقوله تعالى : (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ) [الحديد : 29] ؛ لأن التقدير أنّهم لا يقدرون ؛ لأن بينهما فاصلا مقدّرا ومثله علمت أن لا خير فيه ، فأمّا لئلا فتكتب بغير نون إذا لم يكن هناك اسم مقدّر وبالنون إذا كان.
إذا لقيت ميم أم ميما من كلمة أخرى كتبت ذلك بميم واحدة كقوله تعالى : (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ) [الزمر : 9] (أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا) [الصافات : 11].
فصل : إذا كانت فيمن استفهاما وصلتها وإن كانت خبرا قطعتها كقولك : فيمن رغبت ورغبت في من رغبت ومثله ما في الموضعين.
وتكتب (كي لا) و (لكي لا) مقطوعة.
وتكتب (هلا) بلام واحدة موصولا.
وتكتب (بل لا) بلامين مقطوعا.
وتكتب (أينما) إذا كانت ما فيه كافة أو زائدة موصولا كقوله تعالى : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) [البقرة : 115] ، وإن كانت ما بمعنى الذي كتبت مقطوعة كقوله تعالى : (إِنَّ ما تُوعَدُونَ) [الأنعام : 134] وتكتب كلّما أتيتك أكرمتني موصولا.
فإن كانت (ما) بمعنى الذي فصلت كقولك : كلّ ما تأتيه حسن. وهذا حكم إنّما وأيّما.
وتكتب (حيثما) موصولة وهو المختار ، وقد فصلها بعضهم.
وفي (نعمّا ، وبئسما) الوجهان.
مقدمة التحقيق.................................................................. 5
مقدمة في علم اللغة.............................................................. 6
مباحث إعرابية متفرقة........................................................... 24
ترجمة العكبري................................................................. 29
وصف النسخة الخطية.......................................................... 39
مقدمة المصنف................................................................. 43
باب بيان النحو وأصل وضعه.................................................... 44
باب القول في الكلام........................................................... 44
باب أقسام الكلم.............................................................. 46
باب الإعراب والبناء............................................................ 53
باب البناء..................................................................... 61
باب المعرب والمبنيّ.............................................................. 61
باب الاسم الصحيح........................................................... 64
باب الاسم المعتلّ.............................................................. 69
باب الأسماء الستة.............................................................. 74
باب التثنية والجمع.............................................................. 78
باب الجمع.................................................................... 88
باب جمع التأنيث.............................................................. 91
باب ذكر الأسماء المرفوعة........................................................ 96
باب الفاعل.................................................................. 112
باب ما لم يسمّ فاعله......................................................... 118
باب كان وأخواتها............................................................ 122
باب (ما).................................................................... 129
باب نعم وبئس............................................................... 133
باب حبّذا................................................................... 138
باب عسى................................................................... 140
باب التّعجّب................................................................ 143
باب إنّ وأخواتها.............................................................. 148
باب الفرق بين إن المفتوحة والمكسورة........................................... 160
باب (لا).................................................................... 163
باب ظن وأخواتها............................................................. 176
باب ما يتعدّى إلى ثلاثة مفعولين............................................... 182
باب المصدر................................................................. 185
باب المفعول به............................................................... 189
باب المفعول فيه.............................................................. 191
باب المفعول له............................................................... 194
باب المفعول معه............................................................. 195
باب الحال................................................................... 197
باب التمييز.................................................................. 204
باب الاستثناء................................................................ 208
باب (كم).................................................................. 214
باب العدد................................................................... 218
باب النداء................................................................... 222
باب الندبة................................................................... 232
باب الترخيم................................................................. 234
باب حروف الجرّ............................................................. 238
باب (مذ ، ومنذ)............................................................ 251
باب القسم.................................................................. 254
باب (حتّى).................................................................. 258
باب الإضافة................................................................. 261
باب التوكيد.................................................................. 265
باب النعت.................................................................. 270
باب عطف البيان............................................................ 272
باب البدل................................................................... 273
باب عطف النسق............................................................ 276
باب عمل اسم الفاعل........................................................ 288
باب الصفة المشبّهة باسم الفاعل............................................... 291
باب ما يعمل من المصادر عمل الفعل.......................................... 295
باب أسماء الفعل............................................................. 298
باب ما ينتصب على التحذير.................................................. 302
باب ما ينتصب بفعل محذوف................................................. 303
باب ما يشغل عنه الفعل بضميره............................................... 304
باب المعرفة والنكرة............................................................ 306
باب ما لا ينصرف........................................................... 320
باب مسائل المنع من الصرف.................................................. 323
باب الأفعال................................................................. 331
باب نواصب الفعل........................................................... 340
باب الجوازم.................................................................. 348
باب النّونين.................................................................. 357
باب الإعراب والبناء.......................................................... 361
باب (حيث)................................................................ 363
باب (قبل ، وبعد)............................................................ 365
باب (قط)................................................................... 367
باب ما يجوز في ضرورة الشعر.................................................. 372
باب الموصول والصّلة.......................................................... 380
باب الاستفهام............................................................... 388
باب الحكاية................................................................. 390
باب الخطاب................................................................ 393
باب النّسب................................................................. 394
باب التصغير................................................................. 400
فصل في تصغير الأسماء المبهمة................................................. 405
باب جمع التكسير............................................................ 408
باب ألفات القطع وألفات الوصل.............................................. 414
باب الوقف.................................................................. 417
كتاب التصريف.............................................................. 424
فصل في أبنية الأسماء الأصول.................................................. 425
باب حدّ التصريف وفائدته.................................................... 427
باب زيادة حروف المدّ ، وهي : الواو والياء والألف............................... 431
فصل في زيادة الهمزة.......................................................... 433
باب زيادة الميم............................................................... 440
باب زيادة النون.............................................................. 443
باب زيادة التّاء............................................................... 446
فصل في تاء التأنيث.......................................................... 447
باب زيادة الهاء............................................................... 448
باب زيادة السين............................................................. 450
باب زيادة اللّام.............................................................. 451
فصل في الإلحاق............................................................. 451
باب البدل................................................................... 453
فصل في حروف البدل........................................................ 453
فصل في إبدال الهمزة.......................................................... 454
فصل في إبدال الهمزة من الواو................................................. 456
فصل في إبدال الهمزة من العين................................................. 459
ذكر إبدال الألف............................................................. 460
إبدال الألف من الهمزة........................................................ 463
إبدال الألف من التّنوين والنّون................................................. 465
إبدال الياء................................................................... 466
فصل في إبدالها من الهمزة...................................................... 466
إبدال الياء من الألف......................................................... 466
فصل في إبدال الياء من الرّاء................................................... 467
فصل في إبدال الياء من النون.................................................. 468
فصل في إبدال الواو........................................................... 472
فصل في إبدال الميم........................................................... 472
فصل في إبدال النّون.......................................................... 474
إبدال التاء من الياء........................................................... 477
إبدال الهاء من الياء........................................................... 478
إبدال الهاء من الهمزة.......................................................... 478
إبدال الهاء من الألف......................................................... 479
فصل في إبدال الطّاء من التّاء.................................................. 479
فصل في إبدال الدّال.......................................................... 480
فصل في إبدال اللّام.......................................................... 482
باب الحذف................................................................. 483
فصل في حذف الهمزة......................................................... 486
باب ما حذف على خلاف القياس............................................. 488
فصل في حذف الألف........................................................ 491
فصل في حذف الواو.......................................................... 492
فصل في حذف الياء.......................................................... 493
فصل في حذف الهاء.......................................................... 494
فصل في حذف الحاء......................................................... 495
باب أبنية الأفعال............................................................. 496
فصل في الفعل المضاعف...................................................... 499
باب يجمع مسائل تنعطف على الأصول المتقدّمة................................. 502
باب ما يمتحن فيه من الأبنية................................................... 513
مسألة في الهمز............................................................... 514
باب ما يعرف به المقصور من الممدود........................................... 517
باب الهمز................................................................... 521
فصل في اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة........................................ 542
باب الإمالة.................................................................. 526
فصل في موانع الإمالة......................................................... 527
باب مخارج الحروف وعددها وصفاتها............................................ 530
فصل في عدد المخارج......................................................... 532
فصل في صفات الحروف وأجناسها............................................. 533
فصل فيما يجتمع لكل حرف من الصّفات....................................... 535
باب الإدغام................................................................. 537
فصل في إدغام الحروف المتقاربة................................................ 539
باب الخطّ................................................................... 543
فصل في القسم الأول......................................................... 544
فصل في الهمزة............................................................... 545
فصل في الممدود.............................................................. 546
فصل في الضّرب الثاني : وهو الزّيادة............................................ 547
فصل في القسم الثاني : وهو الحذف............................................ 547
فصل في اللّام................................................................ 548
باب الموصول والمقطوع........................................................ 549
فصل في : (إن وأن).......................................................... 550
فصل في الميم................................................................ 551
الفهرس 553